Al-Bahr Al-Muhit — الصافات 37:118 – الصافات 37:161
المحتويات
- الصافات 37:118
- الصافات 37:119
- الصافات 37:120
- الصافات 37:121
- الصافات 37:122
- الصافات 37:123
- الصافات 37:124
- الصافات 37:125
- الصافات 37:126
- الصافات 37:127
- الصافات 37:128
- الصافات 37:129
- الصافات 37:130
- الصافات 37:131
- الصافات 37:132
- الصافات 37:133
- الصافات 37:134
- الصافات 37:135
- الصافات 37:136
- الصافات 37:137
- الصافات 37:138
- الصافات 37:139
- الصافات 37:140
- الصافات 37:141
- الصافات 37:142
- الصافات 37:143
- الصافات 37:144
- الصافات 37:145
- الصافات 37:146
- الصافات 37:147
- الصافات 37:148
- الصافات 37:149
- الصافات 37:150
- الصافات 37:151
- الصافات 37:152
- الصافات 37:153
- الصافات 37:154
- الصافات 37:155
- الصافات 37:156
- الصافات 37:157
- الصافات 37:158
- الصافات 37:159
- الصافات 37:160
- الصافات 37:161
الصافات 37:118
﴿ولَقَدْ مَنَنّا عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ ﴿ونَجَّيْناهُما وقَوْمَهُما مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ ﴿ونَصَرْناهم فَكانُوا هُمُ الغالِبِينَ﴾ ﴿وآتَيْناهُما الكِتابَ المُسْتَبِينَ﴾ ﴿وهَدَيْناهُما الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِما في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُما مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ إلْياسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لِقَوْمِهِ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿أتَدْعُونَ بَعْلًا وتَذَرُونَ أحْسَنَ الخالِقِينَ﴾ ﴿اللَّهَ رَبَّكم ورَبَّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى إلْ ياسِينَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ لُوطًا لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ نَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلّا عَجُوزًا في الغابِرِينَ﴾ ﴿ثُمَّ دَمَّرْنا الآخَرِينَ﴾ ﴿وإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ﴾ ﴿وبِاللَّيْلِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ .
﴿الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ تَعَبُّدِ القِبْطِ لَهم، ثُمَّ خَوْفِهِمْ مِن جَيْشِ فِرْعَوْنَ، ثُمَّ البَحْرِ بَعْدَ ذَلِكَ، والضَّمِيرُ في ﴿ونَصَرْناهُمْ﴾ عائِدٌ عَلى مُوسى وهارُونَ وقَوْمِهِما؛ وقِيلَ: عائِدٌ عَلى مُوسى وهارُونَ فَقَطْ، تَعْظِيمًا لَهُما بِكِنايَةِ الجَماعَةِ. و(هم) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ فَصْلًا وتَوْكِيدًا أوْ بَدَلًا. و﴿الكِتابَ المُسْتَبِينَ﴾ التَّوْراةَ، كَما قالَ تَعالى ﴿إنّا أنْزَلْنا التَّوْراةَ فِيها هُدًى ونُورٌ﴾ [المائدة: ٤٤] . و﴿الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ هو الإسْلامُ وشَرْعُ اللَّهِ. و(إلْياسَ)، قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وقَتادَةُ: هو إدْرِيسُ عَلَيْهِ السَّلامُ. ونَقَلُوا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ وثّابٍ، والأعْمَشِ، والمِنهالِ بْنِ عُمَرَ، والحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ الكُوفِيِّ أنَّهم قَرَءُوا: وإنَّ إدْرِيسَ لِمَنِ المُرْسَلِينَ، وهي مَحْمُولَةٌ عِنْدِي عَلى تَفْسِيرِهِ؛ لِأنَّ المُسْتَفِيضَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قَرَأ ﴿وإنَّ إلْياسَ﴾ وأيْضًا تَفْسِيرُهُ إلْياسَ بِأنَّهُ إدْرِيسُ لَعَلَّهُ لا يَصِحُّ عَنْهُ؛ لِأنَّ إدْرِيسَ في التّارِيخِ المَنقُولِ كانَ قَبْلَ نُوحٍ. وفي سُورَةِ الأنْعامِ ذُكِرَ إلْياسُ، وأنَّهُ مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ، (p-٣٧٣)أوْ مِن ذُرِّيَّةِ نُوحٍ عَلى ما يَحْتَمِلُهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ووَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنا﴾ [الأنعام: ٨٤]، ﴿ومِن ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ﴾ [الأنعام: ٨٤]، وذَكَرَ في جُمْلَةِ هَذِهِ الذُّرِّيَّةِ إلْياسَ، وقِيلَ: إلْياسُ مِن أوْلاد هارُونَ. قالَ الطَّبَرِيُّ: هو إلْياسُ بْنُ ياسِينَ بْنِ فِنْحاصِ بْنِ العَيْزارِ بْنِ هارُونَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿وإنَّ إلْياسَ﴾، بِهَمْزَةِ قَطْعٍ مَكْسُورَةٍ. وقَرَأ عِكْرِمَةُ، والحَسَنُ: بِخِلافٍ عَنْهُما؛ والأعْرَجُ، وأبُو رَجاءٍ، وابْنُ عامِرٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: بِوَصْلِ الألِفِ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ وصَلَ هَمْزَةَ القَطْعِ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ اسْمُهُ ياسا، ودَخَلَتْ عَلَيْهِ (ألْ)، كَما دَخَلَتْ عَلى اليَسَعَ. وفي حَرْفِ أُبَيٍّ ومُصْحَفِهِ: وإنَّ إيلِيسَ، بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ، بَعْدَها ياءٌ ساكِنَةٌ، بَعْدَها لامٌ مَكْسُورَةٌ، بَعْدَها ياءٌ ساكِنَةٌ وسِينٌ مَفْتُوحَةٌ. وقُرِئَ: وإنَّ إدْراسَ، لُغَةً في إدْرِيسَ، كَإبْراهامَ في إبْراهِيمَ.
﴿أتَدْعُونَ بَعْلًا﴾ أيْ أتَعْبُدُونَ بَعْلًا، وهو عَلَمٌ لِصَنَمٍ لَهم، قالَهُ الضَّحّاكُ والحَسَنُ وابْنُ زَيْدٍ. قِيلَ: وكانَ مِن ذَهَبٍ، طُولُهُ عِشْرُونَ ذِراعًا، ولَهُ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ، فُتِنُوا بِهِ وعَظَّمُوهُ حَتّى أخَدَمُوهُ أرْبَعَمِائَةِ سادِنٍ وجَعَلُوهم أنْبِياءَ، وكانَ الشَّيْطانُ يَدْخُلُ في جَوْفِ بَعْلٍ ويَتَكَلَّمُ بِشَرِيعَةِ الضَّلالَةِ، والسَّدَنَةُ يَحْفَظُونَها ويُعَلِّمُونَها النّاسَ، وهم أهْلُ بَعْلَبَكَّ مِن بِلادِ الشّامِ، وبِهِ سُمِّيَتْ مَدِينَتُهم بَعْلَبَكَّ. وقالَ عِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ: البَعْلُ: الرَّبُّ بِلُغَةِ اليَمَنِ. وسَمِعَ ابْنُ عَبّاسٍ رَجُلًا يَنْشُدُ ضالَّةً، فَقالَ لَهُ رَجُلٌ: أنا بَعْلُها، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: اللَّهُ أكْبَرُ، أتَدْعُونَ بَعْلًا ؟ ويُقالُ: مَن بَعْلُ هَذِهِ الدّارِ، أيْ رَبُّها ؟ والمَعْنى عَلى هَذا: أتَعْبُدُونَ بَعْضَ البُعُولِ وتَتْرُكُونَ عِبادَةَ اللَّهِ ؟ وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّ بَعْلًا اسْمُ امْرَأةٍ أتَتْهم بِضَلالَةٍ فاتَّبَعُوها. وقُرِئَ: أتَدْعُونَ بَعْلاءَ، بِالمَدِّ عَلى وزْنِ حَمْراءَ، ويُؤْنِسُ هَذِهِ القِراءَةَ قَوْلُ مَن قالَ: إنَّهُ اسْمُ امْرَأةٍ.
وقَرَأ الكُوفِيُّونَ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ (اللَّهَ رَبَّكم ورَبَّ آبائِكُمُ)، بِالنَّصْبِ في الثَّلاثَةِ بَدَلًا مِن (أحْسَنَ) أوْ عَطْفَ بَيانٍ إنْ قُلْنا إنَّ إضافَةَ التَّفْضِيلِ مَحْضَةٌ، وباقِي السَّبْعَةِ بِالرَّفْعِ، أيْ هو اللَّهُ، أوْ يَكُونُ اسْتِئْنافًا مُبْتَدَأً ورَبُّكم خَبَرُهُ. ورُوِيَ عَنْ حَمْزَةَ أنَّهُ إذا وُصِلَ نُصِبَ، وإذا قُطِعَ رُفِعَ. (فَكَذَّبُوهُ) أيْ كَذَّبَهُ قَوْمُهُ، إمّا في قَوْلِهِ (اللَّهَ رَبَّكم) هَذِهِ النِّسْبَةِ، أوْ فَكَذَّبُوهُ فِيما جاءَ بِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ مِنَ الأمْرِ بِالتَّوْحِيدِ وتَرْكِ الصَّنَمِ والإيمانِ بِما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ. ومُحْضَرُونَ: مَجْمُوعُونَ لِلْعَذابِ.
﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ اسْتِثْناءٌ يَدُلُّ عَلى أنَّ مِن قَوْمِهِ مُخَلَصِينَ لَمْ يُكَذِّبُوهُ، فَهو اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ مِن ضَمِيرِ (فَكَذَّبُوهُ) ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مِن ﴿فَإنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ لِأنَّهم كانُوا يَكُونُونَ مُنْدَرِجِينَ فِيمَن كَذَّبَ، ويَكُونُونَ ﴿عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ وذَلِكَ لا يُمْكِنُ ولا يُناسِبُ أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مُنْقَطِعًا، إذْ يَصِيرُ المَعْنى: لَكِنَّ عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ مِن غَيْرِ قَوْمِهِ لا يَحْضُرُونَ لِلْعَذابِ، ولا مَسِيسَ لِهَؤُلاءِ المَمْسُوسِينَ بِالآيَةِ الَّتِي فِيها قِصَّةُ إلْياسَ هَذِهِ.
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: عَلى آلِ ياسِينَ. وزَعَمُوا أنَّ آلَ مَفْصُولَةٌ في المُصْحَفِ، وياسِينَ اسْمٌ لِإلْياسَ. وقِيلَ: اسْمٌ لِأبِي إلْياسَ؛ لِأنَّهُ إلْياسُ بْنُ ياسِينَ، وآلُ ياسِينَ هو ابْنُهُ إلْياسُ. وقِيلَ: ياسِينُ هو اسْمُ مُحَمَّدٍ ﷺ وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ ﴿عَلى إلْ ياسِينَ﴾ بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ، أيْ إلِياسِينَ، جَمَعَ المَنسُوبِينَ إلى إلْياسَ مَعَهُ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ. وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ مِن قَوْمِهِ مَن كانَ اتَّبَعَهُ عَلى الدِّينِ، وكُلُّ واحِدٍ مِمَّنْ نُسِبَ إلَيْهِ كَأنَّهُ إلْياسُ، فَلَمّا جُمِعَتْ، خُفِّفَتْ ياءُ النِّسْبَةِ بِحَذْفِ إحْداهُما كَراهَةَ التَّضْعِيفِ، فالتَقى ساكِنانِ: الياءُ فِيهِ وحَرْفُ العِلَّةِ الَّذِي لِلْجَمْعِ، فَحُذِفَتْ لِالتِقائِهِما، كَما قالُوا: الأشْعَرُونَ والأعْجَمُونَ والخَبِيبُونَ والمُهَلَّبُونَ. وحَكى أبُو عَمْرٍو أنَّ مُنادِيًا نادى يَوْمَ الكِلابِ: هَلَكَ اليَزِيدِيُّونَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَوْ كانا جَمْعًا، لَعُرِّفَ بِالألِفِ واللّامِ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ، والحَسَنُ: عَلى الياسِينَ، بِوَصْلِ الألِفِ عَلى أنَّهُ جَمْعٌ يُرادُ بِهِ إلْياسُ وقَوْمُهُ المُؤْمِنُونَ، وحُذِفَتْ ياءُ النَّسَبِ، كَما قالُوا: الأشْعَرُونَ، والألِفُ واللّامُ دَخَلَتْ عَلى الجَمْعِ، واسْمُهُ عَلى هَذا (ياسُ) . وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، ومَن ذُكِرَ مَعَهُ أنَّهُ قَرَأ إدْرِيسَ: سَلامٌ عَلى إدْراسِينَ. وعَنْ (p-٣٧٤)قَتادَةَ: وإنَّ إدْرِيسَ. وقَرَأ عَلِيٌّ إدْرَسِينَ. وقَرَأ ابْنُ عَلِيٍّ: إيلْيَسَ، كَقِراءَتِهِ وإنَّ إيلْيَسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ.
﴿إلّا عَجُوزًا﴾ هي امْرَأةُ لُوطٍ، وكانَتْ كافِرَةً، إمّا مُسْتَتِرَةً بِالكُفْرِ، وإمّا مُعْلِنَةً بِهِ. وكانَ نِكاحُ الوَثَنِيّاتِ عِنْدَهم جائِزًا.
﴿مُصْبِحِينَ﴾ أيْ داخِلِينَ في الإصْباحِ. والخِطابُ في (وإنَّكم) لِقُرَيْشٍ، وكانَتْ مَتاجِرُهم إلى الشّامِ عَلى مَدائِنِ قَوْمِ لُوطٍ.
﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ فَتَعْتَبِرُونَ بِما جَرى عَلى مَن كَذَّبَ الرُّسُلَ.
الصافات 37:119
﴿ولَقَدْ مَنَنّا عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ ﴿ونَجَّيْناهُما وقَوْمَهُما مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ ﴿ونَصَرْناهم فَكانُوا هُمُ الغالِبِينَ﴾ ﴿وآتَيْناهُما الكِتابَ المُسْتَبِينَ﴾ ﴿وهَدَيْناهُما الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِما في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُما مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ إلْياسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لِقَوْمِهِ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿أتَدْعُونَ بَعْلًا وتَذَرُونَ أحْسَنَ الخالِقِينَ﴾ ﴿اللَّهَ رَبَّكم ورَبَّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى إلْ ياسِينَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ لُوطًا لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ نَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلّا عَجُوزًا في الغابِرِينَ﴾ ﴿ثُمَّ دَمَّرْنا الآخَرِينَ﴾ ﴿وإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ﴾ ﴿وبِاللَّيْلِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ .
﴿الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ تَعَبُّدِ القِبْطِ لَهم، ثُمَّ خَوْفِهِمْ مِن جَيْشِ فِرْعَوْنَ، ثُمَّ البَحْرِ بَعْدَ ذَلِكَ، والضَّمِيرُ في ﴿ونَصَرْناهُمْ﴾ عائِدٌ عَلى مُوسى وهارُونَ وقَوْمِهِما؛ وقِيلَ: عائِدٌ عَلى مُوسى وهارُونَ فَقَطْ، تَعْظِيمًا لَهُما بِكِنايَةِ الجَماعَةِ. و(هم) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ فَصْلًا وتَوْكِيدًا أوْ بَدَلًا. و﴿الكِتابَ المُسْتَبِينَ﴾ التَّوْراةَ، كَما قالَ تَعالى ﴿إنّا أنْزَلْنا التَّوْراةَ فِيها هُدًى ونُورٌ﴾ [المائدة: ٤٤] . و﴿الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ هو الإسْلامُ وشَرْعُ اللَّهِ. و(إلْياسَ)، قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وقَتادَةُ: هو إدْرِيسُ عَلَيْهِ السَّلامُ. ونَقَلُوا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ وثّابٍ، والأعْمَشِ، والمِنهالِ بْنِ عُمَرَ، والحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ الكُوفِيِّ أنَّهم قَرَءُوا: وإنَّ إدْرِيسَ لِمَنِ المُرْسَلِينَ، وهي مَحْمُولَةٌ عِنْدِي عَلى تَفْسِيرِهِ؛ لِأنَّ المُسْتَفِيضَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قَرَأ ﴿وإنَّ إلْياسَ﴾ وأيْضًا تَفْسِيرُهُ إلْياسَ بِأنَّهُ إدْرِيسُ لَعَلَّهُ لا يَصِحُّ عَنْهُ؛ لِأنَّ إدْرِيسَ في التّارِيخِ المَنقُولِ كانَ قَبْلَ نُوحٍ. وفي سُورَةِ الأنْعامِ ذُكِرَ إلْياسُ، وأنَّهُ مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ، (p-٣٧٣)أوْ مِن ذُرِّيَّةِ نُوحٍ عَلى ما يَحْتَمِلُهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ووَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنا﴾ [الأنعام: ٨٤]، ﴿ومِن ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ﴾ [الأنعام: ٨٤]، وذَكَرَ في جُمْلَةِ هَذِهِ الذُّرِّيَّةِ إلْياسَ، وقِيلَ: إلْياسُ مِن أوْلاد هارُونَ. قالَ الطَّبَرِيُّ: هو إلْياسُ بْنُ ياسِينَ بْنِ فِنْحاصِ بْنِ العَيْزارِ بْنِ هارُونَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿وإنَّ إلْياسَ﴾، بِهَمْزَةِ قَطْعٍ مَكْسُورَةٍ. وقَرَأ عِكْرِمَةُ، والحَسَنُ: بِخِلافٍ عَنْهُما؛ والأعْرَجُ، وأبُو رَجاءٍ، وابْنُ عامِرٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: بِوَصْلِ الألِفِ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ وصَلَ هَمْزَةَ القَطْعِ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ اسْمُهُ ياسا، ودَخَلَتْ عَلَيْهِ (ألْ)، كَما دَخَلَتْ عَلى اليَسَعَ. وفي حَرْفِ أُبَيٍّ ومُصْحَفِهِ: وإنَّ إيلِيسَ، بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ، بَعْدَها ياءٌ ساكِنَةٌ، بَعْدَها لامٌ مَكْسُورَةٌ، بَعْدَها ياءٌ ساكِنَةٌ وسِينٌ مَفْتُوحَةٌ. وقُرِئَ: وإنَّ إدْراسَ، لُغَةً في إدْرِيسَ، كَإبْراهامَ في إبْراهِيمَ.
﴿أتَدْعُونَ بَعْلًا﴾ أيْ أتَعْبُدُونَ بَعْلًا، وهو عَلَمٌ لِصَنَمٍ لَهم، قالَهُ الضَّحّاكُ والحَسَنُ وابْنُ زَيْدٍ. قِيلَ: وكانَ مِن ذَهَبٍ، طُولُهُ عِشْرُونَ ذِراعًا، ولَهُ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ، فُتِنُوا بِهِ وعَظَّمُوهُ حَتّى أخَدَمُوهُ أرْبَعَمِائَةِ سادِنٍ وجَعَلُوهم أنْبِياءَ، وكانَ الشَّيْطانُ يَدْخُلُ في جَوْفِ بَعْلٍ ويَتَكَلَّمُ بِشَرِيعَةِ الضَّلالَةِ، والسَّدَنَةُ يَحْفَظُونَها ويُعَلِّمُونَها النّاسَ، وهم أهْلُ بَعْلَبَكَّ مِن بِلادِ الشّامِ، وبِهِ سُمِّيَتْ مَدِينَتُهم بَعْلَبَكَّ. وقالَ عِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ: البَعْلُ: الرَّبُّ بِلُغَةِ اليَمَنِ. وسَمِعَ ابْنُ عَبّاسٍ رَجُلًا يَنْشُدُ ضالَّةً، فَقالَ لَهُ رَجُلٌ: أنا بَعْلُها، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: اللَّهُ أكْبَرُ، أتَدْعُونَ بَعْلًا ؟ ويُقالُ: مَن بَعْلُ هَذِهِ الدّارِ، أيْ رَبُّها ؟ والمَعْنى عَلى هَذا: أتَعْبُدُونَ بَعْضَ البُعُولِ وتَتْرُكُونَ عِبادَةَ اللَّهِ ؟ وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّ بَعْلًا اسْمُ امْرَأةٍ أتَتْهم بِضَلالَةٍ فاتَّبَعُوها. وقُرِئَ: أتَدْعُونَ بَعْلاءَ، بِالمَدِّ عَلى وزْنِ حَمْراءَ، ويُؤْنِسُ هَذِهِ القِراءَةَ قَوْلُ مَن قالَ: إنَّهُ اسْمُ امْرَأةٍ.
وقَرَأ الكُوفِيُّونَ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ (اللَّهَ رَبَّكم ورَبَّ آبائِكُمُ)، بِالنَّصْبِ في الثَّلاثَةِ بَدَلًا مِن (أحْسَنَ) أوْ عَطْفَ بَيانٍ إنْ قُلْنا إنَّ إضافَةَ التَّفْضِيلِ مَحْضَةٌ، وباقِي السَّبْعَةِ بِالرَّفْعِ، أيْ هو اللَّهُ، أوْ يَكُونُ اسْتِئْنافًا مُبْتَدَأً ورَبُّكم خَبَرُهُ. ورُوِيَ عَنْ حَمْزَةَ أنَّهُ إذا وُصِلَ نُصِبَ، وإذا قُطِعَ رُفِعَ. (فَكَذَّبُوهُ) أيْ كَذَّبَهُ قَوْمُهُ، إمّا في قَوْلِهِ (اللَّهَ رَبَّكم) هَذِهِ النِّسْبَةِ، أوْ فَكَذَّبُوهُ فِيما جاءَ بِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ مِنَ الأمْرِ بِالتَّوْحِيدِ وتَرْكِ الصَّنَمِ والإيمانِ بِما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ. ومُحْضَرُونَ: مَجْمُوعُونَ لِلْعَذابِ.
﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ اسْتِثْناءٌ يَدُلُّ عَلى أنَّ مِن قَوْمِهِ مُخَلَصِينَ لَمْ يُكَذِّبُوهُ، فَهو اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ مِن ضَمِيرِ (فَكَذَّبُوهُ) ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مِن ﴿فَإنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ لِأنَّهم كانُوا يَكُونُونَ مُنْدَرِجِينَ فِيمَن كَذَّبَ، ويَكُونُونَ ﴿عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ وذَلِكَ لا يُمْكِنُ ولا يُناسِبُ أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مُنْقَطِعًا، إذْ يَصِيرُ المَعْنى: لَكِنَّ عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ مِن غَيْرِ قَوْمِهِ لا يَحْضُرُونَ لِلْعَذابِ، ولا مَسِيسَ لِهَؤُلاءِ المَمْسُوسِينَ بِالآيَةِ الَّتِي فِيها قِصَّةُ إلْياسَ هَذِهِ.
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: عَلى آلِ ياسِينَ. وزَعَمُوا أنَّ آلَ مَفْصُولَةٌ في المُصْحَفِ، وياسِينَ اسْمٌ لِإلْياسَ. وقِيلَ: اسْمٌ لِأبِي إلْياسَ؛ لِأنَّهُ إلْياسُ بْنُ ياسِينَ، وآلُ ياسِينَ هو ابْنُهُ إلْياسُ. وقِيلَ: ياسِينُ هو اسْمُ مُحَمَّدٍ ﷺ وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ ﴿عَلى إلْ ياسِينَ﴾ بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ، أيْ إلِياسِينَ، جَمَعَ المَنسُوبِينَ إلى إلْياسَ مَعَهُ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ. وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ مِن قَوْمِهِ مَن كانَ اتَّبَعَهُ عَلى الدِّينِ، وكُلُّ واحِدٍ مِمَّنْ نُسِبَ إلَيْهِ كَأنَّهُ إلْياسُ، فَلَمّا جُمِعَتْ، خُفِّفَتْ ياءُ النِّسْبَةِ بِحَذْفِ إحْداهُما كَراهَةَ التَّضْعِيفِ، فالتَقى ساكِنانِ: الياءُ فِيهِ وحَرْفُ العِلَّةِ الَّذِي لِلْجَمْعِ، فَحُذِفَتْ لِالتِقائِهِما، كَما قالُوا: الأشْعَرُونَ والأعْجَمُونَ والخَبِيبُونَ والمُهَلَّبُونَ. وحَكى أبُو عَمْرٍو أنَّ مُنادِيًا نادى يَوْمَ الكِلابِ: هَلَكَ اليَزِيدِيُّونَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَوْ كانا جَمْعًا، لَعُرِّفَ بِالألِفِ واللّامِ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ، والحَسَنُ: عَلى الياسِينَ، بِوَصْلِ الألِفِ عَلى أنَّهُ جَمْعٌ يُرادُ بِهِ إلْياسُ وقَوْمُهُ المُؤْمِنُونَ، وحُذِفَتْ ياءُ النَّسَبِ، كَما قالُوا: الأشْعَرُونَ، والألِفُ واللّامُ دَخَلَتْ عَلى الجَمْعِ، واسْمُهُ عَلى هَذا (ياسُ) . وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، ومَن ذُكِرَ مَعَهُ أنَّهُ قَرَأ إدْرِيسَ: سَلامٌ عَلى إدْراسِينَ. وعَنْ (p-٣٧٤)قَتادَةَ: وإنَّ إدْرِيسَ. وقَرَأ عَلِيٌّ إدْرَسِينَ. وقَرَأ ابْنُ عَلِيٍّ: إيلْيَسَ، كَقِراءَتِهِ وإنَّ إيلْيَسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ.
﴿إلّا عَجُوزًا﴾ هي امْرَأةُ لُوطٍ، وكانَتْ كافِرَةً، إمّا مُسْتَتِرَةً بِالكُفْرِ، وإمّا مُعْلِنَةً بِهِ. وكانَ نِكاحُ الوَثَنِيّاتِ عِنْدَهم جائِزًا.
﴿مُصْبِحِينَ﴾ أيْ داخِلِينَ في الإصْباحِ. والخِطابُ في (وإنَّكم) لِقُرَيْشٍ، وكانَتْ مَتاجِرُهم إلى الشّامِ عَلى مَدائِنِ قَوْمِ لُوطٍ.
﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ فَتَعْتَبِرُونَ بِما جَرى عَلى مَن كَذَّبَ الرُّسُلَ.
الصافات 37:120
﴿ولَقَدْ مَنَنّا عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ ﴿ونَجَّيْناهُما وقَوْمَهُما مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ ﴿ونَصَرْناهم فَكانُوا هُمُ الغالِبِينَ﴾ ﴿وآتَيْناهُما الكِتابَ المُسْتَبِينَ﴾ ﴿وهَدَيْناهُما الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِما في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُما مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ إلْياسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لِقَوْمِهِ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿أتَدْعُونَ بَعْلًا وتَذَرُونَ أحْسَنَ الخالِقِينَ﴾ ﴿اللَّهَ رَبَّكم ورَبَّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى إلْ ياسِينَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ لُوطًا لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ نَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلّا عَجُوزًا في الغابِرِينَ﴾ ﴿ثُمَّ دَمَّرْنا الآخَرِينَ﴾ ﴿وإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ﴾ ﴿وبِاللَّيْلِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ .
﴿الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ تَعَبُّدِ القِبْطِ لَهم، ثُمَّ خَوْفِهِمْ مِن جَيْشِ فِرْعَوْنَ، ثُمَّ البَحْرِ بَعْدَ ذَلِكَ، والضَّمِيرُ في ﴿ونَصَرْناهُمْ﴾ عائِدٌ عَلى مُوسى وهارُونَ وقَوْمِهِما؛ وقِيلَ: عائِدٌ عَلى مُوسى وهارُونَ فَقَطْ، تَعْظِيمًا لَهُما بِكِنايَةِ الجَماعَةِ. و(هم) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ فَصْلًا وتَوْكِيدًا أوْ بَدَلًا. و﴿الكِتابَ المُسْتَبِينَ﴾ التَّوْراةَ، كَما قالَ تَعالى ﴿إنّا أنْزَلْنا التَّوْراةَ فِيها هُدًى ونُورٌ﴾ [المائدة: ٤٤] . و﴿الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ هو الإسْلامُ وشَرْعُ اللَّهِ. و(إلْياسَ)، قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وقَتادَةُ: هو إدْرِيسُ عَلَيْهِ السَّلامُ. ونَقَلُوا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ وثّابٍ، والأعْمَشِ، والمِنهالِ بْنِ عُمَرَ، والحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ الكُوفِيِّ أنَّهم قَرَءُوا: وإنَّ إدْرِيسَ لِمَنِ المُرْسَلِينَ، وهي مَحْمُولَةٌ عِنْدِي عَلى تَفْسِيرِهِ؛ لِأنَّ المُسْتَفِيضَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قَرَأ ﴿وإنَّ إلْياسَ﴾ وأيْضًا تَفْسِيرُهُ إلْياسَ بِأنَّهُ إدْرِيسُ لَعَلَّهُ لا يَصِحُّ عَنْهُ؛ لِأنَّ إدْرِيسَ في التّارِيخِ المَنقُولِ كانَ قَبْلَ نُوحٍ. وفي سُورَةِ الأنْعامِ ذُكِرَ إلْياسُ، وأنَّهُ مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ، (p-٣٧٣)أوْ مِن ذُرِّيَّةِ نُوحٍ عَلى ما يَحْتَمِلُهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ووَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنا﴾ [الأنعام: ٨٤]، ﴿ومِن ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ﴾ [الأنعام: ٨٤]، وذَكَرَ في جُمْلَةِ هَذِهِ الذُّرِّيَّةِ إلْياسَ، وقِيلَ: إلْياسُ مِن أوْلاد هارُونَ. قالَ الطَّبَرِيُّ: هو إلْياسُ بْنُ ياسِينَ بْنِ فِنْحاصِ بْنِ العَيْزارِ بْنِ هارُونَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿وإنَّ إلْياسَ﴾، بِهَمْزَةِ قَطْعٍ مَكْسُورَةٍ. وقَرَأ عِكْرِمَةُ، والحَسَنُ: بِخِلافٍ عَنْهُما؛ والأعْرَجُ، وأبُو رَجاءٍ، وابْنُ عامِرٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: بِوَصْلِ الألِفِ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ وصَلَ هَمْزَةَ القَطْعِ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ اسْمُهُ ياسا، ودَخَلَتْ عَلَيْهِ (ألْ)، كَما دَخَلَتْ عَلى اليَسَعَ. وفي حَرْفِ أُبَيٍّ ومُصْحَفِهِ: وإنَّ إيلِيسَ، بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ، بَعْدَها ياءٌ ساكِنَةٌ، بَعْدَها لامٌ مَكْسُورَةٌ، بَعْدَها ياءٌ ساكِنَةٌ وسِينٌ مَفْتُوحَةٌ. وقُرِئَ: وإنَّ إدْراسَ، لُغَةً في إدْرِيسَ، كَإبْراهامَ في إبْراهِيمَ.
﴿أتَدْعُونَ بَعْلًا﴾ أيْ أتَعْبُدُونَ بَعْلًا، وهو عَلَمٌ لِصَنَمٍ لَهم، قالَهُ الضَّحّاكُ والحَسَنُ وابْنُ زَيْدٍ. قِيلَ: وكانَ مِن ذَهَبٍ، طُولُهُ عِشْرُونَ ذِراعًا، ولَهُ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ، فُتِنُوا بِهِ وعَظَّمُوهُ حَتّى أخَدَمُوهُ أرْبَعَمِائَةِ سادِنٍ وجَعَلُوهم أنْبِياءَ، وكانَ الشَّيْطانُ يَدْخُلُ في جَوْفِ بَعْلٍ ويَتَكَلَّمُ بِشَرِيعَةِ الضَّلالَةِ، والسَّدَنَةُ يَحْفَظُونَها ويُعَلِّمُونَها النّاسَ، وهم أهْلُ بَعْلَبَكَّ مِن بِلادِ الشّامِ، وبِهِ سُمِّيَتْ مَدِينَتُهم بَعْلَبَكَّ. وقالَ عِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ: البَعْلُ: الرَّبُّ بِلُغَةِ اليَمَنِ. وسَمِعَ ابْنُ عَبّاسٍ رَجُلًا يَنْشُدُ ضالَّةً، فَقالَ لَهُ رَجُلٌ: أنا بَعْلُها، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: اللَّهُ أكْبَرُ، أتَدْعُونَ بَعْلًا ؟ ويُقالُ: مَن بَعْلُ هَذِهِ الدّارِ، أيْ رَبُّها ؟ والمَعْنى عَلى هَذا: أتَعْبُدُونَ بَعْضَ البُعُولِ وتَتْرُكُونَ عِبادَةَ اللَّهِ ؟ وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّ بَعْلًا اسْمُ امْرَأةٍ أتَتْهم بِضَلالَةٍ فاتَّبَعُوها. وقُرِئَ: أتَدْعُونَ بَعْلاءَ، بِالمَدِّ عَلى وزْنِ حَمْراءَ، ويُؤْنِسُ هَذِهِ القِراءَةَ قَوْلُ مَن قالَ: إنَّهُ اسْمُ امْرَأةٍ.
وقَرَأ الكُوفِيُّونَ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ (اللَّهَ رَبَّكم ورَبَّ آبائِكُمُ)، بِالنَّصْبِ في الثَّلاثَةِ بَدَلًا مِن (أحْسَنَ) أوْ عَطْفَ بَيانٍ إنْ قُلْنا إنَّ إضافَةَ التَّفْضِيلِ مَحْضَةٌ، وباقِي السَّبْعَةِ بِالرَّفْعِ، أيْ هو اللَّهُ، أوْ يَكُونُ اسْتِئْنافًا مُبْتَدَأً ورَبُّكم خَبَرُهُ. ورُوِيَ عَنْ حَمْزَةَ أنَّهُ إذا وُصِلَ نُصِبَ، وإذا قُطِعَ رُفِعَ. (فَكَذَّبُوهُ) أيْ كَذَّبَهُ قَوْمُهُ، إمّا في قَوْلِهِ (اللَّهَ رَبَّكم) هَذِهِ النِّسْبَةِ، أوْ فَكَذَّبُوهُ فِيما جاءَ بِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ مِنَ الأمْرِ بِالتَّوْحِيدِ وتَرْكِ الصَّنَمِ والإيمانِ بِما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ. ومُحْضَرُونَ: مَجْمُوعُونَ لِلْعَذابِ.
﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ اسْتِثْناءٌ يَدُلُّ عَلى أنَّ مِن قَوْمِهِ مُخَلَصِينَ لَمْ يُكَذِّبُوهُ، فَهو اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ مِن ضَمِيرِ (فَكَذَّبُوهُ) ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مِن ﴿فَإنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ لِأنَّهم كانُوا يَكُونُونَ مُنْدَرِجِينَ فِيمَن كَذَّبَ، ويَكُونُونَ ﴿عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ وذَلِكَ لا يُمْكِنُ ولا يُناسِبُ أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مُنْقَطِعًا، إذْ يَصِيرُ المَعْنى: لَكِنَّ عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ مِن غَيْرِ قَوْمِهِ لا يَحْضُرُونَ لِلْعَذابِ، ولا مَسِيسَ لِهَؤُلاءِ المَمْسُوسِينَ بِالآيَةِ الَّتِي فِيها قِصَّةُ إلْياسَ هَذِهِ.
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: عَلى آلِ ياسِينَ. وزَعَمُوا أنَّ آلَ مَفْصُولَةٌ في المُصْحَفِ، وياسِينَ اسْمٌ لِإلْياسَ. وقِيلَ: اسْمٌ لِأبِي إلْياسَ؛ لِأنَّهُ إلْياسُ بْنُ ياسِينَ، وآلُ ياسِينَ هو ابْنُهُ إلْياسُ. وقِيلَ: ياسِينُ هو اسْمُ مُحَمَّدٍ ﷺ وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ ﴿عَلى إلْ ياسِينَ﴾ بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ، أيْ إلِياسِينَ، جَمَعَ المَنسُوبِينَ إلى إلْياسَ مَعَهُ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ. وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ مِن قَوْمِهِ مَن كانَ اتَّبَعَهُ عَلى الدِّينِ، وكُلُّ واحِدٍ مِمَّنْ نُسِبَ إلَيْهِ كَأنَّهُ إلْياسُ، فَلَمّا جُمِعَتْ، خُفِّفَتْ ياءُ النِّسْبَةِ بِحَذْفِ إحْداهُما كَراهَةَ التَّضْعِيفِ، فالتَقى ساكِنانِ: الياءُ فِيهِ وحَرْفُ العِلَّةِ الَّذِي لِلْجَمْعِ، فَحُذِفَتْ لِالتِقائِهِما، كَما قالُوا: الأشْعَرُونَ والأعْجَمُونَ والخَبِيبُونَ والمُهَلَّبُونَ. وحَكى أبُو عَمْرٍو أنَّ مُنادِيًا نادى يَوْمَ الكِلابِ: هَلَكَ اليَزِيدِيُّونَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَوْ كانا جَمْعًا، لَعُرِّفَ بِالألِفِ واللّامِ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ، والحَسَنُ: عَلى الياسِينَ، بِوَصْلِ الألِفِ عَلى أنَّهُ جَمْعٌ يُرادُ بِهِ إلْياسُ وقَوْمُهُ المُؤْمِنُونَ، وحُذِفَتْ ياءُ النَّسَبِ، كَما قالُوا: الأشْعَرُونَ، والألِفُ واللّامُ دَخَلَتْ عَلى الجَمْعِ، واسْمُهُ عَلى هَذا (ياسُ) . وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، ومَن ذُكِرَ مَعَهُ أنَّهُ قَرَأ إدْرِيسَ: سَلامٌ عَلى إدْراسِينَ. وعَنْ (p-٣٧٤)قَتادَةَ: وإنَّ إدْرِيسَ. وقَرَأ عَلِيٌّ إدْرَسِينَ. وقَرَأ ابْنُ عَلِيٍّ: إيلْيَسَ، كَقِراءَتِهِ وإنَّ إيلْيَسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ.
﴿إلّا عَجُوزًا﴾ هي امْرَأةُ لُوطٍ، وكانَتْ كافِرَةً، إمّا مُسْتَتِرَةً بِالكُفْرِ، وإمّا مُعْلِنَةً بِهِ. وكانَ نِكاحُ الوَثَنِيّاتِ عِنْدَهم جائِزًا.
﴿مُصْبِحِينَ﴾ أيْ داخِلِينَ في الإصْباحِ. والخِطابُ في (وإنَّكم) لِقُرَيْشٍ، وكانَتْ مَتاجِرُهم إلى الشّامِ عَلى مَدائِنِ قَوْمِ لُوطٍ.
﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ فَتَعْتَبِرُونَ بِما جَرى عَلى مَن كَذَّبَ الرُّسُلَ.
الصافات 37:121
﴿ولَقَدْ مَنَنّا عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ ﴿ونَجَّيْناهُما وقَوْمَهُما مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ ﴿ونَصَرْناهم فَكانُوا هُمُ الغالِبِينَ﴾ ﴿وآتَيْناهُما الكِتابَ المُسْتَبِينَ﴾ ﴿وهَدَيْناهُما الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِما في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُما مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ إلْياسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لِقَوْمِهِ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿أتَدْعُونَ بَعْلًا وتَذَرُونَ أحْسَنَ الخالِقِينَ﴾ ﴿اللَّهَ رَبَّكم ورَبَّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى إلْ ياسِينَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ لُوطًا لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ نَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلّا عَجُوزًا في الغابِرِينَ﴾ ﴿ثُمَّ دَمَّرْنا الآخَرِينَ﴾ ﴿وإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ﴾ ﴿وبِاللَّيْلِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ .
﴿الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ تَعَبُّدِ القِبْطِ لَهم، ثُمَّ خَوْفِهِمْ مِن جَيْشِ فِرْعَوْنَ، ثُمَّ البَحْرِ بَعْدَ ذَلِكَ، والضَّمِيرُ في ﴿ونَصَرْناهُمْ﴾ عائِدٌ عَلى مُوسى وهارُونَ وقَوْمِهِما؛ وقِيلَ: عائِدٌ عَلى مُوسى وهارُونَ فَقَطْ، تَعْظِيمًا لَهُما بِكِنايَةِ الجَماعَةِ. و(هم) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ فَصْلًا وتَوْكِيدًا أوْ بَدَلًا. و﴿الكِتابَ المُسْتَبِينَ﴾ التَّوْراةَ، كَما قالَ تَعالى ﴿إنّا أنْزَلْنا التَّوْراةَ فِيها هُدًى ونُورٌ﴾ [المائدة: ٤٤] . و﴿الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ هو الإسْلامُ وشَرْعُ اللَّهِ. و(إلْياسَ)، قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وقَتادَةُ: هو إدْرِيسُ عَلَيْهِ السَّلامُ. ونَقَلُوا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ وثّابٍ، والأعْمَشِ، والمِنهالِ بْنِ عُمَرَ، والحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ الكُوفِيِّ أنَّهم قَرَءُوا: وإنَّ إدْرِيسَ لِمَنِ المُرْسَلِينَ، وهي مَحْمُولَةٌ عِنْدِي عَلى تَفْسِيرِهِ؛ لِأنَّ المُسْتَفِيضَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قَرَأ ﴿وإنَّ إلْياسَ﴾ وأيْضًا تَفْسِيرُهُ إلْياسَ بِأنَّهُ إدْرِيسُ لَعَلَّهُ لا يَصِحُّ عَنْهُ؛ لِأنَّ إدْرِيسَ في التّارِيخِ المَنقُولِ كانَ قَبْلَ نُوحٍ. وفي سُورَةِ الأنْعامِ ذُكِرَ إلْياسُ، وأنَّهُ مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ، (p-٣٧٣)أوْ مِن ذُرِّيَّةِ نُوحٍ عَلى ما يَحْتَمِلُهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ووَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنا﴾ [الأنعام: ٨٤]، ﴿ومِن ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ﴾ [الأنعام: ٨٤]، وذَكَرَ في جُمْلَةِ هَذِهِ الذُّرِّيَّةِ إلْياسَ، وقِيلَ: إلْياسُ مِن أوْلاد هارُونَ. قالَ الطَّبَرِيُّ: هو إلْياسُ بْنُ ياسِينَ بْنِ فِنْحاصِ بْنِ العَيْزارِ بْنِ هارُونَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿وإنَّ إلْياسَ﴾، بِهَمْزَةِ قَطْعٍ مَكْسُورَةٍ. وقَرَأ عِكْرِمَةُ، والحَسَنُ: بِخِلافٍ عَنْهُما؛ والأعْرَجُ، وأبُو رَجاءٍ، وابْنُ عامِرٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: بِوَصْلِ الألِفِ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ وصَلَ هَمْزَةَ القَطْعِ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ اسْمُهُ ياسا، ودَخَلَتْ عَلَيْهِ (ألْ)، كَما دَخَلَتْ عَلى اليَسَعَ. وفي حَرْفِ أُبَيٍّ ومُصْحَفِهِ: وإنَّ إيلِيسَ، بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ، بَعْدَها ياءٌ ساكِنَةٌ، بَعْدَها لامٌ مَكْسُورَةٌ، بَعْدَها ياءٌ ساكِنَةٌ وسِينٌ مَفْتُوحَةٌ. وقُرِئَ: وإنَّ إدْراسَ، لُغَةً في إدْرِيسَ، كَإبْراهامَ في إبْراهِيمَ.
﴿أتَدْعُونَ بَعْلًا﴾ أيْ أتَعْبُدُونَ بَعْلًا، وهو عَلَمٌ لِصَنَمٍ لَهم، قالَهُ الضَّحّاكُ والحَسَنُ وابْنُ زَيْدٍ. قِيلَ: وكانَ مِن ذَهَبٍ، طُولُهُ عِشْرُونَ ذِراعًا، ولَهُ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ، فُتِنُوا بِهِ وعَظَّمُوهُ حَتّى أخَدَمُوهُ أرْبَعَمِائَةِ سادِنٍ وجَعَلُوهم أنْبِياءَ، وكانَ الشَّيْطانُ يَدْخُلُ في جَوْفِ بَعْلٍ ويَتَكَلَّمُ بِشَرِيعَةِ الضَّلالَةِ، والسَّدَنَةُ يَحْفَظُونَها ويُعَلِّمُونَها النّاسَ، وهم أهْلُ بَعْلَبَكَّ مِن بِلادِ الشّامِ، وبِهِ سُمِّيَتْ مَدِينَتُهم بَعْلَبَكَّ. وقالَ عِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ: البَعْلُ: الرَّبُّ بِلُغَةِ اليَمَنِ. وسَمِعَ ابْنُ عَبّاسٍ رَجُلًا يَنْشُدُ ضالَّةً، فَقالَ لَهُ رَجُلٌ: أنا بَعْلُها، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: اللَّهُ أكْبَرُ، أتَدْعُونَ بَعْلًا ؟ ويُقالُ: مَن بَعْلُ هَذِهِ الدّارِ، أيْ رَبُّها ؟ والمَعْنى عَلى هَذا: أتَعْبُدُونَ بَعْضَ البُعُولِ وتَتْرُكُونَ عِبادَةَ اللَّهِ ؟ وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّ بَعْلًا اسْمُ امْرَأةٍ أتَتْهم بِضَلالَةٍ فاتَّبَعُوها. وقُرِئَ: أتَدْعُونَ بَعْلاءَ، بِالمَدِّ عَلى وزْنِ حَمْراءَ، ويُؤْنِسُ هَذِهِ القِراءَةَ قَوْلُ مَن قالَ: إنَّهُ اسْمُ امْرَأةٍ.
وقَرَأ الكُوفِيُّونَ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ (اللَّهَ رَبَّكم ورَبَّ آبائِكُمُ)، بِالنَّصْبِ في الثَّلاثَةِ بَدَلًا مِن (أحْسَنَ) أوْ عَطْفَ بَيانٍ إنْ قُلْنا إنَّ إضافَةَ التَّفْضِيلِ مَحْضَةٌ، وباقِي السَّبْعَةِ بِالرَّفْعِ، أيْ هو اللَّهُ، أوْ يَكُونُ اسْتِئْنافًا مُبْتَدَأً ورَبُّكم خَبَرُهُ. ورُوِيَ عَنْ حَمْزَةَ أنَّهُ إذا وُصِلَ نُصِبَ، وإذا قُطِعَ رُفِعَ. (فَكَذَّبُوهُ) أيْ كَذَّبَهُ قَوْمُهُ، إمّا في قَوْلِهِ (اللَّهَ رَبَّكم) هَذِهِ النِّسْبَةِ، أوْ فَكَذَّبُوهُ فِيما جاءَ بِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ مِنَ الأمْرِ بِالتَّوْحِيدِ وتَرْكِ الصَّنَمِ والإيمانِ بِما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ. ومُحْضَرُونَ: مَجْمُوعُونَ لِلْعَذابِ.
﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ اسْتِثْناءٌ يَدُلُّ عَلى أنَّ مِن قَوْمِهِ مُخَلَصِينَ لَمْ يُكَذِّبُوهُ، فَهو اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ مِن ضَمِيرِ (فَكَذَّبُوهُ) ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مِن ﴿فَإنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ لِأنَّهم كانُوا يَكُونُونَ مُنْدَرِجِينَ فِيمَن كَذَّبَ، ويَكُونُونَ ﴿عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ وذَلِكَ لا يُمْكِنُ ولا يُناسِبُ أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مُنْقَطِعًا، إذْ يَصِيرُ المَعْنى: لَكِنَّ عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ مِن غَيْرِ قَوْمِهِ لا يَحْضُرُونَ لِلْعَذابِ، ولا مَسِيسَ لِهَؤُلاءِ المَمْسُوسِينَ بِالآيَةِ الَّتِي فِيها قِصَّةُ إلْياسَ هَذِهِ.
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: عَلى آلِ ياسِينَ. وزَعَمُوا أنَّ آلَ مَفْصُولَةٌ في المُصْحَفِ، وياسِينَ اسْمٌ لِإلْياسَ. وقِيلَ: اسْمٌ لِأبِي إلْياسَ؛ لِأنَّهُ إلْياسُ بْنُ ياسِينَ، وآلُ ياسِينَ هو ابْنُهُ إلْياسُ. وقِيلَ: ياسِينُ هو اسْمُ مُحَمَّدٍ ﷺ وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ ﴿عَلى إلْ ياسِينَ﴾ بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ، أيْ إلِياسِينَ، جَمَعَ المَنسُوبِينَ إلى إلْياسَ مَعَهُ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ. وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ مِن قَوْمِهِ مَن كانَ اتَّبَعَهُ عَلى الدِّينِ، وكُلُّ واحِدٍ مِمَّنْ نُسِبَ إلَيْهِ كَأنَّهُ إلْياسُ، فَلَمّا جُمِعَتْ، خُفِّفَتْ ياءُ النِّسْبَةِ بِحَذْفِ إحْداهُما كَراهَةَ التَّضْعِيفِ، فالتَقى ساكِنانِ: الياءُ فِيهِ وحَرْفُ العِلَّةِ الَّذِي لِلْجَمْعِ، فَحُذِفَتْ لِالتِقائِهِما، كَما قالُوا: الأشْعَرُونَ والأعْجَمُونَ والخَبِيبُونَ والمُهَلَّبُونَ. وحَكى أبُو عَمْرٍو أنَّ مُنادِيًا نادى يَوْمَ الكِلابِ: هَلَكَ اليَزِيدِيُّونَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَوْ كانا جَمْعًا، لَعُرِّفَ بِالألِفِ واللّامِ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ، والحَسَنُ: عَلى الياسِينَ، بِوَصْلِ الألِفِ عَلى أنَّهُ جَمْعٌ يُرادُ بِهِ إلْياسُ وقَوْمُهُ المُؤْمِنُونَ، وحُذِفَتْ ياءُ النَّسَبِ، كَما قالُوا: الأشْعَرُونَ، والألِفُ واللّامُ دَخَلَتْ عَلى الجَمْعِ، واسْمُهُ عَلى هَذا (ياسُ) . وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، ومَن ذُكِرَ مَعَهُ أنَّهُ قَرَأ إدْرِيسَ: سَلامٌ عَلى إدْراسِينَ. وعَنْ (p-٣٧٤)قَتادَةَ: وإنَّ إدْرِيسَ. وقَرَأ عَلِيٌّ إدْرَسِينَ. وقَرَأ ابْنُ عَلِيٍّ: إيلْيَسَ، كَقِراءَتِهِ وإنَّ إيلْيَسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ.
﴿إلّا عَجُوزًا﴾ هي امْرَأةُ لُوطٍ، وكانَتْ كافِرَةً، إمّا مُسْتَتِرَةً بِالكُفْرِ، وإمّا مُعْلِنَةً بِهِ. وكانَ نِكاحُ الوَثَنِيّاتِ عِنْدَهم جائِزًا.
﴿مُصْبِحِينَ﴾ أيْ داخِلِينَ في الإصْباحِ. والخِطابُ في (وإنَّكم) لِقُرَيْشٍ، وكانَتْ مَتاجِرُهم إلى الشّامِ عَلى مَدائِنِ قَوْمِ لُوطٍ.
﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ فَتَعْتَبِرُونَ بِما جَرى عَلى مَن كَذَّبَ الرُّسُلَ.
الصافات 37:122
﴿ولَقَدْ مَنَنّا عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ ﴿ونَجَّيْناهُما وقَوْمَهُما مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ ﴿ونَصَرْناهم فَكانُوا هُمُ الغالِبِينَ﴾ ﴿وآتَيْناهُما الكِتابَ المُسْتَبِينَ﴾ ﴿وهَدَيْناهُما الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِما في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُما مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ إلْياسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لِقَوْمِهِ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿أتَدْعُونَ بَعْلًا وتَذَرُونَ أحْسَنَ الخالِقِينَ﴾ ﴿اللَّهَ رَبَّكم ورَبَّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى إلْ ياسِينَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ لُوطًا لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ نَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلّا عَجُوزًا في الغابِرِينَ﴾ ﴿ثُمَّ دَمَّرْنا الآخَرِينَ﴾ ﴿وإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ﴾ ﴿وبِاللَّيْلِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ .
﴿الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ تَعَبُّدِ القِبْطِ لَهم، ثُمَّ خَوْفِهِمْ مِن جَيْشِ فِرْعَوْنَ، ثُمَّ البَحْرِ بَعْدَ ذَلِكَ، والضَّمِيرُ في ﴿ونَصَرْناهُمْ﴾ عائِدٌ عَلى مُوسى وهارُونَ وقَوْمِهِما؛ وقِيلَ: عائِدٌ عَلى مُوسى وهارُونَ فَقَطْ، تَعْظِيمًا لَهُما بِكِنايَةِ الجَماعَةِ. و(هم) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ فَصْلًا وتَوْكِيدًا أوْ بَدَلًا. و﴿الكِتابَ المُسْتَبِينَ﴾ التَّوْراةَ، كَما قالَ تَعالى ﴿إنّا أنْزَلْنا التَّوْراةَ فِيها هُدًى ونُورٌ﴾ [المائدة: ٤٤] . و﴿الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ هو الإسْلامُ وشَرْعُ اللَّهِ. و(إلْياسَ)، قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وقَتادَةُ: هو إدْرِيسُ عَلَيْهِ السَّلامُ. ونَقَلُوا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ وثّابٍ، والأعْمَشِ، والمِنهالِ بْنِ عُمَرَ، والحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ الكُوفِيِّ أنَّهم قَرَءُوا: وإنَّ إدْرِيسَ لِمَنِ المُرْسَلِينَ، وهي مَحْمُولَةٌ عِنْدِي عَلى تَفْسِيرِهِ؛ لِأنَّ المُسْتَفِيضَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قَرَأ ﴿وإنَّ إلْياسَ﴾ وأيْضًا تَفْسِيرُهُ إلْياسَ بِأنَّهُ إدْرِيسُ لَعَلَّهُ لا يَصِحُّ عَنْهُ؛ لِأنَّ إدْرِيسَ في التّارِيخِ المَنقُولِ كانَ قَبْلَ نُوحٍ. وفي سُورَةِ الأنْعامِ ذُكِرَ إلْياسُ، وأنَّهُ مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ، (p-٣٧٣)أوْ مِن ذُرِّيَّةِ نُوحٍ عَلى ما يَحْتَمِلُهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ووَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنا﴾ [الأنعام: ٨٤]، ﴿ومِن ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ﴾ [الأنعام: ٨٤]، وذَكَرَ في جُمْلَةِ هَذِهِ الذُّرِّيَّةِ إلْياسَ، وقِيلَ: إلْياسُ مِن أوْلاد هارُونَ. قالَ الطَّبَرِيُّ: هو إلْياسُ بْنُ ياسِينَ بْنِ فِنْحاصِ بْنِ العَيْزارِ بْنِ هارُونَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿وإنَّ إلْياسَ﴾، بِهَمْزَةِ قَطْعٍ مَكْسُورَةٍ. وقَرَأ عِكْرِمَةُ، والحَسَنُ: بِخِلافٍ عَنْهُما؛ والأعْرَجُ، وأبُو رَجاءٍ، وابْنُ عامِرٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: بِوَصْلِ الألِفِ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ وصَلَ هَمْزَةَ القَطْعِ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ اسْمُهُ ياسا، ودَخَلَتْ عَلَيْهِ (ألْ)، كَما دَخَلَتْ عَلى اليَسَعَ. وفي حَرْفِ أُبَيٍّ ومُصْحَفِهِ: وإنَّ إيلِيسَ، بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ، بَعْدَها ياءٌ ساكِنَةٌ، بَعْدَها لامٌ مَكْسُورَةٌ، بَعْدَها ياءٌ ساكِنَةٌ وسِينٌ مَفْتُوحَةٌ. وقُرِئَ: وإنَّ إدْراسَ، لُغَةً في إدْرِيسَ، كَإبْراهامَ في إبْراهِيمَ.
﴿أتَدْعُونَ بَعْلًا﴾ أيْ أتَعْبُدُونَ بَعْلًا، وهو عَلَمٌ لِصَنَمٍ لَهم، قالَهُ الضَّحّاكُ والحَسَنُ وابْنُ زَيْدٍ. قِيلَ: وكانَ مِن ذَهَبٍ، طُولُهُ عِشْرُونَ ذِراعًا، ولَهُ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ، فُتِنُوا بِهِ وعَظَّمُوهُ حَتّى أخَدَمُوهُ أرْبَعَمِائَةِ سادِنٍ وجَعَلُوهم أنْبِياءَ، وكانَ الشَّيْطانُ يَدْخُلُ في جَوْفِ بَعْلٍ ويَتَكَلَّمُ بِشَرِيعَةِ الضَّلالَةِ، والسَّدَنَةُ يَحْفَظُونَها ويُعَلِّمُونَها النّاسَ، وهم أهْلُ بَعْلَبَكَّ مِن بِلادِ الشّامِ، وبِهِ سُمِّيَتْ مَدِينَتُهم بَعْلَبَكَّ. وقالَ عِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ: البَعْلُ: الرَّبُّ بِلُغَةِ اليَمَنِ. وسَمِعَ ابْنُ عَبّاسٍ رَجُلًا يَنْشُدُ ضالَّةً، فَقالَ لَهُ رَجُلٌ: أنا بَعْلُها، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: اللَّهُ أكْبَرُ، أتَدْعُونَ بَعْلًا ؟ ويُقالُ: مَن بَعْلُ هَذِهِ الدّارِ، أيْ رَبُّها ؟ والمَعْنى عَلى هَذا: أتَعْبُدُونَ بَعْضَ البُعُولِ وتَتْرُكُونَ عِبادَةَ اللَّهِ ؟ وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّ بَعْلًا اسْمُ امْرَأةٍ أتَتْهم بِضَلالَةٍ فاتَّبَعُوها. وقُرِئَ: أتَدْعُونَ بَعْلاءَ، بِالمَدِّ عَلى وزْنِ حَمْراءَ، ويُؤْنِسُ هَذِهِ القِراءَةَ قَوْلُ مَن قالَ: إنَّهُ اسْمُ امْرَأةٍ.
وقَرَأ الكُوفِيُّونَ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ (اللَّهَ رَبَّكم ورَبَّ آبائِكُمُ)، بِالنَّصْبِ في الثَّلاثَةِ بَدَلًا مِن (أحْسَنَ) أوْ عَطْفَ بَيانٍ إنْ قُلْنا إنَّ إضافَةَ التَّفْضِيلِ مَحْضَةٌ، وباقِي السَّبْعَةِ بِالرَّفْعِ، أيْ هو اللَّهُ، أوْ يَكُونُ اسْتِئْنافًا مُبْتَدَأً ورَبُّكم خَبَرُهُ. ورُوِيَ عَنْ حَمْزَةَ أنَّهُ إذا وُصِلَ نُصِبَ، وإذا قُطِعَ رُفِعَ. (فَكَذَّبُوهُ) أيْ كَذَّبَهُ قَوْمُهُ، إمّا في قَوْلِهِ (اللَّهَ رَبَّكم) هَذِهِ النِّسْبَةِ، أوْ فَكَذَّبُوهُ فِيما جاءَ بِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ مِنَ الأمْرِ بِالتَّوْحِيدِ وتَرْكِ الصَّنَمِ والإيمانِ بِما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ. ومُحْضَرُونَ: مَجْمُوعُونَ لِلْعَذابِ.
﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ اسْتِثْناءٌ يَدُلُّ عَلى أنَّ مِن قَوْمِهِ مُخَلَصِينَ لَمْ يُكَذِّبُوهُ، فَهو اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ مِن ضَمِيرِ (فَكَذَّبُوهُ) ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مِن ﴿فَإنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ لِأنَّهم كانُوا يَكُونُونَ مُنْدَرِجِينَ فِيمَن كَذَّبَ، ويَكُونُونَ ﴿عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ وذَلِكَ لا يُمْكِنُ ولا يُناسِبُ أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مُنْقَطِعًا، إذْ يَصِيرُ المَعْنى: لَكِنَّ عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ مِن غَيْرِ قَوْمِهِ لا يَحْضُرُونَ لِلْعَذابِ، ولا مَسِيسَ لِهَؤُلاءِ المَمْسُوسِينَ بِالآيَةِ الَّتِي فِيها قِصَّةُ إلْياسَ هَذِهِ.
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: عَلى آلِ ياسِينَ. وزَعَمُوا أنَّ آلَ مَفْصُولَةٌ في المُصْحَفِ، وياسِينَ اسْمٌ لِإلْياسَ. وقِيلَ: اسْمٌ لِأبِي إلْياسَ؛ لِأنَّهُ إلْياسُ بْنُ ياسِينَ، وآلُ ياسِينَ هو ابْنُهُ إلْياسُ. وقِيلَ: ياسِينُ هو اسْمُ مُحَمَّدٍ ﷺ وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ ﴿عَلى إلْ ياسِينَ﴾ بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ، أيْ إلِياسِينَ، جَمَعَ المَنسُوبِينَ إلى إلْياسَ مَعَهُ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ. وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ مِن قَوْمِهِ مَن كانَ اتَّبَعَهُ عَلى الدِّينِ، وكُلُّ واحِدٍ مِمَّنْ نُسِبَ إلَيْهِ كَأنَّهُ إلْياسُ، فَلَمّا جُمِعَتْ، خُفِّفَتْ ياءُ النِّسْبَةِ بِحَذْفِ إحْداهُما كَراهَةَ التَّضْعِيفِ، فالتَقى ساكِنانِ: الياءُ فِيهِ وحَرْفُ العِلَّةِ الَّذِي لِلْجَمْعِ، فَحُذِفَتْ لِالتِقائِهِما، كَما قالُوا: الأشْعَرُونَ والأعْجَمُونَ والخَبِيبُونَ والمُهَلَّبُونَ. وحَكى أبُو عَمْرٍو أنَّ مُنادِيًا نادى يَوْمَ الكِلابِ: هَلَكَ اليَزِيدِيُّونَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَوْ كانا جَمْعًا، لَعُرِّفَ بِالألِفِ واللّامِ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ، والحَسَنُ: عَلى الياسِينَ، بِوَصْلِ الألِفِ عَلى أنَّهُ جَمْعٌ يُرادُ بِهِ إلْياسُ وقَوْمُهُ المُؤْمِنُونَ، وحُذِفَتْ ياءُ النَّسَبِ، كَما قالُوا: الأشْعَرُونَ، والألِفُ واللّامُ دَخَلَتْ عَلى الجَمْعِ، واسْمُهُ عَلى هَذا (ياسُ) . وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، ومَن ذُكِرَ مَعَهُ أنَّهُ قَرَأ إدْرِيسَ: سَلامٌ عَلى إدْراسِينَ. وعَنْ (p-٣٧٤)قَتادَةَ: وإنَّ إدْرِيسَ. وقَرَأ عَلِيٌّ إدْرَسِينَ. وقَرَأ ابْنُ عَلِيٍّ: إيلْيَسَ، كَقِراءَتِهِ وإنَّ إيلْيَسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ.
﴿إلّا عَجُوزًا﴾ هي امْرَأةُ لُوطٍ، وكانَتْ كافِرَةً، إمّا مُسْتَتِرَةً بِالكُفْرِ، وإمّا مُعْلِنَةً بِهِ. وكانَ نِكاحُ الوَثَنِيّاتِ عِنْدَهم جائِزًا.
﴿مُصْبِحِينَ﴾ أيْ داخِلِينَ في الإصْباحِ. والخِطابُ في (وإنَّكم) لِقُرَيْشٍ، وكانَتْ مَتاجِرُهم إلى الشّامِ عَلى مَدائِنِ قَوْمِ لُوطٍ.
﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ فَتَعْتَبِرُونَ بِما جَرى عَلى مَن كَذَّبَ الرُّسُلَ.
الصافات 37:123
﴿ولَقَدْ مَنَنّا عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ ﴿ونَجَّيْناهُما وقَوْمَهُما مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ ﴿ونَصَرْناهم فَكانُوا هُمُ الغالِبِينَ﴾ ﴿وآتَيْناهُما الكِتابَ المُسْتَبِينَ﴾ ﴿وهَدَيْناهُما الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِما في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُما مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ إلْياسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لِقَوْمِهِ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿أتَدْعُونَ بَعْلًا وتَذَرُونَ أحْسَنَ الخالِقِينَ﴾ ﴿اللَّهَ رَبَّكم ورَبَّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى إلْ ياسِينَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ لُوطًا لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ نَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلّا عَجُوزًا في الغابِرِينَ﴾ ﴿ثُمَّ دَمَّرْنا الآخَرِينَ﴾ ﴿وإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ﴾ ﴿وبِاللَّيْلِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ .
﴿الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ تَعَبُّدِ القِبْطِ لَهم، ثُمَّ خَوْفِهِمْ مِن جَيْشِ فِرْعَوْنَ، ثُمَّ البَحْرِ بَعْدَ ذَلِكَ، والضَّمِيرُ في ﴿ونَصَرْناهُمْ﴾ عائِدٌ عَلى مُوسى وهارُونَ وقَوْمِهِما؛ وقِيلَ: عائِدٌ عَلى مُوسى وهارُونَ فَقَطْ، تَعْظِيمًا لَهُما بِكِنايَةِ الجَماعَةِ. و(هم) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ فَصْلًا وتَوْكِيدًا أوْ بَدَلًا. و﴿الكِتابَ المُسْتَبِينَ﴾ التَّوْراةَ، كَما قالَ تَعالى ﴿إنّا أنْزَلْنا التَّوْراةَ فِيها هُدًى ونُورٌ﴾ [المائدة: ٤٤] . و﴿الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ هو الإسْلامُ وشَرْعُ اللَّهِ. و(إلْياسَ)، قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وقَتادَةُ: هو إدْرِيسُ عَلَيْهِ السَّلامُ. ونَقَلُوا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ وثّابٍ، والأعْمَشِ، والمِنهالِ بْنِ عُمَرَ، والحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ الكُوفِيِّ أنَّهم قَرَءُوا: وإنَّ إدْرِيسَ لِمَنِ المُرْسَلِينَ، وهي مَحْمُولَةٌ عِنْدِي عَلى تَفْسِيرِهِ؛ لِأنَّ المُسْتَفِيضَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قَرَأ ﴿وإنَّ إلْياسَ﴾ وأيْضًا تَفْسِيرُهُ إلْياسَ بِأنَّهُ إدْرِيسُ لَعَلَّهُ لا يَصِحُّ عَنْهُ؛ لِأنَّ إدْرِيسَ في التّارِيخِ المَنقُولِ كانَ قَبْلَ نُوحٍ. وفي سُورَةِ الأنْعامِ ذُكِرَ إلْياسُ، وأنَّهُ مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ، (p-٣٧٣)أوْ مِن ذُرِّيَّةِ نُوحٍ عَلى ما يَحْتَمِلُهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ووَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنا﴾ [الأنعام: ٨٤]، ﴿ومِن ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ﴾ [الأنعام: ٨٤]، وذَكَرَ في جُمْلَةِ هَذِهِ الذُّرِّيَّةِ إلْياسَ، وقِيلَ: إلْياسُ مِن أوْلاد هارُونَ. قالَ الطَّبَرِيُّ: هو إلْياسُ بْنُ ياسِينَ بْنِ فِنْحاصِ بْنِ العَيْزارِ بْنِ هارُونَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿وإنَّ إلْياسَ﴾، بِهَمْزَةِ قَطْعٍ مَكْسُورَةٍ. وقَرَأ عِكْرِمَةُ، والحَسَنُ: بِخِلافٍ عَنْهُما؛ والأعْرَجُ، وأبُو رَجاءٍ، وابْنُ عامِرٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: بِوَصْلِ الألِفِ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ وصَلَ هَمْزَةَ القَطْعِ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ اسْمُهُ ياسا، ودَخَلَتْ عَلَيْهِ (ألْ)، كَما دَخَلَتْ عَلى اليَسَعَ. وفي حَرْفِ أُبَيٍّ ومُصْحَفِهِ: وإنَّ إيلِيسَ، بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ، بَعْدَها ياءٌ ساكِنَةٌ، بَعْدَها لامٌ مَكْسُورَةٌ، بَعْدَها ياءٌ ساكِنَةٌ وسِينٌ مَفْتُوحَةٌ. وقُرِئَ: وإنَّ إدْراسَ، لُغَةً في إدْرِيسَ، كَإبْراهامَ في إبْراهِيمَ.
﴿أتَدْعُونَ بَعْلًا﴾ أيْ أتَعْبُدُونَ بَعْلًا، وهو عَلَمٌ لِصَنَمٍ لَهم، قالَهُ الضَّحّاكُ والحَسَنُ وابْنُ زَيْدٍ. قِيلَ: وكانَ مِن ذَهَبٍ، طُولُهُ عِشْرُونَ ذِراعًا، ولَهُ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ، فُتِنُوا بِهِ وعَظَّمُوهُ حَتّى أخَدَمُوهُ أرْبَعَمِائَةِ سادِنٍ وجَعَلُوهم أنْبِياءَ، وكانَ الشَّيْطانُ يَدْخُلُ في جَوْفِ بَعْلٍ ويَتَكَلَّمُ بِشَرِيعَةِ الضَّلالَةِ، والسَّدَنَةُ يَحْفَظُونَها ويُعَلِّمُونَها النّاسَ، وهم أهْلُ بَعْلَبَكَّ مِن بِلادِ الشّامِ، وبِهِ سُمِّيَتْ مَدِينَتُهم بَعْلَبَكَّ. وقالَ عِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ: البَعْلُ: الرَّبُّ بِلُغَةِ اليَمَنِ. وسَمِعَ ابْنُ عَبّاسٍ رَجُلًا يَنْشُدُ ضالَّةً، فَقالَ لَهُ رَجُلٌ: أنا بَعْلُها، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: اللَّهُ أكْبَرُ، أتَدْعُونَ بَعْلًا ؟ ويُقالُ: مَن بَعْلُ هَذِهِ الدّارِ، أيْ رَبُّها ؟ والمَعْنى عَلى هَذا: أتَعْبُدُونَ بَعْضَ البُعُولِ وتَتْرُكُونَ عِبادَةَ اللَّهِ ؟ وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّ بَعْلًا اسْمُ امْرَأةٍ أتَتْهم بِضَلالَةٍ فاتَّبَعُوها. وقُرِئَ: أتَدْعُونَ بَعْلاءَ، بِالمَدِّ عَلى وزْنِ حَمْراءَ، ويُؤْنِسُ هَذِهِ القِراءَةَ قَوْلُ مَن قالَ: إنَّهُ اسْمُ امْرَأةٍ.
وقَرَأ الكُوفِيُّونَ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ (اللَّهَ رَبَّكم ورَبَّ آبائِكُمُ)، بِالنَّصْبِ في الثَّلاثَةِ بَدَلًا مِن (أحْسَنَ) أوْ عَطْفَ بَيانٍ إنْ قُلْنا إنَّ إضافَةَ التَّفْضِيلِ مَحْضَةٌ، وباقِي السَّبْعَةِ بِالرَّفْعِ، أيْ هو اللَّهُ، أوْ يَكُونُ اسْتِئْنافًا مُبْتَدَأً ورَبُّكم خَبَرُهُ. ورُوِيَ عَنْ حَمْزَةَ أنَّهُ إذا وُصِلَ نُصِبَ، وإذا قُطِعَ رُفِعَ. (فَكَذَّبُوهُ) أيْ كَذَّبَهُ قَوْمُهُ، إمّا في قَوْلِهِ (اللَّهَ رَبَّكم) هَذِهِ النِّسْبَةِ، أوْ فَكَذَّبُوهُ فِيما جاءَ بِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ مِنَ الأمْرِ بِالتَّوْحِيدِ وتَرْكِ الصَّنَمِ والإيمانِ بِما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ. ومُحْضَرُونَ: مَجْمُوعُونَ لِلْعَذابِ.
﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ اسْتِثْناءٌ يَدُلُّ عَلى أنَّ مِن قَوْمِهِ مُخَلَصِينَ لَمْ يُكَذِّبُوهُ، فَهو اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ مِن ضَمِيرِ (فَكَذَّبُوهُ) ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مِن ﴿فَإنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ لِأنَّهم كانُوا يَكُونُونَ مُنْدَرِجِينَ فِيمَن كَذَّبَ، ويَكُونُونَ ﴿عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ وذَلِكَ لا يُمْكِنُ ولا يُناسِبُ أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مُنْقَطِعًا، إذْ يَصِيرُ المَعْنى: لَكِنَّ عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ مِن غَيْرِ قَوْمِهِ لا يَحْضُرُونَ لِلْعَذابِ، ولا مَسِيسَ لِهَؤُلاءِ المَمْسُوسِينَ بِالآيَةِ الَّتِي فِيها قِصَّةُ إلْياسَ هَذِهِ.
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: عَلى آلِ ياسِينَ. وزَعَمُوا أنَّ آلَ مَفْصُولَةٌ في المُصْحَفِ، وياسِينَ اسْمٌ لِإلْياسَ. وقِيلَ: اسْمٌ لِأبِي إلْياسَ؛ لِأنَّهُ إلْياسُ بْنُ ياسِينَ، وآلُ ياسِينَ هو ابْنُهُ إلْياسُ. وقِيلَ: ياسِينُ هو اسْمُ مُحَمَّدٍ ﷺ وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ ﴿عَلى إلْ ياسِينَ﴾ بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ، أيْ إلِياسِينَ، جَمَعَ المَنسُوبِينَ إلى إلْياسَ مَعَهُ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ. وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ مِن قَوْمِهِ مَن كانَ اتَّبَعَهُ عَلى الدِّينِ، وكُلُّ واحِدٍ مِمَّنْ نُسِبَ إلَيْهِ كَأنَّهُ إلْياسُ، فَلَمّا جُمِعَتْ، خُفِّفَتْ ياءُ النِّسْبَةِ بِحَذْفِ إحْداهُما كَراهَةَ التَّضْعِيفِ، فالتَقى ساكِنانِ: الياءُ فِيهِ وحَرْفُ العِلَّةِ الَّذِي لِلْجَمْعِ، فَحُذِفَتْ لِالتِقائِهِما، كَما قالُوا: الأشْعَرُونَ والأعْجَمُونَ والخَبِيبُونَ والمُهَلَّبُونَ. وحَكى أبُو عَمْرٍو أنَّ مُنادِيًا نادى يَوْمَ الكِلابِ: هَلَكَ اليَزِيدِيُّونَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَوْ كانا جَمْعًا، لَعُرِّفَ بِالألِفِ واللّامِ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ، والحَسَنُ: عَلى الياسِينَ، بِوَصْلِ الألِفِ عَلى أنَّهُ جَمْعٌ يُرادُ بِهِ إلْياسُ وقَوْمُهُ المُؤْمِنُونَ، وحُذِفَتْ ياءُ النَّسَبِ، كَما قالُوا: الأشْعَرُونَ، والألِفُ واللّامُ دَخَلَتْ عَلى الجَمْعِ، واسْمُهُ عَلى هَذا (ياسُ) . وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، ومَن ذُكِرَ مَعَهُ أنَّهُ قَرَأ إدْرِيسَ: سَلامٌ عَلى إدْراسِينَ. وعَنْ (p-٣٧٤)قَتادَةَ: وإنَّ إدْرِيسَ. وقَرَأ عَلِيٌّ إدْرَسِينَ. وقَرَأ ابْنُ عَلِيٍّ: إيلْيَسَ، كَقِراءَتِهِ وإنَّ إيلْيَسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ.
﴿إلّا عَجُوزًا﴾ هي امْرَأةُ لُوطٍ، وكانَتْ كافِرَةً، إمّا مُسْتَتِرَةً بِالكُفْرِ، وإمّا مُعْلِنَةً بِهِ. وكانَ نِكاحُ الوَثَنِيّاتِ عِنْدَهم جائِزًا.
﴿مُصْبِحِينَ﴾ أيْ داخِلِينَ في الإصْباحِ. والخِطابُ في (وإنَّكم) لِقُرَيْشٍ، وكانَتْ مَتاجِرُهم إلى الشّامِ عَلى مَدائِنِ قَوْمِ لُوطٍ.
﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ فَتَعْتَبِرُونَ بِما جَرى عَلى مَن كَذَّبَ الرُّسُلَ.
الصافات 37:124
﴿ولَقَدْ مَنَنّا عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ ﴿ونَجَّيْناهُما وقَوْمَهُما مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ ﴿ونَصَرْناهم فَكانُوا هُمُ الغالِبِينَ﴾ ﴿وآتَيْناهُما الكِتابَ المُسْتَبِينَ﴾ ﴿وهَدَيْناهُما الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِما في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُما مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ إلْياسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لِقَوْمِهِ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿أتَدْعُونَ بَعْلًا وتَذَرُونَ أحْسَنَ الخالِقِينَ﴾ ﴿اللَّهَ رَبَّكم ورَبَّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى إلْ ياسِينَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ لُوطًا لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ نَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلّا عَجُوزًا في الغابِرِينَ﴾ ﴿ثُمَّ دَمَّرْنا الآخَرِينَ﴾ ﴿وإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ﴾ ﴿وبِاللَّيْلِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ .
﴿الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ تَعَبُّدِ القِبْطِ لَهم، ثُمَّ خَوْفِهِمْ مِن جَيْشِ فِرْعَوْنَ، ثُمَّ البَحْرِ بَعْدَ ذَلِكَ، والضَّمِيرُ في ﴿ونَصَرْناهُمْ﴾ عائِدٌ عَلى مُوسى وهارُونَ وقَوْمِهِما؛ وقِيلَ: عائِدٌ عَلى مُوسى وهارُونَ فَقَطْ، تَعْظِيمًا لَهُما بِكِنايَةِ الجَماعَةِ. و(هم) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ فَصْلًا وتَوْكِيدًا أوْ بَدَلًا. و﴿الكِتابَ المُسْتَبِينَ﴾ التَّوْراةَ، كَما قالَ تَعالى ﴿إنّا أنْزَلْنا التَّوْراةَ فِيها هُدًى ونُورٌ﴾ [المائدة: ٤٤] . و﴿الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ هو الإسْلامُ وشَرْعُ اللَّهِ. و(إلْياسَ)، قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وقَتادَةُ: هو إدْرِيسُ عَلَيْهِ السَّلامُ. ونَقَلُوا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ وثّابٍ، والأعْمَشِ، والمِنهالِ بْنِ عُمَرَ، والحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ الكُوفِيِّ أنَّهم قَرَءُوا: وإنَّ إدْرِيسَ لِمَنِ المُرْسَلِينَ، وهي مَحْمُولَةٌ عِنْدِي عَلى تَفْسِيرِهِ؛ لِأنَّ المُسْتَفِيضَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قَرَأ ﴿وإنَّ إلْياسَ﴾ وأيْضًا تَفْسِيرُهُ إلْياسَ بِأنَّهُ إدْرِيسُ لَعَلَّهُ لا يَصِحُّ عَنْهُ؛ لِأنَّ إدْرِيسَ في التّارِيخِ المَنقُولِ كانَ قَبْلَ نُوحٍ. وفي سُورَةِ الأنْعامِ ذُكِرَ إلْياسُ، وأنَّهُ مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ، (p-٣٧٣)أوْ مِن ذُرِّيَّةِ نُوحٍ عَلى ما يَحْتَمِلُهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ووَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنا﴾ [الأنعام: ٨٤]، ﴿ومِن ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ﴾ [الأنعام: ٨٤]، وذَكَرَ في جُمْلَةِ هَذِهِ الذُّرِّيَّةِ إلْياسَ، وقِيلَ: إلْياسُ مِن أوْلاد هارُونَ. قالَ الطَّبَرِيُّ: هو إلْياسُ بْنُ ياسِينَ بْنِ فِنْحاصِ بْنِ العَيْزارِ بْنِ هارُونَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿وإنَّ إلْياسَ﴾، بِهَمْزَةِ قَطْعٍ مَكْسُورَةٍ. وقَرَأ عِكْرِمَةُ، والحَسَنُ: بِخِلافٍ عَنْهُما؛ والأعْرَجُ، وأبُو رَجاءٍ، وابْنُ عامِرٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: بِوَصْلِ الألِفِ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ وصَلَ هَمْزَةَ القَطْعِ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ اسْمُهُ ياسا، ودَخَلَتْ عَلَيْهِ (ألْ)، كَما دَخَلَتْ عَلى اليَسَعَ. وفي حَرْفِ أُبَيٍّ ومُصْحَفِهِ: وإنَّ إيلِيسَ، بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ، بَعْدَها ياءٌ ساكِنَةٌ، بَعْدَها لامٌ مَكْسُورَةٌ، بَعْدَها ياءٌ ساكِنَةٌ وسِينٌ مَفْتُوحَةٌ. وقُرِئَ: وإنَّ إدْراسَ، لُغَةً في إدْرِيسَ، كَإبْراهامَ في إبْراهِيمَ.
﴿أتَدْعُونَ بَعْلًا﴾ أيْ أتَعْبُدُونَ بَعْلًا، وهو عَلَمٌ لِصَنَمٍ لَهم، قالَهُ الضَّحّاكُ والحَسَنُ وابْنُ زَيْدٍ. قِيلَ: وكانَ مِن ذَهَبٍ، طُولُهُ عِشْرُونَ ذِراعًا، ولَهُ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ، فُتِنُوا بِهِ وعَظَّمُوهُ حَتّى أخَدَمُوهُ أرْبَعَمِائَةِ سادِنٍ وجَعَلُوهم أنْبِياءَ، وكانَ الشَّيْطانُ يَدْخُلُ في جَوْفِ بَعْلٍ ويَتَكَلَّمُ بِشَرِيعَةِ الضَّلالَةِ، والسَّدَنَةُ يَحْفَظُونَها ويُعَلِّمُونَها النّاسَ، وهم أهْلُ بَعْلَبَكَّ مِن بِلادِ الشّامِ، وبِهِ سُمِّيَتْ مَدِينَتُهم بَعْلَبَكَّ. وقالَ عِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ: البَعْلُ: الرَّبُّ بِلُغَةِ اليَمَنِ. وسَمِعَ ابْنُ عَبّاسٍ رَجُلًا يَنْشُدُ ضالَّةً، فَقالَ لَهُ رَجُلٌ: أنا بَعْلُها، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: اللَّهُ أكْبَرُ، أتَدْعُونَ بَعْلًا ؟ ويُقالُ: مَن بَعْلُ هَذِهِ الدّارِ، أيْ رَبُّها ؟ والمَعْنى عَلى هَذا: أتَعْبُدُونَ بَعْضَ البُعُولِ وتَتْرُكُونَ عِبادَةَ اللَّهِ ؟ وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّ بَعْلًا اسْمُ امْرَأةٍ أتَتْهم بِضَلالَةٍ فاتَّبَعُوها. وقُرِئَ: أتَدْعُونَ بَعْلاءَ، بِالمَدِّ عَلى وزْنِ حَمْراءَ، ويُؤْنِسُ هَذِهِ القِراءَةَ قَوْلُ مَن قالَ: إنَّهُ اسْمُ امْرَأةٍ.
وقَرَأ الكُوفِيُّونَ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ (اللَّهَ رَبَّكم ورَبَّ آبائِكُمُ)، بِالنَّصْبِ في الثَّلاثَةِ بَدَلًا مِن (أحْسَنَ) أوْ عَطْفَ بَيانٍ إنْ قُلْنا إنَّ إضافَةَ التَّفْضِيلِ مَحْضَةٌ، وباقِي السَّبْعَةِ بِالرَّفْعِ، أيْ هو اللَّهُ، أوْ يَكُونُ اسْتِئْنافًا مُبْتَدَأً ورَبُّكم خَبَرُهُ. ورُوِيَ عَنْ حَمْزَةَ أنَّهُ إذا وُصِلَ نُصِبَ، وإذا قُطِعَ رُفِعَ. (فَكَذَّبُوهُ) أيْ كَذَّبَهُ قَوْمُهُ، إمّا في قَوْلِهِ (اللَّهَ رَبَّكم) هَذِهِ النِّسْبَةِ، أوْ فَكَذَّبُوهُ فِيما جاءَ بِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ مِنَ الأمْرِ بِالتَّوْحِيدِ وتَرْكِ الصَّنَمِ والإيمانِ بِما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ. ومُحْضَرُونَ: مَجْمُوعُونَ لِلْعَذابِ.
﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ اسْتِثْناءٌ يَدُلُّ عَلى أنَّ مِن قَوْمِهِ مُخَلَصِينَ لَمْ يُكَذِّبُوهُ، فَهو اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ مِن ضَمِيرِ (فَكَذَّبُوهُ) ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مِن ﴿فَإنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ لِأنَّهم كانُوا يَكُونُونَ مُنْدَرِجِينَ فِيمَن كَذَّبَ، ويَكُونُونَ ﴿عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ وذَلِكَ لا يُمْكِنُ ولا يُناسِبُ أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مُنْقَطِعًا، إذْ يَصِيرُ المَعْنى: لَكِنَّ عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ مِن غَيْرِ قَوْمِهِ لا يَحْضُرُونَ لِلْعَذابِ، ولا مَسِيسَ لِهَؤُلاءِ المَمْسُوسِينَ بِالآيَةِ الَّتِي فِيها قِصَّةُ إلْياسَ هَذِهِ.
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: عَلى آلِ ياسِينَ. وزَعَمُوا أنَّ آلَ مَفْصُولَةٌ في المُصْحَفِ، وياسِينَ اسْمٌ لِإلْياسَ. وقِيلَ: اسْمٌ لِأبِي إلْياسَ؛ لِأنَّهُ إلْياسُ بْنُ ياسِينَ، وآلُ ياسِينَ هو ابْنُهُ إلْياسُ. وقِيلَ: ياسِينُ هو اسْمُ مُحَمَّدٍ ﷺ وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ ﴿عَلى إلْ ياسِينَ﴾ بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ، أيْ إلِياسِينَ، جَمَعَ المَنسُوبِينَ إلى إلْياسَ مَعَهُ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ. وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ مِن قَوْمِهِ مَن كانَ اتَّبَعَهُ عَلى الدِّينِ، وكُلُّ واحِدٍ مِمَّنْ نُسِبَ إلَيْهِ كَأنَّهُ إلْياسُ، فَلَمّا جُمِعَتْ، خُفِّفَتْ ياءُ النِّسْبَةِ بِحَذْفِ إحْداهُما كَراهَةَ التَّضْعِيفِ، فالتَقى ساكِنانِ: الياءُ فِيهِ وحَرْفُ العِلَّةِ الَّذِي لِلْجَمْعِ، فَحُذِفَتْ لِالتِقائِهِما، كَما قالُوا: الأشْعَرُونَ والأعْجَمُونَ والخَبِيبُونَ والمُهَلَّبُونَ. وحَكى أبُو عَمْرٍو أنَّ مُنادِيًا نادى يَوْمَ الكِلابِ: هَلَكَ اليَزِيدِيُّونَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَوْ كانا جَمْعًا، لَعُرِّفَ بِالألِفِ واللّامِ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ، والحَسَنُ: عَلى الياسِينَ، بِوَصْلِ الألِفِ عَلى أنَّهُ جَمْعٌ يُرادُ بِهِ إلْياسُ وقَوْمُهُ المُؤْمِنُونَ، وحُذِفَتْ ياءُ النَّسَبِ، كَما قالُوا: الأشْعَرُونَ، والألِفُ واللّامُ دَخَلَتْ عَلى الجَمْعِ، واسْمُهُ عَلى هَذا (ياسُ) . وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، ومَن ذُكِرَ مَعَهُ أنَّهُ قَرَأ إدْرِيسَ: سَلامٌ عَلى إدْراسِينَ. وعَنْ (p-٣٧٤)قَتادَةَ: وإنَّ إدْرِيسَ. وقَرَأ عَلِيٌّ إدْرَسِينَ. وقَرَأ ابْنُ عَلِيٍّ: إيلْيَسَ، كَقِراءَتِهِ وإنَّ إيلْيَسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ.
﴿إلّا عَجُوزًا﴾ هي امْرَأةُ لُوطٍ، وكانَتْ كافِرَةً، إمّا مُسْتَتِرَةً بِالكُفْرِ، وإمّا مُعْلِنَةً بِهِ. وكانَ نِكاحُ الوَثَنِيّاتِ عِنْدَهم جائِزًا.
﴿مُصْبِحِينَ﴾ أيْ داخِلِينَ في الإصْباحِ. والخِطابُ في (وإنَّكم) لِقُرَيْشٍ، وكانَتْ مَتاجِرُهم إلى الشّامِ عَلى مَدائِنِ قَوْمِ لُوطٍ.
﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ فَتَعْتَبِرُونَ بِما جَرى عَلى مَن كَذَّبَ الرُّسُلَ.
الصافات 37:125
﴿ولَقَدْ مَنَنّا عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ ﴿ونَجَّيْناهُما وقَوْمَهُما مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ ﴿ونَصَرْناهم فَكانُوا هُمُ الغالِبِينَ﴾ ﴿وآتَيْناهُما الكِتابَ المُسْتَبِينَ﴾ ﴿وهَدَيْناهُما الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِما في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُما مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ إلْياسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لِقَوْمِهِ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿أتَدْعُونَ بَعْلًا وتَذَرُونَ أحْسَنَ الخالِقِينَ﴾ ﴿اللَّهَ رَبَّكم ورَبَّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى إلْ ياسِينَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ لُوطًا لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ نَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلّا عَجُوزًا في الغابِرِينَ﴾ ﴿ثُمَّ دَمَّرْنا الآخَرِينَ﴾ ﴿وإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ﴾ ﴿وبِاللَّيْلِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ .
﴿الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ تَعَبُّدِ القِبْطِ لَهم، ثُمَّ خَوْفِهِمْ مِن جَيْشِ فِرْعَوْنَ، ثُمَّ البَحْرِ بَعْدَ ذَلِكَ، والضَّمِيرُ في ﴿ونَصَرْناهُمْ﴾ عائِدٌ عَلى مُوسى وهارُونَ وقَوْمِهِما؛ وقِيلَ: عائِدٌ عَلى مُوسى وهارُونَ فَقَطْ، تَعْظِيمًا لَهُما بِكِنايَةِ الجَماعَةِ. و(هم) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ فَصْلًا وتَوْكِيدًا أوْ بَدَلًا. و﴿الكِتابَ المُسْتَبِينَ﴾ التَّوْراةَ، كَما قالَ تَعالى ﴿إنّا أنْزَلْنا التَّوْراةَ فِيها هُدًى ونُورٌ﴾ [المائدة: ٤٤] . و﴿الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ هو الإسْلامُ وشَرْعُ اللَّهِ. و(إلْياسَ)، قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وقَتادَةُ: هو إدْرِيسُ عَلَيْهِ السَّلامُ. ونَقَلُوا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ وثّابٍ، والأعْمَشِ، والمِنهالِ بْنِ عُمَرَ، والحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ الكُوفِيِّ أنَّهم قَرَءُوا: وإنَّ إدْرِيسَ لِمَنِ المُرْسَلِينَ، وهي مَحْمُولَةٌ عِنْدِي عَلى تَفْسِيرِهِ؛ لِأنَّ المُسْتَفِيضَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قَرَأ ﴿وإنَّ إلْياسَ﴾ وأيْضًا تَفْسِيرُهُ إلْياسَ بِأنَّهُ إدْرِيسُ لَعَلَّهُ لا يَصِحُّ عَنْهُ؛ لِأنَّ إدْرِيسَ في التّارِيخِ المَنقُولِ كانَ قَبْلَ نُوحٍ. وفي سُورَةِ الأنْعامِ ذُكِرَ إلْياسُ، وأنَّهُ مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ، (p-٣٧٣)أوْ مِن ذُرِّيَّةِ نُوحٍ عَلى ما يَحْتَمِلُهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ووَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنا﴾ [الأنعام: ٨٤]، ﴿ومِن ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ﴾ [الأنعام: ٨٤]، وذَكَرَ في جُمْلَةِ هَذِهِ الذُّرِّيَّةِ إلْياسَ، وقِيلَ: إلْياسُ مِن أوْلاد هارُونَ. قالَ الطَّبَرِيُّ: هو إلْياسُ بْنُ ياسِينَ بْنِ فِنْحاصِ بْنِ العَيْزارِ بْنِ هارُونَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿وإنَّ إلْياسَ﴾، بِهَمْزَةِ قَطْعٍ مَكْسُورَةٍ. وقَرَأ عِكْرِمَةُ، والحَسَنُ: بِخِلافٍ عَنْهُما؛ والأعْرَجُ، وأبُو رَجاءٍ، وابْنُ عامِرٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: بِوَصْلِ الألِفِ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ وصَلَ هَمْزَةَ القَطْعِ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ اسْمُهُ ياسا، ودَخَلَتْ عَلَيْهِ (ألْ)، كَما دَخَلَتْ عَلى اليَسَعَ. وفي حَرْفِ أُبَيٍّ ومُصْحَفِهِ: وإنَّ إيلِيسَ، بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ، بَعْدَها ياءٌ ساكِنَةٌ، بَعْدَها لامٌ مَكْسُورَةٌ، بَعْدَها ياءٌ ساكِنَةٌ وسِينٌ مَفْتُوحَةٌ. وقُرِئَ: وإنَّ إدْراسَ، لُغَةً في إدْرِيسَ، كَإبْراهامَ في إبْراهِيمَ.
﴿أتَدْعُونَ بَعْلًا﴾ أيْ أتَعْبُدُونَ بَعْلًا، وهو عَلَمٌ لِصَنَمٍ لَهم، قالَهُ الضَّحّاكُ والحَسَنُ وابْنُ زَيْدٍ. قِيلَ: وكانَ مِن ذَهَبٍ، طُولُهُ عِشْرُونَ ذِراعًا، ولَهُ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ، فُتِنُوا بِهِ وعَظَّمُوهُ حَتّى أخَدَمُوهُ أرْبَعَمِائَةِ سادِنٍ وجَعَلُوهم أنْبِياءَ، وكانَ الشَّيْطانُ يَدْخُلُ في جَوْفِ بَعْلٍ ويَتَكَلَّمُ بِشَرِيعَةِ الضَّلالَةِ، والسَّدَنَةُ يَحْفَظُونَها ويُعَلِّمُونَها النّاسَ، وهم أهْلُ بَعْلَبَكَّ مِن بِلادِ الشّامِ، وبِهِ سُمِّيَتْ مَدِينَتُهم بَعْلَبَكَّ. وقالَ عِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ: البَعْلُ: الرَّبُّ بِلُغَةِ اليَمَنِ. وسَمِعَ ابْنُ عَبّاسٍ رَجُلًا يَنْشُدُ ضالَّةً، فَقالَ لَهُ رَجُلٌ: أنا بَعْلُها، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: اللَّهُ أكْبَرُ، أتَدْعُونَ بَعْلًا ؟ ويُقالُ: مَن بَعْلُ هَذِهِ الدّارِ، أيْ رَبُّها ؟ والمَعْنى عَلى هَذا: أتَعْبُدُونَ بَعْضَ البُعُولِ وتَتْرُكُونَ عِبادَةَ اللَّهِ ؟ وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّ بَعْلًا اسْمُ امْرَأةٍ أتَتْهم بِضَلالَةٍ فاتَّبَعُوها. وقُرِئَ: أتَدْعُونَ بَعْلاءَ، بِالمَدِّ عَلى وزْنِ حَمْراءَ، ويُؤْنِسُ هَذِهِ القِراءَةَ قَوْلُ مَن قالَ: إنَّهُ اسْمُ امْرَأةٍ.
وقَرَأ الكُوفِيُّونَ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ (اللَّهَ رَبَّكم ورَبَّ آبائِكُمُ)، بِالنَّصْبِ في الثَّلاثَةِ بَدَلًا مِن (أحْسَنَ) أوْ عَطْفَ بَيانٍ إنْ قُلْنا إنَّ إضافَةَ التَّفْضِيلِ مَحْضَةٌ، وباقِي السَّبْعَةِ بِالرَّفْعِ، أيْ هو اللَّهُ، أوْ يَكُونُ اسْتِئْنافًا مُبْتَدَأً ورَبُّكم خَبَرُهُ. ورُوِيَ عَنْ حَمْزَةَ أنَّهُ إذا وُصِلَ نُصِبَ، وإذا قُطِعَ رُفِعَ. (فَكَذَّبُوهُ) أيْ كَذَّبَهُ قَوْمُهُ، إمّا في قَوْلِهِ (اللَّهَ رَبَّكم) هَذِهِ النِّسْبَةِ، أوْ فَكَذَّبُوهُ فِيما جاءَ بِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ مِنَ الأمْرِ بِالتَّوْحِيدِ وتَرْكِ الصَّنَمِ والإيمانِ بِما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ. ومُحْضَرُونَ: مَجْمُوعُونَ لِلْعَذابِ.
﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ اسْتِثْناءٌ يَدُلُّ عَلى أنَّ مِن قَوْمِهِ مُخَلَصِينَ لَمْ يُكَذِّبُوهُ، فَهو اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ مِن ضَمِيرِ (فَكَذَّبُوهُ) ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مِن ﴿فَإنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ لِأنَّهم كانُوا يَكُونُونَ مُنْدَرِجِينَ فِيمَن كَذَّبَ، ويَكُونُونَ ﴿عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ وذَلِكَ لا يُمْكِنُ ولا يُناسِبُ أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مُنْقَطِعًا، إذْ يَصِيرُ المَعْنى: لَكِنَّ عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ مِن غَيْرِ قَوْمِهِ لا يَحْضُرُونَ لِلْعَذابِ، ولا مَسِيسَ لِهَؤُلاءِ المَمْسُوسِينَ بِالآيَةِ الَّتِي فِيها قِصَّةُ إلْياسَ هَذِهِ.
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: عَلى آلِ ياسِينَ. وزَعَمُوا أنَّ آلَ مَفْصُولَةٌ في المُصْحَفِ، وياسِينَ اسْمٌ لِإلْياسَ. وقِيلَ: اسْمٌ لِأبِي إلْياسَ؛ لِأنَّهُ إلْياسُ بْنُ ياسِينَ، وآلُ ياسِينَ هو ابْنُهُ إلْياسُ. وقِيلَ: ياسِينُ هو اسْمُ مُحَمَّدٍ ﷺ وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ ﴿عَلى إلْ ياسِينَ﴾ بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ، أيْ إلِياسِينَ، جَمَعَ المَنسُوبِينَ إلى إلْياسَ مَعَهُ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ. وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ مِن قَوْمِهِ مَن كانَ اتَّبَعَهُ عَلى الدِّينِ، وكُلُّ واحِدٍ مِمَّنْ نُسِبَ إلَيْهِ كَأنَّهُ إلْياسُ، فَلَمّا جُمِعَتْ، خُفِّفَتْ ياءُ النِّسْبَةِ بِحَذْفِ إحْداهُما كَراهَةَ التَّضْعِيفِ، فالتَقى ساكِنانِ: الياءُ فِيهِ وحَرْفُ العِلَّةِ الَّذِي لِلْجَمْعِ، فَحُذِفَتْ لِالتِقائِهِما، كَما قالُوا: الأشْعَرُونَ والأعْجَمُونَ والخَبِيبُونَ والمُهَلَّبُونَ. وحَكى أبُو عَمْرٍو أنَّ مُنادِيًا نادى يَوْمَ الكِلابِ: هَلَكَ اليَزِيدِيُّونَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَوْ كانا جَمْعًا، لَعُرِّفَ بِالألِفِ واللّامِ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ، والحَسَنُ: عَلى الياسِينَ، بِوَصْلِ الألِفِ عَلى أنَّهُ جَمْعٌ يُرادُ بِهِ إلْياسُ وقَوْمُهُ المُؤْمِنُونَ، وحُذِفَتْ ياءُ النَّسَبِ، كَما قالُوا: الأشْعَرُونَ، والألِفُ واللّامُ دَخَلَتْ عَلى الجَمْعِ، واسْمُهُ عَلى هَذا (ياسُ) . وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، ومَن ذُكِرَ مَعَهُ أنَّهُ قَرَأ إدْرِيسَ: سَلامٌ عَلى إدْراسِينَ. وعَنْ (p-٣٧٤)قَتادَةَ: وإنَّ إدْرِيسَ. وقَرَأ عَلِيٌّ إدْرَسِينَ. وقَرَأ ابْنُ عَلِيٍّ: إيلْيَسَ، كَقِراءَتِهِ وإنَّ إيلْيَسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ.
﴿إلّا عَجُوزًا﴾ هي امْرَأةُ لُوطٍ، وكانَتْ كافِرَةً، إمّا مُسْتَتِرَةً بِالكُفْرِ، وإمّا مُعْلِنَةً بِهِ. وكانَ نِكاحُ الوَثَنِيّاتِ عِنْدَهم جائِزًا.
﴿مُصْبِحِينَ﴾ أيْ داخِلِينَ في الإصْباحِ. والخِطابُ في (وإنَّكم) لِقُرَيْشٍ، وكانَتْ مَتاجِرُهم إلى الشّامِ عَلى مَدائِنِ قَوْمِ لُوطٍ.
﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ فَتَعْتَبِرُونَ بِما جَرى عَلى مَن كَذَّبَ الرُّسُلَ.
الصافات 37:126
﴿ولَقَدْ مَنَنّا عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ ﴿ونَجَّيْناهُما وقَوْمَهُما مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ ﴿ونَصَرْناهم فَكانُوا هُمُ الغالِبِينَ﴾ ﴿وآتَيْناهُما الكِتابَ المُسْتَبِينَ﴾ ﴿وهَدَيْناهُما الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِما في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُما مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ إلْياسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لِقَوْمِهِ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿أتَدْعُونَ بَعْلًا وتَذَرُونَ أحْسَنَ الخالِقِينَ﴾ ﴿اللَّهَ رَبَّكم ورَبَّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى إلْ ياسِينَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ لُوطًا لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ نَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلّا عَجُوزًا في الغابِرِينَ﴾ ﴿ثُمَّ دَمَّرْنا الآخَرِينَ﴾ ﴿وإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ﴾ ﴿وبِاللَّيْلِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ .
﴿الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ تَعَبُّدِ القِبْطِ لَهم، ثُمَّ خَوْفِهِمْ مِن جَيْشِ فِرْعَوْنَ، ثُمَّ البَحْرِ بَعْدَ ذَلِكَ، والضَّمِيرُ في ﴿ونَصَرْناهُمْ﴾ عائِدٌ عَلى مُوسى وهارُونَ وقَوْمِهِما؛ وقِيلَ: عائِدٌ عَلى مُوسى وهارُونَ فَقَطْ، تَعْظِيمًا لَهُما بِكِنايَةِ الجَماعَةِ. و(هم) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ فَصْلًا وتَوْكِيدًا أوْ بَدَلًا. و﴿الكِتابَ المُسْتَبِينَ﴾ التَّوْراةَ، كَما قالَ تَعالى ﴿إنّا أنْزَلْنا التَّوْراةَ فِيها هُدًى ونُورٌ﴾ [المائدة: ٤٤] . و﴿الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ هو الإسْلامُ وشَرْعُ اللَّهِ. و(إلْياسَ)، قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وقَتادَةُ: هو إدْرِيسُ عَلَيْهِ السَّلامُ. ونَقَلُوا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ وثّابٍ، والأعْمَشِ، والمِنهالِ بْنِ عُمَرَ، والحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ الكُوفِيِّ أنَّهم قَرَءُوا: وإنَّ إدْرِيسَ لِمَنِ المُرْسَلِينَ، وهي مَحْمُولَةٌ عِنْدِي عَلى تَفْسِيرِهِ؛ لِأنَّ المُسْتَفِيضَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قَرَأ ﴿وإنَّ إلْياسَ﴾ وأيْضًا تَفْسِيرُهُ إلْياسَ بِأنَّهُ إدْرِيسُ لَعَلَّهُ لا يَصِحُّ عَنْهُ؛ لِأنَّ إدْرِيسَ في التّارِيخِ المَنقُولِ كانَ قَبْلَ نُوحٍ. وفي سُورَةِ الأنْعامِ ذُكِرَ إلْياسُ، وأنَّهُ مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ، (p-٣٧٣)أوْ مِن ذُرِّيَّةِ نُوحٍ عَلى ما يَحْتَمِلُهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ووَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنا﴾ [الأنعام: ٨٤]، ﴿ومِن ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ﴾ [الأنعام: ٨٤]، وذَكَرَ في جُمْلَةِ هَذِهِ الذُّرِّيَّةِ إلْياسَ، وقِيلَ: إلْياسُ مِن أوْلاد هارُونَ. قالَ الطَّبَرِيُّ: هو إلْياسُ بْنُ ياسِينَ بْنِ فِنْحاصِ بْنِ العَيْزارِ بْنِ هارُونَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿وإنَّ إلْياسَ﴾، بِهَمْزَةِ قَطْعٍ مَكْسُورَةٍ. وقَرَأ عِكْرِمَةُ، والحَسَنُ: بِخِلافٍ عَنْهُما؛ والأعْرَجُ، وأبُو رَجاءٍ، وابْنُ عامِرٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: بِوَصْلِ الألِفِ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ وصَلَ هَمْزَةَ القَطْعِ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ اسْمُهُ ياسا، ودَخَلَتْ عَلَيْهِ (ألْ)، كَما دَخَلَتْ عَلى اليَسَعَ. وفي حَرْفِ أُبَيٍّ ومُصْحَفِهِ: وإنَّ إيلِيسَ، بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ، بَعْدَها ياءٌ ساكِنَةٌ، بَعْدَها لامٌ مَكْسُورَةٌ، بَعْدَها ياءٌ ساكِنَةٌ وسِينٌ مَفْتُوحَةٌ. وقُرِئَ: وإنَّ إدْراسَ، لُغَةً في إدْرِيسَ، كَإبْراهامَ في إبْراهِيمَ.
﴿أتَدْعُونَ بَعْلًا﴾ أيْ أتَعْبُدُونَ بَعْلًا، وهو عَلَمٌ لِصَنَمٍ لَهم، قالَهُ الضَّحّاكُ والحَسَنُ وابْنُ زَيْدٍ. قِيلَ: وكانَ مِن ذَهَبٍ، طُولُهُ عِشْرُونَ ذِراعًا، ولَهُ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ، فُتِنُوا بِهِ وعَظَّمُوهُ حَتّى أخَدَمُوهُ أرْبَعَمِائَةِ سادِنٍ وجَعَلُوهم أنْبِياءَ، وكانَ الشَّيْطانُ يَدْخُلُ في جَوْفِ بَعْلٍ ويَتَكَلَّمُ بِشَرِيعَةِ الضَّلالَةِ، والسَّدَنَةُ يَحْفَظُونَها ويُعَلِّمُونَها النّاسَ، وهم أهْلُ بَعْلَبَكَّ مِن بِلادِ الشّامِ، وبِهِ سُمِّيَتْ مَدِينَتُهم بَعْلَبَكَّ. وقالَ عِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ: البَعْلُ: الرَّبُّ بِلُغَةِ اليَمَنِ. وسَمِعَ ابْنُ عَبّاسٍ رَجُلًا يَنْشُدُ ضالَّةً، فَقالَ لَهُ رَجُلٌ: أنا بَعْلُها، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: اللَّهُ أكْبَرُ، أتَدْعُونَ بَعْلًا ؟ ويُقالُ: مَن بَعْلُ هَذِهِ الدّارِ، أيْ رَبُّها ؟ والمَعْنى عَلى هَذا: أتَعْبُدُونَ بَعْضَ البُعُولِ وتَتْرُكُونَ عِبادَةَ اللَّهِ ؟ وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّ بَعْلًا اسْمُ امْرَأةٍ أتَتْهم بِضَلالَةٍ فاتَّبَعُوها. وقُرِئَ: أتَدْعُونَ بَعْلاءَ، بِالمَدِّ عَلى وزْنِ حَمْراءَ، ويُؤْنِسُ هَذِهِ القِراءَةَ قَوْلُ مَن قالَ: إنَّهُ اسْمُ امْرَأةٍ.
وقَرَأ الكُوفِيُّونَ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ (اللَّهَ رَبَّكم ورَبَّ آبائِكُمُ)، بِالنَّصْبِ في الثَّلاثَةِ بَدَلًا مِن (أحْسَنَ) أوْ عَطْفَ بَيانٍ إنْ قُلْنا إنَّ إضافَةَ التَّفْضِيلِ مَحْضَةٌ، وباقِي السَّبْعَةِ بِالرَّفْعِ، أيْ هو اللَّهُ، أوْ يَكُونُ اسْتِئْنافًا مُبْتَدَأً ورَبُّكم خَبَرُهُ. ورُوِيَ عَنْ حَمْزَةَ أنَّهُ إذا وُصِلَ نُصِبَ، وإذا قُطِعَ رُفِعَ. (فَكَذَّبُوهُ) أيْ كَذَّبَهُ قَوْمُهُ، إمّا في قَوْلِهِ (اللَّهَ رَبَّكم) هَذِهِ النِّسْبَةِ، أوْ فَكَذَّبُوهُ فِيما جاءَ بِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ مِنَ الأمْرِ بِالتَّوْحِيدِ وتَرْكِ الصَّنَمِ والإيمانِ بِما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ. ومُحْضَرُونَ: مَجْمُوعُونَ لِلْعَذابِ.
﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ اسْتِثْناءٌ يَدُلُّ عَلى أنَّ مِن قَوْمِهِ مُخَلَصِينَ لَمْ يُكَذِّبُوهُ، فَهو اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ مِن ضَمِيرِ (فَكَذَّبُوهُ) ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مِن ﴿فَإنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ لِأنَّهم كانُوا يَكُونُونَ مُنْدَرِجِينَ فِيمَن كَذَّبَ، ويَكُونُونَ ﴿عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ وذَلِكَ لا يُمْكِنُ ولا يُناسِبُ أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مُنْقَطِعًا، إذْ يَصِيرُ المَعْنى: لَكِنَّ عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ مِن غَيْرِ قَوْمِهِ لا يَحْضُرُونَ لِلْعَذابِ، ولا مَسِيسَ لِهَؤُلاءِ المَمْسُوسِينَ بِالآيَةِ الَّتِي فِيها قِصَّةُ إلْياسَ هَذِهِ.
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: عَلى آلِ ياسِينَ. وزَعَمُوا أنَّ آلَ مَفْصُولَةٌ في المُصْحَفِ، وياسِينَ اسْمٌ لِإلْياسَ. وقِيلَ: اسْمٌ لِأبِي إلْياسَ؛ لِأنَّهُ إلْياسُ بْنُ ياسِينَ، وآلُ ياسِينَ هو ابْنُهُ إلْياسُ. وقِيلَ: ياسِينُ هو اسْمُ مُحَمَّدٍ ﷺ وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ ﴿عَلى إلْ ياسِينَ﴾ بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ، أيْ إلِياسِينَ، جَمَعَ المَنسُوبِينَ إلى إلْياسَ مَعَهُ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ. وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ مِن قَوْمِهِ مَن كانَ اتَّبَعَهُ عَلى الدِّينِ، وكُلُّ واحِدٍ مِمَّنْ نُسِبَ إلَيْهِ كَأنَّهُ إلْياسُ، فَلَمّا جُمِعَتْ، خُفِّفَتْ ياءُ النِّسْبَةِ بِحَذْفِ إحْداهُما كَراهَةَ التَّضْعِيفِ، فالتَقى ساكِنانِ: الياءُ فِيهِ وحَرْفُ العِلَّةِ الَّذِي لِلْجَمْعِ، فَحُذِفَتْ لِالتِقائِهِما، كَما قالُوا: الأشْعَرُونَ والأعْجَمُونَ والخَبِيبُونَ والمُهَلَّبُونَ. وحَكى أبُو عَمْرٍو أنَّ مُنادِيًا نادى يَوْمَ الكِلابِ: هَلَكَ اليَزِيدِيُّونَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَوْ كانا جَمْعًا، لَعُرِّفَ بِالألِفِ واللّامِ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ، والحَسَنُ: عَلى الياسِينَ، بِوَصْلِ الألِفِ عَلى أنَّهُ جَمْعٌ يُرادُ بِهِ إلْياسُ وقَوْمُهُ المُؤْمِنُونَ، وحُذِفَتْ ياءُ النَّسَبِ، كَما قالُوا: الأشْعَرُونَ، والألِفُ واللّامُ دَخَلَتْ عَلى الجَمْعِ، واسْمُهُ عَلى هَذا (ياسُ) . وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، ومَن ذُكِرَ مَعَهُ أنَّهُ قَرَأ إدْرِيسَ: سَلامٌ عَلى إدْراسِينَ. وعَنْ (p-٣٧٤)قَتادَةَ: وإنَّ إدْرِيسَ. وقَرَأ عَلِيٌّ إدْرَسِينَ. وقَرَأ ابْنُ عَلِيٍّ: إيلْيَسَ، كَقِراءَتِهِ وإنَّ إيلْيَسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ.
﴿إلّا عَجُوزًا﴾ هي امْرَأةُ لُوطٍ، وكانَتْ كافِرَةً، إمّا مُسْتَتِرَةً بِالكُفْرِ، وإمّا مُعْلِنَةً بِهِ. وكانَ نِكاحُ الوَثَنِيّاتِ عِنْدَهم جائِزًا.
﴿مُصْبِحِينَ﴾ أيْ داخِلِينَ في الإصْباحِ. والخِطابُ في (وإنَّكم) لِقُرَيْشٍ، وكانَتْ مَتاجِرُهم إلى الشّامِ عَلى مَدائِنِ قَوْمِ لُوطٍ.
﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ فَتَعْتَبِرُونَ بِما جَرى عَلى مَن كَذَّبَ الرُّسُلَ.
الصافات 37:127
﴿ولَقَدْ مَنَنّا عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ ﴿ونَجَّيْناهُما وقَوْمَهُما مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ ﴿ونَصَرْناهم فَكانُوا هُمُ الغالِبِينَ﴾ ﴿وآتَيْناهُما الكِتابَ المُسْتَبِينَ﴾ ﴿وهَدَيْناهُما الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِما في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُما مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ إلْياسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لِقَوْمِهِ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿أتَدْعُونَ بَعْلًا وتَذَرُونَ أحْسَنَ الخالِقِينَ﴾ ﴿اللَّهَ رَبَّكم ورَبَّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى إلْ ياسِينَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ لُوطًا لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ نَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلّا عَجُوزًا في الغابِرِينَ﴾ ﴿ثُمَّ دَمَّرْنا الآخَرِينَ﴾ ﴿وإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ﴾ ﴿وبِاللَّيْلِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ .
﴿الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ تَعَبُّدِ القِبْطِ لَهم، ثُمَّ خَوْفِهِمْ مِن جَيْشِ فِرْعَوْنَ، ثُمَّ البَحْرِ بَعْدَ ذَلِكَ، والضَّمِيرُ في ﴿ونَصَرْناهُمْ﴾ عائِدٌ عَلى مُوسى وهارُونَ وقَوْمِهِما؛ وقِيلَ: عائِدٌ عَلى مُوسى وهارُونَ فَقَطْ، تَعْظِيمًا لَهُما بِكِنايَةِ الجَماعَةِ. و(هم) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ فَصْلًا وتَوْكِيدًا أوْ بَدَلًا. و﴿الكِتابَ المُسْتَبِينَ﴾ التَّوْراةَ، كَما قالَ تَعالى ﴿إنّا أنْزَلْنا التَّوْراةَ فِيها هُدًى ونُورٌ﴾ [المائدة: ٤٤] . و﴿الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ هو الإسْلامُ وشَرْعُ اللَّهِ. و(إلْياسَ)، قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وقَتادَةُ: هو إدْرِيسُ عَلَيْهِ السَّلامُ. ونَقَلُوا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ وثّابٍ، والأعْمَشِ، والمِنهالِ بْنِ عُمَرَ، والحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ الكُوفِيِّ أنَّهم قَرَءُوا: وإنَّ إدْرِيسَ لِمَنِ المُرْسَلِينَ، وهي مَحْمُولَةٌ عِنْدِي عَلى تَفْسِيرِهِ؛ لِأنَّ المُسْتَفِيضَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قَرَأ ﴿وإنَّ إلْياسَ﴾ وأيْضًا تَفْسِيرُهُ إلْياسَ بِأنَّهُ إدْرِيسُ لَعَلَّهُ لا يَصِحُّ عَنْهُ؛ لِأنَّ إدْرِيسَ في التّارِيخِ المَنقُولِ كانَ قَبْلَ نُوحٍ. وفي سُورَةِ الأنْعامِ ذُكِرَ إلْياسُ، وأنَّهُ مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ، (p-٣٧٣)أوْ مِن ذُرِّيَّةِ نُوحٍ عَلى ما يَحْتَمِلُهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ووَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنا﴾ [الأنعام: ٨٤]، ﴿ومِن ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ﴾ [الأنعام: ٨٤]، وذَكَرَ في جُمْلَةِ هَذِهِ الذُّرِّيَّةِ إلْياسَ، وقِيلَ: إلْياسُ مِن أوْلاد هارُونَ. قالَ الطَّبَرِيُّ: هو إلْياسُ بْنُ ياسِينَ بْنِ فِنْحاصِ بْنِ العَيْزارِ بْنِ هارُونَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿وإنَّ إلْياسَ﴾، بِهَمْزَةِ قَطْعٍ مَكْسُورَةٍ. وقَرَأ عِكْرِمَةُ، والحَسَنُ: بِخِلافٍ عَنْهُما؛ والأعْرَجُ، وأبُو رَجاءٍ، وابْنُ عامِرٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: بِوَصْلِ الألِفِ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ وصَلَ هَمْزَةَ القَطْعِ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ اسْمُهُ ياسا، ودَخَلَتْ عَلَيْهِ (ألْ)، كَما دَخَلَتْ عَلى اليَسَعَ. وفي حَرْفِ أُبَيٍّ ومُصْحَفِهِ: وإنَّ إيلِيسَ، بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ، بَعْدَها ياءٌ ساكِنَةٌ، بَعْدَها لامٌ مَكْسُورَةٌ، بَعْدَها ياءٌ ساكِنَةٌ وسِينٌ مَفْتُوحَةٌ. وقُرِئَ: وإنَّ إدْراسَ، لُغَةً في إدْرِيسَ، كَإبْراهامَ في إبْراهِيمَ.
﴿أتَدْعُونَ بَعْلًا﴾ أيْ أتَعْبُدُونَ بَعْلًا، وهو عَلَمٌ لِصَنَمٍ لَهم، قالَهُ الضَّحّاكُ والحَسَنُ وابْنُ زَيْدٍ. قِيلَ: وكانَ مِن ذَهَبٍ، طُولُهُ عِشْرُونَ ذِراعًا، ولَهُ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ، فُتِنُوا بِهِ وعَظَّمُوهُ حَتّى أخَدَمُوهُ أرْبَعَمِائَةِ سادِنٍ وجَعَلُوهم أنْبِياءَ، وكانَ الشَّيْطانُ يَدْخُلُ في جَوْفِ بَعْلٍ ويَتَكَلَّمُ بِشَرِيعَةِ الضَّلالَةِ، والسَّدَنَةُ يَحْفَظُونَها ويُعَلِّمُونَها النّاسَ، وهم أهْلُ بَعْلَبَكَّ مِن بِلادِ الشّامِ، وبِهِ سُمِّيَتْ مَدِينَتُهم بَعْلَبَكَّ. وقالَ عِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ: البَعْلُ: الرَّبُّ بِلُغَةِ اليَمَنِ. وسَمِعَ ابْنُ عَبّاسٍ رَجُلًا يَنْشُدُ ضالَّةً، فَقالَ لَهُ رَجُلٌ: أنا بَعْلُها، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: اللَّهُ أكْبَرُ، أتَدْعُونَ بَعْلًا ؟ ويُقالُ: مَن بَعْلُ هَذِهِ الدّارِ، أيْ رَبُّها ؟ والمَعْنى عَلى هَذا: أتَعْبُدُونَ بَعْضَ البُعُولِ وتَتْرُكُونَ عِبادَةَ اللَّهِ ؟ وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّ بَعْلًا اسْمُ امْرَأةٍ أتَتْهم بِضَلالَةٍ فاتَّبَعُوها. وقُرِئَ: أتَدْعُونَ بَعْلاءَ، بِالمَدِّ عَلى وزْنِ حَمْراءَ، ويُؤْنِسُ هَذِهِ القِراءَةَ قَوْلُ مَن قالَ: إنَّهُ اسْمُ امْرَأةٍ.
وقَرَأ الكُوفِيُّونَ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ (اللَّهَ رَبَّكم ورَبَّ آبائِكُمُ)، بِالنَّصْبِ في الثَّلاثَةِ بَدَلًا مِن (أحْسَنَ) أوْ عَطْفَ بَيانٍ إنْ قُلْنا إنَّ إضافَةَ التَّفْضِيلِ مَحْضَةٌ، وباقِي السَّبْعَةِ بِالرَّفْعِ، أيْ هو اللَّهُ، أوْ يَكُونُ اسْتِئْنافًا مُبْتَدَأً ورَبُّكم خَبَرُهُ. ورُوِيَ عَنْ حَمْزَةَ أنَّهُ إذا وُصِلَ نُصِبَ، وإذا قُطِعَ رُفِعَ. (فَكَذَّبُوهُ) أيْ كَذَّبَهُ قَوْمُهُ، إمّا في قَوْلِهِ (اللَّهَ رَبَّكم) هَذِهِ النِّسْبَةِ، أوْ فَكَذَّبُوهُ فِيما جاءَ بِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ مِنَ الأمْرِ بِالتَّوْحِيدِ وتَرْكِ الصَّنَمِ والإيمانِ بِما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ. ومُحْضَرُونَ: مَجْمُوعُونَ لِلْعَذابِ.
﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ اسْتِثْناءٌ يَدُلُّ عَلى أنَّ مِن قَوْمِهِ مُخَلَصِينَ لَمْ يُكَذِّبُوهُ، فَهو اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ مِن ضَمِيرِ (فَكَذَّبُوهُ) ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مِن ﴿فَإنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ لِأنَّهم كانُوا يَكُونُونَ مُنْدَرِجِينَ فِيمَن كَذَّبَ، ويَكُونُونَ ﴿عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ وذَلِكَ لا يُمْكِنُ ولا يُناسِبُ أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مُنْقَطِعًا، إذْ يَصِيرُ المَعْنى: لَكِنَّ عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ مِن غَيْرِ قَوْمِهِ لا يَحْضُرُونَ لِلْعَذابِ، ولا مَسِيسَ لِهَؤُلاءِ المَمْسُوسِينَ بِالآيَةِ الَّتِي فِيها قِصَّةُ إلْياسَ هَذِهِ.
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: عَلى آلِ ياسِينَ. وزَعَمُوا أنَّ آلَ مَفْصُولَةٌ في المُصْحَفِ، وياسِينَ اسْمٌ لِإلْياسَ. وقِيلَ: اسْمٌ لِأبِي إلْياسَ؛ لِأنَّهُ إلْياسُ بْنُ ياسِينَ، وآلُ ياسِينَ هو ابْنُهُ إلْياسُ. وقِيلَ: ياسِينُ هو اسْمُ مُحَمَّدٍ ﷺ وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ ﴿عَلى إلْ ياسِينَ﴾ بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ، أيْ إلِياسِينَ، جَمَعَ المَنسُوبِينَ إلى إلْياسَ مَعَهُ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ. وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ مِن قَوْمِهِ مَن كانَ اتَّبَعَهُ عَلى الدِّينِ، وكُلُّ واحِدٍ مِمَّنْ نُسِبَ إلَيْهِ كَأنَّهُ إلْياسُ، فَلَمّا جُمِعَتْ، خُفِّفَتْ ياءُ النِّسْبَةِ بِحَذْفِ إحْداهُما كَراهَةَ التَّضْعِيفِ، فالتَقى ساكِنانِ: الياءُ فِيهِ وحَرْفُ العِلَّةِ الَّذِي لِلْجَمْعِ، فَحُذِفَتْ لِالتِقائِهِما، كَما قالُوا: الأشْعَرُونَ والأعْجَمُونَ والخَبِيبُونَ والمُهَلَّبُونَ. وحَكى أبُو عَمْرٍو أنَّ مُنادِيًا نادى يَوْمَ الكِلابِ: هَلَكَ اليَزِيدِيُّونَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَوْ كانا جَمْعًا، لَعُرِّفَ بِالألِفِ واللّامِ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ، والحَسَنُ: عَلى الياسِينَ، بِوَصْلِ الألِفِ عَلى أنَّهُ جَمْعٌ يُرادُ بِهِ إلْياسُ وقَوْمُهُ المُؤْمِنُونَ، وحُذِفَتْ ياءُ النَّسَبِ، كَما قالُوا: الأشْعَرُونَ، والألِفُ واللّامُ دَخَلَتْ عَلى الجَمْعِ، واسْمُهُ عَلى هَذا (ياسُ) . وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، ومَن ذُكِرَ مَعَهُ أنَّهُ قَرَأ إدْرِيسَ: سَلامٌ عَلى إدْراسِينَ. وعَنْ (p-٣٧٤)قَتادَةَ: وإنَّ إدْرِيسَ. وقَرَأ عَلِيٌّ إدْرَسِينَ. وقَرَأ ابْنُ عَلِيٍّ: إيلْيَسَ، كَقِراءَتِهِ وإنَّ إيلْيَسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ.
﴿إلّا عَجُوزًا﴾ هي امْرَأةُ لُوطٍ، وكانَتْ كافِرَةً، إمّا مُسْتَتِرَةً بِالكُفْرِ، وإمّا مُعْلِنَةً بِهِ. وكانَ نِكاحُ الوَثَنِيّاتِ عِنْدَهم جائِزًا.
﴿مُصْبِحِينَ﴾ أيْ داخِلِينَ في الإصْباحِ. والخِطابُ في (وإنَّكم) لِقُرَيْشٍ، وكانَتْ مَتاجِرُهم إلى الشّامِ عَلى مَدائِنِ قَوْمِ لُوطٍ.
﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ فَتَعْتَبِرُونَ بِما جَرى عَلى مَن كَذَّبَ الرُّسُلَ.
الصافات 37:128
﴿ولَقَدْ مَنَنّا عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ ﴿ونَجَّيْناهُما وقَوْمَهُما مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ ﴿ونَصَرْناهم فَكانُوا هُمُ الغالِبِينَ﴾ ﴿وآتَيْناهُما الكِتابَ المُسْتَبِينَ﴾ ﴿وهَدَيْناهُما الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِما في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُما مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ إلْياسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لِقَوْمِهِ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿أتَدْعُونَ بَعْلًا وتَذَرُونَ أحْسَنَ الخالِقِينَ﴾ ﴿اللَّهَ رَبَّكم ورَبَّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى إلْ ياسِينَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ لُوطًا لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ نَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلّا عَجُوزًا في الغابِرِينَ﴾ ﴿ثُمَّ دَمَّرْنا الآخَرِينَ﴾ ﴿وإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ﴾ ﴿وبِاللَّيْلِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ .
﴿الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ تَعَبُّدِ القِبْطِ لَهم، ثُمَّ خَوْفِهِمْ مِن جَيْشِ فِرْعَوْنَ، ثُمَّ البَحْرِ بَعْدَ ذَلِكَ، والضَّمِيرُ في ﴿ونَصَرْناهُمْ﴾ عائِدٌ عَلى مُوسى وهارُونَ وقَوْمِهِما؛ وقِيلَ: عائِدٌ عَلى مُوسى وهارُونَ فَقَطْ، تَعْظِيمًا لَهُما بِكِنايَةِ الجَماعَةِ. و(هم) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ فَصْلًا وتَوْكِيدًا أوْ بَدَلًا. و﴿الكِتابَ المُسْتَبِينَ﴾ التَّوْراةَ، كَما قالَ تَعالى ﴿إنّا أنْزَلْنا التَّوْراةَ فِيها هُدًى ونُورٌ﴾ [المائدة: ٤٤] . و﴿الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ هو الإسْلامُ وشَرْعُ اللَّهِ. و(إلْياسَ)، قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وقَتادَةُ: هو إدْرِيسُ عَلَيْهِ السَّلامُ. ونَقَلُوا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ وثّابٍ، والأعْمَشِ، والمِنهالِ بْنِ عُمَرَ، والحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ الكُوفِيِّ أنَّهم قَرَءُوا: وإنَّ إدْرِيسَ لِمَنِ المُرْسَلِينَ، وهي مَحْمُولَةٌ عِنْدِي عَلى تَفْسِيرِهِ؛ لِأنَّ المُسْتَفِيضَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قَرَأ ﴿وإنَّ إلْياسَ﴾ وأيْضًا تَفْسِيرُهُ إلْياسَ بِأنَّهُ إدْرِيسُ لَعَلَّهُ لا يَصِحُّ عَنْهُ؛ لِأنَّ إدْرِيسَ في التّارِيخِ المَنقُولِ كانَ قَبْلَ نُوحٍ. وفي سُورَةِ الأنْعامِ ذُكِرَ إلْياسُ، وأنَّهُ مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ، (p-٣٧٣)أوْ مِن ذُرِّيَّةِ نُوحٍ عَلى ما يَحْتَمِلُهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ووَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنا﴾ [الأنعام: ٨٤]، ﴿ومِن ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ﴾ [الأنعام: ٨٤]، وذَكَرَ في جُمْلَةِ هَذِهِ الذُّرِّيَّةِ إلْياسَ، وقِيلَ: إلْياسُ مِن أوْلاد هارُونَ. قالَ الطَّبَرِيُّ: هو إلْياسُ بْنُ ياسِينَ بْنِ فِنْحاصِ بْنِ العَيْزارِ بْنِ هارُونَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿وإنَّ إلْياسَ﴾، بِهَمْزَةِ قَطْعٍ مَكْسُورَةٍ. وقَرَأ عِكْرِمَةُ، والحَسَنُ: بِخِلافٍ عَنْهُما؛ والأعْرَجُ، وأبُو رَجاءٍ، وابْنُ عامِرٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: بِوَصْلِ الألِفِ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ وصَلَ هَمْزَةَ القَطْعِ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ اسْمُهُ ياسا، ودَخَلَتْ عَلَيْهِ (ألْ)، كَما دَخَلَتْ عَلى اليَسَعَ. وفي حَرْفِ أُبَيٍّ ومُصْحَفِهِ: وإنَّ إيلِيسَ، بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ، بَعْدَها ياءٌ ساكِنَةٌ، بَعْدَها لامٌ مَكْسُورَةٌ، بَعْدَها ياءٌ ساكِنَةٌ وسِينٌ مَفْتُوحَةٌ. وقُرِئَ: وإنَّ إدْراسَ، لُغَةً في إدْرِيسَ، كَإبْراهامَ في إبْراهِيمَ.
﴿أتَدْعُونَ بَعْلًا﴾ أيْ أتَعْبُدُونَ بَعْلًا، وهو عَلَمٌ لِصَنَمٍ لَهم، قالَهُ الضَّحّاكُ والحَسَنُ وابْنُ زَيْدٍ. قِيلَ: وكانَ مِن ذَهَبٍ، طُولُهُ عِشْرُونَ ذِراعًا، ولَهُ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ، فُتِنُوا بِهِ وعَظَّمُوهُ حَتّى أخَدَمُوهُ أرْبَعَمِائَةِ سادِنٍ وجَعَلُوهم أنْبِياءَ، وكانَ الشَّيْطانُ يَدْخُلُ في جَوْفِ بَعْلٍ ويَتَكَلَّمُ بِشَرِيعَةِ الضَّلالَةِ، والسَّدَنَةُ يَحْفَظُونَها ويُعَلِّمُونَها النّاسَ، وهم أهْلُ بَعْلَبَكَّ مِن بِلادِ الشّامِ، وبِهِ سُمِّيَتْ مَدِينَتُهم بَعْلَبَكَّ. وقالَ عِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ: البَعْلُ: الرَّبُّ بِلُغَةِ اليَمَنِ. وسَمِعَ ابْنُ عَبّاسٍ رَجُلًا يَنْشُدُ ضالَّةً، فَقالَ لَهُ رَجُلٌ: أنا بَعْلُها، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: اللَّهُ أكْبَرُ، أتَدْعُونَ بَعْلًا ؟ ويُقالُ: مَن بَعْلُ هَذِهِ الدّارِ، أيْ رَبُّها ؟ والمَعْنى عَلى هَذا: أتَعْبُدُونَ بَعْضَ البُعُولِ وتَتْرُكُونَ عِبادَةَ اللَّهِ ؟ وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّ بَعْلًا اسْمُ امْرَأةٍ أتَتْهم بِضَلالَةٍ فاتَّبَعُوها. وقُرِئَ: أتَدْعُونَ بَعْلاءَ، بِالمَدِّ عَلى وزْنِ حَمْراءَ، ويُؤْنِسُ هَذِهِ القِراءَةَ قَوْلُ مَن قالَ: إنَّهُ اسْمُ امْرَأةٍ.
وقَرَأ الكُوفِيُّونَ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ (اللَّهَ رَبَّكم ورَبَّ آبائِكُمُ)، بِالنَّصْبِ في الثَّلاثَةِ بَدَلًا مِن (أحْسَنَ) أوْ عَطْفَ بَيانٍ إنْ قُلْنا إنَّ إضافَةَ التَّفْضِيلِ مَحْضَةٌ، وباقِي السَّبْعَةِ بِالرَّفْعِ، أيْ هو اللَّهُ، أوْ يَكُونُ اسْتِئْنافًا مُبْتَدَأً ورَبُّكم خَبَرُهُ. ورُوِيَ عَنْ حَمْزَةَ أنَّهُ إذا وُصِلَ نُصِبَ، وإذا قُطِعَ رُفِعَ. (فَكَذَّبُوهُ) أيْ كَذَّبَهُ قَوْمُهُ، إمّا في قَوْلِهِ (اللَّهَ رَبَّكم) هَذِهِ النِّسْبَةِ، أوْ فَكَذَّبُوهُ فِيما جاءَ بِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ مِنَ الأمْرِ بِالتَّوْحِيدِ وتَرْكِ الصَّنَمِ والإيمانِ بِما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ. ومُحْضَرُونَ: مَجْمُوعُونَ لِلْعَذابِ.
﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ اسْتِثْناءٌ يَدُلُّ عَلى أنَّ مِن قَوْمِهِ مُخَلَصِينَ لَمْ يُكَذِّبُوهُ، فَهو اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ مِن ضَمِيرِ (فَكَذَّبُوهُ) ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مِن ﴿فَإنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ لِأنَّهم كانُوا يَكُونُونَ مُنْدَرِجِينَ فِيمَن كَذَّبَ، ويَكُونُونَ ﴿عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ وذَلِكَ لا يُمْكِنُ ولا يُناسِبُ أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مُنْقَطِعًا، إذْ يَصِيرُ المَعْنى: لَكِنَّ عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ مِن غَيْرِ قَوْمِهِ لا يَحْضُرُونَ لِلْعَذابِ، ولا مَسِيسَ لِهَؤُلاءِ المَمْسُوسِينَ بِالآيَةِ الَّتِي فِيها قِصَّةُ إلْياسَ هَذِهِ.
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: عَلى آلِ ياسِينَ. وزَعَمُوا أنَّ آلَ مَفْصُولَةٌ في المُصْحَفِ، وياسِينَ اسْمٌ لِإلْياسَ. وقِيلَ: اسْمٌ لِأبِي إلْياسَ؛ لِأنَّهُ إلْياسُ بْنُ ياسِينَ، وآلُ ياسِينَ هو ابْنُهُ إلْياسُ. وقِيلَ: ياسِينُ هو اسْمُ مُحَمَّدٍ ﷺ وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ ﴿عَلى إلْ ياسِينَ﴾ بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ، أيْ إلِياسِينَ، جَمَعَ المَنسُوبِينَ إلى إلْياسَ مَعَهُ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ. وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ مِن قَوْمِهِ مَن كانَ اتَّبَعَهُ عَلى الدِّينِ، وكُلُّ واحِدٍ مِمَّنْ نُسِبَ إلَيْهِ كَأنَّهُ إلْياسُ، فَلَمّا جُمِعَتْ، خُفِّفَتْ ياءُ النِّسْبَةِ بِحَذْفِ إحْداهُما كَراهَةَ التَّضْعِيفِ، فالتَقى ساكِنانِ: الياءُ فِيهِ وحَرْفُ العِلَّةِ الَّذِي لِلْجَمْعِ، فَحُذِفَتْ لِالتِقائِهِما، كَما قالُوا: الأشْعَرُونَ والأعْجَمُونَ والخَبِيبُونَ والمُهَلَّبُونَ. وحَكى أبُو عَمْرٍو أنَّ مُنادِيًا نادى يَوْمَ الكِلابِ: هَلَكَ اليَزِيدِيُّونَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَوْ كانا جَمْعًا، لَعُرِّفَ بِالألِفِ واللّامِ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ، والحَسَنُ: عَلى الياسِينَ، بِوَصْلِ الألِفِ عَلى أنَّهُ جَمْعٌ يُرادُ بِهِ إلْياسُ وقَوْمُهُ المُؤْمِنُونَ، وحُذِفَتْ ياءُ النَّسَبِ، كَما قالُوا: الأشْعَرُونَ، والألِفُ واللّامُ دَخَلَتْ عَلى الجَمْعِ، واسْمُهُ عَلى هَذا (ياسُ) . وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، ومَن ذُكِرَ مَعَهُ أنَّهُ قَرَأ إدْرِيسَ: سَلامٌ عَلى إدْراسِينَ. وعَنْ (p-٣٧٤)قَتادَةَ: وإنَّ إدْرِيسَ. وقَرَأ عَلِيٌّ إدْرَسِينَ. وقَرَأ ابْنُ عَلِيٍّ: إيلْيَسَ، كَقِراءَتِهِ وإنَّ إيلْيَسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ.
﴿إلّا عَجُوزًا﴾ هي امْرَأةُ لُوطٍ، وكانَتْ كافِرَةً، إمّا مُسْتَتِرَةً بِالكُفْرِ، وإمّا مُعْلِنَةً بِهِ. وكانَ نِكاحُ الوَثَنِيّاتِ عِنْدَهم جائِزًا.
﴿مُصْبِحِينَ﴾ أيْ داخِلِينَ في الإصْباحِ. والخِطابُ في (وإنَّكم) لِقُرَيْشٍ، وكانَتْ مَتاجِرُهم إلى الشّامِ عَلى مَدائِنِ قَوْمِ لُوطٍ.
﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ فَتَعْتَبِرُونَ بِما جَرى عَلى مَن كَذَّبَ الرُّسُلَ.
الصافات 37:129
﴿ولَقَدْ مَنَنّا عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ ﴿ونَجَّيْناهُما وقَوْمَهُما مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ ﴿ونَصَرْناهم فَكانُوا هُمُ الغالِبِينَ﴾ ﴿وآتَيْناهُما الكِتابَ المُسْتَبِينَ﴾ ﴿وهَدَيْناهُما الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِما في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُما مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ إلْياسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لِقَوْمِهِ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿أتَدْعُونَ بَعْلًا وتَذَرُونَ أحْسَنَ الخالِقِينَ﴾ ﴿اللَّهَ رَبَّكم ورَبَّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى إلْ ياسِينَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ لُوطًا لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ نَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلّا عَجُوزًا في الغابِرِينَ﴾ ﴿ثُمَّ دَمَّرْنا الآخَرِينَ﴾ ﴿وإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ﴾ ﴿وبِاللَّيْلِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ .
﴿الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ تَعَبُّدِ القِبْطِ لَهم، ثُمَّ خَوْفِهِمْ مِن جَيْشِ فِرْعَوْنَ، ثُمَّ البَحْرِ بَعْدَ ذَلِكَ، والضَّمِيرُ في ﴿ونَصَرْناهُمْ﴾ عائِدٌ عَلى مُوسى وهارُونَ وقَوْمِهِما؛ وقِيلَ: عائِدٌ عَلى مُوسى وهارُونَ فَقَطْ، تَعْظِيمًا لَهُما بِكِنايَةِ الجَماعَةِ. و(هم) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ فَصْلًا وتَوْكِيدًا أوْ بَدَلًا. و﴿الكِتابَ المُسْتَبِينَ﴾ التَّوْراةَ، كَما قالَ تَعالى ﴿إنّا أنْزَلْنا التَّوْراةَ فِيها هُدًى ونُورٌ﴾ [المائدة: ٤٤] . و﴿الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ هو الإسْلامُ وشَرْعُ اللَّهِ. و(إلْياسَ)، قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وقَتادَةُ: هو إدْرِيسُ عَلَيْهِ السَّلامُ. ونَقَلُوا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ وثّابٍ، والأعْمَشِ، والمِنهالِ بْنِ عُمَرَ، والحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ الكُوفِيِّ أنَّهم قَرَءُوا: وإنَّ إدْرِيسَ لِمَنِ المُرْسَلِينَ، وهي مَحْمُولَةٌ عِنْدِي عَلى تَفْسِيرِهِ؛ لِأنَّ المُسْتَفِيضَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قَرَأ ﴿وإنَّ إلْياسَ﴾ وأيْضًا تَفْسِيرُهُ إلْياسَ بِأنَّهُ إدْرِيسُ لَعَلَّهُ لا يَصِحُّ عَنْهُ؛ لِأنَّ إدْرِيسَ في التّارِيخِ المَنقُولِ كانَ قَبْلَ نُوحٍ. وفي سُورَةِ الأنْعامِ ذُكِرَ إلْياسُ، وأنَّهُ مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ، (p-٣٧٣)أوْ مِن ذُرِّيَّةِ نُوحٍ عَلى ما يَحْتَمِلُهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ووَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنا﴾ [الأنعام: ٨٤]، ﴿ومِن ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ﴾ [الأنعام: ٨٤]، وذَكَرَ في جُمْلَةِ هَذِهِ الذُّرِّيَّةِ إلْياسَ، وقِيلَ: إلْياسُ مِن أوْلاد هارُونَ. قالَ الطَّبَرِيُّ: هو إلْياسُ بْنُ ياسِينَ بْنِ فِنْحاصِ بْنِ العَيْزارِ بْنِ هارُونَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿وإنَّ إلْياسَ﴾، بِهَمْزَةِ قَطْعٍ مَكْسُورَةٍ. وقَرَأ عِكْرِمَةُ، والحَسَنُ: بِخِلافٍ عَنْهُما؛ والأعْرَجُ، وأبُو رَجاءٍ، وابْنُ عامِرٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: بِوَصْلِ الألِفِ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ وصَلَ هَمْزَةَ القَطْعِ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ اسْمُهُ ياسا، ودَخَلَتْ عَلَيْهِ (ألْ)، كَما دَخَلَتْ عَلى اليَسَعَ. وفي حَرْفِ أُبَيٍّ ومُصْحَفِهِ: وإنَّ إيلِيسَ، بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ، بَعْدَها ياءٌ ساكِنَةٌ، بَعْدَها لامٌ مَكْسُورَةٌ، بَعْدَها ياءٌ ساكِنَةٌ وسِينٌ مَفْتُوحَةٌ. وقُرِئَ: وإنَّ إدْراسَ، لُغَةً في إدْرِيسَ، كَإبْراهامَ في إبْراهِيمَ.
﴿أتَدْعُونَ بَعْلًا﴾ أيْ أتَعْبُدُونَ بَعْلًا، وهو عَلَمٌ لِصَنَمٍ لَهم، قالَهُ الضَّحّاكُ والحَسَنُ وابْنُ زَيْدٍ. قِيلَ: وكانَ مِن ذَهَبٍ، طُولُهُ عِشْرُونَ ذِراعًا، ولَهُ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ، فُتِنُوا بِهِ وعَظَّمُوهُ حَتّى أخَدَمُوهُ أرْبَعَمِائَةِ سادِنٍ وجَعَلُوهم أنْبِياءَ، وكانَ الشَّيْطانُ يَدْخُلُ في جَوْفِ بَعْلٍ ويَتَكَلَّمُ بِشَرِيعَةِ الضَّلالَةِ، والسَّدَنَةُ يَحْفَظُونَها ويُعَلِّمُونَها النّاسَ، وهم أهْلُ بَعْلَبَكَّ مِن بِلادِ الشّامِ، وبِهِ سُمِّيَتْ مَدِينَتُهم بَعْلَبَكَّ. وقالَ عِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ: البَعْلُ: الرَّبُّ بِلُغَةِ اليَمَنِ. وسَمِعَ ابْنُ عَبّاسٍ رَجُلًا يَنْشُدُ ضالَّةً، فَقالَ لَهُ رَجُلٌ: أنا بَعْلُها، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: اللَّهُ أكْبَرُ، أتَدْعُونَ بَعْلًا ؟ ويُقالُ: مَن بَعْلُ هَذِهِ الدّارِ، أيْ رَبُّها ؟ والمَعْنى عَلى هَذا: أتَعْبُدُونَ بَعْضَ البُعُولِ وتَتْرُكُونَ عِبادَةَ اللَّهِ ؟ وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّ بَعْلًا اسْمُ امْرَأةٍ أتَتْهم بِضَلالَةٍ فاتَّبَعُوها. وقُرِئَ: أتَدْعُونَ بَعْلاءَ، بِالمَدِّ عَلى وزْنِ حَمْراءَ، ويُؤْنِسُ هَذِهِ القِراءَةَ قَوْلُ مَن قالَ: إنَّهُ اسْمُ امْرَأةٍ.
وقَرَأ الكُوفِيُّونَ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ (اللَّهَ رَبَّكم ورَبَّ آبائِكُمُ)، بِالنَّصْبِ في الثَّلاثَةِ بَدَلًا مِن (أحْسَنَ) أوْ عَطْفَ بَيانٍ إنْ قُلْنا إنَّ إضافَةَ التَّفْضِيلِ مَحْضَةٌ، وباقِي السَّبْعَةِ بِالرَّفْعِ، أيْ هو اللَّهُ، أوْ يَكُونُ اسْتِئْنافًا مُبْتَدَأً ورَبُّكم خَبَرُهُ. ورُوِيَ عَنْ حَمْزَةَ أنَّهُ إذا وُصِلَ نُصِبَ، وإذا قُطِعَ رُفِعَ. (فَكَذَّبُوهُ) أيْ كَذَّبَهُ قَوْمُهُ، إمّا في قَوْلِهِ (اللَّهَ رَبَّكم) هَذِهِ النِّسْبَةِ، أوْ فَكَذَّبُوهُ فِيما جاءَ بِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ مِنَ الأمْرِ بِالتَّوْحِيدِ وتَرْكِ الصَّنَمِ والإيمانِ بِما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ. ومُحْضَرُونَ: مَجْمُوعُونَ لِلْعَذابِ.
﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ اسْتِثْناءٌ يَدُلُّ عَلى أنَّ مِن قَوْمِهِ مُخَلَصِينَ لَمْ يُكَذِّبُوهُ، فَهو اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ مِن ضَمِيرِ (فَكَذَّبُوهُ) ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مِن ﴿فَإنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ لِأنَّهم كانُوا يَكُونُونَ مُنْدَرِجِينَ فِيمَن كَذَّبَ، ويَكُونُونَ ﴿عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ وذَلِكَ لا يُمْكِنُ ولا يُناسِبُ أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مُنْقَطِعًا، إذْ يَصِيرُ المَعْنى: لَكِنَّ عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ مِن غَيْرِ قَوْمِهِ لا يَحْضُرُونَ لِلْعَذابِ، ولا مَسِيسَ لِهَؤُلاءِ المَمْسُوسِينَ بِالآيَةِ الَّتِي فِيها قِصَّةُ إلْياسَ هَذِهِ.
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: عَلى آلِ ياسِينَ. وزَعَمُوا أنَّ آلَ مَفْصُولَةٌ في المُصْحَفِ، وياسِينَ اسْمٌ لِإلْياسَ. وقِيلَ: اسْمٌ لِأبِي إلْياسَ؛ لِأنَّهُ إلْياسُ بْنُ ياسِينَ، وآلُ ياسِينَ هو ابْنُهُ إلْياسُ. وقِيلَ: ياسِينُ هو اسْمُ مُحَمَّدٍ ﷺ وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ ﴿عَلى إلْ ياسِينَ﴾ بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ، أيْ إلِياسِينَ، جَمَعَ المَنسُوبِينَ إلى إلْياسَ مَعَهُ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ. وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ مِن قَوْمِهِ مَن كانَ اتَّبَعَهُ عَلى الدِّينِ، وكُلُّ واحِدٍ مِمَّنْ نُسِبَ إلَيْهِ كَأنَّهُ إلْياسُ، فَلَمّا جُمِعَتْ، خُفِّفَتْ ياءُ النِّسْبَةِ بِحَذْفِ إحْداهُما كَراهَةَ التَّضْعِيفِ، فالتَقى ساكِنانِ: الياءُ فِيهِ وحَرْفُ العِلَّةِ الَّذِي لِلْجَمْعِ، فَحُذِفَتْ لِالتِقائِهِما، كَما قالُوا: الأشْعَرُونَ والأعْجَمُونَ والخَبِيبُونَ والمُهَلَّبُونَ. وحَكى أبُو عَمْرٍو أنَّ مُنادِيًا نادى يَوْمَ الكِلابِ: هَلَكَ اليَزِيدِيُّونَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَوْ كانا جَمْعًا، لَعُرِّفَ بِالألِفِ واللّامِ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ، والحَسَنُ: عَلى الياسِينَ، بِوَصْلِ الألِفِ عَلى أنَّهُ جَمْعٌ يُرادُ بِهِ إلْياسُ وقَوْمُهُ المُؤْمِنُونَ، وحُذِفَتْ ياءُ النَّسَبِ، كَما قالُوا: الأشْعَرُونَ، والألِفُ واللّامُ دَخَلَتْ عَلى الجَمْعِ، واسْمُهُ عَلى هَذا (ياسُ) . وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، ومَن ذُكِرَ مَعَهُ أنَّهُ قَرَأ إدْرِيسَ: سَلامٌ عَلى إدْراسِينَ. وعَنْ (p-٣٧٤)قَتادَةَ: وإنَّ إدْرِيسَ. وقَرَأ عَلِيٌّ إدْرَسِينَ. وقَرَأ ابْنُ عَلِيٍّ: إيلْيَسَ، كَقِراءَتِهِ وإنَّ إيلْيَسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ.
﴿إلّا عَجُوزًا﴾ هي امْرَأةُ لُوطٍ، وكانَتْ كافِرَةً، إمّا مُسْتَتِرَةً بِالكُفْرِ، وإمّا مُعْلِنَةً بِهِ. وكانَ نِكاحُ الوَثَنِيّاتِ عِنْدَهم جائِزًا.
﴿مُصْبِحِينَ﴾ أيْ داخِلِينَ في الإصْباحِ. والخِطابُ في (وإنَّكم) لِقُرَيْشٍ، وكانَتْ مَتاجِرُهم إلى الشّامِ عَلى مَدائِنِ قَوْمِ لُوطٍ.
﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ فَتَعْتَبِرُونَ بِما جَرى عَلى مَن كَذَّبَ الرُّسُلَ.
الصافات 37:130
﴿ولَقَدْ مَنَنّا عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ ﴿ونَجَّيْناهُما وقَوْمَهُما مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ ﴿ونَصَرْناهم فَكانُوا هُمُ الغالِبِينَ﴾ ﴿وآتَيْناهُما الكِتابَ المُسْتَبِينَ﴾ ﴿وهَدَيْناهُما الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِما في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُما مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ إلْياسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لِقَوْمِهِ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿أتَدْعُونَ بَعْلًا وتَذَرُونَ أحْسَنَ الخالِقِينَ﴾ ﴿اللَّهَ رَبَّكم ورَبَّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى إلْ ياسِينَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ لُوطًا لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ نَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلّا عَجُوزًا في الغابِرِينَ﴾ ﴿ثُمَّ دَمَّرْنا الآخَرِينَ﴾ ﴿وإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ﴾ ﴿وبِاللَّيْلِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ .
﴿الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ تَعَبُّدِ القِبْطِ لَهم، ثُمَّ خَوْفِهِمْ مِن جَيْشِ فِرْعَوْنَ، ثُمَّ البَحْرِ بَعْدَ ذَلِكَ، والضَّمِيرُ في ﴿ونَصَرْناهُمْ﴾ عائِدٌ عَلى مُوسى وهارُونَ وقَوْمِهِما؛ وقِيلَ: عائِدٌ عَلى مُوسى وهارُونَ فَقَطْ، تَعْظِيمًا لَهُما بِكِنايَةِ الجَماعَةِ. و(هم) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ فَصْلًا وتَوْكِيدًا أوْ بَدَلًا. و﴿الكِتابَ المُسْتَبِينَ﴾ التَّوْراةَ، كَما قالَ تَعالى ﴿إنّا أنْزَلْنا التَّوْراةَ فِيها هُدًى ونُورٌ﴾ [المائدة: ٤٤] . و﴿الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ هو الإسْلامُ وشَرْعُ اللَّهِ. و(إلْياسَ)، قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وقَتادَةُ: هو إدْرِيسُ عَلَيْهِ السَّلامُ. ونَقَلُوا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ وثّابٍ، والأعْمَشِ، والمِنهالِ بْنِ عُمَرَ، والحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ الكُوفِيِّ أنَّهم قَرَءُوا: وإنَّ إدْرِيسَ لِمَنِ المُرْسَلِينَ، وهي مَحْمُولَةٌ عِنْدِي عَلى تَفْسِيرِهِ؛ لِأنَّ المُسْتَفِيضَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قَرَأ ﴿وإنَّ إلْياسَ﴾ وأيْضًا تَفْسِيرُهُ إلْياسَ بِأنَّهُ إدْرِيسُ لَعَلَّهُ لا يَصِحُّ عَنْهُ؛ لِأنَّ إدْرِيسَ في التّارِيخِ المَنقُولِ كانَ قَبْلَ نُوحٍ. وفي سُورَةِ الأنْعامِ ذُكِرَ إلْياسُ، وأنَّهُ مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ، (p-٣٧٣)أوْ مِن ذُرِّيَّةِ نُوحٍ عَلى ما يَحْتَمِلُهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ووَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنا﴾ [الأنعام: ٨٤]، ﴿ومِن ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ﴾ [الأنعام: ٨٤]، وذَكَرَ في جُمْلَةِ هَذِهِ الذُّرِّيَّةِ إلْياسَ، وقِيلَ: إلْياسُ مِن أوْلاد هارُونَ. قالَ الطَّبَرِيُّ: هو إلْياسُ بْنُ ياسِينَ بْنِ فِنْحاصِ بْنِ العَيْزارِ بْنِ هارُونَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿وإنَّ إلْياسَ﴾، بِهَمْزَةِ قَطْعٍ مَكْسُورَةٍ. وقَرَأ عِكْرِمَةُ، والحَسَنُ: بِخِلافٍ عَنْهُما؛ والأعْرَجُ، وأبُو رَجاءٍ، وابْنُ عامِرٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: بِوَصْلِ الألِفِ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ وصَلَ هَمْزَةَ القَطْعِ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ اسْمُهُ ياسا، ودَخَلَتْ عَلَيْهِ (ألْ)، كَما دَخَلَتْ عَلى اليَسَعَ. وفي حَرْفِ أُبَيٍّ ومُصْحَفِهِ: وإنَّ إيلِيسَ، بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ، بَعْدَها ياءٌ ساكِنَةٌ، بَعْدَها لامٌ مَكْسُورَةٌ، بَعْدَها ياءٌ ساكِنَةٌ وسِينٌ مَفْتُوحَةٌ. وقُرِئَ: وإنَّ إدْراسَ، لُغَةً في إدْرِيسَ، كَإبْراهامَ في إبْراهِيمَ.
﴿أتَدْعُونَ بَعْلًا﴾ أيْ أتَعْبُدُونَ بَعْلًا، وهو عَلَمٌ لِصَنَمٍ لَهم، قالَهُ الضَّحّاكُ والحَسَنُ وابْنُ زَيْدٍ. قِيلَ: وكانَ مِن ذَهَبٍ، طُولُهُ عِشْرُونَ ذِراعًا، ولَهُ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ، فُتِنُوا بِهِ وعَظَّمُوهُ حَتّى أخَدَمُوهُ أرْبَعَمِائَةِ سادِنٍ وجَعَلُوهم أنْبِياءَ، وكانَ الشَّيْطانُ يَدْخُلُ في جَوْفِ بَعْلٍ ويَتَكَلَّمُ بِشَرِيعَةِ الضَّلالَةِ، والسَّدَنَةُ يَحْفَظُونَها ويُعَلِّمُونَها النّاسَ، وهم أهْلُ بَعْلَبَكَّ مِن بِلادِ الشّامِ، وبِهِ سُمِّيَتْ مَدِينَتُهم بَعْلَبَكَّ. وقالَ عِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ: البَعْلُ: الرَّبُّ بِلُغَةِ اليَمَنِ. وسَمِعَ ابْنُ عَبّاسٍ رَجُلًا يَنْشُدُ ضالَّةً، فَقالَ لَهُ رَجُلٌ: أنا بَعْلُها، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: اللَّهُ أكْبَرُ، أتَدْعُونَ بَعْلًا ؟ ويُقالُ: مَن بَعْلُ هَذِهِ الدّارِ، أيْ رَبُّها ؟ والمَعْنى عَلى هَذا: أتَعْبُدُونَ بَعْضَ البُعُولِ وتَتْرُكُونَ عِبادَةَ اللَّهِ ؟ وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّ بَعْلًا اسْمُ امْرَأةٍ أتَتْهم بِضَلالَةٍ فاتَّبَعُوها. وقُرِئَ: أتَدْعُونَ بَعْلاءَ، بِالمَدِّ عَلى وزْنِ حَمْراءَ، ويُؤْنِسُ هَذِهِ القِراءَةَ قَوْلُ مَن قالَ: إنَّهُ اسْمُ امْرَأةٍ.
وقَرَأ الكُوفِيُّونَ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ (اللَّهَ رَبَّكم ورَبَّ آبائِكُمُ)، بِالنَّصْبِ في الثَّلاثَةِ بَدَلًا مِن (أحْسَنَ) أوْ عَطْفَ بَيانٍ إنْ قُلْنا إنَّ إضافَةَ التَّفْضِيلِ مَحْضَةٌ، وباقِي السَّبْعَةِ بِالرَّفْعِ، أيْ هو اللَّهُ، أوْ يَكُونُ اسْتِئْنافًا مُبْتَدَأً ورَبُّكم خَبَرُهُ. ورُوِيَ عَنْ حَمْزَةَ أنَّهُ إذا وُصِلَ نُصِبَ، وإذا قُطِعَ رُفِعَ. (فَكَذَّبُوهُ) أيْ كَذَّبَهُ قَوْمُهُ، إمّا في قَوْلِهِ (اللَّهَ رَبَّكم) هَذِهِ النِّسْبَةِ، أوْ فَكَذَّبُوهُ فِيما جاءَ بِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ مِنَ الأمْرِ بِالتَّوْحِيدِ وتَرْكِ الصَّنَمِ والإيمانِ بِما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ. ومُحْضَرُونَ: مَجْمُوعُونَ لِلْعَذابِ.
﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ اسْتِثْناءٌ يَدُلُّ عَلى أنَّ مِن قَوْمِهِ مُخَلَصِينَ لَمْ يُكَذِّبُوهُ، فَهو اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ مِن ضَمِيرِ (فَكَذَّبُوهُ) ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مِن ﴿فَإنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ لِأنَّهم كانُوا يَكُونُونَ مُنْدَرِجِينَ فِيمَن كَذَّبَ، ويَكُونُونَ ﴿عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ وذَلِكَ لا يُمْكِنُ ولا يُناسِبُ أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مُنْقَطِعًا، إذْ يَصِيرُ المَعْنى: لَكِنَّ عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ مِن غَيْرِ قَوْمِهِ لا يَحْضُرُونَ لِلْعَذابِ، ولا مَسِيسَ لِهَؤُلاءِ المَمْسُوسِينَ بِالآيَةِ الَّتِي فِيها قِصَّةُ إلْياسَ هَذِهِ.
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: عَلى آلِ ياسِينَ. وزَعَمُوا أنَّ آلَ مَفْصُولَةٌ في المُصْحَفِ، وياسِينَ اسْمٌ لِإلْياسَ. وقِيلَ: اسْمٌ لِأبِي إلْياسَ؛ لِأنَّهُ إلْياسُ بْنُ ياسِينَ، وآلُ ياسِينَ هو ابْنُهُ إلْياسُ. وقِيلَ: ياسِينُ هو اسْمُ مُحَمَّدٍ ﷺ وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ ﴿عَلى إلْ ياسِينَ﴾ بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ، أيْ إلِياسِينَ، جَمَعَ المَنسُوبِينَ إلى إلْياسَ مَعَهُ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ. وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ مِن قَوْمِهِ مَن كانَ اتَّبَعَهُ عَلى الدِّينِ، وكُلُّ واحِدٍ مِمَّنْ نُسِبَ إلَيْهِ كَأنَّهُ إلْياسُ، فَلَمّا جُمِعَتْ، خُفِّفَتْ ياءُ النِّسْبَةِ بِحَذْفِ إحْداهُما كَراهَةَ التَّضْعِيفِ، فالتَقى ساكِنانِ: الياءُ فِيهِ وحَرْفُ العِلَّةِ الَّذِي لِلْجَمْعِ، فَحُذِفَتْ لِالتِقائِهِما، كَما قالُوا: الأشْعَرُونَ والأعْجَمُونَ والخَبِيبُونَ والمُهَلَّبُونَ. وحَكى أبُو عَمْرٍو أنَّ مُنادِيًا نادى يَوْمَ الكِلابِ: هَلَكَ اليَزِيدِيُّونَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَوْ كانا جَمْعًا، لَعُرِّفَ بِالألِفِ واللّامِ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ، والحَسَنُ: عَلى الياسِينَ، بِوَصْلِ الألِفِ عَلى أنَّهُ جَمْعٌ يُرادُ بِهِ إلْياسُ وقَوْمُهُ المُؤْمِنُونَ، وحُذِفَتْ ياءُ النَّسَبِ، كَما قالُوا: الأشْعَرُونَ، والألِفُ واللّامُ دَخَلَتْ عَلى الجَمْعِ، واسْمُهُ عَلى هَذا (ياسُ) . وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، ومَن ذُكِرَ مَعَهُ أنَّهُ قَرَأ إدْرِيسَ: سَلامٌ عَلى إدْراسِينَ. وعَنْ (p-٣٧٤)قَتادَةَ: وإنَّ إدْرِيسَ. وقَرَأ عَلِيٌّ إدْرَسِينَ. وقَرَأ ابْنُ عَلِيٍّ: إيلْيَسَ، كَقِراءَتِهِ وإنَّ إيلْيَسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ.
﴿إلّا عَجُوزًا﴾ هي امْرَأةُ لُوطٍ، وكانَتْ كافِرَةً، إمّا مُسْتَتِرَةً بِالكُفْرِ، وإمّا مُعْلِنَةً بِهِ. وكانَ نِكاحُ الوَثَنِيّاتِ عِنْدَهم جائِزًا.
﴿مُصْبِحِينَ﴾ أيْ داخِلِينَ في الإصْباحِ. والخِطابُ في (وإنَّكم) لِقُرَيْشٍ، وكانَتْ مَتاجِرُهم إلى الشّامِ عَلى مَدائِنِ قَوْمِ لُوطٍ.
﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ فَتَعْتَبِرُونَ بِما جَرى عَلى مَن كَذَّبَ الرُّسُلَ.
الصافات 37:131
﴿ولَقَدْ مَنَنّا عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ ﴿ونَجَّيْناهُما وقَوْمَهُما مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ ﴿ونَصَرْناهم فَكانُوا هُمُ الغالِبِينَ﴾ ﴿وآتَيْناهُما الكِتابَ المُسْتَبِينَ﴾ ﴿وهَدَيْناهُما الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِما في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُما مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ إلْياسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لِقَوْمِهِ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿أتَدْعُونَ بَعْلًا وتَذَرُونَ أحْسَنَ الخالِقِينَ﴾ ﴿اللَّهَ رَبَّكم ورَبَّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى إلْ ياسِينَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ لُوطًا لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ نَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلّا عَجُوزًا في الغابِرِينَ﴾ ﴿ثُمَّ دَمَّرْنا الآخَرِينَ﴾ ﴿وإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ﴾ ﴿وبِاللَّيْلِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ .
﴿الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ تَعَبُّدِ القِبْطِ لَهم، ثُمَّ خَوْفِهِمْ مِن جَيْشِ فِرْعَوْنَ، ثُمَّ البَحْرِ بَعْدَ ذَلِكَ، والضَّمِيرُ في ﴿ونَصَرْناهُمْ﴾ عائِدٌ عَلى مُوسى وهارُونَ وقَوْمِهِما؛ وقِيلَ: عائِدٌ عَلى مُوسى وهارُونَ فَقَطْ، تَعْظِيمًا لَهُما بِكِنايَةِ الجَماعَةِ. و(هم) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ فَصْلًا وتَوْكِيدًا أوْ بَدَلًا. و﴿الكِتابَ المُسْتَبِينَ﴾ التَّوْراةَ، كَما قالَ تَعالى ﴿إنّا أنْزَلْنا التَّوْراةَ فِيها هُدًى ونُورٌ﴾ [المائدة: ٤٤] . و﴿الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ هو الإسْلامُ وشَرْعُ اللَّهِ. و(إلْياسَ)، قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وقَتادَةُ: هو إدْرِيسُ عَلَيْهِ السَّلامُ. ونَقَلُوا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ وثّابٍ، والأعْمَشِ، والمِنهالِ بْنِ عُمَرَ، والحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ الكُوفِيِّ أنَّهم قَرَءُوا: وإنَّ إدْرِيسَ لِمَنِ المُرْسَلِينَ، وهي مَحْمُولَةٌ عِنْدِي عَلى تَفْسِيرِهِ؛ لِأنَّ المُسْتَفِيضَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قَرَأ ﴿وإنَّ إلْياسَ﴾ وأيْضًا تَفْسِيرُهُ إلْياسَ بِأنَّهُ إدْرِيسُ لَعَلَّهُ لا يَصِحُّ عَنْهُ؛ لِأنَّ إدْرِيسَ في التّارِيخِ المَنقُولِ كانَ قَبْلَ نُوحٍ. وفي سُورَةِ الأنْعامِ ذُكِرَ إلْياسُ، وأنَّهُ مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ، (p-٣٧٣)أوْ مِن ذُرِّيَّةِ نُوحٍ عَلى ما يَحْتَمِلُهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ووَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنا﴾ [الأنعام: ٨٤]، ﴿ومِن ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ﴾ [الأنعام: ٨٤]، وذَكَرَ في جُمْلَةِ هَذِهِ الذُّرِّيَّةِ إلْياسَ، وقِيلَ: إلْياسُ مِن أوْلاد هارُونَ. قالَ الطَّبَرِيُّ: هو إلْياسُ بْنُ ياسِينَ بْنِ فِنْحاصِ بْنِ العَيْزارِ بْنِ هارُونَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿وإنَّ إلْياسَ﴾، بِهَمْزَةِ قَطْعٍ مَكْسُورَةٍ. وقَرَأ عِكْرِمَةُ، والحَسَنُ: بِخِلافٍ عَنْهُما؛ والأعْرَجُ، وأبُو رَجاءٍ، وابْنُ عامِرٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: بِوَصْلِ الألِفِ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ وصَلَ هَمْزَةَ القَطْعِ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ اسْمُهُ ياسا، ودَخَلَتْ عَلَيْهِ (ألْ)، كَما دَخَلَتْ عَلى اليَسَعَ. وفي حَرْفِ أُبَيٍّ ومُصْحَفِهِ: وإنَّ إيلِيسَ، بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ، بَعْدَها ياءٌ ساكِنَةٌ، بَعْدَها لامٌ مَكْسُورَةٌ، بَعْدَها ياءٌ ساكِنَةٌ وسِينٌ مَفْتُوحَةٌ. وقُرِئَ: وإنَّ إدْراسَ، لُغَةً في إدْرِيسَ، كَإبْراهامَ في إبْراهِيمَ.
﴿أتَدْعُونَ بَعْلًا﴾ أيْ أتَعْبُدُونَ بَعْلًا، وهو عَلَمٌ لِصَنَمٍ لَهم، قالَهُ الضَّحّاكُ والحَسَنُ وابْنُ زَيْدٍ. قِيلَ: وكانَ مِن ذَهَبٍ، طُولُهُ عِشْرُونَ ذِراعًا، ولَهُ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ، فُتِنُوا بِهِ وعَظَّمُوهُ حَتّى أخَدَمُوهُ أرْبَعَمِائَةِ سادِنٍ وجَعَلُوهم أنْبِياءَ، وكانَ الشَّيْطانُ يَدْخُلُ في جَوْفِ بَعْلٍ ويَتَكَلَّمُ بِشَرِيعَةِ الضَّلالَةِ، والسَّدَنَةُ يَحْفَظُونَها ويُعَلِّمُونَها النّاسَ، وهم أهْلُ بَعْلَبَكَّ مِن بِلادِ الشّامِ، وبِهِ سُمِّيَتْ مَدِينَتُهم بَعْلَبَكَّ. وقالَ عِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ: البَعْلُ: الرَّبُّ بِلُغَةِ اليَمَنِ. وسَمِعَ ابْنُ عَبّاسٍ رَجُلًا يَنْشُدُ ضالَّةً، فَقالَ لَهُ رَجُلٌ: أنا بَعْلُها، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: اللَّهُ أكْبَرُ، أتَدْعُونَ بَعْلًا ؟ ويُقالُ: مَن بَعْلُ هَذِهِ الدّارِ، أيْ رَبُّها ؟ والمَعْنى عَلى هَذا: أتَعْبُدُونَ بَعْضَ البُعُولِ وتَتْرُكُونَ عِبادَةَ اللَّهِ ؟ وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّ بَعْلًا اسْمُ امْرَأةٍ أتَتْهم بِضَلالَةٍ فاتَّبَعُوها. وقُرِئَ: أتَدْعُونَ بَعْلاءَ، بِالمَدِّ عَلى وزْنِ حَمْراءَ، ويُؤْنِسُ هَذِهِ القِراءَةَ قَوْلُ مَن قالَ: إنَّهُ اسْمُ امْرَأةٍ.
وقَرَأ الكُوفِيُّونَ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ (اللَّهَ رَبَّكم ورَبَّ آبائِكُمُ)، بِالنَّصْبِ في الثَّلاثَةِ بَدَلًا مِن (أحْسَنَ) أوْ عَطْفَ بَيانٍ إنْ قُلْنا إنَّ إضافَةَ التَّفْضِيلِ مَحْضَةٌ، وباقِي السَّبْعَةِ بِالرَّفْعِ، أيْ هو اللَّهُ، أوْ يَكُونُ اسْتِئْنافًا مُبْتَدَأً ورَبُّكم خَبَرُهُ. ورُوِيَ عَنْ حَمْزَةَ أنَّهُ إذا وُصِلَ نُصِبَ، وإذا قُطِعَ رُفِعَ. (فَكَذَّبُوهُ) أيْ كَذَّبَهُ قَوْمُهُ، إمّا في قَوْلِهِ (اللَّهَ رَبَّكم) هَذِهِ النِّسْبَةِ، أوْ فَكَذَّبُوهُ فِيما جاءَ بِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ مِنَ الأمْرِ بِالتَّوْحِيدِ وتَرْكِ الصَّنَمِ والإيمانِ بِما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ. ومُحْضَرُونَ: مَجْمُوعُونَ لِلْعَذابِ.
﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ اسْتِثْناءٌ يَدُلُّ عَلى أنَّ مِن قَوْمِهِ مُخَلَصِينَ لَمْ يُكَذِّبُوهُ، فَهو اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ مِن ضَمِيرِ (فَكَذَّبُوهُ) ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مِن ﴿فَإنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ لِأنَّهم كانُوا يَكُونُونَ مُنْدَرِجِينَ فِيمَن كَذَّبَ، ويَكُونُونَ ﴿عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ وذَلِكَ لا يُمْكِنُ ولا يُناسِبُ أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مُنْقَطِعًا، إذْ يَصِيرُ المَعْنى: لَكِنَّ عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ مِن غَيْرِ قَوْمِهِ لا يَحْضُرُونَ لِلْعَذابِ، ولا مَسِيسَ لِهَؤُلاءِ المَمْسُوسِينَ بِالآيَةِ الَّتِي فِيها قِصَّةُ إلْياسَ هَذِهِ.
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: عَلى آلِ ياسِينَ. وزَعَمُوا أنَّ آلَ مَفْصُولَةٌ في المُصْحَفِ، وياسِينَ اسْمٌ لِإلْياسَ. وقِيلَ: اسْمٌ لِأبِي إلْياسَ؛ لِأنَّهُ إلْياسُ بْنُ ياسِينَ، وآلُ ياسِينَ هو ابْنُهُ إلْياسُ. وقِيلَ: ياسِينُ هو اسْمُ مُحَمَّدٍ ﷺ وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ ﴿عَلى إلْ ياسِينَ﴾ بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ، أيْ إلِياسِينَ، جَمَعَ المَنسُوبِينَ إلى إلْياسَ مَعَهُ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ. وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ مِن قَوْمِهِ مَن كانَ اتَّبَعَهُ عَلى الدِّينِ، وكُلُّ واحِدٍ مِمَّنْ نُسِبَ إلَيْهِ كَأنَّهُ إلْياسُ، فَلَمّا جُمِعَتْ، خُفِّفَتْ ياءُ النِّسْبَةِ بِحَذْفِ إحْداهُما كَراهَةَ التَّضْعِيفِ، فالتَقى ساكِنانِ: الياءُ فِيهِ وحَرْفُ العِلَّةِ الَّذِي لِلْجَمْعِ، فَحُذِفَتْ لِالتِقائِهِما، كَما قالُوا: الأشْعَرُونَ والأعْجَمُونَ والخَبِيبُونَ والمُهَلَّبُونَ. وحَكى أبُو عَمْرٍو أنَّ مُنادِيًا نادى يَوْمَ الكِلابِ: هَلَكَ اليَزِيدِيُّونَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَوْ كانا جَمْعًا، لَعُرِّفَ بِالألِفِ واللّامِ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ، والحَسَنُ: عَلى الياسِينَ، بِوَصْلِ الألِفِ عَلى أنَّهُ جَمْعٌ يُرادُ بِهِ إلْياسُ وقَوْمُهُ المُؤْمِنُونَ، وحُذِفَتْ ياءُ النَّسَبِ، كَما قالُوا: الأشْعَرُونَ، والألِفُ واللّامُ دَخَلَتْ عَلى الجَمْعِ، واسْمُهُ عَلى هَذا (ياسُ) . وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، ومَن ذُكِرَ مَعَهُ أنَّهُ قَرَأ إدْرِيسَ: سَلامٌ عَلى إدْراسِينَ. وعَنْ (p-٣٧٤)قَتادَةَ: وإنَّ إدْرِيسَ. وقَرَأ عَلِيٌّ إدْرَسِينَ. وقَرَأ ابْنُ عَلِيٍّ: إيلْيَسَ، كَقِراءَتِهِ وإنَّ إيلْيَسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ.
﴿إلّا عَجُوزًا﴾ هي امْرَأةُ لُوطٍ، وكانَتْ كافِرَةً، إمّا مُسْتَتِرَةً بِالكُفْرِ، وإمّا مُعْلِنَةً بِهِ. وكانَ نِكاحُ الوَثَنِيّاتِ عِنْدَهم جائِزًا.
﴿مُصْبِحِينَ﴾ أيْ داخِلِينَ في الإصْباحِ. والخِطابُ في (وإنَّكم) لِقُرَيْشٍ، وكانَتْ مَتاجِرُهم إلى الشّامِ عَلى مَدائِنِ قَوْمِ لُوطٍ.
﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ فَتَعْتَبِرُونَ بِما جَرى عَلى مَن كَذَّبَ الرُّسُلَ.
الصافات 37:132
﴿ولَقَدْ مَنَنّا عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ ﴿ونَجَّيْناهُما وقَوْمَهُما مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ ﴿ونَصَرْناهم فَكانُوا هُمُ الغالِبِينَ﴾ ﴿وآتَيْناهُما الكِتابَ المُسْتَبِينَ﴾ ﴿وهَدَيْناهُما الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِما في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُما مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ إلْياسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لِقَوْمِهِ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿أتَدْعُونَ بَعْلًا وتَذَرُونَ أحْسَنَ الخالِقِينَ﴾ ﴿اللَّهَ رَبَّكم ورَبَّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى إلْ ياسِينَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ لُوطًا لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ نَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلّا عَجُوزًا في الغابِرِينَ﴾ ﴿ثُمَّ دَمَّرْنا الآخَرِينَ﴾ ﴿وإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ﴾ ﴿وبِاللَّيْلِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ .
﴿الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ تَعَبُّدِ القِبْطِ لَهم، ثُمَّ خَوْفِهِمْ مِن جَيْشِ فِرْعَوْنَ، ثُمَّ البَحْرِ بَعْدَ ذَلِكَ، والضَّمِيرُ في ﴿ونَصَرْناهُمْ﴾ عائِدٌ عَلى مُوسى وهارُونَ وقَوْمِهِما؛ وقِيلَ: عائِدٌ عَلى مُوسى وهارُونَ فَقَطْ، تَعْظِيمًا لَهُما بِكِنايَةِ الجَماعَةِ. و(هم) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ فَصْلًا وتَوْكِيدًا أوْ بَدَلًا. و﴿الكِتابَ المُسْتَبِينَ﴾ التَّوْراةَ، كَما قالَ تَعالى ﴿إنّا أنْزَلْنا التَّوْراةَ فِيها هُدًى ونُورٌ﴾ [المائدة: ٤٤] . و﴿الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ هو الإسْلامُ وشَرْعُ اللَّهِ. و(إلْياسَ)، قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وقَتادَةُ: هو إدْرِيسُ عَلَيْهِ السَّلامُ. ونَقَلُوا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ وثّابٍ، والأعْمَشِ، والمِنهالِ بْنِ عُمَرَ، والحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ الكُوفِيِّ أنَّهم قَرَءُوا: وإنَّ إدْرِيسَ لِمَنِ المُرْسَلِينَ، وهي مَحْمُولَةٌ عِنْدِي عَلى تَفْسِيرِهِ؛ لِأنَّ المُسْتَفِيضَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قَرَأ ﴿وإنَّ إلْياسَ﴾ وأيْضًا تَفْسِيرُهُ إلْياسَ بِأنَّهُ إدْرِيسُ لَعَلَّهُ لا يَصِحُّ عَنْهُ؛ لِأنَّ إدْرِيسَ في التّارِيخِ المَنقُولِ كانَ قَبْلَ نُوحٍ. وفي سُورَةِ الأنْعامِ ذُكِرَ إلْياسُ، وأنَّهُ مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ، (p-٣٧٣)أوْ مِن ذُرِّيَّةِ نُوحٍ عَلى ما يَحْتَمِلُهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ووَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنا﴾ [الأنعام: ٨٤]، ﴿ومِن ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ﴾ [الأنعام: ٨٤]، وذَكَرَ في جُمْلَةِ هَذِهِ الذُّرِّيَّةِ إلْياسَ، وقِيلَ: إلْياسُ مِن أوْلاد هارُونَ. قالَ الطَّبَرِيُّ: هو إلْياسُ بْنُ ياسِينَ بْنِ فِنْحاصِ بْنِ العَيْزارِ بْنِ هارُونَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿وإنَّ إلْياسَ﴾، بِهَمْزَةِ قَطْعٍ مَكْسُورَةٍ. وقَرَأ عِكْرِمَةُ، والحَسَنُ: بِخِلافٍ عَنْهُما؛ والأعْرَجُ، وأبُو رَجاءٍ، وابْنُ عامِرٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: بِوَصْلِ الألِفِ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ وصَلَ هَمْزَةَ القَطْعِ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ اسْمُهُ ياسا، ودَخَلَتْ عَلَيْهِ (ألْ)، كَما دَخَلَتْ عَلى اليَسَعَ. وفي حَرْفِ أُبَيٍّ ومُصْحَفِهِ: وإنَّ إيلِيسَ، بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ، بَعْدَها ياءٌ ساكِنَةٌ، بَعْدَها لامٌ مَكْسُورَةٌ، بَعْدَها ياءٌ ساكِنَةٌ وسِينٌ مَفْتُوحَةٌ. وقُرِئَ: وإنَّ إدْراسَ، لُغَةً في إدْرِيسَ، كَإبْراهامَ في إبْراهِيمَ.
﴿أتَدْعُونَ بَعْلًا﴾ أيْ أتَعْبُدُونَ بَعْلًا، وهو عَلَمٌ لِصَنَمٍ لَهم، قالَهُ الضَّحّاكُ والحَسَنُ وابْنُ زَيْدٍ. قِيلَ: وكانَ مِن ذَهَبٍ، طُولُهُ عِشْرُونَ ذِراعًا، ولَهُ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ، فُتِنُوا بِهِ وعَظَّمُوهُ حَتّى أخَدَمُوهُ أرْبَعَمِائَةِ سادِنٍ وجَعَلُوهم أنْبِياءَ، وكانَ الشَّيْطانُ يَدْخُلُ في جَوْفِ بَعْلٍ ويَتَكَلَّمُ بِشَرِيعَةِ الضَّلالَةِ، والسَّدَنَةُ يَحْفَظُونَها ويُعَلِّمُونَها النّاسَ، وهم أهْلُ بَعْلَبَكَّ مِن بِلادِ الشّامِ، وبِهِ سُمِّيَتْ مَدِينَتُهم بَعْلَبَكَّ. وقالَ عِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ: البَعْلُ: الرَّبُّ بِلُغَةِ اليَمَنِ. وسَمِعَ ابْنُ عَبّاسٍ رَجُلًا يَنْشُدُ ضالَّةً، فَقالَ لَهُ رَجُلٌ: أنا بَعْلُها، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: اللَّهُ أكْبَرُ، أتَدْعُونَ بَعْلًا ؟ ويُقالُ: مَن بَعْلُ هَذِهِ الدّارِ، أيْ رَبُّها ؟ والمَعْنى عَلى هَذا: أتَعْبُدُونَ بَعْضَ البُعُولِ وتَتْرُكُونَ عِبادَةَ اللَّهِ ؟ وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّ بَعْلًا اسْمُ امْرَأةٍ أتَتْهم بِضَلالَةٍ فاتَّبَعُوها. وقُرِئَ: أتَدْعُونَ بَعْلاءَ، بِالمَدِّ عَلى وزْنِ حَمْراءَ، ويُؤْنِسُ هَذِهِ القِراءَةَ قَوْلُ مَن قالَ: إنَّهُ اسْمُ امْرَأةٍ.
وقَرَأ الكُوفِيُّونَ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ (اللَّهَ رَبَّكم ورَبَّ آبائِكُمُ)، بِالنَّصْبِ في الثَّلاثَةِ بَدَلًا مِن (أحْسَنَ) أوْ عَطْفَ بَيانٍ إنْ قُلْنا إنَّ إضافَةَ التَّفْضِيلِ مَحْضَةٌ، وباقِي السَّبْعَةِ بِالرَّفْعِ، أيْ هو اللَّهُ، أوْ يَكُونُ اسْتِئْنافًا مُبْتَدَأً ورَبُّكم خَبَرُهُ. ورُوِيَ عَنْ حَمْزَةَ أنَّهُ إذا وُصِلَ نُصِبَ، وإذا قُطِعَ رُفِعَ. (فَكَذَّبُوهُ) أيْ كَذَّبَهُ قَوْمُهُ، إمّا في قَوْلِهِ (اللَّهَ رَبَّكم) هَذِهِ النِّسْبَةِ، أوْ فَكَذَّبُوهُ فِيما جاءَ بِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ مِنَ الأمْرِ بِالتَّوْحِيدِ وتَرْكِ الصَّنَمِ والإيمانِ بِما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ. ومُحْضَرُونَ: مَجْمُوعُونَ لِلْعَذابِ.
﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ اسْتِثْناءٌ يَدُلُّ عَلى أنَّ مِن قَوْمِهِ مُخَلَصِينَ لَمْ يُكَذِّبُوهُ، فَهو اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ مِن ضَمِيرِ (فَكَذَّبُوهُ) ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مِن ﴿فَإنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ لِأنَّهم كانُوا يَكُونُونَ مُنْدَرِجِينَ فِيمَن كَذَّبَ، ويَكُونُونَ ﴿عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ وذَلِكَ لا يُمْكِنُ ولا يُناسِبُ أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مُنْقَطِعًا، إذْ يَصِيرُ المَعْنى: لَكِنَّ عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ مِن غَيْرِ قَوْمِهِ لا يَحْضُرُونَ لِلْعَذابِ، ولا مَسِيسَ لِهَؤُلاءِ المَمْسُوسِينَ بِالآيَةِ الَّتِي فِيها قِصَّةُ إلْياسَ هَذِهِ.
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: عَلى آلِ ياسِينَ. وزَعَمُوا أنَّ آلَ مَفْصُولَةٌ في المُصْحَفِ، وياسِينَ اسْمٌ لِإلْياسَ. وقِيلَ: اسْمٌ لِأبِي إلْياسَ؛ لِأنَّهُ إلْياسُ بْنُ ياسِينَ، وآلُ ياسِينَ هو ابْنُهُ إلْياسُ. وقِيلَ: ياسِينُ هو اسْمُ مُحَمَّدٍ ﷺ وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ ﴿عَلى إلْ ياسِينَ﴾ بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ، أيْ إلِياسِينَ، جَمَعَ المَنسُوبِينَ إلى إلْياسَ مَعَهُ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ. وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ مِن قَوْمِهِ مَن كانَ اتَّبَعَهُ عَلى الدِّينِ، وكُلُّ واحِدٍ مِمَّنْ نُسِبَ إلَيْهِ كَأنَّهُ إلْياسُ، فَلَمّا جُمِعَتْ، خُفِّفَتْ ياءُ النِّسْبَةِ بِحَذْفِ إحْداهُما كَراهَةَ التَّضْعِيفِ، فالتَقى ساكِنانِ: الياءُ فِيهِ وحَرْفُ العِلَّةِ الَّذِي لِلْجَمْعِ، فَحُذِفَتْ لِالتِقائِهِما، كَما قالُوا: الأشْعَرُونَ والأعْجَمُونَ والخَبِيبُونَ والمُهَلَّبُونَ. وحَكى أبُو عَمْرٍو أنَّ مُنادِيًا نادى يَوْمَ الكِلابِ: هَلَكَ اليَزِيدِيُّونَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَوْ كانا جَمْعًا، لَعُرِّفَ بِالألِفِ واللّامِ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ، والحَسَنُ: عَلى الياسِينَ، بِوَصْلِ الألِفِ عَلى أنَّهُ جَمْعٌ يُرادُ بِهِ إلْياسُ وقَوْمُهُ المُؤْمِنُونَ، وحُذِفَتْ ياءُ النَّسَبِ، كَما قالُوا: الأشْعَرُونَ، والألِفُ واللّامُ دَخَلَتْ عَلى الجَمْعِ، واسْمُهُ عَلى هَذا (ياسُ) . وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، ومَن ذُكِرَ مَعَهُ أنَّهُ قَرَأ إدْرِيسَ: سَلامٌ عَلى إدْراسِينَ. وعَنْ (p-٣٧٤)قَتادَةَ: وإنَّ إدْرِيسَ. وقَرَأ عَلِيٌّ إدْرَسِينَ. وقَرَأ ابْنُ عَلِيٍّ: إيلْيَسَ، كَقِراءَتِهِ وإنَّ إيلْيَسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ.
﴿إلّا عَجُوزًا﴾ هي امْرَأةُ لُوطٍ، وكانَتْ كافِرَةً، إمّا مُسْتَتِرَةً بِالكُفْرِ، وإمّا مُعْلِنَةً بِهِ. وكانَ نِكاحُ الوَثَنِيّاتِ عِنْدَهم جائِزًا.
﴿مُصْبِحِينَ﴾ أيْ داخِلِينَ في الإصْباحِ. والخِطابُ في (وإنَّكم) لِقُرَيْشٍ، وكانَتْ مَتاجِرُهم إلى الشّامِ عَلى مَدائِنِ قَوْمِ لُوطٍ.
﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ فَتَعْتَبِرُونَ بِما جَرى عَلى مَن كَذَّبَ الرُّسُلَ.
الصافات 37:133
﴿ولَقَدْ مَنَنّا عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ ﴿ونَجَّيْناهُما وقَوْمَهُما مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ ﴿ونَصَرْناهم فَكانُوا هُمُ الغالِبِينَ﴾ ﴿وآتَيْناهُما الكِتابَ المُسْتَبِينَ﴾ ﴿وهَدَيْناهُما الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِما في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُما مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ إلْياسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لِقَوْمِهِ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿أتَدْعُونَ بَعْلًا وتَذَرُونَ أحْسَنَ الخالِقِينَ﴾ ﴿اللَّهَ رَبَّكم ورَبَّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى إلْ ياسِينَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ لُوطًا لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ نَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلّا عَجُوزًا في الغابِرِينَ﴾ ﴿ثُمَّ دَمَّرْنا الآخَرِينَ﴾ ﴿وإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ﴾ ﴿وبِاللَّيْلِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ .
﴿الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ تَعَبُّدِ القِبْطِ لَهم، ثُمَّ خَوْفِهِمْ مِن جَيْشِ فِرْعَوْنَ، ثُمَّ البَحْرِ بَعْدَ ذَلِكَ، والضَّمِيرُ في ﴿ونَصَرْناهُمْ﴾ عائِدٌ عَلى مُوسى وهارُونَ وقَوْمِهِما؛ وقِيلَ: عائِدٌ عَلى مُوسى وهارُونَ فَقَطْ، تَعْظِيمًا لَهُما بِكِنايَةِ الجَماعَةِ. و(هم) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ فَصْلًا وتَوْكِيدًا أوْ بَدَلًا. و﴿الكِتابَ المُسْتَبِينَ﴾ التَّوْراةَ، كَما قالَ تَعالى ﴿إنّا أنْزَلْنا التَّوْراةَ فِيها هُدًى ونُورٌ﴾ [المائدة: ٤٤] . و﴿الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ هو الإسْلامُ وشَرْعُ اللَّهِ. و(إلْياسَ)، قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وقَتادَةُ: هو إدْرِيسُ عَلَيْهِ السَّلامُ. ونَقَلُوا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ وثّابٍ، والأعْمَشِ، والمِنهالِ بْنِ عُمَرَ، والحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ الكُوفِيِّ أنَّهم قَرَءُوا: وإنَّ إدْرِيسَ لِمَنِ المُرْسَلِينَ، وهي مَحْمُولَةٌ عِنْدِي عَلى تَفْسِيرِهِ؛ لِأنَّ المُسْتَفِيضَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قَرَأ ﴿وإنَّ إلْياسَ﴾ وأيْضًا تَفْسِيرُهُ إلْياسَ بِأنَّهُ إدْرِيسُ لَعَلَّهُ لا يَصِحُّ عَنْهُ؛ لِأنَّ إدْرِيسَ في التّارِيخِ المَنقُولِ كانَ قَبْلَ نُوحٍ. وفي سُورَةِ الأنْعامِ ذُكِرَ إلْياسُ، وأنَّهُ مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ، (p-٣٧٣)أوْ مِن ذُرِّيَّةِ نُوحٍ عَلى ما يَحْتَمِلُهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ووَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنا﴾ [الأنعام: ٨٤]، ﴿ومِن ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ﴾ [الأنعام: ٨٤]، وذَكَرَ في جُمْلَةِ هَذِهِ الذُّرِّيَّةِ إلْياسَ، وقِيلَ: إلْياسُ مِن أوْلاد هارُونَ. قالَ الطَّبَرِيُّ: هو إلْياسُ بْنُ ياسِينَ بْنِ فِنْحاصِ بْنِ العَيْزارِ بْنِ هارُونَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿وإنَّ إلْياسَ﴾، بِهَمْزَةِ قَطْعٍ مَكْسُورَةٍ. وقَرَأ عِكْرِمَةُ، والحَسَنُ: بِخِلافٍ عَنْهُما؛ والأعْرَجُ، وأبُو رَجاءٍ، وابْنُ عامِرٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: بِوَصْلِ الألِفِ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ وصَلَ هَمْزَةَ القَطْعِ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ اسْمُهُ ياسا، ودَخَلَتْ عَلَيْهِ (ألْ)، كَما دَخَلَتْ عَلى اليَسَعَ. وفي حَرْفِ أُبَيٍّ ومُصْحَفِهِ: وإنَّ إيلِيسَ، بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ، بَعْدَها ياءٌ ساكِنَةٌ، بَعْدَها لامٌ مَكْسُورَةٌ، بَعْدَها ياءٌ ساكِنَةٌ وسِينٌ مَفْتُوحَةٌ. وقُرِئَ: وإنَّ إدْراسَ، لُغَةً في إدْرِيسَ، كَإبْراهامَ في إبْراهِيمَ.
