Lafzullah

Al-Bahr Al-Muhit — ص 38:63 – ص 38:82

المؤلف / المصدر: Al-Bahr Al-Muhit

المحتويات
  1. ص 38:63
  2. ص 38:64
  3. ص 38:65
  4. ص 38:66
  5. ص 38:67
  6. ص 38:68
  7. ص 38:69
  8. ص 38:70
  9. ص 38:71
  10. ص 38:72
  11. ص 38:73
  12. ص 38:74
  13. ص 38:75
  14. ص 38:76
  15. ص 38:77
  16. ص 38:78
  17. ص 38:79
  18. ص 38:80
  19. ص 38:81
  20. ص 38:82

ص 38:63

﴿هَذا ذِكْرٌ وإنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ﴾ ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الأبْوابُ﴾ ﴿مُتَّكِئِينَ فِيها يَدْعُونَ فِيها بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وشَرابٍ﴾ ﴿وعِنْدَهم قاصِراتُ الطَّرْفِ أتْرابٌ﴾ ﴿هَذا ما تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الحِسابِ﴾ ﴿إنَّ هَذا لَرِزْقُنا ما لَهُ مِن نَفادٍ﴾ ﴿هَذا وإنَّ لِلطّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ﴾ ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ المِهادُ﴾ ﴿هَذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وغَسّاقٌ﴾ ﴿وآخَرُ مِن شَكْلِهِ أزْواجٌ﴾ ﴿هَذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكم لا مَرْحَبًا بِهِمْ إنَّهم صالُوا النّارِ﴾ ﴿قالُوا بَلْ أنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكم أنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا فَبِئْسَ القَرارُ﴾ ﴿قالُوا رَبَّنا مَن قَدَّمَ لَنا هَذا فَزِدْهُ عَذابًا ضِعْفًا في النّارِ﴾ ﴿وقالُوا ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنّا نَعُدُّهم مِنَ الأشْرارِ﴾ ﴿أأتَّخَذْناهم سِخْرِيًّا أمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصارُ﴾ ﴿إنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أهْلِ النّارِ﴾ ﴿قُلْ إنَّما أنا مُنْذِرٌ وما مِن إلَهٍ إلّا اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ ﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما العَزِيزُ الغَفّارُ﴾ (p-٤٠٤)لَمّا أمَرَهُ تَعالى بِالصَّبْرِ عَلى سَفاهَةِ قَوْمِهِ، وذَكَرَ جُمْلَةً مِنَ الأنْبِياءِ وأحْوالِهِمْ، ذَكَرَ ما يَئُولُ إلَيْهِ حالُ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ مِنَ الجَزاءِ، ومَقَرُّ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الفَرِيقَيْنِ. ولَمّا كانَ ما يَذْكُرُهُ نَوْعًا مِن أنْواعِ التَّنْزِيلِ، قالَ: (هَذا ذِكْرٌ)، كَأنَّهُ فَصَلَ بَيْنَ ما قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ. ألا تَرى أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ أهْلَ الجَنَّةِ، وأعْقَبَهُ بِذِكْرِ أهْلِ النّارِ قالَ: (﴿هَذا وإنَّ لِلطّاغِينَ﴾ ؟ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَذا ذِكْرُ مَن مَضى مِنَ الأنْبِياءِ. وقِيلَ: ( هَذا ذِكْرٌ): أيْ: شَرَفٌ تُذْكَرُونَ بِهِ أبَدًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (جَنّاتِ) بِالنَّصْبِ، وهو بَدَلٌ، فَإنْ كانَ (عَدْنٍ) عَلَمًا، فَبَدَلُ مَعْرِفَةٍ مِن نَكَرَةٍ؛ وإنْ كانَ نَكِرَةً، فَبَدَلُ نَكِرَةٍ مِن نَكِرَةٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ مَعْرِفَةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وعَدَ الرَّحْمَنُ﴾ [مريم: ٦١]، وانْتِصابُها عَلى أنَّها عَطْفُ بَيانٍ بِـ(حُسْنَ مَآبٍ) و﴿مُفَتَّحَةً﴾ حالٌ، والعامِلُ فِيها ما في المُتَّقِينَ مِن مَعْنى الفِعْلِ. وفي ﴿مُفَتَّحَةً﴾ ضَمِيرُ الجَنّاتِ، والأبْوابُ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ تَقْدِيرُهُ: مُفَتَّحَةً هي الأبْوابُ لِقَوْلِهِمْ: ضُرِبَ زَيْدٌ اليَدُ والرِّجْلُ، وهو مِن بَدَلِ الِاشْتِمالِ. انْتَهى. ولا يَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ مَعْرِفَةً بِالدَّلِيلِ الَّذِي اسْتَدَلَّ بِهِ وهو قَوْلُهُ: ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي﴾ [مريم: ٦١]؛ لِأنَّهُ اعْتَقَدَ أنَّ الَّتِي صِفَةٌ لِجَنّاتِ عَدْنٍ، ولا يَتَعَيَّنُ ما ذَكَرَهُ، إذْ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الَّتِي بَدَلًا مِن جَنّاتِ عَدْنٍ. ألا تَرى أنَّ الَّذِي والَّتِي وجُمُوعَهُما تُسْتَعْمَلُ اسْتِعْمالَ الأسْماءِ، فَتَلِي (p-٤٠٥)العَوامِلَ، ولا يَلْزَمُ أنْ تَكُونَ صِفَةً ؟ وأمّا انْتِصابُها عَلى أنَّها عَطْفُ بَيانٍ فَلا يَجُوزُ؛ لِأنَّ النَّحْوِيِّينَ في ذَلِكَ عَلى مَذْهَبَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا في المَعارِفِ، فَلا يَكُونُ عَطْفُ البَيانِ إلّا تابِعًا لِمَعْرِفَةٍ، وهو مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ. والثّانِي: أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ في النَّكِراتِ، فَيَكُونُ عَطْفُ البَيانِ تابِعًا لِنَكِرَةٍ، كَما تَكُونُ المَعْرِفَةُ فِيهِ تابِعَةً لِمَعْرِفَةٍ، وهَذا مَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ، وتَبِعَهُمُ الفارِسِيُّ. وأمّا تَخالُفُهُما في التَّنْكِيرِ والتَّعْرِيفِ فَلَمْ يَذْهَبْ إلَيْهِ أحَدٌ سِوى هَذا المُصَنِّفِ. وقَدْ أجازَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿مَقامِ إبْراهِيمَ﴾ [البقرة: ١٢٥]، فَأعْرَبَهُ عَطْفَ بَيانٍ تابِعًا لِنَكِرَةٍ، وهو ﴿آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ [البقرة: ٩٩]، و﴿مَقامِ إبْراهِيمَ﴾ [البقرة: ١٢٥] مَعْرِفَةٌ، وقَدْ رَدَدْنا عَلَيْهِ ذَلِكَ في مَوْضِعِهِ في آلِ عِمْرانَ. وأمّا قَوْلُهُ: وفي ﴿مُفَتَّحَةً﴾ ضَمِيرُ الجَنّاتِ، فَجُمْهُورُ النَّحْوِيِّينَ أعْرَبُوا الأبْوابَ مَفْعُولًا لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ. وجاءَ أبُو عَلِيٍّ فَقالَ: إذا كانَ كَذَلِكَ، لَمْ يَكُنْ في ذَلِكَ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى جَنّاتِ عَدْنٍ مِنَ الحالِيَّةِ إنْ أعْرَبَ مُفَتَّحَةً حالًا، أوْ مِنَ النَّعْتِ إنْ أعْرَبَ نَعْتًا لِـ(جَنّاتِ عَدْنٍ)، فَقالَ: في ﴿مُفَتَّحَةً﴾ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى الجَنّاتِ حَتّى تَرْتَبِطَ الحالُ بِصاحِبِها، أوِ النَّعْتُ بِمَنعُوتِهِ، والأبْوابُ بَدَلٌ. وقالَ: مَن أعْرَبَ الأبْوابَ مَفْعُولًا لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ العائِدُ عَلى الجَنّاتِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: الأبْوابُ مِنها. وألْزَمَ أبُو عَلِيٍّ البَدَلَ في مِثْلِ هَذا لا بُدَّ فِيهِ مِنَ الضَّمِيرِ، إمّا مَلْفُوظًا بِهِ، أوْ مُقَدَّرًا. وإذا كانَ الكَلامُ مُحْتاجًا إلى تَقْدِيرٍ واحِدٍ، كانَ أوْلى مِمّا يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرَيْنِ. وأمّا الكُوفِيُّونَ، فالرّابِطُ عِنْدَهم هو ألْ لِمَقامِهِ مَقامَ الضَّمِيرِ، فَكَأنَّهُ قالَ: مُفَتِّحَةً لَهم أبْوابُها. وأمّا قَوْلُهُ: وهو مِن بَدَلِ الِاشْتِمالِ، فَإنْ عَنى بِقَوْلِهِ: وهو قَوْلُهُ اليَدُ والرِّجْلُ، فَهو وهْمٌ، وإنَّما هو بَدَلُ بَعْضٍ مِن كُلٍّ. وإنْ عَنى الأبْوابَ، فَقَدْ يَصِحُّ؛ لِأنَّ أبْوابَ الجَنّاتِ لَيْسَتْ بَعْضًا مِنَ الجَنّاتِ. وأمّا تَشْبِيهُهُ ما قَدَّرَهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿مُفَتَّحَةً﴾ هي الأبْوابُ، بِقَوْلِهِمْ: ضُرِبَ زَيْدٌ اليَدُ والرِّجْلُ، فَوَجْهُهُ أنَّ الأبْوابَ بَدَلٌ مِن ذَلِكَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ، كَما أنَّ اليَدَ والرِّجْلَ بَدَلٌ مِنَ الظّاهِرِ الَّذِي هو زَيْدٌ. وقالَ أبُو إسْحاقَ، وتَبِعَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ: ﴿مُفَتَّحَةً﴾ نَعْتٌ لِجَنّاتِ عَدْنٍ. وقالَ الحَوْفِيُّ: ﴿مُفَتَّحَةً﴾ حالٌ، والعامِلُ فِيها مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ المَعْنى، تَقْدِيرُهُ: يَدْخُلُونَها. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رُفَيْعٍ، وأبُو حَيْوَةَ: ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ مُفَتَّحَةٌ﴾، بِرَفْعِ التّاءَيْنِ: مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، أوْ كُلٌّ مِنهُما خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هو جَنّاتُ عَدْنٍ هي مُفَتَّحَةٌ. والِاتِّكاءُ: مِن هَيْئاتِ أهْلِ السَّعادَةِ، ﴿يَدْعُونَ فِيها﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ عِنْدَهم مَن يَسْتَخْدِمُونَهُ فِيما يَسْتَدْعُونَ، كَقَوْلِهِ: ﴿ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ [الإنسان: ١٩] . ولَمّا كانَتِ الفاكِهَةُ يَتَنَوَّعُ وصْفُها بِالكَثْرَةِ، وكَثْرَتُها بِاخْتِلافِ أنْواعِها، وكَثْرَةُ كُلِّ نَوْعٍ مِنها؛ ولَمّا كانَ الشَّرابُ نَوْعًا واحِدًا وهو الخَمْرُ، أُفْرِدَ. ﴿وعِنْدَهم قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ . قالَ قَتادَةُ: مَعْناهُ عَلى أزْواجِهِنَّ، ﴿أتْرابٌ﴾: أيْ: أمْثالٌ عَلى سِنٍّ واحِدَةٍ، وأصْلُهُ في بَنِي آدَمَ لِكَوْنِهِمْ مَسَّ أجْسادَهُمُ التُّرابُ في وقْتٍ واحِدٍ، والأقْرانُ أثْبَتُ في التَّحابِّ. والظّاهِرُ أنَّ هَذا الوَصْفَ هو بَيْنَهُنَّ، وقِيلَ: بَيْنَ أزْواجِهِنَّ، أسْنانُهُنَّ كَأسْنانِهِمْ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ الآدَمِيّاتِ. وقالَ صاحِبُ الغُنْيانِ: حُورٌ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: (وهَذا ما يُوعَدُونَ)، بِياءِ الغَيْبَةِ، إذْ قَبْلَهُ (وعِنْدَهم) وباقِي السَّبْعَةِ: بِتاءِ الخِطابِ عَلى الِالتِفاتِ، والمَعْنى: هَذا ما وقَعَ بِهِ الوَعْدُ لِيَوْمِ الجَزاءِ. (إنَّ هَذا): أيْ: ما ذُكِرَ لِلْمُتَّقِينَ مِمّا تَقَدَّمَ، ﴿لَرِزْقُنا﴾ دائِمًا، أيْ: لا نَفادَ لَهُ. ﴿هَذا وإنَّ لِلطّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ﴾، قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: الأمْرُ هَذا، وقالَ أبُو عَلِيٍّ: هَذا لِلْمُؤْمِنِينَ، وقالَ أبُو البَقاءِ: مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ، أوْ خَبَرٌ مَحْذُوفُ المُبْتَدَأِ، والطّاغُونَ هُنا: الكُفّارُ؛ وقالَ الجُبّائِيُّ: أصْحابُ الكَبائِرِ كُفّارًا كانُوا أوْ لَمْ يَكُونُوا. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المَعْنى الَّذِينَ طَغَوْا عَلَيَّ، وكَذَّبُوا رُسُلِي لَهم شَرُّ مَآبٍ أيْ: مَرْجِعٍ ومَصِيرٍ. ﴿فَبِئْسَ المِهادُ﴾ أيْ: هي (هَذا) في مَوْضِعِ رَفْعِ مُبْتَدَأٍ خَبَرُهُ (جَهَنَّمَ)، ﴿وغَسّاقٌ﴾، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: العَذابُ هَذا، وحَمِيمٌ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ، أوْ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الِاشْتِغالِ، أيْ: لِيَذُوقُوا هَذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ، أيْ: هو حَمِيمٌ، أوْ مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ، أيْ: مِنهُ حَمِيمٌ ومِنهُ غَسّاقٌ، كَما قالَ الشّاعِرُ:(p-٤٠٦) ؎حَتّى إذا ما أضاءَ الصُّبْحُ في غَلَسٍ وغُودِرَ البَقْلُ مَلْوِيُّ ومَحْصُودُ أيْ: مِنهُ مَلْوِيٌّ ومِنهُ مَحْصُودٌ، وهَذِهِ الأعارِيبُ مَقُولَةٌ مَنقُولَةٌ. وقِيلَ: هَذا مُبْتَدَأٌ، و﴿فَلْيَذُوقُوهُ﴾ الخَبَرُ، وهَذا عَلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ في إجازَتِهِ: زَيْدٌ فاضْرِبْهُ، مُسْتَدِلًّا بِقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎وقائِلَةٍ خَوْلانُ فانْكِحْ فَتاتَهُمْ والغَسّاقُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: الزَّمْهَرِيرُ؛ وعَنْهُ أيْضًا، وعَنْ عَطاءٍ، وقَتادَةَ، وابْنِ زَيْدٍ: ما يَجْرِي مِن صَدِيدِ أهْلِ النّارِ. وعَنْ كَعْبٍ: عَيْنٌ في جَهَنَّمَ تَسِيلُ إلَيْها حُمَةُ كُلِّ ذِي حُمَةٍ مِن حَيَّةٍ أوْ عَقْرَبٍ أوْ غَيْرِهِما، يُغْمَسُ فِيها فَيَتَساقَطُ الجِلْدُ واللَّحْمُ عَنِ العَظْمِ. وعَنِ السُّدِّيِّ: ما يَسِيلُ مِن دُمُوعِهِمْ، وعَنِ ابْنِ عُمَرَ: القَيْحُ يَسِيلُ مِنهم فَيُسْقَوْنَهُ. وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ، وقَتادَةُ، وابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ، والفَضْلُ، وابْنُ سَعْدانَ، وهارُونُ عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِتَشْدِيدِ السِّينِ. فَإنْ كانَ صِفَةً، فَيَكُونُ مِمّا حُذِفَ مَوْصُوفُها، وإنْ كانَ اسْمًا، فَفَعّالٌ قَلِيلٌ في الأسْماءِ، جاءَ مِنهُ: الكَلّاءُ، والجَبّانُ، والفَنّادُ، والعَقّارُ، والخَطّارُ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ: بِتَخْفِيفِ السِّينِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (وآخَرُ) عَلى الإفْرادِ، فَقِيلَ: مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: ولَهم عَذابٌ آخَرُ. وقِيلَ: خَبَرُهُ في الجُمْلَةِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: (أزْواجٌ) مُبْتَدَأٌ، و﴿مِن شَكْلِهِ﴾ خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ خَبَرُ (وآخَرُ) . وقِيلَ: خَبَرُهُ (أزْواجٌ) و﴿مِن شَكْلِهِ﴾ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ، وجازَ أنْ يُخْبَرَ بِالجَمْعِ عَنِ الواحِدِ مِن حَيْثُ هو دَرَجاتٌ ورُتَبٌ مِنَ العَذابِ، أوْ سَمّى كُلَّ جُزْءٍ مِن ذَلِكَ الآخَرِ بِاسْمِ الكُلِّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (وآخَرُ) أيْ: وعَذابٌ آخَرُ، أوْ مَذُوقٌ آخَرُ؛ وأزْواجٌ صِفَةُ آخَرَ؛ لِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضُرُوبًا أوْ صِفَةً لِلثَّلاثَةِ، وهي: ﴿حَمِيمٌ وغَسّاقٌ﴾ ﴿وآخَرُ مِن شَكْلِهِ﴾ . انْتَهى. وهُوَ إعْرابٌ أخَذَهُ مِنَ الفَرّاءِ. وقَرَأ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، والجَحْدَرِيُّ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وعِيسى، وأبُو عَمْرٍو: (وأُخَرُ) عَلى الجَمْعِ، وهو مُبْتَدَأٌ، (ومِن شَكْلِهِ) في مَوْضِعِ الصِّفَةِ؛ ﴿وأزْواجٌ﴾ [آل عمران: ١٥] خَبَرُهُ، أيْ: ومَذُوقًا آخَرُ مِن شَكْلِ هَذا المَذُوقِ مِن مِثْلِهِ في الشِّدَّةِ والفَظاعَةِ. (أزْواجٌ): أجْناسٌ. وقَرَأ مُجاهِدٌ: ﴿مِن شَكْلِهِ﴾ بِكَسْرِ الشِّينِ؛ والجُمْهُورُ: بِفَتْحِها، وهُما لُغَتانِ بِمَعْنى المِثْلِ والضَّرْبِ. وأمّا إذا كانَ بِمَعْنى الفَتْحِ، فَبِكَسْرِ الشِّينِ لا غَيْرَ. وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: ﴿وآخَرُ مِن شَكْلِهِ﴾: هو الزَّمْهَرِيرُ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿هَذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ﴾ )، مِن قَوْلِ رُؤَسائِهِمْ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، والفَوْجُ: الجَمْعُ الكَثِيرُ، ﴿مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ﴾ أيِ: النّارَ، وهُمُ الأتْباعُ، ثُمَّ دَعَوْا عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِمْ: ﴿لا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾؛ لِأنَّ الرَّئِيسَ إذا رَأى الخَسِيسَ قَدْ قُرِنَ مَعَهُ في العَذابِ، ساءَهُ ذَلِكَ حَيْثُ وقَعَ التَّساوِي في العَذابِ، ولَمْ يَكُنْ هو السّالِمُ مِنَ العَذابِ وأتْباعُهُ في العَذابِ. و(مَرْحَبًا) مَعْناهُ: ائْتِ رَحْبًا وسَعَةً لا ضَيِّقًا، وهو مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ يَجِبُ إضْمارُهُ، ولِأنَّ عُلُوَّهم بَيانٌ لِلْمَدْعُوِّ عَلَيْهِمْ. وقِيلَ: ﴿هَذا فَوْجٌ﴾، مِن كَلامِ المَلائِكَةِ خَزَنَةِ النّارِ؛ وأنَّ الدُّعاءَ عَلى الفَوْجِ والتَّعْلِيلَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهم صالُوا النّارِ﴾، مِن كَلامِهِمْ. وقِيلَ: ﴿هَذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ﴾، مِن كَلامِ المَلائِكَةِ، والدُّعاءُ عَلى الفَوْجِ والإخْبارُ بِأنَّهم صالُوا النّارِ مِن كَلامِ الرُّؤَساءِ المَتْبُوعِينَ. (قالُوا) أيِ: الفَوْجُ: ﴿لا مَرْحَبًا بِكُمْ﴾، رَدٌّ عَلى الرُّؤَساءِ ما دَعَوْا بِهِ عَلَيْهِمْ. ثُمَّ ذَكَرُوا أنَّ ما وقَعُوا فِيهِ مِنَ العَذابِ وصَلْيِ النّارِ، إنَّما هو بِما ألْقَيْتُمْ إلَيْنا وزَيَّنْتُمُوهُ مِنَ الكُفْرِ، فَكَأنَّكم قَدَّمْتُمْ لَنا العَذابَ أوِ الصَّلْيَ. وإذا كانَ ﴿لا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾ مِن كَلامِ الخَزَنَةِ فَلَمْ يَجِئِ التَّرْكِيبُ: قالُوا بَلْ هَؤُلاءِ لا مَرْحَبًا بِهِمْ، بَلْ جاءَ بِخِطابِ الأتْباعِ لِلرُّؤَساءِ، لِتَكُونَ المُواجَهَةُ لِمَن كانُوا لا يَقْدِرُونَ عَلى مُواجَهَتِهِمْ في الدُّنْيا بِقَبِيحٍ أشَفى لِصُدُورِهِمْ، حَيْثُ تَسَبَّبُوا في كُفْرِهِمْ، وأنْكى لِلرُّؤَساءِ. ﴿فَبِئْسَ القَرارُ﴾: أيِ: النّارُ؛ وهَذِهِ المُرادَةُ والدُّعاءُ كَقَوْلِهِ: ﴿كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها﴾ [الأعراف: ٣٨] . ولَمْ يَكْتَفِ الأتْباعُ بِرَدِّ الدُّعاءِ عَلى رُؤَسائِهِمْ، ولا بِمُواجَهَتِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿أنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا﴾، حَتّى سَألُوا مِنَ اللَّهِ أنْ يَزِيدَ رُؤَساءَهم ضِعْفًا مِنَ النّارِ، والمَعْنى: مَن حَمَلَنا عَلى عَمَلِ السُّوءِ حَتّى صارَ جَزاءُنا النّارَ، ﴿فَزِدْهُ عَذابًا ضِعْفًا﴾، كَما جاءَ في قَوْلِ الأتْباعِ: ﴿رَبَّنا آتِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦٨]، أيْ: ساداتَهم ﴿ضِعْفَيْنِ مِنَ العَذابِ﴾ [الأحزاب: ٦٨]، ﴿رَبَّنا هَؤُلاءِ أضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذابًا ضِعْفًا مِنَ النّارِ﴾ [الأعراف: ٣٨] . (p-٤٠٧)ولَمّا كانَ الرُّؤَساءُ ضُلّالًا في أنْفُسِهِمْ، وأضَلُّوا أتْباعَهم، ناسَبَ أنْ يَدْعُوا عَلَيْهِمْ بِأنْ يَزِيدَهم ضِعْفًا، كَما جاءَ: «فَعَلَيْهِ وِزْرُها ووِزْرُ مَن عَمِلَ بِها إلى يَوْمِ القِيامَةِ» فَعَلى هَذا الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: (قالُوا) لِلْأتْباعِ. و﴿مَن قَدَّمَ﴾: هُمُ الرُّؤَساءُ. وقالَ ابْنُ السّائِبِ: ﴿قالُوا رَبَّنا﴾ إلى آخِرِهِ، قَوْلُ جَمِيعِ أهْلِ النّارِ. وقالَ الضَّحّاكُ: ﴿مَن قَدَّمَ﴾، هو إبْلِيسُ وقابِيلُ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: الضِّعْفُ حَيّاتٌ وعَقارِبُ. (وقالُوا) أيْ: أشْرافُ الكُفّارِ، ﴿ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنّا نَعُدُّهم مِنَ الأشْرارِ﴾ أيِ: الأرْذالِ الَّذِينَ لا خَيْرَ فِيهِمْ، ولَيْسُوا عَلى دِينِنا، كَما قالَ: ﴿وما نَراكَ اتَّبَعَكَ إلّا الَّذِينَ هم أراذِلُنا﴾ [هود: ٢٧] . ورُوِيَ أنَّ القائِلِينَ مِن كُفّارِ عَصْرِ الرَّسُولِ ﷺ، هم: أبُو جَهْلٍ، وأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، وأصْحابُ القَلِيبِ، والَّذِينَ لَمْ يَرَوْهم: عَمّارٌ، وصُهَيْبٌ، وسَلْمانُ، ومَن جَرى مَجْراهم، قالَهُ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ. قِيلَ: يَسْألُونَ أيْنَ عَمّارٌ ؟ أيْنَ صُهَيْبٌ ؟ أيْنَ فُلانٌ ؟ يَعُدُّونَ ضُعَفاءَ المُسْلِمِينَ، فَيُقالُ لَهم: أُولَئِكَ في الفِرْدَوْسِ. وقَرَأ النَّحْوِيّانِ، وحَمْزَةُ: (اتَّخَذْناهم) وصْلًا، فَقالَ أبُو حاتِمٍ، والزَّمَخْشَرِيُّ، وابْنُ عَطِيَّةَ: صِفَةٌ لِرِجالٍ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿كُنّا نَعُدُّهم مِنَ الأشْرارِ﴾ . وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: حالٌ، أيْ: وقَدِ اتَّخَذْناهم. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، والأعْرَجُ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، وباقِي السَّبْعَةِ: بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، لِتَقْرِيرِ أنْفُسِهِمْ عَلى هَذا، عَلى جِهَةِ التَّوْبِيخِ لَها والأسَفِ، أيِ: اتَّخَذْناهم سِخْرِيًّا، ولَمْ يَكُونُوا كَذَلِكَ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وأصْحابُهُ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، والأعْرَجُ، ونافِعٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: (سُخْرِيًّا)، بِضَمِّ السِّينِ، ومَعْناها مِنَ السُّخْرَةِ والِاسْتِخْدامِ. وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ، وعِيسى، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وباقِي السَّبْعَةِ: بِكَسْرِ السِّينِ، ومَعْناها: المَشْهُورُ مِنَ السُّخْرِ، وهو الهُزْءُ. قالَ الشّاعِرُ: ؎إنِّي أتانِي لِسانٌ لا أُسَرُّ بِها ∗∗∗ مِن عَلْوَ لا كَذِبٌ فِيها ولا سَخَرُ وقِيلَ: بِكَسْرِ السِّينِ مِنَ التَّسْخِيرِ. وأمْ، إنْ كانَ اتَّخَذْناهُمُ اسْتِفْهامًا إمّا مُصَرَّحًا بِهَمْزَتِهِ كَقِراءَةِ مَن قَرَأ كَذَلِكَ، أوْ مُؤَوَّلًا بِالِاسْتِفْهامِ، وحُذِفَتِ الهَمْزَةُ لِلدَّلالَةِ. فالظّاهِرُ أنَّها مُتَّصِلَةٌ لِتَقَدُّمِ الهَمْزَةِ، والمَعْنى أيُّ الفِعْلَيْنِ فَعَلْنا بِهِمْ، الِاسْتِسْخارُ مِنهم أمِ ازْدِراؤُهم وتَحْقِيرُهم ؟ وإنَّ أبْصارَنا كانَتْ تَعْلُو عَنْهم وتَقْتَحِمُ. ويَكُونُ اسْتِفْهامًا عَلى مَعْنى الإنْكارِ عَلى أنْفُسِهِمْ، لِلِاسْتِسْخارِ والزَّيْغِ جَمِيعًا. وقالَ الحَسَنُ: كُلُّ ذَلِكَ قَدْ فَعَلُوا، اتَّخَذُوهم سِخْرِيًّا، وزاغَتْ عَنْهم أبْصارُهم مُحَقِّرَةً لَهم. وأنَّ (اتَّخَذْناهم) لَيْسَ اسْتِفْهامًا، فَأمْ مُنْقَطِعَةٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُنْقَطِعَةً أيْضًا مَعَ تَقَدُّمِ الِاسْتِفْهامِ، يَكُونُ كَقَوْلِكِ: أزَيْدٌ عِنْدَكَ أمْ عِنْدَكَ عَمْرٌو ؟ واسْتَفْهَمْتَ عَنْ زَيْدٍ، ثُمَّ أضْرَبْتَ عَنْ ذَلِكَ واسْتَفْهَمْتَ عَنْ عَمْرٍو، فالتَّقْدِيرُ: بَلْ أزاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصارُ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهم: ﴿أمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصارُ﴾ لَهُ تَعَلُّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ما لَنا لا نَرى رِجالًا﴾؛ لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ أوَّلًا دَلَّ عَلى انْتِفاءِ رُؤْيَتِهِمْ إيّاهم، وذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّهم لَيْسُوا مَعَهُ، ثُمَّ جَوَّزُوا أنْ يَكُونُوا مَعَهُ، ولَكِنَّ أبْصارَهم لَمْ تَرَهم. (إنَّ ذَلِكَ أيِ: التَّفاوُضُ الَّذِي حَكَيْناهُ عَنْهم، ( لَحَقٌّ) أيْ: ثابِتٌ واقِعٌ لا بُدَّ أنْ يَجْرِيَ بَيْنَهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿تَخاصُمُ﴾ بِالرَّفْعِ مُضافًا إلى أهْلِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: بَدَلٌ مِن (لَحَقٌّ) . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بَيَّنَ ما هو فَقالَ: ﴿تَخاصُمُ﴾ مُنَوَّنًا، (أهْلُ) رُفِعا بِالمَصْدَرِ المُنَوَّنِ، ولا يُجِيزُ ذَلِكَ الفَرّاءُ، ويُجِيزُهُ سِيبَوَيْهِ والبَصْرِيُّونَ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ﴿تَخاصُمَ أهْلِ﴾، بِنَصْبِ المِيمِ وجَرِّ أهْلِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِذَلِكَ؛ لِأنَّ أسْماءَ الإشارَةِ تُوصَفُ بِأسْماءِ الأجْناسِ. وفِي كِتابِ اللَّوامِحِ: ولَوْ نُصِبَ ﴿تَخاصُمُ أهْلِ النّارِ﴾، لَجازَ عَلى البَدَلِ مِن ذَلِكَ. وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْقَعِ: ﴿تَخاصُمُ﴾: فِعْلًا ماضِيًا، (أهْلُ): فاعِلًا، وسَمّى تَعالى تِلْكَ المُفاوَضَةَ الَّتِي جَرَتْ بَيْنَ رُؤَساءِ الكُفّارِ وأتْباعِهِمْ تَخاصُمًا؛ لِأنَّ قَوْلَهم: ﴿لا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾، وقَوْلَ الأتْباعِ: ﴿بَلْ أنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكُمْ﴾، هو مِن بابِ الخُصُومَةِ، فَسَمّى التَّفاوُضَ كُلَّهُ تَخاصُمًا لِاسْتِعْمالِهِ عَلَيْهِ. (قُلْ): يا مُحَمَّدُ، ﴿إنَّما أنا مُنْذِرٌ﴾ أيْ: مُنْذِرُ المُشْرِكِينَ بِالعَذابِ، وأنَّ اللَّهَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، لا نِدَّ لَهُ ولا شَرِيكَ، وهو الواحِدُ القَهّارُ لِكُلِّ شَيْءٍ، وأنَّهُ مالِكُ العالَمِ، عُلْوِهِ وسُفْلِهِ، (p-٤٠٨)العَزِيزُ الَّذِي لا يُغالَبُ، الغَفّارُ لِذُنُوبِ مَن آمَنَ بِهِ واتَّبَعَ لِدِينِهِ.

ص 38:64

﴿هَذا ذِكْرٌ وإنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ﴾ ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الأبْوابُ﴾ ﴿مُتَّكِئِينَ فِيها يَدْعُونَ فِيها بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وشَرابٍ﴾ ﴿وعِنْدَهم قاصِراتُ الطَّرْفِ أتْرابٌ﴾ ﴿هَذا ما تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الحِسابِ﴾ ﴿إنَّ هَذا لَرِزْقُنا ما لَهُ مِن نَفادٍ﴾ ﴿هَذا وإنَّ لِلطّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ﴾ ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ المِهادُ﴾ ﴿هَذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وغَسّاقٌ﴾ ﴿وآخَرُ مِن شَكْلِهِ أزْواجٌ﴾ ﴿هَذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكم لا مَرْحَبًا بِهِمْ إنَّهم صالُوا النّارِ﴾ ﴿قالُوا بَلْ أنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكم أنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا فَبِئْسَ القَرارُ﴾ ﴿قالُوا رَبَّنا مَن قَدَّمَ لَنا هَذا فَزِدْهُ عَذابًا ضِعْفًا في النّارِ﴾ ﴿وقالُوا ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنّا نَعُدُّهم مِنَ الأشْرارِ﴾ ﴿أأتَّخَذْناهم سِخْرِيًّا أمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصارُ﴾ ﴿إنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أهْلِ النّارِ﴾ ﴿قُلْ إنَّما أنا مُنْذِرٌ وما مِن إلَهٍ إلّا اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ ﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما العَزِيزُ الغَفّارُ﴾ (p-٤٠٤)لَمّا أمَرَهُ تَعالى بِالصَّبْرِ عَلى سَفاهَةِ قَوْمِهِ، وذَكَرَ جُمْلَةً مِنَ الأنْبِياءِ وأحْوالِهِمْ، ذَكَرَ ما يَئُولُ إلَيْهِ حالُ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ مِنَ الجَزاءِ، ومَقَرُّ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الفَرِيقَيْنِ. ولَمّا كانَ ما يَذْكُرُهُ نَوْعًا مِن أنْواعِ التَّنْزِيلِ، قالَ: (هَذا ذِكْرٌ)، كَأنَّهُ فَصَلَ بَيْنَ ما قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ. ألا تَرى أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ أهْلَ الجَنَّةِ، وأعْقَبَهُ بِذِكْرِ أهْلِ النّارِ قالَ: (﴿هَذا وإنَّ لِلطّاغِينَ﴾ ؟ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَذا ذِكْرُ مَن مَضى مِنَ الأنْبِياءِ. وقِيلَ: ( هَذا ذِكْرٌ): أيْ: شَرَفٌ تُذْكَرُونَ بِهِ أبَدًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (جَنّاتِ) بِالنَّصْبِ، وهو بَدَلٌ، فَإنْ كانَ (عَدْنٍ) عَلَمًا، فَبَدَلُ مَعْرِفَةٍ مِن نَكَرَةٍ؛ وإنْ كانَ نَكِرَةً، فَبَدَلُ نَكِرَةٍ مِن نَكِرَةٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ مَعْرِفَةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وعَدَ الرَّحْمَنُ﴾ [مريم: ٦١]، وانْتِصابُها عَلى أنَّها عَطْفُ بَيانٍ بِـ(حُسْنَ مَآبٍ) و﴿مُفَتَّحَةً﴾ حالٌ، والعامِلُ فِيها ما في المُتَّقِينَ مِن مَعْنى الفِعْلِ. وفي ﴿مُفَتَّحَةً﴾ ضَمِيرُ الجَنّاتِ، والأبْوابُ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ تَقْدِيرُهُ: مُفَتَّحَةً هي الأبْوابُ لِقَوْلِهِمْ: ضُرِبَ زَيْدٌ اليَدُ والرِّجْلُ، وهو مِن بَدَلِ الِاشْتِمالِ. انْتَهى. ولا يَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ مَعْرِفَةً بِالدَّلِيلِ الَّذِي اسْتَدَلَّ بِهِ وهو قَوْلُهُ: ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي﴾ [مريم: ٦١]؛ لِأنَّهُ اعْتَقَدَ أنَّ الَّتِي صِفَةٌ لِجَنّاتِ عَدْنٍ، ولا يَتَعَيَّنُ ما ذَكَرَهُ، إذْ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الَّتِي بَدَلًا مِن جَنّاتِ عَدْنٍ. ألا تَرى أنَّ الَّذِي والَّتِي وجُمُوعَهُما تُسْتَعْمَلُ اسْتِعْمالَ الأسْماءِ، فَتَلِي (p-٤٠٥)العَوامِلَ، ولا يَلْزَمُ أنْ تَكُونَ صِفَةً ؟ وأمّا انْتِصابُها عَلى أنَّها عَطْفُ بَيانٍ فَلا يَجُوزُ؛ لِأنَّ النَّحْوِيِّينَ في ذَلِكَ عَلى مَذْهَبَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا في المَعارِفِ، فَلا يَكُونُ عَطْفُ البَيانِ إلّا تابِعًا لِمَعْرِفَةٍ، وهو مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ. والثّانِي: أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ في النَّكِراتِ، فَيَكُونُ عَطْفُ البَيانِ تابِعًا لِنَكِرَةٍ، كَما تَكُونُ المَعْرِفَةُ فِيهِ تابِعَةً لِمَعْرِفَةٍ، وهَذا مَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ، وتَبِعَهُمُ الفارِسِيُّ. وأمّا تَخالُفُهُما في التَّنْكِيرِ والتَّعْرِيفِ فَلَمْ يَذْهَبْ إلَيْهِ أحَدٌ سِوى هَذا المُصَنِّفِ. وقَدْ أجازَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿مَقامِ إبْراهِيمَ﴾ [البقرة: ١٢٥]، فَأعْرَبَهُ عَطْفَ بَيانٍ تابِعًا لِنَكِرَةٍ، وهو ﴿آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ [البقرة: ٩٩]، و﴿مَقامِ إبْراهِيمَ﴾ [البقرة: ١٢٥] مَعْرِفَةٌ، وقَدْ رَدَدْنا عَلَيْهِ ذَلِكَ في مَوْضِعِهِ في آلِ عِمْرانَ. وأمّا قَوْلُهُ: وفي ﴿مُفَتَّحَةً﴾ ضَمِيرُ الجَنّاتِ، فَجُمْهُورُ النَّحْوِيِّينَ أعْرَبُوا الأبْوابَ مَفْعُولًا لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ. وجاءَ أبُو عَلِيٍّ فَقالَ: إذا كانَ كَذَلِكَ، لَمْ يَكُنْ في ذَلِكَ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى جَنّاتِ عَدْنٍ مِنَ الحالِيَّةِ إنْ أعْرَبَ مُفَتَّحَةً حالًا، أوْ مِنَ النَّعْتِ إنْ أعْرَبَ نَعْتًا لِـ(جَنّاتِ عَدْنٍ)، فَقالَ: في ﴿مُفَتَّحَةً﴾ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى الجَنّاتِ حَتّى تَرْتَبِطَ الحالُ بِصاحِبِها، أوِ النَّعْتُ بِمَنعُوتِهِ، والأبْوابُ بَدَلٌ. وقالَ: مَن أعْرَبَ الأبْوابَ مَفْعُولًا لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ العائِدُ عَلى الجَنّاتِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: الأبْوابُ مِنها. وألْزَمَ أبُو عَلِيٍّ البَدَلَ في مِثْلِ هَذا لا بُدَّ فِيهِ مِنَ الضَّمِيرِ، إمّا مَلْفُوظًا بِهِ، أوْ مُقَدَّرًا. وإذا كانَ الكَلامُ مُحْتاجًا إلى تَقْدِيرٍ واحِدٍ، كانَ أوْلى مِمّا يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرَيْنِ. وأمّا الكُوفِيُّونَ، فالرّابِطُ عِنْدَهم هو ألْ لِمَقامِهِ مَقامَ الضَّمِيرِ، فَكَأنَّهُ قالَ: مُفَتِّحَةً لَهم أبْوابُها. وأمّا قَوْلُهُ: وهو مِن بَدَلِ الِاشْتِمالِ، فَإنْ عَنى بِقَوْلِهِ: وهو قَوْلُهُ اليَدُ والرِّجْلُ، فَهو وهْمٌ، وإنَّما هو بَدَلُ بَعْضٍ مِن كُلٍّ. وإنْ عَنى الأبْوابَ، فَقَدْ يَصِحُّ؛ لِأنَّ أبْوابَ الجَنّاتِ لَيْسَتْ بَعْضًا مِنَ الجَنّاتِ. وأمّا تَشْبِيهُهُ ما قَدَّرَهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿مُفَتَّحَةً﴾ هي الأبْوابُ، بِقَوْلِهِمْ: ضُرِبَ زَيْدٌ اليَدُ والرِّجْلُ، فَوَجْهُهُ أنَّ الأبْوابَ بَدَلٌ مِن ذَلِكَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ، كَما أنَّ اليَدَ والرِّجْلَ بَدَلٌ مِنَ الظّاهِرِ الَّذِي هو زَيْدٌ. وقالَ أبُو إسْحاقَ، وتَبِعَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ: ﴿مُفَتَّحَةً﴾ نَعْتٌ لِجَنّاتِ عَدْنٍ. وقالَ الحَوْفِيُّ: ﴿مُفَتَّحَةً﴾ حالٌ، والعامِلُ فِيها مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ المَعْنى، تَقْدِيرُهُ: يَدْخُلُونَها. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رُفَيْعٍ، وأبُو حَيْوَةَ: ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ مُفَتَّحَةٌ﴾، بِرَفْعِ التّاءَيْنِ: مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، أوْ كُلٌّ مِنهُما خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هو جَنّاتُ عَدْنٍ هي مُفَتَّحَةٌ. والِاتِّكاءُ: مِن هَيْئاتِ أهْلِ السَّعادَةِ، ﴿يَدْعُونَ فِيها﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ عِنْدَهم مَن يَسْتَخْدِمُونَهُ فِيما يَسْتَدْعُونَ، كَقَوْلِهِ: ﴿ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ [الإنسان: ١٩] . ولَمّا كانَتِ الفاكِهَةُ يَتَنَوَّعُ وصْفُها بِالكَثْرَةِ، وكَثْرَتُها بِاخْتِلافِ أنْواعِها، وكَثْرَةُ كُلِّ نَوْعٍ مِنها؛ ولَمّا كانَ الشَّرابُ نَوْعًا واحِدًا وهو الخَمْرُ، أُفْرِدَ. ﴿وعِنْدَهم قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ . قالَ قَتادَةُ: مَعْناهُ عَلى أزْواجِهِنَّ، ﴿أتْرابٌ﴾: أيْ: أمْثالٌ عَلى سِنٍّ واحِدَةٍ، وأصْلُهُ في بَنِي آدَمَ لِكَوْنِهِمْ مَسَّ أجْسادَهُمُ التُّرابُ في وقْتٍ واحِدٍ، والأقْرانُ أثْبَتُ في التَّحابِّ. والظّاهِرُ أنَّ هَذا الوَصْفَ هو بَيْنَهُنَّ، وقِيلَ: بَيْنَ أزْواجِهِنَّ، أسْنانُهُنَّ كَأسْنانِهِمْ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ الآدَمِيّاتِ. وقالَ صاحِبُ الغُنْيانِ: حُورٌ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: (وهَذا ما يُوعَدُونَ)، بِياءِ الغَيْبَةِ، إذْ قَبْلَهُ (وعِنْدَهم) وباقِي السَّبْعَةِ: بِتاءِ الخِطابِ عَلى الِالتِفاتِ، والمَعْنى: هَذا ما وقَعَ بِهِ الوَعْدُ لِيَوْمِ الجَزاءِ. (إنَّ هَذا): أيْ: ما ذُكِرَ لِلْمُتَّقِينَ مِمّا تَقَدَّمَ، ﴿لَرِزْقُنا﴾ دائِمًا، أيْ: لا نَفادَ لَهُ. ﴿هَذا وإنَّ لِلطّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ﴾، قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: الأمْرُ هَذا، وقالَ أبُو عَلِيٍّ: هَذا لِلْمُؤْمِنِينَ، وقالَ أبُو البَقاءِ: مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ، أوْ خَبَرٌ مَحْذُوفُ المُبْتَدَأِ، والطّاغُونَ هُنا: الكُفّارُ؛ وقالَ الجُبّائِيُّ: أصْحابُ الكَبائِرِ كُفّارًا كانُوا أوْ لَمْ يَكُونُوا. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المَعْنى الَّذِينَ طَغَوْا عَلَيَّ، وكَذَّبُوا رُسُلِي لَهم شَرُّ مَآبٍ أيْ: مَرْجِعٍ ومَصِيرٍ. ﴿فَبِئْسَ المِهادُ﴾ أيْ: هي (هَذا) في مَوْضِعِ رَفْعِ مُبْتَدَأٍ خَبَرُهُ (جَهَنَّمَ)، ﴿وغَسّاقٌ﴾، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: العَذابُ هَذا، وحَمِيمٌ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ، أوْ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الِاشْتِغالِ، أيْ: لِيَذُوقُوا هَذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ، أيْ: هو حَمِيمٌ، أوْ مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ، أيْ: مِنهُ حَمِيمٌ ومِنهُ غَسّاقٌ، كَما قالَ الشّاعِرُ:(p-٤٠٦) ؎حَتّى إذا ما أضاءَ الصُّبْحُ في غَلَسٍ وغُودِرَ البَقْلُ مَلْوِيُّ ومَحْصُودُ أيْ: مِنهُ مَلْوِيٌّ ومِنهُ مَحْصُودٌ، وهَذِهِ الأعارِيبُ مَقُولَةٌ مَنقُولَةٌ. وقِيلَ: هَذا مُبْتَدَأٌ، و﴿فَلْيَذُوقُوهُ﴾ الخَبَرُ، وهَذا عَلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ في إجازَتِهِ: زَيْدٌ فاضْرِبْهُ، مُسْتَدِلًّا بِقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎وقائِلَةٍ خَوْلانُ فانْكِحْ فَتاتَهُمْ والغَسّاقُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: الزَّمْهَرِيرُ؛ وعَنْهُ أيْضًا، وعَنْ عَطاءٍ، وقَتادَةَ، وابْنِ زَيْدٍ: ما يَجْرِي مِن صَدِيدِ أهْلِ النّارِ. وعَنْ كَعْبٍ: عَيْنٌ في جَهَنَّمَ تَسِيلُ إلَيْها حُمَةُ كُلِّ ذِي حُمَةٍ مِن حَيَّةٍ أوْ عَقْرَبٍ أوْ غَيْرِهِما، يُغْمَسُ فِيها فَيَتَساقَطُ الجِلْدُ واللَّحْمُ عَنِ العَظْمِ. وعَنِ السُّدِّيِّ: ما يَسِيلُ مِن دُمُوعِهِمْ، وعَنِ ابْنِ عُمَرَ: القَيْحُ يَسِيلُ مِنهم فَيُسْقَوْنَهُ. وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ، وقَتادَةُ، وابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ، والفَضْلُ، وابْنُ سَعْدانَ، وهارُونُ عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِتَشْدِيدِ السِّينِ. فَإنْ كانَ صِفَةً، فَيَكُونُ مِمّا حُذِفَ مَوْصُوفُها، وإنْ كانَ اسْمًا، فَفَعّالٌ قَلِيلٌ في الأسْماءِ، جاءَ مِنهُ: الكَلّاءُ، والجَبّانُ، والفَنّادُ، والعَقّارُ، والخَطّارُ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ: بِتَخْفِيفِ السِّينِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (وآخَرُ) عَلى الإفْرادِ، فَقِيلَ: مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: ولَهم عَذابٌ آخَرُ. وقِيلَ: خَبَرُهُ في الجُمْلَةِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: (أزْواجٌ) مُبْتَدَأٌ، و﴿مِن شَكْلِهِ﴾ خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ خَبَرُ (وآخَرُ) . وقِيلَ: خَبَرُهُ (أزْواجٌ) و﴿مِن شَكْلِهِ﴾ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ، وجازَ أنْ يُخْبَرَ بِالجَمْعِ عَنِ الواحِدِ مِن حَيْثُ هو دَرَجاتٌ ورُتَبٌ مِنَ العَذابِ، أوْ سَمّى كُلَّ جُزْءٍ مِن ذَلِكَ الآخَرِ بِاسْمِ الكُلِّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (وآخَرُ) أيْ: وعَذابٌ آخَرُ، أوْ مَذُوقٌ آخَرُ؛ وأزْواجٌ صِفَةُ آخَرَ؛ لِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضُرُوبًا أوْ صِفَةً لِلثَّلاثَةِ، وهي: ﴿حَمِيمٌ وغَسّاقٌ﴾ ﴿وآخَرُ مِن شَكْلِهِ﴾ . انْتَهى. وهُوَ إعْرابٌ أخَذَهُ مِنَ الفَرّاءِ. وقَرَأ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، والجَحْدَرِيُّ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وعِيسى، وأبُو عَمْرٍو: (وأُخَرُ) عَلى الجَمْعِ، وهو مُبْتَدَأٌ، (ومِن شَكْلِهِ) في مَوْضِعِ الصِّفَةِ؛ ﴿وأزْواجٌ﴾ [آل عمران: ١٥] خَبَرُهُ، أيْ: ومَذُوقًا آخَرُ مِن شَكْلِ هَذا المَذُوقِ مِن مِثْلِهِ في الشِّدَّةِ والفَظاعَةِ. (أزْواجٌ): أجْناسٌ. وقَرَأ مُجاهِدٌ: ﴿مِن شَكْلِهِ﴾ بِكَسْرِ الشِّينِ؛ والجُمْهُورُ: بِفَتْحِها، وهُما لُغَتانِ بِمَعْنى المِثْلِ والضَّرْبِ. وأمّا إذا كانَ بِمَعْنى الفَتْحِ، فَبِكَسْرِ الشِّينِ لا غَيْرَ. وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: ﴿وآخَرُ مِن شَكْلِهِ﴾: هو الزَّمْهَرِيرُ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿هَذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ﴾ )، مِن قَوْلِ رُؤَسائِهِمْ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، والفَوْجُ: الجَمْعُ الكَثِيرُ، ﴿مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ﴾ أيِ: النّارَ، وهُمُ الأتْباعُ، ثُمَّ دَعَوْا عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِمْ: ﴿لا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾؛ لِأنَّ الرَّئِيسَ إذا رَأى الخَسِيسَ قَدْ قُرِنَ مَعَهُ في العَذابِ، ساءَهُ ذَلِكَ حَيْثُ وقَعَ التَّساوِي في العَذابِ، ولَمْ يَكُنْ هو السّالِمُ مِنَ العَذابِ وأتْباعُهُ في العَذابِ. و(مَرْحَبًا) مَعْناهُ: ائْتِ رَحْبًا وسَعَةً لا ضَيِّقًا، وهو مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ يَجِبُ إضْمارُهُ، ولِأنَّ عُلُوَّهم بَيانٌ لِلْمَدْعُوِّ عَلَيْهِمْ. وقِيلَ: ﴿هَذا فَوْجٌ﴾، مِن كَلامِ المَلائِكَةِ خَزَنَةِ النّارِ؛ وأنَّ الدُّعاءَ عَلى الفَوْجِ والتَّعْلِيلَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهم صالُوا النّارِ﴾، مِن كَلامِهِمْ. وقِيلَ: ﴿هَذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ﴾، مِن كَلامِ المَلائِكَةِ، والدُّعاءُ عَلى الفَوْجِ والإخْبارُ بِأنَّهم صالُوا النّارِ مِن كَلامِ الرُّؤَساءِ المَتْبُوعِينَ. (قالُوا) أيِ: الفَوْجُ: ﴿لا مَرْحَبًا بِكُمْ﴾، رَدٌّ عَلى الرُّؤَساءِ ما دَعَوْا بِهِ عَلَيْهِمْ. ثُمَّ ذَكَرُوا أنَّ ما وقَعُوا فِيهِ مِنَ العَذابِ وصَلْيِ النّارِ، إنَّما هو بِما ألْقَيْتُمْ إلَيْنا وزَيَّنْتُمُوهُ مِنَ الكُفْرِ، فَكَأنَّكم قَدَّمْتُمْ لَنا العَذابَ أوِ الصَّلْيَ. وإذا كانَ ﴿لا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾ مِن كَلامِ الخَزَنَةِ فَلَمْ يَجِئِ التَّرْكِيبُ: قالُوا بَلْ هَؤُلاءِ لا مَرْحَبًا بِهِمْ، بَلْ جاءَ بِخِطابِ الأتْباعِ لِلرُّؤَساءِ، لِتَكُونَ المُواجَهَةُ لِمَن كانُوا لا يَقْدِرُونَ عَلى مُواجَهَتِهِمْ في الدُّنْيا بِقَبِيحٍ أشَفى لِصُدُورِهِمْ، حَيْثُ تَسَبَّبُوا في كُفْرِهِمْ، وأنْكى لِلرُّؤَساءِ. ﴿فَبِئْسَ القَرارُ﴾: أيِ: النّارُ؛ وهَذِهِ المُرادَةُ والدُّعاءُ كَقَوْلِهِ: ﴿كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها﴾ [الأعراف: ٣٨] . ولَمْ يَكْتَفِ الأتْباعُ بِرَدِّ الدُّعاءِ عَلى رُؤَسائِهِمْ، ولا بِمُواجَهَتِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿أنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا﴾، حَتّى سَألُوا مِنَ اللَّهِ أنْ يَزِيدَ رُؤَساءَهم ضِعْفًا مِنَ النّارِ، والمَعْنى: مَن حَمَلَنا عَلى عَمَلِ السُّوءِ حَتّى صارَ جَزاءُنا النّارَ، ﴿فَزِدْهُ عَذابًا ضِعْفًا﴾، كَما جاءَ في قَوْلِ الأتْباعِ: ﴿رَبَّنا آتِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦٨]، أيْ: ساداتَهم ﴿ضِعْفَيْنِ مِنَ العَذابِ﴾ [الأحزاب: ٦٨]، ﴿رَبَّنا هَؤُلاءِ أضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذابًا ضِعْفًا مِنَ النّارِ﴾ [الأعراف: ٣٨] . (p-٤٠٧)ولَمّا كانَ الرُّؤَساءُ ضُلّالًا في أنْفُسِهِمْ، وأضَلُّوا أتْباعَهم، ناسَبَ أنْ يَدْعُوا عَلَيْهِمْ بِأنْ يَزِيدَهم ضِعْفًا، كَما جاءَ: «فَعَلَيْهِ وِزْرُها ووِزْرُ مَن عَمِلَ بِها إلى يَوْمِ القِيامَةِ» فَعَلى هَذا الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: (قالُوا) لِلْأتْباعِ. و﴿مَن قَدَّمَ﴾: هُمُ الرُّؤَساءُ. وقالَ ابْنُ السّائِبِ: ﴿قالُوا رَبَّنا﴾ إلى آخِرِهِ، قَوْلُ جَمِيعِ أهْلِ النّارِ. وقالَ الضَّحّاكُ: ﴿مَن قَدَّمَ﴾، هو إبْلِيسُ وقابِيلُ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: الضِّعْفُ حَيّاتٌ وعَقارِبُ. (وقالُوا) أيْ: أشْرافُ الكُفّارِ، ﴿ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنّا نَعُدُّهم مِنَ الأشْرارِ﴾ أيِ: الأرْذالِ الَّذِينَ لا خَيْرَ فِيهِمْ، ولَيْسُوا عَلى دِينِنا، كَما قالَ: ﴿وما نَراكَ اتَّبَعَكَ إلّا الَّذِينَ هم أراذِلُنا﴾ [هود: ٢٧] . ورُوِيَ أنَّ القائِلِينَ مِن كُفّارِ عَصْرِ الرَّسُولِ ﷺ، هم: أبُو جَهْلٍ، وأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، وأصْحابُ القَلِيبِ، والَّذِينَ لَمْ يَرَوْهم: عَمّارٌ، وصُهَيْبٌ، وسَلْمانُ، ومَن جَرى مَجْراهم، قالَهُ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ. قِيلَ: يَسْألُونَ أيْنَ عَمّارٌ ؟ أيْنَ صُهَيْبٌ ؟ أيْنَ فُلانٌ ؟ يَعُدُّونَ ضُعَفاءَ المُسْلِمِينَ، فَيُقالُ لَهم: أُولَئِكَ في الفِرْدَوْسِ. وقَرَأ النَّحْوِيّانِ، وحَمْزَةُ: (اتَّخَذْناهم) وصْلًا، فَقالَ أبُو حاتِمٍ، والزَّمَخْشَرِيُّ، وابْنُ عَطِيَّةَ: صِفَةٌ لِرِجالٍ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿كُنّا نَعُدُّهم مِنَ الأشْرارِ﴾ . وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: حالٌ، أيْ: وقَدِ اتَّخَذْناهم. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، والأعْرَجُ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، وباقِي السَّبْعَةِ: بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، لِتَقْرِيرِ أنْفُسِهِمْ عَلى هَذا، عَلى جِهَةِ التَّوْبِيخِ لَها والأسَفِ، أيِ: اتَّخَذْناهم سِخْرِيًّا، ولَمْ يَكُونُوا كَذَلِكَ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وأصْحابُهُ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، والأعْرَجُ، ونافِعٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: (سُخْرِيًّا)، بِضَمِّ السِّينِ، ومَعْناها مِنَ السُّخْرَةِ والِاسْتِخْدامِ. وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ، وعِيسى، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وباقِي السَّبْعَةِ: بِكَسْرِ السِّينِ، ومَعْناها: المَشْهُورُ مِنَ السُّخْرِ، وهو الهُزْءُ. قالَ الشّاعِرُ: ؎إنِّي أتانِي لِسانٌ لا أُسَرُّ بِها ∗∗∗ مِن عَلْوَ لا كَذِبٌ فِيها ولا سَخَرُ وقِيلَ: بِكَسْرِ السِّينِ مِنَ التَّسْخِيرِ. وأمْ، إنْ كانَ اتَّخَذْناهُمُ اسْتِفْهامًا إمّا مُصَرَّحًا بِهَمْزَتِهِ كَقِراءَةِ مَن قَرَأ كَذَلِكَ، أوْ مُؤَوَّلًا بِالِاسْتِفْهامِ، وحُذِفَتِ الهَمْزَةُ لِلدَّلالَةِ. فالظّاهِرُ أنَّها مُتَّصِلَةٌ لِتَقَدُّمِ الهَمْزَةِ، والمَعْنى أيُّ الفِعْلَيْنِ فَعَلْنا بِهِمْ، الِاسْتِسْخارُ مِنهم أمِ ازْدِراؤُهم وتَحْقِيرُهم ؟ وإنَّ أبْصارَنا كانَتْ تَعْلُو عَنْهم وتَقْتَحِمُ. ويَكُونُ اسْتِفْهامًا عَلى مَعْنى الإنْكارِ عَلى أنْفُسِهِمْ، لِلِاسْتِسْخارِ والزَّيْغِ جَمِيعًا. وقالَ الحَسَنُ: كُلُّ ذَلِكَ قَدْ فَعَلُوا، اتَّخَذُوهم سِخْرِيًّا، وزاغَتْ عَنْهم أبْصارُهم مُحَقِّرَةً لَهم. وأنَّ (اتَّخَذْناهم) لَيْسَ اسْتِفْهامًا، فَأمْ مُنْقَطِعَةٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُنْقَطِعَةً أيْضًا مَعَ تَقَدُّمِ الِاسْتِفْهامِ، يَكُونُ كَقَوْلِكِ: أزَيْدٌ عِنْدَكَ أمْ عِنْدَكَ عَمْرٌو ؟ واسْتَفْهَمْتَ عَنْ زَيْدٍ، ثُمَّ أضْرَبْتَ عَنْ ذَلِكَ واسْتَفْهَمْتَ عَنْ عَمْرٍو، فالتَّقْدِيرُ: بَلْ أزاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصارُ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهم: ﴿أمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصارُ﴾ لَهُ تَعَلُّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ما لَنا لا نَرى رِجالًا﴾؛ لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ أوَّلًا دَلَّ عَلى انْتِفاءِ رُؤْيَتِهِمْ إيّاهم، وذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّهم لَيْسُوا مَعَهُ، ثُمَّ جَوَّزُوا أنْ يَكُونُوا مَعَهُ، ولَكِنَّ أبْصارَهم لَمْ تَرَهم. (إنَّ ذَلِكَ أيِ: التَّفاوُضُ الَّذِي حَكَيْناهُ عَنْهم، ( لَحَقٌّ) أيْ: ثابِتٌ واقِعٌ لا بُدَّ أنْ يَجْرِيَ بَيْنَهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿تَخاصُمُ﴾ بِالرَّفْعِ مُضافًا إلى أهْلِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: بَدَلٌ مِن (لَحَقٌّ) . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بَيَّنَ ما هو فَقالَ: ﴿تَخاصُمُ﴾ مُنَوَّنًا، (أهْلُ) رُفِعا بِالمَصْدَرِ المُنَوَّنِ، ولا يُجِيزُ ذَلِكَ الفَرّاءُ، ويُجِيزُهُ سِيبَوَيْهِ والبَصْرِيُّونَ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ﴿تَخاصُمَ أهْلِ﴾، بِنَصْبِ المِيمِ وجَرِّ أهْلِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِذَلِكَ؛ لِأنَّ أسْماءَ الإشارَةِ تُوصَفُ بِأسْماءِ الأجْناسِ. وفِي كِتابِ اللَّوامِحِ: ولَوْ نُصِبَ ﴿تَخاصُمُ أهْلِ النّارِ﴾، لَجازَ عَلى البَدَلِ مِن ذَلِكَ. وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْقَعِ: ﴿تَخاصُمُ﴾: فِعْلًا ماضِيًا، (أهْلُ): فاعِلًا، وسَمّى تَعالى تِلْكَ المُفاوَضَةَ الَّتِي جَرَتْ بَيْنَ رُؤَساءِ الكُفّارِ وأتْباعِهِمْ تَخاصُمًا؛ لِأنَّ قَوْلَهم: ﴿لا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾، وقَوْلَ الأتْباعِ: ﴿بَلْ أنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكُمْ﴾، هو مِن بابِ الخُصُومَةِ، فَسَمّى التَّفاوُضَ كُلَّهُ تَخاصُمًا لِاسْتِعْمالِهِ عَلَيْهِ. (قُلْ): يا مُحَمَّدُ، ﴿إنَّما أنا مُنْذِرٌ﴾ أيْ: مُنْذِرُ المُشْرِكِينَ بِالعَذابِ، وأنَّ اللَّهَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، لا نِدَّ لَهُ ولا شَرِيكَ، وهو الواحِدُ القَهّارُ لِكُلِّ شَيْءٍ، وأنَّهُ مالِكُ العالَمِ، عُلْوِهِ وسُفْلِهِ، (p-٤٠٨)العَزِيزُ الَّذِي لا يُغالَبُ، الغَفّارُ لِذُنُوبِ مَن آمَنَ بِهِ واتَّبَعَ لِدِينِهِ.

ص 38:65

﴿هَذا ذِكْرٌ وإنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ﴾ ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الأبْوابُ﴾ ﴿مُتَّكِئِينَ فِيها يَدْعُونَ فِيها بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وشَرابٍ﴾ ﴿وعِنْدَهم قاصِراتُ الطَّرْفِ أتْرابٌ﴾ ﴿هَذا ما تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الحِسابِ﴾ ﴿إنَّ هَذا لَرِزْقُنا ما لَهُ مِن نَفادٍ﴾ ﴿هَذا وإنَّ لِلطّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ﴾ ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ المِهادُ﴾ ﴿هَذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وغَسّاقٌ﴾ ﴿وآخَرُ مِن شَكْلِهِ أزْواجٌ﴾ ﴿هَذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكم لا مَرْحَبًا بِهِمْ إنَّهم صالُوا النّارِ﴾ ﴿قالُوا بَلْ أنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكم أنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا فَبِئْسَ القَرارُ﴾ ﴿قالُوا رَبَّنا مَن قَدَّمَ لَنا هَذا فَزِدْهُ عَذابًا ضِعْفًا في النّارِ﴾ ﴿وقالُوا ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنّا نَعُدُّهم مِنَ الأشْرارِ﴾ ﴿أأتَّخَذْناهم سِخْرِيًّا أمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصارُ﴾ ﴿إنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أهْلِ النّارِ﴾ ﴿قُلْ إنَّما أنا مُنْذِرٌ وما مِن إلَهٍ إلّا اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ ﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما العَزِيزُ الغَفّارُ﴾ (p-٤٠٤)لَمّا أمَرَهُ تَعالى بِالصَّبْرِ عَلى سَفاهَةِ قَوْمِهِ، وذَكَرَ جُمْلَةً مِنَ الأنْبِياءِ وأحْوالِهِمْ، ذَكَرَ ما يَئُولُ إلَيْهِ حالُ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ مِنَ الجَزاءِ، ومَقَرُّ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الفَرِيقَيْنِ. ولَمّا كانَ ما يَذْكُرُهُ نَوْعًا مِن أنْواعِ التَّنْزِيلِ، قالَ: (هَذا ذِكْرٌ)، كَأنَّهُ فَصَلَ بَيْنَ ما قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ. ألا تَرى أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ أهْلَ الجَنَّةِ، وأعْقَبَهُ بِذِكْرِ أهْلِ النّارِ قالَ: (﴿هَذا وإنَّ لِلطّاغِينَ﴾ ؟ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَذا ذِكْرُ مَن مَضى مِنَ الأنْبِياءِ. وقِيلَ: ( هَذا ذِكْرٌ): أيْ: شَرَفٌ تُذْكَرُونَ بِهِ أبَدًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (جَنّاتِ) بِالنَّصْبِ، وهو بَدَلٌ، فَإنْ كانَ (عَدْنٍ) عَلَمًا، فَبَدَلُ مَعْرِفَةٍ مِن نَكَرَةٍ؛ وإنْ كانَ نَكِرَةً، فَبَدَلُ نَكِرَةٍ مِن نَكِرَةٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ مَعْرِفَةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وعَدَ الرَّحْمَنُ﴾ [مريم: ٦١]، وانْتِصابُها عَلى أنَّها عَطْفُ بَيانٍ بِـ(حُسْنَ مَآبٍ) و﴿مُفَتَّحَةً﴾ حالٌ، والعامِلُ فِيها ما في المُتَّقِينَ مِن مَعْنى الفِعْلِ. وفي ﴿مُفَتَّحَةً﴾ ضَمِيرُ الجَنّاتِ، والأبْوابُ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ تَقْدِيرُهُ: مُفَتَّحَةً هي الأبْوابُ لِقَوْلِهِمْ: ضُرِبَ زَيْدٌ اليَدُ والرِّجْلُ، وهو مِن بَدَلِ الِاشْتِمالِ. انْتَهى. ولا يَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ مَعْرِفَةً بِالدَّلِيلِ الَّذِي اسْتَدَلَّ بِهِ وهو قَوْلُهُ: ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي﴾ [مريم: ٦١]؛ لِأنَّهُ اعْتَقَدَ أنَّ الَّتِي صِفَةٌ لِجَنّاتِ عَدْنٍ، ولا يَتَعَيَّنُ ما ذَكَرَهُ، إذْ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الَّتِي بَدَلًا مِن جَنّاتِ عَدْنٍ. ألا تَرى أنَّ الَّذِي والَّتِي وجُمُوعَهُما تُسْتَعْمَلُ اسْتِعْمالَ الأسْماءِ، فَتَلِي (p-٤٠٥)العَوامِلَ، ولا يَلْزَمُ أنْ تَكُونَ صِفَةً ؟ وأمّا انْتِصابُها عَلى أنَّها عَطْفُ بَيانٍ فَلا يَجُوزُ؛ لِأنَّ النَّحْوِيِّينَ في ذَلِكَ عَلى مَذْهَبَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا في المَعارِفِ، فَلا يَكُونُ عَطْفُ البَيانِ إلّا تابِعًا لِمَعْرِفَةٍ، وهو مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ. والثّانِي: أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ في النَّكِراتِ، فَيَكُونُ عَطْفُ البَيانِ تابِعًا لِنَكِرَةٍ، كَما تَكُونُ المَعْرِفَةُ فِيهِ تابِعَةً لِمَعْرِفَةٍ، وهَذا مَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ، وتَبِعَهُمُ الفارِسِيُّ. وأمّا تَخالُفُهُما في التَّنْكِيرِ والتَّعْرِيفِ فَلَمْ يَذْهَبْ إلَيْهِ أحَدٌ سِوى هَذا المُصَنِّفِ. وقَدْ أجازَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿مَقامِ إبْراهِيمَ﴾ [البقرة: ١٢٥]، فَأعْرَبَهُ عَطْفَ بَيانٍ تابِعًا لِنَكِرَةٍ، وهو ﴿آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ [البقرة: ٩٩]، و﴿مَقامِ إبْراهِيمَ﴾ [البقرة: ١٢٥] مَعْرِفَةٌ، وقَدْ رَدَدْنا عَلَيْهِ ذَلِكَ في مَوْضِعِهِ في آلِ عِمْرانَ. وأمّا قَوْلُهُ: وفي ﴿مُفَتَّحَةً﴾ ضَمِيرُ الجَنّاتِ، فَجُمْهُورُ النَّحْوِيِّينَ أعْرَبُوا الأبْوابَ مَفْعُولًا لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ. وجاءَ أبُو عَلِيٍّ فَقالَ: إذا كانَ كَذَلِكَ، لَمْ يَكُنْ في ذَلِكَ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى جَنّاتِ عَدْنٍ مِنَ الحالِيَّةِ إنْ أعْرَبَ مُفَتَّحَةً حالًا، أوْ مِنَ النَّعْتِ إنْ أعْرَبَ نَعْتًا لِـ(جَنّاتِ عَدْنٍ)، فَقالَ: في ﴿مُفَتَّحَةً﴾ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى الجَنّاتِ حَتّى تَرْتَبِطَ الحالُ بِصاحِبِها، أوِ النَّعْتُ بِمَنعُوتِهِ، والأبْوابُ بَدَلٌ. وقالَ: مَن أعْرَبَ الأبْوابَ مَفْعُولًا لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ العائِدُ عَلى الجَنّاتِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: الأبْوابُ مِنها. وألْزَمَ أبُو عَلِيٍّ البَدَلَ في مِثْلِ هَذا لا بُدَّ فِيهِ مِنَ الضَّمِيرِ، إمّا مَلْفُوظًا بِهِ، أوْ مُقَدَّرًا. وإذا كانَ الكَلامُ مُحْتاجًا إلى تَقْدِيرٍ واحِدٍ، كانَ أوْلى مِمّا يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرَيْنِ. وأمّا الكُوفِيُّونَ، فالرّابِطُ عِنْدَهم هو ألْ لِمَقامِهِ مَقامَ الضَّمِيرِ، فَكَأنَّهُ قالَ: مُفَتِّحَةً لَهم أبْوابُها. وأمّا قَوْلُهُ: وهو مِن بَدَلِ الِاشْتِمالِ، فَإنْ عَنى بِقَوْلِهِ: وهو قَوْلُهُ اليَدُ والرِّجْلُ، فَهو وهْمٌ، وإنَّما هو بَدَلُ بَعْضٍ مِن كُلٍّ. وإنْ عَنى الأبْوابَ، فَقَدْ يَصِحُّ؛ لِأنَّ أبْوابَ الجَنّاتِ لَيْسَتْ بَعْضًا مِنَ الجَنّاتِ. وأمّا تَشْبِيهُهُ ما قَدَّرَهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿مُفَتَّحَةً﴾ هي الأبْوابُ، بِقَوْلِهِمْ: ضُرِبَ زَيْدٌ اليَدُ والرِّجْلُ، فَوَجْهُهُ أنَّ الأبْوابَ بَدَلٌ مِن ذَلِكَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ، كَما أنَّ اليَدَ والرِّجْلَ بَدَلٌ مِنَ الظّاهِرِ الَّذِي هو زَيْدٌ. وقالَ أبُو إسْحاقَ، وتَبِعَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ: ﴿مُفَتَّحَةً﴾ نَعْتٌ لِجَنّاتِ عَدْنٍ. وقالَ الحَوْفِيُّ: ﴿مُفَتَّحَةً﴾ حالٌ، والعامِلُ فِيها مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ المَعْنى، تَقْدِيرُهُ: يَدْخُلُونَها. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رُفَيْعٍ، وأبُو حَيْوَةَ: ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ مُفَتَّحَةٌ﴾، بِرَفْعِ التّاءَيْنِ: مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، أوْ كُلٌّ مِنهُما خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هو جَنّاتُ عَدْنٍ هي مُفَتَّحَةٌ. والِاتِّكاءُ: مِن هَيْئاتِ أهْلِ السَّعادَةِ، ﴿يَدْعُونَ فِيها﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ عِنْدَهم مَن يَسْتَخْدِمُونَهُ فِيما يَسْتَدْعُونَ، كَقَوْلِهِ: ﴿ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ [الإنسان: ١٩] . ولَمّا كانَتِ الفاكِهَةُ يَتَنَوَّعُ وصْفُها بِالكَثْرَةِ، وكَثْرَتُها بِاخْتِلافِ أنْواعِها، وكَثْرَةُ كُلِّ نَوْعٍ مِنها؛ ولَمّا كانَ الشَّرابُ نَوْعًا واحِدًا وهو الخَمْرُ، أُفْرِدَ. ﴿وعِنْدَهم قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ . قالَ قَتادَةُ: مَعْناهُ عَلى أزْواجِهِنَّ، ﴿أتْرابٌ﴾: أيْ: أمْثالٌ عَلى سِنٍّ واحِدَةٍ، وأصْلُهُ في بَنِي آدَمَ لِكَوْنِهِمْ مَسَّ أجْسادَهُمُ التُّرابُ في وقْتٍ واحِدٍ، والأقْرانُ أثْبَتُ في التَّحابِّ. والظّاهِرُ أنَّ هَذا الوَصْفَ هو بَيْنَهُنَّ، وقِيلَ: بَيْنَ أزْواجِهِنَّ، أسْنانُهُنَّ كَأسْنانِهِمْ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ الآدَمِيّاتِ. وقالَ صاحِبُ الغُنْيانِ: حُورٌ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: (وهَذا ما يُوعَدُونَ)، بِياءِ الغَيْبَةِ، إذْ قَبْلَهُ (وعِنْدَهم) وباقِي السَّبْعَةِ: بِتاءِ الخِطابِ عَلى الِالتِفاتِ، والمَعْنى: هَذا ما وقَعَ بِهِ الوَعْدُ لِيَوْمِ الجَزاءِ. (إنَّ هَذا): أيْ: ما ذُكِرَ لِلْمُتَّقِينَ مِمّا تَقَدَّمَ، ﴿لَرِزْقُنا﴾ دائِمًا، أيْ: لا نَفادَ لَهُ. ﴿هَذا وإنَّ لِلطّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ﴾، قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: الأمْرُ هَذا، وقالَ أبُو عَلِيٍّ: هَذا لِلْمُؤْمِنِينَ، وقالَ أبُو البَقاءِ: مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ، أوْ خَبَرٌ مَحْذُوفُ المُبْتَدَأِ، والطّاغُونَ هُنا: الكُفّارُ؛ وقالَ الجُبّائِيُّ: أصْحابُ الكَبائِرِ كُفّارًا كانُوا أوْ لَمْ يَكُونُوا. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المَعْنى الَّذِينَ طَغَوْا عَلَيَّ، وكَذَّبُوا رُسُلِي لَهم شَرُّ مَآبٍ أيْ: مَرْجِعٍ ومَصِيرٍ. ﴿فَبِئْسَ المِهادُ﴾ أيْ: هي (هَذا) في مَوْضِعِ رَفْعِ مُبْتَدَأٍ خَبَرُهُ (جَهَنَّمَ)، ﴿وغَسّاقٌ﴾، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: العَذابُ هَذا، وحَمِيمٌ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ، أوْ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الِاشْتِغالِ، أيْ: لِيَذُوقُوا هَذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ، أيْ: هو حَمِيمٌ، أوْ مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ، أيْ: مِنهُ حَمِيمٌ ومِنهُ غَسّاقٌ، كَما قالَ الشّاعِرُ:(p-٤٠٦) ؎حَتّى إذا ما أضاءَ الصُّبْحُ في غَلَسٍ وغُودِرَ البَقْلُ مَلْوِيُّ ومَحْصُودُ أيْ: مِنهُ مَلْوِيٌّ ومِنهُ مَحْصُودٌ، وهَذِهِ الأعارِيبُ مَقُولَةٌ مَنقُولَةٌ. وقِيلَ: هَذا مُبْتَدَأٌ، و﴿فَلْيَذُوقُوهُ﴾ الخَبَرُ، وهَذا عَلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ في إجازَتِهِ: زَيْدٌ فاضْرِبْهُ، مُسْتَدِلًّا بِقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎وقائِلَةٍ خَوْلانُ فانْكِحْ فَتاتَهُمْ والغَسّاقُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: الزَّمْهَرِيرُ؛ وعَنْهُ أيْضًا، وعَنْ عَطاءٍ، وقَتادَةَ، وابْنِ زَيْدٍ: ما يَجْرِي مِن صَدِيدِ أهْلِ النّارِ. وعَنْ كَعْبٍ: عَيْنٌ في جَهَنَّمَ تَسِيلُ إلَيْها حُمَةُ كُلِّ ذِي حُمَةٍ مِن حَيَّةٍ أوْ عَقْرَبٍ أوْ غَيْرِهِما، يُغْمَسُ فِيها فَيَتَساقَطُ الجِلْدُ واللَّحْمُ عَنِ العَظْمِ. وعَنِ السُّدِّيِّ: ما يَسِيلُ مِن دُمُوعِهِمْ، وعَنِ ابْنِ عُمَرَ: القَيْحُ يَسِيلُ مِنهم فَيُسْقَوْنَهُ. وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ، وقَتادَةُ، وابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ، والفَضْلُ، وابْنُ سَعْدانَ، وهارُونُ عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِتَشْدِيدِ السِّينِ. فَإنْ كانَ صِفَةً، فَيَكُونُ مِمّا حُذِفَ مَوْصُوفُها، وإنْ كانَ اسْمًا، فَفَعّالٌ قَلِيلٌ في الأسْماءِ، جاءَ مِنهُ: الكَلّاءُ، والجَبّانُ، والفَنّادُ، والعَقّارُ، والخَطّارُ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ: بِتَخْفِيفِ السِّينِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (وآخَرُ) عَلى الإفْرادِ، فَقِيلَ: مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: ولَهم عَذابٌ آخَرُ. وقِيلَ: خَبَرُهُ في الجُمْلَةِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: (أزْواجٌ) مُبْتَدَأٌ، و﴿مِن شَكْلِهِ﴾ خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ خَبَرُ (وآخَرُ) . وقِيلَ: خَبَرُهُ (أزْواجٌ) و﴿مِن شَكْلِهِ﴾ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ، وجازَ أنْ يُخْبَرَ بِالجَمْعِ عَنِ الواحِدِ مِن حَيْثُ هو دَرَجاتٌ ورُتَبٌ مِنَ العَذابِ، أوْ سَمّى كُلَّ جُزْءٍ مِن ذَلِكَ الآخَرِ بِاسْمِ الكُلِّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (وآخَرُ) أيْ: وعَذابٌ آخَرُ، أوْ مَذُوقٌ آخَرُ؛ وأزْواجٌ صِفَةُ آخَرَ؛ لِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضُرُوبًا أوْ صِفَةً لِلثَّلاثَةِ، وهي: ﴿حَمِيمٌ وغَسّاقٌ﴾ ﴿وآخَرُ مِن شَكْلِهِ﴾ . انْتَهى. وهُوَ إعْرابٌ أخَذَهُ مِنَ الفَرّاءِ. وقَرَأ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، والجَحْدَرِيُّ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وعِيسى، وأبُو عَمْرٍو: (وأُخَرُ) عَلى الجَمْعِ، وهو مُبْتَدَأٌ، (ومِن شَكْلِهِ) في مَوْضِعِ الصِّفَةِ؛ ﴿وأزْواجٌ﴾ [آل عمران: ١٥] خَبَرُهُ، أيْ: ومَذُوقًا آخَرُ مِن شَكْلِ هَذا المَذُوقِ مِن مِثْلِهِ في الشِّدَّةِ والفَظاعَةِ. (أزْواجٌ): أجْناسٌ. وقَرَأ مُجاهِدٌ: ﴿مِن شَكْلِهِ﴾ بِكَسْرِ الشِّينِ؛ والجُمْهُورُ: بِفَتْحِها، وهُما لُغَتانِ بِمَعْنى المِثْلِ والضَّرْبِ. وأمّا إذا كانَ بِمَعْنى الفَتْحِ، فَبِكَسْرِ الشِّينِ لا غَيْرَ. وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: ﴿وآخَرُ مِن شَكْلِهِ﴾: هو الزَّمْهَرِيرُ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿هَذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ﴾ )، مِن قَوْلِ رُؤَسائِهِمْ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، والفَوْجُ: الجَمْعُ الكَثِيرُ، ﴿مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ﴾ أيِ: النّارَ، وهُمُ الأتْباعُ، ثُمَّ دَعَوْا عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِمْ: ﴿لا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾؛ لِأنَّ الرَّئِيسَ إذا رَأى الخَسِيسَ قَدْ قُرِنَ مَعَهُ في العَذابِ، ساءَهُ ذَلِكَ حَيْثُ وقَعَ التَّساوِي في العَذابِ، ولَمْ يَكُنْ هو السّالِمُ مِنَ العَذابِ وأتْباعُهُ في العَذابِ. و(مَرْحَبًا) مَعْناهُ: ائْتِ رَحْبًا وسَعَةً لا ضَيِّقًا، وهو مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ يَجِبُ إضْمارُهُ، ولِأنَّ عُلُوَّهم بَيانٌ لِلْمَدْعُوِّ عَلَيْهِمْ. وقِيلَ: ﴿هَذا فَوْجٌ﴾، مِن كَلامِ المَلائِكَةِ خَزَنَةِ النّارِ؛ وأنَّ الدُّعاءَ عَلى الفَوْجِ والتَّعْلِيلَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهم صالُوا النّارِ﴾، مِن كَلامِهِمْ. وقِيلَ: ﴿هَذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ﴾، مِن كَلامِ المَلائِكَةِ، والدُّعاءُ عَلى الفَوْجِ والإخْبارُ بِأنَّهم صالُوا النّارِ مِن كَلامِ الرُّؤَساءِ المَتْبُوعِينَ. (قالُوا) أيِ: الفَوْجُ: ﴿لا مَرْحَبًا بِكُمْ﴾، رَدٌّ عَلى الرُّؤَساءِ ما دَعَوْا بِهِ عَلَيْهِمْ. ثُمَّ ذَكَرُوا أنَّ ما وقَعُوا فِيهِ مِنَ العَذابِ وصَلْيِ النّارِ، إنَّما هو بِما ألْقَيْتُمْ إلَيْنا وزَيَّنْتُمُوهُ مِنَ الكُفْرِ، فَكَأنَّكم قَدَّمْتُمْ لَنا العَذابَ أوِ الصَّلْيَ. وإذا كانَ ﴿لا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾ مِن كَلامِ الخَزَنَةِ فَلَمْ يَجِئِ التَّرْكِيبُ: قالُوا بَلْ هَؤُلاءِ لا مَرْحَبًا بِهِمْ، بَلْ جاءَ بِخِطابِ الأتْباعِ لِلرُّؤَساءِ، لِتَكُونَ المُواجَهَةُ لِمَن كانُوا لا يَقْدِرُونَ عَلى مُواجَهَتِهِمْ في الدُّنْيا بِقَبِيحٍ أشَفى لِصُدُورِهِمْ، حَيْثُ تَسَبَّبُوا في كُفْرِهِمْ، وأنْكى لِلرُّؤَساءِ. ﴿فَبِئْسَ القَرارُ﴾: أيِ: النّارُ؛ وهَذِهِ المُرادَةُ والدُّعاءُ كَقَوْلِهِ: ﴿كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها﴾ [الأعراف: ٣٨] . ولَمْ يَكْتَفِ الأتْباعُ بِرَدِّ الدُّعاءِ عَلى رُؤَسائِهِمْ، ولا بِمُواجَهَتِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿أنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا﴾، حَتّى سَألُوا مِنَ اللَّهِ أنْ يَزِيدَ رُؤَساءَهم ضِعْفًا مِنَ النّارِ، والمَعْنى: مَن حَمَلَنا عَلى عَمَلِ السُّوءِ حَتّى صارَ جَزاءُنا النّارَ، ﴿فَزِدْهُ عَذابًا ضِعْفًا﴾، كَما جاءَ في قَوْلِ الأتْباعِ: ﴿رَبَّنا آتِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦٨]، أيْ: ساداتَهم ﴿ضِعْفَيْنِ مِنَ العَذابِ﴾ [الأحزاب: ٦٨]، ﴿رَبَّنا هَؤُلاءِ أضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذابًا ضِعْفًا مِنَ النّارِ﴾ [الأعراف: ٣٨] . (p-٤٠٧)ولَمّا كانَ الرُّؤَساءُ ضُلّالًا في أنْفُسِهِمْ، وأضَلُّوا أتْباعَهم، ناسَبَ أنْ يَدْعُوا عَلَيْهِمْ بِأنْ يَزِيدَهم ضِعْفًا، كَما جاءَ: «فَعَلَيْهِ وِزْرُها ووِزْرُ مَن عَمِلَ بِها إلى يَوْمِ القِيامَةِ» فَعَلى هَذا الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: (قالُوا) لِلْأتْباعِ. و﴿مَن قَدَّمَ﴾: هُمُ الرُّؤَساءُ. وقالَ ابْنُ السّائِبِ: ﴿قالُوا رَبَّنا﴾ إلى آخِرِهِ، قَوْلُ جَمِيعِ أهْلِ النّارِ. وقالَ الضَّحّاكُ: ﴿مَن قَدَّمَ﴾، هو إبْلِيسُ وقابِيلُ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: الضِّعْفُ حَيّاتٌ وعَقارِبُ. (وقالُوا) أيْ: أشْرافُ الكُفّارِ، ﴿ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنّا نَعُدُّهم مِنَ الأشْرارِ﴾ أيِ: الأرْذالِ الَّذِينَ لا خَيْرَ فِيهِمْ، ولَيْسُوا عَلى دِينِنا، كَما قالَ: ﴿وما نَراكَ اتَّبَعَكَ إلّا الَّذِينَ هم أراذِلُنا﴾ [هود: ٢٧] . ورُوِيَ أنَّ القائِلِينَ مِن كُفّارِ عَصْرِ الرَّسُولِ ﷺ، هم: أبُو جَهْلٍ، وأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، وأصْحابُ القَلِيبِ، والَّذِينَ لَمْ يَرَوْهم: عَمّارٌ، وصُهَيْبٌ، وسَلْمانُ، ومَن جَرى مَجْراهم، قالَهُ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ. قِيلَ: يَسْألُونَ أيْنَ عَمّارٌ ؟ أيْنَ صُهَيْبٌ ؟ أيْنَ فُلانٌ ؟ يَعُدُّونَ ضُعَفاءَ المُسْلِمِينَ، فَيُقالُ لَهم: أُولَئِكَ في الفِرْدَوْسِ. وقَرَأ النَّحْوِيّانِ، وحَمْزَةُ: (اتَّخَذْناهم) وصْلًا، فَقالَ أبُو حاتِمٍ، والزَّمَخْشَرِيُّ، وابْنُ عَطِيَّةَ: صِفَةٌ لِرِجالٍ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿كُنّا نَعُدُّهم مِنَ الأشْرارِ﴾ . وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: حالٌ، أيْ: وقَدِ اتَّخَذْناهم. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، والأعْرَجُ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، وباقِي السَّبْعَةِ: بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، لِتَقْرِيرِ أنْفُسِهِمْ عَلى هَذا، عَلى جِهَةِ التَّوْبِيخِ لَها والأسَفِ، أيِ: اتَّخَذْناهم سِخْرِيًّا، ولَمْ يَكُونُوا كَذَلِكَ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وأصْحابُهُ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، والأعْرَجُ، ونافِعٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: (سُخْرِيًّا)، بِضَمِّ السِّينِ، ومَعْناها مِنَ السُّخْرَةِ والِاسْتِخْدامِ. وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ، وعِيسى، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وباقِي السَّبْعَةِ: بِكَسْرِ السِّينِ، ومَعْناها: المَشْهُورُ مِنَ السُّخْرِ، وهو الهُزْءُ. قالَ الشّاعِرُ: ؎إنِّي أتانِي لِسانٌ لا أُسَرُّ بِها ∗∗∗ مِن عَلْوَ لا كَذِبٌ فِيها ولا سَخَرُ وقِيلَ: بِكَسْرِ السِّينِ مِنَ التَّسْخِيرِ. وأمْ، إنْ كانَ اتَّخَذْناهُمُ اسْتِفْهامًا إمّا مُصَرَّحًا بِهَمْزَتِهِ كَقِراءَةِ مَن قَرَأ كَذَلِكَ، أوْ مُؤَوَّلًا بِالِاسْتِفْهامِ، وحُذِفَتِ الهَمْزَةُ لِلدَّلالَةِ. فالظّاهِرُ أنَّها مُتَّصِلَةٌ لِتَقَدُّمِ الهَمْزَةِ، والمَعْنى أيُّ الفِعْلَيْنِ فَعَلْنا بِهِمْ، الِاسْتِسْخارُ مِنهم أمِ ازْدِراؤُهم وتَحْقِيرُهم ؟ وإنَّ أبْصارَنا كانَتْ تَعْلُو عَنْهم وتَقْتَحِمُ. ويَكُونُ اسْتِفْهامًا عَلى مَعْنى الإنْكارِ عَلى أنْفُسِهِمْ، لِلِاسْتِسْخارِ والزَّيْغِ جَمِيعًا. وقالَ الحَسَنُ: كُلُّ ذَلِكَ قَدْ فَعَلُوا، اتَّخَذُوهم سِخْرِيًّا، وزاغَتْ عَنْهم أبْصارُهم مُحَقِّرَةً لَهم. وأنَّ (اتَّخَذْناهم) لَيْسَ اسْتِفْهامًا، فَأمْ مُنْقَطِعَةٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُنْقَطِعَةً أيْضًا مَعَ تَقَدُّمِ الِاسْتِفْهامِ، يَكُونُ كَقَوْلِكِ: أزَيْدٌ عِنْدَكَ أمْ عِنْدَكَ عَمْرٌو ؟ واسْتَفْهَمْتَ عَنْ زَيْدٍ، ثُمَّ أضْرَبْتَ عَنْ ذَلِكَ واسْتَفْهَمْتَ عَنْ عَمْرٍو، فالتَّقْدِيرُ: بَلْ أزاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصارُ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهم: ﴿أمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصارُ﴾ لَهُ تَعَلُّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ما لَنا لا نَرى رِجالًا﴾؛ لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ أوَّلًا دَلَّ عَلى انْتِفاءِ رُؤْيَتِهِمْ إيّاهم، وذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّهم لَيْسُوا مَعَهُ، ثُمَّ جَوَّزُوا أنْ يَكُونُوا مَعَهُ، ولَكِنَّ أبْصارَهم لَمْ تَرَهم. (إنَّ ذَلِكَ أيِ: التَّفاوُضُ الَّذِي حَكَيْناهُ عَنْهم، ( لَحَقٌّ) أيْ: ثابِتٌ واقِعٌ لا بُدَّ أنْ يَجْرِيَ بَيْنَهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿تَخاصُمُ﴾ بِالرَّفْعِ مُضافًا إلى أهْلِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: بَدَلٌ مِن (لَحَقٌّ) . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بَيَّنَ ما هو فَقالَ: ﴿تَخاصُمُ﴾ مُنَوَّنًا، (أهْلُ) رُفِعا بِالمَصْدَرِ المُنَوَّنِ، ولا يُجِيزُ ذَلِكَ الفَرّاءُ، ويُجِيزُهُ سِيبَوَيْهِ والبَصْرِيُّونَ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ﴿تَخاصُمَ أهْلِ﴾، بِنَصْبِ المِيمِ وجَرِّ أهْلِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِذَلِكَ؛ لِأنَّ أسْماءَ الإشارَةِ تُوصَفُ بِأسْماءِ الأجْناسِ. وفِي كِتابِ اللَّوامِحِ: ولَوْ نُصِبَ ﴿تَخاصُمُ أهْلِ النّارِ﴾، لَجازَ عَلى البَدَلِ مِن ذَلِكَ. وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْقَعِ: ﴿تَخاصُمُ﴾: فِعْلًا ماضِيًا، (أهْلُ): فاعِلًا، وسَمّى تَعالى تِلْكَ المُفاوَضَةَ الَّتِي جَرَتْ بَيْنَ رُؤَساءِ الكُفّارِ وأتْباعِهِمْ تَخاصُمًا؛ لِأنَّ قَوْلَهم: ﴿لا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾، وقَوْلَ الأتْباعِ: ﴿بَلْ أنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكُمْ﴾، هو مِن بابِ الخُصُومَةِ، فَسَمّى التَّفاوُضَ كُلَّهُ تَخاصُمًا لِاسْتِعْمالِهِ عَلَيْهِ. (قُلْ): يا مُحَمَّدُ، ﴿إنَّما أنا مُنْذِرٌ﴾ أيْ: مُنْذِرُ المُشْرِكِينَ بِالعَذابِ، وأنَّ اللَّهَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، لا نِدَّ لَهُ ولا شَرِيكَ، وهو الواحِدُ القَهّارُ لِكُلِّ شَيْءٍ، وأنَّهُ مالِكُ العالَمِ، عُلْوِهِ وسُفْلِهِ، (p-٤٠٨)العَزِيزُ الَّذِي لا يُغالَبُ، الغَفّارُ لِذُنُوبِ مَن آمَنَ بِهِ واتَّبَعَ لِدِينِهِ.

