Al-Bahr Al-Muhit — الصافات 37:93 – الصافات 37:117
المحتويات
- الصافات 37:93
- الصافات 37:94
- الصافات 37:95
- الصافات 37:96
- الصافات 37:97
- الصافات 37:98
- الصافات 37:99
- الصافات 37:100
- الصافات 37:101
- الصافات 37:102
- الصافات 37:103
- الصافات 37:104
- الصافات 37:105
- الصافات 37:106
- الصافات 37:107
- الصافات 37:108
- الصافات 37:109
- الصافات 37:110
- الصافات 37:111
- الصافات 37:112
- الصافات 37:113
- الصافات 37:114
- الصافات 37:115
- الصافات 37:116
- الصافات 37:117
الصافات 37:93
﴿وإنَّ مِن شِيعَتِهِ لَإبْراهِيمَ﴾ ﴿إذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ ماذا تَعْبُدُونَ﴾ ﴿أئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾ ﴿فَما ظَنُّكم بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً في النُّجُومِ﴾ ﴿فَقالَ إنِّي سَقِيمٌ﴾ ﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ﴾ ﴿فَراغَ إلى آلِهَتِهِمْ فَقالَ ألا تَأْكُلُونَ﴾ ﴿ما لَكم لا تَنْطِقُونَ﴾ ﴿فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِاليَمِينِ﴾ ﴿فَأقْبَلُوا إلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾ ﴿قالَ أتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ﴾ ﴿واللَّهُ خَلَقَكم وما تَعْمَلُونَ﴾ ﴿قالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيانًا فَألْقُوهُ في الجَحِيمِ﴾ ﴿فَأرادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْناهُمُ الأسْفَلِينَ﴾
(p-٣٦٥)والظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ في ﴿مِن شِيعَتِهِ﴾ عَلى نُوحٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ، أيْ مِمَّنْ شايَعَهُ في أُصُولِ الدِّينِ والتَّوْحِيدِ، وإنِ اخْتَلَفَتْ شَرائِعُهُما، أوِ اتَّفَقَ أكْثَرُهُما، أوْ مِمَّنْ شايَعَهُ في التَّصَلُّبِ في دِينِ اللَّهِ ومُصابَرَةِ المُكَذِّبِينَ. وكانَ بَيْنَ نُوحٍ وإبْراهِيمَ ألْفا سَنَةٍ وسِتُّمِائَةٍ وأرْبَعُونَ سَنَةً، وبَيْنَهُما مِنَ الأنْبِياءِ هُودٌ وصالِحٌ، عَلَيْهِما السَّلامُ. وقالَ الفَرّاءُ: الضَّمِيرُ في ﴿مِن شِيعَتِهِ﴾ يَعُودُ عَلى مُحَمَّدٍ والأعْرَفُ أنَّ المُتَأخِّرَ في الزَّمانِ هو شِيعَةٌ لِلْمُتَقَدِّمِ، وجاءَ عَكْسُ ذَلِكَ في قَوْلِ الكُمَيْتِ:
؎وما لِي إلّا آلَ أحْمَدَ شِيعَةٌ ومالِي إلّا مَشْعَبَ الحَقِّ مَشْعَبُ
جَعَلَهم شِيعَةً لِنَفْسِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: بِمَ يَتَعَلَّقُ الظَّرْفُ ؟ قُلْتُ: بِما في الشِّيعَةِ مِن مَعْنى المُشايَعَةِ، يَعْنِي: وإنَّ مِمَّنْ شايَعَهُ عَلى دِينِهِ وتَقْواهُ حِينَ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ لَإبْراهِيمَ، أوْ بِمَحْذُوفٍ، وهو اذْكُرْ. انْتَهى. أمّا التَّخْرِيجُ الأوَّلُ فَلا يَجُوزُ؛ لِأنَّ فِيهِ الفَصْلَ بَيْنَ العامِلِ والمَعْمُولِ بِأجْنَبِيٍّ، وهو قَوْلُهُ ﴿لَإبْراهِيمَ﴾؛ لِأنَّهُ أجْنَبِيٌّ مِن شِيعَتِهِ ومِن إذْ، وزادَ المَنعُ، إذْ قَدَّرَهُ مِمَّنْ شايَعَهُ حِينَ جاءَ لَإبْراهِيمَ. وأيْضًا فَلامُ التَّوْكِيدِ يَمْنَعُ أنْ يَعْمَلَ ما قَبْلَها فِيما بَعْدَها. لَوْ قُلْتَ: إنَّ ضارِبًا بِالقادِمِ عَلَيْنا زَيْدًا، وتَقْدِيرُهُ: ضارِبًا زَيْدًا لَقادِمٌ عَلَيْنا، لَمْ يَجُزْ. وأمّا تَقْدِيرُهُ اذْكُرْ، فَهو المَعْهُودُ عِنْدَ المُعْرِبِينَ. ومَجِيئُهُ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ: إخْلاصُهُ الدِّينَ لِلَّهِ، وسَلامَةُ قَلْبِهِ: بَراءَتُهُ مِنَ الشِّرْكِ والشَّكِّ والنَّقائِصِ الَّتِي تَعْتَرِي القُلُوبَ مِنَ الغِلِّ والحَسَدِ والخُبْثِ والمَكْرِ والكِبْرِ ونَحْوِها. قالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: لَمْ يُعْلِنْ شَيْئًا قَطُّ. وقِيلَ: سَلِيمٌ مِنَ الشِّرْكِ ولا مَعْنًى لِلتَّخْصِيصِ. وأجازُوا في نَصْبِ ﴿أئِفْكًا﴾ وُجُوهًا: أحَدُها: أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِتُرِيدُونَ، والتَّهْدِيدُ لِأُمَّتِهِ، وهو اسْتِفْهامُ تَقْرِيرٍ، ولَمْ يَذْكُرِ ابْنُ عَطِيَّةَ غَيْرَ هَذا الوَجْهِ، وذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ قالَ: فَسَّرَ الإفْكَ بِقَوْلِهِ: آلِهَةً مِن دُونِ اللَّهِ، عَلى أنَّها إفْكٌ في أنْفُسِهِمْ. والثّانِي: أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا مِن أجْلِهِ أيْ: تُرِيدُونَ آلِهَةً مِن دُونِ اللَّهِ إفْكًا، (وآلِهَةً) مَفْعُولٌ بِهِ، وقَدَّمَهُ عِنايَةً بِهِ، وقَدَّمَ المَفْعُولَ لَهُ عَلى المَفْعُولِ بِهِ؛ لِأنَّهُ كانَ الأهَمَّ عِنْدَهُ أنْ يُكافِحَهم بِأنَّهم عَلى إفْكٍ وباطِلٍ في شِرْكِهِمْ، وبَدَأ بِهَذا الوَجْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ. والثّالِثُ: أنْ يَكُونَ حالًا، أيْ أتُرِيدُونَ آلِهَةً مِن دُونِ اللَّهِ آفَّكِينَ ؟ قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وجَعَلَ المَصْدَرَ حالًا لا يَطَّرِدُ إلّا مَعَ أمّا في نَحْوِ: أمّا عِلْمًا فَعالِمٌ.
﴿فَما ظَنُّكم بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ اسْتِفْهامُ تَوْبِيخٍ وتَحْذِيرٍ وتَوَعُّدٍ، أيْ: أيُّ شَيْءٍ ظَنُّكم بِمَن هو يَسْتَحِقُّ لِأنْ تَعْبُدُوهُ، إذْ هو رَبُّ العالَمِينَ حَتّى تَرَكْتُمْ عِبادَتَهُ وعَدَلْتُمْ بِهِ الأصْنامَ ؟ أيْ: أيُّ شَيْءٍ ظَنُّكم بِفِعْلِهِ مَعَكم مِن عِقابِكم، إذْ قَدْ عَبَدْتُمْ غَيْرَهُ ؟ كَما تَقُولُ: أسَأْتَ إلى فُلانٍ، فَما ظَنُّكَ بِهِ أنْ يُوقِعَ بِكَ خَيْرًا ما أسَأْتَ (p-٣٦٦)إلَيْهِ ؟ ولَمّا وبَّخَهم عَلى عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ، أرادَ أنْ يُرِيَهم أنَّ أصْنامَهم لا تَنْفَعُ ولا تَضُرُّ، فَعَهِدَ إلى ما يَجْعَلُهُ مُنْفَرِدًا بِها حَتّى يَكْسَرَها ويُبَيِّنَ لَهم حالَها وعَجْزَها.
﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً في النُّجُومِ﴾، والظّاهِرُ أنَّهُ أرادَ عِلْمَ الكَواكِبِ، وما يُعْزى إلَيْها مِنَ التَّأْثِيراتِ الَّتِي جَعَلَها اللَّهُ لَها. والظّاهِرُ أنَّ نَظَرَهُ كانَ فِيها، أيْ في عِلْمِها، أوْ في كِتابِها الَّذِي اشْتَمَلَ عَلى أحْوالِها وأحْكامِها. قِيلَ: وكانُوا يُعانُونَ ذَلِكَ، فَأتاهم مِنَ الجِهَةِ الَّتِي يُعانُونَها، وأوْهَمَهم بِأنَّهُ اسْتَدَلَّ بِأمارَةٍ في عِلْمِ النُّجُومِ أنَّهُ سَقِيمٌ، أيْ يُشارِفُ السُّقْمَ. قِيلَ: وهو الطّاعُونُ، وكانَ أغْلَبَ الأسْقامِ عَلَيْهِمْ إذْ ذاكَ، وخافُوا العَدْوى وهَرَبُوا مِنهُ إلى عِيدِهِمْ، ولِذَلِكَ قالَ ﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ﴾، قالَ مَعْناهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وتَرَكُوهُ في بَيْتِ الأصْنامِ فَفَعَلَ ما فَعَلَ. وقِيلَ: كانُوا أهْلَ رِعايَةٍ وفِلاحَةٍ، وكانُوا يَحْتاجُونَ إلى عِلْمِ النُّجُومِ. وقِيلَ: أرْسَلَ إلَيْهِمْ مَلِكَهم أنَّ غَدًا عِيدُنا، فاحْضُرْ مَعَنا، فَنَظَرَ إلى نَجْمٍ طالِعٍ فَقالَ: إنْ يَطْلُعْ مَعَ سَقَمِي. وقِيلَ: مَعْنى ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً في النُّجُومِ﴾، أيْ فِيما نَجَمَ إلَيْهِ مِن أُمُورِ قَوْمِهِ وحالِهِ مَعَهم، ومَعْنى ﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ﴾، أيْ لِكُفْرِهِمْ بِهِ واحْتِقارِهِمْ لَهُ، وقَوْلُهُ ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾، مِنَ المَعارِيضِ، عَرَّضَ أنَّهُ يَسْقُمُ في المَآلِ، أيْ يُشارِفُ السُّقْمَ. قِيلَ: وهو الطّاعُونُ، وكانَ أغْلَبَ، وفَهِمُوا مِنهُ أنَّهُ مُلْتَبِسٌ بِالسُّقْمِ، وابْنُ آدَمَ لا بُدَّ أنْ يَسْقَمَ، والمَثَلُ: كَفى بِالسَّلامَةِ داءً. قالَ الشّاعِرُ:
؎فَدَعَوْتُ رَبِّي بِالسَّلامَةِ جاهِدًا ∗∗∗ لِيَصِحَّنِي فَإذا السَّلامَةُ داءُ
وماتَ رَجُلٌ فَجْأةً، فاكْتَنَفَ عَلَيْهِ النّاسُ فَقالُوا: ماتَ وهو صَحِيحٌ، فَقالَ أعْرابِيٌّ: أصَحِيحٌ مِنَ المَوْتِ في عُنُقِهِ ؟ ﴿فَراغَ إلى آلِهَتِهِمْ﴾ أيْ أصْنامِهِمُ الَّتِي هي في زَعْمِهِمْ آلِهَةٌ، كَقَوْلِهِ ﴿أيْنَ شُرَكائِيَ﴾ [النحل: ٢٧]، وعَرَضَ الأكْلَ عَلَيْها. واسْتِفْهامُها عَنِ النُّطْقِ هو عَلى سَبِيلِ الهَزْءِ، لِكَوْنِها مُنْحَطَّةً عَنْ رُتْبَةِ عابِدِيها، إذْ هم يَأْكُلُونَ ويَنْطِقُونَ. ورُوِيَ أنَّهم كانُوا يَضَعُونَ عِنْدَها طَعامًا، ويَعْتَقِدُونَ أنَّها تُصِيبُ مِنهُ شَيْئًا، وإنَّما يَأْكُلُهُ خَدَمَتُها.
﴿فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِاليَمِينِ﴾ أيْ أقْبَلَ عَلَيْهِمْ مُسْتَخْفِيًا ضارِبًا، فَهو مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ، أوْ يَضْرِبُهم ضَرْبًا، فَهو مَصْدَرُ فِعْلٍ مَحْذُوفٍ، أوْ ضُمِّنَ فَراغَ عَلَيْهِمْ مَعْنى ضَرَبَهم، وبِاليَمِينِ: أيْ يَمِينِ يَدَيْهِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لِأنَّها أقْوى يَدَيْهِ أوْ بِقُوَّتِهِ؛ لِأنَّهُ قِيلَ: كانَ يَجْمَعُ يَدَيْهِ في الآلَةِ الَّتِي يَضْرِبُها بِها وهي الفَأْسُ. وقِيلَ: سَبَبُ الحَلِفِ الَّذِي هو ﴿وتاللَّهِ لَأكِيدَنَّ أصْنامَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٥٧] .
وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿يَزِفُّونَ﴾، بِفَتْحِ الياءِ، مِن زَفَّ: أسْرَعَ، أوْ مِن زِفافِ العَرُوسِ، وهو التَّمَهُّلُ في المِشْيَةِ، إذْ كانُوا في طُمَأْنِينَةٍ أنْ يَنالَ أصْنامَهم شَيْءٌ لِعِزَّتِهِمْ. وقَرَأ حَمْزَةُ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ: بِضَمِّ الياءِ مِن أزَفَّ: دَخَلَ في الزَّفِيفِ، فَهي لِلتَّعَدِّي، قالَهُ الأصْمَعِيُّ. وقَرَأ مُجاهِدٌ أيْضًا، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ، والضَّحّاكُ، ويَحْيى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ المُقْرِيُّ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: يَزِفُّونَ مُضارِعُ زَفَّ بِمَعْنى أسْرَعَ. وقالَ الكِسائِيُّ، والفَرّاءُ: لا نَعْرِفُها بِمَعْنى زَفَّ. وقالَ مُجاهِدٌ: الوَزِيفُ: السَّيَلانُ. وقُرِئَ: يُزَفُّونَ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. وقُرِئَ: يَزْفُونَ بِسُكُونِ الزّايِ، مِن زَفاهُ إذا حَداهُ، فَكانَ بَعْضُهم يَزْفُوا بَعْضًا لِتَسارُعِهِمْ إلَيْهِ. وبَيْنَ قَوْلِهِ ﴿فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِاليَمِينِ﴾ وبَيْنَ قَوْلِهِ ﴿فَأقْبَلُوا إلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾ جُمَلٌ مَحْذُوفَةٌ هي مَذْكُورَةٌ في سُورَةِ اقْتَرَبَ، ولا تَعارُضَ بَيْنَ قَوْلِهِ ﴿فَأقْبَلُوا إلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾ وبَيْنَ سُؤالِهِمْ ﴿مَن فَعَلَ هَذا بِآلِهَتِنا﴾ [الأنبياء: ٥٩]، وإخْبارُ مَن عَرَضَ بِأنَّهُ إبْراهِيمُ كانَ يَذْكُرُ أصْنامَهم؛ لِأنَّ هَذا الإقْبالَ كانَ يَقْتَضِي تِلْكَ الجُمَلَ المَحْذُوفَةَ، أيْ فَأقْبَلُوا إلَيْهِ، أيْ إلى الإنْكارِ عَلَيْهِ في كَسْرِ أصْنامِهِمْ وتَأْنِيبِهِ عَلى ذَلِكَ. ولَيْسَ هَذا الإقْبالُ مِن عِنْدِهِمْ، بَلْ بَعْدَ مَجِيئِهِمْ مِن عِنْدِهِمْ جَرَتَ تِلْكَ المُفاوَضاتُ المَذْكُورَةُ في سُورَةِ اقْتَرَبَ.
واسْتَسْلَفَ الزَّمَخْشَرِيُّ في كَلامِهِ أشْياءَ لَمْ تَتَضَمَّنْها الآياتُ صارَتِ الآياتُ عِنْدَهُ بِها كالمُتَناقِضَةِ
قالَ حَيْثُ ذَكَرَ هاهُنا أنَّهم أدْبَرُوا عَنْهُ خِيفَةَ العَدْوى فَلَمّا أبْصَرُوهُ يَكْسِرُ أصْنامَهم أقْبَلُوا إلَيْهِ مُتَبادِرِينَ لِيَكُفُّوهُ ويُوقِعُوا بِهِ وذِكْرَتُهم أنَّهم سَألُوا عَنِ الكاسِرِ حَتّى قِيلَ سَمِعْنا إبْراهِيمَ (p-٣٦٧)يَذُمُّهم، فَلَعَلَّهُ هو الكاسِرُ. فَفي إحْداهُما أنَّهم شاهَدُوهُ يَكْسِرُها، وفِيِ الأُخْرى أنَّهُمُ اسْتَدَلُّوا بِذَمِّهِ عَلى أنَّهُ الكاسِرُ. انْتَهى ما أبْدى مِنَ التَّناقُضِ، ولَيْسَ في الآياتِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهم أبْصَرُوهُ يَكْسِرُهم، فَيَكُونُ فِيهِ كالتَّناقُضِ. ولَمّا قُرِّرَ أنَّهُ كالتَّناقُضِ قالَ: قُلْتُ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ الَّذِينَ أبْصَرُوهُ وزَفُّوا إلَيْهِ نَفَرًا مِنهم دُونَ جُمْهُورِهِمْ وكُبَرائِهِمْ، فَلَمّا رَجَعَ الجُمْهُورُ والعَلِيَّةُ مِن عِنْدِهِمْ إلى بَيْتِ الأصْنامِ لِيَأْكُلُوا الطَّعامَ الَّذِي وضَعُوهُ عِنْدَها لِتَبَرَّكَ عَلَيْهِ ورَأوْها مَكْسُورَةً، اشْمَأزُّوا مِن ذَلِكَ وسَألُوا مَن فَعَلَ هَذا بِها ؟ لَمْ يَنِمَّ عَلَيْهِ أُولَئِكَ النَّفَرُ نَمِيمَةً صَرِيحَةً، ولَكِنْ عَلى سَبِيلِ التَّوْرِيَةِ والتَّعْرِيضِ بِقَوْلِهِمْ: سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهم لِبَعْضِ الصَّوارِفِ. والثّانِي: أنْ يَكْسَرَها ويَذْهَبَ ولا يَشْعُرَ بِذَلِكَ أحَدٌ، ويَكُونَ إقْبالُهم إلَيْهِ يَزِفُّونَ بَعْدَ رُجُوعِهِمْ مِن عِيدِهِمْ، وسُؤالِهِمْ عَنِ الكاسِرِ، وقَوْلُهم: ﴿قالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلى أعْيُنِ النّاسِ﴾ [الأنبياء: ٦١] . انْتَهى. وهَذا الوَجْهُ الثّانِي الَّذِي ذُكِرَ هو الصَّحِيحُ.
﴿قالَ أتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ﴾ اسْتِفْهامُ تَوْبِيخٍ وإنْكارٍ عَلَيْهِمْ، كَيْفَ هم يَعْبُدُونَ صِوَرًا صَوَّرُوها بِأيْدِيِهِمْ وشَكَّلُوها عَلى ما يُرِيدُونَ مِنَ الأشْكالِ ؟ ﴿واللَّهُ خَلَقَكم وما تَعْمَلُونَ﴾ الظّاهِرُ أنَّ (ما) مَوْصُولَةٌ بِمَعْنى الَّذِي مَعْطُوفَةٌ عَلى الضَّمِيرِ في خَلَقَكم، أيْ أنْشَأ ذَواتَكم وذَواتَ ما تَعْمَلُونَ مِنَ الأصْنامِ، والعَمَلُ هُنا هو التَّصْوِيرُ والتَّشْكِيلُ، كَما يَقُولُ: عَمِلَ الصّائِغُ الخَلْخالَ، وعَمِلَ الحَدّادُ القُفْلَ، والنَّجّارُ الخِزانَةَ؛ ويُحْمَلُ ذَلِكَ عَلى أنَّ (ما) بِمَعْنى (الَّذِي) يَتِمُّ الِاحْتِجاجُ عَلَيْهِمْ، بِأنَّ كُلًّا مِنَ الصَّنَمِ وعابِدِهِ هو مَخْلُوقٌ لِلَّهِ تَعالى، والعابِدُ هو المُصَوِّرُ ذَلِكَ المَعْبُودَ، فَكَيْفَ يَعْبُدُ مَخْلُوقٌ مَخْلُوقًا ؟ وكِلاهُما خَلَقَ اللَّهُ، وهو المُنْفَرِدُ بِإنْشاءِ ذَواتِهِما. والعابِدُ مُصَوِّرٌ الصَّنَمَ مَعْبُودَهُ. وما في: (وما ﴿تَنْحِتُونَ﴾) بِمَعْنى الَّذِي، فَكَذَلِكَ في ﴿وما تَعْمَلُونَ﴾ لِأنَّ نَحْتَهم هو عَمَلُهم. وقِيلَ: (ما) مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ خَلَقَكم وعَمَلَكم، وجَعَلُوا ذَلِكَ قاعِدَةً عَلى خَلْقِ اللَّهِ أفْعالَ العِبادِ. وقَدْ بَدَّدَ الزَّمَخْشَرِيُّ تَقابُلَ هَذِهِ المَقالَةِ بِما يُوقَفُ عَلَيْهِ في كِتابِهِ. وقِيلَ: (ما) اسْتِفْهامٌ إنْكارِيٌّ، أيْ: وأيُّ شَيْءٍ تَعْمَلُونَ في عِبادَتِكم أصْنامًا تَنْحِتُونَها ؟ أيْ لا عَمَلَ لَكم يُعْتَبَرُ. وقِيلَ: ما نافِيَةٌ، أيْ وما أنْتُمْ تَعْمَلُونَ شَيْئًا في وقْتِ خَلْقِكم ولا تَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ. وكَوْنُ ما مَصْدَرِيَّةً واسْتِفْهامِيَّةً ونَعْتًا، أقْوالٌ مُتَعَلِّقَةٌ خارِجَةٌ عَنْ طَرِيقِ البَلاغَةِ. ولَمّا غَلَبَهم إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِالحُجَّةِ، مالُوا إلى الغَلَبَةِ بِقُوَّةِ الشَّوْكَةِ والجَمْعِ فَقالُوا: ﴿ابْنُوا لَهُ بُنْيانًا﴾ أيْ: في مَوْضِعِ إيقادِ النّارِ. وقِيلَ: هو المَنجَنِيقُ الَّذِي رُمِيَ عَنْهُ. وأرادُوا بِهِ كَيْدًا، فَأبْطَلَ اللَّهُ مَكْرَهم، وجَعَلَهُمُ الأخْسَرِينَ الأسْفَلِينَ، وكَذا عادَةُ مَن غُلِبَ بِالحُجَّةِ رَجَعَ إلى الكَيْدِ.
الصافات 37:94
﴿وإنَّ مِن شِيعَتِهِ لَإبْراهِيمَ﴾ ﴿إذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ ماذا تَعْبُدُونَ﴾ ﴿أئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾ ﴿فَما ظَنُّكم بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً في النُّجُومِ﴾ ﴿فَقالَ إنِّي سَقِيمٌ﴾ ﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ﴾ ﴿فَراغَ إلى آلِهَتِهِمْ فَقالَ ألا تَأْكُلُونَ﴾ ﴿ما لَكم لا تَنْطِقُونَ﴾ ﴿فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِاليَمِينِ﴾ ﴿فَأقْبَلُوا إلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾ ﴿قالَ أتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ﴾ ﴿واللَّهُ خَلَقَكم وما تَعْمَلُونَ﴾ ﴿قالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيانًا فَألْقُوهُ في الجَحِيمِ﴾ ﴿فَأرادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْناهُمُ الأسْفَلِينَ﴾
(p-٣٦٥)والظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ في ﴿مِن شِيعَتِهِ﴾ عَلى نُوحٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ، أيْ مِمَّنْ شايَعَهُ في أُصُولِ الدِّينِ والتَّوْحِيدِ، وإنِ اخْتَلَفَتْ شَرائِعُهُما، أوِ اتَّفَقَ أكْثَرُهُما، أوْ مِمَّنْ شايَعَهُ في التَّصَلُّبِ في دِينِ اللَّهِ ومُصابَرَةِ المُكَذِّبِينَ. وكانَ بَيْنَ نُوحٍ وإبْراهِيمَ ألْفا سَنَةٍ وسِتُّمِائَةٍ وأرْبَعُونَ سَنَةً، وبَيْنَهُما مِنَ الأنْبِياءِ هُودٌ وصالِحٌ، عَلَيْهِما السَّلامُ. وقالَ الفَرّاءُ: الضَّمِيرُ في ﴿مِن شِيعَتِهِ﴾ يَعُودُ عَلى مُحَمَّدٍ والأعْرَفُ أنَّ المُتَأخِّرَ في الزَّمانِ هو شِيعَةٌ لِلْمُتَقَدِّمِ، وجاءَ عَكْسُ ذَلِكَ في قَوْلِ الكُمَيْتِ:
؎وما لِي إلّا آلَ أحْمَدَ شِيعَةٌ ومالِي إلّا مَشْعَبَ الحَقِّ مَشْعَبُ
جَعَلَهم شِيعَةً لِنَفْسِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: بِمَ يَتَعَلَّقُ الظَّرْفُ ؟ قُلْتُ: بِما في الشِّيعَةِ مِن مَعْنى المُشايَعَةِ، يَعْنِي: وإنَّ مِمَّنْ شايَعَهُ عَلى دِينِهِ وتَقْواهُ حِينَ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ لَإبْراهِيمَ، أوْ بِمَحْذُوفٍ، وهو اذْكُرْ. انْتَهى. أمّا التَّخْرِيجُ الأوَّلُ فَلا يَجُوزُ؛ لِأنَّ فِيهِ الفَصْلَ بَيْنَ العامِلِ والمَعْمُولِ بِأجْنَبِيٍّ، وهو قَوْلُهُ ﴿لَإبْراهِيمَ﴾؛ لِأنَّهُ أجْنَبِيٌّ مِن شِيعَتِهِ ومِن إذْ، وزادَ المَنعُ، إذْ قَدَّرَهُ مِمَّنْ شايَعَهُ حِينَ جاءَ لَإبْراهِيمَ. وأيْضًا فَلامُ التَّوْكِيدِ يَمْنَعُ أنْ يَعْمَلَ ما قَبْلَها فِيما بَعْدَها. لَوْ قُلْتَ: إنَّ ضارِبًا بِالقادِمِ عَلَيْنا زَيْدًا، وتَقْدِيرُهُ: ضارِبًا زَيْدًا لَقادِمٌ عَلَيْنا، لَمْ يَجُزْ. وأمّا تَقْدِيرُهُ اذْكُرْ، فَهو المَعْهُودُ عِنْدَ المُعْرِبِينَ. ومَجِيئُهُ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ: إخْلاصُهُ الدِّينَ لِلَّهِ، وسَلامَةُ قَلْبِهِ: بَراءَتُهُ مِنَ الشِّرْكِ والشَّكِّ والنَّقائِصِ الَّتِي تَعْتَرِي القُلُوبَ مِنَ الغِلِّ والحَسَدِ والخُبْثِ والمَكْرِ والكِبْرِ ونَحْوِها. قالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: لَمْ يُعْلِنْ شَيْئًا قَطُّ. وقِيلَ: سَلِيمٌ مِنَ الشِّرْكِ ولا مَعْنًى لِلتَّخْصِيصِ. وأجازُوا في نَصْبِ ﴿أئِفْكًا﴾ وُجُوهًا: أحَدُها: أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِتُرِيدُونَ، والتَّهْدِيدُ لِأُمَّتِهِ، وهو اسْتِفْهامُ تَقْرِيرٍ، ولَمْ يَذْكُرِ ابْنُ عَطِيَّةَ غَيْرَ هَذا الوَجْهِ، وذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ قالَ: فَسَّرَ الإفْكَ بِقَوْلِهِ: آلِهَةً مِن دُونِ اللَّهِ، عَلى أنَّها إفْكٌ في أنْفُسِهِمْ. والثّانِي: أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا مِن أجْلِهِ أيْ: تُرِيدُونَ آلِهَةً مِن دُونِ اللَّهِ إفْكًا، (وآلِهَةً) مَفْعُولٌ بِهِ، وقَدَّمَهُ عِنايَةً بِهِ، وقَدَّمَ المَفْعُولَ لَهُ عَلى المَفْعُولِ بِهِ؛ لِأنَّهُ كانَ الأهَمَّ عِنْدَهُ أنْ يُكافِحَهم بِأنَّهم عَلى إفْكٍ وباطِلٍ في شِرْكِهِمْ، وبَدَأ بِهَذا الوَجْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ. والثّالِثُ: أنْ يَكُونَ حالًا، أيْ أتُرِيدُونَ آلِهَةً مِن دُونِ اللَّهِ آفَّكِينَ ؟ قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وجَعَلَ المَصْدَرَ حالًا لا يَطَّرِدُ إلّا مَعَ أمّا في نَحْوِ: أمّا عِلْمًا فَعالِمٌ.
﴿فَما ظَنُّكم بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ اسْتِفْهامُ تَوْبِيخٍ وتَحْذِيرٍ وتَوَعُّدٍ، أيْ: أيُّ شَيْءٍ ظَنُّكم بِمَن هو يَسْتَحِقُّ لِأنْ تَعْبُدُوهُ، إذْ هو رَبُّ العالَمِينَ حَتّى تَرَكْتُمْ عِبادَتَهُ وعَدَلْتُمْ بِهِ الأصْنامَ ؟ أيْ: أيُّ شَيْءٍ ظَنُّكم بِفِعْلِهِ مَعَكم مِن عِقابِكم، إذْ قَدْ عَبَدْتُمْ غَيْرَهُ ؟ كَما تَقُولُ: أسَأْتَ إلى فُلانٍ، فَما ظَنُّكَ بِهِ أنْ يُوقِعَ بِكَ خَيْرًا ما أسَأْتَ (p-٣٦٦)إلَيْهِ ؟ ولَمّا وبَّخَهم عَلى عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ، أرادَ أنْ يُرِيَهم أنَّ أصْنامَهم لا تَنْفَعُ ولا تَضُرُّ، فَعَهِدَ إلى ما يَجْعَلُهُ مُنْفَرِدًا بِها حَتّى يَكْسَرَها ويُبَيِّنَ لَهم حالَها وعَجْزَها.
﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً في النُّجُومِ﴾، والظّاهِرُ أنَّهُ أرادَ عِلْمَ الكَواكِبِ، وما يُعْزى إلَيْها مِنَ التَّأْثِيراتِ الَّتِي جَعَلَها اللَّهُ لَها. والظّاهِرُ أنَّ نَظَرَهُ كانَ فِيها، أيْ في عِلْمِها، أوْ في كِتابِها الَّذِي اشْتَمَلَ عَلى أحْوالِها وأحْكامِها. قِيلَ: وكانُوا يُعانُونَ ذَلِكَ، فَأتاهم مِنَ الجِهَةِ الَّتِي يُعانُونَها، وأوْهَمَهم بِأنَّهُ اسْتَدَلَّ بِأمارَةٍ في عِلْمِ النُّجُومِ أنَّهُ سَقِيمٌ، أيْ يُشارِفُ السُّقْمَ. قِيلَ: وهو الطّاعُونُ، وكانَ أغْلَبَ الأسْقامِ عَلَيْهِمْ إذْ ذاكَ، وخافُوا العَدْوى وهَرَبُوا مِنهُ إلى عِيدِهِمْ، ولِذَلِكَ قالَ ﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ﴾، قالَ مَعْناهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وتَرَكُوهُ في بَيْتِ الأصْنامِ فَفَعَلَ ما فَعَلَ. وقِيلَ: كانُوا أهْلَ رِعايَةٍ وفِلاحَةٍ، وكانُوا يَحْتاجُونَ إلى عِلْمِ النُّجُومِ. وقِيلَ: أرْسَلَ إلَيْهِمْ مَلِكَهم أنَّ غَدًا عِيدُنا، فاحْضُرْ مَعَنا، فَنَظَرَ إلى نَجْمٍ طالِعٍ فَقالَ: إنْ يَطْلُعْ مَعَ سَقَمِي. وقِيلَ: مَعْنى ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً في النُّجُومِ﴾، أيْ فِيما نَجَمَ إلَيْهِ مِن أُمُورِ قَوْمِهِ وحالِهِ مَعَهم، ومَعْنى ﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ﴾، أيْ لِكُفْرِهِمْ بِهِ واحْتِقارِهِمْ لَهُ، وقَوْلُهُ ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾، مِنَ المَعارِيضِ، عَرَّضَ أنَّهُ يَسْقُمُ في المَآلِ، أيْ يُشارِفُ السُّقْمَ. قِيلَ: وهو الطّاعُونُ، وكانَ أغْلَبَ، وفَهِمُوا مِنهُ أنَّهُ مُلْتَبِسٌ بِالسُّقْمِ، وابْنُ آدَمَ لا بُدَّ أنْ يَسْقَمَ، والمَثَلُ: كَفى بِالسَّلامَةِ داءً. قالَ الشّاعِرُ:
؎فَدَعَوْتُ رَبِّي بِالسَّلامَةِ جاهِدًا ∗∗∗ لِيَصِحَّنِي فَإذا السَّلامَةُ داءُ
وماتَ رَجُلٌ فَجْأةً، فاكْتَنَفَ عَلَيْهِ النّاسُ فَقالُوا: ماتَ وهو صَحِيحٌ، فَقالَ أعْرابِيٌّ: أصَحِيحٌ مِنَ المَوْتِ في عُنُقِهِ ؟ ﴿فَراغَ إلى آلِهَتِهِمْ﴾ أيْ أصْنامِهِمُ الَّتِي هي في زَعْمِهِمْ آلِهَةٌ، كَقَوْلِهِ ﴿أيْنَ شُرَكائِيَ﴾ [النحل: ٢٧]، وعَرَضَ الأكْلَ عَلَيْها. واسْتِفْهامُها عَنِ النُّطْقِ هو عَلى سَبِيلِ الهَزْءِ، لِكَوْنِها مُنْحَطَّةً عَنْ رُتْبَةِ عابِدِيها، إذْ هم يَأْكُلُونَ ويَنْطِقُونَ. ورُوِيَ أنَّهم كانُوا يَضَعُونَ عِنْدَها طَعامًا، ويَعْتَقِدُونَ أنَّها تُصِيبُ مِنهُ شَيْئًا، وإنَّما يَأْكُلُهُ خَدَمَتُها.
﴿فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِاليَمِينِ﴾ أيْ أقْبَلَ عَلَيْهِمْ مُسْتَخْفِيًا ضارِبًا، فَهو مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ، أوْ يَضْرِبُهم ضَرْبًا، فَهو مَصْدَرُ فِعْلٍ مَحْذُوفٍ، أوْ ضُمِّنَ فَراغَ عَلَيْهِمْ مَعْنى ضَرَبَهم، وبِاليَمِينِ: أيْ يَمِينِ يَدَيْهِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لِأنَّها أقْوى يَدَيْهِ أوْ بِقُوَّتِهِ؛ لِأنَّهُ قِيلَ: كانَ يَجْمَعُ يَدَيْهِ في الآلَةِ الَّتِي يَضْرِبُها بِها وهي الفَأْسُ. وقِيلَ: سَبَبُ الحَلِفِ الَّذِي هو ﴿وتاللَّهِ لَأكِيدَنَّ أصْنامَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٥٧] .
وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿يَزِفُّونَ﴾، بِفَتْحِ الياءِ، مِن زَفَّ: أسْرَعَ، أوْ مِن زِفافِ العَرُوسِ، وهو التَّمَهُّلُ في المِشْيَةِ، إذْ كانُوا في طُمَأْنِينَةٍ أنْ يَنالَ أصْنامَهم شَيْءٌ لِعِزَّتِهِمْ. وقَرَأ حَمْزَةُ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ: بِضَمِّ الياءِ مِن أزَفَّ: دَخَلَ في الزَّفِيفِ، فَهي لِلتَّعَدِّي، قالَهُ الأصْمَعِيُّ. وقَرَأ مُجاهِدٌ أيْضًا، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ، والضَّحّاكُ، ويَحْيى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ المُقْرِيُّ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: يَزِفُّونَ مُضارِعُ زَفَّ بِمَعْنى أسْرَعَ. وقالَ الكِسائِيُّ، والفَرّاءُ: لا نَعْرِفُها بِمَعْنى زَفَّ. وقالَ مُجاهِدٌ: الوَزِيفُ: السَّيَلانُ. وقُرِئَ: يُزَفُّونَ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. وقُرِئَ: يَزْفُونَ بِسُكُونِ الزّايِ، مِن زَفاهُ إذا حَداهُ، فَكانَ بَعْضُهم يَزْفُوا بَعْضًا لِتَسارُعِهِمْ إلَيْهِ. وبَيْنَ قَوْلِهِ ﴿فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِاليَمِينِ﴾ وبَيْنَ قَوْلِهِ ﴿فَأقْبَلُوا إلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾ جُمَلٌ مَحْذُوفَةٌ هي مَذْكُورَةٌ في سُورَةِ اقْتَرَبَ، ولا تَعارُضَ بَيْنَ قَوْلِهِ ﴿فَأقْبَلُوا إلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾ وبَيْنَ سُؤالِهِمْ ﴿مَن فَعَلَ هَذا بِآلِهَتِنا﴾ [الأنبياء: ٥٩]، وإخْبارُ مَن عَرَضَ بِأنَّهُ إبْراهِيمُ كانَ يَذْكُرُ أصْنامَهم؛ لِأنَّ هَذا الإقْبالَ كانَ يَقْتَضِي تِلْكَ الجُمَلَ المَحْذُوفَةَ، أيْ فَأقْبَلُوا إلَيْهِ، أيْ إلى الإنْكارِ عَلَيْهِ في كَسْرِ أصْنامِهِمْ وتَأْنِيبِهِ عَلى ذَلِكَ. ولَيْسَ هَذا الإقْبالُ مِن عِنْدِهِمْ، بَلْ بَعْدَ مَجِيئِهِمْ مِن عِنْدِهِمْ جَرَتَ تِلْكَ المُفاوَضاتُ المَذْكُورَةُ في سُورَةِ اقْتَرَبَ.
واسْتَسْلَفَ الزَّمَخْشَرِيُّ في كَلامِهِ أشْياءَ لَمْ تَتَضَمَّنْها الآياتُ صارَتِ الآياتُ عِنْدَهُ بِها كالمُتَناقِضَةِ
قالَ حَيْثُ ذَكَرَ هاهُنا أنَّهم أدْبَرُوا عَنْهُ خِيفَةَ العَدْوى فَلَمّا أبْصَرُوهُ يَكْسِرُ أصْنامَهم أقْبَلُوا إلَيْهِ مُتَبادِرِينَ لِيَكُفُّوهُ ويُوقِعُوا بِهِ وذِكْرَتُهم أنَّهم سَألُوا عَنِ الكاسِرِ حَتّى قِيلَ سَمِعْنا إبْراهِيمَ (p-٣٦٧)يَذُمُّهم، فَلَعَلَّهُ هو الكاسِرُ. فَفي إحْداهُما أنَّهم شاهَدُوهُ يَكْسِرُها، وفِيِ الأُخْرى أنَّهُمُ اسْتَدَلُّوا بِذَمِّهِ عَلى أنَّهُ الكاسِرُ. انْتَهى ما أبْدى مِنَ التَّناقُضِ، ولَيْسَ في الآياتِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهم أبْصَرُوهُ يَكْسِرُهم، فَيَكُونُ فِيهِ كالتَّناقُضِ. ولَمّا قُرِّرَ أنَّهُ كالتَّناقُضِ قالَ: قُلْتُ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ الَّذِينَ أبْصَرُوهُ وزَفُّوا إلَيْهِ نَفَرًا مِنهم دُونَ جُمْهُورِهِمْ وكُبَرائِهِمْ، فَلَمّا رَجَعَ الجُمْهُورُ والعَلِيَّةُ مِن عِنْدِهِمْ إلى بَيْتِ الأصْنامِ لِيَأْكُلُوا الطَّعامَ الَّذِي وضَعُوهُ عِنْدَها لِتَبَرَّكَ عَلَيْهِ ورَأوْها مَكْسُورَةً، اشْمَأزُّوا مِن ذَلِكَ وسَألُوا مَن فَعَلَ هَذا بِها ؟ لَمْ يَنِمَّ عَلَيْهِ أُولَئِكَ النَّفَرُ نَمِيمَةً صَرِيحَةً، ولَكِنْ عَلى سَبِيلِ التَّوْرِيَةِ والتَّعْرِيضِ بِقَوْلِهِمْ: سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهم لِبَعْضِ الصَّوارِفِ. والثّانِي: أنْ يَكْسَرَها ويَذْهَبَ ولا يَشْعُرَ بِذَلِكَ أحَدٌ، ويَكُونَ إقْبالُهم إلَيْهِ يَزِفُّونَ بَعْدَ رُجُوعِهِمْ مِن عِيدِهِمْ، وسُؤالِهِمْ عَنِ الكاسِرِ، وقَوْلُهم: ﴿قالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلى أعْيُنِ النّاسِ﴾ [الأنبياء: ٦١] . انْتَهى. وهَذا الوَجْهُ الثّانِي الَّذِي ذُكِرَ هو الصَّحِيحُ.
﴿قالَ أتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ﴾ اسْتِفْهامُ تَوْبِيخٍ وإنْكارٍ عَلَيْهِمْ، كَيْفَ هم يَعْبُدُونَ صِوَرًا صَوَّرُوها بِأيْدِيِهِمْ وشَكَّلُوها عَلى ما يُرِيدُونَ مِنَ الأشْكالِ ؟ ﴿واللَّهُ خَلَقَكم وما تَعْمَلُونَ﴾ الظّاهِرُ أنَّ (ما) مَوْصُولَةٌ بِمَعْنى الَّذِي مَعْطُوفَةٌ عَلى الضَّمِيرِ في خَلَقَكم، أيْ أنْشَأ ذَواتَكم وذَواتَ ما تَعْمَلُونَ مِنَ الأصْنامِ، والعَمَلُ هُنا هو التَّصْوِيرُ والتَّشْكِيلُ، كَما يَقُولُ: عَمِلَ الصّائِغُ الخَلْخالَ، وعَمِلَ الحَدّادُ القُفْلَ، والنَّجّارُ الخِزانَةَ؛ ويُحْمَلُ ذَلِكَ عَلى أنَّ (ما) بِمَعْنى (الَّذِي) يَتِمُّ الِاحْتِجاجُ عَلَيْهِمْ، بِأنَّ كُلًّا مِنَ الصَّنَمِ وعابِدِهِ هو مَخْلُوقٌ لِلَّهِ تَعالى، والعابِدُ هو المُصَوِّرُ ذَلِكَ المَعْبُودَ، فَكَيْفَ يَعْبُدُ مَخْلُوقٌ مَخْلُوقًا ؟ وكِلاهُما خَلَقَ اللَّهُ، وهو المُنْفَرِدُ بِإنْشاءِ ذَواتِهِما. والعابِدُ مُصَوِّرٌ الصَّنَمَ مَعْبُودَهُ. وما في: (وما ﴿تَنْحِتُونَ﴾) بِمَعْنى الَّذِي، فَكَذَلِكَ في ﴿وما تَعْمَلُونَ﴾ لِأنَّ نَحْتَهم هو عَمَلُهم. وقِيلَ: (ما) مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ خَلَقَكم وعَمَلَكم، وجَعَلُوا ذَلِكَ قاعِدَةً عَلى خَلْقِ اللَّهِ أفْعالَ العِبادِ. وقَدْ بَدَّدَ الزَّمَخْشَرِيُّ تَقابُلَ هَذِهِ المَقالَةِ بِما يُوقَفُ عَلَيْهِ في كِتابِهِ. وقِيلَ: (ما) اسْتِفْهامٌ إنْكارِيٌّ، أيْ: وأيُّ شَيْءٍ تَعْمَلُونَ في عِبادَتِكم أصْنامًا تَنْحِتُونَها ؟ أيْ لا عَمَلَ لَكم يُعْتَبَرُ. وقِيلَ: ما نافِيَةٌ، أيْ وما أنْتُمْ تَعْمَلُونَ شَيْئًا في وقْتِ خَلْقِكم ولا تَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ. وكَوْنُ ما مَصْدَرِيَّةً واسْتِفْهامِيَّةً ونَعْتًا، أقْوالٌ مُتَعَلِّقَةٌ خارِجَةٌ عَنْ طَرِيقِ البَلاغَةِ. ولَمّا غَلَبَهم إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِالحُجَّةِ، مالُوا إلى الغَلَبَةِ بِقُوَّةِ الشَّوْكَةِ والجَمْعِ فَقالُوا: ﴿ابْنُوا لَهُ بُنْيانًا﴾ أيْ: في مَوْضِعِ إيقادِ النّارِ. وقِيلَ: هو المَنجَنِيقُ الَّذِي رُمِيَ عَنْهُ. وأرادُوا بِهِ كَيْدًا، فَأبْطَلَ اللَّهُ مَكْرَهم، وجَعَلَهُمُ الأخْسَرِينَ الأسْفَلِينَ، وكَذا عادَةُ مَن غُلِبَ بِالحُجَّةِ رَجَعَ إلى الكَيْدِ.
الصافات 37:95
﴿وإنَّ مِن شِيعَتِهِ لَإبْراهِيمَ﴾ ﴿إذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ ماذا تَعْبُدُونَ﴾ ﴿أئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾ ﴿فَما ظَنُّكم بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً في النُّجُومِ﴾ ﴿فَقالَ إنِّي سَقِيمٌ﴾ ﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ﴾ ﴿فَراغَ إلى آلِهَتِهِمْ فَقالَ ألا تَأْكُلُونَ﴾ ﴿ما لَكم لا تَنْطِقُونَ﴾ ﴿فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِاليَمِينِ﴾ ﴿فَأقْبَلُوا إلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾ ﴿قالَ أتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ﴾ ﴿واللَّهُ خَلَقَكم وما تَعْمَلُونَ﴾ ﴿قالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيانًا فَألْقُوهُ في الجَحِيمِ﴾ ﴿فَأرادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْناهُمُ الأسْفَلِينَ﴾
(p-٣٦٥)والظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ في ﴿مِن شِيعَتِهِ﴾ عَلى نُوحٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ، أيْ مِمَّنْ شايَعَهُ في أُصُولِ الدِّينِ والتَّوْحِيدِ، وإنِ اخْتَلَفَتْ شَرائِعُهُما، أوِ اتَّفَقَ أكْثَرُهُما، أوْ مِمَّنْ شايَعَهُ في التَّصَلُّبِ في دِينِ اللَّهِ ومُصابَرَةِ المُكَذِّبِينَ. وكانَ بَيْنَ نُوحٍ وإبْراهِيمَ ألْفا سَنَةٍ وسِتُّمِائَةٍ وأرْبَعُونَ سَنَةً، وبَيْنَهُما مِنَ الأنْبِياءِ هُودٌ وصالِحٌ، عَلَيْهِما السَّلامُ. وقالَ الفَرّاءُ: الضَّمِيرُ في ﴿مِن شِيعَتِهِ﴾ يَعُودُ عَلى مُحَمَّدٍ والأعْرَفُ أنَّ المُتَأخِّرَ في الزَّمانِ هو شِيعَةٌ لِلْمُتَقَدِّمِ، وجاءَ عَكْسُ ذَلِكَ في قَوْلِ الكُمَيْتِ:
؎وما لِي إلّا آلَ أحْمَدَ شِيعَةٌ ومالِي إلّا مَشْعَبَ الحَقِّ مَشْعَبُ
جَعَلَهم شِيعَةً لِنَفْسِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: بِمَ يَتَعَلَّقُ الظَّرْفُ ؟ قُلْتُ: بِما في الشِّيعَةِ مِن مَعْنى المُشايَعَةِ، يَعْنِي: وإنَّ مِمَّنْ شايَعَهُ عَلى دِينِهِ وتَقْواهُ حِينَ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ لَإبْراهِيمَ، أوْ بِمَحْذُوفٍ، وهو اذْكُرْ. انْتَهى. أمّا التَّخْرِيجُ الأوَّلُ فَلا يَجُوزُ؛ لِأنَّ فِيهِ الفَصْلَ بَيْنَ العامِلِ والمَعْمُولِ بِأجْنَبِيٍّ، وهو قَوْلُهُ ﴿لَإبْراهِيمَ﴾؛ لِأنَّهُ أجْنَبِيٌّ مِن شِيعَتِهِ ومِن إذْ، وزادَ المَنعُ، إذْ قَدَّرَهُ مِمَّنْ شايَعَهُ حِينَ جاءَ لَإبْراهِيمَ. وأيْضًا فَلامُ التَّوْكِيدِ يَمْنَعُ أنْ يَعْمَلَ ما قَبْلَها فِيما بَعْدَها. لَوْ قُلْتَ: إنَّ ضارِبًا بِالقادِمِ عَلَيْنا زَيْدًا، وتَقْدِيرُهُ: ضارِبًا زَيْدًا لَقادِمٌ عَلَيْنا، لَمْ يَجُزْ. وأمّا تَقْدِيرُهُ اذْكُرْ، فَهو المَعْهُودُ عِنْدَ المُعْرِبِينَ. ومَجِيئُهُ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ: إخْلاصُهُ الدِّينَ لِلَّهِ، وسَلامَةُ قَلْبِهِ: بَراءَتُهُ مِنَ الشِّرْكِ والشَّكِّ والنَّقائِصِ الَّتِي تَعْتَرِي القُلُوبَ مِنَ الغِلِّ والحَسَدِ والخُبْثِ والمَكْرِ والكِبْرِ ونَحْوِها. قالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: لَمْ يُعْلِنْ شَيْئًا قَطُّ. وقِيلَ: سَلِيمٌ مِنَ الشِّرْكِ ولا مَعْنًى لِلتَّخْصِيصِ. وأجازُوا في نَصْبِ ﴿أئِفْكًا﴾ وُجُوهًا: أحَدُها: أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِتُرِيدُونَ، والتَّهْدِيدُ لِأُمَّتِهِ، وهو اسْتِفْهامُ تَقْرِيرٍ، ولَمْ يَذْكُرِ ابْنُ عَطِيَّةَ غَيْرَ هَذا الوَجْهِ، وذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ قالَ: فَسَّرَ الإفْكَ بِقَوْلِهِ: آلِهَةً مِن دُونِ اللَّهِ، عَلى أنَّها إفْكٌ في أنْفُسِهِمْ. والثّانِي: أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا مِن أجْلِهِ أيْ: تُرِيدُونَ آلِهَةً مِن دُونِ اللَّهِ إفْكًا، (وآلِهَةً) مَفْعُولٌ بِهِ، وقَدَّمَهُ عِنايَةً بِهِ، وقَدَّمَ المَفْعُولَ لَهُ عَلى المَفْعُولِ بِهِ؛ لِأنَّهُ كانَ الأهَمَّ عِنْدَهُ أنْ يُكافِحَهم بِأنَّهم عَلى إفْكٍ وباطِلٍ في شِرْكِهِمْ، وبَدَأ بِهَذا الوَجْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ. والثّالِثُ: أنْ يَكُونَ حالًا، أيْ أتُرِيدُونَ آلِهَةً مِن دُونِ اللَّهِ آفَّكِينَ ؟ قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وجَعَلَ المَصْدَرَ حالًا لا يَطَّرِدُ إلّا مَعَ أمّا في نَحْوِ: أمّا عِلْمًا فَعالِمٌ.
﴿فَما ظَنُّكم بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ اسْتِفْهامُ تَوْبِيخٍ وتَحْذِيرٍ وتَوَعُّدٍ، أيْ: أيُّ شَيْءٍ ظَنُّكم بِمَن هو يَسْتَحِقُّ لِأنْ تَعْبُدُوهُ، إذْ هو رَبُّ العالَمِينَ حَتّى تَرَكْتُمْ عِبادَتَهُ وعَدَلْتُمْ بِهِ الأصْنامَ ؟ أيْ: أيُّ شَيْءٍ ظَنُّكم بِفِعْلِهِ مَعَكم مِن عِقابِكم، إذْ قَدْ عَبَدْتُمْ غَيْرَهُ ؟ كَما تَقُولُ: أسَأْتَ إلى فُلانٍ، فَما ظَنُّكَ بِهِ أنْ يُوقِعَ بِكَ خَيْرًا ما أسَأْتَ (p-٣٦٦)إلَيْهِ ؟ ولَمّا وبَّخَهم عَلى عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ، أرادَ أنْ يُرِيَهم أنَّ أصْنامَهم لا تَنْفَعُ ولا تَضُرُّ، فَعَهِدَ إلى ما يَجْعَلُهُ مُنْفَرِدًا بِها حَتّى يَكْسَرَها ويُبَيِّنَ لَهم حالَها وعَجْزَها.
﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً في النُّجُومِ﴾، والظّاهِرُ أنَّهُ أرادَ عِلْمَ الكَواكِبِ، وما يُعْزى إلَيْها مِنَ التَّأْثِيراتِ الَّتِي جَعَلَها اللَّهُ لَها. والظّاهِرُ أنَّ نَظَرَهُ كانَ فِيها، أيْ في عِلْمِها، أوْ في كِتابِها الَّذِي اشْتَمَلَ عَلى أحْوالِها وأحْكامِها. قِيلَ: وكانُوا يُعانُونَ ذَلِكَ، فَأتاهم مِنَ الجِهَةِ الَّتِي يُعانُونَها، وأوْهَمَهم بِأنَّهُ اسْتَدَلَّ بِأمارَةٍ في عِلْمِ النُّجُومِ أنَّهُ سَقِيمٌ، أيْ يُشارِفُ السُّقْمَ. قِيلَ: وهو الطّاعُونُ، وكانَ أغْلَبَ الأسْقامِ عَلَيْهِمْ إذْ ذاكَ، وخافُوا العَدْوى وهَرَبُوا مِنهُ إلى عِيدِهِمْ، ولِذَلِكَ قالَ ﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ﴾، قالَ مَعْناهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وتَرَكُوهُ في بَيْتِ الأصْنامِ فَفَعَلَ ما فَعَلَ. وقِيلَ: كانُوا أهْلَ رِعايَةٍ وفِلاحَةٍ، وكانُوا يَحْتاجُونَ إلى عِلْمِ النُّجُومِ. وقِيلَ: أرْسَلَ إلَيْهِمْ مَلِكَهم أنَّ غَدًا عِيدُنا، فاحْضُرْ مَعَنا، فَنَظَرَ إلى نَجْمٍ طالِعٍ فَقالَ: إنْ يَطْلُعْ مَعَ سَقَمِي. وقِيلَ: مَعْنى ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً في النُّجُومِ﴾، أيْ فِيما نَجَمَ إلَيْهِ مِن أُمُورِ قَوْمِهِ وحالِهِ مَعَهم، ومَعْنى ﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ﴾، أيْ لِكُفْرِهِمْ بِهِ واحْتِقارِهِمْ لَهُ، وقَوْلُهُ ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾، مِنَ المَعارِيضِ، عَرَّضَ أنَّهُ يَسْقُمُ في المَآلِ، أيْ يُشارِفُ السُّقْمَ. قِيلَ: وهو الطّاعُونُ، وكانَ أغْلَبَ، وفَهِمُوا مِنهُ أنَّهُ مُلْتَبِسٌ بِالسُّقْمِ، وابْنُ آدَمَ لا بُدَّ أنْ يَسْقَمَ، والمَثَلُ: كَفى بِالسَّلامَةِ داءً. قالَ الشّاعِرُ:
؎فَدَعَوْتُ رَبِّي بِالسَّلامَةِ جاهِدًا ∗∗∗ لِيَصِحَّنِي فَإذا السَّلامَةُ داءُ
وماتَ رَجُلٌ فَجْأةً، فاكْتَنَفَ عَلَيْهِ النّاسُ فَقالُوا: ماتَ وهو صَحِيحٌ، فَقالَ أعْرابِيٌّ: أصَحِيحٌ مِنَ المَوْتِ في عُنُقِهِ ؟ ﴿فَراغَ إلى آلِهَتِهِمْ﴾ أيْ أصْنامِهِمُ الَّتِي هي في زَعْمِهِمْ آلِهَةٌ، كَقَوْلِهِ ﴿أيْنَ شُرَكائِيَ﴾ [النحل: ٢٧]، وعَرَضَ الأكْلَ عَلَيْها. واسْتِفْهامُها عَنِ النُّطْقِ هو عَلى سَبِيلِ الهَزْءِ، لِكَوْنِها مُنْحَطَّةً عَنْ رُتْبَةِ عابِدِيها، إذْ هم يَأْكُلُونَ ويَنْطِقُونَ. ورُوِيَ أنَّهم كانُوا يَضَعُونَ عِنْدَها طَعامًا، ويَعْتَقِدُونَ أنَّها تُصِيبُ مِنهُ شَيْئًا، وإنَّما يَأْكُلُهُ خَدَمَتُها.
﴿فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِاليَمِينِ﴾ أيْ أقْبَلَ عَلَيْهِمْ مُسْتَخْفِيًا ضارِبًا، فَهو مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ، أوْ يَضْرِبُهم ضَرْبًا، فَهو مَصْدَرُ فِعْلٍ مَحْذُوفٍ، أوْ ضُمِّنَ فَراغَ عَلَيْهِمْ مَعْنى ضَرَبَهم، وبِاليَمِينِ: أيْ يَمِينِ يَدَيْهِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لِأنَّها أقْوى يَدَيْهِ أوْ بِقُوَّتِهِ؛ لِأنَّهُ قِيلَ: كانَ يَجْمَعُ يَدَيْهِ في الآلَةِ الَّتِي يَضْرِبُها بِها وهي الفَأْسُ. وقِيلَ: سَبَبُ الحَلِفِ الَّذِي هو ﴿وتاللَّهِ لَأكِيدَنَّ أصْنامَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٥٧] .
وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿يَزِفُّونَ﴾، بِفَتْحِ الياءِ، مِن زَفَّ: أسْرَعَ، أوْ مِن زِفافِ العَرُوسِ، وهو التَّمَهُّلُ في المِشْيَةِ، إذْ كانُوا في طُمَأْنِينَةٍ أنْ يَنالَ أصْنامَهم شَيْءٌ لِعِزَّتِهِمْ. وقَرَأ حَمْزَةُ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ: بِضَمِّ الياءِ مِن أزَفَّ: دَخَلَ في الزَّفِيفِ، فَهي لِلتَّعَدِّي، قالَهُ الأصْمَعِيُّ. وقَرَأ مُجاهِدٌ أيْضًا، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ، والضَّحّاكُ، ويَحْيى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ المُقْرِيُّ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: يَزِفُّونَ مُضارِعُ زَفَّ بِمَعْنى أسْرَعَ. وقالَ الكِسائِيُّ، والفَرّاءُ: لا نَعْرِفُها بِمَعْنى زَفَّ. وقالَ مُجاهِدٌ: الوَزِيفُ: السَّيَلانُ. وقُرِئَ: يُزَفُّونَ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. وقُرِئَ: يَزْفُونَ بِسُكُونِ الزّايِ، مِن زَفاهُ إذا حَداهُ، فَكانَ بَعْضُهم يَزْفُوا بَعْضًا لِتَسارُعِهِمْ إلَيْهِ. وبَيْنَ قَوْلِهِ ﴿فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِاليَمِينِ﴾ وبَيْنَ قَوْلِهِ ﴿فَأقْبَلُوا إلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾ جُمَلٌ مَحْذُوفَةٌ هي مَذْكُورَةٌ في سُورَةِ اقْتَرَبَ، ولا تَعارُضَ بَيْنَ قَوْلِهِ ﴿فَأقْبَلُوا إلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾ وبَيْنَ سُؤالِهِمْ ﴿مَن فَعَلَ هَذا بِآلِهَتِنا﴾ [الأنبياء: ٥٩]، وإخْبارُ مَن عَرَضَ بِأنَّهُ إبْراهِيمُ كانَ يَذْكُرُ أصْنامَهم؛ لِأنَّ هَذا الإقْبالَ كانَ يَقْتَضِي تِلْكَ الجُمَلَ المَحْذُوفَةَ، أيْ فَأقْبَلُوا إلَيْهِ، أيْ إلى الإنْكارِ عَلَيْهِ في كَسْرِ أصْنامِهِمْ وتَأْنِيبِهِ عَلى ذَلِكَ. ولَيْسَ هَذا الإقْبالُ مِن عِنْدِهِمْ، بَلْ بَعْدَ مَجِيئِهِمْ مِن عِنْدِهِمْ جَرَتَ تِلْكَ المُفاوَضاتُ المَذْكُورَةُ في سُورَةِ اقْتَرَبَ.
واسْتَسْلَفَ الزَّمَخْشَرِيُّ في كَلامِهِ أشْياءَ لَمْ تَتَضَمَّنْها الآياتُ صارَتِ الآياتُ عِنْدَهُ بِها كالمُتَناقِضَةِ
قالَ حَيْثُ ذَكَرَ هاهُنا أنَّهم أدْبَرُوا عَنْهُ خِيفَةَ العَدْوى فَلَمّا أبْصَرُوهُ يَكْسِرُ أصْنامَهم أقْبَلُوا إلَيْهِ مُتَبادِرِينَ لِيَكُفُّوهُ ويُوقِعُوا بِهِ وذِكْرَتُهم أنَّهم سَألُوا عَنِ الكاسِرِ حَتّى قِيلَ سَمِعْنا إبْراهِيمَ (p-٣٦٧)يَذُمُّهم، فَلَعَلَّهُ هو الكاسِرُ. فَفي إحْداهُما أنَّهم شاهَدُوهُ يَكْسِرُها، وفِيِ الأُخْرى أنَّهُمُ اسْتَدَلُّوا بِذَمِّهِ عَلى أنَّهُ الكاسِرُ. انْتَهى ما أبْدى مِنَ التَّناقُضِ، ولَيْسَ في الآياتِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهم أبْصَرُوهُ يَكْسِرُهم، فَيَكُونُ فِيهِ كالتَّناقُضِ. ولَمّا قُرِّرَ أنَّهُ كالتَّناقُضِ قالَ: قُلْتُ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ الَّذِينَ أبْصَرُوهُ وزَفُّوا إلَيْهِ نَفَرًا مِنهم دُونَ جُمْهُورِهِمْ وكُبَرائِهِمْ، فَلَمّا رَجَعَ الجُمْهُورُ والعَلِيَّةُ مِن عِنْدِهِمْ إلى بَيْتِ الأصْنامِ لِيَأْكُلُوا الطَّعامَ الَّذِي وضَعُوهُ عِنْدَها لِتَبَرَّكَ عَلَيْهِ ورَأوْها مَكْسُورَةً، اشْمَأزُّوا مِن ذَلِكَ وسَألُوا مَن فَعَلَ هَذا بِها ؟ لَمْ يَنِمَّ عَلَيْهِ أُولَئِكَ النَّفَرُ نَمِيمَةً صَرِيحَةً، ولَكِنْ عَلى سَبِيلِ التَّوْرِيَةِ والتَّعْرِيضِ بِقَوْلِهِمْ: سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهم لِبَعْضِ الصَّوارِفِ. والثّانِي: أنْ يَكْسَرَها ويَذْهَبَ ولا يَشْعُرَ بِذَلِكَ أحَدٌ، ويَكُونَ إقْبالُهم إلَيْهِ يَزِفُّونَ بَعْدَ رُجُوعِهِمْ مِن عِيدِهِمْ، وسُؤالِهِمْ عَنِ الكاسِرِ، وقَوْلُهم: ﴿قالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلى أعْيُنِ النّاسِ﴾ [الأنبياء: ٦١] . انْتَهى. وهَذا الوَجْهُ الثّانِي الَّذِي ذُكِرَ هو الصَّحِيحُ.
﴿قالَ أتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ﴾ اسْتِفْهامُ تَوْبِيخٍ وإنْكارٍ عَلَيْهِمْ، كَيْفَ هم يَعْبُدُونَ صِوَرًا صَوَّرُوها بِأيْدِيِهِمْ وشَكَّلُوها عَلى ما يُرِيدُونَ مِنَ الأشْكالِ ؟ ﴿واللَّهُ خَلَقَكم وما تَعْمَلُونَ﴾ الظّاهِرُ أنَّ (ما) مَوْصُولَةٌ بِمَعْنى الَّذِي مَعْطُوفَةٌ عَلى الضَّمِيرِ في خَلَقَكم، أيْ أنْشَأ ذَواتَكم وذَواتَ ما تَعْمَلُونَ مِنَ الأصْنامِ، والعَمَلُ هُنا هو التَّصْوِيرُ والتَّشْكِيلُ، كَما يَقُولُ: عَمِلَ الصّائِغُ الخَلْخالَ، وعَمِلَ الحَدّادُ القُفْلَ، والنَّجّارُ الخِزانَةَ؛ ويُحْمَلُ ذَلِكَ عَلى أنَّ (ما) بِمَعْنى (الَّذِي) يَتِمُّ الِاحْتِجاجُ عَلَيْهِمْ، بِأنَّ كُلًّا مِنَ الصَّنَمِ وعابِدِهِ هو مَخْلُوقٌ لِلَّهِ تَعالى، والعابِدُ هو المُصَوِّرُ ذَلِكَ المَعْبُودَ، فَكَيْفَ يَعْبُدُ مَخْلُوقٌ مَخْلُوقًا ؟ وكِلاهُما خَلَقَ اللَّهُ، وهو المُنْفَرِدُ بِإنْشاءِ ذَواتِهِما. والعابِدُ مُصَوِّرٌ الصَّنَمَ مَعْبُودَهُ. وما في: (وما ﴿تَنْحِتُونَ﴾) بِمَعْنى الَّذِي، فَكَذَلِكَ في ﴿وما تَعْمَلُونَ﴾ لِأنَّ نَحْتَهم هو عَمَلُهم. وقِيلَ: (ما) مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ خَلَقَكم وعَمَلَكم، وجَعَلُوا ذَلِكَ قاعِدَةً عَلى خَلْقِ اللَّهِ أفْعالَ العِبادِ. وقَدْ بَدَّدَ الزَّمَخْشَرِيُّ تَقابُلَ هَذِهِ المَقالَةِ بِما يُوقَفُ عَلَيْهِ في كِتابِهِ. وقِيلَ: (ما) اسْتِفْهامٌ إنْكارِيٌّ، أيْ: وأيُّ شَيْءٍ تَعْمَلُونَ في عِبادَتِكم أصْنامًا تَنْحِتُونَها ؟ أيْ لا عَمَلَ لَكم يُعْتَبَرُ. وقِيلَ: ما نافِيَةٌ، أيْ وما أنْتُمْ تَعْمَلُونَ شَيْئًا في وقْتِ خَلْقِكم ولا تَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ. وكَوْنُ ما مَصْدَرِيَّةً واسْتِفْهامِيَّةً ونَعْتًا، أقْوالٌ مُتَعَلِّقَةٌ خارِجَةٌ عَنْ طَرِيقِ البَلاغَةِ. ولَمّا غَلَبَهم إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِالحُجَّةِ، مالُوا إلى الغَلَبَةِ بِقُوَّةِ الشَّوْكَةِ والجَمْعِ فَقالُوا: ﴿ابْنُوا لَهُ بُنْيانًا﴾ أيْ: في مَوْضِعِ إيقادِ النّارِ. وقِيلَ: هو المَنجَنِيقُ الَّذِي رُمِيَ عَنْهُ. وأرادُوا بِهِ كَيْدًا، فَأبْطَلَ اللَّهُ مَكْرَهم، وجَعَلَهُمُ الأخْسَرِينَ الأسْفَلِينَ، وكَذا عادَةُ مَن غُلِبَ بِالحُجَّةِ رَجَعَ إلى الكَيْدِ.
الصافات 37:96
﴿وإنَّ مِن شِيعَتِهِ لَإبْراهِيمَ﴾ ﴿إذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ ماذا تَعْبُدُونَ﴾ ﴿أئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾ ﴿فَما ظَنُّكم بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً في النُّجُومِ﴾ ﴿فَقالَ إنِّي سَقِيمٌ﴾ ﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ﴾ ﴿فَراغَ إلى آلِهَتِهِمْ فَقالَ ألا تَأْكُلُونَ﴾ ﴿ما لَكم لا تَنْطِقُونَ﴾ ﴿فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِاليَمِينِ﴾ ﴿فَأقْبَلُوا إلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾ ﴿قالَ أتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ﴾ ﴿واللَّهُ خَلَقَكم وما تَعْمَلُونَ﴾ ﴿قالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيانًا فَألْقُوهُ في الجَحِيمِ﴾ ﴿فَأرادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْناهُمُ الأسْفَلِينَ﴾
(p-٣٦٥)والظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ في ﴿مِن شِيعَتِهِ﴾ عَلى نُوحٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ، أيْ مِمَّنْ شايَعَهُ في أُصُولِ الدِّينِ والتَّوْحِيدِ، وإنِ اخْتَلَفَتْ شَرائِعُهُما، أوِ اتَّفَقَ أكْثَرُهُما، أوْ مِمَّنْ شايَعَهُ في التَّصَلُّبِ في دِينِ اللَّهِ ومُصابَرَةِ المُكَذِّبِينَ. وكانَ بَيْنَ نُوحٍ وإبْراهِيمَ ألْفا سَنَةٍ وسِتُّمِائَةٍ وأرْبَعُونَ سَنَةً، وبَيْنَهُما مِنَ الأنْبِياءِ هُودٌ وصالِحٌ، عَلَيْهِما السَّلامُ. وقالَ الفَرّاءُ: الضَّمِيرُ في ﴿مِن شِيعَتِهِ﴾ يَعُودُ عَلى مُحَمَّدٍ والأعْرَفُ أنَّ المُتَأخِّرَ في الزَّمانِ هو شِيعَةٌ لِلْمُتَقَدِّمِ، وجاءَ عَكْسُ ذَلِكَ في قَوْلِ الكُمَيْتِ:
؎وما لِي إلّا آلَ أحْمَدَ شِيعَةٌ ومالِي إلّا مَشْعَبَ الحَقِّ مَشْعَبُ
جَعَلَهم شِيعَةً لِنَفْسِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: بِمَ يَتَعَلَّقُ الظَّرْفُ ؟ قُلْتُ: بِما في الشِّيعَةِ مِن مَعْنى المُشايَعَةِ، يَعْنِي: وإنَّ مِمَّنْ شايَعَهُ عَلى دِينِهِ وتَقْواهُ حِينَ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ لَإبْراهِيمَ، أوْ بِمَحْذُوفٍ، وهو اذْكُرْ. انْتَهى. أمّا التَّخْرِيجُ الأوَّلُ فَلا يَجُوزُ؛ لِأنَّ فِيهِ الفَصْلَ بَيْنَ العامِلِ والمَعْمُولِ بِأجْنَبِيٍّ، وهو قَوْلُهُ ﴿لَإبْراهِيمَ﴾؛ لِأنَّهُ أجْنَبِيٌّ مِن شِيعَتِهِ ومِن إذْ، وزادَ المَنعُ، إذْ قَدَّرَهُ مِمَّنْ شايَعَهُ حِينَ جاءَ لَإبْراهِيمَ. وأيْضًا فَلامُ التَّوْكِيدِ يَمْنَعُ أنْ يَعْمَلَ ما قَبْلَها فِيما بَعْدَها. لَوْ قُلْتَ: إنَّ ضارِبًا بِالقادِمِ عَلَيْنا زَيْدًا، وتَقْدِيرُهُ: ضارِبًا زَيْدًا لَقادِمٌ عَلَيْنا، لَمْ يَجُزْ. وأمّا تَقْدِيرُهُ اذْكُرْ، فَهو المَعْهُودُ عِنْدَ المُعْرِبِينَ. ومَجِيئُهُ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ: إخْلاصُهُ الدِّينَ لِلَّهِ، وسَلامَةُ قَلْبِهِ: بَراءَتُهُ مِنَ الشِّرْكِ والشَّكِّ والنَّقائِصِ الَّتِي تَعْتَرِي القُلُوبَ مِنَ الغِلِّ والحَسَدِ والخُبْثِ والمَكْرِ والكِبْرِ ونَحْوِها. قالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: لَمْ يُعْلِنْ شَيْئًا قَطُّ. وقِيلَ: سَلِيمٌ مِنَ الشِّرْكِ ولا مَعْنًى لِلتَّخْصِيصِ. وأجازُوا في نَصْبِ ﴿أئِفْكًا﴾ وُجُوهًا: أحَدُها: أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِتُرِيدُونَ، والتَّهْدِيدُ لِأُمَّتِهِ، وهو اسْتِفْهامُ تَقْرِيرٍ، ولَمْ يَذْكُرِ ابْنُ عَطِيَّةَ غَيْرَ هَذا الوَجْهِ، وذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ قالَ: فَسَّرَ الإفْكَ بِقَوْلِهِ: آلِهَةً مِن دُونِ اللَّهِ، عَلى أنَّها إفْكٌ في أنْفُسِهِمْ. والثّانِي: أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا مِن أجْلِهِ أيْ: تُرِيدُونَ آلِهَةً مِن دُونِ اللَّهِ إفْكًا، (وآلِهَةً) مَفْعُولٌ بِهِ، وقَدَّمَهُ عِنايَةً بِهِ، وقَدَّمَ المَفْعُولَ لَهُ عَلى المَفْعُولِ بِهِ؛ لِأنَّهُ كانَ الأهَمَّ عِنْدَهُ أنْ يُكافِحَهم بِأنَّهم عَلى إفْكٍ وباطِلٍ في شِرْكِهِمْ، وبَدَأ بِهَذا الوَجْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ. والثّالِثُ: أنْ يَكُونَ حالًا، أيْ أتُرِيدُونَ آلِهَةً مِن دُونِ اللَّهِ آفَّكِينَ ؟ قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وجَعَلَ المَصْدَرَ حالًا لا يَطَّرِدُ إلّا مَعَ أمّا في نَحْوِ: أمّا عِلْمًا فَعالِمٌ.
﴿فَما ظَنُّكم بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ اسْتِفْهامُ تَوْبِيخٍ وتَحْذِيرٍ وتَوَعُّدٍ، أيْ: أيُّ شَيْءٍ ظَنُّكم بِمَن هو يَسْتَحِقُّ لِأنْ تَعْبُدُوهُ، إذْ هو رَبُّ العالَمِينَ حَتّى تَرَكْتُمْ عِبادَتَهُ وعَدَلْتُمْ بِهِ الأصْنامَ ؟ أيْ: أيُّ شَيْءٍ ظَنُّكم بِفِعْلِهِ مَعَكم مِن عِقابِكم، إذْ قَدْ عَبَدْتُمْ غَيْرَهُ ؟ كَما تَقُولُ: أسَأْتَ إلى فُلانٍ، فَما ظَنُّكَ بِهِ أنْ يُوقِعَ بِكَ خَيْرًا ما أسَأْتَ (p-٣٦٦)إلَيْهِ ؟ ولَمّا وبَّخَهم عَلى عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ، أرادَ أنْ يُرِيَهم أنَّ أصْنامَهم لا تَنْفَعُ ولا تَضُرُّ، فَعَهِدَ إلى ما يَجْعَلُهُ مُنْفَرِدًا بِها حَتّى يَكْسَرَها ويُبَيِّنَ لَهم حالَها وعَجْزَها.
﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً في النُّجُومِ﴾، والظّاهِرُ أنَّهُ أرادَ عِلْمَ الكَواكِبِ، وما يُعْزى إلَيْها مِنَ التَّأْثِيراتِ الَّتِي جَعَلَها اللَّهُ لَها. والظّاهِرُ أنَّ نَظَرَهُ كانَ فِيها، أيْ في عِلْمِها، أوْ في كِتابِها الَّذِي اشْتَمَلَ عَلى أحْوالِها وأحْكامِها. قِيلَ: وكانُوا يُعانُونَ ذَلِكَ، فَأتاهم مِنَ الجِهَةِ الَّتِي يُعانُونَها، وأوْهَمَهم بِأنَّهُ اسْتَدَلَّ بِأمارَةٍ في عِلْمِ النُّجُومِ أنَّهُ سَقِيمٌ، أيْ يُشارِفُ السُّقْمَ. قِيلَ: وهو الطّاعُونُ، وكانَ أغْلَبَ الأسْقامِ عَلَيْهِمْ إذْ ذاكَ، وخافُوا العَدْوى وهَرَبُوا مِنهُ إلى عِيدِهِمْ، ولِذَلِكَ قالَ ﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ﴾، قالَ مَعْناهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وتَرَكُوهُ في بَيْتِ الأصْنامِ فَفَعَلَ ما فَعَلَ. وقِيلَ: كانُوا أهْلَ رِعايَةٍ وفِلاحَةٍ، وكانُوا يَحْتاجُونَ إلى عِلْمِ النُّجُومِ. وقِيلَ: أرْسَلَ إلَيْهِمْ مَلِكَهم أنَّ غَدًا عِيدُنا، فاحْضُرْ مَعَنا، فَنَظَرَ إلى نَجْمٍ طالِعٍ فَقالَ: إنْ يَطْلُعْ مَعَ سَقَمِي. وقِيلَ: مَعْنى ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً في النُّجُومِ﴾، أيْ فِيما نَجَمَ إلَيْهِ مِن أُمُورِ قَوْمِهِ وحالِهِ مَعَهم، ومَعْنى ﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ﴾، أيْ لِكُفْرِهِمْ بِهِ واحْتِقارِهِمْ لَهُ، وقَوْلُهُ ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾، مِنَ المَعارِيضِ، عَرَّضَ أنَّهُ يَسْقُمُ في المَآلِ، أيْ يُشارِفُ السُّقْمَ. قِيلَ: وهو الطّاعُونُ، وكانَ أغْلَبَ، وفَهِمُوا مِنهُ أنَّهُ مُلْتَبِسٌ بِالسُّقْمِ، وابْنُ آدَمَ لا بُدَّ أنْ يَسْقَمَ، والمَثَلُ: كَفى بِالسَّلامَةِ داءً. قالَ الشّاعِرُ:
؎فَدَعَوْتُ رَبِّي بِالسَّلامَةِ جاهِدًا ∗∗∗ لِيَصِحَّنِي فَإذا السَّلامَةُ داءُ
وماتَ رَجُلٌ فَجْأةً، فاكْتَنَفَ عَلَيْهِ النّاسُ فَقالُوا: ماتَ وهو صَحِيحٌ، فَقالَ أعْرابِيٌّ: أصَحِيحٌ مِنَ المَوْتِ في عُنُقِهِ ؟ ﴿فَراغَ إلى آلِهَتِهِمْ﴾ أيْ أصْنامِهِمُ الَّتِي هي في زَعْمِهِمْ آلِهَةٌ، كَقَوْلِهِ ﴿أيْنَ شُرَكائِيَ﴾ [النحل: ٢٧]، وعَرَضَ الأكْلَ عَلَيْها. واسْتِفْهامُها عَنِ النُّطْقِ هو عَلى سَبِيلِ الهَزْءِ، لِكَوْنِها مُنْحَطَّةً عَنْ رُتْبَةِ عابِدِيها، إذْ هم يَأْكُلُونَ ويَنْطِقُونَ. ورُوِيَ أنَّهم كانُوا يَضَعُونَ عِنْدَها طَعامًا، ويَعْتَقِدُونَ أنَّها تُصِيبُ مِنهُ شَيْئًا، وإنَّما يَأْكُلُهُ خَدَمَتُها.
﴿فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِاليَمِينِ﴾ أيْ أقْبَلَ عَلَيْهِمْ مُسْتَخْفِيًا ضارِبًا، فَهو مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ، أوْ يَضْرِبُهم ضَرْبًا، فَهو مَصْدَرُ فِعْلٍ مَحْذُوفٍ، أوْ ضُمِّنَ فَراغَ عَلَيْهِمْ مَعْنى ضَرَبَهم، وبِاليَمِينِ: أيْ يَمِينِ يَدَيْهِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لِأنَّها أقْوى يَدَيْهِ أوْ بِقُوَّتِهِ؛ لِأنَّهُ قِيلَ: كانَ يَجْمَعُ يَدَيْهِ في الآلَةِ الَّتِي يَضْرِبُها بِها وهي الفَأْسُ. وقِيلَ: سَبَبُ الحَلِفِ الَّذِي هو ﴿وتاللَّهِ لَأكِيدَنَّ أصْنامَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٥٧] .
وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿يَزِفُّونَ﴾، بِفَتْحِ الياءِ، مِن زَفَّ: أسْرَعَ، أوْ مِن زِفافِ العَرُوسِ، وهو التَّمَهُّلُ في المِشْيَةِ، إذْ كانُوا في طُمَأْنِينَةٍ أنْ يَنالَ أصْنامَهم شَيْءٌ لِعِزَّتِهِمْ. وقَرَأ حَمْزَةُ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ: بِضَمِّ الياءِ مِن أزَفَّ: دَخَلَ في الزَّفِيفِ، فَهي لِلتَّعَدِّي، قالَهُ الأصْمَعِيُّ. وقَرَأ مُجاهِدٌ أيْضًا، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ، والضَّحّاكُ، ويَحْيى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ المُقْرِيُّ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: يَزِفُّونَ مُضارِعُ زَفَّ بِمَعْنى أسْرَعَ. وقالَ الكِسائِيُّ، والفَرّاءُ: لا نَعْرِفُها بِمَعْنى زَفَّ. وقالَ مُجاهِدٌ: الوَزِيفُ: السَّيَلانُ. وقُرِئَ: يُزَفُّونَ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. وقُرِئَ: يَزْفُونَ بِسُكُونِ الزّايِ، مِن زَفاهُ إذا حَداهُ، فَكانَ بَعْضُهم يَزْفُوا بَعْضًا لِتَسارُعِهِمْ إلَيْهِ. وبَيْنَ قَوْلِهِ ﴿فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِاليَمِينِ﴾ وبَيْنَ قَوْلِهِ ﴿فَأقْبَلُوا إلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾ جُمَلٌ مَحْذُوفَةٌ هي مَذْكُورَةٌ في سُورَةِ اقْتَرَبَ، ولا تَعارُضَ بَيْنَ قَوْلِهِ ﴿فَأقْبَلُوا إلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾ وبَيْنَ سُؤالِهِمْ ﴿مَن فَعَلَ هَذا بِآلِهَتِنا﴾ [الأنبياء: ٥٩]، وإخْبارُ مَن عَرَضَ بِأنَّهُ إبْراهِيمُ كانَ يَذْكُرُ أصْنامَهم؛ لِأنَّ هَذا الإقْبالَ كانَ يَقْتَضِي تِلْكَ الجُمَلَ المَحْذُوفَةَ، أيْ فَأقْبَلُوا إلَيْهِ، أيْ إلى الإنْكارِ عَلَيْهِ في كَسْرِ أصْنامِهِمْ وتَأْنِيبِهِ عَلى ذَلِكَ. ولَيْسَ هَذا الإقْبالُ مِن عِنْدِهِمْ، بَلْ بَعْدَ مَجِيئِهِمْ مِن عِنْدِهِمْ جَرَتَ تِلْكَ المُفاوَضاتُ المَذْكُورَةُ في سُورَةِ اقْتَرَبَ.
واسْتَسْلَفَ الزَّمَخْشَرِيُّ في كَلامِهِ أشْياءَ لَمْ تَتَضَمَّنْها الآياتُ صارَتِ الآياتُ عِنْدَهُ بِها كالمُتَناقِضَةِ
قالَ حَيْثُ ذَكَرَ هاهُنا أنَّهم أدْبَرُوا عَنْهُ خِيفَةَ العَدْوى فَلَمّا أبْصَرُوهُ يَكْسِرُ أصْنامَهم أقْبَلُوا إلَيْهِ مُتَبادِرِينَ لِيَكُفُّوهُ ويُوقِعُوا بِهِ وذِكْرَتُهم أنَّهم سَألُوا عَنِ الكاسِرِ حَتّى قِيلَ سَمِعْنا إبْراهِيمَ (p-٣٦٧)يَذُمُّهم، فَلَعَلَّهُ هو الكاسِرُ. فَفي إحْداهُما أنَّهم شاهَدُوهُ يَكْسِرُها، وفِيِ الأُخْرى أنَّهُمُ اسْتَدَلُّوا بِذَمِّهِ عَلى أنَّهُ الكاسِرُ. انْتَهى ما أبْدى مِنَ التَّناقُضِ، ولَيْسَ في الآياتِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهم أبْصَرُوهُ يَكْسِرُهم، فَيَكُونُ فِيهِ كالتَّناقُضِ. ولَمّا قُرِّرَ أنَّهُ كالتَّناقُضِ قالَ: قُلْتُ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ الَّذِينَ أبْصَرُوهُ وزَفُّوا إلَيْهِ نَفَرًا مِنهم دُونَ جُمْهُورِهِمْ وكُبَرائِهِمْ، فَلَمّا رَجَعَ الجُمْهُورُ والعَلِيَّةُ مِن عِنْدِهِمْ إلى بَيْتِ الأصْنامِ لِيَأْكُلُوا الطَّعامَ الَّذِي وضَعُوهُ عِنْدَها لِتَبَرَّكَ عَلَيْهِ ورَأوْها مَكْسُورَةً، اشْمَأزُّوا مِن ذَلِكَ وسَألُوا مَن فَعَلَ هَذا بِها ؟ لَمْ يَنِمَّ عَلَيْهِ أُولَئِكَ النَّفَرُ نَمِيمَةً صَرِيحَةً، ولَكِنْ عَلى سَبِيلِ التَّوْرِيَةِ والتَّعْرِيضِ بِقَوْلِهِمْ: سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهم لِبَعْضِ الصَّوارِفِ. والثّانِي: أنْ يَكْسَرَها ويَذْهَبَ ولا يَشْعُرَ بِذَلِكَ أحَدٌ، ويَكُونَ إقْبالُهم إلَيْهِ يَزِفُّونَ بَعْدَ رُجُوعِهِمْ مِن عِيدِهِمْ، وسُؤالِهِمْ عَنِ الكاسِرِ، وقَوْلُهم: ﴿قالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلى أعْيُنِ النّاسِ﴾ [الأنبياء: ٦١] . انْتَهى. وهَذا الوَجْهُ الثّانِي الَّذِي ذُكِرَ هو الصَّحِيحُ.
﴿قالَ أتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ﴾ اسْتِفْهامُ تَوْبِيخٍ وإنْكارٍ عَلَيْهِمْ، كَيْفَ هم يَعْبُدُونَ صِوَرًا صَوَّرُوها بِأيْدِيِهِمْ وشَكَّلُوها عَلى ما يُرِيدُونَ مِنَ الأشْكالِ ؟ ﴿واللَّهُ خَلَقَكم وما تَعْمَلُونَ﴾ الظّاهِرُ أنَّ (ما) مَوْصُولَةٌ بِمَعْنى الَّذِي مَعْطُوفَةٌ عَلى الضَّمِيرِ في خَلَقَكم، أيْ أنْشَأ ذَواتَكم وذَواتَ ما تَعْمَلُونَ مِنَ الأصْنامِ، والعَمَلُ هُنا هو التَّصْوِيرُ والتَّشْكِيلُ، كَما يَقُولُ: عَمِلَ الصّائِغُ الخَلْخالَ، وعَمِلَ الحَدّادُ القُفْلَ، والنَّجّارُ الخِزانَةَ؛ ويُحْمَلُ ذَلِكَ عَلى أنَّ (ما) بِمَعْنى (الَّذِي) يَتِمُّ الِاحْتِجاجُ عَلَيْهِمْ، بِأنَّ كُلًّا مِنَ الصَّنَمِ وعابِدِهِ هو مَخْلُوقٌ لِلَّهِ تَعالى، والعابِدُ هو المُصَوِّرُ ذَلِكَ المَعْبُودَ، فَكَيْفَ يَعْبُدُ مَخْلُوقٌ مَخْلُوقًا ؟ وكِلاهُما خَلَقَ اللَّهُ، وهو المُنْفَرِدُ بِإنْشاءِ ذَواتِهِما. والعابِدُ مُصَوِّرٌ الصَّنَمَ مَعْبُودَهُ. وما في: (وما ﴿تَنْحِتُونَ﴾) بِمَعْنى الَّذِي، فَكَذَلِكَ في ﴿وما تَعْمَلُونَ﴾ لِأنَّ نَحْتَهم هو عَمَلُهم. وقِيلَ: (ما) مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ خَلَقَكم وعَمَلَكم، وجَعَلُوا ذَلِكَ قاعِدَةً عَلى خَلْقِ اللَّهِ أفْعالَ العِبادِ. وقَدْ بَدَّدَ الزَّمَخْشَرِيُّ تَقابُلَ هَذِهِ المَقالَةِ بِما يُوقَفُ عَلَيْهِ في كِتابِهِ. وقِيلَ: (ما) اسْتِفْهامٌ إنْكارِيٌّ، أيْ: وأيُّ شَيْءٍ تَعْمَلُونَ في عِبادَتِكم أصْنامًا تَنْحِتُونَها ؟ أيْ لا عَمَلَ لَكم يُعْتَبَرُ. وقِيلَ: ما نافِيَةٌ، أيْ وما أنْتُمْ تَعْمَلُونَ شَيْئًا في وقْتِ خَلْقِكم ولا تَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ. وكَوْنُ ما مَصْدَرِيَّةً واسْتِفْهامِيَّةً ونَعْتًا، أقْوالٌ مُتَعَلِّقَةٌ خارِجَةٌ عَنْ طَرِيقِ البَلاغَةِ. ولَمّا غَلَبَهم إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِالحُجَّةِ، مالُوا إلى الغَلَبَةِ بِقُوَّةِ الشَّوْكَةِ والجَمْعِ فَقالُوا: ﴿ابْنُوا لَهُ بُنْيانًا﴾ أيْ: في مَوْضِعِ إيقادِ النّارِ. وقِيلَ: هو المَنجَنِيقُ الَّذِي رُمِيَ عَنْهُ. وأرادُوا بِهِ كَيْدًا، فَأبْطَلَ اللَّهُ مَكْرَهم، وجَعَلَهُمُ الأخْسَرِينَ الأسْفَلِينَ، وكَذا عادَةُ مَن غُلِبَ بِالحُجَّةِ رَجَعَ إلى الكَيْدِ.
الصافات 37:97
﴿وإنَّ مِن شِيعَتِهِ لَإبْراهِيمَ﴾ ﴿إذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ ماذا تَعْبُدُونَ﴾ ﴿أئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾ ﴿فَما ظَنُّكم بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً في النُّجُومِ﴾ ﴿فَقالَ إنِّي سَقِيمٌ﴾ ﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ﴾ ﴿فَراغَ إلى آلِهَتِهِمْ فَقالَ ألا تَأْكُلُونَ﴾ ﴿ما لَكم لا تَنْطِقُونَ﴾ ﴿فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِاليَمِينِ﴾ ﴿فَأقْبَلُوا إلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾ ﴿قالَ أتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ﴾ ﴿واللَّهُ خَلَقَكم وما تَعْمَلُونَ﴾ ﴿قالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيانًا فَألْقُوهُ في الجَحِيمِ﴾ ﴿فَأرادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْناهُمُ الأسْفَلِينَ﴾
(p-٣٦٥)والظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ في ﴿مِن شِيعَتِهِ﴾ عَلى نُوحٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ، أيْ مِمَّنْ شايَعَهُ في أُصُولِ الدِّينِ والتَّوْحِيدِ، وإنِ اخْتَلَفَتْ شَرائِعُهُما، أوِ اتَّفَقَ أكْثَرُهُما، أوْ مِمَّنْ شايَعَهُ في التَّصَلُّبِ في دِينِ اللَّهِ ومُصابَرَةِ المُكَذِّبِينَ. وكانَ بَيْنَ نُوحٍ وإبْراهِيمَ ألْفا سَنَةٍ وسِتُّمِائَةٍ وأرْبَعُونَ سَنَةً، وبَيْنَهُما مِنَ الأنْبِياءِ هُودٌ وصالِحٌ، عَلَيْهِما السَّلامُ. وقالَ الفَرّاءُ: الضَّمِيرُ في ﴿مِن شِيعَتِهِ﴾ يَعُودُ عَلى مُحَمَّدٍ والأعْرَفُ أنَّ المُتَأخِّرَ في الزَّمانِ هو شِيعَةٌ لِلْمُتَقَدِّمِ، وجاءَ عَكْسُ ذَلِكَ في قَوْلِ الكُمَيْتِ:
؎وما لِي إلّا آلَ أحْمَدَ شِيعَةٌ ومالِي إلّا مَشْعَبَ الحَقِّ مَشْعَبُ
جَعَلَهم شِيعَةً لِنَفْسِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: بِمَ يَتَعَلَّقُ الظَّرْفُ ؟ قُلْتُ: بِما في الشِّيعَةِ مِن مَعْنى المُشايَعَةِ، يَعْنِي: وإنَّ مِمَّنْ شايَعَهُ عَلى دِينِهِ وتَقْواهُ حِينَ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ لَإبْراهِيمَ، أوْ بِمَحْذُوفٍ، وهو اذْكُرْ. انْتَهى. أمّا التَّخْرِيجُ الأوَّلُ فَلا يَجُوزُ؛ لِأنَّ فِيهِ الفَصْلَ بَيْنَ العامِلِ والمَعْمُولِ بِأجْنَبِيٍّ، وهو قَوْلُهُ ﴿لَإبْراهِيمَ﴾؛ لِأنَّهُ أجْنَبِيٌّ مِن شِيعَتِهِ ومِن إذْ، وزادَ المَنعُ، إذْ قَدَّرَهُ مِمَّنْ شايَعَهُ حِينَ جاءَ لَإبْراهِيمَ. وأيْضًا فَلامُ التَّوْكِيدِ يَمْنَعُ أنْ يَعْمَلَ ما قَبْلَها فِيما بَعْدَها. لَوْ قُلْتَ: إنَّ ضارِبًا بِالقادِمِ عَلَيْنا زَيْدًا، وتَقْدِيرُهُ: ضارِبًا زَيْدًا لَقادِمٌ عَلَيْنا، لَمْ يَجُزْ. وأمّا تَقْدِيرُهُ اذْكُرْ، فَهو المَعْهُودُ عِنْدَ المُعْرِبِينَ. ومَجِيئُهُ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ: إخْلاصُهُ الدِّينَ لِلَّهِ، وسَلامَةُ قَلْبِهِ: بَراءَتُهُ مِنَ الشِّرْكِ والشَّكِّ والنَّقائِصِ الَّتِي تَعْتَرِي القُلُوبَ مِنَ الغِلِّ والحَسَدِ والخُبْثِ والمَكْرِ والكِبْرِ ونَحْوِها. قالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: لَمْ يُعْلِنْ شَيْئًا قَطُّ. وقِيلَ: سَلِيمٌ مِنَ الشِّرْكِ ولا مَعْنًى لِلتَّخْصِيصِ. وأجازُوا في نَصْبِ ﴿أئِفْكًا﴾ وُجُوهًا: أحَدُها: أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِتُرِيدُونَ، والتَّهْدِيدُ لِأُمَّتِهِ، وهو اسْتِفْهامُ تَقْرِيرٍ، ولَمْ يَذْكُرِ ابْنُ عَطِيَّةَ غَيْرَ هَذا الوَجْهِ، وذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ قالَ: فَسَّرَ الإفْكَ بِقَوْلِهِ: آلِهَةً مِن دُونِ اللَّهِ، عَلى أنَّها إفْكٌ في أنْفُسِهِمْ. والثّانِي: أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا مِن أجْلِهِ أيْ: تُرِيدُونَ آلِهَةً مِن دُونِ اللَّهِ إفْكًا، (وآلِهَةً) مَفْعُولٌ بِهِ، وقَدَّمَهُ عِنايَةً بِهِ، وقَدَّمَ المَفْعُولَ لَهُ عَلى المَفْعُولِ بِهِ؛ لِأنَّهُ كانَ الأهَمَّ عِنْدَهُ أنْ يُكافِحَهم بِأنَّهم عَلى إفْكٍ وباطِلٍ في شِرْكِهِمْ، وبَدَأ بِهَذا الوَجْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ. والثّالِثُ: أنْ يَكُونَ حالًا، أيْ أتُرِيدُونَ آلِهَةً مِن دُونِ اللَّهِ آفَّكِينَ ؟ قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وجَعَلَ المَصْدَرَ حالًا لا يَطَّرِدُ إلّا مَعَ أمّا في نَحْوِ: أمّا عِلْمًا فَعالِمٌ.
