Lafzullah

Al-Bahr Al-Muhit — ص 38:38 – ص 38:62

المؤلف / المصدر: Al-Bahr Al-Muhit

المحتويات
  1. ص 38:38
  2. ص 38:39
  3. ص 38:40
  4. ص 38:41
  5. ص 38:42
  6. ص 38:43
  7. ص 38:44
  8. ص 38:45
  9. ص 38:46
  10. ص 38:47
  11. ص 38:48
  12. ص 38:49
  13. ص 38:50
  14. ص 38:51
  15. ص 38:52
  16. ص 38:53
  17. ص 38:54
  18. ص 38:55
  19. ص 38:56
  20. ص 38:57
  21. ص 38:58
  22. ص 38:59
  23. ص 38:60
  24. ص 38:61
  25. ص 38:62

ص 38:38

(p-٣٩٤)﴿يا داوُدُ إنّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً في الأرْضِ فاحْكم بَيْنَ النّاسِ بِالحَقِّ ولا تَتَّبِعِ الهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الحِسابِ﴾ ﴿وما خَلَقْنا السَّماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما باطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النّارِ﴾ ﴿أمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ كالمُفْسِدِينَ في الأرْضِ أمْ نَجْعَلُ المُتَّقِينَ كالفُجّارِ﴾ ﴿كِتابٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ ولِيَتَذَكَّرَ أُولُو الألْبابِ﴾ ﴿ووَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ نِعْمَ العَبْدُ إنَّهُ أوّابٌ﴾ ﴿إذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالعَشِيِّ الصّافِناتُ الجِيادُ﴾ ﴿فَقالَ إنِّي أحْبَبْتُ حُبَّ الخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ﴾ ﴿رُدُّوها عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ والأعْناقِ﴾ ﴿ولَقَدْ فَتَنّا سُلَيْمانَ وألْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أنابَ﴾ ﴿قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ مِن بَعْدِي إنَّكَ أنْتَ الوَهّابُ﴾ ﴿فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أصابَ﴾ ﴿والشَّياطِينَ كُلَّ بَنّاءٍ وغَوّاصٍ﴾ ﴿وآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ في الأصْفادِ﴾ ﴿هَذا عَطاؤُنا فامْنُنْ أوْ أمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ ﴿وإنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وحُسْنَ مَآبٍ﴾ ) . (p-٣٩٥)جَعْلُهُ تَعالى داوُدَ خَلِيفَةً في الأرْضِ يَدُلُّ عَلى مَكانَتِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عِنْدَهُ واصْطِفائِهِ، ويَدْفَعُ في صَدْرِ مَن نَسَبَ إلَيْهِ شَيْئًا مِمّا لا يَلِيقُ بِمَنصِبِ النُّبُوَّةِ. واحْتَمَلَ لَفْظُ خَلِيفَةٍ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: تَخْلُفُ مَن تَقَدَّمَكَ مِنَ الأنْبِياءِ، أنْ يُعْلِيَ قَدْرَكَ بِجَعْلِكَ مَلِكًا نافِذَ الحُكْمِ، ومِنهُ قِيلَ: خُلَفاءُ اللَّهِ في أرْضِهِ. واسْتُدِلَّ مِن هَذِهِ الآيَةِ عَلى احْتِياجِ الأرْضِ إلى خَلِيفَةٍ مِنَ اللَّهِ، ولا يَلْزَمُ ذَلِكَ مِنَ الآيَةِ، بَلْ لُزُومُهُ مِن جِهَةِ الشَّرْعِ والإجْماعِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولا يُقالُ خَلِيفَةُ اللَّهِ إلّا لِرَسُولٍ. وأمّا الخُلَفاءُ، فَكُلُّ واحِدٍ مِنهم خَلِيفَةُ الَّذِي قَبْلَهُ، وما يَجِيءُ في الشِّعْرِ مِن تَسْمِيَةِ أحَدِهِمْ خَلِيفَةَ اللَّهِ فَذَلِكَ تَجَوُّزٌ، كَما قالَ قَيْسُ الرُّقَيّاتِ: ؎خَلِيفَةُ اللَّهِ في بَرِّيَّتِهِ حَقَّتْ بِذاكَ الأقْلامُ والكُتُبُ وقالَتِ الصَّحابَةُ لِأبِي بَكْرٍ: خَلِيفَةُ رَسُولِ اللَّهِ، وبِذَلِكَ كانَ يُدْعى مُدَّتُهُ. فَلَمّا ولِيَ عُمَرُ قالُوا: خَلِيفَةُ خَلِيفَةِ رَسُولِ اللَّهِ، وطالَ الأمْرُ وزادَ أنَّهُ في المُسْتَقْبَلِ، فَدَعَوْهُ أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، وقُصِرَ هَذا الِاسْمُ عَلى الخُلَفاءِ. انْتَهى. ﴿فاحْكم بَيْنَ النّاسِ بِالحَقِّ﴾ أمْرٌ بِالدَّيْمُومَةِ، وتَنْبِيهٌ لِغَيْرِهِ مِمَّنْ ولِيَ أُمُورَ النّاسِ. فَمِن حَيْثُ هو مَعْصُومٌ لا يَحْكُمُ إلّا بِالحَقِّ، أُمِرَ أوَّلًا بِالحُكْمِ ولَمّا كانَ الهَوى قَدْ يَعْرِضُ لِغَيْرِ المَعْصُومِ أمَرَ بِاجْتِنابِهِ، وذَكَرَ نَتِيجَةَ اتِّباعِهِ، وهو إضْلالُهُ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ. و﴿فَيُضِلَّكَ﴾ جَوابٌ لِلنَّهْيِ، والفاعِلُ في فَيُضِلَّكَ ضَمِيرُ (الهَوى)، أوْ ضَمِيرُ المَصْدَرِ المَفْهُومِ مِن ﴿ولا تَتَّبِعِ﴾ أيْ فَيُضِلَّكَ اتِّباعُ الهَوى. ولَمّا ذَكَرَ ما تَرَتَّبَ عَلى اتِّباعِ الهَوى، وهو الإضْلالُ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، ذَكَرَ عِقابَ الضّالِّ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (يَضِلُّونَ) بِفَتْحِ الياءِ؛ لِأنَّهم لَمّا أضَلَّهُمُ اتِّباعُ الهَوى صارُوا ضالِّينَ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ: بِخِلافٍ عَنْهُما؛ وأبُو حَيْوَةَ: بِضَمِّ الياءِ، وهَذِهِ القِراءَةُ أعَمُّ؛ لِأنَّهُ لا يَضِلُّ الإضْلالُ في نَفْسِهِ؛ وقِراءَةُ الجُمْهُورِ أوْضَحُ. و﴿بِما نَسُوا﴾ مُتَعَلِّقٌ بِما تَعَلَّقَ بِهِ لَهم، ونَسُوا: تَرَكُوا. و(يَوْمَ) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِنَسُوا، أوْ بِما تَعَلَّقَ بِهِ لَهم، ويَكُونَ النِّسْيانُ عِبارَةً عَنْ ضَلالِهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ. وانْتَصَبَ ﴿باطِلًا﴾ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ خَلْقًا باطِلًا، أوْ عَلى الحالِ أيْ مُبْطِلِينَ، أوْ ذَوِي باطِلٍ، أوْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ. مَعْنًى باطِلًا: عَبَثًا. (ذَلِكَ) أيْ كَوْنُ خَلْقِها باطِلًا ﴿ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ مَظْنُونُهم، وهَؤُلاءِ وإنْ كانُوا مُقِرِّينِ بِأنَّ خالِقَ السَّماواتِ والأرْضِ هو اللَّهُ تَعالى، فَهم مِن حَيْثُ أنْكَرُوا المَعادَ والثَّوابَ والعِقابَ ظانُّونَ أنَّ خَلْقَ ذَلِكَ لَيْسَ بِحِكْمَةٍ، وأنَّ خَلْقَ ذَلِكَ إنَّما هو عَبَثٌ؛ ولِذَلِكَ قالَ تَعالى ﴿أفَحَسِبْتُمْ أنَّما خَلَقْناكم عَبَثًا وأنَّكم إلَيْنا لا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٥] فَنَبَّهَ عَلى المَعادِ والرُّجُوعِ إلى جَزائِهِ، ثُمَّ ذَكَرَ ما بَيْنَ المُؤْمِنِ عامَلِ الصّالِحاتِ، والمُفْسِدِ مِنَ التَّبايُنِ، وأنَّهُما لَيْسا سِيَّيْنِ، وقابَلَ الصَّلاحَ بِالفَسادِ، والتَّقْوى بِالفُجُورِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي عامَّةٌ في جَمِيعِ المُسْلِمِينَ والكافِرِينَ. وقِيلَ في قَوْمٍ مِن مُشْرِكِ قُرَيْشٍ قالُوا: نَحْنُ لَنا في الآخِرَةِ أعْظَمُ مِمّا لَنا في الدُّنْيا، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ. وقِيلَ في جَماعَةٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ مُعَيَّنِينَ بارَزُوا يَوْمَ بَدْرٍ عَلِيًّا وحَمْزَةَ وعُبَيْدَةَ بْنَ الحَرْثِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم، وعُتْبَةَ وشَيْبَةَ والوَلِيدَ بْنَ عُتْبَةَ، ووَصَفَ كُلًّا بِما ناسَبَهُ. والِاسْتِفْهامُ بِـ (أمْ) في المَوْضِعَيْنِ اسْتِفْهامُ إنْكارٍ، والمَعْنى: أنَّهُ لا يَسْتَوِي عِنْدَ اللَّهِ مَن أصْلَحَ ومَن أفْسَدَ، ولا مَنِ اتَّقى ومَن فَجَرَ، وكَيْفَ تَكُونُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ مَن أطاعَ ومَن عَصى ؟ إذَنْ كانَ يَبْطُلُ الجَزاءُ، والجَزاءُ لا مَحالَةَ واقِعٌ، والتَّسْوِيَةُ مُنْتَفِيَةٌ. ولَمّا انْتَفَتِ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ ما تَصْلُحُ بِهِ لِمُتْبِعَةِ السَّعادَةِ الأبَدِيَّةِ، وهو كِتابُ اللَّهِ تَعالى، فَقالَ ﴿كِتابٌ أنْزَلْناهُ﴾ وارْتِفاعُهُ عَلى إضْمارِ مُبْتَدَأٍ، أيْ هَذا كِتابٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿مُبارَكٌ﴾ عَلى الصِّفَةِ. وقُرِئَ: مُبارَكًا عَلى الحالِ اللّازِمَةِ، أيْ هَذا كِتابٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ﴾ بِياءِ الغَيْبَةِ وشَدِّ الدّالِ، وأصْلُهُ لِيَتَدَبَّرُوا. وقَرَأ عَلِيٌّ (p-٣٩٦)بِهَذا الأصْلِ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: بِتاءِ الخِطابِ وتَخْفِيفِ الدّالِ. وجاءَ كَذَلِكَ عَنْ عاصِمٍ والكِسائِيِّ بِخِلافٍ عَنْهُما، والأصْلُ: لِتَتَدَبَّرُوا بِتاءَيْنِ فَحُذِفَتْ إحْداهُما عَلى الخِلافِ الَّذِي فِيها، أهِيَ تاءُ المُضارَعَةِ أمِ التّاءُ الَّتِي تَلِيها ؟ واللّامُ في لِيَدَّبَّرُوا لامُ (كَيْ)، وأسْنَدَ التَّدَبُّرَ في الجَمِيعِ وهو التَّفَكُّرُ في الآياتِ، والتَّأمُّلُ الَّذِي يُفْضِي بِصاحِبِهِ إلى النَّظَرِ في عَواقِبِ الأشْياءِ. وأسْنَدَ التَّذَكُّرَ إلى أُولِي العُقُولِ؛ لِأنَّ ذا العَقْلِ فِيهِ ما يَهْدِيهِ إلى الحَقِّ وهو عَقْلُهُ، فَلا يَحْتاجُ إلّا إلى ما يُذَكِّرُهُ فَيَتَذَكَّرَ، والمَخْصُوصُ بِالمَدْحِ مَحْذُوفٌ، التَّقْدِيرُ ﴿نِعْمَ العَبْدُ﴾ هو أيْ سُلَيْمانُ. وقُرِئَ: نَعِمْ عَلى الأصْلِ كَما قالَ: نَعِمَ السّاعُونَ في القَوْمِ الشُّطُرُ أثْنى تَعالى عَلَيْهِ لِكَثْرَةِ رُجُوعِهِ إلَيْهِ، أوْ لِكَثْرَةِ تَسْبِيحِهِ. ﴿إذْ عُرِضَ﴾ النّاصِبُ لِإذْ قِيلَ ﴿أوّابٌ﴾ وقِيلَ: اذْكُرْ عَلى الِاخْتِلافِ في تَأْوِيلِ هَذِهِ الآيَةِ. قالَ الجُمْهُورُ: عُرِضَتْ عَلَيْهِ آلافٌ مِنَ الخَيْلِ تَرَكَها أبُوهُ لَهُ، وقِيلَ: ألْفٌ واحِدٌ، فَأُجْرِيَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ عَشِيًّا، فَتَشاغَلَ بِحُسْنِها وجَرْيِها ومَحَبَّتِها عَنْ ذِكْرٍ لَهُ، فَقالَ: رُدُّوها عَلَيَّ، فَطَفِقَ يَضْرِبُ أعْناقَها وعَراقِيبَها بِالسَّيْفِ لَمّا كانَتْ سَبَبَ الذُّهُولِ عَنْ ذَلِكَ الذِّكْرِ، فَأبْدَلَهُ اللَّهُ أسْرَعَ مِنها الرِّيحَ. وقالَ قَوْمٌ، مِنهُمُ الثَّعْلَبِيُّ: كانَتْ بِالنّاسِ مَجاعَةٌ، ولُحُومُ الخَيْلِ لَهم حَلالٌ، فَعَقَرَها لِتُؤْكَلَ عَلى سَبِيلِ القُرْبَةِ ونَحْرِ الهَدْيِ عِنْدَنا. انْتَهى. وفي هَذِهِ القِصَّةِ ألْفاظٌ فِيها غَضٌّ مِن مَنصِبِ النُّبُوَّةِ كَفَيْنا عَنْهُ. والخَيْرُ في قَوْلِهِ ﴿حُبَّ الخَيْرِ﴾ أيْ هَذا القَوْلُ يُرادُ بِهِ الخَيْلُ. والعَرَبُ تُسَمِّي الخَيْلَ الخَيْرَ، قالَهُ قَتادَةُ والسُّدِّيُّ. وقالَ الضَّحّاكُ وابْنُ جُبَيْرٍ: الخَيْرُ هُنا المالُ، وانْتَصَبَ ﴿حُبَّ الخَيْرِ﴾، قِيلَ: عَلى المَفْعُولِ بِهِ لِتَضَمُّنِ أحْبَبْتُ مَعْنى آثَرْتُ، قالَهُ الفَرّاءُ. وقِيلَ: مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِ التَّشْبِيهِيِّ، أيْ أحْبَبْتُ الخَيْلَ كَحُبِّ الخَيْرِ، أيْ حُبًّا مِثْلَ حُبِّ الخَيْرِ. وقِيلَ: عُدِّيَ بِعَنْ فَضَمِنَ مَعْنى فِعْلٍ يَتَعَدّى بِها، أيْ أنَبْتُ حُبَّ الخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي، أوْ جَعَلْتُ حُبَّ الخَيْرِ مُغْنِيًا عَنْ ذِكْرِ رَبِّي. وذَكَرَ أبُو الفَتْحِ الهَمْدانِيُّ في كِتابِ التِّبْيانِ أنَّ أحْبَبْتُ بِمَعْنى: لَزِمْتُ مِن قَوْلِهِ: مِثْلُ بَعِيرِ السُّوءِ إذْ أحَبّا وقالَتْ فِرْقَةٌ (أحْبَبْتُ) سَقَطَتْ إلى الأرْضِ، مَأْخُوذٌ مِن أحَبَّ البَعِيرُ إذا أُعْيِيَ وسَقَطَ. قالَ بَعْضُهم: حَبَّ البَعِيرُ: بَرَكَ، وفُلانٌ: طَأْطَأ رَأْسَهُ. وقالَ أبُو زَيْدٍ: بَعِيرٌ مُحِبٌّ وقَدْ أحَبَّ إحْبابًا إذا أصابَهُ مَرَضٌ أوْ كَسْرٌ، فَلا يَبْرَحُ مَكانَهُ حَتّى يَبْرَأ أوْ يَمُوتَ. قالَ ثَعْلَبٌ: يُقالُ لِلْبَعِيرِ الحَسِيرِ مُحِبٌّ، فالمَعْنى: قَعَدْتُ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي. (وحُبَّ الخَيْرِ) عَلى هَذا مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في ﴿تَوارَتْ﴾ عائِدٌ عَلى ﴿الصّافِناتُ﴾ أيْ دَخَلَتِ اصْطَبْلاتِها، فَهي الحِجابُ. وقِيلَ: حَتّى تَوارَتْ في المُسابَقَةِ بِما يَحْجُبُها عَنِ النَّظَرِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلشَّمْسِ، وإنْ لَمْ يَجْرِ لَها ذِكْرٌ لِدَلالَةِ العَشِيِّ عَلَيْها. وقالَتْ طائِفَةٌ: عُرِضَ عَلى سُلَيْمانَ الخَيْلُ وهو في الصَّلاةِ، فَأشارَ إلَيْهِمْ أنِّي في صَلاتِي، فَأزالُوها عَنْهُ حَتّى دَخَلَتْ في الِاصْطَبْلاتِ، فَقالَ هو لَمّا فَرَغَ مِن صِلاتِهِ ﴿إنِّي أحْبَبْتُ حُبَّ الخَيْرِ﴾ أيِ الَّذِي عِنْدَ اللَّهِ في الآخِرَةِ بِسَبَبِ ذِكْرِ رَبِّي، كَأنَّهُ يَقُولُ: فَشَغَلَنِي ذَلِكَ عَنْ رُؤْيَةِ الخَيْلِ حَتّى أُدْخِلَتِ اصْطَبْلاتِها، رُدُّوها عَلَيَّ فَطَفِقَ يَمْسَحُ أعْرافَها وسُوقَها مَحَبَّةً لَها. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والزُّهْرِيُّ: مَسْحُهُ بِالسُّوقِ والأعْناقِ لَمْ يَكُنْ بِالسَّيْفِ بَلْ بِيَدَيْهِ تَكْرِيمًا لَها ومَحَبَّةً، ورَجَّحَهُ الطَّبَرِيُّ. وقِيلَ: بَلْ غَسْلًا بِالماءِ. وقالَ الثَّعْلَبِيُّ: إنَّ هَذا المَسْحَ كانَ في السُّوقِ والأعْناقِ بِوَسْمِ حَبْسٍ في سَبِيلِ اللَّهِ. انْتَهى. وهَذا القَوْلُ هو الَّذِي يُناسِبُ مَناصِبَ الأنْبِياءِ، لا القَوْلُ المَنسُوبُ لِلْجُمْهُورِ، فَإنَّ في قِصَّتِهِ ما لا يَلِيقُ ذِكْرُهُ بِالنِّسْبَةِ لِلْأنْبِياءِ. و﴿حَتّى تَوارَتْ﴾ غايَةٌ فالفِعْلُ يَكُونُ قَبْلَها مُتَطاوِلًا حَتّى تَصِحَّ الغايَةُ، فَأحْبَبْتُ مَعْناهُ أرْدْتُ المَحَبَّةَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ بِمَ اتَّصَلَ قَوْلُهُ ﴿رُدُّوها عَلَيَّ﴾ ؟ قُلْتُ: بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: قالَ رُدُّوها عَلَيَّ، فَأضْمَرُوا ضَمِيرَ ما هو جَوابٌ لَهُ، كَأنَّ قائِلًا قالَ: فَماذا قالَ سُلَيْمانُ ؟ لِأنَّهُ مَوْضِعٌ مُقْتَضٍ لِلسُّؤالِ اقْتِضاءً ظاهِرًا. ثُمَّ ذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ لَفْظًا فِيهِ غَضٌّ مِنَ النُّبُوَّةِ فَتَرَكْتُهُ. وما (p-٣٩٧)ذَهَبَ إلَيْهِ مِن هَذا الإضْمارِ لا يُحْتاجُ إلَيْهِ، إذِ الجُمْلَةُ مُنْدَرِجَةٌ تَحْتَ حِكايَةِ القَوْلِ وهو ﴿فَقالَ إنِّي أحْبَبْتُ﴾ . فَهَذِهِ الجُمْلَةُ وجُمْلَةُ ﴿رُدُّوها عَلَيَّ﴾ مَحْكِيَّتانِ بِقالَ، وطَفِقَ مِن أفْعالِ المُقارَبَةِ لِلشُّرُوعِ في الفِعْلِ، وحُذِفَ خَبَرُها لِدَلالَةِ المَصْدَرِ عَلَيْهِ، أيْ فَطَفِقَ يَمْسَحُ مَسْحًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿مَسْحًا﴾ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: مِساحًا، عَلى وزْنِ قِتالٍ، والباءُ (في بِالسُّوقِ) زائِدَةٌ، كَهي في قَوْلِهِ ﴿فامْسَحُوا بِوُجُوهِكم وأيْدِيكُمْ﴾ [النساء: ٤٣] . وحَكى سِيبَوَيْهِ: مَسَحْتُ بِرَأْسِهِ ورَأْسَهُ بِمَعْنًى واحِدٍ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ذَلِكَ في المائِدَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِالسُّوقِ، بِغَيْرِ هَمْزٍ عَلى وزْنِ فُعْلٍ وهو جَمْعُ ساقٍ، عَلى وزْنِ فَعَلٍ بِفَتْحِ العَيْنِ كَأُسْدٍ وأسَدٍ وابْنُ كَثِيرٍ بِالهَمْزِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: وهي ضَعِيفَةٌ، لَكِنْ وجْهُها في القِياسِ أنَّ الضَّمَّةَ لَمّا كانَتْ تَلِي الواوَ وقُدِّرَ أنَّها عَلَيْها فَهُمِزَتْ، كَما يَفْعَلُونَ بِالواوِ المَضْمُومَةِ. ووَجْهُ هَمْزِ السُّوقِ مِنَ السَّماعِ أنَّ أبا حَبَّةَ النُّمَيْرِيَّ كانَ يَهْمِزُ كُلَّ واوٍ ساكِنَةٍ قَبْلَها ضَمَّةٌ، وكانَ يَنْشُدُ: ؎حُبُّ المُؤْقِدِينَ إلى مُؤْسى انْتَهى. ولَيْسَتْ ضَعِيفَةً؛ لِأنَّ السّاقَ فِيهِ الهَمْزَةُ، ووَزْنُ فَعْلٍ بِسُكُونِ العَيْنِ، فَجاءَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَلى هَذِهِ اللُّغَةِ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ بِهَمْزَةٍ بَعْدَها الواوُ، رَواهُما بَكّارٌ عَنْ قُنْبُلٍ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِالسّاقِ مُفْرَدًا، اكْتَفى بِهِ عَنِ الجَمْعِ لِأمْنِ اللَّبْسِ. ومِن غَرِيبِ القَوْلِ أنَّ الضَّمِيرَ في رُدُّوها عائِدٌ عَلى الشَّمْسِ، وقَدِ اخْتَلَفُوا في عَدَدِ هَذِهِ الخَيْلِ عَلى أقْوالٍ مُتَكاذِبَةٍ، سَوَّدُوا الوَرَقَ بِذِكْرِها. ﴿ولَقَدْ فَتَنّا سُلَيْمانَ وألْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ نَقَلَ المُفَسِّرُونَ في هَذِهِ الفِتْنَةِ وإلْقاءِ الجَسَدِ أقْوالًا يَجِبُ بَراءَةُ الأنْبِياءِ مِنها، يُوقَفُ عَلَيْها في كُتُبِهِمْ، وهي مِمّا لا يَحِلُّ نَقْلُها، وإنَّما هي مِن أوْضاعِ اليَهُودِ والزَّنادِقَةِ، ولَمْ يُبَيِّنِ اللَّهُ الفِتْنَةَ ما هي، ولا الجَسَدَ الَّذِي ألْقاهُ عَلى كُرْسِيِّ سُلَيْمانَ. وأقْرَبُ ما قِيلَ فِيهِ: أنَّ المُرادَ بِالفِتْنَةِ كَوْنُهُ لَمْ يَسْتَثْنِ في الحَدِيثِ الَّذِي قالَ: ”«لَأطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلى سَبْعِينَ امْرَأةٍ، كُلُّ واحِدَةٍ تَأْتِي بِفارِسٍ يُجاهِدُ في سَبِيلِ اللَّهِ، ولَمْ يَقُلْ إنْ شاءَ اللَّهُ، فَطافَ عَلَيْهِنَّ، فَلَمْ تَحْمِلْ إلّا امْرَأةٌ واحِدَةٌ، وجاءَتْهُ بِشِقِّ رَجُلٍ“ . قالَ رَسُولُ اللَّهِ: ”والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ قالَ إنْ شاءَ اللَّهُ لَجاهَدُوا في سَبِيلِ اللَّهِ فُرْسانًا أجْمَعُونَ“» . فالمُرادُ بِقَوْلِهِ ﴿ولَقَدْ فَتَنّا سُلَيْمانَ وألْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ هو هَذا، والجَسَدُ المُلْقى هو المَوْلُودُ شِقُّ رَجُلٍ. وقالَ قَوْمٌ: مَرِضَ سُلَيْمانُ مَرَضًا كالإغْماءِ حَتّى صارَ عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا كَأنَّهُ بِلا رُوحٍ. ولَمّا أمَرَ تَعالى نَبِيَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالصَّبْرِ عَلى ما يَقُولُ كَفّارُ قُرَيْشٍ وغَيْرُهم، أمَرَهُ بِأنْ يَذْكُرَ مَنِ ابْتُلِيَ فَصَبَرَ، فَذَكَرَ قِصَّةَ داوُدَ وقِصَّةَ سُلَيْمانَ وقِصَّةَ أيُّوبَ لِيَتَأسّى بِهِمْ، وذَكَرَ ما لَهم عِنْدَهُ مِنَ الزُّلْفى والمَكانَةِ، فَلَمْ يَكُنْ لِيَذْكُرَ مَن يَتَأسّى بِهِ مِمَّنْ نَسَبَ المُفَسِّرُونَ إلَيْهِ ما يَعْظُمُ أنْ يُتَفَوَّهَ بِهِ ويَسْتَحِيلَ عَقْلًا وُجُودُ بَعْضِ ما ذَكَرُوهُ، كَتَمَثُّلِ الشَّيْطانِ بِصُورَةِ نَبِيٍّ حَتّى يَلْتَبِسَ أمْرُهُ عِنْدَ النّاسِ، ويَعْتَقِدُوا أنَّ ذَلِكَ المُتَصَوِّرَ هو النَّبِيُّ، ولَوْ أمْكَنَ وُجُودُ هَذا لَمْ يُوثَقْ بِإرْسالِ نَبِيٍّ، وإنَّما هَذِهِ مَقالَةٌ مُسْتَرَقَةٌ مِن زَنادِقَةِ السُّوفِسْطائِيَّةِ، نَسْألُ اللَّهَ سَلامَةَ أذْهانِنا وعُقُولِنا مِنها. ﴿ثُمَّ أنابَ﴾ أيْ بَعْدِ امْتِحانِنا إيّاهُ، أدامَ الإنابَةَ والرُّجُوعَ. ﴿قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي﴾ هَذا أدَبُ الأنْبِياءِ والصّالِحِينَ مِن طَلَبِ المَغْفِرَةِ مِنَ اللَّهِ هَضْمًا لِلنَّفْسِ وإظْهارًا لِلذِّلَّةِ والخُشُوعِ وطَلَبًا لِلتَّرَقِّي في المَقاماتِ، وفي الحَدِيثِ: «إنِّي لَأسْتَغْفِرُ اللَّهَ في اليَوْمِ واللَّيْلَةِ سَبْعِينَ مَرَّةً» والِاسْتِغْفارُ مُقَدِّمَةٌ بَيْنَ يَدَيْ ما يَطْلُبُ المُسْتَغْفِرُ بِطَلَبِ الأهَمِّ في دِينِهِ، فَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أمْرُ دُنْياهُ، كَقَوْلِ نُوحٍ في ما حَكى اللَّهُ عَنْهُ ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم إنَّهُ كانَ غَفّارًا﴾ [نوح: ١٠] ﴿يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكم مِدْرارًا﴾ [نوح: ١١] الآيَةَ. والظّاهِرُ أنَّ طَلَبَ المُلْكِ كانَ بَعْدَ هَذِهِ المِحْنَةِ. وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ أنَّهُ أقامَ في مُلْكِهِ عِشْرِينَ سَنَةً قَبْلَ هَذا الِابْتِلاءِ، وأقامَ بَعْدَها عِشْرِينَ سَنَةً، فَيُمْكِنُ أنَّهُ كانَ في مُلْكٍ قَبْلَ المِحْنَةِ، ثُمَّ سَألَ بَعْدَها مُلْكًا مُقَيَّدًا بِالوَصْفِ الَّذِي بَعْدَهُ، وهو كَوْنُهُ لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ مِن بَعْدِهِ، واخْتَلَفُوا في هَذا القَيْدِ، فَقالَ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ وقَتادَةُ: إلى مُدَّةِ حَياتِي لا أسْلُبُهُ ويَصِيرُ إلى غَيْرِي. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إنَّما قَصَدَ بِذَلِكَ قَصْدًا جائِزًا، (p-٣٩٨)لِأنَّ لِلْإنْسانِ أنْ يَرْغَبَ مِن فَضْلِ اللَّهِ فِيما لا يَنالُهُ أحَدٌ، لا سِيَّما بِحَسَبِ المَكانَةِ والنُّبُوَّةِ. وانْظُرْ إلى قَوْلِهِ ﴿لا يَنْبَغِي﴾ إنَّما هي لَفْظَةٌ مُحْتَمَلَةٌ لَيْسَتْ تَقْطَعُ في أنَّهُ لا يُعْطِي اللَّهُ نَحْوَ ذَلِكَ المُلْكِ لِأحَدٍ. انْتَهى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كانَ سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَّلامُ ناشِئًا في بَيْتِ المُلْكِ والنُّبُوَّةِ ووارِثًا لَهُما فَأرادَ أنْ يَطْلُبَ مِن رَبِّهِ مُعْجِزَةً، فَطَلَبَ عَلى حَسَبِ إلْفِهِ مُلْكًا زائِدًا عَلى المَمالِكِ زِيادَةً خارِقَةً لِلْعادَةِ بالِغَةً حَدَّ الإعْجازِ، لِيَكُونَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلى نُبُوَّتِهِ، قاهِرًا لِلْمَبْعُوثِ إلَيْهِمْ، ولَنْ يَكُونَ مُعْجِزَةً حَتّى تَخْرِقَ العاداتِ، فَذَلِكَ مَعْنى قَوْلِهِ ﴿لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ مِن بَعْدِي﴾ . وقِيلَ: كانَ مُلْكًا عَظِيمًا، فَخافَ أنْ يُعْطى مِثْلَهُ أحَدٌ، فَلا يُحافِظُ عَلى حُدُودِ اللَّهِ فِيهِ، كَما قالَتِ المَلائِكَةُ ﴿أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها ويَسْفِكُ الدِّماءَ ونَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ونُقَدِّسُ لَكَ﴾ [البقرة: ٣٠] . وقِيلَ: مُلْكًا لا أُسْلَبُهُ، ولا يَقُومُ فِيهِ غَيْرِي مَقامِي. ويَجُوزُ أنْ يُقالَ: عَلِمَ اللَّهُ فِيما اخْتَصَّهُ بِهِ مِن ذَلِكَ المُلْكِ العَظِيمِ مَصالِحَ في الدِّينِ، وعَلِمَ أنَّهُ لا يَطَّلِعُ بِأحْبابِهِ غَيْرُهُ، وأوْجَبَتِ الحِكْمَةُ اسْتِيهابَهُ فَأمَرَهُ أنْ يَسْتَوْهِبَهُ بِأمْرٍ مِنَ اللَّهِ عَلى الصِّفَةِ الَّتِي عَلِمَ اللَّهُ أنْ لا يَضْبُطَهُ عَلَيْها إلّا هو وحْدَهُ دُونَ سائِرِ عِبادِهِ. أوْ أرادَ أنْ يَقُولَ: مُلْكًا عَظِيمًا، فَقالَ ﴿لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ مِن بَعْدِي﴾ ولَمْ يَقْصِدْ بِذَلِكَ إلّا عَظَمَةَ المُلْكِ وسَعَتِهِ، كَما تَقُولُ لِفُلانٍ: ما لَيْسَ لِأحَدٍ مِنَ الفَضْلِ والمالِ، ورُبَّما كانَ لِلنّاسِ أمْثالُ ذَلِكَ، ولَكِنَّكَ تُرِيدُ تَعْظِيمَ ما عِنْدَهُ. انْتَهى. ولَمّا بالَغَ في صِفَةِ هَذا المُلْكِ الَّذِي طَلَبَهُ، أتى في صِفَتِهِ تَعالى بِاللَّفْظِ الدّالِ عَلى المُبالَغَةِ فَقالَ ﴿إنَّكَ أنْتَ الوَهّابُ﴾ [آل عمران: ٨] أيِ الكَثِيرُ الهِباتِ، لا يَتَعاظَمُ عِنْدَهُ هِبَةٌ. ولَمّا طَلَبَ الهِبَةَ الَّتِي اخْتَصَّ بِطَلَبِها، وهَبَهُ وأعْطاهُ ما ذَكَرَ تَعالى مِن قَوْلِهِ ﴿فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ﴾ . وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِالإفْرادِ. والحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ، وقَتادَةُ، وأبُو جَعْفَرٍ: الرِّياحُ بِالجَمْعِ، وهو أعَمُّ لِعَظَمِ مُلْكِ سُلَيْمانَ، وإنْ كانَ المُفْرَدُ بِمَعْنى الجَمْعِ لِكَوْنِهِ اسْمَ جِنْسٍ. (تَجْرِي) يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةً حالِيَّةً، أيْ جارِيَةً، وأنْ تَكُونَ تَفْسِيرِيَّةً لِقَوْلِهِ ﴿فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ﴾ . (بِأمْرِهِ) أيْ لا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ إذا أرادَ جَرْيَها. ﴿رُخاءً﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ والضَّحّاكُ: مُطِيعَةً. وقالَ مُجاهِدٌ: طَيِّبَةً. ﴿حَيْثُ أصابَ﴾ أيْ حَيْثُ قَصَدَ وأرادَ، حَكى الزَّجّاجُ عَنِ العَرَبِ. أصابَ الصَّوابَ فَأخْطَأ الجَوابَ: أيْ قَصَدَ. وعَنْ رُؤْبَةَ أنَّ رَجُلَيْنِ مِن أهْلِ اللُّغَةِ قَصَداهُ لِيَسْألاهُ عَنْ هَذِهِ الكَلِمَةِ، فَخَرَجَ إلَيْهِما فَقالَ: أيْنَ تُصِيبانِ ؟ فَقالا: هَذِهِ طَلِبَتُنا. ويُقالُ: أصابَ اللَّهُ بِكَ خَيْرًا، وأنْشَدَ الثَّعْلَبِيُّ: ؎أصابَ الكَلامَ فَلَمْ يَسْتَطِعْ ∗∗∗ فَأخْطَأ الجَوابَ لَدى المَفْصِلِ وقالَ وهْبٌ: حَيْثُ أصابَ، أيْ أرادَ. قِيلَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ أصابَ دَخَلَتْ فِيهِ هَمْزَةُ التَّعْدِيَةِ مِن صابَ، أيْ حَيْثُ وجَّهَ جُنُودَهُ وجَعَلَهم يَصُوبُونَ صَوْبَ السَّحابِ والمَطَرِ. وقِيلَ: أصابَ: أرادَ، بِلُغَةِ حِمْيَرَ. وقالَ قَتادَةُ: بِلُغَةِ هَجَرَ. (والشَّياطِينَ) مَعْطُوفٌ عَلى الرِّيحِ و﴿كُلَّ بَنّاءٍ وغَوّاصٍ﴾ بَدَلٌ، وأتى بِأبْنِيَةِ المُبالَغَةِ، كَما قالَ: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِن مَحارِيبَ وتَماثِيلَ﴾ [سبإ: ١٣] الآيَةَ، وقالَ النّابِغَةُ: ؎إلّا سُلَيْمانَ إذْ قالَ الإلَهُ لَهُ ∗∗∗ قُمْ في البَرِّيَّةِ فاحْدُدْها عَنِ الفَنَدِ ؎وجَيْشِ الجِنِّ إنِّي قَدْ أذِنْتُ لَهم ∗∗∗ يَبْنُونَ تَدْمُرَ بِالصُّفّاحِ والعَمَدِ والمَعْطُوفُ عَلى العامِّ عامٌّ، فالتَّقْدِيرُ: وكُلَّ غَوّاصٍ، أيْ في البَحْرِ يَسْتَخْرِجُونَ لَهُ الحِلْيَةَ، وهو أوَّلُ مَنِ اسْتَخْرَجَ الدُّرَّ. (وآخَرِينَ) عُطِفَ عَلى (كُلَّ)، فَهو داخِلٌ في البَدَلِ، إذْ هو بَدَلُ كُلٍّ مِن كُلٍّ بَدَلُ التَّفْصِيلِ، أيْ مِنَ الجِنِّ، وهُمُ المَرَدَةُ، سَخَّرَهم لَهُ حَتّى قَرَّنَهم في الأصْفادِ لِكُفْرِهِمْ. وقالَ النّابِغَةُ في ذَلِكَ: فَمَن أطاعَكَ فانْفَعْهُ بِطاعَتِهِ كَما أطاعَكَ وادْلُلْهُ عَلى الرُّشْدِ ومَن عَصاكَ فَعاقِبْهُ مُعاقَبَةً تَنْهى الظَّلُومَ ولا تَقْعُدْ عَلى ضَمَدِ وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ (مُقَرَّنِينَ في الأصْفادِ) في آخِرِ سُورَةِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأوْصافٍ مِن مُلْكِ سُلَيْمانَ في (p-٣٩٩)سُورَةِ النَّمْلِ ﴿هَذا عَطاؤُنا﴾ إشارَةٌ لِما أعْطاهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ المُلْكِ الضَّخْمِ وتَسْخِيرِ الرِّيحِ والإنْسِ والجِنِّ والطَّيْرِ، وأمَرَهُ بِأنْ يَمُنَّ عَلى مَن يَشاءُ ويُمْسِكُ عَنْ مَن يَشاءُ وقَّفَهُ عَلى قَدْرِ النِّعْمَةِ، ثُمَّ أباحَ لَهُ التَّصَرُّفَ فِيها بِمَشِيئَتِهِ، وهو تَعالى قَدْ عَلِمَ أنَّهُ لا يَتَصَرَّفُ إلّا بِطاعَةِ اللَّهِ. قالَ الحَسَنُ وغَيْرُهُ: قالَهُ قَتادَةُ إشارَةٌ إلى ما فَعَلَهُ الجِنُّ، أيْ فامْتَنَّ عَلى مَن شِئْتَ مِنهم، وأطْلِقْهُ مِن وثاقِهِ، وسَرِّحْهُ مِن خِدْمَتِهِ، وامْسِكْ أمْرَهُ كَما تُرِيدُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إشارَةٌ إلى ما وهَبَهُ مِنَ النِّساءِ وأقْدَرَهُ عَلَيْهِنَّ مِن جِماعِهِنَّ، ولَعَلَّهُ لا يَصِحُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَجْرِ هُنا ذِكْرُ النِّساءِ، ولا ما أُوتِيَ مِنَ القُدْرَةِ عَلى ذَلِكَ، و﴿بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ [البقرة: ٢١٢] في مَوْضِعِ الحالِ مِن (عَطاؤُنا) أيْ هَذا عَطاؤُنا جَمًّا كَثِيرًا لا تَكادُ تَقْدِرُ عَلى حَصْرِهِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ [البقرة: ٢١٢] مِن تَمامِ ﴿فامْنُنْ﴾ . أوْ أمْسِكْ: أيْ لا حِسابَ عَلَيْكَ في إعْطاءِ مَن شِئْتَ أوْ حِرْمانِهِ، وفي إطْلاقِ مَن شِئْتَ مِنَ الشَّياطِينِ أوْ إيثاقِهِ. وخَتَمَ تَعالى قِصَّتَهُ بِما ذَكَرَ في قِصَّةِ والِدِهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿وإنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وحُسْنَ مَآبٍ﴾ [ص: ٢٥] . وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿وحُسْنُ مَآبٍ﴾ [الرعد: ٢٩] بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى (لَزُلْفى) . وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِالرَّفْعِ، ويَقِفانِ عَلى (لَزُلْفى)، ويَبْتَدِآنِ (وحُسْنُ مَآبٍ) وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: وحُسْنُ مَآبٍ لَهُ.

ص 38:39

(p-٣٩٤)﴿يا داوُدُ إنّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً في الأرْضِ فاحْكم بَيْنَ النّاسِ بِالحَقِّ ولا تَتَّبِعِ الهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الحِسابِ﴾ ﴿وما خَلَقْنا السَّماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما باطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النّارِ﴾ ﴿أمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ كالمُفْسِدِينَ في الأرْضِ أمْ نَجْعَلُ المُتَّقِينَ كالفُجّارِ﴾ ﴿كِتابٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ ولِيَتَذَكَّرَ أُولُو الألْبابِ﴾ ﴿ووَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ نِعْمَ العَبْدُ إنَّهُ أوّابٌ﴾ ﴿إذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالعَشِيِّ الصّافِناتُ الجِيادُ﴾ ﴿فَقالَ إنِّي أحْبَبْتُ حُبَّ الخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ﴾ ﴿رُدُّوها عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ والأعْناقِ﴾ ﴿ولَقَدْ فَتَنّا سُلَيْمانَ وألْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أنابَ﴾ ﴿قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ مِن بَعْدِي إنَّكَ أنْتَ الوَهّابُ﴾ ﴿فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أصابَ﴾ ﴿والشَّياطِينَ كُلَّ بَنّاءٍ وغَوّاصٍ﴾ ﴿وآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ في الأصْفادِ﴾ ﴿هَذا عَطاؤُنا فامْنُنْ أوْ أمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ ﴿وإنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وحُسْنَ مَآبٍ﴾ ) . (p-٣٩٥)جَعْلُهُ تَعالى داوُدَ خَلِيفَةً في الأرْضِ يَدُلُّ عَلى مَكانَتِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عِنْدَهُ واصْطِفائِهِ، ويَدْفَعُ في صَدْرِ مَن نَسَبَ إلَيْهِ شَيْئًا مِمّا لا يَلِيقُ بِمَنصِبِ النُّبُوَّةِ. واحْتَمَلَ لَفْظُ خَلِيفَةٍ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: تَخْلُفُ مَن تَقَدَّمَكَ مِنَ الأنْبِياءِ، أنْ يُعْلِيَ قَدْرَكَ بِجَعْلِكَ مَلِكًا نافِذَ الحُكْمِ، ومِنهُ قِيلَ: خُلَفاءُ اللَّهِ في أرْضِهِ. واسْتُدِلَّ مِن هَذِهِ الآيَةِ عَلى احْتِياجِ الأرْضِ إلى خَلِيفَةٍ مِنَ اللَّهِ، ولا يَلْزَمُ ذَلِكَ مِنَ الآيَةِ، بَلْ لُزُومُهُ مِن جِهَةِ الشَّرْعِ والإجْماعِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولا يُقالُ خَلِيفَةُ اللَّهِ إلّا لِرَسُولٍ. وأمّا الخُلَفاءُ، فَكُلُّ واحِدٍ مِنهم خَلِيفَةُ الَّذِي قَبْلَهُ، وما يَجِيءُ في الشِّعْرِ مِن تَسْمِيَةِ أحَدِهِمْ خَلِيفَةَ اللَّهِ فَذَلِكَ تَجَوُّزٌ، كَما قالَ قَيْسُ الرُّقَيّاتِ: ؎خَلِيفَةُ اللَّهِ في بَرِّيَّتِهِ حَقَّتْ بِذاكَ الأقْلامُ والكُتُبُ وقالَتِ الصَّحابَةُ لِأبِي بَكْرٍ: خَلِيفَةُ رَسُولِ اللَّهِ، وبِذَلِكَ كانَ يُدْعى مُدَّتُهُ. فَلَمّا ولِيَ عُمَرُ قالُوا: خَلِيفَةُ خَلِيفَةِ رَسُولِ اللَّهِ، وطالَ الأمْرُ وزادَ أنَّهُ في المُسْتَقْبَلِ، فَدَعَوْهُ أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، وقُصِرَ هَذا الِاسْمُ عَلى الخُلَفاءِ. انْتَهى. ﴿فاحْكم بَيْنَ النّاسِ بِالحَقِّ﴾ أمْرٌ بِالدَّيْمُومَةِ، وتَنْبِيهٌ لِغَيْرِهِ مِمَّنْ ولِيَ أُمُورَ النّاسِ. فَمِن حَيْثُ هو مَعْصُومٌ لا يَحْكُمُ إلّا بِالحَقِّ، أُمِرَ أوَّلًا بِالحُكْمِ ولَمّا كانَ الهَوى قَدْ يَعْرِضُ لِغَيْرِ المَعْصُومِ أمَرَ بِاجْتِنابِهِ، وذَكَرَ نَتِيجَةَ اتِّباعِهِ، وهو إضْلالُهُ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ. و﴿فَيُضِلَّكَ﴾ جَوابٌ لِلنَّهْيِ، والفاعِلُ في فَيُضِلَّكَ ضَمِيرُ (الهَوى)، أوْ ضَمِيرُ المَصْدَرِ المَفْهُومِ مِن ﴿ولا تَتَّبِعِ﴾ أيْ فَيُضِلَّكَ اتِّباعُ الهَوى. ولَمّا ذَكَرَ ما تَرَتَّبَ عَلى اتِّباعِ الهَوى، وهو الإضْلالُ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، ذَكَرَ عِقابَ الضّالِّ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (يَضِلُّونَ) بِفَتْحِ الياءِ؛ لِأنَّهم لَمّا أضَلَّهُمُ اتِّباعُ الهَوى صارُوا ضالِّينَ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ: بِخِلافٍ عَنْهُما؛ وأبُو حَيْوَةَ: بِضَمِّ الياءِ، وهَذِهِ القِراءَةُ أعَمُّ؛ لِأنَّهُ لا يَضِلُّ الإضْلالُ في نَفْسِهِ؛ وقِراءَةُ الجُمْهُورِ أوْضَحُ. و﴿بِما نَسُوا﴾ مُتَعَلِّقٌ بِما تَعَلَّقَ بِهِ لَهم، ونَسُوا: تَرَكُوا. و(يَوْمَ) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِنَسُوا، أوْ بِما تَعَلَّقَ بِهِ لَهم، ويَكُونَ النِّسْيانُ عِبارَةً عَنْ ضَلالِهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ. وانْتَصَبَ ﴿باطِلًا﴾ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ خَلْقًا باطِلًا، أوْ عَلى الحالِ أيْ مُبْطِلِينَ، أوْ ذَوِي باطِلٍ، أوْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ. مَعْنًى باطِلًا: عَبَثًا. (ذَلِكَ) أيْ كَوْنُ خَلْقِها باطِلًا ﴿ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ مَظْنُونُهم، وهَؤُلاءِ وإنْ كانُوا مُقِرِّينِ بِأنَّ خالِقَ السَّماواتِ والأرْضِ هو اللَّهُ تَعالى، فَهم مِن حَيْثُ أنْكَرُوا المَعادَ والثَّوابَ والعِقابَ ظانُّونَ أنَّ خَلْقَ ذَلِكَ لَيْسَ بِحِكْمَةٍ، وأنَّ خَلْقَ ذَلِكَ إنَّما هو عَبَثٌ؛ ولِذَلِكَ قالَ تَعالى ﴿أفَحَسِبْتُمْ أنَّما خَلَقْناكم عَبَثًا وأنَّكم إلَيْنا لا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٥] فَنَبَّهَ عَلى المَعادِ والرُّجُوعِ إلى جَزائِهِ، ثُمَّ ذَكَرَ ما بَيْنَ المُؤْمِنِ عامَلِ الصّالِحاتِ، والمُفْسِدِ مِنَ التَّبايُنِ، وأنَّهُما لَيْسا سِيَّيْنِ، وقابَلَ الصَّلاحَ بِالفَسادِ، والتَّقْوى بِالفُجُورِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي عامَّةٌ في جَمِيعِ المُسْلِمِينَ والكافِرِينَ. وقِيلَ في قَوْمٍ مِن مُشْرِكِ قُرَيْشٍ قالُوا: نَحْنُ لَنا في الآخِرَةِ أعْظَمُ مِمّا لَنا في الدُّنْيا، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ. وقِيلَ في جَماعَةٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ مُعَيَّنِينَ بارَزُوا يَوْمَ بَدْرٍ عَلِيًّا وحَمْزَةَ وعُبَيْدَةَ بْنَ الحَرْثِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم، وعُتْبَةَ وشَيْبَةَ والوَلِيدَ بْنَ عُتْبَةَ، ووَصَفَ كُلًّا بِما ناسَبَهُ. والِاسْتِفْهامُ بِـ (أمْ) في المَوْضِعَيْنِ اسْتِفْهامُ إنْكارٍ، والمَعْنى: أنَّهُ لا يَسْتَوِي عِنْدَ اللَّهِ مَن أصْلَحَ ومَن أفْسَدَ، ولا مَنِ اتَّقى ومَن فَجَرَ، وكَيْفَ تَكُونُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ مَن أطاعَ ومَن عَصى ؟ إذَنْ كانَ يَبْطُلُ الجَزاءُ، والجَزاءُ لا مَحالَةَ واقِعٌ، والتَّسْوِيَةُ مُنْتَفِيَةٌ. ولَمّا انْتَفَتِ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ ما تَصْلُحُ بِهِ لِمُتْبِعَةِ السَّعادَةِ الأبَدِيَّةِ، وهو كِتابُ اللَّهِ تَعالى، فَقالَ ﴿كِتابٌ أنْزَلْناهُ﴾ وارْتِفاعُهُ عَلى إضْمارِ مُبْتَدَأٍ، أيْ هَذا كِتابٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿مُبارَكٌ﴾ عَلى الصِّفَةِ. وقُرِئَ: مُبارَكًا عَلى الحالِ اللّازِمَةِ، أيْ هَذا كِتابٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ﴾ بِياءِ الغَيْبَةِ وشَدِّ الدّالِ، وأصْلُهُ لِيَتَدَبَّرُوا. وقَرَأ عَلِيٌّ (p-٣٩٦)بِهَذا الأصْلِ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: بِتاءِ الخِطابِ وتَخْفِيفِ الدّالِ. وجاءَ كَذَلِكَ عَنْ عاصِمٍ والكِسائِيِّ بِخِلافٍ عَنْهُما، والأصْلُ: لِتَتَدَبَّرُوا بِتاءَيْنِ فَحُذِفَتْ إحْداهُما عَلى الخِلافِ الَّذِي فِيها، أهِيَ تاءُ المُضارَعَةِ أمِ التّاءُ الَّتِي تَلِيها ؟ واللّامُ في لِيَدَّبَّرُوا لامُ (كَيْ)، وأسْنَدَ التَّدَبُّرَ في الجَمِيعِ وهو التَّفَكُّرُ في الآياتِ، والتَّأمُّلُ الَّذِي يُفْضِي بِصاحِبِهِ إلى النَّظَرِ في عَواقِبِ الأشْياءِ. وأسْنَدَ التَّذَكُّرَ إلى أُولِي العُقُولِ؛ لِأنَّ ذا العَقْلِ فِيهِ ما يَهْدِيهِ إلى الحَقِّ وهو عَقْلُهُ، فَلا يَحْتاجُ إلّا إلى ما يُذَكِّرُهُ فَيَتَذَكَّرَ، والمَخْصُوصُ بِالمَدْحِ مَحْذُوفٌ، التَّقْدِيرُ ﴿نِعْمَ العَبْدُ﴾ هو أيْ سُلَيْمانُ. وقُرِئَ: نَعِمْ عَلى الأصْلِ كَما قالَ: نَعِمَ السّاعُونَ في القَوْمِ الشُّطُرُ أثْنى تَعالى عَلَيْهِ لِكَثْرَةِ رُجُوعِهِ إلَيْهِ، أوْ لِكَثْرَةِ تَسْبِيحِهِ. ﴿إذْ عُرِضَ﴾ النّاصِبُ لِإذْ قِيلَ ﴿أوّابٌ﴾ وقِيلَ: اذْكُرْ عَلى الِاخْتِلافِ في تَأْوِيلِ هَذِهِ الآيَةِ. قالَ الجُمْهُورُ: عُرِضَتْ عَلَيْهِ آلافٌ مِنَ الخَيْلِ تَرَكَها أبُوهُ لَهُ، وقِيلَ: ألْفٌ واحِدٌ، فَأُجْرِيَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ عَشِيًّا، فَتَشاغَلَ بِحُسْنِها وجَرْيِها ومَحَبَّتِها عَنْ ذِكْرٍ لَهُ، فَقالَ: رُدُّوها عَلَيَّ، فَطَفِقَ يَضْرِبُ أعْناقَها وعَراقِيبَها بِالسَّيْفِ لَمّا كانَتْ سَبَبَ الذُّهُولِ عَنْ ذَلِكَ الذِّكْرِ، فَأبْدَلَهُ اللَّهُ أسْرَعَ مِنها الرِّيحَ. وقالَ قَوْمٌ، مِنهُمُ الثَّعْلَبِيُّ: كانَتْ بِالنّاسِ مَجاعَةٌ، ولُحُومُ الخَيْلِ لَهم حَلالٌ، فَعَقَرَها لِتُؤْكَلَ عَلى سَبِيلِ القُرْبَةِ ونَحْرِ الهَدْيِ عِنْدَنا. انْتَهى. وفي هَذِهِ القِصَّةِ ألْفاظٌ فِيها غَضٌّ مِن مَنصِبِ النُّبُوَّةِ كَفَيْنا عَنْهُ. والخَيْرُ في قَوْلِهِ ﴿حُبَّ الخَيْرِ﴾ أيْ هَذا القَوْلُ يُرادُ بِهِ الخَيْلُ. والعَرَبُ تُسَمِّي الخَيْلَ الخَيْرَ، قالَهُ قَتادَةُ والسُّدِّيُّ. وقالَ الضَّحّاكُ وابْنُ جُبَيْرٍ: الخَيْرُ هُنا المالُ، وانْتَصَبَ ﴿حُبَّ الخَيْرِ﴾، قِيلَ: عَلى المَفْعُولِ بِهِ لِتَضَمُّنِ أحْبَبْتُ مَعْنى آثَرْتُ، قالَهُ الفَرّاءُ. وقِيلَ: مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِ التَّشْبِيهِيِّ، أيْ أحْبَبْتُ الخَيْلَ كَحُبِّ الخَيْرِ، أيْ حُبًّا مِثْلَ حُبِّ الخَيْرِ. وقِيلَ: عُدِّيَ بِعَنْ فَضَمِنَ مَعْنى فِعْلٍ يَتَعَدّى بِها، أيْ أنَبْتُ حُبَّ الخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي، أوْ جَعَلْتُ حُبَّ الخَيْرِ مُغْنِيًا عَنْ ذِكْرِ رَبِّي. وذَكَرَ أبُو الفَتْحِ الهَمْدانِيُّ في كِتابِ التِّبْيانِ أنَّ أحْبَبْتُ بِمَعْنى: لَزِمْتُ مِن قَوْلِهِ: مِثْلُ بَعِيرِ السُّوءِ إذْ أحَبّا وقالَتْ فِرْقَةٌ (أحْبَبْتُ) سَقَطَتْ إلى الأرْضِ، مَأْخُوذٌ مِن أحَبَّ البَعِيرُ إذا أُعْيِيَ وسَقَطَ. قالَ بَعْضُهم: حَبَّ البَعِيرُ: بَرَكَ، وفُلانٌ: طَأْطَأ رَأْسَهُ. وقالَ أبُو زَيْدٍ: بَعِيرٌ مُحِبٌّ وقَدْ أحَبَّ إحْبابًا إذا أصابَهُ مَرَضٌ أوْ كَسْرٌ، فَلا يَبْرَحُ مَكانَهُ حَتّى يَبْرَأ أوْ يَمُوتَ. قالَ ثَعْلَبٌ: يُقالُ لِلْبَعِيرِ الحَسِيرِ مُحِبٌّ، فالمَعْنى: قَعَدْتُ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي. (وحُبَّ الخَيْرِ) عَلى هَذا مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في ﴿تَوارَتْ﴾ عائِدٌ عَلى ﴿الصّافِناتُ﴾ أيْ دَخَلَتِ اصْطَبْلاتِها، فَهي الحِجابُ. وقِيلَ: حَتّى تَوارَتْ في المُسابَقَةِ بِما يَحْجُبُها عَنِ النَّظَرِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلشَّمْسِ، وإنْ لَمْ يَجْرِ لَها ذِكْرٌ لِدَلالَةِ العَشِيِّ عَلَيْها. وقالَتْ طائِفَةٌ: عُرِضَ عَلى سُلَيْمانَ الخَيْلُ وهو في الصَّلاةِ، فَأشارَ إلَيْهِمْ أنِّي في صَلاتِي، فَأزالُوها عَنْهُ حَتّى دَخَلَتْ في الِاصْطَبْلاتِ، فَقالَ هو لَمّا فَرَغَ مِن صِلاتِهِ ﴿إنِّي أحْبَبْتُ حُبَّ الخَيْرِ﴾ أيِ الَّذِي عِنْدَ اللَّهِ في الآخِرَةِ بِسَبَبِ ذِكْرِ رَبِّي، كَأنَّهُ يَقُولُ: فَشَغَلَنِي ذَلِكَ عَنْ رُؤْيَةِ الخَيْلِ حَتّى أُدْخِلَتِ اصْطَبْلاتِها، رُدُّوها عَلَيَّ فَطَفِقَ يَمْسَحُ أعْرافَها وسُوقَها مَحَبَّةً لَها. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والزُّهْرِيُّ: مَسْحُهُ بِالسُّوقِ والأعْناقِ لَمْ يَكُنْ بِالسَّيْفِ بَلْ بِيَدَيْهِ تَكْرِيمًا لَها ومَحَبَّةً، ورَجَّحَهُ الطَّبَرِيُّ. وقِيلَ: بَلْ غَسْلًا بِالماءِ. وقالَ الثَّعْلَبِيُّ: إنَّ هَذا المَسْحَ كانَ في السُّوقِ والأعْناقِ بِوَسْمِ حَبْسٍ في سَبِيلِ اللَّهِ. انْتَهى. وهَذا القَوْلُ هو الَّذِي يُناسِبُ مَناصِبَ الأنْبِياءِ، لا القَوْلُ المَنسُوبُ لِلْجُمْهُورِ، فَإنَّ في قِصَّتِهِ ما لا يَلِيقُ ذِكْرُهُ بِالنِّسْبَةِ لِلْأنْبِياءِ. و﴿حَتّى تَوارَتْ﴾ غايَةٌ فالفِعْلُ يَكُونُ قَبْلَها مُتَطاوِلًا حَتّى تَصِحَّ الغايَةُ، فَأحْبَبْتُ مَعْناهُ أرْدْتُ المَحَبَّةَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ بِمَ اتَّصَلَ قَوْلُهُ ﴿رُدُّوها عَلَيَّ﴾ ؟ قُلْتُ: بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: قالَ رُدُّوها عَلَيَّ، فَأضْمَرُوا ضَمِيرَ ما هو جَوابٌ لَهُ، كَأنَّ قائِلًا قالَ: فَماذا قالَ سُلَيْمانُ ؟ لِأنَّهُ مَوْضِعٌ مُقْتَضٍ لِلسُّؤالِ اقْتِضاءً ظاهِرًا. ثُمَّ ذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ لَفْظًا فِيهِ غَضٌّ مِنَ النُّبُوَّةِ فَتَرَكْتُهُ. وما (p-٣٩٧)ذَهَبَ إلَيْهِ مِن هَذا الإضْمارِ لا يُحْتاجُ إلَيْهِ، إذِ الجُمْلَةُ مُنْدَرِجَةٌ تَحْتَ حِكايَةِ القَوْلِ وهو ﴿فَقالَ إنِّي أحْبَبْتُ﴾ . فَهَذِهِ الجُمْلَةُ وجُمْلَةُ ﴿رُدُّوها عَلَيَّ﴾ مَحْكِيَّتانِ بِقالَ، وطَفِقَ مِن أفْعالِ المُقارَبَةِ لِلشُّرُوعِ في الفِعْلِ، وحُذِفَ خَبَرُها لِدَلالَةِ المَصْدَرِ عَلَيْهِ، أيْ فَطَفِقَ يَمْسَحُ مَسْحًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿مَسْحًا﴾ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: مِساحًا، عَلى وزْنِ قِتالٍ، والباءُ (في بِالسُّوقِ) زائِدَةٌ، كَهي في قَوْلِهِ ﴿فامْسَحُوا بِوُجُوهِكم وأيْدِيكُمْ﴾ [النساء: ٤٣] . وحَكى سِيبَوَيْهِ: مَسَحْتُ بِرَأْسِهِ ورَأْسَهُ بِمَعْنًى واحِدٍ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ذَلِكَ في المائِدَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِالسُّوقِ، بِغَيْرِ هَمْزٍ عَلى وزْنِ فُعْلٍ وهو جَمْعُ ساقٍ، عَلى وزْنِ فَعَلٍ بِفَتْحِ العَيْنِ كَأُسْدٍ وأسَدٍ وابْنُ كَثِيرٍ بِالهَمْزِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: وهي ضَعِيفَةٌ، لَكِنْ وجْهُها في القِياسِ أنَّ الضَّمَّةَ لَمّا كانَتْ تَلِي الواوَ وقُدِّرَ أنَّها عَلَيْها فَهُمِزَتْ، كَما يَفْعَلُونَ بِالواوِ المَضْمُومَةِ. ووَجْهُ هَمْزِ السُّوقِ مِنَ السَّماعِ أنَّ أبا حَبَّةَ النُّمَيْرِيَّ كانَ يَهْمِزُ كُلَّ واوٍ ساكِنَةٍ قَبْلَها ضَمَّةٌ، وكانَ يَنْشُدُ: ؎حُبُّ المُؤْقِدِينَ إلى مُؤْسى انْتَهى. ولَيْسَتْ ضَعِيفَةً؛ لِأنَّ السّاقَ فِيهِ الهَمْزَةُ، ووَزْنُ فَعْلٍ بِسُكُونِ العَيْنِ، فَجاءَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَلى هَذِهِ اللُّغَةِ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ بِهَمْزَةٍ بَعْدَها الواوُ، رَواهُما بَكّارٌ عَنْ قُنْبُلٍ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِالسّاقِ مُفْرَدًا، اكْتَفى بِهِ عَنِ الجَمْعِ لِأمْنِ اللَّبْسِ. ومِن غَرِيبِ القَوْلِ أنَّ الضَّمِيرَ في رُدُّوها عائِدٌ عَلى الشَّمْسِ، وقَدِ اخْتَلَفُوا في عَدَدِ هَذِهِ الخَيْلِ عَلى أقْوالٍ مُتَكاذِبَةٍ، سَوَّدُوا الوَرَقَ بِذِكْرِها. ﴿ولَقَدْ فَتَنّا سُلَيْمانَ وألْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ نَقَلَ المُفَسِّرُونَ في هَذِهِ الفِتْنَةِ وإلْقاءِ الجَسَدِ أقْوالًا يَجِبُ بَراءَةُ الأنْبِياءِ مِنها، يُوقَفُ عَلَيْها في كُتُبِهِمْ، وهي مِمّا لا يَحِلُّ نَقْلُها، وإنَّما هي مِن أوْضاعِ اليَهُودِ والزَّنادِقَةِ، ولَمْ يُبَيِّنِ اللَّهُ الفِتْنَةَ ما هي، ولا الجَسَدَ الَّذِي ألْقاهُ عَلى كُرْسِيِّ سُلَيْمانَ. وأقْرَبُ ما قِيلَ فِيهِ: أنَّ المُرادَ بِالفِتْنَةِ كَوْنُهُ لَمْ يَسْتَثْنِ في الحَدِيثِ الَّذِي قالَ: ”«لَأطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلى سَبْعِينَ امْرَأةٍ، كُلُّ واحِدَةٍ تَأْتِي بِفارِسٍ يُجاهِدُ في سَبِيلِ اللَّهِ، ولَمْ يَقُلْ إنْ شاءَ اللَّهُ، فَطافَ عَلَيْهِنَّ، فَلَمْ تَحْمِلْ إلّا امْرَأةٌ واحِدَةٌ، وجاءَتْهُ بِشِقِّ رَجُلٍ“ . قالَ رَسُولُ اللَّهِ: ”والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ قالَ إنْ شاءَ اللَّهُ لَجاهَدُوا في سَبِيلِ اللَّهِ فُرْسانًا أجْمَعُونَ“» . فالمُرادُ بِقَوْلِهِ ﴿ولَقَدْ فَتَنّا سُلَيْمانَ وألْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ هو هَذا، والجَسَدُ المُلْقى هو المَوْلُودُ شِقُّ رَجُلٍ. وقالَ قَوْمٌ: مَرِضَ سُلَيْمانُ مَرَضًا كالإغْماءِ حَتّى صارَ عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا كَأنَّهُ بِلا رُوحٍ. ولَمّا أمَرَ تَعالى نَبِيَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالصَّبْرِ عَلى ما يَقُولُ كَفّارُ قُرَيْشٍ وغَيْرُهم، أمَرَهُ بِأنْ يَذْكُرَ مَنِ ابْتُلِيَ فَصَبَرَ، فَذَكَرَ قِصَّةَ داوُدَ وقِصَّةَ سُلَيْمانَ وقِصَّةَ أيُّوبَ لِيَتَأسّى بِهِمْ، وذَكَرَ ما لَهم عِنْدَهُ مِنَ الزُّلْفى والمَكانَةِ، فَلَمْ يَكُنْ لِيَذْكُرَ مَن يَتَأسّى بِهِ مِمَّنْ نَسَبَ المُفَسِّرُونَ إلَيْهِ ما يَعْظُمُ أنْ يُتَفَوَّهَ بِهِ ويَسْتَحِيلَ عَقْلًا وُجُودُ بَعْضِ ما ذَكَرُوهُ، كَتَمَثُّلِ الشَّيْطانِ بِصُورَةِ نَبِيٍّ حَتّى يَلْتَبِسَ أمْرُهُ عِنْدَ النّاسِ، ويَعْتَقِدُوا أنَّ ذَلِكَ المُتَصَوِّرَ هو النَّبِيُّ، ولَوْ أمْكَنَ وُجُودُ هَذا لَمْ يُوثَقْ بِإرْسالِ نَبِيٍّ، وإنَّما هَذِهِ مَقالَةٌ مُسْتَرَقَةٌ مِن زَنادِقَةِ السُّوفِسْطائِيَّةِ، نَسْألُ اللَّهَ سَلامَةَ أذْهانِنا وعُقُولِنا مِنها. ﴿ثُمَّ أنابَ﴾ أيْ بَعْدِ امْتِحانِنا إيّاهُ، أدامَ الإنابَةَ والرُّجُوعَ. ﴿قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي﴾ هَذا أدَبُ الأنْبِياءِ والصّالِحِينَ مِن طَلَبِ المَغْفِرَةِ مِنَ اللَّهِ هَضْمًا لِلنَّفْسِ وإظْهارًا لِلذِّلَّةِ والخُشُوعِ وطَلَبًا لِلتَّرَقِّي في المَقاماتِ، وفي الحَدِيثِ: «إنِّي لَأسْتَغْفِرُ اللَّهَ في اليَوْمِ واللَّيْلَةِ سَبْعِينَ مَرَّةً» والِاسْتِغْفارُ مُقَدِّمَةٌ بَيْنَ يَدَيْ ما يَطْلُبُ المُسْتَغْفِرُ بِطَلَبِ الأهَمِّ في دِينِهِ، فَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أمْرُ دُنْياهُ، كَقَوْلِ نُوحٍ في ما حَكى اللَّهُ عَنْهُ ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم إنَّهُ كانَ غَفّارًا﴾ [نوح: ١٠] ﴿يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكم مِدْرارًا﴾ [نوح: ١١] الآيَةَ. والظّاهِرُ أنَّ طَلَبَ المُلْكِ كانَ بَعْدَ هَذِهِ المِحْنَةِ. وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ أنَّهُ أقامَ في مُلْكِهِ عِشْرِينَ سَنَةً قَبْلَ هَذا الِابْتِلاءِ، وأقامَ بَعْدَها عِشْرِينَ سَنَةً، فَيُمْكِنُ أنَّهُ كانَ في مُلْكٍ قَبْلَ المِحْنَةِ، ثُمَّ سَألَ بَعْدَها مُلْكًا مُقَيَّدًا بِالوَصْفِ الَّذِي بَعْدَهُ، وهو كَوْنُهُ لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ مِن بَعْدِهِ، واخْتَلَفُوا في هَذا القَيْدِ، فَقالَ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ وقَتادَةُ: إلى مُدَّةِ حَياتِي لا أسْلُبُهُ ويَصِيرُ إلى غَيْرِي. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إنَّما قَصَدَ بِذَلِكَ قَصْدًا جائِزًا، (p-٣٩٨)لِأنَّ لِلْإنْسانِ أنْ يَرْغَبَ مِن فَضْلِ اللَّهِ فِيما لا يَنالُهُ أحَدٌ، لا سِيَّما بِحَسَبِ المَكانَةِ والنُّبُوَّةِ. وانْظُرْ إلى قَوْلِهِ ﴿لا يَنْبَغِي﴾ إنَّما هي لَفْظَةٌ مُحْتَمَلَةٌ لَيْسَتْ تَقْطَعُ في أنَّهُ لا يُعْطِي اللَّهُ نَحْوَ ذَلِكَ المُلْكِ لِأحَدٍ. انْتَهى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كانَ سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَّلامُ ناشِئًا في بَيْتِ المُلْكِ والنُّبُوَّةِ ووارِثًا لَهُما فَأرادَ أنْ يَطْلُبَ مِن رَبِّهِ مُعْجِزَةً، فَطَلَبَ عَلى حَسَبِ إلْفِهِ مُلْكًا زائِدًا عَلى المَمالِكِ زِيادَةً خارِقَةً لِلْعادَةِ بالِغَةً حَدَّ الإعْجازِ، لِيَكُونَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلى نُبُوَّتِهِ، قاهِرًا لِلْمَبْعُوثِ إلَيْهِمْ، ولَنْ يَكُونَ مُعْجِزَةً حَتّى تَخْرِقَ العاداتِ، فَذَلِكَ مَعْنى قَوْلِهِ ﴿لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ مِن بَعْدِي﴾ . وقِيلَ: كانَ مُلْكًا عَظِيمًا، فَخافَ أنْ يُعْطى مِثْلَهُ أحَدٌ، فَلا يُحافِظُ عَلى حُدُودِ اللَّهِ فِيهِ، كَما قالَتِ المَلائِكَةُ ﴿أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها ويَسْفِكُ الدِّماءَ ونَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ونُقَدِّسُ لَكَ﴾ [البقرة: ٣٠] . وقِيلَ: مُلْكًا لا أُسْلَبُهُ، ولا يَقُومُ فِيهِ غَيْرِي مَقامِي. ويَجُوزُ أنْ يُقالَ: عَلِمَ اللَّهُ فِيما اخْتَصَّهُ بِهِ مِن ذَلِكَ المُلْكِ العَظِيمِ مَصالِحَ في الدِّينِ، وعَلِمَ أنَّهُ لا يَطَّلِعُ بِأحْبابِهِ غَيْرُهُ، وأوْجَبَتِ الحِكْمَةُ اسْتِيهابَهُ فَأمَرَهُ أنْ يَسْتَوْهِبَهُ بِأمْرٍ مِنَ اللَّهِ عَلى الصِّفَةِ الَّتِي عَلِمَ اللَّهُ أنْ لا يَضْبُطَهُ عَلَيْها إلّا هو وحْدَهُ دُونَ سائِرِ عِبادِهِ. أوْ أرادَ أنْ يَقُولَ: مُلْكًا عَظِيمًا، فَقالَ ﴿لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ مِن بَعْدِي﴾ ولَمْ يَقْصِدْ بِذَلِكَ إلّا عَظَمَةَ المُلْكِ وسَعَتِهِ، كَما تَقُولُ لِفُلانٍ: ما لَيْسَ لِأحَدٍ مِنَ الفَضْلِ والمالِ، ورُبَّما كانَ لِلنّاسِ أمْثالُ ذَلِكَ، ولَكِنَّكَ تُرِيدُ تَعْظِيمَ ما عِنْدَهُ. انْتَهى. ولَمّا بالَغَ في صِفَةِ هَذا المُلْكِ الَّذِي طَلَبَهُ، أتى في صِفَتِهِ تَعالى بِاللَّفْظِ الدّالِ عَلى المُبالَغَةِ فَقالَ ﴿إنَّكَ أنْتَ الوَهّابُ﴾ [آل عمران: ٨] أيِ الكَثِيرُ الهِباتِ، لا يَتَعاظَمُ عِنْدَهُ هِبَةٌ. ولَمّا طَلَبَ الهِبَةَ الَّتِي اخْتَصَّ بِطَلَبِها، وهَبَهُ وأعْطاهُ ما ذَكَرَ تَعالى مِن قَوْلِهِ ﴿فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ﴾ . وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِالإفْرادِ. والحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ، وقَتادَةُ، وأبُو جَعْفَرٍ: الرِّياحُ بِالجَمْعِ، وهو أعَمُّ لِعَظَمِ مُلْكِ سُلَيْمانَ، وإنْ كانَ المُفْرَدُ بِمَعْنى الجَمْعِ لِكَوْنِهِ اسْمَ جِنْسٍ. (تَجْرِي) يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةً حالِيَّةً، أيْ جارِيَةً، وأنْ تَكُونَ تَفْسِيرِيَّةً لِقَوْلِهِ ﴿فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ﴾ . (بِأمْرِهِ) أيْ لا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ إذا أرادَ جَرْيَها. ﴿رُخاءً﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ والضَّحّاكُ: مُطِيعَةً. وقالَ مُجاهِدٌ: طَيِّبَةً. ﴿حَيْثُ أصابَ﴾ أيْ حَيْثُ قَصَدَ وأرادَ، حَكى الزَّجّاجُ عَنِ العَرَبِ. أصابَ الصَّوابَ فَأخْطَأ الجَوابَ: أيْ قَصَدَ. وعَنْ رُؤْبَةَ أنَّ رَجُلَيْنِ مِن أهْلِ اللُّغَةِ قَصَداهُ لِيَسْألاهُ عَنْ هَذِهِ الكَلِمَةِ، فَخَرَجَ إلَيْهِما فَقالَ: أيْنَ تُصِيبانِ ؟ فَقالا: هَذِهِ طَلِبَتُنا. ويُقالُ: أصابَ اللَّهُ بِكَ خَيْرًا، وأنْشَدَ الثَّعْلَبِيُّ: ؎أصابَ الكَلامَ فَلَمْ يَسْتَطِعْ ∗∗∗ فَأخْطَأ الجَوابَ لَدى المَفْصِلِ وقالَ وهْبٌ: حَيْثُ أصابَ، أيْ أرادَ. قِيلَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ أصابَ دَخَلَتْ فِيهِ هَمْزَةُ التَّعْدِيَةِ مِن صابَ، أيْ حَيْثُ وجَّهَ جُنُودَهُ وجَعَلَهم يَصُوبُونَ صَوْبَ السَّحابِ والمَطَرِ. وقِيلَ: أصابَ: أرادَ، بِلُغَةِ حِمْيَرَ. وقالَ قَتادَةُ: بِلُغَةِ هَجَرَ. (والشَّياطِينَ) مَعْطُوفٌ عَلى الرِّيحِ و﴿كُلَّ بَنّاءٍ وغَوّاصٍ﴾ بَدَلٌ، وأتى بِأبْنِيَةِ المُبالَغَةِ، كَما قالَ: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِن مَحارِيبَ وتَماثِيلَ﴾ [سبإ: ١٣] الآيَةَ، وقالَ النّابِغَةُ: ؎إلّا سُلَيْمانَ إذْ قالَ الإلَهُ لَهُ ∗∗∗ قُمْ في البَرِّيَّةِ فاحْدُدْها عَنِ الفَنَدِ ؎وجَيْشِ الجِنِّ إنِّي قَدْ أذِنْتُ لَهم ∗∗∗ يَبْنُونَ تَدْمُرَ بِالصُّفّاحِ والعَمَدِ والمَعْطُوفُ عَلى العامِّ عامٌّ، فالتَّقْدِيرُ: وكُلَّ غَوّاصٍ، أيْ في البَحْرِ يَسْتَخْرِجُونَ لَهُ الحِلْيَةَ، وهو أوَّلُ مَنِ اسْتَخْرَجَ الدُّرَّ. (وآخَرِينَ) عُطِفَ عَلى (كُلَّ)، فَهو داخِلٌ في البَدَلِ، إذْ هو بَدَلُ كُلٍّ مِن كُلٍّ بَدَلُ التَّفْصِيلِ، أيْ مِنَ الجِنِّ، وهُمُ المَرَدَةُ، سَخَّرَهم لَهُ حَتّى قَرَّنَهم في الأصْفادِ لِكُفْرِهِمْ. وقالَ النّابِغَةُ في ذَلِكَ: فَمَن أطاعَكَ فانْفَعْهُ بِطاعَتِهِ كَما أطاعَكَ وادْلُلْهُ عَلى الرُّشْدِ ومَن عَصاكَ فَعاقِبْهُ مُعاقَبَةً تَنْهى الظَّلُومَ ولا تَقْعُدْ عَلى ضَمَدِ وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ (مُقَرَّنِينَ في الأصْفادِ) في آخِرِ سُورَةِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأوْصافٍ مِن مُلْكِ سُلَيْمانَ في (p-٣٩٩)سُورَةِ النَّمْلِ ﴿هَذا عَطاؤُنا﴾ إشارَةٌ لِما أعْطاهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ المُلْكِ الضَّخْمِ وتَسْخِيرِ الرِّيحِ والإنْسِ والجِنِّ والطَّيْرِ، وأمَرَهُ بِأنْ يَمُنَّ عَلى مَن يَشاءُ ويُمْسِكُ عَنْ مَن يَشاءُ وقَّفَهُ عَلى قَدْرِ النِّعْمَةِ، ثُمَّ أباحَ لَهُ التَّصَرُّفَ فِيها بِمَشِيئَتِهِ، وهو تَعالى قَدْ عَلِمَ أنَّهُ لا يَتَصَرَّفُ إلّا بِطاعَةِ اللَّهِ. قالَ الحَسَنُ وغَيْرُهُ: قالَهُ قَتادَةُ إشارَةٌ إلى ما فَعَلَهُ الجِنُّ، أيْ فامْتَنَّ عَلى مَن شِئْتَ مِنهم، وأطْلِقْهُ مِن وثاقِهِ، وسَرِّحْهُ مِن خِدْمَتِهِ، وامْسِكْ أمْرَهُ كَما تُرِيدُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إشارَةٌ إلى ما وهَبَهُ مِنَ النِّساءِ وأقْدَرَهُ عَلَيْهِنَّ مِن جِماعِهِنَّ، ولَعَلَّهُ لا يَصِحُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَجْرِ هُنا ذِكْرُ النِّساءِ، ولا ما أُوتِيَ مِنَ القُدْرَةِ عَلى ذَلِكَ، و﴿بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ [البقرة: ٢١٢] في مَوْضِعِ الحالِ مِن (عَطاؤُنا) أيْ هَذا عَطاؤُنا جَمًّا كَثِيرًا لا تَكادُ تَقْدِرُ عَلى حَصْرِهِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ [البقرة: ٢١٢] مِن تَمامِ ﴿فامْنُنْ﴾ . أوْ أمْسِكْ: أيْ لا حِسابَ عَلَيْكَ في إعْطاءِ مَن شِئْتَ أوْ حِرْمانِهِ، وفي إطْلاقِ مَن شِئْتَ مِنَ الشَّياطِينِ أوْ إيثاقِهِ. وخَتَمَ تَعالى قِصَّتَهُ بِما ذَكَرَ في قِصَّةِ والِدِهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿وإنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وحُسْنَ مَآبٍ﴾ [ص: ٢٥] . وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿وحُسْنُ مَآبٍ﴾ [الرعد: ٢٩] بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى (لَزُلْفى) . وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِالرَّفْعِ، ويَقِفانِ عَلى (لَزُلْفى)، ويَبْتَدِآنِ (وحُسْنُ مَآبٍ) وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: وحُسْنُ مَآبٍ لَهُ.

ص 38:40

(p-٣٩٤)﴿يا داوُدُ إنّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً في الأرْضِ فاحْكم بَيْنَ النّاسِ بِالحَقِّ ولا تَتَّبِعِ الهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الحِسابِ﴾ ﴿وما خَلَقْنا السَّماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما باطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النّارِ﴾ ﴿أمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ كالمُفْسِدِينَ في الأرْضِ أمْ نَجْعَلُ المُتَّقِينَ كالفُجّارِ﴾ ﴿كِتابٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ ولِيَتَذَكَّرَ أُولُو الألْبابِ﴾ ﴿ووَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ نِعْمَ العَبْدُ إنَّهُ أوّابٌ﴾ ﴿إذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالعَشِيِّ الصّافِناتُ الجِيادُ﴾ ﴿فَقالَ إنِّي أحْبَبْتُ حُبَّ الخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ﴾ ﴿رُدُّوها عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ والأعْناقِ﴾ ﴿ولَقَدْ فَتَنّا سُلَيْمانَ وألْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أنابَ﴾ ﴿قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ مِن بَعْدِي إنَّكَ أنْتَ الوَهّابُ﴾ ﴿فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أصابَ﴾ ﴿والشَّياطِينَ كُلَّ بَنّاءٍ وغَوّاصٍ﴾ ﴿وآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ في الأصْفادِ﴾ ﴿هَذا عَطاؤُنا فامْنُنْ أوْ أمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ ﴿وإنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وحُسْنَ مَآبٍ﴾ ) . (p-٣٩٥)جَعْلُهُ تَعالى داوُدَ خَلِيفَةً في الأرْضِ يَدُلُّ عَلى مَكانَتِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عِنْدَهُ واصْطِفائِهِ، ويَدْفَعُ في صَدْرِ مَن نَسَبَ إلَيْهِ شَيْئًا مِمّا لا يَلِيقُ بِمَنصِبِ النُّبُوَّةِ. واحْتَمَلَ لَفْظُ خَلِيفَةٍ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: تَخْلُفُ مَن تَقَدَّمَكَ مِنَ الأنْبِياءِ، أنْ يُعْلِيَ قَدْرَكَ بِجَعْلِكَ مَلِكًا نافِذَ الحُكْمِ، ومِنهُ قِيلَ: خُلَفاءُ اللَّهِ في أرْضِهِ. واسْتُدِلَّ مِن هَذِهِ الآيَةِ عَلى احْتِياجِ الأرْضِ إلى خَلِيفَةٍ مِنَ اللَّهِ، ولا يَلْزَمُ ذَلِكَ مِنَ الآيَةِ، بَلْ لُزُومُهُ مِن جِهَةِ الشَّرْعِ والإجْماعِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولا يُقالُ خَلِيفَةُ اللَّهِ إلّا لِرَسُولٍ. وأمّا الخُلَفاءُ، فَكُلُّ واحِدٍ مِنهم خَلِيفَةُ الَّذِي قَبْلَهُ، وما يَجِيءُ في الشِّعْرِ مِن تَسْمِيَةِ أحَدِهِمْ خَلِيفَةَ اللَّهِ فَذَلِكَ تَجَوُّزٌ، كَما قالَ قَيْسُ الرُّقَيّاتِ: ؎خَلِيفَةُ اللَّهِ في بَرِّيَّتِهِ حَقَّتْ بِذاكَ الأقْلامُ والكُتُبُ وقالَتِ الصَّحابَةُ لِأبِي بَكْرٍ: خَلِيفَةُ رَسُولِ اللَّهِ، وبِذَلِكَ كانَ يُدْعى مُدَّتُهُ. فَلَمّا ولِيَ عُمَرُ قالُوا: خَلِيفَةُ خَلِيفَةِ رَسُولِ اللَّهِ، وطالَ الأمْرُ وزادَ أنَّهُ في المُسْتَقْبَلِ، فَدَعَوْهُ أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، وقُصِرَ هَذا الِاسْمُ عَلى الخُلَفاءِ. انْتَهى. ﴿فاحْكم بَيْنَ النّاسِ بِالحَقِّ﴾ أمْرٌ بِالدَّيْمُومَةِ، وتَنْبِيهٌ لِغَيْرِهِ مِمَّنْ ولِيَ أُمُورَ النّاسِ. فَمِن حَيْثُ هو مَعْصُومٌ لا يَحْكُمُ إلّا بِالحَقِّ، أُمِرَ أوَّلًا بِالحُكْمِ ولَمّا كانَ الهَوى قَدْ يَعْرِضُ لِغَيْرِ المَعْصُومِ أمَرَ بِاجْتِنابِهِ، وذَكَرَ نَتِيجَةَ اتِّباعِهِ، وهو إضْلالُهُ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ. و﴿فَيُضِلَّكَ﴾ جَوابٌ لِلنَّهْيِ، والفاعِلُ في فَيُضِلَّكَ ضَمِيرُ (الهَوى)، أوْ ضَمِيرُ المَصْدَرِ المَفْهُومِ مِن ﴿ولا تَتَّبِعِ﴾ أيْ فَيُضِلَّكَ اتِّباعُ الهَوى. ولَمّا ذَكَرَ ما تَرَتَّبَ عَلى اتِّباعِ الهَوى، وهو الإضْلالُ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، ذَكَرَ عِقابَ الضّالِّ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (يَضِلُّونَ) بِفَتْحِ الياءِ؛ لِأنَّهم لَمّا أضَلَّهُمُ اتِّباعُ الهَوى صارُوا ضالِّينَ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ: بِخِلافٍ عَنْهُما؛ وأبُو حَيْوَةَ: بِضَمِّ الياءِ، وهَذِهِ القِراءَةُ أعَمُّ؛ لِأنَّهُ لا يَضِلُّ الإضْلالُ في نَفْسِهِ؛ وقِراءَةُ الجُمْهُورِ أوْضَحُ. و﴿بِما نَسُوا﴾ مُتَعَلِّقٌ بِما تَعَلَّقَ بِهِ لَهم، ونَسُوا: تَرَكُوا. و(يَوْمَ) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِنَسُوا، أوْ بِما تَعَلَّقَ بِهِ لَهم، ويَكُونَ النِّسْيانُ عِبارَةً عَنْ ضَلالِهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ. وانْتَصَبَ ﴿باطِلًا﴾ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ خَلْقًا باطِلًا، أوْ عَلى الحالِ أيْ مُبْطِلِينَ، أوْ ذَوِي باطِلٍ، أوْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ. مَعْنًى باطِلًا: عَبَثًا. (ذَلِكَ) أيْ كَوْنُ خَلْقِها باطِلًا ﴿ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ مَظْنُونُهم، وهَؤُلاءِ وإنْ كانُوا مُقِرِّينِ بِأنَّ خالِقَ السَّماواتِ والأرْضِ هو اللَّهُ تَعالى، فَهم مِن حَيْثُ أنْكَرُوا المَعادَ والثَّوابَ والعِقابَ ظانُّونَ أنَّ خَلْقَ ذَلِكَ لَيْسَ بِحِكْمَةٍ، وأنَّ خَلْقَ ذَلِكَ إنَّما هو عَبَثٌ؛ ولِذَلِكَ قالَ تَعالى ﴿أفَحَسِبْتُمْ أنَّما خَلَقْناكم عَبَثًا وأنَّكم إلَيْنا لا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٥] فَنَبَّهَ عَلى المَعادِ والرُّجُوعِ إلى جَزائِهِ، ثُمَّ ذَكَرَ ما بَيْنَ المُؤْمِنِ عامَلِ الصّالِحاتِ، والمُفْسِدِ مِنَ التَّبايُنِ، وأنَّهُما لَيْسا سِيَّيْنِ، وقابَلَ الصَّلاحَ بِالفَسادِ، والتَّقْوى بِالفُجُورِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي عامَّةٌ في جَمِيعِ المُسْلِمِينَ والكافِرِينَ. وقِيلَ في قَوْمٍ مِن مُشْرِكِ قُرَيْشٍ قالُوا: نَحْنُ لَنا في الآخِرَةِ أعْظَمُ مِمّا لَنا في الدُّنْيا، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ. وقِيلَ في جَماعَةٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ مُعَيَّنِينَ بارَزُوا يَوْمَ بَدْرٍ عَلِيًّا وحَمْزَةَ وعُبَيْدَةَ بْنَ الحَرْثِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم، وعُتْبَةَ وشَيْبَةَ والوَلِيدَ بْنَ عُتْبَةَ، ووَصَفَ كُلًّا بِما ناسَبَهُ. والِاسْتِفْهامُ بِـ (أمْ) في المَوْضِعَيْنِ اسْتِفْهامُ إنْكارٍ، والمَعْنى: أنَّهُ لا يَسْتَوِي عِنْدَ اللَّهِ مَن أصْلَحَ ومَن أفْسَدَ، ولا مَنِ اتَّقى ومَن فَجَرَ، وكَيْفَ تَكُونُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ مَن أطاعَ ومَن عَصى ؟ إذَنْ كانَ يَبْطُلُ الجَزاءُ، والجَزاءُ لا مَحالَةَ واقِعٌ، والتَّسْوِيَةُ مُنْتَفِيَةٌ. ولَمّا انْتَفَتِ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ ما تَصْلُحُ بِهِ لِمُتْبِعَةِ السَّعادَةِ الأبَدِيَّةِ، وهو كِتابُ اللَّهِ تَعالى، فَقالَ ﴿كِتابٌ أنْزَلْناهُ﴾ وارْتِفاعُهُ عَلى إضْمارِ مُبْتَدَأٍ، أيْ هَذا كِتابٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿مُبارَكٌ﴾ عَلى الصِّفَةِ. وقُرِئَ: مُبارَكًا عَلى الحالِ اللّازِمَةِ، أيْ هَذا كِتابٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ﴾ بِياءِ الغَيْبَةِ وشَدِّ الدّالِ، وأصْلُهُ لِيَتَدَبَّرُوا. وقَرَأ عَلِيٌّ (p-٣٩٦)بِهَذا الأصْلِ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: بِتاءِ الخِطابِ وتَخْفِيفِ الدّالِ. وجاءَ كَذَلِكَ عَنْ عاصِمٍ والكِسائِيِّ بِخِلافٍ عَنْهُما، والأصْلُ: لِتَتَدَبَّرُوا بِتاءَيْنِ فَحُذِفَتْ إحْداهُما عَلى الخِلافِ الَّذِي فِيها، أهِيَ تاءُ المُضارَعَةِ أمِ التّاءُ الَّتِي تَلِيها ؟ واللّامُ في لِيَدَّبَّرُوا لامُ (كَيْ)، وأسْنَدَ التَّدَبُّرَ في الجَمِيعِ وهو التَّفَكُّرُ في الآياتِ، والتَّأمُّلُ الَّذِي يُفْضِي بِصاحِبِهِ إلى النَّظَرِ في عَواقِبِ الأشْياءِ. وأسْنَدَ التَّذَكُّرَ إلى أُولِي العُقُولِ؛ لِأنَّ ذا العَقْلِ فِيهِ ما يَهْدِيهِ إلى الحَقِّ وهو عَقْلُهُ، فَلا يَحْتاجُ إلّا إلى ما يُذَكِّرُهُ فَيَتَذَكَّرَ، والمَخْصُوصُ بِالمَدْحِ مَحْذُوفٌ، التَّقْدِيرُ ﴿نِعْمَ العَبْدُ﴾ هو أيْ سُلَيْمانُ. وقُرِئَ: نَعِمْ عَلى الأصْلِ كَما قالَ: نَعِمَ السّاعُونَ في القَوْمِ الشُّطُرُ أثْنى تَعالى عَلَيْهِ لِكَثْرَةِ رُجُوعِهِ إلَيْهِ، أوْ لِكَثْرَةِ تَسْبِيحِهِ. ﴿إذْ عُرِضَ﴾ النّاصِبُ لِإذْ قِيلَ ﴿أوّابٌ﴾ وقِيلَ: اذْكُرْ عَلى الِاخْتِلافِ في تَأْوِيلِ هَذِهِ الآيَةِ. قالَ الجُمْهُورُ: عُرِضَتْ عَلَيْهِ آلافٌ مِنَ الخَيْلِ تَرَكَها أبُوهُ لَهُ، وقِيلَ: ألْفٌ واحِدٌ، فَأُجْرِيَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ عَشِيًّا، فَتَشاغَلَ بِحُسْنِها وجَرْيِها ومَحَبَّتِها عَنْ ذِكْرٍ لَهُ، فَقالَ: رُدُّوها عَلَيَّ، فَطَفِقَ يَضْرِبُ أعْناقَها وعَراقِيبَها بِالسَّيْفِ لَمّا كانَتْ سَبَبَ الذُّهُولِ عَنْ ذَلِكَ الذِّكْرِ، فَأبْدَلَهُ اللَّهُ أسْرَعَ مِنها الرِّيحَ. وقالَ قَوْمٌ، مِنهُمُ الثَّعْلَبِيُّ: كانَتْ بِالنّاسِ مَجاعَةٌ، ولُحُومُ الخَيْلِ لَهم حَلالٌ، فَعَقَرَها لِتُؤْكَلَ عَلى سَبِيلِ القُرْبَةِ ونَحْرِ الهَدْيِ عِنْدَنا. انْتَهى. وفي هَذِهِ القِصَّةِ ألْفاظٌ فِيها غَضٌّ مِن مَنصِبِ النُّبُوَّةِ كَفَيْنا عَنْهُ. والخَيْرُ في قَوْلِهِ ﴿حُبَّ الخَيْرِ﴾ أيْ هَذا القَوْلُ يُرادُ بِهِ الخَيْلُ. والعَرَبُ تُسَمِّي الخَيْلَ الخَيْرَ، قالَهُ قَتادَةُ والسُّدِّيُّ. وقالَ الضَّحّاكُ وابْنُ جُبَيْرٍ: الخَيْرُ هُنا المالُ، وانْتَصَبَ ﴿حُبَّ الخَيْرِ﴾، قِيلَ: عَلى المَفْعُولِ بِهِ لِتَضَمُّنِ أحْبَبْتُ مَعْنى آثَرْتُ، قالَهُ الفَرّاءُ. وقِيلَ: مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِ التَّشْبِيهِيِّ، أيْ أحْبَبْتُ الخَيْلَ كَحُبِّ الخَيْرِ، أيْ حُبًّا مِثْلَ حُبِّ الخَيْرِ. وقِيلَ: عُدِّيَ بِعَنْ فَضَمِنَ مَعْنى فِعْلٍ يَتَعَدّى بِها، أيْ أنَبْتُ حُبَّ الخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي، أوْ جَعَلْتُ حُبَّ الخَيْرِ مُغْنِيًا عَنْ ذِكْرِ رَبِّي. وذَكَرَ أبُو الفَتْحِ الهَمْدانِيُّ في كِتابِ التِّبْيانِ أنَّ أحْبَبْتُ بِمَعْنى: لَزِمْتُ مِن قَوْلِهِ: مِثْلُ بَعِيرِ السُّوءِ إذْ أحَبّا وقالَتْ فِرْقَةٌ (أحْبَبْتُ) سَقَطَتْ إلى الأرْضِ، مَأْخُوذٌ مِن أحَبَّ البَعِيرُ إذا أُعْيِيَ وسَقَطَ. قالَ بَعْضُهم: حَبَّ البَعِيرُ: بَرَكَ، وفُلانٌ: طَأْطَأ رَأْسَهُ. وقالَ أبُو زَيْدٍ: بَعِيرٌ مُحِبٌّ وقَدْ أحَبَّ إحْبابًا إذا أصابَهُ مَرَضٌ أوْ كَسْرٌ، فَلا يَبْرَحُ مَكانَهُ حَتّى يَبْرَأ أوْ يَمُوتَ. قالَ ثَعْلَبٌ: يُقالُ لِلْبَعِيرِ الحَسِيرِ مُحِبٌّ، فالمَعْنى: قَعَدْتُ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي. (وحُبَّ الخَيْرِ) عَلى هَذا مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في ﴿تَوارَتْ﴾ عائِدٌ عَلى ﴿الصّافِناتُ﴾ أيْ دَخَلَتِ اصْطَبْلاتِها، فَهي الحِجابُ. وقِيلَ: حَتّى تَوارَتْ في المُسابَقَةِ بِما يَحْجُبُها عَنِ النَّظَرِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلشَّمْسِ، وإنْ لَمْ يَجْرِ لَها ذِكْرٌ لِدَلالَةِ العَشِيِّ عَلَيْها. وقالَتْ طائِفَةٌ: عُرِضَ عَلى سُلَيْمانَ الخَيْلُ وهو في الصَّلاةِ، فَأشارَ إلَيْهِمْ أنِّي في صَلاتِي، فَأزالُوها عَنْهُ حَتّى دَخَلَتْ في الِاصْطَبْلاتِ، فَقالَ هو لَمّا فَرَغَ مِن صِلاتِهِ ﴿إنِّي أحْبَبْتُ حُبَّ الخَيْرِ﴾ أيِ الَّذِي عِنْدَ اللَّهِ في الآخِرَةِ بِسَبَبِ ذِكْرِ رَبِّي، كَأنَّهُ يَقُولُ: فَشَغَلَنِي ذَلِكَ عَنْ رُؤْيَةِ الخَيْلِ حَتّى أُدْخِلَتِ اصْطَبْلاتِها، رُدُّوها عَلَيَّ فَطَفِقَ يَمْسَحُ أعْرافَها وسُوقَها مَحَبَّةً لَها. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والزُّهْرِيُّ: مَسْحُهُ بِالسُّوقِ والأعْناقِ لَمْ يَكُنْ بِالسَّيْفِ بَلْ بِيَدَيْهِ تَكْرِيمًا لَها ومَحَبَّةً، ورَجَّحَهُ الطَّبَرِيُّ. وقِيلَ: بَلْ غَسْلًا بِالماءِ. وقالَ الثَّعْلَبِيُّ: إنَّ هَذا المَسْحَ كانَ في السُّوقِ والأعْناقِ بِوَسْمِ حَبْسٍ في سَبِيلِ اللَّهِ. انْتَهى. وهَذا القَوْلُ هو الَّذِي يُناسِبُ مَناصِبَ الأنْبِياءِ، لا القَوْلُ المَنسُوبُ لِلْجُمْهُورِ، فَإنَّ في قِصَّتِهِ ما لا يَلِيقُ ذِكْرُهُ بِالنِّسْبَةِ لِلْأنْبِياءِ. و﴿حَتّى تَوارَتْ﴾ غايَةٌ فالفِعْلُ يَكُونُ قَبْلَها مُتَطاوِلًا حَتّى تَصِحَّ الغايَةُ، فَأحْبَبْتُ مَعْناهُ أرْدْتُ المَحَبَّةَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ بِمَ اتَّصَلَ قَوْلُهُ ﴿رُدُّوها عَلَيَّ﴾ ؟ قُلْتُ: بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: قالَ رُدُّوها عَلَيَّ، فَأضْمَرُوا ضَمِيرَ ما هو جَوابٌ لَهُ، كَأنَّ قائِلًا قالَ: فَماذا قالَ سُلَيْمانُ ؟ لِأنَّهُ مَوْضِعٌ مُقْتَضٍ لِلسُّؤالِ اقْتِضاءً ظاهِرًا. ثُمَّ ذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ لَفْظًا فِيهِ غَضٌّ مِنَ النُّبُوَّةِ فَتَرَكْتُهُ. وما (p-٣٩٧)ذَهَبَ إلَيْهِ مِن هَذا الإضْمارِ لا يُحْتاجُ إلَيْهِ، إذِ الجُمْلَةُ مُنْدَرِجَةٌ تَحْتَ حِكايَةِ القَوْلِ وهو ﴿فَقالَ إنِّي أحْبَبْتُ﴾ . فَهَذِهِ الجُمْلَةُ وجُمْلَةُ ﴿رُدُّوها عَلَيَّ﴾ مَحْكِيَّتانِ بِقالَ، وطَفِقَ مِن أفْعالِ المُقارَبَةِ لِلشُّرُوعِ في الفِعْلِ، وحُذِفَ خَبَرُها لِدَلالَةِ المَصْدَرِ عَلَيْهِ، أيْ فَطَفِقَ يَمْسَحُ مَسْحًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿مَسْحًا﴾ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: مِساحًا، عَلى وزْنِ قِتالٍ، والباءُ (في بِالسُّوقِ) زائِدَةٌ، كَهي في قَوْلِهِ ﴿فامْسَحُوا بِوُجُوهِكم وأيْدِيكُمْ﴾ [النساء: ٤٣] . وحَكى سِيبَوَيْهِ: مَسَحْتُ بِرَأْسِهِ ورَأْسَهُ بِمَعْنًى واحِدٍ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ذَلِكَ في المائِدَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِالسُّوقِ، بِغَيْرِ هَمْزٍ عَلى وزْنِ فُعْلٍ وهو جَمْعُ ساقٍ، عَلى وزْنِ فَعَلٍ بِفَتْحِ العَيْنِ كَأُسْدٍ وأسَدٍ وابْنُ كَثِيرٍ بِالهَمْزِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: وهي ضَعِيفَةٌ، لَكِنْ وجْهُها في القِياسِ أنَّ الضَّمَّةَ لَمّا كانَتْ تَلِي الواوَ وقُدِّرَ أنَّها عَلَيْها فَهُمِزَتْ، كَما يَفْعَلُونَ بِالواوِ المَضْمُومَةِ. ووَجْهُ هَمْزِ السُّوقِ مِنَ السَّماعِ أنَّ أبا حَبَّةَ النُّمَيْرِيَّ كانَ يَهْمِزُ كُلَّ واوٍ ساكِنَةٍ قَبْلَها ضَمَّةٌ، وكانَ يَنْشُدُ: ؎حُبُّ المُؤْقِدِينَ إلى مُؤْسى انْتَهى. ولَيْسَتْ ضَعِيفَةً؛ لِأنَّ السّاقَ فِيهِ الهَمْزَةُ، ووَزْنُ فَعْلٍ بِسُكُونِ العَيْنِ، فَجاءَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَلى هَذِهِ اللُّغَةِ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ بِهَمْزَةٍ بَعْدَها الواوُ، رَواهُما بَكّارٌ عَنْ قُنْبُلٍ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِالسّاقِ مُفْرَدًا، اكْتَفى بِهِ عَنِ الجَمْعِ لِأمْنِ اللَّبْسِ. ومِن غَرِيبِ القَوْلِ أنَّ الضَّمِيرَ في رُدُّوها عائِدٌ عَلى الشَّمْسِ، وقَدِ اخْتَلَفُوا في عَدَدِ هَذِهِ الخَيْلِ عَلى أقْوالٍ مُتَكاذِبَةٍ، سَوَّدُوا الوَرَقَ بِذِكْرِها. ﴿ولَقَدْ فَتَنّا سُلَيْمانَ وألْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ نَقَلَ المُفَسِّرُونَ في هَذِهِ الفِتْنَةِ وإلْقاءِ الجَسَدِ أقْوالًا يَجِبُ بَراءَةُ الأنْبِياءِ مِنها، يُوقَفُ عَلَيْها في كُتُبِهِمْ، وهي مِمّا لا يَحِلُّ نَقْلُها، وإنَّما هي مِن أوْضاعِ اليَهُودِ والزَّنادِقَةِ، ولَمْ يُبَيِّنِ اللَّهُ الفِتْنَةَ ما هي، ولا الجَسَدَ الَّذِي ألْقاهُ عَلى كُرْسِيِّ سُلَيْمانَ. وأقْرَبُ ما قِيلَ فِيهِ: أنَّ المُرادَ بِالفِتْنَةِ كَوْنُهُ لَمْ يَسْتَثْنِ في الحَدِيثِ الَّذِي قالَ: ”«لَأطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلى سَبْعِينَ امْرَأةٍ، كُلُّ واحِدَةٍ تَأْتِي بِفارِسٍ يُجاهِدُ في سَبِيلِ اللَّهِ، ولَمْ يَقُلْ إنْ شاءَ اللَّهُ، فَطافَ عَلَيْهِنَّ، فَلَمْ تَحْمِلْ إلّا امْرَأةٌ واحِدَةٌ، وجاءَتْهُ بِشِقِّ رَجُلٍ“ . قالَ رَسُولُ اللَّهِ: ”والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ قالَ إنْ شاءَ اللَّهُ لَجاهَدُوا في سَبِيلِ اللَّهِ فُرْسانًا أجْمَعُونَ“» . فالمُرادُ بِقَوْلِهِ ﴿ولَقَدْ فَتَنّا سُلَيْمانَ وألْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ هو هَذا، والجَسَدُ المُلْقى هو المَوْلُودُ شِقُّ رَجُلٍ. وقالَ قَوْمٌ: مَرِضَ سُلَيْمانُ مَرَضًا كالإغْماءِ حَتّى صارَ عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا كَأنَّهُ بِلا رُوحٍ. ولَمّا أمَرَ تَعالى نَبِيَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالصَّبْرِ عَلى ما يَقُولُ كَفّارُ قُرَيْشٍ وغَيْرُهم، أمَرَهُ بِأنْ يَذْكُرَ مَنِ ابْتُلِيَ فَصَبَرَ، فَذَكَرَ قِصَّةَ داوُدَ وقِصَّةَ سُلَيْمانَ وقِصَّةَ أيُّوبَ لِيَتَأسّى بِهِمْ، وذَكَرَ ما لَهم عِنْدَهُ مِنَ الزُّلْفى والمَكانَةِ، فَلَمْ يَكُنْ لِيَذْكُرَ مَن يَتَأسّى بِهِ مِمَّنْ نَسَبَ المُفَسِّرُونَ إلَيْهِ ما يَعْظُمُ أنْ يُتَفَوَّهَ بِهِ ويَسْتَحِيلَ عَقْلًا وُجُودُ بَعْضِ ما ذَكَرُوهُ، كَتَمَثُّلِ الشَّيْطانِ بِصُورَةِ نَبِيٍّ حَتّى يَلْتَبِسَ أمْرُهُ عِنْدَ النّاسِ، ويَعْتَقِدُوا أنَّ ذَلِكَ المُتَصَوِّرَ هو النَّبِيُّ، ولَوْ أمْكَنَ وُجُودُ هَذا لَمْ يُوثَقْ بِإرْسالِ نَبِيٍّ، وإنَّما هَذِهِ مَقالَةٌ مُسْتَرَقَةٌ مِن زَنادِقَةِ السُّوفِسْطائِيَّةِ، نَسْألُ اللَّهَ سَلامَةَ أذْهانِنا وعُقُولِنا مِنها. ﴿ثُمَّ أنابَ﴾ أيْ بَعْدِ امْتِحانِنا إيّاهُ، أدامَ الإنابَةَ والرُّجُوعَ. ﴿قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي﴾ هَذا أدَبُ الأنْبِياءِ والصّالِحِينَ مِن طَلَبِ المَغْفِرَةِ مِنَ اللَّهِ هَضْمًا لِلنَّفْسِ وإظْهارًا لِلذِّلَّةِ والخُشُوعِ وطَلَبًا لِلتَّرَقِّي في المَقاماتِ، وفي الحَدِيثِ: «إنِّي لَأسْتَغْفِرُ اللَّهَ في اليَوْمِ واللَّيْلَةِ سَبْعِينَ مَرَّةً» والِاسْتِغْفارُ مُقَدِّمَةٌ بَيْنَ يَدَيْ ما يَطْلُبُ المُسْتَغْفِرُ بِطَلَبِ الأهَمِّ في دِينِهِ، فَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أمْرُ دُنْياهُ، كَقَوْلِ نُوحٍ في ما حَكى اللَّهُ عَنْهُ ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم إنَّهُ كانَ غَفّارًا﴾ [نوح: ١٠] ﴿يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكم مِدْرارًا﴾ [نوح: ١١] الآيَةَ. والظّاهِرُ أنَّ طَلَبَ المُلْكِ كانَ بَعْدَ هَذِهِ المِحْنَةِ. وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ أنَّهُ أقامَ في مُلْكِهِ عِشْرِينَ سَنَةً قَبْلَ هَذا الِابْتِلاءِ، وأقامَ بَعْدَها عِشْرِينَ سَنَةً، فَيُمْكِنُ أنَّهُ كانَ في مُلْكٍ قَبْلَ المِحْنَةِ، ثُمَّ سَألَ بَعْدَها مُلْكًا مُقَيَّدًا بِالوَصْفِ الَّذِي بَعْدَهُ، وهو كَوْنُهُ لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ مِن بَعْدِهِ، واخْتَلَفُوا في هَذا القَيْدِ، فَقالَ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ وقَتادَةُ: إلى مُدَّةِ حَياتِي لا أسْلُبُهُ ويَصِيرُ إلى غَيْرِي. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إنَّما قَصَدَ بِذَلِكَ قَصْدًا جائِزًا، (p-٣٩٨)لِأنَّ لِلْإنْسانِ أنْ يَرْغَبَ مِن فَضْلِ اللَّهِ فِيما لا يَنالُهُ أحَدٌ، لا سِيَّما بِحَسَبِ المَكانَةِ والنُّبُوَّةِ. وانْظُرْ إلى قَوْلِهِ ﴿لا يَنْبَغِي﴾ إنَّما هي لَفْظَةٌ مُحْتَمَلَةٌ لَيْسَتْ تَقْطَعُ في أنَّهُ لا يُعْطِي اللَّهُ نَحْوَ ذَلِكَ المُلْكِ لِأحَدٍ. انْتَهى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كانَ سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَّلامُ ناشِئًا في بَيْتِ المُلْكِ والنُّبُوَّةِ ووارِثًا لَهُما فَأرادَ أنْ يَطْلُبَ مِن رَبِّهِ مُعْجِزَةً، فَطَلَبَ عَلى حَسَبِ إلْفِهِ مُلْكًا زائِدًا عَلى المَمالِكِ زِيادَةً خارِقَةً لِلْعادَةِ بالِغَةً حَدَّ الإعْجازِ، لِيَكُونَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلى نُبُوَّتِهِ، قاهِرًا لِلْمَبْعُوثِ إلَيْهِمْ، ولَنْ يَكُونَ مُعْجِزَةً حَتّى تَخْرِقَ العاداتِ، فَذَلِكَ مَعْنى قَوْلِهِ ﴿لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ مِن بَعْدِي﴾ . وقِيلَ: كانَ مُلْكًا عَظِيمًا، فَخافَ أنْ يُعْطى مِثْلَهُ أحَدٌ، فَلا يُحافِظُ عَلى حُدُودِ اللَّهِ فِيهِ، كَما قالَتِ المَلائِكَةُ ﴿أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها ويَسْفِكُ الدِّماءَ ونَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ونُقَدِّسُ لَكَ﴾ [البقرة: ٣٠] . وقِيلَ: مُلْكًا لا أُسْلَبُهُ، ولا يَقُومُ فِيهِ غَيْرِي مَقامِي. ويَجُوزُ أنْ يُقالَ: عَلِمَ اللَّهُ فِيما اخْتَصَّهُ بِهِ مِن ذَلِكَ المُلْكِ العَظِيمِ مَصالِحَ في الدِّينِ، وعَلِمَ أنَّهُ لا يَطَّلِعُ بِأحْبابِهِ غَيْرُهُ، وأوْجَبَتِ الحِكْمَةُ اسْتِيهابَهُ فَأمَرَهُ أنْ يَسْتَوْهِبَهُ بِأمْرٍ مِنَ اللَّهِ عَلى الصِّفَةِ الَّتِي عَلِمَ اللَّهُ أنْ لا يَضْبُطَهُ عَلَيْها إلّا هو وحْدَهُ دُونَ سائِرِ عِبادِهِ. أوْ أرادَ أنْ يَقُولَ: مُلْكًا عَظِيمًا، فَقالَ ﴿لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ مِن بَعْدِي﴾ ولَمْ يَقْصِدْ بِذَلِكَ إلّا عَظَمَةَ المُلْكِ وسَعَتِهِ، كَما تَقُولُ لِفُلانٍ: ما لَيْسَ لِأحَدٍ مِنَ الفَضْلِ والمالِ، ورُبَّما كانَ لِلنّاسِ أمْثالُ ذَلِكَ، ولَكِنَّكَ تُرِيدُ تَعْظِيمَ ما عِنْدَهُ. انْتَهى. ولَمّا بالَغَ في صِفَةِ هَذا المُلْكِ الَّذِي طَلَبَهُ، أتى في صِفَتِهِ تَعالى بِاللَّفْظِ الدّالِ عَلى المُبالَغَةِ فَقالَ ﴿إنَّكَ أنْتَ الوَهّابُ﴾ [آل عمران: ٨] أيِ الكَثِيرُ الهِباتِ، لا يَتَعاظَمُ عِنْدَهُ هِبَةٌ. ولَمّا طَلَبَ الهِبَةَ الَّتِي اخْتَصَّ بِطَلَبِها، وهَبَهُ وأعْطاهُ ما ذَكَرَ تَعالى مِن قَوْلِهِ ﴿فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ﴾ . وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِالإفْرادِ. والحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ، وقَتادَةُ، وأبُو جَعْفَرٍ: الرِّياحُ بِالجَمْعِ، وهو أعَمُّ لِعَظَمِ مُلْكِ سُلَيْمانَ، وإنْ كانَ المُفْرَدُ بِمَعْنى الجَمْعِ لِكَوْنِهِ اسْمَ جِنْسٍ. (تَجْرِي) يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةً حالِيَّةً، أيْ جارِيَةً، وأنْ تَكُونَ تَفْسِيرِيَّةً لِقَوْلِهِ ﴿فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ﴾ . (بِأمْرِهِ) أيْ لا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ إذا أرادَ جَرْيَها. ﴿رُخاءً﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ والضَّحّاكُ: مُطِيعَةً. وقالَ مُجاهِدٌ: طَيِّبَةً. ﴿حَيْثُ أصابَ﴾ أيْ حَيْثُ قَصَدَ وأرادَ، حَكى الزَّجّاجُ عَنِ العَرَبِ. أصابَ الصَّوابَ فَأخْطَأ الجَوابَ: أيْ قَصَدَ. وعَنْ رُؤْبَةَ أنَّ رَجُلَيْنِ مِن أهْلِ اللُّغَةِ قَصَداهُ لِيَسْألاهُ عَنْ هَذِهِ الكَلِمَةِ، فَخَرَجَ إلَيْهِما فَقالَ: أيْنَ تُصِيبانِ ؟ فَقالا: هَذِهِ طَلِبَتُنا. ويُقالُ: أصابَ اللَّهُ بِكَ خَيْرًا، وأنْشَدَ الثَّعْلَبِيُّ: ؎أصابَ الكَلامَ فَلَمْ يَسْتَطِعْ ∗∗∗ فَأخْطَأ الجَوابَ لَدى المَفْصِلِ وقالَ وهْبٌ: حَيْثُ أصابَ، أيْ أرادَ. قِيلَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ أصابَ دَخَلَتْ فِيهِ هَمْزَةُ التَّعْدِيَةِ مِن صابَ، أيْ حَيْثُ وجَّهَ جُنُودَهُ وجَعَلَهم يَصُوبُونَ صَوْبَ السَّحابِ والمَطَرِ. وقِيلَ: أصابَ: أرادَ، بِلُغَةِ حِمْيَرَ. وقالَ قَتادَةُ: بِلُغَةِ هَجَرَ. (والشَّياطِينَ) مَعْطُوفٌ عَلى الرِّيحِ و﴿كُلَّ بَنّاءٍ وغَوّاصٍ﴾ بَدَلٌ، وأتى بِأبْنِيَةِ المُبالَغَةِ، كَما قالَ: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِن مَحارِيبَ وتَماثِيلَ﴾ [سبإ: ١٣] الآيَةَ، وقالَ النّابِغَةُ: ؎إلّا سُلَيْمانَ إذْ قالَ الإلَهُ لَهُ ∗∗∗ قُمْ في البَرِّيَّةِ فاحْدُدْها عَنِ الفَنَدِ ؎وجَيْشِ الجِنِّ إنِّي قَدْ أذِنْتُ لَهم ∗∗∗ يَبْنُونَ تَدْمُرَ بِالصُّفّاحِ والعَمَدِ والمَعْطُوفُ عَلى العامِّ عامٌّ، فالتَّقْدِيرُ: وكُلَّ غَوّاصٍ، أيْ في البَحْرِ يَسْتَخْرِجُونَ لَهُ الحِلْيَةَ، وهو أوَّلُ مَنِ اسْتَخْرَجَ الدُّرَّ. (وآخَرِينَ) عُطِفَ عَلى (كُلَّ)، فَهو داخِلٌ في البَدَلِ، إذْ هو بَدَلُ كُلٍّ مِن كُلٍّ بَدَلُ التَّفْصِيلِ، أيْ مِنَ الجِنِّ، وهُمُ المَرَدَةُ، سَخَّرَهم لَهُ حَتّى قَرَّنَهم في الأصْفادِ لِكُفْرِهِمْ. وقالَ النّابِغَةُ في ذَلِكَ: فَمَن أطاعَكَ فانْفَعْهُ بِطاعَتِهِ كَما أطاعَكَ وادْلُلْهُ عَلى الرُّشْدِ ومَن عَصاكَ فَعاقِبْهُ مُعاقَبَةً تَنْهى الظَّلُومَ ولا تَقْعُدْ عَلى ضَمَدِ وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ (مُقَرَّنِينَ في الأصْفادِ) في آخِرِ سُورَةِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأوْصافٍ مِن مُلْكِ سُلَيْمانَ في (p-٣٩٩)سُورَةِ النَّمْلِ ﴿هَذا عَطاؤُنا﴾ إشارَةٌ لِما أعْطاهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ المُلْكِ الضَّخْمِ وتَسْخِيرِ الرِّيحِ والإنْسِ والجِنِّ والطَّيْرِ، وأمَرَهُ بِأنْ يَمُنَّ عَلى مَن يَشاءُ ويُمْسِكُ عَنْ مَن يَشاءُ وقَّفَهُ عَلى قَدْرِ النِّعْمَةِ، ثُمَّ أباحَ لَهُ التَّصَرُّفَ فِيها بِمَشِيئَتِهِ، وهو تَعالى قَدْ عَلِمَ أنَّهُ لا يَتَصَرَّفُ إلّا بِطاعَةِ اللَّهِ. قالَ الحَسَنُ وغَيْرُهُ: قالَهُ قَتادَةُ إشارَةٌ إلى ما فَعَلَهُ الجِنُّ، أيْ فامْتَنَّ عَلى مَن شِئْتَ مِنهم، وأطْلِقْهُ مِن وثاقِهِ، وسَرِّحْهُ مِن خِدْمَتِهِ، وامْسِكْ أمْرَهُ كَما تُرِيدُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إشارَةٌ إلى ما وهَبَهُ مِنَ النِّساءِ وأقْدَرَهُ عَلَيْهِنَّ مِن جِماعِهِنَّ، ولَعَلَّهُ لا يَصِحُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَجْرِ هُنا ذِكْرُ النِّساءِ، ولا ما أُوتِيَ مِنَ القُدْرَةِ عَلى ذَلِكَ، و﴿بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ [البقرة: ٢١٢] في مَوْضِعِ الحالِ مِن (عَطاؤُنا) أيْ هَذا عَطاؤُنا جَمًّا كَثِيرًا لا تَكادُ تَقْدِرُ عَلى حَصْرِهِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ [البقرة: ٢١٢] مِن تَمامِ ﴿فامْنُنْ﴾ . أوْ أمْسِكْ: أيْ لا حِسابَ عَلَيْكَ في إعْطاءِ مَن شِئْتَ أوْ حِرْمانِهِ، وفي إطْلاقِ مَن شِئْتَ مِنَ الشَّياطِينِ أوْ إيثاقِهِ. وخَتَمَ تَعالى قِصَّتَهُ بِما ذَكَرَ في قِصَّةِ والِدِهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿وإنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وحُسْنَ مَآبٍ﴾ [ص: ٢٥] . وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿وحُسْنُ مَآبٍ﴾ [الرعد: ٢٩] بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى (لَزُلْفى) . وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِالرَّفْعِ، ويَقِفانِ عَلى (لَزُلْفى)، ويَبْتَدِآنِ (وحُسْنُ مَآبٍ) وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: وحُسْنُ مَآبٍ لَهُ.