﴿أتَدْعُونَ بَعْلًا﴾ أيْ أتَعْبُدُونَ بَعْلًا، وهو عَلَمٌ لِصَنَمٍ لَهم، قالَهُ الضَّحّاكُ والحَسَنُ وابْنُ زَيْدٍ. قِيلَ: وكانَ مِن ذَهَبٍ، طُولُهُ عِشْرُونَ ذِراعًا، ولَهُ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ، فُتِنُوا بِهِ وعَظَّمُوهُ حَتّى أخَدَمُوهُ أرْبَعَمِائَةِ سادِنٍ وجَعَلُوهم أنْبِياءَ، وكانَ الشَّيْطانُ يَدْخُلُ في جَوْفِ بَعْلٍ ويَتَكَلَّمُ بِشَرِيعَةِ الضَّلالَةِ، والسَّدَنَةُ يَحْفَظُونَها ويُعَلِّمُونَها النّاسَ، وهم أهْلُ بَعْلَبَكَّ مِن بِلادِ الشّامِ، وبِهِ سُمِّيَتْ مَدِينَتُهم بَعْلَبَكَّ. وقالَ عِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ: البَعْلُ: الرَّبُّ بِلُغَةِ اليَمَنِ. وسَمِعَ ابْنُ عَبّاسٍ رَجُلًا يَنْشُدُ ضالَّةً، فَقالَ لَهُ رَجُلٌ: أنا بَعْلُها، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: اللَّهُ أكْبَرُ، أتَدْعُونَ بَعْلًا ؟ ويُقالُ: مَن بَعْلُ هَذِهِ الدّارِ، أيْ رَبُّها ؟ والمَعْنى عَلى هَذا: أتَعْبُدُونَ بَعْضَ البُعُولِ وتَتْرُكُونَ عِبادَةَ اللَّهِ ؟ وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّ بَعْلًا اسْمُ امْرَأةٍ أتَتْهم بِضَلالَةٍ فاتَّبَعُوها. وقُرِئَ: أتَدْعُونَ بَعْلاءَ، بِالمَدِّ عَلى وزْنِ حَمْراءَ، ويُؤْنِسُ هَذِهِ القِراءَةَ قَوْلُ مَن قالَ: إنَّهُ اسْمُ امْرَأةٍ.
وقَرَأ الكُوفِيُّونَ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ (اللَّهَ رَبَّكم ورَبَّ آبائِكُمُ)، بِالنَّصْبِ في الثَّلاثَةِ بَدَلًا مِن (أحْسَنَ) أوْ عَطْفَ بَيانٍ إنْ قُلْنا إنَّ إضافَةَ التَّفْضِيلِ مَحْضَةٌ، وباقِي السَّبْعَةِ بِالرَّفْعِ، أيْ هو اللَّهُ، أوْ يَكُونُ اسْتِئْنافًا مُبْتَدَأً ورَبُّكم خَبَرُهُ. ورُوِيَ عَنْ حَمْزَةَ أنَّهُ إذا وُصِلَ نُصِبَ، وإذا قُطِعَ رُفِعَ. (فَكَذَّبُوهُ) أيْ كَذَّبَهُ قَوْمُهُ، إمّا في قَوْلِهِ (اللَّهَ رَبَّكم) هَذِهِ النِّسْبَةِ، أوْ فَكَذَّبُوهُ فِيما جاءَ بِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ مِنَ الأمْرِ بِالتَّوْحِيدِ وتَرْكِ الصَّنَمِ والإيمانِ بِما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ. ومُحْضَرُونَ: مَجْمُوعُونَ لِلْعَذابِ.
﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ اسْتِثْناءٌ يَدُلُّ عَلى أنَّ مِن قَوْمِهِ مُخَلَصِينَ لَمْ يُكَذِّبُوهُ، فَهو اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ مِن ضَمِيرِ (فَكَذَّبُوهُ) ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مِن ﴿فَإنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ لِأنَّهم كانُوا يَكُونُونَ مُنْدَرِجِينَ فِيمَن كَذَّبَ، ويَكُونُونَ ﴿عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ وذَلِكَ لا يُمْكِنُ ولا يُناسِبُ أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مُنْقَطِعًا، إذْ يَصِيرُ المَعْنى: لَكِنَّ عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ مِن غَيْرِ قَوْمِهِ لا يَحْضُرُونَ لِلْعَذابِ، ولا مَسِيسَ لِهَؤُلاءِ المَمْسُوسِينَ بِالآيَةِ الَّتِي فِيها قِصَّةُ إلْياسَ هَذِهِ.
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: عَلى آلِ ياسِينَ. وزَعَمُوا أنَّ آلَ مَفْصُولَةٌ في المُصْحَفِ، وياسِينَ اسْمٌ لِإلْياسَ. وقِيلَ: اسْمٌ لِأبِي إلْياسَ؛ لِأنَّهُ إلْياسُ بْنُ ياسِينَ، وآلُ ياسِينَ هو ابْنُهُ إلْياسُ. وقِيلَ: ياسِينُ هو اسْمُ مُحَمَّدٍ ﷺ وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ ﴿عَلى إلْ ياسِينَ﴾ بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ، أيْ إلِياسِينَ، جَمَعَ المَنسُوبِينَ إلى إلْياسَ مَعَهُ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ. وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ مِن قَوْمِهِ مَن كانَ اتَّبَعَهُ عَلى الدِّينِ، وكُلُّ واحِدٍ مِمَّنْ نُسِبَ إلَيْهِ كَأنَّهُ إلْياسُ، فَلَمّا جُمِعَتْ، خُفِّفَتْ ياءُ النِّسْبَةِ بِحَذْفِ إحْداهُما كَراهَةَ التَّضْعِيفِ، فالتَقى ساكِنانِ: الياءُ فِيهِ وحَرْفُ العِلَّةِ الَّذِي لِلْجَمْعِ، فَحُذِفَتْ لِالتِقائِهِما، كَما قالُوا: الأشْعَرُونَ والأعْجَمُونَ والخَبِيبُونَ والمُهَلَّبُونَ. وحَكى أبُو عَمْرٍو أنَّ مُنادِيًا نادى يَوْمَ الكِلابِ: هَلَكَ اليَزِيدِيُّونَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَوْ كانا جَمْعًا، لَعُرِّفَ بِالألِفِ واللّامِ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ، والحَسَنُ: عَلى الياسِينَ، بِوَصْلِ الألِفِ عَلى أنَّهُ جَمْعٌ يُرادُ بِهِ إلْياسُ وقَوْمُهُ المُؤْمِنُونَ، وحُذِفَتْ ياءُ النَّسَبِ، كَما قالُوا: الأشْعَرُونَ، والألِفُ واللّامُ دَخَلَتْ عَلى الجَمْعِ، واسْمُهُ عَلى هَذا (ياسُ) . وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، ومَن ذُكِرَ مَعَهُ أنَّهُ قَرَأ إدْرِيسَ: سَلامٌ عَلى إدْراسِينَ. وعَنْ (p-٣٧٤)قَتادَةَ: وإنَّ إدْرِيسَ. وقَرَأ عَلِيٌّ إدْرَسِينَ. وقَرَأ ابْنُ عَلِيٍّ: إيلْيَسَ، كَقِراءَتِهِ وإنَّ إيلْيَسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ.
﴿إلّا عَجُوزًا﴾ هي امْرَأةُ لُوطٍ، وكانَتْ كافِرَةً، إمّا مُسْتَتِرَةً بِالكُفْرِ، وإمّا مُعْلِنَةً بِهِ. وكانَ نِكاحُ الوَثَنِيّاتِ عِنْدَهم جائِزًا.
﴿مُصْبِحِينَ﴾ أيْ داخِلِينَ في الإصْباحِ. والخِطابُ في (وإنَّكم) لِقُرَيْشٍ، وكانَتْ مَتاجِرُهم إلى الشّامِ عَلى مَدائِنِ قَوْمِ لُوطٍ.
﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ فَتَعْتَبِرُونَ بِما جَرى عَلى مَن كَذَّبَ الرُّسُلَ.
الصافات 37:134
﴿ولَقَدْ مَنَنّا عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ ﴿ونَجَّيْناهُما وقَوْمَهُما مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ ﴿ونَصَرْناهم فَكانُوا هُمُ الغالِبِينَ﴾ ﴿وآتَيْناهُما الكِتابَ المُسْتَبِينَ﴾ ﴿وهَدَيْناهُما الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِما في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُما مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ إلْياسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لِقَوْمِهِ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿أتَدْعُونَ بَعْلًا وتَذَرُونَ أحْسَنَ الخالِقِينَ﴾ ﴿اللَّهَ رَبَّكم ورَبَّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى إلْ ياسِينَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ لُوطًا لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ نَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلّا عَجُوزًا في الغابِرِينَ﴾ ﴿ثُمَّ دَمَّرْنا الآخَرِينَ﴾ ﴿وإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ﴾ ﴿وبِاللَّيْلِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ .
﴿الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ تَعَبُّدِ القِبْطِ لَهم، ثُمَّ خَوْفِهِمْ مِن جَيْشِ فِرْعَوْنَ، ثُمَّ البَحْرِ بَعْدَ ذَلِكَ، والضَّمِيرُ في ﴿ونَصَرْناهُمْ﴾ عائِدٌ عَلى مُوسى وهارُونَ وقَوْمِهِما؛ وقِيلَ: عائِدٌ عَلى مُوسى وهارُونَ فَقَطْ، تَعْظِيمًا لَهُما بِكِنايَةِ الجَماعَةِ. و(هم) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ فَصْلًا وتَوْكِيدًا أوْ بَدَلًا. و﴿الكِتابَ المُسْتَبِينَ﴾ التَّوْراةَ، كَما قالَ تَعالى ﴿إنّا أنْزَلْنا التَّوْراةَ فِيها هُدًى ونُورٌ﴾ [المائدة: ٤٤] . و﴿الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ هو الإسْلامُ وشَرْعُ اللَّهِ. و(إلْياسَ)، قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وقَتادَةُ: هو إدْرِيسُ عَلَيْهِ السَّلامُ. ونَقَلُوا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ وثّابٍ، والأعْمَشِ، والمِنهالِ بْنِ عُمَرَ، والحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ الكُوفِيِّ أنَّهم قَرَءُوا: وإنَّ إدْرِيسَ لِمَنِ المُرْسَلِينَ، وهي مَحْمُولَةٌ عِنْدِي عَلى تَفْسِيرِهِ؛ لِأنَّ المُسْتَفِيضَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قَرَأ ﴿وإنَّ إلْياسَ﴾ وأيْضًا تَفْسِيرُهُ إلْياسَ بِأنَّهُ إدْرِيسُ لَعَلَّهُ لا يَصِحُّ عَنْهُ؛ لِأنَّ إدْرِيسَ في التّارِيخِ المَنقُولِ كانَ قَبْلَ نُوحٍ. وفي سُورَةِ الأنْعامِ ذُكِرَ إلْياسُ، وأنَّهُ مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ، (p-٣٧٣)أوْ مِن ذُرِّيَّةِ نُوحٍ عَلى ما يَحْتَمِلُهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ووَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنا﴾ [الأنعام: ٨٤]، ﴿ومِن ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ﴾ [الأنعام: ٨٤]، وذَكَرَ في جُمْلَةِ هَذِهِ الذُّرِّيَّةِ إلْياسَ، وقِيلَ: إلْياسُ مِن أوْلاد هارُونَ. قالَ الطَّبَرِيُّ: هو إلْياسُ بْنُ ياسِينَ بْنِ فِنْحاصِ بْنِ العَيْزارِ بْنِ هارُونَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿وإنَّ إلْياسَ﴾، بِهَمْزَةِ قَطْعٍ مَكْسُورَةٍ. وقَرَأ عِكْرِمَةُ، والحَسَنُ: بِخِلافٍ عَنْهُما؛ والأعْرَجُ، وأبُو رَجاءٍ، وابْنُ عامِرٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: بِوَصْلِ الألِفِ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ وصَلَ هَمْزَةَ القَطْعِ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ اسْمُهُ ياسا، ودَخَلَتْ عَلَيْهِ (ألْ)، كَما دَخَلَتْ عَلى اليَسَعَ. وفي حَرْفِ أُبَيٍّ ومُصْحَفِهِ: وإنَّ إيلِيسَ، بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ، بَعْدَها ياءٌ ساكِنَةٌ، بَعْدَها لامٌ مَكْسُورَةٌ، بَعْدَها ياءٌ ساكِنَةٌ وسِينٌ مَفْتُوحَةٌ. وقُرِئَ: وإنَّ إدْراسَ، لُغَةً في إدْرِيسَ، كَإبْراهامَ في إبْراهِيمَ.
﴿أتَدْعُونَ بَعْلًا﴾ أيْ أتَعْبُدُونَ بَعْلًا، وهو عَلَمٌ لِصَنَمٍ لَهم، قالَهُ الضَّحّاكُ والحَسَنُ وابْنُ زَيْدٍ. قِيلَ: وكانَ مِن ذَهَبٍ، طُولُهُ عِشْرُونَ ذِراعًا، ولَهُ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ، فُتِنُوا بِهِ وعَظَّمُوهُ حَتّى أخَدَمُوهُ أرْبَعَمِائَةِ سادِنٍ وجَعَلُوهم أنْبِياءَ، وكانَ الشَّيْطانُ يَدْخُلُ في جَوْفِ بَعْلٍ ويَتَكَلَّمُ بِشَرِيعَةِ الضَّلالَةِ، والسَّدَنَةُ يَحْفَظُونَها ويُعَلِّمُونَها النّاسَ، وهم أهْلُ بَعْلَبَكَّ مِن بِلادِ الشّامِ، وبِهِ سُمِّيَتْ مَدِينَتُهم بَعْلَبَكَّ. وقالَ عِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ: البَعْلُ: الرَّبُّ بِلُغَةِ اليَمَنِ. وسَمِعَ ابْنُ عَبّاسٍ رَجُلًا يَنْشُدُ ضالَّةً، فَقالَ لَهُ رَجُلٌ: أنا بَعْلُها، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: اللَّهُ أكْبَرُ، أتَدْعُونَ بَعْلًا ؟ ويُقالُ: مَن بَعْلُ هَذِهِ الدّارِ، أيْ رَبُّها ؟ والمَعْنى عَلى هَذا: أتَعْبُدُونَ بَعْضَ البُعُولِ وتَتْرُكُونَ عِبادَةَ اللَّهِ ؟ وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّ بَعْلًا اسْمُ امْرَأةٍ أتَتْهم بِضَلالَةٍ فاتَّبَعُوها. وقُرِئَ: أتَدْعُونَ بَعْلاءَ، بِالمَدِّ عَلى وزْنِ حَمْراءَ، ويُؤْنِسُ هَذِهِ القِراءَةَ قَوْلُ مَن قالَ: إنَّهُ اسْمُ امْرَأةٍ.
وقَرَأ الكُوفِيُّونَ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ (اللَّهَ رَبَّكم ورَبَّ آبائِكُمُ)، بِالنَّصْبِ في الثَّلاثَةِ بَدَلًا مِن (أحْسَنَ) أوْ عَطْفَ بَيانٍ إنْ قُلْنا إنَّ إضافَةَ التَّفْضِيلِ مَحْضَةٌ، وباقِي السَّبْعَةِ بِالرَّفْعِ، أيْ هو اللَّهُ، أوْ يَكُونُ اسْتِئْنافًا مُبْتَدَأً ورَبُّكم خَبَرُهُ. ورُوِيَ عَنْ حَمْزَةَ أنَّهُ إذا وُصِلَ نُصِبَ، وإذا قُطِعَ رُفِعَ. (فَكَذَّبُوهُ) أيْ كَذَّبَهُ قَوْمُهُ، إمّا في قَوْلِهِ (اللَّهَ رَبَّكم) هَذِهِ النِّسْبَةِ، أوْ فَكَذَّبُوهُ فِيما جاءَ بِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ مِنَ الأمْرِ بِالتَّوْحِيدِ وتَرْكِ الصَّنَمِ والإيمانِ بِما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ. ومُحْضَرُونَ: مَجْمُوعُونَ لِلْعَذابِ.
﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ اسْتِثْناءٌ يَدُلُّ عَلى أنَّ مِن قَوْمِهِ مُخَلَصِينَ لَمْ يُكَذِّبُوهُ، فَهو اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ مِن ضَمِيرِ (فَكَذَّبُوهُ) ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مِن ﴿فَإنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ لِأنَّهم كانُوا يَكُونُونَ مُنْدَرِجِينَ فِيمَن كَذَّبَ، ويَكُونُونَ ﴿عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ وذَلِكَ لا يُمْكِنُ ولا يُناسِبُ أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مُنْقَطِعًا، إذْ يَصِيرُ المَعْنى: لَكِنَّ عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ مِن غَيْرِ قَوْمِهِ لا يَحْضُرُونَ لِلْعَذابِ، ولا مَسِيسَ لِهَؤُلاءِ المَمْسُوسِينَ بِالآيَةِ الَّتِي فِيها قِصَّةُ إلْياسَ هَذِهِ.
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: عَلى آلِ ياسِينَ. وزَعَمُوا أنَّ آلَ مَفْصُولَةٌ في المُصْحَفِ، وياسِينَ اسْمٌ لِإلْياسَ. وقِيلَ: اسْمٌ لِأبِي إلْياسَ؛ لِأنَّهُ إلْياسُ بْنُ ياسِينَ، وآلُ ياسِينَ هو ابْنُهُ إلْياسُ. وقِيلَ: ياسِينُ هو اسْمُ مُحَمَّدٍ ﷺ وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ ﴿عَلى إلْ ياسِينَ﴾ بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ، أيْ إلِياسِينَ، جَمَعَ المَنسُوبِينَ إلى إلْياسَ مَعَهُ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ. وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ مِن قَوْمِهِ مَن كانَ اتَّبَعَهُ عَلى الدِّينِ، وكُلُّ واحِدٍ مِمَّنْ نُسِبَ إلَيْهِ كَأنَّهُ إلْياسُ، فَلَمّا جُمِعَتْ، خُفِّفَتْ ياءُ النِّسْبَةِ بِحَذْفِ إحْداهُما كَراهَةَ التَّضْعِيفِ، فالتَقى ساكِنانِ: الياءُ فِيهِ وحَرْفُ العِلَّةِ الَّذِي لِلْجَمْعِ، فَحُذِفَتْ لِالتِقائِهِما، كَما قالُوا: الأشْعَرُونَ والأعْجَمُونَ والخَبِيبُونَ والمُهَلَّبُونَ. وحَكى أبُو عَمْرٍو أنَّ مُنادِيًا نادى يَوْمَ الكِلابِ: هَلَكَ اليَزِيدِيُّونَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَوْ كانا جَمْعًا، لَعُرِّفَ بِالألِفِ واللّامِ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ، والحَسَنُ: عَلى الياسِينَ، بِوَصْلِ الألِفِ عَلى أنَّهُ جَمْعٌ يُرادُ بِهِ إلْياسُ وقَوْمُهُ المُؤْمِنُونَ، وحُذِفَتْ ياءُ النَّسَبِ، كَما قالُوا: الأشْعَرُونَ، والألِفُ واللّامُ دَخَلَتْ عَلى الجَمْعِ، واسْمُهُ عَلى هَذا (ياسُ) . وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، ومَن ذُكِرَ مَعَهُ أنَّهُ قَرَأ إدْرِيسَ: سَلامٌ عَلى إدْراسِينَ. وعَنْ (p-٣٧٤)قَتادَةَ: وإنَّ إدْرِيسَ. وقَرَأ عَلِيٌّ إدْرَسِينَ. وقَرَأ ابْنُ عَلِيٍّ: إيلْيَسَ، كَقِراءَتِهِ وإنَّ إيلْيَسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ.
﴿إلّا عَجُوزًا﴾ هي امْرَأةُ لُوطٍ، وكانَتْ كافِرَةً، إمّا مُسْتَتِرَةً بِالكُفْرِ، وإمّا مُعْلِنَةً بِهِ. وكانَ نِكاحُ الوَثَنِيّاتِ عِنْدَهم جائِزًا.
﴿مُصْبِحِينَ﴾ أيْ داخِلِينَ في الإصْباحِ. والخِطابُ في (وإنَّكم) لِقُرَيْشٍ، وكانَتْ مَتاجِرُهم إلى الشّامِ عَلى مَدائِنِ قَوْمِ لُوطٍ.
﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ فَتَعْتَبِرُونَ بِما جَرى عَلى مَن كَذَّبَ الرُّسُلَ.
الصافات 37:135
﴿ولَقَدْ مَنَنّا عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ ﴿ونَجَّيْناهُما وقَوْمَهُما مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ ﴿ونَصَرْناهم فَكانُوا هُمُ الغالِبِينَ﴾ ﴿وآتَيْناهُما الكِتابَ المُسْتَبِينَ﴾ ﴿وهَدَيْناهُما الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِما في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُما مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ إلْياسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لِقَوْمِهِ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿أتَدْعُونَ بَعْلًا وتَذَرُونَ أحْسَنَ الخالِقِينَ﴾ ﴿اللَّهَ رَبَّكم ورَبَّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى إلْ ياسِينَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ لُوطًا لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ نَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلّا عَجُوزًا في الغابِرِينَ﴾ ﴿ثُمَّ دَمَّرْنا الآخَرِينَ﴾ ﴿وإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ﴾ ﴿وبِاللَّيْلِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ .
﴿الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ تَعَبُّدِ القِبْطِ لَهم، ثُمَّ خَوْفِهِمْ مِن جَيْشِ فِرْعَوْنَ، ثُمَّ البَحْرِ بَعْدَ ذَلِكَ، والضَّمِيرُ في ﴿ونَصَرْناهُمْ﴾ عائِدٌ عَلى مُوسى وهارُونَ وقَوْمِهِما؛ وقِيلَ: عائِدٌ عَلى مُوسى وهارُونَ فَقَطْ، تَعْظِيمًا لَهُما بِكِنايَةِ الجَماعَةِ. و(هم) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ فَصْلًا وتَوْكِيدًا أوْ بَدَلًا. و﴿الكِتابَ المُسْتَبِينَ﴾ التَّوْراةَ، كَما قالَ تَعالى ﴿إنّا أنْزَلْنا التَّوْراةَ فِيها هُدًى ونُورٌ﴾ [المائدة: ٤٤] . و﴿الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ هو الإسْلامُ وشَرْعُ اللَّهِ. و(إلْياسَ)، قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وقَتادَةُ: هو إدْرِيسُ عَلَيْهِ السَّلامُ. ونَقَلُوا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ وثّابٍ، والأعْمَشِ، والمِنهالِ بْنِ عُمَرَ، والحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ الكُوفِيِّ أنَّهم قَرَءُوا: وإنَّ إدْرِيسَ لِمَنِ المُرْسَلِينَ، وهي مَحْمُولَةٌ عِنْدِي عَلى تَفْسِيرِهِ؛ لِأنَّ المُسْتَفِيضَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قَرَأ ﴿وإنَّ إلْياسَ﴾ وأيْضًا تَفْسِيرُهُ إلْياسَ بِأنَّهُ إدْرِيسُ لَعَلَّهُ لا يَصِحُّ عَنْهُ؛ لِأنَّ إدْرِيسَ في التّارِيخِ المَنقُولِ كانَ قَبْلَ نُوحٍ. وفي سُورَةِ الأنْعامِ ذُكِرَ إلْياسُ، وأنَّهُ مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ، (p-٣٧٣)أوْ مِن ذُرِّيَّةِ نُوحٍ عَلى ما يَحْتَمِلُهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ووَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنا﴾ [الأنعام: ٨٤]، ﴿ومِن ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ﴾ [الأنعام: ٨٤]، وذَكَرَ في جُمْلَةِ هَذِهِ الذُّرِّيَّةِ إلْياسَ، وقِيلَ: إلْياسُ مِن أوْلاد هارُونَ. قالَ الطَّبَرِيُّ: هو إلْياسُ بْنُ ياسِينَ بْنِ فِنْحاصِ بْنِ العَيْزارِ بْنِ هارُونَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿وإنَّ إلْياسَ﴾، بِهَمْزَةِ قَطْعٍ مَكْسُورَةٍ. وقَرَأ عِكْرِمَةُ، والحَسَنُ: بِخِلافٍ عَنْهُما؛ والأعْرَجُ، وأبُو رَجاءٍ، وابْنُ عامِرٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: بِوَصْلِ الألِفِ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ وصَلَ هَمْزَةَ القَطْعِ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ اسْمُهُ ياسا، ودَخَلَتْ عَلَيْهِ (ألْ)، كَما دَخَلَتْ عَلى اليَسَعَ. وفي حَرْفِ أُبَيٍّ ومُصْحَفِهِ: وإنَّ إيلِيسَ، بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ، بَعْدَها ياءٌ ساكِنَةٌ، بَعْدَها لامٌ مَكْسُورَةٌ، بَعْدَها ياءٌ ساكِنَةٌ وسِينٌ مَفْتُوحَةٌ. وقُرِئَ: وإنَّ إدْراسَ، لُغَةً في إدْرِيسَ، كَإبْراهامَ في إبْراهِيمَ.
﴿أتَدْعُونَ بَعْلًا﴾ أيْ أتَعْبُدُونَ بَعْلًا، وهو عَلَمٌ لِصَنَمٍ لَهم، قالَهُ الضَّحّاكُ والحَسَنُ وابْنُ زَيْدٍ. قِيلَ: وكانَ مِن ذَهَبٍ، طُولُهُ عِشْرُونَ ذِراعًا، ولَهُ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ، فُتِنُوا بِهِ وعَظَّمُوهُ حَتّى أخَدَمُوهُ أرْبَعَمِائَةِ سادِنٍ وجَعَلُوهم أنْبِياءَ، وكانَ الشَّيْطانُ يَدْخُلُ في جَوْفِ بَعْلٍ ويَتَكَلَّمُ بِشَرِيعَةِ الضَّلالَةِ، والسَّدَنَةُ يَحْفَظُونَها ويُعَلِّمُونَها النّاسَ، وهم أهْلُ بَعْلَبَكَّ مِن بِلادِ الشّامِ، وبِهِ سُمِّيَتْ مَدِينَتُهم بَعْلَبَكَّ. وقالَ عِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ: البَعْلُ: الرَّبُّ بِلُغَةِ اليَمَنِ. وسَمِعَ ابْنُ عَبّاسٍ رَجُلًا يَنْشُدُ ضالَّةً، فَقالَ لَهُ رَجُلٌ: أنا بَعْلُها، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: اللَّهُ أكْبَرُ، أتَدْعُونَ بَعْلًا ؟ ويُقالُ: مَن بَعْلُ هَذِهِ الدّارِ، أيْ رَبُّها ؟ والمَعْنى عَلى هَذا: أتَعْبُدُونَ بَعْضَ البُعُولِ وتَتْرُكُونَ عِبادَةَ اللَّهِ ؟ وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّ بَعْلًا اسْمُ امْرَأةٍ أتَتْهم بِضَلالَةٍ فاتَّبَعُوها. وقُرِئَ: أتَدْعُونَ بَعْلاءَ، بِالمَدِّ عَلى وزْنِ حَمْراءَ، ويُؤْنِسُ هَذِهِ القِراءَةَ قَوْلُ مَن قالَ: إنَّهُ اسْمُ امْرَأةٍ.
وقَرَأ الكُوفِيُّونَ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ (اللَّهَ رَبَّكم ورَبَّ آبائِكُمُ)، بِالنَّصْبِ في الثَّلاثَةِ بَدَلًا مِن (أحْسَنَ) أوْ عَطْفَ بَيانٍ إنْ قُلْنا إنَّ إضافَةَ التَّفْضِيلِ مَحْضَةٌ، وباقِي السَّبْعَةِ بِالرَّفْعِ، أيْ هو اللَّهُ، أوْ يَكُونُ اسْتِئْنافًا مُبْتَدَأً ورَبُّكم خَبَرُهُ. ورُوِيَ عَنْ حَمْزَةَ أنَّهُ إذا وُصِلَ نُصِبَ، وإذا قُطِعَ رُفِعَ. (فَكَذَّبُوهُ) أيْ كَذَّبَهُ قَوْمُهُ، إمّا في قَوْلِهِ (اللَّهَ رَبَّكم) هَذِهِ النِّسْبَةِ، أوْ فَكَذَّبُوهُ فِيما جاءَ بِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ مِنَ الأمْرِ بِالتَّوْحِيدِ وتَرْكِ الصَّنَمِ والإيمانِ بِما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ. ومُحْضَرُونَ: مَجْمُوعُونَ لِلْعَذابِ.
﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ اسْتِثْناءٌ يَدُلُّ عَلى أنَّ مِن قَوْمِهِ مُخَلَصِينَ لَمْ يُكَذِّبُوهُ، فَهو اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ مِن ضَمِيرِ (فَكَذَّبُوهُ) ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مِن ﴿فَإنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ لِأنَّهم كانُوا يَكُونُونَ مُنْدَرِجِينَ فِيمَن كَذَّبَ، ويَكُونُونَ ﴿عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ وذَلِكَ لا يُمْكِنُ ولا يُناسِبُ أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مُنْقَطِعًا، إذْ يَصِيرُ المَعْنى: لَكِنَّ عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ مِن غَيْرِ قَوْمِهِ لا يَحْضُرُونَ لِلْعَذابِ، ولا مَسِيسَ لِهَؤُلاءِ المَمْسُوسِينَ بِالآيَةِ الَّتِي فِيها قِصَّةُ إلْياسَ هَذِهِ.
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: عَلى آلِ ياسِينَ. وزَعَمُوا أنَّ آلَ مَفْصُولَةٌ في المُصْحَفِ، وياسِينَ اسْمٌ لِإلْياسَ. وقِيلَ: اسْمٌ لِأبِي إلْياسَ؛ لِأنَّهُ إلْياسُ بْنُ ياسِينَ، وآلُ ياسِينَ هو ابْنُهُ إلْياسُ. وقِيلَ: ياسِينُ هو اسْمُ مُحَمَّدٍ ﷺ وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ ﴿عَلى إلْ ياسِينَ﴾ بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ، أيْ إلِياسِينَ، جَمَعَ المَنسُوبِينَ إلى إلْياسَ مَعَهُ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ. وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ مِن قَوْمِهِ مَن كانَ اتَّبَعَهُ عَلى الدِّينِ، وكُلُّ واحِدٍ مِمَّنْ نُسِبَ إلَيْهِ كَأنَّهُ إلْياسُ، فَلَمّا جُمِعَتْ، خُفِّفَتْ ياءُ النِّسْبَةِ بِحَذْفِ إحْداهُما كَراهَةَ التَّضْعِيفِ، فالتَقى ساكِنانِ: الياءُ فِيهِ وحَرْفُ العِلَّةِ الَّذِي لِلْجَمْعِ، فَحُذِفَتْ لِالتِقائِهِما، كَما قالُوا: الأشْعَرُونَ والأعْجَمُونَ والخَبِيبُونَ والمُهَلَّبُونَ. وحَكى أبُو عَمْرٍو أنَّ مُنادِيًا نادى يَوْمَ الكِلابِ: هَلَكَ اليَزِيدِيُّونَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَوْ كانا جَمْعًا، لَعُرِّفَ بِالألِفِ واللّامِ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ، والحَسَنُ: عَلى الياسِينَ، بِوَصْلِ الألِفِ عَلى أنَّهُ جَمْعٌ يُرادُ بِهِ إلْياسُ وقَوْمُهُ المُؤْمِنُونَ، وحُذِفَتْ ياءُ النَّسَبِ، كَما قالُوا: الأشْعَرُونَ، والألِفُ واللّامُ دَخَلَتْ عَلى الجَمْعِ، واسْمُهُ عَلى هَذا (ياسُ) . وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، ومَن ذُكِرَ مَعَهُ أنَّهُ قَرَأ إدْرِيسَ: سَلامٌ عَلى إدْراسِينَ. وعَنْ (p-٣٧٤)قَتادَةَ: وإنَّ إدْرِيسَ. وقَرَأ عَلِيٌّ إدْرَسِينَ. وقَرَأ ابْنُ عَلِيٍّ: إيلْيَسَ، كَقِراءَتِهِ وإنَّ إيلْيَسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ.
﴿إلّا عَجُوزًا﴾ هي امْرَأةُ لُوطٍ، وكانَتْ كافِرَةً، إمّا مُسْتَتِرَةً بِالكُفْرِ، وإمّا مُعْلِنَةً بِهِ. وكانَ نِكاحُ الوَثَنِيّاتِ عِنْدَهم جائِزًا.
﴿مُصْبِحِينَ﴾ أيْ داخِلِينَ في الإصْباحِ. والخِطابُ في (وإنَّكم) لِقُرَيْشٍ، وكانَتْ مَتاجِرُهم إلى الشّامِ عَلى مَدائِنِ قَوْمِ لُوطٍ.
﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ فَتَعْتَبِرُونَ بِما جَرى عَلى مَن كَذَّبَ الرُّسُلَ.
الصافات 37:136
﴿ولَقَدْ مَنَنّا عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ ﴿ونَجَّيْناهُما وقَوْمَهُما مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ ﴿ونَصَرْناهم فَكانُوا هُمُ الغالِبِينَ﴾ ﴿وآتَيْناهُما الكِتابَ المُسْتَبِينَ﴾ ﴿وهَدَيْناهُما الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِما في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُما مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ إلْياسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لِقَوْمِهِ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿أتَدْعُونَ بَعْلًا وتَذَرُونَ أحْسَنَ الخالِقِينَ﴾ ﴿اللَّهَ رَبَّكم ورَبَّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى إلْ ياسِينَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ لُوطًا لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ نَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلّا عَجُوزًا في الغابِرِينَ﴾ ﴿ثُمَّ دَمَّرْنا الآخَرِينَ﴾ ﴿وإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ﴾ ﴿وبِاللَّيْلِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ .
﴿الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ تَعَبُّدِ القِبْطِ لَهم، ثُمَّ خَوْفِهِمْ مِن جَيْشِ فِرْعَوْنَ، ثُمَّ البَحْرِ بَعْدَ ذَلِكَ، والضَّمِيرُ في ﴿ونَصَرْناهُمْ﴾ عائِدٌ عَلى مُوسى وهارُونَ وقَوْمِهِما؛ وقِيلَ: عائِدٌ عَلى مُوسى وهارُونَ فَقَطْ، تَعْظِيمًا لَهُما بِكِنايَةِ الجَماعَةِ. و(هم) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ فَصْلًا وتَوْكِيدًا أوْ بَدَلًا. و﴿الكِتابَ المُسْتَبِينَ﴾ التَّوْراةَ، كَما قالَ تَعالى ﴿إنّا أنْزَلْنا التَّوْراةَ فِيها هُدًى ونُورٌ﴾ [المائدة: ٤٤] . و﴿الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ هو الإسْلامُ وشَرْعُ اللَّهِ. و(إلْياسَ)، قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وقَتادَةُ: هو إدْرِيسُ عَلَيْهِ السَّلامُ. ونَقَلُوا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ وثّابٍ، والأعْمَشِ، والمِنهالِ بْنِ عُمَرَ، والحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ الكُوفِيِّ أنَّهم قَرَءُوا: وإنَّ إدْرِيسَ لِمَنِ المُرْسَلِينَ، وهي مَحْمُولَةٌ عِنْدِي عَلى تَفْسِيرِهِ؛ لِأنَّ المُسْتَفِيضَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قَرَأ ﴿وإنَّ إلْياسَ﴾ وأيْضًا تَفْسِيرُهُ إلْياسَ بِأنَّهُ إدْرِيسُ لَعَلَّهُ لا يَصِحُّ عَنْهُ؛ لِأنَّ إدْرِيسَ في التّارِيخِ المَنقُولِ كانَ قَبْلَ نُوحٍ. وفي سُورَةِ الأنْعامِ ذُكِرَ إلْياسُ، وأنَّهُ مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ، (p-٣٧٣)أوْ مِن ذُرِّيَّةِ نُوحٍ عَلى ما يَحْتَمِلُهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ووَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنا﴾ [الأنعام: ٨٤]، ﴿ومِن ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ﴾ [الأنعام: ٨٤]، وذَكَرَ في جُمْلَةِ هَذِهِ الذُّرِّيَّةِ إلْياسَ، وقِيلَ: إلْياسُ مِن أوْلاد هارُونَ. قالَ الطَّبَرِيُّ: هو إلْياسُ بْنُ ياسِينَ بْنِ فِنْحاصِ بْنِ العَيْزارِ بْنِ هارُونَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿وإنَّ إلْياسَ﴾، بِهَمْزَةِ قَطْعٍ مَكْسُورَةٍ. وقَرَأ عِكْرِمَةُ، والحَسَنُ: بِخِلافٍ عَنْهُما؛ والأعْرَجُ، وأبُو رَجاءٍ، وابْنُ عامِرٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: بِوَصْلِ الألِفِ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ وصَلَ هَمْزَةَ القَطْعِ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ اسْمُهُ ياسا، ودَخَلَتْ عَلَيْهِ (ألْ)، كَما دَخَلَتْ عَلى اليَسَعَ. وفي حَرْفِ أُبَيٍّ ومُصْحَفِهِ: وإنَّ إيلِيسَ، بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ، بَعْدَها ياءٌ ساكِنَةٌ، بَعْدَها لامٌ مَكْسُورَةٌ، بَعْدَها ياءٌ ساكِنَةٌ وسِينٌ مَفْتُوحَةٌ. وقُرِئَ: وإنَّ إدْراسَ، لُغَةً في إدْرِيسَ، كَإبْراهامَ في إبْراهِيمَ.
﴿أتَدْعُونَ بَعْلًا﴾ أيْ أتَعْبُدُونَ بَعْلًا، وهو عَلَمٌ لِصَنَمٍ لَهم، قالَهُ الضَّحّاكُ والحَسَنُ وابْنُ زَيْدٍ. قِيلَ: وكانَ مِن ذَهَبٍ، طُولُهُ عِشْرُونَ ذِراعًا، ولَهُ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ، فُتِنُوا بِهِ وعَظَّمُوهُ حَتّى أخَدَمُوهُ أرْبَعَمِائَةِ سادِنٍ وجَعَلُوهم أنْبِياءَ، وكانَ الشَّيْطانُ يَدْخُلُ في جَوْفِ بَعْلٍ ويَتَكَلَّمُ بِشَرِيعَةِ الضَّلالَةِ، والسَّدَنَةُ يَحْفَظُونَها ويُعَلِّمُونَها النّاسَ، وهم أهْلُ بَعْلَبَكَّ مِن بِلادِ الشّامِ، وبِهِ سُمِّيَتْ مَدِينَتُهم بَعْلَبَكَّ. وقالَ عِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ: البَعْلُ: الرَّبُّ بِلُغَةِ اليَمَنِ. وسَمِعَ ابْنُ عَبّاسٍ رَجُلًا يَنْشُدُ ضالَّةً، فَقالَ لَهُ رَجُلٌ: أنا بَعْلُها، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: اللَّهُ أكْبَرُ، أتَدْعُونَ بَعْلًا ؟ ويُقالُ: مَن بَعْلُ هَذِهِ الدّارِ، أيْ رَبُّها ؟ والمَعْنى عَلى هَذا: أتَعْبُدُونَ بَعْضَ البُعُولِ وتَتْرُكُونَ عِبادَةَ اللَّهِ ؟ وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّ بَعْلًا اسْمُ امْرَأةٍ أتَتْهم بِضَلالَةٍ فاتَّبَعُوها. وقُرِئَ: أتَدْعُونَ بَعْلاءَ، بِالمَدِّ عَلى وزْنِ حَمْراءَ، ويُؤْنِسُ هَذِهِ القِراءَةَ قَوْلُ مَن قالَ: إنَّهُ اسْمُ امْرَأةٍ.
وقَرَأ الكُوفِيُّونَ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ (اللَّهَ رَبَّكم ورَبَّ آبائِكُمُ)، بِالنَّصْبِ في الثَّلاثَةِ بَدَلًا مِن (أحْسَنَ) أوْ عَطْفَ بَيانٍ إنْ قُلْنا إنَّ إضافَةَ التَّفْضِيلِ مَحْضَةٌ، وباقِي السَّبْعَةِ بِالرَّفْعِ، أيْ هو اللَّهُ، أوْ يَكُونُ اسْتِئْنافًا مُبْتَدَأً ورَبُّكم خَبَرُهُ. ورُوِيَ عَنْ حَمْزَةَ أنَّهُ إذا وُصِلَ نُصِبَ، وإذا قُطِعَ رُفِعَ. (فَكَذَّبُوهُ) أيْ كَذَّبَهُ قَوْمُهُ، إمّا في قَوْلِهِ (اللَّهَ رَبَّكم) هَذِهِ النِّسْبَةِ، أوْ فَكَذَّبُوهُ فِيما جاءَ بِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ مِنَ الأمْرِ بِالتَّوْحِيدِ وتَرْكِ الصَّنَمِ والإيمانِ بِما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ. ومُحْضَرُونَ: مَجْمُوعُونَ لِلْعَذابِ.
﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ اسْتِثْناءٌ يَدُلُّ عَلى أنَّ مِن قَوْمِهِ مُخَلَصِينَ لَمْ يُكَذِّبُوهُ، فَهو اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ مِن ضَمِيرِ (فَكَذَّبُوهُ) ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مِن ﴿فَإنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ لِأنَّهم كانُوا يَكُونُونَ مُنْدَرِجِينَ فِيمَن كَذَّبَ، ويَكُونُونَ ﴿عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ وذَلِكَ لا يُمْكِنُ ولا يُناسِبُ أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مُنْقَطِعًا، إذْ يَصِيرُ المَعْنى: لَكِنَّ عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ مِن غَيْرِ قَوْمِهِ لا يَحْضُرُونَ لِلْعَذابِ، ولا مَسِيسَ لِهَؤُلاءِ المَمْسُوسِينَ بِالآيَةِ الَّتِي فِيها قِصَّةُ إلْياسَ هَذِهِ.
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: عَلى آلِ ياسِينَ. وزَعَمُوا أنَّ آلَ مَفْصُولَةٌ في المُصْحَفِ، وياسِينَ اسْمٌ لِإلْياسَ. وقِيلَ: اسْمٌ لِأبِي إلْياسَ؛ لِأنَّهُ إلْياسُ بْنُ ياسِينَ، وآلُ ياسِينَ هو ابْنُهُ إلْياسُ. وقِيلَ: ياسِينُ هو اسْمُ مُحَمَّدٍ ﷺ وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ ﴿عَلى إلْ ياسِينَ﴾ بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ، أيْ إلِياسِينَ، جَمَعَ المَنسُوبِينَ إلى إلْياسَ مَعَهُ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ. وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ مِن قَوْمِهِ مَن كانَ اتَّبَعَهُ عَلى الدِّينِ، وكُلُّ واحِدٍ مِمَّنْ نُسِبَ إلَيْهِ كَأنَّهُ إلْياسُ، فَلَمّا جُمِعَتْ، خُفِّفَتْ ياءُ النِّسْبَةِ بِحَذْفِ إحْداهُما كَراهَةَ التَّضْعِيفِ، فالتَقى ساكِنانِ: الياءُ فِيهِ وحَرْفُ العِلَّةِ الَّذِي لِلْجَمْعِ، فَحُذِفَتْ لِالتِقائِهِما، كَما قالُوا: الأشْعَرُونَ والأعْجَمُونَ والخَبِيبُونَ والمُهَلَّبُونَ. وحَكى أبُو عَمْرٍو أنَّ مُنادِيًا نادى يَوْمَ الكِلابِ: هَلَكَ اليَزِيدِيُّونَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَوْ كانا جَمْعًا، لَعُرِّفَ بِالألِفِ واللّامِ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ، والحَسَنُ: عَلى الياسِينَ، بِوَصْلِ الألِفِ عَلى أنَّهُ جَمْعٌ يُرادُ بِهِ إلْياسُ وقَوْمُهُ المُؤْمِنُونَ، وحُذِفَتْ ياءُ النَّسَبِ، كَما قالُوا: الأشْعَرُونَ، والألِفُ واللّامُ دَخَلَتْ عَلى الجَمْعِ، واسْمُهُ عَلى هَذا (ياسُ) . وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، ومَن ذُكِرَ مَعَهُ أنَّهُ قَرَأ إدْرِيسَ: سَلامٌ عَلى إدْراسِينَ. وعَنْ (p-٣٧٤)قَتادَةَ: وإنَّ إدْرِيسَ. وقَرَأ عَلِيٌّ إدْرَسِينَ. وقَرَأ ابْنُ عَلِيٍّ: إيلْيَسَ، كَقِراءَتِهِ وإنَّ إيلْيَسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ.
﴿إلّا عَجُوزًا﴾ هي امْرَأةُ لُوطٍ، وكانَتْ كافِرَةً، إمّا مُسْتَتِرَةً بِالكُفْرِ، وإمّا مُعْلِنَةً بِهِ. وكانَ نِكاحُ الوَثَنِيّاتِ عِنْدَهم جائِزًا.
﴿مُصْبِحِينَ﴾ أيْ داخِلِينَ في الإصْباحِ. والخِطابُ في (وإنَّكم) لِقُرَيْشٍ، وكانَتْ مَتاجِرُهم إلى الشّامِ عَلى مَدائِنِ قَوْمِ لُوطٍ.
﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ فَتَعْتَبِرُونَ بِما جَرى عَلى مَن كَذَّبَ الرُّسُلَ.
الصافات 37:137
﴿ولَقَدْ مَنَنّا عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ ﴿ونَجَّيْناهُما وقَوْمَهُما مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ ﴿ونَصَرْناهم فَكانُوا هُمُ الغالِبِينَ﴾ ﴿وآتَيْناهُما الكِتابَ المُسْتَبِينَ﴾ ﴿وهَدَيْناهُما الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِما في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُما مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ إلْياسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لِقَوْمِهِ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿أتَدْعُونَ بَعْلًا وتَذَرُونَ أحْسَنَ الخالِقِينَ﴾ ﴿اللَّهَ رَبَّكم ورَبَّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى إلْ ياسِينَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ لُوطًا لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ نَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلّا عَجُوزًا في الغابِرِينَ﴾ ﴿ثُمَّ دَمَّرْنا الآخَرِينَ﴾ ﴿وإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ﴾ ﴿وبِاللَّيْلِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ .
﴿الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ تَعَبُّدِ القِبْطِ لَهم، ثُمَّ خَوْفِهِمْ مِن جَيْشِ فِرْعَوْنَ، ثُمَّ البَحْرِ بَعْدَ ذَلِكَ، والضَّمِيرُ في ﴿ونَصَرْناهُمْ﴾ عائِدٌ عَلى مُوسى وهارُونَ وقَوْمِهِما؛ وقِيلَ: عائِدٌ عَلى مُوسى وهارُونَ فَقَطْ، تَعْظِيمًا لَهُما بِكِنايَةِ الجَماعَةِ. و(هم) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ فَصْلًا وتَوْكِيدًا أوْ بَدَلًا. و﴿الكِتابَ المُسْتَبِينَ﴾ التَّوْراةَ، كَما قالَ تَعالى ﴿إنّا أنْزَلْنا التَّوْراةَ فِيها هُدًى ونُورٌ﴾ [المائدة: ٤٤] . و﴿الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ هو الإسْلامُ وشَرْعُ اللَّهِ. و(إلْياسَ)، قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وقَتادَةُ: هو إدْرِيسُ عَلَيْهِ السَّلامُ. ونَقَلُوا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ وثّابٍ، والأعْمَشِ، والمِنهالِ بْنِ عُمَرَ، والحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ الكُوفِيِّ أنَّهم قَرَءُوا: وإنَّ إدْرِيسَ لِمَنِ المُرْسَلِينَ، وهي مَحْمُولَةٌ عِنْدِي عَلى تَفْسِيرِهِ؛ لِأنَّ المُسْتَفِيضَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قَرَأ ﴿وإنَّ إلْياسَ﴾ وأيْضًا تَفْسِيرُهُ إلْياسَ بِأنَّهُ إدْرِيسُ لَعَلَّهُ لا يَصِحُّ عَنْهُ؛ لِأنَّ إدْرِيسَ في التّارِيخِ المَنقُولِ كانَ قَبْلَ نُوحٍ. وفي سُورَةِ الأنْعامِ ذُكِرَ إلْياسُ، وأنَّهُ مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ، (p-٣٧٣)أوْ مِن ذُرِّيَّةِ نُوحٍ عَلى ما يَحْتَمِلُهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ووَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنا﴾ [الأنعام: ٨٤]، ﴿ومِن ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ﴾ [الأنعام: ٨٤]، وذَكَرَ في جُمْلَةِ هَذِهِ الذُّرِّيَّةِ إلْياسَ، وقِيلَ: إلْياسُ مِن أوْلاد هارُونَ. قالَ الطَّبَرِيُّ: هو إلْياسُ بْنُ ياسِينَ بْنِ فِنْحاصِ بْنِ العَيْزارِ بْنِ هارُونَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿وإنَّ إلْياسَ﴾، بِهَمْزَةِ قَطْعٍ مَكْسُورَةٍ. وقَرَأ عِكْرِمَةُ، والحَسَنُ: بِخِلافٍ عَنْهُما؛ والأعْرَجُ، وأبُو رَجاءٍ، وابْنُ عامِرٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: بِوَصْلِ الألِفِ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ وصَلَ هَمْزَةَ القَطْعِ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ اسْمُهُ ياسا، ودَخَلَتْ عَلَيْهِ (ألْ)، كَما دَخَلَتْ عَلى اليَسَعَ. وفي حَرْفِ أُبَيٍّ ومُصْحَفِهِ: وإنَّ إيلِيسَ، بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ، بَعْدَها ياءٌ ساكِنَةٌ، بَعْدَها لامٌ مَكْسُورَةٌ، بَعْدَها ياءٌ ساكِنَةٌ وسِينٌ مَفْتُوحَةٌ. وقُرِئَ: وإنَّ إدْراسَ، لُغَةً في إدْرِيسَ، كَإبْراهامَ في إبْراهِيمَ.
﴿أتَدْعُونَ بَعْلًا﴾ أيْ أتَعْبُدُونَ بَعْلًا، وهو عَلَمٌ لِصَنَمٍ لَهم، قالَهُ الضَّحّاكُ والحَسَنُ وابْنُ زَيْدٍ. قِيلَ: وكانَ مِن ذَهَبٍ، طُولُهُ عِشْرُونَ ذِراعًا، ولَهُ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ، فُتِنُوا بِهِ وعَظَّمُوهُ حَتّى أخَدَمُوهُ أرْبَعَمِائَةِ سادِنٍ وجَعَلُوهم أنْبِياءَ، وكانَ الشَّيْطانُ يَدْخُلُ في جَوْفِ بَعْلٍ ويَتَكَلَّمُ بِشَرِيعَةِ الضَّلالَةِ، والسَّدَنَةُ يَحْفَظُونَها ويُعَلِّمُونَها النّاسَ، وهم أهْلُ بَعْلَبَكَّ مِن بِلادِ الشّامِ، وبِهِ سُمِّيَتْ مَدِينَتُهم بَعْلَبَكَّ. وقالَ عِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ: البَعْلُ: الرَّبُّ بِلُغَةِ اليَمَنِ. وسَمِعَ ابْنُ عَبّاسٍ رَجُلًا يَنْشُدُ ضالَّةً، فَقالَ لَهُ رَجُلٌ: أنا بَعْلُها، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: اللَّهُ أكْبَرُ، أتَدْعُونَ بَعْلًا ؟ ويُقالُ: مَن بَعْلُ هَذِهِ الدّارِ، أيْ رَبُّها ؟ والمَعْنى عَلى هَذا: أتَعْبُدُونَ بَعْضَ البُعُولِ وتَتْرُكُونَ عِبادَةَ اللَّهِ ؟ وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّ بَعْلًا اسْمُ امْرَأةٍ أتَتْهم بِضَلالَةٍ فاتَّبَعُوها. وقُرِئَ: أتَدْعُونَ بَعْلاءَ، بِالمَدِّ عَلى وزْنِ حَمْراءَ، ويُؤْنِسُ هَذِهِ القِراءَةَ قَوْلُ مَن قالَ: إنَّهُ اسْمُ امْرَأةٍ.
وقَرَأ الكُوفِيُّونَ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ (اللَّهَ رَبَّكم ورَبَّ آبائِكُمُ)، بِالنَّصْبِ في الثَّلاثَةِ بَدَلًا مِن (أحْسَنَ) أوْ عَطْفَ بَيانٍ إنْ قُلْنا إنَّ إضافَةَ التَّفْضِيلِ مَحْضَةٌ، وباقِي السَّبْعَةِ بِالرَّفْعِ، أيْ هو اللَّهُ، أوْ يَكُونُ اسْتِئْنافًا مُبْتَدَأً ورَبُّكم خَبَرُهُ. ورُوِيَ عَنْ حَمْزَةَ أنَّهُ إذا وُصِلَ نُصِبَ، وإذا قُطِعَ رُفِعَ. (فَكَذَّبُوهُ) أيْ كَذَّبَهُ قَوْمُهُ، إمّا في قَوْلِهِ (اللَّهَ رَبَّكم) هَذِهِ النِّسْبَةِ، أوْ فَكَذَّبُوهُ فِيما جاءَ بِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ مِنَ الأمْرِ بِالتَّوْحِيدِ وتَرْكِ الصَّنَمِ والإيمانِ بِما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ. ومُحْضَرُونَ: مَجْمُوعُونَ لِلْعَذابِ.
﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ اسْتِثْناءٌ يَدُلُّ عَلى أنَّ مِن قَوْمِهِ مُخَلَصِينَ لَمْ يُكَذِّبُوهُ، فَهو اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ مِن ضَمِيرِ (فَكَذَّبُوهُ) ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مِن ﴿فَإنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ لِأنَّهم كانُوا يَكُونُونَ مُنْدَرِجِينَ فِيمَن كَذَّبَ، ويَكُونُونَ ﴿عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ وذَلِكَ لا يُمْكِنُ ولا يُناسِبُ أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مُنْقَطِعًا، إذْ يَصِيرُ المَعْنى: لَكِنَّ عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ مِن غَيْرِ قَوْمِهِ لا يَحْضُرُونَ لِلْعَذابِ، ولا مَسِيسَ لِهَؤُلاءِ المَمْسُوسِينَ بِالآيَةِ الَّتِي فِيها قِصَّةُ إلْياسَ هَذِهِ.
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: عَلى آلِ ياسِينَ. وزَعَمُوا أنَّ آلَ مَفْصُولَةٌ في المُصْحَفِ، وياسِينَ اسْمٌ لِإلْياسَ. وقِيلَ: اسْمٌ لِأبِي إلْياسَ؛ لِأنَّهُ إلْياسُ بْنُ ياسِينَ، وآلُ ياسِينَ هو ابْنُهُ إلْياسُ. وقِيلَ: ياسِينُ هو اسْمُ مُحَمَّدٍ ﷺ وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ ﴿عَلى إلْ ياسِينَ﴾ بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ، أيْ إلِياسِينَ، جَمَعَ المَنسُوبِينَ إلى إلْياسَ مَعَهُ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ. وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ مِن قَوْمِهِ مَن كانَ اتَّبَعَهُ عَلى الدِّينِ، وكُلُّ واحِدٍ مِمَّنْ نُسِبَ إلَيْهِ كَأنَّهُ إلْياسُ، فَلَمّا جُمِعَتْ، خُفِّفَتْ ياءُ النِّسْبَةِ بِحَذْفِ إحْداهُما كَراهَةَ التَّضْعِيفِ، فالتَقى ساكِنانِ: الياءُ فِيهِ وحَرْفُ العِلَّةِ الَّذِي لِلْجَمْعِ، فَحُذِفَتْ لِالتِقائِهِما، كَما قالُوا: الأشْعَرُونَ والأعْجَمُونَ والخَبِيبُونَ والمُهَلَّبُونَ. وحَكى أبُو عَمْرٍو أنَّ مُنادِيًا نادى يَوْمَ الكِلابِ: هَلَكَ اليَزِيدِيُّونَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَوْ كانا جَمْعًا، لَعُرِّفَ بِالألِفِ واللّامِ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ، والحَسَنُ: عَلى الياسِينَ، بِوَصْلِ الألِفِ عَلى أنَّهُ جَمْعٌ يُرادُ بِهِ إلْياسُ وقَوْمُهُ المُؤْمِنُونَ، وحُذِفَتْ ياءُ النَّسَبِ، كَما قالُوا: الأشْعَرُونَ، والألِفُ واللّامُ دَخَلَتْ عَلى الجَمْعِ، واسْمُهُ عَلى هَذا (ياسُ) . وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، ومَن ذُكِرَ مَعَهُ أنَّهُ قَرَأ إدْرِيسَ: سَلامٌ عَلى إدْراسِينَ. وعَنْ (p-٣٧٤)قَتادَةَ: وإنَّ إدْرِيسَ. وقَرَأ عَلِيٌّ إدْرَسِينَ. وقَرَأ ابْنُ عَلِيٍّ: إيلْيَسَ، كَقِراءَتِهِ وإنَّ إيلْيَسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ.
﴿إلّا عَجُوزًا﴾ هي امْرَأةُ لُوطٍ، وكانَتْ كافِرَةً، إمّا مُسْتَتِرَةً بِالكُفْرِ، وإمّا مُعْلِنَةً بِهِ. وكانَ نِكاحُ الوَثَنِيّاتِ عِنْدَهم جائِزًا.
﴿مُصْبِحِينَ﴾ أيْ داخِلِينَ في الإصْباحِ. والخِطابُ في (وإنَّكم) لِقُرَيْشٍ، وكانَتْ مَتاجِرُهم إلى الشّامِ عَلى مَدائِنِ قَوْمِ لُوطٍ.
﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ فَتَعْتَبِرُونَ بِما جَرى عَلى مَن كَذَّبَ الرُّسُلَ.
الصافات 37:138
﴿ولَقَدْ مَنَنّا عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ ﴿ونَجَّيْناهُما وقَوْمَهُما مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ ﴿ونَصَرْناهم فَكانُوا هُمُ الغالِبِينَ﴾ ﴿وآتَيْناهُما الكِتابَ المُسْتَبِينَ﴾ ﴿وهَدَيْناهُما الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِما في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُما مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ إلْياسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لِقَوْمِهِ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿أتَدْعُونَ بَعْلًا وتَذَرُونَ أحْسَنَ الخالِقِينَ﴾ ﴿اللَّهَ رَبَّكم ورَبَّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى إلْ ياسِينَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ لُوطًا لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ نَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلّا عَجُوزًا في الغابِرِينَ﴾ ﴿ثُمَّ دَمَّرْنا الآخَرِينَ﴾ ﴿وإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ﴾ ﴿وبِاللَّيْلِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ .
﴿الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ تَعَبُّدِ القِبْطِ لَهم، ثُمَّ خَوْفِهِمْ مِن جَيْشِ فِرْعَوْنَ، ثُمَّ البَحْرِ بَعْدَ ذَلِكَ، والضَّمِيرُ في ﴿ونَصَرْناهُمْ﴾ عائِدٌ عَلى مُوسى وهارُونَ وقَوْمِهِما؛ وقِيلَ: عائِدٌ عَلى مُوسى وهارُونَ فَقَطْ، تَعْظِيمًا لَهُما بِكِنايَةِ الجَماعَةِ. و(هم) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ فَصْلًا وتَوْكِيدًا أوْ بَدَلًا. و﴿الكِتابَ المُسْتَبِينَ﴾ التَّوْراةَ، كَما قالَ تَعالى ﴿إنّا أنْزَلْنا التَّوْراةَ فِيها هُدًى ونُورٌ﴾ [المائدة: ٤٤] . و﴿الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ هو الإسْلامُ وشَرْعُ اللَّهِ. و(إلْياسَ)، قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وقَتادَةُ: هو إدْرِيسُ عَلَيْهِ السَّلامُ. ونَقَلُوا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ وثّابٍ، والأعْمَشِ، والمِنهالِ بْنِ عُمَرَ، والحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ الكُوفِيِّ أنَّهم قَرَءُوا: وإنَّ إدْرِيسَ لِمَنِ المُرْسَلِينَ، وهي مَحْمُولَةٌ عِنْدِي عَلى تَفْسِيرِهِ؛ لِأنَّ المُسْتَفِيضَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قَرَأ ﴿وإنَّ إلْياسَ﴾ وأيْضًا تَفْسِيرُهُ إلْياسَ بِأنَّهُ إدْرِيسُ لَعَلَّهُ لا يَصِحُّ عَنْهُ؛ لِأنَّ إدْرِيسَ في التّارِيخِ المَنقُولِ كانَ قَبْلَ نُوحٍ. وفي سُورَةِ الأنْعامِ ذُكِرَ إلْياسُ، وأنَّهُ مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ، (p-٣٧٣)أوْ مِن ذُرِّيَّةِ نُوحٍ عَلى ما يَحْتَمِلُهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ووَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنا﴾ [الأنعام: ٨٤]، ﴿ومِن ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ﴾ [الأنعام: ٨٤]، وذَكَرَ في جُمْلَةِ هَذِهِ الذُّرِّيَّةِ إلْياسَ، وقِيلَ: إلْياسُ مِن أوْلاد هارُونَ. قالَ الطَّبَرِيُّ: هو إلْياسُ بْنُ ياسِينَ بْنِ فِنْحاصِ بْنِ العَيْزارِ بْنِ هارُونَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿وإنَّ إلْياسَ﴾، بِهَمْزَةِ قَطْعٍ مَكْسُورَةٍ. وقَرَأ عِكْرِمَةُ، والحَسَنُ: بِخِلافٍ عَنْهُما؛ والأعْرَجُ، وأبُو رَجاءٍ، وابْنُ عامِرٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: بِوَصْلِ الألِفِ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ وصَلَ هَمْزَةَ القَطْعِ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ اسْمُهُ ياسا، ودَخَلَتْ عَلَيْهِ (ألْ)، كَما دَخَلَتْ عَلى اليَسَعَ. وفي حَرْفِ أُبَيٍّ ومُصْحَفِهِ: وإنَّ إيلِيسَ، بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ، بَعْدَها ياءٌ ساكِنَةٌ، بَعْدَها لامٌ مَكْسُورَةٌ، بَعْدَها ياءٌ ساكِنَةٌ وسِينٌ مَفْتُوحَةٌ. وقُرِئَ: وإنَّ إدْراسَ، لُغَةً في إدْرِيسَ، كَإبْراهامَ في إبْراهِيمَ.
﴿أتَدْعُونَ بَعْلًا﴾ أيْ أتَعْبُدُونَ بَعْلًا، وهو عَلَمٌ لِصَنَمٍ لَهم، قالَهُ الضَّحّاكُ والحَسَنُ وابْنُ زَيْدٍ. قِيلَ: وكانَ مِن ذَهَبٍ، طُولُهُ عِشْرُونَ ذِراعًا، ولَهُ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ، فُتِنُوا بِهِ وعَظَّمُوهُ حَتّى أخَدَمُوهُ أرْبَعَمِائَةِ سادِنٍ وجَعَلُوهم أنْبِياءَ، وكانَ الشَّيْطانُ يَدْخُلُ في جَوْفِ بَعْلٍ ويَتَكَلَّمُ بِشَرِيعَةِ الضَّلالَةِ، والسَّدَنَةُ يَحْفَظُونَها ويُعَلِّمُونَها النّاسَ، وهم أهْلُ بَعْلَبَكَّ مِن بِلادِ الشّامِ، وبِهِ سُمِّيَتْ مَدِينَتُهم بَعْلَبَكَّ. وقالَ عِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ: البَعْلُ: الرَّبُّ بِلُغَةِ اليَمَنِ. وسَمِعَ ابْنُ عَبّاسٍ رَجُلًا يَنْشُدُ ضالَّةً، فَقالَ لَهُ رَجُلٌ: أنا بَعْلُها، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: اللَّهُ أكْبَرُ، أتَدْعُونَ بَعْلًا ؟ ويُقالُ: مَن بَعْلُ هَذِهِ الدّارِ، أيْ رَبُّها ؟ والمَعْنى عَلى هَذا: أتَعْبُدُونَ بَعْضَ البُعُولِ وتَتْرُكُونَ عِبادَةَ اللَّهِ ؟ وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّ بَعْلًا اسْمُ امْرَأةٍ أتَتْهم بِضَلالَةٍ فاتَّبَعُوها. وقُرِئَ: أتَدْعُونَ بَعْلاءَ، بِالمَدِّ عَلى وزْنِ حَمْراءَ، ويُؤْنِسُ هَذِهِ القِراءَةَ قَوْلُ مَن قالَ: إنَّهُ اسْمُ امْرَأةٍ.
وقَرَأ الكُوفِيُّونَ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ (اللَّهَ رَبَّكم ورَبَّ آبائِكُمُ)، بِالنَّصْبِ في الثَّلاثَةِ بَدَلًا مِن (أحْسَنَ) أوْ عَطْفَ بَيانٍ إنْ قُلْنا إنَّ إضافَةَ التَّفْضِيلِ مَحْضَةٌ، وباقِي السَّبْعَةِ بِالرَّفْعِ، أيْ هو اللَّهُ، أوْ يَكُونُ اسْتِئْنافًا مُبْتَدَأً ورَبُّكم خَبَرُهُ. ورُوِيَ عَنْ حَمْزَةَ أنَّهُ إذا وُصِلَ نُصِبَ، وإذا قُطِعَ رُفِعَ. (فَكَذَّبُوهُ) أيْ كَذَّبَهُ قَوْمُهُ، إمّا في قَوْلِهِ (اللَّهَ رَبَّكم) هَذِهِ النِّسْبَةِ، أوْ فَكَذَّبُوهُ فِيما جاءَ بِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ مِنَ الأمْرِ بِالتَّوْحِيدِ وتَرْكِ الصَّنَمِ والإيمانِ بِما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ. ومُحْضَرُونَ: مَجْمُوعُونَ لِلْعَذابِ.
﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ اسْتِثْناءٌ يَدُلُّ عَلى أنَّ مِن قَوْمِهِ مُخَلَصِينَ لَمْ يُكَذِّبُوهُ، فَهو اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ مِن ضَمِيرِ (فَكَذَّبُوهُ) ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مِن ﴿فَإنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ لِأنَّهم كانُوا يَكُونُونَ مُنْدَرِجِينَ فِيمَن كَذَّبَ، ويَكُونُونَ ﴿عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ وذَلِكَ لا يُمْكِنُ ولا يُناسِبُ أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مُنْقَطِعًا، إذْ يَصِيرُ المَعْنى: لَكِنَّ عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ مِن غَيْرِ قَوْمِهِ لا يَحْضُرُونَ لِلْعَذابِ، ولا مَسِيسَ لِهَؤُلاءِ المَمْسُوسِينَ بِالآيَةِ الَّتِي فِيها قِصَّةُ إلْياسَ هَذِهِ.
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: عَلى آلِ ياسِينَ. وزَعَمُوا أنَّ آلَ مَفْصُولَةٌ في المُصْحَفِ، وياسِينَ اسْمٌ لِإلْياسَ. وقِيلَ: اسْمٌ لِأبِي إلْياسَ؛ لِأنَّهُ إلْياسُ بْنُ ياسِينَ، وآلُ ياسِينَ هو ابْنُهُ إلْياسُ. وقِيلَ: ياسِينُ هو اسْمُ مُحَمَّدٍ ﷺ وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ ﴿عَلى إلْ ياسِينَ﴾ بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ، أيْ إلِياسِينَ، جَمَعَ المَنسُوبِينَ إلى إلْياسَ مَعَهُ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ. وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ مِن قَوْمِهِ مَن كانَ اتَّبَعَهُ عَلى الدِّينِ، وكُلُّ واحِدٍ مِمَّنْ نُسِبَ إلَيْهِ كَأنَّهُ إلْياسُ، فَلَمّا جُمِعَتْ، خُفِّفَتْ ياءُ النِّسْبَةِ بِحَذْفِ إحْداهُما كَراهَةَ التَّضْعِيفِ، فالتَقى ساكِنانِ: الياءُ فِيهِ وحَرْفُ العِلَّةِ الَّذِي لِلْجَمْعِ، فَحُذِفَتْ لِالتِقائِهِما، كَما قالُوا: الأشْعَرُونَ والأعْجَمُونَ والخَبِيبُونَ والمُهَلَّبُونَ. وحَكى أبُو عَمْرٍو أنَّ مُنادِيًا نادى يَوْمَ الكِلابِ: هَلَكَ اليَزِيدِيُّونَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَوْ كانا جَمْعًا، لَعُرِّفَ بِالألِفِ واللّامِ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ، والحَسَنُ: عَلى الياسِينَ، بِوَصْلِ الألِفِ عَلى أنَّهُ جَمْعٌ يُرادُ بِهِ إلْياسُ وقَوْمُهُ المُؤْمِنُونَ، وحُذِفَتْ ياءُ النَّسَبِ، كَما قالُوا: الأشْعَرُونَ، والألِفُ واللّامُ دَخَلَتْ عَلى الجَمْعِ، واسْمُهُ عَلى هَذا (ياسُ) . وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، ومَن ذُكِرَ مَعَهُ أنَّهُ قَرَأ إدْرِيسَ: سَلامٌ عَلى إدْراسِينَ. وعَنْ (p-٣٧٤)قَتادَةَ: وإنَّ إدْرِيسَ. وقَرَأ عَلِيٌّ إدْرَسِينَ. وقَرَأ ابْنُ عَلِيٍّ: إيلْيَسَ، كَقِراءَتِهِ وإنَّ إيلْيَسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ.
﴿إلّا عَجُوزًا﴾ هي امْرَأةُ لُوطٍ، وكانَتْ كافِرَةً، إمّا مُسْتَتِرَةً بِالكُفْرِ، وإمّا مُعْلِنَةً بِهِ. وكانَ نِكاحُ الوَثَنِيّاتِ عِنْدَهم جائِزًا.
﴿مُصْبِحِينَ﴾ أيْ داخِلِينَ في الإصْباحِ. والخِطابُ في (وإنَّكم) لِقُرَيْشٍ، وكانَتْ مَتاجِرُهم إلى الشّامِ عَلى مَدائِنِ قَوْمِ لُوطٍ.
﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ فَتَعْتَبِرُونَ بِما جَرى عَلى مَن كَذَّبَ الرُّسُلَ.
الصافات 37:139
﴿وإنَّ يُونُسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ أبَقَ إلى الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ ﴿فَساهَمَ فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ﴾ ﴿فالتَقَمَهُ الحُوتُ وهو مُلِيمٌ﴾ ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ ﴿لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ﴿فَنَبَذْناهُ بِالعَراءِ وهو سَقِيمٌ﴾ ﴿وأنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِن يَقْطِينٍ﴾ ﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ﴾ ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾ ﴿فاسْتَفْتِهِمْ ألِرَبِّكَ البَناتُ ولَهُمُ البَنُونَ﴾ ﴿أمْ خَلَقْنا المَلائِكَةَ إناثًا وهم شاهِدُونَ﴾ ﴿ألا إنَّهم مِن إفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ﴾ ﴿ولَدَ اللَّهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ ﴿أاصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ﴾ ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾ ﴿فَأْتُوا بِكِتابِكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (p-٣٧٥)
يُونُسُ بْنُ مَتّى مِن بَنِي إسْرائِيلَ. ورُوِيَ أنَّهُ نُبِّأ وهو ابْنُ ثَمانٍ وعِشْرِينَ سَنَةً، بَعَثَهُ اللَّهُ إلى قَوْمِهِ، فَدَعاهم لِلْإيمانِ فَخالَفُوهُ، فَوَعَدَهم بِالعَذابِ، فَأعْلَمَهُمُ اللَّهُ بِيَوْمِهِ، فَحَدَّدَهُ يُونُسُ لَهم. ثُمَّ إنَّ قَوْمَهُ لَمّا رَأوْا مَخايِلَ العَذابِ قَبْلَ أنْ يُباشِرَهم تابُوا وآمَنُوا، فَتابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وصَرَفَ العَذابَ عَنْهم. وتَقَدَّمَ شَرْحُ قِصَّتِهِ، وأعَدْنا طَرَفًا مِنها لِيُفِيدَ ما بَيْنَ الذِّكْرَيْنِ. قِيلَ: ولَحِقَ يُونُسَ غَضَبٌ، فَأبِقَ إلى رُكُوبِ السَّفِينَةِ فِرارًا مِن قَوْمِهِ، وعَبَّرَ عَنِ الهُرُوبِ بِالإباقِ، إذْ هو عَبْدُ اللَّهِ، خَرَجَ فارًّا مِن غَيْرِ إذْنٍ مِنَ اللَّهِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ لَمّا أبْعَدَتِ السَّفِينَةُ في البَحْرِ، ويُونُسُ فِيها، رَكَدَتْ. فَقالَ أهْلُها: إنَّ فِيها لَمَن يَحْبِسُ اللَّهُ السَّفِينَةَ بِسَبَبِهِ، فَلْنَقْتَرِعْ. فَأخَذُوا لِكُلٍّ سَهْمًا، عَلى أنَّ مَن طَفا سَهْمُهُ فَهو، ومَن غَرِقَ سَهْمُهُ فَلَيْسَ إيّاهُ، فَطَفا سَهْمُ يُونُسَ. فَعَلُوا ذَلِكَ ثَلاثًا، تَقَعُ القَرْعَةُ عَلَيْهِ، فَأجْمَعُوا عَلى أنْ يَطْرَحُوهُ. فَجاءَ إلى رُكْنٍ مِنها لِيَقَعَ مِنها، فَإذا بِدابَّةٍ مِن دَوابِّ البَحْرِ تَرْقُبُهُ وتَرْصُدُ لَهُ. فانْتَقَلَ إلى الرُّكْنِ الآخَرِ، فَوَجَدَها حَتّى اسْتَدارَ بِالمَرْكَبِ وهي لا تُفارِقُهُ، فَعَلِمَ أنَّ ذَلِكَ مِن عِنْدِ اللَّهِ، فَتَرامى إلَيْها فالتَقَمَتْهُ. فَفي قِصَّةِ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ هُنا جُمَلٌ مَحْذُوفَةٌ مُقَدَّرَةٌ قَبْلَ ذِكْرِ فِرارِهِ إلى الفُلْكِ، كَما في قِصَّتِهِ في سُورَةِ الأنْبِياءِ في قَوْلِهِ ﴿إذْ ذَهَبَ مُغاضِبًا﴾ [الأنبياء: ٨٧] هو ما بَعْدَ هَذا، وقَوْلِهِ ﴿فَنادى في الظُّلُماتِ﴾ [الأنبياء: ٨٧] جُمَلٌ مَحْذُوفَةٌ أيْضًا. وبِمَجْمُوعِ القَصَصِ يَتَبَيَّنُ ما حُذِفَ في كُلِّ قِصَّةٍ مِنها.
﴿فَساهَمَ فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ﴾ مِنَ المَغْلُوبِينَ، وحَقِيقَتُهُ مِنَ المُزْلَقِينَ عَنْ مَقامِ الظَّفَرِ في الأسْهامِ. وقُرِئَ ﴿وهُوَ مُلِيمٌ﴾ بِفَتْحِ المِيمِ، وقِياسُهُ مَلُومٌ؛ لِأنَّهُ مِن لُمْتُهُ ألُومُهُ لَوْمًا، فَهو مِن ذَواتِ الواوِ، ولَكِنَّهُ جِيءَ بِهِ عَلى ألِيمٍ، كَما قالُوا: مَشِيبٌ ومَدْعِيٍّ في مَشُوبٍ، ومَدْعُوٍّ بِناءً عَلى شَيَبَ ودَعى.
﴿مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ مِنَ الذّاكِرِينَ اللَّهَ تَعالى بِالتَّسْبِيحِ والتَّقْدِيسِ. والظّاهِرُ أنَّهُ يُرِيدُ ما ذَكَرَ في قَوْلِهِ في سُورَةِ الأنْبِياءِ ﴿فَنادى في الظُّلُماتِ أنْ لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧] . وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: هو قَوْلُهُ سُبْحانَ اللَّهِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: تَسْبِيحُهُ صَلاةُ التَّطَوُّعِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، وأبُو العالِيَةِ: صَلاتُهُ في وقْتِ الرَّخاءِ تَنْفَعُهُ في وقْتِ الشِّدَّةِ. وقالَ الضَّحّاكُ بْنُ قَيْسٍ عَلى مِنبَرِهِ: اذْكُرُوا اللَّهَ في الرَّخاءِ يَذْكُرْكم في الشِّدَّةِ، إنَّ يُونُسَ كانَ عَبْدًا ذاكِرًا، فَلَمّا أصابَتْهُ الشِّدَّةُ نَفَعَهُ ذَلِكَ. قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾، ﴿لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ . وقالَ الحَسَنُ: تَسْبِيحُهُ: صَلاتُهُ في بَطْنِ الحُوتِ. ورُوِيَ أنَّهُ كانَ يَرْفَعُ لَحْمَ الحُوتِ بِيَدَيْهِ يَقُولُ: لَأبْنِيَنَّ لَكَ مَسْجِدًا حَيْثُ لَمْ يَبْنَهِ أحَدٌ قَبْلِي.
ورُوِيَ أنَّ الحُوتَ سافَرَ مَعَ السَّفِينَةِ رافِعًا رَأْسَهُ لِيَتَنَفَّسَ ويُونُسُ يُسَبِّحُ، ولَمْ يُفارِقْهم حَتّى انْتَهَوْا إلى البَرِّ، فَلَفَظَهُ سالِمًا لَمْ يَتَغَيَّرْ مِنهُ شَيْءٌ، فَأسْلَمُوا. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ البَعْثِ، وعَنْ قَتادَةَ: لَكانَ بَطْنُ الحُوتِ لَهُ قَبْرًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ. وذُكِرَ في مُدَّةِ لَبْثِهِ في بَطْنِ الحُوتِ أقْوالًا مُتَكاذِبَةً، ضَرَبْنا عَنْ ذِكْرِها صَفْحًا.
﴿وهُوَ سَقِيمٌ﴾ رُوِيَ أنَّهُ عادَ بَدَنُهُ كَبَدَنِ الصَّبِيِّ حِينَ يُولَدُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والسُّدِّيُّ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو هُرَيْرَةَ، وعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ: اليَقْطِينُ: القَرْعُ خاصَّةً، قِيلَ: وهي الَّتِي أنْبَتَها اللَّهُ عَلَيْهِ، وتَجْمَعُ خِصالًا، بَرَدُ الظِّلِّ، ونُعُومَةُ المَلْمَسِ، وعِظَمُ الوَرَقِ، والذُّبابُ لا يَقْرَبُها. قِيلَ: وماءُ ورَقِهِ إذا رُشَّ بِهِ مَكانٌ لَمْ يَقْرَبْهُ ذُبابٌ، وقالَ أُمَيَّةُ بْنُ أبِي الصَّلْتِ:
؎فَأنْبَتَ يَقْطِينًا عَلَيْهِ بِرَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لَوْلا اللَّهُ ألْفى ضِياعِيا
وفِيما رُوِيَ: إنَّكَ لَتُحِبُّ القَرْعَ، قالَ: أجَلْ، هي شَجَرَةُ أخِي يُونُسَ. وقِيلَ: هي شَجَرَةُ المَوْزِ، تَغَطّى بِوَرَقِها، واسْتَظَلَّ بِأغْصانِها، وأفْطَرَ عَلى ثِمارِها. ومَعْنى ﴿وأنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً﴾ في كَلامِ العَرَبِ: ما كانَ عَلى ساقٍ مِن عُودٍ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اللَّهُ أنْبَتَها ذاتَ ساقٍ يَسْتَظِلُّ بِها وبِوَرَقِها، خَرْقًا لِلْعادَةِ، فَنَبَتَ وصَحَّ وحَسُنَ (p-٣٧٦)وجْهُهُ؛ لِأنَّ ورَقَ القَرْعِ أنْفَعُ شَيْءٍ لِمَن يَنْسَلِخُ جِلْدُهُ.
﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ﴾ قالَ الجُمْهُورُ: رِسالَتُهُ هَذِهِ هي الأُولى الَّتِي أبِقَ بَعْدَها، ذَكَرَها آخِرَ القَصَصِ تَنْبِيهًا عَلى رِسالَتِهِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهُمْ﴾ وتَمْتِيعُ تِلْكَ الأُمَّةِ هو الَّذِي أغْضَبَ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ حَتّى أبَقَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ: هي رِسالَةٌ أُخْرى بَعْدَ أنْ نَبَذَهُ بِالعَراءِ، وهي إلى أهْلِ نِينَوى مِن ناحِيَةِ المَوْصِلِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: المُرادُ بِهِ ما سَبَقَ مِن إرْسالِهِ إلى قَوْمِهِ، وهم أهْلُ نِينَوى. وقِيلَ: هو إرْسالٌ ثانٍ بَعْدَ ما جَرى إلَيْهِ إلى الأوَّلِينَ، أوْ إلى غَيْرِهِمْ. وقِيلَ: أسْلَمُوا فَسَألُوهُ أنْ يَرْجِعَ إلَيْهِمْ فَأبى؛ لِأنَّ النَّبِيَّ إذا هاجَرَ عَنْ قَوْمِهِ لَمْ يَرْجِعْ إلَيْهِمْ مُقِيمًا فِيهِمْ، فَقالَ لَهم: إنَّ اللَّهَ باعِثٌ إلَيْكم نَبِيًّا. وقَرَأ الجُمْهُورُ (أوْ)، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ بِمَعْنى بَلْ. وقِيلَ: بِمَعْنى الواوِ وبِالواوِ، وقَرَأ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ. وقِيلَ: لِلْإبْهامِ عَلى المُخاطَبِ. وقالَ المُبَرِّدُ وكَثِيرٌ مِنَ البَصْرِيِّينَ: المَعْنى عَلى نَظَرِ البَشَرِ، وحَزْرِهِمْ أنَّ مَن وراءَهم قالَ: هم مِائَةُ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ، وهَذا القَوْلُ لَمْ يَذْكُرِ الزَّمَخْشَرِيُّ غَيْرَهُ. قالَ: أوْ يَزِيدُونَ في مَرْأى النّاظِرِ، إذا رَآها الرّائِي قالَ: هي مِائَةُ ألْفٍ أوْ أكْثَرُ. والغَرَضُ الوَصْفُ بِالكَثْرَةِ، والزِّيادَةُ ثَلاثُونَ ألْفًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ؛ أوْ سَبْعُونَ ألْفًا، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ؛ أوْ عِشْرُونَ ألْفًا، رَواهُ أُبَيٌّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وإذا صَحَّ بَطَلَ ما سِواهُ.
(فَآمَنُوا) رُوِيَ أنَّهم خَرَجُوا بِالأطْفالِ والأوْلادِ والبَهائِمِ، وفَرَّقُوا بَيْنَها وبَيْنَ الأُمَّهاتِ، وناحُوا وضَجُّوا وأخْلَصُوا، فَرَفَعَ اللَّهُ عَنْهم. والتَّمَتُّعُ هُنا هو بِالحَياةِ، والحِينُ آجالُهُمُ السّابِقَةُ في الأزَلِ، قالَهُ قَتادَةُ والسُّدِّيُّ. والضَّمِيرُ في ﴿فاسْتَفْتِهِمْ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَعْطُوفٌ عَلى مِثْلِهِ في أوَّلِ السُّورَةِ، وإنْ تَباعَدَتْ بَيْنَهُما المَسافَةُ. أمَرَ رَسُولَهُ بِاسْتِفْتاءِ قُرَيْشٍ عَنْ وجْهِ إنْكارِ البَعْثِ أوَّلًا، ثُمَّ ساقَ الكَلامَ مَوْصُولًا بَعْضَهُ بِبَعْضٍ، ثُمَّ أمَرَ بِاسْتِفْتائِهِمْ عَنْ وجْهِ القِسْمَةِ الضِّيزى. انْتَهى. ويَبْعُدُ ما قالَهُ مِنَ العَطْفِ.
وإذا كانُوا عَدُّوا الفَصْلَ بِجُمْلَةٍ مِثْلَ قَوْلِكَ: كُلْ لَحْمًا واضْرِبْ زَيْدًا وخُبْزًا، مِن أقْبَحِ التَّرْكِيبِ، فَكَيْفَ بِجُمَلٍ كَثِيرَةٍ وقِصَصٍ مُتَبايِنَةٍ ؟ فالقَوْلُ بِالعَطْفِ لا يَجُوزُ، والِاسْتِفْتاءُ هُنا سُؤالٌ عَلى جِهَةِ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ عَلى قَوْلِهِمُ البُهْتانَ عَلى اللَّهِ، حَيْثُ جَعَلُوا لِلَّهِ الإناثَ في قَوْلِهِمْ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، مَعَ كَراهَتِهِمْ لَهُنَّ، ووَأْدِهِمْ إيّاهُنَّ، واسْتِنْكافِهِمْ مَن ذَكَرَهُنَّ. وارْتَكَبُوا ثَلاثَةَ أنْواعٍ مِنَ الكُفْرِ: التَّجْسِيمُ؛ لِأنَّ الوِلادَةَ مُخْتَصَّةٌ بِالأجْسامِ، وتَفْضِيلُ أنْفُسِهِمْ، حَيْثُ نَسَبُوا أرْفَعَ الجِنْسَيْنِ لَهم وغَيْرَهُ لِلَّهِ تَعالى؛ واسْتِهانَتُهم بِمَن هو مُكَرَّمٌ عِنْدَ اللَّهِ، حَيْثُ أنَّثُوهم، وهُمُ المَلائِكَةُ.
بَدَأ أوَّلًا بِتَوْبِيخِهِمْ عَلى تَفْضِيلِ أنْفُسِهِمْ بِقَوْلِهِ ﴿ألِرَبِّكَ البَناتُ﴾، وعَدَلَ عَنْ قَوْلِهِ (ألِرَبِّكم) لِما في تَرْكِ الإضافَةِ إلَيْهِمْ مِن تَحْسِينِهِمْ وشَرَفِ نَبِيِّهِ بِالإضافَةِ إلَيْهِ. وثَنّى بِأنَّ نِسْبَةَ الأُنُوثَةِ إلى المَلائِكَةِ يَقْتَضِي المُشاهَدَةَ، فَأنْكَرَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ ﴿أمْ خَلَقْنا المَلائِكَةَ إناثًا وهم شاهِدُونَ﴾ أيْ خَلَقْناهم وهم لا يَشْهَدُونَ شَيْئًا مِن حالِهِمْ، كَما قالَ في الأُخْرى ﴿أشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾ [الزخرف: ١٩] وكَما قالَ ﴿ما أشْهَدْتُهم خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ ولا خَلْقَ أنْفُسِهِمْ﴾ [الكهف: ٥١] . ثُمَّ أخْبَرَ عَنْهم ثالِثًا بِأعْظَمِ الكُفْرِ، وهو ادِّعاؤُهم أنَّهُ تَعالى قَدْ ولَدَ، فَبَلَغَ إفْكُهم إلى نِسْبَةِ الوَلَدِ. ولَمّا كانَ هَذا فاحِشًا قالَ ﴿وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ . واحْتَمَلَ أنْ تُخَصَّ هَذِهِ الجُمْلَةُ بِقَوْلِهِمْ ولَدَ اللَّهُ، ويَكُونَ تَأْكِيدًا لِقَوْلِهِ ﴿مِن إفْكِهِمْ﴾ واحْتَمَلَ أنْ يَعُمَّ هَذا القَوْلَ. فَإنْ قُلْتَ: لِمَ قالَ (وهم شاهِدُونَ) فَخَصَّ عِلْمَهم بِالمُشاهَدَةِ ؟ قُلْتُ: ما هو إلّا اسْتِهْزاءٌ وتَجْهِيلٌ كَقَوْلِهِ ﴿أشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾ [الزخرف: ١٩] وذَلِكَ أنَّهم كَما لَمْ يَعْلَمُوا ذَلِكَ بِطَرِيقِ المُشاهَدَةِ، لَمْ يَعْلَمُوهُ بِخَلْقِ اللَّهِ عِلْمَهُ في قُلُوبِهِمْ ولا بِإخْبارٍ صادِقٍ، لا بِطْرِيقِ اسْتِدْلالٍ ولا نَظَرٍ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّهم يَقُولُونَ ذَلِكَ، كالقائِلِ قَوْلًا عَنْ ثَلَجِ صَدْرٍ وطُمَأْنِينَةِ نَفْسٍ لِإفْراطِ جَهْلِهِمْ، كَأنَّهم قَدْ شاهَدُوا خَلْقَهُ. وقُرِأ (ولَدُ اللَّهِ) أيِ المَلائِكَةُ ولَدُهُ، والوَلَدُ فَعَلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ يَقَعُ عَلى الواحِدِ والجَمْعِ والمُذَكِّرِ والمُؤَنَّثِ. تَقُولُ: هَذِهِ ولَدِي، وهَؤُلاءِ ولَدِي. انْتَهى.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: (p-٣٧٧)(أصْطَفى) بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، عَلى طَرِيقَةِ الإنْكارِ والِاسْتِبْعادِ. وقَرَأ نافِعٌ في رِوايَةِ إسْماعِيلَ، وابْنُ جَمّازٍ وجَماعَةٌ، وإسْماعِيلُ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ: بِوَصْلِ الألِفِ، وهو مِن كَلامِ الكُفّارِ. حَكى اللَّهُ تَعالى شَنِيعَ قَوْلِهِمْ، وهو أنَّهم ما كَفاهم أنْ قالُوا ولَدَ اللَّهُ، حَتّى جَعَلُوا ذَلِكَ الوَلَدَ بَناتِ اللَّهِ، واللَّهُ تَعالى اخْتارَهم عَلى البَنِينَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بَدَلًا عَنْ قَوْلِهِمْ ولَدَ اللَّهُ، وقَدْ قَرَأ بِها حَمْزَةُ والأعْمَشُ، وهَذِهِ القِراءَةُ، وإنْ كانَ هَذا مَحْمَلَها، فَهي ضَعِيفَةٌ؛ والَّذِي أضْعَفَها أنَّ الإنْكارَ قَدِ اكْتَنَفَ هَذِهِ الجُمْلَةَ مِن جانِبَيْها، وذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾، ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ . فَمَن جَعَلَها لِلْإثْباتِ فَقَدْ أوْقَعَها دَخِيلَةً بَيْنَ سَبَبَيْنِ، ولَيْسَتْ دَخِيلَةً بَيْنَ نَسِيبَيْنِ، بَلْ لَها مُناسَبَةٌ ظاهِرَةٌ مَعَ قَوْلِهِمْ ولَدَ اللَّهُ. وأمّا قَوْلُهُ ﴿وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ فَهي جُمْلَةُ اعْتِراضٍ بَيْنَ مَقالَتَيِّ الكُفْرِ، جاءَتْ لِلتَّشْدِيدِ والتَّأْكِيدِ في كَوْنِ مَقالَتِهِمْ تِلْكَ هي مِن إفْكِهِمْ.
﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ تَقْرِيعٌ وتَوْبِيخٌ واسْتِفْهامٌ عَنِ البُرْهانِ والحُجَّةِ. وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: تَذْكُرُونَ، بِسُكُونِ الذّالِ وضَمِّ الكافِ.
﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ﴾ أيْ حُجَّةٌ نَزَلَتْ عَلَيْكم مِنَ السَّماءِ، وخَبَرٌ بِأنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ.
﴿فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ﴾ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْكم بِذَلِكَ، كَقَوْلِهِ ﴿أمْ أنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطانًا فَهو يَتَكَلَّمُ بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾ [الروم: ٣٥] .
الصافات 37:140
﴿وإنَّ يُونُسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ أبَقَ إلى الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ ﴿فَساهَمَ فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ﴾ ﴿فالتَقَمَهُ الحُوتُ وهو مُلِيمٌ﴾ ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ ﴿لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ﴿فَنَبَذْناهُ بِالعَراءِ وهو سَقِيمٌ﴾ ﴿وأنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِن يَقْطِينٍ﴾ ﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ﴾ ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾ ﴿فاسْتَفْتِهِمْ ألِرَبِّكَ البَناتُ ولَهُمُ البَنُونَ﴾ ﴿أمْ خَلَقْنا المَلائِكَةَ إناثًا وهم شاهِدُونَ﴾ ﴿ألا إنَّهم مِن إفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ﴾ ﴿ولَدَ اللَّهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ ﴿أاصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ﴾ ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾ ﴿فَأْتُوا بِكِتابِكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (p-٣٧٥)
يُونُسُ بْنُ مَتّى مِن بَنِي إسْرائِيلَ. ورُوِيَ أنَّهُ نُبِّأ وهو ابْنُ ثَمانٍ وعِشْرِينَ سَنَةً، بَعَثَهُ اللَّهُ إلى قَوْمِهِ، فَدَعاهم لِلْإيمانِ فَخالَفُوهُ، فَوَعَدَهم بِالعَذابِ، فَأعْلَمَهُمُ اللَّهُ بِيَوْمِهِ، فَحَدَّدَهُ يُونُسُ لَهم. ثُمَّ إنَّ قَوْمَهُ لَمّا رَأوْا مَخايِلَ العَذابِ قَبْلَ أنْ يُباشِرَهم تابُوا وآمَنُوا، فَتابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وصَرَفَ العَذابَ عَنْهم. وتَقَدَّمَ شَرْحُ قِصَّتِهِ، وأعَدْنا طَرَفًا مِنها لِيُفِيدَ ما بَيْنَ الذِّكْرَيْنِ. قِيلَ: ولَحِقَ يُونُسَ غَضَبٌ، فَأبِقَ إلى رُكُوبِ السَّفِينَةِ فِرارًا مِن قَوْمِهِ، وعَبَّرَ عَنِ الهُرُوبِ بِالإباقِ، إذْ هو عَبْدُ اللَّهِ، خَرَجَ فارًّا مِن غَيْرِ إذْنٍ مِنَ اللَّهِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ لَمّا أبْعَدَتِ السَّفِينَةُ في البَحْرِ، ويُونُسُ فِيها، رَكَدَتْ. فَقالَ أهْلُها: إنَّ فِيها لَمَن يَحْبِسُ اللَّهُ السَّفِينَةَ بِسَبَبِهِ، فَلْنَقْتَرِعْ. فَأخَذُوا لِكُلٍّ سَهْمًا، عَلى أنَّ مَن طَفا سَهْمُهُ فَهو، ومَن غَرِقَ سَهْمُهُ فَلَيْسَ إيّاهُ، فَطَفا سَهْمُ يُونُسَ. فَعَلُوا ذَلِكَ ثَلاثًا، تَقَعُ القَرْعَةُ عَلَيْهِ، فَأجْمَعُوا عَلى أنْ يَطْرَحُوهُ. فَجاءَ إلى رُكْنٍ مِنها لِيَقَعَ مِنها، فَإذا بِدابَّةٍ مِن دَوابِّ البَحْرِ تَرْقُبُهُ وتَرْصُدُ لَهُ. فانْتَقَلَ إلى الرُّكْنِ الآخَرِ، فَوَجَدَها حَتّى اسْتَدارَ بِالمَرْكَبِ وهي لا تُفارِقُهُ، فَعَلِمَ أنَّ ذَلِكَ مِن عِنْدِ اللَّهِ، فَتَرامى إلَيْها فالتَقَمَتْهُ. فَفي قِصَّةِ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ هُنا جُمَلٌ مَحْذُوفَةٌ مُقَدَّرَةٌ قَبْلَ ذِكْرِ فِرارِهِ إلى الفُلْكِ، كَما في قِصَّتِهِ في سُورَةِ الأنْبِياءِ في قَوْلِهِ ﴿إذْ ذَهَبَ مُغاضِبًا﴾ [الأنبياء: ٨٧] هو ما بَعْدَ هَذا، وقَوْلِهِ ﴿فَنادى في الظُّلُماتِ﴾ [الأنبياء: ٨٧] جُمَلٌ مَحْذُوفَةٌ أيْضًا. وبِمَجْمُوعِ القَصَصِ يَتَبَيَّنُ ما حُذِفَ في كُلِّ قِصَّةٍ مِنها.
﴿فَساهَمَ فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ﴾ مِنَ المَغْلُوبِينَ، وحَقِيقَتُهُ مِنَ المُزْلَقِينَ عَنْ مَقامِ الظَّفَرِ في الأسْهامِ. وقُرِئَ ﴿وهُوَ مُلِيمٌ﴾ بِفَتْحِ المِيمِ، وقِياسُهُ مَلُومٌ؛ لِأنَّهُ مِن لُمْتُهُ ألُومُهُ لَوْمًا، فَهو مِن ذَواتِ الواوِ، ولَكِنَّهُ جِيءَ بِهِ عَلى ألِيمٍ، كَما قالُوا: مَشِيبٌ ومَدْعِيٍّ في مَشُوبٍ، ومَدْعُوٍّ بِناءً عَلى شَيَبَ ودَعى.