﴿فَما ظَنُّكم بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ اسْتِفْهامُ تَوْبِيخٍ وتَحْذِيرٍ وتَوَعُّدٍ، أيْ: أيُّ شَيْءٍ ظَنُّكم بِمَن هو يَسْتَحِقُّ لِأنْ تَعْبُدُوهُ، إذْ هو رَبُّ العالَمِينَ حَتّى تَرَكْتُمْ عِبادَتَهُ وعَدَلْتُمْ بِهِ الأصْنامَ ؟ أيْ: أيُّ شَيْءٍ ظَنُّكم بِفِعْلِهِ مَعَكم مِن عِقابِكم، إذْ قَدْ عَبَدْتُمْ غَيْرَهُ ؟ كَما تَقُولُ: أسَأْتَ إلى فُلانٍ، فَما ظَنُّكَ بِهِ أنْ يُوقِعَ بِكَ خَيْرًا ما أسَأْتَ (p-٣٦٦)إلَيْهِ ؟ ولَمّا وبَّخَهم عَلى عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ، أرادَ أنْ يُرِيَهم أنَّ أصْنامَهم لا تَنْفَعُ ولا تَضُرُّ، فَعَهِدَ إلى ما يَجْعَلُهُ مُنْفَرِدًا بِها حَتّى يَكْسَرَها ويُبَيِّنَ لَهم حالَها وعَجْزَها.
﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً في النُّجُومِ﴾، والظّاهِرُ أنَّهُ أرادَ عِلْمَ الكَواكِبِ، وما يُعْزى إلَيْها مِنَ التَّأْثِيراتِ الَّتِي جَعَلَها اللَّهُ لَها. والظّاهِرُ أنَّ نَظَرَهُ كانَ فِيها، أيْ في عِلْمِها، أوْ في كِتابِها الَّذِي اشْتَمَلَ عَلى أحْوالِها وأحْكامِها. قِيلَ: وكانُوا يُعانُونَ ذَلِكَ، فَأتاهم مِنَ الجِهَةِ الَّتِي يُعانُونَها، وأوْهَمَهم بِأنَّهُ اسْتَدَلَّ بِأمارَةٍ في عِلْمِ النُّجُومِ أنَّهُ سَقِيمٌ، أيْ يُشارِفُ السُّقْمَ. قِيلَ: وهو الطّاعُونُ، وكانَ أغْلَبَ الأسْقامِ عَلَيْهِمْ إذْ ذاكَ، وخافُوا العَدْوى وهَرَبُوا مِنهُ إلى عِيدِهِمْ، ولِذَلِكَ قالَ ﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ﴾، قالَ مَعْناهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وتَرَكُوهُ في بَيْتِ الأصْنامِ فَفَعَلَ ما فَعَلَ. وقِيلَ: كانُوا أهْلَ رِعايَةٍ وفِلاحَةٍ، وكانُوا يَحْتاجُونَ إلى عِلْمِ النُّجُومِ. وقِيلَ: أرْسَلَ إلَيْهِمْ مَلِكَهم أنَّ غَدًا عِيدُنا، فاحْضُرْ مَعَنا، فَنَظَرَ إلى نَجْمٍ طالِعٍ فَقالَ: إنْ يَطْلُعْ مَعَ سَقَمِي. وقِيلَ: مَعْنى ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً في النُّجُومِ﴾، أيْ فِيما نَجَمَ إلَيْهِ مِن أُمُورِ قَوْمِهِ وحالِهِ مَعَهم، ومَعْنى ﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ﴾، أيْ لِكُفْرِهِمْ بِهِ واحْتِقارِهِمْ لَهُ، وقَوْلُهُ ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾، مِنَ المَعارِيضِ، عَرَّضَ أنَّهُ يَسْقُمُ في المَآلِ، أيْ يُشارِفُ السُّقْمَ. قِيلَ: وهو الطّاعُونُ، وكانَ أغْلَبَ، وفَهِمُوا مِنهُ أنَّهُ مُلْتَبِسٌ بِالسُّقْمِ، وابْنُ آدَمَ لا بُدَّ أنْ يَسْقَمَ، والمَثَلُ: كَفى بِالسَّلامَةِ داءً. قالَ الشّاعِرُ:
؎فَدَعَوْتُ رَبِّي بِالسَّلامَةِ جاهِدًا ∗∗∗ لِيَصِحَّنِي فَإذا السَّلامَةُ داءُ
وماتَ رَجُلٌ فَجْأةً، فاكْتَنَفَ عَلَيْهِ النّاسُ فَقالُوا: ماتَ وهو صَحِيحٌ، فَقالَ أعْرابِيٌّ: أصَحِيحٌ مِنَ المَوْتِ في عُنُقِهِ ؟ ﴿فَراغَ إلى آلِهَتِهِمْ﴾ أيْ أصْنامِهِمُ الَّتِي هي في زَعْمِهِمْ آلِهَةٌ، كَقَوْلِهِ ﴿أيْنَ شُرَكائِيَ﴾ [النحل: ٢٧]، وعَرَضَ الأكْلَ عَلَيْها. واسْتِفْهامُها عَنِ النُّطْقِ هو عَلى سَبِيلِ الهَزْءِ، لِكَوْنِها مُنْحَطَّةً عَنْ رُتْبَةِ عابِدِيها، إذْ هم يَأْكُلُونَ ويَنْطِقُونَ. ورُوِيَ أنَّهم كانُوا يَضَعُونَ عِنْدَها طَعامًا، ويَعْتَقِدُونَ أنَّها تُصِيبُ مِنهُ شَيْئًا، وإنَّما يَأْكُلُهُ خَدَمَتُها.
﴿فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِاليَمِينِ﴾ أيْ أقْبَلَ عَلَيْهِمْ مُسْتَخْفِيًا ضارِبًا، فَهو مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ، أوْ يَضْرِبُهم ضَرْبًا، فَهو مَصْدَرُ فِعْلٍ مَحْذُوفٍ، أوْ ضُمِّنَ فَراغَ عَلَيْهِمْ مَعْنى ضَرَبَهم، وبِاليَمِينِ: أيْ يَمِينِ يَدَيْهِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لِأنَّها أقْوى يَدَيْهِ أوْ بِقُوَّتِهِ؛ لِأنَّهُ قِيلَ: كانَ يَجْمَعُ يَدَيْهِ في الآلَةِ الَّتِي يَضْرِبُها بِها وهي الفَأْسُ. وقِيلَ: سَبَبُ الحَلِفِ الَّذِي هو ﴿وتاللَّهِ لَأكِيدَنَّ أصْنامَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٥٧] .
وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿يَزِفُّونَ﴾، بِفَتْحِ الياءِ، مِن زَفَّ: أسْرَعَ، أوْ مِن زِفافِ العَرُوسِ، وهو التَّمَهُّلُ في المِشْيَةِ، إذْ كانُوا في طُمَأْنِينَةٍ أنْ يَنالَ أصْنامَهم شَيْءٌ لِعِزَّتِهِمْ. وقَرَأ حَمْزَةُ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ: بِضَمِّ الياءِ مِن أزَفَّ: دَخَلَ في الزَّفِيفِ، فَهي لِلتَّعَدِّي، قالَهُ الأصْمَعِيُّ. وقَرَأ مُجاهِدٌ أيْضًا، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ، والضَّحّاكُ، ويَحْيى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ المُقْرِيُّ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: يَزِفُّونَ مُضارِعُ زَفَّ بِمَعْنى أسْرَعَ. وقالَ الكِسائِيُّ، والفَرّاءُ: لا نَعْرِفُها بِمَعْنى زَفَّ. وقالَ مُجاهِدٌ: الوَزِيفُ: السَّيَلانُ. وقُرِئَ: يُزَفُّونَ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. وقُرِئَ: يَزْفُونَ بِسُكُونِ الزّايِ، مِن زَفاهُ إذا حَداهُ، فَكانَ بَعْضُهم يَزْفُوا بَعْضًا لِتَسارُعِهِمْ إلَيْهِ. وبَيْنَ قَوْلِهِ ﴿فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِاليَمِينِ﴾ وبَيْنَ قَوْلِهِ ﴿فَأقْبَلُوا إلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾ جُمَلٌ مَحْذُوفَةٌ هي مَذْكُورَةٌ في سُورَةِ اقْتَرَبَ، ولا تَعارُضَ بَيْنَ قَوْلِهِ ﴿فَأقْبَلُوا إلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾ وبَيْنَ سُؤالِهِمْ ﴿مَن فَعَلَ هَذا بِآلِهَتِنا﴾ [الأنبياء: ٥٩]، وإخْبارُ مَن عَرَضَ بِأنَّهُ إبْراهِيمُ كانَ يَذْكُرُ أصْنامَهم؛ لِأنَّ هَذا الإقْبالَ كانَ يَقْتَضِي تِلْكَ الجُمَلَ المَحْذُوفَةَ، أيْ فَأقْبَلُوا إلَيْهِ، أيْ إلى الإنْكارِ عَلَيْهِ في كَسْرِ أصْنامِهِمْ وتَأْنِيبِهِ عَلى ذَلِكَ. ولَيْسَ هَذا الإقْبالُ مِن عِنْدِهِمْ، بَلْ بَعْدَ مَجِيئِهِمْ مِن عِنْدِهِمْ جَرَتَ تِلْكَ المُفاوَضاتُ المَذْكُورَةُ في سُورَةِ اقْتَرَبَ.
واسْتَسْلَفَ الزَّمَخْشَرِيُّ في كَلامِهِ أشْياءَ لَمْ تَتَضَمَّنْها الآياتُ صارَتِ الآياتُ عِنْدَهُ بِها كالمُتَناقِضَةِ
قالَ حَيْثُ ذَكَرَ هاهُنا أنَّهم أدْبَرُوا عَنْهُ خِيفَةَ العَدْوى فَلَمّا أبْصَرُوهُ يَكْسِرُ أصْنامَهم أقْبَلُوا إلَيْهِ مُتَبادِرِينَ لِيَكُفُّوهُ ويُوقِعُوا بِهِ وذِكْرَتُهم أنَّهم سَألُوا عَنِ الكاسِرِ حَتّى قِيلَ سَمِعْنا إبْراهِيمَ (p-٣٦٧)يَذُمُّهم، فَلَعَلَّهُ هو الكاسِرُ. فَفي إحْداهُما أنَّهم شاهَدُوهُ يَكْسِرُها، وفِيِ الأُخْرى أنَّهُمُ اسْتَدَلُّوا بِذَمِّهِ عَلى أنَّهُ الكاسِرُ. انْتَهى ما أبْدى مِنَ التَّناقُضِ، ولَيْسَ في الآياتِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهم أبْصَرُوهُ يَكْسِرُهم، فَيَكُونُ فِيهِ كالتَّناقُضِ. ولَمّا قُرِّرَ أنَّهُ كالتَّناقُضِ قالَ: قُلْتُ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ الَّذِينَ أبْصَرُوهُ وزَفُّوا إلَيْهِ نَفَرًا مِنهم دُونَ جُمْهُورِهِمْ وكُبَرائِهِمْ، فَلَمّا رَجَعَ الجُمْهُورُ والعَلِيَّةُ مِن عِنْدِهِمْ إلى بَيْتِ الأصْنامِ لِيَأْكُلُوا الطَّعامَ الَّذِي وضَعُوهُ عِنْدَها لِتَبَرَّكَ عَلَيْهِ ورَأوْها مَكْسُورَةً، اشْمَأزُّوا مِن ذَلِكَ وسَألُوا مَن فَعَلَ هَذا بِها ؟ لَمْ يَنِمَّ عَلَيْهِ أُولَئِكَ النَّفَرُ نَمِيمَةً صَرِيحَةً، ولَكِنْ عَلى سَبِيلِ التَّوْرِيَةِ والتَّعْرِيضِ بِقَوْلِهِمْ: سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهم لِبَعْضِ الصَّوارِفِ. والثّانِي: أنْ يَكْسَرَها ويَذْهَبَ ولا يَشْعُرَ بِذَلِكَ أحَدٌ، ويَكُونَ إقْبالُهم إلَيْهِ يَزِفُّونَ بَعْدَ رُجُوعِهِمْ مِن عِيدِهِمْ، وسُؤالِهِمْ عَنِ الكاسِرِ، وقَوْلُهم: ﴿قالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلى أعْيُنِ النّاسِ﴾ [الأنبياء: ٦١] . انْتَهى. وهَذا الوَجْهُ الثّانِي الَّذِي ذُكِرَ هو الصَّحِيحُ.
﴿قالَ أتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ﴾ اسْتِفْهامُ تَوْبِيخٍ وإنْكارٍ عَلَيْهِمْ، كَيْفَ هم يَعْبُدُونَ صِوَرًا صَوَّرُوها بِأيْدِيِهِمْ وشَكَّلُوها عَلى ما يُرِيدُونَ مِنَ الأشْكالِ ؟ ﴿واللَّهُ خَلَقَكم وما تَعْمَلُونَ﴾ الظّاهِرُ أنَّ (ما) مَوْصُولَةٌ بِمَعْنى الَّذِي مَعْطُوفَةٌ عَلى الضَّمِيرِ في خَلَقَكم، أيْ أنْشَأ ذَواتَكم وذَواتَ ما تَعْمَلُونَ مِنَ الأصْنامِ، والعَمَلُ هُنا هو التَّصْوِيرُ والتَّشْكِيلُ، كَما يَقُولُ: عَمِلَ الصّائِغُ الخَلْخالَ، وعَمِلَ الحَدّادُ القُفْلَ، والنَّجّارُ الخِزانَةَ؛ ويُحْمَلُ ذَلِكَ عَلى أنَّ (ما) بِمَعْنى (الَّذِي) يَتِمُّ الِاحْتِجاجُ عَلَيْهِمْ، بِأنَّ كُلًّا مِنَ الصَّنَمِ وعابِدِهِ هو مَخْلُوقٌ لِلَّهِ تَعالى، والعابِدُ هو المُصَوِّرُ ذَلِكَ المَعْبُودَ، فَكَيْفَ يَعْبُدُ مَخْلُوقٌ مَخْلُوقًا ؟ وكِلاهُما خَلَقَ اللَّهُ، وهو المُنْفَرِدُ بِإنْشاءِ ذَواتِهِما. والعابِدُ مُصَوِّرٌ الصَّنَمَ مَعْبُودَهُ. وما في: (وما ﴿تَنْحِتُونَ﴾) بِمَعْنى الَّذِي، فَكَذَلِكَ في ﴿وما تَعْمَلُونَ﴾ لِأنَّ نَحْتَهم هو عَمَلُهم. وقِيلَ: (ما) مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ خَلَقَكم وعَمَلَكم، وجَعَلُوا ذَلِكَ قاعِدَةً عَلى خَلْقِ اللَّهِ أفْعالَ العِبادِ. وقَدْ بَدَّدَ الزَّمَخْشَرِيُّ تَقابُلَ هَذِهِ المَقالَةِ بِما يُوقَفُ عَلَيْهِ في كِتابِهِ. وقِيلَ: (ما) اسْتِفْهامٌ إنْكارِيٌّ، أيْ: وأيُّ شَيْءٍ تَعْمَلُونَ في عِبادَتِكم أصْنامًا تَنْحِتُونَها ؟ أيْ لا عَمَلَ لَكم يُعْتَبَرُ. وقِيلَ: ما نافِيَةٌ، أيْ وما أنْتُمْ تَعْمَلُونَ شَيْئًا في وقْتِ خَلْقِكم ولا تَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ. وكَوْنُ ما مَصْدَرِيَّةً واسْتِفْهامِيَّةً ونَعْتًا، أقْوالٌ مُتَعَلِّقَةٌ خارِجَةٌ عَنْ طَرِيقِ البَلاغَةِ. ولَمّا غَلَبَهم إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِالحُجَّةِ، مالُوا إلى الغَلَبَةِ بِقُوَّةِ الشَّوْكَةِ والجَمْعِ فَقالُوا: ﴿ابْنُوا لَهُ بُنْيانًا﴾ أيْ: في مَوْضِعِ إيقادِ النّارِ. وقِيلَ: هو المَنجَنِيقُ الَّذِي رُمِيَ عَنْهُ. وأرادُوا بِهِ كَيْدًا، فَأبْطَلَ اللَّهُ مَكْرَهم، وجَعَلَهُمُ الأخْسَرِينَ الأسْفَلِينَ، وكَذا عادَةُ مَن غُلِبَ بِالحُجَّةِ رَجَعَ إلى الكَيْدِ.
الصافات 37:98
﴿وإنَّ مِن شِيعَتِهِ لَإبْراهِيمَ﴾ ﴿إذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ ماذا تَعْبُدُونَ﴾ ﴿أئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾ ﴿فَما ظَنُّكم بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً في النُّجُومِ﴾ ﴿فَقالَ إنِّي سَقِيمٌ﴾ ﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ﴾ ﴿فَراغَ إلى آلِهَتِهِمْ فَقالَ ألا تَأْكُلُونَ﴾ ﴿ما لَكم لا تَنْطِقُونَ﴾ ﴿فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِاليَمِينِ﴾ ﴿فَأقْبَلُوا إلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾ ﴿قالَ أتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ﴾ ﴿واللَّهُ خَلَقَكم وما تَعْمَلُونَ﴾ ﴿قالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيانًا فَألْقُوهُ في الجَحِيمِ﴾ ﴿فَأرادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْناهُمُ الأسْفَلِينَ﴾
(p-٣٦٥)والظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ في ﴿مِن شِيعَتِهِ﴾ عَلى نُوحٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ، أيْ مِمَّنْ شايَعَهُ في أُصُولِ الدِّينِ والتَّوْحِيدِ، وإنِ اخْتَلَفَتْ شَرائِعُهُما، أوِ اتَّفَقَ أكْثَرُهُما، أوْ مِمَّنْ شايَعَهُ في التَّصَلُّبِ في دِينِ اللَّهِ ومُصابَرَةِ المُكَذِّبِينَ. وكانَ بَيْنَ نُوحٍ وإبْراهِيمَ ألْفا سَنَةٍ وسِتُّمِائَةٍ وأرْبَعُونَ سَنَةً، وبَيْنَهُما مِنَ الأنْبِياءِ هُودٌ وصالِحٌ، عَلَيْهِما السَّلامُ. وقالَ الفَرّاءُ: الضَّمِيرُ في ﴿مِن شِيعَتِهِ﴾ يَعُودُ عَلى مُحَمَّدٍ والأعْرَفُ أنَّ المُتَأخِّرَ في الزَّمانِ هو شِيعَةٌ لِلْمُتَقَدِّمِ، وجاءَ عَكْسُ ذَلِكَ في قَوْلِ الكُمَيْتِ:
؎وما لِي إلّا آلَ أحْمَدَ شِيعَةٌ ومالِي إلّا مَشْعَبَ الحَقِّ مَشْعَبُ
جَعَلَهم شِيعَةً لِنَفْسِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: بِمَ يَتَعَلَّقُ الظَّرْفُ ؟ قُلْتُ: بِما في الشِّيعَةِ مِن مَعْنى المُشايَعَةِ، يَعْنِي: وإنَّ مِمَّنْ شايَعَهُ عَلى دِينِهِ وتَقْواهُ حِينَ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ لَإبْراهِيمَ، أوْ بِمَحْذُوفٍ، وهو اذْكُرْ. انْتَهى. أمّا التَّخْرِيجُ الأوَّلُ فَلا يَجُوزُ؛ لِأنَّ فِيهِ الفَصْلَ بَيْنَ العامِلِ والمَعْمُولِ بِأجْنَبِيٍّ، وهو قَوْلُهُ ﴿لَإبْراهِيمَ﴾؛ لِأنَّهُ أجْنَبِيٌّ مِن شِيعَتِهِ ومِن إذْ، وزادَ المَنعُ، إذْ قَدَّرَهُ مِمَّنْ شايَعَهُ حِينَ جاءَ لَإبْراهِيمَ. وأيْضًا فَلامُ التَّوْكِيدِ يَمْنَعُ أنْ يَعْمَلَ ما قَبْلَها فِيما بَعْدَها. لَوْ قُلْتَ: إنَّ ضارِبًا بِالقادِمِ عَلَيْنا زَيْدًا، وتَقْدِيرُهُ: ضارِبًا زَيْدًا لَقادِمٌ عَلَيْنا، لَمْ يَجُزْ. وأمّا تَقْدِيرُهُ اذْكُرْ، فَهو المَعْهُودُ عِنْدَ المُعْرِبِينَ. ومَجِيئُهُ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ: إخْلاصُهُ الدِّينَ لِلَّهِ، وسَلامَةُ قَلْبِهِ: بَراءَتُهُ مِنَ الشِّرْكِ والشَّكِّ والنَّقائِصِ الَّتِي تَعْتَرِي القُلُوبَ مِنَ الغِلِّ والحَسَدِ والخُبْثِ والمَكْرِ والكِبْرِ ونَحْوِها. قالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: لَمْ يُعْلِنْ شَيْئًا قَطُّ. وقِيلَ: سَلِيمٌ مِنَ الشِّرْكِ ولا مَعْنًى لِلتَّخْصِيصِ. وأجازُوا في نَصْبِ ﴿أئِفْكًا﴾ وُجُوهًا: أحَدُها: أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِتُرِيدُونَ، والتَّهْدِيدُ لِأُمَّتِهِ، وهو اسْتِفْهامُ تَقْرِيرٍ، ولَمْ يَذْكُرِ ابْنُ عَطِيَّةَ غَيْرَ هَذا الوَجْهِ، وذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ قالَ: فَسَّرَ الإفْكَ بِقَوْلِهِ: آلِهَةً مِن دُونِ اللَّهِ، عَلى أنَّها إفْكٌ في أنْفُسِهِمْ. والثّانِي: أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا مِن أجْلِهِ أيْ: تُرِيدُونَ آلِهَةً مِن دُونِ اللَّهِ إفْكًا، (وآلِهَةً) مَفْعُولٌ بِهِ، وقَدَّمَهُ عِنايَةً بِهِ، وقَدَّمَ المَفْعُولَ لَهُ عَلى المَفْعُولِ بِهِ؛ لِأنَّهُ كانَ الأهَمَّ عِنْدَهُ أنْ يُكافِحَهم بِأنَّهم عَلى إفْكٍ وباطِلٍ في شِرْكِهِمْ، وبَدَأ بِهَذا الوَجْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ. والثّالِثُ: أنْ يَكُونَ حالًا، أيْ أتُرِيدُونَ آلِهَةً مِن دُونِ اللَّهِ آفَّكِينَ ؟ قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وجَعَلَ المَصْدَرَ حالًا لا يَطَّرِدُ إلّا مَعَ أمّا في نَحْوِ: أمّا عِلْمًا فَعالِمٌ.
﴿فَما ظَنُّكم بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ اسْتِفْهامُ تَوْبِيخٍ وتَحْذِيرٍ وتَوَعُّدٍ، أيْ: أيُّ شَيْءٍ ظَنُّكم بِمَن هو يَسْتَحِقُّ لِأنْ تَعْبُدُوهُ، إذْ هو رَبُّ العالَمِينَ حَتّى تَرَكْتُمْ عِبادَتَهُ وعَدَلْتُمْ بِهِ الأصْنامَ ؟ أيْ: أيُّ شَيْءٍ ظَنُّكم بِفِعْلِهِ مَعَكم مِن عِقابِكم، إذْ قَدْ عَبَدْتُمْ غَيْرَهُ ؟ كَما تَقُولُ: أسَأْتَ إلى فُلانٍ، فَما ظَنُّكَ بِهِ أنْ يُوقِعَ بِكَ خَيْرًا ما أسَأْتَ (p-٣٦٦)إلَيْهِ ؟ ولَمّا وبَّخَهم عَلى عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ، أرادَ أنْ يُرِيَهم أنَّ أصْنامَهم لا تَنْفَعُ ولا تَضُرُّ، فَعَهِدَ إلى ما يَجْعَلُهُ مُنْفَرِدًا بِها حَتّى يَكْسَرَها ويُبَيِّنَ لَهم حالَها وعَجْزَها.
﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً في النُّجُومِ﴾، والظّاهِرُ أنَّهُ أرادَ عِلْمَ الكَواكِبِ، وما يُعْزى إلَيْها مِنَ التَّأْثِيراتِ الَّتِي جَعَلَها اللَّهُ لَها. والظّاهِرُ أنَّ نَظَرَهُ كانَ فِيها، أيْ في عِلْمِها، أوْ في كِتابِها الَّذِي اشْتَمَلَ عَلى أحْوالِها وأحْكامِها. قِيلَ: وكانُوا يُعانُونَ ذَلِكَ، فَأتاهم مِنَ الجِهَةِ الَّتِي يُعانُونَها، وأوْهَمَهم بِأنَّهُ اسْتَدَلَّ بِأمارَةٍ في عِلْمِ النُّجُومِ أنَّهُ سَقِيمٌ، أيْ يُشارِفُ السُّقْمَ. قِيلَ: وهو الطّاعُونُ، وكانَ أغْلَبَ الأسْقامِ عَلَيْهِمْ إذْ ذاكَ، وخافُوا العَدْوى وهَرَبُوا مِنهُ إلى عِيدِهِمْ، ولِذَلِكَ قالَ ﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ﴾، قالَ مَعْناهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وتَرَكُوهُ في بَيْتِ الأصْنامِ فَفَعَلَ ما فَعَلَ. وقِيلَ: كانُوا أهْلَ رِعايَةٍ وفِلاحَةٍ، وكانُوا يَحْتاجُونَ إلى عِلْمِ النُّجُومِ. وقِيلَ: أرْسَلَ إلَيْهِمْ مَلِكَهم أنَّ غَدًا عِيدُنا، فاحْضُرْ مَعَنا، فَنَظَرَ إلى نَجْمٍ طالِعٍ فَقالَ: إنْ يَطْلُعْ مَعَ سَقَمِي. وقِيلَ: مَعْنى ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً في النُّجُومِ﴾، أيْ فِيما نَجَمَ إلَيْهِ مِن أُمُورِ قَوْمِهِ وحالِهِ مَعَهم، ومَعْنى ﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ﴾، أيْ لِكُفْرِهِمْ بِهِ واحْتِقارِهِمْ لَهُ، وقَوْلُهُ ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾، مِنَ المَعارِيضِ، عَرَّضَ أنَّهُ يَسْقُمُ في المَآلِ، أيْ يُشارِفُ السُّقْمَ. قِيلَ: وهو الطّاعُونُ، وكانَ أغْلَبَ، وفَهِمُوا مِنهُ أنَّهُ مُلْتَبِسٌ بِالسُّقْمِ، وابْنُ آدَمَ لا بُدَّ أنْ يَسْقَمَ، والمَثَلُ: كَفى بِالسَّلامَةِ داءً. قالَ الشّاعِرُ:
؎فَدَعَوْتُ رَبِّي بِالسَّلامَةِ جاهِدًا ∗∗∗ لِيَصِحَّنِي فَإذا السَّلامَةُ داءُ
وماتَ رَجُلٌ فَجْأةً، فاكْتَنَفَ عَلَيْهِ النّاسُ فَقالُوا: ماتَ وهو صَحِيحٌ، فَقالَ أعْرابِيٌّ: أصَحِيحٌ مِنَ المَوْتِ في عُنُقِهِ ؟ ﴿فَراغَ إلى آلِهَتِهِمْ﴾ أيْ أصْنامِهِمُ الَّتِي هي في زَعْمِهِمْ آلِهَةٌ، كَقَوْلِهِ ﴿أيْنَ شُرَكائِيَ﴾ [النحل: ٢٧]، وعَرَضَ الأكْلَ عَلَيْها. واسْتِفْهامُها عَنِ النُّطْقِ هو عَلى سَبِيلِ الهَزْءِ، لِكَوْنِها مُنْحَطَّةً عَنْ رُتْبَةِ عابِدِيها، إذْ هم يَأْكُلُونَ ويَنْطِقُونَ. ورُوِيَ أنَّهم كانُوا يَضَعُونَ عِنْدَها طَعامًا، ويَعْتَقِدُونَ أنَّها تُصِيبُ مِنهُ شَيْئًا، وإنَّما يَأْكُلُهُ خَدَمَتُها.
﴿فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِاليَمِينِ﴾ أيْ أقْبَلَ عَلَيْهِمْ مُسْتَخْفِيًا ضارِبًا، فَهو مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ، أوْ يَضْرِبُهم ضَرْبًا، فَهو مَصْدَرُ فِعْلٍ مَحْذُوفٍ، أوْ ضُمِّنَ فَراغَ عَلَيْهِمْ مَعْنى ضَرَبَهم، وبِاليَمِينِ: أيْ يَمِينِ يَدَيْهِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لِأنَّها أقْوى يَدَيْهِ أوْ بِقُوَّتِهِ؛ لِأنَّهُ قِيلَ: كانَ يَجْمَعُ يَدَيْهِ في الآلَةِ الَّتِي يَضْرِبُها بِها وهي الفَأْسُ. وقِيلَ: سَبَبُ الحَلِفِ الَّذِي هو ﴿وتاللَّهِ لَأكِيدَنَّ أصْنامَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٥٧] .
وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿يَزِفُّونَ﴾، بِفَتْحِ الياءِ، مِن زَفَّ: أسْرَعَ، أوْ مِن زِفافِ العَرُوسِ، وهو التَّمَهُّلُ في المِشْيَةِ، إذْ كانُوا في طُمَأْنِينَةٍ أنْ يَنالَ أصْنامَهم شَيْءٌ لِعِزَّتِهِمْ. وقَرَأ حَمْزَةُ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ: بِضَمِّ الياءِ مِن أزَفَّ: دَخَلَ في الزَّفِيفِ، فَهي لِلتَّعَدِّي، قالَهُ الأصْمَعِيُّ. وقَرَأ مُجاهِدٌ أيْضًا، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ، والضَّحّاكُ، ويَحْيى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ المُقْرِيُّ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: يَزِفُّونَ مُضارِعُ زَفَّ بِمَعْنى أسْرَعَ. وقالَ الكِسائِيُّ، والفَرّاءُ: لا نَعْرِفُها بِمَعْنى زَفَّ. وقالَ مُجاهِدٌ: الوَزِيفُ: السَّيَلانُ. وقُرِئَ: يُزَفُّونَ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. وقُرِئَ: يَزْفُونَ بِسُكُونِ الزّايِ، مِن زَفاهُ إذا حَداهُ، فَكانَ بَعْضُهم يَزْفُوا بَعْضًا لِتَسارُعِهِمْ إلَيْهِ. وبَيْنَ قَوْلِهِ ﴿فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِاليَمِينِ﴾ وبَيْنَ قَوْلِهِ ﴿فَأقْبَلُوا إلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾ جُمَلٌ مَحْذُوفَةٌ هي مَذْكُورَةٌ في سُورَةِ اقْتَرَبَ، ولا تَعارُضَ بَيْنَ قَوْلِهِ ﴿فَأقْبَلُوا إلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾ وبَيْنَ سُؤالِهِمْ ﴿مَن فَعَلَ هَذا بِآلِهَتِنا﴾ [الأنبياء: ٥٩]، وإخْبارُ مَن عَرَضَ بِأنَّهُ إبْراهِيمُ كانَ يَذْكُرُ أصْنامَهم؛ لِأنَّ هَذا الإقْبالَ كانَ يَقْتَضِي تِلْكَ الجُمَلَ المَحْذُوفَةَ، أيْ فَأقْبَلُوا إلَيْهِ، أيْ إلى الإنْكارِ عَلَيْهِ في كَسْرِ أصْنامِهِمْ وتَأْنِيبِهِ عَلى ذَلِكَ. ولَيْسَ هَذا الإقْبالُ مِن عِنْدِهِمْ، بَلْ بَعْدَ مَجِيئِهِمْ مِن عِنْدِهِمْ جَرَتَ تِلْكَ المُفاوَضاتُ المَذْكُورَةُ في سُورَةِ اقْتَرَبَ.
واسْتَسْلَفَ الزَّمَخْشَرِيُّ في كَلامِهِ أشْياءَ لَمْ تَتَضَمَّنْها الآياتُ صارَتِ الآياتُ عِنْدَهُ بِها كالمُتَناقِضَةِ
قالَ حَيْثُ ذَكَرَ هاهُنا أنَّهم أدْبَرُوا عَنْهُ خِيفَةَ العَدْوى فَلَمّا أبْصَرُوهُ يَكْسِرُ أصْنامَهم أقْبَلُوا إلَيْهِ مُتَبادِرِينَ لِيَكُفُّوهُ ويُوقِعُوا بِهِ وذِكْرَتُهم أنَّهم سَألُوا عَنِ الكاسِرِ حَتّى قِيلَ سَمِعْنا إبْراهِيمَ (p-٣٦٧)يَذُمُّهم، فَلَعَلَّهُ هو الكاسِرُ. فَفي إحْداهُما أنَّهم شاهَدُوهُ يَكْسِرُها، وفِيِ الأُخْرى أنَّهُمُ اسْتَدَلُّوا بِذَمِّهِ عَلى أنَّهُ الكاسِرُ. انْتَهى ما أبْدى مِنَ التَّناقُضِ، ولَيْسَ في الآياتِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهم أبْصَرُوهُ يَكْسِرُهم، فَيَكُونُ فِيهِ كالتَّناقُضِ. ولَمّا قُرِّرَ أنَّهُ كالتَّناقُضِ قالَ: قُلْتُ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ الَّذِينَ أبْصَرُوهُ وزَفُّوا إلَيْهِ نَفَرًا مِنهم دُونَ جُمْهُورِهِمْ وكُبَرائِهِمْ، فَلَمّا رَجَعَ الجُمْهُورُ والعَلِيَّةُ مِن عِنْدِهِمْ إلى بَيْتِ الأصْنامِ لِيَأْكُلُوا الطَّعامَ الَّذِي وضَعُوهُ عِنْدَها لِتَبَرَّكَ عَلَيْهِ ورَأوْها مَكْسُورَةً، اشْمَأزُّوا مِن ذَلِكَ وسَألُوا مَن فَعَلَ هَذا بِها ؟ لَمْ يَنِمَّ عَلَيْهِ أُولَئِكَ النَّفَرُ نَمِيمَةً صَرِيحَةً، ولَكِنْ عَلى سَبِيلِ التَّوْرِيَةِ والتَّعْرِيضِ بِقَوْلِهِمْ: سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهم لِبَعْضِ الصَّوارِفِ. والثّانِي: أنْ يَكْسَرَها ويَذْهَبَ ولا يَشْعُرَ بِذَلِكَ أحَدٌ، ويَكُونَ إقْبالُهم إلَيْهِ يَزِفُّونَ بَعْدَ رُجُوعِهِمْ مِن عِيدِهِمْ، وسُؤالِهِمْ عَنِ الكاسِرِ، وقَوْلُهم: ﴿قالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلى أعْيُنِ النّاسِ﴾ [الأنبياء: ٦١] . انْتَهى. وهَذا الوَجْهُ الثّانِي الَّذِي ذُكِرَ هو الصَّحِيحُ.
﴿قالَ أتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ﴾ اسْتِفْهامُ تَوْبِيخٍ وإنْكارٍ عَلَيْهِمْ، كَيْفَ هم يَعْبُدُونَ صِوَرًا صَوَّرُوها بِأيْدِيِهِمْ وشَكَّلُوها عَلى ما يُرِيدُونَ مِنَ الأشْكالِ ؟ ﴿واللَّهُ خَلَقَكم وما تَعْمَلُونَ﴾ الظّاهِرُ أنَّ (ما) مَوْصُولَةٌ بِمَعْنى الَّذِي مَعْطُوفَةٌ عَلى الضَّمِيرِ في خَلَقَكم، أيْ أنْشَأ ذَواتَكم وذَواتَ ما تَعْمَلُونَ مِنَ الأصْنامِ، والعَمَلُ هُنا هو التَّصْوِيرُ والتَّشْكِيلُ، كَما يَقُولُ: عَمِلَ الصّائِغُ الخَلْخالَ، وعَمِلَ الحَدّادُ القُفْلَ، والنَّجّارُ الخِزانَةَ؛ ويُحْمَلُ ذَلِكَ عَلى أنَّ (ما) بِمَعْنى (الَّذِي) يَتِمُّ الِاحْتِجاجُ عَلَيْهِمْ، بِأنَّ كُلًّا مِنَ الصَّنَمِ وعابِدِهِ هو مَخْلُوقٌ لِلَّهِ تَعالى، والعابِدُ هو المُصَوِّرُ ذَلِكَ المَعْبُودَ، فَكَيْفَ يَعْبُدُ مَخْلُوقٌ مَخْلُوقًا ؟ وكِلاهُما خَلَقَ اللَّهُ، وهو المُنْفَرِدُ بِإنْشاءِ ذَواتِهِما. والعابِدُ مُصَوِّرٌ الصَّنَمَ مَعْبُودَهُ. وما في: (وما ﴿تَنْحِتُونَ﴾) بِمَعْنى الَّذِي، فَكَذَلِكَ في ﴿وما تَعْمَلُونَ﴾ لِأنَّ نَحْتَهم هو عَمَلُهم. وقِيلَ: (ما) مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ خَلَقَكم وعَمَلَكم، وجَعَلُوا ذَلِكَ قاعِدَةً عَلى خَلْقِ اللَّهِ أفْعالَ العِبادِ. وقَدْ بَدَّدَ الزَّمَخْشَرِيُّ تَقابُلَ هَذِهِ المَقالَةِ بِما يُوقَفُ عَلَيْهِ في كِتابِهِ. وقِيلَ: (ما) اسْتِفْهامٌ إنْكارِيٌّ، أيْ: وأيُّ شَيْءٍ تَعْمَلُونَ في عِبادَتِكم أصْنامًا تَنْحِتُونَها ؟ أيْ لا عَمَلَ لَكم يُعْتَبَرُ. وقِيلَ: ما نافِيَةٌ، أيْ وما أنْتُمْ تَعْمَلُونَ شَيْئًا في وقْتِ خَلْقِكم ولا تَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ. وكَوْنُ ما مَصْدَرِيَّةً واسْتِفْهامِيَّةً ونَعْتًا، أقْوالٌ مُتَعَلِّقَةٌ خارِجَةٌ عَنْ طَرِيقِ البَلاغَةِ. ولَمّا غَلَبَهم إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِالحُجَّةِ، مالُوا إلى الغَلَبَةِ بِقُوَّةِ الشَّوْكَةِ والجَمْعِ فَقالُوا: ﴿ابْنُوا لَهُ بُنْيانًا﴾ أيْ: في مَوْضِعِ إيقادِ النّارِ. وقِيلَ: هو المَنجَنِيقُ الَّذِي رُمِيَ عَنْهُ. وأرادُوا بِهِ كَيْدًا، فَأبْطَلَ اللَّهُ مَكْرَهم، وجَعَلَهُمُ الأخْسَرِينَ الأسْفَلِينَ، وكَذا عادَةُ مَن غُلِبَ بِالحُجَّةِ رَجَعَ إلى الكَيْدِ.
الصافات 37:99
(p-٣٦٨)﴿وقالَ إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ ﴿فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ يابُنَيَّ إنِّي أرى في المَنامِ أنِّي أذْبَحُكَ فانْظُرْ ماذا تَرى قالَ يا أبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ ﴿فَلَمّا أسْلَما وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ ﴿ونادَيْناهُ أنْ ياإبْراهِيمُ﴾ ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّ هَذا لَهو البَلاءُ المُبِينُ﴾ ﴿وفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى إبْراهِيمَ﴾ ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿وبارَكْنا عَلَيْهِ وعَلى إسْحاقَ ومِن ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ ﴿ولَقَدْ مَنَنّا عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ [الصافات: ١١٤] ﴿ونَجَّيْناهُما وقَوْمَهُما مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ [الصافات: ١١٥] ﴿ونَصَرْناهم فَكانُوا هُمُ الغالِبِينَ﴾ [الصافات: ١١٦] ﴿وآتَيْناهُما الكِتابَ المُسْتَبِينَ﴾ [الصافات: ١١٧] ﴿وهَدَيْناهُما الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ [الصافات: ١١٨] ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِما في الآخِرِينَ﴾ [الصافات: ١١٩] ﴿سَلامٌ عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ [الصافات: ١٢٠] ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ [الصافات: ١٢١] ﴿إنَّهُما مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ [الصافات: ١٢٢] ﴿وإنَّ إلْياسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٢٣] ﴿إذْ قالَ لِقَوْمِهِ ألا تَتَّقُونَ﴾ [الصافات: ١٢٤] ﴿أتَدْعُونَ بَعْلًا وتَذَرُونَ أحْسَنَ الخالِقِينَ﴾ [الصافات: ١٢٥] ﴿اللَّهَ رَبَّكم ورَبَّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ [الصافات: ١٢٦] ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ [الصافات: ١٢٧] ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ [الصافات: ١٢٨] ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ [الصافات: ١٢٩] ﴿سَلامٌ عَلى إلْ ياسِينَ﴾ [الصافات: ١٣٠] ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ [الصافات: ١٣١] ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ [الصافات: ١٣٢] ﴿وإنَّ لُوطًا لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٣٣] ﴿إذْ نَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ﴾ [الصافات: ١٣٤] ﴿إلّا عَجُوزًا في الغابِرِينَ﴾ [الصافات: ١٣٥] ﴿ثُمَّ دَمَّرْنا الآخَرِينَ﴾ [الصافات: ١٣٦] ﴿وإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ﴾ [الصافات: ١٣٧] ﴿وبِاللَّيْلِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات: ١٣٨] ﴿وإنَّ يُونُسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٣٩] ﴿إذْ أبَقَ إلى الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ [الصافات: ١٤٠] ﴿فَساهَمَ فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ﴾ [الصافات: ١٤١] ﴿فالتَقَمَهُ الحُوتُ وهو مُلِيمٌ﴾ [الصافات: ١٤٢] ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ [الصافات: ١٤٣] ﴿لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الصافات: ١٤٤] ﴿فَنَبَذْناهُ بِالعَراءِ وهو سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ١٤٥] ﴿وأنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِن يَقْطِينٍ﴾ [الصافات: ١٤٦] ﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ١٤٧] ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾ [الصافات: ١٤٨] ﴿فاسْتَفْتِهِمْ ألِرَبِّكَ البَناتُ ولَهُمُ البَنُونَ﴾ [الصافات: ١٤٩] ﴿أمْ خَلَقْنا المَلائِكَةَ إناثًا وهم شاهِدُونَ﴾ [الصافات: ١٥٠] ﴿ألا إنَّهم مِن إفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ﴾ [الصافات: ١٥١] ﴿ولَدَ اللَّهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ [الصافات: ١٥٢] ﴿أاصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ﴾ [الصافات: ١٥٣] ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [الصافات: ١٥٤] ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [الصافات: ١٥٥] ﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾ [الصافات: ١٥٦] ﴿فَأْتُوا بِكِتابِكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [الصافات: ١٥٧] ﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا ولَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ إنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ [الصافات: ١٥٨] ﴿سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ [الصافات: ١٥٩] ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ [الصافات: ١٦٠] ﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ﴾ [الصافات: ١٦١] ﴿ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ﴾ [الصافات: ١٦٢] ﴿إلّا مَن هو صالِي الجَحِيمِ﴾ [الصافات: ١٦٣] ﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات: ١٦٤] ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾ [الصافات: ١٦٥] ﴿وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾ [الصافات: ١٦٦] ﴿وإنْ كانُوا لَيَقُولُونَ﴾ [الصافات: ١٦٧] ﴿لَوْ أنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا مِنَ الأوَّلِينَ﴾ [الصافات: ١٦٨] ﴿لَكُنّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ [الصافات: ١٦٩] ﴿فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الصافات: ١٧٠] ﴿ولَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٧١] ﴿إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ﴾ [الصافات: ١٧٢] ﴿وإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ﴾ [الصافات: ١٧٣] ﴿فَتَوَلَّ عَنْهم حَتّى حِينٍ﴾ [الصافات: ١٧٤] ﴿وأبْصِرْهم فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ [الصافات: ١٧٥] ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ [الصافات: ١٧٦] ﴿فَإذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ فَساءَ صَباحُ المُنْذَرِينَ﴾ [الصافات: ١٧٧] ﴿وتَوَلَّ عَنْهم حَتّى حِينٍ﴾ [الصافات: ١٧٨] ﴿وأبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ [الصافات: ١٧٩] ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ [الصافات: ١٨٠] ﴿وسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٨١] ﴿والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الصافات: ١٨٢] تَلَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ: صَرَعَهُ عَلى شِقِّهِ، وقِيلَ: وضَعَهُ بِقُوَّةٍ. وقالَ ساعِدَةُ بْنُ حَوْبَةَ:
؎وتَلَّ تَلِيلًا لِلْجَبِينِ ولِلْفَمِ
والجَبِينانِ: ما اكْتَنَفَ مِن هُنا ومِن هُنا، وشَذَّ جَمْعُ الجَبِينِ عَلى أجْبُنٍ، وقِياسُهُ في القِلَّةِ أجْبِنَةٌ، كَكَثِيبٍ وأكْثِبَةٍ، وفي الكَثْرَةِ: جَبَناتٌ وجُبُنٌ، كَكُثُباتٌ وكُثُبٌ. الذَّبْحُ: اسْمُ ما يُذْبَحُ، كالرَّعْيِ اسْمُ ما يُرْعى. أبَقَ: هَرَبَ. ساهَمَ: قارَعَ. المُدْحَضُ: المَقْلُوبُ. الحُوتُ: مَعْرُوفٌ. ألامَ: أتى بِما يُلامُ عَلَيْهِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎وكَمْ مِن مُلِيمٍ لَمْ يُصَبْ بِمُلامَةٍ ∗∗∗ ومُتَّبِعٍ بِالذَّنْبِ لَيْسَ لَهُ ذَنْبُ
العَراءُ: الأرْضُ الفَيْحاءُ لا شَجَرَ فِيها ولا يُعْلَمُ، قالَ الشّاعِرُ:
؎ورَفَعْتُ رِجْلًا لا أخافُ عِثارَها ∗∗∗ ونَبَذْتُ بِالمِينِ العَراءِ ثِيابِي
اليَقْطِينُ: يَفْعِيلٌ كاليَفْصِيدِ، مِن قَطَنَ: أقامَ بِالمَكانِ، وهو بِالمَكانِ، وهو ما كانَ مِنَ الشَّجَرِ لا يَقُومُ عَلى ساقٍ مِن عُودٍ، كَشَجَرِ البِطِّيخِ والحَنْظَلِ والقِثّاءِ. السّاحَةُ: الفِناءُ، وجَمْعُها سُوحٌ، قالَ الشّاعِرُ:
؎فَكانَ سِيّانِ أنْ لا يَسْرَحُوا نَعَمًا ∗∗∗ أوْ يَسْرَحُوهُ بِها واغْبَرَّتِ السُّوحُ
(p-٣٦٩)
﴿وقالَ إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ ﴿فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ يابُنَيَّ إنِّي أرى في المَنامِ أنِّي أذْبَحُكَ فانْظُرْ ماذا تَرى قالَ يا أبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ ﴿فَلَمّا أسْلَما وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ ﴿ونادَيْناهُ أنْ ياإبْراهِيمُ﴾ ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّ هَذا لَهو البَلاءُ المُبِينُ﴾ ﴿وفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى إبْراهِيمَ﴾ ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿وبارَكْنا عَلَيْهِ وعَلى إسْحاقَ ومِن ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ .
لَمّا سَلَّمَهُ اللَّهُ مِنهم ومِنَ النّارِ الَّتِي ألْقَوْهُ فِيها، عَزَمَ عَلى مُفارَقَتِهِمْ، وعَبَّرَ بِالذَّهابِ إلى رَبِّهِ عَنْ هِجْرَتِهِ إلى أرْضِ الشّامِ. كَما قالَ (﴿إنِّي مُهاجِرٌ إلى رَبِّي﴾ [العنكبوت: ٢٦] لِيَتَمَكَّنَ مِن عِبادَةِ رَبِّهِ ويَتَضَرَّعَ لَهُ مِن غَيْرِ أنْ يَلْقى مَن يُشَوِّشُ عَلَيْهِ، فَهاجَرَ مِن أرْضِ بابِلَ، مِن مَمْلَكَةِ نُمْرُودٍ، إلى الشّامِ. وقِيلَ: إلى أرْضِ مِصْرَ. ويَبْعُدُ قَوْلُ مَن قالَ: لَيْسَ المُرادُ بِذَهابِهِ الهِجْرَةَ، وإنَّما مُرادُهُ لِقاءُ اللَّهِ بَعْدَ الإحْراقِ، ظانًّا مِنهُ أنَّهُ سَيَمُوتُ في النّارِ، فَقالَها قَبْلَ أنْ يُطْرَحَ في النّارِ. و( سَيَهْدِينِ) أيْ إلى الجَنَّةِ، نَحا إلى هَذا قَتادَةُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ﴾ يَدْفَعُ هَذا القَوْلَ، والمُعْتَقِدُ أنَّهُ يَمُوتُ في النّارِ لا يَدْعُو بِأنْ يَهَبَ اللَّهُ لَهُ ولَدًا صالِحًا. (سَيَهْدِينِ) يُوَفِّقُنِي إلى ما فِيهِ صَلاحِي.
﴿مِنَ الصّالِحِينَ﴾ أيْ ولَدًا يَكُونُ في عِدادِ الصّالِحِينَ. ولَفْظُ الهِبَةِ غَلَبَ في الوَلَدِ، وإنْ كانَ قَدْ جاءَ في الأخِ، كَقَوْلِهِ ﴿ووَهَبْنا لَهُ مِن رَحْمَتِنا أخاهُ هارُونَ نَبِيًّا﴾ [مريم: ٥٣] . واشْتَمَلَتِ البِشارَةُ عَلى ذُكُورِيَّةِ المَوْلُودِ وبُلُوغِهِ سِنَّ الحُلُمِ ووَصْفِهِ بِالحِلْمِ، وأيُّ حِلْمٍ أعْظَمُ مِن قَوْلِهِ، وقَدْ عَرَضَ عَلَيْهِ أبُوهُ الذَّبْحَ ﴿سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّابِرِينَ﴾
﴿فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾، بَيْنَ هَذِهِ الجُمْلَةِ والَّتِي قَبْلَها مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: فَوُلِدَ لَهُ وشَبَّ.
﴿فَلَمّا بَلَغَ﴾ أيْ أنْ يَسْعى مَعَ أبِيهِ في أشْغالِهِ وحَوائِجِهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ: والَسَّعْيُ هُنا: العَمَلُ والعِبادَةُ والمَعُونَةُ. وقالَ قَتادَةُ: السَّعْيُ عَلى القَدَمِ، يُرِيدُ سَعْيًا مُتَمَكِّنًا، وفِيهِ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لا يَصِحُّ تَعَلُّقُهُ بِبَلَغَ بِهِ بُلُوغُهُما مَعًا حَدَّ السَّعْيِ ولا بِالسَّعْيِ؛ لِأنَّ أصْلَهُ المَصْدَرُ لا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ، فَنَفى أنْ يَكُونَ بَيانًا، كَأنَّهُ لَمّا قالَ ﴿فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾، أيِ الحَدَّ الَّذِي يَقْدِرُ فِيهِ عَلى السَّعْيِ، قِيلَ: مَعَ مَن ؟ فَقالَ: مَعَ أبِيهِ، والمَعْنى في اخْتِصاصِ الأبِّ أنَّهُ أرْفَقُ النّاسِ وأعْطَفُهم عَلَيْهِ وعَلى غَيْرِهِ وبِما عَنَّفَ عَلَيْهِ في الِاسْتِسْعاءِ، فَلا يَحْتَمِلُهُ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَسْتَحْكِمْ قَوْلَهُ، ولَمْ يَطْلُبْ عَوْدَهُ، وكانَ إذْ ذاكَ ابْنَ ثَلاثَ عَشْرَةَ سَنَةً. انْتَهى.
﴿قالَ يابُنَيَّ﴾ نِداءُ شَفَقَةٍ وتَرَحُّمٍ.
﴿إنِّي أرى في المَنامِ أنِّي أذْبَحُكَ﴾ أيْ بِأمْرٍ مِنَ اللَّهِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿افْعَلْ ما تُؤْمَرُ﴾ . ورُؤْيا الأنْبِياءِ وحْيٌ كاليَقَظَةِ، وذِكْرُهُ لَهُ الرُّؤْيا تَجْسِيرٌ عَلى احْتِمالِ تِلْكَ البَلِيَّةِ العَظِيمَةِ. وشاوَرَهُ بِقَوْلِهِ ﴿فانْظُرْ ماذا تَرى﴾ وإنْ كانَ حَتْمًا مِنَ اللَّهِ لِيَعْلَمَ ما عِنْدَهُ مِن تَلَقِّي هَذا الِامْتِحانِ العَظِيمِ، ويُصَبِّرَهُ إنْ جَزَعَ، ويُوَطِّنَ نَفْسَهُ عَلى مُلاقاةِ هَذا البَلاءِ، وتَسْكُنَ نَفْسُهُ لِما لا بُدَّ مِنهُ، إذْ مُفاجَأةُ البَلاءِ قَبْلَ الشُّعُورِ بِهِ أصْعَبُ عَلى النَّفْسِ، وكانَ ما رَآهُ في المَنامِ ولَمْ يَكُنْ في اليَقَظَةِ، كَرُؤْيا يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ورُؤْيا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ دُخُولَ المَسْجِدِ الحَرامِ، لِيَدُلَّ عَلى أنَّ حالَتَيِ الأنْبِياءِ يَقَظَةً ومَنامًا سَواءٌ في الصِّدْقِ مُتَظافِرَتانِ عَلَيْهِ. قِيلَ: إنَّهُ حِينَ بَشَّرَتِ المَلائِكَةُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ قالَ: هو إذَنْ ذَبِيحُ اللَّهِ. فَلَمّا بَلَغَ حَدَّ السَّعْيِ مَعَهُ قِيلَ لَهُ: أوْفِ بِنَذْرِكَ. قِيلَ: رَأى لَيْلَةَ التَّرْوِيَةِ قائِلًا يَقُولُ لَهُ: إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ بِذَبْحِ ابْنِكَ هَذا. فَلَمّا أصْبَحَ، رَوّى في ذَلِكَ مِنَ الصَّباحِ إلى الرَّواحِ. أمِنَ اللَّهِ هَذا الحُلْمُ ؟، فَمِن ثَمَّ سُمِّيَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ. فَلَمّا أمْسَ رَأى مِثْلَ ذَلِكَ، فَعَرَفَ أنَّهُ مِنَ اللَّهِ، فَمِن ثَمَّ سُمِّيَ يَوْمَ عَرَفَةَ. ثُمَّ رَأى مِثْلَهُ في اللَّيْلَةِ الثّالِثَةِ، فَهَمَّ بِنَحْرِهِ، فَسُمِّيَ يَوْمَ النَّحْرِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: (p-٣٧٠)(تَرى)، بِفَتْحِ التّاءِ والرّاءِ؛ وعَبْدُ اللَّهِ، والأسْوَدُ بْنُ يَزِيدَ، وابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ، ومُجاهِدٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ الرّاءِ؛ والضَّحّاكُ، والأعْمَشُ أيْضًا بِضَمِّ التّاءِ وفَتْحِ الرّاءِ. فالأوَّلُ مِنَ الرَّأْيِ، والثّانِي ماذا تَرَيَنِّيهِ وما تُبْدِيهِ لِأنْظُرَ فِيهِ ؟ والثّالِثُ ما الَّذِي يُخَيَّلُ إلَيْكَ ويُوقَعُ في قَلْبِكَ ؟ و(انْظُرْ) مُعَلَّقَةٌ، وماذا اسْتِفْهامٌ. فَإنْ كانَتْ (ذا) مَوْصُولَةً بِمَعْنى الَّذِي، فَـ (ما) مُبْتَدَأٌ، والفِعْلُ بَعْدَ (ذا) صِلَةٌ. وإنْ كانَتْ (ذا) مُرَكَّبَةً، فَفي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِالفِعْلِ بَعْدَها. والجُمْلَةُ، واسْمُ الِاسْتِفْهامِ الَّذِي هو مَعْمُولٌ لِلْفِعْلِ بَعْدَهُ في مَوْضِعِ نَصْبِ انْظُرْ. ولَمّا كانَ خِطابُ الأبِّ (يا بُنَيَّ)، عَلى سَبِيلِ التَّرَحُّمِ، قالَ: هو (يا أبَتِ)، عَلى سَبِيلِ التَّعْظِيمِ والتَّوْقِيرِ.
﴿افْعَلْ ما تُؤْمَرُ﴾ أيْ ما تُؤْمَرُهُ، حَذَفَهُ وهو مَنصُوبٌ، وأصْلُهُ ما تُؤْمَرُ بِهِ، فَحُذِفَ الحَرْفُ، واتَّصَلَ الضَّمِيرُ مَنصُوبًا، فَجازَ حَذْفُهُ لِوُجُودِ شَرائِطِ الحَذْفِ فِيهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ أمَرَكَ، عَلى إضافَةِ المَصْدَرِ إلى المَفْعُولِ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، وفي ذَلِكَ خِلافٌ. هَلْ يُعْتَقَدُ في المَصْدَرِ العامِلِ أنْ يَجُوزَ أنْ يُبْنى لِلْمَفْعُولِ، فَيَكُونَ ما بَعْدَهُ مَفْعُولًا لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، أمْ يَكُونَ ذَلِكَ ؟ ﴿سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ كَلامُ مَن أُوتِيَ الحِلْمَ والصَّبْرَ والِامْتِثالَ لِأمْرِ اللَّهِ، والرِّضا بِما أمَرَ اللَّهُ.
﴿فَلَمّا أسْلَما﴾ أيْ لِأمْرِ اللَّهِ، ويُقالُ: اسْتَسْلَمَ وسَلَّمَ بِمَعْناهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: أسْلَما. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وعَلِيٌّ، وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ، وجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، والأعْمَشُ، والثَّوْرِيُّ: سَلَّما: أيْ فَوَّضا إلَيْهِ في قَضائِهِ وقَدَرِهِ. وقُرِئَ: اسْتَسْلَما، ثَلاثُ قِراءاتٍ. وقالَ قَتادَةُ في أسْلَما: أسْلَمَ هَذا ابْنَهُ، وأسْلَمَ هَذا نَفْسَهُ، فَجَعَلَ أسْلَما مُتَعَدِّيًا، وغَيْرَهُ جَعَلَهُ لازِمًا بِمَعْنى: انْقادا لِأمْرِ اللَّهِ وخَضَعا لَهُ.
﴿وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ أيْ أوْقَعَهُ عَلى أحَدِ جَنْبَيْهِ في الأرْضِ مُباشِرًا الأمْرَ بِصَبْرٍ وجَلَدٍ، وذَلِكَ عِنْدَ الصَّخْرَةِ الَّتِي بِمِنًى، وعَنِ الحَسَنِ: في المَوْضِعِ المُشْرِفِ عَلى مَسْجِدِ مِنًى؛ وعَنِ الضَّحّاكِ: في المَنحَرِ الَّذِي يُنْحَرُ فِيهِ اليَوْمَ. وجَوابُ (لَمّا) مَحْذُوفٌ يُقَدَّرُ بَعْدَ ﴿وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾، أيْ أجْزَلْنا أجْرَهُما، قالَهُ بَعْضُ البَصْرِيِّينَ، أوْ بَعْدَ ﴿الرُّؤْيا﴾ أيْ: كانَ ما كانَ مِمّا تَنْطِقُ بِهِ الحالُ ولا يُحِيطُ بِهِ الوَصْفُ مِنِ اسْتِبْشارِهِما وحَمْدِهِما اللَّهَ عَلى ما أنْعَمَ بِهِ إلى ألْفاظٍ كَثِيرَةٍ ذَكَرَها الزَّمَخْشَرِيُّ عَلى عادَتِهِ في خَطابَتِهِ، أوْ قَبْلَ ﴿وتَلَّهُ﴾ تَقْدِيرُهُ ﴿فَلَمّا أسْلَما وتَلَّهُ﴾ . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهو قَوْلُ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ، وهو عِنْدَهم كَقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:
؎فَلَمّا أجَزْنا ساحَةَ الحَيِّ وانْتَحى
وقالَ الكُوفِيُّونَ: الجَوابُ مُثْبَتٌ، وهو ﴿ونادَيْناهُ﴾ عَلى زِيادَةِ الواوِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو ﴿وتَلَّهُ﴾ عَلى زِيادَةِ الواوِ. وذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ في قِصَّةِ إبْراهِيمَ وابْنِهِ، وما جَرى بَيْنَهُما مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ فُصُولًا، اللَّهُ أعْلَمُ بِصِحَّتِها، يُوقِفُ عَلَيْها في كِتابِهِ. و(أنْ) مُفَسِّرَةٌ؛ أيْ ﴿قَدْ صَدَّقْتَ﴾ . وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: ونادَيْناهُ قَدْ صَدَّقَتْ، بِحَذْفِ (أنْ)، وقُرِئَ: صَدَقْتَ، بِتَخْفِيفِ الدّالِ. وقَرَأ فَيّاضٌ: الرِّيّا، بِكَسْرِ الرّاءِ والإدْغامِ وتَصْدِيقِ الرُّؤْيا. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بَذَلَ وِسْعَهُ وفَعَلَ ما يَفْعَلُ الذّابِحُ مِن بَطْحِهِ عَلى شِقِّهِ وإمْرارِ الشَّفْرَةِ عَلى حَلْقِهِ، لَكِنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ جاءَ بِما مَنَعَ الشَّفْرَةَ أنْ تَمْضِيَ فِيهِ، وهَذا لا يَقْدَحُ في فِعْلِ إبْراهِيمَ. ألا تَرى أنَّهُ لا يُسَمّى عاصِيًا ولا مُفَرِّطًا ؟ بَلْ يُسَمّى مُطِيعًا ومُجْتَهِدًا، كَما لَوْ مَضَتْ فِيهِ الشَّفْرَةُ وفَرَتِ الأوْداجَ وأنْهَرَتِ الدَّمَ. ولَيْسَ هَذا مِن وُرُودِ النَّسْخِ عَلى المَأْمُورِ بِهِ قَبْلَ الفِعْلِ، ولا قَبْلَ أوانِ الفِعْلِ في شَيْءٍ، كَما يَسْبِقُ إلى بَعْضِ الأوْهامِ حَتّى يَشْتَغِلَ بِالكَلامِ فِيهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ ﴿قَدْ صَدَّقْتَ﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ بِقَلْبِكَ عَلى مَعْنى: كانَتْ عِنْدَكَ رُؤْياكَ صادِقَةً حَقًّا مِنَ اللَّهِ فَعَمِلْتَ بِحَسَبِها حِينَ آمَنتَ بِها، واعْتَقَدْتَ صِدْقَها. ويَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ: صَدَّقْتَ بِقَلْبِكَ ما حَصَلَ عَنِ الرُّؤْيا في نَفْسِكَ، كَأنَّهُ قالَ: قَدْ وفَّيْتَها حَقَّها مِنَ العَمَلِ. انْتَهى.
﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ تَعْلِيلٌ لِتَخْوِيلِ ما خَوَّلَهُما اللَّهُ مِنَ الفَرَجِ بَعْدَ الشِّدَّةِ، والظَّفَرِ بِالبُغْيَةِ بَعْدَ اليَأْسِ.
(إنَّ هَذا) أيْ ما أُمِرَ بِهِ إبْراهِيمُ مِن ذَبْحِ ابْنِهِ، ﴿لَهُوَ البَلاءُ المُبِينُ﴾ أيِ الِاخْتِبارُ البَيِّنُ الَّذِي يَتَمَيَّزُ فِيهِ المُخْلِصُونَ وغَيْرُهم، أوِ المِحْنَةُ البَيِّنَةُ الصُّعُوبَةِ الَّتِي لا مِحْنَةَ أصْعَبُ مِنها.
﴿وفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو (p-٣٧١)الكَبْشُ الَّذِي قَرَّبَهُ هابِيلُ فَقُبِلَ مِنهُ، وكانَ يَرْعى في الجَنَّةِ حَتّى فُدِيَ بِهِ إسْماعِيلُ. وقالَ أيْضًا هو والحَسَنُ: فُدِيَ بِوَعْلٍ أُهْبِطَ عَلَيْهِ مِن سَرْوٍ. وقالَ الجُمْهُورُ: كَبْشٌ أبْيَضُ أقْرَنُ أقْنى، ووُصِفَ بِالعِظَمِ. قالَ مُجاهِدٌ: لِأنَّهُ مُتَقَبَّلٌ يَقِينًا. وقالَ عَمْرُو بْنُ عَبِيدٍ: لِأنَّهُ جَرَتِ السُّنَّةُ بِهِ، وصارَ دِينًا باقِيًا إلى آخِرِ الدَّهْرِ. وقالَ الحَسَنُ بْنُ الفَضْلِ: لِأنَّهُ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ. وقالَ أبُو بَكْرٍ الوَرّاقُ: لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَنْ نَسْلٍ، بَلْ عَنِ التَّكْوِينِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ: عَظَمَتُهُ كَوْنُهُ مِن كِباشِ الجَنَّةِ، رُعِيَ فِيها أرْبَعِينَ خَرِيفًا. وفي قَوْلِهِ ﴿وفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّ إبْراهِيمَ لَمْ يَذْبَحِ ابْنَهُ، وقَدْ فُدِيَ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: وقَعَ الذَّبْحُ وقامَ بَعْدَ ذَلِكَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا كَذِبٌ صُراحٌ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: لَمْ يَرَ إبْراهِيمُ في مَنامِهِ الإمْرارَ بِالشَّفْرَةِ فَقَطْ، فَظَنَّ أنَّهُ ذِبْحٌ مُجَهَّزٌ، فَنَفَّذَ لِذَلِكَ. فَلَمّا وقَعَ الَّذِي رَآهُ وقَعَ النَّسْخُ، قالَ: ولا اخْتِلافَ، فَإنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، أمَرَّ الشَّفْرَةَ عَلى حَلْقِ ابْنِهِ فَلَمْ تَقْطَعْ. انْتَهى. والَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ القُرْآنُ أنَّهُ ﴿وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ فَقَطْ، ولَمْ يَأْتِ في حَدِيثٍ صَحِيحٍ «أنَّهُ أمَرَّ الشَّفْرَةَ عَلى حَلْقِ ابْنِهِ». ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ﴾ إلى (المُؤْمِنِينَ) تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِهِ في آخِرِ قِصَّةِ نُوحٍ، قَبْلَ قِصَّةِ إبْراهِيمَ هُنا، وقالَ هُنا كَذَلِكَ دُونَ إنّا اكْتِفاءً بِذِكْرِ ذَلِكَ قَبْلُ وبَعْدُ.
﴿وبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ الظّاهِرُ أنَّ هَذِهِ بِشارَةٌ غَيْرُ تِلْكَ البِشارَةِ، وأنَّ الغُلامَ الحَلِيمَ المُبَشَّرَ بِهِ إبْراهِيمُ هو إسْماعِيلُ، وأنَّهُ هو الذَّبِيحُ لا إسْحاقُ؛ وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنُ عُمَرَ، ومُعاوِيَةُ بْنُ أبِي سُفْيانَ، ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ، والشَّعْبِيُّ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وجَماعَةُ مِنَ التّابِعِينَ؛ واسْتَدَلُّوا بِظاهِرِ هَذِهِ الآياتِ وبِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: «أنا ابْنُ الذَّبِيحَيْنِ»، وقَوْلُ الأعْرابِيِّ لَهُ: «يا ابْنَ الذَّبِيحَيْنِ: فَتَبَسَّمَ عَلَيْهِ السَّلامُ»، يَعْنِي إسْماعِيلَ، وأباهُ عَبْدَ اللَّهِ. وكانَ عَبْدُ المُطَّلِبِ نَذَرَ ذَبْحَ أحَدِ ولَدِهِ، فَخَرَجَ السَّهْمُ عَلى عَبْدِ اللَّهِ، فَمَنَعَهُ أخْوالُهُ وقالُوا لَهُ: افْدِ ابْنَكَ بِمِائَةٍ مِنَ الإبِلِ، فَفَداهُ بِها. وفِيما أوْحى اللَّهُ لِمُوسى في حَدِيثٍ طَوِيلٍ. «وأمّا إسْماعِيلُ، فَإنَّهُ جادَ بِدَمِ نَفْسِهِ». وسَألَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ يَهُودِيًا أسْلَمَ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: إنَّ يَهُودِيًا لَيَعْلَمُ، لَكِنَّهم يَحْسُدُونَكم مَعْشَرَ العَرَبِ، وكانَ قَرْنا الكَبْشِ مَنُوطَيْنِ في الكَعْبَةِ. وسَألَ الأصْمَعِيُّ أبا عَمْرِو بْنَ العَلاءِ عَنِ الذَّبِيحِ فَقالَ: يا أصْمَعِيُّ، أيْنَ عَزَبَ عَنْكَ عَقْلُكَ ؟ ومَتى كانَ إسْحاقُ بِمَكَّةَ ؟ وهو الَّذِي بَنى البَيْتَ مَعَ أبِيهِ، والمَنحَرُ بِمَكَّةَ ؟ انْتَهى. ووَصَفَهُ تَعالى بِالصَّبْرِ في قَوْلِهِ ﴿وإسْماعِيلَ وإدْرِيسَ وذا الكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٥] وهو صَبْرُهُ عَلى الذَّبْحِ؛ وبِصِدْقِ الوَعْدِ في قَوْلِهِ ﴿إنَّهُ كانَ صادِقَ الوَعْدِ﴾ [مريم: ٥٤] لِأنَّهُ وعَدَ أباهُ مِن نَفْسِهِ الصَّبْرَ عَلى الذَّبْحِ فَوَفّى بِهِ. وذَكَرَ الطَّبَرِيُّ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ قالَ: الذَّبِيحُ إسْماعِيلُ، ويَزْعُمُ اليَهُودُ أنَّهُ إسْحاقُ، وكَذَبَتِ اليَهُودُ. ومِن أقْوى ما يُسْتَدَلُّ بِهِ أنَّ اللَّهَ تَعالى بَشَّرَ إبْراهِيمَ بِإسْحاقَ، ووَلَدَ إسْحاقُ يَعْقُوبَ. فَلَوْ كانَ الذَّبِيحُ إسْحاقَ، لَكانَ ذَلِكَ الإخْبارُ غَيْرَ مُطابِقٍ لِلْواقِعِ، وهو مُحالٌ في إخْبارِ اللَّهِ تَعالى. وذَهَبَتْ جَماعَةٌ إلى أنَّ الذَّبِيحَ هو إسْحاقُ، مِنهم: العَبّاسُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وعَلِيٌّ، وعَطاءٌ، وعِكْرِمَةُ، وكَعْبٌ، وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، وابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةٍ، وكانَ أمْرَ ذَبْحِهِ بِالشّامِ. وقالَ عَطاءٌ ومُقاتِلٌ: بِبَيْتِ المَقْدِسِ؛ وقِيلَ: بِالحِجازِ، جاءَ مَعَ أبِيهِ عَلى البُراقِ. وقالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، وابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةٍ: وكانَ أمْرَ ذَبْحِهِ بِالشّامِ، كانَ بِالمَقامِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: والبِشارَةُ في قَوْلِهِ ﴿وبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ﴾ هي بِشارَةُ نُبُوَّتِهِ. وقالُوا: أخْبَرَ تَعالى عَنْ خَلِيلِهِ إبْراهِيمَ حِينَ هاجَرَ إلى الشّامِ بِأنَّهُ اسْتَوْهَبَهُ ولَدًا، ثُمَّ أتْبَعَ تِلْكَ البِشارَةَ بِغُلامٍ حَلِيمٍ، ثُمَّ ذَكَرَ رُؤْياهُ بِذَبْحِ ذَلِكَ الغُلامِ المُبَشَّرِ بِهِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ كِتابُ يَعْقُوبَ إلى يُوسُفَ، عَلَيْهِما السَّلامُ: مِن يَعْقُوبَ إسْرائِيلَ اللَّهِ ابْنِ إسْحاقَ ذَبِيحِ اللَّهِ بْنِ إبْراهِيمَ خَلِيلِ اللَّهِ. ومَن جَعَلَ الذَّبِيحَ إسْحاقَ، جَعَلَ هَذِهِ البِشارَةَ بِشارَةً بِنُبُوَّتِهِ، كَما ذَكَرْنا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالُوا: لا يَجُوزُ أنْ يُبَشِّرَهُ اللَّهُ بِوِلادَتِهِ ونُبُوَّتِهِ مَعًا؛ لِأنَّ الِامْتِحانَ بِذَبْحِهِ لا يَصِحُّ مَعَ عِلْمِهِ بِأنَّهُ سَيَكُونُ نَبِيًّا. ومَن جَعَلَهُ إسْماعِيلَ، جَعَلَ البِشارَةَ بِوَلَدِهِ إسْحاقَ. وانْتَصَبَ نَبِيًّا عَلى (p-٣٧٢)الحالِ، وهي حالٌ مُقَدَّرَةٌ. فَإنْ كانَ إسْحاقُ هو الذَّبِيحَ، وكانَتْ هَذِهِ البِشارَةُ بِوِلادَةِ إسْحاقَ، فَقَدْ جَعَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ ذَلِكَ مَحَلَّ سُؤالٍ. فَإنْ قُلْتَ: فَرْقٌ بَيْنَ هَذا وقَوْلِهِ ﴿فادْخُلُوها خالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣] وذَلِكَ أنَّ المَدْخُولَ مَوْجُودٌ مَعَ وُجُودِ الدُّخُولِ، والخُلُودَ غَيْرُ مَوْجُودٍ مَعَهُما، فَقَدَّرْتَ مُقَدَّرَيْنِ لِلْخُلُودِ، فَكانَ مُسْتَقِيمًا. ولَيْسَ كَذَلِكَ المُبَشَّرُ بِهِ، فَإنَّهُ مَعْلُومٌ وقْتَ وُجُودِ البِشارَةِ، وعَدَمُ المُبَشَّرِ بِهِ أوْجَبَ عَدَمَ حالِهِ؛ لِأنَّ الحالَ حِلْيَةٌ لا تَقُومُ إلّا بِالمَحَلِّيِّ. وهَذا المُبَشَّرُ بِهِ الَّذِي هو إسْحاقُ، حِينَ وُجِدَ لَمْ تُوجَدِ النُّبُوَّةُ أيْضًا بِوُجُودِهِ، بَلْ تَراخَتْ عَنْهُ مُدَّةً طَوِيلَةً، فَكَيْفَ يُجْعَلُ نَبِيًّا حالًا مُقَدَّرَةً ؟ والحالُ صِفَةٌ لِلْفاعِلِ والمَفْعُولِ عِنْدَ وُجُودِ الفِعْلِ مِنهُ أوْ بِهِ. فالخُلُودُ وإنْ لَمْ يَكُنْ صِفَتَهم عِنْدَ دُخُولِ الجَنَّةِ، فَتَقْدِيرُها صِفَتُهم؛ لِأنَّ المَعْنى: مُقَدِّرِينَ الخُلُودَ. ولَيْسَ كَذَلِكَ النُّبُوَّةُ، فَإنَّهُ لا سَبِيلَ إلى أنْ تَكُونَ مَوْجُودَةً وقْتَ وُجُودِ البِشارَةِ بِإسْحاقَ لِعَدَمِ إسْحاقَ. قُلْتُ: هَذا سُؤالٌ دَقِيقُ السَّلْكِ ضَيِّقُ المَسْلَكِ، والَّذِي يَحُلُّ الإشْكالَ أنَّهُ لا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ مُضافٍ مَحْذُوفٍ وذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿وبَشَّرْناهُ﴾ بِوُجُودِ إسْحاقَ نَبِيًّا، أيْ بِأنْ يُوجَدَ مُقَدَّرَةً نُبُوَّتُهُ، فالعامِلُ في الحالِ الوُجُودُ، لا فِعْلُ البِشارَةِ؛ وبِذَلِكَ يَرْجِعُ نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فادْخُلُوها خالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣]، (مِنَ الصّالِحِينَ) حالٌ ثانِيَةٌ، ووُرُودُها عَلى سَبِيلِ الثَّناءِ والتَّقْرِيظِ؛ لِأنَّ كُلَّ نَبِيٍّ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ مِنَ الصّالِحِينَ. انْتَهى.
﴿وبارَكْنا عَلَيْهِ وعَلى إسْحاقَ﴾ أفَضْنا عَلَيْهِما بَرَكاتِ الدِّينِ والدُّنْيا، وبِأنْ أخْرَجْنا أنْبِياءَ بَنِي إسْرائِيلَ مِن صُلْبِهِ.
﴿ومِن ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وظالِمٌ﴾ فِيهِ وعِيدٌ لِلْيَهُودِ ومَن كانَ مِن ذُرِّيَّتِهِما لَمْ يُؤْمِن بِمُحَمَّدٍ ﷺ وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ البَرَّ قَدْ يَلِدُ الفاجِرَ، ولا يَلْحَقُهُ مِن ذَلِكَ عَيْبٌ ولا مَنقَصَةٌ.
الصافات 37:100
(p-٣٦٨)﴿وقالَ إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ ﴿فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ يابُنَيَّ إنِّي أرى في المَنامِ أنِّي أذْبَحُكَ فانْظُرْ ماذا تَرى قالَ يا أبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ ﴿فَلَمّا أسْلَما وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ ﴿ونادَيْناهُ أنْ ياإبْراهِيمُ﴾ ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّ هَذا لَهو البَلاءُ المُبِينُ﴾ ﴿وفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى إبْراهِيمَ﴾ ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿وبارَكْنا عَلَيْهِ وعَلى إسْحاقَ ومِن ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ ﴿ولَقَدْ مَنَنّا عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ [الصافات: ١١٤] ﴿ونَجَّيْناهُما وقَوْمَهُما مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ [الصافات: ١١٥] ﴿ونَصَرْناهم فَكانُوا هُمُ الغالِبِينَ﴾ [الصافات: ١١٦] ﴿وآتَيْناهُما الكِتابَ المُسْتَبِينَ﴾ [الصافات: ١١٧] ﴿وهَدَيْناهُما الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ [الصافات: ١١٨] ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِما في الآخِرِينَ﴾ [الصافات: ١١٩] ﴿سَلامٌ عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ [الصافات: ١٢٠] ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ [الصافات: ١٢١] ﴿إنَّهُما مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ [الصافات: ١٢٢] ﴿وإنَّ إلْياسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٢٣] ﴿إذْ قالَ لِقَوْمِهِ ألا تَتَّقُونَ﴾ [الصافات: ١٢٤] ﴿أتَدْعُونَ بَعْلًا وتَذَرُونَ أحْسَنَ الخالِقِينَ﴾ [الصافات: ١٢٥] ﴿اللَّهَ رَبَّكم ورَبَّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ [الصافات: ١٢٦] ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ [الصافات: ١٢٧] ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ [الصافات: ١٢٨] ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ [الصافات: ١٢٩] ﴿سَلامٌ عَلى إلْ ياسِينَ﴾ [الصافات: ١٣٠] ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ [الصافات: ١٣١] ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ [الصافات: ١٣٢] ﴿وإنَّ لُوطًا لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٣٣] ﴿إذْ نَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ﴾ [الصافات: ١٣٤] ﴿إلّا عَجُوزًا في الغابِرِينَ﴾ [الصافات: ١٣٥] ﴿ثُمَّ دَمَّرْنا الآخَرِينَ﴾ [الصافات: ١٣٦] ﴿وإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ﴾ [الصافات: ١٣٧] ﴿وبِاللَّيْلِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات: ١٣٨] ﴿وإنَّ يُونُسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٣٩] ﴿إذْ أبَقَ إلى الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ [الصافات: ١٤٠] ﴿فَساهَمَ فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ﴾ [الصافات: ١٤١] ﴿فالتَقَمَهُ الحُوتُ وهو مُلِيمٌ﴾ [الصافات: ١٤٢] ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ [الصافات: ١٤٣] ﴿لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الصافات: ١٤٤] ﴿فَنَبَذْناهُ بِالعَراءِ وهو سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ١٤٥] ﴿وأنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِن يَقْطِينٍ﴾ [الصافات: ١٤٦] ﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ١٤٧] ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾ [الصافات: ١٤٨] ﴿فاسْتَفْتِهِمْ ألِرَبِّكَ البَناتُ ولَهُمُ البَنُونَ﴾ [الصافات: ١٤٩] ﴿أمْ خَلَقْنا المَلائِكَةَ إناثًا وهم شاهِدُونَ﴾ [الصافات: ١٥٠] ﴿ألا إنَّهم مِن إفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ﴾ [الصافات: ١٥١] ﴿ولَدَ اللَّهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ [الصافات: ١٥٢] ﴿أاصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ﴾ [الصافات: ١٥٣] ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [الصافات: ١٥٤] ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [الصافات: ١٥٥] ﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾ [الصافات: ١٥٦] ﴿فَأْتُوا بِكِتابِكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [الصافات: ١٥٧] ﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا ولَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ إنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ [الصافات: ١٥٨] ﴿سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ [الصافات: ١٥٩] ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ [الصافات: ١٦٠] ﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ﴾ [الصافات: ١٦١] ﴿ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ﴾ [الصافات: ١٦٢] ﴿إلّا مَن هو صالِي الجَحِيمِ﴾ [الصافات: ١٦٣] ﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات: ١٦٤] ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾ [الصافات: ١٦٥] ﴿وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾ [الصافات: ١٦٦] ﴿وإنْ كانُوا لَيَقُولُونَ﴾ [الصافات: ١٦٧] ﴿لَوْ أنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا مِنَ الأوَّلِينَ﴾ [الصافات: ١٦٨] ﴿لَكُنّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ [الصافات: ١٦٩] ﴿فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الصافات: ١٧٠] ﴿ولَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٧١] ﴿إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ﴾ [الصافات: ١٧٢] ﴿وإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ﴾ [الصافات: ١٧٣] ﴿فَتَوَلَّ عَنْهم حَتّى حِينٍ﴾ [الصافات: ١٧٤] ﴿وأبْصِرْهم فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ [الصافات: ١٧٥] ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ [الصافات: ١٧٦] ﴿فَإذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ فَساءَ صَباحُ المُنْذَرِينَ﴾ [الصافات: ١٧٧] ﴿وتَوَلَّ عَنْهم حَتّى حِينٍ﴾ [الصافات: ١٧٨] ﴿وأبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ [الصافات: ١٧٩] ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ [الصافات: ١٨٠] ﴿وسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٨١] ﴿والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الصافات: ١٨٢] تَلَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ: صَرَعَهُ عَلى شِقِّهِ، وقِيلَ: وضَعَهُ بِقُوَّةٍ. وقالَ ساعِدَةُ بْنُ حَوْبَةَ:
؎وتَلَّ تَلِيلًا لِلْجَبِينِ ولِلْفَمِ
والجَبِينانِ: ما اكْتَنَفَ مِن هُنا ومِن هُنا، وشَذَّ جَمْعُ الجَبِينِ عَلى أجْبُنٍ، وقِياسُهُ في القِلَّةِ أجْبِنَةٌ، كَكَثِيبٍ وأكْثِبَةٍ، وفي الكَثْرَةِ: جَبَناتٌ وجُبُنٌ، كَكُثُباتٌ وكُثُبٌ. الذَّبْحُ: اسْمُ ما يُذْبَحُ، كالرَّعْيِ اسْمُ ما يُرْعى. أبَقَ: هَرَبَ. ساهَمَ: قارَعَ. المُدْحَضُ: المَقْلُوبُ. الحُوتُ: مَعْرُوفٌ. ألامَ: أتى بِما يُلامُ عَلَيْهِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎وكَمْ مِن مُلِيمٍ لَمْ يُصَبْ بِمُلامَةٍ ∗∗∗ ومُتَّبِعٍ بِالذَّنْبِ لَيْسَ لَهُ ذَنْبُ
العَراءُ: الأرْضُ الفَيْحاءُ لا شَجَرَ فِيها ولا يُعْلَمُ، قالَ الشّاعِرُ:
؎ورَفَعْتُ رِجْلًا لا أخافُ عِثارَها ∗∗∗ ونَبَذْتُ بِالمِينِ العَراءِ ثِيابِي
اليَقْطِينُ: يَفْعِيلٌ كاليَفْصِيدِ، مِن قَطَنَ: أقامَ بِالمَكانِ، وهو بِالمَكانِ، وهو ما كانَ مِنَ الشَّجَرِ لا يَقُومُ عَلى ساقٍ مِن عُودٍ، كَشَجَرِ البِطِّيخِ والحَنْظَلِ والقِثّاءِ. السّاحَةُ: الفِناءُ، وجَمْعُها سُوحٌ، قالَ الشّاعِرُ:
؎فَكانَ سِيّانِ أنْ لا يَسْرَحُوا نَعَمًا ∗∗∗ أوْ يَسْرَحُوهُ بِها واغْبَرَّتِ السُّوحُ
(p-٣٦٩)
﴿وقالَ إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ ﴿فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ يابُنَيَّ إنِّي أرى في المَنامِ أنِّي أذْبَحُكَ فانْظُرْ ماذا تَرى قالَ يا أبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ ﴿فَلَمّا أسْلَما وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ ﴿ونادَيْناهُ أنْ ياإبْراهِيمُ﴾ ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّ هَذا لَهو البَلاءُ المُبِينُ﴾ ﴿وفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى إبْراهِيمَ﴾ ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿وبارَكْنا عَلَيْهِ وعَلى إسْحاقَ ومِن ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ .
لَمّا سَلَّمَهُ اللَّهُ مِنهم ومِنَ النّارِ الَّتِي ألْقَوْهُ فِيها، عَزَمَ عَلى مُفارَقَتِهِمْ، وعَبَّرَ بِالذَّهابِ إلى رَبِّهِ عَنْ هِجْرَتِهِ إلى أرْضِ الشّامِ. كَما قالَ (﴿إنِّي مُهاجِرٌ إلى رَبِّي﴾ [العنكبوت: ٢٦] لِيَتَمَكَّنَ مِن عِبادَةِ رَبِّهِ ويَتَضَرَّعَ لَهُ مِن غَيْرِ أنْ يَلْقى مَن يُشَوِّشُ عَلَيْهِ، فَهاجَرَ مِن أرْضِ بابِلَ، مِن مَمْلَكَةِ نُمْرُودٍ، إلى الشّامِ. وقِيلَ: إلى أرْضِ مِصْرَ. ويَبْعُدُ قَوْلُ مَن قالَ: لَيْسَ المُرادُ بِذَهابِهِ الهِجْرَةَ، وإنَّما مُرادُهُ لِقاءُ اللَّهِ بَعْدَ الإحْراقِ، ظانًّا مِنهُ أنَّهُ سَيَمُوتُ في النّارِ، فَقالَها قَبْلَ أنْ يُطْرَحَ في النّارِ. و( سَيَهْدِينِ) أيْ إلى الجَنَّةِ، نَحا إلى هَذا قَتادَةُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ﴾ يَدْفَعُ هَذا القَوْلَ، والمُعْتَقِدُ أنَّهُ يَمُوتُ في النّارِ لا يَدْعُو بِأنْ يَهَبَ اللَّهُ لَهُ ولَدًا صالِحًا. (سَيَهْدِينِ) يُوَفِّقُنِي إلى ما فِيهِ صَلاحِي.
﴿مِنَ الصّالِحِينَ﴾ أيْ ولَدًا يَكُونُ في عِدادِ الصّالِحِينَ. ولَفْظُ الهِبَةِ غَلَبَ في الوَلَدِ، وإنْ كانَ قَدْ جاءَ في الأخِ، كَقَوْلِهِ ﴿ووَهَبْنا لَهُ مِن رَحْمَتِنا أخاهُ هارُونَ نَبِيًّا﴾ [مريم: ٥٣] . واشْتَمَلَتِ البِشارَةُ عَلى ذُكُورِيَّةِ المَوْلُودِ وبُلُوغِهِ سِنَّ الحُلُمِ ووَصْفِهِ بِالحِلْمِ، وأيُّ حِلْمٍ أعْظَمُ مِن قَوْلِهِ، وقَدْ عَرَضَ عَلَيْهِ أبُوهُ الذَّبْحَ ﴿سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّابِرِينَ﴾
﴿فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾، بَيْنَ هَذِهِ الجُمْلَةِ والَّتِي قَبْلَها مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: فَوُلِدَ لَهُ وشَبَّ.
﴿فَلَمّا بَلَغَ﴾ أيْ أنْ يَسْعى مَعَ أبِيهِ في أشْغالِهِ وحَوائِجِهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ: والَسَّعْيُ هُنا: العَمَلُ والعِبادَةُ والمَعُونَةُ. وقالَ قَتادَةُ: السَّعْيُ عَلى القَدَمِ، يُرِيدُ سَعْيًا مُتَمَكِّنًا، وفِيهِ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لا يَصِحُّ تَعَلُّقُهُ بِبَلَغَ بِهِ بُلُوغُهُما مَعًا حَدَّ السَّعْيِ ولا بِالسَّعْيِ؛ لِأنَّ أصْلَهُ المَصْدَرُ لا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ، فَنَفى أنْ يَكُونَ بَيانًا، كَأنَّهُ لَمّا قالَ ﴿فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾، أيِ الحَدَّ الَّذِي يَقْدِرُ فِيهِ عَلى السَّعْيِ، قِيلَ: مَعَ مَن ؟ فَقالَ: مَعَ أبِيهِ، والمَعْنى في اخْتِصاصِ الأبِّ أنَّهُ أرْفَقُ النّاسِ وأعْطَفُهم عَلَيْهِ وعَلى غَيْرِهِ وبِما عَنَّفَ عَلَيْهِ في الِاسْتِسْعاءِ، فَلا يَحْتَمِلُهُ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَسْتَحْكِمْ قَوْلَهُ، ولَمْ يَطْلُبْ عَوْدَهُ، وكانَ إذْ ذاكَ ابْنَ ثَلاثَ عَشْرَةَ سَنَةً. انْتَهى.
﴿قالَ يابُنَيَّ﴾ نِداءُ شَفَقَةٍ وتَرَحُّمٍ.
﴿إنِّي أرى في المَنامِ أنِّي أذْبَحُكَ﴾ أيْ بِأمْرٍ مِنَ اللَّهِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿افْعَلْ ما تُؤْمَرُ﴾ . ورُؤْيا الأنْبِياءِ وحْيٌ كاليَقَظَةِ، وذِكْرُهُ لَهُ الرُّؤْيا تَجْسِيرٌ عَلى احْتِمالِ تِلْكَ البَلِيَّةِ العَظِيمَةِ. وشاوَرَهُ بِقَوْلِهِ ﴿فانْظُرْ ماذا تَرى﴾ وإنْ كانَ حَتْمًا مِنَ اللَّهِ لِيَعْلَمَ ما عِنْدَهُ مِن تَلَقِّي هَذا الِامْتِحانِ العَظِيمِ، ويُصَبِّرَهُ إنْ جَزَعَ، ويُوَطِّنَ نَفْسَهُ عَلى مُلاقاةِ هَذا البَلاءِ، وتَسْكُنَ نَفْسُهُ لِما لا بُدَّ مِنهُ، إذْ مُفاجَأةُ البَلاءِ قَبْلَ الشُّعُورِ بِهِ أصْعَبُ عَلى النَّفْسِ، وكانَ ما رَآهُ في المَنامِ ولَمْ يَكُنْ في اليَقَظَةِ، كَرُؤْيا يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ورُؤْيا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ دُخُولَ المَسْجِدِ الحَرامِ، لِيَدُلَّ عَلى أنَّ حالَتَيِ الأنْبِياءِ يَقَظَةً ومَنامًا سَواءٌ في الصِّدْقِ مُتَظافِرَتانِ عَلَيْهِ. قِيلَ: إنَّهُ حِينَ بَشَّرَتِ المَلائِكَةُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ قالَ: هو إذَنْ ذَبِيحُ اللَّهِ. فَلَمّا بَلَغَ حَدَّ السَّعْيِ مَعَهُ قِيلَ لَهُ: أوْفِ بِنَذْرِكَ. قِيلَ: رَأى لَيْلَةَ التَّرْوِيَةِ قائِلًا يَقُولُ لَهُ: إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ بِذَبْحِ ابْنِكَ هَذا. فَلَمّا أصْبَحَ، رَوّى في ذَلِكَ مِنَ الصَّباحِ إلى الرَّواحِ. أمِنَ اللَّهِ هَذا الحُلْمُ ؟، فَمِن ثَمَّ سُمِّيَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ. فَلَمّا أمْسَ رَأى مِثْلَ ذَلِكَ، فَعَرَفَ أنَّهُ مِنَ اللَّهِ، فَمِن ثَمَّ سُمِّيَ يَوْمَ عَرَفَةَ. ثُمَّ رَأى مِثْلَهُ في اللَّيْلَةِ الثّالِثَةِ، فَهَمَّ بِنَحْرِهِ، فَسُمِّيَ يَوْمَ النَّحْرِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: (p-٣٧٠)(تَرى)، بِفَتْحِ التّاءِ والرّاءِ؛ وعَبْدُ اللَّهِ، والأسْوَدُ بْنُ يَزِيدَ، وابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ، ومُجاهِدٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ الرّاءِ؛ والضَّحّاكُ، والأعْمَشُ أيْضًا بِضَمِّ التّاءِ وفَتْحِ الرّاءِ. فالأوَّلُ مِنَ الرَّأْيِ، والثّانِي ماذا تَرَيَنِّيهِ وما تُبْدِيهِ لِأنْظُرَ فِيهِ ؟ والثّالِثُ ما الَّذِي يُخَيَّلُ إلَيْكَ ويُوقَعُ في قَلْبِكَ ؟ و(انْظُرْ) مُعَلَّقَةٌ، وماذا اسْتِفْهامٌ. فَإنْ كانَتْ (ذا) مَوْصُولَةً بِمَعْنى الَّذِي، فَـ (ما) مُبْتَدَأٌ، والفِعْلُ بَعْدَ (ذا) صِلَةٌ. وإنْ كانَتْ (ذا) مُرَكَّبَةً، فَفي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِالفِعْلِ بَعْدَها. والجُمْلَةُ، واسْمُ الِاسْتِفْهامِ الَّذِي هو مَعْمُولٌ لِلْفِعْلِ بَعْدَهُ في مَوْضِعِ نَصْبِ انْظُرْ. ولَمّا كانَ خِطابُ الأبِّ (يا بُنَيَّ)، عَلى سَبِيلِ التَّرَحُّمِ، قالَ: هو (يا أبَتِ)، عَلى سَبِيلِ التَّعْظِيمِ والتَّوْقِيرِ.