ص 38:41

﴿واذْكُرْ عَبْدَنا أيُّوبَ إذْ نادى رَبَّهُ أنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وعَذابٍ﴾ ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وشَرابٌ﴾ ﴿ووَهَبْنا لَهُ أهْلَهُ ومِثْلَهم مَعَهم رَحْمَةً مِنّا وذِكْرى لِأُولِي الألْبابِ﴾ ﴿وخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فاضْرِبْ بِهِ ولا تَحْنَثْ إنّا وجَدْناهُ صابِرًا نِعْمَ العَبْدُ إنَّهُ أوّابٌ﴾ ﴿واذْكُرْ عِبادَنا إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ أُولِي الأيْدِي والأبْصارِ﴾ ﴿إنّا أخْلَصْناهم بِخالِصَةٍ ذِكْرى الدّارِ﴾ ﴿وإنَّهم عِنْدَنا لَمِنَ المُصْطَفَيْنَ الأخْيارِ﴾ ﴿واذْكُرْ إسْماعِيلَ واليَسَعَ وذا الكِفْلِ وكُلٌّ مِنَ الأخْيارِ﴾ ﴿هَذا ذِكْرٌ وإنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ﴾ [ص: ٤٩] ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الأبْوابُ﴾ [ص: ٥٠] ﴿مُتَّكِئِينَ فِيها يَدْعُونَ فِيها بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وشَرابٍ﴾ [ص: ٥١] ﴿وعِنْدَهم قاصِراتُ الطَّرْفِ أتْرابٌ﴾ [ص: ٥٢] ﴿هَذا ما تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الحِسابِ﴾ [ص: ٥٣] ﴿إنَّ هَذا لَرِزْقُنا ما لَهُ مِن نَفادٍ﴾ [ص: ٥٤] ﴿هَذا وإنَّ لِلطّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ﴾ [ص: ٥٥] ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ المِهادُ﴾ [ص: ٥٦] ﴿هَذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وغَسّاقٌ﴾ [ص: ٥٧] ﴿وآخَرُ مِن شَكْلِهِ أزْواجٌ﴾ [ص: ٥٨] ﴿هَذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكم لا مَرْحَبًا بِهِمْ إنَّهم صالُوا النّارِ﴾ [ص: ٥٩] الضِّغْثُ: حُزْمَةٌ صَغِيرَةٌ مِن حَشِيشٍ أوْ رَيْحانٍ أوْ قُضْبانٍ، وقِيلَ: القَبْضَةُ الكَبِيرَةُ مِنَ القُضْبانِ، ومِنهُ قَوْلُهم: ضِغْثٌ عَلى إبّالَةِ، والإبّالَةُ: الحُزْمَةُ مِنَ الحَطَبِ، والضِّغْثُ: القَبْضَةُ عَلَيْها مِنَ الحَطَبِ أيْضًا، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وأسْفَلَ مِنِّي نَهْدَةً قَدْ رَبَطْتُها وألْقَيْتُ ضِغْثًا مِن خَلًى مُتَطَيِّبِ الحِنْثُ: فِعْلُ ما حَلَفَ عَلى تَرْكِهِ، وتَرْكُ ما حَلَفَ عَلى فِعْلِهِ، الغَسّاقُ: ما سالَ، يُقالُ: غَسَقَتِ العَيْنُ والجُرْحُ. وعَنْ أبِي عُبَيْدَةَ: أنَّهُ البارِدُ المُنْتِنُ بِلُغَةِ التُّرْكِ. وقالَ الأزْهَرِيُّ: الغاسِقُ البارِدُ، ولِهَذا قِيلَ: لَيْلٌ غاسِقٌ؛ لِأنَّهُ أبْرَدُ مِنَ النَّهارِ. الِاقْتِحامُ: رُكُوبُ الشِّدَّةِ والدُّخُولُ فِيها، والقَحْمَةُ: الشِّدَّةُ. ﴿واذْكُرْ عَبْدَنا أيُّوبَ إذْ نادى رَبَّهُ أنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وعَذابٍ﴾ ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وشَرابٌ﴾ ﴿ووَهَبْنا لَهُ أهْلَهُ ومِثْلَهم مَعَهم رَحْمَةً مِنّا وذِكْرى لِأُولِي الألْبابِ﴾ ﴿وخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فاضْرِبْ بِهِ ولا تَحْنَثْ إنّا وجَدْناهُ صابِرًا نِعْمَ العَبْدُ إنَّهُ أوّابٌ﴾ ﴿واذْكُرْ عِبادَنا إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ أُولِي الأيْدِي والأبْصارِ﴾ ﴿إنّا أخْلَصْناهم بِخالِصَةٍ ذِكْرى الدّارِ﴾ ﴿وإنَّهم عِنْدَنا لَمِنَ المُصْطَفَيْنَ الأخْيارِ﴾ ﴿واذْكُرْ إسْماعِيلَ واليَسَعَ وذا الكِفْلِ وكُلٌّ مِنَ الأخْيارِ﴾ . (p-٤٠٠)لَمّا أمَرَ نَبِيَّهُ بِالصَّبْرِ، وذَكَرَ ابْتِلاءَ داوُدَ وسُلَيْمانَ، وأثْنى عَلَيْهِما، ذَكَرَ مَن كانَ أشَدَّ ابْتِلاءٍ مِنهُما، وأنَّهُ كانَ في غايَةِ الصَّبْرِ بِحَيْثُ أثْنى اللَّهُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ. وأيُّوبُ: عَطْفُ بَيانٍ أوْ بَدَلٌ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإذْ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (أنِّي) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، وعِيسى: بِكَسْرِها، وجاءَ بِضَمِيرِ التَّكَلُّمِ حِكايَةً لِكَلامِهِ الَّذِي ناداهُ بِسَبَبِهِ، ولَوْ لَمْ يَحْكِ لَقالَ: إنَّهُ مَسَّهُ؛ لِأنَّهُ غائِبٌ، وأسْنَدَ المَسَّ إلى الشَّيْطانِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَمّا كانَتْ وسْوَسَتُهُ إلَيْهِ وطاعَتُهُ لَهُ فِيما وسْوَسَ سَبَبًا فِيما مَسَّهُ اللَّهُ بِهِ مِنَ النُّصْبِ والعَذابِ، نَسَبَهُ إلَيْهِ وقَدْ راعى الأدَبَ في ذَلِكَ حَيْثُ لَمْ يَنْسُبْهُ إلى اللَّهِ في دُعائِهِ مَعَ أنَّهُ فاعِلُهُ ولا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إلّا هو. وقِيلَ: أرادَ ما كانَ يُوَسْوِسُ بِهِ إلَيْهِ في مَرَضِهِ مِن تَعْظِيمِ ما نَزَلَ بِهِ مِنَ البَلاءِ، فالتَجَأ إلى اللَّهِ في أنْ يَكْفِيَهُ ذَلِكَ بِكَشْفِ البَلاءِ، أوْ بِالتَّوْفِيقِ في دَفْعِهِ ورَدِّهِ بِالصَّبْرِ الجَمِيلِ. وذَكَرَ في سَبَبِ بَلائِهِ أنَّ رَجُلًا اسْتَغاثَهُ عَلى ظالِمٍ، فَلَمْ يُغِثْهُ. وقِيلَ: كانَتْ مَواشِيهِ في ناحِيَةِ مَلِكٍ كافِرٍ، فَداهَنَهُ ولَمْ يَفْدِهِ. وقِيلَ: أُعْجِبَ بِكَثْرَةِ مالِهِ. انْتَهى. ولا يُناسِبُ مَناصِبَ الأنْبِياءِ ما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِن أنَّ أيُّوبَ كانَتْ مِنهُ طاعَةٌ لِلشَّيْطانِ فِيما وسْوَسَ بِهِ، وأنَّ ذَلِكَ كانَ سَبَبًا لِما مَسَّهُ اللَّهُ بِهِ مِنَ النُّصْبِ والعَذابِ، ولا أنَّ رَجُلًا اسْتَغاثَهُ عَلى ظالِمٍ فَلَمْ يُغِثْهُ، ولا أنَّهُ داهَنَ كافِرًا ولا أنَّهُ أُعْجِبَ بِكَثْرَةِ مالِهِ. وكَذَلِكَ ما رَوَوْا أنَّ الشَّيْطانَ سَلَّطَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ حَتّى أذْهَبَ أهْلَهُ ومالَهُ لا يُمْكِنُ أنْ يَصِحَّ، ولا قُدْرَةَ لَهُ عَلى البَشَرِ إلّا بِإلْقاءِ الوَساوِسِ الفاسِدَةِ لِغَيْرِ المَعْصُومِ. والَّذِي نَقُولُهُ: أنَّهُ تَعالى ابْتَلى أيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ في جَسَدِهِ وأهْلِهِ ومالِهِ، عَلى ما رُوِيَ في الأخْبارِ. ورَوى أنَسٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أنَّ أيُّوبَ بَقِيَ في مِحْنَتِهِ ثَمانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً يَتَساقَطُ لَحْمُهُ حَتّى مَلَّهُ العالَمُ، ولَمْ يَصْبِرْ عَلَيْهِ إلّا امْرَأتُهُ»، ولَمْ يُبَيِّنْ لَنا تَوالِيَ السَّبَبِ المُقْتَضِي لِعِلَّتِهِ. وأمّا إسْنادُهُ المَسَّ إلى الشَّيْطانِ فَسَبَبُ ذَلِكَ أنَّهُ كانَ يَعُودُهُ ثَلاثٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ، فارْتَدَّ أحَدُهم، فَسَألَ عَنْهُ فَقِيلَ: ألْقى إلَيْهِ الشَّيْطانُ أنَّ اللَّهَ لا يَبْتَلِي الأنْبِياءَ والصّالِحِينَ، فَحِينَئِذٍ قالَ ﴿مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ﴾ نَزَّلَ لِشَفَقَتِهِ عَلى المُؤْمِنِينَ مَسَّ الشَّيْطانِ ذَلِكَ المُؤْمِنَ حَتّى ارْتَدَّ مَنزِلَةَ مَسِّهِ لِنَفْسِهِ؛ لِأنَّ المُؤْمِنَ الخَيِّرَ يَتَألَّمُ بِرُجُوعِ المُؤْمِنِ الخَيِّرِ إلى الكُفْرِ؛ ولِذَلِكَ جاءَ بَعْدَهُ ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾ حَتّى يَغْتَسِلَ ويَذْهَبَ عَنْهُ البَلاءُ، فَلا يَرْتَدُّ أحَدٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ بِسَبَبِ طُولِ بَلائِهِ، وتَسْوِيلِ الشَّيْطانِ أنَّهُ تَعالى لا يَبْتَلِي الأنْبِياءَ. وقِيلَ: أشارَ بِقَوْلِهِ ﴿مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ﴾ إلى تَعْرِيضِهِ لِامْرَأتِهِ، وطَلَبِهِ أنْ تُشْرِكَ بِاللَّهِ، وكَأنَّهُ بِتَشَكِّي هَذا الأمْرِ كانَ عَلَيْهِ أشَدَّ مِن مَرَضِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿بِنُصْبٍ﴾ بِضَمِّ النُّونِ وسُكُونِ الصّادِ، قِيلَ: جَمْعُ نَصْبٍ كَوُثْنٍ ووَثْنٍ. وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، وأبُو عِمارَةَ عَنْ حَفْصٍ، والجُعْفِيُّ عَنْ أبِي بَكْرٍ، وأبُو مُعاذٍ عَنْ نافِعٍ: بِضَمَّتَيْنِ. وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، والحَسَنُ، والسُّدِّيُّ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، ويَعْقُوبُ، والجَحْدَرِيُّ: بِفَتْحَتَيْنِ. وأبُو حَيْوَةَ، ويَعْقُوبُ في رِوايَةٍ، وهُبَيْرَةُ عَنْ حَفْصٍ: بِفَتْحِ النُّونِ وسُكُونِ الصّادِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: النُّصْبُ والنَّصْبُ، كالرُّشْدِ والرَّشْدِ، والنَّصْبُ عَلى أصْلِ المَصْدَرِ، والنُّصْبُ تَثْقِيلُ نَصَبٍ، والمَعْنى واحِدٌ، وهو التَّعَبُ والمَشَقَّةُ. والعَذابُ: الألَمُ، يُرِيدُ مَرَضَهُ وما كانَ يُقاسِي فِيهِ مِن أنْواعِ الوَصَبِ. انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَدْ ذَكَرَ هَذِهِ القِراءاتِ، وذَلِكَ كُلٌّ بِمَعْنًى واحِدٍ مَعْناهُ المَشَقَّةُ، وكَثِيرًا ما يُسْتَعْمَلُ النُّصْبُ في مَشَقَّةِ الإعْياءِ. وفَرَّقَ بَعْضُ النّاسِ بَيْنَ هَذِهِ الألْفاظِ، والصَّوابُ أنَّها لُغاتٌ بِمَعْنًى مِن قَوْلِهِمْ: أنْصَبَنِي الأمْرُ إذا شَقَّ عَلَيَّ، انْتَهى. وقالَ السُّدِّيُّ: بِنُصْبٍ في الجَسَدِ وعَذابٍ في المالِ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: فاسْتَجَبْنا لَهُ وقُلْنا ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾ فَرَكَضَ، فَنَبَعَتْ عَيْنٌ فَقُلْنا لَهُ ﴿هَذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وشَرابٌ﴾ فِيهِ شِفاؤُكَ، فاغْتَسَلَ فَبَرِأ (ووَهَبْنا لَهُ) ويَدُلُّ عَلى هَذِهِ المَحْذُوفاتِ مَعْنى الكَلامِ وسِياقِهِ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في (p-٤٠١)الرَّكْضِ في سُورَةِ الأنْبِياءِ. وعَنْ قَتادَةَ والحَسَنِ ومُقاتِلٍ: كانَ ذَلِكَ بِأرْضِ الجابِيَةِ مِنَ الشَّأْمِ. ومَعْنى ﴿هَذا مُغْتَسَلٌ﴾ أيْ: ما يُغْتَسَلُ بِهِ، (وشَرابٌ) أيْ: ما تَشْرَبُهُ، فَبِاغْتِسالِكَ يَبْرَأُ ظاهِرُكَ، وبِشُرْبِكَ يَبْرَأُ باطِنُكَ. والظّاهِرُ أنَّ المُشارَ إلَيْهِ كانَ واحِدًا، والعَيْنُ الَّتِي نَبَعَتْ لَهُ عَيْنانِ، شَرِبَ مِن إحْداهُما واغْتَسَلَ مِنَ الأُخْرى. وقِيلَ: ضَرَبَ بِرِجْلِهِ اليُمْنى، فَنَبَعَتْ عَيْنٌ حارَّةٌ فاغْتَسَلَ، وبِاليُسْرى فَنَبَعَتْ بارِدَةٌ فَشَرِبَ مِنها، وهَذا مُخالِفٌ لِظاهِرِ قَوْلِهِ: ﴿مُغْتَسَلٌ بارِدٌ﴾، فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ ماءٌ واحِدٌ. وقِيلَ: أُمِرَ بِالرَّكْضِ بِالرِّجْلِ، لِيَتَناثَرَ عَنْهُ كُلُّ داءٍ بِجَسَدِهِ. وقالَ القُتَبِيُّ: المُغْتَسَلُ: الماءُ الَّذِي يُغْتَسَلُ بِهِ. وقالَ مُقاتِلٌ: هو المَوْضِعُ الَّذِي يُغْتَسَلُ فِيهِ. وقالَ الحَسَنُ: رَكَضَ بِرِجْلِهِ، فَنَبَعَتْ عَيْنُ ماءٍ، فاغْتَسَلَ مِنها، ثُمَّ مَشى نَحْوًا مِن أرْبَعِينَ ذِراعًا، ثُمَّ رَكَضَ بِرِجْلِهِ، فَنَبَعَتْ عَيْنٌ، فَشَرِبَ مِنها. قِيلَ: والجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ رَكَضَ رَكْضَتَيْنِ، فَنَبَعَتْ لَهُ عَيْنانِ، شَرِبَ مِن إحْداهُما، واغْتَسَلَ مِنَ الأُخْرى. والجُمْهُورُ: عَلى أنَّهُ تَعالى أحْيا لَهُ مَن ماتَ مِن أهْلِهِ، وعافى المَرْضى، وجَمَعَ عَلَيْهِ مَن شُتِّتَ مِنهم. وقِيلَ: رَزَقَهُ أوْلادًا وذُرِّيَّةً قَدْرَ ذُرِّيَّتِهِ الَّذِينَ هَلَكُوا، ولَمْ يَرُدَّ أهْلَهُ الَّذِينَ هَلَكُوا بِأعْيانِهِمْ، وظاهِرُ هَذِهِ الهَيْئَةِ أنَّها في الدُّنْيا. وقِيلَ ذَلِكَ وعْدٌ، وتَكُونُ تِلْكَ الهَيْئَةُ في الآخِرَةِ. وقِيلَ: وهَبَهُ مَن كانَ حَيًّا مِنهم، وعافاهُ مِنَ الأسْقامِ، وأرْغَدَ لَهُمُ العَيْشَ، فَتَناسَلُوا حَتّى تَضاعَفَ عَدَدُهم وصارَ مِثْلَهم. و(رَحْمَةً)، (وذِكْرى): مَفْعُولانِ لَهُما، أيْ: أنَّ الهِبَةَ كانَتْ لِرَحْمَتِنا إيّاهُ، ولِيَتَذَكَّرَ أرْبابُ العُقُولِ، وما يَحْصُلُ لِلصّابِرِينَ مِنَ الخَيْرِ، وما يَئُولُ إلَيْهِ مِنَ الأجْرِ. وفي الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: وكانَ حَلَفَ لَيَضْرِبَنَّ امْرَأتَهُ مِائَةَ ضَرْبَةٍ لِسَبَبٍ جَرى مِنها، وكانَتْ مُحْسِنَةً لَهُ، فَجَعَلْنا لَهُ خَلاصًا مِن يَمِينِهِ بِقَوْلِنا: ﴿وخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا﴾ . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الضِّغْثُ: عِثْكالُ النَّخْلِ. وقالَ مُجاهِدٌ: الأثْلُ، وهو نَبْتٌ لَهُ شَوْكٌ. وقالَ الضَّحّاكُ: حُزْمَةٌ مِنَ الحَشِيشِ مُخْتَلِفَةٌ. وقالَ الأخْفَشُ: الشَّجَرُ الرَّطْبُ، واخْتَلَفُوا في السَّبَبِ الَّذِي أوْجَبَ حَلِفَهُ. ومَحْصُولُ أقْوالِهِمْ هو: تَمَثُّلُ الشَّيْطانِ لَها في صُورَةِ ناصِحٍ أوْ مُداوٍ. وعَرَضَ لَها شِفاءَ أيُّوبَ عَلى يَدَيْهِ عَلى شَرْطٍ لا يُمْكِنُ وُقُوعُهُ مِن مُؤْمِنٍ، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ، فَعَلِمَ أنَّ الَّذِي عَرَضَ لَها هو الشَّيْطانُ، وغَضِبَ لِعَرْضِها ذَلِكَ عَلَيْهِ فَحَلَفَ. وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الأسْبابِ، وهي مُتَعارِضَةٌ. فَحَلَّلَ اللَّهُ يَمِينَهُ بِأهْوَنِ شَيْءٍ عَلَيْهِ وعَلَيْها، لِحُسْنِ خِدْمَتِها إيّاهُ ورِضاهُ عَنْها، وقَدْ وقَعَ مِثْلُ هَذِهِ الرُّخْصَةِ في الإسْلامِ. «أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمُخْدَجٍ قَدْ خَبُثَ بِأمَةٍ، فَقالَ: ”خُذُوا عِثْكالًا فِيهِ مِائَةُ شِمْراخٍ فاضْرِبُوهُ بِها ضَرْبَةً“» . وقالَ بِذَلِكَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ في الأيْمانِ، قالَ: ويَجِبُ أنْ يُصِيبَ المَضْرُوبَ كُلُّ واحِدٍ مِنَ المِائَةِ، إمّا أطْرافُها قائِمَةٌ، وإمّا أعْراضُها مَبْسُوطَةٌ، مَعَ وُجُودِ صُورَةِ الضَّرْبَةِ. والجُمْهُورُ عَلى تَرْكِ القَوْلِ في الحُدُودِ، وأنَّ البِرَّ في الأيْمانِ لا يَقَعُ إلّا بِإتْمامِ عَدَدِ الضَّرَباتِ. ووَصَفَ اللَّهُ تَعالى نَبِيَّهُ بِالصَّبْرِ. وقَدْ قالَ: ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ [الأنبياء: ٨٣]، فَدَلَّ عَلى أنَّ الشَّكْوى إلى اللَّهِ تَعالى لا تُنافِي الوَصْفَ بِالصَّبْرِ. وقَدْ قالَ يَعْقُوبُ: ﴿إنَّما أشْكُو بَثِّي وحُزْنِي إلى اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٦] عَلى أنَّ أيُّوبَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - طَلَبَ الشِّفاءَ خِيفَةً عَلى قَوْمِهِ أنْ يُوَسْوِسَ إلَيْهِمُ الشَّيْطانُ أنَّهُ لَوْ كانَ نَبِيًّا لَمْ يُبْتَلَ، وتَألُّفًا لِقَوْمِهِ عَلى الطّاعَةِ، وبَلَغَ أمْرُهُ في البَلاءِ إلى أنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنهُ إلّا القَلْبُ واللِّسانُ. ويُرْوى أنَّهُ قالَ في مُناجاتِهِ: إلَهِي قَدْ عَلِمْتَ أنَّهُ لَمْ يُخالِفْ لِسانِي قَلْبِي، ولَمْ يَتْبَعْ قَلْبِي بَصَرِي، ولَمْ يَمْنَعْنِي ما مَلَكَتْ يَمِينِي، ولَمْ آكُلْ إلّا ومَعِي يَتِيمٌ، ولَمْ أبِتْ شَبْعانًا ولا كاسِيًا ومَعِي جائِعٌ أوْ عُرْيانٌ، فَكَشَفَ اللَّهُ عَنْهُ. (واذْكُرْ عَبْدَنا إبْراهِيمَ)، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ كَثِيرٍ وأهْلُ مَكَّةَ، (عَبْدَنا) عَلى الإفْرادِ، وإبْراهِيمُ بَدَلٌ مِنهُ، أوْ عَطْفُ بَيانٍ. والجُمْهُورُ عَلى الجَمْعِ، وما بَعْدَهُ مِنَ الثَّلاثَةِ بَدَلٌ أوْ عَطْفُ بَيانٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿أُولِي الأيْدِي﴾، بِالياءِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ: القُوَّةُ في طاعَةِ اللَّهِ. وقِيلَ: إحْسانُهم في الدِّينِ، وتَقَدُّمُهم عِنْدَ اللَّهِ عَلى عَمَلِ صِدْقٍ، فَهي (p-٤٠٢)كالأيْدِي، وهو قَرِيبٌ مِمّا قَبْلَهُ. وقِيلَ: النِّعَمُ الَّتِي أسْداها اللَّهُ إلَيْهِمْ مِنَ النُّبُوَّةِ والمَكانَةِ. وقِيلَ ﴿الأيْدِي﴾: الجَوارِحُ المُتَصَرِّفَةُ في الخَيْرِ، (والأبْصارِ) الثّاقِبَةُ فِيهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَمّا كانَتْ أكْثَرُ الأعْمالِ تُباشَرُ بِالأيْدِي غَلَبَتْ، فَقِيلَ في كُلِّ عَمَلٍ: هَذا مِمّا عَمِلَتْ أيْدِيهِمْ، وإنْ كانَ عَمَلًا لا يَتَأتّى فِيهِ المُباشَرَةُ بِالأيْدِي، أوْ كانَ العُمّالُ جَذْمًا لا أيْدِيَ لَهم، وعَلى ذَلِكَ ورَدَ قَوْلُهُ عَزَّ وعَلا: ﴿أُولِي الأيْدِي والأبْصارِ﴾، يُرِيدُ: أُولِي الأعْمالِ والفِكْرِ؛ كَأنَّ الَّذِينَ لا يَعْمَلُونَ أعْمالَ الآخِرَةِ، ولا يُجاهِدُونَ في اللَّهِ؛ ولا يُفَكِّرُونَ أفْكارَ ذَوِي الدِّياناتِ، ولا يَسْتَبْصِرُونَ في حُكْمِ الزَّمْنى الَّذِينَ لا يَقْدِرُونَ عَلى إعْمالِ جَوارِحِهِمْ، والمَسْلُوبِي العُقُولِ الَّذِينَ لا اسْتِبْصارَ بِهِمْ؛ وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِكُلِّ مَن لَمْ يَكُنْ مِن عُمّالِ اللَّهِ، ولا مِنَ المُسْتَبْصِرِينَ في دِينِ اللَّهِ، وتَوْبِيخٌ عَلى تَرْكِهِمُ المُجاهَدَةَ والتَّأمُّلَ مَعَ كَوْنِهِمْ مُتَمَكِّنِينَ مِنها. انْتَهى، وهو تَكْثِيرٌ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: اليَدُ آلَةٌ لِأكْثَرِ الأعْمالِ، والبَصَرُ آلَةٌ لِأقْوى الإدْراكاتِ، فَحَسُنَ التَّعْبِيرُ عَنِ العَمَلِ بِاليَدِ، وعَنِ الإدْراكِ بِالبَصَرِ. والنَّفْسُ النّاطِقَةُ لَها قُوَّتانِ: عامِلَةٌ وعالِمَةٌ، فَأُولِي الأيْدِي والأبْصارِ إشارَةٌ إلى هاتَيْنِ الحالَتَيْنِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، والحَسَنُ، وعِيسى، والأعْمَشُ: ﴿الأيْدِ﴾ [ص: ١٧] بِغَيْرِ ياءٍ، فَقِيلَ: يُرادُ الأيْدِي حَذَفَ الياءَ اجْتِزاءً بِالكَسْرَةِ عَنْها، ولَمّا كانَتْ ألْ تُعاقِبُ التَّنْوِينَ، حُذِفَتِ الياءُ مَعَها، كَما حُذِفَتْ مَعَ التَّنْوِينِ. وهَذا تَخْرِيجٌ لا يُسَوَّغُ؛ لِأنَّ حَذْفَ هَذِهِ الياءِ مَعَ وُجُودِ ألْ ذَكَرَهُ سِيبَوَيْهِ في الضَّرائِرِ. وقِيلَ: ﴿الأيْدِي﴾ القُوَّةُ في طاعَةِ اللَّهِ، (والأبْصارِ) عِبارَةٌ عَنِ البَصائِرِ الَّتِي يُبْصِرُونَ بِها الحَقائِقَ ويَنْظُرُونَ بِنُورِ اللَّهِ تَعالى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وتَفْسِيرُ الأيْدِي مِنَ التَّأْيِيدِ قَلَقٌ غَيْرُ مُتَمَكِّنٍ، وإنَّما كانَ قَلَقًا عِنْدَهُ لِعَطْفِ الأبْصارِ عَلَيْهِ، ولا يَنْبَغِي أنْ يُعَلَّقَ، لِأنَّهُ فَسَّرَ ﴿أُولِي الأيْدِي والأبْصارِ﴾ بِقَوْلِهِ: يُرِيدُ أُولِي الأعْمالِ والفِكْرِ. وقُرِئَ: (الأيادِي) جَمْعُ الجَمْعِ، كَأوْطَفٍ وأواطِفَ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، والأعْرَجُ، ونافِعٌ، وهِشامٌ: ﴿بِخالِصَةٍ﴾، بِغَيْرِ تَنْوِينٍ، أُضِيفَتْ إلى ذِكْرى. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ بِالتَّنْوِينِ، و(ذِكْرى) بَدَلٌ مِن ﴿بِخالِصَةٍ﴾ . وقَرَأ الأعْمَشُ، وطَلْحَةُ: (بِخالِصَتِهِمْ) و﴿أخْلَصْناهُمْ﴾: جَعَلْناهم لَنا خالِصِينَ و(خالِصَةٍ)، يُحْتَمَلُ، وهو الأظْهَرُ، أنْ يَكُونَ اسْمَ فاعِلٍ بِهِ عَنْ مَزِيَّةٍ أوْ رُتْبَةٍ أوْ خَصْلَةٍ خالِصَةٍ لا شَوْبَ فِيها، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا، كالعاقِبَةِ، فَيَكُونُ قَدْ حُذِفَ مِنهُ الفاعِلُ، أيْ: أخْلَصْناهم بِأنْ أخْلَصُوا ذِكْرى الدّارِ، فَيَكُونُ ذِكْرى مَفْعُولًا، أوْ بِأنْ أخْلَصْنا لَهم ذِكْرى الدّارِ، أوْ يَكُونُ الفاعِلُ ذِكْرى، أيْ: بِأنْ خَلَصَتْ لَهم ذِكْرى الدّارِ، والدّارُ في كُلِّ وجْهٍ مِن مَوْضِعِ نَصْبٍ بِذِكْرى، وذِكْرى مَصْدَرٌ، والدّارُ دارُ الآخِرَةِ. قالَ قَتادَةُ: المَعْنى بِأنْ خَلَصَ لَهُمُ التَّذْكِيرُ بِالدّارِ الآخِرَةِ، ودَعا النّاسَ إلَيْها وحَضَّهم عَلَيْها. وقالَ مُجاهِدٌ: خَلَصَ لَهم ذِكْرُهُمُ الدّارَ الآخِرَةَ، وخَوْفُهم لَها. والعَمَلُ بِحَسَبِ ذَلِكَ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: وهَبْنا لَهم أفْضَلَ ما في الدّارِ الآخِرَةِ، وأخْلَصْناهم بِهِ، وأعْطَيْناهم إيّاهُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِالدّارِ دارَ الدُّنْيا، عَلى مَعْنى ذِكْرِ الثَّناءِ والتَّعْظِيمِ مِنَ النّاسِ، والحَمْدُ الباقِي الَّذِي هو الخُلْدُ المَجازِيُّ، فَتَجِيءُ الآيَةُ في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿لِسانَ صِدْقٍ﴾ [مريم: ٥٠]، وقَوْلِهِ: ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ [الصافات: ٧٨] . انْتَهى. وحَكى الزَّمَخْشَرِيُّ هَذا الِاحْتِمالَ قَوْلًا فَقالَ: وقِيلَ ﴿ذِكْرى الدّارِ﴾: الثَّناءُ الجَمِيلُ في الدُّنْيا ولِسانُ الصِّدْقِ. انْتَهى. والباءُ في ﴿بِخالِصَةٍ﴾ باءُ السَّبَبِ، أيْ: بِسَبَبِ هَذِهِ الخَصْلَةِ وبِأنَّهم مِن أهْلِها، ويُعَضِّدُهُ قِراءَةُ (بِخالِصِهِمْ) . ﴿وإنَّهم عِنْدَنا لَمِنَ المُصْطَفَيْنَ﴾، أيْ: المُخْتارِينَ مِن بَيْنِ أبْناءِ جِنْسِهِمْ. (الأخْيارِ): جَمْعُ خَيِّرٍ، وخَيِّرٌ كَمَيِّتٍ ومَيِّتٌ وأمْواتٌ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في اليَسَعَ في سُورَةِ الأنْعامِ، وذا الكِفْلِ في سُورَةِ الأنْبِياءِ. وعِنْدَنا ظَرْفٌ مَعْمُولٌ لِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ المُصْطَفَيْنَ، أيْ: وإنَّهم مُصْطَفَوْنَ عِنْدَنا، أوْ مَعْمُولٌ لِلْمُصْطَفَيْنَ، وإنْ كانَ بِألْ؛ لِأنَّهم يَتَسَمَّحُونَ في الظَّرْفِ والمَجْرُورِ ما لا يَتَسَمَّحُونَ (p-٤٠٣)فِي غَيْرِهِما، أوْ عَلى التَّبْيِينِ، أيْ: أعْنِي عِنْدَنا، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عِنْدَنا في مَوْضِعِ الخَبَرِ، ويَعْنِي بِالعِنْدِيَّةِ: المَكانَةُ، ولَمِنَ المُصْطَفَيْنَ: في مَوْضِعِ خَبَرٍ ثانٍ لِوُجُودِ اللّامِ، لا يَجُوزُ أنَّ زَيْدًا قائِمٌ لَمُنْطَلِقٌ، (وكُلٌّ): أيْ: وكُلُّهم، مِنَ الأخْيارِ.

ص 38:42

﴿واذْكُرْ عَبْدَنا أيُّوبَ إذْ نادى رَبَّهُ أنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وعَذابٍ﴾ ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وشَرابٌ﴾ ﴿ووَهَبْنا لَهُ أهْلَهُ ومِثْلَهم مَعَهم رَحْمَةً مِنّا وذِكْرى لِأُولِي الألْبابِ﴾ ﴿وخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فاضْرِبْ بِهِ ولا تَحْنَثْ إنّا وجَدْناهُ صابِرًا نِعْمَ العَبْدُ إنَّهُ أوّابٌ﴾ ﴿واذْكُرْ عِبادَنا إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ أُولِي الأيْدِي والأبْصارِ﴾ ﴿إنّا أخْلَصْناهم بِخالِصَةٍ ذِكْرى الدّارِ﴾ ﴿وإنَّهم عِنْدَنا لَمِنَ المُصْطَفَيْنَ الأخْيارِ﴾ ﴿واذْكُرْ إسْماعِيلَ واليَسَعَ وذا الكِفْلِ وكُلٌّ مِنَ الأخْيارِ﴾ ﴿هَذا ذِكْرٌ وإنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ﴾ [ص: ٤٩] ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الأبْوابُ﴾ [ص: ٥٠] ﴿مُتَّكِئِينَ فِيها يَدْعُونَ فِيها بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وشَرابٍ﴾ [ص: ٥١] ﴿وعِنْدَهم قاصِراتُ الطَّرْفِ أتْرابٌ﴾ [ص: ٥٢] ﴿هَذا ما تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الحِسابِ﴾ [ص: ٥٣] ﴿إنَّ هَذا لَرِزْقُنا ما لَهُ مِن نَفادٍ﴾ [ص: ٥٤] ﴿هَذا وإنَّ لِلطّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ﴾ [ص: ٥٥] ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ المِهادُ﴾ [ص: ٥٦] ﴿هَذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وغَسّاقٌ﴾ [ص: ٥٧] ﴿وآخَرُ مِن شَكْلِهِ أزْواجٌ﴾ [ص: ٥٨] ﴿هَذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكم لا مَرْحَبًا بِهِمْ إنَّهم صالُوا النّارِ﴾ [ص: ٥٩] الضِّغْثُ: حُزْمَةٌ صَغِيرَةٌ مِن حَشِيشٍ أوْ رَيْحانٍ أوْ قُضْبانٍ، وقِيلَ: القَبْضَةُ الكَبِيرَةُ مِنَ القُضْبانِ، ومِنهُ قَوْلُهم: ضِغْثٌ عَلى إبّالَةِ، والإبّالَةُ: الحُزْمَةُ مِنَ الحَطَبِ، والضِّغْثُ: القَبْضَةُ عَلَيْها مِنَ الحَطَبِ أيْضًا، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وأسْفَلَ مِنِّي نَهْدَةً قَدْ رَبَطْتُها وألْقَيْتُ ضِغْثًا مِن خَلًى مُتَطَيِّبِ الحِنْثُ: فِعْلُ ما حَلَفَ عَلى تَرْكِهِ، وتَرْكُ ما حَلَفَ عَلى فِعْلِهِ، الغَسّاقُ: ما سالَ، يُقالُ: غَسَقَتِ العَيْنُ والجُرْحُ. وعَنْ أبِي عُبَيْدَةَ: أنَّهُ البارِدُ المُنْتِنُ بِلُغَةِ التُّرْكِ. وقالَ الأزْهَرِيُّ: الغاسِقُ البارِدُ، ولِهَذا قِيلَ: لَيْلٌ غاسِقٌ؛ لِأنَّهُ أبْرَدُ مِنَ النَّهارِ. الِاقْتِحامُ: رُكُوبُ الشِّدَّةِ والدُّخُولُ فِيها، والقَحْمَةُ: الشِّدَّةُ. ﴿واذْكُرْ عَبْدَنا أيُّوبَ إذْ نادى رَبَّهُ أنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وعَذابٍ﴾ ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وشَرابٌ﴾ ﴿ووَهَبْنا لَهُ أهْلَهُ ومِثْلَهم مَعَهم رَحْمَةً مِنّا وذِكْرى لِأُولِي الألْبابِ﴾ ﴿وخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فاضْرِبْ بِهِ ولا تَحْنَثْ إنّا وجَدْناهُ صابِرًا نِعْمَ العَبْدُ إنَّهُ أوّابٌ﴾ ﴿واذْكُرْ عِبادَنا إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ أُولِي الأيْدِي والأبْصارِ﴾ ﴿إنّا أخْلَصْناهم بِخالِصَةٍ ذِكْرى الدّارِ﴾ ﴿وإنَّهم عِنْدَنا لَمِنَ المُصْطَفَيْنَ الأخْيارِ﴾ ﴿واذْكُرْ إسْماعِيلَ واليَسَعَ وذا الكِفْلِ وكُلٌّ مِنَ الأخْيارِ﴾ . (p-٤٠٠)لَمّا أمَرَ نَبِيَّهُ بِالصَّبْرِ، وذَكَرَ ابْتِلاءَ داوُدَ وسُلَيْمانَ، وأثْنى عَلَيْهِما، ذَكَرَ مَن كانَ أشَدَّ ابْتِلاءٍ مِنهُما، وأنَّهُ كانَ في غايَةِ الصَّبْرِ بِحَيْثُ أثْنى اللَّهُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ. وأيُّوبُ: عَطْفُ بَيانٍ أوْ بَدَلٌ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإذْ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (أنِّي) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، وعِيسى: بِكَسْرِها، وجاءَ بِضَمِيرِ التَّكَلُّمِ حِكايَةً لِكَلامِهِ الَّذِي ناداهُ بِسَبَبِهِ، ولَوْ لَمْ يَحْكِ لَقالَ: إنَّهُ مَسَّهُ؛ لِأنَّهُ غائِبٌ، وأسْنَدَ المَسَّ إلى الشَّيْطانِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَمّا كانَتْ وسْوَسَتُهُ إلَيْهِ وطاعَتُهُ لَهُ فِيما وسْوَسَ سَبَبًا فِيما مَسَّهُ اللَّهُ بِهِ مِنَ النُّصْبِ والعَذابِ، نَسَبَهُ إلَيْهِ وقَدْ راعى الأدَبَ في ذَلِكَ حَيْثُ لَمْ يَنْسُبْهُ إلى اللَّهِ في دُعائِهِ مَعَ أنَّهُ فاعِلُهُ ولا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إلّا هو. وقِيلَ: أرادَ ما كانَ يُوَسْوِسُ بِهِ إلَيْهِ في مَرَضِهِ مِن تَعْظِيمِ ما نَزَلَ بِهِ مِنَ البَلاءِ، فالتَجَأ إلى اللَّهِ في أنْ يَكْفِيَهُ ذَلِكَ بِكَشْفِ البَلاءِ، أوْ بِالتَّوْفِيقِ في دَفْعِهِ ورَدِّهِ بِالصَّبْرِ الجَمِيلِ. وذَكَرَ في سَبَبِ بَلائِهِ أنَّ رَجُلًا اسْتَغاثَهُ عَلى ظالِمٍ، فَلَمْ يُغِثْهُ. وقِيلَ: كانَتْ مَواشِيهِ في ناحِيَةِ مَلِكٍ كافِرٍ، فَداهَنَهُ ولَمْ يَفْدِهِ. وقِيلَ: أُعْجِبَ بِكَثْرَةِ مالِهِ. انْتَهى. ولا يُناسِبُ مَناصِبَ الأنْبِياءِ ما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِن أنَّ أيُّوبَ كانَتْ مِنهُ طاعَةٌ لِلشَّيْطانِ فِيما وسْوَسَ بِهِ، وأنَّ ذَلِكَ كانَ سَبَبًا لِما مَسَّهُ اللَّهُ بِهِ مِنَ النُّصْبِ والعَذابِ، ولا أنَّ رَجُلًا اسْتَغاثَهُ عَلى ظالِمٍ فَلَمْ يُغِثْهُ، ولا أنَّهُ داهَنَ كافِرًا ولا أنَّهُ أُعْجِبَ بِكَثْرَةِ مالِهِ. وكَذَلِكَ ما رَوَوْا أنَّ الشَّيْطانَ سَلَّطَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ حَتّى أذْهَبَ أهْلَهُ ومالَهُ لا يُمْكِنُ أنْ يَصِحَّ، ولا قُدْرَةَ لَهُ عَلى البَشَرِ إلّا بِإلْقاءِ الوَساوِسِ الفاسِدَةِ لِغَيْرِ المَعْصُومِ. والَّذِي نَقُولُهُ: أنَّهُ تَعالى ابْتَلى أيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ في جَسَدِهِ وأهْلِهِ ومالِهِ، عَلى ما رُوِيَ في الأخْبارِ. ورَوى أنَسٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أنَّ أيُّوبَ بَقِيَ في مِحْنَتِهِ ثَمانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً يَتَساقَطُ لَحْمُهُ حَتّى مَلَّهُ العالَمُ، ولَمْ يَصْبِرْ عَلَيْهِ إلّا امْرَأتُهُ»، ولَمْ يُبَيِّنْ لَنا تَوالِيَ السَّبَبِ المُقْتَضِي لِعِلَّتِهِ. وأمّا إسْنادُهُ المَسَّ إلى الشَّيْطانِ فَسَبَبُ ذَلِكَ أنَّهُ كانَ يَعُودُهُ ثَلاثٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ، فارْتَدَّ أحَدُهم، فَسَألَ عَنْهُ فَقِيلَ: ألْقى إلَيْهِ الشَّيْطانُ أنَّ اللَّهَ لا يَبْتَلِي الأنْبِياءَ والصّالِحِينَ، فَحِينَئِذٍ قالَ ﴿مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ﴾ نَزَّلَ لِشَفَقَتِهِ عَلى المُؤْمِنِينَ مَسَّ الشَّيْطانِ ذَلِكَ المُؤْمِنَ حَتّى ارْتَدَّ مَنزِلَةَ مَسِّهِ لِنَفْسِهِ؛ لِأنَّ المُؤْمِنَ الخَيِّرَ يَتَألَّمُ بِرُجُوعِ المُؤْمِنِ الخَيِّرِ إلى الكُفْرِ؛ ولِذَلِكَ جاءَ بَعْدَهُ ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾ حَتّى يَغْتَسِلَ ويَذْهَبَ عَنْهُ البَلاءُ، فَلا يَرْتَدُّ أحَدٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ بِسَبَبِ طُولِ بَلائِهِ، وتَسْوِيلِ الشَّيْطانِ أنَّهُ تَعالى لا يَبْتَلِي الأنْبِياءَ. وقِيلَ: أشارَ بِقَوْلِهِ ﴿مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ﴾ إلى تَعْرِيضِهِ لِامْرَأتِهِ، وطَلَبِهِ أنْ تُشْرِكَ بِاللَّهِ، وكَأنَّهُ بِتَشَكِّي هَذا الأمْرِ كانَ عَلَيْهِ أشَدَّ مِن مَرَضِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿بِنُصْبٍ﴾ بِضَمِّ النُّونِ وسُكُونِ الصّادِ، قِيلَ: جَمْعُ نَصْبٍ كَوُثْنٍ ووَثْنٍ. وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، وأبُو عِمارَةَ عَنْ حَفْصٍ، والجُعْفِيُّ عَنْ أبِي بَكْرٍ، وأبُو مُعاذٍ عَنْ نافِعٍ: بِضَمَّتَيْنِ. وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، والحَسَنُ، والسُّدِّيُّ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، ويَعْقُوبُ، والجَحْدَرِيُّ: بِفَتْحَتَيْنِ. وأبُو حَيْوَةَ، ويَعْقُوبُ في رِوايَةٍ، وهُبَيْرَةُ عَنْ حَفْصٍ: بِفَتْحِ النُّونِ وسُكُونِ الصّادِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: النُّصْبُ والنَّصْبُ، كالرُّشْدِ والرَّشْدِ، والنَّصْبُ عَلى أصْلِ المَصْدَرِ، والنُّصْبُ تَثْقِيلُ نَصَبٍ، والمَعْنى واحِدٌ، وهو التَّعَبُ والمَشَقَّةُ. والعَذابُ: الألَمُ، يُرِيدُ مَرَضَهُ وما كانَ يُقاسِي فِيهِ مِن أنْواعِ الوَصَبِ. انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَدْ ذَكَرَ هَذِهِ القِراءاتِ، وذَلِكَ كُلٌّ بِمَعْنًى واحِدٍ مَعْناهُ المَشَقَّةُ، وكَثِيرًا ما يُسْتَعْمَلُ النُّصْبُ في مَشَقَّةِ الإعْياءِ. وفَرَّقَ بَعْضُ النّاسِ بَيْنَ هَذِهِ الألْفاظِ، والصَّوابُ أنَّها لُغاتٌ بِمَعْنًى مِن قَوْلِهِمْ: أنْصَبَنِي الأمْرُ إذا شَقَّ عَلَيَّ، انْتَهى. وقالَ السُّدِّيُّ: بِنُصْبٍ في الجَسَدِ وعَذابٍ في المالِ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: فاسْتَجَبْنا لَهُ وقُلْنا ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾ فَرَكَضَ، فَنَبَعَتْ عَيْنٌ فَقُلْنا لَهُ ﴿هَذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وشَرابٌ﴾ فِيهِ شِفاؤُكَ، فاغْتَسَلَ فَبَرِأ (ووَهَبْنا لَهُ) ويَدُلُّ عَلى هَذِهِ المَحْذُوفاتِ مَعْنى الكَلامِ وسِياقِهِ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في (p-٤٠١)الرَّكْضِ في سُورَةِ الأنْبِياءِ. وعَنْ قَتادَةَ والحَسَنِ ومُقاتِلٍ: كانَ ذَلِكَ بِأرْضِ الجابِيَةِ مِنَ الشَّأْمِ. ومَعْنى ﴿هَذا مُغْتَسَلٌ﴾ أيْ: ما يُغْتَسَلُ بِهِ، (وشَرابٌ) أيْ: ما تَشْرَبُهُ، فَبِاغْتِسالِكَ يَبْرَأُ ظاهِرُكَ، وبِشُرْبِكَ يَبْرَأُ باطِنُكَ. والظّاهِرُ أنَّ المُشارَ إلَيْهِ كانَ واحِدًا، والعَيْنُ الَّتِي نَبَعَتْ لَهُ عَيْنانِ، شَرِبَ مِن إحْداهُما واغْتَسَلَ مِنَ الأُخْرى. وقِيلَ: ضَرَبَ بِرِجْلِهِ اليُمْنى، فَنَبَعَتْ عَيْنٌ حارَّةٌ فاغْتَسَلَ، وبِاليُسْرى فَنَبَعَتْ بارِدَةٌ فَشَرِبَ مِنها، وهَذا مُخالِفٌ لِظاهِرِ قَوْلِهِ: ﴿مُغْتَسَلٌ بارِدٌ﴾، فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ ماءٌ واحِدٌ. وقِيلَ: أُمِرَ بِالرَّكْضِ بِالرِّجْلِ، لِيَتَناثَرَ عَنْهُ كُلُّ داءٍ بِجَسَدِهِ. وقالَ القُتَبِيُّ: المُغْتَسَلُ: الماءُ الَّذِي يُغْتَسَلُ بِهِ. وقالَ مُقاتِلٌ: هو المَوْضِعُ الَّذِي يُغْتَسَلُ فِيهِ. وقالَ الحَسَنُ: رَكَضَ بِرِجْلِهِ، فَنَبَعَتْ عَيْنُ ماءٍ، فاغْتَسَلَ مِنها، ثُمَّ مَشى نَحْوًا مِن أرْبَعِينَ ذِراعًا، ثُمَّ رَكَضَ بِرِجْلِهِ، فَنَبَعَتْ عَيْنٌ، فَشَرِبَ مِنها. قِيلَ: والجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ رَكَضَ رَكْضَتَيْنِ، فَنَبَعَتْ لَهُ عَيْنانِ، شَرِبَ مِن إحْداهُما، واغْتَسَلَ مِنَ الأُخْرى. والجُمْهُورُ: عَلى أنَّهُ تَعالى أحْيا لَهُ مَن ماتَ مِن أهْلِهِ، وعافى المَرْضى، وجَمَعَ عَلَيْهِ مَن شُتِّتَ مِنهم. وقِيلَ: رَزَقَهُ أوْلادًا وذُرِّيَّةً قَدْرَ ذُرِّيَّتِهِ الَّذِينَ هَلَكُوا، ولَمْ يَرُدَّ أهْلَهُ الَّذِينَ هَلَكُوا بِأعْيانِهِمْ، وظاهِرُ هَذِهِ الهَيْئَةِ أنَّها في الدُّنْيا. وقِيلَ ذَلِكَ وعْدٌ، وتَكُونُ تِلْكَ الهَيْئَةُ في الآخِرَةِ. وقِيلَ: وهَبَهُ مَن كانَ حَيًّا مِنهم، وعافاهُ مِنَ الأسْقامِ، وأرْغَدَ لَهُمُ العَيْشَ، فَتَناسَلُوا حَتّى تَضاعَفَ عَدَدُهم وصارَ مِثْلَهم. و(رَحْمَةً)، (وذِكْرى): مَفْعُولانِ لَهُما، أيْ: أنَّ الهِبَةَ كانَتْ لِرَحْمَتِنا إيّاهُ، ولِيَتَذَكَّرَ أرْبابُ العُقُولِ، وما يَحْصُلُ لِلصّابِرِينَ مِنَ الخَيْرِ، وما يَئُولُ إلَيْهِ مِنَ الأجْرِ. وفي الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: وكانَ حَلَفَ لَيَضْرِبَنَّ امْرَأتَهُ مِائَةَ ضَرْبَةٍ لِسَبَبٍ جَرى مِنها، وكانَتْ مُحْسِنَةً لَهُ، فَجَعَلْنا لَهُ خَلاصًا مِن يَمِينِهِ بِقَوْلِنا: ﴿وخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا﴾ . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الضِّغْثُ: عِثْكالُ النَّخْلِ. وقالَ مُجاهِدٌ: الأثْلُ، وهو نَبْتٌ لَهُ شَوْكٌ. وقالَ الضَّحّاكُ: حُزْمَةٌ مِنَ الحَشِيشِ مُخْتَلِفَةٌ. وقالَ الأخْفَشُ: الشَّجَرُ الرَّطْبُ، واخْتَلَفُوا في السَّبَبِ الَّذِي أوْجَبَ حَلِفَهُ. ومَحْصُولُ أقْوالِهِمْ هو: تَمَثُّلُ الشَّيْطانِ لَها في صُورَةِ ناصِحٍ أوْ مُداوٍ. وعَرَضَ لَها شِفاءَ أيُّوبَ عَلى يَدَيْهِ عَلى شَرْطٍ لا يُمْكِنُ وُقُوعُهُ مِن مُؤْمِنٍ، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ، فَعَلِمَ أنَّ الَّذِي عَرَضَ لَها هو الشَّيْطانُ، وغَضِبَ لِعَرْضِها ذَلِكَ عَلَيْهِ فَحَلَفَ. وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الأسْبابِ، وهي مُتَعارِضَةٌ. فَحَلَّلَ اللَّهُ يَمِينَهُ بِأهْوَنِ شَيْءٍ عَلَيْهِ وعَلَيْها، لِحُسْنِ خِدْمَتِها إيّاهُ ورِضاهُ عَنْها، وقَدْ وقَعَ مِثْلُ هَذِهِ الرُّخْصَةِ في الإسْلامِ. «أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمُخْدَجٍ قَدْ خَبُثَ بِأمَةٍ، فَقالَ: ”خُذُوا عِثْكالًا فِيهِ مِائَةُ شِمْراخٍ فاضْرِبُوهُ بِها ضَرْبَةً“» . وقالَ بِذَلِكَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ في الأيْمانِ، قالَ: ويَجِبُ أنْ يُصِيبَ المَضْرُوبَ كُلُّ واحِدٍ مِنَ المِائَةِ، إمّا أطْرافُها قائِمَةٌ، وإمّا أعْراضُها مَبْسُوطَةٌ، مَعَ وُجُودِ صُورَةِ الضَّرْبَةِ. والجُمْهُورُ عَلى تَرْكِ القَوْلِ في الحُدُودِ، وأنَّ البِرَّ في الأيْمانِ لا يَقَعُ إلّا بِإتْمامِ عَدَدِ الضَّرَباتِ. ووَصَفَ اللَّهُ تَعالى نَبِيَّهُ بِالصَّبْرِ. وقَدْ قالَ: ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ [الأنبياء: ٨٣]، فَدَلَّ عَلى أنَّ الشَّكْوى إلى اللَّهِ تَعالى لا تُنافِي الوَصْفَ بِالصَّبْرِ. وقَدْ قالَ يَعْقُوبُ: ﴿إنَّما أشْكُو بَثِّي وحُزْنِي إلى اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٦] عَلى أنَّ أيُّوبَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - طَلَبَ الشِّفاءَ خِيفَةً عَلى قَوْمِهِ أنْ يُوَسْوِسَ إلَيْهِمُ الشَّيْطانُ أنَّهُ لَوْ كانَ نَبِيًّا لَمْ يُبْتَلَ، وتَألُّفًا لِقَوْمِهِ عَلى الطّاعَةِ، وبَلَغَ أمْرُهُ في البَلاءِ إلى أنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنهُ إلّا القَلْبُ واللِّسانُ. ويُرْوى أنَّهُ قالَ في مُناجاتِهِ: إلَهِي قَدْ عَلِمْتَ أنَّهُ لَمْ يُخالِفْ لِسانِي قَلْبِي، ولَمْ يَتْبَعْ قَلْبِي بَصَرِي، ولَمْ يَمْنَعْنِي ما مَلَكَتْ يَمِينِي، ولَمْ آكُلْ إلّا ومَعِي يَتِيمٌ، ولَمْ أبِتْ شَبْعانًا ولا كاسِيًا ومَعِي جائِعٌ أوْ عُرْيانٌ، فَكَشَفَ اللَّهُ عَنْهُ. (واذْكُرْ عَبْدَنا إبْراهِيمَ)، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ كَثِيرٍ وأهْلُ مَكَّةَ، (عَبْدَنا) عَلى الإفْرادِ، وإبْراهِيمُ بَدَلٌ مِنهُ، أوْ عَطْفُ بَيانٍ. والجُمْهُورُ عَلى الجَمْعِ، وما بَعْدَهُ مِنَ الثَّلاثَةِ بَدَلٌ أوْ عَطْفُ بَيانٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿أُولِي الأيْدِي﴾، بِالياءِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ: القُوَّةُ في طاعَةِ اللَّهِ. وقِيلَ: إحْسانُهم في الدِّينِ، وتَقَدُّمُهم عِنْدَ اللَّهِ عَلى عَمَلِ صِدْقٍ، فَهي (p-٤٠٢)كالأيْدِي، وهو قَرِيبٌ مِمّا قَبْلَهُ. وقِيلَ: النِّعَمُ الَّتِي أسْداها اللَّهُ إلَيْهِمْ مِنَ النُّبُوَّةِ والمَكانَةِ. وقِيلَ ﴿الأيْدِي﴾: الجَوارِحُ المُتَصَرِّفَةُ في الخَيْرِ، (والأبْصارِ) الثّاقِبَةُ فِيهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَمّا كانَتْ أكْثَرُ الأعْمالِ تُباشَرُ بِالأيْدِي غَلَبَتْ، فَقِيلَ في كُلِّ عَمَلٍ: هَذا مِمّا عَمِلَتْ أيْدِيهِمْ، وإنْ كانَ عَمَلًا لا يَتَأتّى فِيهِ المُباشَرَةُ بِالأيْدِي، أوْ كانَ العُمّالُ جَذْمًا لا أيْدِيَ لَهم، وعَلى ذَلِكَ ورَدَ قَوْلُهُ عَزَّ وعَلا: ﴿أُولِي الأيْدِي والأبْصارِ﴾، يُرِيدُ: أُولِي الأعْمالِ والفِكْرِ؛ كَأنَّ الَّذِينَ لا يَعْمَلُونَ أعْمالَ الآخِرَةِ، ولا يُجاهِدُونَ في اللَّهِ؛ ولا يُفَكِّرُونَ أفْكارَ ذَوِي الدِّياناتِ، ولا يَسْتَبْصِرُونَ في حُكْمِ الزَّمْنى الَّذِينَ لا يَقْدِرُونَ عَلى إعْمالِ جَوارِحِهِمْ، والمَسْلُوبِي العُقُولِ الَّذِينَ لا اسْتِبْصارَ بِهِمْ؛ وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِكُلِّ مَن لَمْ يَكُنْ مِن عُمّالِ اللَّهِ، ولا مِنَ المُسْتَبْصِرِينَ في دِينِ اللَّهِ، وتَوْبِيخٌ عَلى تَرْكِهِمُ المُجاهَدَةَ والتَّأمُّلَ مَعَ كَوْنِهِمْ مُتَمَكِّنِينَ مِنها. انْتَهى، وهو تَكْثِيرٌ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: اليَدُ آلَةٌ لِأكْثَرِ الأعْمالِ، والبَصَرُ آلَةٌ لِأقْوى الإدْراكاتِ، فَحَسُنَ التَّعْبِيرُ عَنِ العَمَلِ بِاليَدِ، وعَنِ الإدْراكِ بِالبَصَرِ. والنَّفْسُ النّاطِقَةُ لَها قُوَّتانِ: عامِلَةٌ وعالِمَةٌ، فَأُولِي الأيْدِي والأبْصارِ إشارَةٌ إلى هاتَيْنِ الحالَتَيْنِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، والحَسَنُ، وعِيسى، والأعْمَشُ: ﴿الأيْدِ﴾ [ص: ١٧] بِغَيْرِ ياءٍ، فَقِيلَ: يُرادُ الأيْدِي حَذَفَ الياءَ اجْتِزاءً بِالكَسْرَةِ عَنْها، ولَمّا كانَتْ ألْ تُعاقِبُ التَّنْوِينَ، حُذِفَتِ الياءُ مَعَها، كَما حُذِفَتْ مَعَ التَّنْوِينِ. وهَذا تَخْرِيجٌ لا يُسَوَّغُ؛ لِأنَّ حَذْفَ هَذِهِ الياءِ مَعَ وُجُودِ ألْ ذَكَرَهُ سِيبَوَيْهِ في الضَّرائِرِ. وقِيلَ: ﴿الأيْدِي﴾ القُوَّةُ في طاعَةِ اللَّهِ، (والأبْصارِ) عِبارَةٌ عَنِ البَصائِرِ الَّتِي يُبْصِرُونَ بِها الحَقائِقَ ويَنْظُرُونَ بِنُورِ اللَّهِ تَعالى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وتَفْسِيرُ الأيْدِي مِنَ التَّأْيِيدِ قَلَقٌ غَيْرُ مُتَمَكِّنٍ، وإنَّما كانَ قَلَقًا عِنْدَهُ لِعَطْفِ الأبْصارِ عَلَيْهِ، ولا يَنْبَغِي أنْ يُعَلَّقَ، لِأنَّهُ فَسَّرَ ﴿أُولِي الأيْدِي والأبْصارِ﴾ بِقَوْلِهِ: يُرِيدُ أُولِي الأعْمالِ والفِكْرِ. وقُرِئَ: (الأيادِي) جَمْعُ الجَمْعِ، كَأوْطَفٍ وأواطِفَ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، والأعْرَجُ، ونافِعٌ، وهِشامٌ: ﴿بِخالِصَةٍ﴾، بِغَيْرِ تَنْوِينٍ، أُضِيفَتْ إلى ذِكْرى. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ بِالتَّنْوِينِ، و(ذِكْرى) بَدَلٌ مِن ﴿بِخالِصَةٍ﴾ . وقَرَأ الأعْمَشُ، وطَلْحَةُ: (بِخالِصَتِهِمْ) و﴿أخْلَصْناهُمْ﴾: جَعَلْناهم لَنا خالِصِينَ و(خالِصَةٍ)، يُحْتَمَلُ، وهو الأظْهَرُ، أنْ يَكُونَ اسْمَ فاعِلٍ بِهِ عَنْ مَزِيَّةٍ أوْ رُتْبَةٍ أوْ خَصْلَةٍ خالِصَةٍ لا شَوْبَ فِيها، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا، كالعاقِبَةِ، فَيَكُونُ قَدْ حُذِفَ مِنهُ الفاعِلُ، أيْ: أخْلَصْناهم بِأنْ أخْلَصُوا ذِكْرى الدّارِ، فَيَكُونُ ذِكْرى مَفْعُولًا، أوْ بِأنْ أخْلَصْنا لَهم ذِكْرى الدّارِ، أوْ يَكُونُ الفاعِلُ ذِكْرى، أيْ: بِأنْ خَلَصَتْ لَهم ذِكْرى الدّارِ، والدّارُ في كُلِّ وجْهٍ مِن مَوْضِعِ نَصْبٍ بِذِكْرى، وذِكْرى مَصْدَرٌ، والدّارُ دارُ الآخِرَةِ. قالَ قَتادَةُ: المَعْنى بِأنْ خَلَصَ لَهُمُ التَّذْكِيرُ بِالدّارِ الآخِرَةِ، ودَعا النّاسَ إلَيْها وحَضَّهم عَلَيْها. وقالَ مُجاهِدٌ: خَلَصَ لَهم ذِكْرُهُمُ الدّارَ الآخِرَةَ، وخَوْفُهم لَها. والعَمَلُ بِحَسَبِ ذَلِكَ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: وهَبْنا لَهم أفْضَلَ ما في الدّارِ الآخِرَةِ، وأخْلَصْناهم بِهِ، وأعْطَيْناهم إيّاهُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِالدّارِ دارَ الدُّنْيا، عَلى مَعْنى ذِكْرِ الثَّناءِ والتَّعْظِيمِ مِنَ النّاسِ، والحَمْدُ الباقِي الَّذِي هو الخُلْدُ المَجازِيُّ، فَتَجِيءُ الآيَةُ في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿لِسانَ صِدْقٍ﴾ [مريم: ٥٠]، وقَوْلِهِ: ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ [الصافات: ٧٨] . انْتَهى. وحَكى الزَّمَخْشَرِيُّ هَذا الِاحْتِمالَ قَوْلًا فَقالَ: وقِيلَ ﴿ذِكْرى الدّارِ﴾: الثَّناءُ الجَمِيلُ في الدُّنْيا ولِسانُ الصِّدْقِ. انْتَهى. والباءُ في ﴿بِخالِصَةٍ﴾ باءُ السَّبَبِ، أيْ: بِسَبَبِ هَذِهِ الخَصْلَةِ وبِأنَّهم مِن أهْلِها، ويُعَضِّدُهُ قِراءَةُ (بِخالِصِهِمْ) . ﴿وإنَّهم عِنْدَنا لَمِنَ المُصْطَفَيْنَ﴾، أيْ: المُخْتارِينَ مِن بَيْنِ أبْناءِ جِنْسِهِمْ. (الأخْيارِ): جَمْعُ خَيِّرٍ، وخَيِّرٌ كَمَيِّتٍ ومَيِّتٌ وأمْواتٌ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في اليَسَعَ في سُورَةِ الأنْعامِ، وذا الكِفْلِ في سُورَةِ الأنْبِياءِ. وعِنْدَنا ظَرْفٌ مَعْمُولٌ لِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ المُصْطَفَيْنَ، أيْ: وإنَّهم مُصْطَفَوْنَ عِنْدَنا، أوْ مَعْمُولٌ لِلْمُصْطَفَيْنَ، وإنْ كانَ بِألْ؛ لِأنَّهم يَتَسَمَّحُونَ في الظَّرْفِ والمَجْرُورِ ما لا يَتَسَمَّحُونَ (p-٤٠٣)فِي غَيْرِهِما، أوْ عَلى التَّبْيِينِ، أيْ: أعْنِي عِنْدَنا، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عِنْدَنا في مَوْضِعِ الخَبَرِ، ويَعْنِي بِالعِنْدِيَّةِ: المَكانَةُ، ولَمِنَ المُصْطَفَيْنَ: في مَوْضِعِ خَبَرٍ ثانٍ لِوُجُودِ اللّامِ، لا يَجُوزُ أنَّ زَيْدًا قائِمٌ لَمُنْطَلِقٌ، (وكُلٌّ): أيْ: وكُلُّهم، مِنَ الأخْيارِ.

ص 38:43

﴿واذْكُرْ عَبْدَنا أيُّوبَ إذْ نادى رَبَّهُ أنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وعَذابٍ﴾ ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وشَرابٌ﴾ ﴿ووَهَبْنا لَهُ أهْلَهُ ومِثْلَهم مَعَهم رَحْمَةً مِنّا وذِكْرى لِأُولِي الألْبابِ﴾ ﴿وخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فاضْرِبْ بِهِ ولا تَحْنَثْ إنّا وجَدْناهُ صابِرًا نِعْمَ العَبْدُ إنَّهُ أوّابٌ﴾ ﴿واذْكُرْ عِبادَنا إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ أُولِي الأيْدِي والأبْصارِ﴾ ﴿إنّا أخْلَصْناهم بِخالِصَةٍ ذِكْرى الدّارِ﴾ ﴿وإنَّهم عِنْدَنا لَمِنَ المُصْطَفَيْنَ الأخْيارِ﴾ ﴿واذْكُرْ إسْماعِيلَ واليَسَعَ وذا الكِفْلِ وكُلٌّ مِنَ الأخْيارِ﴾ ﴿هَذا ذِكْرٌ وإنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ﴾ [ص: ٤٩] ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الأبْوابُ﴾ [ص: ٥٠] ﴿مُتَّكِئِينَ فِيها يَدْعُونَ فِيها بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وشَرابٍ﴾ [ص: ٥١] ﴿وعِنْدَهم قاصِراتُ الطَّرْفِ أتْرابٌ﴾ [ص: ٥٢] ﴿هَذا ما تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الحِسابِ﴾ [ص: ٥٣] ﴿إنَّ هَذا لَرِزْقُنا ما لَهُ مِن نَفادٍ﴾ [ص: ٥٤] ﴿هَذا وإنَّ لِلطّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ﴾ [ص: ٥٥] ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ المِهادُ﴾ [ص: ٥٦] ﴿هَذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وغَسّاقٌ﴾ [ص: ٥٧] ﴿وآخَرُ مِن شَكْلِهِ أزْواجٌ﴾ [ص: ٥٨] ﴿هَذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكم لا مَرْحَبًا بِهِمْ إنَّهم صالُوا النّارِ﴾ [ص: ٥٩] الضِّغْثُ: حُزْمَةٌ صَغِيرَةٌ مِن حَشِيشٍ أوْ رَيْحانٍ أوْ قُضْبانٍ، وقِيلَ: القَبْضَةُ الكَبِيرَةُ مِنَ القُضْبانِ، ومِنهُ قَوْلُهم: ضِغْثٌ عَلى إبّالَةِ، والإبّالَةُ: الحُزْمَةُ مِنَ الحَطَبِ، والضِّغْثُ: القَبْضَةُ عَلَيْها مِنَ الحَطَبِ أيْضًا، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وأسْفَلَ مِنِّي نَهْدَةً قَدْ رَبَطْتُها وألْقَيْتُ ضِغْثًا مِن خَلًى مُتَطَيِّبِ الحِنْثُ: فِعْلُ ما حَلَفَ عَلى تَرْكِهِ، وتَرْكُ ما حَلَفَ عَلى فِعْلِهِ، الغَسّاقُ: ما سالَ، يُقالُ: غَسَقَتِ العَيْنُ والجُرْحُ. وعَنْ أبِي عُبَيْدَةَ: أنَّهُ البارِدُ المُنْتِنُ بِلُغَةِ التُّرْكِ. وقالَ الأزْهَرِيُّ: الغاسِقُ البارِدُ، ولِهَذا قِيلَ: لَيْلٌ غاسِقٌ؛ لِأنَّهُ أبْرَدُ مِنَ النَّهارِ. الِاقْتِحامُ: رُكُوبُ الشِّدَّةِ والدُّخُولُ فِيها، والقَحْمَةُ: الشِّدَّةُ. ﴿واذْكُرْ عَبْدَنا أيُّوبَ إذْ نادى رَبَّهُ أنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وعَذابٍ﴾ ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وشَرابٌ﴾ ﴿ووَهَبْنا لَهُ أهْلَهُ ومِثْلَهم مَعَهم رَحْمَةً مِنّا وذِكْرى لِأُولِي الألْبابِ﴾ ﴿وخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فاضْرِبْ بِهِ ولا تَحْنَثْ إنّا وجَدْناهُ صابِرًا نِعْمَ العَبْدُ إنَّهُ أوّابٌ﴾ ﴿واذْكُرْ عِبادَنا إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ أُولِي الأيْدِي والأبْصارِ﴾ ﴿إنّا أخْلَصْناهم بِخالِصَةٍ ذِكْرى الدّارِ﴾ ﴿وإنَّهم عِنْدَنا لَمِنَ المُصْطَفَيْنَ الأخْيارِ﴾ ﴿واذْكُرْ إسْماعِيلَ واليَسَعَ وذا الكِفْلِ وكُلٌّ مِنَ الأخْيارِ﴾ . (p-٤٠٠)لَمّا أمَرَ نَبِيَّهُ بِالصَّبْرِ، وذَكَرَ ابْتِلاءَ داوُدَ وسُلَيْمانَ، وأثْنى عَلَيْهِما، ذَكَرَ مَن كانَ أشَدَّ ابْتِلاءٍ مِنهُما، وأنَّهُ كانَ في غايَةِ الصَّبْرِ بِحَيْثُ أثْنى اللَّهُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ. وأيُّوبُ: عَطْفُ بَيانٍ أوْ بَدَلٌ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإذْ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (أنِّي) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، وعِيسى: بِكَسْرِها، وجاءَ بِضَمِيرِ التَّكَلُّمِ حِكايَةً لِكَلامِهِ الَّذِي ناداهُ بِسَبَبِهِ، ولَوْ لَمْ يَحْكِ لَقالَ: إنَّهُ مَسَّهُ؛ لِأنَّهُ غائِبٌ، وأسْنَدَ المَسَّ إلى الشَّيْطانِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَمّا كانَتْ وسْوَسَتُهُ إلَيْهِ وطاعَتُهُ لَهُ فِيما وسْوَسَ سَبَبًا فِيما مَسَّهُ اللَّهُ بِهِ مِنَ النُّصْبِ والعَذابِ، نَسَبَهُ إلَيْهِ وقَدْ راعى الأدَبَ في ذَلِكَ حَيْثُ لَمْ يَنْسُبْهُ إلى اللَّهِ في دُعائِهِ مَعَ أنَّهُ فاعِلُهُ ولا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إلّا هو. وقِيلَ: أرادَ ما كانَ يُوَسْوِسُ بِهِ إلَيْهِ في مَرَضِهِ مِن تَعْظِيمِ ما نَزَلَ بِهِ مِنَ البَلاءِ، فالتَجَأ إلى اللَّهِ في أنْ يَكْفِيَهُ ذَلِكَ بِكَشْفِ البَلاءِ، أوْ بِالتَّوْفِيقِ في دَفْعِهِ ورَدِّهِ بِالصَّبْرِ الجَمِيلِ. وذَكَرَ في سَبَبِ بَلائِهِ أنَّ رَجُلًا اسْتَغاثَهُ عَلى ظالِمٍ، فَلَمْ يُغِثْهُ. وقِيلَ: كانَتْ مَواشِيهِ في ناحِيَةِ مَلِكٍ كافِرٍ، فَداهَنَهُ ولَمْ يَفْدِهِ. وقِيلَ: أُعْجِبَ بِكَثْرَةِ مالِهِ. انْتَهى. ولا يُناسِبُ مَناصِبَ الأنْبِياءِ ما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِن أنَّ أيُّوبَ كانَتْ مِنهُ طاعَةٌ لِلشَّيْطانِ فِيما وسْوَسَ بِهِ، وأنَّ ذَلِكَ كانَ سَبَبًا لِما مَسَّهُ اللَّهُ بِهِ مِنَ النُّصْبِ والعَذابِ، ولا أنَّ رَجُلًا اسْتَغاثَهُ عَلى ظالِمٍ فَلَمْ يُغِثْهُ، ولا أنَّهُ داهَنَ كافِرًا ولا أنَّهُ أُعْجِبَ بِكَثْرَةِ مالِهِ. وكَذَلِكَ ما رَوَوْا أنَّ الشَّيْطانَ سَلَّطَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ حَتّى أذْهَبَ أهْلَهُ ومالَهُ لا يُمْكِنُ أنْ يَصِحَّ، ولا قُدْرَةَ لَهُ عَلى البَشَرِ إلّا بِإلْقاءِ الوَساوِسِ الفاسِدَةِ لِغَيْرِ المَعْصُومِ. والَّذِي نَقُولُهُ: أنَّهُ تَعالى ابْتَلى أيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ في جَسَدِهِ وأهْلِهِ ومالِهِ، عَلى ما رُوِيَ في الأخْبارِ. ورَوى أنَسٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أنَّ أيُّوبَ بَقِيَ في مِحْنَتِهِ ثَمانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً يَتَساقَطُ لَحْمُهُ حَتّى مَلَّهُ العالَمُ، ولَمْ يَصْبِرْ عَلَيْهِ إلّا امْرَأتُهُ»، ولَمْ يُبَيِّنْ لَنا تَوالِيَ السَّبَبِ المُقْتَضِي لِعِلَّتِهِ. وأمّا إسْنادُهُ المَسَّ إلى الشَّيْطانِ فَسَبَبُ ذَلِكَ أنَّهُ كانَ يَعُودُهُ ثَلاثٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ، فارْتَدَّ أحَدُهم، فَسَألَ عَنْهُ فَقِيلَ: ألْقى إلَيْهِ الشَّيْطانُ أنَّ اللَّهَ لا يَبْتَلِي الأنْبِياءَ والصّالِحِينَ، فَحِينَئِذٍ قالَ ﴿مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ﴾ نَزَّلَ لِشَفَقَتِهِ عَلى المُؤْمِنِينَ مَسَّ الشَّيْطانِ ذَلِكَ المُؤْمِنَ حَتّى ارْتَدَّ مَنزِلَةَ مَسِّهِ لِنَفْسِهِ؛ لِأنَّ المُؤْمِنَ الخَيِّرَ يَتَألَّمُ بِرُجُوعِ المُؤْمِنِ الخَيِّرِ إلى الكُفْرِ؛ ولِذَلِكَ جاءَ بَعْدَهُ ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾ حَتّى يَغْتَسِلَ ويَذْهَبَ عَنْهُ البَلاءُ، فَلا يَرْتَدُّ أحَدٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ بِسَبَبِ طُولِ بَلائِهِ، وتَسْوِيلِ الشَّيْطانِ أنَّهُ تَعالى لا يَبْتَلِي الأنْبِياءَ. وقِيلَ: أشارَ بِقَوْلِهِ ﴿مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ﴾ إلى تَعْرِيضِهِ لِامْرَأتِهِ، وطَلَبِهِ أنْ تُشْرِكَ بِاللَّهِ، وكَأنَّهُ بِتَشَكِّي هَذا الأمْرِ كانَ عَلَيْهِ أشَدَّ مِن مَرَضِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿بِنُصْبٍ﴾ بِضَمِّ النُّونِ وسُكُونِ الصّادِ، قِيلَ: جَمْعُ نَصْبٍ كَوُثْنٍ ووَثْنٍ. وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، وأبُو عِمارَةَ عَنْ حَفْصٍ، والجُعْفِيُّ عَنْ أبِي بَكْرٍ، وأبُو مُعاذٍ عَنْ نافِعٍ: بِضَمَّتَيْنِ. وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، والحَسَنُ، والسُّدِّيُّ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، ويَعْقُوبُ، والجَحْدَرِيُّ: بِفَتْحَتَيْنِ. وأبُو حَيْوَةَ، ويَعْقُوبُ في رِوايَةٍ، وهُبَيْرَةُ عَنْ حَفْصٍ: بِفَتْحِ النُّونِ وسُكُونِ الصّادِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: النُّصْبُ والنَّصْبُ، كالرُّشْدِ والرَّشْدِ، والنَّصْبُ عَلى أصْلِ المَصْدَرِ، والنُّصْبُ تَثْقِيلُ نَصَبٍ، والمَعْنى واحِدٌ، وهو التَّعَبُ والمَشَقَّةُ. والعَذابُ: الألَمُ، يُرِيدُ مَرَضَهُ وما كانَ يُقاسِي فِيهِ مِن أنْواعِ الوَصَبِ. انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَدْ ذَكَرَ هَذِهِ القِراءاتِ، وذَلِكَ كُلٌّ بِمَعْنًى واحِدٍ مَعْناهُ المَشَقَّةُ، وكَثِيرًا ما يُسْتَعْمَلُ النُّصْبُ في مَشَقَّةِ الإعْياءِ. وفَرَّقَ بَعْضُ النّاسِ بَيْنَ هَذِهِ الألْفاظِ، والصَّوابُ أنَّها لُغاتٌ بِمَعْنًى مِن قَوْلِهِمْ: أنْصَبَنِي الأمْرُ إذا شَقَّ عَلَيَّ، انْتَهى. وقالَ السُّدِّيُّ: بِنُصْبٍ في الجَسَدِ وعَذابٍ في المالِ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: فاسْتَجَبْنا لَهُ وقُلْنا ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾ فَرَكَضَ، فَنَبَعَتْ عَيْنٌ فَقُلْنا لَهُ ﴿هَذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وشَرابٌ﴾ فِيهِ شِفاؤُكَ، فاغْتَسَلَ فَبَرِأ (ووَهَبْنا لَهُ) ويَدُلُّ عَلى هَذِهِ المَحْذُوفاتِ مَعْنى الكَلامِ وسِياقِهِ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في (p-٤٠١)الرَّكْضِ في سُورَةِ الأنْبِياءِ. وعَنْ قَتادَةَ والحَسَنِ ومُقاتِلٍ: كانَ ذَلِكَ بِأرْضِ الجابِيَةِ مِنَ الشَّأْمِ. ومَعْنى ﴿هَذا مُغْتَسَلٌ﴾ أيْ: ما يُغْتَسَلُ بِهِ، (وشَرابٌ) أيْ: ما تَشْرَبُهُ، فَبِاغْتِسالِكَ يَبْرَأُ ظاهِرُكَ، وبِشُرْبِكَ يَبْرَأُ باطِنُكَ. والظّاهِرُ أنَّ المُشارَ إلَيْهِ كانَ واحِدًا، والعَيْنُ الَّتِي نَبَعَتْ لَهُ عَيْنانِ، شَرِبَ مِن إحْداهُما واغْتَسَلَ مِنَ الأُخْرى. وقِيلَ: ضَرَبَ بِرِجْلِهِ اليُمْنى، فَنَبَعَتْ عَيْنٌ حارَّةٌ فاغْتَسَلَ، وبِاليُسْرى فَنَبَعَتْ بارِدَةٌ فَشَرِبَ مِنها، وهَذا مُخالِفٌ لِظاهِرِ قَوْلِهِ: ﴿مُغْتَسَلٌ بارِدٌ﴾، فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ ماءٌ واحِدٌ. وقِيلَ: أُمِرَ بِالرَّكْضِ بِالرِّجْلِ، لِيَتَناثَرَ عَنْهُ كُلُّ داءٍ بِجَسَدِهِ. وقالَ القُتَبِيُّ: المُغْتَسَلُ: الماءُ الَّذِي يُغْتَسَلُ بِهِ. وقالَ مُقاتِلٌ: هو المَوْضِعُ الَّذِي يُغْتَسَلُ فِيهِ. وقالَ الحَسَنُ: رَكَضَ بِرِجْلِهِ، فَنَبَعَتْ عَيْنُ ماءٍ، فاغْتَسَلَ مِنها، ثُمَّ مَشى نَحْوًا مِن أرْبَعِينَ ذِراعًا، ثُمَّ رَكَضَ بِرِجْلِهِ، فَنَبَعَتْ عَيْنٌ، فَشَرِبَ مِنها. قِيلَ: والجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ رَكَضَ رَكْضَتَيْنِ، فَنَبَعَتْ لَهُ عَيْنانِ، شَرِبَ مِن إحْداهُما، واغْتَسَلَ مِنَ الأُخْرى. والجُمْهُورُ: عَلى أنَّهُ تَعالى أحْيا لَهُ مَن ماتَ مِن أهْلِهِ، وعافى المَرْضى، وجَمَعَ عَلَيْهِ مَن شُتِّتَ مِنهم. وقِيلَ: رَزَقَهُ أوْلادًا وذُرِّيَّةً قَدْرَ ذُرِّيَّتِهِ الَّذِينَ هَلَكُوا، ولَمْ يَرُدَّ أهْلَهُ الَّذِينَ هَلَكُوا بِأعْيانِهِمْ، وظاهِرُ هَذِهِ الهَيْئَةِ أنَّها في الدُّنْيا. وقِيلَ ذَلِكَ وعْدٌ، وتَكُونُ تِلْكَ الهَيْئَةُ في الآخِرَةِ. وقِيلَ: وهَبَهُ مَن كانَ حَيًّا مِنهم، وعافاهُ مِنَ الأسْقامِ، وأرْغَدَ لَهُمُ العَيْشَ، فَتَناسَلُوا حَتّى تَضاعَفَ عَدَدُهم وصارَ مِثْلَهم. و(رَحْمَةً)، (وذِكْرى): مَفْعُولانِ لَهُما، أيْ: أنَّ الهِبَةَ كانَتْ لِرَحْمَتِنا إيّاهُ، ولِيَتَذَكَّرَ أرْبابُ العُقُولِ، وما يَحْصُلُ لِلصّابِرِينَ مِنَ الخَيْرِ، وما يَئُولُ إلَيْهِ مِنَ الأجْرِ. وفي الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: وكانَ حَلَفَ لَيَضْرِبَنَّ امْرَأتَهُ مِائَةَ ضَرْبَةٍ لِسَبَبٍ جَرى مِنها، وكانَتْ مُحْسِنَةً لَهُ، فَجَعَلْنا لَهُ خَلاصًا مِن يَمِينِهِ بِقَوْلِنا: ﴿وخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا﴾ . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الضِّغْثُ: عِثْكالُ النَّخْلِ. وقالَ مُجاهِدٌ: الأثْلُ، وهو نَبْتٌ لَهُ شَوْكٌ. وقالَ الضَّحّاكُ: حُزْمَةٌ مِنَ الحَشِيشِ مُخْتَلِفَةٌ. وقالَ الأخْفَشُ: الشَّجَرُ الرَّطْبُ، واخْتَلَفُوا في السَّبَبِ الَّذِي أوْجَبَ حَلِفَهُ. ومَحْصُولُ أقْوالِهِمْ هو: تَمَثُّلُ الشَّيْطانِ لَها في صُورَةِ ناصِحٍ أوْ مُداوٍ. وعَرَضَ لَها شِفاءَ أيُّوبَ عَلى يَدَيْهِ عَلى شَرْطٍ لا يُمْكِنُ وُقُوعُهُ مِن مُؤْمِنٍ، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ، فَعَلِمَ أنَّ الَّذِي عَرَضَ لَها هو الشَّيْطانُ، وغَضِبَ لِعَرْضِها ذَلِكَ عَلَيْهِ فَحَلَفَ. وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الأسْبابِ، وهي مُتَعارِضَةٌ. فَحَلَّلَ اللَّهُ يَمِينَهُ بِأهْوَنِ شَيْءٍ عَلَيْهِ وعَلَيْها، لِحُسْنِ خِدْمَتِها إيّاهُ ورِضاهُ عَنْها، وقَدْ وقَعَ مِثْلُ هَذِهِ الرُّخْصَةِ في الإسْلامِ. «أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمُخْدَجٍ قَدْ خَبُثَ بِأمَةٍ، فَقالَ: ”خُذُوا عِثْكالًا فِيهِ مِائَةُ شِمْراخٍ فاضْرِبُوهُ بِها ضَرْبَةً“» . وقالَ بِذَلِكَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ في الأيْمانِ، قالَ: ويَجِبُ أنْ يُصِيبَ المَضْرُوبَ كُلُّ واحِدٍ مِنَ المِائَةِ، إمّا أطْرافُها قائِمَةٌ، وإمّا أعْراضُها مَبْسُوطَةٌ، مَعَ وُجُودِ صُورَةِ الضَّرْبَةِ. والجُمْهُورُ عَلى تَرْكِ القَوْلِ في الحُدُودِ، وأنَّ البِرَّ في الأيْمانِ لا يَقَعُ إلّا بِإتْمامِ عَدَدِ الضَّرَباتِ. ووَصَفَ اللَّهُ تَعالى نَبِيَّهُ بِالصَّبْرِ. وقَدْ قالَ: ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ [الأنبياء: ٨٣]، فَدَلَّ عَلى أنَّ الشَّكْوى إلى اللَّهِ تَعالى لا تُنافِي الوَصْفَ بِالصَّبْرِ. وقَدْ قالَ يَعْقُوبُ: ﴿إنَّما أشْكُو بَثِّي وحُزْنِي إلى اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٦] عَلى أنَّ أيُّوبَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - طَلَبَ الشِّفاءَ خِيفَةً عَلى قَوْمِهِ أنْ يُوَسْوِسَ إلَيْهِمُ الشَّيْطانُ أنَّهُ لَوْ كانَ نَبِيًّا لَمْ يُبْتَلَ، وتَألُّفًا لِقَوْمِهِ عَلى الطّاعَةِ، وبَلَغَ أمْرُهُ في البَلاءِ إلى أنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنهُ إلّا القَلْبُ واللِّسانُ. ويُرْوى أنَّهُ قالَ في مُناجاتِهِ: إلَهِي قَدْ عَلِمْتَ أنَّهُ لَمْ يُخالِفْ لِسانِي قَلْبِي، ولَمْ يَتْبَعْ قَلْبِي بَصَرِي، ولَمْ يَمْنَعْنِي ما مَلَكَتْ يَمِينِي، ولَمْ آكُلْ إلّا ومَعِي يَتِيمٌ، ولَمْ أبِتْ شَبْعانًا ولا كاسِيًا ومَعِي جائِعٌ أوْ عُرْيانٌ، فَكَشَفَ اللَّهُ عَنْهُ. (واذْكُرْ عَبْدَنا إبْراهِيمَ)، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ كَثِيرٍ وأهْلُ مَكَّةَ، (عَبْدَنا) عَلى الإفْرادِ، وإبْراهِيمُ بَدَلٌ مِنهُ، أوْ عَطْفُ بَيانٍ. والجُمْهُورُ عَلى الجَمْعِ، وما بَعْدَهُ مِنَ الثَّلاثَةِ بَدَلٌ أوْ عَطْفُ بَيانٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿أُولِي الأيْدِي﴾، بِالياءِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ: القُوَّةُ في طاعَةِ اللَّهِ. وقِيلَ: إحْسانُهم في الدِّينِ، وتَقَدُّمُهم عِنْدَ اللَّهِ عَلى عَمَلِ صِدْقٍ، فَهي (p-٤٠٢)كالأيْدِي، وهو قَرِيبٌ مِمّا قَبْلَهُ. وقِيلَ: النِّعَمُ الَّتِي أسْداها اللَّهُ إلَيْهِمْ مِنَ النُّبُوَّةِ والمَكانَةِ. وقِيلَ ﴿الأيْدِي﴾: الجَوارِحُ المُتَصَرِّفَةُ في الخَيْرِ، (والأبْصارِ) الثّاقِبَةُ فِيهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَمّا كانَتْ أكْثَرُ الأعْمالِ تُباشَرُ بِالأيْدِي غَلَبَتْ، فَقِيلَ في كُلِّ عَمَلٍ: هَذا مِمّا عَمِلَتْ أيْدِيهِمْ، وإنْ كانَ عَمَلًا لا يَتَأتّى فِيهِ المُباشَرَةُ بِالأيْدِي، أوْ كانَ العُمّالُ جَذْمًا لا أيْدِيَ لَهم، وعَلى ذَلِكَ ورَدَ قَوْلُهُ عَزَّ وعَلا: ﴿أُولِي الأيْدِي والأبْصارِ﴾، يُرِيدُ: أُولِي الأعْمالِ والفِكْرِ؛ كَأنَّ الَّذِينَ لا يَعْمَلُونَ أعْمالَ الآخِرَةِ، ولا يُجاهِدُونَ في اللَّهِ؛ ولا يُفَكِّرُونَ أفْكارَ ذَوِي الدِّياناتِ، ولا يَسْتَبْصِرُونَ في حُكْمِ الزَّمْنى الَّذِينَ لا يَقْدِرُونَ عَلى إعْمالِ جَوارِحِهِمْ، والمَسْلُوبِي العُقُولِ الَّذِينَ لا اسْتِبْصارَ بِهِمْ؛ وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِكُلِّ مَن لَمْ يَكُنْ مِن عُمّالِ اللَّهِ، ولا مِنَ المُسْتَبْصِرِينَ في دِينِ اللَّهِ، وتَوْبِيخٌ عَلى تَرْكِهِمُ المُجاهَدَةَ والتَّأمُّلَ مَعَ كَوْنِهِمْ مُتَمَكِّنِينَ مِنها. انْتَهى، وهو تَكْثِيرٌ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: اليَدُ آلَةٌ لِأكْثَرِ الأعْمالِ، والبَصَرُ آلَةٌ لِأقْوى الإدْراكاتِ، فَحَسُنَ التَّعْبِيرُ عَنِ العَمَلِ بِاليَدِ، وعَنِ الإدْراكِ بِالبَصَرِ. والنَّفْسُ النّاطِقَةُ لَها قُوَّتانِ: عامِلَةٌ وعالِمَةٌ، فَأُولِي الأيْدِي والأبْصارِ إشارَةٌ إلى هاتَيْنِ الحالَتَيْنِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، والحَسَنُ، وعِيسى، والأعْمَشُ: ﴿الأيْدِ﴾ [ص: ١٧] بِغَيْرِ ياءٍ، فَقِيلَ: يُرادُ الأيْدِي حَذَفَ الياءَ اجْتِزاءً بِالكَسْرَةِ عَنْها، ولَمّا كانَتْ ألْ تُعاقِبُ التَّنْوِينَ، حُذِفَتِ الياءُ مَعَها، كَما حُذِفَتْ مَعَ التَّنْوِينِ. وهَذا تَخْرِيجٌ لا يُسَوَّغُ؛ لِأنَّ حَذْفَ هَذِهِ الياءِ مَعَ وُجُودِ ألْ ذَكَرَهُ سِيبَوَيْهِ في الضَّرائِرِ. وقِيلَ: ﴿الأيْدِي﴾ القُوَّةُ في طاعَةِ اللَّهِ، (والأبْصارِ) عِبارَةٌ عَنِ البَصائِرِ الَّتِي يُبْصِرُونَ بِها الحَقائِقَ ويَنْظُرُونَ بِنُورِ اللَّهِ تَعالى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وتَفْسِيرُ الأيْدِي مِنَ التَّأْيِيدِ قَلَقٌ غَيْرُ مُتَمَكِّنٍ، وإنَّما كانَ قَلَقًا عِنْدَهُ لِعَطْفِ الأبْصارِ عَلَيْهِ، ولا يَنْبَغِي أنْ يُعَلَّقَ، لِأنَّهُ فَسَّرَ ﴿أُولِي الأيْدِي والأبْصارِ﴾ بِقَوْلِهِ: يُرِيدُ أُولِي الأعْمالِ والفِكْرِ. وقُرِئَ: (الأيادِي) جَمْعُ الجَمْعِ، كَأوْطَفٍ وأواطِفَ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، والأعْرَجُ، ونافِعٌ، وهِشامٌ: ﴿بِخالِصَةٍ﴾، بِغَيْرِ تَنْوِينٍ، أُضِيفَتْ إلى ذِكْرى. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ بِالتَّنْوِينِ، و(ذِكْرى) بَدَلٌ مِن ﴿بِخالِصَةٍ﴾ . وقَرَأ الأعْمَشُ، وطَلْحَةُ: (بِخالِصَتِهِمْ) و﴿أخْلَصْناهُمْ﴾: جَعَلْناهم لَنا خالِصِينَ و(خالِصَةٍ)، يُحْتَمَلُ، وهو الأظْهَرُ، أنْ يَكُونَ اسْمَ فاعِلٍ بِهِ عَنْ مَزِيَّةٍ أوْ رُتْبَةٍ أوْ خَصْلَةٍ خالِصَةٍ لا شَوْبَ فِيها، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا، كالعاقِبَةِ، فَيَكُونُ قَدْ حُذِفَ مِنهُ الفاعِلُ، أيْ: أخْلَصْناهم بِأنْ أخْلَصُوا ذِكْرى الدّارِ، فَيَكُونُ ذِكْرى مَفْعُولًا، أوْ بِأنْ أخْلَصْنا لَهم ذِكْرى الدّارِ، أوْ يَكُونُ الفاعِلُ ذِكْرى، أيْ: بِأنْ خَلَصَتْ لَهم ذِكْرى الدّارِ، والدّارُ في كُلِّ وجْهٍ مِن مَوْضِعِ نَصْبٍ بِذِكْرى، وذِكْرى مَصْدَرٌ، والدّارُ دارُ الآخِرَةِ. قالَ قَتادَةُ: المَعْنى بِأنْ خَلَصَ لَهُمُ التَّذْكِيرُ بِالدّارِ الآخِرَةِ، ودَعا النّاسَ إلَيْها وحَضَّهم عَلَيْها. وقالَ مُجاهِدٌ: خَلَصَ لَهم ذِكْرُهُمُ الدّارَ الآخِرَةَ، وخَوْفُهم لَها. والعَمَلُ بِحَسَبِ ذَلِكَ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: وهَبْنا لَهم أفْضَلَ ما في الدّارِ الآخِرَةِ، وأخْلَصْناهم بِهِ، وأعْطَيْناهم إيّاهُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِالدّارِ دارَ الدُّنْيا، عَلى مَعْنى ذِكْرِ الثَّناءِ والتَّعْظِيمِ مِنَ النّاسِ، والحَمْدُ الباقِي الَّذِي هو الخُلْدُ المَجازِيُّ، فَتَجِيءُ الآيَةُ في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿لِسانَ صِدْقٍ﴾ [مريم: ٥٠]، وقَوْلِهِ: ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ [الصافات: ٧٨] . انْتَهى. وحَكى الزَّمَخْشَرِيُّ هَذا الِاحْتِمالَ قَوْلًا فَقالَ: وقِيلَ ﴿ذِكْرى الدّارِ﴾: الثَّناءُ الجَمِيلُ في الدُّنْيا ولِسانُ الصِّدْقِ. انْتَهى. والباءُ في ﴿بِخالِصَةٍ﴾ باءُ السَّبَبِ، أيْ: بِسَبَبِ هَذِهِ الخَصْلَةِ وبِأنَّهم مِن أهْلِها، ويُعَضِّدُهُ قِراءَةُ (بِخالِصِهِمْ) . ﴿وإنَّهم عِنْدَنا لَمِنَ المُصْطَفَيْنَ﴾، أيْ: المُخْتارِينَ مِن بَيْنِ أبْناءِ جِنْسِهِمْ. (الأخْيارِ): جَمْعُ خَيِّرٍ، وخَيِّرٌ كَمَيِّتٍ ومَيِّتٌ وأمْواتٌ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في اليَسَعَ في سُورَةِ الأنْعامِ، وذا الكِفْلِ في سُورَةِ الأنْبِياءِ. وعِنْدَنا ظَرْفٌ مَعْمُولٌ لِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ المُصْطَفَيْنَ، أيْ: وإنَّهم مُصْطَفَوْنَ عِنْدَنا، أوْ مَعْمُولٌ لِلْمُصْطَفَيْنَ، وإنْ كانَ بِألْ؛ لِأنَّهم يَتَسَمَّحُونَ في الظَّرْفِ والمَجْرُورِ ما لا يَتَسَمَّحُونَ (p-٤٠٣)فِي غَيْرِهِما، أوْ عَلى التَّبْيِينِ، أيْ: أعْنِي عِنْدَنا، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عِنْدَنا في مَوْضِعِ الخَبَرِ، ويَعْنِي بِالعِنْدِيَّةِ: المَكانَةُ، ولَمِنَ المُصْطَفَيْنَ: في مَوْضِعِ خَبَرٍ ثانٍ لِوُجُودِ اللّامِ، لا يَجُوزُ أنَّ زَيْدًا قائِمٌ لَمُنْطَلِقٌ، (وكُلٌّ): أيْ: وكُلُّهم، مِنَ الأخْيارِ.