ص 38:66

﴿هَذا ذِكْرٌ وإنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ﴾ ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الأبْوابُ﴾ ﴿مُتَّكِئِينَ فِيها يَدْعُونَ فِيها بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وشَرابٍ﴾ ﴿وعِنْدَهم قاصِراتُ الطَّرْفِ أتْرابٌ﴾ ﴿هَذا ما تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الحِسابِ﴾ ﴿إنَّ هَذا لَرِزْقُنا ما لَهُ مِن نَفادٍ﴾ ﴿هَذا وإنَّ لِلطّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ﴾ ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ المِهادُ﴾ ﴿هَذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وغَسّاقٌ﴾ ﴿وآخَرُ مِن شَكْلِهِ أزْواجٌ﴾ ﴿هَذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكم لا مَرْحَبًا بِهِمْ إنَّهم صالُوا النّارِ﴾ ﴿قالُوا بَلْ أنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكم أنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا فَبِئْسَ القَرارُ﴾ ﴿قالُوا رَبَّنا مَن قَدَّمَ لَنا هَذا فَزِدْهُ عَذابًا ضِعْفًا في النّارِ﴾ ﴿وقالُوا ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنّا نَعُدُّهم مِنَ الأشْرارِ﴾ ﴿أأتَّخَذْناهم سِخْرِيًّا أمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصارُ﴾ ﴿إنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أهْلِ النّارِ﴾ ﴿قُلْ إنَّما أنا مُنْذِرٌ وما مِن إلَهٍ إلّا اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ ﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما العَزِيزُ الغَفّارُ﴾ (p-٤٠٤)لَمّا أمَرَهُ تَعالى بِالصَّبْرِ عَلى سَفاهَةِ قَوْمِهِ، وذَكَرَ جُمْلَةً مِنَ الأنْبِياءِ وأحْوالِهِمْ، ذَكَرَ ما يَئُولُ إلَيْهِ حالُ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ مِنَ الجَزاءِ، ومَقَرُّ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الفَرِيقَيْنِ. ولَمّا كانَ ما يَذْكُرُهُ نَوْعًا مِن أنْواعِ التَّنْزِيلِ، قالَ: (هَذا ذِكْرٌ)، كَأنَّهُ فَصَلَ بَيْنَ ما قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ. ألا تَرى أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ أهْلَ الجَنَّةِ، وأعْقَبَهُ بِذِكْرِ أهْلِ النّارِ قالَ: (﴿هَذا وإنَّ لِلطّاغِينَ﴾ ؟ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَذا ذِكْرُ مَن مَضى مِنَ الأنْبِياءِ. وقِيلَ: ( هَذا ذِكْرٌ): أيْ: شَرَفٌ تُذْكَرُونَ بِهِ أبَدًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (جَنّاتِ) بِالنَّصْبِ، وهو بَدَلٌ، فَإنْ كانَ (عَدْنٍ) عَلَمًا، فَبَدَلُ مَعْرِفَةٍ مِن نَكَرَةٍ؛ وإنْ كانَ نَكِرَةً، فَبَدَلُ نَكِرَةٍ مِن نَكِرَةٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ مَعْرِفَةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وعَدَ الرَّحْمَنُ﴾ [مريم: ٦١]، وانْتِصابُها عَلى أنَّها عَطْفُ بَيانٍ بِـ(حُسْنَ مَآبٍ) و﴿مُفَتَّحَةً﴾ حالٌ، والعامِلُ فِيها ما في المُتَّقِينَ مِن مَعْنى الفِعْلِ. وفي ﴿مُفَتَّحَةً﴾ ضَمِيرُ الجَنّاتِ، والأبْوابُ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ تَقْدِيرُهُ: مُفَتَّحَةً هي الأبْوابُ لِقَوْلِهِمْ: ضُرِبَ زَيْدٌ اليَدُ والرِّجْلُ، وهو مِن بَدَلِ الِاشْتِمالِ. انْتَهى. ولا يَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ مَعْرِفَةً بِالدَّلِيلِ الَّذِي اسْتَدَلَّ بِهِ وهو قَوْلُهُ: ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي﴾ [مريم: ٦١]؛ لِأنَّهُ اعْتَقَدَ أنَّ الَّتِي صِفَةٌ لِجَنّاتِ عَدْنٍ، ولا يَتَعَيَّنُ ما ذَكَرَهُ، إذْ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الَّتِي بَدَلًا مِن جَنّاتِ عَدْنٍ. ألا تَرى أنَّ الَّذِي والَّتِي وجُمُوعَهُما تُسْتَعْمَلُ اسْتِعْمالَ الأسْماءِ، فَتَلِي (p-٤٠٥)العَوامِلَ، ولا يَلْزَمُ أنْ تَكُونَ صِفَةً ؟ وأمّا انْتِصابُها عَلى أنَّها عَطْفُ بَيانٍ فَلا يَجُوزُ؛ لِأنَّ النَّحْوِيِّينَ في ذَلِكَ عَلى مَذْهَبَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا في المَعارِفِ، فَلا يَكُونُ عَطْفُ البَيانِ إلّا تابِعًا لِمَعْرِفَةٍ، وهو مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ. والثّانِي: أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ في النَّكِراتِ، فَيَكُونُ عَطْفُ البَيانِ تابِعًا لِنَكِرَةٍ، كَما تَكُونُ المَعْرِفَةُ فِيهِ تابِعَةً لِمَعْرِفَةٍ، وهَذا مَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ، وتَبِعَهُمُ الفارِسِيُّ. وأمّا تَخالُفُهُما في التَّنْكِيرِ والتَّعْرِيفِ فَلَمْ يَذْهَبْ إلَيْهِ أحَدٌ سِوى هَذا المُصَنِّفِ. وقَدْ أجازَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿مَقامِ إبْراهِيمَ﴾ [البقرة: ١٢٥]، فَأعْرَبَهُ عَطْفَ بَيانٍ تابِعًا لِنَكِرَةٍ، وهو ﴿آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ [البقرة: ٩٩]، و﴿مَقامِ إبْراهِيمَ﴾ [البقرة: ١٢٥] مَعْرِفَةٌ، وقَدْ رَدَدْنا عَلَيْهِ ذَلِكَ في مَوْضِعِهِ في آلِ عِمْرانَ. وأمّا قَوْلُهُ: وفي ﴿مُفَتَّحَةً﴾ ضَمِيرُ الجَنّاتِ، فَجُمْهُورُ النَّحْوِيِّينَ أعْرَبُوا الأبْوابَ مَفْعُولًا لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ. وجاءَ أبُو عَلِيٍّ فَقالَ: إذا كانَ كَذَلِكَ، لَمْ يَكُنْ في ذَلِكَ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى جَنّاتِ عَدْنٍ مِنَ الحالِيَّةِ إنْ أعْرَبَ مُفَتَّحَةً حالًا، أوْ مِنَ النَّعْتِ إنْ أعْرَبَ نَعْتًا لِـ(جَنّاتِ عَدْنٍ)، فَقالَ: في ﴿مُفَتَّحَةً﴾ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى الجَنّاتِ حَتّى تَرْتَبِطَ الحالُ بِصاحِبِها، أوِ النَّعْتُ بِمَنعُوتِهِ، والأبْوابُ بَدَلٌ. وقالَ: مَن أعْرَبَ الأبْوابَ مَفْعُولًا لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ العائِدُ عَلى الجَنّاتِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: الأبْوابُ مِنها. وألْزَمَ أبُو عَلِيٍّ البَدَلَ في مِثْلِ هَذا لا بُدَّ فِيهِ مِنَ الضَّمِيرِ، إمّا مَلْفُوظًا بِهِ، أوْ مُقَدَّرًا. وإذا كانَ الكَلامُ مُحْتاجًا إلى تَقْدِيرٍ واحِدٍ، كانَ أوْلى مِمّا يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرَيْنِ. وأمّا الكُوفِيُّونَ، فالرّابِطُ عِنْدَهم هو ألْ لِمَقامِهِ مَقامَ الضَّمِيرِ، فَكَأنَّهُ قالَ: مُفَتِّحَةً لَهم أبْوابُها. وأمّا قَوْلُهُ: وهو مِن بَدَلِ الِاشْتِمالِ، فَإنْ عَنى بِقَوْلِهِ: وهو قَوْلُهُ اليَدُ والرِّجْلُ، فَهو وهْمٌ، وإنَّما هو بَدَلُ بَعْضٍ مِن كُلٍّ. وإنْ عَنى الأبْوابَ، فَقَدْ يَصِحُّ؛ لِأنَّ أبْوابَ الجَنّاتِ لَيْسَتْ بَعْضًا مِنَ الجَنّاتِ. وأمّا تَشْبِيهُهُ ما قَدَّرَهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿مُفَتَّحَةً﴾ هي الأبْوابُ، بِقَوْلِهِمْ: ضُرِبَ زَيْدٌ اليَدُ والرِّجْلُ، فَوَجْهُهُ أنَّ الأبْوابَ بَدَلٌ مِن ذَلِكَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ، كَما أنَّ اليَدَ والرِّجْلَ بَدَلٌ مِنَ الظّاهِرِ الَّذِي هو زَيْدٌ. وقالَ أبُو إسْحاقَ، وتَبِعَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ: ﴿مُفَتَّحَةً﴾ نَعْتٌ لِجَنّاتِ عَدْنٍ. وقالَ الحَوْفِيُّ: ﴿مُفَتَّحَةً﴾ حالٌ، والعامِلُ فِيها مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ المَعْنى، تَقْدِيرُهُ: يَدْخُلُونَها. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رُفَيْعٍ، وأبُو حَيْوَةَ: ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ مُفَتَّحَةٌ﴾، بِرَفْعِ التّاءَيْنِ: مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، أوْ كُلٌّ مِنهُما خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هو جَنّاتُ عَدْنٍ هي مُفَتَّحَةٌ. والِاتِّكاءُ: مِن هَيْئاتِ أهْلِ السَّعادَةِ، ﴿يَدْعُونَ فِيها﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ عِنْدَهم مَن يَسْتَخْدِمُونَهُ فِيما يَسْتَدْعُونَ، كَقَوْلِهِ: ﴿ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ [الإنسان: ١٩] . ولَمّا كانَتِ الفاكِهَةُ يَتَنَوَّعُ وصْفُها بِالكَثْرَةِ، وكَثْرَتُها بِاخْتِلافِ أنْواعِها، وكَثْرَةُ كُلِّ نَوْعٍ مِنها؛ ولَمّا كانَ الشَّرابُ نَوْعًا واحِدًا وهو الخَمْرُ، أُفْرِدَ. ﴿وعِنْدَهم قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ . قالَ قَتادَةُ: مَعْناهُ عَلى أزْواجِهِنَّ، ﴿أتْرابٌ﴾: أيْ: أمْثالٌ عَلى سِنٍّ واحِدَةٍ، وأصْلُهُ في بَنِي آدَمَ لِكَوْنِهِمْ مَسَّ أجْسادَهُمُ التُّرابُ في وقْتٍ واحِدٍ، والأقْرانُ أثْبَتُ في التَّحابِّ. والظّاهِرُ أنَّ هَذا الوَصْفَ هو بَيْنَهُنَّ، وقِيلَ: بَيْنَ أزْواجِهِنَّ، أسْنانُهُنَّ كَأسْنانِهِمْ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ الآدَمِيّاتِ. وقالَ صاحِبُ الغُنْيانِ: حُورٌ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: (وهَذا ما يُوعَدُونَ)، بِياءِ الغَيْبَةِ، إذْ قَبْلَهُ (وعِنْدَهم) وباقِي السَّبْعَةِ: بِتاءِ الخِطابِ عَلى الِالتِفاتِ، والمَعْنى: هَذا ما وقَعَ بِهِ الوَعْدُ لِيَوْمِ الجَزاءِ. (إنَّ هَذا): أيْ: ما ذُكِرَ لِلْمُتَّقِينَ مِمّا تَقَدَّمَ، ﴿لَرِزْقُنا﴾ دائِمًا، أيْ: لا نَفادَ لَهُ. ﴿هَذا وإنَّ لِلطّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ﴾، قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: الأمْرُ هَذا، وقالَ أبُو عَلِيٍّ: هَذا لِلْمُؤْمِنِينَ، وقالَ أبُو البَقاءِ: مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ، أوْ خَبَرٌ مَحْذُوفُ المُبْتَدَأِ، والطّاغُونَ هُنا: الكُفّارُ؛ وقالَ الجُبّائِيُّ: أصْحابُ الكَبائِرِ كُفّارًا كانُوا أوْ لَمْ يَكُونُوا. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المَعْنى الَّذِينَ طَغَوْا عَلَيَّ، وكَذَّبُوا رُسُلِي لَهم شَرُّ مَآبٍ أيْ: مَرْجِعٍ ومَصِيرٍ. ﴿فَبِئْسَ المِهادُ﴾ أيْ: هي (هَذا) في مَوْضِعِ رَفْعِ مُبْتَدَأٍ خَبَرُهُ (جَهَنَّمَ)، ﴿وغَسّاقٌ﴾، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: العَذابُ هَذا، وحَمِيمٌ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ، أوْ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الِاشْتِغالِ، أيْ: لِيَذُوقُوا هَذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ، أيْ: هو حَمِيمٌ، أوْ مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ، أيْ: مِنهُ حَمِيمٌ ومِنهُ غَسّاقٌ، كَما قالَ الشّاعِرُ:(p-٤٠٦) ؎حَتّى إذا ما أضاءَ الصُّبْحُ في غَلَسٍ وغُودِرَ البَقْلُ مَلْوِيُّ ومَحْصُودُ أيْ: مِنهُ مَلْوِيٌّ ومِنهُ مَحْصُودٌ، وهَذِهِ الأعارِيبُ مَقُولَةٌ مَنقُولَةٌ. وقِيلَ: هَذا مُبْتَدَأٌ، و﴿فَلْيَذُوقُوهُ﴾ الخَبَرُ، وهَذا عَلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ في إجازَتِهِ: زَيْدٌ فاضْرِبْهُ، مُسْتَدِلًّا بِقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎وقائِلَةٍ خَوْلانُ فانْكِحْ فَتاتَهُمْ والغَسّاقُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: الزَّمْهَرِيرُ؛ وعَنْهُ أيْضًا، وعَنْ عَطاءٍ، وقَتادَةَ، وابْنِ زَيْدٍ: ما يَجْرِي مِن صَدِيدِ أهْلِ النّارِ. وعَنْ كَعْبٍ: عَيْنٌ في جَهَنَّمَ تَسِيلُ إلَيْها حُمَةُ كُلِّ ذِي حُمَةٍ مِن حَيَّةٍ أوْ عَقْرَبٍ أوْ غَيْرِهِما، يُغْمَسُ فِيها فَيَتَساقَطُ الجِلْدُ واللَّحْمُ عَنِ العَظْمِ. وعَنِ السُّدِّيِّ: ما يَسِيلُ مِن دُمُوعِهِمْ، وعَنِ ابْنِ عُمَرَ: القَيْحُ يَسِيلُ مِنهم فَيُسْقَوْنَهُ. وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ، وقَتادَةُ، وابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ، والفَضْلُ، وابْنُ سَعْدانَ، وهارُونُ عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِتَشْدِيدِ السِّينِ. فَإنْ كانَ صِفَةً، فَيَكُونُ مِمّا حُذِفَ مَوْصُوفُها، وإنْ كانَ اسْمًا، فَفَعّالٌ قَلِيلٌ في الأسْماءِ، جاءَ مِنهُ: الكَلّاءُ، والجَبّانُ، والفَنّادُ، والعَقّارُ، والخَطّارُ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ: بِتَخْفِيفِ السِّينِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (وآخَرُ) عَلى الإفْرادِ، فَقِيلَ: مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: ولَهم عَذابٌ آخَرُ. وقِيلَ: خَبَرُهُ في الجُمْلَةِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: (أزْواجٌ) مُبْتَدَأٌ، و﴿مِن شَكْلِهِ﴾ خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ خَبَرُ (وآخَرُ) . وقِيلَ: خَبَرُهُ (أزْواجٌ) و﴿مِن شَكْلِهِ﴾ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ، وجازَ أنْ يُخْبَرَ بِالجَمْعِ عَنِ الواحِدِ مِن حَيْثُ هو دَرَجاتٌ ورُتَبٌ مِنَ العَذابِ، أوْ سَمّى كُلَّ جُزْءٍ مِن ذَلِكَ الآخَرِ بِاسْمِ الكُلِّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (وآخَرُ) أيْ: وعَذابٌ آخَرُ، أوْ مَذُوقٌ آخَرُ؛ وأزْواجٌ صِفَةُ آخَرَ؛ لِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضُرُوبًا أوْ صِفَةً لِلثَّلاثَةِ، وهي: ﴿حَمِيمٌ وغَسّاقٌ﴾ ﴿وآخَرُ مِن شَكْلِهِ﴾ . انْتَهى. وهُوَ إعْرابٌ أخَذَهُ مِنَ الفَرّاءِ. وقَرَأ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، والجَحْدَرِيُّ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وعِيسى، وأبُو عَمْرٍو: (وأُخَرُ) عَلى الجَمْعِ، وهو مُبْتَدَأٌ، (ومِن شَكْلِهِ) في مَوْضِعِ الصِّفَةِ؛ ﴿وأزْواجٌ﴾ [آل عمران: ١٥] خَبَرُهُ، أيْ: ومَذُوقًا آخَرُ مِن شَكْلِ هَذا المَذُوقِ مِن مِثْلِهِ في الشِّدَّةِ والفَظاعَةِ. (أزْواجٌ): أجْناسٌ. وقَرَأ مُجاهِدٌ: ﴿مِن شَكْلِهِ﴾ بِكَسْرِ الشِّينِ؛ والجُمْهُورُ: بِفَتْحِها، وهُما لُغَتانِ بِمَعْنى المِثْلِ والضَّرْبِ. وأمّا إذا كانَ بِمَعْنى الفَتْحِ، فَبِكَسْرِ الشِّينِ لا غَيْرَ. وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: ﴿وآخَرُ مِن شَكْلِهِ﴾: هو الزَّمْهَرِيرُ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿هَذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ﴾ )، مِن قَوْلِ رُؤَسائِهِمْ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، والفَوْجُ: الجَمْعُ الكَثِيرُ، ﴿مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ﴾ أيِ: النّارَ، وهُمُ الأتْباعُ، ثُمَّ دَعَوْا عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِمْ: ﴿لا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾؛ لِأنَّ الرَّئِيسَ إذا رَأى الخَسِيسَ قَدْ قُرِنَ مَعَهُ في العَذابِ، ساءَهُ ذَلِكَ حَيْثُ وقَعَ التَّساوِي في العَذابِ، ولَمْ يَكُنْ هو السّالِمُ مِنَ العَذابِ وأتْباعُهُ في العَذابِ. و(مَرْحَبًا) مَعْناهُ: ائْتِ رَحْبًا وسَعَةً لا ضَيِّقًا، وهو مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ يَجِبُ إضْمارُهُ، ولِأنَّ عُلُوَّهم بَيانٌ لِلْمَدْعُوِّ عَلَيْهِمْ. وقِيلَ: ﴿هَذا فَوْجٌ﴾، مِن كَلامِ المَلائِكَةِ خَزَنَةِ النّارِ؛ وأنَّ الدُّعاءَ عَلى الفَوْجِ والتَّعْلِيلَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهم صالُوا النّارِ﴾، مِن كَلامِهِمْ. وقِيلَ: ﴿هَذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ﴾، مِن كَلامِ المَلائِكَةِ، والدُّعاءُ عَلى الفَوْجِ والإخْبارُ بِأنَّهم صالُوا النّارِ مِن كَلامِ الرُّؤَساءِ المَتْبُوعِينَ. (قالُوا) أيِ: الفَوْجُ: ﴿لا مَرْحَبًا بِكُمْ﴾، رَدٌّ عَلى الرُّؤَساءِ ما دَعَوْا بِهِ عَلَيْهِمْ. ثُمَّ ذَكَرُوا أنَّ ما وقَعُوا فِيهِ مِنَ العَذابِ وصَلْيِ النّارِ، إنَّما هو بِما ألْقَيْتُمْ إلَيْنا وزَيَّنْتُمُوهُ مِنَ الكُفْرِ، فَكَأنَّكم قَدَّمْتُمْ لَنا العَذابَ أوِ الصَّلْيَ. وإذا كانَ ﴿لا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾ مِن كَلامِ الخَزَنَةِ فَلَمْ يَجِئِ التَّرْكِيبُ: قالُوا بَلْ هَؤُلاءِ لا مَرْحَبًا بِهِمْ، بَلْ جاءَ بِخِطابِ الأتْباعِ لِلرُّؤَساءِ، لِتَكُونَ المُواجَهَةُ لِمَن كانُوا لا يَقْدِرُونَ عَلى مُواجَهَتِهِمْ في الدُّنْيا بِقَبِيحٍ أشَفى لِصُدُورِهِمْ، حَيْثُ تَسَبَّبُوا في كُفْرِهِمْ، وأنْكى لِلرُّؤَساءِ. ﴿فَبِئْسَ القَرارُ﴾: أيِ: النّارُ؛ وهَذِهِ المُرادَةُ والدُّعاءُ كَقَوْلِهِ: ﴿كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها﴾ [الأعراف: ٣٨] . ولَمْ يَكْتَفِ الأتْباعُ بِرَدِّ الدُّعاءِ عَلى رُؤَسائِهِمْ، ولا بِمُواجَهَتِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿أنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا﴾، حَتّى سَألُوا مِنَ اللَّهِ أنْ يَزِيدَ رُؤَساءَهم ضِعْفًا مِنَ النّارِ، والمَعْنى: مَن حَمَلَنا عَلى عَمَلِ السُّوءِ حَتّى صارَ جَزاءُنا النّارَ، ﴿فَزِدْهُ عَذابًا ضِعْفًا﴾، كَما جاءَ في قَوْلِ الأتْباعِ: ﴿رَبَّنا آتِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦٨]، أيْ: ساداتَهم ﴿ضِعْفَيْنِ مِنَ العَذابِ﴾ [الأحزاب: ٦٨]، ﴿رَبَّنا هَؤُلاءِ أضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذابًا ضِعْفًا مِنَ النّارِ﴾ [الأعراف: ٣٨] . (p-٤٠٧)ولَمّا كانَ الرُّؤَساءُ ضُلّالًا في أنْفُسِهِمْ، وأضَلُّوا أتْباعَهم، ناسَبَ أنْ يَدْعُوا عَلَيْهِمْ بِأنْ يَزِيدَهم ضِعْفًا، كَما جاءَ: «فَعَلَيْهِ وِزْرُها ووِزْرُ مَن عَمِلَ بِها إلى يَوْمِ القِيامَةِ» فَعَلى هَذا الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: (قالُوا) لِلْأتْباعِ. و﴿مَن قَدَّمَ﴾: هُمُ الرُّؤَساءُ. وقالَ ابْنُ السّائِبِ: ﴿قالُوا رَبَّنا﴾ إلى آخِرِهِ، قَوْلُ جَمِيعِ أهْلِ النّارِ. وقالَ الضَّحّاكُ: ﴿مَن قَدَّمَ﴾، هو إبْلِيسُ وقابِيلُ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: الضِّعْفُ حَيّاتٌ وعَقارِبُ. (وقالُوا) أيْ: أشْرافُ الكُفّارِ، ﴿ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنّا نَعُدُّهم مِنَ الأشْرارِ﴾ أيِ: الأرْذالِ الَّذِينَ لا خَيْرَ فِيهِمْ، ولَيْسُوا عَلى دِينِنا، كَما قالَ: ﴿وما نَراكَ اتَّبَعَكَ إلّا الَّذِينَ هم أراذِلُنا﴾ [هود: ٢٧] . ورُوِيَ أنَّ القائِلِينَ مِن كُفّارِ عَصْرِ الرَّسُولِ ﷺ، هم: أبُو جَهْلٍ، وأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، وأصْحابُ القَلِيبِ، والَّذِينَ لَمْ يَرَوْهم: عَمّارٌ، وصُهَيْبٌ، وسَلْمانُ، ومَن جَرى مَجْراهم، قالَهُ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ. قِيلَ: يَسْألُونَ أيْنَ عَمّارٌ ؟ أيْنَ صُهَيْبٌ ؟ أيْنَ فُلانٌ ؟ يَعُدُّونَ ضُعَفاءَ المُسْلِمِينَ، فَيُقالُ لَهم: أُولَئِكَ في الفِرْدَوْسِ. وقَرَأ النَّحْوِيّانِ، وحَمْزَةُ: (اتَّخَذْناهم) وصْلًا، فَقالَ أبُو حاتِمٍ، والزَّمَخْشَرِيُّ، وابْنُ عَطِيَّةَ: صِفَةٌ لِرِجالٍ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿كُنّا نَعُدُّهم مِنَ الأشْرارِ﴾ . وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: حالٌ، أيْ: وقَدِ اتَّخَذْناهم. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، والأعْرَجُ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، وباقِي السَّبْعَةِ: بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، لِتَقْرِيرِ أنْفُسِهِمْ عَلى هَذا، عَلى جِهَةِ التَّوْبِيخِ لَها والأسَفِ، أيِ: اتَّخَذْناهم سِخْرِيًّا، ولَمْ يَكُونُوا كَذَلِكَ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وأصْحابُهُ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، والأعْرَجُ، ونافِعٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: (سُخْرِيًّا)، بِضَمِّ السِّينِ، ومَعْناها مِنَ السُّخْرَةِ والِاسْتِخْدامِ. وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ، وعِيسى، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وباقِي السَّبْعَةِ: بِكَسْرِ السِّينِ، ومَعْناها: المَشْهُورُ مِنَ السُّخْرِ، وهو الهُزْءُ. قالَ الشّاعِرُ: ؎إنِّي أتانِي لِسانٌ لا أُسَرُّ بِها ∗∗∗ مِن عَلْوَ لا كَذِبٌ فِيها ولا سَخَرُ وقِيلَ: بِكَسْرِ السِّينِ مِنَ التَّسْخِيرِ. وأمْ، إنْ كانَ اتَّخَذْناهُمُ اسْتِفْهامًا إمّا مُصَرَّحًا بِهَمْزَتِهِ كَقِراءَةِ مَن قَرَأ كَذَلِكَ، أوْ مُؤَوَّلًا بِالِاسْتِفْهامِ، وحُذِفَتِ الهَمْزَةُ لِلدَّلالَةِ. فالظّاهِرُ أنَّها مُتَّصِلَةٌ لِتَقَدُّمِ الهَمْزَةِ، والمَعْنى أيُّ الفِعْلَيْنِ فَعَلْنا بِهِمْ، الِاسْتِسْخارُ مِنهم أمِ ازْدِراؤُهم وتَحْقِيرُهم ؟ وإنَّ أبْصارَنا كانَتْ تَعْلُو عَنْهم وتَقْتَحِمُ. ويَكُونُ اسْتِفْهامًا عَلى مَعْنى الإنْكارِ عَلى أنْفُسِهِمْ، لِلِاسْتِسْخارِ والزَّيْغِ جَمِيعًا. وقالَ الحَسَنُ: كُلُّ ذَلِكَ قَدْ فَعَلُوا، اتَّخَذُوهم سِخْرِيًّا، وزاغَتْ عَنْهم أبْصارُهم مُحَقِّرَةً لَهم. وأنَّ (اتَّخَذْناهم) لَيْسَ اسْتِفْهامًا، فَأمْ مُنْقَطِعَةٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُنْقَطِعَةً أيْضًا مَعَ تَقَدُّمِ الِاسْتِفْهامِ، يَكُونُ كَقَوْلِكِ: أزَيْدٌ عِنْدَكَ أمْ عِنْدَكَ عَمْرٌو ؟ واسْتَفْهَمْتَ عَنْ زَيْدٍ، ثُمَّ أضْرَبْتَ عَنْ ذَلِكَ واسْتَفْهَمْتَ عَنْ عَمْرٍو، فالتَّقْدِيرُ: بَلْ أزاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصارُ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهم: ﴿أمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصارُ﴾ لَهُ تَعَلُّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ما لَنا لا نَرى رِجالًا﴾؛ لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ أوَّلًا دَلَّ عَلى انْتِفاءِ رُؤْيَتِهِمْ إيّاهم، وذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّهم لَيْسُوا مَعَهُ، ثُمَّ جَوَّزُوا أنْ يَكُونُوا مَعَهُ، ولَكِنَّ أبْصارَهم لَمْ تَرَهم. (إنَّ ذَلِكَ أيِ: التَّفاوُضُ الَّذِي حَكَيْناهُ عَنْهم، ( لَحَقٌّ) أيْ: ثابِتٌ واقِعٌ لا بُدَّ أنْ يَجْرِيَ بَيْنَهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿تَخاصُمُ﴾ بِالرَّفْعِ مُضافًا إلى أهْلِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: بَدَلٌ مِن (لَحَقٌّ) . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بَيَّنَ ما هو فَقالَ: ﴿تَخاصُمُ﴾ مُنَوَّنًا، (أهْلُ) رُفِعا بِالمَصْدَرِ المُنَوَّنِ، ولا يُجِيزُ ذَلِكَ الفَرّاءُ، ويُجِيزُهُ سِيبَوَيْهِ والبَصْرِيُّونَ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ﴿تَخاصُمَ أهْلِ﴾، بِنَصْبِ المِيمِ وجَرِّ أهْلِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِذَلِكَ؛ لِأنَّ أسْماءَ الإشارَةِ تُوصَفُ بِأسْماءِ الأجْناسِ. وفِي كِتابِ اللَّوامِحِ: ولَوْ نُصِبَ ﴿تَخاصُمُ أهْلِ النّارِ﴾، لَجازَ عَلى البَدَلِ مِن ذَلِكَ. وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْقَعِ: ﴿تَخاصُمُ﴾: فِعْلًا ماضِيًا، (أهْلُ): فاعِلًا، وسَمّى تَعالى تِلْكَ المُفاوَضَةَ الَّتِي جَرَتْ بَيْنَ رُؤَساءِ الكُفّارِ وأتْباعِهِمْ تَخاصُمًا؛ لِأنَّ قَوْلَهم: ﴿لا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾، وقَوْلَ الأتْباعِ: ﴿بَلْ أنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكُمْ﴾، هو مِن بابِ الخُصُومَةِ، فَسَمّى التَّفاوُضَ كُلَّهُ تَخاصُمًا لِاسْتِعْمالِهِ عَلَيْهِ. (قُلْ): يا مُحَمَّدُ، ﴿إنَّما أنا مُنْذِرٌ﴾ أيْ: مُنْذِرُ المُشْرِكِينَ بِالعَذابِ، وأنَّ اللَّهَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، لا نِدَّ لَهُ ولا شَرِيكَ، وهو الواحِدُ القَهّارُ لِكُلِّ شَيْءٍ، وأنَّهُ مالِكُ العالَمِ، عُلْوِهِ وسُفْلِهِ، (p-٤٠٨)العَزِيزُ الَّذِي لا يُغالَبُ، الغَفّارُ لِذُنُوبِ مَن آمَنَ بِهِ واتَّبَعَ لِدِينِهِ.

ص 38:67

﴿قُلْ هو نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿أنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ ﴿ما كانَ لِيَ مِن عِلْمٍ بِالمَلَإ الأعْلى إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ ﴿إنْ يُوحى إلَيَّ إلّا أنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿إذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ﴾ ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ ﴿فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلُّهم أجْمَعُونَ﴾ ﴿إلّا إبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ ﴿قالَ يا إبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أأسْتَكْبَرْتَ أمْ كُنْتَ مِنَ العالِينَ﴾ ﴿قالَ أنا خَيْرٌ مِنهُ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ ﴿قالَ فاخْرُجْ مِنها فَإنَّكَ رَجِيمٌ﴾ ﴿وإنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إلى يَوْمِ الدِّينِ﴾ ﴿قالَ رَبِّ فَأنْظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ﴿قالَ فَإنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ ﴿إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ﴾ ﴿قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلّا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ ﴿قالَ فالحَقُّ والحَقَّ أقُولُ﴾ ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ ومِمَّنْ تَبِعَكَ مِنهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿قُلْ ما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ وما أنا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ﴾ ﴿إنْ هو إلّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ ﴿ولَتَعْلَمُنَّ نَبَأهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ . الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ هو نَبَأٌ﴾ يَعُودُ عَلى ما أخْبَرَ بِهِ مِن كَوْنِهِ رَسُولًا مُنْذِرًا داعِيًا إلى اللَّهِ، وأنَّهُ تَعالى هو المُنْفَرِدُ بِالأُلُوهِيَّةِ، المُتَّصِفُ بِتِلْكَ الأوْصافِ مِنَ الوَحْدانِيَّةِ والقَهْرِ ومُلْكِ العالَمِ وعِزَّتِهِ وغُفْرانِهِ، وهو خَبَرٌ عَظِيمٌ لا يُعْرِضُ عَنْ مِثْلِهِ إلّا غافِلٌ شَدِيدُ الغَفْلَةِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: النَّبَأُ العَظِيمُ: القُرْآنُ. وقالَ الحَسَنُ: يَوْمُ القِيامَةِ. وقِيلَ: قَصَصُ آدَمَ والإنْباءُ بِهِ مِن غَيْرِ سَماعٍ مِن أحَدٍ. وقالَ صاحِبُ التَّحْرِيرِ: سِياقُ الآيَةِ وظاهِرُها أنَّهُ يُرِيدُ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ هو نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾، ما قَصَّهُ اللَّهُ تَعالى مِن مُناظَرَةِ أهْلِ النّارِ ومُقاوَلَةِ الأتْباعِ مَعَ السّاداتِ؛ لِأنَّهُ مِن أحْوالِ البَعْثِ، وقُرَيْشٌ كانْتَ تُنْكِرُ البَعْثَ والحِسابَ والعِقابَ، وهم عَنْ ذَلِكَ مُعْرِضُونَ. وقَوْلُهُ: ﴿ما كانَ لِيَ مِن عِلْمٍ بِالمَلَإ الأعْلى إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾: احْتِجاجٌ عَلى قُرَيْشٍ بِأنَّ ما جاءَ بِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ لا مِن قِبَلِ نَفْسِهِ. فَإنَّ مَن في الأرْضِ ما لَهُ عِلْمٌ بِمَن في السَّماءِ إلّا بِإعْلامِ اللَّهِ تَعالى؛ وعِلْمُ المُغَيَّباتِ لا يُوصَلُ إلَيْهِ إلّا (p-٤٠٩)بِإعْلامِ اللَّهِ تَعالى، وعِلْمُهُ بِأحْوالِ أهْلِ النّارِ، وابْتِداءِ خَلْقِ آدَمَ لَمْ يَكُنْ عَنْهُ عِلْمٌ بِذَلِكَ؛ فَإخْبارُهُ بِذَلِكَ هو بِإعْلامِ اللَّهِ، والِاسْتِدْلالُ بِقِصَّةِ آدَمَ؛ لِأنَّهُ أوَّلُ البَشَرِ خَلْقًا، وبَيْنَهُ وبَيْنَ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أزْمانٌ مُتَقادِمَةٌ وقُرُونٌ سالِفَةٌ. انْتَهى، وفي آخِرِهِ بَعْضُ اخْتِصارٍ. ثُمَّ احْتَجَّ بِصِحَّةِ نُبُوَّتِهِ، بِأنَّ ما يُنْبِئُ بِهِ عَنِ المَلَأِ الأعْلى واخْتِصامِهِمْ أمْرٌ لَمْ يَكُنْ لَهُ بِهِ مِن عِلْمٍ قَطُّ. ثُمَّ عَلِمَهُ مِن غَيْرِ الطَّرِيقِ الَّذِي يَسْلُكُهُ المُتَعَلِّمُونَ، بَلْ ذَلِكَ مُسْتَفادٌ مِنَ الوَحْيِ، و(بِالمَلَأِ) مُتَعَلِّقٌ بِـ (عِلْمٍ)، و(إذْ) مَنصُوبٌ بِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بِمَحْذُوفٍ؛ لِأنَّ المَعْنى: ما كانَ لِي مِن عِلْمٍ بِكَلامِ المَلَأِ الأعْلى وقْتَ اخْتِصامِهِمْ. (وإذْ قالَ) بَدَلٌ مِن ﴿إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ عَلى المَلَأِ الأعْلى، وهُمُ المَلائِكَةُ، وأبْعَدَ مَن قالَ إنَّهم قُرَيْشٌ، واخْتِصامُ المَلائِكَةِ في أمْرِ آدَمَ وذُرِّيَّتِهِ في جَعْلِهِمْ في الأرْضِ. وقالُوا: ﴿أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها﴾ [البقرة: ٣٠] . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وقالَ الحَسَنُ: إنَّ اللَّهَ خالِقٌ خَلْقًا كُنّا أكْرَمَ مِنهُ وأعْلَمَ. وقِيلَ: في الكَفّاراتِ وغَفْرِ الذُّنُوبِ، فَإنَّ العَبْدَ إذا عَمِلَ حَسَنَةً اخْتَلَفَتِ المَلائِكَةُ في قَدْرِ ثَوابِهِ في ذَلِكَ حَتّى يَقْضِيَ اللَّهُ بِما يَشاءُ. وفي الحَدِيثِ: ”«قالَ لَهُ رَبُّهُ في نَوْمِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: فِيمَ يَخْتَصِمُونَ ؟ فَقُلْتُ: لا أدْرِي، فَقالَ: في الكَفّاراتِ، وفي إسْباغِ الوُضُوءِ في السَّرّاتِ، ونَقْلِ الخُطا إلى الجَماعاتِ“» . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كانَتْ مُقاوَلَةُ اللَّهِ سُبْحانَهُ بِواسِطَةِ مَلَكٍ، وكانَ المُقاوِلُ في الحَقِيقَةِ هو المَلَكُ المُتَوَسِّطُ، فَيَصِحُّ أنَّ التَّقاوُلَ بَيْنَ المَلائِكَةِ وآدَمَ وإبْلِيسَ، وهُمُ المَلَأُ الأعْلى. والمُرادُ بِالِاخْتِصامِ: التَّقاوُلُ. وقِيلَ: المَلَأُ الأعْلى: المَلائِكَةُ، و﴿إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ الضَّمِيرُ فِيهِ لِلْعَرَبِ الكافِرِينَ، فَبَعْضُهم يَقُولُ: هي بَناتُ اللَّهِ، وبَعْضُهم: آلِهَةٌ تُعْبَدُ، وغَيْرُ ذَلِكَ مِن أقْوالِهِمْ. ﴿إنْ يُوحى إلَيَّ﴾ أيْ: ما يُوحى إلَيَّ، ﴿إلّا أنَّما أنا نَذِيرٌ﴾ أيْ: لِلْإنْذارِ، حَذَفَ اللّامَ ووَصَلَ الفِعْلَ والمَفْعُولَ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرًا يَدُلُّ عَلَيْهِ المَعْنى، أيْ: إنْ يُوحى إلَيَّ هو، أيْ: ما يُوحى إلّا الإنْذارُ، وأُقِيمَ إلِيَّ مَقامَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ إنَّما هو المَفْعُولُ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، أيْ: ما يُوحى إلَيَّ إلّا الإنْذارُ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: (إلّا إنَّما) بِكَسْرِ هَمْزَةِ إنَّما عَلى الحِكايَةِ، أيْ: ما يُوحى إلَيَّ إلّا هَذِهِ الجُمْلَةُ، كَأنْ قِيلَ لَهُ: أنْتَ نَذِيرٌ مُبِينٌ، فَحَكى هو المَعْنى، وهَذا كَما يَقُولُ الإنْسانُ: أنا عالِمٌ، فَيُقالُ لَهُ: قُلْتَ إنَّكَ عالِمٌ، فَيُحْكى المَعْنى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقُرِئَ إنَّما بِالكَسْرِ عَلى الحِكايَةِ، أيْ: إلّا هَذا القَوْلُ، وهو أنْ أقُولَ لَكم ﴿إنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾، فَلا أدَّعِي شَيْئًا آخَرَ. انْتَهى. فِي تَخْرِيجِهِ تَعارُضٌ؛ لِأنَّهُ قالَ أيْ: إلّا هَذا القَوْلَ، فَظاهِرُهُ الجُمْلَةُ الَّتِي هي ﴿إنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾، ثُمَّ قالَ: وهو أنْ أقُولَ لَكم إنِّي نَذِيرٌ، فالمَقامُ مَقامُ الفاعِلِ هو أنْ أقُولَ لَكم، وأنْ وما بَعْدَهُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، وعَلى قَوْلِهِ: إلّا هَذا القَوْلَ، يَكُونُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ فَيَتَعارَضا. وتَقَدَّمَ أنَّ (إذْ قالَ) بَدَلٌ مِن ﴿إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ هَذا إذا كانَتِ الخُصُومَةُ في شَأْنِ مَن يُسْتَخْلَفُ في الأرْضِ، وعَلى غَيْرِهِ مِنَ الأقْوالِ يَكُونُ مَنصُوبًا بِاذْكُرْ. ولَمّا كانَتْ قُرَيْشٌ، خالَفُوا الرَّسُولَ، - عَلَيْهِ السَّلامُ -، بِسَبَبِ الحَسَدِ والكِبْرِ. ذَكَرَ حالَ إبْلِيسَ، حَيْثُ خالَفَ أمْرَ اللَّهِ بِسَبَبِ الحَسَدِ والكِبْرِ وما آلَ إلَيْهِ مِنَ اللَّعْنَةِ والطَّرْدِ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ، لِيَزْدَجِرَ عَنْ ذَلِكَ مَن فِيهِ شَيْءٌ مِنهُما. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ صَحَّ أنْ يَقُولَ لَهم: ﴿إنِّي خالِقٌ بَشَرًا﴾، وما عَرَفُوا ما البَشَرُ ولا عَهِدُوا بِهِ قَبْلُ ؟ (قُلْتُ): وجْهُهُ أنْ يَكُونَ قَدْ قالَ لَهم: إنِّي خالِقٌ خَلْقًا مِن صِفَةِ كَيْتَ وكَيْتَ، ولَكِنَّهُ حِينَ حَكاهُ اقْتَصَرَ عَلى الِاسْمِ. انْتَهى. والبَشَرُ هو آدَمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وذَكَرَ هُنا أنَّهُ خَلَقَهُ مِن طِينٍ، وفي آلِ عِمْرانَ: ﴿خَلَقَهُ مِن تُرابٍ﴾ [آل عمران: ٥٩]، وفي الحِجْرِ: ﴿مِن صَلْصالٍ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ [الحجر: ٢٦]، وفي الأنْبِياءِ: ﴿مِن عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧]؛ ولا مُنافاةَ في تِلْكَ المادَّةِ البَعِيدَةِ، وهي التُّرابُ، ثُمَّ ما يَلِيهِ وهو الطِّينُ، ثُمَّ ما يَلِيهِ وهو الحَمَأُ المَسْنُونُ، ثُمَّ المادَّةُ تَلِي الحَمَأ وهو الصَّلْصالُ؛ وأمّا ﴿مِن عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧] فَمَضى تَفْسِيرُهُ. ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ ﴿فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلُّهم أجْمَعُونَ﴾ ﴿إلّا إبْلِيسَ﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذا في الحِجْرِ، وهُنا ﴿اسْتَكْبَرَ وكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾، (p-٤١٠)وفِي البَقَرَةِ: ﴿أبى واسْتَكْبَرَ وكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ [البقرة: ٣٤]، وفي الأعْرافِ: ﴿لَمْ يَكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ﴾ [الأعراف: ١١]، وفي الحِجْرِ: ﴿أبى أنْ يَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٣١]، وفي الإسْراءِ: ﴿قالَ أأسْجُدُ لِمَن خَلَقْتَ طِينًا﴾ [الإسراء: ٦١]، وفي الكَهْفِ: ﴿كانَ مِنَ الجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ٥٠] . والِاسْتِثْناءُ في جَمِيعِ هَذِهِ الآياتِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمْ يَسْجُدْ، فَتارَةً أكَّدَ بِالنَّفْيِّ المَحْضِ، وتارَةً ذَكَرَ إبايَتَهُ عَنِ السُّجُودِ، وهي الأنَفَةُ مِن ذَلِكَ، وتارَةً نَصَّ عَلى أنَّ ذَلِكَ الِامْتِناعَ كانَ سَبَبُهُ الِاسْتِكْبارَ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ أُرِيدَ بِهِ كُفْرُهُ ذَلِكَ الوَقْتَ، وإنْ لَمْ يَكُنْ قَبْلَهُ كافِرًا؛ وعُطِفَ عَلى اسْتَكْبَرَ، فَقَوِيَ ذَلِكَ؛ لِأنَّ الِاسْتِكْبارَ عَنِ السُّجُودِ إنَّما حَصَلَ لَهُ وقْتَ الأمْرِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إخْبارًا مِنهُ بِسَبْقِ كُفْرِهِ في الأزْمِنَةِ الماضِيَةِ في عِلْمِ اللَّهِ. ﴿قالَ يا إبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ﴾، وفي الأعْرافِ: ﴿ما مَنَعَكَ ألّا تَسْجُدَ﴾ [الأعراف: ١٢]، فَدَلَّ أنْ تَسْجُدَ هُنا، عَلى أنَّ لا في ﴿أنْ لا أقُولَ﴾ [الأعراف: ١٠٥] زائِدَةٌ، والمَعْنى أيْضًا يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ لا يَسْتَفْهِمُ إلّا عَنِ المانِعِ مِنَ السُّجُودِ، وهو اسْتِفْهامُ تَقْرِيرٍ وتَوْبِيخٍ. وما في ﴿لِما خَلَقْتُ﴾، اسْتَدَلَّ بِها مَن يُجِيزُ إطْلاقَ ما عَلى آحادِ مَن يَعْقِلُ، وأوَّلَ بِأنَّ ما مَصْدَرِيَّةٌ، والمَصْدَرُ يُرادُ بِهِ المَخْلُوقُ، لا حَقِيقَةُ المَصْدَرِ. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ: (لَمّا) بِفَتْحِ اللّامِ وتَشْدِيدِ المِيمِ، ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾، عَلى الإفْرادِ؛ والجُمْهُورُ: عَلى التَّثْنِيَةِ؛ وقُرِئَ ﴿بِيَدَيَّ﴾ كَقِراءَةِ ﴿بِمُصْرِخِيَّ﴾ [إبراهيم: ٢٢]؛ وقالَ تَعالى: ﴿مِمّا عَمِلَتْ أيْدِينا﴾ [يس: ٧١] بِالجَمْعِ، وكُلُّها عِبارَةٌ عَنِ القُدْرَةِ والقُوَّةِ، وعَبَّرَ بِاليَدِ، إذْ كانَ عِنْدَ البَشَرِ مُعْتادًا أنَّ البَطْشَ والقُوَّةَ بِاليَدِ. وذَهَبَ القاضِي أبُو بَكْرِ بْنُ الطَّيِّبِ إلى أنَّ اليَدَ صِفَةُ ذاتٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهو قَوْلٌ مَرْغُوبٌ عَنْهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (أسْتَكْبَرْتَ)، بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، فَأمْ مُتَّصِلَةٌ عادَلَتِ الهَمْزَةَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ النَّحْوِيِّينَ إلى أنَّ أمْ لا تَكُونُ مُعادِلَةً لِلْألِفِ مَعَ اخْتِلافِ الفِعْلَيْنِ، وإنَّما تَكُونُ مُعادِلَةً إذا دَخَلَتا عَلى فِعْلٍ واحِدٍ، كَقَوْلِكَ: أزَيْدٌ قامَ أمْ عَمْرٌو ؟ وقَوْلُكَ: أقامَ زَيْدٌ أمْ عَمْرٌو ؟ فَإذا اخْتَلَفَ الفِعْلانِ كَهَذِهِ الآيَةِ، فَلَيْسَتْ مُعادِلَةً. ومَعْنى الآيَةِ: أحَدَثَ لَكَ الِاسْتِكْبارُ الآنَ، أمْ كُنْتَ قَدِيمًا مِمَّنْ لا يَلِيقُ أنْ تُكَلَّفَ مِثْلَ هَذا لِعُلُوِّ مَكانِكَ ؟ وهَذا عَلى جِهَةِ التَّوْبِيخِ. انْتَهى. وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ النَّحْوِيِّينَ مَذْهَبٌ غَيْرُ صَحِيحٍ. قالَ سِيبَوَيْهِ: وتَقُولُ أضْرَبْتَ زَيْدًا أمْ قَتَلْتَهُ فالبَدْءُ هُنا بِالفِعْلِ أحْسَنُ؛ لِأنَّكَ إنَّما تَسْألُ عَنْ أحَدِهِما، لا تَدْرِي أيُّهُما كانَ، ولا تَسْألُ عَنْ مَوْضِعِ أحَدِهِما، كَأنَّكَ قُلْتَ: أيُّ ذَلِكَ كانَ ؟ انْتَهى. فَعادَلَ بِأمِ الألِفَ مَعَ اخْتِلافِ الفِعْلَيْنِ. ﴿مِنَ العالِينَ﴾: مِمَّنْ عَلَوْتَ وفُقْتَ. فَأجابَ بِأنَّهُ مِنَ العالِينَ، حَيْثُ قالَ ﴿أنا خَيْرٌ مِنهُ﴾ . وقِيلَ: أسْتَكْبَرْتَ الآنَ، أوْ لَمْ تَزَلْ مُذْ كُنْتَ مِنَ المُسْتَكْبِرِينَ ؟ ومَعْنى الهَمْزَةِ: التَّقْرِيرُ. انْتَهى. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ، مِنهُمُ ابْنُ كَثِيرٍ وغَيْرُهُ: (اسْتَكْبَرْتَ)، بِصِلَةِ الألِفِ، وهي قِراءَةُ أهْلِ مَكَّةَ، ولَيْسَتْ في مَشْهُورِ ابْنِ كَثِيرٍ، فاحْتُمِلَ أنْ تَكُونَ هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ حُذِفَتْ لِدَلالَةِ أمْ عَلَيْها، كَقَوْلِهِ: ؎بِسَبْعٍ رَمَيْنَ الجَمْرَ أمْ بِثَمانِ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ إخْبارًا خاطَبَهُ بِذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّقْرِيعِ، وأمْ تَكُونُ مُنْقَطِعَةً، والمَعْنى: بَلْ أنْتَ مِنَ العالِينَ عِنْدَ نَفْسِكَ اسْتِخْفافًا بِهِ. ﴿قالَ أنا خَيْرٌ مِنهُ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ذَلِكَ في الأعْرافِ. ﴿قالَ فاخْرُجْ مِنها﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مِثْلِ ذَلِكَ في الحِجْرِ، إلّا أنَّ هُنا ﴿لَعْنَتِي﴾ وهُناكَ (اللَّعْنَةُ) أعَمُّ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ ويَلْعَنُهُمُ اللّاعِنُونَ﴾ [البقرة: ١٥٩] وأمّا بِالإضافَةِ، فالعُمُومُ في اللَّعْنَةِ أعَمُّ، واللَّعَناتُ إنَّما تَحْصُلُ مِن جِهَةِ أنَّ مَن عَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ كانَتْ عَلَيْهِ لَعْنَةُ كُلِّ لاعِنٍ، هَذا مِن جِهَةِ المَعْنى، وأمّا بِاللَّفْظِ فَيَقْتَضِي التَّخْصِيصَ. ﴿قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ﴾: أقْسَمَ إبْلِيسُ هُنا بِعِزَّةِ اللَّهِ، وقالَ في الأعْرافِ: ﴿فَبِما أغْوَيْتَنِي لَأقْعُدَنَّ﴾ [الأعراف: ١٦]، وفي الحِجْرِ: ﴿رَبِّ بِما أغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ﴾ [الحجر: ٣٩] . وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِما في مَوْضِعِهِما، وإنَّ مِنَ المُفَسِّرِينَ مَن قالَ: إنَّ الباءَ في: ﴿بِما أغْوَيْتَنِي﴾ [الحجر: ٣٩] وفي: ﴿فَبِما أغْوَيْتَنِي﴾ [الأعراف: ١٦] لَيْسَتْ باءَ القَسَمِ. فَإنْ كانَتْ باءَ القَسَمِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ في مَوْطِنَيْنِ: فَهُنا: ﴿لَأُغْوِيَنَّهُمْ﴾، وفي الأعْرافِ: ﴿لَأقْعُدَنَّ﴾ [الأعراف: ١٦]، وفي الحِجْرِ: ﴿لَأُزَيِّنَنَّ﴾ [الحجر: ٣٩] . (p-٤١١)وقَرَأ الجُمْهُورُ: (فالحَقَّ والحَقَّ) بِنَصْبِهِما. أمّا الأوَّلُ فَمُقْسَمٌ بِهِ، حُذِفَ مِنهُ الحَرْفُ كَقَوْلِهِ: (أمانَةَ اللَّهِ لَأقُومَنَّ)، والمُقْسَمُ عَلَيْهِ (لَأمْلَأنَّ) . ﴿والحَقَّ أقُولُ﴾: اعْتِراضٌ بَيْنَ القَسَمِ وجَوابِهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومَعْناهُ: ولا أقُولُ إلّا الحَقَّ. انْتَهى؛ لِأنَّ عِنْدَهُ تَقُدُّمَ المَفْعُولِ يُفِيدُ الحَصْرَ. والحَقُّ المُقْسَمُ بِهِ إمّا اسْمُهُ تَعالى الَّذِي في قَوْلِهِ: ﴿أنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ المُبِينُ﴾ [النور: ٢٥]، أوِ الَّذِي هو نَقِيضُ الباطِلِ. وقِيلَ: ﴿فالحَقُّ﴾ مَنصُوبٌ عَلى الإغْراءِ، أيْ: فالزَمُوا الحَقَّ، و(لَأمْلَأنَّ): جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ. وقالَ الفَرّاءُ: هو عَلى مَعْنى قَوْلِكَ: حَقًّا لا شَكَّ، ووُجُودُ الألِفِ واللّامِ وطَرْحُهُما سَواءٌ، أيْ: لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ حَقًّا. انْتَهى. وهَذا المَصْدَرُ الجائِي تَوْكِيدًا لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ، لا يَجُوزُ تَقْدِيمُهُ عِنْدَ جُمْهُورِ النُّحاةِ، وذَلِكَ مَخْصُوصٌ بِالجُمْلَةِ الَّتِي جُزْآها مَعْرِفَتانِ جامِدَتانِ جُمُودًا مَحْضًا. وقالَ صاحِبُ البَسِيطِ: وقَدْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخَبَرُ نَكِرَةً، قالَ: والمُبْتَدَأُ يَكُونُ ضَمِيرًا نَحْوَ: هو زَيْدٌ مَعْرُوفًا، وهو الحَقُّ بَيِّنًا، وأنا الأمِيرُ مُفْتَخِرًا؛ ويَكُونُ ظاهِرًا كَقَوْلِكَ: زِيدٌ أبُوكَ عَطُوفًا، وأخُوكَ زَيْدٌ مَعْرُوفًا. انْتَهى. وقالَتِ العَرَبُ: زَيْدٌ قائِمٌ غَيْرَ ذِي شَكٍّ، فَجاءَتِ الحالُ بَعْدَ جُمْلَةٍ، والخَبَرُ نَكِرَةً، وهي حالٌ مُؤَكِّدَةٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ، وكَأنَّ الفَرّاءَ لَمْ يَشْتَرِطْ هَذا الَّذِي ذَكَرَهُ أصْحابُنا مِن كَوْنِ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ مَعْرُوفَيْنِ جامِدَيْنِ؛ لِأنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ تَأْكِيدِ مَضْمُونِ الجُمْلَةِ الِابْتِدائِيَّةِ وبَيْنَ تَأْكِيدِ الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ. وقِيلَ: التَّقْدِيرُ فالحَقُّ الحَقُّ، أيْ أفْعَلُهُ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والأعْمَشُ: بِالرَّفْعِ فِيهِما، فالأوَّلُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، قِيلَ: تَقْدِيرُهُ فالحَقُّ أنا، وقِيلَ: فالحَقُّ مِنِّي، وقِيلَ: تَقْدِيرُهُ فالحَقُّ قَسَمِي، وحُذِفَ كَما حُذِفَ في: لَعَمْرُكَ لَأقُومَنَّ، وفي: يَمِينُ اللَّهِ أبْرَحُ قاعِدًا، أيْ لَعَمْرُكَ قَسَمِي ويَمِينُ اللَّهِ قَسَمِي، وهَذِهِ الجُمْلَةُ هي جُمْلَةُ القَسَمِ، وجَوابُهُ: لَأمْلَأنَّ. وأمّا (والحَقُّ أقُولُ) فَمُبْتَدَأٌ أيْضًا، خَبَرُهُ الجُمْلَةُ، وحُذِفَ العائِدُ، كَقِراءَةِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿وكُلًّا وعَدَ اللَّهُ الحُسْنى﴾ [النساء: ٩٥] . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أمّا الأوَّلُ فَرُفِعَ عَلى الِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ في قَوْلِهِ: ﴿لَأمْلَأنَّ﴾؛ لِأنَّ المَعْنى: أنْ أمْلَأ. انْتَهى. وهَذا لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّ لَأمْلَأنَّ جَوابُ قَسَمٍ، ويَجِبُ أنْ يَكُونَ جُمْلَةً، فَلا يَتَقَدَّرُ بِمُفْرَدٍ. وأيْضًا لَيْسَ مَصْدَرًا مُقَدَّرًا بِحَرْفٍ مَصْدَرِيٍّ والفِعْلِ حَتّى يَنْحَلَّ إلَيْهِما، ولَكِنَّهُ لَمّا صَحَّ لَهُ إسْنادُ ما قُدِّرَ إلى المُبْتَدَأِ حُكِمَ أنَّهُ خَبَرٌ عَنْهُ. وقَرَأ الحَسَنُ، وعِيسى، و عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي حَمّادٍ عَنْ أبِي بَكْرٍ: بِجَرِّهِمْ، ويَخْرُجُ عَلى أنَّ الأوَّلَ مَجْرُورٌ بِواوِ القَسَمِ مَحْذُوفَةً، تَقْدِيرُهُ: فَوالحَقِّ، والحَقِّ مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ، كَما تَقُولُ: واللَّهِ واللَّهِ لَأقُومَنَّ، و(أقُولُ) اعْتِراضٌ بَيْنَ القَسَمِ وجَوابِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿والحَقَّ أقُولُ﴾: أيْ: ولا أقُولُ إلّا الحَقَّ عَلى حِكايَةِ لَفْظِ المُقْسَمَ بِهِ، ومَعْناهُ التَّوْكِيدُ والتَّسْدِيدُ، وهَذا الوَجْهُ جائِزٌ في المَنصُوبِ والمَرْفُوعِ، وهو وجْهٌ دَقِيقٌ حَسَنٌ. انْتَهى. ومُلَخَّصُهُ أنَّهُ أعْمَلَ القَوْلَ في لَفْظِ المُقْسَمِ بِهِ عَلى سَبِيلِ الحِكايَةِ نَصْبًا أوْ رَفْعًا أوْ جَرًّا. وقَرَأ مُجاهِدٌ، والأعْمَشُ: بِخِلافٍ عَنْهُما؛ وأبانُ بْنُ تَغْلَبَ، وطَلْحَةُ في رِوايَةٍ، وحَمْزَةُ، وعاصِمٌ، عَنِ المُفَضَّلِ، وخَلَفٍ، والعَبْسِيِّ: بِرَفْعِ ﴿فالحَقُّ﴾ ونَصْبِ ﴿والحَقَّ﴾، وتَقَدَّمَ إعْرابُهُما. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: (أجْمَعِينَ) تَأْكِيدٌ لِلْمُحَدَّثِ عَنْهُ والمَعْطُوفُ عَلَيْهِ، وهو ضَمِيرُ إبْلِيسَ ومَن عُطِفَ عَلَيْهِ، أيْ مِنكَ ومِن تابِعِيكِ أجْمَعِينَ. وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ أجْمَعِينَ تَأْكِيدًا لِلضَّمِيرِ الَّذِي في مِنهم، مُقَدَّرٌ، لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الشَّياطِينِ ومِمَّنْ تَبِعَهم مِن جَمِيعِ النّاسِ، لا تَفاوُتَ في ذَلِكَ بَيْنَ ناسٍ وناسٍ بَعْدَ وُجُودِ الأتْباعِ مِنهم مِن أوْلادِ الأنْبِياءِ وغَيْرِهِمْ. انْتَهى. والضَّمِيرُ في (عَلَيْهِ) عائِدٌ عَلى القُرْآنِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقِيلَ: عائِدٌ عَلى الوَحْيِ. وقِيلَ: عَلى الدُّعاءِ إلى اللَّهِ. ﴿وما أنا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ﴾: أيِ المُتَصَنِّعِينَ المُتَحَلِّينَ بِما لَيْسُوا مِن أهْلِهِ، فَأنْتَحَلُ النُّبُوَّةَ والقَوْلَ عَلى اللَّهِ. (إنْ هو) أيِ: القُرْآنُ، ﴿إلّا ذِكْرٌ﴾: أيْ: مِنَ اللَّهِ، ﴿لِلْعالَمِينَ﴾: الثَّقَلَيْنِ الإنْسِ والجِنِّ. ﴿ولَتَعْلَمُنَّ نَبَأهُ﴾: أيْ عاقِبَةَ خَبَرِهِ لِمَن آمَنَ بِهِ ومَن أعْرَضَ عَنْهُ، ﴿بَعْدَ حِينٍ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ وابْنُ زَيْدٍ: يَعْنِي يَوْمَ القِيامَةِ. وقالَ قَتادَةُ، والفَرّاءُ، والزَّجّاجُ: بَعْدَ المَوْتِ. وكانَ الحَسَنُ يَقُولُ: يا ابْنَ آدَمَ، عِنْدَ المَوْتِ (p-٤١٢)يَأْتِيكَ الخَبَرُ اليَقِينُ. وقِيلَ: المَعْنى لَيَظْهَرَنَّ لَكم حَقِيقَةُ ما أقُولُ. ﴿بَعْدَ حِينٍ﴾ أيْ: في المُسْتَأْنَفِ، إذا أخَذَتْكم سُيُوفُ المُسْلِمِينَ، وذَلِكَ يَوْمَ بَدْرٍ، وأشارَ إلى ذَلِكَ السُّدِّيُّ. * * سُورَةُ الزُّمَرِ خَمْسٌ وسَبْعُونَ آيَةً، مَكِّيَّةٌ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ [الزمر: ١] ﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ فاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر: ٢] ﴿ألا لِلَّهِ الدِّينُ الخالِصُ والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى إنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهم في ما هم فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن هو كاذِبٌ كَفّارٌ﴾ [الزمر: ٣] ﴿لَوْ أرادَ اللَّهُ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا لاصْطَفى مِمّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ سُبْحانَهُ هو اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ [الزمر: ٤] ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلى النَّهارِ ويُكَوِّرُ النَّهارَ عَلى اللَّيْلِ وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأجَلٍ مُسَمًّى ألا هو العَزِيزُ الغَفّارُ﴾ [الزمر: ٥] ﴿خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنها زَوْجَها وأنْزَلَ لَكم مِنَ الأنْعامِ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ يَخْلُقُكم في بُطُونِ أُمَّهاتِكم خَلْقًا مِن بَعْدِ خَلْقٍ في ظُلُماتٍ ثَلاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم لَهُ المُلْكُ لا إلَهَ إلّا هو فَأنّى تُصْرَفُونَ﴾ [الزمر: ٦] ﴿إنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكم ولا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ وإنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكم ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ثُمَّ إلى رَبِّكم مَرْجِعُكم فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ [الزمر: ٧] ﴿وإذا مَسَّ الإنْسانَ ضُرٌّ دَعا رَبَّهُ مُنِيبًا إلَيْهِ ثُمَّ إذا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنهُ نَسِيَ ما كانَ يَدْعُو إلَيْهِ مِن قَبْلُ وجَعَلَ لِلَّهِ أنْدادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إنَّكَ مِن أصْحابِ النّارِ﴾ [الزمر: ٨] ﴿أمْ مَن هو قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِدًا وقائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ ويَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبابِ﴾ [الزمر: ٩] ﴿قُلْ يا عِبادِي الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكم لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وأرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ إنَّما يُوَفّى الصّابِرُونَ أجْرَهم بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ [الزمر: ١٠] ﴿قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر: ١١] ﴿وأُمِرْتُ لِأنْ أكُونَ أوَّلَ المُسْلِمِينَ﴾ [الزمر: ١٢] ﴿قُلْ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الزمر: ١٣] ﴿قُلِ اللَّهَ أعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ [الزمر: ١٤] ﴿فاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِن دُونِهِ قُلْ إنَّ الخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ ألا ذَلِكَ هو الخُسْرانُ المُبِينُ﴾ [الزمر: ١٥] ﴿لَهم مِن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النّارِ ومِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ يا عِبادِ فاتَّقُونِ﴾ [الزمر: ١٦] ﴿والَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ أنْ يَعْبُدُوها وأنابُوا إلى اللَّهِ لَهُمُ البُشْرى فَبَشِّرْ عِبادِي﴾ [الزمر: ١٧] ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وأُولَئِكَ هم أُولُو الألْبابِ﴾ [الزمر: ١٨] ﴿أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ أفَأنْتَ تُنْقِذُ مَن في النّارِ﴾ [الزمر: ١٩] ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم لَهم غُرَفٌ مِن فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ وعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ المِيعادَ﴾ [الزمر: ٢٠] ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ في الأرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا ألْوانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطامًا إنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرى لِأُولِي الألْبابِ﴾ [الزمر: ٢١] ﴿أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ فَهو عَلى نُورٍ مِن رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهم مِن ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الزمر: ٢٢] ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ كِتابًا مُتَشابِهًا مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهم وقُلُوبُهم إلى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشاءُ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ [الزمر: ٢٣] ﴿أفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ وقِيلَ لِلظّالِمِينَ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ [الزمر: ٢٤] ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأتاهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ [الزمر: ٢٥] ﴿فَأذاقَهُمُ اللَّهُ الخِزْيَ في الحَياةِ الدُّنْيا ولَعَذابُ الآخِرَةِ أكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٢٦] ﴿ولَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ [الزمر: ٢٧] ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ [الزمر: ٢٨] ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ ورَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا الحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٢٩] ﴿إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهم مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠] ﴿ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكم تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر: ٣١] . (p-٤١٣)التَّكْوِيرُ: اللَّفُّ واللَّيُّ، يُقالُ: كارَ العِمامَةَ عَلى رَأْسِهِ وكَوَّرَها. خَوَّلَهُ النِّعْمَةَ أيْ: أعْطاهُ ابْتِداءً مِن غَيْرِ مُجازاةٍ، ولا يُقالُ في الجَزاءِ خَوَّلَ. قالَ زُهَيْرٌ: ؎هُنالِكَ إنْ يُسْتَخْوَلُوا المالَ يُخَوَّلُوا ويُرْوى: يُسْتَخْيَلُوا المالَ يُخَيَّلُوا وقالَ أبُو النَّجْمِ: ؎أعْطى فَلَمْ يَبْخَلْ ولَمْ يُبَخِّلْ ∗∗∗ كَوْمَ الذُّرى مِن خَوَلِ المَخْوِلِ هاجَ الزَّرْعُ: ثارَ مِن مَنابِتِهِ، وقِيلَ: يَبِسَ. الحُطامُ: الفُتاتُ بَعْدَ يُبْسِهِ. القُشَعْرِيرَةُ: تَقَبُّضُ الجِلْدِ، يُقالُ: اقْشَعَرَّ جِلْدُهُ مِنَ الخَوْفِ: وقَفَ شَعْرُهُ، وهو مَثَلٌ في شِدَّةِ الخَوْفِ. الشِّكاسَةُ: سُوءُ الخُلُقِ وعُسْرُهُ.