﴿افْعَلْ ما تُؤْمَرُ﴾ أيْ ما تُؤْمَرُهُ، حَذَفَهُ وهو مَنصُوبٌ، وأصْلُهُ ما تُؤْمَرُ بِهِ، فَحُذِفَ الحَرْفُ، واتَّصَلَ الضَّمِيرُ مَنصُوبًا، فَجازَ حَذْفُهُ لِوُجُودِ شَرائِطِ الحَذْفِ فِيهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ أمَرَكَ، عَلى إضافَةِ المَصْدَرِ إلى المَفْعُولِ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، وفي ذَلِكَ خِلافٌ. هَلْ يُعْتَقَدُ في المَصْدَرِ العامِلِ أنْ يَجُوزَ أنْ يُبْنى لِلْمَفْعُولِ، فَيَكُونَ ما بَعْدَهُ مَفْعُولًا لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، أمْ يَكُونَ ذَلِكَ ؟ ﴿سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ كَلامُ مَن أُوتِيَ الحِلْمَ والصَّبْرَ والِامْتِثالَ لِأمْرِ اللَّهِ، والرِّضا بِما أمَرَ اللَّهُ.
﴿فَلَمّا أسْلَما﴾ أيْ لِأمْرِ اللَّهِ، ويُقالُ: اسْتَسْلَمَ وسَلَّمَ بِمَعْناهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: أسْلَما. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وعَلِيٌّ، وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ، وجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، والأعْمَشُ، والثَّوْرِيُّ: سَلَّما: أيْ فَوَّضا إلَيْهِ في قَضائِهِ وقَدَرِهِ. وقُرِئَ: اسْتَسْلَما، ثَلاثُ قِراءاتٍ. وقالَ قَتادَةُ في أسْلَما: أسْلَمَ هَذا ابْنَهُ، وأسْلَمَ هَذا نَفْسَهُ، فَجَعَلَ أسْلَما مُتَعَدِّيًا، وغَيْرَهُ جَعَلَهُ لازِمًا بِمَعْنى: انْقادا لِأمْرِ اللَّهِ وخَضَعا لَهُ.
﴿وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ أيْ أوْقَعَهُ عَلى أحَدِ جَنْبَيْهِ في الأرْضِ مُباشِرًا الأمْرَ بِصَبْرٍ وجَلَدٍ، وذَلِكَ عِنْدَ الصَّخْرَةِ الَّتِي بِمِنًى، وعَنِ الحَسَنِ: في المَوْضِعِ المُشْرِفِ عَلى مَسْجِدِ مِنًى؛ وعَنِ الضَّحّاكِ: في المَنحَرِ الَّذِي يُنْحَرُ فِيهِ اليَوْمَ. وجَوابُ (لَمّا) مَحْذُوفٌ يُقَدَّرُ بَعْدَ ﴿وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾، أيْ أجْزَلْنا أجْرَهُما، قالَهُ بَعْضُ البَصْرِيِّينَ، أوْ بَعْدَ ﴿الرُّؤْيا﴾ أيْ: كانَ ما كانَ مِمّا تَنْطِقُ بِهِ الحالُ ولا يُحِيطُ بِهِ الوَصْفُ مِنِ اسْتِبْشارِهِما وحَمْدِهِما اللَّهَ عَلى ما أنْعَمَ بِهِ إلى ألْفاظٍ كَثِيرَةٍ ذَكَرَها الزَّمَخْشَرِيُّ عَلى عادَتِهِ في خَطابَتِهِ، أوْ قَبْلَ ﴿وتَلَّهُ﴾ تَقْدِيرُهُ ﴿فَلَمّا أسْلَما وتَلَّهُ﴾ . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهو قَوْلُ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ، وهو عِنْدَهم كَقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:
؎فَلَمّا أجَزْنا ساحَةَ الحَيِّ وانْتَحى
وقالَ الكُوفِيُّونَ: الجَوابُ مُثْبَتٌ، وهو ﴿ونادَيْناهُ﴾ عَلى زِيادَةِ الواوِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو ﴿وتَلَّهُ﴾ عَلى زِيادَةِ الواوِ. وذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ في قِصَّةِ إبْراهِيمَ وابْنِهِ، وما جَرى بَيْنَهُما مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ فُصُولًا، اللَّهُ أعْلَمُ بِصِحَّتِها، يُوقِفُ عَلَيْها في كِتابِهِ. و(أنْ) مُفَسِّرَةٌ؛ أيْ ﴿قَدْ صَدَّقْتَ﴾ . وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: ونادَيْناهُ قَدْ صَدَّقَتْ، بِحَذْفِ (أنْ)، وقُرِئَ: صَدَقْتَ، بِتَخْفِيفِ الدّالِ. وقَرَأ فَيّاضٌ: الرِّيّا، بِكَسْرِ الرّاءِ والإدْغامِ وتَصْدِيقِ الرُّؤْيا. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بَذَلَ وِسْعَهُ وفَعَلَ ما يَفْعَلُ الذّابِحُ مِن بَطْحِهِ عَلى شِقِّهِ وإمْرارِ الشَّفْرَةِ عَلى حَلْقِهِ، لَكِنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ جاءَ بِما مَنَعَ الشَّفْرَةَ أنْ تَمْضِيَ فِيهِ، وهَذا لا يَقْدَحُ في فِعْلِ إبْراهِيمَ. ألا تَرى أنَّهُ لا يُسَمّى عاصِيًا ولا مُفَرِّطًا ؟ بَلْ يُسَمّى مُطِيعًا ومُجْتَهِدًا، كَما لَوْ مَضَتْ فِيهِ الشَّفْرَةُ وفَرَتِ الأوْداجَ وأنْهَرَتِ الدَّمَ. ولَيْسَ هَذا مِن وُرُودِ النَّسْخِ عَلى المَأْمُورِ بِهِ قَبْلَ الفِعْلِ، ولا قَبْلَ أوانِ الفِعْلِ في شَيْءٍ، كَما يَسْبِقُ إلى بَعْضِ الأوْهامِ حَتّى يَشْتَغِلَ بِالكَلامِ فِيهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ ﴿قَدْ صَدَّقْتَ﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ بِقَلْبِكَ عَلى مَعْنى: كانَتْ عِنْدَكَ رُؤْياكَ صادِقَةً حَقًّا مِنَ اللَّهِ فَعَمِلْتَ بِحَسَبِها حِينَ آمَنتَ بِها، واعْتَقَدْتَ صِدْقَها. ويَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ: صَدَّقْتَ بِقَلْبِكَ ما حَصَلَ عَنِ الرُّؤْيا في نَفْسِكَ، كَأنَّهُ قالَ: قَدْ وفَّيْتَها حَقَّها مِنَ العَمَلِ. انْتَهى.
﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ تَعْلِيلٌ لِتَخْوِيلِ ما خَوَّلَهُما اللَّهُ مِنَ الفَرَجِ بَعْدَ الشِّدَّةِ، والظَّفَرِ بِالبُغْيَةِ بَعْدَ اليَأْسِ.
(إنَّ هَذا) أيْ ما أُمِرَ بِهِ إبْراهِيمُ مِن ذَبْحِ ابْنِهِ، ﴿لَهُوَ البَلاءُ المُبِينُ﴾ أيِ الِاخْتِبارُ البَيِّنُ الَّذِي يَتَمَيَّزُ فِيهِ المُخْلِصُونَ وغَيْرُهم، أوِ المِحْنَةُ البَيِّنَةُ الصُّعُوبَةِ الَّتِي لا مِحْنَةَ أصْعَبُ مِنها.
﴿وفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو (p-٣٧١)الكَبْشُ الَّذِي قَرَّبَهُ هابِيلُ فَقُبِلَ مِنهُ، وكانَ يَرْعى في الجَنَّةِ حَتّى فُدِيَ بِهِ إسْماعِيلُ. وقالَ أيْضًا هو والحَسَنُ: فُدِيَ بِوَعْلٍ أُهْبِطَ عَلَيْهِ مِن سَرْوٍ. وقالَ الجُمْهُورُ: كَبْشٌ أبْيَضُ أقْرَنُ أقْنى، ووُصِفَ بِالعِظَمِ. قالَ مُجاهِدٌ: لِأنَّهُ مُتَقَبَّلٌ يَقِينًا. وقالَ عَمْرُو بْنُ عَبِيدٍ: لِأنَّهُ جَرَتِ السُّنَّةُ بِهِ، وصارَ دِينًا باقِيًا إلى آخِرِ الدَّهْرِ. وقالَ الحَسَنُ بْنُ الفَضْلِ: لِأنَّهُ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ. وقالَ أبُو بَكْرٍ الوَرّاقُ: لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَنْ نَسْلٍ، بَلْ عَنِ التَّكْوِينِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ: عَظَمَتُهُ كَوْنُهُ مِن كِباشِ الجَنَّةِ، رُعِيَ فِيها أرْبَعِينَ خَرِيفًا. وفي قَوْلِهِ ﴿وفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّ إبْراهِيمَ لَمْ يَذْبَحِ ابْنَهُ، وقَدْ فُدِيَ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: وقَعَ الذَّبْحُ وقامَ بَعْدَ ذَلِكَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا كَذِبٌ صُراحٌ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: لَمْ يَرَ إبْراهِيمُ في مَنامِهِ الإمْرارَ بِالشَّفْرَةِ فَقَطْ، فَظَنَّ أنَّهُ ذِبْحٌ مُجَهَّزٌ، فَنَفَّذَ لِذَلِكَ. فَلَمّا وقَعَ الَّذِي رَآهُ وقَعَ النَّسْخُ، قالَ: ولا اخْتِلافَ، فَإنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، أمَرَّ الشَّفْرَةَ عَلى حَلْقِ ابْنِهِ فَلَمْ تَقْطَعْ. انْتَهى. والَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ القُرْآنُ أنَّهُ ﴿وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ فَقَطْ، ولَمْ يَأْتِ في حَدِيثٍ صَحِيحٍ «أنَّهُ أمَرَّ الشَّفْرَةَ عَلى حَلْقِ ابْنِهِ». ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ﴾ إلى (المُؤْمِنِينَ) تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِهِ في آخِرِ قِصَّةِ نُوحٍ، قَبْلَ قِصَّةِ إبْراهِيمَ هُنا، وقالَ هُنا كَذَلِكَ دُونَ إنّا اكْتِفاءً بِذِكْرِ ذَلِكَ قَبْلُ وبَعْدُ.
﴿وبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ الظّاهِرُ أنَّ هَذِهِ بِشارَةٌ غَيْرُ تِلْكَ البِشارَةِ، وأنَّ الغُلامَ الحَلِيمَ المُبَشَّرَ بِهِ إبْراهِيمُ هو إسْماعِيلُ، وأنَّهُ هو الذَّبِيحُ لا إسْحاقُ؛ وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنُ عُمَرَ، ومُعاوِيَةُ بْنُ أبِي سُفْيانَ، ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ، والشَّعْبِيُّ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وجَماعَةُ مِنَ التّابِعِينَ؛ واسْتَدَلُّوا بِظاهِرِ هَذِهِ الآياتِ وبِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: «أنا ابْنُ الذَّبِيحَيْنِ»، وقَوْلُ الأعْرابِيِّ لَهُ: «يا ابْنَ الذَّبِيحَيْنِ: فَتَبَسَّمَ عَلَيْهِ السَّلامُ»، يَعْنِي إسْماعِيلَ، وأباهُ عَبْدَ اللَّهِ. وكانَ عَبْدُ المُطَّلِبِ نَذَرَ ذَبْحَ أحَدِ ولَدِهِ، فَخَرَجَ السَّهْمُ عَلى عَبْدِ اللَّهِ، فَمَنَعَهُ أخْوالُهُ وقالُوا لَهُ: افْدِ ابْنَكَ بِمِائَةٍ مِنَ الإبِلِ، فَفَداهُ بِها. وفِيما أوْحى اللَّهُ لِمُوسى في حَدِيثٍ طَوِيلٍ. «وأمّا إسْماعِيلُ، فَإنَّهُ جادَ بِدَمِ نَفْسِهِ». وسَألَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ يَهُودِيًا أسْلَمَ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: إنَّ يَهُودِيًا لَيَعْلَمُ، لَكِنَّهم يَحْسُدُونَكم مَعْشَرَ العَرَبِ، وكانَ قَرْنا الكَبْشِ مَنُوطَيْنِ في الكَعْبَةِ. وسَألَ الأصْمَعِيُّ أبا عَمْرِو بْنَ العَلاءِ عَنِ الذَّبِيحِ فَقالَ: يا أصْمَعِيُّ، أيْنَ عَزَبَ عَنْكَ عَقْلُكَ ؟ ومَتى كانَ إسْحاقُ بِمَكَّةَ ؟ وهو الَّذِي بَنى البَيْتَ مَعَ أبِيهِ، والمَنحَرُ بِمَكَّةَ ؟ انْتَهى. ووَصَفَهُ تَعالى بِالصَّبْرِ في قَوْلِهِ ﴿وإسْماعِيلَ وإدْرِيسَ وذا الكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٥] وهو صَبْرُهُ عَلى الذَّبْحِ؛ وبِصِدْقِ الوَعْدِ في قَوْلِهِ ﴿إنَّهُ كانَ صادِقَ الوَعْدِ﴾ [مريم: ٥٤] لِأنَّهُ وعَدَ أباهُ مِن نَفْسِهِ الصَّبْرَ عَلى الذَّبْحِ فَوَفّى بِهِ. وذَكَرَ الطَّبَرِيُّ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ قالَ: الذَّبِيحُ إسْماعِيلُ، ويَزْعُمُ اليَهُودُ أنَّهُ إسْحاقُ، وكَذَبَتِ اليَهُودُ. ومِن أقْوى ما يُسْتَدَلُّ بِهِ أنَّ اللَّهَ تَعالى بَشَّرَ إبْراهِيمَ بِإسْحاقَ، ووَلَدَ إسْحاقُ يَعْقُوبَ. فَلَوْ كانَ الذَّبِيحُ إسْحاقَ، لَكانَ ذَلِكَ الإخْبارُ غَيْرَ مُطابِقٍ لِلْواقِعِ، وهو مُحالٌ في إخْبارِ اللَّهِ تَعالى. وذَهَبَتْ جَماعَةٌ إلى أنَّ الذَّبِيحَ هو إسْحاقُ، مِنهم: العَبّاسُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وعَلِيٌّ، وعَطاءٌ، وعِكْرِمَةُ، وكَعْبٌ، وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، وابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةٍ، وكانَ أمْرَ ذَبْحِهِ بِالشّامِ. وقالَ عَطاءٌ ومُقاتِلٌ: بِبَيْتِ المَقْدِسِ؛ وقِيلَ: بِالحِجازِ، جاءَ مَعَ أبِيهِ عَلى البُراقِ. وقالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، وابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةٍ: وكانَ أمْرَ ذَبْحِهِ بِالشّامِ، كانَ بِالمَقامِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: والبِشارَةُ في قَوْلِهِ ﴿وبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ﴾ هي بِشارَةُ نُبُوَّتِهِ. وقالُوا: أخْبَرَ تَعالى عَنْ خَلِيلِهِ إبْراهِيمَ حِينَ هاجَرَ إلى الشّامِ بِأنَّهُ اسْتَوْهَبَهُ ولَدًا، ثُمَّ أتْبَعَ تِلْكَ البِشارَةَ بِغُلامٍ حَلِيمٍ، ثُمَّ ذَكَرَ رُؤْياهُ بِذَبْحِ ذَلِكَ الغُلامِ المُبَشَّرِ بِهِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ كِتابُ يَعْقُوبَ إلى يُوسُفَ، عَلَيْهِما السَّلامُ: مِن يَعْقُوبَ إسْرائِيلَ اللَّهِ ابْنِ إسْحاقَ ذَبِيحِ اللَّهِ بْنِ إبْراهِيمَ خَلِيلِ اللَّهِ. ومَن جَعَلَ الذَّبِيحَ إسْحاقَ، جَعَلَ هَذِهِ البِشارَةَ بِشارَةً بِنُبُوَّتِهِ، كَما ذَكَرْنا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالُوا: لا يَجُوزُ أنْ يُبَشِّرَهُ اللَّهُ بِوِلادَتِهِ ونُبُوَّتِهِ مَعًا؛ لِأنَّ الِامْتِحانَ بِذَبْحِهِ لا يَصِحُّ مَعَ عِلْمِهِ بِأنَّهُ سَيَكُونُ نَبِيًّا. ومَن جَعَلَهُ إسْماعِيلَ، جَعَلَ البِشارَةَ بِوَلَدِهِ إسْحاقَ. وانْتَصَبَ نَبِيًّا عَلى (p-٣٧٢)الحالِ، وهي حالٌ مُقَدَّرَةٌ. فَإنْ كانَ إسْحاقُ هو الذَّبِيحَ، وكانَتْ هَذِهِ البِشارَةُ بِوِلادَةِ إسْحاقَ، فَقَدْ جَعَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ ذَلِكَ مَحَلَّ سُؤالٍ. فَإنْ قُلْتَ: فَرْقٌ بَيْنَ هَذا وقَوْلِهِ ﴿فادْخُلُوها خالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣] وذَلِكَ أنَّ المَدْخُولَ مَوْجُودٌ مَعَ وُجُودِ الدُّخُولِ، والخُلُودَ غَيْرُ مَوْجُودٍ مَعَهُما، فَقَدَّرْتَ مُقَدَّرَيْنِ لِلْخُلُودِ، فَكانَ مُسْتَقِيمًا. ولَيْسَ كَذَلِكَ المُبَشَّرُ بِهِ، فَإنَّهُ مَعْلُومٌ وقْتَ وُجُودِ البِشارَةِ، وعَدَمُ المُبَشَّرِ بِهِ أوْجَبَ عَدَمَ حالِهِ؛ لِأنَّ الحالَ حِلْيَةٌ لا تَقُومُ إلّا بِالمَحَلِّيِّ. وهَذا المُبَشَّرُ بِهِ الَّذِي هو إسْحاقُ، حِينَ وُجِدَ لَمْ تُوجَدِ النُّبُوَّةُ أيْضًا بِوُجُودِهِ، بَلْ تَراخَتْ عَنْهُ مُدَّةً طَوِيلَةً، فَكَيْفَ يُجْعَلُ نَبِيًّا حالًا مُقَدَّرَةً ؟ والحالُ صِفَةٌ لِلْفاعِلِ والمَفْعُولِ عِنْدَ وُجُودِ الفِعْلِ مِنهُ أوْ بِهِ. فالخُلُودُ وإنْ لَمْ يَكُنْ صِفَتَهم عِنْدَ دُخُولِ الجَنَّةِ، فَتَقْدِيرُها صِفَتُهم؛ لِأنَّ المَعْنى: مُقَدِّرِينَ الخُلُودَ. ولَيْسَ كَذَلِكَ النُّبُوَّةُ، فَإنَّهُ لا سَبِيلَ إلى أنْ تَكُونَ مَوْجُودَةً وقْتَ وُجُودِ البِشارَةِ بِإسْحاقَ لِعَدَمِ إسْحاقَ. قُلْتُ: هَذا سُؤالٌ دَقِيقُ السَّلْكِ ضَيِّقُ المَسْلَكِ، والَّذِي يَحُلُّ الإشْكالَ أنَّهُ لا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ مُضافٍ مَحْذُوفٍ وذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿وبَشَّرْناهُ﴾ بِوُجُودِ إسْحاقَ نَبِيًّا، أيْ بِأنْ يُوجَدَ مُقَدَّرَةً نُبُوَّتُهُ، فالعامِلُ في الحالِ الوُجُودُ، لا فِعْلُ البِشارَةِ؛ وبِذَلِكَ يَرْجِعُ نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فادْخُلُوها خالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣]، (مِنَ الصّالِحِينَ) حالٌ ثانِيَةٌ، ووُرُودُها عَلى سَبِيلِ الثَّناءِ والتَّقْرِيظِ؛ لِأنَّ كُلَّ نَبِيٍّ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ مِنَ الصّالِحِينَ. انْتَهى.
﴿وبارَكْنا عَلَيْهِ وعَلى إسْحاقَ﴾ أفَضْنا عَلَيْهِما بَرَكاتِ الدِّينِ والدُّنْيا، وبِأنْ أخْرَجْنا أنْبِياءَ بَنِي إسْرائِيلَ مِن صُلْبِهِ.
﴿ومِن ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وظالِمٌ﴾ فِيهِ وعِيدٌ لِلْيَهُودِ ومَن كانَ مِن ذُرِّيَّتِهِما لَمْ يُؤْمِن بِمُحَمَّدٍ ﷺ وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ البَرَّ قَدْ يَلِدُ الفاجِرَ، ولا يَلْحَقُهُ مِن ذَلِكَ عَيْبٌ ولا مَنقَصَةٌ.
الصافات 37:101
(p-٣٦٨)﴿وقالَ إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ ﴿فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ يابُنَيَّ إنِّي أرى في المَنامِ أنِّي أذْبَحُكَ فانْظُرْ ماذا تَرى قالَ يا أبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ ﴿فَلَمّا أسْلَما وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ ﴿ونادَيْناهُ أنْ ياإبْراهِيمُ﴾ ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّ هَذا لَهو البَلاءُ المُبِينُ﴾ ﴿وفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى إبْراهِيمَ﴾ ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿وبارَكْنا عَلَيْهِ وعَلى إسْحاقَ ومِن ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ ﴿ولَقَدْ مَنَنّا عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ [الصافات: ١١٤] ﴿ونَجَّيْناهُما وقَوْمَهُما مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ [الصافات: ١١٥] ﴿ونَصَرْناهم فَكانُوا هُمُ الغالِبِينَ﴾ [الصافات: ١١٦] ﴿وآتَيْناهُما الكِتابَ المُسْتَبِينَ﴾ [الصافات: ١١٧] ﴿وهَدَيْناهُما الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ [الصافات: ١١٨] ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِما في الآخِرِينَ﴾ [الصافات: ١١٩] ﴿سَلامٌ عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ [الصافات: ١٢٠] ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ [الصافات: ١٢١] ﴿إنَّهُما مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ [الصافات: ١٢٢] ﴿وإنَّ إلْياسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٢٣] ﴿إذْ قالَ لِقَوْمِهِ ألا تَتَّقُونَ﴾ [الصافات: ١٢٤] ﴿أتَدْعُونَ بَعْلًا وتَذَرُونَ أحْسَنَ الخالِقِينَ﴾ [الصافات: ١٢٥] ﴿اللَّهَ رَبَّكم ورَبَّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ [الصافات: ١٢٦] ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ [الصافات: ١٢٧] ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ [الصافات: ١٢٨] ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ [الصافات: ١٢٩] ﴿سَلامٌ عَلى إلْ ياسِينَ﴾ [الصافات: ١٣٠] ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ [الصافات: ١٣١] ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ [الصافات: ١٣٢] ﴿وإنَّ لُوطًا لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٣٣] ﴿إذْ نَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ﴾ [الصافات: ١٣٤] ﴿إلّا عَجُوزًا في الغابِرِينَ﴾ [الصافات: ١٣٥] ﴿ثُمَّ دَمَّرْنا الآخَرِينَ﴾ [الصافات: ١٣٦] ﴿وإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ﴾ [الصافات: ١٣٧] ﴿وبِاللَّيْلِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات: ١٣٨] ﴿وإنَّ يُونُسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٣٩] ﴿إذْ أبَقَ إلى الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ [الصافات: ١٤٠] ﴿فَساهَمَ فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ﴾ [الصافات: ١٤١] ﴿فالتَقَمَهُ الحُوتُ وهو مُلِيمٌ﴾ [الصافات: ١٤٢] ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ [الصافات: ١٤٣] ﴿لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الصافات: ١٤٤] ﴿فَنَبَذْناهُ بِالعَراءِ وهو سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ١٤٥] ﴿وأنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِن يَقْطِينٍ﴾ [الصافات: ١٤٦] ﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ١٤٧] ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾ [الصافات: ١٤٨] ﴿فاسْتَفْتِهِمْ ألِرَبِّكَ البَناتُ ولَهُمُ البَنُونَ﴾ [الصافات: ١٤٩] ﴿أمْ خَلَقْنا المَلائِكَةَ إناثًا وهم شاهِدُونَ﴾ [الصافات: ١٥٠] ﴿ألا إنَّهم مِن إفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ﴾ [الصافات: ١٥١] ﴿ولَدَ اللَّهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ [الصافات: ١٥٢] ﴿أاصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ﴾ [الصافات: ١٥٣] ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [الصافات: ١٥٤] ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [الصافات: ١٥٥] ﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾ [الصافات: ١٥٦] ﴿فَأْتُوا بِكِتابِكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [الصافات: ١٥٧] ﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا ولَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ إنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ [الصافات: ١٥٨] ﴿سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ [الصافات: ١٥٩] ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ [الصافات: ١٦٠] ﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ﴾ [الصافات: ١٦١] ﴿ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ﴾ [الصافات: ١٦٢] ﴿إلّا مَن هو صالِي الجَحِيمِ﴾ [الصافات: ١٦٣] ﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات: ١٦٤] ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾ [الصافات: ١٦٥] ﴿وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾ [الصافات: ١٦٦] ﴿وإنْ كانُوا لَيَقُولُونَ﴾ [الصافات: ١٦٧] ﴿لَوْ أنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا مِنَ الأوَّلِينَ﴾ [الصافات: ١٦٨] ﴿لَكُنّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ [الصافات: ١٦٩] ﴿فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الصافات: ١٧٠] ﴿ولَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٧١] ﴿إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ﴾ [الصافات: ١٧٢] ﴿وإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ﴾ [الصافات: ١٧٣] ﴿فَتَوَلَّ عَنْهم حَتّى حِينٍ﴾ [الصافات: ١٧٤] ﴿وأبْصِرْهم فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ [الصافات: ١٧٥] ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ [الصافات: ١٧٦] ﴿فَإذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ فَساءَ صَباحُ المُنْذَرِينَ﴾ [الصافات: ١٧٧] ﴿وتَوَلَّ عَنْهم حَتّى حِينٍ﴾ [الصافات: ١٧٨] ﴿وأبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ [الصافات: ١٧٩] ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ [الصافات: ١٨٠] ﴿وسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٨١] ﴿والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الصافات: ١٨٢] تَلَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ: صَرَعَهُ عَلى شِقِّهِ، وقِيلَ: وضَعَهُ بِقُوَّةٍ. وقالَ ساعِدَةُ بْنُ حَوْبَةَ:
؎وتَلَّ تَلِيلًا لِلْجَبِينِ ولِلْفَمِ
والجَبِينانِ: ما اكْتَنَفَ مِن هُنا ومِن هُنا، وشَذَّ جَمْعُ الجَبِينِ عَلى أجْبُنٍ، وقِياسُهُ في القِلَّةِ أجْبِنَةٌ، كَكَثِيبٍ وأكْثِبَةٍ، وفي الكَثْرَةِ: جَبَناتٌ وجُبُنٌ، كَكُثُباتٌ وكُثُبٌ. الذَّبْحُ: اسْمُ ما يُذْبَحُ، كالرَّعْيِ اسْمُ ما يُرْعى. أبَقَ: هَرَبَ. ساهَمَ: قارَعَ. المُدْحَضُ: المَقْلُوبُ. الحُوتُ: مَعْرُوفٌ. ألامَ: أتى بِما يُلامُ عَلَيْهِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎وكَمْ مِن مُلِيمٍ لَمْ يُصَبْ بِمُلامَةٍ ∗∗∗ ومُتَّبِعٍ بِالذَّنْبِ لَيْسَ لَهُ ذَنْبُ
العَراءُ: الأرْضُ الفَيْحاءُ لا شَجَرَ فِيها ولا يُعْلَمُ، قالَ الشّاعِرُ:
؎ورَفَعْتُ رِجْلًا لا أخافُ عِثارَها ∗∗∗ ونَبَذْتُ بِالمِينِ العَراءِ ثِيابِي
اليَقْطِينُ: يَفْعِيلٌ كاليَفْصِيدِ، مِن قَطَنَ: أقامَ بِالمَكانِ، وهو بِالمَكانِ، وهو ما كانَ مِنَ الشَّجَرِ لا يَقُومُ عَلى ساقٍ مِن عُودٍ، كَشَجَرِ البِطِّيخِ والحَنْظَلِ والقِثّاءِ. السّاحَةُ: الفِناءُ، وجَمْعُها سُوحٌ، قالَ الشّاعِرُ:
؎فَكانَ سِيّانِ أنْ لا يَسْرَحُوا نَعَمًا ∗∗∗ أوْ يَسْرَحُوهُ بِها واغْبَرَّتِ السُّوحُ
(p-٣٦٩)
﴿وقالَ إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ ﴿فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ يابُنَيَّ إنِّي أرى في المَنامِ أنِّي أذْبَحُكَ فانْظُرْ ماذا تَرى قالَ يا أبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ ﴿فَلَمّا أسْلَما وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ ﴿ونادَيْناهُ أنْ ياإبْراهِيمُ﴾ ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّ هَذا لَهو البَلاءُ المُبِينُ﴾ ﴿وفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى إبْراهِيمَ﴾ ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿وبارَكْنا عَلَيْهِ وعَلى إسْحاقَ ومِن ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ .
لَمّا سَلَّمَهُ اللَّهُ مِنهم ومِنَ النّارِ الَّتِي ألْقَوْهُ فِيها، عَزَمَ عَلى مُفارَقَتِهِمْ، وعَبَّرَ بِالذَّهابِ إلى رَبِّهِ عَنْ هِجْرَتِهِ إلى أرْضِ الشّامِ. كَما قالَ (﴿إنِّي مُهاجِرٌ إلى رَبِّي﴾ [العنكبوت: ٢٦] لِيَتَمَكَّنَ مِن عِبادَةِ رَبِّهِ ويَتَضَرَّعَ لَهُ مِن غَيْرِ أنْ يَلْقى مَن يُشَوِّشُ عَلَيْهِ، فَهاجَرَ مِن أرْضِ بابِلَ، مِن مَمْلَكَةِ نُمْرُودٍ، إلى الشّامِ. وقِيلَ: إلى أرْضِ مِصْرَ. ويَبْعُدُ قَوْلُ مَن قالَ: لَيْسَ المُرادُ بِذَهابِهِ الهِجْرَةَ، وإنَّما مُرادُهُ لِقاءُ اللَّهِ بَعْدَ الإحْراقِ، ظانًّا مِنهُ أنَّهُ سَيَمُوتُ في النّارِ، فَقالَها قَبْلَ أنْ يُطْرَحَ في النّارِ. و( سَيَهْدِينِ) أيْ إلى الجَنَّةِ، نَحا إلى هَذا قَتادَةُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ﴾ يَدْفَعُ هَذا القَوْلَ، والمُعْتَقِدُ أنَّهُ يَمُوتُ في النّارِ لا يَدْعُو بِأنْ يَهَبَ اللَّهُ لَهُ ولَدًا صالِحًا. (سَيَهْدِينِ) يُوَفِّقُنِي إلى ما فِيهِ صَلاحِي.
﴿مِنَ الصّالِحِينَ﴾ أيْ ولَدًا يَكُونُ في عِدادِ الصّالِحِينَ. ولَفْظُ الهِبَةِ غَلَبَ في الوَلَدِ، وإنْ كانَ قَدْ جاءَ في الأخِ، كَقَوْلِهِ ﴿ووَهَبْنا لَهُ مِن رَحْمَتِنا أخاهُ هارُونَ نَبِيًّا﴾ [مريم: ٥٣] . واشْتَمَلَتِ البِشارَةُ عَلى ذُكُورِيَّةِ المَوْلُودِ وبُلُوغِهِ سِنَّ الحُلُمِ ووَصْفِهِ بِالحِلْمِ، وأيُّ حِلْمٍ أعْظَمُ مِن قَوْلِهِ، وقَدْ عَرَضَ عَلَيْهِ أبُوهُ الذَّبْحَ ﴿سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّابِرِينَ﴾
﴿فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾، بَيْنَ هَذِهِ الجُمْلَةِ والَّتِي قَبْلَها مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: فَوُلِدَ لَهُ وشَبَّ.
﴿فَلَمّا بَلَغَ﴾ أيْ أنْ يَسْعى مَعَ أبِيهِ في أشْغالِهِ وحَوائِجِهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ: والَسَّعْيُ هُنا: العَمَلُ والعِبادَةُ والمَعُونَةُ. وقالَ قَتادَةُ: السَّعْيُ عَلى القَدَمِ، يُرِيدُ سَعْيًا مُتَمَكِّنًا، وفِيهِ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لا يَصِحُّ تَعَلُّقُهُ بِبَلَغَ بِهِ بُلُوغُهُما مَعًا حَدَّ السَّعْيِ ولا بِالسَّعْيِ؛ لِأنَّ أصْلَهُ المَصْدَرُ لا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ، فَنَفى أنْ يَكُونَ بَيانًا، كَأنَّهُ لَمّا قالَ ﴿فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾، أيِ الحَدَّ الَّذِي يَقْدِرُ فِيهِ عَلى السَّعْيِ، قِيلَ: مَعَ مَن ؟ فَقالَ: مَعَ أبِيهِ، والمَعْنى في اخْتِصاصِ الأبِّ أنَّهُ أرْفَقُ النّاسِ وأعْطَفُهم عَلَيْهِ وعَلى غَيْرِهِ وبِما عَنَّفَ عَلَيْهِ في الِاسْتِسْعاءِ، فَلا يَحْتَمِلُهُ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَسْتَحْكِمْ قَوْلَهُ، ولَمْ يَطْلُبْ عَوْدَهُ، وكانَ إذْ ذاكَ ابْنَ ثَلاثَ عَشْرَةَ سَنَةً. انْتَهى.
﴿قالَ يابُنَيَّ﴾ نِداءُ شَفَقَةٍ وتَرَحُّمٍ.
﴿إنِّي أرى في المَنامِ أنِّي أذْبَحُكَ﴾ أيْ بِأمْرٍ مِنَ اللَّهِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿افْعَلْ ما تُؤْمَرُ﴾ . ورُؤْيا الأنْبِياءِ وحْيٌ كاليَقَظَةِ، وذِكْرُهُ لَهُ الرُّؤْيا تَجْسِيرٌ عَلى احْتِمالِ تِلْكَ البَلِيَّةِ العَظِيمَةِ. وشاوَرَهُ بِقَوْلِهِ ﴿فانْظُرْ ماذا تَرى﴾ وإنْ كانَ حَتْمًا مِنَ اللَّهِ لِيَعْلَمَ ما عِنْدَهُ مِن تَلَقِّي هَذا الِامْتِحانِ العَظِيمِ، ويُصَبِّرَهُ إنْ جَزَعَ، ويُوَطِّنَ نَفْسَهُ عَلى مُلاقاةِ هَذا البَلاءِ، وتَسْكُنَ نَفْسُهُ لِما لا بُدَّ مِنهُ، إذْ مُفاجَأةُ البَلاءِ قَبْلَ الشُّعُورِ بِهِ أصْعَبُ عَلى النَّفْسِ، وكانَ ما رَآهُ في المَنامِ ولَمْ يَكُنْ في اليَقَظَةِ، كَرُؤْيا يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ورُؤْيا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ دُخُولَ المَسْجِدِ الحَرامِ، لِيَدُلَّ عَلى أنَّ حالَتَيِ الأنْبِياءِ يَقَظَةً ومَنامًا سَواءٌ في الصِّدْقِ مُتَظافِرَتانِ عَلَيْهِ. قِيلَ: إنَّهُ حِينَ بَشَّرَتِ المَلائِكَةُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ قالَ: هو إذَنْ ذَبِيحُ اللَّهِ. فَلَمّا بَلَغَ حَدَّ السَّعْيِ مَعَهُ قِيلَ لَهُ: أوْفِ بِنَذْرِكَ. قِيلَ: رَأى لَيْلَةَ التَّرْوِيَةِ قائِلًا يَقُولُ لَهُ: إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ بِذَبْحِ ابْنِكَ هَذا. فَلَمّا أصْبَحَ، رَوّى في ذَلِكَ مِنَ الصَّباحِ إلى الرَّواحِ. أمِنَ اللَّهِ هَذا الحُلْمُ ؟، فَمِن ثَمَّ سُمِّيَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ. فَلَمّا أمْسَ رَأى مِثْلَ ذَلِكَ، فَعَرَفَ أنَّهُ مِنَ اللَّهِ، فَمِن ثَمَّ سُمِّيَ يَوْمَ عَرَفَةَ. ثُمَّ رَأى مِثْلَهُ في اللَّيْلَةِ الثّالِثَةِ، فَهَمَّ بِنَحْرِهِ، فَسُمِّيَ يَوْمَ النَّحْرِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: (p-٣٧٠)(تَرى)، بِفَتْحِ التّاءِ والرّاءِ؛ وعَبْدُ اللَّهِ، والأسْوَدُ بْنُ يَزِيدَ، وابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ، ومُجاهِدٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ الرّاءِ؛ والضَّحّاكُ، والأعْمَشُ أيْضًا بِضَمِّ التّاءِ وفَتْحِ الرّاءِ. فالأوَّلُ مِنَ الرَّأْيِ، والثّانِي ماذا تَرَيَنِّيهِ وما تُبْدِيهِ لِأنْظُرَ فِيهِ ؟ والثّالِثُ ما الَّذِي يُخَيَّلُ إلَيْكَ ويُوقَعُ في قَلْبِكَ ؟ و(انْظُرْ) مُعَلَّقَةٌ، وماذا اسْتِفْهامٌ. فَإنْ كانَتْ (ذا) مَوْصُولَةً بِمَعْنى الَّذِي، فَـ (ما) مُبْتَدَأٌ، والفِعْلُ بَعْدَ (ذا) صِلَةٌ. وإنْ كانَتْ (ذا) مُرَكَّبَةً، فَفي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِالفِعْلِ بَعْدَها. والجُمْلَةُ، واسْمُ الِاسْتِفْهامِ الَّذِي هو مَعْمُولٌ لِلْفِعْلِ بَعْدَهُ في مَوْضِعِ نَصْبِ انْظُرْ. ولَمّا كانَ خِطابُ الأبِّ (يا بُنَيَّ)، عَلى سَبِيلِ التَّرَحُّمِ، قالَ: هو (يا أبَتِ)، عَلى سَبِيلِ التَّعْظِيمِ والتَّوْقِيرِ.
﴿افْعَلْ ما تُؤْمَرُ﴾ أيْ ما تُؤْمَرُهُ، حَذَفَهُ وهو مَنصُوبٌ، وأصْلُهُ ما تُؤْمَرُ بِهِ، فَحُذِفَ الحَرْفُ، واتَّصَلَ الضَّمِيرُ مَنصُوبًا، فَجازَ حَذْفُهُ لِوُجُودِ شَرائِطِ الحَذْفِ فِيهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ أمَرَكَ، عَلى إضافَةِ المَصْدَرِ إلى المَفْعُولِ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، وفي ذَلِكَ خِلافٌ. هَلْ يُعْتَقَدُ في المَصْدَرِ العامِلِ أنْ يَجُوزَ أنْ يُبْنى لِلْمَفْعُولِ، فَيَكُونَ ما بَعْدَهُ مَفْعُولًا لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، أمْ يَكُونَ ذَلِكَ ؟ ﴿سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ كَلامُ مَن أُوتِيَ الحِلْمَ والصَّبْرَ والِامْتِثالَ لِأمْرِ اللَّهِ، والرِّضا بِما أمَرَ اللَّهُ.
﴿فَلَمّا أسْلَما﴾ أيْ لِأمْرِ اللَّهِ، ويُقالُ: اسْتَسْلَمَ وسَلَّمَ بِمَعْناهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: أسْلَما. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وعَلِيٌّ، وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ، وجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، والأعْمَشُ، والثَّوْرِيُّ: سَلَّما: أيْ فَوَّضا إلَيْهِ في قَضائِهِ وقَدَرِهِ. وقُرِئَ: اسْتَسْلَما، ثَلاثُ قِراءاتٍ. وقالَ قَتادَةُ في أسْلَما: أسْلَمَ هَذا ابْنَهُ، وأسْلَمَ هَذا نَفْسَهُ، فَجَعَلَ أسْلَما مُتَعَدِّيًا، وغَيْرَهُ جَعَلَهُ لازِمًا بِمَعْنى: انْقادا لِأمْرِ اللَّهِ وخَضَعا لَهُ.
﴿وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ أيْ أوْقَعَهُ عَلى أحَدِ جَنْبَيْهِ في الأرْضِ مُباشِرًا الأمْرَ بِصَبْرٍ وجَلَدٍ، وذَلِكَ عِنْدَ الصَّخْرَةِ الَّتِي بِمِنًى، وعَنِ الحَسَنِ: في المَوْضِعِ المُشْرِفِ عَلى مَسْجِدِ مِنًى؛ وعَنِ الضَّحّاكِ: في المَنحَرِ الَّذِي يُنْحَرُ فِيهِ اليَوْمَ. وجَوابُ (لَمّا) مَحْذُوفٌ يُقَدَّرُ بَعْدَ ﴿وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾، أيْ أجْزَلْنا أجْرَهُما، قالَهُ بَعْضُ البَصْرِيِّينَ، أوْ بَعْدَ ﴿الرُّؤْيا﴾ أيْ: كانَ ما كانَ مِمّا تَنْطِقُ بِهِ الحالُ ولا يُحِيطُ بِهِ الوَصْفُ مِنِ اسْتِبْشارِهِما وحَمْدِهِما اللَّهَ عَلى ما أنْعَمَ بِهِ إلى ألْفاظٍ كَثِيرَةٍ ذَكَرَها الزَّمَخْشَرِيُّ عَلى عادَتِهِ في خَطابَتِهِ، أوْ قَبْلَ ﴿وتَلَّهُ﴾ تَقْدِيرُهُ ﴿فَلَمّا أسْلَما وتَلَّهُ﴾ . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهو قَوْلُ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ، وهو عِنْدَهم كَقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:
؎فَلَمّا أجَزْنا ساحَةَ الحَيِّ وانْتَحى
وقالَ الكُوفِيُّونَ: الجَوابُ مُثْبَتٌ، وهو ﴿ونادَيْناهُ﴾ عَلى زِيادَةِ الواوِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو ﴿وتَلَّهُ﴾ عَلى زِيادَةِ الواوِ. وذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ في قِصَّةِ إبْراهِيمَ وابْنِهِ، وما جَرى بَيْنَهُما مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ فُصُولًا، اللَّهُ أعْلَمُ بِصِحَّتِها، يُوقِفُ عَلَيْها في كِتابِهِ. و(أنْ) مُفَسِّرَةٌ؛ أيْ ﴿قَدْ صَدَّقْتَ﴾ . وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: ونادَيْناهُ قَدْ صَدَّقَتْ، بِحَذْفِ (أنْ)، وقُرِئَ: صَدَقْتَ، بِتَخْفِيفِ الدّالِ. وقَرَأ فَيّاضٌ: الرِّيّا، بِكَسْرِ الرّاءِ والإدْغامِ وتَصْدِيقِ الرُّؤْيا. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بَذَلَ وِسْعَهُ وفَعَلَ ما يَفْعَلُ الذّابِحُ مِن بَطْحِهِ عَلى شِقِّهِ وإمْرارِ الشَّفْرَةِ عَلى حَلْقِهِ، لَكِنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ جاءَ بِما مَنَعَ الشَّفْرَةَ أنْ تَمْضِيَ فِيهِ، وهَذا لا يَقْدَحُ في فِعْلِ إبْراهِيمَ. ألا تَرى أنَّهُ لا يُسَمّى عاصِيًا ولا مُفَرِّطًا ؟ بَلْ يُسَمّى مُطِيعًا ومُجْتَهِدًا، كَما لَوْ مَضَتْ فِيهِ الشَّفْرَةُ وفَرَتِ الأوْداجَ وأنْهَرَتِ الدَّمَ. ولَيْسَ هَذا مِن وُرُودِ النَّسْخِ عَلى المَأْمُورِ بِهِ قَبْلَ الفِعْلِ، ولا قَبْلَ أوانِ الفِعْلِ في شَيْءٍ، كَما يَسْبِقُ إلى بَعْضِ الأوْهامِ حَتّى يَشْتَغِلَ بِالكَلامِ فِيهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ ﴿قَدْ صَدَّقْتَ﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ بِقَلْبِكَ عَلى مَعْنى: كانَتْ عِنْدَكَ رُؤْياكَ صادِقَةً حَقًّا مِنَ اللَّهِ فَعَمِلْتَ بِحَسَبِها حِينَ آمَنتَ بِها، واعْتَقَدْتَ صِدْقَها. ويَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ: صَدَّقْتَ بِقَلْبِكَ ما حَصَلَ عَنِ الرُّؤْيا في نَفْسِكَ، كَأنَّهُ قالَ: قَدْ وفَّيْتَها حَقَّها مِنَ العَمَلِ. انْتَهى.
﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ تَعْلِيلٌ لِتَخْوِيلِ ما خَوَّلَهُما اللَّهُ مِنَ الفَرَجِ بَعْدَ الشِّدَّةِ، والظَّفَرِ بِالبُغْيَةِ بَعْدَ اليَأْسِ.
(إنَّ هَذا) أيْ ما أُمِرَ بِهِ إبْراهِيمُ مِن ذَبْحِ ابْنِهِ، ﴿لَهُوَ البَلاءُ المُبِينُ﴾ أيِ الِاخْتِبارُ البَيِّنُ الَّذِي يَتَمَيَّزُ فِيهِ المُخْلِصُونَ وغَيْرُهم، أوِ المِحْنَةُ البَيِّنَةُ الصُّعُوبَةِ الَّتِي لا مِحْنَةَ أصْعَبُ مِنها.
﴿وفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو (p-٣٧١)الكَبْشُ الَّذِي قَرَّبَهُ هابِيلُ فَقُبِلَ مِنهُ، وكانَ يَرْعى في الجَنَّةِ حَتّى فُدِيَ بِهِ إسْماعِيلُ. وقالَ أيْضًا هو والحَسَنُ: فُدِيَ بِوَعْلٍ أُهْبِطَ عَلَيْهِ مِن سَرْوٍ. وقالَ الجُمْهُورُ: كَبْشٌ أبْيَضُ أقْرَنُ أقْنى، ووُصِفَ بِالعِظَمِ. قالَ مُجاهِدٌ: لِأنَّهُ مُتَقَبَّلٌ يَقِينًا. وقالَ عَمْرُو بْنُ عَبِيدٍ: لِأنَّهُ جَرَتِ السُّنَّةُ بِهِ، وصارَ دِينًا باقِيًا إلى آخِرِ الدَّهْرِ. وقالَ الحَسَنُ بْنُ الفَضْلِ: لِأنَّهُ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ. وقالَ أبُو بَكْرٍ الوَرّاقُ: لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَنْ نَسْلٍ، بَلْ عَنِ التَّكْوِينِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ: عَظَمَتُهُ كَوْنُهُ مِن كِباشِ الجَنَّةِ، رُعِيَ فِيها أرْبَعِينَ خَرِيفًا. وفي قَوْلِهِ ﴿وفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّ إبْراهِيمَ لَمْ يَذْبَحِ ابْنَهُ، وقَدْ فُدِيَ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: وقَعَ الذَّبْحُ وقامَ بَعْدَ ذَلِكَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا كَذِبٌ صُراحٌ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: لَمْ يَرَ إبْراهِيمُ في مَنامِهِ الإمْرارَ بِالشَّفْرَةِ فَقَطْ، فَظَنَّ أنَّهُ ذِبْحٌ مُجَهَّزٌ، فَنَفَّذَ لِذَلِكَ. فَلَمّا وقَعَ الَّذِي رَآهُ وقَعَ النَّسْخُ، قالَ: ولا اخْتِلافَ، فَإنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، أمَرَّ الشَّفْرَةَ عَلى حَلْقِ ابْنِهِ فَلَمْ تَقْطَعْ. انْتَهى. والَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ القُرْآنُ أنَّهُ ﴿وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ فَقَطْ، ولَمْ يَأْتِ في حَدِيثٍ صَحِيحٍ «أنَّهُ أمَرَّ الشَّفْرَةَ عَلى حَلْقِ ابْنِهِ». ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ﴾ إلى (المُؤْمِنِينَ) تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِهِ في آخِرِ قِصَّةِ نُوحٍ، قَبْلَ قِصَّةِ إبْراهِيمَ هُنا، وقالَ هُنا كَذَلِكَ دُونَ إنّا اكْتِفاءً بِذِكْرِ ذَلِكَ قَبْلُ وبَعْدُ.
﴿وبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ الظّاهِرُ أنَّ هَذِهِ بِشارَةٌ غَيْرُ تِلْكَ البِشارَةِ، وأنَّ الغُلامَ الحَلِيمَ المُبَشَّرَ بِهِ إبْراهِيمُ هو إسْماعِيلُ، وأنَّهُ هو الذَّبِيحُ لا إسْحاقُ؛ وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنُ عُمَرَ، ومُعاوِيَةُ بْنُ أبِي سُفْيانَ، ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ، والشَّعْبِيُّ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وجَماعَةُ مِنَ التّابِعِينَ؛ واسْتَدَلُّوا بِظاهِرِ هَذِهِ الآياتِ وبِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: «أنا ابْنُ الذَّبِيحَيْنِ»، وقَوْلُ الأعْرابِيِّ لَهُ: «يا ابْنَ الذَّبِيحَيْنِ: فَتَبَسَّمَ عَلَيْهِ السَّلامُ»، يَعْنِي إسْماعِيلَ، وأباهُ عَبْدَ اللَّهِ. وكانَ عَبْدُ المُطَّلِبِ نَذَرَ ذَبْحَ أحَدِ ولَدِهِ، فَخَرَجَ السَّهْمُ عَلى عَبْدِ اللَّهِ، فَمَنَعَهُ أخْوالُهُ وقالُوا لَهُ: افْدِ ابْنَكَ بِمِائَةٍ مِنَ الإبِلِ، فَفَداهُ بِها. وفِيما أوْحى اللَّهُ لِمُوسى في حَدِيثٍ طَوِيلٍ. «وأمّا إسْماعِيلُ، فَإنَّهُ جادَ بِدَمِ نَفْسِهِ». وسَألَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ يَهُودِيًا أسْلَمَ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: إنَّ يَهُودِيًا لَيَعْلَمُ، لَكِنَّهم يَحْسُدُونَكم مَعْشَرَ العَرَبِ، وكانَ قَرْنا الكَبْشِ مَنُوطَيْنِ في الكَعْبَةِ. وسَألَ الأصْمَعِيُّ أبا عَمْرِو بْنَ العَلاءِ عَنِ الذَّبِيحِ فَقالَ: يا أصْمَعِيُّ، أيْنَ عَزَبَ عَنْكَ عَقْلُكَ ؟ ومَتى كانَ إسْحاقُ بِمَكَّةَ ؟ وهو الَّذِي بَنى البَيْتَ مَعَ أبِيهِ، والمَنحَرُ بِمَكَّةَ ؟ انْتَهى. ووَصَفَهُ تَعالى بِالصَّبْرِ في قَوْلِهِ ﴿وإسْماعِيلَ وإدْرِيسَ وذا الكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٥] وهو صَبْرُهُ عَلى الذَّبْحِ؛ وبِصِدْقِ الوَعْدِ في قَوْلِهِ ﴿إنَّهُ كانَ صادِقَ الوَعْدِ﴾ [مريم: ٥٤] لِأنَّهُ وعَدَ أباهُ مِن نَفْسِهِ الصَّبْرَ عَلى الذَّبْحِ فَوَفّى بِهِ. وذَكَرَ الطَّبَرِيُّ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ قالَ: الذَّبِيحُ إسْماعِيلُ، ويَزْعُمُ اليَهُودُ أنَّهُ إسْحاقُ، وكَذَبَتِ اليَهُودُ. ومِن أقْوى ما يُسْتَدَلُّ بِهِ أنَّ اللَّهَ تَعالى بَشَّرَ إبْراهِيمَ بِإسْحاقَ، ووَلَدَ إسْحاقُ يَعْقُوبَ. فَلَوْ كانَ الذَّبِيحُ إسْحاقَ، لَكانَ ذَلِكَ الإخْبارُ غَيْرَ مُطابِقٍ لِلْواقِعِ، وهو مُحالٌ في إخْبارِ اللَّهِ تَعالى. وذَهَبَتْ جَماعَةٌ إلى أنَّ الذَّبِيحَ هو إسْحاقُ، مِنهم: العَبّاسُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وعَلِيٌّ، وعَطاءٌ، وعِكْرِمَةُ، وكَعْبٌ، وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، وابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةٍ، وكانَ أمْرَ ذَبْحِهِ بِالشّامِ. وقالَ عَطاءٌ ومُقاتِلٌ: بِبَيْتِ المَقْدِسِ؛ وقِيلَ: بِالحِجازِ، جاءَ مَعَ أبِيهِ عَلى البُراقِ. وقالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، وابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةٍ: وكانَ أمْرَ ذَبْحِهِ بِالشّامِ، كانَ بِالمَقامِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: والبِشارَةُ في قَوْلِهِ ﴿وبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ﴾ هي بِشارَةُ نُبُوَّتِهِ. وقالُوا: أخْبَرَ تَعالى عَنْ خَلِيلِهِ إبْراهِيمَ حِينَ هاجَرَ إلى الشّامِ بِأنَّهُ اسْتَوْهَبَهُ ولَدًا، ثُمَّ أتْبَعَ تِلْكَ البِشارَةَ بِغُلامٍ حَلِيمٍ، ثُمَّ ذَكَرَ رُؤْياهُ بِذَبْحِ ذَلِكَ الغُلامِ المُبَشَّرِ بِهِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ كِتابُ يَعْقُوبَ إلى يُوسُفَ، عَلَيْهِما السَّلامُ: مِن يَعْقُوبَ إسْرائِيلَ اللَّهِ ابْنِ إسْحاقَ ذَبِيحِ اللَّهِ بْنِ إبْراهِيمَ خَلِيلِ اللَّهِ. ومَن جَعَلَ الذَّبِيحَ إسْحاقَ، جَعَلَ هَذِهِ البِشارَةَ بِشارَةً بِنُبُوَّتِهِ، كَما ذَكَرْنا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالُوا: لا يَجُوزُ أنْ يُبَشِّرَهُ اللَّهُ بِوِلادَتِهِ ونُبُوَّتِهِ مَعًا؛ لِأنَّ الِامْتِحانَ بِذَبْحِهِ لا يَصِحُّ مَعَ عِلْمِهِ بِأنَّهُ سَيَكُونُ نَبِيًّا. ومَن جَعَلَهُ إسْماعِيلَ، جَعَلَ البِشارَةَ بِوَلَدِهِ إسْحاقَ. وانْتَصَبَ نَبِيًّا عَلى (p-٣٧٢)الحالِ، وهي حالٌ مُقَدَّرَةٌ. فَإنْ كانَ إسْحاقُ هو الذَّبِيحَ، وكانَتْ هَذِهِ البِشارَةُ بِوِلادَةِ إسْحاقَ، فَقَدْ جَعَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ ذَلِكَ مَحَلَّ سُؤالٍ. فَإنْ قُلْتَ: فَرْقٌ بَيْنَ هَذا وقَوْلِهِ ﴿فادْخُلُوها خالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣] وذَلِكَ أنَّ المَدْخُولَ مَوْجُودٌ مَعَ وُجُودِ الدُّخُولِ، والخُلُودَ غَيْرُ مَوْجُودٍ مَعَهُما، فَقَدَّرْتَ مُقَدَّرَيْنِ لِلْخُلُودِ، فَكانَ مُسْتَقِيمًا. ولَيْسَ كَذَلِكَ المُبَشَّرُ بِهِ، فَإنَّهُ مَعْلُومٌ وقْتَ وُجُودِ البِشارَةِ، وعَدَمُ المُبَشَّرِ بِهِ أوْجَبَ عَدَمَ حالِهِ؛ لِأنَّ الحالَ حِلْيَةٌ لا تَقُومُ إلّا بِالمَحَلِّيِّ. وهَذا المُبَشَّرُ بِهِ الَّذِي هو إسْحاقُ، حِينَ وُجِدَ لَمْ تُوجَدِ النُّبُوَّةُ أيْضًا بِوُجُودِهِ، بَلْ تَراخَتْ عَنْهُ مُدَّةً طَوِيلَةً، فَكَيْفَ يُجْعَلُ نَبِيًّا حالًا مُقَدَّرَةً ؟ والحالُ صِفَةٌ لِلْفاعِلِ والمَفْعُولِ عِنْدَ وُجُودِ الفِعْلِ مِنهُ أوْ بِهِ. فالخُلُودُ وإنْ لَمْ يَكُنْ صِفَتَهم عِنْدَ دُخُولِ الجَنَّةِ، فَتَقْدِيرُها صِفَتُهم؛ لِأنَّ المَعْنى: مُقَدِّرِينَ الخُلُودَ. ولَيْسَ كَذَلِكَ النُّبُوَّةُ، فَإنَّهُ لا سَبِيلَ إلى أنْ تَكُونَ مَوْجُودَةً وقْتَ وُجُودِ البِشارَةِ بِإسْحاقَ لِعَدَمِ إسْحاقَ. قُلْتُ: هَذا سُؤالٌ دَقِيقُ السَّلْكِ ضَيِّقُ المَسْلَكِ، والَّذِي يَحُلُّ الإشْكالَ أنَّهُ لا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ مُضافٍ مَحْذُوفٍ وذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿وبَشَّرْناهُ﴾ بِوُجُودِ إسْحاقَ نَبِيًّا، أيْ بِأنْ يُوجَدَ مُقَدَّرَةً نُبُوَّتُهُ، فالعامِلُ في الحالِ الوُجُودُ، لا فِعْلُ البِشارَةِ؛ وبِذَلِكَ يَرْجِعُ نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فادْخُلُوها خالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣]، (مِنَ الصّالِحِينَ) حالٌ ثانِيَةٌ، ووُرُودُها عَلى سَبِيلِ الثَّناءِ والتَّقْرِيظِ؛ لِأنَّ كُلَّ نَبِيٍّ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ مِنَ الصّالِحِينَ. انْتَهى.
﴿وبارَكْنا عَلَيْهِ وعَلى إسْحاقَ﴾ أفَضْنا عَلَيْهِما بَرَكاتِ الدِّينِ والدُّنْيا، وبِأنْ أخْرَجْنا أنْبِياءَ بَنِي إسْرائِيلَ مِن صُلْبِهِ.
﴿ومِن ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وظالِمٌ﴾ فِيهِ وعِيدٌ لِلْيَهُودِ ومَن كانَ مِن ذُرِّيَّتِهِما لَمْ يُؤْمِن بِمُحَمَّدٍ ﷺ وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ البَرَّ قَدْ يَلِدُ الفاجِرَ، ولا يَلْحَقُهُ مِن ذَلِكَ عَيْبٌ ولا مَنقَصَةٌ.
الصافات 37:102
(p-٣٦٨)﴿وقالَ إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ ﴿فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ يابُنَيَّ إنِّي أرى في المَنامِ أنِّي أذْبَحُكَ فانْظُرْ ماذا تَرى قالَ يا أبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ ﴿فَلَمّا أسْلَما وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ ﴿ونادَيْناهُ أنْ ياإبْراهِيمُ﴾ ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّ هَذا لَهو البَلاءُ المُبِينُ﴾ ﴿وفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى إبْراهِيمَ﴾ ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿وبارَكْنا عَلَيْهِ وعَلى إسْحاقَ ومِن ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ ﴿ولَقَدْ مَنَنّا عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ [الصافات: ١١٤] ﴿ونَجَّيْناهُما وقَوْمَهُما مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ [الصافات: ١١٥] ﴿ونَصَرْناهم فَكانُوا هُمُ الغالِبِينَ﴾ [الصافات: ١١٦] ﴿وآتَيْناهُما الكِتابَ المُسْتَبِينَ﴾ [الصافات: ١١٧] ﴿وهَدَيْناهُما الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ [الصافات: ١١٨] ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِما في الآخِرِينَ﴾ [الصافات: ١١٩] ﴿سَلامٌ عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ [الصافات: ١٢٠] ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ [الصافات: ١٢١] ﴿إنَّهُما مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ [الصافات: ١٢٢] ﴿وإنَّ إلْياسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٢٣] ﴿إذْ قالَ لِقَوْمِهِ ألا تَتَّقُونَ﴾ [الصافات: ١٢٤] ﴿أتَدْعُونَ بَعْلًا وتَذَرُونَ أحْسَنَ الخالِقِينَ﴾ [الصافات: ١٢٥] ﴿اللَّهَ رَبَّكم ورَبَّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ [الصافات: ١٢٦] ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ [الصافات: ١٢٧] ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ [الصافات: ١٢٨] ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ [الصافات: ١٢٩] ﴿سَلامٌ عَلى إلْ ياسِينَ﴾ [الصافات: ١٣٠] ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ [الصافات: ١٣١] ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ [الصافات: ١٣٢] ﴿وإنَّ لُوطًا لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٣٣] ﴿إذْ نَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ﴾ [الصافات: ١٣٤] ﴿إلّا عَجُوزًا في الغابِرِينَ﴾ [الصافات: ١٣٥] ﴿ثُمَّ دَمَّرْنا الآخَرِينَ﴾ [الصافات: ١٣٦] ﴿وإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ﴾ [الصافات: ١٣٧] ﴿وبِاللَّيْلِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات: ١٣٨] ﴿وإنَّ يُونُسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٣٩] ﴿إذْ أبَقَ إلى الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ [الصافات: ١٤٠] ﴿فَساهَمَ فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ﴾ [الصافات: ١٤١] ﴿فالتَقَمَهُ الحُوتُ وهو مُلِيمٌ﴾ [الصافات: ١٤٢] ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ [الصافات: ١٤٣] ﴿لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الصافات: ١٤٤] ﴿فَنَبَذْناهُ بِالعَراءِ وهو سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ١٤٥] ﴿وأنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِن يَقْطِينٍ﴾ [الصافات: ١٤٦] ﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ١٤٧] ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾ [الصافات: ١٤٨] ﴿فاسْتَفْتِهِمْ ألِرَبِّكَ البَناتُ ولَهُمُ البَنُونَ﴾ [الصافات: ١٤٩] ﴿أمْ خَلَقْنا المَلائِكَةَ إناثًا وهم شاهِدُونَ﴾ [الصافات: ١٥٠] ﴿ألا إنَّهم مِن إفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ﴾ [الصافات: ١٥١] ﴿ولَدَ اللَّهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ [الصافات: ١٥٢] ﴿أاصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ﴾ [الصافات: ١٥٣] ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [الصافات: ١٥٤] ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [الصافات: ١٥٥] ﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾ [الصافات: ١٥٦] ﴿فَأْتُوا بِكِتابِكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [الصافات: ١٥٧] ﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا ولَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ إنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ [الصافات: ١٥٨] ﴿سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ [الصافات: ١٥٩] ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ [الصافات: ١٦٠] ﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ﴾ [الصافات: ١٦١] ﴿ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ﴾ [الصافات: ١٦٢] ﴿إلّا مَن هو صالِي الجَحِيمِ﴾ [الصافات: ١٦٣] ﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات: ١٦٤] ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾ [الصافات: ١٦٥] ﴿وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾ [الصافات: ١٦٦] ﴿وإنْ كانُوا لَيَقُولُونَ﴾ [الصافات: ١٦٧] ﴿لَوْ أنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا مِنَ الأوَّلِينَ﴾ [الصافات: ١٦٨] ﴿لَكُنّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ [الصافات: ١٦٩] ﴿فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الصافات: ١٧٠] ﴿ولَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٧١] ﴿إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ﴾ [الصافات: ١٧٢] ﴿وإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ﴾ [الصافات: ١٧٣] ﴿فَتَوَلَّ عَنْهم حَتّى حِينٍ﴾ [الصافات: ١٧٤] ﴿وأبْصِرْهم فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ [الصافات: ١٧٥] ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ [الصافات: ١٧٦] ﴿فَإذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ فَساءَ صَباحُ المُنْذَرِينَ﴾ [الصافات: ١٧٧] ﴿وتَوَلَّ عَنْهم حَتّى حِينٍ﴾ [الصافات: ١٧٨] ﴿وأبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ [الصافات: ١٧٩] ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ [الصافات: ١٨٠] ﴿وسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٨١] ﴿والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الصافات: ١٨٢] تَلَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ: صَرَعَهُ عَلى شِقِّهِ، وقِيلَ: وضَعَهُ بِقُوَّةٍ. وقالَ ساعِدَةُ بْنُ حَوْبَةَ:
؎وتَلَّ تَلِيلًا لِلْجَبِينِ ولِلْفَمِ
والجَبِينانِ: ما اكْتَنَفَ مِن هُنا ومِن هُنا، وشَذَّ جَمْعُ الجَبِينِ عَلى أجْبُنٍ، وقِياسُهُ في القِلَّةِ أجْبِنَةٌ، كَكَثِيبٍ وأكْثِبَةٍ، وفي الكَثْرَةِ: جَبَناتٌ وجُبُنٌ، كَكُثُباتٌ وكُثُبٌ. الذَّبْحُ: اسْمُ ما يُذْبَحُ، كالرَّعْيِ اسْمُ ما يُرْعى. أبَقَ: هَرَبَ. ساهَمَ: قارَعَ. المُدْحَضُ: المَقْلُوبُ. الحُوتُ: مَعْرُوفٌ. ألامَ: أتى بِما يُلامُ عَلَيْهِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎وكَمْ مِن مُلِيمٍ لَمْ يُصَبْ بِمُلامَةٍ ∗∗∗ ومُتَّبِعٍ بِالذَّنْبِ لَيْسَ لَهُ ذَنْبُ
العَراءُ: الأرْضُ الفَيْحاءُ لا شَجَرَ فِيها ولا يُعْلَمُ، قالَ الشّاعِرُ:
؎ورَفَعْتُ رِجْلًا لا أخافُ عِثارَها ∗∗∗ ونَبَذْتُ بِالمِينِ العَراءِ ثِيابِي
اليَقْطِينُ: يَفْعِيلٌ كاليَفْصِيدِ، مِن قَطَنَ: أقامَ بِالمَكانِ، وهو بِالمَكانِ، وهو ما كانَ مِنَ الشَّجَرِ لا يَقُومُ عَلى ساقٍ مِن عُودٍ، كَشَجَرِ البِطِّيخِ والحَنْظَلِ والقِثّاءِ. السّاحَةُ: الفِناءُ، وجَمْعُها سُوحٌ، قالَ الشّاعِرُ:
؎فَكانَ سِيّانِ أنْ لا يَسْرَحُوا نَعَمًا ∗∗∗ أوْ يَسْرَحُوهُ بِها واغْبَرَّتِ السُّوحُ
(p-٣٦٩)
﴿وقالَ إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ ﴿فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ يابُنَيَّ إنِّي أرى في المَنامِ أنِّي أذْبَحُكَ فانْظُرْ ماذا تَرى قالَ يا أبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ ﴿فَلَمّا أسْلَما وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ ﴿ونادَيْناهُ أنْ ياإبْراهِيمُ﴾ ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّ هَذا لَهو البَلاءُ المُبِينُ﴾ ﴿وفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى إبْراهِيمَ﴾ ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿وبارَكْنا عَلَيْهِ وعَلى إسْحاقَ ومِن ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ .
لَمّا سَلَّمَهُ اللَّهُ مِنهم ومِنَ النّارِ الَّتِي ألْقَوْهُ فِيها، عَزَمَ عَلى مُفارَقَتِهِمْ، وعَبَّرَ بِالذَّهابِ إلى رَبِّهِ عَنْ هِجْرَتِهِ إلى أرْضِ الشّامِ. كَما قالَ (﴿إنِّي مُهاجِرٌ إلى رَبِّي﴾ [العنكبوت: ٢٦] لِيَتَمَكَّنَ مِن عِبادَةِ رَبِّهِ ويَتَضَرَّعَ لَهُ مِن غَيْرِ أنْ يَلْقى مَن يُشَوِّشُ عَلَيْهِ، فَهاجَرَ مِن أرْضِ بابِلَ، مِن مَمْلَكَةِ نُمْرُودٍ، إلى الشّامِ. وقِيلَ: إلى أرْضِ مِصْرَ. ويَبْعُدُ قَوْلُ مَن قالَ: لَيْسَ المُرادُ بِذَهابِهِ الهِجْرَةَ، وإنَّما مُرادُهُ لِقاءُ اللَّهِ بَعْدَ الإحْراقِ، ظانًّا مِنهُ أنَّهُ سَيَمُوتُ في النّارِ، فَقالَها قَبْلَ أنْ يُطْرَحَ في النّارِ. و( سَيَهْدِينِ) أيْ إلى الجَنَّةِ، نَحا إلى هَذا قَتادَةُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ﴾ يَدْفَعُ هَذا القَوْلَ، والمُعْتَقِدُ أنَّهُ يَمُوتُ في النّارِ لا يَدْعُو بِأنْ يَهَبَ اللَّهُ لَهُ ولَدًا صالِحًا. (سَيَهْدِينِ) يُوَفِّقُنِي إلى ما فِيهِ صَلاحِي.
﴿مِنَ الصّالِحِينَ﴾ أيْ ولَدًا يَكُونُ في عِدادِ الصّالِحِينَ. ولَفْظُ الهِبَةِ غَلَبَ في الوَلَدِ، وإنْ كانَ قَدْ جاءَ في الأخِ، كَقَوْلِهِ ﴿ووَهَبْنا لَهُ مِن رَحْمَتِنا أخاهُ هارُونَ نَبِيًّا﴾ [مريم: ٥٣] . واشْتَمَلَتِ البِشارَةُ عَلى ذُكُورِيَّةِ المَوْلُودِ وبُلُوغِهِ سِنَّ الحُلُمِ ووَصْفِهِ بِالحِلْمِ، وأيُّ حِلْمٍ أعْظَمُ مِن قَوْلِهِ، وقَدْ عَرَضَ عَلَيْهِ أبُوهُ الذَّبْحَ ﴿سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّابِرِينَ﴾
﴿فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾، بَيْنَ هَذِهِ الجُمْلَةِ والَّتِي قَبْلَها مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: فَوُلِدَ لَهُ وشَبَّ.
﴿فَلَمّا بَلَغَ﴾ أيْ أنْ يَسْعى مَعَ أبِيهِ في أشْغالِهِ وحَوائِجِهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ: والَسَّعْيُ هُنا: العَمَلُ والعِبادَةُ والمَعُونَةُ. وقالَ قَتادَةُ: السَّعْيُ عَلى القَدَمِ، يُرِيدُ سَعْيًا مُتَمَكِّنًا، وفِيهِ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لا يَصِحُّ تَعَلُّقُهُ بِبَلَغَ بِهِ بُلُوغُهُما مَعًا حَدَّ السَّعْيِ ولا بِالسَّعْيِ؛ لِأنَّ أصْلَهُ المَصْدَرُ لا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ، فَنَفى أنْ يَكُونَ بَيانًا، كَأنَّهُ لَمّا قالَ ﴿فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾، أيِ الحَدَّ الَّذِي يَقْدِرُ فِيهِ عَلى السَّعْيِ، قِيلَ: مَعَ مَن ؟ فَقالَ: مَعَ أبِيهِ، والمَعْنى في اخْتِصاصِ الأبِّ أنَّهُ أرْفَقُ النّاسِ وأعْطَفُهم عَلَيْهِ وعَلى غَيْرِهِ وبِما عَنَّفَ عَلَيْهِ في الِاسْتِسْعاءِ، فَلا يَحْتَمِلُهُ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَسْتَحْكِمْ قَوْلَهُ، ولَمْ يَطْلُبْ عَوْدَهُ، وكانَ إذْ ذاكَ ابْنَ ثَلاثَ عَشْرَةَ سَنَةً. انْتَهى.
﴿قالَ يابُنَيَّ﴾ نِداءُ شَفَقَةٍ وتَرَحُّمٍ.
﴿إنِّي أرى في المَنامِ أنِّي أذْبَحُكَ﴾ أيْ بِأمْرٍ مِنَ اللَّهِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿افْعَلْ ما تُؤْمَرُ﴾ . ورُؤْيا الأنْبِياءِ وحْيٌ كاليَقَظَةِ، وذِكْرُهُ لَهُ الرُّؤْيا تَجْسِيرٌ عَلى احْتِمالِ تِلْكَ البَلِيَّةِ العَظِيمَةِ. وشاوَرَهُ بِقَوْلِهِ ﴿فانْظُرْ ماذا تَرى﴾ وإنْ كانَ حَتْمًا مِنَ اللَّهِ لِيَعْلَمَ ما عِنْدَهُ مِن تَلَقِّي هَذا الِامْتِحانِ العَظِيمِ، ويُصَبِّرَهُ إنْ جَزَعَ، ويُوَطِّنَ نَفْسَهُ عَلى مُلاقاةِ هَذا البَلاءِ، وتَسْكُنَ نَفْسُهُ لِما لا بُدَّ مِنهُ، إذْ مُفاجَأةُ البَلاءِ قَبْلَ الشُّعُورِ بِهِ أصْعَبُ عَلى النَّفْسِ، وكانَ ما رَآهُ في المَنامِ ولَمْ يَكُنْ في اليَقَظَةِ، كَرُؤْيا يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ورُؤْيا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ دُخُولَ المَسْجِدِ الحَرامِ، لِيَدُلَّ عَلى أنَّ حالَتَيِ الأنْبِياءِ يَقَظَةً ومَنامًا سَواءٌ في الصِّدْقِ مُتَظافِرَتانِ عَلَيْهِ. قِيلَ: إنَّهُ حِينَ بَشَّرَتِ المَلائِكَةُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ قالَ: هو إذَنْ ذَبِيحُ اللَّهِ. فَلَمّا بَلَغَ حَدَّ السَّعْيِ مَعَهُ قِيلَ لَهُ: أوْفِ بِنَذْرِكَ. قِيلَ: رَأى لَيْلَةَ التَّرْوِيَةِ قائِلًا يَقُولُ لَهُ: إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ بِذَبْحِ ابْنِكَ هَذا. فَلَمّا أصْبَحَ، رَوّى في ذَلِكَ مِنَ الصَّباحِ إلى الرَّواحِ. أمِنَ اللَّهِ هَذا الحُلْمُ ؟، فَمِن ثَمَّ سُمِّيَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ. فَلَمّا أمْسَ رَأى مِثْلَ ذَلِكَ، فَعَرَفَ أنَّهُ مِنَ اللَّهِ، فَمِن ثَمَّ سُمِّيَ يَوْمَ عَرَفَةَ. ثُمَّ رَأى مِثْلَهُ في اللَّيْلَةِ الثّالِثَةِ، فَهَمَّ بِنَحْرِهِ، فَسُمِّيَ يَوْمَ النَّحْرِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: (p-٣٧٠)(تَرى)، بِفَتْحِ التّاءِ والرّاءِ؛ وعَبْدُ اللَّهِ، والأسْوَدُ بْنُ يَزِيدَ، وابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ، ومُجاهِدٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ الرّاءِ؛ والضَّحّاكُ، والأعْمَشُ أيْضًا بِضَمِّ التّاءِ وفَتْحِ الرّاءِ. فالأوَّلُ مِنَ الرَّأْيِ، والثّانِي ماذا تَرَيَنِّيهِ وما تُبْدِيهِ لِأنْظُرَ فِيهِ ؟ والثّالِثُ ما الَّذِي يُخَيَّلُ إلَيْكَ ويُوقَعُ في قَلْبِكَ ؟ و(انْظُرْ) مُعَلَّقَةٌ، وماذا اسْتِفْهامٌ. فَإنْ كانَتْ (ذا) مَوْصُولَةً بِمَعْنى الَّذِي، فَـ (ما) مُبْتَدَأٌ، والفِعْلُ بَعْدَ (ذا) صِلَةٌ. وإنْ كانَتْ (ذا) مُرَكَّبَةً، فَفي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِالفِعْلِ بَعْدَها. والجُمْلَةُ، واسْمُ الِاسْتِفْهامِ الَّذِي هو مَعْمُولٌ لِلْفِعْلِ بَعْدَهُ في مَوْضِعِ نَصْبِ انْظُرْ. ولَمّا كانَ خِطابُ الأبِّ (يا بُنَيَّ)، عَلى سَبِيلِ التَّرَحُّمِ، قالَ: هو (يا أبَتِ)، عَلى سَبِيلِ التَّعْظِيمِ والتَّوْقِيرِ.
﴿افْعَلْ ما تُؤْمَرُ﴾ أيْ ما تُؤْمَرُهُ، حَذَفَهُ وهو مَنصُوبٌ، وأصْلُهُ ما تُؤْمَرُ بِهِ، فَحُذِفَ الحَرْفُ، واتَّصَلَ الضَّمِيرُ مَنصُوبًا، فَجازَ حَذْفُهُ لِوُجُودِ شَرائِطِ الحَذْفِ فِيهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ أمَرَكَ، عَلى إضافَةِ المَصْدَرِ إلى المَفْعُولِ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، وفي ذَلِكَ خِلافٌ. هَلْ يُعْتَقَدُ في المَصْدَرِ العامِلِ أنْ يَجُوزَ أنْ يُبْنى لِلْمَفْعُولِ، فَيَكُونَ ما بَعْدَهُ مَفْعُولًا لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، أمْ يَكُونَ ذَلِكَ ؟ ﴿سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ كَلامُ مَن أُوتِيَ الحِلْمَ والصَّبْرَ والِامْتِثالَ لِأمْرِ اللَّهِ، والرِّضا بِما أمَرَ اللَّهُ.
﴿فَلَمّا أسْلَما﴾ أيْ لِأمْرِ اللَّهِ، ويُقالُ: اسْتَسْلَمَ وسَلَّمَ بِمَعْناهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: أسْلَما. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وعَلِيٌّ، وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ، وجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، والأعْمَشُ، والثَّوْرِيُّ: سَلَّما: أيْ فَوَّضا إلَيْهِ في قَضائِهِ وقَدَرِهِ. وقُرِئَ: اسْتَسْلَما، ثَلاثُ قِراءاتٍ. وقالَ قَتادَةُ في أسْلَما: أسْلَمَ هَذا ابْنَهُ، وأسْلَمَ هَذا نَفْسَهُ، فَجَعَلَ أسْلَما مُتَعَدِّيًا، وغَيْرَهُ جَعَلَهُ لازِمًا بِمَعْنى: انْقادا لِأمْرِ اللَّهِ وخَضَعا لَهُ.
﴿وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ أيْ أوْقَعَهُ عَلى أحَدِ جَنْبَيْهِ في الأرْضِ مُباشِرًا الأمْرَ بِصَبْرٍ وجَلَدٍ، وذَلِكَ عِنْدَ الصَّخْرَةِ الَّتِي بِمِنًى، وعَنِ الحَسَنِ: في المَوْضِعِ المُشْرِفِ عَلى مَسْجِدِ مِنًى؛ وعَنِ الضَّحّاكِ: في المَنحَرِ الَّذِي يُنْحَرُ فِيهِ اليَوْمَ. وجَوابُ (لَمّا) مَحْذُوفٌ يُقَدَّرُ بَعْدَ ﴿وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾، أيْ أجْزَلْنا أجْرَهُما، قالَهُ بَعْضُ البَصْرِيِّينَ، أوْ بَعْدَ ﴿الرُّؤْيا﴾ أيْ: كانَ ما كانَ مِمّا تَنْطِقُ بِهِ الحالُ ولا يُحِيطُ بِهِ الوَصْفُ مِنِ اسْتِبْشارِهِما وحَمْدِهِما اللَّهَ عَلى ما أنْعَمَ بِهِ إلى ألْفاظٍ كَثِيرَةٍ ذَكَرَها الزَّمَخْشَرِيُّ عَلى عادَتِهِ في خَطابَتِهِ، أوْ قَبْلَ ﴿وتَلَّهُ﴾ تَقْدِيرُهُ ﴿فَلَمّا أسْلَما وتَلَّهُ﴾ . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهو قَوْلُ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ، وهو عِنْدَهم كَقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:
؎فَلَمّا أجَزْنا ساحَةَ الحَيِّ وانْتَحى
وقالَ الكُوفِيُّونَ: الجَوابُ مُثْبَتٌ، وهو ﴿ونادَيْناهُ﴾ عَلى زِيادَةِ الواوِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو ﴿وتَلَّهُ﴾ عَلى زِيادَةِ الواوِ. وذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ في قِصَّةِ إبْراهِيمَ وابْنِهِ، وما جَرى بَيْنَهُما مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ فُصُولًا، اللَّهُ أعْلَمُ بِصِحَّتِها، يُوقِفُ عَلَيْها في كِتابِهِ. و(أنْ) مُفَسِّرَةٌ؛ أيْ ﴿قَدْ صَدَّقْتَ﴾ . وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: ونادَيْناهُ قَدْ صَدَّقَتْ، بِحَذْفِ (أنْ)، وقُرِئَ: صَدَقْتَ، بِتَخْفِيفِ الدّالِ. وقَرَأ فَيّاضٌ: الرِّيّا، بِكَسْرِ الرّاءِ والإدْغامِ وتَصْدِيقِ الرُّؤْيا. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بَذَلَ وِسْعَهُ وفَعَلَ ما يَفْعَلُ الذّابِحُ مِن بَطْحِهِ عَلى شِقِّهِ وإمْرارِ الشَّفْرَةِ عَلى حَلْقِهِ، لَكِنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ جاءَ بِما مَنَعَ الشَّفْرَةَ أنْ تَمْضِيَ فِيهِ، وهَذا لا يَقْدَحُ في فِعْلِ إبْراهِيمَ. ألا تَرى أنَّهُ لا يُسَمّى عاصِيًا ولا مُفَرِّطًا ؟ بَلْ يُسَمّى مُطِيعًا ومُجْتَهِدًا، كَما لَوْ مَضَتْ فِيهِ الشَّفْرَةُ وفَرَتِ الأوْداجَ وأنْهَرَتِ الدَّمَ. ولَيْسَ هَذا مِن وُرُودِ النَّسْخِ عَلى المَأْمُورِ بِهِ قَبْلَ الفِعْلِ، ولا قَبْلَ أوانِ الفِعْلِ في شَيْءٍ، كَما يَسْبِقُ إلى بَعْضِ الأوْهامِ حَتّى يَشْتَغِلَ بِالكَلامِ فِيهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ ﴿قَدْ صَدَّقْتَ﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ بِقَلْبِكَ عَلى مَعْنى: كانَتْ عِنْدَكَ رُؤْياكَ صادِقَةً حَقًّا مِنَ اللَّهِ فَعَمِلْتَ بِحَسَبِها حِينَ آمَنتَ بِها، واعْتَقَدْتَ صِدْقَها. ويَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ: صَدَّقْتَ بِقَلْبِكَ ما حَصَلَ عَنِ الرُّؤْيا في نَفْسِكَ، كَأنَّهُ قالَ: قَدْ وفَّيْتَها حَقَّها مِنَ العَمَلِ. انْتَهى.
﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ تَعْلِيلٌ لِتَخْوِيلِ ما خَوَّلَهُما اللَّهُ مِنَ الفَرَجِ بَعْدَ الشِّدَّةِ، والظَّفَرِ بِالبُغْيَةِ بَعْدَ اليَأْسِ.
(إنَّ هَذا) أيْ ما أُمِرَ بِهِ إبْراهِيمُ مِن ذَبْحِ ابْنِهِ، ﴿لَهُوَ البَلاءُ المُبِينُ﴾ أيِ الِاخْتِبارُ البَيِّنُ الَّذِي يَتَمَيَّزُ فِيهِ المُخْلِصُونَ وغَيْرُهم، أوِ المِحْنَةُ البَيِّنَةُ الصُّعُوبَةِ الَّتِي لا مِحْنَةَ أصْعَبُ مِنها.
﴿وفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو (p-٣٧١)الكَبْشُ الَّذِي قَرَّبَهُ هابِيلُ فَقُبِلَ مِنهُ، وكانَ يَرْعى في الجَنَّةِ حَتّى فُدِيَ بِهِ إسْماعِيلُ. وقالَ أيْضًا هو والحَسَنُ: فُدِيَ بِوَعْلٍ أُهْبِطَ عَلَيْهِ مِن سَرْوٍ. وقالَ الجُمْهُورُ: كَبْشٌ أبْيَضُ أقْرَنُ أقْنى، ووُصِفَ بِالعِظَمِ. قالَ مُجاهِدٌ: لِأنَّهُ مُتَقَبَّلٌ يَقِينًا. وقالَ عَمْرُو بْنُ عَبِيدٍ: لِأنَّهُ جَرَتِ السُّنَّةُ بِهِ، وصارَ دِينًا باقِيًا إلى آخِرِ الدَّهْرِ. وقالَ الحَسَنُ بْنُ الفَضْلِ: لِأنَّهُ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ. وقالَ أبُو بَكْرٍ الوَرّاقُ: لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَنْ نَسْلٍ، بَلْ عَنِ التَّكْوِينِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ: عَظَمَتُهُ كَوْنُهُ مِن كِباشِ الجَنَّةِ، رُعِيَ فِيها أرْبَعِينَ خَرِيفًا. وفي قَوْلِهِ ﴿وفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّ إبْراهِيمَ لَمْ يَذْبَحِ ابْنَهُ، وقَدْ فُدِيَ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: وقَعَ الذَّبْحُ وقامَ بَعْدَ ذَلِكَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا كَذِبٌ صُراحٌ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: لَمْ يَرَ إبْراهِيمُ في مَنامِهِ الإمْرارَ بِالشَّفْرَةِ فَقَطْ، فَظَنَّ أنَّهُ ذِبْحٌ مُجَهَّزٌ، فَنَفَّذَ لِذَلِكَ. فَلَمّا وقَعَ الَّذِي رَآهُ وقَعَ النَّسْخُ، قالَ: ولا اخْتِلافَ، فَإنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، أمَرَّ الشَّفْرَةَ عَلى حَلْقِ ابْنِهِ فَلَمْ تَقْطَعْ. انْتَهى. والَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ القُرْآنُ أنَّهُ ﴿وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ فَقَطْ، ولَمْ يَأْتِ في حَدِيثٍ صَحِيحٍ «أنَّهُ أمَرَّ الشَّفْرَةَ عَلى حَلْقِ ابْنِهِ». ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ﴾ إلى (المُؤْمِنِينَ) تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِهِ في آخِرِ قِصَّةِ نُوحٍ، قَبْلَ قِصَّةِ إبْراهِيمَ هُنا، وقالَ هُنا كَذَلِكَ دُونَ إنّا اكْتِفاءً بِذِكْرِ ذَلِكَ قَبْلُ وبَعْدُ.
﴿وبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ الظّاهِرُ أنَّ هَذِهِ بِشارَةٌ غَيْرُ تِلْكَ البِشارَةِ، وأنَّ الغُلامَ الحَلِيمَ المُبَشَّرَ بِهِ إبْراهِيمُ هو إسْماعِيلُ، وأنَّهُ هو الذَّبِيحُ لا إسْحاقُ؛ وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنُ عُمَرَ، ومُعاوِيَةُ بْنُ أبِي سُفْيانَ، ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ، والشَّعْبِيُّ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وجَماعَةُ مِنَ التّابِعِينَ؛ واسْتَدَلُّوا بِظاهِرِ هَذِهِ الآياتِ وبِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: «أنا ابْنُ الذَّبِيحَيْنِ»، وقَوْلُ الأعْرابِيِّ لَهُ: «يا ابْنَ الذَّبِيحَيْنِ: فَتَبَسَّمَ عَلَيْهِ السَّلامُ»، يَعْنِي إسْماعِيلَ، وأباهُ عَبْدَ اللَّهِ. وكانَ عَبْدُ المُطَّلِبِ نَذَرَ ذَبْحَ أحَدِ ولَدِهِ، فَخَرَجَ السَّهْمُ عَلى عَبْدِ اللَّهِ، فَمَنَعَهُ أخْوالُهُ وقالُوا لَهُ: افْدِ ابْنَكَ بِمِائَةٍ مِنَ الإبِلِ، فَفَداهُ بِها. وفِيما أوْحى اللَّهُ لِمُوسى في حَدِيثٍ طَوِيلٍ. «وأمّا إسْماعِيلُ، فَإنَّهُ جادَ بِدَمِ نَفْسِهِ». وسَألَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ يَهُودِيًا أسْلَمَ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: إنَّ يَهُودِيًا لَيَعْلَمُ، لَكِنَّهم يَحْسُدُونَكم مَعْشَرَ العَرَبِ، وكانَ قَرْنا الكَبْشِ مَنُوطَيْنِ في الكَعْبَةِ. وسَألَ الأصْمَعِيُّ أبا عَمْرِو بْنَ العَلاءِ عَنِ الذَّبِيحِ فَقالَ: يا أصْمَعِيُّ، أيْنَ عَزَبَ عَنْكَ عَقْلُكَ ؟ ومَتى كانَ إسْحاقُ بِمَكَّةَ ؟ وهو الَّذِي بَنى البَيْتَ مَعَ أبِيهِ، والمَنحَرُ بِمَكَّةَ ؟ انْتَهى. ووَصَفَهُ تَعالى بِالصَّبْرِ في قَوْلِهِ ﴿وإسْماعِيلَ وإدْرِيسَ وذا الكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٥] وهو صَبْرُهُ عَلى الذَّبْحِ؛ وبِصِدْقِ الوَعْدِ في قَوْلِهِ ﴿إنَّهُ كانَ صادِقَ الوَعْدِ﴾ [مريم: ٥٤] لِأنَّهُ وعَدَ أباهُ مِن نَفْسِهِ الصَّبْرَ عَلى الذَّبْحِ فَوَفّى بِهِ. وذَكَرَ الطَّبَرِيُّ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ قالَ: الذَّبِيحُ إسْماعِيلُ، ويَزْعُمُ اليَهُودُ أنَّهُ إسْحاقُ، وكَذَبَتِ اليَهُودُ. ومِن أقْوى ما يُسْتَدَلُّ بِهِ أنَّ اللَّهَ تَعالى بَشَّرَ إبْراهِيمَ بِإسْحاقَ، ووَلَدَ إسْحاقُ يَعْقُوبَ. فَلَوْ كانَ الذَّبِيحُ إسْحاقَ، لَكانَ ذَلِكَ الإخْبارُ غَيْرَ مُطابِقٍ لِلْواقِعِ، وهو مُحالٌ في إخْبارِ اللَّهِ تَعالى. وذَهَبَتْ جَماعَةٌ إلى أنَّ الذَّبِيحَ هو إسْحاقُ، مِنهم: العَبّاسُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وعَلِيٌّ، وعَطاءٌ، وعِكْرِمَةُ، وكَعْبٌ، وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، وابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةٍ، وكانَ أمْرَ ذَبْحِهِ بِالشّامِ. وقالَ عَطاءٌ ومُقاتِلٌ: بِبَيْتِ المَقْدِسِ؛ وقِيلَ: بِالحِجازِ، جاءَ مَعَ أبِيهِ عَلى البُراقِ. وقالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، وابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةٍ: وكانَ أمْرَ ذَبْحِهِ بِالشّامِ، كانَ بِالمَقامِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: والبِشارَةُ في قَوْلِهِ ﴿وبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ﴾ هي بِشارَةُ نُبُوَّتِهِ. وقالُوا: أخْبَرَ تَعالى عَنْ خَلِيلِهِ إبْراهِيمَ حِينَ هاجَرَ إلى الشّامِ بِأنَّهُ اسْتَوْهَبَهُ ولَدًا، ثُمَّ أتْبَعَ تِلْكَ البِشارَةَ بِغُلامٍ حَلِيمٍ، ثُمَّ ذَكَرَ رُؤْياهُ بِذَبْحِ ذَلِكَ الغُلامِ المُبَشَّرِ بِهِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ كِتابُ يَعْقُوبَ إلى يُوسُفَ، عَلَيْهِما السَّلامُ: مِن يَعْقُوبَ إسْرائِيلَ اللَّهِ ابْنِ إسْحاقَ ذَبِيحِ اللَّهِ بْنِ إبْراهِيمَ خَلِيلِ اللَّهِ. ومَن جَعَلَ الذَّبِيحَ إسْحاقَ، جَعَلَ هَذِهِ البِشارَةَ بِشارَةً بِنُبُوَّتِهِ، كَما ذَكَرْنا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالُوا: لا يَجُوزُ أنْ يُبَشِّرَهُ اللَّهُ بِوِلادَتِهِ ونُبُوَّتِهِ مَعًا؛ لِأنَّ الِامْتِحانَ بِذَبْحِهِ لا يَصِحُّ مَعَ عِلْمِهِ بِأنَّهُ سَيَكُونُ نَبِيًّا. ومَن جَعَلَهُ إسْماعِيلَ، جَعَلَ البِشارَةَ بِوَلَدِهِ إسْحاقَ. وانْتَصَبَ نَبِيًّا عَلى (p-٣٧٢)الحالِ، وهي حالٌ مُقَدَّرَةٌ. فَإنْ كانَ إسْحاقُ هو الذَّبِيحَ، وكانَتْ هَذِهِ البِشارَةُ بِوِلادَةِ إسْحاقَ، فَقَدْ جَعَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ ذَلِكَ مَحَلَّ سُؤالٍ. فَإنْ قُلْتَ: فَرْقٌ بَيْنَ هَذا وقَوْلِهِ ﴿فادْخُلُوها خالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣] وذَلِكَ أنَّ المَدْخُولَ مَوْجُودٌ مَعَ وُجُودِ الدُّخُولِ، والخُلُودَ غَيْرُ مَوْجُودٍ مَعَهُما، فَقَدَّرْتَ مُقَدَّرَيْنِ لِلْخُلُودِ، فَكانَ مُسْتَقِيمًا. ولَيْسَ كَذَلِكَ المُبَشَّرُ بِهِ، فَإنَّهُ مَعْلُومٌ وقْتَ وُجُودِ البِشارَةِ، وعَدَمُ المُبَشَّرِ بِهِ أوْجَبَ عَدَمَ حالِهِ؛ لِأنَّ الحالَ حِلْيَةٌ لا تَقُومُ إلّا بِالمَحَلِّيِّ. وهَذا المُبَشَّرُ بِهِ الَّذِي هو إسْحاقُ، حِينَ وُجِدَ لَمْ تُوجَدِ النُّبُوَّةُ أيْضًا بِوُجُودِهِ، بَلْ تَراخَتْ عَنْهُ مُدَّةً طَوِيلَةً، فَكَيْفَ يُجْعَلُ نَبِيًّا حالًا مُقَدَّرَةً ؟ والحالُ صِفَةٌ لِلْفاعِلِ والمَفْعُولِ عِنْدَ وُجُودِ الفِعْلِ مِنهُ أوْ بِهِ. فالخُلُودُ وإنْ لَمْ يَكُنْ صِفَتَهم عِنْدَ دُخُولِ الجَنَّةِ، فَتَقْدِيرُها صِفَتُهم؛ لِأنَّ المَعْنى: مُقَدِّرِينَ الخُلُودَ. ولَيْسَ كَذَلِكَ النُّبُوَّةُ، فَإنَّهُ لا سَبِيلَ إلى أنْ تَكُونَ مَوْجُودَةً وقْتَ وُجُودِ البِشارَةِ بِإسْحاقَ لِعَدَمِ إسْحاقَ. قُلْتُ: هَذا سُؤالٌ دَقِيقُ السَّلْكِ ضَيِّقُ المَسْلَكِ، والَّذِي يَحُلُّ الإشْكالَ أنَّهُ لا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ مُضافٍ مَحْذُوفٍ وذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿وبَشَّرْناهُ﴾ بِوُجُودِ إسْحاقَ نَبِيًّا، أيْ بِأنْ يُوجَدَ مُقَدَّرَةً نُبُوَّتُهُ، فالعامِلُ في الحالِ الوُجُودُ، لا فِعْلُ البِشارَةِ؛ وبِذَلِكَ يَرْجِعُ نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فادْخُلُوها خالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣]، (مِنَ الصّالِحِينَ) حالٌ ثانِيَةٌ، ووُرُودُها عَلى سَبِيلِ الثَّناءِ والتَّقْرِيظِ؛ لِأنَّ كُلَّ نَبِيٍّ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ مِنَ الصّالِحِينَ. انْتَهى.