ص 38:44

﴿واذْكُرْ عَبْدَنا أيُّوبَ إذْ نادى رَبَّهُ أنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وعَذابٍ﴾ ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وشَرابٌ﴾ ﴿ووَهَبْنا لَهُ أهْلَهُ ومِثْلَهم مَعَهم رَحْمَةً مِنّا وذِكْرى لِأُولِي الألْبابِ﴾ ﴿وخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فاضْرِبْ بِهِ ولا تَحْنَثْ إنّا وجَدْناهُ صابِرًا نِعْمَ العَبْدُ إنَّهُ أوّابٌ﴾ ﴿واذْكُرْ عِبادَنا إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ أُولِي الأيْدِي والأبْصارِ﴾ ﴿إنّا أخْلَصْناهم بِخالِصَةٍ ذِكْرى الدّارِ﴾ ﴿وإنَّهم عِنْدَنا لَمِنَ المُصْطَفَيْنَ الأخْيارِ﴾ ﴿واذْكُرْ إسْماعِيلَ واليَسَعَ وذا الكِفْلِ وكُلٌّ مِنَ الأخْيارِ﴾ ﴿هَذا ذِكْرٌ وإنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ﴾ [ص: ٤٩] ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الأبْوابُ﴾ [ص: ٥٠] ﴿مُتَّكِئِينَ فِيها يَدْعُونَ فِيها بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وشَرابٍ﴾ [ص: ٥١] ﴿وعِنْدَهم قاصِراتُ الطَّرْفِ أتْرابٌ﴾ [ص: ٥٢] ﴿هَذا ما تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الحِسابِ﴾ [ص: ٥٣] ﴿إنَّ هَذا لَرِزْقُنا ما لَهُ مِن نَفادٍ﴾ [ص: ٥٤] ﴿هَذا وإنَّ لِلطّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ﴾ [ص: ٥٥] ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ المِهادُ﴾ [ص: ٥٦] ﴿هَذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وغَسّاقٌ﴾ [ص: ٥٧] ﴿وآخَرُ مِن شَكْلِهِ أزْواجٌ﴾ [ص: ٥٨] ﴿هَذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكم لا مَرْحَبًا بِهِمْ إنَّهم صالُوا النّارِ﴾ [ص: ٥٩] الضِّغْثُ: حُزْمَةٌ صَغِيرَةٌ مِن حَشِيشٍ أوْ رَيْحانٍ أوْ قُضْبانٍ، وقِيلَ: القَبْضَةُ الكَبِيرَةُ مِنَ القُضْبانِ، ومِنهُ قَوْلُهم: ضِغْثٌ عَلى إبّالَةِ، والإبّالَةُ: الحُزْمَةُ مِنَ الحَطَبِ، والضِّغْثُ: القَبْضَةُ عَلَيْها مِنَ الحَطَبِ أيْضًا، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وأسْفَلَ مِنِّي نَهْدَةً قَدْ رَبَطْتُها وألْقَيْتُ ضِغْثًا مِن خَلًى مُتَطَيِّبِ الحِنْثُ: فِعْلُ ما حَلَفَ عَلى تَرْكِهِ، وتَرْكُ ما حَلَفَ عَلى فِعْلِهِ، الغَسّاقُ: ما سالَ، يُقالُ: غَسَقَتِ العَيْنُ والجُرْحُ. وعَنْ أبِي عُبَيْدَةَ: أنَّهُ البارِدُ المُنْتِنُ بِلُغَةِ التُّرْكِ. وقالَ الأزْهَرِيُّ: الغاسِقُ البارِدُ، ولِهَذا قِيلَ: لَيْلٌ غاسِقٌ؛ لِأنَّهُ أبْرَدُ مِنَ النَّهارِ. الِاقْتِحامُ: رُكُوبُ الشِّدَّةِ والدُّخُولُ فِيها، والقَحْمَةُ: الشِّدَّةُ. ﴿واذْكُرْ عَبْدَنا أيُّوبَ إذْ نادى رَبَّهُ أنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وعَذابٍ﴾ ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وشَرابٌ﴾ ﴿ووَهَبْنا لَهُ أهْلَهُ ومِثْلَهم مَعَهم رَحْمَةً مِنّا وذِكْرى لِأُولِي الألْبابِ﴾ ﴿وخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فاضْرِبْ بِهِ ولا تَحْنَثْ إنّا وجَدْناهُ صابِرًا نِعْمَ العَبْدُ إنَّهُ أوّابٌ﴾ ﴿واذْكُرْ عِبادَنا إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ أُولِي الأيْدِي والأبْصارِ﴾ ﴿إنّا أخْلَصْناهم بِخالِصَةٍ ذِكْرى الدّارِ﴾ ﴿وإنَّهم عِنْدَنا لَمِنَ المُصْطَفَيْنَ الأخْيارِ﴾ ﴿واذْكُرْ إسْماعِيلَ واليَسَعَ وذا الكِفْلِ وكُلٌّ مِنَ الأخْيارِ﴾ . (p-٤٠٠)لَمّا أمَرَ نَبِيَّهُ بِالصَّبْرِ، وذَكَرَ ابْتِلاءَ داوُدَ وسُلَيْمانَ، وأثْنى عَلَيْهِما، ذَكَرَ مَن كانَ أشَدَّ ابْتِلاءٍ مِنهُما، وأنَّهُ كانَ في غايَةِ الصَّبْرِ بِحَيْثُ أثْنى اللَّهُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ. وأيُّوبُ: عَطْفُ بَيانٍ أوْ بَدَلٌ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإذْ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (أنِّي) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، وعِيسى: بِكَسْرِها، وجاءَ بِضَمِيرِ التَّكَلُّمِ حِكايَةً لِكَلامِهِ الَّذِي ناداهُ بِسَبَبِهِ، ولَوْ لَمْ يَحْكِ لَقالَ: إنَّهُ مَسَّهُ؛ لِأنَّهُ غائِبٌ، وأسْنَدَ المَسَّ إلى الشَّيْطانِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَمّا كانَتْ وسْوَسَتُهُ إلَيْهِ وطاعَتُهُ لَهُ فِيما وسْوَسَ سَبَبًا فِيما مَسَّهُ اللَّهُ بِهِ مِنَ النُّصْبِ والعَذابِ، نَسَبَهُ إلَيْهِ وقَدْ راعى الأدَبَ في ذَلِكَ حَيْثُ لَمْ يَنْسُبْهُ إلى اللَّهِ في دُعائِهِ مَعَ أنَّهُ فاعِلُهُ ولا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إلّا هو. وقِيلَ: أرادَ ما كانَ يُوَسْوِسُ بِهِ إلَيْهِ في مَرَضِهِ مِن تَعْظِيمِ ما نَزَلَ بِهِ مِنَ البَلاءِ، فالتَجَأ إلى اللَّهِ في أنْ يَكْفِيَهُ ذَلِكَ بِكَشْفِ البَلاءِ، أوْ بِالتَّوْفِيقِ في دَفْعِهِ ورَدِّهِ بِالصَّبْرِ الجَمِيلِ. وذَكَرَ في سَبَبِ بَلائِهِ أنَّ رَجُلًا اسْتَغاثَهُ عَلى ظالِمٍ، فَلَمْ يُغِثْهُ. وقِيلَ: كانَتْ مَواشِيهِ في ناحِيَةِ مَلِكٍ كافِرٍ، فَداهَنَهُ ولَمْ يَفْدِهِ. وقِيلَ: أُعْجِبَ بِكَثْرَةِ مالِهِ. انْتَهى. ولا يُناسِبُ مَناصِبَ الأنْبِياءِ ما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِن أنَّ أيُّوبَ كانَتْ مِنهُ طاعَةٌ لِلشَّيْطانِ فِيما وسْوَسَ بِهِ، وأنَّ ذَلِكَ كانَ سَبَبًا لِما مَسَّهُ اللَّهُ بِهِ مِنَ النُّصْبِ والعَذابِ، ولا أنَّ رَجُلًا اسْتَغاثَهُ عَلى ظالِمٍ فَلَمْ يُغِثْهُ، ولا أنَّهُ داهَنَ كافِرًا ولا أنَّهُ أُعْجِبَ بِكَثْرَةِ مالِهِ. وكَذَلِكَ ما رَوَوْا أنَّ الشَّيْطانَ سَلَّطَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ حَتّى أذْهَبَ أهْلَهُ ومالَهُ لا يُمْكِنُ أنْ يَصِحَّ، ولا قُدْرَةَ لَهُ عَلى البَشَرِ إلّا بِإلْقاءِ الوَساوِسِ الفاسِدَةِ لِغَيْرِ المَعْصُومِ. والَّذِي نَقُولُهُ: أنَّهُ تَعالى ابْتَلى أيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ في جَسَدِهِ وأهْلِهِ ومالِهِ، عَلى ما رُوِيَ في الأخْبارِ. ورَوى أنَسٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أنَّ أيُّوبَ بَقِيَ في مِحْنَتِهِ ثَمانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً يَتَساقَطُ لَحْمُهُ حَتّى مَلَّهُ العالَمُ، ولَمْ يَصْبِرْ عَلَيْهِ إلّا امْرَأتُهُ»، ولَمْ يُبَيِّنْ لَنا تَوالِيَ السَّبَبِ المُقْتَضِي لِعِلَّتِهِ. وأمّا إسْنادُهُ المَسَّ إلى الشَّيْطانِ فَسَبَبُ ذَلِكَ أنَّهُ كانَ يَعُودُهُ ثَلاثٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ، فارْتَدَّ أحَدُهم، فَسَألَ عَنْهُ فَقِيلَ: ألْقى إلَيْهِ الشَّيْطانُ أنَّ اللَّهَ لا يَبْتَلِي الأنْبِياءَ والصّالِحِينَ، فَحِينَئِذٍ قالَ ﴿مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ﴾ نَزَّلَ لِشَفَقَتِهِ عَلى المُؤْمِنِينَ مَسَّ الشَّيْطانِ ذَلِكَ المُؤْمِنَ حَتّى ارْتَدَّ مَنزِلَةَ مَسِّهِ لِنَفْسِهِ؛ لِأنَّ المُؤْمِنَ الخَيِّرَ يَتَألَّمُ بِرُجُوعِ المُؤْمِنِ الخَيِّرِ إلى الكُفْرِ؛ ولِذَلِكَ جاءَ بَعْدَهُ ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾ حَتّى يَغْتَسِلَ ويَذْهَبَ عَنْهُ البَلاءُ، فَلا يَرْتَدُّ أحَدٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ بِسَبَبِ طُولِ بَلائِهِ، وتَسْوِيلِ الشَّيْطانِ أنَّهُ تَعالى لا يَبْتَلِي الأنْبِياءَ. وقِيلَ: أشارَ بِقَوْلِهِ ﴿مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ﴾ إلى تَعْرِيضِهِ لِامْرَأتِهِ، وطَلَبِهِ أنْ تُشْرِكَ بِاللَّهِ، وكَأنَّهُ بِتَشَكِّي هَذا الأمْرِ كانَ عَلَيْهِ أشَدَّ مِن مَرَضِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿بِنُصْبٍ﴾ بِضَمِّ النُّونِ وسُكُونِ الصّادِ، قِيلَ: جَمْعُ نَصْبٍ كَوُثْنٍ ووَثْنٍ. وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، وأبُو عِمارَةَ عَنْ حَفْصٍ، والجُعْفِيُّ عَنْ أبِي بَكْرٍ، وأبُو مُعاذٍ عَنْ نافِعٍ: بِضَمَّتَيْنِ. وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، والحَسَنُ، والسُّدِّيُّ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، ويَعْقُوبُ، والجَحْدَرِيُّ: بِفَتْحَتَيْنِ. وأبُو حَيْوَةَ، ويَعْقُوبُ في رِوايَةٍ، وهُبَيْرَةُ عَنْ حَفْصٍ: بِفَتْحِ النُّونِ وسُكُونِ الصّادِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: النُّصْبُ والنَّصْبُ، كالرُّشْدِ والرَّشْدِ، والنَّصْبُ عَلى أصْلِ المَصْدَرِ، والنُّصْبُ تَثْقِيلُ نَصَبٍ، والمَعْنى واحِدٌ، وهو التَّعَبُ والمَشَقَّةُ. والعَذابُ: الألَمُ، يُرِيدُ مَرَضَهُ وما كانَ يُقاسِي فِيهِ مِن أنْواعِ الوَصَبِ. انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَدْ ذَكَرَ هَذِهِ القِراءاتِ، وذَلِكَ كُلٌّ بِمَعْنًى واحِدٍ مَعْناهُ المَشَقَّةُ، وكَثِيرًا ما يُسْتَعْمَلُ النُّصْبُ في مَشَقَّةِ الإعْياءِ. وفَرَّقَ بَعْضُ النّاسِ بَيْنَ هَذِهِ الألْفاظِ، والصَّوابُ أنَّها لُغاتٌ بِمَعْنًى مِن قَوْلِهِمْ: أنْصَبَنِي الأمْرُ إذا شَقَّ عَلَيَّ، انْتَهى. وقالَ السُّدِّيُّ: بِنُصْبٍ في الجَسَدِ وعَذابٍ في المالِ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: فاسْتَجَبْنا لَهُ وقُلْنا ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾ فَرَكَضَ، فَنَبَعَتْ عَيْنٌ فَقُلْنا لَهُ ﴿هَذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وشَرابٌ﴾ فِيهِ شِفاؤُكَ، فاغْتَسَلَ فَبَرِأ (ووَهَبْنا لَهُ) ويَدُلُّ عَلى هَذِهِ المَحْذُوفاتِ مَعْنى الكَلامِ وسِياقِهِ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في (p-٤٠١)الرَّكْضِ في سُورَةِ الأنْبِياءِ. وعَنْ قَتادَةَ والحَسَنِ ومُقاتِلٍ: كانَ ذَلِكَ بِأرْضِ الجابِيَةِ مِنَ الشَّأْمِ. ومَعْنى ﴿هَذا مُغْتَسَلٌ﴾ أيْ: ما يُغْتَسَلُ بِهِ، (وشَرابٌ) أيْ: ما تَشْرَبُهُ، فَبِاغْتِسالِكَ يَبْرَأُ ظاهِرُكَ، وبِشُرْبِكَ يَبْرَأُ باطِنُكَ. والظّاهِرُ أنَّ المُشارَ إلَيْهِ كانَ واحِدًا، والعَيْنُ الَّتِي نَبَعَتْ لَهُ عَيْنانِ، شَرِبَ مِن إحْداهُما واغْتَسَلَ مِنَ الأُخْرى. وقِيلَ: ضَرَبَ بِرِجْلِهِ اليُمْنى، فَنَبَعَتْ عَيْنٌ حارَّةٌ فاغْتَسَلَ، وبِاليُسْرى فَنَبَعَتْ بارِدَةٌ فَشَرِبَ مِنها، وهَذا مُخالِفٌ لِظاهِرِ قَوْلِهِ: ﴿مُغْتَسَلٌ بارِدٌ﴾، فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ ماءٌ واحِدٌ. وقِيلَ: أُمِرَ بِالرَّكْضِ بِالرِّجْلِ، لِيَتَناثَرَ عَنْهُ كُلُّ داءٍ بِجَسَدِهِ. وقالَ القُتَبِيُّ: المُغْتَسَلُ: الماءُ الَّذِي يُغْتَسَلُ بِهِ. وقالَ مُقاتِلٌ: هو المَوْضِعُ الَّذِي يُغْتَسَلُ فِيهِ. وقالَ الحَسَنُ: رَكَضَ بِرِجْلِهِ، فَنَبَعَتْ عَيْنُ ماءٍ، فاغْتَسَلَ مِنها، ثُمَّ مَشى نَحْوًا مِن أرْبَعِينَ ذِراعًا، ثُمَّ رَكَضَ بِرِجْلِهِ، فَنَبَعَتْ عَيْنٌ، فَشَرِبَ مِنها. قِيلَ: والجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ رَكَضَ رَكْضَتَيْنِ، فَنَبَعَتْ لَهُ عَيْنانِ، شَرِبَ مِن إحْداهُما، واغْتَسَلَ مِنَ الأُخْرى. والجُمْهُورُ: عَلى أنَّهُ تَعالى أحْيا لَهُ مَن ماتَ مِن أهْلِهِ، وعافى المَرْضى، وجَمَعَ عَلَيْهِ مَن شُتِّتَ مِنهم. وقِيلَ: رَزَقَهُ أوْلادًا وذُرِّيَّةً قَدْرَ ذُرِّيَّتِهِ الَّذِينَ هَلَكُوا، ولَمْ يَرُدَّ أهْلَهُ الَّذِينَ هَلَكُوا بِأعْيانِهِمْ، وظاهِرُ هَذِهِ الهَيْئَةِ أنَّها في الدُّنْيا. وقِيلَ ذَلِكَ وعْدٌ، وتَكُونُ تِلْكَ الهَيْئَةُ في الآخِرَةِ. وقِيلَ: وهَبَهُ مَن كانَ حَيًّا مِنهم، وعافاهُ مِنَ الأسْقامِ، وأرْغَدَ لَهُمُ العَيْشَ، فَتَناسَلُوا حَتّى تَضاعَفَ عَدَدُهم وصارَ مِثْلَهم. و(رَحْمَةً)، (وذِكْرى): مَفْعُولانِ لَهُما، أيْ: أنَّ الهِبَةَ كانَتْ لِرَحْمَتِنا إيّاهُ، ولِيَتَذَكَّرَ أرْبابُ العُقُولِ، وما يَحْصُلُ لِلصّابِرِينَ مِنَ الخَيْرِ، وما يَئُولُ إلَيْهِ مِنَ الأجْرِ. وفي الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: وكانَ حَلَفَ لَيَضْرِبَنَّ امْرَأتَهُ مِائَةَ ضَرْبَةٍ لِسَبَبٍ جَرى مِنها، وكانَتْ مُحْسِنَةً لَهُ، فَجَعَلْنا لَهُ خَلاصًا مِن يَمِينِهِ بِقَوْلِنا: ﴿وخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا﴾ . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الضِّغْثُ: عِثْكالُ النَّخْلِ. وقالَ مُجاهِدٌ: الأثْلُ، وهو نَبْتٌ لَهُ شَوْكٌ. وقالَ الضَّحّاكُ: حُزْمَةٌ مِنَ الحَشِيشِ مُخْتَلِفَةٌ. وقالَ الأخْفَشُ: الشَّجَرُ الرَّطْبُ، واخْتَلَفُوا في السَّبَبِ الَّذِي أوْجَبَ حَلِفَهُ. ومَحْصُولُ أقْوالِهِمْ هو: تَمَثُّلُ الشَّيْطانِ لَها في صُورَةِ ناصِحٍ أوْ مُداوٍ. وعَرَضَ لَها شِفاءَ أيُّوبَ عَلى يَدَيْهِ عَلى شَرْطٍ لا يُمْكِنُ وُقُوعُهُ مِن مُؤْمِنٍ، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ، فَعَلِمَ أنَّ الَّذِي عَرَضَ لَها هو الشَّيْطانُ، وغَضِبَ لِعَرْضِها ذَلِكَ عَلَيْهِ فَحَلَفَ. وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الأسْبابِ، وهي مُتَعارِضَةٌ. فَحَلَّلَ اللَّهُ يَمِينَهُ بِأهْوَنِ شَيْءٍ عَلَيْهِ وعَلَيْها، لِحُسْنِ خِدْمَتِها إيّاهُ ورِضاهُ عَنْها، وقَدْ وقَعَ مِثْلُ هَذِهِ الرُّخْصَةِ في الإسْلامِ. «أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمُخْدَجٍ قَدْ خَبُثَ بِأمَةٍ، فَقالَ: ”خُذُوا عِثْكالًا فِيهِ مِائَةُ شِمْراخٍ فاضْرِبُوهُ بِها ضَرْبَةً“» . وقالَ بِذَلِكَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ في الأيْمانِ، قالَ: ويَجِبُ أنْ يُصِيبَ المَضْرُوبَ كُلُّ واحِدٍ مِنَ المِائَةِ، إمّا أطْرافُها قائِمَةٌ، وإمّا أعْراضُها مَبْسُوطَةٌ، مَعَ وُجُودِ صُورَةِ الضَّرْبَةِ. والجُمْهُورُ عَلى تَرْكِ القَوْلِ في الحُدُودِ، وأنَّ البِرَّ في الأيْمانِ لا يَقَعُ إلّا بِإتْمامِ عَدَدِ الضَّرَباتِ. ووَصَفَ اللَّهُ تَعالى نَبِيَّهُ بِالصَّبْرِ. وقَدْ قالَ: ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ [الأنبياء: ٨٣]، فَدَلَّ عَلى أنَّ الشَّكْوى إلى اللَّهِ تَعالى لا تُنافِي الوَصْفَ بِالصَّبْرِ. وقَدْ قالَ يَعْقُوبُ: ﴿إنَّما أشْكُو بَثِّي وحُزْنِي إلى اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٦] عَلى أنَّ أيُّوبَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - طَلَبَ الشِّفاءَ خِيفَةً عَلى قَوْمِهِ أنْ يُوَسْوِسَ إلَيْهِمُ الشَّيْطانُ أنَّهُ لَوْ كانَ نَبِيًّا لَمْ يُبْتَلَ، وتَألُّفًا لِقَوْمِهِ عَلى الطّاعَةِ، وبَلَغَ أمْرُهُ في البَلاءِ إلى أنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنهُ إلّا القَلْبُ واللِّسانُ. ويُرْوى أنَّهُ قالَ في مُناجاتِهِ: إلَهِي قَدْ عَلِمْتَ أنَّهُ لَمْ يُخالِفْ لِسانِي قَلْبِي، ولَمْ يَتْبَعْ قَلْبِي بَصَرِي، ولَمْ يَمْنَعْنِي ما مَلَكَتْ يَمِينِي، ولَمْ آكُلْ إلّا ومَعِي يَتِيمٌ، ولَمْ أبِتْ شَبْعانًا ولا كاسِيًا ومَعِي جائِعٌ أوْ عُرْيانٌ، فَكَشَفَ اللَّهُ عَنْهُ. (واذْكُرْ عَبْدَنا إبْراهِيمَ)، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ كَثِيرٍ وأهْلُ مَكَّةَ، (عَبْدَنا) عَلى الإفْرادِ، وإبْراهِيمُ بَدَلٌ مِنهُ، أوْ عَطْفُ بَيانٍ. والجُمْهُورُ عَلى الجَمْعِ، وما بَعْدَهُ مِنَ الثَّلاثَةِ بَدَلٌ أوْ عَطْفُ بَيانٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿أُولِي الأيْدِي﴾، بِالياءِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ: القُوَّةُ في طاعَةِ اللَّهِ. وقِيلَ: إحْسانُهم في الدِّينِ، وتَقَدُّمُهم عِنْدَ اللَّهِ عَلى عَمَلِ صِدْقٍ، فَهي (p-٤٠٢)كالأيْدِي، وهو قَرِيبٌ مِمّا قَبْلَهُ. وقِيلَ: النِّعَمُ الَّتِي أسْداها اللَّهُ إلَيْهِمْ مِنَ النُّبُوَّةِ والمَكانَةِ. وقِيلَ ﴿الأيْدِي﴾: الجَوارِحُ المُتَصَرِّفَةُ في الخَيْرِ، (والأبْصارِ) الثّاقِبَةُ فِيهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَمّا كانَتْ أكْثَرُ الأعْمالِ تُباشَرُ بِالأيْدِي غَلَبَتْ، فَقِيلَ في كُلِّ عَمَلٍ: هَذا مِمّا عَمِلَتْ أيْدِيهِمْ، وإنْ كانَ عَمَلًا لا يَتَأتّى فِيهِ المُباشَرَةُ بِالأيْدِي، أوْ كانَ العُمّالُ جَذْمًا لا أيْدِيَ لَهم، وعَلى ذَلِكَ ورَدَ قَوْلُهُ عَزَّ وعَلا: ﴿أُولِي الأيْدِي والأبْصارِ﴾، يُرِيدُ: أُولِي الأعْمالِ والفِكْرِ؛ كَأنَّ الَّذِينَ لا يَعْمَلُونَ أعْمالَ الآخِرَةِ، ولا يُجاهِدُونَ في اللَّهِ؛ ولا يُفَكِّرُونَ أفْكارَ ذَوِي الدِّياناتِ، ولا يَسْتَبْصِرُونَ في حُكْمِ الزَّمْنى الَّذِينَ لا يَقْدِرُونَ عَلى إعْمالِ جَوارِحِهِمْ، والمَسْلُوبِي العُقُولِ الَّذِينَ لا اسْتِبْصارَ بِهِمْ؛ وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِكُلِّ مَن لَمْ يَكُنْ مِن عُمّالِ اللَّهِ، ولا مِنَ المُسْتَبْصِرِينَ في دِينِ اللَّهِ، وتَوْبِيخٌ عَلى تَرْكِهِمُ المُجاهَدَةَ والتَّأمُّلَ مَعَ كَوْنِهِمْ مُتَمَكِّنِينَ مِنها. انْتَهى، وهو تَكْثِيرٌ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: اليَدُ آلَةٌ لِأكْثَرِ الأعْمالِ، والبَصَرُ آلَةٌ لِأقْوى الإدْراكاتِ، فَحَسُنَ التَّعْبِيرُ عَنِ العَمَلِ بِاليَدِ، وعَنِ الإدْراكِ بِالبَصَرِ. والنَّفْسُ النّاطِقَةُ لَها قُوَّتانِ: عامِلَةٌ وعالِمَةٌ، فَأُولِي الأيْدِي والأبْصارِ إشارَةٌ إلى هاتَيْنِ الحالَتَيْنِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، والحَسَنُ، وعِيسى، والأعْمَشُ: ﴿الأيْدِ﴾ [ص: ١٧] بِغَيْرِ ياءٍ، فَقِيلَ: يُرادُ الأيْدِي حَذَفَ الياءَ اجْتِزاءً بِالكَسْرَةِ عَنْها، ولَمّا كانَتْ ألْ تُعاقِبُ التَّنْوِينَ، حُذِفَتِ الياءُ مَعَها، كَما حُذِفَتْ مَعَ التَّنْوِينِ. وهَذا تَخْرِيجٌ لا يُسَوَّغُ؛ لِأنَّ حَذْفَ هَذِهِ الياءِ مَعَ وُجُودِ ألْ ذَكَرَهُ سِيبَوَيْهِ في الضَّرائِرِ. وقِيلَ: ﴿الأيْدِي﴾ القُوَّةُ في طاعَةِ اللَّهِ، (والأبْصارِ) عِبارَةٌ عَنِ البَصائِرِ الَّتِي يُبْصِرُونَ بِها الحَقائِقَ ويَنْظُرُونَ بِنُورِ اللَّهِ تَعالى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وتَفْسِيرُ الأيْدِي مِنَ التَّأْيِيدِ قَلَقٌ غَيْرُ مُتَمَكِّنٍ، وإنَّما كانَ قَلَقًا عِنْدَهُ لِعَطْفِ الأبْصارِ عَلَيْهِ، ولا يَنْبَغِي أنْ يُعَلَّقَ، لِأنَّهُ فَسَّرَ ﴿أُولِي الأيْدِي والأبْصارِ﴾ بِقَوْلِهِ: يُرِيدُ أُولِي الأعْمالِ والفِكْرِ. وقُرِئَ: (الأيادِي) جَمْعُ الجَمْعِ، كَأوْطَفٍ وأواطِفَ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، والأعْرَجُ، ونافِعٌ، وهِشامٌ: ﴿بِخالِصَةٍ﴾، بِغَيْرِ تَنْوِينٍ، أُضِيفَتْ إلى ذِكْرى. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ بِالتَّنْوِينِ، و(ذِكْرى) بَدَلٌ مِن ﴿بِخالِصَةٍ﴾ . وقَرَأ الأعْمَشُ، وطَلْحَةُ: (بِخالِصَتِهِمْ) و﴿أخْلَصْناهُمْ﴾: جَعَلْناهم لَنا خالِصِينَ و(خالِصَةٍ)، يُحْتَمَلُ، وهو الأظْهَرُ، أنْ يَكُونَ اسْمَ فاعِلٍ بِهِ عَنْ مَزِيَّةٍ أوْ رُتْبَةٍ أوْ خَصْلَةٍ خالِصَةٍ لا شَوْبَ فِيها، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا، كالعاقِبَةِ، فَيَكُونُ قَدْ حُذِفَ مِنهُ الفاعِلُ، أيْ: أخْلَصْناهم بِأنْ أخْلَصُوا ذِكْرى الدّارِ، فَيَكُونُ ذِكْرى مَفْعُولًا، أوْ بِأنْ أخْلَصْنا لَهم ذِكْرى الدّارِ، أوْ يَكُونُ الفاعِلُ ذِكْرى، أيْ: بِأنْ خَلَصَتْ لَهم ذِكْرى الدّارِ، والدّارُ في كُلِّ وجْهٍ مِن مَوْضِعِ نَصْبٍ بِذِكْرى، وذِكْرى مَصْدَرٌ، والدّارُ دارُ الآخِرَةِ. قالَ قَتادَةُ: المَعْنى بِأنْ خَلَصَ لَهُمُ التَّذْكِيرُ بِالدّارِ الآخِرَةِ، ودَعا النّاسَ إلَيْها وحَضَّهم عَلَيْها. وقالَ مُجاهِدٌ: خَلَصَ لَهم ذِكْرُهُمُ الدّارَ الآخِرَةَ، وخَوْفُهم لَها. والعَمَلُ بِحَسَبِ ذَلِكَ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: وهَبْنا لَهم أفْضَلَ ما في الدّارِ الآخِرَةِ، وأخْلَصْناهم بِهِ، وأعْطَيْناهم إيّاهُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِالدّارِ دارَ الدُّنْيا، عَلى مَعْنى ذِكْرِ الثَّناءِ والتَّعْظِيمِ مِنَ النّاسِ، والحَمْدُ الباقِي الَّذِي هو الخُلْدُ المَجازِيُّ، فَتَجِيءُ الآيَةُ في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿لِسانَ صِدْقٍ﴾ [مريم: ٥٠]، وقَوْلِهِ: ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ [الصافات: ٧٨] . انْتَهى. وحَكى الزَّمَخْشَرِيُّ هَذا الِاحْتِمالَ قَوْلًا فَقالَ: وقِيلَ ﴿ذِكْرى الدّارِ﴾: الثَّناءُ الجَمِيلُ في الدُّنْيا ولِسانُ الصِّدْقِ. انْتَهى. والباءُ في ﴿بِخالِصَةٍ﴾ باءُ السَّبَبِ، أيْ: بِسَبَبِ هَذِهِ الخَصْلَةِ وبِأنَّهم مِن أهْلِها، ويُعَضِّدُهُ قِراءَةُ (بِخالِصِهِمْ) . ﴿وإنَّهم عِنْدَنا لَمِنَ المُصْطَفَيْنَ﴾، أيْ: المُخْتارِينَ مِن بَيْنِ أبْناءِ جِنْسِهِمْ. (الأخْيارِ): جَمْعُ خَيِّرٍ، وخَيِّرٌ كَمَيِّتٍ ومَيِّتٌ وأمْواتٌ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في اليَسَعَ في سُورَةِ الأنْعامِ، وذا الكِفْلِ في سُورَةِ الأنْبِياءِ. وعِنْدَنا ظَرْفٌ مَعْمُولٌ لِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ المُصْطَفَيْنَ، أيْ: وإنَّهم مُصْطَفَوْنَ عِنْدَنا، أوْ مَعْمُولٌ لِلْمُصْطَفَيْنَ، وإنْ كانَ بِألْ؛ لِأنَّهم يَتَسَمَّحُونَ في الظَّرْفِ والمَجْرُورِ ما لا يَتَسَمَّحُونَ (p-٤٠٣)فِي غَيْرِهِما، أوْ عَلى التَّبْيِينِ، أيْ: أعْنِي عِنْدَنا، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عِنْدَنا في مَوْضِعِ الخَبَرِ، ويَعْنِي بِالعِنْدِيَّةِ: المَكانَةُ، ولَمِنَ المُصْطَفَيْنَ: في مَوْضِعِ خَبَرٍ ثانٍ لِوُجُودِ اللّامِ، لا يَجُوزُ أنَّ زَيْدًا قائِمٌ لَمُنْطَلِقٌ، (وكُلٌّ): أيْ: وكُلُّهم، مِنَ الأخْيارِ.

ص 38:45

﴿واذْكُرْ عَبْدَنا أيُّوبَ إذْ نادى رَبَّهُ أنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وعَذابٍ﴾ ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وشَرابٌ﴾ ﴿ووَهَبْنا لَهُ أهْلَهُ ومِثْلَهم مَعَهم رَحْمَةً مِنّا وذِكْرى لِأُولِي الألْبابِ﴾ ﴿وخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فاضْرِبْ بِهِ ولا تَحْنَثْ إنّا وجَدْناهُ صابِرًا نِعْمَ العَبْدُ إنَّهُ أوّابٌ﴾ ﴿واذْكُرْ عِبادَنا إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ أُولِي الأيْدِي والأبْصارِ﴾ ﴿إنّا أخْلَصْناهم بِخالِصَةٍ ذِكْرى الدّارِ﴾ ﴿وإنَّهم عِنْدَنا لَمِنَ المُصْطَفَيْنَ الأخْيارِ﴾ ﴿واذْكُرْ إسْماعِيلَ واليَسَعَ وذا الكِفْلِ وكُلٌّ مِنَ الأخْيارِ﴾ ﴿هَذا ذِكْرٌ وإنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ﴾ [ص: ٤٩] ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الأبْوابُ﴾ [ص: ٥٠] ﴿مُتَّكِئِينَ فِيها يَدْعُونَ فِيها بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وشَرابٍ﴾ [ص: ٥١] ﴿وعِنْدَهم قاصِراتُ الطَّرْفِ أتْرابٌ﴾ [ص: ٥٢] ﴿هَذا ما تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الحِسابِ﴾ [ص: ٥٣] ﴿إنَّ هَذا لَرِزْقُنا ما لَهُ مِن نَفادٍ﴾ [ص: ٥٤] ﴿هَذا وإنَّ لِلطّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ﴾ [ص: ٥٥] ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ المِهادُ﴾ [ص: ٥٦] ﴿هَذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وغَسّاقٌ﴾ [ص: ٥٧] ﴿وآخَرُ مِن شَكْلِهِ أزْواجٌ﴾ [ص: ٥٨] ﴿هَذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكم لا مَرْحَبًا بِهِمْ إنَّهم صالُوا النّارِ﴾ [ص: ٥٩] الضِّغْثُ: حُزْمَةٌ صَغِيرَةٌ مِن حَشِيشٍ أوْ رَيْحانٍ أوْ قُضْبانٍ، وقِيلَ: القَبْضَةُ الكَبِيرَةُ مِنَ القُضْبانِ، ومِنهُ قَوْلُهم: ضِغْثٌ عَلى إبّالَةِ، والإبّالَةُ: الحُزْمَةُ مِنَ الحَطَبِ، والضِّغْثُ: القَبْضَةُ عَلَيْها مِنَ الحَطَبِ أيْضًا، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وأسْفَلَ مِنِّي نَهْدَةً قَدْ رَبَطْتُها وألْقَيْتُ ضِغْثًا مِن خَلًى مُتَطَيِّبِ الحِنْثُ: فِعْلُ ما حَلَفَ عَلى تَرْكِهِ، وتَرْكُ ما حَلَفَ عَلى فِعْلِهِ، الغَسّاقُ: ما سالَ، يُقالُ: غَسَقَتِ العَيْنُ والجُرْحُ. وعَنْ أبِي عُبَيْدَةَ: أنَّهُ البارِدُ المُنْتِنُ بِلُغَةِ التُّرْكِ. وقالَ الأزْهَرِيُّ: الغاسِقُ البارِدُ، ولِهَذا قِيلَ: لَيْلٌ غاسِقٌ؛ لِأنَّهُ أبْرَدُ مِنَ النَّهارِ. الِاقْتِحامُ: رُكُوبُ الشِّدَّةِ والدُّخُولُ فِيها، والقَحْمَةُ: الشِّدَّةُ. ﴿واذْكُرْ عَبْدَنا أيُّوبَ إذْ نادى رَبَّهُ أنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وعَذابٍ﴾ ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وشَرابٌ﴾ ﴿ووَهَبْنا لَهُ أهْلَهُ ومِثْلَهم مَعَهم رَحْمَةً مِنّا وذِكْرى لِأُولِي الألْبابِ﴾ ﴿وخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فاضْرِبْ بِهِ ولا تَحْنَثْ إنّا وجَدْناهُ صابِرًا نِعْمَ العَبْدُ إنَّهُ أوّابٌ﴾ ﴿واذْكُرْ عِبادَنا إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ أُولِي الأيْدِي والأبْصارِ﴾ ﴿إنّا أخْلَصْناهم بِخالِصَةٍ ذِكْرى الدّارِ﴾ ﴿وإنَّهم عِنْدَنا لَمِنَ المُصْطَفَيْنَ الأخْيارِ﴾ ﴿واذْكُرْ إسْماعِيلَ واليَسَعَ وذا الكِفْلِ وكُلٌّ مِنَ الأخْيارِ﴾ . (p-٤٠٠)لَمّا أمَرَ نَبِيَّهُ بِالصَّبْرِ، وذَكَرَ ابْتِلاءَ داوُدَ وسُلَيْمانَ، وأثْنى عَلَيْهِما، ذَكَرَ مَن كانَ أشَدَّ ابْتِلاءٍ مِنهُما، وأنَّهُ كانَ في غايَةِ الصَّبْرِ بِحَيْثُ أثْنى اللَّهُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ. وأيُّوبُ: عَطْفُ بَيانٍ أوْ بَدَلٌ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإذْ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (أنِّي) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، وعِيسى: بِكَسْرِها، وجاءَ بِضَمِيرِ التَّكَلُّمِ حِكايَةً لِكَلامِهِ الَّذِي ناداهُ بِسَبَبِهِ، ولَوْ لَمْ يَحْكِ لَقالَ: إنَّهُ مَسَّهُ؛ لِأنَّهُ غائِبٌ، وأسْنَدَ المَسَّ إلى الشَّيْطانِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَمّا كانَتْ وسْوَسَتُهُ إلَيْهِ وطاعَتُهُ لَهُ فِيما وسْوَسَ سَبَبًا فِيما مَسَّهُ اللَّهُ بِهِ مِنَ النُّصْبِ والعَذابِ، نَسَبَهُ إلَيْهِ وقَدْ راعى الأدَبَ في ذَلِكَ حَيْثُ لَمْ يَنْسُبْهُ إلى اللَّهِ في دُعائِهِ مَعَ أنَّهُ فاعِلُهُ ولا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إلّا هو. وقِيلَ: أرادَ ما كانَ يُوَسْوِسُ بِهِ إلَيْهِ في مَرَضِهِ مِن تَعْظِيمِ ما نَزَلَ بِهِ مِنَ البَلاءِ، فالتَجَأ إلى اللَّهِ في أنْ يَكْفِيَهُ ذَلِكَ بِكَشْفِ البَلاءِ، أوْ بِالتَّوْفِيقِ في دَفْعِهِ ورَدِّهِ بِالصَّبْرِ الجَمِيلِ. وذَكَرَ في سَبَبِ بَلائِهِ أنَّ رَجُلًا اسْتَغاثَهُ عَلى ظالِمٍ، فَلَمْ يُغِثْهُ. وقِيلَ: كانَتْ مَواشِيهِ في ناحِيَةِ مَلِكٍ كافِرٍ، فَداهَنَهُ ولَمْ يَفْدِهِ. وقِيلَ: أُعْجِبَ بِكَثْرَةِ مالِهِ. انْتَهى. ولا يُناسِبُ مَناصِبَ الأنْبِياءِ ما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِن أنَّ أيُّوبَ كانَتْ مِنهُ طاعَةٌ لِلشَّيْطانِ فِيما وسْوَسَ بِهِ، وأنَّ ذَلِكَ كانَ سَبَبًا لِما مَسَّهُ اللَّهُ بِهِ مِنَ النُّصْبِ والعَذابِ، ولا أنَّ رَجُلًا اسْتَغاثَهُ عَلى ظالِمٍ فَلَمْ يُغِثْهُ، ولا أنَّهُ داهَنَ كافِرًا ولا أنَّهُ أُعْجِبَ بِكَثْرَةِ مالِهِ. وكَذَلِكَ ما رَوَوْا أنَّ الشَّيْطانَ سَلَّطَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ حَتّى أذْهَبَ أهْلَهُ ومالَهُ لا يُمْكِنُ أنْ يَصِحَّ، ولا قُدْرَةَ لَهُ عَلى البَشَرِ إلّا بِإلْقاءِ الوَساوِسِ الفاسِدَةِ لِغَيْرِ المَعْصُومِ. والَّذِي نَقُولُهُ: أنَّهُ تَعالى ابْتَلى أيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ في جَسَدِهِ وأهْلِهِ ومالِهِ، عَلى ما رُوِيَ في الأخْبارِ. ورَوى أنَسٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أنَّ أيُّوبَ بَقِيَ في مِحْنَتِهِ ثَمانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً يَتَساقَطُ لَحْمُهُ حَتّى مَلَّهُ العالَمُ، ولَمْ يَصْبِرْ عَلَيْهِ إلّا امْرَأتُهُ»، ولَمْ يُبَيِّنْ لَنا تَوالِيَ السَّبَبِ المُقْتَضِي لِعِلَّتِهِ. وأمّا إسْنادُهُ المَسَّ إلى الشَّيْطانِ فَسَبَبُ ذَلِكَ أنَّهُ كانَ يَعُودُهُ ثَلاثٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ، فارْتَدَّ أحَدُهم، فَسَألَ عَنْهُ فَقِيلَ: ألْقى إلَيْهِ الشَّيْطانُ أنَّ اللَّهَ لا يَبْتَلِي الأنْبِياءَ والصّالِحِينَ، فَحِينَئِذٍ قالَ ﴿مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ﴾ نَزَّلَ لِشَفَقَتِهِ عَلى المُؤْمِنِينَ مَسَّ الشَّيْطانِ ذَلِكَ المُؤْمِنَ حَتّى ارْتَدَّ مَنزِلَةَ مَسِّهِ لِنَفْسِهِ؛ لِأنَّ المُؤْمِنَ الخَيِّرَ يَتَألَّمُ بِرُجُوعِ المُؤْمِنِ الخَيِّرِ إلى الكُفْرِ؛ ولِذَلِكَ جاءَ بَعْدَهُ ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾ حَتّى يَغْتَسِلَ ويَذْهَبَ عَنْهُ البَلاءُ، فَلا يَرْتَدُّ أحَدٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ بِسَبَبِ طُولِ بَلائِهِ، وتَسْوِيلِ الشَّيْطانِ أنَّهُ تَعالى لا يَبْتَلِي الأنْبِياءَ. وقِيلَ: أشارَ بِقَوْلِهِ ﴿مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ﴾ إلى تَعْرِيضِهِ لِامْرَأتِهِ، وطَلَبِهِ أنْ تُشْرِكَ بِاللَّهِ، وكَأنَّهُ بِتَشَكِّي هَذا الأمْرِ كانَ عَلَيْهِ أشَدَّ مِن مَرَضِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿بِنُصْبٍ﴾ بِضَمِّ النُّونِ وسُكُونِ الصّادِ، قِيلَ: جَمْعُ نَصْبٍ كَوُثْنٍ ووَثْنٍ. وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، وأبُو عِمارَةَ عَنْ حَفْصٍ، والجُعْفِيُّ عَنْ أبِي بَكْرٍ، وأبُو مُعاذٍ عَنْ نافِعٍ: بِضَمَّتَيْنِ. وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، والحَسَنُ، والسُّدِّيُّ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، ويَعْقُوبُ، والجَحْدَرِيُّ: بِفَتْحَتَيْنِ. وأبُو حَيْوَةَ، ويَعْقُوبُ في رِوايَةٍ، وهُبَيْرَةُ عَنْ حَفْصٍ: بِفَتْحِ النُّونِ وسُكُونِ الصّادِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: النُّصْبُ والنَّصْبُ، كالرُّشْدِ والرَّشْدِ، والنَّصْبُ عَلى أصْلِ المَصْدَرِ، والنُّصْبُ تَثْقِيلُ نَصَبٍ، والمَعْنى واحِدٌ، وهو التَّعَبُ والمَشَقَّةُ. والعَذابُ: الألَمُ، يُرِيدُ مَرَضَهُ وما كانَ يُقاسِي فِيهِ مِن أنْواعِ الوَصَبِ. انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَدْ ذَكَرَ هَذِهِ القِراءاتِ، وذَلِكَ كُلٌّ بِمَعْنًى واحِدٍ مَعْناهُ المَشَقَّةُ، وكَثِيرًا ما يُسْتَعْمَلُ النُّصْبُ في مَشَقَّةِ الإعْياءِ. وفَرَّقَ بَعْضُ النّاسِ بَيْنَ هَذِهِ الألْفاظِ، والصَّوابُ أنَّها لُغاتٌ بِمَعْنًى مِن قَوْلِهِمْ: أنْصَبَنِي الأمْرُ إذا شَقَّ عَلَيَّ، انْتَهى. وقالَ السُّدِّيُّ: بِنُصْبٍ في الجَسَدِ وعَذابٍ في المالِ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: فاسْتَجَبْنا لَهُ وقُلْنا ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾ فَرَكَضَ، فَنَبَعَتْ عَيْنٌ فَقُلْنا لَهُ ﴿هَذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وشَرابٌ﴾ فِيهِ شِفاؤُكَ، فاغْتَسَلَ فَبَرِأ (ووَهَبْنا لَهُ) ويَدُلُّ عَلى هَذِهِ المَحْذُوفاتِ مَعْنى الكَلامِ وسِياقِهِ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في (p-٤٠١)الرَّكْضِ في سُورَةِ الأنْبِياءِ. وعَنْ قَتادَةَ والحَسَنِ ومُقاتِلٍ: كانَ ذَلِكَ بِأرْضِ الجابِيَةِ مِنَ الشَّأْمِ. ومَعْنى ﴿هَذا مُغْتَسَلٌ﴾ أيْ: ما يُغْتَسَلُ بِهِ، (وشَرابٌ) أيْ: ما تَشْرَبُهُ، فَبِاغْتِسالِكَ يَبْرَأُ ظاهِرُكَ، وبِشُرْبِكَ يَبْرَأُ باطِنُكَ. والظّاهِرُ أنَّ المُشارَ إلَيْهِ كانَ واحِدًا، والعَيْنُ الَّتِي نَبَعَتْ لَهُ عَيْنانِ، شَرِبَ مِن إحْداهُما واغْتَسَلَ مِنَ الأُخْرى. وقِيلَ: ضَرَبَ بِرِجْلِهِ اليُمْنى، فَنَبَعَتْ عَيْنٌ حارَّةٌ فاغْتَسَلَ، وبِاليُسْرى فَنَبَعَتْ بارِدَةٌ فَشَرِبَ مِنها، وهَذا مُخالِفٌ لِظاهِرِ قَوْلِهِ: ﴿مُغْتَسَلٌ بارِدٌ﴾، فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ ماءٌ واحِدٌ. وقِيلَ: أُمِرَ بِالرَّكْضِ بِالرِّجْلِ، لِيَتَناثَرَ عَنْهُ كُلُّ داءٍ بِجَسَدِهِ. وقالَ القُتَبِيُّ: المُغْتَسَلُ: الماءُ الَّذِي يُغْتَسَلُ بِهِ. وقالَ مُقاتِلٌ: هو المَوْضِعُ الَّذِي يُغْتَسَلُ فِيهِ. وقالَ الحَسَنُ: رَكَضَ بِرِجْلِهِ، فَنَبَعَتْ عَيْنُ ماءٍ، فاغْتَسَلَ مِنها، ثُمَّ مَشى نَحْوًا مِن أرْبَعِينَ ذِراعًا، ثُمَّ رَكَضَ بِرِجْلِهِ، فَنَبَعَتْ عَيْنٌ، فَشَرِبَ مِنها. قِيلَ: والجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ رَكَضَ رَكْضَتَيْنِ، فَنَبَعَتْ لَهُ عَيْنانِ، شَرِبَ مِن إحْداهُما، واغْتَسَلَ مِنَ الأُخْرى. والجُمْهُورُ: عَلى أنَّهُ تَعالى أحْيا لَهُ مَن ماتَ مِن أهْلِهِ، وعافى المَرْضى، وجَمَعَ عَلَيْهِ مَن شُتِّتَ مِنهم. وقِيلَ: رَزَقَهُ أوْلادًا وذُرِّيَّةً قَدْرَ ذُرِّيَّتِهِ الَّذِينَ هَلَكُوا، ولَمْ يَرُدَّ أهْلَهُ الَّذِينَ هَلَكُوا بِأعْيانِهِمْ، وظاهِرُ هَذِهِ الهَيْئَةِ أنَّها في الدُّنْيا. وقِيلَ ذَلِكَ وعْدٌ، وتَكُونُ تِلْكَ الهَيْئَةُ في الآخِرَةِ. وقِيلَ: وهَبَهُ مَن كانَ حَيًّا مِنهم، وعافاهُ مِنَ الأسْقامِ، وأرْغَدَ لَهُمُ العَيْشَ، فَتَناسَلُوا حَتّى تَضاعَفَ عَدَدُهم وصارَ مِثْلَهم. و(رَحْمَةً)، (وذِكْرى): مَفْعُولانِ لَهُما، أيْ: أنَّ الهِبَةَ كانَتْ لِرَحْمَتِنا إيّاهُ، ولِيَتَذَكَّرَ أرْبابُ العُقُولِ، وما يَحْصُلُ لِلصّابِرِينَ مِنَ الخَيْرِ، وما يَئُولُ إلَيْهِ مِنَ الأجْرِ. وفي الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: وكانَ حَلَفَ لَيَضْرِبَنَّ امْرَأتَهُ مِائَةَ ضَرْبَةٍ لِسَبَبٍ جَرى مِنها، وكانَتْ مُحْسِنَةً لَهُ، فَجَعَلْنا لَهُ خَلاصًا مِن يَمِينِهِ بِقَوْلِنا: ﴿وخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا﴾ . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الضِّغْثُ: عِثْكالُ النَّخْلِ. وقالَ مُجاهِدٌ: الأثْلُ، وهو نَبْتٌ لَهُ شَوْكٌ. وقالَ الضَّحّاكُ: حُزْمَةٌ مِنَ الحَشِيشِ مُخْتَلِفَةٌ. وقالَ الأخْفَشُ: الشَّجَرُ الرَّطْبُ، واخْتَلَفُوا في السَّبَبِ الَّذِي أوْجَبَ حَلِفَهُ. ومَحْصُولُ أقْوالِهِمْ هو: تَمَثُّلُ الشَّيْطانِ لَها في صُورَةِ ناصِحٍ أوْ مُداوٍ. وعَرَضَ لَها شِفاءَ أيُّوبَ عَلى يَدَيْهِ عَلى شَرْطٍ لا يُمْكِنُ وُقُوعُهُ مِن مُؤْمِنٍ، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ، فَعَلِمَ أنَّ الَّذِي عَرَضَ لَها هو الشَّيْطانُ، وغَضِبَ لِعَرْضِها ذَلِكَ عَلَيْهِ فَحَلَفَ. وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الأسْبابِ، وهي مُتَعارِضَةٌ. فَحَلَّلَ اللَّهُ يَمِينَهُ بِأهْوَنِ شَيْءٍ عَلَيْهِ وعَلَيْها، لِحُسْنِ خِدْمَتِها إيّاهُ ورِضاهُ عَنْها، وقَدْ وقَعَ مِثْلُ هَذِهِ الرُّخْصَةِ في الإسْلامِ. «أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمُخْدَجٍ قَدْ خَبُثَ بِأمَةٍ، فَقالَ: ”خُذُوا عِثْكالًا فِيهِ مِائَةُ شِمْراخٍ فاضْرِبُوهُ بِها ضَرْبَةً“» . وقالَ بِذَلِكَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ في الأيْمانِ، قالَ: ويَجِبُ أنْ يُصِيبَ المَضْرُوبَ كُلُّ واحِدٍ مِنَ المِائَةِ، إمّا أطْرافُها قائِمَةٌ، وإمّا أعْراضُها مَبْسُوطَةٌ، مَعَ وُجُودِ صُورَةِ الضَّرْبَةِ. والجُمْهُورُ عَلى تَرْكِ القَوْلِ في الحُدُودِ، وأنَّ البِرَّ في الأيْمانِ لا يَقَعُ إلّا بِإتْمامِ عَدَدِ الضَّرَباتِ. ووَصَفَ اللَّهُ تَعالى نَبِيَّهُ بِالصَّبْرِ. وقَدْ قالَ: ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ [الأنبياء: ٨٣]، فَدَلَّ عَلى أنَّ الشَّكْوى إلى اللَّهِ تَعالى لا تُنافِي الوَصْفَ بِالصَّبْرِ. وقَدْ قالَ يَعْقُوبُ: ﴿إنَّما أشْكُو بَثِّي وحُزْنِي إلى اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٦] عَلى أنَّ أيُّوبَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - طَلَبَ الشِّفاءَ خِيفَةً عَلى قَوْمِهِ أنْ يُوَسْوِسَ إلَيْهِمُ الشَّيْطانُ أنَّهُ لَوْ كانَ نَبِيًّا لَمْ يُبْتَلَ، وتَألُّفًا لِقَوْمِهِ عَلى الطّاعَةِ، وبَلَغَ أمْرُهُ في البَلاءِ إلى أنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنهُ إلّا القَلْبُ واللِّسانُ. ويُرْوى أنَّهُ قالَ في مُناجاتِهِ: إلَهِي قَدْ عَلِمْتَ أنَّهُ لَمْ يُخالِفْ لِسانِي قَلْبِي، ولَمْ يَتْبَعْ قَلْبِي بَصَرِي، ولَمْ يَمْنَعْنِي ما مَلَكَتْ يَمِينِي، ولَمْ آكُلْ إلّا ومَعِي يَتِيمٌ، ولَمْ أبِتْ شَبْعانًا ولا كاسِيًا ومَعِي جائِعٌ أوْ عُرْيانٌ، فَكَشَفَ اللَّهُ عَنْهُ. (واذْكُرْ عَبْدَنا إبْراهِيمَ)، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ كَثِيرٍ وأهْلُ مَكَّةَ، (عَبْدَنا) عَلى الإفْرادِ، وإبْراهِيمُ بَدَلٌ مِنهُ، أوْ عَطْفُ بَيانٍ. والجُمْهُورُ عَلى الجَمْعِ، وما بَعْدَهُ مِنَ الثَّلاثَةِ بَدَلٌ أوْ عَطْفُ بَيانٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿أُولِي الأيْدِي﴾، بِالياءِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ: القُوَّةُ في طاعَةِ اللَّهِ. وقِيلَ: إحْسانُهم في الدِّينِ، وتَقَدُّمُهم عِنْدَ اللَّهِ عَلى عَمَلِ صِدْقٍ، فَهي (p-٤٠٢)كالأيْدِي، وهو قَرِيبٌ مِمّا قَبْلَهُ. وقِيلَ: النِّعَمُ الَّتِي أسْداها اللَّهُ إلَيْهِمْ مِنَ النُّبُوَّةِ والمَكانَةِ. وقِيلَ ﴿الأيْدِي﴾: الجَوارِحُ المُتَصَرِّفَةُ في الخَيْرِ، (والأبْصارِ) الثّاقِبَةُ فِيهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَمّا كانَتْ أكْثَرُ الأعْمالِ تُباشَرُ بِالأيْدِي غَلَبَتْ، فَقِيلَ في كُلِّ عَمَلٍ: هَذا مِمّا عَمِلَتْ أيْدِيهِمْ، وإنْ كانَ عَمَلًا لا يَتَأتّى فِيهِ المُباشَرَةُ بِالأيْدِي، أوْ كانَ العُمّالُ جَذْمًا لا أيْدِيَ لَهم، وعَلى ذَلِكَ ورَدَ قَوْلُهُ عَزَّ وعَلا: ﴿أُولِي الأيْدِي والأبْصارِ﴾، يُرِيدُ: أُولِي الأعْمالِ والفِكْرِ؛ كَأنَّ الَّذِينَ لا يَعْمَلُونَ أعْمالَ الآخِرَةِ، ولا يُجاهِدُونَ في اللَّهِ؛ ولا يُفَكِّرُونَ أفْكارَ ذَوِي الدِّياناتِ، ولا يَسْتَبْصِرُونَ في حُكْمِ الزَّمْنى الَّذِينَ لا يَقْدِرُونَ عَلى إعْمالِ جَوارِحِهِمْ، والمَسْلُوبِي العُقُولِ الَّذِينَ لا اسْتِبْصارَ بِهِمْ؛ وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِكُلِّ مَن لَمْ يَكُنْ مِن عُمّالِ اللَّهِ، ولا مِنَ المُسْتَبْصِرِينَ في دِينِ اللَّهِ، وتَوْبِيخٌ عَلى تَرْكِهِمُ المُجاهَدَةَ والتَّأمُّلَ مَعَ كَوْنِهِمْ مُتَمَكِّنِينَ مِنها. انْتَهى، وهو تَكْثِيرٌ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: اليَدُ آلَةٌ لِأكْثَرِ الأعْمالِ، والبَصَرُ آلَةٌ لِأقْوى الإدْراكاتِ، فَحَسُنَ التَّعْبِيرُ عَنِ العَمَلِ بِاليَدِ، وعَنِ الإدْراكِ بِالبَصَرِ. والنَّفْسُ النّاطِقَةُ لَها قُوَّتانِ: عامِلَةٌ وعالِمَةٌ، فَأُولِي الأيْدِي والأبْصارِ إشارَةٌ إلى هاتَيْنِ الحالَتَيْنِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، والحَسَنُ، وعِيسى، والأعْمَشُ: ﴿الأيْدِ﴾ [ص: ١٧] بِغَيْرِ ياءٍ، فَقِيلَ: يُرادُ الأيْدِي حَذَفَ الياءَ اجْتِزاءً بِالكَسْرَةِ عَنْها، ولَمّا كانَتْ ألْ تُعاقِبُ التَّنْوِينَ، حُذِفَتِ الياءُ مَعَها، كَما حُذِفَتْ مَعَ التَّنْوِينِ. وهَذا تَخْرِيجٌ لا يُسَوَّغُ؛ لِأنَّ حَذْفَ هَذِهِ الياءِ مَعَ وُجُودِ ألْ ذَكَرَهُ سِيبَوَيْهِ في الضَّرائِرِ. وقِيلَ: ﴿الأيْدِي﴾ القُوَّةُ في طاعَةِ اللَّهِ، (والأبْصارِ) عِبارَةٌ عَنِ البَصائِرِ الَّتِي يُبْصِرُونَ بِها الحَقائِقَ ويَنْظُرُونَ بِنُورِ اللَّهِ تَعالى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وتَفْسِيرُ الأيْدِي مِنَ التَّأْيِيدِ قَلَقٌ غَيْرُ مُتَمَكِّنٍ، وإنَّما كانَ قَلَقًا عِنْدَهُ لِعَطْفِ الأبْصارِ عَلَيْهِ، ولا يَنْبَغِي أنْ يُعَلَّقَ، لِأنَّهُ فَسَّرَ ﴿أُولِي الأيْدِي والأبْصارِ﴾ بِقَوْلِهِ: يُرِيدُ أُولِي الأعْمالِ والفِكْرِ. وقُرِئَ: (الأيادِي) جَمْعُ الجَمْعِ، كَأوْطَفٍ وأواطِفَ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، والأعْرَجُ، ونافِعٌ، وهِشامٌ: ﴿بِخالِصَةٍ﴾، بِغَيْرِ تَنْوِينٍ، أُضِيفَتْ إلى ذِكْرى. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ بِالتَّنْوِينِ، و(ذِكْرى) بَدَلٌ مِن ﴿بِخالِصَةٍ﴾ . وقَرَأ الأعْمَشُ، وطَلْحَةُ: (بِخالِصَتِهِمْ) و﴿أخْلَصْناهُمْ﴾: جَعَلْناهم لَنا خالِصِينَ و(خالِصَةٍ)، يُحْتَمَلُ، وهو الأظْهَرُ، أنْ يَكُونَ اسْمَ فاعِلٍ بِهِ عَنْ مَزِيَّةٍ أوْ رُتْبَةٍ أوْ خَصْلَةٍ خالِصَةٍ لا شَوْبَ فِيها، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا، كالعاقِبَةِ، فَيَكُونُ قَدْ حُذِفَ مِنهُ الفاعِلُ، أيْ: أخْلَصْناهم بِأنْ أخْلَصُوا ذِكْرى الدّارِ، فَيَكُونُ ذِكْرى مَفْعُولًا، أوْ بِأنْ أخْلَصْنا لَهم ذِكْرى الدّارِ، أوْ يَكُونُ الفاعِلُ ذِكْرى، أيْ: بِأنْ خَلَصَتْ لَهم ذِكْرى الدّارِ، والدّارُ في كُلِّ وجْهٍ مِن مَوْضِعِ نَصْبٍ بِذِكْرى، وذِكْرى مَصْدَرٌ، والدّارُ دارُ الآخِرَةِ. قالَ قَتادَةُ: المَعْنى بِأنْ خَلَصَ لَهُمُ التَّذْكِيرُ بِالدّارِ الآخِرَةِ، ودَعا النّاسَ إلَيْها وحَضَّهم عَلَيْها. وقالَ مُجاهِدٌ: خَلَصَ لَهم ذِكْرُهُمُ الدّارَ الآخِرَةَ، وخَوْفُهم لَها. والعَمَلُ بِحَسَبِ ذَلِكَ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: وهَبْنا لَهم أفْضَلَ ما في الدّارِ الآخِرَةِ، وأخْلَصْناهم بِهِ، وأعْطَيْناهم إيّاهُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِالدّارِ دارَ الدُّنْيا، عَلى مَعْنى ذِكْرِ الثَّناءِ والتَّعْظِيمِ مِنَ النّاسِ، والحَمْدُ الباقِي الَّذِي هو الخُلْدُ المَجازِيُّ، فَتَجِيءُ الآيَةُ في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿لِسانَ صِدْقٍ﴾ [مريم: ٥٠]، وقَوْلِهِ: ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ [الصافات: ٧٨] . انْتَهى. وحَكى الزَّمَخْشَرِيُّ هَذا الِاحْتِمالَ قَوْلًا فَقالَ: وقِيلَ ﴿ذِكْرى الدّارِ﴾: الثَّناءُ الجَمِيلُ في الدُّنْيا ولِسانُ الصِّدْقِ. انْتَهى. والباءُ في ﴿بِخالِصَةٍ﴾ باءُ السَّبَبِ، أيْ: بِسَبَبِ هَذِهِ الخَصْلَةِ وبِأنَّهم مِن أهْلِها، ويُعَضِّدُهُ قِراءَةُ (بِخالِصِهِمْ) . ﴿وإنَّهم عِنْدَنا لَمِنَ المُصْطَفَيْنَ﴾، أيْ: المُخْتارِينَ مِن بَيْنِ أبْناءِ جِنْسِهِمْ. (الأخْيارِ): جَمْعُ خَيِّرٍ، وخَيِّرٌ كَمَيِّتٍ ومَيِّتٌ وأمْواتٌ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في اليَسَعَ في سُورَةِ الأنْعامِ، وذا الكِفْلِ في سُورَةِ الأنْبِياءِ. وعِنْدَنا ظَرْفٌ مَعْمُولٌ لِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ المُصْطَفَيْنَ، أيْ: وإنَّهم مُصْطَفَوْنَ عِنْدَنا، أوْ مَعْمُولٌ لِلْمُصْطَفَيْنَ، وإنْ كانَ بِألْ؛ لِأنَّهم يَتَسَمَّحُونَ في الظَّرْفِ والمَجْرُورِ ما لا يَتَسَمَّحُونَ (p-٤٠٣)فِي غَيْرِهِما، أوْ عَلى التَّبْيِينِ، أيْ: أعْنِي عِنْدَنا، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عِنْدَنا في مَوْضِعِ الخَبَرِ، ويَعْنِي بِالعِنْدِيَّةِ: المَكانَةُ، ولَمِنَ المُصْطَفَيْنَ: في مَوْضِعِ خَبَرٍ ثانٍ لِوُجُودِ اللّامِ، لا يَجُوزُ أنَّ زَيْدًا قائِمٌ لَمُنْطَلِقٌ، (وكُلٌّ): أيْ: وكُلُّهم، مِنَ الأخْيارِ.

ص 38:46

﴿واذْكُرْ عَبْدَنا أيُّوبَ إذْ نادى رَبَّهُ أنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وعَذابٍ﴾ ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وشَرابٌ﴾ ﴿ووَهَبْنا لَهُ أهْلَهُ ومِثْلَهم مَعَهم رَحْمَةً مِنّا وذِكْرى لِأُولِي الألْبابِ﴾ ﴿وخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فاضْرِبْ بِهِ ولا تَحْنَثْ إنّا وجَدْناهُ صابِرًا نِعْمَ العَبْدُ إنَّهُ أوّابٌ﴾ ﴿واذْكُرْ عِبادَنا إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ أُولِي الأيْدِي والأبْصارِ﴾ ﴿إنّا أخْلَصْناهم بِخالِصَةٍ ذِكْرى الدّارِ﴾ ﴿وإنَّهم عِنْدَنا لَمِنَ المُصْطَفَيْنَ الأخْيارِ﴾ ﴿واذْكُرْ إسْماعِيلَ واليَسَعَ وذا الكِفْلِ وكُلٌّ مِنَ الأخْيارِ﴾ ﴿هَذا ذِكْرٌ وإنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ﴾ [ص: ٤٩] ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الأبْوابُ﴾ [ص: ٥٠] ﴿مُتَّكِئِينَ فِيها يَدْعُونَ فِيها بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وشَرابٍ﴾ [ص: ٥١] ﴿وعِنْدَهم قاصِراتُ الطَّرْفِ أتْرابٌ﴾ [ص: ٥٢] ﴿هَذا ما تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الحِسابِ﴾ [ص: ٥٣] ﴿إنَّ هَذا لَرِزْقُنا ما لَهُ مِن نَفادٍ﴾ [ص: ٥٤] ﴿هَذا وإنَّ لِلطّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ﴾ [ص: ٥٥] ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ المِهادُ﴾ [ص: ٥٦] ﴿هَذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وغَسّاقٌ﴾ [ص: ٥٧] ﴿وآخَرُ مِن شَكْلِهِ أزْواجٌ﴾ [ص: ٥٨] ﴿هَذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكم لا مَرْحَبًا بِهِمْ إنَّهم صالُوا النّارِ﴾ [ص: ٥٩] الضِّغْثُ: حُزْمَةٌ صَغِيرَةٌ مِن حَشِيشٍ أوْ رَيْحانٍ أوْ قُضْبانٍ، وقِيلَ: القَبْضَةُ الكَبِيرَةُ مِنَ القُضْبانِ، ومِنهُ قَوْلُهم: ضِغْثٌ عَلى إبّالَةِ، والإبّالَةُ: الحُزْمَةُ مِنَ الحَطَبِ، والضِّغْثُ: القَبْضَةُ عَلَيْها مِنَ الحَطَبِ أيْضًا، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وأسْفَلَ مِنِّي نَهْدَةً قَدْ رَبَطْتُها وألْقَيْتُ ضِغْثًا مِن خَلًى مُتَطَيِّبِ الحِنْثُ: فِعْلُ ما حَلَفَ عَلى تَرْكِهِ، وتَرْكُ ما حَلَفَ عَلى فِعْلِهِ، الغَسّاقُ: ما سالَ، يُقالُ: غَسَقَتِ العَيْنُ والجُرْحُ. وعَنْ أبِي عُبَيْدَةَ: أنَّهُ البارِدُ المُنْتِنُ بِلُغَةِ التُّرْكِ. وقالَ الأزْهَرِيُّ: الغاسِقُ البارِدُ، ولِهَذا قِيلَ: لَيْلٌ غاسِقٌ؛ لِأنَّهُ أبْرَدُ مِنَ النَّهارِ. الِاقْتِحامُ: رُكُوبُ الشِّدَّةِ والدُّخُولُ فِيها، والقَحْمَةُ: الشِّدَّةُ. ﴿واذْكُرْ عَبْدَنا أيُّوبَ إذْ نادى رَبَّهُ أنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وعَذابٍ﴾ ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وشَرابٌ﴾ ﴿ووَهَبْنا لَهُ أهْلَهُ ومِثْلَهم مَعَهم رَحْمَةً مِنّا وذِكْرى لِأُولِي الألْبابِ﴾ ﴿وخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فاضْرِبْ بِهِ ولا تَحْنَثْ إنّا وجَدْناهُ صابِرًا نِعْمَ العَبْدُ إنَّهُ أوّابٌ﴾ ﴿واذْكُرْ عِبادَنا إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ أُولِي الأيْدِي والأبْصارِ﴾ ﴿إنّا أخْلَصْناهم بِخالِصَةٍ ذِكْرى الدّارِ﴾ ﴿وإنَّهم عِنْدَنا لَمِنَ المُصْطَفَيْنَ الأخْيارِ﴾ ﴿واذْكُرْ إسْماعِيلَ واليَسَعَ وذا الكِفْلِ وكُلٌّ مِنَ الأخْيارِ﴾ . (p-٤٠٠)لَمّا أمَرَ نَبِيَّهُ بِالصَّبْرِ، وذَكَرَ ابْتِلاءَ داوُدَ وسُلَيْمانَ، وأثْنى عَلَيْهِما، ذَكَرَ مَن كانَ أشَدَّ ابْتِلاءٍ مِنهُما، وأنَّهُ كانَ في غايَةِ الصَّبْرِ بِحَيْثُ أثْنى اللَّهُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ. وأيُّوبُ: عَطْفُ بَيانٍ أوْ بَدَلٌ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإذْ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (أنِّي) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، وعِيسى: بِكَسْرِها، وجاءَ بِضَمِيرِ التَّكَلُّمِ حِكايَةً لِكَلامِهِ الَّذِي ناداهُ بِسَبَبِهِ، ولَوْ لَمْ يَحْكِ لَقالَ: إنَّهُ مَسَّهُ؛ لِأنَّهُ غائِبٌ، وأسْنَدَ المَسَّ إلى الشَّيْطانِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَمّا كانَتْ وسْوَسَتُهُ إلَيْهِ وطاعَتُهُ لَهُ فِيما وسْوَسَ سَبَبًا فِيما مَسَّهُ اللَّهُ بِهِ مِنَ النُّصْبِ والعَذابِ، نَسَبَهُ إلَيْهِ وقَدْ راعى الأدَبَ في ذَلِكَ حَيْثُ لَمْ يَنْسُبْهُ إلى اللَّهِ في دُعائِهِ مَعَ أنَّهُ فاعِلُهُ ولا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إلّا هو. وقِيلَ: أرادَ ما كانَ يُوَسْوِسُ بِهِ إلَيْهِ في مَرَضِهِ مِن تَعْظِيمِ ما نَزَلَ بِهِ مِنَ البَلاءِ، فالتَجَأ إلى اللَّهِ في أنْ يَكْفِيَهُ ذَلِكَ بِكَشْفِ البَلاءِ، أوْ بِالتَّوْفِيقِ في دَفْعِهِ ورَدِّهِ بِالصَّبْرِ الجَمِيلِ. وذَكَرَ في سَبَبِ بَلائِهِ أنَّ رَجُلًا اسْتَغاثَهُ عَلى ظالِمٍ، فَلَمْ يُغِثْهُ. وقِيلَ: كانَتْ مَواشِيهِ في ناحِيَةِ مَلِكٍ كافِرٍ، فَداهَنَهُ ولَمْ يَفْدِهِ. وقِيلَ: أُعْجِبَ بِكَثْرَةِ مالِهِ. انْتَهى. ولا يُناسِبُ مَناصِبَ الأنْبِياءِ ما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِن أنَّ أيُّوبَ كانَتْ مِنهُ طاعَةٌ لِلشَّيْطانِ فِيما وسْوَسَ بِهِ، وأنَّ ذَلِكَ كانَ سَبَبًا لِما مَسَّهُ اللَّهُ بِهِ مِنَ النُّصْبِ والعَذابِ، ولا أنَّ رَجُلًا اسْتَغاثَهُ عَلى ظالِمٍ فَلَمْ يُغِثْهُ، ولا أنَّهُ داهَنَ كافِرًا ولا أنَّهُ أُعْجِبَ بِكَثْرَةِ مالِهِ. وكَذَلِكَ ما رَوَوْا أنَّ الشَّيْطانَ سَلَّطَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ حَتّى أذْهَبَ أهْلَهُ ومالَهُ لا يُمْكِنُ أنْ يَصِحَّ، ولا قُدْرَةَ لَهُ عَلى البَشَرِ إلّا بِإلْقاءِ الوَساوِسِ الفاسِدَةِ لِغَيْرِ المَعْصُومِ. والَّذِي نَقُولُهُ: أنَّهُ تَعالى ابْتَلى أيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ في جَسَدِهِ وأهْلِهِ ومالِهِ، عَلى ما رُوِيَ في الأخْبارِ. ورَوى أنَسٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أنَّ أيُّوبَ بَقِيَ في مِحْنَتِهِ ثَمانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً يَتَساقَطُ لَحْمُهُ حَتّى مَلَّهُ العالَمُ، ولَمْ يَصْبِرْ عَلَيْهِ إلّا امْرَأتُهُ»، ولَمْ يُبَيِّنْ لَنا تَوالِيَ السَّبَبِ المُقْتَضِي لِعِلَّتِهِ. وأمّا إسْنادُهُ المَسَّ إلى الشَّيْطانِ فَسَبَبُ ذَلِكَ أنَّهُ كانَ يَعُودُهُ ثَلاثٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ، فارْتَدَّ أحَدُهم، فَسَألَ عَنْهُ فَقِيلَ: ألْقى إلَيْهِ الشَّيْطانُ أنَّ اللَّهَ لا يَبْتَلِي الأنْبِياءَ والصّالِحِينَ، فَحِينَئِذٍ قالَ ﴿مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ﴾ نَزَّلَ لِشَفَقَتِهِ عَلى المُؤْمِنِينَ مَسَّ الشَّيْطانِ ذَلِكَ المُؤْمِنَ حَتّى ارْتَدَّ مَنزِلَةَ مَسِّهِ لِنَفْسِهِ؛ لِأنَّ المُؤْمِنَ الخَيِّرَ يَتَألَّمُ بِرُجُوعِ المُؤْمِنِ الخَيِّرِ إلى الكُفْرِ؛ ولِذَلِكَ جاءَ بَعْدَهُ ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾ حَتّى يَغْتَسِلَ ويَذْهَبَ عَنْهُ البَلاءُ، فَلا يَرْتَدُّ أحَدٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ بِسَبَبِ طُولِ بَلائِهِ، وتَسْوِيلِ الشَّيْطانِ أنَّهُ تَعالى لا يَبْتَلِي الأنْبِياءَ. وقِيلَ: أشارَ بِقَوْلِهِ ﴿مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ﴾ إلى تَعْرِيضِهِ لِامْرَأتِهِ، وطَلَبِهِ أنْ تُشْرِكَ بِاللَّهِ، وكَأنَّهُ بِتَشَكِّي هَذا الأمْرِ كانَ عَلَيْهِ أشَدَّ مِن مَرَضِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿بِنُصْبٍ﴾ بِضَمِّ النُّونِ وسُكُونِ الصّادِ، قِيلَ: جَمْعُ نَصْبٍ كَوُثْنٍ ووَثْنٍ. وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، وأبُو عِمارَةَ عَنْ حَفْصٍ، والجُعْفِيُّ عَنْ أبِي بَكْرٍ، وأبُو مُعاذٍ عَنْ نافِعٍ: بِضَمَّتَيْنِ. وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، والحَسَنُ، والسُّدِّيُّ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، ويَعْقُوبُ، والجَحْدَرِيُّ: بِفَتْحَتَيْنِ. وأبُو حَيْوَةَ، ويَعْقُوبُ في رِوايَةٍ، وهُبَيْرَةُ عَنْ حَفْصٍ: بِفَتْحِ النُّونِ وسُكُونِ الصّادِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: النُّصْبُ والنَّصْبُ، كالرُّشْدِ والرَّشْدِ، والنَّصْبُ عَلى أصْلِ المَصْدَرِ، والنُّصْبُ تَثْقِيلُ نَصَبٍ، والمَعْنى واحِدٌ، وهو التَّعَبُ والمَشَقَّةُ. والعَذابُ: الألَمُ، يُرِيدُ مَرَضَهُ وما كانَ يُقاسِي فِيهِ مِن أنْواعِ الوَصَبِ. انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَدْ ذَكَرَ هَذِهِ القِراءاتِ، وذَلِكَ كُلٌّ بِمَعْنًى واحِدٍ مَعْناهُ المَشَقَّةُ، وكَثِيرًا ما يُسْتَعْمَلُ النُّصْبُ في مَشَقَّةِ الإعْياءِ. وفَرَّقَ بَعْضُ النّاسِ بَيْنَ هَذِهِ الألْفاظِ، والصَّوابُ أنَّها لُغاتٌ بِمَعْنًى مِن قَوْلِهِمْ: أنْصَبَنِي الأمْرُ إذا شَقَّ عَلَيَّ، انْتَهى. وقالَ السُّدِّيُّ: بِنُصْبٍ في الجَسَدِ وعَذابٍ في المالِ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: فاسْتَجَبْنا لَهُ وقُلْنا ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾ فَرَكَضَ، فَنَبَعَتْ عَيْنٌ فَقُلْنا لَهُ ﴿هَذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وشَرابٌ﴾ فِيهِ شِفاؤُكَ، فاغْتَسَلَ فَبَرِأ (ووَهَبْنا لَهُ) ويَدُلُّ عَلى هَذِهِ المَحْذُوفاتِ مَعْنى الكَلامِ وسِياقِهِ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في (p-٤٠١)الرَّكْضِ في سُورَةِ الأنْبِياءِ. وعَنْ قَتادَةَ والحَسَنِ ومُقاتِلٍ: كانَ ذَلِكَ بِأرْضِ الجابِيَةِ مِنَ الشَّأْمِ. ومَعْنى ﴿هَذا مُغْتَسَلٌ﴾ أيْ: ما يُغْتَسَلُ بِهِ، (وشَرابٌ) أيْ: ما تَشْرَبُهُ، فَبِاغْتِسالِكَ يَبْرَأُ ظاهِرُكَ، وبِشُرْبِكَ يَبْرَأُ باطِنُكَ. والظّاهِرُ أنَّ المُشارَ إلَيْهِ كانَ واحِدًا، والعَيْنُ الَّتِي نَبَعَتْ لَهُ عَيْنانِ، شَرِبَ مِن إحْداهُما واغْتَسَلَ مِنَ الأُخْرى. وقِيلَ: ضَرَبَ بِرِجْلِهِ اليُمْنى، فَنَبَعَتْ عَيْنٌ حارَّةٌ فاغْتَسَلَ، وبِاليُسْرى فَنَبَعَتْ بارِدَةٌ فَشَرِبَ مِنها، وهَذا مُخالِفٌ لِظاهِرِ قَوْلِهِ: ﴿مُغْتَسَلٌ بارِدٌ﴾، فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ ماءٌ واحِدٌ. وقِيلَ: أُمِرَ بِالرَّكْضِ بِالرِّجْلِ، لِيَتَناثَرَ عَنْهُ كُلُّ داءٍ بِجَسَدِهِ. وقالَ القُتَبِيُّ: المُغْتَسَلُ: الماءُ الَّذِي يُغْتَسَلُ بِهِ. وقالَ مُقاتِلٌ: هو المَوْضِعُ الَّذِي يُغْتَسَلُ فِيهِ. وقالَ الحَسَنُ: رَكَضَ بِرِجْلِهِ، فَنَبَعَتْ عَيْنُ ماءٍ، فاغْتَسَلَ مِنها، ثُمَّ مَشى نَحْوًا مِن أرْبَعِينَ ذِراعًا، ثُمَّ رَكَضَ بِرِجْلِهِ، فَنَبَعَتْ عَيْنٌ، فَشَرِبَ مِنها. قِيلَ: والجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ رَكَضَ رَكْضَتَيْنِ، فَنَبَعَتْ لَهُ عَيْنانِ، شَرِبَ مِن إحْداهُما، واغْتَسَلَ مِنَ الأُخْرى. والجُمْهُورُ: عَلى أنَّهُ تَعالى أحْيا لَهُ مَن ماتَ مِن أهْلِهِ، وعافى المَرْضى، وجَمَعَ عَلَيْهِ مَن شُتِّتَ مِنهم. وقِيلَ: رَزَقَهُ أوْلادًا وذُرِّيَّةً قَدْرَ ذُرِّيَّتِهِ الَّذِينَ هَلَكُوا، ولَمْ يَرُدَّ أهْلَهُ الَّذِينَ هَلَكُوا بِأعْيانِهِمْ، وظاهِرُ هَذِهِ الهَيْئَةِ أنَّها في الدُّنْيا. وقِيلَ ذَلِكَ وعْدٌ، وتَكُونُ تِلْكَ الهَيْئَةُ في الآخِرَةِ. وقِيلَ: وهَبَهُ مَن كانَ حَيًّا مِنهم، وعافاهُ مِنَ الأسْقامِ، وأرْغَدَ لَهُمُ العَيْشَ، فَتَناسَلُوا حَتّى تَضاعَفَ عَدَدُهم وصارَ مِثْلَهم. و(رَحْمَةً)، (وذِكْرى): مَفْعُولانِ لَهُما، أيْ: أنَّ الهِبَةَ كانَتْ لِرَحْمَتِنا إيّاهُ، ولِيَتَذَكَّرَ أرْبابُ العُقُولِ، وما يَحْصُلُ لِلصّابِرِينَ مِنَ الخَيْرِ، وما يَئُولُ إلَيْهِ مِنَ الأجْرِ. وفي الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: وكانَ حَلَفَ لَيَضْرِبَنَّ امْرَأتَهُ مِائَةَ ضَرْبَةٍ لِسَبَبٍ جَرى مِنها، وكانَتْ مُحْسِنَةً لَهُ، فَجَعَلْنا لَهُ خَلاصًا مِن يَمِينِهِ بِقَوْلِنا: ﴿وخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا﴾ . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الضِّغْثُ: عِثْكالُ النَّخْلِ. وقالَ مُجاهِدٌ: الأثْلُ، وهو نَبْتٌ لَهُ شَوْكٌ. وقالَ الضَّحّاكُ: حُزْمَةٌ مِنَ الحَشِيشِ مُخْتَلِفَةٌ. وقالَ الأخْفَشُ: الشَّجَرُ الرَّطْبُ، واخْتَلَفُوا في السَّبَبِ الَّذِي أوْجَبَ حَلِفَهُ. ومَحْصُولُ أقْوالِهِمْ هو: تَمَثُّلُ الشَّيْطانِ لَها في صُورَةِ ناصِحٍ أوْ مُداوٍ. وعَرَضَ لَها شِفاءَ أيُّوبَ عَلى يَدَيْهِ عَلى شَرْطٍ لا يُمْكِنُ وُقُوعُهُ مِن مُؤْمِنٍ، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ، فَعَلِمَ أنَّ الَّذِي عَرَضَ لَها هو الشَّيْطانُ، وغَضِبَ لِعَرْضِها ذَلِكَ عَلَيْهِ فَحَلَفَ. وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الأسْبابِ، وهي مُتَعارِضَةٌ. فَحَلَّلَ اللَّهُ يَمِينَهُ بِأهْوَنِ شَيْءٍ عَلَيْهِ وعَلَيْها، لِحُسْنِ خِدْمَتِها إيّاهُ ورِضاهُ عَنْها، وقَدْ وقَعَ مِثْلُ هَذِهِ الرُّخْصَةِ في الإسْلامِ. «أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمُخْدَجٍ قَدْ خَبُثَ بِأمَةٍ، فَقالَ: ”خُذُوا عِثْكالًا فِيهِ مِائَةُ شِمْراخٍ فاضْرِبُوهُ بِها ضَرْبَةً“» . وقالَ بِذَلِكَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ في الأيْمانِ، قالَ: ويَجِبُ أنْ يُصِيبَ المَضْرُوبَ كُلُّ واحِدٍ مِنَ المِائَةِ، إمّا أطْرافُها قائِمَةٌ، وإمّا أعْراضُها مَبْسُوطَةٌ، مَعَ وُجُودِ صُورَةِ الضَّرْبَةِ. والجُمْهُورُ عَلى تَرْكِ القَوْلِ في الحُدُودِ، وأنَّ البِرَّ في الأيْمانِ لا يَقَعُ إلّا بِإتْمامِ عَدَدِ الضَّرَباتِ. ووَصَفَ اللَّهُ تَعالى نَبِيَّهُ بِالصَّبْرِ. وقَدْ قالَ: ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ [الأنبياء: ٨٣]، فَدَلَّ عَلى أنَّ الشَّكْوى إلى اللَّهِ تَعالى لا تُنافِي الوَصْفَ بِالصَّبْرِ. وقَدْ قالَ يَعْقُوبُ: ﴿إنَّما أشْكُو بَثِّي وحُزْنِي إلى اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٦] عَلى أنَّ أيُّوبَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - طَلَبَ الشِّفاءَ خِيفَةً عَلى قَوْمِهِ أنْ يُوَسْوِسَ إلَيْهِمُ الشَّيْطانُ أنَّهُ لَوْ كانَ نَبِيًّا لَمْ يُبْتَلَ، وتَألُّفًا لِقَوْمِهِ عَلى الطّاعَةِ، وبَلَغَ أمْرُهُ في البَلاءِ إلى أنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنهُ إلّا القَلْبُ واللِّسانُ. ويُرْوى أنَّهُ قالَ في مُناجاتِهِ: إلَهِي قَدْ عَلِمْتَ أنَّهُ لَمْ يُخالِفْ لِسانِي قَلْبِي، ولَمْ يَتْبَعْ قَلْبِي بَصَرِي، ولَمْ يَمْنَعْنِي ما مَلَكَتْ يَمِينِي، ولَمْ آكُلْ إلّا ومَعِي يَتِيمٌ، ولَمْ أبِتْ شَبْعانًا ولا كاسِيًا ومَعِي جائِعٌ أوْ عُرْيانٌ، فَكَشَفَ اللَّهُ عَنْهُ. (واذْكُرْ عَبْدَنا إبْراهِيمَ)، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ كَثِيرٍ وأهْلُ مَكَّةَ، (عَبْدَنا) عَلى الإفْرادِ، وإبْراهِيمُ بَدَلٌ مِنهُ، أوْ عَطْفُ بَيانٍ. والجُمْهُورُ عَلى الجَمْعِ، وما بَعْدَهُ مِنَ الثَّلاثَةِ بَدَلٌ أوْ عَطْفُ بَيانٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿أُولِي الأيْدِي﴾، بِالياءِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ: القُوَّةُ في طاعَةِ اللَّهِ. وقِيلَ: إحْسانُهم في الدِّينِ، وتَقَدُّمُهم عِنْدَ اللَّهِ عَلى عَمَلِ صِدْقٍ، فَهي (p-٤٠٢)كالأيْدِي، وهو قَرِيبٌ مِمّا قَبْلَهُ. وقِيلَ: النِّعَمُ الَّتِي أسْداها اللَّهُ إلَيْهِمْ مِنَ النُّبُوَّةِ والمَكانَةِ. وقِيلَ ﴿الأيْدِي﴾: الجَوارِحُ المُتَصَرِّفَةُ في الخَيْرِ، (والأبْصارِ) الثّاقِبَةُ فِيهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَمّا كانَتْ أكْثَرُ الأعْمالِ تُباشَرُ بِالأيْدِي غَلَبَتْ، فَقِيلَ في كُلِّ عَمَلٍ: هَذا مِمّا عَمِلَتْ أيْدِيهِمْ، وإنْ كانَ عَمَلًا لا يَتَأتّى فِيهِ المُباشَرَةُ بِالأيْدِي، أوْ كانَ العُمّالُ جَذْمًا لا أيْدِيَ لَهم، وعَلى ذَلِكَ ورَدَ قَوْلُهُ عَزَّ وعَلا: ﴿أُولِي الأيْدِي والأبْصارِ﴾، يُرِيدُ: أُولِي الأعْمالِ والفِكْرِ؛ كَأنَّ الَّذِينَ لا يَعْمَلُونَ أعْمالَ الآخِرَةِ، ولا يُجاهِدُونَ في اللَّهِ؛ ولا يُفَكِّرُونَ أفْكارَ ذَوِي الدِّياناتِ، ولا يَسْتَبْصِرُونَ في حُكْمِ الزَّمْنى الَّذِينَ لا يَقْدِرُونَ عَلى إعْمالِ جَوارِحِهِمْ، والمَسْلُوبِي العُقُولِ الَّذِينَ لا اسْتِبْصارَ بِهِمْ؛ وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِكُلِّ مَن لَمْ يَكُنْ مِن عُمّالِ اللَّهِ، ولا مِنَ المُسْتَبْصِرِينَ في دِينِ اللَّهِ، وتَوْبِيخٌ عَلى تَرْكِهِمُ المُجاهَدَةَ والتَّأمُّلَ مَعَ كَوْنِهِمْ مُتَمَكِّنِينَ مِنها. انْتَهى، وهو تَكْثِيرٌ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: اليَدُ آلَةٌ لِأكْثَرِ الأعْمالِ، والبَصَرُ آلَةٌ لِأقْوى الإدْراكاتِ، فَحَسُنَ التَّعْبِيرُ عَنِ العَمَلِ بِاليَدِ، وعَنِ الإدْراكِ بِالبَصَرِ. والنَّفْسُ النّاطِقَةُ لَها قُوَّتانِ: عامِلَةٌ وعالِمَةٌ، فَأُولِي الأيْدِي والأبْصارِ إشارَةٌ إلى هاتَيْنِ الحالَتَيْنِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، والحَسَنُ، وعِيسى، والأعْمَشُ: ﴿الأيْدِ﴾ [ص: ١٧] بِغَيْرِ ياءٍ، فَقِيلَ: يُرادُ الأيْدِي حَذَفَ الياءَ اجْتِزاءً بِالكَسْرَةِ عَنْها، ولَمّا كانَتْ ألْ تُعاقِبُ التَّنْوِينَ، حُذِفَتِ الياءُ مَعَها، كَما حُذِفَتْ مَعَ التَّنْوِينِ. وهَذا تَخْرِيجٌ لا يُسَوَّغُ؛ لِأنَّ حَذْفَ هَذِهِ الياءِ مَعَ وُجُودِ ألْ ذَكَرَهُ سِيبَوَيْهِ في الضَّرائِرِ. وقِيلَ: ﴿الأيْدِي﴾ القُوَّةُ في طاعَةِ اللَّهِ، (والأبْصارِ) عِبارَةٌ عَنِ البَصائِرِ الَّتِي يُبْصِرُونَ بِها الحَقائِقَ ويَنْظُرُونَ بِنُورِ اللَّهِ تَعالى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وتَفْسِيرُ الأيْدِي مِنَ التَّأْيِيدِ قَلَقٌ غَيْرُ مُتَمَكِّنٍ، وإنَّما كانَ قَلَقًا عِنْدَهُ لِعَطْفِ الأبْصارِ عَلَيْهِ، ولا يَنْبَغِي أنْ يُعَلَّقَ، لِأنَّهُ فَسَّرَ ﴿أُولِي الأيْدِي والأبْصارِ﴾ بِقَوْلِهِ: يُرِيدُ أُولِي الأعْمالِ والفِكْرِ. وقُرِئَ: (الأيادِي) جَمْعُ الجَمْعِ، كَأوْطَفٍ وأواطِفَ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، والأعْرَجُ، ونافِعٌ، وهِشامٌ: ﴿بِخالِصَةٍ﴾، بِغَيْرِ تَنْوِينٍ، أُضِيفَتْ إلى ذِكْرى. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ بِالتَّنْوِينِ، و(ذِكْرى) بَدَلٌ مِن ﴿بِخالِصَةٍ﴾ . وقَرَأ الأعْمَشُ، وطَلْحَةُ: (بِخالِصَتِهِمْ) و﴿أخْلَصْناهُمْ﴾: جَعَلْناهم لَنا خالِصِينَ و(خالِصَةٍ)، يُحْتَمَلُ، وهو الأظْهَرُ، أنْ يَكُونَ اسْمَ فاعِلٍ بِهِ عَنْ مَزِيَّةٍ أوْ رُتْبَةٍ أوْ خَصْلَةٍ خالِصَةٍ لا شَوْبَ فِيها، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا، كالعاقِبَةِ، فَيَكُونُ قَدْ حُذِفَ مِنهُ الفاعِلُ، أيْ: أخْلَصْناهم بِأنْ أخْلَصُوا ذِكْرى الدّارِ، فَيَكُونُ ذِكْرى مَفْعُولًا، أوْ بِأنْ أخْلَصْنا لَهم ذِكْرى الدّارِ، أوْ يَكُونُ الفاعِلُ ذِكْرى، أيْ: بِأنْ خَلَصَتْ لَهم ذِكْرى الدّارِ، والدّارُ في كُلِّ وجْهٍ مِن مَوْضِعِ نَصْبٍ بِذِكْرى، وذِكْرى مَصْدَرٌ، والدّارُ دارُ الآخِرَةِ. قالَ قَتادَةُ: المَعْنى بِأنْ خَلَصَ لَهُمُ التَّذْكِيرُ بِالدّارِ الآخِرَةِ، ودَعا النّاسَ إلَيْها وحَضَّهم عَلَيْها. وقالَ مُجاهِدٌ: خَلَصَ لَهم ذِكْرُهُمُ الدّارَ الآخِرَةَ، وخَوْفُهم لَها. والعَمَلُ بِحَسَبِ ذَلِكَ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: وهَبْنا لَهم أفْضَلَ ما في الدّارِ الآخِرَةِ، وأخْلَصْناهم بِهِ، وأعْطَيْناهم إيّاهُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِالدّارِ دارَ الدُّنْيا، عَلى مَعْنى ذِكْرِ الثَّناءِ والتَّعْظِيمِ مِنَ النّاسِ، والحَمْدُ الباقِي الَّذِي هو الخُلْدُ المَجازِيُّ، فَتَجِيءُ الآيَةُ في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿لِسانَ صِدْقٍ﴾ [مريم: ٥٠]، وقَوْلِهِ: ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ [الصافات: ٧٨] . انْتَهى. وحَكى الزَّمَخْشَرِيُّ هَذا الِاحْتِمالَ قَوْلًا فَقالَ: وقِيلَ ﴿ذِكْرى الدّارِ﴾: الثَّناءُ الجَمِيلُ في الدُّنْيا ولِسانُ الصِّدْقِ. انْتَهى. والباءُ في ﴿بِخالِصَةٍ﴾ باءُ السَّبَبِ، أيْ: بِسَبَبِ هَذِهِ الخَصْلَةِ وبِأنَّهم مِن أهْلِها، ويُعَضِّدُهُ قِراءَةُ (بِخالِصِهِمْ) . ﴿وإنَّهم عِنْدَنا لَمِنَ المُصْطَفَيْنَ﴾، أيْ: المُخْتارِينَ مِن بَيْنِ أبْناءِ جِنْسِهِمْ. (الأخْيارِ): جَمْعُ خَيِّرٍ، وخَيِّرٌ كَمَيِّتٍ ومَيِّتٌ وأمْواتٌ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في اليَسَعَ في سُورَةِ الأنْعامِ، وذا الكِفْلِ في سُورَةِ الأنْبِياءِ. وعِنْدَنا ظَرْفٌ مَعْمُولٌ لِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ المُصْطَفَيْنَ، أيْ: وإنَّهم مُصْطَفَوْنَ عِنْدَنا، أوْ مَعْمُولٌ لِلْمُصْطَفَيْنَ، وإنْ كانَ بِألْ؛ لِأنَّهم يَتَسَمَّحُونَ في الظَّرْفِ والمَجْرُورِ ما لا يَتَسَمَّحُونَ (p-٤٠٣)فِي غَيْرِهِما، أوْ عَلى التَّبْيِينِ، أيْ: أعْنِي عِنْدَنا، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عِنْدَنا في مَوْضِعِ الخَبَرِ، ويَعْنِي بِالعِنْدِيَّةِ: المَكانَةُ، ولَمِنَ المُصْطَفَيْنَ: في مَوْضِعِ خَبَرٍ ثانٍ لِوُجُودِ اللّامِ، لا يَجُوزُ أنَّ زَيْدًا قائِمٌ لَمُنْطَلِقٌ، (وكُلٌّ): أيْ: وكُلُّهم، مِنَ الأخْيارِ.