ص 38:68

﴿قُلْ هو نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿أنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ ﴿ما كانَ لِيَ مِن عِلْمٍ بِالمَلَإ الأعْلى إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ ﴿إنْ يُوحى إلَيَّ إلّا أنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿إذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ﴾ ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ ﴿فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلُّهم أجْمَعُونَ﴾ ﴿إلّا إبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ ﴿قالَ يا إبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أأسْتَكْبَرْتَ أمْ كُنْتَ مِنَ العالِينَ﴾ ﴿قالَ أنا خَيْرٌ مِنهُ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ ﴿قالَ فاخْرُجْ مِنها فَإنَّكَ رَجِيمٌ﴾ ﴿وإنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إلى يَوْمِ الدِّينِ﴾ ﴿قالَ رَبِّ فَأنْظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ﴿قالَ فَإنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ ﴿إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ﴾ ﴿قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلّا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ ﴿قالَ فالحَقُّ والحَقَّ أقُولُ﴾ ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ ومِمَّنْ تَبِعَكَ مِنهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿قُلْ ما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ وما أنا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ﴾ ﴿إنْ هو إلّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ ﴿ولَتَعْلَمُنَّ نَبَأهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ . الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ هو نَبَأٌ﴾ يَعُودُ عَلى ما أخْبَرَ بِهِ مِن كَوْنِهِ رَسُولًا مُنْذِرًا داعِيًا إلى اللَّهِ، وأنَّهُ تَعالى هو المُنْفَرِدُ بِالأُلُوهِيَّةِ، المُتَّصِفُ بِتِلْكَ الأوْصافِ مِنَ الوَحْدانِيَّةِ والقَهْرِ ومُلْكِ العالَمِ وعِزَّتِهِ وغُفْرانِهِ، وهو خَبَرٌ عَظِيمٌ لا يُعْرِضُ عَنْ مِثْلِهِ إلّا غافِلٌ شَدِيدُ الغَفْلَةِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: النَّبَأُ العَظِيمُ: القُرْآنُ. وقالَ الحَسَنُ: يَوْمُ القِيامَةِ. وقِيلَ: قَصَصُ آدَمَ والإنْباءُ بِهِ مِن غَيْرِ سَماعٍ مِن أحَدٍ. وقالَ صاحِبُ التَّحْرِيرِ: سِياقُ الآيَةِ وظاهِرُها أنَّهُ يُرِيدُ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ هو نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾، ما قَصَّهُ اللَّهُ تَعالى مِن مُناظَرَةِ أهْلِ النّارِ ومُقاوَلَةِ الأتْباعِ مَعَ السّاداتِ؛ لِأنَّهُ مِن أحْوالِ البَعْثِ، وقُرَيْشٌ كانْتَ تُنْكِرُ البَعْثَ والحِسابَ والعِقابَ، وهم عَنْ ذَلِكَ مُعْرِضُونَ. وقَوْلُهُ: ﴿ما كانَ لِيَ مِن عِلْمٍ بِالمَلَإ الأعْلى إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾: احْتِجاجٌ عَلى قُرَيْشٍ بِأنَّ ما جاءَ بِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ لا مِن قِبَلِ نَفْسِهِ. فَإنَّ مَن في الأرْضِ ما لَهُ عِلْمٌ بِمَن في السَّماءِ إلّا بِإعْلامِ اللَّهِ تَعالى؛ وعِلْمُ المُغَيَّباتِ لا يُوصَلُ إلَيْهِ إلّا (p-٤٠٩)بِإعْلامِ اللَّهِ تَعالى، وعِلْمُهُ بِأحْوالِ أهْلِ النّارِ، وابْتِداءِ خَلْقِ آدَمَ لَمْ يَكُنْ عَنْهُ عِلْمٌ بِذَلِكَ؛ فَإخْبارُهُ بِذَلِكَ هو بِإعْلامِ اللَّهِ، والِاسْتِدْلالُ بِقِصَّةِ آدَمَ؛ لِأنَّهُ أوَّلُ البَشَرِ خَلْقًا، وبَيْنَهُ وبَيْنَ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أزْمانٌ مُتَقادِمَةٌ وقُرُونٌ سالِفَةٌ. انْتَهى، وفي آخِرِهِ بَعْضُ اخْتِصارٍ. ثُمَّ احْتَجَّ بِصِحَّةِ نُبُوَّتِهِ، بِأنَّ ما يُنْبِئُ بِهِ عَنِ المَلَأِ الأعْلى واخْتِصامِهِمْ أمْرٌ لَمْ يَكُنْ لَهُ بِهِ مِن عِلْمٍ قَطُّ. ثُمَّ عَلِمَهُ مِن غَيْرِ الطَّرِيقِ الَّذِي يَسْلُكُهُ المُتَعَلِّمُونَ، بَلْ ذَلِكَ مُسْتَفادٌ مِنَ الوَحْيِ، و(بِالمَلَأِ) مُتَعَلِّقٌ بِـ (عِلْمٍ)، و(إذْ) مَنصُوبٌ بِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بِمَحْذُوفٍ؛ لِأنَّ المَعْنى: ما كانَ لِي مِن عِلْمٍ بِكَلامِ المَلَأِ الأعْلى وقْتَ اخْتِصامِهِمْ. (وإذْ قالَ) بَدَلٌ مِن ﴿إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ عَلى المَلَأِ الأعْلى، وهُمُ المَلائِكَةُ، وأبْعَدَ مَن قالَ إنَّهم قُرَيْشٌ، واخْتِصامُ المَلائِكَةِ في أمْرِ آدَمَ وذُرِّيَّتِهِ في جَعْلِهِمْ في الأرْضِ. وقالُوا: ﴿أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها﴾ [البقرة: ٣٠] . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وقالَ الحَسَنُ: إنَّ اللَّهَ خالِقٌ خَلْقًا كُنّا أكْرَمَ مِنهُ وأعْلَمَ. وقِيلَ: في الكَفّاراتِ وغَفْرِ الذُّنُوبِ، فَإنَّ العَبْدَ إذا عَمِلَ حَسَنَةً اخْتَلَفَتِ المَلائِكَةُ في قَدْرِ ثَوابِهِ في ذَلِكَ حَتّى يَقْضِيَ اللَّهُ بِما يَشاءُ. وفي الحَدِيثِ: ”«قالَ لَهُ رَبُّهُ في نَوْمِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: فِيمَ يَخْتَصِمُونَ ؟ فَقُلْتُ: لا أدْرِي، فَقالَ: في الكَفّاراتِ، وفي إسْباغِ الوُضُوءِ في السَّرّاتِ، ونَقْلِ الخُطا إلى الجَماعاتِ“» . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كانَتْ مُقاوَلَةُ اللَّهِ سُبْحانَهُ بِواسِطَةِ مَلَكٍ، وكانَ المُقاوِلُ في الحَقِيقَةِ هو المَلَكُ المُتَوَسِّطُ، فَيَصِحُّ أنَّ التَّقاوُلَ بَيْنَ المَلائِكَةِ وآدَمَ وإبْلِيسَ، وهُمُ المَلَأُ الأعْلى. والمُرادُ بِالِاخْتِصامِ: التَّقاوُلُ. وقِيلَ: المَلَأُ الأعْلى: المَلائِكَةُ، و﴿إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ الضَّمِيرُ فِيهِ لِلْعَرَبِ الكافِرِينَ، فَبَعْضُهم يَقُولُ: هي بَناتُ اللَّهِ، وبَعْضُهم: آلِهَةٌ تُعْبَدُ، وغَيْرُ ذَلِكَ مِن أقْوالِهِمْ. ﴿إنْ يُوحى إلَيَّ﴾ أيْ: ما يُوحى إلَيَّ، ﴿إلّا أنَّما أنا نَذِيرٌ﴾ أيْ: لِلْإنْذارِ، حَذَفَ اللّامَ ووَصَلَ الفِعْلَ والمَفْعُولَ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرًا يَدُلُّ عَلَيْهِ المَعْنى، أيْ: إنْ يُوحى إلَيَّ هو، أيْ: ما يُوحى إلّا الإنْذارُ، وأُقِيمَ إلِيَّ مَقامَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ إنَّما هو المَفْعُولُ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، أيْ: ما يُوحى إلَيَّ إلّا الإنْذارُ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: (إلّا إنَّما) بِكَسْرِ هَمْزَةِ إنَّما عَلى الحِكايَةِ، أيْ: ما يُوحى إلَيَّ إلّا هَذِهِ الجُمْلَةُ، كَأنْ قِيلَ لَهُ: أنْتَ نَذِيرٌ مُبِينٌ، فَحَكى هو المَعْنى، وهَذا كَما يَقُولُ الإنْسانُ: أنا عالِمٌ، فَيُقالُ لَهُ: قُلْتَ إنَّكَ عالِمٌ، فَيُحْكى المَعْنى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقُرِئَ إنَّما بِالكَسْرِ عَلى الحِكايَةِ، أيْ: إلّا هَذا القَوْلُ، وهو أنْ أقُولَ لَكم ﴿إنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾، فَلا أدَّعِي شَيْئًا آخَرَ. انْتَهى. فِي تَخْرِيجِهِ تَعارُضٌ؛ لِأنَّهُ قالَ أيْ: إلّا هَذا القَوْلَ، فَظاهِرُهُ الجُمْلَةُ الَّتِي هي ﴿إنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾، ثُمَّ قالَ: وهو أنْ أقُولَ لَكم إنِّي نَذِيرٌ، فالمَقامُ مَقامُ الفاعِلِ هو أنْ أقُولَ لَكم، وأنْ وما بَعْدَهُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، وعَلى قَوْلِهِ: إلّا هَذا القَوْلَ، يَكُونُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ فَيَتَعارَضا. وتَقَدَّمَ أنَّ (إذْ قالَ) بَدَلٌ مِن ﴿إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ هَذا إذا كانَتِ الخُصُومَةُ في شَأْنِ مَن يُسْتَخْلَفُ في الأرْضِ، وعَلى غَيْرِهِ مِنَ الأقْوالِ يَكُونُ مَنصُوبًا بِاذْكُرْ. ولَمّا كانَتْ قُرَيْشٌ، خالَفُوا الرَّسُولَ، - عَلَيْهِ السَّلامُ -، بِسَبَبِ الحَسَدِ والكِبْرِ. ذَكَرَ حالَ إبْلِيسَ، حَيْثُ خالَفَ أمْرَ اللَّهِ بِسَبَبِ الحَسَدِ والكِبْرِ وما آلَ إلَيْهِ مِنَ اللَّعْنَةِ والطَّرْدِ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ، لِيَزْدَجِرَ عَنْ ذَلِكَ مَن فِيهِ شَيْءٌ مِنهُما. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ صَحَّ أنْ يَقُولَ لَهم: ﴿إنِّي خالِقٌ بَشَرًا﴾، وما عَرَفُوا ما البَشَرُ ولا عَهِدُوا بِهِ قَبْلُ ؟ (قُلْتُ): وجْهُهُ أنْ يَكُونَ قَدْ قالَ لَهم: إنِّي خالِقٌ خَلْقًا مِن صِفَةِ كَيْتَ وكَيْتَ، ولَكِنَّهُ حِينَ حَكاهُ اقْتَصَرَ عَلى الِاسْمِ. انْتَهى. والبَشَرُ هو آدَمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وذَكَرَ هُنا أنَّهُ خَلَقَهُ مِن طِينٍ، وفي آلِ عِمْرانَ: ﴿خَلَقَهُ مِن تُرابٍ﴾ [آل عمران: ٥٩]، وفي الحِجْرِ: ﴿مِن صَلْصالٍ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ [الحجر: ٢٦]، وفي الأنْبِياءِ: ﴿مِن عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧]؛ ولا مُنافاةَ في تِلْكَ المادَّةِ البَعِيدَةِ، وهي التُّرابُ، ثُمَّ ما يَلِيهِ وهو الطِّينُ، ثُمَّ ما يَلِيهِ وهو الحَمَأُ المَسْنُونُ، ثُمَّ المادَّةُ تَلِي الحَمَأ وهو الصَّلْصالُ؛ وأمّا ﴿مِن عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧] فَمَضى تَفْسِيرُهُ. ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ ﴿فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلُّهم أجْمَعُونَ﴾ ﴿إلّا إبْلِيسَ﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذا في الحِجْرِ، وهُنا ﴿اسْتَكْبَرَ وكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾، (p-٤١٠)وفِي البَقَرَةِ: ﴿أبى واسْتَكْبَرَ وكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ [البقرة: ٣٤]، وفي الأعْرافِ: ﴿لَمْ يَكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ﴾ [الأعراف: ١١]، وفي الحِجْرِ: ﴿أبى أنْ يَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٣١]، وفي الإسْراءِ: ﴿قالَ أأسْجُدُ لِمَن خَلَقْتَ طِينًا﴾ [الإسراء: ٦١]، وفي الكَهْفِ: ﴿كانَ مِنَ الجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ٥٠] . والِاسْتِثْناءُ في جَمِيعِ هَذِهِ الآياتِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمْ يَسْجُدْ، فَتارَةً أكَّدَ بِالنَّفْيِّ المَحْضِ، وتارَةً ذَكَرَ إبايَتَهُ عَنِ السُّجُودِ، وهي الأنَفَةُ مِن ذَلِكَ، وتارَةً نَصَّ عَلى أنَّ ذَلِكَ الِامْتِناعَ كانَ سَبَبُهُ الِاسْتِكْبارَ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ أُرِيدَ بِهِ كُفْرُهُ ذَلِكَ الوَقْتَ، وإنْ لَمْ يَكُنْ قَبْلَهُ كافِرًا؛ وعُطِفَ عَلى اسْتَكْبَرَ، فَقَوِيَ ذَلِكَ؛ لِأنَّ الِاسْتِكْبارَ عَنِ السُّجُودِ إنَّما حَصَلَ لَهُ وقْتَ الأمْرِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إخْبارًا مِنهُ بِسَبْقِ كُفْرِهِ في الأزْمِنَةِ الماضِيَةِ في عِلْمِ اللَّهِ. ﴿قالَ يا إبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ﴾، وفي الأعْرافِ: ﴿ما مَنَعَكَ ألّا تَسْجُدَ﴾ [الأعراف: ١٢]، فَدَلَّ أنْ تَسْجُدَ هُنا، عَلى أنَّ لا في ﴿أنْ لا أقُولَ﴾ [الأعراف: ١٠٥] زائِدَةٌ، والمَعْنى أيْضًا يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ لا يَسْتَفْهِمُ إلّا عَنِ المانِعِ مِنَ السُّجُودِ، وهو اسْتِفْهامُ تَقْرِيرٍ وتَوْبِيخٍ. وما في ﴿لِما خَلَقْتُ﴾، اسْتَدَلَّ بِها مَن يُجِيزُ إطْلاقَ ما عَلى آحادِ مَن يَعْقِلُ، وأوَّلَ بِأنَّ ما مَصْدَرِيَّةٌ، والمَصْدَرُ يُرادُ بِهِ المَخْلُوقُ، لا حَقِيقَةُ المَصْدَرِ. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ: (لَمّا) بِفَتْحِ اللّامِ وتَشْدِيدِ المِيمِ، ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾، عَلى الإفْرادِ؛ والجُمْهُورُ: عَلى التَّثْنِيَةِ؛ وقُرِئَ ﴿بِيَدَيَّ﴾ كَقِراءَةِ ﴿بِمُصْرِخِيَّ﴾ [إبراهيم: ٢٢]؛ وقالَ تَعالى: ﴿مِمّا عَمِلَتْ أيْدِينا﴾ [يس: ٧١] بِالجَمْعِ، وكُلُّها عِبارَةٌ عَنِ القُدْرَةِ والقُوَّةِ، وعَبَّرَ بِاليَدِ، إذْ كانَ عِنْدَ البَشَرِ مُعْتادًا أنَّ البَطْشَ والقُوَّةَ بِاليَدِ. وذَهَبَ القاضِي أبُو بَكْرِ بْنُ الطَّيِّبِ إلى أنَّ اليَدَ صِفَةُ ذاتٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهو قَوْلٌ مَرْغُوبٌ عَنْهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (أسْتَكْبَرْتَ)، بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، فَأمْ مُتَّصِلَةٌ عادَلَتِ الهَمْزَةَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ النَّحْوِيِّينَ إلى أنَّ أمْ لا تَكُونُ مُعادِلَةً لِلْألِفِ مَعَ اخْتِلافِ الفِعْلَيْنِ، وإنَّما تَكُونُ مُعادِلَةً إذا دَخَلَتا عَلى فِعْلٍ واحِدٍ، كَقَوْلِكَ: أزَيْدٌ قامَ أمْ عَمْرٌو ؟ وقَوْلُكَ: أقامَ زَيْدٌ أمْ عَمْرٌو ؟ فَإذا اخْتَلَفَ الفِعْلانِ كَهَذِهِ الآيَةِ، فَلَيْسَتْ مُعادِلَةً. ومَعْنى الآيَةِ: أحَدَثَ لَكَ الِاسْتِكْبارُ الآنَ، أمْ كُنْتَ قَدِيمًا مِمَّنْ لا يَلِيقُ أنْ تُكَلَّفَ مِثْلَ هَذا لِعُلُوِّ مَكانِكَ ؟ وهَذا عَلى جِهَةِ التَّوْبِيخِ. انْتَهى. وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ النَّحْوِيِّينَ مَذْهَبٌ غَيْرُ صَحِيحٍ. قالَ سِيبَوَيْهِ: وتَقُولُ أضْرَبْتَ زَيْدًا أمْ قَتَلْتَهُ فالبَدْءُ هُنا بِالفِعْلِ أحْسَنُ؛ لِأنَّكَ إنَّما تَسْألُ عَنْ أحَدِهِما، لا تَدْرِي أيُّهُما كانَ، ولا تَسْألُ عَنْ مَوْضِعِ أحَدِهِما، كَأنَّكَ قُلْتَ: أيُّ ذَلِكَ كانَ ؟ انْتَهى. فَعادَلَ بِأمِ الألِفَ مَعَ اخْتِلافِ الفِعْلَيْنِ. ﴿مِنَ العالِينَ﴾: مِمَّنْ عَلَوْتَ وفُقْتَ. فَأجابَ بِأنَّهُ مِنَ العالِينَ، حَيْثُ قالَ ﴿أنا خَيْرٌ مِنهُ﴾ . وقِيلَ: أسْتَكْبَرْتَ الآنَ، أوْ لَمْ تَزَلْ مُذْ كُنْتَ مِنَ المُسْتَكْبِرِينَ ؟ ومَعْنى الهَمْزَةِ: التَّقْرِيرُ. انْتَهى. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ، مِنهُمُ ابْنُ كَثِيرٍ وغَيْرُهُ: (اسْتَكْبَرْتَ)، بِصِلَةِ الألِفِ، وهي قِراءَةُ أهْلِ مَكَّةَ، ولَيْسَتْ في مَشْهُورِ ابْنِ كَثِيرٍ، فاحْتُمِلَ أنْ تَكُونَ هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ حُذِفَتْ لِدَلالَةِ أمْ عَلَيْها، كَقَوْلِهِ: ؎بِسَبْعٍ رَمَيْنَ الجَمْرَ أمْ بِثَمانِ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ إخْبارًا خاطَبَهُ بِذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّقْرِيعِ، وأمْ تَكُونُ مُنْقَطِعَةً، والمَعْنى: بَلْ أنْتَ مِنَ العالِينَ عِنْدَ نَفْسِكَ اسْتِخْفافًا بِهِ. ﴿قالَ أنا خَيْرٌ مِنهُ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ذَلِكَ في الأعْرافِ. ﴿قالَ فاخْرُجْ مِنها﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مِثْلِ ذَلِكَ في الحِجْرِ، إلّا أنَّ هُنا ﴿لَعْنَتِي﴾ وهُناكَ (اللَّعْنَةُ) أعَمُّ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ ويَلْعَنُهُمُ اللّاعِنُونَ﴾ [البقرة: ١٥٩] وأمّا بِالإضافَةِ، فالعُمُومُ في اللَّعْنَةِ أعَمُّ، واللَّعَناتُ إنَّما تَحْصُلُ مِن جِهَةِ أنَّ مَن عَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ كانَتْ عَلَيْهِ لَعْنَةُ كُلِّ لاعِنٍ، هَذا مِن جِهَةِ المَعْنى، وأمّا بِاللَّفْظِ فَيَقْتَضِي التَّخْصِيصَ. ﴿قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ﴾: أقْسَمَ إبْلِيسُ هُنا بِعِزَّةِ اللَّهِ، وقالَ في الأعْرافِ: ﴿فَبِما أغْوَيْتَنِي لَأقْعُدَنَّ﴾ [الأعراف: ١٦]، وفي الحِجْرِ: ﴿رَبِّ بِما أغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ﴾ [الحجر: ٣٩] . وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِما في مَوْضِعِهِما، وإنَّ مِنَ المُفَسِّرِينَ مَن قالَ: إنَّ الباءَ في: ﴿بِما أغْوَيْتَنِي﴾ [الحجر: ٣٩] وفي: ﴿فَبِما أغْوَيْتَنِي﴾ [الأعراف: ١٦] لَيْسَتْ باءَ القَسَمِ. فَإنْ كانَتْ باءَ القَسَمِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ في مَوْطِنَيْنِ: فَهُنا: ﴿لَأُغْوِيَنَّهُمْ﴾، وفي الأعْرافِ: ﴿لَأقْعُدَنَّ﴾ [الأعراف: ١٦]، وفي الحِجْرِ: ﴿لَأُزَيِّنَنَّ﴾ [الحجر: ٣٩] . (p-٤١١)وقَرَأ الجُمْهُورُ: (فالحَقَّ والحَقَّ) بِنَصْبِهِما. أمّا الأوَّلُ فَمُقْسَمٌ بِهِ، حُذِفَ مِنهُ الحَرْفُ كَقَوْلِهِ: (أمانَةَ اللَّهِ لَأقُومَنَّ)، والمُقْسَمُ عَلَيْهِ (لَأمْلَأنَّ) . ﴿والحَقَّ أقُولُ﴾: اعْتِراضٌ بَيْنَ القَسَمِ وجَوابِهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومَعْناهُ: ولا أقُولُ إلّا الحَقَّ. انْتَهى؛ لِأنَّ عِنْدَهُ تَقُدُّمَ المَفْعُولِ يُفِيدُ الحَصْرَ. والحَقُّ المُقْسَمُ بِهِ إمّا اسْمُهُ تَعالى الَّذِي في قَوْلِهِ: ﴿أنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ المُبِينُ﴾ [النور: ٢٥]، أوِ الَّذِي هو نَقِيضُ الباطِلِ. وقِيلَ: ﴿فالحَقُّ﴾ مَنصُوبٌ عَلى الإغْراءِ، أيْ: فالزَمُوا الحَقَّ، و(لَأمْلَأنَّ): جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ. وقالَ الفَرّاءُ: هو عَلى مَعْنى قَوْلِكَ: حَقًّا لا شَكَّ، ووُجُودُ الألِفِ واللّامِ وطَرْحُهُما سَواءٌ، أيْ: لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ حَقًّا. انْتَهى. وهَذا المَصْدَرُ الجائِي تَوْكِيدًا لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ، لا يَجُوزُ تَقْدِيمُهُ عِنْدَ جُمْهُورِ النُّحاةِ، وذَلِكَ مَخْصُوصٌ بِالجُمْلَةِ الَّتِي جُزْآها مَعْرِفَتانِ جامِدَتانِ جُمُودًا مَحْضًا. وقالَ صاحِبُ البَسِيطِ: وقَدْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخَبَرُ نَكِرَةً، قالَ: والمُبْتَدَأُ يَكُونُ ضَمِيرًا نَحْوَ: هو زَيْدٌ مَعْرُوفًا، وهو الحَقُّ بَيِّنًا، وأنا الأمِيرُ مُفْتَخِرًا؛ ويَكُونُ ظاهِرًا كَقَوْلِكَ: زِيدٌ أبُوكَ عَطُوفًا، وأخُوكَ زَيْدٌ مَعْرُوفًا. انْتَهى. وقالَتِ العَرَبُ: زَيْدٌ قائِمٌ غَيْرَ ذِي شَكٍّ، فَجاءَتِ الحالُ بَعْدَ جُمْلَةٍ، والخَبَرُ نَكِرَةً، وهي حالٌ مُؤَكِّدَةٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ، وكَأنَّ الفَرّاءَ لَمْ يَشْتَرِطْ هَذا الَّذِي ذَكَرَهُ أصْحابُنا مِن كَوْنِ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ مَعْرُوفَيْنِ جامِدَيْنِ؛ لِأنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ تَأْكِيدِ مَضْمُونِ الجُمْلَةِ الِابْتِدائِيَّةِ وبَيْنَ تَأْكِيدِ الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ. وقِيلَ: التَّقْدِيرُ فالحَقُّ الحَقُّ، أيْ أفْعَلُهُ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والأعْمَشُ: بِالرَّفْعِ فِيهِما، فالأوَّلُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، قِيلَ: تَقْدِيرُهُ فالحَقُّ أنا، وقِيلَ: فالحَقُّ مِنِّي، وقِيلَ: تَقْدِيرُهُ فالحَقُّ قَسَمِي، وحُذِفَ كَما حُذِفَ في: لَعَمْرُكَ لَأقُومَنَّ، وفي: يَمِينُ اللَّهِ أبْرَحُ قاعِدًا، أيْ لَعَمْرُكَ قَسَمِي ويَمِينُ اللَّهِ قَسَمِي، وهَذِهِ الجُمْلَةُ هي جُمْلَةُ القَسَمِ، وجَوابُهُ: لَأمْلَأنَّ. وأمّا (والحَقُّ أقُولُ) فَمُبْتَدَأٌ أيْضًا، خَبَرُهُ الجُمْلَةُ، وحُذِفَ العائِدُ، كَقِراءَةِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿وكُلًّا وعَدَ اللَّهُ الحُسْنى﴾ [النساء: ٩٥] . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أمّا الأوَّلُ فَرُفِعَ عَلى الِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ في قَوْلِهِ: ﴿لَأمْلَأنَّ﴾؛ لِأنَّ المَعْنى: أنْ أمْلَأ. انْتَهى. وهَذا لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّ لَأمْلَأنَّ جَوابُ قَسَمٍ، ويَجِبُ أنْ يَكُونَ جُمْلَةً، فَلا يَتَقَدَّرُ بِمُفْرَدٍ. وأيْضًا لَيْسَ مَصْدَرًا مُقَدَّرًا بِحَرْفٍ مَصْدَرِيٍّ والفِعْلِ حَتّى يَنْحَلَّ إلَيْهِما، ولَكِنَّهُ لَمّا صَحَّ لَهُ إسْنادُ ما قُدِّرَ إلى المُبْتَدَأِ حُكِمَ أنَّهُ خَبَرٌ عَنْهُ. وقَرَأ الحَسَنُ، وعِيسى، و عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي حَمّادٍ عَنْ أبِي بَكْرٍ: بِجَرِّهِمْ، ويَخْرُجُ عَلى أنَّ الأوَّلَ مَجْرُورٌ بِواوِ القَسَمِ مَحْذُوفَةً، تَقْدِيرُهُ: فَوالحَقِّ، والحَقِّ مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ، كَما تَقُولُ: واللَّهِ واللَّهِ لَأقُومَنَّ، و(أقُولُ) اعْتِراضٌ بَيْنَ القَسَمِ وجَوابِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿والحَقَّ أقُولُ﴾: أيْ: ولا أقُولُ إلّا الحَقَّ عَلى حِكايَةِ لَفْظِ المُقْسَمَ بِهِ، ومَعْناهُ التَّوْكِيدُ والتَّسْدِيدُ، وهَذا الوَجْهُ جائِزٌ في المَنصُوبِ والمَرْفُوعِ، وهو وجْهٌ دَقِيقٌ حَسَنٌ. انْتَهى. ومُلَخَّصُهُ أنَّهُ أعْمَلَ القَوْلَ في لَفْظِ المُقْسَمِ بِهِ عَلى سَبِيلِ الحِكايَةِ نَصْبًا أوْ رَفْعًا أوْ جَرًّا. وقَرَأ مُجاهِدٌ، والأعْمَشُ: بِخِلافٍ عَنْهُما؛ وأبانُ بْنُ تَغْلَبَ، وطَلْحَةُ في رِوايَةٍ، وحَمْزَةُ، وعاصِمٌ، عَنِ المُفَضَّلِ، وخَلَفٍ، والعَبْسِيِّ: بِرَفْعِ ﴿فالحَقُّ﴾ ونَصْبِ ﴿والحَقَّ﴾، وتَقَدَّمَ إعْرابُهُما. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: (أجْمَعِينَ) تَأْكِيدٌ لِلْمُحَدَّثِ عَنْهُ والمَعْطُوفُ عَلَيْهِ، وهو ضَمِيرُ إبْلِيسَ ومَن عُطِفَ عَلَيْهِ، أيْ مِنكَ ومِن تابِعِيكِ أجْمَعِينَ. وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ أجْمَعِينَ تَأْكِيدًا لِلضَّمِيرِ الَّذِي في مِنهم، مُقَدَّرٌ، لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الشَّياطِينِ ومِمَّنْ تَبِعَهم مِن جَمِيعِ النّاسِ، لا تَفاوُتَ في ذَلِكَ بَيْنَ ناسٍ وناسٍ بَعْدَ وُجُودِ الأتْباعِ مِنهم مِن أوْلادِ الأنْبِياءِ وغَيْرِهِمْ. انْتَهى. والضَّمِيرُ في (عَلَيْهِ) عائِدٌ عَلى القُرْآنِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقِيلَ: عائِدٌ عَلى الوَحْيِ. وقِيلَ: عَلى الدُّعاءِ إلى اللَّهِ. ﴿وما أنا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ﴾: أيِ المُتَصَنِّعِينَ المُتَحَلِّينَ بِما لَيْسُوا مِن أهْلِهِ، فَأنْتَحَلُ النُّبُوَّةَ والقَوْلَ عَلى اللَّهِ. (إنْ هو) أيِ: القُرْآنُ، ﴿إلّا ذِكْرٌ﴾: أيْ: مِنَ اللَّهِ، ﴿لِلْعالَمِينَ﴾: الثَّقَلَيْنِ الإنْسِ والجِنِّ. ﴿ولَتَعْلَمُنَّ نَبَأهُ﴾: أيْ عاقِبَةَ خَبَرِهِ لِمَن آمَنَ بِهِ ومَن أعْرَضَ عَنْهُ، ﴿بَعْدَ حِينٍ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ وابْنُ زَيْدٍ: يَعْنِي يَوْمَ القِيامَةِ. وقالَ قَتادَةُ، والفَرّاءُ، والزَّجّاجُ: بَعْدَ المَوْتِ. وكانَ الحَسَنُ يَقُولُ: يا ابْنَ آدَمَ، عِنْدَ المَوْتِ (p-٤١٢)يَأْتِيكَ الخَبَرُ اليَقِينُ. وقِيلَ: المَعْنى لَيَظْهَرَنَّ لَكم حَقِيقَةُ ما أقُولُ. ﴿بَعْدَ حِينٍ﴾ أيْ: في المُسْتَأْنَفِ، إذا أخَذَتْكم سُيُوفُ المُسْلِمِينَ، وذَلِكَ يَوْمَ بَدْرٍ، وأشارَ إلى ذَلِكَ السُّدِّيُّ. * * سُورَةُ الزُّمَرِ خَمْسٌ وسَبْعُونَ آيَةً، مَكِّيَّةٌ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ [الزمر: ١] ﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ فاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر: ٢] ﴿ألا لِلَّهِ الدِّينُ الخالِصُ والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى إنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهم في ما هم فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن هو كاذِبٌ كَفّارٌ﴾ [الزمر: ٣] ﴿لَوْ أرادَ اللَّهُ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا لاصْطَفى مِمّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ سُبْحانَهُ هو اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ [الزمر: ٤] ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلى النَّهارِ ويُكَوِّرُ النَّهارَ عَلى اللَّيْلِ وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأجَلٍ مُسَمًّى ألا هو العَزِيزُ الغَفّارُ﴾ [الزمر: ٥] ﴿خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنها زَوْجَها وأنْزَلَ لَكم مِنَ الأنْعامِ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ يَخْلُقُكم في بُطُونِ أُمَّهاتِكم خَلْقًا مِن بَعْدِ خَلْقٍ في ظُلُماتٍ ثَلاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم لَهُ المُلْكُ لا إلَهَ إلّا هو فَأنّى تُصْرَفُونَ﴾ [الزمر: ٦] ﴿إنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكم ولا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ وإنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكم ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ثُمَّ إلى رَبِّكم مَرْجِعُكم فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ [الزمر: ٧] ﴿وإذا مَسَّ الإنْسانَ ضُرٌّ دَعا رَبَّهُ مُنِيبًا إلَيْهِ ثُمَّ إذا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنهُ نَسِيَ ما كانَ يَدْعُو إلَيْهِ مِن قَبْلُ وجَعَلَ لِلَّهِ أنْدادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إنَّكَ مِن أصْحابِ النّارِ﴾ [الزمر: ٨] ﴿أمْ مَن هو قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِدًا وقائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ ويَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبابِ﴾ [الزمر: ٩] ﴿قُلْ يا عِبادِي الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكم لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وأرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ إنَّما يُوَفّى الصّابِرُونَ أجْرَهم بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ [الزمر: ١٠] ﴿قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر: ١١] ﴿وأُمِرْتُ لِأنْ أكُونَ أوَّلَ المُسْلِمِينَ﴾ [الزمر: ١٢] ﴿قُلْ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الزمر: ١٣] ﴿قُلِ اللَّهَ أعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ [الزمر: ١٤] ﴿فاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِن دُونِهِ قُلْ إنَّ الخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ ألا ذَلِكَ هو الخُسْرانُ المُبِينُ﴾ [الزمر: ١٥] ﴿لَهم مِن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النّارِ ومِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ يا عِبادِ فاتَّقُونِ﴾ [الزمر: ١٦] ﴿والَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ أنْ يَعْبُدُوها وأنابُوا إلى اللَّهِ لَهُمُ البُشْرى فَبَشِّرْ عِبادِي﴾ [الزمر: ١٧] ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وأُولَئِكَ هم أُولُو الألْبابِ﴾ [الزمر: ١٨] ﴿أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ أفَأنْتَ تُنْقِذُ مَن في النّارِ﴾ [الزمر: ١٩] ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم لَهم غُرَفٌ مِن فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ وعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ المِيعادَ﴾ [الزمر: ٢٠] ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ في الأرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا ألْوانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطامًا إنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرى لِأُولِي الألْبابِ﴾ [الزمر: ٢١] ﴿أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ فَهو عَلى نُورٍ مِن رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهم مِن ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الزمر: ٢٢] ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ كِتابًا مُتَشابِهًا مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهم وقُلُوبُهم إلى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشاءُ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ [الزمر: ٢٣] ﴿أفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ وقِيلَ لِلظّالِمِينَ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ [الزمر: ٢٤] ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأتاهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ [الزمر: ٢٥] ﴿فَأذاقَهُمُ اللَّهُ الخِزْيَ في الحَياةِ الدُّنْيا ولَعَذابُ الآخِرَةِ أكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٢٦] ﴿ولَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ [الزمر: ٢٧] ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ [الزمر: ٢٨] ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ ورَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا الحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٢٩] ﴿إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهم مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠] ﴿ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكم تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر: ٣١] . (p-٤١٣)التَّكْوِيرُ: اللَّفُّ واللَّيُّ، يُقالُ: كارَ العِمامَةَ عَلى رَأْسِهِ وكَوَّرَها. خَوَّلَهُ النِّعْمَةَ أيْ: أعْطاهُ ابْتِداءً مِن غَيْرِ مُجازاةٍ، ولا يُقالُ في الجَزاءِ خَوَّلَ. قالَ زُهَيْرٌ: ؎هُنالِكَ إنْ يُسْتَخْوَلُوا المالَ يُخَوَّلُوا ويُرْوى: يُسْتَخْيَلُوا المالَ يُخَيَّلُوا وقالَ أبُو النَّجْمِ: ؎أعْطى فَلَمْ يَبْخَلْ ولَمْ يُبَخِّلْ ∗∗∗ كَوْمَ الذُّرى مِن خَوَلِ المَخْوِلِ هاجَ الزَّرْعُ: ثارَ مِن مَنابِتِهِ، وقِيلَ: يَبِسَ. الحُطامُ: الفُتاتُ بَعْدَ يُبْسِهِ. القُشَعْرِيرَةُ: تَقَبُّضُ الجِلْدِ، يُقالُ: اقْشَعَرَّ جِلْدُهُ مِنَ الخَوْفِ: وقَفَ شَعْرُهُ، وهو مَثَلٌ في شِدَّةِ الخَوْفِ. الشِّكاسَةُ: سُوءُ الخُلُقِ وعُسْرُهُ.

ص 38:69

﴿قُلْ هو نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿أنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ ﴿ما كانَ لِيَ مِن عِلْمٍ بِالمَلَإ الأعْلى إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ ﴿إنْ يُوحى إلَيَّ إلّا أنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿إذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ﴾ ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ ﴿فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلُّهم أجْمَعُونَ﴾ ﴿إلّا إبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ ﴿قالَ يا إبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أأسْتَكْبَرْتَ أمْ كُنْتَ مِنَ العالِينَ﴾ ﴿قالَ أنا خَيْرٌ مِنهُ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ ﴿قالَ فاخْرُجْ مِنها فَإنَّكَ رَجِيمٌ﴾ ﴿وإنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إلى يَوْمِ الدِّينِ﴾ ﴿قالَ رَبِّ فَأنْظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ﴿قالَ فَإنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ ﴿إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ﴾ ﴿قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلّا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ ﴿قالَ فالحَقُّ والحَقَّ أقُولُ﴾ ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ ومِمَّنْ تَبِعَكَ مِنهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿قُلْ ما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ وما أنا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ﴾ ﴿إنْ هو إلّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ ﴿ولَتَعْلَمُنَّ نَبَأهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ . الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ هو نَبَأٌ﴾ يَعُودُ عَلى ما أخْبَرَ بِهِ مِن كَوْنِهِ رَسُولًا مُنْذِرًا داعِيًا إلى اللَّهِ، وأنَّهُ تَعالى هو المُنْفَرِدُ بِالأُلُوهِيَّةِ، المُتَّصِفُ بِتِلْكَ الأوْصافِ مِنَ الوَحْدانِيَّةِ والقَهْرِ ومُلْكِ العالَمِ وعِزَّتِهِ وغُفْرانِهِ، وهو خَبَرٌ عَظِيمٌ لا يُعْرِضُ عَنْ مِثْلِهِ إلّا غافِلٌ شَدِيدُ الغَفْلَةِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: النَّبَأُ العَظِيمُ: القُرْآنُ. وقالَ الحَسَنُ: يَوْمُ القِيامَةِ. وقِيلَ: قَصَصُ آدَمَ والإنْباءُ بِهِ مِن غَيْرِ سَماعٍ مِن أحَدٍ. وقالَ صاحِبُ التَّحْرِيرِ: سِياقُ الآيَةِ وظاهِرُها أنَّهُ يُرِيدُ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ هو نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾، ما قَصَّهُ اللَّهُ تَعالى مِن مُناظَرَةِ أهْلِ النّارِ ومُقاوَلَةِ الأتْباعِ مَعَ السّاداتِ؛ لِأنَّهُ مِن أحْوالِ البَعْثِ، وقُرَيْشٌ كانْتَ تُنْكِرُ البَعْثَ والحِسابَ والعِقابَ، وهم عَنْ ذَلِكَ مُعْرِضُونَ. وقَوْلُهُ: ﴿ما كانَ لِيَ مِن عِلْمٍ بِالمَلَإ الأعْلى إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾: احْتِجاجٌ عَلى قُرَيْشٍ بِأنَّ ما جاءَ بِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ لا مِن قِبَلِ نَفْسِهِ. فَإنَّ مَن في الأرْضِ ما لَهُ عِلْمٌ بِمَن في السَّماءِ إلّا بِإعْلامِ اللَّهِ تَعالى؛ وعِلْمُ المُغَيَّباتِ لا يُوصَلُ إلَيْهِ إلّا (p-٤٠٩)بِإعْلامِ اللَّهِ تَعالى، وعِلْمُهُ بِأحْوالِ أهْلِ النّارِ، وابْتِداءِ خَلْقِ آدَمَ لَمْ يَكُنْ عَنْهُ عِلْمٌ بِذَلِكَ؛ فَإخْبارُهُ بِذَلِكَ هو بِإعْلامِ اللَّهِ، والِاسْتِدْلالُ بِقِصَّةِ آدَمَ؛ لِأنَّهُ أوَّلُ البَشَرِ خَلْقًا، وبَيْنَهُ وبَيْنَ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أزْمانٌ مُتَقادِمَةٌ وقُرُونٌ سالِفَةٌ. انْتَهى، وفي آخِرِهِ بَعْضُ اخْتِصارٍ. ثُمَّ احْتَجَّ بِصِحَّةِ نُبُوَّتِهِ، بِأنَّ ما يُنْبِئُ بِهِ عَنِ المَلَأِ الأعْلى واخْتِصامِهِمْ أمْرٌ لَمْ يَكُنْ لَهُ بِهِ مِن عِلْمٍ قَطُّ. ثُمَّ عَلِمَهُ مِن غَيْرِ الطَّرِيقِ الَّذِي يَسْلُكُهُ المُتَعَلِّمُونَ، بَلْ ذَلِكَ مُسْتَفادٌ مِنَ الوَحْيِ، و(بِالمَلَأِ) مُتَعَلِّقٌ بِـ (عِلْمٍ)، و(إذْ) مَنصُوبٌ بِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بِمَحْذُوفٍ؛ لِأنَّ المَعْنى: ما كانَ لِي مِن عِلْمٍ بِكَلامِ المَلَأِ الأعْلى وقْتَ اخْتِصامِهِمْ. (وإذْ قالَ) بَدَلٌ مِن ﴿إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ عَلى المَلَأِ الأعْلى، وهُمُ المَلائِكَةُ، وأبْعَدَ مَن قالَ إنَّهم قُرَيْشٌ، واخْتِصامُ المَلائِكَةِ في أمْرِ آدَمَ وذُرِّيَّتِهِ في جَعْلِهِمْ في الأرْضِ. وقالُوا: ﴿أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها﴾ [البقرة: ٣٠] . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وقالَ الحَسَنُ: إنَّ اللَّهَ خالِقٌ خَلْقًا كُنّا أكْرَمَ مِنهُ وأعْلَمَ. وقِيلَ: في الكَفّاراتِ وغَفْرِ الذُّنُوبِ، فَإنَّ العَبْدَ إذا عَمِلَ حَسَنَةً اخْتَلَفَتِ المَلائِكَةُ في قَدْرِ ثَوابِهِ في ذَلِكَ حَتّى يَقْضِيَ اللَّهُ بِما يَشاءُ. وفي الحَدِيثِ: ”«قالَ لَهُ رَبُّهُ في نَوْمِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: فِيمَ يَخْتَصِمُونَ ؟ فَقُلْتُ: لا أدْرِي، فَقالَ: في الكَفّاراتِ، وفي إسْباغِ الوُضُوءِ في السَّرّاتِ، ونَقْلِ الخُطا إلى الجَماعاتِ“» . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كانَتْ مُقاوَلَةُ اللَّهِ سُبْحانَهُ بِواسِطَةِ مَلَكٍ، وكانَ المُقاوِلُ في الحَقِيقَةِ هو المَلَكُ المُتَوَسِّطُ، فَيَصِحُّ أنَّ التَّقاوُلَ بَيْنَ المَلائِكَةِ وآدَمَ وإبْلِيسَ، وهُمُ المَلَأُ الأعْلى. والمُرادُ بِالِاخْتِصامِ: التَّقاوُلُ. وقِيلَ: المَلَأُ الأعْلى: المَلائِكَةُ، و﴿إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ الضَّمِيرُ فِيهِ لِلْعَرَبِ الكافِرِينَ، فَبَعْضُهم يَقُولُ: هي بَناتُ اللَّهِ، وبَعْضُهم: آلِهَةٌ تُعْبَدُ، وغَيْرُ ذَلِكَ مِن أقْوالِهِمْ. ﴿إنْ يُوحى إلَيَّ﴾ أيْ: ما يُوحى إلَيَّ، ﴿إلّا أنَّما أنا نَذِيرٌ﴾ أيْ: لِلْإنْذارِ، حَذَفَ اللّامَ ووَصَلَ الفِعْلَ والمَفْعُولَ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرًا يَدُلُّ عَلَيْهِ المَعْنى، أيْ: إنْ يُوحى إلَيَّ هو، أيْ: ما يُوحى إلّا الإنْذارُ، وأُقِيمَ إلِيَّ مَقامَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ إنَّما هو المَفْعُولُ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، أيْ: ما يُوحى إلَيَّ إلّا الإنْذارُ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: (إلّا إنَّما) بِكَسْرِ هَمْزَةِ إنَّما عَلى الحِكايَةِ، أيْ: ما يُوحى إلَيَّ إلّا هَذِهِ الجُمْلَةُ، كَأنْ قِيلَ لَهُ: أنْتَ نَذِيرٌ مُبِينٌ، فَحَكى هو المَعْنى، وهَذا كَما يَقُولُ الإنْسانُ: أنا عالِمٌ، فَيُقالُ لَهُ: قُلْتَ إنَّكَ عالِمٌ، فَيُحْكى المَعْنى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقُرِئَ إنَّما بِالكَسْرِ عَلى الحِكايَةِ، أيْ: إلّا هَذا القَوْلُ، وهو أنْ أقُولَ لَكم ﴿إنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾، فَلا أدَّعِي شَيْئًا آخَرَ. انْتَهى. فِي تَخْرِيجِهِ تَعارُضٌ؛ لِأنَّهُ قالَ أيْ: إلّا هَذا القَوْلَ، فَظاهِرُهُ الجُمْلَةُ الَّتِي هي ﴿إنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾، ثُمَّ قالَ: وهو أنْ أقُولَ لَكم إنِّي نَذِيرٌ، فالمَقامُ مَقامُ الفاعِلِ هو أنْ أقُولَ لَكم، وأنْ وما بَعْدَهُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، وعَلى قَوْلِهِ: إلّا هَذا القَوْلَ، يَكُونُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ فَيَتَعارَضا. وتَقَدَّمَ أنَّ (إذْ قالَ) بَدَلٌ مِن ﴿إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ هَذا إذا كانَتِ الخُصُومَةُ في شَأْنِ مَن يُسْتَخْلَفُ في الأرْضِ، وعَلى غَيْرِهِ مِنَ الأقْوالِ يَكُونُ مَنصُوبًا بِاذْكُرْ. ولَمّا كانَتْ قُرَيْشٌ، خالَفُوا الرَّسُولَ، - عَلَيْهِ السَّلامُ -، بِسَبَبِ الحَسَدِ والكِبْرِ. ذَكَرَ حالَ إبْلِيسَ، حَيْثُ خالَفَ أمْرَ اللَّهِ بِسَبَبِ الحَسَدِ والكِبْرِ وما آلَ إلَيْهِ مِنَ اللَّعْنَةِ والطَّرْدِ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ، لِيَزْدَجِرَ عَنْ ذَلِكَ مَن فِيهِ شَيْءٌ مِنهُما. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ صَحَّ أنْ يَقُولَ لَهم: ﴿إنِّي خالِقٌ بَشَرًا﴾، وما عَرَفُوا ما البَشَرُ ولا عَهِدُوا بِهِ قَبْلُ ؟ (قُلْتُ): وجْهُهُ أنْ يَكُونَ قَدْ قالَ لَهم: إنِّي خالِقٌ خَلْقًا مِن صِفَةِ كَيْتَ وكَيْتَ، ولَكِنَّهُ حِينَ حَكاهُ اقْتَصَرَ عَلى الِاسْمِ. انْتَهى. والبَشَرُ هو آدَمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وذَكَرَ هُنا أنَّهُ خَلَقَهُ مِن طِينٍ، وفي آلِ عِمْرانَ: ﴿خَلَقَهُ مِن تُرابٍ﴾ [آل عمران: ٥٩]، وفي الحِجْرِ: ﴿مِن صَلْصالٍ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ [الحجر: ٢٦]، وفي الأنْبِياءِ: ﴿مِن عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧]؛ ولا مُنافاةَ في تِلْكَ المادَّةِ البَعِيدَةِ، وهي التُّرابُ، ثُمَّ ما يَلِيهِ وهو الطِّينُ، ثُمَّ ما يَلِيهِ وهو الحَمَأُ المَسْنُونُ، ثُمَّ المادَّةُ تَلِي الحَمَأ وهو الصَّلْصالُ؛ وأمّا ﴿مِن عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧] فَمَضى تَفْسِيرُهُ. ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ ﴿فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلُّهم أجْمَعُونَ﴾ ﴿إلّا إبْلِيسَ﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذا في الحِجْرِ، وهُنا ﴿اسْتَكْبَرَ وكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾، (p-٤١٠)وفِي البَقَرَةِ: ﴿أبى واسْتَكْبَرَ وكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ [البقرة: ٣٤]، وفي الأعْرافِ: ﴿لَمْ يَكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ﴾ [الأعراف: ١١]، وفي الحِجْرِ: ﴿أبى أنْ يَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٣١]، وفي الإسْراءِ: ﴿قالَ أأسْجُدُ لِمَن خَلَقْتَ طِينًا﴾ [الإسراء: ٦١]، وفي الكَهْفِ: ﴿كانَ مِنَ الجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ٥٠] . والِاسْتِثْناءُ في جَمِيعِ هَذِهِ الآياتِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمْ يَسْجُدْ، فَتارَةً أكَّدَ بِالنَّفْيِّ المَحْضِ، وتارَةً ذَكَرَ إبايَتَهُ عَنِ السُّجُودِ، وهي الأنَفَةُ مِن ذَلِكَ، وتارَةً نَصَّ عَلى أنَّ ذَلِكَ الِامْتِناعَ كانَ سَبَبُهُ الِاسْتِكْبارَ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ أُرِيدَ بِهِ كُفْرُهُ ذَلِكَ الوَقْتَ، وإنْ لَمْ يَكُنْ قَبْلَهُ كافِرًا؛ وعُطِفَ عَلى اسْتَكْبَرَ، فَقَوِيَ ذَلِكَ؛ لِأنَّ الِاسْتِكْبارَ عَنِ السُّجُودِ إنَّما حَصَلَ لَهُ وقْتَ الأمْرِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إخْبارًا مِنهُ بِسَبْقِ كُفْرِهِ في الأزْمِنَةِ الماضِيَةِ في عِلْمِ اللَّهِ. ﴿قالَ يا إبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ﴾، وفي الأعْرافِ: ﴿ما مَنَعَكَ ألّا تَسْجُدَ﴾ [الأعراف: ١٢]، فَدَلَّ أنْ تَسْجُدَ هُنا، عَلى أنَّ لا في ﴿أنْ لا أقُولَ﴾ [الأعراف: ١٠٥] زائِدَةٌ، والمَعْنى أيْضًا يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ لا يَسْتَفْهِمُ إلّا عَنِ المانِعِ مِنَ السُّجُودِ، وهو اسْتِفْهامُ تَقْرِيرٍ وتَوْبِيخٍ. وما في ﴿لِما خَلَقْتُ﴾، اسْتَدَلَّ بِها مَن يُجِيزُ إطْلاقَ ما عَلى آحادِ مَن يَعْقِلُ، وأوَّلَ بِأنَّ ما مَصْدَرِيَّةٌ، والمَصْدَرُ يُرادُ بِهِ المَخْلُوقُ، لا حَقِيقَةُ المَصْدَرِ. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ: (لَمّا) بِفَتْحِ اللّامِ وتَشْدِيدِ المِيمِ، ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾، عَلى الإفْرادِ؛ والجُمْهُورُ: عَلى التَّثْنِيَةِ؛ وقُرِئَ ﴿بِيَدَيَّ﴾ كَقِراءَةِ ﴿بِمُصْرِخِيَّ﴾ [إبراهيم: ٢٢]؛ وقالَ تَعالى: ﴿مِمّا عَمِلَتْ أيْدِينا﴾ [يس: ٧١] بِالجَمْعِ، وكُلُّها عِبارَةٌ عَنِ القُدْرَةِ والقُوَّةِ، وعَبَّرَ بِاليَدِ، إذْ كانَ عِنْدَ البَشَرِ مُعْتادًا أنَّ البَطْشَ والقُوَّةَ بِاليَدِ. وذَهَبَ القاضِي أبُو بَكْرِ بْنُ الطَّيِّبِ إلى أنَّ اليَدَ صِفَةُ ذاتٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهو قَوْلٌ مَرْغُوبٌ عَنْهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (أسْتَكْبَرْتَ)، بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، فَأمْ مُتَّصِلَةٌ عادَلَتِ الهَمْزَةَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ النَّحْوِيِّينَ إلى أنَّ أمْ لا تَكُونُ مُعادِلَةً لِلْألِفِ مَعَ اخْتِلافِ الفِعْلَيْنِ، وإنَّما تَكُونُ مُعادِلَةً إذا دَخَلَتا عَلى فِعْلٍ واحِدٍ، كَقَوْلِكَ: أزَيْدٌ قامَ أمْ عَمْرٌو ؟ وقَوْلُكَ: أقامَ زَيْدٌ أمْ عَمْرٌو ؟ فَإذا اخْتَلَفَ الفِعْلانِ كَهَذِهِ الآيَةِ، فَلَيْسَتْ مُعادِلَةً. ومَعْنى الآيَةِ: أحَدَثَ لَكَ الِاسْتِكْبارُ الآنَ، أمْ كُنْتَ قَدِيمًا مِمَّنْ لا يَلِيقُ أنْ تُكَلَّفَ مِثْلَ هَذا لِعُلُوِّ مَكانِكَ ؟ وهَذا عَلى جِهَةِ التَّوْبِيخِ. انْتَهى. وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ النَّحْوِيِّينَ مَذْهَبٌ غَيْرُ صَحِيحٍ. قالَ سِيبَوَيْهِ: وتَقُولُ أضْرَبْتَ زَيْدًا أمْ قَتَلْتَهُ فالبَدْءُ هُنا بِالفِعْلِ أحْسَنُ؛ لِأنَّكَ إنَّما تَسْألُ عَنْ أحَدِهِما، لا تَدْرِي أيُّهُما كانَ، ولا تَسْألُ عَنْ مَوْضِعِ أحَدِهِما، كَأنَّكَ قُلْتَ: أيُّ ذَلِكَ كانَ ؟ انْتَهى. فَعادَلَ بِأمِ الألِفَ مَعَ اخْتِلافِ الفِعْلَيْنِ. ﴿مِنَ العالِينَ﴾: مِمَّنْ عَلَوْتَ وفُقْتَ. فَأجابَ بِأنَّهُ مِنَ العالِينَ، حَيْثُ قالَ ﴿أنا خَيْرٌ مِنهُ﴾ . وقِيلَ: أسْتَكْبَرْتَ الآنَ، أوْ لَمْ تَزَلْ مُذْ كُنْتَ مِنَ المُسْتَكْبِرِينَ ؟ ومَعْنى الهَمْزَةِ: التَّقْرِيرُ. انْتَهى. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ، مِنهُمُ ابْنُ كَثِيرٍ وغَيْرُهُ: (اسْتَكْبَرْتَ)، بِصِلَةِ الألِفِ، وهي قِراءَةُ أهْلِ مَكَّةَ، ولَيْسَتْ في مَشْهُورِ ابْنِ كَثِيرٍ، فاحْتُمِلَ أنْ تَكُونَ هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ حُذِفَتْ لِدَلالَةِ أمْ عَلَيْها، كَقَوْلِهِ: ؎بِسَبْعٍ رَمَيْنَ الجَمْرَ أمْ بِثَمانِ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ إخْبارًا خاطَبَهُ بِذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّقْرِيعِ، وأمْ تَكُونُ مُنْقَطِعَةً، والمَعْنى: بَلْ أنْتَ مِنَ العالِينَ عِنْدَ نَفْسِكَ اسْتِخْفافًا بِهِ. ﴿قالَ أنا خَيْرٌ مِنهُ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ذَلِكَ في الأعْرافِ. ﴿قالَ فاخْرُجْ مِنها﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مِثْلِ ذَلِكَ في الحِجْرِ، إلّا أنَّ هُنا ﴿لَعْنَتِي﴾ وهُناكَ (اللَّعْنَةُ) أعَمُّ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ ويَلْعَنُهُمُ اللّاعِنُونَ﴾ [البقرة: ١٥٩] وأمّا بِالإضافَةِ، فالعُمُومُ في اللَّعْنَةِ أعَمُّ، واللَّعَناتُ إنَّما تَحْصُلُ مِن جِهَةِ أنَّ مَن عَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ كانَتْ عَلَيْهِ لَعْنَةُ كُلِّ لاعِنٍ، هَذا مِن جِهَةِ المَعْنى، وأمّا بِاللَّفْظِ فَيَقْتَضِي التَّخْصِيصَ. ﴿قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ﴾: أقْسَمَ إبْلِيسُ هُنا بِعِزَّةِ اللَّهِ، وقالَ في الأعْرافِ: ﴿فَبِما أغْوَيْتَنِي لَأقْعُدَنَّ﴾ [الأعراف: ١٦]، وفي الحِجْرِ: ﴿رَبِّ بِما أغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ﴾ [الحجر: ٣٩] . وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِما في مَوْضِعِهِما، وإنَّ مِنَ المُفَسِّرِينَ مَن قالَ: إنَّ الباءَ في: ﴿بِما أغْوَيْتَنِي﴾ [الحجر: ٣٩] وفي: ﴿فَبِما أغْوَيْتَنِي﴾ [الأعراف: ١٦] لَيْسَتْ باءَ القَسَمِ. فَإنْ كانَتْ باءَ القَسَمِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ في مَوْطِنَيْنِ: فَهُنا: ﴿لَأُغْوِيَنَّهُمْ﴾، وفي الأعْرافِ: ﴿لَأقْعُدَنَّ﴾ [الأعراف: ١٦]، وفي الحِجْرِ: ﴿لَأُزَيِّنَنَّ﴾ [الحجر: ٣٩] . (p-٤١١)وقَرَأ الجُمْهُورُ: (فالحَقَّ والحَقَّ) بِنَصْبِهِما. أمّا الأوَّلُ فَمُقْسَمٌ بِهِ، حُذِفَ مِنهُ الحَرْفُ كَقَوْلِهِ: (أمانَةَ اللَّهِ لَأقُومَنَّ)، والمُقْسَمُ عَلَيْهِ (لَأمْلَأنَّ) . ﴿والحَقَّ أقُولُ﴾: اعْتِراضٌ بَيْنَ القَسَمِ وجَوابِهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومَعْناهُ: ولا أقُولُ إلّا الحَقَّ. انْتَهى؛ لِأنَّ عِنْدَهُ تَقُدُّمَ المَفْعُولِ يُفِيدُ الحَصْرَ. والحَقُّ المُقْسَمُ بِهِ إمّا اسْمُهُ تَعالى الَّذِي في قَوْلِهِ: ﴿أنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ المُبِينُ﴾ [النور: ٢٥]، أوِ الَّذِي هو نَقِيضُ الباطِلِ. وقِيلَ: ﴿فالحَقُّ﴾ مَنصُوبٌ عَلى الإغْراءِ، أيْ: فالزَمُوا الحَقَّ، و(لَأمْلَأنَّ): جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ. وقالَ الفَرّاءُ: هو عَلى مَعْنى قَوْلِكَ: حَقًّا لا شَكَّ، ووُجُودُ الألِفِ واللّامِ وطَرْحُهُما سَواءٌ، أيْ: لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ حَقًّا. انْتَهى. وهَذا المَصْدَرُ الجائِي تَوْكِيدًا لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ، لا يَجُوزُ تَقْدِيمُهُ عِنْدَ جُمْهُورِ النُّحاةِ، وذَلِكَ مَخْصُوصٌ بِالجُمْلَةِ الَّتِي جُزْآها مَعْرِفَتانِ جامِدَتانِ جُمُودًا مَحْضًا. وقالَ صاحِبُ البَسِيطِ: وقَدْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخَبَرُ نَكِرَةً، قالَ: والمُبْتَدَأُ يَكُونُ ضَمِيرًا نَحْوَ: هو زَيْدٌ مَعْرُوفًا، وهو الحَقُّ بَيِّنًا، وأنا الأمِيرُ مُفْتَخِرًا؛ ويَكُونُ ظاهِرًا كَقَوْلِكَ: زِيدٌ أبُوكَ عَطُوفًا، وأخُوكَ زَيْدٌ مَعْرُوفًا. انْتَهى. وقالَتِ العَرَبُ: زَيْدٌ قائِمٌ غَيْرَ ذِي شَكٍّ، فَجاءَتِ الحالُ بَعْدَ جُمْلَةٍ، والخَبَرُ نَكِرَةً، وهي حالٌ مُؤَكِّدَةٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ، وكَأنَّ الفَرّاءَ لَمْ يَشْتَرِطْ هَذا الَّذِي ذَكَرَهُ أصْحابُنا مِن كَوْنِ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ مَعْرُوفَيْنِ جامِدَيْنِ؛ لِأنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ تَأْكِيدِ مَضْمُونِ الجُمْلَةِ الِابْتِدائِيَّةِ وبَيْنَ تَأْكِيدِ الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ. وقِيلَ: التَّقْدِيرُ فالحَقُّ الحَقُّ، أيْ أفْعَلُهُ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والأعْمَشُ: بِالرَّفْعِ فِيهِما، فالأوَّلُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، قِيلَ: تَقْدِيرُهُ فالحَقُّ أنا، وقِيلَ: فالحَقُّ مِنِّي، وقِيلَ: تَقْدِيرُهُ فالحَقُّ قَسَمِي، وحُذِفَ كَما حُذِفَ في: لَعَمْرُكَ لَأقُومَنَّ، وفي: يَمِينُ اللَّهِ أبْرَحُ قاعِدًا، أيْ لَعَمْرُكَ قَسَمِي ويَمِينُ اللَّهِ قَسَمِي، وهَذِهِ الجُمْلَةُ هي جُمْلَةُ القَسَمِ، وجَوابُهُ: لَأمْلَأنَّ. وأمّا (والحَقُّ أقُولُ) فَمُبْتَدَأٌ أيْضًا، خَبَرُهُ الجُمْلَةُ، وحُذِفَ العائِدُ، كَقِراءَةِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿وكُلًّا وعَدَ اللَّهُ الحُسْنى﴾ [النساء: ٩٥] . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أمّا الأوَّلُ فَرُفِعَ عَلى الِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ في قَوْلِهِ: ﴿لَأمْلَأنَّ﴾؛ لِأنَّ المَعْنى: أنْ أمْلَأ. انْتَهى. وهَذا لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّ لَأمْلَأنَّ جَوابُ قَسَمٍ، ويَجِبُ أنْ يَكُونَ جُمْلَةً، فَلا يَتَقَدَّرُ بِمُفْرَدٍ. وأيْضًا لَيْسَ مَصْدَرًا مُقَدَّرًا بِحَرْفٍ مَصْدَرِيٍّ والفِعْلِ حَتّى يَنْحَلَّ إلَيْهِما، ولَكِنَّهُ لَمّا صَحَّ لَهُ إسْنادُ ما قُدِّرَ إلى المُبْتَدَأِ حُكِمَ أنَّهُ خَبَرٌ عَنْهُ. وقَرَأ الحَسَنُ، وعِيسى، و عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي حَمّادٍ عَنْ أبِي بَكْرٍ: بِجَرِّهِمْ، ويَخْرُجُ عَلى أنَّ الأوَّلَ مَجْرُورٌ بِواوِ القَسَمِ مَحْذُوفَةً، تَقْدِيرُهُ: فَوالحَقِّ، والحَقِّ مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ، كَما تَقُولُ: واللَّهِ واللَّهِ لَأقُومَنَّ، و(أقُولُ) اعْتِراضٌ بَيْنَ القَسَمِ وجَوابِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿والحَقَّ أقُولُ﴾: أيْ: ولا أقُولُ إلّا الحَقَّ عَلى حِكايَةِ لَفْظِ المُقْسَمَ بِهِ، ومَعْناهُ التَّوْكِيدُ والتَّسْدِيدُ، وهَذا الوَجْهُ جائِزٌ في المَنصُوبِ والمَرْفُوعِ، وهو وجْهٌ دَقِيقٌ حَسَنٌ. انْتَهى. ومُلَخَّصُهُ أنَّهُ أعْمَلَ القَوْلَ في لَفْظِ المُقْسَمِ بِهِ عَلى سَبِيلِ الحِكايَةِ نَصْبًا أوْ رَفْعًا أوْ جَرًّا. وقَرَأ مُجاهِدٌ، والأعْمَشُ: بِخِلافٍ عَنْهُما؛ وأبانُ بْنُ تَغْلَبَ، وطَلْحَةُ في رِوايَةٍ، وحَمْزَةُ، وعاصِمٌ، عَنِ المُفَضَّلِ، وخَلَفٍ، والعَبْسِيِّ: بِرَفْعِ ﴿فالحَقُّ﴾ ونَصْبِ ﴿والحَقَّ﴾، وتَقَدَّمَ إعْرابُهُما. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: (أجْمَعِينَ) تَأْكِيدٌ لِلْمُحَدَّثِ عَنْهُ والمَعْطُوفُ عَلَيْهِ، وهو ضَمِيرُ إبْلِيسَ ومَن عُطِفَ عَلَيْهِ، أيْ مِنكَ ومِن تابِعِيكِ أجْمَعِينَ. وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ أجْمَعِينَ تَأْكِيدًا لِلضَّمِيرِ الَّذِي في مِنهم، مُقَدَّرٌ، لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الشَّياطِينِ ومِمَّنْ تَبِعَهم مِن جَمِيعِ النّاسِ، لا تَفاوُتَ في ذَلِكَ بَيْنَ ناسٍ وناسٍ بَعْدَ وُجُودِ الأتْباعِ مِنهم مِن أوْلادِ الأنْبِياءِ وغَيْرِهِمْ. انْتَهى. والضَّمِيرُ في (عَلَيْهِ) عائِدٌ عَلى القُرْآنِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقِيلَ: عائِدٌ عَلى الوَحْيِ. وقِيلَ: عَلى الدُّعاءِ إلى اللَّهِ. ﴿وما أنا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ﴾: أيِ المُتَصَنِّعِينَ المُتَحَلِّينَ بِما لَيْسُوا مِن أهْلِهِ، فَأنْتَحَلُ النُّبُوَّةَ والقَوْلَ عَلى اللَّهِ. (إنْ هو) أيِ: القُرْآنُ، ﴿إلّا ذِكْرٌ﴾: أيْ: مِنَ اللَّهِ، ﴿لِلْعالَمِينَ﴾: الثَّقَلَيْنِ الإنْسِ والجِنِّ. ﴿ولَتَعْلَمُنَّ نَبَأهُ﴾: أيْ عاقِبَةَ خَبَرِهِ لِمَن آمَنَ بِهِ ومَن أعْرَضَ عَنْهُ، ﴿بَعْدَ حِينٍ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ وابْنُ زَيْدٍ: يَعْنِي يَوْمَ القِيامَةِ. وقالَ قَتادَةُ، والفَرّاءُ، والزَّجّاجُ: بَعْدَ المَوْتِ. وكانَ الحَسَنُ يَقُولُ: يا ابْنَ آدَمَ، عِنْدَ المَوْتِ (p-٤١٢)يَأْتِيكَ الخَبَرُ اليَقِينُ. وقِيلَ: المَعْنى لَيَظْهَرَنَّ لَكم حَقِيقَةُ ما أقُولُ. ﴿بَعْدَ حِينٍ﴾ أيْ: في المُسْتَأْنَفِ، إذا أخَذَتْكم سُيُوفُ المُسْلِمِينَ، وذَلِكَ يَوْمَ بَدْرٍ، وأشارَ إلى ذَلِكَ السُّدِّيُّ. * * سُورَةُ الزُّمَرِ خَمْسٌ وسَبْعُونَ آيَةً، مَكِّيَّةٌ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ [الزمر: ١] ﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ فاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر: ٢] ﴿ألا لِلَّهِ الدِّينُ الخالِصُ والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى إنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهم في ما هم فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن هو كاذِبٌ كَفّارٌ﴾ [الزمر: ٣] ﴿لَوْ أرادَ اللَّهُ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا لاصْطَفى مِمّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ سُبْحانَهُ هو اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ [الزمر: ٤] ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلى النَّهارِ ويُكَوِّرُ النَّهارَ عَلى اللَّيْلِ وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأجَلٍ مُسَمًّى ألا هو العَزِيزُ الغَفّارُ﴾ [الزمر: ٥] ﴿خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنها زَوْجَها وأنْزَلَ لَكم مِنَ الأنْعامِ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ يَخْلُقُكم في بُطُونِ أُمَّهاتِكم خَلْقًا مِن بَعْدِ خَلْقٍ في ظُلُماتٍ ثَلاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم لَهُ المُلْكُ لا إلَهَ إلّا هو فَأنّى تُصْرَفُونَ﴾ [الزمر: ٦] ﴿إنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكم ولا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ وإنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكم ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ثُمَّ إلى رَبِّكم مَرْجِعُكم فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ [الزمر: ٧] ﴿وإذا مَسَّ الإنْسانَ ضُرٌّ دَعا رَبَّهُ مُنِيبًا إلَيْهِ ثُمَّ إذا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنهُ نَسِيَ ما كانَ يَدْعُو إلَيْهِ مِن قَبْلُ وجَعَلَ لِلَّهِ أنْدادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إنَّكَ مِن أصْحابِ النّارِ﴾ [الزمر: ٨] ﴿أمْ مَن هو قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِدًا وقائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ ويَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبابِ﴾ [الزمر: ٩] ﴿قُلْ يا عِبادِي الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكم لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وأرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ إنَّما يُوَفّى الصّابِرُونَ أجْرَهم بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ [الزمر: ١٠] ﴿قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر: ١١] ﴿وأُمِرْتُ لِأنْ أكُونَ أوَّلَ المُسْلِمِينَ﴾ [الزمر: ١٢] ﴿قُلْ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الزمر: ١٣] ﴿قُلِ اللَّهَ أعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ [الزمر: ١٤] ﴿فاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِن دُونِهِ قُلْ إنَّ الخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ ألا ذَلِكَ هو الخُسْرانُ المُبِينُ﴾ [الزمر: ١٥] ﴿لَهم مِن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النّارِ ومِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ يا عِبادِ فاتَّقُونِ﴾ [الزمر: ١٦] ﴿والَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ أنْ يَعْبُدُوها وأنابُوا إلى اللَّهِ لَهُمُ البُشْرى فَبَشِّرْ عِبادِي﴾ [الزمر: ١٧] ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وأُولَئِكَ هم أُولُو الألْبابِ﴾ [الزمر: ١٨] ﴿أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ أفَأنْتَ تُنْقِذُ مَن في النّارِ﴾ [الزمر: ١٩] ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم لَهم غُرَفٌ مِن فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ وعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ المِيعادَ﴾ [الزمر: ٢٠] ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ في الأرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا ألْوانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطامًا إنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرى لِأُولِي الألْبابِ﴾ [الزمر: ٢١] ﴿أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ فَهو عَلى نُورٍ مِن رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهم مِن ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الزمر: ٢٢] ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ كِتابًا مُتَشابِهًا مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهم وقُلُوبُهم إلى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشاءُ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ [الزمر: ٢٣] ﴿أفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ وقِيلَ لِلظّالِمِينَ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ [الزمر: ٢٤] ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأتاهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ [الزمر: ٢٥] ﴿فَأذاقَهُمُ اللَّهُ الخِزْيَ في الحَياةِ الدُّنْيا ولَعَذابُ الآخِرَةِ أكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٢٦] ﴿ولَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ [الزمر: ٢٧] ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ [الزمر: ٢٨] ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ ورَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا الحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٢٩] ﴿إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهم مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠] ﴿ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكم تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر: ٣١] . (p-٤١٣)التَّكْوِيرُ: اللَّفُّ واللَّيُّ، يُقالُ: كارَ العِمامَةَ عَلى رَأْسِهِ وكَوَّرَها. خَوَّلَهُ النِّعْمَةَ أيْ: أعْطاهُ ابْتِداءً مِن غَيْرِ مُجازاةٍ، ولا يُقالُ في الجَزاءِ خَوَّلَ. قالَ زُهَيْرٌ: ؎هُنالِكَ إنْ يُسْتَخْوَلُوا المالَ يُخَوَّلُوا ويُرْوى: يُسْتَخْيَلُوا المالَ يُخَيَّلُوا وقالَ أبُو النَّجْمِ: ؎أعْطى فَلَمْ يَبْخَلْ ولَمْ يُبَخِّلْ ∗∗∗ كَوْمَ الذُّرى مِن خَوَلِ المَخْوِلِ هاجَ الزَّرْعُ: ثارَ مِن مَنابِتِهِ، وقِيلَ: يَبِسَ. الحُطامُ: الفُتاتُ بَعْدَ يُبْسِهِ. القُشَعْرِيرَةُ: تَقَبُّضُ الجِلْدِ، يُقالُ: اقْشَعَرَّ جِلْدُهُ مِنَ الخَوْفِ: وقَفَ شَعْرُهُ، وهو مَثَلٌ في شِدَّةِ الخَوْفِ. الشِّكاسَةُ: سُوءُ الخُلُقِ وعُسْرُهُ.

ص 38:70

﴿قُلْ هو نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿أنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ ﴿ما كانَ لِيَ مِن عِلْمٍ بِالمَلَإ الأعْلى إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ ﴿إنْ يُوحى إلَيَّ إلّا أنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿إذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ﴾ ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ ﴿فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلُّهم أجْمَعُونَ﴾ ﴿إلّا إبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ ﴿قالَ يا إبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أأسْتَكْبَرْتَ أمْ كُنْتَ مِنَ العالِينَ﴾ ﴿قالَ أنا خَيْرٌ مِنهُ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ ﴿قالَ فاخْرُجْ مِنها فَإنَّكَ رَجِيمٌ﴾ ﴿وإنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إلى يَوْمِ الدِّينِ﴾ ﴿قالَ رَبِّ فَأنْظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ﴿قالَ فَإنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ ﴿إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ﴾ ﴿قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلّا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ ﴿قالَ فالحَقُّ والحَقَّ أقُولُ﴾ ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ ومِمَّنْ تَبِعَكَ مِنهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿قُلْ ما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ وما أنا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ﴾ ﴿إنْ هو إلّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ ﴿ولَتَعْلَمُنَّ نَبَأهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ . الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ هو نَبَأٌ﴾ يَعُودُ عَلى ما أخْبَرَ بِهِ مِن كَوْنِهِ رَسُولًا مُنْذِرًا داعِيًا إلى اللَّهِ، وأنَّهُ تَعالى هو المُنْفَرِدُ بِالأُلُوهِيَّةِ، المُتَّصِفُ بِتِلْكَ الأوْصافِ مِنَ الوَحْدانِيَّةِ والقَهْرِ ومُلْكِ العالَمِ وعِزَّتِهِ وغُفْرانِهِ، وهو خَبَرٌ عَظِيمٌ لا يُعْرِضُ عَنْ مِثْلِهِ إلّا غافِلٌ شَدِيدُ الغَفْلَةِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: النَّبَأُ العَظِيمُ: القُرْآنُ. وقالَ الحَسَنُ: يَوْمُ القِيامَةِ. وقِيلَ: قَصَصُ آدَمَ والإنْباءُ بِهِ مِن غَيْرِ سَماعٍ مِن أحَدٍ. وقالَ صاحِبُ التَّحْرِيرِ: سِياقُ الآيَةِ وظاهِرُها أنَّهُ يُرِيدُ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ هو نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾، ما قَصَّهُ اللَّهُ تَعالى مِن مُناظَرَةِ أهْلِ النّارِ ومُقاوَلَةِ الأتْباعِ مَعَ السّاداتِ؛ لِأنَّهُ مِن أحْوالِ البَعْثِ، وقُرَيْشٌ كانْتَ تُنْكِرُ البَعْثَ والحِسابَ والعِقابَ، وهم عَنْ ذَلِكَ مُعْرِضُونَ. وقَوْلُهُ: ﴿ما كانَ لِيَ مِن عِلْمٍ بِالمَلَإ الأعْلى إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾: احْتِجاجٌ عَلى قُرَيْشٍ بِأنَّ ما جاءَ بِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ لا مِن قِبَلِ نَفْسِهِ. فَإنَّ مَن في الأرْضِ ما لَهُ عِلْمٌ بِمَن في السَّماءِ إلّا بِإعْلامِ اللَّهِ تَعالى؛ وعِلْمُ المُغَيَّباتِ لا يُوصَلُ إلَيْهِ إلّا (p-٤٠٩)بِإعْلامِ اللَّهِ تَعالى، وعِلْمُهُ بِأحْوالِ أهْلِ النّارِ، وابْتِداءِ خَلْقِ آدَمَ لَمْ يَكُنْ عَنْهُ عِلْمٌ بِذَلِكَ؛ فَإخْبارُهُ بِذَلِكَ هو بِإعْلامِ اللَّهِ، والِاسْتِدْلالُ بِقِصَّةِ آدَمَ؛ لِأنَّهُ أوَّلُ البَشَرِ خَلْقًا، وبَيْنَهُ وبَيْنَ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أزْمانٌ مُتَقادِمَةٌ وقُرُونٌ سالِفَةٌ. انْتَهى، وفي آخِرِهِ بَعْضُ اخْتِصارٍ. ثُمَّ احْتَجَّ بِصِحَّةِ نُبُوَّتِهِ، بِأنَّ ما يُنْبِئُ بِهِ عَنِ المَلَأِ الأعْلى واخْتِصامِهِمْ أمْرٌ لَمْ يَكُنْ لَهُ بِهِ مِن عِلْمٍ قَطُّ. ثُمَّ عَلِمَهُ مِن غَيْرِ الطَّرِيقِ الَّذِي يَسْلُكُهُ المُتَعَلِّمُونَ، بَلْ ذَلِكَ مُسْتَفادٌ مِنَ الوَحْيِ، و(بِالمَلَأِ) مُتَعَلِّقٌ بِـ (عِلْمٍ)، و(إذْ) مَنصُوبٌ بِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بِمَحْذُوفٍ؛ لِأنَّ المَعْنى: ما كانَ لِي مِن عِلْمٍ بِكَلامِ المَلَأِ الأعْلى وقْتَ اخْتِصامِهِمْ. (وإذْ قالَ) بَدَلٌ مِن ﴿إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ عَلى المَلَأِ الأعْلى، وهُمُ المَلائِكَةُ، وأبْعَدَ مَن قالَ إنَّهم قُرَيْشٌ، واخْتِصامُ المَلائِكَةِ في أمْرِ آدَمَ وذُرِّيَّتِهِ في جَعْلِهِمْ في الأرْضِ. وقالُوا: ﴿أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها﴾ [البقرة: ٣٠] . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وقالَ الحَسَنُ: إنَّ اللَّهَ خالِقٌ خَلْقًا كُنّا أكْرَمَ مِنهُ وأعْلَمَ. وقِيلَ: في الكَفّاراتِ وغَفْرِ الذُّنُوبِ، فَإنَّ العَبْدَ إذا عَمِلَ حَسَنَةً اخْتَلَفَتِ المَلائِكَةُ في قَدْرِ ثَوابِهِ في ذَلِكَ حَتّى يَقْضِيَ اللَّهُ بِما يَشاءُ. وفي الحَدِيثِ: ”«قالَ لَهُ رَبُّهُ في نَوْمِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: فِيمَ يَخْتَصِمُونَ ؟ فَقُلْتُ: لا أدْرِي، فَقالَ: في الكَفّاراتِ، وفي إسْباغِ الوُضُوءِ في السَّرّاتِ، ونَقْلِ الخُطا إلى الجَماعاتِ“» . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كانَتْ مُقاوَلَةُ اللَّهِ سُبْحانَهُ بِواسِطَةِ مَلَكٍ، وكانَ المُقاوِلُ في الحَقِيقَةِ هو المَلَكُ المُتَوَسِّطُ، فَيَصِحُّ أنَّ التَّقاوُلَ بَيْنَ المَلائِكَةِ وآدَمَ وإبْلِيسَ، وهُمُ المَلَأُ الأعْلى. والمُرادُ بِالِاخْتِصامِ: التَّقاوُلُ. وقِيلَ: المَلَأُ الأعْلى: المَلائِكَةُ، و﴿إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ الضَّمِيرُ فِيهِ لِلْعَرَبِ الكافِرِينَ، فَبَعْضُهم يَقُولُ: هي بَناتُ اللَّهِ، وبَعْضُهم: آلِهَةٌ تُعْبَدُ، وغَيْرُ ذَلِكَ مِن أقْوالِهِمْ. ﴿إنْ يُوحى إلَيَّ﴾ أيْ: ما يُوحى إلَيَّ، ﴿إلّا أنَّما أنا نَذِيرٌ﴾ أيْ: لِلْإنْذارِ، حَذَفَ اللّامَ ووَصَلَ الفِعْلَ والمَفْعُولَ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرًا يَدُلُّ عَلَيْهِ المَعْنى، أيْ: إنْ يُوحى إلَيَّ هو، أيْ: ما يُوحى إلّا الإنْذارُ، وأُقِيمَ إلِيَّ مَقامَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ إنَّما هو المَفْعُولُ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، أيْ: ما يُوحى إلَيَّ إلّا الإنْذارُ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: (إلّا إنَّما) بِكَسْرِ هَمْزَةِ إنَّما عَلى الحِكايَةِ، أيْ: ما يُوحى إلَيَّ إلّا هَذِهِ الجُمْلَةُ، كَأنْ قِيلَ لَهُ: أنْتَ نَذِيرٌ مُبِينٌ، فَحَكى هو المَعْنى، وهَذا كَما يَقُولُ الإنْسانُ: أنا عالِمٌ، فَيُقالُ لَهُ: قُلْتَ إنَّكَ عالِمٌ، فَيُحْكى المَعْنى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقُرِئَ إنَّما بِالكَسْرِ عَلى الحِكايَةِ، أيْ: إلّا هَذا القَوْلُ، وهو أنْ أقُولَ لَكم ﴿إنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾، فَلا أدَّعِي شَيْئًا آخَرَ. انْتَهى. فِي تَخْرِيجِهِ تَعارُضٌ؛ لِأنَّهُ قالَ أيْ: إلّا هَذا القَوْلَ، فَظاهِرُهُ الجُمْلَةُ الَّتِي هي ﴿إنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾، ثُمَّ قالَ: وهو أنْ أقُولَ لَكم إنِّي نَذِيرٌ، فالمَقامُ مَقامُ الفاعِلِ هو أنْ أقُولَ لَكم، وأنْ وما بَعْدَهُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، وعَلى قَوْلِهِ: إلّا هَذا القَوْلَ، يَكُونُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ فَيَتَعارَضا. وتَقَدَّمَ أنَّ (إذْ قالَ) بَدَلٌ مِن ﴿إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ هَذا إذا كانَتِ الخُصُومَةُ في شَأْنِ مَن يُسْتَخْلَفُ في الأرْضِ، وعَلى غَيْرِهِ مِنَ الأقْوالِ يَكُونُ مَنصُوبًا بِاذْكُرْ. ولَمّا كانَتْ قُرَيْشٌ، خالَفُوا الرَّسُولَ، - عَلَيْهِ السَّلامُ -، بِسَبَبِ الحَسَدِ والكِبْرِ. ذَكَرَ حالَ إبْلِيسَ، حَيْثُ خالَفَ أمْرَ اللَّهِ بِسَبَبِ الحَسَدِ والكِبْرِ وما آلَ إلَيْهِ مِنَ اللَّعْنَةِ والطَّرْدِ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ، لِيَزْدَجِرَ عَنْ ذَلِكَ مَن فِيهِ شَيْءٌ مِنهُما. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ صَحَّ أنْ يَقُولَ لَهم: ﴿إنِّي خالِقٌ بَشَرًا﴾، وما عَرَفُوا ما البَشَرُ ولا عَهِدُوا بِهِ قَبْلُ ؟ (قُلْتُ): وجْهُهُ أنْ يَكُونَ قَدْ قالَ لَهم: إنِّي خالِقٌ خَلْقًا مِن صِفَةِ كَيْتَ وكَيْتَ، ولَكِنَّهُ حِينَ حَكاهُ اقْتَصَرَ عَلى الِاسْمِ. انْتَهى. والبَشَرُ هو آدَمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وذَكَرَ هُنا أنَّهُ خَلَقَهُ مِن طِينٍ، وفي آلِ عِمْرانَ: ﴿خَلَقَهُ مِن تُرابٍ﴾ [آل عمران: ٥٩]، وفي الحِجْرِ: ﴿مِن صَلْصالٍ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ [الحجر: ٢٦]، وفي الأنْبِياءِ: ﴿مِن عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧]؛ ولا مُنافاةَ في تِلْكَ المادَّةِ البَعِيدَةِ، وهي التُّرابُ، ثُمَّ ما يَلِيهِ وهو الطِّينُ، ثُمَّ ما يَلِيهِ وهو الحَمَأُ المَسْنُونُ، ثُمَّ المادَّةُ تَلِي الحَمَأ وهو الصَّلْصالُ؛ وأمّا ﴿مِن عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧] فَمَضى تَفْسِيرُهُ. ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ ﴿فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلُّهم أجْمَعُونَ﴾ ﴿إلّا إبْلِيسَ﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذا في الحِجْرِ، وهُنا ﴿اسْتَكْبَرَ وكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾، (p-٤١٠)وفِي البَقَرَةِ: ﴿أبى واسْتَكْبَرَ وكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ [البقرة: ٣٤]، وفي الأعْرافِ: ﴿لَمْ يَكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ﴾ [الأعراف: ١١]، وفي الحِجْرِ: ﴿أبى أنْ يَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٣١]، وفي الإسْراءِ: ﴿قالَ أأسْجُدُ لِمَن خَلَقْتَ طِينًا﴾ [الإسراء: ٦١]، وفي الكَهْفِ: ﴿كانَ مِنَ الجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ٥٠] . والِاسْتِثْناءُ في جَمِيعِ هَذِهِ الآياتِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمْ يَسْجُدْ، فَتارَةً أكَّدَ بِالنَّفْيِّ المَحْضِ، وتارَةً ذَكَرَ إبايَتَهُ عَنِ السُّجُودِ، وهي الأنَفَةُ مِن ذَلِكَ، وتارَةً نَصَّ عَلى أنَّ ذَلِكَ الِامْتِناعَ كانَ سَبَبُهُ الِاسْتِكْبارَ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ أُرِيدَ بِهِ كُفْرُهُ ذَلِكَ الوَقْتَ، وإنْ لَمْ يَكُنْ قَبْلَهُ كافِرًا؛ وعُطِفَ عَلى اسْتَكْبَرَ، فَقَوِيَ ذَلِكَ؛ لِأنَّ الِاسْتِكْبارَ عَنِ السُّجُودِ إنَّما حَصَلَ لَهُ وقْتَ الأمْرِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إخْبارًا مِنهُ بِسَبْقِ كُفْرِهِ في الأزْمِنَةِ الماضِيَةِ في عِلْمِ اللَّهِ. ﴿قالَ يا إبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ﴾، وفي الأعْرافِ: ﴿ما مَنَعَكَ ألّا تَسْجُدَ﴾ [الأعراف: ١٢]، فَدَلَّ أنْ تَسْجُدَ هُنا، عَلى أنَّ لا في ﴿أنْ لا أقُولَ﴾ [الأعراف: ١٠٥] زائِدَةٌ، والمَعْنى أيْضًا يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ لا يَسْتَفْهِمُ إلّا عَنِ المانِعِ مِنَ السُّجُودِ، وهو اسْتِفْهامُ تَقْرِيرٍ وتَوْبِيخٍ. وما في ﴿لِما خَلَقْتُ﴾، اسْتَدَلَّ بِها مَن يُجِيزُ إطْلاقَ ما عَلى آحادِ مَن يَعْقِلُ، وأوَّلَ بِأنَّ ما مَصْدَرِيَّةٌ، والمَصْدَرُ يُرادُ بِهِ المَخْلُوقُ، لا حَقِيقَةُ المَصْدَرِ. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ: (لَمّا) بِفَتْحِ اللّامِ وتَشْدِيدِ المِيمِ، ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾، عَلى الإفْرادِ؛ والجُمْهُورُ: عَلى التَّثْنِيَةِ؛ وقُرِئَ ﴿بِيَدَيَّ﴾ كَقِراءَةِ ﴿بِمُصْرِخِيَّ﴾ [إبراهيم: ٢٢]؛ وقالَ تَعالى: ﴿مِمّا عَمِلَتْ أيْدِينا﴾ [يس: ٧١] بِالجَمْعِ، وكُلُّها عِبارَةٌ عَنِ القُدْرَةِ والقُوَّةِ، وعَبَّرَ بِاليَدِ، إذْ كانَ عِنْدَ البَشَرِ مُعْتادًا أنَّ البَطْشَ والقُوَّةَ بِاليَدِ. وذَهَبَ القاضِي أبُو بَكْرِ بْنُ الطَّيِّبِ إلى أنَّ اليَدَ صِفَةُ ذاتٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهو قَوْلٌ مَرْغُوبٌ عَنْهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (أسْتَكْبَرْتَ)، بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، فَأمْ مُتَّصِلَةٌ عادَلَتِ الهَمْزَةَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ النَّحْوِيِّينَ إلى أنَّ أمْ لا تَكُونُ مُعادِلَةً لِلْألِفِ مَعَ اخْتِلافِ الفِعْلَيْنِ، وإنَّما تَكُونُ مُعادِلَةً إذا دَخَلَتا عَلى فِعْلٍ واحِدٍ، كَقَوْلِكَ: أزَيْدٌ قامَ أمْ عَمْرٌو ؟ وقَوْلُكَ: أقامَ زَيْدٌ أمْ عَمْرٌو ؟ فَإذا اخْتَلَفَ الفِعْلانِ كَهَذِهِ الآيَةِ، فَلَيْسَتْ مُعادِلَةً. ومَعْنى الآيَةِ: أحَدَثَ لَكَ الِاسْتِكْبارُ الآنَ، أمْ كُنْتَ قَدِيمًا مِمَّنْ لا يَلِيقُ أنْ تُكَلَّفَ مِثْلَ هَذا لِعُلُوِّ مَكانِكَ ؟ وهَذا عَلى جِهَةِ التَّوْبِيخِ. انْتَهى. وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ النَّحْوِيِّينَ مَذْهَبٌ غَيْرُ صَحِيحٍ. قالَ سِيبَوَيْهِ: وتَقُولُ أضْرَبْتَ زَيْدًا أمْ قَتَلْتَهُ فالبَدْءُ هُنا بِالفِعْلِ أحْسَنُ؛ لِأنَّكَ إنَّما تَسْألُ عَنْ أحَدِهِما، لا تَدْرِي أيُّهُما كانَ، ولا تَسْألُ عَنْ مَوْضِعِ أحَدِهِما، كَأنَّكَ قُلْتَ: أيُّ ذَلِكَ كانَ ؟ انْتَهى. فَعادَلَ بِأمِ الألِفَ مَعَ اخْتِلافِ الفِعْلَيْنِ. ﴿مِنَ العالِينَ﴾: مِمَّنْ عَلَوْتَ وفُقْتَ. فَأجابَ بِأنَّهُ مِنَ العالِينَ، حَيْثُ قالَ ﴿أنا خَيْرٌ مِنهُ﴾ . وقِيلَ: أسْتَكْبَرْتَ الآنَ، أوْ لَمْ تَزَلْ مُذْ كُنْتَ مِنَ المُسْتَكْبِرِينَ ؟ ومَعْنى الهَمْزَةِ: التَّقْرِيرُ. انْتَهى. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ، مِنهُمُ ابْنُ كَثِيرٍ وغَيْرُهُ: (اسْتَكْبَرْتَ)، بِصِلَةِ الألِفِ، وهي قِراءَةُ أهْلِ مَكَّةَ، ولَيْسَتْ في مَشْهُورِ ابْنِ كَثِيرٍ، فاحْتُمِلَ أنْ تَكُونَ هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ حُذِفَتْ لِدَلالَةِ أمْ عَلَيْها، كَقَوْلِهِ: ؎بِسَبْعٍ رَمَيْنَ الجَمْرَ أمْ بِثَمانِ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ إخْبارًا خاطَبَهُ بِذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّقْرِيعِ، وأمْ تَكُونُ مُنْقَطِعَةً، والمَعْنى: بَلْ أنْتَ مِنَ العالِينَ عِنْدَ نَفْسِكَ اسْتِخْفافًا بِهِ. ﴿قالَ أنا خَيْرٌ مِنهُ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ذَلِكَ في الأعْرافِ. ﴿قالَ فاخْرُجْ مِنها﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مِثْلِ ذَلِكَ في الحِجْرِ، إلّا أنَّ هُنا ﴿لَعْنَتِي﴾ وهُناكَ (اللَّعْنَةُ) أعَمُّ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ ويَلْعَنُهُمُ اللّاعِنُونَ﴾ [البقرة: ١٥٩] وأمّا بِالإضافَةِ، فالعُمُومُ في اللَّعْنَةِ أعَمُّ، واللَّعَناتُ إنَّما تَحْصُلُ مِن جِهَةِ أنَّ مَن عَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ كانَتْ عَلَيْهِ لَعْنَةُ كُلِّ لاعِنٍ، هَذا مِن جِهَةِ المَعْنى، وأمّا بِاللَّفْظِ فَيَقْتَضِي التَّخْصِيصَ. ﴿قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ﴾: أقْسَمَ إبْلِيسُ هُنا بِعِزَّةِ اللَّهِ، وقالَ في الأعْرافِ: ﴿فَبِما أغْوَيْتَنِي لَأقْعُدَنَّ﴾ [الأعراف: ١٦]، وفي الحِجْرِ: ﴿رَبِّ بِما أغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ﴾ [الحجر: ٣٩] . وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِما في مَوْضِعِهِما، وإنَّ مِنَ المُفَسِّرِينَ مَن قالَ: إنَّ الباءَ في: ﴿بِما أغْوَيْتَنِي﴾ [الحجر: ٣٩] وفي: ﴿فَبِما أغْوَيْتَنِي﴾ [الأعراف: ١٦] لَيْسَتْ باءَ القَسَمِ. فَإنْ كانَتْ باءَ القَسَمِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ في مَوْطِنَيْنِ: فَهُنا: ﴿لَأُغْوِيَنَّهُمْ﴾، وفي الأعْرافِ: ﴿لَأقْعُدَنَّ﴾ [الأعراف: ١٦]، وفي الحِجْرِ: ﴿لَأُزَيِّنَنَّ﴾ [الحجر: ٣٩] . (p-٤١١)وقَرَأ الجُمْهُورُ: (فالحَقَّ والحَقَّ) بِنَصْبِهِما. أمّا الأوَّلُ فَمُقْسَمٌ بِهِ، حُذِفَ مِنهُ الحَرْفُ كَقَوْلِهِ: (أمانَةَ اللَّهِ لَأقُومَنَّ)، والمُقْسَمُ عَلَيْهِ (لَأمْلَأنَّ) . ﴿والحَقَّ أقُولُ﴾: اعْتِراضٌ بَيْنَ القَسَمِ وجَوابِهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومَعْناهُ: ولا أقُولُ إلّا الحَقَّ. انْتَهى؛ لِأنَّ عِنْدَهُ تَقُدُّمَ المَفْعُولِ يُفِيدُ الحَصْرَ. والحَقُّ المُقْسَمُ بِهِ إمّا اسْمُهُ تَعالى الَّذِي في قَوْلِهِ: ﴿أنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ المُبِينُ﴾ [النور: ٢٥]، أوِ الَّذِي هو نَقِيضُ الباطِلِ. وقِيلَ: ﴿فالحَقُّ﴾ مَنصُوبٌ عَلى الإغْراءِ، أيْ: فالزَمُوا الحَقَّ، و(لَأمْلَأنَّ): جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ. وقالَ الفَرّاءُ: هو عَلى مَعْنى قَوْلِكَ: حَقًّا لا شَكَّ، ووُجُودُ الألِفِ واللّامِ وطَرْحُهُما سَواءٌ، أيْ: لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ حَقًّا. انْتَهى. وهَذا المَصْدَرُ الجائِي تَوْكِيدًا لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ، لا يَجُوزُ تَقْدِيمُهُ عِنْدَ جُمْهُورِ النُّحاةِ، وذَلِكَ مَخْصُوصٌ بِالجُمْلَةِ الَّتِي جُزْآها مَعْرِفَتانِ جامِدَتانِ جُمُودًا مَحْضًا. وقالَ صاحِبُ البَسِيطِ: وقَدْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخَبَرُ نَكِرَةً، قالَ: والمُبْتَدَأُ يَكُونُ ضَمِيرًا نَحْوَ: هو زَيْدٌ مَعْرُوفًا، وهو الحَقُّ بَيِّنًا، وأنا الأمِيرُ مُفْتَخِرًا؛ ويَكُونُ ظاهِرًا كَقَوْلِكَ: زِيدٌ أبُوكَ عَطُوفًا، وأخُوكَ زَيْدٌ مَعْرُوفًا. انْتَهى. وقالَتِ العَرَبُ: زَيْدٌ قائِمٌ غَيْرَ ذِي شَكٍّ، فَجاءَتِ الحالُ بَعْدَ جُمْلَةٍ، والخَبَرُ نَكِرَةً، وهي حالٌ مُؤَكِّدَةٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ، وكَأنَّ الفَرّاءَ لَمْ يَشْتَرِطْ هَذا الَّذِي ذَكَرَهُ أصْحابُنا مِن كَوْنِ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ مَعْرُوفَيْنِ جامِدَيْنِ؛ لِأنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ تَأْكِيدِ مَضْمُونِ الجُمْلَةِ الِابْتِدائِيَّةِ وبَيْنَ تَأْكِيدِ الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ. وقِيلَ: التَّقْدِيرُ فالحَقُّ الحَقُّ، أيْ أفْعَلُهُ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والأعْمَشُ: بِالرَّفْعِ فِيهِما، فالأوَّلُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، قِيلَ: تَقْدِيرُهُ فالحَقُّ أنا، وقِيلَ: فالحَقُّ مِنِّي، وقِيلَ: تَقْدِيرُهُ فالحَقُّ قَسَمِي، وحُذِفَ كَما حُذِفَ في: لَعَمْرُكَ لَأقُومَنَّ، وفي: يَمِينُ اللَّهِ أبْرَحُ قاعِدًا، أيْ لَعَمْرُكَ قَسَمِي ويَمِينُ اللَّهِ قَسَمِي، وهَذِهِ الجُمْلَةُ هي جُمْلَةُ القَسَمِ، وجَوابُهُ: لَأمْلَأنَّ. وأمّا (والحَقُّ أقُولُ) فَمُبْتَدَأٌ أيْضًا، خَبَرُهُ الجُمْلَةُ، وحُذِفَ العائِدُ، كَقِراءَةِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿وكُلًّا وعَدَ اللَّهُ الحُسْنى﴾ [النساء: ٩٥] . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أمّا الأوَّلُ فَرُفِعَ عَلى الِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ في قَوْلِهِ: ﴿لَأمْلَأنَّ﴾؛ لِأنَّ المَعْنى: أنْ أمْلَأ. انْتَهى. وهَذا لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّ لَأمْلَأنَّ جَوابُ قَسَمٍ، ويَجِبُ أنْ يَكُونَ جُمْلَةً، فَلا يَتَقَدَّرُ بِمُفْرَدٍ. وأيْضًا لَيْسَ مَصْدَرًا مُقَدَّرًا بِحَرْفٍ مَصْدَرِيٍّ والفِعْلِ حَتّى يَنْحَلَّ إلَيْهِما، ولَكِنَّهُ لَمّا صَحَّ لَهُ إسْنادُ ما قُدِّرَ إلى المُبْتَدَأِ حُكِمَ أنَّهُ خَبَرٌ عَنْهُ. وقَرَأ الحَسَنُ، وعِيسى، و عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي حَمّادٍ عَنْ أبِي بَكْرٍ: بِجَرِّهِمْ، ويَخْرُجُ عَلى أنَّ الأوَّلَ مَجْرُورٌ بِواوِ القَسَمِ مَحْذُوفَةً، تَقْدِيرُهُ: فَوالحَقِّ، والحَقِّ مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ، كَما تَقُولُ: واللَّهِ واللَّهِ لَأقُومَنَّ، و(أقُولُ) اعْتِراضٌ بَيْنَ القَسَمِ وجَوابِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿والحَقَّ أقُولُ﴾: أيْ: ولا أقُولُ إلّا الحَقَّ عَلى حِكايَةِ لَفْظِ المُقْسَمَ بِهِ، ومَعْناهُ التَّوْكِيدُ والتَّسْدِيدُ، وهَذا الوَجْهُ جائِزٌ في المَنصُوبِ والمَرْفُوعِ، وهو وجْهٌ دَقِيقٌ حَسَنٌ. انْتَهى. ومُلَخَّصُهُ أنَّهُ أعْمَلَ القَوْلَ في لَفْظِ المُقْسَمِ بِهِ عَلى سَبِيلِ الحِكايَةِ نَصْبًا أوْ رَفْعًا أوْ جَرًّا. وقَرَأ مُجاهِدٌ، والأعْمَشُ: بِخِلافٍ عَنْهُما؛ وأبانُ بْنُ تَغْلَبَ، وطَلْحَةُ في رِوايَةٍ، وحَمْزَةُ، وعاصِمٌ، عَنِ المُفَضَّلِ، وخَلَفٍ، والعَبْسِيِّ: بِرَفْعِ ﴿فالحَقُّ﴾ ونَصْبِ ﴿والحَقَّ﴾، وتَقَدَّمَ إعْرابُهُما. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: (أجْمَعِينَ) تَأْكِيدٌ لِلْمُحَدَّثِ عَنْهُ والمَعْطُوفُ عَلَيْهِ، وهو ضَمِيرُ إبْلِيسَ ومَن عُطِفَ عَلَيْهِ، أيْ مِنكَ ومِن تابِعِيكِ أجْمَعِينَ. وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ أجْمَعِينَ تَأْكِيدًا لِلضَّمِيرِ الَّذِي في مِنهم، مُقَدَّرٌ، لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الشَّياطِينِ ومِمَّنْ تَبِعَهم مِن جَمِيعِ النّاسِ، لا تَفاوُتَ في ذَلِكَ بَيْنَ ناسٍ وناسٍ بَعْدَ وُجُودِ الأتْباعِ مِنهم مِن أوْلادِ الأنْبِياءِ وغَيْرِهِمْ. انْتَهى. والضَّمِيرُ في (عَلَيْهِ) عائِدٌ عَلى القُرْآنِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقِيلَ: عائِدٌ عَلى الوَحْيِ. وقِيلَ: عَلى الدُّعاءِ إلى اللَّهِ. ﴿وما أنا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ﴾: أيِ المُتَصَنِّعِينَ المُتَحَلِّينَ بِما لَيْسُوا مِن أهْلِهِ، فَأنْتَحَلُ النُّبُوَّةَ والقَوْلَ عَلى اللَّهِ. (إنْ هو) أيِ: القُرْآنُ، ﴿إلّا ذِكْرٌ﴾: أيْ: مِنَ اللَّهِ، ﴿لِلْعالَمِينَ﴾: الثَّقَلَيْنِ الإنْسِ والجِنِّ. ﴿ولَتَعْلَمُنَّ نَبَأهُ﴾: أيْ عاقِبَةَ خَبَرِهِ لِمَن آمَنَ بِهِ ومَن أعْرَضَ عَنْهُ، ﴿بَعْدَ حِينٍ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ وابْنُ زَيْدٍ: يَعْنِي يَوْمَ القِيامَةِ. وقالَ قَتادَةُ، والفَرّاءُ، والزَّجّاجُ: بَعْدَ المَوْتِ. وكانَ الحَسَنُ يَقُولُ: يا ابْنَ آدَمَ، عِنْدَ المَوْتِ (p-٤١٢)يَأْتِيكَ الخَبَرُ اليَقِينُ. وقِيلَ: المَعْنى لَيَظْهَرَنَّ لَكم حَقِيقَةُ ما أقُولُ. ﴿بَعْدَ حِينٍ﴾ أيْ: في المُسْتَأْنَفِ، إذا أخَذَتْكم سُيُوفُ المُسْلِمِينَ، وذَلِكَ يَوْمَ بَدْرٍ، وأشارَ إلى ذَلِكَ السُّدِّيُّ. * * سُورَةُ الزُّمَرِ خَمْسٌ وسَبْعُونَ آيَةً، مَكِّيَّةٌ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ [الزمر: ١] ﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ فاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر: ٢] ﴿ألا لِلَّهِ الدِّينُ الخالِصُ والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى إنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهم في ما هم فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن هو كاذِبٌ كَفّارٌ﴾ [الزمر: ٣] ﴿لَوْ أرادَ اللَّهُ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا لاصْطَفى مِمّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ سُبْحانَهُ هو اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ [الزمر: ٤] ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلى النَّهارِ ويُكَوِّرُ النَّهارَ عَلى اللَّيْلِ وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأجَلٍ مُسَمًّى ألا هو العَزِيزُ الغَفّارُ﴾ [الزمر: ٥] ﴿خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنها زَوْجَها وأنْزَلَ لَكم مِنَ الأنْعامِ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ يَخْلُقُكم في بُطُونِ أُمَّهاتِكم خَلْقًا مِن بَعْدِ خَلْقٍ في ظُلُماتٍ ثَلاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم لَهُ المُلْكُ لا إلَهَ إلّا هو فَأنّى تُصْرَفُونَ﴾ [الزمر: ٦] ﴿إنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكم ولا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ وإنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكم ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ثُمَّ إلى رَبِّكم مَرْجِعُكم فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ [الزمر: ٧] ﴿وإذا مَسَّ الإنْسانَ ضُرٌّ دَعا رَبَّهُ مُنِيبًا إلَيْهِ ثُمَّ إذا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنهُ نَسِيَ ما كانَ يَدْعُو إلَيْهِ مِن قَبْلُ وجَعَلَ لِلَّهِ أنْدادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إنَّكَ مِن أصْحابِ النّارِ﴾ [الزمر: ٨] ﴿أمْ مَن هو قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِدًا وقائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ ويَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبابِ﴾ [الزمر: ٩] ﴿قُلْ يا عِبادِي الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكم لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وأرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ إنَّما يُوَفّى الصّابِرُونَ أجْرَهم بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ [الزمر: ١٠] ﴿قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر: ١١] ﴿وأُمِرْتُ لِأنْ أكُونَ أوَّلَ المُسْلِمِينَ﴾ [الزمر: ١٢] ﴿قُلْ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الزمر: ١٣] ﴿قُلِ اللَّهَ أعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ [الزمر: ١٤] ﴿فاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِن دُونِهِ قُلْ إنَّ الخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ ألا ذَلِكَ هو الخُسْرانُ المُبِينُ﴾ [الزمر: ١٥] ﴿لَهم مِن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النّارِ ومِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ يا عِبادِ فاتَّقُونِ﴾ [الزمر: ١٦] ﴿والَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ أنْ يَعْبُدُوها وأنابُوا إلى اللَّهِ لَهُمُ البُشْرى فَبَشِّرْ عِبادِي﴾ [الزمر: ١٧] ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وأُولَئِكَ هم أُولُو الألْبابِ﴾ [الزمر: ١٨] ﴿أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ أفَأنْتَ تُنْقِذُ مَن في النّارِ﴾ [الزمر: ١٩] ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم لَهم غُرَفٌ مِن فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ وعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ المِيعادَ﴾ [الزمر: ٢٠] ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ في الأرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا ألْوانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطامًا إنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرى لِأُولِي الألْبابِ﴾ [الزمر: ٢١] ﴿أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ فَهو عَلى نُورٍ مِن رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهم مِن ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الزمر: ٢٢] ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ كِتابًا مُتَشابِهًا مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهم وقُلُوبُهم إلى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشاءُ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ [الزمر: ٢٣] ﴿أفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ وقِيلَ لِلظّالِمِينَ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ [الزمر: ٢٤] ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأتاهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ [الزمر: ٢٥] ﴿فَأذاقَهُمُ اللَّهُ الخِزْيَ في الحَياةِ الدُّنْيا ولَعَذابُ الآخِرَةِ أكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٢٦] ﴿ولَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ [الزمر: ٢٧] ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ [الزمر: ٢٨] ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ ورَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا الحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٢٩] ﴿إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهم مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠] ﴿ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكم تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر: ٣١] . (p-٤١٣)التَّكْوِيرُ: اللَّفُّ واللَّيُّ، يُقالُ: كارَ العِمامَةَ عَلى رَأْسِهِ وكَوَّرَها. خَوَّلَهُ النِّعْمَةَ أيْ: أعْطاهُ ابْتِداءً مِن غَيْرِ مُجازاةٍ، ولا يُقالُ في الجَزاءِ خَوَّلَ. قالَ زُهَيْرٌ: ؎هُنالِكَ إنْ يُسْتَخْوَلُوا المالَ يُخَوَّلُوا ويُرْوى: يُسْتَخْيَلُوا المالَ يُخَيَّلُوا وقالَ أبُو النَّجْمِ: ؎أعْطى فَلَمْ يَبْخَلْ ولَمْ يُبَخِّلْ ∗∗∗ كَوْمَ الذُّرى مِن خَوَلِ المَخْوِلِ هاجَ الزَّرْعُ: ثارَ مِن مَنابِتِهِ، وقِيلَ: يَبِسَ. الحُطامُ: الفُتاتُ بَعْدَ يُبْسِهِ. القُشَعْرِيرَةُ: تَقَبُّضُ الجِلْدِ، يُقالُ: اقْشَعَرَّ جِلْدُهُ مِنَ الخَوْفِ: وقَفَ شَعْرُهُ، وهو مَثَلٌ في شِدَّةِ الخَوْفِ. الشِّكاسَةُ: سُوءُ الخُلُقِ وعُسْرُهُ.