﴿وبارَكْنا عَلَيْهِ وعَلى إسْحاقَ﴾ أفَضْنا عَلَيْهِما بَرَكاتِ الدِّينِ والدُّنْيا، وبِأنْ أخْرَجْنا أنْبِياءَ بَنِي إسْرائِيلَ مِن صُلْبِهِ.
﴿ومِن ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وظالِمٌ﴾ فِيهِ وعِيدٌ لِلْيَهُودِ ومَن كانَ مِن ذُرِّيَّتِهِما لَمْ يُؤْمِن بِمُحَمَّدٍ ﷺ وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ البَرَّ قَدْ يَلِدُ الفاجِرَ، ولا يَلْحَقُهُ مِن ذَلِكَ عَيْبٌ ولا مَنقَصَةٌ.
الصافات 37:103
(p-٣٦٨)﴿وقالَ إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ ﴿فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ يابُنَيَّ إنِّي أرى في المَنامِ أنِّي أذْبَحُكَ فانْظُرْ ماذا تَرى قالَ يا أبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ ﴿فَلَمّا أسْلَما وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ ﴿ونادَيْناهُ أنْ ياإبْراهِيمُ﴾ ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّ هَذا لَهو البَلاءُ المُبِينُ﴾ ﴿وفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى إبْراهِيمَ﴾ ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿وبارَكْنا عَلَيْهِ وعَلى إسْحاقَ ومِن ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ ﴿ولَقَدْ مَنَنّا عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ [الصافات: ١١٤] ﴿ونَجَّيْناهُما وقَوْمَهُما مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ [الصافات: ١١٥] ﴿ونَصَرْناهم فَكانُوا هُمُ الغالِبِينَ﴾ [الصافات: ١١٦] ﴿وآتَيْناهُما الكِتابَ المُسْتَبِينَ﴾ [الصافات: ١١٧] ﴿وهَدَيْناهُما الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ [الصافات: ١١٨] ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِما في الآخِرِينَ﴾ [الصافات: ١١٩] ﴿سَلامٌ عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ [الصافات: ١٢٠] ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ [الصافات: ١٢١] ﴿إنَّهُما مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ [الصافات: ١٢٢] ﴿وإنَّ إلْياسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٢٣] ﴿إذْ قالَ لِقَوْمِهِ ألا تَتَّقُونَ﴾ [الصافات: ١٢٤] ﴿أتَدْعُونَ بَعْلًا وتَذَرُونَ أحْسَنَ الخالِقِينَ﴾ [الصافات: ١٢٥] ﴿اللَّهَ رَبَّكم ورَبَّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ [الصافات: ١٢٦] ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ [الصافات: ١٢٧] ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ [الصافات: ١٢٨] ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ [الصافات: ١٢٩] ﴿سَلامٌ عَلى إلْ ياسِينَ﴾ [الصافات: ١٣٠] ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ [الصافات: ١٣١] ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ [الصافات: ١٣٢] ﴿وإنَّ لُوطًا لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٣٣] ﴿إذْ نَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ﴾ [الصافات: ١٣٤] ﴿إلّا عَجُوزًا في الغابِرِينَ﴾ [الصافات: ١٣٥] ﴿ثُمَّ دَمَّرْنا الآخَرِينَ﴾ [الصافات: ١٣٦] ﴿وإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ﴾ [الصافات: ١٣٧] ﴿وبِاللَّيْلِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات: ١٣٨] ﴿وإنَّ يُونُسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٣٩] ﴿إذْ أبَقَ إلى الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ [الصافات: ١٤٠] ﴿فَساهَمَ فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ﴾ [الصافات: ١٤١] ﴿فالتَقَمَهُ الحُوتُ وهو مُلِيمٌ﴾ [الصافات: ١٤٢] ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ [الصافات: ١٤٣] ﴿لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الصافات: ١٤٤] ﴿فَنَبَذْناهُ بِالعَراءِ وهو سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ١٤٥] ﴿وأنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِن يَقْطِينٍ﴾ [الصافات: ١٤٦] ﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ١٤٧] ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾ [الصافات: ١٤٨] ﴿فاسْتَفْتِهِمْ ألِرَبِّكَ البَناتُ ولَهُمُ البَنُونَ﴾ [الصافات: ١٤٩] ﴿أمْ خَلَقْنا المَلائِكَةَ إناثًا وهم شاهِدُونَ﴾ [الصافات: ١٥٠] ﴿ألا إنَّهم مِن إفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ﴾ [الصافات: ١٥١] ﴿ولَدَ اللَّهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ [الصافات: ١٥٢] ﴿أاصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ﴾ [الصافات: ١٥٣] ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [الصافات: ١٥٤] ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [الصافات: ١٥٥] ﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾ [الصافات: ١٥٦] ﴿فَأْتُوا بِكِتابِكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [الصافات: ١٥٧] ﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا ولَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ إنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ [الصافات: ١٥٨] ﴿سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ [الصافات: ١٥٩] ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ [الصافات: ١٦٠] ﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ﴾ [الصافات: ١٦١] ﴿ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ﴾ [الصافات: ١٦٢] ﴿إلّا مَن هو صالِي الجَحِيمِ﴾ [الصافات: ١٦٣] ﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات: ١٦٤] ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾ [الصافات: ١٦٥] ﴿وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾ [الصافات: ١٦٦] ﴿وإنْ كانُوا لَيَقُولُونَ﴾ [الصافات: ١٦٧] ﴿لَوْ أنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا مِنَ الأوَّلِينَ﴾ [الصافات: ١٦٨] ﴿لَكُنّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ [الصافات: ١٦٩] ﴿فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الصافات: ١٧٠] ﴿ولَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٧١] ﴿إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ﴾ [الصافات: ١٧٢] ﴿وإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ﴾ [الصافات: ١٧٣] ﴿فَتَوَلَّ عَنْهم حَتّى حِينٍ﴾ [الصافات: ١٧٤] ﴿وأبْصِرْهم فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ [الصافات: ١٧٥] ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ [الصافات: ١٧٦] ﴿فَإذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ فَساءَ صَباحُ المُنْذَرِينَ﴾ [الصافات: ١٧٧] ﴿وتَوَلَّ عَنْهم حَتّى حِينٍ﴾ [الصافات: ١٧٨] ﴿وأبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ [الصافات: ١٧٩] ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ [الصافات: ١٨٠] ﴿وسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٨١] ﴿والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الصافات: ١٨٢] تَلَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ: صَرَعَهُ عَلى شِقِّهِ، وقِيلَ: وضَعَهُ بِقُوَّةٍ. وقالَ ساعِدَةُ بْنُ حَوْبَةَ:
؎وتَلَّ تَلِيلًا لِلْجَبِينِ ولِلْفَمِ
والجَبِينانِ: ما اكْتَنَفَ مِن هُنا ومِن هُنا، وشَذَّ جَمْعُ الجَبِينِ عَلى أجْبُنٍ، وقِياسُهُ في القِلَّةِ أجْبِنَةٌ، كَكَثِيبٍ وأكْثِبَةٍ، وفي الكَثْرَةِ: جَبَناتٌ وجُبُنٌ، كَكُثُباتٌ وكُثُبٌ. الذَّبْحُ: اسْمُ ما يُذْبَحُ، كالرَّعْيِ اسْمُ ما يُرْعى. أبَقَ: هَرَبَ. ساهَمَ: قارَعَ. المُدْحَضُ: المَقْلُوبُ. الحُوتُ: مَعْرُوفٌ. ألامَ: أتى بِما يُلامُ عَلَيْهِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎وكَمْ مِن مُلِيمٍ لَمْ يُصَبْ بِمُلامَةٍ ∗∗∗ ومُتَّبِعٍ بِالذَّنْبِ لَيْسَ لَهُ ذَنْبُ
العَراءُ: الأرْضُ الفَيْحاءُ لا شَجَرَ فِيها ولا يُعْلَمُ، قالَ الشّاعِرُ:
؎ورَفَعْتُ رِجْلًا لا أخافُ عِثارَها ∗∗∗ ونَبَذْتُ بِالمِينِ العَراءِ ثِيابِي
اليَقْطِينُ: يَفْعِيلٌ كاليَفْصِيدِ، مِن قَطَنَ: أقامَ بِالمَكانِ، وهو بِالمَكانِ، وهو ما كانَ مِنَ الشَّجَرِ لا يَقُومُ عَلى ساقٍ مِن عُودٍ، كَشَجَرِ البِطِّيخِ والحَنْظَلِ والقِثّاءِ. السّاحَةُ: الفِناءُ، وجَمْعُها سُوحٌ، قالَ الشّاعِرُ:
؎فَكانَ سِيّانِ أنْ لا يَسْرَحُوا نَعَمًا ∗∗∗ أوْ يَسْرَحُوهُ بِها واغْبَرَّتِ السُّوحُ
(p-٣٦٩)
﴿وقالَ إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ ﴿فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ يابُنَيَّ إنِّي أرى في المَنامِ أنِّي أذْبَحُكَ فانْظُرْ ماذا تَرى قالَ يا أبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ ﴿فَلَمّا أسْلَما وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ ﴿ونادَيْناهُ أنْ ياإبْراهِيمُ﴾ ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّ هَذا لَهو البَلاءُ المُبِينُ﴾ ﴿وفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى إبْراهِيمَ﴾ ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿وبارَكْنا عَلَيْهِ وعَلى إسْحاقَ ومِن ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ .
لَمّا سَلَّمَهُ اللَّهُ مِنهم ومِنَ النّارِ الَّتِي ألْقَوْهُ فِيها، عَزَمَ عَلى مُفارَقَتِهِمْ، وعَبَّرَ بِالذَّهابِ إلى رَبِّهِ عَنْ هِجْرَتِهِ إلى أرْضِ الشّامِ. كَما قالَ (﴿إنِّي مُهاجِرٌ إلى رَبِّي﴾ [العنكبوت: ٢٦] لِيَتَمَكَّنَ مِن عِبادَةِ رَبِّهِ ويَتَضَرَّعَ لَهُ مِن غَيْرِ أنْ يَلْقى مَن يُشَوِّشُ عَلَيْهِ، فَهاجَرَ مِن أرْضِ بابِلَ، مِن مَمْلَكَةِ نُمْرُودٍ، إلى الشّامِ. وقِيلَ: إلى أرْضِ مِصْرَ. ويَبْعُدُ قَوْلُ مَن قالَ: لَيْسَ المُرادُ بِذَهابِهِ الهِجْرَةَ، وإنَّما مُرادُهُ لِقاءُ اللَّهِ بَعْدَ الإحْراقِ، ظانًّا مِنهُ أنَّهُ سَيَمُوتُ في النّارِ، فَقالَها قَبْلَ أنْ يُطْرَحَ في النّارِ. و( سَيَهْدِينِ) أيْ إلى الجَنَّةِ، نَحا إلى هَذا قَتادَةُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ﴾ يَدْفَعُ هَذا القَوْلَ، والمُعْتَقِدُ أنَّهُ يَمُوتُ في النّارِ لا يَدْعُو بِأنْ يَهَبَ اللَّهُ لَهُ ولَدًا صالِحًا. (سَيَهْدِينِ) يُوَفِّقُنِي إلى ما فِيهِ صَلاحِي.
﴿مِنَ الصّالِحِينَ﴾ أيْ ولَدًا يَكُونُ في عِدادِ الصّالِحِينَ. ولَفْظُ الهِبَةِ غَلَبَ في الوَلَدِ، وإنْ كانَ قَدْ جاءَ في الأخِ، كَقَوْلِهِ ﴿ووَهَبْنا لَهُ مِن رَحْمَتِنا أخاهُ هارُونَ نَبِيًّا﴾ [مريم: ٥٣] . واشْتَمَلَتِ البِشارَةُ عَلى ذُكُورِيَّةِ المَوْلُودِ وبُلُوغِهِ سِنَّ الحُلُمِ ووَصْفِهِ بِالحِلْمِ، وأيُّ حِلْمٍ أعْظَمُ مِن قَوْلِهِ، وقَدْ عَرَضَ عَلَيْهِ أبُوهُ الذَّبْحَ ﴿سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّابِرِينَ﴾
﴿فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾، بَيْنَ هَذِهِ الجُمْلَةِ والَّتِي قَبْلَها مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: فَوُلِدَ لَهُ وشَبَّ.
﴿فَلَمّا بَلَغَ﴾ أيْ أنْ يَسْعى مَعَ أبِيهِ في أشْغالِهِ وحَوائِجِهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ: والَسَّعْيُ هُنا: العَمَلُ والعِبادَةُ والمَعُونَةُ. وقالَ قَتادَةُ: السَّعْيُ عَلى القَدَمِ، يُرِيدُ سَعْيًا مُتَمَكِّنًا، وفِيهِ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لا يَصِحُّ تَعَلُّقُهُ بِبَلَغَ بِهِ بُلُوغُهُما مَعًا حَدَّ السَّعْيِ ولا بِالسَّعْيِ؛ لِأنَّ أصْلَهُ المَصْدَرُ لا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ، فَنَفى أنْ يَكُونَ بَيانًا، كَأنَّهُ لَمّا قالَ ﴿فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾، أيِ الحَدَّ الَّذِي يَقْدِرُ فِيهِ عَلى السَّعْيِ، قِيلَ: مَعَ مَن ؟ فَقالَ: مَعَ أبِيهِ، والمَعْنى في اخْتِصاصِ الأبِّ أنَّهُ أرْفَقُ النّاسِ وأعْطَفُهم عَلَيْهِ وعَلى غَيْرِهِ وبِما عَنَّفَ عَلَيْهِ في الِاسْتِسْعاءِ، فَلا يَحْتَمِلُهُ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَسْتَحْكِمْ قَوْلَهُ، ولَمْ يَطْلُبْ عَوْدَهُ، وكانَ إذْ ذاكَ ابْنَ ثَلاثَ عَشْرَةَ سَنَةً. انْتَهى.
﴿قالَ يابُنَيَّ﴾ نِداءُ شَفَقَةٍ وتَرَحُّمٍ.
﴿إنِّي أرى في المَنامِ أنِّي أذْبَحُكَ﴾ أيْ بِأمْرٍ مِنَ اللَّهِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿افْعَلْ ما تُؤْمَرُ﴾ . ورُؤْيا الأنْبِياءِ وحْيٌ كاليَقَظَةِ، وذِكْرُهُ لَهُ الرُّؤْيا تَجْسِيرٌ عَلى احْتِمالِ تِلْكَ البَلِيَّةِ العَظِيمَةِ. وشاوَرَهُ بِقَوْلِهِ ﴿فانْظُرْ ماذا تَرى﴾ وإنْ كانَ حَتْمًا مِنَ اللَّهِ لِيَعْلَمَ ما عِنْدَهُ مِن تَلَقِّي هَذا الِامْتِحانِ العَظِيمِ، ويُصَبِّرَهُ إنْ جَزَعَ، ويُوَطِّنَ نَفْسَهُ عَلى مُلاقاةِ هَذا البَلاءِ، وتَسْكُنَ نَفْسُهُ لِما لا بُدَّ مِنهُ، إذْ مُفاجَأةُ البَلاءِ قَبْلَ الشُّعُورِ بِهِ أصْعَبُ عَلى النَّفْسِ، وكانَ ما رَآهُ في المَنامِ ولَمْ يَكُنْ في اليَقَظَةِ، كَرُؤْيا يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ورُؤْيا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ دُخُولَ المَسْجِدِ الحَرامِ، لِيَدُلَّ عَلى أنَّ حالَتَيِ الأنْبِياءِ يَقَظَةً ومَنامًا سَواءٌ في الصِّدْقِ مُتَظافِرَتانِ عَلَيْهِ. قِيلَ: إنَّهُ حِينَ بَشَّرَتِ المَلائِكَةُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ قالَ: هو إذَنْ ذَبِيحُ اللَّهِ. فَلَمّا بَلَغَ حَدَّ السَّعْيِ مَعَهُ قِيلَ لَهُ: أوْفِ بِنَذْرِكَ. قِيلَ: رَأى لَيْلَةَ التَّرْوِيَةِ قائِلًا يَقُولُ لَهُ: إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ بِذَبْحِ ابْنِكَ هَذا. فَلَمّا أصْبَحَ، رَوّى في ذَلِكَ مِنَ الصَّباحِ إلى الرَّواحِ. أمِنَ اللَّهِ هَذا الحُلْمُ ؟، فَمِن ثَمَّ سُمِّيَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ. فَلَمّا أمْسَ رَأى مِثْلَ ذَلِكَ، فَعَرَفَ أنَّهُ مِنَ اللَّهِ، فَمِن ثَمَّ سُمِّيَ يَوْمَ عَرَفَةَ. ثُمَّ رَأى مِثْلَهُ في اللَّيْلَةِ الثّالِثَةِ، فَهَمَّ بِنَحْرِهِ، فَسُمِّيَ يَوْمَ النَّحْرِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: (p-٣٧٠)(تَرى)، بِفَتْحِ التّاءِ والرّاءِ؛ وعَبْدُ اللَّهِ، والأسْوَدُ بْنُ يَزِيدَ، وابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ، ومُجاهِدٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ الرّاءِ؛ والضَّحّاكُ، والأعْمَشُ أيْضًا بِضَمِّ التّاءِ وفَتْحِ الرّاءِ. فالأوَّلُ مِنَ الرَّأْيِ، والثّانِي ماذا تَرَيَنِّيهِ وما تُبْدِيهِ لِأنْظُرَ فِيهِ ؟ والثّالِثُ ما الَّذِي يُخَيَّلُ إلَيْكَ ويُوقَعُ في قَلْبِكَ ؟ و(انْظُرْ) مُعَلَّقَةٌ، وماذا اسْتِفْهامٌ. فَإنْ كانَتْ (ذا) مَوْصُولَةً بِمَعْنى الَّذِي، فَـ (ما) مُبْتَدَأٌ، والفِعْلُ بَعْدَ (ذا) صِلَةٌ. وإنْ كانَتْ (ذا) مُرَكَّبَةً، فَفي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِالفِعْلِ بَعْدَها. والجُمْلَةُ، واسْمُ الِاسْتِفْهامِ الَّذِي هو مَعْمُولٌ لِلْفِعْلِ بَعْدَهُ في مَوْضِعِ نَصْبِ انْظُرْ. ولَمّا كانَ خِطابُ الأبِّ (يا بُنَيَّ)، عَلى سَبِيلِ التَّرَحُّمِ، قالَ: هو (يا أبَتِ)، عَلى سَبِيلِ التَّعْظِيمِ والتَّوْقِيرِ.
﴿افْعَلْ ما تُؤْمَرُ﴾ أيْ ما تُؤْمَرُهُ، حَذَفَهُ وهو مَنصُوبٌ، وأصْلُهُ ما تُؤْمَرُ بِهِ، فَحُذِفَ الحَرْفُ، واتَّصَلَ الضَّمِيرُ مَنصُوبًا، فَجازَ حَذْفُهُ لِوُجُودِ شَرائِطِ الحَذْفِ فِيهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ أمَرَكَ، عَلى إضافَةِ المَصْدَرِ إلى المَفْعُولِ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، وفي ذَلِكَ خِلافٌ. هَلْ يُعْتَقَدُ في المَصْدَرِ العامِلِ أنْ يَجُوزَ أنْ يُبْنى لِلْمَفْعُولِ، فَيَكُونَ ما بَعْدَهُ مَفْعُولًا لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، أمْ يَكُونَ ذَلِكَ ؟ ﴿سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ كَلامُ مَن أُوتِيَ الحِلْمَ والصَّبْرَ والِامْتِثالَ لِأمْرِ اللَّهِ، والرِّضا بِما أمَرَ اللَّهُ.
﴿فَلَمّا أسْلَما﴾ أيْ لِأمْرِ اللَّهِ، ويُقالُ: اسْتَسْلَمَ وسَلَّمَ بِمَعْناهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: أسْلَما. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وعَلِيٌّ، وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ، وجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، والأعْمَشُ، والثَّوْرِيُّ: سَلَّما: أيْ فَوَّضا إلَيْهِ في قَضائِهِ وقَدَرِهِ. وقُرِئَ: اسْتَسْلَما، ثَلاثُ قِراءاتٍ. وقالَ قَتادَةُ في أسْلَما: أسْلَمَ هَذا ابْنَهُ، وأسْلَمَ هَذا نَفْسَهُ، فَجَعَلَ أسْلَما مُتَعَدِّيًا، وغَيْرَهُ جَعَلَهُ لازِمًا بِمَعْنى: انْقادا لِأمْرِ اللَّهِ وخَضَعا لَهُ.
﴿وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ أيْ أوْقَعَهُ عَلى أحَدِ جَنْبَيْهِ في الأرْضِ مُباشِرًا الأمْرَ بِصَبْرٍ وجَلَدٍ، وذَلِكَ عِنْدَ الصَّخْرَةِ الَّتِي بِمِنًى، وعَنِ الحَسَنِ: في المَوْضِعِ المُشْرِفِ عَلى مَسْجِدِ مِنًى؛ وعَنِ الضَّحّاكِ: في المَنحَرِ الَّذِي يُنْحَرُ فِيهِ اليَوْمَ. وجَوابُ (لَمّا) مَحْذُوفٌ يُقَدَّرُ بَعْدَ ﴿وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾، أيْ أجْزَلْنا أجْرَهُما، قالَهُ بَعْضُ البَصْرِيِّينَ، أوْ بَعْدَ ﴿الرُّؤْيا﴾ أيْ: كانَ ما كانَ مِمّا تَنْطِقُ بِهِ الحالُ ولا يُحِيطُ بِهِ الوَصْفُ مِنِ اسْتِبْشارِهِما وحَمْدِهِما اللَّهَ عَلى ما أنْعَمَ بِهِ إلى ألْفاظٍ كَثِيرَةٍ ذَكَرَها الزَّمَخْشَرِيُّ عَلى عادَتِهِ في خَطابَتِهِ، أوْ قَبْلَ ﴿وتَلَّهُ﴾ تَقْدِيرُهُ ﴿فَلَمّا أسْلَما وتَلَّهُ﴾ . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهو قَوْلُ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ، وهو عِنْدَهم كَقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:
؎فَلَمّا أجَزْنا ساحَةَ الحَيِّ وانْتَحى
وقالَ الكُوفِيُّونَ: الجَوابُ مُثْبَتٌ، وهو ﴿ونادَيْناهُ﴾ عَلى زِيادَةِ الواوِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو ﴿وتَلَّهُ﴾ عَلى زِيادَةِ الواوِ. وذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ في قِصَّةِ إبْراهِيمَ وابْنِهِ، وما جَرى بَيْنَهُما مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ فُصُولًا، اللَّهُ أعْلَمُ بِصِحَّتِها، يُوقِفُ عَلَيْها في كِتابِهِ. و(أنْ) مُفَسِّرَةٌ؛ أيْ ﴿قَدْ صَدَّقْتَ﴾ . وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: ونادَيْناهُ قَدْ صَدَّقَتْ، بِحَذْفِ (أنْ)، وقُرِئَ: صَدَقْتَ، بِتَخْفِيفِ الدّالِ. وقَرَأ فَيّاضٌ: الرِّيّا، بِكَسْرِ الرّاءِ والإدْغامِ وتَصْدِيقِ الرُّؤْيا. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بَذَلَ وِسْعَهُ وفَعَلَ ما يَفْعَلُ الذّابِحُ مِن بَطْحِهِ عَلى شِقِّهِ وإمْرارِ الشَّفْرَةِ عَلى حَلْقِهِ، لَكِنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ جاءَ بِما مَنَعَ الشَّفْرَةَ أنْ تَمْضِيَ فِيهِ، وهَذا لا يَقْدَحُ في فِعْلِ إبْراهِيمَ. ألا تَرى أنَّهُ لا يُسَمّى عاصِيًا ولا مُفَرِّطًا ؟ بَلْ يُسَمّى مُطِيعًا ومُجْتَهِدًا، كَما لَوْ مَضَتْ فِيهِ الشَّفْرَةُ وفَرَتِ الأوْداجَ وأنْهَرَتِ الدَّمَ. ولَيْسَ هَذا مِن وُرُودِ النَّسْخِ عَلى المَأْمُورِ بِهِ قَبْلَ الفِعْلِ، ولا قَبْلَ أوانِ الفِعْلِ في شَيْءٍ، كَما يَسْبِقُ إلى بَعْضِ الأوْهامِ حَتّى يَشْتَغِلَ بِالكَلامِ فِيهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ ﴿قَدْ صَدَّقْتَ﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ بِقَلْبِكَ عَلى مَعْنى: كانَتْ عِنْدَكَ رُؤْياكَ صادِقَةً حَقًّا مِنَ اللَّهِ فَعَمِلْتَ بِحَسَبِها حِينَ آمَنتَ بِها، واعْتَقَدْتَ صِدْقَها. ويَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ: صَدَّقْتَ بِقَلْبِكَ ما حَصَلَ عَنِ الرُّؤْيا في نَفْسِكَ، كَأنَّهُ قالَ: قَدْ وفَّيْتَها حَقَّها مِنَ العَمَلِ. انْتَهى.
﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ تَعْلِيلٌ لِتَخْوِيلِ ما خَوَّلَهُما اللَّهُ مِنَ الفَرَجِ بَعْدَ الشِّدَّةِ، والظَّفَرِ بِالبُغْيَةِ بَعْدَ اليَأْسِ.
(إنَّ هَذا) أيْ ما أُمِرَ بِهِ إبْراهِيمُ مِن ذَبْحِ ابْنِهِ، ﴿لَهُوَ البَلاءُ المُبِينُ﴾ أيِ الِاخْتِبارُ البَيِّنُ الَّذِي يَتَمَيَّزُ فِيهِ المُخْلِصُونَ وغَيْرُهم، أوِ المِحْنَةُ البَيِّنَةُ الصُّعُوبَةِ الَّتِي لا مِحْنَةَ أصْعَبُ مِنها.
﴿وفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو (p-٣٧١)الكَبْشُ الَّذِي قَرَّبَهُ هابِيلُ فَقُبِلَ مِنهُ، وكانَ يَرْعى في الجَنَّةِ حَتّى فُدِيَ بِهِ إسْماعِيلُ. وقالَ أيْضًا هو والحَسَنُ: فُدِيَ بِوَعْلٍ أُهْبِطَ عَلَيْهِ مِن سَرْوٍ. وقالَ الجُمْهُورُ: كَبْشٌ أبْيَضُ أقْرَنُ أقْنى، ووُصِفَ بِالعِظَمِ. قالَ مُجاهِدٌ: لِأنَّهُ مُتَقَبَّلٌ يَقِينًا. وقالَ عَمْرُو بْنُ عَبِيدٍ: لِأنَّهُ جَرَتِ السُّنَّةُ بِهِ، وصارَ دِينًا باقِيًا إلى آخِرِ الدَّهْرِ. وقالَ الحَسَنُ بْنُ الفَضْلِ: لِأنَّهُ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ. وقالَ أبُو بَكْرٍ الوَرّاقُ: لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَنْ نَسْلٍ، بَلْ عَنِ التَّكْوِينِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ: عَظَمَتُهُ كَوْنُهُ مِن كِباشِ الجَنَّةِ، رُعِيَ فِيها أرْبَعِينَ خَرِيفًا. وفي قَوْلِهِ ﴿وفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّ إبْراهِيمَ لَمْ يَذْبَحِ ابْنَهُ، وقَدْ فُدِيَ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: وقَعَ الذَّبْحُ وقامَ بَعْدَ ذَلِكَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا كَذِبٌ صُراحٌ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: لَمْ يَرَ إبْراهِيمُ في مَنامِهِ الإمْرارَ بِالشَّفْرَةِ فَقَطْ، فَظَنَّ أنَّهُ ذِبْحٌ مُجَهَّزٌ، فَنَفَّذَ لِذَلِكَ. فَلَمّا وقَعَ الَّذِي رَآهُ وقَعَ النَّسْخُ، قالَ: ولا اخْتِلافَ، فَإنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، أمَرَّ الشَّفْرَةَ عَلى حَلْقِ ابْنِهِ فَلَمْ تَقْطَعْ. انْتَهى. والَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ القُرْآنُ أنَّهُ ﴿وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ فَقَطْ، ولَمْ يَأْتِ في حَدِيثٍ صَحِيحٍ «أنَّهُ أمَرَّ الشَّفْرَةَ عَلى حَلْقِ ابْنِهِ». ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ﴾ إلى (المُؤْمِنِينَ) تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِهِ في آخِرِ قِصَّةِ نُوحٍ، قَبْلَ قِصَّةِ إبْراهِيمَ هُنا، وقالَ هُنا كَذَلِكَ دُونَ إنّا اكْتِفاءً بِذِكْرِ ذَلِكَ قَبْلُ وبَعْدُ.
﴿وبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ الظّاهِرُ أنَّ هَذِهِ بِشارَةٌ غَيْرُ تِلْكَ البِشارَةِ، وأنَّ الغُلامَ الحَلِيمَ المُبَشَّرَ بِهِ إبْراهِيمُ هو إسْماعِيلُ، وأنَّهُ هو الذَّبِيحُ لا إسْحاقُ؛ وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنُ عُمَرَ، ومُعاوِيَةُ بْنُ أبِي سُفْيانَ، ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ، والشَّعْبِيُّ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وجَماعَةُ مِنَ التّابِعِينَ؛ واسْتَدَلُّوا بِظاهِرِ هَذِهِ الآياتِ وبِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: «أنا ابْنُ الذَّبِيحَيْنِ»، وقَوْلُ الأعْرابِيِّ لَهُ: «يا ابْنَ الذَّبِيحَيْنِ: فَتَبَسَّمَ عَلَيْهِ السَّلامُ»، يَعْنِي إسْماعِيلَ، وأباهُ عَبْدَ اللَّهِ. وكانَ عَبْدُ المُطَّلِبِ نَذَرَ ذَبْحَ أحَدِ ولَدِهِ، فَخَرَجَ السَّهْمُ عَلى عَبْدِ اللَّهِ، فَمَنَعَهُ أخْوالُهُ وقالُوا لَهُ: افْدِ ابْنَكَ بِمِائَةٍ مِنَ الإبِلِ، فَفَداهُ بِها. وفِيما أوْحى اللَّهُ لِمُوسى في حَدِيثٍ طَوِيلٍ. «وأمّا إسْماعِيلُ، فَإنَّهُ جادَ بِدَمِ نَفْسِهِ». وسَألَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ يَهُودِيًا أسْلَمَ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: إنَّ يَهُودِيًا لَيَعْلَمُ، لَكِنَّهم يَحْسُدُونَكم مَعْشَرَ العَرَبِ، وكانَ قَرْنا الكَبْشِ مَنُوطَيْنِ في الكَعْبَةِ. وسَألَ الأصْمَعِيُّ أبا عَمْرِو بْنَ العَلاءِ عَنِ الذَّبِيحِ فَقالَ: يا أصْمَعِيُّ، أيْنَ عَزَبَ عَنْكَ عَقْلُكَ ؟ ومَتى كانَ إسْحاقُ بِمَكَّةَ ؟ وهو الَّذِي بَنى البَيْتَ مَعَ أبِيهِ، والمَنحَرُ بِمَكَّةَ ؟ انْتَهى. ووَصَفَهُ تَعالى بِالصَّبْرِ في قَوْلِهِ ﴿وإسْماعِيلَ وإدْرِيسَ وذا الكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٥] وهو صَبْرُهُ عَلى الذَّبْحِ؛ وبِصِدْقِ الوَعْدِ في قَوْلِهِ ﴿إنَّهُ كانَ صادِقَ الوَعْدِ﴾ [مريم: ٥٤] لِأنَّهُ وعَدَ أباهُ مِن نَفْسِهِ الصَّبْرَ عَلى الذَّبْحِ فَوَفّى بِهِ. وذَكَرَ الطَّبَرِيُّ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ قالَ: الذَّبِيحُ إسْماعِيلُ، ويَزْعُمُ اليَهُودُ أنَّهُ إسْحاقُ، وكَذَبَتِ اليَهُودُ. ومِن أقْوى ما يُسْتَدَلُّ بِهِ أنَّ اللَّهَ تَعالى بَشَّرَ إبْراهِيمَ بِإسْحاقَ، ووَلَدَ إسْحاقُ يَعْقُوبَ. فَلَوْ كانَ الذَّبِيحُ إسْحاقَ، لَكانَ ذَلِكَ الإخْبارُ غَيْرَ مُطابِقٍ لِلْواقِعِ، وهو مُحالٌ في إخْبارِ اللَّهِ تَعالى. وذَهَبَتْ جَماعَةٌ إلى أنَّ الذَّبِيحَ هو إسْحاقُ، مِنهم: العَبّاسُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وعَلِيٌّ، وعَطاءٌ، وعِكْرِمَةُ، وكَعْبٌ، وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، وابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةٍ، وكانَ أمْرَ ذَبْحِهِ بِالشّامِ. وقالَ عَطاءٌ ومُقاتِلٌ: بِبَيْتِ المَقْدِسِ؛ وقِيلَ: بِالحِجازِ، جاءَ مَعَ أبِيهِ عَلى البُراقِ. وقالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، وابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةٍ: وكانَ أمْرَ ذَبْحِهِ بِالشّامِ، كانَ بِالمَقامِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: والبِشارَةُ في قَوْلِهِ ﴿وبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ﴾ هي بِشارَةُ نُبُوَّتِهِ. وقالُوا: أخْبَرَ تَعالى عَنْ خَلِيلِهِ إبْراهِيمَ حِينَ هاجَرَ إلى الشّامِ بِأنَّهُ اسْتَوْهَبَهُ ولَدًا، ثُمَّ أتْبَعَ تِلْكَ البِشارَةَ بِغُلامٍ حَلِيمٍ، ثُمَّ ذَكَرَ رُؤْياهُ بِذَبْحِ ذَلِكَ الغُلامِ المُبَشَّرِ بِهِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ كِتابُ يَعْقُوبَ إلى يُوسُفَ، عَلَيْهِما السَّلامُ: مِن يَعْقُوبَ إسْرائِيلَ اللَّهِ ابْنِ إسْحاقَ ذَبِيحِ اللَّهِ بْنِ إبْراهِيمَ خَلِيلِ اللَّهِ. ومَن جَعَلَ الذَّبِيحَ إسْحاقَ، جَعَلَ هَذِهِ البِشارَةَ بِشارَةً بِنُبُوَّتِهِ، كَما ذَكَرْنا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالُوا: لا يَجُوزُ أنْ يُبَشِّرَهُ اللَّهُ بِوِلادَتِهِ ونُبُوَّتِهِ مَعًا؛ لِأنَّ الِامْتِحانَ بِذَبْحِهِ لا يَصِحُّ مَعَ عِلْمِهِ بِأنَّهُ سَيَكُونُ نَبِيًّا. ومَن جَعَلَهُ إسْماعِيلَ، جَعَلَ البِشارَةَ بِوَلَدِهِ إسْحاقَ. وانْتَصَبَ نَبِيًّا عَلى (p-٣٧٢)الحالِ، وهي حالٌ مُقَدَّرَةٌ. فَإنْ كانَ إسْحاقُ هو الذَّبِيحَ، وكانَتْ هَذِهِ البِشارَةُ بِوِلادَةِ إسْحاقَ، فَقَدْ جَعَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ ذَلِكَ مَحَلَّ سُؤالٍ. فَإنْ قُلْتَ: فَرْقٌ بَيْنَ هَذا وقَوْلِهِ ﴿فادْخُلُوها خالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣] وذَلِكَ أنَّ المَدْخُولَ مَوْجُودٌ مَعَ وُجُودِ الدُّخُولِ، والخُلُودَ غَيْرُ مَوْجُودٍ مَعَهُما، فَقَدَّرْتَ مُقَدَّرَيْنِ لِلْخُلُودِ، فَكانَ مُسْتَقِيمًا. ولَيْسَ كَذَلِكَ المُبَشَّرُ بِهِ، فَإنَّهُ مَعْلُومٌ وقْتَ وُجُودِ البِشارَةِ، وعَدَمُ المُبَشَّرِ بِهِ أوْجَبَ عَدَمَ حالِهِ؛ لِأنَّ الحالَ حِلْيَةٌ لا تَقُومُ إلّا بِالمَحَلِّيِّ. وهَذا المُبَشَّرُ بِهِ الَّذِي هو إسْحاقُ، حِينَ وُجِدَ لَمْ تُوجَدِ النُّبُوَّةُ أيْضًا بِوُجُودِهِ، بَلْ تَراخَتْ عَنْهُ مُدَّةً طَوِيلَةً، فَكَيْفَ يُجْعَلُ نَبِيًّا حالًا مُقَدَّرَةً ؟ والحالُ صِفَةٌ لِلْفاعِلِ والمَفْعُولِ عِنْدَ وُجُودِ الفِعْلِ مِنهُ أوْ بِهِ. فالخُلُودُ وإنْ لَمْ يَكُنْ صِفَتَهم عِنْدَ دُخُولِ الجَنَّةِ، فَتَقْدِيرُها صِفَتُهم؛ لِأنَّ المَعْنى: مُقَدِّرِينَ الخُلُودَ. ولَيْسَ كَذَلِكَ النُّبُوَّةُ، فَإنَّهُ لا سَبِيلَ إلى أنْ تَكُونَ مَوْجُودَةً وقْتَ وُجُودِ البِشارَةِ بِإسْحاقَ لِعَدَمِ إسْحاقَ. قُلْتُ: هَذا سُؤالٌ دَقِيقُ السَّلْكِ ضَيِّقُ المَسْلَكِ، والَّذِي يَحُلُّ الإشْكالَ أنَّهُ لا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ مُضافٍ مَحْذُوفٍ وذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿وبَشَّرْناهُ﴾ بِوُجُودِ إسْحاقَ نَبِيًّا، أيْ بِأنْ يُوجَدَ مُقَدَّرَةً نُبُوَّتُهُ، فالعامِلُ في الحالِ الوُجُودُ، لا فِعْلُ البِشارَةِ؛ وبِذَلِكَ يَرْجِعُ نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فادْخُلُوها خالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣]، (مِنَ الصّالِحِينَ) حالٌ ثانِيَةٌ، ووُرُودُها عَلى سَبِيلِ الثَّناءِ والتَّقْرِيظِ؛ لِأنَّ كُلَّ نَبِيٍّ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ مِنَ الصّالِحِينَ. انْتَهى.
﴿وبارَكْنا عَلَيْهِ وعَلى إسْحاقَ﴾ أفَضْنا عَلَيْهِما بَرَكاتِ الدِّينِ والدُّنْيا، وبِأنْ أخْرَجْنا أنْبِياءَ بَنِي إسْرائِيلَ مِن صُلْبِهِ.
﴿ومِن ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وظالِمٌ﴾ فِيهِ وعِيدٌ لِلْيَهُودِ ومَن كانَ مِن ذُرِّيَّتِهِما لَمْ يُؤْمِن بِمُحَمَّدٍ ﷺ وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ البَرَّ قَدْ يَلِدُ الفاجِرَ، ولا يَلْحَقُهُ مِن ذَلِكَ عَيْبٌ ولا مَنقَصَةٌ.
الصافات 37:104
(p-٣٦٨)﴿وقالَ إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ ﴿فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ يابُنَيَّ إنِّي أرى في المَنامِ أنِّي أذْبَحُكَ فانْظُرْ ماذا تَرى قالَ يا أبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ ﴿فَلَمّا أسْلَما وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ ﴿ونادَيْناهُ أنْ ياإبْراهِيمُ﴾ ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّ هَذا لَهو البَلاءُ المُبِينُ﴾ ﴿وفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى إبْراهِيمَ﴾ ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿وبارَكْنا عَلَيْهِ وعَلى إسْحاقَ ومِن ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ ﴿ولَقَدْ مَنَنّا عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ [الصافات: ١١٤] ﴿ونَجَّيْناهُما وقَوْمَهُما مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ [الصافات: ١١٥] ﴿ونَصَرْناهم فَكانُوا هُمُ الغالِبِينَ﴾ [الصافات: ١١٦] ﴿وآتَيْناهُما الكِتابَ المُسْتَبِينَ﴾ [الصافات: ١١٧] ﴿وهَدَيْناهُما الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ [الصافات: ١١٨] ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِما في الآخِرِينَ﴾ [الصافات: ١١٩] ﴿سَلامٌ عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ [الصافات: ١٢٠] ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ [الصافات: ١٢١] ﴿إنَّهُما مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ [الصافات: ١٢٢] ﴿وإنَّ إلْياسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٢٣] ﴿إذْ قالَ لِقَوْمِهِ ألا تَتَّقُونَ﴾ [الصافات: ١٢٤] ﴿أتَدْعُونَ بَعْلًا وتَذَرُونَ أحْسَنَ الخالِقِينَ﴾ [الصافات: ١٢٥] ﴿اللَّهَ رَبَّكم ورَبَّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ [الصافات: ١٢٦] ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ [الصافات: ١٢٧] ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ [الصافات: ١٢٨] ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ [الصافات: ١٢٩] ﴿سَلامٌ عَلى إلْ ياسِينَ﴾ [الصافات: ١٣٠] ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ [الصافات: ١٣١] ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ [الصافات: ١٣٢] ﴿وإنَّ لُوطًا لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٣٣] ﴿إذْ نَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ﴾ [الصافات: ١٣٤] ﴿إلّا عَجُوزًا في الغابِرِينَ﴾ [الصافات: ١٣٥] ﴿ثُمَّ دَمَّرْنا الآخَرِينَ﴾ [الصافات: ١٣٦] ﴿وإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ﴾ [الصافات: ١٣٧] ﴿وبِاللَّيْلِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات: ١٣٨] ﴿وإنَّ يُونُسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٣٩] ﴿إذْ أبَقَ إلى الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ [الصافات: ١٤٠] ﴿فَساهَمَ فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ﴾ [الصافات: ١٤١] ﴿فالتَقَمَهُ الحُوتُ وهو مُلِيمٌ﴾ [الصافات: ١٤٢] ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ [الصافات: ١٤٣] ﴿لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الصافات: ١٤٤] ﴿فَنَبَذْناهُ بِالعَراءِ وهو سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ١٤٥] ﴿وأنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِن يَقْطِينٍ﴾ [الصافات: ١٤٦] ﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ١٤٧] ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾ [الصافات: ١٤٨] ﴿فاسْتَفْتِهِمْ ألِرَبِّكَ البَناتُ ولَهُمُ البَنُونَ﴾ [الصافات: ١٤٩] ﴿أمْ خَلَقْنا المَلائِكَةَ إناثًا وهم شاهِدُونَ﴾ [الصافات: ١٥٠] ﴿ألا إنَّهم مِن إفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ﴾ [الصافات: ١٥١] ﴿ولَدَ اللَّهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ [الصافات: ١٥٢] ﴿أاصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ﴾ [الصافات: ١٥٣] ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [الصافات: ١٥٤] ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [الصافات: ١٥٥] ﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾ [الصافات: ١٥٦] ﴿فَأْتُوا بِكِتابِكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [الصافات: ١٥٧] ﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا ولَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ إنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ [الصافات: ١٥٨] ﴿سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ [الصافات: ١٥٩] ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ [الصافات: ١٦٠] ﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ﴾ [الصافات: ١٦١] ﴿ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ﴾ [الصافات: ١٦٢] ﴿إلّا مَن هو صالِي الجَحِيمِ﴾ [الصافات: ١٦٣] ﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات: ١٦٤] ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾ [الصافات: ١٦٥] ﴿وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾ [الصافات: ١٦٦] ﴿وإنْ كانُوا لَيَقُولُونَ﴾ [الصافات: ١٦٧] ﴿لَوْ أنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا مِنَ الأوَّلِينَ﴾ [الصافات: ١٦٨] ﴿لَكُنّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ [الصافات: ١٦٩] ﴿فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الصافات: ١٧٠] ﴿ولَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٧١] ﴿إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ﴾ [الصافات: ١٧٢] ﴿وإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ﴾ [الصافات: ١٧٣] ﴿فَتَوَلَّ عَنْهم حَتّى حِينٍ﴾ [الصافات: ١٧٤] ﴿وأبْصِرْهم فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ [الصافات: ١٧٥] ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ [الصافات: ١٧٦] ﴿فَإذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ فَساءَ صَباحُ المُنْذَرِينَ﴾ [الصافات: ١٧٧] ﴿وتَوَلَّ عَنْهم حَتّى حِينٍ﴾ [الصافات: ١٧٨] ﴿وأبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ [الصافات: ١٧٩] ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ [الصافات: ١٨٠] ﴿وسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٨١] ﴿والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الصافات: ١٨٢] تَلَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ: صَرَعَهُ عَلى شِقِّهِ، وقِيلَ: وضَعَهُ بِقُوَّةٍ. وقالَ ساعِدَةُ بْنُ حَوْبَةَ:
؎وتَلَّ تَلِيلًا لِلْجَبِينِ ولِلْفَمِ
والجَبِينانِ: ما اكْتَنَفَ مِن هُنا ومِن هُنا، وشَذَّ جَمْعُ الجَبِينِ عَلى أجْبُنٍ، وقِياسُهُ في القِلَّةِ أجْبِنَةٌ، كَكَثِيبٍ وأكْثِبَةٍ، وفي الكَثْرَةِ: جَبَناتٌ وجُبُنٌ، كَكُثُباتٌ وكُثُبٌ. الذَّبْحُ: اسْمُ ما يُذْبَحُ، كالرَّعْيِ اسْمُ ما يُرْعى. أبَقَ: هَرَبَ. ساهَمَ: قارَعَ. المُدْحَضُ: المَقْلُوبُ. الحُوتُ: مَعْرُوفٌ. ألامَ: أتى بِما يُلامُ عَلَيْهِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎وكَمْ مِن مُلِيمٍ لَمْ يُصَبْ بِمُلامَةٍ ∗∗∗ ومُتَّبِعٍ بِالذَّنْبِ لَيْسَ لَهُ ذَنْبُ
العَراءُ: الأرْضُ الفَيْحاءُ لا شَجَرَ فِيها ولا يُعْلَمُ، قالَ الشّاعِرُ:
؎ورَفَعْتُ رِجْلًا لا أخافُ عِثارَها ∗∗∗ ونَبَذْتُ بِالمِينِ العَراءِ ثِيابِي
اليَقْطِينُ: يَفْعِيلٌ كاليَفْصِيدِ، مِن قَطَنَ: أقامَ بِالمَكانِ، وهو بِالمَكانِ، وهو ما كانَ مِنَ الشَّجَرِ لا يَقُومُ عَلى ساقٍ مِن عُودٍ، كَشَجَرِ البِطِّيخِ والحَنْظَلِ والقِثّاءِ. السّاحَةُ: الفِناءُ، وجَمْعُها سُوحٌ، قالَ الشّاعِرُ:
؎فَكانَ سِيّانِ أنْ لا يَسْرَحُوا نَعَمًا ∗∗∗ أوْ يَسْرَحُوهُ بِها واغْبَرَّتِ السُّوحُ
(p-٣٦٩)
﴿وقالَ إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ ﴿فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ يابُنَيَّ إنِّي أرى في المَنامِ أنِّي أذْبَحُكَ فانْظُرْ ماذا تَرى قالَ يا أبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ ﴿فَلَمّا أسْلَما وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ ﴿ونادَيْناهُ أنْ ياإبْراهِيمُ﴾ ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّ هَذا لَهو البَلاءُ المُبِينُ﴾ ﴿وفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى إبْراهِيمَ﴾ ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿وبارَكْنا عَلَيْهِ وعَلى إسْحاقَ ومِن ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ .
لَمّا سَلَّمَهُ اللَّهُ مِنهم ومِنَ النّارِ الَّتِي ألْقَوْهُ فِيها، عَزَمَ عَلى مُفارَقَتِهِمْ، وعَبَّرَ بِالذَّهابِ إلى رَبِّهِ عَنْ هِجْرَتِهِ إلى أرْضِ الشّامِ. كَما قالَ (﴿إنِّي مُهاجِرٌ إلى رَبِّي﴾ [العنكبوت: ٢٦] لِيَتَمَكَّنَ مِن عِبادَةِ رَبِّهِ ويَتَضَرَّعَ لَهُ مِن غَيْرِ أنْ يَلْقى مَن يُشَوِّشُ عَلَيْهِ، فَهاجَرَ مِن أرْضِ بابِلَ، مِن مَمْلَكَةِ نُمْرُودٍ، إلى الشّامِ. وقِيلَ: إلى أرْضِ مِصْرَ. ويَبْعُدُ قَوْلُ مَن قالَ: لَيْسَ المُرادُ بِذَهابِهِ الهِجْرَةَ، وإنَّما مُرادُهُ لِقاءُ اللَّهِ بَعْدَ الإحْراقِ، ظانًّا مِنهُ أنَّهُ سَيَمُوتُ في النّارِ، فَقالَها قَبْلَ أنْ يُطْرَحَ في النّارِ. و( سَيَهْدِينِ) أيْ إلى الجَنَّةِ، نَحا إلى هَذا قَتادَةُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ﴾ يَدْفَعُ هَذا القَوْلَ، والمُعْتَقِدُ أنَّهُ يَمُوتُ في النّارِ لا يَدْعُو بِأنْ يَهَبَ اللَّهُ لَهُ ولَدًا صالِحًا. (سَيَهْدِينِ) يُوَفِّقُنِي إلى ما فِيهِ صَلاحِي.
﴿مِنَ الصّالِحِينَ﴾ أيْ ولَدًا يَكُونُ في عِدادِ الصّالِحِينَ. ولَفْظُ الهِبَةِ غَلَبَ في الوَلَدِ، وإنْ كانَ قَدْ جاءَ في الأخِ، كَقَوْلِهِ ﴿ووَهَبْنا لَهُ مِن رَحْمَتِنا أخاهُ هارُونَ نَبِيًّا﴾ [مريم: ٥٣] . واشْتَمَلَتِ البِشارَةُ عَلى ذُكُورِيَّةِ المَوْلُودِ وبُلُوغِهِ سِنَّ الحُلُمِ ووَصْفِهِ بِالحِلْمِ، وأيُّ حِلْمٍ أعْظَمُ مِن قَوْلِهِ، وقَدْ عَرَضَ عَلَيْهِ أبُوهُ الذَّبْحَ ﴿سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّابِرِينَ﴾
﴿فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾، بَيْنَ هَذِهِ الجُمْلَةِ والَّتِي قَبْلَها مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: فَوُلِدَ لَهُ وشَبَّ.
﴿فَلَمّا بَلَغَ﴾ أيْ أنْ يَسْعى مَعَ أبِيهِ في أشْغالِهِ وحَوائِجِهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ: والَسَّعْيُ هُنا: العَمَلُ والعِبادَةُ والمَعُونَةُ. وقالَ قَتادَةُ: السَّعْيُ عَلى القَدَمِ، يُرِيدُ سَعْيًا مُتَمَكِّنًا، وفِيهِ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لا يَصِحُّ تَعَلُّقُهُ بِبَلَغَ بِهِ بُلُوغُهُما مَعًا حَدَّ السَّعْيِ ولا بِالسَّعْيِ؛ لِأنَّ أصْلَهُ المَصْدَرُ لا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ، فَنَفى أنْ يَكُونَ بَيانًا، كَأنَّهُ لَمّا قالَ ﴿فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾، أيِ الحَدَّ الَّذِي يَقْدِرُ فِيهِ عَلى السَّعْيِ، قِيلَ: مَعَ مَن ؟ فَقالَ: مَعَ أبِيهِ، والمَعْنى في اخْتِصاصِ الأبِّ أنَّهُ أرْفَقُ النّاسِ وأعْطَفُهم عَلَيْهِ وعَلى غَيْرِهِ وبِما عَنَّفَ عَلَيْهِ في الِاسْتِسْعاءِ، فَلا يَحْتَمِلُهُ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَسْتَحْكِمْ قَوْلَهُ، ولَمْ يَطْلُبْ عَوْدَهُ، وكانَ إذْ ذاكَ ابْنَ ثَلاثَ عَشْرَةَ سَنَةً. انْتَهى.
﴿قالَ يابُنَيَّ﴾ نِداءُ شَفَقَةٍ وتَرَحُّمٍ.
﴿إنِّي أرى في المَنامِ أنِّي أذْبَحُكَ﴾ أيْ بِأمْرٍ مِنَ اللَّهِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿افْعَلْ ما تُؤْمَرُ﴾ . ورُؤْيا الأنْبِياءِ وحْيٌ كاليَقَظَةِ، وذِكْرُهُ لَهُ الرُّؤْيا تَجْسِيرٌ عَلى احْتِمالِ تِلْكَ البَلِيَّةِ العَظِيمَةِ. وشاوَرَهُ بِقَوْلِهِ ﴿فانْظُرْ ماذا تَرى﴾ وإنْ كانَ حَتْمًا مِنَ اللَّهِ لِيَعْلَمَ ما عِنْدَهُ مِن تَلَقِّي هَذا الِامْتِحانِ العَظِيمِ، ويُصَبِّرَهُ إنْ جَزَعَ، ويُوَطِّنَ نَفْسَهُ عَلى مُلاقاةِ هَذا البَلاءِ، وتَسْكُنَ نَفْسُهُ لِما لا بُدَّ مِنهُ، إذْ مُفاجَأةُ البَلاءِ قَبْلَ الشُّعُورِ بِهِ أصْعَبُ عَلى النَّفْسِ، وكانَ ما رَآهُ في المَنامِ ولَمْ يَكُنْ في اليَقَظَةِ، كَرُؤْيا يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ورُؤْيا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ دُخُولَ المَسْجِدِ الحَرامِ، لِيَدُلَّ عَلى أنَّ حالَتَيِ الأنْبِياءِ يَقَظَةً ومَنامًا سَواءٌ في الصِّدْقِ مُتَظافِرَتانِ عَلَيْهِ. قِيلَ: إنَّهُ حِينَ بَشَّرَتِ المَلائِكَةُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ قالَ: هو إذَنْ ذَبِيحُ اللَّهِ. فَلَمّا بَلَغَ حَدَّ السَّعْيِ مَعَهُ قِيلَ لَهُ: أوْفِ بِنَذْرِكَ. قِيلَ: رَأى لَيْلَةَ التَّرْوِيَةِ قائِلًا يَقُولُ لَهُ: إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ بِذَبْحِ ابْنِكَ هَذا. فَلَمّا أصْبَحَ، رَوّى في ذَلِكَ مِنَ الصَّباحِ إلى الرَّواحِ. أمِنَ اللَّهِ هَذا الحُلْمُ ؟، فَمِن ثَمَّ سُمِّيَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ. فَلَمّا أمْسَ رَأى مِثْلَ ذَلِكَ، فَعَرَفَ أنَّهُ مِنَ اللَّهِ، فَمِن ثَمَّ سُمِّيَ يَوْمَ عَرَفَةَ. ثُمَّ رَأى مِثْلَهُ في اللَّيْلَةِ الثّالِثَةِ، فَهَمَّ بِنَحْرِهِ، فَسُمِّيَ يَوْمَ النَّحْرِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: (p-٣٧٠)(تَرى)، بِفَتْحِ التّاءِ والرّاءِ؛ وعَبْدُ اللَّهِ، والأسْوَدُ بْنُ يَزِيدَ، وابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ، ومُجاهِدٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ الرّاءِ؛ والضَّحّاكُ، والأعْمَشُ أيْضًا بِضَمِّ التّاءِ وفَتْحِ الرّاءِ. فالأوَّلُ مِنَ الرَّأْيِ، والثّانِي ماذا تَرَيَنِّيهِ وما تُبْدِيهِ لِأنْظُرَ فِيهِ ؟ والثّالِثُ ما الَّذِي يُخَيَّلُ إلَيْكَ ويُوقَعُ في قَلْبِكَ ؟ و(انْظُرْ) مُعَلَّقَةٌ، وماذا اسْتِفْهامٌ. فَإنْ كانَتْ (ذا) مَوْصُولَةً بِمَعْنى الَّذِي، فَـ (ما) مُبْتَدَأٌ، والفِعْلُ بَعْدَ (ذا) صِلَةٌ. وإنْ كانَتْ (ذا) مُرَكَّبَةً، فَفي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِالفِعْلِ بَعْدَها. والجُمْلَةُ، واسْمُ الِاسْتِفْهامِ الَّذِي هو مَعْمُولٌ لِلْفِعْلِ بَعْدَهُ في مَوْضِعِ نَصْبِ انْظُرْ. ولَمّا كانَ خِطابُ الأبِّ (يا بُنَيَّ)، عَلى سَبِيلِ التَّرَحُّمِ، قالَ: هو (يا أبَتِ)، عَلى سَبِيلِ التَّعْظِيمِ والتَّوْقِيرِ.
﴿افْعَلْ ما تُؤْمَرُ﴾ أيْ ما تُؤْمَرُهُ، حَذَفَهُ وهو مَنصُوبٌ، وأصْلُهُ ما تُؤْمَرُ بِهِ، فَحُذِفَ الحَرْفُ، واتَّصَلَ الضَّمِيرُ مَنصُوبًا، فَجازَ حَذْفُهُ لِوُجُودِ شَرائِطِ الحَذْفِ فِيهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ أمَرَكَ، عَلى إضافَةِ المَصْدَرِ إلى المَفْعُولِ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، وفي ذَلِكَ خِلافٌ. هَلْ يُعْتَقَدُ في المَصْدَرِ العامِلِ أنْ يَجُوزَ أنْ يُبْنى لِلْمَفْعُولِ، فَيَكُونَ ما بَعْدَهُ مَفْعُولًا لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، أمْ يَكُونَ ذَلِكَ ؟ ﴿سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ كَلامُ مَن أُوتِيَ الحِلْمَ والصَّبْرَ والِامْتِثالَ لِأمْرِ اللَّهِ، والرِّضا بِما أمَرَ اللَّهُ.
﴿فَلَمّا أسْلَما﴾ أيْ لِأمْرِ اللَّهِ، ويُقالُ: اسْتَسْلَمَ وسَلَّمَ بِمَعْناهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: أسْلَما. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وعَلِيٌّ، وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ، وجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، والأعْمَشُ، والثَّوْرِيُّ: سَلَّما: أيْ فَوَّضا إلَيْهِ في قَضائِهِ وقَدَرِهِ. وقُرِئَ: اسْتَسْلَما، ثَلاثُ قِراءاتٍ. وقالَ قَتادَةُ في أسْلَما: أسْلَمَ هَذا ابْنَهُ، وأسْلَمَ هَذا نَفْسَهُ، فَجَعَلَ أسْلَما مُتَعَدِّيًا، وغَيْرَهُ جَعَلَهُ لازِمًا بِمَعْنى: انْقادا لِأمْرِ اللَّهِ وخَضَعا لَهُ.
﴿وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ أيْ أوْقَعَهُ عَلى أحَدِ جَنْبَيْهِ في الأرْضِ مُباشِرًا الأمْرَ بِصَبْرٍ وجَلَدٍ، وذَلِكَ عِنْدَ الصَّخْرَةِ الَّتِي بِمِنًى، وعَنِ الحَسَنِ: في المَوْضِعِ المُشْرِفِ عَلى مَسْجِدِ مِنًى؛ وعَنِ الضَّحّاكِ: في المَنحَرِ الَّذِي يُنْحَرُ فِيهِ اليَوْمَ. وجَوابُ (لَمّا) مَحْذُوفٌ يُقَدَّرُ بَعْدَ ﴿وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾، أيْ أجْزَلْنا أجْرَهُما، قالَهُ بَعْضُ البَصْرِيِّينَ، أوْ بَعْدَ ﴿الرُّؤْيا﴾ أيْ: كانَ ما كانَ مِمّا تَنْطِقُ بِهِ الحالُ ولا يُحِيطُ بِهِ الوَصْفُ مِنِ اسْتِبْشارِهِما وحَمْدِهِما اللَّهَ عَلى ما أنْعَمَ بِهِ إلى ألْفاظٍ كَثِيرَةٍ ذَكَرَها الزَّمَخْشَرِيُّ عَلى عادَتِهِ في خَطابَتِهِ، أوْ قَبْلَ ﴿وتَلَّهُ﴾ تَقْدِيرُهُ ﴿فَلَمّا أسْلَما وتَلَّهُ﴾ . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهو قَوْلُ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ، وهو عِنْدَهم كَقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:
؎فَلَمّا أجَزْنا ساحَةَ الحَيِّ وانْتَحى
وقالَ الكُوفِيُّونَ: الجَوابُ مُثْبَتٌ، وهو ﴿ونادَيْناهُ﴾ عَلى زِيادَةِ الواوِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو ﴿وتَلَّهُ﴾ عَلى زِيادَةِ الواوِ. وذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ في قِصَّةِ إبْراهِيمَ وابْنِهِ، وما جَرى بَيْنَهُما مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ فُصُولًا، اللَّهُ أعْلَمُ بِصِحَّتِها، يُوقِفُ عَلَيْها في كِتابِهِ. و(أنْ) مُفَسِّرَةٌ؛ أيْ ﴿قَدْ صَدَّقْتَ﴾ . وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: ونادَيْناهُ قَدْ صَدَّقَتْ، بِحَذْفِ (أنْ)، وقُرِئَ: صَدَقْتَ، بِتَخْفِيفِ الدّالِ. وقَرَأ فَيّاضٌ: الرِّيّا، بِكَسْرِ الرّاءِ والإدْغامِ وتَصْدِيقِ الرُّؤْيا. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بَذَلَ وِسْعَهُ وفَعَلَ ما يَفْعَلُ الذّابِحُ مِن بَطْحِهِ عَلى شِقِّهِ وإمْرارِ الشَّفْرَةِ عَلى حَلْقِهِ، لَكِنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ جاءَ بِما مَنَعَ الشَّفْرَةَ أنْ تَمْضِيَ فِيهِ، وهَذا لا يَقْدَحُ في فِعْلِ إبْراهِيمَ. ألا تَرى أنَّهُ لا يُسَمّى عاصِيًا ولا مُفَرِّطًا ؟ بَلْ يُسَمّى مُطِيعًا ومُجْتَهِدًا، كَما لَوْ مَضَتْ فِيهِ الشَّفْرَةُ وفَرَتِ الأوْداجَ وأنْهَرَتِ الدَّمَ. ولَيْسَ هَذا مِن وُرُودِ النَّسْخِ عَلى المَأْمُورِ بِهِ قَبْلَ الفِعْلِ، ولا قَبْلَ أوانِ الفِعْلِ في شَيْءٍ، كَما يَسْبِقُ إلى بَعْضِ الأوْهامِ حَتّى يَشْتَغِلَ بِالكَلامِ فِيهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ ﴿قَدْ صَدَّقْتَ﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ بِقَلْبِكَ عَلى مَعْنى: كانَتْ عِنْدَكَ رُؤْياكَ صادِقَةً حَقًّا مِنَ اللَّهِ فَعَمِلْتَ بِحَسَبِها حِينَ آمَنتَ بِها، واعْتَقَدْتَ صِدْقَها. ويَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ: صَدَّقْتَ بِقَلْبِكَ ما حَصَلَ عَنِ الرُّؤْيا في نَفْسِكَ، كَأنَّهُ قالَ: قَدْ وفَّيْتَها حَقَّها مِنَ العَمَلِ. انْتَهى.
﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ تَعْلِيلٌ لِتَخْوِيلِ ما خَوَّلَهُما اللَّهُ مِنَ الفَرَجِ بَعْدَ الشِّدَّةِ، والظَّفَرِ بِالبُغْيَةِ بَعْدَ اليَأْسِ.
(إنَّ هَذا) أيْ ما أُمِرَ بِهِ إبْراهِيمُ مِن ذَبْحِ ابْنِهِ، ﴿لَهُوَ البَلاءُ المُبِينُ﴾ أيِ الِاخْتِبارُ البَيِّنُ الَّذِي يَتَمَيَّزُ فِيهِ المُخْلِصُونَ وغَيْرُهم، أوِ المِحْنَةُ البَيِّنَةُ الصُّعُوبَةِ الَّتِي لا مِحْنَةَ أصْعَبُ مِنها.
﴿وفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو (p-٣٧١)الكَبْشُ الَّذِي قَرَّبَهُ هابِيلُ فَقُبِلَ مِنهُ، وكانَ يَرْعى في الجَنَّةِ حَتّى فُدِيَ بِهِ إسْماعِيلُ. وقالَ أيْضًا هو والحَسَنُ: فُدِيَ بِوَعْلٍ أُهْبِطَ عَلَيْهِ مِن سَرْوٍ. وقالَ الجُمْهُورُ: كَبْشٌ أبْيَضُ أقْرَنُ أقْنى، ووُصِفَ بِالعِظَمِ. قالَ مُجاهِدٌ: لِأنَّهُ مُتَقَبَّلٌ يَقِينًا. وقالَ عَمْرُو بْنُ عَبِيدٍ: لِأنَّهُ جَرَتِ السُّنَّةُ بِهِ، وصارَ دِينًا باقِيًا إلى آخِرِ الدَّهْرِ. وقالَ الحَسَنُ بْنُ الفَضْلِ: لِأنَّهُ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ. وقالَ أبُو بَكْرٍ الوَرّاقُ: لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَنْ نَسْلٍ، بَلْ عَنِ التَّكْوِينِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ: عَظَمَتُهُ كَوْنُهُ مِن كِباشِ الجَنَّةِ، رُعِيَ فِيها أرْبَعِينَ خَرِيفًا. وفي قَوْلِهِ ﴿وفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّ إبْراهِيمَ لَمْ يَذْبَحِ ابْنَهُ، وقَدْ فُدِيَ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: وقَعَ الذَّبْحُ وقامَ بَعْدَ ذَلِكَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا كَذِبٌ صُراحٌ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: لَمْ يَرَ إبْراهِيمُ في مَنامِهِ الإمْرارَ بِالشَّفْرَةِ فَقَطْ، فَظَنَّ أنَّهُ ذِبْحٌ مُجَهَّزٌ، فَنَفَّذَ لِذَلِكَ. فَلَمّا وقَعَ الَّذِي رَآهُ وقَعَ النَّسْخُ، قالَ: ولا اخْتِلافَ، فَإنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، أمَرَّ الشَّفْرَةَ عَلى حَلْقِ ابْنِهِ فَلَمْ تَقْطَعْ. انْتَهى. والَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ القُرْآنُ أنَّهُ ﴿وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ فَقَطْ، ولَمْ يَأْتِ في حَدِيثٍ صَحِيحٍ «أنَّهُ أمَرَّ الشَّفْرَةَ عَلى حَلْقِ ابْنِهِ». ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ﴾ إلى (المُؤْمِنِينَ) تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِهِ في آخِرِ قِصَّةِ نُوحٍ، قَبْلَ قِصَّةِ إبْراهِيمَ هُنا، وقالَ هُنا كَذَلِكَ دُونَ إنّا اكْتِفاءً بِذِكْرِ ذَلِكَ قَبْلُ وبَعْدُ.
﴿وبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ الظّاهِرُ أنَّ هَذِهِ بِشارَةٌ غَيْرُ تِلْكَ البِشارَةِ، وأنَّ الغُلامَ الحَلِيمَ المُبَشَّرَ بِهِ إبْراهِيمُ هو إسْماعِيلُ، وأنَّهُ هو الذَّبِيحُ لا إسْحاقُ؛ وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنُ عُمَرَ، ومُعاوِيَةُ بْنُ أبِي سُفْيانَ، ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ، والشَّعْبِيُّ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وجَماعَةُ مِنَ التّابِعِينَ؛ واسْتَدَلُّوا بِظاهِرِ هَذِهِ الآياتِ وبِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: «أنا ابْنُ الذَّبِيحَيْنِ»، وقَوْلُ الأعْرابِيِّ لَهُ: «يا ابْنَ الذَّبِيحَيْنِ: فَتَبَسَّمَ عَلَيْهِ السَّلامُ»، يَعْنِي إسْماعِيلَ، وأباهُ عَبْدَ اللَّهِ. وكانَ عَبْدُ المُطَّلِبِ نَذَرَ ذَبْحَ أحَدِ ولَدِهِ، فَخَرَجَ السَّهْمُ عَلى عَبْدِ اللَّهِ، فَمَنَعَهُ أخْوالُهُ وقالُوا لَهُ: افْدِ ابْنَكَ بِمِائَةٍ مِنَ الإبِلِ، فَفَداهُ بِها. وفِيما أوْحى اللَّهُ لِمُوسى في حَدِيثٍ طَوِيلٍ. «وأمّا إسْماعِيلُ، فَإنَّهُ جادَ بِدَمِ نَفْسِهِ». وسَألَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ يَهُودِيًا أسْلَمَ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: إنَّ يَهُودِيًا لَيَعْلَمُ، لَكِنَّهم يَحْسُدُونَكم مَعْشَرَ العَرَبِ، وكانَ قَرْنا الكَبْشِ مَنُوطَيْنِ في الكَعْبَةِ. وسَألَ الأصْمَعِيُّ أبا عَمْرِو بْنَ العَلاءِ عَنِ الذَّبِيحِ فَقالَ: يا أصْمَعِيُّ، أيْنَ عَزَبَ عَنْكَ عَقْلُكَ ؟ ومَتى كانَ إسْحاقُ بِمَكَّةَ ؟ وهو الَّذِي بَنى البَيْتَ مَعَ أبِيهِ، والمَنحَرُ بِمَكَّةَ ؟ انْتَهى. ووَصَفَهُ تَعالى بِالصَّبْرِ في قَوْلِهِ ﴿وإسْماعِيلَ وإدْرِيسَ وذا الكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٥] وهو صَبْرُهُ عَلى الذَّبْحِ؛ وبِصِدْقِ الوَعْدِ في قَوْلِهِ ﴿إنَّهُ كانَ صادِقَ الوَعْدِ﴾ [مريم: ٥٤] لِأنَّهُ وعَدَ أباهُ مِن نَفْسِهِ الصَّبْرَ عَلى الذَّبْحِ فَوَفّى بِهِ. وذَكَرَ الطَّبَرِيُّ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ قالَ: الذَّبِيحُ إسْماعِيلُ، ويَزْعُمُ اليَهُودُ أنَّهُ إسْحاقُ، وكَذَبَتِ اليَهُودُ. ومِن أقْوى ما يُسْتَدَلُّ بِهِ أنَّ اللَّهَ تَعالى بَشَّرَ إبْراهِيمَ بِإسْحاقَ، ووَلَدَ إسْحاقُ يَعْقُوبَ. فَلَوْ كانَ الذَّبِيحُ إسْحاقَ، لَكانَ ذَلِكَ الإخْبارُ غَيْرَ مُطابِقٍ لِلْواقِعِ، وهو مُحالٌ في إخْبارِ اللَّهِ تَعالى. وذَهَبَتْ جَماعَةٌ إلى أنَّ الذَّبِيحَ هو إسْحاقُ، مِنهم: العَبّاسُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وعَلِيٌّ، وعَطاءٌ، وعِكْرِمَةُ، وكَعْبٌ، وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، وابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةٍ، وكانَ أمْرَ ذَبْحِهِ بِالشّامِ. وقالَ عَطاءٌ ومُقاتِلٌ: بِبَيْتِ المَقْدِسِ؛ وقِيلَ: بِالحِجازِ، جاءَ مَعَ أبِيهِ عَلى البُراقِ. وقالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، وابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةٍ: وكانَ أمْرَ ذَبْحِهِ بِالشّامِ، كانَ بِالمَقامِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: والبِشارَةُ في قَوْلِهِ ﴿وبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ﴾ هي بِشارَةُ نُبُوَّتِهِ. وقالُوا: أخْبَرَ تَعالى عَنْ خَلِيلِهِ إبْراهِيمَ حِينَ هاجَرَ إلى الشّامِ بِأنَّهُ اسْتَوْهَبَهُ ولَدًا، ثُمَّ أتْبَعَ تِلْكَ البِشارَةَ بِغُلامٍ حَلِيمٍ، ثُمَّ ذَكَرَ رُؤْياهُ بِذَبْحِ ذَلِكَ الغُلامِ المُبَشَّرِ بِهِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ كِتابُ يَعْقُوبَ إلى يُوسُفَ، عَلَيْهِما السَّلامُ: مِن يَعْقُوبَ إسْرائِيلَ اللَّهِ ابْنِ إسْحاقَ ذَبِيحِ اللَّهِ بْنِ إبْراهِيمَ خَلِيلِ اللَّهِ. ومَن جَعَلَ الذَّبِيحَ إسْحاقَ، جَعَلَ هَذِهِ البِشارَةَ بِشارَةً بِنُبُوَّتِهِ، كَما ذَكَرْنا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالُوا: لا يَجُوزُ أنْ يُبَشِّرَهُ اللَّهُ بِوِلادَتِهِ ونُبُوَّتِهِ مَعًا؛ لِأنَّ الِامْتِحانَ بِذَبْحِهِ لا يَصِحُّ مَعَ عِلْمِهِ بِأنَّهُ سَيَكُونُ نَبِيًّا. ومَن جَعَلَهُ إسْماعِيلَ، جَعَلَ البِشارَةَ بِوَلَدِهِ إسْحاقَ. وانْتَصَبَ نَبِيًّا عَلى (p-٣٧٢)الحالِ، وهي حالٌ مُقَدَّرَةٌ. فَإنْ كانَ إسْحاقُ هو الذَّبِيحَ، وكانَتْ هَذِهِ البِشارَةُ بِوِلادَةِ إسْحاقَ، فَقَدْ جَعَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ ذَلِكَ مَحَلَّ سُؤالٍ. فَإنْ قُلْتَ: فَرْقٌ بَيْنَ هَذا وقَوْلِهِ ﴿فادْخُلُوها خالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣] وذَلِكَ أنَّ المَدْخُولَ مَوْجُودٌ مَعَ وُجُودِ الدُّخُولِ، والخُلُودَ غَيْرُ مَوْجُودٍ مَعَهُما، فَقَدَّرْتَ مُقَدَّرَيْنِ لِلْخُلُودِ، فَكانَ مُسْتَقِيمًا. ولَيْسَ كَذَلِكَ المُبَشَّرُ بِهِ، فَإنَّهُ مَعْلُومٌ وقْتَ وُجُودِ البِشارَةِ، وعَدَمُ المُبَشَّرِ بِهِ أوْجَبَ عَدَمَ حالِهِ؛ لِأنَّ الحالَ حِلْيَةٌ لا تَقُومُ إلّا بِالمَحَلِّيِّ. وهَذا المُبَشَّرُ بِهِ الَّذِي هو إسْحاقُ، حِينَ وُجِدَ لَمْ تُوجَدِ النُّبُوَّةُ أيْضًا بِوُجُودِهِ، بَلْ تَراخَتْ عَنْهُ مُدَّةً طَوِيلَةً، فَكَيْفَ يُجْعَلُ نَبِيًّا حالًا مُقَدَّرَةً ؟ والحالُ صِفَةٌ لِلْفاعِلِ والمَفْعُولِ عِنْدَ وُجُودِ الفِعْلِ مِنهُ أوْ بِهِ. فالخُلُودُ وإنْ لَمْ يَكُنْ صِفَتَهم عِنْدَ دُخُولِ الجَنَّةِ، فَتَقْدِيرُها صِفَتُهم؛ لِأنَّ المَعْنى: مُقَدِّرِينَ الخُلُودَ. ولَيْسَ كَذَلِكَ النُّبُوَّةُ، فَإنَّهُ لا سَبِيلَ إلى أنْ تَكُونَ مَوْجُودَةً وقْتَ وُجُودِ البِشارَةِ بِإسْحاقَ لِعَدَمِ إسْحاقَ. قُلْتُ: هَذا سُؤالٌ دَقِيقُ السَّلْكِ ضَيِّقُ المَسْلَكِ، والَّذِي يَحُلُّ الإشْكالَ أنَّهُ لا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ مُضافٍ مَحْذُوفٍ وذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿وبَشَّرْناهُ﴾ بِوُجُودِ إسْحاقَ نَبِيًّا، أيْ بِأنْ يُوجَدَ مُقَدَّرَةً نُبُوَّتُهُ، فالعامِلُ في الحالِ الوُجُودُ، لا فِعْلُ البِشارَةِ؛ وبِذَلِكَ يَرْجِعُ نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فادْخُلُوها خالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣]، (مِنَ الصّالِحِينَ) حالٌ ثانِيَةٌ، ووُرُودُها عَلى سَبِيلِ الثَّناءِ والتَّقْرِيظِ؛ لِأنَّ كُلَّ نَبِيٍّ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ مِنَ الصّالِحِينَ. انْتَهى.
﴿وبارَكْنا عَلَيْهِ وعَلى إسْحاقَ﴾ أفَضْنا عَلَيْهِما بَرَكاتِ الدِّينِ والدُّنْيا، وبِأنْ أخْرَجْنا أنْبِياءَ بَنِي إسْرائِيلَ مِن صُلْبِهِ.
﴿ومِن ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وظالِمٌ﴾ فِيهِ وعِيدٌ لِلْيَهُودِ ومَن كانَ مِن ذُرِّيَّتِهِما لَمْ يُؤْمِن بِمُحَمَّدٍ ﷺ وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ البَرَّ قَدْ يَلِدُ الفاجِرَ، ولا يَلْحَقُهُ مِن ذَلِكَ عَيْبٌ ولا مَنقَصَةٌ.
الصافات 37:105
(p-٣٦٨)﴿وقالَ إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ ﴿فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ يابُنَيَّ إنِّي أرى في المَنامِ أنِّي أذْبَحُكَ فانْظُرْ ماذا تَرى قالَ يا أبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ ﴿فَلَمّا أسْلَما وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ ﴿ونادَيْناهُ أنْ ياإبْراهِيمُ﴾ ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّ هَذا لَهو البَلاءُ المُبِينُ﴾ ﴿وفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى إبْراهِيمَ﴾ ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿وبارَكْنا عَلَيْهِ وعَلى إسْحاقَ ومِن ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ ﴿ولَقَدْ مَنَنّا عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ [الصافات: ١١٤] ﴿ونَجَّيْناهُما وقَوْمَهُما مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ [الصافات: ١١٥] ﴿ونَصَرْناهم فَكانُوا هُمُ الغالِبِينَ﴾ [الصافات: ١١٦] ﴿وآتَيْناهُما الكِتابَ المُسْتَبِينَ﴾ [الصافات: ١١٧] ﴿وهَدَيْناهُما الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ [الصافات: ١١٨] ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِما في الآخِرِينَ﴾ [الصافات: ١١٩] ﴿سَلامٌ عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ [الصافات: ١٢٠] ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ [الصافات: ١٢١] ﴿إنَّهُما مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ [الصافات: ١٢٢] ﴿وإنَّ إلْياسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٢٣] ﴿إذْ قالَ لِقَوْمِهِ ألا تَتَّقُونَ﴾ [الصافات: ١٢٤] ﴿أتَدْعُونَ بَعْلًا وتَذَرُونَ أحْسَنَ الخالِقِينَ﴾ [الصافات: ١٢٥] ﴿اللَّهَ رَبَّكم ورَبَّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ [الصافات: ١٢٦] ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ [الصافات: ١٢٧] ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ [الصافات: ١٢٨] ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ [الصافات: ١٢٩] ﴿سَلامٌ عَلى إلْ ياسِينَ﴾ [الصافات: ١٣٠] ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ [الصافات: ١٣١] ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ [الصافات: ١٣٢] ﴿وإنَّ لُوطًا لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٣٣] ﴿إذْ نَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ﴾ [الصافات: ١٣٤] ﴿إلّا عَجُوزًا في الغابِرِينَ﴾ [الصافات: ١٣٥] ﴿ثُمَّ دَمَّرْنا الآخَرِينَ﴾ [الصافات: ١٣٦] ﴿وإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ﴾ [الصافات: ١٣٧] ﴿وبِاللَّيْلِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات: ١٣٨] ﴿وإنَّ يُونُسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٣٩] ﴿إذْ أبَقَ إلى الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ [الصافات: ١٤٠] ﴿فَساهَمَ فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ﴾ [الصافات: ١٤١] ﴿فالتَقَمَهُ الحُوتُ وهو مُلِيمٌ﴾ [الصافات: ١٤٢] ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ [الصافات: ١٤٣] ﴿لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الصافات: ١٤٤] ﴿فَنَبَذْناهُ بِالعَراءِ وهو سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ١٤٥] ﴿وأنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِن يَقْطِينٍ﴾ [الصافات: ١٤٦] ﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ١٤٧] ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾ [الصافات: ١٤٨] ﴿فاسْتَفْتِهِمْ ألِرَبِّكَ البَناتُ ولَهُمُ البَنُونَ﴾ [الصافات: ١٤٩] ﴿أمْ خَلَقْنا المَلائِكَةَ إناثًا وهم شاهِدُونَ﴾ [الصافات: ١٥٠] ﴿ألا إنَّهم مِن إفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ﴾ [الصافات: ١٥١] ﴿ولَدَ اللَّهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ [الصافات: ١٥٢] ﴿أاصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ﴾ [الصافات: ١٥٣] ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [الصافات: ١٥٤] ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [الصافات: ١٥٥] ﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾ [الصافات: ١٥٦] ﴿فَأْتُوا بِكِتابِكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [الصافات: ١٥٧] ﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا ولَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ إنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ [الصافات: ١٥٨] ﴿سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ [الصافات: ١٥٩] ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ [الصافات: ١٦٠] ﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ﴾ [الصافات: ١٦١] ﴿ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ﴾ [الصافات: ١٦٢] ﴿إلّا مَن هو صالِي الجَحِيمِ﴾ [الصافات: ١٦٣] ﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات: ١٦٤] ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾ [الصافات: ١٦٥] ﴿وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾ [الصافات: ١٦٦] ﴿وإنْ كانُوا لَيَقُولُونَ﴾ [الصافات: ١٦٧] ﴿لَوْ أنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا مِنَ الأوَّلِينَ﴾ [الصافات: ١٦٨] ﴿لَكُنّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ [الصافات: ١٦٩] ﴿فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الصافات: ١٧٠] ﴿ولَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٧١] ﴿إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ﴾ [الصافات: ١٧٢] ﴿وإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ﴾ [الصافات: ١٧٣] ﴿فَتَوَلَّ عَنْهم حَتّى حِينٍ﴾ [الصافات: ١٧٤] ﴿وأبْصِرْهم فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ [الصافات: ١٧٥] ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ [الصافات: ١٧٦] ﴿فَإذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ فَساءَ صَباحُ المُنْذَرِينَ﴾ [الصافات: ١٧٧] ﴿وتَوَلَّ عَنْهم حَتّى حِينٍ﴾ [الصافات: ١٧٨] ﴿وأبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ [الصافات: ١٧٩] ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ [الصافات: ١٨٠] ﴿وسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٨١] ﴿والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الصافات: ١٨٢] تَلَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ: صَرَعَهُ عَلى شِقِّهِ، وقِيلَ: وضَعَهُ بِقُوَّةٍ. وقالَ ساعِدَةُ بْنُ حَوْبَةَ:
؎وتَلَّ تَلِيلًا لِلْجَبِينِ ولِلْفَمِ
والجَبِينانِ: ما اكْتَنَفَ مِن هُنا ومِن هُنا، وشَذَّ جَمْعُ الجَبِينِ عَلى أجْبُنٍ، وقِياسُهُ في القِلَّةِ أجْبِنَةٌ، كَكَثِيبٍ وأكْثِبَةٍ، وفي الكَثْرَةِ: جَبَناتٌ وجُبُنٌ، كَكُثُباتٌ وكُثُبٌ. الذَّبْحُ: اسْمُ ما يُذْبَحُ، كالرَّعْيِ اسْمُ ما يُرْعى. أبَقَ: هَرَبَ. ساهَمَ: قارَعَ. المُدْحَضُ: المَقْلُوبُ. الحُوتُ: مَعْرُوفٌ. ألامَ: أتى بِما يُلامُ عَلَيْهِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎وكَمْ مِن مُلِيمٍ لَمْ يُصَبْ بِمُلامَةٍ ∗∗∗ ومُتَّبِعٍ بِالذَّنْبِ لَيْسَ لَهُ ذَنْبُ
العَراءُ: الأرْضُ الفَيْحاءُ لا شَجَرَ فِيها ولا يُعْلَمُ، قالَ الشّاعِرُ:
؎ورَفَعْتُ رِجْلًا لا أخافُ عِثارَها ∗∗∗ ونَبَذْتُ بِالمِينِ العَراءِ ثِيابِي
اليَقْطِينُ: يَفْعِيلٌ كاليَفْصِيدِ، مِن قَطَنَ: أقامَ بِالمَكانِ، وهو بِالمَكانِ، وهو ما كانَ مِنَ الشَّجَرِ لا يَقُومُ عَلى ساقٍ مِن عُودٍ، كَشَجَرِ البِطِّيخِ والحَنْظَلِ والقِثّاءِ. السّاحَةُ: الفِناءُ، وجَمْعُها سُوحٌ، قالَ الشّاعِرُ:
؎فَكانَ سِيّانِ أنْ لا يَسْرَحُوا نَعَمًا ∗∗∗ أوْ يَسْرَحُوهُ بِها واغْبَرَّتِ السُّوحُ
(p-٣٦٩)
﴿وقالَ إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ ﴿فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ يابُنَيَّ إنِّي أرى في المَنامِ أنِّي أذْبَحُكَ فانْظُرْ ماذا تَرى قالَ يا أبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ ﴿فَلَمّا أسْلَما وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ ﴿ونادَيْناهُ أنْ ياإبْراهِيمُ﴾ ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّ هَذا لَهو البَلاءُ المُبِينُ﴾ ﴿وفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى إبْراهِيمَ﴾ ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿وبارَكْنا عَلَيْهِ وعَلى إسْحاقَ ومِن ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ .
لَمّا سَلَّمَهُ اللَّهُ مِنهم ومِنَ النّارِ الَّتِي ألْقَوْهُ فِيها، عَزَمَ عَلى مُفارَقَتِهِمْ، وعَبَّرَ بِالذَّهابِ إلى رَبِّهِ عَنْ هِجْرَتِهِ إلى أرْضِ الشّامِ. كَما قالَ (﴿إنِّي مُهاجِرٌ إلى رَبِّي﴾ [العنكبوت: ٢٦] لِيَتَمَكَّنَ مِن عِبادَةِ رَبِّهِ ويَتَضَرَّعَ لَهُ مِن غَيْرِ أنْ يَلْقى مَن يُشَوِّشُ عَلَيْهِ، فَهاجَرَ مِن أرْضِ بابِلَ، مِن مَمْلَكَةِ نُمْرُودٍ، إلى الشّامِ. وقِيلَ: إلى أرْضِ مِصْرَ. ويَبْعُدُ قَوْلُ مَن قالَ: لَيْسَ المُرادُ بِذَهابِهِ الهِجْرَةَ، وإنَّما مُرادُهُ لِقاءُ اللَّهِ بَعْدَ الإحْراقِ، ظانًّا مِنهُ أنَّهُ سَيَمُوتُ في النّارِ، فَقالَها قَبْلَ أنْ يُطْرَحَ في النّارِ. و( سَيَهْدِينِ) أيْ إلى الجَنَّةِ، نَحا إلى هَذا قَتادَةُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ﴾ يَدْفَعُ هَذا القَوْلَ، والمُعْتَقِدُ أنَّهُ يَمُوتُ في النّارِ لا يَدْعُو بِأنْ يَهَبَ اللَّهُ لَهُ ولَدًا صالِحًا. (سَيَهْدِينِ) يُوَفِّقُنِي إلى ما فِيهِ صَلاحِي.
﴿مِنَ الصّالِحِينَ﴾ أيْ ولَدًا يَكُونُ في عِدادِ الصّالِحِينَ. ولَفْظُ الهِبَةِ غَلَبَ في الوَلَدِ، وإنْ كانَ قَدْ جاءَ في الأخِ، كَقَوْلِهِ ﴿ووَهَبْنا لَهُ مِن رَحْمَتِنا أخاهُ هارُونَ نَبِيًّا﴾ [مريم: ٥٣] . واشْتَمَلَتِ البِشارَةُ عَلى ذُكُورِيَّةِ المَوْلُودِ وبُلُوغِهِ سِنَّ الحُلُمِ ووَصْفِهِ بِالحِلْمِ، وأيُّ حِلْمٍ أعْظَمُ مِن قَوْلِهِ، وقَدْ عَرَضَ عَلَيْهِ أبُوهُ الذَّبْحَ ﴿سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّابِرِينَ﴾
﴿فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾، بَيْنَ هَذِهِ الجُمْلَةِ والَّتِي قَبْلَها مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: فَوُلِدَ لَهُ وشَبَّ.
﴿فَلَمّا بَلَغَ﴾ أيْ أنْ يَسْعى مَعَ أبِيهِ في أشْغالِهِ وحَوائِجِهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ: والَسَّعْيُ هُنا: العَمَلُ والعِبادَةُ والمَعُونَةُ. وقالَ قَتادَةُ: السَّعْيُ عَلى القَدَمِ، يُرِيدُ سَعْيًا مُتَمَكِّنًا، وفِيهِ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لا يَصِحُّ تَعَلُّقُهُ بِبَلَغَ بِهِ بُلُوغُهُما مَعًا حَدَّ السَّعْيِ ولا بِالسَّعْيِ؛ لِأنَّ أصْلَهُ المَصْدَرُ لا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ، فَنَفى أنْ يَكُونَ بَيانًا، كَأنَّهُ لَمّا قالَ ﴿فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾، أيِ الحَدَّ الَّذِي يَقْدِرُ فِيهِ عَلى السَّعْيِ، قِيلَ: مَعَ مَن ؟ فَقالَ: مَعَ أبِيهِ، والمَعْنى في اخْتِصاصِ الأبِّ أنَّهُ أرْفَقُ النّاسِ وأعْطَفُهم عَلَيْهِ وعَلى غَيْرِهِ وبِما عَنَّفَ عَلَيْهِ في الِاسْتِسْعاءِ، فَلا يَحْتَمِلُهُ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَسْتَحْكِمْ قَوْلَهُ، ولَمْ يَطْلُبْ عَوْدَهُ، وكانَ إذْ ذاكَ ابْنَ ثَلاثَ عَشْرَةَ سَنَةً. انْتَهى.
﴿قالَ يابُنَيَّ﴾ نِداءُ شَفَقَةٍ وتَرَحُّمٍ.