ص 38:47

﴿واذْكُرْ عَبْدَنا أيُّوبَ إذْ نادى رَبَّهُ أنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وعَذابٍ﴾ ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وشَرابٌ﴾ ﴿ووَهَبْنا لَهُ أهْلَهُ ومِثْلَهم مَعَهم رَحْمَةً مِنّا وذِكْرى لِأُولِي الألْبابِ﴾ ﴿وخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فاضْرِبْ بِهِ ولا تَحْنَثْ إنّا وجَدْناهُ صابِرًا نِعْمَ العَبْدُ إنَّهُ أوّابٌ﴾ ﴿واذْكُرْ عِبادَنا إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ أُولِي الأيْدِي والأبْصارِ﴾ ﴿إنّا أخْلَصْناهم بِخالِصَةٍ ذِكْرى الدّارِ﴾ ﴿وإنَّهم عِنْدَنا لَمِنَ المُصْطَفَيْنَ الأخْيارِ﴾ ﴿واذْكُرْ إسْماعِيلَ واليَسَعَ وذا الكِفْلِ وكُلٌّ مِنَ الأخْيارِ﴾ ﴿هَذا ذِكْرٌ وإنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ﴾ [ص: ٤٩] ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الأبْوابُ﴾ [ص: ٥٠] ﴿مُتَّكِئِينَ فِيها يَدْعُونَ فِيها بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وشَرابٍ﴾ [ص: ٥١] ﴿وعِنْدَهم قاصِراتُ الطَّرْفِ أتْرابٌ﴾ [ص: ٥٢] ﴿هَذا ما تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الحِسابِ﴾ [ص: ٥٣] ﴿إنَّ هَذا لَرِزْقُنا ما لَهُ مِن نَفادٍ﴾ [ص: ٥٤] ﴿هَذا وإنَّ لِلطّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ﴾ [ص: ٥٥] ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ المِهادُ﴾ [ص: ٥٦] ﴿هَذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وغَسّاقٌ﴾ [ص: ٥٧] ﴿وآخَرُ مِن شَكْلِهِ أزْواجٌ﴾ [ص: ٥٨] ﴿هَذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكم لا مَرْحَبًا بِهِمْ إنَّهم صالُوا النّارِ﴾ [ص: ٥٩] الضِّغْثُ: حُزْمَةٌ صَغِيرَةٌ مِن حَشِيشٍ أوْ رَيْحانٍ أوْ قُضْبانٍ، وقِيلَ: القَبْضَةُ الكَبِيرَةُ مِنَ القُضْبانِ، ومِنهُ قَوْلُهم: ضِغْثٌ عَلى إبّالَةِ، والإبّالَةُ: الحُزْمَةُ مِنَ الحَطَبِ، والضِّغْثُ: القَبْضَةُ عَلَيْها مِنَ الحَطَبِ أيْضًا، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وأسْفَلَ مِنِّي نَهْدَةً قَدْ رَبَطْتُها وألْقَيْتُ ضِغْثًا مِن خَلًى مُتَطَيِّبِ الحِنْثُ: فِعْلُ ما حَلَفَ عَلى تَرْكِهِ، وتَرْكُ ما حَلَفَ عَلى فِعْلِهِ، الغَسّاقُ: ما سالَ، يُقالُ: غَسَقَتِ العَيْنُ والجُرْحُ. وعَنْ أبِي عُبَيْدَةَ: أنَّهُ البارِدُ المُنْتِنُ بِلُغَةِ التُّرْكِ. وقالَ الأزْهَرِيُّ: الغاسِقُ البارِدُ، ولِهَذا قِيلَ: لَيْلٌ غاسِقٌ؛ لِأنَّهُ أبْرَدُ مِنَ النَّهارِ. الِاقْتِحامُ: رُكُوبُ الشِّدَّةِ والدُّخُولُ فِيها، والقَحْمَةُ: الشِّدَّةُ. ﴿واذْكُرْ عَبْدَنا أيُّوبَ إذْ نادى رَبَّهُ أنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وعَذابٍ﴾ ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وشَرابٌ﴾ ﴿ووَهَبْنا لَهُ أهْلَهُ ومِثْلَهم مَعَهم رَحْمَةً مِنّا وذِكْرى لِأُولِي الألْبابِ﴾ ﴿وخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فاضْرِبْ بِهِ ولا تَحْنَثْ إنّا وجَدْناهُ صابِرًا نِعْمَ العَبْدُ إنَّهُ أوّابٌ﴾ ﴿واذْكُرْ عِبادَنا إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ أُولِي الأيْدِي والأبْصارِ﴾ ﴿إنّا أخْلَصْناهم بِخالِصَةٍ ذِكْرى الدّارِ﴾ ﴿وإنَّهم عِنْدَنا لَمِنَ المُصْطَفَيْنَ الأخْيارِ﴾ ﴿واذْكُرْ إسْماعِيلَ واليَسَعَ وذا الكِفْلِ وكُلٌّ مِنَ الأخْيارِ﴾ . (p-٤٠٠)لَمّا أمَرَ نَبِيَّهُ بِالصَّبْرِ، وذَكَرَ ابْتِلاءَ داوُدَ وسُلَيْمانَ، وأثْنى عَلَيْهِما، ذَكَرَ مَن كانَ أشَدَّ ابْتِلاءٍ مِنهُما، وأنَّهُ كانَ في غايَةِ الصَّبْرِ بِحَيْثُ أثْنى اللَّهُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ. وأيُّوبُ: عَطْفُ بَيانٍ أوْ بَدَلٌ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإذْ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (أنِّي) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، وعِيسى: بِكَسْرِها، وجاءَ بِضَمِيرِ التَّكَلُّمِ حِكايَةً لِكَلامِهِ الَّذِي ناداهُ بِسَبَبِهِ، ولَوْ لَمْ يَحْكِ لَقالَ: إنَّهُ مَسَّهُ؛ لِأنَّهُ غائِبٌ، وأسْنَدَ المَسَّ إلى الشَّيْطانِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَمّا كانَتْ وسْوَسَتُهُ إلَيْهِ وطاعَتُهُ لَهُ فِيما وسْوَسَ سَبَبًا فِيما مَسَّهُ اللَّهُ بِهِ مِنَ النُّصْبِ والعَذابِ، نَسَبَهُ إلَيْهِ وقَدْ راعى الأدَبَ في ذَلِكَ حَيْثُ لَمْ يَنْسُبْهُ إلى اللَّهِ في دُعائِهِ مَعَ أنَّهُ فاعِلُهُ ولا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إلّا هو. وقِيلَ: أرادَ ما كانَ يُوَسْوِسُ بِهِ إلَيْهِ في مَرَضِهِ مِن تَعْظِيمِ ما نَزَلَ بِهِ مِنَ البَلاءِ، فالتَجَأ إلى اللَّهِ في أنْ يَكْفِيَهُ ذَلِكَ بِكَشْفِ البَلاءِ، أوْ بِالتَّوْفِيقِ في دَفْعِهِ ورَدِّهِ بِالصَّبْرِ الجَمِيلِ. وذَكَرَ في سَبَبِ بَلائِهِ أنَّ رَجُلًا اسْتَغاثَهُ عَلى ظالِمٍ، فَلَمْ يُغِثْهُ. وقِيلَ: كانَتْ مَواشِيهِ في ناحِيَةِ مَلِكٍ كافِرٍ، فَداهَنَهُ ولَمْ يَفْدِهِ. وقِيلَ: أُعْجِبَ بِكَثْرَةِ مالِهِ. انْتَهى. ولا يُناسِبُ مَناصِبَ الأنْبِياءِ ما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِن أنَّ أيُّوبَ كانَتْ مِنهُ طاعَةٌ لِلشَّيْطانِ فِيما وسْوَسَ بِهِ، وأنَّ ذَلِكَ كانَ سَبَبًا لِما مَسَّهُ اللَّهُ بِهِ مِنَ النُّصْبِ والعَذابِ، ولا أنَّ رَجُلًا اسْتَغاثَهُ عَلى ظالِمٍ فَلَمْ يُغِثْهُ، ولا أنَّهُ داهَنَ كافِرًا ولا أنَّهُ أُعْجِبَ بِكَثْرَةِ مالِهِ. وكَذَلِكَ ما رَوَوْا أنَّ الشَّيْطانَ سَلَّطَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ حَتّى أذْهَبَ أهْلَهُ ومالَهُ لا يُمْكِنُ أنْ يَصِحَّ، ولا قُدْرَةَ لَهُ عَلى البَشَرِ إلّا بِإلْقاءِ الوَساوِسِ الفاسِدَةِ لِغَيْرِ المَعْصُومِ. والَّذِي نَقُولُهُ: أنَّهُ تَعالى ابْتَلى أيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ في جَسَدِهِ وأهْلِهِ ومالِهِ، عَلى ما رُوِيَ في الأخْبارِ. ورَوى أنَسٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أنَّ أيُّوبَ بَقِيَ في مِحْنَتِهِ ثَمانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً يَتَساقَطُ لَحْمُهُ حَتّى مَلَّهُ العالَمُ، ولَمْ يَصْبِرْ عَلَيْهِ إلّا امْرَأتُهُ»، ولَمْ يُبَيِّنْ لَنا تَوالِيَ السَّبَبِ المُقْتَضِي لِعِلَّتِهِ. وأمّا إسْنادُهُ المَسَّ إلى الشَّيْطانِ فَسَبَبُ ذَلِكَ أنَّهُ كانَ يَعُودُهُ ثَلاثٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ، فارْتَدَّ أحَدُهم، فَسَألَ عَنْهُ فَقِيلَ: ألْقى إلَيْهِ الشَّيْطانُ أنَّ اللَّهَ لا يَبْتَلِي الأنْبِياءَ والصّالِحِينَ، فَحِينَئِذٍ قالَ ﴿مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ﴾ نَزَّلَ لِشَفَقَتِهِ عَلى المُؤْمِنِينَ مَسَّ الشَّيْطانِ ذَلِكَ المُؤْمِنَ حَتّى ارْتَدَّ مَنزِلَةَ مَسِّهِ لِنَفْسِهِ؛ لِأنَّ المُؤْمِنَ الخَيِّرَ يَتَألَّمُ بِرُجُوعِ المُؤْمِنِ الخَيِّرِ إلى الكُفْرِ؛ ولِذَلِكَ جاءَ بَعْدَهُ ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾ حَتّى يَغْتَسِلَ ويَذْهَبَ عَنْهُ البَلاءُ، فَلا يَرْتَدُّ أحَدٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ بِسَبَبِ طُولِ بَلائِهِ، وتَسْوِيلِ الشَّيْطانِ أنَّهُ تَعالى لا يَبْتَلِي الأنْبِياءَ. وقِيلَ: أشارَ بِقَوْلِهِ ﴿مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ﴾ إلى تَعْرِيضِهِ لِامْرَأتِهِ، وطَلَبِهِ أنْ تُشْرِكَ بِاللَّهِ، وكَأنَّهُ بِتَشَكِّي هَذا الأمْرِ كانَ عَلَيْهِ أشَدَّ مِن مَرَضِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿بِنُصْبٍ﴾ بِضَمِّ النُّونِ وسُكُونِ الصّادِ، قِيلَ: جَمْعُ نَصْبٍ كَوُثْنٍ ووَثْنٍ. وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، وأبُو عِمارَةَ عَنْ حَفْصٍ، والجُعْفِيُّ عَنْ أبِي بَكْرٍ، وأبُو مُعاذٍ عَنْ نافِعٍ: بِضَمَّتَيْنِ. وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، والحَسَنُ، والسُّدِّيُّ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، ويَعْقُوبُ، والجَحْدَرِيُّ: بِفَتْحَتَيْنِ. وأبُو حَيْوَةَ، ويَعْقُوبُ في رِوايَةٍ، وهُبَيْرَةُ عَنْ حَفْصٍ: بِفَتْحِ النُّونِ وسُكُونِ الصّادِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: النُّصْبُ والنَّصْبُ، كالرُّشْدِ والرَّشْدِ، والنَّصْبُ عَلى أصْلِ المَصْدَرِ، والنُّصْبُ تَثْقِيلُ نَصَبٍ، والمَعْنى واحِدٌ، وهو التَّعَبُ والمَشَقَّةُ. والعَذابُ: الألَمُ، يُرِيدُ مَرَضَهُ وما كانَ يُقاسِي فِيهِ مِن أنْواعِ الوَصَبِ. انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَدْ ذَكَرَ هَذِهِ القِراءاتِ، وذَلِكَ كُلٌّ بِمَعْنًى واحِدٍ مَعْناهُ المَشَقَّةُ، وكَثِيرًا ما يُسْتَعْمَلُ النُّصْبُ في مَشَقَّةِ الإعْياءِ. وفَرَّقَ بَعْضُ النّاسِ بَيْنَ هَذِهِ الألْفاظِ، والصَّوابُ أنَّها لُغاتٌ بِمَعْنًى مِن قَوْلِهِمْ: أنْصَبَنِي الأمْرُ إذا شَقَّ عَلَيَّ، انْتَهى. وقالَ السُّدِّيُّ: بِنُصْبٍ في الجَسَدِ وعَذابٍ في المالِ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: فاسْتَجَبْنا لَهُ وقُلْنا ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾ فَرَكَضَ، فَنَبَعَتْ عَيْنٌ فَقُلْنا لَهُ ﴿هَذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وشَرابٌ﴾ فِيهِ شِفاؤُكَ، فاغْتَسَلَ فَبَرِأ (ووَهَبْنا لَهُ) ويَدُلُّ عَلى هَذِهِ المَحْذُوفاتِ مَعْنى الكَلامِ وسِياقِهِ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في (p-٤٠١)الرَّكْضِ في سُورَةِ الأنْبِياءِ. وعَنْ قَتادَةَ والحَسَنِ ومُقاتِلٍ: كانَ ذَلِكَ بِأرْضِ الجابِيَةِ مِنَ الشَّأْمِ. ومَعْنى ﴿هَذا مُغْتَسَلٌ﴾ أيْ: ما يُغْتَسَلُ بِهِ، (وشَرابٌ) أيْ: ما تَشْرَبُهُ، فَبِاغْتِسالِكَ يَبْرَأُ ظاهِرُكَ، وبِشُرْبِكَ يَبْرَأُ باطِنُكَ. والظّاهِرُ أنَّ المُشارَ إلَيْهِ كانَ واحِدًا، والعَيْنُ الَّتِي نَبَعَتْ لَهُ عَيْنانِ، شَرِبَ مِن إحْداهُما واغْتَسَلَ مِنَ الأُخْرى. وقِيلَ: ضَرَبَ بِرِجْلِهِ اليُمْنى، فَنَبَعَتْ عَيْنٌ حارَّةٌ فاغْتَسَلَ، وبِاليُسْرى فَنَبَعَتْ بارِدَةٌ فَشَرِبَ مِنها، وهَذا مُخالِفٌ لِظاهِرِ قَوْلِهِ: ﴿مُغْتَسَلٌ بارِدٌ﴾، فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ ماءٌ واحِدٌ. وقِيلَ: أُمِرَ بِالرَّكْضِ بِالرِّجْلِ، لِيَتَناثَرَ عَنْهُ كُلُّ داءٍ بِجَسَدِهِ. وقالَ القُتَبِيُّ: المُغْتَسَلُ: الماءُ الَّذِي يُغْتَسَلُ بِهِ. وقالَ مُقاتِلٌ: هو المَوْضِعُ الَّذِي يُغْتَسَلُ فِيهِ. وقالَ الحَسَنُ: رَكَضَ بِرِجْلِهِ، فَنَبَعَتْ عَيْنُ ماءٍ، فاغْتَسَلَ مِنها، ثُمَّ مَشى نَحْوًا مِن أرْبَعِينَ ذِراعًا، ثُمَّ رَكَضَ بِرِجْلِهِ، فَنَبَعَتْ عَيْنٌ، فَشَرِبَ مِنها. قِيلَ: والجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ رَكَضَ رَكْضَتَيْنِ، فَنَبَعَتْ لَهُ عَيْنانِ، شَرِبَ مِن إحْداهُما، واغْتَسَلَ مِنَ الأُخْرى. والجُمْهُورُ: عَلى أنَّهُ تَعالى أحْيا لَهُ مَن ماتَ مِن أهْلِهِ، وعافى المَرْضى، وجَمَعَ عَلَيْهِ مَن شُتِّتَ مِنهم. وقِيلَ: رَزَقَهُ أوْلادًا وذُرِّيَّةً قَدْرَ ذُرِّيَّتِهِ الَّذِينَ هَلَكُوا، ولَمْ يَرُدَّ أهْلَهُ الَّذِينَ هَلَكُوا بِأعْيانِهِمْ، وظاهِرُ هَذِهِ الهَيْئَةِ أنَّها في الدُّنْيا. وقِيلَ ذَلِكَ وعْدٌ، وتَكُونُ تِلْكَ الهَيْئَةُ في الآخِرَةِ. وقِيلَ: وهَبَهُ مَن كانَ حَيًّا مِنهم، وعافاهُ مِنَ الأسْقامِ، وأرْغَدَ لَهُمُ العَيْشَ، فَتَناسَلُوا حَتّى تَضاعَفَ عَدَدُهم وصارَ مِثْلَهم. و(رَحْمَةً)، (وذِكْرى): مَفْعُولانِ لَهُما، أيْ: أنَّ الهِبَةَ كانَتْ لِرَحْمَتِنا إيّاهُ، ولِيَتَذَكَّرَ أرْبابُ العُقُولِ، وما يَحْصُلُ لِلصّابِرِينَ مِنَ الخَيْرِ، وما يَئُولُ إلَيْهِ مِنَ الأجْرِ. وفي الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: وكانَ حَلَفَ لَيَضْرِبَنَّ امْرَأتَهُ مِائَةَ ضَرْبَةٍ لِسَبَبٍ جَرى مِنها، وكانَتْ مُحْسِنَةً لَهُ، فَجَعَلْنا لَهُ خَلاصًا مِن يَمِينِهِ بِقَوْلِنا: ﴿وخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا﴾ . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الضِّغْثُ: عِثْكالُ النَّخْلِ. وقالَ مُجاهِدٌ: الأثْلُ، وهو نَبْتٌ لَهُ شَوْكٌ. وقالَ الضَّحّاكُ: حُزْمَةٌ مِنَ الحَشِيشِ مُخْتَلِفَةٌ. وقالَ الأخْفَشُ: الشَّجَرُ الرَّطْبُ، واخْتَلَفُوا في السَّبَبِ الَّذِي أوْجَبَ حَلِفَهُ. ومَحْصُولُ أقْوالِهِمْ هو: تَمَثُّلُ الشَّيْطانِ لَها في صُورَةِ ناصِحٍ أوْ مُداوٍ. وعَرَضَ لَها شِفاءَ أيُّوبَ عَلى يَدَيْهِ عَلى شَرْطٍ لا يُمْكِنُ وُقُوعُهُ مِن مُؤْمِنٍ، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ، فَعَلِمَ أنَّ الَّذِي عَرَضَ لَها هو الشَّيْطانُ، وغَضِبَ لِعَرْضِها ذَلِكَ عَلَيْهِ فَحَلَفَ. وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الأسْبابِ، وهي مُتَعارِضَةٌ. فَحَلَّلَ اللَّهُ يَمِينَهُ بِأهْوَنِ شَيْءٍ عَلَيْهِ وعَلَيْها، لِحُسْنِ خِدْمَتِها إيّاهُ ورِضاهُ عَنْها، وقَدْ وقَعَ مِثْلُ هَذِهِ الرُّخْصَةِ في الإسْلامِ. «أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمُخْدَجٍ قَدْ خَبُثَ بِأمَةٍ، فَقالَ: ”خُذُوا عِثْكالًا فِيهِ مِائَةُ شِمْراخٍ فاضْرِبُوهُ بِها ضَرْبَةً“» . وقالَ بِذَلِكَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ في الأيْمانِ، قالَ: ويَجِبُ أنْ يُصِيبَ المَضْرُوبَ كُلُّ واحِدٍ مِنَ المِائَةِ، إمّا أطْرافُها قائِمَةٌ، وإمّا أعْراضُها مَبْسُوطَةٌ، مَعَ وُجُودِ صُورَةِ الضَّرْبَةِ. والجُمْهُورُ عَلى تَرْكِ القَوْلِ في الحُدُودِ، وأنَّ البِرَّ في الأيْمانِ لا يَقَعُ إلّا بِإتْمامِ عَدَدِ الضَّرَباتِ. ووَصَفَ اللَّهُ تَعالى نَبِيَّهُ بِالصَّبْرِ. وقَدْ قالَ: ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ [الأنبياء: ٨٣]، فَدَلَّ عَلى أنَّ الشَّكْوى إلى اللَّهِ تَعالى لا تُنافِي الوَصْفَ بِالصَّبْرِ. وقَدْ قالَ يَعْقُوبُ: ﴿إنَّما أشْكُو بَثِّي وحُزْنِي إلى اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٦] عَلى أنَّ أيُّوبَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - طَلَبَ الشِّفاءَ خِيفَةً عَلى قَوْمِهِ أنْ يُوَسْوِسَ إلَيْهِمُ الشَّيْطانُ أنَّهُ لَوْ كانَ نَبِيًّا لَمْ يُبْتَلَ، وتَألُّفًا لِقَوْمِهِ عَلى الطّاعَةِ، وبَلَغَ أمْرُهُ في البَلاءِ إلى أنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنهُ إلّا القَلْبُ واللِّسانُ. ويُرْوى أنَّهُ قالَ في مُناجاتِهِ: إلَهِي قَدْ عَلِمْتَ أنَّهُ لَمْ يُخالِفْ لِسانِي قَلْبِي، ولَمْ يَتْبَعْ قَلْبِي بَصَرِي، ولَمْ يَمْنَعْنِي ما مَلَكَتْ يَمِينِي، ولَمْ آكُلْ إلّا ومَعِي يَتِيمٌ، ولَمْ أبِتْ شَبْعانًا ولا كاسِيًا ومَعِي جائِعٌ أوْ عُرْيانٌ، فَكَشَفَ اللَّهُ عَنْهُ. (واذْكُرْ عَبْدَنا إبْراهِيمَ)، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ كَثِيرٍ وأهْلُ مَكَّةَ، (عَبْدَنا) عَلى الإفْرادِ، وإبْراهِيمُ بَدَلٌ مِنهُ، أوْ عَطْفُ بَيانٍ. والجُمْهُورُ عَلى الجَمْعِ، وما بَعْدَهُ مِنَ الثَّلاثَةِ بَدَلٌ أوْ عَطْفُ بَيانٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿أُولِي الأيْدِي﴾، بِالياءِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ: القُوَّةُ في طاعَةِ اللَّهِ. وقِيلَ: إحْسانُهم في الدِّينِ، وتَقَدُّمُهم عِنْدَ اللَّهِ عَلى عَمَلِ صِدْقٍ، فَهي (p-٤٠٢)كالأيْدِي، وهو قَرِيبٌ مِمّا قَبْلَهُ. وقِيلَ: النِّعَمُ الَّتِي أسْداها اللَّهُ إلَيْهِمْ مِنَ النُّبُوَّةِ والمَكانَةِ. وقِيلَ ﴿الأيْدِي﴾: الجَوارِحُ المُتَصَرِّفَةُ في الخَيْرِ، (والأبْصارِ) الثّاقِبَةُ فِيهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَمّا كانَتْ أكْثَرُ الأعْمالِ تُباشَرُ بِالأيْدِي غَلَبَتْ، فَقِيلَ في كُلِّ عَمَلٍ: هَذا مِمّا عَمِلَتْ أيْدِيهِمْ، وإنْ كانَ عَمَلًا لا يَتَأتّى فِيهِ المُباشَرَةُ بِالأيْدِي، أوْ كانَ العُمّالُ جَذْمًا لا أيْدِيَ لَهم، وعَلى ذَلِكَ ورَدَ قَوْلُهُ عَزَّ وعَلا: ﴿أُولِي الأيْدِي والأبْصارِ﴾، يُرِيدُ: أُولِي الأعْمالِ والفِكْرِ؛ كَأنَّ الَّذِينَ لا يَعْمَلُونَ أعْمالَ الآخِرَةِ، ولا يُجاهِدُونَ في اللَّهِ؛ ولا يُفَكِّرُونَ أفْكارَ ذَوِي الدِّياناتِ، ولا يَسْتَبْصِرُونَ في حُكْمِ الزَّمْنى الَّذِينَ لا يَقْدِرُونَ عَلى إعْمالِ جَوارِحِهِمْ، والمَسْلُوبِي العُقُولِ الَّذِينَ لا اسْتِبْصارَ بِهِمْ؛ وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِكُلِّ مَن لَمْ يَكُنْ مِن عُمّالِ اللَّهِ، ولا مِنَ المُسْتَبْصِرِينَ في دِينِ اللَّهِ، وتَوْبِيخٌ عَلى تَرْكِهِمُ المُجاهَدَةَ والتَّأمُّلَ مَعَ كَوْنِهِمْ مُتَمَكِّنِينَ مِنها. انْتَهى، وهو تَكْثِيرٌ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: اليَدُ آلَةٌ لِأكْثَرِ الأعْمالِ، والبَصَرُ آلَةٌ لِأقْوى الإدْراكاتِ، فَحَسُنَ التَّعْبِيرُ عَنِ العَمَلِ بِاليَدِ، وعَنِ الإدْراكِ بِالبَصَرِ. والنَّفْسُ النّاطِقَةُ لَها قُوَّتانِ: عامِلَةٌ وعالِمَةٌ، فَأُولِي الأيْدِي والأبْصارِ إشارَةٌ إلى هاتَيْنِ الحالَتَيْنِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، والحَسَنُ، وعِيسى، والأعْمَشُ: ﴿الأيْدِ﴾ [ص: ١٧] بِغَيْرِ ياءٍ، فَقِيلَ: يُرادُ الأيْدِي حَذَفَ الياءَ اجْتِزاءً بِالكَسْرَةِ عَنْها، ولَمّا كانَتْ ألْ تُعاقِبُ التَّنْوِينَ، حُذِفَتِ الياءُ مَعَها، كَما حُذِفَتْ مَعَ التَّنْوِينِ. وهَذا تَخْرِيجٌ لا يُسَوَّغُ؛ لِأنَّ حَذْفَ هَذِهِ الياءِ مَعَ وُجُودِ ألْ ذَكَرَهُ سِيبَوَيْهِ في الضَّرائِرِ. وقِيلَ: ﴿الأيْدِي﴾ القُوَّةُ في طاعَةِ اللَّهِ، (والأبْصارِ) عِبارَةٌ عَنِ البَصائِرِ الَّتِي يُبْصِرُونَ بِها الحَقائِقَ ويَنْظُرُونَ بِنُورِ اللَّهِ تَعالى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وتَفْسِيرُ الأيْدِي مِنَ التَّأْيِيدِ قَلَقٌ غَيْرُ مُتَمَكِّنٍ، وإنَّما كانَ قَلَقًا عِنْدَهُ لِعَطْفِ الأبْصارِ عَلَيْهِ، ولا يَنْبَغِي أنْ يُعَلَّقَ، لِأنَّهُ فَسَّرَ ﴿أُولِي الأيْدِي والأبْصارِ﴾ بِقَوْلِهِ: يُرِيدُ أُولِي الأعْمالِ والفِكْرِ. وقُرِئَ: (الأيادِي) جَمْعُ الجَمْعِ، كَأوْطَفٍ وأواطِفَ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، والأعْرَجُ، ونافِعٌ، وهِشامٌ: ﴿بِخالِصَةٍ﴾، بِغَيْرِ تَنْوِينٍ، أُضِيفَتْ إلى ذِكْرى. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ بِالتَّنْوِينِ، و(ذِكْرى) بَدَلٌ مِن ﴿بِخالِصَةٍ﴾ . وقَرَأ الأعْمَشُ، وطَلْحَةُ: (بِخالِصَتِهِمْ) و﴿أخْلَصْناهُمْ﴾: جَعَلْناهم لَنا خالِصِينَ و(خالِصَةٍ)، يُحْتَمَلُ، وهو الأظْهَرُ، أنْ يَكُونَ اسْمَ فاعِلٍ بِهِ عَنْ مَزِيَّةٍ أوْ رُتْبَةٍ أوْ خَصْلَةٍ خالِصَةٍ لا شَوْبَ فِيها، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا، كالعاقِبَةِ، فَيَكُونُ قَدْ حُذِفَ مِنهُ الفاعِلُ، أيْ: أخْلَصْناهم بِأنْ أخْلَصُوا ذِكْرى الدّارِ، فَيَكُونُ ذِكْرى مَفْعُولًا، أوْ بِأنْ أخْلَصْنا لَهم ذِكْرى الدّارِ، أوْ يَكُونُ الفاعِلُ ذِكْرى، أيْ: بِأنْ خَلَصَتْ لَهم ذِكْرى الدّارِ، والدّارُ في كُلِّ وجْهٍ مِن مَوْضِعِ نَصْبٍ بِذِكْرى، وذِكْرى مَصْدَرٌ، والدّارُ دارُ الآخِرَةِ. قالَ قَتادَةُ: المَعْنى بِأنْ خَلَصَ لَهُمُ التَّذْكِيرُ بِالدّارِ الآخِرَةِ، ودَعا النّاسَ إلَيْها وحَضَّهم عَلَيْها. وقالَ مُجاهِدٌ: خَلَصَ لَهم ذِكْرُهُمُ الدّارَ الآخِرَةَ، وخَوْفُهم لَها. والعَمَلُ بِحَسَبِ ذَلِكَ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: وهَبْنا لَهم أفْضَلَ ما في الدّارِ الآخِرَةِ، وأخْلَصْناهم بِهِ، وأعْطَيْناهم إيّاهُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِالدّارِ دارَ الدُّنْيا، عَلى مَعْنى ذِكْرِ الثَّناءِ والتَّعْظِيمِ مِنَ النّاسِ، والحَمْدُ الباقِي الَّذِي هو الخُلْدُ المَجازِيُّ، فَتَجِيءُ الآيَةُ في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿لِسانَ صِدْقٍ﴾ [مريم: ٥٠]، وقَوْلِهِ: ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ [الصافات: ٧٨] . انْتَهى. وحَكى الزَّمَخْشَرِيُّ هَذا الِاحْتِمالَ قَوْلًا فَقالَ: وقِيلَ ﴿ذِكْرى الدّارِ﴾: الثَّناءُ الجَمِيلُ في الدُّنْيا ولِسانُ الصِّدْقِ. انْتَهى. والباءُ في ﴿بِخالِصَةٍ﴾ باءُ السَّبَبِ، أيْ: بِسَبَبِ هَذِهِ الخَصْلَةِ وبِأنَّهم مِن أهْلِها، ويُعَضِّدُهُ قِراءَةُ (بِخالِصِهِمْ) . ﴿وإنَّهم عِنْدَنا لَمِنَ المُصْطَفَيْنَ﴾، أيْ: المُخْتارِينَ مِن بَيْنِ أبْناءِ جِنْسِهِمْ. (الأخْيارِ): جَمْعُ خَيِّرٍ، وخَيِّرٌ كَمَيِّتٍ ومَيِّتٌ وأمْواتٌ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في اليَسَعَ في سُورَةِ الأنْعامِ، وذا الكِفْلِ في سُورَةِ الأنْبِياءِ. وعِنْدَنا ظَرْفٌ مَعْمُولٌ لِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ المُصْطَفَيْنَ، أيْ: وإنَّهم مُصْطَفَوْنَ عِنْدَنا، أوْ مَعْمُولٌ لِلْمُصْطَفَيْنَ، وإنْ كانَ بِألْ؛ لِأنَّهم يَتَسَمَّحُونَ في الظَّرْفِ والمَجْرُورِ ما لا يَتَسَمَّحُونَ (p-٤٠٣)فِي غَيْرِهِما، أوْ عَلى التَّبْيِينِ، أيْ: أعْنِي عِنْدَنا، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عِنْدَنا في مَوْضِعِ الخَبَرِ، ويَعْنِي بِالعِنْدِيَّةِ: المَكانَةُ، ولَمِنَ المُصْطَفَيْنَ: في مَوْضِعِ خَبَرٍ ثانٍ لِوُجُودِ اللّامِ، لا يَجُوزُ أنَّ زَيْدًا قائِمٌ لَمُنْطَلِقٌ، (وكُلٌّ): أيْ: وكُلُّهم، مِنَ الأخْيارِ.

ص 38:48

﴿واذْكُرْ عَبْدَنا أيُّوبَ إذْ نادى رَبَّهُ أنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وعَذابٍ﴾ ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وشَرابٌ﴾ ﴿ووَهَبْنا لَهُ أهْلَهُ ومِثْلَهم مَعَهم رَحْمَةً مِنّا وذِكْرى لِأُولِي الألْبابِ﴾ ﴿وخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فاضْرِبْ بِهِ ولا تَحْنَثْ إنّا وجَدْناهُ صابِرًا نِعْمَ العَبْدُ إنَّهُ أوّابٌ﴾ ﴿واذْكُرْ عِبادَنا إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ أُولِي الأيْدِي والأبْصارِ﴾ ﴿إنّا أخْلَصْناهم بِخالِصَةٍ ذِكْرى الدّارِ﴾ ﴿وإنَّهم عِنْدَنا لَمِنَ المُصْطَفَيْنَ الأخْيارِ﴾ ﴿واذْكُرْ إسْماعِيلَ واليَسَعَ وذا الكِفْلِ وكُلٌّ مِنَ الأخْيارِ﴾ ﴿هَذا ذِكْرٌ وإنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ﴾ [ص: ٤٩] ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الأبْوابُ﴾ [ص: ٥٠] ﴿مُتَّكِئِينَ فِيها يَدْعُونَ فِيها بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وشَرابٍ﴾ [ص: ٥١] ﴿وعِنْدَهم قاصِراتُ الطَّرْفِ أتْرابٌ﴾ [ص: ٥٢] ﴿هَذا ما تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الحِسابِ﴾ [ص: ٥٣] ﴿إنَّ هَذا لَرِزْقُنا ما لَهُ مِن نَفادٍ﴾ [ص: ٥٤] ﴿هَذا وإنَّ لِلطّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ﴾ [ص: ٥٥] ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ المِهادُ﴾ [ص: ٥٦] ﴿هَذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وغَسّاقٌ﴾ [ص: ٥٧] ﴿وآخَرُ مِن شَكْلِهِ أزْواجٌ﴾ [ص: ٥٨] ﴿هَذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكم لا مَرْحَبًا بِهِمْ إنَّهم صالُوا النّارِ﴾ [ص: ٥٩] الضِّغْثُ: حُزْمَةٌ صَغِيرَةٌ مِن حَشِيشٍ أوْ رَيْحانٍ أوْ قُضْبانٍ، وقِيلَ: القَبْضَةُ الكَبِيرَةُ مِنَ القُضْبانِ، ومِنهُ قَوْلُهم: ضِغْثٌ عَلى إبّالَةِ، والإبّالَةُ: الحُزْمَةُ مِنَ الحَطَبِ، والضِّغْثُ: القَبْضَةُ عَلَيْها مِنَ الحَطَبِ أيْضًا، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وأسْفَلَ مِنِّي نَهْدَةً قَدْ رَبَطْتُها وألْقَيْتُ ضِغْثًا مِن خَلًى مُتَطَيِّبِ الحِنْثُ: فِعْلُ ما حَلَفَ عَلى تَرْكِهِ، وتَرْكُ ما حَلَفَ عَلى فِعْلِهِ، الغَسّاقُ: ما سالَ، يُقالُ: غَسَقَتِ العَيْنُ والجُرْحُ. وعَنْ أبِي عُبَيْدَةَ: أنَّهُ البارِدُ المُنْتِنُ بِلُغَةِ التُّرْكِ. وقالَ الأزْهَرِيُّ: الغاسِقُ البارِدُ، ولِهَذا قِيلَ: لَيْلٌ غاسِقٌ؛ لِأنَّهُ أبْرَدُ مِنَ النَّهارِ. الِاقْتِحامُ: رُكُوبُ الشِّدَّةِ والدُّخُولُ فِيها، والقَحْمَةُ: الشِّدَّةُ. ﴿واذْكُرْ عَبْدَنا أيُّوبَ إذْ نادى رَبَّهُ أنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وعَذابٍ﴾ ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وشَرابٌ﴾ ﴿ووَهَبْنا لَهُ أهْلَهُ ومِثْلَهم مَعَهم رَحْمَةً مِنّا وذِكْرى لِأُولِي الألْبابِ﴾ ﴿وخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فاضْرِبْ بِهِ ولا تَحْنَثْ إنّا وجَدْناهُ صابِرًا نِعْمَ العَبْدُ إنَّهُ أوّابٌ﴾ ﴿واذْكُرْ عِبادَنا إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ أُولِي الأيْدِي والأبْصارِ﴾ ﴿إنّا أخْلَصْناهم بِخالِصَةٍ ذِكْرى الدّارِ﴾ ﴿وإنَّهم عِنْدَنا لَمِنَ المُصْطَفَيْنَ الأخْيارِ﴾ ﴿واذْكُرْ إسْماعِيلَ واليَسَعَ وذا الكِفْلِ وكُلٌّ مِنَ الأخْيارِ﴾ . (p-٤٠٠)لَمّا أمَرَ نَبِيَّهُ بِالصَّبْرِ، وذَكَرَ ابْتِلاءَ داوُدَ وسُلَيْمانَ، وأثْنى عَلَيْهِما، ذَكَرَ مَن كانَ أشَدَّ ابْتِلاءٍ مِنهُما، وأنَّهُ كانَ في غايَةِ الصَّبْرِ بِحَيْثُ أثْنى اللَّهُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ. وأيُّوبُ: عَطْفُ بَيانٍ أوْ بَدَلٌ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإذْ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (أنِّي) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، وعِيسى: بِكَسْرِها، وجاءَ بِضَمِيرِ التَّكَلُّمِ حِكايَةً لِكَلامِهِ الَّذِي ناداهُ بِسَبَبِهِ، ولَوْ لَمْ يَحْكِ لَقالَ: إنَّهُ مَسَّهُ؛ لِأنَّهُ غائِبٌ، وأسْنَدَ المَسَّ إلى الشَّيْطانِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَمّا كانَتْ وسْوَسَتُهُ إلَيْهِ وطاعَتُهُ لَهُ فِيما وسْوَسَ سَبَبًا فِيما مَسَّهُ اللَّهُ بِهِ مِنَ النُّصْبِ والعَذابِ، نَسَبَهُ إلَيْهِ وقَدْ راعى الأدَبَ في ذَلِكَ حَيْثُ لَمْ يَنْسُبْهُ إلى اللَّهِ في دُعائِهِ مَعَ أنَّهُ فاعِلُهُ ولا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إلّا هو. وقِيلَ: أرادَ ما كانَ يُوَسْوِسُ بِهِ إلَيْهِ في مَرَضِهِ مِن تَعْظِيمِ ما نَزَلَ بِهِ مِنَ البَلاءِ، فالتَجَأ إلى اللَّهِ في أنْ يَكْفِيَهُ ذَلِكَ بِكَشْفِ البَلاءِ، أوْ بِالتَّوْفِيقِ في دَفْعِهِ ورَدِّهِ بِالصَّبْرِ الجَمِيلِ. وذَكَرَ في سَبَبِ بَلائِهِ أنَّ رَجُلًا اسْتَغاثَهُ عَلى ظالِمٍ، فَلَمْ يُغِثْهُ. وقِيلَ: كانَتْ مَواشِيهِ في ناحِيَةِ مَلِكٍ كافِرٍ، فَداهَنَهُ ولَمْ يَفْدِهِ. وقِيلَ: أُعْجِبَ بِكَثْرَةِ مالِهِ. انْتَهى. ولا يُناسِبُ مَناصِبَ الأنْبِياءِ ما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِن أنَّ أيُّوبَ كانَتْ مِنهُ طاعَةٌ لِلشَّيْطانِ فِيما وسْوَسَ بِهِ، وأنَّ ذَلِكَ كانَ سَبَبًا لِما مَسَّهُ اللَّهُ بِهِ مِنَ النُّصْبِ والعَذابِ، ولا أنَّ رَجُلًا اسْتَغاثَهُ عَلى ظالِمٍ فَلَمْ يُغِثْهُ، ولا أنَّهُ داهَنَ كافِرًا ولا أنَّهُ أُعْجِبَ بِكَثْرَةِ مالِهِ. وكَذَلِكَ ما رَوَوْا أنَّ الشَّيْطانَ سَلَّطَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ حَتّى أذْهَبَ أهْلَهُ ومالَهُ لا يُمْكِنُ أنْ يَصِحَّ، ولا قُدْرَةَ لَهُ عَلى البَشَرِ إلّا بِإلْقاءِ الوَساوِسِ الفاسِدَةِ لِغَيْرِ المَعْصُومِ. والَّذِي نَقُولُهُ: أنَّهُ تَعالى ابْتَلى أيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ في جَسَدِهِ وأهْلِهِ ومالِهِ، عَلى ما رُوِيَ في الأخْبارِ. ورَوى أنَسٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أنَّ أيُّوبَ بَقِيَ في مِحْنَتِهِ ثَمانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً يَتَساقَطُ لَحْمُهُ حَتّى مَلَّهُ العالَمُ، ولَمْ يَصْبِرْ عَلَيْهِ إلّا امْرَأتُهُ»، ولَمْ يُبَيِّنْ لَنا تَوالِيَ السَّبَبِ المُقْتَضِي لِعِلَّتِهِ. وأمّا إسْنادُهُ المَسَّ إلى الشَّيْطانِ فَسَبَبُ ذَلِكَ أنَّهُ كانَ يَعُودُهُ ثَلاثٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ، فارْتَدَّ أحَدُهم، فَسَألَ عَنْهُ فَقِيلَ: ألْقى إلَيْهِ الشَّيْطانُ أنَّ اللَّهَ لا يَبْتَلِي الأنْبِياءَ والصّالِحِينَ، فَحِينَئِذٍ قالَ ﴿مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ﴾ نَزَّلَ لِشَفَقَتِهِ عَلى المُؤْمِنِينَ مَسَّ الشَّيْطانِ ذَلِكَ المُؤْمِنَ حَتّى ارْتَدَّ مَنزِلَةَ مَسِّهِ لِنَفْسِهِ؛ لِأنَّ المُؤْمِنَ الخَيِّرَ يَتَألَّمُ بِرُجُوعِ المُؤْمِنِ الخَيِّرِ إلى الكُفْرِ؛ ولِذَلِكَ جاءَ بَعْدَهُ ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾ حَتّى يَغْتَسِلَ ويَذْهَبَ عَنْهُ البَلاءُ، فَلا يَرْتَدُّ أحَدٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ بِسَبَبِ طُولِ بَلائِهِ، وتَسْوِيلِ الشَّيْطانِ أنَّهُ تَعالى لا يَبْتَلِي الأنْبِياءَ. وقِيلَ: أشارَ بِقَوْلِهِ ﴿مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ﴾ إلى تَعْرِيضِهِ لِامْرَأتِهِ، وطَلَبِهِ أنْ تُشْرِكَ بِاللَّهِ، وكَأنَّهُ بِتَشَكِّي هَذا الأمْرِ كانَ عَلَيْهِ أشَدَّ مِن مَرَضِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿بِنُصْبٍ﴾ بِضَمِّ النُّونِ وسُكُونِ الصّادِ، قِيلَ: جَمْعُ نَصْبٍ كَوُثْنٍ ووَثْنٍ. وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، وأبُو عِمارَةَ عَنْ حَفْصٍ، والجُعْفِيُّ عَنْ أبِي بَكْرٍ، وأبُو مُعاذٍ عَنْ نافِعٍ: بِضَمَّتَيْنِ. وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، والحَسَنُ، والسُّدِّيُّ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، ويَعْقُوبُ، والجَحْدَرِيُّ: بِفَتْحَتَيْنِ. وأبُو حَيْوَةَ، ويَعْقُوبُ في رِوايَةٍ، وهُبَيْرَةُ عَنْ حَفْصٍ: بِفَتْحِ النُّونِ وسُكُونِ الصّادِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: النُّصْبُ والنَّصْبُ، كالرُّشْدِ والرَّشْدِ، والنَّصْبُ عَلى أصْلِ المَصْدَرِ، والنُّصْبُ تَثْقِيلُ نَصَبٍ، والمَعْنى واحِدٌ، وهو التَّعَبُ والمَشَقَّةُ. والعَذابُ: الألَمُ، يُرِيدُ مَرَضَهُ وما كانَ يُقاسِي فِيهِ مِن أنْواعِ الوَصَبِ. انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَدْ ذَكَرَ هَذِهِ القِراءاتِ، وذَلِكَ كُلٌّ بِمَعْنًى واحِدٍ مَعْناهُ المَشَقَّةُ، وكَثِيرًا ما يُسْتَعْمَلُ النُّصْبُ في مَشَقَّةِ الإعْياءِ. وفَرَّقَ بَعْضُ النّاسِ بَيْنَ هَذِهِ الألْفاظِ، والصَّوابُ أنَّها لُغاتٌ بِمَعْنًى مِن قَوْلِهِمْ: أنْصَبَنِي الأمْرُ إذا شَقَّ عَلَيَّ، انْتَهى. وقالَ السُّدِّيُّ: بِنُصْبٍ في الجَسَدِ وعَذابٍ في المالِ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: فاسْتَجَبْنا لَهُ وقُلْنا ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾ فَرَكَضَ، فَنَبَعَتْ عَيْنٌ فَقُلْنا لَهُ ﴿هَذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وشَرابٌ﴾ فِيهِ شِفاؤُكَ، فاغْتَسَلَ فَبَرِأ (ووَهَبْنا لَهُ) ويَدُلُّ عَلى هَذِهِ المَحْذُوفاتِ مَعْنى الكَلامِ وسِياقِهِ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في (p-٤٠١)الرَّكْضِ في سُورَةِ الأنْبِياءِ. وعَنْ قَتادَةَ والحَسَنِ ومُقاتِلٍ: كانَ ذَلِكَ بِأرْضِ الجابِيَةِ مِنَ الشَّأْمِ. ومَعْنى ﴿هَذا مُغْتَسَلٌ﴾ أيْ: ما يُغْتَسَلُ بِهِ، (وشَرابٌ) أيْ: ما تَشْرَبُهُ، فَبِاغْتِسالِكَ يَبْرَأُ ظاهِرُكَ، وبِشُرْبِكَ يَبْرَأُ باطِنُكَ. والظّاهِرُ أنَّ المُشارَ إلَيْهِ كانَ واحِدًا، والعَيْنُ الَّتِي نَبَعَتْ لَهُ عَيْنانِ، شَرِبَ مِن إحْداهُما واغْتَسَلَ مِنَ الأُخْرى. وقِيلَ: ضَرَبَ بِرِجْلِهِ اليُمْنى، فَنَبَعَتْ عَيْنٌ حارَّةٌ فاغْتَسَلَ، وبِاليُسْرى فَنَبَعَتْ بارِدَةٌ فَشَرِبَ مِنها، وهَذا مُخالِفٌ لِظاهِرِ قَوْلِهِ: ﴿مُغْتَسَلٌ بارِدٌ﴾، فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ ماءٌ واحِدٌ. وقِيلَ: أُمِرَ بِالرَّكْضِ بِالرِّجْلِ، لِيَتَناثَرَ عَنْهُ كُلُّ داءٍ بِجَسَدِهِ. وقالَ القُتَبِيُّ: المُغْتَسَلُ: الماءُ الَّذِي يُغْتَسَلُ بِهِ. وقالَ مُقاتِلٌ: هو المَوْضِعُ الَّذِي يُغْتَسَلُ فِيهِ. وقالَ الحَسَنُ: رَكَضَ بِرِجْلِهِ، فَنَبَعَتْ عَيْنُ ماءٍ، فاغْتَسَلَ مِنها، ثُمَّ مَشى نَحْوًا مِن أرْبَعِينَ ذِراعًا، ثُمَّ رَكَضَ بِرِجْلِهِ، فَنَبَعَتْ عَيْنٌ، فَشَرِبَ مِنها. قِيلَ: والجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ رَكَضَ رَكْضَتَيْنِ، فَنَبَعَتْ لَهُ عَيْنانِ، شَرِبَ مِن إحْداهُما، واغْتَسَلَ مِنَ الأُخْرى. والجُمْهُورُ: عَلى أنَّهُ تَعالى أحْيا لَهُ مَن ماتَ مِن أهْلِهِ، وعافى المَرْضى، وجَمَعَ عَلَيْهِ مَن شُتِّتَ مِنهم. وقِيلَ: رَزَقَهُ أوْلادًا وذُرِّيَّةً قَدْرَ ذُرِّيَّتِهِ الَّذِينَ هَلَكُوا، ولَمْ يَرُدَّ أهْلَهُ الَّذِينَ هَلَكُوا بِأعْيانِهِمْ، وظاهِرُ هَذِهِ الهَيْئَةِ أنَّها في الدُّنْيا. وقِيلَ ذَلِكَ وعْدٌ، وتَكُونُ تِلْكَ الهَيْئَةُ في الآخِرَةِ. وقِيلَ: وهَبَهُ مَن كانَ حَيًّا مِنهم، وعافاهُ مِنَ الأسْقامِ، وأرْغَدَ لَهُمُ العَيْشَ، فَتَناسَلُوا حَتّى تَضاعَفَ عَدَدُهم وصارَ مِثْلَهم. و(رَحْمَةً)، (وذِكْرى): مَفْعُولانِ لَهُما، أيْ: أنَّ الهِبَةَ كانَتْ لِرَحْمَتِنا إيّاهُ، ولِيَتَذَكَّرَ أرْبابُ العُقُولِ، وما يَحْصُلُ لِلصّابِرِينَ مِنَ الخَيْرِ، وما يَئُولُ إلَيْهِ مِنَ الأجْرِ. وفي الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: وكانَ حَلَفَ لَيَضْرِبَنَّ امْرَأتَهُ مِائَةَ ضَرْبَةٍ لِسَبَبٍ جَرى مِنها، وكانَتْ مُحْسِنَةً لَهُ، فَجَعَلْنا لَهُ خَلاصًا مِن يَمِينِهِ بِقَوْلِنا: ﴿وخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا﴾ . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الضِّغْثُ: عِثْكالُ النَّخْلِ. وقالَ مُجاهِدٌ: الأثْلُ، وهو نَبْتٌ لَهُ شَوْكٌ. وقالَ الضَّحّاكُ: حُزْمَةٌ مِنَ الحَشِيشِ مُخْتَلِفَةٌ. وقالَ الأخْفَشُ: الشَّجَرُ الرَّطْبُ، واخْتَلَفُوا في السَّبَبِ الَّذِي أوْجَبَ حَلِفَهُ. ومَحْصُولُ أقْوالِهِمْ هو: تَمَثُّلُ الشَّيْطانِ لَها في صُورَةِ ناصِحٍ أوْ مُداوٍ. وعَرَضَ لَها شِفاءَ أيُّوبَ عَلى يَدَيْهِ عَلى شَرْطٍ لا يُمْكِنُ وُقُوعُهُ مِن مُؤْمِنٍ، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ، فَعَلِمَ أنَّ الَّذِي عَرَضَ لَها هو الشَّيْطانُ، وغَضِبَ لِعَرْضِها ذَلِكَ عَلَيْهِ فَحَلَفَ. وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الأسْبابِ، وهي مُتَعارِضَةٌ. فَحَلَّلَ اللَّهُ يَمِينَهُ بِأهْوَنِ شَيْءٍ عَلَيْهِ وعَلَيْها، لِحُسْنِ خِدْمَتِها إيّاهُ ورِضاهُ عَنْها، وقَدْ وقَعَ مِثْلُ هَذِهِ الرُّخْصَةِ في الإسْلامِ. «أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمُخْدَجٍ قَدْ خَبُثَ بِأمَةٍ، فَقالَ: ”خُذُوا عِثْكالًا فِيهِ مِائَةُ شِمْراخٍ فاضْرِبُوهُ بِها ضَرْبَةً“» . وقالَ بِذَلِكَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ في الأيْمانِ، قالَ: ويَجِبُ أنْ يُصِيبَ المَضْرُوبَ كُلُّ واحِدٍ مِنَ المِائَةِ، إمّا أطْرافُها قائِمَةٌ، وإمّا أعْراضُها مَبْسُوطَةٌ، مَعَ وُجُودِ صُورَةِ الضَّرْبَةِ. والجُمْهُورُ عَلى تَرْكِ القَوْلِ في الحُدُودِ، وأنَّ البِرَّ في الأيْمانِ لا يَقَعُ إلّا بِإتْمامِ عَدَدِ الضَّرَباتِ. ووَصَفَ اللَّهُ تَعالى نَبِيَّهُ بِالصَّبْرِ. وقَدْ قالَ: ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ [الأنبياء: ٨٣]، فَدَلَّ عَلى أنَّ الشَّكْوى إلى اللَّهِ تَعالى لا تُنافِي الوَصْفَ بِالصَّبْرِ. وقَدْ قالَ يَعْقُوبُ: ﴿إنَّما أشْكُو بَثِّي وحُزْنِي إلى اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٦] عَلى أنَّ أيُّوبَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - طَلَبَ الشِّفاءَ خِيفَةً عَلى قَوْمِهِ أنْ يُوَسْوِسَ إلَيْهِمُ الشَّيْطانُ أنَّهُ لَوْ كانَ نَبِيًّا لَمْ يُبْتَلَ، وتَألُّفًا لِقَوْمِهِ عَلى الطّاعَةِ، وبَلَغَ أمْرُهُ في البَلاءِ إلى أنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنهُ إلّا القَلْبُ واللِّسانُ. ويُرْوى أنَّهُ قالَ في مُناجاتِهِ: إلَهِي قَدْ عَلِمْتَ أنَّهُ لَمْ يُخالِفْ لِسانِي قَلْبِي، ولَمْ يَتْبَعْ قَلْبِي بَصَرِي، ولَمْ يَمْنَعْنِي ما مَلَكَتْ يَمِينِي، ولَمْ آكُلْ إلّا ومَعِي يَتِيمٌ، ولَمْ أبِتْ شَبْعانًا ولا كاسِيًا ومَعِي جائِعٌ أوْ عُرْيانٌ، فَكَشَفَ اللَّهُ عَنْهُ. (واذْكُرْ عَبْدَنا إبْراهِيمَ)، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ كَثِيرٍ وأهْلُ مَكَّةَ، (عَبْدَنا) عَلى الإفْرادِ، وإبْراهِيمُ بَدَلٌ مِنهُ، أوْ عَطْفُ بَيانٍ. والجُمْهُورُ عَلى الجَمْعِ، وما بَعْدَهُ مِنَ الثَّلاثَةِ بَدَلٌ أوْ عَطْفُ بَيانٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿أُولِي الأيْدِي﴾، بِالياءِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ: القُوَّةُ في طاعَةِ اللَّهِ. وقِيلَ: إحْسانُهم في الدِّينِ، وتَقَدُّمُهم عِنْدَ اللَّهِ عَلى عَمَلِ صِدْقٍ، فَهي (p-٤٠٢)كالأيْدِي، وهو قَرِيبٌ مِمّا قَبْلَهُ. وقِيلَ: النِّعَمُ الَّتِي أسْداها اللَّهُ إلَيْهِمْ مِنَ النُّبُوَّةِ والمَكانَةِ. وقِيلَ ﴿الأيْدِي﴾: الجَوارِحُ المُتَصَرِّفَةُ في الخَيْرِ، (والأبْصارِ) الثّاقِبَةُ فِيهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَمّا كانَتْ أكْثَرُ الأعْمالِ تُباشَرُ بِالأيْدِي غَلَبَتْ، فَقِيلَ في كُلِّ عَمَلٍ: هَذا مِمّا عَمِلَتْ أيْدِيهِمْ، وإنْ كانَ عَمَلًا لا يَتَأتّى فِيهِ المُباشَرَةُ بِالأيْدِي، أوْ كانَ العُمّالُ جَذْمًا لا أيْدِيَ لَهم، وعَلى ذَلِكَ ورَدَ قَوْلُهُ عَزَّ وعَلا: ﴿أُولِي الأيْدِي والأبْصارِ﴾، يُرِيدُ: أُولِي الأعْمالِ والفِكْرِ؛ كَأنَّ الَّذِينَ لا يَعْمَلُونَ أعْمالَ الآخِرَةِ، ولا يُجاهِدُونَ في اللَّهِ؛ ولا يُفَكِّرُونَ أفْكارَ ذَوِي الدِّياناتِ، ولا يَسْتَبْصِرُونَ في حُكْمِ الزَّمْنى الَّذِينَ لا يَقْدِرُونَ عَلى إعْمالِ جَوارِحِهِمْ، والمَسْلُوبِي العُقُولِ الَّذِينَ لا اسْتِبْصارَ بِهِمْ؛ وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِكُلِّ مَن لَمْ يَكُنْ مِن عُمّالِ اللَّهِ، ولا مِنَ المُسْتَبْصِرِينَ في دِينِ اللَّهِ، وتَوْبِيخٌ عَلى تَرْكِهِمُ المُجاهَدَةَ والتَّأمُّلَ مَعَ كَوْنِهِمْ مُتَمَكِّنِينَ مِنها. انْتَهى، وهو تَكْثِيرٌ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: اليَدُ آلَةٌ لِأكْثَرِ الأعْمالِ، والبَصَرُ آلَةٌ لِأقْوى الإدْراكاتِ، فَحَسُنَ التَّعْبِيرُ عَنِ العَمَلِ بِاليَدِ، وعَنِ الإدْراكِ بِالبَصَرِ. والنَّفْسُ النّاطِقَةُ لَها قُوَّتانِ: عامِلَةٌ وعالِمَةٌ، فَأُولِي الأيْدِي والأبْصارِ إشارَةٌ إلى هاتَيْنِ الحالَتَيْنِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، والحَسَنُ، وعِيسى، والأعْمَشُ: ﴿الأيْدِ﴾ [ص: ١٧] بِغَيْرِ ياءٍ، فَقِيلَ: يُرادُ الأيْدِي حَذَفَ الياءَ اجْتِزاءً بِالكَسْرَةِ عَنْها، ولَمّا كانَتْ ألْ تُعاقِبُ التَّنْوِينَ، حُذِفَتِ الياءُ مَعَها، كَما حُذِفَتْ مَعَ التَّنْوِينِ. وهَذا تَخْرِيجٌ لا يُسَوَّغُ؛ لِأنَّ حَذْفَ هَذِهِ الياءِ مَعَ وُجُودِ ألْ ذَكَرَهُ سِيبَوَيْهِ في الضَّرائِرِ. وقِيلَ: ﴿الأيْدِي﴾ القُوَّةُ في طاعَةِ اللَّهِ، (والأبْصارِ) عِبارَةٌ عَنِ البَصائِرِ الَّتِي يُبْصِرُونَ بِها الحَقائِقَ ويَنْظُرُونَ بِنُورِ اللَّهِ تَعالى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وتَفْسِيرُ الأيْدِي مِنَ التَّأْيِيدِ قَلَقٌ غَيْرُ مُتَمَكِّنٍ، وإنَّما كانَ قَلَقًا عِنْدَهُ لِعَطْفِ الأبْصارِ عَلَيْهِ، ولا يَنْبَغِي أنْ يُعَلَّقَ، لِأنَّهُ فَسَّرَ ﴿أُولِي الأيْدِي والأبْصارِ﴾ بِقَوْلِهِ: يُرِيدُ أُولِي الأعْمالِ والفِكْرِ. وقُرِئَ: (الأيادِي) جَمْعُ الجَمْعِ، كَأوْطَفٍ وأواطِفَ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، والأعْرَجُ، ونافِعٌ، وهِشامٌ: ﴿بِخالِصَةٍ﴾، بِغَيْرِ تَنْوِينٍ، أُضِيفَتْ إلى ذِكْرى. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ بِالتَّنْوِينِ، و(ذِكْرى) بَدَلٌ مِن ﴿بِخالِصَةٍ﴾ . وقَرَأ الأعْمَشُ، وطَلْحَةُ: (بِخالِصَتِهِمْ) و﴿أخْلَصْناهُمْ﴾: جَعَلْناهم لَنا خالِصِينَ و(خالِصَةٍ)، يُحْتَمَلُ، وهو الأظْهَرُ، أنْ يَكُونَ اسْمَ فاعِلٍ بِهِ عَنْ مَزِيَّةٍ أوْ رُتْبَةٍ أوْ خَصْلَةٍ خالِصَةٍ لا شَوْبَ فِيها، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا، كالعاقِبَةِ، فَيَكُونُ قَدْ حُذِفَ مِنهُ الفاعِلُ، أيْ: أخْلَصْناهم بِأنْ أخْلَصُوا ذِكْرى الدّارِ، فَيَكُونُ ذِكْرى مَفْعُولًا، أوْ بِأنْ أخْلَصْنا لَهم ذِكْرى الدّارِ، أوْ يَكُونُ الفاعِلُ ذِكْرى، أيْ: بِأنْ خَلَصَتْ لَهم ذِكْرى الدّارِ، والدّارُ في كُلِّ وجْهٍ مِن مَوْضِعِ نَصْبٍ بِذِكْرى، وذِكْرى مَصْدَرٌ، والدّارُ دارُ الآخِرَةِ. قالَ قَتادَةُ: المَعْنى بِأنْ خَلَصَ لَهُمُ التَّذْكِيرُ بِالدّارِ الآخِرَةِ، ودَعا النّاسَ إلَيْها وحَضَّهم عَلَيْها. وقالَ مُجاهِدٌ: خَلَصَ لَهم ذِكْرُهُمُ الدّارَ الآخِرَةَ، وخَوْفُهم لَها. والعَمَلُ بِحَسَبِ ذَلِكَ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: وهَبْنا لَهم أفْضَلَ ما في الدّارِ الآخِرَةِ، وأخْلَصْناهم بِهِ، وأعْطَيْناهم إيّاهُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِالدّارِ دارَ الدُّنْيا، عَلى مَعْنى ذِكْرِ الثَّناءِ والتَّعْظِيمِ مِنَ النّاسِ، والحَمْدُ الباقِي الَّذِي هو الخُلْدُ المَجازِيُّ، فَتَجِيءُ الآيَةُ في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿لِسانَ صِدْقٍ﴾ [مريم: ٥٠]، وقَوْلِهِ: ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ [الصافات: ٧٨] . انْتَهى. وحَكى الزَّمَخْشَرِيُّ هَذا الِاحْتِمالَ قَوْلًا فَقالَ: وقِيلَ ﴿ذِكْرى الدّارِ﴾: الثَّناءُ الجَمِيلُ في الدُّنْيا ولِسانُ الصِّدْقِ. انْتَهى. والباءُ في ﴿بِخالِصَةٍ﴾ باءُ السَّبَبِ، أيْ: بِسَبَبِ هَذِهِ الخَصْلَةِ وبِأنَّهم مِن أهْلِها، ويُعَضِّدُهُ قِراءَةُ (بِخالِصِهِمْ) . ﴿وإنَّهم عِنْدَنا لَمِنَ المُصْطَفَيْنَ﴾، أيْ: المُخْتارِينَ مِن بَيْنِ أبْناءِ جِنْسِهِمْ. (الأخْيارِ): جَمْعُ خَيِّرٍ، وخَيِّرٌ كَمَيِّتٍ ومَيِّتٌ وأمْواتٌ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في اليَسَعَ في سُورَةِ الأنْعامِ، وذا الكِفْلِ في سُورَةِ الأنْبِياءِ. وعِنْدَنا ظَرْفٌ مَعْمُولٌ لِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ المُصْطَفَيْنَ، أيْ: وإنَّهم مُصْطَفَوْنَ عِنْدَنا، أوْ مَعْمُولٌ لِلْمُصْطَفَيْنَ، وإنْ كانَ بِألْ؛ لِأنَّهم يَتَسَمَّحُونَ في الظَّرْفِ والمَجْرُورِ ما لا يَتَسَمَّحُونَ (p-٤٠٣)فِي غَيْرِهِما، أوْ عَلى التَّبْيِينِ، أيْ: أعْنِي عِنْدَنا، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عِنْدَنا في مَوْضِعِ الخَبَرِ، ويَعْنِي بِالعِنْدِيَّةِ: المَكانَةُ، ولَمِنَ المُصْطَفَيْنَ: في مَوْضِعِ خَبَرٍ ثانٍ لِوُجُودِ اللّامِ، لا يَجُوزُ أنَّ زَيْدًا قائِمٌ لَمُنْطَلِقٌ، (وكُلٌّ): أيْ: وكُلُّهم، مِنَ الأخْيارِ.

ص 38:49

﴿هَذا ذِكْرٌ وإنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ﴾ ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الأبْوابُ﴾ ﴿مُتَّكِئِينَ فِيها يَدْعُونَ فِيها بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وشَرابٍ﴾ ﴿وعِنْدَهم قاصِراتُ الطَّرْفِ أتْرابٌ﴾ ﴿هَذا ما تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الحِسابِ﴾ ﴿إنَّ هَذا لَرِزْقُنا ما لَهُ مِن نَفادٍ﴾ ﴿هَذا وإنَّ لِلطّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ﴾ ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ المِهادُ﴾ ﴿هَذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وغَسّاقٌ﴾ ﴿وآخَرُ مِن شَكْلِهِ أزْواجٌ﴾ ﴿هَذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكم لا مَرْحَبًا بِهِمْ إنَّهم صالُوا النّارِ﴾ ﴿قالُوا بَلْ أنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكم أنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا فَبِئْسَ القَرارُ﴾ ﴿قالُوا رَبَّنا مَن قَدَّمَ لَنا هَذا فَزِدْهُ عَذابًا ضِعْفًا في النّارِ﴾ ﴿وقالُوا ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنّا نَعُدُّهم مِنَ الأشْرارِ﴾ ﴿أأتَّخَذْناهم سِخْرِيًّا أمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصارُ﴾ ﴿إنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أهْلِ النّارِ﴾ ﴿قُلْ إنَّما أنا مُنْذِرٌ وما مِن إلَهٍ إلّا اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ ﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما العَزِيزُ الغَفّارُ﴾ (p-٤٠٤)لَمّا أمَرَهُ تَعالى بِالصَّبْرِ عَلى سَفاهَةِ قَوْمِهِ، وذَكَرَ جُمْلَةً مِنَ الأنْبِياءِ وأحْوالِهِمْ، ذَكَرَ ما يَئُولُ إلَيْهِ حالُ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ مِنَ الجَزاءِ، ومَقَرُّ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الفَرِيقَيْنِ. ولَمّا كانَ ما يَذْكُرُهُ نَوْعًا مِن أنْواعِ التَّنْزِيلِ، قالَ: (هَذا ذِكْرٌ)، كَأنَّهُ فَصَلَ بَيْنَ ما قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ. ألا تَرى أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ أهْلَ الجَنَّةِ، وأعْقَبَهُ بِذِكْرِ أهْلِ النّارِ قالَ: (﴿هَذا وإنَّ لِلطّاغِينَ﴾ ؟ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَذا ذِكْرُ مَن مَضى مِنَ الأنْبِياءِ. وقِيلَ: ( هَذا ذِكْرٌ): أيْ: شَرَفٌ تُذْكَرُونَ بِهِ أبَدًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (جَنّاتِ) بِالنَّصْبِ، وهو بَدَلٌ، فَإنْ كانَ (عَدْنٍ) عَلَمًا، فَبَدَلُ مَعْرِفَةٍ مِن نَكَرَةٍ؛ وإنْ كانَ نَكِرَةً، فَبَدَلُ نَكِرَةٍ مِن نَكِرَةٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ مَعْرِفَةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وعَدَ الرَّحْمَنُ﴾ [مريم: ٦١]، وانْتِصابُها عَلى أنَّها عَطْفُ بَيانٍ بِـ(حُسْنَ مَآبٍ) و﴿مُفَتَّحَةً﴾ حالٌ، والعامِلُ فِيها ما في المُتَّقِينَ مِن مَعْنى الفِعْلِ. وفي ﴿مُفَتَّحَةً﴾ ضَمِيرُ الجَنّاتِ، والأبْوابُ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ تَقْدِيرُهُ: مُفَتَّحَةً هي الأبْوابُ لِقَوْلِهِمْ: ضُرِبَ زَيْدٌ اليَدُ والرِّجْلُ، وهو مِن بَدَلِ الِاشْتِمالِ. انْتَهى. ولا يَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ مَعْرِفَةً بِالدَّلِيلِ الَّذِي اسْتَدَلَّ بِهِ وهو قَوْلُهُ: ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي﴾ [مريم: ٦١]؛ لِأنَّهُ اعْتَقَدَ أنَّ الَّتِي صِفَةٌ لِجَنّاتِ عَدْنٍ، ولا يَتَعَيَّنُ ما ذَكَرَهُ، إذْ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الَّتِي بَدَلًا مِن جَنّاتِ عَدْنٍ. ألا تَرى أنَّ الَّذِي والَّتِي وجُمُوعَهُما تُسْتَعْمَلُ اسْتِعْمالَ الأسْماءِ، فَتَلِي (p-٤٠٥)العَوامِلَ، ولا يَلْزَمُ أنْ تَكُونَ صِفَةً ؟ وأمّا انْتِصابُها عَلى أنَّها عَطْفُ بَيانٍ فَلا يَجُوزُ؛ لِأنَّ النَّحْوِيِّينَ في ذَلِكَ عَلى مَذْهَبَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا في المَعارِفِ، فَلا يَكُونُ عَطْفُ البَيانِ إلّا تابِعًا لِمَعْرِفَةٍ، وهو مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ. والثّانِي: أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ في النَّكِراتِ، فَيَكُونُ عَطْفُ البَيانِ تابِعًا لِنَكِرَةٍ، كَما تَكُونُ المَعْرِفَةُ فِيهِ تابِعَةً لِمَعْرِفَةٍ، وهَذا مَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ، وتَبِعَهُمُ الفارِسِيُّ. وأمّا تَخالُفُهُما في التَّنْكِيرِ والتَّعْرِيفِ فَلَمْ يَذْهَبْ إلَيْهِ أحَدٌ سِوى هَذا المُصَنِّفِ. وقَدْ أجازَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿مَقامِ إبْراهِيمَ﴾ [البقرة: ١٢٥]، فَأعْرَبَهُ عَطْفَ بَيانٍ تابِعًا لِنَكِرَةٍ، وهو ﴿آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ [البقرة: ٩٩]، و﴿مَقامِ إبْراهِيمَ﴾ [البقرة: ١٢٥] مَعْرِفَةٌ، وقَدْ رَدَدْنا عَلَيْهِ ذَلِكَ في مَوْضِعِهِ في آلِ عِمْرانَ. وأمّا قَوْلُهُ: وفي ﴿مُفَتَّحَةً﴾ ضَمِيرُ الجَنّاتِ، فَجُمْهُورُ النَّحْوِيِّينَ أعْرَبُوا الأبْوابَ مَفْعُولًا لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ. وجاءَ أبُو عَلِيٍّ فَقالَ: إذا كانَ كَذَلِكَ، لَمْ يَكُنْ في ذَلِكَ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى جَنّاتِ عَدْنٍ مِنَ الحالِيَّةِ إنْ أعْرَبَ مُفَتَّحَةً حالًا، أوْ مِنَ النَّعْتِ إنْ أعْرَبَ نَعْتًا لِـ(جَنّاتِ عَدْنٍ)، فَقالَ: في ﴿مُفَتَّحَةً﴾ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى الجَنّاتِ حَتّى تَرْتَبِطَ الحالُ بِصاحِبِها، أوِ النَّعْتُ بِمَنعُوتِهِ، والأبْوابُ بَدَلٌ. وقالَ: مَن أعْرَبَ الأبْوابَ مَفْعُولًا لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ العائِدُ عَلى الجَنّاتِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: الأبْوابُ مِنها. وألْزَمَ أبُو عَلِيٍّ البَدَلَ في مِثْلِ هَذا لا بُدَّ فِيهِ مِنَ الضَّمِيرِ، إمّا مَلْفُوظًا بِهِ، أوْ مُقَدَّرًا. وإذا كانَ الكَلامُ مُحْتاجًا إلى تَقْدِيرٍ واحِدٍ، كانَ أوْلى مِمّا يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرَيْنِ. وأمّا الكُوفِيُّونَ، فالرّابِطُ عِنْدَهم هو ألْ لِمَقامِهِ مَقامَ الضَّمِيرِ، فَكَأنَّهُ قالَ: مُفَتِّحَةً لَهم أبْوابُها. وأمّا قَوْلُهُ: وهو مِن بَدَلِ الِاشْتِمالِ، فَإنْ عَنى بِقَوْلِهِ: وهو قَوْلُهُ اليَدُ والرِّجْلُ، فَهو وهْمٌ، وإنَّما هو بَدَلُ بَعْضٍ مِن كُلٍّ. وإنْ عَنى الأبْوابَ، فَقَدْ يَصِحُّ؛ لِأنَّ أبْوابَ الجَنّاتِ لَيْسَتْ بَعْضًا مِنَ الجَنّاتِ. وأمّا تَشْبِيهُهُ ما قَدَّرَهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿مُفَتَّحَةً﴾ هي الأبْوابُ، بِقَوْلِهِمْ: ضُرِبَ زَيْدٌ اليَدُ والرِّجْلُ، فَوَجْهُهُ أنَّ الأبْوابَ بَدَلٌ مِن ذَلِكَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ، كَما أنَّ اليَدَ والرِّجْلَ بَدَلٌ مِنَ الظّاهِرِ الَّذِي هو زَيْدٌ. وقالَ أبُو إسْحاقَ، وتَبِعَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ: ﴿مُفَتَّحَةً﴾ نَعْتٌ لِجَنّاتِ عَدْنٍ. وقالَ الحَوْفِيُّ: ﴿مُفَتَّحَةً﴾ حالٌ، والعامِلُ فِيها مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ المَعْنى، تَقْدِيرُهُ: يَدْخُلُونَها. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رُفَيْعٍ، وأبُو حَيْوَةَ: ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ مُفَتَّحَةٌ﴾، بِرَفْعِ التّاءَيْنِ: مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، أوْ كُلٌّ مِنهُما خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هو جَنّاتُ عَدْنٍ هي مُفَتَّحَةٌ. والِاتِّكاءُ: مِن هَيْئاتِ أهْلِ السَّعادَةِ، ﴿يَدْعُونَ فِيها﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ عِنْدَهم مَن يَسْتَخْدِمُونَهُ فِيما يَسْتَدْعُونَ، كَقَوْلِهِ: ﴿ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ [الإنسان: ١٩] . ولَمّا كانَتِ الفاكِهَةُ يَتَنَوَّعُ وصْفُها بِالكَثْرَةِ، وكَثْرَتُها بِاخْتِلافِ أنْواعِها، وكَثْرَةُ كُلِّ نَوْعٍ مِنها؛ ولَمّا كانَ الشَّرابُ نَوْعًا واحِدًا وهو الخَمْرُ، أُفْرِدَ. ﴿وعِنْدَهم قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ . قالَ قَتادَةُ: مَعْناهُ عَلى أزْواجِهِنَّ، ﴿أتْرابٌ﴾: أيْ: أمْثالٌ عَلى سِنٍّ واحِدَةٍ، وأصْلُهُ في بَنِي آدَمَ لِكَوْنِهِمْ مَسَّ أجْسادَهُمُ التُّرابُ في وقْتٍ واحِدٍ، والأقْرانُ أثْبَتُ في التَّحابِّ. والظّاهِرُ أنَّ هَذا الوَصْفَ هو بَيْنَهُنَّ، وقِيلَ: بَيْنَ أزْواجِهِنَّ، أسْنانُهُنَّ كَأسْنانِهِمْ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ الآدَمِيّاتِ. وقالَ صاحِبُ الغُنْيانِ: حُورٌ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: (وهَذا ما يُوعَدُونَ)، بِياءِ الغَيْبَةِ، إذْ قَبْلَهُ (وعِنْدَهم) وباقِي السَّبْعَةِ: بِتاءِ الخِطابِ عَلى الِالتِفاتِ، والمَعْنى: هَذا ما وقَعَ بِهِ الوَعْدُ لِيَوْمِ الجَزاءِ. (إنَّ هَذا): أيْ: ما ذُكِرَ لِلْمُتَّقِينَ مِمّا تَقَدَّمَ، ﴿لَرِزْقُنا﴾ دائِمًا، أيْ: لا نَفادَ لَهُ. ﴿هَذا وإنَّ لِلطّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ﴾، قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: الأمْرُ هَذا، وقالَ أبُو عَلِيٍّ: هَذا لِلْمُؤْمِنِينَ، وقالَ أبُو البَقاءِ: مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ، أوْ خَبَرٌ مَحْذُوفُ المُبْتَدَأِ، والطّاغُونَ هُنا: الكُفّارُ؛ وقالَ الجُبّائِيُّ: أصْحابُ الكَبائِرِ كُفّارًا كانُوا أوْ لَمْ يَكُونُوا. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المَعْنى الَّذِينَ طَغَوْا عَلَيَّ، وكَذَّبُوا رُسُلِي لَهم شَرُّ مَآبٍ أيْ: مَرْجِعٍ ومَصِيرٍ. ﴿فَبِئْسَ المِهادُ﴾ أيْ: هي (هَذا) في مَوْضِعِ رَفْعِ مُبْتَدَأٍ خَبَرُهُ (جَهَنَّمَ)، ﴿وغَسّاقٌ﴾، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: العَذابُ هَذا، وحَمِيمٌ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ، أوْ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الِاشْتِغالِ، أيْ: لِيَذُوقُوا هَذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ، أيْ: هو حَمِيمٌ، أوْ مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ، أيْ: مِنهُ حَمِيمٌ ومِنهُ غَسّاقٌ، كَما قالَ الشّاعِرُ:(p-٤٠٦) ؎حَتّى إذا ما أضاءَ الصُّبْحُ في غَلَسٍ وغُودِرَ البَقْلُ مَلْوِيُّ ومَحْصُودُ أيْ: مِنهُ مَلْوِيٌّ ومِنهُ مَحْصُودٌ، وهَذِهِ الأعارِيبُ مَقُولَةٌ مَنقُولَةٌ. وقِيلَ: هَذا مُبْتَدَأٌ، و﴿فَلْيَذُوقُوهُ﴾ الخَبَرُ، وهَذا عَلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ في إجازَتِهِ: زَيْدٌ فاضْرِبْهُ، مُسْتَدِلًّا بِقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎وقائِلَةٍ خَوْلانُ فانْكِحْ فَتاتَهُمْ والغَسّاقُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: الزَّمْهَرِيرُ؛ وعَنْهُ أيْضًا، وعَنْ عَطاءٍ، وقَتادَةَ، وابْنِ زَيْدٍ: ما يَجْرِي مِن صَدِيدِ أهْلِ النّارِ. وعَنْ كَعْبٍ: عَيْنٌ في جَهَنَّمَ تَسِيلُ إلَيْها حُمَةُ كُلِّ ذِي حُمَةٍ مِن حَيَّةٍ أوْ عَقْرَبٍ أوْ غَيْرِهِما، يُغْمَسُ فِيها فَيَتَساقَطُ الجِلْدُ واللَّحْمُ عَنِ العَظْمِ. وعَنِ السُّدِّيِّ: ما يَسِيلُ مِن دُمُوعِهِمْ، وعَنِ ابْنِ عُمَرَ: القَيْحُ يَسِيلُ مِنهم فَيُسْقَوْنَهُ. وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ، وقَتادَةُ، وابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ، والفَضْلُ، وابْنُ سَعْدانَ، وهارُونُ عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِتَشْدِيدِ السِّينِ. فَإنْ كانَ صِفَةً، فَيَكُونُ مِمّا حُذِفَ مَوْصُوفُها، وإنْ كانَ اسْمًا، فَفَعّالٌ قَلِيلٌ في الأسْماءِ، جاءَ مِنهُ: الكَلّاءُ، والجَبّانُ، والفَنّادُ، والعَقّارُ، والخَطّارُ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ: بِتَخْفِيفِ السِّينِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (وآخَرُ) عَلى الإفْرادِ، فَقِيلَ: مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: ولَهم عَذابٌ آخَرُ. وقِيلَ: خَبَرُهُ في الجُمْلَةِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: (أزْواجٌ) مُبْتَدَأٌ، و﴿مِن شَكْلِهِ﴾ خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ خَبَرُ (وآخَرُ) . وقِيلَ: خَبَرُهُ (أزْواجٌ) و﴿مِن شَكْلِهِ﴾ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ، وجازَ أنْ يُخْبَرَ بِالجَمْعِ عَنِ الواحِدِ مِن حَيْثُ هو دَرَجاتٌ ورُتَبٌ مِنَ العَذابِ، أوْ سَمّى كُلَّ جُزْءٍ مِن ذَلِكَ الآخَرِ بِاسْمِ الكُلِّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (وآخَرُ) أيْ: وعَذابٌ آخَرُ، أوْ مَذُوقٌ آخَرُ؛ وأزْواجٌ صِفَةُ آخَرَ؛ لِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضُرُوبًا أوْ صِفَةً لِلثَّلاثَةِ، وهي: ﴿حَمِيمٌ وغَسّاقٌ﴾ ﴿وآخَرُ مِن شَكْلِهِ﴾ . انْتَهى. وهُوَ إعْرابٌ أخَذَهُ مِنَ الفَرّاءِ. وقَرَأ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، والجَحْدَرِيُّ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وعِيسى، وأبُو عَمْرٍو: (وأُخَرُ) عَلى الجَمْعِ، وهو مُبْتَدَأٌ، (ومِن شَكْلِهِ) في مَوْضِعِ الصِّفَةِ؛ ﴿وأزْواجٌ﴾ [آل عمران: ١٥] خَبَرُهُ، أيْ: ومَذُوقًا آخَرُ مِن شَكْلِ هَذا المَذُوقِ مِن مِثْلِهِ في الشِّدَّةِ والفَظاعَةِ. (أزْواجٌ): أجْناسٌ. وقَرَأ مُجاهِدٌ: ﴿مِن شَكْلِهِ﴾ بِكَسْرِ الشِّينِ؛ والجُمْهُورُ: بِفَتْحِها، وهُما لُغَتانِ بِمَعْنى المِثْلِ والضَّرْبِ. وأمّا إذا كانَ بِمَعْنى الفَتْحِ، فَبِكَسْرِ الشِّينِ لا غَيْرَ. وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: ﴿وآخَرُ مِن شَكْلِهِ﴾: هو الزَّمْهَرِيرُ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿هَذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ﴾ )، مِن قَوْلِ رُؤَسائِهِمْ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، والفَوْجُ: الجَمْعُ الكَثِيرُ، ﴿مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ﴾ أيِ: النّارَ، وهُمُ الأتْباعُ، ثُمَّ دَعَوْا عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِمْ: ﴿لا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾؛ لِأنَّ الرَّئِيسَ إذا رَأى الخَسِيسَ قَدْ قُرِنَ مَعَهُ في العَذابِ، ساءَهُ ذَلِكَ حَيْثُ وقَعَ التَّساوِي في العَذابِ، ولَمْ يَكُنْ هو السّالِمُ مِنَ العَذابِ وأتْباعُهُ في العَذابِ. و(مَرْحَبًا) مَعْناهُ: ائْتِ رَحْبًا وسَعَةً لا ضَيِّقًا، وهو مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ يَجِبُ إضْمارُهُ، ولِأنَّ عُلُوَّهم بَيانٌ لِلْمَدْعُوِّ عَلَيْهِمْ. وقِيلَ: ﴿هَذا فَوْجٌ﴾، مِن كَلامِ المَلائِكَةِ خَزَنَةِ النّارِ؛ وأنَّ الدُّعاءَ عَلى الفَوْجِ والتَّعْلِيلَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهم صالُوا النّارِ﴾، مِن كَلامِهِمْ. وقِيلَ: ﴿هَذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ﴾، مِن كَلامِ المَلائِكَةِ، والدُّعاءُ عَلى الفَوْجِ والإخْبارُ بِأنَّهم صالُوا النّارِ مِن كَلامِ الرُّؤَساءِ المَتْبُوعِينَ. (قالُوا) أيِ: الفَوْجُ: ﴿لا مَرْحَبًا بِكُمْ﴾، رَدٌّ عَلى الرُّؤَساءِ ما دَعَوْا بِهِ عَلَيْهِمْ. ثُمَّ ذَكَرُوا أنَّ ما وقَعُوا فِيهِ مِنَ العَذابِ وصَلْيِ النّارِ، إنَّما هو بِما ألْقَيْتُمْ إلَيْنا وزَيَّنْتُمُوهُ مِنَ الكُفْرِ، فَكَأنَّكم قَدَّمْتُمْ لَنا العَذابَ أوِ الصَّلْيَ. وإذا كانَ ﴿لا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾ مِن كَلامِ الخَزَنَةِ فَلَمْ يَجِئِ التَّرْكِيبُ: قالُوا بَلْ هَؤُلاءِ لا مَرْحَبًا بِهِمْ، بَلْ جاءَ بِخِطابِ الأتْباعِ لِلرُّؤَساءِ، لِتَكُونَ المُواجَهَةُ لِمَن كانُوا لا يَقْدِرُونَ عَلى مُواجَهَتِهِمْ في الدُّنْيا بِقَبِيحٍ أشَفى لِصُدُورِهِمْ، حَيْثُ تَسَبَّبُوا في كُفْرِهِمْ، وأنْكى لِلرُّؤَساءِ. ﴿فَبِئْسَ القَرارُ﴾: أيِ: النّارُ؛ وهَذِهِ المُرادَةُ والدُّعاءُ كَقَوْلِهِ: ﴿كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها﴾ [الأعراف: ٣٨] . ولَمْ يَكْتَفِ الأتْباعُ بِرَدِّ الدُّعاءِ عَلى رُؤَسائِهِمْ، ولا بِمُواجَهَتِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿أنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا﴾، حَتّى سَألُوا مِنَ اللَّهِ أنْ يَزِيدَ رُؤَساءَهم ضِعْفًا مِنَ النّارِ، والمَعْنى: مَن حَمَلَنا عَلى عَمَلِ السُّوءِ حَتّى صارَ جَزاءُنا النّارَ، ﴿فَزِدْهُ عَذابًا ضِعْفًا﴾، كَما جاءَ في قَوْلِ الأتْباعِ: ﴿رَبَّنا آتِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦٨]، أيْ: ساداتَهم ﴿ضِعْفَيْنِ مِنَ العَذابِ﴾ [الأحزاب: ٦٨]، ﴿رَبَّنا هَؤُلاءِ أضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذابًا ضِعْفًا مِنَ النّارِ﴾ [الأعراف: ٣٨] . (p-٤٠٧)ولَمّا كانَ الرُّؤَساءُ ضُلّالًا في أنْفُسِهِمْ، وأضَلُّوا أتْباعَهم، ناسَبَ أنْ يَدْعُوا عَلَيْهِمْ بِأنْ يَزِيدَهم ضِعْفًا، كَما جاءَ: «فَعَلَيْهِ وِزْرُها ووِزْرُ مَن عَمِلَ بِها إلى يَوْمِ القِيامَةِ» فَعَلى هَذا الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: (قالُوا) لِلْأتْباعِ. و﴿مَن قَدَّمَ﴾: هُمُ الرُّؤَساءُ. وقالَ ابْنُ السّائِبِ: ﴿قالُوا رَبَّنا﴾ إلى آخِرِهِ، قَوْلُ جَمِيعِ أهْلِ النّارِ. وقالَ الضَّحّاكُ: ﴿مَن قَدَّمَ﴾، هو إبْلِيسُ وقابِيلُ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: الضِّعْفُ حَيّاتٌ وعَقارِبُ. (وقالُوا) أيْ: أشْرافُ الكُفّارِ، ﴿ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنّا نَعُدُّهم مِنَ الأشْرارِ﴾ أيِ: الأرْذالِ الَّذِينَ لا خَيْرَ فِيهِمْ، ولَيْسُوا عَلى دِينِنا، كَما قالَ: ﴿وما نَراكَ اتَّبَعَكَ إلّا الَّذِينَ هم أراذِلُنا﴾ [هود: ٢٧] . ورُوِيَ أنَّ القائِلِينَ مِن كُفّارِ عَصْرِ الرَّسُولِ ﷺ، هم: أبُو جَهْلٍ، وأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، وأصْحابُ القَلِيبِ، والَّذِينَ لَمْ يَرَوْهم: عَمّارٌ، وصُهَيْبٌ، وسَلْمانُ، ومَن جَرى مَجْراهم، قالَهُ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ. قِيلَ: يَسْألُونَ أيْنَ عَمّارٌ ؟ أيْنَ صُهَيْبٌ ؟ أيْنَ فُلانٌ ؟ يَعُدُّونَ ضُعَفاءَ المُسْلِمِينَ، فَيُقالُ لَهم: أُولَئِكَ في الفِرْدَوْسِ. وقَرَأ النَّحْوِيّانِ، وحَمْزَةُ: (اتَّخَذْناهم) وصْلًا، فَقالَ أبُو حاتِمٍ، والزَّمَخْشَرِيُّ، وابْنُ عَطِيَّةَ: صِفَةٌ لِرِجالٍ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿كُنّا نَعُدُّهم مِنَ الأشْرارِ﴾ . وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: حالٌ، أيْ: وقَدِ اتَّخَذْناهم. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، والأعْرَجُ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، وباقِي السَّبْعَةِ: بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، لِتَقْرِيرِ أنْفُسِهِمْ عَلى هَذا، عَلى جِهَةِ التَّوْبِيخِ لَها والأسَفِ، أيِ: اتَّخَذْناهم سِخْرِيًّا، ولَمْ يَكُونُوا كَذَلِكَ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وأصْحابُهُ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، والأعْرَجُ، ونافِعٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: (سُخْرِيًّا)، بِضَمِّ السِّينِ، ومَعْناها مِنَ السُّخْرَةِ والِاسْتِخْدامِ. وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ، وعِيسى، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وباقِي السَّبْعَةِ: بِكَسْرِ السِّينِ، ومَعْناها: المَشْهُورُ مِنَ السُّخْرِ، وهو الهُزْءُ. قالَ الشّاعِرُ: ؎إنِّي أتانِي لِسانٌ لا أُسَرُّ بِها ∗∗∗ مِن عَلْوَ لا كَذِبٌ فِيها ولا سَخَرُ وقِيلَ: بِكَسْرِ السِّينِ مِنَ التَّسْخِيرِ. وأمْ، إنْ كانَ اتَّخَذْناهُمُ اسْتِفْهامًا إمّا مُصَرَّحًا بِهَمْزَتِهِ كَقِراءَةِ مَن قَرَأ كَذَلِكَ، أوْ مُؤَوَّلًا بِالِاسْتِفْهامِ، وحُذِفَتِ الهَمْزَةُ لِلدَّلالَةِ. فالظّاهِرُ أنَّها مُتَّصِلَةٌ لِتَقَدُّمِ الهَمْزَةِ، والمَعْنى أيُّ الفِعْلَيْنِ فَعَلْنا بِهِمْ، الِاسْتِسْخارُ مِنهم أمِ ازْدِراؤُهم وتَحْقِيرُهم ؟ وإنَّ أبْصارَنا كانَتْ تَعْلُو عَنْهم وتَقْتَحِمُ. ويَكُونُ اسْتِفْهامًا عَلى مَعْنى الإنْكارِ عَلى أنْفُسِهِمْ، لِلِاسْتِسْخارِ والزَّيْغِ جَمِيعًا. وقالَ الحَسَنُ: كُلُّ ذَلِكَ قَدْ فَعَلُوا، اتَّخَذُوهم سِخْرِيًّا، وزاغَتْ عَنْهم أبْصارُهم مُحَقِّرَةً لَهم. وأنَّ (اتَّخَذْناهم) لَيْسَ اسْتِفْهامًا، فَأمْ مُنْقَطِعَةٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُنْقَطِعَةً أيْضًا مَعَ تَقَدُّمِ الِاسْتِفْهامِ، يَكُونُ كَقَوْلِكِ: أزَيْدٌ عِنْدَكَ أمْ عِنْدَكَ عَمْرٌو ؟ واسْتَفْهَمْتَ عَنْ زَيْدٍ، ثُمَّ أضْرَبْتَ عَنْ ذَلِكَ واسْتَفْهَمْتَ عَنْ عَمْرٍو، فالتَّقْدِيرُ: بَلْ أزاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصارُ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهم: ﴿أمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصارُ﴾ لَهُ تَعَلُّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ما لَنا لا نَرى رِجالًا﴾؛ لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ أوَّلًا دَلَّ عَلى انْتِفاءِ رُؤْيَتِهِمْ إيّاهم، وذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّهم لَيْسُوا مَعَهُ، ثُمَّ جَوَّزُوا أنْ يَكُونُوا مَعَهُ، ولَكِنَّ أبْصارَهم لَمْ تَرَهم. (إنَّ ذَلِكَ أيِ: التَّفاوُضُ الَّذِي حَكَيْناهُ عَنْهم، ( لَحَقٌّ) أيْ: ثابِتٌ واقِعٌ لا بُدَّ أنْ يَجْرِيَ بَيْنَهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿تَخاصُمُ﴾ بِالرَّفْعِ مُضافًا إلى أهْلِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: بَدَلٌ مِن (لَحَقٌّ) . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بَيَّنَ ما هو فَقالَ: ﴿تَخاصُمُ﴾ مُنَوَّنًا، (أهْلُ) رُفِعا بِالمَصْدَرِ المُنَوَّنِ، ولا يُجِيزُ ذَلِكَ الفَرّاءُ، ويُجِيزُهُ سِيبَوَيْهِ والبَصْرِيُّونَ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ﴿تَخاصُمَ أهْلِ﴾، بِنَصْبِ المِيمِ وجَرِّ أهْلِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِذَلِكَ؛ لِأنَّ أسْماءَ الإشارَةِ تُوصَفُ بِأسْماءِ الأجْناسِ. وفِي كِتابِ اللَّوامِحِ: ولَوْ نُصِبَ ﴿تَخاصُمُ أهْلِ النّارِ﴾، لَجازَ عَلى البَدَلِ مِن ذَلِكَ. وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْقَعِ: ﴿تَخاصُمُ﴾: فِعْلًا ماضِيًا، (أهْلُ): فاعِلًا، وسَمّى تَعالى تِلْكَ المُفاوَضَةَ الَّتِي جَرَتْ بَيْنَ رُؤَساءِ الكُفّارِ وأتْباعِهِمْ تَخاصُمًا؛ لِأنَّ قَوْلَهم: ﴿لا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾، وقَوْلَ الأتْباعِ: ﴿بَلْ أنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكُمْ﴾، هو مِن بابِ الخُصُومَةِ، فَسَمّى التَّفاوُضَ كُلَّهُ تَخاصُمًا لِاسْتِعْمالِهِ عَلَيْهِ. (قُلْ): يا مُحَمَّدُ، ﴿إنَّما أنا مُنْذِرٌ﴾ أيْ: مُنْذِرُ المُشْرِكِينَ بِالعَذابِ، وأنَّ اللَّهَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، لا نِدَّ لَهُ ولا شَرِيكَ، وهو الواحِدُ القَهّارُ لِكُلِّ شَيْءٍ، وأنَّهُ مالِكُ العالَمِ، عُلْوِهِ وسُفْلِهِ، (p-٤٠٨)العَزِيزُ الَّذِي لا يُغالَبُ، الغَفّارُ لِذُنُوبِ مَن آمَنَ بِهِ واتَّبَعَ لِدِينِهِ.