ص 38:71

﴿قُلْ هو نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿أنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ ﴿ما كانَ لِيَ مِن عِلْمٍ بِالمَلَإ الأعْلى إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ ﴿إنْ يُوحى إلَيَّ إلّا أنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿إذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ﴾ ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ ﴿فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلُّهم أجْمَعُونَ﴾ ﴿إلّا إبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ ﴿قالَ يا إبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أأسْتَكْبَرْتَ أمْ كُنْتَ مِنَ العالِينَ﴾ ﴿قالَ أنا خَيْرٌ مِنهُ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ ﴿قالَ فاخْرُجْ مِنها فَإنَّكَ رَجِيمٌ﴾ ﴿وإنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إلى يَوْمِ الدِّينِ﴾ ﴿قالَ رَبِّ فَأنْظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ﴿قالَ فَإنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ ﴿إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ﴾ ﴿قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلّا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ ﴿قالَ فالحَقُّ والحَقَّ أقُولُ﴾ ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ ومِمَّنْ تَبِعَكَ مِنهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿قُلْ ما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ وما أنا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ﴾ ﴿إنْ هو إلّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ ﴿ولَتَعْلَمُنَّ نَبَأهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ . الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ هو نَبَأٌ﴾ يَعُودُ عَلى ما أخْبَرَ بِهِ مِن كَوْنِهِ رَسُولًا مُنْذِرًا داعِيًا إلى اللَّهِ، وأنَّهُ تَعالى هو المُنْفَرِدُ بِالأُلُوهِيَّةِ، المُتَّصِفُ بِتِلْكَ الأوْصافِ مِنَ الوَحْدانِيَّةِ والقَهْرِ ومُلْكِ العالَمِ وعِزَّتِهِ وغُفْرانِهِ، وهو خَبَرٌ عَظِيمٌ لا يُعْرِضُ عَنْ مِثْلِهِ إلّا غافِلٌ شَدِيدُ الغَفْلَةِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: النَّبَأُ العَظِيمُ: القُرْآنُ. وقالَ الحَسَنُ: يَوْمُ القِيامَةِ. وقِيلَ: قَصَصُ آدَمَ والإنْباءُ بِهِ مِن غَيْرِ سَماعٍ مِن أحَدٍ. وقالَ صاحِبُ التَّحْرِيرِ: سِياقُ الآيَةِ وظاهِرُها أنَّهُ يُرِيدُ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ هو نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾، ما قَصَّهُ اللَّهُ تَعالى مِن مُناظَرَةِ أهْلِ النّارِ ومُقاوَلَةِ الأتْباعِ مَعَ السّاداتِ؛ لِأنَّهُ مِن أحْوالِ البَعْثِ، وقُرَيْشٌ كانْتَ تُنْكِرُ البَعْثَ والحِسابَ والعِقابَ، وهم عَنْ ذَلِكَ مُعْرِضُونَ. وقَوْلُهُ: ﴿ما كانَ لِيَ مِن عِلْمٍ بِالمَلَإ الأعْلى إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾: احْتِجاجٌ عَلى قُرَيْشٍ بِأنَّ ما جاءَ بِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ لا مِن قِبَلِ نَفْسِهِ. فَإنَّ مَن في الأرْضِ ما لَهُ عِلْمٌ بِمَن في السَّماءِ إلّا بِإعْلامِ اللَّهِ تَعالى؛ وعِلْمُ المُغَيَّباتِ لا يُوصَلُ إلَيْهِ إلّا (p-٤٠٩)بِإعْلامِ اللَّهِ تَعالى، وعِلْمُهُ بِأحْوالِ أهْلِ النّارِ، وابْتِداءِ خَلْقِ آدَمَ لَمْ يَكُنْ عَنْهُ عِلْمٌ بِذَلِكَ؛ فَإخْبارُهُ بِذَلِكَ هو بِإعْلامِ اللَّهِ، والِاسْتِدْلالُ بِقِصَّةِ آدَمَ؛ لِأنَّهُ أوَّلُ البَشَرِ خَلْقًا، وبَيْنَهُ وبَيْنَ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أزْمانٌ مُتَقادِمَةٌ وقُرُونٌ سالِفَةٌ. انْتَهى، وفي آخِرِهِ بَعْضُ اخْتِصارٍ. ثُمَّ احْتَجَّ بِصِحَّةِ نُبُوَّتِهِ، بِأنَّ ما يُنْبِئُ بِهِ عَنِ المَلَأِ الأعْلى واخْتِصامِهِمْ أمْرٌ لَمْ يَكُنْ لَهُ بِهِ مِن عِلْمٍ قَطُّ. ثُمَّ عَلِمَهُ مِن غَيْرِ الطَّرِيقِ الَّذِي يَسْلُكُهُ المُتَعَلِّمُونَ، بَلْ ذَلِكَ مُسْتَفادٌ مِنَ الوَحْيِ، و(بِالمَلَأِ) مُتَعَلِّقٌ بِـ (عِلْمٍ)، و(إذْ) مَنصُوبٌ بِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بِمَحْذُوفٍ؛ لِأنَّ المَعْنى: ما كانَ لِي مِن عِلْمٍ بِكَلامِ المَلَأِ الأعْلى وقْتَ اخْتِصامِهِمْ. (وإذْ قالَ) بَدَلٌ مِن ﴿إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ عَلى المَلَأِ الأعْلى، وهُمُ المَلائِكَةُ، وأبْعَدَ مَن قالَ إنَّهم قُرَيْشٌ، واخْتِصامُ المَلائِكَةِ في أمْرِ آدَمَ وذُرِّيَّتِهِ في جَعْلِهِمْ في الأرْضِ. وقالُوا: ﴿أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها﴾ [البقرة: ٣٠] . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وقالَ الحَسَنُ: إنَّ اللَّهَ خالِقٌ خَلْقًا كُنّا أكْرَمَ مِنهُ وأعْلَمَ. وقِيلَ: في الكَفّاراتِ وغَفْرِ الذُّنُوبِ، فَإنَّ العَبْدَ إذا عَمِلَ حَسَنَةً اخْتَلَفَتِ المَلائِكَةُ في قَدْرِ ثَوابِهِ في ذَلِكَ حَتّى يَقْضِيَ اللَّهُ بِما يَشاءُ. وفي الحَدِيثِ: ”«قالَ لَهُ رَبُّهُ في نَوْمِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: فِيمَ يَخْتَصِمُونَ ؟ فَقُلْتُ: لا أدْرِي، فَقالَ: في الكَفّاراتِ، وفي إسْباغِ الوُضُوءِ في السَّرّاتِ، ونَقْلِ الخُطا إلى الجَماعاتِ“» . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كانَتْ مُقاوَلَةُ اللَّهِ سُبْحانَهُ بِواسِطَةِ مَلَكٍ، وكانَ المُقاوِلُ في الحَقِيقَةِ هو المَلَكُ المُتَوَسِّطُ، فَيَصِحُّ أنَّ التَّقاوُلَ بَيْنَ المَلائِكَةِ وآدَمَ وإبْلِيسَ، وهُمُ المَلَأُ الأعْلى. والمُرادُ بِالِاخْتِصامِ: التَّقاوُلُ. وقِيلَ: المَلَأُ الأعْلى: المَلائِكَةُ، و﴿إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ الضَّمِيرُ فِيهِ لِلْعَرَبِ الكافِرِينَ، فَبَعْضُهم يَقُولُ: هي بَناتُ اللَّهِ، وبَعْضُهم: آلِهَةٌ تُعْبَدُ، وغَيْرُ ذَلِكَ مِن أقْوالِهِمْ. ﴿إنْ يُوحى إلَيَّ﴾ أيْ: ما يُوحى إلَيَّ، ﴿إلّا أنَّما أنا نَذِيرٌ﴾ أيْ: لِلْإنْذارِ، حَذَفَ اللّامَ ووَصَلَ الفِعْلَ والمَفْعُولَ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرًا يَدُلُّ عَلَيْهِ المَعْنى، أيْ: إنْ يُوحى إلَيَّ هو، أيْ: ما يُوحى إلّا الإنْذارُ، وأُقِيمَ إلِيَّ مَقامَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ إنَّما هو المَفْعُولُ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، أيْ: ما يُوحى إلَيَّ إلّا الإنْذارُ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: (إلّا إنَّما) بِكَسْرِ هَمْزَةِ إنَّما عَلى الحِكايَةِ، أيْ: ما يُوحى إلَيَّ إلّا هَذِهِ الجُمْلَةُ، كَأنْ قِيلَ لَهُ: أنْتَ نَذِيرٌ مُبِينٌ، فَحَكى هو المَعْنى، وهَذا كَما يَقُولُ الإنْسانُ: أنا عالِمٌ، فَيُقالُ لَهُ: قُلْتَ إنَّكَ عالِمٌ، فَيُحْكى المَعْنى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقُرِئَ إنَّما بِالكَسْرِ عَلى الحِكايَةِ، أيْ: إلّا هَذا القَوْلُ، وهو أنْ أقُولَ لَكم ﴿إنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾، فَلا أدَّعِي شَيْئًا آخَرَ. انْتَهى. فِي تَخْرِيجِهِ تَعارُضٌ؛ لِأنَّهُ قالَ أيْ: إلّا هَذا القَوْلَ، فَظاهِرُهُ الجُمْلَةُ الَّتِي هي ﴿إنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾، ثُمَّ قالَ: وهو أنْ أقُولَ لَكم إنِّي نَذِيرٌ، فالمَقامُ مَقامُ الفاعِلِ هو أنْ أقُولَ لَكم، وأنْ وما بَعْدَهُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، وعَلى قَوْلِهِ: إلّا هَذا القَوْلَ، يَكُونُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ فَيَتَعارَضا. وتَقَدَّمَ أنَّ (إذْ قالَ) بَدَلٌ مِن ﴿إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ هَذا إذا كانَتِ الخُصُومَةُ في شَأْنِ مَن يُسْتَخْلَفُ في الأرْضِ، وعَلى غَيْرِهِ مِنَ الأقْوالِ يَكُونُ مَنصُوبًا بِاذْكُرْ. ولَمّا كانَتْ قُرَيْشٌ، خالَفُوا الرَّسُولَ، - عَلَيْهِ السَّلامُ -، بِسَبَبِ الحَسَدِ والكِبْرِ. ذَكَرَ حالَ إبْلِيسَ، حَيْثُ خالَفَ أمْرَ اللَّهِ بِسَبَبِ الحَسَدِ والكِبْرِ وما آلَ إلَيْهِ مِنَ اللَّعْنَةِ والطَّرْدِ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ، لِيَزْدَجِرَ عَنْ ذَلِكَ مَن فِيهِ شَيْءٌ مِنهُما. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ صَحَّ أنْ يَقُولَ لَهم: ﴿إنِّي خالِقٌ بَشَرًا﴾، وما عَرَفُوا ما البَشَرُ ولا عَهِدُوا بِهِ قَبْلُ ؟ (قُلْتُ): وجْهُهُ أنْ يَكُونَ قَدْ قالَ لَهم: إنِّي خالِقٌ خَلْقًا مِن صِفَةِ كَيْتَ وكَيْتَ، ولَكِنَّهُ حِينَ حَكاهُ اقْتَصَرَ عَلى الِاسْمِ. انْتَهى. والبَشَرُ هو آدَمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وذَكَرَ هُنا أنَّهُ خَلَقَهُ مِن طِينٍ، وفي آلِ عِمْرانَ: ﴿خَلَقَهُ مِن تُرابٍ﴾ [آل عمران: ٥٩]، وفي الحِجْرِ: ﴿مِن صَلْصالٍ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ [الحجر: ٢٦]، وفي الأنْبِياءِ: ﴿مِن عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧]؛ ولا مُنافاةَ في تِلْكَ المادَّةِ البَعِيدَةِ، وهي التُّرابُ، ثُمَّ ما يَلِيهِ وهو الطِّينُ، ثُمَّ ما يَلِيهِ وهو الحَمَأُ المَسْنُونُ، ثُمَّ المادَّةُ تَلِي الحَمَأ وهو الصَّلْصالُ؛ وأمّا ﴿مِن عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧] فَمَضى تَفْسِيرُهُ. ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ ﴿فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلُّهم أجْمَعُونَ﴾ ﴿إلّا إبْلِيسَ﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذا في الحِجْرِ، وهُنا ﴿اسْتَكْبَرَ وكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾، (p-٤١٠)وفِي البَقَرَةِ: ﴿أبى واسْتَكْبَرَ وكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ [البقرة: ٣٤]، وفي الأعْرافِ: ﴿لَمْ يَكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ﴾ [الأعراف: ١١]، وفي الحِجْرِ: ﴿أبى أنْ يَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٣١]، وفي الإسْراءِ: ﴿قالَ أأسْجُدُ لِمَن خَلَقْتَ طِينًا﴾ [الإسراء: ٦١]، وفي الكَهْفِ: ﴿كانَ مِنَ الجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ٥٠] . والِاسْتِثْناءُ في جَمِيعِ هَذِهِ الآياتِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمْ يَسْجُدْ، فَتارَةً أكَّدَ بِالنَّفْيِّ المَحْضِ، وتارَةً ذَكَرَ إبايَتَهُ عَنِ السُّجُودِ، وهي الأنَفَةُ مِن ذَلِكَ، وتارَةً نَصَّ عَلى أنَّ ذَلِكَ الِامْتِناعَ كانَ سَبَبُهُ الِاسْتِكْبارَ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ أُرِيدَ بِهِ كُفْرُهُ ذَلِكَ الوَقْتَ، وإنْ لَمْ يَكُنْ قَبْلَهُ كافِرًا؛ وعُطِفَ عَلى اسْتَكْبَرَ، فَقَوِيَ ذَلِكَ؛ لِأنَّ الِاسْتِكْبارَ عَنِ السُّجُودِ إنَّما حَصَلَ لَهُ وقْتَ الأمْرِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إخْبارًا مِنهُ بِسَبْقِ كُفْرِهِ في الأزْمِنَةِ الماضِيَةِ في عِلْمِ اللَّهِ. ﴿قالَ يا إبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ﴾، وفي الأعْرافِ: ﴿ما مَنَعَكَ ألّا تَسْجُدَ﴾ [الأعراف: ١٢]، فَدَلَّ أنْ تَسْجُدَ هُنا، عَلى أنَّ لا في ﴿أنْ لا أقُولَ﴾ [الأعراف: ١٠٥] زائِدَةٌ، والمَعْنى أيْضًا يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ لا يَسْتَفْهِمُ إلّا عَنِ المانِعِ مِنَ السُّجُودِ، وهو اسْتِفْهامُ تَقْرِيرٍ وتَوْبِيخٍ. وما في ﴿لِما خَلَقْتُ﴾، اسْتَدَلَّ بِها مَن يُجِيزُ إطْلاقَ ما عَلى آحادِ مَن يَعْقِلُ، وأوَّلَ بِأنَّ ما مَصْدَرِيَّةٌ، والمَصْدَرُ يُرادُ بِهِ المَخْلُوقُ، لا حَقِيقَةُ المَصْدَرِ. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ: (لَمّا) بِفَتْحِ اللّامِ وتَشْدِيدِ المِيمِ، ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾، عَلى الإفْرادِ؛ والجُمْهُورُ: عَلى التَّثْنِيَةِ؛ وقُرِئَ ﴿بِيَدَيَّ﴾ كَقِراءَةِ ﴿بِمُصْرِخِيَّ﴾ [إبراهيم: ٢٢]؛ وقالَ تَعالى: ﴿مِمّا عَمِلَتْ أيْدِينا﴾ [يس: ٧١] بِالجَمْعِ، وكُلُّها عِبارَةٌ عَنِ القُدْرَةِ والقُوَّةِ، وعَبَّرَ بِاليَدِ، إذْ كانَ عِنْدَ البَشَرِ مُعْتادًا أنَّ البَطْشَ والقُوَّةَ بِاليَدِ. وذَهَبَ القاضِي أبُو بَكْرِ بْنُ الطَّيِّبِ إلى أنَّ اليَدَ صِفَةُ ذاتٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهو قَوْلٌ مَرْغُوبٌ عَنْهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (أسْتَكْبَرْتَ)، بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، فَأمْ مُتَّصِلَةٌ عادَلَتِ الهَمْزَةَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ النَّحْوِيِّينَ إلى أنَّ أمْ لا تَكُونُ مُعادِلَةً لِلْألِفِ مَعَ اخْتِلافِ الفِعْلَيْنِ، وإنَّما تَكُونُ مُعادِلَةً إذا دَخَلَتا عَلى فِعْلٍ واحِدٍ، كَقَوْلِكَ: أزَيْدٌ قامَ أمْ عَمْرٌو ؟ وقَوْلُكَ: أقامَ زَيْدٌ أمْ عَمْرٌو ؟ فَإذا اخْتَلَفَ الفِعْلانِ كَهَذِهِ الآيَةِ، فَلَيْسَتْ مُعادِلَةً. ومَعْنى الآيَةِ: أحَدَثَ لَكَ الِاسْتِكْبارُ الآنَ، أمْ كُنْتَ قَدِيمًا مِمَّنْ لا يَلِيقُ أنْ تُكَلَّفَ مِثْلَ هَذا لِعُلُوِّ مَكانِكَ ؟ وهَذا عَلى جِهَةِ التَّوْبِيخِ. انْتَهى. وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ النَّحْوِيِّينَ مَذْهَبٌ غَيْرُ صَحِيحٍ. قالَ سِيبَوَيْهِ: وتَقُولُ أضْرَبْتَ زَيْدًا أمْ قَتَلْتَهُ فالبَدْءُ هُنا بِالفِعْلِ أحْسَنُ؛ لِأنَّكَ إنَّما تَسْألُ عَنْ أحَدِهِما، لا تَدْرِي أيُّهُما كانَ، ولا تَسْألُ عَنْ مَوْضِعِ أحَدِهِما، كَأنَّكَ قُلْتَ: أيُّ ذَلِكَ كانَ ؟ انْتَهى. فَعادَلَ بِأمِ الألِفَ مَعَ اخْتِلافِ الفِعْلَيْنِ. ﴿مِنَ العالِينَ﴾: مِمَّنْ عَلَوْتَ وفُقْتَ. فَأجابَ بِأنَّهُ مِنَ العالِينَ، حَيْثُ قالَ ﴿أنا خَيْرٌ مِنهُ﴾ . وقِيلَ: أسْتَكْبَرْتَ الآنَ، أوْ لَمْ تَزَلْ مُذْ كُنْتَ مِنَ المُسْتَكْبِرِينَ ؟ ومَعْنى الهَمْزَةِ: التَّقْرِيرُ. انْتَهى. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ، مِنهُمُ ابْنُ كَثِيرٍ وغَيْرُهُ: (اسْتَكْبَرْتَ)، بِصِلَةِ الألِفِ، وهي قِراءَةُ أهْلِ مَكَّةَ، ولَيْسَتْ في مَشْهُورِ ابْنِ كَثِيرٍ، فاحْتُمِلَ أنْ تَكُونَ هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ حُذِفَتْ لِدَلالَةِ أمْ عَلَيْها، كَقَوْلِهِ: ؎بِسَبْعٍ رَمَيْنَ الجَمْرَ أمْ بِثَمانِ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ إخْبارًا خاطَبَهُ بِذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّقْرِيعِ، وأمْ تَكُونُ مُنْقَطِعَةً، والمَعْنى: بَلْ أنْتَ مِنَ العالِينَ عِنْدَ نَفْسِكَ اسْتِخْفافًا بِهِ. ﴿قالَ أنا خَيْرٌ مِنهُ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ذَلِكَ في الأعْرافِ. ﴿قالَ فاخْرُجْ مِنها﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مِثْلِ ذَلِكَ في الحِجْرِ، إلّا أنَّ هُنا ﴿لَعْنَتِي﴾ وهُناكَ (اللَّعْنَةُ) أعَمُّ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ ويَلْعَنُهُمُ اللّاعِنُونَ﴾ [البقرة: ١٥٩] وأمّا بِالإضافَةِ، فالعُمُومُ في اللَّعْنَةِ أعَمُّ، واللَّعَناتُ إنَّما تَحْصُلُ مِن جِهَةِ أنَّ مَن عَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ كانَتْ عَلَيْهِ لَعْنَةُ كُلِّ لاعِنٍ، هَذا مِن جِهَةِ المَعْنى، وأمّا بِاللَّفْظِ فَيَقْتَضِي التَّخْصِيصَ. ﴿قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ﴾: أقْسَمَ إبْلِيسُ هُنا بِعِزَّةِ اللَّهِ، وقالَ في الأعْرافِ: ﴿فَبِما أغْوَيْتَنِي لَأقْعُدَنَّ﴾ [الأعراف: ١٦]، وفي الحِجْرِ: ﴿رَبِّ بِما أغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ﴾ [الحجر: ٣٩] . وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِما في مَوْضِعِهِما، وإنَّ مِنَ المُفَسِّرِينَ مَن قالَ: إنَّ الباءَ في: ﴿بِما أغْوَيْتَنِي﴾ [الحجر: ٣٩] وفي: ﴿فَبِما أغْوَيْتَنِي﴾ [الأعراف: ١٦] لَيْسَتْ باءَ القَسَمِ. فَإنْ كانَتْ باءَ القَسَمِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ في مَوْطِنَيْنِ: فَهُنا: ﴿لَأُغْوِيَنَّهُمْ﴾، وفي الأعْرافِ: ﴿لَأقْعُدَنَّ﴾ [الأعراف: ١٦]، وفي الحِجْرِ: ﴿لَأُزَيِّنَنَّ﴾ [الحجر: ٣٩] . (p-٤١١)وقَرَأ الجُمْهُورُ: (فالحَقَّ والحَقَّ) بِنَصْبِهِما. أمّا الأوَّلُ فَمُقْسَمٌ بِهِ، حُذِفَ مِنهُ الحَرْفُ كَقَوْلِهِ: (أمانَةَ اللَّهِ لَأقُومَنَّ)، والمُقْسَمُ عَلَيْهِ (لَأمْلَأنَّ) . ﴿والحَقَّ أقُولُ﴾: اعْتِراضٌ بَيْنَ القَسَمِ وجَوابِهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومَعْناهُ: ولا أقُولُ إلّا الحَقَّ. انْتَهى؛ لِأنَّ عِنْدَهُ تَقُدُّمَ المَفْعُولِ يُفِيدُ الحَصْرَ. والحَقُّ المُقْسَمُ بِهِ إمّا اسْمُهُ تَعالى الَّذِي في قَوْلِهِ: ﴿أنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ المُبِينُ﴾ [النور: ٢٥]، أوِ الَّذِي هو نَقِيضُ الباطِلِ. وقِيلَ: ﴿فالحَقُّ﴾ مَنصُوبٌ عَلى الإغْراءِ، أيْ: فالزَمُوا الحَقَّ، و(لَأمْلَأنَّ): جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ. وقالَ الفَرّاءُ: هو عَلى مَعْنى قَوْلِكَ: حَقًّا لا شَكَّ، ووُجُودُ الألِفِ واللّامِ وطَرْحُهُما سَواءٌ، أيْ: لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ حَقًّا. انْتَهى. وهَذا المَصْدَرُ الجائِي تَوْكِيدًا لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ، لا يَجُوزُ تَقْدِيمُهُ عِنْدَ جُمْهُورِ النُّحاةِ، وذَلِكَ مَخْصُوصٌ بِالجُمْلَةِ الَّتِي جُزْآها مَعْرِفَتانِ جامِدَتانِ جُمُودًا مَحْضًا. وقالَ صاحِبُ البَسِيطِ: وقَدْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخَبَرُ نَكِرَةً، قالَ: والمُبْتَدَأُ يَكُونُ ضَمِيرًا نَحْوَ: هو زَيْدٌ مَعْرُوفًا، وهو الحَقُّ بَيِّنًا، وأنا الأمِيرُ مُفْتَخِرًا؛ ويَكُونُ ظاهِرًا كَقَوْلِكَ: زِيدٌ أبُوكَ عَطُوفًا، وأخُوكَ زَيْدٌ مَعْرُوفًا. انْتَهى. وقالَتِ العَرَبُ: زَيْدٌ قائِمٌ غَيْرَ ذِي شَكٍّ، فَجاءَتِ الحالُ بَعْدَ جُمْلَةٍ، والخَبَرُ نَكِرَةً، وهي حالٌ مُؤَكِّدَةٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ، وكَأنَّ الفَرّاءَ لَمْ يَشْتَرِطْ هَذا الَّذِي ذَكَرَهُ أصْحابُنا مِن كَوْنِ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ مَعْرُوفَيْنِ جامِدَيْنِ؛ لِأنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ تَأْكِيدِ مَضْمُونِ الجُمْلَةِ الِابْتِدائِيَّةِ وبَيْنَ تَأْكِيدِ الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ. وقِيلَ: التَّقْدِيرُ فالحَقُّ الحَقُّ، أيْ أفْعَلُهُ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والأعْمَشُ: بِالرَّفْعِ فِيهِما، فالأوَّلُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، قِيلَ: تَقْدِيرُهُ فالحَقُّ أنا، وقِيلَ: فالحَقُّ مِنِّي، وقِيلَ: تَقْدِيرُهُ فالحَقُّ قَسَمِي، وحُذِفَ كَما حُذِفَ في: لَعَمْرُكَ لَأقُومَنَّ، وفي: يَمِينُ اللَّهِ أبْرَحُ قاعِدًا، أيْ لَعَمْرُكَ قَسَمِي ويَمِينُ اللَّهِ قَسَمِي، وهَذِهِ الجُمْلَةُ هي جُمْلَةُ القَسَمِ، وجَوابُهُ: لَأمْلَأنَّ. وأمّا (والحَقُّ أقُولُ) فَمُبْتَدَأٌ أيْضًا، خَبَرُهُ الجُمْلَةُ، وحُذِفَ العائِدُ، كَقِراءَةِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿وكُلًّا وعَدَ اللَّهُ الحُسْنى﴾ [النساء: ٩٥] . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أمّا الأوَّلُ فَرُفِعَ عَلى الِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ في قَوْلِهِ: ﴿لَأمْلَأنَّ﴾؛ لِأنَّ المَعْنى: أنْ أمْلَأ. انْتَهى. وهَذا لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّ لَأمْلَأنَّ جَوابُ قَسَمٍ، ويَجِبُ أنْ يَكُونَ جُمْلَةً، فَلا يَتَقَدَّرُ بِمُفْرَدٍ. وأيْضًا لَيْسَ مَصْدَرًا مُقَدَّرًا بِحَرْفٍ مَصْدَرِيٍّ والفِعْلِ حَتّى يَنْحَلَّ إلَيْهِما، ولَكِنَّهُ لَمّا صَحَّ لَهُ إسْنادُ ما قُدِّرَ إلى المُبْتَدَأِ حُكِمَ أنَّهُ خَبَرٌ عَنْهُ. وقَرَأ الحَسَنُ، وعِيسى، و عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي حَمّادٍ عَنْ أبِي بَكْرٍ: بِجَرِّهِمْ، ويَخْرُجُ عَلى أنَّ الأوَّلَ مَجْرُورٌ بِواوِ القَسَمِ مَحْذُوفَةً، تَقْدِيرُهُ: فَوالحَقِّ، والحَقِّ مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ، كَما تَقُولُ: واللَّهِ واللَّهِ لَأقُومَنَّ، و(أقُولُ) اعْتِراضٌ بَيْنَ القَسَمِ وجَوابِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿والحَقَّ أقُولُ﴾: أيْ: ولا أقُولُ إلّا الحَقَّ عَلى حِكايَةِ لَفْظِ المُقْسَمَ بِهِ، ومَعْناهُ التَّوْكِيدُ والتَّسْدِيدُ، وهَذا الوَجْهُ جائِزٌ في المَنصُوبِ والمَرْفُوعِ، وهو وجْهٌ دَقِيقٌ حَسَنٌ. انْتَهى. ومُلَخَّصُهُ أنَّهُ أعْمَلَ القَوْلَ في لَفْظِ المُقْسَمِ بِهِ عَلى سَبِيلِ الحِكايَةِ نَصْبًا أوْ رَفْعًا أوْ جَرًّا. وقَرَأ مُجاهِدٌ، والأعْمَشُ: بِخِلافٍ عَنْهُما؛ وأبانُ بْنُ تَغْلَبَ، وطَلْحَةُ في رِوايَةٍ، وحَمْزَةُ، وعاصِمٌ، عَنِ المُفَضَّلِ، وخَلَفٍ، والعَبْسِيِّ: بِرَفْعِ ﴿فالحَقُّ﴾ ونَصْبِ ﴿والحَقَّ﴾، وتَقَدَّمَ إعْرابُهُما. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: (أجْمَعِينَ) تَأْكِيدٌ لِلْمُحَدَّثِ عَنْهُ والمَعْطُوفُ عَلَيْهِ، وهو ضَمِيرُ إبْلِيسَ ومَن عُطِفَ عَلَيْهِ، أيْ مِنكَ ومِن تابِعِيكِ أجْمَعِينَ. وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ أجْمَعِينَ تَأْكِيدًا لِلضَّمِيرِ الَّذِي في مِنهم، مُقَدَّرٌ، لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الشَّياطِينِ ومِمَّنْ تَبِعَهم مِن جَمِيعِ النّاسِ، لا تَفاوُتَ في ذَلِكَ بَيْنَ ناسٍ وناسٍ بَعْدَ وُجُودِ الأتْباعِ مِنهم مِن أوْلادِ الأنْبِياءِ وغَيْرِهِمْ. انْتَهى. والضَّمِيرُ في (عَلَيْهِ) عائِدٌ عَلى القُرْآنِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقِيلَ: عائِدٌ عَلى الوَحْيِ. وقِيلَ: عَلى الدُّعاءِ إلى اللَّهِ. ﴿وما أنا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ﴾: أيِ المُتَصَنِّعِينَ المُتَحَلِّينَ بِما لَيْسُوا مِن أهْلِهِ، فَأنْتَحَلُ النُّبُوَّةَ والقَوْلَ عَلى اللَّهِ. (إنْ هو) أيِ: القُرْآنُ، ﴿إلّا ذِكْرٌ﴾: أيْ: مِنَ اللَّهِ، ﴿لِلْعالَمِينَ﴾: الثَّقَلَيْنِ الإنْسِ والجِنِّ. ﴿ولَتَعْلَمُنَّ نَبَأهُ﴾: أيْ عاقِبَةَ خَبَرِهِ لِمَن آمَنَ بِهِ ومَن أعْرَضَ عَنْهُ، ﴿بَعْدَ حِينٍ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ وابْنُ زَيْدٍ: يَعْنِي يَوْمَ القِيامَةِ. وقالَ قَتادَةُ، والفَرّاءُ، والزَّجّاجُ: بَعْدَ المَوْتِ. وكانَ الحَسَنُ يَقُولُ: يا ابْنَ آدَمَ، عِنْدَ المَوْتِ (p-٤١٢)يَأْتِيكَ الخَبَرُ اليَقِينُ. وقِيلَ: المَعْنى لَيَظْهَرَنَّ لَكم حَقِيقَةُ ما أقُولُ. ﴿بَعْدَ حِينٍ﴾ أيْ: في المُسْتَأْنَفِ، إذا أخَذَتْكم سُيُوفُ المُسْلِمِينَ، وذَلِكَ يَوْمَ بَدْرٍ، وأشارَ إلى ذَلِكَ السُّدِّيُّ. * * سُورَةُ الزُّمَرِ خَمْسٌ وسَبْعُونَ آيَةً، مَكِّيَّةٌ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ [الزمر: ١] ﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ فاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر: ٢] ﴿ألا لِلَّهِ الدِّينُ الخالِصُ والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى إنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهم في ما هم فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن هو كاذِبٌ كَفّارٌ﴾ [الزمر: ٣] ﴿لَوْ أرادَ اللَّهُ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا لاصْطَفى مِمّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ سُبْحانَهُ هو اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ [الزمر: ٤] ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلى النَّهارِ ويُكَوِّرُ النَّهارَ عَلى اللَّيْلِ وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأجَلٍ مُسَمًّى ألا هو العَزِيزُ الغَفّارُ﴾ [الزمر: ٥] ﴿خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنها زَوْجَها وأنْزَلَ لَكم مِنَ الأنْعامِ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ يَخْلُقُكم في بُطُونِ أُمَّهاتِكم خَلْقًا مِن بَعْدِ خَلْقٍ في ظُلُماتٍ ثَلاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم لَهُ المُلْكُ لا إلَهَ إلّا هو فَأنّى تُصْرَفُونَ﴾ [الزمر: ٦] ﴿إنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكم ولا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ وإنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكم ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ثُمَّ إلى رَبِّكم مَرْجِعُكم فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ [الزمر: ٧] ﴿وإذا مَسَّ الإنْسانَ ضُرٌّ دَعا رَبَّهُ مُنِيبًا إلَيْهِ ثُمَّ إذا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنهُ نَسِيَ ما كانَ يَدْعُو إلَيْهِ مِن قَبْلُ وجَعَلَ لِلَّهِ أنْدادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إنَّكَ مِن أصْحابِ النّارِ﴾ [الزمر: ٨] ﴿أمْ مَن هو قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِدًا وقائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ ويَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبابِ﴾ [الزمر: ٩] ﴿قُلْ يا عِبادِي الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكم لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وأرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ إنَّما يُوَفّى الصّابِرُونَ أجْرَهم بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ [الزمر: ١٠] ﴿قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر: ١١] ﴿وأُمِرْتُ لِأنْ أكُونَ أوَّلَ المُسْلِمِينَ﴾ [الزمر: ١٢] ﴿قُلْ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الزمر: ١٣] ﴿قُلِ اللَّهَ أعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ [الزمر: ١٤] ﴿فاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِن دُونِهِ قُلْ إنَّ الخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ ألا ذَلِكَ هو الخُسْرانُ المُبِينُ﴾ [الزمر: ١٥] ﴿لَهم مِن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النّارِ ومِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ يا عِبادِ فاتَّقُونِ﴾ [الزمر: ١٦] ﴿والَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ أنْ يَعْبُدُوها وأنابُوا إلى اللَّهِ لَهُمُ البُشْرى فَبَشِّرْ عِبادِي﴾ [الزمر: ١٧] ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وأُولَئِكَ هم أُولُو الألْبابِ﴾ [الزمر: ١٨] ﴿أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ أفَأنْتَ تُنْقِذُ مَن في النّارِ﴾ [الزمر: ١٩] ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم لَهم غُرَفٌ مِن فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ وعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ المِيعادَ﴾ [الزمر: ٢٠] ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ في الأرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا ألْوانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطامًا إنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرى لِأُولِي الألْبابِ﴾ [الزمر: ٢١] ﴿أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ فَهو عَلى نُورٍ مِن رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهم مِن ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الزمر: ٢٢] ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ كِتابًا مُتَشابِهًا مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهم وقُلُوبُهم إلى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشاءُ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ [الزمر: ٢٣] ﴿أفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ وقِيلَ لِلظّالِمِينَ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ [الزمر: ٢٤] ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأتاهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ [الزمر: ٢٥] ﴿فَأذاقَهُمُ اللَّهُ الخِزْيَ في الحَياةِ الدُّنْيا ولَعَذابُ الآخِرَةِ أكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٢٦] ﴿ولَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ [الزمر: ٢٧] ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ [الزمر: ٢٨] ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ ورَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا الحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٢٩] ﴿إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهم مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠] ﴿ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكم تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر: ٣١] . (p-٤١٣)التَّكْوِيرُ: اللَّفُّ واللَّيُّ، يُقالُ: كارَ العِمامَةَ عَلى رَأْسِهِ وكَوَّرَها. خَوَّلَهُ النِّعْمَةَ أيْ: أعْطاهُ ابْتِداءً مِن غَيْرِ مُجازاةٍ، ولا يُقالُ في الجَزاءِ خَوَّلَ. قالَ زُهَيْرٌ: ؎هُنالِكَ إنْ يُسْتَخْوَلُوا المالَ يُخَوَّلُوا ويُرْوى: يُسْتَخْيَلُوا المالَ يُخَيَّلُوا وقالَ أبُو النَّجْمِ: ؎أعْطى فَلَمْ يَبْخَلْ ولَمْ يُبَخِّلْ ∗∗∗ كَوْمَ الذُّرى مِن خَوَلِ المَخْوِلِ هاجَ الزَّرْعُ: ثارَ مِن مَنابِتِهِ، وقِيلَ: يَبِسَ. الحُطامُ: الفُتاتُ بَعْدَ يُبْسِهِ. القُشَعْرِيرَةُ: تَقَبُّضُ الجِلْدِ، يُقالُ: اقْشَعَرَّ جِلْدُهُ مِنَ الخَوْفِ: وقَفَ شَعْرُهُ، وهو مَثَلٌ في شِدَّةِ الخَوْفِ. الشِّكاسَةُ: سُوءُ الخُلُقِ وعُسْرُهُ.

ص 38:72

﴿قُلْ هو نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿أنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ ﴿ما كانَ لِيَ مِن عِلْمٍ بِالمَلَإ الأعْلى إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ ﴿إنْ يُوحى إلَيَّ إلّا أنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿إذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ﴾ ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ ﴿فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلُّهم أجْمَعُونَ﴾ ﴿إلّا إبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ ﴿قالَ يا إبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أأسْتَكْبَرْتَ أمْ كُنْتَ مِنَ العالِينَ﴾ ﴿قالَ أنا خَيْرٌ مِنهُ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ ﴿قالَ فاخْرُجْ مِنها فَإنَّكَ رَجِيمٌ﴾ ﴿وإنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إلى يَوْمِ الدِّينِ﴾ ﴿قالَ رَبِّ فَأنْظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ﴿قالَ فَإنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ ﴿إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ﴾ ﴿قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلّا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ ﴿قالَ فالحَقُّ والحَقَّ أقُولُ﴾ ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ ومِمَّنْ تَبِعَكَ مِنهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿قُلْ ما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ وما أنا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ﴾ ﴿إنْ هو إلّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ ﴿ولَتَعْلَمُنَّ نَبَأهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ . الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ هو نَبَأٌ﴾ يَعُودُ عَلى ما أخْبَرَ بِهِ مِن كَوْنِهِ رَسُولًا مُنْذِرًا داعِيًا إلى اللَّهِ، وأنَّهُ تَعالى هو المُنْفَرِدُ بِالأُلُوهِيَّةِ، المُتَّصِفُ بِتِلْكَ الأوْصافِ مِنَ الوَحْدانِيَّةِ والقَهْرِ ومُلْكِ العالَمِ وعِزَّتِهِ وغُفْرانِهِ، وهو خَبَرٌ عَظِيمٌ لا يُعْرِضُ عَنْ مِثْلِهِ إلّا غافِلٌ شَدِيدُ الغَفْلَةِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: النَّبَأُ العَظِيمُ: القُرْآنُ. وقالَ الحَسَنُ: يَوْمُ القِيامَةِ. وقِيلَ: قَصَصُ آدَمَ والإنْباءُ بِهِ مِن غَيْرِ سَماعٍ مِن أحَدٍ. وقالَ صاحِبُ التَّحْرِيرِ: سِياقُ الآيَةِ وظاهِرُها أنَّهُ يُرِيدُ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ هو نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾، ما قَصَّهُ اللَّهُ تَعالى مِن مُناظَرَةِ أهْلِ النّارِ ومُقاوَلَةِ الأتْباعِ مَعَ السّاداتِ؛ لِأنَّهُ مِن أحْوالِ البَعْثِ، وقُرَيْشٌ كانْتَ تُنْكِرُ البَعْثَ والحِسابَ والعِقابَ، وهم عَنْ ذَلِكَ مُعْرِضُونَ. وقَوْلُهُ: ﴿ما كانَ لِيَ مِن عِلْمٍ بِالمَلَإ الأعْلى إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾: احْتِجاجٌ عَلى قُرَيْشٍ بِأنَّ ما جاءَ بِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ لا مِن قِبَلِ نَفْسِهِ. فَإنَّ مَن في الأرْضِ ما لَهُ عِلْمٌ بِمَن في السَّماءِ إلّا بِإعْلامِ اللَّهِ تَعالى؛ وعِلْمُ المُغَيَّباتِ لا يُوصَلُ إلَيْهِ إلّا (p-٤٠٩)بِإعْلامِ اللَّهِ تَعالى، وعِلْمُهُ بِأحْوالِ أهْلِ النّارِ، وابْتِداءِ خَلْقِ آدَمَ لَمْ يَكُنْ عَنْهُ عِلْمٌ بِذَلِكَ؛ فَإخْبارُهُ بِذَلِكَ هو بِإعْلامِ اللَّهِ، والِاسْتِدْلالُ بِقِصَّةِ آدَمَ؛ لِأنَّهُ أوَّلُ البَشَرِ خَلْقًا، وبَيْنَهُ وبَيْنَ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أزْمانٌ مُتَقادِمَةٌ وقُرُونٌ سالِفَةٌ. انْتَهى، وفي آخِرِهِ بَعْضُ اخْتِصارٍ. ثُمَّ احْتَجَّ بِصِحَّةِ نُبُوَّتِهِ، بِأنَّ ما يُنْبِئُ بِهِ عَنِ المَلَأِ الأعْلى واخْتِصامِهِمْ أمْرٌ لَمْ يَكُنْ لَهُ بِهِ مِن عِلْمٍ قَطُّ. ثُمَّ عَلِمَهُ مِن غَيْرِ الطَّرِيقِ الَّذِي يَسْلُكُهُ المُتَعَلِّمُونَ، بَلْ ذَلِكَ مُسْتَفادٌ مِنَ الوَحْيِ، و(بِالمَلَأِ) مُتَعَلِّقٌ بِـ (عِلْمٍ)، و(إذْ) مَنصُوبٌ بِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بِمَحْذُوفٍ؛ لِأنَّ المَعْنى: ما كانَ لِي مِن عِلْمٍ بِكَلامِ المَلَأِ الأعْلى وقْتَ اخْتِصامِهِمْ. (وإذْ قالَ) بَدَلٌ مِن ﴿إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ عَلى المَلَأِ الأعْلى، وهُمُ المَلائِكَةُ، وأبْعَدَ مَن قالَ إنَّهم قُرَيْشٌ، واخْتِصامُ المَلائِكَةِ في أمْرِ آدَمَ وذُرِّيَّتِهِ في جَعْلِهِمْ في الأرْضِ. وقالُوا: ﴿أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها﴾ [البقرة: ٣٠] . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وقالَ الحَسَنُ: إنَّ اللَّهَ خالِقٌ خَلْقًا كُنّا أكْرَمَ مِنهُ وأعْلَمَ. وقِيلَ: في الكَفّاراتِ وغَفْرِ الذُّنُوبِ، فَإنَّ العَبْدَ إذا عَمِلَ حَسَنَةً اخْتَلَفَتِ المَلائِكَةُ في قَدْرِ ثَوابِهِ في ذَلِكَ حَتّى يَقْضِيَ اللَّهُ بِما يَشاءُ. وفي الحَدِيثِ: ”«قالَ لَهُ رَبُّهُ في نَوْمِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: فِيمَ يَخْتَصِمُونَ ؟ فَقُلْتُ: لا أدْرِي، فَقالَ: في الكَفّاراتِ، وفي إسْباغِ الوُضُوءِ في السَّرّاتِ، ونَقْلِ الخُطا إلى الجَماعاتِ“» . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كانَتْ مُقاوَلَةُ اللَّهِ سُبْحانَهُ بِواسِطَةِ مَلَكٍ، وكانَ المُقاوِلُ في الحَقِيقَةِ هو المَلَكُ المُتَوَسِّطُ، فَيَصِحُّ أنَّ التَّقاوُلَ بَيْنَ المَلائِكَةِ وآدَمَ وإبْلِيسَ، وهُمُ المَلَأُ الأعْلى. والمُرادُ بِالِاخْتِصامِ: التَّقاوُلُ. وقِيلَ: المَلَأُ الأعْلى: المَلائِكَةُ، و﴿إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ الضَّمِيرُ فِيهِ لِلْعَرَبِ الكافِرِينَ، فَبَعْضُهم يَقُولُ: هي بَناتُ اللَّهِ، وبَعْضُهم: آلِهَةٌ تُعْبَدُ، وغَيْرُ ذَلِكَ مِن أقْوالِهِمْ. ﴿إنْ يُوحى إلَيَّ﴾ أيْ: ما يُوحى إلَيَّ، ﴿إلّا أنَّما أنا نَذِيرٌ﴾ أيْ: لِلْإنْذارِ، حَذَفَ اللّامَ ووَصَلَ الفِعْلَ والمَفْعُولَ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرًا يَدُلُّ عَلَيْهِ المَعْنى، أيْ: إنْ يُوحى إلَيَّ هو، أيْ: ما يُوحى إلّا الإنْذارُ، وأُقِيمَ إلِيَّ مَقامَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ إنَّما هو المَفْعُولُ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، أيْ: ما يُوحى إلَيَّ إلّا الإنْذارُ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: (إلّا إنَّما) بِكَسْرِ هَمْزَةِ إنَّما عَلى الحِكايَةِ، أيْ: ما يُوحى إلَيَّ إلّا هَذِهِ الجُمْلَةُ، كَأنْ قِيلَ لَهُ: أنْتَ نَذِيرٌ مُبِينٌ، فَحَكى هو المَعْنى، وهَذا كَما يَقُولُ الإنْسانُ: أنا عالِمٌ، فَيُقالُ لَهُ: قُلْتَ إنَّكَ عالِمٌ، فَيُحْكى المَعْنى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقُرِئَ إنَّما بِالكَسْرِ عَلى الحِكايَةِ، أيْ: إلّا هَذا القَوْلُ، وهو أنْ أقُولَ لَكم ﴿إنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾، فَلا أدَّعِي شَيْئًا آخَرَ. انْتَهى. فِي تَخْرِيجِهِ تَعارُضٌ؛ لِأنَّهُ قالَ أيْ: إلّا هَذا القَوْلَ، فَظاهِرُهُ الجُمْلَةُ الَّتِي هي ﴿إنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾، ثُمَّ قالَ: وهو أنْ أقُولَ لَكم إنِّي نَذِيرٌ، فالمَقامُ مَقامُ الفاعِلِ هو أنْ أقُولَ لَكم، وأنْ وما بَعْدَهُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، وعَلى قَوْلِهِ: إلّا هَذا القَوْلَ، يَكُونُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ فَيَتَعارَضا. وتَقَدَّمَ أنَّ (إذْ قالَ) بَدَلٌ مِن ﴿إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ هَذا إذا كانَتِ الخُصُومَةُ في شَأْنِ مَن يُسْتَخْلَفُ في الأرْضِ، وعَلى غَيْرِهِ مِنَ الأقْوالِ يَكُونُ مَنصُوبًا بِاذْكُرْ. ولَمّا كانَتْ قُرَيْشٌ، خالَفُوا الرَّسُولَ، - عَلَيْهِ السَّلامُ -، بِسَبَبِ الحَسَدِ والكِبْرِ. ذَكَرَ حالَ إبْلِيسَ، حَيْثُ خالَفَ أمْرَ اللَّهِ بِسَبَبِ الحَسَدِ والكِبْرِ وما آلَ إلَيْهِ مِنَ اللَّعْنَةِ والطَّرْدِ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ، لِيَزْدَجِرَ عَنْ ذَلِكَ مَن فِيهِ شَيْءٌ مِنهُما. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ صَحَّ أنْ يَقُولَ لَهم: ﴿إنِّي خالِقٌ بَشَرًا﴾، وما عَرَفُوا ما البَشَرُ ولا عَهِدُوا بِهِ قَبْلُ ؟ (قُلْتُ): وجْهُهُ أنْ يَكُونَ قَدْ قالَ لَهم: إنِّي خالِقٌ خَلْقًا مِن صِفَةِ كَيْتَ وكَيْتَ، ولَكِنَّهُ حِينَ حَكاهُ اقْتَصَرَ عَلى الِاسْمِ. انْتَهى. والبَشَرُ هو آدَمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وذَكَرَ هُنا أنَّهُ خَلَقَهُ مِن طِينٍ، وفي آلِ عِمْرانَ: ﴿خَلَقَهُ مِن تُرابٍ﴾ [آل عمران: ٥٩]، وفي الحِجْرِ: ﴿مِن صَلْصالٍ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ [الحجر: ٢٦]، وفي الأنْبِياءِ: ﴿مِن عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧]؛ ولا مُنافاةَ في تِلْكَ المادَّةِ البَعِيدَةِ، وهي التُّرابُ، ثُمَّ ما يَلِيهِ وهو الطِّينُ، ثُمَّ ما يَلِيهِ وهو الحَمَأُ المَسْنُونُ، ثُمَّ المادَّةُ تَلِي الحَمَأ وهو الصَّلْصالُ؛ وأمّا ﴿مِن عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧] فَمَضى تَفْسِيرُهُ. ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ ﴿فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلُّهم أجْمَعُونَ﴾ ﴿إلّا إبْلِيسَ﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذا في الحِجْرِ، وهُنا ﴿اسْتَكْبَرَ وكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾، (p-٤١٠)وفِي البَقَرَةِ: ﴿أبى واسْتَكْبَرَ وكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ [البقرة: ٣٤]، وفي الأعْرافِ: ﴿لَمْ يَكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ﴾ [الأعراف: ١١]، وفي الحِجْرِ: ﴿أبى أنْ يَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٣١]، وفي الإسْراءِ: ﴿قالَ أأسْجُدُ لِمَن خَلَقْتَ طِينًا﴾ [الإسراء: ٦١]، وفي الكَهْفِ: ﴿كانَ مِنَ الجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ٥٠] . والِاسْتِثْناءُ في جَمِيعِ هَذِهِ الآياتِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمْ يَسْجُدْ، فَتارَةً أكَّدَ بِالنَّفْيِّ المَحْضِ، وتارَةً ذَكَرَ إبايَتَهُ عَنِ السُّجُودِ، وهي الأنَفَةُ مِن ذَلِكَ، وتارَةً نَصَّ عَلى أنَّ ذَلِكَ الِامْتِناعَ كانَ سَبَبُهُ الِاسْتِكْبارَ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ أُرِيدَ بِهِ كُفْرُهُ ذَلِكَ الوَقْتَ، وإنْ لَمْ يَكُنْ قَبْلَهُ كافِرًا؛ وعُطِفَ عَلى اسْتَكْبَرَ، فَقَوِيَ ذَلِكَ؛ لِأنَّ الِاسْتِكْبارَ عَنِ السُّجُودِ إنَّما حَصَلَ لَهُ وقْتَ الأمْرِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إخْبارًا مِنهُ بِسَبْقِ كُفْرِهِ في الأزْمِنَةِ الماضِيَةِ في عِلْمِ اللَّهِ. ﴿قالَ يا إبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ﴾، وفي الأعْرافِ: ﴿ما مَنَعَكَ ألّا تَسْجُدَ﴾ [الأعراف: ١٢]، فَدَلَّ أنْ تَسْجُدَ هُنا، عَلى أنَّ لا في ﴿أنْ لا أقُولَ﴾ [الأعراف: ١٠٥] زائِدَةٌ، والمَعْنى أيْضًا يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ لا يَسْتَفْهِمُ إلّا عَنِ المانِعِ مِنَ السُّجُودِ، وهو اسْتِفْهامُ تَقْرِيرٍ وتَوْبِيخٍ. وما في ﴿لِما خَلَقْتُ﴾، اسْتَدَلَّ بِها مَن يُجِيزُ إطْلاقَ ما عَلى آحادِ مَن يَعْقِلُ، وأوَّلَ بِأنَّ ما مَصْدَرِيَّةٌ، والمَصْدَرُ يُرادُ بِهِ المَخْلُوقُ، لا حَقِيقَةُ المَصْدَرِ. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ: (لَمّا) بِفَتْحِ اللّامِ وتَشْدِيدِ المِيمِ، ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾، عَلى الإفْرادِ؛ والجُمْهُورُ: عَلى التَّثْنِيَةِ؛ وقُرِئَ ﴿بِيَدَيَّ﴾ كَقِراءَةِ ﴿بِمُصْرِخِيَّ﴾ [إبراهيم: ٢٢]؛ وقالَ تَعالى: ﴿مِمّا عَمِلَتْ أيْدِينا﴾ [يس: ٧١] بِالجَمْعِ، وكُلُّها عِبارَةٌ عَنِ القُدْرَةِ والقُوَّةِ، وعَبَّرَ بِاليَدِ، إذْ كانَ عِنْدَ البَشَرِ مُعْتادًا أنَّ البَطْشَ والقُوَّةَ بِاليَدِ. وذَهَبَ القاضِي أبُو بَكْرِ بْنُ الطَّيِّبِ إلى أنَّ اليَدَ صِفَةُ ذاتٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهو قَوْلٌ مَرْغُوبٌ عَنْهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (أسْتَكْبَرْتَ)، بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، فَأمْ مُتَّصِلَةٌ عادَلَتِ الهَمْزَةَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ النَّحْوِيِّينَ إلى أنَّ أمْ لا تَكُونُ مُعادِلَةً لِلْألِفِ مَعَ اخْتِلافِ الفِعْلَيْنِ، وإنَّما تَكُونُ مُعادِلَةً إذا دَخَلَتا عَلى فِعْلٍ واحِدٍ، كَقَوْلِكَ: أزَيْدٌ قامَ أمْ عَمْرٌو ؟ وقَوْلُكَ: أقامَ زَيْدٌ أمْ عَمْرٌو ؟ فَإذا اخْتَلَفَ الفِعْلانِ كَهَذِهِ الآيَةِ، فَلَيْسَتْ مُعادِلَةً. ومَعْنى الآيَةِ: أحَدَثَ لَكَ الِاسْتِكْبارُ الآنَ، أمْ كُنْتَ قَدِيمًا مِمَّنْ لا يَلِيقُ أنْ تُكَلَّفَ مِثْلَ هَذا لِعُلُوِّ مَكانِكَ ؟ وهَذا عَلى جِهَةِ التَّوْبِيخِ. انْتَهى. وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ النَّحْوِيِّينَ مَذْهَبٌ غَيْرُ صَحِيحٍ. قالَ سِيبَوَيْهِ: وتَقُولُ أضْرَبْتَ زَيْدًا أمْ قَتَلْتَهُ فالبَدْءُ هُنا بِالفِعْلِ أحْسَنُ؛ لِأنَّكَ إنَّما تَسْألُ عَنْ أحَدِهِما، لا تَدْرِي أيُّهُما كانَ، ولا تَسْألُ عَنْ مَوْضِعِ أحَدِهِما، كَأنَّكَ قُلْتَ: أيُّ ذَلِكَ كانَ ؟ انْتَهى. فَعادَلَ بِأمِ الألِفَ مَعَ اخْتِلافِ الفِعْلَيْنِ. ﴿مِنَ العالِينَ﴾: مِمَّنْ عَلَوْتَ وفُقْتَ. فَأجابَ بِأنَّهُ مِنَ العالِينَ، حَيْثُ قالَ ﴿أنا خَيْرٌ مِنهُ﴾ . وقِيلَ: أسْتَكْبَرْتَ الآنَ، أوْ لَمْ تَزَلْ مُذْ كُنْتَ مِنَ المُسْتَكْبِرِينَ ؟ ومَعْنى الهَمْزَةِ: التَّقْرِيرُ. انْتَهى. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ، مِنهُمُ ابْنُ كَثِيرٍ وغَيْرُهُ: (اسْتَكْبَرْتَ)، بِصِلَةِ الألِفِ، وهي قِراءَةُ أهْلِ مَكَّةَ، ولَيْسَتْ في مَشْهُورِ ابْنِ كَثِيرٍ، فاحْتُمِلَ أنْ تَكُونَ هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ حُذِفَتْ لِدَلالَةِ أمْ عَلَيْها، كَقَوْلِهِ: ؎بِسَبْعٍ رَمَيْنَ الجَمْرَ أمْ بِثَمانِ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ إخْبارًا خاطَبَهُ بِذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّقْرِيعِ، وأمْ تَكُونُ مُنْقَطِعَةً، والمَعْنى: بَلْ أنْتَ مِنَ العالِينَ عِنْدَ نَفْسِكَ اسْتِخْفافًا بِهِ. ﴿قالَ أنا خَيْرٌ مِنهُ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ذَلِكَ في الأعْرافِ. ﴿قالَ فاخْرُجْ مِنها﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مِثْلِ ذَلِكَ في الحِجْرِ، إلّا أنَّ هُنا ﴿لَعْنَتِي﴾ وهُناكَ (اللَّعْنَةُ) أعَمُّ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ ويَلْعَنُهُمُ اللّاعِنُونَ﴾ [البقرة: ١٥٩] وأمّا بِالإضافَةِ، فالعُمُومُ في اللَّعْنَةِ أعَمُّ، واللَّعَناتُ إنَّما تَحْصُلُ مِن جِهَةِ أنَّ مَن عَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ كانَتْ عَلَيْهِ لَعْنَةُ كُلِّ لاعِنٍ، هَذا مِن جِهَةِ المَعْنى، وأمّا بِاللَّفْظِ فَيَقْتَضِي التَّخْصِيصَ. ﴿قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ﴾: أقْسَمَ إبْلِيسُ هُنا بِعِزَّةِ اللَّهِ، وقالَ في الأعْرافِ: ﴿فَبِما أغْوَيْتَنِي لَأقْعُدَنَّ﴾ [الأعراف: ١٦]، وفي الحِجْرِ: ﴿رَبِّ بِما أغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ﴾ [الحجر: ٣٩] . وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِما في مَوْضِعِهِما، وإنَّ مِنَ المُفَسِّرِينَ مَن قالَ: إنَّ الباءَ في: ﴿بِما أغْوَيْتَنِي﴾ [الحجر: ٣٩] وفي: ﴿فَبِما أغْوَيْتَنِي﴾ [الأعراف: ١٦] لَيْسَتْ باءَ القَسَمِ. فَإنْ كانَتْ باءَ القَسَمِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ في مَوْطِنَيْنِ: فَهُنا: ﴿لَأُغْوِيَنَّهُمْ﴾، وفي الأعْرافِ: ﴿لَأقْعُدَنَّ﴾ [الأعراف: ١٦]، وفي الحِجْرِ: ﴿لَأُزَيِّنَنَّ﴾ [الحجر: ٣٩] . (p-٤١١)وقَرَأ الجُمْهُورُ: (فالحَقَّ والحَقَّ) بِنَصْبِهِما. أمّا الأوَّلُ فَمُقْسَمٌ بِهِ، حُذِفَ مِنهُ الحَرْفُ كَقَوْلِهِ: (أمانَةَ اللَّهِ لَأقُومَنَّ)، والمُقْسَمُ عَلَيْهِ (لَأمْلَأنَّ) . ﴿والحَقَّ أقُولُ﴾: اعْتِراضٌ بَيْنَ القَسَمِ وجَوابِهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومَعْناهُ: ولا أقُولُ إلّا الحَقَّ. انْتَهى؛ لِأنَّ عِنْدَهُ تَقُدُّمَ المَفْعُولِ يُفِيدُ الحَصْرَ. والحَقُّ المُقْسَمُ بِهِ إمّا اسْمُهُ تَعالى الَّذِي في قَوْلِهِ: ﴿أنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ المُبِينُ﴾ [النور: ٢٥]، أوِ الَّذِي هو نَقِيضُ الباطِلِ. وقِيلَ: ﴿فالحَقُّ﴾ مَنصُوبٌ عَلى الإغْراءِ، أيْ: فالزَمُوا الحَقَّ، و(لَأمْلَأنَّ): جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ. وقالَ الفَرّاءُ: هو عَلى مَعْنى قَوْلِكَ: حَقًّا لا شَكَّ، ووُجُودُ الألِفِ واللّامِ وطَرْحُهُما سَواءٌ، أيْ: لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ حَقًّا. انْتَهى. وهَذا المَصْدَرُ الجائِي تَوْكِيدًا لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ، لا يَجُوزُ تَقْدِيمُهُ عِنْدَ جُمْهُورِ النُّحاةِ، وذَلِكَ مَخْصُوصٌ بِالجُمْلَةِ الَّتِي جُزْآها مَعْرِفَتانِ جامِدَتانِ جُمُودًا مَحْضًا. وقالَ صاحِبُ البَسِيطِ: وقَدْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخَبَرُ نَكِرَةً، قالَ: والمُبْتَدَأُ يَكُونُ ضَمِيرًا نَحْوَ: هو زَيْدٌ مَعْرُوفًا، وهو الحَقُّ بَيِّنًا، وأنا الأمِيرُ مُفْتَخِرًا؛ ويَكُونُ ظاهِرًا كَقَوْلِكَ: زِيدٌ أبُوكَ عَطُوفًا، وأخُوكَ زَيْدٌ مَعْرُوفًا. انْتَهى. وقالَتِ العَرَبُ: زَيْدٌ قائِمٌ غَيْرَ ذِي شَكٍّ، فَجاءَتِ الحالُ بَعْدَ جُمْلَةٍ، والخَبَرُ نَكِرَةً، وهي حالٌ مُؤَكِّدَةٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ، وكَأنَّ الفَرّاءَ لَمْ يَشْتَرِطْ هَذا الَّذِي ذَكَرَهُ أصْحابُنا مِن كَوْنِ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ مَعْرُوفَيْنِ جامِدَيْنِ؛ لِأنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ تَأْكِيدِ مَضْمُونِ الجُمْلَةِ الِابْتِدائِيَّةِ وبَيْنَ تَأْكِيدِ الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ. وقِيلَ: التَّقْدِيرُ فالحَقُّ الحَقُّ، أيْ أفْعَلُهُ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والأعْمَشُ: بِالرَّفْعِ فِيهِما، فالأوَّلُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، قِيلَ: تَقْدِيرُهُ فالحَقُّ أنا، وقِيلَ: فالحَقُّ مِنِّي، وقِيلَ: تَقْدِيرُهُ فالحَقُّ قَسَمِي، وحُذِفَ كَما حُذِفَ في: لَعَمْرُكَ لَأقُومَنَّ، وفي: يَمِينُ اللَّهِ أبْرَحُ قاعِدًا، أيْ لَعَمْرُكَ قَسَمِي ويَمِينُ اللَّهِ قَسَمِي، وهَذِهِ الجُمْلَةُ هي جُمْلَةُ القَسَمِ، وجَوابُهُ: لَأمْلَأنَّ. وأمّا (والحَقُّ أقُولُ) فَمُبْتَدَأٌ أيْضًا، خَبَرُهُ الجُمْلَةُ، وحُذِفَ العائِدُ، كَقِراءَةِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿وكُلًّا وعَدَ اللَّهُ الحُسْنى﴾ [النساء: ٩٥] . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أمّا الأوَّلُ فَرُفِعَ عَلى الِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ في قَوْلِهِ: ﴿لَأمْلَأنَّ﴾؛ لِأنَّ المَعْنى: أنْ أمْلَأ. انْتَهى. وهَذا لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّ لَأمْلَأنَّ جَوابُ قَسَمٍ، ويَجِبُ أنْ يَكُونَ جُمْلَةً، فَلا يَتَقَدَّرُ بِمُفْرَدٍ. وأيْضًا لَيْسَ مَصْدَرًا مُقَدَّرًا بِحَرْفٍ مَصْدَرِيٍّ والفِعْلِ حَتّى يَنْحَلَّ إلَيْهِما، ولَكِنَّهُ لَمّا صَحَّ لَهُ إسْنادُ ما قُدِّرَ إلى المُبْتَدَأِ حُكِمَ أنَّهُ خَبَرٌ عَنْهُ. وقَرَأ الحَسَنُ، وعِيسى، و عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي حَمّادٍ عَنْ أبِي بَكْرٍ: بِجَرِّهِمْ، ويَخْرُجُ عَلى أنَّ الأوَّلَ مَجْرُورٌ بِواوِ القَسَمِ مَحْذُوفَةً، تَقْدِيرُهُ: فَوالحَقِّ، والحَقِّ مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ، كَما تَقُولُ: واللَّهِ واللَّهِ لَأقُومَنَّ، و(أقُولُ) اعْتِراضٌ بَيْنَ القَسَمِ وجَوابِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿والحَقَّ أقُولُ﴾: أيْ: ولا أقُولُ إلّا الحَقَّ عَلى حِكايَةِ لَفْظِ المُقْسَمَ بِهِ، ومَعْناهُ التَّوْكِيدُ والتَّسْدِيدُ، وهَذا الوَجْهُ جائِزٌ في المَنصُوبِ والمَرْفُوعِ، وهو وجْهٌ دَقِيقٌ حَسَنٌ. انْتَهى. ومُلَخَّصُهُ أنَّهُ أعْمَلَ القَوْلَ في لَفْظِ المُقْسَمِ بِهِ عَلى سَبِيلِ الحِكايَةِ نَصْبًا أوْ رَفْعًا أوْ جَرًّا. وقَرَأ مُجاهِدٌ، والأعْمَشُ: بِخِلافٍ عَنْهُما؛ وأبانُ بْنُ تَغْلَبَ، وطَلْحَةُ في رِوايَةٍ، وحَمْزَةُ، وعاصِمٌ، عَنِ المُفَضَّلِ، وخَلَفٍ، والعَبْسِيِّ: بِرَفْعِ ﴿فالحَقُّ﴾ ونَصْبِ ﴿والحَقَّ﴾، وتَقَدَّمَ إعْرابُهُما. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: (أجْمَعِينَ) تَأْكِيدٌ لِلْمُحَدَّثِ عَنْهُ والمَعْطُوفُ عَلَيْهِ، وهو ضَمِيرُ إبْلِيسَ ومَن عُطِفَ عَلَيْهِ، أيْ مِنكَ ومِن تابِعِيكِ أجْمَعِينَ. وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ أجْمَعِينَ تَأْكِيدًا لِلضَّمِيرِ الَّذِي في مِنهم، مُقَدَّرٌ، لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الشَّياطِينِ ومِمَّنْ تَبِعَهم مِن جَمِيعِ النّاسِ، لا تَفاوُتَ في ذَلِكَ بَيْنَ ناسٍ وناسٍ بَعْدَ وُجُودِ الأتْباعِ مِنهم مِن أوْلادِ الأنْبِياءِ وغَيْرِهِمْ. انْتَهى. والضَّمِيرُ في (عَلَيْهِ) عائِدٌ عَلى القُرْآنِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقِيلَ: عائِدٌ عَلى الوَحْيِ. وقِيلَ: عَلى الدُّعاءِ إلى اللَّهِ. ﴿وما أنا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ﴾: أيِ المُتَصَنِّعِينَ المُتَحَلِّينَ بِما لَيْسُوا مِن أهْلِهِ، فَأنْتَحَلُ النُّبُوَّةَ والقَوْلَ عَلى اللَّهِ. (إنْ هو) أيِ: القُرْآنُ، ﴿إلّا ذِكْرٌ﴾: أيْ: مِنَ اللَّهِ، ﴿لِلْعالَمِينَ﴾: الثَّقَلَيْنِ الإنْسِ والجِنِّ. ﴿ولَتَعْلَمُنَّ نَبَأهُ﴾: أيْ عاقِبَةَ خَبَرِهِ لِمَن آمَنَ بِهِ ومَن أعْرَضَ عَنْهُ، ﴿بَعْدَ حِينٍ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ وابْنُ زَيْدٍ: يَعْنِي يَوْمَ القِيامَةِ. وقالَ قَتادَةُ، والفَرّاءُ، والزَّجّاجُ: بَعْدَ المَوْتِ. وكانَ الحَسَنُ يَقُولُ: يا ابْنَ آدَمَ، عِنْدَ المَوْتِ (p-٤١٢)يَأْتِيكَ الخَبَرُ اليَقِينُ. وقِيلَ: المَعْنى لَيَظْهَرَنَّ لَكم حَقِيقَةُ ما أقُولُ. ﴿بَعْدَ حِينٍ﴾ أيْ: في المُسْتَأْنَفِ، إذا أخَذَتْكم سُيُوفُ المُسْلِمِينَ، وذَلِكَ يَوْمَ بَدْرٍ، وأشارَ إلى ذَلِكَ السُّدِّيُّ. * * سُورَةُ الزُّمَرِ خَمْسٌ وسَبْعُونَ آيَةً، مَكِّيَّةٌ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ [الزمر: ١] ﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ فاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر: ٢] ﴿ألا لِلَّهِ الدِّينُ الخالِصُ والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى إنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهم في ما هم فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن هو كاذِبٌ كَفّارٌ﴾ [الزمر: ٣] ﴿لَوْ أرادَ اللَّهُ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا لاصْطَفى مِمّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ سُبْحانَهُ هو اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ [الزمر: ٤] ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلى النَّهارِ ويُكَوِّرُ النَّهارَ عَلى اللَّيْلِ وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأجَلٍ مُسَمًّى ألا هو العَزِيزُ الغَفّارُ﴾ [الزمر: ٥] ﴿خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنها زَوْجَها وأنْزَلَ لَكم مِنَ الأنْعامِ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ يَخْلُقُكم في بُطُونِ أُمَّهاتِكم خَلْقًا مِن بَعْدِ خَلْقٍ في ظُلُماتٍ ثَلاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم لَهُ المُلْكُ لا إلَهَ إلّا هو فَأنّى تُصْرَفُونَ﴾ [الزمر: ٦] ﴿إنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكم ولا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ وإنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكم ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ثُمَّ إلى رَبِّكم مَرْجِعُكم فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ [الزمر: ٧] ﴿وإذا مَسَّ الإنْسانَ ضُرٌّ دَعا رَبَّهُ مُنِيبًا إلَيْهِ ثُمَّ إذا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنهُ نَسِيَ ما كانَ يَدْعُو إلَيْهِ مِن قَبْلُ وجَعَلَ لِلَّهِ أنْدادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إنَّكَ مِن أصْحابِ النّارِ﴾ [الزمر: ٨] ﴿أمْ مَن هو قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِدًا وقائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ ويَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبابِ﴾ [الزمر: ٩] ﴿قُلْ يا عِبادِي الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكم لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وأرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ إنَّما يُوَفّى الصّابِرُونَ أجْرَهم بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ [الزمر: ١٠] ﴿قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر: ١١] ﴿وأُمِرْتُ لِأنْ أكُونَ أوَّلَ المُسْلِمِينَ﴾ [الزمر: ١٢] ﴿قُلْ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الزمر: ١٣] ﴿قُلِ اللَّهَ أعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ [الزمر: ١٤] ﴿فاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِن دُونِهِ قُلْ إنَّ الخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ ألا ذَلِكَ هو الخُسْرانُ المُبِينُ﴾ [الزمر: ١٥] ﴿لَهم مِن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النّارِ ومِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ يا عِبادِ فاتَّقُونِ﴾ [الزمر: ١٦] ﴿والَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ أنْ يَعْبُدُوها وأنابُوا إلى اللَّهِ لَهُمُ البُشْرى فَبَشِّرْ عِبادِي﴾ [الزمر: ١٧] ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وأُولَئِكَ هم أُولُو الألْبابِ﴾ [الزمر: ١٨] ﴿أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ أفَأنْتَ تُنْقِذُ مَن في النّارِ﴾ [الزمر: ١٩] ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم لَهم غُرَفٌ مِن فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ وعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ المِيعادَ﴾ [الزمر: ٢٠] ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ في الأرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا ألْوانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطامًا إنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرى لِأُولِي الألْبابِ﴾ [الزمر: ٢١] ﴿أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ فَهو عَلى نُورٍ مِن رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهم مِن ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الزمر: ٢٢] ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ كِتابًا مُتَشابِهًا مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهم وقُلُوبُهم إلى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشاءُ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ [الزمر: ٢٣] ﴿أفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ وقِيلَ لِلظّالِمِينَ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ [الزمر: ٢٤] ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأتاهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ [الزمر: ٢٥] ﴿فَأذاقَهُمُ اللَّهُ الخِزْيَ في الحَياةِ الدُّنْيا ولَعَذابُ الآخِرَةِ أكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٢٦] ﴿ولَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ [الزمر: ٢٧] ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ [الزمر: ٢٨] ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ ورَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا الحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٢٩] ﴿إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهم مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠] ﴿ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكم تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر: ٣١] . (p-٤١٣)التَّكْوِيرُ: اللَّفُّ واللَّيُّ، يُقالُ: كارَ العِمامَةَ عَلى رَأْسِهِ وكَوَّرَها. خَوَّلَهُ النِّعْمَةَ أيْ: أعْطاهُ ابْتِداءً مِن غَيْرِ مُجازاةٍ، ولا يُقالُ في الجَزاءِ خَوَّلَ. قالَ زُهَيْرٌ: ؎هُنالِكَ إنْ يُسْتَخْوَلُوا المالَ يُخَوَّلُوا ويُرْوى: يُسْتَخْيَلُوا المالَ يُخَيَّلُوا وقالَ أبُو النَّجْمِ: ؎أعْطى فَلَمْ يَبْخَلْ ولَمْ يُبَخِّلْ ∗∗∗ كَوْمَ الذُّرى مِن خَوَلِ المَخْوِلِ هاجَ الزَّرْعُ: ثارَ مِن مَنابِتِهِ، وقِيلَ: يَبِسَ. الحُطامُ: الفُتاتُ بَعْدَ يُبْسِهِ. القُشَعْرِيرَةُ: تَقَبُّضُ الجِلْدِ، يُقالُ: اقْشَعَرَّ جِلْدُهُ مِنَ الخَوْفِ: وقَفَ شَعْرُهُ، وهو مَثَلٌ في شِدَّةِ الخَوْفِ. الشِّكاسَةُ: سُوءُ الخُلُقِ وعُسْرُهُ.