﴿إنِّي أرى في المَنامِ أنِّي أذْبَحُكَ﴾ أيْ بِأمْرٍ مِنَ اللَّهِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿افْعَلْ ما تُؤْمَرُ﴾ . ورُؤْيا الأنْبِياءِ وحْيٌ كاليَقَظَةِ، وذِكْرُهُ لَهُ الرُّؤْيا تَجْسِيرٌ عَلى احْتِمالِ تِلْكَ البَلِيَّةِ العَظِيمَةِ. وشاوَرَهُ بِقَوْلِهِ ﴿فانْظُرْ ماذا تَرى﴾ وإنْ كانَ حَتْمًا مِنَ اللَّهِ لِيَعْلَمَ ما عِنْدَهُ مِن تَلَقِّي هَذا الِامْتِحانِ العَظِيمِ، ويُصَبِّرَهُ إنْ جَزَعَ، ويُوَطِّنَ نَفْسَهُ عَلى مُلاقاةِ هَذا البَلاءِ، وتَسْكُنَ نَفْسُهُ لِما لا بُدَّ مِنهُ، إذْ مُفاجَأةُ البَلاءِ قَبْلَ الشُّعُورِ بِهِ أصْعَبُ عَلى النَّفْسِ، وكانَ ما رَآهُ في المَنامِ ولَمْ يَكُنْ في اليَقَظَةِ، كَرُؤْيا يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ورُؤْيا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ دُخُولَ المَسْجِدِ الحَرامِ، لِيَدُلَّ عَلى أنَّ حالَتَيِ الأنْبِياءِ يَقَظَةً ومَنامًا سَواءٌ في الصِّدْقِ مُتَظافِرَتانِ عَلَيْهِ. قِيلَ: إنَّهُ حِينَ بَشَّرَتِ المَلائِكَةُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ قالَ: هو إذَنْ ذَبِيحُ اللَّهِ. فَلَمّا بَلَغَ حَدَّ السَّعْيِ مَعَهُ قِيلَ لَهُ: أوْفِ بِنَذْرِكَ. قِيلَ: رَأى لَيْلَةَ التَّرْوِيَةِ قائِلًا يَقُولُ لَهُ: إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ بِذَبْحِ ابْنِكَ هَذا. فَلَمّا أصْبَحَ، رَوّى في ذَلِكَ مِنَ الصَّباحِ إلى الرَّواحِ. أمِنَ اللَّهِ هَذا الحُلْمُ ؟، فَمِن ثَمَّ سُمِّيَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ. فَلَمّا أمْسَ رَأى مِثْلَ ذَلِكَ، فَعَرَفَ أنَّهُ مِنَ اللَّهِ، فَمِن ثَمَّ سُمِّيَ يَوْمَ عَرَفَةَ. ثُمَّ رَأى مِثْلَهُ في اللَّيْلَةِ الثّالِثَةِ، فَهَمَّ بِنَحْرِهِ، فَسُمِّيَ يَوْمَ النَّحْرِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: (p-٣٧٠)(تَرى)، بِفَتْحِ التّاءِ والرّاءِ؛ وعَبْدُ اللَّهِ، والأسْوَدُ بْنُ يَزِيدَ، وابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ، ومُجاهِدٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ الرّاءِ؛ والضَّحّاكُ، والأعْمَشُ أيْضًا بِضَمِّ التّاءِ وفَتْحِ الرّاءِ. فالأوَّلُ مِنَ الرَّأْيِ، والثّانِي ماذا تَرَيَنِّيهِ وما تُبْدِيهِ لِأنْظُرَ فِيهِ ؟ والثّالِثُ ما الَّذِي يُخَيَّلُ إلَيْكَ ويُوقَعُ في قَلْبِكَ ؟ و(انْظُرْ) مُعَلَّقَةٌ، وماذا اسْتِفْهامٌ. فَإنْ كانَتْ (ذا) مَوْصُولَةً بِمَعْنى الَّذِي، فَـ (ما) مُبْتَدَأٌ، والفِعْلُ بَعْدَ (ذا) صِلَةٌ. وإنْ كانَتْ (ذا) مُرَكَّبَةً، فَفي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِالفِعْلِ بَعْدَها. والجُمْلَةُ، واسْمُ الِاسْتِفْهامِ الَّذِي هو مَعْمُولٌ لِلْفِعْلِ بَعْدَهُ في مَوْضِعِ نَصْبِ انْظُرْ. ولَمّا كانَ خِطابُ الأبِّ (يا بُنَيَّ)، عَلى سَبِيلِ التَّرَحُّمِ، قالَ: هو (يا أبَتِ)، عَلى سَبِيلِ التَّعْظِيمِ والتَّوْقِيرِ.
﴿افْعَلْ ما تُؤْمَرُ﴾ أيْ ما تُؤْمَرُهُ، حَذَفَهُ وهو مَنصُوبٌ، وأصْلُهُ ما تُؤْمَرُ بِهِ، فَحُذِفَ الحَرْفُ، واتَّصَلَ الضَّمِيرُ مَنصُوبًا، فَجازَ حَذْفُهُ لِوُجُودِ شَرائِطِ الحَذْفِ فِيهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ أمَرَكَ، عَلى إضافَةِ المَصْدَرِ إلى المَفْعُولِ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، وفي ذَلِكَ خِلافٌ. هَلْ يُعْتَقَدُ في المَصْدَرِ العامِلِ أنْ يَجُوزَ أنْ يُبْنى لِلْمَفْعُولِ، فَيَكُونَ ما بَعْدَهُ مَفْعُولًا لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، أمْ يَكُونَ ذَلِكَ ؟ ﴿سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ كَلامُ مَن أُوتِيَ الحِلْمَ والصَّبْرَ والِامْتِثالَ لِأمْرِ اللَّهِ، والرِّضا بِما أمَرَ اللَّهُ.
﴿فَلَمّا أسْلَما﴾ أيْ لِأمْرِ اللَّهِ، ويُقالُ: اسْتَسْلَمَ وسَلَّمَ بِمَعْناهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: أسْلَما. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وعَلِيٌّ، وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ، وجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، والأعْمَشُ، والثَّوْرِيُّ: سَلَّما: أيْ فَوَّضا إلَيْهِ في قَضائِهِ وقَدَرِهِ. وقُرِئَ: اسْتَسْلَما، ثَلاثُ قِراءاتٍ. وقالَ قَتادَةُ في أسْلَما: أسْلَمَ هَذا ابْنَهُ، وأسْلَمَ هَذا نَفْسَهُ، فَجَعَلَ أسْلَما مُتَعَدِّيًا، وغَيْرَهُ جَعَلَهُ لازِمًا بِمَعْنى: انْقادا لِأمْرِ اللَّهِ وخَضَعا لَهُ.
﴿وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ أيْ أوْقَعَهُ عَلى أحَدِ جَنْبَيْهِ في الأرْضِ مُباشِرًا الأمْرَ بِصَبْرٍ وجَلَدٍ، وذَلِكَ عِنْدَ الصَّخْرَةِ الَّتِي بِمِنًى، وعَنِ الحَسَنِ: في المَوْضِعِ المُشْرِفِ عَلى مَسْجِدِ مِنًى؛ وعَنِ الضَّحّاكِ: في المَنحَرِ الَّذِي يُنْحَرُ فِيهِ اليَوْمَ. وجَوابُ (لَمّا) مَحْذُوفٌ يُقَدَّرُ بَعْدَ ﴿وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾، أيْ أجْزَلْنا أجْرَهُما، قالَهُ بَعْضُ البَصْرِيِّينَ، أوْ بَعْدَ ﴿الرُّؤْيا﴾ أيْ: كانَ ما كانَ مِمّا تَنْطِقُ بِهِ الحالُ ولا يُحِيطُ بِهِ الوَصْفُ مِنِ اسْتِبْشارِهِما وحَمْدِهِما اللَّهَ عَلى ما أنْعَمَ بِهِ إلى ألْفاظٍ كَثِيرَةٍ ذَكَرَها الزَّمَخْشَرِيُّ عَلى عادَتِهِ في خَطابَتِهِ، أوْ قَبْلَ ﴿وتَلَّهُ﴾ تَقْدِيرُهُ ﴿فَلَمّا أسْلَما وتَلَّهُ﴾ . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهو قَوْلُ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ، وهو عِنْدَهم كَقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:
؎فَلَمّا أجَزْنا ساحَةَ الحَيِّ وانْتَحى
وقالَ الكُوفِيُّونَ: الجَوابُ مُثْبَتٌ، وهو ﴿ونادَيْناهُ﴾ عَلى زِيادَةِ الواوِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو ﴿وتَلَّهُ﴾ عَلى زِيادَةِ الواوِ. وذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ في قِصَّةِ إبْراهِيمَ وابْنِهِ، وما جَرى بَيْنَهُما مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ فُصُولًا، اللَّهُ أعْلَمُ بِصِحَّتِها، يُوقِفُ عَلَيْها في كِتابِهِ. و(أنْ) مُفَسِّرَةٌ؛ أيْ ﴿قَدْ صَدَّقْتَ﴾ . وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: ونادَيْناهُ قَدْ صَدَّقَتْ، بِحَذْفِ (أنْ)، وقُرِئَ: صَدَقْتَ، بِتَخْفِيفِ الدّالِ. وقَرَأ فَيّاضٌ: الرِّيّا، بِكَسْرِ الرّاءِ والإدْغامِ وتَصْدِيقِ الرُّؤْيا. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بَذَلَ وِسْعَهُ وفَعَلَ ما يَفْعَلُ الذّابِحُ مِن بَطْحِهِ عَلى شِقِّهِ وإمْرارِ الشَّفْرَةِ عَلى حَلْقِهِ، لَكِنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ جاءَ بِما مَنَعَ الشَّفْرَةَ أنْ تَمْضِيَ فِيهِ، وهَذا لا يَقْدَحُ في فِعْلِ إبْراهِيمَ. ألا تَرى أنَّهُ لا يُسَمّى عاصِيًا ولا مُفَرِّطًا ؟ بَلْ يُسَمّى مُطِيعًا ومُجْتَهِدًا، كَما لَوْ مَضَتْ فِيهِ الشَّفْرَةُ وفَرَتِ الأوْداجَ وأنْهَرَتِ الدَّمَ. ولَيْسَ هَذا مِن وُرُودِ النَّسْخِ عَلى المَأْمُورِ بِهِ قَبْلَ الفِعْلِ، ولا قَبْلَ أوانِ الفِعْلِ في شَيْءٍ، كَما يَسْبِقُ إلى بَعْضِ الأوْهامِ حَتّى يَشْتَغِلَ بِالكَلامِ فِيهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ ﴿قَدْ صَدَّقْتَ﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ بِقَلْبِكَ عَلى مَعْنى: كانَتْ عِنْدَكَ رُؤْياكَ صادِقَةً حَقًّا مِنَ اللَّهِ فَعَمِلْتَ بِحَسَبِها حِينَ آمَنتَ بِها، واعْتَقَدْتَ صِدْقَها. ويَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ: صَدَّقْتَ بِقَلْبِكَ ما حَصَلَ عَنِ الرُّؤْيا في نَفْسِكَ، كَأنَّهُ قالَ: قَدْ وفَّيْتَها حَقَّها مِنَ العَمَلِ. انْتَهى.
﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ تَعْلِيلٌ لِتَخْوِيلِ ما خَوَّلَهُما اللَّهُ مِنَ الفَرَجِ بَعْدَ الشِّدَّةِ، والظَّفَرِ بِالبُغْيَةِ بَعْدَ اليَأْسِ.
(إنَّ هَذا) أيْ ما أُمِرَ بِهِ إبْراهِيمُ مِن ذَبْحِ ابْنِهِ، ﴿لَهُوَ البَلاءُ المُبِينُ﴾ أيِ الِاخْتِبارُ البَيِّنُ الَّذِي يَتَمَيَّزُ فِيهِ المُخْلِصُونَ وغَيْرُهم، أوِ المِحْنَةُ البَيِّنَةُ الصُّعُوبَةِ الَّتِي لا مِحْنَةَ أصْعَبُ مِنها.
﴿وفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو (p-٣٧١)الكَبْشُ الَّذِي قَرَّبَهُ هابِيلُ فَقُبِلَ مِنهُ، وكانَ يَرْعى في الجَنَّةِ حَتّى فُدِيَ بِهِ إسْماعِيلُ. وقالَ أيْضًا هو والحَسَنُ: فُدِيَ بِوَعْلٍ أُهْبِطَ عَلَيْهِ مِن سَرْوٍ. وقالَ الجُمْهُورُ: كَبْشٌ أبْيَضُ أقْرَنُ أقْنى، ووُصِفَ بِالعِظَمِ. قالَ مُجاهِدٌ: لِأنَّهُ مُتَقَبَّلٌ يَقِينًا. وقالَ عَمْرُو بْنُ عَبِيدٍ: لِأنَّهُ جَرَتِ السُّنَّةُ بِهِ، وصارَ دِينًا باقِيًا إلى آخِرِ الدَّهْرِ. وقالَ الحَسَنُ بْنُ الفَضْلِ: لِأنَّهُ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ. وقالَ أبُو بَكْرٍ الوَرّاقُ: لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَنْ نَسْلٍ، بَلْ عَنِ التَّكْوِينِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ: عَظَمَتُهُ كَوْنُهُ مِن كِباشِ الجَنَّةِ، رُعِيَ فِيها أرْبَعِينَ خَرِيفًا. وفي قَوْلِهِ ﴿وفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّ إبْراهِيمَ لَمْ يَذْبَحِ ابْنَهُ، وقَدْ فُدِيَ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: وقَعَ الذَّبْحُ وقامَ بَعْدَ ذَلِكَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا كَذِبٌ صُراحٌ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: لَمْ يَرَ إبْراهِيمُ في مَنامِهِ الإمْرارَ بِالشَّفْرَةِ فَقَطْ، فَظَنَّ أنَّهُ ذِبْحٌ مُجَهَّزٌ، فَنَفَّذَ لِذَلِكَ. فَلَمّا وقَعَ الَّذِي رَآهُ وقَعَ النَّسْخُ، قالَ: ولا اخْتِلافَ، فَإنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، أمَرَّ الشَّفْرَةَ عَلى حَلْقِ ابْنِهِ فَلَمْ تَقْطَعْ. انْتَهى. والَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ القُرْآنُ أنَّهُ ﴿وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ فَقَطْ، ولَمْ يَأْتِ في حَدِيثٍ صَحِيحٍ «أنَّهُ أمَرَّ الشَّفْرَةَ عَلى حَلْقِ ابْنِهِ». ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ﴾ إلى (المُؤْمِنِينَ) تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِهِ في آخِرِ قِصَّةِ نُوحٍ، قَبْلَ قِصَّةِ إبْراهِيمَ هُنا، وقالَ هُنا كَذَلِكَ دُونَ إنّا اكْتِفاءً بِذِكْرِ ذَلِكَ قَبْلُ وبَعْدُ.
﴿وبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ الظّاهِرُ أنَّ هَذِهِ بِشارَةٌ غَيْرُ تِلْكَ البِشارَةِ، وأنَّ الغُلامَ الحَلِيمَ المُبَشَّرَ بِهِ إبْراهِيمُ هو إسْماعِيلُ، وأنَّهُ هو الذَّبِيحُ لا إسْحاقُ؛ وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنُ عُمَرَ، ومُعاوِيَةُ بْنُ أبِي سُفْيانَ، ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ، والشَّعْبِيُّ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وجَماعَةُ مِنَ التّابِعِينَ؛ واسْتَدَلُّوا بِظاهِرِ هَذِهِ الآياتِ وبِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: «أنا ابْنُ الذَّبِيحَيْنِ»، وقَوْلُ الأعْرابِيِّ لَهُ: «يا ابْنَ الذَّبِيحَيْنِ: فَتَبَسَّمَ عَلَيْهِ السَّلامُ»، يَعْنِي إسْماعِيلَ، وأباهُ عَبْدَ اللَّهِ. وكانَ عَبْدُ المُطَّلِبِ نَذَرَ ذَبْحَ أحَدِ ولَدِهِ، فَخَرَجَ السَّهْمُ عَلى عَبْدِ اللَّهِ، فَمَنَعَهُ أخْوالُهُ وقالُوا لَهُ: افْدِ ابْنَكَ بِمِائَةٍ مِنَ الإبِلِ، فَفَداهُ بِها. وفِيما أوْحى اللَّهُ لِمُوسى في حَدِيثٍ طَوِيلٍ. «وأمّا إسْماعِيلُ، فَإنَّهُ جادَ بِدَمِ نَفْسِهِ». وسَألَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ يَهُودِيًا أسْلَمَ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: إنَّ يَهُودِيًا لَيَعْلَمُ، لَكِنَّهم يَحْسُدُونَكم مَعْشَرَ العَرَبِ، وكانَ قَرْنا الكَبْشِ مَنُوطَيْنِ في الكَعْبَةِ. وسَألَ الأصْمَعِيُّ أبا عَمْرِو بْنَ العَلاءِ عَنِ الذَّبِيحِ فَقالَ: يا أصْمَعِيُّ، أيْنَ عَزَبَ عَنْكَ عَقْلُكَ ؟ ومَتى كانَ إسْحاقُ بِمَكَّةَ ؟ وهو الَّذِي بَنى البَيْتَ مَعَ أبِيهِ، والمَنحَرُ بِمَكَّةَ ؟ انْتَهى. ووَصَفَهُ تَعالى بِالصَّبْرِ في قَوْلِهِ ﴿وإسْماعِيلَ وإدْرِيسَ وذا الكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٥] وهو صَبْرُهُ عَلى الذَّبْحِ؛ وبِصِدْقِ الوَعْدِ في قَوْلِهِ ﴿إنَّهُ كانَ صادِقَ الوَعْدِ﴾ [مريم: ٥٤] لِأنَّهُ وعَدَ أباهُ مِن نَفْسِهِ الصَّبْرَ عَلى الذَّبْحِ فَوَفّى بِهِ. وذَكَرَ الطَّبَرِيُّ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ قالَ: الذَّبِيحُ إسْماعِيلُ، ويَزْعُمُ اليَهُودُ أنَّهُ إسْحاقُ، وكَذَبَتِ اليَهُودُ. ومِن أقْوى ما يُسْتَدَلُّ بِهِ أنَّ اللَّهَ تَعالى بَشَّرَ إبْراهِيمَ بِإسْحاقَ، ووَلَدَ إسْحاقُ يَعْقُوبَ. فَلَوْ كانَ الذَّبِيحُ إسْحاقَ، لَكانَ ذَلِكَ الإخْبارُ غَيْرَ مُطابِقٍ لِلْواقِعِ، وهو مُحالٌ في إخْبارِ اللَّهِ تَعالى. وذَهَبَتْ جَماعَةٌ إلى أنَّ الذَّبِيحَ هو إسْحاقُ، مِنهم: العَبّاسُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وعَلِيٌّ، وعَطاءٌ، وعِكْرِمَةُ، وكَعْبٌ، وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، وابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةٍ، وكانَ أمْرَ ذَبْحِهِ بِالشّامِ. وقالَ عَطاءٌ ومُقاتِلٌ: بِبَيْتِ المَقْدِسِ؛ وقِيلَ: بِالحِجازِ، جاءَ مَعَ أبِيهِ عَلى البُراقِ. وقالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، وابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةٍ: وكانَ أمْرَ ذَبْحِهِ بِالشّامِ، كانَ بِالمَقامِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: والبِشارَةُ في قَوْلِهِ ﴿وبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ﴾ هي بِشارَةُ نُبُوَّتِهِ. وقالُوا: أخْبَرَ تَعالى عَنْ خَلِيلِهِ إبْراهِيمَ حِينَ هاجَرَ إلى الشّامِ بِأنَّهُ اسْتَوْهَبَهُ ولَدًا، ثُمَّ أتْبَعَ تِلْكَ البِشارَةَ بِغُلامٍ حَلِيمٍ، ثُمَّ ذَكَرَ رُؤْياهُ بِذَبْحِ ذَلِكَ الغُلامِ المُبَشَّرِ بِهِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ كِتابُ يَعْقُوبَ إلى يُوسُفَ، عَلَيْهِما السَّلامُ: مِن يَعْقُوبَ إسْرائِيلَ اللَّهِ ابْنِ إسْحاقَ ذَبِيحِ اللَّهِ بْنِ إبْراهِيمَ خَلِيلِ اللَّهِ. ومَن جَعَلَ الذَّبِيحَ إسْحاقَ، جَعَلَ هَذِهِ البِشارَةَ بِشارَةً بِنُبُوَّتِهِ، كَما ذَكَرْنا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالُوا: لا يَجُوزُ أنْ يُبَشِّرَهُ اللَّهُ بِوِلادَتِهِ ونُبُوَّتِهِ مَعًا؛ لِأنَّ الِامْتِحانَ بِذَبْحِهِ لا يَصِحُّ مَعَ عِلْمِهِ بِأنَّهُ سَيَكُونُ نَبِيًّا. ومَن جَعَلَهُ إسْماعِيلَ، جَعَلَ البِشارَةَ بِوَلَدِهِ إسْحاقَ. وانْتَصَبَ نَبِيًّا عَلى (p-٣٧٢)الحالِ، وهي حالٌ مُقَدَّرَةٌ. فَإنْ كانَ إسْحاقُ هو الذَّبِيحَ، وكانَتْ هَذِهِ البِشارَةُ بِوِلادَةِ إسْحاقَ، فَقَدْ جَعَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ ذَلِكَ مَحَلَّ سُؤالٍ. فَإنْ قُلْتَ: فَرْقٌ بَيْنَ هَذا وقَوْلِهِ ﴿فادْخُلُوها خالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣] وذَلِكَ أنَّ المَدْخُولَ مَوْجُودٌ مَعَ وُجُودِ الدُّخُولِ، والخُلُودَ غَيْرُ مَوْجُودٍ مَعَهُما، فَقَدَّرْتَ مُقَدَّرَيْنِ لِلْخُلُودِ، فَكانَ مُسْتَقِيمًا. ولَيْسَ كَذَلِكَ المُبَشَّرُ بِهِ، فَإنَّهُ مَعْلُومٌ وقْتَ وُجُودِ البِشارَةِ، وعَدَمُ المُبَشَّرِ بِهِ أوْجَبَ عَدَمَ حالِهِ؛ لِأنَّ الحالَ حِلْيَةٌ لا تَقُومُ إلّا بِالمَحَلِّيِّ. وهَذا المُبَشَّرُ بِهِ الَّذِي هو إسْحاقُ، حِينَ وُجِدَ لَمْ تُوجَدِ النُّبُوَّةُ أيْضًا بِوُجُودِهِ، بَلْ تَراخَتْ عَنْهُ مُدَّةً طَوِيلَةً، فَكَيْفَ يُجْعَلُ نَبِيًّا حالًا مُقَدَّرَةً ؟ والحالُ صِفَةٌ لِلْفاعِلِ والمَفْعُولِ عِنْدَ وُجُودِ الفِعْلِ مِنهُ أوْ بِهِ. فالخُلُودُ وإنْ لَمْ يَكُنْ صِفَتَهم عِنْدَ دُخُولِ الجَنَّةِ، فَتَقْدِيرُها صِفَتُهم؛ لِأنَّ المَعْنى: مُقَدِّرِينَ الخُلُودَ. ولَيْسَ كَذَلِكَ النُّبُوَّةُ، فَإنَّهُ لا سَبِيلَ إلى أنْ تَكُونَ مَوْجُودَةً وقْتَ وُجُودِ البِشارَةِ بِإسْحاقَ لِعَدَمِ إسْحاقَ. قُلْتُ: هَذا سُؤالٌ دَقِيقُ السَّلْكِ ضَيِّقُ المَسْلَكِ، والَّذِي يَحُلُّ الإشْكالَ أنَّهُ لا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ مُضافٍ مَحْذُوفٍ وذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿وبَشَّرْناهُ﴾ بِوُجُودِ إسْحاقَ نَبِيًّا، أيْ بِأنْ يُوجَدَ مُقَدَّرَةً نُبُوَّتُهُ، فالعامِلُ في الحالِ الوُجُودُ، لا فِعْلُ البِشارَةِ؛ وبِذَلِكَ يَرْجِعُ نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فادْخُلُوها خالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣]، (مِنَ الصّالِحِينَ) حالٌ ثانِيَةٌ، ووُرُودُها عَلى سَبِيلِ الثَّناءِ والتَّقْرِيظِ؛ لِأنَّ كُلَّ نَبِيٍّ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ مِنَ الصّالِحِينَ. انْتَهى.
﴿وبارَكْنا عَلَيْهِ وعَلى إسْحاقَ﴾ أفَضْنا عَلَيْهِما بَرَكاتِ الدِّينِ والدُّنْيا، وبِأنْ أخْرَجْنا أنْبِياءَ بَنِي إسْرائِيلَ مِن صُلْبِهِ.
﴿ومِن ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وظالِمٌ﴾ فِيهِ وعِيدٌ لِلْيَهُودِ ومَن كانَ مِن ذُرِّيَّتِهِما لَمْ يُؤْمِن بِمُحَمَّدٍ ﷺ وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ البَرَّ قَدْ يَلِدُ الفاجِرَ، ولا يَلْحَقُهُ مِن ذَلِكَ عَيْبٌ ولا مَنقَصَةٌ.
الصافات 37:106
(p-٣٦٨)﴿وقالَ إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ ﴿فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ يابُنَيَّ إنِّي أرى في المَنامِ أنِّي أذْبَحُكَ فانْظُرْ ماذا تَرى قالَ يا أبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ ﴿فَلَمّا أسْلَما وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ ﴿ونادَيْناهُ أنْ ياإبْراهِيمُ﴾ ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّ هَذا لَهو البَلاءُ المُبِينُ﴾ ﴿وفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى إبْراهِيمَ﴾ ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿وبارَكْنا عَلَيْهِ وعَلى إسْحاقَ ومِن ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ ﴿ولَقَدْ مَنَنّا عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ [الصافات: ١١٤] ﴿ونَجَّيْناهُما وقَوْمَهُما مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ [الصافات: ١١٥] ﴿ونَصَرْناهم فَكانُوا هُمُ الغالِبِينَ﴾ [الصافات: ١١٦] ﴿وآتَيْناهُما الكِتابَ المُسْتَبِينَ﴾ [الصافات: ١١٧] ﴿وهَدَيْناهُما الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ [الصافات: ١١٨] ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِما في الآخِرِينَ﴾ [الصافات: ١١٩] ﴿سَلامٌ عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ [الصافات: ١٢٠] ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ [الصافات: ١٢١] ﴿إنَّهُما مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ [الصافات: ١٢٢] ﴿وإنَّ إلْياسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٢٣] ﴿إذْ قالَ لِقَوْمِهِ ألا تَتَّقُونَ﴾ [الصافات: ١٢٤] ﴿أتَدْعُونَ بَعْلًا وتَذَرُونَ أحْسَنَ الخالِقِينَ﴾ [الصافات: ١٢٥] ﴿اللَّهَ رَبَّكم ورَبَّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ [الصافات: ١٢٦] ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ [الصافات: ١٢٧] ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ [الصافات: ١٢٨] ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ [الصافات: ١٢٩] ﴿سَلامٌ عَلى إلْ ياسِينَ﴾ [الصافات: ١٣٠] ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ [الصافات: ١٣١] ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ [الصافات: ١٣٢] ﴿وإنَّ لُوطًا لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٣٣] ﴿إذْ نَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ﴾ [الصافات: ١٣٤] ﴿إلّا عَجُوزًا في الغابِرِينَ﴾ [الصافات: ١٣٥] ﴿ثُمَّ دَمَّرْنا الآخَرِينَ﴾ [الصافات: ١٣٦] ﴿وإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ﴾ [الصافات: ١٣٧] ﴿وبِاللَّيْلِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات: ١٣٨] ﴿وإنَّ يُونُسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٣٩] ﴿إذْ أبَقَ إلى الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ [الصافات: ١٤٠] ﴿فَساهَمَ فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ﴾ [الصافات: ١٤١] ﴿فالتَقَمَهُ الحُوتُ وهو مُلِيمٌ﴾ [الصافات: ١٤٢] ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ [الصافات: ١٤٣] ﴿لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الصافات: ١٤٤] ﴿فَنَبَذْناهُ بِالعَراءِ وهو سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ١٤٥] ﴿وأنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِن يَقْطِينٍ﴾ [الصافات: ١٤٦] ﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ١٤٧] ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾ [الصافات: ١٤٨] ﴿فاسْتَفْتِهِمْ ألِرَبِّكَ البَناتُ ولَهُمُ البَنُونَ﴾ [الصافات: ١٤٩] ﴿أمْ خَلَقْنا المَلائِكَةَ إناثًا وهم شاهِدُونَ﴾ [الصافات: ١٥٠] ﴿ألا إنَّهم مِن إفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ﴾ [الصافات: ١٥١] ﴿ولَدَ اللَّهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ [الصافات: ١٥٢] ﴿أاصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ﴾ [الصافات: ١٥٣] ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [الصافات: ١٥٤] ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [الصافات: ١٥٥] ﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾ [الصافات: ١٥٦] ﴿فَأْتُوا بِكِتابِكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [الصافات: ١٥٧] ﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا ولَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ إنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ [الصافات: ١٥٨] ﴿سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ [الصافات: ١٥٩] ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ [الصافات: ١٦٠] ﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ﴾ [الصافات: ١٦١] ﴿ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ﴾ [الصافات: ١٦٢] ﴿إلّا مَن هو صالِي الجَحِيمِ﴾ [الصافات: ١٦٣] ﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات: ١٦٤] ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾ [الصافات: ١٦٥] ﴿وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾ [الصافات: ١٦٦] ﴿وإنْ كانُوا لَيَقُولُونَ﴾ [الصافات: ١٦٧] ﴿لَوْ أنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا مِنَ الأوَّلِينَ﴾ [الصافات: ١٦٨] ﴿لَكُنّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ [الصافات: ١٦٩] ﴿فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الصافات: ١٧٠] ﴿ولَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٧١] ﴿إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ﴾ [الصافات: ١٧٢] ﴿وإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ﴾ [الصافات: ١٧٣] ﴿فَتَوَلَّ عَنْهم حَتّى حِينٍ﴾ [الصافات: ١٧٤] ﴿وأبْصِرْهم فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ [الصافات: ١٧٥] ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ [الصافات: ١٧٦] ﴿فَإذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ فَساءَ صَباحُ المُنْذَرِينَ﴾ [الصافات: ١٧٧] ﴿وتَوَلَّ عَنْهم حَتّى حِينٍ﴾ [الصافات: ١٧٨] ﴿وأبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ [الصافات: ١٧٩] ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ [الصافات: ١٨٠] ﴿وسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٨١] ﴿والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الصافات: ١٨٢] تَلَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ: صَرَعَهُ عَلى شِقِّهِ، وقِيلَ: وضَعَهُ بِقُوَّةٍ. وقالَ ساعِدَةُ بْنُ حَوْبَةَ:
؎وتَلَّ تَلِيلًا لِلْجَبِينِ ولِلْفَمِ
والجَبِينانِ: ما اكْتَنَفَ مِن هُنا ومِن هُنا، وشَذَّ جَمْعُ الجَبِينِ عَلى أجْبُنٍ، وقِياسُهُ في القِلَّةِ أجْبِنَةٌ، كَكَثِيبٍ وأكْثِبَةٍ، وفي الكَثْرَةِ: جَبَناتٌ وجُبُنٌ، كَكُثُباتٌ وكُثُبٌ. الذَّبْحُ: اسْمُ ما يُذْبَحُ، كالرَّعْيِ اسْمُ ما يُرْعى. أبَقَ: هَرَبَ. ساهَمَ: قارَعَ. المُدْحَضُ: المَقْلُوبُ. الحُوتُ: مَعْرُوفٌ. ألامَ: أتى بِما يُلامُ عَلَيْهِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎وكَمْ مِن مُلِيمٍ لَمْ يُصَبْ بِمُلامَةٍ ∗∗∗ ومُتَّبِعٍ بِالذَّنْبِ لَيْسَ لَهُ ذَنْبُ
العَراءُ: الأرْضُ الفَيْحاءُ لا شَجَرَ فِيها ولا يُعْلَمُ، قالَ الشّاعِرُ:
؎ورَفَعْتُ رِجْلًا لا أخافُ عِثارَها ∗∗∗ ونَبَذْتُ بِالمِينِ العَراءِ ثِيابِي
اليَقْطِينُ: يَفْعِيلٌ كاليَفْصِيدِ، مِن قَطَنَ: أقامَ بِالمَكانِ، وهو بِالمَكانِ، وهو ما كانَ مِنَ الشَّجَرِ لا يَقُومُ عَلى ساقٍ مِن عُودٍ، كَشَجَرِ البِطِّيخِ والحَنْظَلِ والقِثّاءِ. السّاحَةُ: الفِناءُ، وجَمْعُها سُوحٌ، قالَ الشّاعِرُ:
؎فَكانَ سِيّانِ أنْ لا يَسْرَحُوا نَعَمًا ∗∗∗ أوْ يَسْرَحُوهُ بِها واغْبَرَّتِ السُّوحُ
(p-٣٦٩)
﴿وقالَ إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ ﴿فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ يابُنَيَّ إنِّي أرى في المَنامِ أنِّي أذْبَحُكَ فانْظُرْ ماذا تَرى قالَ يا أبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ ﴿فَلَمّا أسْلَما وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ ﴿ونادَيْناهُ أنْ ياإبْراهِيمُ﴾ ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّ هَذا لَهو البَلاءُ المُبِينُ﴾ ﴿وفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى إبْراهِيمَ﴾ ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿وبارَكْنا عَلَيْهِ وعَلى إسْحاقَ ومِن ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ .
لَمّا سَلَّمَهُ اللَّهُ مِنهم ومِنَ النّارِ الَّتِي ألْقَوْهُ فِيها، عَزَمَ عَلى مُفارَقَتِهِمْ، وعَبَّرَ بِالذَّهابِ إلى رَبِّهِ عَنْ هِجْرَتِهِ إلى أرْضِ الشّامِ. كَما قالَ (﴿إنِّي مُهاجِرٌ إلى رَبِّي﴾ [العنكبوت: ٢٦] لِيَتَمَكَّنَ مِن عِبادَةِ رَبِّهِ ويَتَضَرَّعَ لَهُ مِن غَيْرِ أنْ يَلْقى مَن يُشَوِّشُ عَلَيْهِ، فَهاجَرَ مِن أرْضِ بابِلَ، مِن مَمْلَكَةِ نُمْرُودٍ، إلى الشّامِ. وقِيلَ: إلى أرْضِ مِصْرَ. ويَبْعُدُ قَوْلُ مَن قالَ: لَيْسَ المُرادُ بِذَهابِهِ الهِجْرَةَ، وإنَّما مُرادُهُ لِقاءُ اللَّهِ بَعْدَ الإحْراقِ، ظانًّا مِنهُ أنَّهُ سَيَمُوتُ في النّارِ، فَقالَها قَبْلَ أنْ يُطْرَحَ في النّارِ. و( سَيَهْدِينِ) أيْ إلى الجَنَّةِ، نَحا إلى هَذا قَتادَةُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ﴾ يَدْفَعُ هَذا القَوْلَ، والمُعْتَقِدُ أنَّهُ يَمُوتُ في النّارِ لا يَدْعُو بِأنْ يَهَبَ اللَّهُ لَهُ ولَدًا صالِحًا. (سَيَهْدِينِ) يُوَفِّقُنِي إلى ما فِيهِ صَلاحِي.
﴿مِنَ الصّالِحِينَ﴾ أيْ ولَدًا يَكُونُ في عِدادِ الصّالِحِينَ. ولَفْظُ الهِبَةِ غَلَبَ في الوَلَدِ، وإنْ كانَ قَدْ جاءَ في الأخِ، كَقَوْلِهِ ﴿ووَهَبْنا لَهُ مِن رَحْمَتِنا أخاهُ هارُونَ نَبِيًّا﴾ [مريم: ٥٣] . واشْتَمَلَتِ البِشارَةُ عَلى ذُكُورِيَّةِ المَوْلُودِ وبُلُوغِهِ سِنَّ الحُلُمِ ووَصْفِهِ بِالحِلْمِ، وأيُّ حِلْمٍ أعْظَمُ مِن قَوْلِهِ، وقَدْ عَرَضَ عَلَيْهِ أبُوهُ الذَّبْحَ ﴿سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّابِرِينَ﴾
﴿فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾، بَيْنَ هَذِهِ الجُمْلَةِ والَّتِي قَبْلَها مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: فَوُلِدَ لَهُ وشَبَّ.
﴿فَلَمّا بَلَغَ﴾ أيْ أنْ يَسْعى مَعَ أبِيهِ في أشْغالِهِ وحَوائِجِهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ: والَسَّعْيُ هُنا: العَمَلُ والعِبادَةُ والمَعُونَةُ. وقالَ قَتادَةُ: السَّعْيُ عَلى القَدَمِ، يُرِيدُ سَعْيًا مُتَمَكِّنًا، وفِيهِ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لا يَصِحُّ تَعَلُّقُهُ بِبَلَغَ بِهِ بُلُوغُهُما مَعًا حَدَّ السَّعْيِ ولا بِالسَّعْيِ؛ لِأنَّ أصْلَهُ المَصْدَرُ لا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ، فَنَفى أنْ يَكُونَ بَيانًا، كَأنَّهُ لَمّا قالَ ﴿فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾، أيِ الحَدَّ الَّذِي يَقْدِرُ فِيهِ عَلى السَّعْيِ، قِيلَ: مَعَ مَن ؟ فَقالَ: مَعَ أبِيهِ، والمَعْنى في اخْتِصاصِ الأبِّ أنَّهُ أرْفَقُ النّاسِ وأعْطَفُهم عَلَيْهِ وعَلى غَيْرِهِ وبِما عَنَّفَ عَلَيْهِ في الِاسْتِسْعاءِ، فَلا يَحْتَمِلُهُ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَسْتَحْكِمْ قَوْلَهُ، ولَمْ يَطْلُبْ عَوْدَهُ، وكانَ إذْ ذاكَ ابْنَ ثَلاثَ عَشْرَةَ سَنَةً. انْتَهى.
﴿قالَ يابُنَيَّ﴾ نِداءُ شَفَقَةٍ وتَرَحُّمٍ.
﴿إنِّي أرى في المَنامِ أنِّي أذْبَحُكَ﴾ أيْ بِأمْرٍ مِنَ اللَّهِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿افْعَلْ ما تُؤْمَرُ﴾ . ورُؤْيا الأنْبِياءِ وحْيٌ كاليَقَظَةِ، وذِكْرُهُ لَهُ الرُّؤْيا تَجْسِيرٌ عَلى احْتِمالِ تِلْكَ البَلِيَّةِ العَظِيمَةِ. وشاوَرَهُ بِقَوْلِهِ ﴿فانْظُرْ ماذا تَرى﴾ وإنْ كانَ حَتْمًا مِنَ اللَّهِ لِيَعْلَمَ ما عِنْدَهُ مِن تَلَقِّي هَذا الِامْتِحانِ العَظِيمِ، ويُصَبِّرَهُ إنْ جَزَعَ، ويُوَطِّنَ نَفْسَهُ عَلى مُلاقاةِ هَذا البَلاءِ، وتَسْكُنَ نَفْسُهُ لِما لا بُدَّ مِنهُ، إذْ مُفاجَأةُ البَلاءِ قَبْلَ الشُّعُورِ بِهِ أصْعَبُ عَلى النَّفْسِ، وكانَ ما رَآهُ في المَنامِ ولَمْ يَكُنْ في اليَقَظَةِ، كَرُؤْيا يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ورُؤْيا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ دُخُولَ المَسْجِدِ الحَرامِ، لِيَدُلَّ عَلى أنَّ حالَتَيِ الأنْبِياءِ يَقَظَةً ومَنامًا سَواءٌ في الصِّدْقِ مُتَظافِرَتانِ عَلَيْهِ. قِيلَ: إنَّهُ حِينَ بَشَّرَتِ المَلائِكَةُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ قالَ: هو إذَنْ ذَبِيحُ اللَّهِ. فَلَمّا بَلَغَ حَدَّ السَّعْيِ مَعَهُ قِيلَ لَهُ: أوْفِ بِنَذْرِكَ. قِيلَ: رَأى لَيْلَةَ التَّرْوِيَةِ قائِلًا يَقُولُ لَهُ: إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ بِذَبْحِ ابْنِكَ هَذا. فَلَمّا أصْبَحَ، رَوّى في ذَلِكَ مِنَ الصَّباحِ إلى الرَّواحِ. أمِنَ اللَّهِ هَذا الحُلْمُ ؟، فَمِن ثَمَّ سُمِّيَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ. فَلَمّا أمْسَ رَأى مِثْلَ ذَلِكَ، فَعَرَفَ أنَّهُ مِنَ اللَّهِ، فَمِن ثَمَّ سُمِّيَ يَوْمَ عَرَفَةَ. ثُمَّ رَأى مِثْلَهُ في اللَّيْلَةِ الثّالِثَةِ، فَهَمَّ بِنَحْرِهِ، فَسُمِّيَ يَوْمَ النَّحْرِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: (p-٣٧٠)(تَرى)، بِفَتْحِ التّاءِ والرّاءِ؛ وعَبْدُ اللَّهِ، والأسْوَدُ بْنُ يَزِيدَ، وابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ، ومُجاهِدٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ الرّاءِ؛ والضَّحّاكُ، والأعْمَشُ أيْضًا بِضَمِّ التّاءِ وفَتْحِ الرّاءِ. فالأوَّلُ مِنَ الرَّأْيِ، والثّانِي ماذا تَرَيَنِّيهِ وما تُبْدِيهِ لِأنْظُرَ فِيهِ ؟ والثّالِثُ ما الَّذِي يُخَيَّلُ إلَيْكَ ويُوقَعُ في قَلْبِكَ ؟ و(انْظُرْ) مُعَلَّقَةٌ، وماذا اسْتِفْهامٌ. فَإنْ كانَتْ (ذا) مَوْصُولَةً بِمَعْنى الَّذِي، فَـ (ما) مُبْتَدَأٌ، والفِعْلُ بَعْدَ (ذا) صِلَةٌ. وإنْ كانَتْ (ذا) مُرَكَّبَةً، فَفي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِالفِعْلِ بَعْدَها. والجُمْلَةُ، واسْمُ الِاسْتِفْهامِ الَّذِي هو مَعْمُولٌ لِلْفِعْلِ بَعْدَهُ في مَوْضِعِ نَصْبِ انْظُرْ. ولَمّا كانَ خِطابُ الأبِّ (يا بُنَيَّ)، عَلى سَبِيلِ التَّرَحُّمِ، قالَ: هو (يا أبَتِ)، عَلى سَبِيلِ التَّعْظِيمِ والتَّوْقِيرِ.
﴿افْعَلْ ما تُؤْمَرُ﴾ أيْ ما تُؤْمَرُهُ، حَذَفَهُ وهو مَنصُوبٌ، وأصْلُهُ ما تُؤْمَرُ بِهِ، فَحُذِفَ الحَرْفُ، واتَّصَلَ الضَّمِيرُ مَنصُوبًا، فَجازَ حَذْفُهُ لِوُجُودِ شَرائِطِ الحَذْفِ فِيهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ أمَرَكَ، عَلى إضافَةِ المَصْدَرِ إلى المَفْعُولِ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، وفي ذَلِكَ خِلافٌ. هَلْ يُعْتَقَدُ في المَصْدَرِ العامِلِ أنْ يَجُوزَ أنْ يُبْنى لِلْمَفْعُولِ، فَيَكُونَ ما بَعْدَهُ مَفْعُولًا لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، أمْ يَكُونَ ذَلِكَ ؟ ﴿سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ كَلامُ مَن أُوتِيَ الحِلْمَ والصَّبْرَ والِامْتِثالَ لِأمْرِ اللَّهِ، والرِّضا بِما أمَرَ اللَّهُ.
﴿فَلَمّا أسْلَما﴾ أيْ لِأمْرِ اللَّهِ، ويُقالُ: اسْتَسْلَمَ وسَلَّمَ بِمَعْناهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: أسْلَما. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وعَلِيٌّ، وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ، وجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، والأعْمَشُ، والثَّوْرِيُّ: سَلَّما: أيْ فَوَّضا إلَيْهِ في قَضائِهِ وقَدَرِهِ. وقُرِئَ: اسْتَسْلَما، ثَلاثُ قِراءاتٍ. وقالَ قَتادَةُ في أسْلَما: أسْلَمَ هَذا ابْنَهُ، وأسْلَمَ هَذا نَفْسَهُ، فَجَعَلَ أسْلَما مُتَعَدِّيًا، وغَيْرَهُ جَعَلَهُ لازِمًا بِمَعْنى: انْقادا لِأمْرِ اللَّهِ وخَضَعا لَهُ.
﴿وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ أيْ أوْقَعَهُ عَلى أحَدِ جَنْبَيْهِ في الأرْضِ مُباشِرًا الأمْرَ بِصَبْرٍ وجَلَدٍ، وذَلِكَ عِنْدَ الصَّخْرَةِ الَّتِي بِمِنًى، وعَنِ الحَسَنِ: في المَوْضِعِ المُشْرِفِ عَلى مَسْجِدِ مِنًى؛ وعَنِ الضَّحّاكِ: في المَنحَرِ الَّذِي يُنْحَرُ فِيهِ اليَوْمَ. وجَوابُ (لَمّا) مَحْذُوفٌ يُقَدَّرُ بَعْدَ ﴿وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾، أيْ أجْزَلْنا أجْرَهُما، قالَهُ بَعْضُ البَصْرِيِّينَ، أوْ بَعْدَ ﴿الرُّؤْيا﴾ أيْ: كانَ ما كانَ مِمّا تَنْطِقُ بِهِ الحالُ ولا يُحِيطُ بِهِ الوَصْفُ مِنِ اسْتِبْشارِهِما وحَمْدِهِما اللَّهَ عَلى ما أنْعَمَ بِهِ إلى ألْفاظٍ كَثِيرَةٍ ذَكَرَها الزَّمَخْشَرِيُّ عَلى عادَتِهِ في خَطابَتِهِ، أوْ قَبْلَ ﴿وتَلَّهُ﴾ تَقْدِيرُهُ ﴿فَلَمّا أسْلَما وتَلَّهُ﴾ . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهو قَوْلُ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ، وهو عِنْدَهم كَقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:
؎فَلَمّا أجَزْنا ساحَةَ الحَيِّ وانْتَحى
وقالَ الكُوفِيُّونَ: الجَوابُ مُثْبَتٌ، وهو ﴿ونادَيْناهُ﴾ عَلى زِيادَةِ الواوِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو ﴿وتَلَّهُ﴾ عَلى زِيادَةِ الواوِ. وذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ في قِصَّةِ إبْراهِيمَ وابْنِهِ، وما جَرى بَيْنَهُما مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ فُصُولًا، اللَّهُ أعْلَمُ بِصِحَّتِها، يُوقِفُ عَلَيْها في كِتابِهِ. و(أنْ) مُفَسِّرَةٌ؛ أيْ ﴿قَدْ صَدَّقْتَ﴾ . وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: ونادَيْناهُ قَدْ صَدَّقَتْ، بِحَذْفِ (أنْ)، وقُرِئَ: صَدَقْتَ، بِتَخْفِيفِ الدّالِ. وقَرَأ فَيّاضٌ: الرِّيّا، بِكَسْرِ الرّاءِ والإدْغامِ وتَصْدِيقِ الرُّؤْيا. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بَذَلَ وِسْعَهُ وفَعَلَ ما يَفْعَلُ الذّابِحُ مِن بَطْحِهِ عَلى شِقِّهِ وإمْرارِ الشَّفْرَةِ عَلى حَلْقِهِ، لَكِنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ جاءَ بِما مَنَعَ الشَّفْرَةَ أنْ تَمْضِيَ فِيهِ، وهَذا لا يَقْدَحُ في فِعْلِ إبْراهِيمَ. ألا تَرى أنَّهُ لا يُسَمّى عاصِيًا ولا مُفَرِّطًا ؟ بَلْ يُسَمّى مُطِيعًا ومُجْتَهِدًا، كَما لَوْ مَضَتْ فِيهِ الشَّفْرَةُ وفَرَتِ الأوْداجَ وأنْهَرَتِ الدَّمَ. ولَيْسَ هَذا مِن وُرُودِ النَّسْخِ عَلى المَأْمُورِ بِهِ قَبْلَ الفِعْلِ، ولا قَبْلَ أوانِ الفِعْلِ في شَيْءٍ، كَما يَسْبِقُ إلى بَعْضِ الأوْهامِ حَتّى يَشْتَغِلَ بِالكَلامِ فِيهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ ﴿قَدْ صَدَّقْتَ﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ بِقَلْبِكَ عَلى مَعْنى: كانَتْ عِنْدَكَ رُؤْياكَ صادِقَةً حَقًّا مِنَ اللَّهِ فَعَمِلْتَ بِحَسَبِها حِينَ آمَنتَ بِها، واعْتَقَدْتَ صِدْقَها. ويَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ: صَدَّقْتَ بِقَلْبِكَ ما حَصَلَ عَنِ الرُّؤْيا في نَفْسِكَ، كَأنَّهُ قالَ: قَدْ وفَّيْتَها حَقَّها مِنَ العَمَلِ. انْتَهى.
﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ تَعْلِيلٌ لِتَخْوِيلِ ما خَوَّلَهُما اللَّهُ مِنَ الفَرَجِ بَعْدَ الشِّدَّةِ، والظَّفَرِ بِالبُغْيَةِ بَعْدَ اليَأْسِ.
(إنَّ هَذا) أيْ ما أُمِرَ بِهِ إبْراهِيمُ مِن ذَبْحِ ابْنِهِ، ﴿لَهُوَ البَلاءُ المُبِينُ﴾ أيِ الِاخْتِبارُ البَيِّنُ الَّذِي يَتَمَيَّزُ فِيهِ المُخْلِصُونَ وغَيْرُهم، أوِ المِحْنَةُ البَيِّنَةُ الصُّعُوبَةِ الَّتِي لا مِحْنَةَ أصْعَبُ مِنها.
﴿وفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو (p-٣٧١)الكَبْشُ الَّذِي قَرَّبَهُ هابِيلُ فَقُبِلَ مِنهُ، وكانَ يَرْعى في الجَنَّةِ حَتّى فُدِيَ بِهِ إسْماعِيلُ. وقالَ أيْضًا هو والحَسَنُ: فُدِيَ بِوَعْلٍ أُهْبِطَ عَلَيْهِ مِن سَرْوٍ. وقالَ الجُمْهُورُ: كَبْشٌ أبْيَضُ أقْرَنُ أقْنى، ووُصِفَ بِالعِظَمِ. قالَ مُجاهِدٌ: لِأنَّهُ مُتَقَبَّلٌ يَقِينًا. وقالَ عَمْرُو بْنُ عَبِيدٍ: لِأنَّهُ جَرَتِ السُّنَّةُ بِهِ، وصارَ دِينًا باقِيًا إلى آخِرِ الدَّهْرِ. وقالَ الحَسَنُ بْنُ الفَضْلِ: لِأنَّهُ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ. وقالَ أبُو بَكْرٍ الوَرّاقُ: لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَنْ نَسْلٍ، بَلْ عَنِ التَّكْوِينِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ: عَظَمَتُهُ كَوْنُهُ مِن كِباشِ الجَنَّةِ، رُعِيَ فِيها أرْبَعِينَ خَرِيفًا. وفي قَوْلِهِ ﴿وفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّ إبْراهِيمَ لَمْ يَذْبَحِ ابْنَهُ، وقَدْ فُدِيَ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: وقَعَ الذَّبْحُ وقامَ بَعْدَ ذَلِكَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا كَذِبٌ صُراحٌ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: لَمْ يَرَ إبْراهِيمُ في مَنامِهِ الإمْرارَ بِالشَّفْرَةِ فَقَطْ، فَظَنَّ أنَّهُ ذِبْحٌ مُجَهَّزٌ، فَنَفَّذَ لِذَلِكَ. فَلَمّا وقَعَ الَّذِي رَآهُ وقَعَ النَّسْخُ، قالَ: ولا اخْتِلافَ، فَإنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، أمَرَّ الشَّفْرَةَ عَلى حَلْقِ ابْنِهِ فَلَمْ تَقْطَعْ. انْتَهى. والَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ القُرْآنُ أنَّهُ ﴿وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ فَقَطْ، ولَمْ يَأْتِ في حَدِيثٍ صَحِيحٍ «أنَّهُ أمَرَّ الشَّفْرَةَ عَلى حَلْقِ ابْنِهِ». ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ﴾ إلى (المُؤْمِنِينَ) تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِهِ في آخِرِ قِصَّةِ نُوحٍ، قَبْلَ قِصَّةِ إبْراهِيمَ هُنا، وقالَ هُنا كَذَلِكَ دُونَ إنّا اكْتِفاءً بِذِكْرِ ذَلِكَ قَبْلُ وبَعْدُ.
﴿وبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ الظّاهِرُ أنَّ هَذِهِ بِشارَةٌ غَيْرُ تِلْكَ البِشارَةِ، وأنَّ الغُلامَ الحَلِيمَ المُبَشَّرَ بِهِ إبْراهِيمُ هو إسْماعِيلُ، وأنَّهُ هو الذَّبِيحُ لا إسْحاقُ؛ وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنُ عُمَرَ، ومُعاوِيَةُ بْنُ أبِي سُفْيانَ، ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ، والشَّعْبِيُّ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وجَماعَةُ مِنَ التّابِعِينَ؛ واسْتَدَلُّوا بِظاهِرِ هَذِهِ الآياتِ وبِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: «أنا ابْنُ الذَّبِيحَيْنِ»، وقَوْلُ الأعْرابِيِّ لَهُ: «يا ابْنَ الذَّبِيحَيْنِ: فَتَبَسَّمَ عَلَيْهِ السَّلامُ»، يَعْنِي إسْماعِيلَ، وأباهُ عَبْدَ اللَّهِ. وكانَ عَبْدُ المُطَّلِبِ نَذَرَ ذَبْحَ أحَدِ ولَدِهِ، فَخَرَجَ السَّهْمُ عَلى عَبْدِ اللَّهِ، فَمَنَعَهُ أخْوالُهُ وقالُوا لَهُ: افْدِ ابْنَكَ بِمِائَةٍ مِنَ الإبِلِ، فَفَداهُ بِها. وفِيما أوْحى اللَّهُ لِمُوسى في حَدِيثٍ طَوِيلٍ. «وأمّا إسْماعِيلُ، فَإنَّهُ جادَ بِدَمِ نَفْسِهِ». وسَألَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ يَهُودِيًا أسْلَمَ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: إنَّ يَهُودِيًا لَيَعْلَمُ، لَكِنَّهم يَحْسُدُونَكم مَعْشَرَ العَرَبِ، وكانَ قَرْنا الكَبْشِ مَنُوطَيْنِ في الكَعْبَةِ. وسَألَ الأصْمَعِيُّ أبا عَمْرِو بْنَ العَلاءِ عَنِ الذَّبِيحِ فَقالَ: يا أصْمَعِيُّ، أيْنَ عَزَبَ عَنْكَ عَقْلُكَ ؟ ومَتى كانَ إسْحاقُ بِمَكَّةَ ؟ وهو الَّذِي بَنى البَيْتَ مَعَ أبِيهِ، والمَنحَرُ بِمَكَّةَ ؟ انْتَهى. ووَصَفَهُ تَعالى بِالصَّبْرِ في قَوْلِهِ ﴿وإسْماعِيلَ وإدْرِيسَ وذا الكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٥] وهو صَبْرُهُ عَلى الذَّبْحِ؛ وبِصِدْقِ الوَعْدِ في قَوْلِهِ ﴿إنَّهُ كانَ صادِقَ الوَعْدِ﴾ [مريم: ٥٤] لِأنَّهُ وعَدَ أباهُ مِن نَفْسِهِ الصَّبْرَ عَلى الذَّبْحِ فَوَفّى بِهِ. وذَكَرَ الطَّبَرِيُّ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ قالَ: الذَّبِيحُ إسْماعِيلُ، ويَزْعُمُ اليَهُودُ أنَّهُ إسْحاقُ، وكَذَبَتِ اليَهُودُ. ومِن أقْوى ما يُسْتَدَلُّ بِهِ أنَّ اللَّهَ تَعالى بَشَّرَ إبْراهِيمَ بِإسْحاقَ، ووَلَدَ إسْحاقُ يَعْقُوبَ. فَلَوْ كانَ الذَّبِيحُ إسْحاقَ، لَكانَ ذَلِكَ الإخْبارُ غَيْرَ مُطابِقٍ لِلْواقِعِ، وهو مُحالٌ في إخْبارِ اللَّهِ تَعالى. وذَهَبَتْ جَماعَةٌ إلى أنَّ الذَّبِيحَ هو إسْحاقُ، مِنهم: العَبّاسُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وعَلِيٌّ، وعَطاءٌ، وعِكْرِمَةُ، وكَعْبٌ، وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، وابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةٍ، وكانَ أمْرَ ذَبْحِهِ بِالشّامِ. وقالَ عَطاءٌ ومُقاتِلٌ: بِبَيْتِ المَقْدِسِ؛ وقِيلَ: بِالحِجازِ، جاءَ مَعَ أبِيهِ عَلى البُراقِ. وقالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، وابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةٍ: وكانَ أمْرَ ذَبْحِهِ بِالشّامِ، كانَ بِالمَقامِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: والبِشارَةُ في قَوْلِهِ ﴿وبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ﴾ هي بِشارَةُ نُبُوَّتِهِ. وقالُوا: أخْبَرَ تَعالى عَنْ خَلِيلِهِ إبْراهِيمَ حِينَ هاجَرَ إلى الشّامِ بِأنَّهُ اسْتَوْهَبَهُ ولَدًا، ثُمَّ أتْبَعَ تِلْكَ البِشارَةَ بِغُلامٍ حَلِيمٍ، ثُمَّ ذَكَرَ رُؤْياهُ بِذَبْحِ ذَلِكَ الغُلامِ المُبَشَّرِ بِهِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ كِتابُ يَعْقُوبَ إلى يُوسُفَ، عَلَيْهِما السَّلامُ: مِن يَعْقُوبَ إسْرائِيلَ اللَّهِ ابْنِ إسْحاقَ ذَبِيحِ اللَّهِ بْنِ إبْراهِيمَ خَلِيلِ اللَّهِ. ومَن جَعَلَ الذَّبِيحَ إسْحاقَ، جَعَلَ هَذِهِ البِشارَةَ بِشارَةً بِنُبُوَّتِهِ، كَما ذَكَرْنا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالُوا: لا يَجُوزُ أنْ يُبَشِّرَهُ اللَّهُ بِوِلادَتِهِ ونُبُوَّتِهِ مَعًا؛ لِأنَّ الِامْتِحانَ بِذَبْحِهِ لا يَصِحُّ مَعَ عِلْمِهِ بِأنَّهُ سَيَكُونُ نَبِيًّا. ومَن جَعَلَهُ إسْماعِيلَ، جَعَلَ البِشارَةَ بِوَلَدِهِ إسْحاقَ. وانْتَصَبَ نَبِيًّا عَلى (p-٣٧٢)الحالِ، وهي حالٌ مُقَدَّرَةٌ. فَإنْ كانَ إسْحاقُ هو الذَّبِيحَ، وكانَتْ هَذِهِ البِشارَةُ بِوِلادَةِ إسْحاقَ، فَقَدْ جَعَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ ذَلِكَ مَحَلَّ سُؤالٍ. فَإنْ قُلْتَ: فَرْقٌ بَيْنَ هَذا وقَوْلِهِ ﴿فادْخُلُوها خالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣] وذَلِكَ أنَّ المَدْخُولَ مَوْجُودٌ مَعَ وُجُودِ الدُّخُولِ، والخُلُودَ غَيْرُ مَوْجُودٍ مَعَهُما، فَقَدَّرْتَ مُقَدَّرَيْنِ لِلْخُلُودِ، فَكانَ مُسْتَقِيمًا. ولَيْسَ كَذَلِكَ المُبَشَّرُ بِهِ، فَإنَّهُ مَعْلُومٌ وقْتَ وُجُودِ البِشارَةِ، وعَدَمُ المُبَشَّرِ بِهِ أوْجَبَ عَدَمَ حالِهِ؛ لِأنَّ الحالَ حِلْيَةٌ لا تَقُومُ إلّا بِالمَحَلِّيِّ. وهَذا المُبَشَّرُ بِهِ الَّذِي هو إسْحاقُ، حِينَ وُجِدَ لَمْ تُوجَدِ النُّبُوَّةُ أيْضًا بِوُجُودِهِ، بَلْ تَراخَتْ عَنْهُ مُدَّةً طَوِيلَةً، فَكَيْفَ يُجْعَلُ نَبِيًّا حالًا مُقَدَّرَةً ؟ والحالُ صِفَةٌ لِلْفاعِلِ والمَفْعُولِ عِنْدَ وُجُودِ الفِعْلِ مِنهُ أوْ بِهِ. فالخُلُودُ وإنْ لَمْ يَكُنْ صِفَتَهم عِنْدَ دُخُولِ الجَنَّةِ، فَتَقْدِيرُها صِفَتُهم؛ لِأنَّ المَعْنى: مُقَدِّرِينَ الخُلُودَ. ولَيْسَ كَذَلِكَ النُّبُوَّةُ، فَإنَّهُ لا سَبِيلَ إلى أنْ تَكُونَ مَوْجُودَةً وقْتَ وُجُودِ البِشارَةِ بِإسْحاقَ لِعَدَمِ إسْحاقَ. قُلْتُ: هَذا سُؤالٌ دَقِيقُ السَّلْكِ ضَيِّقُ المَسْلَكِ، والَّذِي يَحُلُّ الإشْكالَ أنَّهُ لا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ مُضافٍ مَحْذُوفٍ وذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿وبَشَّرْناهُ﴾ بِوُجُودِ إسْحاقَ نَبِيًّا، أيْ بِأنْ يُوجَدَ مُقَدَّرَةً نُبُوَّتُهُ، فالعامِلُ في الحالِ الوُجُودُ، لا فِعْلُ البِشارَةِ؛ وبِذَلِكَ يَرْجِعُ نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فادْخُلُوها خالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣]، (مِنَ الصّالِحِينَ) حالٌ ثانِيَةٌ، ووُرُودُها عَلى سَبِيلِ الثَّناءِ والتَّقْرِيظِ؛ لِأنَّ كُلَّ نَبِيٍّ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ مِنَ الصّالِحِينَ. انْتَهى.
﴿وبارَكْنا عَلَيْهِ وعَلى إسْحاقَ﴾ أفَضْنا عَلَيْهِما بَرَكاتِ الدِّينِ والدُّنْيا، وبِأنْ أخْرَجْنا أنْبِياءَ بَنِي إسْرائِيلَ مِن صُلْبِهِ.
﴿ومِن ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وظالِمٌ﴾ فِيهِ وعِيدٌ لِلْيَهُودِ ومَن كانَ مِن ذُرِّيَّتِهِما لَمْ يُؤْمِن بِمُحَمَّدٍ ﷺ وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ البَرَّ قَدْ يَلِدُ الفاجِرَ، ولا يَلْحَقُهُ مِن ذَلِكَ عَيْبٌ ولا مَنقَصَةٌ.
الصافات 37:107
(p-٣٦٨)﴿وقالَ إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ ﴿فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ يابُنَيَّ إنِّي أرى في المَنامِ أنِّي أذْبَحُكَ فانْظُرْ ماذا تَرى قالَ يا أبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ ﴿فَلَمّا أسْلَما وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ ﴿ونادَيْناهُ أنْ ياإبْراهِيمُ﴾ ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّ هَذا لَهو البَلاءُ المُبِينُ﴾ ﴿وفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى إبْراهِيمَ﴾ ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿وبارَكْنا عَلَيْهِ وعَلى إسْحاقَ ومِن ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ ﴿ولَقَدْ مَنَنّا عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ [الصافات: ١١٤] ﴿ونَجَّيْناهُما وقَوْمَهُما مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ [الصافات: ١١٥] ﴿ونَصَرْناهم فَكانُوا هُمُ الغالِبِينَ﴾ [الصافات: ١١٦] ﴿وآتَيْناهُما الكِتابَ المُسْتَبِينَ﴾ [الصافات: ١١٧] ﴿وهَدَيْناهُما الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ [الصافات: ١١٨] ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِما في الآخِرِينَ﴾ [الصافات: ١١٩] ﴿سَلامٌ عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ [الصافات: ١٢٠] ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ [الصافات: ١٢١] ﴿إنَّهُما مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ [الصافات: ١٢٢] ﴿وإنَّ إلْياسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٢٣] ﴿إذْ قالَ لِقَوْمِهِ ألا تَتَّقُونَ﴾ [الصافات: ١٢٤] ﴿أتَدْعُونَ بَعْلًا وتَذَرُونَ أحْسَنَ الخالِقِينَ﴾ [الصافات: ١٢٥] ﴿اللَّهَ رَبَّكم ورَبَّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ [الصافات: ١٢٦] ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ [الصافات: ١٢٧] ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ [الصافات: ١٢٨] ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ [الصافات: ١٢٩] ﴿سَلامٌ عَلى إلْ ياسِينَ﴾ [الصافات: ١٣٠] ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ [الصافات: ١٣١] ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ [الصافات: ١٣٢] ﴿وإنَّ لُوطًا لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٣٣] ﴿إذْ نَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ﴾ [الصافات: ١٣٤] ﴿إلّا عَجُوزًا في الغابِرِينَ﴾ [الصافات: ١٣٥] ﴿ثُمَّ دَمَّرْنا الآخَرِينَ﴾ [الصافات: ١٣٦] ﴿وإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ﴾ [الصافات: ١٣٧] ﴿وبِاللَّيْلِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات: ١٣٨] ﴿وإنَّ يُونُسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٣٩] ﴿إذْ أبَقَ إلى الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ [الصافات: ١٤٠] ﴿فَساهَمَ فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ﴾ [الصافات: ١٤١] ﴿فالتَقَمَهُ الحُوتُ وهو مُلِيمٌ﴾ [الصافات: ١٤٢] ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ [الصافات: ١٤٣] ﴿لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الصافات: ١٤٤] ﴿فَنَبَذْناهُ بِالعَراءِ وهو سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ١٤٥] ﴿وأنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِن يَقْطِينٍ﴾ [الصافات: ١٤٦] ﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ١٤٧] ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾ [الصافات: ١٤٨] ﴿فاسْتَفْتِهِمْ ألِرَبِّكَ البَناتُ ولَهُمُ البَنُونَ﴾ [الصافات: ١٤٩] ﴿أمْ خَلَقْنا المَلائِكَةَ إناثًا وهم شاهِدُونَ﴾ [الصافات: ١٥٠] ﴿ألا إنَّهم مِن إفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ﴾ [الصافات: ١٥١] ﴿ولَدَ اللَّهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ [الصافات: ١٥٢] ﴿أاصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ﴾ [الصافات: ١٥٣] ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [الصافات: ١٥٤] ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [الصافات: ١٥٥] ﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾ [الصافات: ١٥٦] ﴿فَأْتُوا بِكِتابِكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [الصافات: ١٥٧] ﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا ولَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ إنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ [الصافات: ١٥٨] ﴿سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ [الصافات: ١٥٩] ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ [الصافات: ١٦٠] ﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ﴾ [الصافات: ١٦١] ﴿ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ﴾ [الصافات: ١٦٢] ﴿إلّا مَن هو صالِي الجَحِيمِ﴾ [الصافات: ١٦٣] ﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات: ١٦٤] ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾ [الصافات: ١٦٥] ﴿وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾ [الصافات: ١٦٦] ﴿وإنْ كانُوا لَيَقُولُونَ﴾ [الصافات: ١٦٧] ﴿لَوْ أنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا مِنَ الأوَّلِينَ﴾ [الصافات: ١٦٨] ﴿لَكُنّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ [الصافات: ١٦٩] ﴿فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الصافات: ١٧٠] ﴿ولَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٧١] ﴿إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ﴾ [الصافات: ١٧٢] ﴿وإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ﴾ [الصافات: ١٧٣] ﴿فَتَوَلَّ عَنْهم حَتّى حِينٍ﴾ [الصافات: ١٧٤] ﴿وأبْصِرْهم فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ [الصافات: ١٧٥] ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ [الصافات: ١٧٦] ﴿فَإذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ فَساءَ صَباحُ المُنْذَرِينَ﴾ [الصافات: ١٧٧] ﴿وتَوَلَّ عَنْهم حَتّى حِينٍ﴾ [الصافات: ١٧٨] ﴿وأبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ [الصافات: ١٧٩] ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ [الصافات: ١٨٠] ﴿وسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٨١] ﴿والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الصافات: ١٨٢] تَلَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ: صَرَعَهُ عَلى شِقِّهِ، وقِيلَ: وضَعَهُ بِقُوَّةٍ. وقالَ ساعِدَةُ بْنُ حَوْبَةَ:
؎وتَلَّ تَلِيلًا لِلْجَبِينِ ولِلْفَمِ
والجَبِينانِ: ما اكْتَنَفَ مِن هُنا ومِن هُنا، وشَذَّ جَمْعُ الجَبِينِ عَلى أجْبُنٍ، وقِياسُهُ في القِلَّةِ أجْبِنَةٌ، كَكَثِيبٍ وأكْثِبَةٍ، وفي الكَثْرَةِ: جَبَناتٌ وجُبُنٌ، كَكُثُباتٌ وكُثُبٌ. الذَّبْحُ: اسْمُ ما يُذْبَحُ، كالرَّعْيِ اسْمُ ما يُرْعى. أبَقَ: هَرَبَ. ساهَمَ: قارَعَ. المُدْحَضُ: المَقْلُوبُ. الحُوتُ: مَعْرُوفٌ. ألامَ: أتى بِما يُلامُ عَلَيْهِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎وكَمْ مِن مُلِيمٍ لَمْ يُصَبْ بِمُلامَةٍ ∗∗∗ ومُتَّبِعٍ بِالذَّنْبِ لَيْسَ لَهُ ذَنْبُ
العَراءُ: الأرْضُ الفَيْحاءُ لا شَجَرَ فِيها ولا يُعْلَمُ، قالَ الشّاعِرُ:
؎ورَفَعْتُ رِجْلًا لا أخافُ عِثارَها ∗∗∗ ونَبَذْتُ بِالمِينِ العَراءِ ثِيابِي
اليَقْطِينُ: يَفْعِيلٌ كاليَفْصِيدِ، مِن قَطَنَ: أقامَ بِالمَكانِ، وهو بِالمَكانِ، وهو ما كانَ مِنَ الشَّجَرِ لا يَقُومُ عَلى ساقٍ مِن عُودٍ، كَشَجَرِ البِطِّيخِ والحَنْظَلِ والقِثّاءِ. السّاحَةُ: الفِناءُ، وجَمْعُها سُوحٌ، قالَ الشّاعِرُ:
؎فَكانَ سِيّانِ أنْ لا يَسْرَحُوا نَعَمًا ∗∗∗ أوْ يَسْرَحُوهُ بِها واغْبَرَّتِ السُّوحُ
(p-٣٦٩)
﴿وقالَ إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ ﴿فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ يابُنَيَّ إنِّي أرى في المَنامِ أنِّي أذْبَحُكَ فانْظُرْ ماذا تَرى قالَ يا أبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ ﴿فَلَمّا أسْلَما وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ ﴿ونادَيْناهُ أنْ ياإبْراهِيمُ﴾ ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّ هَذا لَهو البَلاءُ المُبِينُ﴾ ﴿وفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى إبْراهِيمَ﴾ ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿وبارَكْنا عَلَيْهِ وعَلى إسْحاقَ ومِن ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ .
لَمّا سَلَّمَهُ اللَّهُ مِنهم ومِنَ النّارِ الَّتِي ألْقَوْهُ فِيها، عَزَمَ عَلى مُفارَقَتِهِمْ، وعَبَّرَ بِالذَّهابِ إلى رَبِّهِ عَنْ هِجْرَتِهِ إلى أرْضِ الشّامِ. كَما قالَ (﴿إنِّي مُهاجِرٌ إلى رَبِّي﴾ [العنكبوت: ٢٦] لِيَتَمَكَّنَ مِن عِبادَةِ رَبِّهِ ويَتَضَرَّعَ لَهُ مِن غَيْرِ أنْ يَلْقى مَن يُشَوِّشُ عَلَيْهِ، فَهاجَرَ مِن أرْضِ بابِلَ، مِن مَمْلَكَةِ نُمْرُودٍ، إلى الشّامِ. وقِيلَ: إلى أرْضِ مِصْرَ. ويَبْعُدُ قَوْلُ مَن قالَ: لَيْسَ المُرادُ بِذَهابِهِ الهِجْرَةَ، وإنَّما مُرادُهُ لِقاءُ اللَّهِ بَعْدَ الإحْراقِ، ظانًّا مِنهُ أنَّهُ سَيَمُوتُ في النّارِ، فَقالَها قَبْلَ أنْ يُطْرَحَ في النّارِ. و( سَيَهْدِينِ) أيْ إلى الجَنَّةِ، نَحا إلى هَذا قَتادَةُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ﴾ يَدْفَعُ هَذا القَوْلَ، والمُعْتَقِدُ أنَّهُ يَمُوتُ في النّارِ لا يَدْعُو بِأنْ يَهَبَ اللَّهُ لَهُ ولَدًا صالِحًا. (سَيَهْدِينِ) يُوَفِّقُنِي إلى ما فِيهِ صَلاحِي.
﴿مِنَ الصّالِحِينَ﴾ أيْ ولَدًا يَكُونُ في عِدادِ الصّالِحِينَ. ولَفْظُ الهِبَةِ غَلَبَ في الوَلَدِ، وإنْ كانَ قَدْ جاءَ في الأخِ، كَقَوْلِهِ ﴿ووَهَبْنا لَهُ مِن رَحْمَتِنا أخاهُ هارُونَ نَبِيًّا﴾ [مريم: ٥٣] . واشْتَمَلَتِ البِشارَةُ عَلى ذُكُورِيَّةِ المَوْلُودِ وبُلُوغِهِ سِنَّ الحُلُمِ ووَصْفِهِ بِالحِلْمِ، وأيُّ حِلْمٍ أعْظَمُ مِن قَوْلِهِ، وقَدْ عَرَضَ عَلَيْهِ أبُوهُ الذَّبْحَ ﴿سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّابِرِينَ﴾
﴿فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾، بَيْنَ هَذِهِ الجُمْلَةِ والَّتِي قَبْلَها مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: فَوُلِدَ لَهُ وشَبَّ.
﴿فَلَمّا بَلَغَ﴾ أيْ أنْ يَسْعى مَعَ أبِيهِ في أشْغالِهِ وحَوائِجِهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ: والَسَّعْيُ هُنا: العَمَلُ والعِبادَةُ والمَعُونَةُ. وقالَ قَتادَةُ: السَّعْيُ عَلى القَدَمِ، يُرِيدُ سَعْيًا مُتَمَكِّنًا، وفِيهِ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لا يَصِحُّ تَعَلُّقُهُ بِبَلَغَ بِهِ بُلُوغُهُما مَعًا حَدَّ السَّعْيِ ولا بِالسَّعْيِ؛ لِأنَّ أصْلَهُ المَصْدَرُ لا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ، فَنَفى أنْ يَكُونَ بَيانًا، كَأنَّهُ لَمّا قالَ ﴿فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾، أيِ الحَدَّ الَّذِي يَقْدِرُ فِيهِ عَلى السَّعْيِ، قِيلَ: مَعَ مَن ؟ فَقالَ: مَعَ أبِيهِ، والمَعْنى في اخْتِصاصِ الأبِّ أنَّهُ أرْفَقُ النّاسِ وأعْطَفُهم عَلَيْهِ وعَلى غَيْرِهِ وبِما عَنَّفَ عَلَيْهِ في الِاسْتِسْعاءِ، فَلا يَحْتَمِلُهُ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَسْتَحْكِمْ قَوْلَهُ، ولَمْ يَطْلُبْ عَوْدَهُ، وكانَ إذْ ذاكَ ابْنَ ثَلاثَ عَشْرَةَ سَنَةً. انْتَهى.
﴿قالَ يابُنَيَّ﴾ نِداءُ شَفَقَةٍ وتَرَحُّمٍ.
﴿إنِّي أرى في المَنامِ أنِّي أذْبَحُكَ﴾ أيْ بِأمْرٍ مِنَ اللَّهِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿افْعَلْ ما تُؤْمَرُ﴾ . ورُؤْيا الأنْبِياءِ وحْيٌ كاليَقَظَةِ، وذِكْرُهُ لَهُ الرُّؤْيا تَجْسِيرٌ عَلى احْتِمالِ تِلْكَ البَلِيَّةِ العَظِيمَةِ. وشاوَرَهُ بِقَوْلِهِ ﴿فانْظُرْ ماذا تَرى﴾ وإنْ كانَ حَتْمًا مِنَ اللَّهِ لِيَعْلَمَ ما عِنْدَهُ مِن تَلَقِّي هَذا الِامْتِحانِ العَظِيمِ، ويُصَبِّرَهُ إنْ جَزَعَ، ويُوَطِّنَ نَفْسَهُ عَلى مُلاقاةِ هَذا البَلاءِ، وتَسْكُنَ نَفْسُهُ لِما لا بُدَّ مِنهُ، إذْ مُفاجَأةُ البَلاءِ قَبْلَ الشُّعُورِ بِهِ أصْعَبُ عَلى النَّفْسِ، وكانَ ما رَآهُ في المَنامِ ولَمْ يَكُنْ في اليَقَظَةِ، كَرُؤْيا يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ورُؤْيا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ دُخُولَ المَسْجِدِ الحَرامِ، لِيَدُلَّ عَلى أنَّ حالَتَيِ الأنْبِياءِ يَقَظَةً ومَنامًا سَواءٌ في الصِّدْقِ مُتَظافِرَتانِ عَلَيْهِ. قِيلَ: إنَّهُ حِينَ بَشَّرَتِ المَلائِكَةُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ قالَ: هو إذَنْ ذَبِيحُ اللَّهِ. فَلَمّا بَلَغَ حَدَّ السَّعْيِ مَعَهُ قِيلَ لَهُ: أوْفِ بِنَذْرِكَ. قِيلَ: رَأى لَيْلَةَ التَّرْوِيَةِ قائِلًا يَقُولُ لَهُ: إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ بِذَبْحِ ابْنِكَ هَذا. فَلَمّا أصْبَحَ، رَوّى في ذَلِكَ مِنَ الصَّباحِ إلى الرَّواحِ. أمِنَ اللَّهِ هَذا الحُلْمُ ؟، فَمِن ثَمَّ سُمِّيَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ. فَلَمّا أمْسَ رَأى مِثْلَ ذَلِكَ، فَعَرَفَ أنَّهُ مِنَ اللَّهِ، فَمِن ثَمَّ سُمِّيَ يَوْمَ عَرَفَةَ. ثُمَّ رَأى مِثْلَهُ في اللَّيْلَةِ الثّالِثَةِ، فَهَمَّ بِنَحْرِهِ، فَسُمِّيَ يَوْمَ النَّحْرِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: (p-٣٧٠)(تَرى)، بِفَتْحِ التّاءِ والرّاءِ؛ وعَبْدُ اللَّهِ، والأسْوَدُ بْنُ يَزِيدَ، وابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ، ومُجاهِدٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ الرّاءِ؛ والضَّحّاكُ، والأعْمَشُ أيْضًا بِضَمِّ التّاءِ وفَتْحِ الرّاءِ. فالأوَّلُ مِنَ الرَّأْيِ، والثّانِي ماذا تَرَيَنِّيهِ وما تُبْدِيهِ لِأنْظُرَ فِيهِ ؟ والثّالِثُ ما الَّذِي يُخَيَّلُ إلَيْكَ ويُوقَعُ في قَلْبِكَ ؟ و(انْظُرْ) مُعَلَّقَةٌ، وماذا اسْتِفْهامٌ. فَإنْ كانَتْ (ذا) مَوْصُولَةً بِمَعْنى الَّذِي، فَـ (ما) مُبْتَدَأٌ، والفِعْلُ بَعْدَ (ذا) صِلَةٌ. وإنْ كانَتْ (ذا) مُرَكَّبَةً، فَفي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِالفِعْلِ بَعْدَها. والجُمْلَةُ، واسْمُ الِاسْتِفْهامِ الَّذِي هو مَعْمُولٌ لِلْفِعْلِ بَعْدَهُ في مَوْضِعِ نَصْبِ انْظُرْ. ولَمّا كانَ خِطابُ الأبِّ (يا بُنَيَّ)، عَلى سَبِيلِ التَّرَحُّمِ، قالَ: هو (يا أبَتِ)، عَلى سَبِيلِ التَّعْظِيمِ والتَّوْقِيرِ.
﴿افْعَلْ ما تُؤْمَرُ﴾ أيْ ما تُؤْمَرُهُ، حَذَفَهُ وهو مَنصُوبٌ، وأصْلُهُ ما تُؤْمَرُ بِهِ، فَحُذِفَ الحَرْفُ، واتَّصَلَ الضَّمِيرُ مَنصُوبًا، فَجازَ حَذْفُهُ لِوُجُودِ شَرائِطِ الحَذْفِ فِيهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ أمَرَكَ، عَلى إضافَةِ المَصْدَرِ إلى المَفْعُولِ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، وفي ذَلِكَ خِلافٌ. هَلْ يُعْتَقَدُ في المَصْدَرِ العامِلِ أنْ يَجُوزَ أنْ يُبْنى لِلْمَفْعُولِ، فَيَكُونَ ما بَعْدَهُ مَفْعُولًا لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، أمْ يَكُونَ ذَلِكَ ؟ ﴿سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ كَلامُ مَن أُوتِيَ الحِلْمَ والصَّبْرَ والِامْتِثالَ لِأمْرِ اللَّهِ، والرِّضا بِما أمَرَ اللَّهُ.
﴿فَلَمّا أسْلَما﴾ أيْ لِأمْرِ اللَّهِ، ويُقالُ: اسْتَسْلَمَ وسَلَّمَ بِمَعْناهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: أسْلَما. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وعَلِيٌّ، وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ، وجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، والأعْمَشُ، والثَّوْرِيُّ: سَلَّما: أيْ فَوَّضا إلَيْهِ في قَضائِهِ وقَدَرِهِ. وقُرِئَ: اسْتَسْلَما، ثَلاثُ قِراءاتٍ. وقالَ قَتادَةُ في أسْلَما: أسْلَمَ هَذا ابْنَهُ، وأسْلَمَ هَذا نَفْسَهُ، فَجَعَلَ أسْلَما مُتَعَدِّيًا، وغَيْرَهُ جَعَلَهُ لازِمًا بِمَعْنى: انْقادا لِأمْرِ اللَّهِ وخَضَعا لَهُ.
﴿وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ أيْ أوْقَعَهُ عَلى أحَدِ جَنْبَيْهِ في الأرْضِ مُباشِرًا الأمْرَ بِصَبْرٍ وجَلَدٍ، وذَلِكَ عِنْدَ الصَّخْرَةِ الَّتِي بِمِنًى، وعَنِ الحَسَنِ: في المَوْضِعِ المُشْرِفِ عَلى مَسْجِدِ مِنًى؛ وعَنِ الضَّحّاكِ: في المَنحَرِ الَّذِي يُنْحَرُ فِيهِ اليَوْمَ. وجَوابُ (لَمّا) مَحْذُوفٌ يُقَدَّرُ بَعْدَ ﴿وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾، أيْ أجْزَلْنا أجْرَهُما، قالَهُ بَعْضُ البَصْرِيِّينَ، أوْ بَعْدَ ﴿الرُّؤْيا﴾ أيْ: كانَ ما كانَ مِمّا تَنْطِقُ بِهِ الحالُ ولا يُحِيطُ بِهِ الوَصْفُ مِنِ اسْتِبْشارِهِما وحَمْدِهِما اللَّهَ عَلى ما أنْعَمَ بِهِ إلى ألْفاظٍ كَثِيرَةٍ ذَكَرَها الزَّمَخْشَرِيُّ عَلى عادَتِهِ في خَطابَتِهِ، أوْ قَبْلَ ﴿وتَلَّهُ﴾ تَقْدِيرُهُ ﴿فَلَمّا أسْلَما وتَلَّهُ﴾ . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهو قَوْلُ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ، وهو عِنْدَهم كَقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:
؎فَلَمّا أجَزْنا ساحَةَ الحَيِّ وانْتَحى
وقالَ الكُوفِيُّونَ: الجَوابُ مُثْبَتٌ، وهو ﴿ونادَيْناهُ﴾ عَلى زِيادَةِ الواوِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو ﴿وتَلَّهُ﴾ عَلى زِيادَةِ الواوِ. وذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ في قِصَّةِ إبْراهِيمَ وابْنِهِ، وما جَرى بَيْنَهُما مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ فُصُولًا، اللَّهُ أعْلَمُ بِصِحَّتِها، يُوقِفُ عَلَيْها في كِتابِهِ. و(أنْ) مُفَسِّرَةٌ؛ أيْ ﴿قَدْ صَدَّقْتَ﴾ . وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: ونادَيْناهُ قَدْ صَدَّقَتْ، بِحَذْفِ (أنْ)، وقُرِئَ: صَدَقْتَ، بِتَخْفِيفِ الدّالِ. وقَرَأ فَيّاضٌ: الرِّيّا، بِكَسْرِ الرّاءِ والإدْغامِ وتَصْدِيقِ الرُّؤْيا. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بَذَلَ وِسْعَهُ وفَعَلَ ما يَفْعَلُ الذّابِحُ مِن بَطْحِهِ عَلى شِقِّهِ وإمْرارِ الشَّفْرَةِ عَلى حَلْقِهِ، لَكِنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ جاءَ بِما مَنَعَ الشَّفْرَةَ أنْ تَمْضِيَ فِيهِ، وهَذا لا يَقْدَحُ في فِعْلِ إبْراهِيمَ. ألا تَرى أنَّهُ لا يُسَمّى عاصِيًا ولا مُفَرِّطًا ؟ بَلْ يُسَمّى مُطِيعًا ومُجْتَهِدًا، كَما لَوْ مَضَتْ فِيهِ الشَّفْرَةُ وفَرَتِ الأوْداجَ وأنْهَرَتِ الدَّمَ. ولَيْسَ هَذا مِن وُرُودِ النَّسْخِ عَلى المَأْمُورِ بِهِ قَبْلَ الفِعْلِ، ولا قَبْلَ أوانِ الفِعْلِ في شَيْءٍ، كَما يَسْبِقُ إلى بَعْضِ الأوْهامِ حَتّى يَشْتَغِلَ بِالكَلامِ فِيهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ ﴿قَدْ صَدَّقْتَ﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ بِقَلْبِكَ عَلى مَعْنى: كانَتْ عِنْدَكَ رُؤْياكَ صادِقَةً حَقًّا مِنَ اللَّهِ فَعَمِلْتَ بِحَسَبِها حِينَ آمَنتَ بِها، واعْتَقَدْتَ صِدْقَها. ويَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ: صَدَّقْتَ بِقَلْبِكَ ما حَصَلَ عَنِ الرُّؤْيا في نَفْسِكَ، كَأنَّهُ قالَ: قَدْ وفَّيْتَها حَقَّها مِنَ العَمَلِ. انْتَهى.
﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ تَعْلِيلٌ لِتَخْوِيلِ ما خَوَّلَهُما اللَّهُ مِنَ الفَرَجِ بَعْدَ الشِّدَّةِ، والظَّفَرِ بِالبُغْيَةِ بَعْدَ اليَأْسِ.
(إنَّ هَذا) أيْ ما أُمِرَ بِهِ إبْراهِيمُ مِن ذَبْحِ ابْنِهِ، ﴿لَهُوَ البَلاءُ المُبِينُ﴾ أيِ الِاخْتِبارُ البَيِّنُ الَّذِي يَتَمَيَّزُ فِيهِ المُخْلِصُونَ وغَيْرُهم، أوِ المِحْنَةُ البَيِّنَةُ الصُّعُوبَةِ الَّتِي لا مِحْنَةَ أصْعَبُ مِنها.
﴿وفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو (p-٣٧١)الكَبْشُ الَّذِي قَرَّبَهُ هابِيلُ فَقُبِلَ مِنهُ، وكانَ يَرْعى في الجَنَّةِ حَتّى فُدِيَ بِهِ إسْماعِيلُ. وقالَ أيْضًا هو والحَسَنُ: فُدِيَ بِوَعْلٍ أُهْبِطَ عَلَيْهِ مِن سَرْوٍ. وقالَ الجُمْهُورُ: كَبْشٌ أبْيَضُ أقْرَنُ أقْنى، ووُصِفَ بِالعِظَمِ. قالَ مُجاهِدٌ: لِأنَّهُ مُتَقَبَّلٌ يَقِينًا. وقالَ عَمْرُو بْنُ عَبِيدٍ: لِأنَّهُ جَرَتِ السُّنَّةُ بِهِ، وصارَ دِينًا باقِيًا إلى آخِرِ الدَّهْرِ. وقالَ الحَسَنُ بْنُ الفَضْلِ: لِأنَّهُ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ. وقالَ أبُو بَكْرٍ الوَرّاقُ: لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَنْ نَسْلٍ، بَلْ عَنِ التَّكْوِينِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ: عَظَمَتُهُ كَوْنُهُ مِن كِباشِ الجَنَّةِ، رُعِيَ فِيها أرْبَعِينَ خَرِيفًا. وفي قَوْلِهِ ﴿وفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّ إبْراهِيمَ لَمْ يَذْبَحِ ابْنَهُ، وقَدْ فُدِيَ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: وقَعَ الذَّبْحُ وقامَ بَعْدَ ذَلِكَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا كَذِبٌ صُراحٌ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: لَمْ يَرَ إبْراهِيمُ في مَنامِهِ الإمْرارَ بِالشَّفْرَةِ فَقَطْ، فَظَنَّ أنَّهُ ذِبْحٌ مُجَهَّزٌ، فَنَفَّذَ لِذَلِكَ. فَلَمّا وقَعَ الَّذِي رَآهُ وقَعَ النَّسْخُ، قالَ: ولا اخْتِلافَ، فَإنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، أمَرَّ الشَّفْرَةَ عَلى حَلْقِ ابْنِهِ فَلَمْ تَقْطَعْ. انْتَهى. والَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ القُرْآنُ أنَّهُ ﴿وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ فَقَطْ، ولَمْ يَأْتِ في حَدِيثٍ صَحِيحٍ «أنَّهُ أمَرَّ الشَّفْرَةَ عَلى حَلْقِ ابْنِهِ». ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ﴾ إلى (المُؤْمِنِينَ) تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِهِ في آخِرِ قِصَّةِ نُوحٍ، قَبْلَ قِصَّةِ إبْراهِيمَ هُنا، وقالَ هُنا كَذَلِكَ دُونَ إنّا اكْتِفاءً بِذِكْرِ ذَلِكَ قَبْلُ وبَعْدُ.
﴿وبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ الظّاهِرُ أنَّ هَذِهِ بِشارَةٌ غَيْرُ تِلْكَ البِشارَةِ، وأنَّ الغُلامَ الحَلِيمَ المُبَشَّرَ بِهِ إبْراهِيمُ هو إسْماعِيلُ، وأنَّهُ هو الذَّبِيحُ لا إسْحاقُ؛ وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنُ عُمَرَ، ومُعاوِيَةُ بْنُ أبِي سُفْيانَ، ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ، والشَّعْبِيُّ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وجَماعَةُ مِنَ التّابِعِينَ؛ واسْتَدَلُّوا بِظاهِرِ هَذِهِ الآياتِ وبِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: «أنا ابْنُ الذَّبِيحَيْنِ»، وقَوْلُ الأعْرابِيِّ لَهُ: «يا ابْنَ الذَّبِيحَيْنِ: فَتَبَسَّمَ عَلَيْهِ السَّلامُ»، يَعْنِي إسْماعِيلَ، وأباهُ عَبْدَ اللَّهِ. وكانَ عَبْدُ المُطَّلِبِ نَذَرَ ذَبْحَ أحَدِ ولَدِهِ، فَخَرَجَ السَّهْمُ عَلى عَبْدِ اللَّهِ، فَمَنَعَهُ أخْوالُهُ وقالُوا لَهُ: افْدِ ابْنَكَ بِمِائَةٍ مِنَ الإبِلِ، فَفَداهُ بِها. وفِيما أوْحى اللَّهُ لِمُوسى في حَدِيثٍ طَوِيلٍ. «وأمّا إسْماعِيلُ، فَإنَّهُ جادَ بِدَمِ نَفْسِهِ». وسَألَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ يَهُودِيًا أسْلَمَ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: إنَّ يَهُودِيًا لَيَعْلَمُ، لَكِنَّهم يَحْسُدُونَكم مَعْشَرَ العَرَبِ، وكانَ قَرْنا الكَبْشِ مَنُوطَيْنِ في الكَعْبَةِ. وسَألَ الأصْمَعِيُّ أبا عَمْرِو بْنَ العَلاءِ عَنِ الذَّبِيحِ فَقالَ: يا أصْمَعِيُّ، أيْنَ عَزَبَ عَنْكَ عَقْلُكَ ؟ ومَتى كانَ إسْحاقُ بِمَكَّةَ ؟ وهو الَّذِي بَنى البَيْتَ مَعَ أبِيهِ، والمَنحَرُ بِمَكَّةَ ؟ انْتَهى. ووَصَفَهُ تَعالى بِالصَّبْرِ في قَوْلِهِ ﴿وإسْماعِيلَ وإدْرِيسَ وذا الكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٥] وهو صَبْرُهُ عَلى الذَّبْحِ؛ وبِصِدْقِ الوَعْدِ في قَوْلِهِ ﴿إنَّهُ كانَ صادِقَ الوَعْدِ﴾ [مريم: ٥٤] لِأنَّهُ وعَدَ أباهُ مِن نَفْسِهِ الصَّبْرَ عَلى الذَّبْحِ فَوَفّى بِهِ. وذَكَرَ الطَّبَرِيُّ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ قالَ: الذَّبِيحُ إسْماعِيلُ، ويَزْعُمُ اليَهُودُ أنَّهُ إسْحاقُ، وكَذَبَتِ اليَهُودُ. ومِن أقْوى ما يُسْتَدَلُّ بِهِ أنَّ اللَّهَ تَعالى بَشَّرَ إبْراهِيمَ بِإسْحاقَ، ووَلَدَ إسْحاقُ يَعْقُوبَ. فَلَوْ كانَ الذَّبِيحُ إسْحاقَ، لَكانَ ذَلِكَ الإخْبارُ غَيْرَ مُطابِقٍ لِلْواقِعِ، وهو مُحالٌ في إخْبارِ اللَّهِ تَعالى. وذَهَبَتْ جَماعَةٌ إلى أنَّ الذَّبِيحَ هو إسْحاقُ، مِنهم: العَبّاسُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وعَلِيٌّ، وعَطاءٌ، وعِكْرِمَةُ، وكَعْبٌ، وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، وابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةٍ، وكانَ أمْرَ ذَبْحِهِ بِالشّامِ. وقالَ عَطاءٌ ومُقاتِلٌ: بِبَيْتِ المَقْدِسِ؛ وقِيلَ: بِالحِجازِ، جاءَ مَعَ أبِيهِ عَلى البُراقِ. وقالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، وابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةٍ: وكانَ أمْرَ ذَبْحِهِ بِالشّامِ، كانَ بِالمَقامِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: والبِشارَةُ في قَوْلِهِ ﴿وبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ﴾ هي بِشارَةُ نُبُوَّتِهِ. وقالُوا: أخْبَرَ تَعالى عَنْ خَلِيلِهِ إبْراهِيمَ حِينَ هاجَرَ إلى الشّامِ بِأنَّهُ اسْتَوْهَبَهُ ولَدًا، ثُمَّ أتْبَعَ تِلْكَ البِشارَةَ بِغُلامٍ حَلِيمٍ، ثُمَّ ذَكَرَ رُؤْياهُ بِذَبْحِ ذَلِكَ الغُلامِ المُبَشَّرِ بِهِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ كِتابُ يَعْقُوبَ إلى يُوسُفَ، عَلَيْهِما السَّلامُ: مِن يَعْقُوبَ إسْرائِيلَ اللَّهِ ابْنِ إسْحاقَ ذَبِيحِ اللَّهِ بْنِ إبْراهِيمَ خَلِيلِ اللَّهِ. ومَن جَعَلَ الذَّبِيحَ إسْحاقَ، جَعَلَ هَذِهِ البِشارَةَ بِشارَةً بِنُبُوَّتِهِ، كَما ذَكَرْنا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالُوا: لا يَجُوزُ أنْ يُبَشِّرَهُ اللَّهُ بِوِلادَتِهِ ونُبُوَّتِهِ مَعًا؛ لِأنَّ الِامْتِحانَ بِذَبْحِهِ لا يَصِحُّ مَعَ عِلْمِهِ بِأنَّهُ سَيَكُونُ نَبِيًّا. ومَن جَعَلَهُ إسْماعِيلَ، جَعَلَ البِشارَةَ بِوَلَدِهِ إسْحاقَ. وانْتَصَبَ نَبِيًّا عَلى (p-٣٧٢)الحالِ، وهي حالٌ مُقَدَّرَةٌ. فَإنْ كانَ إسْحاقُ هو الذَّبِيحَ، وكانَتْ هَذِهِ البِشارَةُ بِوِلادَةِ إسْحاقَ، فَقَدْ جَعَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ ذَلِكَ مَحَلَّ سُؤالٍ. فَإنْ قُلْتَ: فَرْقٌ بَيْنَ هَذا وقَوْلِهِ ﴿فادْخُلُوها خالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣] وذَلِكَ أنَّ المَدْخُولَ مَوْجُودٌ مَعَ وُجُودِ الدُّخُولِ، والخُلُودَ غَيْرُ مَوْجُودٍ مَعَهُما، فَقَدَّرْتَ مُقَدَّرَيْنِ لِلْخُلُودِ، فَكانَ مُسْتَقِيمًا. ولَيْسَ كَذَلِكَ المُبَشَّرُ بِهِ، فَإنَّهُ مَعْلُومٌ وقْتَ وُجُودِ البِشارَةِ، وعَدَمُ المُبَشَّرِ بِهِ أوْجَبَ عَدَمَ حالِهِ؛ لِأنَّ الحالَ حِلْيَةٌ لا تَقُومُ إلّا بِالمَحَلِّيِّ. وهَذا المُبَشَّرُ بِهِ الَّذِي هو إسْحاقُ، حِينَ وُجِدَ لَمْ تُوجَدِ النُّبُوَّةُ أيْضًا بِوُجُودِهِ، بَلْ تَراخَتْ عَنْهُ مُدَّةً طَوِيلَةً، فَكَيْفَ يُجْعَلُ نَبِيًّا حالًا مُقَدَّرَةً ؟ والحالُ صِفَةٌ لِلْفاعِلِ والمَفْعُولِ عِنْدَ وُجُودِ الفِعْلِ مِنهُ أوْ بِهِ. فالخُلُودُ وإنْ لَمْ يَكُنْ صِفَتَهم عِنْدَ دُخُولِ الجَنَّةِ، فَتَقْدِيرُها صِفَتُهم؛ لِأنَّ المَعْنى: مُقَدِّرِينَ الخُلُودَ. ولَيْسَ كَذَلِكَ النُّبُوَّةُ، فَإنَّهُ لا سَبِيلَ إلى أنْ تَكُونَ مَوْجُودَةً وقْتَ وُجُودِ البِشارَةِ بِإسْحاقَ لِعَدَمِ إسْحاقَ. قُلْتُ: هَذا سُؤالٌ دَقِيقُ السَّلْكِ ضَيِّقُ المَسْلَكِ، والَّذِي يَحُلُّ الإشْكالَ أنَّهُ لا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ مُضافٍ مَحْذُوفٍ وذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿وبَشَّرْناهُ﴾ بِوُجُودِ إسْحاقَ نَبِيًّا، أيْ بِأنْ يُوجَدَ مُقَدَّرَةً نُبُوَّتُهُ، فالعامِلُ في الحالِ الوُجُودُ، لا فِعْلُ البِشارَةِ؛ وبِذَلِكَ يَرْجِعُ نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فادْخُلُوها خالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣]، (مِنَ الصّالِحِينَ) حالٌ ثانِيَةٌ، ووُرُودُها عَلى سَبِيلِ الثَّناءِ والتَّقْرِيظِ؛ لِأنَّ كُلَّ نَبِيٍّ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ مِنَ الصّالِحِينَ. انْتَهى.