ص 38:50

﴿هَذا ذِكْرٌ وإنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ﴾ ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الأبْوابُ﴾ ﴿مُتَّكِئِينَ فِيها يَدْعُونَ فِيها بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وشَرابٍ﴾ ﴿وعِنْدَهم قاصِراتُ الطَّرْفِ أتْرابٌ﴾ ﴿هَذا ما تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الحِسابِ﴾ ﴿إنَّ هَذا لَرِزْقُنا ما لَهُ مِن نَفادٍ﴾ ﴿هَذا وإنَّ لِلطّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ﴾ ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ المِهادُ﴾ ﴿هَذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وغَسّاقٌ﴾ ﴿وآخَرُ مِن شَكْلِهِ أزْواجٌ﴾ ﴿هَذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكم لا مَرْحَبًا بِهِمْ إنَّهم صالُوا النّارِ﴾ ﴿قالُوا بَلْ أنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكم أنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا فَبِئْسَ القَرارُ﴾ ﴿قالُوا رَبَّنا مَن قَدَّمَ لَنا هَذا فَزِدْهُ عَذابًا ضِعْفًا في النّارِ﴾ ﴿وقالُوا ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنّا نَعُدُّهم مِنَ الأشْرارِ﴾ ﴿أأتَّخَذْناهم سِخْرِيًّا أمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصارُ﴾ ﴿إنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أهْلِ النّارِ﴾ ﴿قُلْ إنَّما أنا مُنْذِرٌ وما مِن إلَهٍ إلّا اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ ﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما العَزِيزُ الغَفّارُ﴾ (p-٤٠٤)لَمّا أمَرَهُ تَعالى بِالصَّبْرِ عَلى سَفاهَةِ قَوْمِهِ، وذَكَرَ جُمْلَةً مِنَ الأنْبِياءِ وأحْوالِهِمْ، ذَكَرَ ما يَئُولُ إلَيْهِ حالُ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ مِنَ الجَزاءِ، ومَقَرُّ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الفَرِيقَيْنِ. ولَمّا كانَ ما يَذْكُرُهُ نَوْعًا مِن أنْواعِ التَّنْزِيلِ، قالَ: (هَذا ذِكْرٌ)، كَأنَّهُ فَصَلَ بَيْنَ ما قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ. ألا تَرى أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ أهْلَ الجَنَّةِ، وأعْقَبَهُ بِذِكْرِ أهْلِ النّارِ قالَ: (﴿هَذا وإنَّ لِلطّاغِينَ﴾ ؟ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَذا ذِكْرُ مَن مَضى مِنَ الأنْبِياءِ. وقِيلَ: ( هَذا ذِكْرٌ): أيْ: شَرَفٌ تُذْكَرُونَ بِهِ أبَدًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (جَنّاتِ) بِالنَّصْبِ، وهو بَدَلٌ، فَإنْ كانَ (عَدْنٍ) عَلَمًا، فَبَدَلُ مَعْرِفَةٍ مِن نَكَرَةٍ؛ وإنْ كانَ نَكِرَةً، فَبَدَلُ نَكِرَةٍ مِن نَكِرَةٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ مَعْرِفَةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وعَدَ الرَّحْمَنُ﴾ [مريم: ٦١]، وانْتِصابُها عَلى أنَّها عَطْفُ بَيانٍ بِـ(حُسْنَ مَآبٍ) و﴿مُفَتَّحَةً﴾ حالٌ، والعامِلُ فِيها ما في المُتَّقِينَ مِن مَعْنى الفِعْلِ. وفي ﴿مُفَتَّحَةً﴾ ضَمِيرُ الجَنّاتِ، والأبْوابُ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ تَقْدِيرُهُ: مُفَتَّحَةً هي الأبْوابُ لِقَوْلِهِمْ: ضُرِبَ زَيْدٌ اليَدُ والرِّجْلُ، وهو مِن بَدَلِ الِاشْتِمالِ. انْتَهى. ولا يَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ مَعْرِفَةً بِالدَّلِيلِ الَّذِي اسْتَدَلَّ بِهِ وهو قَوْلُهُ: ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي﴾ [مريم: ٦١]؛ لِأنَّهُ اعْتَقَدَ أنَّ الَّتِي صِفَةٌ لِجَنّاتِ عَدْنٍ، ولا يَتَعَيَّنُ ما ذَكَرَهُ، إذْ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الَّتِي بَدَلًا مِن جَنّاتِ عَدْنٍ. ألا تَرى أنَّ الَّذِي والَّتِي وجُمُوعَهُما تُسْتَعْمَلُ اسْتِعْمالَ الأسْماءِ، فَتَلِي (p-٤٠٥)العَوامِلَ، ولا يَلْزَمُ أنْ تَكُونَ صِفَةً ؟ وأمّا انْتِصابُها عَلى أنَّها عَطْفُ بَيانٍ فَلا يَجُوزُ؛ لِأنَّ النَّحْوِيِّينَ في ذَلِكَ عَلى مَذْهَبَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا في المَعارِفِ، فَلا يَكُونُ عَطْفُ البَيانِ إلّا تابِعًا لِمَعْرِفَةٍ، وهو مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ. والثّانِي: أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ في النَّكِراتِ، فَيَكُونُ عَطْفُ البَيانِ تابِعًا لِنَكِرَةٍ، كَما تَكُونُ المَعْرِفَةُ فِيهِ تابِعَةً لِمَعْرِفَةٍ، وهَذا مَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ، وتَبِعَهُمُ الفارِسِيُّ. وأمّا تَخالُفُهُما في التَّنْكِيرِ والتَّعْرِيفِ فَلَمْ يَذْهَبْ إلَيْهِ أحَدٌ سِوى هَذا المُصَنِّفِ. وقَدْ أجازَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿مَقامِ إبْراهِيمَ﴾ [البقرة: ١٢٥]، فَأعْرَبَهُ عَطْفَ بَيانٍ تابِعًا لِنَكِرَةٍ، وهو ﴿آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ [البقرة: ٩٩]، و﴿مَقامِ إبْراهِيمَ﴾ [البقرة: ١٢٥] مَعْرِفَةٌ، وقَدْ رَدَدْنا عَلَيْهِ ذَلِكَ في مَوْضِعِهِ في آلِ عِمْرانَ. وأمّا قَوْلُهُ: وفي ﴿مُفَتَّحَةً﴾ ضَمِيرُ الجَنّاتِ، فَجُمْهُورُ النَّحْوِيِّينَ أعْرَبُوا الأبْوابَ مَفْعُولًا لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ. وجاءَ أبُو عَلِيٍّ فَقالَ: إذا كانَ كَذَلِكَ، لَمْ يَكُنْ في ذَلِكَ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى جَنّاتِ عَدْنٍ مِنَ الحالِيَّةِ إنْ أعْرَبَ مُفَتَّحَةً حالًا، أوْ مِنَ النَّعْتِ إنْ أعْرَبَ نَعْتًا لِـ(جَنّاتِ عَدْنٍ)، فَقالَ: في ﴿مُفَتَّحَةً﴾ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى الجَنّاتِ حَتّى تَرْتَبِطَ الحالُ بِصاحِبِها، أوِ النَّعْتُ بِمَنعُوتِهِ، والأبْوابُ بَدَلٌ. وقالَ: مَن أعْرَبَ الأبْوابَ مَفْعُولًا لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ العائِدُ عَلى الجَنّاتِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: الأبْوابُ مِنها. وألْزَمَ أبُو عَلِيٍّ البَدَلَ في مِثْلِ هَذا لا بُدَّ فِيهِ مِنَ الضَّمِيرِ، إمّا مَلْفُوظًا بِهِ، أوْ مُقَدَّرًا. وإذا كانَ الكَلامُ مُحْتاجًا إلى تَقْدِيرٍ واحِدٍ، كانَ أوْلى مِمّا يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرَيْنِ. وأمّا الكُوفِيُّونَ، فالرّابِطُ عِنْدَهم هو ألْ لِمَقامِهِ مَقامَ الضَّمِيرِ، فَكَأنَّهُ قالَ: مُفَتِّحَةً لَهم أبْوابُها. وأمّا قَوْلُهُ: وهو مِن بَدَلِ الِاشْتِمالِ، فَإنْ عَنى بِقَوْلِهِ: وهو قَوْلُهُ اليَدُ والرِّجْلُ، فَهو وهْمٌ، وإنَّما هو بَدَلُ بَعْضٍ مِن كُلٍّ. وإنْ عَنى الأبْوابَ، فَقَدْ يَصِحُّ؛ لِأنَّ أبْوابَ الجَنّاتِ لَيْسَتْ بَعْضًا مِنَ الجَنّاتِ. وأمّا تَشْبِيهُهُ ما قَدَّرَهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿مُفَتَّحَةً﴾ هي الأبْوابُ، بِقَوْلِهِمْ: ضُرِبَ زَيْدٌ اليَدُ والرِّجْلُ، فَوَجْهُهُ أنَّ الأبْوابَ بَدَلٌ مِن ذَلِكَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ، كَما أنَّ اليَدَ والرِّجْلَ بَدَلٌ مِنَ الظّاهِرِ الَّذِي هو زَيْدٌ. وقالَ أبُو إسْحاقَ، وتَبِعَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ: ﴿مُفَتَّحَةً﴾ نَعْتٌ لِجَنّاتِ عَدْنٍ. وقالَ الحَوْفِيُّ: ﴿مُفَتَّحَةً﴾ حالٌ، والعامِلُ فِيها مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ المَعْنى، تَقْدِيرُهُ: يَدْخُلُونَها. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رُفَيْعٍ، وأبُو حَيْوَةَ: ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ مُفَتَّحَةٌ﴾، بِرَفْعِ التّاءَيْنِ: مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، أوْ كُلٌّ مِنهُما خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هو جَنّاتُ عَدْنٍ هي مُفَتَّحَةٌ. والِاتِّكاءُ: مِن هَيْئاتِ أهْلِ السَّعادَةِ، ﴿يَدْعُونَ فِيها﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ عِنْدَهم مَن يَسْتَخْدِمُونَهُ فِيما يَسْتَدْعُونَ، كَقَوْلِهِ: ﴿ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ [الإنسان: ١٩] . ولَمّا كانَتِ الفاكِهَةُ يَتَنَوَّعُ وصْفُها بِالكَثْرَةِ، وكَثْرَتُها بِاخْتِلافِ أنْواعِها، وكَثْرَةُ كُلِّ نَوْعٍ مِنها؛ ولَمّا كانَ الشَّرابُ نَوْعًا واحِدًا وهو الخَمْرُ، أُفْرِدَ. ﴿وعِنْدَهم قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ . قالَ قَتادَةُ: مَعْناهُ عَلى أزْواجِهِنَّ، ﴿أتْرابٌ﴾: أيْ: أمْثالٌ عَلى سِنٍّ واحِدَةٍ، وأصْلُهُ في بَنِي آدَمَ لِكَوْنِهِمْ مَسَّ أجْسادَهُمُ التُّرابُ في وقْتٍ واحِدٍ، والأقْرانُ أثْبَتُ في التَّحابِّ. والظّاهِرُ أنَّ هَذا الوَصْفَ هو بَيْنَهُنَّ، وقِيلَ: بَيْنَ أزْواجِهِنَّ، أسْنانُهُنَّ كَأسْنانِهِمْ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ الآدَمِيّاتِ. وقالَ صاحِبُ الغُنْيانِ: حُورٌ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: (وهَذا ما يُوعَدُونَ)، بِياءِ الغَيْبَةِ، إذْ قَبْلَهُ (وعِنْدَهم) وباقِي السَّبْعَةِ: بِتاءِ الخِطابِ عَلى الِالتِفاتِ، والمَعْنى: هَذا ما وقَعَ بِهِ الوَعْدُ لِيَوْمِ الجَزاءِ. (إنَّ هَذا): أيْ: ما ذُكِرَ لِلْمُتَّقِينَ مِمّا تَقَدَّمَ، ﴿لَرِزْقُنا﴾ دائِمًا، أيْ: لا نَفادَ لَهُ. ﴿هَذا وإنَّ لِلطّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ﴾، قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: الأمْرُ هَذا، وقالَ أبُو عَلِيٍّ: هَذا لِلْمُؤْمِنِينَ، وقالَ أبُو البَقاءِ: مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ، أوْ خَبَرٌ مَحْذُوفُ المُبْتَدَأِ، والطّاغُونَ هُنا: الكُفّارُ؛ وقالَ الجُبّائِيُّ: أصْحابُ الكَبائِرِ كُفّارًا كانُوا أوْ لَمْ يَكُونُوا. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المَعْنى الَّذِينَ طَغَوْا عَلَيَّ، وكَذَّبُوا رُسُلِي لَهم شَرُّ مَآبٍ أيْ: مَرْجِعٍ ومَصِيرٍ. ﴿فَبِئْسَ المِهادُ﴾ أيْ: هي (هَذا) في مَوْضِعِ رَفْعِ مُبْتَدَأٍ خَبَرُهُ (جَهَنَّمَ)، ﴿وغَسّاقٌ﴾، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: العَذابُ هَذا، وحَمِيمٌ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ، أوْ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الِاشْتِغالِ، أيْ: لِيَذُوقُوا هَذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ، أيْ: هو حَمِيمٌ، أوْ مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ، أيْ: مِنهُ حَمِيمٌ ومِنهُ غَسّاقٌ، كَما قالَ الشّاعِرُ:(p-٤٠٦) ؎حَتّى إذا ما أضاءَ الصُّبْحُ في غَلَسٍ وغُودِرَ البَقْلُ مَلْوِيُّ ومَحْصُودُ أيْ: مِنهُ مَلْوِيٌّ ومِنهُ مَحْصُودٌ، وهَذِهِ الأعارِيبُ مَقُولَةٌ مَنقُولَةٌ. وقِيلَ: هَذا مُبْتَدَأٌ، و﴿فَلْيَذُوقُوهُ﴾ الخَبَرُ، وهَذا عَلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ في إجازَتِهِ: زَيْدٌ فاضْرِبْهُ، مُسْتَدِلًّا بِقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎وقائِلَةٍ خَوْلانُ فانْكِحْ فَتاتَهُمْ والغَسّاقُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: الزَّمْهَرِيرُ؛ وعَنْهُ أيْضًا، وعَنْ عَطاءٍ، وقَتادَةَ، وابْنِ زَيْدٍ: ما يَجْرِي مِن صَدِيدِ أهْلِ النّارِ. وعَنْ كَعْبٍ: عَيْنٌ في جَهَنَّمَ تَسِيلُ إلَيْها حُمَةُ كُلِّ ذِي حُمَةٍ مِن حَيَّةٍ أوْ عَقْرَبٍ أوْ غَيْرِهِما، يُغْمَسُ فِيها فَيَتَساقَطُ الجِلْدُ واللَّحْمُ عَنِ العَظْمِ. وعَنِ السُّدِّيِّ: ما يَسِيلُ مِن دُمُوعِهِمْ، وعَنِ ابْنِ عُمَرَ: القَيْحُ يَسِيلُ مِنهم فَيُسْقَوْنَهُ. وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ، وقَتادَةُ، وابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ، والفَضْلُ، وابْنُ سَعْدانَ، وهارُونُ عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِتَشْدِيدِ السِّينِ. فَإنْ كانَ صِفَةً، فَيَكُونُ مِمّا حُذِفَ مَوْصُوفُها، وإنْ كانَ اسْمًا، فَفَعّالٌ قَلِيلٌ في الأسْماءِ، جاءَ مِنهُ: الكَلّاءُ، والجَبّانُ، والفَنّادُ، والعَقّارُ، والخَطّارُ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ: بِتَخْفِيفِ السِّينِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (وآخَرُ) عَلى الإفْرادِ، فَقِيلَ: مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: ولَهم عَذابٌ آخَرُ. وقِيلَ: خَبَرُهُ في الجُمْلَةِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: (أزْواجٌ) مُبْتَدَأٌ، و﴿مِن شَكْلِهِ﴾ خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ خَبَرُ (وآخَرُ) . وقِيلَ: خَبَرُهُ (أزْواجٌ) و﴿مِن شَكْلِهِ﴾ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ، وجازَ أنْ يُخْبَرَ بِالجَمْعِ عَنِ الواحِدِ مِن حَيْثُ هو دَرَجاتٌ ورُتَبٌ مِنَ العَذابِ، أوْ سَمّى كُلَّ جُزْءٍ مِن ذَلِكَ الآخَرِ بِاسْمِ الكُلِّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (وآخَرُ) أيْ: وعَذابٌ آخَرُ، أوْ مَذُوقٌ آخَرُ؛ وأزْواجٌ صِفَةُ آخَرَ؛ لِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضُرُوبًا أوْ صِفَةً لِلثَّلاثَةِ، وهي: ﴿حَمِيمٌ وغَسّاقٌ﴾ ﴿وآخَرُ مِن شَكْلِهِ﴾ . انْتَهى. وهُوَ إعْرابٌ أخَذَهُ مِنَ الفَرّاءِ. وقَرَأ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، والجَحْدَرِيُّ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وعِيسى، وأبُو عَمْرٍو: (وأُخَرُ) عَلى الجَمْعِ، وهو مُبْتَدَأٌ، (ومِن شَكْلِهِ) في مَوْضِعِ الصِّفَةِ؛ ﴿وأزْواجٌ﴾ [آل عمران: ١٥] خَبَرُهُ، أيْ: ومَذُوقًا آخَرُ مِن شَكْلِ هَذا المَذُوقِ مِن مِثْلِهِ في الشِّدَّةِ والفَظاعَةِ. (أزْواجٌ): أجْناسٌ. وقَرَأ مُجاهِدٌ: ﴿مِن شَكْلِهِ﴾ بِكَسْرِ الشِّينِ؛ والجُمْهُورُ: بِفَتْحِها، وهُما لُغَتانِ بِمَعْنى المِثْلِ والضَّرْبِ. وأمّا إذا كانَ بِمَعْنى الفَتْحِ، فَبِكَسْرِ الشِّينِ لا غَيْرَ. وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: ﴿وآخَرُ مِن شَكْلِهِ﴾: هو الزَّمْهَرِيرُ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿هَذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ﴾ )، مِن قَوْلِ رُؤَسائِهِمْ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، والفَوْجُ: الجَمْعُ الكَثِيرُ، ﴿مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ﴾ أيِ: النّارَ، وهُمُ الأتْباعُ، ثُمَّ دَعَوْا عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِمْ: ﴿لا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾؛ لِأنَّ الرَّئِيسَ إذا رَأى الخَسِيسَ قَدْ قُرِنَ مَعَهُ في العَذابِ، ساءَهُ ذَلِكَ حَيْثُ وقَعَ التَّساوِي في العَذابِ، ولَمْ يَكُنْ هو السّالِمُ مِنَ العَذابِ وأتْباعُهُ في العَذابِ. و(مَرْحَبًا) مَعْناهُ: ائْتِ رَحْبًا وسَعَةً لا ضَيِّقًا، وهو مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ يَجِبُ إضْمارُهُ، ولِأنَّ عُلُوَّهم بَيانٌ لِلْمَدْعُوِّ عَلَيْهِمْ. وقِيلَ: ﴿هَذا فَوْجٌ﴾، مِن كَلامِ المَلائِكَةِ خَزَنَةِ النّارِ؛ وأنَّ الدُّعاءَ عَلى الفَوْجِ والتَّعْلِيلَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهم صالُوا النّارِ﴾، مِن كَلامِهِمْ. وقِيلَ: ﴿هَذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ﴾، مِن كَلامِ المَلائِكَةِ، والدُّعاءُ عَلى الفَوْجِ والإخْبارُ بِأنَّهم صالُوا النّارِ مِن كَلامِ الرُّؤَساءِ المَتْبُوعِينَ. (قالُوا) أيِ: الفَوْجُ: ﴿لا مَرْحَبًا بِكُمْ﴾، رَدٌّ عَلى الرُّؤَساءِ ما دَعَوْا بِهِ عَلَيْهِمْ. ثُمَّ ذَكَرُوا أنَّ ما وقَعُوا فِيهِ مِنَ العَذابِ وصَلْيِ النّارِ، إنَّما هو بِما ألْقَيْتُمْ إلَيْنا وزَيَّنْتُمُوهُ مِنَ الكُفْرِ، فَكَأنَّكم قَدَّمْتُمْ لَنا العَذابَ أوِ الصَّلْيَ. وإذا كانَ ﴿لا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾ مِن كَلامِ الخَزَنَةِ فَلَمْ يَجِئِ التَّرْكِيبُ: قالُوا بَلْ هَؤُلاءِ لا مَرْحَبًا بِهِمْ، بَلْ جاءَ بِخِطابِ الأتْباعِ لِلرُّؤَساءِ، لِتَكُونَ المُواجَهَةُ لِمَن كانُوا لا يَقْدِرُونَ عَلى مُواجَهَتِهِمْ في الدُّنْيا بِقَبِيحٍ أشَفى لِصُدُورِهِمْ، حَيْثُ تَسَبَّبُوا في كُفْرِهِمْ، وأنْكى لِلرُّؤَساءِ. ﴿فَبِئْسَ القَرارُ﴾: أيِ: النّارُ؛ وهَذِهِ المُرادَةُ والدُّعاءُ كَقَوْلِهِ: ﴿كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها﴾ [الأعراف: ٣٨] . ولَمْ يَكْتَفِ الأتْباعُ بِرَدِّ الدُّعاءِ عَلى رُؤَسائِهِمْ، ولا بِمُواجَهَتِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿أنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا﴾، حَتّى سَألُوا مِنَ اللَّهِ أنْ يَزِيدَ رُؤَساءَهم ضِعْفًا مِنَ النّارِ، والمَعْنى: مَن حَمَلَنا عَلى عَمَلِ السُّوءِ حَتّى صارَ جَزاءُنا النّارَ، ﴿فَزِدْهُ عَذابًا ضِعْفًا﴾، كَما جاءَ في قَوْلِ الأتْباعِ: ﴿رَبَّنا آتِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦٨]، أيْ: ساداتَهم ﴿ضِعْفَيْنِ مِنَ العَذابِ﴾ [الأحزاب: ٦٨]، ﴿رَبَّنا هَؤُلاءِ أضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذابًا ضِعْفًا مِنَ النّارِ﴾ [الأعراف: ٣٨] . (p-٤٠٧)ولَمّا كانَ الرُّؤَساءُ ضُلّالًا في أنْفُسِهِمْ، وأضَلُّوا أتْباعَهم، ناسَبَ أنْ يَدْعُوا عَلَيْهِمْ بِأنْ يَزِيدَهم ضِعْفًا، كَما جاءَ: «فَعَلَيْهِ وِزْرُها ووِزْرُ مَن عَمِلَ بِها إلى يَوْمِ القِيامَةِ» فَعَلى هَذا الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: (قالُوا) لِلْأتْباعِ. و﴿مَن قَدَّمَ﴾: هُمُ الرُّؤَساءُ. وقالَ ابْنُ السّائِبِ: ﴿قالُوا رَبَّنا﴾ إلى آخِرِهِ، قَوْلُ جَمِيعِ أهْلِ النّارِ. وقالَ الضَّحّاكُ: ﴿مَن قَدَّمَ﴾، هو إبْلِيسُ وقابِيلُ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: الضِّعْفُ حَيّاتٌ وعَقارِبُ. (وقالُوا) أيْ: أشْرافُ الكُفّارِ، ﴿ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنّا نَعُدُّهم مِنَ الأشْرارِ﴾ أيِ: الأرْذالِ الَّذِينَ لا خَيْرَ فِيهِمْ، ولَيْسُوا عَلى دِينِنا، كَما قالَ: ﴿وما نَراكَ اتَّبَعَكَ إلّا الَّذِينَ هم أراذِلُنا﴾ [هود: ٢٧] . ورُوِيَ أنَّ القائِلِينَ مِن كُفّارِ عَصْرِ الرَّسُولِ ﷺ، هم: أبُو جَهْلٍ، وأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، وأصْحابُ القَلِيبِ، والَّذِينَ لَمْ يَرَوْهم: عَمّارٌ، وصُهَيْبٌ، وسَلْمانُ، ومَن جَرى مَجْراهم، قالَهُ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ. قِيلَ: يَسْألُونَ أيْنَ عَمّارٌ ؟ أيْنَ صُهَيْبٌ ؟ أيْنَ فُلانٌ ؟ يَعُدُّونَ ضُعَفاءَ المُسْلِمِينَ، فَيُقالُ لَهم: أُولَئِكَ في الفِرْدَوْسِ. وقَرَأ النَّحْوِيّانِ، وحَمْزَةُ: (اتَّخَذْناهم) وصْلًا، فَقالَ أبُو حاتِمٍ، والزَّمَخْشَرِيُّ، وابْنُ عَطِيَّةَ: صِفَةٌ لِرِجالٍ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿كُنّا نَعُدُّهم مِنَ الأشْرارِ﴾ . وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: حالٌ، أيْ: وقَدِ اتَّخَذْناهم. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، والأعْرَجُ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، وباقِي السَّبْعَةِ: بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، لِتَقْرِيرِ أنْفُسِهِمْ عَلى هَذا، عَلى جِهَةِ التَّوْبِيخِ لَها والأسَفِ، أيِ: اتَّخَذْناهم سِخْرِيًّا، ولَمْ يَكُونُوا كَذَلِكَ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وأصْحابُهُ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، والأعْرَجُ، ونافِعٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: (سُخْرِيًّا)، بِضَمِّ السِّينِ، ومَعْناها مِنَ السُّخْرَةِ والِاسْتِخْدامِ. وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ، وعِيسى، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وباقِي السَّبْعَةِ: بِكَسْرِ السِّينِ، ومَعْناها: المَشْهُورُ مِنَ السُّخْرِ، وهو الهُزْءُ. قالَ الشّاعِرُ: ؎إنِّي أتانِي لِسانٌ لا أُسَرُّ بِها ∗∗∗ مِن عَلْوَ لا كَذِبٌ فِيها ولا سَخَرُ وقِيلَ: بِكَسْرِ السِّينِ مِنَ التَّسْخِيرِ. وأمْ، إنْ كانَ اتَّخَذْناهُمُ اسْتِفْهامًا إمّا مُصَرَّحًا بِهَمْزَتِهِ كَقِراءَةِ مَن قَرَأ كَذَلِكَ، أوْ مُؤَوَّلًا بِالِاسْتِفْهامِ، وحُذِفَتِ الهَمْزَةُ لِلدَّلالَةِ. فالظّاهِرُ أنَّها مُتَّصِلَةٌ لِتَقَدُّمِ الهَمْزَةِ، والمَعْنى أيُّ الفِعْلَيْنِ فَعَلْنا بِهِمْ، الِاسْتِسْخارُ مِنهم أمِ ازْدِراؤُهم وتَحْقِيرُهم ؟ وإنَّ أبْصارَنا كانَتْ تَعْلُو عَنْهم وتَقْتَحِمُ. ويَكُونُ اسْتِفْهامًا عَلى مَعْنى الإنْكارِ عَلى أنْفُسِهِمْ، لِلِاسْتِسْخارِ والزَّيْغِ جَمِيعًا. وقالَ الحَسَنُ: كُلُّ ذَلِكَ قَدْ فَعَلُوا، اتَّخَذُوهم سِخْرِيًّا، وزاغَتْ عَنْهم أبْصارُهم مُحَقِّرَةً لَهم. وأنَّ (اتَّخَذْناهم) لَيْسَ اسْتِفْهامًا، فَأمْ مُنْقَطِعَةٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُنْقَطِعَةً أيْضًا مَعَ تَقَدُّمِ الِاسْتِفْهامِ، يَكُونُ كَقَوْلِكِ: أزَيْدٌ عِنْدَكَ أمْ عِنْدَكَ عَمْرٌو ؟ واسْتَفْهَمْتَ عَنْ زَيْدٍ، ثُمَّ أضْرَبْتَ عَنْ ذَلِكَ واسْتَفْهَمْتَ عَنْ عَمْرٍو، فالتَّقْدِيرُ: بَلْ أزاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصارُ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهم: ﴿أمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصارُ﴾ لَهُ تَعَلُّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ما لَنا لا نَرى رِجالًا﴾؛ لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ أوَّلًا دَلَّ عَلى انْتِفاءِ رُؤْيَتِهِمْ إيّاهم، وذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّهم لَيْسُوا مَعَهُ، ثُمَّ جَوَّزُوا أنْ يَكُونُوا مَعَهُ، ولَكِنَّ أبْصارَهم لَمْ تَرَهم. (إنَّ ذَلِكَ أيِ: التَّفاوُضُ الَّذِي حَكَيْناهُ عَنْهم، ( لَحَقٌّ) أيْ: ثابِتٌ واقِعٌ لا بُدَّ أنْ يَجْرِيَ بَيْنَهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿تَخاصُمُ﴾ بِالرَّفْعِ مُضافًا إلى أهْلِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: بَدَلٌ مِن (لَحَقٌّ) . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بَيَّنَ ما هو فَقالَ: ﴿تَخاصُمُ﴾ مُنَوَّنًا، (أهْلُ) رُفِعا بِالمَصْدَرِ المُنَوَّنِ، ولا يُجِيزُ ذَلِكَ الفَرّاءُ، ويُجِيزُهُ سِيبَوَيْهِ والبَصْرِيُّونَ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ﴿تَخاصُمَ أهْلِ﴾، بِنَصْبِ المِيمِ وجَرِّ أهْلِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِذَلِكَ؛ لِأنَّ أسْماءَ الإشارَةِ تُوصَفُ بِأسْماءِ الأجْناسِ. وفِي كِتابِ اللَّوامِحِ: ولَوْ نُصِبَ ﴿تَخاصُمُ أهْلِ النّارِ﴾، لَجازَ عَلى البَدَلِ مِن ذَلِكَ. وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْقَعِ: ﴿تَخاصُمُ﴾: فِعْلًا ماضِيًا، (أهْلُ): فاعِلًا، وسَمّى تَعالى تِلْكَ المُفاوَضَةَ الَّتِي جَرَتْ بَيْنَ رُؤَساءِ الكُفّارِ وأتْباعِهِمْ تَخاصُمًا؛ لِأنَّ قَوْلَهم: ﴿لا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾، وقَوْلَ الأتْباعِ: ﴿بَلْ أنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكُمْ﴾، هو مِن بابِ الخُصُومَةِ، فَسَمّى التَّفاوُضَ كُلَّهُ تَخاصُمًا لِاسْتِعْمالِهِ عَلَيْهِ. (قُلْ): يا مُحَمَّدُ، ﴿إنَّما أنا مُنْذِرٌ﴾ أيْ: مُنْذِرُ المُشْرِكِينَ بِالعَذابِ، وأنَّ اللَّهَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، لا نِدَّ لَهُ ولا شَرِيكَ، وهو الواحِدُ القَهّارُ لِكُلِّ شَيْءٍ، وأنَّهُ مالِكُ العالَمِ، عُلْوِهِ وسُفْلِهِ، (p-٤٠٨)العَزِيزُ الَّذِي لا يُغالَبُ، الغَفّارُ لِذُنُوبِ مَن آمَنَ بِهِ واتَّبَعَ لِدِينِهِ.

ص 38:51

﴿هَذا ذِكْرٌ وإنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ﴾ ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الأبْوابُ﴾ ﴿مُتَّكِئِينَ فِيها يَدْعُونَ فِيها بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وشَرابٍ﴾ ﴿وعِنْدَهم قاصِراتُ الطَّرْفِ أتْرابٌ﴾ ﴿هَذا ما تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الحِسابِ﴾ ﴿إنَّ هَذا لَرِزْقُنا ما لَهُ مِن نَفادٍ﴾ ﴿هَذا وإنَّ لِلطّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ﴾ ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ المِهادُ﴾ ﴿هَذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وغَسّاقٌ﴾ ﴿وآخَرُ مِن شَكْلِهِ أزْواجٌ﴾ ﴿هَذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكم لا مَرْحَبًا بِهِمْ إنَّهم صالُوا النّارِ﴾ ﴿قالُوا بَلْ أنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكم أنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا فَبِئْسَ القَرارُ﴾ ﴿قالُوا رَبَّنا مَن قَدَّمَ لَنا هَذا فَزِدْهُ عَذابًا ضِعْفًا في النّارِ﴾ ﴿وقالُوا ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنّا نَعُدُّهم مِنَ الأشْرارِ﴾ ﴿أأتَّخَذْناهم سِخْرِيًّا أمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصارُ﴾ ﴿إنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أهْلِ النّارِ﴾ ﴿قُلْ إنَّما أنا مُنْذِرٌ وما مِن إلَهٍ إلّا اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ ﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما العَزِيزُ الغَفّارُ﴾ (p-٤٠٤)لَمّا أمَرَهُ تَعالى بِالصَّبْرِ عَلى سَفاهَةِ قَوْمِهِ، وذَكَرَ جُمْلَةً مِنَ الأنْبِياءِ وأحْوالِهِمْ، ذَكَرَ ما يَئُولُ إلَيْهِ حالُ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ مِنَ الجَزاءِ، ومَقَرُّ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الفَرِيقَيْنِ. ولَمّا كانَ ما يَذْكُرُهُ نَوْعًا مِن أنْواعِ التَّنْزِيلِ، قالَ: (هَذا ذِكْرٌ)، كَأنَّهُ فَصَلَ بَيْنَ ما قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ. ألا تَرى أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ أهْلَ الجَنَّةِ، وأعْقَبَهُ بِذِكْرِ أهْلِ النّارِ قالَ: (﴿هَذا وإنَّ لِلطّاغِينَ﴾ ؟ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَذا ذِكْرُ مَن مَضى مِنَ الأنْبِياءِ. وقِيلَ: ( هَذا ذِكْرٌ): أيْ: شَرَفٌ تُذْكَرُونَ بِهِ أبَدًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (جَنّاتِ) بِالنَّصْبِ، وهو بَدَلٌ، فَإنْ كانَ (عَدْنٍ) عَلَمًا، فَبَدَلُ مَعْرِفَةٍ مِن نَكَرَةٍ؛ وإنْ كانَ نَكِرَةً، فَبَدَلُ نَكِرَةٍ مِن نَكِرَةٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ مَعْرِفَةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وعَدَ الرَّحْمَنُ﴾ [مريم: ٦١]، وانْتِصابُها عَلى أنَّها عَطْفُ بَيانٍ بِـ(حُسْنَ مَآبٍ) و﴿مُفَتَّحَةً﴾ حالٌ، والعامِلُ فِيها ما في المُتَّقِينَ مِن مَعْنى الفِعْلِ. وفي ﴿مُفَتَّحَةً﴾ ضَمِيرُ الجَنّاتِ، والأبْوابُ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ تَقْدِيرُهُ: مُفَتَّحَةً هي الأبْوابُ لِقَوْلِهِمْ: ضُرِبَ زَيْدٌ اليَدُ والرِّجْلُ، وهو مِن بَدَلِ الِاشْتِمالِ. انْتَهى. ولا يَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ مَعْرِفَةً بِالدَّلِيلِ الَّذِي اسْتَدَلَّ بِهِ وهو قَوْلُهُ: ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي﴾ [مريم: ٦١]؛ لِأنَّهُ اعْتَقَدَ أنَّ الَّتِي صِفَةٌ لِجَنّاتِ عَدْنٍ، ولا يَتَعَيَّنُ ما ذَكَرَهُ، إذْ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الَّتِي بَدَلًا مِن جَنّاتِ عَدْنٍ. ألا تَرى أنَّ الَّذِي والَّتِي وجُمُوعَهُما تُسْتَعْمَلُ اسْتِعْمالَ الأسْماءِ، فَتَلِي (p-٤٠٥)العَوامِلَ، ولا يَلْزَمُ أنْ تَكُونَ صِفَةً ؟ وأمّا انْتِصابُها عَلى أنَّها عَطْفُ بَيانٍ فَلا يَجُوزُ؛ لِأنَّ النَّحْوِيِّينَ في ذَلِكَ عَلى مَذْهَبَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا في المَعارِفِ، فَلا يَكُونُ عَطْفُ البَيانِ إلّا تابِعًا لِمَعْرِفَةٍ، وهو مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ. والثّانِي: أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ في النَّكِراتِ، فَيَكُونُ عَطْفُ البَيانِ تابِعًا لِنَكِرَةٍ، كَما تَكُونُ المَعْرِفَةُ فِيهِ تابِعَةً لِمَعْرِفَةٍ، وهَذا مَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ، وتَبِعَهُمُ الفارِسِيُّ. وأمّا تَخالُفُهُما في التَّنْكِيرِ والتَّعْرِيفِ فَلَمْ يَذْهَبْ إلَيْهِ أحَدٌ سِوى هَذا المُصَنِّفِ. وقَدْ أجازَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿مَقامِ إبْراهِيمَ﴾ [البقرة: ١٢٥]، فَأعْرَبَهُ عَطْفَ بَيانٍ تابِعًا لِنَكِرَةٍ، وهو ﴿آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ [البقرة: ٩٩]، و﴿مَقامِ إبْراهِيمَ﴾ [البقرة: ١٢٥] مَعْرِفَةٌ، وقَدْ رَدَدْنا عَلَيْهِ ذَلِكَ في مَوْضِعِهِ في آلِ عِمْرانَ. وأمّا قَوْلُهُ: وفي ﴿مُفَتَّحَةً﴾ ضَمِيرُ الجَنّاتِ، فَجُمْهُورُ النَّحْوِيِّينَ أعْرَبُوا الأبْوابَ مَفْعُولًا لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ. وجاءَ أبُو عَلِيٍّ فَقالَ: إذا كانَ كَذَلِكَ، لَمْ يَكُنْ في ذَلِكَ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى جَنّاتِ عَدْنٍ مِنَ الحالِيَّةِ إنْ أعْرَبَ مُفَتَّحَةً حالًا، أوْ مِنَ النَّعْتِ إنْ أعْرَبَ نَعْتًا لِـ(جَنّاتِ عَدْنٍ)، فَقالَ: في ﴿مُفَتَّحَةً﴾ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى الجَنّاتِ حَتّى تَرْتَبِطَ الحالُ بِصاحِبِها، أوِ النَّعْتُ بِمَنعُوتِهِ، والأبْوابُ بَدَلٌ. وقالَ: مَن أعْرَبَ الأبْوابَ مَفْعُولًا لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ العائِدُ عَلى الجَنّاتِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: الأبْوابُ مِنها. وألْزَمَ أبُو عَلِيٍّ البَدَلَ في مِثْلِ هَذا لا بُدَّ فِيهِ مِنَ الضَّمِيرِ، إمّا مَلْفُوظًا بِهِ، أوْ مُقَدَّرًا. وإذا كانَ الكَلامُ مُحْتاجًا إلى تَقْدِيرٍ واحِدٍ، كانَ أوْلى مِمّا يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرَيْنِ. وأمّا الكُوفِيُّونَ، فالرّابِطُ عِنْدَهم هو ألْ لِمَقامِهِ مَقامَ الضَّمِيرِ، فَكَأنَّهُ قالَ: مُفَتِّحَةً لَهم أبْوابُها. وأمّا قَوْلُهُ: وهو مِن بَدَلِ الِاشْتِمالِ، فَإنْ عَنى بِقَوْلِهِ: وهو قَوْلُهُ اليَدُ والرِّجْلُ، فَهو وهْمٌ، وإنَّما هو بَدَلُ بَعْضٍ مِن كُلٍّ. وإنْ عَنى الأبْوابَ، فَقَدْ يَصِحُّ؛ لِأنَّ أبْوابَ الجَنّاتِ لَيْسَتْ بَعْضًا مِنَ الجَنّاتِ. وأمّا تَشْبِيهُهُ ما قَدَّرَهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿مُفَتَّحَةً﴾ هي الأبْوابُ، بِقَوْلِهِمْ: ضُرِبَ زَيْدٌ اليَدُ والرِّجْلُ، فَوَجْهُهُ أنَّ الأبْوابَ بَدَلٌ مِن ذَلِكَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ، كَما أنَّ اليَدَ والرِّجْلَ بَدَلٌ مِنَ الظّاهِرِ الَّذِي هو زَيْدٌ. وقالَ أبُو إسْحاقَ، وتَبِعَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ: ﴿مُفَتَّحَةً﴾ نَعْتٌ لِجَنّاتِ عَدْنٍ. وقالَ الحَوْفِيُّ: ﴿مُفَتَّحَةً﴾ حالٌ، والعامِلُ فِيها مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ المَعْنى، تَقْدِيرُهُ: يَدْخُلُونَها. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رُفَيْعٍ، وأبُو حَيْوَةَ: ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ مُفَتَّحَةٌ﴾، بِرَفْعِ التّاءَيْنِ: مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، أوْ كُلٌّ مِنهُما خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هو جَنّاتُ عَدْنٍ هي مُفَتَّحَةٌ. والِاتِّكاءُ: مِن هَيْئاتِ أهْلِ السَّعادَةِ، ﴿يَدْعُونَ فِيها﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ عِنْدَهم مَن يَسْتَخْدِمُونَهُ فِيما يَسْتَدْعُونَ، كَقَوْلِهِ: ﴿ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ [الإنسان: ١٩] . ولَمّا كانَتِ الفاكِهَةُ يَتَنَوَّعُ وصْفُها بِالكَثْرَةِ، وكَثْرَتُها بِاخْتِلافِ أنْواعِها، وكَثْرَةُ كُلِّ نَوْعٍ مِنها؛ ولَمّا كانَ الشَّرابُ نَوْعًا واحِدًا وهو الخَمْرُ، أُفْرِدَ. ﴿وعِنْدَهم قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ . قالَ قَتادَةُ: مَعْناهُ عَلى أزْواجِهِنَّ، ﴿أتْرابٌ﴾: أيْ: أمْثالٌ عَلى سِنٍّ واحِدَةٍ، وأصْلُهُ في بَنِي آدَمَ لِكَوْنِهِمْ مَسَّ أجْسادَهُمُ التُّرابُ في وقْتٍ واحِدٍ، والأقْرانُ أثْبَتُ في التَّحابِّ. والظّاهِرُ أنَّ هَذا الوَصْفَ هو بَيْنَهُنَّ، وقِيلَ: بَيْنَ أزْواجِهِنَّ، أسْنانُهُنَّ كَأسْنانِهِمْ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ الآدَمِيّاتِ. وقالَ صاحِبُ الغُنْيانِ: حُورٌ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: (وهَذا ما يُوعَدُونَ)، بِياءِ الغَيْبَةِ، إذْ قَبْلَهُ (وعِنْدَهم) وباقِي السَّبْعَةِ: بِتاءِ الخِطابِ عَلى الِالتِفاتِ، والمَعْنى: هَذا ما وقَعَ بِهِ الوَعْدُ لِيَوْمِ الجَزاءِ. (إنَّ هَذا): أيْ: ما ذُكِرَ لِلْمُتَّقِينَ مِمّا تَقَدَّمَ، ﴿لَرِزْقُنا﴾ دائِمًا، أيْ: لا نَفادَ لَهُ. ﴿هَذا وإنَّ لِلطّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ﴾، قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: الأمْرُ هَذا، وقالَ أبُو عَلِيٍّ: هَذا لِلْمُؤْمِنِينَ، وقالَ أبُو البَقاءِ: مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ، أوْ خَبَرٌ مَحْذُوفُ المُبْتَدَأِ، والطّاغُونَ هُنا: الكُفّارُ؛ وقالَ الجُبّائِيُّ: أصْحابُ الكَبائِرِ كُفّارًا كانُوا أوْ لَمْ يَكُونُوا. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المَعْنى الَّذِينَ طَغَوْا عَلَيَّ، وكَذَّبُوا رُسُلِي لَهم شَرُّ مَآبٍ أيْ: مَرْجِعٍ ومَصِيرٍ. ﴿فَبِئْسَ المِهادُ﴾ أيْ: هي (هَذا) في مَوْضِعِ رَفْعِ مُبْتَدَأٍ خَبَرُهُ (جَهَنَّمَ)، ﴿وغَسّاقٌ﴾، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: العَذابُ هَذا، وحَمِيمٌ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ، أوْ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الِاشْتِغالِ، أيْ: لِيَذُوقُوا هَذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ، أيْ: هو حَمِيمٌ، أوْ مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ، أيْ: مِنهُ حَمِيمٌ ومِنهُ غَسّاقٌ، كَما قالَ الشّاعِرُ:(p-٤٠٦) ؎حَتّى إذا ما أضاءَ الصُّبْحُ في غَلَسٍ وغُودِرَ البَقْلُ مَلْوِيُّ ومَحْصُودُ أيْ: مِنهُ مَلْوِيٌّ ومِنهُ مَحْصُودٌ، وهَذِهِ الأعارِيبُ مَقُولَةٌ مَنقُولَةٌ. وقِيلَ: هَذا مُبْتَدَأٌ، و﴿فَلْيَذُوقُوهُ﴾ الخَبَرُ، وهَذا عَلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ في إجازَتِهِ: زَيْدٌ فاضْرِبْهُ، مُسْتَدِلًّا بِقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎وقائِلَةٍ خَوْلانُ فانْكِحْ فَتاتَهُمْ والغَسّاقُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: الزَّمْهَرِيرُ؛ وعَنْهُ أيْضًا، وعَنْ عَطاءٍ، وقَتادَةَ، وابْنِ زَيْدٍ: ما يَجْرِي مِن صَدِيدِ أهْلِ النّارِ. وعَنْ كَعْبٍ: عَيْنٌ في جَهَنَّمَ تَسِيلُ إلَيْها حُمَةُ كُلِّ ذِي حُمَةٍ مِن حَيَّةٍ أوْ عَقْرَبٍ أوْ غَيْرِهِما، يُغْمَسُ فِيها فَيَتَساقَطُ الجِلْدُ واللَّحْمُ عَنِ العَظْمِ. وعَنِ السُّدِّيِّ: ما يَسِيلُ مِن دُمُوعِهِمْ، وعَنِ ابْنِ عُمَرَ: القَيْحُ يَسِيلُ مِنهم فَيُسْقَوْنَهُ. وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ، وقَتادَةُ، وابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ، والفَضْلُ، وابْنُ سَعْدانَ، وهارُونُ عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِتَشْدِيدِ السِّينِ. فَإنْ كانَ صِفَةً، فَيَكُونُ مِمّا حُذِفَ مَوْصُوفُها، وإنْ كانَ اسْمًا، فَفَعّالٌ قَلِيلٌ في الأسْماءِ، جاءَ مِنهُ: الكَلّاءُ، والجَبّانُ، والفَنّادُ، والعَقّارُ، والخَطّارُ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ: بِتَخْفِيفِ السِّينِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (وآخَرُ) عَلى الإفْرادِ، فَقِيلَ: مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: ولَهم عَذابٌ آخَرُ. وقِيلَ: خَبَرُهُ في الجُمْلَةِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: (أزْواجٌ) مُبْتَدَأٌ، و﴿مِن شَكْلِهِ﴾ خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ خَبَرُ (وآخَرُ) . وقِيلَ: خَبَرُهُ (أزْواجٌ) و﴿مِن شَكْلِهِ﴾ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ، وجازَ أنْ يُخْبَرَ بِالجَمْعِ عَنِ الواحِدِ مِن حَيْثُ هو دَرَجاتٌ ورُتَبٌ مِنَ العَذابِ، أوْ سَمّى كُلَّ جُزْءٍ مِن ذَلِكَ الآخَرِ بِاسْمِ الكُلِّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (وآخَرُ) أيْ: وعَذابٌ آخَرُ، أوْ مَذُوقٌ آخَرُ؛ وأزْواجٌ صِفَةُ آخَرَ؛ لِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضُرُوبًا أوْ صِفَةً لِلثَّلاثَةِ، وهي: ﴿حَمِيمٌ وغَسّاقٌ﴾ ﴿وآخَرُ مِن شَكْلِهِ﴾ . انْتَهى. وهُوَ إعْرابٌ أخَذَهُ مِنَ الفَرّاءِ. وقَرَأ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، والجَحْدَرِيُّ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وعِيسى، وأبُو عَمْرٍو: (وأُخَرُ) عَلى الجَمْعِ، وهو مُبْتَدَأٌ، (ومِن شَكْلِهِ) في مَوْضِعِ الصِّفَةِ؛ ﴿وأزْواجٌ﴾ [آل عمران: ١٥] خَبَرُهُ، أيْ: ومَذُوقًا آخَرُ مِن شَكْلِ هَذا المَذُوقِ مِن مِثْلِهِ في الشِّدَّةِ والفَظاعَةِ. (أزْواجٌ): أجْناسٌ. وقَرَأ مُجاهِدٌ: ﴿مِن شَكْلِهِ﴾ بِكَسْرِ الشِّينِ؛ والجُمْهُورُ: بِفَتْحِها، وهُما لُغَتانِ بِمَعْنى المِثْلِ والضَّرْبِ. وأمّا إذا كانَ بِمَعْنى الفَتْحِ، فَبِكَسْرِ الشِّينِ لا غَيْرَ. وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: ﴿وآخَرُ مِن شَكْلِهِ﴾: هو الزَّمْهَرِيرُ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿هَذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ﴾ )، مِن قَوْلِ رُؤَسائِهِمْ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، والفَوْجُ: الجَمْعُ الكَثِيرُ، ﴿مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ﴾ أيِ: النّارَ، وهُمُ الأتْباعُ، ثُمَّ دَعَوْا عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِمْ: ﴿لا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾؛ لِأنَّ الرَّئِيسَ إذا رَأى الخَسِيسَ قَدْ قُرِنَ مَعَهُ في العَذابِ، ساءَهُ ذَلِكَ حَيْثُ وقَعَ التَّساوِي في العَذابِ، ولَمْ يَكُنْ هو السّالِمُ مِنَ العَذابِ وأتْباعُهُ في العَذابِ. و(مَرْحَبًا) مَعْناهُ: ائْتِ رَحْبًا وسَعَةً لا ضَيِّقًا، وهو مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ يَجِبُ إضْمارُهُ، ولِأنَّ عُلُوَّهم بَيانٌ لِلْمَدْعُوِّ عَلَيْهِمْ. وقِيلَ: ﴿هَذا فَوْجٌ﴾، مِن كَلامِ المَلائِكَةِ خَزَنَةِ النّارِ؛ وأنَّ الدُّعاءَ عَلى الفَوْجِ والتَّعْلِيلَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهم صالُوا النّارِ﴾، مِن كَلامِهِمْ. وقِيلَ: ﴿هَذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ﴾، مِن كَلامِ المَلائِكَةِ، والدُّعاءُ عَلى الفَوْجِ والإخْبارُ بِأنَّهم صالُوا النّارِ مِن كَلامِ الرُّؤَساءِ المَتْبُوعِينَ. (قالُوا) أيِ: الفَوْجُ: ﴿لا مَرْحَبًا بِكُمْ﴾، رَدٌّ عَلى الرُّؤَساءِ ما دَعَوْا بِهِ عَلَيْهِمْ. ثُمَّ ذَكَرُوا أنَّ ما وقَعُوا فِيهِ مِنَ العَذابِ وصَلْيِ النّارِ، إنَّما هو بِما ألْقَيْتُمْ إلَيْنا وزَيَّنْتُمُوهُ مِنَ الكُفْرِ، فَكَأنَّكم قَدَّمْتُمْ لَنا العَذابَ أوِ الصَّلْيَ. وإذا كانَ ﴿لا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾ مِن كَلامِ الخَزَنَةِ فَلَمْ يَجِئِ التَّرْكِيبُ: قالُوا بَلْ هَؤُلاءِ لا مَرْحَبًا بِهِمْ، بَلْ جاءَ بِخِطابِ الأتْباعِ لِلرُّؤَساءِ، لِتَكُونَ المُواجَهَةُ لِمَن كانُوا لا يَقْدِرُونَ عَلى مُواجَهَتِهِمْ في الدُّنْيا بِقَبِيحٍ أشَفى لِصُدُورِهِمْ، حَيْثُ تَسَبَّبُوا في كُفْرِهِمْ، وأنْكى لِلرُّؤَساءِ. ﴿فَبِئْسَ القَرارُ﴾: أيِ: النّارُ؛ وهَذِهِ المُرادَةُ والدُّعاءُ كَقَوْلِهِ: ﴿كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها﴾ [الأعراف: ٣٨] . ولَمْ يَكْتَفِ الأتْباعُ بِرَدِّ الدُّعاءِ عَلى رُؤَسائِهِمْ، ولا بِمُواجَهَتِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿أنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا﴾، حَتّى سَألُوا مِنَ اللَّهِ أنْ يَزِيدَ رُؤَساءَهم ضِعْفًا مِنَ النّارِ، والمَعْنى: مَن حَمَلَنا عَلى عَمَلِ السُّوءِ حَتّى صارَ جَزاءُنا النّارَ، ﴿فَزِدْهُ عَذابًا ضِعْفًا﴾، كَما جاءَ في قَوْلِ الأتْباعِ: ﴿رَبَّنا آتِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦٨]، أيْ: ساداتَهم ﴿ضِعْفَيْنِ مِنَ العَذابِ﴾ [الأحزاب: ٦٨]، ﴿رَبَّنا هَؤُلاءِ أضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذابًا ضِعْفًا مِنَ النّارِ﴾ [الأعراف: ٣٨] . (p-٤٠٧)ولَمّا كانَ الرُّؤَساءُ ضُلّالًا في أنْفُسِهِمْ، وأضَلُّوا أتْباعَهم، ناسَبَ أنْ يَدْعُوا عَلَيْهِمْ بِأنْ يَزِيدَهم ضِعْفًا، كَما جاءَ: «فَعَلَيْهِ وِزْرُها ووِزْرُ مَن عَمِلَ بِها إلى يَوْمِ القِيامَةِ» فَعَلى هَذا الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: (قالُوا) لِلْأتْباعِ. و﴿مَن قَدَّمَ﴾: هُمُ الرُّؤَساءُ. وقالَ ابْنُ السّائِبِ: ﴿قالُوا رَبَّنا﴾ إلى آخِرِهِ، قَوْلُ جَمِيعِ أهْلِ النّارِ. وقالَ الضَّحّاكُ: ﴿مَن قَدَّمَ﴾، هو إبْلِيسُ وقابِيلُ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: الضِّعْفُ حَيّاتٌ وعَقارِبُ. (وقالُوا) أيْ: أشْرافُ الكُفّارِ، ﴿ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنّا نَعُدُّهم مِنَ الأشْرارِ﴾ أيِ: الأرْذالِ الَّذِينَ لا خَيْرَ فِيهِمْ، ولَيْسُوا عَلى دِينِنا، كَما قالَ: ﴿وما نَراكَ اتَّبَعَكَ إلّا الَّذِينَ هم أراذِلُنا﴾ [هود: ٢٧] . ورُوِيَ أنَّ القائِلِينَ مِن كُفّارِ عَصْرِ الرَّسُولِ ﷺ، هم: أبُو جَهْلٍ، وأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، وأصْحابُ القَلِيبِ، والَّذِينَ لَمْ يَرَوْهم: عَمّارٌ، وصُهَيْبٌ، وسَلْمانُ، ومَن جَرى مَجْراهم، قالَهُ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ. قِيلَ: يَسْألُونَ أيْنَ عَمّارٌ ؟ أيْنَ صُهَيْبٌ ؟ أيْنَ فُلانٌ ؟ يَعُدُّونَ ضُعَفاءَ المُسْلِمِينَ، فَيُقالُ لَهم: أُولَئِكَ في الفِرْدَوْسِ. وقَرَأ النَّحْوِيّانِ، وحَمْزَةُ: (اتَّخَذْناهم) وصْلًا، فَقالَ أبُو حاتِمٍ، والزَّمَخْشَرِيُّ، وابْنُ عَطِيَّةَ: صِفَةٌ لِرِجالٍ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿كُنّا نَعُدُّهم مِنَ الأشْرارِ﴾ . وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: حالٌ، أيْ: وقَدِ اتَّخَذْناهم. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، والأعْرَجُ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، وباقِي السَّبْعَةِ: بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، لِتَقْرِيرِ أنْفُسِهِمْ عَلى هَذا، عَلى جِهَةِ التَّوْبِيخِ لَها والأسَفِ، أيِ: اتَّخَذْناهم سِخْرِيًّا، ولَمْ يَكُونُوا كَذَلِكَ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وأصْحابُهُ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، والأعْرَجُ، ونافِعٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: (سُخْرِيًّا)، بِضَمِّ السِّينِ، ومَعْناها مِنَ السُّخْرَةِ والِاسْتِخْدامِ. وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ، وعِيسى، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وباقِي السَّبْعَةِ: بِكَسْرِ السِّينِ، ومَعْناها: المَشْهُورُ مِنَ السُّخْرِ، وهو الهُزْءُ. قالَ الشّاعِرُ: ؎إنِّي أتانِي لِسانٌ لا أُسَرُّ بِها ∗∗∗ مِن عَلْوَ لا كَذِبٌ فِيها ولا سَخَرُ وقِيلَ: بِكَسْرِ السِّينِ مِنَ التَّسْخِيرِ. وأمْ، إنْ كانَ اتَّخَذْناهُمُ اسْتِفْهامًا إمّا مُصَرَّحًا بِهَمْزَتِهِ كَقِراءَةِ مَن قَرَأ كَذَلِكَ، أوْ مُؤَوَّلًا بِالِاسْتِفْهامِ، وحُذِفَتِ الهَمْزَةُ لِلدَّلالَةِ. فالظّاهِرُ أنَّها مُتَّصِلَةٌ لِتَقَدُّمِ الهَمْزَةِ، والمَعْنى أيُّ الفِعْلَيْنِ فَعَلْنا بِهِمْ، الِاسْتِسْخارُ مِنهم أمِ ازْدِراؤُهم وتَحْقِيرُهم ؟ وإنَّ أبْصارَنا كانَتْ تَعْلُو عَنْهم وتَقْتَحِمُ. ويَكُونُ اسْتِفْهامًا عَلى مَعْنى الإنْكارِ عَلى أنْفُسِهِمْ، لِلِاسْتِسْخارِ والزَّيْغِ جَمِيعًا. وقالَ الحَسَنُ: كُلُّ ذَلِكَ قَدْ فَعَلُوا، اتَّخَذُوهم سِخْرِيًّا، وزاغَتْ عَنْهم أبْصارُهم مُحَقِّرَةً لَهم. وأنَّ (اتَّخَذْناهم) لَيْسَ اسْتِفْهامًا، فَأمْ مُنْقَطِعَةٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُنْقَطِعَةً أيْضًا مَعَ تَقَدُّمِ الِاسْتِفْهامِ، يَكُونُ كَقَوْلِكِ: أزَيْدٌ عِنْدَكَ أمْ عِنْدَكَ عَمْرٌو ؟ واسْتَفْهَمْتَ عَنْ زَيْدٍ، ثُمَّ أضْرَبْتَ عَنْ ذَلِكَ واسْتَفْهَمْتَ عَنْ عَمْرٍو، فالتَّقْدِيرُ: بَلْ أزاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصارُ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهم: ﴿أمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصارُ﴾ لَهُ تَعَلُّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ما لَنا لا نَرى رِجالًا﴾؛ لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ أوَّلًا دَلَّ عَلى انْتِفاءِ رُؤْيَتِهِمْ إيّاهم، وذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّهم لَيْسُوا مَعَهُ، ثُمَّ جَوَّزُوا أنْ يَكُونُوا مَعَهُ، ولَكِنَّ أبْصارَهم لَمْ تَرَهم. (إنَّ ذَلِكَ أيِ: التَّفاوُضُ الَّذِي حَكَيْناهُ عَنْهم، ( لَحَقٌّ) أيْ: ثابِتٌ واقِعٌ لا بُدَّ أنْ يَجْرِيَ بَيْنَهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿تَخاصُمُ﴾ بِالرَّفْعِ مُضافًا إلى أهْلِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: بَدَلٌ مِن (لَحَقٌّ) . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بَيَّنَ ما هو فَقالَ: ﴿تَخاصُمُ﴾ مُنَوَّنًا، (أهْلُ) رُفِعا بِالمَصْدَرِ المُنَوَّنِ، ولا يُجِيزُ ذَلِكَ الفَرّاءُ، ويُجِيزُهُ سِيبَوَيْهِ والبَصْرِيُّونَ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ﴿تَخاصُمَ أهْلِ﴾، بِنَصْبِ المِيمِ وجَرِّ أهْلِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِذَلِكَ؛ لِأنَّ أسْماءَ الإشارَةِ تُوصَفُ بِأسْماءِ الأجْناسِ. وفِي كِتابِ اللَّوامِحِ: ولَوْ نُصِبَ ﴿تَخاصُمُ أهْلِ النّارِ﴾، لَجازَ عَلى البَدَلِ مِن ذَلِكَ. وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْقَعِ: ﴿تَخاصُمُ﴾: فِعْلًا ماضِيًا، (أهْلُ): فاعِلًا، وسَمّى تَعالى تِلْكَ المُفاوَضَةَ الَّتِي جَرَتْ بَيْنَ رُؤَساءِ الكُفّارِ وأتْباعِهِمْ تَخاصُمًا؛ لِأنَّ قَوْلَهم: ﴿لا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾، وقَوْلَ الأتْباعِ: ﴿بَلْ أنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكُمْ﴾، هو مِن بابِ الخُصُومَةِ، فَسَمّى التَّفاوُضَ كُلَّهُ تَخاصُمًا لِاسْتِعْمالِهِ عَلَيْهِ. (قُلْ): يا مُحَمَّدُ، ﴿إنَّما أنا مُنْذِرٌ﴾ أيْ: مُنْذِرُ المُشْرِكِينَ بِالعَذابِ، وأنَّ اللَّهَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، لا نِدَّ لَهُ ولا شَرِيكَ، وهو الواحِدُ القَهّارُ لِكُلِّ شَيْءٍ، وأنَّهُ مالِكُ العالَمِ، عُلْوِهِ وسُفْلِهِ، (p-٤٠٨)العَزِيزُ الَّذِي لا يُغالَبُ، الغَفّارُ لِذُنُوبِ مَن آمَنَ بِهِ واتَّبَعَ لِدِينِهِ.

ص 38:52

﴿هَذا ذِكْرٌ وإنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ﴾ ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الأبْوابُ﴾ ﴿مُتَّكِئِينَ فِيها يَدْعُونَ فِيها بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وشَرابٍ﴾ ﴿وعِنْدَهم قاصِراتُ الطَّرْفِ أتْرابٌ﴾ ﴿هَذا ما تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الحِسابِ﴾ ﴿إنَّ هَذا لَرِزْقُنا ما لَهُ مِن نَفادٍ﴾ ﴿هَذا وإنَّ لِلطّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ﴾ ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ المِهادُ﴾ ﴿هَذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وغَسّاقٌ﴾ ﴿وآخَرُ مِن شَكْلِهِ أزْواجٌ﴾ ﴿هَذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكم لا مَرْحَبًا بِهِمْ إنَّهم صالُوا النّارِ﴾ ﴿قالُوا بَلْ أنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكم أنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا فَبِئْسَ القَرارُ﴾ ﴿قالُوا رَبَّنا مَن قَدَّمَ لَنا هَذا فَزِدْهُ عَذابًا ضِعْفًا في النّارِ﴾ ﴿وقالُوا ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنّا نَعُدُّهم مِنَ الأشْرارِ﴾ ﴿أأتَّخَذْناهم سِخْرِيًّا أمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصارُ﴾ ﴿إنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أهْلِ النّارِ﴾ ﴿قُلْ إنَّما أنا مُنْذِرٌ وما مِن إلَهٍ إلّا اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ ﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما العَزِيزُ الغَفّارُ﴾ (p-٤٠٤)لَمّا أمَرَهُ تَعالى بِالصَّبْرِ عَلى سَفاهَةِ قَوْمِهِ، وذَكَرَ جُمْلَةً مِنَ الأنْبِياءِ وأحْوالِهِمْ، ذَكَرَ ما يَئُولُ إلَيْهِ حالُ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ مِنَ الجَزاءِ، ومَقَرُّ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الفَرِيقَيْنِ. ولَمّا كانَ ما يَذْكُرُهُ نَوْعًا مِن أنْواعِ التَّنْزِيلِ، قالَ: (هَذا ذِكْرٌ)، كَأنَّهُ فَصَلَ بَيْنَ ما قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ. ألا تَرى أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ أهْلَ الجَنَّةِ، وأعْقَبَهُ بِذِكْرِ أهْلِ النّارِ قالَ: (﴿هَذا وإنَّ لِلطّاغِينَ﴾ ؟ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَذا ذِكْرُ مَن مَضى مِنَ الأنْبِياءِ. وقِيلَ: ( هَذا ذِكْرٌ): أيْ: شَرَفٌ تُذْكَرُونَ بِهِ أبَدًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (جَنّاتِ) بِالنَّصْبِ، وهو بَدَلٌ، فَإنْ كانَ (عَدْنٍ) عَلَمًا، فَبَدَلُ مَعْرِفَةٍ مِن نَكَرَةٍ؛ وإنْ كانَ نَكِرَةً، فَبَدَلُ نَكِرَةٍ مِن نَكِرَةٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ مَعْرِفَةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وعَدَ الرَّحْمَنُ﴾ [مريم: ٦١]، وانْتِصابُها عَلى أنَّها عَطْفُ بَيانٍ بِـ(حُسْنَ مَآبٍ) و﴿مُفَتَّحَةً﴾ حالٌ، والعامِلُ فِيها ما في المُتَّقِينَ مِن مَعْنى الفِعْلِ. وفي ﴿مُفَتَّحَةً﴾ ضَمِيرُ الجَنّاتِ، والأبْوابُ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ تَقْدِيرُهُ: مُفَتَّحَةً هي الأبْوابُ لِقَوْلِهِمْ: ضُرِبَ زَيْدٌ اليَدُ والرِّجْلُ، وهو مِن بَدَلِ الِاشْتِمالِ. انْتَهى. ولا يَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ مَعْرِفَةً بِالدَّلِيلِ الَّذِي اسْتَدَلَّ بِهِ وهو قَوْلُهُ: ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي﴾ [مريم: ٦١]؛ لِأنَّهُ اعْتَقَدَ أنَّ الَّتِي صِفَةٌ لِجَنّاتِ عَدْنٍ، ولا يَتَعَيَّنُ ما ذَكَرَهُ، إذْ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الَّتِي بَدَلًا مِن جَنّاتِ عَدْنٍ. ألا تَرى أنَّ الَّذِي والَّتِي وجُمُوعَهُما تُسْتَعْمَلُ اسْتِعْمالَ الأسْماءِ، فَتَلِي (p-٤٠٥)العَوامِلَ، ولا يَلْزَمُ أنْ تَكُونَ صِفَةً ؟ وأمّا انْتِصابُها عَلى أنَّها عَطْفُ بَيانٍ فَلا يَجُوزُ؛ لِأنَّ النَّحْوِيِّينَ في ذَلِكَ عَلى مَذْهَبَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا في المَعارِفِ، فَلا يَكُونُ عَطْفُ البَيانِ إلّا تابِعًا لِمَعْرِفَةٍ، وهو مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ. والثّانِي: أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ في النَّكِراتِ، فَيَكُونُ عَطْفُ البَيانِ تابِعًا لِنَكِرَةٍ، كَما تَكُونُ المَعْرِفَةُ فِيهِ تابِعَةً لِمَعْرِفَةٍ، وهَذا مَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ، وتَبِعَهُمُ الفارِسِيُّ. وأمّا تَخالُفُهُما في التَّنْكِيرِ والتَّعْرِيفِ فَلَمْ يَذْهَبْ إلَيْهِ أحَدٌ سِوى هَذا المُصَنِّفِ. وقَدْ أجازَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿مَقامِ إبْراهِيمَ﴾ [البقرة: ١٢٥]، فَأعْرَبَهُ عَطْفَ بَيانٍ تابِعًا لِنَكِرَةٍ، وهو ﴿آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ [البقرة: ٩٩]، و﴿مَقامِ إبْراهِيمَ﴾ [البقرة: ١٢٥] مَعْرِفَةٌ، وقَدْ رَدَدْنا عَلَيْهِ ذَلِكَ في مَوْضِعِهِ في آلِ عِمْرانَ. وأمّا قَوْلُهُ: وفي ﴿مُفَتَّحَةً﴾ ضَمِيرُ الجَنّاتِ، فَجُمْهُورُ النَّحْوِيِّينَ أعْرَبُوا الأبْوابَ مَفْعُولًا لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ. وجاءَ أبُو عَلِيٍّ فَقالَ: إذا كانَ كَذَلِكَ، لَمْ يَكُنْ في ذَلِكَ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى جَنّاتِ عَدْنٍ مِنَ الحالِيَّةِ إنْ أعْرَبَ مُفَتَّحَةً حالًا، أوْ مِنَ النَّعْتِ إنْ أعْرَبَ نَعْتًا لِـ(جَنّاتِ عَدْنٍ)، فَقالَ: في ﴿مُفَتَّحَةً﴾ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى الجَنّاتِ حَتّى تَرْتَبِطَ الحالُ بِصاحِبِها، أوِ النَّعْتُ بِمَنعُوتِهِ، والأبْوابُ بَدَلٌ. وقالَ: مَن أعْرَبَ الأبْوابَ مَفْعُولًا لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ العائِدُ عَلى الجَنّاتِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: الأبْوابُ مِنها. وألْزَمَ أبُو عَلِيٍّ البَدَلَ في مِثْلِ هَذا لا بُدَّ فِيهِ مِنَ الضَّمِيرِ، إمّا مَلْفُوظًا بِهِ، أوْ مُقَدَّرًا. وإذا كانَ الكَلامُ مُحْتاجًا إلى تَقْدِيرٍ واحِدٍ، كانَ أوْلى مِمّا يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرَيْنِ. وأمّا الكُوفِيُّونَ، فالرّابِطُ عِنْدَهم هو ألْ لِمَقامِهِ مَقامَ الضَّمِيرِ، فَكَأنَّهُ قالَ: مُفَتِّحَةً لَهم أبْوابُها. وأمّا قَوْلُهُ: وهو مِن بَدَلِ الِاشْتِمالِ، فَإنْ عَنى بِقَوْلِهِ: وهو قَوْلُهُ اليَدُ والرِّجْلُ، فَهو وهْمٌ، وإنَّما هو بَدَلُ بَعْضٍ مِن كُلٍّ. وإنْ عَنى الأبْوابَ، فَقَدْ يَصِحُّ؛ لِأنَّ أبْوابَ الجَنّاتِ لَيْسَتْ بَعْضًا مِنَ الجَنّاتِ. وأمّا تَشْبِيهُهُ ما قَدَّرَهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿مُفَتَّحَةً﴾ هي الأبْوابُ، بِقَوْلِهِمْ: ضُرِبَ زَيْدٌ اليَدُ والرِّجْلُ، فَوَجْهُهُ أنَّ الأبْوابَ بَدَلٌ مِن ذَلِكَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ، كَما أنَّ اليَدَ والرِّجْلَ بَدَلٌ مِنَ الظّاهِرِ الَّذِي هو زَيْدٌ. وقالَ أبُو إسْحاقَ، وتَبِعَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ: ﴿مُفَتَّحَةً﴾ نَعْتٌ لِجَنّاتِ عَدْنٍ. وقالَ الحَوْفِيُّ: ﴿مُفَتَّحَةً﴾ حالٌ، والعامِلُ فِيها مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ المَعْنى، تَقْدِيرُهُ: يَدْخُلُونَها. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رُفَيْعٍ، وأبُو حَيْوَةَ: ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ مُفَتَّحَةٌ﴾، بِرَفْعِ التّاءَيْنِ: مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، أوْ كُلٌّ مِنهُما خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هو جَنّاتُ عَدْنٍ هي مُفَتَّحَةٌ. والِاتِّكاءُ: مِن هَيْئاتِ أهْلِ السَّعادَةِ، ﴿يَدْعُونَ فِيها﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ عِنْدَهم مَن يَسْتَخْدِمُونَهُ فِيما يَسْتَدْعُونَ، كَقَوْلِهِ: ﴿ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ [الإنسان: ١٩] . ولَمّا كانَتِ الفاكِهَةُ يَتَنَوَّعُ وصْفُها بِالكَثْرَةِ، وكَثْرَتُها بِاخْتِلافِ أنْواعِها، وكَثْرَةُ كُلِّ نَوْعٍ مِنها؛ ولَمّا كانَ الشَّرابُ نَوْعًا واحِدًا وهو الخَمْرُ، أُفْرِدَ. ﴿وعِنْدَهم قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ . قالَ قَتادَةُ: مَعْناهُ عَلى أزْواجِهِنَّ، ﴿أتْرابٌ﴾: أيْ: أمْثالٌ عَلى سِنٍّ واحِدَةٍ، وأصْلُهُ في بَنِي آدَمَ لِكَوْنِهِمْ مَسَّ أجْسادَهُمُ التُّرابُ في وقْتٍ واحِدٍ، والأقْرانُ أثْبَتُ في التَّحابِّ. والظّاهِرُ أنَّ هَذا الوَصْفَ هو بَيْنَهُنَّ، وقِيلَ: بَيْنَ أزْواجِهِنَّ، أسْنانُهُنَّ كَأسْنانِهِمْ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ الآدَمِيّاتِ. وقالَ صاحِبُ الغُنْيانِ: حُورٌ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: (وهَذا ما يُوعَدُونَ)، بِياءِ الغَيْبَةِ، إذْ قَبْلَهُ (وعِنْدَهم) وباقِي السَّبْعَةِ: بِتاءِ الخِطابِ عَلى الِالتِفاتِ، والمَعْنى: هَذا ما وقَعَ بِهِ الوَعْدُ لِيَوْمِ الجَزاءِ. (إنَّ هَذا): أيْ: ما ذُكِرَ لِلْمُتَّقِينَ مِمّا تَقَدَّمَ، ﴿لَرِزْقُنا﴾ دائِمًا، أيْ: لا نَفادَ لَهُ. ﴿هَذا وإنَّ لِلطّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ﴾، قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: الأمْرُ هَذا، وقالَ أبُو عَلِيٍّ: هَذا لِلْمُؤْمِنِينَ، وقالَ أبُو البَقاءِ: مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ، أوْ خَبَرٌ مَحْذُوفُ المُبْتَدَأِ، والطّاغُونَ هُنا: الكُفّارُ؛ وقالَ الجُبّائِيُّ: أصْحابُ الكَبائِرِ كُفّارًا كانُوا أوْ لَمْ يَكُونُوا. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المَعْنى الَّذِينَ طَغَوْا عَلَيَّ، وكَذَّبُوا رُسُلِي لَهم شَرُّ مَآبٍ أيْ: مَرْجِعٍ ومَصِيرٍ. ﴿فَبِئْسَ المِهادُ﴾ أيْ: هي (هَذا) في مَوْضِعِ رَفْعِ مُبْتَدَأٍ خَبَرُهُ (جَهَنَّمَ)، ﴿وغَسّاقٌ﴾، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: العَذابُ هَذا، وحَمِيمٌ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ، أوْ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الِاشْتِغالِ، أيْ: لِيَذُوقُوا هَذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ، أيْ: هو حَمِيمٌ، أوْ مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ، أيْ: مِنهُ حَمِيمٌ ومِنهُ غَسّاقٌ، كَما قالَ الشّاعِرُ:(p-٤٠٦) ؎حَتّى إذا ما أضاءَ الصُّبْحُ في غَلَسٍ وغُودِرَ البَقْلُ مَلْوِيُّ ومَحْصُودُ أيْ: مِنهُ مَلْوِيٌّ ومِنهُ مَحْصُودٌ، وهَذِهِ الأعارِيبُ مَقُولَةٌ مَنقُولَةٌ. وقِيلَ: هَذا مُبْتَدَأٌ، و﴿فَلْيَذُوقُوهُ﴾ الخَبَرُ، وهَذا عَلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ في إجازَتِهِ: زَيْدٌ فاضْرِبْهُ، مُسْتَدِلًّا بِقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎وقائِلَةٍ خَوْلانُ فانْكِحْ فَتاتَهُمْ والغَسّاقُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: الزَّمْهَرِيرُ؛ وعَنْهُ أيْضًا، وعَنْ عَطاءٍ، وقَتادَةَ، وابْنِ زَيْدٍ: ما يَجْرِي مِن صَدِيدِ أهْلِ النّارِ. وعَنْ كَعْبٍ: عَيْنٌ في جَهَنَّمَ تَسِيلُ إلَيْها حُمَةُ كُلِّ ذِي حُمَةٍ مِن حَيَّةٍ أوْ عَقْرَبٍ أوْ غَيْرِهِما، يُغْمَسُ فِيها فَيَتَساقَطُ الجِلْدُ واللَّحْمُ عَنِ العَظْمِ. وعَنِ السُّدِّيِّ: ما يَسِيلُ مِن دُمُوعِهِمْ، وعَنِ ابْنِ عُمَرَ: القَيْحُ يَسِيلُ مِنهم فَيُسْقَوْنَهُ. وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ، وقَتادَةُ، وابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ، والفَضْلُ، وابْنُ سَعْدانَ، وهارُونُ عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِتَشْدِيدِ السِّينِ. فَإنْ كانَ صِفَةً، فَيَكُونُ مِمّا حُذِفَ مَوْصُوفُها، وإنْ كانَ اسْمًا، فَفَعّالٌ قَلِيلٌ في الأسْماءِ، جاءَ مِنهُ: الكَلّاءُ، والجَبّانُ، والفَنّادُ، والعَقّارُ، والخَطّارُ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ: بِتَخْفِيفِ السِّينِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (وآخَرُ) عَلى الإفْرادِ، فَقِيلَ: مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: ولَهم عَذابٌ آخَرُ. وقِيلَ: خَبَرُهُ في الجُمْلَةِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: (أزْواجٌ) مُبْتَدَأٌ، و﴿مِن شَكْلِهِ﴾ خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ خَبَرُ (وآخَرُ) . وقِيلَ: خَبَرُهُ (أزْواجٌ) و﴿مِن شَكْلِهِ﴾ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ، وجازَ أنْ يُخْبَرَ بِالجَمْعِ عَنِ الواحِدِ مِن حَيْثُ هو دَرَجاتٌ ورُتَبٌ مِنَ العَذابِ، أوْ سَمّى كُلَّ جُزْءٍ مِن ذَلِكَ الآخَرِ بِاسْمِ الكُلِّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (وآخَرُ) أيْ: وعَذابٌ آخَرُ، أوْ مَذُوقٌ آخَرُ؛ وأزْواجٌ صِفَةُ آخَرَ؛ لِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضُرُوبًا أوْ صِفَةً لِلثَّلاثَةِ، وهي: ﴿حَمِيمٌ وغَسّاقٌ﴾ ﴿وآخَرُ مِن شَكْلِهِ﴾ . انْتَهى. وهُوَ إعْرابٌ أخَذَهُ مِنَ الفَرّاءِ. وقَرَأ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، والجَحْدَرِيُّ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وعِيسى، وأبُو عَمْرٍو: (وأُخَرُ) عَلى الجَمْعِ، وهو مُبْتَدَأٌ، (ومِن شَكْلِهِ) في مَوْضِعِ الصِّفَةِ؛ ﴿وأزْواجٌ﴾ [آل عمران: ١٥] خَبَرُهُ، أيْ: ومَذُوقًا آخَرُ مِن شَكْلِ هَذا المَذُوقِ مِن مِثْلِهِ في الشِّدَّةِ والفَظاعَةِ. (أزْواجٌ): أجْناسٌ. وقَرَأ مُجاهِدٌ: ﴿مِن شَكْلِهِ﴾ بِكَسْرِ الشِّينِ؛ والجُمْهُورُ: بِفَتْحِها، وهُما لُغَتانِ بِمَعْنى المِثْلِ والضَّرْبِ. وأمّا إذا كانَ بِمَعْنى الفَتْحِ، فَبِكَسْرِ الشِّينِ لا غَيْرَ. وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: ﴿وآخَرُ مِن شَكْلِهِ﴾: هو الزَّمْهَرِيرُ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿هَذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ﴾ )، مِن قَوْلِ رُؤَسائِهِمْ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، والفَوْجُ: الجَمْعُ الكَثِيرُ، ﴿مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ﴾ أيِ: النّارَ، وهُمُ الأتْباعُ، ثُمَّ دَعَوْا عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِمْ: ﴿لا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾؛ لِأنَّ الرَّئِيسَ إذا رَأى الخَسِيسَ قَدْ قُرِنَ مَعَهُ في العَذابِ، ساءَهُ ذَلِكَ حَيْثُ وقَعَ التَّساوِي في العَذابِ، ولَمْ يَكُنْ هو السّالِمُ مِنَ العَذابِ وأتْباعُهُ في العَذابِ. و(مَرْحَبًا) مَعْناهُ: ائْتِ رَحْبًا وسَعَةً لا ضَيِّقًا، وهو مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ يَجِبُ إضْمارُهُ، ولِأنَّ عُلُوَّهم بَيانٌ لِلْمَدْعُوِّ عَلَيْهِمْ. وقِيلَ: ﴿هَذا فَوْجٌ﴾، مِن كَلامِ المَلائِكَةِ خَزَنَةِ النّارِ؛ وأنَّ الدُّعاءَ عَلى الفَوْجِ والتَّعْلِيلَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهم صالُوا النّارِ﴾، مِن كَلامِهِمْ. وقِيلَ: ﴿هَذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ﴾، مِن كَلامِ المَلائِكَةِ، والدُّعاءُ عَلى الفَوْجِ والإخْبارُ بِأنَّهم صالُوا النّارِ مِن كَلامِ الرُّؤَساءِ المَتْبُوعِينَ. (قالُوا) أيِ: الفَوْجُ: ﴿لا مَرْحَبًا بِكُمْ﴾، رَدٌّ عَلى الرُّؤَساءِ ما دَعَوْا بِهِ عَلَيْهِمْ. ثُمَّ ذَكَرُوا أنَّ ما وقَعُوا فِيهِ مِنَ العَذابِ وصَلْيِ النّارِ، إنَّما هو بِما ألْقَيْتُمْ إلَيْنا وزَيَّنْتُمُوهُ مِنَ الكُفْرِ، فَكَأنَّكم قَدَّمْتُمْ لَنا العَذابَ أوِ الصَّلْيَ. وإذا كانَ ﴿لا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾ مِن كَلامِ الخَزَنَةِ فَلَمْ يَجِئِ التَّرْكِيبُ: قالُوا بَلْ هَؤُلاءِ لا مَرْحَبًا بِهِمْ، بَلْ جاءَ بِخِطابِ الأتْباعِ لِلرُّؤَساءِ، لِتَكُونَ المُواجَهَةُ لِمَن كانُوا لا يَقْدِرُونَ عَلى مُواجَهَتِهِمْ في الدُّنْيا بِقَبِيحٍ أشَفى لِصُدُورِهِمْ، حَيْثُ تَسَبَّبُوا في كُفْرِهِمْ، وأنْكى لِلرُّؤَساءِ. ﴿فَبِئْسَ القَرارُ﴾: أيِ: النّارُ؛ وهَذِهِ المُرادَةُ والدُّعاءُ كَقَوْلِهِ: ﴿كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها﴾ [الأعراف: ٣٨] . ولَمْ يَكْتَفِ الأتْباعُ بِرَدِّ الدُّعاءِ عَلى رُؤَسائِهِمْ، ولا بِمُواجَهَتِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿أنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا﴾، حَتّى سَألُوا مِنَ اللَّهِ أنْ يَزِيدَ رُؤَساءَهم ضِعْفًا مِنَ النّارِ، والمَعْنى: مَن حَمَلَنا عَلى عَمَلِ السُّوءِ حَتّى صارَ جَزاءُنا النّارَ، ﴿فَزِدْهُ عَذابًا ضِعْفًا﴾، كَما جاءَ في قَوْلِ الأتْباعِ: ﴿رَبَّنا آتِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦٨]، أيْ: ساداتَهم ﴿ضِعْفَيْنِ مِنَ العَذابِ﴾ [الأحزاب: ٦٨]، ﴿رَبَّنا هَؤُلاءِ أضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذابًا ضِعْفًا مِنَ النّارِ﴾ [الأعراف: ٣٨] . (p-٤٠٧)ولَمّا كانَ الرُّؤَساءُ ضُلّالًا في أنْفُسِهِمْ، وأضَلُّوا أتْباعَهم، ناسَبَ أنْ يَدْعُوا عَلَيْهِمْ بِأنْ يَزِيدَهم ضِعْفًا، كَما جاءَ: «فَعَلَيْهِ وِزْرُها ووِزْرُ مَن عَمِلَ بِها إلى يَوْمِ القِيامَةِ» فَعَلى هَذا الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: (قالُوا) لِلْأتْباعِ. و﴿مَن قَدَّمَ﴾: هُمُ الرُّؤَساءُ. وقالَ ابْنُ السّائِبِ: ﴿قالُوا رَبَّنا﴾ إلى آخِرِهِ، قَوْلُ جَمِيعِ أهْلِ النّارِ. وقالَ الضَّحّاكُ: ﴿مَن قَدَّمَ﴾، هو إبْلِيسُ وقابِيلُ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: الضِّعْفُ حَيّاتٌ وعَقارِبُ. (وقالُوا) أيْ: أشْرافُ الكُفّارِ، ﴿ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنّا نَعُدُّهم مِنَ الأشْرارِ﴾ أيِ: الأرْذالِ الَّذِينَ لا خَيْرَ فِيهِمْ، ولَيْسُوا عَلى دِينِنا، كَما قالَ: ﴿وما نَراكَ اتَّبَعَكَ إلّا الَّذِينَ هم أراذِلُنا﴾ [هود: ٢٧] . ورُوِيَ أنَّ القائِلِينَ مِن كُفّارِ عَصْرِ الرَّسُولِ ﷺ، هم: أبُو جَهْلٍ، وأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، وأصْحابُ القَلِيبِ، والَّذِينَ لَمْ يَرَوْهم: عَمّارٌ، وصُهَيْبٌ، وسَلْمانُ، ومَن جَرى مَجْراهم، قالَهُ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ. قِيلَ: يَسْألُونَ أيْنَ عَمّارٌ ؟ أيْنَ صُهَيْبٌ ؟ أيْنَ فُلانٌ ؟ يَعُدُّونَ ضُعَفاءَ المُسْلِمِينَ، فَيُقالُ لَهم: أُولَئِكَ في الفِرْدَوْسِ. وقَرَأ النَّحْوِيّانِ، وحَمْزَةُ: (اتَّخَذْناهم) وصْلًا، فَقالَ أبُو حاتِمٍ، والزَّمَخْشَرِيُّ، وابْنُ عَطِيَّةَ: صِفَةٌ لِرِجالٍ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿كُنّا نَعُدُّهم مِنَ الأشْرارِ﴾ . وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: حالٌ، أيْ: وقَدِ اتَّخَذْناهم. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، والأعْرَجُ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، وباقِي السَّبْعَةِ: بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، لِتَقْرِيرِ أنْفُسِهِمْ عَلى هَذا، عَلى جِهَةِ التَّوْبِيخِ لَها والأسَفِ، أيِ: اتَّخَذْناهم سِخْرِيًّا، ولَمْ يَكُونُوا كَذَلِكَ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وأصْحابُهُ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، والأعْرَجُ، ونافِعٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: (سُخْرِيًّا)، بِضَمِّ السِّينِ، ومَعْناها مِنَ السُّخْرَةِ والِاسْتِخْدامِ. وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ، وعِيسى، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وباقِي السَّبْعَةِ: بِكَسْرِ السِّينِ، ومَعْناها: المَشْهُورُ مِنَ السُّخْرِ، وهو الهُزْءُ. قالَ الشّاعِرُ: ؎إنِّي أتانِي لِسانٌ لا أُسَرُّ بِها ∗∗∗ مِن عَلْوَ لا كَذِبٌ فِيها ولا سَخَرُ وقِيلَ: بِكَسْرِ السِّينِ مِنَ التَّسْخِيرِ. وأمْ، إنْ كانَ اتَّخَذْناهُمُ اسْتِفْهامًا إمّا مُصَرَّحًا بِهَمْزَتِهِ كَقِراءَةِ مَن قَرَأ كَذَلِكَ، أوْ مُؤَوَّلًا بِالِاسْتِفْهامِ، وحُذِفَتِ الهَمْزَةُ لِلدَّلالَةِ. فالظّاهِرُ أنَّها مُتَّصِلَةٌ لِتَقَدُّمِ الهَمْزَةِ، والمَعْنى أيُّ الفِعْلَيْنِ فَعَلْنا بِهِمْ، الِاسْتِسْخارُ مِنهم أمِ ازْدِراؤُهم وتَحْقِيرُهم ؟ وإنَّ أبْصارَنا كانَتْ تَعْلُو عَنْهم وتَقْتَحِمُ. ويَكُونُ اسْتِفْهامًا عَلى مَعْنى الإنْكارِ عَلى أنْفُسِهِمْ، لِلِاسْتِسْخارِ والزَّيْغِ جَمِيعًا. وقالَ الحَسَنُ: كُلُّ ذَلِكَ قَدْ فَعَلُوا، اتَّخَذُوهم سِخْرِيًّا، وزاغَتْ عَنْهم أبْصارُهم مُحَقِّرَةً لَهم. وأنَّ (اتَّخَذْناهم) لَيْسَ اسْتِفْهامًا، فَأمْ مُنْقَطِعَةٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُنْقَطِعَةً أيْضًا مَعَ تَقَدُّمِ الِاسْتِفْهامِ، يَكُونُ كَقَوْلِكِ: أزَيْدٌ عِنْدَكَ أمْ عِنْدَكَ عَمْرٌو ؟ واسْتَفْهَمْتَ عَنْ زَيْدٍ، ثُمَّ أضْرَبْتَ عَنْ ذَلِكَ واسْتَفْهَمْتَ عَنْ عَمْرٍو، فالتَّقْدِيرُ: بَلْ أزاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصارُ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهم: ﴿أمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصارُ﴾ لَهُ تَعَلُّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ما لَنا لا نَرى رِجالًا﴾؛ لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ أوَّلًا دَلَّ عَلى انْتِفاءِ رُؤْيَتِهِمْ إيّاهم، وذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّهم لَيْسُوا مَعَهُ، ثُمَّ جَوَّزُوا أنْ يَكُونُوا مَعَهُ، ولَكِنَّ أبْصارَهم لَمْ تَرَهم. (إنَّ ذَلِكَ أيِ: التَّفاوُضُ الَّذِي حَكَيْناهُ عَنْهم، ( لَحَقٌّ) أيْ: ثابِتٌ واقِعٌ لا بُدَّ أنْ يَجْرِيَ بَيْنَهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿تَخاصُمُ﴾ بِالرَّفْعِ مُضافًا إلى أهْلِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: بَدَلٌ مِن (لَحَقٌّ) . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بَيَّنَ ما هو فَقالَ: ﴿تَخاصُمُ﴾ مُنَوَّنًا، (أهْلُ) رُفِعا بِالمَصْدَرِ المُنَوَّنِ، ولا يُجِيزُ ذَلِكَ الفَرّاءُ، ويُجِيزُهُ سِيبَوَيْهِ والبَصْرِيُّونَ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ﴿تَخاصُمَ أهْلِ﴾، بِنَصْبِ المِيمِ وجَرِّ أهْلِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِذَلِكَ؛ لِأنَّ أسْماءَ الإشارَةِ تُوصَفُ بِأسْماءِ الأجْناسِ. وفِي كِتابِ اللَّوامِحِ: ولَوْ نُصِبَ ﴿تَخاصُمُ أهْلِ النّارِ﴾، لَجازَ عَلى البَدَلِ مِن ذَلِكَ. وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْقَعِ: ﴿تَخاصُمُ﴾: فِعْلًا ماضِيًا، (أهْلُ): فاعِلًا، وسَمّى تَعالى تِلْكَ المُفاوَضَةَ الَّتِي جَرَتْ بَيْنَ رُؤَساءِ الكُفّارِ وأتْباعِهِمْ تَخاصُمًا؛ لِأنَّ قَوْلَهم: ﴿لا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾، وقَوْلَ الأتْباعِ: ﴿بَلْ أنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكُمْ﴾، هو مِن بابِ الخُصُومَةِ، فَسَمّى التَّفاوُضَ كُلَّهُ تَخاصُمًا لِاسْتِعْمالِهِ عَلَيْهِ. (قُلْ): يا مُحَمَّدُ، ﴿إنَّما أنا مُنْذِرٌ﴾ أيْ: مُنْذِرُ المُشْرِكِينَ بِالعَذابِ، وأنَّ اللَّهَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، لا نِدَّ لَهُ ولا شَرِيكَ، وهو الواحِدُ القَهّارُ لِكُلِّ شَيْءٍ، وأنَّهُ مالِكُ العالَمِ، عُلْوِهِ وسُفْلِهِ، (p-٤٠٨)العَزِيزُ الَّذِي لا يُغالَبُ، الغَفّارُ لِذُنُوبِ مَن آمَنَ بِهِ واتَّبَعَ لِدِينِهِ.