﴿مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ مِنَ الذّاكِرِينَ اللَّهَ تَعالى بِالتَّسْبِيحِ والتَّقْدِيسِ. والظّاهِرُ أنَّهُ يُرِيدُ ما ذَكَرَ في قَوْلِهِ في سُورَةِ الأنْبِياءِ ﴿فَنادى في الظُّلُماتِ أنْ لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧] . وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: هو قَوْلُهُ سُبْحانَ اللَّهِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: تَسْبِيحُهُ صَلاةُ التَّطَوُّعِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، وأبُو العالِيَةِ: صَلاتُهُ في وقْتِ الرَّخاءِ تَنْفَعُهُ في وقْتِ الشِّدَّةِ. وقالَ الضَّحّاكُ بْنُ قَيْسٍ عَلى مِنبَرِهِ: اذْكُرُوا اللَّهَ في الرَّخاءِ يَذْكُرْكم في الشِّدَّةِ، إنَّ يُونُسَ كانَ عَبْدًا ذاكِرًا، فَلَمّا أصابَتْهُ الشِّدَّةُ نَفَعَهُ ذَلِكَ. قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾، ﴿لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ . وقالَ الحَسَنُ: تَسْبِيحُهُ: صَلاتُهُ في بَطْنِ الحُوتِ. ورُوِيَ أنَّهُ كانَ يَرْفَعُ لَحْمَ الحُوتِ بِيَدَيْهِ يَقُولُ: لَأبْنِيَنَّ لَكَ مَسْجِدًا حَيْثُ لَمْ يَبْنَهِ أحَدٌ قَبْلِي.
ورُوِيَ أنَّ الحُوتَ سافَرَ مَعَ السَّفِينَةِ رافِعًا رَأْسَهُ لِيَتَنَفَّسَ ويُونُسُ يُسَبِّحُ، ولَمْ يُفارِقْهم حَتّى انْتَهَوْا إلى البَرِّ، فَلَفَظَهُ سالِمًا لَمْ يَتَغَيَّرْ مِنهُ شَيْءٌ، فَأسْلَمُوا. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ البَعْثِ، وعَنْ قَتادَةَ: لَكانَ بَطْنُ الحُوتِ لَهُ قَبْرًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ. وذُكِرَ في مُدَّةِ لَبْثِهِ في بَطْنِ الحُوتِ أقْوالًا مُتَكاذِبَةً، ضَرَبْنا عَنْ ذِكْرِها صَفْحًا.
﴿وهُوَ سَقِيمٌ﴾ رُوِيَ أنَّهُ عادَ بَدَنُهُ كَبَدَنِ الصَّبِيِّ حِينَ يُولَدُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والسُّدِّيُّ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو هُرَيْرَةَ، وعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ: اليَقْطِينُ: القَرْعُ خاصَّةً، قِيلَ: وهي الَّتِي أنْبَتَها اللَّهُ عَلَيْهِ، وتَجْمَعُ خِصالًا، بَرَدُ الظِّلِّ، ونُعُومَةُ المَلْمَسِ، وعِظَمُ الوَرَقِ، والذُّبابُ لا يَقْرَبُها. قِيلَ: وماءُ ورَقِهِ إذا رُشَّ بِهِ مَكانٌ لَمْ يَقْرَبْهُ ذُبابٌ، وقالَ أُمَيَّةُ بْنُ أبِي الصَّلْتِ:
؎فَأنْبَتَ يَقْطِينًا عَلَيْهِ بِرَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لَوْلا اللَّهُ ألْفى ضِياعِيا
وفِيما رُوِيَ: إنَّكَ لَتُحِبُّ القَرْعَ، قالَ: أجَلْ، هي شَجَرَةُ أخِي يُونُسَ. وقِيلَ: هي شَجَرَةُ المَوْزِ، تَغَطّى بِوَرَقِها، واسْتَظَلَّ بِأغْصانِها، وأفْطَرَ عَلى ثِمارِها. ومَعْنى ﴿وأنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً﴾ في كَلامِ العَرَبِ: ما كانَ عَلى ساقٍ مِن عُودٍ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اللَّهُ أنْبَتَها ذاتَ ساقٍ يَسْتَظِلُّ بِها وبِوَرَقِها، خَرْقًا لِلْعادَةِ، فَنَبَتَ وصَحَّ وحَسُنَ (p-٣٧٦)وجْهُهُ؛ لِأنَّ ورَقَ القَرْعِ أنْفَعُ شَيْءٍ لِمَن يَنْسَلِخُ جِلْدُهُ.
﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ﴾ قالَ الجُمْهُورُ: رِسالَتُهُ هَذِهِ هي الأُولى الَّتِي أبِقَ بَعْدَها، ذَكَرَها آخِرَ القَصَصِ تَنْبِيهًا عَلى رِسالَتِهِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهُمْ﴾ وتَمْتِيعُ تِلْكَ الأُمَّةِ هو الَّذِي أغْضَبَ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ حَتّى أبَقَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ: هي رِسالَةٌ أُخْرى بَعْدَ أنْ نَبَذَهُ بِالعَراءِ، وهي إلى أهْلِ نِينَوى مِن ناحِيَةِ المَوْصِلِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: المُرادُ بِهِ ما سَبَقَ مِن إرْسالِهِ إلى قَوْمِهِ، وهم أهْلُ نِينَوى. وقِيلَ: هو إرْسالٌ ثانٍ بَعْدَ ما جَرى إلَيْهِ إلى الأوَّلِينَ، أوْ إلى غَيْرِهِمْ. وقِيلَ: أسْلَمُوا فَسَألُوهُ أنْ يَرْجِعَ إلَيْهِمْ فَأبى؛ لِأنَّ النَّبِيَّ إذا هاجَرَ عَنْ قَوْمِهِ لَمْ يَرْجِعْ إلَيْهِمْ مُقِيمًا فِيهِمْ، فَقالَ لَهم: إنَّ اللَّهَ باعِثٌ إلَيْكم نَبِيًّا. وقَرَأ الجُمْهُورُ (أوْ)، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ بِمَعْنى بَلْ. وقِيلَ: بِمَعْنى الواوِ وبِالواوِ، وقَرَأ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ. وقِيلَ: لِلْإبْهامِ عَلى المُخاطَبِ. وقالَ المُبَرِّدُ وكَثِيرٌ مِنَ البَصْرِيِّينَ: المَعْنى عَلى نَظَرِ البَشَرِ، وحَزْرِهِمْ أنَّ مَن وراءَهم قالَ: هم مِائَةُ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ، وهَذا القَوْلُ لَمْ يَذْكُرِ الزَّمَخْشَرِيُّ غَيْرَهُ. قالَ: أوْ يَزِيدُونَ في مَرْأى النّاظِرِ، إذا رَآها الرّائِي قالَ: هي مِائَةُ ألْفٍ أوْ أكْثَرُ. والغَرَضُ الوَصْفُ بِالكَثْرَةِ، والزِّيادَةُ ثَلاثُونَ ألْفًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ؛ أوْ سَبْعُونَ ألْفًا، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ؛ أوْ عِشْرُونَ ألْفًا، رَواهُ أُبَيٌّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وإذا صَحَّ بَطَلَ ما سِواهُ.
(فَآمَنُوا) رُوِيَ أنَّهم خَرَجُوا بِالأطْفالِ والأوْلادِ والبَهائِمِ، وفَرَّقُوا بَيْنَها وبَيْنَ الأُمَّهاتِ، وناحُوا وضَجُّوا وأخْلَصُوا، فَرَفَعَ اللَّهُ عَنْهم. والتَّمَتُّعُ هُنا هو بِالحَياةِ، والحِينُ آجالُهُمُ السّابِقَةُ في الأزَلِ، قالَهُ قَتادَةُ والسُّدِّيُّ. والضَّمِيرُ في ﴿فاسْتَفْتِهِمْ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَعْطُوفٌ عَلى مِثْلِهِ في أوَّلِ السُّورَةِ، وإنْ تَباعَدَتْ بَيْنَهُما المَسافَةُ. أمَرَ رَسُولَهُ بِاسْتِفْتاءِ قُرَيْشٍ عَنْ وجْهِ إنْكارِ البَعْثِ أوَّلًا، ثُمَّ ساقَ الكَلامَ مَوْصُولًا بَعْضَهُ بِبَعْضٍ، ثُمَّ أمَرَ بِاسْتِفْتائِهِمْ عَنْ وجْهِ القِسْمَةِ الضِّيزى. انْتَهى. ويَبْعُدُ ما قالَهُ مِنَ العَطْفِ.
وإذا كانُوا عَدُّوا الفَصْلَ بِجُمْلَةٍ مِثْلَ قَوْلِكَ: كُلْ لَحْمًا واضْرِبْ زَيْدًا وخُبْزًا، مِن أقْبَحِ التَّرْكِيبِ، فَكَيْفَ بِجُمَلٍ كَثِيرَةٍ وقِصَصٍ مُتَبايِنَةٍ ؟ فالقَوْلُ بِالعَطْفِ لا يَجُوزُ، والِاسْتِفْتاءُ هُنا سُؤالٌ عَلى جِهَةِ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ عَلى قَوْلِهِمُ البُهْتانَ عَلى اللَّهِ، حَيْثُ جَعَلُوا لِلَّهِ الإناثَ في قَوْلِهِمْ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، مَعَ كَراهَتِهِمْ لَهُنَّ، ووَأْدِهِمْ إيّاهُنَّ، واسْتِنْكافِهِمْ مَن ذَكَرَهُنَّ. وارْتَكَبُوا ثَلاثَةَ أنْواعٍ مِنَ الكُفْرِ: التَّجْسِيمُ؛ لِأنَّ الوِلادَةَ مُخْتَصَّةٌ بِالأجْسامِ، وتَفْضِيلُ أنْفُسِهِمْ، حَيْثُ نَسَبُوا أرْفَعَ الجِنْسَيْنِ لَهم وغَيْرَهُ لِلَّهِ تَعالى؛ واسْتِهانَتُهم بِمَن هو مُكَرَّمٌ عِنْدَ اللَّهِ، حَيْثُ أنَّثُوهم، وهُمُ المَلائِكَةُ.
بَدَأ أوَّلًا بِتَوْبِيخِهِمْ عَلى تَفْضِيلِ أنْفُسِهِمْ بِقَوْلِهِ ﴿ألِرَبِّكَ البَناتُ﴾، وعَدَلَ عَنْ قَوْلِهِ (ألِرَبِّكم) لِما في تَرْكِ الإضافَةِ إلَيْهِمْ مِن تَحْسِينِهِمْ وشَرَفِ نَبِيِّهِ بِالإضافَةِ إلَيْهِ. وثَنّى بِأنَّ نِسْبَةَ الأُنُوثَةِ إلى المَلائِكَةِ يَقْتَضِي المُشاهَدَةَ، فَأنْكَرَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ ﴿أمْ خَلَقْنا المَلائِكَةَ إناثًا وهم شاهِدُونَ﴾ أيْ خَلَقْناهم وهم لا يَشْهَدُونَ شَيْئًا مِن حالِهِمْ، كَما قالَ في الأُخْرى ﴿أشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾ [الزخرف: ١٩] وكَما قالَ ﴿ما أشْهَدْتُهم خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ ولا خَلْقَ أنْفُسِهِمْ﴾ [الكهف: ٥١] . ثُمَّ أخْبَرَ عَنْهم ثالِثًا بِأعْظَمِ الكُفْرِ، وهو ادِّعاؤُهم أنَّهُ تَعالى قَدْ ولَدَ، فَبَلَغَ إفْكُهم إلى نِسْبَةِ الوَلَدِ. ولَمّا كانَ هَذا فاحِشًا قالَ ﴿وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ . واحْتَمَلَ أنْ تُخَصَّ هَذِهِ الجُمْلَةُ بِقَوْلِهِمْ ولَدَ اللَّهُ، ويَكُونَ تَأْكِيدًا لِقَوْلِهِ ﴿مِن إفْكِهِمْ﴾ واحْتَمَلَ أنْ يَعُمَّ هَذا القَوْلَ. فَإنْ قُلْتَ: لِمَ قالَ (وهم شاهِدُونَ) فَخَصَّ عِلْمَهم بِالمُشاهَدَةِ ؟ قُلْتُ: ما هو إلّا اسْتِهْزاءٌ وتَجْهِيلٌ كَقَوْلِهِ ﴿أشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾ [الزخرف: ١٩] وذَلِكَ أنَّهم كَما لَمْ يَعْلَمُوا ذَلِكَ بِطَرِيقِ المُشاهَدَةِ، لَمْ يَعْلَمُوهُ بِخَلْقِ اللَّهِ عِلْمَهُ في قُلُوبِهِمْ ولا بِإخْبارٍ صادِقٍ، لا بِطْرِيقِ اسْتِدْلالٍ ولا نَظَرٍ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّهم يَقُولُونَ ذَلِكَ، كالقائِلِ قَوْلًا عَنْ ثَلَجِ صَدْرٍ وطُمَأْنِينَةِ نَفْسٍ لِإفْراطِ جَهْلِهِمْ، كَأنَّهم قَدْ شاهَدُوا خَلْقَهُ. وقُرِأ (ولَدُ اللَّهِ) أيِ المَلائِكَةُ ولَدُهُ، والوَلَدُ فَعَلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ يَقَعُ عَلى الواحِدِ والجَمْعِ والمُذَكِّرِ والمُؤَنَّثِ. تَقُولُ: هَذِهِ ولَدِي، وهَؤُلاءِ ولَدِي. انْتَهى.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: (p-٣٧٧)(أصْطَفى) بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، عَلى طَرِيقَةِ الإنْكارِ والِاسْتِبْعادِ. وقَرَأ نافِعٌ في رِوايَةِ إسْماعِيلَ، وابْنُ جَمّازٍ وجَماعَةٌ، وإسْماعِيلُ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ: بِوَصْلِ الألِفِ، وهو مِن كَلامِ الكُفّارِ. حَكى اللَّهُ تَعالى شَنِيعَ قَوْلِهِمْ، وهو أنَّهم ما كَفاهم أنْ قالُوا ولَدَ اللَّهُ، حَتّى جَعَلُوا ذَلِكَ الوَلَدَ بَناتِ اللَّهِ، واللَّهُ تَعالى اخْتارَهم عَلى البَنِينَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بَدَلًا عَنْ قَوْلِهِمْ ولَدَ اللَّهُ، وقَدْ قَرَأ بِها حَمْزَةُ والأعْمَشُ، وهَذِهِ القِراءَةُ، وإنْ كانَ هَذا مَحْمَلَها، فَهي ضَعِيفَةٌ؛ والَّذِي أضْعَفَها أنَّ الإنْكارَ قَدِ اكْتَنَفَ هَذِهِ الجُمْلَةَ مِن جانِبَيْها، وذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾، ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ . فَمَن جَعَلَها لِلْإثْباتِ فَقَدْ أوْقَعَها دَخِيلَةً بَيْنَ سَبَبَيْنِ، ولَيْسَتْ دَخِيلَةً بَيْنَ نَسِيبَيْنِ، بَلْ لَها مُناسَبَةٌ ظاهِرَةٌ مَعَ قَوْلِهِمْ ولَدَ اللَّهُ. وأمّا قَوْلُهُ ﴿وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ فَهي جُمْلَةُ اعْتِراضٍ بَيْنَ مَقالَتَيِّ الكُفْرِ، جاءَتْ لِلتَّشْدِيدِ والتَّأْكِيدِ في كَوْنِ مَقالَتِهِمْ تِلْكَ هي مِن إفْكِهِمْ.
﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ تَقْرِيعٌ وتَوْبِيخٌ واسْتِفْهامٌ عَنِ البُرْهانِ والحُجَّةِ. وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: تَذْكُرُونَ، بِسُكُونِ الذّالِ وضَمِّ الكافِ.
﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ﴾ أيْ حُجَّةٌ نَزَلَتْ عَلَيْكم مِنَ السَّماءِ، وخَبَرٌ بِأنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ.
﴿فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ﴾ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْكم بِذَلِكَ، كَقَوْلِهِ ﴿أمْ أنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطانًا فَهو يَتَكَلَّمُ بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾ [الروم: ٣٥] .
الصافات 37:141
﴿وإنَّ يُونُسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ أبَقَ إلى الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ ﴿فَساهَمَ فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ﴾ ﴿فالتَقَمَهُ الحُوتُ وهو مُلِيمٌ﴾ ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ ﴿لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ﴿فَنَبَذْناهُ بِالعَراءِ وهو سَقِيمٌ﴾ ﴿وأنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِن يَقْطِينٍ﴾ ﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ﴾ ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾ ﴿فاسْتَفْتِهِمْ ألِرَبِّكَ البَناتُ ولَهُمُ البَنُونَ﴾ ﴿أمْ خَلَقْنا المَلائِكَةَ إناثًا وهم شاهِدُونَ﴾ ﴿ألا إنَّهم مِن إفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ﴾ ﴿ولَدَ اللَّهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ ﴿أاصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ﴾ ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾ ﴿فَأْتُوا بِكِتابِكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (p-٣٧٥)
يُونُسُ بْنُ مَتّى مِن بَنِي إسْرائِيلَ. ورُوِيَ أنَّهُ نُبِّأ وهو ابْنُ ثَمانٍ وعِشْرِينَ سَنَةً، بَعَثَهُ اللَّهُ إلى قَوْمِهِ، فَدَعاهم لِلْإيمانِ فَخالَفُوهُ، فَوَعَدَهم بِالعَذابِ، فَأعْلَمَهُمُ اللَّهُ بِيَوْمِهِ، فَحَدَّدَهُ يُونُسُ لَهم. ثُمَّ إنَّ قَوْمَهُ لَمّا رَأوْا مَخايِلَ العَذابِ قَبْلَ أنْ يُباشِرَهم تابُوا وآمَنُوا، فَتابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وصَرَفَ العَذابَ عَنْهم. وتَقَدَّمَ شَرْحُ قِصَّتِهِ، وأعَدْنا طَرَفًا مِنها لِيُفِيدَ ما بَيْنَ الذِّكْرَيْنِ. قِيلَ: ولَحِقَ يُونُسَ غَضَبٌ، فَأبِقَ إلى رُكُوبِ السَّفِينَةِ فِرارًا مِن قَوْمِهِ، وعَبَّرَ عَنِ الهُرُوبِ بِالإباقِ، إذْ هو عَبْدُ اللَّهِ، خَرَجَ فارًّا مِن غَيْرِ إذْنٍ مِنَ اللَّهِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ لَمّا أبْعَدَتِ السَّفِينَةُ في البَحْرِ، ويُونُسُ فِيها، رَكَدَتْ. فَقالَ أهْلُها: إنَّ فِيها لَمَن يَحْبِسُ اللَّهُ السَّفِينَةَ بِسَبَبِهِ، فَلْنَقْتَرِعْ. فَأخَذُوا لِكُلٍّ سَهْمًا، عَلى أنَّ مَن طَفا سَهْمُهُ فَهو، ومَن غَرِقَ سَهْمُهُ فَلَيْسَ إيّاهُ، فَطَفا سَهْمُ يُونُسَ. فَعَلُوا ذَلِكَ ثَلاثًا، تَقَعُ القَرْعَةُ عَلَيْهِ، فَأجْمَعُوا عَلى أنْ يَطْرَحُوهُ. فَجاءَ إلى رُكْنٍ مِنها لِيَقَعَ مِنها، فَإذا بِدابَّةٍ مِن دَوابِّ البَحْرِ تَرْقُبُهُ وتَرْصُدُ لَهُ. فانْتَقَلَ إلى الرُّكْنِ الآخَرِ، فَوَجَدَها حَتّى اسْتَدارَ بِالمَرْكَبِ وهي لا تُفارِقُهُ، فَعَلِمَ أنَّ ذَلِكَ مِن عِنْدِ اللَّهِ، فَتَرامى إلَيْها فالتَقَمَتْهُ. فَفي قِصَّةِ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ هُنا جُمَلٌ مَحْذُوفَةٌ مُقَدَّرَةٌ قَبْلَ ذِكْرِ فِرارِهِ إلى الفُلْكِ، كَما في قِصَّتِهِ في سُورَةِ الأنْبِياءِ في قَوْلِهِ ﴿إذْ ذَهَبَ مُغاضِبًا﴾ [الأنبياء: ٨٧] هو ما بَعْدَ هَذا، وقَوْلِهِ ﴿فَنادى في الظُّلُماتِ﴾ [الأنبياء: ٨٧] جُمَلٌ مَحْذُوفَةٌ أيْضًا. وبِمَجْمُوعِ القَصَصِ يَتَبَيَّنُ ما حُذِفَ في كُلِّ قِصَّةٍ مِنها.
﴿فَساهَمَ فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ﴾ مِنَ المَغْلُوبِينَ، وحَقِيقَتُهُ مِنَ المُزْلَقِينَ عَنْ مَقامِ الظَّفَرِ في الأسْهامِ. وقُرِئَ ﴿وهُوَ مُلِيمٌ﴾ بِفَتْحِ المِيمِ، وقِياسُهُ مَلُومٌ؛ لِأنَّهُ مِن لُمْتُهُ ألُومُهُ لَوْمًا، فَهو مِن ذَواتِ الواوِ، ولَكِنَّهُ جِيءَ بِهِ عَلى ألِيمٍ، كَما قالُوا: مَشِيبٌ ومَدْعِيٍّ في مَشُوبٍ، ومَدْعُوٍّ بِناءً عَلى شَيَبَ ودَعى.
﴿مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ مِنَ الذّاكِرِينَ اللَّهَ تَعالى بِالتَّسْبِيحِ والتَّقْدِيسِ. والظّاهِرُ أنَّهُ يُرِيدُ ما ذَكَرَ في قَوْلِهِ في سُورَةِ الأنْبِياءِ ﴿فَنادى في الظُّلُماتِ أنْ لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧] . وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: هو قَوْلُهُ سُبْحانَ اللَّهِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: تَسْبِيحُهُ صَلاةُ التَّطَوُّعِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، وأبُو العالِيَةِ: صَلاتُهُ في وقْتِ الرَّخاءِ تَنْفَعُهُ في وقْتِ الشِّدَّةِ. وقالَ الضَّحّاكُ بْنُ قَيْسٍ عَلى مِنبَرِهِ: اذْكُرُوا اللَّهَ في الرَّخاءِ يَذْكُرْكم في الشِّدَّةِ، إنَّ يُونُسَ كانَ عَبْدًا ذاكِرًا، فَلَمّا أصابَتْهُ الشِّدَّةُ نَفَعَهُ ذَلِكَ. قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾، ﴿لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ . وقالَ الحَسَنُ: تَسْبِيحُهُ: صَلاتُهُ في بَطْنِ الحُوتِ. ورُوِيَ أنَّهُ كانَ يَرْفَعُ لَحْمَ الحُوتِ بِيَدَيْهِ يَقُولُ: لَأبْنِيَنَّ لَكَ مَسْجِدًا حَيْثُ لَمْ يَبْنَهِ أحَدٌ قَبْلِي.
ورُوِيَ أنَّ الحُوتَ سافَرَ مَعَ السَّفِينَةِ رافِعًا رَأْسَهُ لِيَتَنَفَّسَ ويُونُسُ يُسَبِّحُ، ولَمْ يُفارِقْهم حَتّى انْتَهَوْا إلى البَرِّ، فَلَفَظَهُ سالِمًا لَمْ يَتَغَيَّرْ مِنهُ شَيْءٌ، فَأسْلَمُوا. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ البَعْثِ، وعَنْ قَتادَةَ: لَكانَ بَطْنُ الحُوتِ لَهُ قَبْرًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ. وذُكِرَ في مُدَّةِ لَبْثِهِ في بَطْنِ الحُوتِ أقْوالًا مُتَكاذِبَةً، ضَرَبْنا عَنْ ذِكْرِها صَفْحًا.
﴿وهُوَ سَقِيمٌ﴾ رُوِيَ أنَّهُ عادَ بَدَنُهُ كَبَدَنِ الصَّبِيِّ حِينَ يُولَدُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والسُّدِّيُّ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو هُرَيْرَةَ، وعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ: اليَقْطِينُ: القَرْعُ خاصَّةً، قِيلَ: وهي الَّتِي أنْبَتَها اللَّهُ عَلَيْهِ، وتَجْمَعُ خِصالًا، بَرَدُ الظِّلِّ، ونُعُومَةُ المَلْمَسِ، وعِظَمُ الوَرَقِ، والذُّبابُ لا يَقْرَبُها. قِيلَ: وماءُ ورَقِهِ إذا رُشَّ بِهِ مَكانٌ لَمْ يَقْرَبْهُ ذُبابٌ، وقالَ أُمَيَّةُ بْنُ أبِي الصَّلْتِ:
؎فَأنْبَتَ يَقْطِينًا عَلَيْهِ بِرَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لَوْلا اللَّهُ ألْفى ضِياعِيا
وفِيما رُوِيَ: إنَّكَ لَتُحِبُّ القَرْعَ، قالَ: أجَلْ، هي شَجَرَةُ أخِي يُونُسَ. وقِيلَ: هي شَجَرَةُ المَوْزِ، تَغَطّى بِوَرَقِها، واسْتَظَلَّ بِأغْصانِها، وأفْطَرَ عَلى ثِمارِها. ومَعْنى ﴿وأنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً﴾ في كَلامِ العَرَبِ: ما كانَ عَلى ساقٍ مِن عُودٍ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اللَّهُ أنْبَتَها ذاتَ ساقٍ يَسْتَظِلُّ بِها وبِوَرَقِها، خَرْقًا لِلْعادَةِ، فَنَبَتَ وصَحَّ وحَسُنَ (p-٣٧٦)وجْهُهُ؛ لِأنَّ ورَقَ القَرْعِ أنْفَعُ شَيْءٍ لِمَن يَنْسَلِخُ جِلْدُهُ.
﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ﴾ قالَ الجُمْهُورُ: رِسالَتُهُ هَذِهِ هي الأُولى الَّتِي أبِقَ بَعْدَها، ذَكَرَها آخِرَ القَصَصِ تَنْبِيهًا عَلى رِسالَتِهِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهُمْ﴾ وتَمْتِيعُ تِلْكَ الأُمَّةِ هو الَّذِي أغْضَبَ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ حَتّى أبَقَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ: هي رِسالَةٌ أُخْرى بَعْدَ أنْ نَبَذَهُ بِالعَراءِ، وهي إلى أهْلِ نِينَوى مِن ناحِيَةِ المَوْصِلِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: المُرادُ بِهِ ما سَبَقَ مِن إرْسالِهِ إلى قَوْمِهِ، وهم أهْلُ نِينَوى. وقِيلَ: هو إرْسالٌ ثانٍ بَعْدَ ما جَرى إلَيْهِ إلى الأوَّلِينَ، أوْ إلى غَيْرِهِمْ. وقِيلَ: أسْلَمُوا فَسَألُوهُ أنْ يَرْجِعَ إلَيْهِمْ فَأبى؛ لِأنَّ النَّبِيَّ إذا هاجَرَ عَنْ قَوْمِهِ لَمْ يَرْجِعْ إلَيْهِمْ مُقِيمًا فِيهِمْ، فَقالَ لَهم: إنَّ اللَّهَ باعِثٌ إلَيْكم نَبِيًّا. وقَرَأ الجُمْهُورُ (أوْ)، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ بِمَعْنى بَلْ. وقِيلَ: بِمَعْنى الواوِ وبِالواوِ، وقَرَأ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ. وقِيلَ: لِلْإبْهامِ عَلى المُخاطَبِ. وقالَ المُبَرِّدُ وكَثِيرٌ مِنَ البَصْرِيِّينَ: المَعْنى عَلى نَظَرِ البَشَرِ، وحَزْرِهِمْ أنَّ مَن وراءَهم قالَ: هم مِائَةُ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ، وهَذا القَوْلُ لَمْ يَذْكُرِ الزَّمَخْشَرِيُّ غَيْرَهُ. قالَ: أوْ يَزِيدُونَ في مَرْأى النّاظِرِ، إذا رَآها الرّائِي قالَ: هي مِائَةُ ألْفٍ أوْ أكْثَرُ. والغَرَضُ الوَصْفُ بِالكَثْرَةِ، والزِّيادَةُ ثَلاثُونَ ألْفًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ؛ أوْ سَبْعُونَ ألْفًا، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ؛ أوْ عِشْرُونَ ألْفًا، رَواهُ أُبَيٌّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وإذا صَحَّ بَطَلَ ما سِواهُ.
(فَآمَنُوا) رُوِيَ أنَّهم خَرَجُوا بِالأطْفالِ والأوْلادِ والبَهائِمِ، وفَرَّقُوا بَيْنَها وبَيْنَ الأُمَّهاتِ، وناحُوا وضَجُّوا وأخْلَصُوا، فَرَفَعَ اللَّهُ عَنْهم. والتَّمَتُّعُ هُنا هو بِالحَياةِ، والحِينُ آجالُهُمُ السّابِقَةُ في الأزَلِ، قالَهُ قَتادَةُ والسُّدِّيُّ. والضَّمِيرُ في ﴿فاسْتَفْتِهِمْ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَعْطُوفٌ عَلى مِثْلِهِ في أوَّلِ السُّورَةِ، وإنْ تَباعَدَتْ بَيْنَهُما المَسافَةُ. أمَرَ رَسُولَهُ بِاسْتِفْتاءِ قُرَيْشٍ عَنْ وجْهِ إنْكارِ البَعْثِ أوَّلًا، ثُمَّ ساقَ الكَلامَ مَوْصُولًا بَعْضَهُ بِبَعْضٍ، ثُمَّ أمَرَ بِاسْتِفْتائِهِمْ عَنْ وجْهِ القِسْمَةِ الضِّيزى. انْتَهى. ويَبْعُدُ ما قالَهُ مِنَ العَطْفِ.
وإذا كانُوا عَدُّوا الفَصْلَ بِجُمْلَةٍ مِثْلَ قَوْلِكَ: كُلْ لَحْمًا واضْرِبْ زَيْدًا وخُبْزًا، مِن أقْبَحِ التَّرْكِيبِ، فَكَيْفَ بِجُمَلٍ كَثِيرَةٍ وقِصَصٍ مُتَبايِنَةٍ ؟ فالقَوْلُ بِالعَطْفِ لا يَجُوزُ، والِاسْتِفْتاءُ هُنا سُؤالٌ عَلى جِهَةِ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ عَلى قَوْلِهِمُ البُهْتانَ عَلى اللَّهِ، حَيْثُ جَعَلُوا لِلَّهِ الإناثَ في قَوْلِهِمْ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، مَعَ كَراهَتِهِمْ لَهُنَّ، ووَأْدِهِمْ إيّاهُنَّ، واسْتِنْكافِهِمْ مَن ذَكَرَهُنَّ. وارْتَكَبُوا ثَلاثَةَ أنْواعٍ مِنَ الكُفْرِ: التَّجْسِيمُ؛ لِأنَّ الوِلادَةَ مُخْتَصَّةٌ بِالأجْسامِ، وتَفْضِيلُ أنْفُسِهِمْ، حَيْثُ نَسَبُوا أرْفَعَ الجِنْسَيْنِ لَهم وغَيْرَهُ لِلَّهِ تَعالى؛ واسْتِهانَتُهم بِمَن هو مُكَرَّمٌ عِنْدَ اللَّهِ، حَيْثُ أنَّثُوهم، وهُمُ المَلائِكَةُ.
بَدَأ أوَّلًا بِتَوْبِيخِهِمْ عَلى تَفْضِيلِ أنْفُسِهِمْ بِقَوْلِهِ ﴿ألِرَبِّكَ البَناتُ﴾، وعَدَلَ عَنْ قَوْلِهِ (ألِرَبِّكم) لِما في تَرْكِ الإضافَةِ إلَيْهِمْ مِن تَحْسِينِهِمْ وشَرَفِ نَبِيِّهِ بِالإضافَةِ إلَيْهِ. وثَنّى بِأنَّ نِسْبَةَ الأُنُوثَةِ إلى المَلائِكَةِ يَقْتَضِي المُشاهَدَةَ، فَأنْكَرَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ ﴿أمْ خَلَقْنا المَلائِكَةَ إناثًا وهم شاهِدُونَ﴾ أيْ خَلَقْناهم وهم لا يَشْهَدُونَ شَيْئًا مِن حالِهِمْ، كَما قالَ في الأُخْرى ﴿أشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾ [الزخرف: ١٩] وكَما قالَ ﴿ما أشْهَدْتُهم خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ ولا خَلْقَ أنْفُسِهِمْ﴾ [الكهف: ٥١] . ثُمَّ أخْبَرَ عَنْهم ثالِثًا بِأعْظَمِ الكُفْرِ، وهو ادِّعاؤُهم أنَّهُ تَعالى قَدْ ولَدَ، فَبَلَغَ إفْكُهم إلى نِسْبَةِ الوَلَدِ. ولَمّا كانَ هَذا فاحِشًا قالَ ﴿وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ . واحْتَمَلَ أنْ تُخَصَّ هَذِهِ الجُمْلَةُ بِقَوْلِهِمْ ولَدَ اللَّهُ، ويَكُونَ تَأْكِيدًا لِقَوْلِهِ ﴿مِن إفْكِهِمْ﴾ واحْتَمَلَ أنْ يَعُمَّ هَذا القَوْلَ. فَإنْ قُلْتَ: لِمَ قالَ (وهم شاهِدُونَ) فَخَصَّ عِلْمَهم بِالمُشاهَدَةِ ؟ قُلْتُ: ما هو إلّا اسْتِهْزاءٌ وتَجْهِيلٌ كَقَوْلِهِ ﴿أشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾ [الزخرف: ١٩] وذَلِكَ أنَّهم كَما لَمْ يَعْلَمُوا ذَلِكَ بِطَرِيقِ المُشاهَدَةِ، لَمْ يَعْلَمُوهُ بِخَلْقِ اللَّهِ عِلْمَهُ في قُلُوبِهِمْ ولا بِإخْبارٍ صادِقٍ، لا بِطْرِيقِ اسْتِدْلالٍ ولا نَظَرٍ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّهم يَقُولُونَ ذَلِكَ، كالقائِلِ قَوْلًا عَنْ ثَلَجِ صَدْرٍ وطُمَأْنِينَةِ نَفْسٍ لِإفْراطِ جَهْلِهِمْ، كَأنَّهم قَدْ شاهَدُوا خَلْقَهُ. وقُرِأ (ولَدُ اللَّهِ) أيِ المَلائِكَةُ ولَدُهُ، والوَلَدُ فَعَلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ يَقَعُ عَلى الواحِدِ والجَمْعِ والمُذَكِّرِ والمُؤَنَّثِ. تَقُولُ: هَذِهِ ولَدِي، وهَؤُلاءِ ولَدِي. انْتَهى.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: (p-٣٧٧)(أصْطَفى) بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، عَلى طَرِيقَةِ الإنْكارِ والِاسْتِبْعادِ. وقَرَأ نافِعٌ في رِوايَةِ إسْماعِيلَ، وابْنُ جَمّازٍ وجَماعَةٌ، وإسْماعِيلُ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ: بِوَصْلِ الألِفِ، وهو مِن كَلامِ الكُفّارِ. حَكى اللَّهُ تَعالى شَنِيعَ قَوْلِهِمْ، وهو أنَّهم ما كَفاهم أنْ قالُوا ولَدَ اللَّهُ، حَتّى جَعَلُوا ذَلِكَ الوَلَدَ بَناتِ اللَّهِ، واللَّهُ تَعالى اخْتارَهم عَلى البَنِينَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بَدَلًا عَنْ قَوْلِهِمْ ولَدَ اللَّهُ، وقَدْ قَرَأ بِها حَمْزَةُ والأعْمَشُ، وهَذِهِ القِراءَةُ، وإنْ كانَ هَذا مَحْمَلَها، فَهي ضَعِيفَةٌ؛ والَّذِي أضْعَفَها أنَّ الإنْكارَ قَدِ اكْتَنَفَ هَذِهِ الجُمْلَةَ مِن جانِبَيْها، وذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾، ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ . فَمَن جَعَلَها لِلْإثْباتِ فَقَدْ أوْقَعَها دَخِيلَةً بَيْنَ سَبَبَيْنِ، ولَيْسَتْ دَخِيلَةً بَيْنَ نَسِيبَيْنِ، بَلْ لَها مُناسَبَةٌ ظاهِرَةٌ مَعَ قَوْلِهِمْ ولَدَ اللَّهُ. وأمّا قَوْلُهُ ﴿وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ فَهي جُمْلَةُ اعْتِراضٍ بَيْنَ مَقالَتَيِّ الكُفْرِ، جاءَتْ لِلتَّشْدِيدِ والتَّأْكِيدِ في كَوْنِ مَقالَتِهِمْ تِلْكَ هي مِن إفْكِهِمْ.
﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ تَقْرِيعٌ وتَوْبِيخٌ واسْتِفْهامٌ عَنِ البُرْهانِ والحُجَّةِ. وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: تَذْكُرُونَ، بِسُكُونِ الذّالِ وضَمِّ الكافِ.
﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ﴾ أيْ حُجَّةٌ نَزَلَتْ عَلَيْكم مِنَ السَّماءِ، وخَبَرٌ بِأنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ.
﴿فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ﴾ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْكم بِذَلِكَ، كَقَوْلِهِ ﴿أمْ أنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطانًا فَهو يَتَكَلَّمُ بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾ [الروم: ٣٥] .
الصافات 37:142
﴿وإنَّ يُونُسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ أبَقَ إلى الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ ﴿فَساهَمَ فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ﴾ ﴿فالتَقَمَهُ الحُوتُ وهو مُلِيمٌ﴾ ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ ﴿لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ﴿فَنَبَذْناهُ بِالعَراءِ وهو سَقِيمٌ﴾ ﴿وأنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِن يَقْطِينٍ﴾ ﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ﴾ ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾ ﴿فاسْتَفْتِهِمْ ألِرَبِّكَ البَناتُ ولَهُمُ البَنُونَ﴾ ﴿أمْ خَلَقْنا المَلائِكَةَ إناثًا وهم شاهِدُونَ﴾ ﴿ألا إنَّهم مِن إفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ﴾ ﴿ولَدَ اللَّهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ ﴿أاصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ﴾ ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾ ﴿فَأْتُوا بِكِتابِكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (p-٣٧٥)
يُونُسُ بْنُ مَتّى مِن بَنِي إسْرائِيلَ. ورُوِيَ أنَّهُ نُبِّأ وهو ابْنُ ثَمانٍ وعِشْرِينَ سَنَةً، بَعَثَهُ اللَّهُ إلى قَوْمِهِ، فَدَعاهم لِلْإيمانِ فَخالَفُوهُ، فَوَعَدَهم بِالعَذابِ، فَأعْلَمَهُمُ اللَّهُ بِيَوْمِهِ، فَحَدَّدَهُ يُونُسُ لَهم. ثُمَّ إنَّ قَوْمَهُ لَمّا رَأوْا مَخايِلَ العَذابِ قَبْلَ أنْ يُباشِرَهم تابُوا وآمَنُوا، فَتابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وصَرَفَ العَذابَ عَنْهم. وتَقَدَّمَ شَرْحُ قِصَّتِهِ، وأعَدْنا طَرَفًا مِنها لِيُفِيدَ ما بَيْنَ الذِّكْرَيْنِ. قِيلَ: ولَحِقَ يُونُسَ غَضَبٌ، فَأبِقَ إلى رُكُوبِ السَّفِينَةِ فِرارًا مِن قَوْمِهِ، وعَبَّرَ عَنِ الهُرُوبِ بِالإباقِ، إذْ هو عَبْدُ اللَّهِ، خَرَجَ فارًّا مِن غَيْرِ إذْنٍ مِنَ اللَّهِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ لَمّا أبْعَدَتِ السَّفِينَةُ في البَحْرِ، ويُونُسُ فِيها، رَكَدَتْ. فَقالَ أهْلُها: إنَّ فِيها لَمَن يَحْبِسُ اللَّهُ السَّفِينَةَ بِسَبَبِهِ، فَلْنَقْتَرِعْ. فَأخَذُوا لِكُلٍّ سَهْمًا، عَلى أنَّ مَن طَفا سَهْمُهُ فَهو، ومَن غَرِقَ سَهْمُهُ فَلَيْسَ إيّاهُ، فَطَفا سَهْمُ يُونُسَ. فَعَلُوا ذَلِكَ ثَلاثًا، تَقَعُ القَرْعَةُ عَلَيْهِ، فَأجْمَعُوا عَلى أنْ يَطْرَحُوهُ. فَجاءَ إلى رُكْنٍ مِنها لِيَقَعَ مِنها، فَإذا بِدابَّةٍ مِن دَوابِّ البَحْرِ تَرْقُبُهُ وتَرْصُدُ لَهُ. فانْتَقَلَ إلى الرُّكْنِ الآخَرِ، فَوَجَدَها حَتّى اسْتَدارَ بِالمَرْكَبِ وهي لا تُفارِقُهُ، فَعَلِمَ أنَّ ذَلِكَ مِن عِنْدِ اللَّهِ، فَتَرامى إلَيْها فالتَقَمَتْهُ. فَفي قِصَّةِ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ هُنا جُمَلٌ مَحْذُوفَةٌ مُقَدَّرَةٌ قَبْلَ ذِكْرِ فِرارِهِ إلى الفُلْكِ، كَما في قِصَّتِهِ في سُورَةِ الأنْبِياءِ في قَوْلِهِ ﴿إذْ ذَهَبَ مُغاضِبًا﴾ [الأنبياء: ٨٧] هو ما بَعْدَ هَذا، وقَوْلِهِ ﴿فَنادى في الظُّلُماتِ﴾ [الأنبياء: ٨٧] جُمَلٌ مَحْذُوفَةٌ أيْضًا. وبِمَجْمُوعِ القَصَصِ يَتَبَيَّنُ ما حُذِفَ في كُلِّ قِصَّةٍ مِنها.
﴿فَساهَمَ فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ﴾ مِنَ المَغْلُوبِينَ، وحَقِيقَتُهُ مِنَ المُزْلَقِينَ عَنْ مَقامِ الظَّفَرِ في الأسْهامِ. وقُرِئَ ﴿وهُوَ مُلِيمٌ﴾ بِفَتْحِ المِيمِ، وقِياسُهُ مَلُومٌ؛ لِأنَّهُ مِن لُمْتُهُ ألُومُهُ لَوْمًا، فَهو مِن ذَواتِ الواوِ، ولَكِنَّهُ جِيءَ بِهِ عَلى ألِيمٍ، كَما قالُوا: مَشِيبٌ ومَدْعِيٍّ في مَشُوبٍ، ومَدْعُوٍّ بِناءً عَلى شَيَبَ ودَعى.
﴿مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ مِنَ الذّاكِرِينَ اللَّهَ تَعالى بِالتَّسْبِيحِ والتَّقْدِيسِ. والظّاهِرُ أنَّهُ يُرِيدُ ما ذَكَرَ في قَوْلِهِ في سُورَةِ الأنْبِياءِ ﴿فَنادى في الظُّلُماتِ أنْ لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧] . وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: هو قَوْلُهُ سُبْحانَ اللَّهِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: تَسْبِيحُهُ صَلاةُ التَّطَوُّعِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، وأبُو العالِيَةِ: صَلاتُهُ في وقْتِ الرَّخاءِ تَنْفَعُهُ في وقْتِ الشِّدَّةِ. وقالَ الضَّحّاكُ بْنُ قَيْسٍ عَلى مِنبَرِهِ: اذْكُرُوا اللَّهَ في الرَّخاءِ يَذْكُرْكم في الشِّدَّةِ، إنَّ يُونُسَ كانَ عَبْدًا ذاكِرًا، فَلَمّا أصابَتْهُ الشِّدَّةُ نَفَعَهُ ذَلِكَ. قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾، ﴿لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ . وقالَ الحَسَنُ: تَسْبِيحُهُ: صَلاتُهُ في بَطْنِ الحُوتِ. ورُوِيَ أنَّهُ كانَ يَرْفَعُ لَحْمَ الحُوتِ بِيَدَيْهِ يَقُولُ: لَأبْنِيَنَّ لَكَ مَسْجِدًا حَيْثُ لَمْ يَبْنَهِ أحَدٌ قَبْلِي.
ورُوِيَ أنَّ الحُوتَ سافَرَ مَعَ السَّفِينَةِ رافِعًا رَأْسَهُ لِيَتَنَفَّسَ ويُونُسُ يُسَبِّحُ، ولَمْ يُفارِقْهم حَتّى انْتَهَوْا إلى البَرِّ، فَلَفَظَهُ سالِمًا لَمْ يَتَغَيَّرْ مِنهُ شَيْءٌ، فَأسْلَمُوا. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ البَعْثِ، وعَنْ قَتادَةَ: لَكانَ بَطْنُ الحُوتِ لَهُ قَبْرًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ. وذُكِرَ في مُدَّةِ لَبْثِهِ في بَطْنِ الحُوتِ أقْوالًا مُتَكاذِبَةً، ضَرَبْنا عَنْ ذِكْرِها صَفْحًا.
﴿وهُوَ سَقِيمٌ﴾ رُوِيَ أنَّهُ عادَ بَدَنُهُ كَبَدَنِ الصَّبِيِّ حِينَ يُولَدُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والسُّدِّيُّ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو هُرَيْرَةَ، وعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ: اليَقْطِينُ: القَرْعُ خاصَّةً، قِيلَ: وهي الَّتِي أنْبَتَها اللَّهُ عَلَيْهِ، وتَجْمَعُ خِصالًا، بَرَدُ الظِّلِّ، ونُعُومَةُ المَلْمَسِ، وعِظَمُ الوَرَقِ، والذُّبابُ لا يَقْرَبُها. قِيلَ: وماءُ ورَقِهِ إذا رُشَّ بِهِ مَكانٌ لَمْ يَقْرَبْهُ ذُبابٌ، وقالَ أُمَيَّةُ بْنُ أبِي الصَّلْتِ:
؎فَأنْبَتَ يَقْطِينًا عَلَيْهِ بِرَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لَوْلا اللَّهُ ألْفى ضِياعِيا
وفِيما رُوِيَ: إنَّكَ لَتُحِبُّ القَرْعَ، قالَ: أجَلْ، هي شَجَرَةُ أخِي يُونُسَ. وقِيلَ: هي شَجَرَةُ المَوْزِ، تَغَطّى بِوَرَقِها، واسْتَظَلَّ بِأغْصانِها، وأفْطَرَ عَلى ثِمارِها. ومَعْنى ﴿وأنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً﴾ في كَلامِ العَرَبِ: ما كانَ عَلى ساقٍ مِن عُودٍ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اللَّهُ أنْبَتَها ذاتَ ساقٍ يَسْتَظِلُّ بِها وبِوَرَقِها، خَرْقًا لِلْعادَةِ، فَنَبَتَ وصَحَّ وحَسُنَ (p-٣٧٦)وجْهُهُ؛ لِأنَّ ورَقَ القَرْعِ أنْفَعُ شَيْءٍ لِمَن يَنْسَلِخُ جِلْدُهُ.
﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ﴾ قالَ الجُمْهُورُ: رِسالَتُهُ هَذِهِ هي الأُولى الَّتِي أبِقَ بَعْدَها، ذَكَرَها آخِرَ القَصَصِ تَنْبِيهًا عَلى رِسالَتِهِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهُمْ﴾ وتَمْتِيعُ تِلْكَ الأُمَّةِ هو الَّذِي أغْضَبَ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ حَتّى أبَقَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ: هي رِسالَةٌ أُخْرى بَعْدَ أنْ نَبَذَهُ بِالعَراءِ، وهي إلى أهْلِ نِينَوى مِن ناحِيَةِ المَوْصِلِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: المُرادُ بِهِ ما سَبَقَ مِن إرْسالِهِ إلى قَوْمِهِ، وهم أهْلُ نِينَوى. وقِيلَ: هو إرْسالٌ ثانٍ بَعْدَ ما جَرى إلَيْهِ إلى الأوَّلِينَ، أوْ إلى غَيْرِهِمْ. وقِيلَ: أسْلَمُوا فَسَألُوهُ أنْ يَرْجِعَ إلَيْهِمْ فَأبى؛ لِأنَّ النَّبِيَّ إذا هاجَرَ عَنْ قَوْمِهِ لَمْ يَرْجِعْ إلَيْهِمْ مُقِيمًا فِيهِمْ، فَقالَ لَهم: إنَّ اللَّهَ باعِثٌ إلَيْكم نَبِيًّا. وقَرَأ الجُمْهُورُ (أوْ)، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ بِمَعْنى بَلْ. وقِيلَ: بِمَعْنى الواوِ وبِالواوِ، وقَرَأ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ. وقِيلَ: لِلْإبْهامِ عَلى المُخاطَبِ. وقالَ المُبَرِّدُ وكَثِيرٌ مِنَ البَصْرِيِّينَ: المَعْنى عَلى نَظَرِ البَشَرِ، وحَزْرِهِمْ أنَّ مَن وراءَهم قالَ: هم مِائَةُ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ، وهَذا القَوْلُ لَمْ يَذْكُرِ الزَّمَخْشَرِيُّ غَيْرَهُ. قالَ: أوْ يَزِيدُونَ في مَرْأى النّاظِرِ، إذا رَآها الرّائِي قالَ: هي مِائَةُ ألْفٍ أوْ أكْثَرُ. والغَرَضُ الوَصْفُ بِالكَثْرَةِ، والزِّيادَةُ ثَلاثُونَ ألْفًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ؛ أوْ سَبْعُونَ ألْفًا، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ؛ أوْ عِشْرُونَ ألْفًا، رَواهُ أُبَيٌّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وإذا صَحَّ بَطَلَ ما سِواهُ.
(فَآمَنُوا) رُوِيَ أنَّهم خَرَجُوا بِالأطْفالِ والأوْلادِ والبَهائِمِ، وفَرَّقُوا بَيْنَها وبَيْنَ الأُمَّهاتِ، وناحُوا وضَجُّوا وأخْلَصُوا، فَرَفَعَ اللَّهُ عَنْهم. والتَّمَتُّعُ هُنا هو بِالحَياةِ، والحِينُ آجالُهُمُ السّابِقَةُ في الأزَلِ، قالَهُ قَتادَةُ والسُّدِّيُّ. والضَّمِيرُ في ﴿فاسْتَفْتِهِمْ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَعْطُوفٌ عَلى مِثْلِهِ في أوَّلِ السُّورَةِ، وإنْ تَباعَدَتْ بَيْنَهُما المَسافَةُ. أمَرَ رَسُولَهُ بِاسْتِفْتاءِ قُرَيْشٍ عَنْ وجْهِ إنْكارِ البَعْثِ أوَّلًا، ثُمَّ ساقَ الكَلامَ مَوْصُولًا بَعْضَهُ بِبَعْضٍ، ثُمَّ أمَرَ بِاسْتِفْتائِهِمْ عَنْ وجْهِ القِسْمَةِ الضِّيزى. انْتَهى. ويَبْعُدُ ما قالَهُ مِنَ العَطْفِ.
وإذا كانُوا عَدُّوا الفَصْلَ بِجُمْلَةٍ مِثْلَ قَوْلِكَ: كُلْ لَحْمًا واضْرِبْ زَيْدًا وخُبْزًا، مِن أقْبَحِ التَّرْكِيبِ، فَكَيْفَ بِجُمَلٍ كَثِيرَةٍ وقِصَصٍ مُتَبايِنَةٍ ؟ فالقَوْلُ بِالعَطْفِ لا يَجُوزُ، والِاسْتِفْتاءُ هُنا سُؤالٌ عَلى جِهَةِ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ عَلى قَوْلِهِمُ البُهْتانَ عَلى اللَّهِ، حَيْثُ جَعَلُوا لِلَّهِ الإناثَ في قَوْلِهِمْ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، مَعَ كَراهَتِهِمْ لَهُنَّ، ووَأْدِهِمْ إيّاهُنَّ، واسْتِنْكافِهِمْ مَن ذَكَرَهُنَّ. وارْتَكَبُوا ثَلاثَةَ أنْواعٍ مِنَ الكُفْرِ: التَّجْسِيمُ؛ لِأنَّ الوِلادَةَ مُخْتَصَّةٌ بِالأجْسامِ، وتَفْضِيلُ أنْفُسِهِمْ، حَيْثُ نَسَبُوا أرْفَعَ الجِنْسَيْنِ لَهم وغَيْرَهُ لِلَّهِ تَعالى؛ واسْتِهانَتُهم بِمَن هو مُكَرَّمٌ عِنْدَ اللَّهِ، حَيْثُ أنَّثُوهم، وهُمُ المَلائِكَةُ.
بَدَأ أوَّلًا بِتَوْبِيخِهِمْ عَلى تَفْضِيلِ أنْفُسِهِمْ بِقَوْلِهِ ﴿ألِرَبِّكَ البَناتُ﴾، وعَدَلَ عَنْ قَوْلِهِ (ألِرَبِّكم) لِما في تَرْكِ الإضافَةِ إلَيْهِمْ مِن تَحْسِينِهِمْ وشَرَفِ نَبِيِّهِ بِالإضافَةِ إلَيْهِ. وثَنّى بِأنَّ نِسْبَةَ الأُنُوثَةِ إلى المَلائِكَةِ يَقْتَضِي المُشاهَدَةَ، فَأنْكَرَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ ﴿أمْ خَلَقْنا المَلائِكَةَ إناثًا وهم شاهِدُونَ﴾ أيْ خَلَقْناهم وهم لا يَشْهَدُونَ شَيْئًا مِن حالِهِمْ، كَما قالَ في الأُخْرى ﴿أشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾ [الزخرف: ١٩] وكَما قالَ ﴿ما أشْهَدْتُهم خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ ولا خَلْقَ أنْفُسِهِمْ﴾ [الكهف: ٥١] . ثُمَّ أخْبَرَ عَنْهم ثالِثًا بِأعْظَمِ الكُفْرِ، وهو ادِّعاؤُهم أنَّهُ تَعالى قَدْ ولَدَ، فَبَلَغَ إفْكُهم إلى نِسْبَةِ الوَلَدِ. ولَمّا كانَ هَذا فاحِشًا قالَ ﴿وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ . واحْتَمَلَ أنْ تُخَصَّ هَذِهِ الجُمْلَةُ بِقَوْلِهِمْ ولَدَ اللَّهُ، ويَكُونَ تَأْكِيدًا لِقَوْلِهِ ﴿مِن إفْكِهِمْ﴾ واحْتَمَلَ أنْ يَعُمَّ هَذا القَوْلَ. فَإنْ قُلْتَ: لِمَ قالَ (وهم شاهِدُونَ) فَخَصَّ عِلْمَهم بِالمُشاهَدَةِ ؟ قُلْتُ: ما هو إلّا اسْتِهْزاءٌ وتَجْهِيلٌ كَقَوْلِهِ ﴿أشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾ [الزخرف: ١٩] وذَلِكَ أنَّهم كَما لَمْ يَعْلَمُوا ذَلِكَ بِطَرِيقِ المُشاهَدَةِ، لَمْ يَعْلَمُوهُ بِخَلْقِ اللَّهِ عِلْمَهُ في قُلُوبِهِمْ ولا بِإخْبارٍ صادِقٍ، لا بِطْرِيقِ اسْتِدْلالٍ ولا نَظَرٍ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّهم يَقُولُونَ ذَلِكَ، كالقائِلِ قَوْلًا عَنْ ثَلَجِ صَدْرٍ وطُمَأْنِينَةِ نَفْسٍ لِإفْراطِ جَهْلِهِمْ، كَأنَّهم قَدْ شاهَدُوا خَلْقَهُ. وقُرِأ (ولَدُ اللَّهِ) أيِ المَلائِكَةُ ولَدُهُ، والوَلَدُ فَعَلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ يَقَعُ عَلى الواحِدِ والجَمْعِ والمُذَكِّرِ والمُؤَنَّثِ. تَقُولُ: هَذِهِ ولَدِي، وهَؤُلاءِ ولَدِي. انْتَهى.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: (p-٣٧٧)(أصْطَفى) بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، عَلى طَرِيقَةِ الإنْكارِ والِاسْتِبْعادِ. وقَرَأ نافِعٌ في رِوايَةِ إسْماعِيلَ، وابْنُ جَمّازٍ وجَماعَةٌ، وإسْماعِيلُ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ: بِوَصْلِ الألِفِ، وهو مِن كَلامِ الكُفّارِ. حَكى اللَّهُ تَعالى شَنِيعَ قَوْلِهِمْ، وهو أنَّهم ما كَفاهم أنْ قالُوا ولَدَ اللَّهُ، حَتّى جَعَلُوا ذَلِكَ الوَلَدَ بَناتِ اللَّهِ، واللَّهُ تَعالى اخْتارَهم عَلى البَنِينَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بَدَلًا عَنْ قَوْلِهِمْ ولَدَ اللَّهُ، وقَدْ قَرَأ بِها حَمْزَةُ والأعْمَشُ، وهَذِهِ القِراءَةُ، وإنْ كانَ هَذا مَحْمَلَها، فَهي ضَعِيفَةٌ؛ والَّذِي أضْعَفَها أنَّ الإنْكارَ قَدِ اكْتَنَفَ هَذِهِ الجُمْلَةَ مِن جانِبَيْها، وذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾، ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ . فَمَن جَعَلَها لِلْإثْباتِ فَقَدْ أوْقَعَها دَخِيلَةً بَيْنَ سَبَبَيْنِ، ولَيْسَتْ دَخِيلَةً بَيْنَ نَسِيبَيْنِ، بَلْ لَها مُناسَبَةٌ ظاهِرَةٌ مَعَ قَوْلِهِمْ ولَدَ اللَّهُ. وأمّا قَوْلُهُ ﴿وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ فَهي جُمْلَةُ اعْتِراضٍ بَيْنَ مَقالَتَيِّ الكُفْرِ، جاءَتْ لِلتَّشْدِيدِ والتَّأْكِيدِ في كَوْنِ مَقالَتِهِمْ تِلْكَ هي مِن إفْكِهِمْ.
﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ تَقْرِيعٌ وتَوْبِيخٌ واسْتِفْهامٌ عَنِ البُرْهانِ والحُجَّةِ. وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: تَذْكُرُونَ، بِسُكُونِ الذّالِ وضَمِّ الكافِ.
﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ﴾ أيْ حُجَّةٌ نَزَلَتْ عَلَيْكم مِنَ السَّماءِ، وخَبَرٌ بِأنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ.
﴿فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ﴾ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْكم بِذَلِكَ، كَقَوْلِهِ ﴿أمْ أنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطانًا فَهو يَتَكَلَّمُ بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾ [الروم: ٣٥] .
الصافات 37:143
﴿وإنَّ يُونُسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ أبَقَ إلى الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ ﴿فَساهَمَ فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ﴾ ﴿فالتَقَمَهُ الحُوتُ وهو مُلِيمٌ﴾ ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ ﴿لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ﴿فَنَبَذْناهُ بِالعَراءِ وهو سَقِيمٌ﴾ ﴿وأنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِن يَقْطِينٍ﴾ ﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ﴾ ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾ ﴿فاسْتَفْتِهِمْ ألِرَبِّكَ البَناتُ ولَهُمُ البَنُونَ﴾ ﴿أمْ خَلَقْنا المَلائِكَةَ إناثًا وهم شاهِدُونَ﴾ ﴿ألا إنَّهم مِن إفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ﴾ ﴿ولَدَ اللَّهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ ﴿أاصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ﴾ ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾ ﴿فَأْتُوا بِكِتابِكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (p-٣٧٥)
يُونُسُ بْنُ مَتّى مِن بَنِي إسْرائِيلَ. ورُوِيَ أنَّهُ نُبِّأ وهو ابْنُ ثَمانٍ وعِشْرِينَ سَنَةً، بَعَثَهُ اللَّهُ إلى قَوْمِهِ، فَدَعاهم لِلْإيمانِ فَخالَفُوهُ، فَوَعَدَهم بِالعَذابِ، فَأعْلَمَهُمُ اللَّهُ بِيَوْمِهِ، فَحَدَّدَهُ يُونُسُ لَهم. ثُمَّ إنَّ قَوْمَهُ لَمّا رَأوْا مَخايِلَ العَذابِ قَبْلَ أنْ يُباشِرَهم تابُوا وآمَنُوا، فَتابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وصَرَفَ العَذابَ عَنْهم. وتَقَدَّمَ شَرْحُ قِصَّتِهِ، وأعَدْنا طَرَفًا مِنها لِيُفِيدَ ما بَيْنَ الذِّكْرَيْنِ. قِيلَ: ولَحِقَ يُونُسَ غَضَبٌ، فَأبِقَ إلى رُكُوبِ السَّفِينَةِ فِرارًا مِن قَوْمِهِ، وعَبَّرَ عَنِ الهُرُوبِ بِالإباقِ، إذْ هو عَبْدُ اللَّهِ، خَرَجَ فارًّا مِن غَيْرِ إذْنٍ مِنَ اللَّهِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ لَمّا أبْعَدَتِ السَّفِينَةُ في البَحْرِ، ويُونُسُ فِيها، رَكَدَتْ. فَقالَ أهْلُها: إنَّ فِيها لَمَن يَحْبِسُ اللَّهُ السَّفِينَةَ بِسَبَبِهِ، فَلْنَقْتَرِعْ. فَأخَذُوا لِكُلٍّ سَهْمًا، عَلى أنَّ مَن طَفا سَهْمُهُ فَهو، ومَن غَرِقَ سَهْمُهُ فَلَيْسَ إيّاهُ، فَطَفا سَهْمُ يُونُسَ. فَعَلُوا ذَلِكَ ثَلاثًا، تَقَعُ القَرْعَةُ عَلَيْهِ، فَأجْمَعُوا عَلى أنْ يَطْرَحُوهُ. فَجاءَ إلى رُكْنٍ مِنها لِيَقَعَ مِنها، فَإذا بِدابَّةٍ مِن دَوابِّ البَحْرِ تَرْقُبُهُ وتَرْصُدُ لَهُ. فانْتَقَلَ إلى الرُّكْنِ الآخَرِ، فَوَجَدَها حَتّى اسْتَدارَ بِالمَرْكَبِ وهي لا تُفارِقُهُ، فَعَلِمَ أنَّ ذَلِكَ مِن عِنْدِ اللَّهِ، فَتَرامى إلَيْها فالتَقَمَتْهُ. فَفي قِصَّةِ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ هُنا جُمَلٌ مَحْذُوفَةٌ مُقَدَّرَةٌ قَبْلَ ذِكْرِ فِرارِهِ إلى الفُلْكِ، كَما في قِصَّتِهِ في سُورَةِ الأنْبِياءِ في قَوْلِهِ ﴿إذْ ذَهَبَ مُغاضِبًا﴾ [الأنبياء: ٨٧] هو ما بَعْدَ هَذا، وقَوْلِهِ ﴿فَنادى في الظُّلُماتِ﴾ [الأنبياء: ٨٧] جُمَلٌ مَحْذُوفَةٌ أيْضًا. وبِمَجْمُوعِ القَصَصِ يَتَبَيَّنُ ما حُذِفَ في كُلِّ قِصَّةٍ مِنها.
﴿فَساهَمَ فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ﴾ مِنَ المَغْلُوبِينَ، وحَقِيقَتُهُ مِنَ المُزْلَقِينَ عَنْ مَقامِ الظَّفَرِ في الأسْهامِ. وقُرِئَ ﴿وهُوَ مُلِيمٌ﴾ بِفَتْحِ المِيمِ، وقِياسُهُ مَلُومٌ؛ لِأنَّهُ مِن لُمْتُهُ ألُومُهُ لَوْمًا، فَهو مِن ذَواتِ الواوِ، ولَكِنَّهُ جِيءَ بِهِ عَلى ألِيمٍ، كَما قالُوا: مَشِيبٌ ومَدْعِيٍّ في مَشُوبٍ، ومَدْعُوٍّ بِناءً عَلى شَيَبَ ودَعى.
﴿مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ مِنَ الذّاكِرِينَ اللَّهَ تَعالى بِالتَّسْبِيحِ والتَّقْدِيسِ. والظّاهِرُ أنَّهُ يُرِيدُ ما ذَكَرَ في قَوْلِهِ في سُورَةِ الأنْبِياءِ ﴿فَنادى في الظُّلُماتِ أنْ لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧] . وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: هو قَوْلُهُ سُبْحانَ اللَّهِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: تَسْبِيحُهُ صَلاةُ التَّطَوُّعِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، وأبُو العالِيَةِ: صَلاتُهُ في وقْتِ الرَّخاءِ تَنْفَعُهُ في وقْتِ الشِّدَّةِ. وقالَ الضَّحّاكُ بْنُ قَيْسٍ عَلى مِنبَرِهِ: اذْكُرُوا اللَّهَ في الرَّخاءِ يَذْكُرْكم في الشِّدَّةِ، إنَّ يُونُسَ كانَ عَبْدًا ذاكِرًا، فَلَمّا أصابَتْهُ الشِّدَّةُ نَفَعَهُ ذَلِكَ. قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾، ﴿لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ . وقالَ الحَسَنُ: تَسْبِيحُهُ: صَلاتُهُ في بَطْنِ الحُوتِ. ورُوِيَ أنَّهُ كانَ يَرْفَعُ لَحْمَ الحُوتِ بِيَدَيْهِ يَقُولُ: لَأبْنِيَنَّ لَكَ مَسْجِدًا حَيْثُ لَمْ يَبْنَهِ أحَدٌ قَبْلِي.
ورُوِيَ أنَّ الحُوتَ سافَرَ مَعَ السَّفِينَةِ رافِعًا رَأْسَهُ لِيَتَنَفَّسَ ويُونُسُ يُسَبِّحُ، ولَمْ يُفارِقْهم حَتّى انْتَهَوْا إلى البَرِّ، فَلَفَظَهُ سالِمًا لَمْ يَتَغَيَّرْ مِنهُ شَيْءٌ، فَأسْلَمُوا. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ البَعْثِ، وعَنْ قَتادَةَ: لَكانَ بَطْنُ الحُوتِ لَهُ قَبْرًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ. وذُكِرَ في مُدَّةِ لَبْثِهِ في بَطْنِ الحُوتِ أقْوالًا مُتَكاذِبَةً، ضَرَبْنا عَنْ ذِكْرِها صَفْحًا.
﴿وهُوَ سَقِيمٌ﴾ رُوِيَ أنَّهُ عادَ بَدَنُهُ كَبَدَنِ الصَّبِيِّ حِينَ يُولَدُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والسُّدِّيُّ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو هُرَيْرَةَ، وعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ: اليَقْطِينُ: القَرْعُ خاصَّةً، قِيلَ: وهي الَّتِي أنْبَتَها اللَّهُ عَلَيْهِ، وتَجْمَعُ خِصالًا، بَرَدُ الظِّلِّ، ونُعُومَةُ المَلْمَسِ، وعِظَمُ الوَرَقِ، والذُّبابُ لا يَقْرَبُها. قِيلَ: وماءُ ورَقِهِ إذا رُشَّ بِهِ مَكانٌ لَمْ يَقْرَبْهُ ذُبابٌ، وقالَ أُمَيَّةُ بْنُ أبِي الصَّلْتِ:
؎فَأنْبَتَ يَقْطِينًا عَلَيْهِ بِرَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لَوْلا اللَّهُ ألْفى ضِياعِيا
وفِيما رُوِيَ: إنَّكَ لَتُحِبُّ القَرْعَ، قالَ: أجَلْ، هي شَجَرَةُ أخِي يُونُسَ. وقِيلَ: هي شَجَرَةُ المَوْزِ، تَغَطّى بِوَرَقِها، واسْتَظَلَّ بِأغْصانِها، وأفْطَرَ عَلى ثِمارِها. ومَعْنى ﴿وأنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً﴾ في كَلامِ العَرَبِ: ما كانَ عَلى ساقٍ مِن عُودٍ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اللَّهُ أنْبَتَها ذاتَ ساقٍ يَسْتَظِلُّ بِها وبِوَرَقِها، خَرْقًا لِلْعادَةِ، فَنَبَتَ وصَحَّ وحَسُنَ (p-٣٧٦)وجْهُهُ؛ لِأنَّ ورَقَ القَرْعِ أنْفَعُ شَيْءٍ لِمَن يَنْسَلِخُ جِلْدُهُ.
﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ﴾ قالَ الجُمْهُورُ: رِسالَتُهُ هَذِهِ هي الأُولى الَّتِي أبِقَ بَعْدَها، ذَكَرَها آخِرَ القَصَصِ تَنْبِيهًا عَلى رِسالَتِهِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهُمْ﴾ وتَمْتِيعُ تِلْكَ الأُمَّةِ هو الَّذِي أغْضَبَ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ حَتّى أبَقَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ: هي رِسالَةٌ أُخْرى بَعْدَ أنْ نَبَذَهُ بِالعَراءِ، وهي إلى أهْلِ نِينَوى مِن ناحِيَةِ المَوْصِلِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: المُرادُ بِهِ ما سَبَقَ مِن إرْسالِهِ إلى قَوْمِهِ، وهم أهْلُ نِينَوى. وقِيلَ: هو إرْسالٌ ثانٍ بَعْدَ ما جَرى إلَيْهِ إلى الأوَّلِينَ، أوْ إلى غَيْرِهِمْ. وقِيلَ: أسْلَمُوا فَسَألُوهُ أنْ يَرْجِعَ إلَيْهِمْ فَأبى؛ لِأنَّ النَّبِيَّ إذا هاجَرَ عَنْ قَوْمِهِ لَمْ يَرْجِعْ إلَيْهِمْ مُقِيمًا فِيهِمْ، فَقالَ لَهم: إنَّ اللَّهَ باعِثٌ إلَيْكم نَبِيًّا. وقَرَأ الجُمْهُورُ (أوْ)، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ بِمَعْنى بَلْ. وقِيلَ: بِمَعْنى الواوِ وبِالواوِ، وقَرَأ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ. وقِيلَ: لِلْإبْهامِ عَلى المُخاطَبِ. وقالَ المُبَرِّدُ وكَثِيرٌ مِنَ البَصْرِيِّينَ: المَعْنى عَلى نَظَرِ البَشَرِ، وحَزْرِهِمْ أنَّ مَن وراءَهم قالَ: هم مِائَةُ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ، وهَذا القَوْلُ لَمْ يَذْكُرِ الزَّمَخْشَرِيُّ غَيْرَهُ. قالَ: أوْ يَزِيدُونَ في مَرْأى النّاظِرِ، إذا رَآها الرّائِي قالَ: هي مِائَةُ ألْفٍ أوْ أكْثَرُ. والغَرَضُ الوَصْفُ بِالكَثْرَةِ، والزِّيادَةُ ثَلاثُونَ ألْفًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ؛ أوْ سَبْعُونَ ألْفًا، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ؛ أوْ عِشْرُونَ ألْفًا، رَواهُ أُبَيٌّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وإذا صَحَّ بَطَلَ ما سِواهُ.
(فَآمَنُوا) رُوِيَ أنَّهم خَرَجُوا بِالأطْفالِ والأوْلادِ والبَهائِمِ، وفَرَّقُوا بَيْنَها وبَيْنَ الأُمَّهاتِ، وناحُوا وضَجُّوا وأخْلَصُوا، فَرَفَعَ اللَّهُ عَنْهم. والتَّمَتُّعُ هُنا هو بِالحَياةِ، والحِينُ آجالُهُمُ السّابِقَةُ في الأزَلِ، قالَهُ قَتادَةُ والسُّدِّيُّ. والضَّمِيرُ في ﴿فاسْتَفْتِهِمْ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَعْطُوفٌ عَلى مِثْلِهِ في أوَّلِ السُّورَةِ، وإنْ تَباعَدَتْ بَيْنَهُما المَسافَةُ. أمَرَ رَسُولَهُ بِاسْتِفْتاءِ قُرَيْشٍ عَنْ وجْهِ إنْكارِ البَعْثِ أوَّلًا، ثُمَّ ساقَ الكَلامَ مَوْصُولًا بَعْضَهُ بِبَعْضٍ، ثُمَّ أمَرَ بِاسْتِفْتائِهِمْ عَنْ وجْهِ القِسْمَةِ الضِّيزى. انْتَهى. ويَبْعُدُ ما قالَهُ مِنَ العَطْفِ.
وإذا كانُوا عَدُّوا الفَصْلَ بِجُمْلَةٍ مِثْلَ قَوْلِكَ: كُلْ لَحْمًا واضْرِبْ زَيْدًا وخُبْزًا، مِن أقْبَحِ التَّرْكِيبِ، فَكَيْفَ بِجُمَلٍ كَثِيرَةٍ وقِصَصٍ مُتَبايِنَةٍ ؟ فالقَوْلُ بِالعَطْفِ لا يَجُوزُ، والِاسْتِفْتاءُ هُنا سُؤالٌ عَلى جِهَةِ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ عَلى قَوْلِهِمُ البُهْتانَ عَلى اللَّهِ، حَيْثُ جَعَلُوا لِلَّهِ الإناثَ في قَوْلِهِمْ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، مَعَ كَراهَتِهِمْ لَهُنَّ، ووَأْدِهِمْ إيّاهُنَّ، واسْتِنْكافِهِمْ مَن ذَكَرَهُنَّ. وارْتَكَبُوا ثَلاثَةَ أنْواعٍ مِنَ الكُفْرِ: التَّجْسِيمُ؛ لِأنَّ الوِلادَةَ مُخْتَصَّةٌ بِالأجْسامِ، وتَفْضِيلُ أنْفُسِهِمْ، حَيْثُ نَسَبُوا أرْفَعَ الجِنْسَيْنِ لَهم وغَيْرَهُ لِلَّهِ تَعالى؛ واسْتِهانَتُهم بِمَن هو مُكَرَّمٌ عِنْدَ اللَّهِ، حَيْثُ أنَّثُوهم، وهُمُ المَلائِكَةُ.
بَدَأ أوَّلًا بِتَوْبِيخِهِمْ عَلى تَفْضِيلِ أنْفُسِهِمْ بِقَوْلِهِ ﴿ألِرَبِّكَ البَناتُ﴾، وعَدَلَ عَنْ قَوْلِهِ (ألِرَبِّكم) لِما في تَرْكِ الإضافَةِ إلَيْهِمْ مِن تَحْسِينِهِمْ وشَرَفِ نَبِيِّهِ بِالإضافَةِ إلَيْهِ. وثَنّى بِأنَّ نِسْبَةَ الأُنُوثَةِ إلى المَلائِكَةِ يَقْتَضِي المُشاهَدَةَ، فَأنْكَرَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ ﴿أمْ خَلَقْنا المَلائِكَةَ إناثًا وهم شاهِدُونَ﴾ أيْ خَلَقْناهم وهم لا يَشْهَدُونَ شَيْئًا مِن حالِهِمْ، كَما قالَ في الأُخْرى ﴿أشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾ [الزخرف: ١٩] وكَما قالَ ﴿ما أشْهَدْتُهم خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ ولا خَلْقَ أنْفُسِهِمْ﴾ [الكهف: ٥١] . ثُمَّ أخْبَرَ عَنْهم ثالِثًا بِأعْظَمِ الكُفْرِ، وهو ادِّعاؤُهم أنَّهُ تَعالى قَدْ ولَدَ، فَبَلَغَ إفْكُهم إلى نِسْبَةِ الوَلَدِ. ولَمّا كانَ هَذا فاحِشًا قالَ ﴿وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ . واحْتَمَلَ أنْ تُخَصَّ هَذِهِ الجُمْلَةُ بِقَوْلِهِمْ ولَدَ اللَّهُ، ويَكُونَ تَأْكِيدًا لِقَوْلِهِ ﴿مِن إفْكِهِمْ﴾ واحْتَمَلَ أنْ يَعُمَّ هَذا القَوْلَ. فَإنْ قُلْتَ: لِمَ قالَ (وهم شاهِدُونَ) فَخَصَّ عِلْمَهم بِالمُشاهَدَةِ ؟ قُلْتُ: ما هو إلّا اسْتِهْزاءٌ وتَجْهِيلٌ كَقَوْلِهِ ﴿أشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾ [الزخرف: ١٩] وذَلِكَ أنَّهم كَما لَمْ يَعْلَمُوا ذَلِكَ بِطَرِيقِ المُشاهَدَةِ، لَمْ يَعْلَمُوهُ بِخَلْقِ اللَّهِ عِلْمَهُ في قُلُوبِهِمْ ولا بِإخْبارٍ صادِقٍ، لا بِطْرِيقِ اسْتِدْلالٍ ولا نَظَرٍ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّهم يَقُولُونَ ذَلِكَ، كالقائِلِ قَوْلًا عَنْ ثَلَجِ صَدْرٍ وطُمَأْنِينَةِ نَفْسٍ لِإفْراطِ جَهْلِهِمْ، كَأنَّهم قَدْ شاهَدُوا خَلْقَهُ. وقُرِأ (ولَدُ اللَّهِ) أيِ المَلائِكَةُ ولَدُهُ، والوَلَدُ فَعَلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ يَقَعُ عَلى الواحِدِ والجَمْعِ والمُذَكِّرِ والمُؤَنَّثِ. تَقُولُ: هَذِهِ ولَدِي، وهَؤُلاءِ ولَدِي. انْتَهى.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: (p-٣٧٧)(أصْطَفى) بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، عَلى طَرِيقَةِ الإنْكارِ والِاسْتِبْعادِ. وقَرَأ نافِعٌ في رِوايَةِ إسْماعِيلَ، وابْنُ جَمّازٍ وجَماعَةٌ، وإسْماعِيلُ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ: بِوَصْلِ الألِفِ، وهو مِن كَلامِ الكُفّارِ. حَكى اللَّهُ تَعالى شَنِيعَ قَوْلِهِمْ، وهو أنَّهم ما كَفاهم أنْ قالُوا ولَدَ اللَّهُ، حَتّى جَعَلُوا ذَلِكَ الوَلَدَ بَناتِ اللَّهِ، واللَّهُ تَعالى اخْتارَهم عَلى البَنِينَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بَدَلًا عَنْ قَوْلِهِمْ ولَدَ اللَّهُ، وقَدْ قَرَأ بِها حَمْزَةُ والأعْمَشُ، وهَذِهِ القِراءَةُ، وإنْ كانَ هَذا مَحْمَلَها، فَهي ضَعِيفَةٌ؛ والَّذِي أضْعَفَها أنَّ الإنْكارَ قَدِ اكْتَنَفَ هَذِهِ الجُمْلَةَ مِن جانِبَيْها، وذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾، ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ . فَمَن جَعَلَها لِلْإثْباتِ فَقَدْ أوْقَعَها دَخِيلَةً بَيْنَ سَبَبَيْنِ، ولَيْسَتْ دَخِيلَةً بَيْنَ نَسِيبَيْنِ، بَلْ لَها مُناسَبَةٌ ظاهِرَةٌ مَعَ قَوْلِهِمْ ولَدَ اللَّهُ. وأمّا قَوْلُهُ ﴿وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ فَهي جُمْلَةُ اعْتِراضٍ بَيْنَ مَقالَتَيِّ الكُفْرِ، جاءَتْ لِلتَّشْدِيدِ والتَّأْكِيدِ في كَوْنِ مَقالَتِهِمْ تِلْكَ هي مِن إفْكِهِمْ.
﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ تَقْرِيعٌ وتَوْبِيخٌ واسْتِفْهامٌ عَنِ البُرْهانِ والحُجَّةِ. وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: تَذْكُرُونَ، بِسُكُونِ الذّالِ وضَمِّ الكافِ.
﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ﴾ أيْ حُجَّةٌ نَزَلَتْ عَلَيْكم مِنَ السَّماءِ، وخَبَرٌ بِأنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ.
﴿فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ﴾ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْكم بِذَلِكَ، كَقَوْلِهِ ﴿أمْ أنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطانًا فَهو يَتَكَلَّمُ بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾ [الروم: ٣٥] .
الصافات 37:144
﴿وإنَّ يُونُسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ أبَقَ إلى الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ ﴿فَساهَمَ فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ﴾ ﴿فالتَقَمَهُ الحُوتُ وهو مُلِيمٌ﴾ ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ ﴿لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ﴿فَنَبَذْناهُ بِالعَراءِ وهو سَقِيمٌ﴾ ﴿وأنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِن يَقْطِينٍ﴾ ﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ﴾ ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾ ﴿فاسْتَفْتِهِمْ ألِرَبِّكَ البَناتُ ولَهُمُ البَنُونَ﴾ ﴿أمْ خَلَقْنا المَلائِكَةَ إناثًا وهم شاهِدُونَ﴾ ﴿ألا إنَّهم مِن إفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ﴾ ﴿ولَدَ اللَّهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ ﴿أاصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ﴾ ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾ ﴿فَأْتُوا بِكِتابِكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (p-٣٧٥)
يُونُسُ بْنُ مَتّى مِن بَنِي إسْرائِيلَ. ورُوِيَ أنَّهُ نُبِّأ وهو ابْنُ ثَمانٍ وعِشْرِينَ سَنَةً، بَعَثَهُ اللَّهُ إلى قَوْمِهِ، فَدَعاهم لِلْإيمانِ فَخالَفُوهُ، فَوَعَدَهم بِالعَذابِ، فَأعْلَمَهُمُ اللَّهُ بِيَوْمِهِ، فَحَدَّدَهُ يُونُسُ لَهم. ثُمَّ إنَّ قَوْمَهُ لَمّا رَأوْا مَخايِلَ العَذابِ قَبْلَ أنْ يُباشِرَهم تابُوا وآمَنُوا، فَتابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وصَرَفَ العَذابَ عَنْهم. وتَقَدَّمَ شَرْحُ قِصَّتِهِ، وأعَدْنا طَرَفًا مِنها لِيُفِيدَ ما بَيْنَ الذِّكْرَيْنِ. قِيلَ: ولَحِقَ يُونُسَ غَضَبٌ، فَأبِقَ إلى رُكُوبِ السَّفِينَةِ فِرارًا مِن قَوْمِهِ، وعَبَّرَ عَنِ الهُرُوبِ بِالإباقِ، إذْ هو عَبْدُ اللَّهِ، خَرَجَ فارًّا مِن غَيْرِ إذْنٍ مِنَ اللَّهِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ لَمّا أبْعَدَتِ السَّفِينَةُ في البَحْرِ، ويُونُسُ فِيها، رَكَدَتْ. فَقالَ أهْلُها: إنَّ فِيها لَمَن يَحْبِسُ اللَّهُ السَّفِينَةَ بِسَبَبِهِ، فَلْنَقْتَرِعْ. فَأخَذُوا لِكُلٍّ سَهْمًا، عَلى أنَّ مَن طَفا سَهْمُهُ فَهو، ومَن غَرِقَ سَهْمُهُ فَلَيْسَ إيّاهُ، فَطَفا سَهْمُ يُونُسَ. فَعَلُوا ذَلِكَ ثَلاثًا، تَقَعُ القَرْعَةُ عَلَيْهِ، فَأجْمَعُوا عَلى أنْ يَطْرَحُوهُ. فَجاءَ إلى رُكْنٍ مِنها لِيَقَعَ مِنها، فَإذا بِدابَّةٍ مِن دَوابِّ البَحْرِ تَرْقُبُهُ وتَرْصُدُ لَهُ. فانْتَقَلَ إلى الرُّكْنِ الآخَرِ، فَوَجَدَها حَتّى اسْتَدارَ بِالمَرْكَبِ وهي لا تُفارِقُهُ، فَعَلِمَ أنَّ ذَلِكَ مِن عِنْدِ اللَّهِ، فَتَرامى إلَيْها فالتَقَمَتْهُ. فَفي قِصَّةِ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ هُنا جُمَلٌ مَحْذُوفَةٌ مُقَدَّرَةٌ قَبْلَ ذِكْرِ فِرارِهِ إلى الفُلْكِ، كَما في قِصَّتِهِ في سُورَةِ الأنْبِياءِ في قَوْلِهِ ﴿إذْ ذَهَبَ مُغاضِبًا﴾ [الأنبياء: ٨٧] هو ما بَعْدَ هَذا، وقَوْلِهِ ﴿فَنادى في الظُّلُماتِ﴾ [الأنبياء: ٨٧] جُمَلٌ مَحْذُوفَةٌ أيْضًا. وبِمَجْمُوعِ القَصَصِ يَتَبَيَّنُ ما حُذِفَ في كُلِّ قِصَّةٍ مِنها.
﴿فَساهَمَ فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ﴾ مِنَ المَغْلُوبِينَ، وحَقِيقَتُهُ مِنَ المُزْلَقِينَ عَنْ مَقامِ الظَّفَرِ في الأسْهامِ. وقُرِئَ ﴿وهُوَ مُلِيمٌ﴾ بِفَتْحِ المِيمِ، وقِياسُهُ مَلُومٌ؛ لِأنَّهُ مِن لُمْتُهُ ألُومُهُ لَوْمًا، فَهو مِن ذَواتِ الواوِ، ولَكِنَّهُ جِيءَ بِهِ عَلى ألِيمٍ، كَما قالُوا: مَشِيبٌ ومَدْعِيٍّ في مَشُوبٍ، ومَدْعُوٍّ بِناءً عَلى شَيَبَ ودَعى.
﴿مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ مِنَ الذّاكِرِينَ اللَّهَ تَعالى بِالتَّسْبِيحِ والتَّقْدِيسِ. والظّاهِرُ أنَّهُ يُرِيدُ ما ذَكَرَ في قَوْلِهِ في سُورَةِ الأنْبِياءِ ﴿فَنادى في الظُّلُماتِ أنْ لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧] . وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: هو قَوْلُهُ سُبْحانَ اللَّهِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: تَسْبِيحُهُ صَلاةُ التَّطَوُّعِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، وأبُو العالِيَةِ: صَلاتُهُ في وقْتِ الرَّخاءِ تَنْفَعُهُ في وقْتِ الشِّدَّةِ. وقالَ الضَّحّاكُ بْنُ قَيْسٍ عَلى مِنبَرِهِ: اذْكُرُوا اللَّهَ في الرَّخاءِ يَذْكُرْكم في الشِّدَّةِ، إنَّ يُونُسَ كانَ عَبْدًا ذاكِرًا، فَلَمّا أصابَتْهُ الشِّدَّةُ نَفَعَهُ ذَلِكَ. قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾، ﴿لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ . وقالَ الحَسَنُ: تَسْبِيحُهُ: صَلاتُهُ في بَطْنِ الحُوتِ. ورُوِيَ أنَّهُ كانَ يَرْفَعُ لَحْمَ الحُوتِ بِيَدَيْهِ يَقُولُ: لَأبْنِيَنَّ لَكَ مَسْجِدًا حَيْثُ لَمْ يَبْنَهِ أحَدٌ قَبْلِي.
ورُوِيَ أنَّ الحُوتَ سافَرَ مَعَ السَّفِينَةِ رافِعًا رَأْسَهُ لِيَتَنَفَّسَ ويُونُسُ يُسَبِّحُ، ولَمْ يُفارِقْهم حَتّى انْتَهَوْا إلى البَرِّ، فَلَفَظَهُ سالِمًا لَمْ يَتَغَيَّرْ مِنهُ شَيْءٌ، فَأسْلَمُوا. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ البَعْثِ، وعَنْ قَتادَةَ: لَكانَ بَطْنُ الحُوتِ لَهُ قَبْرًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ. وذُكِرَ في مُدَّةِ لَبْثِهِ في بَطْنِ الحُوتِ أقْوالًا مُتَكاذِبَةً، ضَرَبْنا عَنْ ذِكْرِها صَفْحًا.
﴿وهُوَ سَقِيمٌ﴾ رُوِيَ أنَّهُ عادَ بَدَنُهُ كَبَدَنِ الصَّبِيِّ حِينَ يُولَدُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والسُّدِّيُّ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو هُرَيْرَةَ، وعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ: اليَقْطِينُ: القَرْعُ خاصَّةً، قِيلَ: وهي الَّتِي أنْبَتَها اللَّهُ عَلَيْهِ، وتَجْمَعُ خِصالًا، بَرَدُ الظِّلِّ، ونُعُومَةُ المَلْمَسِ، وعِظَمُ الوَرَقِ، والذُّبابُ لا يَقْرَبُها. قِيلَ: وماءُ ورَقِهِ إذا رُشَّ بِهِ مَكانٌ لَمْ يَقْرَبْهُ ذُبابٌ، وقالَ أُمَيَّةُ بْنُ أبِي الصَّلْتِ:
؎فَأنْبَتَ يَقْطِينًا عَلَيْهِ بِرَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لَوْلا اللَّهُ ألْفى ضِياعِيا
وفِيما رُوِيَ: إنَّكَ لَتُحِبُّ القَرْعَ، قالَ: أجَلْ، هي شَجَرَةُ أخِي يُونُسَ. وقِيلَ: هي شَجَرَةُ المَوْزِ، تَغَطّى بِوَرَقِها، واسْتَظَلَّ بِأغْصانِها، وأفْطَرَ عَلى ثِمارِها. ومَعْنى ﴿وأنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً﴾ في كَلامِ العَرَبِ: ما كانَ عَلى ساقٍ مِن عُودٍ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اللَّهُ أنْبَتَها ذاتَ ساقٍ يَسْتَظِلُّ بِها وبِوَرَقِها، خَرْقًا لِلْعادَةِ، فَنَبَتَ وصَحَّ وحَسُنَ (p-٣٧٦)وجْهُهُ؛ لِأنَّ ورَقَ القَرْعِ أنْفَعُ شَيْءٍ لِمَن يَنْسَلِخُ جِلْدُهُ.
﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ﴾ قالَ الجُمْهُورُ: رِسالَتُهُ هَذِهِ هي الأُولى الَّتِي أبِقَ بَعْدَها، ذَكَرَها آخِرَ القَصَصِ تَنْبِيهًا عَلى رِسالَتِهِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهُمْ﴾ وتَمْتِيعُ تِلْكَ الأُمَّةِ هو الَّذِي أغْضَبَ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ حَتّى أبَقَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ: هي رِسالَةٌ أُخْرى بَعْدَ أنْ نَبَذَهُ بِالعَراءِ، وهي إلى أهْلِ نِينَوى مِن ناحِيَةِ المَوْصِلِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: المُرادُ بِهِ ما سَبَقَ مِن إرْسالِهِ إلى قَوْمِهِ، وهم أهْلُ نِينَوى. وقِيلَ: هو إرْسالٌ ثانٍ بَعْدَ ما جَرى إلَيْهِ إلى الأوَّلِينَ، أوْ إلى غَيْرِهِمْ. وقِيلَ: أسْلَمُوا فَسَألُوهُ أنْ يَرْجِعَ إلَيْهِمْ فَأبى؛ لِأنَّ النَّبِيَّ إذا هاجَرَ عَنْ قَوْمِهِ لَمْ يَرْجِعْ إلَيْهِمْ مُقِيمًا فِيهِمْ، فَقالَ لَهم: إنَّ اللَّهَ باعِثٌ إلَيْكم نَبِيًّا. وقَرَأ الجُمْهُورُ (أوْ)، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ بِمَعْنى بَلْ. وقِيلَ: بِمَعْنى الواوِ وبِالواوِ، وقَرَأ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ. وقِيلَ: لِلْإبْهامِ عَلى المُخاطَبِ. وقالَ المُبَرِّدُ وكَثِيرٌ مِنَ البَصْرِيِّينَ: المَعْنى عَلى نَظَرِ البَشَرِ، وحَزْرِهِمْ أنَّ مَن وراءَهم قالَ: هم مِائَةُ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ، وهَذا القَوْلُ لَمْ يَذْكُرِ الزَّمَخْشَرِيُّ غَيْرَهُ. قالَ: أوْ يَزِيدُونَ في مَرْأى النّاظِرِ، إذا رَآها الرّائِي قالَ: هي مِائَةُ ألْفٍ أوْ أكْثَرُ. والغَرَضُ الوَصْفُ بِالكَثْرَةِ، والزِّيادَةُ ثَلاثُونَ ألْفًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ؛ أوْ سَبْعُونَ ألْفًا، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ؛ أوْ عِشْرُونَ ألْفًا، رَواهُ أُبَيٌّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وإذا صَحَّ بَطَلَ ما سِواهُ.
(فَآمَنُوا) رُوِيَ أنَّهم خَرَجُوا بِالأطْفالِ والأوْلادِ والبَهائِمِ، وفَرَّقُوا بَيْنَها وبَيْنَ الأُمَّهاتِ، وناحُوا وضَجُّوا وأخْلَصُوا، فَرَفَعَ اللَّهُ عَنْهم. والتَّمَتُّعُ هُنا هو بِالحَياةِ، والحِينُ آجالُهُمُ السّابِقَةُ في الأزَلِ، قالَهُ قَتادَةُ والسُّدِّيُّ. والضَّمِيرُ في ﴿فاسْتَفْتِهِمْ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَعْطُوفٌ عَلى مِثْلِهِ في أوَّلِ السُّورَةِ، وإنْ تَباعَدَتْ بَيْنَهُما المَسافَةُ. أمَرَ رَسُولَهُ بِاسْتِفْتاءِ قُرَيْشٍ عَنْ وجْهِ إنْكارِ البَعْثِ أوَّلًا، ثُمَّ ساقَ الكَلامَ مَوْصُولًا بَعْضَهُ بِبَعْضٍ، ثُمَّ أمَرَ بِاسْتِفْتائِهِمْ عَنْ وجْهِ القِسْمَةِ الضِّيزى. انْتَهى. ويَبْعُدُ ما قالَهُ مِنَ العَطْفِ.
وإذا كانُوا عَدُّوا الفَصْلَ بِجُمْلَةٍ مِثْلَ قَوْلِكَ: كُلْ لَحْمًا واضْرِبْ زَيْدًا وخُبْزًا، مِن أقْبَحِ التَّرْكِيبِ، فَكَيْفَ بِجُمَلٍ كَثِيرَةٍ وقِصَصٍ مُتَبايِنَةٍ ؟ فالقَوْلُ بِالعَطْفِ لا يَجُوزُ، والِاسْتِفْتاءُ هُنا سُؤالٌ عَلى جِهَةِ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ عَلى قَوْلِهِمُ البُهْتانَ عَلى اللَّهِ، حَيْثُ جَعَلُوا لِلَّهِ الإناثَ في قَوْلِهِمْ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، مَعَ كَراهَتِهِمْ لَهُنَّ، ووَأْدِهِمْ إيّاهُنَّ، واسْتِنْكافِهِمْ مَن ذَكَرَهُنَّ. وارْتَكَبُوا ثَلاثَةَ أنْواعٍ مِنَ الكُفْرِ: التَّجْسِيمُ؛ لِأنَّ الوِلادَةَ مُخْتَصَّةٌ بِالأجْسامِ، وتَفْضِيلُ أنْفُسِهِمْ، حَيْثُ نَسَبُوا أرْفَعَ الجِنْسَيْنِ لَهم وغَيْرَهُ لِلَّهِ تَعالى؛ واسْتِهانَتُهم بِمَن هو مُكَرَّمٌ عِنْدَ اللَّهِ، حَيْثُ أنَّثُوهم، وهُمُ المَلائِكَةُ.