﴿وبارَكْنا عَلَيْهِ وعَلى إسْحاقَ﴾ أفَضْنا عَلَيْهِما بَرَكاتِ الدِّينِ والدُّنْيا، وبِأنْ أخْرَجْنا أنْبِياءَ بَنِي إسْرائِيلَ مِن صُلْبِهِ.
﴿ومِن ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وظالِمٌ﴾ فِيهِ وعِيدٌ لِلْيَهُودِ ومَن كانَ مِن ذُرِّيَّتِهِما لَمْ يُؤْمِن بِمُحَمَّدٍ ﷺ وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ البَرَّ قَدْ يَلِدُ الفاجِرَ، ولا يَلْحَقُهُ مِن ذَلِكَ عَيْبٌ ولا مَنقَصَةٌ.
الصافات 37:108
(p-٣٦٨)﴿وقالَ إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ ﴿فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ يابُنَيَّ إنِّي أرى في المَنامِ أنِّي أذْبَحُكَ فانْظُرْ ماذا تَرى قالَ يا أبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ ﴿فَلَمّا أسْلَما وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ ﴿ونادَيْناهُ أنْ ياإبْراهِيمُ﴾ ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّ هَذا لَهو البَلاءُ المُبِينُ﴾ ﴿وفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى إبْراهِيمَ﴾ ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿وبارَكْنا عَلَيْهِ وعَلى إسْحاقَ ومِن ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ ﴿ولَقَدْ مَنَنّا عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ [الصافات: ١١٤] ﴿ونَجَّيْناهُما وقَوْمَهُما مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ [الصافات: ١١٥] ﴿ونَصَرْناهم فَكانُوا هُمُ الغالِبِينَ﴾ [الصافات: ١١٦] ﴿وآتَيْناهُما الكِتابَ المُسْتَبِينَ﴾ [الصافات: ١١٧] ﴿وهَدَيْناهُما الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ [الصافات: ١١٨] ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِما في الآخِرِينَ﴾ [الصافات: ١١٩] ﴿سَلامٌ عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ [الصافات: ١٢٠] ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ [الصافات: ١٢١] ﴿إنَّهُما مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ [الصافات: ١٢٢] ﴿وإنَّ إلْياسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٢٣] ﴿إذْ قالَ لِقَوْمِهِ ألا تَتَّقُونَ﴾ [الصافات: ١٢٤] ﴿أتَدْعُونَ بَعْلًا وتَذَرُونَ أحْسَنَ الخالِقِينَ﴾ [الصافات: ١٢٥] ﴿اللَّهَ رَبَّكم ورَبَّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ [الصافات: ١٢٦] ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ [الصافات: ١٢٧] ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ [الصافات: ١٢٨] ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ [الصافات: ١٢٩] ﴿سَلامٌ عَلى إلْ ياسِينَ﴾ [الصافات: ١٣٠] ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ [الصافات: ١٣١] ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ [الصافات: ١٣٢] ﴿وإنَّ لُوطًا لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٣٣] ﴿إذْ نَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ﴾ [الصافات: ١٣٤] ﴿إلّا عَجُوزًا في الغابِرِينَ﴾ [الصافات: ١٣٥] ﴿ثُمَّ دَمَّرْنا الآخَرِينَ﴾ [الصافات: ١٣٦] ﴿وإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ﴾ [الصافات: ١٣٧] ﴿وبِاللَّيْلِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات: ١٣٨] ﴿وإنَّ يُونُسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٣٩] ﴿إذْ أبَقَ إلى الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ [الصافات: ١٤٠] ﴿فَساهَمَ فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ﴾ [الصافات: ١٤١] ﴿فالتَقَمَهُ الحُوتُ وهو مُلِيمٌ﴾ [الصافات: ١٤٢] ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ [الصافات: ١٤٣] ﴿لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الصافات: ١٤٤] ﴿فَنَبَذْناهُ بِالعَراءِ وهو سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ١٤٥] ﴿وأنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِن يَقْطِينٍ﴾ [الصافات: ١٤٦] ﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ١٤٧] ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾ [الصافات: ١٤٨] ﴿فاسْتَفْتِهِمْ ألِرَبِّكَ البَناتُ ولَهُمُ البَنُونَ﴾ [الصافات: ١٤٩] ﴿أمْ خَلَقْنا المَلائِكَةَ إناثًا وهم شاهِدُونَ﴾ [الصافات: ١٥٠] ﴿ألا إنَّهم مِن إفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ﴾ [الصافات: ١٥١] ﴿ولَدَ اللَّهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ [الصافات: ١٥٢] ﴿أاصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ﴾ [الصافات: ١٥٣] ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [الصافات: ١٥٤] ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [الصافات: ١٥٥] ﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾ [الصافات: ١٥٦] ﴿فَأْتُوا بِكِتابِكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [الصافات: ١٥٧] ﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا ولَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ إنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ [الصافات: ١٥٨] ﴿سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ [الصافات: ١٥٩] ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ [الصافات: ١٦٠] ﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ﴾ [الصافات: ١٦١] ﴿ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ﴾ [الصافات: ١٦٢] ﴿إلّا مَن هو صالِي الجَحِيمِ﴾ [الصافات: ١٦٣] ﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات: ١٦٤] ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾ [الصافات: ١٦٥] ﴿وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾ [الصافات: ١٦٦] ﴿وإنْ كانُوا لَيَقُولُونَ﴾ [الصافات: ١٦٧] ﴿لَوْ أنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا مِنَ الأوَّلِينَ﴾ [الصافات: ١٦٨] ﴿لَكُنّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ [الصافات: ١٦٩] ﴿فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الصافات: ١٧٠] ﴿ولَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٧١] ﴿إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ﴾ [الصافات: ١٧٢] ﴿وإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ﴾ [الصافات: ١٧٣] ﴿فَتَوَلَّ عَنْهم حَتّى حِينٍ﴾ [الصافات: ١٧٤] ﴿وأبْصِرْهم فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ [الصافات: ١٧٥] ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ [الصافات: ١٧٦] ﴿فَإذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ فَساءَ صَباحُ المُنْذَرِينَ﴾ [الصافات: ١٧٧] ﴿وتَوَلَّ عَنْهم حَتّى حِينٍ﴾ [الصافات: ١٧٨] ﴿وأبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ [الصافات: ١٧٩] ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ [الصافات: ١٨٠] ﴿وسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٨١] ﴿والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الصافات: ١٨٢] تَلَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ: صَرَعَهُ عَلى شِقِّهِ، وقِيلَ: وضَعَهُ بِقُوَّةٍ. وقالَ ساعِدَةُ بْنُ حَوْبَةَ:
؎وتَلَّ تَلِيلًا لِلْجَبِينِ ولِلْفَمِ
والجَبِينانِ: ما اكْتَنَفَ مِن هُنا ومِن هُنا، وشَذَّ جَمْعُ الجَبِينِ عَلى أجْبُنٍ، وقِياسُهُ في القِلَّةِ أجْبِنَةٌ، كَكَثِيبٍ وأكْثِبَةٍ، وفي الكَثْرَةِ: جَبَناتٌ وجُبُنٌ، كَكُثُباتٌ وكُثُبٌ. الذَّبْحُ: اسْمُ ما يُذْبَحُ، كالرَّعْيِ اسْمُ ما يُرْعى. أبَقَ: هَرَبَ. ساهَمَ: قارَعَ. المُدْحَضُ: المَقْلُوبُ. الحُوتُ: مَعْرُوفٌ. ألامَ: أتى بِما يُلامُ عَلَيْهِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎وكَمْ مِن مُلِيمٍ لَمْ يُصَبْ بِمُلامَةٍ ∗∗∗ ومُتَّبِعٍ بِالذَّنْبِ لَيْسَ لَهُ ذَنْبُ
العَراءُ: الأرْضُ الفَيْحاءُ لا شَجَرَ فِيها ولا يُعْلَمُ، قالَ الشّاعِرُ:
؎ورَفَعْتُ رِجْلًا لا أخافُ عِثارَها ∗∗∗ ونَبَذْتُ بِالمِينِ العَراءِ ثِيابِي
اليَقْطِينُ: يَفْعِيلٌ كاليَفْصِيدِ، مِن قَطَنَ: أقامَ بِالمَكانِ، وهو بِالمَكانِ، وهو ما كانَ مِنَ الشَّجَرِ لا يَقُومُ عَلى ساقٍ مِن عُودٍ، كَشَجَرِ البِطِّيخِ والحَنْظَلِ والقِثّاءِ. السّاحَةُ: الفِناءُ، وجَمْعُها سُوحٌ، قالَ الشّاعِرُ:
؎فَكانَ سِيّانِ أنْ لا يَسْرَحُوا نَعَمًا ∗∗∗ أوْ يَسْرَحُوهُ بِها واغْبَرَّتِ السُّوحُ
(p-٣٦٩)
﴿وقالَ إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ ﴿فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ يابُنَيَّ إنِّي أرى في المَنامِ أنِّي أذْبَحُكَ فانْظُرْ ماذا تَرى قالَ يا أبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ ﴿فَلَمّا أسْلَما وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ ﴿ونادَيْناهُ أنْ ياإبْراهِيمُ﴾ ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّ هَذا لَهو البَلاءُ المُبِينُ﴾ ﴿وفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى إبْراهِيمَ﴾ ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿وبارَكْنا عَلَيْهِ وعَلى إسْحاقَ ومِن ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ .
لَمّا سَلَّمَهُ اللَّهُ مِنهم ومِنَ النّارِ الَّتِي ألْقَوْهُ فِيها، عَزَمَ عَلى مُفارَقَتِهِمْ، وعَبَّرَ بِالذَّهابِ إلى رَبِّهِ عَنْ هِجْرَتِهِ إلى أرْضِ الشّامِ. كَما قالَ (﴿إنِّي مُهاجِرٌ إلى رَبِّي﴾ [العنكبوت: ٢٦] لِيَتَمَكَّنَ مِن عِبادَةِ رَبِّهِ ويَتَضَرَّعَ لَهُ مِن غَيْرِ أنْ يَلْقى مَن يُشَوِّشُ عَلَيْهِ، فَهاجَرَ مِن أرْضِ بابِلَ، مِن مَمْلَكَةِ نُمْرُودٍ، إلى الشّامِ. وقِيلَ: إلى أرْضِ مِصْرَ. ويَبْعُدُ قَوْلُ مَن قالَ: لَيْسَ المُرادُ بِذَهابِهِ الهِجْرَةَ، وإنَّما مُرادُهُ لِقاءُ اللَّهِ بَعْدَ الإحْراقِ، ظانًّا مِنهُ أنَّهُ سَيَمُوتُ في النّارِ، فَقالَها قَبْلَ أنْ يُطْرَحَ في النّارِ. و( سَيَهْدِينِ) أيْ إلى الجَنَّةِ، نَحا إلى هَذا قَتادَةُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ﴾ يَدْفَعُ هَذا القَوْلَ، والمُعْتَقِدُ أنَّهُ يَمُوتُ في النّارِ لا يَدْعُو بِأنْ يَهَبَ اللَّهُ لَهُ ولَدًا صالِحًا. (سَيَهْدِينِ) يُوَفِّقُنِي إلى ما فِيهِ صَلاحِي.
﴿مِنَ الصّالِحِينَ﴾ أيْ ولَدًا يَكُونُ في عِدادِ الصّالِحِينَ. ولَفْظُ الهِبَةِ غَلَبَ في الوَلَدِ، وإنْ كانَ قَدْ جاءَ في الأخِ، كَقَوْلِهِ ﴿ووَهَبْنا لَهُ مِن رَحْمَتِنا أخاهُ هارُونَ نَبِيًّا﴾ [مريم: ٥٣] . واشْتَمَلَتِ البِشارَةُ عَلى ذُكُورِيَّةِ المَوْلُودِ وبُلُوغِهِ سِنَّ الحُلُمِ ووَصْفِهِ بِالحِلْمِ، وأيُّ حِلْمٍ أعْظَمُ مِن قَوْلِهِ، وقَدْ عَرَضَ عَلَيْهِ أبُوهُ الذَّبْحَ ﴿سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّابِرِينَ﴾
﴿فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾، بَيْنَ هَذِهِ الجُمْلَةِ والَّتِي قَبْلَها مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: فَوُلِدَ لَهُ وشَبَّ.
﴿فَلَمّا بَلَغَ﴾ أيْ أنْ يَسْعى مَعَ أبِيهِ في أشْغالِهِ وحَوائِجِهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ: والَسَّعْيُ هُنا: العَمَلُ والعِبادَةُ والمَعُونَةُ. وقالَ قَتادَةُ: السَّعْيُ عَلى القَدَمِ، يُرِيدُ سَعْيًا مُتَمَكِّنًا، وفِيهِ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لا يَصِحُّ تَعَلُّقُهُ بِبَلَغَ بِهِ بُلُوغُهُما مَعًا حَدَّ السَّعْيِ ولا بِالسَّعْيِ؛ لِأنَّ أصْلَهُ المَصْدَرُ لا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ، فَنَفى أنْ يَكُونَ بَيانًا، كَأنَّهُ لَمّا قالَ ﴿فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾، أيِ الحَدَّ الَّذِي يَقْدِرُ فِيهِ عَلى السَّعْيِ، قِيلَ: مَعَ مَن ؟ فَقالَ: مَعَ أبِيهِ، والمَعْنى في اخْتِصاصِ الأبِّ أنَّهُ أرْفَقُ النّاسِ وأعْطَفُهم عَلَيْهِ وعَلى غَيْرِهِ وبِما عَنَّفَ عَلَيْهِ في الِاسْتِسْعاءِ، فَلا يَحْتَمِلُهُ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَسْتَحْكِمْ قَوْلَهُ، ولَمْ يَطْلُبْ عَوْدَهُ، وكانَ إذْ ذاكَ ابْنَ ثَلاثَ عَشْرَةَ سَنَةً. انْتَهى.
﴿قالَ يابُنَيَّ﴾ نِداءُ شَفَقَةٍ وتَرَحُّمٍ.
﴿إنِّي أرى في المَنامِ أنِّي أذْبَحُكَ﴾ أيْ بِأمْرٍ مِنَ اللَّهِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿افْعَلْ ما تُؤْمَرُ﴾ . ورُؤْيا الأنْبِياءِ وحْيٌ كاليَقَظَةِ، وذِكْرُهُ لَهُ الرُّؤْيا تَجْسِيرٌ عَلى احْتِمالِ تِلْكَ البَلِيَّةِ العَظِيمَةِ. وشاوَرَهُ بِقَوْلِهِ ﴿فانْظُرْ ماذا تَرى﴾ وإنْ كانَ حَتْمًا مِنَ اللَّهِ لِيَعْلَمَ ما عِنْدَهُ مِن تَلَقِّي هَذا الِامْتِحانِ العَظِيمِ، ويُصَبِّرَهُ إنْ جَزَعَ، ويُوَطِّنَ نَفْسَهُ عَلى مُلاقاةِ هَذا البَلاءِ، وتَسْكُنَ نَفْسُهُ لِما لا بُدَّ مِنهُ، إذْ مُفاجَأةُ البَلاءِ قَبْلَ الشُّعُورِ بِهِ أصْعَبُ عَلى النَّفْسِ، وكانَ ما رَآهُ في المَنامِ ولَمْ يَكُنْ في اليَقَظَةِ، كَرُؤْيا يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ورُؤْيا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ دُخُولَ المَسْجِدِ الحَرامِ، لِيَدُلَّ عَلى أنَّ حالَتَيِ الأنْبِياءِ يَقَظَةً ومَنامًا سَواءٌ في الصِّدْقِ مُتَظافِرَتانِ عَلَيْهِ. قِيلَ: إنَّهُ حِينَ بَشَّرَتِ المَلائِكَةُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ قالَ: هو إذَنْ ذَبِيحُ اللَّهِ. فَلَمّا بَلَغَ حَدَّ السَّعْيِ مَعَهُ قِيلَ لَهُ: أوْفِ بِنَذْرِكَ. قِيلَ: رَأى لَيْلَةَ التَّرْوِيَةِ قائِلًا يَقُولُ لَهُ: إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ بِذَبْحِ ابْنِكَ هَذا. فَلَمّا أصْبَحَ، رَوّى في ذَلِكَ مِنَ الصَّباحِ إلى الرَّواحِ. أمِنَ اللَّهِ هَذا الحُلْمُ ؟، فَمِن ثَمَّ سُمِّيَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ. فَلَمّا أمْسَ رَأى مِثْلَ ذَلِكَ، فَعَرَفَ أنَّهُ مِنَ اللَّهِ، فَمِن ثَمَّ سُمِّيَ يَوْمَ عَرَفَةَ. ثُمَّ رَأى مِثْلَهُ في اللَّيْلَةِ الثّالِثَةِ، فَهَمَّ بِنَحْرِهِ، فَسُمِّيَ يَوْمَ النَّحْرِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: (p-٣٧٠)(تَرى)، بِفَتْحِ التّاءِ والرّاءِ؛ وعَبْدُ اللَّهِ، والأسْوَدُ بْنُ يَزِيدَ، وابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ، ومُجاهِدٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ الرّاءِ؛ والضَّحّاكُ، والأعْمَشُ أيْضًا بِضَمِّ التّاءِ وفَتْحِ الرّاءِ. فالأوَّلُ مِنَ الرَّأْيِ، والثّانِي ماذا تَرَيَنِّيهِ وما تُبْدِيهِ لِأنْظُرَ فِيهِ ؟ والثّالِثُ ما الَّذِي يُخَيَّلُ إلَيْكَ ويُوقَعُ في قَلْبِكَ ؟ و(انْظُرْ) مُعَلَّقَةٌ، وماذا اسْتِفْهامٌ. فَإنْ كانَتْ (ذا) مَوْصُولَةً بِمَعْنى الَّذِي، فَـ (ما) مُبْتَدَأٌ، والفِعْلُ بَعْدَ (ذا) صِلَةٌ. وإنْ كانَتْ (ذا) مُرَكَّبَةً، فَفي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِالفِعْلِ بَعْدَها. والجُمْلَةُ، واسْمُ الِاسْتِفْهامِ الَّذِي هو مَعْمُولٌ لِلْفِعْلِ بَعْدَهُ في مَوْضِعِ نَصْبِ انْظُرْ. ولَمّا كانَ خِطابُ الأبِّ (يا بُنَيَّ)، عَلى سَبِيلِ التَّرَحُّمِ، قالَ: هو (يا أبَتِ)، عَلى سَبِيلِ التَّعْظِيمِ والتَّوْقِيرِ.
﴿افْعَلْ ما تُؤْمَرُ﴾ أيْ ما تُؤْمَرُهُ، حَذَفَهُ وهو مَنصُوبٌ، وأصْلُهُ ما تُؤْمَرُ بِهِ، فَحُذِفَ الحَرْفُ، واتَّصَلَ الضَّمِيرُ مَنصُوبًا، فَجازَ حَذْفُهُ لِوُجُودِ شَرائِطِ الحَذْفِ فِيهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ أمَرَكَ، عَلى إضافَةِ المَصْدَرِ إلى المَفْعُولِ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، وفي ذَلِكَ خِلافٌ. هَلْ يُعْتَقَدُ في المَصْدَرِ العامِلِ أنْ يَجُوزَ أنْ يُبْنى لِلْمَفْعُولِ، فَيَكُونَ ما بَعْدَهُ مَفْعُولًا لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، أمْ يَكُونَ ذَلِكَ ؟ ﴿سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ كَلامُ مَن أُوتِيَ الحِلْمَ والصَّبْرَ والِامْتِثالَ لِأمْرِ اللَّهِ، والرِّضا بِما أمَرَ اللَّهُ.
﴿فَلَمّا أسْلَما﴾ أيْ لِأمْرِ اللَّهِ، ويُقالُ: اسْتَسْلَمَ وسَلَّمَ بِمَعْناهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: أسْلَما. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وعَلِيٌّ، وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ، وجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، والأعْمَشُ، والثَّوْرِيُّ: سَلَّما: أيْ فَوَّضا إلَيْهِ في قَضائِهِ وقَدَرِهِ. وقُرِئَ: اسْتَسْلَما، ثَلاثُ قِراءاتٍ. وقالَ قَتادَةُ في أسْلَما: أسْلَمَ هَذا ابْنَهُ، وأسْلَمَ هَذا نَفْسَهُ، فَجَعَلَ أسْلَما مُتَعَدِّيًا، وغَيْرَهُ جَعَلَهُ لازِمًا بِمَعْنى: انْقادا لِأمْرِ اللَّهِ وخَضَعا لَهُ.
﴿وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ أيْ أوْقَعَهُ عَلى أحَدِ جَنْبَيْهِ في الأرْضِ مُباشِرًا الأمْرَ بِصَبْرٍ وجَلَدٍ، وذَلِكَ عِنْدَ الصَّخْرَةِ الَّتِي بِمِنًى، وعَنِ الحَسَنِ: في المَوْضِعِ المُشْرِفِ عَلى مَسْجِدِ مِنًى؛ وعَنِ الضَّحّاكِ: في المَنحَرِ الَّذِي يُنْحَرُ فِيهِ اليَوْمَ. وجَوابُ (لَمّا) مَحْذُوفٌ يُقَدَّرُ بَعْدَ ﴿وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾، أيْ أجْزَلْنا أجْرَهُما، قالَهُ بَعْضُ البَصْرِيِّينَ، أوْ بَعْدَ ﴿الرُّؤْيا﴾ أيْ: كانَ ما كانَ مِمّا تَنْطِقُ بِهِ الحالُ ولا يُحِيطُ بِهِ الوَصْفُ مِنِ اسْتِبْشارِهِما وحَمْدِهِما اللَّهَ عَلى ما أنْعَمَ بِهِ إلى ألْفاظٍ كَثِيرَةٍ ذَكَرَها الزَّمَخْشَرِيُّ عَلى عادَتِهِ في خَطابَتِهِ، أوْ قَبْلَ ﴿وتَلَّهُ﴾ تَقْدِيرُهُ ﴿فَلَمّا أسْلَما وتَلَّهُ﴾ . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهو قَوْلُ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ، وهو عِنْدَهم كَقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:
؎فَلَمّا أجَزْنا ساحَةَ الحَيِّ وانْتَحى
وقالَ الكُوفِيُّونَ: الجَوابُ مُثْبَتٌ، وهو ﴿ونادَيْناهُ﴾ عَلى زِيادَةِ الواوِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو ﴿وتَلَّهُ﴾ عَلى زِيادَةِ الواوِ. وذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ في قِصَّةِ إبْراهِيمَ وابْنِهِ، وما جَرى بَيْنَهُما مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ فُصُولًا، اللَّهُ أعْلَمُ بِصِحَّتِها، يُوقِفُ عَلَيْها في كِتابِهِ. و(أنْ) مُفَسِّرَةٌ؛ أيْ ﴿قَدْ صَدَّقْتَ﴾ . وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: ونادَيْناهُ قَدْ صَدَّقَتْ، بِحَذْفِ (أنْ)، وقُرِئَ: صَدَقْتَ، بِتَخْفِيفِ الدّالِ. وقَرَأ فَيّاضٌ: الرِّيّا، بِكَسْرِ الرّاءِ والإدْغامِ وتَصْدِيقِ الرُّؤْيا. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بَذَلَ وِسْعَهُ وفَعَلَ ما يَفْعَلُ الذّابِحُ مِن بَطْحِهِ عَلى شِقِّهِ وإمْرارِ الشَّفْرَةِ عَلى حَلْقِهِ، لَكِنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ جاءَ بِما مَنَعَ الشَّفْرَةَ أنْ تَمْضِيَ فِيهِ، وهَذا لا يَقْدَحُ في فِعْلِ إبْراهِيمَ. ألا تَرى أنَّهُ لا يُسَمّى عاصِيًا ولا مُفَرِّطًا ؟ بَلْ يُسَمّى مُطِيعًا ومُجْتَهِدًا، كَما لَوْ مَضَتْ فِيهِ الشَّفْرَةُ وفَرَتِ الأوْداجَ وأنْهَرَتِ الدَّمَ. ولَيْسَ هَذا مِن وُرُودِ النَّسْخِ عَلى المَأْمُورِ بِهِ قَبْلَ الفِعْلِ، ولا قَبْلَ أوانِ الفِعْلِ في شَيْءٍ، كَما يَسْبِقُ إلى بَعْضِ الأوْهامِ حَتّى يَشْتَغِلَ بِالكَلامِ فِيهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ ﴿قَدْ صَدَّقْتَ﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ بِقَلْبِكَ عَلى مَعْنى: كانَتْ عِنْدَكَ رُؤْياكَ صادِقَةً حَقًّا مِنَ اللَّهِ فَعَمِلْتَ بِحَسَبِها حِينَ آمَنتَ بِها، واعْتَقَدْتَ صِدْقَها. ويَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ: صَدَّقْتَ بِقَلْبِكَ ما حَصَلَ عَنِ الرُّؤْيا في نَفْسِكَ، كَأنَّهُ قالَ: قَدْ وفَّيْتَها حَقَّها مِنَ العَمَلِ. انْتَهى.
﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ تَعْلِيلٌ لِتَخْوِيلِ ما خَوَّلَهُما اللَّهُ مِنَ الفَرَجِ بَعْدَ الشِّدَّةِ، والظَّفَرِ بِالبُغْيَةِ بَعْدَ اليَأْسِ.
(إنَّ هَذا) أيْ ما أُمِرَ بِهِ إبْراهِيمُ مِن ذَبْحِ ابْنِهِ، ﴿لَهُوَ البَلاءُ المُبِينُ﴾ أيِ الِاخْتِبارُ البَيِّنُ الَّذِي يَتَمَيَّزُ فِيهِ المُخْلِصُونَ وغَيْرُهم، أوِ المِحْنَةُ البَيِّنَةُ الصُّعُوبَةِ الَّتِي لا مِحْنَةَ أصْعَبُ مِنها.
﴿وفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو (p-٣٧١)الكَبْشُ الَّذِي قَرَّبَهُ هابِيلُ فَقُبِلَ مِنهُ، وكانَ يَرْعى في الجَنَّةِ حَتّى فُدِيَ بِهِ إسْماعِيلُ. وقالَ أيْضًا هو والحَسَنُ: فُدِيَ بِوَعْلٍ أُهْبِطَ عَلَيْهِ مِن سَرْوٍ. وقالَ الجُمْهُورُ: كَبْشٌ أبْيَضُ أقْرَنُ أقْنى، ووُصِفَ بِالعِظَمِ. قالَ مُجاهِدٌ: لِأنَّهُ مُتَقَبَّلٌ يَقِينًا. وقالَ عَمْرُو بْنُ عَبِيدٍ: لِأنَّهُ جَرَتِ السُّنَّةُ بِهِ، وصارَ دِينًا باقِيًا إلى آخِرِ الدَّهْرِ. وقالَ الحَسَنُ بْنُ الفَضْلِ: لِأنَّهُ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ. وقالَ أبُو بَكْرٍ الوَرّاقُ: لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَنْ نَسْلٍ، بَلْ عَنِ التَّكْوِينِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ: عَظَمَتُهُ كَوْنُهُ مِن كِباشِ الجَنَّةِ، رُعِيَ فِيها أرْبَعِينَ خَرِيفًا. وفي قَوْلِهِ ﴿وفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّ إبْراهِيمَ لَمْ يَذْبَحِ ابْنَهُ، وقَدْ فُدِيَ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: وقَعَ الذَّبْحُ وقامَ بَعْدَ ذَلِكَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا كَذِبٌ صُراحٌ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: لَمْ يَرَ إبْراهِيمُ في مَنامِهِ الإمْرارَ بِالشَّفْرَةِ فَقَطْ، فَظَنَّ أنَّهُ ذِبْحٌ مُجَهَّزٌ، فَنَفَّذَ لِذَلِكَ. فَلَمّا وقَعَ الَّذِي رَآهُ وقَعَ النَّسْخُ، قالَ: ولا اخْتِلافَ، فَإنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، أمَرَّ الشَّفْرَةَ عَلى حَلْقِ ابْنِهِ فَلَمْ تَقْطَعْ. انْتَهى. والَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ القُرْآنُ أنَّهُ ﴿وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ فَقَطْ، ولَمْ يَأْتِ في حَدِيثٍ صَحِيحٍ «أنَّهُ أمَرَّ الشَّفْرَةَ عَلى حَلْقِ ابْنِهِ». ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ﴾ إلى (المُؤْمِنِينَ) تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِهِ في آخِرِ قِصَّةِ نُوحٍ، قَبْلَ قِصَّةِ إبْراهِيمَ هُنا، وقالَ هُنا كَذَلِكَ دُونَ إنّا اكْتِفاءً بِذِكْرِ ذَلِكَ قَبْلُ وبَعْدُ.
﴿وبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ الظّاهِرُ أنَّ هَذِهِ بِشارَةٌ غَيْرُ تِلْكَ البِشارَةِ، وأنَّ الغُلامَ الحَلِيمَ المُبَشَّرَ بِهِ إبْراهِيمُ هو إسْماعِيلُ، وأنَّهُ هو الذَّبِيحُ لا إسْحاقُ؛ وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنُ عُمَرَ، ومُعاوِيَةُ بْنُ أبِي سُفْيانَ، ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ، والشَّعْبِيُّ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وجَماعَةُ مِنَ التّابِعِينَ؛ واسْتَدَلُّوا بِظاهِرِ هَذِهِ الآياتِ وبِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: «أنا ابْنُ الذَّبِيحَيْنِ»، وقَوْلُ الأعْرابِيِّ لَهُ: «يا ابْنَ الذَّبِيحَيْنِ: فَتَبَسَّمَ عَلَيْهِ السَّلامُ»، يَعْنِي إسْماعِيلَ، وأباهُ عَبْدَ اللَّهِ. وكانَ عَبْدُ المُطَّلِبِ نَذَرَ ذَبْحَ أحَدِ ولَدِهِ، فَخَرَجَ السَّهْمُ عَلى عَبْدِ اللَّهِ، فَمَنَعَهُ أخْوالُهُ وقالُوا لَهُ: افْدِ ابْنَكَ بِمِائَةٍ مِنَ الإبِلِ، فَفَداهُ بِها. وفِيما أوْحى اللَّهُ لِمُوسى في حَدِيثٍ طَوِيلٍ. «وأمّا إسْماعِيلُ، فَإنَّهُ جادَ بِدَمِ نَفْسِهِ». وسَألَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ يَهُودِيًا أسْلَمَ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: إنَّ يَهُودِيًا لَيَعْلَمُ، لَكِنَّهم يَحْسُدُونَكم مَعْشَرَ العَرَبِ، وكانَ قَرْنا الكَبْشِ مَنُوطَيْنِ في الكَعْبَةِ. وسَألَ الأصْمَعِيُّ أبا عَمْرِو بْنَ العَلاءِ عَنِ الذَّبِيحِ فَقالَ: يا أصْمَعِيُّ، أيْنَ عَزَبَ عَنْكَ عَقْلُكَ ؟ ومَتى كانَ إسْحاقُ بِمَكَّةَ ؟ وهو الَّذِي بَنى البَيْتَ مَعَ أبِيهِ، والمَنحَرُ بِمَكَّةَ ؟ انْتَهى. ووَصَفَهُ تَعالى بِالصَّبْرِ في قَوْلِهِ ﴿وإسْماعِيلَ وإدْرِيسَ وذا الكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٥] وهو صَبْرُهُ عَلى الذَّبْحِ؛ وبِصِدْقِ الوَعْدِ في قَوْلِهِ ﴿إنَّهُ كانَ صادِقَ الوَعْدِ﴾ [مريم: ٥٤] لِأنَّهُ وعَدَ أباهُ مِن نَفْسِهِ الصَّبْرَ عَلى الذَّبْحِ فَوَفّى بِهِ. وذَكَرَ الطَّبَرِيُّ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ قالَ: الذَّبِيحُ إسْماعِيلُ، ويَزْعُمُ اليَهُودُ أنَّهُ إسْحاقُ، وكَذَبَتِ اليَهُودُ. ومِن أقْوى ما يُسْتَدَلُّ بِهِ أنَّ اللَّهَ تَعالى بَشَّرَ إبْراهِيمَ بِإسْحاقَ، ووَلَدَ إسْحاقُ يَعْقُوبَ. فَلَوْ كانَ الذَّبِيحُ إسْحاقَ، لَكانَ ذَلِكَ الإخْبارُ غَيْرَ مُطابِقٍ لِلْواقِعِ، وهو مُحالٌ في إخْبارِ اللَّهِ تَعالى. وذَهَبَتْ جَماعَةٌ إلى أنَّ الذَّبِيحَ هو إسْحاقُ، مِنهم: العَبّاسُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وعَلِيٌّ، وعَطاءٌ، وعِكْرِمَةُ، وكَعْبٌ، وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، وابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةٍ، وكانَ أمْرَ ذَبْحِهِ بِالشّامِ. وقالَ عَطاءٌ ومُقاتِلٌ: بِبَيْتِ المَقْدِسِ؛ وقِيلَ: بِالحِجازِ، جاءَ مَعَ أبِيهِ عَلى البُراقِ. وقالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، وابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةٍ: وكانَ أمْرَ ذَبْحِهِ بِالشّامِ، كانَ بِالمَقامِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: والبِشارَةُ في قَوْلِهِ ﴿وبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ﴾ هي بِشارَةُ نُبُوَّتِهِ. وقالُوا: أخْبَرَ تَعالى عَنْ خَلِيلِهِ إبْراهِيمَ حِينَ هاجَرَ إلى الشّامِ بِأنَّهُ اسْتَوْهَبَهُ ولَدًا، ثُمَّ أتْبَعَ تِلْكَ البِشارَةَ بِغُلامٍ حَلِيمٍ، ثُمَّ ذَكَرَ رُؤْياهُ بِذَبْحِ ذَلِكَ الغُلامِ المُبَشَّرِ بِهِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ كِتابُ يَعْقُوبَ إلى يُوسُفَ، عَلَيْهِما السَّلامُ: مِن يَعْقُوبَ إسْرائِيلَ اللَّهِ ابْنِ إسْحاقَ ذَبِيحِ اللَّهِ بْنِ إبْراهِيمَ خَلِيلِ اللَّهِ. ومَن جَعَلَ الذَّبِيحَ إسْحاقَ، جَعَلَ هَذِهِ البِشارَةَ بِشارَةً بِنُبُوَّتِهِ، كَما ذَكَرْنا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالُوا: لا يَجُوزُ أنْ يُبَشِّرَهُ اللَّهُ بِوِلادَتِهِ ونُبُوَّتِهِ مَعًا؛ لِأنَّ الِامْتِحانَ بِذَبْحِهِ لا يَصِحُّ مَعَ عِلْمِهِ بِأنَّهُ سَيَكُونُ نَبِيًّا. ومَن جَعَلَهُ إسْماعِيلَ، جَعَلَ البِشارَةَ بِوَلَدِهِ إسْحاقَ. وانْتَصَبَ نَبِيًّا عَلى (p-٣٧٢)الحالِ، وهي حالٌ مُقَدَّرَةٌ. فَإنْ كانَ إسْحاقُ هو الذَّبِيحَ، وكانَتْ هَذِهِ البِشارَةُ بِوِلادَةِ إسْحاقَ، فَقَدْ جَعَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ ذَلِكَ مَحَلَّ سُؤالٍ. فَإنْ قُلْتَ: فَرْقٌ بَيْنَ هَذا وقَوْلِهِ ﴿فادْخُلُوها خالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣] وذَلِكَ أنَّ المَدْخُولَ مَوْجُودٌ مَعَ وُجُودِ الدُّخُولِ، والخُلُودَ غَيْرُ مَوْجُودٍ مَعَهُما، فَقَدَّرْتَ مُقَدَّرَيْنِ لِلْخُلُودِ، فَكانَ مُسْتَقِيمًا. ولَيْسَ كَذَلِكَ المُبَشَّرُ بِهِ، فَإنَّهُ مَعْلُومٌ وقْتَ وُجُودِ البِشارَةِ، وعَدَمُ المُبَشَّرِ بِهِ أوْجَبَ عَدَمَ حالِهِ؛ لِأنَّ الحالَ حِلْيَةٌ لا تَقُومُ إلّا بِالمَحَلِّيِّ. وهَذا المُبَشَّرُ بِهِ الَّذِي هو إسْحاقُ، حِينَ وُجِدَ لَمْ تُوجَدِ النُّبُوَّةُ أيْضًا بِوُجُودِهِ، بَلْ تَراخَتْ عَنْهُ مُدَّةً طَوِيلَةً، فَكَيْفَ يُجْعَلُ نَبِيًّا حالًا مُقَدَّرَةً ؟ والحالُ صِفَةٌ لِلْفاعِلِ والمَفْعُولِ عِنْدَ وُجُودِ الفِعْلِ مِنهُ أوْ بِهِ. فالخُلُودُ وإنْ لَمْ يَكُنْ صِفَتَهم عِنْدَ دُخُولِ الجَنَّةِ، فَتَقْدِيرُها صِفَتُهم؛ لِأنَّ المَعْنى: مُقَدِّرِينَ الخُلُودَ. ولَيْسَ كَذَلِكَ النُّبُوَّةُ، فَإنَّهُ لا سَبِيلَ إلى أنْ تَكُونَ مَوْجُودَةً وقْتَ وُجُودِ البِشارَةِ بِإسْحاقَ لِعَدَمِ إسْحاقَ. قُلْتُ: هَذا سُؤالٌ دَقِيقُ السَّلْكِ ضَيِّقُ المَسْلَكِ، والَّذِي يَحُلُّ الإشْكالَ أنَّهُ لا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ مُضافٍ مَحْذُوفٍ وذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿وبَشَّرْناهُ﴾ بِوُجُودِ إسْحاقَ نَبِيًّا، أيْ بِأنْ يُوجَدَ مُقَدَّرَةً نُبُوَّتُهُ، فالعامِلُ في الحالِ الوُجُودُ، لا فِعْلُ البِشارَةِ؛ وبِذَلِكَ يَرْجِعُ نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فادْخُلُوها خالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣]، (مِنَ الصّالِحِينَ) حالٌ ثانِيَةٌ، ووُرُودُها عَلى سَبِيلِ الثَّناءِ والتَّقْرِيظِ؛ لِأنَّ كُلَّ نَبِيٍّ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ مِنَ الصّالِحِينَ. انْتَهى.
﴿وبارَكْنا عَلَيْهِ وعَلى إسْحاقَ﴾ أفَضْنا عَلَيْهِما بَرَكاتِ الدِّينِ والدُّنْيا، وبِأنْ أخْرَجْنا أنْبِياءَ بَنِي إسْرائِيلَ مِن صُلْبِهِ.
﴿ومِن ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وظالِمٌ﴾ فِيهِ وعِيدٌ لِلْيَهُودِ ومَن كانَ مِن ذُرِّيَّتِهِما لَمْ يُؤْمِن بِمُحَمَّدٍ ﷺ وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ البَرَّ قَدْ يَلِدُ الفاجِرَ، ولا يَلْحَقُهُ مِن ذَلِكَ عَيْبٌ ولا مَنقَصَةٌ.
الصافات 37:109
(p-٣٦٨)﴿وقالَ إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ ﴿فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ يابُنَيَّ إنِّي أرى في المَنامِ أنِّي أذْبَحُكَ فانْظُرْ ماذا تَرى قالَ يا أبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ ﴿فَلَمّا أسْلَما وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ ﴿ونادَيْناهُ أنْ ياإبْراهِيمُ﴾ ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّ هَذا لَهو البَلاءُ المُبِينُ﴾ ﴿وفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى إبْراهِيمَ﴾ ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿وبارَكْنا عَلَيْهِ وعَلى إسْحاقَ ومِن ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ ﴿ولَقَدْ مَنَنّا عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ [الصافات: ١١٤] ﴿ونَجَّيْناهُما وقَوْمَهُما مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ [الصافات: ١١٥] ﴿ونَصَرْناهم فَكانُوا هُمُ الغالِبِينَ﴾ [الصافات: ١١٦] ﴿وآتَيْناهُما الكِتابَ المُسْتَبِينَ﴾ [الصافات: ١١٧] ﴿وهَدَيْناهُما الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ [الصافات: ١١٨] ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِما في الآخِرِينَ﴾ [الصافات: ١١٩] ﴿سَلامٌ عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ [الصافات: ١٢٠] ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ [الصافات: ١٢١] ﴿إنَّهُما مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ [الصافات: ١٢٢] ﴿وإنَّ إلْياسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٢٣] ﴿إذْ قالَ لِقَوْمِهِ ألا تَتَّقُونَ﴾ [الصافات: ١٢٤] ﴿أتَدْعُونَ بَعْلًا وتَذَرُونَ أحْسَنَ الخالِقِينَ﴾ [الصافات: ١٢٥] ﴿اللَّهَ رَبَّكم ورَبَّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ [الصافات: ١٢٦] ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ [الصافات: ١٢٧] ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ [الصافات: ١٢٨] ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ [الصافات: ١٢٩] ﴿سَلامٌ عَلى إلْ ياسِينَ﴾ [الصافات: ١٣٠] ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ [الصافات: ١٣١] ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ [الصافات: ١٣٢] ﴿وإنَّ لُوطًا لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٣٣] ﴿إذْ نَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ﴾ [الصافات: ١٣٤] ﴿إلّا عَجُوزًا في الغابِرِينَ﴾ [الصافات: ١٣٥] ﴿ثُمَّ دَمَّرْنا الآخَرِينَ﴾ [الصافات: ١٣٦] ﴿وإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ﴾ [الصافات: ١٣٧] ﴿وبِاللَّيْلِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات: ١٣٨] ﴿وإنَّ يُونُسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٣٩] ﴿إذْ أبَقَ إلى الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ [الصافات: ١٤٠] ﴿فَساهَمَ فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ﴾ [الصافات: ١٤١] ﴿فالتَقَمَهُ الحُوتُ وهو مُلِيمٌ﴾ [الصافات: ١٤٢] ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ [الصافات: ١٤٣] ﴿لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الصافات: ١٤٤] ﴿فَنَبَذْناهُ بِالعَراءِ وهو سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ١٤٥] ﴿وأنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِن يَقْطِينٍ﴾ [الصافات: ١٤٦] ﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ١٤٧] ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾ [الصافات: ١٤٨] ﴿فاسْتَفْتِهِمْ ألِرَبِّكَ البَناتُ ولَهُمُ البَنُونَ﴾ [الصافات: ١٤٩] ﴿أمْ خَلَقْنا المَلائِكَةَ إناثًا وهم شاهِدُونَ﴾ [الصافات: ١٥٠] ﴿ألا إنَّهم مِن إفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ﴾ [الصافات: ١٥١] ﴿ولَدَ اللَّهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ [الصافات: ١٥٢] ﴿أاصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ﴾ [الصافات: ١٥٣] ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [الصافات: ١٥٤] ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [الصافات: ١٥٥] ﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾ [الصافات: ١٥٦] ﴿فَأْتُوا بِكِتابِكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [الصافات: ١٥٧] ﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا ولَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ إنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ [الصافات: ١٥٨] ﴿سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ [الصافات: ١٥٩] ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ [الصافات: ١٦٠] ﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ﴾ [الصافات: ١٦١] ﴿ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ﴾ [الصافات: ١٦٢] ﴿إلّا مَن هو صالِي الجَحِيمِ﴾ [الصافات: ١٦٣] ﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات: ١٦٤] ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾ [الصافات: ١٦٥] ﴿وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾ [الصافات: ١٦٦] ﴿وإنْ كانُوا لَيَقُولُونَ﴾ [الصافات: ١٦٧] ﴿لَوْ أنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا مِنَ الأوَّلِينَ﴾ [الصافات: ١٦٨] ﴿لَكُنّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ [الصافات: ١٦٩] ﴿فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الصافات: ١٧٠] ﴿ولَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٧١] ﴿إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ﴾ [الصافات: ١٧٢] ﴿وإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ﴾ [الصافات: ١٧٣] ﴿فَتَوَلَّ عَنْهم حَتّى حِينٍ﴾ [الصافات: ١٧٤] ﴿وأبْصِرْهم فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ [الصافات: ١٧٥] ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ [الصافات: ١٧٦] ﴿فَإذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ فَساءَ صَباحُ المُنْذَرِينَ﴾ [الصافات: ١٧٧] ﴿وتَوَلَّ عَنْهم حَتّى حِينٍ﴾ [الصافات: ١٧٨] ﴿وأبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ [الصافات: ١٧٩] ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ [الصافات: ١٨٠] ﴿وسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٨١] ﴿والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الصافات: ١٨٢] تَلَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ: صَرَعَهُ عَلى شِقِّهِ، وقِيلَ: وضَعَهُ بِقُوَّةٍ. وقالَ ساعِدَةُ بْنُ حَوْبَةَ:
؎وتَلَّ تَلِيلًا لِلْجَبِينِ ولِلْفَمِ
والجَبِينانِ: ما اكْتَنَفَ مِن هُنا ومِن هُنا، وشَذَّ جَمْعُ الجَبِينِ عَلى أجْبُنٍ، وقِياسُهُ في القِلَّةِ أجْبِنَةٌ، كَكَثِيبٍ وأكْثِبَةٍ، وفي الكَثْرَةِ: جَبَناتٌ وجُبُنٌ، كَكُثُباتٌ وكُثُبٌ. الذَّبْحُ: اسْمُ ما يُذْبَحُ، كالرَّعْيِ اسْمُ ما يُرْعى. أبَقَ: هَرَبَ. ساهَمَ: قارَعَ. المُدْحَضُ: المَقْلُوبُ. الحُوتُ: مَعْرُوفٌ. ألامَ: أتى بِما يُلامُ عَلَيْهِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎وكَمْ مِن مُلِيمٍ لَمْ يُصَبْ بِمُلامَةٍ ∗∗∗ ومُتَّبِعٍ بِالذَّنْبِ لَيْسَ لَهُ ذَنْبُ
العَراءُ: الأرْضُ الفَيْحاءُ لا شَجَرَ فِيها ولا يُعْلَمُ، قالَ الشّاعِرُ:
؎ورَفَعْتُ رِجْلًا لا أخافُ عِثارَها ∗∗∗ ونَبَذْتُ بِالمِينِ العَراءِ ثِيابِي
اليَقْطِينُ: يَفْعِيلٌ كاليَفْصِيدِ، مِن قَطَنَ: أقامَ بِالمَكانِ، وهو بِالمَكانِ، وهو ما كانَ مِنَ الشَّجَرِ لا يَقُومُ عَلى ساقٍ مِن عُودٍ، كَشَجَرِ البِطِّيخِ والحَنْظَلِ والقِثّاءِ. السّاحَةُ: الفِناءُ، وجَمْعُها سُوحٌ، قالَ الشّاعِرُ:
؎فَكانَ سِيّانِ أنْ لا يَسْرَحُوا نَعَمًا ∗∗∗ أوْ يَسْرَحُوهُ بِها واغْبَرَّتِ السُّوحُ
(p-٣٦٩)
﴿وقالَ إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ ﴿فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ يابُنَيَّ إنِّي أرى في المَنامِ أنِّي أذْبَحُكَ فانْظُرْ ماذا تَرى قالَ يا أبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ ﴿فَلَمّا أسْلَما وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ ﴿ونادَيْناهُ أنْ ياإبْراهِيمُ﴾ ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّ هَذا لَهو البَلاءُ المُبِينُ﴾ ﴿وفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى إبْراهِيمَ﴾ ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿وبارَكْنا عَلَيْهِ وعَلى إسْحاقَ ومِن ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ .
لَمّا سَلَّمَهُ اللَّهُ مِنهم ومِنَ النّارِ الَّتِي ألْقَوْهُ فِيها، عَزَمَ عَلى مُفارَقَتِهِمْ، وعَبَّرَ بِالذَّهابِ إلى رَبِّهِ عَنْ هِجْرَتِهِ إلى أرْضِ الشّامِ. كَما قالَ (﴿إنِّي مُهاجِرٌ إلى رَبِّي﴾ [العنكبوت: ٢٦] لِيَتَمَكَّنَ مِن عِبادَةِ رَبِّهِ ويَتَضَرَّعَ لَهُ مِن غَيْرِ أنْ يَلْقى مَن يُشَوِّشُ عَلَيْهِ، فَهاجَرَ مِن أرْضِ بابِلَ، مِن مَمْلَكَةِ نُمْرُودٍ، إلى الشّامِ. وقِيلَ: إلى أرْضِ مِصْرَ. ويَبْعُدُ قَوْلُ مَن قالَ: لَيْسَ المُرادُ بِذَهابِهِ الهِجْرَةَ، وإنَّما مُرادُهُ لِقاءُ اللَّهِ بَعْدَ الإحْراقِ، ظانًّا مِنهُ أنَّهُ سَيَمُوتُ في النّارِ، فَقالَها قَبْلَ أنْ يُطْرَحَ في النّارِ. و( سَيَهْدِينِ) أيْ إلى الجَنَّةِ، نَحا إلى هَذا قَتادَةُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ﴾ يَدْفَعُ هَذا القَوْلَ، والمُعْتَقِدُ أنَّهُ يَمُوتُ في النّارِ لا يَدْعُو بِأنْ يَهَبَ اللَّهُ لَهُ ولَدًا صالِحًا. (سَيَهْدِينِ) يُوَفِّقُنِي إلى ما فِيهِ صَلاحِي.
﴿مِنَ الصّالِحِينَ﴾ أيْ ولَدًا يَكُونُ في عِدادِ الصّالِحِينَ. ولَفْظُ الهِبَةِ غَلَبَ في الوَلَدِ، وإنْ كانَ قَدْ جاءَ في الأخِ، كَقَوْلِهِ ﴿ووَهَبْنا لَهُ مِن رَحْمَتِنا أخاهُ هارُونَ نَبِيًّا﴾ [مريم: ٥٣] . واشْتَمَلَتِ البِشارَةُ عَلى ذُكُورِيَّةِ المَوْلُودِ وبُلُوغِهِ سِنَّ الحُلُمِ ووَصْفِهِ بِالحِلْمِ، وأيُّ حِلْمٍ أعْظَمُ مِن قَوْلِهِ، وقَدْ عَرَضَ عَلَيْهِ أبُوهُ الذَّبْحَ ﴿سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّابِرِينَ﴾
﴿فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾، بَيْنَ هَذِهِ الجُمْلَةِ والَّتِي قَبْلَها مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: فَوُلِدَ لَهُ وشَبَّ.
﴿فَلَمّا بَلَغَ﴾ أيْ أنْ يَسْعى مَعَ أبِيهِ في أشْغالِهِ وحَوائِجِهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ: والَسَّعْيُ هُنا: العَمَلُ والعِبادَةُ والمَعُونَةُ. وقالَ قَتادَةُ: السَّعْيُ عَلى القَدَمِ، يُرِيدُ سَعْيًا مُتَمَكِّنًا، وفِيهِ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لا يَصِحُّ تَعَلُّقُهُ بِبَلَغَ بِهِ بُلُوغُهُما مَعًا حَدَّ السَّعْيِ ولا بِالسَّعْيِ؛ لِأنَّ أصْلَهُ المَصْدَرُ لا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ، فَنَفى أنْ يَكُونَ بَيانًا، كَأنَّهُ لَمّا قالَ ﴿فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾، أيِ الحَدَّ الَّذِي يَقْدِرُ فِيهِ عَلى السَّعْيِ، قِيلَ: مَعَ مَن ؟ فَقالَ: مَعَ أبِيهِ، والمَعْنى في اخْتِصاصِ الأبِّ أنَّهُ أرْفَقُ النّاسِ وأعْطَفُهم عَلَيْهِ وعَلى غَيْرِهِ وبِما عَنَّفَ عَلَيْهِ في الِاسْتِسْعاءِ، فَلا يَحْتَمِلُهُ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَسْتَحْكِمْ قَوْلَهُ، ولَمْ يَطْلُبْ عَوْدَهُ، وكانَ إذْ ذاكَ ابْنَ ثَلاثَ عَشْرَةَ سَنَةً. انْتَهى.
﴿قالَ يابُنَيَّ﴾ نِداءُ شَفَقَةٍ وتَرَحُّمٍ.
﴿إنِّي أرى في المَنامِ أنِّي أذْبَحُكَ﴾ أيْ بِأمْرٍ مِنَ اللَّهِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿افْعَلْ ما تُؤْمَرُ﴾ . ورُؤْيا الأنْبِياءِ وحْيٌ كاليَقَظَةِ، وذِكْرُهُ لَهُ الرُّؤْيا تَجْسِيرٌ عَلى احْتِمالِ تِلْكَ البَلِيَّةِ العَظِيمَةِ. وشاوَرَهُ بِقَوْلِهِ ﴿فانْظُرْ ماذا تَرى﴾ وإنْ كانَ حَتْمًا مِنَ اللَّهِ لِيَعْلَمَ ما عِنْدَهُ مِن تَلَقِّي هَذا الِامْتِحانِ العَظِيمِ، ويُصَبِّرَهُ إنْ جَزَعَ، ويُوَطِّنَ نَفْسَهُ عَلى مُلاقاةِ هَذا البَلاءِ، وتَسْكُنَ نَفْسُهُ لِما لا بُدَّ مِنهُ، إذْ مُفاجَأةُ البَلاءِ قَبْلَ الشُّعُورِ بِهِ أصْعَبُ عَلى النَّفْسِ، وكانَ ما رَآهُ في المَنامِ ولَمْ يَكُنْ في اليَقَظَةِ، كَرُؤْيا يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ورُؤْيا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ دُخُولَ المَسْجِدِ الحَرامِ، لِيَدُلَّ عَلى أنَّ حالَتَيِ الأنْبِياءِ يَقَظَةً ومَنامًا سَواءٌ في الصِّدْقِ مُتَظافِرَتانِ عَلَيْهِ. قِيلَ: إنَّهُ حِينَ بَشَّرَتِ المَلائِكَةُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ قالَ: هو إذَنْ ذَبِيحُ اللَّهِ. فَلَمّا بَلَغَ حَدَّ السَّعْيِ مَعَهُ قِيلَ لَهُ: أوْفِ بِنَذْرِكَ. قِيلَ: رَأى لَيْلَةَ التَّرْوِيَةِ قائِلًا يَقُولُ لَهُ: إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ بِذَبْحِ ابْنِكَ هَذا. فَلَمّا أصْبَحَ، رَوّى في ذَلِكَ مِنَ الصَّباحِ إلى الرَّواحِ. أمِنَ اللَّهِ هَذا الحُلْمُ ؟، فَمِن ثَمَّ سُمِّيَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ. فَلَمّا أمْسَ رَأى مِثْلَ ذَلِكَ، فَعَرَفَ أنَّهُ مِنَ اللَّهِ، فَمِن ثَمَّ سُمِّيَ يَوْمَ عَرَفَةَ. ثُمَّ رَأى مِثْلَهُ في اللَّيْلَةِ الثّالِثَةِ، فَهَمَّ بِنَحْرِهِ، فَسُمِّيَ يَوْمَ النَّحْرِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: (p-٣٧٠)(تَرى)، بِفَتْحِ التّاءِ والرّاءِ؛ وعَبْدُ اللَّهِ، والأسْوَدُ بْنُ يَزِيدَ، وابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ، ومُجاهِدٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ الرّاءِ؛ والضَّحّاكُ، والأعْمَشُ أيْضًا بِضَمِّ التّاءِ وفَتْحِ الرّاءِ. فالأوَّلُ مِنَ الرَّأْيِ، والثّانِي ماذا تَرَيَنِّيهِ وما تُبْدِيهِ لِأنْظُرَ فِيهِ ؟ والثّالِثُ ما الَّذِي يُخَيَّلُ إلَيْكَ ويُوقَعُ في قَلْبِكَ ؟ و(انْظُرْ) مُعَلَّقَةٌ، وماذا اسْتِفْهامٌ. فَإنْ كانَتْ (ذا) مَوْصُولَةً بِمَعْنى الَّذِي، فَـ (ما) مُبْتَدَأٌ، والفِعْلُ بَعْدَ (ذا) صِلَةٌ. وإنْ كانَتْ (ذا) مُرَكَّبَةً، فَفي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِالفِعْلِ بَعْدَها. والجُمْلَةُ، واسْمُ الِاسْتِفْهامِ الَّذِي هو مَعْمُولٌ لِلْفِعْلِ بَعْدَهُ في مَوْضِعِ نَصْبِ انْظُرْ. ولَمّا كانَ خِطابُ الأبِّ (يا بُنَيَّ)، عَلى سَبِيلِ التَّرَحُّمِ، قالَ: هو (يا أبَتِ)، عَلى سَبِيلِ التَّعْظِيمِ والتَّوْقِيرِ.
﴿افْعَلْ ما تُؤْمَرُ﴾ أيْ ما تُؤْمَرُهُ، حَذَفَهُ وهو مَنصُوبٌ، وأصْلُهُ ما تُؤْمَرُ بِهِ، فَحُذِفَ الحَرْفُ، واتَّصَلَ الضَّمِيرُ مَنصُوبًا، فَجازَ حَذْفُهُ لِوُجُودِ شَرائِطِ الحَذْفِ فِيهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ أمَرَكَ، عَلى إضافَةِ المَصْدَرِ إلى المَفْعُولِ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، وفي ذَلِكَ خِلافٌ. هَلْ يُعْتَقَدُ في المَصْدَرِ العامِلِ أنْ يَجُوزَ أنْ يُبْنى لِلْمَفْعُولِ، فَيَكُونَ ما بَعْدَهُ مَفْعُولًا لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، أمْ يَكُونَ ذَلِكَ ؟ ﴿سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ كَلامُ مَن أُوتِيَ الحِلْمَ والصَّبْرَ والِامْتِثالَ لِأمْرِ اللَّهِ، والرِّضا بِما أمَرَ اللَّهُ.
﴿فَلَمّا أسْلَما﴾ أيْ لِأمْرِ اللَّهِ، ويُقالُ: اسْتَسْلَمَ وسَلَّمَ بِمَعْناهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: أسْلَما. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وعَلِيٌّ، وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ، وجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، والأعْمَشُ، والثَّوْرِيُّ: سَلَّما: أيْ فَوَّضا إلَيْهِ في قَضائِهِ وقَدَرِهِ. وقُرِئَ: اسْتَسْلَما، ثَلاثُ قِراءاتٍ. وقالَ قَتادَةُ في أسْلَما: أسْلَمَ هَذا ابْنَهُ، وأسْلَمَ هَذا نَفْسَهُ، فَجَعَلَ أسْلَما مُتَعَدِّيًا، وغَيْرَهُ جَعَلَهُ لازِمًا بِمَعْنى: انْقادا لِأمْرِ اللَّهِ وخَضَعا لَهُ.
﴿وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ أيْ أوْقَعَهُ عَلى أحَدِ جَنْبَيْهِ في الأرْضِ مُباشِرًا الأمْرَ بِصَبْرٍ وجَلَدٍ، وذَلِكَ عِنْدَ الصَّخْرَةِ الَّتِي بِمِنًى، وعَنِ الحَسَنِ: في المَوْضِعِ المُشْرِفِ عَلى مَسْجِدِ مِنًى؛ وعَنِ الضَّحّاكِ: في المَنحَرِ الَّذِي يُنْحَرُ فِيهِ اليَوْمَ. وجَوابُ (لَمّا) مَحْذُوفٌ يُقَدَّرُ بَعْدَ ﴿وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾، أيْ أجْزَلْنا أجْرَهُما، قالَهُ بَعْضُ البَصْرِيِّينَ، أوْ بَعْدَ ﴿الرُّؤْيا﴾ أيْ: كانَ ما كانَ مِمّا تَنْطِقُ بِهِ الحالُ ولا يُحِيطُ بِهِ الوَصْفُ مِنِ اسْتِبْشارِهِما وحَمْدِهِما اللَّهَ عَلى ما أنْعَمَ بِهِ إلى ألْفاظٍ كَثِيرَةٍ ذَكَرَها الزَّمَخْشَرِيُّ عَلى عادَتِهِ في خَطابَتِهِ، أوْ قَبْلَ ﴿وتَلَّهُ﴾ تَقْدِيرُهُ ﴿فَلَمّا أسْلَما وتَلَّهُ﴾ . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهو قَوْلُ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ، وهو عِنْدَهم كَقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:
؎فَلَمّا أجَزْنا ساحَةَ الحَيِّ وانْتَحى
وقالَ الكُوفِيُّونَ: الجَوابُ مُثْبَتٌ، وهو ﴿ونادَيْناهُ﴾ عَلى زِيادَةِ الواوِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو ﴿وتَلَّهُ﴾ عَلى زِيادَةِ الواوِ. وذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ في قِصَّةِ إبْراهِيمَ وابْنِهِ، وما جَرى بَيْنَهُما مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ فُصُولًا، اللَّهُ أعْلَمُ بِصِحَّتِها، يُوقِفُ عَلَيْها في كِتابِهِ. و(أنْ) مُفَسِّرَةٌ؛ أيْ ﴿قَدْ صَدَّقْتَ﴾ . وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: ونادَيْناهُ قَدْ صَدَّقَتْ، بِحَذْفِ (أنْ)، وقُرِئَ: صَدَقْتَ، بِتَخْفِيفِ الدّالِ. وقَرَأ فَيّاضٌ: الرِّيّا، بِكَسْرِ الرّاءِ والإدْغامِ وتَصْدِيقِ الرُّؤْيا. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بَذَلَ وِسْعَهُ وفَعَلَ ما يَفْعَلُ الذّابِحُ مِن بَطْحِهِ عَلى شِقِّهِ وإمْرارِ الشَّفْرَةِ عَلى حَلْقِهِ، لَكِنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ جاءَ بِما مَنَعَ الشَّفْرَةَ أنْ تَمْضِيَ فِيهِ، وهَذا لا يَقْدَحُ في فِعْلِ إبْراهِيمَ. ألا تَرى أنَّهُ لا يُسَمّى عاصِيًا ولا مُفَرِّطًا ؟ بَلْ يُسَمّى مُطِيعًا ومُجْتَهِدًا، كَما لَوْ مَضَتْ فِيهِ الشَّفْرَةُ وفَرَتِ الأوْداجَ وأنْهَرَتِ الدَّمَ. ولَيْسَ هَذا مِن وُرُودِ النَّسْخِ عَلى المَأْمُورِ بِهِ قَبْلَ الفِعْلِ، ولا قَبْلَ أوانِ الفِعْلِ في شَيْءٍ، كَما يَسْبِقُ إلى بَعْضِ الأوْهامِ حَتّى يَشْتَغِلَ بِالكَلامِ فِيهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ ﴿قَدْ صَدَّقْتَ﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ بِقَلْبِكَ عَلى مَعْنى: كانَتْ عِنْدَكَ رُؤْياكَ صادِقَةً حَقًّا مِنَ اللَّهِ فَعَمِلْتَ بِحَسَبِها حِينَ آمَنتَ بِها، واعْتَقَدْتَ صِدْقَها. ويَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ: صَدَّقْتَ بِقَلْبِكَ ما حَصَلَ عَنِ الرُّؤْيا في نَفْسِكَ، كَأنَّهُ قالَ: قَدْ وفَّيْتَها حَقَّها مِنَ العَمَلِ. انْتَهى.
﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ تَعْلِيلٌ لِتَخْوِيلِ ما خَوَّلَهُما اللَّهُ مِنَ الفَرَجِ بَعْدَ الشِّدَّةِ، والظَّفَرِ بِالبُغْيَةِ بَعْدَ اليَأْسِ.
(إنَّ هَذا) أيْ ما أُمِرَ بِهِ إبْراهِيمُ مِن ذَبْحِ ابْنِهِ، ﴿لَهُوَ البَلاءُ المُبِينُ﴾ أيِ الِاخْتِبارُ البَيِّنُ الَّذِي يَتَمَيَّزُ فِيهِ المُخْلِصُونَ وغَيْرُهم، أوِ المِحْنَةُ البَيِّنَةُ الصُّعُوبَةِ الَّتِي لا مِحْنَةَ أصْعَبُ مِنها.
﴿وفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو (p-٣٧١)الكَبْشُ الَّذِي قَرَّبَهُ هابِيلُ فَقُبِلَ مِنهُ، وكانَ يَرْعى في الجَنَّةِ حَتّى فُدِيَ بِهِ إسْماعِيلُ. وقالَ أيْضًا هو والحَسَنُ: فُدِيَ بِوَعْلٍ أُهْبِطَ عَلَيْهِ مِن سَرْوٍ. وقالَ الجُمْهُورُ: كَبْشٌ أبْيَضُ أقْرَنُ أقْنى، ووُصِفَ بِالعِظَمِ. قالَ مُجاهِدٌ: لِأنَّهُ مُتَقَبَّلٌ يَقِينًا. وقالَ عَمْرُو بْنُ عَبِيدٍ: لِأنَّهُ جَرَتِ السُّنَّةُ بِهِ، وصارَ دِينًا باقِيًا إلى آخِرِ الدَّهْرِ. وقالَ الحَسَنُ بْنُ الفَضْلِ: لِأنَّهُ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ. وقالَ أبُو بَكْرٍ الوَرّاقُ: لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَنْ نَسْلٍ، بَلْ عَنِ التَّكْوِينِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ: عَظَمَتُهُ كَوْنُهُ مِن كِباشِ الجَنَّةِ، رُعِيَ فِيها أرْبَعِينَ خَرِيفًا. وفي قَوْلِهِ ﴿وفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّ إبْراهِيمَ لَمْ يَذْبَحِ ابْنَهُ، وقَدْ فُدِيَ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: وقَعَ الذَّبْحُ وقامَ بَعْدَ ذَلِكَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا كَذِبٌ صُراحٌ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: لَمْ يَرَ إبْراهِيمُ في مَنامِهِ الإمْرارَ بِالشَّفْرَةِ فَقَطْ، فَظَنَّ أنَّهُ ذِبْحٌ مُجَهَّزٌ، فَنَفَّذَ لِذَلِكَ. فَلَمّا وقَعَ الَّذِي رَآهُ وقَعَ النَّسْخُ، قالَ: ولا اخْتِلافَ، فَإنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، أمَرَّ الشَّفْرَةَ عَلى حَلْقِ ابْنِهِ فَلَمْ تَقْطَعْ. انْتَهى. والَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ القُرْآنُ أنَّهُ ﴿وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ فَقَطْ، ولَمْ يَأْتِ في حَدِيثٍ صَحِيحٍ «أنَّهُ أمَرَّ الشَّفْرَةَ عَلى حَلْقِ ابْنِهِ». ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ﴾ إلى (المُؤْمِنِينَ) تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِهِ في آخِرِ قِصَّةِ نُوحٍ، قَبْلَ قِصَّةِ إبْراهِيمَ هُنا، وقالَ هُنا كَذَلِكَ دُونَ إنّا اكْتِفاءً بِذِكْرِ ذَلِكَ قَبْلُ وبَعْدُ.
﴿وبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ الظّاهِرُ أنَّ هَذِهِ بِشارَةٌ غَيْرُ تِلْكَ البِشارَةِ، وأنَّ الغُلامَ الحَلِيمَ المُبَشَّرَ بِهِ إبْراهِيمُ هو إسْماعِيلُ، وأنَّهُ هو الذَّبِيحُ لا إسْحاقُ؛ وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنُ عُمَرَ، ومُعاوِيَةُ بْنُ أبِي سُفْيانَ، ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ، والشَّعْبِيُّ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وجَماعَةُ مِنَ التّابِعِينَ؛ واسْتَدَلُّوا بِظاهِرِ هَذِهِ الآياتِ وبِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: «أنا ابْنُ الذَّبِيحَيْنِ»، وقَوْلُ الأعْرابِيِّ لَهُ: «يا ابْنَ الذَّبِيحَيْنِ: فَتَبَسَّمَ عَلَيْهِ السَّلامُ»، يَعْنِي إسْماعِيلَ، وأباهُ عَبْدَ اللَّهِ. وكانَ عَبْدُ المُطَّلِبِ نَذَرَ ذَبْحَ أحَدِ ولَدِهِ، فَخَرَجَ السَّهْمُ عَلى عَبْدِ اللَّهِ، فَمَنَعَهُ أخْوالُهُ وقالُوا لَهُ: افْدِ ابْنَكَ بِمِائَةٍ مِنَ الإبِلِ، فَفَداهُ بِها. وفِيما أوْحى اللَّهُ لِمُوسى في حَدِيثٍ طَوِيلٍ. «وأمّا إسْماعِيلُ، فَإنَّهُ جادَ بِدَمِ نَفْسِهِ». وسَألَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ يَهُودِيًا أسْلَمَ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: إنَّ يَهُودِيًا لَيَعْلَمُ، لَكِنَّهم يَحْسُدُونَكم مَعْشَرَ العَرَبِ، وكانَ قَرْنا الكَبْشِ مَنُوطَيْنِ في الكَعْبَةِ. وسَألَ الأصْمَعِيُّ أبا عَمْرِو بْنَ العَلاءِ عَنِ الذَّبِيحِ فَقالَ: يا أصْمَعِيُّ، أيْنَ عَزَبَ عَنْكَ عَقْلُكَ ؟ ومَتى كانَ إسْحاقُ بِمَكَّةَ ؟ وهو الَّذِي بَنى البَيْتَ مَعَ أبِيهِ، والمَنحَرُ بِمَكَّةَ ؟ انْتَهى. ووَصَفَهُ تَعالى بِالصَّبْرِ في قَوْلِهِ ﴿وإسْماعِيلَ وإدْرِيسَ وذا الكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٥] وهو صَبْرُهُ عَلى الذَّبْحِ؛ وبِصِدْقِ الوَعْدِ في قَوْلِهِ ﴿إنَّهُ كانَ صادِقَ الوَعْدِ﴾ [مريم: ٥٤] لِأنَّهُ وعَدَ أباهُ مِن نَفْسِهِ الصَّبْرَ عَلى الذَّبْحِ فَوَفّى بِهِ. وذَكَرَ الطَّبَرِيُّ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ قالَ: الذَّبِيحُ إسْماعِيلُ، ويَزْعُمُ اليَهُودُ أنَّهُ إسْحاقُ، وكَذَبَتِ اليَهُودُ. ومِن أقْوى ما يُسْتَدَلُّ بِهِ أنَّ اللَّهَ تَعالى بَشَّرَ إبْراهِيمَ بِإسْحاقَ، ووَلَدَ إسْحاقُ يَعْقُوبَ. فَلَوْ كانَ الذَّبِيحُ إسْحاقَ، لَكانَ ذَلِكَ الإخْبارُ غَيْرَ مُطابِقٍ لِلْواقِعِ، وهو مُحالٌ في إخْبارِ اللَّهِ تَعالى. وذَهَبَتْ جَماعَةٌ إلى أنَّ الذَّبِيحَ هو إسْحاقُ، مِنهم: العَبّاسُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وعَلِيٌّ، وعَطاءٌ، وعِكْرِمَةُ، وكَعْبٌ، وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، وابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةٍ، وكانَ أمْرَ ذَبْحِهِ بِالشّامِ. وقالَ عَطاءٌ ومُقاتِلٌ: بِبَيْتِ المَقْدِسِ؛ وقِيلَ: بِالحِجازِ، جاءَ مَعَ أبِيهِ عَلى البُراقِ. وقالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، وابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةٍ: وكانَ أمْرَ ذَبْحِهِ بِالشّامِ، كانَ بِالمَقامِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: والبِشارَةُ في قَوْلِهِ ﴿وبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ﴾ هي بِشارَةُ نُبُوَّتِهِ. وقالُوا: أخْبَرَ تَعالى عَنْ خَلِيلِهِ إبْراهِيمَ حِينَ هاجَرَ إلى الشّامِ بِأنَّهُ اسْتَوْهَبَهُ ولَدًا، ثُمَّ أتْبَعَ تِلْكَ البِشارَةَ بِغُلامٍ حَلِيمٍ، ثُمَّ ذَكَرَ رُؤْياهُ بِذَبْحِ ذَلِكَ الغُلامِ المُبَشَّرِ بِهِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ كِتابُ يَعْقُوبَ إلى يُوسُفَ، عَلَيْهِما السَّلامُ: مِن يَعْقُوبَ إسْرائِيلَ اللَّهِ ابْنِ إسْحاقَ ذَبِيحِ اللَّهِ بْنِ إبْراهِيمَ خَلِيلِ اللَّهِ. ومَن جَعَلَ الذَّبِيحَ إسْحاقَ، جَعَلَ هَذِهِ البِشارَةَ بِشارَةً بِنُبُوَّتِهِ، كَما ذَكَرْنا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالُوا: لا يَجُوزُ أنْ يُبَشِّرَهُ اللَّهُ بِوِلادَتِهِ ونُبُوَّتِهِ مَعًا؛ لِأنَّ الِامْتِحانَ بِذَبْحِهِ لا يَصِحُّ مَعَ عِلْمِهِ بِأنَّهُ سَيَكُونُ نَبِيًّا. ومَن جَعَلَهُ إسْماعِيلَ، جَعَلَ البِشارَةَ بِوَلَدِهِ إسْحاقَ. وانْتَصَبَ نَبِيًّا عَلى (p-٣٧٢)الحالِ، وهي حالٌ مُقَدَّرَةٌ. فَإنْ كانَ إسْحاقُ هو الذَّبِيحَ، وكانَتْ هَذِهِ البِشارَةُ بِوِلادَةِ إسْحاقَ، فَقَدْ جَعَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ ذَلِكَ مَحَلَّ سُؤالٍ. فَإنْ قُلْتَ: فَرْقٌ بَيْنَ هَذا وقَوْلِهِ ﴿فادْخُلُوها خالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣] وذَلِكَ أنَّ المَدْخُولَ مَوْجُودٌ مَعَ وُجُودِ الدُّخُولِ، والخُلُودَ غَيْرُ مَوْجُودٍ مَعَهُما، فَقَدَّرْتَ مُقَدَّرَيْنِ لِلْخُلُودِ، فَكانَ مُسْتَقِيمًا. ولَيْسَ كَذَلِكَ المُبَشَّرُ بِهِ، فَإنَّهُ مَعْلُومٌ وقْتَ وُجُودِ البِشارَةِ، وعَدَمُ المُبَشَّرِ بِهِ أوْجَبَ عَدَمَ حالِهِ؛ لِأنَّ الحالَ حِلْيَةٌ لا تَقُومُ إلّا بِالمَحَلِّيِّ. وهَذا المُبَشَّرُ بِهِ الَّذِي هو إسْحاقُ، حِينَ وُجِدَ لَمْ تُوجَدِ النُّبُوَّةُ أيْضًا بِوُجُودِهِ، بَلْ تَراخَتْ عَنْهُ مُدَّةً طَوِيلَةً، فَكَيْفَ يُجْعَلُ نَبِيًّا حالًا مُقَدَّرَةً ؟ والحالُ صِفَةٌ لِلْفاعِلِ والمَفْعُولِ عِنْدَ وُجُودِ الفِعْلِ مِنهُ أوْ بِهِ. فالخُلُودُ وإنْ لَمْ يَكُنْ صِفَتَهم عِنْدَ دُخُولِ الجَنَّةِ، فَتَقْدِيرُها صِفَتُهم؛ لِأنَّ المَعْنى: مُقَدِّرِينَ الخُلُودَ. ولَيْسَ كَذَلِكَ النُّبُوَّةُ، فَإنَّهُ لا سَبِيلَ إلى أنْ تَكُونَ مَوْجُودَةً وقْتَ وُجُودِ البِشارَةِ بِإسْحاقَ لِعَدَمِ إسْحاقَ. قُلْتُ: هَذا سُؤالٌ دَقِيقُ السَّلْكِ ضَيِّقُ المَسْلَكِ، والَّذِي يَحُلُّ الإشْكالَ أنَّهُ لا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ مُضافٍ مَحْذُوفٍ وذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿وبَشَّرْناهُ﴾ بِوُجُودِ إسْحاقَ نَبِيًّا، أيْ بِأنْ يُوجَدَ مُقَدَّرَةً نُبُوَّتُهُ، فالعامِلُ في الحالِ الوُجُودُ، لا فِعْلُ البِشارَةِ؛ وبِذَلِكَ يَرْجِعُ نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فادْخُلُوها خالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣]، (مِنَ الصّالِحِينَ) حالٌ ثانِيَةٌ، ووُرُودُها عَلى سَبِيلِ الثَّناءِ والتَّقْرِيظِ؛ لِأنَّ كُلَّ نَبِيٍّ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ مِنَ الصّالِحِينَ. انْتَهى.
﴿وبارَكْنا عَلَيْهِ وعَلى إسْحاقَ﴾ أفَضْنا عَلَيْهِما بَرَكاتِ الدِّينِ والدُّنْيا، وبِأنْ أخْرَجْنا أنْبِياءَ بَنِي إسْرائِيلَ مِن صُلْبِهِ.
﴿ومِن ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وظالِمٌ﴾ فِيهِ وعِيدٌ لِلْيَهُودِ ومَن كانَ مِن ذُرِّيَّتِهِما لَمْ يُؤْمِن بِمُحَمَّدٍ ﷺ وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ البَرَّ قَدْ يَلِدُ الفاجِرَ، ولا يَلْحَقُهُ مِن ذَلِكَ عَيْبٌ ولا مَنقَصَةٌ.
الصافات 37:110
(p-٣٦٨)﴿وقالَ إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ ﴿فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ يابُنَيَّ إنِّي أرى في المَنامِ أنِّي أذْبَحُكَ فانْظُرْ ماذا تَرى قالَ يا أبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ ﴿فَلَمّا أسْلَما وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ ﴿ونادَيْناهُ أنْ ياإبْراهِيمُ﴾ ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّ هَذا لَهو البَلاءُ المُبِينُ﴾ ﴿وفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى إبْراهِيمَ﴾ ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿وبارَكْنا عَلَيْهِ وعَلى إسْحاقَ ومِن ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ ﴿ولَقَدْ مَنَنّا عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ [الصافات: ١١٤] ﴿ونَجَّيْناهُما وقَوْمَهُما مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ [الصافات: ١١٥] ﴿ونَصَرْناهم فَكانُوا هُمُ الغالِبِينَ﴾ [الصافات: ١١٦] ﴿وآتَيْناهُما الكِتابَ المُسْتَبِينَ﴾ [الصافات: ١١٧] ﴿وهَدَيْناهُما الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ [الصافات: ١١٨] ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِما في الآخِرِينَ﴾ [الصافات: ١١٩] ﴿سَلامٌ عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ [الصافات: ١٢٠] ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ [الصافات: ١٢١] ﴿إنَّهُما مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ [الصافات: ١٢٢] ﴿وإنَّ إلْياسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٢٣] ﴿إذْ قالَ لِقَوْمِهِ ألا تَتَّقُونَ﴾ [الصافات: ١٢٤] ﴿أتَدْعُونَ بَعْلًا وتَذَرُونَ أحْسَنَ الخالِقِينَ﴾ [الصافات: ١٢٥] ﴿اللَّهَ رَبَّكم ورَبَّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ [الصافات: ١٢٦] ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ [الصافات: ١٢٧] ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ [الصافات: ١٢٨] ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ [الصافات: ١٢٩] ﴿سَلامٌ عَلى إلْ ياسِينَ﴾ [الصافات: ١٣٠] ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ [الصافات: ١٣١] ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ [الصافات: ١٣٢] ﴿وإنَّ لُوطًا لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٣٣] ﴿إذْ نَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ﴾ [الصافات: ١٣٤] ﴿إلّا عَجُوزًا في الغابِرِينَ﴾ [الصافات: ١٣٥] ﴿ثُمَّ دَمَّرْنا الآخَرِينَ﴾ [الصافات: ١٣٦] ﴿وإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ﴾ [الصافات: ١٣٧] ﴿وبِاللَّيْلِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات: ١٣٨] ﴿وإنَّ يُونُسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٣٩] ﴿إذْ أبَقَ إلى الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ [الصافات: ١٤٠] ﴿فَساهَمَ فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ﴾ [الصافات: ١٤١] ﴿فالتَقَمَهُ الحُوتُ وهو مُلِيمٌ﴾ [الصافات: ١٤٢] ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ [الصافات: ١٤٣] ﴿لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الصافات: ١٤٤] ﴿فَنَبَذْناهُ بِالعَراءِ وهو سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ١٤٥] ﴿وأنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِن يَقْطِينٍ﴾ [الصافات: ١٤٦] ﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ١٤٧] ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾ [الصافات: ١٤٨] ﴿فاسْتَفْتِهِمْ ألِرَبِّكَ البَناتُ ولَهُمُ البَنُونَ﴾ [الصافات: ١٤٩] ﴿أمْ خَلَقْنا المَلائِكَةَ إناثًا وهم شاهِدُونَ﴾ [الصافات: ١٥٠] ﴿ألا إنَّهم مِن إفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ﴾ [الصافات: ١٥١] ﴿ولَدَ اللَّهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ [الصافات: ١٥٢] ﴿أاصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ﴾ [الصافات: ١٥٣] ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [الصافات: ١٥٤] ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [الصافات: ١٥٥] ﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾ [الصافات: ١٥٦] ﴿فَأْتُوا بِكِتابِكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [الصافات: ١٥٧] ﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا ولَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ إنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ [الصافات: ١٥٨] ﴿سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ [الصافات: ١٥٩] ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ [الصافات: ١٦٠] ﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ﴾ [الصافات: ١٦١] ﴿ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ﴾ [الصافات: ١٦٢] ﴿إلّا مَن هو صالِي الجَحِيمِ﴾ [الصافات: ١٦٣] ﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات: ١٦٤] ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾ [الصافات: ١٦٥] ﴿وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾ [الصافات: ١٦٦] ﴿وإنْ كانُوا لَيَقُولُونَ﴾ [الصافات: ١٦٧] ﴿لَوْ أنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا مِنَ الأوَّلِينَ﴾ [الصافات: ١٦٨] ﴿لَكُنّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ [الصافات: ١٦٩] ﴿فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الصافات: ١٧٠] ﴿ولَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٧١] ﴿إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ﴾ [الصافات: ١٧٢] ﴿وإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ﴾ [الصافات: ١٧٣] ﴿فَتَوَلَّ عَنْهم حَتّى حِينٍ﴾ [الصافات: ١٧٤] ﴿وأبْصِرْهم فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ [الصافات: ١٧٥] ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ [الصافات: ١٧٦] ﴿فَإذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ فَساءَ صَباحُ المُنْذَرِينَ﴾ [الصافات: ١٧٧] ﴿وتَوَلَّ عَنْهم حَتّى حِينٍ﴾ [الصافات: ١٧٨] ﴿وأبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ [الصافات: ١٧٩] ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ [الصافات: ١٨٠] ﴿وسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٨١] ﴿والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الصافات: ١٨٢] تَلَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ: صَرَعَهُ عَلى شِقِّهِ، وقِيلَ: وضَعَهُ بِقُوَّةٍ. وقالَ ساعِدَةُ بْنُ حَوْبَةَ:
؎وتَلَّ تَلِيلًا لِلْجَبِينِ ولِلْفَمِ
والجَبِينانِ: ما اكْتَنَفَ مِن هُنا ومِن هُنا، وشَذَّ جَمْعُ الجَبِينِ عَلى أجْبُنٍ، وقِياسُهُ في القِلَّةِ أجْبِنَةٌ، كَكَثِيبٍ وأكْثِبَةٍ، وفي الكَثْرَةِ: جَبَناتٌ وجُبُنٌ، كَكُثُباتٌ وكُثُبٌ. الذَّبْحُ: اسْمُ ما يُذْبَحُ، كالرَّعْيِ اسْمُ ما يُرْعى. أبَقَ: هَرَبَ. ساهَمَ: قارَعَ. المُدْحَضُ: المَقْلُوبُ. الحُوتُ: مَعْرُوفٌ. ألامَ: أتى بِما يُلامُ عَلَيْهِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎وكَمْ مِن مُلِيمٍ لَمْ يُصَبْ بِمُلامَةٍ ∗∗∗ ومُتَّبِعٍ بِالذَّنْبِ لَيْسَ لَهُ ذَنْبُ
العَراءُ: الأرْضُ الفَيْحاءُ لا شَجَرَ فِيها ولا يُعْلَمُ، قالَ الشّاعِرُ:
؎ورَفَعْتُ رِجْلًا لا أخافُ عِثارَها ∗∗∗ ونَبَذْتُ بِالمِينِ العَراءِ ثِيابِي
اليَقْطِينُ: يَفْعِيلٌ كاليَفْصِيدِ، مِن قَطَنَ: أقامَ بِالمَكانِ، وهو بِالمَكانِ، وهو ما كانَ مِنَ الشَّجَرِ لا يَقُومُ عَلى ساقٍ مِن عُودٍ، كَشَجَرِ البِطِّيخِ والحَنْظَلِ والقِثّاءِ. السّاحَةُ: الفِناءُ، وجَمْعُها سُوحٌ، قالَ الشّاعِرُ:
؎فَكانَ سِيّانِ أنْ لا يَسْرَحُوا نَعَمًا ∗∗∗ أوْ يَسْرَحُوهُ بِها واغْبَرَّتِ السُّوحُ
(p-٣٦٩)
﴿وقالَ إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ ﴿فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ يابُنَيَّ إنِّي أرى في المَنامِ أنِّي أذْبَحُكَ فانْظُرْ ماذا تَرى قالَ يا أبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ ﴿فَلَمّا أسْلَما وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ ﴿ونادَيْناهُ أنْ ياإبْراهِيمُ﴾ ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّ هَذا لَهو البَلاءُ المُبِينُ﴾ ﴿وفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى إبْراهِيمَ﴾ ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿وبارَكْنا عَلَيْهِ وعَلى إسْحاقَ ومِن ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ .
لَمّا سَلَّمَهُ اللَّهُ مِنهم ومِنَ النّارِ الَّتِي ألْقَوْهُ فِيها، عَزَمَ عَلى مُفارَقَتِهِمْ، وعَبَّرَ بِالذَّهابِ إلى رَبِّهِ عَنْ هِجْرَتِهِ إلى أرْضِ الشّامِ. كَما قالَ (﴿إنِّي مُهاجِرٌ إلى رَبِّي﴾ [العنكبوت: ٢٦] لِيَتَمَكَّنَ مِن عِبادَةِ رَبِّهِ ويَتَضَرَّعَ لَهُ مِن غَيْرِ أنْ يَلْقى مَن يُشَوِّشُ عَلَيْهِ، فَهاجَرَ مِن أرْضِ بابِلَ، مِن مَمْلَكَةِ نُمْرُودٍ، إلى الشّامِ. وقِيلَ: إلى أرْضِ مِصْرَ. ويَبْعُدُ قَوْلُ مَن قالَ: لَيْسَ المُرادُ بِذَهابِهِ الهِجْرَةَ، وإنَّما مُرادُهُ لِقاءُ اللَّهِ بَعْدَ الإحْراقِ، ظانًّا مِنهُ أنَّهُ سَيَمُوتُ في النّارِ، فَقالَها قَبْلَ أنْ يُطْرَحَ في النّارِ. و( سَيَهْدِينِ) أيْ إلى الجَنَّةِ، نَحا إلى هَذا قَتادَةُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ﴾ يَدْفَعُ هَذا القَوْلَ، والمُعْتَقِدُ أنَّهُ يَمُوتُ في النّارِ لا يَدْعُو بِأنْ يَهَبَ اللَّهُ لَهُ ولَدًا صالِحًا. (سَيَهْدِينِ) يُوَفِّقُنِي إلى ما فِيهِ صَلاحِي.
﴿مِنَ الصّالِحِينَ﴾ أيْ ولَدًا يَكُونُ في عِدادِ الصّالِحِينَ. ولَفْظُ الهِبَةِ غَلَبَ في الوَلَدِ، وإنْ كانَ قَدْ جاءَ في الأخِ، كَقَوْلِهِ ﴿ووَهَبْنا لَهُ مِن رَحْمَتِنا أخاهُ هارُونَ نَبِيًّا﴾ [مريم: ٥٣] . واشْتَمَلَتِ البِشارَةُ عَلى ذُكُورِيَّةِ المَوْلُودِ وبُلُوغِهِ سِنَّ الحُلُمِ ووَصْفِهِ بِالحِلْمِ، وأيُّ حِلْمٍ أعْظَمُ مِن قَوْلِهِ، وقَدْ عَرَضَ عَلَيْهِ أبُوهُ الذَّبْحَ ﴿سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّابِرِينَ﴾
﴿فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾، بَيْنَ هَذِهِ الجُمْلَةِ والَّتِي قَبْلَها مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: فَوُلِدَ لَهُ وشَبَّ.
﴿فَلَمّا بَلَغَ﴾ أيْ أنْ يَسْعى مَعَ أبِيهِ في أشْغالِهِ وحَوائِجِهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ: والَسَّعْيُ هُنا: العَمَلُ والعِبادَةُ والمَعُونَةُ. وقالَ قَتادَةُ: السَّعْيُ عَلى القَدَمِ، يُرِيدُ سَعْيًا مُتَمَكِّنًا، وفِيهِ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لا يَصِحُّ تَعَلُّقُهُ بِبَلَغَ بِهِ بُلُوغُهُما مَعًا حَدَّ السَّعْيِ ولا بِالسَّعْيِ؛ لِأنَّ أصْلَهُ المَصْدَرُ لا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ، فَنَفى أنْ يَكُونَ بَيانًا، كَأنَّهُ لَمّا قالَ ﴿فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾، أيِ الحَدَّ الَّذِي يَقْدِرُ فِيهِ عَلى السَّعْيِ، قِيلَ: مَعَ مَن ؟ فَقالَ: مَعَ أبِيهِ، والمَعْنى في اخْتِصاصِ الأبِّ أنَّهُ أرْفَقُ النّاسِ وأعْطَفُهم عَلَيْهِ وعَلى غَيْرِهِ وبِما عَنَّفَ عَلَيْهِ في الِاسْتِسْعاءِ، فَلا يَحْتَمِلُهُ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَسْتَحْكِمْ قَوْلَهُ، ولَمْ يَطْلُبْ عَوْدَهُ، وكانَ إذْ ذاكَ ابْنَ ثَلاثَ عَشْرَةَ سَنَةً. انْتَهى.
﴿قالَ يابُنَيَّ﴾ نِداءُ شَفَقَةٍ وتَرَحُّمٍ.