ص 38:53

﴿هَذا ذِكْرٌ وإنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ﴾ ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الأبْوابُ﴾ ﴿مُتَّكِئِينَ فِيها يَدْعُونَ فِيها بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وشَرابٍ﴾ ﴿وعِنْدَهم قاصِراتُ الطَّرْفِ أتْرابٌ﴾ ﴿هَذا ما تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الحِسابِ﴾ ﴿إنَّ هَذا لَرِزْقُنا ما لَهُ مِن نَفادٍ﴾ ﴿هَذا وإنَّ لِلطّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ﴾ ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ المِهادُ﴾ ﴿هَذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وغَسّاقٌ﴾ ﴿وآخَرُ مِن شَكْلِهِ أزْواجٌ﴾ ﴿هَذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكم لا مَرْحَبًا بِهِمْ إنَّهم صالُوا النّارِ﴾ ﴿قالُوا بَلْ أنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكم أنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا فَبِئْسَ القَرارُ﴾ ﴿قالُوا رَبَّنا مَن قَدَّمَ لَنا هَذا فَزِدْهُ عَذابًا ضِعْفًا في النّارِ﴾ ﴿وقالُوا ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنّا نَعُدُّهم مِنَ الأشْرارِ﴾ ﴿أأتَّخَذْناهم سِخْرِيًّا أمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصارُ﴾ ﴿إنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أهْلِ النّارِ﴾ ﴿قُلْ إنَّما أنا مُنْذِرٌ وما مِن إلَهٍ إلّا اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ ﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما العَزِيزُ الغَفّارُ﴾ (p-٤٠٤)لَمّا أمَرَهُ تَعالى بِالصَّبْرِ عَلى سَفاهَةِ قَوْمِهِ، وذَكَرَ جُمْلَةً مِنَ الأنْبِياءِ وأحْوالِهِمْ، ذَكَرَ ما يَئُولُ إلَيْهِ حالُ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ مِنَ الجَزاءِ، ومَقَرُّ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الفَرِيقَيْنِ. ولَمّا كانَ ما يَذْكُرُهُ نَوْعًا مِن أنْواعِ التَّنْزِيلِ، قالَ: (هَذا ذِكْرٌ)، كَأنَّهُ فَصَلَ بَيْنَ ما قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ. ألا تَرى أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ أهْلَ الجَنَّةِ، وأعْقَبَهُ بِذِكْرِ أهْلِ النّارِ قالَ: (﴿هَذا وإنَّ لِلطّاغِينَ﴾ ؟ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَذا ذِكْرُ مَن مَضى مِنَ الأنْبِياءِ. وقِيلَ: ( هَذا ذِكْرٌ): أيْ: شَرَفٌ تُذْكَرُونَ بِهِ أبَدًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (جَنّاتِ) بِالنَّصْبِ، وهو بَدَلٌ، فَإنْ كانَ (عَدْنٍ) عَلَمًا، فَبَدَلُ مَعْرِفَةٍ مِن نَكَرَةٍ؛ وإنْ كانَ نَكِرَةً، فَبَدَلُ نَكِرَةٍ مِن نَكِرَةٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ مَعْرِفَةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وعَدَ الرَّحْمَنُ﴾ [مريم: ٦١]، وانْتِصابُها عَلى أنَّها عَطْفُ بَيانٍ بِـ(حُسْنَ مَآبٍ) و﴿مُفَتَّحَةً﴾ حالٌ، والعامِلُ فِيها ما في المُتَّقِينَ مِن مَعْنى الفِعْلِ. وفي ﴿مُفَتَّحَةً﴾ ضَمِيرُ الجَنّاتِ، والأبْوابُ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ تَقْدِيرُهُ: مُفَتَّحَةً هي الأبْوابُ لِقَوْلِهِمْ: ضُرِبَ زَيْدٌ اليَدُ والرِّجْلُ، وهو مِن بَدَلِ الِاشْتِمالِ. انْتَهى. ولا يَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ مَعْرِفَةً بِالدَّلِيلِ الَّذِي اسْتَدَلَّ بِهِ وهو قَوْلُهُ: ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي﴾ [مريم: ٦١]؛ لِأنَّهُ اعْتَقَدَ أنَّ الَّتِي صِفَةٌ لِجَنّاتِ عَدْنٍ، ولا يَتَعَيَّنُ ما ذَكَرَهُ، إذْ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الَّتِي بَدَلًا مِن جَنّاتِ عَدْنٍ. ألا تَرى أنَّ الَّذِي والَّتِي وجُمُوعَهُما تُسْتَعْمَلُ اسْتِعْمالَ الأسْماءِ، فَتَلِي (p-٤٠٥)العَوامِلَ، ولا يَلْزَمُ أنْ تَكُونَ صِفَةً ؟ وأمّا انْتِصابُها عَلى أنَّها عَطْفُ بَيانٍ فَلا يَجُوزُ؛ لِأنَّ النَّحْوِيِّينَ في ذَلِكَ عَلى مَذْهَبَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا في المَعارِفِ، فَلا يَكُونُ عَطْفُ البَيانِ إلّا تابِعًا لِمَعْرِفَةٍ، وهو مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ. والثّانِي: أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ في النَّكِراتِ، فَيَكُونُ عَطْفُ البَيانِ تابِعًا لِنَكِرَةٍ، كَما تَكُونُ المَعْرِفَةُ فِيهِ تابِعَةً لِمَعْرِفَةٍ، وهَذا مَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ، وتَبِعَهُمُ الفارِسِيُّ. وأمّا تَخالُفُهُما في التَّنْكِيرِ والتَّعْرِيفِ فَلَمْ يَذْهَبْ إلَيْهِ أحَدٌ سِوى هَذا المُصَنِّفِ. وقَدْ أجازَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿مَقامِ إبْراهِيمَ﴾ [البقرة: ١٢٥]، فَأعْرَبَهُ عَطْفَ بَيانٍ تابِعًا لِنَكِرَةٍ، وهو ﴿آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ [البقرة: ٩٩]، و﴿مَقامِ إبْراهِيمَ﴾ [البقرة: ١٢٥] مَعْرِفَةٌ، وقَدْ رَدَدْنا عَلَيْهِ ذَلِكَ في مَوْضِعِهِ في آلِ عِمْرانَ. وأمّا قَوْلُهُ: وفي ﴿مُفَتَّحَةً﴾ ضَمِيرُ الجَنّاتِ، فَجُمْهُورُ النَّحْوِيِّينَ أعْرَبُوا الأبْوابَ مَفْعُولًا لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ. وجاءَ أبُو عَلِيٍّ فَقالَ: إذا كانَ كَذَلِكَ، لَمْ يَكُنْ في ذَلِكَ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى جَنّاتِ عَدْنٍ مِنَ الحالِيَّةِ إنْ أعْرَبَ مُفَتَّحَةً حالًا، أوْ مِنَ النَّعْتِ إنْ أعْرَبَ نَعْتًا لِـ(جَنّاتِ عَدْنٍ)، فَقالَ: في ﴿مُفَتَّحَةً﴾ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى الجَنّاتِ حَتّى تَرْتَبِطَ الحالُ بِصاحِبِها، أوِ النَّعْتُ بِمَنعُوتِهِ، والأبْوابُ بَدَلٌ. وقالَ: مَن أعْرَبَ الأبْوابَ مَفْعُولًا لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ العائِدُ عَلى الجَنّاتِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: الأبْوابُ مِنها. وألْزَمَ أبُو عَلِيٍّ البَدَلَ في مِثْلِ هَذا لا بُدَّ فِيهِ مِنَ الضَّمِيرِ، إمّا مَلْفُوظًا بِهِ، أوْ مُقَدَّرًا. وإذا كانَ الكَلامُ مُحْتاجًا إلى تَقْدِيرٍ واحِدٍ، كانَ أوْلى مِمّا يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرَيْنِ. وأمّا الكُوفِيُّونَ، فالرّابِطُ عِنْدَهم هو ألْ لِمَقامِهِ مَقامَ الضَّمِيرِ، فَكَأنَّهُ قالَ: مُفَتِّحَةً لَهم أبْوابُها. وأمّا قَوْلُهُ: وهو مِن بَدَلِ الِاشْتِمالِ، فَإنْ عَنى بِقَوْلِهِ: وهو قَوْلُهُ اليَدُ والرِّجْلُ، فَهو وهْمٌ، وإنَّما هو بَدَلُ بَعْضٍ مِن كُلٍّ. وإنْ عَنى الأبْوابَ، فَقَدْ يَصِحُّ؛ لِأنَّ أبْوابَ الجَنّاتِ لَيْسَتْ بَعْضًا مِنَ الجَنّاتِ. وأمّا تَشْبِيهُهُ ما قَدَّرَهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿مُفَتَّحَةً﴾ هي الأبْوابُ، بِقَوْلِهِمْ: ضُرِبَ زَيْدٌ اليَدُ والرِّجْلُ، فَوَجْهُهُ أنَّ الأبْوابَ بَدَلٌ مِن ذَلِكَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ، كَما أنَّ اليَدَ والرِّجْلَ بَدَلٌ مِنَ الظّاهِرِ الَّذِي هو زَيْدٌ. وقالَ أبُو إسْحاقَ، وتَبِعَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ: ﴿مُفَتَّحَةً﴾ نَعْتٌ لِجَنّاتِ عَدْنٍ. وقالَ الحَوْفِيُّ: ﴿مُفَتَّحَةً﴾ حالٌ، والعامِلُ فِيها مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ المَعْنى، تَقْدِيرُهُ: يَدْخُلُونَها. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رُفَيْعٍ، وأبُو حَيْوَةَ: ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ مُفَتَّحَةٌ﴾، بِرَفْعِ التّاءَيْنِ: مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، أوْ كُلٌّ مِنهُما خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هو جَنّاتُ عَدْنٍ هي مُفَتَّحَةٌ. والِاتِّكاءُ: مِن هَيْئاتِ أهْلِ السَّعادَةِ، ﴿يَدْعُونَ فِيها﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ عِنْدَهم مَن يَسْتَخْدِمُونَهُ فِيما يَسْتَدْعُونَ، كَقَوْلِهِ: ﴿ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ [الإنسان: ١٩] . ولَمّا كانَتِ الفاكِهَةُ يَتَنَوَّعُ وصْفُها بِالكَثْرَةِ، وكَثْرَتُها بِاخْتِلافِ أنْواعِها، وكَثْرَةُ كُلِّ نَوْعٍ مِنها؛ ولَمّا كانَ الشَّرابُ نَوْعًا واحِدًا وهو الخَمْرُ، أُفْرِدَ. ﴿وعِنْدَهم قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ . قالَ قَتادَةُ: مَعْناهُ عَلى أزْواجِهِنَّ، ﴿أتْرابٌ﴾: أيْ: أمْثالٌ عَلى سِنٍّ واحِدَةٍ، وأصْلُهُ في بَنِي آدَمَ لِكَوْنِهِمْ مَسَّ أجْسادَهُمُ التُّرابُ في وقْتٍ واحِدٍ، والأقْرانُ أثْبَتُ في التَّحابِّ. والظّاهِرُ أنَّ هَذا الوَصْفَ هو بَيْنَهُنَّ، وقِيلَ: بَيْنَ أزْواجِهِنَّ، أسْنانُهُنَّ كَأسْنانِهِمْ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ الآدَمِيّاتِ. وقالَ صاحِبُ الغُنْيانِ: حُورٌ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: (وهَذا ما يُوعَدُونَ)، بِياءِ الغَيْبَةِ، إذْ قَبْلَهُ (وعِنْدَهم) وباقِي السَّبْعَةِ: بِتاءِ الخِطابِ عَلى الِالتِفاتِ، والمَعْنى: هَذا ما وقَعَ بِهِ الوَعْدُ لِيَوْمِ الجَزاءِ. (إنَّ هَذا): أيْ: ما ذُكِرَ لِلْمُتَّقِينَ مِمّا تَقَدَّمَ، ﴿لَرِزْقُنا﴾ دائِمًا، أيْ: لا نَفادَ لَهُ. ﴿هَذا وإنَّ لِلطّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ﴾، قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: الأمْرُ هَذا، وقالَ أبُو عَلِيٍّ: هَذا لِلْمُؤْمِنِينَ، وقالَ أبُو البَقاءِ: مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ، أوْ خَبَرٌ مَحْذُوفُ المُبْتَدَأِ، والطّاغُونَ هُنا: الكُفّارُ؛ وقالَ الجُبّائِيُّ: أصْحابُ الكَبائِرِ كُفّارًا كانُوا أوْ لَمْ يَكُونُوا. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المَعْنى الَّذِينَ طَغَوْا عَلَيَّ، وكَذَّبُوا رُسُلِي لَهم شَرُّ مَآبٍ أيْ: مَرْجِعٍ ومَصِيرٍ. ﴿فَبِئْسَ المِهادُ﴾ أيْ: هي (هَذا) في مَوْضِعِ رَفْعِ مُبْتَدَأٍ خَبَرُهُ (جَهَنَّمَ)، ﴿وغَسّاقٌ﴾، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: العَذابُ هَذا، وحَمِيمٌ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ، أوْ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الِاشْتِغالِ، أيْ: لِيَذُوقُوا هَذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ، أيْ: هو حَمِيمٌ، أوْ مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ، أيْ: مِنهُ حَمِيمٌ ومِنهُ غَسّاقٌ، كَما قالَ الشّاعِرُ:(p-٤٠٦) ؎حَتّى إذا ما أضاءَ الصُّبْحُ في غَلَسٍ وغُودِرَ البَقْلُ مَلْوِيُّ ومَحْصُودُ أيْ: مِنهُ مَلْوِيٌّ ومِنهُ مَحْصُودٌ، وهَذِهِ الأعارِيبُ مَقُولَةٌ مَنقُولَةٌ. وقِيلَ: هَذا مُبْتَدَأٌ، و﴿فَلْيَذُوقُوهُ﴾ الخَبَرُ، وهَذا عَلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ في إجازَتِهِ: زَيْدٌ فاضْرِبْهُ، مُسْتَدِلًّا بِقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎وقائِلَةٍ خَوْلانُ فانْكِحْ فَتاتَهُمْ والغَسّاقُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: الزَّمْهَرِيرُ؛ وعَنْهُ أيْضًا، وعَنْ عَطاءٍ، وقَتادَةَ، وابْنِ زَيْدٍ: ما يَجْرِي مِن صَدِيدِ أهْلِ النّارِ. وعَنْ كَعْبٍ: عَيْنٌ في جَهَنَّمَ تَسِيلُ إلَيْها حُمَةُ كُلِّ ذِي حُمَةٍ مِن حَيَّةٍ أوْ عَقْرَبٍ أوْ غَيْرِهِما، يُغْمَسُ فِيها فَيَتَساقَطُ الجِلْدُ واللَّحْمُ عَنِ العَظْمِ. وعَنِ السُّدِّيِّ: ما يَسِيلُ مِن دُمُوعِهِمْ، وعَنِ ابْنِ عُمَرَ: القَيْحُ يَسِيلُ مِنهم فَيُسْقَوْنَهُ. وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ، وقَتادَةُ، وابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ، والفَضْلُ، وابْنُ سَعْدانَ، وهارُونُ عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِتَشْدِيدِ السِّينِ. فَإنْ كانَ صِفَةً، فَيَكُونُ مِمّا حُذِفَ مَوْصُوفُها، وإنْ كانَ اسْمًا، فَفَعّالٌ قَلِيلٌ في الأسْماءِ، جاءَ مِنهُ: الكَلّاءُ، والجَبّانُ، والفَنّادُ، والعَقّارُ، والخَطّارُ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ: بِتَخْفِيفِ السِّينِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (وآخَرُ) عَلى الإفْرادِ، فَقِيلَ: مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: ولَهم عَذابٌ آخَرُ. وقِيلَ: خَبَرُهُ في الجُمْلَةِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: (أزْواجٌ) مُبْتَدَأٌ، و﴿مِن شَكْلِهِ﴾ خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ خَبَرُ (وآخَرُ) . وقِيلَ: خَبَرُهُ (أزْواجٌ) و﴿مِن شَكْلِهِ﴾ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ، وجازَ أنْ يُخْبَرَ بِالجَمْعِ عَنِ الواحِدِ مِن حَيْثُ هو دَرَجاتٌ ورُتَبٌ مِنَ العَذابِ، أوْ سَمّى كُلَّ جُزْءٍ مِن ذَلِكَ الآخَرِ بِاسْمِ الكُلِّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (وآخَرُ) أيْ: وعَذابٌ آخَرُ، أوْ مَذُوقٌ آخَرُ؛ وأزْواجٌ صِفَةُ آخَرَ؛ لِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضُرُوبًا أوْ صِفَةً لِلثَّلاثَةِ، وهي: ﴿حَمِيمٌ وغَسّاقٌ﴾ ﴿وآخَرُ مِن شَكْلِهِ﴾ . انْتَهى. وهُوَ إعْرابٌ أخَذَهُ مِنَ الفَرّاءِ. وقَرَأ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، والجَحْدَرِيُّ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وعِيسى، وأبُو عَمْرٍو: (وأُخَرُ) عَلى الجَمْعِ، وهو مُبْتَدَأٌ، (ومِن شَكْلِهِ) في مَوْضِعِ الصِّفَةِ؛ ﴿وأزْواجٌ﴾ [آل عمران: ١٥] خَبَرُهُ، أيْ: ومَذُوقًا آخَرُ مِن شَكْلِ هَذا المَذُوقِ مِن مِثْلِهِ في الشِّدَّةِ والفَظاعَةِ. (أزْواجٌ): أجْناسٌ. وقَرَأ مُجاهِدٌ: ﴿مِن شَكْلِهِ﴾ بِكَسْرِ الشِّينِ؛ والجُمْهُورُ: بِفَتْحِها، وهُما لُغَتانِ بِمَعْنى المِثْلِ والضَّرْبِ. وأمّا إذا كانَ بِمَعْنى الفَتْحِ، فَبِكَسْرِ الشِّينِ لا غَيْرَ. وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: ﴿وآخَرُ مِن شَكْلِهِ﴾: هو الزَّمْهَرِيرُ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿هَذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ﴾ )، مِن قَوْلِ رُؤَسائِهِمْ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، والفَوْجُ: الجَمْعُ الكَثِيرُ، ﴿مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ﴾ أيِ: النّارَ، وهُمُ الأتْباعُ، ثُمَّ دَعَوْا عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِمْ: ﴿لا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾؛ لِأنَّ الرَّئِيسَ إذا رَأى الخَسِيسَ قَدْ قُرِنَ مَعَهُ في العَذابِ، ساءَهُ ذَلِكَ حَيْثُ وقَعَ التَّساوِي في العَذابِ، ولَمْ يَكُنْ هو السّالِمُ مِنَ العَذابِ وأتْباعُهُ في العَذابِ. و(مَرْحَبًا) مَعْناهُ: ائْتِ رَحْبًا وسَعَةً لا ضَيِّقًا، وهو مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ يَجِبُ إضْمارُهُ، ولِأنَّ عُلُوَّهم بَيانٌ لِلْمَدْعُوِّ عَلَيْهِمْ. وقِيلَ: ﴿هَذا فَوْجٌ﴾، مِن كَلامِ المَلائِكَةِ خَزَنَةِ النّارِ؛ وأنَّ الدُّعاءَ عَلى الفَوْجِ والتَّعْلِيلَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهم صالُوا النّارِ﴾، مِن كَلامِهِمْ. وقِيلَ: ﴿هَذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ﴾، مِن كَلامِ المَلائِكَةِ، والدُّعاءُ عَلى الفَوْجِ والإخْبارُ بِأنَّهم صالُوا النّارِ مِن كَلامِ الرُّؤَساءِ المَتْبُوعِينَ. (قالُوا) أيِ: الفَوْجُ: ﴿لا مَرْحَبًا بِكُمْ﴾، رَدٌّ عَلى الرُّؤَساءِ ما دَعَوْا بِهِ عَلَيْهِمْ. ثُمَّ ذَكَرُوا أنَّ ما وقَعُوا فِيهِ مِنَ العَذابِ وصَلْيِ النّارِ، إنَّما هو بِما ألْقَيْتُمْ إلَيْنا وزَيَّنْتُمُوهُ مِنَ الكُفْرِ، فَكَأنَّكم قَدَّمْتُمْ لَنا العَذابَ أوِ الصَّلْيَ. وإذا كانَ ﴿لا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾ مِن كَلامِ الخَزَنَةِ فَلَمْ يَجِئِ التَّرْكِيبُ: قالُوا بَلْ هَؤُلاءِ لا مَرْحَبًا بِهِمْ، بَلْ جاءَ بِخِطابِ الأتْباعِ لِلرُّؤَساءِ، لِتَكُونَ المُواجَهَةُ لِمَن كانُوا لا يَقْدِرُونَ عَلى مُواجَهَتِهِمْ في الدُّنْيا بِقَبِيحٍ أشَفى لِصُدُورِهِمْ، حَيْثُ تَسَبَّبُوا في كُفْرِهِمْ، وأنْكى لِلرُّؤَساءِ. ﴿فَبِئْسَ القَرارُ﴾: أيِ: النّارُ؛ وهَذِهِ المُرادَةُ والدُّعاءُ كَقَوْلِهِ: ﴿كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها﴾ [الأعراف: ٣٨] . ولَمْ يَكْتَفِ الأتْباعُ بِرَدِّ الدُّعاءِ عَلى رُؤَسائِهِمْ، ولا بِمُواجَهَتِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿أنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا﴾، حَتّى سَألُوا مِنَ اللَّهِ أنْ يَزِيدَ رُؤَساءَهم ضِعْفًا مِنَ النّارِ، والمَعْنى: مَن حَمَلَنا عَلى عَمَلِ السُّوءِ حَتّى صارَ جَزاءُنا النّارَ، ﴿فَزِدْهُ عَذابًا ضِعْفًا﴾، كَما جاءَ في قَوْلِ الأتْباعِ: ﴿رَبَّنا آتِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦٨]، أيْ: ساداتَهم ﴿ضِعْفَيْنِ مِنَ العَذابِ﴾ [الأحزاب: ٦٨]، ﴿رَبَّنا هَؤُلاءِ أضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذابًا ضِعْفًا مِنَ النّارِ﴾ [الأعراف: ٣٨] . (p-٤٠٧)ولَمّا كانَ الرُّؤَساءُ ضُلّالًا في أنْفُسِهِمْ، وأضَلُّوا أتْباعَهم، ناسَبَ أنْ يَدْعُوا عَلَيْهِمْ بِأنْ يَزِيدَهم ضِعْفًا، كَما جاءَ: «فَعَلَيْهِ وِزْرُها ووِزْرُ مَن عَمِلَ بِها إلى يَوْمِ القِيامَةِ» فَعَلى هَذا الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: (قالُوا) لِلْأتْباعِ. و﴿مَن قَدَّمَ﴾: هُمُ الرُّؤَساءُ. وقالَ ابْنُ السّائِبِ: ﴿قالُوا رَبَّنا﴾ إلى آخِرِهِ، قَوْلُ جَمِيعِ أهْلِ النّارِ. وقالَ الضَّحّاكُ: ﴿مَن قَدَّمَ﴾، هو إبْلِيسُ وقابِيلُ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: الضِّعْفُ حَيّاتٌ وعَقارِبُ. (وقالُوا) أيْ: أشْرافُ الكُفّارِ، ﴿ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنّا نَعُدُّهم مِنَ الأشْرارِ﴾ أيِ: الأرْذالِ الَّذِينَ لا خَيْرَ فِيهِمْ، ولَيْسُوا عَلى دِينِنا، كَما قالَ: ﴿وما نَراكَ اتَّبَعَكَ إلّا الَّذِينَ هم أراذِلُنا﴾ [هود: ٢٧] . ورُوِيَ أنَّ القائِلِينَ مِن كُفّارِ عَصْرِ الرَّسُولِ ﷺ، هم: أبُو جَهْلٍ، وأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، وأصْحابُ القَلِيبِ، والَّذِينَ لَمْ يَرَوْهم: عَمّارٌ، وصُهَيْبٌ، وسَلْمانُ، ومَن جَرى مَجْراهم، قالَهُ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ. قِيلَ: يَسْألُونَ أيْنَ عَمّارٌ ؟ أيْنَ صُهَيْبٌ ؟ أيْنَ فُلانٌ ؟ يَعُدُّونَ ضُعَفاءَ المُسْلِمِينَ، فَيُقالُ لَهم: أُولَئِكَ في الفِرْدَوْسِ. وقَرَأ النَّحْوِيّانِ، وحَمْزَةُ: (اتَّخَذْناهم) وصْلًا، فَقالَ أبُو حاتِمٍ، والزَّمَخْشَرِيُّ، وابْنُ عَطِيَّةَ: صِفَةٌ لِرِجالٍ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿كُنّا نَعُدُّهم مِنَ الأشْرارِ﴾ . وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: حالٌ، أيْ: وقَدِ اتَّخَذْناهم. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، والأعْرَجُ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، وباقِي السَّبْعَةِ: بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، لِتَقْرِيرِ أنْفُسِهِمْ عَلى هَذا، عَلى جِهَةِ التَّوْبِيخِ لَها والأسَفِ، أيِ: اتَّخَذْناهم سِخْرِيًّا، ولَمْ يَكُونُوا كَذَلِكَ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وأصْحابُهُ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، والأعْرَجُ، ونافِعٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: (سُخْرِيًّا)، بِضَمِّ السِّينِ، ومَعْناها مِنَ السُّخْرَةِ والِاسْتِخْدامِ. وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ، وعِيسى، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وباقِي السَّبْعَةِ: بِكَسْرِ السِّينِ، ومَعْناها: المَشْهُورُ مِنَ السُّخْرِ، وهو الهُزْءُ. قالَ الشّاعِرُ: ؎إنِّي أتانِي لِسانٌ لا أُسَرُّ بِها ∗∗∗ مِن عَلْوَ لا كَذِبٌ فِيها ولا سَخَرُ وقِيلَ: بِكَسْرِ السِّينِ مِنَ التَّسْخِيرِ. وأمْ، إنْ كانَ اتَّخَذْناهُمُ اسْتِفْهامًا إمّا مُصَرَّحًا بِهَمْزَتِهِ كَقِراءَةِ مَن قَرَأ كَذَلِكَ، أوْ مُؤَوَّلًا بِالِاسْتِفْهامِ، وحُذِفَتِ الهَمْزَةُ لِلدَّلالَةِ. فالظّاهِرُ أنَّها مُتَّصِلَةٌ لِتَقَدُّمِ الهَمْزَةِ، والمَعْنى أيُّ الفِعْلَيْنِ فَعَلْنا بِهِمْ، الِاسْتِسْخارُ مِنهم أمِ ازْدِراؤُهم وتَحْقِيرُهم ؟ وإنَّ أبْصارَنا كانَتْ تَعْلُو عَنْهم وتَقْتَحِمُ. ويَكُونُ اسْتِفْهامًا عَلى مَعْنى الإنْكارِ عَلى أنْفُسِهِمْ، لِلِاسْتِسْخارِ والزَّيْغِ جَمِيعًا. وقالَ الحَسَنُ: كُلُّ ذَلِكَ قَدْ فَعَلُوا، اتَّخَذُوهم سِخْرِيًّا، وزاغَتْ عَنْهم أبْصارُهم مُحَقِّرَةً لَهم. وأنَّ (اتَّخَذْناهم) لَيْسَ اسْتِفْهامًا، فَأمْ مُنْقَطِعَةٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُنْقَطِعَةً أيْضًا مَعَ تَقَدُّمِ الِاسْتِفْهامِ، يَكُونُ كَقَوْلِكِ: أزَيْدٌ عِنْدَكَ أمْ عِنْدَكَ عَمْرٌو ؟ واسْتَفْهَمْتَ عَنْ زَيْدٍ، ثُمَّ أضْرَبْتَ عَنْ ذَلِكَ واسْتَفْهَمْتَ عَنْ عَمْرٍو، فالتَّقْدِيرُ: بَلْ أزاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصارُ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهم: ﴿أمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصارُ﴾ لَهُ تَعَلُّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ما لَنا لا نَرى رِجالًا﴾؛ لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ أوَّلًا دَلَّ عَلى انْتِفاءِ رُؤْيَتِهِمْ إيّاهم، وذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّهم لَيْسُوا مَعَهُ، ثُمَّ جَوَّزُوا أنْ يَكُونُوا مَعَهُ، ولَكِنَّ أبْصارَهم لَمْ تَرَهم. (إنَّ ذَلِكَ أيِ: التَّفاوُضُ الَّذِي حَكَيْناهُ عَنْهم، ( لَحَقٌّ) أيْ: ثابِتٌ واقِعٌ لا بُدَّ أنْ يَجْرِيَ بَيْنَهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿تَخاصُمُ﴾ بِالرَّفْعِ مُضافًا إلى أهْلِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: بَدَلٌ مِن (لَحَقٌّ) . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بَيَّنَ ما هو فَقالَ: ﴿تَخاصُمُ﴾ مُنَوَّنًا، (أهْلُ) رُفِعا بِالمَصْدَرِ المُنَوَّنِ، ولا يُجِيزُ ذَلِكَ الفَرّاءُ، ويُجِيزُهُ سِيبَوَيْهِ والبَصْرِيُّونَ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ﴿تَخاصُمَ أهْلِ﴾، بِنَصْبِ المِيمِ وجَرِّ أهْلِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِذَلِكَ؛ لِأنَّ أسْماءَ الإشارَةِ تُوصَفُ بِأسْماءِ الأجْناسِ. وفِي كِتابِ اللَّوامِحِ: ولَوْ نُصِبَ ﴿تَخاصُمُ أهْلِ النّارِ﴾، لَجازَ عَلى البَدَلِ مِن ذَلِكَ. وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْقَعِ: ﴿تَخاصُمُ﴾: فِعْلًا ماضِيًا، (أهْلُ): فاعِلًا، وسَمّى تَعالى تِلْكَ المُفاوَضَةَ الَّتِي جَرَتْ بَيْنَ رُؤَساءِ الكُفّارِ وأتْباعِهِمْ تَخاصُمًا؛ لِأنَّ قَوْلَهم: ﴿لا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾، وقَوْلَ الأتْباعِ: ﴿بَلْ أنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكُمْ﴾، هو مِن بابِ الخُصُومَةِ، فَسَمّى التَّفاوُضَ كُلَّهُ تَخاصُمًا لِاسْتِعْمالِهِ عَلَيْهِ. (قُلْ): يا مُحَمَّدُ، ﴿إنَّما أنا مُنْذِرٌ﴾ أيْ: مُنْذِرُ المُشْرِكِينَ بِالعَذابِ، وأنَّ اللَّهَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، لا نِدَّ لَهُ ولا شَرِيكَ، وهو الواحِدُ القَهّارُ لِكُلِّ شَيْءٍ، وأنَّهُ مالِكُ العالَمِ، عُلْوِهِ وسُفْلِهِ، (p-٤٠٨)العَزِيزُ الَّذِي لا يُغالَبُ، الغَفّارُ لِذُنُوبِ مَن آمَنَ بِهِ واتَّبَعَ لِدِينِهِ.

ص 38:54

﴿هَذا ذِكْرٌ وإنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ﴾ ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الأبْوابُ﴾ ﴿مُتَّكِئِينَ فِيها يَدْعُونَ فِيها بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وشَرابٍ﴾ ﴿وعِنْدَهم قاصِراتُ الطَّرْفِ أتْرابٌ﴾ ﴿هَذا ما تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الحِسابِ﴾ ﴿إنَّ هَذا لَرِزْقُنا ما لَهُ مِن نَفادٍ﴾ ﴿هَذا وإنَّ لِلطّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ﴾ ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ المِهادُ﴾ ﴿هَذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وغَسّاقٌ﴾ ﴿وآخَرُ مِن شَكْلِهِ أزْواجٌ﴾ ﴿هَذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكم لا مَرْحَبًا بِهِمْ إنَّهم صالُوا النّارِ﴾ ﴿قالُوا بَلْ أنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكم أنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا فَبِئْسَ القَرارُ﴾ ﴿قالُوا رَبَّنا مَن قَدَّمَ لَنا هَذا فَزِدْهُ عَذابًا ضِعْفًا في النّارِ﴾ ﴿وقالُوا ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنّا نَعُدُّهم مِنَ الأشْرارِ﴾ ﴿أأتَّخَذْناهم سِخْرِيًّا أمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصارُ﴾ ﴿إنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أهْلِ النّارِ﴾ ﴿قُلْ إنَّما أنا مُنْذِرٌ وما مِن إلَهٍ إلّا اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ ﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما العَزِيزُ الغَفّارُ﴾ (p-٤٠٤)لَمّا أمَرَهُ تَعالى بِالصَّبْرِ عَلى سَفاهَةِ قَوْمِهِ، وذَكَرَ جُمْلَةً مِنَ الأنْبِياءِ وأحْوالِهِمْ، ذَكَرَ ما يَئُولُ إلَيْهِ حالُ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ مِنَ الجَزاءِ، ومَقَرُّ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الفَرِيقَيْنِ. ولَمّا كانَ ما يَذْكُرُهُ نَوْعًا مِن أنْواعِ التَّنْزِيلِ، قالَ: (هَذا ذِكْرٌ)، كَأنَّهُ فَصَلَ بَيْنَ ما قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ. ألا تَرى أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ أهْلَ الجَنَّةِ، وأعْقَبَهُ بِذِكْرِ أهْلِ النّارِ قالَ: (﴿هَذا وإنَّ لِلطّاغِينَ﴾ ؟ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَذا ذِكْرُ مَن مَضى مِنَ الأنْبِياءِ. وقِيلَ: ( هَذا ذِكْرٌ): أيْ: شَرَفٌ تُذْكَرُونَ بِهِ أبَدًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (جَنّاتِ) بِالنَّصْبِ، وهو بَدَلٌ، فَإنْ كانَ (عَدْنٍ) عَلَمًا، فَبَدَلُ مَعْرِفَةٍ مِن نَكَرَةٍ؛ وإنْ كانَ نَكِرَةً، فَبَدَلُ نَكِرَةٍ مِن نَكِرَةٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ مَعْرِفَةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وعَدَ الرَّحْمَنُ﴾ [مريم: ٦١]، وانْتِصابُها عَلى أنَّها عَطْفُ بَيانٍ بِـ(حُسْنَ مَآبٍ) و﴿مُفَتَّحَةً﴾ حالٌ، والعامِلُ فِيها ما في المُتَّقِينَ مِن مَعْنى الفِعْلِ. وفي ﴿مُفَتَّحَةً﴾ ضَمِيرُ الجَنّاتِ، والأبْوابُ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ تَقْدِيرُهُ: مُفَتَّحَةً هي الأبْوابُ لِقَوْلِهِمْ: ضُرِبَ زَيْدٌ اليَدُ والرِّجْلُ، وهو مِن بَدَلِ الِاشْتِمالِ. انْتَهى. ولا يَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ مَعْرِفَةً بِالدَّلِيلِ الَّذِي اسْتَدَلَّ بِهِ وهو قَوْلُهُ: ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي﴾ [مريم: ٦١]؛ لِأنَّهُ اعْتَقَدَ أنَّ الَّتِي صِفَةٌ لِجَنّاتِ عَدْنٍ، ولا يَتَعَيَّنُ ما ذَكَرَهُ، إذْ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الَّتِي بَدَلًا مِن جَنّاتِ عَدْنٍ. ألا تَرى أنَّ الَّذِي والَّتِي وجُمُوعَهُما تُسْتَعْمَلُ اسْتِعْمالَ الأسْماءِ، فَتَلِي (p-٤٠٥)العَوامِلَ، ولا يَلْزَمُ أنْ تَكُونَ صِفَةً ؟ وأمّا انْتِصابُها عَلى أنَّها عَطْفُ بَيانٍ فَلا يَجُوزُ؛ لِأنَّ النَّحْوِيِّينَ في ذَلِكَ عَلى مَذْهَبَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا في المَعارِفِ، فَلا يَكُونُ عَطْفُ البَيانِ إلّا تابِعًا لِمَعْرِفَةٍ، وهو مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ. والثّانِي: أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ في النَّكِراتِ، فَيَكُونُ عَطْفُ البَيانِ تابِعًا لِنَكِرَةٍ، كَما تَكُونُ المَعْرِفَةُ فِيهِ تابِعَةً لِمَعْرِفَةٍ، وهَذا مَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ، وتَبِعَهُمُ الفارِسِيُّ. وأمّا تَخالُفُهُما في التَّنْكِيرِ والتَّعْرِيفِ فَلَمْ يَذْهَبْ إلَيْهِ أحَدٌ سِوى هَذا المُصَنِّفِ. وقَدْ أجازَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿مَقامِ إبْراهِيمَ﴾ [البقرة: ١٢٥]، فَأعْرَبَهُ عَطْفَ بَيانٍ تابِعًا لِنَكِرَةٍ، وهو ﴿آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ [البقرة: ٩٩]، و﴿مَقامِ إبْراهِيمَ﴾ [البقرة: ١٢٥] مَعْرِفَةٌ، وقَدْ رَدَدْنا عَلَيْهِ ذَلِكَ في مَوْضِعِهِ في آلِ عِمْرانَ. وأمّا قَوْلُهُ: وفي ﴿مُفَتَّحَةً﴾ ضَمِيرُ الجَنّاتِ، فَجُمْهُورُ النَّحْوِيِّينَ أعْرَبُوا الأبْوابَ مَفْعُولًا لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ. وجاءَ أبُو عَلِيٍّ فَقالَ: إذا كانَ كَذَلِكَ، لَمْ يَكُنْ في ذَلِكَ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى جَنّاتِ عَدْنٍ مِنَ الحالِيَّةِ إنْ أعْرَبَ مُفَتَّحَةً حالًا، أوْ مِنَ النَّعْتِ إنْ أعْرَبَ نَعْتًا لِـ(جَنّاتِ عَدْنٍ)، فَقالَ: في ﴿مُفَتَّحَةً﴾ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى الجَنّاتِ حَتّى تَرْتَبِطَ الحالُ بِصاحِبِها، أوِ النَّعْتُ بِمَنعُوتِهِ، والأبْوابُ بَدَلٌ. وقالَ: مَن أعْرَبَ الأبْوابَ مَفْعُولًا لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ العائِدُ عَلى الجَنّاتِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: الأبْوابُ مِنها. وألْزَمَ أبُو عَلِيٍّ البَدَلَ في مِثْلِ هَذا لا بُدَّ فِيهِ مِنَ الضَّمِيرِ، إمّا مَلْفُوظًا بِهِ، أوْ مُقَدَّرًا. وإذا كانَ الكَلامُ مُحْتاجًا إلى تَقْدِيرٍ واحِدٍ، كانَ أوْلى مِمّا يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرَيْنِ. وأمّا الكُوفِيُّونَ، فالرّابِطُ عِنْدَهم هو ألْ لِمَقامِهِ مَقامَ الضَّمِيرِ، فَكَأنَّهُ قالَ: مُفَتِّحَةً لَهم أبْوابُها. وأمّا قَوْلُهُ: وهو مِن بَدَلِ الِاشْتِمالِ، فَإنْ عَنى بِقَوْلِهِ: وهو قَوْلُهُ اليَدُ والرِّجْلُ، فَهو وهْمٌ، وإنَّما هو بَدَلُ بَعْضٍ مِن كُلٍّ. وإنْ عَنى الأبْوابَ، فَقَدْ يَصِحُّ؛ لِأنَّ أبْوابَ الجَنّاتِ لَيْسَتْ بَعْضًا مِنَ الجَنّاتِ. وأمّا تَشْبِيهُهُ ما قَدَّرَهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿مُفَتَّحَةً﴾ هي الأبْوابُ، بِقَوْلِهِمْ: ضُرِبَ زَيْدٌ اليَدُ والرِّجْلُ، فَوَجْهُهُ أنَّ الأبْوابَ بَدَلٌ مِن ذَلِكَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ، كَما أنَّ اليَدَ والرِّجْلَ بَدَلٌ مِنَ الظّاهِرِ الَّذِي هو زَيْدٌ. وقالَ أبُو إسْحاقَ، وتَبِعَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ: ﴿مُفَتَّحَةً﴾ نَعْتٌ لِجَنّاتِ عَدْنٍ. وقالَ الحَوْفِيُّ: ﴿مُفَتَّحَةً﴾ حالٌ، والعامِلُ فِيها مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ المَعْنى، تَقْدِيرُهُ: يَدْخُلُونَها. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رُفَيْعٍ، وأبُو حَيْوَةَ: ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ مُفَتَّحَةٌ﴾، بِرَفْعِ التّاءَيْنِ: مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، أوْ كُلٌّ مِنهُما خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هو جَنّاتُ عَدْنٍ هي مُفَتَّحَةٌ. والِاتِّكاءُ: مِن هَيْئاتِ أهْلِ السَّعادَةِ، ﴿يَدْعُونَ فِيها﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ عِنْدَهم مَن يَسْتَخْدِمُونَهُ فِيما يَسْتَدْعُونَ، كَقَوْلِهِ: ﴿ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ [الإنسان: ١٩] . ولَمّا كانَتِ الفاكِهَةُ يَتَنَوَّعُ وصْفُها بِالكَثْرَةِ، وكَثْرَتُها بِاخْتِلافِ أنْواعِها، وكَثْرَةُ كُلِّ نَوْعٍ مِنها؛ ولَمّا كانَ الشَّرابُ نَوْعًا واحِدًا وهو الخَمْرُ، أُفْرِدَ. ﴿وعِنْدَهم قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ . قالَ قَتادَةُ: مَعْناهُ عَلى أزْواجِهِنَّ، ﴿أتْرابٌ﴾: أيْ: أمْثالٌ عَلى سِنٍّ واحِدَةٍ، وأصْلُهُ في بَنِي آدَمَ لِكَوْنِهِمْ مَسَّ أجْسادَهُمُ التُّرابُ في وقْتٍ واحِدٍ، والأقْرانُ أثْبَتُ في التَّحابِّ. والظّاهِرُ أنَّ هَذا الوَصْفَ هو بَيْنَهُنَّ، وقِيلَ: بَيْنَ أزْواجِهِنَّ، أسْنانُهُنَّ كَأسْنانِهِمْ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ الآدَمِيّاتِ. وقالَ صاحِبُ الغُنْيانِ: حُورٌ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: (وهَذا ما يُوعَدُونَ)، بِياءِ الغَيْبَةِ، إذْ قَبْلَهُ (وعِنْدَهم) وباقِي السَّبْعَةِ: بِتاءِ الخِطابِ عَلى الِالتِفاتِ، والمَعْنى: هَذا ما وقَعَ بِهِ الوَعْدُ لِيَوْمِ الجَزاءِ. (إنَّ هَذا): أيْ: ما ذُكِرَ لِلْمُتَّقِينَ مِمّا تَقَدَّمَ، ﴿لَرِزْقُنا﴾ دائِمًا، أيْ: لا نَفادَ لَهُ. ﴿هَذا وإنَّ لِلطّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ﴾، قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: الأمْرُ هَذا، وقالَ أبُو عَلِيٍّ: هَذا لِلْمُؤْمِنِينَ، وقالَ أبُو البَقاءِ: مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ، أوْ خَبَرٌ مَحْذُوفُ المُبْتَدَأِ، والطّاغُونَ هُنا: الكُفّارُ؛ وقالَ الجُبّائِيُّ: أصْحابُ الكَبائِرِ كُفّارًا كانُوا أوْ لَمْ يَكُونُوا. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المَعْنى الَّذِينَ طَغَوْا عَلَيَّ، وكَذَّبُوا رُسُلِي لَهم شَرُّ مَآبٍ أيْ: مَرْجِعٍ ومَصِيرٍ. ﴿فَبِئْسَ المِهادُ﴾ أيْ: هي (هَذا) في مَوْضِعِ رَفْعِ مُبْتَدَأٍ خَبَرُهُ (جَهَنَّمَ)، ﴿وغَسّاقٌ﴾، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: العَذابُ هَذا، وحَمِيمٌ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ، أوْ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الِاشْتِغالِ، أيْ: لِيَذُوقُوا هَذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ، أيْ: هو حَمِيمٌ، أوْ مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ، أيْ: مِنهُ حَمِيمٌ ومِنهُ غَسّاقٌ، كَما قالَ الشّاعِرُ:(p-٤٠٦) ؎حَتّى إذا ما أضاءَ الصُّبْحُ في غَلَسٍ وغُودِرَ البَقْلُ مَلْوِيُّ ومَحْصُودُ أيْ: مِنهُ مَلْوِيٌّ ومِنهُ مَحْصُودٌ، وهَذِهِ الأعارِيبُ مَقُولَةٌ مَنقُولَةٌ. وقِيلَ: هَذا مُبْتَدَأٌ، و﴿فَلْيَذُوقُوهُ﴾ الخَبَرُ، وهَذا عَلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ في إجازَتِهِ: زَيْدٌ فاضْرِبْهُ، مُسْتَدِلًّا بِقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎وقائِلَةٍ خَوْلانُ فانْكِحْ فَتاتَهُمْ والغَسّاقُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: الزَّمْهَرِيرُ؛ وعَنْهُ أيْضًا، وعَنْ عَطاءٍ، وقَتادَةَ، وابْنِ زَيْدٍ: ما يَجْرِي مِن صَدِيدِ أهْلِ النّارِ. وعَنْ كَعْبٍ: عَيْنٌ في جَهَنَّمَ تَسِيلُ إلَيْها حُمَةُ كُلِّ ذِي حُمَةٍ مِن حَيَّةٍ أوْ عَقْرَبٍ أوْ غَيْرِهِما، يُغْمَسُ فِيها فَيَتَساقَطُ الجِلْدُ واللَّحْمُ عَنِ العَظْمِ. وعَنِ السُّدِّيِّ: ما يَسِيلُ مِن دُمُوعِهِمْ، وعَنِ ابْنِ عُمَرَ: القَيْحُ يَسِيلُ مِنهم فَيُسْقَوْنَهُ. وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ، وقَتادَةُ، وابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ، والفَضْلُ، وابْنُ سَعْدانَ، وهارُونُ عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِتَشْدِيدِ السِّينِ. فَإنْ كانَ صِفَةً، فَيَكُونُ مِمّا حُذِفَ مَوْصُوفُها، وإنْ كانَ اسْمًا، فَفَعّالٌ قَلِيلٌ في الأسْماءِ، جاءَ مِنهُ: الكَلّاءُ، والجَبّانُ، والفَنّادُ، والعَقّارُ، والخَطّارُ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ: بِتَخْفِيفِ السِّينِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (وآخَرُ) عَلى الإفْرادِ، فَقِيلَ: مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: ولَهم عَذابٌ آخَرُ. وقِيلَ: خَبَرُهُ في الجُمْلَةِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: (أزْواجٌ) مُبْتَدَأٌ، و﴿مِن شَكْلِهِ﴾ خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ خَبَرُ (وآخَرُ) . وقِيلَ: خَبَرُهُ (أزْواجٌ) و﴿مِن شَكْلِهِ﴾ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ، وجازَ أنْ يُخْبَرَ بِالجَمْعِ عَنِ الواحِدِ مِن حَيْثُ هو دَرَجاتٌ ورُتَبٌ مِنَ العَذابِ، أوْ سَمّى كُلَّ جُزْءٍ مِن ذَلِكَ الآخَرِ بِاسْمِ الكُلِّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (وآخَرُ) أيْ: وعَذابٌ آخَرُ، أوْ مَذُوقٌ آخَرُ؛ وأزْواجٌ صِفَةُ آخَرَ؛ لِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضُرُوبًا أوْ صِفَةً لِلثَّلاثَةِ، وهي: ﴿حَمِيمٌ وغَسّاقٌ﴾ ﴿وآخَرُ مِن شَكْلِهِ﴾ . انْتَهى. وهُوَ إعْرابٌ أخَذَهُ مِنَ الفَرّاءِ. وقَرَأ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، والجَحْدَرِيُّ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وعِيسى، وأبُو عَمْرٍو: (وأُخَرُ) عَلى الجَمْعِ، وهو مُبْتَدَأٌ، (ومِن شَكْلِهِ) في مَوْضِعِ الصِّفَةِ؛ ﴿وأزْواجٌ﴾ [آل عمران: ١٥] خَبَرُهُ، أيْ: ومَذُوقًا آخَرُ مِن شَكْلِ هَذا المَذُوقِ مِن مِثْلِهِ في الشِّدَّةِ والفَظاعَةِ. (أزْواجٌ): أجْناسٌ. وقَرَأ مُجاهِدٌ: ﴿مِن شَكْلِهِ﴾ بِكَسْرِ الشِّينِ؛ والجُمْهُورُ: بِفَتْحِها، وهُما لُغَتانِ بِمَعْنى المِثْلِ والضَّرْبِ. وأمّا إذا كانَ بِمَعْنى الفَتْحِ، فَبِكَسْرِ الشِّينِ لا غَيْرَ. وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: ﴿وآخَرُ مِن شَكْلِهِ﴾: هو الزَّمْهَرِيرُ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿هَذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ﴾ )، مِن قَوْلِ رُؤَسائِهِمْ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، والفَوْجُ: الجَمْعُ الكَثِيرُ، ﴿مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ﴾ أيِ: النّارَ، وهُمُ الأتْباعُ، ثُمَّ دَعَوْا عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِمْ: ﴿لا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾؛ لِأنَّ الرَّئِيسَ إذا رَأى الخَسِيسَ قَدْ قُرِنَ مَعَهُ في العَذابِ، ساءَهُ ذَلِكَ حَيْثُ وقَعَ التَّساوِي في العَذابِ، ولَمْ يَكُنْ هو السّالِمُ مِنَ العَذابِ وأتْباعُهُ في العَذابِ. و(مَرْحَبًا) مَعْناهُ: ائْتِ رَحْبًا وسَعَةً لا ضَيِّقًا، وهو مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ يَجِبُ إضْمارُهُ، ولِأنَّ عُلُوَّهم بَيانٌ لِلْمَدْعُوِّ عَلَيْهِمْ. وقِيلَ: ﴿هَذا فَوْجٌ﴾، مِن كَلامِ المَلائِكَةِ خَزَنَةِ النّارِ؛ وأنَّ الدُّعاءَ عَلى الفَوْجِ والتَّعْلِيلَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهم صالُوا النّارِ﴾، مِن كَلامِهِمْ. وقِيلَ: ﴿هَذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ﴾، مِن كَلامِ المَلائِكَةِ، والدُّعاءُ عَلى الفَوْجِ والإخْبارُ بِأنَّهم صالُوا النّارِ مِن كَلامِ الرُّؤَساءِ المَتْبُوعِينَ. (قالُوا) أيِ: الفَوْجُ: ﴿لا مَرْحَبًا بِكُمْ﴾، رَدٌّ عَلى الرُّؤَساءِ ما دَعَوْا بِهِ عَلَيْهِمْ. ثُمَّ ذَكَرُوا أنَّ ما وقَعُوا فِيهِ مِنَ العَذابِ وصَلْيِ النّارِ، إنَّما هو بِما ألْقَيْتُمْ إلَيْنا وزَيَّنْتُمُوهُ مِنَ الكُفْرِ، فَكَأنَّكم قَدَّمْتُمْ لَنا العَذابَ أوِ الصَّلْيَ. وإذا كانَ ﴿لا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾ مِن كَلامِ الخَزَنَةِ فَلَمْ يَجِئِ التَّرْكِيبُ: قالُوا بَلْ هَؤُلاءِ لا مَرْحَبًا بِهِمْ، بَلْ جاءَ بِخِطابِ الأتْباعِ لِلرُّؤَساءِ، لِتَكُونَ المُواجَهَةُ لِمَن كانُوا لا يَقْدِرُونَ عَلى مُواجَهَتِهِمْ في الدُّنْيا بِقَبِيحٍ أشَفى لِصُدُورِهِمْ، حَيْثُ تَسَبَّبُوا في كُفْرِهِمْ، وأنْكى لِلرُّؤَساءِ. ﴿فَبِئْسَ القَرارُ﴾: أيِ: النّارُ؛ وهَذِهِ المُرادَةُ والدُّعاءُ كَقَوْلِهِ: ﴿كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها﴾ [الأعراف: ٣٨] . ولَمْ يَكْتَفِ الأتْباعُ بِرَدِّ الدُّعاءِ عَلى رُؤَسائِهِمْ، ولا بِمُواجَهَتِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿أنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا﴾، حَتّى سَألُوا مِنَ اللَّهِ أنْ يَزِيدَ رُؤَساءَهم ضِعْفًا مِنَ النّارِ، والمَعْنى: مَن حَمَلَنا عَلى عَمَلِ السُّوءِ حَتّى صارَ جَزاءُنا النّارَ، ﴿فَزِدْهُ عَذابًا ضِعْفًا﴾، كَما جاءَ في قَوْلِ الأتْباعِ: ﴿رَبَّنا آتِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦٨]، أيْ: ساداتَهم ﴿ضِعْفَيْنِ مِنَ العَذابِ﴾ [الأحزاب: ٦٨]، ﴿رَبَّنا هَؤُلاءِ أضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذابًا ضِعْفًا مِنَ النّارِ﴾ [الأعراف: ٣٨] . (p-٤٠٧)ولَمّا كانَ الرُّؤَساءُ ضُلّالًا في أنْفُسِهِمْ، وأضَلُّوا أتْباعَهم، ناسَبَ أنْ يَدْعُوا عَلَيْهِمْ بِأنْ يَزِيدَهم ضِعْفًا، كَما جاءَ: «فَعَلَيْهِ وِزْرُها ووِزْرُ مَن عَمِلَ بِها إلى يَوْمِ القِيامَةِ» فَعَلى هَذا الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: (قالُوا) لِلْأتْباعِ. و﴿مَن قَدَّمَ﴾: هُمُ الرُّؤَساءُ. وقالَ ابْنُ السّائِبِ: ﴿قالُوا رَبَّنا﴾ إلى آخِرِهِ، قَوْلُ جَمِيعِ أهْلِ النّارِ. وقالَ الضَّحّاكُ: ﴿مَن قَدَّمَ﴾، هو إبْلِيسُ وقابِيلُ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: الضِّعْفُ حَيّاتٌ وعَقارِبُ. (وقالُوا) أيْ: أشْرافُ الكُفّارِ، ﴿ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنّا نَعُدُّهم مِنَ الأشْرارِ﴾ أيِ: الأرْذالِ الَّذِينَ لا خَيْرَ فِيهِمْ، ولَيْسُوا عَلى دِينِنا، كَما قالَ: ﴿وما نَراكَ اتَّبَعَكَ إلّا الَّذِينَ هم أراذِلُنا﴾ [هود: ٢٧] . ورُوِيَ أنَّ القائِلِينَ مِن كُفّارِ عَصْرِ الرَّسُولِ ﷺ، هم: أبُو جَهْلٍ، وأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، وأصْحابُ القَلِيبِ، والَّذِينَ لَمْ يَرَوْهم: عَمّارٌ، وصُهَيْبٌ، وسَلْمانُ، ومَن جَرى مَجْراهم، قالَهُ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ. قِيلَ: يَسْألُونَ أيْنَ عَمّارٌ ؟ أيْنَ صُهَيْبٌ ؟ أيْنَ فُلانٌ ؟ يَعُدُّونَ ضُعَفاءَ المُسْلِمِينَ، فَيُقالُ لَهم: أُولَئِكَ في الفِرْدَوْسِ. وقَرَأ النَّحْوِيّانِ، وحَمْزَةُ: (اتَّخَذْناهم) وصْلًا، فَقالَ أبُو حاتِمٍ، والزَّمَخْشَرِيُّ، وابْنُ عَطِيَّةَ: صِفَةٌ لِرِجالٍ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿كُنّا نَعُدُّهم مِنَ الأشْرارِ﴾ . وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: حالٌ، أيْ: وقَدِ اتَّخَذْناهم. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، والأعْرَجُ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، وباقِي السَّبْعَةِ: بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، لِتَقْرِيرِ أنْفُسِهِمْ عَلى هَذا، عَلى جِهَةِ التَّوْبِيخِ لَها والأسَفِ، أيِ: اتَّخَذْناهم سِخْرِيًّا، ولَمْ يَكُونُوا كَذَلِكَ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وأصْحابُهُ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، والأعْرَجُ، ونافِعٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: (سُخْرِيًّا)، بِضَمِّ السِّينِ، ومَعْناها مِنَ السُّخْرَةِ والِاسْتِخْدامِ. وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ، وعِيسى، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وباقِي السَّبْعَةِ: بِكَسْرِ السِّينِ، ومَعْناها: المَشْهُورُ مِنَ السُّخْرِ، وهو الهُزْءُ. قالَ الشّاعِرُ: ؎إنِّي أتانِي لِسانٌ لا أُسَرُّ بِها ∗∗∗ مِن عَلْوَ لا كَذِبٌ فِيها ولا سَخَرُ وقِيلَ: بِكَسْرِ السِّينِ مِنَ التَّسْخِيرِ. وأمْ، إنْ كانَ اتَّخَذْناهُمُ اسْتِفْهامًا إمّا مُصَرَّحًا بِهَمْزَتِهِ كَقِراءَةِ مَن قَرَأ كَذَلِكَ، أوْ مُؤَوَّلًا بِالِاسْتِفْهامِ، وحُذِفَتِ الهَمْزَةُ لِلدَّلالَةِ. فالظّاهِرُ أنَّها مُتَّصِلَةٌ لِتَقَدُّمِ الهَمْزَةِ، والمَعْنى أيُّ الفِعْلَيْنِ فَعَلْنا بِهِمْ، الِاسْتِسْخارُ مِنهم أمِ ازْدِراؤُهم وتَحْقِيرُهم ؟ وإنَّ أبْصارَنا كانَتْ تَعْلُو عَنْهم وتَقْتَحِمُ. ويَكُونُ اسْتِفْهامًا عَلى مَعْنى الإنْكارِ عَلى أنْفُسِهِمْ، لِلِاسْتِسْخارِ والزَّيْغِ جَمِيعًا. وقالَ الحَسَنُ: كُلُّ ذَلِكَ قَدْ فَعَلُوا، اتَّخَذُوهم سِخْرِيًّا، وزاغَتْ عَنْهم أبْصارُهم مُحَقِّرَةً لَهم. وأنَّ (اتَّخَذْناهم) لَيْسَ اسْتِفْهامًا، فَأمْ مُنْقَطِعَةٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُنْقَطِعَةً أيْضًا مَعَ تَقَدُّمِ الِاسْتِفْهامِ، يَكُونُ كَقَوْلِكِ: أزَيْدٌ عِنْدَكَ أمْ عِنْدَكَ عَمْرٌو ؟ واسْتَفْهَمْتَ عَنْ زَيْدٍ، ثُمَّ أضْرَبْتَ عَنْ ذَلِكَ واسْتَفْهَمْتَ عَنْ عَمْرٍو، فالتَّقْدِيرُ: بَلْ أزاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصارُ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهم: ﴿أمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصارُ﴾ لَهُ تَعَلُّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ما لَنا لا نَرى رِجالًا﴾؛ لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ أوَّلًا دَلَّ عَلى انْتِفاءِ رُؤْيَتِهِمْ إيّاهم، وذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّهم لَيْسُوا مَعَهُ، ثُمَّ جَوَّزُوا أنْ يَكُونُوا مَعَهُ، ولَكِنَّ أبْصارَهم لَمْ تَرَهم. (إنَّ ذَلِكَ أيِ: التَّفاوُضُ الَّذِي حَكَيْناهُ عَنْهم، ( لَحَقٌّ) أيْ: ثابِتٌ واقِعٌ لا بُدَّ أنْ يَجْرِيَ بَيْنَهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿تَخاصُمُ﴾ بِالرَّفْعِ مُضافًا إلى أهْلِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: بَدَلٌ مِن (لَحَقٌّ) . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بَيَّنَ ما هو فَقالَ: ﴿تَخاصُمُ﴾ مُنَوَّنًا، (أهْلُ) رُفِعا بِالمَصْدَرِ المُنَوَّنِ، ولا يُجِيزُ ذَلِكَ الفَرّاءُ، ويُجِيزُهُ سِيبَوَيْهِ والبَصْرِيُّونَ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ﴿تَخاصُمَ أهْلِ﴾، بِنَصْبِ المِيمِ وجَرِّ أهْلِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِذَلِكَ؛ لِأنَّ أسْماءَ الإشارَةِ تُوصَفُ بِأسْماءِ الأجْناسِ. وفِي كِتابِ اللَّوامِحِ: ولَوْ نُصِبَ ﴿تَخاصُمُ أهْلِ النّارِ﴾، لَجازَ عَلى البَدَلِ مِن ذَلِكَ. وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْقَعِ: ﴿تَخاصُمُ﴾: فِعْلًا ماضِيًا، (أهْلُ): فاعِلًا، وسَمّى تَعالى تِلْكَ المُفاوَضَةَ الَّتِي جَرَتْ بَيْنَ رُؤَساءِ الكُفّارِ وأتْباعِهِمْ تَخاصُمًا؛ لِأنَّ قَوْلَهم: ﴿لا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾، وقَوْلَ الأتْباعِ: ﴿بَلْ أنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكُمْ﴾، هو مِن بابِ الخُصُومَةِ، فَسَمّى التَّفاوُضَ كُلَّهُ تَخاصُمًا لِاسْتِعْمالِهِ عَلَيْهِ. (قُلْ): يا مُحَمَّدُ، ﴿إنَّما أنا مُنْذِرٌ﴾ أيْ: مُنْذِرُ المُشْرِكِينَ بِالعَذابِ، وأنَّ اللَّهَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، لا نِدَّ لَهُ ولا شَرِيكَ، وهو الواحِدُ القَهّارُ لِكُلِّ شَيْءٍ، وأنَّهُ مالِكُ العالَمِ، عُلْوِهِ وسُفْلِهِ، (p-٤٠٨)العَزِيزُ الَّذِي لا يُغالَبُ، الغَفّارُ لِذُنُوبِ مَن آمَنَ بِهِ واتَّبَعَ لِدِينِهِ.

ص 38:55

﴿هَذا ذِكْرٌ وإنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ﴾ ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الأبْوابُ﴾ ﴿مُتَّكِئِينَ فِيها يَدْعُونَ فِيها بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وشَرابٍ﴾ ﴿وعِنْدَهم قاصِراتُ الطَّرْفِ أتْرابٌ﴾ ﴿هَذا ما تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الحِسابِ﴾ ﴿إنَّ هَذا لَرِزْقُنا ما لَهُ مِن نَفادٍ﴾ ﴿هَذا وإنَّ لِلطّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ﴾ ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ المِهادُ﴾ ﴿هَذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وغَسّاقٌ﴾ ﴿وآخَرُ مِن شَكْلِهِ أزْواجٌ﴾ ﴿هَذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكم لا مَرْحَبًا بِهِمْ إنَّهم صالُوا النّارِ﴾ ﴿قالُوا بَلْ أنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكم أنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا فَبِئْسَ القَرارُ﴾ ﴿قالُوا رَبَّنا مَن قَدَّمَ لَنا هَذا فَزِدْهُ عَذابًا ضِعْفًا في النّارِ﴾ ﴿وقالُوا ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنّا نَعُدُّهم مِنَ الأشْرارِ﴾ ﴿أأتَّخَذْناهم سِخْرِيًّا أمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصارُ﴾ ﴿إنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أهْلِ النّارِ﴾ ﴿قُلْ إنَّما أنا مُنْذِرٌ وما مِن إلَهٍ إلّا اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ ﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما العَزِيزُ الغَفّارُ﴾ (p-٤٠٤)لَمّا أمَرَهُ تَعالى بِالصَّبْرِ عَلى سَفاهَةِ قَوْمِهِ، وذَكَرَ جُمْلَةً مِنَ الأنْبِياءِ وأحْوالِهِمْ، ذَكَرَ ما يَئُولُ إلَيْهِ حالُ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ مِنَ الجَزاءِ، ومَقَرُّ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الفَرِيقَيْنِ. ولَمّا كانَ ما يَذْكُرُهُ نَوْعًا مِن أنْواعِ التَّنْزِيلِ، قالَ: (هَذا ذِكْرٌ)، كَأنَّهُ فَصَلَ بَيْنَ ما قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ. ألا تَرى أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ أهْلَ الجَنَّةِ، وأعْقَبَهُ بِذِكْرِ أهْلِ النّارِ قالَ: (﴿هَذا وإنَّ لِلطّاغِينَ﴾ ؟ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَذا ذِكْرُ مَن مَضى مِنَ الأنْبِياءِ. وقِيلَ: ( هَذا ذِكْرٌ): أيْ: شَرَفٌ تُذْكَرُونَ بِهِ أبَدًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (جَنّاتِ) بِالنَّصْبِ، وهو بَدَلٌ، فَإنْ كانَ (عَدْنٍ) عَلَمًا، فَبَدَلُ مَعْرِفَةٍ مِن نَكَرَةٍ؛ وإنْ كانَ نَكِرَةً، فَبَدَلُ نَكِرَةٍ مِن نَكِرَةٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ مَعْرِفَةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وعَدَ الرَّحْمَنُ﴾ [مريم: ٦١]، وانْتِصابُها عَلى أنَّها عَطْفُ بَيانٍ بِـ(حُسْنَ مَآبٍ) و﴿مُفَتَّحَةً﴾ حالٌ، والعامِلُ فِيها ما في المُتَّقِينَ مِن مَعْنى الفِعْلِ. وفي ﴿مُفَتَّحَةً﴾ ضَمِيرُ الجَنّاتِ، والأبْوابُ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ تَقْدِيرُهُ: مُفَتَّحَةً هي الأبْوابُ لِقَوْلِهِمْ: ضُرِبَ زَيْدٌ اليَدُ والرِّجْلُ، وهو مِن بَدَلِ الِاشْتِمالِ. انْتَهى. ولا يَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ مَعْرِفَةً بِالدَّلِيلِ الَّذِي اسْتَدَلَّ بِهِ وهو قَوْلُهُ: ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي﴾ [مريم: ٦١]؛ لِأنَّهُ اعْتَقَدَ أنَّ الَّتِي صِفَةٌ لِجَنّاتِ عَدْنٍ، ولا يَتَعَيَّنُ ما ذَكَرَهُ، إذْ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الَّتِي بَدَلًا مِن جَنّاتِ عَدْنٍ. ألا تَرى أنَّ الَّذِي والَّتِي وجُمُوعَهُما تُسْتَعْمَلُ اسْتِعْمالَ الأسْماءِ، فَتَلِي (p-٤٠٥)العَوامِلَ، ولا يَلْزَمُ أنْ تَكُونَ صِفَةً ؟ وأمّا انْتِصابُها عَلى أنَّها عَطْفُ بَيانٍ فَلا يَجُوزُ؛ لِأنَّ النَّحْوِيِّينَ في ذَلِكَ عَلى مَذْهَبَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا في المَعارِفِ، فَلا يَكُونُ عَطْفُ البَيانِ إلّا تابِعًا لِمَعْرِفَةٍ، وهو مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ. والثّانِي: أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ في النَّكِراتِ، فَيَكُونُ عَطْفُ البَيانِ تابِعًا لِنَكِرَةٍ، كَما تَكُونُ المَعْرِفَةُ فِيهِ تابِعَةً لِمَعْرِفَةٍ، وهَذا مَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ، وتَبِعَهُمُ الفارِسِيُّ. وأمّا تَخالُفُهُما في التَّنْكِيرِ والتَّعْرِيفِ فَلَمْ يَذْهَبْ إلَيْهِ أحَدٌ سِوى هَذا المُصَنِّفِ. وقَدْ أجازَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿مَقامِ إبْراهِيمَ﴾ [البقرة: ١٢٥]، فَأعْرَبَهُ عَطْفَ بَيانٍ تابِعًا لِنَكِرَةٍ، وهو ﴿آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ [البقرة: ٩٩]، و﴿مَقامِ إبْراهِيمَ﴾ [البقرة: ١٢٥] مَعْرِفَةٌ، وقَدْ رَدَدْنا عَلَيْهِ ذَلِكَ في مَوْضِعِهِ في آلِ عِمْرانَ. وأمّا قَوْلُهُ: وفي ﴿مُفَتَّحَةً﴾ ضَمِيرُ الجَنّاتِ، فَجُمْهُورُ النَّحْوِيِّينَ أعْرَبُوا الأبْوابَ مَفْعُولًا لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ. وجاءَ أبُو عَلِيٍّ فَقالَ: إذا كانَ كَذَلِكَ، لَمْ يَكُنْ في ذَلِكَ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى جَنّاتِ عَدْنٍ مِنَ الحالِيَّةِ إنْ أعْرَبَ مُفَتَّحَةً حالًا، أوْ مِنَ النَّعْتِ إنْ أعْرَبَ نَعْتًا لِـ(جَنّاتِ عَدْنٍ)، فَقالَ: في ﴿مُفَتَّحَةً﴾ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى الجَنّاتِ حَتّى تَرْتَبِطَ الحالُ بِصاحِبِها، أوِ النَّعْتُ بِمَنعُوتِهِ، والأبْوابُ بَدَلٌ. وقالَ: مَن أعْرَبَ الأبْوابَ مَفْعُولًا لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ العائِدُ عَلى الجَنّاتِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: الأبْوابُ مِنها. وألْزَمَ أبُو عَلِيٍّ البَدَلَ في مِثْلِ هَذا لا بُدَّ فِيهِ مِنَ الضَّمِيرِ، إمّا مَلْفُوظًا بِهِ، أوْ مُقَدَّرًا. وإذا كانَ الكَلامُ مُحْتاجًا إلى تَقْدِيرٍ واحِدٍ، كانَ أوْلى مِمّا يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرَيْنِ. وأمّا الكُوفِيُّونَ، فالرّابِطُ عِنْدَهم هو ألْ لِمَقامِهِ مَقامَ الضَّمِيرِ، فَكَأنَّهُ قالَ: مُفَتِّحَةً لَهم أبْوابُها. وأمّا قَوْلُهُ: وهو مِن بَدَلِ الِاشْتِمالِ، فَإنْ عَنى بِقَوْلِهِ: وهو قَوْلُهُ اليَدُ والرِّجْلُ، فَهو وهْمٌ، وإنَّما هو بَدَلُ بَعْضٍ مِن كُلٍّ. وإنْ عَنى الأبْوابَ، فَقَدْ يَصِحُّ؛ لِأنَّ أبْوابَ الجَنّاتِ لَيْسَتْ بَعْضًا مِنَ الجَنّاتِ. وأمّا تَشْبِيهُهُ ما قَدَّرَهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿مُفَتَّحَةً﴾ هي الأبْوابُ، بِقَوْلِهِمْ: ضُرِبَ زَيْدٌ اليَدُ والرِّجْلُ، فَوَجْهُهُ أنَّ الأبْوابَ بَدَلٌ مِن ذَلِكَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ، كَما أنَّ اليَدَ والرِّجْلَ بَدَلٌ مِنَ الظّاهِرِ الَّذِي هو زَيْدٌ. وقالَ أبُو إسْحاقَ، وتَبِعَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ: ﴿مُفَتَّحَةً﴾ نَعْتٌ لِجَنّاتِ عَدْنٍ. وقالَ الحَوْفِيُّ: ﴿مُفَتَّحَةً﴾ حالٌ، والعامِلُ فِيها مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ المَعْنى، تَقْدِيرُهُ: يَدْخُلُونَها. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رُفَيْعٍ، وأبُو حَيْوَةَ: ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ مُفَتَّحَةٌ﴾، بِرَفْعِ التّاءَيْنِ: مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، أوْ كُلٌّ مِنهُما خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هو جَنّاتُ عَدْنٍ هي مُفَتَّحَةٌ. والِاتِّكاءُ: مِن هَيْئاتِ أهْلِ السَّعادَةِ، ﴿يَدْعُونَ فِيها﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ عِنْدَهم مَن يَسْتَخْدِمُونَهُ فِيما يَسْتَدْعُونَ، كَقَوْلِهِ: ﴿ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ [الإنسان: ١٩] . ولَمّا كانَتِ الفاكِهَةُ يَتَنَوَّعُ وصْفُها بِالكَثْرَةِ، وكَثْرَتُها بِاخْتِلافِ أنْواعِها، وكَثْرَةُ كُلِّ نَوْعٍ مِنها؛ ولَمّا كانَ الشَّرابُ نَوْعًا واحِدًا وهو الخَمْرُ، أُفْرِدَ. ﴿وعِنْدَهم قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ . قالَ قَتادَةُ: مَعْناهُ عَلى أزْواجِهِنَّ، ﴿أتْرابٌ﴾: أيْ: أمْثالٌ عَلى سِنٍّ واحِدَةٍ، وأصْلُهُ في بَنِي آدَمَ لِكَوْنِهِمْ مَسَّ أجْسادَهُمُ التُّرابُ في وقْتٍ واحِدٍ، والأقْرانُ أثْبَتُ في التَّحابِّ. والظّاهِرُ أنَّ هَذا الوَصْفَ هو بَيْنَهُنَّ، وقِيلَ: بَيْنَ أزْواجِهِنَّ، أسْنانُهُنَّ كَأسْنانِهِمْ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ الآدَمِيّاتِ. وقالَ صاحِبُ الغُنْيانِ: حُورٌ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: (وهَذا ما يُوعَدُونَ)، بِياءِ الغَيْبَةِ، إذْ قَبْلَهُ (وعِنْدَهم) وباقِي السَّبْعَةِ: بِتاءِ الخِطابِ عَلى الِالتِفاتِ، والمَعْنى: هَذا ما وقَعَ بِهِ الوَعْدُ لِيَوْمِ الجَزاءِ. (إنَّ هَذا): أيْ: ما ذُكِرَ لِلْمُتَّقِينَ مِمّا تَقَدَّمَ، ﴿لَرِزْقُنا﴾ دائِمًا، أيْ: لا نَفادَ لَهُ. ﴿هَذا وإنَّ لِلطّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ﴾، قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: الأمْرُ هَذا، وقالَ أبُو عَلِيٍّ: هَذا لِلْمُؤْمِنِينَ، وقالَ أبُو البَقاءِ: مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ، أوْ خَبَرٌ مَحْذُوفُ المُبْتَدَأِ، والطّاغُونَ هُنا: الكُفّارُ؛ وقالَ الجُبّائِيُّ: أصْحابُ الكَبائِرِ كُفّارًا كانُوا أوْ لَمْ يَكُونُوا. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المَعْنى الَّذِينَ طَغَوْا عَلَيَّ، وكَذَّبُوا رُسُلِي لَهم شَرُّ مَآبٍ أيْ: مَرْجِعٍ ومَصِيرٍ. ﴿فَبِئْسَ المِهادُ﴾ أيْ: هي (هَذا) في مَوْضِعِ رَفْعِ مُبْتَدَأٍ خَبَرُهُ (جَهَنَّمَ)، ﴿وغَسّاقٌ﴾، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: العَذابُ هَذا، وحَمِيمٌ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ، أوْ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الِاشْتِغالِ، أيْ: لِيَذُوقُوا هَذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ، أيْ: هو حَمِيمٌ، أوْ مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ، أيْ: مِنهُ حَمِيمٌ ومِنهُ غَسّاقٌ، كَما قالَ الشّاعِرُ:(p-٤٠٦) ؎حَتّى إذا ما أضاءَ الصُّبْحُ في غَلَسٍ وغُودِرَ البَقْلُ مَلْوِيُّ ومَحْصُودُ أيْ: مِنهُ مَلْوِيٌّ ومِنهُ مَحْصُودٌ، وهَذِهِ الأعارِيبُ مَقُولَةٌ مَنقُولَةٌ. وقِيلَ: هَذا مُبْتَدَأٌ، و﴿فَلْيَذُوقُوهُ﴾ الخَبَرُ، وهَذا عَلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ في إجازَتِهِ: زَيْدٌ فاضْرِبْهُ، مُسْتَدِلًّا بِقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎وقائِلَةٍ خَوْلانُ فانْكِحْ فَتاتَهُمْ والغَسّاقُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: الزَّمْهَرِيرُ؛ وعَنْهُ أيْضًا، وعَنْ عَطاءٍ، وقَتادَةَ، وابْنِ زَيْدٍ: ما يَجْرِي مِن صَدِيدِ أهْلِ النّارِ. وعَنْ كَعْبٍ: عَيْنٌ في جَهَنَّمَ تَسِيلُ إلَيْها حُمَةُ كُلِّ ذِي حُمَةٍ مِن حَيَّةٍ أوْ عَقْرَبٍ أوْ غَيْرِهِما، يُغْمَسُ فِيها فَيَتَساقَطُ الجِلْدُ واللَّحْمُ عَنِ العَظْمِ. وعَنِ السُّدِّيِّ: ما يَسِيلُ مِن دُمُوعِهِمْ، وعَنِ ابْنِ عُمَرَ: القَيْحُ يَسِيلُ مِنهم فَيُسْقَوْنَهُ. وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ، وقَتادَةُ، وابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ، والفَضْلُ، وابْنُ سَعْدانَ، وهارُونُ عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِتَشْدِيدِ السِّينِ. فَإنْ كانَ صِفَةً، فَيَكُونُ مِمّا حُذِفَ مَوْصُوفُها، وإنْ كانَ اسْمًا، فَفَعّالٌ قَلِيلٌ في الأسْماءِ، جاءَ مِنهُ: الكَلّاءُ، والجَبّانُ، والفَنّادُ، والعَقّارُ، والخَطّارُ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ: بِتَخْفِيفِ السِّينِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (وآخَرُ) عَلى الإفْرادِ، فَقِيلَ: مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: ولَهم عَذابٌ آخَرُ. وقِيلَ: خَبَرُهُ في الجُمْلَةِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: (أزْواجٌ) مُبْتَدَأٌ، و﴿مِن شَكْلِهِ﴾ خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ خَبَرُ (وآخَرُ) . وقِيلَ: خَبَرُهُ (أزْواجٌ) و﴿مِن شَكْلِهِ﴾ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ، وجازَ أنْ يُخْبَرَ بِالجَمْعِ عَنِ الواحِدِ مِن حَيْثُ هو دَرَجاتٌ ورُتَبٌ مِنَ العَذابِ، أوْ سَمّى كُلَّ جُزْءٍ مِن ذَلِكَ الآخَرِ بِاسْمِ الكُلِّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (وآخَرُ) أيْ: وعَذابٌ آخَرُ، أوْ مَذُوقٌ آخَرُ؛ وأزْواجٌ صِفَةُ آخَرَ؛ لِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضُرُوبًا أوْ صِفَةً لِلثَّلاثَةِ، وهي: ﴿حَمِيمٌ وغَسّاقٌ﴾ ﴿وآخَرُ مِن شَكْلِهِ﴾ . انْتَهى. وهُوَ إعْرابٌ أخَذَهُ مِنَ الفَرّاءِ. وقَرَأ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، والجَحْدَرِيُّ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وعِيسى، وأبُو عَمْرٍو: (وأُخَرُ) عَلى الجَمْعِ، وهو مُبْتَدَأٌ، (ومِن شَكْلِهِ) في مَوْضِعِ الصِّفَةِ؛ ﴿وأزْواجٌ﴾ [آل عمران: ١٥] خَبَرُهُ، أيْ: ومَذُوقًا آخَرُ مِن شَكْلِ هَذا المَذُوقِ مِن مِثْلِهِ في الشِّدَّةِ والفَظاعَةِ. (أزْواجٌ): أجْناسٌ. وقَرَأ مُجاهِدٌ: ﴿مِن شَكْلِهِ﴾ بِكَسْرِ الشِّينِ؛ والجُمْهُورُ: بِفَتْحِها، وهُما لُغَتانِ بِمَعْنى المِثْلِ والضَّرْبِ. وأمّا إذا كانَ بِمَعْنى الفَتْحِ، فَبِكَسْرِ الشِّينِ لا غَيْرَ. وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: ﴿وآخَرُ مِن شَكْلِهِ﴾: هو الزَّمْهَرِيرُ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿هَذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ﴾ )، مِن قَوْلِ رُؤَسائِهِمْ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، والفَوْجُ: الجَمْعُ الكَثِيرُ، ﴿مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ﴾ أيِ: النّارَ، وهُمُ الأتْباعُ، ثُمَّ دَعَوْا عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِمْ: ﴿لا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾؛ لِأنَّ الرَّئِيسَ إذا رَأى الخَسِيسَ قَدْ قُرِنَ مَعَهُ في العَذابِ، ساءَهُ ذَلِكَ حَيْثُ وقَعَ التَّساوِي في العَذابِ، ولَمْ يَكُنْ هو السّالِمُ مِنَ العَذابِ وأتْباعُهُ في العَذابِ. و(مَرْحَبًا) مَعْناهُ: ائْتِ رَحْبًا وسَعَةً لا ضَيِّقًا، وهو مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ يَجِبُ إضْمارُهُ، ولِأنَّ عُلُوَّهم بَيانٌ لِلْمَدْعُوِّ عَلَيْهِمْ. وقِيلَ: ﴿هَذا فَوْجٌ﴾، مِن كَلامِ المَلائِكَةِ خَزَنَةِ النّارِ؛ وأنَّ الدُّعاءَ عَلى الفَوْجِ والتَّعْلِيلَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهم صالُوا النّارِ﴾، مِن كَلامِهِمْ. وقِيلَ: ﴿هَذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ﴾، مِن كَلامِ المَلائِكَةِ، والدُّعاءُ عَلى الفَوْجِ والإخْبارُ بِأنَّهم صالُوا النّارِ مِن كَلامِ الرُّؤَساءِ المَتْبُوعِينَ. (قالُوا) أيِ: الفَوْجُ: ﴿لا مَرْحَبًا بِكُمْ﴾، رَدٌّ عَلى الرُّؤَساءِ ما دَعَوْا بِهِ عَلَيْهِمْ. ثُمَّ ذَكَرُوا أنَّ ما وقَعُوا فِيهِ مِنَ العَذابِ وصَلْيِ النّارِ، إنَّما هو بِما ألْقَيْتُمْ إلَيْنا وزَيَّنْتُمُوهُ مِنَ الكُفْرِ، فَكَأنَّكم قَدَّمْتُمْ لَنا العَذابَ أوِ الصَّلْيَ. وإذا كانَ ﴿لا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾ مِن كَلامِ الخَزَنَةِ فَلَمْ يَجِئِ التَّرْكِيبُ: قالُوا بَلْ هَؤُلاءِ لا مَرْحَبًا بِهِمْ، بَلْ جاءَ بِخِطابِ الأتْباعِ لِلرُّؤَساءِ، لِتَكُونَ المُواجَهَةُ لِمَن كانُوا لا يَقْدِرُونَ عَلى مُواجَهَتِهِمْ في الدُّنْيا بِقَبِيحٍ أشَفى لِصُدُورِهِمْ، حَيْثُ تَسَبَّبُوا في كُفْرِهِمْ، وأنْكى لِلرُّؤَساءِ. ﴿فَبِئْسَ القَرارُ﴾: أيِ: النّارُ؛ وهَذِهِ المُرادَةُ والدُّعاءُ كَقَوْلِهِ: ﴿كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها﴾ [الأعراف: ٣٨] . ولَمْ يَكْتَفِ الأتْباعُ بِرَدِّ الدُّعاءِ عَلى رُؤَسائِهِمْ، ولا بِمُواجَهَتِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿أنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا﴾، حَتّى سَألُوا مِنَ اللَّهِ أنْ يَزِيدَ رُؤَساءَهم ضِعْفًا مِنَ النّارِ، والمَعْنى: مَن حَمَلَنا عَلى عَمَلِ السُّوءِ حَتّى صارَ جَزاءُنا النّارَ، ﴿فَزِدْهُ عَذابًا ضِعْفًا﴾، كَما جاءَ في قَوْلِ الأتْباعِ: ﴿رَبَّنا آتِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦٨]، أيْ: ساداتَهم ﴿ضِعْفَيْنِ مِنَ العَذابِ﴾ [الأحزاب: ٦٨]، ﴿رَبَّنا هَؤُلاءِ أضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذابًا ضِعْفًا مِنَ النّارِ﴾ [الأعراف: ٣٨] . (p-٤٠٧)ولَمّا كانَ الرُّؤَساءُ ضُلّالًا في أنْفُسِهِمْ، وأضَلُّوا أتْباعَهم، ناسَبَ أنْ يَدْعُوا عَلَيْهِمْ بِأنْ يَزِيدَهم ضِعْفًا، كَما جاءَ: «فَعَلَيْهِ وِزْرُها ووِزْرُ مَن عَمِلَ بِها إلى يَوْمِ القِيامَةِ» فَعَلى هَذا الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: (قالُوا) لِلْأتْباعِ. و﴿مَن قَدَّمَ﴾: هُمُ الرُّؤَساءُ. وقالَ ابْنُ السّائِبِ: ﴿قالُوا رَبَّنا﴾ إلى آخِرِهِ، قَوْلُ جَمِيعِ أهْلِ النّارِ. وقالَ الضَّحّاكُ: ﴿مَن قَدَّمَ﴾، هو إبْلِيسُ وقابِيلُ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: الضِّعْفُ حَيّاتٌ وعَقارِبُ. (وقالُوا) أيْ: أشْرافُ الكُفّارِ، ﴿ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنّا نَعُدُّهم مِنَ الأشْرارِ﴾ أيِ: الأرْذالِ الَّذِينَ لا خَيْرَ فِيهِمْ، ولَيْسُوا عَلى دِينِنا، كَما قالَ: ﴿وما نَراكَ اتَّبَعَكَ إلّا الَّذِينَ هم أراذِلُنا﴾ [هود: ٢٧] . ورُوِيَ أنَّ القائِلِينَ مِن كُفّارِ عَصْرِ الرَّسُولِ ﷺ، هم: أبُو جَهْلٍ، وأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، وأصْحابُ القَلِيبِ، والَّذِينَ لَمْ يَرَوْهم: عَمّارٌ، وصُهَيْبٌ، وسَلْمانُ، ومَن جَرى مَجْراهم، قالَهُ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ. قِيلَ: يَسْألُونَ أيْنَ عَمّارٌ ؟ أيْنَ صُهَيْبٌ ؟ أيْنَ فُلانٌ ؟ يَعُدُّونَ ضُعَفاءَ المُسْلِمِينَ، فَيُقالُ لَهم: أُولَئِكَ في الفِرْدَوْسِ. وقَرَأ النَّحْوِيّانِ، وحَمْزَةُ: (اتَّخَذْناهم) وصْلًا، فَقالَ أبُو حاتِمٍ، والزَّمَخْشَرِيُّ، وابْنُ عَطِيَّةَ: صِفَةٌ لِرِجالٍ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿كُنّا نَعُدُّهم مِنَ الأشْرارِ﴾ . وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: حالٌ، أيْ: وقَدِ اتَّخَذْناهم. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، والأعْرَجُ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، وباقِي السَّبْعَةِ: بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، لِتَقْرِيرِ أنْفُسِهِمْ عَلى هَذا، عَلى جِهَةِ التَّوْبِيخِ لَها والأسَفِ، أيِ: اتَّخَذْناهم سِخْرِيًّا، ولَمْ يَكُونُوا كَذَلِكَ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وأصْحابُهُ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، والأعْرَجُ، ونافِعٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: (سُخْرِيًّا)، بِضَمِّ السِّينِ، ومَعْناها مِنَ السُّخْرَةِ والِاسْتِخْدامِ. وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ، وعِيسى، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وباقِي السَّبْعَةِ: بِكَسْرِ السِّينِ، ومَعْناها: المَشْهُورُ مِنَ السُّخْرِ، وهو الهُزْءُ. قالَ الشّاعِرُ: ؎إنِّي أتانِي لِسانٌ لا أُسَرُّ بِها ∗∗∗ مِن عَلْوَ لا كَذِبٌ فِيها ولا سَخَرُ وقِيلَ: بِكَسْرِ السِّينِ مِنَ التَّسْخِيرِ. وأمْ، إنْ كانَ اتَّخَذْناهُمُ اسْتِفْهامًا إمّا مُصَرَّحًا بِهَمْزَتِهِ كَقِراءَةِ مَن قَرَأ كَذَلِكَ، أوْ مُؤَوَّلًا بِالِاسْتِفْهامِ، وحُذِفَتِ الهَمْزَةُ لِلدَّلالَةِ. فالظّاهِرُ أنَّها مُتَّصِلَةٌ لِتَقَدُّمِ الهَمْزَةِ، والمَعْنى أيُّ الفِعْلَيْنِ فَعَلْنا بِهِمْ، الِاسْتِسْخارُ مِنهم أمِ ازْدِراؤُهم وتَحْقِيرُهم ؟ وإنَّ أبْصارَنا كانَتْ تَعْلُو عَنْهم وتَقْتَحِمُ. ويَكُونُ اسْتِفْهامًا عَلى مَعْنى الإنْكارِ عَلى أنْفُسِهِمْ، لِلِاسْتِسْخارِ والزَّيْغِ جَمِيعًا. وقالَ الحَسَنُ: كُلُّ ذَلِكَ قَدْ فَعَلُوا، اتَّخَذُوهم سِخْرِيًّا، وزاغَتْ عَنْهم أبْصارُهم مُحَقِّرَةً لَهم. وأنَّ (اتَّخَذْناهم) لَيْسَ اسْتِفْهامًا، فَأمْ مُنْقَطِعَةٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُنْقَطِعَةً أيْضًا مَعَ تَقَدُّمِ الِاسْتِفْهامِ، يَكُونُ كَقَوْلِكِ: أزَيْدٌ عِنْدَكَ أمْ عِنْدَكَ عَمْرٌو ؟ واسْتَفْهَمْتَ عَنْ زَيْدٍ، ثُمَّ أضْرَبْتَ عَنْ ذَلِكَ واسْتَفْهَمْتَ عَنْ عَمْرٍو، فالتَّقْدِيرُ: بَلْ أزاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصارُ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهم: ﴿أمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصارُ﴾ لَهُ تَعَلُّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ما لَنا لا نَرى رِجالًا﴾؛ لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ أوَّلًا دَلَّ عَلى انْتِفاءِ رُؤْيَتِهِمْ إيّاهم، وذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّهم لَيْسُوا مَعَهُ، ثُمَّ جَوَّزُوا أنْ يَكُونُوا مَعَهُ، ولَكِنَّ أبْصارَهم لَمْ تَرَهم. (إنَّ ذَلِكَ أيِ: التَّفاوُضُ الَّذِي حَكَيْناهُ عَنْهم، ( لَحَقٌّ) أيْ: ثابِتٌ واقِعٌ لا بُدَّ أنْ يَجْرِيَ بَيْنَهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿تَخاصُمُ﴾ بِالرَّفْعِ مُضافًا إلى أهْلِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: بَدَلٌ مِن (لَحَقٌّ) . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بَيَّنَ ما هو فَقالَ: ﴿تَخاصُمُ﴾ مُنَوَّنًا، (أهْلُ) رُفِعا بِالمَصْدَرِ المُنَوَّنِ، ولا يُجِيزُ ذَلِكَ الفَرّاءُ، ويُجِيزُهُ سِيبَوَيْهِ والبَصْرِيُّونَ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ﴿تَخاصُمَ أهْلِ﴾، بِنَصْبِ المِيمِ وجَرِّ أهْلِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِذَلِكَ؛ لِأنَّ أسْماءَ الإشارَةِ تُوصَفُ بِأسْماءِ الأجْناسِ. وفِي كِتابِ اللَّوامِحِ: ولَوْ نُصِبَ ﴿تَخاصُمُ أهْلِ النّارِ﴾، لَجازَ عَلى البَدَلِ مِن ذَلِكَ. وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْقَعِ: ﴿تَخاصُمُ﴾: فِعْلًا ماضِيًا، (أهْلُ): فاعِلًا، وسَمّى تَعالى تِلْكَ المُفاوَضَةَ الَّتِي جَرَتْ بَيْنَ رُؤَساءِ الكُفّارِ وأتْباعِهِمْ تَخاصُمًا؛ لِأنَّ قَوْلَهم: ﴿لا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾، وقَوْلَ الأتْباعِ: ﴿بَلْ أنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكُمْ﴾، هو مِن بابِ الخُصُومَةِ، فَسَمّى التَّفاوُضَ كُلَّهُ تَخاصُمًا لِاسْتِعْمالِهِ عَلَيْهِ. (قُلْ): يا مُحَمَّدُ، ﴿إنَّما أنا مُنْذِرٌ﴾ أيْ: مُنْذِرُ المُشْرِكِينَ بِالعَذابِ، وأنَّ اللَّهَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، لا نِدَّ لَهُ ولا شَرِيكَ، وهو الواحِدُ القَهّارُ لِكُلِّ شَيْءٍ، وأنَّهُ مالِكُ العالَمِ، عُلْوِهِ وسُفْلِهِ، (p-٤٠٨)العَزِيزُ الَّذِي لا يُغالَبُ، الغَفّارُ لِذُنُوبِ مَن آمَنَ بِهِ واتَّبَعَ لِدِينِهِ.