ص 38:73

﴿قُلْ هو نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿أنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ ﴿ما كانَ لِيَ مِن عِلْمٍ بِالمَلَإ الأعْلى إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ ﴿إنْ يُوحى إلَيَّ إلّا أنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿إذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ﴾ ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ ﴿فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلُّهم أجْمَعُونَ﴾ ﴿إلّا إبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ ﴿قالَ يا إبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أأسْتَكْبَرْتَ أمْ كُنْتَ مِنَ العالِينَ﴾ ﴿قالَ أنا خَيْرٌ مِنهُ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ ﴿قالَ فاخْرُجْ مِنها فَإنَّكَ رَجِيمٌ﴾ ﴿وإنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إلى يَوْمِ الدِّينِ﴾ ﴿قالَ رَبِّ فَأنْظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ﴿قالَ فَإنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ ﴿إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ﴾ ﴿قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلّا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ ﴿قالَ فالحَقُّ والحَقَّ أقُولُ﴾ ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ ومِمَّنْ تَبِعَكَ مِنهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿قُلْ ما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ وما أنا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ﴾ ﴿إنْ هو إلّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ ﴿ولَتَعْلَمُنَّ نَبَأهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ . الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ هو نَبَأٌ﴾ يَعُودُ عَلى ما أخْبَرَ بِهِ مِن كَوْنِهِ رَسُولًا مُنْذِرًا داعِيًا إلى اللَّهِ، وأنَّهُ تَعالى هو المُنْفَرِدُ بِالأُلُوهِيَّةِ، المُتَّصِفُ بِتِلْكَ الأوْصافِ مِنَ الوَحْدانِيَّةِ والقَهْرِ ومُلْكِ العالَمِ وعِزَّتِهِ وغُفْرانِهِ، وهو خَبَرٌ عَظِيمٌ لا يُعْرِضُ عَنْ مِثْلِهِ إلّا غافِلٌ شَدِيدُ الغَفْلَةِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: النَّبَأُ العَظِيمُ: القُرْآنُ. وقالَ الحَسَنُ: يَوْمُ القِيامَةِ. وقِيلَ: قَصَصُ آدَمَ والإنْباءُ بِهِ مِن غَيْرِ سَماعٍ مِن أحَدٍ. وقالَ صاحِبُ التَّحْرِيرِ: سِياقُ الآيَةِ وظاهِرُها أنَّهُ يُرِيدُ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ هو نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾، ما قَصَّهُ اللَّهُ تَعالى مِن مُناظَرَةِ أهْلِ النّارِ ومُقاوَلَةِ الأتْباعِ مَعَ السّاداتِ؛ لِأنَّهُ مِن أحْوالِ البَعْثِ، وقُرَيْشٌ كانْتَ تُنْكِرُ البَعْثَ والحِسابَ والعِقابَ، وهم عَنْ ذَلِكَ مُعْرِضُونَ. وقَوْلُهُ: ﴿ما كانَ لِيَ مِن عِلْمٍ بِالمَلَإ الأعْلى إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾: احْتِجاجٌ عَلى قُرَيْشٍ بِأنَّ ما جاءَ بِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ لا مِن قِبَلِ نَفْسِهِ. فَإنَّ مَن في الأرْضِ ما لَهُ عِلْمٌ بِمَن في السَّماءِ إلّا بِإعْلامِ اللَّهِ تَعالى؛ وعِلْمُ المُغَيَّباتِ لا يُوصَلُ إلَيْهِ إلّا (p-٤٠٩)بِإعْلامِ اللَّهِ تَعالى، وعِلْمُهُ بِأحْوالِ أهْلِ النّارِ، وابْتِداءِ خَلْقِ آدَمَ لَمْ يَكُنْ عَنْهُ عِلْمٌ بِذَلِكَ؛ فَإخْبارُهُ بِذَلِكَ هو بِإعْلامِ اللَّهِ، والِاسْتِدْلالُ بِقِصَّةِ آدَمَ؛ لِأنَّهُ أوَّلُ البَشَرِ خَلْقًا، وبَيْنَهُ وبَيْنَ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أزْمانٌ مُتَقادِمَةٌ وقُرُونٌ سالِفَةٌ. انْتَهى، وفي آخِرِهِ بَعْضُ اخْتِصارٍ. ثُمَّ احْتَجَّ بِصِحَّةِ نُبُوَّتِهِ، بِأنَّ ما يُنْبِئُ بِهِ عَنِ المَلَأِ الأعْلى واخْتِصامِهِمْ أمْرٌ لَمْ يَكُنْ لَهُ بِهِ مِن عِلْمٍ قَطُّ. ثُمَّ عَلِمَهُ مِن غَيْرِ الطَّرِيقِ الَّذِي يَسْلُكُهُ المُتَعَلِّمُونَ، بَلْ ذَلِكَ مُسْتَفادٌ مِنَ الوَحْيِ، و(بِالمَلَأِ) مُتَعَلِّقٌ بِـ (عِلْمٍ)، و(إذْ) مَنصُوبٌ بِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بِمَحْذُوفٍ؛ لِأنَّ المَعْنى: ما كانَ لِي مِن عِلْمٍ بِكَلامِ المَلَأِ الأعْلى وقْتَ اخْتِصامِهِمْ. (وإذْ قالَ) بَدَلٌ مِن ﴿إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ عَلى المَلَأِ الأعْلى، وهُمُ المَلائِكَةُ، وأبْعَدَ مَن قالَ إنَّهم قُرَيْشٌ، واخْتِصامُ المَلائِكَةِ في أمْرِ آدَمَ وذُرِّيَّتِهِ في جَعْلِهِمْ في الأرْضِ. وقالُوا: ﴿أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها﴾ [البقرة: ٣٠] . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وقالَ الحَسَنُ: إنَّ اللَّهَ خالِقٌ خَلْقًا كُنّا أكْرَمَ مِنهُ وأعْلَمَ. وقِيلَ: في الكَفّاراتِ وغَفْرِ الذُّنُوبِ، فَإنَّ العَبْدَ إذا عَمِلَ حَسَنَةً اخْتَلَفَتِ المَلائِكَةُ في قَدْرِ ثَوابِهِ في ذَلِكَ حَتّى يَقْضِيَ اللَّهُ بِما يَشاءُ. وفي الحَدِيثِ: ”«قالَ لَهُ رَبُّهُ في نَوْمِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: فِيمَ يَخْتَصِمُونَ ؟ فَقُلْتُ: لا أدْرِي، فَقالَ: في الكَفّاراتِ، وفي إسْباغِ الوُضُوءِ في السَّرّاتِ، ونَقْلِ الخُطا إلى الجَماعاتِ“» . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كانَتْ مُقاوَلَةُ اللَّهِ سُبْحانَهُ بِواسِطَةِ مَلَكٍ، وكانَ المُقاوِلُ في الحَقِيقَةِ هو المَلَكُ المُتَوَسِّطُ، فَيَصِحُّ أنَّ التَّقاوُلَ بَيْنَ المَلائِكَةِ وآدَمَ وإبْلِيسَ، وهُمُ المَلَأُ الأعْلى. والمُرادُ بِالِاخْتِصامِ: التَّقاوُلُ. وقِيلَ: المَلَأُ الأعْلى: المَلائِكَةُ، و﴿إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ الضَّمِيرُ فِيهِ لِلْعَرَبِ الكافِرِينَ، فَبَعْضُهم يَقُولُ: هي بَناتُ اللَّهِ، وبَعْضُهم: آلِهَةٌ تُعْبَدُ، وغَيْرُ ذَلِكَ مِن أقْوالِهِمْ. ﴿إنْ يُوحى إلَيَّ﴾ أيْ: ما يُوحى إلَيَّ، ﴿إلّا أنَّما أنا نَذِيرٌ﴾ أيْ: لِلْإنْذارِ، حَذَفَ اللّامَ ووَصَلَ الفِعْلَ والمَفْعُولَ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرًا يَدُلُّ عَلَيْهِ المَعْنى، أيْ: إنْ يُوحى إلَيَّ هو، أيْ: ما يُوحى إلّا الإنْذارُ، وأُقِيمَ إلِيَّ مَقامَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ إنَّما هو المَفْعُولُ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، أيْ: ما يُوحى إلَيَّ إلّا الإنْذارُ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: (إلّا إنَّما) بِكَسْرِ هَمْزَةِ إنَّما عَلى الحِكايَةِ، أيْ: ما يُوحى إلَيَّ إلّا هَذِهِ الجُمْلَةُ، كَأنْ قِيلَ لَهُ: أنْتَ نَذِيرٌ مُبِينٌ، فَحَكى هو المَعْنى، وهَذا كَما يَقُولُ الإنْسانُ: أنا عالِمٌ، فَيُقالُ لَهُ: قُلْتَ إنَّكَ عالِمٌ، فَيُحْكى المَعْنى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقُرِئَ إنَّما بِالكَسْرِ عَلى الحِكايَةِ، أيْ: إلّا هَذا القَوْلُ، وهو أنْ أقُولَ لَكم ﴿إنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾، فَلا أدَّعِي شَيْئًا آخَرَ. انْتَهى. فِي تَخْرِيجِهِ تَعارُضٌ؛ لِأنَّهُ قالَ أيْ: إلّا هَذا القَوْلَ، فَظاهِرُهُ الجُمْلَةُ الَّتِي هي ﴿إنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾، ثُمَّ قالَ: وهو أنْ أقُولَ لَكم إنِّي نَذِيرٌ، فالمَقامُ مَقامُ الفاعِلِ هو أنْ أقُولَ لَكم، وأنْ وما بَعْدَهُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، وعَلى قَوْلِهِ: إلّا هَذا القَوْلَ، يَكُونُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ فَيَتَعارَضا. وتَقَدَّمَ أنَّ (إذْ قالَ) بَدَلٌ مِن ﴿إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ هَذا إذا كانَتِ الخُصُومَةُ في شَأْنِ مَن يُسْتَخْلَفُ في الأرْضِ، وعَلى غَيْرِهِ مِنَ الأقْوالِ يَكُونُ مَنصُوبًا بِاذْكُرْ. ولَمّا كانَتْ قُرَيْشٌ، خالَفُوا الرَّسُولَ، - عَلَيْهِ السَّلامُ -، بِسَبَبِ الحَسَدِ والكِبْرِ. ذَكَرَ حالَ إبْلِيسَ، حَيْثُ خالَفَ أمْرَ اللَّهِ بِسَبَبِ الحَسَدِ والكِبْرِ وما آلَ إلَيْهِ مِنَ اللَّعْنَةِ والطَّرْدِ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ، لِيَزْدَجِرَ عَنْ ذَلِكَ مَن فِيهِ شَيْءٌ مِنهُما. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ صَحَّ أنْ يَقُولَ لَهم: ﴿إنِّي خالِقٌ بَشَرًا﴾، وما عَرَفُوا ما البَشَرُ ولا عَهِدُوا بِهِ قَبْلُ ؟ (قُلْتُ): وجْهُهُ أنْ يَكُونَ قَدْ قالَ لَهم: إنِّي خالِقٌ خَلْقًا مِن صِفَةِ كَيْتَ وكَيْتَ، ولَكِنَّهُ حِينَ حَكاهُ اقْتَصَرَ عَلى الِاسْمِ. انْتَهى. والبَشَرُ هو آدَمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وذَكَرَ هُنا أنَّهُ خَلَقَهُ مِن طِينٍ، وفي آلِ عِمْرانَ: ﴿خَلَقَهُ مِن تُرابٍ﴾ [آل عمران: ٥٩]، وفي الحِجْرِ: ﴿مِن صَلْصالٍ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ [الحجر: ٢٦]، وفي الأنْبِياءِ: ﴿مِن عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧]؛ ولا مُنافاةَ في تِلْكَ المادَّةِ البَعِيدَةِ، وهي التُّرابُ، ثُمَّ ما يَلِيهِ وهو الطِّينُ، ثُمَّ ما يَلِيهِ وهو الحَمَأُ المَسْنُونُ، ثُمَّ المادَّةُ تَلِي الحَمَأ وهو الصَّلْصالُ؛ وأمّا ﴿مِن عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧] فَمَضى تَفْسِيرُهُ. ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ ﴿فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلُّهم أجْمَعُونَ﴾ ﴿إلّا إبْلِيسَ﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذا في الحِجْرِ، وهُنا ﴿اسْتَكْبَرَ وكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾، (p-٤١٠)وفِي البَقَرَةِ: ﴿أبى واسْتَكْبَرَ وكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ [البقرة: ٣٤]، وفي الأعْرافِ: ﴿لَمْ يَكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ﴾ [الأعراف: ١١]، وفي الحِجْرِ: ﴿أبى أنْ يَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٣١]، وفي الإسْراءِ: ﴿قالَ أأسْجُدُ لِمَن خَلَقْتَ طِينًا﴾ [الإسراء: ٦١]، وفي الكَهْفِ: ﴿كانَ مِنَ الجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ٥٠] . والِاسْتِثْناءُ في جَمِيعِ هَذِهِ الآياتِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمْ يَسْجُدْ، فَتارَةً أكَّدَ بِالنَّفْيِّ المَحْضِ، وتارَةً ذَكَرَ إبايَتَهُ عَنِ السُّجُودِ، وهي الأنَفَةُ مِن ذَلِكَ، وتارَةً نَصَّ عَلى أنَّ ذَلِكَ الِامْتِناعَ كانَ سَبَبُهُ الِاسْتِكْبارَ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ أُرِيدَ بِهِ كُفْرُهُ ذَلِكَ الوَقْتَ، وإنْ لَمْ يَكُنْ قَبْلَهُ كافِرًا؛ وعُطِفَ عَلى اسْتَكْبَرَ، فَقَوِيَ ذَلِكَ؛ لِأنَّ الِاسْتِكْبارَ عَنِ السُّجُودِ إنَّما حَصَلَ لَهُ وقْتَ الأمْرِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إخْبارًا مِنهُ بِسَبْقِ كُفْرِهِ في الأزْمِنَةِ الماضِيَةِ في عِلْمِ اللَّهِ. ﴿قالَ يا إبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ﴾، وفي الأعْرافِ: ﴿ما مَنَعَكَ ألّا تَسْجُدَ﴾ [الأعراف: ١٢]، فَدَلَّ أنْ تَسْجُدَ هُنا، عَلى أنَّ لا في ﴿أنْ لا أقُولَ﴾ [الأعراف: ١٠٥] زائِدَةٌ، والمَعْنى أيْضًا يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ لا يَسْتَفْهِمُ إلّا عَنِ المانِعِ مِنَ السُّجُودِ، وهو اسْتِفْهامُ تَقْرِيرٍ وتَوْبِيخٍ. وما في ﴿لِما خَلَقْتُ﴾، اسْتَدَلَّ بِها مَن يُجِيزُ إطْلاقَ ما عَلى آحادِ مَن يَعْقِلُ، وأوَّلَ بِأنَّ ما مَصْدَرِيَّةٌ، والمَصْدَرُ يُرادُ بِهِ المَخْلُوقُ، لا حَقِيقَةُ المَصْدَرِ. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ: (لَمّا) بِفَتْحِ اللّامِ وتَشْدِيدِ المِيمِ، ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾، عَلى الإفْرادِ؛ والجُمْهُورُ: عَلى التَّثْنِيَةِ؛ وقُرِئَ ﴿بِيَدَيَّ﴾ كَقِراءَةِ ﴿بِمُصْرِخِيَّ﴾ [إبراهيم: ٢٢]؛ وقالَ تَعالى: ﴿مِمّا عَمِلَتْ أيْدِينا﴾ [يس: ٧١] بِالجَمْعِ، وكُلُّها عِبارَةٌ عَنِ القُدْرَةِ والقُوَّةِ، وعَبَّرَ بِاليَدِ، إذْ كانَ عِنْدَ البَشَرِ مُعْتادًا أنَّ البَطْشَ والقُوَّةَ بِاليَدِ. وذَهَبَ القاضِي أبُو بَكْرِ بْنُ الطَّيِّبِ إلى أنَّ اليَدَ صِفَةُ ذاتٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهو قَوْلٌ مَرْغُوبٌ عَنْهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (أسْتَكْبَرْتَ)، بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، فَأمْ مُتَّصِلَةٌ عادَلَتِ الهَمْزَةَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ النَّحْوِيِّينَ إلى أنَّ أمْ لا تَكُونُ مُعادِلَةً لِلْألِفِ مَعَ اخْتِلافِ الفِعْلَيْنِ، وإنَّما تَكُونُ مُعادِلَةً إذا دَخَلَتا عَلى فِعْلٍ واحِدٍ، كَقَوْلِكَ: أزَيْدٌ قامَ أمْ عَمْرٌو ؟ وقَوْلُكَ: أقامَ زَيْدٌ أمْ عَمْرٌو ؟ فَإذا اخْتَلَفَ الفِعْلانِ كَهَذِهِ الآيَةِ، فَلَيْسَتْ مُعادِلَةً. ومَعْنى الآيَةِ: أحَدَثَ لَكَ الِاسْتِكْبارُ الآنَ، أمْ كُنْتَ قَدِيمًا مِمَّنْ لا يَلِيقُ أنْ تُكَلَّفَ مِثْلَ هَذا لِعُلُوِّ مَكانِكَ ؟ وهَذا عَلى جِهَةِ التَّوْبِيخِ. انْتَهى. وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ النَّحْوِيِّينَ مَذْهَبٌ غَيْرُ صَحِيحٍ. قالَ سِيبَوَيْهِ: وتَقُولُ أضْرَبْتَ زَيْدًا أمْ قَتَلْتَهُ فالبَدْءُ هُنا بِالفِعْلِ أحْسَنُ؛ لِأنَّكَ إنَّما تَسْألُ عَنْ أحَدِهِما، لا تَدْرِي أيُّهُما كانَ، ولا تَسْألُ عَنْ مَوْضِعِ أحَدِهِما، كَأنَّكَ قُلْتَ: أيُّ ذَلِكَ كانَ ؟ انْتَهى. فَعادَلَ بِأمِ الألِفَ مَعَ اخْتِلافِ الفِعْلَيْنِ. ﴿مِنَ العالِينَ﴾: مِمَّنْ عَلَوْتَ وفُقْتَ. فَأجابَ بِأنَّهُ مِنَ العالِينَ، حَيْثُ قالَ ﴿أنا خَيْرٌ مِنهُ﴾ . وقِيلَ: أسْتَكْبَرْتَ الآنَ، أوْ لَمْ تَزَلْ مُذْ كُنْتَ مِنَ المُسْتَكْبِرِينَ ؟ ومَعْنى الهَمْزَةِ: التَّقْرِيرُ. انْتَهى. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ، مِنهُمُ ابْنُ كَثِيرٍ وغَيْرُهُ: (اسْتَكْبَرْتَ)، بِصِلَةِ الألِفِ، وهي قِراءَةُ أهْلِ مَكَّةَ، ولَيْسَتْ في مَشْهُورِ ابْنِ كَثِيرٍ، فاحْتُمِلَ أنْ تَكُونَ هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ حُذِفَتْ لِدَلالَةِ أمْ عَلَيْها، كَقَوْلِهِ: ؎بِسَبْعٍ رَمَيْنَ الجَمْرَ أمْ بِثَمانِ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ إخْبارًا خاطَبَهُ بِذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّقْرِيعِ، وأمْ تَكُونُ مُنْقَطِعَةً، والمَعْنى: بَلْ أنْتَ مِنَ العالِينَ عِنْدَ نَفْسِكَ اسْتِخْفافًا بِهِ. ﴿قالَ أنا خَيْرٌ مِنهُ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ذَلِكَ في الأعْرافِ. ﴿قالَ فاخْرُجْ مِنها﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مِثْلِ ذَلِكَ في الحِجْرِ، إلّا أنَّ هُنا ﴿لَعْنَتِي﴾ وهُناكَ (اللَّعْنَةُ) أعَمُّ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ ويَلْعَنُهُمُ اللّاعِنُونَ﴾ [البقرة: ١٥٩] وأمّا بِالإضافَةِ، فالعُمُومُ في اللَّعْنَةِ أعَمُّ، واللَّعَناتُ إنَّما تَحْصُلُ مِن جِهَةِ أنَّ مَن عَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ كانَتْ عَلَيْهِ لَعْنَةُ كُلِّ لاعِنٍ، هَذا مِن جِهَةِ المَعْنى، وأمّا بِاللَّفْظِ فَيَقْتَضِي التَّخْصِيصَ. ﴿قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ﴾: أقْسَمَ إبْلِيسُ هُنا بِعِزَّةِ اللَّهِ، وقالَ في الأعْرافِ: ﴿فَبِما أغْوَيْتَنِي لَأقْعُدَنَّ﴾ [الأعراف: ١٦]، وفي الحِجْرِ: ﴿رَبِّ بِما أغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ﴾ [الحجر: ٣٩] . وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِما في مَوْضِعِهِما، وإنَّ مِنَ المُفَسِّرِينَ مَن قالَ: إنَّ الباءَ في: ﴿بِما أغْوَيْتَنِي﴾ [الحجر: ٣٩] وفي: ﴿فَبِما أغْوَيْتَنِي﴾ [الأعراف: ١٦] لَيْسَتْ باءَ القَسَمِ. فَإنْ كانَتْ باءَ القَسَمِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ في مَوْطِنَيْنِ: فَهُنا: ﴿لَأُغْوِيَنَّهُمْ﴾، وفي الأعْرافِ: ﴿لَأقْعُدَنَّ﴾ [الأعراف: ١٦]، وفي الحِجْرِ: ﴿لَأُزَيِّنَنَّ﴾ [الحجر: ٣٩] . (p-٤١١)وقَرَأ الجُمْهُورُ: (فالحَقَّ والحَقَّ) بِنَصْبِهِما. أمّا الأوَّلُ فَمُقْسَمٌ بِهِ، حُذِفَ مِنهُ الحَرْفُ كَقَوْلِهِ: (أمانَةَ اللَّهِ لَأقُومَنَّ)، والمُقْسَمُ عَلَيْهِ (لَأمْلَأنَّ) . ﴿والحَقَّ أقُولُ﴾: اعْتِراضٌ بَيْنَ القَسَمِ وجَوابِهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومَعْناهُ: ولا أقُولُ إلّا الحَقَّ. انْتَهى؛ لِأنَّ عِنْدَهُ تَقُدُّمَ المَفْعُولِ يُفِيدُ الحَصْرَ. والحَقُّ المُقْسَمُ بِهِ إمّا اسْمُهُ تَعالى الَّذِي في قَوْلِهِ: ﴿أنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ المُبِينُ﴾ [النور: ٢٥]، أوِ الَّذِي هو نَقِيضُ الباطِلِ. وقِيلَ: ﴿فالحَقُّ﴾ مَنصُوبٌ عَلى الإغْراءِ، أيْ: فالزَمُوا الحَقَّ، و(لَأمْلَأنَّ): جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ. وقالَ الفَرّاءُ: هو عَلى مَعْنى قَوْلِكَ: حَقًّا لا شَكَّ، ووُجُودُ الألِفِ واللّامِ وطَرْحُهُما سَواءٌ، أيْ: لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ حَقًّا. انْتَهى. وهَذا المَصْدَرُ الجائِي تَوْكِيدًا لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ، لا يَجُوزُ تَقْدِيمُهُ عِنْدَ جُمْهُورِ النُّحاةِ، وذَلِكَ مَخْصُوصٌ بِالجُمْلَةِ الَّتِي جُزْآها مَعْرِفَتانِ جامِدَتانِ جُمُودًا مَحْضًا. وقالَ صاحِبُ البَسِيطِ: وقَدْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخَبَرُ نَكِرَةً، قالَ: والمُبْتَدَأُ يَكُونُ ضَمِيرًا نَحْوَ: هو زَيْدٌ مَعْرُوفًا، وهو الحَقُّ بَيِّنًا، وأنا الأمِيرُ مُفْتَخِرًا؛ ويَكُونُ ظاهِرًا كَقَوْلِكَ: زِيدٌ أبُوكَ عَطُوفًا، وأخُوكَ زَيْدٌ مَعْرُوفًا. انْتَهى. وقالَتِ العَرَبُ: زَيْدٌ قائِمٌ غَيْرَ ذِي شَكٍّ، فَجاءَتِ الحالُ بَعْدَ جُمْلَةٍ، والخَبَرُ نَكِرَةً، وهي حالٌ مُؤَكِّدَةٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ، وكَأنَّ الفَرّاءَ لَمْ يَشْتَرِطْ هَذا الَّذِي ذَكَرَهُ أصْحابُنا مِن كَوْنِ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ مَعْرُوفَيْنِ جامِدَيْنِ؛ لِأنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ تَأْكِيدِ مَضْمُونِ الجُمْلَةِ الِابْتِدائِيَّةِ وبَيْنَ تَأْكِيدِ الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ. وقِيلَ: التَّقْدِيرُ فالحَقُّ الحَقُّ، أيْ أفْعَلُهُ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والأعْمَشُ: بِالرَّفْعِ فِيهِما، فالأوَّلُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، قِيلَ: تَقْدِيرُهُ فالحَقُّ أنا، وقِيلَ: فالحَقُّ مِنِّي، وقِيلَ: تَقْدِيرُهُ فالحَقُّ قَسَمِي، وحُذِفَ كَما حُذِفَ في: لَعَمْرُكَ لَأقُومَنَّ، وفي: يَمِينُ اللَّهِ أبْرَحُ قاعِدًا، أيْ لَعَمْرُكَ قَسَمِي ويَمِينُ اللَّهِ قَسَمِي، وهَذِهِ الجُمْلَةُ هي جُمْلَةُ القَسَمِ، وجَوابُهُ: لَأمْلَأنَّ. وأمّا (والحَقُّ أقُولُ) فَمُبْتَدَأٌ أيْضًا، خَبَرُهُ الجُمْلَةُ، وحُذِفَ العائِدُ، كَقِراءَةِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿وكُلًّا وعَدَ اللَّهُ الحُسْنى﴾ [النساء: ٩٥] . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أمّا الأوَّلُ فَرُفِعَ عَلى الِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ في قَوْلِهِ: ﴿لَأمْلَأنَّ﴾؛ لِأنَّ المَعْنى: أنْ أمْلَأ. انْتَهى. وهَذا لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّ لَأمْلَأنَّ جَوابُ قَسَمٍ، ويَجِبُ أنْ يَكُونَ جُمْلَةً، فَلا يَتَقَدَّرُ بِمُفْرَدٍ. وأيْضًا لَيْسَ مَصْدَرًا مُقَدَّرًا بِحَرْفٍ مَصْدَرِيٍّ والفِعْلِ حَتّى يَنْحَلَّ إلَيْهِما، ولَكِنَّهُ لَمّا صَحَّ لَهُ إسْنادُ ما قُدِّرَ إلى المُبْتَدَأِ حُكِمَ أنَّهُ خَبَرٌ عَنْهُ. وقَرَأ الحَسَنُ، وعِيسى، و عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي حَمّادٍ عَنْ أبِي بَكْرٍ: بِجَرِّهِمْ، ويَخْرُجُ عَلى أنَّ الأوَّلَ مَجْرُورٌ بِواوِ القَسَمِ مَحْذُوفَةً، تَقْدِيرُهُ: فَوالحَقِّ، والحَقِّ مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ، كَما تَقُولُ: واللَّهِ واللَّهِ لَأقُومَنَّ، و(أقُولُ) اعْتِراضٌ بَيْنَ القَسَمِ وجَوابِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿والحَقَّ أقُولُ﴾: أيْ: ولا أقُولُ إلّا الحَقَّ عَلى حِكايَةِ لَفْظِ المُقْسَمَ بِهِ، ومَعْناهُ التَّوْكِيدُ والتَّسْدِيدُ، وهَذا الوَجْهُ جائِزٌ في المَنصُوبِ والمَرْفُوعِ، وهو وجْهٌ دَقِيقٌ حَسَنٌ. انْتَهى. ومُلَخَّصُهُ أنَّهُ أعْمَلَ القَوْلَ في لَفْظِ المُقْسَمِ بِهِ عَلى سَبِيلِ الحِكايَةِ نَصْبًا أوْ رَفْعًا أوْ جَرًّا. وقَرَأ مُجاهِدٌ، والأعْمَشُ: بِخِلافٍ عَنْهُما؛ وأبانُ بْنُ تَغْلَبَ، وطَلْحَةُ في رِوايَةٍ، وحَمْزَةُ، وعاصِمٌ، عَنِ المُفَضَّلِ، وخَلَفٍ، والعَبْسِيِّ: بِرَفْعِ ﴿فالحَقُّ﴾ ونَصْبِ ﴿والحَقَّ﴾، وتَقَدَّمَ إعْرابُهُما. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: (أجْمَعِينَ) تَأْكِيدٌ لِلْمُحَدَّثِ عَنْهُ والمَعْطُوفُ عَلَيْهِ، وهو ضَمِيرُ إبْلِيسَ ومَن عُطِفَ عَلَيْهِ، أيْ مِنكَ ومِن تابِعِيكِ أجْمَعِينَ. وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ أجْمَعِينَ تَأْكِيدًا لِلضَّمِيرِ الَّذِي في مِنهم، مُقَدَّرٌ، لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الشَّياطِينِ ومِمَّنْ تَبِعَهم مِن جَمِيعِ النّاسِ، لا تَفاوُتَ في ذَلِكَ بَيْنَ ناسٍ وناسٍ بَعْدَ وُجُودِ الأتْباعِ مِنهم مِن أوْلادِ الأنْبِياءِ وغَيْرِهِمْ. انْتَهى. والضَّمِيرُ في (عَلَيْهِ) عائِدٌ عَلى القُرْآنِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقِيلَ: عائِدٌ عَلى الوَحْيِ. وقِيلَ: عَلى الدُّعاءِ إلى اللَّهِ. ﴿وما أنا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ﴾: أيِ المُتَصَنِّعِينَ المُتَحَلِّينَ بِما لَيْسُوا مِن أهْلِهِ، فَأنْتَحَلُ النُّبُوَّةَ والقَوْلَ عَلى اللَّهِ. (إنْ هو) أيِ: القُرْآنُ، ﴿إلّا ذِكْرٌ﴾: أيْ: مِنَ اللَّهِ، ﴿لِلْعالَمِينَ﴾: الثَّقَلَيْنِ الإنْسِ والجِنِّ. ﴿ولَتَعْلَمُنَّ نَبَأهُ﴾: أيْ عاقِبَةَ خَبَرِهِ لِمَن آمَنَ بِهِ ومَن أعْرَضَ عَنْهُ، ﴿بَعْدَ حِينٍ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ وابْنُ زَيْدٍ: يَعْنِي يَوْمَ القِيامَةِ. وقالَ قَتادَةُ، والفَرّاءُ، والزَّجّاجُ: بَعْدَ المَوْتِ. وكانَ الحَسَنُ يَقُولُ: يا ابْنَ آدَمَ، عِنْدَ المَوْتِ (p-٤١٢)يَأْتِيكَ الخَبَرُ اليَقِينُ. وقِيلَ: المَعْنى لَيَظْهَرَنَّ لَكم حَقِيقَةُ ما أقُولُ. ﴿بَعْدَ حِينٍ﴾ أيْ: في المُسْتَأْنَفِ، إذا أخَذَتْكم سُيُوفُ المُسْلِمِينَ، وذَلِكَ يَوْمَ بَدْرٍ، وأشارَ إلى ذَلِكَ السُّدِّيُّ. * * سُورَةُ الزُّمَرِ خَمْسٌ وسَبْعُونَ آيَةً، مَكِّيَّةٌ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ [الزمر: ١] ﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ فاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر: ٢] ﴿ألا لِلَّهِ الدِّينُ الخالِصُ والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى إنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهم في ما هم فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن هو كاذِبٌ كَفّارٌ﴾ [الزمر: ٣] ﴿لَوْ أرادَ اللَّهُ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا لاصْطَفى مِمّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ سُبْحانَهُ هو اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ [الزمر: ٤] ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلى النَّهارِ ويُكَوِّرُ النَّهارَ عَلى اللَّيْلِ وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأجَلٍ مُسَمًّى ألا هو العَزِيزُ الغَفّارُ﴾ [الزمر: ٥] ﴿خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنها زَوْجَها وأنْزَلَ لَكم مِنَ الأنْعامِ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ يَخْلُقُكم في بُطُونِ أُمَّهاتِكم خَلْقًا مِن بَعْدِ خَلْقٍ في ظُلُماتٍ ثَلاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم لَهُ المُلْكُ لا إلَهَ إلّا هو فَأنّى تُصْرَفُونَ﴾ [الزمر: ٦] ﴿إنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكم ولا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ وإنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكم ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ثُمَّ إلى رَبِّكم مَرْجِعُكم فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ [الزمر: ٧] ﴿وإذا مَسَّ الإنْسانَ ضُرٌّ دَعا رَبَّهُ مُنِيبًا إلَيْهِ ثُمَّ إذا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنهُ نَسِيَ ما كانَ يَدْعُو إلَيْهِ مِن قَبْلُ وجَعَلَ لِلَّهِ أنْدادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إنَّكَ مِن أصْحابِ النّارِ﴾ [الزمر: ٨] ﴿أمْ مَن هو قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِدًا وقائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ ويَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبابِ﴾ [الزمر: ٩] ﴿قُلْ يا عِبادِي الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكم لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وأرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ إنَّما يُوَفّى الصّابِرُونَ أجْرَهم بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ [الزمر: ١٠] ﴿قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر: ١١] ﴿وأُمِرْتُ لِأنْ أكُونَ أوَّلَ المُسْلِمِينَ﴾ [الزمر: ١٢] ﴿قُلْ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الزمر: ١٣] ﴿قُلِ اللَّهَ أعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ [الزمر: ١٤] ﴿فاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِن دُونِهِ قُلْ إنَّ الخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ ألا ذَلِكَ هو الخُسْرانُ المُبِينُ﴾ [الزمر: ١٥] ﴿لَهم مِن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النّارِ ومِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ يا عِبادِ فاتَّقُونِ﴾ [الزمر: ١٦] ﴿والَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ أنْ يَعْبُدُوها وأنابُوا إلى اللَّهِ لَهُمُ البُشْرى فَبَشِّرْ عِبادِي﴾ [الزمر: ١٧] ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وأُولَئِكَ هم أُولُو الألْبابِ﴾ [الزمر: ١٨] ﴿أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ أفَأنْتَ تُنْقِذُ مَن في النّارِ﴾ [الزمر: ١٩] ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم لَهم غُرَفٌ مِن فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ وعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ المِيعادَ﴾ [الزمر: ٢٠] ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ في الأرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا ألْوانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطامًا إنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرى لِأُولِي الألْبابِ﴾ [الزمر: ٢١] ﴿أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ فَهو عَلى نُورٍ مِن رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهم مِن ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الزمر: ٢٢] ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ كِتابًا مُتَشابِهًا مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهم وقُلُوبُهم إلى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشاءُ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ [الزمر: ٢٣] ﴿أفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ وقِيلَ لِلظّالِمِينَ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ [الزمر: ٢٤] ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأتاهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ [الزمر: ٢٥] ﴿فَأذاقَهُمُ اللَّهُ الخِزْيَ في الحَياةِ الدُّنْيا ولَعَذابُ الآخِرَةِ أكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٢٦] ﴿ولَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ [الزمر: ٢٧] ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ [الزمر: ٢٨] ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ ورَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا الحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٢٩] ﴿إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهم مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠] ﴿ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكم تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر: ٣١] . (p-٤١٣)التَّكْوِيرُ: اللَّفُّ واللَّيُّ، يُقالُ: كارَ العِمامَةَ عَلى رَأْسِهِ وكَوَّرَها. خَوَّلَهُ النِّعْمَةَ أيْ: أعْطاهُ ابْتِداءً مِن غَيْرِ مُجازاةٍ، ولا يُقالُ في الجَزاءِ خَوَّلَ. قالَ زُهَيْرٌ: ؎هُنالِكَ إنْ يُسْتَخْوَلُوا المالَ يُخَوَّلُوا ويُرْوى: يُسْتَخْيَلُوا المالَ يُخَيَّلُوا وقالَ أبُو النَّجْمِ: ؎أعْطى فَلَمْ يَبْخَلْ ولَمْ يُبَخِّلْ ∗∗∗ كَوْمَ الذُّرى مِن خَوَلِ المَخْوِلِ هاجَ الزَّرْعُ: ثارَ مِن مَنابِتِهِ، وقِيلَ: يَبِسَ. الحُطامُ: الفُتاتُ بَعْدَ يُبْسِهِ. القُشَعْرِيرَةُ: تَقَبُّضُ الجِلْدِ، يُقالُ: اقْشَعَرَّ جِلْدُهُ مِنَ الخَوْفِ: وقَفَ شَعْرُهُ، وهو مَثَلٌ في شِدَّةِ الخَوْفِ. الشِّكاسَةُ: سُوءُ الخُلُقِ وعُسْرُهُ.

ص 38:74

﴿قُلْ هو نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿أنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ ﴿ما كانَ لِيَ مِن عِلْمٍ بِالمَلَإ الأعْلى إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ ﴿إنْ يُوحى إلَيَّ إلّا أنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿إذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ﴾ ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ ﴿فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلُّهم أجْمَعُونَ﴾ ﴿إلّا إبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ ﴿قالَ يا إبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أأسْتَكْبَرْتَ أمْ كُنْتَ مِنَ العالِينَ﴾ ﴿قالَ أنا خَيْرٌ مِنهُ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ ﴿قالَ فاخْرُجْ مِنها فَإنَّكَ رَجِيمٌ﴾ ﴿وإنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إلى يَوْمِ الدِّينِ﴾ ﴿قالَ رَبِّ فَأنْظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ﴿قالَ فَإنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ ﴿إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ﴾ ﴿قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلّا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ ﴿قالَ فالحَقُّ والحَقَّ أقُولُ﴾ ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ ومِمَّنْ تَبِعَكَ مِنهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿قُلْ ما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ وما أنا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ﴾ ﴿إنْ هو إلّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ ﴿ولَتَعْلَمُنَّ نَبَأهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ . الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ هو نَبَأٌ﴾ يَعُودُ عَلى ما أخْبَرَ بِهِ مِن كَوْنِهِ رَسُولًا مُنْذِرًا داعِيًا إلى اللَّهِ، وأنَّهُ تَعالى هو المُنْفَرِدُ بِالأُلُوهِيَّةِ، المُتَّصِفُ بِتِلْكَ الأوْصافِ مِنَ الوَحْدانِيَّةِ والقَهْرِ ومُلْكِ العالَمِ وعِزَّتِهِ وغُفْرانِهِ، وهو خَبَرٌ عَظِيمٌ لا يُعْرِضُ عَنْ مِثْلِهِ إلّا غافِلٌ شَدِيدُ الغَفْلَةِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: النَّبَأُ العَظِيمُ: القُرْآنُ. وقالَ الحَسَنُ: يَوْمُ القِيامَةِ. وقِيلَ: قَصَصُ آدَمَ والإنْباءُ بِهِ مِن غَيْرِ سَماعٍ مِن أحَدٍ. وقالَ صاحِبُ التَّحْرِيرِ: سِياقُ الآيَةِ وظاهِرُها أنَّهُ يُرِيدُ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ هو نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾، ما قَصَّهُ اللَّهُ تَعالى مِن مُناظَرَةِ أهْلِ النّارِ ومُقاوَلَةِ الأتْباعِ مَعَ السّاداتِ؛ لِأنَّهُ مِن أحْوالِ البَعْثِ، وقُرَيْشٌ كانْتَ تُنْكِرُ البَعْثَ والحِسابَ والعِقابَ، وهم عَنْ ذَلِكَ مُعْرِضُونَ. وقَوْلُهُ: ﴿ما كانَ لِيَ مِن عِلْمٍ بِالمَلَإ الأعْلى إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾: احْتِجاجٌ عَلى قُرَيْشٍ بِأنَّ ما جاءَ بِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ لا مِن قِبَلِ نَفْسِهِ. فَإنَّ مَن في الأرْضِ ما لَهُ عِلْمٌ بِمَن في السَّماءِ إلّا بِإعْلامِ اللَّهِ تَعالى؛ وعِلْمُ المُغَيَّباتِ لا يُوصَلُ إلَيْهِ إلّا (p-٤٠٩)بِإعْلامِ اللَّهِ تَعالى، وعِلْمُهُ بِأحْوالِ أهْلِ النّارِ، وابْتِداءِ خَلْقِ آدَمَ لَمْ يَكُنْ عَنْهُ عِلْمٌ بِذَلِكَ؛ فَإخْبارُهُ بِذَلِكَ هو بِإعْلامِ اللَّهِ، والِاسْتِدْلالُ بِقِصَّةِ آدَمَ؛ لِأنَّهُ أوَّلُ البَشَرِ خَلْقًا، وبَيْنَهُ وبَيْنَ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أزْمانٌ مُتَقادِمَةٌ وقُرُونٌ سالِفَةٌ. انْتَهى، وفي آخِرِهِ بَعْضُ اخْتِصارٍ. ثُمَّ احْتَجَّ بِصِحَّةِ نُبُوَّتِهِ، بِأنَّ ما يُنْبِئُ بِهِ عَنِ المَلَأِ الأعْلى واخْتِصامِهِمْ أمْرٌ لَمْ يَكُنْ لَهُ بِهِ مِن عِلْمٍ قَطُّ. ثُمَّ عَلِمَهُ مِن غَيْرِ الطَّرِيقِ الَّذِي يَسْلُكُهُ المُتَعَلِّمُونَ، بَلْ ذَلِكَ مُسْتَفادٌ مِنَ الوَحْيِ، و(بِالمَلَأِ) مُتَعَلِّقٌ بِـ (عِلْمٍ)، و(إذْ) مَنصُوبٌ بِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بِمَحْذُوفٍ؛ لِأنَّ المَعْنى: ما كانَ لِي مِن عِلْمٍ بِكَلامِ المَلَأِ الأعْلى وقْتَ اخْتِصامِهِمْ. (وإذْ قالَ) بَدَلٌ مِن ﴿إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ عَلى المَلَأِ الأعْلى، وهُمُ المَلائِكَةُ، وأبْعَدَ مَن قالَ إنَّهم قُرَيْشٌ، واخْتِصامُ المَلائِكَةِ في أمْرِ آدَمَ وذُرِّيَّتِهِ في جَعْلِهِمْ في الأرْضِ. وقالُوا: ﴿أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها﴾ [البقرة: ٣٠] . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وقالَ الحَسَنُ: إنَّ اللَّهَ خالِقٌ خَلْقًا كُنّا أكْرَمَ مِنهُ وأعْلَمَ. وقِيلَ: في الكَفّاراتِ وغَفْرِ الذُّنُوبِ، فَإنَّ العَبْدَ إذا عَمِلَ حَسَنَةً اخْتَلَفَتِ المَلائِكَةُ في قَدْرِ ثَوابِهِ في ذَلِكَ حَتّى يَقْضِيَ اللَّهُ بِما يَشاءُ. وفي الحَدِيثِ: ”«قالَ لَهُ رَبُّهُ في نَوْمِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: فِيمَ يَخْتَصِمُونَ ؟ فَقُلْتُ: لا أدْرِي، فَقالَ: في الكَفّاراتِ، وفي إسْباغِ الوُضُوءِ في السَّرّاتِ، ونَقْلِ الخُطا إلى الجَماعاتِ“» . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كانَتْ مُقاوَلَةُ اللَّهِ سُبْحانَهُ بِواسِطَةِ مَلَكٍ، وكانَ المُقاوِلُ في الحَقِيقَةِ هو المَلَكُ المُتَوَسِّطُ، فَيَصِحُّ أنَّ التَّقاوُلَ بَيْنَ المَلائِكَةِ وآدَمَ وإبْلِيسَ، وهُمُ المَلَأُ الأعْلى. والمُرادُ بِالِاخْتِصامِ: التَّقاوُلُ. وقِيلَ: المَلَأُ الأعْلى: المَلائِكَةُ، و﴿إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ الضَّمِيرُ فِيهِ لِلْعَرَبِ الكافِرِينَ، فَبَعْضُهم يَقُولُ: هي بَناتُ اللَّهِ، وبَعْضُهم: آلِهَةٌ تُعْبَدُ، وغَيْرُ ذَلِكَ مِن أقْوالِهِمْ. ﴿إنْ يُوحى إلَيَّ﴾ أيْ: ما يُوحى إلَيَّ، ﴿إلّا أنَّما أنا نَذِيرٌ﴾ أيْ: لِلْإنْذارِ، حَذَفَ اللّامَ ووَصَلَ الفِعْلَ والمَفْعُولَ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرًا يَدُلُّ عَلَيْهِ المَعْنى، أيْ: إنْ يُوحى إلَيَّ هو، أيْ: ما يُوحى إلّا الإنْذارُ، وأُقِيمَ إلِيَّ مَقامَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ إنَّما هو المَفْعُولُ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، أيْ: ما يُوحى إلَيَّ إلّا الإنْذارُ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: (إلّا إنَّما) بِكَسْرِ هَمْزَةِ إنَّما عَلى الحِكايَةِ، أيْ: ما يُوحى إلَيَّ إلّا هَذِهِ الجُمْلَةُ، كَأنْ قِيلَ لَهُ: أنْتَ نَذِيرٌ مُبِينٌ، فَحَكى هو المَعْنى، وهَذا كَما يَقُولُ الإنْسانُ: أنا عالِمٌ، فَيُقالُ لَهُ: قُلْتَ إنَّكَ عالِمٌ، فَيُحْكى المَعْنى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقُرِئَ إنَّما بِالكَسْرِ عَلى الحِكايَةِ، أيْ: إلّا هَذا القَوْلُ، وهو أنْ أقُولَ لَكم ﴿إنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾، فَلا أدَّعِي شَيْئًا آخَرَ. انْتَهى. فِي تَخْرِيجِهِ تَعارُضٌ؛ لِأنَّهُ قالَ أيْ: إلّا هَذا القَوْلَ، فَظاهِرُهُ الجُمْلَةُ الَّتِي هي ﴿إنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾، ثُمَّ قالَ: وهو أنْ أقُولَ لَكم إنِّي نَذِيرٌ، فالمَقامُ مَقامُ الفاعِلِ هو أنْ أقُولَ لَكم، وأنْ وما بَعْدَهُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، وعَلى قَوْلِهِ: إلّا هَذا القَوْلَ، يَكُونُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ فَيَتَعارَضا. وتَقَدَّمَ أنَّ (إذْ قالَ) بَدَلٌ مِن ﴿إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ هَذا إذا كانَتِ الخُصُومَةُ في شَأْنِ مَن يُسْتَخْلَفُ في الأرْضِ، وعَلى غَيْرِهِ مِنَ الأقْوالِ يَكُونُ مَنصُوبًا بِاذْكُرْ. ولَمّا كانَتْ قُرَيْشٌ، خالَفُوا الرَّسُولَ، - عَلَيْهِ السَّلامُ -، بِسَبَبِ الحَسَدِ والكِبْرِ. ذَكَرَ حالَ إبْلِيسَ، حَيْثُ خالَفَ أمْرَ اللَّهِ بِسَبَبِ الحَسَدِ والكِبْرِ وما آلَ إلَيْهِ مِنَ اللَّعْنَةِ والطَّرْدِ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ، لِيَزْدَجِرَ عَنْ ذَلِكَ مَن فِيهِ شَيْءٌ مِنهُما. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ صَحَّ أنْ يَقُولَ لَهم: ﴿إنِّي خالِقٌ بَشَرًا﴾، وما عَرَفُوا ما البَشَرُ ولا عَهِدُوا بِهِ قَبْلُ ؟ (قُلْتُ): وجْهُهُ أنْ يَكُونَ قَدْ قالَ لَهم: إنِّي خالِقٌ خَلْقًا مِن صِفَةِ كَيْتَ وكَيْتَ، ولَكِنَّهُ حِينَ حَكاهُ اقْتَصَرَ عَلى الِاسْمِ. انْتَهى. والبَشَرُ هو آدَمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وذَكَرَ هُنا أنَّهُ خَلَقَهُ مِن طِينٍ، وفي آلِ عِمْرانَ: ﴿خَلَقَهُ مِن تُرابٍ﴾ [آل عمران: ٥٩]، وفي الحِجْرِ: ﴿مِن صَلْصالٍ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ [الحجر: ٢٦]، وفي الأنْبِياءِ: ﴿مِن عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧]؛ ولا مُنافاةَ في تِلْكَ المادَّةِ البَعِيدَةِ، وهي التُّرابُ، ثُمَّ ما يَلِيهِ وهو الطِّينُ، ثُمَّ ما يَلِيهِ وهو الحَمَأُ المَسْنُونُ، ثُمَّ المادَّةُ تَلِي الحَمَأ وهو الصَّلْصالُ؛ وأمّا ﴿مِن عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧] فَمَضى تَفْسِيرُهُ. ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ ﴿فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلُّهم أجْمَعُونَ﴾ ﴿إلّا إبْلِيسَ﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذا في الحِجْرِ، وهُنا ﴿اسْتَكْبَرَ وكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾، (p-٤١٠)وفِي البَقَرَةِ: ﴿أبى واسْتَكْبَرَ وكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ [البقرة: ٣٤]، وفي الأعْرافِ: ﴿لَمْ يَكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ﴾ [الأعراف: ١١]، وفي الحِجْرِ: ﴿أبى أنْ يَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٣١]، وفي الإسْراءِ: ﴿قالَ أأسْجُدُ لِمَن خَلَقْتَ طِينًا﴾ [الإسراء: ٦١]، وفي الكَهْفِ: ﴿كانَ مِنَ الجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ٥٠] . والِاسْتِثْناءُ في جَمِيعِ هَذِهِ الآياتِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمْ يَسْجُدْ، فَتارَةً أكَّدَ بِالنَّفْيِّ المَحْضِ، وتارَةً ذَكَرَ إبايَتَهُ عَنِ السُّجُودِ، وهي الأنَفَةُ مِن ذَلِكَ، وتارَةً نَصَّ عَلى أنَّ ذَلِكَ الِامْتِناعَ كانَ سَبَبُهُ الِاسْتِكْبارَ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ أُرِيدَ بِهِ كُفْرُهُ ذَلِكَ الوَقْتَ، وإنْ لَمْ يَكُنْ قَبْلَهُ كافِرًا؛ وعُطِفَ عَلى اسْتَكْبَرَ، فَقَوِيَ ذَلِكَ؛ لِأنَّ الِاسْتِكْبارَ عَنِ السُّجُودِ إنَّما حَصَلَ لَهُ وقْتَ الأمْرِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إخْبارًا مِنهُ بِسَبْقِ كُفْرِهِ في الأزْمِنَةِ الماضِيَةِ في عِلْمِ اللَّهِ. ﴿قالَ يا إبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ﴾، وفي الأعْرافِ: ﴿ما مَنَعَكَ ألّا تَسْجُدَ﴾ [الأعراف: ١٢]، فَدَلَّ أنْ تَسْجُدَ هُنا، عَلى أنَّ لا في ﴿أنْ لا أقُولَ﴾ [الأعراف: ١٠٥] زائِدَةٌ، والمَعْنى أيْضًا يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ لا يَسْتَفْهِمُ إلّا عَنِ المانِعِ مِنَ السُّجُودِ، وهو اسْتِفْهامُ تَقْرِيرٍ وتَوْبِيخٍ. وما في ﴿لِما خَلَقْتُ﴾، اسْتَدَلَّ بِها مَن يُجِيزُ إطْلاقَ ما عَلى آحادِ مَن يَعْقِلُ، وأوَّلَ بِأنَّ ما مَصْدَرِيَّةٌ، والمَصْدَرُ يُرادُ بِهِ المَخْلُوقُ، لا حَقِيقَةُ المَصْدَرِ. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ: (لَمّا) بِفَتْحِ اللّامِ وتَشْدِيدِ المِيمِ، ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾، عَلى الإفْرادِ؛ والجُمْهُورُ: عَلى التَّثْنِيَةِ؛ وقُرِئَ ﴿بِيَدَيَّ﴾ كَقِراءَةِ ﴿بِمُصْرِخِيَّ﴾ [إبراهيم: ٢٢]؛ وقالَ تَعالى: ﴿مِمّا عَمِلَتْ أيْدِينا﴾ [يس: ٧١] بِالجَمْعِ، وكُلُّها عِبارَةٌ عَنِ القُدْرَةِ والقُوَّةِ، وعَبَّرَ بِاليَدِ، إذْ كانَ عِنْدَ البَشَرِ مُعْتادًا أنَّ البَطْشَ والقُوَّةَ بِاليَدِ. وذَهَبَ القاضِي أبُو بَكْرِ بْنُ الطَّيِّبِ إلى أنَّ اليَدَ صِفَةُ ذاتٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهو قَوْلٌ مَرْغُوبٌ عَنْهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (أسْتَكْبَرْتَ)، بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، فَأمْ مُتَّصِلَةٌ عادَلَتِ الهَمْزَةَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ النَّحْوِيِّينَ إلى أنَّ أمْ لا تَكُونُ مُعادِلَةً لِلْألِفِ مَعَ اخْتِلافِ الفِعْلَيْنِ، وإنَّما تَكُونُ مُعادِلَةً إذا دَخَلَتا عَلى فِعْلٍ واحِدٍ، كَقَوْلِكَ: أزَيْدٌ قامَ أمْ عَمْرٌو ؟ وقَوْلُكَ: أقامَ زَيْدٌ أمْ عَمْرٌو ؟ فَإذا اخْتَلَفَ الفِعْلانِ كَهَذِهِ الآيَةِ، فَلَيْسَتْ مُعادِلَةً. ومَعْنى الآيَةِ: أحَدَثَ لَكَ الِاسْتِكْبارُ الآنَ، أمْ كُنْتَ قَدِيمًا مِمَّنْ لا يَلِيقُ أنْ تُكَلَّفَ مِثْلَ هَذا لِعُلُوِّ مَكانِكَ ؟ وهَذا عَلى جِهَةِ التَّوْبِيخِ. انْتَهى. وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ النَّحْوِيِّينَ مَذْهَبٌ غَيْرُ صَحِيحٍ. قالَ سِيبَوَيْهِ: وتَقُولُ أضْرَبْتَ زَيْدًا أمْ قَتَلْتَهُ فالبَدْءُ هُنا بِالفِعْلِ أحْسَنُ؛ لِأنَّكَ إنَّما تَسْألُ عَنْ أحَدِهِما، لا تَدْرِي أيُّهُما كانَ، ولا تَسْألُ عَنْ مَوْضِعِ أحَدِهِما، كَأنَّكَ قُلْتَ: أيُّ ذَلِكَ كانَ ؟ انْتَهى. فَعادَلَ بِأمِ الألِفَ مَعَ اخْتِلافِ الفِعْلَيْنِ. ﴿مِنَ العالِينَ﴾: مِمَّنْ عَلَوْتَ وفُقْتَ. فَأجابَ بِأنَّهُ مِنَ العالِينَ، حَيْثُ قالَ ﴿أنا خَيْرٌ مِنهُ﴾ . وقِيلَ: أسْتَكْبَرْتَ الآنَ، أوْ لَمْ تَزَلْ مُذْ كُنْتَ مِنَ المُسْتَكْبِرِينَ ؟ ومَعْنى الهَمْزَةِ: التَّقْرِيرُ. انْتَهى. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ، مِنهُمُ ابْنُ كَثِيرٍ وغَيْرُهُ: (اسْتَكْبَرْتَ)، بِصِلَةِ الألِفِ، وهي قِراءَةُ أهْلِ مَكَّةَ، ولَيْسَتْ في مَشْهُورِ ابْنِ كَثِيرٍ، فاحْتُمِلَ أنْ تَكُونَ هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ حُذِفَتْ لِدَلالَةِ أمْ عَلَيْها، كَقَوْلِهِ: ؎بِسَبْعٍ رَمَيْنَ الجَمْرَ أمْ بِثَمانِ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ إخْبارًا خاطَبَهُ بِذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّقْرِيعِ، وأمْ تَكُونُ مُنْقَطِعَةً، والمَعْنى: بَلْ أنْتَ مِنَ العالِينَ عِنْدَ نَفْسِكَ اسْتِخْفافًا بِهِ. ﴿قالَ أنا خَيْرٌ مِنهُ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ذَلِكَ في الأعْرافِ. ﴿قالَ فاخْرُجْ مِنها﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مِثْلِ ذَلِكَ في الحِجْرِ، إلّا أنَّ هُنا ﴿لَعْنَتِي﴾ وهُناكَ (اللَّعْنَةُ) أعَمُّ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ ويَلْعَنُهُمُ اللّاعِنُونَ﴾ [البقرة: ١٥٩] وأمّا بِالإضافَةِ، فالعُمُومُ في اللَّعْنَةِ أعَمُّ، واللَّعَناتُ إنَّما تَحْصُلُ مِن جِهَةِ أنَّ مَن عَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ كانَتْ عَلَيْهِ لَعْنَةُ كُلِّ لاعِنٍ، هَذا مِن جِهَةِ المَعْنى، وأمّا بِاللَّفْظِ فَيَقْتَضِي التَّخْصِيصَ. ﴿قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ﴾: أقْسَمَ إبْلِيسُ هُنا بِعِزَّةِ اللَّهِ، وقالَ في الأعْرافِ: ﴿فَبِما أغْوَيْتَنِي لَأقْعُدَنَّ﴾ [الأعراف: ١٦]، وفي الحِجْرِ: ﴿رَبِّ بِما أغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ﴾ [الحجر: ٣٩] . وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِما في مَوْضِعِهِما، وإنَّ مِنَ المُفَسِّرِينَ مَن قالَ: إنَّ الباءَ في: ﴿بِما أغْوَيْتَنِي﴾ [الحجر: ٣٩] وفي: ﴿فَبِما أغْوَيْتَنِي﴾ [الأعراف: ١٦] لَيْسَتْ باءَ القَسَمِ. فَإنْ كانَتْ باءَ القَسَمِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ في مَوْطِنَيْنِ: فَهُنا: ﴿لَأُغْوِيَنَّهُمْ﴾، وفي الأعْرافِ: ﴿لَأقْعُدَنَّ﴾ [الأعراف: ١٦]، وفي الحِجْرِ: ﴿لَأُزَيِّنَنَّ﴾ [الحجر: ٣٩] . (p-٤١١)وقَرَأ الجُمْهُورُ: (فالحَقَّ والحَقَّ) بِنَصْبِهِما. أمّا الأوَّلُ فَمُقْسَمٌ بِهِ، حُذِفَ مِنهُ الحَرْفُ كَقَوْلِهِ: (أمانَةَ اللَّهِ لَأقُومَنَّ)، والمُقْسَمُ عَلَيْهِ (لَأمْلَأنَّ) . ﴿والحَقَّ أقُولُ﴾: اعْتِراضٌ بَيْنَ القَسَمِ وجَوابِهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومَعْناهُ: ولا أقُولُ إلّا الحَقَّ. انْتَهى؛ لِأنَّ عِنْدَهُ تَقُدُّمَ المَفْعُولِ يُفِيدُ الحَصْرَ. والحَقُّ المُقْسَمُ بِهِ إمّا اسْمُهُ تَعالى الَّذِي في قَوْلِهِ: ﴿أنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ المُبِينُ﴾ [النور: ٢٥]، أوِ الَّذِي هو نَقِيضُ الباطِلِ. وقِيلَ: ﴿فالحَقُّ﴾ مَنصُوبٌ عَلى الإغْراءِ، أيْ: فالزَمُوا الحَقَّ، و(لَأمْلَأنَّ): جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ. وقالَ الفَرّاءُ: هو عَلى مَعْنى قَوْلِكَ: حَقًّا لا شَكَّ، ووُجُودُ الألِفِ واللّامِ وطَرْحُهُما سَواءٌ، أيْ: لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ حَقًّا. انْتَهى. وهَذا المَصْدَرُ الجائِي تَوْكِيدًا لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ، لا يَجُوزُ تَقْدِيمُهُ عِنْدَ جُمْهُورِ النُّحاةِ، وذَلِكَ مَخْصُوصٌ بِالجُمْلَةِ الَّتِي جُزْآها مَعْرِفَتانِ جامِدَتانِ جُمُودًا مَحْضًا. وقالَ صاحِبُ البَسِيطِ: وقَدْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخَبَرُ نَكِرَةً، قالَ: والمُبْتَدَأُ يَكُونُ ضَمِيرًا نَحْوَ: هو زَيْدٌ مَعْرُوفًا، وهو الحَقُّ بَيِّنًا، وأنا الأمِيرُ مُفْتَخِرًا؛ ويَكُونُ ظاهِرًا كَقَوْلِكَ: زِيدٌ أبُوكَ عَطُوفًا، وأخُوكَ زَيْدٌ مَعْرُوفًا. انْتَهى. وقالَتِ العَرَبُ: زَيْدٌ قائِمٌ غَيْرَ ذِي شَكٍّ، فَجاءَتِ الحالُ بَعْدَ جُمْلَةٍ، والخَبَرُ نَكِرَةً، وهي حالٌ مُؤَكِّدَةٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ، وكَأنَّ الفَرّاءَ لَمْ يَشْتَرِطْ هَذا الَّذِي ذَكَرَهُ أصْحابُنا مِن كَوْنِ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ مَعْرُوفَيْنِ جامِدَيْنِ؛ لِأنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ تَأْكِيدِ مَضْمُونِ الجُمْلَةِ الِابْتِدائِيَّةِ وبَيْنَ تَأْكِيدِ الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ. وقِيلَ: التَّقْدِيرُ فالحَقُّ الحَقُّ، أيْ أفْعَلُهُ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والأعْمَشُ: بِالرَّفْعِ فِيهِما، فالأوَّلُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، قِيلَ: تَقْدِيرُهُ فالحَقُّ أنا، وقِيلَ: فالحَقُّ مِنِّي، وقِيلَ: تَقْدِيرُهُ فالحَقُّ قَسَمِي، وحُذِفَ كَما حُذِفَ في: لَعَمْرُكَ لَأقُومَنَّ، وفي: يَمِينُ اللَّهِ أبْرَحُ قاعِدًا، أيْ لَعَمْرُكَ قَسَمِي ويَمِينُ اللَّهِ قَسَمِي، وهَذِهِ الجُمْلَةُ هي جُمْلَةُ القَسَمِ، وجَوابُهُ: لَأمْلَأنَّ. وأمّا (والحَقُّ أقُولُ) فَمُبْتَدَأٌ أيْضًا، خَبَرُهُ الجُمْلَةُ، وحُذِفَ العائِدُ، كَقِراءَةِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿وكُلًّا وعَدَ اللَّهُ الحُسْنى﴾ [النساء: ٩٥] . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أمّا الأوَّلُ فَرُفِعَ عَلى الِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ في قَوْلِهِ: ﴿لَأمْلَأنَّ﴾؛ لِأنَّ المَعْنى: أنْ أمْلَأ. انْتَهى. وهَذا لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّ لَأمْلَأنَّ جَوابُ قَسَمٍ، ويَجِبُ أنْ يَكُونَ جُمْلَةً، فَلا يَتَقَدَّرُ بِمُفْرَدٍ. وأيْضًا لَيْسَ مَصْدَرًا مُقَدَّرًا بِحَرْفٍ مَصْدَرِيٍّ والفِعْلِ حَتّى يَنْحَلَّ إلَيْهِما، ولَكِنَّهُ لَمّا صَحَّ لَهُ إسْنادُ ما قُدِّرَ إلى المُبْتَدَأِ حُكِمَ أنَّهُ خَبَرٌ عَنْهُ. وقَرَأ الحَسَنُ، وعِيسى، و عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي حَمّادٍ عَنْ أبِي بَكْرٍ: بِجَرِّهِمْ، ويَخْرُجُ عَلى أنَّ الأوَّلَ مَجْرُورٌ بِواوِ القَسَمِ مَحْذُوفَةً، تَقْدِيرُهُ: فَوالحَقِّ، والحَقِّ مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ، كَما تَقُولُ: واللَّهِ واللَّهِ لَأقُومَنَّ، و(أقُولُ) اعْتِراضٌ بَيْنَ القَسَمِ وجَوابِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿والحَقَّ أقُولُ﴾: أيْ: ولا أقُولُ إلّا الحَقَّ عَلى حِكايَةِ لَفْظِ المُقْسَمَ بِهِ، ومَعْناهُ التَّوْكِيدُ والتَّسْدِيدُ، وهَذا الوَجْهُ جائِزٌ في المَنصُوبِ والمَرْفُوعِ، وهو وجْهٌ دَقِيقٌ حَسَنٌ. انْتَهى. ومُلَخَّصُهُ أنَّهُ أعْمَلَ القَوْلَ في لَفْظِ المُقْسَمِ بِهِ عَلى سَبِيلِ الحِكايَةِ نَصْبًا أوْ رَفْعًا أوْ جَرًّا. وقَرَأ مُجاهِدٌ، والأعْمَشُ: بِخِلافٍ عَنْهُما؛ وأبانُ بْنُ تَغْلَبَ، وطَلْحَةُ في رِوايَةٍ، وحَمْزَةُ، وعاصِمٌ، عَنِ المُفَضَّلِ، وخَلَفٍ، والعَبْسِيِّ: بِرَفْعِ ﴿فالحَقُّ﴾ ونَصْبِ ﴿والحَقَّ﴾، وتَقَدَّمَ إعْرابُهُما. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: (أجْمَعِينَ) تَأْكِيدٌ لِلْمُحَدَّثِ عَنْهُ والمَعْطُوفُ عَلَيْهِ، وهو ضَمِيرُ إبْلِيسَ ومَن عُطِفَ عَلَيْهِ، أيْ مِنكَ ومِن تابِعِيكِ أجْمَعِينَ. وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ أجْمَعِينَ تَأْكِيدًا لِلضَّمِيرِ الَّذِي في مِنهم، مُقَدَّرٌ، لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الشَّياطِينِ ومِمَّنْ تَبِعَهم مِن جَمِيعِ النّاسِ، لا تَفاوُتَ في ذَلِكَ بَيْنَ ناسٍ وناسٍ بَعْدَ وُجُودِ الأتْباعِ مِنهم مِن أوْلادِ الأنْبِياءِ وغَيْرِهِمْ. انْتَهى. والضَّمِيرُ في (عَلَيْهِ) عائِدٌ عَلى القُرْآنِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقِيلَ: عائِدٌ عَلى الوَحْيِ. وقِيلَ: عَلى الدُّعاءِ إلى اللَّهِ. ﴿وما أنا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ﴾: أيِ المُتَصَنِّعِينَ المُتَحَلِّينَ بِما لَيْسُوا مِن أهْلِهِ، فَأنْتَحَلُ النُّبُوَّةَ والقَوْلَ عَلى اللَّهِ. (إنْ هو) أيِ: القُرْآنُ، ﴿إلّا ذِكْرٌ﴾: أيْ: مِنَ اللَّهِ، ﴿لِلْعالَمِينَ﴾: الثَّقَلَيْنِ الإنْسِ والجِنِّ. ﴿ولَتَعْلَمُنَّ نَبَأهُ﴾: أيْ عاقِبَةَ خَبَرِهِ لِمَن آمَنَ بِهِ ومَن أعْرَضَ عَنْهُ، ﴿بَعْدَ حِينٍ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ وابْنُ زَيْدٍ: يَعْنِي يَوْمَ القِيامَةِ. وقالَ قَتادَةُ، والفَرّاءُ، والزَّجّاجُ: بَعْدَ المَوْتِ. وكانَ الحَسَنُ يَقُولُ: يا ابْنَ آدَمَ، عِنْدَ المَوْتِ (p-٤١٢)يَأْتِيكَ الخَبَرُ اليَقِينُ. وقِيلَ: المَعْنى لَيَظْهَرَنَّ لَكم حَقِيقَةُ ما أقُولُ. ﴿بَعْدَ حِينٍ﴾ أيْ: في المُسْتَأْنَفِ، إذا أخَذَتْكم سُيُوفُ المُسْلِمِينَ، وذَلِكَ يَوْمَ بَدْرٍ، وأشارَ إلى ذَلِكَ السُّدِّيُّ. * * سُورَةُ الزُّمَرِ خَمْسٌ وسَبْعُونَ آيَةً، مَكِّيَّةٌ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ [الزمر: ١] ﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ فاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر: ٢] ﴿ألا لِلَّهِ الدِّينُ الخالِصُ والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى إنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهم في ما هم فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن هو كاذِبٌ كَفّارٌ﴾ [الزمر: ٣] ﴿لَوْ أرادَ اللَّهُ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا لاصْطَفى مِمّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ سُبْحانَهُ هو اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ [الزمر: ٤] ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلى النَّهارِ ويُكَوِّرُ النَّهارَ عَلى اللَّيْلِ وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأجَلٍ مُسَمًّى ألا هو العَزِيزُ الغَفّارُ﴾ [الزمر: ٥] ﴿خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنها زَوْجَها وأنْزَلَ لَكم مِنَ الأنْعامِ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ يَخْلُقُكم في بُطُونِ أُمَّهاتِكم خَلْقًا مِن بَعْدِ خَلْقٍ في ظُلُماتٍ ثَلاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم لَهُ المُلْكُ لا إلَهَ إلّا هو فَأنّى تُصْرَفُونَ﴾ [الزمر: ٦] ﴿إنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكم ولا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ وإنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكم ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ثُمَّ إلى رَبِّكم مَرْجِعُكم فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ [الزمر: ٧] ﴿وإذا مَسَّ الإنْسانَ ضُرٌّ دَعا رَبَّهُ مُنِيبًا إلَيْهِ ثُمَّ إذا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنهُ نَسِيَ ما كانَ يَدْعُو إلَيْهِ مِن قَبْلُ وجَعَلَ لِلَّهِ أنْدادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إنَّكَ مِن أصْحابِ النّارِ﴾ [الزمر: ٨] ﴿أمْ مَن هو قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِدًا وقائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ ويَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبابِ﴾ [الزمر: ٩] ﴿قُلْ يا عِبادِي الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكم لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وأرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ إنَّما يُوَفّى الصّابِرُونَ أجْرَهم بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ [الزمر: ١٠] ﴿قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر: ١١] ﴿وأُمِرْتُ لِأنْ أكُونَ أوَّلَ المُسْلِمِينَ﴾ [الزمر: ١٢] ﴿قُلْ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الزمر: ١٣] ﴿قُلِ اللَّهَ أعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ [الزمر: ١٤] ﴿فاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِن دُونِهِ قُلْ إنَّ الخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ ألا ذَلِكَ هو الخُسْرانُ المُبِينُ﴾ [الزمر: ١٥] ﴿لَهم مِن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النّارِ ومِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ يا عِبادِ فاتَّقُونِ﴾ [الزمر: ١٦] ﴿والَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ أنْ يَعْبُدُوها وأنابُوا إلى اللَّهِ لَهُمُ البُشْرى فَبَشِّرْ عِبادِي﴾ [الزمر: ١٧] ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وأُولَئِكَ هم أُولُو الألْبابِ﴾ [الزمر: ١٨] ﴿أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ أفَأنْتَ تُنْقِذُ مَن في النّارِ﴾ [الزمر: ١٩] ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم لَهم غُرَفٌ مِن فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ وعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ المِيعادَ﴾ [الزمر: ٢٠] ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ في الأرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا ألْوانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطامًا إنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرى لِأُولِي الألْبابِ﴾ [الزمر: ٢١] ﴿أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ فَهو عَلى نُورٍ مِن رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهم مِن ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الزمر: ٢٢] ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ كِتابًا مُتَشابِهًا مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهم وقُلُوبُهم إلى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشاءُ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ [الزمر: ٢٣] ﴿أفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ وقِيلَ لِلظّالِمِينَ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ [الزمر: ٢٤] ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأتاهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ [الزمر: ٢٥] ﴿فَأذاقَهُمُ اللَّهُ الخِزْيَ في الحَياةِ الدُّنْيا ولَعَذابُ الآخِرَةِ أكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٢٦] ﴿ولَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ [الزمر: ٢٧] ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ [الزمر: ٢٨] ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ ورَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا الحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٢٩] ﴿إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهم مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠] ﴿ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكم تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر: ٣١] . (p-٤١٣)التَّكْوِيرُ: اللَّفُّ واللَّيُّ، يُقالُ: كارَ العِمامَةَ عَلى رَأْسِهِ وكَوَّرَها. خَوَّلَهُ النِّعْمَةَ أيْ: أعْطاهُ ابْتِداءً مِن غَيْرِ مُجازاةٍ، ولا يُقالُ في الجَزاءِ خَوَّلَ. قالَ زُهَيْرٌ: ؎هُنالِكَ إنْ يُسْتَخْوَلُوا المالَ يُخَوَّلُوا ويُرْوى: يُسْتَخْيَلُوا المالَ يُخَيَّلُوا وقالَ أبُو النَّجْمِ: ؎أعْطى فَلَمْ يَبْخَلْ ولَمْ يُبَخِّلْ ∗∗∗ كَوْمَ الذُّرى مِن خَوَلِ المَخْوِلِ هاجَ الزَّرْعُ: ثارَ مِن مَنابِتِهِ، وقِيلَ: يَبِسَ. الحُطامُ: الفُتاتُ بَعْدَ يُبْسِهِ. القُشَعْرِيرَةُ: تَقَبُّضُ الجِلْدِ، يُقالُ: اقْشَعَرَّ جِلْدُهُ مِنَ الخَوْفِ: وقَفَ شَعْرُهُ، وهو مَثَلٌ في شِدَّةِ الخَوْفِ. الشِّكاسَةُ: سُوءُ الخُلُقِ وعُسْرُهُ.

ص 38:75

﴿قُلْ هو نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿أنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ ﴿ما كانَ لِيَ مِن عِلْمٍ بِالمَلَإ الأعْلى إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ ﴿إنْ يُوحى إلَيَّ إلّا أنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿إذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ﴾ ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ ﴿فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلُّهم أجْمَعُونَ﴾ ﴿إلّا إبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ ﴿قالَ يا إبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أأسْتَكْبَرْتَ أمْ كُنْتَ مِنَ العالِينَ﴾ ﴿قالَ أنا خَيْرٌ مِنهُ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ ﴿قالَ فاخْرُجْ مِنها فَإنَّكَ رَجِيمٌ﴾ ﴿وإنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إلى يَوْمِ الدِّينِ﴾ ﴿قالَ رَبِّ فَأنْظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ﴿قالَ فَإنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ ﴿إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ﴾ ﴿قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلّا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ ﴿قالَ فالحَقُّ والحَقَّ أقُولُ﴾ ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ ومِمَّنْ تَبِعَكَ مِنهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿قُلْ ما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ وما أنا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ﴾ ﴿إنْ هو إلّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ ﴿ولَتَعْلَمُنَّ نَبَأهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ . الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ هو نَبَأٌ﴾ يَعُودُ عَلى ما أخْبَرَ بِهِ مِن كَوْنِهِ رَسُولًا مُنْذِرًا داعِيًا إلى اللَّهِ، وأنَّهُ تَعالى هو المُنْفَرِدُ بِالأُلُوهِيَّةِ، المُتَّصِفُ بِتِلْكَ الأوْصافِ مِنَ الوَحْدانِيَّةِ والقَهْرِ ومُلْكِ العالَمِ وعِزَّتِهِ وغُفْرانِهِ، وهو خَبَرٌ عَظِيمٌ لا يُعْرِضُ عَنْ مِثْلِهِ إلّا غافِلٌ شَدِيدُ الغَفْلَةِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: النَّبَأُ العَظِيمُ: القُرْآنُ. وقالَ الحَسَنُ: يَوْمُ القِيامَةِ. وقِيلَ: قَصَصُ آدَمَ والإنْباءُ بِهِ مِن غَيْرِ سَماعٍ مِن أحَدٍ. وقالَ صاحِبُ التَّحْرِيرِ: سِياقُ الآيَةِ وظاهِرُها أنَّهُ يُرِيدُ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ هو نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾، ما قَصَّهُ اللَّهُ تَعالى مِن مُناظَرَةِ أهْلِ النّارِ ومُقاوَلَةِ الأتْباعِ مَعَ السّاداتِ؛ لِأنَّهُ مِن أحْوالِ البَعْثِ، وقُرَيْشٌ كانْتَ تُنْكِرُ البَعْثَ والحِسابَ والعِقابَ، وهم عَنْ ذَلِكَ مُعْرِضُونَ. وقَوْلُهُ: ﴿ما كانَ لِيَ مِن عِلْمٍ بِالمَلَإ الأعْلى إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾: احْتِجاجٌ عَلى قُرَيْشٍ بِأنَّ ما جاءَ بِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ لا مِن قِبَلِ نَفْسِهِ. فَإنَّ مَن في الأرْضِ ما لَهُ عِلْمٌ بِمَن في السَّماءِ إلّا بِإعْلامِ اللَّهِ تَعالى؛ وعِلْمُ المُغَيَّباتِ لا يُوصَلُ إلَيْهِ إلّا (p-٤٠٩)بِإعْلامِ اللَّهِ تَعالى، وعِلْمُهُ بِأحْوالِ أهْلِ النّارِ، وابْتِداءِ خَلْقِ آدَمَ لَمْ يَكُنْ عَنْهُ عِلْمٌ بِذَلِكَ؛ فَإخْبارُهُ بِذَلِكَ هو بِإعْلامِ اللَّهِ، والِاسْتِدْلالُ بِقِصَّةِ آدَمَ؛ لِأنَّهُ أوَّلُ البَشَرِ خَلْقًا، وبَيْنَهُ وبَيْنَ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أزْمانٌ مُتَقادِمَةٌ وقُرُونٌ سالِفَةٌ. انْتَهى، وفي آخِرِهِ بَعْضُ اخْتِصارٍ. ثُمَّ احْتَجَّ بِصِحَّةِ نُبُوَّتِهِ، بِأنَّ ما يُنْبِئُ بِهِ عَنِ المَلَأِ الأعْلى واخْتِصامِهِمْ أمْرٌ لَمْ يَكُنْ لَهُ بِهِ مِن عِلْمٍ قَطُّ. ثُمَّ عَلِمَهُ مِن غَيْرِ الطَّرِيقِ الَّذِي يَسْلُكُهُ المُتَعَلِّمُونَ، بَلْ ذَلِكَ مُسْتَفادٌ مِنَ الوَحْيِ، و(بِالمَلَأِ) مُتَعَلِّقٌ بِـ (عِلْمٍ)، و(إذْ) مَنصُوبٌ بِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بِمَحْذُوفٍ؛ لِأنَّ المَعْنى: ما كانَ لِي مِن عِلْمٍ بِكَلامِ المَلَأِ الأعْلى وقْتَ اخْتِصامِهِمْ. (وإذْ قالَ) بَدَلٌ مِن ﴿إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ عَلى المَلَأِ الأعْلى، وهُمُ المَلائِكَةُ، وأبْعَدَ مَن قالَ إنَّهم قُرَيْشٌ، واخْتِصامُ المَلائِكَةِ في أمْرِ آدَمَ وذُرِّيَّتِهِ في جَعْلِهِمْ في الأرْضِ. وقالُوا: ﴿أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها﴾ [البقرة: ٣٠] . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وقالَ الحَسَنُ: إنَّ اللَّهَ خالِقٌ خَلْقًا كُنّا أكْرَمَ مِنهُ وأعْلَمَ. وقِيلَ: في الكَفّاراتِ وغَفْرِ الذُّنُوبِ، فَإنَّ العَبْدَ إذا عَمِلَ حَسَنَةً اخْتَلَفَتِ المَلائِكَةُ في قَدْرِ ثَوابِهِ في ذَلِكَ حَتّى يَقْضِيَ اللَّهُ بِما يَشاءُ. وفي الحَدِيثِ: ”«قالَ لَهُ رَبُّهُ في نَوْمِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: فِيمَ يَخْتَصِمُونَ ؟ فَقُلْتُ: لا أدْرِي، فَقالَ: في الكَفّاراتِ، وفي إسْباغِ الوُضُوءِ في السَّرّاتِ، ونَقْلِ الخُطا إلى الجَماعاتِ“» . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كانَتْ مُقاوَلَةُ اللَّهِ سُبْحانَهُ بِواسِطَةِ مَلَكٍ، وكانَ المُقاوِلُ في الحَقِيقَةِ هو المَلَكُ المُتَوَسِّطُ، فَيَصِحُّ أنَّ التَّقاوُلَ بَيْنَ المَلائِكَةِ وآدَمَ وإبْلِيسَ، وهُمُ المَلَأُ الأعْلى. والمُرادُ بِالِاخْتِصامِ: التَّقاوُلُ. وقِيلَ: المَلَأُ الأعْلى: المَلائِكَةُ، و﴿إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ الضَّمِيرُ فِيهِ لِلْعَرَبِ الكافِرِينَ، فَبَعْضُهم يَقُولُ: هي بَناتُ اللَّهِ، وبَعْضُهم: آلِهَةٌ تُعْبَدُ، وغَيْرُ ذَلِكَ مِن أقْوالِهِمْ. ﴿إنْ يُوحى إلَيَّ﴾ أيْ: ما يُوحى إلَيَّ، ﴿إلّا أنَّما أنا نَذِيرٌ﴾ أيْ: لِلْإنْذارِ، حَذَفَ اللّامَ ووَصَلَ الفِعْلَ والمَفْعُولَ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرًا يَدُلُّ عَلَيْهِ المَعْنى، أيْ: إنْ يُوحى إلَيَّ هو، أيْ: ما يُوحى إلّا الإنْذارُ، وأُقِيمَ إلِيَّ مَقامَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ إنَّما هو المَفْعُولُ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، أيْ: ما يُوحى إلَيَّ إلّا الإنْذارُ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: (إلّا إنَّما) بِكَسْرِ هَمْزَةِ إنَّما عَلى الحِكايَةِ، أيْ: ما يُوحى إلَيَّ إلّا هَذِهِ الجُمْلَةُ، كَأنْ قِيلَ لَهُ: أنْتَ نَذِيرٌ مُبِينٌ، فَحَكى هو المَعْنى، وهَذا كَما يَقُولُ الإنْسانُ: أنا عالِمٌ، فَيُقالُ لَهُ: قُلْتَ إنَّكَ عالِمٌ، فَيُحْكى المَعْنى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقُرِئَ إنَّما بِالكَسْرِ عَلى الحِكايَةِ، أيْ: إلّا هَذا القَوْلُ، وهو أنْ أقُولَ لَكم ﴿إنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾، فَلا أدَّعِي شَيْئًا آخَرَ. انْتَهى. فِي تَخْرِيجِهِ تَعارُضٌ؛ لِأنَّهُ قالَ أيْ: إلّا هَذا القَوْلَ، فَظاهِرُهُ الجُمْلَةُ الَّتِي هي ﴿إنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾، ثُمَّ قالَ: وهو أنْ أقُولَ لَكم إنِّي نَذِيرٌ، فالمَقامُ مَقامُ الفاعِلِ هو أنْ أقُولَ لَكم، وأنْ وما بَعْدَهُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، وعَلى قَوْلِهِ: إلّا هَذا القَوْلَ، يَكُونُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ فَيَتَعارَضا. وتَقَدَّمَ أنَّ (إذْ قالَ) بَدَلٌ مِن ﴿إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ هَذا إذا كانَتِ الخُصُومَةُ في شَأْنِ مَن يُسْتَخْلَفُ في الأرْضِ، وعَلى غَيْرِهِ مِنَ الأقْوالِ يَكُونُ مَنصُوبًا بِاذْكُرْ. ولَمّا كانَتْ قُرَيْشٌ، خالَفُوا الرَّسُولَ، - عَلَيْهِ السَّلامُ -، بِسَبَبِ الحَسَدِ والكِبْرِ. ذَكَرَ حالَ إبْلِيسَ، حَيْثُ خالَفَ أمْرَ اللَّهِ بِسَبَبِ الحَسَدِ والكِبْرِ وما آلَ إلَيْهِ مِنَ اللَّعْنَةِ والطَّرْدِ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ، لِيَزْدَجِرَ عَنْ ذَلِكَ مَن فِيهِ شَيْءٌ مِنهُما. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ صَحَّ أنْ يَقُولَ لَهم: ﴿إنِّي خالِقٌ بَشَرًا﴾، وما عَرَفُوا ما البَشَرُ ولا عَهِدُوا بِهِ قَبْلُ ؟ (قُلْتُ): وجْهُهُ أنْ يَكُونَ قَدْ قالَ لَهم: إنِّي خالِقٌ خَلْقًا مِن صِفَةِ كَيْتَ وكَيْتَ، ولَكِنَّهُ حِينَ حَكاهُ اقْتَصَرَ عَلى الِاسْمِ. انْتَهى. والبَشَرُ هو آدَمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وذَكَرَ هُنا أنَّهُ خَلَقَهُ مِن طِينٍ، وفي آلِ عِمْرانَ: ﴿خَلَقَهُ مِن تُرابٍ﴾ [آل عمران: ٥٩]، وفي الحِجْرِ: ﴿مِن صَلْصالٍ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ [الحجر: ٢٦]، وفي الأنْبِياءِ: ﴿مِن عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧]؛ ولا مُنافاةَ في تِلْكَ المادَّةِ البَعِيدَةِ، وهي التُّرابُ، ثُمَّ ما يَلِيهِ وهو الطِّينُ، ثُمَّ ما يَلِيهِ وهو الحَمَأُ المَسْنُونُ، ثُمَّ المادَّةُ تَلِي الحَمَأ وهو الصَّلْصالُ؛ وأمّا ﴿مِن عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧] فَمَضى تَفْسِيرُهُ. ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ ﴿فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلُّهم أجْمَعُونَ﴾ ﴿إلّا إبْلِيسَ﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذا في الحِجْرِ، وهُنا ﴿اسْتَكْبَرَ وكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾، (p-٤١٠)وفِي البَقَرَةِ: ﴿أبى واسْتَكْبَرَ وكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ [البقرة: ٣٤]، وفي الأعْرافِ: ﴿لَمْ يَكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ﴾ [الأعراف: ١١]، وفي الحِجْرِ: ﴿أبى أنْ يَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٣١]، وفي الإسْراءِ: ﴿قالَ أأسْجُدُ لِمَن خَلَقْتَ طِينًا﴾ [الإسراء: ٦١]، وفي الكَهْفِ: ﴿كانَ مِنَ الجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ٥٠] . والِاسْتِثْناءُ في جَمِيعِ هَذِهِ الآياتِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمْ يَسْجُدْ، فَتارَةً أكَّدَ بِالنَّفْيِّ المَحْضِ، وتارَةً ذَكَرَ إبايَتَهُ عَنِ السُّجُودِ، وهي الأنَفَةُ مِن ذَلِكَ، وتارَةً نَصَّ عَلى أنَّ ذَلِكَ الِامْتِناعَ كانَ سَبَبُهُ الِاسْتِكْبارَ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ أُرِيدَ بِهِ كُفْرُهُ ذَلِكَ الوَقْتَ، وإنْ لَمْ يَكُنْ قَبْلَهُ كافِرًا؛ وعُطِفَ عَلى اسْتَكْبَرَ، فَقَوِيَ ذَلِكَ؛ لِأنَّ الِاسْتِكْبارَ عَنِ السُّجُودِ إنَّما حَصَلَ لَهُ وقْتَ الأمْرِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إخْبارًا مِنهُ بِسَبْقِ كُفْرِهِ في الأزْمِنَةِ الماضِيَةِ في عِلْمِ اللَّهِ. ﴿قالَ يا إبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ﴾، وفي الأعْرافِ: ﴿ما مَنَعَكَ ألّا تَسْجُدَ﴾ [الأعراف: ١٢]، فَدَلَّ أنْ تَسْجُدَ هُنا، عَلى أنَّ لا في ﴿أنْ لا أقُولَ﴾ [الأعراف: ١٠٥] زائِدَةٌ، والمَعْنى أيْضًا يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ لا يَسْتَفْهِمُ إلّا عَنِ المانِعِ مِنَ السُّجُودِ، وهو اسْتِفْهامُ تَقْرِيرٍ وتَوْبِيخٍ. وما في ﴿لِما خَلَقْتُ﴾، اسْتَدَلَّ بِها مَن يُجِيزُ إطْلاقَ ما عَلى آحادِ مَن يَعْقِلُ، وأوَّلَ بِأنَّ ما مَصْدَرِيَّةٌ، والمَصْدَرُ يُرادُ بِهِ المَخْلُوقُ، لا حَقِيقَةُ المَصْدَرِ. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ: (لَمّا) بِفَتْحِ اللّامِ وتَشْدِيدِ المِيمِ، ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾، عَلى الإفْرادِ؛ والجُمْهُورُ: عَلى التَّثْنِيَةِ؛ وقُرِئَ ﴿بِيَدَيَّ﴾ كَقِراءَةِ ﴿بِمُصْرِخِيَّ﴾ [إبراهيم: ٢٢]؛ وقالَ تَعالى: ﴿مِمّا عَمِلَتْ أيْدِينا﴾ [يس: ٧١] بِالجَمْعِ، وكُلُّها عِبارَةٌ عَنِ القُدْرَةِ والقُوَّةِ، وعَبَّرَ بِاليَدِ، إذْ كانَ عِنْدَ البَشَرِ مُعْتادًا أنَّ البَطْشَ والقُوَّةَ بِاليَدِ. وذَهَبَ القاضِي أبُو بَكْرِ بْنُ الطَّيِّبِ إلى أنَّ اليَدَ صِفَةُ ذاتٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهو قَوْلٌ مَرْغُوبٌ عَنْهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (أسْتَكْبَرْتَ)، بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، فَأمْ مُتَّصِلَةٌ عادَلَتِ الهَمْزَةَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ النَّحْوِيِّينَ إلى أنَّ أمْ لا تَكُونُ مُعادِلَةً لِلْألِفِ مَعَ اخْتِلافِ الفِعْلَيْنِ، وإنَّما تَكُونُ مُعادِلَةً إذا دَخَلَتا عَلى فِعْلٍ واحِدٍ، كَقَوْلِكَ: أزَيْدٌ قامَ أمْ عَمْرٌو ؟ وقَوْلُكَ: أقامَ زَيْدٌ أمْ عَمْرٌو ؟ فَإذا اخْتَلَفَ الفِعْلانِ كَهَذِهِ الآيَةِ، فَلَيْسَتْ مُعادِلَةً. ومَعْنى الآيَةِ: أحَدَثَ لَكَ الِاسْتِكْبارُ الآنَ، أمْ كُنْتَ قَدِيمًا مِمَّنْ لا يَلِيقُ أنْ تُكَلَّفَ مِثْلَ هَذا لِعُلُوِّ مَكانِكَ ؟ وهَذا عَلى جِهَةِ التَّوْبِيخِ. انْتَهى. وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ النَّحْوِيِّينَ مَذْهَبٌ غَيْرُ صَحِيحٍ. قالَ سِيبَوَيْهِ: وتَقُولُ أضْرَبْتَ زَيْدًا أمْ قَتَلْتَهُ فالبَدْءُ هُنا بِالفِعْلِ أحْسَنُ؛ لِأنَّكَ إنَّما تَسْألُ عَنْ أحَدِهِما، لا تَدْرِي أيُّهُما كانَ، ولا تَسْألُ عَنْ مَوْضِعِ أحَدِهِما، كَأنَّكَ قُلْتَ: أيُّ ذَلِكَ كانَ ؟ انْتَهى. فَعادَلَ بِأمِ الألِفَ مَعَ اخْتِلافِ الفِعْلَيْنِ. ﴿مِنَ العالِينَ﴾: مِمَّنْ عَلَوْتَ وفُقْتَ. فَأجابَ بِأنَّهُ مِنَ العالِينَ، حَيْثُ قالَ ﴿أنا خَيْرٌ مِنهُ﴾ . وقِيلَ: أسْتَكْبَرْتَ الآنَ، أوْ لَمْ تَزَلْ مُذْ كُنْتَ مِنَ المُسْتَكْبِرِينَ ؟ ومَعْنى الهَمْزَةِ: التَّقْرِيرُ. انْتَهى. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ، مِنهُمُ ابْنُ كَثِيرٍ وغَيْرُهُ: (اسْتَكْبَرْتَ)، بِصِلَةِ الألِفِ، وهي قِراءَةُ أهْلِ مَكَّةَ، ولَيْسَتْ في مَشْهُورِ ابْنِ كَثِيرٍ، فاحْتُمِلَ أنْ تَكُونَ هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ حُذِفَتْ لِدَلالَةِ أمْ عَلَيْها، كَقَوْلِهِ: ؎بِسَبْعٍ رَمَيْنَ الجَمْرَ أمْ بِثَمانِ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ إخْبارًا خاطَبَهُ بِذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّقْرِيعِ، وأمْ تَكُونُ مُنْقَطِعَةً، والمَعْنى: بَلْ أنْتَ مِنَ العالِينَ عِنْدَ نَفْسِكَ اسْتِخْفافًا بِهِ. ﴿قالَ أنا خَيْرٌ مِنهُ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ذَلِكَ في الأعْرافِ. ﴿قالَ فاخْرُجْ مِنها﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مِثْلِ ذَلِكَ في الحِجْرِ، إلّا أنَّ هُنا ﴿لَعْنَتِي﴾ وهُناكَ (اللَّعْنَةُ) أعَمُّ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ ويَلْعَنُهُمُ اللّاعِنُونَ﴾ [البقرة: ١٥٩] وأمّا بِالإضافَةِ، فالعُمُومُ في اللَّعْنَةِ أعَمُّ، واللَّعَناتُ إنَّما تَحْصُلُ مِن جِهَةِ أنَّ مَن عَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ كانَتْ عَلَيْهِ لَعْنَةُ كُلِّ لاعِنٍ، هَذا مِن جِهَةِ المَعْنى، وأمّا بِاللَّفْظِ فَيَقْتَضِي التَّخْصِيصَ. ﴿قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ﴾: أقْسَمَ إبْلِيسُ هُنا بِعِزَّةِ اللَّهِ، وقالَ في الأعْرافِ: ﴿فَبِما أغْوَيْتَنِي لَأقْعُدَنَّ﴾ [الأعراف: ١٦]، وفي الحِجْرِ: ﴿رَبِّ بِما أغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ﴾ [الحجر: ٣٩] . وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِما في مَوْضِعِهِما، وإنَّ مِنَ المُفَسِّرِينَ مَن قالَ: إنَّ الباءَ في: ﴿بِما أغْوَيْتَنِي﴾ [الحجر: ٣٩] وفي: ﴿فَبِما أغْوَيْتَنِي﴾ [الأعراف: ١٦] لَيْسَتْ باءَ القَسَمِ. فَإنْ كانَتْ باءَ القَسَمِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ في مَوْطِنَيْنِ: فَهُنا: ﴿لَأُغْوِيَنَّهُمْ﴾، وفي الأعْرافِ: ﴿لَأقْعُدَنَّ﴾ [الأعراف: ١٦]، وفي الحِجْرِ: ﴿لَأُزَيِّنَنَّ﴾ [الحجر: ٣٩] . (p-٤١١)وقَرَأ الجُمْهُورُ: (فالحَقَّ والحَقَّ) بِنَصْبِهِما. أمّا الأوَّلُ فَمُقْسَمٌ بِهِ، حُذِفَ مِنهُ الحَرْفُ كَقَوْلِهِ: (أمانَةَ اللَّهِ لَأقُومَنَّ)، والمُقْسَمُ عَلَيْهِ (لَأمْلَأنَّ) . ﴿والحَقَّ أقُولُ﴾: اعْتِراضٌ بَيْنَ القَسَمِ وجَوابِهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومَعْناهُ: ولا أقُولُ إلّا الحَقَّ. انْتَهى؛ لِأنَّ عِنْدَهُ تَقُدُّمَ المَفْعُولِ يُفِيدُ الحَصْرَ. والحَقُّ المُقْسَمُ بِهِ إمّا اسْمُهُ تَعالى الَّذِي في قَوْلِهِ: ﴿أنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ المُبِينُ﴾ [النور: ٢٥]، أوِ الَّذِي هو نَقِيضُ الباطِلِ. وقِيلَ: ﴿فالحَقُّ﴾ مَنصُوبٌ عَلى الإغْراءِ، أيْ: فالزَمُوا الحَقَّ، و(لَأمْلَأنَّ): جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ. وقالَ الفَرّاءُ: هو عَلى مَعْنى قَوْلِكَ: حَقًّا لا شَكَّ، ووُجُودُ الألِفِ واللّامِ وطَرْحُهُما سَواءٌ، أيْ: لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ حَقًّا. انْتَهى. وهَذا المَصْدَرُ الجائِي تَوْكِيدًا لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ، لا يَجُوزُ تَقْدِيمُهُ عِنْدَ جُمْهُورِ النُّحاةِ، وذَلِكَ مَخْصُوصٌ بِالجُمْلَةِ الَّتِي جُزْآها مَعْرِفَتانِ جامِدَتانِ جُمُودًا مَحْضًا. وقالَ صاحِبُ البَسِيطِ: وقَدْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخَبَرُ نَكِرَةً، قالَ: والمُبْتَدَأُ يَكُونُ ضَمِيرًا نَحْوَ: هو زَيْدٌ مَعْرُوفًا، وهو الحَقُّ بَيِّنًا، وأنا الأمِيرُ مُفْتَخِرًا؛ ويَكُونُ ظاهِرًا كَقَوْلِكَ: زِيدٌ أبُوكَ عَطُوفًا، وأخُوكَ زَيْدٌ مَعْرُوفًا. انْتَهى. وقالَتِ العَرَبُ: زَيْدٌ قائِمٌ غَيْرَ ذِي شَكٍّ، فَجاءَتِ الحالُ بَعْدَ جُمْلَةٍ، والخَبَرُ نَكِرَةً، وهي حالٌ مُؤَكِّدَةٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ، وكَأنَّ الفَرّاءَ لَمْ يَشْتَرِطْ هَذا الَّذِي ذَكَرَهُ أصْحابُنا مِن كَوْنِ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ مَعْرُوفَيْنِ جامِدَيْنِ؛ لِأنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ تَأْكِيدِ مَضْمُونِ الجُمْلَةِ الِابْتِدائِيَّةِ وبَيْنَ تَأْكِيدِ الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ. وقِيلَ: التَّقْدِيرُ فالحَقُّ الحَقُّ، أيْ أفْعَلُهُ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والأعْمَشُ: بِالرَّفْعِ فِيهِما، فالأوَّلُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، قِيلَ: تَقْدِيرُهُ فالحَقُّ أنا، وقِيلَ: فالحَقُّ مِنِّي، وقِيلَ: تَقْدِيرُهُ فالحَقُّ قَسَمِي، وحُذِفَ كَما حُذِفَ في: لَعَمْرُكَ لَأقُومَنَّ، وفي: يَمِينُ اللَّهِ أبْرَحُ قاعِدًا، أيْ لَعَمْرُكَ قَسَمِي ويَمِينُ اللَّهِ قَسَمِي، وهَذِهِ الجُمْلَةُ هي جُمْلَةُ القَسَمِ، وجَوابُهُ: لَأمْلَأنَّ. وأمّا (والحَقُّ أقُولُ) فَمُبْتَدَأٌ أيْضًا، خَبَرُهُ الجُمْلَةُ، وحُذِفَ العائِدُ، كَقِراءَةِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿وكُلًّا وعَدَ اللَّهُ الحُسْنى﴾ [النساء: ٩٥] . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أمّا الأوَّلُ فَرُفِعَ عَلى الِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ في قَوْلِهِ: ﴿لَأمْلَأنَّ﴾؛ لِأنَّ المَعْنى: أنْ أمْلَأ. انْتَهى. وهَذا لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّ لَأمْلَأنَّ جَوابُ قَسَمٍ، ويَجِبُ أنْ يَكُونَ جُمْلَةً، فَلا يَتَقَدَّرُ بِمُفْرَدٍ. وأيْضًا لَيْسَ مَصْدَرًا مُقَدَّرًا بِحَرْفٍ مَصْدَرِيٍّ والفِعْلِ حَتّى يَنْحَلَّ إلَيْهِما، ولَكِنَّهُ لَمّا صَحَّ لَهُ إسْنادُ ما قُدِّرَ إلى المُبْتَدَأِ حُكِمَ أنَّهُ خَبَرٌ عَنْهُ. وقَرَأ الحَسَنُ، وعِيسى، و عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي حَمّادٍ عَنْ أبِي بَكْرٍ: بِجَرِّهِمْ، ويَخْرُجُ عَلى أنَّ الأوَّلَ مَجْرُورٌ بِواوِ القَسَمِ مَحْذُوفَةً، تَقْدِيرُهُ: فَوالحَقِّ، والحَقِّ مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ، كَما تَقُولُ: واللَّهِ واللَّهِ لَأقُومَنَّ، و(أقُولُ) اعْتِراضٌ بَيْنَ القَسَمِ وجَوابِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿والحَقَّ أقُولُ﴾: أيْ: ولا أقُولُ إلّا الحَقَّ عَلى حِكايَةِ لَفْظِ المُقْسَمَ بِهِ، ومَعْناهُ التَّوْكِيدُ والتَّسْدِيدُ، وهَذا الوَجْهُ جائِزٌ في المَنصُوبِ والمَرْفُوعِ، وهو وجْهٌ دَقِيقٌ حَسَنٌ. انْتَهى. ومُلَخَّصُهُ أنَّهُ أعْمَلَ القَوْلَ في لَفْظِ المُقْسَمِ بِهِ عَلى سَبِيلِ الحِكايَةِ نَصْبًا أوْ رَفْعًا أوْ جَرًّا. وقَرَأ مُجاهِدٌ، والأعْمَشُ: بِخِلافٍ عَنْهُما؛ وأبانُ بْنُ تَغْلَبَ، وطَلْحَةُ في رِوايَةٍ، وحَمْزَةُ، وعاصِمٌ، عَنِ المُفَضَّلِ، وخَلَفٍ، والعَبْسِيِّ: بِرَفْعِ ﴿فالحَقُّ﴾ ونَصْبِ ﴿والحَقَّ﴾، وتَقَدَّمَ إعْرابُهُما. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: (أجْمَعِينَ) تَأْكِيدٌ لِلْمُحَدَّثِ عَنْهُ والمَعْطُوفُ عَلَيْهِ، وهو ضَمِيرُ إبْلِيسَ ومَن عُطِفَ عَلَيْهِ، أيْ مِنكَ ومِن تابِعِيكِ أجْمَعِينَ. وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ أجْمَعِينَ تَأْكِيدًا لِلضَّمِيرِ الَّذِي في مِنهم، مُقَدَّرٌ، لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الشَّياطِينِ ومِمَّنْ تَبِعَهم مِن جَمِيعِ النّاسِ، لا تَفاوُتَ في ذَلِكَ بَيْنَ ناسٍ وناسٍ بَعْدَ وُجُودِ الأتْباعِ مِنهم مِن أوْلادِ الأنْبِياءِ وغَيْرِهِمْ. انْتَهى. والضَّمِيرُ في (عَلَيْهِ) عائِدٌ عَلى القُرْآنِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقِيلَ: عائِدٌ عَلى الوَحْيِ. وقِيلَ: عَلى الدُّعاءِ إلى اللَّهِ. ﴿وما أنا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ﴾: أيِ المُتَصَنِّعِينَ المُتَحَلِّينَ بِما لَيْسُوا مِن أهْلِهِ، فَأنْتَحَلُ النُّبُوَّةَ والقَوْلَ عَلى اللَّهِ. (إنْ هو) أيِ: القُرْآنُ، ﴿إلّا ذِكْرٌ﴾: أيْ: مِنَ اللَّهِ، ﴿لِلْعالَمِينَ﴾: الثَّقَلَيْنِ الإنْسِ والجِنِّ. ﴿ولَتَعْلَمُنَّ نَبَأهُ﴾: أيْ عاقِبَةَ خَبَرِهِ لِمَن آمَنَ بِهِ ومَن أعْرَضَ عَنْهُ، ﴿بَعْدَ حِينٍ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ وابْنُ زَيْدٍ: يَعْنِي يَوْمَ القِيامَةِ. وقالَ قَتادَةُ، والفَرّاءُ، والزَّجّاجُ: بَعْدَ المَوْتِ. وكانَ الحَسَنُ يَقُولُ: يا ابْنَ آدَمَ، عِنْدَ المَوْتِ (p-٤١٢)يَأْتِيكَ الخَبَرُ اليَقِينُ. وقِيلَ: المَعْنى لَيَظْهَرَنَّ لَكم حَقِيقَةُ ما أقُولُ. ﴿بَعْدَ حِينٍ﴾ أيْ: في المُسْتَأْنَفِ، إذا أخَذَتْكم سُيُوفُ المُسْلِمِينَ، وذَلِكَ يَوْمَ بَدْرٍ، وأشارَ إلى ذَلِكَ السُّدِّيُّ. * * سُورَةُ الزُّمَرِ خَمْسٌ وسَبْعُونَ آيَةً، مَكِّيَّةٌ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ [الزمر: ١] ﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ فاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر: ٢] ﴿ألا لِلَّهِ الدِّينُ الخالِصُ والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى إنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهم في ما هم فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن هو كاذِبٌ كَفّارٌ﴾ [الزمر: ٣] ﴿لَوْ أرادَ اللَّهُ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا لاصْطَفى مِمّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ سُبْحانَهُ هو اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ [الزمر: ٤] ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلى النَّهارِ ويُكَوِّرُ النَّهارَ عَلى اللَّيْلِ وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأجَلٍ مُسَمًّى ألا هو العَزِيزُ الغَفّارُ﴾ [الزمر: ٥] ﴿خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنها زَوْجَها وأنْزَلَ لَكم مِنَ الأنْعامِ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ يَخْلُقُكم في بُطُونِ أُمَّهاتِكم خَلْقًا مِن بَعْدِ خَلْقٍ في ظُلُماتٍ ثَلاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم لَهُ المُلْكُ لا إلَهَ إلّا هو فَأنّى تُصْرَفُونَ﴾ [الزمر: ٦] ﴿إنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكم ولا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ وإنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكم ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ثُمَّ إلى رَبِّكم مَرْجِعُكم فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ [الزمر: ٧] ﴿وإذا مَسَّ الإنْسانَ ضُرٌّ دَعا رَبَّهُ مُنِيبًا إلَيْهِ ثُمَّ إذا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنهُ نَسِيَ ما كانَ يَدْعُو إلَيْهِ مِن قَبْلُ وجَعَلَ لِلَّهِ أنْدادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إنَّكَ مِن أصْحابِ النّارِ﴾ [الزمر: ٨] ﴿أمْ مَن هو قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِدًا وقائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ ويَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبابِ﴾ [الزمر: ٩] ﴿قُلْ يا عِبادِي الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكم لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وأرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ إنَّما يُوَفّى الصّابِرُونَ أجْرَهم بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ [الزمر: ١٠] ﴿قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر: ١١] ﴿وأُمِرْتُ لِأنْ أكُونَ أوَّلَ المُسْلِمِينَ﴾ [الزمر: ١٢] ﴿قُلْ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الزمر: ١٣] ﴿قُلِ اللَّهَ أعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ [الزمر: ١٤] ﴿فاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِن دُونِهِ قُلْ إنَّ الخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ ألا ذَلِكَ هو الخُسْرانُ المُبِينُ﴾ [الزمر: ١٥] ﴿لَهم مِن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النّارِ ومِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ يا عِبادِ فاتَّقُونِ﴾ [الزمر: ١٦] ﴿والَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ أنْ يَعْبُدُوها وأنابُوا إلى اللَّهِ لَهُمُ البُشْرى فَبَشِّرْ عِبادِي﴾ [الزمر: ١٧] ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وأُولَئِكَ هم أُولُو الألْبابِ﴾ [الزمر: ١٨] ﴿أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ أفَأنْتَ تُنْقِذُ مَن في النّارِ﴾ [الزمر: ١٩] ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم لَهم غُرَفٌ مِن فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ وعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ المِيعادَ﴾ [الزمر: ٢٠] ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ في الأرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا ألْوانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطامًا إنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرى لِأُولِي الألْبابِ﴾ [الزمر: ٢١] ﴿أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ فَهو عَلى نُورٍ مِن رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهم مِن ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الزمر: ٢٢] ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ كِتابًا مُتَشابِهًا مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهم وقُلُوبُهم إلى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشاءُ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ [الزمر: ٢٣] ﴿أفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ وقِيلَ لِلظّالِمِينَ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ [الزمر: ٢٤] ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأتاهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ [الزمر: ٢٥] ﴿فَأذاقَهُمُ اللَّهُ الخِزْيَ في الحَياةِ الدُّنْيا ولَعَذابُ الآخِرَةِ أكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٢٦] ﴿ولَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ [الزمر: ٢٧] ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ [الزمر: ٢٨] ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ ورَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا الحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٢٩] ﴿إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهم مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠] ﴿ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكم تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر: ٣١] . (p-٤١٣)التَّكْوِيرُ: اللَّفُّ واللَّيُّ، يُقالُ: كارَ العِمامَةَ عَلى رَأْسِهِ وكَوَّرَها. خَوَّلَهُ النِّعْمَةَ أيْ: أعْطاهُ ابْتِداءً مِن غَيْرِ مُجازاةٍ، ولا يُقالُ في الجَزاءِ خَوَّلَ. قالَ زُهَيْرٌ: ؎هُنالِكَ إنْ يُسْتَخْوَلُوا المالَ يُخَوَّلُوا ويُرْوى: يُسْتَخْيَلُوا المالَ يُخَيَّلُوا وقالَ أبُو النَّجْمِ: ؎أعْطى فَلَمْ يَبْخَلْ ولَمْ يُبَخِّلْ ∗∗∗ كَوْمَ الذُّرى مِن خَوَلِ المَخْوِلِ هاجَ الزَّرْعُ: ثارَ مِن مَنابِتِهِ، وقِيلَ: يَبِسَ. الحُطامُ: الفُتاتُ بَعْدَ يُبْسِهِ. القُشَعْرِيرَةُ: تَقَبُّضُ الجِلْدِ، يُقالُ: اقْشَعَرَّ جِلْدُهُ مِنَ الخَوْفِ: وقَفَ شَعْرُهُ، وهو مَثَلٌ في شِدَّةِ الخَوْفِ. الشِّكاسَةُ: سُوءُ الخُلُقِ وعُسْرُهُ.