﴿إنِّي أرى في المَنامِ أنِّي أذْبَحُكَ﴾ أيْ بِأمْرٍ مِنَ اللَّهِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿افْعَلْ ما تُؤْمَرُ﴾ . ورُؤْيا الأنْبِياءِ وحْيٌ كاليَقَظَةِ، وذِكْرُهُ لَهُ الرُّؤْيا تَجْسِيرٌ عَلى احْتِمالِ تِلْكَ البَلِيَّةِ العَظِيمَةِ. وشاوَرَهُ بِقَوْلِهِ ﴿فانْظُرْ ماذا تَرى﴾ وإنْ كانَ حَتْمًا مِنَ اللَّهِ لِيَعْلَمَ ما عِنْدَهُ مِن تَلَقِّي هَذا الِامْتِحانِ العَظِيمِ، ويُصَبِّرَهُ إنْ جَزَعَ، ويُوَطِّنَ نَفْسَهُ عَلى مُلاقاةِ هَذا البَلاءِ، وتَسْكُنَ نَفْسُهُ لِما لا بُدَّ مِنهُ، إذْ مُفاجَأةُ البَلاءِ قَبْلَ الشُّعُورِ بِهِ أصْعَبُ عَلى النَّفْسِ، وكانَ ما رَآهُ في المَنامِ ولَمْ يَكُنْ في اليَقَظَةِ، كَرُؤْيا يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ورُؤْيا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ دُخُولَ المَسْجِدِ الحَرامِ، لِيَدُلَّ عَلى أنَّ حالَتَيِ الأنْبِياءِ يَقَظَةً ومَنامًا سَواءٌ في الصِّدْقِ مُتَظافِرَتانِ عَلَيْهِ. قِيلَ: إنَّهُ حِينَ بَشَّرَتِ المَلائِكَةُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ قالَ: هو إذَنْ ذَبِيحُ اللَّهِ. فَلَمّا بَلَغَ حَدَّ السَّعْيِ مَعَهُ قِيلَ لَهُ: أوْفِ بِنَذْرِكَ. قِيلَ: رَأى لَيْلَةَ التَّرْوِيَةِ قائِلًا يَقُولُ لَهُ: إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ بِذَبْحِ ابْنِكَ هَذا. فَلَمّا أصْبَحَ، رَوّى في ذَلِكَ مِنَ الصَّباحِ إلى الرَّواحِ. أمِنَ اللَّهِ هَذا الحُلْمُ ؟، فَمِن ثَمَّ سُمِّيَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ. فَلَمّا أمْسَ رَأى مِثْلَ ذَلِكَ، فَعَرَفَ أنَّهُ مِنَ اللَّهِ، فَمِن ثَمَّ سُمِّيَ يَوْمَ عَرَفَةَ. ثُمَّ رَأى مِثْلَهُ في اللَّيْلَةِ الثّالِثَةِ، فَهَمَّ بِنَحْرِهِ، فَسُمِّيَ يَوْمَ النَّحْرِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: (p-٣٧٠)(تَرى)، بِفَتْحِ التّاءِ والرّاءِ؛ وعَبْدُ اللَّهِ، والأسْوَدُ بْنُ يَزِيدَ، وابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ، ومُجاهِدٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ الرّاءِ؛ والضَّحّاكُ، والأعْمَشُ أيْضًا بِضَمِّ التّاءِ وفَتْحِ الرّاءِ. فالأوَّلُ مِنَ الرَّأْيِ، والثّانِي ماذا تَرَيَنِّيهِ وما تُبْدِيهِ لِأنْظُرَ فِيهِ ؟ والثّالِثُ ما الَّذِي يُخَيَّلُ إلَيْكَ ويُوقَعُ في قَلْبِكَ ؟ و(انْظُرْ) مُعَلَّقَةٌ، وماذا اسْتِفْهامٌ. فَإنْ كانَتْ (ذا) مَوْصُولَةً بِمَعْنى الَّذِي، فَـ (ما) مُبْتَدَأٌ، والفِعْلُ بَعْدَ (ذا) صِلَةٌ. وإنْ كانَتْ (ذا) مُرَكَّبَةً، فَفي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِالفِعْلِ بَعْدَها. والجُمْلَةُ، واسْمُ الِاسْتِفْهامِ الَّذِي هو مَعْمُولٌ لِلْفِعْلِ بَعْدَهُ في مَوْضِعِ نَصْبِ انْظُرْ. ولَمّا كانَ خِطابُ الأبِّ (يا بُنَيَّ)، عَلى سَبِيلِ التَّرَحُّمِ، قالَ: هو (يا أبَتِ)، عَلى سَبِيلِ التَّعْظِيمِ والتَّوْقِيرِ.
﴿افْعَلْ ما تُؤْمَرُ﴾ أيْ ما تُؤْمَرُهُ، حَذَفَهُ وهو مَنصُوبٌ، وأصْلُهُ ما تُؤْمَرُ بِهِ، فَحُذِفَ الحَرْفُ، واتَّصَلَ الضَّمِيرُ مَنصُوبًا، فَجازَ حَذْفُهُ لِوُجُودِ شَرائِطِ الحَذْفِ فِيهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ أمَرَكَ، عَلى إضافَةِ المَصْدَرِ إلى المَفْعُولِ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، وفي ذَلِكَ خِلافٌ. هَلْ يُعْتَقَدُ في المَصْدَرِ العامِلِ أنْ يَجُوزَ أنْ يُبْنى لِلْمَفْعُولِ، فَيَكُونَ ما بَعْدَهُ مَفْعُولًا لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، أمْ يَكُونَ ذَلِكَ ؟ ﴿سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ كَلامُ مَن أُوتِيَ الحِلْمَ والصَّبْرَ والِامْتِثالَ لِأمْرِ اللَّهِ، والرِّضا بِما أمَرَ اللَّهُ.
﴿فَلَمّا أسْلَما﴾ أيْ لِأمْرِ اللَّهِ، ويُقالُ: اسْتَسْلَمَ وسَلَّمَ بِمَعْناهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: أسْلَما. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وعَلِيٌّ، وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ، وجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، والأعْمَشُ، والثَّوْرِيُّ: سَلَّما: أيْ فَوَّضا إلَيْهِ في قَضائِهِ وقَدَرِهِ. وقُرِئَ: اسْتَسْلَما، ثَلاثُ قِراءاتٍ. وقالَ قَتادَةُ في أسْلَما: أسْلَمَ هَذا ابْنَهُ، وأسْلَمَ هَذا نَفْسَهُ، فَجَعَلَ أسْلَما مُتَعَدِّيًا، وغَيْرَهُ جَعَلَهُ لازِمًا بِمَعْنى: انْقادا لِأمْرِ اللَّهِ وخَضَعا لَهُ.
﴿وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ أيْ أوْقَعَهُ عَلى أحَدِ جَنْبَيْهِ في الأرْضِ مُباشِرًا الأمْرَ بِصَبْرٍ وجَلَدٍ، وذَلِكَ عِنْدَ الصَّخْرَةِ الَّتِي بِمِنًى، وعَنِ الحَسَنِ: في المَوْضِعِ المُشْرِفِ عَلى مَسْجِدِ مِنًى؛ وعَنِ الضَّحّاكِ: في المَنحَرِ الَّذِي يُنْحَرُ فِيهِ اليَوْمَ. وجَوابُ (لَمّا) مَحْذُوفٌ يُقَدَّرُ بَعْدَ ﴿وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾، أيْ أجْزَلْنا أجْرَهُما، قالَهُ بَعْضُ البَصْرِيِّينَ، أوْ بَعْدَ ﴿الرُّؤْيا﴾ أيْ: كانَ ما كانَ مِمّا تَنْطِقُ بِهِ الحالُ ولا يُحِيطُ بِهِ الوَصْفُ مِنِ اسْتِبْشارِهِما وحَمْدِهِما اللَّهَ عَلى ما أنْعَمَ بِهِ إلى ألْفاظٍ كَثِيرَةٍ ذَكَرَها الزَّمَخْشَرِيُّ عَلى عادَتِهِ في خَطابَتِهِ، أوْ قَبْلَ ﴿وتَلَّهُ﴾ تَقْدِيرُهُ ﴿فَلَمّا أسْلَما وتَلَّهُ﴾ . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهو قَوْلُ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ، وهو عِنْدَهم كَقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:
؎فَلَمّا أجَزْنا ساحَةَ الحَيِّ وانْتَحى
وقالَ الكُوفِيُّونَ: الجَوابُ مُثْبَتٌ، وهو ﴿ونادَيْناهُ﴾ عَلى زِيادَةِ الواوِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو ﴿وتَلَّهُ﴾ عَلى زِيادَةِ الواوِ. وذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ في قِصَّةِ إبْراهِيمَ وابْنِهِ، وما جَرى بَيْنَهُما مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ فُصُولًا، اللَّهُ أعْلَمُ بِصِحَّتِها، يُوقِفُ عَلَيْها في كِتابِهِ. و(أنْ) مُفَسِّرَةٌ؛ أيْ ﴿قَدْ صَدَّقْتَ﴾ . وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: ونادَيْناهُ قَدْ صَدَّقَتْ، بِحَذْفِ (أنْ)، وقُرِئَ: صَدَقْتَ، بِتَخْفِيفِ الدّالِ. وقَرَأ فَيّاضٌ: الرِّيّا، بِكَسْرِ الرّاءِ والإدْغامِ وتَصْدِيقِ الرُّؤْيا. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بَذَلَ وِسْعَهُ وفَعَلَ ما يَفْعَلُ الذّابِحُ مِن بَطْحِهِ عَلى شِقِّهِ وإمْرارِ الشَّفْرَةِ عَلى حَلْقِهِ، لَكِنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ جاءَ بِما مَنَعَ الشَّفْرَةَ أنْ تَمْضِيَ فِيهِ، وهَذا لا يَقْدَحُ في فِعْلِ إبْراهِيمَ. ألا تَرى أنَّهُ لا يُسَمّى عاصِيًا ولا مُفَرِّطًا ؟ بَلْ يُسَمّى مُطِيعًا ومُجْتَهِدًا، كَما لَوْ مَضَتْ فِيهِ الشَّفْرَةُ وفَرَتِ الأوْداجَ وأنْهَرَتِ الدَّمَ. ولَيْسَ هَذا مِن وُرُودِ النَّسْخِ عَلى المَأْمُورِ بِهِ قَبْلَ الفِعْلِ، ولا قَبْلَ أوانِ الفِعْلِ في شَيْءٍ، كَما يَسْبِقُ إلى بَعْضِ الأوْهامِ حَتّى يَشْتَغِلَ بِالكَلامِ فِيهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ ﴿قَدْ صَدَّقْتَ﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ بِقَلْبِكَ عَلى مَعْنى: كانَتْ عِنْدَكَ رُؤْياكَ صادِقَةً حَقًّا مِنَ اللَّهِ فَعَمِلْتَ بِحَسَبِها حِينَ آمَنتَ بِها، واعْتَقَدْتَ صِدْقَها. ويَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ: صَدَّقْتَ بِقَلْبِكَ ما حَصَلَ عَنِ الرُّؤْيا في نَفْسِكَ، كَأنَّهُ قالَ: قَدْ وفَّيْتَها حَقَّها مِنَ العَمَلِ. انْتَهى.
﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ تَعْلِيلٌ لِتَخْوِيلِ ما خَوَّلَهُما اللَّهُ مِنَ الفَرَجِ بَعْدَ الشِّدَّةِ، والظَّفَرِ بِالبُغْيَةِ بَعْدَ اليَأْسِ.
(إنَّ هَذا) أيْ ما أُمِرَ بِهِ إبْراهِيمُ مِن ذَبْحِ ابْنِهِ، ﴿لَهُوَ البَلاءُ المُبِينُ﴾ أيِ الِاخْتِبارُ البَيِّنُ الَّذِي يَتَمَيَّزُ فِيهِ المُخْلِصُونَ وغَيْرُهم، أوِ المِحْنَةُ البَيِّنَةُ الصُّعُوبَةِ الَّتِي لا مِحْنَةَ أصْعَبُ مِنها.
﴿وفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو (p-٣٧١)الكَبْشُ الَّذِي قَرَّبَهُ هابِيلُ فَقُبِلَ مِنهُ، وكانَ يَرْعى في الجَنَّةِ حَتّى فُدِيَ بِهِ إسْماعِيلُ. وقالَ أيْضًا هو والحَسَنُ: فُدِيَ بِوَعْلٍ أُهْبِطَ عَلَيْهِ مِن سَرْوٍ. وقالَ الجُمْهُورُ: كَبْشٌ أبْيَضُ أقْرَنُ أقْنى، ووُصِفَ بِالعِظَمِ. قالَ مُجاهِدٌ: لِأنَّهُ مُتَقَبَّلٌ يَقِينًا. وقالَ عَمْرُو بْنُ عَبِيدٍ: لِأنَّهُ جَرَتِ السُّنَّةُ بِهِ، وصارَ دِينًا باقِيًا إلى آخِرِ الدَّهْرِ. وقالَ الحَسَنُ بْنُ الفَضْلِ: لِأنَّهُ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ. وقالَ أبُو بَكْرٍ الوَرّاقُ: لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَنْ نَسْلٍ، بَلْ عَنِ التَّكْوِينِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ: عَظَمَتُهُ كَوْنُهُ مِن كِباشِ الجَنَّةِ، رُعِيَ فِيها أرْبَعِينَ خَرِيفًا. وفي قَوْلِهِ ﴿وفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّ إبْراهِيمَ لَمْ يَذْبَحِ ابْنَهُ، وقَدْ فُدِيَ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: وقَعَ الذَّبْحُ وقامَ بَعْدَ ذَلِكَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا كَذِبٌ صُراحٌ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: لَمْ يَرَ إبْراهِيمُ في مَنامِهِ الإمْرارَ بِالشَّفْرَةِ فَقَطْ، فَظَنَّ أنَّهُ ذِبْحٌ مُجَهَّزٌ، فَنَفَّذَ لِذَلِكَ. فَلَمّا وقَعَ الَّذِي رَآهُ وقَعَ النَّسْخُ، قالَ: ولا اخْتِلافَ، فَإنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، أمَرَّ الشَّفْرَةَ عَلى حَلْقِ ابْنِهِ فَلَمْ تَقْطَعْ. انْتَهى. والَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ القُرْآنُ أنَّهُ ﴿وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ فَقَطْ، ولَمْ يَأْتِ في حَدِيثٍ صَحِيحٍ «أنَّهُ أمَرَّ الشَّفْرَةَ عَلى حَلْقِ ابْنِهِ». ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ﴾ إلى (المُؤْمِنِينَ) تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِهِ في آخِرِ قِصَّةِ نُوحٍ، قَبْلَ قِصَّةِ إبْراهِيمَ هُنا، وقالَ هُنا كَذَلِكَ دُونَ إنّا اكْتِفاءً بِذِكْرِ ذَلِكَ قَبْلُ وبَعْدُ.
﴿وبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ الظّاهِرُ أنَّ هَذِهِ بِشارَةٌ غَيْرُ تِلْكَ البِشارَةِ، وأنَّ الغُلامَ الحَلِيمَ المُبَشَّرَ بِهِ إبْراهِيمُ هو إسْماعِيلُ، وأنَّهُ هو الذَّبِيحُ لا إسْحاقُ؛ وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنُ عُمَرَ، ومُعاوِيَةُ بْنُ أبِي سُفْيانَ، ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ، والشَّعْبِيُّ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وجَماعَةُ مِنَ التّابِعِينَ؛ واسْتَدَلُّوا بِظاهِرِ هَذِهِ الآياتِ وبِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: «أنا ابْنُ الذَّبِيحَيْنِ»، وقَوْلُ الأعْرابِيِّ لَهُ: «يا ابْنَ الذَّبِيحَيْنِ: فَتَبَسَّمَ عَلَيْهِ السَّلامُ»، يَعْنِي إسْماعِيلَ، وأباهُ عَبْدَ اللَّهِ. وكانَ عَبْدُ المُطَّلِبِ نَذَرَ ذَبْحَ أحَدِ ولَدِهِ، فَخَرَجَ السَّهْمُ عَلى عَبْدِ اللَّهِ، فَمَنَعَهُ أخْوالُهُ وقالُوا لَهُ: افْدِ ابْنَكَ بِمِائَةٍ مِنَ الإبِلِ، فَفَداهُ بِها. وفِيما أوْحى اللَّهُ لِمُوسى في حَدِيثٍ طَوِيلٍ. «وأمّا إسْماعِيلُ، فَإنَّهُ جادَ بِدَمِ نَفْسِهِ». وسَألَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ يَهُودِيًا أسْلَمَ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: إنَّ يَهُودِيًا لَيَعْلَمُ، لَكِنَّهم يَحْسُدُونَكم مَعْشَرَ العَرَبِ، وكانَ قَرْنا الكَبْشِ مَنُوطَيْنِ في الكَعْبَةِ. وسَألَ الأصْمَعِيُّ أبا عَمْرِو بْنَ العَلاءِ عَنِ الذَّبِيحِ فَقالَ: يا أصْمَعِيُّ، أيْنَ عَزَبَ عَنْكَ عَقْلُكَ ؟ ومَتى كانَ إسْحاقُ بِمَكَّةَ ؟ وهو الَّذِي بَنى البَيْتَ مَعَ أبِيهِ، والمَنحَرُ بِمَكَّةَ ؟ انْتَهى. ووَصَفَهُ تَعالى بِالصَّبْرِ في قَوْلِهِ ﴿وإسْماعِيلَ وإدْرِيسَ وذا الكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٥] وهو صَبْرُهُ عَلى الذَّبْحِ؛ وبِصِدْقِ الوَعْدِ في قَوْلِهِ ﴿إنَّهُ كانَ صادِقَ الوَعْدِ﴾ [مريم: ٥٤] لِأنَّهُ وعَدَ أباهُ مِن نَفْسِهِ الصَّبْرَ عَلى الذَّبْحِ فَوَفّى بِهِ. وذَكَرَ الطَّبَرِيُّ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ قالَ: الذَّبِيحُ إسْماعِيلُ، ويَزْعُمُ اليَهُودُ أنَّهُ إسْحاقُ، وكَذَبَتِ اليَهُودُ. ومِن أقْوى ما يُسْتَدَلُّ بِهِ أنَّ اللَّهَ تَعالى بَشَّرَ إبْراهِيمَ بِإسْحاقَ، ووَلَدَ إسْحاقُ يَعْقُوبَ. فَلَوْ كانَ الذَّبِيحُ إسْحاقَ، لَكانَ ذَلِكَ الإخْبارُ غَيْرَ مُطابِقٍ لِلْواقِعِ، وهو مُحالٌ في إخْبارِ اللَّهِ تَعالى. وذَهَبَتْ جَماعَةٌ إلى أنَّ الذَّبِيحَ هو إسْحاقُ، مِنهم: العَبّاسُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وعَلِيٌّ، وعَطاءٌ، وعِكْرِمَةُ، وكَعْبٌ، وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، وابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةٍ، وكانَ أمْرَ ذَبْحِهِ بِالشّامِ. وقالَ عَطاءٌ ومُقاتِلٌ: بِبَيْتِ المَقْدِسِ؛ وقِيلَ: بِالحِجازِ، جاءَ مَعَ أبِيهِ عَلى البُراقِ. وقالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، وابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةٍ: وكانَ أمْرَ ذَبْحِهِ بِالشّامِ، كانَ بِالمَقامِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: والبِشارَةُ في قَوْلِهِ ﴿وبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ﴾ هي بِشارَةُ نُبُوَّتِهِ. وقالُوا: أخْبَرَ تَعالى عَنْ خَلِيلِهِ إبْراهِيمَ حِينَ هاجَرَ إلى الشّامِ بِأنَّهُ اسْتَوْهَبَهُ ولَدًا، ثُمَّ أتْبَعَ تِلْكَ البِشارَةَ بِغُلامٍ حَلِيمٍ، ثُمَّ ذَكَرَ رُؤْياهُ بِذَبْحِ ذَلِكَ الغُلامِ المُبَشَّرِ بِهِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ كِتابُ يَعْقُوبَ إلى يُوسُفَ، عَلَيْهِما السَّلامُ: مِن يَعْقُوبَ إسْرائِيلَ اللَّهِ ابْنِ إسْحاقَ ذَبِيحِ اللَّهِ بْنِ إبْراهِيمَ خَلِيلِ اللَّهِ. ومَن جَعَلَ الذَّبِيحَ إسْحاقَ، جَعَلَ هَذِهِ البِشارَةَ بِشارَةً بِنُبُوَّتِهِ، كَما ذَكَرْنا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالُوا: لا يَجُوزُ أنْ يُبَشِّرَهُ اللَّهُ بِوِلادَتِهِ ونُبُوَّتِهِ مَعًا؛ لِأنَّ الِامْتِحانَ بِذَبْحِهِ لا يَصِحُّ مَعَ عِلْمِهِ بِأنَّهُ سَيَكُونُ نَبِيًّا. ومَن جَعَلَهُ إسْماعِيلَ، جَعَلَ البِشارَةَ بِوَلَدِهِ إسْحاقَ. وانْتَصَبَ نَبِيًّا عَلى (p-٣٧٢)الحالِ، وهي حالٌ مُقَدَّرَةٌ. فَإنْ كانَ إسْحاقُ هو الذَّبِيحَ، وكانَتْ هَذِهِ البِشارَةُ بِوِلادَةِ إسْحاقَ، فَقَدْ جَعَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ ذَلِكَ مَحَلَّ سُؤالٍ. فَإنْ قُلْتَ: فَرْقٌ بَيْنَ هَذا وقَوْلِهِ ﴿فادْخُلُوها خالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣] وذَلِكَ أنَّ المَدْخُولَ مَوْجُودٌ مَعَ وُجُودِ الدُّخُولِ، والخُلُودَ غَيْرُ مَوْجُودٍ مَعَهُما، فَقَدَّرْتَ مُقَدَّرَيْنِ لِلْخُلُودِ، فَكانَ مُسْتَقِيمًا. ولَيْسَ كَذَلِكَ المُبَشَّرُ بِهِ، فَإنَّهُ مَعْلُومٌ وقْتَ وُجُودِ البِشارَةِ، وعَدَمُ المُبَشَّرِ بِهِ أوْجَبَ عَدَمَ حالِهِ؛ لِأنَّ الحالَ حِلْيَةٌ لا تَقُومُ إلّا بِالمَحَلِّيِّ. وهَذا المُبَشَّرُ بِهِ الَّذِي هو إسْحاقُ، حِينَ وُجِدَ لَمْ تُوجَدِ النُّبُوَّةُ أيْضًا بِوُجُودِهِ، بَلْ تَراخَتْ عَنْهُ مُدَّةً طَوِيلَةً، فَكَيْفَ يُجْعَلُ نَبِيًّا حالًا مُقَدَّرَةً ؟ والحالُ صِفَةٌ لِلْفاعِلِ والمَفْعُولِ عِنْدَ وُجُودِ الفِعْلِ مِنهُ أوْ بِهِ. فالخُلُودُ وإنْ لَمْ يَكُنْ صِفَتَهم عِنْدَ دُخُولِ الجَنَّةِ، فَتَقْدِيرُها صِفَتُهم؛ لِأنَّ المَعْنى: مُقَدِّرِينَ الخُلُودَ. ولَيْسَ كَذَلِكَ النُّبُوَّةُ، فَإنَّهُ لا سَبِيلَ إلى أنْ تَكُونَ مَوْجُودَةً وقْتَ وُجُودِ البِشارَةِ بِإسْحاقَ لِعَدَمِ إسْحاقَ. قُلْتُ: هَذا سُؤالٌ دَقِيقُ السَّلْكِ ضَيِّقُ المَسْلَكِ، والَّذِي يَحُلُّ الإشْكالَ أنَّهُ لا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ مُضافٍ مَحْذُوفٍ وذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿وبَشَّرْناهُ﴾ بِوُجُودِ إسْحاقَ نَبِيًّا، أيْ بِأنْ يُوجَدَ مُقَدَّرَةً نُبُوَّتُهُ، فالعامِلُ في الحالِ الوُجُودُ، لا فِعْلُ البِشارَةِ؛ وبِذَلِكَ يَرْجِعُ نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فادْخُلُوها خالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣]، (مِنَ الصّالِحِينَ) حالٌ ثانِيَةٌ، ووُرُودُها عَلى سَبِيلِ الثَّناءِ والتَّقْرِيظِ؛ لِأنَّ كُلَّ نَبِيٍّ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ مِنَ الصّالِحِينَ. انْتَهى.
﴿وبارَكْنا عَلَيْهِ وعَلى إسْحاقَ﴾ أفَضْنا عَلَيْهِما بَرَكاتِ الدِّينِ والدُّنْيا، وبِأنْ أخْرَجْنا أنْبِياءَ بَنِي إسْرائِيلَ مِن صُلْبِهِ.
﴿ومِن ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وظالِمٌ﴾ فِيهِ وعِيدٌ لِلْيَهُودِ ومَن كانَ مِن ذُرِّيَّتِهِما لَمْ يُؤْمِن بِمُحَمَّدٍ ﷺ وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ البَرَّ قَدْ يَلِدُ الفاجِرَ، ولا يَلْحَقُهُ مِن ذَلِكَ عَيْبٌ ولا مَنقَصَةٌ.
الصافات 37:111
(p-٣٦٨)﴿وقالَ إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ ﴿فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ يابُنَيَّ إنِّي أرى في المَنامِ أنِّي أذْبَحُكَ فانْظُرْ ماذا تَرى قالَ يا أبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ ﴿فَلَمّا أسْلَما وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ ﴿ونادَيْناهُ أنْ ياإبْراهِيمُ﴾ ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّ هَذا لَهو البَلاءُ المُبِينُ﴾ ﴿وفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى إبْراهِيمَ﴾ ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿وبارَكْنا عَلَيْهِ وعَلى إسْحاقَ ومِن ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ ﴿ولَقَدْ مَنَنّا عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ [الصافات: ١١٤] ﴿ونَجَّيْناهُما وقَوْمَهُما مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ [الصافات: ١١٥] ﴿ونَصَرْناهم فَكانُوا هُمُ الغالِبِينَ﴾ [الصافات: ١١٦] ﴿وآتَيْناهُما الكِتابَ المُسْتَبِينَ﴾ [الصافات: ١١٧] ﴿وهَدَيْناهُما الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ [الصافات: ١١٨] ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِما في الآخِرِينَ﴾ [الصافات: ١١٩] ﴿سَلامٌ عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ [الصافات: ١٢٠] ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ [الصافات: ١٢١] ﴿إنَّهُما مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ [الصافات: ١٢٢] ﴿وإنَّ إلْياسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٢٣] ﴿إذْ قالَ لِقَوْمِهِ ألا تَتَّقُونَ﴾ [الصافات: ١٢٤] ﴿أتَدْعُونَ بَعْلًا وتَذَرُونَ أحْسَنَ الخالِقِينَ﴾ [الصافات: ١٢٥] ﴿اللَّهَ رَبَّكم ورَبَّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ [الصافات: ١٢٦] ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ [الصافات: ١٢٧] ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ [الصافات: ١٢٨] ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ [الصافات: ١٢٩] ﴿سَلامٌ عَلى إلْ ياسِينَ﴾ [الصافات: ١٣٠] ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ [الصافات: ١٣١] ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ [الصافات: ١٣٢] ﴿وإنَّ لُوطًا لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٣٣] ﴿إذْ نَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ﴾ [الصافات: ١٣٤] ﴿إلّا عَجُوزًا في الغابِرِينَ﴾ [الصافات: ١٣٥] ﴿ثُمَّ دَمَّرْنا الآخَرِينَ﴾ [الصافات: ١٣٦] ﴿وإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ﴾ [الصافات: ١٣٧] ﴿وبِاللَّيْلِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات: ١٣٨] ﴿وإنَّ يُونُسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٣٩] ﴿إذْ أبَقَ إلى الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ [الصافات: ١٤٠] ﴿فَساهَمَ فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ﴾ [الصافات: ١٤١] ﴿فالتَقَمَهُ الحُوتُ وهو مُلِيمٌ﴾ [الصافات: ١٤٢] ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ [الصافات: ١٤٣] ﴿لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الصافات: ١٤٤] ﴿فَنَبَذْناهُ بِالعَراءِ وهو سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ١٤٥] ﴿وأنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِن يَقْطِينٍ﴾ [الصافات: ١٤٦] ﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ١٤٧] ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾ [الصافات: ١٤٨] ﴿فاسْتَفْتِهِمْ ألِرَبِّكَ البَناتُ ولَهُمُ البَنُونَ﴾ [الصافات: ١٤٩] ﴿أمْ خَلَقْنا المَلائِكَةَ إناثًا وهم شاهِدُونَ﴾ [الصافات: ١٥٠] ﴿ألا إنَّهم مِن إفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ﴾ [الصافات: ١٥١] ﴿ولَدَ اللَّهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ [الصافات: ١٥٢] ﴿أاصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ﴾ [الصافات: ١٥٣] ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [الصافات: ١٥٤] ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [الصافات: ١٥٥] ﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾ [الصافات: ١٥٦] ﴿فَأْتُوا بِكِتابِكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [الصافات: ١٥٧] ﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا ولَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ إنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ [الصافات: ١٥٨] ﴿سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ [الصافات: ١٥٩] ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ [الصافات: ١٦٠] ﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ﴾ [الصافات: ١٦١] ﴿ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ﴾ [الصافات: ١٦٢] ﴿إلّا مَن هو صالِي الجَحِيمِ﴾ [الصافات: ١٦٣] ﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات: ١٦٤] ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾ [الصافات: ١٦٥] ﴿وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾ [الصافات: ١٦٦] ﴿وإنْ كانُوا لَيَقُولُونَ﴾ [الصافات: ١٦٧] ﴿لَوْ أنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا مِنَ الأوَّلِينَ﴾ [الصافات: ١٦٨] ﴿لَكُنّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ [الصافات: ١٦٩] ﴿فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الصافات: ١٧٠] ﴿ولَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٧١] ﴿إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ﴾ [الصافات: ١٧٢] ﴿وإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ﴾ [الصافات: ١٧٣] ﴿فَتَوَلَّ عَنْهم حَتّى حِينٍ﴾ [الصافات: ١٧٤] ﴿وأبْصِرْهم فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ [الصافات: ١٧٥] ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ [الصافات: ١٧٦] ﴿فَإذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ فَساءَ صَباحُ المُنْذَرِينَ﴾ [الصافات: ١٧٧] ﴿وتَوَلَّ عَنْهم حَتّى حِينٍ﴾ [الصافات: ١٧٨] ﴿وأبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ [الصافات: ١٧٩] ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ [الصافات: ١٨٠] ﴿وسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٨١] ﴿والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الصافات: ١٨٢] تَلَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ: صَرَعَهُ عَلى شِقِّهِ، وقِيلَ: وضَعَهُ بِقُوَّةٍ. وقالَ ساعِدَةُ بْنُ حَوْبَةَ:
؎وتَلَّ تَلِيلًا لِلْجَبِينِ ولِلْفَمِ
والجَبِينانِ: ما اكْتَنَفَ مِن هُنا ومِن هُنا، وشَذَّ جَمْعُ الجَبِينِ عَلى أجْبُنٍ، وقِياسُهُ في القِلَّةِ أجْبِنَةٌ، كَكَثِيبٍ وأكْثِبَةٍ، وفي الكَثْرَةِ: جَبَناتٌ وجُبُنٌ، كَكُثُباتٌ وكُثُبٌ. الذَّبْحُ: اسْمُ ما يُذْبَحُ، كالرَّعْيِ اسْمُ ما يُرْعى. أبَقَ: هَرَبَ. ساهَمَ: قارَعَ. المُدْحَضُ: المَقْلُوبُ. الحُوتُ: مَعْرُوفٌ. ألامَ: أتى بِما يُلامُ عَلَيْهِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎وكَمْ مِن مُلِيمٍ لَمْ يُصَبْ بِمُلامَةٍ ∗∗∗ ومُتَّبِعٍ بِالذَّنْبِ لَيْسَ لَهُ ذَنْبُ
العَراءُ: الأرْضُ الفَيْحاءُ لا شَجَرَ فِيها ولا يُعْلَمُ، قالَ الشّاعِرُ:
؎ورَفَعْتُ رِجْلًا لا أخافُ عِثارَها ∗∗∗ ونَبَذْتُ بِالمِينِ العَراءِ ثِيابِي
اليَقْطِينُ: يَفْعِيلٌ كاليَفْصِيدِ، مِن قَطَنَ: أقامَ بِالمَكانِ، وهو بِالمَكانِ، وهو ما كانَ مِنَ الشَّجَرِ لا يَقُومُ عَلى ساقٍ مِن عُودٍ، كَشَجَرِ البِطِّيخِ والحَنْظَلِ والقِثّاءِ. السّاحَةُ: الفِناءُ، وجَمْعُها سُوحٌ، قالَ الشّاعِرُ:
؎فَكانَ سِيّانِ أنْ لا يَسْرَحُوا نَعَمًا ∗∗∗ أوْ يَسْرَحُوهُ بِها واغْبَرَّتِ السُّوحُ
(p-٣٦٩)
﴿وقالَ إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ ﴿فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ يابُنَيَّ إنِّي أرى في المَنامِ أنِّي أذْبَحُكَ فانْظُرْ ماذا تَرى قالَ يا أبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ ﴿فَلَمّا أسْلَما وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ ﴿ونادَيْناهُ أنْ ياإبْراهِيمُ﴾ ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّ هَذا لَهو البَلاءُ المُبِينُ﴾ ﴿وفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى إبْراهِيمَ﴾ ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿وبارَكْنا عَلَيْهِ وعَلى إسْحاقَ ومِن ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ .
لَمّا سَلَّمَهُ اللَّهُ مِنهم ومِنَ النّارِ الَّتِي ألْقَوْهُ فِيها، عَزَمَ عَلى مُفارَقَتِهِمْ، وعَبَّرَ بِالذَّهابِ إلى رَبِّهِ عَنْ هِجْرَتِهِ إلى أرْضِ الشّامِ. كَما قالَ (﴿إنِّي مُهاجِرٌ إلى رَبِّي﴾ [العنكبوت: ٢٦] لِيَتَمَكَّنَ مِن عِبادَةِ رَبِّهِ ويَتَضَرَّعَ لَهُ مِن غَيْرِ أنْ يَلْقى مَن يُشَوِّشُ عَلَيْهِ، فَهاجَرَ مِن أرْضِ بابِلَ، مِن مَمْلَكَةِ نُمْرُودٍ، إلى الشّامِ. وقِيلَ: إلى أرْضِ مِصْرَ. ويَبْعُدُ قَوْلُ مَن قالَ: لَيْسَ المُرادُ بِذَهابِهِ الهِجْرَةَ، وإنَّما مُرادُهُ لِقاءُ اللَّهِ بَعْدَ الإحْراقِ، ظانًّا مِنهُ أنَّهُ سَيَمُوتُ في النّارِ، فَقالَها قَبْلَ أنْ يُطْرَحَ في النّارِ. و( سَيَهْدِينِ) أيْ إلى الجَنَّةِ، نَحا إلى هَذا قَتادَةُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ﴾ يَدْفَعُ هَذا القَوْلَ، والمُعْتَقِدُ أنَّهُ يَمُوتُ في النّارِ لا يَدْعُو بِأنْ يَهَبَ اللَّهُ لَهُ ولَدًا صالِحًا. (سَيَهْدِينِ) يُوَفِّقُنِي إلى ما فِيهِ صَلاحِي.
﴿مِنَ الصّالِحِينَ﴾ أيْ ولَدًا يَكُونُ في عِدادِ الصّالِحِينَ. ولَفْظُ الهِبَةِ غَلَبَ في الوَلَدِ، وإنْ كانَ قَدْ جاءَ في الأخِ، كَقَوْلِهِ ﴿ووَهَبْنا لَهُ مِن رَحْمَتِنا أخاهُ هارُونَ نَبِيًّا﴾ [مريم: ٥٣] . واشْتَمَلَتِ البِشارَةُ عَلى ذُكُورِيَّةِ المَوْلُودِ وبُلُوغِهِ سِنَّ الحُلُمِ ووَصْفِهِ بِالحِلْمِ، وأيُّ حِلْمٍ أعْظَمُ مِن قَوْلِهِ، وقَدْ عَرَضَ عَلَيْهِ أبُوهُ الذَّبْحَ ﴿سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّابِرِينَ﴾
﴿فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾، بَيْنَ هَذِهِ الجُمْلَةِ والَّتِي قَبْلَها مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: فَوُلِدَ لَهُ وشَبَّ.
﴿فَلَمّا بَلَغَ﴾ أيْ أنْ يَسْعى مَعَ أبِيهِ في أشْغالِهِ وحَوائِجِهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ: والَسَّعْيُ هُنا: العَمَلُ والعِبادَةُ والمَعُونَةُ. وقالَ قَتادَةُ: السَّعْيُ عَلى القَدَمِ، يُرِيدُ سَعْيًا مُتَمَكِّنًا، وفِيهِ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لا يَصِحُّ تَعَلُّقُهُ بِبَلَغَ بِهِ بُلُوغُهُما مَعًا حَدَّ السَّعْيِ ولا بِالسَّعْيِ؛ لِأنَّ أصْلَهُ المَصْدَرُ لا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ، فَنَفى أنْ يَكُونَ بَيانًا، كَأنَّهُ لَمّا قالَ ﴿فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾، أيِ الحَدَّ الَّذِي يَقْدِرُ فِيهِ عَلى السَّعْيِ، قِيلَ: مَعَ مَن ؟ فَقالَ: مَعَ أبِيهِ، والمَعْنى في اخْتِصاصِ الأبِّ أنَّهُ أرْفَقُ النّاسِ وأعْطَفُهم عَلَيْهِ وعَلى غَيْرِهِ وبِما عَنَّفَ عَلَيْهِ في الِاسْتِسْعاءِ، فَلا يَحْتَمِلُهُ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَسْتَحْكِمْ قَوْلَهُ، ولَمْ يَطْلُبْ عَوْدَهُ، وكانَ إذْ ذاكَ ابْنَ ثَلاثَ عَشْرَةَ سَنَةً. انْتَهى.
﴿قالَ يابُنَيَّ﴾ نِداءُ شَفَقَةٍ وتَرَحُّمٍ.
﴿إنِّي أرى في المَنامِ أنِّي أذْبَحُكَ﴾ أيْ بِأمْرٍ مِنَ اللَّهِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿افْعَلْ ما تُؤْمَرُ﴾ . ورُؤْيا الأنْبِياءِ وحْيٌ كاليَقَظَةِ، وذِكْرُهُ لَهُ الرُّؤْيا تَجْسِيرٌ عَلى احْتِمالِ تِلْكَ البَلِيَّةِ العَظِيمَةِ. وشاوَرَهُ بِقَوْلِهِ ﴿فانْظُرْ ماذا تَرى﴾ وإنْ كانَ حَتْمًا مِنَ اللَّهِ لِيَعْلَمَ ما عِنْدَهُ مِن تَلَقِّي هَذا الِامْتِحانِ العَظِيمِ، ويُصَبِّرَهُ إنْ جَزَعَ، ويُوَطِّنَ نَفْسَهُ عَلى مُلاقاةِ هَذا البَلاءِ، وتَسْكُنَ نَفْسُهُ لِما لا بُدَّ مِنهُ، إذْ مُفاجَأةُ البَلاءِ قَبْلَ الشُّعُورِ بِهِ أصْعَبُ عَلى النَّفْسِ، وكانَ ما رَآهُ في المَنامِ ولَمْ يَكُنْ في اليَقَظَةِ، كَرُؤْيا يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ورُؤْيا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ دُخُولَ المَسْجِدِ الحَرامِ، لِيَدُلَّ عَلى أنَّ حالَتَيِ الأنْبِياءِ يَقَظَةً ومَنامًا سَواءٌ في الصِّدْقِ مُتَظافِرَتانِ عَلَيْهِ. قِيلَ: إنَّهُ حِينَ بَشَّرَتِ المَلائِكَةُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ قالَ: هو إذَنْ ذَبِيحُ اللَّهِ. فَلَمّا بَلَغَ حَدَّ السَّعْيِ مَعَهُ قِيلَ لَهُ: أوْفِ بِنَذْرِكَ. قِيلَ: رَأى لَيْلَةَ التَّرْوِيَةِ قائِلًا يَقُولُ لَهُ: إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ بِذَبْحِ ابْنِكَ هَذا. فَلَمّا أصْبَحَ، رَوّى في ذَلِكَ مِنَ الصَّباحِ إلى الرَّواحِ. أمِنَ اللَّهِ هَذا الحُلْمُ ؟، فَمِن ثَمَّ سُمِّيَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ. فَلَمّا أمْسَ رَأى مِثْلَ ذَلِكَ، فَعَرَفَ أنَّهُ مِنَ اللَّهِ، فَمِن ثَمَّ سُمِّيَ يَوْمَ عَرَفَةَ. ثُمَّ رَأى مِثْلَهُ في اللَّيْلَةِ الثّالِثَةِ، فَهَمَّ بِنَحْرِهِ، فَسُمِّيَ يَوْمَ النَّحْرِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: (p-٣٧٠)(تَرى)، بِفَتْحِ التّاءِ والرّاءِ؛ وعَبْدُ اللَّهِ، والأسْوَدُ بْنُ يَزِيدَ، وابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ، ومُجاهِدٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ الرّاءِ؛ والضَّحّاكُ، والأعْمَشُ أيْضًا بِضَمِّ التّاءِ وفَتْحِ الرّاءِ. فالأوَّلُ مِنَ الرَّأْيِ، والثّانِي ماذا تَرَيَنِّيهِ وما تُبْدِيهِ لِأنْظُرَ فِيهِ ؟ والثّالِثُ ما الَّذِي يُخَيَّلُ إلَيْكَ ويُوقَعُ في قَلْبِكَ ؟ و(انْظُرْ) مُعَلَّقَةٌ، وماذا اسْتِفْهامٌ. فَإنْ كانَتْ (ذا) مَوْصُولَةً بِمَعْنى الَّذِي، فَـ (ما) مُبْتَدَأٌ، والفِعْلُ بَعْدَ (ذا) صِلَةٌ. وإنْ كانَتْ (ذا) مُرَكَّبَةً، فَفي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِالفِعْلِ بَعْدَها. والجُمْلَةُ، واسْمُ الِاسْتِفْهامِ الَّذِي هو مَعْمُولٌ لِلْفِعْلِ بَعْدَهُ في مَوْضِعِ نَصْبِ انْظُرْ. ولَمّا كانَ خِطابُ الأبِّ (يا بُنَيَّ)، عَلى سَبِيلِ التَّرَحُّمِ، قالَ: هو (يا أبَتِ)، عَلى سَبِيلِ التَّعْظِيمِ والتَّوْقِيرِ.
﴿افْعَلْ ما تُؤْمَرُ﴾ أيْ ما تُؤْمَرُهُ، حَذَفَهُ وهو مَنصُوبٌ، وأصْلُهُ ما تُؤْمَرُ بِهِ، فَحُذِفَ الحَرْفُ، واتَّصَلَ الضَّمِيرُ مَنصُوبًا، فَجازَ حَذْفُهُ لِوُجُودِ شَرائِطِ الحَذْفِ فِيهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ أمَرَكَ، عَلى إضافَةِ المَصْدَرِ إلى المَفْعُولِ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، وفي ذَلِكَ خِلافٌ. هَلْ يُعْتَقَدُ في المَصْدَرِ العامِلِ أنْ يَجُوزَ أنْ يُبْنى لِلْمَفْعُولِ، فَيَكُونَ ما بَعْدَهُ مَفْعُولًا لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، أمْ يَكُونَ ذَلِكَ ؟ ﴿سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ كَلامُ مَن أُوتِيَ الحِلْمَ والصَّبْرَ والِامْتِثالَ لِأمْرِ اللَّهِ، والرِّضا بِما أمَرَ اللَّهُ.
﴿فَلَمّا أسْلَما﴾ أيْ لِأمْرِ اللَّهِ، ويُقالُ: اسْتَسْلَمَ وسَلَّمَ بِمَعْناهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: أسْلَما. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وعَلِيٌّ، وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ، وجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، والأعْمَشُ، والثَّوْرِيُّ: سَلَّما: أيْ فَوَّضا إلَيْهِ في قَضائِهِ وقَدَرِهِ. وقُرِئَ: اسْتَسْلَما، ثَلاثُ قِراءاتٍ. وقالَ قَتادَةُ في أسْلَما: أسْلَمَ هَذا ابْنَهُ، وأسْلَمَ هَذا نَفْسَهُ، فَجَعَلَ أسْلَما مُتَعَدِّيًا، وغَيْرَهُ جَعَلَهُ لازِمًا بِمَعْنى: انْقادا لِأمْرِ اللَّهِ وخَضَعا لَهُ.
﴿وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ أيْ أوْقَعَهُ عَلى أحَدِ جَنْبَيْهِ في الأرْضِ مُباشِرًا الأمْرَ بِصَبْرٍ وجَلَدٍ، وذَلِكَ عِنْدَ الصَّخْرَةِ الَّتِي بِمِنًى، وعَنِ الحَسَنِ: في المَوْضِعِ المُشْرِفِ عَلى مَسْجِدِ مِنًى؛ وعَنِ الضَّحّاكِ: في المَنحَرِ الَّذِي يُنْحَرُ فِيهِ اليَوْمَ. وجَوابُ (لَمّا) مَحْذُوفٌ يُقَدَّرُ بَعْدَ ﴿وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾، أيْ أجْزَلْنا أجْرَهُما، قالَهُ بَعْضُ البَصْرِيِّينَ، أوْ بَعْدَ ﴿الرُّؤْيا﴾ أيْ: كانَ ما كانَ مِمّا تَنْطِقُ بِهِ الحالُ ولا يُحِيطُ بِهِ الوَصْفُ مِنِ اسْتِبْشارِهِما وحَمْدِهِما اللَّهَ عَلى ما أنْعَمَ بِهِ إلى ألْفاظٍ كَثِيرَةٍ ذَكَرَها الزَّمَخْشَرِيُّ عَلى عادَتِهِ في خَطابَتِهِ، أوْ قَبْلَ ﴿وتَلَّهُ﴾ تَقْدِيرُهُ ﴿فَلَمّا أسْلَما وتَلَّهُ﴾ . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهو قَوْلُ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ، وهو عِنْدَهم كَقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:
؎فَلَمّا أجَزْنا ساحَةَ الحَيِّ وانْتَحى
وقالَ الكُوفِيُّونَ: الجَوابُ مُثْبَتٌ، وهو ﴿ونادَيْناهُ﴾ عَلى زِيادَةِ الواوِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو ﴿وتَلَّهُ﴾ عَلى زِيادَةِ الواوِ. وذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ في قِصَّةِ إبْراهِيمَ وابْنِهِ، وما جَرى بَيْنَهُما مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ فُصُولًا، اللَّهُ أعْلَمُ بِصِحَّتِها، يُوقِفُ عَلَيْها في كِتابِهِ. و(أنْ) مُفَسِّرَةٌ؛ أيْ ﴿قَدْ صَدَّقْتَ﴾ . وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: ونادَيْناهُ قَدْ صَدَّقَتْ، بِحَذْفِ (أنْ)، وقُرِئَ: صَدَقْتَ، بِتَخْفِيفِ الدّالِ. وقَرَأ فَيّاضٌ: الرِّيّا، بِكَسْرِ الرّاءِ والإدْغامِ وتَصْدِيقِ الرُّؤْيا. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بَذَلَ وِسْعَهُ وفَعَلَ ما يَفْعَلُ الذّابِحُ مِن بَطْحِهِ عَلى شِقِّهِ وإمْرارِ الشَّفْرَةِ عَلى حَلْقِهِ، لَكِنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ جاءَ بِما مَنَعَ الشَّفْرَةَ أنْ تَمْضِيَ فِيهِ، وهَذا لا يَقْدَحُ في فِعْلِ إبْراهِيمَ. ألا تَرى أنَّهُ لا يُسَمّى عاصِيًا ولا مُفَرِّطًا ؟ بَلْ يُسَمّى مُطِيعًا ومُجْتَهِدًا، كَما لَوْ مَضَتْ فِيهِ الشَّفْرَةُ وفَرَتِ الأوْداجَ وأنْهَرَتِ الدَّمَ. ولَيْسَ هَذا مِن وُرُودِ النَّسْخِ عَلى المَأْمُورِ بِهِ قَبْلَ الفِعْلِ، ولا قَبْلَ أوانِ الفِعْلِ في شَيْءٍ، كَما يَسْبِقُ إلى بَعْضِ الأوْهامِ حَتّى يَشْتَغِلَ بِالكَلامِ فِيهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ ﴿قَدْ صَدَّقْتَ﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ بِقَلْبِكَ عَلى مَعْنى: كانَتْ عِنْدَكَ رُؤْياكَ صادِقَةً حَقًّا مِنَ اللَّهِ فَعَمِلْتَ بِحَسَبِها حِينَ آمَنتَ بِها، واعْتَقَدْتَ صِدْقَها. ويَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ: صَدَّقْتَ بِقَلْبِكَ ما حَصَلَ عَنِ الرُّؤْيا في نَفْسِكَ، كَأنَّهُ قالَ: قَدْ وفَّيْتَها حَقَّها مِنَ العَمَلِ. انْتَهى.
﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ تَعْلِيلٌ لِتَخْوِيلِ ما خَوَّلَهُما اللَّهُ مِنَ الفَرَجِ بَعْدَ الشِّدَّةِ، والظَّفَرِ بِالبُغْيَةِ بَعْدَ اليَأْسِ.
(إنَّ هَذا) أيْ ما أُمِرَ بِهِ إبْراهِيمُ مِن ذَبْحِ ابْنِهِ، ﴿لَهُوَ البَلاءُ المُبِينُ﴾ أيِ الِاخْتِبارُ البَيِّنُ الَّذِي يَتَمَيَّزُ فِيهِ المُخْلِصُونَ وغَيْرُهم، أوِ المِحْنَةُ البَيِّنَةُ الصُّعُوبَةِ الَّتِي لا مِحْنَةَ أصْعَبُ مِنها.
﴿وفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو (p-٣٧١)الكَبْشُ الَّذِي قَرَّبَهُ هابِيلُ فَقُبِلَ مِنهُ، وكانَ يَرْعى في الجَنَّةِ حَتّى فُدِيَ بِهِ إسْماعِيلُ. وقالَ أيْضًا هو والحَسَنُ: فُدِيَ بِوَعْلٍ أُهْبِطَ عَلَيْهِ مِن سَرْوٍ. وقالَ الجُمْهُورُ: كَبْشٌ أبْيَضُ أقْرَنُ أقْنى، ووُصِفَ بِالعِظَمِ. قالَ مُجاهِدٌ: لِأنَّهُ مُتَقَبَّلٌ يَقِينًا. وقالَ عَمْرُو بْنُ عَبِيدٍ: لِأنَّهُ جَرَتِ السُّنَّةُ بِهِ، وصارَ دِينًا باقِيًا إلى آخِرِ الدَّهْرِ. وقالَ الحَسَنُ بْنُ الفَضْلِ: لِأنَّهُ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ. وقالَ أبُو بَكْرٍ الوَرّاقُ: لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَنْ نَسْلٍ، بَلْ عَنِ التَّكْوِينِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ: عَظَمَتُهُ كَوْنُهُ مِن كِباشِ الجَنَّةِ، رُعِيَ فِيها أرْبَعِينَ خَرِيفًا. وفي قَوْلِهِ ﴿وفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّ إبْراهِيمَ لَمْ يَذْبَحِ ابْنَهُ، وقَدْ فُدِيَ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: وقَعَ الذَّبْحُ وقامَ بَعْدَ ذَلِكَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا كَذِبٌ صُراحٌ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: لَمْ يَرَ إبْراهِيمُ في مَنامِهِ الإمْرارَ بِالشَّفْرَةِ فَقَطْ، فَظَنَّ أنَّهُ ذِبْحٌ مُجَهَّزٌ، فَنَفَّذَ لِذَلِكَ. فَلَمّا وقَعَ الَّذِي رَآهُ وقَعَ النَّسْخُ، قالَ: ولا اخْتِلافَ، فَإنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، أمَرَّ الشَّفْرَةَ عَلى حَلْقِ ابْنِهِ فَلَمْ تَقْطَعْ. انْتَهى. والَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ القُرْآنُ أنَّهُ ﴿وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ فَقَطْ، ولَمْ يَأْتِ في حَدِيثٍ صَحِيحٍ «أنَّهُ أمَرَّ الشَّفْرَةَ عَلى حَلْقِ ابْنِهِ». ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ﴾ إلى (المُؤْمِنِينَ) تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِهِ في آخِرِ قِصَّةِ نُوحٍ، قَبْلَ قِصَّةِ إبْراهِيمَ هُنا، وقالَ هُنا كَذَلِكَ دُونَ إنّا اكْتِفاءً بِذِكْرِ ذَلِكَ قَبْلُ وبَعْدُ.
﴿وبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ الظّاهِرُ أنَّ هَذِهِ بِشارَةٌ غَيْرُ تِلْكَ البِشارَةِ، وأنَّ الغُلامَ الحَلِيمَ المُبَشَّرَ بِهِ إبْراهِيمُ هو إسْماعِيلُ، وأنَّهُ هو الذَّبِيحُ لا إسْحاقُ؛ وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنُ عُمَرَ، ومُعاوِيَةُ بْنُ أبِي سُفْيانَ، ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ، والشَّعْبِيُّ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وجَماعَةُ مِنَ التّابِعِينَ؛ واسْتَدَلُّوا بِظاهِرِ هَذِهِ الآياتِ وبِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: «أنا ابْنُ الذَّبِيحَيْنِ»، وقَوْلُ الأعْرابِيِّ لَهُ: «يا ابْنَ الذَّبِيحَيْنِ: فَتَبَسَّمَ عَلَيْهِ السَّلامُ»، يَعْنِي إسْماعِيلَ، وأباهُ عَبْدَ اللَّهِ. وكانَ عَبْدُ المُطَّلِبِ نَذَرَ ذَبْحَ أحَدِ ولَدِهِ، فَخَرَجَ السَّهْمُ عَلى عَبْدِ اللَّهِ، فَمَنَعَهُ أخْوالُهُ وقالُوا لَهُ: افْدِ ابْنَكَ بِمِائَةٍ مِنَ الإبِلِ، فَفَداهُ بِها. وفِيما أوْحى اللَّهُ لِمُوسى في حَدِيثٍ طَوِيلٍ. «وأمّا إسْماعِيلُ، فَإنَّهُ جادَ بِدَمِ نَفْسِهِ». وسَألَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ يَهُودِيًا أسْلَمَ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: إنَّ يَهُودِيًا لَيَعْلَمُ، لَكِنَّهم يَحْسُدُونَكم مَعْشَرَ العَرَبِ، وكانَ قَرْنا الكَبْشِ مَنُوطَيْنِ في الكَعْبَةِ. وسَألَ الأصْمَعِيُّ أبا عَمْرِو بْنَ العَلاءِ عَنِ الذَّبِيحِ فَقالَ: يا أصْمَعِيُّ، أيْنَ عَزَبَ عَنْكَ عَقْلُكَ ؟ ومَتى كانَ إسْحاقُ بِمَكَّةَ ؟ وهو الَّذِي بَنى البَيْتَ مَعَ أبِيهِ، والمَنحَرُ بِمَكَّةَ ؟ انْتَهى. ووَصَفَهُ تَعالى بِالصَّبْرِ في قَوْلِهِ ﴿وإسْماعِيلَ وإدْرِيسَ وذا الكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٥] وهو صَبْرُهُ عَلى الذَّبْحِ؛ وبِصِدْقِ الوَعْدِ في قَوْلِهِ ﴿إنَّهُ كانَ صادِقَ الوَعْدِ﴾ [مريم: ٥٤] لِأنَّهُ وعَدَ أباهُ مِن نَفْسِهِ الصَّبْرَ عَلى الذَّبْحِ فَوَفّى بِهِ. وذَكَرَ الطَّبَرِيُّ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ قالَ: الذَّبِيحُ إسْماعِيلُ، ويَزْعُمُ اليَهُودُ أنَّهُ إسْحاقُ، وكَذَبَتِ اليَهُودُ. ومِن أقْوى ما يُسْتَدَلُّ بِهِ أنَّ اللَّهَ تَعالى بَشَّرَ إبْراهِيمَ بِإسْحاقَ، ووَلَدَ إسْحاقُ يَعْقُوبَ. فَلَوْ كانَ الذَّبِيحُ إسْحاقَ، لَكانَ ذَلِكَ الإخْبارُ غَيْرَ مُطابِقٍ لِلْواقِعِ، وهو مُحالٌ في إخْبارِ اللَّهِ تَعالى. وذَهَبَتْ جَماعَةٌ إلى أنَّ الذَّبِيحَ هو إسْحاقُ، مِنهم: العَبّاسُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وعَلِيٌّ، وعَطاءٌ، وعِكْرِمَةُ، وكَعْبٌ، وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، وابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةٍ، وكانَ أمْرَ ذَبْحِهِ بِالشّامِ. وقالَ عَطاءٌ ومُقاتِلٌ: بِبَيْتِ المَقْدِسِ؛ وقِيلَ: بِالحِجازِ، جاءَ مَعَ أبِيهِ عَلى البُراقِ. وقالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، وابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةٍ: وكانَ أمْرَ ذَبْحِهِ بِالشّامِ، كانَ بِالمَقامِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: والبِشارَةُ في قَوْلِهِ ﴿وبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ﴾ هي بِشارَةُ نُبُوَّتِهِ. وقالُوا: أخْبَرَ تَعالى عَنْ خَلِيلِهِ إبْراهِيمَ حِينَ هاجَرَ إلى الشّامِ بِأنَّهُ اسْتَوْهَبَهُ ولَدًا، ثُمَّ أتْبَعَ تِلْكَ البِشارَةَ بِغُلامٍ حَلِيمٍ، ثُمَّ ذَكَرَ رُؤْياهُ بِذَبْحِ ذَلِكَ الغُلامِ المُبَشَّرِ بِهِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ كِتابُ يَعْقُوبَ إلى يُوسُفَ، عَلَيْهِما السَّلامُ: مِن يَعْقُوبَ إسْرائِيلَ اللَّهِ ابْنِ إسْحاقَ ذَبِيحِ اللَّهِ بْنِ إبْراهِيمَ خَلِيلِ اللَّهِ. ومَن جَعَلَ الذَّبِيحَ إسْحاقَ، جَعَلَ هَذِهِ البِشارَةَ بِشارَةً بِنُبُوَّتِهِ، كَما ذَكَرْنا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالُوا: لا يَجُوزُ أنْ يُبَشِّرَهُ اللَّهُ بِوِلادَتِهِ ونُبُوَّتِهِ مَعًا؛ لِأنَّ الِامْتِحانَ بِذَبْحِهِ لا يَصِحُّ مَعَ عِلْمِهِ بِأنَّهُ سَيَكُونُ نَبِيًّا. ومَن جَعَلَهُ إسْماعِيلَ، جَعَلَ البِشارَةَ بِوَلَدِهِ إسْحاقَ. وانْتَصَبَ نَبِيًّا عَلى (p-٣٧٢)الحالِ، وهي حالٌ مُقَدَّرَةٌ. فَإنْ كانَ إسْحاقُ هو الذَّبِيحَ، وكانَتْ هَذِهِ البِشارَةُ بِوِلادَةِ إسْحاقَ، فَقَدْ جَعَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ ذَلِكَ مَحَلَّ سُؤالٍ. فَإنْ قُلْتَ: فَرْقٌ بَيْنَ هَذا وقَوْلِهِ ﴿فادْخُلُوها خالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣] وذَلِكَ أنَّ المَدْخُولَ مَوْجُودٌ مَعَ وُجُودِ الدُّخُولِ، والخُلُودَ غَيْرُ مَوْجُودٍ مَعَهُما، فَقَدَّرْتَ مُقَدَّرَيْنِ لِلْخُلُودِ، فَكانَ مُسْتَقِيمًا. ولَيْسَ كَذَلِكَ المُبَشَّرُ بِهِ، فَإنَّهُ مَعْلُومٌ وقْتَ وُجُودِ البِشارَةِ، وعَدَمُ المُبَشَّرِ بِهِ أوْجَبَ عَدَمَ حالِهِ؛ لِأنَّ الحالَ حِلْيَةٌ لا تَقُومُ إلّا بِالمَحَلِّيِّ. وهَذا المُبَشَّرُ بِهِ الَّذِي هو إسْحاقُ، حِينَ وُجِدَ لَمْ تُوجَدِ النُّبُوَّةُ أيْضًا بِوُجُودِهِ، بَلْ تَراخَتْ عَنْهُ مُدَّةً طَوِيلَةً، فَكَيْفَ يُجْعَلُ نَبِيًّا حالًا مُقَدَّرَةً ؟ والحالُ صِفَةٌ لِلْفاعِلِ والمَفْعُولِ عِنْدَ وُجُودِ الفِعْلِ مِنهُ أوْ بِهِ. فالخُلُودُ وإنْ لَمْ يَكُنْ صِفَتَهم عِنْدَ دُخُولِ الجَنَّةِ، فَتَقْدِيرُها صِفَتُهم؛ لِأنَّ المَعْنى: مُقَدِّرِينَ الخُلُودَ. ولَيْسَ كَذَلِكَ النُّبُوَّةُ، فَإنَّهُ لا سَبِيلَ إلى أنْ تَكُونَ مَوْجُودَةً وقْتَ وُجُودِ البِشارَةِ بِإسْحاقَ لِعَدَمِ إسْحاقَ. قُلْتُ: هَذا سُؤالٌ دَقِيقُ السَّلْكِ ضَيِّقُ المَسْلَكِ، والَّذِي يَحُلُّ الإشْكالَ أنَّهُ لا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ مُضافٍ مَحْذُوفٍ وذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿وبَشَّرْناهُ﴾ بِوُجُودِ إسْحاقَ نَبِيًّا، أيْ بِأنْ يُوجَدَ مُقَدَّرَةً نُبُوَّتُهُ، فالعامِلُ في الحالِ الوُجُودُ، لا فِعْلُ البِشارَةِ؛ وبِذَلِكَ يَرْجِعُ نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فادْخُلُوها خالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣]، (مِنَ الصّالِحِينَ) حالٌ ثانِيَةٌ، ووُرُودُها عَلى سَبِيلِ الثَّناءِ والتَّقْرِيظِ؛ لِأنَّ كُلَّ نَبِيٍّ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ مِنَ الصّالِحِينَ. انْتَهى.
﴿وبارَكْنا عَلَيْهِ وعَلى إسْحاقَ﴾ أفَضْنا عَلَيْهِما بَرَكاتِ الدِّينِ والدُّنْيا، وبِأنْ أخْرَجْنا أنْبِياءَ بَنِي إسْرائِيلَ مِن صُلْبِهِ.
﴿ومِن ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وظالِمٌ﴾ فِيهِ وعِيدٌ لِلْيَهُودِ ومَن كانَ مِن ذُرِّيَّتِهِما لَمْ يُؤْمِن بِمُحَمَّدٍ ﷺ وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ البَرَّ قَدْ يَلِدُ الفاجِرَ، ولا يَلْحَقُهُ مِن ذَلِكَ عَيْبٌ ولا مَنقَصَةٌ.
الصافات 37:112
(p-٣٦٨)﴿وقالَ إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ ﴿فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ يابُنَيَّ إنِّي أرى في المَنامِ أنِّي أذْبَحُكَ فانْظُرْ ماذا تَرى قالَ يا أبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ ﴿فَلَمّا أسْلَما وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ ﴿ونادَيْناهُ أنْ ياإبْراهِيمُ﴾ ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّ هَذا لَهو البَلاءُ المُبِينُ﴾ ﴿وفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى إبْراهِيمَ﴾ ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿وبارَكْنا عَلَيْهِ وعَلى إسْحاقَ ومِن ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ ﴿ولَقَدْ مَنَنّا عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ [الصافات: ١١٤] ﴿ونَجَّيْناهُما وقَوْمَهُما مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ [الصافات: ١١٥] ﴿ونَصَرْناهم فَكانُوا هُمُ الغالِبِينَ﴾ [الصافات: ١١٦] ﴿وآتَيْناهُما الكِتابَ المُسْتَبِينَ﴾ [الصافات: ١١٧] ﴿وهَدَيْناهُما الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ [الصافات: ١١٨] ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِما في الآخِرِينَ﴾ [الصافات: ١١٩] ﴿سَلامٌ عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ [الصافات: ١٢٠] ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ [الصافات: ١٢١] ﴿إنَّهُما مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ [الصافات: ١٢٢] ﴿وإنَّ إلْياسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٢٣] ﴿إذْ قالَ لِقَوْمِهِ ألا تَتَّقُونَ﴾ [الصافات: ١٢٤] ﴿أتَدْعُونَ بَعْلًا وتَذَرُونَ أحْسَنَ الخالِقِينَ﴾ [الصافات: ١٢٥] ﴿اللَّهَ رَبَّكم ورَبَّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ [الصافات: ١٢٦] ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ [الصافات: ١٢٧] ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ [الصافات: ١٢٨] ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ [الصافات: ١٢٩] ﴿سَلامٌ عَلى إلْ ياسِينَ﴾ [الصافات: ١٣٠] ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ [الصافات: ١٣١] ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ [الصافات: ١٣٢] ﴿وإنَّ لُوطًا لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٣٣] ﴿إذْ نَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ﴾ [الصافات: ١٣٤] ﴿إلّا عَجُوزًا في الغابِرِينَ﴾ [الصافات: ١٣٥] ﴿ثُمَّ دَمَّرْنا الآخَرِينَ﴾ [الصافات: ١٣٦] ﴿وإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ﴾ [الصافات: ١٣٧] ﴿وبِاللَّيْلِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات: ١٣٨] ﴿وإنَّ يُونُسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٣٩] ﴿إذْ أبَقَ إلى الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ [الصافات: ١٤٠] ﴿فَساهَمَ فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ﴾ [الصافات: ١٤١] ﴿فالتَقَمَهُ الحُوتُ وهو مُلِيمٌ﴾ [الصافات: ١٤٢] ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ [الصافات: ١٤٣] ﴿لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الصافات: ١٤٤] ﴿فَنَبَذْناهُ بِالعَراءِ وهو سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ١٤٥] ﴿وأنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِن يَقْطِينٍ﴾ [الصافات: ١٤٦] ﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ١٤٧] ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾ [الصافات: ١٤٨] ﴿فاسْتَفْتِهِمْ ألِرَبِّكَ البَناتُ ولَهُمُ البَنُونَ﴾ [الصافات: ١٤٩] ﴿أمْ خَلَقْنا المَلائِكَةَ إناثًا وهم شاهِدُونَ﴾ [الصافات: ١٥٠] ﴿ألا إنَّهم مِن إفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ﴾ [الصافات: ١٥١] ﴿ولَدَ اللَّهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ [الصافات: ١٥٢] ﴿أاصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ﴾ [الصافات: ١٥٣] ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [الصافات: ١٥٤] ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [الصافات: ١٥٥] ﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾ [الصافات: ١٥٦] ﴿فَأْتُوا بِكِتابِكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [الصافات: ١٥٧] ﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا ولَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ إنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ [الصافات: ١٥٨] ﴿سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ [الصافات: ١٥٩] ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ [الصافات: ١٦٠] ﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ﴾ [الصافات: ١٦١] ﴿ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ﴾ [الصافات: ١٦٢] ﴿إلّا مَن هو صالِي الجَحِيمِ﴾ [الصافات: ١٦٣] ﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات: ١٦٤] ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾ [الصافات: ١٦٥] ﴿وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾ [الصافات: ١٦٦] ﴿وإنْ كانُوا لَيَقُولُونَ﴾ [الصافات: ١٦٧] ﴿لَوْ أنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا مِنَ الأوَّلِينَ﴾ [الصافات: ١٦٨] ﴿لَكُنّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ [الصافات: ١٦٩] ﴿فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الصافات: ١٧٠] ﴿ولَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٧١] ﴿إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ﴾ [الصافات: ١٧٢] ﴿وإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ﴾ [الصافات: ١٧٣] ﴿فَتَوَلَّ عَنْهم حَتّى حِينٍ﴾ [الصافات: ١٧٤] ﴿وأبْصِرْهم فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ [الصافات: ١٧٥] ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ [الصافات: ١٧٦] ﴿فَإذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ فَساءَ صَباحُ المُنْذَرِينَ﴾ [الصافات: ١٧٧] ﴿وتَوَلَّ عَنْهم حَتّى حِينٍ﴾ [الصافات: ١٧٨] ﴿وأبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ [الصافات: ١٧٩] ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ [الصافات: ١٨٠] ﴿وسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٨١] ﴿والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الصافات: ١٨٢] تَلَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ: صَرَعَهُ عَلى شِقِّهِ، وقِيلَ: وضَعَهُ بِقُوَّةٍ. وقالَ ساعِدَةُ بْنُ حَوْبَةَ:
؎وتَلَّ تَلِيلًا لِلْجَبِينِ ولِلْفَمِ
والجَبِينانِ: ما اكْتَنَفَ مِن هُنا ومِن هُنا، وشَذَّ جَمْعُ الجَبِينِ عَلى أجْبُنٍ، وقِياسُهُ في القِلَّةِ أجْبِنَةٌ، كَكَثِيبٍ وأكْثِبَةٍ، وفي الكَثْرَةِ: جَبَناتٌ وجُبُنٌ، كَكُثُباتٌ وكُثُبٌ. الذَّبْحُ: اسْمُ ما يُذْبَحُ، كالرَّعْيِ اسْمُ ما يُرْعى. أبَقَ: هَرَبَ. ساهَمَ: قارَعَ. المُدْحَضُ: المَقْلُوبُ. الحُوتُ: مَعْرُوفٌ. ألامَ: أتى بِما يُلامُ عَلَيْهِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎وكَمْ مِن مُلِيمٍ لَمْ يُصَبْ بِمُلامَةٍ ∗∗∗ ومُتَّبِعٍ بِالذَّنْبِ لَيْسَ لَهُ ذَنْبُ
العَراءُ: الأرْضُ الفَيْحاءُ لا شَجَرَ فِيها ولا يُعْلَمُ، قالَ الشّاعِرُ:
؎ورَفَعْتُ رِجْلًا لا أخافُ عِثارَها ∗∗∗ ونَبَذْتُ بِالمِينِ العَراءِ ثِيابِي
اليَقْطِينُ: يَفْعِيلٌ كاليَفْصِيدِ، مِن قَطَنَ: أقامَ بِالمَكانِ، وهو بِالمَكانِ، وهو ما كانَ مِنَ الشَّجَرِ لا يَقُومُ عَلى ساقٍ مِن عُودٍ، كَشَجَرِ البِطِّيخِ والحَنْظَلِ والقِثّاءِ. السّاحَةُ: الفِناءُ، وجَمْعُها سُوحٌ، قالَ الشّاعِرُ:
؎فَكانَ سِيّانِ أنْ لا يَسْرَحُوا نَعَمًا ∗∗∗ أوْ يَسْرَحُوهُ بِها واغْبَرَّتِ السُّوحُ
(p-٣٦٩)
﴿وقالَ إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ ﴿فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ يابُنَيَّ إنِّي أرى في المَنامِ أنِّي أذْبَحُكَ فانْظُرْ ماذا تَرى قالَ يا أبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ ﴿فَلَمّا أسْلَما وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ ﴿ونادَيْناهُ أنْ ياإبْراهِيمُ﴾ ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّ هَذا لَهو البَلاءُ المُبِينُ﴾ ﴿وفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى إبْراهِيمَ﴾ ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿وبارَكْنا عَلَيْهِ وعَلى إسْحاقَ ومِن ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ .
لَمّا سَلَّمَهُ اللَّهُ مِنهم ومِنَ النّارِ الَّتِي ألْقَوْهُ فِيها، عَزَمَ عَلى مُفارَقَتِهِمْ، وعَبَّرَ بِالذَّهابِ إلى رَبِّهِ عَنْ هِجْرَتِهِ إلى أرْضِ الشّامِ. كَما قالَ (﴿إنِّي مُهاجِرٌ إلى رَبِّي﴾ [العنكبوت: ٢٦] لِيَتَمَكَّنَ مِن عِبادَةِ رَبِّهِ ويَتَضَرَّعَ لَهُ مِن غَيْرِ أنْ يَلْقى مَن يُشَوِّشُ عَلَيْهِ، فَهاجَرَ مِن أرْضِ بابِلَ، مِن مَمْلَكَةِ نُمْرُودٍ، إلى الشّامِ. وقِيلَ: إلى أرْضِ مِصْرَ. ويَبْعُدُ قَوْلُ مَن قالَ: لَيْسَ المُرادُ بِذَهابِهِ الهِجْرَةَ، وإنَّما مُرادُهُ لِقاءُ اللَّهِ بَعْدَ الإحْراقِ، ظانًّا مِنهُ أنَّهُ سَيَمُوتُ في النّارِ، فَقالَها قَبْلَ أنْ يُطْرَحَ في النّارِ. و( سَيَهْدِينِ) أيْ إلى الجَنَّةِ، نَحا إلى هَذا قَتادَةُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ﴾ يَدْفَعُ هَذا القَوْلَ، والمُعْتَقِدُ أنَّهُ يَمُوتُ في النّارِ لا يَدْعُو بِأنْ يَهَبَ اللَّهُ لَهُ ولَدًا صالِحًا. (سَيَهْدِينِ) يُوَفِّقُنِي إلى ما فِيهِ صَلاحِي.
﴿مِنَ الصّالِحِينَ﴾ أيْ ولَدًا يَكُونُ في عِدادِ الصّالِحِينَ. ولَفْظُ الهِبَةِ غَلَبَ في الوَلَدِ، وإنْ كانَ قَدْ جاءَ في الأخِ، كَقَوْلِهِ ﴿ووَهَبْنا لَهُ مِن رَحْمَتِنا أخاهُ هارُونَ نَبِيًّا﴾ [مريم: ٥٣] . واشْتَمَلَتِ البِشارَةُ عَلى ذُكُورِيَّةِ المَوْلُودِ وبُلُوغِهِ سِنَّ الحُلُمِ ووَصْفِهِ بِالحِلْمِ، وأيُّ حِلْمٍ أعْظَمُ مِن قَوْلِهِ، وقَدْ عَرَضَ عَلَيْهِ أبُوهُ الذَّبْحَ ﴿سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّابِرِينَ﴾
﴿فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾، بَيْنَ هَذِهِ الجُمْلَةِ والَّتِي قَبْلَها مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: فَوُلِدَ لَهُ وشَبَّ.
﴿فَلَمّا بَلَغَ﴾ أيْ أنْ يَسْعى مَعَ أبِيهِ في أشْغالِهِ وحَوائِجِهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ: والَسَّعْيُ هُنا: العَمَلُ والعِبادَةُ والمَعُونَةُ. وقالَ قَتادَةُ: السَّعْيُ عَلى القَدَمِ، يُرِيدُ سَعْيًا مُتَمَكِّنًا، وفِيهِ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لا يَصِحُّ تَعَلُّقُهُ بِبَلَغَ بِهِ بُلُوغُهُما مَعًا حَدَّ السَّعْيِ ولا بِالسَّعْيِ؛ لِأنَّ أصْلَهُ المَصْدَرُ لا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ، فَنَفى أنْ يَكُونَ بَيانًا، كَأنَّهُ لَمّا قالَ ﴿فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾، أيِ الحَدَّ الَّذِي يَقْدِرُ فِيهِ عَلى السَّعْيِ، قِيلَ: مَعَ مَن ؟ فَقالَ: مَعَ أبِيهِ، والمَعْنى في اخْتِصاصِ الأبِّ أنَّهُ أرْفَقُ النّاسِ وأعْطَفُهم عَلَيْهِ وعَلى غَيْرِهِ وبِما عَنَّفَ عَلَيْهِ في الِاسْتِسْعاءِ، فَلا يَحْتَمِلُهُ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَسْتَحْكِمْ قَوْلَهُ، ولَمْ يَطْلُبْ عَوْدَهُ، وكانَ إذْ ذاكَ ابْنَ ثَلاثَ عَشْرَةَ سَنَةً. انْتَهى.
﴿قالَ يابُنَيَّ﴾ نِداءُ شَفَقَةٍ وتَرَحُّمٍ.
﴿إنِّي أرى في المَنامِ أنِّي أذْبَحُكَ﴾ أيْ بِأمْرٍ مِنَ اللَّهِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿افْعَلْ ما تُؤْمَرُ﴾ . ورُؤْيا الأنْبِياءِ وحْيٌ كاليَقَظَةِ، وذِكْرُهُ لَهُ الرُّؤْيا تَجْسِيرٌ عَلى احْتِمالِ تِلْكَ البَلِيَّةِ العَظِيمَةِ. وشاوَرَهُ بِقَوْلِهِ ﴿فانْظُرْ ماذا تَرى﴾ وإنْ كانَ حَتْمًا مِنَ اللَّهِ لِيَعْلَمَ ما عِنْدَهُ مِن تَلَقِّي هَذا الِامْتِحانِ العَظِيمِ، ويُصَبِّرَهُ إنْ جَزَعَ، ويُوَطِّنَ نَفْسَهُ عَلى مُلاقاةِ هَذا البَلاءِ، وتَسْكُنَ نَفْسُهُ لِما لا بُدَّ مِنهُ، إذْ مُفاجَأةُ البَلاءِ قَبْلَ الشُّعُورِ بِهِ أصْعَبُ عَلى النَّفْسِ، وكانَ ما رَآهُ في المَنامِ ولَمْ يَكُنْ في اليَقَظَةِ، كَرُؤْيا يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ورُؤْيا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ دُخُولَ المَسْجِدِ الحَرامِ، لِيَدُلَّ عَلى أنَّ حالَتَيِ الأنْبِياءِ يَقَظَةً ومَنامًا سَواءٌ في الصِّدْقِ مُتَظافِرَتانِ عَلَيْهِ. قِيلَ: إنَّهُ حِينَ بَشَّرَتِ المَلائِكَةُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ قالَ: هو إذَنْ ذَبِيحُ اللَّهِ. فَلَمّا بَلَغَ حَدَّ السَّعْيِ مَعَهُ قِيلَ لَهُ: أوْفِ بِنَذْرِكَ. قِيلَ: رَأى لَيْلَةَ التَّرْوِيَةِ قائِلًا يَقُولُ لَهُ: إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ بِذَبْحِ ابْنِكَ هَذا. فَلَمّا أصْبَحَ، رَوّى في ذَلِكَ مِنَ الصَّباحِ إلى الرَّواحِ. أمِنَ اللَّهِ هَذا الحُلْمُ ؟، فَمِن ثَمَّ سُمِّيَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ. فَلَمّا أمْسَ رَأى مِثْلَ ذَلِكَ، فَعَرَفَ أنَّهُ مِنَ اللَّهِ، فَمِن ثَمَّ سُمِّيَ يَوْمَ عَرَفَةَ. ثُمَّ رَأى مِثْلَهُ في اللَّيْلَةِ الثّالِثَةِ، فَهَمَّ بِنَحْرِهِ، فَسُمِّيَ يَوْمَ النَّحْرِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: (p-٣٧٠)(تَرى)، بِفَتْحِ التّاءِ والرّاءِ؛ وعَبْدُ اللَّهِ، والأسْوَدُ بْنُ يَزِيدَ، وابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ، ومُجاهِدٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ الرّاءِ؛ والضَّحّاكُ، والأعْمَشُ أيْضًا بِضَمِّ التّاءِ وفَتْحِ الرّاءِ. فالأوَّلُ مِنَ الرَّأْيِ، والثّانِي ماذا تَرَيَنِّيهِ وما تُبْدِيهِ لِأنْظُرَ فِيهِ ؟ والثّالِثُ ما الَّذِي يُخَيَّلُ إلَيْكَ ويُوقَعُ في قَلْبِكَ ؟ و(انْظُرْ) مُعَلَّقَةٌ، وماذا اسْتِفْهامٌ. فَإنْ كانَتْ (ذا) مَوْصُولَةً بِمَعْنى الَّذِي، فَـ (ما) مُبْتَدَأٌ، والفِعْلُ بَعْدَ (ذا) صِلَةٌ. وإنْ كانَتْ (ذا) مُرَكَّبَةً، فَفي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِالفِعْلِ بَعْدَها. والجُمْلَةُ، واسْمُ الِاسْتِفْهامِ الَّذِي هو مَعْمُولٌ لِلْفِعْلِ بَعْدَهُ في مَوْضِعِ نَصْبِ انْظُرْ. ولَمّا كانَ خِطابُ الأبِّ (يا بُنَيَّ)، عَلى سَبِيلِ التَّرَحُّمِ، قالَ: هو (يا أبَتِ)، عَلى سَبِيلِ التَّعْظِيمِ والتَّوْقِيرِ.
﴿افْعَلْ ما تُؤْمَرُ﴾ أيْ ما تُؤْمَرُهُ، حَذَفَهُ وهو مَنصُوبٌ، وأصْلُهُ ما تُؤْمَرُ بِهِ، فَحُذِفَ الحَرْفُ، واتَّصَلَ الضَّمِيرُ مَنصُوبًا، فَجازَ حَذْفُهُ لِوُجُودِ شَرائِطِ الحَذْفِ فِيهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ أمَرَكَ، عَلى إضافَةِ المَصْدَرِ إلى المَفْعُولِ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، وفي ذَلِكَ خِلافٌ. هَلْ يُعْتَقَدُ في المَصْدَرِ العامِلِ أنْ يَجُوزَ أنْ يُبْنى لِلْمَفْعُولِ، فَيَكُونَ ما بَعْدَهُ مَفْعُولًا لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، أمْ يَكُونَ ذَلِكَ ؟ ﴿سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ كَلامُ مَن أُوتِيَ الحِلْمَ والصَّبْرَ والِامْتِثالَ لِأمْرِ اللَّهِ، والرِّضا بِما أمَرَ اللَّهُ.
﴿فَلَمّا أسْلَما﴾ أيْ لِأمْرِ اللَّهِ، ويُقالُ: اسْتَسْلَمَ وسَلَّمَ بِمَعْناهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: أسْلَما. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وعَلِيٌّ، وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ، وجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، والأعْمَشُ، والثَّوْرِيُّ: سَلَّما: أيْ فَوَّضا إلَيْهِ في قَضائِهِ وقَدَرِهِ. وقُرِئَ: اسْتَسْلَما، ثَلاثُ قِراءاتٍ. وقالَ قَتادَةُ في أسْلَما: أسْلَمَ هَذا ابْنَهُ، وأسْلَمَ هَذا نَفْسَهُ، فَجَعَلَ أسْلَما مُتَعَدِّيًا، وغَيْرَهُ جَعَلَهُ لازِمًا بِمَعْنى: انْقادا لِأمْرِ اللَّهِ وخَضَعا لَهُ.
﴿وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ أيْ أوْقَعَهُ عَلى أحَدِ جَنْبَيْهِ في الأرْضِ مُباشِرًا الأمْرَ بِصَبْرٍ وجَلَدٍ، وذَلِكَ عِنْدَ الصَّخْرَةِ الَّتِي بِمِنًى، وعَنِ الحَسَنِ: في المَوْضِعِ المُشْرِفِ عَلى مَسْجِدِ مِنًى؛ وعَنِ الضَّحّاكِ: في المَنحَرِ الَّذِي يُنْحَرُ فِيهِ اليَوْمَ. وجَوابُ (لَمّا) مَحْذُوفٌ يُقَدَّرُ بَعْدَ ﴿وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾، أيْ أجْزَلْنا أجْرَهُما، قالَهُ بَعْضُ البَصْرِيِّينَ، أوْ بَعْدَ ﴿الرُّؤْيا﴾ أيْ: كانَ ما كانَ مِمّا تَنْطِقُ بِهِ الحالُ ولا يُحِيطُ بِهِ الوَصْفُ مِنِ اسْتِبْشارِهِما وحَمْدِهِما اللَّهَ عَلى ما أنْعَمَ بِهِ إلى ألْفاظٍ كَثِيرَةٍ ذَكَرَها الزَّمَخْشَرِيُّ عَلى عادَتِهِ في خَطابَتِهِ، أوْ قَبْلَ ﴿وتَلَّهُ﴾ تَقْدِيرُهُ ﴿فَلَمّا أسْلَما وتَلَّهُ﴾ . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهو قَوْلُ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ، وهو عِنْدَهم كَقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:
؎فَلَمّا أجَزْنا ساحَةَ الحَيِّ وانْتَحى
وقالَ الكُوفِيُّونَ: الجَوابُ مُثْبَتٌ، وهو ﴿ونادَيْناهُ﴾ عَلى زِيادَةِ الواوِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو ﴿وتَلَّهُ﴾ عَلى زِيادَةِ الواوِ. وذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ في قِصَّةِ إبْراهِيمَ وابْنِهِ، وما جَرى بَيْنَهُما مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ فُصُولًا، اللَّهُ أعْلَمُ بِصِحَّتِها، يُوقِفُ عَلَيْها في كِتابِهِ. و(أنْ) مُفَسِّرَةٌ؛ أيْ ﴿قَدْ صَدَّقْتَ﴾ . وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: ونادَيْناهُ قَدْ صَدَّقَتْ، بِحَذْفِ (أنْ)، وقُرِئَ: صَدَقْتَ، بِتَخْفِيفِ الدّالِ. وقَرَأ فَيّاضٌ: الرِّيّا، بِكَسْرِ الرّاءِ والإدْغامِ وتَصْدِيقِ الرُّؤْيا. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بَذَلَ وِسْعَهُ وفَعَلَ ما يَفْعَلُ الذّابِحُ مِن بَطْحِهِ عَلى شِقِّهِ وإمْرارِ الشَّفْرَةِ عَلى حَلْقِهِ، لَكِنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ جاءَ بِما مَنَعَ الشَّفْرَةَ أنْ تَمْضِيَ فِيهِ، وهَذا لا يَقْدَحُ في فِعْلِ إبْراهِيمَ. ألا تَرى أنَّهُ لا يُسَمّى عاصِيًا ولا مُفَرِّطًا ؟ بَلْ يُسَمّى مُطِيعًا ومُجْتَهِدًا، كَما لَوْ مَضَتْ فِيهِ الشَّفْرَةُ وفَرَتِ الأوْداجَ وأنْهَرَتِ الدَّمَ. ولَيْسَ هَذا مِن وُرُودِ النَّسْخِ عَلى المَأْمُورِ بِهِ قَبْلَ الفِعْلِ، ولا قَبْلَ أوانِ الفِعْلِ في شَيْءٍ، كَما يَسْبِقُ إلى بَعْضِ الأوْهامِ حَتّى يَشْتَغِلَ بِالكَلامِ فِيهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ ﴿قَدْ صَدَّقْتَ﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ بِقَلْبِكَ عَلى مَعْنى: كانَتْ عِنْدَكَ رُؤْياكَ صادِقَةً حَقًّا مِنَ اللَّهِ فَعَمِلْتَ بِحَسَبِها حِينَ آمَنتَ بِها، واعْتَقَدْتَ صِدْقَها. ويَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ: صَدَّقْتَ بِقَلْبِكَ ما حَصَلَ عَنِ الرُّؤْيا في نَفْسِكَ، كَأنَّهُ قالَ: قَدْ وفَّيْتَها حَقَّها مِنَ العَمَلِ. انْتَهى.
﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ تَعْلِيلٌ لِتَخْوِيلِ ما خَوَّلَهُما اللَّهُ مِنَ الفَرَجِ بَعْدَ الشِّدَّةِ، والظَّفَرِ بِالبُغْيَةِ بَعْدَ اليَأْسِ.
(إنَّ هَذا) أيْ ما أُمِرَ بِهِ إبْراهِيمُ مِن ذَبْحِ ابْنِهِ، ﴿لَهُوَ البَلاءُ المُبِينُ﴾ أيِ الِاخْتِبارُ البَيِّنُ الَّذِي يَتَمَيَّزُ فِيهِ المُخْلِصُونَ وغَيْرُهم، أوِ المِحْنَةُ البَيِّنَةُ الصُّعُوبَةِ الَّتِي لا مِحْنَةَ أصْعَبُ مِنها.
﴿وفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو (p-٣٧١)الكَبْشُ الَّذِي قَرَّبَهُ هابِيلُ فَقُبِلَ مِنهُ، وكانَ يَرْعى في الجَنَّةِ حَتّى فُدِيَ بِهِ إسْماعِيلُ. وقالَ أيْضًا هو والحَسَنُ: فُدِيَ بِوَعْلٍ أُهْبِطَ عَلَيْهِ مِن سَرْوٍ. وقالَ الجُمْهُورُ: كَبْشٌ أبْيَضُ أقْرَنُ أقْنى، ووُصِفَ بِالعِظَمِ. قالَ مُجاهِدٌ: لِأنَّهُ مُتَقَبَّلٌ يَقِينًا. وقالَ عَمْرُو بْنُ عَبِيدٍ: لِأنَّهُ جَرَتِ السُّنَّةُ بِهِ، وصارَ دِينًا باقِيًا إلى آخِرِ الدَّهْرِ. وقالَ الحَسَنُ بْنُ الفَضْلِ: لِأنَّهُ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ. وقالَ أبُو بَكْرٍ الوَرّاقُ: لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَنْ نَسْلٍ، بَلْ عَنِ التَّكْوِينِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ: عَظَمَتُهُ كَوْنُهُ مِن كِباشِ الجَنَّةِ، رُعِيَ فِيها أرْبَعِينَ خَرِيفًا. وفي قَوْلِهِ ﴿وفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّ إبْراهِيمَ لَمْ يَذْبَحِ ابْنَهُ، وقَدْ فُدِيَ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: وقَعَ الذَّبْحُ وقامَ بَعْدَ ذَلِكَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا كَذِبٌ صُراحٌ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: لَمْ يَرَ إبْراهِيمُ في مَنامِهِ الإمْرارَ بِالشَّفْرَةِ فَقَطْ، فَظَنَّ أنَّهُ ذِبْحٌ مُجَهَّزٌ، فَنَفَّذَ لِذَلِكَ. فَلَمّا وقَعَ الَّذِي رَآهُ وقَعَ النَّسْخُ، قالَ: ولا اخْتِلافَ، فَإنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، أمَرَّ الشَّفْرَةَ عَلى حَلْقِ ابْنِهِ فَلَمْ تَقْطَعْ. انْتَهى. والَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ القُرْآنُ أنَّهُ ﴿وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ فَقَطْ، ولَمْ يَأْتِ في حَدِيثٍ صَحِيحٍ «أنَّهُ أمَرَّ الشَّفْرَةَ عَلى حَلْقِ ابْنِهِ». ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ﴾ إلى (المُؤْمِنِينَ) تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِهِ في آخِرِ قِصَّةِ نُوحٍ، قَبْلَ قِصَّةِ إبْراهِيمَ هُنا، وقالَ هُنا كَذَلِكَ دُونَ إنّا اكْتِفاءً بِذِكْرِ ذَلِكَ قَبْلُ وبَعْدُ.