ص 38:56

﴿هَذا ذِكْرٌ وإنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ﴾ ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الأبْوابُ﴾ ﴿مُتَّكِئِينَ فِيها يَدْعُونَ فِيها بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وشَرابٍ﴾ ﴿وعِنْدَهم قاصِراتُ الطَّرْفِ أتْرابٌ﴾ ﴿هَذا ما تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الحِسابِ﴾ ﴿إنَّ هَذا لَرِزْقُنا ما لَهُ مِن نَفادٍ﴾ ﴿هَذا وإنَّ لِلطّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ﴾ ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ المِهادُ﴾ ﴿هَذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وغَسّاقٌ﴾ ﴿وآخَرُ مِن شَكْلِهِ أزْواجٌ﴾ ﴿هَذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكم لا مَرْحَبًا بِهِمْ إنَّهم صالُوا النّارِ﴾ ﴿قالُوا بَلْ أنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكم أنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا فَبِئْسَ القَرارُ﴾ ﴿قالُوا رَبَّنا مَن قَدَّمَ لَنا هَذا فَزِدْهُ عَذابًا ضِعْفًا في النّارِ﴾ ﴿وقالُوا ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنّا نَعُدُّهم مِنَ الأشْرارِ﴾ ﴿أأتَّخَذْناهم سِخْرِيًّا أمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصارُ﴾ ﴿إنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أهْلِ النّارِ﴾ ﴿قُلْ إنَّما أنا مُنْذِرٌ وما مِن إلَهٍ إلّا اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ ﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما العَزِيزُ الغَفّارُ﴾ (p-٤٠٤)لَمّا أمَرَهُ تَعالى بِالصَّبْرِ عَلى سَفاهَةِ قَوْمِهِ، وذَكَرَ جُمْلَةً مِنَ الأنْبِياءِ وأحْوالِهِمْ، ذَكَرَ ما يَئُولُ إلَيْهِ حالُ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ مِنَ الجَزاءِ، ومَقَرُّ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الفَرِيقَيْنِ. ولَمّا كانَ ما يَذْكُرُهُ نَوْعًا مِن أنْواعِ التَّنْزِيلِ، قالَ: (هَذا ذِكْرٌ)، كَأنَّهُ فَصَلَ بَيْنَ ما قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ. ألا تَرى أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ أهْلَ الجَنَّةِ، وأعْقَبَهُ بِذِكْرِ أهْلِ النّارِ قالَ: (﴿هَذا وإنَّ لِلطّاغِينَ﴾ ؟ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَذا ذِكْرُ مَن مَضى مِنَ الأنْبِياءِ. وقِيلَ: ( هَذا ذِكْرٌ): أيْ: شَرَفٌ تُذْكَرُونَ بِهِ أبَدًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (جَنّاتِ) بِالنَّصْبِ، وهو بَدَلٌ، فَإنْ كانَ (عَدْنٍ) عَلَمًا، فَبَدَلُ مَعْرِفَةٍ مِن نَكَرَةٍ؛ وإنْ كانَ نَكِرَةً، فَبَدَلُ نَكِرَةٍ مِن نَكِرَةٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ مَعْرِفَةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وعَدَ الرَّحْمَنُ﴾ [مريم: ٦١]، وانْتِصابُها عَلى أنَّها عَطْفُ بَيانٍ بِـ(حُسْنَ مَآبٍ) و﴿مُفَتَّحَةً﴾ حالٌ، والعامِلُ فِيها ما في المُتَّقِينَ مِن مَعْنى الفِعْلِ. وفي ﴿مُفَتَّحَةً﴾ ضَمِيرُ الجَنّاتِ، والأبْوابُ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ تَقْدِيرُهُ: مُفَتَّحَةً هي الأبْوابُ لِقَوْلِهِمْ: ضُرِبَ زَيْدٌ اليَدُ والرِّجْلُ، وهو مِن بَدَلِ الِاشْتِمالِ. انْتَهى. ولا يَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ مَعْرِفَةً بِالدَّلِيلِ الَّذِي اسْتَدَلَّ بِهِ وهو قَوْلُهُ: ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي﴾ [مريم: ٦١]؛ لِأنَّهُ اعْتَقَدَ أنَّ الَّتِي صِفَةٌ لِجَنّاتِ عَدْنٍ، ولا يَتَعَيَّنُ ما ذَكَرَهُ، إذْ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الَّتِي بَدَلًا مِن جَنّاتِ عَدْنٍ. ألا تَرى أنَّ الَّذِي والَّتِي وجُمُوعَهُما تُسْتَعْمَلُ اسْتِعْمالَ الأسْماءِ، فَتَلِي (p-٤٠٥)العَوامِلَ، ولا يَلْزَمُ أنْ تَكُونَ صِفَةً ؟ وأمّا انْتِصابُها عَلى أنَّها عَطْفُ بَيانٍ فَلا يَجُوزُ؛ لِأنَّ النَّحْوِيِّينَ في ذَلِكَ عَلى مَذْهَبَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا في المَعارِفِ، فَلا يَكُونُ عَطْفُ البَيانِ إلّا تابِعًا لِمَعْرِفَةٍ، وهو مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ. والثّانِي: أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ في النَّكِراتِ، فَيَكُونُ عَطْفُ البَيانِ تابِعًا لِنَكِرَةٍ، كَما تَكُونُ المَعْرِفَةُ فِيهِ تابِعَةً لِمَعْرِفَةٍ، وهَذا مَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ، وتَبِعَهُمُ الفارِسِيُّ. وأمّا تَخالُفُهُما في التَّنْكِيرِ والتَّعْرِيفِ فَلَمْ يَذْهَبْ إلَيْهِ أحَدٌ سِوى هَذا المُصَنِّفِ. وقَدْ أجازَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿مَقامِ إبْراهِيمَ﴾ [البقرة: ١٢٥]، فَأعْرَبَهُ عَطْفَ بَيانٍ تابِعًا لِنَكِرَةٍ، وهو ﴿آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ [البقرة: ٩٩]، و﴿مَقامِ إبْراهِيمَ﴾ [البقرة: ١٢٥] مَعْرِفَةٌ، وقَدْ رَدَدْنا عَلَيْهِ ذَلِكَ في مَوْضِعِهِ في آلِ عِمْرانَ. وأمّا قَوْلُهُ: وفي ﴿مُفَتَّحَةً﴾ ضَمِيرُ الجَنّاتِ، فَجُمْهُورُ النَّحْوِيِّينَ أعْرَبُوا الأبْوابَ مَفْعُولًا لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ. وجاءَ أبُو عَلِيٍّ فَقالَ: إذا كانَ كَذَلِكَ، لَمْ يَكُنْ في ذَلِكَ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى جَنّاتِ عَدْنٍ مِنَ الحالِيَّةِ إنْ أعْرَبَ مُفَتَّحَةً حالًا، أوْ مِنَ النَّعْتِ إنْ أعْرَبَ نَعْتًا لِـ(جَنّاتِ عَدْنٍ)، فَقالَ: في ﴿مُفَتَّحَةً﴾ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى الجَنّاتِ حَتّى تَرْتَبِطَ الحالُ بِصاحِبِها، أوِ النَّعْتُ بِمَنعُوتِهِ، والأبْوابُ بَدَلٌ. وقالَ: مَن أعْرَبَ الأبْوابَ مَفْعُولًا لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ العائِدُ عَلى الجَنّاتِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: الأبْوابُ مِنها. وألْزَمَ أبُو عَلِيٍّ البَدَلَ في مِثْلِ هَذا لا بُدَّ فِيهِ مِنَ الضَّمِيرِ، إمّا مَلْفُوظًا بِهِ، أوْ مُقَدَّرًا. وإذا كانَ الكَلامُ مُحْتاجًا إلى تَقْدِيرٍ واحِدٍ، كانَ أوْلى مِمّا يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرَيْنِ. وأمّا الكُوفِيُّونَ، فالرّابِطُ عِنْدَهم هو ألْ لِمَقامِهِ مَقامَ الضَّمِيرِ، فَكَأنَّهُ قالَ: مُفَتِّحَةً لَهم أبْوابُها. وأمّا قَوْلُهُ: وهو مِن بَدَلِ الِاشْتِمالِ، فَإنْ عَنى بِقَوْلِهِ: وهو قَوْلُهُ اليَدُ والرِّجْلُ، فَهو وهْمٌ، وإنَّما هو بَدَلُ بَعْضٍ مِن كُلٍّ. وإنْ عَنى الأبْوابَ، فَقَدْ يَصِحُّ؛ لِأنَّ أبْوابَ الجَنّاتِ لَيْسَتْ بَعْضًا مِنَ الجَنّاتِ. وأمّا تَشْبِيهُهُ ما قَدَّرَهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿مُفَتَّحَةً﴾ هي الأبْوابُ، بِقَوْلِهِمْ: ضُرِبَ زَيْدٌ اليَدُ والرِّجْلُ، فَوَجْهُهُ أنَّ الأبْوابَ بَدَلٌ مِن ذَلِكَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ، كَما أنَّ اليَدَ والرِّجْلَ بَدَلٌ مِنَ الظّاهِرِ الَّذِي هو زَيْدٌ. وقالَ أبُو إسْحاقَ، وتَبِعَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ: ﴿مُفَتَّحَةً﴾ نَعْتٌ لِجَنّاتِ عَدْنٍ. وقالَ الحَوْفِيُّ: ﴿مُفَتَّحَةً﴾ حالٌ، والعامِلُ فِيها مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ المَعْنى، تَقْدِيرُهُ: يَدْخُلُونَها. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رُفَيْعٍ، وأبُو حَيْوَةَ: ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ مُفَتَّحَةٌ﴾، بِرَفْعِ التّاءَيْنِ: مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، أوْ كُلٌّ مِنهُما خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هو جَنّاتُ عَدْنٍ هي مُفَتَّحَةٌ. والِاتِّكاءُ: مِن هَيْئاتِ أهْلِ السَّعادَةِ، ﴿يَدْعُونَ فِيها﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ عِنْدَهم مَن يَسْتَخْدِمُونَهُ فِيما يَسْتَدْعُونَ، كَقَوْلِهِ: ﴿ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ [الإنسان: ١٩] . ولَمّا كانَتِ الفاكِهَةُ يَتَنَوَّعُ وصْفُها بِالكَثْرَةِ، وكَثْرَتُها بِاخْتِلافِ أنْواعِها، وكَثْرَةُ كُلِّ نَوْعٍ مِنها؛ ولَمّا كانَ الشَّرابُ نَوْعًا واحِدًا وهو الخَمْرُ، أُفْرِدَ. ﴿وعِنْدَهم قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ . قالَ قَتادَةُ: مَعْناهُ عَلى أزْواجِهِنَّ، ﴿أتْرابٌ﴾: أيْ: أمْثالٌ عَلى سِنٍّ واحِدَةٍ، وأصْلُهُ في بَنِي آدَمَ لِكَوْنِهِمْ مَسَّ أجْسادَهُمُ التُّرابُ في وقْتٍ واحِدٍ، والأقْرانُ أثْبَتُ في التَّحابِّ. والظّاهِرُ أنَّ هَذا الوَصْفَ هو بَيْنَهُنَّ، وقِيلَ: بَيْنَ أزْواجِهِنَّ، أسْنانُهُنَّ كَأسْنانِهِمْ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ الآدَمِيّاتِ. وقالَ صاحِبُ الغُنْيانِ: حُورٌ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: (وهَذا ما يُوعَدُونَ)، بِياءِ الغَيْبَةِ، إذْ قَبْلَهُ (وعِنْدَهم) وباقِي السَّبْعَةِ: بِتاءِ الخِطابِ عَلى الِالتِفاتِ، والمَعْنى: هَذا ما وقَعَ بِهِ الوَعْدُ لِيَوْمِ الجَزاءِ. (إنَّ هَذا): أيْ: ما ذُكِرَ لِلْمُتَّقِينَ مِمّا تَقَدَّمَ، ﴿لَرِزْقُنا﴾ دائِمًا، أيْ: لا نَفادَ لَهُ. ﴿هَذا وإنَّ لِلطّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ﴾، قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: الأمْرُ هَذا، وقالَ أبُو عَلِيٍّ: هَذا لِلْمُؤْمِنِينَ، وقالَ أبُو البَقاءِ: مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ، أوْ خَبَرٌ مَحْذُوفُ المُبْتَدَأِ، والطّاغُونَ هُنا: الكُفّارُ؛ وقالَ الجُبّائِيُّ: أصْحابُ الكَبائِرِ كُفّارًا كانُوا أوْ لَمْ يَكُونُوا. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المَعْنى الَّذِينَ طَغَوْا عَلَيَّ، وكَذَّبُوا رُسُلِي لَهم شَرُّ مَآبٍ أيْ: مَرْجِعٍ ومَصِيرٍ. ﴿فَبِئْسَ المِهادُ﴾ أيْ: هي (هَذا) في مَوْضِعِ رَفْعِ مُبْتَدَأٍ خَبَرُهُ (جَهَنَّمَ)، ﴿وغَسّاقٌ﴾، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: العَذابُ هَذا، وحَمِيمٌ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ، أوْ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الِاشْتِغالِ، أيْ: لِيَذُوقُوا هَذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ، أيْ: هو حَمِيمٌ، أوْ مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ، أيْ: مِنهُ حَمِيمٌ ومِنهُ غَسّاقٌ، كَما قالَ الشّاعِرُ:(p-٤٠٦) ؎حَتّى إذا ما أضاءَ الصُّبْحُ في غَلَسٍ وغُودِرَ البَقْلُ مَلْوِيُّ ومَحْصُودُ أيْ: مِنهُ مَلْوِيٌّ ومِنهُ مَحْصُودٌ، وهَذِهِ الأعارِيبُ مَقُولَةٌ مَنقُولَةٌ. وقِيلَ: هَذا مُبْتَدَأٌ، و﴿فَلْيَذُوقُوهُ﴾ الخَبَرُ، وهَذا عَلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ في إجازَتِهِ: زَيْدٌ فاضْرِبْهُ، مُسْتَدِلًّا بِقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎وقائِلَةٍ خَوْلانُ فانْكِحْ فَتاتَهُمْ والغَسّاقُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: الزَّمْهَرِيرُ؛ وعَنْهُ أيْضًا، وعَنْ عَطاءٍ، وقَتادَةَ، وابْنِ زَيْدٍ: ما يَجْرِي مِن صَدِيدِ أهْلِ النّارِ. وعَنْ كَعْبٍ: عَيْنٌ في جَهَنَّمَ تَسِيلُ إلَيْها حُمَةُ كُلِّ ذِي حُمَةٍ مِن حَيَّةٍ أوْ عَقْرَبٍ أوْ غَيْرِهِما، يُغْمَسُ فِيها فَيَتَساقَطُ الجِلْدُ واللَّحْمُ عَنِ العَظْمِ. وعَنِ السُّدِّيِّ: ما يَسِيلُ مِن دُمُوعِهِمْ، وعَنِ ابْنِ عُمَرَ: القَيْحُ يَسِيلُ مِنهم فَيُسْقَوْنَهُ. وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ، وقَتادَةُ، وابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ، والفَضْلُ، وابْنُ سَعْدانَ، وهارُونُ عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِتَشْدِيدِ السِّينِ. فَإنْ كانَ صِفَةً، فَيَكُونُ مِمّا حُذِفَ مَوْصُوفُها، وإنْ كانَ اسْمًا، فَفَعّالٌ قَلِيلٌ في الأسْماءِ، جاءَ مِنهُ: الكَلّاءُ، والجَبّانُ، والفَنّادُ، والعَقّارُ، والخَطّارُ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ: بِتَخْفِيفِ السِّينِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (وآخَرُ) عَلى الإفْرادِ، فَقِيلَ: مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: ولَهم عَذابٌ آخَرُ. وقِيلَ: خَبَرُهُ في الجُمْلَةِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: (أزْواجٌ) مُبْتَدَأٌ، و﴿مِن شَكْلِهِ﴾ خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ خَبَرُ (وآخَرُ) . وقِيلَ: خَبَرُهُ (أزْواجٌ) و﴿مِن شَكْلِهِ﴾ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ، وجازَ أنْ يُخْبَرَ بِالجَمْعِ عَنِ الواحِدِ مِن حَيْثُ هو دَرَجاتٌ ورُتَبٌ مِنَ العَذابِ، أوْ سَمّى كُلَّ جُزْءٍ مِن ذَلِكَ الآخَرِ بِاسْمِ الكُلِّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (وآخَرُ) أيْ: وعَذابٌ آخَرُ، أوْ مَذُوقٌ آخَرُ؛ وأزْواجٌ صِفَةُ آخَرَ؛ لِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضُرُوبًا أوْ صِفَةً لِلثَّلاثَةِ، وهي: ﴿حَمِيمٌ وغَسّاقٌ﴾ ﴿وآخَرُ مِن شَكْلِهِ﴾ . انْتَهى. وهُوَ إعْرابٌ أخَذَهُ مِنَ الفَرّاءِ. وقَرَأ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، والجَحْدَرِيُّ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وعِيسى، وأبُو عَمْرٍو: (وأُخَرُ) عَلى الجَمْعِ، وهو مُبْتَدَأٌ، (ومِن شَكْلِهِ) في مَوْضِعِ الصِّفَةِ؛ ﴿وأزْواجٌ﴾ [آل عمران: ١٥] خَبَرُهُ، أيْ: ومَذُوقًا آخَرُ مِن شَكْلِ هَذا المَذُوقِ مِن مِثْلِهِ في الشِّدَّةِ والفَظاعَةِ. (أزْواجٌ): أجْناسٌ. وقَرَأ مُجاهِدٌ: ﴿مِن شَكْلِهِ﴾ بِكَسْرِ الشِّينِ؛ والجُمْهُورُ: بِفَتْحِها، وهُما لُغَتانِ بِمَعْنى المِثْلِ والضَّرْبِ. وأمّا إذا كانَ بِمَعْنى الفَتْحِ، فَبِكَسْرِ الشِّينِ لا غَيْرَ. وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: ﴿وآخَرُ مِن شَكْلِهِ﴾: هو الزَّمْهَرِيرُ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿هَذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ﴾ )، مِن قَوْلِ رُؤَسائِهِمْ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، والفَوْجُ: الجَمْعُ الكَثِيرُ، ﴿مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ﴾ أيِ: النّارَ، وهُمُ الأتْباعُ، ثُمَّ دَعَوْا عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِمْ: ﴿لا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾؛ لِأنَّ الرَّئِيسَ إذا رَأى الخَسِيسَ قَدْ قُرِنَ مَعَهُ في العَذابِ، ساءَهُ ذَلِكَ حَيْثُ وقَعَ التَّساوِي في العَذابِ، ولَمْ يَكُنْ هو السّالِمُ مِنَ العَذابِ وأتْباعُهُ في العَذابِ. و(مَرْحَبًا) مَعْناهُ: ائْتِ رَحْبًا وسَعَةً لا ضَيِّقًا، وهو مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ يَجِبُ إضْمارُهُ، ولِأنَّ عُلُوَّهم بَيانٌ لِلْمَدْعُوِّ عَلَيْهِمْ. وقِيلَ: ﴿هَذا فَوْجٌ﴾، مِن كَلامِ المَلائِكَةِ خَزَنَةِ النّارِ؛ وأنَّ الدُّعاءَ عَلى الفَوْجِ والتَّعْلِيلَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهم صالُوا النّارِ﴾، مِن كَلامِهِمْ. وقِيلَ: ﴿هَذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ﴾، مِن كَلامِ المَلائِكَةِ، والدُّعاءُ عَلى الفَوْجِ والإخْبارُ بِأنَّهم صالُوا النّارِ مِن كَلامِ الرُّؤَساءِ المَتْبُوعِينَ. (قالُوا) أيِ: الفَوْجُ: ﴿لا مَرْحَبًا بِكُمْ﴾، رَدٌّ عَلى الرُّؤَساءِ ما دَعَوْا بِهِ عَلَيْهِمْ. ثُمَّ ذَكَرُوا أنَّ ما وقَعُوا فِيهِ مِنَ العَذابِ وصَلْيِ النّارِ، إنَّما هو بِما ألْقَيْتُمْ إلَيْنا وزَيَّنْتُمُوهُ مِنَ الكُفْرِ، فَكَأنَّكم قَدَّمْتُمْ لَنا العَذابَ أوِ الصَّلْيَ. وإذا كانَ ﴿لا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾ مِن كَلامِ الخَزَنَةِ فَلَمْ يَجِئِ التَّرْكِيبُ: قالُوا بَلْ هَؤُلاءِ لا مَرْحَبًا بِهِمْ، بَلْ جاءَ بِخِطابِ الأتْباعِ لِلرُّؤَساءِ، لِتَكُونَ المُواجَهَةُ لِمَن كانُوا لا يَقْدِرُونَ عَلى مُواجَهَتِهِمْ في الدُّنْيا بِقَبِيحٍ أشَفى لِصُدُورِهِمْ، حَيْثُ تَسَبَّبُوا في كُفْرِهِمْ، وأنْكى لِلرُّؤَساءِ. ﴿فَبِئْسَ القَرارُ﴾: أيِ: النّارُ؛ وهَذِهِ المُرادَةُ والدُّعاءُ كَقَوْلِهِ: ﴿كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها﴾ [الأعراف: ٣٨] . ولَمْ يَكْتَفِ الأتْباعُ بِرَدِّ الدُّعاءِ عَلى رُؤَسائِهِمْ، ولا بِمُواجَهَتِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿أنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا﴾، حَتّى سَألُوا مِنَ اللَّهِ أنْ يَزِيدَ رُؤَساءَهم ضِعْفًا مِنَ النّارِ، والمَعْنى: مَن حَمَلَنا عَلى عَمَلِ السُّوءِ حَتّى صارَ جَزاءُنا النّارَ، ﴿فَزِدْهُ عَذابًا ضِعْفًا﴾، كَما جاءَ في قَوْلِ الأتْباعِ: ﴿رَبَّنا آتِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦٨]، أيْ: ساداتَهم ﴿ضِعْفَيْنِ مِنَ العَذابِ﴾ [الأحزاب: ٦٨]، ﴿رَبَّنا هَؤُلاءِ أضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذابًا ضِعْفًا مِنَ النّارِ﴾ [الأعراف: ٣٨] . (p-٤٠٧)ولَمّا كانَ الرُّؤَساءُ ضُلّالًا في أنْفُسِهِمْ، وأضَلُّوا أتْباعَهم، ناسَبَ أنْ يَدْعُوا عَلَيْهِمْ بِأنْ يَزِيدَهم ضِعْفًا، كَما جاءَ: «فَعَلَيْهِ وِزْرُها ووِزْرُ مَن عَمِلَ بِها إلى يَوْمِ القِيامَةِ» فَعَلى هَذا الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: (قالُوا) لِلْأتْباعِ. و﴿مَن قَدَّمَ﴾: هُمُ الرُّؤَساءُ. وقالَ ابْنُ السّائِبِ: ﴿قالُوا رَبَّنا﴾ إلى آخِرِهِ، قَوْلُ جَمِيعِ أهْلِ النّارِ. وقالَ الضَّحّاكُ: ﴿مَن قَدَّمَ﴾، هو إبْلِيسُ وقابِيلُ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: الضِّعْفُ حَيّاتٌ وعَقارِبُ. (وقالُوا) أيْ: أشْرافُ الكُفّارِ، ﴿ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنّا نَعُدُّهم مِنَ الأشْرارِ﴾ أيِ: الأرْذالِ الَّذِينَ لا خَيْرَ فِيهِمْ، ولَيْسُوا عَلى دِينِنا، كَما قالَ: ﴿وما نَراكَ اتَّبَعَكَ إلّا الَّذِينَ هم أراذِلُنا﴾ [هود: ٢٧] . ورُوِيَ أنَّ القائِلِينَ مِن كُفّارِ عَصْرِ الرَّسُولِ ﷺ، هم: أبُو جَهْلٍ، وأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، وأصْحابُ القَلِيبِ، والَّذِينَ لَمْ يَرَوْهم: عَمّارٌ، وصُهَيْبٌ، وسَلْمانُ، ومَن جَرى مَجْراهم، قالَهُ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ. قِيلَ: يَسْألُونَ أيْنَ عَمّارٌ ؟ أيْنَ صُهَيْبٌ ؟ أيْنَ فُلانٌ ؟ يَعُدُّونَ ضُعَفاءَ المُسْلِمِينَ، فَيُقالُ لَهم: أُولَئِكَ في الفِرْدَوْسِ. وقَرَأ النَّحْوِيّانِ، وحَمْزَةُ: (اتَّخَذْناهم) وصْلًا، فَقالَ أبُو حاتِمٍ، والزَّمَخْشَرِيُّ، وابْنُ عَطِيَّةَ: صِفَةٌ لِرِجالٍ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿كُنّا نَعُدُّهم مِنَ الأشْرارِ﴾ . وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: حالٌ، أيْ: وقَدِ اتَّخَذْناهم. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، والأعْرَجُ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، وباقِي السَّبْعَةِ: بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، لِتَقْرِيرِ أنْفُسِهِمْ عَلى هَذا، عَلى جِهَةِ التَّوْبِيخِ لَها والأسَفِ، أيِ: اتَّخَذْناهم سِخْرِيًّا، ولَمْ يَكُونُوا كَذَلِكَ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وأصْحابُهُ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، والأعْرَجُ، ونافِعٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: (سُخْرِيًّا)، بِضَمِّ السِّينِ، ومَعْناها مِنَ السُّخْرَةِ والِاسْتِخْدامِ. وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ، وعِيسى، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وباقِي السَّبْعَةِ: بِكَسْرِ السِّينِ، ومَعْناها: المَشْهُورُ مِنَ السُّخْرِ، وهو الهُزْءُ. قالَ الشّاعِرُ: ؎إنِّي أتانِي لِسانٌ لا أُسَرُّ بِها ∗∗∗ مِن عَلْوَ لا كَذِبٌ فِيها ولا سَخَرُ وقِيلَ: بِكَسْرِ السِّينِ مِنَ التَّسْخِيرِ. وأمْ، إنْ كانَ اتَّخَذْناهُمُ اسْتِفْهامًا إمّا مُصَرَّحًا بِهَمْزَتِهِ كَقِراءَةِ مَن قَرَأ كَذَلِكَ، أوْ مُؤَوَّلًا بِالِاسْتِفْهامِ، وحُذِفَتِ الهَمْزَةُ لِلدَّلالَةِ. فالظّاهِرُ أنَّها مُتَّصِلَةٌ لِتَقَدُّمِ الهَمْزَةِ، والمَعْنى أيُّ الفِعْلَيْنِ فَعَلْنا بِهِمْ، الِاسْتِسْخارُ مِنهم أمِ ازْدِراؤُهم وتَحْقِيرُهم ؟ وإنَّ أبْصارَنا كانَتْ تَعْلُو عَنْهم وتَقْتَحِمُ. ويَكُونُ اسْتِفْهامًا عَلى مَعْنى الإنْكارِ عَلى أنْفُسِهِمْ، لِلِاسْتِسْخارِ والزَّيْغِ جَمِيعًا. وقالَ الحَسَنُ: كُلُّ ذَلِكَ قَدْ فَعَلُوا، اتَّخَذُوهم سِخْرِيًّا، وزاغَتْ عَنْهم أبْصارُهم مُحَقِّرَةً لَهم. وأنَّ (اتَّخَذْناهم) لَيْسَ اسْتِفْهامًا، فَأمْ مُنْقَطِعَةٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُنْقَطِعَةً أيْضًا مَعَ تَقَدُّمِ الِاسْتِفْهامِ، يَكُونُ كَقَوْلِكِ: أزَيْدٌ عِنْدَكَ أمْ عِنْدَكَ عَمْرٌو ؟ واسْتَفْهَمْتَ عَنْ زَيْدٍ، ثُمَّ أضْرَبْتَ عَنْ ذَلِكَ واسْتَفْهَمْتَ عَنْ عَمْرٍو، فالتَّقْدِيرُ: بَلْ أزاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصارُ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهم: ﴿أمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصارُ﴾ لَهُ تَعَلُّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ما لَنا لا نَرى رِجالًا﴾؛ لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ أوَّلًا دَلَّ عَلى انْتِفاءِ رُؤْيَتِهِمْ إيّاهم، وذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّهم لَيْسُوا مَعَهُ، ثُمَّ جَوَّزُوا أنْ يَكُونُوا مَعَهُ، ولَكِنَّ أبْصارَهم لَمْ تَرَهم. (إنَّ ذَلِكَ أيِ: التَّفاوُضُ الَّذِي حَكَيْناهُ عَنْهم، ( لَحَقٌّ) أيْ: ثابِتٌ واقِعٌ لا بُدَّ أنْ يَجْرِيَ بَيْنَهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿تَخاصُمُ﴾ بِالرَّفْعِ مُضافًا إلى أهْلِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: بَدَلٌ مِن (لَحَقٌّ) . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بَيَّنَ ما هو فَقالَ: ﴿تَخاصُمُ﴾ مُنَوَّنًا، (أهْلُ) رُفِعا بِالمَصْدَرِ المُنَوَّنِ، ولا يُجِيزُ ذَلِكَ الفَرّاءُ، ويُجِيزُهُ سِيبَوَيْهِ والبَصْرِيُّونَ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ﴿تَخاصُمَ أهْلِ﴾، بِنَصْبِ المِيمِ وجَرِّ أهْلِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِذَلِكَ؛ لِأنَّ أسْماءَ الإشارَةِ تُوصَفُ بِأسْماءِ الأجْناسِ. وفِي كِتابِ اللَّوامِحِ: ولَوْ نُصِبَ ﴿تَخاصُمُ أهْلِ النّارِ﴾، لَجازَ عَلى البَدَلِ مِن ذَلِكَ. وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْقَعِ: ﴿تَخاصُمُ﴾: فِعْلًا ماضِيًا، (أهْلُ): فاعِلًا، وسَمّى تَعالى تِلْكَ المُفاوَضَةَ الَّتِي جَرَتْ بَيْنَ رُؤَساءِ الكُفّارِ وأتْباعِهِمْ تَخاصُمًا؛ لِأنَّ قَوْلَهم: ﴿لا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾، وقَوْلَ الأتْباعِ: ﴿بَلْ أنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكُمْ﴾، هو مِن بابِ الخُصُومَةِ، فَسَمّى التَّفاوُضَ كُلَّهُ تَخاصُمًا لِاسْتِعْمالِهِ عَلَيْهِ. (قُلْ): يا مُحَمَّدُ، ﴿إنَّما أنا مُنْذِرٌ﴾ أيْ: مُنْذِرُ المُشْرِكِينَ بِالعَذابِ، وأنَّ اللَّهَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، لا نِدَّ لَهُ ولا شَرِيكَ، وهو الواحِدُ القَهّارُ لِكُلِّ شَيْءٍ، وأنَّهُ مالِكُ العالَمِ، عُلْوِهِ وسُفْلِهِ، (p-٤٠٨)العَزِيزُ الَّذِي لا يُغالَبُ، الغَفّارُ لِذُنُوبِ مَن آمَنَ بِهِ واتَّبَعَ لِدِينِهِ.

ص 38:57

﴿هَذا ذِكْرٌ وإنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ﴾ ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الأبْوابُ﴾ ﴿مُتَّكِئِينَ فِيها يَدْعُونَ فِيها بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وشَرابٍ﴾ ﴿وعِنْدَهم قاصِراتُ الطَّرْفِ أتْرابٌ﴾ ﴿هَذا ما تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الحِسابِ﴾ ﴿إنَّ هَذا لَرِزْقُنا ما لَهُ مِن نَفادٍ﴾ ﴿هَذا وإنَّ لِلطّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ﴾ ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ المِهادُ﴾ ﴿هَذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وغَسّاقٌ﴾ ﴿وآخَرُ مِن شَكْلِهِ أزْواجٌ﴾ ﴿هَذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكم لا مَرْحَبًا بِهِمْ إنَّهم صالُوا النّارِ﴾ ﴿قالُوا بَلْ أنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكم أنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا فَبِئْسَ القَرارُ﴾ ﴿قالُوا رَبَّنا مَن قَدَّمَ لَنا هَذا فَزِدْهُ عَذابًا ضِعْفًا في النّارِ﴾ ﴿وقالُوا ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنّا نَعُدُّهم مِنَ الأشْرارِ﴾ ﴿أأتَّخَذْناهم سِخْرِيًّا أمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصارُ﴾ ﴿إنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أهْلِ النّارِ﴾ ﴿قُلْ إنَّما أنا مُنْذِرٌ وما مِن إلَهٍ إلّا اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ ﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما العَزِيزُ الغَفّارُ﴾ (p-٤٠٤)لَمّا أمَرَهُ تَعالى بِالصَّبْرِ عَلى سَفاهَةِ قَوْمِهِ، وذَكَرَ جُمْلَةً مِنَ الأنْبِياءِ وأحْوالِهِمْ، ذَكَرَ ما يَئُولُ إلَيْهِ حالُ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ مِنَ الجَزاءِ، ومَقَرُّ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الفَرِيقَيْنِ. ولَمّا كانَ ما يَذْكُرُهُ نَوْعًا مِن أنْواعِ التَّنْزِيلِ، قالَ: (هَذا ذِكْرٌ)، كَأنَّهُ فَصَلَ بَيْنَ ما قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ. ألا تَرى أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ أهْلَ الجَنَّةِ، وأعْقَبَهُ بِذِكْرِ أهْلِ النّارِ قالَ: (﴿هَذا وإنَّ لِلطّاغِينَ﴾ ؟ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَذا ذِكْرُ مَن مَضى مِنَ الأنْبِياءِ. وقِيلَ: ( هَذا ذِكْرٌ): أيْ: شَرَفٌ تُذْكَرُونَ بِهِ أبَدًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (جَنّاتِ) بِالنَّصْبِ، وهو بَدَلٌ، فَإنْ كانَ (عَدْنٍ) عَلَمًا، فَبَدَلُ مَعْرِفَةٍ مِن نَكَرَةٍ؛ وإنْ كانَ نَكِرَةً، فَبَدَلُ نَكِرَةٍ مِن نَكِرَةٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ مَعْرِفَةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وعَدَ الرَّحْمَنُ﴾ [مريم: ٦١]، وانْتِصابُها عَلى أنَّها عَطْفُ بَيانٍ بِـ(حُسْنَ مَآبٍ) و﴿مُفَتَّحَةً﴾ حالٌ، والعامِلُ فِيها ما في المُتَّقِينَ مِن مَعْنى الفِعْلِ. وفي ﴿مُفَتَّحَةً﴾ ضَمِيرُ الجَنّاتِ، والأبْوابُ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ تَقْدِيرُهُ: مُفَتَّحَةً هي الأبْوابُ لِقَوْلِهِمْ: ضُرِبَ زَيْدٌ اليَدُ والرِّجْلُ، وهو مِن بَدَلِ الِاشْتِمالِ. انْتَهى. ولا يَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ مَعْرِفَةً بِالدَّلِيلِ الَّذِي اسْتَدَلَّ بِهِ وهو قَوْلُهُ: ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي﴾ [مريم: ٦١]؛ لِأنَّهُ اعْتَقَدَ أنَّ الَّتِي صِفَةٌ لِجَنّاتِ عَدْنٍ، ولا يَتَعَيَّنُ ما ذَكَرَهُ، إذْ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الَّتِي بَدَلًا مِن جَنّاتِ عَدْنٍ. ألا تَرى أنَّ الَّذِي والَّتِي وجُمُوعَهُما تُسْتَعْمَلُ اسْتِعْمالَ الأسْماءِ، فَتَلِي (p-٤٠٥)العَوامِلَ، ولا يَلْزَمُ أنْ تَكُونَ صِفَةً ؟ وأمّا انْتِصابُها عَلى أنَّها عَطْفُ بَيانٍ فَلا يَجُوزُ؛ لِأنَّ النَّحْوِيِّينَ في ذَلِكَ عَلى مَذْهَبَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا في المَعارِفِ، فَلا يَكُونُ عَطْفُ البَيانِ إلّا تابِعًا لِمَعْرِفَةٍ، وهو مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ. والثّانِي: أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ في النَّكِراتِ، فَيَكُونُ عَطْفُ البَيانِ تابِعًا لِنَكِرَةٍ، كَما تَكُونُ المَعْرِفَةُ فِيهِ تابِعَةً لِمَعْرِفَةٍ، وهَذا مَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ، وتَبِعَهُمُ الفارِسِيُّ. وأمّا تَخالُفُهُما في التَّنْكِيرِ والتَّعْرِيفِ فَلَمْ يَذْهَبْ إلَيْهِ أحَدٌ سِوى هَذا المُصَنِّفِ. وقَدْ أجازَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿مَقامِ إبْراهِيمَ﴾ [البقرة: ١٢٥]، فَأعْرَبَهُ عَطْفَ بَيانٍ تابِعًا لِنَكِرَةٍ، وهو ﴿آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ [البقرة: ٩٩]، و﴿مَقامِ إبْراهِيمَ﴾ [البقرة: ١٢٥] مَعْرِفَةٌ، وقَدْ رَدَدْنا عَلَيْهِ ذَلِكَ في مَوْضِعِهِ في آلِ عِمْرانَ. وأمّا قَوْلُهُ: وفي ﴿مُفَتَّحَةً﴾ ضَمِيرُ الجَنّاتِ، فَجُمْهُورُ النَّحْوِيِّينَ أعْرَبُوا الأبْوابَ مَفْعُولًا لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ. وجاءَ أبُو عَلِيٍّ فَقالَ: إذا كانَ كَذَلِكَ، لَمْ يَكُنْ في ذَلِكَ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى جَنّاتِ عَدْنٍ مِنَ الحالِيَّةِ إنْ أعْرَبَ مُفَتَّحَةً حالًا، أوْ مِنَ النَّعْتِ إنْ أعْرَبَ نَعْتًا لِـ(جَنّاتِ عَدْنٍ)، فَقالَ: في ﴿مُفَتَّحَةً﴾ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى الجَنّاتِ حَتّى تَرْتَبِطَ الحالُ بِصاحِبِها، أوِ النَّعْتُ بِمَنعُوتِهِ، والأبْوابُ بَدَلٌ. وقالَ: مَن أعْرَبَ الأبْوابَ مَفْعُولًا لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ العائِدُ عَلى الجَنّاتِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: الأبْوابُ مِنها. وألْزَمَ أبُو عَلِيٍّ البَدَلَ في مِثْلِ هَذا لا بُدَّ فِيهِ مِنَ الضَّمِيرِ، إمّا مَلْفُوظًا بِهِ، أوْ مُقَدَّرًا. وإذا كانَ الكَلامُ مُحْتاجًا إلى تَقْدِيرٍ واحِدٍ، كانَ أوْلى مِمّا يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرَيْنِ. وأمّا الكُوفِيُّونَ، فالرّابِطُ عِنْدَهم هو ألْ لِمَقامِهِ مَقامَ الضَّمِيرِ، فَكَأنَّهُ قالَ: مُفَتِّحَةً لَهم أبْوابُها. وأمّا قَوْلُهُ: وهو مِن بَدَلِ الِاشْتِمالِ، فَإنْ عَنى بِقَوْلِهِ: وهو قَوْلُهُ اليَدُ والرِّجْلُ، فَهو وهْمٌ، وإنَّما هو بَدَلُ بَعْضٍ مِن كُلٍّ. وإنْ عَنى الأبْوابَ، فَقَدْ يَصِحُّ؛ لِأنَّ أبْوابَ الجَنّاتِ لَيْسَتْ بَعْضًا مِنَ الجَنّاتِ. وأمّا تَشْبِيهُهُ ما قَدَّرَهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿مُفَتَّحَةً﴾ هي الأبْوابُ، بِقَوْلِهِمْ: ضُرِبَ زَيْدٌ اليَدُ والرِّجْلُ، فَوَجْهُهُ أنَّ الأبْوابَ بَدَلٌ مِن ذَلِكَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ، كَما أنَّ اليَدَ والرِّجْلَ بَدَلٌ مِنَ الظّاهِرِ الَّذِي هو زَيْدٌ. وقالَ أبُو إسْحاقَ، وتَبِعَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ: ﴿مُفَتَّحَةً﴾ نَعْتٌ لِجَنّاتِ عَدْنٍ. وقالَ الحَوْفِيُّ: ﴿مُفَتَّحَةً﴾ حالٌ، والعامِلُ فِيها مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ المَعْنى، تَقْدِيرُهُ: يَدْخُلُونَها. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رُفَيْعٍ، وأبُو حَيْوَةَ: ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ مُفَتَّحَةٌ﴾، بِرَفْعِ التّاءَيْنِ: مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، أوْ كُلٌّ مِنهُما خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هو جَنّاتُ عَدْنٍ هي مُفَتَّحَةٌ. والِاتِّكاءُ: مِن هَيْئاتِ أهْلِ السَّعادَةِ، ﴿يَدْعُونَ فِيها﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ عِنْدَهم مَن يَسْتَخْدِمُونَهُ فِيما يَسْتَدْعُونَ، كَقَوْلِهِ: ﴿ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ [الإنسان: ١٩] . ولَمّا كانَتِ الفاكِهَةُ يَتَنَوَّعُ وصْفُها بِالكَثْرَةِ، وكَثْرَتُها بِاخْتِلافِ أنْواعِها، وكَثْرَةُ كُلِّ نَوْعٍ مِنها؛ ولَمّا كانَ الشَّرابُ نَوْعًا واحِدًا وهو الخَمْرُ، أُفْرِدَ. ﴿وعِنْدَهم قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ . قالَ قَتادَةُ: مَعْناهُ عَلى أزْواجِهِنَّ، ﴿أتْرابٌ﴾: أيْ: أمْثالٌ عَلى سِنٍّ واحِدَةٍ، وأصْلُهُ في بَنِي آدَمَ لِكَوْنِهِمْ مَسَّ أجْسادَهُمُ التُّرابُ في وقْتٍ واحِدٍ، والأقْرانُ أثْبَتُ في التَّحابِّ. والظّاهِرُ أنَّ هَذا الوَصْفَ هو بَيْنَهُنَّ، وقِيلَ: بَيْنَ أزْواجِهِنَّ، أسْنانُهُنَّ كَأسْنانِهِمْ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ الآدَمِيّاتِ. وقالَ صاحِبُ الغُنْيانِ: حُورٌ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: (وهَذا ما يُوعَدُونَ)، بِياءِ الغَيْبَةِ، إذْ قَبْلَهُ (وعِنْدَهم) وباقِي السَّبْعَةِ: بِتاءِ الخِطابِ عَلى الِالتِفاتِ، والمَعْنى: هَذا ما وقَعَ بِهِ الوَعْدُ لِيَوْمِ الجَزاءِ. (إنَّ هَذا): أيْ: ما ذُكِرَ لِلْمُتَّقِينَ مِمّا تَقَدَّمَ، ﴿لَرِزْقُنا﴾ دائِمًا، أيْ: لا نَفادَ لَهُ. ﴿هَذا وإنَّ لِلطّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ﴾، قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: الأمْرُ هَذا، وقالَ أبُو عَلِيٍّ: هَذا لِلْمُؤْمِنِينَ، وقالَ أبُو البَقاءِ: مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ، أوْ خَبَرٌ مَحْذُوفُ المُبْتَدَأِ، والطّاغُونَ هُنا: الكُفّارُ؛ وقالَ الجُبّائِيُّ: أصْحابُ الكَبائِرِ كُفّارًا كانُوا أوْ لَمْ يَكُونُوا. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المَعْنى الَّذِينَ طَغَوْا عَلَيَّ، وكَذَّبُوا رُسُلِي لَهم شَرُّ مَآبٍ أيْ: مَرْجِعٍ ومَصِيرٍ. ﴿فَبِئْسَ المِهادُ﴾ أيْ: هي (هَذا) في مَوْضِعِ رَفْعِ مُبْتَدَأٍ خَبَرُهُ (جَهَنَّمَ)، ﴿وغَسّاقٌ﴾، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: العَذابُ هَذا، وحَمِيمٌ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ، أوْ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الِاشْتِغالِ، أيْ: لِيَذُوقُوا هَذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ، أيْ: هو حَمِيمٌ، أوْ مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ، أيْ: مِنهُ حَمِيمٌ ومِنهُ غَسّاقٌ، كَما قالَ الشّاعِرُ:(p-٤٠٦) ؎حَتّى إذا ما أضاءَ الصُّبْحُ في غَلَسٍ وغُودِرَ البَقْلُ مَلْوِيُّ ومَحْصُودُ أيْ: مِنهُ مَلْوِيٌّ ومِنهُ مَحْصُودٌ، وهَذِهِ الأعارِيبُ مَقُولَةٌ مَنقُولَةٌ. وقِيلَ: هَذا مُبْتَدَأٌ، و﴿فَلْيَذُوقُوهُ﴾ الخَبَرُ، وهَذا عَلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ في إجازَتِهِ: زَيْدٌ فاضْرِبْهُ، مُسْتَدِلًّا بِقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎وقائِلَةٍ خَوْلانُ فانْكِحْ فَتاتَهُمْ والغَسّاقُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: الزَّمْهَرِيرُ؛ وعَنْهُ أيْضًا، وعَنْ عَطاءٍ، وقَتادَةَ، وابْنِ زَيْدٍ: ما يَجْرِي مِن صَدِيدِ أهْلِ النّارِ. وعَنْ كَعْبٍ: عَيْنٌ في جَهَنَّمَ تَسِيلُ إلَيْها حُمَةُ كُلِّ ذِي حُمَةٍ مِن حَيَّةٍ أوْ عَقْرَبٍ أوْ غَيْرِهِما، يُغْمَسُ فِيها فَيَتَساقَطُ الجِلْدُ واللَّحْمُ عَنِ العَظْمِ. وعَنِ السُّدِّيِّ: ما يَسِيلُ مِن دُمُوعِهِمْ، وعَنِ ابْنِ عُمَرَ: القَيْحُ يَسِيلُ مِنهم فَيُسْقَوْنَهُ. وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ، وقَتادَةُ، وابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ، والفَضْلُ، وابْنُ سَعْدانَ، وهارُونُ عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِتَشْدِيدِ السِّينِ. فَإنْ كانَ صِفَةً، فَيَكُونُ مِمّا حُذِفَ مَوْصُوفُها، وإنْ كانَ اسْمًا، فَفَعّالٌ قَلِيلٌ في الأسْماءِ، جاءَ مِنهُ: الكَلّاءُ، والجَبّانُ، والفَنّادُ، والعَقّارُ، والخَطّارُ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ: بِتَخْفِيفِ السِّينِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (وآخَرُ) عَلى الإفْرادِ، فَقِيلَ: مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: ولَهم عَذابٌ آخَرُ. وقِيلَ: خَبَرُهُ في الجُمْلَةِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: (أزْواجٌ) مُبْتَدَأٌ، و﴿مِن شَكْلِهِ﴾ خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ خَبَرُ (وآخَرُ) . وقِيلَ: خَبَرُهُ (أزْواجٌ) و﴿مِن شَكْلِهِ﴾ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ، وجازَ أنْ يُخْبَرَ بِالجَمْعِ عَنِ الواحِدِ مِن حَيْثُ هو دَرَجاتٌ ورُتَبٌ مِنَ العَذابِ، أوْ سَمّى كُلَّ جُزْءٍ مِن ذَلِكَ الآخَرِ بِاسْمِ الكُلِّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (وآخَرُ) أيْ: وعَذابٌ آخَرُ، أوْ مَذُوقٌ آخَرُ؛ وأزْواجٌ صِفَةُ آخَرَ؛ لِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضُرُوبًا أوْ صِفَةً لِلثَّلاثَةِ، وهي: ﴿حَمِيمٌ وغَسّاقٌ﴾ ﴿وآخَرُ مِن شَكْلِهِ﴾ . انْتَهى. وهُوَ إعْرابٌ أخَذَهُ مِنَ الفَرّاءِ. وقَرَأ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، والجَحْدَرِيُّ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وعِيسى، وأبُو عَمْرٍو: (وأُخَرُ) عَلى الجَمْعِ، وهو مُبْتَدَأٌ، (ومِن شَكْلِهِ) في مَوْضِعِ الصِّفَةِ؛ ﴿وأزْواجٌ﴾ [آل عمران: ١٥] خَبَرُهُ، أيْ: ومَذُوقًا آخَرُ مِن شَكْلِ هَذا المَذُوقِ مِن مِثْلِهِ في الشِّدَّةِ والفَظاعَةِ. (أزْواجٌ): أجْناسٌ. وقَرَأ مُجاهِدٌ: ﴿مِن شَكْلِهِ﴾ بِكَسْرِ الشِّينِ؛ والجُمْهُورُ: بِفَتْحِها، وهُما لُغَتانِ بِمَعْنى المِثْلِ والضَّرْبِ. وأمّا إذا كانَ بِمَعْنى الفَتْحِ، فَبِكَسْرِ الشِّينِ لا غَيْرَ. وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: ﴿وآخَرُ مِن شَكْلِهِ﴾: هو الزَّمْهَرِيرُ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿هَذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ﴾ )، مِن قَوْلِ رُؤَسائِهِمْ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، والفَوْجُ: الجَمْعُ الكَثِيرُ، ﴿مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ﴾ أيِ: النّارَ، وهُمُ الأتْباعُ، ثُمَّ دَعَوْا عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِمْ: ﴿لا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾؛ لِأنَّ الرَّئِيسَ إذا رَأى الخَسِيسَ قَدْ قُرِنَ مَعَهُ في العَذابِ، ساءَهُ ذَلِكَ حَيْثُ وقَعَ التَّساوِي في العَذابِ، ولَمْ يَكُنْ هو السّالِمُ مِنَ العَذابِ وأتْباعُهُ في العَذابِ. و(مَرْحَبًا) مَعْناهُ: ائْتِ رَحْبًا وسَعَةً لا ضَيِّقًا، وهو مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ يَجِبُ إضْمارُهُ، ولِأنَّ عُلُوَّهم بَيانٌ لِلْمَدْعُوِّ عَلَيْهِمْ. وقِيلَ: ﴿هَذا فَوْجٌ﴾، مِن كَلامِ المَلائِكَةِ خَزَنَةِ النّارِ؛ وأنَّ الدُّعاءَ عَلى الفَوْجِ والتَّعْلِيلَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهم صالُوا النّارِ﴾، مِن كَلامِهِمْ. وقِيلَ: ﴿هَذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ﴾، مِن كَلامِ المَلائِكَةِ، والدُّعاءُ عَلى الفَوْجِ والإخْبارُ بِأنَّهم صالُوا النّارِ مِن كَلامِ الرُّؤَساءِ المَتْبُوعِينَ. (قالُوا) أيِ: الفَوْجُ: ﴿لا مَرْحَبًا بِكُمْ﴾، رَدٌّ عَلى الرُّؤَساءِ ما دَعَوْا بِهِ عَلَيْهِمْ. ثُمَّ ذَكَرُوا أنَّ ما وقَعُوا فِيهِ مِنَ العَذابِ وصَلْيِ النّارِ، إنَّما هو بِما ألْقَيْتُمْ إلَيْنا وزَيَّنْتُمُوهُ مِنَ الكُفْرِ، فَكَأنَّكم قَدَّمْتُمْ لَنا العَذابَ أوِ الصَّلْيَ. وإذا كانَ ﴿لا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾ مِن كَلامِ الخَزَنَةِ فَلَمْ يَجِئِ التَّرْكِيبُ: قالُوا بَلْ هَؤُلاءِ لا مَرْحَبًا بِهِمْ، بَلْ جاءَ بِخِطابِ الأتْباعِ لِلرُّؤَساءِ، لِتَكُونَ المُواجَهَةُ لِمَن كانُوا لا يَقْدِرُونَ عَلى مُواجَهَتِهِمْ في الدُّنْيا بِقَبِيحٍ أشَفى لِصُدُورِهِمْ، حَيْثُ تَسَبَّبُوا في كُفْرِهِمْ، وأنْكى لِلرُّؤَساءِ. ﴿فَبِئْسَ القَرارُ﴾: أيِ: النّارُ؛ وهَذِهِ المُرادَةُ والدُّعاءُ كَقَوْلِهِ: ﴿كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها﴾ [الأعراف: ٣٨] . ولَمْ يَكْتَفِ الأتْباعُ بِرَدِّ الدُّعاءِ عَلى رُؤَسائِهِمْ، ولا بِمُواجَهَتِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿أنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا﴾، حَتّى سَألُوا مِنَ اللَّهِ أنْ يَزِيدَ رُؤَساءَهم ضِعْفًا مِنَ النّارِ، والمَعْنى: مَن حَمَلَنا عَلى عَمَلِ السُّوءِ حَتّى صارَ جَزاءُنا النّارَ، ﴿فَزِدْهُ عَذابًا ضِعْفًا﴾، كَما جاءَ في قَوْلِ الأتْباعِ: ﴿رَبَّنا آتِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦٨]، أيْ: ساداتَهم ﴿ضِعْفَيْنِ مِنَ العَذابِ﴾ [الأحزاب: ٦٨]، ﴿رَبَّنا هَؤُلاءِ أضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذابًا ضِعْفًا مِنَ النّارِ﴾ [الأعراف: ٣٨] . (p-٤٠٧)ولَمّا كانَ الرُّؤَساءُ ضُلّالًا في أنْفُسِهِمْ، وأضَلُّوا أتْباعَهم، ناسَبَ أنْ يَدْعُوا عَلَيْهِمْ بِأنْ يَزِيدَهم ضِعْفًا، كَما جاءَ: «فَعَلَيْهِ وِزْرُها ووِزْرُ مَن عَمِلَ بِها إلى يَوْمِ القِيامَةِ» فَعَلى هَذا الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: (قالُوا) لِلْأتْباعِ. و﴿مَن قَدَّمَ﴾: هُمُ الرُّؤَساءُ. وقالَ ابْنُ السّائِبِ: ﴿قالُوا رَبَّنا﴾ إلى آخِرِهِ، قَوْلُ جَمِيعِ أهْلِ النّارِ. وقالَ الضَّحّاكُ: ﴿مَن قَدَّمَ﴾، هو إبْلِيسُ وقابِيلُ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: الضِّعْفُ حَيّاتٌ وعَقارِبُ. (وقالُوا) أيْ: أشْرافُ الكُفّارِ، ﴿ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنّا نَعُدُّهم مِنَ الأشْرارِ﴾ أيِ: الأرْذالِ الَّذِينَ لا خَيْرَ فِيهِمْ، ولَيْسُوا عَلى دِينِنا، كَما قالَ: ﴿وما نَراكَ اتَّبَعَكَ إلّا الَّذِينَ هم أراذِلُنا﴾ [هود: ٢٧] . ورُوِيَ أنَّ القائِلِينَ مِن كُفّارِ عَصْرِ الرَّسُولِ ﷺ، هم: أبُو جَهْلٍ، وأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، وأصْحابُ القَلِيبِ، والَّذِينَ لَمْ يَرَوْهم: عَمّارٌ، وصُهَيْبٌ، وسَلْمانُ، ومَن جَرى مَجْراهم، قالَهُ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ. قِيلَ: يَسْألُونَ أيْنَ عَمّارٌ ؟ أيْنَ صُهَيْبٌ ؟ أيْنَ فُلانٌ ؟ يَعُدُّونَ ضُعَفاءَ المُسْلِمِينَ، فَيُقالُ لَهم: أُولَئِكَ في الفِرْدَوْسِ. وقَرَأ النَّحْوِيّانِ، وحَمْزَةُ: (اتَّخَذْناهم) وصْلًا، فَقالَ أبُو حاتِمٍ، والزَّمَخْشَرِيُّ، وابْنُ عَطِيَّةَ: صِفَةٌ لِرِجالٍ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿كُنّا نَعُدُّهم مِنَ الأشْرارِ﴾ . وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: حالٌ، أيْ: وقَدِ اتَّخَذْناهم. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، والأعْرَجُ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، وباقِي السَّبْعَةِ: بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، لِتَقْرِيرِ أنْفُسِهِمْ عَلى هَذا، عَلى جِهَةِ التَّوْبِيخِ لَها والأسَفِ، أيِ: اتَّخَذْناهم سِخْرِيًّا، ولَمْ يَكُونُوا كَذَلِكَ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وأصْحابُهُ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، والأعْرَجُ، ونافِعٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: (سُخْرِيًّا)، بِضَمِّ السِّينِ، ومَعْناها مِنَ السُّخْرَةِ والِاسْتِخْدامِ. وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ، وعِيسى، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وباقِي السَّبْعَةِ: بِكَسْرِ السِّينِ، ومَعْناها: المَشْهُورُ مِنَ السُّخْرِ، وهو الهُزْءُ. قالَ الشّاعِرُ: ؎إنِّي أتانِي لِسانٌ لا أُسَرُّ بِها ∗∗∗ مِن عَلْوَ لا كَذِبٌ فِيها ولا سَخَرُ وقِيلَ: بِكَسْرِ السِّينِ مِنَ التَّسْخِيرِ. وأمْ، إنْ كانَ اتَّخَذْناهُمُ اسْتِفْهامًا إمّا مُصَرَّحًا بِهَمْزَتِهِ كَقِراءَةِ مَن قَرَأ كَذَلِكَ، أوْ مُؤَوَّلًا بِالِاسْتِفْهامِ، وحُذِفَتِ الهَمْزَةُ لِلدَّلالَةِ. فالظّاهِرُ أنَّها مُتَّصِلَةٌ لِتَقَدُّمِ الهَمْزَةِ، والمَعْنى أيُّ الفِعْلَيْنِ فَعَلْنا بِهِمْ، الِاسْتِسْخارُ مِنهم أمِ ازْدِراؤُهم وتَحْقِيرُهم ؟ وإنَّ أبْصارَنا كانَتْ تَعْلُو عَنْهم وتَقْتَحِمُ. ويَكُونُ اسْتِفْهامًا عَلى مَعْنى الإنْكارِ عَلى أنْفُسِهِمْ، لِلِاسْتِسْخارِ والزَّيْغِ جَمِيعًا. وقالَ الحَسَنُ: كُلُّ ذَلِكَ قَدْ فَعَلُوا، اتَّخَذُوهم سِخْرِيًّا، وزاغَتْ عَنْهم أبْصارُهم مُحَقِّرَةً لَهم. وأنَّ (اتَّخَذْناهم) لَيْسَ اسْتِفْهامًا، فَأمْ مُنْقَطِعَةٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُنْقَطِعَةً أيْضًا مَعَ تَقَدُّمِ الِاسْتِفْهامِ، يَكُونُ كَقَوْلِكِ: أزَيْدٌ عِنْدَكَ أمْ عِنْدَكَ عَمْرٌو ؟ واسْتَفْهَمْتَ عَنْ زَيْدٍ، ثُمَّ أضْرَبْتَ عَنْ ذَلِكَ واسْتَفْهَمْتَ عَنْ عَمْرٍو، فالتَّقْدِيرُ: بَلْ أزاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصارُ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهم: ﴿أمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصارُ﴾ لَهُ تَعَلُّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ما لَنا لا نَرى رِجالًا﴾؛ لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ أوَّلًا دَلَّ عَلى انْتِفاءِ رُؤْيَتِهِمْ إيّاهم، وذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّهم لَيْسُوا مَعَهُ، ثُمَّ جَوَّزُوا أنْ يَكُونُوا مَعَهُ، ولَكِنَّ أبْصارَهم لَمْ تَرَهم. (إنَّ ذَلِكَ أيِ: التَّفاوُضُ الَّذِي حَكَيْناهُ عَنْهم، ( لَحَقٌّ) أيْ: ثابِتٌ واقِعٌ لا بُدَّ أنْ يَجْرِيَ بَيْنَهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿تَخاصُمُ﴾ بِالرَّفْعِ مُضافًا إلى أهْلِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: بَدَلٌ مِن (لَحَقٌّ) . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بَيَّنَ ما هو فَقالَ: ﴿تَخاصُمُ﴾ مُنَوَّنًا، (أهْلُ) رُفِعا بِالمَصْدَرِ المُنَوَّنِ، ولا يُجِيزُ ذَلِكَ الفَرّاءُ، ويُجِيزُهُ سِيبَوَيْهِ والبَصْرِيُّونَ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ﴿تَخاصُمَ أهْلِ﴾، بِنَصْبِ المِيمِ وجَرِّ أهْلِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِذَلِكَ؛ لِأنَّ أسْماءَ الإشارَةِ تُوصَفُ بِأسْماءِ الأجْناسِ. وفِي كِتابِ اللَّوامِحِ: ولَوْ نُصِبَ ﴿تَخاصُمُ أهْلِ النّارِ﴾، لَجازَ عَلى البَدَلِ مِن ذَلِكَ. وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْقَعِ: ﴿تَخاصُمُ﴾: فِعْلًا ماضِيًا، (أهْلُ): فاعِلًا، وسَمّى تَعالى تِلْكَ المُفاوَضَةَ الَّتِي جَرَتْ بَيْنَ رُؤَساءِ الكُفّارِ وأتْباعِهِمْ تَخاصُمًا؛ لِأنَّ قَوْلَهم: ﴿لا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾، وقَوْلَ الأتْباعِ: ﴿بَلْ أنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكُمْ﴾، هو مِن بابِ الخُصُومَةِ، فَسَمّى التَّفاوُضَ كُلَّهُ تَخاصُمًا لِاسْتِعْمالِهِ عَلَيْهِ. (قُلْ): يا مُحَمَّدُ، ﴿إنَّما أنا مُنْذِرٌ﴾ أيْ: مُنْذِرُ المُشْرِكِينَ بِالعَذابِ، وأنَّ اللَّهَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، لا نِدَّ لَهُ ولا شَرِيكَ، وهو الواحِدُ القَهّارُ لِكُلِّ شَيْءٍ، وأنَّهُ مالِكُ العالَمِ، عُلْوِهِ وسُفْلِهِ، (p-٤٠٨)العَزِيزُ الَّذِي لا يُغالَبُ، الغَفّارُ لِذُنُوبِ مَن آمَنَ بِهِ واتَّبَعَ لِدِينِهِ.

ص 38:58

﴿هَذا ذِكْرٌ وإنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ﴾ ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الأبْوابُ﴾ ﴿مُتَّكِئِينَ فِيها يَدْعُونَ فِيها بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وشَرابٍ﴾ ﴿وعِنْدَهم قاصِراتُ الطَّرْفِ أتْرابٌ﴾ ﴿هَذا ما تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الحِسابِ﴾ ﴿إنَّ هَذا لَرِزْقُنا ما لَهُ مِن نَفادٍ﴾ ﴿هَذا وإنَّ لِلطّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ﴾ ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ المِهادُ﴾ ﴿هَذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وغَسّاقٌ﴾ ﴿وآخَرُ مِن شَكْلِهِ أزْواجٌ﴾ ﴿هَذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكم لا مَرْحَبًا بِهِمْ إنَّهم صالُوا النّارِ﴾ ﴿قالُوا بَلْ أنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكم أنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا فَبِئْسَ القَرارُ﴾ ﴿قالُوا رَبَّنا مَن قَدَّمَ لَنا هَذا فَزِدْهُ عَذابًا ضِعْفًا في النّارِ﴾ ﴿وقالُوا ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنّا نَعُدُّهم مِنَ الأشْرارِ﴾ ﴿أأتَّخَذْناهم سِخْرِيًّا أمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصارُ﴾ ﴿إنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أهْلِ النّارِ﴾ ﴿قُلْ إنَّما أنا مُنْذِرٌ وما مِن إلَهٍ إلّا اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ ﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما العَزِيزُ الغَفّارُ﴾ (p-٤٠٤)لَمّا أمَرَهُ تَعالى بِالصَّبْرِ عَلى سَفاهَةِ قَوْمِهِ، وذَكَرَ جُمْلَةً مِنَ الأنْبِياءِ وأحْوالِهِمْ، ذَكَرَ ما يَئُولُ إلَيْهِ حالُ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ مِنَ الجَزاءِ، ومَقَرُّ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الفَرِيقَيْنِ. ولَمّا كانَ ما يَذْكُرُهُ نَوْعًا مِن أنْواعِ التَّنْزِيلِ، قالَ: (هَذا ذِكْرٌ)، كَأنَّهُ فَصَلَ بَيْنَ ما قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ. ألا تَرى أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ أهْلَ الجَنَّةِ، وأعْقَبَهُ بِذِكْرِ أهْلِ النّارِ قالَ: (﴿هَذا وإنَّ لِلطّاغِينَ﴾ ؟ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَذا ذِكْرُ مَن مَضى مِنَ الأنْبِياءِ. وقِيلَ: ( هَذا ذِكْرٌ): أيْ: شَرَفٌ تُذْكَرُونَ بِهِ أبَدًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (جَنّاتِ) بِالنَّصْبِ، وهو بَدَلٌ، فَإنْ كانَ (عَدْنٍ) عَلَمًا، فَبَدَلُ مَعْرِفَةٍ مِن نَكَرَةٍ؛ وإنْ كانَ نَكِرَةً، فَبَدَلُ نَكِرَةٍ مِن نَكِرَةٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ مَعْرِفَةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وعَدَ الرَّحْمَنُ﴾ [مريم: ٦١]، وانْتِصابُها عَلى أنَّها عَطْفُ بَيانٍ بِـ(حُسْنَ مَآبٍ) و﴿مُفَتَّحَةً﴾ حالٌ، والعامِلُ فِيها ما في المُتَّقِينَ مِن مَعْنى الفِعْلِ. وفي ﴿مُفَتَّحَةً﴾ ضَمِيرُ الجَنّاتِ، والأبْوابُ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ تَقْدِيرُهُ: مُفَتَّحَةً هي الأبْوابُ لِقَوْلِهِمْ: ضُرِبَ زَيْدٌ اليَدُ والرِّجْلُ، وهو مِن بَدَلِ الِاشْتِمالِ. انْتَهى. ولا يَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ مَعْرِفَةً بِالدَّلِيلِ الَّذِي اسْتَدَلَّ بِهِ وهو قَوْلُهُ: ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي﴾ [مريم: ٦١]؛ لِأنَّهُ اعْتَقَدَ أنَّ الَّتِي صِفَةٌ لِجَنّاتِ عَدْنٍ، ولا يَتَعَيَّنُ ما ذَكَرَهُ، إذْ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الَّتِي بَدَلًا مِن جَنّاتِ عَدْنٍ. ألا تَرى أنَّ الَّذِي والَّتِي وجُمُوعَهُما تُسْتَعْمَلُ اسْتِعْمالَ الأسْماءِ، فَتَلِي (p-٤٠٥)العَوامِلَ، ولا يَلْزَمُ أنْ تَكُونَ صِفَةً ؟ وأمّا انْتِصابُها عَلى أنَّها عَطْفُ بَيانٍ فَلا يَجُوزُ؛ لِأنَّ النَّحْوِيِّينَ في ذَلِكَ عَلى مَذْهَبَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا في المَعارِفِ، فَلا يَكُونُ عَطْفُ البَيانِ إلّا تابِعًا لِمَعْرِفَةٍ، وهو مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ. والثّانِي: أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ في النَّكِراتِ، فَيَكُونُ عَطْفُ البَيانِ تابِعًا لِنَكِرَةٍ، كَما تَكُونُ المَعْرِفَةُ فِيهِ تابِعَةً لِمَعْرِفَةٍ، وهَذا مَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ، وتَبِعَهُمُ الفارِسِيُّ. وأمّا تَخالُفُهُما في التَّنْكِيرِ والتَّعْرِيفِ فَلَمْ يَذْهَبْ إلَيْهِ أحَدٌ سِوى هَذا المُصَنِّفِ. وقَدْ أجازَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿مَقامِ إبْراهِيمَ﴾ [البقرة: ١٢٥]، فَأعْرَبَهُ عَطْفَ بَيانٍ تابِعًا لِنَكِرَةٍ، وهو ﴿آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ [البقرة: ٩٩]، و﴿مَقامِ إبْراهِيمَ﴾ [البقرة: ١٢٥] مَعْرِفَةٌ، وقَدْ رَدَدْنا عَلَيْهِ ذَلِكَ في مَوْضِعِهِ في آلِ عِمْرانَ. وأمّا قَوْلُهُ: وفي ﴿مُفَتَّحَةً﴾ ضَمِيرُ الجَنّاتِ، فَجُمْهُورُ النَّحْوِيِّينَ أعْرَبُوا الأبْوابَ مَفْعُولًا لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ. وجاءَ أبُو عَلِيٍّ فَقالَ: إذا كانَ كَذَلِكَ، لَمْ يَكُنْ في ذَلِكَ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى جَنّاتِ عَدْنٍ مِنَ الحالِيَّةِ إنْ أعْرَبَ مُفَتَّحَةً حالًا، أوْ مِنَ النَّعْتِ إنْ أعْرَبَ نَعْتًا لِـ(جَنّاتِ عَدْنٍ)، فَقالَ: في ﴿مُفَتَّحَةً﴾ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى الجَنّاتِ حَتّى تَرْتَبِطَ الحالُ بِصاحِبِها، أوِ النَّعْتُ بِمَنعُوتِهِ، والأبْوابُ بَدَلٌ. وقالَ: مَن أعْرَبَ الأبْوابَ مَفْعُولًا لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ العائِدُ عَلى الجَنّاتِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: الأبْوابُ مِنها. وألْزَمَ أبُو عَلِيٍّ البَدَلَ في مِثْلِ هَذا لا بُدَّ فِيهِ مِنَ الضَّمِيرِ، إمّا مَلْفُوظًا بِهِ، أوْ مُقَدَّرًا. وإذا كانَ الكَلامُ مُحْتاجًا إلى تَقْدِيرٍ واحِدٍ، كانَ أوْلى مِمّا يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرَيْنِ. وأمّا الكُوفِيُّونَ، فالرّابِطُ عِنْدَهم هو ألْ لِمَقامِهِ مَقامَ الضَّمِيرِ، فَكَأنَّهُ قالَ: مُفَتِّحَةً لَهم أبْوابُها. وأمّا قَوْلُهُ: وهو مِن بَدَلِ الِاشْتِمالِ، فَإنْ عَنى بِقَوْلِهِ: وهو قَوْلُهُ اليَدُ والرِّجْلُ، فَهو وهْمٌ، وإنَّما هو بَدَلُ بَعْضٍ مِن كُلٍّ. وإنْ عَنى الأبْوابَ، فَقَدْ يَصِحُّ؛ لِأنَّ أبْوابَ الجَنّاتِ لَيْسَتْ بَعْضًا مِنَ الجَنّاتِ. وأمّا تَشْبِيهُهُ ما قَدَّرَهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿مُفَتَّحَةً﴾ هي الأبْوابُ، بِقَوْلِهِمْ: ضُرِبَ زَيْدٌ اليَدُ والرِّجْلُ، فَوَجْهُهُ أنَّ الأبْوابَ بَدَلٌ مِن ذَلِكَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ، كَما أنَّ اليَدَ والرِّجْلَ بَدَلٌ مِنَ الظّاهِرِ الَّذِي هو زَيْدٌ. وقالَ أبُو إسْحاقَ، وتَبِعَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ: ﴿مُفَتَّحَةً﴾ نَعْتٌ لِجَنّاتِ عَدْنٍ. وقالَ الحَوْفِيُّ: ﴿مُفَتَّحَةً﴾ حالٌ، والعامِلُ فِيها مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ المَعْنى، تَقْدِيرُهُ: يَدْخُلُونَها. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رُفَيْعٍ، وأبُو حَيْوَةَ: ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ مُفَتَّحَةٌ﴾، بِرَفْعِ التّاءَيْنِ: مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، أوْ كُلٌّ مِنهُما خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هو جَنّاتُ عَدْنٍ هي مُفَتَّحَةٌ. والِاتِّكاءُ: مِن هَيْئاتِ أهْلِ السَّعادَةِ، ﴿يَدْعُونَ فِيها﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ عِنْدَهم مَن يَسْتَخْدِمُونَهُ فِيما يَسْتَدْعُونَ، كَقَوْلِهِ: ﴿ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ [الإنسان: ١٩] . ولَمّا كانَتِ الفاكِهَةُ يَتَنَوَّعُ وصْفُها بِالكَثْرَةِ، وكَثْرَتُها بِاخْتِلافِ أنْواعِها، وكَثْرَةُ كُلِّ نَوْعٍ مِنها؛ ولَمّا كانَ الشَّرابُ نَوْعًا واحِدًا وهو الخَمْرُ، أُفْرِدَ. ﴿وعِنْدَهم قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ . قالَ قَتادَةُ: مَعْناهُ عَلى أزْواجِهِنَّ، ﴿أتْرابٌ﴾: أيْ: أمْثالٌ عَلى سِنٍّ واحِدَةٍ، وأصْلُهُ في بَنِي آدَمَ لِكَوْنِهِمْ مَسَّ أجْسادَهُمُ التُّرابُ في وقْتٍ واحِدٍ، والأقْرانُ أثْبَتُ في التَّحابِّ. والظّاهِرُ أنَّ هَذا الوَصْفَ هو بَيْنَهُنَّ، وقِيلَ: بَيْنَ أزْواجِهِنَّ، أسْنانُهُنَّ كَأسْنانِهِمْ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ الآدَمِيّاتِ. وقالَ صاحِبُ الغُنْيانِ: حُورٌ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: (وهَذا ما يُوعَدُونَ)، بِياءِ الغَيْبَةِ، إذْ قَبْلَهُ (وعِنْدَهم) وباقِي السَّبْعَةِ: بِتاءِ الخِطابِ عَلى الِالتِفاتِ، والمَعْنى: هَذا ما وقَعَ بِهِ الوَعْدُ لِيَوْمِ الجَزاءِ. (إنَّ هَذا): أيْ: ما ذُكِرَ لِلْمُتَّقِينَ مِمّا تَقَدَّمَ، ﴿لَرِزْقُنا﴾ دائِمًا، أيْ: لا نَفادَ لَهُ. ﴿هَذا وإنَّ لِلطّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ﴾، قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: الأمْرُ هَذا، وقالَ أبُو عَلِيٍّ: هَذا لِلْمُؤْمِنِينَ، وقالَ أبُو البَقاءِ: مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ، أوْ خَبَرٌ مَحْذُوفُ المُبْتَدَأِ، والطّاغُونَ هُنا: الكُفّارُ؛ وقالَ الجُبّائِيُّ: أصْحابُ الكَبائِرِ كُفّارًا كانُوا أوْ لَمْ يَكُونُوا. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المَعْنى الَّذِينَ طَغَوْا عَلَيَّ، وكَذَّبُوا رُسُلِي لَهم شَرُّ مَآبٍ أيْ: مَرْجِعٍ ومَصِيرٍ. ﴿فَبِئْسَ المِهادُ﴾ أيْ: هي (هَذا) في مَوْضِعِ رَفْعِ مُبْتَدَأٍ خَبَرُهُ (جَهَنَّمَ)، ﴿وغَسّاقٌ﴾، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: العَذابُ هَذا، وحَمِيمٌ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ، أوْ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الِاشْتِغالِ، أيْ: لِيَذُوقُوا هَذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ، أيْ: هو حَمِيمٌ، أوْ مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ، أيْ: مِنهُ حَمِيمٌ ومِنهُ غَسّاقٌ، كَما قالَ الشّاعِرُ:(p-٤٠٦) ؎حَتّى إذا ما أضاءَ الصُّبْحُ في غَلَسٍ وغُودِرَ البَقْلُ مَلْوِيُّ ومَحْصُودُ أيْ: مِنهُ مَلْوِيٌّ ومِنهُ مَحْصُودٌ، وهَذِهِ الأعارِيبُ مَقُولَةٌ مَنقُولَةٌ. وقِيلَ: هَذا مُبْتَدَأٌ، و﴿فَلْيَذُوقُوهُ﴾ الخَبَرُ، وهَذا عَلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ في إجازَتِهِ: زَيْدٌ فاضْرِبْهُ، مُسْتَدِلًّا بِقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎وقائِلَةٍ خَوْلانُ فانْكِحْ فَتاتَهُمْ والغَسّاقُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: الزَّمْهَرِيرُ؛ وعَنْهُ أيْضًا، وعَنْ عَطاءٍ، وقَتادَةَ، وابْنِ زَيْدٍ: ما يَجْرِي مِن صَدِيدِ أهْلِ النّارِ. وعَنْ كَعْبٍ: عَيْنٌ في جَهَنَّمَ تَسِيلُ إلَيْها حُمَةُ كُلِّ ذِي حُمَةٍ مِن حَيَّةٍ أوْ عَقْرَبٍ أوْ غَيْرِهِما، يُغْمَسُ فِيها فَيَتَساقَطُ الجِلْدُ واللَّحْمُ عَنِ العَظْمِ. وعَنِ السُّدِّيِّ: ما يَسِيلُ مِن دُمُوعِهِمْ، وعَنِ ابْنِ عُمَرَ: القَيْحُ يَسِيلُ مِنهم فَيُسْقَوْنَهُ. وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ، وقَتادَةُ، وابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ، والفَضْلُ، وابْنُ سَعْدانَ، وهارُونُ عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِتَشْدِيدِ السِّينِ. فَإنْ كانَ صِفَةً، فَيَكُونُ مِمّا حُذِفَ مَوْصُوفُها، وإنْ كانَ اسْمًا، فَفَعّالٌ قَلِيلٌ في الأسْماءِ، جاءَ مِنهُ: الكَلّاءُ، والجَبّانُ، والفَنّادُ، والعَقّارُ، والخَطّارُ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ: بِتَخْفِيفِ السِّينِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (وآخَرُ) عَلى الإفْرادِ، فَقِيلَ: مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: ولَهم عَذابٌ آخَرُ. وقِيلَ: خَبَرُهُ في الجُمْلَةِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: (أزْواجٌ) مُبْتَدَأٌ، و﴿مِن شَكْلِهِ﴾ خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ خَبَرُ (وآخَرُ) . وقِيلَ: خَبَرُهُ (أزْواجٌ) و﴿مِن شَكْلِهِ﴾ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ، وجازَ أنْ يُخْبَرَ بِالجَمْعِ عَنِ الواحِدِ مِن حَيْثُ هو دَرَجاتٌ ورُتَبٌ مِنَ العَذابِ، أوْ سَمّى كُلَّ جُزْءٍ مِن ذَلِكَ الآخَرِ بِاسْمِ الكُلِّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (وآخَرُ) أيْ: وعَذابٌ آخَرُ، أوْ مَذُوقٌ آخَرُ؛ وأزْواجٌ صِفَةُ آخَرَ؛ لِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضُرُوبًا أوْ صِفَةً لِلثَّلاثَةِ، وهي: ﴿حَمِيمٌ وغَسّاقٌ﴾ ﴿وآخَرُ مِن شَكْلِهِ﴾ . انْتَهى. وهُوَ إعْرابٌ أخَذَهُ مِنَ الفَرّاءِ. وقَرَأ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، والجَحْدَرِيُّ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وعِيسى، وأبُو عَمْرٍو: (وأُخَرُ) عَلى الجَمْعِ، وهو مُبْتَدَأٌ، (ومِن شَكْلِهِ) في مَوْضِعِ الصِّفَةِ؛ ﴿وأزْواجٌ﴾ [آل عمران: ١٥] خَبَرُهُ، أيْ: ومَذُوقًا آخَرُ مِن شَكْلِ هَذا المَذُوقِ مِن مِثْلِهِ في الشِّدَّةِ والفَظاعَةِ. (أزْواجٌ): أجْناسٌ. وقَرَأ مُجاهِدٌ: ﴿مِن شَكْلِهِ﴾ بِكَسْرِ الشِّينِ؛ والجُمْهُورُ: بِفَتْحِها، وهُما لُغَتانِ بِمَعْنى المِثْلِ والضَّرْبِ. وأمّا إذا كانَ بِمَعْنى الفَتْحِ، فَبِكَسْرِ الشِّينِ لا غَيْرَ. وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: ﴿وآخَرُ مِن شَكْلِهِ﴾: هو الزَّمْهَرِيرُ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿هَذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ﴾ )، مِن قَوْلِ رُؤَسائِهِمْ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، والفَوْجُ: الجَمْعُ الكَثِيرُ، ﴿مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ﴾ أيِ: النّارَ، وهُمُ الأتْباعُ، ثُمَّ دَعَوْا عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِمْ: ﴿لا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾؛ لِأنَّ الرَّئِيسَ إذا رَأى الخَسِيسَ قَدْ قُرِنَ مَعَهُ في العَذابِ، ساءَهُ ذَلِكَ حَيْثُ وقَعَ التَّساوِي في العَذابِ، ولَمْ يَكُنْ هو السّالِمُ مِنَ العَذابِ وأتْباعُهُ في العَذابِ. و(مَرْحَبًا) مَعْناهُ: ائْتِ رَحْبًا وسَعَةً لا ضَيِّقًا، وهو مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ يَجِبُ إضْمارُهُ، ولِأنَّ عُلُوَّهم بَيانٌ لِلْمَدْعُوِّ عَلَيْهِمْ. وقِيلَ: ﴿هَذا فَوْجٌ﴾، مِن كَلامِ المَلائِكَةِ خَزَنَةِ النّارِ؛ وأنَّ الدُّعاءَ عَلى الفَوْجِ والتَّعْلِيلَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهم صالُوا النّارِ﴾، مِن كَلامِهِمْ. وقِيلَ: ﴿هَذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ﴾، مِن كَلامِ المَلائِكَةِ، والدُّعاءُ عَلى الفَوْجِ والإخْبارُ بِأنَّهم صالُوا النّارِ مِن كَلامِ الرُّؤَساءِ المَتْبُوعِينَ. (قالُوا) أيِ: الفَوْجُ: ﴿لا مَرْحَبًا بِكُمْ﴾، رَدٌّ عَلى الرُّؤَساءِ ما دَعَوْا بِهِ عَلَيْهِمْ. ثُمَّ ذَكَرُوا أنَّ ما وقَعُوا فِيهِ مِنَ العَذابِ وصَلْيِ النّارِ، إنَّما هو بِما ألْقَيْتُمْ إلَيْنا وزَيَّنْتُمُوهُ مِنَ الكُفْرِ، فَكَأنَّكم قَدَّمْتُمْ لَنا العَذابَ أوِ الصَّلْيَ. وإذا كانَ ﴿لا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾ مِن كَلامِ الخَزَنَةِ فَلَمْ يَجِئِ التَّرْكِيبُ: قالُوا بَلْ هَؤُلاءِ لا مَرْحَبًا بِهِمْ، بَلْ جاءَ بِخِطابِ الأتْباعِ لِلرُّؤَساءِ، لِتَكُونَ المُواجَهَةُ لِمَن كانُوا لا يَقْدِرُونَ عَلى مُواجَهَتِهِمْ في الدُّنْيا بِقَبِيحٍ أشَفى لِصُدُورِهِمْ، حَيْثُ تَسَبَّبُوا في كُفْرِهِمْ، وأنْكى لِلرُّؤَساءِ. ﴿فَبِئْسَ القَرارُ﴾: أيِ: النّارُ؛ وهَذِهِ المُرادَةُ والدُّعاءُ كَقَوْلِهِ: ﴿كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها﴾ [الأعراف: ٣٨] . ولَمْ يَكْتَفِ الأتْباعُ بِرَدِّ الدُّعاءِ عَلى رُؤَسائِهِمْ، ولا بِمُواجَهَتِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿أنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا﴾، حَتّى سَألُوا مِنَ اللَّهِ أنْ يَزِيدَ رُؤَساءَهم ضِعْفًا مِنَ النّارِ، والمَعْنى: مَن حَمَلَنا عَلى عَمَلِ السُّوءِ حَتّى صارَ جَزاءُنا النّارَ، ﴿فَزِدْهُ عَذابًا ضِعْفًا﴾، كَما جاءَ في قَوْلِ الأتْباعِ: ﴿رَبَّنا آتِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦٨]، أيْ: ساداتَهم ﴿ضِعْفَيْنِ مِنَ العَذابِ﴾ [الأحزاب: ٦٨]، ﴿رَبَّنا هَؤُلاءِ أضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذابًا ضِعْفًا مِنَ النّارِ﴾ [الأعراف: ٣٨] . (p-٤٠٧)ولَمّا كانَ الرُّؤَساءُ ضُلّالًا في أنْفُسِهِمْ، وأضَلُّوا أتْباعَهم، ناسَبَ أنْ يَدْعُوا عَلَيْهِمْ بِأنْ يَزِيدَهم ضِعْفًا، كَما جاءَ: «فَعَلَيْهِ وِزْرُها ووِزْرُ مَن عَمِلَ بِها إلى يَوْمِ القِيامَةِ» فَعَلى هَذا الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: (قالُوا) لِلْأتْباعِ. و﴿مَن قَدَّمَ﴾: هُمُ الرُّؤَساءُ. وقالَ ابْنُ السّائِبِ: ﴿قالُوا رَبَّنا﴾ إلى آخِرِهِ، قَوْلُ جَمِيعِ أهْلِ النّارِ. وقالَ الضَّحّاكُ: ﴿مَن قَدَّمَ﴾، هو إبْلِيسُ وقابِيلُ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: الضِّعْفُ حَيّاتٌ وعَقارِبُ. (وقالُوا) أيْ: أشْرافُ الكُفّارِ، ﴿ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنّا نَعُدُّهم مِنَ الأشْرارِ﴾ أيِ: الأرْذالِ الَّذِينَ لا خَيْرَ فِيهِمْ، ولَيْسُوا عَلى دِينِنا، كَما قالَ: ﴿وما نَراكَ اتَّبَعَكَ إلّا الَّذِينَ هم أراذِلُنا﴾ [هود: ٢٧] . ورُوِيَ أنَّ القائِلِينَ مِن كُفّارِ عَصْرِ الرَّسُولِ ﷺ، هم: أبُو جَهْلٍ، وأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، وأصْحابُ القَلِيبِ، والَّذِينَ لَمْ يَرَوْهم: عَمّارٌ، وصُهَيْبٌ، وسَلْمانُ، ومَن جَرى مَجْراهم، قالَهُ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ. قِيلَ: يَسْألُونَ أيْنَ عَمّارٌ ؟ أيْنَ صُهَيْبٌ ؟ أيْنَ فُلانٌ ؟ يَعُدُّونَ ضُعَفاءَ المُسْلِمِينَ، فَيُقالُ لَهم: أُولَئِكَ في الفِرْدَوْسِ. وقَرَأ النَّحْوِيّانِ، وحَمْزَةُ: (اتَّخَذْناهم) وصْلًا، فَقالَ أبُو حاتِمٍ، والزَّمَخْشَرِيُّ، وابْنُ عَطِيَّةَ: صِفَةٌ لِرِجالٍ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿كُنّا نَعُدُّهم مِنَ الأشْرارِ﴾ . وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: حالٌ، أيْ: وقَدِ اتَّخَذْناهم. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، والأعْرَجُ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، وباقِي السَّبْعَةِ: بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، لِتَقْرِيرِ أنْفُسِهِمْ عَلى هَذا، عَلى جِهَةِ التَّوْبِيخِ لَها والأسَفِ، أيِ: اتَّخَذْناهم سِخْرِيًّا، ولَمْ يَكُونُوا كَذَلِكَ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وأصْحابُهُ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، والأعْرَجُ، ونافِعٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: (سُخْرِيًّا)، بِضَمِّ السِّينِ، ومَعْناها مِنَ السُّخْرَةِ والِاسْتِخْدامِ. وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ، وعِيسى، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وباقِي السَّبْعَةِ: بِكَسْرِ السِّينِ، ومَعْناها: المَشْهُورُ مِنَ السُّخْرِ، وهو الهُزْءُ. قالَ الشّاعِرُ: ؎إنِّي أتانِي لِسانٌ لا أُسَرُّ بِها ∗∗∗ مِن عَلْوَ لا كَذِبٌ فِيها ولا سَخَرُ وقِيلَ: بِكَسْرِ السِّينِ مِنَ التَّسْخِيرِ. وأمْ، إنْ كانَ اتَّخَذْناهُمُ اسْتِفْهامًا إمّا مُصَرَّحًا بِهَمْزَتِهِ كَقِراءَةِ مَن قَرَأ كَذَلِكَ، أوْ مُؤَوَّلًا بِالِاسْتِفْهامِ، وحُذِفَتِ الهَمْزَةُ لِلدَّلالَةِ. فالظّاهِرُ أنَّها مُتَّصِلَةٌ لِتَقَدُّمِ الهَمْزَةِ، والمَعْنى أيُّ الفِعْلَيْنِ فَعَلْنا بِهِمْ، الِاسْتِسْخارُ مِنهم أمِ ازْدِراؤُهم وتَحْقِيرُهم ؟ وإنَّ أبْصارَنا كانَتْ تَعْلُو عَنْهم وتَقْتَحِمُ. ويَكُونُ اسْتِفْهامًا عَلى مَعْنى الإنْكارِ عَلى أنْفُسِهِمْ، لِلِاسْتِسْخارِ والزَّيْغِ جَمِيعًا. وقالَ الحَسَنُ: كُلُّ ذَلِكَ قَدْ فَعَلُوا، اتَّخَذُوهم سِخْرِيًّا، وزاغَتْ عَنْهم أبْصارُهم مُحَقِّرَةً لَهم. وأنَّ (اتَّخَذْناهم) لَيْسَ اسْتِفْهامًا، فَأمْ مُنْقَطِعَةٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُنْقَطِعَةً أيْضًا مَعَ تَقَدُّمِ الِاسْتِفْهامِ، يَكُونُ كَقَوْلِكِ: أزَيْدٌ عِنْدَكَ أمْ عِنْدَكَ عَمْرٌو ؟ واسْتَفْهَمْتَ عَنْ زَيْدٍ، ثُمَّ أضْرَبْتَ عَنْ ذَلِكَ واسْتَفْهَمْتَ عَنْ عَمْرٍو، فالتَّقْدِيرُ: بَلْ أزاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصارُ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهم: ﴿أمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصارُ﴾ لَهُ تَعَلُّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ما لَنا لا نَرى رِجالًا﴾؛ لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ أوَّلًا دَلَّ عَلى انْتِفاءِ رُؤْيَتِهِمْ إيّاهم، وذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّهم لَيْسُوا مَعَهُ، ثُمَّ جَوَّزُوا أنْ يَكُونُوا مَعَهُ، ولَكِنَّ أبْصارَهم لَمْ تَرَهم. (إنَّ ذَلِكَ أيِ: التَّفاوُضُ الَّذِي حَكَيْناهُ عَنْهم، ( لَحَقٌّ) أيْ: ثابِتٌ واقِعٌ لا بُدَّ أنْ يَجْرِيَ بَيْنَهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿تَخاصُمُ﴾ بِالرَّفْعِ مُضافًا إلى أهْلِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: بَدَلٌ مِن (لَحَقٌّ) . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بَيَّنَ ما هو فَقالَ: ﴿تَخاصُمُ﴾ مُنَوَّنًا، (أهْلُ) رُفِعا بِالمَصْدَرِ المُنَوَّنِ، ولا يُجِيزُ ذَلِكَ الفَرّاءُ، ويُجِيزُهُ سِيبَوَيْهِ والبَصْرِيُّونَ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ﴿تَخاصُمَ أهْلِ﴾، بِنَصْبِ المِيمِ وجَرِّ أهْلِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِذَلِكَ؛ لِأنَّ أسْماءَ الإشارَةِ تُوصَفُ بِأسْماءِ الأجْناسِ. وفِي كِتابِ اللَّوامِحِ: ولَوْ نُصِبَ ﴿تَخاصُمُ أهْلِ النّارِ﴾، لَجازَ عَلى البَدَلِ مِن ذَلِكَ. وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْقَعِ: ﴿تَخاصُمُ﴾: فِعْلًا ماضِيًا، (أهْلُ): فاعِلًا، وسَمّى تَعالى تِلْكَ المُفاوَضَةَ الَّتِي جَرَتْ بَيْنَ رُؤَساءِ الكُفّارِ وأتْباعِهِمْ تَخاصُمًا؛ لِأنَّ قَوْلَهم: ﴿لا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾، وقَوْلَ الأتْباعِ: ﴿بَلْ أنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكُمْ﴾، هو مِن بابِ الخُصُومَةِ، فَسَمّى التَّفاوُضَ كُلَّهُ تَخاصُمًا لِاسْتِعْمالِهِ عَلَيْهِ. (قُلْ): يا مُحَمَّدُ، ﴿إنَّما أنا مُنْذِرٌ﴾ أيْ: مُنْذِرُ المُشْرِكِينَ بِالعَذابِ، وأنَّ اللَّهَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، لا نِدَّ لَهُ ولا شَرِيكَ، وهو الواحِدُ القَهّارُ لِكُلِّ شَيْءٍ، وأنَّهُ مالِكُ العالَمِ، عُلْوِهِ وسُفْلِهِ، (p-٤٠٨)العَزِيزُ الَّذِي لا يُغالَبُ، الغَفّارُ لِذُنُوبِ مَن آمَنَ بِهِ واتَّبَعَ لِدِينِهِ.

ص 38:59

﴿هَذا ذِكْرٌ وإنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ﴾ ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الأبْوابُ﴾ ﴿مُتَّكِئِينَ فِيها يَدْعُونَ فِيها بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وشَرابٍ﴾ ﴿وعِنْدَهم قاصِراتُ الطَّرْفِ أتْرابٌ﴾ ﴿هَذا ما تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الحِسابِ﴾ ﴿إنَّ هَذا لَرِزْقُنا ما لَهُ مِن نَفادٍ﴾ ﴿هَذا وإنَّ لِلطّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ﴾ ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ المِهادُ﴾ ﴿هَذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وغَسّاقٌ﴾ ﴿وآخَرُ مِن شَكْلِهِ أزْواجٌ﴾ ﴿هَذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكم لا مَرْحَبًا بِهِمْ إنَّهم صالُوا النّارِ﴾ ﴿قالُوا بَلْ أنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكم أنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا فَبِئْسَ القَرارُ﴾ ﴿قالُوا رَبَّنا مَن قَدَّمَ لَنا هَذا فَزِدْهُ عَذابًا ضِعْفًا في النّارِ﴾ ﴿وقالُوا ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنّا نَعُدُّهم مِنَ الأشْرارِ﴾ ﴿أأتَّخَذْناهم سِخْرِيًّا أمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصارُ﴾ ﴿إنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أهْلِ النّارِ﴾ ﴿قُلْ إنَّما أنا مُنْذِرٌ وما مِن إلَهٍ إلّا اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ ﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما العَزِيزُ الغَفّارُ﴾ (p-٤٠٤)لَمّا أمَرَهُ تَعالى بِالصَّبْرِ عَلى سَفاهَةِ قَوْمِهِ، وذَكَرَ جُمْلَةً مِنَ الأنْبِياءِ وأحْوالِهِمْ، ذَكَرَ ما يَئُولُ إلَيْهِ حالُ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ مِنَ الجَزاءِ، ومَقَرُّ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الفَرِيقَيْنِ. ولَمّا كانَ ما يَذْكُرُهُ نَوْعًا مِن أنْواعِ التَّنْزِيلِ، قالَ: (هَذا ذِكْرٌ)، كَأنَّهُ فَصَلَ بَيْنَ ما قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ. ألا تَرى أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ أهْلَ الجَنَّةِ، وأعْقَبَهُ بِذِكْرِ أهْلِ النّارِ قالَ: (﴿هَذا وإنَّ لِلطّاغِينَ﴾ ؟ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَذا ذِكْرُ مَن مَضى مِنَ الأنْبِياءِ. وقِيلَ: ( هَذا ذِكْرٌ): أيْ: شَرَفٌ تُذْكَرُونَ بِهِ أبَدًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (جَنّاتِ) بِالنَّصْبِ، وهو بَدَلٌ، فَإنْ كانَ (عَدْنٍ) عَلَمًا، فَبَدَلُ مَعْرِفَةٍ مِن نَكَرَةٍ؛ وإنْ كانَ نَكِرَةً، فَبَدَلُ نَكِرَةٍ مِن نَكِرَةٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ مَعْرِفَةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وعَدَ الرَّحْمَنُ﴾ [مريم: ٦١]، وانْتِصابُها عَلى أنَّها عَطْفُ بَيانٍ بِـ(حُسْنَ مَآبٍ) و﴿مُفَتَّحَةً﴾ حالٌ، والعامِلُ فِيها ما في المُتَّقِينَ مِن مَعْنى الفِعْلِ. وفي ﴿مُفَتَّحَةً﴾ ضَمِيرُ الجَنّاتِ، والأبْوابُ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ تَقْدِيرُهُ: مُفَتَّحَةً هي الأبْوابُ لِقَوْلِهِمْ: ضُرِبَ زَيْدٌ اليَدُ والرِّجْلُ، وهو مِن بَدَلِ الِاشْتِمالِ. انْتَهى. ولا يَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ مَعْرِفَةً بِالدَّلِيلِ الَّذِي اسْتَدَلَّ بِهِ وهو قَوْلُهُ: ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي﴾ [مريم: ٦١]؛ لِأنَّهُ اعْتَقَدَ أنَّ الَّتِي صِفَةٌ لِجَنّاتِ عَدْنٍ، ولا يَتَعَيَّنُ ما ذَكَرَهُ، إذْ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الَّتِي بَدَلًا مِن جَنّاتِ عَدْنٍ. ألا تَرى أنَّ الَّذِي والَّتِي وجُمُوعَهُما تُسْتَعْمَلُ اسْتِعْمالَ الأسْماءِ، فَتَلِي (p-٤٠٥)العَوامِلَ، ولا يَلْزَمُ أنْ تَكُونَ صِفَةً ؟ وأمّا انْتِصابُها عَلى أنَّها عَطْفُ بَيانٍ فَلا يَجُوزُ؛ لِأنَّ النَّحْوِيِّينَ في ذَلِكَ عَلى مَذْهَبَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا في المَعارِفِ، فَلا يَكُونُ عَطْفُ البَيانِ إلّا تابِعًا لِمَعْرِفَةٍ، وهو مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ. والثّانِي: أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ في النَّكِراتِ، فَيَكُونُ عَطْفُ البَيانِ تابِعًا لِنَكِرَةٍ، كَما تَكُونُ المَعْرِفَةُ فِيهِ تابِعَةً لِمَعْرِفَةٍ، وهَذا مَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ، وتَبِعَهُمُ الفارِسِيُّ. وأمّا تَخالُفُهُما في التَّنْكِيرِ والتَّعْرِيفِ فَلَمْ يَذْهَبْ إلَيْهِ أحَدٌ سِوى هَذا المُصَنِّفِ. وقَدْ أجازَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿مَقامِ إبْراهِيمَ﴾ [البقرة: ١٢٥]، فَأعْرَبَهُ عَطْفَ بَيانٍ تابِعًا لِنَكِرَةٍ، وهو ﴿آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ [البقرة: ٩٩]، و﴿مَقامِ إبْراهِيمَ﴾ [البقرة: ١٢٥] مَعْرِفَةٌ، وقَدْ رَدَدْنا عَلَيْهِ ذَلِكَ في مَوْضِعِهِ في آلِ عِمْرانَ. وأمّا قَوْلُهُ: وفي ﴿مُفَتَّحَةً﴾ ضَمِيرُ الجَنّاتِ، فَجُمْهُورُ النَّحْوِيِّينَ أعْرَبُوا الأبْوابَ مَفْعُولًا لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ. وجاءَ أبُو عَلِيٍّ فَقالَ: إذا كانَ كَذَلِكَ، لَمْ يَكُنْ في ذَلِكَ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى جَنّاتِ عَدْنٍ مِنَ الحالِيَّةِ إنْ أعْرَبَ مُفَتَّحَةً حالًا، أوْ مِنَ النَّعْتِ إنْ أعْرَبَ نَعْتًا لِـ(جَنّاتِ عَدْنٍ)، فَقالَ: في ﴿مُفَتَّحَةً﴾ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى الجَنّاتِ حَتّى تَرْتَبِطَ الحالُ بِصاحِبِها، أوِ النَّعْتُ بِمَنعُوتِهِ، والأبْوابُ بَدَلٌ. وقالَ: مَن أعْرَبَ الأبْوابَ مَفْعُولًا لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ العائِدُ عَلى الجَنّاتِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: الأبْوابُ مِنها. وألْزَمَ أبُو عَلِيٍّ البَدَلَ في مِثْلِ هَذا لا بُدَّ فِيهِ مِنَ الضَّمِيرِ، إمّا مَلْفُوظًا بِهِ، أوْ مُقَدَّرًا. وإذا كانَ الكَلامُ مُحْتاجًا إلى تَقْدِيرٍ واحِدٍ، كانَ أوْلى مِمّا يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرَيْنِ. وأمّا الكُوفِيُّونَ، فالرّابِطُ عِنْدَهم هو ألْ لِمَقامِهِ مَقامَ الضَّمِيرِ، فَكَأنَّهُ قالَ: مُفَتِّحَةً لَهم أبْوابُها. وأمّا قَوْلُهُ: وهو مِن بَدَلِ الِاشْتِمالِ، فَإنْ عَنى بِقَوْلِهِ: وهو قَوْلُهُ اليَدُ والرِّجْلُ، فَهو وهْمٌ، وإنَّما هو بَدَلُ بَعْضٍ مِن كُلٍّ. وإنْ عَنى الأبْوابَ، فَقَدْ يَصِحُّ؛ لِأنَّ أبْوابَ الجَنّاتِ لَيْسَتْ بَعْضًا مِنَ الجَنّاتِ. وأمّا تَشْبِيهُهُ ما قَدَّرَهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿مُفَتَّحَةً﴾ هي الأبْوابُ، بِقَوْلِهِمْ: ضُرِبَ زَيْدٌ اليَدُ والرِّجْلُ، فَوَجْهُهُ أنَّ الأبْوابَ بَدَلٌ مِن ذَلِكَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ، كَما أنَّ اليَدَ والرِّجْلَ بَدَلٌ مِنَ الظّاهِرِ الَّذِي هو زَيْدٌ. وقالَ أبُو إسْحاقَ، وتَبِعَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ: ﴿مُفَتَّحَةً﴾ نَعْتٌ لِجَنّاتِ عَدْنٍ. وقالَ الحَوْفِيُّ: ﴿مُفَتَّحَةً﴾ حالٌ، والعامِلُ فِيها مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ المَعْنى، تَقْدِيرُهُ: يَدْخُلُونَها. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رُفَيْعٍ، وأبُو حَيْوَةَ: ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ مُفَتَّحَةٌ﴾، بِرَفْعِ التّاءَيْنِ: مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، أوْ كُلٌّ مِنهُما خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هو جَنّاتُ عَدْنٍ هي مُفَتَّحَةٌ. والِاتِّكاءُ: مِن هَيْئاتِ أهْلِ السَّعادَةِ، ﴿يَدْعُونَ فِيها﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ عِنْدَهم مَن يَسْتَخْدِمُونَهُ فِيما يَسْتَدْعُونَ، كَقَوْلِهِ: ﴿ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ [الإنسان: ١٩] . ولَمّا كانَتِ الفاكِهَةُ يَتَنَوَّعُ وصْفُها بِالكَثْرَةِ، وكَثْرَتُها بِاخْتِلافِ أنْواعِها، وكَثْرَةُ كُلِّ نَوْعٍ مِنها؛ ولَمّا كانَ الشَّرابُ نَوْعًا واحِدًا وهو الخَمْرُ، أُفْرِدَ. ﴿وعِنْدَهم قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ . قالَ قَتادَةُ: مَعْناهُ عَلى أزْواجِهِنَّ، ﴿أتْرابٌ﴾: أيْ: أمْثالٌ عَلى سِنٍّ واحِدَةٍ، وأصْلُهُ في بَنِي آدَمَ لِكَوْنِهِمْ مَسَّ أجْسادَهُمُ التُّرابُ في وقْتٍ واحِدٍ، والأقْرانُ أثْبَتُ في التَّحابِّ. والظّاهِرُ أنَّ هَذا الوَصْفَ هو بَيْنَهُنَّ، وقِيلَ: بَيْنَ أزْواجِهِنَّ، أسْنانُهُنَّ كَأسْنانِهِمْ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ الآدَمِيّاتِ. وقالَ صاحِبُ الغُنْيانِ: حُورٌ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: (وهَذا ما يُوعَدُونَ)، بِياءِ الغَيْبَةِ، إذْ قَبْلَهُ (وعِنْدَهم) وباقِي السَّبْعَةِ: بِتاءِ الخِطابِ عَلى الِالتِفاتِ، والمَعْنى: هَذا ما وقَعَ بِهِ الوَعْدُ لِيَوْمِ الجَزاءِ. (إنَّ هَذا): أيْ: ما ذُكِرَ لِلْمُتَّقِينَ مِمّا تَقَدَّمَ، ﴿لَرِزْقُنا﴾ دائِمًا، أيْ: لا نَفادَ لَهُ. ﴿هَذا وإنَّ لِلطّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ﴾، قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: الأمْرُ هَذا، وقالَ أبُو عَلِيٍّ: هَذا لِلْمُؤْمِنِينَ، وقالَ أبُو البَقاءِ: مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ، أوْ خَبَرٌ مَحْذُوفُ المُبْتَدَأِ، والطّاغُونَ هُنا: الكُفّارُ؛ وقالَ الجُبّائِيُّ: أصْحابُ الكَبائِرِ كُفّارًا كانُوا أوْ لَمْ يَكُونُوا. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المَعْنى الَّذِينَ طَغَوْا عَلَيَّ، وكَذَّبُوا رُسُلِي لَهم شَرُّ مَآبٍ أيْ: مَرْجِعٍ ومَصِيرٍ. ﴿فَبِئْسَ المِهادُ﴾ أيْ: هي (هَذا) في مَوْضِعِ رَفْعِ مُبْتَدَأٍ خَبَرُهُ (جَهَنَّمَ)، ﴿وغَسّاقٌ﴾، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: العَذابُ هَذا، وحَمِيمٌ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ، أوْ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الِاشْتِغالِ، أيْ: لِيَذُوقُوا هَذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ، أيْ: هو حَمِيمٌ، أوْ مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ، أيْ: مِنهُ حَمِيمٌ ومِنهُ غَسّاقٌ، كَما قالَ الشّاعِرُ:(p-٤٠٦) ؎حَتّى إذا ما أضاءَ الصُّبْحُ في غَلَسٍ وغُودِرَ البَقْلُ مَلْوِيُّ ومَحْصُودُ أيْ: مِنهُ مَلْوِيٌّ ومِنهُ مَحْصُودٌ، وهَذِهِ الأعارِيبُ مَقُولَةٌ مَنقُولَةٌ. وقِيلَ: هَذا مُبْتَدَأٌ، و﴿فَلْيَذُوقُوهُ﴾ الخَبَرُ، وهَذا عَلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ في إجازَتِهِ: زَيْدٌ فاضْرِبْهُ، مُسْتَدِلًّا بِقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎وقائِلَةٍ خَوْلانُ فانْكِحْ فَتاتَهُمْ والغَسّاقُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: الزَّمْهَرِيرُ؛ وعَنْهُ أيْضًا، وعَنْ عَطاءٍ، وقَتادَةَ، وابْنِ زَيْدٍ: ما يَجْرِي مِن صَدِيدِ أهْلِ النّارِ. وعَنْ كَعْبٍ: عَيْنٌ في جَهَنَّمَ تَسِيلُ إلَيْها حُمَةُ كُلِّ ذِي حُمَةٍ مِن حَيَّةٍ أوْ عَقْرَبٍ أوْ غَيْرِهِما، يُغْمَسُ فِيها فَيَتَساقَطُ الجِلْدُ واللَّحْمُ عَنِ العَظْمِ. وعَنِ السُّدِّيِّ: ما يَسِيلُ مِن دُمُوعِهِمْ، وعَنِ ابْنِ عُمَرَ: القَيْحُ يَسِيلُ مِنهم فَيُسْقَوْنَهُ. وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ، وقَتادَةُ، وابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ، والفَضْلُ، وابْنُ سَعْدانَ، وهارُونُ عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِتَشْدِيدِ السِّينِ. فَإنْ كانَ صِفَةً، فَيَكُونُ مِمّا حُذِفَ مَوْصُوفُها، وإنْ كانَ اسْمًا، فَفَعّالٌ قَلِيلٌ في الأسْماءِ، جاءَ مِنهُ: الكَلّاءُ، والجَبّانُ، والفَنّادُ، والعَقّارُ، والخَطّارُ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ: بِتَخْفِيفِ السِّينِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (وآخَرُ) عَلى الإفْرادِ، فَقِيلَ: مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: ولَهم عَذابٌ آخَرُ. وقِيلَ: خَبَرُهُ في الجُمْلَةِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: (أزْواجٌ) مُبْتَدَأٌ، و﴿مِن شَكْلِهِ﴾ خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ خَبَرُ (وآخَرُ) . وقِيلَ: خَبَرُهُ (أزْواجٌ) و﴿مِن شَكْلِهِ﴾ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ، وجازَ أنْ يُخْبَرَ بِالجَمْعِ عَنِ الواحِدِ مِن حَيْثُ هو دَرَجاتٌ ورُتَبٌ مِنَ العَذابِ، أوْ سَمّى كُلَّ جُزْءٍ مِن ذَلِكَ الآخَرِ بِاسْمِ الكُلِّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (وآخَرُ) أيْ: وعَذابٌ آخَرُ، أوْ مَذُوقٌ آخَرُ؛ وأزْواجٌ صِفَةُ آخَرَ؛ لِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضُرُوبًا أوْ صِفَةً لِلثَّلاثَةِ، وهي: ﴿حَمِيمٌ وغَسّاقٌ﴾ ﴿وآخَرُ مِن شَكْلِهِ﴾ . انْتَهى. وهُوَ إعْرابٌ أخَذَهُ مِنَ الفَرّاءِ. وقَرَأ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، والجَحْدَرِيُّ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وعِيسى، وأبُو عَمْرٍو: (وأُخَرُ) عَلى الجَمْعِ، وهو مُبْتَدَأٌ، (ومِن شَكْلِهِ) في مَوْضِعِ الصِّفَةِ؛ ﴿وأزْواجٌ﴾ [آل عمران: ١٥] خَبَرُهُ، أيْ: ومَذُوقًا آخَرُ مِن شَكْلِ هَذا المَذُوقِ مِن مِثْلِهِ في الشِّدَّةِ والفَظاعَةِ. (أزْواجٌ): أجْناسٌ. وقَرَأ مُجاهِدٌ: ﴿مِن شَكْلِهِ﴾ بِكَسْرِ الشِّينِ؛ والجُمْهُورُ: بِفَتْحِها، وهُما لُغَتانِ بِمَعْنى المِثْلِ والضَّرْبِ. وأمّا إذا كانَ بِمَعْنى الفَتْحِ، فَبِكَسْرِ الشِّينِ لا غَيْرَ. وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: ﴿وآخَرُ مِن شَكْلِهِ﴾: هو الزَّمْهَرِيرُ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿هَذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ﴾ )، مِن قَوْلِ رُؤَسائِهِمْ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، والفَوْجُ: الجَمْعُ الكَثِيرُ، ﴿مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ﴾ أيِ: النّارَ، وهُمُ الأتْباعُ، ثُمَّ دَعَوْا عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِمْ: ﴿لا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾؛ لِأنَّ الرَّئِيسَ إذا رَأى الخَسِيسَ قَدْ قُرِنَ مَعَهُ في العَذابِ، ساءَهُ ذَلِكَ حَيْثُ وقَعَ التَّساوِي في العَذابِ، ولَمْ يَكُنْ هو السّالِمُ مِنَ العَذابِ وأتْباعُهُ في العَذابِ. و(مَرْحَبًا) مَعْناهُ: ائْتِ رَحْبًا وسَعَةً لا ضَيِّقًا، وهو مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ يَجِبُ إضْمارُهُ، ولِأنَّ عُلُوَّهم بَيانٌ لِلْمَدْعُوِّ عَلَيْهِمْ. وقِيلَ: ﴿هَذا فَوْجٌ﴾، مِن كَلامِ المَلائِكَةِ خَزَنَةِ النّارِ؛ وأنَّ الدُّعاءَ عَلى الفَوْجِ والتَّعْلِيلَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهم صالُوا النّارِ﴾، مِن كَلامِهِمْ. وقِيلَ: ﴿هَذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ﴾، مِن كَلامِ المَلائِكَةِ، والدُّعاءُ عَلى الفَوْجِ والإخْبارُ بِأنَّهم صالُوا النّارِ مِن كَلامِ الرُّؤَساءِ المَتْبُوعِينَ. (قالُوا) أيِ: الفَوْجُ: ﴿لا مَرْحَبًا بِكُمْ﴾، رَدٌّ عَلى الرُّؤَساءِ ما دَعَوْا بِهِ عَلَيْهِمْ. ثُمَّ ذَكَرُوا أنَّ ما وقَعُوا فِيهِ مِنَ العَذابِ وصَلْيِ النّارِ، إنَّما هو بِما ألْقَيْتُمْ إلَيْنا وزَيَّنْتُمُوهُ مِنَ الكُفْرِ، فَكَأنَّكم قَدَّمْتُمْ لَنا العَذابَ أوِ الصَّلْيَ. وإذا كانَ ﴿لا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾ مِن كَلامِ الخَزَنَةِ فَلَمْ يَجِئِ التَّرْكِيبُ: قالُوا بَلْ هَؤُلاءِ لا مَرْحَبًا بِهِمْ، بَلْ جاءَ بِخِطابِ الأتْباعِ لِلرُّؤَساءِ، لِتَكُونَ المُواجَهَةُ لِمَن كانُوا لا يَقْدِرُونَ عَلى مُواجَهَتِهِمْ في الدُّنْيا بِقَبِيحٍ أشَفى لِصُدُورِهِمْ، حَيْثُ تَسَبَّبُوا في كُفْرِهِمْ، وأنْكى لِلرُّؤَساءِ. ﴿فَبِئْسَ القَرارُ﴾: أيِ: النّارُ؛ وهَذِهِ المُرادَةُ والدُّعاءُ كَقَوْلِهِ: ﴿كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها﴾ [الأعراف: ٣٨] . ولَمْ يَكْتَفِ الأتْباعُ بِرَدِّ الدُّعاءِ عَلى رُؤَسائِهِمْ، ولا بِمُواجَهَتِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿أنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا﴾، حَتّى سَألُوا مِنَ اللَّهِ أنْ يَزِيدَ رُؤَساءَهم ضِعْفًا مِنَ النّارِ، والمَعْنى: مَن حَمَلَنا عَلى عَمَلِ السُّوءِ حَتّى صارَ جَزاءُنا النّارَ، ﴿فَزِدْهُ عَذابًا ضِعْفًا﴾، كَما جاءَ في قَوْلِ الأتْباعِ: ﴿رَبَّنا آتِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦٨]، أيْ: ساداتَهم ﴿ضِعْفَيْنِ مِنَ العَذابِ﴾ [الأحزاب: ٦٨]، ﴿رَبَّنا هَؤُلاءِ أضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذابًا ضِعْفًا مِنَ النّارِ﴾ [الأعراف: ٣٨] . (p-٤٠٧)ولَمّا كانَ الرُّؤَساءُ ضُلّالًا في أنْفُسِهِمْ، وأضَلُّوا أتْباعَهم، ناسَبَ أنْ يَدْعُوا عَلَيْهِمْ بِأنْ يَزِيدَهم ضِعْفًا، كَما جاءَ: «فَعَلَيْهِ وِزْرُها ووِزْرُ مَن عَمِلَ بِها إلى يَوْمِ القِيامَةِ» فَعَلى هَذا الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: (قالُوا) لِلْأتْباعِ. و﴿مَن قَدَّمَ﴾: هُمُ الرُّؤَساءُ. وقالَ ابْنُ السّائِبِ: ﴿قالُوا رَبَّنا﴾ إلى آخِرِهِ، قَوْلُ جَمِيعِ أهْلِ النّارِ. وقالَ الضَّحّاكُ: ﴿مَن قَدَّمَ﴾، هو إبْلِيسُ وقابِيلُ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: الضِّعْفُ حَيّاتٌ وعَقارِبُ. (وقالُوا) أيْ: أشْرافُ الكُفّارِ، ﴿ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنّا نَعُدُّهم مِنَ الأشْرارِ﴾ أيِ: الأرْذالِ الَّذِينَ لا خَيْرَ فِيهِمْ، ولَيْسُوا عَلى دِينِنا، كَما قالَ: ﴿وما نَراكَ اتَّبَعَكَ إلّا الَّذِينَ هم أراذِلُنا﴾ [هود: ٢٧] . ورُوِيَ أنَّ القائِلِينَ مِن كُفّارِ عَصْرِ الرَّسُولِ ﷺ، هم: أبُو جَهْلٍ، وأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، وأصْحابُ القَلِيبِ، والَّذِينَ لَمْ يَرَوْهم: عَمّارٌ، وصُهَيْبٌ، وسَلْمانُ، ومَن جَرى مَجْراهم، قالَهُ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ. قِيلَ: يَسْألُونَ أيْنَ عَمّارٌ ؟ أيْنَ صُهَيْبٌ ؟ أيْنَ فُلانٌ ؟ يَعُدُّونَ ضُعَفاءَ المُسْلِمِينَ، فَيُقالُ لَهم: أُولَئِكَ في الفِرْدَوْسِ. وقَرَأ النَّحْوِيّانِ، وحَمْزَةُ: (اتَّخَذْناهم) وصْلًا، فَقالَ أبُو حاتِمٍ، والزَّمَخْشَرِيُّ، وابْنُ عَطِيَّةَ: صِفَةٌ لِرِجالٍ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿كُنّا نَعُدُّهم مِنَ الأشْرارِ﴾ . وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: حالٌ، أيْ: وقَدِ اتَّخَذْناهم. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، والأعْرَجُ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، وباقِي السَّبْعَةِ: بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، لِتَقْرِيرِ أنْفُسِهِمْ عَلى هَذا، عَلى جِهَةِ التَّوْبِيخِ لَها والأسَفِ، أيِ: اتَّخَذْناهم سِخْرِيًّا، ولَمْ يَكُونُوا كَذَلِكَ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وأصْحابُهُ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، والأعْرَجُ، ونافِعٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: (سُخْرِيًّا)، بِضَمِّ السِّينِ، ومَعْناها مِنَ السُّخْرَةِ والِاسْتِخْدامِ. وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ، وعِيسى، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وباقِي السَّبْعَةِ: بِكَسْرِ السِّينِ، ومَعْناها: المَشْهُورُ مِنَ السُّخْرِ، وهو الهُزْءُ. قالَ الشّاعِرُ: ؎إنِّي أتانِي لِسانٌ لا أُسَرُّ بِها ∗∗∗ مِن عَلْوَ لا كَذِبٌ فِيها ولا سَخَرُ وقِيلَ: بِكَسْرِ السِّينِ مِنَ التَّسْخِيرِ. وأمْ، إنْ كانَ اتَّخَذْناهُمُ اسْتِفْهامًا إمّا مُصَرَّحًا بِهَمْزَتِهِ كَقِراءَةِ مَن قَرَأ كَذَلِكَ، أوْ مُؤَوَّلًا بِالِاسْتِفْهامِ، وحُذِفَتِ الهَمْزَةُ لِلدَّلالَةِ. فالظّاهِرُ أنَّها مُتَّصِلَةٌ لِتَقَدُّمِ الهَمْزَةِ، والمَعْنى أيُّ الفِعْلَيْنِ فَعَلْنا بِهِمْ، الِاسْتِسْخارُ مِنهم أمِ ازْدِراؤُهم وتَحْقِيرُهم ؟ وإنَّ أبْصارَنا كانَتْ تَعْلُو عَنْهم وتَقْتَحِمُ. ويَكُونُ اسْتِفْهامًا عَلى مَعْنى الإنْكارِ عَلى أنْفُسِهِمْ، لِلِاسْتِسْخارِ والزَّيْغِ جَمِيعًا. وقالَ الحَسَنُ: كُلُّ ذَلِكَ قَدْ فَعَلُوا، اتَّخَذُوهم سِخْرِيًّا، وزاغَتْ عَنْهم أبْصارُهم مُحَقِّرَةً لَهم. وأنَّ (اتَّخَذْناهم) لَيْسَ اسْتِفْهامًا، فَأمْ مُنْقَطِعَةٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُنْقَطِعَةً أيْضًا مَعَ تَقَدُّمِ الِاسْتِفْهامِ، يَكُونُ كَقَوْلِكِ: أزَيْدٌ عِنْدَكَ أمْ عِنْدَكَ عَمْرٌو ؟ واسْتَفْهَمْتَ عَنْ زَيْدٍ، ثُمَّ أضْرَبْتَ عَنْ ذَلِكَ واسْتَفْهَمْتَ عَنْ عَمْرٍو، فالتَّقْدِيرُ: بَلْ أزاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصارُ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهم: ﴿أمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصارُ﴾ لَهُ تَعَلُّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ما لَنا لا نَرى رِجالًا﴾؛ لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ أوَّلًا دَلَّ عَلى انْتِفاءِ رُؤْيَتِهِمْ إيّاهم، وذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّهم لَيْسُوا مَعَهُ، ثُمَّ جَوَّزُوا أنْ يَكُونُوا مَعَهُ، ولَكِنَّ أبْصارَهم لَمْ تَرَهم. (إنَّ ذَلِكَ أيِ: التَّفاوُضُ الَّذِي حَكَيْناهُ عَنْهم، ( لَحَقٌّ) أيْ: ثابِتٌ واقِعٌ لا بُدَّ أنْ يَجْرِيَ بَيْنَهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿تَخاصُمُ﴾ بِالرَّفْعِ مُضافًا إلى أهْلِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: بَدَلٌ مِن (لَحَقٌّ) . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بَيَّنَ ما هو فَقالَ: ﴿تَخاصُمُ﴾ مُنَوَّنًا، (أهْلُ) رُفِعا بِالمَصْدَرِ المُنَوَّنِ، ولا يُجِيزُ ذَلِكَ الفَرّاءُ، ويُجِيزُهُ سِيبَوَيْهِ والبَصْرِيُّونَ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ﴿تَخاصُمَ أهْلِ﴾، بِنَصْبِ المِيمِ وجَرِّ أهْلِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِذَلِكَ؛ لِأنَّ أسْماءَ الإشارَةِ تُوصَفُ بِأسْماءِ الأجْناسِ. وفِي كِتابِ اللَّوامِحِ: ولَوْ نُصِبَ ﴿تَخاصُمُ أهْلِ النّارِ﴾، لَجازَ عَلى البَدَلِ مِن ذَلِكَ. وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْقَعِ: ﴿تَخاصُمُ﴾: فِعْلًا ماضِيًا، (أهْلُ): فاعِلًا، وسَمّى تَعالى تِلْكَ المُفاوَضَةَ الَّتِي جَرَتْ بَيْنَ رُؤَساءِ الكُفّارِ وأتْباعِهِمْ تَخاصُمًا؛ لِأنَّ قَوْلَهم: ﴿لا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾، وقَوْلَ الأتْباعِ: ﴿بَلْ أنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكُمْ﴾، هو مِن بابِ الخُصُومَةِ، فَسَمّى التَّفاوُضَ كُلَّهُ تَخاصُمًا لِاسْتِعْمالِهِ عَلَيْهِ. (قُلْ): يا مُحَمَّدُ، ﴿إنَّما أنا مُنْذِرٌ﴾ أيْ: مُنْذِرُ المُشْرِكِينَ بِالعَذابِ، وأنَّ اللَّهَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، لا نِدَّ لَهُ ولا شَرِيكَ، وهو الواحِدُ القَهّارُ لِكُلِّ شَيْءٍ، وأنَّهُ مالِكُ العالَمِ، عُلْوِهِ وسُفْلِهِ، (p-٤٠٨)العَزِيزُ الَّذِي لا يُغالَبُ، الغَفّارُ لِذُنُوبِ مَن آمَنَ بِهِ واتَّبَعَ لِدِينِهِ.