ص 38:76

﴿قُلْ هو نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿أنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ ﴿ما كانَ لِيَ مِن عِلْمٍ بِالمَلَإ الأعْلى إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ ﴿إنْ يُوحى إلَيَّ إلّا أنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿إذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ﴾ ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ ﴿فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلُّهم أجْمَعُونَ﴾ ﴿إلّا إبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ ﴿قالَ يا إبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أأسْتَكْبَرْتَ أمْ كُنْتَ مِنَ العالِينَ﴾ ﴿قالَ أنا خَيْرٌ مِنهُ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ ﴿قالَ فاخْرُجْ مِنها فَإنَّكَ رَجِيمٌ﴾ ﴿وإنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إلى يَوْمِ الدِّينِ﴾ ﴿قالَ رَبِّ فَأنْظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ﴿قالَ فَإنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ ﴿إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ﴾ ﴿قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلّا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ ﴿قالَ فالحَقُّ والحَقَّ أقُولُ﴾ ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ ومِمَّنْ تَبِعَكَ مِنهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿قُلْ ما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ وما أنا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ﴾ ﴿إنْ هو إلّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ ﴿ولَتَعْلَمُنَّ نَبَأهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ . الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ هو نَبَأٌ﴾ يَعُودُ عَلى ما أخْبَرَ بِهِ مِن كَوْنِهِ رَسُولًا مُنْذِرًا داعِيًا إلى اللَّهِ، وأنَّهُ تَعالى هو المُنْفَرِدُ بِالأُلُوهِيَّةِ، المُتَّصِفُ بِتِلْكَ الأوْصافِ مِنَ الوَحْدانِيَّةِ والقَهْرِ ومُلْكِ العالَمِ وعِزَّتِهِ وغُفْرانِهِ، وهو خَبَرٌ عَظِيمٌ لا يُعْرِضُ عَنْ مِثْلِهِ إلّا غافِلٌ شَدِيدُ الغَفْلَةِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: النَّبَأُ العَظِيمُ: القُرْآنُ. وقالَ الحَسَنُ: يَوْمُ القِيامَةِ. وقِيلَ: قَصَصُ آدَمَ والإنْباءُ بِهِ مِن غَيْرِ سَماعٍ مِن أحَدٍ. وقالَ صاحِبُ التَّحْرِيرِ: سِياقُ الآيَةِ وظاهِرُها أنَّهُ يُرِيدُ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ هو نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾، ما قَصَّهُ اللَّهُ تَعالى مِن مُناظَرَةِ أهْلِ النّارِ ومُقاوَلَةِ الأتْباعِ مَعَ السّاداتِ؛ لِأنَّهُ مِن أحْوالِ البَعْثِ، وقُرَيْشٌ كانْتَ تُنْكِرُ البَعْثَ والحِسابَ والعِقابَ، وهم عَنْ ذَلِكَ مُعْرِضُونَ. وقَوْلُهُ: ﴿ما كانَ لِيَ مِن عِلْمٍ بِالمَلَإ الأعْلى إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾: احْتِجاجٌ عَلى قُرَيْشٍ بِأنَّ ما جاءَ بِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ لا مِن قِبَلِ نَفْسِهِ. فَإنَّ مَن في الأرْضِ ما لَهُ عِلْمٌ بِمَن في السَّماءِ إلّا بِإعْلامِ اللَّهِ تَعالى؛ وعِلْمُ المُغَيَّباتِ لا يُوصَلُ إلَيْهِ إلّا (p-٤٠٩)بِإعْلامِ اللَّهِ تَعالى، وعِلْمُهُ بِأحْوالِ أهْلِ النّارِ، وابْتِداءِ خَلْقِ آدَمَ لَمْ يَكُنْ عَنْهُ عِلْمٌ بِذَلِكَ؛ فَإخْبارُهُ بِذَلِكَ هو بِإعْلامِ اللَّهِ، والِاسْتِدْلالُ بِقِصَّةِ آدَمَ؛ لِأنَّهُ أوَّلُ البَشَرِ خَلْقًا، وبَيْنَهُ وبَيْنَ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أزْمانٌ مُتَقادِمَةٌ وقُرُونٌ سالِفَةٌ. انْتَهى، وفي آخِرِهِ بَعْضُ اخْتِصارٍ. ثُمَّ احْتَجَّ بِصِحَّةِ نُبُوَّتِهِ، بِأنَّ ما يُنْبِئُ بِهِ عَنِ المَلَأِ الأعْلى واخْتِصامِهِمْ أمْرٌ لَمْ يَكُنْ لَهُ بِهِ مِن عِلْمٍ قَطُّ. ثُمَّ عَلِمَهُ مِن غَيْرِ الطَّرِيقِ الَّذِي يَسْلُكُهُ المُتَعَلِّمُونَ، بَلْ ذَلِكَ مُسْتَفادٌ مِنَ الوَحْيِ، و(بِالمَلَأِ) مُتَعَلِّقٌ بِـ (عِلْمٍ)، و(إذْ) مَنصُوبٌ بِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بِمَحْذُوفٍ؛ لِأنَّ المَعْنى: ما كانَ لِي مِن عِلْمٍ بِكَلامِ المَلَأِ الأعْلى وقْتَ اخْتِصامِهِمْ. (وإذْ قالَ) بَدَلٌ مِن ﴿إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ عَلى المَلَأِ الأعْلى، وهُمُ المَلائِكَةُ، وأبْعَدَ مَن قالَ إنَّهم قُرَيْشٌ، واخْتِصامُ المَلائِكَةِ في أمْرِ آدَمَ وذُرِّيَّتِهِ في جَعْلِهِمْ في الأرْضِ. وقالُوا: ﴿أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها﴾ [البقرة: ٣٠] . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وقالَ الحَسَنُ: إنَّ اللَّهَ خالِقٌ خَلْقًا كُنّا أكْرَمَ مِنهُ وأعْلَمَ. وقِيلَ: في الكَفّاراتِ وغَفْرِ الذُّنُوبِ، فَإنَّ العَبْدَ إذا عَمِلَ حَسَنَةً اخْتَلَفَتِ المَلائِكَةُ في قَدْرِ ثَوابِهِ في ذَلِكَ حَتّى يَقْضِيَ اللَّهُ بِما يَشاءُ. وفي الحَدِيثِ: ”«قالَ لَهُ رَبُّهُ في نَوْمِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: فِيمَ يَخْتَصِمُونَ ؟ فَقُلْتُ: لا أدْرِي، فَقالَ: في الكَفّاراتِ، وفي إسْباغِ الوُضُوءِ في السَّرّاتِ، ونَقْلِ الخُطا إلى الجَماعاتِ“» . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كانَتْ مُقاوَلَةُ اللَّهِ سُبْحانَهُ بِواسِطَةِ مَلَكٍ، وكانَ المُقاوِلُ في الحَقِيقَةِ هو المَلَكُ المُتَوَسِّطُ، فَيَصِحُّ أنَّ التَّقاوُلَ بَيْنَ المَلائِكَةِ وآدَمَ وإبْلِيسَ، وهُمُ المَلَأُ الأعْلى. والمُرادُ بِالِاخْتِصامِ: التَّقاوُلُ. وقِيلَ: المَلَأُ الأعْلى: المَلائِكَةُ، و﴿إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ الضَّمِيرُ فِيهِ لِلْعَرَبِ الكافِرِينَ، فَبَعْضُهم يَقُولُ: هي بَناتُ اللَّهِ، وبَعْضُهم: آلِهَةٌ تُعْبَدُ، وغَيْرُ ذَلِكَ مِن أقْوالِهِمْ. ﴿إنْ يُوحى إلَيَّ﴾ أيْ: ما يُوحى إلَيَّ، ﴿إلّا أنَّما أنا نَذِيرٌ﴾ أيْ: لِلْإنْذارِ، حَذَفَ اللّامَ ووَصَلَ الفِعْلَ والمَفْعُولَ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرًا يَدُلُّ عَلَيْهِ المَعْنى، أيْ: إنْ يُوحى إلَيَّ هو، أيْ: ما يُوحى إلّا الإنْذارُ، وأُقِيمَ إلِيَّ مَقامَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ إنَّما هو المَفْعُولُ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، أيْ: ما يُوحى إلَيَّ إلّا الإنْذارُ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: (إلّا إنَّما) بِكَسْرِ هَمْزَةِ إنَّما عَلى الحِكايَةِ، أيْ: ما يُوحى إلَيَّ إلّا هَذِهِ الجُمْلَةُ، كَأنْ قِيلَ لَهُ: أنْتَ نَذِيرٌ مُبِينٌ، فَحَكى هو المَعْنى، وهَذا كَما يَقُولُ الإنْسانُ: أنا عالِمٌ، فَيُقالُ لَهُ: قُلْتَ إنَّكَ عالِمٌ، فَيُحْكى المَعْنى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقُرِئَ إنَّما بِالكَسْرِ عَلى الحِكايَةِ، أيْ: إلّا هَذا القَوْلُ، وهو أنْ أقُولَ لَكم ﴿إنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾، فَلا أدَّعِي شَيْئًا آخَرَ. انْتَهى. فِي تَخْرِيجِهِ تَعارُضٌ؛ لِأنَّهُ قالَ أيْ: إلّا هَذا القَوْلَ، فَظاهِرُهُ الجُمْلَةُ الَّتِي هي ﴿إنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾، ثُمَّ قالَ: وهو أنْ أقُولَ لَكم إنِّي نَذِيرٌ، فالمَقامُ مَقامُ الفاعِلِ هو أنْ أقُولَ لَكم، وأنْ وما بَعْدَهُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، وعَلى قَوْلِهِ: إلّا هَذا القَوْلَ، يَكُونُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ فَيَتَعارَضا. وتَقَدَّمَ أنَّ (إذْ قالَ) بَدَلٌ مِن ﴿إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ هَذا إذا كانَتِ الخُصُومَةُ في شَأْنِ مَن يُسْتَخْلَفُ في الأرْضِ، وعَلى غَيْرِهِ مِنَ الأقْوالِ يَكُونُ مَنصُوبًا بِاذْكُرْ. ولَمّا كانَتْ قُرَيْشٌ، خالَفُوا الرَّسُولَ، - عَلَيْهِ السَّلامُ -، بِسَبَبِ الحَسَدِ والكِبْرِ. ذَكَرَ حالَ إبْلِيسَ، حَيْثُ خالَفَ أمْرَ اللَّهِ بِسَبَبِ الحَسَدِ والكِبْرِ وما آلَ إلَيْهِ مِنَ اللَّعْنَةِ والطَّرْدِ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ، لِيَزْدَجِرَ عَنْ ذَلِكَ مَن فِيهِ شَيْءٌ مِنهُما. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ صَحَّ أنْ يَقُولَ لَهم: ﴿إنِّي خالِقٌ بَشَرًا﴾، وما عَرَفُوا ما البَشَرُ ولا عَهِدُوا بِهِ قَبْلُ ؟ (قُلْتُ): وجْهُهُ أنْ يَكُونَ قَدْ قالَ لَهم: إنِّي خالِقٌ خَلْقًا مِن صِفَةِ كَيْتَ وكَيْتَ، ولَكِنَّهُ حِينَ حَكاهُ اقْتَصَرَ عَلى الِاسْمِ. انْتَهى. والبَشَرُ هو آدَمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وذَكَرَ هُنا أنَّهُ خَلَقَهُ مِن طِينٍ، وفي آلِ عِمْرانَ: ﴿خَلَقَهُ مِن تُرابٍ﴾ [آل عمران: ٥٩]، وفي الحِجْرِ: ﴿مِن صَلْصالٍ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ [الحجر: ٢٦]، وفي الأنْبِياءِ: ﴿مِن عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧]؛ ولا مُنافاةَ في تِلْكَ المادَّةِ البَعِيدَةِ، وهي التُّرابُ، ثُمَّ ما يَلِيهِ وهو الطِّينُ، ثُمَّ ما يَلِيهِ وهو الحَمَأُ المَسْنُونُ، ثُمَّ المادَّةُ تَلِي الحَمَأ وهو الصَّلْصالُ؛ وأمّا ﴿مِن عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧] فَمَضى تَفْسِيرُهُ. ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ ﴿فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلُّهم أجْمَعُونَ﴾ ﴿إلّا إبْلِيسَ﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذا في الحِجْرِ، وهُنا ﴿اسْتَكْبَرَ وكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾، (p-٤١٠)وفِي البَقَرَةِ: ﴿أبى واسْتَكْبَرَ وكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ [البقرة: ٣٤]، وفي الأعْرافِ: ﴿لَمْ يَكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ﴾ [الأعراف: ١١]، وفي الحِجْرِ: ﴿أبى أنْ يَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٣١]، وفي الإسْراءِ: ﴿قالَ أأسْجُدُ لِمَن خَلَقْتَ طِينًا﴾ [الإسراء: ٦١]، وفي الكَهْفِ: ﴿كانَ مِنَ الجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ٥٠] . والِاسْتِثْناءُ في جَمِيعِ هَذِهِ الآياتِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمْ يَسْجُدْ، فَتارَةً أكَّدَ بِالنَّفْيِّ المَحْضِ، وتارَةً ذَكَرَ إبايَتَهُ عَنِ السُّجُودِ، وهي الأنَفَةُ مِن ذَلِكَ، وتارَةً نَصَّ عَلى أنَّ ذَلِكَ الِامْتِناعَ كانَ سَبَبُهُ الِاسْتِكْبارَ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ أُرِيدَ بِهِ كُفْرُهُ ذَلِكَ الوَقْتَ، وإنْ لَمْ يَكُنْ قَبْلَهُ كافِرًا؛ وعُطِفَ عَلى اسْتَكْبَرَ، فَقَوِيَ ذَلِكَ؛ لِأنَّ الِاسْتِكْبارَ عَنِ السُّجُودِ إنَّما حَصَلَ لَهُ وقْتَ الأمْرِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إخْبارًا مِنهُ بِسَبْقِ كُفْرِهِ في الأزْمِنَةِ الماضِيَةِ في عِلْمِ اللَّهِ. ﴿قالَ يا إبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ﴾، وفي الأعْرافِ: ﴿ما مَنَعَكَ ألّا تَسْجُدَ﴾ [الأعراف: ١٢]، فَدَلَّ أنْ تَسْجُدَ هُنا، عَلى أنَّ لا في ﴿أنْ لا أقُولَ﴾ [الأعراف: ١٠٥] زائِدَةٌ، والمَعْنى أيْضًا يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ لا يَسْتَفْهِمُ إلّا عَنِ المانِعِ مِنَ السُّجُودِ، وهو اسْتِفْهامُ تَقْرِيرٍ وتَوْبِيخٍ. وما في ﴿لِما خَلَقْتُ﴾، اسْتَدَلَّ بِها مَن يُجِيزُ إطْلاقَ ما عَلى آحادِ مَن يَعْقِلُ، وأوَّلَ بِأنَّ ما مَصْدَرِيَّةٌ، والمَصْدَرُ يُرادُ بِهِ المَخْلُوقُ، لا حَقِيقَةُ المَصْدَرِ. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ: (لَمّا) بِفَتْحِ اللّامِ وتَشْدِيدِ المِيمِ، ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾، عَلى الإفْرادِ؛ والجُمْهُورُ: عَلى التَّثْنِيَةِ؛ وقُرِئَ ﴿بِيَدَيَّ﴾ كَقِراءَةِ ﴿بِمُصْرِخِيَّ﴾ [إبراهيم: ٢٢]؛ وقالَ تَعالى: ﴿مِمّا عَمِلَتْ أيْدِينا﴾ [يس: ٧١] بِالجَمْعِ، وكُلُّها عِبارَةٌ عَنِ القُدْرَةِ والقُوَّةِ، وعَبَّرَ بِاليَدِ، إذْ كانَ عِنْدَ البَشَرِ مُعْتادًا أنَّ البَطْشَ والقُوَّةَ بِاليَدِ. وذَهَبَ القاضِي أبُو بَكْرِ بْنُ الطَّيِّبِ إلى أنَّ اليَدَ صِفَةُ ذاتٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهو قَوْلٌ مَرْغُوبٌ عَنْهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (أسْتَكْبَرْتَ)، بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، فَأمْ مُتَّصِلَةٌ عادَلَتِ الهَمْزَةَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ النَّحْوِيِّينَ إلى أنَّ أمْ لا تَكُونُ مُعادِلَةً لِلْألِفِ مَعَ اخْتِلافِ الفِعْلَيْنِ، وإنَّما تَكُونُ مُعادِلَةً إذا دَخَلَتا عَلى فِعْلٍ واحِدٍ، كَقَوْلِكَ: أزَيْدٌ قامَ أمْ عَمْرٌو ؟ وقَوْلُكَ: أقامَ زَيْدٌ أمْ عَمْرٌو ؟ فَإذا اخْتَلَفَ الفِعْلانِ كَهَذِهِ الآيَةِ، فَلَيْسَتْ مُعادِلَةً. ومَعْنى الآيَةِ: أحَدَثَ لَكَ الِاسْتِكْبارُ الآنَ، أمْ كُنْتَ قَدِيمًا مِمَّنْ لا يَلِيقُ أنْ تُكَلَّفَ مِثْلَ هَذا لِعُلُوِّ مَكانِكَ ؟ وهَذا عَلى جِهَةِ التَّوْبِيخِ. انْتَهى. وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ النَّحْوِيِّينَ مَذْهَبٌ غَيْرُ صَحِيحٍ. قالَ سِيبَوَيْهِ: وتَقُولُ أضْرَبْتَ زَيْدًا أمْ قَتَلْتَهُ فالبَدْءُ هُنا بِالفِعْلِ أحْسَنُ؛ لِأنَّكَ إنَّما تَسْألُ عَنْ أحَدِهِما، لا تَدْرِي أيُّهُما كانَ، ولا تَسْألُ عَنْ مَوْضِعِ أحَدِهِما، كَأنَّكَ قُلْتَ: أيُّ ذَلِكَ كانَ ؟ انْتَهى. فَعادَلَ بِأمِ الألِفَ مَعَ اخْتِلافِ الفِعْلَيْنِ. ﴿مِنَ العالِينَ﴾: مِمَّنْ عَلَوْتَ وفُقْتَ. فَأجابَ بِأنَّهُ مِنَ العالِينَ، حَيْثُ قالَ ﴿أنا خَيْرٌ مِنهُ﴾ . وقِيلَ: أسْتَكْبَرْتَ الآنَ، أوْ لَمْ تَزَلْ مُذْ كُنْتَ مِنَ المُسْتَكْبِرِينَ ؟ ومَعْنى الهَمْزَةِ: التَّقْرِيرُ. انْتَهى. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ، مِنهُمُ ابْنُ كَثِيرٍ وغَيْرُهُ: (اسْتَكْبَرْتَ)، بِصِلَةِ الألِفِ، وهي قِراءَةُ أهْلِ مَكَّةَ، ولَيْسَتْ في مَشْهُورِ ابْنِ كَثِيرٍ، فاحْتُمِلَ أنْ تَكُونَ هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ حُذِفَتْ لِدَلالَةِ أمْ عَلَيْها، كَقَوْلِهِ: ؎بِسَبْعٍ رَمَيْنَ الجَمْرَ أمْ بِثَمانِ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ إخْبارًا خاطَبَهُ بِذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّقْرِيعِ، وأمْ تَكُونُ مُنْقَطِعَةً، والمَعْنى: بَلْ أنْتَ مِنَ العالِينَ عِنْدَ نَفْسِكَ اسْتِخْفافًا بِهِ. ﴿قالَ أنا خَيْرٌ مِنهُ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ذَلِكَ في الأعْرافِ. ﴿قالَ فاخْرُجْ مِنها﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مِثْلِ ذَلِكَ في الحِجْرِ، إلّا أنَّ هُنا ﴿لَعْنَتِي﴾ وهُناكَ (اللَّعْنَةُ) أعَمُّ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ ويَلْعَنُهُمُ اللّاعِنُونَ﴾ [البقرة: ١٥٩] وأمّا بِالإضافَةِ، فالعُمُومُ في اللَّعْنَةِ أعَمُّ، واللَّعَناتُ إنَّما تَحْصُلُ مِن جِهَةِ أنَّ مَن عَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ كانَتْ عَلَيْهِ لَعْنَةُ كُلِّ لاعِنٍ، هَذا مِن جِهَةِ المَعْنى، وأمّا بِاللَّفْظِ فَيَقْتَضِي التَّخْصِيصَ. ﴿قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ﴾: أقْسَمَ إبْلِيسُ هُنا بِعِزَّةِ اللَّهِ، وقالَ في الأعْرافِ: ﴿فَبِما أغْوَيْتَنِي لَأقْعُدَنَّ﴾ [الأعراف: ١٦]، وفي الحِجْرِ: ﴿رَبِّ بِما أغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ﴾ [الحجر: ٣٩] . وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِما في مَوْضِعِهِما، وإنَّ مِنَ المُفَسِّرِينَ مَن قالَ: إنَّ الباءَ في: ﴿بِما أغْوَيْتَنِي﴾ [الحجر: ٣٩] وفي: ﴿فَبِما أغْوَيْتَنِي﴾ [الأعراف: ١٦] لَيْسَتْ باءَ القَسَمِ. فَإنْ كانَتْ باءَ القَسَمِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ في مَوْطِنَيْنِ: فَهُنا: ﴿لَأُغْوِيَنَّهُمْ﴾، وفي الأعْرافِ: ﴿لَأقْعُدَنَّ﴾ [الأعراف: ١٦]، وفي الحِجْرِ: ﴿لَأُزَيِّنَنَّ﴾ [الحجر: ٣٩] . (p-٤١١)وقَرَأ الجُمْهُورُ: (فالحَقَّ والحَقَّ) بِنَصْبِهِما. أمّا الأوَّلُ فَمُقْسَمٌ بِهِ، حُذِفَ مِنهُ الحَرْفُ كَقَوْلِهِ: (أمانَةَ اللَّهِ لَأقُومَنَّ)، والمُقْسَمُ عَلَيْهِ (لَأمْلَأنَّ) . ﴿والحَقَّ أقُولُ﴾: اعْتِراضٌ بَيْنَ القَسَمِ وجَوابِهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومَعْناهُ: ولا أقُولُ إلّا الحَقَّ. انْتَهى؛ لِأنَّ عِنْدَهُ تَقُدُّمَ المَفْعُولِ يُفِيدُ الحَصْرَ. والحَقُّ المُقْسَمُ بِهِ إمّا اسْمُهُ تَعالى الَّذِي في قَوْلِهِ: ﴿أنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ المُبِينُ﴾ [النور: ٢٥]، أوِ الَّذِي هو نَقِيضُ الباطِلِ. وقِيلَ: ﴿فالحَقُّ﴾ مَنصُوبٌ عَلى الإغْراءِ، أيْ: فالزَمُوا الحَقَّ، و(لَأمْلَأنَّ): جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ. وقالَ الفَرّاءُ: هو عَلى مَعْنى قَوْلِكَ: حَقًّا لا شَكَّ، ووُجُودُ الألِفِ واللّامِ وطَرْحُهُما سَواءٌ، أيْ: لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ حَقًّا. انْتَهى. وهَذا المَصْدَرُ الجائِي تَوْكِيدًا لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ، لا يَجُوزُ تَقْدِيمُهُ عِنْدَ جُمْهُورِ النُّحاةِ، وذَلِكَ مَخْصُوصٌ بِالجُمْلَةِ الَّتِي جُزْآها مَعْرِفَتانِ جامِدَتانِ جُمُودًا مَحْضًا. وقالَ صاحِبُ البَسِيطِ: وقَدْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخَبَرُ نَكِرَةً، قالَ: والمُبْتَدَأُ يَكُونُ ضَمِيرًا نَحْوَ: هو زَيْدٌ مَعْرُوفًا، وهو الحَقُّ بَيِّنًا، وأنا الأمِيرُ مُفْتَخِرًا؛ ويَكُونُ ظاهِرًا كَقَوْلِكَ: زِيدٌ أبُوكَ عَطُوفًا، وأخُوكَ زَيْدٌ مَعْرُوفًا. انْتَهى. وقالَتِ العَرَبُ: زَيْدٌ قائِمٌ غَيْرَ ذِي شَكٍّ، فَجاءَتِ الحالُ بَعْدَ جُمْلَةٍ، والخَبَرُ نَكِرَةً، وهي حالٌ مُؤَكِّدَةٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ، وكَأنَّ الفَرّاءَ لَمْ يَشْتَرِطْ هَذا الَّذِي ذَكَرَهُ أصْحابُنا مِن كَوْنِ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ مَعْرُوفَيْنِ جامِدَيْنِ؛ لِأنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ تَأْكِيدِ مَضْمُونِ الجُمْلَةِ الِابْتِدائِيَّةِ وبَيْنَ تَأْكِيدِ الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ. وقِيلَ: التَّقْدِيرُ فالحَقُّ الحَقُّ، أيْ أفْعَلُهُ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والأعْمَشُ: بِالرَّفْعِ فِيهِما، فالأوَّلُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، قِيلَ: تَقْدِيرُهُ فالحَقُّ أنا، وقِيلَ: فالحَقُّ مِنِّي، وقِيلَ: تَقْدِيرُهُ فالحَقُّ قَسَمِي، وحُذِفَ كَما حُذِفَ في: لَعَمْرُكَ لَأقُومَنَّ، وفي: يَمِينُ اللَّهِ أبْرَحُ قاعِدًا، أيْ لَعَمْرُكَ قَسَمِي ويَمِينُ اللَّهِ قَسَمِي، وهَذِهِ الجُمْلَةُ هي جُمْلَةُ القَسَمِ، وجَوابُهُ: لَأمْلَأنَّ. وأمّا (والحَقُّ أقُولُ) فَمُبْتَدَأٌ أيْضًا، خَبَرُهُ الجُمْلَةُ، وحُذِفَ العائِدُ، كَقِراءَةِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿وكُلًّا وعَدَ اللَّهُ الحُسْنى﴾ [النساء: ٩٥] . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أمّا الأوَّلُ فَرُفِعَ عَلى الِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ في قَوْلِهِ: ﴿لَأمْلَأنَّ﴾؛ لِأنَّ المَعْنى: أنْ أمْلَأ. انْتَهى. وهَذا لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّ لَأمْلَأنَّ جَوابُ قَسَمٍ، ويَجِبُ أنْ يَكُونَ جُمْلَةً، فَلا يَتَقَدَّرُ بِمُفْرَدٍ. وأيْضًا لَيْسَ مَصْدَرًا مُقَدَّرًا بِحَرْفٍ مَصْدَرِيٍّ والفِعْلِ حَتّى يَنْحَلَّ إلَيْهِما، ولَكِنَّهُ لَمّا صَحَّ لَهُ إسْنادُ ما قُدِّرَ إلى المُبْتَدَأِ حُكِمَ أنَّهُ خَبَرٌ عَنْهُ. وقَرَأ الحَسَنُ، وعِيسى، و عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي حَمّادٍ عَنْ أبِي بَكْرٍ: بِجَرِّهِمْ، ويَخْرُجُ عَلى أنَّ الأوَّلَ مَجْرُورٌ بِواوِ القَسَمِ مَحْذُوفَةً، تَقْدِيرُهُ: فَوالحَقِّ، والحَقِّ مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ، كَما تَقُولُ: واللَّهِ واللَّهِ لَأقُومَنَّ، و(أقُولُ) اعْتِراضٌ بَيْنَ القَسَمِ وجَوابِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿والحَقَّ أقُولُ﴾: أيْ: ولا أقُولُ إلّا الحَقَّ عَلى حِكايَةِ لَفْظِ المُقْسَمَ بِهِ، ومَعْناهُ التَّوْكِيدُ والتَّسْدِيدُ، وهَذا الوَجْهُ جائِزٌ في المَنصُوبِ والمَرْفُوعِ، وهو وجْهٌ دَقِيقٌ حَسَنٌ. انْتَهى. ومُلَخَّصُهُ أنَّهُ أعْمَلَ القَوْلَ في لَفْظِ المُقْسَمِ بِهِ عَلى سَبِيلِ الحِكايَةِ نَصْبًا أوْ رَفْعًا أوْ جَرًّا. وقَرَأ مُجاهِدٌ، والأعْمَشُ: بِخِلافٍ عَنْهُما؛ وأبانُ بْنُ تَغْلَبَ، وطَلْحَةُ في رِوايَةٍ، وحَمْزَةُ، وعاصِمٌ، عَنِ المُفَضَّلِ، وخَلَفٍ، والعَبْسِيِّ: بِرَفْعِ ﴿فالحَقُّ﴾ ونَصْبِ ﴿والحَقَّ﴾، وتَقَدَّمَ إعْرابُهُما. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: (أجْمَعِينَ) تَأْكِيدٌ لِلْمُحَدَّثِ عَنْهُ والمَعْطُوفُ عَلَيْهِ، وهو ضَمِيرُ إبْلِيسَ ومَن عُطِفَ عَلَيْهِ، أيْ مِنكَ ومِن تابِعِيكِ أجْمَعِينَ. وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ أجْمَعِينَ تَأْكِيدًا لِلضَّمِيرِ الَّذِي في مِنهم، مُقَدَّرٌ، لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الشَّياطِينِ ومِمَّنْ تَبِعَهم مِن جَمِيعِ النّاسِ، لا تَفاوُتَ في ذَلِكَ بَيْنَ ناسٍ وناسٍ بَعْدَ وُجُودِ الأتْباعِ مِنهم مِن أوْلادِ الأنْبِياءِ وغَيْرِهِمْ. انْتَهى. والضَّمِيرُ في (عَلَيْهِ) عائِدٌ عَلى القُرْآنِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقِيلَ: عائِدٌ عَلى الوَحْيِ. وقِيلَ: عَلى الدُّعاءِ إلى اللَّهِ. ﴿وما أنا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ﴾: أيِ المُتَصَنِّعِينَ المُتَحَلِّينَ بِما لَيْسُوا مِن أهْلِهِ، فَأنْتَحَلُ النُّبُوَّةَ والقَوْلَ عَلى اللَّهِ. (إنْ هو) أيِ: القُرْآنُ، ﴿إلّا ذِكْرٌ﴾: أيْ: مِنَ اللَّهِ، ﴿لِلْعالَمِينَ﴾: الثَّقَلَيْنِ الإنْسِ والجِنِّ. ﴿ولَتَعْلَمُنَّ نَبَأهُ﴾: أيْ عاقِبَةَ خَبَرِهِ لِمَن آمَنَ بِهِ ومَن أعْرَضَ عَنْهُ، ﴿بَعْدَ حِينٍ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ وابْنُ زَيْدٍ: يَعْنِي يَوْمَ القِيامَةِ. وقالَ قَتادَةُ، والفَرّاءُ، والزَّجّاجُ: بَعْدَ المَوْتِ. وكانَ الحَسَنُ يَقُولُ: يا ابْنَ آدَمَ، عِنْدَ المَوْتِ (p-٤١٢)يَأْتِيكَ الخَبَرُ اليَقِينُ. وقِيلَ: المَعْنى لَيَظْهَرَنَّ لَكم حَقِيقَةُ ما أقُولُ. ﴿بَعْدَ حِينٍ﴾ أيْ: في المُسْتَأْنَفِ، إذا أخَذَتْكم سُيُوفُ المُسْلِمِينَ، وذَلِكَ يَوْمَ بَدْرٍ، وأشارَ إلى ذَلِكَ السُّدِّيُّ. * * سُورَةُ الزُّمَرِ خَمْسٌ وسَبْعُونَ آيَةً، مَكِّيَّةٌ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ [الزمر: ١] ﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ فاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر: ٢] ﴿ألا لِلَّهِ الدِّينُ الخالِصُ والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى إنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهم في ما هم فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن هو كاذِبٌ كَفّارٌ﴾ [الزمر: ٣] ﴿لَوْ أرادَ اللَّهُ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا لاصْطَفى مِمّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ سُبْحانَهُ هو اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ [الزمر: ٤] ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلى النَّهارِ ويُكَوِّرُ النَّهارَ عَلى اللَّيْلِ وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأجَلٍ مُسَمًّى ألا هو العَزِيزُ الغَفّارُ﴾ [الزمر: ٥] ﴿خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنها زَوْجَها وأنْزَلَ لَكم مِنَ الأنْعامِ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ يَخْلُقُكم في بُطُونِ أُمَّهاتِكم خَلْقًا مِن بَعْدِ خَلْقٍ في ظُلُماتٍ ثَلاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم لَهُ المُلْكُ لا إلَهَ إلّا هو فَأنّى تُصْرَفُونَ﴾ [الزمر: ٦] ﴿إنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكم ولا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ وإنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكم ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ثُمَّ إلى رَبِّكم مَرْجِعُكم فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ [الزمر: ٧] ﴿وإذا مَسَّ الإنْسانَ ضُرٌّ دَعا رَبَّهُ مُنِيبًا إلَيْهِ ثُمَّ إذا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنهُ نَسِيَ ما كانَ يَدْعُو إلَيْهِ مِن قَبْلُ وجَعَلَ لِلَّهِ أنْدادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إنَّكَ مِن أصْحابِ النّارِ﴾ [الزمر: ٨] ﴿أمْ مَن هو قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِدًا وقائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ ويَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبابِ﴾ [الزمر: ٩] ﴿قُلْ يا عِبادِي الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكم لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وأرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ إنَّما يُوَفّى الصّابِرُونَ أجْرَهم بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ [الزمر: ١٠] ﴿قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر: ١١] ﴿وأُمِرْتُ لِأنْ أكُونَ أوَّلَ المُسْلِمِينَ﴾ [الزمر: ١٢] ﴿قُلْ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الزمر: ١٣] ﴿قُلِ اللَّهَ أعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ [الزمر: ١٤] ﴿فاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِن دُونِهِ قُلْ إنَّ الخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ ألا ذَلِكَ هو الخُسْرانُ المُبِينُ﴾ [الزمر: ١٥] ﴿لَهم مِن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النّارِ ومِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ يا عِبادِ فاتَّقُونِ﴾ [الزمر: ١٦] ﴿والَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ أنْ يَعْبُدُوها وأنابُوا إلى اللَّهِ لَهُمُ البُشْرى فَبَشِّرْ عِبادِي﴾ [الزمر: ١٧] ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وأُولَئِكَ هم أُولُو الألْبابِ﴾ [الزمر: ١٨] ﴿أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ أفَأنْتَ تُنْقِذُ مَن في النّارِ﴾ [الزمر: ١٩] ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم لَهم غُرَفٌ مِن فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ وعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ المِيعادَ﴾ [الزمر: ٢٠] ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ في الأرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا ألْوانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطامًا إنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرى لِأُولِي الألْبابِ﴾ [الزمر: ٢١] ﴿أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ فَهو عَلى نُورٍ مِن رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهم مِن ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الزمر: ٢٢] ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ كِتابًا مُتَشابِهًا مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهم وقُلُوبُهم إلى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشاءُ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ [الزمر: ٢٣] ﴿أفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ وقِيلَ لِلظّالِمِينَ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ [الزمر: ٢٤] ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأتاهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ [الزمر: ٢٥] ﴿فَأذاقَهُمُ اللَّهُ الخِزْيَ في الحَياةِ الدُّنْيا ولَعَذابُ الآخِرَةِ أكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٢٦] ﴿ولَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ [الزمر: ٢٧] ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ [الزمر: ٢٨] ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ ورَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا الحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٢٩] ﴿إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهم مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠] ﴿ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكم تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر: ٣١] . (p-٤١٣)التَّكْوِيرُ: اللَّفُّ واللَّيُّ، يُقالُ: كارَ العِمامَةَ عَلى رَأْسِهِ وكَوَّرَها. خَوَّلَهُ النِّعْمَةَ أيْ: أعْطاهُ ابْتِداءً مِن غَيْرِ مُجازاةٍ، ولا يُقالُ في الجَزاءِ خَوَّلَ. قالَ زُهَيْرٌ: ؎هُنالِكَ إنْ يُسْتَخْوَلُوا المالَ يُخَوَّلُوا ويُرْوى: يُسْتَخْيَلُوا المالَ يُخَيَّلُوا وقالَ أبُو النَّجْمِ: ؎أعْطى فَلَمْ يَبْخَلْ ولَمْ يُبَخِّلْ ∗∗∗ كَوْمَ الذُّرى مِن خَوَلِ المَخْوِلِ هاجَ الزَّرْعُ: ثارَ مِن مَنابِتِهِ، وقِيلَ: يَبِسَ. الحُطامُ: الفُتاتُ بَعْدَ يُبْسِهِ. القُشَعْرِيرَةُ: تَقَبُّضُ الجِلْدِ، يُقالُ: اقْشَعَرَّ جِلْدُهُ مِنَ الخَوْفِ: وقَفَ شَعْرُهُ، وهو مَثَلٌ في شِدَّةِ الخَوْفِ. الشِّكاسَةُ: سُوءُ الخُلُقِ وعُسْرُهُ.

ص 38:77

﴿قُلْ هو نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿أنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ ﴿ما كانَ لِيَ مِن عِلْمٍ بِالمَلَإ الأعْلى إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ ﴿إنْ يُوحى إلَيَّ إلّا أنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿إذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ﴾ ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ ﴿فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلُّهم أجْمَعُونَ﴾ ﴿إلّا إبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ ﴿قالَ يا إبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أأسْتَكْبَرْتَ أمْ كُنْتَ مِنَ العالِينَ﴾ ﴿قالَ أنا خَيْرٌ مِنهُ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ ﴿قالَ فاخْرُجْ مِنها فَإنَّكَ رَجِيمٌ﴾ ﴿وإنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إلى يَوْمِ الدِّينِ﴾ ﴿قالَ رَبِّ فَأنْظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ﴿قالَ فَإنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ ﴿إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ﴾ ﴿قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلّا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ ﴿قالَ فالحَقُّ والحَقَّ أقُولُ﴾ ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ ومِمَّنْ تَبِعَكَ مِنهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿قُلْ ما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ وما أنا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ﴾ ﴿إنْ هو إلّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ ﴿ولَتَعْلَمُنَّ نَبَأهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ . الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ هو نَبَأٌ﴾ يَعُودُ عَلى ما أخْبَرَ بِهِ مِن كَوْنِهِ رَسُولًا مُنْذِرًا داعِيًا إلى اللَّهِ، وأنَّهُ تَعالى هو المُنْفَرِدُ بِالأُلُوهِيَّةِ، المُتَّصِفُ بِتِلْكَ الأوْصافِ مِنَ الوَحْدانِيَّةِ والقَهْرِ ومُلْكِ العالَمِ وعِزَّتِهِ وغُفْرانِهِ، وهو خَبَرٌ عَظِيمٌ لا يُعْرِضُ عَنْ مِثْلِهِ إلّا غافِلٌ شَدِيدُ الغَفْلَةِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: النَّبَأُ العَظِيمُ: القُرْآنُ. وقالَ الحَسَنُ: يَوْمُ القِيامَةِ. وقِيلَ: قَصَصُ آدَمَ والإنْباءُ بِهِ مِن غَيْرِ سَماعٍ مِن أحَدٍ. وقالَ صاحِبُ التَّحْرِيرِ: سِياقُ الآيَةِ وظاهِرُها أنَّهُ يُرِيدُ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ هو نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾، ما قَصَّهُ اللَّهُ تَعالى مِن مُناظَرَةِ أهْلِ النّارِ ومُقاوَلَةِ الأتْباعِ مَعَ السّاداتِ؛ لِأنَّهُ مِن أحْوالِ البَعْثِ، وقُرَيْشٌ كانْتَ تُنْكِرُ البَعْثَ والحِسابَ والعِقابَ، وهم عَنْ ذَلِكَ مُعْرِضُونَ. وقَوْلُهُ: ﴿ما كانَ لِيَ مِن عِلْمٍ بِالمَلَإ الأعْلى إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾: احْتِجاجٌ عَلى قُرَيْشٍ بِأنَّ ما جاءَ بِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ لا مِن قِبَلِ نَفْسِهِ. فَإنَّ مَن في الأرْضِ ما لَهُ عِلْمٌ بِمَن في السَّماءِ إلّا بِإعْلامِ اللَّهِ تَعالى؛ وعِلْمُ المُغَيَّباتِ لا يُوصَلُ إلَيْهِ إلّا (p-٤٠٩)بِإعْلامِ اللَّهِ تَعالى، وعِلْمُهُ بِأحْوالِ أهْلِ النّارِ، وابْتِداءِ خَلْقِ آدَمَ لَمْ يَكُنْ عَنْهُ عِلْمٌ بِذَلِكَ؛ فَإخْبارُهُ بِذَلِكَ هو بِإعْلامِ اللَّهِ، والِاسْتِدْلالُ بِقِصَّةِ آدَمَ؛ لِأنَّهُ أوَّلُ البَشَرِ خَلْقًا، وبَيْنَهُ وبَيْنَ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أزْمانٌ مُتَقادِمَةٌ وقُرُونٌ سالِفَةٌ. انْتَهى، وفي آخِرِهِ بَعْضُ اخْتِصارٍ. ثُمَّ احْتَجَّ بِصِحَّةِ نُبُوَّتِهِ، بِأنَّ ما يُنْبِئُ بِهِ عَنِ المَلَأِ الأعْلى واخْتِصامِهِمْ أمْرٌ لَمْ يَكُنْ لَهُ بِهِ مِن عِلْمٍ قَطُّ. ثُمَّ عَلِمَهُ مِن غَيْرِ الطَّرِيقِ الَّذِي يَسْلُكُهُ المُتَعَلِّمُونَ، بَلْ ذَلِكَ مُسْتَفادٌ مِنَ الوَحْيِ، و(بِالمَلَأِ) مُتَعَلِّقٌ بِـ (عِلْمٍ)، و(إذْ) مَنصُوبٌ بِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بِمَحْذُوفٍ؛ لِأنَّ المَعْنى: ما كانَ لِي مِن عِلْمٍ بِكَلامِ المَلَأِ الأعْلى وقْتَ اخْتِصامِهِمْ. (وإذْ قالَ) بَدَلٌ مِن ﴿إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ عَلى المَلَأِ الأعْلى، وهُمُ المَلائِكَةُ، وأبْعَدَ مَن قالَ إنَّهم قُرَيْشٌ، واخْتِصامُ المَلائِكَةِ في أمْرِ آدَمَ وذُرِّيَّتِهِ في جَعْلِهِمْ في الأرْضِ. وقالُوا: ﴿أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها﴾ [البقرة: ٣٠] . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وقالَ الحَسَنُ: إنَّ اللَّهَ خالِقٌ خَلْقًا كُنّا أكْرَمَ مِنهُ وأعْلَمَ. وقِيلَ: في الكَفّاراتِ وغَفْرِ الذُّنُوبِ، فَإنَّ العَبْدَ إذا عَمِلَ حَسَنَةً اخْتَلَفَتِ المَلائِكَةُ في قَدْرِ ثَوابِهِ في ذَلِكَ حَتّى يَقْضِيَ اللَّهُ بِما يَشاءُ. وفي الحَدِيثِ: ”«قالَ لَهُ رَبُّهُ في نَوْمِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: فِيمَ يَخْتَصِمُونَ ؟ فَقُلْتُ: لا أدْرِي، فَقالَ: في الكَفّاراتِ، وفي إسْباغِ الوُضُوءِ في السَّرّاتِ، ونَقْلِ الخُطا إلى الجَماعاتِ“» . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كانَتْ مُقاوَلَةُ اللَّهِ سُبْحانَهُ بِواسِطَةِ مَلَكٍ، وكانَ المُقاوِلُ في الحَقِيقَةِ هو المَلَكُ المُتَوَسِّطُ، فَيَصِحُّ أنَّ التَّقاوُلَ بَيْنَ المَلائِكَةِ وآدَمَ وإبْلِيسَ، وهُمُ المَلَأُ الأعْلى. والمُرادُ بِالِاخْتِصامِ: التَّقاوُلُ. وقِيلَ: المَلَأُ الأعْلى: المَلائِكَةُ، و﴿إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ الضَّمِيرُ فِيهِ لِلْعَرَبِ الكافِرِينَ، فَبَعْضُهم يَقُولُ: هي بَناتُ اللَّهِ، وبَعْضُهم: آلِهَةٌ تُعْبَدُ، وغَيْرُ ذَلِكَ مِن أقْوالِهِمْ. ﴿إنْ يُوحى إلَيَّ﴾ أيْ: ما يُوحى إلَيَّ، ﴿إلّا أنَّما أنا نَذِيرٌ﴾ أيْ: لِلْإنْذارِ، حَذَفَ اللّامَ ووَصَلَ الفِعْلَ والمَفْعُولَ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرًا يَدُلُّ عَلَيْهِ المَعْنى، أيْ: إنْ يُوحى إلَيَّ هو، أيْ: ما يُوحى إلّا الإنْذارُ، وأُقِيمَ إلِيَّ مَقامَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ إنَّما هو المَفْعُولُ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، أيْ: ما يُوحى إلَيَّ إلّا الإنْذارُ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: (إلّا إنَّما) بِكَسْرِ هَمْزَةِ إنَّما عَلى الحِكايَةِ، أيْ: ما يُوحى إلَيَّ إلّا هَذِهِ الجُمْلَةُ، كَأنْ قِيلَ لَهُ: أنْتَ نَذِيرٌ مُبِينٌ، فَحَكى هو المَعْنى، وهَذا كَما يَقُولُ الإنْسانُ: أنا عالِمٌ، فَيُقالُ لَهُ: قُلْتَ إنَّكَ عالِمٌ، فَيُحْكى المَعْنى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقُرِئَ إنَّما بِالكَسْرِ عَلى الحِكايَةِ، أيْ: إلّا هَذا القَوْلُ، وهو أنْ أقُولَ لَكم ﴿إنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾، فَلا أدَّعِي شَيْئًا آخَرَ. انْتَهى. فِي تَخْرِيجِهِ تَعارُضٌ؛ لِأنَّهُ قالَ أيْ: إلّا هَذا القَوْلَ، فَظاهِرُهُ الجُمْلَةُ الَّتِي هي ﴿إنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾، ثُمَّ قالَ: وهو أنْ أقُولَ لَكم إنِّي نَذِيرٌ، فالمَقامُ مَقامُ الفاعِلِ هو أنْ أقُولَ لَكم، وأنْ وما بَعْدَهُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، وعَلى قَوْلِهِ: إلّا هَذا القَوْلَ، يَكُونُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ فَيَتَعارَضا. وتَقَدَّمَ أنَّ (إذْ قالَ) بَدَلٌ مِن ﴿إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ هَذا إذا كانَتِ الخُصُومَةُ في شَأْنِ مَن يُسْتَخْلَفُ في الأرْضِ، وعَلى غَيْرِهِ مِنَ الأقْوالِ يَكُونُ مَنصُوبًا بِاذْكُرْ. ولَمّا كانَتْ قُرَيْشٌ، خالَفُوا الرَّسُولَ، - عَلَيْهِ السَّلامُ -، بِسَبَبِ الحَسَدِ والكِبْرِ. ذَكَرَ حالَ إبْلِيسَ، حَيْثُ خالَفَ أمْرَ اللَّهِ بِسَبَبِ الحَسَدِ والكِبْرِ وما آلَ إلَيْهِ مِنَ اللَّعْنَةِ والطَّرْدِ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ، لِيَزْدَجِرَ عَنْ ذَلِكَ مَن فِيهِ شَيْءٌ مِنهُما. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ صَحَّ أنْ يَقُولَ لَهم: ﴿إنِّي خالِقٌ بَشَرًا﴾، وما عَرَفُوا ما البَشَرُ ولا عَهِدُوا بِهِ قَبْلُ ؟ (قُلْتُ): وجْهُهُ أنْ يَكُونَ قَدْ قالَ لَهم: إنِّي خالِقٌ خَلْقًا مِن صِفَةِ كَيْتَ وكَيْتَ، ولَكِنَّهُ حِينَ حَكاهُ اقْتَصَرَ عَلى الِاسْمِ. انْتَهى. والبَشَرُ هو آدَمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وذَكَرَ هُنا أنَّهُ خَلَقَهُ مِن طِينٍ، وفي آلِ عِمْرانَ: ﴿خَلَقَهُ مِن تُرابٍ﴾ [آل عمران: ٥٩]، وفي الحِجْرِ: ﴿مِن صَلْصالٍ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ [الحجر: ٢٦]، وفي الأنْبِياءِ: ﴿مِن عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧]؛ ولا مُنافاةَ في تِلْكَ المادَّةِ البَعِيدَةِ، وهي التُّرابُ، ثُمَّ ما يَلِيهِ وهو الطِّينُ، ثُمَّ ما يَلِيهِ وهو الحَمَأُ المَسْنُونُ، ثُمَّ المادَّةُ تَلِي الحَمَأ وهو الصَّلْصالُ؛ وأمّا ﴿مِن عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧] فَمَضى تَفْسِيرُهُ. ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ ﴿فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلُّهم أجْمَعُونَ﴾ ﴿إلّا إبْلِيسَ﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذا في الحِجْرِ، وهُنا ﴿اسْتَكْبَرَ وكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾، (p-٤١٠)وفِي البَقَرَةِ: ﴿أبى واسْتَكْبَرَ وكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ [البقرة: ٣٤]، وفي الأعْرافِ: ﴿لَمْ يَكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ﴾ [الأعراف: ١١]، وفي الحِجْرِ: ﴿أبى أنْ يَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٣١]، وفي الإسْراءِ: ﴿قالَ أأسْجُدُ لِمَن خَلَقْتَ طِينًا﴾ [الإسراء: ٦١]، وفي الكَهْفِ: ﴿كانَ مِنَ الجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ٥٠] . والِاسْتِثْناءُ في جَمِيعِ هَذِهِ الآياتِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمْ يَسْجُدْ، فَتارَةً أكَّدَ بِالنَّفْيِّ المَحْضِ، وتارَةً ذَكَرَ إبايَتَهُ عَنِ السُّجُودِ، وهي الأنَفَةُ مِن ذَلِكَ، وتارَةً نَصَّ عَلى أنَّ ذَلِكَ الِامْتِناعَ كانَ سَبَبُهُ الِاسْتِكْبارَ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ أُرِيدَ بِهِ كُفْرُهُ ذَلِكَ الوَقْتَ، وإنْ لَمْ يَكُنْ قَبْلَهُ كافِرًا؛ وعُطِفَ عَلى اسْتَكْبَرَ، فَقَوِيَ ذَلِكَ؛ لِأنَّ الِاسْتِكْبارَ عَنِ السُّجُودِ إنَّما حَصَلَ لَهُ وقْتَ الأمْرِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إخْبارًا مِنهُ بِسَبْقِ كُفْرِهِ في الأزْمِنَةِ الماضِيَةِ في عِلْمِ اللَّهِ. ﴿قالَ يا إبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ﴾، وفي الأعْرافِ: ﴿ما مَنَعَكَ ألّا تَسْجُدَ﴾ [الأعراف: ١٢]، فَدَلَّ أنْ تَسْجُدَ هُنا، عَلى أنَّ لا في ﴿أنْ لا أقُولَ﴾ [الأعراف: ١٠٥] زائِدَةٌ، والمَعْنى أيْضًا يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ لا يَسْتَفْهِمُ إلّا عَنِ المانِعِ مِنَ السُّجُودِ، وهو اسْتِفْهامُ تَقْرِيرٍ وتَوْبِيخٍ. وما في ﴿لِما خَلَقْتُ﴾، اسْتَدَلَّ بِها مَن يُجِيزُ إطْلاقَ ما عَلى آحادِ مَن يَعْقِلُ، وأوَّلَ بِأنَّ ما مَصْدَرِيَّةٌ، والمَصْدَرُ يُرادُ بِهِ المَخْلُوقُ، لا حَقِيقَةُ المَصْدَرِ. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ: (لَمّا) بِفَتْحِ اللّامِ وتَشْدِيدِ المِيمِ، ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾، عَلى الإفْرادِ؛ والجُمْهُورُ: عَلى التَّثْنِيَةِ؛ وقُرِئَ ﴿بِيَدَيَّ﴾ كَقِراءَةِ ﴿بِمُصْرِخِيَّ﴾ [إبراهيم: ٢٢]؛ وقالَ تَعالى: ﴿مِمّا عَمِلَتْ أيْدِينا﴾ [يس: ٧١] بِالجَمْعِ، وكُلُّها عِبارَةٌ عَنِ القُدْرَةِ والقُوَّةِ، وعَبَّرَ بِاليَدِ، إذْ كانَ عِنْدَ البَشَرِ مُعْتادًا أنَّ البَطْشَ والقُوَّةَ بِاليَدِ. وذَهَبَ القاضِي أبُو بَكْرِ بْنُ الطَّيِّبِ إلى أنَّ اليَدَ صِفَةُ ذاتٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهو قَوْلٌ مَرْغُوبٌ عَنْهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (أسْتَكْبَرْتَ)، بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، فَأمْ مُتَّصِلَةٌ عادَلَتِ الهَمْزَةَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ النَّحْوِيِّينَ إلى أنَّ أمْ لا تَكُونُ مُعادِلَةً لِلْألِفِ مَعَ اخْتِلافِ الفِعْلَيْنِ، وإنَّما تَكُونُ مُعادِلَةً إذا دَخَلَتا عَلى فِعْلٍ واحِدٍ، كَقَوْلِكَ: أزَيْدٌ قامَ أمْ عَمْرٌو ؟ وقَوْلُكَ: أقامَ زَيْدٌ أمْ عَمْرٌو ؟ فَإذا اخْتَلَفَ الفِعْلانِ كَهَذِهِ الآيَةِ، فَلَيْسَتْ مُعادِلَةً. ومَعْنى الآيَةِ: أحَدَثَ لَكَ الِاسْتِكْبارُ الآنَ، أمْ كُنْتَ قَدِيمًا مِمَّنْ لا يَلِيقُ أنْ تُكَلَّفَ مِثْلَ هَذا لِعُلُوِّ مَكانِكَ ؟ وهَذا عَلى جِهَةِ التَّوْبِيخِ. انْتَهى. وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ النَّحْوِيِّينَ مَذْهَبٌ غَيْرُ صَحِيحٍ. قالَ سِيبَوَيْهِ: وتَقُولُ أضْرَبْتَ زَيْدًا أمْ قَتَلْتَهُ فالبَدْءُ هُنا بِالفِعْلِ أحْسَنُ؛ لِأنَّكَ إنَّما تَسْألُ عَنْ أحَدِهِما، لا تَدْرِي أيُّهُما كانَ، ولا تَسْألُ عَنْ مَوْضِعِ أحَدِهِما، كَأنَّكَ قُلْتَ: أيُّ ذَلِكَ كانَ ؟ انْتَهى. فَعادَلَ بِأمِ الألِفَ مَعَ اخْتِلافِ الفِعْلَيْنِ. ﴿مِنَ العالِينَ﴾: مِمَّنْ عَلَوْتَ وفُقْتَ. فَأجابَ بِأنَّهُ مِنَ العالِينَ، حَيْثُ قالَ ﴿أنا خَيْرٌ مِنهُ﴾ . وقِيلَ: أسْتَكْبَرْتَ الآنَ، أوْ لَمْ تَزَلْ مُذْ كُنْتَ مِنَ المُسْتَكْبِرِينَ ؟ ومَعْنى الهَمْزَةِ: التَّقْرِيرُ. انْتَهى. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ، مِنهُمُ ابْنُ كَثِيرٍ وغَيْرُهُ: (اسْتَكْبَرْتَ)، بِصِلَةِ الألِفِ، وهي قِراءَةُ أهْلِ مَكَّةَ، ولَيْسَتْ في مَشْهُورِ ابْنِ كَثِيرٍ، فاحْتُمِلَ أنْ تَكُونَ هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ حُذِفَتْ لِدَلالَةِ أمْ عَلَيْها، كَقَوْلِهِ: ؎بِسَبْعٍ رَمَيْنَ الجَمْرَ أمْ بِثَمانِ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ إخْبارًا خاطَبَهُ بِذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّقْرِيعِ، وأمْ تَكُونُ مُنْقَطِعَةً، والمَعْنى: بَلْ أنْتَ مِنَ العالِينَ عِنْدَ نَفْسِكَ اسْتِخْفافًا بِهِ. ﴿قالَ أنا خَيْرٌ مِنهُ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ذَلِكَ في الأعْرافِ. ﴿قالَ فاخْرُجْ مِنها﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مِثْلِ ذَلِكَ في الحِجْرِ، إلّا أنَّ هُنا ﴿لَعْنَتِي﴾ وهُناكَ (اللَّعْنَةُ) أعَمُّ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ ويَلْعَنُهُمُ اللّاعِنُونَ﴾ [البقرة: ١٥٩] وأمّا بِالإضافَةِ، فالعُمُومُ في اللَّعْنَةِ أعَمُّ، واللَّعَناتُ إنَّما تَحْصُلُ مِن جِهَةِ أنَّ مَن عَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ كانَتْ عَلَيْهِ لَعْنَةُ كُلِّ لاعِنٍ، هَذا مِن جِهَةِ المَعْنى، وأمّا بِاللَّفْظِ فَيَقْتَضِي التَّخْصِيصَ. ﴿قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ﴾: أقْسَمَ إبْلِيسُ هُنا بِعِزَّةِ اللَّهِ، وقالَ في الأعْرافِ: ﴿فَبِما أغْوَيْتَنِي لَأقْعُدَنَّ﴾ [الأعراف: ١٦]، وفي الحِجْرِ: ﴿رَبِّ بِما أغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ﴾ [الحجر: ٣٩] . وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِما في مَوْضِعِهِما، وإنَّ مِنَ المُفَسِّرِينَ مَن قالَ: إنَّ الباءَ في: ﴿بِما أغْوَيْتَنِي﴾ [الحجر: ٣٩] وفي: ﴿فَبِما أغْوَيْتَنِي﴾ [الأعراف: ١٦] لَيْسَتْ باءَ القَسَمِ. فَإنْ كانَتْ باءَ القَسَمِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ في مَوْطِنَيْنِ: فَهُنا: ﴿لَأُغْوِيَنَّهُمْ﴾، وفي الأعْرافِ: ﴿لَأقْعُدَنَّ﴾ [الأعراف: ١٦]، وفي الحِجْرِ: ﴿لَأُزَيِّنَنَّ﴾ [الحجر: ٣٩] . (p-٤١١)وقَرَأ الجُمْهُورُ: (فالحَقَّ والحَقَّ) بِنَصْبِهِما. أمّا الأوَّلُ فَمُقْسَمٌ بِهِ، حُذِفَ مِنهُ الحَرْفُ كَقَوْلِهِ: (أمانَةَ اللَّهِ لَأقُومَنَّ)، والمُقْسَمُ عَلَيْهِ (لَأمْلَأنَّ) . ﴿والحَقَّ أقُولُ﴾: اعْتِراضٌ بَيْنَ القَسَمِ وجَوابِهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومَعْناهُ: ولا أقُولُ إلّا الحَقَّ. انْتَهى؛ لِأنَّ عِنْدَهُ تَقُدُّمَ المَفْعُولِ يُفِيدُ الحَصْرَ. والحَقُّ المُقْسَمُ بِهِ إمّا اسْمُهُ تَعالى الَّذِي في قَوْلِهِ: ﴿أنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ المُبِينُ﴾ [النور: ٢٥]، أوِ الَّذِي هو نَقِيضُ الباطِلِ. وقِيلَ: ﴿فالحَقُّ﴾ مَنصُوبٌ عَلى الإغْراءِ، أيْ: فالزَمُوا الحَقَّ، و(لَأمْلَأنَّ): جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ. وقالَ الفَرّاءُ: هو عَلى مَعْنى قَوْلِكَ: حَقًّا لا شَكَّ، ووُجُودُ الألِفِ واللّامِ وطَرْحُهُما سَواءٌ، أيْ: لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ حَقًّا. انْتَهى. وهَذا المَصْدَرُ الجائِي تَوْكِيدًا لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ، لا يَجُوزُ تَقْدِيمُهُ عِنْدَ جُمْهُورِ النُّحاةِ، وذَلِكَ مَخْصُوصٌ بِالجُمْلَةِ الَّتِي جُزْآها مَعْرِفَتانِ جامِدَتانِ جُمُودًا مَحْضًا. وقالَ صاحِبُ البَسِيطِ: وقَدْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخَبَرُ نَكِرَةً، قالَ: والمُبْتَدَأُ يَكُونُ ضَمِيرًا نَحْوَ: هو زَيْدٌ مَعْرُوفًا، وهو الحَقُّ بَيِّنًا، وأنا الأمِيرُ مُفْتَخِرًا؛ ويَكُونُ ظاهِرًا كَقَوْلِكَ: زِيدٌ أبُوكَ عَطُوفًا، وأخُوكَ زَيْدٌ مَعْرُوفًا. انْتَهى. وقالَتِ العَرَبُ: زَيْدٌ قائِمٌ غَيْرَ ذِي شَكٍّ، فَجاءَتِ الحالُ بَعْدَ جُمْلَةٍ، والخَبَرُ نَكِرَةً، وهي حالٌ مُؤَكِّدَةٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ، وكَأنَّ الفَرّاءَ لَمْ يَشْتَرِطْ هَذا الَّذِي ذَكَرَهُ أصْحابُنا مِن كَوْنِ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ مَعْرُوفَيْنِ جامِدَيْنِ؛ لِأنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ تَأْكِيدِ مَضْمُونِ الجُمْلَةِ الِابْتِدائِيَّةِ وبَيْنَ تَأْكِيدِ الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ. وقِيلَ: التَّقْدِيرُ فالحَقُّ الحَقُّ، أيْ أفْعَلُهُ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والأعْمَشُ: بِالرَّفْعِ فِيهِما، فالأوَّلُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، قِيلَ: تَقْدِيرُهُ فالحَقُّ أنا، وقِيلَ: فالحَقُّ مِنِّي، وقِيلَ: تَقْدِيرُهُ فالحَقُّ قَسَمِي، وحُذِفَ كَما حُذِفَ في: لَعَمْرُكَ لَأقُومَنَّ، وفي: يَمِينُ اللَّهِ أبْرَحُ قاعِدًا، أيْ لَعَمْرُكَ قَسَمِي ويَمِينُ اللَّهِ قَسَمِي، وهَذِهِ الجُمْلَةُ هي جُمْلَةُ القَسَمِ، وجَوابُهُ: لَأمْلَأنَّ. وأمّا (والحَقُّ أقُولُ) فَمُبْتَدَأٌ أيْضًا، خَبَرُهُ الجُمْلَةُ، وحُذِفَ العائِدُ، كَقِراءَةِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿وكُلًّا وعَدَ اللَّهُ الحُسْنى﴾ [النساء: ٩٥] . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أمّا الأوَّلُ فَرُفِعَ عَلى الِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ في قَوْلِهِ: ﴿لَأمْلَأنَّ﴾؛ لِأنَّ المَعْنى: أنْ أمْلَأ. انْتَهى. وهَذا لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّ لَأمْلَأنَّ جَوابُ قَسَمٍ، ويَجِبُ أنْ يَكُونَ جُمْلَةً، فَلا يَتَقَدَّرُ بِمُفْرَدٍ. وأيْضًا لَيْسَ مَصْدَرًا مُقَدَّرًا بِحَرْفٍ مَصْدَرِيٍّ والفِعْلِ حَتّى يَنْحَلَّ إلَيْهِما، ولَكِنَّهُ لَمّا صَحَّ لَهُ إسْنادُ ما قُدِّرَ إلى المُبْتَدَأِ حُكِمَ أنَّهُ خَبَرٌ عَنْهُ. وقَرَأ الحَسَنُ، وعِيسى، و عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي حَمّادٍ عَنْ أبِي بَكْرٍ: بِجَرِّهِمْ، ويَخْرُجُ عَلى أنَّ الأوَّلَ مَجْرُورٌ بِواوِ القَسَمِ مَحْذُوفَةً، تَقْدِيرُهُ: فَوالحَقِّ، والحَقِّ مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ، كَما تَقُولُ: واللَّهِ واللَّهِ لَأقُومَنَّ، و(أقُولُ) اعْتِراضٌ بَيْنَ القَسَمِ وجَوابِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿والحَقَّ أقُولُ﴾: أيْ: ولا أقُولُ إلّا الحَقَّ عَلى حِكايَةِ لَفْظِ المُقْسَمَ بِهِ، ومَعْناهُ التَّوْكِيدُ والتَّسْدِيدُ، وهَذا الوَجْهُ جائِزٌ في المَنصُوبِ والمَرْفُوعِ، وهو وجْهٌ دَقِيقٌ حَسَنٌ. انْتَهى. ومُلَخَّصُهُ أنَّهُ أعْمَلَ القَوْلَ في لَفْظِ المُقْسَمِ بِهِ عَلى سَبِيلِ الحِكايَةِ نَصْبًا أوْ رَفْعًا أوْ جَرًّا. وقَرَأ مُجاهِدٌ، والأعْمَشُ: بِخِلافٍ عَنْهُما؛ وأبانُ بْنُ تَغْلَبَ، وطَلْحَةُ في رِوايَةٍ، وحَمْزَةُ، وعاصِمٌ، عَنِ المُفَضَّلِ، وخَلَفٍ، والعَبْسِيِّ: بِرَفْعِ ﴿فالحَقُّ﴾ ونَصْبِ ﴿والحَقَّ﴾، وتَقَدَّمَ إعْرابُهُما. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: (أجْمَعِينَ) تَأْكِيدٌ لِلْمُحَدَّثِ عَنْهُ والمَعْطُوفُ عَلَيْهِ، وهو ضَمِيرُ إبْلِيسَ ومَن عُطِفَ عَلَيْهِ، أيْ مِنكَ ومِن تابِعِيكِ أجْمَعِينَ. وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ أجْمَعِينَ تَأْكِيدًا لِلضَّمِيرِ الَّذِي في مِنهم، مُقَدَّرٌ، لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الشَّياطِينِ ومِمَّنْ تَبِعَهم مِن جَمِيعِ النّاسِ، لا تَفاوُتَ في ذَلِكَ بَيْنَ ناسٍ وناسٍ بَعْدَ وُجُودِ الأتْباعِ مِنهم مِن أوْلادِ الأنْبِياءِ وغَيْرِهِمْ. انْتَهى. والضَّمِيرُ في (عَلَيْهِ) عائِدٌ عَلى القُرْآنِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقِيلَ: عائِدٌ عَلى الوَحْيِ. وقِيلَ: عَلى الدُّعاءِ إلى اللَّهِ. ﴿وما أنا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ﴾: أيِ المُتَصَنِّعِينَ المُتَحَلِّينَ بِما لَيْسُوا مِن أهْلِهِ، فَأنْتَحَلُ النُّبُوَّةَ والقَوْلَ عَلى اللَّهِ. (إنْ هو) أيِ: القُرْآنُ، ﴿إلّا ذِكْرٌ﴾: أيْ: مِنَ اللَّهِ، ﴿لِلْعالَمِينَ﴾: الثَّقَلَيْنِ الإنْسِ والجِنِّ. ﴿ولَتَعْلَمُنَّ نَبَأهُ﴾: أيْ عاقِبَةَ خَبَرِهِ لِمَن آمَنَ بِهِ ومَن أعْرَضَ عَنْهُ، ﴿بَعْدَ حِينٍ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ وابْنُ زَيْدٍ: يَعْنِي يَوْمَ القِيامَةِ. وقالَ قَتادَةُ، والفَرّاءُ، والزَّجّاجُ: بَعْدَ المَوْتِ. وكانَ الحَسَنُ يَقُولُ: يا ابْنَ آدَمَ، عِنْدَ المَوْتِ (p-٤١٢)يَأْتِيكَ الخَبَرُ اليَقِينُ. وقِيلَ: المَعْنى لَيَظْهَرَنَّ لَكم حَقِيقَةُ ما أقُولُ. ﴿بَعْدَ حِينٍ﴾ أيْ: في المُسْتَأْنَفِ، إذا أخَذَتْكم سُيُوفُ المُسْلِمِينَ، وذَلِكَ يَوْمَ بَدْرٍ، وأشارَ إلى ذَلِكَ السُّدِّيُّ. * * سُورَةُ الزُّمَرِ خَمْسٌ وسَبْعُونَ آيَةً، مَكِّيَّةٌ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ [الزمر: ١] ﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ فاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر: ٢] ﴿ألا لِلَّهِ الدِّينُ الخالِصُ والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى إنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهم في ما هم فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن هو كاذِبٌ كَفّارٌ﴾ [الزمر: ٣] ﴿لَوْ أرادَ اللَّهُ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا لاصْطَفى مِمّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ سُبْحانَهُ هو اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ [الزمر: ٤] ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلى النَّهارِ ويُكَوِّرُ النَّهارَ عَلى اللَّيْلِ وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأجَلٍ مُسَمًّى ألا هو العَزِيزُ الغَفّارُ﴾ [الزمر: ٥] ﴿خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنها زَوْجَها وأنْزَلَ لَكم مِنَ الأنْعامِ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ يَخْلُقُكم في بُطُونِ أُمَّهاتِكم خَلْقًا مِن بَعْدِ خَلْقٍ في ظُلُماتٍ ثَلاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم لَهُ المُلْكُ لا إلَهَ إلّا هو فَأنّى تُصْرَفُونَ﴾ [الزمر: ٦] ﴿إنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكم ولا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ وإنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكم ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ثُمَّ إلى رَبِّكم مَرْجِعُكم فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ [الزمر: ٧] ﴿وإذا مَسَّ الإنْسانَ ضُرٌّ دَعا رَبَّهُ مُنِيبًا إلَيْهِ ثُمَّ إذا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنهُ نَسِيَ ما كانَ يَدْعُو إلَيْهِ مِن قَبْلُ وجَعَلَ لِلَّهِ أنْدادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إنَّكَ مِن أصْحابِ النّارِ﴾ [الزمر: ٨] ﴿أمْ مَن هو قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِدًا وقائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ ويَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبابِ﴾ [الزمر: ٩] ﴿قُلْ يا عِبادِي الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكم لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وأرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ إنَّما يُوَفّى الصّابِرُونَ أجْرَهم بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ [الزمر: ١٠] ﴿قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر: ١١] ﴿وأُمِرْتُ لِأنْ أكُونَ أوَّلَ المُسْلِمِينَ﴾ [الزمر: ١٢] ﴿قُلْ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الزمر: ١٣] ﴿قُلِ اللَّهَ أعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ [الزمر: ١٤] ﴿فاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِن دُونِهِ قُلْ إنَّ الخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ ألا ذَلِكَ هو الخُسْرانُ المُبِينُ﴾ [الزمر: ١٥] ﴿لَهم مِن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النّارِ ومِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ يا عِبادِ فاتَّقُونِ﴾ [الزمر: ١٦] ﴿والَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ أنْ يَعْبُدُوها وأنابُوا إلى اللَّهِ لَهُمُ البُشْرى فَبَشِّرْ عِبادِي﴾ [الزمر: ١٧] ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وأُولَئِكَ هم أُولُو الألْبابِ﴾ [الزمر: ١٨] ﴿أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ أفَأنْتَ تُنْقِذُ مَن في النّارِ﴾ [الزمر: ١٩] ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم لَهم غُرَفٌ مِن فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ وعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ المِيعادَ﴾ [الزمر: ٢٠] ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ في الأرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا ألْوانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطامًا إنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرى لِأُولِي الألْبابِ﴾ [الزمر: ٢١] ﴿أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ فَهو عَلى نُورٍ مِن رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهم مِن ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الزمر: ٢٢] ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ كِتابًا مُتَشابِهًا مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهم وقُلُوبُهم إلى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشاءُ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ [الزمر: ٢٣] ﴿أفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ وقِيلَ لِلظّالِمِينَ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ [الزمر: ٢٤] ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأتاهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ [الزمر: ٢٥] ﴿فَأذاقَهُمُ اللَّهُ الخِزْيَ في الحَياةِ الدُّنْيا ولَعَذابُ الآخِرَةِ أكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٢٦] ﴿ولَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ [الزمر: ٢٧] ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ [الزمر: ٢٨] ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ ورَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا الحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٢٩] ﴿إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهم مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠] ﴿ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكم تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر: ٣١] . (p-٤١٣)التَّكْوِيرُ: اللَّفُّ واللَّيُّ، يُقالُ: كارَ العِمامَةَ عَلى رَأْسِهِ وكَوَّرَها. خَوَّلَهُ النِّعْمَةَ أيْ: أعْطاهُ ابْتِداءً مِن غَيْرِ مُجازاةٍ، ولا يُقالُ في الجَزاءِ خَوَّلَ. قالَ زُهَيْرٌ: ؎هُنالِكَ إنْ يُسْتَخْوَلُوا المالَ يُخَوَّلُوا ويُرْوى: يُسْتَخْيَلُوا المالَ يُخَيَّلُوا وقالَ أبُو النَّجْمِ: ؎أعْطى فَلَمْ يَبْخَلْ ولَمْ يُبَخِّلْ ∗∗∗ كَوْمَ الذُّرى مِن خَوَلِ المَخْوِلِ هاجَ الزَّرْعُ: ثارَ مِن مَنابِتِهِ، وقِيلَ: يَبِسَ. الحُطامُ: الفُتاتُ بَعْدَ يُبْسِهِ. القُشَعْرِيرَةُ: تَقَبُّضُ الجِلْدِ، يُقالُ: اقْشَعَرَّ جِلْدُهُ مِنَ الخَوْفِ: وقَفَ شَعْرُهُ، وهو مَثَلٌ في شِدَّةِ الخَوْفِ. الشِّكاسَةُ: سُوءُ الخُلُقِ وعُسْرُهُ.