﴿وبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ الظّاهِرُ أنَّ هَذِهِ بِشارَةٌ غَيْرُ تِلْكَ البِشارَةِ، وأنَّ الغُلامَ الحَلِيمَ المُبَشَّرَ بِهِ إبْراهِيمُ هو إسْماعِيلُ، وأنَّهُ هو الذَّبِيحُ لا إسْحاقُ؛ وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنُ عُمَرَ، ومُعاوِيَةُ بْنُ أبِي سُفْيانَ، ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ، والشَّعْبِيُّ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وجَماعَةُ مِنَ التّابِعِينَ؛ واسْتَدَلُّوا بِظاهِرِ هَذِهِ الآياتِ وبِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: «أنا ابْنُ الذَّبِيحَيْنِ»، وقَوْلُ الأعْرابِيِّ لَهُ: «يا ابْنَ الذَّبِيحَيْنِ: فَتَبَسَّمَ عَلَيْهِ السَّلامُ»، يَعْنِي إسْماعِيلَ، وأباهُ عَبْدَ اللَّهِ. وكانَ عَبْدُ المُطَّلِبِ نَذَرَ ذَبْحَ أحَدِ ولَدِهِ، فَخَرَجَ السَّهْمُ عَلى عَبْدِ اللَّهِ، فَمَنَعَهُ أخْوالُهُ وقالُوا لَهُ: افْدِ ابْنَكَ بِمِائَةٍ مِنَ الإبِلِ، فَفَداهُ بِها. وفِيما أوْحى اللَّهُ لِمُوسى في حَدِيثٍ طَوِيلٍ. «وأمّا إسْماعِيلُ، فَإنَّهُ جادَ بِدَمِ نَفْسِهِ». وسَألَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ يَهُودِيًا أسْلَمَ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: إنَّ يَهُودِيًا لَيَعْلَمُ، لَكِنَّهم يَحْسُدُونَكم مَعْشَرَ العَرَبِ، وكانَ قَرْنا الكَبْشِ مَنُوطَيْنِ في الكَعْبَةِ. وسَألَ الأصْمَعِيُّ أبا عَمْرِو بْنَ العَلاءِ عَنِ الذَّبِيحِ فَقالَ: يا أصْمَعِيُّ، أيْنَ عَزَبَ عَنْكَ عَقْلُكَ ؟ ومَتى كانَ إسْحاقُ بِمَكَّةَ ؟ وهو الَّذِي بَنى البَيْتَ مَعَ أبِيهِ، والمَنحَرُ بِمَكَّةَ ؟ انْتَهى. ووَصَفَهُ تَعالى بِالصَّبْرِ في قَوْلِهِ ﴿وإسْماعِيلَ وإدْرِيسَ وذا الكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٥] وهو صَبْرُهُ عَلى الذَّبْحِ؛ وبِصِدْقِ الوَعْدِ في قَوْلِهِ ﴿إنَّهُ كانَ صادِقَ الوَعْدِ﴾ [مريم: ٥٤] لِأنَّهُ وعَدَ أباهُ مِن نَفْسِهِ الصَّبْرَ عَلى الذَّبْحِ فَوَفّى بِهِ. وذَكَرَ الطَّبَرِيُّ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ قالَ: الذَّبِيحُ إسْماعِيلُ، ويَزْعُمُ اليَهُودُ أنَّهُ إسْحاقُ، وكَذَبَتِ اليَهُودُ. ومِن أقْوى ما يُسْتَدَلُّ بِهِ أنَّ اللَّهَ تَعالى بَشَّرَ إبْراهِيمَ بِإسْحاقَ، ووَلَدَ إسْحاقُ يَعْقُوبَ. فَلَوْ كانَ الذَّبِيحُ إسْحاقَ، لَكانَ ذَلِكَ الإخْبارُ غَيْرَ مُطابِقٍ لِلْواقِعِ، وهو مُحالٌ في إخْبارِ اللَّهِ تَعالى. وذَهَبَتْ جَماعَةٌ إلى أنَّ الذَّبِيحَ هو إسْحاقُ، مِنهم: العَبّاسُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وعَلِيٌّ، وعَطاءٌ، وعِكْرِمَةُ، وكَعْبٌ، وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، وابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةٍ، وكانَ أمْرَ ذَبْحِهِ بِالشّامِ. وقالَ عَطاءٌ ومُقاتِلٌ: بِبَيْتِ المَقْدِسِ؛ وقِيلَ: بِالحِجازِ، جاءَ مَعَ أبِيهِ عَلى البُراقِ. وقالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، وابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةٍ: وكانَ أمْرَ ذَبْحِهِ بِالشّامِ، كانَ بِالمَقامِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: والبِشارَةُ في قَوْلِهِ ﴿وبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ﴾ هي بِشارَةُ نُبُوَّتِهِ. وقالُوا: أخْبَرَ تَعالى عَنْ خَلِيلِهِ إبْراهِيمَ حِينَ هاجَرَ إلى الشّامِ بِأنَّهُ اسْتَوْهَبَهُ ولَدًا، ثُمَّ أتْبَعَ تِلْكَ البِشارَةَ بِغُلامٍ حَلِيمٍ، ثُمَّ ذَكَرَ رُؤْياهُ بِذَبْحِ ذَلِكَ الغُلامِ المُبَشَّرِ بِهِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ كِتابُ يَعْقُوبَ إلى يُوسُفَ، عَلَيْهِما السَّلامُ: مِن يَعْقُوبَ إسْرائِيلَ اللَّهِ ابْنِ إسْحاقَ ذَبِيحِ اللَّهِ بْنِ إبْراهِيمَ خَلِيلِ اللَّهِ. ومَن جَعَلَ الذَّبِيحَ إسْحاقَ، جَعَلَ هَذِهِ البِشارَةَ بِشارَةً بِنُبُوَّتِهِ، كَما ذَكَرْنا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالُوا: لا يَجُوزُ أنْ يُبَشِّرَهُ اللَّهُ بِوِلادَتِهِ ونُبُوَّتِهِ مَعًا؛ لِأنَّ الِامْتِحانَ بِذَبْحِهِ لا يَصِحُّ مَعَ عِلْمِهِ بِأنَّهُ سَيَكُونُ نَبِيًّا. ومَن جَعَلَهُ إسْماعِيلَ، جَعَلَ البِشارَةَ بِوَلَدِهِ إسْحاقَ. وانْتَصَبَ نَبِيًّا عَلى (p-٣٧٢)الحالِ، وهي حالٌ مُقَدَّرَةٌ. فَإنْ كانَ إسْحاقُ هو الذَّبِيحَ، وكانَتْ هَذِهِ البِشارَةُ بِوِلادَةِ إسْحاقَ، فَقَدْ جَعَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ ذَلِكَ مَحَلَّ سُؤالٍ. فَإنْ قُلْتَ: فَرْقٌ بَيْنَ هَذا وقَوْلِهِ ﴿فادْخُلُوها خالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣] وذَلِكَ أنَّ المَدْخُولَ مَوْجُودٌ مَعَ وُجُودِ الدُّخُولِ، والخُلُودَ غَيْرُ مَوْجُودٍ مَعَهُما، فَقَدَّرْتَ مُقَدَّرَيْنِ لِلْخُلُودِ، فَكانَ مُسْتَقِيمًا. ولَيْسَ كَذَلِكَ المُبَشَّرُ بِهِ، فَإنَّهُ مَعْلُومٌ وقْتَ وُجُودِ البِشارَةِ، وعَدَمُ المُبَشَّرِ بِهِ أوْجَبَ عَدَمَ حالِهِ؛ لِأنَّ الحالَ حِلْيَةٌ لا تَقُومُ إلّا بِالمَحَلِّيِّ. وهَذا المُبَشَّرُ بِهِ الَّذِي هو إسْحاقُ، حِينَ وُجِدَ لَمْ تُوجَدِ النُّبُوَّةُ أيْضًا بِوُجُودِهِ، بَلْ تَراخَتْ عَنْهُ مُدَّةً طَوِيلَةً، فَكَيْفَ يُجْعَلُ نَبِيًّا حالًا مُقَدَّرَةً ؟ والحالُ صِفَةٌ لِلْفاعِلِ والمَفْعُولِ عِنْدَ وُجُودِ الفِعْلِ مِنهُ أوْ بِهِ. فالخُلُودُ وإنْ لَمْ يَكُنْ صِفَتَهم عِنْدَ دُخُولِ الجَنَّةِ، فَتَقْدِيرُها صِفَتُهم؛ لِأنَّ المَعْنى: مُقَدِّرِينَ الخُلُودَ. ولَيْسَ كَذَلِكَ النُّبُوَّةُ، فَإنَّهُ لا سَبِيلَ إلى أنْ تَكُونَ مَوْجُودَةً وقْتَ وُجُودِ البِشارَةِ بِإسْحاقَ لِعَدَمِ إسْحاقَ. قُلْتُ: هَذا سُؤالٌ دَقِيقُ السَّلْكِ ضَيِّقُ المَسْلَكِ، والَّذِي يَحُلُّ الإشْكالَ أنَّهُ لا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ مُضافٍ مَحْذُوفٍ وذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿وبَشَّرْناهُ﴾ بِوُجُودِ إسْحاقَ نَبِيًّا، أيْ بِأنْ يُوجَدَ مُقَدَّرَةً نُبُوَّتُهُ، فالعامِلُ في الحالِ الوُجُودُ، لا فِعْلُ البِشارَةِ؛ وبِذَلِكَ يَرْجِعُ نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فادْخُلُوها خالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣]، (مِنَ الصّالِحِينَ) حالٌ ثانِيَةٌ، ووُرُودُها عَلى سَبِيلِ الثَّناءِ والتَّقْرِيظِ؛ لِأنَّ كُلَّ نَبِيٍّ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ مِنَ الصّالِحِينَ. انْتَهى.
﴿وبارَكْنا عَلَيْهِ وعَلى إسْحاقَ﴾ أفَضْنا عَلَيْهِما بَرَكاتِ الدِّينِ والدُّنْيا، وبِأنْ أخْرَجْنا أنْبِياءَ بَنِي إسْرائِيلَ مِن صُلْبِهِ.
﴿ومِن ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وظالِمٌ﴾ فِيهِ وعِيدٌ لِلْيَهُودِ ومَن كانَ مِن ذُرِّيَّتِهِما لَمْ يُؤْمِن بِمُحَمَّدٍ ﷺ وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ البَرَّ قَدْ يَلِدُ الفاجِرَ، ولا يَلْحَقُهُ مِن ذَلِكَ عَيْبٌ ولا مَنقَصَةٌ.
الصافات 37:113
(p-٣٦٨)﴿وقالَ إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ ﴿فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ يابُنَيَّ إنِّي أرى في المَنامِ أنِّي أذْبَحُكَ فانْظُرْ ماذا تَرى قالَ يا أبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ ﴿فَلَمّا أسْلَما وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ ﴿ونادَيْناهُ أنْ ياإبْراهِيمُ﴾ ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّ هَذا لَهو البَلاءُ المُبِينُ﴾ ﴿وفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى إبْراهِيمَ﴾ ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿وبارَكْنا عَلَيْهِ وعَلى إسْحاقَ ومِن ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ ﴿ولَقَدْ مَنَنّا عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ [الصافات: ١١٤] ﴿ونَجَّيْناهُما وقَوْمَهُما مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ [الصافات: ١١٥] ﴿ونَصَرْناهم فَكانُوا هُمُ الغالِبِينَ﴾ [الصافات: ١١٦] ﴿وآتَيْناهُما الكِتابَ المُسْتَبِينَ﴾ [الصافات: ١١٧] ﴿وهَدَيْناهُما الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ [الصافات: ١١٨] ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِما في الآخِرِينَ﴾ [الصافات: ١١٩] ﴿سَلامٌ عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ [الصافات: ١٢٠] ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ [الصافات: ١٢١] ﴿إنَّهُما مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ [الصافات: ١٢٢] ﴿وإنَّ إلْياسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٢٣] ﴿إذْ قالَ لِقَوْمِهِ ألا تَتَّقُونَ﴾ [الصافات: ١٢٤] ﴿أتَدْعُونَ بَعْلًا وتَذَرُونَ أحْسَنَ الخالِقِينَ﴾ [الصافات: ١٢٥] ﴿اللَّهَ رَبَّكم ورَبَّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ [الصافات: ١٢٦] ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ [الصافات: ١٢٧] ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ [الصافات: ١٢٨] ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ [الصافات: ١٢٩] ﴿سَلامٌ عَلى إلْ ياسِينَ﴾ [الصافات: ١٣٠] ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ [الصافات: ١٣١] ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ [الصافات: ١٣٢] ﴿وإنَّ لُوطًا لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٣٣] ﴿إذْ نَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ﴾ [الصافات: ١٣٤] ﴿إلّا عَجُوزًا في الغابِرِينَ﴾ [الصافات: ١٣٥] ﴿ثُمَّ دَمَّرْنا الآخَرِينَ﴾ [الصافات: ١٣٦] ﴿وإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ﴾ [الصافات: ١٣٧] ﴿وبِاللَّيْلِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات: ١٣٨] ﴿وإنَّ يُونُسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٣٩] ﴿إذْ أبَقَ إلى الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ [الصافات: ١٤٠] ﴿فَساهَمَ فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ﴾ [الصافات: ١٤١] ﴿فالتَقَمَهُ الحُوتُ وهو مُلِيمٌ﴾ [الصافات: ١٤٢] ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ [الصافات: ١٤٣] ﴿لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الصافات: ١٤٤] ﴿فَنَبَذْناهُ بِالعَراءِ وهو سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ١٤٥] ﴿وأنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِن يَقْطِينٍ﴾ [الصافات: ١٤٦] ﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ١٤٧] ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾ [الصافات: ١٤٨] ﴿فاسْتَفْتِهِمْ ألِرَبِّكَ البَناتُ ولَهُمُ البَنُونَ﴾ [الصافات: ١٤٩] ﴿أمْ خَلَقْنا المَلائِكَةَ إناثًا وهم شاهِدُونَ﴾ [الصافات: ١٥٠] ﴿ألا إنَّهم مِن إفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ﴾ [الصافات: ١٥١] ﴿ولَدَ اللَّهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ [الصافات: ١٥٢] ﴿أاصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ﴾ [الصافات: ١٥٣] ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [الصافات: ١٥٤] ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [الصافات: ١٥٥] ﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾ [الصافات: ١٥٦] ﴿فَأْتُوا بِكِتابِكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [الصافات: ١٥٧] ﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا ولَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ إنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ [الصافات: ١٥٨] ﴿سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ [الصافات: ١٥٩] ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ [الصافات: ١٦٠] ﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ﴾ [الصافات: ١٦١] ﴿ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ﴾ [الصافات: ١٦٢] ﴿إلّا مَن هو صالِي الجَحِيمِ﴾ [الصافات: ١٦٣] ﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات: ١٦٤] ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾ [الصافات: ١٦٥] ﴿وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾ [الصافات: ١٦٦] ﴿وإنْ كانُوا لَيَقُولُونَ﴾ [الصافات: ١٦٧] ﴿لَوْ أنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا مِنَ الأوَّلِينَ﴾ [الصافات: ١٦٨] ﴿لَكُنّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ [الصافات: ١٦٩] ﴿فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الصافات: ١٧٠] ﴿ولَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٧١] ﴿إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ﴾ [الصافات: ١٧٢] ﴿وإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ﴾ [الصافات: ١٧٣] ﴿فَتَوَلَّ عَنْهم حَتّى حِينٍ﴾ [الصافات: ١٧٤] ﴿وأبْصِرْهم فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ [الصافات: ١٧٥] ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ [الصافات: ١٧٦] ﴿فَإذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ فَساءَ صَباحُ المُنْذَرِينَ﴾ [الصافات: ١٧٧] ﴿وتَوَلَّ عَنْهم حَتّى حِينٍ﴾ [الصافات: ١٧٨] ﴿وأبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ [الصافات: ١٧٩] ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ [الصافات: ١٨٠] ﴿وسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٨١] ﴿والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الصافات: ١٨٢] تَلَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ: صَرَعَهُ عَلى شِقِّهِ، وقِيلَ: وضَعَهُ بِقُوَّةٍ. وقالَ ساعِدَةُ بْنُ حَوْبَةَ:
؎وتَلَّ تَلِيلًا لِلْجَبِينِ ولِلْفَمِ
والجَبِينانِ: ما اكْتَنَفَ مِن هُنا ومِن هُنا، وشَذَّ جَمْعُ الجَبِينِ عَلى أجْبُنٍ، وقِياسُهُ في القِلَّةِ أجْبِنَةٌ، كَكَثِيبٍ وأكْثِبَةٍ، وفي الكَثْرَةِ: جَبَناتٌ وجُبُنٌ، كَكُثُباتٌ وكُثُبٌ. الذَّبْحُ: اسْمُ ما يُذْبَحُ، كالرَّعْيِ اسْمُ ما يُرْعى. أبَقَ: هَرَبَ. ساهَمَ: قارَعَ. المُدْحَضُ: المَقْلُوبُ. الحُوتُ: مَعْرُوفٌ. ألامَ: أتى بِما يُلامُ عَلَيْهِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎وكَمْ مِن مُلِيمٍ لَمْ يُصَبْ بِمُلامَةٍ ∗∗∗ ومُتَّبِعٍ بِالذَّنْبِ لَيْسَ لَهُ ذَنْبُ
العَراءُ: الأرْضُ الفَيْحاءُ لا شَجَرَ فِيها ولا يُعْلَمُ، قالَ الشّاعِرُ:
؎ورَفَعْتُ رِجْلًا لا أخافُ عِثارَها ∗∗∗ ونَبَذْتُ بِالمِينِ العَراءِ ثِيابِي
اليَقْطِينُ: يَفْعِيلٌ كاليَفْصِيدِ، مِن قَطَنَ: أقامَ بِالمَكانِ، وهو بِالمَكانِ، وهو ما كانَ مِنَ الشَّجَرِ لا يَقُومُ عَلى ساقٍ مِن عُودٍ، كَشَجَرِ البِطِّيخِ والحَنْظَلِ والقِثّاءِ. السّاحَةُ: الفِناءُ، وجَمْعُها سُوحٌ، قالَ الشّاعِرُ:
؎فَكانَ سِيّانِ أنْ لا يَسْرَحُوا نَعَمًا ∗∗∗ أوْ يَسْرَحُوهُ بِها واغْبَرَّتِ السُّوحُ
(p-٣٦٩)
﴿وقالَ إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ ﴿فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ يابُنَيَّ إنِّي أرى في المَنامِ أنِّي أذْبَحُكَ فانْظُرْ ماذا تَرى قالَ يا أبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ ﴿فَلَمّا أسْلَما وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ ﴿ونادَيْناهُ أنْ ياإبْراهِيمُ﴾ ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّ هَذا لَهو البَلاءُ المُبِينُ﴾ ﴿وفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى إبْراهِيمَ﴾ ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿وبارَكْنا عَلَيْهِ وعَلى إسْحاقَ ومِن ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ .
لَمّا سَلَّمَهُ اللَّهُ مِنهم ومِنَ النّارِ الَّتِي ألْقَوْهُ فِيها، عَزَمَ عَلى مُفارَقَتِهِمْ، وعَبَّرَ بِالذَّهابِ إلى رَبِّهِ عَنْ هِجْرَتِهِ إلى أرْضِ الشّامِ. كَما قالَ (﴿إنِّي مُهاجِرٌ إلى رَبِّي﴾ [العنكبوت: ٢٦] لِيَتَمَكَّنَ مِن عِبادَةِ رَبِّهِ ويَتَضَرَّعَ لَهُ مِن غَيْرِ أنْ يَلْقى مَن يُشَوِّشُ عَلَيْهِ، فَهاجَرَ مِن أرْضِ بابِلَ، مِن مَمْلَكَةِ نُمْرُودٍ، إلى الشّامِ. وقِيلَ: إلى أرْضِ مِصْرَ. ويَبْعُدُ قَوْلُ مَن قالَ: لَيْسَ المُرادُ بِذَهابِهِ الهِجْرَةَ، وإنَّما مُرادُهُ لِقاءُ اللَّهِ بَعْدَ الإحْراقِ، ظانًّا مِنهُ أنَّهُ سَيَمُوتُ في النّارِ، فَقالَها قَبْلَ أنْ يُطْرَحَ في النّارِ. و( سَيَهْدِينِ) أيْ إلى الجَنَّةِ، نَحا إلى هَذا قَتادَةُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ﴾ يَدْفَعُ هَذا القَوْلَ، والمُعْتَقِدُ أنَّهُ يَمُوتُ في النّارِ لا يَدْعُو بِأنْ يَهَبَ اللَّهُ لَهُ ولَدًا صالِحًا. (سَيَهْدِينِ) يُوَفِّقُنِي إلى ما فِيهِ صَلاحِي.
﴿مِنَ الصّالِحِينَ﴾ أيْ ولَدًا يَكُونُ في عِدادِ الصّالِحِينَ. ولَفْظُ الهِبَةِ غَلَبَ في الوَلَدِ، وإنْ كانَ قَدْ جاءَ في الأخِ، كَقَوْلِهِ ﴿ووَهَبْنا لَهُ مِن رَحْمَتِنا أخاهُ هارُونَ نَبِيًّا﴾ [مريم: ٥٣] . واشْتَمَلَتِ البِشارَةُ عَلى ذُكُورِيَّةِ المَوْلُودِ وبُلُوغِهِ سِنَّ الحُلُمِ ووَصْفِهِ بِالحِلْمِ، وأيُّ حِلْمٍ أعْظَمُ مِن قَوْلِهِ، وقَدْ عَرَضَ عَلَيْهِ أبُوهُ الذَّبْحَ ﴿سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّابِرِينَ﴾
﴿فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾، بَيْنَ هَذِهِ الجُمْلَةِ والَّتِي قَبْلَها مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: فَوُلِدَ لَهُ وشَبَّ.
﴿فَلَمّا بَلَغَ﴾ أيْ أنْ يَسْعى مَعَ أبِيهِ في أشْغالِهِ وحَوائِجِهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ: والَسَّعْيُ هُنا: العَمَلُ والعِبادَةُ والمَعُونَةُ. وقالَ قَتادَةُ: السَّعْيُ عَلى القَدَمِ، يُرِيدُ سَعْيًا مُتَمَكِّنًا، وفِيهِ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لا يَصِحُّ تَعَلُّقُهُ بِبَلَغَ بِهِ بُلُوغُهُما مَعًا حَدَّ السَّعْيِ ولا بِالسَّعْيِ؛ لِأنَّ أصْلَهُ المَصْدَرُ لا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ، فَنَفى أنْ يَكُونَ بَيانًا، كَأنَّهُ لَمّا قالَ ﴿فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾، أيِ الحَدَّ الَّذِي يَقْدِرُ فِيهِ عَلى السَّعْيِ، قِيلَ: مَعَ مَن ؟ فَقالَ: مَعَ أبِيهِ، والمَعْنى في اخْتِصاصِ الأبِّ أنَّهُ أرْفَقُ النّاسِ وأعْطَفُهم عَلَيْهِ وعَلى غَيْرِهِ وبِما عَنَّفَ عَلَيْهِ في الِاسْتِسْعاءِ، فَلا يَحْتَمِلُهُ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَسْتَحْكِمْ قَوْلَهُ، ولَمْ يَطْلُبْ عَوْدَهُ، وكانَ إذْ ذاكَ ابْنَ ثَلاثَ عَشْرَةَ سَنَةً. انْتَهى.
﴿قالَ يابُنَيَّ﴾ نِداءُ شَفَقَةٍ وتَرَحُّمٍ.
﴿إنِّي أرى في المَنامِ أنِّي أذْبَحُكَ﴾ أيْ بِأمْرٍ مِنَ اللَّهِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿افْعَلْ ما تُؤْمَرُ﴾ . ورُؤْيا الأنْبِياءِ وحْيٌ كاليَقَظَةِ، وذِكْرُهُ لَهُ الرُّؤْيا تَجْسِيرٌ عَلى احْتِمالِ تِلْكَ البَلِيَّةِ العَظِيمَةِ. وشاوَرَهُ بِقَوْلِهِ ﴿فانْظُرْ ماذا تَرى﴾ وإنْ كانَ حَتْمًا مِنَ اللَّهِ لِيَعْلَمَ ما عِنْدَهُ مِن تَلَقِّي هَذا الِامْتِحانِ العَظِيمِ، ويُصَبِّرَهُ إنْ جَزَعَ، ويُوَطِّنَ نَفْسَهُ عَلى مُلاقاةِ هَذا البَلاءِ، وتَسْكُنَ نَفْسُهُ لِما لا بُدَّ مِنهُ، إذْ مُفاجَأةُ البَلاءِ قَبْلَ الشُّعُورِ بِهِ أصْعَبُ عَلى النَّفْسِ، وكانَ ما رَآهُ في المَنامِ ولَمْ يَكُنْ في اليَقَظَةِ، كَرُؤْيا يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ورُؤْيا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ دُخُولَ المَسْجِدِ الحَرامِ، لِيَدُلَّ عَلى أنَّ حالَتَيِ الأنْبِياءِ يَقَظَةً ومَنامًا سَواءٌ في الصِّدْقِ مُتَظافِرَتانِ عَلَيْهِ. قِيلَ: إنَّهُ حِينَ بَشَّرَتِ المَلائِكَةُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ قالَ: هو إذَنْ ذَبِيحُ اللَّهِ. فَلَمّا بَلَغَ حَدَّ السَّعْيِ مَعَهُ قِيلَ لَهُ: أوْفِ بِنَذْرِكَ. قِيلَ: رَأى لَيْلَةَ التَّرْوِيَةِ قائِلًا يَقُولُ لَهُ: إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ بِذَبْحِ ابْنِكَ هَذا. فَلَمّا أصْبَحَ، رَوّى في ذَلِكَ مِنَ الصَّباحِ إلى الرَّواحِ. أمِنَ اللَّهِ هَذا الحُلْمُ ؟، فَمِن ثَمَّ سُمِّيَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ. فَلَمّا أمْسَ رَأى مِثْلَ ذَلِكَ، فَعَرَفَ أنَّهُ مِنَ اللَّهِ، فَمِن ثَمَّ سُمِّيَ يَوْمَ عَرَفَةَ. ثُمَّ رَأى مِثْلَهُ في اللَّيْلَةِ الثّالِثَةِ، فَهَمَّ بِنَحْرِهِ، فَسُمِّيَ يَوْمَ النَّحْرِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: (p-٣٧٠)(تَرى)، بِفَتْحِ التّاءِ والرّاءِ؛ وعَبْدُ اللَّهِ، والأسْوَدُ بْنُ يَزِيدَ، وابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ، ومُجاهِدٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ الرّاءِ؛ والضَّحّاكُ، والأعْمَشُ أيْضًا بِضَمِّ التّاءِ وفَتْحِ الرّاءِ. فالأوَّلُ مِنَ الرَّأْيِ، والثّانِي ماذا تَرَيَنِّيهِ وما تُبْدِيهِ لِأنْظُرَ فِيهِ ؟ والثّالِثُ ما الَّذِي يُخَيَّلُ إلَيْكَ ويُوقَعُ في قَلْبِكَ ؟ و(انْظُرْ) مُعَلَّقَةٌ، وماذا اسْتِفْهامٌ. فَإنْ كانَتْ (ذا) مَوْصُولَةً بِمَعْنى الَّذِي، فَـ (ما) مُبْتَدَأٌ، والفِعْلُ بَعْدَ (ذا) صِلَةٌ. وإنْ كانَتْ (ذا) مُرَكَّبَةً، فَفي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِالفِعْلِ بَعْدَها. والجُمْلَةُ، واسْمُ الِاسْتِفْهامِ الَّذِي هو مَعْمُولٌ لِلْفِعْلِ بَعْدَهُ في مَوْضِعِ نَصْبِ انْظُرْ. ولَمّا كانَ خِطابُ الأبِّ (يا بُنَيَّ)، عَلى سَبِيلِ التَّرَحُّمِ، قالَ: هو (يا أبَتِ)، عَلى سَبِيلِ التَّعْظِيمِ والتَّوْقِيرِ.
﴿افْعَلْ ما تُؤْمَرُ﴾ أيْ ما تُؤْمَرُهُ، حَذَفَهُ وهو مَنصُوبٌ، وأصْلُهُ ما تُؤْمَرُ بِهِ، فَحُذِفَ الحَرْفُ، واتَّصَلَ الضَّمِيرُ مَنصُوبًا، فَجازَ حَذْفُهُ لِوُجُودِ شَرائِطِ الحَذْفِ فِيهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ أمَرَكَ، عَلى إضافَةِ المَصْدَرِ إلى المَفْعُولِ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، وفي ذَلِكَ خِلافٌ. هَلْ يُعْتَقَدُ في المَصْدَرِ العامِلِ أنْ يَجُوزَ أنْ يُبْنى لِلْمَفْعُولِ، فَيَكُونَ ما بَعْدَهُ مَفْعُولًا لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، أمْ يَكُونَ ذَلِكَ ؟ ﴿سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ كَلامُ مَن أُوتِيَ الحِلْمَ والصَّبْرَ والِامْتِثالَ لِأمْرِ اللَّهِ، والرِّضا بِما أمَرَ اللَّهُ.
﴿فَلَمّا أسْلَما﴾ أيْ لِأمْرِ اللَّهِ، ويُقالُ: اسْتَسْلَمَ وسَلَّمَ بِمَعْناهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: أسْلَما. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وعَلِيٌّ، وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ، وجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، والأعْمَشُ، والثَّوْرِيُّ: سَلَّما: أيْ فَوَّضا إلَيْهِ في قَضائِهِ وقَدَرِهِ. وقُرِئَ: اسْتَسْلَما، ثَلاثُ قِراءاتٍ. وقالَ قَتادَةُ في أسْلَما: أسْلَمَ هَذا ابْنَهُ، وأسْلَمَ هَذا نَفْسَهُ، فَجَعَلَ أسْلَما مُتَعَدِّيًا، وغَيْرَهُ جَعَلَهُ لازِمًا بِمَعْنى: انْقادا لِأمْرِ اللَّهِ وخَضَعا لَهُ.
﴿وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ أيْ أوْقَعَهُ عَلى أحَدِ جَنْبَيْهِ في الأرْضِ مُباشِرًا الأمْرَ بِصَبْرٍ وجَلَدٍ، وذَلِكَ عِنْدَ الصَّخْرَةِ الَّتِي بِمِنًى، وعَنِ الحَسَنِ: في المَوْضِعِ المُشْرِفِ عَلى مَسْجِدِ مِنًى؛ وعَنِ الضَّحّاكِ: في المَنحَرِ الَّذِي يُنْحَرُ فِيهِ اليَوْمَ. وجَوابُ (لَمّا) مَحْذُوفٌ يُقَدَّرُ بَعْدَ ﴿وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾، أيْ أجْزَلْنا أجْرَهُما، قالَهُ بَعْضُ البَصْرِيِّينَ، أوْ بَعْدَ ﴿الرُّؤْيا﴾ أيْ: كانَ ما كانَ مِمّا تَنْطِقُ بِهِ الحالُ ولا يُحِيطُ بِهِ الوَصْفُ مِنِ اسْتِبْشارِهِما وحَمْدِهِما اللَّهَ عَلى ما أنْعَمَ بِهِ إلى ألْفاظٍ كَثِيرَةٍ ذَكَرَها الزَّمَخْشَرِيُّ عَلى عادَتِهِ في خَطابَتِهِ، أوْ قَبْلَ ﴿وتَلَّهُ﴾ تَقْدِيرُهُ ﴿فَلَمّا أسْلَما وتَلَّهُ﴾ . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهو قَوْلُ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ، وهو عِنْدَهم كَقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:
؎فَلَمّا أجَزْنا ساحَةَ الحَيِّ وانْتَحى
وقالَ الكُوفِيُّونَ: الجَوابُ مُثْبَتٌ، وهو ﴿ونادَيْناهُ﴾ عَلى زِيادَةِ الواوِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو ﴿وتَلَّهُ﴾ عَلى زِيادَةِ الواوِ. وذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ في قِصَّةِ إبْراهِيمَ وابْنِهِ، وما جَرى بَيْنَهُما مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ فُصُولًا، اللَّهُ أعْلَمُ بِصِحَّتِها، يُوقِفُ عَلَيْها في كِتابِهِ. و(أنْ) مُفَسِّرَةٌ؛ أيْ ﴿قَدْ صَدَّقْتَ﴾ . وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: ونادَيْناهُ قَدْ صَدَّقَتْ، بِحَذْفِ (أنْ)، وقُرِئَ: صَدَقْتَ، بِتَخْفِيفِ الدّالِ. وقَرَأ فَيّاضٌ: الرِّيّا، بِكَسْرِ الرّاءِ والإدْغامِ وتَصْدِيقِ الرُّؤْيا. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بَذَلَ وِسْعَهُ وفَعَلَ ما يَفْعَلُ الذّابِحُ مِن بَطْحِهِ عَلى شِقِّهِ وإمْرارِ الشَّفْرَةِ عَلى حَلْقِهِ، لَكِنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ جاءَ بِما مَنَعَ الشَّفْرَةَ أنْ تَمْضِيَ فِيهِ، وهَذا لا يَقْدَحُ في فِعْلِ إبْراهِيمَ. ألا تَرى أنَّهُ لا يُسَمّى عاصِيًا ولا مُفَرِّطًا ؟ بَلْ يُسَمّى مُطِيعًا ومُجْتَهِدًا، كَما لَوْ مَضَتْ فِيهِ الشَّفْرَةُ وفَرَتِ الأوْداجَ وأنْهَرَتِ الدَّمَ. ولَيْسَ هَذا مِن وُرُودِ النَّسْخِ عَلى المَأْمُورِ بِهِ قَبْلَ الفِعْلِ، ولا قَبْلَ أوانِ الفِعْلِ في شَيْءٍ، كَما يَسْبِقُ إلى بَعْضِ الأوْهامِ حَتّى يَشْتَغِلَ بِالكَلامِ فِيهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ ﴿قَدْ صَدَّقْتَ﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ بِقَلْبِكَ عَلى مَعْنى: كانَتْ عِنْدَكَ رُؤْياكَ صادِقَةً حَقًّا مِنَ اللَّهِ فَعَمِلْتَ بِحَسَبِها حِينَ آمَنتَ بِها، واعْتَقَدْتَ صِدْقَها. ويَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ: صَدَّقْتَ بِقَلْبِكَ ما حَصَلَ عَنِ الرُّؤْيا في نَفْسِكَ، كَأنَّهُ قالَ: قَدْ وفَّيْتَها حَقَّها مِنَ العَمَلِ. انْتَهى.
﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ تَعْلِيلٌ لِتَخْوِيلِ ما خَوَّلَهُما اللَّهُ مِنَ الفَرَجِ بَعْدَ الشِّدَّةِ، والظَّفَرِ بِالبُغْيَةِ بَعْدَ اليَأْسِ.
(إنَّ هَذا) أيْ ما أُمِرَ بِهِ إبْراهِيمُ مِن ذَبْحِ ابْنِهِ، ﴿لَهُوَ البَلاءُ المُبِينُ﴾ أيِ الِاخْتِبارُ البَيِّنُ الَّذِي يَتَمَيَّزُ فِيهِ المُخْلِصُونَ وغَيْرُهم، أوِ المِحْنَةُ البَيِّنَةُ الصُّعُوبَةِ الَّتِي لا مِحْنَةَ أصْعَبُ مِنها.
﴿وفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو (p-٣٧١)الكَبْشُ الَّذِي قَرَّبَهُ هابِيلُ فَقُبِلَ مِنهُ، وكانَ يَرْعى في الجَنَّةِ حَتّى فُدِيَ بِهِ إسْماعِيلُ. وقالَ أيْضًا هو والحَسَنُ: فُدِيَ بِوَعْلٍ أُهْبِطَ عَلَيْهِ مِن سَرْوٍ. وقالَ الجُمْهُورُ: كَبْشٌ أبْيَضُ أقْرَنُ أقْنى، ووُصِفَ بِالعِظَمِ. قالَ مُجاهِدٌ: لِأنَّهُ مُتَقَبَّلٌ يَقِينًا. وقالَ عَمْرُو بْنُ عَبِيدٍ: لِأنَّهُ جَرَتِ السُّنَّةُ بِهِ، وصارَ دِينًا باقِيًا إلى آخِرِ الدَّهْرِ. وقالَ الحَسَنُ بْنُ الفَضْلِ: لِأنَّهُ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ. وقالَ أبُو بَكْرٍ الوَرّاقُ: لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَنْ نَسْلٍ، بَلْ عَنِ التَّكْوِينِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ: عَظَمَتُهُ كَوْنُهُ مِن كِباشِ الجَنَّةِ، رُعِيَ فِيها أرْبَعِينَ خَرِيفًا. وفي قَوْلِهِ ﴿وفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّ إبْراهِيمَ لَمْ يَذْبَحِ ابْنَهُ، وقَدْ فُدِيَ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: وقَعَ الذَّبْحُ وقامَ بَعْدَ ذَلِكَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا كَذِبٌ صُراحٌ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: لَمْ يَرَ إبْراهِيمُ في مَنامِهِ الإمْرارَ بِالشَّفْرَةِ فَقَطْ، فَظَنَّ أنَّهُ ذِبْحٌ مُجَهَّزٌ، فَنَفَّذَ لِذَلِكَ. فَلَمّا وقَعَ الَّذِي رَآهُ وقَعَ النَّسْخُ، قالَ: ولا اخْتِلافَ، فَإنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، أمَرَّ الشَّفْرَةَ عَلى حَلْقِ ابْنِهِ فَلَمْ تَقْطَعْ. انْتَهى. والَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ القُرْآنُ أنَّهُ ﴿وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ فَقَطْ، ولَمْ يَأْتِ في حَدِيثٍ صَحِيحٍ «أنَّهُ أمَرَّ الشَّفْرَةَ عَلى حَلْقِ ابْنِهِ». ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ﴾ إلى (المُؤْمِنِينَ) تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِهِ في آخِرِ قِصَّةِ نُوحٍ، قَبْلَ قِصَّةِ إبْراهِيمَ هُنا، وقالَ هُنا كَذَلِكَ دُونَ إنّا اكْتِفاءً بِذِكْرِ ذَلِكَ قَبْلُ وبَعْدُ.
﴿وبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ الظّاهِرُ أنَّ هَذِهِ بِشارَةٌ غَيْرُ تِلْكَ البِشارَةِ، وأنَّ الغُلامَ الحَلِيمَ المُبَشَّرَ بِهِ إبْراهِيمُ هو إسْماعِيلُ، وأنَّهُ هو الذَّبِيحُ لا إسْحاقُ؛ وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنُ عُمَرَ، ومُعاوِيَةُ بْنُ أبِي سُفْيانَ، ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ، والشَّعْبِيُّ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وجَماعَةُ مِنَ التّابِعِينَ؛ واسْتَدَلُّوا بِظاهِرِ هَذِهِ الآياتِ وبِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: «أنا ابْنُ الذَّبِيحَيْنِ»، وقَوْلُ الأعْرابِيِّ لَهُ: «يا ابْنَ الذَّبِيحَيْنِ: فَتَبَسَّمَ عَلَيْهِ السَّلامُ»، يَعْنِي إسْماعِيلَ، وأباهُ عَبْدَ اللَّهِ. وكانَ عَبْدُ المُطَّلِبِ نَذَرَ ذَبْحَ أحَدِ ولَدِهِ، فَخَرَجَ السَّهْمُ عَلى عَبْدِ اللَّهِ، فَمَنَعَهُ أخْوالُهُ وقالُوا لَهُ: افْدِ ابْنَكَ بِمِائَةٍ مِنَ الإبِلِ، فَفَداهُ بِها. وفِيما أوْحى اللَّهُ لِمُوسى في حَدِيثٍ طَوِيلٍ. «وأمّا إسْماعِيلُ، فَإنَّهُ جادَ بِدَمِ نَفْسِهِ». وسَألَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ يَهُودِيًا أسْلَمَ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: إنَّ يَهُودِيًا لَيَعْلَمُ، لَكِنَّهم يَحْسُدُونَكم مَعْشَرَ العَرَبِ، وكانَ قَرْنا الكَبْشِ مَنُوطَيْنِ في الكَعْبَةِ. وسَألَ الأصْمَعِيُّ أبا عَمْرِو بْنَ العَلاءِ عَنِ الذَّبِيحِ فَقالَ: يا أصْمَعِيُّ، أيْنَ عَزَبَ عَنْكَ عَقْلُكَ ؟ ومَتى كانَ إسْحاقُ بِمَكَّةَ ؟ وهو الَّذِي بَنى البَيْتَ مَعَ أبِيهِ، والمَنحَرُ بِمَكَّةَ ؟ انْتَهى. ووَصَفَهُ تَعالى بِالصَّبْرِ في قَوْلِهِ ﴿وإسْماعِيلَ وإدْرِيسَ وذا الكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٥] وهو صَبْرُهُ عَلى الذَّبْحِ؛ وبِصِدْقِ الوَعْدِ في قَوْلِهِ ﴿إنَّهُ كانَ صادِقَ الوَعْدِ﴾ [مريم: ٥٤] لِأنَّهُ وعَدَ أباهُ مِن نَفْسِهِ الصَّبْرَ عَلى الذَّبْحِ فَوَفّى بِهِ. وذَكَرَ الطَّبَرِيُّ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ قالَ: الذَّبِيحُ إسْماعِيلُ، ويَزْعُمُ اليَهُودُ أنَّهُ إسْحاقُ، وكَذَبَتِ اليَهُودُ. ومِن أقْوى ما يُسْتَدَلُّ بِهِ أنَّ اللَّهَ تَعالى بَشَّرَ إبْراهِيمَ بِإسْحاقَ، ووَلَدَ إسْحاقُ يَعْقُوبَ. فَلَوْ كانَ الذَّبِيحُ إسْحاقَ، لَكانَ ذَلِكَ الإخْبارُ غَيْرَ مُطابِقٍ لِلْواقِعِ، وهو مُحالٌ في إخْبارِ اللَّهِ تَعالى. وذَهَبَتْ جَماعَةٌ إلى أنَّ الذَّبِيحَ هو إسْحاقُ، مِنهم: العَبّاسُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وعَلِيٌّ، وعَطاءٌ، وعِكْرِمَةُ، وكَعْبٌ، وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، وابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةٍ، وكانَ أمْرَ ذَبْحِهِ بِالشّامِ. وقالَ عَطاءٌ ومُقاتِلٌ: بِبَيْتِ المَقْدِسِ؛ وقِيلَ: بِالحِجازِ، جاءَ مَعَ أبِيهِ عَلى البُراقِ. وقالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، وابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةٍ: وكانَ أمْرَ ذَبْحِهِ بِالشّامِ، كانَ بِالمَقامِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: والبِشارَةُ في قَوْلِهِ ﴿وبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ﴾ هي بِشارَةُ نُبُوَّتِهِ. وقالُوا: أخْبَرَ تَعالى عَنْ خَلِيلِهِ إبْراهِيمَ حِينَ هاجَرَ إلى الشّامِ بِأنَّهُ اسْتَوْهَبَهُ ولَدًا، ثُمَّ أتْبَعَ تِلْكَ البِشارَةَ بِغُلامٍ حَلِيمٍ، ثُمَّ ذَكَرَ رُؤْياهُ بِذَبْحِ ذَلِكَ الغُلامِ المُبَشَّرِ بِهِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ كِتابُ يَعْقُوبَ إلى يُوسُفَ، عَلَيْهِما السَّلامُ: مِن يَعْقُوبَ إسْرائِيلَ اللَّهِ ابْنِ إسْحاقَ ذَبِيحِ اللَّهِ بْنِ إبْراهِيمَ خَلِيلِ اللَّهِ. ومَن جَعَلَ الذَّبِيحَ إسْحاقَ، جَعَلَ هَذِهِ البِشارَةَ بِشارَةً بِنُبُوَّتِهِ، كَما ذَكَرْنا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالُوا: لا يَجُوزُ أنْ يُبَشِّرَهُ اللَّهُ بِوِلادَتِهِ ونُبُوَّتِهِ مَعًا؛ لِأنَّ الِامْتِحانَ بِذَبْحِهِ لا يَصِحُّ مَعَ عِلْمِهِ بِأنَّهُ سَيَكُونُ نَبِيًّا. ومَن جَعَلَهُ إسْماعِيلَ، جَعَلَ البِشارَةَ بِوَلَدِهِ إسْحاقَ. وانْتَصَبَ نَبِيًّا عَلى (p-٣٧٢)الحالِ، وهي حالٌ مُقَدَّرَةٌ. فَإنْ كانَ إسْحاقُ هو الذَّبِيحَ، وكانَتْ هَذِهِ البِشارَةُ بِوِلادَةِ إسْحاقَ، فَقَدْ جَعَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ ذَلِكَ مَحَلَّ سُؤالٍ. فَإنْ قُلْتَ: فَرْقٌ بَيْنَ هَذا وقَوْلِهِ ﴿فادْخُلُوها خالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣] وذَلِكَ أنَّ المَدْخُولَ مَوْجُودٌ مَعَ وُجُودِ الدُّخُولِ، والخُلُودَ غَيْرُ مَوْجُودٍ مَعَهُما، فَقَدَّرْتَ مُقَدَّرَيْنِ لِلْخُلُودِ، فَكانَ مُسْتَقِيمًا. ولَيْسَ كَذَلِكَ المُبَشَّرُ بِهِ، فَإنَّهُ مَعْلُومٌ وقْتَ وُجُودِ البِشارَةِ، وعَدَمُ المُبَشَّرِ بِهِ أوْجَبَ عَدَمَ حالِهِ؛ لِأنَّ الحالَ حِلْيَةٌ لا تَقُومُ إلّا بِالمَحَلِّيِّ. وهَذا المُبَشَّرُ بِهِ الَّذِي هو إسْحاقُ، حِينَ وُجِدَ لَمْ تُوجَدِ النُّبُوَّةُ أيْضًا بِوُجُودِهِ، بَلْ تَراخَتْ عَنْهُ مُدَّةً طَوِيلَةً، فَكَيْفَ يُجْعَلُ نَبِيًّا حالًا مُقَدَّرَةً ؟ والحالُ صِفَةٌ لِلْفاعِلِ والمَفْعُولِ عِنْدَ وُجُودِ الفِعْلِ مِنهُ أوْ بِهِ. فالخُلُودُ وإنْ لَمْ يَكُنْ صِفَتَهم عِنْدَ دُخُولِ الجَنَّةِ، فَتَقْدِيرُها صِفَتُهم؛ لِأنَّ المَعْنى: مُقَدِّرِينَ الخُلُودَ. ولَيْسَ كَذَلِكَ النُّبُوَّةُ، فَإنَّهُ لا سَبِيلَ إلى أنْ تَكُونَ مَوْجُودَةً وقْتَ وُجُودِ البِشارَةِ بِإسْحاقَ لِعَدَمِ إسْحاقَ. قُلْتُ: هَذا سُؤالٌ دَقِيقُ السَّلْكِ ضَيِّقُ المَسْلَكِ، والَّذِي يَحُلُّ الإشْكالَ أنَّهُ لا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ مُضافٍ مَحْذُوفٍ وذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿وبَشَّرْناهُ﴾ بِوُجُودِ إسْحاقَ نَبِيًّا، أيْ بِأنْ يُوجَدَ مُقَدَّرَةً نُبُوَّتُهُ، فالعامِلُ في الحالِ الوُجُودُ، لا فِعْلُ البِشارَةِ؛ وبِذَلِكَ يَرْجِعُ نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فادْخُلُوها خالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣]، (مِنَ الصّالِحِينَ) حالٌ ثانِيَةٌ، ووُرُودُها عَلى سَبِيلِ الثَّناءِ والتَّقْرِيظِ؛ لِأنَّ كُلَّ نَبِيٍّ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ مِنَ الصّالِحِينَ. انْتَهى.
﴿وبارَكْنا عَلَيْهِ وعَلى إسْحاقَ﴾ أفَضْنا عَلَيْهِما بَرَكاتِ الدِّينِ والدُّنْيا، وبِأنْ أخْرَجْنا أنْبِياءَ بَنِي إسْرائِيلَ مِن صُلْبِهِ.
﴿ومِن ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وظالِمٌ﴾ فِيهِ وعِيدٌ لِلْيَهُودِ ومَن كانَ مِن ذُرِّيَّتِهِما لَمْ يُؤْمِن بِمُحَمَّدٍ ﷺ وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ البَرَّ قَدْ يَلِدُ الفاجِرَ، ولا يَلْحَقُهُ مِن ذَلِكَ عَيْبٌ ولا مَنقَصَةٌ.
الصافات 37:114
﴿ولَقَدْ مَنَنّا عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ ﴿ونَجَّيْناهُما وقَوْمَهُما مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ ﴿ونَصَرْناهم فَكانُوا هُمُ الغالِبِينَ﴾ ﴿وآتَيْناهُما الكِتابَ المُسْتَبِينَ﴾ ﴿وهَدَيْناهُما الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِما في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُما مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ إلْياسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لِقَوْمِهِ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿أتَدْعُونَ بَعْلًا وتَذَرُونَ أحْسَنَ الخالِقِينَ﴾ ﴿اللَّهَ رَبَّكم ورَبَّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى إلْ ياسِينَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ لُوطًا لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ نَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلّا عَجُوزًا في الغابِرِينَ﴾ ﴿ثُمَّ دَمَّرْنا الآخَرِينَ﴾ ﴿وإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ﴾ ﴿وبِاللَّيْلِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ .
﴿الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ تَعَبُّدِ القِبْطِ لَهم، ثُمَّ خَوْفِهِمْ مِن جَيْشِ فِرْعَوْنَ، ثُمَّ البَحْرِ بَعْدَ ذَلِكَ، والضَّمِيرُ في ﴿ونَصَرْناهُمْ﴾ عائِدٌ عَلى مُوسى وهارُونَ وقَوْمِهِما؛ وقِيلَ: عائِدٌ عَلى مُوسى وهارُونَ فَقَطْ، تَعْظِيمًا لَهُما بِكِنايَةِ الجَماعَةِ. و(هم) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ فَصْلًا وتَوْكِيدًا أوْ بَدَلًا. و﴿الكِتابَ المُسْتَبِينَ﴾ التَّوْراةَ، كَما قالَ تَعالى ﴿إنّا أنْزَلْنا التَّوْراةَ فِيها هُدًى ونُورٌ﴾ [المائدة: ٤٤] . و﴿الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ هو الإسْلامُ وشَرْعُ اللَّهِ. و(إلْياسَ)، قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وقَتادَةُ: هو إدْرِيسُ عَلَيْهِ السَّلامُ. ونَقَلُوا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ وثّابٍ، والأعْمَشِ، والمِنهالِ بْنِ عُمَرَ، والحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ الكُوفِيِّ أنَّهم قَرَءُوا: وإنَّ إدْرِيسَ لِمَنِ المُرْسَلِينَ، وهي مَحْمُولَةٌ عِنْدِي عَلى تَفْسِيرِهِ؛ لِأنَّ المُسْتَفِيضَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قَرَأ ﴿وإنَّ إلْياسَ﴾ وأيْضًا تَفْسِيرُهُ إلْياسَ بِأنَّهُ إدْرِيسُ لَعَلَّهُ لا يَصِحُّ عَنْهُ؛ لِأنَّ إدْرِيسَ في التّارِيخِ المَنقُولِ كانَ قَبْلَ نُوحٍ. وفي سُورَةِ الأنْعامِ ذُكِرَ إلْياسُ، وأنَّهُ مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ، (p-٣٧٣)أوْ مِن ذُرِّيَّةِ نُوحٍ عَلى ما يَحْتَمِلُهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ووَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنا﴾ [الأنعام: ٨٤]، ﴿ومِن ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ﴾ [الأنعام: ٨٤]، وذَكَرَ في جُمْلَةِ هَذِهِ الذُّرِّيَّةِ إلْياسَ، وقِيلَ: إلْياسُ مِن أوْلاد هارُونَ. قالَ الطَّبَرِيُّ: هو إلْياسُ بْنُ ياسِينَ بْنِ فِنْحاصِ بْنِ العَيْزارِ بْنِ هارُونَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿وإنَّ إلْياسَ﴾، بِهَمْزَةِ قَطْعٍ مَكْسُورَةٍ. وقَرَأ عِكْرِمَةُ، والحَسَنُ: بِخِلافٍ عَنْهُما؛ والأعْرَجُ، وأبُو رَجاءٍ، وابْنُ عامِرٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: بِوَصْلِ الألِفِ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ وصَلَ هَمْزَةَ القَطْعِ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ اسْمُهُ ياسا، ودَخَلَتْ عَلَيْهِ (ألْ)، كَما دَخَلَتْ عَلى اليَسَعَ. وفي حَرْفِ أُبَيٍّ ومُصْحَفِهِ: وإنَّ إيلِيسَ، بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ، بَعْدَها ياءٌ ساكِنَةٌ، بَعْدَها لامٌ مَكْسُورَةٌ، بَعْدَها ياءٌ ساكِنَةٌ وسِينٌ مَفْتُوحَةٌ. وقُرِئَ: وإنَّ إدْراسَ، لُغَةً في إدْرِيسَ، كَإبْراهامَ في إبْراهِيمَ.
﴿أتَدْعُونَ بَعْلًا﴾ أيْ أتَعْبُدُونَ بَعْلًا، وهو عَلَمٌ لِصَنَمٍ لَهم، قالَهُ الضَّحّاكُ والحَسَنُ وابْنُ زَيْدٍ. قِيلَ: وكانَ مِن ذَهَبٍ، طُولُهُ عِشْرُونَ ذِراعًا، ولَهُ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ، فُتِنُوا بِهِ وعَظَّمُوهُ حَتّى أخَدَمُوهُ أرْبَعَمِائَةِ سادِنٍ وجَعَلُوهم أنْبِياءَ، وكانَ الشَّيْطانُ يَدْخُلُ في جَوْفِ بَعْلٍ ويَتَكَلَّمُ بِشَرِيعَةِ الضَّلالَةِ، والسَّدَنَةُ يَحْفَظُونَها ويُعَلِّمُونَها النّاسَ، وهم أهْلُ بَعْلَبَكَّ مِن بِلادِ الشّامِ، وبِهِ سُمِّيَتْ مَدِينَتُهم بَعْلَبَكَّ. وقالَ عِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ: البَعْلُ: الرَّبُّ بِلُغَةِ اليَمَنِ. وسَمِعَ ابْنُ عَبّاسٍ رَجُلًا يَنْشُدُ ضالَّةً، فَقالَ لَهُ رَجُلٌ: أنا بَعْلُها، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: اللَّهُ أكْبَرُ، أتَدْعُونَ بَعْلًا ؟ ويُقالُ: مَن بَعْلُ هَذِهِ الدّارِ، أيْ رَبُّها ؟ والمَعْنى عَلى هَذا: أتَعْبُدُونَ بَعْضَ البُعُولِ وتَتْرُكُونَ عِبادَةَ اللَّهِ ؟ وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّ بَعْلًا اسْمُ امْرَأةٍ أتَتْهم بِضَلالَةٍ فاتَّبَعُوها. وقُرِئَ: أتَدْعُونَ بَعْلاءَ، بِالمَدِّ عَلى وزْنِ حَمْراءَ، ويُؤْنِسُ هَذِهِ القِراءَةَ قَوْلُ مَن قالَ: إنَّهُ اسْمُ امْرَأةٍ.
وقَرَأ الكُوفِيُّونَ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ (اللَّهَ رَبَّكم ورَبَّ آبائِكُمُ)، بِالنَّصْبِ في الثَّلاثَةِ بَدَلًا مِن (أحْسَنَ) أوْ عَطْفَ بَيانٍ إنْ قُلْنا إنَّ إضافَةَ التَّفْضِيلِ مَحْضَةٌ، وباقِي السَّبْعَةِ بِالرَّفْعِ، أيْ هو اللَّهُ، أوْ يَكُونُ اسْتِئْنافًا مُبْتَدَأً ورَبُّكم خَبَرُهُ. ورُوِيَ عَنْ حَمْزَةَ أنَّهُ إذا وُصِلَ نُصِبَ، وإذا قُطِعَ رُفِعَ. (فَكَذَّبُوهُ) أيْ كَذَّبَهُ قَوْمُهُ، إمّا في قَوْلِهِ (اللَّهَ رَبَّكم) هَذِهِ النِّسْبَةِ، أوْ فَكَذَّبُوهُ فِيما جاءَ بِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ مِنَ الأمْرِ بِالتَّوْحِيدِ وتَرْكِ الصَّنَمِ والإيمانِ بِما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ. ومُحْضَرُونَ: مَجْمُوعُونَ لِلْعَذابِ.
﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ اسْتِثْناءٌ يَدُلُّ عَلى أنَّ مِن قَوْمِهِ مُخَلَصِينَ لَمْ يُكَذِّبُوهُ، فَهو اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ مِن ضَمِيرِ (فَكَذَّبُوهُ) ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مِن ﴿فَإنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ لِأنَّهم كانُوا يَكُونُونَ مُنْدَرِجِينَ فِيمَن كَذَّبَ، ويَكُونُونَ ﴿عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ وذَلِكَ لا يُمْكِنُ ولا يُناسِبُ أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مُنْقَطِعًا، إذْ يَصِيرُ المَعْنى: لَكِنَّ عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ مِن غَيْرِ قَوْمِهِ لا يَحْضُرُونَ لِلْعَذابِ، ولا مَسِيسَ لِهَؤُلاءِ المَمْسُوسِينَ بِالآيَةِ الَّتِي فِيها قِصَّةُ إلْياسَ هَذِهِ.
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: عَلى آلِ ياسِينَ. وزَعَمُوا أنَّ آلَ مَفْصُولَةٌ في المُصْحَفِ، وياسِينَ اسْمٌ لِإلْياسَ. وقِيلَ: اسْمٌ لِأبِي إلْياسَ؛ لِأنَّهُ إلْياسُ بْنُ ياسِينَ، وآلُ ياسِينَ هو ابْنُهُ إلْياسُ. وقِيلَ: ياسِينُ هو اسْمُ مُحَمَّدٍ ﷺ وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ ﴿عَلى إلْ ياسِينَ﴾ بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ، أيْ إلِياسِينَ، جَمَعَ المَنسُوبِينَ إلى إلْياسَ مَعَهُ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ. وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ مِن قَوْمِهِ مَن كانَ اتَّبَعَهُ عَلى الدِّينِ، وكُلُّ واحِدٍ مِمَّنْ نُسِبَ إلَيْهِ كَأنَّهُ إلْياسُ، فَلَمّا جُمِعَتْ، خُفِّفَتْ ياءُ النِّسْبَةِ بِحَذْفِ إحْداهُما كَراهَةَ التَّضْعِيفِ، فالتَقى ساكِنانِ: الياءُ فِيهِ وحَرْفُ العِلَّةِ الَّذِي لِلْجَمْعِ، فَحُذِفَتْ لِالتِقائِهِما، كَما قالُوا: الأشْعَرُونَ والأعْجَمُونَ والخَبِيبُونَ والمُهَلَّبُونَ. وحَكى أبُو عَمْرٍو أنَّ مُنادِيًا نادى يَوْمَ الكِلابِ: هَلَكَ اليَزِيدِيُّونَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَوْ كانا جَمْعًا، لَعُرِّفَ بِالألِفِ واللّامِ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ، والحَسَنُ: عَلى الياسِينَ، بِوَصْلِ الألِفِ عَلى أنَّهُ جَمْعٌ يُرادُ بِهِ إلْياسُ وقَوْمُهُ المُؤْمِنُونَ، وحُذِفَتْ ياءُ النَّسَبِ، كَما قالُوا: الأشْعَرُونَ، والألِفُ واللّامُ دَخَلَتْ عَلى الجَمْعِ، واسْمُهُ عَلى هَذا (ياسُ) . وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، ومَن ذُكِرَ مَعَهُ أنَّهُ قَرَأ إدْرِيسَ: سَلامٌ عَلى إدْراسِينَ. وعَنْ (p-٣٧٤)قَتادَةَ: وإنَّ إدْرِيسَ. وقَرَأ عَلِيٌّ إدْرَسِينَ. وقَرَأ ابْنُ عَلِيٍّ: إيلْيَسَ، كَقِراءَتِهِ وإنَّ إيلْيَسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ.
﴿إلّا عَجُوزًا﴾ هي امْرَأةُ لُوطٍ، وكانَتْ كافِرَةً، إمّا مُسْتَتِرَةً بِالكُفْرِ، وإمّا مُعْلِنَةً بِهِ. وكانَ نِكاحُ الوَثَنِيّاتِ عِنْدَهم جائِزًا.
﴿مُصْبِحِينَ﴾ أيْ داخِلِينَ في الإصْباحِ. والخِطابُ في (وإنَّكم) لِقُرَيْشٍ، وكانَتْ مَتاجِرُهم إلى الشّامِ عَلى مَدائِنِ قَوْمِ لُوطٍ.
﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ فَتَعْتَبِرُونَ بِما جَرى عَلى مَن كَذَّبَ الرُّسُلَ.
الصافات 37:115
﴿ولَقَدْ مَنَنّا عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ ﴿ونَجَّيْناهُما وقَوْمَهُما مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ ﴿ونَصَرْناهم فَكانُوا هُمُ الغالِبِينَ﴾ ﴿وآتَيْناهُما الكِتابَ المُسْتَبِينَ﴾ ﴿وهَدَيْناهُما الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِما في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُما مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ إلْياسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لِقَوْمِهِ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿أتَدْعُونَ بَعْلًا وتَذَرُونَ أحْسَنَ الخالِقِينَ﴾ ﴿اللَّهَ رَبَّكم ورَبَّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى إلْ ياسِينَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ لُوطًا لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ نَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلّا عَجُوزًا في الغابِرِينَ﴾ ﴿ثُمَّ دَمَّرْنا الآخَرِينَ﴾ ﴿وإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ﴾ ﴿وبِاللَّيْلِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ .
﴿الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ تَعَبُّدِ القِبْطِ لَهم، ثُمَّ خَوْفِهِمْ مِن جَيْشِ فِرْعَوْنَ، ثُمَّ البَحْرِ بَعْدَ ذَلِكَ، والضَّمِيرُ في ﴿ونَصَرْناهُمْ﴾ عائِدٌ عَلى مُوسى وهارُونَ وقَوْمِهِما؛ وقِيلَ: عائِدٌ عَلى مُوسى وهارُونَ فَقَطْ، تَعْظِيمًا لَهُما بِكِنايَةِ الجَماعَةِ. و(هم) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ فَصْلًا وتَوْكِيدًا أوْ بَدَلًا. و﴿الكِتابَ المُسْتَبِينَ﴾ التَّوْراةَ، كَما قالَ تَعالى ﴿إنّا أنْزَلْنا التَّوْراةَ فِيها هُدًى ونُورٌ﴾ [المائدة: ٤٤] . و﴿الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ هو الإسْلامُ وشَرْعُ اللَّهِ. و(إلْياسَ)، قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وقَتادَةُ: هو إدْرِيسُ عَلَيْهِ السَّلامُ. ونَقَلُوا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ وثّابٍ، والأعْمَشِ، والمِنهالِ بْنِ عُمَرَ، والحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ الكُوفِيِّ أنَّهم قَرَءُوا: وإنَّ إدْرِيسَ لِمَنِ المُرْسَلِينَ، وهي مَحْمُولَةٌ عِنْدِي عَلى تَفْسِيرِهِ؛ لِأنَّ المُسْتَفِيضَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قَرَأ ﴿وإنَّ إلْياسَ﴾ وأيْضًا تَفْسِيرُهُ إلْياسَ بِأنَّهُ إدْرِيسُ لَعَلَّهُ لا يَصِحُّ عَنْهُ؛ لِأنَّ إدْرِيسَ في التّارِيخِ المَنقُولِ كانَ قَبْلَ نُوحٍ. وفي سُورَةِ الأنْعامِ ذُكِرَ إلْياسُ، وأنَّهُ مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ، (p-٣٧٣)أوْ مِن ذُرِّيَّةِ نُوحٍ عَلى ما يَحْتَمِلُهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ووَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنا﴾ [الأنعام: ٨٤]، ﴿ومِن ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ﴾ [الأنعام: ٨٤]، وذَكَرَ في جُمْلَةِ هَذِهِ الذُّرِّيَّةِ إلْياسَ، وقِيلَ: إلْياسُ مِن أوْلاد هارُونَ. قالَ الطَّبَرِيُّ: هو إلْياسُ بْنُ ياسِينَ بْنِ فِنْحاصِ بْنِ العَيْزارِ بْنِ هارُونَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿وإنَّ إلْياسَ﴾، بِهَمْزَةِ قَطْعٍ مَكْسُورَةٍ. وقَرَأ عِكْرِمَةُ، والحَسَنُ: بِخِلافٍ عَنْهُما؛ والأعْرَجُ، وأبُو رَجاءٍ، وابْنُ عامِرٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: بِوَصْلِ الألِفِ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ وصَلَ هَمْزَةَ القَطْعِ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ اسْمُهُ ياسا، ودَخَلَتْ عَلَيْهِ (ألْ)، كَما دَخَلَتْ عَلى اليَسَعَ. وفي حَرْفِ أُبَيٍّ ومُصْحَفِهِ: وإنَّ إيلِيسَ، بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ، بَعْدَها ياءٌ ساكِنَةٌ، بَعْدَها لامٌ مَكْسُورَةٌ، بَعْدَها ياءٌ ساكِنَةٌ وسِينٌ مَفْتُوحَةٌ. وقُرِئَ: وإنَّ إدْراسَ، لُغَةً في إدْرِيسَ، كَإبْراهامَ في إبْراهِيمَ.
﴿أتَدْعُونَ بَعْلًا﴾ أيْ أتَعْبُدُونَ بَعْلًا، وهو عَلَمٌ لِصَنَمٍ لَهم، قالَهُ الضَّحّاكُ والحَسَنُ وابْنُ زَيْدٍ. قِيلَ: وكانَ مِن ذَهَبٍ، طُولُهُ عِشْرُونَ ذِراعًا، ولَهُ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ، فُتِنُوا بِهِ وعَظَّمُوهُ حَتّى أخَدَمُوهُ أرْبَعَمِائَةِ سادِنٍ وجَعَلُوهم أنْبِياءَ، وكانَ الشَّيْطانُ يَدْخُلُ في جَوْفِ بَعْلٍ ويَتَكَلَّمُ بِشَرِيعَةِ الضَّلالَةِ، والسَّدَنَةُ يَحْفَظُونَها ويُعَلِّمُونَها النّاسَ، وهم أهْلُ بَعْلَبَكَّ مِن بِلادِ الشّامِ، وبِهِ سُمِّيَتْ مَدِينَتُهم بَعْلَبَكَّ. وقالَ عِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ: البَعْلُ: الرَّبُّ بِلُغَةِ اليَمَنِ. وسَمِعَ ابْنُ عَبّاسٍ رَجُلًا يَنْشُدُ ضالَّةً، فَقالَ لَهُ رَجُلٌ: أنا بَعْلُها، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: اللَّهُ أكْبَرُ، أتَدْعُونَ بَعْلًا ؟ ويُقالُ: مَن بَعْلُ هَذِهِ الدّارِ، أيْ رَبُّها ؟ والمَعْنى عَلى هَذا: أتَعْبُدُونَ بَعْضَ البُعُولِ وتَتْرُكُونَ عِبادَةَ اللَّهِ ؟ وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّ بَعْلًا اسْمُ امْرَأةٍ أتَتْهم بِضَلالَةٍ فاتَّبَعُوها. وقُرِئَ: أتَدْعُونَ بَعْلاءَ، بِالمَدِّ عَلى وزْنِ حَمْراءَ، ويُؤْنِسُ هَذِهِ القِراءَةَ قَوْلُ مَن قالَ: إنَّهُ اسْمُ امْرَأةٍ.
وقَرَأ الكُوفِيُّونَ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ (اللَّهَ رَبَّكم ورَبَّ آبائِكُمُ)، بِالنَّصْبِ في الثَّلاثَةِ بَدَلًا مِن (أحْسَنَ) أوْ عَطْفَ بَيانٍ إنْ قُلْنا إنَّ إضافَةَ التَّفْضِيلِ مَحْضَةٌ، وباقِي السَّبْعَةِ بِالرَّفْعِ، أيْ هو اللَّهُ، أوْ يَكُونُ اسْتِئْنافًا مُبْتَدَأً ورَبُّكم خَبَرُهُ. ورُوِيَ عَنْ حَمْزَةَ أنَّهُ إذا وُصِلَ نُصِبَ، وإذا قُطِعَ رُفِعَ. (فَكَذَّبُوهُ) أيْ كَذَّبَهُ قَوْمُهُ، إمّا في قَوْلِهِ (اللَّهَ رَبَّكم) هَذِهِ النِّسْبَةِ، أوْ فَكَذَّبُوهُ فِيما جاءَ بِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ مِنَ الأمْرِ بِالتَّوْحِيدِ وتَرْكِ الصَّنَمِ والإيمانِ بِما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ. ومُحْضَرُونَ: مَجْمُوعُونَ لِلْعَذابِ.
﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ اسْتِثْناءٌ يَدُلُّ عَلى أنَّ مِن قَوْمِهِ مُخَلَصِينَ لَمْ يُكَذِّبُوهُ، فَهو اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ مِن ضَمِيرِ (فَكَذَّبُوهُ) ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مِن ﴿فَإنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ لِأنَّهم كانُوا يَكُونُونَ مُنْدَرِجِينَ فِيمَن كَذَّبَ، ويَكُونُونَ ﴿عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ وذَلِكَ لا يُمْكِنُ ولا يُناسِبُ أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مُنْقَطِعًا، إذْ يَصِيرُ المَعْنى: لَكِنَّ عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ مِن غَيْرِ قَوْمِهِ لا يَحْضُرُونَ لِلْعَذابِ، ولا مَسِيسَ لِهَؤُلاءِ المَمْسُوسِينَ بِالآيَةِ الَّتِي فِيها قِصَّةُ إلْياسَ هَذِهِ.
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: عَلى آلِ ياسِينَ. وزَعَمُوا أنَّ آلَ مَفْصُولَةٌ في المُصْحَفِ، وياسِينَ اسْمٌ لِإلْياسَ. وقِيلَ: اسْمٌ لِأبِي إلْياسَ؛ لِأنَّهُ إلْياسُ بْنُ ياسِينَ، وآلُ ياسِينَ هو ابْنُهُ إلْياسُ. وقِيلَ: ياسِينُ هو اسْمُ مُحَمَّدٍ ﷺ وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ ﴿عَلى إلْ ياسِينَ﴾ بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ، أيْ إلِياسِينَ، جَمَعَ المَنسُوبِينَ إلى إلْياسَ مَعَهُ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ. وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ مِن قَوْمِهِ مَن كانَ اتَّبَعَهُ عَلى الدِّينِ، وكُلُّ واحِدٍ مِمَّنْ نُسِبَ إلَيْهِ كَأنَّهُ إلْياسُ، فَلَمّا جُمِعَتْ، خُفِّفَتْ ياءُ النِّسْبَةِ بِحَذْفِ إحْداهُما كَراهَةَ التَّضْعِيفِ، فالتَقى ساكِنانِ: الياءُ فِيهِ وحَرْفُ العِلَّةِ الَّذِي لِلْجَمْعِ، فَحُذِفَتْ لِالتِقائِهِما، كَما قالُوا: الأشْعَرُونَ والأعْجَمُونَ والخَبِيبُونَ والمُهَلَّبُونَ. وحَكى أبُو عَمْرٍو أنَّ مُنادِيًا نادى يَوْمَ الكِلابِ: هَلَكَ اليَزِيدِيُّونَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَوْ كانا جَمْعًا، لَعُرِّفَ بِالألِفِ واللّامِ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ، والحَسَنُ: عَلى الياسِينَ، بِوَصْلِ الألِفِ عَلى أنَّهُ جَمْعٌ يُرادُ بِهِ إلْياسُ وقَوْمُهُ المُؤْمِنُونَ، وحُذِفَتْ ياءُ النَّسَبِ، كَما قالُوا: الأشْعَرُونَ، والألِفُ واللّامُ دَخَلَتْ عَلى الجَمْعِ، واسْمُهُ عَلى هَذا (ياسُ) . وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، ومَن ذُكِرَ مَعَهُ أنَّهُ قَرَأ إدْرِيسَ: سَلامٌ عَلى إدْراسِينَ. وعَنْ (p-٣٧٤)قَتادَةَ: وإنَّ إدْرِيسَ. وقَرَأ عَلِيٌّ إدْرَسِينَ. وقَرَأ ابْنُ عَلِيٍّ: إيلْيَسَ، كَقِراءَتِهِ وإنَّ إيلْيَسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ.
﴿إلّا عَجُوزًا﴾ هي امْرَأةُ لُوطٍ، وكانَتْ كافِرَةً، إمّا مُسْتَتِرَةً بِالكُفْرِ، وإمّا مُعْلِنَةً بِهِ. وكانَ نِكاحُ الوَثَنِيّاتِ عِنْدَهم جائِزًا.
﴿مُصْبِحِينَ﴾ أيْ داخِلِينَ في الإصْباحِ. والخِطابُ في (وإنَّكم) لِقُرَيْشٍ، وكانَتْ مَتاجِرُهم إلى الشّامِ عَلى مَدائِنِ قَوْمِ لُوطٍ.
﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ فَتَعْتَبِرُونَ بِما جَرى عَلى مَن كَذَّبَ الرُّسُلَ.
الصافات 37:116
﴿ولَقَدْ مَنَنّا عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ ﴿ونَجَّيْناهُما وقَوْمَهُما مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ ﴿ونَصَرْناهم فَكانُوا هُمُ الغالِبِينَ﴾ ﴿وآتَيْناهُما الكِتابَ المُسْتَبِينَ﴾ ﴿وهَدَيْناهُما الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِما في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُما مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ إلْياسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لِقَوْمِهِ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿أتَدْعُونَ بَعْلًا وتَذَرُونَ أحْسَنَ الخالِقِينَ﴾ ﴿اللَّهَ رَبَّكم ورَبَّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى إلْ ياسِينَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ لُوطًا لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ نَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلّا عَجُوزًا في الغابِرِينَ﴾ ﴿ثُمَّ دَمَّرْنا الآخَرِينَ﴾ ﴿وإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ﴾ ﴿وبِاللَّيْلِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ .
﴿الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ تَعَبُّدِ القِبْطِ لَهم، ثُمَّ خَوْفِهِمْ مِن جَيْشِ فِرْعَوْنَ، ثُمَّ البَحْرِ بَعْدَ ذَلِكَ، والضَّمِيرُ في ﴿ونَصَرْناهُمْ﴾ عائِدٌ عَلى مُوسى وهارُونَ وقَوْمِهِما؛ وقِيلَ: عائِدٌ عَلى مُوسى وهارُونَ فَقَطْ، تَعْظِيمًا لَهُما بِكِنايَةِ الجَماعَةِ. و(هم) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ فَصْلًا وتَوْكِيدًا أوْ بَدَلًا. و﴿الكِتابَ المُسْتَبِينَ﴾ التَّوْراةَ، كَما قالَ تَعالى ﴿إنّا أنْزَلْنا التَّوْراةَ فِيها هُدًى ونُورٌ﴾ [المائدة: ٤٤] . و﴿الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ هو الإسْلامُ وشَرْعُ اللَّهِ. و(إلْياسَ)، قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وقَتادَةُ: هو إدْرِيسُ عَلَيْهِ السَّلامُ. ونَقَلُوا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ وثّابٍ، والأعْمَشِ، والمِنهالِ بْنِ عُمَرَ، والحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ الكُوفِيِّ أنَّهم قَرَءُوا: وإنَّ إدْرِيسَ لِمَنِ المُرْسَلِينَ، وهي مَحْمُولَةٌ عِنْدِي عَلى تَفْسِيرِهِ؛ لِأنَّ المُسْتَفِيضَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قَرَأ ﴿وإنَّ إلْياسَ﴾ وأيْضًا تَفْسِيرُهُ إلْياسَ بِأنَّهُ إدْرِيسُ لَعَلَّهُ لا يَصِحُّ عَنْهُ؛ لِأنَّ إدْرِيسَ في التّارِيخِ المَنقُولِ كانَ قَبْلَ نُوحٍ. وفي سُورَةِ الأنْعامِ ذُكِرَ إلْياسُ، وأنَّهُ مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ، (p-٣٧٣)أوْ مِن ذُرِّيَّةِ نُوحٍ عَلى ما يَحْتَمِلُهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ووَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنا﴾ [الأنعام: ٨٤]، ﴿ومِن ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ﴾ [الأنعام: ٨٤]، وذَكَرَ في جُمْلَةِ هَذِهِ الذُّرِّيَّةِ إلْياسَ، وقِيلَ: إلْياسُ مِن أوْلاد هارُونَ. قالَ الطَّبَرِيُّ: هو إلْياسُ بْنُ ياسِينَ بْنِ فِنْحاصِ بْنِ العَيْزارِ بْنِ هارُونَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿وإنَّ إلْياسَ﴾، بِهَمْزَةِ قَطْعٍ مَكْسُورَةٍ. وقَرَأ عِكْرِمَةُ، والحَسَنُ: بِخِلافٍ عَنْهُما؛ والأعْرَجُ، وأبُو رَجاءٍ، وابْنُ عامِرٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: بِوَصْلِ الألِفِ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ وصَلَ هَمْزَةَ القَطْعِ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ اسْمُهُ ياسا، ودَخَلَتْ عَلَيْهِ (ألْ)، كَما دَخَلَتْ عَلى اليَسَعَ. وفي حَرْفِ أُبَيٍّ ومُصْحَفِهِ: وإنَّ إيلِيسَ، بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ، بَعْدَها ياءٌ ساكِنَةٌ، بَعْدَها لامٌ مَكْسُورَةٌ، بَعْدَها ياءٌ ساكِنَةٌ وسِينٌ مَفْتُوحَةٌ. وقُرِئَ: وإنَّ إدْراسَ، لُغَةً في إدْرِيسَ، كَإبْراهامَ في إبْراهِيمَ.
﴿أتَدْعُونَ بَعْلًا﴾ أيْ أتَعْبُدُونَ بَعْلًا، وهو عَلَمٌ لِصَنَمٍ لَهم، قالَهُ الضَّحّاكُ والحَسَنُ وابْنُ زَيْدٍ. قِيلَ: وكانَ مِن ذَهَبٍ، طُولُهُ عِشْرُونَ ذِراعًا، ولَهُ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ، فُتِنُوا بِهِ وعَظَّمُوهُ حَتّى أخَدَمُوهُ أرْبَعَمِائَةِ سادِنٍ وجَعَلُوهم أنْبِياءَ، وكانَ الشَّيْطانُ يَدْخُلُ في جَوْفِ بَعْلٍ ويَتَكَلَّمُ بِشَرِيعَةِ الضَّلالَةِ، والسَّدَنَةُ يَحْفَظُونَها ويُعَلِّمُونَها النّاسَ، وهم أهْلُ بَعْلَبَكَّ مِن بِلادِ الشّامِ، وبِهِ سُمِّيَتْ مَدِينَتُهم بَعْلَبَكَّ. وقالَ عِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ: البَعْلُ: الرَّبُّ بِلُغَةِ اليَمَنِ. وسَمِعَ ابْنُ عَبّاسٍ رَجُلًا يَنْشُدُ ضالَّةً، فَقالَ لَهُ رَجُلٌ: أنا بَعْلُها، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: اللَّهُ أكْبَرُ، أتَدْعُونَ بَعْلًا ؟ ويُقالُ: مَن بَعْلُ هَذِهِ الدّارِ، أيْ رَبُّها ؟ والمَعْنى عَلى هَذا: أتَعْبُدُونَ بَعْضَ البُعُولِ وتَتْرُكُونَ عِبادَةَ اللَّهِ ؟ وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّ بَعْلًا اسْمُ امْرَأةٍ أتَتْهم بِضَلالَةٍ فاتَّبَعُوها. وقُرِئَ: أتَدْعُونَ بَعْلاءَ، بِالمَدِّ عَلى وزْنِ حَمْراءَ، ويُؤْنِسُ هَذِهِ القِراءَةَ قَوْلُ مَن قالَ: إنَّهُ اسْمُ امْرَأةٍ.
وقَرَأ الكُوفِيُّونَ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ (اللَّهَ رَبَّكم ورَبَّ آبائِكُمُ)، بِالنَّصْبِ في الثَّلاثَةِ بَدَلًا مِن (أحْسَنَ) أوْ عَطْفَ بَيانٍ إنْ قُلْنا إنَّ إضافَةَ التَّفْضِيلِ مَحْضَةٌ، وباقِي السَّبْعَةِ بِالرَّفْعِ، أيْ هو اللَّهُ، أوْ يَكُونُ اسْتِئْنافًا مُبْتَدَأً ورَبُّكم خَبَرُهُ. ورُوِيَ عَنْ حَمْزَةَ أنَّهُ إذا وُصِلَ نُصِبَ، وإذا قُطِعَ رُفِعَ. (فَكَذَّبُوهُ) أيْ كَذَّبَهُ قَوْمُهُ، إمّا في قَوْلِهِ (اللَّهَ رَبَّكم) هَذِهِ النِّسْبَةِ، أوْ فَكَذَّبُوهُ فِيما جاءَ بِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ مِنَ الأمْرِ بِالتَّوْحِيدِ وتَرْكِ الصَّنَمِ والإيمانِ بِما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ. ومُحْضَرُونَ: مَجْمُوعُونَ لِلْعَذابِ.
﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ اسْتِثْناءٌ يَدُلُّ عَلى أنَّ مِن قَوْمِهِ مُخَلَصِينَ لَمْ يُكَذِّبُوهُ، فَهو اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ مِن ضَمِيرِ (فَكَذَّبُوهُ) ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مِن ﴿فَإنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ لِأنَّهم كانُوا يَكُونُونَ مُنْدَرِجِينَ فِيمَن كَذَّبَ، ويَكُونُونَ ﴿عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ وذَلِكَ لا يُمْكِنُ ولا يُناسِبُ أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مُنْقَطِعًا، إذْ يَصِيرُ المَعْنى: لَكِنَّ عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ مِن غَيْرِ قَوْمِهِ لا يَحْضُرُونَ لِلْعَذابِ، ولا مَسِيسَ لِهَؤُلاءِ المَمْسُوسِينَ بِالآيَةِ الَّتِي فِيها قِصَّةُ إلْياسَ هَذِهِ.
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: عَلى آلِ ياسِينَ. وزَعَمُوا أنَّ آلَ مَفْصُولَةٌ في المُصْحَفِ، وياسِينَ اسْمٌ لِإلْياسَ. وقِيلَ: اسْمٌ لِأبِي إلْياسَ؛ لِأنَّهُ إلْياسُ بْنُ ياسِينَ، وآلُ ياسِينَ هو ابْنُهُ إلْياسُ. وقِيلَ: ياسِينُ هو اسْمُ مُحَمَّدٍ ﷺ وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ ﴿عَلى إلْ ياسِينَ﴾ بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ، أيْ إلِياسِينَ، جَمَعَ المَنسُوبِينَ إلى إلْياسَ مَعَهُ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ. وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ مِن قَوْمِهِ مَن كانَ اتَّبَعَهُ عَلى الدِّينِ، وكُلُّ واحِدٍ مِمَّنْ نُسِبَ إلَيْهِ كَأنَّهُ إلْياسُ، فَلَمّا جُمِعَتْ، خُفِّفَتْ ياءُ النِّسْبَةِ بِحَذْفِ إحْداهُما كَراهَةَ التَّضْعِيفِ، فالتَقى ساكِنانِ: الياءُ فِيهِ وحَرْفُ العِلَّةِ الَّذِي لِلْجَمْعِ، فَحُذِفَتْ لِالتِقائِهِما، كَما قالُوا: الأشْعَرُونَ والأعْجَمُونَ والخَبِيبُونَ والمُهَلَّبُونَ. وحَكى أبُو عَمْرٍو أنَّ مُنادِيًا نادى يَوْمَ الكِلابِ: هَلَكَ اليَزِيدِيُّونَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَوْ كانا جَمْعًا، لَعُرِّفَ بِالألِفِ واللّامِ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ، والحَسَنُ: عَلى الياسِينَ، بِوَصْلِ الألِفِ عَلى أنَّهُ جَمْعٌ يُرادُ بِهِ إلْياسُ وقَوْمُهُ المُؤْمِنُونَ، وحُذِفَتْ ياءُ النَّسَبِ، كَما قالُوا: الأشْعَرُونَ، والألِفُ واللّامُ دَخَلَتْ عَلى الجَمْعِ، واسْمُهُ عَلى هَذا (ياسُ) . وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، ومَن ذُكِرَ مَعَهُ أنَّهُ قَرَأ إدْرِيسَ: سَلامٌ عَلى إدْراسِينَ. وعَنْ (p-٣٧٤)قَتادَةَ: وإنَّ إدْرِيسَ. وقَرَأ عَلِيٌّ إدْرَسِينَ. وقَرَأ ابْنُ عَلِيٍّ: إيلْيَسَ، كَقِراءَتِهِ وإنَّ إيلْيَسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ.
﴿إلّا عَجُوزًا﴾ هي امْرَأةُ لُوطٍ، وكانَتْ كافِرَةً، إمّا مُسْتَتِرَةً بِالكُفْرِ، وإمّا مُعْلِنَةً بِهِ. وكانَ نِكاحُ الوَثَنِيّاتِ عِنْدَهم جائِزًا.
﴿مُصْبِحِينَ﴾ أيْ داخِلِينَ في الإصْباحِ. والخِطابُ في (وإنَّكم) لِقُرَيْشٍ، وكانَتْ مَتاجِرُهم إلى الشّامِ عَلى مَدائِنِ قَوْمِ لُوطٍ.
﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ فَتَعْتَبِرُونَ بِما جَرى عَلى مَن كَذَّبَ الرُّسُلَ.
الصافات 37:117
﴿ولَقَدْ مَنَنّا عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ ﴿ونَجَّيْناهُما وقَوْمَهُما مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ ﴿ونَصَرْناهم فَكانُوا هُمُ الغالِبِينَ﴾ ﴿وآتَيْناهُما الكِتابَ المُسْتَبِينَ﴾ ﴿وهَدَيْناهُما الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِما في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُما مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ إلْياسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لِقَوْمِهِ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿أتَدْعُونَ بَعْلًا وتَذَرُونَ أحْسَنَ الخالِقِينَ﴾ ﴿اللَّهَ رَبَّكم ورَبَّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى إلْ ياسِينَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ لُوطًا لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ نَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلّا عَجُوزًا في الغابِرِينَ﴾ ﴿ثُمَّ دَمَّرْنا الآخَرِينَ﴾ ﴿وإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ﴾ ﴿وبِاللَّيْلِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ .
﴿الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ تَعَبُّدِ القِبْطِ لَهم، ثُمَّ خَوْفِهِمْ مِن جَيْشِ فِرْعَوْنَ، ثُمَّ البَحْرِ بَعْدَ ذَلِكَ، والضَّمِيرُ في ﴿ونَصَرْناهُمْ﴾ عائِدٌ عَلى مُوسى وهارُونَ وقَوْمِهِما؛ وقِيلَ: عائِدٌ عَلى مُوسى وهارُونَ فَقَطْ، تَعْظِيمًا لَهُما بِكِنايَةِ الجَماعَةِ. و(هم) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ فَصْلًا وتَوْكِيدًا أوْ بَدَلًا. و﴿الكِتابَ المُسْتَبِينَ﴾ التَّوْراةَ، كَما قالَ تَعالى ﴿إنّا أنْزَلْنا التَّوْراةَ فِيها هُدًى ونُورٌ﴾ [المائدة: ٤٤] . و﴿الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ هو الإسْلامُ وشَرْعُ اللَّهِ. و(إلْياسَ)، قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وقَتادَةُ: هو إدْرِيسُ عَلَيْهِ السَّلامُ. ونَقَلُوا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ وثّابٍ، والأعْمَشِ، والمِنهالِ بْنِ عُمَرَ، والحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ الكُوفِيِّ أنَّهم قَرَءُوا: وإنَّ إدْرِيسَ لِمَنِ المُرْسَلِينَ، وهي مَحْمُولَةٌ عِنْدِي عَلى تَفْسِيرِهِ؛ لِأنَّ المُسْتَفِيضَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قَرَأ ﴿وإنَّ إلْياسَ﴾ وأيْضًا تَفْسِيرُهُ إلْياسَ بِأنَّهُ إدْرِيسُ لَعَلَّهُ لا يَصِحُّ عَنْهُ؛ لِأنَّ إدْرِيسَ في التّارِيخِ المَنقُولِ كانَ قَبْلَ نُوحٍ. وفي سُورَةِ الأنْعامِ ذُكِرَ إلْياسُ، وأنَّهُ مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ، (p-٣٧٣)أوْ مِن ذُرِّيَّةِ نُوحٍ عَلى ما يَحْتَمِلُهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ووَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنا﴾ [الأنعام: ٨٤]، ﴿ومِن ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ﴾ [الأنعام: ٨٤]، وذَكَرَ في جُمْلَةِ هَذِهِ الذُّرِّيَّةِ إلْياسَ، وقِيلَ: إلْياسُ مِن أوْلاد هارُونَ. قالَ الطَّبَرِيُّ: هو إلْياسُ بْنُ ياسِينَ بْنِ فِنْحاصِ بْنِ العَيْزارِ بْنِ هارُونَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿وإنَّ إلْياسَ﴾، بِهَمْزَةِ قَطْعٍ مَكْسُورَةٍ. وقَرَأ عِكْرِمَةُ، والحَسَنُ: بِخِلافٍ عَنْهُما؛ والأعْرَجُ، وأبُو رَجاءٍ، وابْنُ عامِرٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: بِوَصْلِ الألِفِ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ وصَلَ هَمْزَةَ القَطْعِ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ اسْمُهُ ياسا، ودَخَلَتْ عَلَيْهِ (ألْ)، كَما دَخَلَتْ عَلى اليَسَعَ. وفي حَرْفِ أُبَيٍّ ومُصْحَفِهِ: وإنَّ إيلِيسَ، بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ، بَعْدَها ياءٌ ساكِنَةٌ، بَعْدَها لامٌ مَكْسُورَةٌ، بَعْدَها ياءٌ ساكِنَةٌ وسِينٌ مَفْتُوحَةٌ. وقُرِئَ: وإنَّ إدْراسَ، لُغَةً في إدْرِيسَ، كَإبْراهامَ في إبْراهِيمَ.
﴿أتَدْعُونَ بَعْلًا﴾ أيْ أتَعْبُدُونَ بَعْلًا، وهو عَلَمٌ لِصَنَمٍ لَهم، قالَهُ الضَّحّاكُ والحَسَنُ وابْنُ زَيْدٍ. قِيلَ: وكانَ مِن ذَهَبٍ، طُولُهُ عِشْرُونَ ذِراعًا، ولَهُ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ، فُتِنُوا بِهِ وعَظَّمُوهُ حَتّى أخَدَمُوهُ أرْبَعَمِائَةِ سادِنٍ وجَعَلُوهم أنْبِياءَ، وكانَ الشَّيْطانُ يَدْخُلُ في جَوْفِ بَعْلٍ ويَتَكَلَّمُ بِشَرِيعَةِ الضَّلالَةِ، والسَّدَنَةُ يَحْفَظُونَها ويُعَلِّمُونَها النّاسَ، وهم أهْلُ بَعْلَبَكَّ مِن بِلادِ الشّامِ، وبِهِ سُمِّيَتْ مَدِينَتُهم بَعْلَبَكَّ. وقالَ عِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ: البَعْلُ: الرَّبُّ بِلُغَةِ اليَمَنِ. وسَمِعَ ابْنُ عَبّاسٍ رَجُلًا يَنْشُدُ ضالَّةً، فَقالَ لَهُ رَجُلٌ: أنا بَعْلُها، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: اللَّهُ أكْبَرُ، أتَدْعُونَ بَعْلًا ؟ ويُقالُ: مَن بَعْلُ هَذِهِ الدّارِ، أيْ رَبُّها ؟ والمَعْنى عَلى هَذا: أتَعْبُدُونَ بَعْضَ البُعُولِ وتَتْرُكُونَ عِبادَةَ اللَّهِ ؟ وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّ بَعْلًا اسْمُ امْرَأةٍ أتَتْهم بِضَلالَةٍ فاتَّبَعُوها. وقُرِئَ: أتَدْعُونَ بَعْلاءَ، بِالمَدِّ عَلى وزْنِ حَمْراءَ، ويُؤْنِسُ هَذِهِ القِراءَةَ قَوْلُ مَن قالَ: إنَّهُ اسْمُ امْرَأةٍ.
وقَرَأ الكُوفِيُّونَ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ (اللَّهَ رَبَّكم ورَبَّ آبائِكُمُ)، بِالنَّصْبِ في الثَّلاثَةِ بَدَلًا مِن (أحْسَنَ) أوْ عَطْفَ بَيانٍ إنْ قُلْنا إنَّ إضافَةَ التَّفْضِيلِ مَحْضَةٌ، وباقِي السَّبْعَةِ بِالرَّفْعِ، أيْ هو اللَّهُ، أوْ يَكُونُ اسْتِئْنافًا مُبْتَدَأً ورَبُّكم خَبَرُهُ. ورُوِيَ عَنْ حَمْزَةَ أنَّهُ إذا وُصِلَ نُصِبَ، وإذا قُطِعَ رُفِعَ. (فَكَذَّبُوهُ) أيْ كَذَّبَهُ قَوْمُهُ، إمّا في قَوْلِهِ (اللَّهَ رَبَّكم) هَذِهِ النِّسْبَةِ، أوْ فَكَذَّبُوهُ فِيما جاءَ بِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ مِنَ الأمْرِ بِالتَّوْحِيدِ وتَرْكِ الصَّنَمِ والإيمانِ بِما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ. ومُحْضَرُونَ: مَجْمُوعُونَ لِلْعَذابِ.
﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ اسْتِثْناءٌ يَدُلُّ عَلى أنَّ مِن قَوْمِهِ مُخَلَصِينَ لَمْ يُكَذِّبُوهُ، فَهو اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ مِن ضَمِيرِ (فَكَذَّبُوهُ) ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مِن ﴿فَإنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ لِأنَّهم كانُوا يَكُونُونَ مُنْدَرِجِينَ فِيمَن كَذَّبَ، ويَكُونُونَ ﴿عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ وذَلِكَ لا يُمْكِنُ ولا يُناسِبُ أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مُنْقَطِعًا، إذْ يَصِيرُ المَعْنى: لَكِنَّ عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ مِن غَيْرِ قَوْمِهِ لا يَحْضُرُونَ لِلْعَذابِ، ولا مَسِيسَ لِهَؤُلاءِ المَمْسُوسِينَ بِالآيَةِ الَّتِي فِيها قِصَّةُ إلْياسَ هَذِهِ.
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: عَلى آلِ ياسِينَ. وزَعَمُوا أنَّ آلَ مَفْصُولَةٌ في المُصْحَفِ، وياسِينَ اسْمٌ لِإلْياسَ. وقِيلَ: اسْمٌ لِأبِي إلْياسَ؛ لِأنَّهُ إلْياسُ بْنُ ياسِينَ، وآلُ ياسِينَ هو ابْنُهُ إلْياسُ. وقِيلَ: ياسِينُ هو اسْمُ مُحَمَّدٍ ﷺ وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ ﴿عَلى إلْ ياسِينَ﴾ بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ، أيْ إلِياسِينَ، جَمَعَ المَنسُوبِينَ إلى إلْياسَ مَعَهُ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ. وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ مِن قَوْمِهِ مَن كانَ اتَّبَعَهُ عَلى الدِّينِ، وكُلُّ واحِدٍ مِمَّنْ نُسِبَ إلَيْهِ كَأنَّهُ إلْياسُ، فَلَمّا جُمِعَتْ، خُفِّفَتْ ياءُ النِّسْبَةِ بِحَذْفِ إحْداهُما كَراهَةَ التَّضْعِيفِ، فالتَقى ساكِنانِ: الياءُ فِيهِ وحَرْفُ العِلَّةِ الَّذِي لِلْجَمْعِ، فَحُذِفَتْ لِالتِقائِهِما، كَما قالُوا: الأشْعَرُونَ والأعْجَمُونَ والخَبِيبُونَ والمُهَلَّبُونَ. وحَكى أبُو عَمْرٍو أنَّ مُنادِيًا نادى يَوْمَ الكِلابِ: هَلَكَ اليَزِيدِيُّونَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَوْ كانا جَمْعًا، لَعُرِّفَ بِالألِفِ واللّامِ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ، والحَسَنُ: عَلى الياسِينَ، بِوَصْلِ الألِفِ عَلى أنَّهُ جَمْعٌ يُرادُ بِهِ إلْياسُ وقَوْمُهُ المُؤْمِنُونَ، وحُذِفَتْ ياءُ النَّسَبِ، كَما قالُوا: الأشْعَرُونَ، والألِفُ واللّامُ دَخَلَتْ عَلى الجَمْعِ، واسْمُهُ عَلى هَذا (ياسُ) . وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، ومَن ذُكِرَ مَعَهُ أنَّهُ قَرَأ إدْرِيسَ: سَلامٌ عَلى إدْراسِينَ. وعَنْ (p-٣٧٤)قَتادَةَ: وإنَّ إدْرِيسَ. وقَرَأ عَلِيٌّ إدْرَسِينَ. وقَرَأ ابْنُ عَلِيٍّ: إيلْيَسَ، كَقِراءَتِهِ وإنَّ إيلْيَسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ.
﴿إلّا عَجُوزًا﴾ هي امْرَأةُ لُوطٍ، وكانَتْ كافِرَةً، إمّا مُسْتَتِرَةً بِالكُفْرِ، وإمّا مُعْلِنَةً بِهِ. وكانَ نِكاحُ الوَثَنِيّاتِ عِنْدَهم جائِزًا.
﴿مُصْبِحِينَ﴾ أيْ داخِلِينَ في الإصْباحِ. والخِطابُ في (وإنَّكم) لِقُرَيْشٍ، وكانَتْ مَتاجِرُهم إلى الشّامِ عَلى مَدائِنِ قَوْمِ لُوطٍ.
﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ فَتَعْتَبِرُونَ بِما جَرى عَلى مَن كَذَّبَ الرُّسُلَ.