ص 38:60

﴿هَذا ذِكْرٌ وإنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ﴾ ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الأبْوابُ﴾ ﴿مُتَّكِئِينَ فِيها يَدْعُونَ فِيها بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وشَرابٍ﴾ ﴿وعِنْدَهم قاصِراتُ الطَّرْفِ أتْرابٌ﴾ ﴿هَذا ما تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الحِسابِ﴾ ﴿إنَّ هَذا لَرِزْقُنا ما لَهُ مِن نَفادٍ﴾ ﴿هَذا وإنَّ لِلطّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ﴾ ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ المِهادُ﴾ ﴿هَذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وغَسّاقٌ﴾ ﴿وآخَرُ مِن شَكْلِهِ أزْواجٌ﴾ ﴿هَذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكم لا مَرْحَبًا بِهِمْ إنَّهم صالُوا النّارِ﴾ ﴿قالُوا بَلْ أنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكم أنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا فَبِئْسَ القَرارُ﴾ ﴿قالُوا رَبَّنا مَن قَدَّمَ لَنا هَذا فَزِدْهُ عَذابًا ضِعْفًا في النّارِ﴾ ﴿وقالُوا ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنّا نَعُدُّهم مِنَ الأشْرارِ﴾ ﴿أأتَّخَذْناهم سِخْرِيًّا أمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصارُ﴾ ﴿إنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أهْلِ النّارِ﴾ ﴿قُلْ إنَّما أنا مُنْذِرٌ وما مِن إلَهٍ إلّا اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ ﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما العَزِيزُ الغَفّارُ﴾ (p-٤٠٤)لَمّا أمَرَهُ تَعالى بِالصَّبْرِ عَلى سَفاهَةِ قَوْمِهِ، وذَكَرَ جُمْلَةً مِنَ الأنْبِياءِ وأحْوالِهِمْ، ذَكَرَ ما يَئُولُ إلَيْهِ حالُ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ مِنَ الجَزاءِ، ومَقَرُّ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الفَرِيقَيْنِ. ولَمّا كانَ ما يَذْكُرُهُ نَوْعًا مِن أنْواعِ التَّنْزِيلِ، قالَ: (هَذا ذِكْرٌ)، كَأنَّهُ فَصَلَ بَيْنَ ما قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ. ألا تَرى أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ أهْلَ الجَنَّةِ، وأعْقَبَهُ بِذِكْرِ أهْلِ النّارِ قالَ: (﴿هَذا وإنَّ لِلطّاغِينَ﴾ ؟ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَذا ذِكْرُ مَن مَضى مِنَ الأنْبِياءِ. وقِيلَ: ( هَذا ذِكْرٌ): أيْ: شَرَفٌ تُذْكَرُونَ بِهِ أبَدًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (جَنّاتِ) بِالنَّصْبِ، وهو بَدَلٌ، فَإنْ كانَ (عَدْنٍ) عَلَمًا، فَبَدَلُ مَعْرِفَةٍ مِن نَكَرَةٍ؛ وإنْ كانَ نَكِرَةً، فَبَدَلُ نَكِرَةٍ مِن نَكِرَةٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ مَعْرِفَةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وعَدَ الرَّحْمَنُ﴾ [مريم: ٦١]، وانْتِصابُها عَلى أنَّها عَطْفُ بَيانٍ بِـ(حُسْنَ مَآبٍ) و﴿مُفَتَّحَةً﴾ حالٌ، والعامِلُ فِيها ما في المُتَّقِينَ مِن مَعْنى الفِعْلِ. وفي ﴿مُفَتَّحَةً﴾ ضَمِيرُ الجَنّاتِ، والأبْوابُ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ تَقْدِيرُهُ: مُفَتَّحَةً هي الأبْوابُ لِقَوْلِهِمْ: ضُرِبَ زَيْدٌ اليَدُ والرِّجْلُ، وهو مِن بَدَلِ الِاشْتِمالِ. انْتَهى. ولا يَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ مَعْرِفَةً بِالدَّلِيلِ الَّذِي اسْتَدَلَّ بِهِ وهو قَوْلُهُ: ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي﴾ [مريم: ٦١]؛ لِأنَّهُ اعْتَقَدَ أنَّ الَّتِي صِفَةٌ لِجَنّاتِ عَدْنٍ، ولا يَتَعَيَّنُ ما ذَكَرَهُ، إذْ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الَّتِي بَدَلًا مِن جَنّاتِ عَدْنٍ. ألا تَرى أنَّ الَّذِي والَّتِي وجُمُوعَهُما تُسْتَعْمَلُ اسْتِعْمالَ الأسْماءِ، فَتَلِي (p-٤٠٥)العَوامِلَ، ولا يَلْزَمُ أنْ تَكُونَ صِفَةً ؟ وأمّا انْتِصابُها عَلى أنَّها عَطْفُ بَيانٍ فَلا يَجُوزُ؛ لِأنَّ النَّحْوِيِّينَ في ذَلِكَ عَلى مَذْهَبَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا في المَعارِفِ، فَلا يَكُونُ عَطْفُ البَيانِ إلّا تابِعًا لِمَعْرِفَةٍ، وهو مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ. والثّانِي: أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ في النَّكِراتِ، فَيَكُونُ عَطْفُ البَيانِ تابِعًا لِنَكِرَةٍ، كَما تَكُونُ المَعْرِفَةُ فِيهِ تابِعَةً لِمَعْرِفَةٍ، وهَذا مَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ، وتَبِعَهُمُ الفارِسِيُّ. وأمّا تَخالُفُهُما في التَّنْكِيرِ والتَّعْرِيفِ فَلَمْ يَذْهَبْ إلَيْهِ أحَدٌ سِوى هَذا المُصَنِّفِ. وقَدْ أجازَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿مَقامِ إبْراهِيمَ﴾ [البقرة: ١٢٥]، فَأعْرَبَهُ عَطْفَ بَيانٍ تابِعًا لِنَكِرَةٍ، وهو ﴿آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ [البقرة: ٩٩]، و﴿مَقامِ إبْراهِيمَ﴾ [البقرة: ١٢٥] مَعْرِفَةٌ، وقَدْ رَدَدْنا عَلَيْهِ ذَلِكَ في مَوْضِعِهِ في آلِ عِمْرانَ. وأمّا قَوْلُهُ: وفي ﴿مُفَتَّحَةً﴾ ضَمِيرُ الجَنّاتِ، فَجُمْهُورُ النَّحْوِيِّينَ أعْرَبُوا الأبْوابَ مَفْعُولًا لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ. وجاءَ أبُو عَلِيٍّ فَقالَ: إذا كانَ كَذَلِكَ، لَمْ يَكُنْ في ذَلِكَ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى جَنّاتِ عَدْنٍ مِنَ الحالِيَّةِ إنْ أعْرَبَ مُفَتَّحَةً حالًا، أوْ مِنَ النَّعْتِ إنْ أعْرَبَ نَعْتًا لِـ(جَنّاتِ عَدْنٍ)، فَقالَ: في ﴿مُفَتَّحَةً﴾ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى الجَنّاتِ حَتّى تَرْتَبِطَ الحالُ بِصاحِبِها، أوِ النَّعْتُ بِمَنعُوتِهِ، والأبْوابُ بَدَلٌ. وقالَ: مَن أعْرَبَ الأبْوابَ مَفْعُولًا لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ العائِدُ عَلى الجَنّاتِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: الأبْوابُ مِنها. وألْزَمَ أبُو عَلِيٍّ البَدَلَ في مِثْلِ هَذا لا بُدَّ فِيهِ مِنَ الضَّمِيرِ، إمّا مَلْفُوظًا بِهِ، أوْ مُقَدَّرًا. وإذا كانَ الكَلامُ مُحْتاجًا إلى تَقْدِيرٍ واحِدٍ، كانَ أوْلى مِمّا يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرَيْنِ. وأمّا الكُوفِيُّونَ، فالرّابِطُ عِنْدَهم هو ألْ لِمَقامِهِ مَقامَ الضَّمِيرِ، فَكَأنَّهُ قالَ: مُفَتِّحَةً لَهم أبْوابُها. وأمّا قَوْلُهُ: وهو مِن بَدَلِ الِاشْتِمالِ، فَإنْ عَنى بِقَوْلِهِ: وهو قَوْلُهُ اليَدُ والرِّجْلُ، فَهو وهْمٌ، وإنَّما هو بَدَلُ بَعْضٍ مِن كُلٍّ. وإنْ عَنى الأبْوابَ، فَقَدْ يَصِحُّ؛ لِأنَّ أبْوابَ الجَنّاتِ لَيْسَتْ بَعْضًا مِنَ الجَنّاتِ. وأمّا تَشْبِيهُهُ ما قَدَّرَهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿مُفَتَّحَةً﴾ هي الأبْوابُ، بِقَوْلِهِمْ: ضُرِبَ زَيْدٌ اليَدُ والرِّجْلُ، فَوَجْهُهُ أنَّ الأبْوابَ بَدَلٌ مِن ذَلِكَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ، كَما أنَّ اليَدَ والرِّجْلَ بَدَلٌ مِنَ الظّاهِرِ الَّذِي هو زَيْدٌ. وقالَ أبُو إسْحاقَ، وتَبِعَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ: ﴿مُفَتَّحَةً﴾ نَعْتٌ لِجَنّاتِ عَدْنٍ. وقالَ الحَوْفِيُّ: ﴿مُفَتَّحَةً﴾ حالٌ، والعامِلُ فِيها مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ المَعْنى، تَقْدِيرُهُ: يَدْخُلُونَها. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رُفَيْعٍ، وأبُو حَيْوَةَ: ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ مُفَتَّحَةٌ﴾، بِرَفْعِ التّاءَيْنِ: مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، أوْ كُلٌّ مِنهُما خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هو جَنّاتُ عَدْنٍ هي مُفَتَّحَةٌ. والِاتِّكاءُ: مِن هَيْئاتِ أهْلِ السَّعادَةِ، ﴿يَدْعُونَ فِيها﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ عِنْدَهم مَن يَسْتَخْدِمُونَهُ فِيما يَسْتَدْعُونَ، كَقَوْلِهِ: ﴿ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ [الإنسان: ١٩] . ولَمّا كانَتِ الفاكِهَةُ يَتَنَوَّعُ وصْفُها بِالكَثْرَةِ، وكَثْرَتُها بِاخْتِلافِ أنْواعِها، وكَثْرَةُ كُلِّ نَوْعٍ مِنها؛ ولَمّا كانَ الشَّرابُ نَوْعًا واحِدًا وهو الخَمْرُ، أُفْرِدَ. ﴿وعِنْدَهم قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ . قالَ قَتادَةُ: مَعْناهُ عَلى أزْواجِهِنَّ، ﴿أتْرابٌ﴾: أيْ: أمْثالٌ عَلى سِنٍّ واحِدَةٍ، وأصْلُهُ في بَنِي آدَمَ لِكَوْنِهِمْ مَسَّ أجْسادَهُمُ التُّرابُ في وقْتٍ واحِدٍ، والأقْرانُ أثْبَتُ في التَّحابِّ. والظّاهِرُ أنَّ هَذا الوَصْفَ هو بَيْنَهُنَّ، وقِيلَ: بَيْنَ أزْواجِهِنَّ، أسْنانُهُنَّ كَأسْنانِهِمْ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ الآدَمِيّاتِ. وقالَ صاحِبُ الغُنْيانِ: حُورٌ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: (وهَذا ما يُوعَدُونَ)، بِياءِ الغَيْبَةِ، إذْ قَبْلَهُ (وعِنْدَهم) وباقِي السَّبْعَةِ: بِتاءِ الخِطابِ عَلى الِالتِفاتِ، والمَعْنى: هَذا ما وقَعَ بِهِ الوَعْدُ لِيَوْمِ الجَزاءِ. (إنَّ هَذا): أيْ: ما ذُكِرَ لِلْمُتَّقِينَ مِمّا تَقَدَّمَ، ﴿لَرِزْقُنا﴾ دائِمًا، أيْ: لا نَفادَ لَهُ. ﴿هَذا وإنَّ لِلطّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ﴾، قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: الأمْرُ هَذا، وقالَ أبُو عَلِيٍّ: هَذا لِلْمُؤْمِنِينَ، وقالَ أبُو البَقاءِ: مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ، أوْ خَبَرٌ مَحْذُوفُ المُبْتَدَأِ، والطّاغُونَ هُنا: الكُفّارُ؛ وقالَ الجُبّائِيُّ: أصْحابُ الكَبائِرِ كُفّارًا كانُوا أوْ لَمْ يَكُونُوا. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المَعْنى الَّذِينَ طَغَوْا عَلَيَّ، وكَذَّبُوا رُسُلِي لَهم شَرُّ مَآبٍ أيْ: مَرْجِعٍ ومَصِيرٍ. ﴿فَبِئْسَ المِهادُ﴾ أيْ: هي (هَذا) في مَوْضِعِ رَفْعِ مُبْتَدَأٍ خَبَرُهُ (جَهَنَّمَ)، ﴿وغَسّاقٌ﴾، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: العَذابُ هَذا، وحَمِيمٌ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ، أوْ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الِاشْتِغالِ، أيْ: لِيَذُوقُوا هَذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ، أيْ: هو حَمِيمٌ، أوْ مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ، أيْ: مِنهُ حَمِيمٌ ومِنهُ غَسّاقٌ، كَما قالَ الشّاعِرُ:(p-٤٠٦) ؎حَتّى إذا ما أضاءَ الصُّبْحُ في غَلَسٍ وغُودِرَ البَقْلُ مَلْوِيُّ ومَحْصُودُ أيْ: مِنهُ مَلْوِيٌّ ومِنهُ مَحْصُودٌ، وهَذِهِ الأعارِيبُ مَقُولَةٌ مَنقُولَةٌ. وقِيلَ: هَذا مُبْتَدَأٌ، و﴿فَلْيَذُوقُوهُ﴾ الخَبَرُ، وهَذا عَلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ في إجازَتِهِ: زَيْدٌ فاضْرِبْهُ، مُسْتَدِلًّا بِقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎وقائِلَةٍ خَوْلانُ فانْكِحْ فَتاتَهُمْ والغَسّاقُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: الزَّمْهَرِيرُ؛ وعَنْهُ أيْضًا، وعَنْ عَطاءٍ، وقَتادَةَ، وابْنِ زَيْدٍ: ما يَجْرِي مِن صَدِيدِ أهْلِ النّارِ. وعَنْ كَعْبٍ: عَيْنٌ في جَهَنَّمَ تَسِيلُ إلَيْها حُمَةُ كُلِّ ذِي حُمَةٍ مِن حَيَّةٍ أوْ عَقْرَبٍ أوْ غَيْرِهِما، يُغْمَسُ فِيها فَيَتَساقَطُ الجِلْدُ واللَّحْمُ عَنِ العَظْمِ. وعَنِ السُّدِّيِّ: ما يَسِيلُ مِن دُمُوعِهِمْ، وعَنِ ابْنِ عُمَرَ: القَيْحُ يَسِيلُ مِنهم فَيُسْقَوْنَهُ. وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ، وقَتادَةُ، وابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ، والفَضْلُ، وابْنُ سَعْدانَ، وهارُونُ عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِتَشْدِيدِ السِّينِ. فَإنْ كانَ صِفَةً، فَيَكُونُ مِمّا حُذِفَ مَوْصُوفُها، وإنْ كانَ اسْمًا، فَفَعّالٌ قَلِيلٌ في الأسْماءِ، جاءَ مِنهُ: الكَلّاءُ، والجَبّانُ، والفَنّادُ، والعَقّارُ، والخَطّارُ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ: بِتَخْفِيفِ السِّينِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (وآخَرُ) عَلى الإفْرادِ، فَقِيلَ: مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: ولَهم عَذابٌ آخَرُ. وقِيلَ: خَبَرُهُ في الجُمْلَةِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: (أزْواجٌ) مُبْتَدَأٌ، و﴿مِن شَكْلِهِ﴾ خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ خَبَرُ (وآخَرُ) . وقِيلَ: خَبَرُهُ (أزْواجٌ) و﴿مِن شَكْلِهِ﴾ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ، وجازَ أنْ يُخْبَرَ بِالجَمْعِ عَنِ الواحِدِ مِن حَيْثُ هو دَرَجاتٌ ورُتَبٌ مِنَ العَذابِ، أوْ سَمّى كُلَّ جُزْءٍ مِن ذَلِكَ الآخَرِ بِاسْمِ الكُلِّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (وآخَرُ) أيْ: وعَذابٌ آخَرُ، أوْ مَذُوقٌ آخَرُ؛ وأزْواجٌ صِفَةُ آخَرَ؛ لِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضُرُوبًا أوْ صِفَةً لِلثَّلاثَةِ، وهي: ﴿حَمِيمٌ وغَسّاقٌ﴾ ﴿وآخَرُ مِن شَكْلِهِ﴾ . انْتَهى. وهُوَ إعْرابٌ أخَذَهُ مِنَ الفَرّاءِ. وقَرَأ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، والجَحْدَرِيُّ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وعِيسى، وأبُو عَمْرٍو: (وأُخَرُ) عَلى الجَمْعِ، وهو مُبْتَدَأٌ، (ومِن شَكْلِهِ) في مَوْضِعِ الصِّفَةِ؛ ﴿وأزْواجٌ﴾ [آل عمران: ١٥] خَبَرُهُ، أيْ: ومَذُوقًا آخَرُ مِن شَكْلِ هَذا المَذُوقِ مِن مِثْلِهِ في الشِّدَّةِ والفَظاعَةِ. (أزْواجٌ): أجْناسٌ. وقَرَأ مُجاهِدٌ: ﴿مِن شَكْلِهِ﴾ بِكَسْرِ الشِّينِ؛ والجُمْهُورُ: بِفَتْحِها، وهُما لُغَتانِ بِمَعْنى المِثْلِ والضَّرْبِ. وأمّا إذا كانَ بِمَعْنى الفَتْحِ، فَبِكَسْرِ الشِّينِ لا غَيْرَ. وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: ﴿وآخَرُ مِن شَكْلِهِ﴾: هو الزَّمْهَرِيرُ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿هَذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ﴾ )، مِن قَوْلِ رُؤَسائِهِمْ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، والفَوْجُ: الجَمْعُ الكَثِيرُ، ﴿مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ﴾ أيِ: النّارَ، وهُمُ الأتْباعُ، ثُمَّ دَعَوْا عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِمْ: ﴿لا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾؛ لِأنَّ الرَّئِيسَ إذا رَأى الخَسِيسَ قَدْ قُرِنَ مَعَهُ في العَذابِ، ساءَهُ ذَلِكَ حَيْثُ وقَعَ التَّساوِي في العَذابِ، ولَمْ يَكُنْ هو السّالِمُ مِنَ العَذابِ وأتْباعُهُ في العَذابِ. و(مَرْحَبًا) مَعْناهُ: ائْتِ رَحْبًا وسَعَةً لا ضَيِّقًا، وهو مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ يَجِبُ إضْمارُهُ، ولِأنَّ عُلُوَّهم بَيانٌ لِلْمَدْعُوِّ عَلَيْهِمْ. وقِيلَ: ﴿هَذا فَوْجٌ﴾، مِن كَلامِ المَلائِكَةِ خَزَنَةِ النّارِ؛ وأنَّ الدُّعاءَ عَلى الفَوْجِ والتَّعْلِيلَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهم صالُوا النّارِ﴾، مِن كَلامِهِمْ. وقِيلَ: ﴿هَذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ﴾، مِن كَلامِ المَلائِكَةِ، والدُّعاءُ عَلى الفَوْجِ والإخْبارُ بِأنَّهم صالُوا النّارِ مِن كَلامِ الرُّؤَساءِ المَتْبُوعِينَ. (قالُوا) أيِ: الفَوْجُ: ﴿لا مَرْحَبًا بِكُمْ﴾، رَدٌّ عَلى الرُّؤَساءِ ما دَعَوْا بِهِ عَلَيْهِمْ. ثُمَّ ذَكَرُوا أنَّ ما وقَعُوا فِيهِ مِنَ العَذابِ وصَلْيِ النّارِ، إنَّما هو بِما ألْقَيْتُمْ إلَيْنا وزَيَّنْتُمُوهُ مِنَ الكُفْرِ، فَكَأنَّكم قَدَّمْتُمْ لَنا العَذابَ أوِ الصَّلْيَ. وإذا كانَ ﴿لا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾ مِن كَلامِ الخَزَنَةِ فَلَمْ يَجِئِ التَّرْكِيبُ: قالُوا بَلْ هَؤُلاءِ لا مَرْحَبًا بِهِمْ، بَلْ جاءَ بِخِطابِ الأتْباعِ لِلرُّؤَساءِ، لِتَكُونَ المُواجَهَةُ لِمَن كانُوا لا يَقْدِرُونَ عَلى مُواجَهَتِهِمْ في الدُّنْيا بِقَبِيحٍ أشَفى لِصُدُورِهِمْ، حَيْثُ تَسَبَّبُوا في كُفْرِهِمْ، وأنْكى لِلرُّؤَساءِ. ﴿فَبِئْسَ القَرارُ﴾: أيِ: النّارُ؛ وهَذِهِ المُرادَةُ والدُّعاءُ كَقَوْلِهِ: ﴿كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها﴾ [الأعراف: ٣٨] . ولَمْ يَكْتَفِ الأتْباعُ بِرَدِّ الدُّعاءِ عَلى رُؤَسائِهِمْ، ولا بِمُواجَهَتِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿أنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا﴾، حَتّى سَألُوا مِنَ اللَّهِ أنْ يَزِيدَ رُؤَساءَهم ضِعْفًا مِنَ النّارِ، والمَعْنى: مَن حَمَلَنا عَلى عَمَلِ السُّوءِ حَتّى صارَ جَزاءُنا النّارَ، ﴿فَزِدْهُ عَذابًا ضِعْفًا﴾، كَما جاءَ في قَوْلِ الأتْباعِ: ﴿رَبَّنا آتِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦٨]، أيْ: ساداتَهم ﴿ضِعْفَيْنِ مِنَ العَذابِ﴾ [الأحزاب: ٦٨]، ﴿رَبَّنا هَؤُلاءِ أضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذابًا ضِعْفًا مِنَ النّارِ﴾ [الأعراف: ٣٨] . (p-٤٠٧)ولَمّا كانَ الرُّؤَساءُ ضُلّالًا في أنْفُسِهِمْ، وأضَلُّوا أتْباعَهم، ناسَبَ أنْ يَدْعُوا عَلَيْهِمْ بِأنْ يَزِيدَهم ضِعْفًا، كَما جاءَ: «فَعَلَيْهِ وِزْرُها ووِزْرُ مَن عَمِلَ بِها إلى يَوْمِ القِيامَةِ» فَعَلى هَذا الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: (قالُوا) لِلْأتْباعِ. و﴿مَن قَدَّمَ﴾: هُمُ الرُّؤَساءُ. وقالَ ابْنُ السّائِبِ: ﴿قالُوا رَبَّنا﴾ إلى آخِرِهِ، قَوْلُ جَمِيعِ أهْلِ النّارِ. وقالَ الضَّحّاكُ: ﴿مَن قَدَّمَ﴾، هو إبْلِيسُ وقابِيلُ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: الضِّعْفُ حَيّاتٌ وعَقارِبُ. (وقالُوا) أيْ: أشْرافُ الكُفّارِ، ﴿ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنّا نَعُدُّهم مِنَ الأشْرارِ﴾ أيِ: الأرْذالِ الَّذِينَ لا خَيْرَ فِيهِمْ، ولَيْسُوا عَلى دِينِنا، كَما قالَ: ﴿وما نَراكَ اتَّبَعَكَ إلّا الَّذِينَ هم أراذِلُنا﴾ [هود: ٢٧] . ورُوِيَ أنَّ القائِلِينَ مِن كُفّارِ عَصْرِ الرَّسُولِ ﷺ، هم: أبُو جَهْلٍ، وأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، وأصْحابُ القَلِيبِ، والَّذِينَ لَمْ يَرَوْهم: عَمّارٌ، وصُهَيْبٌ، وسَلْمانُ، ومَن جَرى مَجْراهم، قالَهُ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ. قِيلَ: يَسْألُونَ أيْنَ عَمّارٌ ؟ أيْنَ صُهَيْبٌ ؟ أيْنَ فُلانٌ ؟ يَعُدُّونَ ضُعَفاءَ المُسْلِمِينَ، فَيُقالُ لَهم: أُولَئِكَ في الفِرْدَوْسِ. وقَرَأ النَّحْوِيّانِ، وحَمْزَةُ: (اتَّخَذْناهم) وصْلًا، فَقالَ أبُو حاتِمٍ، والزَّمَخْشَرِيُّ، وابْنُ عَطِيَّةَ: صِفَةٌ لِرِجالٍ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿كُنّا نَعُدُّهم مِنَ الأشْرارِ﴾ . وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: حالٌ، أيْ: وقَدِ اتَّخَذْناهم. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، والأعْرَجُ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، وباقِي السَّبْعَةِ: بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، لِتَقْرِيرِ أنْفُسِهِمْ عَلى هَذا، عَلى جِهَةِ التَّوْبِيخِ لَها والأسَفِ، أيِ: اتَّخَذْناهم سِخْرِيًّا، ولَمْ يَكُونُوا كَذَلِكَ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وأصْحابُهُ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، والأعْرَجُ، ونافِعٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: (سُخْرِيًّا)، بِضَمِّ السِّينِ، ومَعْناها مِنَ السُّخْرَةِ والِاسْتِخْدامِ. وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ، وعِيسى، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وباقِي السَّبْعَةِ: بِكَسْرِ السِّينِ، ومَعْناها: المَشْهُورُ مِنَ السُّخْرِ، وهو الهُزْءُ. قالَ الشّاعِرُ: ؎إنِّي أتانِي لِسانٌ لا أُسَرُّ بِها ∗∗∗ مِن عَلْوَ لا كَذِبٌ فِيها ولا سَخَرُ وقِيلَ: بِكَسْرِ السِّينِ مِنَ التَّسْخِيرِ. وأمْ، إنْ كانَ اتَّخَذْناهُمُ اسْتِفْهامًا إمّا مُصَرَّحًا بِهَمْزَتِهِ كَقِراءَةِ مَن قَرَأ كَذَلِكَ، أوْ مُؤَوَّلًا بِالِاسْتِفْهامِ، وحُذِفَتِ الهَمْزَةُ لِلدَّلالَةِ. فالظّاهِرُ أنَّها مُتَّصِلَةٌ لِتَقَدُّمِ الهَمْزَةِ، والمَعْنى أيُّ الفِعْلَيْنِ فَعَلْنا بِهِمْ، الِاسْتِسْخارُ مِنهم أمِ ازْدِراؤُهم وتَحْقِيرُهم ؟ وإنَّ أبْصارَنا كانَتْ تَعْلُو عَنْهم وتَقْتَحِمُ. ويَكُونُ اسْتِفْهامًا عَلى مَعْنى الإنْكارِ عَلى أنْفُسِهِمْ، لِلِاسْتِسْخارِ والزَّيْغِ جَمِيعًا. وقالَ الحَسَنُ: كُلُّ ذَلِكَ قَدْ فَعَلُوا، اتَّخَذُوهم سِخْرِيًّا، وزاغَتْ عَنْهم أبْصارُهم مُحَقِّرَةً لَهم. وأنَّ (اتَّخَذْناهم) لَيْسَ اسْتِفْهامًا، فَأمْ مُنْقَطِعَةٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُنْقَطِعَةً أيْضًا مَعَ تَقَدُّمِ الِاسْتِفْهامِ، يَكُونُ كَقَوْلِكِ: أزَيْدٌ عِنْدَكَ أمْ عِنْدَكَ عَمْرٌو ؟ واسْتَفْهَمْتَ عَنْ زَيْدٍ، ثُمَّ أضْرَبْتَ عَنْ ذَلِكَ واسْتَفْهَمْتَ عَنْ عَمْرٍو، فالتَّقْدِيرُ: بَلْ أزاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصارُ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهم: ﴿أمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصارُ﴾ لَهُ تَعَلُّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ما لَنا لا نَرى رِجالًا﴾؛ لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ أوَّلًا دَلَّ عَلى انْتِفاءِ رُؤْيَتِهِمْ إيّاهم، وذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّهم لَيْسُوا مَعَهُ، ثُمَّ جَوَّزُوا أنْ يَكُونُوا مَعَهُ، ولَكِنَّ أبْصارَهم لَمْ تَرَهم. (إنَّ ذَلِكَ أيِ: التَّفاوُضُ الَّذِي حَكَيْناهُ عَنْهم، ( لَحَقٌّ) أيْ: ثابِتٌ واقِعٌ لا بُدَّ أنْ يَجْرِيَ بَيْنَهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿تَخاصُمُ﴾ بِالرَّفْعِ مُضافًا إلى أهْلِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: بَدَلٌ مِن (لَحَقٌّ) . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بَيَّنَ ما هو فَقالَ: ﴿تَخاصُمُ﴾ مُنَوَّنًا، (أهْلُ) رُفِعا بِالمَصْدَرِ المُنَوَّنِ، ولا يُجِيزُ ذَلِكَ الفَرّاءُ، ويُجِيزُهُ سِيبَوَيْهِ والبَصْرِيُّونَ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ﴿تَخاصُمَ أهْلِ﴾، بِنَصْبِ المِيمِ وجَرِّ أهْلِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِذَلِكَ؛ لِأنَّ أسْماءَ الإشارَةِ تُوصَفُ بِأسْماءِ الأجْناسِ. وفِي كِتابِ اللَّوامِحِ: ولَوْ نُصِبَ ﴿تَخاصُمُ أهْلِ النّارِ﴾، لَجازَ عَلى البَدَلِ مِن ذَلِكَ. وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْقَعِ: ﴿تَخاصُمُ﴾: فِعْلًا ماضِيًا، (أهْلُ): فاعِلًا، وسَمّى تَعالى تِلْكَ المُفاوَضَةَ الَّتِي جَرَتْ بَيْنَ رُؤَساءِ الكُفّارِ وأتْباعِهِمْ تَخاصُمًا؛ لِأنَّ قَوْلَهم: ﴿لا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾، وقَوْلَ الأتْباعِ: ﴿بَلْ أنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكُمْ﴾، هو مِن بابِ الخُصُومَةِ، فَسَمّى التَّفاوُضَ كُلَّهُ تَخاصُمًا لِاسْتِعْمالِهِ عَلَيْهِ. (قُلْ): يا مُحَمَّدُ، ﴿إنَّما أنا مُنْذِرٌ﴾ أيْ: مُنْذِرُ المُشْرِكِينَ بِالعَذابِ، وأنَّ اللَّهَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، لا نِدَّ لَهُ ولا شَرِيكَ، وهو الواحِدُ القَهّارُ لِكُلِّ شَيْءٍ، وأنَّهُ مالِكُ العالَمِ، عُلْوِهِ وسُفْلِهِ، (p-٤٠٨)العَزِيزُ الَّذِي لا يُغالَبُ، الغَفّارُ لِذُنُوبِ مَن آمَنَ بِهِ واتَّبَعَ لِدِينِهِ.

ص 38:61

﴿هَذا ذِكْرٌ وإنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ﴾ ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الأبْوابُ﴾ ﴿مُتَّكِئِينَ فِيها يَدْعُونَ فِيها بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وشَرابٍ﴾ ﴿وعِنْدَهم قاصِراتُ الطَّرْفِ أتْرابٌ﴾ ﴿هَذا ما تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الحِسابِ﴾ ﴿إنَّ هَذا لَرِزْقُنا ما لَهُ مِن نَفادٍ﴾ ﴿هَذا وإنَّ لِلطّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ﴾ ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ المِهادُ﴾ ﴿هَذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وغَسّاقٌ﴾ ﴿وآخَرُ مِن شَكْلِهِ أزْواجٌ﴾ ﴿هَذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكم لا مَرْحَبًا بِهِمْ إنَّهم صالُوا النّارِ﴾ ﴿قالُوا بَلْ أنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكم أنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا فَبِئْسَ القَرارُ﴾ ﴿قالُوا رَبَّنا مَن قَدَّمَ لَنا هَذا فَزِدْهُ عَذابًا ضِعْفًا في النّارِ﴾ ﴿وقالُوا ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنّا نَعُدُّهم مِنَ الأشْرارِ﴾ ﴿أأتَّخَذْناهم سِخْرِيًّا أمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصارُ﴾ ﴿إنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أهْلِ النّارِ﴾ ﴿قُلْ إنَّما أنا مُنْذِرٌ وما مِن إلَهٍ إلّا اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ ﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما العَزِيزُ الغَفّارُ﴾ (p-٤٠٤)لَمّا أمَرَهُ تَعالى بِالصَّبْرِ عَلى سَفاهَةِ قَوْمِهِ، وذَكَرَ جُمْلَةً مِنَ الأنْبِياءِ وأحْوالِهِمْ، ذَكَرَ ما يَئُولُ إلَيْهِ حالُ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ مِنَ الجَزاءِ، ومَقَرُّ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الفَرِيقَيْنِ. ولَمّا كانَ ما يَذْكُرُهُ نَوْعًا مِن أنْواعِ التَّنْزِيلِ، قالَ: (هَذا ذِكْرٌ)، كَأنَّهُ فَصَلَ بَيْنَ ما قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ. ألا تَرى أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ أهْلَ الجَنَّةِ، وأعْقَبَهُ بِذِكْرِ أهْلِ النّارِ قالَ: (﴿هَذا وإنَّ لِلطّاغِينَ﴾ ؟ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَذا ذِكْرُ مَن مَضى مِنَ الأنْبِياءِ. وقِيلَ: ( هَذا ذِكْرٌ): أيْ: شَرَفٌ تُذْكَرُونَ بِهِ أبَدًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (جَنّاتِ) بِالنَّصْبِ، وهو بَدَلٌ، فَإنْ كانَ (عَدْنٍ) عَلَمًا، فَبَدَلُ مَعْرِفَةٍ مِن نَكَرَةٍ؛ وإنْ كانَ نَكِرَةً، فَبَدَلُ نَكِرَةٍ مِن نَكِرَةٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ مَعْرِفَةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وعَدَ الرَّحْمَنُ﴾ [مريم: ٦١]، وانْتِصابُها عَلى أنَّها عَطْفُ بَيانٍ بِـ(حُسْنَ مَآبٍ) و﴿مُفَتَّحَةً﴾ حالٌ، والعامِلُ فِيها ما في المُتَّقِينَ مِن مَعْنى الفِعْلِ. وفي ﴿مُفَتَّحَةً﴾ ضَمِيرُ الجَنّاتِ، والأبْوابُ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ تَقْدِيرُهُ: مُفَتَّحَةً هي الأبْوابُ لِقَوْلِهِمْ: ضُرِبَ زَيْدٌ اليَدُ والرِّجْلُ، وهو مِن بَدَلِ الِاشْتِمالِ. انْتَهى. ولا يَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ مَعْرِفَةً بِالدَّلِيلِ الَّذِي اسْتَدَلَّ بِهِ وهو قَوْلُهُ: ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي﴾ [مريم: ٦١]؛ لِأنَّهُ اعْتَقَدَ أنَّ الَّتِي صِفَةٌ لِجَنّاتِ عَدْنٍ، ولا يَتَعَيَّنُ ما ذَكَرَهُ، إذْ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الَّتِي بَدَلًا مِن جَنّاتِ عَدْنٍ. ألا تَرى أنَّ الَّذِي والَّتِي وجُمُوعَهُما تُسْتَعْمَلُ اسْتِعْمالَ الأسْماءِ، فَتَلِي (p-٤٠٥)العَوامِلَ، ولا يَلْزَمُ أنْ تَكُونَ صِفَةً ؟ وأمّا انْتِصابُها عَلى أنَّها عَطْفُ بَيانٍ فَلا يَجُوزُ؛ لِأنَّ النَّحْوِيِّينَ في ذَلِكَ عَلى مَذْهَبَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا في المَعارِفِ، فَلا يَكُونُ عَطْفُ البَيانِ إلّا تابِعًا لِمَعْرِفَةٍ، وهو مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ. والثّانِي: أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ في النَّكِراتِ، فَيَكُونُ عَطْفُ البَيانِ تابِعًا لِنَكِرَةٍ، كَما تَكُونُ المَعْرِفَةُ فِيهِ تابِعَةً لِمَعْرِفَةٍ، وهَذا مَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ، وتَبِعَهُمُ الفارِسِيُّ. وأمّا تَخالُفُهُما في التَّنْكِيرِ والتَّعْرِيفِ فَلَمْ يَذْهَبْ إلَيْهِ أحَدٌ سِوى هَذا المُصَنِّفِ. وقَدْ أجازَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿مَقامِ إبْراهِيمَ﴾ [البقرة: ١٢٥]، فَأعْرَبَهُ عَطْفَ بَيانٍ تابِعًا لِنَكِرَةٍ، وهو ﴿آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ [البقرة: ٩٩]، و﴿مَقامِ إبْراهِيمَ﴾ [البقرة: ١٢٥] مَعْرِفَةٌ، وقَدْ رَدَدْنا عَلَيْهِ ذَلِكَ في مَوْضِعِهِ في آلِ عِمْرانَ. وأمّا قَوْلُهُ: وفي ﴿مُفَتَّحَةً﴾ ضَمِيرُ الجَنّاتِ، فَجُمْهُورُ النَّحْوِيِّينَ أعْرَبُوا الأبْوابَ مَفْعُولًا لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ. وجاءَ أبُو عَلِيٍّ فَقالَ: إذا كانَ كَذَلِكَ، لَمْ يَكُنْ في ذَلِكَ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى جَنّاتِ عَدْنٍ مِنَ الحالِيَّةِ إنْ أعْرَبَ مُفَتَّحَةً حالًا، أوْ مِنَ النَّعْتِ إنْ أعْرَبَ نَعْتًا لِـ(جَنّاتِ عَدْنٍ)، فَقالَ: في ﴿مُفَتَّحَةً﴾ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى الجَنّاتِ حَتّى تَرْتَبِطَ الحالُ بِصاحِبِها، أوِ النَّعْتُ بِمَنعُوتِهِ، والأبْوابُ بَدَلٌ. وقالَ: مَن أعْرَبَ الأبْوابَ مَفْعُولًا لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ العائِدُ عَلى الجَنّاتِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: الأبْوابُ مِنها. وألْزَمَ أبُو عَلِيٍّ البَدَلَ في مِثْلِ هَذا لا بُدَّ فِيهِ مِنَ الضَّمِيرِ، إمّا مَلْفُوظًا بِهِ، أوْ مُقَدَّرًا. وإذا كانَ الكَلامُ مُحْتاجًا إلى تَقْدِيرٍ واحِدٍ، كانَ أوْلى مِمّا يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرَيْنِ. وأمّا الكُوفِيُّونَ، فالرّابِطُ عِنْدَهم هو ألْ لِمَقامِهِ مَقامَ الضَّمِيرِ، فَكَأنَّهُ قالَ: مُفَتِّحَةً لَهم أبْوابُها. وأمّا قَوْلُهُ: وهو مِن بَدَلِ الِاشْتِمالِ، فَإنْ عَنى بِقَوْلِهِ: وهو قَوْلُهُ اليَدُ والرِّجْلُ، فَهو وهْمٌ، وإنَّما هو بَدَلُ بَعْضٍ مِن كُلٍّ. وإنْ عَنى الأبْوابَ، فَقَدْ يَصِحُّ؛ لِأنَّ أبْوابَ الجَنّاتِ لَيْسَتْ بَعْضًا مِنَ الجَنّاتِ. وأمّا تَشْبِيهُهُ ما قَدَّرَهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿مُفَتَّحَةً﴾ هي الأبْوابُ، بِقَوْلِهِمْ: ضُرِبَ زَيْدٌ اليَدُ والرِّجْلُ، فَوَجْهُهُ أنَّ الأبْوابَ بَدَلٌ مِن ذَلِكَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ، كَما أنَّ اليَدَ والرِّجْلَ بَدَلٌ مِنَ الظّاهِرِ الَّذِي هو زَيْدٌ. وقالَ أبُو إسْحاقَ، وتَبِعَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ: ﴿مُفَتَّحَةً﴾ نَعْتٌ لِجَنّاتِ عَدْنٍ. وقالَ الحَوْفِيُّ: ﴿مُفَتَّحَةً﴾ حالٌ، والعامِلُ فِيها مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ المَعْنى، تَقْدِيرُهُ: يَدْخُلُونَها. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رُفَيْعٍ، وأبُو حَيْوَةَ: ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ مُفَتَّحَةٌ﴾، بِرَفْعِ التّاءَيْنِ: مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، أوْ كُلٌّ مِنهُما خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هو جَنّاتُ عَدْنٍ هي مُفَتَّحَةٌ. والِاتِّكاءُ: مِن هَيْئاتِ أهْلِ السَّعادَةِ، ﴿يَدْعُونَ فِيها﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ عِنْدَهم مَن يَسْتَخْدِمُونَهُ فِيما يَسْتَدْعُونَ، كَقَوْلِهِ: ﴿ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ [الإنسان: ١٩] . ولَمّا كانَتِ الفاكِهَةُ يَتَنَوَّعُ وصْفُها بِالكَثْرَةِ، وكَثْرَتُها بِاخْتِلافِ أنْواعِها، وكَثْرَةُ كُلِّ نَوْعٍ مِنها؛ ولَمّا كانَ الشَّرابُ نَوْعًا واحِدًا وهو الخَمْرُ، أُفْرِدَ. ﴿وعِنْدَهم قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ . قالَ قَتادَةُ: مَعْناهُ عَلى أزْواجِهِنَّ، ﴿أتْرابٌ﴾: أيْ: أمْثالٌ عَلى سِنٍّ واحِدَةٍ، وأصْلُهُ في بَنِي آدَمَ لِكَوْنِهِمْ مَسَّ أجْسادَهُمُ التُّرابُ في وقْتٍ واحِدٍ، والأقْرانُ أثْبَتُ في التَّحابِّ. والظّاهِرُ أنَّ هَذا الوَصْفَ هو بَيْنَهُنَّ، وقِيلَ: بَيْنَ أزْواجِهِنَّ، أسْنانُهُنَّ كَأسْنانِهِمْ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ الآدَمِيّاتِ. وقالَ صاحِبُ الغُنْيانِ: حُورٌ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: (وهَذا ما يُوعَدُونَ)، بِياءِ الغَيْبَةِ، إذْ قَبْلَهُ (وعِنْدَهم) وباقِي السَّبْعَةِ: بِتاءِ الخِطابِ عَلى الِالتِفاتِ، والمَعْنى: هَذا ما وقَعَ بِهِ الوَعْدُ لِيَوْمِ الجَزاءِ. (إنَّ هَذا): أيْ: ما ذُكِرَ لِلْمُتَّقِينَ مِمّا تَقَدَّمَ، ﴿لَرِزْقُنا﴾ دائِمًا، أيْ: لا نَفادَ لَهُ. ﴿هَذا وإنَّ لِلطّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ﴾، قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: الأمْرُ هَذا، وقالَ أبُو عَلِيٍّ: هَذا لِلْمُؤْمِنِينَ، وقالَ أبُو البَقاءِ: مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ، أوْ خَبَرٌ مَحْذُوفُ المُبْتَدَأِ، والطّاغُونَ هُنا: الكُفّارُ؛ وقالَ الجُبّائِيُّ: أصْحابُ الكَبائِرِ كُفّارًا كانُوا أوْ لَمْ يَكُونُوا. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المَعْنى الَّذِينَ طَغَوْا عَلَيَّ، وكَذَّبُوا رُسُلِي لَهم شَرُّ مَآبٍ أيْ: مَرْجِعٍ ومَصِيرٍ. ﴿فَبِئْسَ المِهادُ﴾ أيْ: هي (هَذا) في مَوْضِعِ رَفْعِ مُبْتَدَأٍ خَبَرُهُ (جَهَنَّمَ)، ﴿وغَسّاقٌ﴾، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: العَذابُ هَذا، وحَمِيمٌ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ، أوْ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الِاشْتِغالِ، أيْ: لِيَذُوقُوا هَذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ، أيْ: هو حَمِيمٌ، أوْ مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ، أيْ: مِنهُ حَمِيمٌ ومِنهُ غَسّاقٌ، كَما قالَ الشّاعِرُ:(p-٤٠٦) ؎حَتّى إذا ما أضاءَ الصُّبْحُ في غَلَسٍ وغُودِرَ البَقْلُ مَلْوِيُّ ومَحْصُودُ أيْ: مِنهُ مَلْوِيٌّ ومِنهُ مَحْصُودٌ، وهَذِهِ الأعارِيبُ مَقُولَةٌ مَنقُولَةٌ. وقِيلَ: هَذا مُبْتَدَأٌ، و﴿فَلْيَذُوقُوهُ﴾ الخَبَرُ، وهَذا عَلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ في إجازَتِهِ: زَيْدٌ فاضْرِبْهُ، مُسْتَدِلًّا بِقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎وقائِلَةٍ خَوْلانُ فانْكِحْ فَتاتَهُمْ والغَسّاقُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: الزَّمْهَرِيرُ؛ وعَنْهُ أيْضًا، وعَنْ عَطاءٍ، وقَتادَةَ، وابْنِ زَيْدٍ: ما يَجْرِي مِن صَدِيدِ أهْلِ النّارِ. وعَنْ كَعْبٍ: عَيْنٌ في جَهَنَّمَ تَسِيلُ إلَيْها حُمَةُ كُلِّ ذِي حُمَةٍ مِن حَيَّةٍ أوْ عَقْرَبٍ أوْ غَيْرِهِما، يُغْمَسُ فِيها فَيَتَساقَطُ الجِلْدُ واللَّحْمُ عَنِ العَظْمِ. وعَنِ السُّدِّيِّ: ما يَسِيلُ مِن دُمُوعِهِمْ، وعَنِ ابْنِ عُمَرَ: القَيْحُ يَسِيلُ مِنهم فَيُسْقَوْنَهُ. وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ، وقَتادَةُ، وابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ، والفَضْلُ، وابْنُ سَعْدانَ، وهارُونُ عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِتَشْدِيدِ السِّينِ. فَإنْ كانَ صِفَةً، فَيَكُونُ مِمّا حُذِفَ مَوْصُوفُها، وإنْ كانَ اسْمًا، فَفَعّالٌ قَلِيلٌ في الأسْماءِ، جاءَ مِنهُ: الكَلّاءُ، والجَبّانُ، والفَنّادُ، والعَقّارُ، والخَطّارُ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ: بِتَخْفِيفِ السِّينِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (وآخَرُ) عَلى الإفْرادِ، فَقِيلَ: مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: ولَهم عَذابٌ آخَرُ. وقِيلَ: خَبَرُهُ في الجُمْلَةِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: (أزْواجٌ) مُبْتَدَأٌ، و﴿مِن شَكْلِهِ﴾ خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ خَبَرُ (وآخَرُ) . وقِيلَ: خَبَرُهُ (أزْواجٌ) و﴿مِن شَكْلِهِ﴾ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ، وجازَ أنْ يُخْبَرَ بِالجَمْعِ عَنِ الواحِدِ مِن حَيْثُ هو دَرَجاتٌ ورُتَبٌ مِنَ العَذابِ، أوْ سَمّى كُلَّ جُزْءٍ مِن ذَلِكَ الآخَرِ بِاسْمِ الكُلِّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (وآخَرُ) أيْ: وعَذابٌ آخَرُ، أوْ مَذُوقٌ آخَرُ؛ وأزْواجٌ صِفَةُ آخَرَ؛ لِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضُرُوبًا أوْ صِفَةً لِلثَّلاثَةِ، وهي: ﴿حَمِيمٌ وغَسّاقٌ﴾ ﴿وآخَرُ مِن شَكْلِهِ﴾ . انْتَهى. وهُوَ إعْرابٌ أخَذَهُ مِنَ الفَرّاءِ. وقَرَأ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، والجَحْدَرِيُّ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وعِيسى، وأبُو عَمْرٍو: (وأُخَرُ) عَلى الجَمْعِ، وهو مُبْتَدَأٌ، (ومِن شَكْلِهِ) في مَوْضِعِ الصِّفَةِ؛ ﴿وأزْواجٌ﴾ [آل عمران: ١٥] خَبَرُهُ، أيْ: ومَذُوقًا آخَرُ مِن شَكْلِ هَذا المَذُوقِ مِن مِثْلِهِ في الشِّدَّةِ والفَظاعَةِ. (أزْواجٌ): أجْناسٌ. وقَرَأ مُجاهِدٌ: ﴿مِن شَكْلِهِ﴾ بِكَسْرِ الشِّينِ؛ والجُمْهُورُ: بِفَتْحِها، وهُما لُغَتانِ بِمَعْنى المِثْلِ والضَّرْبِ. وأمّا إذا كانَ بِمَعْنى الفَتْحِ، فَبِكَسْرِ الشِّينِ لا غَيْرَ. وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: ﴿وآخَرُ مِن شَكْلِهِ﴾: هو الزَّمْهَرِيرُ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿هَذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ﴾ )، مِن قَوْلِ رُؤَسائِهِمْ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، والفَوْجُ: الجَمْعُ الكَثِيرُ، ﴿مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ﴾ أيِ: النّارَ، وهُمُ الأتْباعُ، ثُمَّ دَعَوْا عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِمْ: ﴿لا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾؛ لِأنَّ الرَّئِيسَ إذا رَأى الخَسِيسَ قَدْ قُرِنَ مَعَهُ في العَذابِ، ساءَهُ ذَلِكَ حَيْثُ وقَعَ التَّساوِي في العَذابِ، ولَمْ يَكُنْ هو السّالِمُ مِنَ العَذابِ وأتْباعُهُ في العَذابِ. و(مَرْحَبًا) مَعْناهُ: ائْتِ رَحْبًا وسَعَةً لا ضَيِّقًا، وهو مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ يَجِبُ إضْمارُهُ، ولِأنَّ عُلُوَّهم بَيانٌ لِلْمَدْعُوِّ عَلَيْهِمْ. وقِيلَ: ﴿هَذا فَوْجٌ﴾، مِن كَلامِ المَلائِكَةِ خَزَنَةِ النّارِ؛ وأنَّ الدُّعاءَ عَلى الفَوْجِ والتَّعْلِيلَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهم صالُوا النّارِ﴾، مِن كَلامِهِمْ. وقِيلَ: ﴿هَذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ﴾، مِن كَلامِ المَلائِكَةِ، والدُّعاءُ عَلى الفَوْجِ والإخْبارُ بِأنَّهم صالُوا النّارِ مِن كَلامِ الرُّؤَساءِ المَتْبُوعِينَ. (قالُوا) أيِ: الفَوْجُ: ﴿لا مَرْحَبًا بِكُمْ﴾، رَدٌّ عَلى الرُّؤَساءِ ما دَعَوْا بِهِ عَلَيْهِمْ. ثُمَّ ذَكَرُوا أنَّ ما وقَعُوا فِيهِ مِنَ العَذابِ وصَلْيِ النّارِ، إنَّما هو بِما ألْقَيْتُمْ إلَيْنا وزَيَّنْتُمُوهُ مِنَ الكُفْرِ، فَكَأنَّكم قَدَّمْتُمْ لَنا العَذابَ أوِ الصَّلْيَ. وإذا كانَ ﴿لا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾ مِن كَلامِ الخَزَنَةِ فَلَمْ يَجِئِ التَّرْكِيبُ: قالُوا بَلْ هَؤُلاءِ لا مَرْحَبًا بِهِمْ، بَلْ جاءَ بِخِطابِ الأتْباعِ لِلرُّؤَساءِ، لِتَكُونَ المُواجَهَةُ لِمَن كانُوا لا يَقْدِرُونَ عَلى مُواجَهَتِهِمْ في الدُّنْيا بِقَبِيحٍ أشَفى لِصُدُورِهِمْ، حَيْثُ تَسَبَّبُوا في كُفْرِهِمْ، وأنْكى لِلرُّؤَساءِ. ﴿فَبِئْسَ القَرارُ﴾: أيِ: النّارُ؛ وهَذِهِ المُرادَةُ والدُّعاءُ كَقَوْلِهِ: ﴿كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها﴾ [الأعراف: ٣٨] . ولَمْ يَكْتَفِ الأتْباعُ بِرَدِّ الدُّعاءِ عَلى رُؤَسائِهِمْ، ولا بِمُواجَهَتِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿أنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا﴾، حَتّى سَألُوا مِنَ اللَّهِ أنْ يَزِيدَ رُؤَساءَهم ضِعْفًا مِنَ النّارِ، والمَعْنى: مَن حَمَلَنا عَلى عَمَلِ السُّوءِ حَتّى صارَ جَزاءُنا النّارَ، ﴿فَزِدْهُ عَذابًا ضِعْفًا﴾، كَما جاءَ في قَوْلِ الأتْباعِ: ﴿رَبَّنا آتِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦٨]، أيْ: ساداتَهم ﴿ضِعْفَيْنِ مِنَ العَذابِ﴾ [الأحزاب: ٦٨]، ﴿رَبَّنا هَؤُلاءِ أضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذابًا ضِعْفًا مِنَ النّارِ﴾ [الأعراف: ٣٨] . (p-٤٠٧)ولَمّا كانَ الرُّؤَساءُ ضُلّالًا في أنْفُسِهِمْ، وأضَلُّوا أتْباعَهم، ناسَبَ أنْ يَدْعُوا عَلَيْهِمْ بِأنْ يَزِيدَهم ضِعْفًا، كَما جاءَ: «فَعَلَيْهِ وِزْرُها ووِزْرُ مَن عَمِلَ بِها إلى يَوْمِ القِيامَةِ» فَعَلى هَذا الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: (قالُوا) لِلْأتْباعِ. و﴿مَن قَدَّمَ﴾: هُمُ الرُّؤَساءُ. وقالَ ابْنُ السّائِبِ: ﴿قالُوا رَبَّنا﴾ إلى آخِرِهِ، قَوْلُ جَمِيعِ أهْلِ النّارِ. وقالَ الضَّحّاكُ: ﴿مَن قَدَّمَ﴾، هو إبْلِيسُ وقابِيلُ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: الضِّعْفُ حَيّاتٌ وعَقارِبُ. (وقالُوا) أيْ: أشْرافُ الكُفّارِ، ﴿ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنّا نَعُدُّهم مِنَ الأشْرارِ﴾ أيِ: الأرْذالِ الَّذِينَ لا خَيْرَ فِيهِمْ، ولَيْسُوا عَلى دِينِنا، كَما قالَ: ﴿وما نَراكَ اتَّبَعَكَ إلّا الَّذِينَ هم أراذِلُنا﴾ [هود: ٢٧] . ورُوِيَ أنَّ القائِلِينَ مِن كُفّارِ عَصْرِ الرَّسُولِ ﷺ، هم: أبُو جَهْلٍ، وأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، وأصْحابُ القَلِيبِ، والَّذِينَ لَمْ يَرَوْهم: عَمّارٌ، وصُهَيْبٌ، وسَلْمانُ، ومَن جَرى مَجْراهم، قالَهُ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ. قِيلَ: يَسْألُونَ أيْنَ عَمّارٌ ؟ أيْنَ صُهَيْبٌ ؟ أيْنَ فُلانٌ ؟ يَعُدُّونَ ضُعَفاءَ المُسْلِمِينَ، فَيُقالُ لَهم: أُولَئِكَ في الفِرْدَوْسِ. وقَرَأ النَّحْوِيّانِ، وحَمْزَةُ: (اتَّخَذْناهم) وصْلًا، فَقالَ أبُو حاتِمٍ، والزَّمَخْشَرِيُّ، وابْنُ عَطِيَّةَ: صِفَةٌ لِرِجالٍ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿كُنّا نَعُدُّهم مِنَ الأشْرارِ﴾ . وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: حالٌ، أيْ: وقَدِ اتَّخَذْناهم. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، والأعْرَجُ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، وباقِي السَّبْعَةِ: بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، لِتَقْرِيرِ أنْفُسِهِمْ عَلى هَذا، عَلى جِهَةِ التَّوْبِيخِ لَها والأسَفِ، أيِ: اتَّخَذْناهم سِخْرِيًّا، ولَمْ يَكُونُوا كَذَلِكَ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وأصْحابُهُ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، والأعْرَجُ، ونافِعٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: (سُخْرِيًّا)، بِضَمِّ السِّينِ، ومَعْناها مِنَ السُّخْرَةِ والِاسْتِخْدامِ. وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ، وعِيسى، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وباقِي السَّبْعَةِ: بِكَسْرِ السِّينِ، ومَعْناها: المَشْهُورُ مِنَ السُّخْرِ، وهو الهُزْءُ. قالَ الشّاعِرُ: ؎إنِّي أتانِي لِسانٌ لا أُسَرُّ بِها ∗∗∗ مِن عَلْوَ لا كَذِبٌ فِيها ولا سَخَرُ وقِيلَ: بِكَسْرِ السِّينِ مِنَ التَّسْخِيرِ. وأمْ، إنْ كانَ اتَّخَذْناهُمُ اسْتِفْهامًا إمّا مُصَرَّحًا بِهَمْزَتِهِ كَقِراءَةِ مَن قَرَأ كَذَلِكَ، أوْ مُؤَوَّلًا بِالِاسْتِفْهامِ، وحُذِفَتِ الهَمْزَةُ لِلدَّلالَةِ. فالظّاهِرُ أنَّها مُتَّصِلَةٌ لِتَقَدُّمِ الهَمْزَةِ، والمَعْنى أيُّ الفِعْلَيْنِ فَعَلْنا بِهِمْ، الِاسْتِسْخارُ مِنهم أمِ ازْدِراؤُهم وتَحْقِيرُهم ؟ وإنَّ أبْصارَنا كانَتْ تَعْلُو عَنْهم وتَقْتَحِمُ. ويَكُونُ اسْتِفْهامًا عَلى مَعْنى الإنْكارِ عَلى أنْفُسِهِمْ، لِلِاسْتِسْخارِ والزَّيْغِ جَمِيعًا. وقالَ الحَسَنُ: كُلُّ ذَلِكَ قَدْ فَعَلُوا، اتَّخَذُوهم سِخْرِيًّا، وزاغَتْ عَنْهم أبْصارُهم مُحَقِّرَةً لَهم. وأنَّ (اتَّخَذْناهم) لَيْسَ اسْتِفْهامًا، فَأمْ مُنْقَطِعَةٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُنْقَطِعَةً أيْضًا مَعَ تَقَدُّمِ الِاسْتِفْهامِ، يَكُونُ كَقَوْلِكِ: أزَيْدٌ عِنْدَكَ أمْ عِنْدَكَ عَمْرٌو ؟ واسْتَفْهَمْتَ عَنْ زَيْدٍ، ثُمَّ أضْرَبْتَ عَنْ ذَلِكَ واسْتَفْهَمْتَ عَنْ عَمْرٍو، فالتَّقْدِيرُ: بَلْ أزاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصارُ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهم: ﴿أمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصارُ﴾ لَهُ تَعَلُّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ما لَنا لا نَرى رِجالًا﴾؛ لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ أوَّلًا دَلَّ عَلى انْتِفاءِ رُؤْيَتِهِمْ إيّاهم، وذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّهم لَيْسُوا مَعَهُ، ثُمَّ جَوَّزُوا أنْ يَكُونُوا مَعَهُ، ولَكِنَّ أبْصارَهم لَمْ تَرَهم. (إنَّ ذَلِكَ أيِ: التَّفاوُضُ الَّذِي حَكَيْناهُ عَنْهم، ( لَحَقٌّ) أيْ: ثابِتٌ واقِعٌ لا بُدَّ أنْ يَجْرِيَ بَيْنَهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿تَخاصُمُ﴾ بِالرَّفْعِ مُضافًا إلى أهْلِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: بَدَلٌ مِن (لَحَقٌّ) . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بَيَّنَ ما هو فَقالَ: ﴿تَخاصُمُ﴾ مُنَوَّنًا، (أهْلُ) رُفِعا بِالمَصْدَرِ المُنَوَّنِ، ولا يُجِيزُ ذَلِكَ الفَرّاءُ، ويُجِيزُهُ سِيبَوَيْهِ والبَصْرِيُّونَ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ﴿تَخاصُمَ أهْلِ﴾، بِنَصْبِ المِيمِ وجَرِّ أهْلِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِذَلِكَ؛ لِأنَّ أسْماءَ الإشارَةِ تُوصَفُ بِأسْماءِ الأجْناسِ. وفِي كِتابِ اللَّوامِحِ: ولَوْ نُصِبَ ﴿تَخاصُمُ أهْلِ النّارِ﴾، لَجازَ عَلى البَدَلِ مِن ذَلِكَ. وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْقَعِ: ﴿تَخاصُمُ﴾: فِعْلًا ماضِيًا، (أهْلُ): فاعِلًا، وسَمّى تَعالى تِلْكَ المُفاوَضَةَ الَّتِي جَرَتْ بَيْنَ رُؤَساءِ الكُفّارِ وأتْباعِهِمْ تَخاصُمًا؛ لِأنَّ قَوْلَهم: ﴿لا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾، وقَوْلَ الأتْباعِ: ﴿بَلْ أنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكُمْ﴾، هو مِن بابِ الخُصُومَةِ، فَسَمّى التَّفاوُضَ كُلَّهُ تَخاصُمًا لِاسْتِعْمالِهِ عَلَيْهِ. (قُلْ): يا مُحَمَّدُ، ﴿إنَّما أنا مُنْذِرٌ﴾ أيْ: مُنْذِرُ المُشْرِكِينَ بِالعَذابِ، وأنَّ اللَّهَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، لا نِدَّ لَهُ ولا شَرِيكَ، وهو الواحِدُ القَهّارُ لِكُلِّ شَيْءٍ، وأنَّهُ مالِكُ العالَمِ، عُلْوِهِ وسُفْلِهِ، (p-٤٠٨)العَزِيزُ الَّذِي لا يُغالَبُ، الغَفّارُ لِذُنُوبِ مَن آمَنَ بِهِ واتَّبَعَ لِدِينِهِ.

ص 38:62

﴿هَذا ذِكْرٌ وإنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ﴾ ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الأبْوابُ﴾ ﴿مُتَّكِئِينَ فِيها يَدْعُونَ فِيها بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وشَرابٍ﴾ ﴿وعِنْدَهم قاصِراتُ الطَّرْفِ أتْرابٌ﴾ ﴿هَذا ما تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الحِسابِ﴾ ﴿إنَّ هَذا لَرِزْقُنا ما لَهُ مِن نَفادٍ﴾ ﴿هَذا وإنَّ لِلطّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ﴾ ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ المِهادُ﴾ ﴿هَذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وغَسّاقٌ﴾ ﴿وآخَرُ مِن شَكْلِهِ أزْواجٌ﴾ ﴿هَذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكم لا مَرْحَبًا بِهِمْ إنَّهم صالُوا النّارِ﴾ ﴿قالُوا بَلْ أنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكم أنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا فَبِئْسَ القَرارُ﴾ ﴿قالُوا رَبَّنا مَن قَدَّمَ لَنا هَذا فَزِدْهُ عَذابًا ضِعْفًا في النّارِ﴾ ﴿وقالُوا ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنّا نَعُدُّهم مِنَ الأشْرارِ﴾ ﴿أأتَّخَذْناهم سِخْرِيًّا أمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصارُ﴾ ﴿إنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أهْلِ النّارِ﴾ ﴿قُلْ إنَّما أنا مُنْذِرٌ وما مِن إلَهٍ إلّا اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ ﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما العَزِيزُ الغَفّارُ﴾ (p-٤٠٤)لَمّا أمَرَهُ تَعالى بِالصَّبْرِ عَلى سَفاهَةِ قَوْمِهِ، وذَكَرَ جُمْلَةً مِنَ الأنْبِياءِ وأحْوالِهِمْ، ذَكَرَ ما يَئُولُ إلَيْهِ حالُ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ مِنَ الجَزاءِ، ومَقَرُّ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الفَرِيقَيْنِ. ولَمّا كانَ ما يَذْكُرُهُ نَوْعًا مِن أنْواعِ التَّنْزِيلِ، قالَ: (هَذا ذِكْرٌ)، كَأنَّهُ فَصَلَ بَيْنَ ما قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ. ألا تَرى أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ أهْلَ الجَنَّةِ، وأعْقَبَهُ بِذِكْرِ أهْلِ النّارِ قالَ: (﴿هَذا وإنَّ لِلطّاغِينَ﴾ ؟ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَذا ذِكْرُ مَن مَضى مِنَ الأنْبِياءِ. وقِيلَ: ( هَذا ذِكْرٌ): أيْ: شَرَفٌ تُذْكَرُونَ بِهِ أبَدًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (جَنّاتِ) بِالنَّصْبِ، وهو بَدَلٌ، فَإنْ كانَ (عَدْنٍ) عَلَمًا، فَبَدَلُ مَعْرِفَةٍ مِن نَكَرَةٍ؛ وإنْ كانَ نَكِرَةً، فَبَدَلُ نَكِرَةٍ مِن نَكِرَةٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ مَعْرِفَةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وعَدَ الرَّحْمَنُ﴾ [مريم: ٦١]، وانْتِصابُها عَلى أنَّها عَطْفُ بَيانٍ بِـ(حُسْنَ مَآبٍ) و﴿مُفَتَّحَةً﴾ حالٌ، والعامِلُ فِيها ما في المُتَّقِينَ مِن مَعْنى الفِعْلِ. وفي ﴿مُفَتَّحَةً﴾ ضَمِيرُ الجَنّاتِ، والأبْوابُ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ تَقْدِيرُهُ: مُفَتَّحَةً هي الأبْوابُ لِقَوْلِهِمْ: ضُرِبَ زَيْدٌ اليَدُ والرِّجْلُ، وهو مِن بَدَلِ الِاشْتِمالِ. انْتَهى. ولا يَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ مَعْرِفَةً بِالدَّلِيلِ الَّذِي اسْتَدَلَّ بِهِ وهو قَوْلُهُ: ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي﴾ [مريم: ٦١]؛ لِأنَّهُ اعْتَقَدَ أنَّ الَّتِي صِفَةٌ لِجَنّاتِ عَدْنٍ، ولا يَتَعَيَّنُ ما ذَكَرَهُ، إذْ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الَّتِي بَدَلًا مِن جَنّاتِ عَدْنٍ. ألا تَرى أنَّ الَّذِي والَّتِي وجُمُوعَهُما تُسْتَعْمَلُ اسْتِعْمالَ الأسْماءِ، فَتَلِي (p-٤٠٥)العَوامِلَ، ولا يَلْزَمُ أنْ تَكُونَ صِفَةً ؟ وأمّا انْتِصابُها عَلى أنَّها عَطْفُ بَيانٍ فَلا يَجُوزُ؛ لِأنَّ النَّحْوِيِّينَ في ذَلِكَ عَلى مَذْهَبَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا في المَعارِفِ، فَلا يَكُونُ عَطْفُ البَيانِ إلّا تابِعًا لِمَعْرِفَةٍ، وهو مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ. والثّانِي: أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ في النَّكِراتِ، فَيَكُونُ عَطْفُ البَيانِ تابِعًا لِنَكِرَةٍ، كَما تَكُونُ المَعْرِفَةُ فِيهِ تابِعَةً لِمَعْرِفَةٍ، وهَذا مَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ، وتَبِعَهُمُ الفارِسِيُّ. وأمّا تَخالُفُهُما في التَّنْكِيرِ والتَّعْرِيفِ فَلَمْ يَذْهَبْ إلَيْهِ أحَدٌ سِوى هَذا المُصَنِّفِ. وقَدْ أجازَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿مَقامِ إبْراهِيمَ﴾ [البقرة: ١٢٥]، فَأعْرَبَهُ عَطْفَ بَيانٍ تابِعًا لِنَكِرَةٍ، وهو ﴿آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ [البقرة: ٩٩]، و﴿مَقامِ إبْراهِيمَ﴾ [البقرة: ١٢٥] مَعْرِفَةٌ، وقَدْ رَدَدْنا عَلَيْهِ ذَلِكَ في مَوْضِعِهِ في آلِ عِمْرانَ. وأمّا قَوْلُهُ: وفي ﴿مُفَتَّحَةً﴾ ضَمِيرُ الجَنّاتِ، فَجُمْهُورُ النَّحْوِيِّينَ أعْرَبُوا الأبْوابَ مَفْعُولًا لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ. وجاءَ أبُو عَلِيٍّ فَقالَ: إذا كانَ كَذَلِكَ، لَمْ يَكُنْ في ذَلِكَ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى جَنّاتِ عَدْنٍ مِنَ الحالِيَّةِ إنْ أعْرَبَ مُفَتَّحَةً حالًا، أوْ مِنَ النَّعْتِ إنْ أعْرَبَ نَعْتًا لِـ(جَنّاتِ عَدْنٍ)، فَقالَ: في ﴿مُفَتَّحَةً﴾ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى الجَنّاتِ حَتّى تَرْتَبِطَ الحالُ بِصاحِبِها، أوِ النَّعْتُ بِمَنعُوتِهِ، والأبْوابُ بَدَلٌ. وقالَ: مَن أعْرَبَ الأبْوابَ مَفْعُولًا لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ العائِدُ عَلى الجَنّاتِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: الأبْوابُ مِنها. وألْزَمَ أبُو عَلِيٍّ البَدَلَ في مِثْلِ هَذا لا بُدَّ فِيهِ مِنَ الضَّمِيرِ، إمّا مَلْفُوظًا بِهِ، أوْ مُقَدَّرًا. وإذا كانَ الكَلامُ مُحْتاجًا إلى تَقْدِيرٍ واحِدٍ، كانَ أوْلى مِمّا يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرَيْنِ. وأمّا الكُوفِيُّونَ، فالرّابِطُ عِنْدَهم هو ألْ لِمَقامِهِ مَقامَ الضَّمِيرِ، فَكَأنَّهُ قالَ: مُفَتِّحَةً لَهم أبْوابُها. وأمّا قَوْلُهُ: وهو مِن بَدَلِ الِاشْتِمالِ، فَإنْ عَنى بِقَوْلِهِ: وهو قَوْلُهُ اليَدُ والرِّجْلُ، فَهو وهْمٌ، وإنَّما هو بَدَلُ بَعْضٍ مِن كُلٍّ. وإنْ عَنى الأبْوابَ، فَقَدْ يَصِحُّ؛ لِأنَّ أبْوابَ الجَنّاتِ لَيْسَتْ بَعْضًا مِنَ الجَنّاتِ. وأمّا تَشْبِيهُهُ ما قَدَّرَهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿مُفَتَّحَةً﴾ هي الأبْوابُ، بِقَوْلِهِمْ: ضُرِبَ زَيْدٌ اليَدُ والرِّجْلُ، فَوَجْهُهُ أنَّ الأبْوابَ بَدَلٌ مِن ذَلِكَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ، كَما أنَّ اليَدَ والرِّجْلَ بَدَلٌ مِنَ الظّاهِرِ الَّذِي هو زَيْدٌ. وقالَ أبُو إسْحاقَ، وتَبِعَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ: ﴿مُفَتَّحَةً﴾ نَعْتٌ لِجَنّاتِ عَدْنٍ. وقالَ الحَوْفِيُّ: ﴿مُفَتَّحَةً﴾ حالٌ، والعامِلُ فِيها مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ المَعْنى، تَقْدِيرُهُ: يَدْخُلُونَها. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رُفَيْعٍ، وأبُو حَيْوَةَ: ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ مُفَتَّحَةٌ﴾، بِرَفْعِ التّاءَيْنِ: مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، أوْ كُلٌّ مِنهُما خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هو جَنّاتُ عَدْنٍ هي مُفَتَّحَةٌ. والِاتِّكاءُ: مِن هَيْئاتِ أهْلِ السَّعادَةِ، ﴿يَدْعُونَ فِيها﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ عِنْدَهم مَن يَسْتَخْدِمُونَهُ فِيما يَسْتَدْعُونَ، كَقَوْلِهِ: ﴿ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ [الإنسان: ١٩] . ولَمّا كانَتِ الفاكِهَةُ يَتَنَوَّعُ وصْفُها بِالكَثْرَةِ، وكَثْرَتُها بِاخْتِلافِ أنْواعِها، وكَثْرَةُ كُلِّ نَوْعٍ مِنها؛ ولَمّا كانَ الشَّرابُ نَوْعًا واحِدًا وهو الخَمْرُ، أُفْرِدَ. ﴿وعِنْدَهم قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ . قالَ قَتادَةُ: مَعْناهُ عَلى أزْواجِهِنَّ، ﴿أتْرابٌ﴾: أيْ: أمْثالٌ عَلى سِنٍّ واحِدَةٍ، وأصْلُهُ في بَنِي آدَمَ لِكَوْنِهِمْ مَسَّ أجْسادَهُمُ التُّرابُ في وقْتٍ واحِدٍ، والأقْرانُ أثْبَتُ في التَّحابِّ. والظّاهِرُ أنَّ هَذا الوَصْفَ هو بَيْنَهُنَّ، وقِيلَ: بَيْنَ أزْواجِهِنَّ، أسْنانُهُنَّ كَأسْنانِهِمْ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ الآدَمِيّاتِ. وقالَ صاحِبُ الغُنْيانِ: حُورٌ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: (وهَذا ما يُوعَدُونَ)، بِياءِ الغَيْبَةِ، إذْ قَبْلَهُ (وعِنْدَهم) وباقِي السَّبْعَةِ: بِتاءِ الخِطابِ عَلى الِالتِفاتِ، والمَعْنى: هَذا ما وقَعَ بِهِ الوَعْدُ لِيَوْمِ الجَزاءِ. (إنَّ هَذا): أيْ: ما ذُكِرَ لِلْمُتَّقِينَ مِمّا تَقَدَّمَ، ﴿لَرِزْقُنا﴾ دائِمًا، أيْ: لا نَفادَ لَهُ. ﴿هَذا وإنَّ لِلطّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ﴾، قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: الأمْرُ هَذا، وقالَ أبُو عَلِيٍّ: هَذا لِلْمُؤْمِنِينَ، وقالَ أبُو البَقاءِ: مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ، أوْ خَبَرٌ مَحْذُوفُ المُبْتَدَأِ، والطّاغُونَ هُنا: الكُفّارُ؛ وقالَ الجُبّائِيُّ: أصْحابُ الكَبائِرِ كُفّارًا كانُوا أوْ لَمْ يَكُونُوا. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المَعْنى الَّذِينَ طَغَوْا عَلَيَّ، وكَذَّبُوا رُسُلِي لَهم شَرُّ مَآبٍ أيْ: مَرْجِعٍ ومَصِيرٍ. ﴿فَبِئْسَ المِهادُ﴾ أيْ: هي (هَذا) في مَوْضِعِ رَفْعِ مُبْتَدَأٍ خَبَرُهُ (جَهَنَّمَ)، ﴿وغَسّاقٌ﴾، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: العَذابُ هَذا، وحَمِيمٌ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ، أوْ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الِاشْتِغالِ، أيْ: لِيَذُوقُوا هَذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ، أيْ: هو حَمِيمٌ، أوْ مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ، أيْ: مِنهُ حَمِيمٌ ومِنهُ غَسّاقٌ، كَما قالَ الشّاعِرُ:(p-٤٠٦) ؎حَتّى إذا ما أضاءَ الصُّبْحُ في غَلَسٍ وغُودِرَ البَقْلُ مَلْوِيُّ ومَحْصُودُ أيْ: مِنهُ مَلْوِيٌّ ومِنهُ مَحْصُودٌ، وهَذِهِ الأعارِيبُ مَقُولَةٌ مَنقُولَةٌ. وقِيلَ: هَذا مُبْتَدَأٌ، و﴿فَلْيَذُوقُوهُ﴾ الخَبَرُ، وهَذا عَلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ في إجازَتِهِ: زَيْدٌ فاضْرِبْهُ، مُسْتَدِلًّا بِقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎وقائِلَةٍ خَوْلانُ فانْكِحْ فَتاتَهُمْ والغَسّاقُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: الزَّمْهَرِيرُ؛ وعَنْهُ أيْضًا، وعَنْ عَطاءٍ، وقَتادَةَ، وابْنِ زَيْدٍ: ما يَجْرِي مِن صَدِيدِ أهْلِ النّارِ. وعَنْ كَعْبٍ: عَيْنٌ في جَهَنَّمَ تَسِيلُ إلَيْها حُمَةُ كُلِّ ذِي حُمَةٍ مِن حَيَّةٍ أوْ عَقْرَبٍ أوْ غَيْرِهِما، يُغْمَسُ فِيها فَيَتَساقَطُ الجِلْدُ واللَّحْمُ عَنِ العَظْمِ. وعَنِ السُّدِّيِّ: ما يَسِيلُ مِن دُمُوعِهِمْ، وعَنِ ابْنِ عُمَرَ: القَيْحُ يَسِيلُ مِنهم فَيُسْقَوْنَهُ. وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ، وقَتادَةُ، وابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ، والفَضْلُ، وابْنُ سَعْدانَ، وهارُونُ عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِتَشْدِيدِ السِّينِ. فَإنْ كانَ صِفَةً، فَيَكُونُ مِمّا حُذِفَ مَوْصُوفُها، وإنْ كانَ اسْمًا، فَفَعّالٌ قَلِيلٌ في الأسْماءِ، جاءَ مِنهُ: الكَلّاءُ، والجَبّانُ، والفَنّادُ، والعَقّارُ، والخَطّارُ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ: بِتَخْفِيفِ السِّينِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (وآخَرُ) عَلى الإفْرادِ، فَقِيلَ: مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: ولَهم عَذابٌ آخَرُ. وقِيلَ: خَبَرُهُ في الجُمْلَةِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: (أزْواجٌ) مُبْتَدَأٌ، و﴿مِن شَكْلِهِ﴾ خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ خَبَرُ (وآخَرُ) . وقِيلَ: خَبَرُهُ (أزْواجٌ) و﴿مِن شَكْلِهِ﴾ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ، وجازَ أنْ يُخْبَرَ بِالجَمْعِ عَنِ الواحِدِ مِن حَيْثُ هو دَرَجاتٌ ورُتَبٌ مِنَ العَذابِ، أوْ سَمّى كُلَّ جُزْءٍ مِن ذَلِكَ الآخَرِ بِاسْمِ الكُلِّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (وآخَرُ) أيْ: وعَذابٌ آخَرُ، أوْ مَذُوقٌ آخَرُ؛ وأزْواجٌ صِفَةُ آخَرَ؛ لِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضُرُوبًا أوْ صِفَةً لِلثَّلاثَةِ، وهي: ﴿حَمِيمٌ وغَسّاقٌ﴾ ﴿وآخَرُ مِن شَكْلِهِ﴾ . انْتَهى. وهُوَ إعْرابٌ أخَذَهُ مِنَ الفَرّاءِ. وقَرَأ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، والجَحْدَرِيُّ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وعِيسى، وأبُو عَمْرٍو: (وأُخَرُ) عَلى الجَمْعِ، وهو مُبْتَدَأٌ، (ومِن شَكْلِهِ) في مَوْضِعِ الصِّفَةِ؛ ﴿وأزْواجٌ﴾ [آل عمران: ١٥] خَبَرُهُ، أيْ: ومَذُوقًا آخَرُ مِن شَكْلِ هَذا المَذُوقِ مِن مِثْلِهِ في الشِّدَّةِ والفَظاعَةِ. (أزْواجٌ): أجْناسٌ. وقَرَأ مُجاهِدٌ: ﴿مِن شَكْلِهِ﴾ بِكَسْرِ الشِّينِ؛ والجُمْهُورُ: بِفَتْحِها، وهُما لُغَتانِ بِمَعْنى المِثْلِ والضَّرْبِ. وأمّا إذا كانَ بِمَعْنى الفَتْحِ، فَبِكَسْرِ الشِّينِ لا غَيْرَ. وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: ﴿وآخَرُ مِن شَكْلِهِ﴾: هو الزَّمْهَرِيرُ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿هَذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ﴾ )، مِن قَوْلِ رُؤَسائِهِمْ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، والفَوْجُ: الجَمْعُ الكَثِيرُ، ﴿مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ﴾ أيِ: النّارَ، وهُمُ الأتْباعُ، ثُمَّ دَعَوْا عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِمْ: ﴿لا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾؛ لِأنَّ الرَّئِيسَ إذا رَأى الخَسِيسَ قَدْ قُرِنَ مَعَهُ في العَذابِ، ساءَهُ ذَلِكَ حَيْثُ وقَعَ التَّساوِي في العَذابِ، ولَمْ يَكُنْ هو السّالِمُ مِنَ العَذابِ وأتْباعُهُ في العَذابِ. و(مَرْحَبًا) مَعْناهُ: ائْتِ رَحْبًا وسَعَةً لا ضَيِّقًا، وهو مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ يَجِبُ إضْمارُهُ، ولِأنَّ عُلُوَّهم بَيانٌ لِلْمَدْعُوِّ عَلَيْهِمْ. وقِيلَ: ﴿هَذا فَوْجٌ﴾، مِن كَلامِ المَلائِكَةِ خَزَنَةِ النّارِ؛ وأنَّ الدُّعاءَ عَلى الفَوْجِ والتَّعْلِيلَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهم صالُوا النّارِ﴾، مِن كَلامِهِمْ. وقِيلَ: ﴿هَذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ﴾، مِن كَلامِ المَلائِكَةِ، والدُّعاءُ عَلى الفَوْجِ والإخْبارُ بِأنَّهم صالُوا النّارِ مِن كَلامِ الرُّؤَساءِ المَتْبُوعِينَ. (قالُوا) أيِ: الفَوْجُ: ﴿لا مَرْحَبًا بِكُمْ﴾، رَدٌّ عَلى الرُّؤَساءِ ما دَعَوْا بِهِ عَلَيْهِمْ. ثُمَّ ذَكَرُوا أنَّ ما وقَعُوا فِيهِ مِنَ العَذابِ وصَلْيِ النّارِ، إنَّما هو بِما ألْقَيْتُمْ إلَيْنا وزَيَّنْتُمُوهُ مِنَ الكُفْرِ، فَكَأنَّكم قَدَّمْتُمْ لَنا العَذابَ أوِ الصَّلْيَ. وإذا كانَ ﴿لا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾ مِن كَلامِ الخَزَنَةِ فَلَمْ يَجِئِ التَّرْكِيبُ: قالُوا بَلْ هَؤُلاءِ لا مَرْحَبًا بِهِمْ، بَلْ جاءَ بِخِطابِ الأتْباعِ لِلرُّؤَساءِ، لِتَكُونَ المُواجَهَةُ لِمَن كانُوا لا يَقْدِرُونَ عَلى مُواجَهَتِهِمْ في الدُّنْيا بِقَبِيحٍ أشَفى لِصُدُورِهِمْ، حَيْثُ تَسَبَّبُوا في كُفْرِهِمْ، وأنْكى لِلرُّؤَساءِ. ﴿فَبِئْسَ القَرارُ﴾: أيِ: النّارُ؛ وهَذِهِ المُرادَةُ والدُّعاءُ كَقَوْلِهِ: ﴿كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها﴾ [الأعراف: ٣٨] . ولَمْ يَكْتَفِ الأتْباعُ بِرَدِّ الدُّعاءِ عَلى رُؤَسائِهِمْ، ولا بِمُواجَهَتِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿أنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا﴾، حَتّى سَألُوا مِنَ اللَّهِ أنْ يَزِيدَ رُؤَساءَهم ضِعْفًا مِنَ النّارِ، والمَعْنى: مَن حَمَلَنا عَلى عَمَلِ السُّوءِ حَتّى صارَ جَزاءُنا النّارَ، ﴿فَزِدْهُ عَذابًا ضِعْفًا﴾، كَما جاءَ في قَوْلِ الأتْباعِ: ﴿رَبَّنا آتِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦٨]، أيْ: ساداتَهم ﴿ضِعْفَيْنِ مِنَ العَذابِ﴾ [الأحزاب: ٦٨]، ﴿رَبَّنا هَؤُلاءِ أضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذابًا ضِعْفًا مِنَ النّارِ﴾ [الأعراف: ٣٨] . (p-٤٠٧)ولَمّا كانَ الرُّؤَساءُ ضُلّالًا في أنْفُسِهِمْ، وأضَلُّوا أتْباعَهم، ناسَبَ أنْ يَدْعُوا عَلَيْهِمْ بِأنْ يَزِيدَهم ضِعْفًا، كَما جاءَ: «فَعَلَيْهِ وِزْرُها ووِزْرُ مَن عَمِلَ بِها إلى يَوْمِ القِيامَةِ» فَعَلى هَذا الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: (قالُوا) لِلْأتْباعِ. و﴿مَن قَدَّمَ﴾: هُمُ الرُّؤَساءُ. وقالَ ابْنُ السّائِبِ: ﴿قالُوا رَبَّنا﴾ إلى آخِرِهِ، قَوْلُ جَمِيعِ أهْلِ النّارِ. وقالَ الضَّحّاكُ: ﴿مَن قَدَّمَ﴾، هو إبْلِيسُ وقابِيلُ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: الضِّعْفُ حَيّاتٌ وعَقارِبُ. (وقالُوا) أيْ: أشْرافُ الكُفّارِ، ﴿ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنّا نَعُدُّهم مِنَ الأشْرارِ﴾ أيِ: الأرْذالِ الَّذِينَ لا خَيْرَ فِيهِمْ، ولَيْسُوا عَلى دِينِنا، كَما قالَ: ﴿وما نَراكَ اتَّبَعَكَ إلّا الَّذِينَ هم أراذِلُنا﴾ [هود: ٢٧] . ورُوِيَ أنَّ القائِلِينَ مِن كُفّارِ عَصْرِ الرَّسُولِ ﷺ، هم: أبُو جَهْلٍ، وأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، وأصْحابُ القَلِيبِ، والَّذِينَ لَمْ يَرَوْهم: عَمّارٌ، وصُهَيْبٌ، وسَلْمانُ، ومَن جَرى مَجْراهم، قالَهُ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ. قِيلَ: يَسْألُونَ أيْنَ عَمّارٌ ؟ أيْنَ صُهَيْبٌ ؟ أيْنَ فُلانٌ ؟ يَعُدُّونَ ضُعَفاءَ المُسْلِمِينَ، فَيُقالُ لَهم: أُولَئِكَ في الفِرْدَوْسِ. وقَرَأ النَّحْوِيّانِ، وحَمْزَةُ: (اتَّخَذْناهم) وصْلًا، فَقالَ أبُو حاتِمٍ، والزَّمَخْشَرِيُّ، وابْنُ عَطِيَّةَ: صِفَةٌ لِرِجالٍ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿كُنّا نَعُدُّهم مِنَ الأشْرارِ﴾ . وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: حالٌ، أيْ: وقَدِ اتَّخَذْناهم. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، والأعْرَجُ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، وباقِي السَّبْعَةِ: بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، لِتَقْرِيرِ أنْفُسِهِمْ عَلى هَذا، عَلى جِهَةِ التَّوْبِيخِ لَها والأسَفِ، أيِ: اتَّخَذْناهم سِخْرِيًّا، ولَمْ يَكُونُوا كَذَلِكَ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وأصْحابُهُ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، والأعْرَجُ، ونافِعٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: (سُخْرِيًّا)، بِضَمِّ السِّينِ، ومَعْناها مِنَ السُّخْرَةِ والِاسْتِخْدامِ. وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ، وعِيسى، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وباقِي السَّبْعَةِ: بِكَسْرِ السِّينِ، ومَعْناها: المَشْهُورُ مِنَ السُّخْرِ، وهو الهُزْءُ. قالَ الشّاعِرُ: ؎إنِّي أتانِي لِسانٌ لا أُسَرُّ بِها ∗∗∗ مِن عَلْوَ لا كَذِبٌ فِيها ولا سَخَرُ وقِيلَ: بِكَسْرِ السِّينِ مِنَ التَّسْخِيرِ. وأمْ، إنْ كانَ اتَّخَذْناهُمُ اسْتِفْهامًا إمّا مُصَرَّحًا بِهَمْزَتِهِ كَقِراءَةِ مَن قَرَأ كَذَلِكَ، أوْ مُؤَوَّلًا بِالِاسْتِفْهامِ، وحُذِفَتِ الهَمْزَةُ لِلدَّلالَةِ. فالظّاهِرُ أنَّها مُتَّصِلَةٌ لِتَقَدُّمِ الهَمْزَةِ، والمَعْنى أيُّ الفِعْلَيْنِ فَعَلْنا بِهِمْ، الِاسْتِسْخارُ مِنهم أمِ ازْدِراؤُهم وتَحْقِيرُهم ؟ وإنَّ أبْصارَنا كانَتْ تَعْلُو عَنْهم وتَقْتَحِمُ. ويَكُونُ اسْتِفْهامًا عَلى مَعْنى الإنْكارِ عَلى أنْفُسِهِمْ، لِلِاسْتِسْخارِ والزَّيْغِ جَمِيعًا. وقالَ الحَسَنُ: كُلُّ ذَلِكَ قَدْ فَعَلُوا، اتَّخَذُوهم سِخْرِيًّا، وزاغَتْ عَنْهم أبْصارُهم مُحَقِّرَةً لَهم. وأنَّ (اتَّخَذْناهم) لَيْسَ اسْتِفْهامًا، فَأمْ مُنْقَطِعَةٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُنْقَطِعَةً أيْضًا مَعَ تَقَدُّمِ الِاسْتِفْهامِ، يَكُونُ كَقَوْلِكِ: أزَيْدٌ عِنْدَكَ أمْ عِنْدَكَ عَمْرٌو ؟ واسْتَفْهَمْتَ عَنْ زَيْدٍ، ثُمَّ أضْرَبْتَ عَنْ ذَلِكَ واسْتَفْهَمْتَ عَنْ عَمْرٍو، فالتَّقْدِيرُ: بَلْ أزاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصارُ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهم: ﴿أمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصارُ﴾ لَهُ تَعَلُّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ما لَنا لا نَرى رِجالًا﴾؛ لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ أوَّلًا دَلَّ عَلى انْتِفاءِ رُؤْيَتِهِمْ إيّاهم، وذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّهم لَيْسُوا مَعَهُ، ثُمَّ جَوَّزُوا أنْ يَكُونُوا مَعَهُ، ولَكِنَّ أبْصارَهم لَمْ تَرَهم. (إنَّ ذَلِكَ أيِ: التَّفاوُضُ الَّذِي حَكَيْناهُ عَنْهم، ( لَحَقٌّ) أيْ: ثابِتٌ واقِعٌ لا بُدَّ أنْ يَجْرِيَ بَيْنَهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿تَخاصُمُ﴾ بِالرَّفْعِ مُضافًا إلى أهْلِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: بَدَلٌ مِن (لَحَقٌّ) . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بَيَّنَ ما هو فَقالَ: ﴿تَخاصُمُ﴾ مُنَوَّنًا، (أهْلُ) رُفِعا بِالمَصْدَرِ المُنَوَّنِ، ولا يُجِيزُ ذَلِكَ الفَرّاءُ، ويُجِيزُهُ سِيبَوَيْهِ والبَصْرِيُّونَ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ﴿تَخاصُمَ أهْلِ﴾، بِنَصْبِ المِيمِ وجَرِّ أهْلِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِذَلِكَ؛ لِأنَّ أسْماءَ الإشارَةِ تُوصَفُ بِأسْماءِ الأجْناسِ. وفِي كِتابِ اللَّوامِحِ: ولَوْ نُصِبَ ﴿تَخاصُمُ أهْلِ النّارِ﴾، لَجازَ عَلى البَدَلِ مِن ذَلِكَ. وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْقَعِ: ﴿تَخاصُمُ﴾: فِعْلًا ماضِيًا، (أهْلُ): فاعِلًا، وسَمّى تَعالى تِلْكَ المُفاوَضَةَ الَّتِي جَرَتْ بَيْنَ رُؤَساءِ الكُفّارِ وأتْباعِهِمْ تَخاصُمًا؛ لِأنَّ قَوْلَهم: ﴿لا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾، وقَوْلَ الأتْباعِ: ﴿بَلْ أنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكُمْ﴾، هو مِن بابِ الخُصُومَةِ، فَسَمّى التَّفاوُضَ كُلَّهُ تَخاصُمًا لِاسْتِعْمالِهِ عَلَيْهِ. (قُلْ): يا مُحَمَّدُ، ﴿إنَّما أنا مُنْذِرٌ﴾ أيْ: مُنْذِرُ المُشْرِكِينَ بِالعَذابِ، وأنَّ اللَّهَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، لا نِدَّ لَهُ ولا شَرِيكَ، وهو الواحِدُ القَهّارُ لِكُلِّ شَيْءٍ، وأنَّهُ مالِكُ العالَمِ، عُلْوِهِ وسُفْلِهِ، (p-٤٠٨)العَزِيزُ الَّذِي لا يُغالَبُ، الغَفّارُ لِذُنُوبِ مَن آمَنَ بِهِ واتَّبَعَ لِدِينِهِ.