ص 38:78

﴿قُلْ هو نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿أنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ ﴿ما كانَ لِيَ مِن عِلْمٍ بِالمَلَإ الأعْلى إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ ﴿إنْ يُوحى إلَيَّ إلّا أنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿إذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ﴾ ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ ﴿فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلُّهم أجْمَعُونَ﴾ ﴿إلّا إبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ ﴿قالَ يا إبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أأسْتَكْبَرْتَ أمْ كُنْتَ مِنَ العالِينَ﴾ ﴿قالَ أنا خَيْرٌ مِنهُ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ ﴿قالَ فاخْرُجْ مِنها فَإنَّكَ رَجِيمٌ﴾ ﴿وإنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إلى يَوْمِ الدِّينِ﴾ ﴿قالَ رَبِّ فَأنْظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ﴿قالَ فَإنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ ﴿إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ﴾ ﴿قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلّا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ ﴿قالَ فالحَقُّ والحَقَّ أقُولُ﴾ ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ ومِمَّنْ تَبِعَكَ مِنهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿قُلْ ما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ وما أنا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ﴾ ﴿إنْ هو إلّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ ﴿ولَتَعْلَمُنَّ نَبَأهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ . الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ هو نَبَأٌ﴾ يَعُودُ عَلى ما أخْبَرَ بِهِ مِن كَوْنِهِ رَسُولًا مُنْذِرًا داعِيًا إلى اللَّهِ، وأنَّهُ تَعالى هو المُنْفَرِدُ بِالأُلُوهِيَّةِ، المُتَّصِفُ بِتِلْكَ الأوْصافِ مِنَ الوَحْدانِيَّةِ والقَهْرِ ومُلْكِ العالَمِ وعِزَّتِهِ وغُفْرانِهِ، وهو خَبَرٌ عَظِيمٌ لا يُعْرِضُ عَنْ مِثْلِهِ إلّا غافِلٌ شَدِيدُ الغَفْلَةِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: النَّبَأُ العَظِيمُ: القُرْآنُ. وقالَ الحَسَنُ: يَوْمُ القِيامَةِ. وقِيلَ: قَصَصُ آدَمَ والإنْباءُ بِهِ مِن غَيْرِ سَماعٍ مِن أحَدٍ. وقالَ صاحِبُ التَّحْرِيرِ: سِياقُ الآيَةِ وظاهِرُها أنَّهُ يُرِيدُ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ هو نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾، ما قَصَّهُ اللَّهُ تَعالى مِن مُناظَرَةِ أهْلِ النّارِ ومُقاوَلَةِ الأتْباعِ مَعَ السّاداتِ؛ لِأنَّهُ مِن أحْوالِ البَعْثِ، وقُرَيْشٌ كانْتَ تُنْكِرُ البَعْثَ والحِسابَ والعِقابَ، وهم عَنْ ذَلِكَ مُعْرِضُونَ. وقَوْلُهُ: ﴿ما كانَ لِيَ مِن عِلْمٍ بِالمَلَإ الأعْلى إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾: احْتِجاجٌ عَلى قُرَيْشٍ بِأنَّ ما جاءَ بِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ لا مِن قِبَلِ نَفْسِهِ. فَإنَّ مَن في الأرْضِ ما لَهُ عِلْمٌ بِمَن في السَّماءِ إلّا بِإعْلامِ اللَّهِ تَعالى؛ وعِلْمُ المُغَيَّباتِ لا يُوصَلُ إلَيْهِ إلّا (p-٤٠٩)بِإعْلامِ اللَّهِ تَعالى، وعِلْمُهُ بِأحْوالِ أهْلِ النّارِ، وابْتِداءِ خَلْقِ آدَمَ لَمْ يَكُنْ عَنْهُ عِلْمٌ بِذَلِكَ؛ فَإخْبارُهُ بِذَلِكَ هو بِإعْلامِ اللَّهِ، والِاسْتِدْلالُ بِقِصَّةِ آدَمَ؛ لِأنَّهُ أوَّلُ البَشَرِ خَلْقًا، وبَيْنَهُ وبَيْنَ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أزْمانٌ مُتَقادِمَةٌ وقُرُونٌ سالِفَةٌ. انْتَهى، وفي آخِرِهِ بَعْضُ اخْتِصارٍ. ثُمَّ احْتَجَّ بِصِحَّةِ نُبُوَّتِهِ، بِأنَّ ما يُنْبِئُ بِهِ عَنِ المَلَأِ الأعْلى واخْتِصامِهِمْ أمْرٌ لَمْ يَكُنْ لَهُ بِهِ مِن عِلْمٍ قَطُّ. ثُمَّ عَلِمَهُ مِن غَيْرِ الطَّرِيقِ الَّذِي يَسْلُكُهُ المُتَعَلِّمُونَ، بَلْ ذَلِكَ مُسْتَفادٌ مِنَ الوَحْيِ، و(بِالمَلَأِ) مُتَعَلِّقٌ بِـ (عِلْمٍ)، و(إذْ) مَنصُوبٌ بِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بِمَحْذُوفٍ؛ لِأنَّ المَعْنى: ما كانَ لِي مِن عِلْمٍ بِكَلامِ المَلَأِ الأعْلى وقْتَ اخْتِصامِهِمْ. (وإذْ قالَ) بَدَلٌ مِن ﴿إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ عَلى المَلَأِ الأعْلى، وهُمُ المَلائِكَةُ، وأبْعَدَ مَن قالَ إنَّهم قُرَيْشٌ، واخْتِصامُ المَلائِكَةِ في أمْرِ آدَمَ وذُرِّيَّتِهِ في جَعْلِهِمْ في الأرْضِ. وقالُوا: ﴿أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها﴾ [البقرة: ٣٠] . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وقالَ الحَسَنُ: إنَّ اللَّهَ خالِقٌ خَلْقًا كُنّا أكْرَمَ مِنهُ وأعْلَمَ. وقِيلَ: في الكَفّاراتِ وغَفْرِ الذُّنُوبِ، فَإنَّ العَبْدَ إذا عَمِلَ حَسَنَةً اخْتَلَفَتِ المَلائِكَةُ في قَدْرِ ثَوابِهِ في ذَلِكَ حَتّى يَقْضِيَ اللَّهُ بِما يَشاءُ. وفي الحَدِيثِ: ”«قالَ لَهُ رَبُّهُ في نَوْمِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: فِيمَ يَخْتَصِمُونَ ؟ فَقُلْتُ: لا أدْرِي، فَقالَ: في الكَفّاراتِ، وفي إسْباغِ الوُضُوءِ في السَّرّاتِ، ونَقْلِ الخُطا إلى الجَماعاتِ“» . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كانَتْ مُقاوَلَةُ اللَّهِ سُبْحانَهُ بِواسِطَةِ مَلَكٍ، وكانَ المُقاوِلُ في الحَقِيقَةِ هو المَلَكُ المُتَوَسِّطُ، فَيَصِحُّ أنَّ التَّقاوُلَ بَيْنَ المَلائِكَةِ وآدَمَ وإبْلِيسَ، وهُمُ المَلَأُ الأعْلى. والمُرادُ بِالِاخْتِصامِ: التَّقاوُلُ. وقِيلَ: المَلَأُ الأعْلى: المَلائِكَةُ، و﴿إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ الضَّمِيرُ فِيهِ لِلْعَرَبِ الكافِرِينَ، فَبَعْضُهم يَقُولُ: هي بَناتُ اللَّهِ، وبَعْضُهم: آلِهَةٌ تُعْبَدُ، وغَيْرُ ذَلِكَ مِن أقْوالِهِمْ. ﴿إنْ يُوحى إلَيَّ﴾ أيْ: ما يُوحى إلَيَّ، ﴿إلّا أنَّما أنا نَذِيرٌ﴾ أيْ: لِلْإنْذارِ، حَذَفَ اللّامَ ووَصَلَ الفِعْلَ والمَفْعُولَ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرًا يَدُلُّ عَلَيْهِ المَعْنى، أيْ: إنْ يُوحى إلَيَّ هو، أيْ: ما يُوحى إلّا الإنْذارُ، وأُقِيمَ إلِيَّ مَقامَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ إنَّما هو المَفْعُولُ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، أيْ: ما يُوحى إلَيَّ إلّا الإنْذارُ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: (إلّا إنَّما) بِكَسْرِ هَمْزَةِ إنَّما عَلى الحِكايَةِ، أيْ: ما يُوحى إلَيَّ إلّا هَذِهِ الجُمْلَةُ، كَأنْ قِيلَ لَهُ: أنْتَ نَذِيرٌ مُبِينٌ، فَحَكى هو المَعْنى، وهَذا كَما يَقُولُ الإنْسانُ: أنا عالِمٌ، فَيُقالُ لَهُ: قُلْتَ إنَّكَ عالِمٌ، فَيُحْكى المَعْنى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقُرِئَ إنَّما بِالكَسْرِ عَلى الحِكايَةِ، أيْ: إلّا هَذا القَوْلُ، وهو أنْ أقُولَ لَكم ﴿إنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾، فَلا أدَّعِي شَيْئًا آخَرَ. انْتَهى. فِي تَخْرِيجِهِ تَعارُضٌ؛ لِأنَّهُ قالَ أيْ: إلّا هَذا القَوْلَ، فَظاهِرُهُ الجُمْلَةُ الَّتِي هي ﴿إنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾، ثُمَّ قالَ: وهو أنْ أقُولَ لَكم إنِّي نَذِيرٌ، فالمَقامُ مَقامُ الفاعِلِ هو أنْ أقُولَ لَكم، وأنْ وما بَعْدَهُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، وعَلى قَوْلِهِ: إلّا هَذا القَوْلَ، يَكُونُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ فَيَتَعارَضا. وتَقَدَّمَ أنَّ (إذْ قالَ) بَدَلٌ مِن ﴿إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ هَذا إذا كانَتِ الخُصُومَةُ في شَأْنِ مَن يُسْتَخْلَفُ في الأرْضِ، وعَلى غَيْرِهِ مِنَ الأقْوالِ يَكُونُ مَنصُوبًا بِاذْكُرْ. ولَمّا كانَتْ قُرَيْشٌ، خالَفُوا الرَّسُولَ، - عَلَيْهِ السَّلامُ -، بِسَبَبِ الحَسَدِ والكِبْرِ. ذَكَرَ حالَ إبْلِيسَ، حَيْثُ خالَفَ أمْرَ اللَّهِ بِسَبَبِ الحَسَدِ والكِبْرِ وما آلَ إلَيْهِ مِنَ اللَّعْنَةِ والطَّرْدِ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ، لِيَزْدَجِرَ عَنْ ذَلِكَ مَن فِيهِ شَيْءٌ مِنهُما. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ صَحَّ أنْ يَقُولَ لَهم: ﴿إنِّي خالِقٌ بَشَرًا﴾، وما عَرَفُوا ما البَشَرُ ولا عَهِدُوا بِهِ قَبْلُ ؟ (قُلْتُ): وجْهُهُ أنْ يَكُونَ قَدْ قالَ لَهم: إنِّي خالِقٌ خَلْقًا مِن صِفَةِ كَيْتَ وكَيْتَ، ولَكِنَّهُ حِينَ حَكاهُ اقْتَصَرَ عَلى الِاسْمِ. انْتَهى. والبَشَرُ هو آدَمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وذَكَرَ هُنا أنَّهُ خَلَقَهُ مِن طِينٍ، وفي آلِ عِمْرانَ: ﴿خَلَقَهُ مِن تُرابٍ﴾ [آل عمران: ٥٩]، وفي الحِجْرِ: ﴿مِن صَلْصالٍ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ [الحجر: ٢٦]، وفي الأنْبِياءِ: ﴿مِن عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧]؛ ولا مُنافاةَ في تِلْكَ المادَّةِ البَعِيدَةِ، وهي التُّرابُ، ثُمَّ ما يَلِيهِ وهو الطِّينُ، ثُمَّ ما يَلِيهِ وهو الحَمَأُ المَسْنُونُ، ثُمَّ المادَّةُ تَلِي الحَمَأ وهو الصَّلْصالُ؛ وأمّا ﴿مِن عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧] فَمَضى تَفْسِيرُهُ. ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ ﴿فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلُّهم أجْمَعُونَ﴾ ﴿إلّا إبْلِيسَ﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذا في الحِجْرِ، وهُنا ﴿اسْتَكْبَرَ وكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾، (p-٤١٠)وفِي البَقَرَةِ: ﴿أبى واسْتَكْبَرَ وكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ [البقرة: ٣٤]، وفي الأعْرافِ: ﴿لَمْ يَكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ﴾ [الأعراف: ١١]، وفي الحِجْرِ: ﴿أبى أنْ يَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٣١]، وفي الإسْراءِ: ﴿قالَ أأسْجُدُ لِمَن خَلَقْتَ طِينًا﴾ [الإسراء: ٦١]، وفي الكَهْفِ: ﴿كانَ مِنَ الجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ٥٠] . والِاسْتِثْناءُ في جَمِيعِ هَذِهِ الآياتِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمْ يَسْجُدْ، فَتارَةً أكَّدَ بِالنَّفْيِّ المَحْضِ، وتارَةً ذَكَرَ إبايَتَهُ عَنِ السُّجُودِ، وهي الأنَفَةُ مِن ذَلِكَ، وتارَةً نَصَّ عَلى أنَّ ذَلِكَ الِامْتِناعَ كانَ سَبَبُهُ الِاسْتِكْبارَ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ أُرِيدَ بِهِ كُفْرُهُ ذَلِكَ الوَقْتَ، وإنْ لَمْ يَكُنْ قَبْلَهُ كافِرًا؛ وعُطِفَ عَلى اسْتَكْبَرَ، فَقَوِيَ ذَلِكَ؛ لِأنَّ الِاسْتِكْبارَ عَنِ السُّجُودِ إنَّما حَصَلَ لَهُ وقْتَ الأمْرِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إخْبارًا مِنهُ بِسَبْقِ كُفْرِهِ في الأزْمِنَةِ الماضِيَةِ في عِلْمِ اللَّهِ. ﴿قالَ يا إبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ﴾، وفي الأعْرافِ: ﴿ما مَنَعَكَ ألّا تَسْجُدَ﴾ [الأعراف: ١٢]، فَدَلَّ أنْ تَسْجُدَ هُنا، عَلى أنَّ لا في ﴿أنْ لا أقُولَ﴾ [الأعراف: ١٠٥] زائِدَةٌ، والمَعْنى أيْضًا يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ لا يَسْتَفْهِمُ إلّا عَنِ المانِعِ مِنَ السُّجُودِ، وهو اسْتِفْهامُ تَقْرِيرٍ وتَوْبِيخٍ. وما في ﴿لِما خَلَقْتُ﴾، اسْتَدَلَّ بِها مَن يُجِيزُ إطْلاقَ ما عَلى آحادِ مَن يَعْقِلُ، وأوَّلَ بِأنَّ ما مَصْدَرِيَّةٌ، والمَصْدَرُ يُرادُ بِهِ المَخْلُوقُ، لا حَقِيقَةُ المَصْدَرِ. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ: (لَمّا) بِفَتْحِ اللّامِ وتَشْدِيدِ المِيمِ، ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾، عَلى الإفْرادِ؛ والجُمْهُورُ: عَلى التَّثْنِيَةِ؛ وقُرِئَ ﴿بِيَدَيَّ﴾ كَقِراءَةِ ﴿بِمُصْرِخِيَّ﴾ [إبراهيم: ٢٢]؛ وقالَ تَعالى: ﴿مِمّا عَمِلَتْ أيْدِينا﴾ [يس: ٧١] بِالجَمْعِ، وكُلُّها عِبارَةٌ عَنِ القُدْرَةِ والقُوَّةِ، وعَبَّرَ بِاليَدِ، إذْ كانَ عِنْدَ البَشَرِ مُعْتادًا أنَّ البَطْشَ والقُوَّةَ بِاليَدِ. وذَهَبَ القاضِي أبُو بَكْرِ بْنُ الطَّيِّبِ إلى أنَّ اليَدَ صِفَةُ ذاتٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهو قَوْلٌ مَرْغُوبٌ عَنْهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (أسْتَكْبَرْتَ)، بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، فَأمْ مُتَّصِلَةٌ عادَلَتِ الهَمْزَةَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ النَّحْوِيِّينَ إلى أنَّ أمْ لا تَكُونُ مُعادِلَةً لِلْألِفِ مَعَ اخْتِلافِ الفِعْلَيْنِ، وإنَّما تَكُونُ مُعادِلَةً إذا دَخَلَتا عَلى فِعْلٍ واحِدٍ، كَقَوْلِكَ: أزَيْدٌ قامَ أمْ عَمْرٌو ؟ وقَوْلُكَ: أقامَ زَيْدٌ أمْ عَمْرٌو ؟ فَإذا اخْتَلَفَ الفِعْلانِ كَهَذِهِ الآيَةِ، فَلَيْسَتْ مُعادِلَةً. ومَعْنى الآيَةِ: أحَدَثَ لَكَ الِاسْتِكْبارُ الآنَ، أمْ كُنْتَ قَدِيمًا مِمَّنْ لا يَلِيقُ أنْ تُكَلَّفَ مِثْلَ هَذا لِعُلُوِّ مَكانِكَ ؟ وهَذا عَلى جِهَةِ التَّوْبِيخِ. انْتَهى. وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ النَّحْوِيِّينَ مَذْهَبٌ غَيْرُ صَحِيحٍ. قالَ سِيبَوَيْهِ: وتَقُولُ أضْرَبْتَ زَيْدًا أمْ قَتَلْتَهُ فالبَدْءُ هُنا بِالفِعْلِ أحْسَنُ؛ لِأنَّكَ إنَّما تَسْألُ عَنْ أحَدِهِما، لا تَدْرِي أيُّهُما كانَ، ولا تَسْألُ عَنْ مَوْضِعِ أحَدِهِما، كَأنَّكَ قُلْتَ: أيُّ ذَلِكَ كانَ ؟ انْتَهى. فَعادَلَ بِأمِ الألِفَ مَعَ اخْتِلافِ الفِعْلَيْنِ. ﴿مِنَ العالِينَ﴾: مِمَّنْ عَلَوْتَ وفُقْتَ. فَأجابَ بِأنَّهُ مِنَ العالِينَ، حَيْثُ قالَ ﴿أنا خَيْرٌ مِنهُ﴾ . وقِيلَ: أسْتَكْبَرْتَ الآنَ، أوْ لَمْ تَزَلْ مُذْ كُنْتَ مِنَ المُسْتَكْبِرِينَ ؟ ومَعْنى الهَمْزَةِ: التَّقْرِيرُ. انْتَهى. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ، مِنهُمُ ابْنُ كَثِيرٍ وغَيْرُهُ: (اسْتَكْبَرْتَ)، بِصِلَةِ الألِفِ، وهي قِراءَةُ أهْلِ مَكَّةَ، ولَيْسَتْ في مَشْهُورِ ابْنِ كَثِيرٍ، فاحْتُمِلَ أنْ تَكُونَ هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ حُذِفَتْ لِدَلالَةِ أمْ عَلَيْها، كَقَوْلِهِ: ؎بِسَبْعٍ رَمَيْنَ الجَمْرَ أمْ بِثَمانِ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ إخْبارًا خاطَبَهُ بِذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّقْرِيعِ، وأمْ تَكُونُ مُنْقَطِعَةً، والمَعْنى: بَلْ أنْتَ مِنَ العالِينَ عِنْدَ نَفْسِكَ اسْتِخْفافًا بِهِ. ﴿قالَ أنا خَيْرٌ مِنهُ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ذَلِكَ في الأعْرافِ. ﴿قالَ فاخْرُجْ مِنها﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مِثْلِ ذَلِكَ في الحِجْرِ، إلّا أنَّ هُنا ﴿لَعْنَتِي﴾ وهُناكَ (اللَّعْنَةُ) أعَمُّ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ ويَلْعَنُهُمُ اللّاعِنُونَ﴾ [البقرة: ١٥٩] وأمّا بِالإضافَةِ، فالعُمُومُ في اللَّعْنَةِ أعَمُّ، واللَّعَناتُ إنَّما تَحْصُلُ مِن جِهَةِ أنَّ مَن عَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ كانَتْ عَلَيْهِ لَعْنَةُ كُلِّ لاعِنٍ، هَذا مِن جِهَةِ المَعْنى، وأمّا بِاللَّفْظِ فَيَقْتَضِي التَّخْصِيصَ. ﴿قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ﴾: أقْسَمَ إبْلِيسُ هُنا بِعِزَّةِ اللَّهِ، وقالَ في الأعْرافِ: ﴿فَبِما أغْوَيْتَنِي لَأقْعُدَنَّ﴾ [الأعراف: ١٦]، وفي الحِجْرِ: ﴿رَبِّ بِما أغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ﴾ [الحجر: ٣٩] . وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِما في مَوْضِعِهِما، وإنَّ مِنَ المُفَسِّرِينَ مَن قالَ: إنَّ الباءَ في: ﴿بِما أغْوَيْتَنِي﴾ [الحجر: ٣٩] وفي: ﴿فَبِما أغْوَيْتَنِي﴾ [الأعراف: ١٦] لَيْسَتْ باءَ القَسَمِ. فَإنْ كانَتْ باءَ القَسَمِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ في مَوْطِنَيْنِ: فَهُنا: ﴿لَأُغْوِيَنَّهُمْ﴾، وفي الأعْرافِ: ﴿لَأقْعُدَنَّ﴾ [الأعراف: ١٦]، وفي الحِجْرِ: ﴿لَأُزَيِّنَنَّ﴾ [الحجر: ٣٩] . (p-٤١١)وقَرَأ الجُمْهُورُ: (فالحَقَّ والحَقَّ) بِنَصْبِهِما. أمّا الأوَّلُ فَمُقْسَمٌ بِهِ، حُذِفَ مِنهُ الحَرْفُ كَقَوْلِهِ: (أمانَةَ اللَّهِ لَأقُومَنَّ)، والمُقْسَمُ عَلَيْهِ (لَأمْلَأنَّ) . ﴿والحَقَّ أقُولُ﴾: اعْتِراضٌ بَيْنَ القَسَمِ وجَوابِهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومَعْناهُ: ولا أقُولُ إلّا الحَقَّ. انْتَهى؛ لِأنَّ عِنْدَهُ تَقُدُّمَ المَفْعُولِ يُفِيدُ الحَصْرَ. والحَقُّ المُقْسَمُ بِهِ إمّا اسْمُهُ تَعالى الَّذِي في قَوْلِهِ: ﴿أنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ المُبِينُ﴾ [النور: ٢٥]، أوِ الَّذِي هو نَقِيضُ الباطِلِ. وقِيلَ: ﴿فالحَقُّ﴾ مَنصُوبٌ عَلى الإغْراءِ، أيْ: فالزَمُوا الحَقَّ، و(لَأمْلَأنَّ): جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ. وقالَ الفَرّاءُ: هو عَلى مَعْنى قَوْلِكَ: حَقًّا لا شَكَّ، ووُجُودُ الألِفِ واللّامِ وطَرْحُهُما سَواءٌ، أيْ: لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ حَقًّا. انْتَهى. وهَذا المَصْدَرُ الجائِي تَوْكِيدًا لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ، لا يَجُوزُ تَقْدِيمُهُ عِنْدَ جُمْهُورِ النُّحاةِ، وذَلِكَ مَخْصُوصٌ بِالجُمْلَةِ الَّتِي جُزْآها مَعْرِفَتانِ جامِدَتانِ جُمُودًا مَحْضًا. وقالَ صاحِبُ البَسِيطِ: وقَدْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخَبَرُ نَكِرَةً، قالَ: والمُبْتَدَأُ يَكُونُ ضَمِيرًا نَحْوَ: هو زَيْدٌ مَعْرُوفًا، وهو الحَقُّ بَيِّنًا، وأنا الأمِيرُ مُفْتَخِرًا؛ ويَكُونُ ظاهِرًا كَقَوْلِكَ: زِيدٌ أبُوكَ عَطُوفًا، وأخُوكَ زَيْدٌ مَعْرُوفًا. انْتَهى. وقالَتِ العَرَبُ: زَيْدٌ قائِمٌ غَيْرَ ذِي شَكٍّ، فَجاءَتِ الحالُ بَعْدَ جُمْلَةٍ، والخَبَرُ نَكِرَةً، وهي حالٌ مُؤَكِّدَةٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ، وكَأنَّ الفَرّاءَ لَمْ يَشْتَرِطْ هَذا الَّذِي ذَكَرَهُ أصْحابُنا مِن كَوْنِ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ مَعْرُوفَيْنِ جامِدَيْنِ؛ لِأنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ تَأْكِيدِ مَضْمُونِ الجُمْلَةِ الِابْتِدائِيَّةِ وبَيْنَ تَأْكِيدِ الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ. وقِيلَ: التَّقْدِيرُ فالحَقُّ الحَقُّ، أيْ أفْعَلُهُ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والأعْمَشُ: بِالرَّفْعِ فِيهِما، فالأوَّلُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، قِيلَ: تَقْدِيرُهُ فالحَقُّ أنا، وقِيلَ: فالحَقُّ مِنِّي، وقِيلَ: تَقْدِيرُهُ فالحَقُّ قَسَمِي، وحُذِفَ كَما حُذِفَ في: لَعَمْرُكَ لَأقُومَنَّ، وفي: يَمِينُ اللَّهِ أبْرَحُ قاعِدًا، أيْ لَعَمْرُكَ قَسَمِي ويَمِينُ اللَّهِ قَسَمِي، وهَذِهِ الجُمْلَةُ هي جُمْلَةُ القَسَمِ، وجَوابُهُ: لَأمْلَأنَّ. وأمّا (والحَقُّ أقُولُ) فَمُبْتَدَأٌ أيْضًا، خَبَرُهُ الجُمْلَةُ، وحُذِفَ العائِدُ، كَقِراءَةِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿وكُلًّا وعَدَ اللَّهُ الحُسْنى﴾ [النساء: ٩٥] . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أمّا الأوَّلُ فَرُفِعَ عَلى الِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ في قَوْلِهِ: ﴿لَأمْلَأنَّ﴾؛ لِأنَّ المَعْنى: أنْ أمْلَأ. انْتَهى. وهَذا لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّ لَأمْلَأنَّ جَوابُ قَسَمٍ، ويَجِبُ أنْ يَكُونَ جُمْلَةً، فَلا يَتَقَدَّرُ بِمُفْرَدٍ. وأيْضًا لَيْسَ مَصْدَرًا مُقَدَّرًا بِحَرْفٍ مَصْدَرِيٍّ والفِعْلِ حَتّى يَنْحَلَّ إلَيْهِما، ولَكِنَّهُ لَمّا صَحَّ لَهُ إسْنادُ ما قُدِّرَ إلى المُبْتَدَأِ حُكِمَ أنَّهُ خَبَرٌ عَنْهُ. وقَرَأ الحَسَنُ، وعِيسى، و عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي حَمّادٍ عَنْ أبِي بَكْرٍ: بِجَرِّهِمْ، ويَخْرُجُ عَلى أنَّ الأوَّلَ مَجْرُورٌ بِواوِ القَسَمِ مَحْذُوفَةً، تَقْدِيرُهُ: فَوالحَقِّ، والحَقِّ مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ، كَما تَقُولُ: واللَّهِ واللَّهِ لَأقُومَنَّ، و(أقُولُ) اعْتِراضٌ بَيْنَ القَسَمِ وجَوابِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿والحَقَّ أقُولُ﴾: أيْ: ولا أقُولُ إلّا الحَقَّ عَلى حِكايَةِ لَفْظِ المُقْسَمَ بِهِ، ومَعْناهُ التَّوْكِيدُ والتَّسْدِيدُ، وهَذا الوَجْهُ جائِزٌ في المَنصُوبِ والمَرْفُوعِ، وهو وجْهٌ دَقِيقٌ حَسَنٌ. انْتَهى. ومُلَخَّصُهُ أنَّهُ أعْمَلَ القَوْلَ في لَفْظِ المُقْسَمِ بِهِ عَلى سَبِيلِ الحِكايَةِ نَصْبًا أوْ رَفْعًا أوْ جَرًّا. وقَرَأ مُجاهِدٌ، والأعْمَشُ: بِخِلافٍ عَنْهُما؛ وأبانُ بْنُ تَغْلَبَ، وطَلْحَةُ في رِوايَةٍ، وحَمْزَةُ، وعاصِمٌ، عَنِ المُفَضَّلِ، وخَلَفٍ، والعَبْسِيِّ: بِرَفْعِ ﴿فالحَقُّ﴾ ونَصْبِ ﴿والحَقَّ﴾، وتَقَدَّمَ إعْرابُهُما. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: (أجْمَعِينَ) تَأْكِيدٌ لِلْمُحَدَّثِ عَنْهُ والمَعْطُوفُ عَلَيْهِ، وهو ضَمِيرُ إبْلِيسَ ومَن عُطِفَ عَلَيْهِ، أيْ مِنكَ ومِن تابِعِيكِ أجْمَعِينَ. وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ أجْمَعِينَ تَأْكِيدًا لِلضَّمِيرِ الَّذِي في مِنهم، مُقَدَّرٌ، لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الشَّياطِينِ ومِمَّنْ تَبِعَهم مِن جَمِيعِ النّاسِ، لا تَفاوُتَ في ذَلِكَ بَيْنَ ناسٍ وناسٍ بَعْدَ وُجُودِ الأتْباعِ مِنهم مِن أوْلادِ الأنْبِياءِ وغَيْرِهِمْ. انْتَهى. والضَّمِيرُ في (عَلَيْهِ) عائِدٌ عَلى القُرْآنِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقِيلَ: عائِدٌ عَلى الوَحْيِ. وقِيلَ: عَلى الدُّعاءِ إلى اللَّهِ. ﴿وما أنا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ﴾: أيِ المُتَصَنِّعِينَ المُتَحَلِّينَ بِما لَيْسُوا مِن أهْلِهِ، فَأنْتَحَلُ النُّبُوَّةَ والقَوْلَ عَلى اللَّهِ. (إنْ هو) أيِ: القُرْآنُ، ﴿إلّا ذِكْرٌ﴾: أيْ: مِنَ اللَّهِ، ﴿لِلْعالَمِينَ﴾: الثَّقَلَيْنِ الإنْسِ والجِنِّ. ﴿ولَتَعْلَمُنَّ نَبَأهُ﴾: أيْ عاقِبَةَ خَبَرِهِ لِمَن آمَنَ بِهِ ومَن أعْرَضَ عَنْهُ، ﴿بَعْدَ حِينٍ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ وابْنُ زَيْدٍ: يَعْنِي يَوْمَ القِيامَةِ. وقالَ قَتادَةُ، والفَرّاءُ، والزَّجّاجُ: بَعْدَ المَوْتِ. وكانَ الحَسَنُ يَقُولُ: يا ابْنَ آدَمَ، عِنْدَ المَوْتِ (p-٤١٢)يَأْتِيكَ الخَبَرُ اليَقِينُ. وقِيلَ: المَعْنى لَيَظْهَرَنَّ لَكم حَقِيقَةُ ما أقُولُ. ﴿بَعْدَ حِينٍ﴾ أيْ: في المُسْتَأْنَفِ، إذا أخَذَتْكم سُيُوفُ المُسْلِمِينَ، وذَلِكَ يَوْمَ بَدْرٍ، وأشارَ إلى ذَلِكَ السُّدِّيُّ. * * سُورَةُ الزُّمَرِ خَمْسٌ وسَبْعُونَ آيَةً، مَكِّيَّةٌ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ [الزمر: ١] ﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ فاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر: ٢] ﴿ألا لِلَّهِ الدِّينُ الخالِصُ والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى إنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهم في ما هم فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن هو كاذِبٌ كَفّارٌ﴾ [الزمر: ٣] ﴿لَوْ أرادَ اللَّهُ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا لاصْطَفى مِمّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ سُبْحانَهُ هو اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ [الزمر: ٤] ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلى النَّهارِ ويُكَوِّرُ النَّهارَ عَلى اللَّيْلِ وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأجَلٍ مُسَمًّى ألا هو العَزِيزُ الغَفّارُ﴾ [الزمر: ٥] ﴿خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنها زَوْجَها وأنْزَلَ لَكم مِنَ الأنْعامِ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ يَخْلُقُكم في بُطُونِ أُمَّهاتِكم خَلْقًا مِن بَعْدِ خَلْقٍ في ظُلُماتٍ ثَلاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم لَهُ المُلْكُ لا إلَهَ إلّا هو فَأنّى تُصْرَفُونَ﴾ [الزمر: ٦] ﴿إنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكم ولا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ وإنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكم ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ثُمَّ إلى رَبِّكم مَرْجِعُكم فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ [الزمر: ٧] ﴿وإذا مَسَّ الإنْسانَ ضُرٌّ دَعا رَبَّهُ مُنِيبًا إلَيْهِ ثُمَّ إذا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنهُ نَسِيَ ما كانَ يَدْعُو إلَيْهِ مِن قَبْلُ وجَعَلَ لِلَّهِ أنْدادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إنَّكَ مِن أصْحابِ النّارِ﴾ [الزمر: ٨] ﴿أمْ مَن هو قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِدًا وقائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ ويَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبابِ﴾ [الزمر: ٩] ﴿قُلْ يا عِبادِي الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكم لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وأرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ إنَّما يُوَفّى الصّابِرُونَ أجْرَهم بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ [الزمر: ١٠] ﴿قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر: ١١] ﴿وأُمِرْتُ لِأنْ أكُونَ أوَّلَ المُسْلِمِينَ﴾ [الزمر: ١٢] ﴿قُلْ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الزمر: ١٣] ﴿قُلِ اللَّهَ أعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ [الزمر: ١٤] ﴿فاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِن دُونِهِ قُلْ إنَّ الخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ ألا ذَلِكَ هو الخُسْرانُ المُبِينُ﴾ [الزمر: ١٥] ﴿لَهم مِن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النّارِ ومِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ يا عِبادِ فاتَّقُونِ﴾ [الزمر: ١٦] ﴿والَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ أنْ يَعْبُدُوها وأنابُوا إلى اللَّهِ لَهُمُ البُشْرى فَبَشِّرْ عِبادِي﴾ [الزمر: ١٧] ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وأُولَئِكَ هم أُولُو الألْبابِ﴾ [الزمر: ١٨] ﴿أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ أفَأنْتَ تُنْقِذُ مَن في النّارِ﴾ [الزمر: ١٩] ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم لَهم غُرَفٌ مِن فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ وعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ المِيعادَ﴾ [الزمر: ٢٠] ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ في الأرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا ألْوانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطامًا إنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرى لِأُولِي الألْبابِ﴾ [الزمر: ٢١] ﴿أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ فَهو عَلى نُورٍ مِن رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهم مِن ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الزمر: ٢٢] ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ كِتابًا مُتَشابِهًا مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهم وقُلُوبُهم إلى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشاءُ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ [الزمر: ٢٣] ﴿أفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ وقِيلَ لِلظّالِمِينَ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ [الزمر: ٢٤] ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأتاهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ [الزمر: ٢٥] ﴿فَأذاقَهُمُ اللَّهُ الخِزْيَ في الحَياةِ الدُّنْيا ولَعَذابُ الآخِرَةِ أكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٢٦] ﴿ولَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ [الزمر: ٢٧] ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ [الزمر: ٢٨] ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ ورَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا الحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٢٩] ﴿إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهم مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠] ﴿ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكم تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر: ٣١] . (p-٤١٣)التَّكْوِيرُ: اللَّفُّ واللَّيُّ، يُقالُ: كارَ العِمامَةَ عَلى رَأْسِهِ وكَوَّرَها. خَوَّلَهُ النِّعْمَةَ أيْ: أعْطاهُ ابْتِداءً مِن غَيْرِ مُجازاةٍ، ولا يُقالُ في الجَزاءِ خَوَّلَ. قالَ زُهَيْرٌ: ؎هُنالِكَ إنْ يُسْتَخْوَلُوا المالَ يُخَوَّلُوا ويُرْوى: يُسْتَخْيَلُوا المالَ يُخَيَّلُوا وقالَ أبُو النَّجْمِ: ؎أعْطى فَلَمْ يَبْخَلْ ولَمْ يُبَخِّلْ ∗∗∗ كَوْمَ الذُّرى مِن خَوَلِ المَخْوِلِ هاجَ الزَّرْعُ: ثارَ مِن مَنابِتِهِ، وقِيلَ: يَبِسَ. الحُطامُ: الفُتاتُ بَعْدَ يُبْسِهِ. القُشَعْرِيرَةُ: تَقَبُّضُ الجِلْدِ، يُقالُ: اقْشَعَرَّ جِلْدُهُ مِنَ الخَوْفِ: وقَفَ شَعْرُهُ، وهو مَثَلٌ في شِدَّةِ الخَوْفِ. الشِّكاسَةُ: سُوءُ الخُلُقِ وعُسْرُهُ.

ص 38:79

﴿قُلْ هو نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿أنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ ﴿ما كانَ لِيَ مِن عِلْمٍ بِالمَلَإ الأعْلى إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ ﴿إنْ يُوحى إلَيَّ إلّا أنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿إذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ﴾ ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ ﴿فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلُّهم أجْمَعُونَ﴾ ﴿إلّا إبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ ﴿قالَ يا إبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أأسْتَكْبَرْتَ أمْ كُنْتَ مِنَ العالِينَ﴾ ﴿قالَ أنا خَيْرٌ مِنهُ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ ﴿قالَ فاخْرُجْ مِنها فَإنَّكَ رَجِيمٌ﴾ ﴿وإنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إلى يَوْمِ الدِّينِ﴾ ﴿قالَ رَبِّ فَأنْظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ﴿قالَ فَإنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ ﴿إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ﴾ ﴿قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلّا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ ﴿قالَ فالحَقُّ والحَقَّ أقُولُ﴾ ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ ومِمَّنْ تَبِعَكَ مِنهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿قُلْ ما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ وما أنا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ﴾ ﴿إنْ هو إلّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ ﴿ولَتَعْلَمُنَّ نَبَأهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ . الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ هو نَبَأٌ﴾ يَعُودُ عَلى ما أخْبَرَ بِهِ مِن كَوْنِهِ رَسُولًا مُنْذِرًا داعِيًا إلى اللَّهِ، وأنَّهُ تَعالى هو المُنْفَرِدُ بِالأُلُوهِيَّةِ، المُتَّصِفُ بِتِلْكَ الأوْصافِ مِنَ الوَحْدانِيَّةِ والقَهْرِ ومُلْكِ العالَمِ وعِزَّتِهِ وغُفْرانِهِ، وهو خَبَرٌ عَظِيمٌ لا يُعْرِضُ عَنْ مِثْلِهِ إلّا غافِلٌ شَدِيدُ الغَفْلَةِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: النَّبَأُ العَظِيمُ: القُرْآنُ. وقالَ الحَسَنُ: يَوْمُ القِيامَةِ. وقِيلَ: قَصَصُ آدَمَ والإنْباءُ بِهِ مِن غَيْرِ سَماعٍ مِن أحَدٍ. وقالَ صاحِبُ التَّحْرِيرِ: سِياقُ الآيَةِ وظاهِرُها أنَّهُ يُرِيدُ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ هو نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾، ما قَصَّهُ اللَّهُ تَعالى مِن مُناظَرَةِ أهْلِ النّارِ ومُقاوَلَةِ الأتْباعِ مَعَ السّاداتِ؛ لِأنَّهُ مِن أحْوالِ البَعْثِ، وقُرَيْشٌ كانْتَ تُنْكِرُ البَعْثَ والحِسابَ والعِقابَ، وهم عَنْ ذَلِكَ مُعْرِضُونَ. وقَوْلُهُ: ﴿ما كانَ لِيَ مِن عِلْمٍ بِالمَلَإ الأعْلى إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾: احْتِجاجٌ عَلى قُرَيْشٍ بِأنَّ ما جاءَ بِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ لا مِن قِبَلِ نَفْسِهِ. فَإنَّ مَن في الأرْضِ ما لَهُ عِلْمٌ بِمَن في السَّماءِ إلّا بِإعْلامِ اللَّهِ تَعالى؛ وعِلْمُ المُغَيَّباتِ لا يُوصَلُ إلَيْهِ إلّا (p-٤٠٩)بِإعْلامِ اللَّهِ تَعالى، وعِلْمُهُ بِأحْوالِ أهْلِ النّارِ، وابْتِداءِ خَلْقِ آدَمَ لَمْ يَكُنْ عَنْهُ عِلْمٌ بِذَلِكَ؛ فَإخْبارُهُ بِذَلِكَ هو بِإعْلامِ اللَّهِ، والِاسْتِدْلالُ بِقِصَّةِ آدَمَ؛ لِأنَّهُ أوَّلُ البَشَرِ خَلْقًا، وبَيْنَهُ وبَيْنَ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أزْمانٌ مُتَقادِمَةٌ وقُرُونٌ سالِفَةٌ. انْتَهى، وفي آخِرِهِ بَعْضُ اخْتِصارٍ. ثُمَّ احْتَجَّ بِصِحَّةِ نُبُوَّتِهِ، بِأنَّ ما يُنْبِئُ بِهِ عَنِ المَلَأِ الأعْلى واخْتِصامِهِمْ أمْرٌ لَمْ يَكُنْ لَهُ بِهِ مِن عِلْمٍ قَطُّ. ثُمَّ عَلِمَهُ مِن غَيْرِ الطَّرِيقِ الَّذِي يَسْلُكُهُ المُتَعَلِّمُونَ، بَلْ ذَلِكَ مُسْتَفادٌ مِنَ الوَحْيِ، و(بِالمَلَأِ) مُتَعَلِّقٌ بِـ (عِلْمٍ)، و(إذْ) مَنصُوبٌ بِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بِمَحْذُوفٍ؛ لِأنَّ المَعْنى: ما كانَ لِي مِن عِلْمٍ بِكَلامِ المَلَأِ الأعْلى وقْتَ اخْتِصامِهِمْ. (وإذْ قالَ) بَدَلٌ مِن ﴿إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ عَلى المَلَأِ الأعْلى، وهُمُ المَلائِكَةُ، وأبْعَدَ مَن قالَ إنَّهم قُرَيْشٌ، واخْتِصامُ المَلائِكَةِ في أمْرِ آدَمَ وذُرِّيَّتِهِ في جَعْلِهِمْ في الأرْضِ. وقالُوا: ﴿أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها﴾ [البقرة: ٣٠] . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وقالَ الحَسَنُ: إنَّ اللَّهَ خالِقٌ خَلْقًا كُنّا أكْرَمَ مِنهُ وأعْلَمَ. وقِيلَ: في الكَفّاراتِ وغَفْرِ الذُّنُوبِ، فَإنَّ العَبْدَ إذا عَمِلَ حَسَنَةً اخْتَلَفَتِ المَلائِكَةُ في قَدْرِ ثَوابِهِ في ذَلِكَ حَتّى يَقْضِيَ اللَّهُ بِما يَشاءُ. وفي الحَدِيثِ: ”«قالَ لَهُ رَبُّهُ في نَوْمِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: فِيمَ يَخْتَصِمُونَ ؟ فَقُلْتُ: لا أدْرِي، فَقالَ: في الكَفّاراتِ، وفي إسْباغِ الوُضُوءِ في السَّرّاتِ، ونَقْلِ الخُطا إلى الجَماعاتِ“» . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كانَتْ مُقاوَلَةُ اللَّهِ سُبْحانَهُ بِواسِطَةِ مَلَكٍ، وكانَ المُقاوِلُ في الحَقِيقَةِ هو المَلَكُ المُتَوَسِّطُ، فَيَصِحُّ أنَّ التَّقاوُلَ بَيْنَ المَلائِكَةِ وآدَمَ وإبْلِيسَ، وهُمُ المَلَأُ الأعْلى. والمُرادُ بِالِاخْتِصامِ: التَّقاوُلُ. وقِيلَ: المَلَأُ الأعْلى: المَلائِكَةُ، و﴿إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ الضَّمِيرُ فِيهِ لِلْعَرَبِ الكافِرِينَ، فَبَعْضُهم يَقُولُ: هي بَناتُ اللَّهِ، وبَعْضُهم: آلِهَةٌ تُعْبَدُ، وغَيْرُ ذَلِكَ مِن أقْوالِهِمْ. ﴿إنْ يُوحى إلَيَّ﴾ أيْ: ما يُوحى إلَيَّ، ﴿إلّا أنَّما أنا نَذِيرٌ﴾ أيْ: لِلْإنْذارِ، حَذَفَ اللّامَ ووَصَلَ الفِعْلَ والمَفْعُولَ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرًا يَدُلُّ عَلَيْهِ المَعْنى، أيْ: إنْ يُوحى إلَيَّ هو، أيْ: ما يُوحى إلّا الإنْذارُ، وأُقِيمَ إلِيَّ مَقامَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ إنَّما هو المَفْعُولُ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، أيْ: ما يُوحى إلَيَّ إلّا الإنْذارُ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: (إلّا إنَّما) بِكَسْرِ هَمْزَةِ إنَّما عَلى الحِكايَةِ، أيْ: ما يُوحى إلَيَّ إلّا هَذِهِ الجُمْلَةُ، كَأنْ قِيلَ لَهُ: أنْتَ نَذِيرٌ مُبِينٌ، فَحَكى هو المَعْنى، وهَذا كَما يَقُولُ الإنْسانُ: أنا عالِمٌ، فَيُقالُ لَهُ: قُلْتَ إنَّكَ عالِمٌ، فَيُحْكى المَعْنى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقُرِئَ إنَّما بِالكَسْرِ عَلى الحِكايَةِ، أيْ: إلّا هَذا القَوْلُ، وهو أنْ أقُولَ لَكم ﴿إنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾، فَلا أدَّعِي شَيْئًا آخَرَ. انْتَهى. فِي تَخْرِيجِهِ تَعارُضٌ؛ لِأنَّهُ قالَ أيْ: إلّا هَذا القَوْلَ، فَظاهِرُهُ الجُمْلَةُ الَّتِي هي ﴿إنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾، ثُمَّ قالَ: وهو أنْ أقُولَ لَكم إنِّي نَذِيرٌ، فالمَقامُ مَقامُ الفاعِلِ هو أنْ أقُولَ لَكم، وأنْ وما بَعْدَهُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، وعَلى قَوْلِهِ: إلّا هَذا القَوْلَ، يَكُونُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ فَيَتَعارَضا. وتَقَدَّمَ أنَّ (إذْ قالَ) بَدَلٌ مِن ﴿إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ هَذا إذا كانَتِ الخُصُومَةُ في شَأْنِ مَن يُسْتَخْلَفُ في الأرْضِ، وعَلى غَيْرِهِ مِنَ الأقْوالِ يَكُونُ مَنصُوبًا بِاذْكُرْ. ولَمّا كانَتْ قُرَيْشٌ، خالَفُوا الرَّسُولَ، - عَلَيْهِ السَّلامُ -، بِسَبَبِ الحَسَدِ والكِبْرِ. ذَكَرَ حالَ إبْلِيسَ، حَيْثُ خالَفَ أمْرَ اللَّهِ بِسَبَبِ الحَسَدِ والكِبْرِ وما آلَ إلَيْهِ مِنَ اللَّعْنَةِ والطَّرْدِ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ، لِيَزْدَجِرَ عَنْ ذَلِكَ مَن فِيهِ شَيْءٌ مِنهُما. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ صَحَّ أنْ يَقُولَ لَهم: ﴿إنِّي خالِقٌ بَشَرًا﴾، وما عَرَفُوا ما البَشَرُ ولا عَهِدُوا بِهِ قَبْلُ ؟ (قُلْتُ): وجْهُهُ أنْ يَكُونَ قَدْ قالَ لَهم: إنِّي خالِقٌ خَلْقًا مِن صِفَةِ كَيْتَ وكَيْتَ، ولَكِنَّهُ حِينَ حَكاهُ اقْتَصَرَ عَلى الِاسْمِ. انْتَهى. والبَشَرُ هو آدَمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وذَكَرَ هُنا أنَّهُ خَلَقَهُ مِن طِينٍ، وفي آلِ عِمْرانَ: ﴿خَلَقَهُ مِن تُرابٍ﴾ [آل عمران: ٥٩]، وفي الحِجْرِ: ﴿مِن صَلْصالٍ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ [الحجر: ٢٦]، وفي الأنْبِياءِ: ﴿مِن عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧]؛ ولا مُنافاةَ في تِلْكَ المادَّةِ البَعِيدَةِ، وهي التُّرابُ، ثُمَّ ما يَلِيهِ وهو الطِّينُ، ثُمَّ ما يَلِيهِ وهو الحَمَأُ المَسْنُونُ، ثُمَّ المادَّةُ تَلِي الحَمَأ وهو الصَّلْصالُ؛ وأمّا ﴿مِن عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧] فَمَضى تَفْسِيرُهُ. ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ ﴿فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلُّهم أجْمَعُونَ﴾ ﴿إلّا إبْلِيسَ﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذا في الحِجْرِ، وهُنا ﴿اسْتَكْبَرَ وكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾، (p-٤١٠)وفِي البَقَرَةِ: ﴿أبى واسْتَكْبَرَ وكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ [البقرة: ٣٤]، وفي الأعْرافِ: ﴿لَمْ يَكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ﴾ [الأعراف: ١١]، وفي الحِجْرِ: ﴿أبى أنْ يَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٣١]، وفي الإسْراءِ: ﴿قالَ أأسْجُدُ لِمَن خَلَقْتَ طِينًا﴾ [الإسراء: ٦١]، وفي الكَهْفِ: ﴿كانَ مِنَ الجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ٥٠] . والِاسْتِثْناءُ في جَمِيعِ هَذِهِ الآياتِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمْ يَسْجُدْ، فَتارَةً أكَّدَ بِالنَّفْيِّ المَحْضِ، وتارَةً ذَكَرَ إبايَتَهُ عَنِ السُّجُودِ، وهي الأنَفَةُ مِن ذَلِكَ، وتارَةً نَصَّ عَلى أنَّ ذَلِكَ الِامْتِناعَ كانَ سَبَبُهُ الِاسْتِكْبارَ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ أُرِيدَ بِهِ كُفْرُهُ ذَلِكَ الوَقْتَ، وإنْ لَمْ يَكُنْ قَبْلَهُ كافِرًا؛ وعُطِفَ عَلى اسْتَكْبَرَ، فَقَوِيَ ذَلِكَ؛ لِأنَّ الِاسْتِكْبارَ عَنِ السُّجُودِ إنَّما حَصَلَ لَهُ وقْتَ الأمْرِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إخْبارًا مِنهُ بِسَبْقِ كُفْرِهِ في الأزْمِنَةِ الماضِيَةِ في عِلْمِ اللَّهِ. ﴿قالَ يا إبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ﴾، وفي الأعْرافِ: ﴿ما مَنَعَكَ ألّا تَسْجُدَ﴾ [الأعراف: ١٢]، فَدَلَّ أنْ تَسْجُدَ هُنا، عَلى أنَّ لا في ﴿أنْ لا أقُولَ﴾ [الأعراف: ١٠٥] زائِدَةٌ، والمَعْنى أيْضًا يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ لا يَسْتَفْهِمُ إلّا عَنِ المانِعِ مِنَ السُّجُودِ، وهو اسْتِفْهامُ تَقْرِيرٍ وتَوْبِيخٍ. وما في ﴿لِما خَلَقْتُ﴾، اسْتَدَلَّ بِها مَن يُجِيزُ إطْلاقَ ما عَلى آحادِ مَن يَعْقِلُ، وأوَّلَ بِأنَّ ما مَصْدَرِيَّةٌ، والمَصْدَرُ يُرادُ بِهِ المَخْلُوقُ، لا حَقِيقَةُ المَصْدَرِ. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ: (لَمّا) بِفَتْحِ اللّامِ وتَشْدِيدِ المِيمِ، ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾، عَلى الإفْرادِ؛ والجُمْهُورُ: عَلى التَّثْنِيَةِ؛ وقُرِئَ ﴿بِيَدَيَّ﴾ كَقِراءَةِ ﴿بِمُصْرِخِيَّ﴾ [إبراهيم: ٢٢]؛ وقالَ تَعالى: ﴿مِمّا عَمِلَتْ أيْدِينا﴾ [يس: ٧١] بِالجَمْعِ، وكُلُّها عِبارَةٌ عَنِ القُدْرَةِ والقُوَّةِ، وعَبَّرَ بِاليَدِ، إذْ كانَ عِنْدَ البَشَرِ مُعْتادًا أنَّ البَطْشَ والقُوَّةَ بِاليَدِ. وذَهَبَ القاضِي أبُو بَكْرِ بْنُ الطَّيِّبِ إلى أنَّ اليَدَ صِفَةُ ذاتٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهو قَوْلٌ مَرْغُوبٌ عَنْهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (أسْتَكْبَرْتَ)، بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، فَأمْ مُتَّصِلَةٌ عادَلَتِ الهَمْزَةَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ النَّحْوِيِّينَ إلى أنَّ أمْ لا تَكُونُ مُعادِلَةً لِلْألِفِ مَعَ اخْتِلافِ الفِعْلَيْنِ، وإنَّما تَكُونُ مُعادِلَةً إذا دَخَلَتا عَلى فِعْلٍ واحِدٍ، كَقَوْلِكَ: أزَيْدٌ قامَ أمْ عَمْرٌو ؟ وقَوْلُكَ: أقامَ زَيْدٌ أمْ عَمْرٌو ؟ فَإذا اخْتَلَفَ الفِعْلانِ كَهَذِهِ الآيَةِ، فَلَيْسَتْ مُعادِلَةً. ومَعْنى الآيَةِ: أحَدَثَ لَكَ الِاسْتِكْبارُ الآنَ، أمْ كُنْتَ قَدِيمًا مِمَّنْ لا يَلِيقُ أنْ تُكَلَّفَ مِثْلَ هَذا لِعُلُوِّ مَكانِكَ ؟ وهَذا عَلى جِهَةِ التَّوْبِيخِ. انْتَهى. وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ النَّحْوِيِّينَ مَذْهَبٌ غَيْرُ صَحِيحٍ. قالَ سِيبَوَيْهِ: وتَقُولُ أضْرَبْتَ زَيْدًا أمْ قَتَلْتَهُ فالبَدْءُ هُنا بِالفِعْلِ أحْسَنُ؛ لِأنَّكَ إنَّما تَسْألُ عَنْ أحَدِهِما، لا تَدْرِي أيُّهُما كانَ، ولا تَسْألُ عَنْ مَوْضِعِ أحَدِهِما، كَأنَّكَ قُلْتَ: أيُّ ذَلِكَ كانَ ؟ انْتَهى. فَعادَلَ بِأمِ الألِفَ مَعَ اخْتِلافِ الفِعْلَيْنِ. ﴿مِنَ العالِينَ﴾: مِمَّنْ عَلَوْتَ وفُقْتَ. فَأجابَ بِأنَّهُ مِنَ العالِينَ، حَيْثُ قالَ ﴿أنا خَيْرٌ مِنهُ﴾ . وقِيلَ: أسْتَكْبَرْتَ الآنَ، أوْ لَمْ تَزَلْ مُذْ كُنْتَ مِنَ المُسْتَكْبِرِينَ ؟ ومَعْنى الهَمْزَةِ: التَّقْرِيرُ. انْتَهى. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ، مِنهُمُ ابْنُ كَثِيرٍ وغَيْرُهُ: (اسْتَكْبَرْتَ)، بِصِلَةِ الألِفِ، وهي قِراءَةُ أهْلِ مَكَّةَ، ولَيْسَتْ في مَشْهُورِ ابْنِ كَثِيرٍ، فاحْتُمِلَ أنْ تَكُونَ هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ حُذِفَتْ لِدَلالَةِ أمْ عَلَيْها، كَقَوْلِهِ: ؎بِسَبْعٍ رَمَيْنَ الجَمْرَ أمْ بِثَمانِ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ إخْبارًا خاطَبَهُ بِذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّقْرِيعِ، وأمْ تَكُونُ مُنْقَطِعَةً، والمَعْنى: بَلْ أنْتَ مِنَ العالِينَ عِنْدَ نَفْسِكَ اسْتِخْفافًا بِهِ. ﴿قالَ أنا خَيْرٌ مِنهُ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ذَلِكَ في الأعْرافِ. ﴿قالَ فاخْرُجْ مِنها﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مِثْلِ ذَلِكَ في الحِجْرِ، إلّا أنَّ هُنا ﴿لَعْنَتِي﴾ وهُناكَ (اللَّعْنَةُ) أعَمُّ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ ويَلْعَنُهُمُ اللّاعِنُونَ﴾ [البقرة: ١٥٩] وأمّا بِالإضافَةِ، فالعُمُومُ في اللَّعْنَةِ أعَمُّ، واللَّعَناتُ إنَّما تَحْصُلُ مِن جِهَةِ أنَّ مَن عَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ كانَتْ عَلَيْهِ لَعْنَةُ كُلِّ لاعِنٍ، هَذا مِن جِهَةِ المَعْنى، وأمّا بِاللَّفْظِ فَيَقْتَضِي التَّخْصِيصَ. ﴿قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ﴾: أقْسَمَ إبْلِيسُ هُنا بِعِزَّةِ اللَّهِ، وقالَ في الأعْرافِ: ﴿فَبِما أغْوَيْتَنِي لَأقْعُدَنَّ﴾ [الأعراف: ١٦]، وفي الحِجْرِ: ﴿رَبِّ بِما أغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ﴾ [الحجر: ٣٩] . وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِما في مَوْضِعِهِما، وإنَّ مِنَ المُفَسِّرِينَ مَن قالَ: إنَّ الباءَ في: ﴿بِما أغْوَيْتَنِي﴾ [الحجر: ٣٩] وفي: ﴿فَبِما أغْوَيْتَنِي﴾ [الأعراف: ١٦] لَيْسَتْ باءَ القَسَمِ. فَإنْ كانَتْ باءَ القَسَمِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ في مَوْطِنَيْنِ: فَهُنا: ﴿لَأُغْوِيَنَّهُمْ﴾، وفي الأعْرافِ: ﴿لَأقْعُدَنَّ﴾ [الأعراف: ١٦]، وفي الحِجْرِ: ﴿لَأُزَيِّنَنَّ﴾ [الحجر: ٣٩] . (p-٤١١)وقَرَأ الجُمْهُورُ: (فالحَقَّ والحَقَّ) بِنَصْبِهِما. أمّا الأوَّلُ فَمُقْسَمٌ بِهِ، حُذِفَ مِنهُ الحَرْفُ كَقَوْلِهِ: (أمانَةَ اللَّهِ لَأقُومَنَّ)، والمُقْسَمُ عَلَيْهِ (لَأمْلَأنَّ) . ﴿والحَقَّ أقُولُ﴾: اعْتِراضٌ بَيْنَ القَسَمِ وجَوابِهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومَعْناهُ: ولا أقُولُ إلّا الحَقَّ. انْتَهى؛ لِأنَّ عِنْدَهُ تَقُدُّمَ المَفْعُولِ يُفِيدُ الحَصْرَ. والحَقُّ المُقْسَمُ بِهِ إمّا اسْمُهُ تَعالى الَّذِي في قَوْلِهِ: ﴿أنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ المُبِينُ﴾ [النور: ٢٥]، أوِ الَّذِي هو نَقِيضُ الباطِلِ. وقِيلَ: ﴿فالحَقُّ﴾ مَنصُوبٌ عَلى الإغْراءِ، أيْ: فالزَمُوا الحَقَّ، و(لَأمْلَأنَّ): جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ. وقالَ الفَرّاءُ: هو عَلى مَعْنى قَوْلِكَ: حَقًّا لا شَكَّ، ووُجُودُ الألِفِ واللّامِ وطَرْحُهُما سَواءٌ، أيْ: لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ حَقًّا. انْتَهى. وهَذا المَصْدَرُ الجائِي تَوْكِيدًا لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ، لا يَجُوزُ تَقْدِيمُهُ عِنْدَ جُمْهُورِ النُّحاةِ، وذَلِكَ مَخْصُوصٌ بِالجُمْلَةِ الَّتِي جُزْآها مَعْرِفَتانِ جامِدَتانِ جُمُودًا مَحْضًا. وقالَ صاحِبُ البَسِيطِ: وقَدْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخَبَرُ نَكِرَةً، قالَ: والمُبْتَدَأُ يَكُونُ ضَمِيرًا نَحْوَ: هو زَيْدٌ مَعْرُوفًا، وهو الحَقُّ بَيِّنًا، وأنا الأمِيرُ مُفْتَخِرًا؛ ويَكُونُ ظاهِرًا كَقَوْلِكَ: زِيدٌ أبُوكَ عَطُوفًا، وأخُوكَ زَيْدٌ مَعْرُوفًا. انْتَهى. وقالَتِ العَرَبُ: زَيْدٌ قائِمٌ غَيْرَ ذِي شَكٍّ، فَجاءَتِ الحالُ بَعْدَ جُمْلَةٍ، والخَبَرُ نَكِرَةً، وهي حالٌ مُؤَكِّدَةٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ، وكَأنَّ الفَرّاءَ لَمْ يَشْتَرِطْ هَذا الَّذِي ذَكَرَهُ أصْحابُنا مِن كَوْنِ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ مَعْرُوفَيْنِ جامِدَيْنِ؛ لِأنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ تَأْكِيدِ مَضْمُونِ الجُمْلَةِ الِابْتِدائِيَّةِ وبَيْنَ تَأْكِيدِ الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ. وقِيلَ: التَّقْدِيرُ فالحَقُّ الحَقُّ، أيْ أفْعَلُهُ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والأعْمَشُ: بِالرَّفْعِ فِيهِما، فالأوَّلُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، قِيلَ: تَقْدِيرُهُ فالحَقُّ أنا، وقِيلَ: فالحَقُّ مِنِّي، وقِيلَ: تَقْدِيرُهُ فالحَقُّ قَسَمِي، وحُذِفَ كَما حُذِفَ في: لَعَمْرُكَ لَأقُومَنَّ، وفي: يَمِينُ اللَّهِ أبْرَحُ قاعِدًا، أيْ لَعَمْرُكَ قَسَمِي ويَمِينُ اللَّهِ قَسَمِي، وهَذِهِ الجُمْلَةُ هي جُمْلَةُ القَسَمِ، وجَوابُهُ: لَأمْلَأنَّ. وأمّا (والحَقُّ أقُولُ) فَمُبْتَدَأٌ أيْضًا، خَبَرُهُ الجُمْلَةُ، وحُذِفَ العائِدُ، كَقِراءَةِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿وكُلًّا وعَدَ اللَّهُ الحُسْنى﴾ [النساء: ٩٥] . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أمّا الأوَّلُ فَرُفِعَ عَلى الِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ في قَوْلِهِ: ﴿لَأمْلَأنَّ﴾؛ لِأنَّ المَعْنى: أنْ أمْلَأ. انْتَهى. وهَذا لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّ لَأمْلَأنَّ جَوابُ قَسَمٍ، ويَجِبُ أنْ يَكُونَ جُمْلَةً، فَلا يَتَقَدَّرُ بِمُفْرَدٍ. وأيْضًا لَيْسَ مَصْدَرًا مُقَدَّرًا بِحَرْفٍ مَصْدَرِيٍّ والفِعْلِ حَتّى يَنْحَلَّ إلَيْهِما، ولَكِنَّهُ لَمّا صَحَّ لَهُ إسْنادُ ما قُدِّرَ إلى المُبْتَدَأِ حُكِمَ أنَّهُ خَبَرٌ عَنْهُ. وقَرَأ الحَسَنُ، وعِيسى، و عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي حَمّادٍ عَنْ أبِي بَكْرٍ: بِجَرِّهِمْ، ويَخْرُجُ عَلى أنَّ الأوَّلَ مَجْرُورٌ بِواوِ القَسَمِ مَحْذُوفَةً، تَقْدِيرُهُ: فَوالحَقِّ، والحَقِّ مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ، كَما تَقُولُ: واللَّهِ واللَّهِ لَأقُومَنَّ، و(أقُولُ) اعْتِراضٌ بَيْنَ القَسَمِ وجَوابِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿والحَقَّ أقُولُ﴾: أيْ: ولا أقُولُ إلّا الحَقَّ عَلى حِكايَةِ لَفْظِ المُقْسَمَ بِهِ، ومَعْناهُ التَّوْكِيدُ والتَّسْدِيدُ، وهَذا الوَجْهُ جائِزٌ في المَنصُوبِ والمَرْفُوعِ، وهو وجْهٌ دَقِيقٌ حَسَنٌ. انْتَهى. ومُلَخَّصُهُ أنَّهُ أعْمَلَ القَوْلَ في لَفْظِ المُقْسَمِ بِهِ عَلى سَبِيلِ الحِكايَةِ نَصْبًا أوْ رَفْعًا أوْ جَرًّا. وقَرَأ مُجاهِدٌ، والأعْمَشُ: بِخِلافٍ عَنْهُما؛ وأبانُ بْنُ تَغْلَبَ، وطَلْحَةُ في رِوايَةٍ، وحَمْزَةُ، وعاصِمٌ، عَنِ المُفَضَّلِ، وخَلَفٍ، والعَبْسِيِّ: بِرَفْعِ ﴿فالحَقُّ﴾ ونَصْبِ ﴿والحَقَّ﴾، وتَقَدَّمَ إعْرابُهُما. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: (أجْمَعِينَ) تَأْكِيدٌ لِلْمُحَدَّثِ عَنْهُ والمَعْطُوفُ عَلَيْهِ، وهو ضَمِيرُ إبْلِيسَ ومَن عُطِفَ عَلَيْهِ، أيْ مِنكَ ومِن تابِعِيكِ أجْمَعِينَ. وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ أجْمَعِينَ تَأْكِيدًا لِلضَّمِيرِ الَّذِي في مِنهم، مُقَدَّرٌ، لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الشَّياطِينِ ومِمَّنْ تَبِعَهم مِن جَمِيعِ النّاسِ، لا تَفاوُتَ في ذَلِكَ بَيْنَ ناسٍ وناسٍ بَعْدَ وُجُودِ الأتْباعِ مِنهم مِن أوْلادِ الأنْبِياءِ وغَيْرِهِمْ. انْتَهى. والضَّمِيرُ في (عَلَيْهِ) عائِدٌ عَلى القُرْآنِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقِيلَ: عائِدٌ عَلى الوَحْيِ. وقِيلَ: عَلى الدُّعاءِ إلى اللَّهِ. ﴿وما أنا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ﴾: أيِ المُتَصَنِّعِينَ المُتَحَلِّينَ بِما لَيْسُوا مِن أهْلِهِ، فَأنْتَحَلُ النُّبُوَّةَ والقَوْلَ عَلى اللَّهِ. (إنْ هو) أيِ: القُرْآنُ، ﴿إلّا ذِكْرٌ﴾: أيْ: مِنَ اللَّهِ، ﴿لِلْعالَمِينَ﴾: الثَّقَلَيْنِ الإنْسِ والجِنِّ. ﴿ولَتَعْلَمُنَّ نَبَأهُ﴾: أيْ عاقِبَةَ خَبَرِهِ لِمَن آمَنَ بِهِ ومَن أعْرَضَ عَنْهُ، ﴿بَعْدَ حِينٍ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ وابْنُ زَيْدٍ: يَعْنِي يَوْمَ القِيامَةِ. وقالَ قَتادَةُ، والفَرّاءُ، والزَّجّاجُ: بَعْدَ المَوْتِ. وكانَ الحَسَنُ يَقُولُ: يا ابْنَ آدَمَ، عِنْدَ المَوْتِ (p-٤١٢)يَأْتِيكَ الخَبَرُ اليَقِينُ. وقِيلَ: المَعْنى لَيَظْهَرَنَّ لَكم حَقِيقَةُ ما أقُولُ. ﴿بَعْدَ حِينٍ﴾ أيْ: في المُسْتَأْنَفِ، إذا أخَذَتْكم سُيُوفُ المُسْلِمِينَ، وذَلِكَ يَوْمَ بَدْرٍ، وأشارَ إلى ذَلِكَ السُّدِّيُّ. * * سُورَةُ الزُّمَرِ خَمْسٌ وسَبْعُونَ آيَةً، مَكِّيَّةٌ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ [الزمر: ١] ﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ فاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر: ٢] ﴿ألا لِلَّهِ الدِّينُ الخالِصُ والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى إنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهم في ما هم فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن هو كاذِبٌ كَفّارٌ﴾ [الزمر: ٣] ﴿لَوْ أرادَ اللَّهُ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا لاصْطَفى مِمّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ سُبْحانَهُ هو اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ [الزمر: ٤] ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلى النَّهارِ ويُكَوِّرُ النَّهارَ عَلى اللَّيْلِ وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأجَلٍ مُسَمًّى ألا هو العَزِيزُ الغَفّارُ﴾ [الزمر: ٥] ﴿خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنها زَوْجَها وأنْزَلَ لَكم مِنَ الأنْعامِ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ يَخْلُقُكم في بُطُونِ أُمَّهاتِكم خَلْقًا مِن بَعْدِ خَلْقٍ في ظُلُماتٍ ثَلاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم لَهُ المُلْكُ لا إلَهَ إلّا هو فَأنّى تُصْرَفُونَ﴾ [الزمر: ٦] ﴿إنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكم ولا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ وإنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكم ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ثُمَّ إلى رَبِّكم مَرْجِعُكم فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ [الزمر: ٧] ﴿وإذا مَسَّ الإنْسانَ ضُرٌّ دَعا رَبَّهُ مُنِيبًا إلَيْهِ ثُمَّ إذا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنهُ نَسِيَ ما كانَ يَدْعُو إلَيْهِ مِن قَبْلُ وجَعَلَ لِلَّهِ أنْدادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إنَّكَ مِن أصْحابِ النّارِ﴾ [الزمر: ٨] ﴿أمْ مَن هو قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِدًا وقائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ ويَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبابِ﴾ [الزمر: ٩] ﴿قُلْ يا عِبادِي الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكم لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وأرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ إنَّما يُوَفّى الصّابِرُونَ أجْرَهم بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ [الزمر: ١٠] ﴿قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر: ١١] ﴿وأُمِرْتُ لِأنْ أكُونَ أوَّلَ المُسْلِمِينَ﴾ [الزمر: ١٢] ﴿قُلْ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الزمر: ١٣] ﴿قُلِ اللَّهَ أعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ [الزمر: ١٤] ﴿فاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِن دُونِهِ قُلْ إنَّ الخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ ألا ذَلِكَ هو الخُسْرانُ المُبِينُ﴾ [الزمر: ١٥] ﴿لَهم مِن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النّارِ ومِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ يا عِبادِ فاتَّقُونِ﴾ [الزمر: ١٦] ﴿والَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ أنْ يَعْبُدُوها وأنابُوا إلى اللَّهِ لَهُمُ البُشْرى فَبَشِّرْ عِبادِي﴾ [الزمر: ١٧] ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وأُولَئِكَ هم أُولُو الألْبابِ﴾ [الزمر: ١٨] ﴿أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ أفَأنْتَ تُنْقِذُ مَن في النّارِ﴾ [الزمر: ١٩] ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم لَهم غُرَفٌ مِن فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ وعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ المِيعادَ﴾ [الزمر: ٢٠] ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ في الأرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا ألْوانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطامًا إنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرى لِأُولِي الألْبابِ﴾ [الزمر: ٢١] ﴿أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ فَهو عَلى نُورٍ مِن رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهم مِن ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الزمر: ٢٢] ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ كِتابًا مُتَشابِهًا مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهم وقُلُوبُهم إلى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشاءُ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ [الزمر: ٢٣] ﴿أفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ وقِيلَ لِلظّالِمِينَ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ [الزمر: ٢٤] ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأتاهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ [الزمر: ٢٥] ﴿فَأذاقَهُمُ اللَّهُ الخِزْيَ في الحَياةِ الدُّنْيا ولَعَذابُ الآخِرَةِ أكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٢٦] ﴿ولَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ [الزمر: ٢٧] ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ [الزمر: ٢٨] ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ ورَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا الحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٢٩] ﴿إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهم مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠] ﴿ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكم تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر: ٣١] . (p-٤١٣)التَّكْوِيرُ: اللَّفُّ واللَّيُّ، يُقالُ: كارَ العِمامَةَ عَلى رَأْسِهِ وكَوَّرَها. خَوَّلَهُ النِّعْمَةَ أيْ: أعْطاهُ ابْتِداءً مِن غَيْرِ مُجازاةٍ، ولا يُقالُ في الجَزاءِ خَوَّلَ. قالَ زُهَيْرٌ: ؎هُنالِكَ إنْ يُسْتَخْوَلُوا المالَ يُخَوَّلُوا ويُرْوى: يُسْتَخْيَلُوا المالَ يُخَيَّلُوا وقالَ أبُو النَّجْمِ: ؎أعْطى فَلَمْ يَبْخَلْ ولَمْ يُبَخِّلْ ∗∗∗ كَوْمَ الذُّرى مِن خَوَلِ المَخْوِلِ هاجَ الزَّرْعُ: ثارَ مِن مَنابِتِهِ، وقِيلَ: يَبِسَ. الحُطامُ: الفُتاتُ بَعْدَ يُبْسِهِ. القُشَعْرِيرَةُ: تَقَبُّضُ الجِلْدِ، يُقالُ: اقْشَعَرَّ جِلْدُهُ مِنَ الخَوْفِ: وقَفَ شَعْرُهُ، وهو مَثَلٌ في شِدَّةِ الخَوْفِ. الشِّكاسَةُ: سُوءُ الخُلُقِ وعُسْرُهُ.

ص 38:80

﴿قُلْ هو نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿أنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ ﴿ما كانَ لِيَ مِن عِلْمٍ بِالمَلَإ الأعْلى إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ ﴿إنْ يُوحى إلَيَّ إلّا أنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿إذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ﴾ ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ ﴿فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلُّهم أجْمَعُونَ﴾ ﴿إلّا إبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ ﴿قالَ يا إبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أأسْتَكْبَرْتَ أمْ كُنْتَ مِنَ العالِينَ﴾ ﴿قالَ أنا خَيْرٌ مِنهُ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ ﴿قالَ فاخْرُجْ مِنها فَإنَّكَ رَجِيمٌ﴾ ﴿وإنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إلى يَوْمِ الدِّينِ﴾ ﴿قالَ رَبِّ فَأنْظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ﴿قالَ فَإنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ ﴿إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ﴾ ﴿قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلّا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ ﴿قالَ فالحَقُّ والحَقَّ أقُولُ﴾ ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ ومِمَّنْ تَبِعَكَ مِنهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿قُلْ ما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ وما أنا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ﴾ ﴿إنْ هو إلّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ ﴿ولَتَعْلَمُنَّ نَبَأهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ . الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ هو نَبَأٌ﴾ يَعُودُ عَلى ما أخْبَرَ بِهِ مِن كَوْنِهِ رَسُولًا مُنْذِرًا داعِيًا إلى اللَّهِ، وأنَّهُ تَعالى هو المُنْفَرِدُ بِالأُلُوهِيَّةِ، المُتَّصِفُ بِتِلْكَ الأوْصافِ مِنَ الوَحْدانِيَّةِ والقَهْرِ ومُلْكِ العالَمِ وعِزَّتِهِ وغُفْرانِهِ، وهو خَبَرٌ عَظِيمٌ لا يُعْرِضُ عَنْ مِثْلِهِ إلّا غافِلٌ شَدِيدُ الغَفْلَةِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: النَّبَأُ العَظِيمُ: القُرْآنُ. وقالَ الحَسَنُ: يَوْمُ القِيامَةِ. وقِيلَ: قَصَصُ آدَمَ والإنْباءُ بِهِ مِن غَيْرِ سَماعٍ مِن أحَدٍ. وقالَ صاحِبُ التَّحْرِيرِ: سِياقُ الآيَةِ وظاهِرُها أنَّهُ يُرِيدُ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ هو نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾، ما قَصَّهُ اللَّهُ تَعالى مِن مُناظَرَةِ أهْلِ النّارِ ومُقاوَلَةِ الأتْباعِ مَعَ السّاداتِ؛ لِأنَّهُ مِن أحْوالِ البَعْثِ، وقُرَيْشٌ كانْتَ تُنْكِرُ البَعْثَ والحِسابَ والعِقابَ، وهم عَنْ ذَلِكَ مُعْرِضُونَ. وقَوْلُهُ: ﴿ما كانَ لِيَ مِن عِلْمٍ بِالمَلَإ الأعْلى إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾: احْتِجاجٌ عَلى قُرَيْشٍ بِأنَّ ما جاءَ بِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ لا مِن قِبَلِ نَفْسِهِ. فَإنَّ مَن في الأرْضِ ما لَهُ عِلْمٌ بِمَن في السَّماءِ إلّا بِإعْلامِ اللَّهِ تَعالى؛ وعِلْمُ المُغَيَّباتِ لا يُوصَلُ إلَيْهِ إلّا (p-٤٠٩)بِإعْلامِ اللَّهِ تَعالى، وعِلْمُهُ بِأحْوالِ أهْلِ النّارِ، وابْتِداءِ خَلْقِ آدَمَ لَمْ يَكُنْ عَنْهُ عِلْمٌ بِذَلِكَ؛ فَإخْبارُهُ بِذَلِكَ هو بِإعْلامِ اللَّهِ، والِاسْتِدْلالُ بِقِصَّةِ آدَمَ؛ لِأنَّهُ أوَّلُ البَشَرِ خَلْقًا، وبَيْنَهُ وبَيْنَ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أزْمانٌ مُتَقادِمَةٌ وقُرُونٌ سالِفَةٌ. انْتَهى، وفي آخِرِهِ بَعْضُ اخْتِصارٍ. ثُمَّ احْتَجَّ بِصِحَّةِ نُبُوَّتِهِ، بِأنَّ ما يُنْبِئُ بِهِ عَنِ المَلَأِ الأعْلى واخْتِصامِهِمْ أمْرٌ لَمْ يَكُنْ لَهُ بِهِ مِن عِلْمٍ قَطُّ. ثُمَّ عَلِمَهُ مِن غَيْرِ الطَّرِيقِ الَّذِي يَسْلُكُهُ المُتَعَلِّمُونَ، بَلْ ذَلِكَ مُسْتَفادٌ مِنَ الوَحْيِ، و(بِالمَلَأِ) مُتَعَلِّقٌ بِـ (عِلْمٍ)، و(إذْ) مَنصُوبٌ بِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بِمَحْذُوفٍ؛ لِأنَّ المَعْنى: ما كانَ لِي مِن عِلْمٍ بِكَلامِ المَلَأِ الأعْلى وقْتَ اخْتِصامِهِمْ. (وإذْ قالَ) بَدَلٌ مِن ﴿إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ عَلى المَلَأِ الأعْلى، وهُمُ المَلائِكَةُ، وأبْعَدَ مَن قالَ إنَّهم قُرَيْشٌ، واخْتِصامُ المَلائِكَةِ في أمْرِ آدَمَ وذُرِّيَّتِهِ في جَعْلِهِمْ في الأرْضِ. وقالُوا: ﴿أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها﴾ [البقرة: ٣٠] . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وقالَ الحَسَنُ: إنَّ اللَّهَ خالِقٌ خَلْقًا كُنّا أكْرَمَ مِنهُ وأعْلَمَ. وقِيلَ: في الكَفّاراتِ وغَفْرِ الذُّنُوبِ، فَإنَّ العَبْدَ إذا عَمِلَ حَسَنَةً اخْتَلَفَتِ المَلائِكَةُ في قَدْرِ ثَوابِهِ في ذَلِكَ حَتّى يَقْضِيَ اللَّهُ بِما يَشاءُ. وفي الحَدِيثِ: ”«قالَ لَهُ رَبُّهُ في نَوْمِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: فِيمَ يَخْتَصِمُونَ ؟ فَقُلْتُ: لا أدْرِي، فَقالَ: في الكَفّاراتِ، وفي إسْباغِ الوُضُوءِ في السَّرّاتِ، ونَقْلِ الخُطا إلى الجَماعاتِ“» . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كانَتْ مُقاوَلَةُ اللَّهِ سُبْحانَهُ بِواسِطَةِ مَلَكٍ، وكانَ المُقاوِلُ في الحَقِيقَةِ هو المَلَكُ المُتَوَسِّطُ، فَيَصِحُّ أنَّ التَّقاوُلَ بَيْنَ المَلائِكَةِ وآدَمَ وإبْلِيسَ، وهُمُ المَلَأُ الأعْلى. والمُرادُ بِالِاخْتِصامِ: التَّقاوُلُ. وقِيلَ: المَلَأُ الأعْلى: المَلائِكَةُ، و﴿إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ الضَّمِيرُ فِيهِ لِلْعَرَبِ الكافِرِينَ، فَبَعْضُهم يَقُولُ: هي بَناتُ اللَّهِ، وبَعْضُهم: آلِهَةٌ تُعْبَدُ، وغَيْرُ ذَلِكَ مِن أقْوالِهِمْ. ﴿إنْ يُوحى إلَيَّ﴾ أيْ: ما يُوحى إلَيَّ، ﴿إلّا أنَّما أنا نَذِيرٌ﴾ أيْ: لِلْإنْذارِ، حَذَفَ اللّامَ ووَصَلَ الفِعْلَ والمَفْعُولَ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرًا يَدُلُّ عَلَيْهِ المَعْنى، أيْ: إنْ يُوحى إلَيَّ هو، أيْ: ما يُوحى إلّا الإنْذارُ، وأُقِيمَ إلِيَّ مَقامَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ إنَّما هو المَفْعُولُ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، أيْ: ما يُوحى إلَيَّ إلّا الإنْذارُ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: (إلّا إنَّما) بِكَسْرِ هَمْزَةِ إنَّما عَلى الحِكايَةِ، أيْ: ما يُوحى إلَيَّ إلّا هَذِهِ الجُمْلَةُ، كَأنْ قِيلَ لَهُ: أنْتَ نَذِيرٌ مُبِينٌ، فَحَكى هو المَعْنى، وهَذا كَما يَقُولُ الإنْسانُ: أنا عالِمٌ، فَيُقالُ لَهُ: قُلْتَ إنَّكَ عالِمٌ، فَيُحْكى المَعْنى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقُرِئَ إنَّما بِالكَسْرِ عَلى الحِكايَةِ، أيْ: إلّا هَذا القَوْلُ، وهو أنْ أقُولَ لَكم ﴿إنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾، فَلا أدَّعِي شَيْئًا آخَرَ. انْتَهى. فِي تَخْرِيجِهِ تَعارُضٌ؛ لِأنَّهُ قالَ أيْ: إلّا هَذا القَوْلَ، فَظاهِرُهُ الجُمْلَةُ الَّتِي هي ﴿إنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾، ثُمَّ قالَ: وهو أنْ أقُولَ لَكم إنِّي نَذِيرٌ، فالمَقامُ مَقامُ الفاعِلِ هو أنْ أقُولَ لَكم، وأنْ وما بَعْدَهُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، وعَلى قَوْلِهِ: إلّا هَذا القَوْلَ، يَكُونُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ فَيَتَعارَضا. وتَقَدَّمَ أنَّ (إذْ قالَ) بَدَلٌ مِن ﴿إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ هَذا إذا كانَتِ الخُصُومَةُ في شَأْنِ مَن يُسْتَخْلَفُ في الأرْضِ، وعَلى غَيْرِهِ مِنَ الأقْوالِ يَكُونُ مَنصُوبًا بِاذْكُرْ. ولَمّا كانَتْ قُرَيْشٌ، خالَفُوا الرَّسُولَ، - عَلَيْهِ السَّلامُ -، بِسَبَبِ الحَسَدِ والكِبْرِ. ذَكَرَ حالَ إبْلِيسَ، حَيْثُ خالَفَ أمْرَ اللَّهِ بِسَبَبِ الحَسَدِ والكِبْرِ وما آلَ إلَيْهِ مِنَ اللَّعْنَةِ والطَّرْدِ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ، لِيَزْدَجِرَ عَنْ ذَلِكَ مَن فِيهِ شَيْءٌ مِنهُما. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ صَحَّ أنْ يَقُولَ لَهم: ﴿إنِّي خالِقٌ بَشَرًا﴾، وما عَرَفُوا ما البَشَرُ ولا عَهِدُوا بِهِ قَبْلُ ؟ (قُلْتُ): وجْهُهُ أنْ يَكُونَ قَدْ قالَ لَهم: إنِّي خالِقٌ خَلْقًا مِن صِفَةِ كَيْتَ وكَيْتَ، ولَكِنَّهُ حِينَ حَكاهُ اقْتَصَرَ عَلى الِاسْمِ. انْتَهى. والبَشَرُ هو آدَمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وذَكَرَ هُنا أنَّهُ خَلَقَهُ مِن طِينٍ، وفي آلِ عِمْرانَ: ﴿خَلَقَهُ مِن تُرابٍ﴾ [آل عمران: ٥٩]، وفي الحِجْرِ: ﴿مِن صَلْصالٍ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ [الحجر: ٢٦]، وفي الأنْبِياءِ: ﴿مِن عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧]؛ ولا مُنافاةَ في تِلْكَ المادَّةِ البَعِيدَةِ، وهي التُّرابُ، ثُمَّ ما يَلِيهِ وهو الطِّينُ، ثُمَّ ما يَلِيهِ وهو الحَمَأُ المَسْنُونُ، ثُمَّ المادَّةُ تَلِي الحَمَأ وهو الصَّلْصالُ؛ وأمّا ﴿مِن عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧] فَمَضى تَفْسِيرُهُ. ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ ﴿فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلُّهم أجْمَعُونَ﴾ ﴿إلّا إبْلِيسَ﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذا في الحِجْرِ، وهُنا ﴿اسْتَكْبَرَ وكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾، (p-٤١٠)وفِي البَقَرَةِ: ﴿أبى واسْتَكْبَرَ وكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ [البقرة: ٣٤]، وفي الأعْرافِ: ﴿لَمْ يَكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ﴾ [الأعراف: ١١]، وفي الحِجْرِ: ﴿أبى أنْ يَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٣١]، وفي الإسْراءِ: ﴿قالَ أأسْجُدُ لِمَن خَلَقْتَ طِينًا﴾ [الإسراء: ٦١]، وفي الكَهْفِ: ﴿كانَ مِنَ الجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ٥٠] . والِاسْتِثْناءُ في جَمِيعِ هَذِهِ الآياتِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمْ يَسْجُدْ، فَتارَةً أكَّدَ بِالنَّفْيِّ المَحْضِ، وتارَةً ذَكَرَ إبايَتَهُ عَنِ السُّجُودِ، وهي الأنَفَةُ مِن ذَلِكَ، وتارَةً نَصَّ عَلى أنَّ ذَلِكَ الِامْتِناعَ كانَ سَبَبُهُ الِاسْتِكْبارَ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ أُرِيدَ بِهِ كُفْرُهُ ذَلِكَ الوَقْتَ، وإنْ لَمْ يَكُنْ قَبْلَهُ كافِرًا؛ وعُطِفَ عَلى اسْتَكْبَرَ، فَقَوِيَ ذَلِكَ؛ لِأنَّ الِاسْتِكْبارَ عَنِ السُّجُودِ إنَّما حَصَلَ لَهُ وقْتَ الأمْرِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إخْبارًا مِنهُ بِسَبْقِ كُفْرِهِ في الأزْمِنَةِ الماضِيَةِ في عِلْمِ اللَّهِ. ﴿قالَ يا إبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ﴾، وفي الأعْرافِ: ﴿ما مَنَعَكَ ألّا تَسْجُدَ﴾ [الأعراف: ١٢]، فَدَلَّ أنْ تَسْجُدَ هُنا، عَلى أنَّ لا في ﴿أنْ لا أقُولَ﴾ [الأعراف: ١٠٥] زائِدَةٌ، والمَعْنى أيْضًا يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ لا يَسْتَفْهِمُ إلّا عَنِ المانِعِ مِنَ السُّجُودِ، وهو اسْتِفْهامُ تَقْرِيرٍ وتَوْبِيخٍ. وما في ﴿لِما خَلَقْتُ﴾، اسْتَدَلَّ بِها مَن يُجِيزُ إطْلاقَ ما عَلى آحادِ مَن يَعْقِلُ، وأوَّلَ بِأنَّ ما مَصْدَرِيَّةٌ، والمَصْدَرُ يُرادُ بِهِ المَخْلُوقُ، لا حَقِيقَةُ المَصْدَرِ. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ: (لَمّا) بِفَتْحِ اللّامِ وتَشْدِيدِ المِيمِ، ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾، عَلى الإفْرادِ؛ والجُمْهُورُ: عَلى التَّثْنِيَةِ؛ وقُرِئَ ﴿بِيَدَيَّ﴾ كَقِراءَةِ ﴿بِمُصْرِخِيَّ﴾ [إبراهيم: ٢٢]؛ وقالَ تَعالى: ﴿مِمّا عَمِلَتْ أيْدِينا﴾ [يس: ٧١] بِالجَمْعِ، وكُلُّها عِبارَةٌ عَنِ القُدْرَةِ والقُوَّةِ، وعَبَّرَ بِاليَدِ، إذْ كانَ عِنْدَ البَشَرِ مُعْتادًا أنَّ البَطْشَ والقُوَّةَ بِاليَدِ. وذَهَبَ القاضِي أبُو بَكْرِ بْنُ الطَّيِّبِ إلى أنَّ اليَدَ صِفَةُ ذاتٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهو قَوْلٌ مَرْغُوبٌ عَنْهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (أسْتَكْبَرْتَ)، بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، فَأمْ مُتَّصِلَةٌ عادَلَتِ الهَمْزَةَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ النَّحْوِيِّينَ إلى أنَّ أمْ لا تَكُونُ مُعادِلَةً لِلْألِفِ مَعَ اخْتِلافِ الفِعْلَيْنِ، وإنَّما تَكُونُ مُعادِلَةً إذا دَخَلَتا عَلى فِعْلٍ واحِدٍ، كَقَوْلِكَ: أزَيْدٌ قامَ أمْ عَمْرٌو ؟ وقَوْلُكَ: أقامَ زَيْدٌ أمْ عَمْرٌو ؟ فَإذا اخْتَلَفَ الفِعْلانِ كَهَذِهِ الآيَةِ، فَلَيْسَتْ مُعادِلَةً. ومَعْنى الآيَةِ: أحَدَثَ لَكَ الِاسْتِكْبارُ الآنَ، أمْ كُنْتَ قَدِيمًا مِمَّنْ لا يَلِيقُ أنْ تُكَلَّفَ مِثْلَ هَذا لِعُلُوِّ مَكانِكَ ؟ وهَذا عَلى جِهَةِ التَّوْبِيخِ. انْتَهى. وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ النَّحْوِيِّينَ مَذْهَبٌ غَيْرُ صَحِيحٍ. قالَ سِيبَوَيْهِ: وتَقُولُ أضْرَبْتَ زَيْدًا أمْ قَتَلْتَهُ فالبَدْءُ هُنا بِالفِعْلِ أحْسَنُ؛ لِأنَّكَ إنَّما تَسْألُ عَنْ أحَدِهِما، لا تَدْرِي أيُّهُما كانَ، ولا تَسْألُ عَنْ مَوْضِعِ أحَدِهِما، كَأنَّكَ قُلْتَ: أيُّ ذَلِكَ كانَ ؟ انْتَهى. فَعادَلَ بِأمِ الألِفَ مَعَ اخْتِلافِ الفِعْلَيْنِ. ﴿مِنَ العالِينَ﴾: مِمَّنْ عَلَوْتَ وفُقْتَ. فَأجابَ بِأنَّهُ مِنَ العالِينَ، حَيْثُ قالَ ﴿أنا خَيْرٌ مِنهُ﴾ . وقِيلَ: أسْتَكْبَرْتَ الآنَ، أوْ لَمْ تَزَلْ مُذْ كُنْتَ مِنَ المُسْتَكْبِرِينَ ؟ ومَعْنى الهَمْزَةِ: التَّقْرِيرُ. انْتَهى. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ، مِنهُمُ ابْنُ كَثِيرٍ وغَيْرُهُ: (اسْتَكْبَرْتَ)، بِصِلَةِ الألِفِ، وهي قِراءَةُ أهْلِ مَكَّةَ، ولَيْسَتْ في مَشْهُورِ ابْنِ كَثِيرٍ، فاحْتُمِلَ أنْ تَكُونَ هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ حُذِفَتْ لِدَلالَةِ أمْ عَلَيْها، كَقَوْلِهِ: ؎بِسَبْعٍ رَمَيْنَ الجَمْرَ أمْ بِثَمانِ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ إخْبارًا خاطَبَهُ بِذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّقْرِيعِ، وأمْ تَكُونُ مُنْقَطِعَةً، والمَعْنى: بَلْ أنْتَ مِنَ العالِينَ عِنْدَ نَفْسِكَ اسْتِخْفافًا بِهِ. ﴿قالَ أنا خَيْرٌ مِنهُ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ذَلِكَ في الأعْرافِ. ﴿قالَ فاخْرُجْ مِنها﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مِثْلِ ذَلِكَ في الحِجْرِ، إلّا أنَّ هُنا ﴿لَعْنَتِي﴾ وهُناكَ (اللَّعْنَةُ) أعَمُّ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ ويَلْعَنُهُمُ اللّاعِنُونَ﴾ [البقرة: ١٥٩] وأمّا بِالإضافَةِ، فالعُمُومُ في اللَّعْنَةِ أعَمُّ، واللَّعَناتُ إنَّما تَحْصُلُ مِن جِهَةِ أنَّ مَن عَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ كانَتْ عَلَيْهِ لَعْنَةُ كُلِّ لاعِنٍ، هَذا مِن جِهَةِ المَعْنى، وأمّا بِاللَّفْظِ فَيَقْتَضِي التَّخْصِيصَ. ﴿قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ﴾: أقْسَمَ إبْلِيسُ هُنا بِعِزَّةِ اللَّهِ، وقالَ في الأعْرافِ: ﴿فَبِما أغْوَيْتَنِي لَأقْعُدَنَّ﴾ [الأعراف: ١٦]، وفي الحِجْرِ: ﴿رَبِّ بِما أغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ﴾ [الحجر: ٣٩] . وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِما في مَوْضِعِهِما، وإنَّ مِنَ المُفَسِّرِينَ مَن قالَ: إنَّ الباءَ في: ﴿بِما أغْوَيْتَنِي﴾ [الحجر: ٣٩] وفي: ﴿فَبِما أغْوَيْتَنِي﴾ [الأعراف: ١٦] لَيْسَتْ باءَ القَسَمِ. فَإنْ كانَتْ باءَ القَسَمِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ في مَوْطِنَيْنِ: فَهُنا: ﴿لَأُغْوِيَنَّهُمْ﴾، وفي الأعْرافِ: ﴿لَأقْعُدَنَّ﴾ [الأعراف: ١٦]، وفي الحِجْرِ: ﴿لَأُزَيِّنَنَّ﴾ [الحجر: ٣٩] . (p-٤١١)وقَرَأ الجُمْهُورُ: (فالحَقَّ والحَقَّ) بِنَصْبِهِما. أمّا الأوَّلُ فَمُقْسَمٌ بِهِ، حُذِفَ مِنهُ الحَرْفُ كَقَوْلِهِ: (أمانَةَ اللَّهِ لَأقُومَنَّ)، والمُقْسَمُ عَلَيْهِ (لَأمْلَأنَّ) . ﴿والحَقَّ أقُولُ﴾: اعْتِراضٌ بَيْنَ القَسَمِ وجَوابِهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومَعْناهُ: ولا أقُولُ إلّا الحَقَّ. انْتَهى؛ لِأنَّ عِنْدَهُ تَقُدُّمَ المَفْعُولِ يُفِيدُ الحَصْرَ. والحَقُّ المُقْسَمُ بِهِ إمّا اسْمُهُ تَعالى الَّذِي في قَوْلِهِ: ﴿أنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ المُبِينُ﴾ [النور: ٢٥]، أوِ الَّذِي هو نَقِيضُ الباطِلِ. وقِيلَ: ﴿فالحَقُّ﴾ مَنصُوبٌ عَلى الإغْراءِ، أيْ: فالزَمُوا الحَقَّ، و(لَأمْلَأنَّ): جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ. وقالَ الفَرّاءُ: هو عَلى مَعْنى قَوْلِكَ: حَقًّا لا شَكَّ، ووُجُودُ الألِفِ واللّامِ وطَرْحُهُما سَواءٌ، أيْ: لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ حَقًّا. انْتَهى. وهَذا المَصْدَرُ الجائِي تَوْكِيدًا لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ، لا يَجُوزُ تَقْدِيمُهُ عِنْدَ جُمْهُورِ النُّحاةِ، وذَلِكَ مَخْصُوصٌ بِالجُمْلَةِ الَّتِي جُزْآها مَعْرِفَتانِ جامِدَتانِ جُمُودًا مَحْضًا. وقالَ صاحِبُ البَسِيطِ: وقَدْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخَبَرُ نَكِرَةً، قالَ: والمُبْتَدَأُ يَكُونُ ضَمِيرًا نَحْوَ: هو زَيْدٌ مَعْرُوفًا، وهو الحَقُّ بَيِّنًا، وأنا الأمِيرُ مُفْتَخِرًا؛ ويَكُونُ ظاهِرًا كَقَوْلِكَ: زِيدٌ أبُوكَ عَطُوفًا، وأخُوكَ زَيْدٌ مَعْرُوفًا. انْتَهى. وقالَتِ العَرَبُ: زَيْدٌ قائِمٌ غَيْرَ ذِي شَكٍّ، فَجاءَتِ الحالُ بَعْدَ جُمْلَةٍ، والخَبَرُ نَكِرَةً، وهي حالٌ مُؤَكِّدَةٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ، وكَأنَّ الفَرّاءَ لَمْ يَشْتَرِطْ هَذا الَّذِي ذَكَرَهُ أصْحابُنا مِن كَوْنِ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ مَعْرُوفَيْنِ جامِدَيْنِ؛ لِأنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ تَأْكِيدِ مَضْمُونِ الجُمْلَةِ الِابْتِدائِيَّةِ وبَيْنَ تَأْكِيدِ الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ. وقِيلَ: التَّقْدِيرُ فالحَقُّ الحَقُّ، أيْ أفْعَلُهُ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والأعْمَشُ: بِالرَّفْعِ فِيهِما، فالأوَّلُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، قِيلَ: تَقْدِيرُهُ فالحَقُّ أنا، وقِيلَ: فالحَقُّ مِنِّي، وقِيلَ: تَقْدِيرُهُ فالحَقُّ قَسَمِي، وحُذِفَ كَما حُذِفَ في: لَعَمْرُكَ لَأقُومَنَّ، وفي: يَمِينُ اللَّهِ أبْرَحُ قاعِدًا، أيْ لَعَمْرُكَ قَسَمِي ويَمِينُ اللَّهِ قَسَمِي، وهَذِهِ الجُمْلَةُ هي جُمْلَةُ القَسَمِ، وجَوابُهُ: لَأمْلَأنَّ. وأمّا (والحَقُّ أقُولُ) فَمُبْتَدَأٌ أيْضًا، خَبَرُهُ الجُمْلَةُ، وحُذِفَ العائِدُ، كَقِراءَةِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿وكُلًّا وعَدَ اللَّهُ الحُسْنى﴾ [النساء: ٩٥] . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أمّا الأوَّلُ فَرُفِعَ عَلى الِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ في قَوْلِهِ: ﴿لَأمْلَأنَّ﴾؛ لِأنَّ المَعْنى: أنْ أمْلَأ. انْتَهى. وهَذا لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّ لَأمْلَأنَّ جَوابُ قَسَمٍ، ويَجِبُ أنْ يَكُونَ جُمْلَةً، فَلا يَتَقَدَّرُ بِمُفْرَدٍ. وأيْضًا لَيْسَ مَصْدَرًا مُقَدَّرًا بِحَرْفٍ مَصْدَرِيٍّ والفِعْلِ حَتّى يَنْحَلَّ إلَيْهِما، ولَكِنَّهُ لَمّا صَحَّ لَهُ إسْنادُ ما قُدِّرَ إلى المُبْتَدَأِ حُكِمَ أنَّهُ خَبَرٌ عَنْهُ. وقَرَأ الحَسَنُ، وعِيسى، و عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي حَمّادٍ عَنْ أبِي بَكْرٍ: بِجَرِّهِمْ، ويَخْرُجُ عَلى أنَّ الأوَّلَ مَجْرُورٌ بِواوِ القَسَمِ مَحْذُوفَةً، تَقْدِيرُهُ: فَوالحَقِّ، والحَقِّ مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ، كَما تَقُولُ: واللَّهِ واللَّهِ لَأقُومَنَّ، و(أقُولُ) اعْتِراضٌ بَيْنَ القَسَمِ وجَوابِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿والحَقَّ أقُولُ﴾: أيْ: ولا أقُولُ إلّا الحَقَّ عَلى حِكايَةِ لَفْظِ المُقْسَمَ بِهِ، ومَعْناهُ التَّوْكِيدُ والتَّسْدِيدُ، وهَذا الوَجْهُ جائِزٌ في المَنصُوبِ والمَرْفُوعِ، وهو وجْهٌ دَقِيقٌ حَسَنٌ. انْتَهى. ومُلَخَّصُهُ أنَّهُ أعْمَلَ القَوْلَ في لَفْظِ المُقْسَمِ بِهِ عَلى سَبِيلِ الحِكايَةِ نَصْبًا أوْ رَفْعًا أوْ جَرًّا. وقَرَأ مُجاهِدٌ، والأعْمَشُ: بِخِلافٍ عَنْهُما؛ وأبانُ بْنُ تَغْلَبَ، وطَلْحَةُ في رِوايَةٍ، وحَمْزَةُ، وعاصِمٌ، عَنِ المُفَضَّلِ، وخَلَفٍ، والعَبْسِيِّ: بِرَفْعِ ﴿فالحَقُّ﴾ ونَصْبِ ﴿والحَقَّ﴾، وتَقَدَّمَ إعْرابُهُما. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: (أجْمَعِينَ) تَأْكِيدٌ لِلْمُحَدَّثِ عَنْهُ والمَعْطُوفُ عَلَيْهِ، وهو ضَمِيرُ إبْلِيسَ ومَن عُطِفَ عَلَيْهِ، أيْ مِنكَ ومِن تابِعِيكِ أجْمَعِينَ. وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ أجْمَعِينَ تَأْكِيدًا لِلضَّمِيرِ الَّذِي في مِنهم، مُقَدَّرٌ، لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الشَّياطِينِ ومِمَّنْ تَبِعَهم مِن جَمِيعِ النّاسِ، لا تَفاوُتَ في ذَلِكَ بَيْنَ ناسٍ وناسٍ بَعْدَ وُجُودِ الأتْباعِ مِنهم مِن أوْلادِ الأنْبِياءِ وغَيْرِهِمْ. انْتَهى. والضَّمِيرُ في (عَلَيْهِ) عائِدٌ عَلى القُرْآنِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقِيلَ: عائِدٌ عَلى الوَحْيِ. وقِيلَ: عَلى الدُّعاءِ إلى اللَّهِ. ﴿وما أنا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ﴾: أيِ المُتَصَنِّعِينَ المُتَحَلِّينَ بِما لَيْسُوا مِن أهْلِهِ، فَأنْتَحَلُ النُّبُوَّةَ والقَوْلَ عَلى اللَّهِ. (إنْ هو) أيِ: القُرْآنُ، ﴿إلّا ذِكْرٌ﴾: أيْ: مِنَ اللَّهِ، ﴿لِلْعالَمِينَ﴾: الثَّقَلَيْنِ الإنْسِ والجِنِّ. ﴿ولَتَعْلَمُنَّ نَبَأهُ﴾: أيْ عاقِبَةَ خَبَرِهِ لِمَن آمَنَ بِهِ ومَن أعْرَضَ عَنْهُ، ﴿بَعْدَ حِينٍ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ وابْنُ زَيْدٍ: يَعْنِي يَوْمَ القِيامَةِ. وقالَ قَتادَةُ، والفَرّاءُ، والزَّجّاجُ: بَعْدَ المَوْتِ. وكانَ الحَسَنُ يَقُولُ: يا ابْنَ آدَمَ، عِنْدَ المَوْتِ (p-٤١٢)يَأْتِيكَ الخَبَرُ اليَقِينُ. وقِيلَ: المَعْنى لَيَظْهَرَنَّ لَكم حَقِيقَةُ ما أقُولُ. ﴿بَعْدَ حِينٍ﴾ أيْ: في المُسْتَأْنَفِ، إذا أخَذَتْكم سُيُوفُ المُسْلِمِينَ، وذَلِكَ يَوْمَ بَدْرٍ، وأشارَ إلى ذَلِكَ السُّدِّيُّ. * * سُورَةُ الزُّمَرِ خَمْسٌ وسَبْعُونَ آيَةً، مَكِّيَّةٌ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ [الزمر: ١] ﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ فاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر: ٢] ﴿ألا لِلَّهِ الدِّينُ الخالِصُ والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى إنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهم في ما هم فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن هو كاذِبٌ كَفّارٌ﴾ [الزمر: ٣] ﴿لَوْ أرادَ اللَّهُ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا لاصْطَفى مِمّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ سُبْحانَهُ هو اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ [الزمر: ٤] ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلى النَّهارِ ويُكَوِّرُ النَّهارَ عَلى اللَّيْلِ وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأجَلٍ مُسَمًّى ألا هو العَزِيزُ الغَفّارُ﴾ [الزمر: ٥] ﴿خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنها زَوْجَها وأنْزَلَ لَكم مِنَ الأنْعامِ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ يَخْلُقُكم في بُطُونِ أُمَّهاتِكم خَلْقًا مِن بَعْدِ خَلْقٍ في ظُلُماتٍ ثَلاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم لَهُ المُلْكُ لا إلَهَ إلّا هو فَأنّى تُصْرَفُونَ﴾ [الزمر: ٦] ﴿إنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكم ولا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ وإنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكم ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ثُمَّ إلى رَبِّكم مَرْجِعُكم فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ [الزمر: ٧] ﴿وإذا مَسَّ الإنْسانَ ضُرٌّ دَعا رَبَّهُ مُنِيبًا إلَيْهِ ثُمَّ إذا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنهُ نَسِيَ ما كانَ يَدْعُو إلَيْهِ مِن قَبْلُ وجَعَلَ لِلَّهِ أنْدادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إنَّكَ مِن أصْحابِ النّارِ﴾ [الزمر: ٨] ﴿أمْ مَن هو قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِدًا وقائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ ويَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبابِ﴾ [الزمر: ٩] ﴿قُلْ يا عِبادِي الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكم لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وأرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ إنَّما يُوَفّى الصّابِرُونَ أجْرَهم بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ [الزمر: ١٠] ﴿قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر: ١١] ﴿وأُمِرْتُ لِأنْ أكُونَ أوَّلَ المُسْلِمِينَ﴾ [الزمر: ١٢] ﴿قُلْ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الزمر: ١٣] ﴿قُلِ اللَّهَ أعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ [الزمر: ١٤] ﴿فاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِن دُونِهِ قُلْ إنَّ الخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ ألا ذَلِكَ هو الخُسْرانُ المُبِينُ﴾ [الزمر: ١٥] ﴿لَهم مِن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النّارِ ومِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ يا عِبادِ فاتَّقُونِ﴾ [الزمر: ١٦] ﴿والَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ أنْ يَعْبُدُوها وأنابُوا إلى اللَّهِ لَهُمُ البُشْرى فَبَشِّرْ عِبادِي﴾ [الزمر: ١٧] ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وأُولَئِكَ هم أُولُو الألْبابِ﴾ [الزمر: ١٨] ﴿أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ أفَأنْتَ تُنْقِذُ مَن في النّارِ﴾ [الزمر: ١٩] ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم لَهم غُرَفٌ مِن فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ وعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ المِيعادَ﴾ [الزمر: ٢٠] ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ في الأرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا ألْوانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطامًا إنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرى لِأُولِي الألْبابِ﴾ [الزمر: ٢١] ﴿أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ فَهو عَلى نُورٍ مِن رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهم مِن ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الزمر: ٢٢] ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ كِتابًا مُتَشابِهًا مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهم وقُلُوبُهم إلى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشاءُ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ [الزمر: ٢٣] ﴿أفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ وقِيلَ لِلظّالِمِينَ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ [الزمر: ٢٤] ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأتاهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ [الزمر: ٢٥] ﴿فَأذاقَهُمُ اللَّهُ الخِزْيَ في الحَياةِ الدُّنْيا ولَعَذابُ الآخِرَةِ أكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٢٦] ﴿ولَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ [الزمر: ٢٧] ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ [الزمر: ٢٨] ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ ورَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا الحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٢٩] ﴿إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهم مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠] ﴿ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكم تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر: ٣١] . (p-٤١٣)التَّكْوِيرُ: اللَّفُّ واللَّيُّ، يُقالُ: كارَ العِمامَةَ عَلى رَأْسِهِ وكَوَّرَها. خَوَّلَهُ النِّعْمَةَ أيْ: أعْطاهُ ابْتِداءً مِن غَيْرِ مُجازاةٍ، ولا يُقالُ في الجَزاءِ خَوَّلَ. قالَ زُهَيْرٌ: ؎هُنالِكَ إنْ يُسْتَخْوَلُوا المالَ يُخَوَّلُوا ويُرْوى: يُسْتَخْيَلُوا المالَ يُخَيَّلُوا وقالَ أبُو النَّجْمِ: ؎أعْطى فَلَمْ يَبْخَلْ ولَمْ يُبَخِّلْ ∗∗∗ كَوْمَ الذُّرى مِن خَوَلِ المَخْوِلِ هاجَ الزَّرْعُ: ثارَ مِن مَنابِتِهِ، وقِيلَ: يَبِسَ. الحُطامُ: الفُتاتُ بَعْدَ يُبْسِهِ. القُشَعْرِيرَةُ: تَقَبُّضُ الجِلْدِ، يُقالُ: اقْشَعَرَّ جِلْدُهُ مِنَ الخَوْفِ: وقَفَ شَعْرُهُ، وهو مَثَلٌ في شِدَّةِ الخَوْفِ. الشِّكاسَةُ: سُوءُ الخُلُقِ وعُسْرُهُ.