بَدَأ أوَّلًا بِتَوْبِيخِهِمْ عَلى تَفْضِيلِ أنْفُسِهِمْ بِقَوْلِهِ ﴿ألِرَبِّكَ البَناتُ﴾، وعَدَلَ عَنْ قَوْلِهِ (ألِرَبِّكم) لِما في تَرْكِ الإضافَةِ إلَيْهِمْ مِن تَحْسِينِهِمْ وشَرَفِ نَبِيِّهِ بِالإضافَةِ إلَيْهِ. وثَنّى بِأنَّ نِسْبَةَ الأُنُوثَةِ إلى المَلائِكَةِ يَقْتَضِي المُشاهَدَةَ، فَأنْكَرَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ ﴿أمْ خَلَقْنا المَلائِكَةَ إناثًا وهم شاهِدُونَ﴾ أيْ خَلَقْناهم وهم لا يَشْهَدُونَ شَيْئًا مِن حالِهِمْ، كَما قالَ في الأُخْرى ﴿أشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾ [الزخرف: ١٩] وكَما قالَ ﴿ما أشْهَدْتُهم خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ ولا خَلْقَ أنْفُسِهِمْ﴾ [الكهف: ٥١] . ثُمَّ أخْبَرَ عَنْهم ثالِثًا بِأعْظَمِ الكُفْرِ، وهو ادِّعاؤُهم أنَّهُ تَعالى قَدْ ولَدَ، فَبَلَغَ إفْكُهم إلى نِسْبَةِ الوَلَدِ. ولَمّا كانَ هَذا فاحِشًا قالَ ﴿وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ . واحْتَمَلَ أنْ تُخَصَّ هَذِهِ الجُمْلَةُ بِقَوْلِهِمْ ولَدَ اللَّهُ، ويَكُونَ تَأْكِيدًا لِقَوْلِهِ ﴿مِن إفْكِهِمْ﴾ واحْتَمَلَ أنْ يَعُمَّ هَذا القَوْلَ. فَإنْ قُلْتَ: لِمَ قالَ (وهم شاهِدُونَ) فَخَصَّ عِلْمَهم بِالمُشاهَدَةِ ؟ قُلْتُ: ما هو إلّا اسْتِهْزاءٌ وتَجْهِيلٌ كَقَوْلِهِ ﴿أشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾ [الزخرف: ١٩] وذَلِكَ أنَّهم كَما لَمْ يَعْلَمُوا ذَلِكَ بِطَرِيقِ المُشاهَدَةِ، لَمْ يَعْلَمُوهُ بِخَلْقِ اللَّهِ عِلْمَهُ في قُلُوبِهِمْ ولا بِإخْبارٍ صادِقٍ، لا بِطْرِيقِ اسْتِدْلالٍ ولا نَظَرٍ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّهم يَقُولُونَ ذَلِكَ، كالقائِلِ قَوْلًا عَنْ ثَلَجِ صَدْرٍ وطُمَأْنِينَةِ نَفْسٍ لِإفْراطِ جَهْلِهِمْ، كَأنَّهم قَدْ شاهَدُوا خَلْقَهُ. وقُرِأ (ولَدُ اللَّهِ) أيِ المَلائِكَةُ ولَدُهُ، والوَلَدُ فَعَلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ يَقَعُ عَلى الواحِدِ والجَمْعِ والمُذَكِّرِ والمُؤَنَّثِ. تَقُولُ: هَذِهِ ولَدِي، وهَؤُلاءِ ولَدِي. انْتَهى.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: (p-٣٧٧)(أصْطَفى) بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، عَلى طَرِيقَةِ الإنْكارِ والِاسْتِبْعادِ. وقَرَأ نافِعٌ في رِوايَةِ إسْماعِيلَ، وابْنُ جَمّازٍ وجَماعَةٌ، وإسْماعِيلُ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ: بِوَصْلِ الألِفِ، وهو مِن كَلامِ الكُفّارِ. حَكى اللَّهُ تَعالى شَنِيعَ قَوْلِهِمْ، وهو أنَّهم ما كَفاهم أنْ قالُوا ولَدَ اللَّهُ، حَتّى جَعَلُوا ذَلِكَ الوَلَدَ بَناتِ اللَّهِ، واللَّهُ تَعالى اخْتارَهم عَلى البَنِينَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بَدَلًا عَنْ قَوْلِهِمْ ولَدَ اللَّهُ، وقَدْ قَرَأ بِها حَمْزَةُ والأعْمَشُ، وهَذِهِ القِراءَةُ، وإنْ كانَ هَذا مَحْمَلَها، فَهي ضَعِيفَةٌ؛ والَّذِي أضْعَفَها أنَّ الإنْكارَ قَدِ اكْتَنَفَ هَذِهِ الجُمْلَةَ مِن جانِبَيْها، وذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾، ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ . فَمَن جَعَلَها لِلْإثْباتِ فَقَدْ أوْقَعَها دَخِيلَةً بَيْنَ سَبَبَيْنِ، ولَيْسَتْ دَخِيلَةً بَيْنَ نَسِيبَيْنِ، بَلْ لَها مُناسَبَةٌ ظاهِرَةٌ مَعَ قَوْلِهِمْ ولَدَ اللَّهُ. وأمّا قَوْلُهُ ﴿وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ فَهي جُمْلَةُ اعْتِراضٍ بَيْنَ مَقالَتَيِّ الكُفْرِ، جاءَتْ لِلتَّشْدِيدِ والتَّأْكِيدِ في كَوْنِ مَقالَتِهِمْ تِلْكَ هي مِن إفْكِهِمْ.
﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ تَقْرِيعٌ وتَوْبِيخٌ واسْتِفْهامٌ عَنِ البُرْهانِ والحُجَّةِ. وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: تَذْكُرُونَ، بِسُكُونِ الذّالِ وضَمِّ الكافِ.
﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ﴾ أيْ حُجَّةٌ نَزَلَتْ عَلَيْكم مِنَ السَّماءِ، وخَبَرٌ بِأنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ.
﴿فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ﴾ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْكم بِذَلِكَ، كَقَوْلِهِ ﴿أمْ أنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطانًا فَهو يَتَكَلَّمُ بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾ [الروم: ٣٥] .
الصافات 37:145
﴿وإنَّ يُونُسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ أبَقَ إلى الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ ﴿فَساهَمَ فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ﴾ ﴿فالتَقَمَهُ الحُوتُ وهو مُلِيمٌ﴾ ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ ﴿لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ﴿فَنَبَذْناهُ بِالعَراءِ وهو سَقِيمٌ﴾ ﴿وأنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِن يَقْطِينٍ﴾ ﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ﴾ ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾ ﴿فاسْتَفْتِهِمْ ألِرَبِّكَ البَناتُ ولَهُمُ البَنُونَ﴾ ﴿أمْ خَلَقْنا المَلائِكَةَ إناثًا وهم شاهِدُونَ﴾ ﴿ألا إنَّهم مِن إفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ﴾ ﴿ولَدَ اللَّهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ ﴿أاصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ﴾ ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾ ﴿فَأْتُوا بِكِتابِكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (p-٣٧٥)
يُونُسُ بْنُ مَتّى مِن بَنِي إسْرائِيلَ. ورُوِيَ أنَّهُ نُبِّأ وهو ابْنُ ثَمانٍ وعِشْرِينَ سَنَةً، بَعَثَهُ اللَّهُ إلى قَوْمِهِ، فَدَعاهم لِلْإيمانِ فَخالَفُوهُ، فَوَعَدَهم بِالعَذابِ، فَأعْلَمَهُمُ اللَّهُ بِيَوْمِهِ، فَحَدَّدَهُ يُونُسُ لَهم. ثُمَّ إنَّ قَوْمَهُ لَمّا رَأوْا مَخايِلَ العَذابِ قَبْلَ أنْ يُباشِرَهم تابُوا وآمَنُوا، فَتابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وصَرَفَ العَذابَ عَنْهم. وتَقَدَّمَ شَرْحُ قِصَّتِهِ، وأعَدْنا طَرَفًا مِنها لِيُفِيدَ ما بَيْنَ الذِّكْرَيْنِ. قِيلَ: ولَحِقَ يُونُسَ غَضَبٌ، فَأبِقَ إلى رُكُوبِ السَّفِينَةِ فِرارًا مِن قَوْمِهِ، وعَبَّرَ عَنِ الهُرُوبِ بِالإباقِ، إذْ هو عَبْدُ اللَّهِ، خَرَجَ فارًّا مِن غَيْرِ إذْنٍ مِنَ اللَّهِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ لَمّا أبْعَدَتِ السَّفِينَةُ في البَحْرِ، ويُونُسُ فِيها، رَكَدَتْ. فَقالَ أهْلُها: إنَّ فِيها لَمَن يَحْبِسُ اللَّهُ السَّفِينَةَ بِسَبَبِهِ، فَلْنَقْتَرِعْ. فَأخَذُوا لِكُلٍّ سَهْمًا، عَلى أنَّ مَن طَفا سَهْمُهُ فَهو، ومَن غَرِقَ سَهْمُهُ فَلَيْسَ إيّاهُ، فَطَفا سَهْمُ يُونُسَ. فَعَلُوا ذَلِكَ ثَلاثًا، تَقَعُ القَرْعَةُ عَلَيْهِ، فَأجْمَعُوا عَلى أنْ يَطْرَحُوهُ. فَجاءَ إلى رُكْنٍ مِنها لِيَقَعَ مِنها، فَإذا بِدابَّةٍ مِن دَوابِّ البَحْرِ تَرْقُبُهُ وتَرْصُدُ لَهُ. فانْتَقَلَ إلى الرُّكْنِ الآخَرِ، فَوَجَدَها حَتّى اسْتَدارَ بِالمَرْكَبِ وهي لا تُفارِقُهُ، فَعَلِمَ أنَّ ذَلِكَ مِن عِنْدِ اللَّهِ، فَتَرامى إلَيْها فالتَقَمَتْهُ. فَفي قِصَّةِ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ هُنا جُمَلٌ مَحْذُوفَةٌ مُقَدَّرَةٌ قَبْلَ ذِكْرِ فِرارِهِ إلى الفُلْكِ، كَما في قِصَّتِهِ في سُورَةِ الأنْبِياءِ في قَوْلِهِ ﴿إذْ ذَهَبَ مُغاضِبًا﴾ [الأنبياء: ٨٧] هو ما بَعْدَ هَذا، وقَوْلِهِ ﴿فَنادى في الظُّلُماتِ﴾ [الأنبياء: ٨٧] جُمَلٌ مَحْذُوفَةٌ أيْضًا. وبِمَجْمُوعِ القَصَصِ يَتَبَيَّنُ ما حُذِفَ في كُلِّ قِصَّةٍ مِنها.
﴿فَساهَمَ فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ﴾ مِنَ المَغْلُوبِينَ، وحَقِيقَتُهُ مِنَ المُزْلَقِينَ عَنْ مَقامِ الظَّفَرِ في الأسْهامِ. وقُرِئَ ﴿وهُوَ مُلِيمٌ﴾ بِفَتْحِ المِيمِ، وقِياسُهُ مَلُومٌ؛ لِأنَّهُ مِن لُمْتُهُ ألُومُهُ لَوْمًا، فَهو مِن ذَواتِ الواوِ، ولَكِنَّهُ جِيءَ بِهِ عَلى ألِيمٍ، كَما قالُوا: مَشِيبٌ ومَدْعِيٍّ في مَشُوبٍ، ومَدْعُوٍّ بِناءً عَلى شَيَبَ ودَعى.
﴿مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ مِنَ الذّاكِرِينَ اللَّهَ تَعالى بِالتَّسْبِيحِ والتَّقْدِيسِ. والظّاهِرُ أنَّهُ يُرِيدُ ما ذَكَرَ في قَوْلِهِ في سُورَةِ الأنْبِياءِ ﴿فَنادى في الظُّلُماتِ أنْ لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧] . وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: هو قَوْلُهُ سُبْحانَ اللَّهِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: تَسْبِيحُهُ صَلاةُ التَّطَوُّعِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، وأبُو العالِيَةِ: صَلاتُهُ في وقْتِ الرَّخاءِ تَنْفَعُهُ في وقْتِ الشِّدَّةِ. وقالَ الضَّحّاكُ بْنُ قَيْسٍ عَلى مِنبَرِهِ: اذْكُرُوا اللَّهَ في الرَّخاءِ يَذْكُرْكم في الشِّدَّةِ، إنَّ يُونُسَ كانَ عَبْدًا ذاكِرًا، فَلَمّا أصابَتْهُ الشِّدَّةُ نَفَعَهُ ذَلِكَ. قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾، ﴿لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ . وقالَ الحَسَنُ: تَسْبِيحُهُ: صَلاتُهُ في بَطْنِ الحُوتِ. ورُوِيَ أنَّهُ كانَ يَرْفَعُ لَحْمَ الحُوتِ بِيَدَيْهِ يَقُولُ: لَأبْنِيَنَّ لَكَ مَسْجِدًا حَيْثُ لَمْ يَبْنَهِ أحَدٌ قَبْلِي.
ورُوِيَ أنَّ الحُوتَ سافَرَ مَعَ السَّفِينَةِ رافِعًا رَأْسَهُ لِيَتَنَفَّسَ ويُونُسُ يُسَبِّحُ، ولَمْ يُفارِقْهم حَتّى انْتَهَوْا إلى البَرِّ، فَلَفَظَهُ سالِمًا لَمْ يَتَغَيَّرْ مِنهُ شَيْءٌ، فَأسْلَمُوا. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ البَعْثِ، وعَنْ قَتادَةَ: لَكانَ بَطْنُ الحُوتِ لَهُ قَبْرًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ. وذُكِرَ في مُدَّةِ لَبْثِهِ في بَطْنِ الحُوتِ أقْوالًا مُتَكاذِبَةً، ضَرَبْنا عَنْ ذِكْرِها صَفْحًا.
﴿وهُوَ سَقِيمٌ﴾ رُوِيَ أنَّهُ عادَ بَدَنُهُ كَبَدَنِ الصَّبِيِّ حِينَ يُولَدُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والسُّدِّيُّ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو هُرَيْرَةَ، وعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ: اليَقْطِينُ: القَرْعُ خاصَّةً، قِيلَ: وهي الَّتِي أنْبَتَها اللَّهُ عَلَيْهِ، وتَجْمَعُ خِصالًا، بَرَدُ الظِّلِّ، ونُعُومَةُ المَلْمَسِ، وعِظَمُ الوَرَقِ، والذُّبابُ لا يَقْرَبُها. قِيلَ: وماءُ ورَقِهِ إذا رُشَّ بِهِ مَكانٌ لَمْ يَقْرَبْهُ ذُبابٌ، وقالَ أُمَيَّةُ بْنُ أبِي الصَّلْتِ:
؎فَأنْبَتَ يَقْطِينًا عَلَيْهِ بِرَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لَوْلا اللَّهُ ألْفى ضِياعِيا
وفِيما رُوِيَ: إنَّكَ لَتُحِبُّ القَرْعَ، قالَ: أجَلْ، هي شَجَرَةُ أخِي يُونُسَ. وقِيلَ: هي شَجَرَةُ المَوْزِ، تَغَطّى بِوَرَقِها، واسْتَظَلَّ بِأغْصانِها، وأفْطَرَ عَلى ثِمارِها. ومَعْنى ﴿وأنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً﴾ في كَلامِ العَرَبِ: ما كانَ عَلى ساقٍ مِن عُودٍ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اللَّهُ أنْبَتَها ذاتَ ساقٍ يَسْتَظِلُّ بِها وبِوَرَقِها، خَرْقًا لِلْعادَةِ، فَنَبَتَ وصَحَّ وحَسُنَ (p-٣٧٦)وجْهُهُ؛ لِأنَّ ورَقَ القَرْعِ أنْفَعُ شَيْءٍ لِمَن يَنْسَلِخُ جِلْدُهُ.
﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ﴾ قالَ الجُمْهُورُ: رِسالَتُهُ هَذِهِ هي الأُولى الَّتِي أبِقَ بَعْدَها، ذَكَرَها آخِرَ القَصَصِ تَنْبِيهًا عَلى رِسالَتِهِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهُمْ﴾ وتَمْتِيعُ تِلْكَ الأُمَّةِ هو الَّذِي أغْضَبَ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ حَتّى أبَقَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ: هي رِسالَةٌ أُخْرى بَعْدَ أنْ نَبَذَهُ بِالعَراءِ، وهي إلى أهْلِ نِينَوى مِن ناحِيَةِ المَوْصِلِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: المُرادُ بِهِ ما سَبَقَ مِن إرْسالِهِ إلى قَوْمِهِ، وهم أهْلُ نِينَوى. وقِيلَ: هو إرْسالٌ ثانٍ بَعْدَ ما جَرى إلَيْهِ إلى الأوَّلِينَ، أوْ إلى غَيْرِهِمْ. وقِيلَ: أسْلَمُوا فَسَألُوهُ أنْ يَرْجِعَ إلَيْهِمْ فَأبى؛ لِأنَّ النَّبِيَّ إذا هاجَرَ عَنْ قَوْمِهِ لَمْ يَرْجِعْ إلَيْهِمْ مُقِيمًا فِيهِمْ، فَقالَ لَهم: إنَّ اللَّهَ باعِثٌ إلَيْكم نَبِيًّا. وقَرَأ الجُمْهُورُ (أوْ)، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ بِمَعْنى بَلْ. وقِيلَ: بِمَعْنى الواوِ وبِالواوِ، وقَرَأ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ. وقِيلَ: لِلْإبْهامِ عَلى المُخاطَبِ. وقالَ المُبَرِّدُ وكَثِيرٌ مِنَ البَصْرِيِّينَ: المَعْنى عَلى نَظَرِ البَشَرِ، وحَزْرِهِمْ أنَّ مَن وراءَهم قالَ: هم مِائَةُ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ، وهَذا القَوْلُ لَمْ يَذْكُرِ الزَّمَخْشَرِيُّ غَيْرَهُ. قالَ: أوْ يَزِيدُونَ في مَرْأى النّاظِرِ، إذا رَآها الرّائِي قالَ: هي مِائَةُ ألْفٍ أوْ أكْثَرُ. والغَرَضُ الوَصْفُ بِالكَثْرَةِ، والزِّيادَةُ ثَلاثُونَ ألْفًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ؛ أوْ سَبْعُونَ ألْفًا، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ؛ أوْ عِشْرُونَ ألْفًا، رَواهُ أُبَيٌّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وإذا صَحَّ بَطَلَ ما سِواهُ.
(فَآمَنُوا) رُوِيَ أنَّهم خَرَجُوا بِالأطْفالِ والأوْلادِ والبَهائِمِ، وفَرَّقُوا بَيْنَها وبَيْنَ الأُمَّهاتِ، وناحُوا وضَجُّوا وأخْلَصُوا، فَرَفَعَ اللَّهُ عَنْهم. والتَّمَتُّعُ هُنا هو بِالحَياةِ، والحِينُ آجالُهُمُ السّابِقَةُ في الأزَلِ، قالَهُ قَتادَةُ والسُّدِّيُّ. والضَّمِيرُ في ﴿فاسْتَفْتِهِمْ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَعْطُوفٌ عَلى مِثْلِهِ في أوَّلِ السُّورَةِ، وإنْ تَباعَدَتْ بَيْنَهُما المَسافَةُ. أمَرَ رَسُولَهُ بِاسْتِفْتاءِ قُرَيْشٍ عَنْ وجْهِ إنْكارِ البَعْثِ أوَّلًا، ثُمَّ ساقَ الكَلامَ مَوْصُولًا بَعْضَهُ بِبَعْضٍ، ثُمَّ أمَرَ بِاسْتِفْتائِهِمْ عَنْ وجْهِ القِسْمَةِ الضِّيزى. انْتَهى. ويَبْعُدُ ما قالَهُ مِنَ العَطْفِ.
وإذا كانُوا عَدُّوا الفَصْلَ بِجُمْلَةٍ مِثْلَ قَوْلِكَ: كُلْ لَحْمًا واضْرِبْ زَيْدًا وخُبْزًا، مِن أقْبَحِ التَّرْكِيبِ، فَكَيْفَ بِجُمَلٍ كَثِيرَةٍ وقِصَصٍ مُتَبايِنَةٍ ؟ فالقَوْلُ بِالعَطْفِ لا يَجُوزُ، والِاسْتِفْتاءُ هُنا سُؤالٌ عَلى جِهَةِ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ عَلى قَوْلِهِمُ البُهْتانَ عَلى اللَّهِ، حَيْثُ جَعَلُوا لِلَّهِ الإناثَ في قَوْلِهِمْ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، مَعَ كَراهَتِهِمْ لَهُنَّ، ووَأْدِهِمْ إيّاهُنَّ، واسْتِنْكافِهِمْ مَن ذَكَرَهُنَّ. وارْتَكَبُوا ثَلاثَةَ أنْواعٍ مِنَ الكُفْرِ: التَّجْسِيمُ؛ لِأنَّ الوِلادَةَ مُخْتَصَّةٌ بِالأجْسامِ، وتَفْضِيلُ أنْفُسِهِمْ، حَيْثُ نَسَبُوا أرْفَعَ الجِنْسَيْنِ لَهم وغَيْرَهُ لِلَّهِ تَعالى؛ واسْتِهانَتُهم بِمَن هو مُكَرَّمٌ عِنْدَ اللَّهِ، حَيْثُ أنَّثُوهم، وهُمُ المَلائِكَةُ.
بَدَأ أوَّلًا بِتَوْبِيخِهِمْ عَلى تَفْضِيلِ أنْفُسِهِمْ بِقَوْلِهِ ﴿ألِرَبِّكَ البَناتُ﴾، وعَدَلَ عَنْ قَوْلِهِ (ألِرَبِّكم) لِما في تَرْكِ الإضافَةِ إلَيْهِمْ مِن تَحْسِينِهِمْ وشَرَفِ نَبِيِّهِ بِالإضافَةِ إلَيْهِ. وثَنّى بِأنَّ نِسْبَةَ الأُنُوثَةِ إلى المَلائِكَةِ يَقْتَضِي المُشاهَدَةَ، فَأنْكَرَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ ﴿أمْ خَلَقْنا المَلائِكَةَ إناثًا وهم شاهِدُونَ﴾ أيْ خَلَقْناهم وهم لا يَشْهَدُونَ شَيْئًا مِن حالِهِمْ، كَما قالَ في الأُخْرى ﴿أشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾ [الزخرف: ١٩] وكَما قالَ ﴿ما أشْهَدْتُهم خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ ولا خَلْقَ أنْفُسِهِمْ﴾ [الكهف: ٥١] . ثُمَّ أخْبَرَ عَنْهم ثالِثًا بِأعْظَمِ الكُفْرِ، وهو ادِّعاؤُهم أنَّهُ تَعالى قَدْ ولَدَ، فَبَلَغَ إفْكُهم إلى نِسْبَةِ الوَلَدِ. ولَمّا كانَ هَذا فاحِشًا قالَ ﴿وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ . واحْتَمَلَ أنْ تُخَصَّ هَذِهِ الجُمْلَةُ بِقَوْلِهِمْ ولَدَ اللَّهُ، ويَكُونَ تَأْكِيدًا لِقَوْلِهِ ﴿مِن إفْكِهِمْ﴾ واحْتَمَلَ أنْ يَعُمَّ هَذا القَوْلَ. فَإنْ قُلْتَ: لِمَ قالَ (وهم شاهِدُونَ) فَخَصَّ عِلْمَهم بِالمُشاهَدَةِ ؟ قُلْتُ: ما هو إلّا اسْتِهْزاءٌ وتَجْهِيلٌ كَقَوْلِهِ ﴿أشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾ [الزخرف: ١٩] وذَلِكَ أنَّهم كَما لَمْ يَعْلَمُوا ذَلِكَ بِطَرِيقِ المُشاهَدَةِ، لَمْ يَعْلَمُوهُ بِخَلْقِ اللَّهِ عِلْمَهُ في قُلُوبِهِمْ ولا بِإخْبارٍ صادِقٍ، لا بِطْرِيقِ اسْتِدْلالٍ ولا نَظَرٍ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّهم يَقُولُونَ ذَلِكَ، كالقائِلِ قَوْلًا عَنْ ثَلَجِ صَدْرٍ وطُمَأْنِينَةِ نَفْسٍ لِإفْراطِ جَهْلِهِمْ، كَأنَّهم قَدْ شاهَدُوا خَلْقَهُ. وقُرِأ (ولَدُ اللَّهِ) أيِ المَلائِكَةُ ولَدُهُ، والوَلَدُ فَعَلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ يَقَعُ عَلى الواحِدِ والجَمْعِ والمُذَكِّرِ والمُؤَنَّثِ. تَقُولُ: هَذِهِ ولَدِي، وهَؤُلاءِ ولَدِي. انْتَهى.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: (p-٣٧٧)(أصْطَفى) بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، عَلى طَرِيقَةِ الإنْكارِ والِاسْتِبْعادِ. وقَرَأ نافِعٌ في رِوايَةِ إسْماعِيلَ، وابْنُ جَمّازٍ وجَماعَةٌ، وإسْماعِيلُ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ: بِوَصْلِ الألِفِ، وهو مِن كَلامِ الكُفّارِ. حَكى اللَّهُ تَعالى شَنِيعَ قَوْلِهِمْ، وهو أنَّهم ما كَفاهم أنْ قالُوا ولَدَ اللَّهُ، حَتّى جَعَلُوا ذَلِكَ الوَلَدَ بَناتِ اللَّهِ، واللَّهُ تَعالى اخْتارَهم عَلى البَنِينَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بَدَلًا عَنْ قَوْلِهِمْ ولَدَ اللَّهُ، وقَدْ قَرَأ بِها حَمْزَةُ والأعْمَشُ، وهَذِهِ القِراءَةُ، وإنْ كانَ هَذا مَحْمَلَها، فَهي ضَعِيفَةٌ؛ والَّذِي أضْعَفَها أنَّ الإنْكارَ قَدِ اكْتَنَفَ هَذِهِ الجُمْلَةَ مِن جانِبَيْها، وذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾، ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ . فَمَن جَعَلَها لِلْإثْباتِ فَقَدْ أوْقَعَها دَخِيلَةً بَيْنَ سَبَبَيْنِ، ولَيْسَتْ دَخِيلَةً بَيْنَ نَسِيبَيْنِ، بَلْ لَها مُناسَبَةٌ ظاهِرَةٌ مَعَ قَوْلِهِمْ ولَدَ اللَّهُ. وأمّا قَوْلُهُ ﴿وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ فَهي جُمْلَةُ اعْتِراضٍ بَيْنَ مَقالَتَيِّ الكُفْرِ، جاءَتْ لِلتَّشْدِيدِ والتَّأْكِيدِ في كَوْنِ مَقالَتِهِمْ تِلْكَ هي مِن إفْكِهِمْ.
﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ تَقْرِيعٌ وتَوْبِيخٌ واسْتِفْهامٌ عَنِ البُرْهانِ والحُجَّةِ. وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: تَذْكُرُونَ، بِسُكُونِ الذّالِ وضَمِّ الكافِ.
﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ﴾ أيْ حُجَّةٌ نَزَلَتْ عَلَيْكم مِنَ السَّماءِ، وخَبَرٌ بِأنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ.
﴿فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ﴾ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْكم بِذَلِكَ، كَقَوْلِهِ ﴿أمْ أنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطانًا فَهو يَتَكَلَّمُ بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾ [الروم: ٣٥] .
الصافات 37:146
﴿وإنَّ يُونُسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ أبَقَ إلى الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ ﴿فَساهَمَ فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ﴾ ﴿فالتَقَمَهُ الحُوتُ وهو مُلِيمٌ﴾ ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ ﴿لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ﴿فَنَبَذْناهُ بِالعَراءِ وهو سَقِيمٌ﴾ ﴿وأنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِن يَقْطِينٍ﴾ ﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ﴾ ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾ ﴿فاسْتَفْتِهِمْ ألِرَبِّكَ البَناتُ ولَهُمُ البَنُونَ﴾ ﴿أمْ خَلَقْنا المَلائِكَةَ إناثًا وهم شاهِدُونَ﴾ ﴿ألا إنَّهم مِن إفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ﴾ ﴿ولَدَ اللَّهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ ﴿أاصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ﴾ ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾ ﴿فَأْتُوا بِكِتابِكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (p-٣٧٥)
يُونُسُ بْنُ مَتّى مِن بَنِي إسْرائِيلَ. ورُوِيَ أنَّهُ نُبِّأ وهو ابْنُ ثَمانٍ وعِشْرِينَ سَنَةً، بَعَثَهُ اللَّهُ إلى قَوْمِهِ، فَدَعاهم لِلْإيمانِ فَخالَفُوهُ، فَوَعَدَهم بِالعَذابِ، فَأعْلَمَهُمُ اللَّهُ بِيَوْمِهِ، فَحَدَّدَهُ يُونُسُ لَهم. ثُمَّ إنَّ قَوْمَهُ لَمّا رَأوْا مَخايِلَ العَذابِ قَبْلَ أنْ يُباشِرَهم تابُوا وآمَنُوا، فَتابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وصَرَفَ العَذابَ عَنْهم. وتَقَدَّمَ شَرْحُ قِصَّتِهِ، وأعَدْنا طَرَفًا مِنها لِيُفِيدَ ما بَيْنَ الذِّكْرَيْنِ. قِيلَ: ولَحِقَ يُونُسَ غَضَبٌ، فَأبِقَ إلى رُكُوبِ السَّفِينَةِ فِرارًا مِن قَوْمِهِ، وعَبَّرَ عَنِ الهُرُوبِ بِالإباقِ، إذْ هو عَبْدُ اللَّهِ، خَرَجَ فارًّا مِن غَيْرِ إذْنٍ مِنَ اللَّهِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ لَمّا أبْعَدَتِ السَّفِينَةُ في البَحْرِ، ويُونُسُ فِيها، رَكَدَتْ. فَقالَ أهْلُها: إنَّ فِيها لَمَن يَحْبِسُ اللَّهُ السَّفِينَةَ بِسَبَبِهِ، فَلْنَقْتَرِعْ. فَأخَذُوا لِكُلٍّ سَهْمًا، عَلى أنَّ مَن طَفا سَهْمُهُ فَهو، ومَن غَرِقَ سَهْمُهُ فَلَيْسَ إيّاهُ، فَطَفا سَهْمُ يُونُسَ. فَعَلُوا ذَلِكَ ثَلاثًا، تَقَعُ القَرْعَةُ عَلَيْهِ، فَأجْمَعُوا عَلى أنْ يَطْرَحُوهُ. فَجاءَ إلى رُكْنٍ مِنها لِيَقَعَ مِنها، فَإذا بِدابَّةٍ مِن دَوابِّ البَحْرِ تَرْقُبُهُ وتَرْصُدُ لَهُ. فانْتَقَلَ إلى الرُّكْنِ الآخَرِ، فَوَجَدَها حَتّى اسْتَدارَ بِالمَرْكَبِ وهي لا تُفارِقُهُ، فَعَلِمَ أنَّ ذَلِكَ مِن عِنْدِ اللَّهِ، فَتَرامى إلَيْها فالتَقَمَتْهُ. فَفي قِصَّةِ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ هُنا جُمَلٌ مَحْذُوفَةٌ مُقَدَّرَةٌ قَبْلَ ذِكْرِ فِرارِهِ إلى الفُلْكِ، كَما في قِصَّتِهِ في سُورَةِ الأنْبِياءِ في قَوْلِهِ ﴿إذْ ذَهَبَ مُغاضِبًا﴾ [الأنبياء: ٨٧] هو ما بَعْدَ هَذا، وقَوْلِهِ ﴿فَنادى في الظُّلُماتِ﴾ [الأنبياء: ٨٧] جُمَلٌ مَحْذُوفَةٌ أيْضًا. وبِمَجْمُوعِ القَصَصِ يَتَبَيَّنُ ما حُذِفَ في كُلِّ قِصَّةٍ مِنها.
﴿فَساهَمَ فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ﴾ مِنَ المَغْلُوبِينَ، وحَقِيقَتُهُ مِنَ المُزْلَقِينَ عَنْ مَقامِ الظَّفَرِ في الأسْهامِ. وقُرِئَ ﴿وهُوَ مُلِيمٌ﴾ بِفَتْحِ المِيمِ، وقِياسُهُ مَلُومٌ؛ لِأنَّهُ مِن لُمْتُهُ ألُومُهُ لَوْمًا، فَهو مِن ذَواتِ الواوِ، ولَكِنَّهُ جِيءَ بِهِ عَلى ألِيمٍ، كَما قالُوا: مَشِيبٌ ومَدْعِيٍّ في مَشُوبٍ، ومَدْعُوٍّ بِناءً عَلى شَيَبَ ودَعى.
﴿مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ مِنَ الذّاكِرِينَ اللَّهَ تَعالى بِالتَّسْبِيحِ والتَّقْدِيسِ. والظّاهِرُ أنَّهُ يُرِيدُ ما ذَكَرَ في قَوْلِهِ في سُورَةِ الأنْبِياءِ ﴿فَنادى في الظُّلُماتِ أنْ لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧] . وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: هو قَوْلُهُ سُبْحانَ اللَّهِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: تَسْبِيحُهُ صَلاةُ التَّطَوُّعِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، وأبُو العالِيَةِ: صَلاتُهُ في وقْتِ الرَّخاءِ تَنْفَعُهُ في وقْتِ الشِّدَّةِ. وقالَ الضَّحّاكُ بْنُ قَيْسٍ عَلى مِنبَرِهِ: اذْكُرُوا اللَّهَ في الرَّخاءِ يَذْكُرْكم في الشِّدَّةِ، إنَّ يُونُسَ كانَ عَبْدًا ذاكِرًا، فَلَمّا أصابَتْهُ الشِّدَّةُ نَفَعَهُ ذَلِكَ. قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾، ﴿لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ . وقالَ الحَسَنُ: تَسْبِيحُهُ: صَلاتُهُ في بَطْنِ الحُوتِ. ورُوِيَ أنَّهُ كانَ يَرْفَعُ لَحْمَ الحُوتِ بِيَدَيْهِ يَقُولُ: لَأبْنِيَنَّ لَكَ مَسْجِدًا حَيْثُ لَمْ يَبْنَهِ أحَدٌ قَبْلِي.
ورُوِيَ أنَّ الحُوتَ سافَرَ مَعَ السَّفِينَةِ رافِعًا رَأْسَهُ لِيَتَنَفَّسَ ويُونُسُ يُسَبِّحُ، ولَمْ يُفارِقْهم حَتّى انْتَهَوْا إلى البَرِّ، فَلَفَظَهُ سالِمًا لَمْ يَتَغَيَّرْ مِنهُ شَيْءٌ، فَأسْلَمُوا. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ البَعْثِ، وعَنْ قَتادَةَ: لَكانَ بَطْنُ الحُوتِ لَهُ قَبْرًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ. وذُكِرَ في مُدَّةِ لَبْثِهِ في بَطْنِ الحُوتِ أقْوالًا مُتَكاذِبَةً، ضَرَبْنا عَنْ ذِكْرِها صَفْحًا.
﴿وهُوَ سَقِيمٌ﴾ رُوِيَ أنَّهُ عادَ بَدَنُهُ كَبَدَنِ الصَّبِيِّ حِينَ يُولَدُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والسُّدِّيُّ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو هُرَيْرَةَ، وعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ: اليَقْطِينُ: القَرْعُ خاصَّةً، قِيلَ: وهي الَّتِي أنْبَتَها اللَّهُ عَلَيْهِ، وتَجْمَعُ خِصالًا، بَرَدُ الظِّلِّ، ونُعُومَةُ المَلْمَسِ، وعِظَمُ الوَرَقِ، والذُّبابُ لا يَقْرَبُها. قِيلَ: وماءُ ورَقِهِ إذا رُشَّ بِهِ مَكانٌ لَمْ يَقْرَبْهُ ذُبابٌ، وقالَ أُمَيَّةُ بْنُ أبِي الصَّلْتِ:
؎فَأنْبَتَ يَقْطِينًا عَلَيْهِ بِرَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لَوْلا اللَّهُ ألْفى ضِياعِيا
وفِيما رُوِيَ: إنَّكَ لَتُحِبُّ القَرْعَ، قالَ: أجَلْ، هي شَجَرَةُ أخِي يُونُسَ. وقِيلَ: هي شَجَرَةُ المَوْزِ، تَغَطّى بِوَرَقِها، واسْتَظَلَّ بِأغْصانِها، وأفْطَرَ عَلى ثِمارِها. ومَعْنى ﴿وأنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً﴾ في كَلامِ العَرَبِ: ما كانَ عَلى ساقٍ مِن عُودٍ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اللَّهُ أنْبَتَها ذاتَ ساقٍ يَسْتَظِلُّ بِها وبِوَرَقِها، خَرْقًا لِلْعادَةِ، فَنَبَتَ وصَحَّ وحَسُنَ (p-٣٧٦)وجْهُهُ؛ لِأنَّ ورَقَ القَرْعِ أنْفَعُ شَيْءٍ لِمَن يَنْسَلِخُ جِلْدُهُ.
﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ﴾ قالَ الجُمْهُورُ: رِسالَتُهُ هَذِهِ هي الأُولى الَّتِي أبِقَ بَعْدَها، ذَكَرَها آخِرَ القَصَصِ تَنْبِيهًا عَلى رِسالَتِهِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهُمْ﴾ وتَمْتِيعُ تِلْكَ الأُمَّةِ هو الَّذِي أغْضَبَ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ حَتّى أبَقَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ: هي رِسالَةٌ أُخْرى بَعْدَ أنْ نَبَذَهُ بِالعَراءِ، وهي إلى أهْلِ نِينَوى مِن ناحِيَةِ المَوْصِلِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: المُرادُ بِهِ ما سَبَقَ مِن إرْسالِهِ إلى قَوْمِهِ، وهم أهْلُ نِينَوى. وقِيلَ: هو إرْسالٌ ثانٍ بَعْدَ ما جَرى إلَيْهِ إلى الأوَّلِينَ، أوْ إلى غَيْرِهِمْ. وقِيلَ: أسْلَمُوا فَسَألُوهُ أنْ يَرْجِعَ إلَيْهِمْ فَأبى؛ لِأنَّ النَّبِيَّ إذا هاجَرَ عَنْ قَوْمِهِ لَمْ يَرْجِعْ إلَيْهِمْ مُقِيمًا فِيهِمْ، فَقالَ لَهم: إنَّ اللَّهَ باعِثٌ إلَيْكم نَبِيًّا. وقَرَأ الجُمْهُورُ (أوْ)، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ بِمَعْنى بَلْ. وقِيلَ: بِمَعْنى الواوِ وبِالواوِ، وقَرَأ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ. وقِيلَ: لِلْإبْهامِ عَلى المُخاطَبِ. وقالَ المُبَرِّدُ وكَثِيرٌ مِنَ البَصْرِيِّينَ: المَعْنى عَلى نَظَرِ البَشَرِ، وحَزْرِهِمْ أنَّ مَن وراءَهم قالَ: هم مِائَةُ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ، وهَذا القَوْلُ لَمْ يَذْكُرِ الزَّمَخْشَرِيُّ غَيْرَهُ. قالَ: أوْ يَزِيدُونَ في مَرْأى النّاظِرِ، إذا رَآها الرّائِي قالَ: هي مِائَةُ ألْفٍ أوْ أكْثَرُ. والغَرَضُ الوَصْفُ بِالكَثْرَةِ، والزِّيادَةُ ثَلاثُونَ ألْفًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ؛ أوْ سَبْعُونَ ألْفًا، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ؛ أوْ عِشْرُونَ ألْفًا، رَواهُ أُبَيٌّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وإذا صَحَّ بَطَلَ ما سِواهُ.
(فَآمَنُوا) رُوِيَ أنَّهم خَرَجُوا بِالأطْفالِ والأوْلادِ والبَهائِمِ، وفَرَّقُوا بَيْنَها وبَيْنَ الأُمَّهاتِ، وناحُوا وضَجُّوا وأخْلَصُوا، فَرَفَعَ اللَّهُ عَنْهم. والتَّمَتُّعُ هُنا هو بِالحَياةِ، والحِينُ آجالُهُمُ السّابِقَةُ في الأزَلِ، قالَهُ قَتادَةُ والسُّدِّيُّ. والضَّمِيرُ في ﴿فاسْتَفْتِهِمْ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَعْطُوفٌ عَلى مِثْلِهِ في أوَّلِ السُّورَةِ، وإنْ تَباعَدَتْ بَيْنَهُما المَسافَةُ. أمَرَ رَسُولَهُ بِاسْتِفْتاءِ قُرَيْشٍ عَنْ وجْهِ إنْكارِ البَعْثِ أوَّلًا، ثُمَّ ساقَ الكَلامَ مَوْصُولًا بَعْضَهُ بِبَعْضٍ، ثُمَّ أمَرَ بِاسْتِفْتائِهِمْ عَنْ وجْهِ القِسْمَةِ الضِّيزى. انْتَهى. ويَبْعُدُ ما قالَهُ مِنَ العَطْفِ.
وإذا كانُوا عَدُّوا الفَصْلَ بِجُمْلَةٍ مِثْلَ قَوْلِكَ: كُلْ لَحْمًا واضْرِبْ زَيْدًا وخُبْزًا، مِن أقْبَحِ التَّرْكِيبِ، فَكَيْفَ بِجُمَلٍ كَثِيرَةٍ وقِصَصٍ مُتَبايِنَةٍ ؟ فالقَوْلُ بِالعَطْفِ لا يَجُوزُ، والِاسْتِفْتاءُ هُنا سُؤالٌ عَلى جِهَةِ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ عَلى قَوْلِهِمُ البُهْتانَ عَلى اللَّهِ، حَيْثُ جَعَلُوا لِلَّهِ الإناثَ في قَوْلِهِمْ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، مَعَ كَراهَتِهِمْ لَهُنَّ، ووَأْدِهِمْ إيّاهُنَّ، واسْتِنْكافِهِمْ مَن ذَكَرَهُنَّ. وارْتَكَبُوا ثَلاثَةَ أنْواعٍ مِنَ الكُفْرِ: التَّجْسِيمُ؛ لِأنَّ الوِلادَةَ مُخْتَصَّةٌ بِالأجْسامِ، وتَفْضِيلُ أنْفُسِهِمْ، حَيْثُ نَسَبُوا أرْفَعَ الجِنْسَيْنِ لَهم وغَيْرَهُ لِلَّهِ تَعالى؛ واسْتِهانَتُهم بِمَن هو مُكَرَّمٌ عِنْدَ اللَّهِ، حَيْثُ أنَّثُوهم، وهُمُ المَلائِكَةُ.
بَدَأ أوَّلًا بِتَوْبِيخِهِمْ عَلى تَفْضِيلِ أنْفُسِهِمْ بِقَوْلِهِ ﴿ألِرَبِّكَ البَناتُ﴾، وعَدَلَ عَنْ قَوْلِهِ (ألِرَبِّكم) لِما في تَرْكِ الإضافَةِ إلَيْهِمْ مِن تَحْسِينِهِمْ وشَرَفِ نَبِيِّهِ بِالإضافَةِ إلَيْهِ. وثَنّى بِأنَّ نِسْبَةَ الأُنُوثَةِ إلى المَلائِكَةِ يَقْتَضِي المُشاهَدَةَ، فَأنْكَرَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ ﴿أمْ خَلَقْنا المَلائِكَةَ إناثًا وهم شاهِدُونَ﴾ أيْ خَلَقْناهم وهم لا يَشْهَدُونَ شَيْئًا مِن حالِهِمْ، كَما قالَ في الأُخْرى ﴿أشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾ [الزخرف: ١٩] وكَما قالَ ﴿ما أشْهَدْتُهم خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ ولا خَلْقَ أنْفُسِهِمْ﴾ [الكهف: ٥١] . ثُمَّ أخْبَرَ عَنْهم ثالِثًا بِأعْظَمِ الكُفْرِ، وهو ادِّعاؤُهم أنَّهُ تَعالى قَدْ ولَدَ، فَبَلَغَ إفْكُهم إلى نِسْبَةِ الوَلَدِ. ولَمّا كانَ هَذا فاحِشًا قالَ ﴿وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ . واحْتَمَلَ أنْ تُخَصَّ هَذِهِ الجُمْلَةُ بِقَوْلِهِمْ ولَدَ اللَّهُ، ويَكُونَ تَأْكِيدًا لِقَوْلِهِ ﴿مِن إفْكِهِمْ﴾ واحْتَمَلَ أنْ يَعُمَّ هَذا القَوْلَ. فَإنْ قُلْتَ: لِمَ قالَ (وهم شاهِدُونَ) فَخَصَّ عِلْمَهم بِالمُشاهَدَةِ ؟ قُلْتُ: ما هو إلّا اسْتِهْزاءٌ وتَجْهِيلٌ كَقَوْلِهِ ﴿أشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾ [الزخرف: ١٩] وذَلِكَ أنَّهم كَما لَمْ يَعْلَمُوا ذَلِكَ بِطَرِيقِ المُشاهَدَةِ، لَمْ يَعْلَمُوهُ بِخَلْقِ اللَّهِ عِلْمَهُ في قُلُوبِهِمْ ولا بِإخْبارٍ صادِقٍ، لا بِطْرِيقِ اسْتِدْلالٍ ولا نَظَرٍ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّهم يَقُولُونَ ذَلِكَ، كالقائِلِ قَوْلًا عَنْ ثَلَجِ صَدْرٍ وطُمَأْنِينَةِ نَفْسٍ لِإفْراطِ جَهْلِهِمْ، كَأنَّهم قَدْ شاهَدُوا خَلْقَهُ. وقُرِأ (ولَدُ اللَّهِ) أيِ المَلائِكَةُ ولَدُهُ، والوَلَدُ فَعَلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ يَقَعُ عَلى الواحِدِ والجَمْعِ والمُذَكِّرِ والمُؤَنَّثِ. تَقُولُ: هَذِهِ ولَدِي، وهَؤُلاءِ ولَدِي. انْتَهى.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: (p-٣٧٧)(أصْطَفى) بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، عَلى طَرِيقَةِ الإنْكارِ والِاسْتِبْعادِ. وقَرَأ نافِعٌ في رِوايَةِ إسْماعِيلَ، وابْنُ جَمّازٍ وجَماعَةٌ، وإسْماعِيلُ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ: بِوَصْلِ الألِفِ، وهو مِن كَلامِ الكُفّارِ. حَكى اللَّهُ تَعالى شَنِيعَ قَوْلِهِمْ، وهو أنَّهم ما كَفاهم أنْ قالُوا ولَدَ اللَّهُ، حَتّى جَعَلُوا ذَلِكَ الوَلَدَ بَناتِ اللَّهِ، واللَّهُ تَعالى اخْتارَهم عَلى البَنِينَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بَدَلًا عَنْ قَوْلِهِمْ ولَدَ اللَّهُ، وقَدْ قَرَأ بِها حَمْزَةُ والأعْمَشُ، وهَذِهِ القِراءَةُ، وإنْ كانَ هَذا مَحْمَلَها، فَهي ضَعِيفَةٌ؛ والَّذِي أضْعَفَها أنَّ الإنْكارَ قَدِ اكْتَنَفَ هَذِهِ الجُمْلَةَ مِن جانِبَيْها، وذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾، ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ . فَمَن جَعَلَها لِلْإثْباتِ فَقَدْ أوْقَعَها دَخِيلَةً بَيْنَ سَبَبَيْنِ، ولَيْسَتْ دَخِيلَةً بَيْنَ نَسِيبَيْنِ، بَلْ لَها مُناسَبَةٌ ظاهِرَةٌ مَعَ قَوْلِهِمْ ولَدَ اللَّهُ. وأمّا قَوْلُهُ ﴿وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ فَهي جُمْلَةُ اعْتِراضٍ بَيْنَ مَقالَتَيِّ الكُفْرِ، جاءَتْ لِلتَّشْدِيدِ والتَّأْكِيدِ في كَوْنِ مَقالَتِهِمْ تِلْكَ هي مِن إفْكِهِمْ.
﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ تَقْرِيعٌ وتَوْبِيخٌ واسْتِفْهامٌ عَنِ البُرْهانِ والحُجَّةِ. وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: تَذْكُرُونَ، بِسُكُونِ الذّالِ وضَمِّ الكافِ.
﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ﴾ أيْ حُجَّةٌ نَزَلَتْ عَلَيْكم مِنَ السَّماءِ، وخَبَرٌ بِأنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ.
﴿فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ﴾ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْكم بِذَلِكَ، كَقَوْلِهِ ﴿أمْ أنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطانًا فَهو يَتَكَلَّمُ بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾ [الروم: ٣٥] .
الصافات 37:147
﴿وإنَّ يُونُسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ أبَقَ إلى الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ ﴿فَساهَمَ فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ﴾ ﴿فالتَقَمَهُ الحُوتُ وهو مُلِيمٌ﴾ ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ ﴿لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ﴿فَنَبَذْناهُ بِالعَراءِ وهو سَقِيمٌ﴾ ﴿وأنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِن يَقْطِينٍ﴾ ﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ﴾ ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾ ﴿فاسْتَفْتِهِمْ ألِرَبِّكَ البَناتُ ولَهُمُ البَنُونَ﴾ ﴿أمْ خَلَقْنا المَلائِكَةَ إناثًا وهم شاهِدُونَ﴾ ﴿ألا إنَّهم مِن إفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ﴾ ﴿ولَدَ اللَّهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ ﴿أاصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ﴾ ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾ ﴿فَأْتُوا بِكِتابِكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (p-٣٧٥)
يُونُسُ بْنُ مَتّى مِن بَنِي إسْرائِيلَ. ورُوِيَ أنَّهُ نُبِّأ وهو ابْنُ ثَمانٍ وعِشْرِينَ سَنَةً، بَعَثَهُ اللَّهُ إلى قَوْمِهِ، فَدَعاهم لِلْإيمانِ فَخالَفُوهُ، فَوَعَدَهم بِالعَذابِ، فَأعْلَمَهُمُ اللَّهُ بِيَوْمِهِ، فَحَدَّدَهُ يُونُسُ لَهم. ثُمَّ إنَّ قَوْمَهُ لَمّا رَأوْا مَخايِلَ العَذابِ قَبْلَ أنْ يُباشِرَهم تابُوا وآمَنُوا، فَتابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وصَرَفَ العَذابَ عَنْهم. وتَقَدَّمَ شَرْحُ قِصَّتِهِ، وأعَدْنا طَرَفًا مِنها لِيُفِيدَ ما بَيْنَ الذِّكْرَيْنِ. قِيلَ: ولَحِقَ يُونُسَ غَضَبٌ، فَأبِقَ إلى رُكُوبِ السَّفِينَةِ فِرارًا مِن قَوْمِهِ، وعَبَّرَ عَنِ الهُرُوبِ بِالإباقِ، إذْ هو عَبْدُ اللَّهِ، خَرَجَ فارًّا مِن غَيْرِ إذْنٍ مِنَ اللَّهِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ لَمّا أبْعَدَتِ السَّفِينَةُ في البَحْرِ، ويُونُسُ فِيها، رَكَدَتْ. فَقالَ أهْلُها: إنَّ فِيها لَمَن يَحْبِسُ اللَّهُ السَّفِينَةَ بِسَبَبِهِ، فَلْنَقْتَرِعْ. فَأخَذُوا لِكُلٍّ سَهْمًا، عَلى أنَّ مَن طَفا سَهْمُهُ فَهو، ومَن غَرِقَ سَهْمُهُ فَلَيْسَ إيّاهُ، فَطَفا سَهْمُ يُونُسَ. فَعَلُوا ذَلِكَ ثَلاثًا، تَقَعُ القَرْعَةُ عَلَيْهِ، فَأجْمَعُوا عَلى أنْ يَطْرَحُوهُ. فَجاءَ إلى رُكْنٍ مِنها لِيَقَعَ مِنها، فَإذا بِدابَّةٍ مِن دَوابِّ البَحْرِ تَرْقُبُهُ وتَرْصُدُ لَهُ. فانْتَقَلَ إلى الرُّكْنِ الآخَرِ، فَوَجَدَها حَتّى اسْتَدارَ بِالمَرْكَبِ وهي لا تُفارِقُهُ، فَعَلِمَ أنَّ ذَلِكَ مِن عِنْدِ اللَّهِ، فَتَرامى إلَيْها فالتَقَمَتْهُ. فَفي قِصَّةِ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ هُنا جُمَلٌ مَحْذُوفَةٌ مُقَدَّرَةٌ قَبْلَ ذِكْرِ فِرارِهِ إلى الفُلْكِ، كَما في قِصَّتِهِ في سُورَةِ الأنْبِياءِ في قَوْلِهِ ﴿إذْ ذَهَبَ مُغاضِبًا﴾ [الأنبياء: ٨٧] هو ما بَعْدَ هَذا، وقَوْلِهِ ﴿فَنادى في الظُّلُماتِ﴾ [الأنبياء: ٨٧] جُمَلٌ مَحْذُوفَةٌ أيْضًا. وبِمَجْمُوعِ القَصَصِ يَتَبَيَّنُ ما حُذِفَ في كُلِّ قِصَّةٍ مِنها.
﴿فَساهَمَ فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ﴾ مِنَ المَغْلُوبِينَ، وحَقِيقَتُهُ مِنَ المُزْلَقِينَ عَنْ مَقامِ الظَّفَرِ في الأسْهامِ. وقُرِئَ ﴿وهُوَ مُلِيمٌ﴾ بِفَتْحِ المِيمِ، وقِياسُهُ مَلُومٌ؛ لِأنَّهُ مِن لُمْتُهُ ألُومُهُ لَوْمًا، فَهو مِن ذَواتِ الواوِ، ولَكِنَّهُ جِيءَ بِهِ عَلى ألِيمٍ، كَما قالُوا: مَشِيبٌ ومَدْعِيٍّ في مَشُوبٍ، ومَدْعُوٍّ بِناءً عَلى شَيَبَ ودَعى.
﴿مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ مِنَ الذّاكِرِينَ اللَّهَ تَعالى بِالتَّسْبِيحِ والتَّقْدِيسِ. والظّاهِرُ أنَّهُ يُرِيدُ ما ذَكَرَ في قَوْلِهِ في سُورَةِ الأنْبِياءِ ﴿فَنادى في الظُّلُماتِ أنْ لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧] . وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: هو قَوْلُهُ سُبْحانَ اللَّهِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: تَسْبِيحُهُ صَلاةُ التَّطَوُّعِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، وأبُو العالِيَةِ: صَلاتُهُ في وقْتِ الرَّخاءِ تَنْفَعُهُ في وقْتِ الشِّدَّةِ. وقالَ الضَّحّاكُ بْنُ قَيْسٍ عَلى مِنبَرِهِ: اذْكُرُوا اللَّهَ في الرَّخاءِ يَذْكُرْكم في الشِّدَّةِ، إنَّ يُونُسَ كانَ عَبْدًا ذاكِرًا، فَلَمّا أصابَتْهُ الشِّدَّةُ نَفَعَهُ ذَلِكَ. قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾، ﴿لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ . وقالَ الحَسَنُ: تَسْبِيحُهُ: صَلاتُهُ في بَطْنِ الحُوتِ. ورُوِيَ أنَّهُ كانَ يَرْفَعُ لَحْمَ الحُوتِ بِيَدَيْهِ يَقُولُ: لَأبْنِيَنَّ لَكَ مَسْجِدًا حَيْثُ لَمْ يَبْنَهِ أحَدٌ قَبْلِي.
ورُوِيَ أنَّ الحُوتَ سافَرَ مَعَ السَّفِينَةِ رافِعًا رَأْسَهُ لِيَتَنَفَّسَ ويُونُسُ يُسَبِّحُ، ولَمْ يُفارِقْهم حَتّى انْتَهَوْا إلى البَرِّ، فَلَفَظَهُ سالِمًا لَمْ يَتَغَيَّرْ مِنهُ شَيْءٌ، فَأسْلَمُوا. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ البَعْثِ، وعَنْ قَتادَةَ: لَكانَ بَطْنُ الحُوتِ لَهُ قَبْرًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ. وذُكِرَ في مُدَّةِ لَبْثِهِ في بَطْنِ الحُوتِ أقْوالًا مُتَكاذِبَةً، ضَرَبْنا عَنْ ذِكْرِها صَفْحًا.
﴿وهُوَ سَقِيمٌ﴾ رُوِيَ أنَّهُ عادَ بَدَنُهُ كَبَدَنِ الصَّبِيِّ حِينَ يُولَدُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والسُّدِّيُّ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو هُرَيْرَةَ، وعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ: اليَقْطِينُ: القَرْعُ خاصَّةً، قِيلَ: وهي الَّتِي أنْبَتَها اللَّهُ عَلَيْهِ، وتَجْمَعُ خِصالًا، بَرَدُ الظِّلِّ، ونُعُومَةُ المَلْمَسِ، وعِظَمُ الوَرَقِ، والذُّبابُ لا يَقْرَبُها. قِيلَ: وماءُ ورَقِهِ إذا رُشَّ بِهِ مَكانٌ لَمْ يَقْرَبْهُ ذُبابٌ، وقالَ أُمَيَّةُ بْنُ أبِي الصَّلْتِ:
؎فَأنْبَتَ يَقْطِينًا عَلَيْهِ بِرَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لَوْلا اللَّهُ ألْفى ضِياعِيا
وفِيما رُوِيَ: إنَّكَ لَتُحِبُّ القَرْعَ، قالَ: أجَلْ، هي شَجَرَةُ أخِي يُونُسَ. وقِيلَ: هي شَجَرَةُ المَوْزِ، تَغَطّى بِوَرَقِها، واسْتَظَلَّ بِأغْصانِها، وأفْطَرَ عَلى ثِمارِها. ومَعْنى ﴿وأنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً﴾ في كَلامِ العَرَبِ: ما كانَ عَلى ساقٍ مِن عُودٍ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اللَّهُ أنْبَتَها ذاتَ ساقٍ يَسْتَظِلُّ بِها وبِوَرَقِها، خَرْقًا لِلْعادَةِ، فَنَبَتَ وصَحَّ وحَسُنَ (p-٣٧٦)وجْهُهُ؛ لِأنَّ ورَقَ القَرْعِ أنْفَعُ شَيْءٍ لِمَن يَنْسَلِخُ جِلْدُهُ.
﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ﴾ قالَ الجُمْهُورُ: رِسالَتُهُ هَذِهِ هي الأُولى الَّتِي أبِقَ بَعْدَها، ذَكَرَها آخِرَ القَصَصِ تَنْبِيهًا عَلى رِسالَتِهِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهُمْ﴾ وتَمْتِيعُ تِلْكَ الأُمَّةِ هو الَّذِي أغْضَبَ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ حَتّى أبَقَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ: هي رِسالَةٌ أُخْرى بَعْدَ أنْ نَبَذَهُ بِالعَراءِ، وهي إلى أهْلِ نِينَوى مِن ناحِيَةِ المَوْصِلِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: المُرادُ بِهِ ما سَبَقَ مِن إرْسالِهِ إلى قَوْمِهِ، وهم أهْلُ نِينَوى. وقِيلَ: هو إرْسالٌ ثانٍ بَعْدَ ما جَرى إلَيْهِ إلى الأوَّلِينَ، أوْ إلى غَيْرِهِمْ. وقِيلَ: أسْلَمُوا فَسَألُوهُ أنْ يَرْجِعَ إلَيْهِمْ فَأبى؛ لِأنَّ النَّبِيَّ إذا هاجَرَ عَنْ قَوْمِهِ لَمْ يَرْجِعْ إلَيْهِمْ مُقِيمًا فِيهِمْ، فَقالَ لَهم: إنَّ اللَّهَ باعِثٌ إلَيْكم نَبِيًّا. وقَرَأ الجُمْهُورُ (أوْ)، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ بِمَعْنى بَلْ. وقِيلَ: بِمَعْنى الواوِ وبِالواوِ، وقَرَأ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ. وقِيلَ: لِلْإبْهامِ عَلى المُخاطَبِ. وقالَ المُبَرِّدُ وكَثِيرٌ مِنَ البَصْرِيِّينَ: المَعْنى عَلى نَظَرِ البَشَرِ، وحَزْرِهِمْ أنَّ مَن وراءَهم قالَ: هم مِائَةُ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ، وهَذا القَوْلُ لَمْ يَذْكُرِ الزَّمَخْشَرِيُّ غَيْرَهُ. قالَ: أوْ يَزِيدُونَ في مَرْأى النّاظِرِ، إذا رَآها الرّائِي قالَ: هي مِائَةُ ألْفٍ أوْ أكْثَرُ. والغَرَضُ الوَصْفُ بِالكَثْرَةِ، والزِّيادَةُ ثَلاثُونَ ألْفًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ؛ أوْ سَبْعُونَ ألْفًا، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ؛ أوْ عِشْرُونَ ألْفًا، رَواهُ أُبَيٌّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وإذا صَحَّ بَطَلَ ما سِواهُ.
(فَآمَنُوا) رُوِيَ أنَّهم خَرَجُوا بِالأطْفالِ والأوْلادِ والبَهائِمِ، وفَرَّقُوا بَيْنَها وبَيْنَ الأُمَّهاتِ، وناحُوا وضَجُّوا وأخْلَصُوا، فَرَفَعَ اللَّهُ عَنْهم. والتَّمَتُّعُ هُنا هو بِالحَياةِ، والحِينُ آجالُهُمُ السّابِقَةُ في الأزَلِ، قالَهُ قَتادَةُ والسُّدِّيُّ. والضَّمِيرُ في ﴿فاسْتَفْتِهِمْ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَعْطُوفٌ عَلى مِثْلِهِ في أوَّلِ السُّورَةِ، وإنْ تَباعَدَتْ بَيْنَهُما المَسافَةُ. أمَرَ رَسُولَهُ بِاسْتِفْتاءِ قُرَيْشٍ عَنْ وجْهِ إنْكارِ البَعْثِ أوَّلًا، ثُمَّ ساقَ الكَلامَ مَوْصُولًا بَعْضَهُ بِبَعْضٍ، ثُمَّ أمَرَ بِاسْتِفْتائِهِمْ عَنْ وجْهِ القِسْمَةِ الضِّيزى. انْتَهى. ويَبْعُدُ ما قالَهُ مِنَ العَطْفِ.
وإذا كانُوا عَدُّوا الفَصْلَ بِجُمْلَةٍ مِثْلَ قَوْلِكَ: كُلْ لَحْمًا واضْرِبْ زَيْدًا وخُبْزًا، مِن أقْبَحِ التَّرْكِيبِ، فَكَيْفَ بِجُمَلٍ كَثِيرَةٍ وقِصَصٍ مُتَبايِنَةٍ ؟ فالقَوْلُ بِالعَطْفِ لا يَجُوزُ، والِاسْتِفْتاءُ هُنا سُؤالٌ عَلى جِهَةِ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ عَلى قَوْلِهِمُ البُهْتانَ عَلى اللَّهِ، حَيْثُ جَعَلُوا لِلَّهِ الإناثَ في قَوْلِهِمْ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، مَعَ كَراهَتِهِمْ لَهُنَّ، ووَأْدِهِمْ إيّاهُنَّ، واسْتِنْكافِهِمْ مَن ذَكَرَهُنَّ. وارْتَكَبُوا ثَلاثَةَ أنْواعٍ مِنَ الكُفْرِ: التَّجْسِيمُ؛ لِأنَّ الوِلادَةَ مُخْتَصَّةٌ بِالأجْسامِ، وتَفْضِيلُ أنْفُسِهِمْ، حَيْثُ نَسَبُوا أرْفَعَ الجِنْسَيْنِ لَهم وغَيْرَهُ لِلَّهِ تَعالى؛ واسْتِهانَتُهم بِمَن هو مُكَرَّمٌ عِنْدَ اللَّهِ، حَيْثُ أنَّثُوهم، وهُمُ المَلائِكَةُ.
بَدَأ أوَّلًا بِتَوْبِيخِهِمْ عَلى تَفْضِيلِ أنْفُسِهِمْ بِقَوْلِهِ ﴿ألِرَبِّكَ البَناتُ﴾، وعَدَلَ عَنْ قَوْلِهِ (ألِرَبِّكم) لِما في تَرْكِ الإضافَةِ إلَيْهِمْ مِن تَحْسِينِهِمْ وشَرَفِ نَبِيِّهِ بِالإضافَةِ إلَيْهِ. وثَنّى بِأنَّ نِسْبَةَ الأُنُوثَةِ إلى المَلائِكَةِ يَقْتَضِي المُشاهَدَةَ، فَأنْكَرَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ ﴿أمْ خَلَقْنا المَلائِكَةَ إناثًا وهم شاهِدُونَ﴾ أيْ خَلَقْناهم وهم لا يَشْهَدُونَ شَيْئًا مِن حالِهِمْ، كَما قالَ في الأُخْرى ﴿أشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾ [الزخرف: ١٩] وكَما قالَ ﴿ما أشْهَدْتُهم خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ ولا خَلْقَ أنْفُسِهِمْ﴾ [الكهف: ٥١] . ثُمَّ أخْبَرَ عَنْهم ثالِثًا بِأعْظَمِ الكُفْرِ، وهو ادِّعاؤُهم أنَّهُ تَعالى قَدْ ولَدَ، فَبَلَغَ إفْكُهم إلى نِسْبَةِ الوَلَدِ. ولَمّا كانَ هَذا فاحِشًا قالَ ﴿وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ . واحْتَمَلَ أنْ تُخَصَّ هَذِهِ الجُمْلَةُ بِقَوْلِهِمْ ولَدَ اللَّهُ، ويَكُونَ تَأْكِيدًا لِقَوْلِهِ ﴿مِن إفْكِهِمْ﴾ واحْتَمَلَ أنْ يَعُمَّ هَذا القَوْلَ. فَإنْ قُلْتَ: لِمَ قالَ (وهم شاهِدُونَ) فَخَصَّ عِلْمَهم بِالمُشاهَدَةِ ؟ قُلْتُ: ما هو إلّا اسْتِهْزاءٌ وتَجْهِيلٌ كَقَوْلِهِ ﴿أشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾ [الزخرف: ١٩] وذَلِكَ أنَّهم كَما لَمْ يَعْلَمُوا ذَلِكَ بِطَرِيقِ المُشاهَدَةِ، لَمْ يَعْلَمُوهُ بِخَلْقِ اللَّهِ عِلْمَهُ في قُلُوبِهِمْ ولا بِإخْبارٍ صادِقٍ، لا بِطْرِيقِ اسْتِدْلالٍ ولا نَظَرٍ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّهم يَقُولُونَ ذَلِكَ، كالقائِلِ قَوْلًا عَنْ ثَلَجِ صَدْرٍ وطُمَأْنِينَةِ نَفْسٍ لِإفْراطِ جَهْلِهِمْ، كَأنَّهم قَدْ شاهَدُوا خَلْقَهُ. وقُرِأ (ولَدُ اللَّهِ) أيِ المَلائِكَةُ ولَدُهُ، والوَلَدُ فَعَلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ يَقَعُ عَلى الواحِدِ والجَمْعِ والمُذَكِّرِ والمُؤَنَّثِ. تَقُولُ: هَذِهِ ولَدِي، وهَؤُلاءِ ولَدِي. انْتَهى.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: (p-٣٧٧)(أصْطَفى) بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، عَلى طَرِيقَةِ الإنْكارِ والِاسْتِبْعادِ. وقَرَأ نافِعٌ في رِوايَةِ إسْماعِيلَ، وابْنُ جَمّازٍ وجَماعَةٌ، وإسْماعِيلُ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ: بِوَصْلِ الألِفِ، وهو مِن كَلامِ الكُفّارِ. حَكى اللَّهُ تَعالى شَنِيعَ قَوْلِهِمْ، وهو أنَّهم ما كَفاهم أنْ قالُوا ولَدَ اللَّهُ، حَتّى جَعَلُوا ذَلِكَ الوَلَدَ بَناتِ اللَّهِ، واللَّهُ تَعالى اخْتارَهم عَلى البَنِينَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بَدَلًا عَنْ قَوْلِهِمْ ولَدَ اللَّهُ، وقَدْ قَرَأ بِها حَمْزَةُ والأعْمَشُ، وهَذِهِ القِراءَةُ، وإنْ كانَ هَذا مَحْمَلَها، فَهي ضَعِيفَةٌ؛ والَّذِي أضْعَفَها أنَّ الإنْكارَ قَدِ اكْتَنَفَ هَذِهِ الجُمْلَةَ مِن جانِبَيْها، وذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾، ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ . فَمَن جَعَلَها لِلْإثْباتِ فَقَدْ أوْقَعَها دَخِيلَةً بَيْنَ سَبَبَيْنِ، ولَيْسَتْ دَخِيلَةً بَيْنَ نَسِيبَيْنِ، بَلْ لَها مُناسَبَةٌ ظاهِرَةٌ مَعَ قَوْلِهِمْ ولَدَ اللَّهُ. وأمّا قَوْلُهُ ﴿وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ فَهي جُمْلَةُ اعْتِراضٍ بَيْنَ مَقالَتَيِّ الكُفْرِ، جاءَتْ لِلتَّشْدِيدِ والتَّأْكِيدِ في كَوْنِ مَقالَتِهِمْ تِلْكَ هي مِن إفْكِهِمْ.
﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ تَقْرِيعٌ وتَوْبِيخٌ واسْتِفْهامٌ عَنِ البُرْهانِ والحُجَّةِ. وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: تَذْكُرُونَ، بِسُكُونِ الذّالِ وضَمِّ الكافِ.
﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ﴾ أيْ حُجَّةٌ نَزَلَتْ عَلَيْكم مِنَ السَّماءِ، وخَبَرٌ بِأنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ.
﴿فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ﴾ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْكم بِذَلِكَ، كَقَوْلِهِ ﴿أمْ أنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطانًا فَهو يَتَكَلَّمُ بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾ [الروم: ٣٥] .
الصافات 37:148
﴿وإنَّ يُونُسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ أبَقَ إلى الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ ﴿فَساهَمَ فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ﴾ ﴿فالتَقَمَهُ الحُوتُ وهو مُلِيمٌ﴾ ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ ﴿لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ﴿فَنَبَذْناهُ بِالعَراءِ وهو سَقِيمٌ﴾ ﴿وأنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِن يَقْطِينٍ﴾ ﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ﴾ ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾ ﴿فاسْتَفْتِهِمْ ألِرَبِّكَ البَناتُ ولَهُمُ البَنُونَ﴾ ﴿أمْ خَلَقْنا المَلائِكَةَ إناثًا وهم شاهِدُونَ﴾ ﴿ألا إنَّهم مِن إفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ﴾ ﴿ولَدَ اللَّهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ ﴿أاصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ﴾ ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾ ﴿فَأْتُوا بِكِتابِكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (p-٣٧٥)
يُونُسُ بْنُ مَتّى مِن بَنِي إسْرائِيلَ. ورُوِيَ أنَّهُ نُبِّأ وهو ابْنُ ثَمانٍ وعِشْرِينَ سَنَةً، بَعَثَهُ اللَّهُ إلى قَوْمِهِ، فَدَعاهم لِلْإيمانِ فَخالَفُوهُ، فَوَعَدَهم بِالعَذابِ، فَأعْلَمَهُمُ اللَّهُ بِيَوْمِهِ، فَحَدَّدَهُ يُونُسُ لَهم. ثُمَّ إنَّ قَوْمَهُ لَمّا رَأوْا مَخايِلَ العَذابِ قَبْلَ أنْ يُباشِرَهم تابُوا وآمَنُوا، فَتابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وصَرَفَ العَذابَ عَنْهم. وتَقَدَّمَ شَرْحُ قِصَّتِهِ، وأعَدْنا طَرَفًا مِنها لِيُفِيدَ ما بَيْنَ الذِّكْرَيْنِ. قِيلَ: ولَحِقَ يُونُسَ غَضَبٌ، فَأبِقَ إلى رُكُوبِ السَّفِينَةِ فِرارًا مِن قَوْمِهِ، وعَبَّرَ عَنِ الهُرُوبِ بِالإباقِ، إذْ هو عَبْدُ اللَّهِ، خَرَجَ فارًّا مِن غَيْرِ إذْنٍ مِنَ اللَّهِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ لَمّا أبْعَدَتِ السَّفِينَةُ في البَحْرِ، ويُونُسُ فِيها، رَكَدَتْ. فَقالَ أهْلُها: إنَّ فِيها لَمَن يَحْبِسُ اللَّهُ السَّفِينَةَ بِسَبَبِهِ، فَلْنَقْتَرِعْ. فَأخَذُوا لِكُلٍّ سَهْمًا، عَلى أنَّ مَن طَفا سَهْمُهُ فَهو، ومَن غَرِقَ سَهْمُهُ فَلَيْسَ إيّاهُ، فَطَفا سَهْمُ يُونُسَ. فَعَلُوا ذَلِكَ ثَلاثًا، تَقَعُ القَرْعَةُ عَلَيْهِ، فَأجْمَعُوا عَلى أنْ يَطْرَحُوهُ. فَجاءَ إلى رُكْنٍ مِنها لِيَقَعَ مِنها، فَإذا بِدابَّةٍ مِن دَوابِّ البَحْرِ تَرْقُبُهُ وتَرْصُدُ لَهُ. فانْتَقَلَ إلى الرُّكْنِ الآخَرِ، فَوَجَدَها حَتّى اسْتَدارَ بِالمَرْكَبِ وهي لا تُفارِقُهُ، فَعَلِمَ أنَّ ذَلِكَ مِن عِنْدِ اللَّهِ، فَتَرامى إلَيْها فالتَقَمَتْهُ. فَفي قِصَّةِ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ هُنا جُمَلٌ مَحْذُوفَةٌ مُقَدَّرَةٌ قَبْلَ ذِكْرِ فِرارِهِ إلى الفُلْكِ، كَما في قِصَّتِهِ في سُورَةِ الأنْبِياءِ في قَوْلِهِ ﴿إذْ ذَهَبَ مُغاضِبًا﴾ [الأنبياء: ٨٧] هو ما بَعْدَ هَذا، وقَوْلِهِ ﴿فَنادى في الظُّلُماتِ﴾ [الأنبياء: ٨٧] جُمَلٌ مَحْذُوفَةٌ أيْضًا. وبِمَجْمُوعِ القَصَصِ يَتَبَيَّنُ ما حُذِفَ في كُلِّ قِصَّةٍ مِنها.
﴿فَساهَمَ فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ﴾ مِنَ المَغْلُوبِينَ، وحَقِيقَتُهُ مِنَ المُزْلَقِينَ عَنْ مَقامِ الظَّفَرِ في الأسْهامِ. وقُرِئَ ﴿وهُوَ مُلِيمٌ﴾ بِفَتْحِ المِيمِ، وقِياسُهُ مَلُومٌ؛ لِأنَّهُ مِن لُمْتُهُ ألُومُهُ لَوْمًا، فَهو مِن ذَواتِ الواوِ، ولَكِنَّهُ جِيءَ بِهِ عَلى ألِيمٍ، كَما قالُوا: مَشِيبٌ ومَدْعِيٍّ في مَشُوبٍ، ومَدْعُوٍّ بِناءً عَلى شَيَبَ ودَعى.
﴿مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ مِنَ الذّاكِرِينَ اللَّهَ تَعالى بِالتَّسْبِيحِ والتَّقْدِيسِ. والظّاهِرُ أنَّهُ يُرِيدُ ما ذَكَرَ في قَوْلِهِ في سُورَةِ الأنْبِياءِ ﴿فَنادى في الظُّلُماتِ أنْ لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧] . وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: هو قَوْلُهُ سُبْحانَ اللَّهِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: تَسْبِيحُهُ صَلاةُ التَّطَوُّعِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، وأبُو العالِيَةِ: صَلاتُهُ في وقْتِ الرَّخاءِ تَنْفَعُهُ في وقْتِ الشِّدَّةِ. وقالَ الضَّحّاكُ بْنُ قَيْسٍ عَلى مِنبَرِهِ: اذْكُرُوا اللَّهَ في الرَّخاءِ يَذْكُرْكم في الشِّدَّةِ، إنَّ يُونُسَ كانَ عَبْدًا ذاكِرًا، فَلَمّا أصابَتْهُ الشِّدَّةُ نَفَعَهُ ذَلِكَ. قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾، ﴿لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ . وقالَ الحَسَنُ: تَسْبِيحُهُ: صَلاتُهُ في بَطْنِ الحُوتِ. ورُوِيَ أنَّهُ كانَ يَرْفَعُ لَحْمَ الحُوتِ بِيَدَيْهِ يَقُولُ: لَأبْنِيَنَّ لَكَ مَسْجِدًا حَيْثُ لَمْ يَبْنَهِ أحَدٌ قَبْلِي.
ورُوِيَ أنَّ الحُوتَ سافَرَ مَعَ السَّفِينَةِ رافِعًا رَأْسَهُ لِيَتَنَفَّسَ ويُونُسُ يُسَبِّحُ، ولَمْ يُفارِقْهم حَتّى انْتَهَوْا إلى البَرِّ، فَلَفَظَهُ سالِمًا لَمْ يَتَغَيَّرْ مِنهُ شَيْءٌ، فَأسْلَمُوا. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ البَعْثِ، وعَنْ قَتادَةَ: لَكانَ بَطْنُ الحُوتِ لَهُ قَبْرًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ. وذُكِرَ في مُدَّةِ لَبْثِهِ في بَطْنِ الحُوتِ أقْوالًا مُتَكاذِبَةً، ضَرَبْنا عَنْ ذِكْرِها صَفْحًا.
﴿وهُوَ سَقِيمٌ﴾ رُوِيَ أنَّهُ عادَ بَدَنُهُ كَبَدَنِ الصَّبِيِّ حِينَ يُولَدُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والسُّدِّيُّ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو هُرَيْرَةَ، وعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ: اليَقْطِينُ: القَرْعُ خاصَّةً، قِيلَ: وهي الَّتِي أنْبَتَها اللَّهُ عَلَيْهِ، وتَجْمَعُ خِصالًا، بَرَدُ الظِّلِّ، ونُعُومَةُ المَلْمَسِ، وعِظَمُ الوَرَقِ، والذُّبابُ لا يَقْرَبُها. قِيلَ: وماءُ ورَقِهِ إذا رُشَّ بِهِ مَكانٌ لَمْ يَقْرَبْهُ ذُبابٌ، وقالَ أُمَيَّةُ بْنُ أبِي الصَّلْتِ:
؎فَأنْبَتَ يَقْطِينًا عَلَيْهِ بِرَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لَوْلا اللَّهُ ألْفى ضِياعِيا
وفِيما رُوِيَ: إنَّكَ لَتُحِبُّ القَرْعَ، قالَ: أجَلْ، هي شَجَرَةُ أخِي يُونُسَ. وقِيلَ: هي شَجَرَةُ المَوْزِ، تَغَطّى بِوَرَقِها، واسْتَظَلَّ بِأغْصانِها، وأفْطَرَ عَلى ثِمارِها. ومَعْنى ﴿وأنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً﴾ في كَلامِ العَرَبِ: ما كانَ عَلى ساقٍ مِن عُودٍ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اللَّهُ أنْبَتَها ذاتَ ساقٍ يَسْتَظِلُّ بِها وبِوَرَقِها، خَرْقًا لِلْعادَةِ، فَنَبَتَ وصَحَّ وحَسُنَ (p-٣٧٦)وجْهُهُ؛ لِأنَّ ورَقَ القَرْعِ أنْفَعُ شَيْءٍ لِمَن يَنْسَلِخُ جِلْدُهُ.
﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ﴾ قالَ الجُمْهُورُ: رِسالَتُهُ هَذِهِ هي الأُولى الَّتِي أبِقَ بَعْدَها، ذَكَرَها آخِرَ القَصَصِ تَنْبِيهًا عَلى رِسالَتِهِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهُمْ﴾ وتَمْتِيعُ تِلْكَ الأُمَّةِ هو الَّذِي أغْضَبَ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ حَتّى أبَقَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ: هي رِسالَةٌ أُخْرى بَعْدَ أنْ نَبَذَهُ بِالعَراءِ، وهي إلى أهْلِ نِينَوى مِن ناحِيَةِ المَوْصِلِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: المُرادُ بِهِ ما سَبَقَ مِن إرْسالِهِ إلى قَوْمِهِ، وهم أهْلُ نِينَوى. وقِيلَ: هو إرْسالٌ ثانٍ بَعْدَ ما جَرى إلَيْهِ إلى الأوَّلِينَ، أوْ إلى غَيْرِهِمْ. وقِيلَ: أسْلَمُوا فَسَألُوهُ أنْ يَرْجِعَ إلَيْهِمْ فَأبى؛ لِأنَّ النَّبِيَّ إذا هاجَرَ عَنْ قَوْمِهِ لَمْ يَرْجِعْ إلَيْهِمْ مُقِيمًا فِيهِمْ، فَقالَ لَهم: إنَّ اللَّهَ باعِثٌ إلَيْكم نَبِيًّا. وقَرَأ الجُمْهُورُ (أوْ)، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ بِمَعْنى بَلْ. وقِيلَ: بِمَعْنى الواوِ وبِالواوِ، وقَرَأ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ. وقِيلَ: لِلْإبْهامِ عَلى المُخاطَبِ. وقالَ المُبَرِّدُ وكَثِيرٌ مِنَ البَصْرِيِّينَ: المَعْنى عَلى نَظَرِ البَشَرِ، وحَزْرِهِمْ أنَّ مَن وراءَهم قالَ: هم مِائَةُ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ، وهَذا القَوْلُ لَمْ يَذْكُرِ الزَّمَخْشَرِيُّ غَيْرَهُ. قالَ: أوْ يَزِيدُونَ في مَرْأى النّاظِرِ، إذا رَآها الرّائِي قالَ: هي مِائَةُ ألْفٍ أوْ أكْثَرُ. والغَرَضُ الوَصْفُ بِالكَثْرَةِ، والزِّيادَةُ ثَلاثُونَ ألْفًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ؛ أوْ سَبْعُونَ ألْفًا، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ؛ أوْ عِشْرُونَ ألْفًا، رَواهُ أُبَيٌّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وإذا صَحَّ بَطَلَ ما سِواهُ.
(فَآمَنُوا) رُوِيَ أنَّهم خَرَجُوا بِالأطْفالِ والأوْلادِ والبَهائِمِ، وفَرَّقُوا بَيْنَها وبَيْنَ الأُمَّهاتِ، وناحُوا وضَجُّوا وأخْلَصُوا، فَرَفَعَ اللَّهُ عَنْهم. والتَّمَتُّعُ هُنا هو بِالحَياةِ، والحِينُ آجالُهُمُ السّابِقَةُ في الأزَلِ، قالَهُ قَتادَةُ والسُّدِّيُّ. والضَّمِيرُ في ﴿فاسْتَفْتِهِمْ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَعْطُوفٌ عَلى مِثْلِهِ في أوَّلِ السُّورَةِ، وإنْ تَباعَدَتْ بَيْنَهُما المَسافَةُ. أمَرَ رَسُولَهُ بِاسْتِفْتاءِ قُرَيْشٍ عَنْ وجْهِ إنْكارِ البَعْثِ أوَّلًا، ثُمَّ ساقَ الكَلامَ مَوْصُولًا بَعْضَهُ بِبَعْضٍ، ثُمَّ أمَرَ بِاسْتِفْتائِهِمْ عَنْ وجْهِ القِسْمَةِ الضِّيزى. انْتَهى. ويَبْعُدُ ما قالَهُ مِنَ العَطْفِ.
وإذا كانُوا عَدُّوا الفَصْلَ بِجُمْلَةٍ مِثْلَ قَوْلِكَ: كُلْ لَحْمًا واضْرِبْ زَيْدًا وخُبْزًا، مِن أقْبَحِ التَّرْكِيبِ، فَكَيْفَ بِجُمَلٍ كَثِيرَةٍ وقِصَصٍ مُتَبايِنَةٍ ؟ فالقَوْلُ بِالعَطْفِ لا يَجُوزُ، والِاسْتِفْتاءُ هُنا سُؤالٌ عَلى جِهَةِ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ عَلى قَوْلِهِمُ البُهْتانَ عَلى اللَّهِ، حَيْثُ جَعَلُوا لِلَّهِ الإناثَ في قَوْلِهِمْ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، مَعَ كَراهَتِهِمْ لَهُنَّ، ووَأْدِهِمْ إيّاهُنَّ، واسْتِنْكافِهِمْ مَن ذَكَرَهُنَّ. وارْتَكَبُوا ثَلاثَةَ أنْواعٍ مِنَ الكُفْرِ: التَّجْسِيمُ؛ لِأنَّ الوِلادَةَ مُخْتَصَّةٌ بِالأجْسامِ، وتَفْضِيلُ أنْفُسِهِمْ، حَيْثُ نَسَبُوا أرْفَعَ الجِنْسَيْنِ لَهم وغَيْرَهُ لِلَّهِ تَعالى؛ واسْتِهانَتُهم بِمَن هو مُكَرَّمٌ عِنْدَ اللَّهِ، حَيْثُ أنَّثُوهم، وهُمُ المَلائِكَةُ.
بَدَأ أوَّلًا بِتَوْبِيخِهِمْ عَلى تَفْضِيلِ أنْفُسِهِمْ بِقَوْلِهِ ﴿ألِرَبِّكَ البَناتُ﴾، وعَدَلَ عَنْ قَوْلِهِ (ألِرَبِّكم) لِما في تَرْكِ الإضافَةِ إلَيْهِمْ مِن تَحْسِينِهِمْ وشَرَفِ نَبِيِّهِ بِالإضافَةِ إلَيْهِ. وثَنّى بِأنَّ نِسْبَةَ الأُنُوثَةِ إلى المَلائِكَةِ يَقْتَضِي المُشاهَدَةَ، فَأنْكَرَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ ﴿أمْ خَلَقْنا المَلائِكَةَ إناثًا وهم شاهِدُونَ﴾ أيْ خَلَقْناهم وهم لا يَشْهَدُونَ شَيْئًا مِن حالِهِمْ، كَما قالَ في الأُخْرى ﴿أشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾ [الزخرف: ١٩] وكَما قالَ ﴿ما أشْهَدْتُهم خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ ولا خَلْقَ أنْفُسِهِمْ﴾ [الكهف: ٥١] . ثُمَّ أخْبَرَ عَنْهم ثالِثًا بِأعْظَمِ الكُفْرِ، وهو ادِّعاؤُهم أنَّهُ تَعالى قَدْ ولَدَ، فَبَلَغَ إفْكُهم إلى نِسْبَةِ الوَلَدِ. ولَمّا كانَ هَذا فاحِشًا قالَ ﴿وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ . واحْتَمَلَ أنْ تُخَصَّ هَذِهِ الجُمْلَةُ بِقَوْلِهِمْ ولَدَ اللَّهُ، ويَكُونَ تَأْكِيدًا لِقَوْلِهِ ﴿مِن إفْكِهِمْ﴾ واحْتَمَلَ أنْ يَعُمَّ هَذا القَوْلَ. فَإنْ قُلْتَ: لِمَ قالَ (وهم شاهِدُونَ) فَخَصَّ عِلْمَهم بِالمُشاهَدَةِ ؟ قُلْتُ: ما هو إلّا اسْتِهْزاءٌ وتَجْهِيلٌ كَقَوْلِهِ ﴿أشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾ [الزخرف: ١٩] وذَلِكَ أنَّهم كَما لَمْ يَعْلَمُوا ذَلِكَ بِطَرِيقِ المُشاهَدَةِ، لَمْ يَعْلَمُوهُ بِخَلْقِ اللَّهِ عِلْمَهُ في قُلُوبِهِمْ ولا بِإخْبارٍ صادِقٍ، لا بِطْرِيقِ اسْتِدْلالٍ ولا نَظَرٍ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّهم يَقُولُونَ ذَلِكَ، كالقائِلِ قَوْلًا عَنْ ثَلَجِ صَدْرٍ وطُمَأْنِينَةِ نَفْسٍ لِإفْراطِ جَهْلِهِمْ، كَأنَّهم قَدْ شاهَدُوا خَلْقَهُ. وقُرِأ (ولَدُ اللَّهِ) أيِ المَلائِكَةُ ولَدُهُ، والوَلَدُ فَعَلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ يَقَعُ عَلى الواحِدِ والجَمْعِ والمُذَكِّرِ والمُؤَنَّثِ. تَقُولُ: هَذِهِ ولَدِي، وهَؤُلاءِ ولَدِي. انْتَهى.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: (p-٣٧٧)(أصْطَفى) بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، عَلى طَرِيقَةِ الإنْكارِ والِاسْتِبْعادِ. وقَرَأ نافِعٌ في رِوايَةِ إسْماعِيلَ، وابْنُ جَمّازٍ وجَماعَةٌ، وإسْماعِيلُ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ: بِوَصْلِ الألِفِ، وهو مِن كَلامِ الكُفّارِ. حَكى اللَّهُ تَعالى شَنِيعَ قَوْلِهِمْ، وهو أنَّهم ما كَفاهم أنْ قالُوا ولَدَ اللَّهُ، حَتّى جَعَلُوا ذَلِكَ الوَلَدَ بَناتِ اللَّهِ، واللَّهُ تَعالى اخْتارَهم عَلى البَنِينَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بَدَلًا عَنْ قَوْلِهِمْ ولَدَ اللَّهُ، وقَدْ قَرَأ بِها حَمْزَةُ والأعْمَشُ، وهَذِهِ القِراءَةُ، وإنْ كانَ هَذا مَحْمَلَها، فَهي ضَعِيفَةٌ؛ والَّذِي أضْعَفَها أنَّ الإنْكارَ قَدِ اكْتَنَفَ هَذِهِ الجُمْلَةَ مِن جانِبَيْها، وذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾، ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ . فَمَن جَعَلَها لِلْإثْباتِ فَقَدْ أوْقَعَها دَخِيلَةً بَيْنَ سَبَبَيْنِ، ولَيْسَتْ دَخِيلَةً بَيْنَ نَسِيبَيْنِ، بَلْ لَها مُناسَبَةٌ ظاهِرَةٌ مَعَ قَوْلِهِمْ ولَدَ اللَّهُ. وأمّا قَوْلُهُ ﴿وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ فَهي جُمْلَةُ اعْتِراضٍ بَيْنَ مَقالَتَيِّ الكُفْرِ، جاءَتْ لِلتَّشْدِيدِ والتَّأْكِيدِ في كَوْنِ مَقالَتِهِمْ تِلْكَ هي مِن إفْكِهِمْ.
﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ تَقْرِيعٌ وتَوْبِيخٌ واسْتِفْهامٌ عَنِ البُرْهانِ والحُجَّةِ. وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: تَذْكُرُونَ، بِسُكُونِ الذّالِ وضَمِّ الكافِ.
﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ﴾ أيْ حُجَّةٌ نَزَلَتْ عَلَيْكم مِنَ السَّماءِ، وخَبَرٌ بِأنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ.
﴿فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ﴾ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْكم بِذَلِكَ، كَقَوْلِهِ ﴿أمْ أنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطانًا فَهو يَتَكَلَّمُ بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾ [الروم: ٣٥] .
الصافات 37:149
﴿وإنَّ يُونُسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ أبَقَ إلى الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ ﴿فَساهَمَ فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ﴾ ﴿فالتَقَمَهُ الحُوتُ وهو مُلِيمٌ﴾ ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ ﴿لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ﴿فَنَبَذْناهُ بِالعَراءِ وهو سَقِيمٌ﴾ ﴿وأنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِن يَقْطِينٍ﴾ ﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ﴾ ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾ ﴿فاسْتَفْتِهِمْ ألِرَبِّكَ البَناتُ ولَهُمُ البَنُونَ﴾ ﴿أمْ خَلَقْنا المَلائِكَةَ إناثًا وهم شاهِدُونَ﴾ ﴿ألا إنَّهم مِن إفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ﴾ ﴿ولَدَ اللَّهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ ﴿أاصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ﴾ ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾ ﴿فَأْتُوا بِكِتابِكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (p-٣٧٥)
يُونُسُ بْنُ مَتّى مِن بَنِي إسْرائِيلَ. ورُوِيَ أنَّهُ نُبِّأ وهو ابْنُ ثَمانٍ وعِشْرِينَ سَنَةً، بَعَثَهُ اللَّهُ إلى قَوْمِهِ، فَدَعاهم لِلْإيمانِ فَخالَفُوهُ، فَوَعَدَهم بِالعَذابِ، فَأعْلَمَهُمُ اللَّهُ بِيَوْمِهِ، فَحَدَّدَهُ يُونُسُ لَهم. ثُمَّ إنَّ قَوْمَهُ لَمّا رَأوْا مَخايِلَ العَذابِ قَبْلَ أنْ يُباشِرَهم تابُوا وآمَنُوا، فَتابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وصَرَفَ العَذابَ عَنْهم. وتَقَدَّمَ شَرْحُ قِصَّتِهِ، وأعَدْنا طَرَفًا مِنها لِيُفِيدَ ما بَيْنَ الذِّكْرَيْنِ. قِيلَ: ولَحِقَ يُونُسَ غَضَبٌ، فَأبِقَ إلى رُكُوبِ السَّفِينَةِ فِرارًا مِن قَوْمِهِ، وعَبَّرَ عَنِ الهُرُوبِ بِالإباقِ، إذْ هو عَبْدُ اللَّهِ، خَرَجَ فارًّا مِن غَيْرِ إذْنٍ مِنَ اللَّهِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ لَمّا أبْعَدَتِ السَّفِينَةُ في البَحْرِ، ويُونُسُ فِيها، رَكَدَتْ. فَقالَ أهْلُها: إنَّ فِيها لَمَن يَحْبِسُ اللَّهُ السَّفِينَةَ بِسَبَبِهِ، فَلْنَقْتَرِعْ. فَأخَذُوا لِكُلٍّ سَهْمًا، عَلى أنَّ مَن طَفا سَهْمُهُ فَهو، ومَن غَرِقَ سَهْمُهُ فَلَيْسَ إيّاهُ، فَطَفا سَهْمُ يُونُسَ. فَعَلُوا ذَلِكَ ثَلاثًا، تَقَعُ القَرْعَةُ عَلَيْهِ، فَأجْمَعُوا عَلى أنْ يَطْرَحُوهُ. فَجاءَ إلى رُكْنٍ مِنها لِيَقَعَ مِنها، فَإذا بِدابَّةٍ مِن دَوابِّ البَحْرِ تَرْقُبُهُ وتَرْصُدُ لَهُ. فانْتَقَلَ إلى الرُّكْنِ الآخَرِ، فَوَجَدَها حَتّى اسْتَدارَ بِالمَرْكَبِ وهي لا تُفارِقُهُ، فَعَلِمَ أنَّ ذَلِكَ مِن عِنْدِ اللَّهِ، فَتَرامى إلَيْها فالتَقَمَتْهُ. فَفي قِصَّةِ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ هُنا جُمَلٌ مَحْذُوفَةٌ مُقَدَّرَةٌ قَبْلَ ذِكْرِ فِرارِهِ إلى الفُلْكِ، كَما في قِصَّتِهِ في سُورَةِ الأنْبِياءِ في قَوْلِهِ ﴿إذْ ذَهَبَ مُغاضِبًا﴾ [الأنبياء: ٨٧] هو ما بَعْدَ هَذا، وقَوْلِهِ ﴿فَنادى في الظُّلُماتِ﴾ [الأنبياء: ٨٧] جُمَلٌ مَحْذُوفَةٌ أيْضًا. وبِمَجْمُوعِ القَصَصِ يَتَبَيَّنُ ما حُذِفَ في كُلِّ قِصَّةٍ مِنها.
﴿فَساهَمَ فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ﴾ مِنَ المَغْلُوبِينَ، وحَقِيقَتُهُ مِنَ المُزْلَقِينَ عَنْ مَقامِ الظَّفَرِ في الأسْهامِ. وقُرِئَ ﴿وهُوَ مُلِيمٌ﴾ بِفَتْحِ المِيمِ، وقِياسُهُ مَلُومٌ؛ لِأنَّهُ مِن لُمْتُهُ ألُومُهُ لَوْمًا، فَهو مِن ذَواتِ الواوِ، ولَكِنَّهُ جِيءَ بِهِ عَلى ألِيمٍ، كَما قالُوا: مَشِيبٌ ومَدْعِيٍّ في مَشُوبٍ، ومَدْعُوٍّ بِناءً عَلى شَيَبَ ودَعى.
﴿مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ مِنَ الذّاكِرِينَ اللَّهَ تَعالى بِالتَّسْبِيحِ والتَّقْدِيسِ. والظّاهِرُ أنَّهُ يُرِيدُ ما ذَكَرَ في قَوْلِهِ في سُورَةِ الأنْبِياءِ ﴿فَنادى في الظُّلُماتِ أنْ لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧] . وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: هو قَوْلُهُ سُبْحانَ اللَّهِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: تَسْبِيحُهُ صَلاةُ التَّطَوُّعِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، وأبُو العالِيَةِ: صَلاتُهُ في وقْتِ الرَّخاءِ تَنْفَعُهُ في وقْتِ الشِّدَّةِ. وقالَ الضَّحّاكُ بْنُ قَيْسٍ عَلى مِنبَرِهِ: اذْكُرُوا اللَّهَ في الرَّخاءِ يَذْكُرْكم في الشِّدَّةِ، إنَّ يُونُسَ كانَ عَبْدًا ذاكِرًا، فَلَمّا أصابَتْهُ الشِّدَّةُ نَفَعَهُ ذَلِكَ. قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾، ﴿لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ . وقالَ الحَسَنُ: تَسْبِيحُهُ: صَلاتُهُ في بَطْنِ الحُوتِ. ورُوِيَ أنَّهُ كانَ يَرْفَعُ لَحْمَ الحُوتِ بِيَدَيْهِ يَقُولُ: لَأبْنِيَنَّ لَكَ مَسْجِدًا حَيْثُ لَمْ يَبْنَهِ أحَدٌ قَبْلِي.