ص 38:81

﴿قُلْ هو نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿أنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ ﴿ما كانَ لِيَ مِن عِلْمٍ بِالمَلَإ الأعْلى إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ ﴿إنْ يُوحى إلَيَّ إلّا أنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿إذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ﴾ ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ ﴿فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلُّهم أجْمَعُونَ﴾ ﴿إلّا إبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ ﴿قالَ يا إبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أأسْتَكْبَرْتَ أمْ كُنْتَ مِنَ العالِينَ﴾ ﴿قالَ أنا خَيْرٌ مِنهُ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ ﴿قالَ فاخْرُجْ مِنها فَإنَّكَ رَجِيمٌ﴾ ﴿وإنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إلى يَوْمِ الدِّينِ﴾ ﴿قالَ رَبِّ فَأنْظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ﴿قالَ فَإنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ ﴿إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ﴾ ﴿قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلّا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ ﴿قالَ فالحَقُّ والحَقَّ أقُولُ﴾ ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ ومِمَّنْ تَبِعَكَ مِنهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿قُلْ ما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ وما أنا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ﴾ ﴿إنْ هو إلّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ ﴿ولَتَعْلَمُنَّ نَبَأهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ . الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ هو نَبَأٌ﴾ يَعُودُ عَلى ما أخْبَرَ بِهِ مِن كَوْنِهِ رَسُولًا مُنْذِرًا داعِيًا إلى اللَّهِ، وأنَّهُ تَعالى هو المُنْفَرِدُ بِالأُلُوهِيَّةِ، المُتَّصِفُ بِتِلْكَ الأوْصافِ مِنَ الوَحْدانِيَّةِ والقَهْرِ ومُلْكِ العالَمِ وعِزَّتِهِ وغُفْرانِهِ، وهو خَبَرٌ عَظِيمٌ لا يُعْرِضُ عَنْ مِثْلِهِ إلّا غافِلٌ شَدِيدُ الغَفْلَةِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: النَّبَأُ العَظِيمُ: القُرْآنُ. وقالَ الحَسَنُ: يَوْمُ القِيامَةِ. وقِيلَ: قَصَصُ آدَمَ والإنْباءُ بِهِ مِن غَيْرِ سَماعٍ مِن أحَدٍ. وقالَ صاحِبُ التَّحْرِيرِ: سِياقُ الآيَةِ وظاهِرُها أنَّهُ يُرِيدُ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ هو نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾، ما قَصَّهُ اللَّهُ تَعالى مِن مُناظَرَةِ أهْلِ النّارِ ومُقاوَلَةِ الأتْباعِ مَعَ السّاداتِ؛ لِأنَّهُ مِن أحْوالِ البَعْثِ، وقُرَيْشٌ كانْتَ تُنْكِرُ البَعْثَ والحِسابَ والعِقابَ، وهم عَنْ ذَلِكَ مُعْرِضُونَ. وقَوْلُهُ: ﴿ما كانَ لِيَ مِن عِلْمٍ بِالمَلَإ الأعْلى إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾: احْتِجاجٌ عَلى قُرَيْشٍ بِأنَّ ما جاءَ بِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ لا مِن قِبَلِ نَفْسِهِ. فَإنَّ مَن في الأرْضِ ما لَهُ عِلْمٌ بِمَن في السَّماءِ إلّا بِإعْلامِ اللَّهِ تَعالى؛ وعِلْمُ المُغَيَّباتِ لا يُوصَلُ إلَيْهِ إلّا (p-٤٠٩)بِإعْلامِ اللَّهِ تَعالى، وعِلْمُهُ بِأحْوالِ أهْلِ النّارِ، وابْتِداءِ خَلْقِ آدَمَ لَمْ يَكُنْ عَنْهُ عِلْمٌ بِذَلِكَ؛ فَإخْبارُهُ بِذَلِكَ هو بِإعْلامِ اللَّهِ، والِاسْتِدْلالُ بِقِصَّةِ آدَمَ؛ لِأنَّهُ أوَّلُ البَشَرِ خَلْقًا، وبَيْنَهُ وبَيْنَ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أزْمانٌ مُتَقادِمَةٌ وقُرُونٌ سالِفَةٌ. انْتَهى، وفي آخِرِهِ بَعْضُ اخْتِصارٍ. ثُمَّ احْتَجَّ بِصِحَّةِ نُبُوَّتِهِ، بِأنَّ ما يُنْبِئُ بِهِ عَنِ المَلَأِ الأعْلى واخْتِصامِهِمْ أمْرٌ لَمْ يَكُنْ لَهُ بِهِ مِن عِلْمٍ قَطُّ. ثُمَّ عَلِمَهُ مِن غَيْرِ الطَّرِيقِ الَّذِي يَسْلُكُهُ المُتَعَلِّمُونَ، بَلْ ذَلِكَ مُسْتَفادٌ مِنَ الوَحْيِ، و(بِالمَلَأِ) مُتَعَلِّقٌ بِـ (عِلْمٍ)، و(إذْ) مَنصُوبٌ بِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بِمَحْذُوفٍ؛ لِأنَّ المَعْنى: ما كانَ لِي مِن عِلْمٍ بِكَلامِ المَلَأِ الأعْلى وقْتَ اخْتِصامِهِمْ. (وإذْ قالَ) بَدَلٌ مِن ﴿إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ عَلى المَلَأِ الأعْلى، وهُمُ المَلائِكَةُ، وأبْعَدَ مَن قالَ إنَّهم قُرَيْشٌ، واخْتِصامُ المَلائِكَةِ في أمْرِ آدَمَ وذُرِّيَّتِهِ في جَعْلِهِمْ في الأرْضِ. وقالُوا: ﴿أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها﴾ [البقرة: ٣٠] . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وقالَ الحَسَنُ: إنَّ اللَّهَ خالِقٌ خَلْقًا كُنّا أكْرَمَ مِنهُ وأعْلَمَ. وقِيلَ: في الكَفّاراتِ وغَفْرِ الذُّنُوبِ، فَإنَّ العَبْدَ إذا عَمِلَ حَسَنَةً اخْتَلَفَتِ المَلائِكَةُ في قَدْرِ ثَوابِهِ في ذَلِكَ حَتّى يَقْضِيَ اللَّهُ بِما يَشاءُ. وفي الحَدِيثِ: ”«قالَ لَهُ رَبُّهُ في نَوْمِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: فِيمَ يَخْتَصِمُونَ ؟ فَقُلْتُ: لا أدْرِي، فَقالَ: في الكَفّاراتِ، وفي إسْباغِ الوُضُوءِ في السَّرّاتِ، ونَقْلِ الخُطا إلى الجَماعاتِ“» . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كانَتْ مُقاوَلَةُ اللَّهِ سُبْحانَهُ بِواسِطَةِ مَلَكٍ، وكانَ المُقاوِلُ في الحَقِيقَةِ هو المَلَكُ المُتَوَسِّطُ، فَيَصِحُّ أنَّ التَّقاوُلَ بَيْنَ المَلائِكَةِ وآدَمَ وإبْلِيسَ، وهُمُ المَلَأُ الأعْلى. والمُرادُ بِالِاخْتِصامِ: التَّقاوُلُ. وقِيلَ: المَلَأُ الأعْلى: المَلائِكَةُ، و﴿إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ الضَّمِيرُ فِيهِ لِلْعَرَبِ الكافِرِينَ، فَبَعْضُهم يَقُولُ: هي بَناتُ اللَّهِ، وبَعْضُهم: آلِهَةٌ تُعْبَدُ، وغَيْرُ ذَلِكَ مِن أقْوالِهِمْ. ﴿إنْ يُوحى إلَيَّ﴾ أيْ: ما يُوحى إلَيَّ، ﴿إلّا أنَّما أنا نَذِيرٌ﴾ أيْ: لِلْإنْذارِ، حَذَفَ اللّامَ ووَصَلَ الفِعْلَ والمَفْعُولَ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرًا يَدُلُّ عَلَيْهِ المَعْنى، أيْ: إنْ يُوحى إلَيَّ هو، أيْ: ما يُوحى إلّا الإنْذارُ، وأُقِيمَ إلِيَّ مَقامَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ إنَّما هو المَفْعُولُ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، أيْ: ما يُوحى إلَيَّ إلّا الإنْذارُ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: (إلّا إنَّما) بِكَسْرِ هَمْزَةِ إنَّما عَلى الحِكايَةِ، أيْ: ما يُوحى إلَيَّ إلّا هَذِهِ الجُمْلَةُ، كَأنْ قِيلَ لَهُ: أنْتَ نَذِيرٌ مُبِينٌ، فَحَكى هو المَعْنى، وهَذا كَما يَقُولُ الإنْسانُ: أنا عالِمٌ، فَيُقالُ لَهُ: قُلْتَ إنَّكَ عالِمٌ، فَيُحْكى المَعْنى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقُرِئَ إنَّما بِالكَسْرِ عَلى الحِكايَةِ، أيْ: إلّا هَذا القَوْلُ، وهو أنْ أقُولَ لَكم ﴿إنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾، فَلا أدَّعِي شَيْئًا آخَرَ. انْتَهى. فِي تَخْرِيجِهِ تَعارُضٌ؛ لِأنَّهُ قالَ أيْ: إلّا هَذا القَوْلَ، فَظاهِرُهُ الجُمْلَةُ الَّتِي هي ﴿إنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾، ثُمَّ قالَ: وهو أنْ أقُولَ لَكم إنِّي نَذِيرٌ، فالمَقامُ مَقامُ الفاعِلِ هو أنْ أقُولَ لَكم، وأنْ وما بَعْدَهُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، وعَلى قَوْلِهِ: إلّا هَذا القَوْلَ، يَكُونُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ فَيَتَعارَضا. وتَقَدَّمَ أنَّ (إذْ قالَ) بَدَلٌ مِن ﴿إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ هَذا إذا كانَتِ الخُصُومَةُ في شَأْنِ مَن يُسْتَخْلَفُ في الأرْضِ، وعَلى غَيْرِهِ مِنَ الأقْوالِ يَكُونُ مَنصُوبًا بِاذْكُرْ. ولَمّا كانَتْ قُرَيْشٌ، خالَفُوا الرَّسُولَ، - عَلَيْهِ السَّلامُ -، بِسَبَبِ الحَسَدِ والكِبْرِ. ذَكَرَ حالَ إبْلِيسَ، حَيْثُ خالَفَ أمْرَ اللَّهِ بِسَبَبِ الحَسَدِ والكِبْرِ وما آلَ إلَيْهِ مِنَ اللَّعْنَةِ والطَّرْدِ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ، لِيَزْدَجِرَ عَنْ ذَلِكَ مَن فِيهِ شَيْءٌ مِنهُما. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ صَحَّ أنْ يَقُولَ لَهم: ﴿إنِّي خالِقٌ بَشَرًا﴾، وما عَرَفُوا ما البَشَرُ ولا عَهِدُوا بِهِ قَبْلُ ؟ (قُلْتُ): وجْهُهُ أنْ يَكُونَ قَدْ قالَ لَهم: إنِّي خالِقٌ خَلْقًا مِن صِفَةِ كَيْتَ وكَيْتَ، ولَكِنَّهُ حِينَ حَكاهُ اقْتَصَرَ عَلى الِاسْمِ. انْتَهى. والبَشَرُ هو آدَمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وذَكَرَ هُنا أنَّهُ خَلَقَهُ مِن طِينٍ، وفي آلِ عِمْرانَ: ﴿خَلَقَهُ مِن تُرابٍ﴾ [آل عمران: ٥٩]، وفي الحِجْرِ: ﴿مِن صَلْصالٍ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ [الحجر: ٢٦]، وفي الأنْبِياءِ: ﴿مِن عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧]؛ ولا مُنافاةَ في تِلْكَ المادَّةِ البَعِيدَةِ، وهي التُّرابُ، ثُمَّ ما يَلِيهِ وهو الطِّينُ، ثُمَّ ما يَلِيهِ وهو الحَمَأُ المَسْنُونُ، ثُمَّ المادَّةُ تَلِي الحَمَأ وهو الصَّلْصالُ؛ وأمّا ﴿مِن عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧] فَمَضى تَفْسِيرُهُ. ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ ﴿فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلُّهم أجْمَعُونَ﴾ ﴿إلّا إبْلِيسَ﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذا في الحِجْرِ، وهُنا ﴿اسْتَكْبَرَ وكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾، (p-٤١٠)وفِي البَقَرَةِ: ﴿أبى واسْتَكْبَرَ وكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ [البقرة: ٣٤]، وفي الأعْرافِ: ﴿لَمْ يَكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ﴾ [الأعراف: ١١]، وفي الحِجْرِ: ﴿أبى أنْ يَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٣١]، وفي الإسْراءِ: ﴿قالَ أأسْجُدُ لِمَن خَلَقْتَ طِينًا﴾ [الإسراء: ٦١]، وفي الكَهْفِ: ﴿كانَ مِنَ الجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ٥٠] . والِاسْتِثْناءُ في جَمِيعِ هَذِهِ الآياتِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمْ يَسْجُدْ، فَتارَةً أكَّدَ بِالنَّفْيِّ المَحْضِ، وتارَةً ذَكَرَ إبايَتَهُ عَنِ السُّجُودِ، وهي الأنَفَةُ مِن ذَلِكَ، وتارَةً نَصَّ عَلى أنَّ ذَلِكَ الِامْتِناعَ كانَ سَبَبُهُ الِاسْتِكْبارَ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ أُرِيدَ بِهِ كُفْرُهُ ذَلِكَ الوَقْتَ، وإنْ لَمْ يَكُنْ قَبْلَهُ كافِرًا؛ وعُطِفَ عَلى اسْتَكْبَرَ، فَقَوِيَ ذَلِكَ؛ لِأنَّ الِاسْتِكْبارَ عَنِ السُّجُودِ إنَّما حَصَلَ لَهُ وقْتَ الأمْرِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إخْبارًا مِنهُ بِسَبْقِ كُفْرِهِ في الأزْمِنَةِ الماضِيَةِ في عِلْمِ اللَّهِ. ﴿قالَ يا إبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ﴾، وفي الأعْرافِ: ﴿ما مَنَعَكَ ألّا تَسْجُدَ﴾ [الأعراف: ١٢]، فَدَلَّ أنْ تَسْجُدَ هُنا، عَلى أنَّ لا في ﴿أنْ لا أقُولَ﴾ [الأعراف: ١٠٥] زائِدَةٌ، والمَعْنى أيْضًا يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ لا يَسْتَفْهِمُ إلّا عَنِ المانِعِ مِنَ السُّجُودِ، وهو اسْتِفْهامُ تَقْرِيرٍ وتَوْبِيخٍ. وما في ﴿لِما خَلَقْتُ﴾، اسْتَدَلَّ بِها مَن يُجِيزُ إطْلاقَ ما عَلى آحادِ مَن يَعْقِلُ، وأوَّلَ بِأنَّ ما مَصْدَرِيَّةٌ، والمَصْدَرُ يُرادُ بِهِ المَخْلُوقُ، لا حَقِيقَةُ المَصْدَرِ. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ: (لَمّا) بِفَتْحِ اللّامِ وتَشْدِيدِ المِيمِ، ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾، عَلى الإفْرادِ؛ والجُمْهُورُ: عَلى التَّثْنِيَةِ؛ وقُرِئَ ﴿بِيَدَيَّ﴾ كَقِراءَةِ ﴿بِمُصْرِخِيَّ﴾ [إبراهيم: ٢٢]؛ وقالَ تَعالى: ﴿مِمّا عَمِلَتْ أيْدِينا﴾ [يس: ٧١] بِالجَمْعِ، وكُلُّها عِبارَةٌ عَنِ القُدْرَةِ والقُوَّةِ، وعَبَّرَ بِاليَدِ، إذْ كانَ عِنْدَ البَشَرِ مُعْتادًا أنَّ البَطْشَ والقُوَّةَ بِاليَدِ. وذَهَبَ القاضِي أبُو بَكْرِ بْنُ الطَّيِّبِ إلى أنَّ اليَدَ صِفَةُ ذاتٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهو قَوْلٌ مَرْغُوبٌ عَنْهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (أسْتَكْبَرْتَ)، بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، فَأمْ مُتَّصِلَةٌ عادَلَتِ الهَمْزَةَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ النَّحْوِيِّينَ إلى أنَّ أمْ لا تَكُونُ مُعادِلَةً لِلْألِفِ مَعَ اخْتِلافِ الفِعْلَيْنِ، وإنَّما تَكُونُ مُعادِلَةً إذا دَخَلَتا عَلى فِعْلٍ واحِدٍ، كَقَوْلِكَ: أزَيْدٌ قامَ أمْ عَمْرٌو ؟ وقَوْلُكَ: أقامَ زَيْدٌ أمْ عَمْرٌو ؟ فَإذا اخْتَلَفَ الفِعْلانِ كَهَذِهِ الآيَةِ، فَلَيْسَتْ مُعادِلَةً. ومَعْنى الآيَةِ: أحَدَثَ لَكَ الِاسْتِكْبارُ الآنَ، أمْ كُنْتَ قَدِيمًا مِمَّنْ لا يَلِيقُ أنْ تُكَلَّفَ مِثْلَ هَذا لِعُلُوِّ مَكانِكَ ؟ وهَذا عَلى جِهَةِ التَّوْبِيخِ. انْتَهى. وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ النَّحْوِيِّينَ مَذْهَبٌ غَيْرُ صَحِيحٍ. قالَ سِيبَوَيْهِ: وتَقُولُ أضْرَبْتَ زَيْدًا أمْ قَتَلْتَهُ فالبَدْءُ هُنا بِالفِعْلِ أحْسَنُ؛ لِأنَّكَ إنَّما تَسْألُ عَنْ أحَدِهِما، لا تَدْرِي أيُّهُما كانَ، ولا تَسْألُ عَنْ مَوْضِعِ أحَدِهِما، كَأنَّكَ قُلْتَ: أيُّ ذَلِكَ كانَ ؟ انْتَهى. فَعادَلَ بِأمِ الألِفَ مَعَ اخْتِلافِ الفِعْلَيْنِ. ﴿مِنَ العالِينَ﴾: مِمَّنْ عَلَوْتَ وفُقْتَ. فَأجابَ بِأنَّهُ مِنَ العالِينَ، حَيْثُ قالَ ﴿أنا خَيْرٌ مِنهُ﴾ . وقِيلَ: أسْتَكْبَرْتَ الآنَ، أوْ لَمْ تَزَلْ مُذْ كُنْتَ مِنَ المُسْتَكْبِرِينَ ؟ ومَعْنى الهَمْزَةِ: التَّقْرِيرُ. انْتَهى. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ، مِنهُمُ ابْنُ كَثِيرٍ وغَيْرُهُ: (اسْتَكْبَرْتَ)، بِصِلَةِ الألِفِ، وهي قِراءَةُ أهْلِ مَكَّةَ، ولَيْسَتْ في مَشْهُورِ ابْنِ كَثِيرٍ، فاحْتُمِلَ أنْ تَكُونَ هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ حُذِفَتْ لِدَلالَةِ أمْ عَلَيْها، كَقَوْلِهِ: ؎بِسَبْعٍ رَمَيْنَ الجَمْرَ أمْ بِثَمانِ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ إخْبارًا خاطَبَهُ بِذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّقْرِيعِ، وأمْ تَكُونُ مُنْقَطِعَةً، والمَعْنى: بَلْ أنْتَ مِنَ العالِينَ عِنْدَ نَفْسِكَ اسْتِخْفافًا بِهِ. ﴿قالَ أنا خَيْرٌ مِنهُ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ذَلِكَ في الأعْرافِ. ﴿قالَ فاخْرُجْ مِنها﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مِثْلِ ذَلِكَ في الحِجْرِ، إلّا أنَّ هُنا ﴿لَعْنَتِي﴾ وهُناكَ (اللَّعْنَةُ) أعَمُّ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ ويَلْعَنُهُمُ اللّاعِنُونَ﴾ [البقرة: ١٥٩] وأمّا بِالإضافَةِ، فالعُمُومُ في اللَّعْنَةِ أعَمُّ، واللَّعَناتُ إنَّما تَحْصُلُ مِن جِهَةِ أنَّ مَن عَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ كانَتْ عَلَيْهِ لَعْنَةُ كُلِّ لاعِنٍ، هَذا مِن جِهَةِ المَعْنى، وأمّا بِاللَّفْظِ فَيَقْتَضِي التَّخْصِيصَ. ﴿قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ﴾: أقْسَمَ إبْلِيسُ هُنا بِعِزَّةِ اللَّهِ، وقالَ في الأعْرافِ: ﴿فَبِما أغْوَيْتَنِي لَأقْعُدَنَّ﴾ [الأعراف: ١٦]، وفي الحِجْرِ: ﴿رَبِّ بِما أغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ﴾ [الحجر: ٣٩] . وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِما في مَوْضِعِهِما، وإنَّ مِنَ المُفَسِّرِينَ مَن قالَ: إنَّ الباءَ في: ﴿بِما أغْوَيْتَنِي﴾ [الحجر: ٣٩] وفي: ﴿فَبِما أغْوَيْتَنِي﴾ [الأعراف: ١٦] لَيْسَتْ باءَ القَسَمِ. فَإنْ كانَتْ باءَ القَسَمِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ في مَوْطِنَيْنِ: فَهُنا: ﴿لَأُغْوِيَنَّهُمْ﴾، وفي الأعْرافِ: ﴿لَأقْعُدَنَّ﴾ [الأعراف: ١٦]، وفي الحِجْرِ: ﴿لَأُزَيِّنَنَّ﴾ [الحجر: ٣٩] . (p-٤١١)وقَرَأ الجُمْهُورُ: (فالحَقَّ والحَقَّ) بِنَصْبِهِما. أمّا الأوَّلُ فَمُقْسَمٌ بِهِ، حُذِفَ مِنهُ الحَرْفُ كَقَوْلِهِ: (أمانَةَ اللَّهِ لَأقُومَنَّ)، والمُقْسَمُ عَلَيْهِ (لَأمْلَأنَّ) . ﴿والحَقَّ أقُولُ﴾: اعْتِراضٌ بَيْنَ القَسَمِ وجَوابِهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومَعْناهُ: ولا أقُولُ إلّا الحَقَّ. انْتَهى؛ لِأنَّ عِنْدَهُ تَقُدُّمَ المَفْعُولِ يُفِيدُ الحَصْرَ. والحَقُّ المُقْسَمُ بِهِ إمّا اسْمُهُ تَعالى الَّذِي في قَوْلِهِ: ﴿أنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ المُبِينُ﴾ [النور: ٢٥]، أوِ الَّذِي هو نَقِيضُ الباطِلِ. وقِيلَ: ﴿فالحَقُّ﴾ مَنصُوبٌ عَلى الإغْراءِ، أيْ: فالزَمُوا الحَقَّ، و(لَأمْلَأنَّ): جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ. وقالَ الفَرّاءُ: هو عَلى مَعْنى قَوْلِكَ: حَقًّا لا شَكَّ، ووُجُودُ الألِفِ واللّامِ وطَرْحُهُما سَواءٌ، أيْ: لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ حَقًّا. انْتَهى. وهَذا المَصْدَرُ الجائِي تَوْكِيدًا لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ، لا يَجُوزُ تَقْدِيمُهُ عِنْدَ جُمْهُورِ النُّحاةِ، وذَلِكَ مَخْصُوصٌ بِالجُمْلَةِ الَّتِي جُزْآها مَعْرِفَتانِ جامِدَتانِ جُمُودًا مَحْضًا. وقالَ صاحِبُ البَسِيطِ: وقَدْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخَبَرُ نَكِرَةً، قالَ: والمُبْتَدَأُ يَكُونُ ضَمِيرًا نَحْوَ: هو زَيْدٌ مَعْرُوفًا، وهو الحَقُّ بَيِّنًا، وأنا الأمِيرُ مُفْتَخِرًا؛ ويَكُونُ ظاهِرًا كَقَوْلِكَ: زِيدٌ أبُوكَ عَطُوفًا، وأخُوكَ زَيْدٌ مَعْرُوفًا. انْتَهى. وقالَتِ العَرَبُ: زَيْدٌ قائِمٌ غَيْرَ ذِي شَكٍّ، فَجاءَتِ الحالُ بَعْدَ جُمْلَةٍ، والخَبَرُ نَكِرَةً، وهي حالٌ مُؤَكِّدَةٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ، وكَأنَّ الفَرّاءَ لَمْ يَشْتَرِطْ هَذا الَّذِي ذَكَرَهُ أصْحابُنا مِن كَوْنِ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ مَعْرُوفَيْنِ جامِدَيْنِ؛ لِأنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ تَأْكِيدِ مَضْمُونِ الجُمْلَةِ الِابْتِدائِيَّةِ وبَيْنَ تَأْكِيدِ الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ. وقِيلَ: التَّقْدِيرُ فالحَقُّ الحَقُّ، أيْ أفْعَلُهُ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والأعْمَشُ: بِالرَّفْعِ فِيهِما، فالأوَّلُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، قِيلَ: تَقْدِيرُهُ فالحَقُّ أنا، وقِيلَ: فالحَقُّ مِنِّي، وقِيلَ: تَقْدِيرُهُ فالحَقُّ قَسَمِي، وحُذِفَ كَما حُذِفَ في: لَعَمْرُكَ لَأقُومَنَّ، وفي: يَمِينُ اللَّهِ أبْرَحُ قاعِدًا، أيْ لَعَمْرُكَ قَسَمِي ويَمِينُ اللَّهِ قَسَمِي، وهَذِهِ الجُمْلَةُ هي جُمْلَةُ القَسَمِ، وجَوابُهُ: لَأمْلَأنَّ. وأمّا (والحَقُّ أقُولُ) فَمُبْتَدَأٌ أيْضًا، خَبَرُهُ الجُمْلَةُ، وحُذِفَ العائِدُ، كَقِراءَةِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿وكُلًّا وعَدَ اللَّهُ الحُسْنى﴾ [النساء: ٩٥] . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أمّا الأوَّلُ فَرُفِعَ عَلى الِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ في قَوْلِهِ: ﴿لَأمْلَأنَّ﴾؛ لِأنَّ المَعْنى: أنْ أمْلَأ. انْتَهى. وهَذا لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّ لَأمْلَأنَّ جَوابُ قَسَمٍ، ويَجِبُ أنْ يَكُونَ جُمْلَةً، فَلا يَتَقَدَّرُ بِمُفْرَدٍ. وأيْضًا لَيْسَ مَصْدَرًا مُقَدَّرًا بِحَرْفٍ مَصْدَرِيٍّ والفِعْلِ حَتّى يَنْحَلَّ إلَيْهِما، ولَكِنَّهُ لَمّا صَحَّ لَهُ إسْنادُ ما قُدِّرَ إلى المُبْتَدَأِ حُكِمَ أنَّهُ خَبَرٌ عَنْهُ. وقَرَأ الحَسَنُ، وعِيسى، و عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي حَمّادٍ عَنْ أبِي بَكْرٍ: بِجَرِّهِمْ، ويَخْرُجُ عَلى أنَّ الأوَّلَ مَجْرُورٌ بِواوِ القَسَمِ مَحْذُوفَةً، تَقْدِيرُهُ: فَوالحَقِّ، والحَقِّ مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ، كَما تَقُولُ: واللَّهِ واللَّهِ لَأقُومَنَّ، و(أقُولُ) اعْتِراضٌ بَيْنَ القَسَمِ وجَوابِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿والحَقَّ أقُولُ﴾: أيْ: ولا أقُولُ إلّا الحَقَّ عَلى حِكايَةِ لَفْظِ المُقْسَمَ بِهِ، ومَعْناهُ التَّوْكِيدُ والتَّسْدِيدُ، وهَذا الوَجْهُ جائِزٌ في المَنصُوبِ والمَرْفُوعِ، وهو وجْهٌ دَقِيقٌ حَسَنٌ. انْتَهى. ومُلَخَّصُهُ أنَّهُ أعْمَلَ القَوْلَ في لَفْظِ المُقْسَمِ بِهِ عَلى سَبِيلِ الحِكايَةِ نَصْبًا أوْ رَفْعًا أوْ جَرًّا. وقَرَأ مُجاهِدٌ، والأعْمَشُ: بِخِلافٍ عَنْهُما؛ وأبانُ بْنُ تَغْلَبَ، وطَلْحَةُ في رِوايَةٍ، وحَمْزَةُ، وعاصِمٌ، عَنِ المُفَضَّلِ، وخَلَفٍ، والعَبْسِيِّ: بِرَفْعِ ﴿فالحَقُّ﴾ ونَصْبِ ﴿والحَقَّ﴾، وتَقَدَّمَ إعْرابُهُما. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: (أجْمَعِينَ) تَأْكِيدٌ لِلْمُحَدَّثِ عَنْهُ والمَعْطُوفُ عَلَيْهِ، وهو ضَمِيرُ إبْلِيسَ ومَن عُطِفَ عَلَيْهِ، أيْ مِنكَ ومِن تابِعِيكِ أجْمَعِينَ. وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ أجْمَعِينَ تَأْكِيدًا لِلضَّمِيرِ الَّذِي في مِنهم، مُقَدَّرٌ، لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الشَّياطِينِ ومِمَّنْ تَبِعَهم مِن جَمِيعِ النّاسِ، لا تَفاوُتَ في ذَلِكَ بَيْنَ ناسٍ وناسٍ بَعْدَ وُجُودِ الأتْباعِ مِنهم مِن أوْلادِ الأنْبِياءِ وغَيْرِهِمْ. انْتَهى. والضَّمِيرُ في (عَلَيْهِ) عائِدٌ عَلى القُرْآنِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقِيلَ: عائِدٌ عَلى الوَحْيِ. وقِيلَ: عَلى الدُّعاءِ إلى اللَّهِ. ﴿وما أنا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ﴾: أيِ المُتَصَنِّعِينَ المُتَحَلِّينَ بِما لَيْسُوا مِن أهْلِهِ، فَأنْتَحَلُ النُّبُوَّةَ والقَوْلَ عَلى اللَّهِ. (إنْ هو) أيِ: القُرْآنُ، ﴿إلّا ذِكْرٌ﴾: أيْ: مِنَ اللَّهِ، ﴿لِلْعالَمِينَ﴾: الثَّقَلَيْنِ الإنْسِ والجِنِّ. ﴿ولَتَعْلَمُنَّ نَبَأهُ﴾: أيْ عاقِبَةَ خَبَرِهِ لِمَن آمَنَ بِهِ ومَن أعْرَضَ عَنْهُ، ﴿بَعْدَ حِينٍ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ وابْنُ زَيْدٍ: يَعْنِي يَوْمَ القِيامَةِ. وقالَ قَتادَةُ، والفَرّاءُ، والزَّجّاجُ: بَعْدَ المَوْتِ. وكانَ الحَسَنُ يَقُولُ: يا ابْنَ آدَمَ، عِنْدَ المَوْتِ (p-٤١٢)يَأْتِيكَ الخَبَرُ اليَقِينُ. وقِيلَ: المَعْنى لَيَظْهَرَنَّ لَكم حَقِيقَةُ ما أقُولُ. ﴿بَعْدَ حِينٍ﴾ أيْ: في المُسْتَأْنَفِ، إذا أخَذَتْكم سُيُوفُ المُسْلِمِينَ، وذَلِكَ يَوْمَ بَدْرٍ، وأشارَ إلى ذَلِكَ السُّدِّيُّ. * * سُورَةُ الزُّمَرِ خَمْسٌ وسَبْعُونَ آيَةً، مَكِّيَّةٌ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ [الزمر: ١] ﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ فاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر: ٢] ﴿ألا لِلَّهِ الدِّينُ الخالِصُ والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى إنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهم في ما هم فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن هو كاذِبٌ كَفّارٌ﴾ [الزمر: ٣] ﴿لَوْ أرادَ اللَّهُ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا لاصْطَفى مِمّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ سُبْحانَهُ هو اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ [الزمر: ٤] ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلى النَّهارِ ويُكَوِّرُ النَّهارَ عَلى اللَّيْلِ وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأجَلٍ مُسَمًّى ألا هو العَزِيزُ الغَفّارُ﴾ [الزمر: ٥] ﴿خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنها زَوْجَها وأنْزَلَ لَكم مِنَ الأنْعامِ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ يَخْلُقُكم في بُطُونِ أُمَّهاتِكم خَلْقًا مِن بَعْدِ خَلْقٍ في ظُلُماتٍ ثَلاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم لَهُ المُلْكُ لا إلَهَ إلّا هو فَأنّى تُصْرَفُونَ﴾ [الزمر: ٦] ﴿إنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكم ولا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ وإنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكم ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ثُمَّ إلى رَبِّكم مَرْجِعُكم فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ [الزمر: ٧] ﴿وإذا مَسَّ الإنْسانَ ضُرٌّ دَعا رَبَّهُ مُنِيبًا إلَيْهِ ثُمَّ إذا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنهُ نَسِيَ ما كانَ يَدْعُو إلَيْهِ مِن قَبْلُ وجَعَلَ لِلَّهِ أنْدادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إنَّكَ مِن أصْحابِ النّارِ﴾ [الزمر: ٨] ﴿أمْ مَن هو قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِدًا وقائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ ويَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبابِ﴾ [الزمر: ٩] ﴿قُلْ يا عِبادِي الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكم لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وأرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ إنَّما يُوَفّى الصّابِرُونَ أجْرَهم بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ [الزمر: ١٠] ﴿قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر: ١١] ﴿وأُمِرْتُ لِأنْ أكُونَ أوَّلَ المُسْلِمِينَ﴾ [الزمر: ١٢] ﴿قُلْ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الزمر: ١٣] ﴿قُلِ اللَّهَ أعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ [الزمر: ١٤] ﴿فاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِن دُونِهِ قُلْ إنَّ الخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ ألا ذَلِكَ هو الخُسْرانُ المُبِينُ﴾ [الزمر: ١٥] ﴿لَهم مِن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النّارِ ومِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ يا عِبادِ فاتَّقُونِ﴾ [الزمر: ١٦] ﴿والَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ أنْ يَعْبُدُوها وأنابُوا إلى اللَّهِ لَهُمُ البُشْرى فَبَشِّرْ عِبادِي﴾ [الزمر: ١٧] ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وأُولَئِكَ هم أُولُو الألْبابِ﴾ [الزمر: ١٨] ﴿أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ أفَأنْتَ تُنْقِذُ مَن في النّارِ﴾ [الزمر: ١٩] ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم لَهم غُرَفٌ مِن فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ وعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ المِيعادَ﴾ [الزمر: ٢٠] ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ في الأرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا ألْوانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطامًا إنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرى لِأُولِي الألْبابِ﴾ [الزمر: ٢١] ﴿أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ فَهو عَلى نُورٍ مِن رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهم مِن ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الزمر: ٢٢] ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ كِتابًا مُتَشابِهًا مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهم وقُلُوبُهم إلى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشاءُ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ [الزمر: ٢٣] ﴿أفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ وقِيلَ لِلظّالِمِينَ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ [الزمر: ٢٤] ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأتاهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ [الزمر: ٢٥] ﴿فَأذاقَهُمُ اللَّهُ الخِزْيَ في الحَياةِ الدُّنْيا ولَعَذابُ الآخِرَةِ أكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٢٦] ﴿ولَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ [الزمر: ٢٧] ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ [الزمر: ٢٨] ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ ورَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا الحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٢٩] ﴿إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهم مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠] ﴿ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكم تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر: ٣١] . (p-٤١٣)التَّكْوِيرُ: اللَّفُّ واللَّيُّ، يُقالُ: كارَ العِمامَةَ عَلى رَأْسِهِ وكَوَّرَها. خَوَّلَهُ النِّعْمَةَ أيْ: أعْطاهُ ابْتِداءً مِن غَيْرِ مُجازاةٍ، ولا يُقالُ في الجَزاءِ خَوَّلَ. قالَ زُهَيْرٌ: ؎هُنالِكَ إنْ يُسْتَخْوَلُوا المالَ يُخَوَّلُوا ويُرْوى: يُسْتَخْيَلُوا المالَ يُخَيَّلُوا وقالَ أبُو النَّجْمِ: ؎أعْطى فَلَمْ يَبْخَلْ ولَمْ يُبَخِّلْ ∗∗∗ كَوْمَ الذُّرى مِن خَوَلِ المَخْوِلِ هاجَ الزَّرْعُ: ثارَ مِن مَنابِتِهِ، وقِيلَ: يَبِسَ. الحُطامُ: الفُتاتُ بَعْدَ يُبْسِهِ. القُشَعْرِيرَةُ: تَقَبُّضُ الجِلْدِ، يُقالُ: اقْشَعَرَّ جِلْدُهُ مِنَ الخَوْفِ: وقَفَ شَعْرُهُ، وهو مَثَلٌ في شِدَّةِ الخَوْفِ. الشِّكاسَةُ: سُوءُ الخُلُقِ وعُسْرُهُ.

ص 38:82

﴿قُلْ هو نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿أنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ ﴿ما كانَ لِيَ مِن عِلْمٍ بِالمَلَإ الأعْلى إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ ﴿إنْ يُوحى إلَيَّ إلّا أنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿إذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ﴾ ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ ﴿فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلُّهم أجْمَعُونَ﴾ ﴿إلّا إبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ ﴿قالَ يا إبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أأسْتَكْبَرْتَ أمْ كُنْتَ مِنَ العالِينَ﴾ ﴿قالَ أنا خَيْرٌ مِنهُ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ ﴿قالَ فاخْرُجْ مِنها فَإنَّكَ رَجِيمٌ﴾ ﴿وإنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إلى يَوْمِ الدِّينِ﴾ ﴿قالَ رَبِّ فَأنْظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ﴿قالَ فَإنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ ﴿إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ﴾ ﴿قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلّا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ ﴿قالَ فالحَقُّ والحَقَّ أقُولُ﴾ ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ ومِمَّنْ تَبِعَكَ مِنهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿قُلْ ما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ وما أنا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ﴾ ﴿إنْ هو إلّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ ﴿ولَتَعْلَمُنَّ نَبَأهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ . الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ هو نَبَأٌ﴾ يَعُودُ عَلى ما أخْبَرَ بِهِ مِن كَوْنِهِ رَسُولًا مُنْذِرًا داعِيًا إلى اللَّهِ، وأنَّهُ تَعالى هو المُنْفَرِدُ بِالأُلُوهِيَّةِ، المُتَّصِفُ بِتِلْكَ الأوْصافِ مِنَ الوَحْدانِيَّةِ والقَهْرِ ومُلْكِ العالَمِ وعِزَّتِهِ وغُفْرانِهِ، وهو خَبَرٌ عَظِيمٌ لا يُعْرِضُ عَنْ مِثْلِهِ إلّا غافِلٌ شَدِيدُ الغَفْلَةِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: النَّبَأُ العَظِيمُ: القُرْآنُ. وقالَ الحَسَنُ: يَوْمُ القِيامَةِ. وقِيلَ: قَصَصُ آدَمَ والإنْباءُ بِهِ مِن غَيْرِ سَماعٍ مِن أحَدٍ. وقالَ صاحِبُ التَّحْرِيرِ: سِياقُ الآيَةِ وظاهِرُها أنَّهُ يُرِيدُ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ هو نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾، ما قَصَّهُ اللَّهُ تَعالى مِن مُناظَرَةِ أهْلِ النّارِ ومُقاوَلَةِ الأتْباعِ مَعَ السّاداتِ؛ لِأنَّهُ مِن أحْوالِ البَعْثِ، وقُرَيْشٌ كانْتَ تُنْكِرُ البَعْثَ والحِسابَ والعِقابَ، وهم عَنْ ذَلِكَ مُعْرِضُونَ. وقَوْلُهُ: ﴿ما كانَ لِيَ مِن عِلْمٍ بِالمَلَإ الأعْلى إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾: احْتِجاجٌ عَلى قُرَيْشٍ بِأنَّ ما جاءَ بِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ لا مِن قِبَلِ نَفْسِهِ. فَإنَّ مَن في الأرْضِ ما لَهُ عِلْمٌ بِمَن في السَّماءِ إلّا بِإعْلامِ اللَّهِ تَعالى؛ وعِلْمُ المُغَيَّباتِ لا يُوصَلُ إلَيْهِ إلّا (p-٤٠٩)بِإعْلامِ اللَّهِ تَعالى، وعِلْمُهُ بِأحْوالِ أهْلِ النّارِ، وابْتِداءِ خَلْقِ آدَمَ لَمْ يَكُنْ عَنْهُ عِلْمٌ بِذَلِكَ؛ فَإخْبارُهُ بِذَلِكَ هو بِإعْلامِ اللَّهِ، والِاسْتِدْلالُ بِقِصَّةِ آدَمَ؛ لِأنَّهُ أوَّلُ البَشَرِ خَلْقًا، وبَيْنَهُ وبَيْنَ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أزْمانٌ مُتَقادِمَةٌ وقُرُونٌ سالِفَةٌ. انْتَهى، وفي آخِرِهِ بَعْضُ اخْتِصارٍ. ثُمَّ احْتَجَّ بِصِحَّةِ نُبُوَّتِهِ، بِأنَّ ما يُنْبِئُ بِهِ عَنِ المَلَأِ الأعْلى واخْتِصامِهِمْ أمْرٌ لَمْ يَكُنْ لَهُ بِهِ مِن عِلْمٍ قَطُّ. ثُمَّ عَلِمَهُ مِن غَيْرِ الطَّرِيقِ الَّذِي يَسْلُكُهُ المُتَعَلِّمُونَ، بَلْ ذَلِكَ مُسْتَفادٌ مِنَ الوَحْيِ، و(بِالمَلَأِ) مُتَعَلِّقٌ بِـ (عِلْمٍ)، و(إذْ) مَنصُوبٌ بِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بِمَحْذُوفٍ؛ لِأنَّ المَعْنى: ما كانَ لِي مِن عِلْمٍ بِكَلامِ المَلَأِ الأعْلى وقْتَ اخْتِصامِهِمْ. (وإذْ قالَ) بَدَلٌ مِن ﴿إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ عَلى المَلَأِ الأعْلى، وهُمُ المَلائِكَةُ، وأبْعَدَ مَن قالَ إنَّهم قُرَيْشٌ، واخْتِصامُ المَلائِكَةِ في أمْرِ آدَمَ وذُرِّيَّتِهِ في جَعْلِهِمْ في الأرْضِ. وقالُوا: ﴿أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها﴾ [البقرة: ٣٠] . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وقالَ الحَسَنُ: إنَّ اللَّهَ خالِقٌ خَلْقًا كُنّا أكْرَمَ مِنهُ وأعْلَمَ. وقِيلَ: في الكَفّاراتِ وغَفْرِ الذُّنُوبِ، فَإنَّ العَبْدَ إذا عَمِلَ حَسَنَةً اخْتَلَفَتِ المَلائِكَةُ في قَدْرِ ثَوابِهِ في ذَلِكَ حَتّى يَقْضِيَ اللَّهُ بِما يَشاءُ. وفي الحَدِيثِ: ”«قالَ لَهُ رَبُّهُ في نَوْمِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: فِيمَ يَخْتَصِمُونَ ؟ فَقُلْتُ: لا أدْرِي، فَقالَ: في الكَفّاراتِ، وفي إسْباغِ الوُضُوءِ في السَّرّاتِ، ونَقْلِ الخُطا إلى الجَماعاتِ“» . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كانَتْ مُقاوَلَةُ اللَّهِ سُبْحانَهُ بِواسِطَةِ مَلَكٍ، وكانَ المُقاوِلُ في الحَقِيقَةِ هو المَلَكُ المُتَوَسِّطُ، فَيَصِحُّ أنَّ التَّقاوُلَ بَيْنَ المَلائِكَةِ وآدَمَ وإبْلِيسَ، وهُمُ المَلَأُ الأعْلى. والمُرادُ بِالِاخْتِصامِ: التَّقاوُلُ. وقِيلَ: المَلَأُ الأعْلى: المَلائِكَةُ، و﴿إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ الضَّمِيرُ فِيهِ لِلْعَرَبِ الكافِرِينَ، فَبَعْضُهم يَقُولُ: هي بَناتُ اللَّهِ، وبَعْضُهم: آلِهَةٌ تُعْبَدُ، وغَيْرُ ذَلِكَ مِن أقْوالِهِمْ. ﴿إنْ يُوحى إلَيَّ﴾ أيْ: ما يُوحى إلَيَّ، ﴿إلّا أنَّما أنا نَذِيرٌ﴾ أيْ: لِلْإنْذارِ، حَذَفَ اللّامَ ووَصَلَ الفِعْلَ والمَفْعُولَ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرًا يَدُلُّ عَلَيْهِ المَعْنى، أيْ: إنْ يُوحى إلَيَّ هو، أيْ: ما يُوحى إلّا الإنْذارُ، وأُقِيمَ إلِيَّ مَقامَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ إنَّما هو المَفْعُولُ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، أيْ: ما يُوحى إلَيَّ إلّا الإنْذارُ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: (إلّا إنَّما) بِكَسْرِ هَمْزَةِ إنَّما عَلى الحِكايَةِ، أيْ: ما يُوحى إلَيَّ إلّا هَذِهِ الجُمْلَةُ، كَأنْ قِيلَ لَهُ: أنْتَ نَذِيرٌ مُبِينٌ، فَحَكى هو المَعْنى، وهَذا كَما يَقُولُ الإنْسانُ: أنا عالِمٌ، فَيُقالُ لَهُ: قُلْتَ إنَّكَ عالِمٌ، فَيُحْكى المَعْنى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقُرِئَ إنَّما بِالكَسْرِ عَلى الحِكايَةِ، أيْ: إلّا هَذا القَوْلُ، وهو أنْ أقُولَ لَكم ﴿إنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾، فَلا أدَّعِي شَيْئًا آخَرَ. انْتَهى. فِي تَخْرِيجِهِ تَعارُضٌ؛ لِأنَّهُ قالَ أيْ: إلّا هَذا القَوْلَ، فَظاهِرُهُ الجُمْلَةُ الَّتِي هي ﴿إنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾، ثُمَّ قالَ: وهو أنْ أقُولَ لَكم إنِّي نَذِيرٌ، فالمَقامُ مَقامُ الفاعِلِ هو أنْ أقُولَ لَكم، وأنْ وما بَعْدَهُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، وعَلى قَوْلِهِ: إلّا هَذا القَوْلَ، يَكُونُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ فَيَتَعارَضا. وتَقَدَّمَ أنَّ (إذْ قالَ) بَدَلٌ مِن ﴿إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ هَذا إذا كانَتِ الخُصُومَةُ في شَأْنِ مَن يُسْتَخْلَفُ في الأرْضِ، وعَلى غَيْرِهِ مِنَ الأقْوالِ يَكُونُ مَنصُوبًا بِاذْكُرْ. ولَمّا كانَتْ قُرَيْشٌ، خالَفُوا الرَّسُولَ، - عَلَيْهِ السَّلامُ -، بِسَبَبِ الحَسَدِ والكِبْرِ. ذَكَرَ حالَ إبْلِيسَ، حَيْثُ خالَفَ أمْرَ اللَّهِ بِسَبَبِ الحَسَدِ والكِبْرِ وما آلَ إلَيْهِ مِنَ اللَّعْنَةِ والطَّرْدِ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ، لِيَزْدَجِرَ عَنْ ذَلِكَ مَن فِيهِ شَيْءٌ مِنهُما. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ صَحَّ أنْ يَقُولَ لَهم: ﴿إنِّي خالِقٌ بَشَرًا﴾، وما عَرَفُوا ما البَشَرُ ولا عَهِدُوا بِهِ قَبْلُ ؟ (قُلْتُ): وجْهُهُ أنْ يَكُونَ قَدْ قالَ لَهم: إنِّي خالِقٌ خَلْقًا مِن صِفَةِ كَيْتَ وكَيْتَ، ولَكِنَّهُ حِينَ حَكاهُ اقْتَصَرَ عَلى الِاسْمِ. انْتَهى. والبَشَرُ هو آدَمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وذَكَرَ هُنا أنَّهُ خَلَقَهُ مِن طِينٍ، وفي آلِ عِمْرانَ: ﴿خَلَقَهُ مِن تُرابٍ﴾ [آل عمران: ٥٩]، وفي الحِجْرِ: ﴿مِن صَلْصالٍ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ [الحجر: ٢٦]، وفي الأنْبِياءِ: ﴿مِن عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧]؛ ولا مُنافاةَ في تِلْكَ المادَّةِ البَعِيدَةِ، وهي التُّرابُ، ثُمَّ ما يَلِيهِ وهو الطِّينُ، ثُمَّ ما يَلِيهِ وهو الحَمَأُ المَسْنُونُ، ثُمَّ المادَّةُ تَلِي الحَمَأ وهو الصَّلْصالُ؛ وأمّا ﴿مِن عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧] فَمَضى تَفْسِيرُهُ. ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ ﴿فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلُّهم أجْمَعُونَ﴾ ﴿إلّا إبْلِيسَ﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذا في الحِجْرِ، وهُنا ﴿اسْتَكْبَرَ وكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾، (p-٤١٠)وفِي البَقَرَةِ: ﴿أبى واسْتَكْبَرَ وكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ [البقرة: ٣٤]، وفي الأعْرافِ: ﴿لَمْ يَكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ﴾ [الأعراف: ١١]، وفي الحِجْرِ: ﴿أبى أنْ يَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٣١]، وفي الإسْراءِ: ﴿قالَ أأسْجُدُ لِمَن خَلَقْتَ طِينًا﴾ [الإسراء: ٦١]، وفي الكَهْفِ: ﴿كانَ مِنَ الجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ٥٠] . والِاسْتِثْناءُ في جَمِيعِ هَذِهِ الآياتِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمْ يَسْجُدْ، فَتارَةً أكَّدَ بِالنَّفْيِّ المَحْضِ، وتارَةً ذَكَرَ إبايَتَهُ عَنِ السُّجُودِ، وهي الأنَفَةُ مِن ذَلِكَ، وتارَةً نَصَّ عَلى أنَّ ذَلِكَ الِامْتِناعَ كانَ سَبَبُهُ الِاسْتِكْبارَ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ أُرِيدَ بِهِ كُفْرُهُ ذَلِكَ الوَقْتَ، وإنْ لَمْ يَكُنْ قَبْلَهُ كافِرًا؛ وعُطِفَ عَلى اسْتَكْبَرَ، فَقَوِيَ ذَلِكَ؛ لِأنَّ الِاسْتِكْبارَ عَنِ السُّجُودِ إنَّما حَصَلَ لَهُ وقْتَ الأمْرِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إخْبارًا مِنهُ بِسَبْقِ كُفْرِهِ في الأزْمِنَةِ الماضِيَةِ في عِلْمِ اللَّهِ. ﴿قالَ يا إبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ﴾، وفي الأعْرافِ: ﴿ما مَنَعَكَ ألّا تَسْجُدَ﴾ [الأعراف: ١٢]، فَدَلَّ أنْ تَسْجُدَ هُنا، عَلى أنَّ لا في ﴿أنْ لا أقُولَ﴾ [الأعراف: ١٠٥] زائِدَةٌ، والمَعْنى أيْضًا يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ لا يَسْتَفْهِمُ إلّا عَنِ المانِعِ مِنَ السُّجُودِ، وهو اسْتِفْهامُ تَقْرِيرٍ وتَوْبِيخٍ. وما في ﴿لِما خَلَقْتُ﴾، اسْتَدَلَّ بِها مَن يُجِيزُ إطْلاقَ ما عَلى آحادِ مَن يَعْقِلُ، وأوَّلَ بِأنَّ ما مَصْدَرِيَّةٌ، والمَصْدَرُ يُرادُ بِهِ المَخْلُوقُ، لا حَقِيقَةُ المَصْدَرِ. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ: (لَمّا) بِفَتْحِ اللّامِ وتَشْدِيدِ المِيمِ، ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾، عَلى الإفْرادِ؛ والجُمْهُورُ: عَلى التَّثْنِيَةِ؛ وقُرِئَ ﴿بِيَدَيَّ﴾ كَقِراءَةِ ﴿بِمُصْرِخِيَّ﴾ [إبراهيم: ٢٢]؛ وقالَ تَعالى: ﴿مِمّا عَمِلَتْ أيْدِينا﴾ [يس: ٧١] بِالجَمْعِ، وكُلُّها عِبارَةٌ عَنِ القُدْرَةِ والقُوَّةِ، وعَبَّرَ بِاليَدِ، إذْ كانَ عِنْدَ البَشَرِ مُعْتادًا أنَّ البَطْشَ والقُوَّةَ بِاليَدِ. وذَهَبَ القاضِي أبُو بَكْرِ بْنُ الطَّيِّبِ إلى أنَّ اليَدَ صِفَةُ ذاتٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهو قَوْلٌ مَرْغُوبٌ عَنْهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (أسْتَكْبَرْتَ)، بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، فَأمْ مُتَّصِلَةٌ عادَلَتِ الهَمْزَةَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ النَّحْوِيِّينَ إلى أنَّ أمْ لا تَكُونُ مُعادِلَةً لِلْألِفِ مَعَ اخْتِلافِ الفِعْلَيْنِ، وإنَّما تَكُونُ مُعادِلَةً إذا دَخَلَتا عَلى فِعْلٍ واحِدٍ، كَقَوْلِكَ: أزَيْدٌ قامَ أمْ عَمْرٌو ؟ وقَوْلُكَ: أقامَ زَيْدٌ أمْ عَمْرٌو ؟ فَإذا اخْتَلَفَ الفِعْلانِ كَهَذِهِ الآيَةِ، فَلَيْسَتْ مُعادِلَةً. ومَعْنى الآيَةِ: أحَدَثَ لَكَ الِاسْتِكْبارُ الآنَ، أمْ كُنْتَ قَدِيمًا مِمَّنْ لا يَلِيقُ أنْ تُكَلَّفَ مِثْلَ هَذا لِعُلُوِّ مَكانِكَ ؟ وهَذا عَلى جِهَةِ التَّوْبِيخِ. انْتَهى. وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ النَّحْوِيِّينَ مَذْهَبٌ غَيْرُ صَحِيحٍ. قالَ سِيبَوَيْهِ: وتَقُولُ أضْرَبْتَ زَيْدًا أمْ قَتَلْتَهُ فالبَدْءُ هُنا بِالفِعْلِ أحْسَنُ؛ لِأنَّكَ إنَّما تَسْألُ عَنْ أحَدِهِما، لا تَدْرِي أيُّهُما كانَ، ولا تَسْألُ عَنْ مَوْضِعِ أحَدِهِما، كَأنَّكَ قُلْتَ: أيُّ ذَلِكَ كانَ ؟ انْتَهى. فَعادَلَ بِأمِ الألِفَ مَعَ اخْتِلافِ الفِعْلَيْنِ. ﴿مِنَ العالِينَ﴾: مِمَّنْ عَلَوْتَ وفُقْتَ. فَأجابَ بِأنَّهُ مِنَ العالِينَ، حَيْثُ قالَ ﴿أنا خَيْرٌ مِنهُ﴾ . وقِيلَ: أسْتَكْبَرْتَ الآنَ، أوْ لَمْ تَزَلْ مُذْ كُنْتَ مِنَ المُسْتَكْبِرِينَ ؟ ومَعْنى الهَمْزَةِ: التَّقْرِيرُ. انْتَهى. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ، مِنهُمُ ابْنُ كَثِيرٍ وغَيْرُهُ: (اسْتَكْبَرْتَ)، بِصِلَةِ الألِفِ، وهي قِراءَةُ أهْلِ مَكَّةَ، ولَيْسَتْ في مَشْهُورِ ابْنِ كَثِيرٍ، فاحْتُمِلَ أنْ تَكُونَ هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ حُذِفَتْ لِدَلالَةِ أمْ عَلَيْها، كَقَوْلِهِ: ؎بِسَبْعٍ رَمَيْنَ الجَمْرَ أمْ بِثَمانِ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ إخْبارًا خاطَبَهُ بِذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّقْرِيعِ، وأمْ تَكُونُ مُنْقَطِعَةً، والمَعْنى: بَلْ أنْتَ مِنَ العالِينَ عِنْدَ نَفْسِكَ اسْتِخْفافًا بِهِ. ﴿قالَ أنا خَيْرٌ مِنهُ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ذَلِكَ في الأعْرافِ. ﴿قالَ فاخْرُجْ مِنها﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مِثْلِ ذَلِكَ في الحِجْرِ، إلّا أنَّ هُنا ﴿لَعْنَتِي﴾ وهُناكَ (اللَّعْنَةُ) أعَمُّ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ ويَلْعَنُهُمُ اللّاعِنُونَ﴾ [البقرة: ١٥٩] وأمّا بِالإضافَةِ، فالعُمُومُ في اللَّعْنَةِ أعَمُّ، واللَّعَناتُ إنَّما تَحْصُلُ مِن جِهَةِ أنَّ مَن عَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ كانَتْ عَلَيْهِ لَعْنَةُ كُلِّ لاعِنٍ، هَذا مِن جِهَةِ المَعْنى، وأمّا بِاللَّفْظِ فَيَقْتَضِي التَّخْصِيصَ. ﴿قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ﴾: أقْسَمَ إبْلِيسُ هُنا بِعِزَّةِ اللَّهِ، وقالَ في الأعْرافِ: ﴿فَبِما أغْوَيْتَنِي لَأقْعُدَنَّ﴾ [الأعراف: ١٦]، وفي الحِجْرِ: ﴿رَبِّ بِما أغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ﴾ [الحجر: ٣٩] . وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِما في مَوْضِعِهِما، وإنَّ مِنَ المُفَسِّرِينَ مَن قالَ: إنَّ الباءَ في: ﴿بِما أغْوَيْتَنِي﴾ [الحجر: ٣٩] وفي: ﴿فَبِما أغْوَيْتَنِي﴾ [الأعراف: ١٦] لَيْسَتْ باءَ القَسَمِ. فَإنْ كانَتْ باءَ القَسَمِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ في مَوْطِنَيْنِ: فَهُنا: ﴿لَأُغْوِيَنَّهُمْ﴾، وفي الأعْرافِ: ﴿لَأقْعُدَنَّ﴾ [الأعراف: ١٦]، وفي الحِجْرِ: ﴿لَأُزَيِّنَنَّ﴾ [الحجر: ٣٩] . (p-٤١١)وقَرَأ الجُمْهُورُ: (فالحَقَّ والحَقَّ) بِنَصْبِهِما. أمّا الأوَّلُ فَمُقْسَمٌ بِهِ، حُذِفَ مِنهُ الحَرْفُ كَقَوْلِهِ: (أمانَةَ اللَّهِ لَأقُومَنَّ)، والمُقْسَمُ عَلَيْهِ (لَأمْلَأنَّ) . ﴿والحَقَّ أقُولُ﴾: اعْتِراضٌ بَيْنَ القَسَمِ وجَوابِهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومَعْناهُ: ولا أقُولُ إلّا الحَقَّ. انْتَهى؛ لِأنَّ عِنْدَهُ تَقُدُّمَ المَفْعُولِ يُفِيدُ الحَصْرَ. والحَقُّ المُقْسَمُ بِهِ إمّا اسْمُهُ تَعالى الَّذِي في قَوْلِهِ: ﴿أنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ المُبِينُ﴾ [النور: ٢٥]، أوِ الَّذِي هو نَقِيضُ الباطِلِ. وقِيلَ: ﴿فالحَقُّ﴾ مَنصُوبٌ عَلى الإغْراءِ، أيْ: فالزَمُوا الحَقَّ، و(لَأمْلَأنَّ): جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ. وقالَ الفَرّاءُ: هو عَلى مَعْنى قَوْلِكَ: حَقًّا لا شَكَّ، ووُجُودُ الألِفِ واللّامِ وطَرْحُهُما سَواءٌ، أيْ: لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ حَقًّا. انْتَهى. وهَذا المَصْدَرُ الجائِي تَوْكِيدًا لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ، لا يَجُوزُ تَقْدِيمُهُ عِنْدَ جُمْهُورِ النُّحاةِ، وذَلِكَ مَخْصُوصٌ بِالجُمْلَةِ الَّتِي جُزْآها مَعْرِفَتانِ جامِدَتانِ جُمُودًا مَحْضًا. وقالَ صاحِبُ البَسِيطِ: وقَدْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخَبَرُ نَكِرَةً، قالَ: والمُبْتَدَأُ يَكُونُ ضَمِيرًا نَحْوَ: هو زَيْدٌ مَعْرُوفًا، وهو الحَقُّ بَيِّنًا، وأنا الأمِيرُ مُفْتَخِرًا؛ ويَكُونُ ظاهِرًا كَقَوْلِكَ: زِيدٌ أبُوكَ عَطُوفًا، وأخُوكَ زَيْدٌ مَعْرُوفًا. انْتَهى. وقالَتِ العَرَبُ: زَيْدٌ قائِمٌ غَيْرَ ذِي شَكٍّ، فَجاءَتِ الحالُ بَعْدَ جُمْلَةٍ، والخَبَرُ نَكِرَةً، وهي حالٌ مُؤَكِّدَةٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ، وكَأنَّ الفَرّاءَ لَمْ يَشْتَرِطْ هَذا الَّذِي ذَكَرَهُ أصْحابُنا مِن كَوْنِ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ مَعْرُوفَيْنِ جامِدَيْنِ؛ لِأنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ تَأْكِيدِ مَضْمُونِ الجُمْلَةِ الِابْتِدائِيَّةِ وبَيْنَ تَأْكِيدِ الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ. وقِيلَ: التَّقْدِيرُ فالحَقُّ الحَقُّ، أيْ أفْعَلُهُ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والأعْمَشُ: بِالرَّفْعِ فِيهِما، فالأوَّلُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، قِيلَ: تَقْدِيرُهُ فالحَقُّ أنا، وقِيلَ: فالحَقُّ مِنِّي، وقِيلَ: تَقْدِيرُهُ فالحَقُّ قَسَمِي، وحُذِفَ كَما حُذِفَ في: لَعَمْرُكَ لَأقُومَنَّ، وفي: يَمِينُ اللَّهِ أبْرَحُ قاعِدًا، أيْ لَعَمْرُكَ قَسَمِي ويَمِينُ اللَّهِ قَسَمِي، وهَذِهِ الجُمْلَةُ هي جُمْلَةُ القَسَمِ، وجَوابُهُ: لَأمْلَأنَّ. وأمّا (والحَقُّ أقُولُ) فَمُبْتَدَأٌ أيْضًا، خَبَرُهُ الجُمْلَةُ، وحُذِفَ العائِدُ، كَقِراءَةِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿وكُلًّا وعَدَ اللَّهُ الحُسْنى﴾ [النساء: ٩٥] . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أمّا الأوَّلُ فَرُفِعَ عَلى الِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ في قَوْلِهِ: ﴿لَأمْلَأنَّ﴾؛ لِأنَّ المَعْنى: أنْ أمْلَأ. انْتَهى. وهَذا لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّ لَأمْلَأنَّ جَوابُ قَسَمٍ، ويَجِبُ أنْ يَكُونَ جُمْلَةً، فَلا يَتَقَدَّرُ بِمُفْرَدٍ. وأيْضًا لَيْسَ مَصْدَرًا مُقَدَّرًا بِحَرْفٍ مَصْدَرِيٍّ والفِعْلِ حَتّى يَنْحَلَّ إلَيْهِما، ولَكِنَّهُ لَمّا صَحَّ لَهُ إسْنادُ ما قُدِّرَ إلى المُبْتَدَأِ حُكِمَ أنَّهُ خَبَرٌ عَنْهُ. وقَرَأ الحَسَنُ، وعِيسى، و عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي حَمّادٍ عَنْ أبِي بَكْرٍ: بِجَرِّهِمْ، ويَخْرُجُ عَلى أنَّ الأوَّلَ مَجْرُورٌ بِواوِ القَسَمِ مَحْذُوفَةً، تَقْدِيرُهُ: فَوالحَقِّ، والحَقِّ مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ، كَما تَقُولُ: واللَّهِ واللَّهِ لَأقُومَنَّ، و(أقُولُ) اعْتِراضٌ بَيْنَ القَسَمِ وجَوابِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿والحَقَّ أقُولُ﴾: أيْ: ولا أقُولُ إلّا الحَقَّ عَلى حِكايَةِ لَفْظِ المُقْسَمَ بِهِ، ومَعْناهُ التَّوْكِيدُ والتَّسْدِيدُ، وهَذا الوَجْهُ جائِزٌ في المَنصُوبِ والمَرْفُوعِ، وهو وجْهٌ دَقِيقٌ حَسَنٌ. انْتَهى. ومُلَخَّصُهُ أنَّهُ أعْمَلَ القَوْلَ في لَفْظِ المُقْسَمِ بِهِ عَلى سَبِيلِ الحِكايَةِ نَصْبًا أوْ رَفْعًا أوْ جَرًّا. وقَرَأ مُجاهِدٌ، والأعْمَشُ: بِخِلافٍ عَنْهُما؛ وأبانُ بْنُ تَغْلَبَ، وطَلْحَةُ في رِوايَةٍ، وحَمْزَةُ، وعاصِمٌ، عَنِ المُفَضَّلِ، وخَلَفٍ، والعَبْسِيِّ: بِرَفْعِ ﴿فالحَقُّ﴾ ونَصْبِ ﴿والحَقَّ﴾، وتَقَدَّمَ إعْرابُهُما. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: (أجْمَعِينَ) تَأْكِيدٌ لِلْمُحَدَّثِ عَنْهُ والمَعْطُوفُ عَلَيْهِ، وهو ضَمِيرُ إبْلِيسَ ومَن عُطِفَ عَلَيْهِ، أيْ مِنكَ ومِن تابِعِيكِ أجْمَعِينَ. وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ أجْمَعِينَ تَأْكِيدًا لِلضَّمِيرِ الَّذِي في مِنهم، مُقَدَّرٌ، لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الشَّياطِينِ ومِمَّنْ تَبِعَهم مِن جَمِيعِ النّاسِ، لا تَفاوُتَ في ذَلِكَ بَيْنَ ناسٍ وناسٍ بَعْدَ وُجُودِ الأتْباعِ مِنهم مِن أوْلادِ الأنْبِياءِ وغَيْرِهِمْ. انْتَهى. والضَّمِيرُ في (عَلَيْهِ) عائِدٌ عَلى القُرْآنِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقِيلَ: عائِدٌ عَلى الوَحْيِ. وقِيلَ: عَلى الدُّعاءِ إلى اللَّهِ. ﴿وما أنا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ﴾: أيِ المُتَصَنِّعِينَ المُتَحَلِّينَ بِما لَيْسُوا مِن أهْلِهِ، فَأنْتَحَلُ النُّبُوَّةَ والقَوْلَ عَلى اللَّهِ. (إنْ هو) أيِ: القُرْآنُ، ﴿إلّا ذِكْرٌ﴾: أيْ: مِنَ اللَّهِ، ﴿لِلْعالَمِينَ﴾: الثَّقَلَيْنِ الإنْسِ والجِنِّ. ﴿ولَتَعْلَمُنَّ نَبَأهُ﴾: أيْ عاقِبَةَ خَبَرِهِ لِمَن آمَنَ بِهِ ومَن أعْرَضَ عَنْهُ، ﴿بَعْدَ حِينٍ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ وابْنُ زَيْدٍ: يَعْنِي يَوْمَ القِيامَةِ. وقالَ قَتادَةُ، والفَرّاءُ، والزَّجّاجُ: بَعْدَ المَوْتِ. وكانَ الحَسَنُ يَقُولُ: يا ابْنَ آدَمَ، عِنْدَ المَوْتِ (p-٤١٢)يَأْتِيكَ الخَبَرُ اليَقِينُ. وقِيلَ: المَعْنى لَيَظْهَرَنَّ لَكم حَقِيقَةُ ما أقُولُ. ﴿بَعْدَ حِينٍ﴾ أيْ: في المُسْتَأْنَفِ، إذا أخَذَتْكم سُيُوفُ المُسْلِمِينَ، وذَلِكَ يَوْمَ بَدْرٍ، وأشارَ إلى ذَلِكَ السُّدِّيُّ. * * سُورَةُ الزُّمَرِ خَمْسٌ وسَبْعُونَ آيَةً، مَكِّيَّةٌ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ [الزمر: ١] ﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ فاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر: ٢] ﴿ألا لِلَّهِ الدِّينُ الخالِصُ والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى إنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهم في ما هم فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن هو كاذِبٌ كَفّارٌ﴾ [الزمر: ٣] ﴿لَوْ أرادَ اللَّهُ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا لاصْطَفى مِمّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ سُبْحانَهُ هو اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ [الزمر: ٤] ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلى النَّهارِ ويُكَوِّرُ النَّهارَ عَلى اللَّيْلِ وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأجَلٍ مُسَمًّى ألا هو العَزِيزُ الغَفّارُ﴾ [الزمر: ٥] ﴿خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنها زَوْجَها وأنْزَلَ لَكم مِنَ الأنْعامِ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ يَخْلُقُكم في بُطُونِ أُمَّهاتِكم خَلْقًا مِن بَعْدِ خَلْقٍ في ظُلُماتٍ ثَلاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم لَهُ المُلْكُ لا إلَهَ إلّا هو فَأنّى تُصْرَفُونَ﴾ [الزمر: ٦] ﴿إنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكم ولا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ وإنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكم ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ثُمَّ إلى رَبِّكم مَرْجِعُكم فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ [الزمر: ٧] ﴿وإذا مَسَّ الإنْسانَ ضُرٌّ دَعا رَبَّهُ مُنِيبًا إلَيْهِ ثُمَّ إذا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنهُ نَسِيَ ما كانَ يَدْعُو إلَيْهِ مِن قَبْلُ وجَعَلَ لِلَّهِ أنْدادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إنَّكَ مِن أصْحابِ النّارِ﴾ [الزمر: ٨] ﴿أمْ مَن هو قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِدًا وقائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ ويَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبابِ﴾ [الزمر: ٩] ﴿قُلْ يا عِبادِي الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكم لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وأرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ إنَّما يُوَفّى الصّابِرُونَ أجْرَهم بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ [الزمر: ١٠] ﴿قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر: ١١] ﴿وأُمِرْتُ لِأنْ أكُونَ أوَّلَ المُسْلِمِينَ﴾ [الزمر: ١٢] ﴿قُلْ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الزمر: ١٣] ﴿قُلِ اللَّهَ أعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ [الزمر: ١٤] ﴿فاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِن دُونِهِ قُلْ إنَّ الخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ ألا ذَلِكَ هو الخُسْرانُ المُبِينُ﴾ [الزمر: ١٥] ﴿لَهم مِن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النّارِ ومِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ يا عِبادِ فاتَّقُونِ﴾ [الزمر: ١٦] ﴿والَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ أنْ يَعْبُدُوها وأنابُوا إلى اللَّهِ لَهُمُ البُشْرى فَبَشِّرْ عِبادِي﴾ [الزمر: ١٧] ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وأُولَئِكَ هم أُولُو الألْبابِ﴾ [الزمر: ١٨] ﴿أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ أفَأنْتَ تُنْقِذُ مَن في النّارِ﴾ [الزمر: ١٩] ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم لَهم غُرَفٌ مِن فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ وعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ المِيعادَ﴾ [الزمر: ٢٠] ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ في الأرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا ألْوانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطامًا إنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرى لِأُولِي الألْبابِ﴾ [الزمر: ٢١] ﴿أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ فَهو عَلى نُورٍ مِن رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهم مِن ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الزمر: ٢٢] ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ كِتابًا مُتَشابِهًا مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهم وقُلُوبُهم إلى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشاءُ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ [الزمر: ٢٣] ﴿أفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ وقِيلَ لِلظّالِمِينَ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ [الزمر: ٢٤] ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأتاهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ [الزمر: ٢٥] ﴿فَأذاقَهُمُ اللَّهُ الخِزْيَ في الحَياةِ الدُّنْيا ولَعَذابُ الآخِرَةِ أكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٢٦] ﴿ولَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ [الزمر: ٢٧] ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ [الزمر: ٢٨] ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ ورَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا الحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٢٩] ﴿إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهم مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠] ﴿ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكم تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر: ٣١] . (p-٤١٣)التَّكْوِيرُ: اللَّفُّ واللَّيُّ، يُقالُ: كارَ العِمامَةَ عَلى رَأْسِهِ وكَوَّرَها. خَوَّلَهُ النِّعْمَةَ أيْ: أعْطاهُ ابْتِداءً مِن غَيْرِ مُجازاةٍ، ولا يُقالُ في الجَزاءِ خَوَّلَ. قالَ زُهَيْرٌ: ؎هُنالِكَ إنْ يُسْتَخْوَلُوا المالَ يُخَوَّلُوا ويُرْوى: يُسْتَخْيَلُوا المالَ يُخَيَّلُوا وقالَ أبُو النَّجْمِ: ؎أعْطى فَلَمْ يَبْخَلْ ولَمْ يُبَخِّلْ ∗∗∗ كَوْمَ الذُّرى مِن خَوَلِ المَخْوِلِ هاجَ الزَّرْعُ: ثارَ مِن مَنابِتِهِ، وقِيلَ: يَبِسَ. الحُطامُ: الفُتاتُ بَعْدَ يُبْسِهِ. القُشَعْرِيرَةُ: تَقَبُّضُ الجِلْدِ، يُقالُ: اقْشَعَرَّ جِلْدُهُ مِنَ الخَوْفِ: وقَفَ شَعْرُهُ، وهو مَثَلٌ في شِدَّةِ الخَوْفِ. الشِّكاسَةُ: سُوءُ الخُلُقِ وعُسْرُهُ.