ورُوِيَ أنَّ الحُوتَ سافَرَ مَعَ السَّفِينَةِ رافِعًا رَأْسَهُ لِيَتَنَفَّسَ ويُونُسُ يُسَبِّحُ، ولَمْ يُفارِقْهم حَتّى انْتَهَوْا إلى البَرِّ، فَلَفَظَهُ سالِمًا لَمْ يَتَغَيَّرْ مِنهُ شَيْءٌ، فَأسْلَمُوا. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ البَعْثِ، وعَنْ قَتادَةَ: لَكانَ بَطْنُ الحُوتِ لَهُ قَبْرًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ. وذُكِرَ في مُدَّةِ لَبْثِهِ في بَطْنِ الحُوتِ أقْوالًا مُتَكاذِبَةً، ضَرَبْنا عَنْ ذِكْرِها صَفْحًا.
﴿وهُوَ سَقِيمٌ﴾ رُوِيَ أنَّهُ عادَ بَدَنُهُ كَبَدَنِ الصَّبِيِّ حِينَ يُولَدُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والسُّدِّيُّ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو هُرَيْرَةَ، وعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ: اليَقْطِينُ: القَرْعُ خاصَّةً، قِيلَ: وهي الَّتِي أنْبَتَها اللَّهُ عَلَيْهِ، وتَجْمَعُ خِصالًا، بَرَدُ الظِّلِّ، ونُعُومَةُ المَلْمَسِ، وعِظَمُ الوَرَقِ، والذُّبابُ لا يَقْرَبُها. قِيلَ: وماءُ ورَقِهِ إذا رُشَّ بِهِ مَكانٌ لَمْ يَقْرَبْهُ ذُبابٌ، وقالَ أُمَيَّةُ بْنُ أبِي الصَّلْتِ:
؎فَأنْبَتَ يَقْطِينًا عَلَيْهِ بِرَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لَوْلا اللَّهُ ألْفى ضِياعِيا
وفِيما رُوِيَ: إنَّكَ لَتُحِبُّ القَرْعَ، قالَ: أجَلْ، هي شَجَرَةُ أخِي يُونُسَ. وقِيلَ: هي شَجَرَةُ المَوْزِ، تَغَطّى بِوَرَقِها، واسْتَظَلَّ بِأغْصانِها، وأفْطَرَ عَلى ثِمارِها. ومَعْنى ﴿وأنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً﴾ في كَلامِ العَرَبِ: ما كانَ عَلى ساقٍ مِن عُودٍ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اللَّهُ أنْبَتَها ذاتَ ساقٍ يَسْتَظِلُّ بِها وبِوَرَقِها، خَرْقًا لِلْعادَةِ، فَنَبَتَ وصَحَّ وحَسُنَ (p-٣٧٦)وجْهُهُ؛ لِأنَّ ورَقَ القَرْعِ أنْفَعُ شَيْءٍ لِمَن يَنْسَلِخُ جِلْدُهُ.
﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ﴾ قالَ الجُمْهُورُ: رِسالَتُهُ هَذِهِ هي الأُولى الَّتِي أبِقَ بَعْدَها، ذَكَرَها آخِرَ القَصَصِ تَنْبِيهًا عَلى رِسالَتِهِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهُمْ﴾ وتَمْتِيعُ تِلْكَ الأُمَّةِ هو الَّذِي أغْضَبَ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ حَتّى أبَقَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ: هي رِسالَةٌ أُخْرى بَعْدَ أنْ نَبَذَهُ بِالعَراءِ، وهي إلى أهْلِ نِينَوى مِن ناحِيَةِ المَوْصِلِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: المُرادُ بِهِ ما سَبَقَ مِن إرْسالِهِ إلى قَوْمِهِ، وهم أهْلُ نِينَوى. وقِيلَ: هو إرْسالٌ ثانٍ بَعْدَ ما جَرى إلَيْهِ إلى الأوَّلِينَ، أوْ إلى غَيْرِهِمْ. وقِيلَ: أسْلَمُوا فَسَألُوهُ أنْ يَرْجِعَ إلَيْهِمْ فَأبى؛ لِأنَّ النَّبِيَّ إذا هاجَرَ عَنْ قَوْمِهِ لَمْ يَرْجِعْ إلَيْهِمْ مُقِيمًا فِيهِمْ، فَقالَ لَهم: إنَّ اللَّهَ باعِثٌ إلَيْكم نَبِيًّا. وقَرَأ الجُمْهُورُ (أوْ)، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ بِمَعْنى بَلْ. وقِيلَ: بِمَعْنى الواوِ وبِالواوِ، وقَرَأ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ. وقِيلَ: لِلْإبْهامِ عَلى المُخاطَبِ. وقالَ المُبَرِّدُ وكَثِيرٌ مِنَ البَصْرِيِّينَ: المَعْنى عَلى نَظَرِ البَشَرِ، وحَزْرِهِمْ أنَّ مَن وراءَهم قالَ: هم مِائَةُ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ، وهَذا القَوْلُ لَمْ يَذْكُرِ الزَّمَخْشَرِيُّ غَيْرَهُ. قالَ: أوْ يَزِيدُونَ في مَرْأى النّاظِرِ، إذا رَآها الرّائِي قالَ: هي مِائَةُ ألْفٍ أوْ أكْثَرُ. والغَرَضُ الوَصْفُ بِالكَثْرَةِ، والزِّيادَةُ ثَلاثُونَ ألْفًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ؛ أوْ سَبْعُونَ ألْفًا، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ؛ أوْ عِشْرُونَ ألْفًا، رَواهُ أُبَيٌّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وإذا صَحَّ بَطَلَ ما سِواهُ.
(فَآمَنُوا) رُوِيَ أنَّهم خَرَجُوا بِالأطْفالِ والأوْلادِ والبَهائِمِ، وفَرَّقُوا بَيْنَها وبَيْنَ الأُمَّهاتِ، وناحُوا وضَجُّوا وأخْلَصُوا، فَرَفَعَ اللَّهُ عَنْهم. والتَّمَتُّعُ هُنا هو بِالحَياةِ، والحِينُ آجالُهُمُ السّابِقَةُ في الأزَلِ، قالَهُ قَتادَةُ والسُّدِّيُّ. والضَّمِيرُ في ﴿فاسْتَفْتِهِمْ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَعْطُوفٌ عَلى مِثْلِهِ في أوَّلِ السُّورَةِ، وإنْ تَباعَدَتْ بَيْنَهُما المَسافَةُ. أمَرَ رَسُولَهُ بِاسْتِفْتاءِ قُرَيْشٍ عَنْ وجْهِ إنْكارِ البَعْثِ أوَّلًا، ثُمَّ ساقَ الكَلامَ مَوْصُولًا بَعْضَهُ بِبَعْضٍ، ثُمَّ أمَرَ بِاسْتِفْتائِهِمْ عَنْ وجْهِ القِسْمَةِ الضِّيزى. انْتَهى. ويَبْعُدُ ما قالَهُ مِنَ العَطْفِ.
وإذا كانُوا عَدُّوا الفَصْلَ بِجُمْلَةٍ مِثْلَ قَوْلِكَ: كُلْ لَحْمًا واضْرِبْ زَيْدًا وخُبْزًا، مِن أقْبَحِ التَّرْكِيبِ، فَكَيْفَ بِجُمَلٍ كَثِيرَةٍ وقِصَصٍ مُتَبايِنَةٍ ؟ فالقَوْلُ بِالعَطْفِ لا يَجُوزُ، والِاسْتِفْتاءُ هُنا سُؤالٌ عَلى جِهَةِ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ عَلى قَوْلِهِمُ البُهْتانَ عَلى اللَّهِ، حَيْثُ جَعَلُوا لِلَّهِ الإناثَ في قَوْلِهِمْ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، مَعَ كَراهَتِهِمْ لَهُنَّ، ووَأْدِهِمْ إيّاهُنَّ، واسْتِنْكافِهِمْ مَن ذَكَرَهُنَّ. وارْتَكَبُوا ثَلاثَةَ أنْواعٍ مِنَ الكُفْرِ: التَّجْسِيمُ؛ لِأنَّ الوِلادَةَ مُخْتَصَّةٌ بِالأجْسامِ، وتَفْضِيلُ أنْفُسِهِمْ، حَيْثُ نَسَبُوا أرْفَعَ الجِنْسَيْنِ لَهم وغَيْرَهُ لِلَّهِ تَعالى؛ واسْتِهانَتُهم بِمَن هو مُكَرَّمٌ عِنْدَ اللَّهِ، حَيْثُ أنَّثُوهم، وهُمُ المَلائِكَةُ.
بَدَأ أوَّلًا بِتَوْبِيخِهِمْ عَلى تَفْضِيلِ أنْفُسِهِمْ بِقَوْلِهِ ﴿ألِرَبِّكَ البَناتُ﴾، وعَدَلَ عَنْ قَوْلِهِ (ألِرَبِّكم) لِما في تَرْكِ الإضافَةِ إلَيْهِمْ مِن تَحْسِينِهِمْ وشَرَفِ نَبِيِّهِ بِالإضافَةِ إلَيْهِ. وثَنّى بِأنَّ نِسْبَةَ الأُنُوثَةِ إلى المَلائِكَةِ يَقْتَضِي المُشاهَدَةَ، فَأنْكَرَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ ﴿أمْ خَلَقْنا المَلائِكَةَ إناثًا وهم شاهِدُونَ﴾ أيْ خَلَقْناهم وهم لا يَشْهَدُونَ شَيْئًا مِن حالِهِمْ، كَما قالَ في الأُخْرى ﴿أشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾ [الزخرف: ١٩] وكَما قالَ ﴿ما أشْهَدْتُهم خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ ولا خَلْقَ أنْفُسِهِمْ﴾ [الكهف: ٥١] . ثُمَّ أخْبَرَ عَنْهم ثالِثًا بِأعْظَمِ الكُفْرِ، وهو ادِّعاؤُهم أنَّهُ تَعالى قَدْ ولَدَ، فَبَلَغَ إفْكُهم إلى نِسْبَةِ الوَلَدِ. ولَمّا كانَ هَذا فاحِشًا قالَ ﴿وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ . واحْتَمَلَ أنْ تُخَصَّ هَذِهِ الجُمْلَةُ بِقَوْلِهِمْ ولَدَ اللَّهُ، ويَكُونَ تَأْكِيدًا لِقَوْلِهِ ﴿مِن إفْكِهِمْ﴾ واحْتَمَلَ أنْ يَعُمَّ هَذا القَوْلَ. فَإنْ قُلْتَ: لِمَ قالَ (وهم شاهِدُونَ) فَخَصَّ عِلْمَهم بِالمُشاهَدَةِ ؟ قُلْتُ: ما هو إلّا اسْتِهْزاءٌ وتَجْهِيلٌ كَقَوْلِهِ ﴿أشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾ [الزخرف: ١٩] وذَلِكَ أنَّهم كَما لَمْ يَعْلَمُوا ذَلِكَ بِطَرِيقِ المُشاهَدَةِ، لَمْ يَعْلَمُوهُ بِخَلْقِ اللَّهِ عِلْمَهُ في قُلُوبِهِمْ ولا بِإخْبارٍ صادِقٍ، لا بِطْرِيقِ اسْتِدْلالٍ ولا نَظَرٍ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّهم يَقُولُونَ ذَلِكَ، كالقائِلِ قَوْلًا عَنْ ثَلَجِ صَدْرٍ وطُمَأْنِينَةِ نَفْسٍ لِإفْراطِ جَهْلِهِمْ، كَأنَّهم قَدْ شاهَدُوا خَلْقَهُ. وقُرِأ (ولَدُ اللَّهِ) أيِ المَلائِكَةُ ولَدُهُ، والوَلَدُ فَعَلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ يَقَعُ عَلى الواحِدِ والجَمْعِ والمُذَكِّرِ والمُؤَنَّثِ. تَقُولُ: هَذِهِ ولَدِي، وهَؤُلاءِ ولَدِي. انْتَهى.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: (p-٣٧٧)(أصْطَفى) بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، عَلى طَرِيقَةِ الإنْكارِ والِاسْتِبْعادِ. وقَرَأ نافِعٌ في رِوايَةِ إسْماعِيلَ، وابْنُ جَمّازٍ وجَماعَةٌ، وإسْماعِيلُ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ: بِوَصْلِ الألِفِ، وهو مِن كَلامِ الكُفّارِ. حَكى اللَّهُ تَعالى شَنِيعَ قَوْلِهِمْ، وهو أنَّهم ما كَفاهم أنْ قالُوا ولَدَ اللَّهُ، حَتّى جَعَلُوا ذَلِكَ الوَلَدَ بَناتِ اللَّهِ، واللَّهُ تَعالى اخْتارَهم عَلى البَنِينَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بَدَلًا عَنْ قَوْلِهِمْ ولَدَ اللَّهُ، وقَدْ قَرَأ بِها حَمْزَةُ والأعْمَشُ، وهَذِهِ القِراءَةُ، وإنْ كانَ هَذا مَحْمَلَها، فَهي ضَعِيفَةٌ؛ والَّذِي أضْعَفَها أنَّ الإنْكارَ قَدِ اكْتَنَفَ هَذِهِ الجُمْلَةَ مِن جانِبَيْها، وذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾، ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ . فَمَن جَعَلَها لِلْإثْباتِ فَقَدْ أوْقَعَها دَخِيلَةً بَيْنَ سَبَبَيْنِ، ولَيْسَتْ دَخِيلَةً بَيْنَ نَسِيبَيْنِ، بَلْ لَها مُناسَبَةٌ ظاهِرَةٌ مَعَ قَوْلِهِمْ ولَدَ اللَّهُ. وأمّا قَوْلُهُ ﴿وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ فَهي جُمْلَةُ اعْتِراضٍ بَيْنَ مَقالَتَيِّ الكُفْرِ، جاءَتْ لِلتَّشْدِيدِ والتَّأْكِيدِ في كَوْنِ مَقالَتِهِمْ تِلْكَ هي مِن إفْكِهِمْ.
﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ تَقْرِيعٌ وتَوْبِيخٌ واسْتِفْهامٌ عَنِ البُرْهانِ والحُجَّةِ. وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: تَذْكُرُونَ، بِسُكُونِ الذّالِ وضَمِّ الكافِ.
﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ﴾ أيْ حُجَّةٌ نَزَلَتْ عَلَيْكم مِنَ السَّماءِ، وخَبَرٌ بِأنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ.
﴿فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ﴾ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْكم بِذَلِكَ، كَقَوْلِهِ ﴿أمْ أنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطانًا فَهو يَتَكَلَّمُ بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾ [الروم: ٣٥] .
الصافات 37:150
﴿وإنَّ يُونُسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ أبَقَ إلى الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ ﴿فَساهَمَ فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ﴾ ﴿فالتَقَمَهُ الحُوتُ وهو مُلِيمٌ﴾ ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ ﴿لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ﴿فَنَبَذْناهُ بِالعَراءِ وهو سَقِيمٌ﴾ ﴿وأنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِن يَقْطِينٍ﴾ ﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ﴾ ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾ ﴿فاسْتَفْتِهِمْ ألِرَبِّكَ البَناتُ ولَهُمُ البَنُونَ﴾ ﴿أمْ خَلَقْنا المَلائِكَةَ إناثًا وهم شاهِدُونَ﴾ ﴿ألا إنَّهم مِن إفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ﴾ ﴿ولَدَ اللَّهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ ﴿أاصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ﴾ ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾ ﴿فَأْتُوا بِكِتابِكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (p-٣٧٥)
يُونُسُ بْنُ مَتّى مِن بَنِي إسْرائِيلَ. ورُوِيَ أنَّهُ نُبِّأ وهو ابْنُ ثَمانٍ وعِشْرِينَ سَنَةً، بَعَثَهُ اللَّهُ إلى قَوْمِهِ، فَدَعاهم لِلْإيمانِ فَخالَفُوهُ، فَوَعَدَهم بِالعَذابِ، فَأعْلَمَهُمُ اللَّهُ بِيَوْمِهِ، فَحَدَّدَهُ يُونُسُ لَهم. ثُمَّ إنَّ قَوْمَهُ لَمّا رَأوْا مَخايِلَ العَذابِ قَبْلَ أنْ يُباشِرَهم تابُوا وآمَنُوا، فَتابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وصَرَفَ العَذابَ عَنْهم. وتَقَدَّمَ شَرْحُ قِصَّتِهِ، وأعَدْنا طَرَفًا مِنها لِيُفِيدَ ما بَيْنَ الذِّكْرَيْنِ. قِيلَ: ولَحِقَ يُونُسَ غَضَبٌ، فَأبِقَ إلى رُكُوبِ السَّفِينَةِ فِرارًا مِن قَوْمِهِ، وعَبَّرَ عَنِ الهُرُوبِ بِالإباقِ، إذْ هو عَبْدُ اللَّهِ، خَرَجَ فارًّا مِن غَيْرِ إذْنٍ مِنَ اللَّهِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ لَمّا أبْعَدَتِ السَّفِينَةُ في البَحْرِ، ويُونُسُ فِيها، رَكَدَتْ. فَقالَ أهْلُها: إنَّ فِيها لَمَن يَحْبِسُ اللَّهُ السَّفِينَةَ بِسَبَبِهِ، فَلْنَقْتَرِعْ. فَأخَذُوا لِكُلٍّ سَهْمًا، عَلى أنَّ مَن طَفا سَهْمُهُ فَهو، ومَن غَرِقَ سَهْمُهُ فَلَيْسَ إيّاهُ، فَطَفا سَهْمُ يُونُسَ. فَعَلُوا ذَلِكَ ثَلاثًا، تَقَعُ القَرْعَةُ عَلَيْهِ، فَأجْمَعُوا عَلى أنْ يَطْرَحُوهُ. فَجاءَ إلى رُكْنٍ مِنها لِيَقَعَ مِنها، فَإذا بِدابَّةٍ مِن دَوابِّ البَحْرِ تَرْقُبُهُ وتَرْصُدُ لَهُ. فانْتَقَلَ إلى الرُّكْنِ الآخَرِ، فَوَجَدَها حَتّى اسْتَدارَ بِالمَرْكَبِ وهي لا تُفارِقُهُ، فَعَلِمَ أنَّ ذَلِكَ مِن عِنْدِ اللَّهِ، فَتَرامى إلَيْها فالتَقَمَتْهُ. فَفي قِصَّةِ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ هُنا جُمَلٌ مَحْذُوفَةٌ مُقَدَّرَةٌ قَبْلَ ذِكْرِ فِرارِهِ إلى الفُلْكِ، كَما في قِصَّتِهِ في سُورَةِ الأنْبِياءِ في قَوْلِهِ ﴿إذْ ذَهَبَ مُغاضِبًا﴾ [الأنبياء: ٨٧] هو ما بَعْدَ هَذا، وقَوْلِهِ ﴿فَنادى في الظُّلُماتِ﴾ [الأنبياء: ٨٧] جُمَلٌ مَحْذُوفَةٌ أيْضًا. وبِمَجْمُوعِ القَصَصِ يَتَبَيَّنُ ما حُذِفَ في كُلِّ قِصَّةٍ مِنها.
﴿فَساهَمَ فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ﴾ مِنَ المَغْلُوبِينَ، وحَقِيقَتُهُ مِنَ المُزْلَقِينَ عَنْ مَقامِ الظَّفَرِ في الأسْهامِ. وقُرِئَ ﴿وهُوَ مُلِيمٌ﴾ بِفَتْحِ المِيمِ، وقِياسُهُ مَلُومٌ؛ لِأنَّهُ مِن لُمْتُهُ ألُومُهُ لَوْمًا، فَهو مِن ذَواتِ الواوِ، ولَكِنَّهُ جِيءَ بِهِ عَلى ألِيمٍ، كَما قالُوا: مَشِيبٌ ومَدْعِيٍّ في مَشُوبٍ، ومَدْعُوٍّ بِناءً عَلى شَيَبَ ودَعى.
﴿مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ مِنَ الذّاكِرِينَ اللَّهَ تَعالى بِالتَّسْبِيحِ والتَّقْدِيسِ. والظّاهِرُ أنَّهُ يُرِيدُ ما ذَكَرَ في قَوْلِهِ في سُورَةِ الأنْبِياءِ ﴿فَنادى في الظُّلُماتِ أنْ لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧] . وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: هو قَوْلُهُ سُبْحانَ اللَّهِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: تَسْبِيحُهُ صَلاةُ التَّطَوُّعِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، وأبُو العالِيَةِ: صَلاتُهُ في وقْتِ الرَّخاءِ تَنْفَعُهُ في وقْتِ الشِّدَّةِ. وقالَ الضَّحّاكُ بْنُ قَيْسٍ عَلى مِنبَرِهِ: اذْكُرُوا اللَّهَ في الرَّخاءِ يَذْكُرْكم في الشِّدَّةِ، إنَّ يُونُسَ كانَ عَبْدًا ذاكِرًا، فَلَمّا أصابَتْهُ الشِّدَّةُ نَفَعَهُ ذَلِكَ. قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾، ﴿لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ . وقالَ الحَسَنُ: تَسْبِيحُهُ: صَلاتُهُ في بَطْنِ الحُوتِ. ورُوِيَ أنَّهُ كانَ يَرْفَعُ لَحْمَ الحُوتِ بِيَدَيْهِ يَقُولُ: لَأبْنِيَنَّ لَكَ مَسْجِدًا حَيْثُ لَمْ يَبْنَهِ أحَدٌ قَبْلِي.
ورُوِيَ أنَّ الحُوتَ سافَرَ مَعَ السَّفِينَةِ رافِعًا رَأْسَهُ لِيَتَنَفَّسَ ويُونُسُ يُسَبِّحُ، ولَمْ يُفارِقْهم حَتّى انْتَهَوْا إلى البَرِّ، فَلَفَظَهُ سالِمًا لَمْ يَتَغَيَّرْ مِنهُ شَيْءٌ، فَأسْلَمُوا. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ البَعْثِ، وعَنْ قَتادَةَ: لَكانَ بَطْنُ الحُوتِ لَهُ قَبْرًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ. وذُكِرَ في مُدَّةِ لَبْثِهِ في بَطْنِ الحُوتِ أقْوالًا مُتَكاذِبَةً، ضَرَبْنا عَنْ ذِكْرِها صَفْحًا.
﴿وهُوَ سَقِيمٌ﴾ رُوِيَ أنَّهُ عادَ بَدَنُهُ كَبَدَنِ الصَّبِيِّ حِينَ يُولَدُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والسُّدِّيُّ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو هُرَيْرَةَ، وعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ: اليَقْطِينُ: القَرْعُ خاصَّةً، قِيلَ: وهي الَّتِي أنْبَتَها اللَّهُ عَلَيْهِ، وتَجْمَعُ خِصالًا، بَرَدُ الظِّلِّ، ونُعُومَةُ المَلْمَسِ، وعِظَمُ الوَرَقِ، والذُّبابُ لا يَقْرَبُها. قِيلَ: وماءُ ورَقِهِ إذا رُشَّ بِهِ مَكانٌ لَمْ يَقْرَبْهُ ذُبابٌ، وقالَ أُمَيَّةُ بْنُ أبِي الصَّلْتِ:
؎فَأنْبَتَ يَقْطِينًا عَلَيْهِ بِرَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لَوْلا اللَّهُ ألْفى ضِياعِيا
وفِيما رُوِيَ: إنَّكَ لَتُحِبُّ القَرْعَ، قالَ: أجَلْ، هي شَجَرَةُ أخِي يُونُسَ. وقِيلَ: هي شَجَرَةُ المَوْزِ، تَغَطّى بِوَرَقِها، واسْتَظَلَّ بِأغْصانِها، وأفْطَرَ عَلى ثِمارِها. ومَعْنى ﴿وأنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً﴾ في كَلامِ العَرَبِ: ما كانَ عَلى ساقٍ مِن عُودٍ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اللَّهُ أنْبَتَها ذاتَ ساقٍ يَسْتَظِلُّ بِها وبِوَرَقِها، خَرْقًا لِلْعادَةِ، فَنَبَتَ وصَحَّ وحَسُنَ (p-٣٧٦)وجْهُهُ؛ لِأنَّ ورَقَ القَرْعِ أنْفَعُ شَيْءٍ لِمَن يَنْسَلِخُ جِلْدُهُ.
﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ﴾ قالَ الجُمْهُورُ: رِسالَتُهُ هَذِهِ هي الأُولى الَّتِي أبِقَ بَعْدَها، ذَكَرَها آخِرَ القَصَصِ تَنْبِيهًا عَلى رِسالَتِهِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهُمْ﴾ وتَمْتِيعُ تِلْكَ الأُمَّةِ هو الَّذِي أغْضَبَ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ حَتّى أبَقَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ: هي رِسالَةٌ أُخْرى بَعْدَ أنْ نَبَذَهُ بِالعَراءِ، وهي إلى أهْلِ نِينَوى مِن ناحِيَةِ المَوْصِلِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: المُرادُ بِهِ ما سَبَقَ مِن إرْسالِهِ إلى قَوْمِهِ، وهم أهْلُ نِينَوى. وقِيلَ: هو إرْسالٌ ثانٍ بَعْدَ ما جَرى إلَيْهِ إلى الأوَّلِينَ، أوْ إلى غَيْرِهِمْ. وقِيلَ: أسْلَمُوا فَسَألُوهُ أنْ يَرْجِعَ إلَيْهِمْ فَأبى؛ لِأنَّ النَّبِيَّ إذا هاجَرَ عَنْ قَوْمِهِ لَمْ يَرْجِعْ إلَيْهِمْ مُقِيمًا فِيهِمْ، فَقالَ لَهم: إنَّ اللَّهَ باعِثٌ إلَيْكم نَبِيًّا. وقَرَأ الجُمْهُورُ (أوْ)، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ بِمَعْنى بَلْ. وقِيلَ: بِمَعْنى الواوِ وبِالواوِ، وقَرَأ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ. وقِيلَ: لِلْإبْهامِ عَلى المُخاطَبِ. وقالَ المُبَرِّدُ وكَثِيرٌ مِنَ البَصْرِيِّينَ: المَعْنى عَلى نَظَرِ البَشَرِ، وحَزْرِهِمْ أنَّ مَن وراءَهم قالَ: هم مِائَةُ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ، وهَذا القَوْلُ لَمْ يَذْكُرِ الزَّمَخْشَرِيُّ غَيْرَهُ. قالَ: أوْ يَزِيدُونَ في مَرْأى النّاظِرِ، إذا رَآها الرّائِي قالَ: هي مِائَةُ ألْفٍ أوْ أكْثَرُ. والغَرَضُ الوَصْفُ بِالكَثْرَةِ، والزِّيادَةُ ثَلاثُونَ ألْفًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ؛ أوْ سَبْعُونَ ألْفًا، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ؛ أوْ عِشْرُونَ ألْفًا، رَواهُ أُبَيٌّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وإذا صَحَّ بَطَلَ ما سِواهُ.
(فَآمَنُوا) رُوِيَ أنَّهم خَرَجُوا بِالأطْفالِ والأوْلادِ والبَهائِمِ، وفَرَّقُوا بَيْنَها وبَيْنَ الأُمَّهاتِ، وناحُوا وضَجُّوا وأخْلَصُوا، فَرَفَعَ اللَّهُ عَنْهم. والتَّمَتُّعُ هُنا هو بِالحَياةِ، والحِينُ آجالُهُمُ السّابِقَةُ في الأزَلِ، قالَهُ قَتادَةُ والسُّدِّيُّ. والضَّمِيرُ في ﴿فاسْتَفْتِهِمْ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَعْطُوفٌ عَلى مِثْلِهِ في أوَّلِ السُّورَةِ، وإنْ تَباعَدَتْ بَيْنَهُما المَسافَةُ. أمَرَ رَسُولَهُ بِاسْتِفْتاءِ قُرَيْشٍ عَنْ وجْهِ إنْكارِ البَعْثِ أوَّلًا، ثُمَّ ساقَ الكَلامَ مَوْصُولًا بَعْضَهُ بِبَعْضٍ، ثُمَّ أمَرَ بِاسْتِفْتائِهِمْ عَنْ وجْهِ القِسْمَةِ الضِّيزى. انْتَهى. ويَبْعُدُ ما قالَهُ مِنَ العَطْفِ.
وإذا كانُوا عَدُّوا الفَصْلَ بِجُمْلَةٍ مِثْلَ قَوْلِكَ: كُلْ لَحْمًا واضْرِبْ زَيْدًا وخُبْزًا، مِن أقْبَحِ التَّرْكِيبِ، فَكَيْفَ بِجُمَلٍ كَثِيرَةٍ وقِصَصٍ مُتَبايِنَةٍ ؟ فالقَوْلُ بِالعَطْفِ لا يَجُوزُ، والِاسْتِفْتاءُ هُنا سُؤالٌ عَلى جِهَةِ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ عَلى قَوْلِهِمُ البُهْتانَ عَلى اللَّهِ، حَيْثُ جَعَلُوا لِلَّهِ الإناثَ في قَوْلِهِمْ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، مَعَ كَراهَتِهِمْ لَهُنَّ، ووَأْدِهِمْ إيّاهُنَّ، واسْتِنْكافِهِمْ مَن ذَكَرَهُنَّ. وارْتَكَبُوا ثَلاثَةَ أنْواعٍ مِنَ الكُفْرِ: التَّجْسِيمُ؛ لِأنَّ الوِلادَةَ مُخْتَصَّةٌ بِالأجْسامِ، وتَفْضِيلُ أنْفُسِهِمْ، حَيْثُ نَسَبُوا أرْفَعَ الجِنْسَيْنِ لَهم وغَيْرَهُ لِلَّهِ تَعالى؛ واسْتِهانَتُهم بِمَن هو مُكَرَّمٌ عِنْدَ اللَّهِ، حَيْثُ أنَّثُوهم، وهُمُ المَلائِكَةُ.
بَدَأ أوَّلًا بِتَوْبِيخِهِمْ عَلى تَفْضِيلِ أنْفُسِهِمْ بِقَوْلِهِ ﴿ألِرَبِّكَ البَناتُ﴾، وعَدَلَ عَنْ قَوْلِهِ (ألِرَبِّكم) لِما في تَرْكِ الإضافَةِ إلَيْهِمْ مِن تَحْسِينِهِمْ وشَرَفِ نَبِيِّهِ بِالإضافَةِ إلَيْهِ. وثَنّى بِأنَّ نِسْبَةَ الأُنُوثَةِ إلى المَلائِكَةِ يَقْتَضِي المُشاهَدَةَ، فَأنْكَرَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ ﴿أمْ خَلَقْنا المَلائِكَةَ إناثًا وهم شاهِدُونَ﴾ أيْ خَلَقْناهم وهم لا يَشْهَدُونَ شَيْئًا مِن حالِهِمْ، كَما قالَ في الأُخْرى ﴿أشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾ [الزخرف: ١٩] وكَما قالَ ﴿ما أشْهَدْتُهم خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ ولا خَلْقَ أنْفُسِهِمْ﴾ [الكهف: ٥١] . ثُمَّ أخْبَرَ عَنْهم ثالِثًا بِأعْظَمِ الكُفْرِ، وهو ادِّعاؤُهم أنَّهُ تَعالى قَدْ ولَدَ، فَبَلَغَ إفْكُهم إلى نِسْبَةِ الوَلَدِ. ولَمّا كانَ هَذا فاحِشًا قالَ ﴿وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ . واحْتَمَلَ أنْ تُخَصَّ هَذِهِ الجُمْلَةُ بِقَوْلِهِمْ ولَدَ اللَّهُ، ويَكُونَ تَأْكِيدًا لِقَوْلِهِ ﴿مِن إفْكِهِمْ﴾ واحْتَمَلَ أنْ يَعُمَّ هَذا القَوْلَ. فَإنْ قُلْتَ: لِمَ قالَ (وهم شاهِدُونَ) فَخَصَّ عِلْمَهم بِالمُشاهَدَةِ ؟ قُلْتُ: ما هو إلّا اسْتِهْزاءٌ وتَجْهِيلٌ كَقَوْلِهِ ﴿أشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾ [الزخرف: ١٩] وذَلِكَ أنَّهم كَما لَمْ يَعْلَمُوا ذَلِكَ بِطَرِيقِ المُشاهَدَةِ، لَمْ يَعْلَمُوهُ بِخَلْقِ اللَّهِ عِلْمَهُ في قُلُوبِهِمْ ولا بِإخْبارٍ صادِقٍ، لا بِطْرِيقِ اسْتِدْلالٍ ولا نَظَرٍ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّهم يَقُولُونَ ذَلِكَ، كالقائِلِ قَوْلًا عَنْ ثَلَجِ صَدْرٍ وطُمَأْنِينَةِ نَفْسٍ لِإفْراطِ جَهْلِهِمْ، كَأنَّهم قَدْ شاهَدُوا خَلْقَهُ. وقُرِأ (ولَدُ اللَّهِ) أيِ المَلائِكَةُ ولَدُهُ، والوَلَدُ فَعَلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ يَقَعُ عَلى الواحِدِ والجَمْعِ والمُذَكِّرِ والمُؤَنَّثِ. تَقُولُ: هَذِهِ ولَدِي، وهَؤُلاءِ ولَدِي. انْتَهى.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: (p-٣٧٧)(أصْطَفى) بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، عَلى طَرِيقَةِ الإنْكارِ والِاسْتِبْعادِ. وقَرَأ نافِعٌ في رِوايَةِ إسْماعِيلَ، وابْنُ جَمّازٍ وجَماعَةٌ، وإسْماعِيلُ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ: بِوَصْلِ الألِفِ، وهو مِن كَلامِ الكُفّارِ. حَكى اللَّهُ تَعالى شَنِيعَ قَوْلِهِمْ، وهو أنَّهم ما كَفاهم أنْ قالُوا ولَدَ اللَّهُ، حَتّى جَعَلُوا ذَلِكَ الوَلَدَ بَناتِ اللَّهِ، واللَّهُ تَعالى اخْتارَهم عَلى البَنِينَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بَدَلًا عَنْ قَوْلِهِمْ ولَدَ اللَّهُ، وقَدْ قَرَأ بِها حَمْزَةُ والأعْمَشُ، وهَذِهِ القِراءَةُ، وإنْ كانَ هَذا مَحْمَلَها، فَهي ضَعِيفَةٌ؛ والَّذِي أضْعَفَها أنَّ الإنْكارَ قَدِ اكْتَنَفَ هَذِهِ الجُمْلَةَ مِن جانِبَيْها، وذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾، ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ . فَمَن جَعَلَها لِلْإثْباتِ فَقَدْ أوْقَعَها دَخِيلَةً بَيْنَ سَبَبَيْنِ، ولَيْسَتْ دَخِيلَةً بَيْنَ نَسِيبَيْنِ، بَلْ لَها مُناسَبَةٌ ظاهِرَةٌ مَعَ قَوْلِهِمْ ولَدَ اللَّهُ. وأمّا قَوْلُهُ ﴿وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ فَهي جُمْلَةُ اعْتِراضٍ بَيْنَ مَقالَتَيِّ الكُفْرِ، جاءَتْ لِلتَّشْدِيدِ والتَّأْكِيدِ في كَوْنِ مَقالَتِهِمْ تِلْكَ هي مِن إفْكِهِمْ.
﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ تَقْرِيعٌ وتَوْبِيخٌ واسْتِفْهامٌ عَنِ البُرْهانِ والحُجَّةِ. وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: تَذْكُرُونَ، بِسُكُونِ الذّالِ وضَمِّ الكافِ.
﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ﴾ أيْ حُجَّةٌ نَزَلَتْ عَلَيْكم مِنَ السَّماءِ، وخَبَرٌ بِأنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ.
﴿فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ﴾ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْكم بِذَلِكَ، كَقَوْلِهِ ﴿أمْ أنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطانًا فَهو يَتَكَلَّمُ بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾ [الروم: ٣٥] .
الصافات 37:151
﴿وإنَّ يُونُسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ أبَقَ إلى الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ ﴿فَساهَمَ فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ﴾ ﴿فالتَقَمَهُ الحُوتُ وهو مُلِيمٌ﴾ ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ ﴿لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ﴿فَنَبَذْناهُ بِالعَراءِ وهو سَقِيمٌ﴾ ﴿وأنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِن يَقْطِينٍ﴾ ﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ﴾ ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾ ﴿فاسْتَفْتِهِمْ ألِرَبِّكَ البَناتُ ولَهُمُ البَنُونَ﴾ ﴿أمْ خَلَقْنا المَلائِكَةَ إناثًا وهم شاهِدُونَ﴾ ﴿ألا إنَّهم مِن إفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ﴾ ﴿ولَدَ اللَّهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ ﴿أاصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ﴾ ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾ ﴿فَأْتُوا بِكِتابِكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (p-٣٧٥)
يُونُسُ بْنُ مَتّى مِن بَنِي إسْرائِيلَ. ورُوِيَ أنَّهُ نُبِّأ وهو ابْنُ ثَمانٍ وعِشْرِينَ سَنَةً، بَعَثَهُ اللَّهُ إلى قَوْمِهِ، فَدَعاهم لِلْإيمانِ فَخالَفُوهُ، فَوَعَدَهم بِالعَذابِ، فَأعْلَمَهُمُ اللَّهُ بِيَوْمِهِ، فَحَدَّدَهُ يُونُسُ لَهم. ثُمَّ إنَّ قَوْمَهُ لَمّا رَأوْا مَخايِلَ العَذابِ قَبْلَ أنْ يُباشِرَهم تابُوا وآمَنُوا، فَتابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وصَرَفَ العَذابَ عَنْهم. وتَقَدَّمَ شَرْحُ قِصَّتِهِ، وأعَدْنا طَرَفًا مِنها لِيُفِيدَ ما بَيْنَ الذِّكْرَيْنِ. قِيلَ: ولَحِقَ يُونُسَ غَضَبٌ، فَأبِقَ إلى رُكُوبِ السَّفِينَةِ فِرارًا مِن قَوْمِهِ، وعَبَّرَ عَنِ الهُرُوبِ بِالإباقِ، إذْ هو عَبْدُ اللَّهِ، خَرَجَ فارًّا مِن غَيْرِ إذْنٍ مِنَ اللَّهِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ لَمّا أبْعَدَتِ السَّفِينَةُ في البَحْرِ، ويُونُسُ فِيها، رَكَدَتْ. فَقالَ أهْلُها: إنَّ فِيها لَمَن يَحْبِسُ اللَّهُ السَّفِينَةَ بِسَبَبِهِ، فَلْنَقْتَرِعْ. فَأخَذُوا لِكُلٍّ سَهْمًا، عَلى أنَّ مَن طَفا سَهْمُهُ فَهو، ومَن غَرِقَ سَهْمُهُ فَلَيْسَ إيّاهُ، فَطَفا سَهْمُ يُونُسَ. فَعَلُوا ذَلِكَ ثَلاثًا، تَقَعُ القَرْعَةُ عَلَيْهِ، فَأجْمَعُوا عَلى أنْ يَطْرَحُوهُ. فَجاءَ إلى رُكْنٍ مِنها لِيَقَعَ مِنها، فَإذا بِدابَّةٍ مِن دَوابِّ البَحْرِ تَرْقُبُهُ وتَرْصُدُ لَهُ. فانْتَقَلَ إلى الرُّكْنِ الآخَرِ، فَوَجَدَها حَتّى اسْتَدارَ بِالمَرْكَبِ وهي لا تُفارِقُهُ، فَعَلِمَ أنَّ ذَلِكَ مِن عِنْدِ اللَّهِ، فَتَرامى إلَيْها فالتَقَمَتْهُ. فَفي قِصَّةِ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ هُنا جُمَلٌ مَحْذُوفَةٌ مُقَدَّرَةٌ قَبْلَ ذِكْرِ فِرارِهِ إلى الفُلْكِ، كَما في قِصَّتِهِ في سُورَةِ الأنْبِياءِ في قَوْلِهِ ﴿إذْ ذَهَبَ مُغاضِبًا﴾ [الأنبياء: ٨٧] هو ما بَعْدَ هَذا، وقَوْلِهِ ﴿فَنادى في الظُّلُماتِ﴾ [الأنبياء: ٨٧] جُمَلٌ مَحْذُوفَةٌ أيْضًا. وبِمَجْمُوعِ القَصَصِ يَتَبَيَّنُ ما حُذِفَ في كُلِّ قِصَّةٍ مِنها.
﴿فَساهَمَ فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ﴾ مِنَ المَغْلُوبِينَ، وحَقِيقَتُهُ مِنَ المُزْلَقِينَ عَنْ مَقامِ الظَّفَرِ في الأسْهامِ. وقُرِئَ ﴿وهُوَ مُلِيمٌ﴾ بِفَتْحِ المِيمِ، وقِياسُهُ مَلُومٌ؛ لِأنَّهُ مِن لُمْتُهُ ألُومُهُ لَوْمًا، فَهو مِن ذَواتِ الواوِ، ولَكِنَّهُ جِيءَ بِهِ عَلى ألِيمٍ، كَما قالُوا: مَشِيبٌ ومَدْعِيٍّ في مَشُوبٍ، ومَدْعُوٍّ بِناءً عَلى شَيَبَ ودَعى.
﴿مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ مِنَ الذّاكِرِينَ اللَّهَ تَعالى بِالتَّسْبِيحِ والتَّقْدِيسِ. والظّاهِرُ أنَّهُ يُرِيدُ ما ذَكَرَ في قَوْلِهِ في سُورَةِ الأنْبِياءِ ﴿فَنادى في الظُّلُماتِ أنْ لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧] . وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: هو قَوْلُهُ سُبْحانَ اللَّهِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: تَسْبِيحُهُ صَلاةُ التَّطَوُّعِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، وأبُو العالِيَةِ: صَلاتُهُ في وقْتِ الرَّخاءِ تَنْفَعُهُ في وقْتِ الشِّدَّةِ. وقالَ الضَّحّاكُ بْنُ قَيْسٍ عَلى مِنبَرِهِ: اذْكُرُوا اللَّهَ في الرَّخاءِ يَذْكُرْكم في الشِّدَّةِ، إنَّ يُونُسَ كانَ عَبْدًا ذاكِرًا، فَلَمّا أصابَتْهُ الشِّدَّةُ نَفَعَهُ ذَلِكَ. قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾، ﴿لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ . وقالَ الحَسَنُ: تَسْبِيحُهُ: صَلاتُهُ في بَطْنِ الحُوتِ. ورُوِيَ أنَّهُ كانَ يَرْفَعُ لَحْمَ الحُوتِ بِيَدَيْهِ يَقُولُ: لَأبْنِيَنَّ لَكَ مَسْجِدًا حَيْثُ لَمْ يَبْنَهِ أحَدٌ قَبْلِي.
ورُوِيَ أنَّ الحُوتَ سافَرَ مَعَ السَّفِينَةِ رافِعًا رَأْسَهُ لِيَتَنَفَّسَ ويُونُسُ يُسَبِّحُ، ولَمْ يُفارِقْهم حَتّى انْتَهَوْا إلى البَرِّ، فَلَفَظَهُ سالِمًا لَمْ يَتَغَيَّرْ مِنهُ شَيْءٌ، فَأسْلَمُوا. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ البَعْثِ، وعَنْ قَتادَةَ: لَكانَ بَطْنُ الحُوتِ لَهُ قَبْرًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ. وذُكِرَ في مُدَّةِ لَبْثِهِ في بَطْنِ الحُوتِ أقْوالًا مُتَكاذِبَةً، ضَرَبْنا عَنْ ذِكْرِها صَفْحًا.
﴿وهُوَ سَقِيمٌ﴾ رُوِيَ أنَّهُ عادَ بَدَنُهُ كَبَدَنِ الصَّبِيِّ حِينَ يُولَدُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والسُّدِّيُّ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو هُرَيْرَةَ، وعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ: اليَقْطِينُ: القَرْعُ خاصَّةً، قِيلَ: وهي الَّتِي أنْبَتَها اللَّهُ عَلَيْهِ، وتَجْمَعُ خِصالًا، بَرَدُ الظِّلِّ، ونُعُومَةُ المَلْمَسِ، وعِظَمُ الوَرَقِ، والذُّبابُ لا يَقْرَبُها. قِيلَ: وماءُ ورَقِهِ إذا رُشَّ بِهِ مَكانٌ لَمْ يَقْرَبْهُ ذُبابٌ، وقالَ أُمَيَّةُ بْنُ أبِي الصَّلْتِ:
؎فَأنْبَتَ يَقْطِينًا عَلَيْهِ بِرَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لَوْلا اللَّهُ ألْفى ضِياعِيا
وفِيما رُوِيَ: إنَّكَ لَتُحِبُّ القَرْعَ، قالَ: أجَلْ، هي شَجَرَةُ أخِي يُونُسَ. وقِيلَ: هي شَجَرَةُ المَوْزِ، تَغَطّى بِوَرَقِها، واسْتَظَلَّ بِأغْصانِها، وأفْطَرَ عَلى ثِمارِها. ومَعْنى ﴿وأنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً﴾ في كَلامِ العَرَبِ: ما كانَ عَلى ساقٍ مِن عُودٍ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اللَّهُ أنْبَتَها ذاتَ ساقٍ يَسْتَظِلُّ بِها وبِوَرَقِها، خَرْقًا لِلْعادَةِ، فَنَبَتَ وصَحَّ وحَسُنَ (p-٣٧٦)وجْهُهُ؛ لِأنَّ ورَقَ القَرْعِ أنْفَعُ شَيْءٍ لِمَن يَنْسَلِخُ جِلْدُهُ.
﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ﴾ قالَ الجُمْهُورُ: رِسالَتُهُ هَذِهِ هي الأُولى الَّتِي أبِقَ بَعْدَها، ذَكَرَها آخِرَ القَصَصِ تَنْبِيهًا عَلى رِسالَتِهِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهُمْ﴾ وتَمْتِيعُ تِلْكَ الأُمَّةِ هو الَّذِي أغْضَبَ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ حَتّى أبَقَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ: هي رِسالَةٌ أُخْرى بَعْدَ أنْ نَبَذَهُ بِالعَراءِ، وهي إلى أهْلِ نِينَوى مِن ناحِيَةِ المَوْصِلِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: المُرادُ بِهِ ما سَبَقَ مِن إرْسالِهِ إلى قَوْمِهِ، وهم أهْلُ نِينَوى. وقِيلَ: هو إرْسالٌ ثانٍ بَعْدَ ما جَرى إلَيْهِ إلى الأوَّلِينَ، أوْ إلى غَيْرِهِمْ. وقِيلَ: أسْلَمُوا فَسَألُوهُ أنْ يَرْجِعَ إلَيْهِمْ فَأبى؛ لِأنَّ النَّبِيَّ إذا هاجَرَ عَنْ قَوْمِهِ لَمْ يَرْجِعْ إلَيْهِمْ مُقِيمًا فِيهِمْ، فَقالَ لَهم: إنَّ اللَّهَ باعِثٌ إلَيْكم نَبِيًّا. وقَرَأ الجُمْهُورُ (أوْ)، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ بِمَعْنى بَلْ. وقِيلَ: بِمَعْنى الواوِ وبِالواوِ، وقَرَأ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ. وقِيلَ: لِلْإبْهامِ عَلى المُخاطَبِ. وقالَ المُبَرِّدُ وكَثِيرٌ مِنَ البَصْرِيِّينَ: المَعْنى عَلى نَظَرِ البَشَرِ، وحَزْرِهِمْ أنَّ مَن وراءَهم قالَ: هم مِائَةُ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ، وهَذا القَوْلُ لَمْ يَذْكُرِ الزَّمَخْشَرِيُّ غَيْرَهُ. قالَ: أوْ يَزِيدُونَ في مَرْأى النّاظِرِ، إذا رَآها الرّائِي قالَ: هي مِائَةُ ألْفٍ أوْ أكْثَرُ. والغَرَضُ الوَصْفُ بِالكَثْرَةِ، والزِّيادَةُ ثَلاثُونَ ألْفًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ؛ أوْ سَبْعُونَ ألْفًا، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ؛ أوْ عِشْرُونَ ألْفًا، رَواهُ أُبَيٌّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وإذا صَحَّ بَطَلَ ما سِواهُ.
(فَآمَنُوا) رُوِيَ أنَّهم خَرَجُوا بِالأطْفالِ والأوْلادِ والبَهائِمِ، وفَرَّقُوا بَيْنَها وبَيْنَ الأُمَّهاتِ، وناحُوا وضَجُّوا وأخْلَصُوا، فَرَفَعَ اللَّهُ عَنْهم. والتَّمَتُّعُ هُنا هو بِالحَياةِ، والحِينُ آجالُهُمُ السّابِقَةُ في الأزَلِ، قالَهُ قَتادَةُ والسُّدِّيُّ. والضَّمِيرُ في ﴿فاسْتَفْتِهِمْ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَعْطُوفٌ عَلى مِثْلِهِ في أوَّلِ السُّورَةِ، وإنْ تَباعَدَتْ بَيْنَهُما المَسافَةُ. أمَرَ رَسُولَهُ بِاسْتِفْتاءِ قُرَيْشٍ عَنْ وجْهِ إنْكارِ البَعْثِ أوَّلًا، ثُمَّ ساقَ الكَلامَ مَوْصُولًا بَعْضَهُ بِبَعْضٍ، ثُمَّ أمَرَ بِاسْتِفْتائِهِمْ عَنْ وجْهِ القِسْمَةِ الضِّيزى. انْتَهى. ويَبْعُدُ ما قالَهُ مِنَ العَطْفِ.
وإذا كانُوا عَدُّوا الفَصْلَ بِجُمْلَةٍ مِثْلَ قَوْلِكَ: كُلْ لَحْمًا واضْرِبْ زَيْدًا وخُبْزًا، مِن أقْبَحِ التَّرْكِيبِ، فَكَيْفَ بِجُمَلٍ كَثِيرَةٍ وقِصَصٍ مُتَبايِنَةٍ ؟ فالقَوْلُ بِالعَطْفِ لا يَجُوزُ، والِاسْتِفْتاءُ هُنا سُؤالٌ عَلى جِهَةِ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ عَلى قَوْلِهِمُ البُهْتانَ عَلى اللَّهِ، حَيْثُ جَعَلُوا لِلَّهِ الإناثَ في قَوْلِهِمْ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، مَعَ كَراهَتِهِمْ لَهُنَّ، ووَأْدِهِمْ إيّاهُنَّ، واسْتِنْكافِهِمْ مَن ذَكَرَهُنَّ. وارْتَكَبُوا ثَلاثَةَ أنْواعٍ مِنَ الكُفْرِ: التَّجْسِيمُ؛ لِأنَّ الوِلادَةَ مُخْتَصَّةٌ بِالأجْسامِ، وتَفْضِيلُ أنْفُسِهِمْ، حَيْثُ نَسَبُوا أرْفَعَ الجِنْسَيْنِ لَهم وغَيْرَهُ لِلَّهِ تَعالى؛ واسْتِهانَتُهم بِمَن هو مُكَرَّمٌ عِنْدَ اللَّهِ، حَيْثُ أنَّثُوهم، وهُمُ المَلائِكَةُ.
بَدَأ أوَّلًا بِتَوْبِيخِهِمْ عَلى تَفْضِيلِ أنْفُسِهِمْ بِقَوْلِهِ ﴿ألِرَبِّكَ البَناتُ﴾، وعَدَلَ عَنْ قَوْلِهِ (ألِرَبِّكم) لِما في تَرْكِ الإضافَةِ إلَيْهِمْ مِن تَحْسِينِهِمْ وشَرَفِ نَبِيِّهِ بِالإضافَةِ إلَيْهِ. وثَنّى بِأنَّ نِسْبَةَ الأُنُوثَةِ إلى المَلائِكَةِ يَقْتَضِي المُشاهَدَةَ، فَأنْكَرَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ ﴿أمْ خَلَقْنا المَلائِكَةَ إناثًا وهم شاهِدُونَ﴾ أيْ خَلَقْناهم وهم لا يَشْهَدُونَ شَيْئًا مِن حالِهِمْ، كَما قالَ في الأُخْرى ﴿أشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾ [الزخرف: ١٩] وكَما قالَ ﴿ما أشْهَدْتُهم خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ ولا خَلْقَ أنْفُسِهِمْ﴾ [الكهف: ٥١] . ثُمَّ أخْبَرَ عَنْهم ثالِثًا بِأعْظَمِ الكُفْرِ، وهو ادِّعاؤُهم أنَّهُ تَعالى قَدْ ولَدَ، فَبَلَغَ إفْكُهم إلى نِسْبَةِ الوَلَدِ. ولَمّا كانَ هَذا فاحِشًا قالَ ﴿وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ . واحْتَمَلَ أنْ تُخَصَّ هَذِهِ الجُمْلَةُ بِقَوْلِهِمْ ولَدَ اللَّهُ، ويَكُونَ تَأْكِيدًا لِقَوْلِهِ ﴿مِن إفْكِهِمْ﴾ واحْتَمَلَ أنْ يَعُمَّ هَذا القَوْلَ. فَإنْ قُلْتَ: لِمَ قالَ (وهم شاهِدُونَ) فَخَصَّ عِلْمَهم بِالمُشاهَدَةِ ؟ قُلْتُ: ما هو إلّا اسْتِهْزاءٌ وتَجْهِيلٌ كَقَوْلِهِ ﴿أشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾ [الزخرف: ١٩] وذَلِكَ أنَّهم كَما لَمْ يَعْلَمُوا ذَلِكَ بِطَرِيقِ المُشاهَدَةِ، لَمْ يَعْلَمُوهُ بِخَلْقِ اللَّهِ عِلْمَهُ في قُلُوبِهِمْ ولا بِإخْبارٍ صادِقٍ، لا بِطْرِيقِ اسْتِدْلالٍ ولا نَظَرٍ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّهم يَقُولُونَ ذَلِكَ، كالقائِلِ قَوْلًا عَنْ ثَلَجِ صَدْرٍ وطُمَأْنِينَةِ نَفْسٍ لِإفْراطِ جَهْلِهِمْ، كَأنَّهم قَدْ شاهَدُوا خَلْقَهُ. وقُرِأ (ولَدُ اللَّهِ) أيِ المَلائِكَةُ ولَدُهُ، والوَلَدُ فَعَلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ يَقَعُ عَلى الواحِدِ والجَمْعِ والمُذَكِّرِ والمُؤَنَّثِ. تَقُولُ: هَذِهِ ولَدِي، وهَؤُلاءِ ولَدِي. انْتَهى.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: (p-٣٧٧)(أصْطَفى) بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، عَلى طَرِيقَةِ الإنْكارِ والِاسْتِبْعادِ. وقَرَأ نافِعٌ في رِوايَةِ إسْماعِيلَ، وابْنُ جَمّازٍ وجَماعَةٌ، وإسْماعِيلُ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ: بِوَصْلِ الألِفِ، وهو مِن كَلامِ الكُفّارِ. حَكى اللَّهُ تَعالى شَنِيعَ قَوْلِهِمْ، وهو أنَّهم ما كَفاهم أنْ قالُوا ولَدَ اللَّهُ، حَتّى جَعَلُوا ذَلِكَ الوَلَدَ بَناتِ اللَّهِ، واللَّهُ تَعالى اخْتارَهم عَلى البَنِينَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بَدَلًا عَنْ قَوْلِهِمْ ولَدَ اللَّهُ، وقَدْ قَرَأ بِها حَمْزَةُ والأعْمَشُ، وهَذِهِ القِراءَةُ، وإنْ كانَ هَذا مَحْمَلَها، فَهي ضَعِيفَةٌ؛ والَّذِي أضْعَفَها أنَّ الإنْكارَ قَدِ اكْتَنَفَ هَذِهِ الجُمْلَةَ مِن جانِبَيْها، وذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾، ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ . فَمَن جَعَلَها لِلْإثْباتِ فَقَدْ أوْقَعَها دَخِيلَةً بَيْنَ سَبَبَيْنِ، ولَيْسَتْ دَخِيلَةً بَيْنَ نَسِيبَيْنِ، بَلْ لَها مُناسَبَةٌ ظاهِرَةٌ مَعَ قَوْلِهِمْ ولَدَ اللَّهُ. وأمّا قَوْلُهُ ﴿وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ فَهي جُمْلَةُ اعْتِراضٍ بَيْنَ مَقالَتَيِّ الكُفْرِ، جاءَتْ لِلتَّشْدِيدِ والتَّأْكِيدِ في كَوْنِ مَقالَتِهِمْ تِلْكَ هي مِن إفْكِهِمْ.
﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ تَقْرِيعٌ وتَوْبِيخٌ واسْتِفْهامٌ عَنِ البُرْهانِ والحُجَّةِ. وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: تَذْكُرُونَ، بِسُكُونِ الذّالِ وضَمِّ الكافِ.
﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ﴾ أيْ حُجَّةٌ نَزَلَتْ عَلَيْكم مِنَ السَّماءِ، وخَبَرٌ بِأنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ.
﴿فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ﴾ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْكم بِذَلِكَ، كَقَوْلِهِ ﴿أمْ أنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطانًا فَهو يَتَكَلَّمُ بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾ [الروم: ٣٥] .
الصافات 37:152
﴿وإنَّ يُونُسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ أبَقَ إلى الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ ﴿فَساهَمَ فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ﴾ ﴿فالتَقَمَهُ الحُوتُ وهو مُلِيمٌ﴾ ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ ﴿لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ﴿فَنَبَذْناهُ بِالعَراءِ وهو سَقِيمٌ﴾ ﴿وأنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِن يَقْطِينٍ﴾ ﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ﴾ ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾ ﴿فاسْتَفْتِهِمْ ألِرَبِّكَ البَناتُ ولَهُمُ البَنُونَ﴾ ﴿أمْ خَلَقْنا المَلائِكَةَ إناثًا وهم شاهِدُونَ﴾ ﴿ألا إنَّهم مِن إفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ﴾ ﴿ولَدَ اللَّهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ ﴿أاصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ﴾ ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾ ﴿فَأْتُوا بِكِتابِكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (p-٣٧٥)
يُونُسُ بْنُ مَتّى مِن بَنِي إسْرائِيلَ. ورُوِيَ أنَّهُ نُبِّأ وهو ابْنُ ثَمانٍ وعِشْرِينَ سَنَةً، بَعَثَهُ اللَّهُ إلى قَوْمِهِ، فَدَعاهم لِلْإيمانِ فَخالَفُوهُ، فَوَعَدَهم بِالعَذابِ، فَأعْلَمَهُمُ اللَّهُ بِيَوْمِهِ، فَحَدَّدَهُ يُونُسُ لَهم. ثُمَّ إنَّ قَوْمَهُ لَمّا رَأوْا مَخايِلَ العَذابِ قَبْلَ أنْ يُباشِرَهم تابُوا وآمَنُوا، فَتابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وصَرَفَ العَذابَ عَنْهم. وتَقَدَّمَ شَرْحُ قِصَّتِهِ، وأعَدْنا طَرَفًا مِنها لِيُفِيدَ ما بَيْنَ الذِّكْرَيْنِ. قِيلَ: ولَحِقَ يُونُسَ غَضَبٌ، فَأبِقَ إلى رُكُوبِ السَّفِينَةِ فِرارًا مِن قَوْمِهِ، وعَبَّرَ عَنِ الهُرُوبِ بِالإباقِ، إذْ هو عَبْدُ اللَّهِ، خَرَجَ فارًّا مِن غَيْرِ إذْنٍ مِنَ اللَّهِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ لَمّا أبْعَدَتِ السَّفِينَةُ في البَحْرِ، ويُونُسُ فِيها، رَكَدَتْ. فَقالَ أهْلُها: إنَّ فِيها لَمَن يَحْبِسُ اللَّهُ السَّفِينَةَ بِسَبَبِهِ، فَلْنَقْتَرِعْ. فَأخَذُوا لِكُلٍّ سَهْمًا، عَلى أنَّ مَن طَفا سَهْمُهُ فَهو، ومَن غَرِقَ سَهْمُهُ فَلَيْسَ إيّاهُ، فَطَفا سَهْمُ يُونُسَ. فَعَلُوا ذَلِكَ ثَلاثًا، تَقَعُ القَرْعَةُ عَلَيْهِ، فَأجْمَعُوا عَلى أنْ يَطْرَحُوهُ. فَجاءَ إلى رُكْنٍ مِنها لِيَقَعَ مِنها، فَإذا بِدابَّةٍ مِن دَوابِّ البَحْرِ تَرْقُبُهُ وتَرْصُدُ لَهُ. فانْتَقَلَ إلى الرُّكْنِ الآخَرِ، فَوَجَدَها حَتّى اسْتَدارَ بِالمَرْكَبِ وهي لا تُفارِقُهُ، فَعَلِمَ أنَّ ذَلِكَ مِن عِنْدِ اللَّهِ، فَتَرامى إلَيْها فالتَقَمَتْهُ. فَفي قِصَّةِ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ هُنا جُمَلٌ مَحْذُوفَةٌ مُقَدَّرَةٌ قَبْلَ ذِكْرِ فِرارِهِ إلى الفُلْكِ، كَما في قِصَّتِهِ في سُورَةِ الأنْبِياءِ في قَوْلِهِ ﴿إذْ ذَهَبَ مُغاضِبًا﴾ [الأنبياء: ٨٧] هو ما بَعْدَ هَذا، وقَوْلِهِ ﴿فَنادى في الظُّلُماتِ﴾ [الأنبياء: ٨٧] جُمَلٌ مَحْذُوفَةٌ أيْضًا. وبِمَجْمُوعِ القَصَصِ يَتَبَيَّنُ ما حُذِفَ في كُلِّ قِصَّةٍ مِنها.
﴿فَساهَمَ فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ﴾ مِنَ المَغْلُوبِينَ، وحَقِيقَتُهُ مِنَ المُزْلَقِينَ عَنْ مَقامِ الظَّفَرِ في الأسْهامِ. وقُرِئَ ﴿وهُوَ مُلِيمٌ﴾ بِفَتْحِ المِيمِ، وقِياسُهُ مَلُومٌ؛ لِأنَّهُ مِن لُمْتُهُ ألُومُهُ لَوْمًا، فَهو مِن ذَواتِ الواوِ، ولَكِنَّهُ جِيءَ بِهِ عَلى ألِيمٍ، كَما قالُوا: مَشِيبٌ ومَدْعِيٍّ في مَشُوبٍ، ومَدْعُوٍّ بِناءً عَلى شَيَبَ ودَعى.
﴿مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ مِنَ الذّاكِرِينَ اللَّهَ تَعالى بِالتَّسْبِيحِ والتَّقْدِيسِ. والظّاهِرُ أنَّهُ يُرِيدُ ما ذَكَرَ في قَوْلِهِ في سُورَةِ الأنْبِياءِ ﴿فَنادى في الظُّلُماتِ أنْ لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧] . وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: هو قَوْلُهُ سُبْحانَ اللَّهِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: تَسْبِيحُهُ صَلاةُ التَّطَوُّعِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، وأبُو العالِيَةِ: صَلاتُهُ في وقْتِ الرَّخاءِ تَنْفَعُهُ في وقْتِ الشِّدَّةِ. وقالَ الضَّحّاكُ بْنُ قَيْسٍ عَلى مِنبَرِهِ: اذْكُرُوا اللَّهَ في الرَّخاءِ يَذْكُرْكم في الشِّدَّةِ، إنَّ يُونُسَ كانَ عَبْدًا ذاكِرًا، فَلَمّا أصابَتْهُ الشِّدَّةُ نَفَعَهُ ذَلِكَ. قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾، ﴿لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ . وقالَ الحَسَنُ: تَسْبِيحُهُ: صَلاتُهُ في بَطْنِ الحُوتِ. ورُوِيَ أنَّهُ كانَ يَرْفَعُ لَحْمَ الحُوتِ بِيَدَيْهِ يَقُولُ: لَأبْنِيَنَّ لَكَ مَسْجِدًا حَيْثُ لَمْ يَبْنَهِ أحَدٌ قَبْلِي.
ورُوِيَ أنَّ الحُوتَ سافَرَ مَعَ السَّفِينَةِ رافِعًا رَأْسَهُ لِيَتَنَفَّسَ ويُونُسُ يُسَبِّحُ، ولَمْ يُفارِقْهم حَتّى انْتَهَوْا إلى البَرِّ، فَلَفَظَهُ سالِمًا لَمْ يَتَغَيَّرْ مِنهُ شَيْءٌ، فَأسْلَمُوا. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ البَعْثِ، وعَنْ قَتادَةَ: لَكانَ بَطْنُ الحُوتِ لَهُ قَبْرًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ. وذُكِرَ في مُدَّةِ لَبْثِهِ في بَطْنِ الحُوتِ أقْوالًا مُتَكاذِبَةً، ضَرَبْنا عَنْ ذِكْرِها صَفْحًا.
﴿وهُوَ سَقِيمٌ﴾ رُوِيَ أنَّهُ عادَ بَدَنُهُ كَبَدَنِ الصَّبِيِّ حِينَ يُولَدُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والسُّدِّيُّ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو هُرَيْرَةَ، وعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ: اليَقْطِينُ: القَرْعُ خاصَّةً، قِيلَ: وهي الَّتِي أنْبَتَها اللَّهُ عَلَيْهِ، وتَجْمَعُ خِصالًا، بَرَدُ الظِّلِّ، ونُعُومَةُ المَلْمَسِ، وعِظَمُ الوَرَقِ، والذُّبابُ لا يَقْرَبُها. قِيلَ: وماءُ ورَقِهِ إذا رُشَّ بِهِ مَكانٌ لَمْ يَقْرَبْهُ ذُبابٌ، وقالَ أُمَيَّةُ بْنُ أبِي الصَّلْتِ:
؎فَأنْبَتَ يَقْطِينًا عَلَيْهِ بِرَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لَوْلا اللَّهُ ألْفى ضِياعِيا
وفِيما رُوِيَ: إنَّكَ لَتُحِبُّ القَرْعَ، قالَ: أجَلْ، هي شَجَرَةُ أخِي يُونُسَ. وقِيلَ: هي شَجَرَةُ المَوْزِ، تَغَطّى بِوَرَقِها، واسْتَظَلَّ بِأغْصانِها، وأفْطَرَ عَلى ثِمارِها. ومَعْنى ﴿وأنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً﴾ في كَلامِ العَرَبِ: ما كانَ عَلى ساقٍ مِن عُودٍ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اللَّهُ أنْبَتَها ذاتَ ساقٍ يَسْتَظِلُّ بِها وبِوَرَقِها، خَرْقًا لِلْعادَةِ، فَنَبَتَ وصَحَّ وحَسُنَ (p-٣٧٦)وجْهُهُ؛ لِأنَّ ورَقَ القَرْعِ أنْفَعُ شَيْءٍ لِمَن يَنْسَلِخُ جِلْدُهُ.
﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ﴾ قالَ الجُمْهُورُ: رِسالَتُهُ هَذِهِ هي الأُولى الَّتِي أبِقَ بَعْدَها، ذَكَرَها آخِرَ القَصَصِ تَنْبِيهًا عَلى رِسالَتِهِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهُمْ﴾ وتَمْتِيعُ تِلْكَ الأُمَّةِ هو الَّذِي أغْضَبَ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ حَتّى أبَقَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ: هي رِسالَةٌ أُخْرى بَعْدَ أنْ نَبَذَهُ بِالعَراءِ، وهي إلى أهْلِ نِينَوى مِن ناحِيَةِ المَوْصِلِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: المُرادُ بِهِ ما سَبَقَ مِن إرْسالِهِ إلى قَوْمِهِ، وهم أهْلُ نِينَوى. وقِيلَ: هو إرْسالٌ ثانٍ بَعْدَ ما جَرى إلَيْهِ إلى الأوَّلِينَ، أوْ إلى غَيْرِهِمْ. وقِيلَ: أسْلَمُوا فَسَألُوهُ أنْ يَرْجِعَ إلَيْهِمْ فَأبى؛ لِأنَّ النَّبِيَّ إذا هاجَرَ عَنْ قَوْمِهِ لَمْ يَرْجِعْ إلَيْهِمْ مُقِيمًا فِيهِمْ، فَقالَ لَهم: إنَّ اللَّهَ باعِثٌ إلَيْكم نَبِيًّا. وقَرَأ الجُمْهُورُ (أوْ)، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ بِمَعْنى بَلْ. وقِيلَ: بِمَعْنى الواوِ وبِالواوِ، وقَرَأ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ. وقِيلَ: لِلْإبْهامِ عَلى المُخاطَبِ. وقالَ المُبَرِّدُ وكَثِيرٌ مِنَ البَصْرِيِّينَ: المَعْنى عَلى نَظَرِ البَشَرِ، وحَزْرِهِمْ أنَّ مَن وراءَهم قالَ: هم مِائَةُ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ، وهَذا القَوْلُ لَمْ يَذْكُرِ الزَّمَخْشَرِيُّ غَيْرَهُ. قالَ: أوْ يَزِيدُونَ في مَرْأى النّاظِرِ، إذا رَآها الرّائِي قالَ: هي مِائَةُ ألْفٍ أوْ أكْثَرُ. والغَرَضُ الوَصْفُ بِالكَثْرَةِ، والزِّيادَةُ ثَلاثُونَ ألْفًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ؛ أوْ سَبْعُونَ ألْفًا، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ؛ أوْ عِشْرُونَ ألْفًا، رَواهُ أُبَيٌّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وإذا صَحَّ بَطَلَ ما سِواهُ.
(فَآمَنُوا) رُوِيَ أنَّهم خَرَجُوا بِالأطْفالِ والأوْلادِ والبَهائِمِ، وفَرَّقُوا بَيْنَها وبَيْنَ الأُمَّهاتِ، وناحُوا وضَجُّوا وأخْلَصُوا، فَرَفَعَ اللَّهُ عَنْهم. والتَّمَتُّعُ هُنا هو بِالحَياةِ، والحِينُ آجالُهُمُ السّابِقَةُ في الأزَلِ، قالَهُ قَتادَةُ والسُّدِّيُّ. والضَّمِيرُ في ﴿فاسْتَفْتِهِمْ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَعْطُوفٌ عَلى مِثْلِهِ في أوَّلِ السُّورَةِ، وإنْ تَباعَدَتْ بَيْنَهُما المَسافَةُ. أمَرَ رَسُولَهُ بِاسْتِفْتاءِ قُرَيْشٍ عَنْ وجْهِ إنْكارِ البَعْثِ أوَّلًا، ثُمَّ ساقَ الكَلامَ مَوْصُولًا بَعْضَهُ بِبَعْضٍ، ثُمَّ أمَرَ بِاسْتِفْتائِهِمْ عَنْ وجْهِ القِسْمَةِ الضِّيزى. انْتَهى. ويَبْعُدُ ما قالَهُ مِنَ العَطْفِ.
وإذا كانُوا عَدُّوا الفَصْلَ بِجُمْلَةٍ مِثْلَ قَوْلِكَ: كُلْ لَحْمًا واضْرِبْ زَيْدًا وخُبْزًا، مِن أقْبَحِ التَّرْكِيبِ، فَكَيْفَ بِجُمَلٍ كَثِيرَةٍ وقِصَصٍ مُتَبايِنَةٍ ؟ فالقَوْلُ بِالعَطْفِ لا يَجُوزُ، والِاسْتِفْتاءُ هُنا سُؤالٌ عَلى جِهَةِ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ عَلى قَوْلِهِمُ البُهْتانَ عَلى اللَّهِ، حَيْثُ جَعَلُوا لِلَّهِ الإناثَ في قَوْلِهِمْ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، مَعَ كَراهَتِهِمْ لَهُنَّ، ووَأْدِهِمْ إيّاهُنَّ، واسْتِنْكافِهِمْ مَن ذَكَرَهُنَّ. وارْتَكَبُوا ثَلاثَةَ أنْواعٍ مِنَ الكُفْرِ: التَّجْسِيمُ؛ لِأنَّ الوِلادَةَ مُخْتَصَّةٌ بِالأجْسامِ، وتَفْضِيلُ أنْفُسِهِمْ، حَيْثُ نَسَبُوا أرْفَعَ الجِنْسَيْنِ لَهم وغَيْرَهُ لِلَّهِ تَعالى؛ واسْتِهانَتُهم بِمَن هو مُكَرَّمٌ عِنْدَ اللَّهِ، حَيْثُ أنَّثُوهم، وهُمُ المَلائِكَةُ.
بَدَأ أوَّلًا بِتَوْبِيخِهِمْ عَلى تَفْضِيلِ أنْفُسِهِمْ بِقَوْلِهِ ﴿ألِرَبِّكَ البَناتُ﴾، وعَدَلَ عَنْ قَوْلِهِ (ألِرَبِّكم) لِما في تَرْكِ الإضافَةِ إلَيْهِمْ مِن تَحْسِينِهِمْ وشَرَفِ نَبِيِّهِ بِالإضافَةِ إلَيْهِ. وثَنّى بِأنَّ نِسْبَةَ الأُنُوثَةِ إلى المَلائِكَةِ يَقْتَضِي المُشاهَدَةَ، فَأنْكَرَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ ﴿أمْ خَلَقْنا المَلائِكَةَ إناثًا وهم شاهِدُونَ﴾ أيْ خَلَقْناهم وهم لا يَشْهَدُونَ شَيْئًا مِن حالِهِمْ، كَما قالَ في الأُخْرى ﴿أشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾ [الزخرف: ١٩] وكَما قالَ ﴿ما أشْهَدْتُهم خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ ولا خَلْقَ أنْفُسِهِمْ﴾ [الكهف: ٥١] . ثُمَّ أخْبَرَ عَنْهم ثالِثًا بِأعْظَمِ الكُفْرِ، وهو ادِّعاؤُهم أنَّهُ تَعالى قَدْ ولَدَ، فَبَلَغَ إفْكُهم إلى نِسْبَةِ الوَلَدِ. ولَمّا كانَ هَذا فاحِشًا قالَ ﴿وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ . واحْتَمَلَ أنْ تُخَصَّ هَذِهِ الجُمْلَةُ بِقَوْلِهِمْ ولَدَ اللَّهُ، ويَكُونَ تَأْكِيدًا لِقَوْلِهِ ﴿مِن إفْكِهِمْ﴾ واحْتَمَلَ أنْ يَعُمَّ هَذا القَوْلَ. فَإنْ قُلْتَ: لِمَ قالَ (وهم شاهِدُونَ) فَخَصَّ عِلْمَهم بِالمُشاهَدَةِ ؟ قُلْتُ: ما هو إلّا اسْتِهْزاءٌ وتَجْهِيلٌ كَقَوْلِهِ ﴿أشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾ [الزخرف: ١٩] وذَلِكَ أنَّهم كَما لَمْ يَعْلَمُوا ذَلِكَ بِطَرِيقِ المُشاهَدَةِ، لَمْ يَعْلَمُوهُ بِخَلْقِ اللَّهِ عِلْمَهُ في قُلُوبِهِمْ ولا بِإخْبارٍ صادِقٍ، لا بِطْرِيقِ اسْتِدْلالٍ ولا نَظَرٍ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّهم يَقُولُونَ ذَلِكَ، كالقائِلِ قَوْلًا عَنْ ثَلَجِ صَدْرٍ وطُمَأْنِينَةِ نَفْسٍ لِإفْراطِ جَهْلِهِمْ، كَأنَّهم قَدْ شاهَدُوا خَلْقَهُ. وقُرِأ (ولَدُ اللَّهِ) أيِ المَلائِكَةُ ولَدُهُ، والوَلَدُ فَعَلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ يَقَعُ عَلى الواحِدِ والجَمْعِ والمُذَكِّرِ والمُؤَنَّثِ. تَقُولُ: هَذِهِ ولَدِي، وهَؤُلاءِ ولَدِي. انْتَهى.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: (p-٣٧٧)(أصْطَفى) بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، عَلى طَرِيقَةِ الإنْكارِ والِاسْتِبْعادِ. وقَرَأ نافِعٌ في رِوايَةِ إسْماعِيلَ، وابْنُ جَمّازٍ وجَماعَةٌ، وإسْماعِيلُ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ: بِوَصْلِ الألِفِ، وهو مِن كَلامِ الكُفّارِ. حَكى اللَّهُ تَعالى شَنِيعَ قَوْلِهِمْ، وهو أنَّهم ما كَفاهم أنْ قالُوا ولَدَ اللَّهُ، حَتّى جَعَلُوا ذَلِكَ الوَلَدَ بَناتِ اللَّهِ، واللَّهُ تَعالى اخْتارَهم عَلى البَنِينَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بَدَلًا عَنْ قَوْلِهِمْ ولَدَ اللَّهُ، وقَدْ قَرَأ بِها حَمْزَةُ والأعْمَشُ، وهَذِهِ القِراءَةُ، وإنْ كانَ هَذا مَحْمَلَها، فَهي ضَعِيفَةٌ؛ والَّذِي أضْعَفَها أنَّ الإنْكارَ قَدِ اكْتَنَفَ هَذِهِ الجُمْلَةَ مِن جانِبَيْها، وذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾، ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ . فَمَن جَعَلَها لِلْإثْباتِ فَقَدْ أوْقَعَها دَخِيلَةً بَيْنَ سَبَبَيْنِ، ولَيْسَتْ دَخِيلَةً بَيْنَ نَسِيبَيْنِ، بَلْ لَها مُناسَبَةٌ ظاهِرَةٌ مَعَ قَوْلِهِمْ ولَدَ اللَّهُ. وأمّا قَوْلُهُ ﴿وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ فَهي جُمْلَةُ اعْتِراضٍ بَيْنَ مَقالَتَيِّ الكُفْرِ، جاءَتْ لِلتَّشْدِيدِ والتَّأْكِيدِ في كَوْنِ مَقالَتِهِمْ تِلْكَ هي مِن إفْكِهِمْ.
﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ تَقْرِيعٌ وتَوْبِيخٌ واسْتِفْهامٌ عَنِ البُرْهانِ والحُجَّةِ. وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: تَذْكُرُونَ، بِسُكُونِ الذّالِ وضَمِّ الكافِ.
﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ﴾ أيْ حُجَّةٌ نَزَلَتْ عَلَيْكم مِنَ السَّماءِ، وخَبَرٌ بِأنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ.
﴿فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ﴾ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْكم بِذَلِكَ، كَقَوْلِهِ ﴿أمْ أنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطانًا فَهو يَتَكَلَّمُ بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾ [الروم: ٣٥] .
الصافات 37:153
﴿وإنَّ يُونُسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ أبَقَ إلى الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ ﴿فَساهَمَ فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ﴾ ﴿فالتَقَمَهُ الحُوتُ وهو مُلِيمٌ﴾ ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ ﴿لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ﴿فَنَبَذْناهُ بِالعَراءِ وهو سَقِيمٌ﴾ ﴿وأنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِن يَقْطِينٍ﴾ ﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ﴾ ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾ ﴿فاسْتَفْتِهِمْ ألِرَبِّكَ البَناتُ ولَهُمُ البَنُونَ﴾ ﴿أمْ خَلَقْنا المَلائِكَةَ إناثًا وهم شاهِدُونَ﴾ ﴿ألا إنَّهم مِن إفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ﴾ ﴿ولَدَ اللَّهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ ﴿أاصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ﴾ ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾ ﴿فَأْتُوا بِكِتابِكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (p-٣٧٥)
يُونُسُ بْنُ مَتّى مِن بَنِي إسْرائِيلَ. ورُوِيَ أنَّهُ نُبِّأ وهو ابْنُ ثَمانٍ وعِشْرِينَ سَنَةً، بَعَثَهُ اللَّهُ إلى قَوْمِهِ، فَدَعاهم لِلْإيمانِ فَخالَفُوهُ، فَوَعَدَهم بِالعَذابِ، فَأعْلَمَهُمُ اللَّهُ بِيَوْمِهِ، فَحَدَّدَهُ يُونُسُ لَهم. ثُمَّ إنَّ قَوْمَهُ لَمّا رَأوْا مَخايِلَ العَذابِ قَبْلَ أنْ يُباشِرَهم تابُوا وآمَنُوا، فَتابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وصَرَفَ العَذابَ عَنْهم. وتَقَدَّمَ شَرْحُ قِصَّتِهِ، وأعَدْنا طَرَفًا مِنها لِيُفِيدَ ما بَيْنَ الذِّكْرَيْنِ. قِيلَ: ولَحِقَ يُونُسَ غَضَبٌ، فَأبِقَ إلى رُكُوبِ السَّفِينَةِ فِرارًا مِن قَوْمِهِ، وعَبَّرَ عَنِ الهُرُوبِ بِالإباقِ، إذْ هو عَبْدُ اللَّهِ، خَرَجَ فارًّا مِن غَيْرِ إذْنٍ مِنَ اللَّهِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ لَمّا أبْعَدَتِ السَّفِينَةُ في البَحْرِ، ويُونُسُ فِيها، رَكَدَتْ. فَقالَ أهْلُها: إنَّ فِيها لَمَن يَحْبِسُ اللَّهُ السَّفِينَةَ بِسَبَبِهِ، فَلْنَقْتَرِعْ. فَأخَذُوا لِكُلٍّ سَهْمًا، عَلى أنَّ مَن طَفا سَهْمُهُ فَهو، ومَن غَرِقَ سَهْمُهُ فَلَيْسَ إيّاهُ، فَطَفا سَهْمُ يُونُسَ. فَعَلُوا ذَلِكَ ثَلاثًا، تَقَعُ القَرْعَةُ عَلَيْهِ، فَأجْمَعُوا عَلى أنْ يَطْرَحُوهُ. فَجاءَ إلى رُكْنٍ مِنها لِيَقَعَ مِنها، فَإذا بِدابَّةٍ مِن دَوابِّ البَحْرِ تَرْقُبُهُ وتَرْصُدُ لَهُ. فانْتَقَلَ إلى الرُّكْنِ الآخَرِ، فَوَجَدَها حَتّى اسْتَدارَ بِالمَرْكَبِ وهي لا تُفارِقُهُ، فَعَلِمَ أنَّ ذَلِكَ مِن عِنْدِ اللَّهِ، فَتَرامى إلَيْها فالتَقَمَتْهُ. فَفي قِصَّةِ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ هُنا جُمَلٌ مَحْذُوفَةٌ مُقَدَّرَةٌ قَبْلَ ذِكْرِ فِرارِهِ إلى الفُلْكِ، كَما في قِصَّتِهِ في سُورَةِ الأنْبِياءِ في قَوْلِهِ ﴿إذْ ذَهَبَ مُغاضِبًا﴾ [الأنبياء: ٨٧] هو ما بَعْدَ هَذا، وقَوْلِهِ ﴿فَنادى في الظُّلُماتِ﴾ [الأنبياء: ٨٧] جُمَلٌ مَحْذُوفَةٌ أيْضًا. وبِمَجْمُوعِ القَصَصِ يَتَبَيَّنُ ما حُذِفَ في كُلِّ قِصَّةٍ مِنها.
﴿فَساهَمَ فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ﴾ مِنَ المَغْلُوبِينَ، وحَقِيقَتُهُ مِنَ المُزْلَقِينَ عَنْ مَقامِ الظَّفَرِ في الأسْهامِ. وقُرِئَ ﴿وهُوَ مُلِيمٌ﴾ بِفَتْحِ المِيمِ، وقِياسُهُ مَلُومٌ؛ لِأنَّهُ مِن لُمْتُهُ ألُومُهُ لَوْمًا، فَهو مِن ذَواتِ الواوِ، ولَكِنَّهُ جِيءَ بِهِ عَلى ألِيمٍ، كَما قالُوا: مَشِيبٌ ومَدْعِيٍّ في مَشُوبٍ، ومَدْعُوٍّ بِناءً عَلى شَيَبَ ودَعى.
﴿مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ مِنَ الذّاكِرِينَ اللَّهَ تَعالى بِالتَّسْبِيحِ والتَّقْدِيسِ. والظّاهِرُ أنَّهُ يُرِيدُ ما ذَكَرَ في قَوْلِهِ في سُورَةِ الأنْبِياءِ ﴿فَنادى في الظُّلُماتِ أنْ لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧] . وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: هو قَوْلُهُ سُبْحانَ اللَّهِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: تَسْبِيحُهُ صَلاةُ التَّطَوُّعِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، وأبُو العالِيَةِ: صَلاتُهُ في وقْتِ الرَّخاءِ تَنْفَعُهُ في وقْتِ الشِّدَّةِ. وقالَ الضَّحّاكُ بْنُ قَيْسٍ عَلى مِنبَرِهِ: اذْكُرُوا اللَّهَ في الرَّخاءِ يَذْكُرْكم في الشِّدَّةِ، إنَّ يُونُسَ كانَ عَبْدًا ذاكِرًا، فَلَمّا أصابَتْهُ الشِّدَّةُ نَفَعَهُ ذَلِكَ. قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾، ﴿لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ . وقالَ الحَسَنُ: تَسْبِيحُهُ: صَلاتُهُ في بَطْنِ الحُوتِ. ورُوِيَ أنَّهُ كانَ يَرْفَعُ لَحْمَ الحُوتِ بِيَدَيْهِ يَقُولُ: لَأبْنِيَنَّ لَكَ مَسْجِدًا حَيْثُ لَمْ يَبْنَهِ أحَدٌ قَبْلِي.
ورُوِيَ أنَّ الحُوتَ سافَرَ مَعَ السَّفِينَةِ رافِعًا رَأْسَهُ لِيَتَنَفَّسَ ويُونُسُ يُسَبِّحُ، ولَمْ يُفارِقْهم حَتّى انْتَهَوْا إلى البَرِّ، فَلَفَظَهُ سالِمًا لَمْ يَتَغَيَّرْ مِنهُ شَيْءٌ، فَأسْلَمُوا. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ البَعْثِ، وعَنْ قَتادَةَ: لَكانَ بَطْنُ الحُوتِ لَهُ قَبْرًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ. وذُكِرَ في مُدَّةِ لَبْثِهِ في بَطْنِ الحُوتِ أقْوالًا مُتَكاذِبَةً، ضَرَبْنا عَنْ ذِكْرِها صَفْحًا.
﴿وهُوَ سَقِيمٌ﴾ رُوِيَ أنَّهُ عادَ بَدَنُهُ كَبَدَنِ الصَّبِيِّ حِينَ يُولَدُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والسُّدِّيُّ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو هُرَيْرَةَ، وعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ: اليَقْطِينُ: القَرْعُ خاصَّةً، قِيلَ: وهي الَّتِي أنْبَتَها اللَّهُ عَلَيْهِ، وتَجْمَعُ خِصالًا، بَرَدُ الظِّلِّ، ونُعُومَةُ المَلْمَسِ، وعِظَمُ الوَرَقِ، والذُّبابُ لا يَقْرَبُها. قِيلَ: وماءُ ورَقِهِ إذا رُشَّ بِهِ مَكانٌ لَمْ يَقْرَبْهُ ذُبابٌ، وقالَ أُمَيَّةُ بْنُ أبِي الصَّلْتِ:
؎فَأنْبَتَ يَقْطِينًا عَلَيْهِ بِرَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لَوْلا اللَّهُ ألْفى ضِياعِيا
وفِيما رُوِيَ: إنَّكَ لَتُحِبُّ القَرْعَ، قالَ: أجَلْ، هي شَجَرَةُ أخِي يُونُسَ. وقِيلَ: هي شَجَرَةُ المَوْزِ، تَغَطّى بِوَرَقِها، واسْتَظَلَّ بِأغْصانِها، وأفْطَرَ عَلى ثِمارِها. ومَعْنى ﴿وأنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً﴾ في كَلامِ العَرَبِ: ما كانَ عَلى ساقٍ مِن عُودٍ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اللَّهُ أنْبَتَها ذاتَ ساقٍ يَسْتَظِلُّ بِها وبِوَرَقِها، خَرْقًا لِلْعادَةِ، فَنَبَتَ وصَحَّ وحَسُنَ (p-٣٧٦)وجْهُهُ؛ لِأنَّ ورَقَ القَرْعِ أنْفَعُ شَيْءٍ لِمَن يَنْسَلِخُ جِلْدُهُ.
﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ﴾ قالَ الجُمْهُورُ: رِسالَتُهُ هَذِهِ هي الأُولى الَّتِي أبِقَ بَعْدَها، ذَكَرَها آخِرَ القَصَصِ تَنْبِيهًا عَلى رِسالَتِهِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهُمْ﴾ وتَمْتِيعُ تِلْكَ الأُمَّةِ هو الَّذِي أغْضَبَ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ حَتّى أبَقَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ: هي رِسالَةٌ أُخْرى بَعْدَ أنْ نَبَذَهُ بِالعَراءِ، وهي إلى أهْلِ نِينَوى مِن ناحِيَةِ المَوْصِلِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: المُرادُ بِهِ ما سَبَقَ مِن إرْسالِهِ إلى قَوْمِهِ، وهم أهْلُ نِينَوى. وقِيلَ: هو إرْسالٌ ثانٍ بَعْدَ ما جَرى إلَيْهِ إلى الأوَّلِينَ، أوْ إلى غَيْرِهِمْ. وقِيلَ: أسْلَمُوا فَسَألُوهُ أنْ يَرْجِعَ إلَيْهِمْ فَأبى؛ لِأنَّ النَّبِيَّ إذا هاجَرَ عَنْ قَوْمِهِ لَمْ يَرْجِعْ إلَيْهِمْ مُقِيمًا فِيهِمْ، فَقالَ لَهم: إنَّ اللَّهَ باعِثٌ إلَيْكم نَبِيًّا. وقَرَأ الجُمْهُورُ (أوْ)، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ بِمَعْنى بَلْ. وقِيلَ: بِمَعْنى الواوِ وبِالواوِ، وقَرَأ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ. وقِيلَ: لِلْإبْهامِ عَلى المُخاطَبِ. وقالَ المُبَرِّدُ وكَثِيرٌ مِنَ البَصْرِيِّينَ: المَعْنى عَلى نَظَرِ البَشَرِ، وحَزْرِهِمْ أنَّ مَن وراءَهم قالَ: هم مِائَةُ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ، وهَذا القَوْلُ لَمْ يَذْكُرِ الزَّمَخْشَرِيُّ غَيْرَهُ. قالَ: أوْ يَزِيدُونَ في مَرْأى النّاظِرِ، إذا رَآها الرّائِي قالَ: هي مِائَةُ ألْفٍ أوْ أكْثَرُ. والغَرَضُ الوَصْفُ بِالكَثْرَةِ، والزِّيادَةُ ثَلاثُونَ ألْفًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ؛ أوْ سَبْعُونَ ألْفًا، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ؛ أوْ عِشْرُونَ ألْفًا، رَواهُ أُبَيٌّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وإذا صَحَّ بَطَلَ ما سِواهُ.
(فَآمَنُوا) رُوِيَ أنَّهم خَرَجُوا بِالأطْفالِ والأوْلادِ والبَهائِمِ، وفَرَّقُوا بَيْنَها وبَيْنَ الأُمَّهاتِ، وناحُوا وضَجُّوا وأخْلَصُوا، فَرَفَعَ اللَّهُ عَنْهم. والتَّمَتُّعُ هُنا هو بِالحَياةِ، والحِينُ آجالُهُمُ السّابِقَةُ في الأزَلِ، قالَهُ قَتادَةُ والسُّدِّيُّ. والضَّمِيرُ في ﴿فاسْتَفْتِهِمْ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَعْطُوفٌ عَلى مِثْلِهِ في أوَّلِ السُّورَةِ، وإنْ تَباعَدَتْ بَيْنَهُما المَسافَةُ. أمَرَ رَسُولَهُ بِاسْتِفْتاءِ قُرَيْشٍ عَنْ وجْهِ إنْكارِ البَعْثِ أوَّلًا، ثُمَّ ساقَ الكَلامَ مَوْصُولًا بَعْضَهُ بِبَعْضٍ، ثُمَّ أمَرَ بِاسْتِفْتائِهِمْ عَنْ وجْهِ القِسْمَةِ الضِّيزى. انْتَهى. ويَبْعُدُ ما قالَهُ مِنَ العَطْفِ.
وإذا كانُوا عَدُّوا الفَصْلَ بِجُمْلَةٍ مِثْلَ قَوْلِكَ: كُلْ لَحْمًا واضْرِبْ زَيْدًا وخُبْزًا، مِن أقْبَحِ التَّرْكِيبِ، فَكَيْفَ بِجُمَلٍ كَثِيرَةٍ وقِصَصٍ مُتَبايِنَةٍ ؟ فالقَوْلُ بِالعَطْفِ لا يَجُوزُ، والِاسْتِفْتاءُ هُنا سُؤالٌ عَلى جِهَةِ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ عَلى قَوْلِهِمُ البُهْتانَ عَلى اللَّهِ، حَيْثُ جَعَلُوا لِلَّهِ الإناثَ في قَوْلِهِمْ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، مَعَ كَراهَتِهِمْ لَهُنَّ، ووَأْدِهِمْ إيّاهُنَّ، واسْتِنْكافِهِمْ مَن ذَكَرَهُنَّ. وارْتَكَبُوا ثَلاثَةَ أنْواعٍ مِنَ الكُفْرِ: التَّجْسِيمُ؛ لِأنَّ الوِلادَةَ مُخْتَصَّةٌ بِالأجْسامِ، وتَفْضِيلُ أنْفُسِهِمْ، حَيْثُ نَسَبُوا أرْفَعَ الجِنْسَيْنِ لَهم وغَيْرَهُ لِلَّهِ تَعالى؛ واسْتِهانَتُهم بِمَن هو مُكَرَّمٌ عِنْدَ اللَّهِ، حَيْثُ أنَّثُوهم، وهُمُ المَلائِكَةُ.
بَدَأ أوَّلًا بِتَوْبِيخِهِمْ عَلى تَفْضِيلِ أنْفُسِهِمْ بِقَوْلِهِ ﴿ألِرَبِّكَ البَناتُ﴾، وعَدَلَ عَنْ قَوْلِهِ (ألِرَبِّكم) لِما في تَرْكِ الإضافَةِ إلَيْهِمْ مِن تَحْسِينِهِمْ وشَرَفِ نَبِيِّهِ بِالإضافَةِ إلَيْهِ. وثَنّى بِأنَّ نِسْبَةَ الأُنُوثَةِ إلى المَلائِكَةِ يَقْتَضِي المُشاهَدَةَ، فَأنْكَرَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ ﴿أمْ خَلَقْنا المَلائِكَةَ إناثًا وهم شاهِدُونَ﴾ أيْ خَلَقْناهم وهم لا يَشْهَدُونَ شَيْئًا مِن حالِهِمْ، كَما قالَ في الأُخْرى ﴿أشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾ [الزخرف: ١٩] وكَما قالَ ﴿ما أشْهَدْتُهم خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ ولا خَلْقَ أنْفُسِهِمْ﴾ [الكهف: ٥١] . ثُمَّ أخْبَرَ عَنْهم ثالِثًا بِأعْظَمِ الكُفْرِ، وهو ادِّعاؤُهم أنَّهُ تَعالى قَدْ ولَدَ، فَبَلَغَ إفْكُهم إلى نِسْبَةِ الوَلَدِ. ولَمّا كانَ هَذا فاحِشًا قالَ ﴿وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ . واحْتَمَلَ أنْ تُخَصَّ هَذِهِ الجُمْلَةُ بِقَوْلِهِمْ ولَدَ اللَّهُ، ويَكُونَ تَأْكِيدًا لِقَوْلِهِ ﴿مِن إفْكِهِمْ﴾ واحْتَمَلَ أنْ يَعُمَّ هَذا القَوْلَ. فَإنْ قُلْتَ: لِمَ قالَ (وهم شاهِدُونَ) فَخَصَّ عِلْمَهم بِالمُشاهَدَةِ ؟ قُلْتُ: ما هو إلّا اسْتِهْزاءٌ وتَجْهِيلٌ كَقَوْلِهِ ﴿أشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾ [الزخرف: ١٩] وذَلِكَ أنَّهم كَما لَمْ يَعْلَمُوا ذَلِكَ بِطَرِيقِ المُشاهَدَةِ، لَمْ يَعْلَمُوهُ بِخَلْقِ اللَّهِ عِلْمَهُ في قُلُوبِهِمْ ولا بِإخْبارٍ صادِقٍ، لا بِطْرِيقِ اسْتِدْلالٍ ولا نَظَرٍ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّهم يَقُولُونَ ذَلِكَ، كالقائِلِ قَوْلًا عَنْ ثَلَجِ صَدْرٍ وطُمَأْنِينَةِ نَفْسٍ لِإفْراطِ جَهْلِهِمْ، كَأنَّهم قَدْ شاهَدُوا خَلْقَهُ. وقُرِأ (ولَدُ اللَّهِ) أيِ المَلائِكَةُ ولَدُهُ، والوَلَدُ فَعَلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ يَقَعُ عَلى الواحِدِ والجَمْعِ والمُذَكِّرِ والمُؤَنَّثِ. تَقُولُ: هَذِهِ ولَدِي، وهَؤُلاءِ ولَدِي. انْتَهى.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: (p-٣٧٧)(أصْطَفى) بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، عَلى طَرِيقَةِ الإنْكارِ والِاسْتِبْعادِ. وقَرَأ نافِعٌ في رِوايَةِ إسْماعِيلَ، وابْنُ جَمّازٍ وجَماعَةٌ، وإسْماعِيلُ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ: بِوَصْلِ الألِفِ، وهو مِن كَلامِ الكُفّارِ. حَكى اللَّهُ تَعالى شَنِيعَ قَوْلِهِمْ، وهو أنَّهم ما كَفاهم أنْ قالُوا ولَدَ اللَّهُ، حَتّى جَعَلُوا ذَلِكَ الوَلَدَ بَناتِ اللَّهِ، واللَّهُ تَعالى اخْتارَهم عَلى البَنِينَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بَدَلًا عَنْ قَوْلِهِمْ ولَدَ اللَّهُ، وقَدْ قَرَأ بِها حَمْزَةُ والأعْمَشُ، وهَذِهِ القِراءَةُ، وإنْ كانَ هَذا مَحْمَلَها، فَهي ضَعِيفَةٌ؛ والَّذِي أضْعَفَها أنَّ الإنْكارَ قَدِ اكْتَنَفَ هَذِهِ الجُمْلَةَ مِن جانِبَيْها، وذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾، ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ . فَمَن جَعَلَها لِلْإثْباتِ فَقَدْ أوْقَعَها دَخِيلَةً بَيْنَ سَبَبَيْنِ، ولَيْسَتْ دَخِيلَةً بَيْنَ نَسِيبَيْنِ، بَلْ لَها مُناسَبَةٌ ظاهِرَةٌ مَعَ قَوْلِهِمْ ولَدَ اللَّهُ. وأمّا قَوْلُهُ ﴿وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ فَهي جُمْلَةُ اعْتِراضٍ بَيْنَ مَقالَتَيِّ الكُفْرِ، جاءَتْ لِلتَّشْدِيدِ والتَّأْكِيدِ في كَوْنِ مَقالَتِهِمْ تِلْكَ هي مِن إفْكِهِمْ.
﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ تَقْرِيعٌ وتَوْبِيخٌ واسْتِفْهامٌ عَنِ البُرْهانِ والحُجَّةِ. وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: تَذْكُرُونَ، بِسُكُونِ الذّالِ وضَمِّ الكافِ.
﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ﴾ أيْ حُجَّةٌ نَزَلَتْ عَلَيْكم مِنَ السَّماءِ، وخَبَرٌ بِأنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ.
﴿فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ﴾ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْكم بِذَلِكَ، كَقَوْلِهِ ﴿أمْ أنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطانًا فَهو يَتَكَلَّمُ بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾ [الروم: ٣٥] .
الصافات 37:154
﴿وإنَّ يُونُسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ أبَقَ إلى الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ ﴿فَساهَمَ فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ﴾ ﴿فالتَقَمَهُ الحُوتُ وهو مُلِيمٌ﴾ ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ ﴿لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ﴿فَنَبَذْناهُ بِالعَراءِ وهو سَقِيمٌ﴾ ﴿وأنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِن يَقْطِينٍ﴾ ﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ﴾ ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾ ﴿فاسْتَفْتِهِمْ ألِرَبِّكَ البَناتُ ولَهُمُ البَنُونَ﴾ ﴿أمْ خَلَقْنا المَلائِكَةَ إناثًا وهم شاهِدُونَ﴾ ﴿ألا إنَّهم مِن إفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ﴾ ﴿ولَدَ اللَّهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ ﴿أاصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ﴾ ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾ ﴿فَأْتُوا بِكِتابِكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (p-٣٧٥)
يُونُسُ بْنُ مَتّى مِن بَنِي إسْرائِيلَ. ورُوِيَ أنَّهُ نُبِّأ وهو ابْنُ ثَمانٍ وعِشْرِينَ سَنَةً، بَعَثَهُ اللَّهُ إلى قَوْمِهِ، فَدَعاهم لِلْإيمانِ فَخالَفُوهُ، فَوَعَدَهم بِالعَذابِ، فَأعْلَمَهُمُ اللَّهُ بِيَوْمِهِ، فَحَدَّدَهُ يُونُسُ لَهم. ثُمَّ إنَّ قَوْمَهُ لَمّا رَأوْا مَخايِلَ العَذابِ قَبْلَ أنْ يُباشِرَهم تابُوا وآمَنُوا، فَتابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وصَرَفَ العَذابَ عَنْهم. وتَقَدَّمَ شَرْحُ قِصَّتِهِ، وأعَدْنا طَرَفًا مِنها لِيُفِيدَ ما بَيْنَ الذِّكْرَيْنِ. قِيلَ: ولَحِقَ يُونُسَ غَضَبٌ، فَأبِقَ إلى رُكُوبِ السَّفِينَةِ فِرارًا مِن قَوْمِهِ، وعَبَّرَ عَنِ الهُرُوبِ بِالإباقِ، إذْ هو عَبْدُ اللَّهِ، خَرَجَ فارًّا مِن غَيْرِ إذْنٍ مِنَ اللَّهِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ لَمّا أبْعَدَتِ السَّفِينَةُ في البَحْرِ، ويُونُسُ فِيها، رَكَدَتْ. فَقالَ أهْلُها: إنَّ فِيها لَمَن يَحْبِسُ اللَّهُ السَّفِينَةَ بِسَبَبِهِ، فَلْنَقْتَرِعْ. فَأخَذُوا لِكُلٍّ سَهْمًا، عَلى أنَّ مَن طَفا سَهْمُهُ فَهو، ومَن غَرِقَ سَهْمُهُ فَلَيْسَ إيّاهُ، فَطَفا سَهْمُ يُونُسَ. فَعَلُوا ذَلِكَ ثَلاثًا، تَقَعُ القَرْعَةُ عَلَيْهِ، فَأجْمَعُوا عَلى أنْ يَطْرَحُوهُ. فَجاءَ إلى رُكْنٍ مِنها لِيَقَعَ مِنها، فَإذا بِدابَّةٍ مِن دَوابِّ البَحْرِ تَرْقُبُهُ وتَرْصُدُ لَهُ. فانْتَقَلَ إلى الرُّكْنِ الآخَرِ، فَوَجَدَها حَتّى اسْتَدارَ بِالمَرْكَبِ وهي لا تُفارِقُهُ، فَعَلِمَ أنَّ ذَلِكَ مِن عِنْدِ اللَّهِ، فَتَرامى إلَيْها فالتَقَمَتْهُ. فَفي قِصَّةِ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ هُنا جُمَلٌ مَحْذُوفَةٌ مُقَدَّرَةٌ قَبْلَ ذِكْرِ فِرارِهِ إلى الفُلْكِ، كَما في قِصَّتِهِ في سُورَةِ الأنْبِياءِ في قَوْلِهِ ﴿إذْ ذَهَبَ مُغاضِبًا﴾ [الأنبياء: ٨٧] هو ما بَعْدَ هَذا، وقَوْلِهِ ﴿فَنادى في الظُّلُماتِ﴾ [الأنبياء: ٨٧] جُمَلٌ مَحْذُوفَةٌ أيْضًا. وبِمَجْمُوعِ القَصَصِ يَتَبَيَّنُ ما حُذِفَ في كُلِّ قِصَّةٍ مِنها.
﴿فَساهَمَ فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ﴾ مِنَ المَغْلُوبِينَ، وحَقِيقَتُهُ مِنَ المُزْلَقِينَ عَنْ مَقامِ الظَّفَرِ في الأسْهامِ. وقُرِئَ ﴿وهُوَ مُلِيمٌ﴾ بِفَتْحِ المِيمِ، وقِياسُهُ مَلُومٌ؛ لِأنَّهُ مِن لُمْتُهُ ألُومُهُ لَوْمًا، فَهو مِن ذَواتِ الواوِ، ولَكِنَّهُ جِيءَ بِهِ عَلى ألِيمٍ، كَما قالُوا: مَشِيبٌ ومَدْعِيٍّ في مَشُوبٍ، ومَدْعُوٍّ بِناءً عَلى شَيَبَ ودَعى.
﴿مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ مِنَ الذّاكِرِينَ اللَّهَ تَعالى بِالتَّسْبِيحِ والتَّقْدِيسِ. والظّاهِرُ أنَّهُ يُرِيدُ ما ذَكَرَ في قَوْلِهِ في سُورَةِ الأنْبِياءِ ﴿فَنادى في الظُّلُماتِ أنْ لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧] . وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: هو قَوْلُهُ سُبْحانَ اللَّهِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: تَسْبِيحُهُ صَلاةُ التَّطَوُّعِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، وأبُو العالِيَةِ: صَلاتُهُ في وقْتِ الرَّخاءِ تَنْفَعُهُ في وقْتِ الشِّدَّةِ. وقالَ الضَّحّاكُ بْنُ قَيْسٍ عَلى مِنبَرِهِ: اذْكُرُوا اللَّهَ في الرَّخاءِ يَذْكُرْكم في الشِّدَّةِ، إنَّ يُونُسَ كانَ عَبْدًا ذاكِرًا، فَلَمّا أصابَتْهُ الشِّدَّةُ نَفَعَهُ ذَلِكَ. قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾، ﴿لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ . وقالَ الحَسَنُ: تَسْبِيحُهُ: صَلاتُهُ في بَطْنِ الحُوتِ. ورُوِيَ أنَّهُ كانَ يَرْفَعُ لَحْمَ الحُوتِ بِيَدَيْهِ يَقُولُ: لَأبْنِيَنَّ لَكَ مَسْجِدًا حَيْثُ لَمْ يَبْنَهِ أحَدٌ قَبْلِي.
ورُوِيَ أنَّ الحُوتَ سافَرَ مَعَ السَّفِينَةِ رافِعًا رَأْسَهُ لِيَتَنَفَّسَ ويُونُسُ يُسَبِّحُ، ولَمْ يُفارِقْهم حَتّى انْتَهَوْا إلى البَرِّ، فَلَفَظَهُ سالِمًا لَمْ يَتَغَيَّرْ مِنهُ شَيْءٌ، فَأسْلَمُوا. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ البَعْثِ، وعَنْ قَتادَةَ: لَكانَ بَطْنُ الحُوتِ لَهُ قَبْرًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ. وذُكِرَ في مُدَّةِ لَبْثِهِ في بَطْنِ الحُوتِ أقْوالًا مُتَكاذِبَةً، ضَرَبْنا عَنْ ذِكْرِها صَفْحًا.
﴿وهُوَ سَقِيمٌ﴾ رُوِيَ أنَّهُ عادَ بَدَنُهُ كَبَدَنِ الصَّبِيِّ حِينَ يُولَدُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والسُّدِّيُّ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو هُرَيْرَةَ، وعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ: اليَقْطِينُ: القَرْعُ خاصَّةً، قِيلَ: وهي الَّتِي أنْبَتَها اللَّهُ عَلَيْهِ، وتَجْمَعُ خِصالًا، بَرَدُ الظِّلِّ، ونُعُومَةُ المَلْمَسِ، وعِظَمُ الوَرَقِ، والذُّبابُ لا يَقْرَبُها. قِيلَ: وماءُ ورَقِهِ إذا رُشَّ بِهِ مَكانٌ لَمْ يَقْرَبْهُ ذُبابٌ، وقالَ أُمَيَّةُ بْنُ أبِي الصَّلْتِ:
؎فَأنْبَتَ يَقْطِينًا عَلَيْهِ بِرَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لَوْلا اللَّهُ ألْفى ضِياعِيا
وفِيما رُوِيَ: إنَّكَ لَتُحِبُّ القَرْعَ، قالَ: أجَلْ، هي شَجَرَةُ أخِي يُونُسَ. وقِيلَ: هي شَجَرَةُ المَوْزِ، تَغَطّى بِوَرَقِها، واسْتَظَلَّ بِأغْصانِها، وأفْطَرَ عَلى ثِمارِها. ومَعْنى ﴿وأنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً﴾ في كَلامِ العَرَبِ: ما كانَ عَلى ساقٍ مِن عُودٍ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اللَّهُ أنْبَتَها ذاتَ ساقٍ يَسْتَظِلُّ بِها وبِوَرَقِها، خَرْقًا لِلْعادَةِ، فَنَبَتَ وصَحَّ وحَسُنَ (p-٣٧٦)وجْهُهُ؛ لِأنَّ ورَقَ القَرْعِ أنْفَعُ شَيْءٍ لِمَن يَنْسَلِخُ جِلْدُهُ.
﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ﴾ قالَ الجُمْهُورُ: رِسالَتُهُ هَذِهِ هي الأُولى الَّتِي أبِقَ بَعْدَها، ذَكَرَها آخِرَ القَصَصِ تَنْبِيهًا عَلى رِسالَتِهِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهُمْ﴾ وتَمْتِيعُ تِلْكَ الأُمَّةِ هو الَّذِي أغْضَبَ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ حَتّى أبَقَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ: هي رِسالَةٌ أُخْرى بَعْدَ أنْ نَبَذَهُ بِالعَراءِ، وهي إلى أهْلِ نِينَوى مِن ناحِيَةِ المَوْصِلِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: المُرادُ بِهِ ما سَبَقَ مِن إرْسالِهِ إلى قَوْمِهِ، وهم أهْلُ نِينَوى. وقِيلَ: هو إرْسالٌ ثانٍ بَعْدَ ما جَرى إلَيْهِ إلى الأوَّلِينَ، أوْ إلى غَيْرِهِمْ. وقِيلَ: أسْلَمُوا فَسَألُوهُ أنْ يَرْجِعَ إلَيْهِمْ فَأبى؛ لِأنَّ النَّبِيَّ إذا هاجَرَ عَنْ قَوْمِهِ لَمْ يَرْجِعْ إلَيْهِمْ مُقِيمًا فِيهِمْ، فَقالَ لَهم: إنَّ اللَّهَ باعِثٌ إلَيْكم نَبِيًّا. وقَرَأ الجُمْهُورُ (أوْ)، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ بِمَعْنى بَلْ. وقِيلَ: بِمَعْنى الواوِ وبِالواوِ، وقَرَأ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ. وقِيلَ: لِلْإبْهامِ عَلى المُخاطَبِ. وقالَ المُبَرِّدُ وكَثِيرٌ مِنَ البَصْرِيِّينَ: المَعْنى عَلى نَظَرِ البَشَرِ، وحَزْرِهِمْ أنَّ مَن وراءَهم قالَ: هم مِائَةُ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ، وهَذا القَوْلُ لَمْ يَذْكُرِ الزَّمَخْشَرِيُّ غَيْرَهُ. قالَ: أوْ يَزِيدُونَ في مَرْأى النّاظِرِ، إذا رَآها الرّائِي قالَ: هي مِائَةُ ألْفٍ أوْ أكْثَرُ. والغَرَضُ الوَصْفُ بِالكَثْرَةِ، والزِّيادَةُ ثَلاثُونَ ألْفًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ؛ أوْ سَبْعُونَ ألْفًا، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ؛ أوْ عِشْرُونَ ألْفًا، رَواهُ أُبَيٌّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وإذا صَحَّ بَطَلَ ما سِواهُ.
(فَآمَنُوا) رُوِيَ أنَّهم خَرَجُوا بِالأطْفالِ والأوْلادِ والبَهائِمِ، وفَرَّقُوا بَيْنَها وبَيْنَ الأُمَّهاتِ، وناحُوا وضَجُّوا وأخْلَصُوا، فَرَفَعَ اللَّهُ عَنْهم. والتَّمَتُّعُ هُنا هو بِالحَياةِ، والحِينُ آجالُهُمُ السّابِقَةُ في الأزَلِ، قالَهُ قَتادَةُ والسُّدِّيُّ. والضَّمِيرُ في ﴿فاسْتَفْتِهِمْ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَعْطُوفٌ عَلى مِثْلِهِ في أوَّلِ السُّورَةِ، وإنْ تَباعَدَتْ بَيْنَهُما المَسافَةُ. أمَرَ رَسُولَهُ بِاسْتِفْتاءِ قُرَيْشٍ عَنْ وجْهِ إنْكارِ البَعْثِ أوَّلًا، ثُمَّ ساقَ الكَلامَ مَوْصُولًا بَعْضَهُ بِبَعْضٍ، ثُمَّ أمَرَ بِاسْتِفْتائِهِمْ عَنْ وجْهِ القِسْمَةِ الضِّيزى. انْتَهى. ويَبْعُدُ ما قالَهُ مِنَ العَطْفِ.
وإذا كانُوا عَدُّوا الفَصْلَ بِجُمْلَةٍ مِثْلَ قَوْلِكَ: كُلْ لَحْمًا واضْرِبْ زَيْدًا وخُبْزًا، مِن أقْبَحِ التَّرْكِيبِ، فَكَيْفَ بِجُمَلٍ كَثِيرَةٍ وقِصَصٍ مُتَبايِنَةٍ ؟ فالقَوْلُ بِالعَطْفِ لا يَجُوزُ، والِاسْتِفْتاءُ هُنا سُؤالٌ عَلى جِهَةِ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ عَلى قَوْلِهِمُ البُهْتانَ عَلى اللَّهِ، حَيْثُ جَعَلُوا لِلَّهِ الإناثَ في قَوْلِهِمْ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، مَعَ كَراهَتِهِمْ لَهُنَّ، ووَأْدِهِمْ إيّاهُنَّ، واسْتِنْكافِهِمْ مَن ذَكَرَهُنَّ. وارْتَكَبُوا ثَلاثَةَ أنْواعٍ مِنَ الكُفْرِ: التَّجْسِيمُ؛ لِأنَّ الوِلادَةَ مُخْتَصَّةٌ بِالأجْسامِ، وتَفْضِيلُ أنْفُسِهِمْ، حَيْثُ نَسَبُوا أرْفَعَ الجِنْسَيْنِ لَهم وغَيْرَهُ لِلَّهِ تَعالى؛ واسْتِهانَتُهم بِمَن هو مُكَرَّمٌ عِنْدَ اللَّهِ، حَيْثُ أنَّثُوهم، وهُمُ المَلائِكَةُ.
بَدَأ أوَّلًا بِتَوْبِيخِهِمْ عَلى تَفْضِيلِ أنْفُسِهِمْ بِقَوْلِهِ ﴿ألِرَبِّكَ البَناتُ﴾، وعَدَلَ عَنْ قَوْلِهِ (ألِرَبِّكم) لِما في تَرْكِ الإضافَةِ إلَيْهِمْ مِن تَحْسِينِهِمْ وشَرَفِ نَبِيِّهِ بِالإضافَةِ إلَيْهِ. وثَنّى بِأنَّ نِسْبَةَ الأُنُوثَةِ إلى المَلائِكَةِ يَقْتَضِي المُشاهَدَةَ، فَأنْكَرَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ ﴿أمْ خَلَقْنا المَلائِكَةَ إناثًا وهم شاهِدُونَ﴾ أيْ خَلَقْناهم وهم لا يَشْهَدُونَ شَيْئًا مِن حالِهِمْ، كَما قالَ في الأُخْرى ﴿أشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾ [الزخرف: ١٩] وكَما قالَ ﴿ما أشْهَدْتُهم خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ ولا خَلْقَ أنْفُسِهِمْ﴾ [الكهف: ٥١] . ثُمَّ أخْبَرَ عَنْهم ثالِثًا بِأعْظَمِ الكُفْرِ، وهو ادِّعاؤُهم أنَّهُ تَعالى قَدْ ولَدَ، فَبَلَغَ إفْكُهم إلى نِسْبَةِ الوَلَدِ. ولَمّا كانَ هَذا فاحِشًا قالَ ﴿وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ . واحْتَمَلَ أنْ تُخَصَّ هَذِهِ الجُمْلَةُ بِقَوْلِهِمْ ولَدَ اللَّهُ، ويَكُونَ تَأْكِيدًا لِقَوْلِهِ ﴿مِن إفْكِهِمْ﴾ واحْتَمَلَ أنْ يَعُمَّ هَذا القَوْلَ. فَإنْ قُلْتَ: لِمَ قالَ (وهم شاهِدُونَ) فَخَصَّ عِلْمَهم بِالمُشاهَدَةِ ؟ قُلْتُ: ما هو إلّا اسْتِهْزاءٌ وتَجْهِيلٌ كَقَوْلِهِ ﴿أشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾ [الزخرف: ١٩] وذَلِكَ أنَّهم كَما لَمْ يَعْلَمُوا ذَلِكَ بِطَرِيقِ المُشاهَدَةِ، لَمْ يَعْلَمُوهُ بِخَلْقِ اللَّهِ عِلْمَهُ في قُلُوبِهِمْ ولا بِإخْبارٍ صادِقٍ، لا بِطْرِيقِ اسْتِدْلالٍ ولا نَظَرٍ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّهم يَقُولُونَ ذَلِكَ، كالقائِلِ قَوْلًا عَنْ ثَلَجِ صَدْرٍ وطُمَأْنِينَةِ نَفْسٍ لِإفْراطِ جَهْلِهِمْ، كَأنَّهم قَدْ شاهَدُوا خَلْقَهُ. وقُرِأ (ولَدُ اللَّهِ) أيِ المَلائِكَةُ ولَدُهُ، والوَلَدُ فَعَلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ يَقَعُ عَلى الواحِدِ والجَمْعِ والمُذَكِّرِ والمُؤَنَّثِ. تَقُولُ: هَذِهِ ولَدِي، وهَؤُلاءِ ولَدِي. انْتَهى.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: (p-٣٧٧)(أصْطَفى) بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، عَلى طَرِيقَةِ الإنْكارِ والِاسْتِبْعادِ. وقَرَأ نافِعٌ في رِوايَةِ إسْماعِيلَ، وابْنُ جَمّازٍ وجَماعَةٌ، وإسْماعِيلُ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ: بِوَصْلِ الألِفِ، وهو مِن كَلامِ الكُفّارِ. حَكى اللَّهُ تَعالى شَنِيعَ قَوْلِهِمْ، وهو أنَّهم ما كَفاهم أنْ قالُوا ولَدَ اللَّهُ، حَتّى جَعَلُوا ذَلِكَ الوَلَدَ بَناتِ اللَّهِ، واللَّهُ تَعالى اخْتارَهم عَلى البَنِينَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بَدَلًا عَنْ قَوْلِهِمْ ولَدَ اللَّهُ، وقَدْ قَرَأ بِها حَمْزَةُ والأعْمَشُ، وهَذِهِ القِراءَةُ، وإنْ كانَ هَذا مَحْمَلَها، فَهي ضَعِيفَةٌ؛ والَّذِي أضْعَفَها أنَّ الإنْكارَ قَدِ اكْتَنَفَ هَذِهِ الجُمْلَةَ مِن جانِبَيْها، وذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾، ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ . فَمَن جَعَلَها لِلْإثْباتِ فَقَدْ أوْقَعَها دَخِيلَةً بَيْنَ سَبَبَيْنِ، ولَيْسَتْ دَخِيلَةً بَيْنَ نَسِيبَيْنِ، بَلْ لَها مُناسَبَةٌ ظاهِرَةٌ مَعَ قَوْلِهِمْ ولَدَ اللَّهُ. وأمّا قَوْلُهُ ﴿وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ فَهي جُمْلَةُ اعْتِراضٍ بَيْنَ مَقالَتَيِّ الكُفْرِ، جاءَتْ لِلتَّشْدِيدِ والتَّأْكِيدِ في كَوْنِ مَقالَتِهِمْ تِلْكَ هي مِن إفْكِهِمْ.
﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ تَقْرِيعٌ وتَوْبِيخٌ واسْتِفْهامٌ عَنِ البُرْهانِ والحُجَّةِ. وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: تَذْكُرُونَ، بِسُكُونِ الذّالِ وضَمِّ الكافِ.
﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ﴾ أيْ حُجَّةٌ نَزَلَتْ عَلَيْكم مِنَ السَّماءِ، وخَبَرٌ بِأنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ.
﴿فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ﴾ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْكم بِذَلِكَ، كَقَوْلِهِ ﴿أمْ أنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطانًا فَهو يَتَكَلَّمُ بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾ [الروم: ٣٥] .
الصافات 37:155
﴿وإنَّ يُونُسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ أبَقَ إلى الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ ﴿فَساهَمَ فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ﴾ ﴿فالتَقَمَهُ الحُوتُ وهو مُلِيمٌ﴾ ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ ﴿لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ﴿فَنَبَذْناهُ بِالعَراءِ وهو سَقِيمٌ﴾ ﴿وأنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِن يَقْطِينٍ﴾ ﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ﴾ ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾ ﴿فاسْتَفْتِهِمْ ألِرَبِّكَ البَناتُ ولَهُمُ البَنُونَ﴾ ﴿أمْ خَلَقْنا المَلائِكَةَ إناثًا وهم شاهِدُونَ﴾ ﴿ألا إنَّهم مِن إفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ﴾ ﴿ولَدَ اللَّهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ ﴿أاصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ﴾ ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾ ﴿فَأْتُوا بِكِتابِكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (p-٣٧٥)
يُونُسُ بْنُ مَتّى مِن بَنِي إسْرائِيلَ. ورُوِيَ أنَّهُ نُبِّأ وهو ابْنُ ثَمانٍ وعِشْرِينَ سَنَةً، بَعَثَهُ اللَّهُ إلى قَوْمِهِ، فَدَعاهم لِلْإيمانِ فَخالَفُوهُ، فَوَعَدَهم بِالعَذابِ، فَأعْلَمَهُمُ اللَّهُ بِيَوْمِهِ، فَحَدَّدَهُ يُونُسُ لَهم. ثُمَّ إنَّ قَوْمَهُ لَمّا رَأوْا مَخايِلَ العَذابِ قَبْلَ أنْ يُباشِرَهم تابُوا وآمَنُوا، فَتابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وصَرَفَ العَذابَ عَنْهم. وتَقَدَّمَ شَرْحُ قِصَّتِهِ، وأعَدْنا طَرَفًا مِنها لِيُفِيدَ ما بَيْنَ الذِّكْرَيْنِ. قِيلَ: ولَحِقَ يُونُسَ غَضَبٌ، فَأبِقَ إلى رُكُوبِ السَّفِينَةِ فِرارًا مِن قَوْمِهِ، وعَبَّرَ عَنِ الهُرُوبِ بِالإباقِ، إذْ هو عَبْدُ اللَّهِ، خَرَجَ فارًّا مِن غَيْرِ إذْنٍ مِنَ اللَّهِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ لَمّا أبْعَدَتِ السَّفِينَةُ في البَحْرِ، ويُونُسُ فِيها، رَكَدَتْ. فَقالَ أهْلُها: إنَّ فِيها لَمَن يَحْبِسُ اللَّهُ السَّفِينَةَ بِسَبَبِهِ، فَلْنَقْتَرِعْ. فَأخَذُوا لِكُلٍّ سَهْمًا، عَلى أنَّ مَن طَفا سَهْمُهُ فَهو، ومَن غَرِقَ سَهْمُهُ فَلَيْسَ إيّاهُ، فَطَفا سَهْمُ يُونُسَ. فَعَلُوا ذَلِكَ ثَلاثًا، تَقَعُ القَرْعَةُ عَلَيْهِ، فَأجْمَعُوا عَلى أنْ يَطْرَحُوهُ. فَجاءَ إلى رُكْنٍ مِنها لِيَقَعَ مِنها، فَإذا بِدابَّةٍ مِن دَوابِّ البَحْرِ تَرْقُبُهُ وتَرْصُدُ لَهُ. فانْتَقَلَ إلى الرُّكْنِ الآخَرِ، فَوَجَدَها حَتّى اسْتَدارَ بِالمَرْكَبِ وهي لا تُفارِقُهُ، فَعَلِمَ أنَّ ذَلِكَ مِن عِنْدِ اللَّهِ، فَتَرامى إلَيْها فالتَقَمَتْهُ. فَفي قِصَّةِ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ هُنا جُمَلٌ مَحْذُوفَةٌ مُقَدَّرَةٌ قَبْلَ ذِكْرِ فِرارِهِ إلى الفُلْكِ، كَما في قِصَّتِهِ في سُورَةِ الأنْبِياءِ في قَوْلِهِ ﴿إذْ ذَهَبَ مُغاضِبًا﴾ [الأنبياء: ٨٧] هو ما بَعْدَ هَذا، وقَوْلِهِ ﴿فَنادى في الظُّلُماتِ﴾ [الأنبياء: ٨٧] جُمَلٌ مَحْذُوفَةٌ أيْضًا. وبِمَجْمُوعِ القَصَصِ يَتَبَيَّنُ ما حُذِفَ في كُلِّ قِصَّةٍ مِنها.
﴿فَساهَمَ فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ﴾ مِنَ المَغْلُوبِينَ، وحَقِيقَتُهُ مِنَ المُزْلَقِينَ عَنْ مَقامِ الظَّفَرِ في الأسْهامِ. وقُرِئَ ﴿وهُوَ مُلِيمٌ﴾ بِفَتْحِ المِيمِ، وقِياسُهُ مَلُومٌ؛ لِأنَّهُ مِن لُمْتُهُ ألُومُهُ لَوْمًا، فَهو مِن ذَواتِ الواوِ، ولَكِنَّهُ جِيءَ بِهِ عَلى ألِيمٍ، كَما قالُوا: مَشِيبٌ ومَدْعِيٍّ في مَشُوبٍ، ومَدْعُوٍّ بِناءً عَلى شَيَبَ ودَعى.
﴿مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ مِنَ الذّاكِرِينَ اللَّهَ تَعالى بِالتَّسْبِيحِ والتَّقْدِيسِ. والظّاهِرُ أنَّهُ يُرِيدُ ما ذَكَرَ في قَوْلِهِ في سُورَةِ الأنْبِياءِ ﴿فَنادى في الظُّلُماتِ أنْ لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧] . وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: هو قَوْلُهُ سُبْحانَ اللَّهِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: تَسْبِيحُهُ صَلاةُ التَّطَوُّعِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، وأبُو العالِيَةِ: صَلاتُهُ في وقْتِ الرَّخاءِ تَنْفَعُهُ في وقْتِ الشِّدَّةِ. وقالَ الضَّحّاكُ بْنُ قَيْسٍ عَلى مِنبَرِهِ: اذْكُرُوا اللَّهَ في الرَّخاءِ يَذْكُرْكم في الشِّدَّةِ، إنَّ يُونُسَ كانَ عَبْدًا ذاكِرًا، فَلَمّا أصابَتْهُ الشِّدَّةُ نَفَعَهُ ذَلِكَ. قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾، ﴿لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ . وقالَ الحَسَنُ: تَسْبِيحُهُ: صَلاتُهُ في بَطْنِ الحُوتِ. ورُوِيَ أنَّهُ كانَ يَرْفَعُ لَحْمَ الحُوتِ بِيَدَيْهِ يَقُولُ: لَأبْنِيَنَّ لَكَ مَسْجِدًا حَيْثُ لَمْ يَبْنَهِ أحَدٌ قَبْلِي.
ورُوِيَ أنَّ الحُوتَ سافَرَ مَعَ السَّفِينَةِ رافِعًا رَأْسَهُ لِيَتَنَفَّسَ ويُونُسُ يُسَبِّحُ، ولَمْ يُفارِقْهم حَتّى انْتَهَوْا إلى البَرِّ، فَلَفَظَهُ سالِمًا لَمْ يَتَغَيَّرْ مِنهُ شَيْءٌ، فَأسْلَمُوا. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ البَعْثِ، وعَنْ قَتادَةَ: لَكانَ بَطْنُ الحُوتِ لَهُ قَبْرًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ. وذُكِرَ في مُدَّةِ لَبْثِهِ في بَطْنِ الحُوتِ أقْوالًا مُتَكاذِبَةً، ضَرَبْنا عَنْ ذِكْرِها صَفْحًا.
﴿وهُوَ سَقِيمٌ﴾ رُوِيَ أنَّهُ عادَ بَدَنُهُ كَبَدَنِ الصَّبِيِّ حِينَ يُولَدُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والسُّدِّيُّ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو هُرَيْرَةَ، وعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ: اليَقْطِينُ: القَرْعُ خاصَّةً، قِيلَ: وهي الَّتِي أنْبَتَها اللَّهُ عَلَيْهِ، وتَجْمَعُ خِصالًا، بَرَدُ الظِّلِّ، ونُعُومَةُ المَلْمَسِ، وعِظَمُ الوَرَقِ، والذُّبابُ لا يَقْرَبُها. قِيلَ: وماءُ ورَقِهِ إذا رُشَّ بِهِ مَكانٌ لَمْ يَقْرَبْهُ ذُبابٌ، وقالَ أُمَيَّةُ بْنُ أبِي الصَّلْتِ:
؎فَأنْبَتَ يَقْطِينًا عَلَيْهِ بِرَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لَوْلا اللَّهُ ألْفى ضِياعِيا
وفِيما رُوِيَ: إنَّكَ لَتُحِبُّ القَرْعَ، قالَ: أجَلْ، هي شَجَرَةُ أخِي يُونُسَ. وقِيلَ: هي شَجَرَةُ المَوْزِ، تَغَطّى بِوَرَقِها، واسْتَظَلَّ بِأغْصانِها، وأفْطَرَ عَلى ثِمارِها. ومَعْنى ﴿وأنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً﴾ في كَلامِ العَرَبِ: ما كانَ عَلى ساقٍ مِن عُودٍ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اللَّهُ أنْبَتَها ذاتَ ساقٍ يَسْتَظِلُّ بِها وبِوَرَقِها، خَرْقًا لِلْعادَةِ، فَنَبَتَ وصَحَّ وحَسُنَ (p-٣٧٦)وجْهُهُ؛ لِأنَّ ورَقَ القَرْعِ أنْفَعُ شَيْءٍ لِمَن يَنْسَلِخُ جِلْدُهُ.
﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ﴾ قالَ الجُمْهُورُ: رِسالَتُهُ هَذِهِ هي الأُولى الَّتِي أبِقَ بَعْدَها، ذَكَرَها آخِرَ القَصَصِ تَنْبِيهًا عَلى رِسالَتِهِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهُمْ﴾ وتَمْتِيعُ تِلْكَ الأُمَّةِ هو الَّذِي أغْضَبَ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ حَتّى أبَقَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ: هي رِسالَةٌ أُخْرى بَعْدَ أنْ نَبَذَهُ بِالعَراءِ، وهي إلى أهْلِ نِينَوى مِن ناحِيَةِ المَوْصِلِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: المُرادُ بِهِ ما سَبَقَ مِن إرْسالِهِ إلى قَوْمِهِ، وهم أهْلُ نِينَوى. وقِيلَ: هو إرْسالٌ ثانٍ بَعْدَ ما جَرى إلَيْهِ إلى الأوَّلِينَ، أوْ إلى غَيْرِهِمْ. وقِيلَ: أسْلَمُوا فَسَألُوهُ أنْ يَرْجِعَ إلَيْهِمْ فَأبى؛ لِأنَّ النَّبِيَّ إذا هاجَرَ عَنْ قَوْمِهِ لَمْ يَرْجِعْ إلَيْهِمْ مُقِيمًا فِيهِمْ، فَقالَ لَهم: إنَّ اللَّهَ باعِثٌ إلَيْكم نَبِيًّا. وقَرَأ الجُمْهُورُ (أوْ)، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ بِمَعْنى بَلْ. وقِيلَ: بِمَعْنى الواوِ وبِالواوِ، وقَرَأ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ. وقِيلَ: لِلْإبْهامِ عَلى المُخاطَبِ. وقالَ المُبَرِّدُ وكَثِيرٌ مِنَ البَصْرِيِّينَ: المَعْنى عَلى نَظَرِ البَشَرِ، وحَزْرِهِمْ أنَّ مَن وراءَهم قالَ: هم مِائَةُ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ، وهَذا القَوْلُ لَمْ يَذْكُرِ الزَّمَخْشَرِيُّ غَيْرَهُ. قالَ: أوْ يَزِيدُونَ في مَرْأى النّاظِرِ، إذا رَآها الرّائِي قالَ: هي مِائَةُ ألْفٍ أوْ أكْثَرُ. والغَرَضُ الوَصْفُ بِالكَثْرَةِ، والزِّيادَةُ ثَلاثُونَ ألْفًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ؛ أوْ سَبْعُونَ ألْفًا، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ؛ أوْ عِشْرُونَ ألْفًا، رَواهُ أُبَيٌّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وإذا صَحَّ بَطَلَ ما سِواهُ.
(فَآمَنُوا) رُوِيَ أنَّهم خَرَجُوا بِالأطْفالِ والأوْلادِ والبَهائِمِ، وفَرَّقُوا بَيْنَها وبَيْنَ الأُمَّهاتِ، وناحُوا وضَجُّوا وأخْلَصُوا، فَرَفَعَ اللَّهُ عَنْهم. والتَّمَتُّعُ هُنا هو بِالحَياةِ، والحِينُ آجالُهُمُ السّابِقَةُ في الأزَلِ، قالَهُ قَتادَةُ والسُّدِّيُّ. والضَّمِيرُ في ﴿فاسْتَفْتِهِمْ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَعْطُوفٌ عَلى مِثْلِهِ في أوَّلِ السُّورَةِ، وإنْ تَباعَدَتْ بَيْنَهُما المَسافَةُ. أمَرَ رَسُولَهُ بِاسْتِفْتاءِ قُرَيْشٍ عَنْ وجْهِ إنْكارِ البَعْثِ أوَّلًا، ثُمَّ ساقَ الكَلامَ مَوْصُولًا بَعْضَهُ بِبَعْضٍ، ثُمَّ أمَرَ بِاسْتِفْتائِهِمْ عَنْ وجْهِ القِسْمَةِ الضِّيزى. انْتَهى. ويَبْعُدُ ما قالَهُ مِنَ العَطْفِ.
وإذا كانُوا عَدُّوا الفَصْلَ بِجُمْلَةٍ مِثْلَ قَوْلِكَ: كُلْ لَحْمًا واضْرِبْ زَيْدًا وخُبْزًا، مِن أقْبَحِ التَّرْكِيبِ، فَكَيْفَ بِجُمَلٍ كَثِيرَةٍ وقِصَصٍ مُتَبايِنَةٍ ؟ فالقَوْلُ بِالعَطْفِ لا يَجُوزُ، والِاسْتِفْتاءُ هُنا سُؤالٌ عَلى جِهَةِ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ عَلى قَوْلِهِمُ البُهْتانَ عَلى اللَّهِ، حَيْثُ جَعَلُوا لِلَّهِ الإناثَ في قَوْلِهِمْ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، مَعَ كَراهَتِهِمْ لَهُنَّ، ووَأْدِهِمْ إيّاهُنَّ، واسْتِنْكافِهِمْ مَن ذَكَرَهُنَّ. وارْتَكَبُوا ثَلاثَةَ أنْواعٍ مِنَ الكُفْرِ: التَّجْسِيمُ؛ لِأنَّ الوِلادَةَ مُخْتَصَّةٌ بِالأجْسامِ، وتَفْضِيلُ أنْفُسِهِمْ، حَيْثُ نَسَبُوا أرْفَعَ الجِنْسَيْنِ لَهم وغَيْرَهُ لِلَّهِ تَعالى؛ واسْتِهانَتُهم بِمَن هو مُكَرَّمٌ عِنْدَ اللَّهِ، حَيْثُ أنَّثُوهم، وهُمُ المَلائِكَةُ.
بَدَأ أوَّلًا بِتَوْبِيخِهِمْ عَلى تَفْضِيلِ أنْفُسِهِمْ بِقَوْلِهِ ﴿ألِرَبِّكَ البَناتُ﴾، وعَدَلَ عَنْ قَوْلِهِ (ألِرَبِّكم) لِما في تَرْكِ الإضافَةِ إلَيْهِمْ مِن تَحْسِينِهِمْ وشَرَفِ نَبِيِّهِ بِالإضافَةِ إلَيْهِ. وثَنّى بِأنَّ نِسْبَةَ الأُنُوثَةِ إلى المَلائِكَةِ يَقْتَضِي المُشاهَدَةَ، فَأنْكَرَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ ﴿أمْ خَلَقْنا المَلائِكَةَ إناثًا وهم شاهِدُونَ﴾ أيْ خَلَقْناهم وهم لا يَشْهَدُونَ شَيْئًا مِن حالِهِمْ، كَما قالَ في الأُخْرى ﴿أشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾ [الزخرف: ١٩] وكَما قالَ ﴿ما أشْهَدْتُهم خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ ولا خَلْقَ أنْفُسِهِمْ﴾ [الكهف: ٥١] . ثُمَّ أخْبَرَ عَنْهم ثالِثًا بِأعْظَمِ الكُفْرِ، وهو ادِّعاؤُهم أنَّهُ تَعالى قَدْ ولَدَ، فَبَلَغَ إفْكُهم إلى نِسْبَةِ الوَلَدِ. ولَمّا كانَ هَذا فاحِشًا قالَ ﴿وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ . واحْتَمَلَ أنْ تُخَصَّ هَذِهِ الجُمْلَةُ بِقَوْلِهِمْ ولَدَ اللَّهُ، ويَكُونَ تَأْكِيدًا لِقَوْلِهِ ﴿مِن إفْكِهِمْ﴾ واحْتَمَلَ أنْ يَعُمَّ هَذا القَوْلَ. فَإنْ قُلْتَ: لِمَ قالَ (وهم شاهِدُونَ) فَخَصَّ عِلْمَهم بِالمُشاهَدَةِ ؟ قُلْتُ: ما هو إلّا اسْتِهْزاءٌ وتَجْهِيلٌ كَقَوْلِهِ ﴿أشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾ [الزخرف: ١٩] وذَلِكَ أنَّهم كَما لَمْ يَعْلَمُوا ذَلِكَ بِطَرِيقِ المُشاهَدَةِ، لَمْ يَعْلَمُوهُ بِخَلْقِ اللَّهِ عِلْمَهُ في قُلُوبِهِمْ ولا بِإخْبارٍ صادِقٍ، لا بِطْرِيقِ اسْتِدْلالٍ ولا نَظَرٍ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّهم يَقُولُونَ ذَلِكَ، كالقائِلِ قَوْلًا عَنْ ثَلَجِ صَدْرٍ وطُمَأْنِينَةِ نَفْسٍ لِإفْراطِ جَهْلِهِمْ، كَأنَّهم قَدْ شاهَدُوا خَلْقَهُ. وقُرِأ (ولَدُ اللَّهِ) أيِ المَلائِكَةُ ولَدُهُ، والوَلَدُ فَعَلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ يَقَعُ عَلى الواحِدِ والجَمْعِ والمُذَكِّرِ والمُؤَنَّثِ. تَقُولُ: هَذِهِ ولَدِي، وهَؤُلاءِ ولَدِي. انْتَهى.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: (p-٣٧٧)(أصْطَفى) بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، عَلى طَرِيقَةِ الإنْكارِ والِاسْتِبْعادِ. وقَرَأ نافِعٌ في رِوايَةِ إسْماعِيلَ، وابْنُ جَمّازٍ وجَماعَةٌ، وإسْماعِيلُ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ: بِوَصْلِ الألِفِ، وهو مِن كَلامِ الكُفّارِ. حَكى اللَّهُ تَعالى شَنِيعَ قَوْلِهِمْ، وهو أنَّهم ما كَفاهم أنْ قالُوا ولَدَ اللَّهُ، حَتّى جَعَلُوا ذَلِكَ الوَلَدَ بَناتِ اللَّهِ، واللَّهُ تَعالى اخْتارَهم عَلى البَنِينَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بَدَلًا عَنْ قَوْلِهِمْ ولَدَ اللَّهُ، وقَدْ قَرَأ بِها حَمْزَةُ والأعْمَشُ، وهَذِهِ القِراءَةُ، وإنْ كانَ هَذا مَحْمَلَها، فَهي ضَعِيفَةٌ؛ والَّذِي أضْعَفَها أنَّ الإنْكارَ قَدِ اكْتَنَفَ هَذِهِ الجُمْلَةَ مِن جانِبَيْها، وذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾، ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ . فَمَن جَعَلَها لِلْإثْباتِ فَقَدْ أوْقَعَها دَخِيلَةً بَيْنَ سَبَبَيْنِ، ولَيْسَتْ دَخِيلَةً بَيْنَ نَسِيبَيْنِ، بَلْ لَها مُناسَبَةٌ ظاهِرَةٌ مَعَ قَوْلِهِمْ ولَدَ اللَّهُ. وأمّا قَوْلُهُ ﴿وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ فَهي جُمْلَةُ اعْتِراضٍ بَيْنَ مَقالَتَيِّ الكُفْرِ، جاءَتْ لِلتَّشْدِيدِ والتَّأْكِيدِ في كَوْنِ مَقالَتِهِمْ تِلْكَ هي مِن إفْكِهِمْ.
﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ تَقْرِيعٌ وتَوْبِيخٌ واسْتِفْهامٌ عَنِ البُرْهانِ والحُجَّةِ. وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: تَذْكُرُونَ، بِسُكُونِ الذّالِ وضَمِّ الكافِ.
﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ﴾ أيْ حُجَّةٌ نَزَلَتْ عَلَيْكم مِنَ السَّماءِ، وخَبَرٌ بِأنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ.
﴿فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ﴾ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْكم بِذَلِكَ، كَقَوْلِهِ ﴿أمْ أنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطانًا فَهو يَتَكَلَّمُ بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾ [الروم: ٣٥] .
الصافات 37:156
﴿وإنَّ يُونُسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ أبَقَ إلى الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ ﴿فَساهَمَ فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ﴾ ﴿فالتَقَمَهُ الحُوتُ وهو مُلِيمٌ﴾ ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ ﴿لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ﴿فَنَبَذْناهُ بِالعَراءِ وهو سَقِيمٌ﴾ ﴿وأنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِن يَقْطِينٍ﴾ ﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ﴾ ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾ ﴿فاسْتَفْتِهِمْ ألِرَبِّكَ البَناتُ ولَهُمُ البَنُونَ﴾ ﴿أمْ خَلَقْنا المَلائِكَةَ إناثًا وهم شاهِدُونَ﴾ ﴿ألا إنَّهم مِن إفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ﴾ ﴿ولَدَ اللَّهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ ﴿أاصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ﴾ ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾ ﴿فَأْتُوا بِكِتابِكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (p-٣٧٥)
يُونُسُ بْنُ مَتّى مِن بَنِي إسْرائِيلَ. ورُوِيَ أنَّهُ نُبِّأ وهو ابْنُ ثَمانٍ وعِشْرِينَ سَنَةً، بَعَثَهُ اللَّهُ إلى قَوْمِهِ، فَدَعاهم لِلْإيمانِ فَخالَفُوهُ، فَوَعَدَهم بِالعَذابِ، فَأعْلَمَهُمُ اللَّهُ بِيَوْمِهِ، فَحَدَّدَهُ يُونُسُ لَهم. ثُمَّ إنَّ قَوْمَهُ لَمّا رَأوْا مَخايِلَ العَذابِ قَبْلَ أنْ يُباشِرَهم تابُوا وآمَنُوا، فَتابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وصَرَفَ العَذابَ عَنْهم. وتَقَدَّمَ شَرْحُ قِصَّتِهِ، وأعَدْنا طَرَفًا مِنها لِيُفِيدَ ما بَيْنَ الذِّكْرَيْنِ. قِيلَ: ولَحِقَ يُونُسَ غَضَبٌ، فَأبِقَ إلى رُكُوبِ السَّفِينَةِ فِرارًا مِن قَوْمِهِ، وعَبَّرَ عَنِ الهُرُوبِ بِالإباقِ، إذْ هو عَبْدُ اللَّهِ، خَرَجَ فارًّا مِن غَيْرِ إذْنٍ مِنَ اللَّهِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ لَمّا أبْعَدَتِ السَّفِينَةُ في البَحْرِ، ويُونُسُ فِيها، رَكَدَتْ. فَقالَ أهْلُها: إنَّ فِيها لَمَن يَحْبِسُ اللَّهُ السَّفِينَةَ بِسَبَبِهِ، فَلْنَقْتَرِعْ. فَأخَذُوا لِكُلٍّ سَهْمًا، عَلى أنَّ مَن طَفا سَهْمُهُ فَهو، ومَن غَرِقَ سَهْمُهُ فَلَيْسَ إيّاهُ، فَطَفا سَهْمُ يُونُسَ. فَعَلُوا ذَلِكَ ثَلاثًا، تَقَعُ القَرْعَةُ عَلَيْهِ، فَأجْمَعُوا عَلى أنْ يَطْرَحُوهُ. فَجاءَ إلى رُكْنٍ مِنها لِيَقَعَ مِنها، فَإذا بِدابَّةٍ مِن دَوابِّ البَحْرِ تَرْقُبُهُ وتَرْصُدُ لَهُ. فانْتَقَلَ إلى الرُّكْنِ الآخَرِ، فَوَجَدَها حَتّى اسْتَدارَ بِالمَرْكَبِ وهي لا تُفارِقُهُ، فَعَلِمَ أنَّ ذَلِكَ مِن عِنْدِ اللَّهِ، فَتَرامى إلَيْها فالتَقَمَتْهُ. فَفي قِصَّةِ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ هُنا جُمَلٌ مَحْذُوفَةٌ مُقَدَّرَةٌ قَبْلَ ذِكْرِ فِرارِهِ إلى الفُلْكِ، كَما في قِصَّتِهِ في سُورَةِ الأنْبِياءِ في قَوْلِهِ ﴿إذْ ذَهَبَ مُغاضِبًا﴾ [الأنبياء: ٨٧] هو ما بَعْدَ هَذا، وقَوْلِهِ ﴿فَنادى في الظُّلُماتِ﴾ [الأنبياء: ٨٧] جُمَلٌ مَحْذُوفَةٌ أيْضًا. وبِمَجْمُوعِ القَصَصِ يَتَبَيَّنُ ما حُذِفَ في كُلِّ قِصَّةٍ مِنها.
﴿فَساهَمَ فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ﴾ مِنَ المَغْلُوبِينَ، وحَقِيقَتُهُ مِنَ المُزْلَقِينَ عَنْ مَقامِ الظَّفَرِ في الأسْهامِ. وقُرِئَ ﴿وهُوَ مُلِيمٌ﴾ بِفَتْحِ المِيمِ، وقِياسُهُ مَلُومٌ؛ لِأنَّهُ مِن لُمْتُهُ ألُومُهُ لَوْمًا، فَهو مِن ذَواتِ الواوِ، ولَكِنَّهُ جِيءَ بِهِ عَلى ألِيمٍ، كَما قالُوا: مَشِيبٌ ومَدْعِيٍّ في مَشُوبٍ، ومَدْعُوٍّ بِناءً عَلى شَيَبَ ودَعى.
﴿مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ مِنَ الذّاكِرِينَ اللَّهَ تَعالى بِالتَّسْبِيحِ والتَّقْدِيسِ. والظّاهِرُ أنَّهُ يُرِيدُ ما ذَكَرَ في قَوْلِهِ في سُورَةِ الأنْبِياءِ ﴿فَنادى في الظُّلُماتِ أنْ لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧] . وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: هو قَوْلُهُ سُبْحانَ اللَّهِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: تَسْبِيحُهُ صَلاةُ التَّطَوُّعِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، وأبُو العالِيَةِ: صَلاتُهُ في وقْتِ الرَّخاءِ تَنْفَعُهُ في وقْتِ الشِّدَّةِ. وقالَ الضَّحّاكُ بْنُ قَيْسٍ عَلى مِنبَرِهِ: اذْكُرُوا اللَّهَ في الرَّخاءِ يَذْكُرْكم في الشِّدَّةِ، إنَّ يُونُسَ كانَ عَبْدًا ذاكِرًا، فَلَمّا أصابَتْهُ الشِّدَّةُ نَفَعَهُ ذَلِكَ. قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾، ﴿لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ . وقالَ الحَسَنُ: تَسْبِيحُهُ: صَلاتُهُ في بَطْنِ الحُوتِ. ورُوِيَ أنَّهُ كانَ يَرْفَعُ لَحْمَ الحُوتِ بِيَدَيْهِ يَقُولُ: لَأبْنِيَنَّ لَكَ مَسْجِدًا حَيْثُ لَمْ يَبْنَهِ أحَدٌ قَبْلِي.
ورُوِيَ أنَّ الحُوتَ سافَرَ مَعَ السَّفِينَةِ رافِعًا رَأْسَهُ لِيَتَنَفَّسَ ويُونُسُ يُسَبِّحُ، ولَمْ يُفارِقْهم حَتّى انْتَهَوْا إلى البَرِّ، فَلَفَظَهُ سالِمًا لَمْ يَتَغَيَّرْ مِنهُ شَيْءٌ، فَأسْلَمُوا. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ البَعْثِ، وعَنْ قَتادَةَ: لَكانَ بَطْنُ الحُوتِ لَهُ قَبْرًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ. وذُكِرَ في مُدَّةِ لَبْثِهِ في بَطْنِ الحُوتِ أقْوالًا مُتَكاذِبَةً، ضَرَبْنا عَنْ ذِكْرِها صَفْحًا.
﴿وهُوَ سَقِيمٌ﴾ رُوِيَ أنَّهُ عادَ بَدَنُهُ كَبَدَنِ الصَّبِيِّ حِينَ يُولَدُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والسُّدِّيُّ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو هُرَيْرَةَ، وعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ: اليَقْطِينُ: القَرْعُ خاصَّةً، قِيلَ: وهي الَّتِي أنْبَتَها اللَّهُ عَلَيْهِ، وتَجْمَعُ خِصالًا، بَرَدُ الظِّلِّ، ونُعُومَةُ المَلْمَسِ، وعِظَمُ الوَرَقِ، والذُّبابُ لا يَقْرَبُها. قِيلَ: وماءُ ورَقِهِ إذا رُشَّ بِهِ مَكانٌ لَمْ يَقْرَبْهُ ذُبابٌ، وقالَ أُمَيَّةُ بْنُ أبِي الصَّلْتِ:
؎فَأنْبَتَ يَقْطِينًا عَلَيْهِ بِرَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لَوْلا اللَّهُ ألْفى ضِياعِيا
وفِيما رُوِيَ: إنَّكَ لَتُحِبُّ القَرْعَ، قالَ: أجَلْ، هي شَجَرَةُ أخِي يُونُسَ. وقِيلَ: هي شَجَرَةُ المَوْزِ، تَغَطّى بِوَرَقِها، واسْتَظَلَّ بِأغْصانِها، وأفْطَرَ عَلى ثِمارِها. ومَعْنى ﴿وأنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً﴾ في كَلامِ العَرَبِ: ما كانَ عَلى ساقٍ مِن عُودٍ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اللَّهُ أنْبَتَها ذاتَ ساقٍ يَسْتَظِلُّ بِها وبِوَرَقِها، خَرْقًا لِلْعادَةِ، فَنَبَتَ وصَحَّ وحَسُنَ (p-٣٧٦)وجْهُهُ؛ لِأنَّ ورَقَ القَرْعِ أنْفَعُ شَيْءٍ لِمَن يَنْسَلِخُ جِلْدُهُ.
﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ﴾ قالَ الجُمْهُورُ: رِسالَتُهُ هَذِهِ هي الأُولى الَّتِي أبِقَ بَعْدَها، ذَكَرَها آخِرَ القَصَصِ تَنْبِيهًا عَلى رِسالَتِهِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهُمْ﴾ وتَمْتِيعُ تِلْكَ الأُمَّةِ هو الَّذِي أغْضَبَ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ حَتّى أبَقَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ: هي رِسالَةٌ أُخْرى بَعْدَ أنْ نَبَذَهُ بِالعَراءِ، وهي إلى أهْلِ نِينَوى مِن ناحِيَةِ المَوْصِلِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: المُرادُ بِهِ ما سَبَقَ مِن إرْسالِهِ إلى قَوْمِهِ، وهم أهْلُ نِينَوى. وقِيلَ: هو إرْسالٌ ثانٍ بَعْدَ ما جَرى إلَيْهِ إلى الأوَّلِينَ، أوْ إلى غَيْرِهِمْ. وقِيلَ: أسْلَمُوا فَسَألُوهُ أنْ يَرْجِعَ إلَيْهِمْ فَأبى؛ لِأنَّ النَّبِيَّ إذا هاجَرَ عَنْ قَوْمِهِ لَمْ يَرْجِعْ إلَيْهِمْ مُقِيمًا فِيهِمْ، فَقالَ لَهم: إنَّ اللَّهَ باعِثٌ إلَيْكم نَبِيًّا. وقَرَأ الجُمْهُورُ (أوْ)، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ بِمَعْنى بَلْ. وقِيلَ: بِمَعْنى الواوِ وبِالواوِ، وقَرَأ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ. وقِيلَ: لِلْإبْهامِ عَلى المُخاطَبِ. وقالَ المُبَرِّدُ وكَثِيرٌ مِنَ البَصْرِيِّينَ: المَعْنى عَلى نَظَرِ البَشَرِ، وحَزْرِهِمْ أنَّ مَن وراءَهم قالَ: هم مِائَةُ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ، وهَذا القَوْلُ لَمْ يَذْكُرِ الزَّمَخْشَرِيُّ غَيْرَهُ. قالَ: أوْ يَزِيدُونَ في مَرْأى النّاظِرِ، إذا رَآها الرّائِي قالَ: هي مِائَةُ ألْفٍ أوْ أكْثَرُ. والغَرَضُ الوَصْفُ بِالكَثْرَةِ، والزِّيادَةُ ثَلاثُونَ ألْفًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ؛ أوْ سَبْعُونَ ألْفًا، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ؛ أوْ عِشْرُونَ ألْفًا، رَواهُ أُبَيٌّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وإذا صَحَّ بَطَلَ ما سِواهُ.
(فَآمَنُوا) رُوِيَ أنَّهم خَرَجُوا بِالأطْفالِ والأوْلادِ والبَهائِمِ، وفَرَّقُوا بَيْنَها وبَيْنَ الأُمَّهاتِ، وناحُوا وضَجُّوا وأخْلَصُوا، فَرَفَعَ اللَّهُ عَنْهم. والتَّمَتُّعُ هُنا هو بِالحَياةِ، والحِينُ آجالُهُمُ السّابِقَةُ في الأزَلِ، قالَهُ قَتادَةُ والسُّدِّيُّ. والضَّمِيرُ في ﴿فاسْتَفْتِهِمْ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَعْطُوفٌ عَلى مِثْلِهِ في أوَّلِ السُّورَةِ، وإنْ تَباعَدَتْ بَيْنَهُما المَسافَةُ. أمَرَ رَسُولَهُ بِاسْتِفْتاءِ قُرَيْشٍ عَنْ وجْهِ إنْكارِ البَعْثِ أوَّلًا، ثُمَّ ساقَ الكَلامَ مَوْصُولًا بَعْضَهُ بِبَعْضٍ، ثُمَّ أمَرَ بِاسْتِفْتائِهِمْ عَنْ وجْهِ القِسْمَةِ الضِّيزى. انْتَهى. ويَبْعُدُ ما قالَهُ مِنَ العَطْفِ.
وإذا كانُوا عَدُّوا الفَصْلَ بِجُمْلَةٍ مِثْلَ قَوْلِكَ: كُلْ لَحْمًا واضْرِبْ زَيْدًا وخُبْزًا، مِن أقْبَحِ التَّرْكِيبِ، فَكَيْفَ بِجُمَلٍ كَثِيرَةٍ وقِصَصٍ مُتَبايِنَةٍ ؟ فالقَوْلُ بِالعَطْفِ لا يَجُوزُ، والِاسْتِفْتاءُ هُنا سُؤالٌ عَلى جِهَةِ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ عَلى قَوْلِهِمُ البُهْتانَ عَلى اللَّهِ، حَيْثُ جَعَلُوا لِلَّهِ الإناثَ في قَوْلِهِمْ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، مَعَ كَراهَتِهِمْ لَهُنَّ، ووَأْدِهِمْ إيّاهُنَّ، واسْتِنْكافِهِمْ مَن ذَكَرَهُنَّ. وارْتَكَبُوا ثَلاثَةَ أنْواعٍ مِنَ الكُفْرِ: التَّجْسِيمُ؛ لِأنَّ الوِلادَةَ مُخْتَصَّةٌ بِالأجْسامِ، وتَفْضِيلُ أنْفُسِهِمْ، حَيْثُ نَسَبُوا أرْفَعَ الجِنْسَيْنِ لَهم وغَيْرَهُ لِلَّهِ تَعالى؛ واسْتِهانَتُهم بِمَن هو مُكَرَّمٌ عِنْدَ اللَّهِ، حَيْثُ أنَّثُوهم، وهُمُ المَلائِكَةُ.
بَدَأ أوَّلًا بِتَوْبِيخِهِمْ عَلى تَفْضِيلِ أنْفُسِهِمْ بِقَوْلِهِ ﴿ألِرَبِّكَ البَناتُ﴾، وعَدَلَ عَنْ قَوْلِهِ (ألِرَبِّكم) لِما في تَرْكِ الإضافَةِ إلَيْهِمْ مِن تَحْسِينِهِمْ وشَرَفِ نَبِيِّهِ بِالإضافَةِ إلَيْهِ. وثَنّى بِأنَّ نِسْبَةَ الأُنُوثَةِ إلى المَلائِكَةِ يَقْتَضِي المُشاهَدَةَ، فَأنْكَرَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ ﴿أمْ خَلَقْنا المَلائِكَةَ إناثًا وهم شاهِدُونَ﴾ أيْ خَلَقْناهم وهم لا يَشْهَدُونَ شَيْئًا مِن حالِهِمْ، كَما قالَ في الأُخْرى ﴿أشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾ [الزخرف: ١٩] وكَما قالَ ﴿ما أشْهَدْتُهم خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ ولا خَلْقَ أنْفُسِهِمْ﴾ [الكهف: ٥١] . ثُمَّ أخْبَرَ عَنْهم ثالِثًا بِأعْظَمِ الكُفْرِ، وهو ادِّعاؤُهم أنَّهُ تَعالى قَدْ ولَدَ، فَبَلَغَ إفْكُهم إلى نِسْبَةِ الوَلَدِ. ولَمّا كانَ هَذا فاحِشًا قالَ ﴿وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ . واحْتَمَلَ أنْ تُخَصَّ هَذِهِ الجُمْلَةُ بِقَوْلِهِمْ ولَدَ اللَّهُ، ويَكُونَ تَأْكِيدًا لِقَوْلِهِ ﴿مِن إفْكِهِمْ﴾ واحْتَمَلَ أنْ يَعُمَّ هَذا القَوْلَ. فَإنْ قُلْتَ: لِمَ قالَ (وهم شاهِدُونَ) فَخَصَّ عِلْمَهم بِالمُشاهَدَةِ ؟ قُلْتُ: ما هو إلّا اسْتِهْزاءٌ وتَجْهِيلٌ كَقَوْلِهِ ﴿أشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾ [الزخرف: ١٩] وذَلِكَ أنَّهم كَما لَمْ يَعْلَمُوا ذَلِكَ بِطَرِيقِ المُشاهَدَةِ، لَمْ يَعْلَمُوهُ بِخَلْقِ اللَّهِ عِلْمَهُ في قُلُوبِهِمْ ولا بِإخْبارٍ صادِقٍ، لا بِطْرِيقِ اسْتِدْلالٍ ولا نَظَرٍ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّهم يَقُولُونَ ذَلِكَ، كالقائِلِ قَوْلًا عَنْ ثَلَجِ صَدْرٍ وطُمَأْنِينَةِ نَفْسٍ لِإفْراطِ جَهْلِهِمْ، كَأنَّهم قَدْ شاهَدُوا خَلْقَهُ. وقُرِأ (ولَدُ اللَّهِ) أيِ المَلائِكَةُ ولَدُهُ، والوَلَدُ فَعَلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ يَقَعُ عَلى الواحِدِ والجَمْعِ والمُذَكِّرِ والمُؤَنَّثِ. تَقُولُ: هَذِهِ ولَدِي، وهَؤُلاءِ ولَدِي. انْتَهى.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: (p-٣٧٧)(أصْطَفى) بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، عَلى طَرِيقَةِ الإنْكارِ والِاسْتِبْعادِ. وقَرَأ نافِعٌ في رِوايَةِ إسْماعِيلَ، وابْنُ جَمّازٍ وجَماعَةٌ، وإسْماعِيلُ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ: بِوَصْلِ الألِفِ، وهو مِن كَلامِ الكُفّارِ. حَكى اللَّهُ تَعالى شَنِيعَ قَوْلِهِمْ، وهو أنَّهم ما كَفاهم أنْ قالُوا ولَدَ اللَّهُ، حَتّى جَعَلُوا ذَلِكَ الوَلَدَ بَناتِ اللَّهِ، واللَّهُ تَعالى اخْتارَهم عَلى البَنِينَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بَدَلًا عَنْ قَوْلِهِمْ ولَدَ اللَّهُ، وقَدْ قَرَأ بِها حَمْزَةُ والأعْمَشُ، وهَذِهِ القِراءَةُ، وإنْ كانَ هَذا مَحْمَلَها، فَهي ضَعِيفَةٌ؛ والَّذِي أضْعَفَها أنَّ الإنْكارَ قَدِ اكْتَنَفَ هَذِهِ الجُمْلَةَ مِن جانِبَيْها، وذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾، ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ . فَمَن جَعَلَها لِلْإثْباتِ فَقَدْ أوْقَعَها دَخِيلَةً بَيْنَ سَبَبَيْنِ، ولَيْسَتْ دَخِيلَةً بَيْنَ نَسِيبَيْنِ، بَلْ لَها مُناسَبَةٌ ظاهِرَةٌ مَعَ قَوْلِهِمْ ولَدَ اللَّهُ. وأمّا قَوْلُهُ ﴿وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ فَهي جُمْلَةُ اعْتِراضٍ بَيْنَ مَقالَتَيِّ الكُفْرِ، جاءَتْ لِلتَّشْدِيدِ والتَّأْكِيدِ في كَوْنِ مَقالَتِهِمْ تِلْكَ هي مِن إفْكِهِمْ.
﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ تَقْرِيعٌ وتَوْبِيخٌ واسْتِفْهامٌ عَنِ البُرْهانِ والحُجَّةِ. وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: تَذْكُرُونَ، بِسُكُونِ الذّالِ وضَمِّ الكافِ.
﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ﴾ أيْ حُجَّةٌ نَزَلَتْ عَلَيْكم مِنَ السَّماءِ، وخَبَرٌ بِأنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ.
﴿فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ﴾ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْكم بِذَلِكَ، كَقَوْلِهِ ﴿أمْ أنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطانًا فَهو يَتَكَلَّمُ بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾ [الروم: ٣٥] .
الصافات 37:157
﴿وإنَّ يُونُسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ أبَقَ إلى الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ ﴿فَساهَمَ فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ﴾ ﴿فالتَقَمَهُ الحُوتُ وهو مُلِيمٌ﴾ ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ ﴿لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ﴿فَنَبَذْناهُ بِالعَراءِ وهو سَقِيمٌ﴾ ﴿وأنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِن يَقْطِينٍ﴾ ﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ﴾ ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾ ﴿فاسْتَفْتِهِمْ ألِرَبِّكَ البَناتُ ولَهُمُ البَنُونَ﴾ ﴿أمْ خَلَقْنا المَلائِكَةَ إناثًا وهم شاهِدُونَ﴾ ﴿ألا إنَّهم مِن إفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ﴾ ﴿ولَدَ اللَّهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ ﴿أاصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ﴾ ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾ ﴿فَأْتُوا بِكِتابِكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (p-٣٧٥)
يُونُسُ بْنُ مَتّى مِن بَنِي إسْرائِيلَ. ورُوِيَ أنَّهُ نُبِّأ وهو ابْنُ ثَمانٍ وعِشْرِينَ سَنَةً، بَعَثَهُ اللَّهُ إلى قَوْمِهِ، فَدَعاهم لِلْإيمانِ فَخالَفُوهُ، فَوَعَدَهم بِالعَذابِ، فَأعْلَمَهُمُ اللَّهُ بِيَوْمِهِ، فَحَدَّدَهُ يُونُسُ لَهم. ثُمَّ إنَّ قَوْمَهُ لَمّا رَأوْا مَخايِلَ العَذابِ قَبْلَ أنْ يُباشِرَهم تابُوا وآمَنُوا، فَتابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وصَرَفَ العَذابَ عَنْهم. وتَقَدَّمَ شَرْحُ قِصَّتِهِ، وأعَدْنا طَرَفًا مِنها لِيُفِيدَ ما بَيْنَ الذِّكْرَيْنِ. قِيلَ: ولَحِقَ يُونُسَ غَضَبٌ، فَأبِقَ إلى رُكُوبِ السَّفِينَةِ فِرارًا مِن قَوْمِهِ، وعَبَّرَ عَنِ الهُرُوبِ بِالإباقِ، إذْ هو عَبْدُ اللَّهِ، خَرَجَ فارًّا مِن غَيْرِ إذْنٍ مِنَ اللَّهِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ لَمّا أبْعَدَتِ السَّفِينَةُ في البَحْرِ، ويُونُسُ فِيها، رَكَدَتْ. فَقالَ أهْلُها: إنَّ فِيها لَمَن يَحْبِسُ اللَّهُ السَّفِينَةَ بِسَبَبِهِ، فَلْنَقْتَرِعْ. فَأخَذُوا لِكُلٍّ سَهْمًا، عَلى أنَّ مَن طَفا سَهْمُهُ فَهو، ومَن غَرِقَ سَهْمُهُ فَلَيْسَ إيّاهُ، فَطَفا سَهْمُ يُونُسَ. فَعَلُوا ذَلِكَ ثَلاثًا، تَقَعُ القَرْعَةُ عَلَيْهِ، فَأجْمَعُوا عَلى أنْ يَطْرَحُوهُ. فَجاءَ إلى رُكْنٍ مِنها لِيَقَعَ مِنها، فَإذا بِدابَّةٍ مِن دَوابِّ البَحْرِ تَرْقُبُهُ وتَرْصُدُ لَهُ. فانْتَقَلَ إلى الرُّكْنِ الآخَرِ، فَوَجَدَها حَتّى اسْتَدارَ بِالمَرْكَبِ وهي لا تُفارِقُهُ، فَعَلِمَ أنَّ ذَلِكَ مِن عِنْدِ اللَّهِ، فَتَرامى إلَيْها فالتَقَمَتْهُ. فَفي قِصَّةِ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ هُنا جُمَلٌ مَحْذُوفَةٌ مُقَدَّرَةٌ قَبْلَ ذِكْرِ فِرارِهِ إلى الفُلْكِ، كَما في قِصَّتِهِ في سُورَةِ الأنْبِياءِ في قَوْلِهِ ﴿إذْ ذَهَبَ مُغاضِبًا﴾ [الأنبياء: ٨٧] هو ما بَعْدَ هَذا، وقَوْلِهِ ﴿فَنادى في الظُّلُماتِ﴾ [الأنبياء: ٨٧] جُمَلٌ مَحْذُوفَةٌ أيْضًا. وبِمَجْمُوعِ القَصَصِ يَتَبَيَّنُ ما حُذِفَ في كُلِّ قِصَّةٍ مِنها.
﴿فَساهَمَ فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ﴾ مِنَ المَغْلُوبِينَ، وحَقِيقَتُهُ مِنَ المُزْلَقِينَ عَنْ مَقامِ الظَّفَرِ في الأسْهامِ. وقُرِئَ ﴿وهُوَ مُلِيمٌ﴾ بِفَتْحِ المِيمِ، وقِياسُهُ مَلُومٌ؛ لِأنَّهُ مِن لُمْتُهُ ألُومُهُ لَوْمًا، فَهو مِن ذَواتِ الواوِ، ولَكِنَّهُ جِيءَ بِهِ عَلى ألِيمٍ، كَما قالُوا: مَشِيبٌ ومَدْعِيٍّ في مَشُوبٍ، ومَدْعُوٍّ بِناءً عَلى شَيَبَ ودَعى.
﴿مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ مِنَ الذّاكِرِينَ اللَّهَ تَعالى بِالتَّسْبِيحِ والتَّقْدِيسِ. والظّاهِرُ أنَّهُ يُرِيدُ ما ذَكَرَ في قَوْلِهِ في سُورَةِ الأنْبِياءِ ﴿فَنادى في الظُّلُماتِ أنْ لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧] . وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: هو قَوْلُهُ سُبْحانَ اللَّهِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: تَسْبِيحُهُ صَلاةُ التَّطَوُّعِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، وأبُو العالِيَةِ: صَلاتُهُ في وقْتِ الرَّخاءِ تَنْفَعُهُ في وقْتِ الشِّدَّةِ. وقالَ الضَّحّاكُ بْنُ قَيْسٍ عَلى مِنبَرِهِ: اذْكُرُوا اللَّهَ في الرَّخاءِ يَذْكُرْكم في الشِّدَّةِ، إنَّ يُونُسَ كانَ عَبْدًا ذاكِرًا، فَلَمّا أصابَتْهُ الشِّدَّةُ نَفَعَهُ ذَلِكَ. قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾، ﴿لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ . وقالَ الحَسَنُ: تَسْبِيحُهُ: صَلاتُهُ في بَطْنِ الحُوتِ. ورُوِيَ أنَّهُ كانَ يَرْفَعُ لَحْمَ الحُوتِ بِيَدَيْهِ يَقُولُ: لَأبْنِيَنَّ لَكَ مَسْجِدًا حَيْثُ لَمْ يَبْنَهِ أحَدٌ قَبْلِي.
ورُوِيَ أنَّ الحُوتَ سافَرَ مَعَ السَّفِينَةِ رافِعًا رَأْسَهُ لِيَتَنَفَّسَ ويُونُسُ يُسَبِّحُ، ولَمْ يُفارِقْهم حَتّى انْتَهَوْا إلى البَرِّ، فَلَفَظَهُ سالِمًا لَمْ يَتَغَيَّرْ مِنهُ شَيْءٌ، فَأسْلَمُوا. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ البَعْثِ، وعَنْ قَتادَةَ: لَكانَ بَطْنُ الحُوتِ لَهُ قَبْرًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ. وذُكِرَ في مُدَّةِ لَبْثِهِ في بَطْنِ الحُوتِ أقْوالًا مُتَكاذِبَةً، ضَرَبْنا عَنْ ذِكْرِها صَفْحًا.
﴿وهُوَ سَقِيمٌ﴾ رُوِيَ أنَّهُ عادَ بَدَنُهُ كَبَدَنِ الصَّبِيِّ حِينَ يُولَدُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والسُّدِّيُّ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو هُرَيْرَةَ، وعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ: اليَقْطِينُ: القَرْعُ خاصَّةً، قِيلَ: وهي الَّتِي أنْبَتَها اللَّهُ عَلَيْهِ، وتَجْمَعُ خِصالًا، بَرَدُ الظِّلِّ، ونُعُومَةُ المَلْمَسِ، وعِظَمُ الوَرَقِ، والذُّبابُ لا يَقْرَبُها. قِيلَ: وماءُ ورَقِهِ إذا رُشَّ بِهِ مَكانٌ لَمْ يَقْرَبْهُ ذُبابٌ، وقالَ أُمَيَّةُ بْنُ أبِي الصَّلْتِ:
؎فَأنْبَتَ يَقْطِينًا عَلَيْهِ بِرَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لَوْلا اللَّهُ ألْفى ضِياعِيا
وفِيما رُوِيَ: إنَّكَ لَتُحِبُّ القَرْعَ، قالَ: أجَلْ، هي شَجَرَةُ أخِي يُونُسَ. وقِيلَ: هي شَجَرَةُ المَوْزِ، تَغَطّى بِوَرَقِها، واسْتَظَلَّ بِأغْصانِها، وأفْطَرَ عَلى ثِمارِها. ومَعْنى ﴿وأنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً﴾ في كَلامِ العَرَبِ: ما كانَ عَلى ساقٍ مِن عُودٍ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اللَّهُ أنْبَتَها ذاتَ ساقٍ يَسْتَظِلُّ بِها وبِوَرَقِها، خَرْقًا لِلْعادَةِ، فَنَبَتَ وصَحَّ وحَسُنَ (p-٣٧٦)وجْهُهُ؛ لِأنَّ ورَقَ القَرْعِ أنْفَعُ شَيْءٍ لِمَن يَنْسَلِخُ جِلْدُهُ.
﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ﴾ قالَ الجُمْهُورُ: رِسالَتُهُ هَذِهِ هي الأُولى الَّتِي أبِقَ بَعْدَها، ذَكَرَها آخِرَ القَصَصِ تَنْبِيهًا عَلى رِسالَتِهِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهُمْ﴾ وتَمْتِيعُ تِلْكَ الأُمَّةِ هو الَّذِي أغْضَبَ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ حَتّى أبَقَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ: هي رِسالَةٌ أُخْرى بَعْدَ أنْ نَبَذَهُ بِالعَراءِ، وهي إلى أهْلِ نِينَوى مِن ناحِيَةِ المَوْصِلِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: المُرادُ بِهِ ما سَبَقَ مِن إرْسالِهِ إلى قَوْمِهِ، وهم أهْلُ نِينَوى. وقِيلَ: هو إرْسالٌ ثانٍ بَعْدَ ما جَرى إلَيْهِ إلى الأوَّلِينَ، أوْ إلى غَيْرِهِمْ. وقِيلَ: أسْلَمُوا فَسَألُوهُ أنْ يَرْجِعَ إلَيْهِمْ فَأبى؛ لِأنَّ النَّبِيَّ إذا هاجَرَ عَنْ قَوْمِهِ لَمْ يَرْجِعْ إلَيْهِمْ مُقِيمًا فِيهِمْ، فَقالَ لَهم: إنَّ اللَّهَ باعِثٌ إلَيْكم نَبِيًّا. وقَرَأ الجُمْهُورُ (أوْ)، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ بِمَعْنى بَلْ. وقِيلَ: بِمَعْنى الواوِ وبِالواوِ، وقَرَأ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ. وقِيلَ: لِلْإبْهامِ عَلى المُخاطَبِ. وقالَ المُبَرِّدُ وكَثِيرٌ مِنَ البَصْرِيِّينَ: المَعْنى عَلى نَظَرِ البَشَرِ، وحَزْرِهِمْ أنَّ مَن وراءَهم قالَ: هم مِائَةُ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ، وهَذا القَوْلُ لَمْ يَذْكُرِ الزَّمَخْشَرِيُّ غَيْرَهُ. قالَ: أوْ يَزِيدُونَ في مَرْأى النّاظِرِ، إذا رَآها الرّائِي قالَ: هي مِائَةُ ألْفٍ أوْ أكْثَرُ. والغَرَضُ الوَصْفُ بِالكَثْرَةِ، والزِّيادَةُ ثَلاثُونَ ألْفًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ؛ أوْ سَبْعُونَ ألْفًا، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ؛ أوْ عِشْرُونَ ألْفًا، رَواهُ أُبَيٌّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وإذا صَحَّ بَطَلَ ما سِواهُ.
(فَآمَنُوا) رُوِيَ أنَّهم خَرَجُوا بِالأطْفالِ والأوْلادِ والبَهائِمِ، وفَرَّقُوا بَيْنَها وبَيْنَ الأُمَّهاتِ، وناحُوا وضَجُّوا وأخْلَصُوا، فَرَفَعَ اللَّهُ عَنْهم. والتَّمَتُّعُ هُنا هو بِالحَياةِ، والحِينُ آجالُهُمُ السّابِقَةُ في الأزَلِ، قالَهُ قَتادَةُ والسُّدِّيُّ. والضَّمِيرُ في ﴿فاسْتَفْتِهِمْ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَعْطُوفٌ عَلى مِثْلِهِ في أوَّلِ السُّورَةِ، وإنْ تَباعَدَتْ بَيْنَهُما المَسافَةُ. أمَرَ رَسُولَهُ بِاسْتِفْتاءِ قُرَيْشٍ عَنْ وجْهِ إنْكارِ البَعْثِ أوَّلًا، ثُمَّ ساقَ الكَلامَ مَوْصُولًا بَعْضَهُ بِبَعْضٍ، ثُمَّ أمَرَ بِاسْتِفْتائِهِمْ عَنْ وجْهِ القِسْمَةِ الضِّيزى. انْتَهى. ويَبْعُدُ ما قالَهُ مِنَ العَطْفِ.
وإذا كانُوا عَدُّوا الفَصْلَ بِجُمْلَةٍ مِثْلَ قَوْلِكَ: كُلْ لَحْمًا واضْرِبْ زَيْدًا وخُبْزًا، مِن أقْبَحِ التَّرْكِيبِ، فَكَيْفَ بِجُمَلٍ كَثِيرَةٍ وقِصَصٍ مُتَبايِنَةٍ ؟ فالقَوْلُ بِالعَطْفِ لا يَجُوزُ، والِاسْتِفْتاءُ هُنا سُؤالٌ عَلى جِهَةِ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ عَلى قَوْلِهِمُ البُهْتانَ عَلى اللَّهِ، حَيْثُ جَعَلُوا لِلَّهِ الإناثَ في قَوْلِهِمْ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، مَعَ كَراهَتِهِمْ لَهُنَّ، ووَأْدِهِمْ إيّاهُنَّ، واسْتِنْكافِهِمْ مَن ذَكَرَهُنَّ. وارْتَكَبُوا ثَلاثَةَ أنْواعٍ مِنَ الكُفْرِ: التَّجْسِيمُ؛ لِأنَّ الوِلادَةَ مُخْتَصَّةٌ بِالأجْسامِ، وتَفْضِيلُ أنْفُسِهِمْ، حَيْثُ نَسَبُوا أرْفَعَ الجِنْسَيْنِ لَهم وغَيْرَهُ لِلَّهِ تَعالى؛ واسْتِهانَتُهم بِمَن هو مُكَرَّمٌ عِنْدَ اللَّهِ، حَيْثُ أنَّثُوهم، وهُمُ المَلائِكَةُ.
بَدَأ أوَّلًا بِتَوْبِيخِهِمْ عَلى تَفْضِيلِ أنْفُسِهِمْ بِقَوْلِهِ ﴿ألِرَبِّكَ البَناتُ﴾، وعَدَلَ عَنْ قَوْلِهِ (ألِرَبِّكم) لِما في تَرْكِ الإضافَةِ إلَيْهِمْ مِن تَحْسِينِهِمْ وشَرَفِ نَبِيِّهِ بِالإضافَةِ إلَيْهِ. وثَنّى بِأنَّ نِسْبَةَ الأُنُوثَةِ إلى المَلائِكَةِ يَقْتَضِي المُشاهَدَةَ، فَأنْكَرَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ ﴿أمْ خَلَقْنا المَلائِكَةَ إناثًا وهم شاهِدُونَ﴾ أيْ خَلَقْناهم وهم لا يَشْهَدُونَ شَيْئًا مِن حالِهِمْ، كَما قالَ في الأُخْرى ﴿أشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾ [الزخرف: ١٩] وكَما قالَ ﴿ما أشْهَدْتُهم خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ ولا خَلْقَ أنْفُسِهِمْ﴾ [الكهف: ٥١] . ثُمَّ أخْبَرَ عَنْهم ثالِثًا بِأعْظَمِ الكُفْرِ، وهو ادِّعاؤُهم أنَّهُ تَعالى قَدْ ولَدَ، فَبَلَغَ إفْكُهم إلى نِسْبَةِ الوَلَدِ. ولَمّا كانَ هَذا فاحِشًا قالَ ﴿وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ . واحْتَمَلَ أنْ تُخَصَّ هَذِهِ الجُمْلَةُ بِقَوْلِهِمْ ولَدَ اللَّهُ، ويَكُونَ تَأْكِيدًا لِقَوْلِهِ ﴿مِن إفْكِهِمْ﴾ واحْتَمَلَ أنْ يَعُمَّ هَذا القَوْلَ. فَإنْ قُلْتَ: لِمَ قالَ (وهم شاهِدُونَ) فَخَصَّ عِلْمَهم بِالمُشاهَدَةِ ؟ قُلْتُ: ما هو إلّا اسْتِهْزاءٌ وتَجْهِيلٌ كَقَوْلِهِ ﴿أشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾ [الزخرف: ١٩] وذَلِكَ أنَّهم كَما لَمْ يَعْلَمُوا ذَلِكَ بِطَرِيقِ المُشاهَدَةِ، لَمْ يَعْلَمُوهُ بِخَلْقِ اللَّهِ عِلْمَهُ في قُلُوبِهِمْ ولا بِإخْبارٍ صادِقٍ، لا بِطْرِيقِ اسْتِدْلالٍ ولا نَظَرٍ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّهم يَقُولُونَ ذَلِكَ، كالقائِلِ قَوْلًا عَنْ ثَلَجِ صَدْرٍ وطُمَأْنِينَةِ نَفْسٍ لِإفْراطِ جَهْلِهِمْ، كَأنَّهم قَدْ شاهَدُوا خَلْقَهُ. وقُرِأ (ولَدُ اللَّهِ) أيِ المَلائِكَةُ ولَدُهُ، والوَلَدُ فَعَلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ يَقَعُ عَلى الواحِدِ والجَمْعِ والمُذَكِّرِ والمُؤَنَّثِ. تَقُولُ: هَذِهِ ولَدِي، وهَؤُلاءِ ولَدِي. انْتَهى.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: (p-٣٧٧)(أصْطَفى) بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، عَلى طَرِيقَةِ الإنْكارِ والِاسْتِبْعادِ. وقَرَأ نافِعٌ في رِوايَةِ إسْماعِيلَ، وابْنُ جَمّازٍ وجَماعَةٌ، وإسْماعِيلُ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ: بِوَصْلِ الألِفِ، وهو مِن كَلامِ الكُفّارِ. حَكى اللَّهُ تَعالى شَنِيعَ قَوْلِهِمْ، وهو أنَّهم ما كَفاهم أنْ قالُوا ولَدَ اللَّهُ، حَتّى جَعَلُوا ذَلِكَ الوَلَدَ بَناتِ اللَّهِ، واللَّهُ تَعالى اخْتارَهم عَلى البَنِينَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بَدَلًا عَنْ قَوْلِهِمْ ولَدَ اللَّهُ، وقَدْ قَرَأ بِها حَمْزَةُ والأعْمَشُ، وهَذِهِ القِراءَةُ، وإنْ كانَ هَذا مَحْمَلَها، فَهي ضَعِيفَةٌ؛ والَّذِي أضْعَفَها أنَّ الإنْكارَ قَدِ اكْتَنَفَ هَذِهِ الجُمْلَةَ مِن جانِبَيْها، وذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾، ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ . فَمَن جَعَلَها لِلْإثْباتِ فَقَدْ أوْقَعَها دَخِيلَةً بَيْنَ سَبَبَيْنِ، ولَيْسَتْ دَخِيلَةً بَيْنَ نَسِيبَيْنِ، بَلْ لَها مُناسَبَةٌ ظاهِرَةٌ مَعَ قَوْلِهِمْ ولَدَ اللَّهُ. وأمّا قَوْلُهُ ﴿وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ فَهي جُمْلَةُ اعْتِراضٍ بَيْنَ مَقالَتَيِّ الكُفْرِ، جاءَتْ لِلتَّشْدِيدِ والتَّأْكِيدِ في كَوْنِ مَقالَتِهِمْ تِلْكَ هي مِن إفْكِهِمْ.
﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ تَقْرِيعٌ وتَوْبِيخٌ واسْتِفْهامٌ عَنِ البُرْهانِ والحُجَّةِ. وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: تَذْكُرُونَ، بِسُكُونِ الذّالِ وضَمِّ الكافِ.
﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ﴾ أيْ حُجَّةٌ نَزَلَتْ عَلَيْكم مِنَ السَّماءِ، وخَبَرٌ بِأنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ.
﴿فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ﴾ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْكم بِذَلِكَ، كَقَوْلِهِ ﴿أمْ أنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطانًا فَهو يَتَكَلَّمُ بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾ [الروم: ٣٥] .
الصافات 37:158
﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا ولَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ إنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ ﴿سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ ﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ﴾ ﴿ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ﴾ ﴿إلّا مَن هو صالِي الجَحِيمِ﴾ ﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾ ﴿وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾ ﴿وإنْ كانُوا لَيَقُولُونَ﴾ ﴿لَوْ أنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿لَكُنّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ ﴿فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ﴾ ﴿وإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ﴾ ﴿فَتَوَلَّ عَنْهم حَتّى حِينٍ﴾ ﴿وأبْصِرْهم فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ ﴿فَإذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ فَساءَ صَباحُ المُنْذَرِينَ﴾ ﴿وتَوَلَّ عَنْهم حَتّى حِينٍ﴾ ﴿وأبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ ﴿وسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ﴾ ﴿والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ (p-٣٧٨)
الظّاهِرُ أنَّ الجِنَّةَ هُمُ الشَّياطِينُ، وعَنِ الكُفّارِ في ذَلِكَ مَقالاتٌ شَنِيعَةٌ. مِنها أنَّهُ تَعالى صاهَرَ سَرَواتِ الجِنِّ، فَوَلَدَ مِنهُمُ المَلائِكَةَ، وهم فِرْقَةٌ مِن بَنِي مُدْلِجٍ، وشافَهَ بِذَلِكَ بَعْضُ الكُفّارِ أبا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ.
﴿ولَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ﴾ أيِ الشَّياطِينُ، أنَّها مُحْضَرَةٌ أمْرَ اللَّهِ مِن ثَوابٍ وعِقابٍ، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إذا فُسِّرَتِ الجِنَّةُ بِالشَّياطِينِ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ في ﴿إنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ لَهم. والمَعْنى أنَّ الشَّياطِينَ عالِمُونَ أنَّ اللَّهَ يُحْضِرُهُمُ النّارَ ويُعَذِّبُهم، ولَوْ كانُوا مُناسِبِينَ لَهُ، أوْ شُرَكاءَ في وُجُوبِ الطّاعَةِ لَما عَذَّبَهم. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في (وجَعَلُوا) لِفِرْقَةٍ مِن كُفّارِ قُرَيْشٍ والعَرَبِ، والجِنَّةُ: المَلائِكَةُ، سُمُّوا بِذَلِكَ لِاجْتِنانِهِمْ وخَفائِهِمْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإنَّما ذَكَرَهم بِهَذا الِاسْمِ وضْعًا مِنهم وتَصْغِيرًا لَهم، وإنْ كانُوا مُعَظَّمِينَ في أنْفُسِهِمْ أنْ يَبْلُغُوا مَنزِلَةَ المُناسَبَةِ الَّتِي أضافُوها إلَيْهِمْ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ مَن صِفَتُهُ الِاجْتِنانُ والِاسْتِتارُ، وهو مِن صِفاتِ الأجْرامِ، لا يَصِحُّ أنْ يُناسِبَ مَن لا يَجُوزُ عَلَيْهِ ذَلِكَ. انْتَهى.
﴿ولَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ﴾ أيِ المَلائِكَةُ، (أنَّهم) أيِ الكَفَرَةُ المُدَّعِينَ نِسْبَةً بَيْنَ المَلائِكَةِ وبَيْنَ اللَّهِ تَعالى، مُحْضَرُونَ النّارَ، يُعَذَّبُونَ بِما يَقُولُونَ. وأُضِيفَ ذَلِكَ إلى عِلْمِ مَن نُسِبُوا لِذَلِكَ، مُبالَغَةً في تَكْذِيبِ النّاسِبِينَ. ثُمَّ نَزَّهَ تَعالى نَفْسَهُ عَنِ الوَصْفِ الَّذِي لا يَلِيقُ بِهِ، ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ﴾، فَإنَّهم يَصِفُونَهُ بِصِفاتِهِ. وأمّا مِنَ المُحْضَرُونَ، أيْ إلّا عِبادَ اللَّهِ، فَإنَّهم ناجُونَ مُدَّةَ العَذابِ، وتَكُونُ جُمْلَةُ التَّنْزِيهِ اعْتِراضًا عَلى كِلا القَوْلَيْنِ، فالِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ. والظّاهِرُ أنَّ الواوَ في ﴿وما تَعْبُدُونَ﴾ لِلْعَطْفِ، عَطَفَتْ ما تَعْبُدُونَ عَلى الضَّمِيرِ في إنَّكم، وأنَّ الضَّمِيرَ في عَلَيْهِ عائِدٌ عَلى (ما)، والمَعْنى: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ: وما تَعْبُدُونَ مِنَ الأصْنامِ ما أنْتُمْ وهم، وغَلَبَ الخِطابُ. كَما تَقُولُ: أنْتَ وزَيْدٌ تَخْرُجانِ عَلَيْهِ، أيْ عَلى عِبادَةِ مَعْبُودِكم.
﴿بِفاتِنِينَ﴾ أيْ بِحامِلِينَ بِالفِتْنَةِ عِبادَهُ، إلّا مَن قَدَّرَ اللَّهُ في سابِقِ عِلْمِهِ أنَّهُ مِن أهْلِ النّارِ. والضَّمِيرُ في (عَلَيْهِ) عائِدٌ عَلى ما عَلى حَذْفِ مُضافٍ، كَما قُلْنا، أيْ عَلى عِبادَتِهِ. وضُمِّنَ (فاتِنِينَ) مَعْنى: حامِلِينَ بِالفِتْنَةِ، و(مَن) مَفْعُولَةٌ بِـ (فاتِنِينَ)، فُرِّغَ لَهُ العامِلُ إذْ لَمْ يَكُنْ بِـ (فاتِنِينَ) مَفْعُولًا. وقِيلَ: عَلَيْهِ بِمَعْنى: أيْ ما أنْتُمْ بِالَّذِي تَعْبُدُونَ بِـ (فاتِنِينَ)، وبِهِ مُتَعَلِّقٌ بِـ (فاتِنِينَ)، المَعْنى: ما أنْتُمْ (فاتِنِينَ) بِذَلِكَ الَّذِي عَبَدْتُمُوهُ إلّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَدَرُ أنَّهُ يَدْخُلُ النّارَ. وجَعَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ الضَّمِيرَ في (عَلَيْهِ) عائِدًا عَلى اللَّهِ، قالَ فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ يَفْتِنُونَهم عَلى اللَّهِ ؟ قُلْتُ: يُفْسِدُونَهم عَلَيْهِ بِإغْوائِهِمْ واسْتِهْوائِهِمْ مِن قَوْلِكَ: فَتَنَ فُلانٌ عَلى فُلانٍ امْرَأتَهُ، كَما تَقُولُ: أفْسَدَها عَلَيْهِ وخَيَّبَها عَلَيْهِ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الواوُ في ﴿وما تَعْبُدُونَ﴾ بِمَعْنى (مَعَ) مِثْلُها في قَوْلِهِمْ: كُلُّ رَجُلٍ وضَيْعَتُهُ. فَكَما جازَ السُّكُوتُ عَلى كُلِّ رَجُلٍ وضَيْعَتُهُ، جازَ أنْ يُسْكَتَ عَلى قَوْلِهِ ﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ﴾؛ لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿وما تَعْبُدُونَ﴾ سادٌّ مَسَدَّ الخَبَرِ؛ لِأنَّ مَعْناهُ فَإنَّكم مَعَ ما تَعْبُدُونَ، والمَعْنى: فَإنَّكم مَعَ آلِهَتِكم، أيْ فَإنَّكم قُرَناؤُهم وأصْحابُهم لا تَبْرَحُونَ تَعْبُدُونَهم. ثُمَّ قالَ ﴿ما أنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ أيْ عَلى ما تَعْبُدُونَ، ﴿بِفاتِنِينَ﴾ بِباعِثِينَ أوْ حامِلِينَ عَلى طَرِيقِ الفِتْنَةِ والإضْلالِ، إلّا مَن هو ضالٌّ مِنكم. انْتَهى. وكَوْنُ الواوِ في ﴿وما تَعْبُدُونَ﴾ واوَ (مَعَ) غَيْرُ مُتَبادِرٍ إلى الذِّهْنِ، وقَطْعُ (p-٣٧٩)﴿ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ﴾ عَنْ (إنَّكم وما تَعْبُدُونَ) لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّ اتِّصافَهُ بِهِ هو السّابِقُ إلى الفَهْمِ مَعَ صِحَّةِ المَعْنى، فَلا يَنْبَغِي العُدُولُ عَنْهُ.
وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: (صالُوا الجَحِيمَ) بِالواوِ، وهَكَذا في كِتابِ الكامِلِ لِلْهُذَلِيِّ. وفي كِتابِ ابْنِ خالَوَيْهِ عَنْهُما: (صالَ) مَكْتُوبًا بِغَيْرِ واوٍ، وفي كِتابِ ابْنِ عَطِيَّةَ. وقَرَأ الحَسَنُ: (صالُوا) مَكْتُوبًا بِالواوِ؛ وفي كِتابِ اللَّوامِحِ وكِتابِ الزَّمَخْشَرِيِّ عَنِ الحَسَنِ: (صالَ) مَكْتُوبًا بِغَيْرِ واوٍ. فَمَن أثْبَتَ الواوَ فَهو جَمْعُ سَلامَةٍ سَقَطَتِ النُّونُ لِلْإضافَةِ. حُمِلَ أوَّلًا عَلى لَفْظِ (مَن) فَأُفْرِدَ، ثُمَّ ثانِيًا عَلى مَعْناها فَجُمِعَ، كَقَوْلِهِ ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللَّهِ وبِاليَوْمِ الآخِرِ وما هم بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٨]، حُمِلَ في (يَقُولُ) عَلى لَفْظِ (مَن)، وفي (وما هم) عَلى المَعْنى، واجْتَمَعَ الحَمْلُ عَلى اللَّفْظِ، والمَعْنى في جُمْلَةٍ واحِدَةٍ، وهي صِلَةٌ لِلْمَوْصُولِ، كَقَوْلِهِ ﴿إلّا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى﴾ [البقرة: ١١١] . وقَوْلُ الشّاعِرِ:
وأيْقَظَ مَن كانَ مِنكم نِياما
ومَن لَمْ يُثْبِتِ الواوَ احْتَمَلَ أنْ يَكُونَ جَمْعًا، وحُذِفَتِ الواوُ خَطَأً، كَما حُذِفَتْ في حالَةِ الوَصْلِ لَفْظًا لِأجْلِ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ. واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ صالَ مُفْرَدًا حُذِفَتْ لامُهُ تَخْفِيفًا، وجَرى الإعْرابُ في عَيْنِهِ، كَما حُذِفَ مِن قَوْلِهِ ﴿وجَنى الجَنَّتَيْنِ دانٍ﴾ [الرحمن: ٥٤]، ﴿ولَهُ الجَوارِي المُنْشَآتُ﴾ [الرحمن: ٢٤]، بِرَفْعِ النُّونِ والجَوارِ، وقالُوا: ما بالَيْتُ بِهِ بالَةً، أيْ بالِيَةً مِن بالى، كَعافِيَةٍ مِن عافى، فَحُذِفَتْ لامُ (بالَيْتُ وبالِيَةٍ) . وقالُوا: بالَةٌ وبالٍ، بِحَذْفِ اللّامِ فِيهِما. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقَدْ وجَّهَ نَحْوًا مِنَ الوَجْهَيْنِ السّابِقَيْنِ وجَعَلَهُما أوَّلًا وثالِثًا فَقالَ: والثّانِي أنْ يَكُونَ أصْلُهُ صائِلًا عَلى القَلْبِ، ثُمَّ يُقالُ: صالٌ في صائِلٍ، كَقَوْلِهِمْ: شاكٌّ في شائِكٍ. انْتَهى.
﴿وما مِنّا﴾ أيْ أحَدٌ، ﴿إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ أيْ مَقامٌ في العِبادَةِ والِانْتِهاءِ إلى أمْرِ اللَّهِ، مَقْصُورٌ عَلَيْهِ لا يَتَجاوَزُهُ. كَما رُوِيَ: فَمِنهم راكِعٌ لا يُقِيمُ ظَهْرَهُ، وساجِدٌ لا يَرْفَعُ رَأْسَهُ، وهَذا قَوْلُ المَلائِكَةِ، وهو يُقَوِّي قَوْلَ مَن جَعَلَ الجِنَّةَ هُمُ المَلائِكَةُ تَبَرَّئُوا عَنْ ما نَسَبَ إلَيْهِمُ الكَفَرَةُ مِن كَوْنِهِمْ بَناتِ اللَّهِ، وأخْبَرُوا عَنْ حالِ عُبُودِيَّتِهِمْ، وعَلى أيِّ حالَةٍ هم فِيها. وفي الحَدِيثِ: «أنَّ السَّماءَ ما فِيها مَوْضِعٌ إلّا وفِيهِ مَلَكٌ ساجِدٌ أوْ واقِفٌ يُصَلِّي»، وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: ”مَوْضِعُ شِبْرٍ إلّا وعَلَيْهِ جَبْهَةُ مَلَكٍ أوْ قَدَماهُ“، وحَذْفُ المُبْتَدَأِ مَعَ (مِن) جَيِّدٌ فَصِيحٌ، كَما مَرَّ في قَوْلِهِ ﴿وإنْ مِن أهْلِ الكِتابِ إلّا لَيُؤْمِنَنَّ﴾ [النساء: ١٥٩]، أيْ وإنْ مِن أهْلِ الكِتابِ أحَدٌ. وقالَ العَرَبُ: مِنّا ظَعَنَ ومِنّا أقامَ، يُرِيدُ: مِنّا فَرِيقٌ ظَعَنَ ومِنّا فَرِيقٌ أقامَ. وقالالزَّمَخْشَرِيُّ: وما مِنّا أحَدٌ إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ، حَذَفَ المَوْصُوفَ وأقامَ الصِّفَةَ مُقامَهُ، كَقَوْلِهِ:
أنا ابْنُ جَلا وطَلّاعُ الثَّنايا بِكَفِّي كانَ مِن أرْمى البَشَرِ انْتَهى. ولَيْسَ هَذا مِن حَذْفِ المَوْصُوفِ وإقامَةِ الصِّفَةِ مُقامَهُ؛ لِأنَّ أحَدًا المَحْذُوفَ مُبْتَدَأٌ. وإلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ خَبَرُهُ، ولِأنَّهُ لا يَنْعَقِدُ كَلامٌ مِن قَوْلِهِ: وما مِنّا أحَدٌ، فَقَوْلُهُ: ﴿إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ هو مَحَطُّ الفائِدَةِ. وإنْ تَخَيَّلَ أنَّ ﴿إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ، فَقَدْ نَصُّوا عَلى أنَّ إلّا لا تَكُونُ صِفَةً إذا حُذِفَ مَوْصُوفُها، وأنَّها فارَقَتْ (غَيْرَ) إذا كانَتْ صِفَةً في ذَلِكَ، لِيَتَمَكَنَّ غَيْرُهُ في الوَصْفِ وقِلَّةِ تَمَكُّنِ (إلّا) فِيهِ، وجُعِلَ ذَلِكَ كَقَوْلِهِ: أنا ابْنُ جَلا، أيِ ابْنُ رَجُلٍ جَلا؛ وبِكَفِّي كانَ، أيْ رَجُلٍ كانَ، وهَذا عِنْدَ النَّحْوِيِّينَ مِن أقْبَحِ الضَّرُوراتِ.
﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾ أيْ أقْدامَنا في الصَّلاةِ، أوْ أجْنِحَتَنا في الهَواءِ، أوْ حَوْلَ العَرْشِ داعِينَ لِلْمُؤْمِنِينَ. وقالَ الزَّهْراوِيُّ: قِيلَ إنَّ المُسْلِمِينَ إنَّما اصْطَفُّوا في الصَّلاةِ مُنْذُ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، ولا يَصْطَفُّ أحَدٌ مِنَ المِلَلِ غَيْرُ المُسْلِمِينَ.
﴿وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾ أيِ المُنَزِّهُونَ اللَّهَ عَنْ ما نَسَبَ إلَيْهِ الكَفَرَةُ، أوِ المُنَزِّهُونَ بِلَفْظِ التَّسْبِيحِ، أوِ المُصَلُّونَ. ويَنْبَغِي أنْ يُجْعَلَ قَوْلُهُ: ﴿سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ مِن كَلامِ المَلائِكَةِ، فَتَطَّرِدُ الجُمَلُ وتَنْساقُ لِقائِلٍ واحِدٍ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: ولَقَدْ عَلِمَتِ المَلائِكَةُ أنَّ ناسِبِي ذَلِكَ لَمُحْضَرُونَ لِلْعَذابِ؛ وقالُوا: سُبْحانَ اللَّهِ، فَنُزِّهُوا عَنْ ذَلِكَ واسْتَثْنَوْا مَن أخْلَصَ مِن عِبادِ اللَّهِ؛ وقالُوا لِلْكَفَرَةِ: فَإنَّكم وآلِهَتَكم إلى آخِرِهِ. وكَيْفَ نَكُونُ مُناسِبِيهِ، ونَحْنُ عَبِيدٌ بَيْنَ يَدَيْهِ، لِكُلٍّ مِنّا مَقامٌ مِنَ الطّاعَةِ ؟ إلى ما وصَفُوا (p-٣٨٠)بِهِ أنْفُسَهم مِن رُتْبَةِ العُبُودِيَّةِ. وقِيلَ: ﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾، هو مِن قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أيْ: وما مِنَ المُرْسَلِينَ أحَدٌ إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى قَدْرِ عَمَلِهِ، مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩] . ثُمَّ ذَكَرَ أعْمالَهم، وأنَّهُمُ المُصْطَفُّونَ في الصَّلاةِ المُنَزِّهُونَ اللَّهَ عَنْ ما يَقُولُ أهْلُ الضَّلالِ. والضَّمِيرُ في (لَيَقُولُونَ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ، ﴿لَوْ أنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا﴾ أيْ كِتابًا مِن كُتُبِ الأوَّلِينَ الَّذِينَ نَزَلَ عَلَيْهِمُ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ، لَأخْلَصْنا العِبادَةَ لِلَّهِ، ولَمْ نُكَذِّبْ كَما كَذَّبُوا. ( فَكَفَرُوا بِهِ) أيْ فَجاءَهُمُ الذِّكْرُ الَّذِي كانُوا يَتَمَنَّوْنَهُ، وهو أشْرَفُ الأذْكارِ، لِإعْجازِهِ مِن بَيْنِ الكُتُبِ.
﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ عاقِبَةَ كُفْرِهِمْ، وما يَحِلُّ بِهِمْ مِنَ الِانْتِقامِ. وأكَّدُوا قَوْلَهم بِـ (إنِ) المُخَفَّفَةِ وبِاللّامِ كَوْنُهم كانُوا جادِّينَ في ذَلِكَ، ثُمَّ ظَهَرَ مِنهُمُ التَّكْذِيبُ والنُّفُورُ البَلِيغُ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا جاءَهم ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: ٨٩] .
﴿ولَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِالإفْرادِ لَمّا انْتَظَمَتْ في مَعْنًى واحِدٍ عَبَّرَ عَنْها بِالإفْرادِ. وقَرَأ الضَّحّاكُ: بِالجَمْعِ، والمُرادُ المَوْعِدُ بِعُلُوِّهِمْ عَلى عَدِوِّهِمْ في مَقاماتِ الحِجاجِ ومَلاحِمِ القِتالِ في الدُّنْيا، وعُلُوِّهِمْ عَلَيْهِمْ في الآخِرَةِ. وقالَ الحَسَنُ: ما غُلِبَ نَبِيٌّ في الحَرْبِ، ولا قُتِلَ فِيها.
﴿فَتَوَلَّ عَنْهم حَتّى حِينٍ﴾ أيْ إلى مُدَّةٍ يَسِيرَةٍ، وهي مُدَّةُ الكَفِّ عَنِ القِتالِ. وعَنِ السُّدِّيِّ: إلى يَوْمِ بَدْرٍ، ورَجَّحَهُ الطَّبَرِيُّ. وقالَ قَتادَةُ: إلى مَوْتِهِمْ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: إلى يَوْمِ القِيامَةِ.
﴿وأبْصِرْهُمْ﴾ أيِ انْظُرْ إلى عاقِبَةِ أمْرِهِمْ، فَسَوْفَ يُبْصِرُونَها وما يَحِلُّ بِهِمْ مِنَ العَذابِ والأسْرِ والقَتْلِ، أوْ سَوْفَ يُبْصِرُونَكَ وما يَتِمُّ لَكَ مِنَ الظَّفَرِ بِهِمْ والنَّصْرِ عَلَيْهِمْ. وأمْرُهُ بِإبْصارِهِمْ إشارَةٌ إلى الحالَةِ المُنْتَظَرَةِ الكائِنَةِ لا مَحالَةَ، وأنَّها قَرِيبَةٌ كَأنَّها بَيْنَ ناظِرَيْهِ بِحَيْثُ هو يُبْصِرُها، وفي ذَلِكَ تَسْلِيَةٌ وتَنْفِيسٌ عَنْهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ.
﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ اسْتِفْهامُ تَوْبِيخٍ.
﴿فَإذا نَزَلَ﴾ هو، أيِ العَذابُ، مِثْلُ العَذابِ النّازِلِ بِهِمْ بَعْدَ ما أنْذَرَهُ، فَأنْكَرُوهُ بِحَيْثُ أنْذَرَ بِهُجُومِهِ قَوْمَهُ وبَعْضَ صُنّاعِهِمْ، فَلَمْ يَلْتَفِتُوا إلى إنْذارِهِ، ولا أخَذُوا أُهْبَتَهُ، ولا دَبَّرُوا أمْرَهم تَدْبِيرًا يُنْجِيهِمْ حَتّى أناخَ بِفَنائِهِمْ، فَشَنَّ عَلَيْهِمُ الغارَةَ، وقَطَعَ دابِرَهم. وكانَتْ عادَةُ مَغازِيهِمْ أنْ يُغِيرُوا صَباحًا، فَسُمِّيَتِ الغارَةُ صَباحًا، وإنْ وقَعَتْ في وقْتٍ آخَرَ. وما فَصَحَتْ هَذِهِ الآيَةُ، ولا كانَتْ لَهُ الرَّوْعَةُ الَّتِي يَحْسُنُ بِها، ويَرُونُكَ مَوْرِدُها عَلى نَفْسِكِ وطَبْعِكَ إلّا لِمَجِيئِها عَلى طَرِيقَةِ التَّمْثِيلِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وابْنُ مَسْعُودٍ: مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، (وساحَتِهِمْ): هو القائِمُ مَقامَ الفاعِلِ. ونَزَلَ ساحَةَ فُلانٍ، يُسْتَعْمَلُ فِيما ورَدَ عَلى الإنْسانِ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ؛ وسُوءُ الصَّباحِ: يُسْتَعْمَلُ في حُلُولِ الغاراتِ والرَّزاياتِ؛ ومِثْلُ قَوْلِ الصّارِخِ: يا صَباحاهُ؛ وحُكْمُ (ساءَ) هَنا حُكْمُ (بِئْسَ) . وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: فَبِئْسَ، والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: فَساءَ صَباحُ المُنْذَرِينَ صَباحُهم.
﴿وتَوَلَّ عَنْهم حَتّى حِينٍ﴾ كَرَّرَ الأمْرَ بِالتَّوَلِّي، تَأْنِيسًا لَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -، وتَسْلِيَةً وتَأْكِيدًا لِوُقُوعِ المِيعادِ؛ ولَمْ يُقَيِّدْ أمْرَهُ بِالإبْصارِ، كَما قَيَّدَهُ في الأوَّلِ، إمّا لِاكْتِفائِهِ بِهِ في الأوَّلِ فَحَذَفَهُ اخْتِصارًا، وإمّا لِما في تَرْكِ التَّقْيِيدِ مِن جَوَلانِ الذِّهْنِ فِيما يَتَعَلَّقُ بِهِ الإبْصارُ مِنهُ مِن صُنُوفِ المَسَرّاتِ، والإبْصارُ مِنهم مِن صُنُوفِ المَسَآتِ. وقِيلَ: أُرِيدَ بِالأوَّلِ عَذابُ الدُّنْيا، وبِالآخِرَةِ عَذابُ الآخِرَةِ. وخَتَمَ تَعالى هَذِهِ السُّورَةَ بِتَنْزِيهِهِ عَنْ ما يَصِفُهُ المُشْرِكُونَ، وأضافَ الرَّبَّ إلى نَبِيِّهِ تَشْرِيفًا لَهُ بِإضافَتِهِ وخِطابِهِ، ثُمَّ إلى العِزَّةِ، وهي العِزَّةُ المَخْلُوقَةُ الكائِنَةُ لِلْأنْبِياءِ والمُؤْمِنِينَ، وكَذَلِكَ قالَ الفُقَهاءُ مِن جِهَةِ أنَّها مَرْبُوبَةٌ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَحْنُونٍ وغَيْرُهُ: مَن حَلَفَ بِعِزَّةِ اللَّهِ تَعالى يُرِيدُ عِزَّتَهُ الَّتِي خُلِقَتْ بَيْنَ عِبادِهِ، وهي الَّتِي في قَوْلِهِ: ﴿رَبِّ العِزَّةِ﴾، فَلَيْسَتْ بِيَمِينٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أُضِيفَ الرَّبُّ إلى العِزَّةِ لِاخْتِصاصِهِ بِها، كَأنَّهُ قِيلَ: ذُو العِزَّةِ، كَما تَقُولُ: صاحِبُ صِدْقٍ لِاخْتِصاصِهِ بِالصِّدْقِ. انْتَهى. فَعَلى هَذا تَنْعَقِدُ اليَمِينُ بِعِزَّةِ اللَّهِ لِأنَّها صِفَةٌ مِن صِفاتِهِ. قالَ: ويَجُوزُ أنْ يُرادَ أنَّهُ ما مِن عِزَّةٍ لِأحَدٍ مِنَ المُلُوكِ (p-٣٨١)وغَيْرِهِمْ إلّا وهو رَبُّها ومالِكُها، لِقَوْلِهِ: ﴿وتُعِزُّ مَن تَشاءُ﴾ [آل عمران: ٢٦] . وعَنْ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ: " مَن أحَبَّ أنْ يَكْتالَ بِالمِكْيالِ الأوْفى مِنَ الأجْرِ يَوْمَ القِيامَةِ فَلْيَكُنْ آخِرُ كَلامِهِ إذا قامَ مِن مَجْلِسِهِ: (سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ) إلى آخِرِ السُّورَةِ.
الصافات 37:159
﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا ولَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ إنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ ﴿سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ ﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ﴾ ﴿ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ﴾ ﴿إلّا مَن هو صالِي الجَحِيمِ﴾ ﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾ ﴿وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾ ﴿وإنْ كانُوا لَيَقُولُونَ﴾ ﴿لَوْ أنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿لَكُنّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ ﴿فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ﴾ ﴿وإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ﴾ ﴿فَتَوَلَّ عَنْهم حَتّى حِينٍ﴾ ﴿وأبْصِرْهم فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ ﴿فَإذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ فَساءَ صَباحُ المُنْذَرِينَ﴾ ﴿وتَوَلَّ عَنْهم حَتّى حِينٍ﴾ ﴿وأبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ ﴿وسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ﴾ ﴿والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ (p-٣٧٨)
الظّاهِرُ أنَّ الجِنَّةَ هُمُ الشَّياطِينُ، وعَنِ الكُفّارِ في ذَلِكَ مَقالاتٌ شَنِيعَةٌ. مِنها أنَّهُ تَعالى صاهَرَ سَرَواتِ الجِنِّ، فَوَلَدَ مِنهُمُ المَلائِكَةَ، وهم فِرْقَةٌ مِن بَنِي مُدْلِجٍ، وشافَهَ بِذَلِكَ بَعْضُ الكُفّارِ أبا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ.
﴿ولَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ﴾ أيِ الشَّياطِينُ، أنَّها مُحْضَرَةٌ أمْرَ اللَّهِ مِن ثَوابٍ وعِقابٍ، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إذا فُسِّرَتِ الجِنَّةُ بِالشَّياطِينِ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ في ﴿إنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ لَهم. والمَعْنى أنَّ الشَّياطِينَ عالِمُونَ أنَّ اللَّهَ يُحْضِرُهُمُ النّارَ ويُعَذِّبُهم، ولَوْ كانُوا مُناسِبِينَ لَهُ، أوْ شُرَكاءَ في وُجُوبِ الطّاعَةِ لَما عَذَّبَهم. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في (وجَعَلُوا) لِفِرْقَةٍ مِن كُفّارِ قُرَيْشٍ والعَرَبِ، والجِنَّةُ: المَلائِكَةُ، سُمُّوا بِذَلِكَ لِاجْتِنانِهِمْ وخَفائِهِمْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإنَّما ذَكَرَهم بِهَذا الِاسْمِ وضْعًا مِنهم وتَصْغِيرًا لَهم، وإنْ كانُوا مُعَظَّمِينَ في أنْفُسِهِمْ أنْ يَبْلُغُوا مَنزِلَةَ المُناسَبَةِ الَّتِي أضافُوها إلَيْهِمْ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ مَن صِفَتُهُ الِاجْتِنانُ والِاسْتِتارُ، وهو مِن صِفاتِ الأجْرامِ، لا يَصِحُّ أنْ يُناسِبَ مَن لا يَجُوزُ عَلَيْهِ ذَلِكَ. انْتَهى.
﴿ولَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ﴾ أيِ المَلائِكَةُ، (أنَّهم) أيِ الكَفَرَةُ المُدَّعِينَ نِسْبَةً بَيْنَ المَلائِكَةِ وبَيْنَ اللَّهِ تَعالى، مُحْضَرُونَ النّارَ، يُعَذَّبُونَ بِما يَقُولُونَ. وأُضِيفَ ذَلِكَ إلى عِلْمِ مَن نُسِبُوا لِذَلِكَ، مُبالَغَةً في تَكْذِيبِ النّاسِبِينَ. ثُمَّ نَزَّهَ تَعالى نَفْسَهُ عَنِ الوَصْفِ الَّذِي لا يَلِيقُ بِهِ، ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ﴾، فَإنَّهم يَصِفُونَهُ بِصِفاتِهِ. وأمّا مِنَ المُحْضَرُونَ، أيْ إلّا عِبادَ اللَّهِ، فَإنَّهم ناجُونَ مُدَّةَ العَذابِ، وتَكُونُ جُمْلَةُ التَّنْزِيهِ اعْتِراضًا عَلى كِلا القَوْلَيْنِ، فالِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ. والظّاهِرُ أنَّ الواوَ في ﴿وما تَعْبُدُونَ﴾ لِلْعَطْفِ، عَطَفَتْ ما تَعْبُدُونَ عَلى الضَّمِيرِ في إنَّكم، وأنَّ الضَّمِيرَ في عَلَيْهِ عائِدٌ عَلى (ما)، والمَعْنى: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ: وما تَعْبُدُونَ مِنَ الأصْنامِ ما أنْتُمْ وهم، وغَلَبَ الخِطابُ. كَما تَقُولُ: أنْتَ وزَيْدٌ تَخْرُجانِ عَلَيْهِ، أيْ عَلى عِبادَةِ مَعْبُودِكم.
﴿بِفاتِنِينَ﴾ أيْ بِحامِلِينَ بِالفِتْنَةِ عِبادَهُ، إلّا مَن قَدَّرَ اللَّهُ في سابِقِ عِلْمِهِ أنَّهُ مِن أهْلِ النّارِ. والضَّمِيرُ في (عَلَيْهِ) عائِدٌ عَلى ما عَلى حَذْفِ مُضافٍ، كَما قُلْنا، أيْ عَلى عِبادَتِهِ. وضُمِّنَ (فاتِنِينَ) مَعْنى: حامِلِينَ بِالفِتْنَةِ، و(مَن) مَفْعُولَةٌ بِـ (فاتِنِينَ)، فُرِّغَ لَهُ العامِلُ إذْ لَمْ يَكُنْ بِـ (فاتِنِينَ) مَفْعُولًا. وقِيلَ: عَلَيْهِ بِمَعْنى: أيْ ما أنْتُمْ بِالَّذِي تَعْبُدُونَ بِـ (فاتِنِينَ)، وبِهِ مُتَعَلِّقٌ بِـ (فاتِنِينَ)، المَعْنى: ما أنْتُمْ (فاتِنِينَ) بِذَلِكَ الَّذِي عَبَدْتُمُوهُ إلّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَدَرُ أنَّهُ يَدْخُلُ النّارَ. وجَعَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ الضَّمِيرَ في (عَلَيْهِ) عائِدًا عَلى اللَّهِ، قالَ فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ يَفْتِنُونَهم عَلى اللَّهِ ؟ قُلْتُ: يُفْسِدُونَهم عَلَيْهِ بِإغْوائِهِمْ واسْتِهْوائِهِمْ مِن قَوْلِكَ: فَتَنَ فُلانٌ عَلى فُلانٍ امْرَأتَهُ، كَما تَقُولُ: أفْسَدَها عَلَيْهِ وخَيَّبَها عَلَيْهِ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الواوُ في ﴿وما تَعْبُدُونَ﴾ بِمَعْنى (مَعَ) مِثْلُها في قَوْلِهِمْ: كُلُّ رَجُلٍ وضَيْعَتُهُ. فَكَما جازَ السُّكُوتُ عَلى كُلِّ رَجُلٍ وضَيْعَتُهُ، جازَ أنْ يُسْكَتَ عَلى قَوْلِهِ ﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ﴾؛ لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿وما تَعْبُدُونَ﴾ سادٌّ مَسَدَّ الخَبَرِ؛ لِأنَّ مَعْناهُ فَإنَّكم مَعَ ما تَعْبُدُونَ، والمَعْنى: فَإنَّكم مَعَ آلِهَتِكم، أيْ فَإنَّكم قُرَناؤُهم وأصْحابُهم لا تَبْرَحُونَ تَعْبُدُونَهم. ثُمَّ قالَ ﴿ما أنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ أيْ عَلى ما تَعْبُدُونَ، ﴿بِفاتِنِينَ﴾ بِباعِثِينَ أوْ حامِلِينَ عَلى طَرِيقِ الفِتْنَةِ والإضْلالِ، إلّا مَن هو ضالٌّ مِنكم. انْتَهى. وكَوْنُ الواوِ في ﴿وما تَعْبُدُونَ﴾ واوَ (مَعَ) غَيْرُ مُتَبادِرٍ إلى الذِّهْنِ، وقَطْعُ (p-٣٧٩)﴿ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ﴾ عَنْ (إنَّكم وما تَعْبُدُونَ) لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّ اتِّصافَهُ بِهِ هو السّابِقُ إلى الفَهْمِ مَعَ صِحَّةِ المَعْنى، فَلا يَنْبَغِي العُدُولُ عَنْهُ.
وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: (صالُوا الجَحِيمَ) بِالواوِ، وهَكَذا في كِتابِ الكامِلِ لِلْهُذَلِيِّ. وفي كِتابِ ابْنِ خالَوَيْهِ عَنْهُما: (صالَ) مَكْتُوبًا بِغَيْرِ واوٍ، وفي كِتابِ ابْنِ عَطِيَّةَ. وقَرَأ الحَسَنُ: (صالُوا) مَكْتُوبًا بِالواوِ؛ وفي كِتابِ اللَّوامِحِ وكِتابِ الزَّمَخْشَرِيِّ عَنِ الحَسَنِ: (صالَ) مَكْتُوبًا بِغَيْرِ واوٍ. فَمَن أثْبَتَ الواوَ فَهو جَمْعُ سَلامَةٍ سَقَطَتِ النُّونُ لِلْإضافَةِ. حُمِلَ أوَّلًا عَلى لَفْظِ (مَن) فَأُفْرِدَ، ثُمَّ ثانِيًا عَلى مَعْناها فَجُمِعَ، كَقَوْلِهِ ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللَّهِ وبِاليَوْمِ الآخِرِ وما هم بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٨]، حُمِلَ في (يَقُولُ) عَلى لَفْظِ (مَن)، وفي (وما هم) عَلى المَعْنى، واجْتَمَعَ الحَمْلُ عَلى اللَّفْظِ، والمَعْنى في جُمْلَةٍ واحِدَةٍ، وهي صِلَةٌ لِلْمَوْصُولِ، كَقَوْلِهِ ﴿إلّا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى﴾ [البقرة: ١١١] . وقَوْلُ الشّاعِرِ:
وأيْقَظَ مَن كانَ مِنكم نِياما
ومَن لَمْ يُثْبِتِ الواوَ احْتَمَلَ أنْ يَكُونَ جَمْعًا، وحُذِفَتِ الواوُ خَطَأً، كَما حُذِفَتْ في حالَةِ الوَصْلِ لَفْظًا لِأجْلِ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ. واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ صالَ مُفْرَدًا حُذِفَتْ لامُهُ تَخْفِيفًا، وجَرى الإعْرابُ في عَيْنِهِ، كَما حُذِفَ مِن قَوْلِهِ ﴿وجَنى الجَنَّتَيْنِ دانٍ﴾ [الرحمن: ٥٤]، ﴿ولَهُ الجَوارِي المُنْشَآتُ﴾ [الرحمن: ٢٤]، بِرَفْعِ النُّونِ والجَوارِ، وقالُوا: ما بالَيْتُ بِهِ بالَةً، أيْ بالِيَةً مِن بالى، كَعافِيَةٍ مِن عافى، فَحُذِفَتْ لامُ (بالَيْتُ وبالِيَةٍ) . وقالُوا: بالَةٌ وبالٍ، بِحَذْفِ اللّامِ فِيهِما. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقَدْ وجَّهَ نَحْوًا مِنَ الوَجْهَيْنِ السّابِقَيْنِ وجَعَلَهُما أوَّلًا وثالِثًا فَقالَ: والثّانِي أنْ يَكُونَ أصْلُهُ صائِلًا عَلى القَلْبِ، ثُمَّ يُقالُ: صالٌ في صائِلٍ، كَقَوْلِهِمْ: شاكٌّ في شائِكٍ. انْتَهى.
﴿وما مِنّا﴾ أيْ أحَدٌ، ﴿إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ أيْ مَقامٌ في العِبادَةِ والِانْتِهاءِ إلى أمْرِ اللَّهِ، مَقْصُورٌ عَلَيْهِ لا يَتَجاوَزُهُ. كَما رُوِيَ: فَمِنهم راكِعٌ لا يُقِيمُ ظَهْرَهُ، وساجِدٌ لا يَرْفَعُ رَأْسَهُ، وهَذا قَوْلُ المَلائِكَةِ، وهو يُقَوِّي قَوْلَ مَن جَعَلَ الجِنَّةَ هُمُ المَلائِكَةُ تَبَرَّئُوا عَنْ ما نَسَبَ إلَيْهِمُ الكَفَرَةُ مِن كَوْنِهِمْ بَناتِ اللَّهِ، وأخْبَرُوا عَنْ حالِ عُبُودِيَّتِهِمْ، وعَلى أيِّ حالَةٍ هم فِيها. وفي الحَدِيثِ: «أنَّ السَّماءَ ما فِيها مَوْضِعٌ إلّا وفِيهِ مَلَكٌ ساجِدٌ أوْ واقِفٌ يُصَلِّي»، وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: ”مَوْضِعُ شِبْرٍ إلّا وعَلَيْهِ جَبْهَةُ مَلَكٍ أوْ قَدَماهُ“، وحَذْفُ المُبْتَدَأِ مَعَ (مِن) جَيِّدٌ فَصِيحٌ، كَما مَرَّ في قَوْلِهِ ﴿وإنْ مِن أهْلِ الكِتابِ إلّا لَيُؤْمِنَنَّ﴾ [النساء: ١٥٩]، أيْ وإنْ مِن أهْلِ الكِتابِ أحَدٌ. وقالَ العَرَبُ: مِنّا ظَعَنَ ومِنّا أقامَ، يُرِيدُ: مِنّا فَرِيقٌ ظَعَنَ ومِنّا فَرِيقٌ أقامَ. وقالالزَّمَخْشَرِيُّ: وما مِنّا أحَدٌ إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ، حَذَفَ المَوْصُوفَ وأقامَ الصِّفَةَ مُقامَهُ، كَقَوْلِهِ:
أنا ابْنُ جَلا وطَلّاعُ الثَّنايا بِكَفِّي كانَ مِن أرْمى البَشَرِ انْتَهى. ولَيْسَ هَذا مِن حَذْفِ المَوْصُوفِ وإقامَةِ الصِّفَةِ مُقامَهُ؛ لِأنَّ أحَدًا المَحْذُوفَ مُبْتَدَأٌ. وإلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ خَبَرُهُ، ولِأنَّهُ لا يَنْعَقِدُ كَلامٌ مِن قَوْلِهِ: وما مِنّا أحَدٌ، فَقَوْلُهُ: ﴿إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ هو مَحَطُّ الفائِدَةِ. وإنْ تَخَيَّلَ أنَّ ﴿إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ، فَقَدْ نَصُّوا عَلى أنَّ إلّا لا تَكُونُ صِفَةً إذا حُذِفَ مَوْصُوفُها، وأنَّها فارَقَتْ (غَيْرَ) إذا كانَتْ صِفَةً في ذَلِكَ، لِيَتَمَكَنَّ غَيْرُهُ في الوَصْفِ وقِلَّةِ تَمَكُّنِ (إلّا) فِيهِ، وجُعِلَ ذَلِكَ كَقَوْلِهِ: أنا ابْنُ جَلا، أيِ ابْنُ رَجُلٍ جَلا؛ وبِكَفِّي كانَ، أيْ رَجُلٍ كانَ، وهَذا عِنْدَ النَّحْوِيِّينَ مِن أقْبَحِ الضَّرُوراتِ.
﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾ أيْ أقْدامَنا في الصَّلاةِ، أوْ أجْنِحَتَنا في الهَواءِ، أوْ حَوْلَ العَرْشِ داعِينَ لِلْمُؤْمِنِينَ. وقالَ الزَّهْراوِيُّ: قِيلَ إنَّ المُسْلِمِينَ إنَّما اصْطَفُّوا في الصَّلاةِ مُنْذُ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، ولا يَصْطَفُّ أحَدٌ مِنَ المِلَلِ غَيْرُ المُسْلِمِينَ.
﴿وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾ أيِ المُنَزِّهُونَ اللَّهَ عَنْ ما نَسَبَ إلَيْهِ الكَفَرَةُ، أوِ المُنَزِّهُونَ بِلَفْظِ التَّسْبِيحِ، أوِ المُصَلُّونَ. ويَنْبَغِي أنْ يُجْعَلَ قَوْلُهُ: ﴿سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ مِن كَلامِ المَلائِكَةِ، فَتَطَّرِدُ الجُمَلُ وتَنْساقُ لِقائِلٍ واحِدٍ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: ولَقَدْ عَلِمَتِ المَلائِكَةُ أنَّ ناسِبِي ذَلِكَ لَمُحْضَرُونَ لِلْعَذابِ؛ وقالُوا: سُبْحانَ اللَّهِ، فَنُزِّهُوا عَنْ ذَلِكَ واسْتَثْنَوْا مَن أخْلَصَ مِن عِبادِ اللَّهِ؛ وقالُوا لِلْكَفَرَةِ: فَإنَّكم وآلِهَتَكم إلى آخِرِهِ. وكَيْفَ نَكُونُ مُناسِبِيهِ، ونَحْنُ عَبِيدٌ بَيْنَ يَدَيْهِ، لِكُلٍّ مِنّا مَقامٌ مِنَ الطّاعَةِ ؟ إلى ما وصَفُوا (p-٣٨٠)بِهِ أنْفُسَهم مِن رُتْبَةِ العُبُودِيَّةِ. وقِيلَ: ﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾، هو مِن قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أيْ: وما مِنَ المُرْسَلِينَ أحَدٌ إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى قَدْرِ عَمَلِهِ، مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩] . ثُمَّ ذَكَرَ أعْمالَهم، وأنَّهُمُ المُصْطَفُّونَ في الصَّلاةِ المُنَزِّهُونَ اللَّهَ عَنْ ما يَقُولُ أهْلُ الضَّلالِ. والضَّمِيرُ في (لَيَقُولُونَ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ، ﴿لَوْ أنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا﴾ أيْ كِتابًا مِن كُتُبِ الأوَّلِينَ الَّذِينَ نَزَلَ عَلَيْهِمُ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ، لَأخْلَصْنا العِبادَةَ لِلَّهِ، ولَمْ نُكَذِّبْ كَما كَذَّبُوا. ( فَكَفَرُوا بِهِ) أيْ فَجاءَهُمُ الذِّكْرُ الَّذِي كانُوا يَتَمَنَّوْنَهُ، وهو أشْرَفُ الأذْكارِ، لِإعْجازِهِ مِن بَيْنِ الكُتُبِ.
﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ عاقِبَةَ كُفْرِهِمْ، وما يَحِلُّ بِهِمْ مِنَ الِانْتِقامِ. وأكَّدُوا قَوْلَهم بِـ (إنِ) المُخَفَّفَةِ وبِاللّامِ كَوْنُهم كانُوا جادِّينَ في ذَلِكَ، ثُمَّ ظَهَرَ مِنهُمُ التَّكْذِيبُ والنُّفُورُ البَلِيغُ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا جاءَهم ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: ٨٩] .
﴿ولَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِالإفْرادِ لَمّا انْتَظَمَتْ في مَعْنًى واحِدٍ عَبَّرَ عَنْها بِالإفْرادِ. وقَرَأ الضَّحّاكُ: بِالجَمْعِ، والمُرادُ المَوْعِدُ بِعُلُوِّهِمْ عَلى عَدِوِّهِمْ في مَقاماتِ الحِجاجِ ومَلاحِمِ القِتالِ في الدُّنْيا، وعُلُوِّهِمْ عَلَيْهِمْ في الآخِرَةِ. وقالَ الحَسَنُ: ما غُلِبَ نَبِيٌّ في الحَرْبِ، ولا قُتِلَ فِيها.
﴿فَتَوَلَّ عَنْهم حَتّى حِينٍ﴾ أيْ إلى مُدَّةٍ يَسِيرَةٍ، وهي مُدَّةُ الكَفِّ عَنِ القِتالِ. وعَنِ السُّدِّيِّ: إلى يَوْمِ بَدْرٍ، ورَجَّحَهُ الطَّبَرِيُّ. وقالَ قَتادَةُ: إلى مَوْتِهِمْ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: إلى يَوْمِ القِيامَةِ.
﴿وأبْصِرْهُمْ﴾ أيِ انْظُرْ إلى عاقِبَةِ أمْرِهِمْ، فَسَوْفَ يُبْصِرُونَها وما يَحِلُّ بِهِمْ مِنَ العَذابِ والأسْرِ والقَتْلِ، أوْ سَوْفَ يُبْصِرُونَكَ وما يَتِمُّ لَكَ مِنَ الظَّفَرِ بِهِمْ والنَّصْرِ عَلَيْهِمْ. وأمْرُهُ بِإبْصارِهِمْ إشارَةٌ إلى الحالَةِ المُنْتَظَرَةِ الكائِنَةِ لا مَحالَةَ، وأنَّها قَرِيبَةٌ كَأنَّها بَيْنَ ناظِرَيْهِ بِحَيْثُ هو يُبْصِرُها، وفي ذَلِكَ تَسْلِيَةٌ وتَنْفِيسٌ عَنْهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ.
﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ اسْتِفْهامُ تَوْبِيخٍ.
﴿فَإذا نَزَلَ﴾ هو، أيِ العَذابُ، مِثْلُ العَذابِ النّازِلِ بِهِمْ بَعْدَ ما أنْذَرَهُ، فَأنْكَرُوهُ بِحَيْثُ أنْذَرَ بِهُجُومِهِ قَوْمَهُ وبَعْضَ صُنّاعِهِمْ، فَلَمْ يَلْتَفِتُوا إلى إنْذارِهِ، ولا أخَذُوا أُهْبَتَهُ، ولا دَبَّرُوا أمْرَهم تَدْبِيرًا يُنْجِيهِمْ حَتّى أناخَ بِفَنائِهِمْ، فَشَنَّ عَلَيْهِمُ الغارَةَ، وقَطَعَ دابِرَهم. وكانَتْ عادَةُ مَغازِيهِمْ أنْ يُغِيرُوا صَباحًا، فَسُمِّيَتِ الغارَةُ صَباحًا، وإنْ وقَعَتْ في وقْتٍ آخَرَ. وما فَصَحَتْ هَذِهِ الآيَةُ، ولا كانَتْ لَهُ الرَّوْعَةُ الَّتِي يَحْسُنُ بِها، ويَرُونُكَ مَوْرِدُها عَلى نَفْسِكِ وطَبْعِكَ إلّا لِمَجِيئِها عَلى طَرِيقَةِ التَّمْثِيلِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وابْنُ مَسْعُودٍ: مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، (وساحَتِهِمْ): هو القائِمُ مَقامَ الفاعِلِ. ونَزَلَ ساحَةَ فُلانٍ، يُسْتَعْمَلُ فِيما ورَدَ عَلى الإنْسانِ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ؛ وسُوءُ الصَّباحِ: يُسْتَعْمَلُ في حُلُولِ الغاراتِ والرَّزاياتِ؛ ومِثْلُ قَوْلِ الصّارِخِ: يا صَباحاهُ؛ وحُكْمُ (ساءَ) هَنا حُكْمُ (بِئْسَ) . وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: فَبِئْسَ، والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: فَساءَ صَباحُ المُنْذَرِينَ صَباحُهم.
﴿وتَوَلَّ عَنْهم حَتّى حِينٍ﴾ كَرَّرَ الأمْرَ بِالتَّوَلِّي، تَأْنِيسًا لَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -، وتَسْلِيَةً وتَأْكِيدًا لِوُقُوعِ المِيعادِ؛ ولَمْ يُقَيِّدْ أمْرَهُ بِالإبْصارِ، كَما قَيَّدَهُ في الأوَّلِ، إمّا لِاكْتِفائِهِ بِهِ في الأوَّلِ فَحَذَفَهُ اخْتِصارًا، وإمّا لِما في تَرْكِ التَّقْيِيدِ مِن جَوَلانِ الذِّهْنِ فِيما يَتَعَلَّقُ بِهِ الإبْصارُ مِنهُ مِن صُنُوفِ المَسَرّاتِ، والإبْصارُ مِنهم مِن صُنُوفِ المَسَآتِ. وقِيلَ: أُرِيدَ بِالأوَّلِ عَذابُ الدُّنْيا، وبِالآخِرَةِ عَذابُ الآخِرَةِ. وخَتَمَ تَعالى هَذِهِ السُّورَةَ بِتَنْزِيهِهِ عَنْ ما يَصِفُهُ المُشْرِكُونَ، وأضافَ الرَّبَّ إلى نَبِيِّهِ تَشْرِيفًا لَهُ بِإضافَتِهِ وخِطابِهِ، ثُمَّ إلى العِزَّةِ، وهي العِزَّةُ المَخْلُوقَةُ الكائِنَةُ لِلْأنْبِياءِ والمُؤْمِنِينَ، وكَذَلِكَ قالَ الفُقَهاءُ مِن جِهَةِ أنَّها مَرْبُوبَةٌ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَحْنُونٍ وغَيْرُهُ: مَن حَلَفَ بِعِزَّةِ اللَّهِ تَعالى يُرِيدُ عِزَّتَهُ الَّتِي خُلِقَتْ بَيْنَ عِبادِهِ، وهي الَّتِي في قَوْلِهِ: ﴿رَبِّ العِزَّةِ﴾، فَلَيْسَتْ بِيَمِينٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أُضِيفَ الرَّبُّ إلى العِزَّةِ لِاخْتِصاصِهِ بِها، كَأنَّهُ قِيلَ: ذُو العِزَّةِ، كَما تَقُولُ: صاحِبُ صِدْقٍ لِاخْتِصاصِهِ بِالصِّدْقِ. انْتَهى. فَعَلى هَذا تَنْعَقِدُ اليَمِينُ بِعِزَّةِ اللَّهِ لِأنَّها صِفَةٌ مِن صِفاتِهِ. قالَ: ويَجُوزُ أنْ يُرادَ أنَّهُ ما مِن عِزَّةٍ لِأحَدٍ مِنَ المُلُوكِ (p-٣٨١)وغَيْرِهِمْ إلّا وهو رَبُّها ومالِكُها، لِقَوْلِهِ: ﴿وتُعِزُّ مَن تَشاءُ﴾ [آل عمران: ٢٦] . وعَنْ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ: " مَن أحَبَّ أنْ يَكْتالَ بِالمِكْيالِ الأوْفى مِنَ الأجْرِ يَوْمَ القِيامَةِ فَلْيَكُنْ آخِرُ كَلامِهِ إذا قامَ مِن مَجْلِسِهِ: (سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ) إلى آخِرِ السُّورَةِ.
الصافات 37:160
﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا ولَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ إنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ ﴿سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ ﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ﴾ ﴿ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ﴾ ﴿إلّا مَن هو صالِي الجَحِيمِ﴾ ﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾ ﴿وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾ ﴿وإنْ كانُوا لَيَقُولُونَ﴾ ﴿لَوْ أنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿لَكُنّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ ﴿فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ﴾ ﴿وإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ﴾ ﴿فَتَوَلَّ عَنْهم حَتّى حِينٍ﴾ ﴿وأبْصِرْهم فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ ﴿فَإذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ فَساءَ صَباحُ المُنْذَرِينَ﴾ ﴿وتَوَلَّ عَنْهم حَتّى حِينٍ﴾ ﴿وأبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ ﴿وسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ﴾ ﴿والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ (p-٣٧٨)
الظّاهِرُ أنَّ الجِنَّةَ هُمُ الشَّياطِينُ، وعَنِ الكُفّارِ في ذَلِكَ مَقالاتٌ شَنِيعَةٌ. مِنها أنَّهُ تَعالى صاهَرَ سَرَواتِ الجِنِّ، فَوَلَدَ مِنهُمُ المَلائِكَةَ، وهم فِرْقَةٌ مِن بَنِي مُدْلِجٍ، وشافَهَ بِذَلِكَ بَعْضُ الكُفّارِ أبا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ.
﴿ولَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ﴾ أيِ الشَّياطِينُ، أنَّها مُحْضَرَةٌ أمْرَ اللَّهِ مِن ثَوابٍ وعِقابٍ، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إذا فُسِّرَتِ الجِنَّةُ بِالشَّياطِينِ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ في ﴿إنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ لَهم. والمَعْنى أنَّ الشَّياطِينَ عالِمُونَ أنَّ اللَّهَ يُحْضِرُهُمُ النّارَ ويُعَذِّبُهم، ولَوْ كانُوا مُناسِبِينَ لَهُ، أوْ شُرَكاءَ في وُجُوبِ الطّاعَةِ لَما عَذَّبَهم. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في (وجَعَلُوا) لِفِرْقَةٍ مِن كُفّارِ قُرَيْشٍ والعَرَبِ، والجِنَّةُ: المَلائِكَةُ، سُمُّوا بِذَلِكَ لِاجْتِنانِهِمْ وخَفائِهِمْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإنَّما ذَكَرَهم بِهَذا الِاسْمِ وضْعًا مِنهم وتَصْغِيرًا لَهم، وإنْ كانُوا مُعَظَّمِينَ في أنْفُسِهِمْ أنْ يَبْلُغُوا مَنزِلَةَ المُناسَبَةِ الَّتِي أضافُوها إلَيْهِمْ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ مَن صِفَتُهُ الِاجْتِنانُ والِاسْتِتارُ، وهو مِن صِفاتِ الأجْرامِ، لا يَصِحُّ أنْ يُناسِبَ مَن لا يَجُوزُ عَلَيْهِ ذَلِكَ. انْتَهى.
﴿ولَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ﴾ أيِ المَلائِكَةُ، (أنَّهم) أيِ الكَفَرَةُ المُدَّعِينَ نِسْبَةً بَيْنَ المَلائِكَةِ وبَيْنَ اللَّهِ تَعالى، مُحْضَرُونَ النّارَ، يُعَذَّبُونَ بِما يَقُولُونَ. وأُضِيفَ ذَلِكَ إلى عِلْمِ مَن نُسِبُوا لِذَلِكَ، مُبالَغَةً في تَكْذِيبِ النّاسِبِينَ. ثُمَّ نَزَّهَ تَعالى نَفْسَهُ عَنِ الوَصْفِ الَّذِي لا يَلِيقُ بِهِ، ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ﴾، فَإنَّهم يَصِفُونَهُ بِصِفاتِهِ. وأمّا مِنَ المُحْضَرُونَ، أيْ إلّا عِبادَ اللَّهِ، فَإنَّهم ناجُونَ مُدَّةَ العَذابِ، وتَكُونُ جُمْلَةُ التَّنْزِيهِ اعْتِراضًا عَلى كِلا القَوْلَيْنِ، فالِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ. والظّاهِرُ أنَّ الواوَ في ﴿وما تَعْبُدُونَ﴾ لِلْعَطْفِ، عَطَفَتْ ما تَعْبُدُونَ عَلى الضَّمِيرِ في إنَّكم، وأنَّ الضَّمِيرَ في عَلَيْهِ عائِدٌ عَلى (ما)، والمَعْنى: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ: وما تَعْبُدُونَ مِنَ الأصْنامِ ما أنْتُمْ وهم، وغَلَبَ الخِطابُ. كَما تَقُولُ: أنْتَ وزَيْدٌ تَخْرُجانِ عَلَيْهِ، أيْ عَلى عِبادَةِ مَعْبُودِكم.
﴿بِفاتِنِينَ﴾ أيْ بِحامِلِينَ بِالفِتْنَةِ عِبادَهُ، إلّا مَن قَدَّرَ اللَّهُ في سابِقِ عِلْمِهِ أنَّهُ مِن أهْلِ النّارِ. والضَّمِيرُ في (عَلَيْهِ) عائِدٌ عَلى ما عَلى حَذْفِ مُضافٍ، كَما قُلْنا، أيْ عَلى عِبادَتِهِ. وضُمِّنَ (فاتِنِينَ) مَعْنى: حامِلِينَ بِالفِتْنَةِ، و(مَن) مَفْعُولَةٌ بِـ (فاتِنِينَ)، فُرِّغَ لَهُ العامِلُ إذْ لَمْ يَكُنْ بِـ (فاتِنِينَ) مَفْعُولًا. وقِيلَ: عَلَيْهِ بِمَعْنى: أيْ ما أنْتُمْ بِالَّذِي تَعْبُدُونَ بِـ (فاتِنِينَ)، وبِهِ مُتَعَلِّقٌ بِـ (فاتِنِينَ)، المَعْنى: ما أنْتُمْ (فاتِنِينَ) بِذَلِكَ الَّذِي عَبَدْتُمُوهُ إلّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَدَرُ أنَّهُ يَدْخُلُ النّارَ. وجَعَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ الضَّمِيرَ في (عَلَيْهِ) عائِدًا عَلى اللَّهِ، قالَ فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ يَفْتِنُونَهم عَلى اللَّهِ ؟ قُلْتُ: يُفْسِدُونَهم عَلَيْهِ بِإغْوائِهِمْ واسْتِهْوائِهِمْ مِن قَوْلِكَ: فَتَنَ فُلانٌ عَلى فُلانٍ امْرَأتَهُ، كَما تَقُولُ: أفْسَدَها عَلَيْهِ وخَيَّبَها عَلَيْهِ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الواوُ في ﴿وما تَعْبُدُونَ﴾ بِمَعْنى (مَعَ) مِثْلُها في قَوْلِهِمْ: كُلُّ رَجُلٍ وضَيْعَتُهُ. فَكَما جازَ السُّكُوتُ عَلى كُلِّ رَجُلٍ وضَيْعَتُهُ، جازَ أنْ يُسْكَتَ عَلى قَوْلِهِ ﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ﴾؛ لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿وما تَعْبُدُونَ﴾ سادٌّ مَسَدَّ الخَبَرِ؛ لِأنَّ مَعْناهُ فَإنَّكم مَعَ ما تَعْبُدُونَ، والمَعْنى: فَإنَّكم مَعَ آلِهَتِكم، أيْ فَإنَّكم قُرَناؤُهم وأصْحابُهم لا تَبْرَحُونَ تَعْبُدُونَهم. ثُمَّ قالَ ﴿ما أنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ أيْ عَلى ما تَعْبُدُونَ، ﴿بِفاتِنِينَ﴾ بِباعِثِينَ أوْ حامِلِينَ عَلى طَرِيقِ الفِتْنَةِ والإضْلالِ، إلّا مَن هو ضالٌّ مِنكم. انْتَهى. وكَوْنُ الواوِ في ﴿وما تَعْبُدُونَ﴾ واوَ (مَعَ) غَيْرُ مُتَبادِرٍ إلى الذِّهْنِ، وقَطْعُ (p-٣٧٩)﴿ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ﴾ عَنْ (إنَّكم وما تَعْبُدُونَ) لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّ اتِّصافَهُ بِهِ هو السّابِقُ إلى الفَهْمِ مَعَ صِحَّةِ المَعْنى، فَلا يَنْبَغِي العُدُولُ عَنْهُ.
وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: (صالُوا الجَحِيمَ) بِالواوِ، وهَكَذا في كِتابِ الكامِلِ لِلْهُذَلِيِّ. وفي كِتابِ ابْنِ خالَوَيْهِ عَنْهُما: (صالَ) مَكْتُوبًا بِغَيْرِ واوٍ، وفي كِتابِ ابْنِ عَطِيَّةَ. وقَرَأ الحَسَنُ: (صالُوا) مَكْتُوبًا بِالواوِ؛ وفي كِتابِ اللَّوامِحِ وكِتابِ الزَّمَخْشَرِيِّ عَنِ الحَسَنِ: (صالَ) مَكْتُوبًا بِغَيْرِ واوٍ. فَمَن أثْبَتَ الواوَ فَهو جَمْعُ سَلامَةٍ سَقَطَتِ النُّونُ لِلْإضافَةِ. حُمِلَ أوَّلًا عَلى لَفْظِ (مَن) فَأُفْرِدَ، ثُمَّ ثانِيًا عَلى مَعْناها فَجُمِعَ، كَقَوْلِهِ ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللَّهِ وبِاليَوْمِ الآخِرِ وما هم بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٨]، حُمِلَ في (يَقُولُ) عَلى لَفْظِ (مَن)، وفي (وما هم) عَلى المَعْنى، واجْتَمَعَ الحَمْلُ عَلى اللَّفْظِ، والمَعْنى في جُمْلَةٍ واحِدَةٍ، وهي صِلَةٌ لِلْمَوْصُولِ، كَقَوْلِهِ ﴿إلّا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى﴾ [البقرة: ١١١] . وقَوْلُ الشّاعِرِ:
وأيْقَظَ مَن كانَ مِنكم نِياما
ومَن لَمْ يُثْبِتِ الواوَ احْتَمَلَ أنْ يَكُونَ جَمْعًا، وحُذِفَتِ الواوُ خَطَأً، كَما حُذِفَتْ في حالَةِ الوَصْلِ لَفْظًا لِأجْلِ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ. واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ صالَ مُفْرَدًا حُذِفَتْ لامُهُ تَخْفِيفًا، وجَرى الإعْرابُ في عَيْنِهِ، كَما حُذِفَ مِن قَوْلِهِ ﴿وجَنى الجَنَّتَيْنِ دانٍ﴾ [الرحمن: ٥٤]، ﴿ولَهُ الجَوارِي المُنْشَآتُ﴾ [الرحمن: ٢٤]، بِرَفْعِ النُّونِ والجَوارِ، وقالُوا: ما بالَيْتُ بِهِ بالَةً، أيْ بالِيَةً مِن بالى، كَعافِيَةٍ مِن عافى، فَحُذِفَتْ لامُ (بالَيْتُ وبالِيَةٍ) . وقالُوا: بالَةٌ وبالٍ، بِحَذْفِ اللّامِ فِيهِما. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقَدْ وجَّهَ نَحْوًا مِنَ الوَجْهَيْنِ السّابِقَيْنِ وجَعَلَهُما أوَّلًا وثالِثًا فَقالَ: والثّانِي أنْ يَكُونَ أصْلُهُ صائِلًا عَلى القَلْبِ، ثُمَّ يُقالُ: صالٌ في صائِلٍ، كَقَوْلِهِمْ: شاكٌّ في شائِكٍ. انْتَهى.
﴿وما مِنّا﴾ أيْ أحَدٌ، ﴿إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ أيْ مَقامٌ في العِبادَةِ والِانْتِهاءِ إلى أمْرِ اللَّهِ، مَقْصُورٌ عَلَيْهِ لا يَتَجاوَزُهُ. كَما رُوِيَ: فَمِنهم راكِعٌ لا يُقِيمُ ظَهْرَهُ، وساجِدٌ لا يَرْفَعُ رَأْسَهُ، وهَذا قَوْلُ المَلائِكَةِ، وهو يُقَوِّي قَوْلَ مَن جَعَلَ الجِنَّةَ هُمُ المَلائِكَةُ تَبَرَّئُوا عَنْ ما نَسَبَ إلَيْهِمُ الكَفَرَةُ مِن كَوْنِهِمْ بَناتِ اللَّهِ، وأخْبَرُوا عَنْ حالِ عُبُودِيَّتِهِمْ، وعَلى أيِّ حالَةٍ هم فِيها. وفي الحَدِيثِ: «أنَّ السَّماءَ ما فِيها مَوْضِعٌ إلّا وفِيهِ مَلَكٌ ساجِدٌ أوْ واقِفٌ يُصَلِّي»، وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: ”مَوْضِعُ شِبْرٍ إلّا وعَلَيْهِ جَبْهَةُ مَلَكٍ أوْ قَدَماهُ“، وحَذْفُ المُبْتَدَأِ مَعَ (مِن) جَيِّدٌ فَصِيحٌ، كَما مَرَّ في قَوْلِهِ ﴿وإنْ مِن أهْلِ الكِتابِ إلّا لَيُؤْمِنَنَّ﴾ [النساء: ١٥٩]، أيْ وإنْ مِن أهْلِ الكِتابِ أحَدٌ. وقالَ العَرَبُ: مِنّا ظَعَنَ ومِنّا أقامَ، يُرِيدُ: مِنّا فَرِيقٌ ظَعَنَ ومِنّا فَرِيقٌ أقامَ. وقالالزَّمَخْشَرِيُّ: وما مِنّا أحَدٌ إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ، حَذَفَ المَوْصُوفَ وأقامَ الصِّفَةَ مُقامَهُ، كَقَوْلِهِ:
أنا ابْنُ جَلا وطَلّاعُ الثَّنايا بِكَفِّي كانَ مِن أرْمى البَشَرِ انْتَهى. ولَيْسَ هَذا مِن حَذْفِ المَوْصُوفِ وإقامَةِ الصِّفَةِ مُقامَهُ؛ لِأنَّ أحَدًا المَحْذُوفَ مُبْتَدَأٌ. وإلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ خَبَرُهُ، ولِأنَّهُ لا يَنْعَقِدُ كَلامٌ مِن قَوْلِهِ: وما مِنّا أحَدٌ، فَقَوْلُهُ: ﴿إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ هو مَحَطُّ الفائِدَةِ. وإنْ تَخَيَّلَ أنَّ ﴿إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ، فَقَدْ نَصُّوا عَلى أنَّ إلّا لا تَكُونُ صِفَةً إذا حُذِفَ مَوْصُوفُها، وأنَّها فارَقَتْ (غَيْرَ) إذا كانَتْ صِفَةً في ذَلِكَ، لِيَتَمَكَنَّ غَيْرُهُ في الوَصْفِ وقِلَّةِ تَمَكُّنِ (إلّا) فِيهِ، وجُعِلَ ذَلِكَ كَقَوْلِهِ: أنا ابْنُ جَلا، أيِ ابْنُ رَجُلٍ جَلا؛ وبِكَفِّي كانَ، أيْ رَجُلٍ كانَ، وهَذا عِنْدَ النَّحْوِيِّينَ مِن أقْبَحِ الضَّرُوراتِ.
﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾ أيْ أقْدامَنا في الصَّلاةِ، أوْ أجْنِحَتَنا في الهَواءِ، أوْ حَوْلَ العَرْشِ داعِينَ لِلْمُؤْمِنِينَ. وقالَ الزَّهْراوِيُّ: قِيلَ إنَّ المُسْلِمِينَ إنَّما اصْطَفُّوا في الصَّلاةِ مُنْذُ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، ولا يَصْطَفُّ أحَدٌ مِنَ المِلَلِ غَيْرُ المُسْلِمِينَ.
﴿وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾ أيِ المُنَزِّهُونَ اللَّهَ عَنْ ما نَسَبَ إلَيْهِ الكَفَرَةُ، أوِ المُنَزِّهُونَ بِلَفْظِ التَّسْبِيحِ، أوِ المُصَلُّونَ. ويَنْبَغِي أنْ يُجْعَلَ قَوْلُهُ: ﴿سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ مِن كَلامِ المَلائِكَةِ، فَتَطَّرِدُ الجُمَلُ وتَنْساقُ لِقائِلٍ واحِدٍ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: ولَقَدْ عَلِمَتِ المَلائِكَةُ أنَّ ناسِبِي ذَلِكَ لَمُحْضَرُونَ لِلْعَذابِ؛ وقالُوا: سُبْحانَ اللَّهِ، فَنُزِّهُوا عَنْ ذَلِكَ واسْتَثْنَوْا مَن أخْلَصَ مِن عِبادِ اللَّهِ؛ وقالُوا لِلْكَفَرَةِ: فَإنَّكم وآلِهَتَكم إلى آخِرِهِ. وكَيْفَ نَكُونُ مُناسِبِيهِ، ونَحْنُ عَبِيدٌ بَيْنَ يَدَيْهِ، لِكُلٍّ مِنّا مَقامٌ مِنَ الطّاعَةِ ؟ إلى ما وصَفُوا (p-٣٨٠)بِهِ أنْفُسَهم مِن رُتْبَةِ العُبُودِيَّةِ. وقِيلَ: ﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾، هو مِن قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أيْ: وما مِنَ المُرْسَلِينَ أحَدٌ إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى قَدْرِ عَمَلِهِ، مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩] . ثُمَّ ذَكَرَ أعْمالَهم، وأنَّهُمُ المُصْطَفُّونَ في الصَّلاةِ المُنَزِّهُونَ اللَّهَ عَنْ ما يَقُولُ أهْلُ الضَّلالِ. والضَّمِيرُ في (لَيَقُولُونَ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ، ﴿لَوْ أنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا﴾ أيْ كِتابًا مِن كُتُبِ الأوَّلِينَ الَّذِينَ نَزَلَ عَلَيْهِمُ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ، لَأخْلَصْنا العِبادَةَ لِلَّهِ، ولَمْ نُكَذِّبْ كَما كَذَّبُوا. ( فَكَفَرُوا بِهِ) أيْ فَجاءَهُمُ الذِّكْرُ الَّذِي كانُوا يَتَمَنَّوْنَهُ، وهو أشْرَفُ الأذْكارِ، لِإعْجازِهِ مِن بَيْنِ الكُتُبِ.
﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ عاقِبَةَ كُفْرِهِمْ، وما يَحِلُّ بِهِمْ مِنَ الِانْتِقامِ. وأكَّدُوا قَوْلَهم بِـ (إنِ) المُخَفَّفَةِ وبِاللّامِ كَوْنُهم كانُوا جادِّينَ في ذَلِكَ، ثُمَّ ظَهَرَ مِنهُمُ التَّكْذِيبُ والنُّفُورُ البَلِيغُ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا جاءَهم ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: ٨٩] .
﴿ولَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِالإفْرادِ لَمّا انْتَظَمَتْ في مَعْنًى واحِدٍ عَبَّرَ عَنْها بِالإفْرادِ. وقَرَأ الضَّحّاكُ: بِالجَمْعِ، والمُرادُ المَوْعِدُ بِعُلُوِّهِمْ عَلى عَدِوِّهِمْ في مَقاماتِ الحِجاجِ ومَلاحِمِ القِتالِ في الدُّنْيا، وعُلُوِّهِمْ عَلَيْهِمْ في الآخِرَةِ. وقالَ الحَسَنُ: ما غُلِبَ نَبِيٌّ في الحَرْبِ، ولا قُتِلَ فِيها.
﴿فَتَوَلَّ عَنْهم حَتّى حِينٍ﴾ أيْ إلى مُدَّةٍ يَسِيرَةٍ، وهي مُدَّةُ الكَفِّ عَنِ القِتالِ. وعَنِ السُّدِّيِّ: إلى يَوْمِ بَدْرٍ، ورَجَّحَهُ الطَّبَرِيُّ. وقالَ قَتادَةُ: إلى مَوْتِهِمْ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: إلى يَوْمِ القِيامَةِ.
﴿وأبْصِرْهُمْ﴾ أيِ انْظُرْ إلى عاقِبَةِ أمْرِهِمْ، فَسَوْفَ يُبْصِرُونَها وما يَحِلُّ بِهِمْ مِنَ العَذابِ والأسْرِ والقَتْلِ، أوْ سَوْفَ يُبْصِرُونَكَ وما يَتِمُّ لَكَ مِنَ الظَّفَرِ بِهِمْ والنَّصْرِ عَلَيْهِمْ. وأمْرُهُ بِإبْصارِهِمْ إشارَةٌ إلى الحالَةِ المُنْتَظَرَةِ الكائِنَةِ لا مَحالَةَ، وأنَّها قَرِيبَةٌ كَأنَّها بَيْنَ ناظِرَيْهِ بِحَيْثُ هو يُبْصِرُها، وفي ذَلِكَ تَسْلِيَةٌ وتَنْفِيسٌ عَنْهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ.
﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ اسْتِفْهامُ تَوْبِيخٍ.
﴿فَإذا نَزَلَ﴾ هو، أيِ العَذابُ، مِثْلُ العَذابِ النّازِلِ بِهِمْ بَعْدَ ما أنْذَرَهُ، فَأنْكَرُوهُ بِحَيْثُ أنْذَرَ بِهُجُومِهِ قَوْمَهُ وبَعْضَ صُنّاعِهِمْ، فَلَمْ يَلْتَفِتُوا إلى إنْذارِهِ، ولا أخَذُوا أُهْبَتَهُ، ولا دَبَّرُوا أمْرَهم تَدْبِيرًا يُنْجِيهِمْ حَتّى أناخَ بِفَنائِهِمْ، فَشَنَّ عَلَيْهِمُ الغارَةَ، وقَطَعَ دابِرَهم. وكانَتْ عادَةُ مَغازِيهِمْ أنْ يُغِيرُوا صَباحًا، فَسُمِّيَتِ الغارَةُ صَباحًا، وإنْ وقَعَتْ في وقْتٍ آخَرَ. وما فَصَحَتْ هَذِهِ الآيَةُ، ولا كانَتْ لَهُ الرَّوْعَةُ الَّتِي يَحْسُنُ بِها، ويَرُونُكَ مَوْرِدُها عَلى نَفْسِكِ وطَبْعِكَ إلّا لِمَجِيئِها عَلى طَرِيقَةِ التَّمْثِيلِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وابْنُ مَسْعُودٍ: مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، (وساحَتِهِمْ): هو القائِمُ مَقامَ الفاعِلِ. ونَزَلَ ساحَةَ فُلانٍ، يُسْتَعْمَلُ فِيما ورَدَ عَلى الإنْسانِ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ؛ وسُوءُ الصَّباحِ: يُسْتَعْمَلُ في حُلُولِ الغاراتِ والرَّزاياتِ؛ ومِثْلُ قَوْلِ الصّارِخِ: يا صَباحاهُ؛ وحُكْمُ (ساءَ) هَنا حُكْمُ (بِئْسَ) . وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: فَبِئْسَ، والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: فَساءَ صَباحُ المُنْذَرِينَ صَباحُهم.
﴿وتَوَلَّ عَنْهم حَتّى حِينٍ﴾ كَرَّرَ الأمْرَ بِالتَّوَلِّي، تَأْنِيسًا لَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -، وتَسْلِيَةً وتَأْكِيدًا لِوُقُوعِ المِيعادِ؛ ولَمْ يُقَيِّدْ أمْرَهُ بِالإبْصارِ، كَما قَيَّدَهُ في الأوَّلِ، إمّا لِاكْتِفائِهِ بِهِ في الأوَّلِ فَحَذَفَهُ اخْتِصارًا، وإمّا لِما في تَرْكِ التَّقْيِيدِ مِن جَوَلانِ الذِّهْنِ فِيما يَتَعَلَّقُ بِهِ الإبْصارُ مِنهُ مِن صُنُوفِ المَسَرّاتِ، والإبْصارُ مِنهم مِن صُنُوفِ المَسَآتِ. وقِيلَ: أُرِيدَ بِالأوَّلِ عَذابُ الدُّنْيا، وبِالآخِرَةِ عَذابُ الآخِرَةِ. وخَتَمَ تَعالى هَذِهِ السُّورَةَ بِتَنْزِيهِهِ عَنْ ما يَصِفُهُ المُشْرِكُونَ، وأضافَ الرَّبَّ إلى نَبِيِّهِ تَشْرِيفًا لَهُ بِإضافَتِهِ وخِطابِهِ، ثُمَّ إلى العِزَّةِ، وهي العِزَّةُ المَخْلُوقَةُ الكائِنَةُ لِلْأنْبِياءِ والمُؤْمِنِينَ، وكَذَلِكَ قالَ الفُقَهاءُ مِن جِهَةِ أنَّها مَرْبُوبَةٌ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَحْنُونٍ وغَيْرُهُ: مَن حَلَفَ بِعِزَّةِ اللَّهِ تَعالى يُرِيدُ عِزَّتَهُ الَّتِي خُلِقَتْ بَيْنَ عِبادِهِ، وهي الَّتِي في قَوْلِهِ: ﴿رَبِّ العِزَّةِ﴾، فَلَيْسَتْ بِيَمِينٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أُضِيفَ الرَّبُّ إلى العِزَّةِ لِاخْتِصاصِهِ بِها، كَأنَّهُ قِيلَ: ذُو العِزَّةِ، كَما تَقُولُ: صاحِبُ صِدْقٍ لِاخْتِصاصِهِ بِالصِّدْقِ. انْتَهى. فَعَلى هَذا تَنْعَقِدُ اليَمِينُ بِعِزَّةِ اللَّهِ لِأنَّها صِفَةٌ مِن صِفاتِهِ. قالَ: ويَجُوزُ أنْ يُرادَ أنَّهُ ما مِن عِزَّةٍ لِأحَدٍ مِنَ المُلُوكِ (p-٣٨١)وغَيْرِهِمْ إلّا وهو رَبُّها ومالِكُها، لِقَوْلِهِ: ﴿وتُعِزُّ مَن تَشاءُ﴾ [آل عمران: ٢٦] . وعَنْ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ: " مَن أحَبَّ أنْ يَكْتالَ بِالمِكْيالِ الأوْفى مِنَ الأجْرِ يَوْمَ القِيامَةِ فَلْيَكُنْ آخِرُ كَلامِهِ إذا قامَ مِن مَجْلِسِهِ: (سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ) إلى آخِرِ السُّورَةِ.
الصافات 37:161
﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا ولَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ إنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ ﴿سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ ﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ﴾ ﴿ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ﴾ ﴿إلّا مَن هو صالِي الجَحِيمِ﴾ ﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾ ﴿وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾ ﴿وإنْ كانُوا لَيَقُولُونَ﴾ ﴿لَوْ أنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿لَكُنّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ ﴿فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ﴾ ﴿وإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ﴾ ﴿فَتَوَلَّ عَنْهم حَتّى حِينٍ﴾ ﴿وأبْصِرْهم فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ ﴿فَإذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ فَساءَ صَباحُ المُنْذَرِينَ﴾ ﴿وتَوَلَّ عَنْهم حَتّى حِينٍ﴾ ﴿وأبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ ﴿وسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ﴾ ﴿والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ (p-٣٧٨)
الظّاهِرُ أنَّ الجِنَّةَ هُمُ الشَّياطِينُ، وعَنِ الكُفّارِ في ذَلِكَ مَقالاتٌ شَنِيعَةٌ. مِنها أنَّهُ تَعالى صاهَرَ سَرَواتِ الجِنِّ، فَوَلَدَ مِنهُمُ المَلائِكَةَ، وهم فِرْقَةٌ مِن بَنِي مُدْلِجٍ، وشافَهَ بِذَلِكَ بَعْضُ الكُفّارِ أبا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ.
﴿ولَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ﴾ أيِ الشَّياطِينُ، أنَّها مُحْضَرَةٌ أمْرَ اللَّهِ مِن ثَوابٍ وعِقابٍ، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إذا فُسِّرَتِ الجِنَّةُ بِالشَّياطِينِ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ في ﴿إنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ لَهم. والمَعْنى أنَّ الشَّياطِينَ عالِمُونَ أنَّ اللَّهَ يُحْضِرُهُمُ النّارَ ويُعَذِّبُهم، ولَوْ كانُوا مُناسِبِينَ لَهُ، أوْ شُرَكاءَ في وُجُوبِ الطّاعَةِ لَما عَذَّبَهم. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في (وجَعَلُوا) لِفِرْقَةٍ مِن كُفّارِ قُرَيْشٍ والعَرَبِ، والجِنَّةُ: المَلائِكَةُ، سُمُّوا بِذَلِكَ لِاجْتِنانِهِمْ وخَفائِهِمْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإنَّما ذَكَرَهم بِهَذا الِاسْمِ وضْعًا مِنهم وتَصْغِيرًا لَهم، وإنْ كانُوا مُعَظَّمِينَ في أنْفُسِهِمْ أنْ يَبْلُغُوا مَنزِلَةَ المُناسَبَةِ الَّتِي أضافُوها إلَيْهِمْ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ مَن صِفَتُهُ الِاجْتِنانُ والِاسْتِتارُ، وهو مِن صِفاتِ الأجْرامِ، لا يَصِحُّ أنْ يُناسِبَ مَن لا يَجُوزُ عَلَيْهِ ذَلِكَ. انْتَهى.
﴿ولَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ﴾ أيِ المَلائِكَةُ، (أنَّهم) أيِ الكَفَرَةُ المُدَّعِينَ نِسْبَةً بَيْنَ المَلائِكَةِ وبَيْنَ اللَّهِ تَعالى، مُحْضَرُونَ النّارَ، يُعَذَّبُونَ بِما يَقُولُونَ. وأُضِيفَ ذَلِكَ إلى عِلْمِ مَن نُسِبُوا لِذَلِكَ، مُبالَغَةً في تَكْذِيبِ النّاسِبِينَ. ثُمَّ نَزَّهَ تَعالى نَفْسَهُ عَنِ الوَصْفِ الَّذِي لا يَلِيقُ بِهِ، ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ﴾، فَإنَّهم يَصِفُونَهُ بِصِفاتِهِ. وأمّا مِنَ المُحْضَرُونَ، أيْ إلّا عِبادَ اللَّهِ، فَإنَّهم ناجُونَ مُدَّةَ العَذابِ، وتَكُونُ جُمْلَةُ التَّنْزِيهِ اعْتِراضًا عَلى كِلا القَوْلَيْنِ، فالِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ. والظّاهِرُ أنَّ الواوَ في ﴿وما تَعْبُدُونَ﴾ لِلْعَطْفِ، عَطَفَتْ ما تَعْبُدُونَ عَلى الضَّمِيرِ في إنَّكم، وأنَّ الضَّمِيرَ في عَلَيْهِ عائِدٌ عَلى (ما)، والمَعْنى: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ: وما تَعْبُدُونَ مِنَ الأصْنامِ ما أنْتُمْ وهم، وغَلَبَ الخِطابُ. كَما تَقُولُ: أنْتَ وزَيْدٌ تَخْرُجانِ عَلَيْهِ، أيْ عَلى عِبادَةِ مَعْبُودِكم.
﴿بِفاتِنِينَ﴾ أيْ بِحامِلِينَ بِالفِتْنَةِ عِبادَهُ، إلّا مَن قَدَّرَ اللَّهُ في سابِقِ عِلْمِهِ أنَّهُ مِن أهْلِ النّارِ. والضَّمِيرُ في (عَلَيْهِ) عائِدٌ عَلى ما عَلى حَذْفِ مُضافٍ، كَما قُلْنا، أيْ عَلى عِبادَتِهِ. وضُمِّنَ (فاتِنِينَ) مَعْنى: حامِلِينَ بِالفِتْنَةِ، و(مَن) مَفْعُولَةٌ بِـ (فاتِنِينَ)، فُرِّغَ لَهُ العامِلُ إذْ لَمْ يَكُنْ بِـ (فاتِنِينَ) مَفْعُولًا. وقِيلَ: عَلَيْهِ بِمَعْنى: أيْ ما أنْتُمْ بِالَّذِي تَعْبُدُونَ بِـ (فاتِنِينَ)، وبِهِ مُتَعَلِّقٌ بِـ (فاتِنِينَ)، المَعْنى: ما أنْتُمْ (فاتِنِينَ) بِذَلِكَ الَّذِي عَبَدْتُمُوهُ إلّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَدَرُ أنَّهُ يَدْخُلُ النّارَ. وجَعَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ الضَّمِيرَ في (عَلَيْهِ) عائِدًا عَلى اللَّهِ، قالَ فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ يَفْتِنُونَهم عَلى اللَّهِ ؟ قُلْتُ: يُفْسِدُونَهم عَلَيْهِ بِإغْوائِهِمْ واسْتِهْوائِهِمْ مِن قَوْلِكَ: فَتَنَ فُلانٌ عَلى فُلانٍ امْرَأتَهُ، كَما تَقُولُ: أفْسَدَها عَلَيْهِ وخَيَّبَها عَلَيْهِ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الواوُ في ﴿وما تَعْبُدُونَ﴾ بِمَعْنى (مَعَ) مِثْلُها في قَوْلِهِمْ: كُلُّ رَجُلٍ وضَيْعَتُهُ. فَكَما جازَ السُّكُوتُ عَلى كُلِّ رَجُلٍ وضَيْعَتُهُ، جازَ أنْ يُسْكَتَ عَلى قَوْلِهِ ﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ﴾؛ لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿وما تَعْبُدُونَ﴾ سادٌّ مَسَدَّ الخَبَرِ؛ لِأنَّ مَعْناهُ فَإنَّكم مَعَ ما تَعْبُدُونَ، والمَعْنى: فَإنَّكم مَعَ آلِهَتِكم، أيْ فَإنَّكم قُرَناؤُهم وأصْحابُهم لا تَبْرَحُونَ تَعْبُدُونَهم. ثُمَّ قالَ ﴿ما أنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ أيْ عَلى ما تَعْبُدُونَ، ﴿بِفاتِنِينَ﴾ بِباعِثِينَ أوْ حامِلِينَ عَلى طَرِيقِ الفِتْنَةِ والإضْلالِ، إلّا مَن هو ضالٌّ مِنكم. انْتَهى. وكَوْنُ الواوِ في ﴿وما تَعْبُدُونَ﴾ واوَ (مَعَ) غَيْرُ مُتَبادِرٍ إلى الذِّهْنِ، وقَطْعُ (p-٣٧٩)﴿ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ﴾ عَنْ (إنَّكم وما تَعْبُدُونَ) لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّ اتِّصافَهُ بِهِ هو السّابِقُ إلى الفَهْمِ مَعَ صِحَّةِ المَعْنى، فَلا يَنْبَغِي العُدُولُ عَنْهُ.
وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: (صالُوا الجَحِيمَ) بِالواوِ، وهَكَذا في كِتابِ الكامِلِ لِلْهُذَلِيِّ. وفي كِتابِ ابْنِ خالَوَيْهِ عَنْهُما: (صالَ) مَكْتُوبًا بِغَيْرِ واوٍ، وفي كِتابِ ابْنِ عَطِيَّةَ. وقَرَأ الحَسَنُ: (صالُوا) مَكْتُوبًا بِالواوِ؛ وفي كِتابِ اللَّوامِحِ وكِتابِ الزَّمَخْشَرِيِّ عَنِ الحَسَنِ: (صالَ) مَكْتُوبًا بِغَيْرِ واوٍ. فَمَن أثْبَتَ الواوَ فَهو جَمْعُ سَلامَةٍ سَقَطَتِ النُّونُ لِلْإضافَةِ. حُمِلَ أوَّلًا عَلى لَفْظِ (مَن) فَأُفْرِدَ، ثُمَّ ثانِيًا عَلى مَعْناها فَجُمِعَ، كَقَوْلِهِ ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللَّهِ وبِاليَوْمِ الآخِرِ وما هم بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٨]، حُمِلَ في (يَقُولُ) عَلى لَفْظِ (مَن)، وفي (وما هم) عَلى المَعْنى، واجْتَمَعَ الحَمْلُ عَلى اللَّفْظِ، والمَعْنى في جُمْلَةٍ واحِدَةٍ، وهي صِلَةٌ لِلْمَوْصُولِ، كَقَوْلِهِ ﴿إلّا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى﴾ [البقرة: ١١١] . وقَوْلُ الشّاعِرِ:
وأيْقَظَ مَن كانَ مِنكم نِياما
ومَن لَمْ يُثْبِتِ الواوَ احْتَمَلَ أنْ يَكُونَ جَمْعًا، وحُذِفَتِ الواوُ خَطَأً، كَما حُذِفَتْ في حالَةِ الوَصْلِ لَفْظًا لِأجْلِ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ. واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ صالَ مُفْرَدًا حُذِفَتْ لامُهُ تَخْفِيفًا، وجَرى الإعْرابُ في عَيْنِهِ، كَما حُذِفَ مِن قَوْلِهِ ﴿وجَنى الجَنَّتَيْنِ دانٍ﴾ [الرحمن: ٥٤]، ﴿ولَهُ الجَوارِي المُنْشَآتُ﴾ [الرحمن: ٢٤]، بِرَفْعِ النُّونِ والجَوارِ، وقالُوا: ما بالَيْتُ بِهِ بالَةً، أيْ بالِيَةً مِن بالى، كَعافِيَةٍ مِن عافى، فَحُذِفَتْ لامُ (بالَيْتُ وبالِيَةٍ) . وقالُوا: بالَةٌ وبالٍ، بِحَذْفِ اللّامِ فِيهِما. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقَدْ وجَّهَ نَحْوًا مِنَ الوَجْهَيْنِ السّابِقَيْنِ وجَعَلَهُما أوَّلًا وثالِثًا فَقالَ: والثّانِي أنْ يَكُونَ أصْلُهُ صائِلًا عَلى القَلْبِ، ثُمَّ يُقالُ: صالٌ في صائِلٍ، كَقَوْلِهِمْ: شاكٌّ في شائِكٍ. انْتَهى.
﴿وما مِنّا﴾ أيْ أحَدٌ، ﴿إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ أيْ مَقامٌ في العِبادَةِ والِانْتِهاءِ إلى أمْرِ اللَّهِ، مَقْصُورٌ عَلَيْهِ لا يَتَجاوَزُهُ. كَما رُوِيَ: فَمِنهم راكِعٌ لا يُقِيمُ ظَهْرَهُ، وساجِدٌ لا يَرْفَعُ رَأْسَهُ، وهَذا قَوْلُ المَلائِكَةِ، وهو يُقَوِّي قَوْلَ مَن جَعَلَ الجِنَّةَ هُمُ المَلائِكَةُ تَبَرَّئُوا عَنْ ما نَسَبَ إلَيْهِمُ الكَفَرَةُ مِن كَوْنِهِمْ بَناتِ اللَّهِ، وأخْبَرُوا عَنْ حالِ عُبُودِيَّتِهِمْ، وعَلى أيِّ حالَةٍ هم فِيها. وفي الحَدِيثِ: «أنَّ السَّماءَ ما فِيها مَوْضِعٌ إلّا وفِيهِ مَلَكٌ ساجِدٌ أوْ واقِفٌ يُصَلِّي»، وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: ”مَوْضِعُ شِبْرٍ إلّا وعَلَيْهِ جَبْهَةُ مَلَكٍ أوْ قَدَماهُ“، وحَذْفُ المُبْتَدَأِ مَعَ (مِن) جَيِّدٌ فَصِيحٌ، كَما مَرَّ في قَوْلِهِ ﴿وإنْ مِن أهْلِ الكِتابِ إلّا لَيُؤْمِنَنَّ﴾ [النساء: ١٥٩]، أيْ وإنْ مِن أهْلِ الكِتابِ أحَدٌ. وقالَ العَرَبُ: مِنّا ظَعَنَ ومِنّا أقامَ، يُرِيدُ: مِنّا فَرِيقٌ ظَعَنَ ومِنّا فَرِيقٌ أقامَ. وقالالزَّمَخْشَرِيُّ: وما مِنّا أحَدٌ إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ، حَذَفَ المَوْصُوفَ وأقامَ الصِّفَةَ مُقامَهُ، كَقَوْلِهِ:
أنا ابْنُ جَلا وطَلّاعُ الثَّنايا بِكَفِّي كانَ مِن أرْمى البَشَرِ انْتَهى. ولَيْسَ هَذا مِن حَذْفِ المَوْصُوفِ وإقامَةِ الصِّفَةِ مُقامَهُ؛ لِأنَّ أحَدًا المَحْذُوفَ مُبْتَدَأٌ. وإلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ خَبَرُهُ، ولِأنَّهُ لا يَنْعَقِدُ كَلامٌ مِن قَوْلِهِ: وما مِنّا أحَدٌ، فَقَوْلُهُ: ﴿إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ هو مَحَطُّ الفائِدَةِ. وإنْ تَخَيَّلَ أنَّ ﴿إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ، فَقَدْ نَصُّوا عَلى أنَّ إلّا لا تَكُونُ صِفَةً إذا حُذِفَ مَوْصُوفُها، وأنَّها فارَقَتْ (غَيْرَ) إذا كانَتْ صِفَةً في ذَلِكَ، لِيَتَمَكَنَّ غَيْرُهُ في الوَصْفِ وقِلَّةِ تَمَكُّنِ (إلّا) فِيهِ، وجُعِلَ ذَلِكَ كَقَوْلِهِ: أنا ابْنُ جَلا، أيِ ابْنُ رَجُلٍ جَلا؛ وبِكَفِّي كانَ، أيْ رَجُلٍ كانَ، وهَذا عِنْدَ النَّحْوِيِّينَ مِن أقْبَحِ الضَّرُوراتِ.
﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾ أيْ أقْدامَنا في الصَّلاةِ، أوْ أجْنِحَتَنا في الهَواءِ، أوْ حَوْلَ العَرْشِ داعِينَ لِلْمُؤْمِنِينَ. وقالَ الزَّهْراوِيُّ: قِيلَ إنَّ المُسْلِمِينَ إنَّما اصْطَفُّوا في الصَّلاةِ مُنْذُ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، ولا يَصْطَفُّ أحَدٌ مِنَ المِلَلِ غَيْرُ المُسْلِمِينَ.
﴿وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾ أيِ المُنَزِّهُونَ اللَّهَ عَنْ ما نَسَبَ إلَيْهِ الكَفَرَةُ، أوِ المُنَزِّهُونَ بِلَفْظِ التَّسْبِيحِ، أوِ المُصَلُّونَ. ويَنْبَغِي أنْ يُجْعَلَ قَوْلُهُ: ﴿سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ مِن كَلامِ المَلائِكَةِ، فَتَطَّرِدُ الجُمَلُ وتَنْساقُ لِقائِلٍ واحِدٍ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: ولَقَدْ عَلِمَتِ المَلائِكَةُ أنَّ ناسِبِي ذَلِكَ لَمُحْضَرُونَ لِلْعَذابِ؛ وقالُوا: سُبْحانَ اللَّهِ، فَنُزِّهُوا عَنْ ذَلِكَ واسْتَثْنَوْا مَن أخْلَصَ مِن عِبادِ اللَّهِ؛ وقالُوا لِلْكَفَرَةِ: فَإنَّكم وآلِهَتَكم إلى آخِرِهِ. وكَيْفَ نَكُونُ مُناسِبِيهِ، ونَحْنُ عَبِيدٌ بَيْنَ يَدَيْهِ، لِكُلٍّ مِنّا مَقامٌ مِنَ الطّاعَةِ ؟ إلى ما وصَفُوا (p-٣٨٠)بِهِ أنْفُسَهم مِن رُتْبَةِ العُبُودِيَّةِ. وقِيلَ: ﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾، هو مِن قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أيْ: وما مِنَ المُرْسَلِينَ أحَدٌ إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى قَدْرِ عَمَلِهِ، مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩] . ثُمَّ ذَكَرَ أعْمالَهم، وأنَّهُمُ المُصْطَفُّونَ في الصَّلاةِ المُنَزِّهُونَ اللَّهَ عَنْ ما يَقُولُ أهْلُ الضَّلالِ. والضَّمِيرُ في (لَيَقُولُونَ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ، ﴿لَوْ أنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا﴾ أيْ كِتابًا مِن كُتُبِ الأوَّلِينَ الَّذِينَ نَزَلَ عَلَيْهِمُ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ، لَأخْلَصْنا العِبادَةَ لِلَّهِ، ولَمْ نُكَذِّبْ كَما كَذَّبُوا. ( فَكَفَرُوا بِهِ) أيْ فَجاءَهُمُ الذِّكْرُ الَّذِي كانُوا يَتَمَنَّوْنَهُ، وهو أشْرَفُ الأذْكارِ، لِإعْجازِهِ مِن بَيْنِ الكُتُبِ.
﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ عاقِبَةَ كُفْرِهِمْ، وما يَحِلُّ بِهِمْ مِنَ الِانْتِقامِ. وأكَّدُوا قَوْلَهم بِـ (إنِ) المُخَفَّفَةِ وبِاللّامِ كَوْنُهم كانُوا جادِّينَ في ذَلِكَ، ثُمَّ ظَهَرَ مِنهُمُ التَّكْذِيبُ والنُّفُورُ البَلِيغُ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا جاءَهم ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: ٨٩] .
﴿ولَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِالإفْرادِ لَمّا انْتَظَمَتْ في مَعْنًى واحِدٍ عَبَّرَ عَنْها بِالإفْرادِ. وقَرَأ الضَّحّاكُ: بِالجَمْعِ، والمُرادُ المَوْعِدُ بِعُلُوِّهِمْ عَلى عَدِوِّهِمْ في مَقاماتِ الحِجاجِ ومَلاحِمِ القِتالِ في الدُّنْيا، وعُلُوِّهِمْ عَلَيْهِمْ في الآخِرَةِ. وقالَ الحَسَنُ: ما غُلِبَ نَبِيٌّ في الحَرْبِ، ولا قُتِلَ فِيها.
﴿فَتَوَلَّ عَنْهم حَتّى حِينٍ﴾ أيْ إلى مُدَّةٍ يَسِيرَةٍ، وهي مُدَّةُ الكَفِّ عَنِ القِتالِ. وعَنِ السُّدِّيِّ: إلى يَوْمِ بَدْرٍ، ورَجَّحَهُ الطَّبَرِيُّ. وقالَ قَتادَةُ: إلى مَوْتِهِمْ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: إلى يَوْمِ القِيامَةِ.
﴿وأبْصِرْهُمْ﴾ أيِ انْظُرْ إلى عاقِبَةِ أمْرِهِمْ، فَسَوْفَ يُبْصِرُونَها وما يَحِلُّ بِهِمْ مِنَ العَذابِ والأسْرِ والقَتْلِ، أوْ سَوْفَ يُبْصِرُونَكَ وما يَتِمُّ لَكَ مِنَ الظَّفَرِ بِهِمْ والنَّصْرِ عَلَيْهِمْ. وأمْرُهُ بِإبْصارِهِمْ إشارَةٌ إلى الحالَةِ المُنْتَظَرَةِ الكائِنَةِ لا مَحالَةَ، وأنَّها قَرِيبَةٌ كَأنَّها بَيْنَ ناظِرَيْهِ بِحَيْثُ هو يُبْصِرُها، وفي ذَلِكَ تَسْلِيَةٌ وتَنْفِيسٌ عَنْهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ.
﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ اسْتِفْهامُ تَوْبِيخٍ.
﴿فَإذا نَزَلَ﴾ هو، أيِ العَذابُ، مِثْلُ العَذابِ النّازِلِ بِهِمْ بَعْدَ ما أنْذَرَهُ، فَأنْكَرُوهُ بِحَيْثُ أنْذَرَ بِهُجُومِهِ قَوْمَهُ وبَعْضَ صُنّاعِهِمْ، فَلَمْ يَلْتَفِتُوا إلى إنْذارِهِ، ولا أخَذُوا أُهْبَتَهُ، ولا دَبَّرُوا أمْرَهم تَدْبِيرًا يُنْجِيهِمْ حَتّى أناخَ بِفَنائِهِمْ، فَشَنَّ عَلَيْهِمُ الغارَةَ، وقَطَعَ دابِرَهم. وكانَتْ عادَةُ مَغازِيهِمْ أنْ يُغِيرُوا صَباحًا، فَسُمِّيَتِ الغارَةُ صَباحًا، وإنْ وقَعَتْ في وقْتٍ آخَرَ. وما فَصَحَتْ هَذِهِ الآيَةُ، ولا كانَتْ لَهُ الرَّوْعَةُ الَّتِي يَحْسُنُ بِها، ويَرُونُكَ مَوْرِدُها عَلى نَفْسِكِ وطَبْعِكَ إلّا لِمَجِيئِها عَلى طَرِيقَةِ التَّمْثِيلِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وابْنُ مَسْعُودٍ: مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، (وساحَتِهِمْ): هو القائِمُ مَقامَ الفاعِلِ. ونَزَلَ ساحَةَ فُلانٍ، يُسْتَعْمَلُ فِيما ورَدَ عَلى الإنْسانِ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ؛ وسُوءُ الصَّباحِ: يُسْتَعْمَلُ في حُلُولِ الغاراتِ والرَّزاياتِ؛ ومِثْلُ قَوْلِ الصّارِخِ: يا صَباحاهُ؛ وحُكْمُ (ساءَ) هَنا حُكْمُ (بِئْسَ) . وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: فَبِئْسَ، والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: فَساءَ صَباحُ المُنْذَرِينَ صَباحُهم.
﴿وتَوَلَّ عَنْهم حَتّى حِينٍ﴾ كَرَّرَ الأمْرَ بِالتَّوَلِّي، تَأْنِيسًا لَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -، وتَسْلِيَةً وتَأْكِيدًا لِوُقُوعِ المِيعادِ؛ ولَمْ يُقَيِّدْ أمْرَهُ بِالإبْصارِ، كَما قَيَّدَهُ في الأوَّلِ، إمّا لِاكْتِفائِهِ بِهِ في الأوَّلِ فَحَذَفَهُ اخْتِصارًا، وإمّا لِما في تَرْكِ التَّقْيِيدِ مِن جَوَلانِ الذِّهْنِ فِيما يَتَعَلَّقُ بِهِ الإبْصارُ مِنهُ مِن صُنُوفِ المَسَرّاتِ، والإبْصارُ مِنهم مِن صُنُوفِ المَسَآتِ. وقِيلَ: أُرِيدَ بِالأوَّلِ عَذابُ الدُّنْيا، وبِالآخِرَةِ عَذابُ الآخِرَةِ. وخَتَمَ تَعالى هَذِهِ السُّورَةَ بِتَنْزِيهِهِ عَنْ ما يَصِفُهُ المُشْرِكُونَ، وأضافَ الرَّبَّ إلى نَبِيِّهِ تَشْرِيفًا لَهُ بِإضافَتِهِ وخِطابِهِ، ثُمَّ إلى العِزَّةِ، وهي العِزَّةُ المَخْلُوقَةُ الكائِنَةُ لِلْأنْبِياءِ والمُؤْمِنِينَ، وكَذَلِكَ قالَ الفُقَهاءُ مِن جِهَةِ أنَّها مَرْبُوبَةٌ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَحْنُونٍ وغَيْرُهُ: مَن حَلَفَ بِعِزَّةِ اللَّهِ تَعالى يُرِيدُ عِزَّتَهُ الَّتِي خُلِقَتْ بَيْنَ عِبادِهِ، وهي الَّتِي في قَوْلِهِ: ﴿رَبِّ العِزَّةِ﴾، فَلَيْسَتْ بِيَمِينٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أُضِيفَ الرَّبُّ إلى العِزَّةِ لِاخْتِصاصِهِ بِها، كَأنَّهُ قِيلَ: ذُو العِزَّةِ، كَما تَقُولُ: صاحِبُ صِدْقٍ لِاخْتِصاصِهِ بِالصِّدْقِ. انْتَهى. فَعَلى هَذا تَنْعَقِدُ اليَمِينُ بِعِزَّةِ اللَّهِ لِأنَّها صِفَةٌ مِن صِفاتِهِ. قالَ: ويَجُوزُ أنْ يُرادَ أنَّهُ ما مِن عِزَّةٍ لِأحَدٍ مِنَ المُلُوكِ (p-٣٨١)وغَيْرِهِمْ إلّا وهو رَبُّها ومالِكُها، لِقَوْلِهِ: ﴿وتُعِزُّ مَن تَشاءُ﴾ [آل عمران: ٢٦] . وعَنْ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ: " مَن أحَبَّ أنْ يَكْتالَ بِالمِكْيالِ الأوْفى مِنَ الأجْرِ يَوْمَ القِيامَةِ فَلْيَكُنْ آخِرُ كَلامِهِ إذا قامَ مِن مَجْلِسِهِ: (سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ) إلى آخِرِ السُّورَةِ.