Al-Bahr Al-Muhit — الزمر 39:22 – الزمر 39:55
المحتويات
- الزمر 39:22
- الزمر 39:23
- الزمر 39:24
- الزمر 39:25
- الزمر 39:26
- الزمر 39:27
- الزمر 39:28
- الزمر 39:29
- الزمر 39:30
- الزمر 39:31
- الزمر 39:32
- الزمر 39:33
- الزمر 39:34
- الزمر 39:35
- الزمر 39:36
- الزمر 39:37
- الزمر 39:38
- الزمر 39:39
- الزمر 39:40
- الزمر 39:41
- الزمر 39:42
- الزمر 39:43
- الزمر 39:44
- الزمر 39:45
- الزمر 39:46
- الزمر 39:47
- الزمر 39:48
- الزمر 39:49
- الزمر 39:50
- الزمر 39:51
- الزمر 39:52
- الزمر 39:53
- الزمر 39:54
- الزمر 39:55
الزمر 39:22
(p-٤٢١)﴿والَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ أنْ يَعْبُدُوها وأنابُوا إلى اللَّهِ لَهُمُ البُشْرى فَبَشِّرْ عِبادِي﴾ ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وأُولَئِكَ هم أُولُو الألْبابِ﴾ ﴿أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ أفَأنْتَ تُنْقِذُ مَن في النّارِ﴾ ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم لَهم غُرَفٌ مِن فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ وعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ المِيعادَ﴾ ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ في الأرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا ألْوانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطامًا إنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرى لِأُولِي الألْبابِ﴾ ﴿أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ فَهو عَلى نُورٍ مِن رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهم مِن ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ .
قالَ ابْنُ زَيْدٍ: نَزَلَتْ ﴿والَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ﴾ في زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ، وسَلْمانَ، وأبِي ذَرٍّ.
وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: الإشارَةُ بِها إلى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وسَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ، وسَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ، والزُّبَيْرِ، وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا أسْلَمَ أبُو بَكْرٍ، سَمِعُوا ذَلِكَ فَجاءُوهُ وقالُوا: أسْلَمْتَ ؟ قالَ: نَعَمْ، وذَكَّرَهم بِاللَّهِ، فَآمَنُوا بِأجْمَعِهِمْ، فَنَزَلَتْ فِيهِمْ، وهي مُحْكَمَةٌ في النّاسِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ.
والطّاغُوتُ: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْها في البَقَرَةِ. وقَرَأ الحَسَنُ: (الطَّواغِيتَ) جَمْعًا.
﴿أنْ يَعْبُدُوها﴾ أيْ: عِبادَتَها، وهو بَدَلُ اشْتِمالٍ.
(لَهُمُ البُشْرى) أيْ: مِنَ اللَّهِ تَعالى بِالثَّوابِ.
(فَبَشِّرْ عِبادِ): هُمُ المُجْتَنِبُونَ الطّاغُوتَ إلى اللَّهِ. وضَعَ الظّاهِرَ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِيَدُلَّ عَلى أنَّهم هم، ولِيَتَرَتَّبَ عَلى الظّاهِرِ الوَصْفُ، وهو: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ﴾، وهو عامٌّ في جَمِيعِ الأقْوالِ، ﴿فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ﴾: ثَناءٌ عَلَيْهِمْ بِنُفُوذِ بَصائِرِهِمْ وتَمْيِيزِهِمُ الأحْسَنَ، فَإذا سَمِعُوا قَوْلًا تَبَصَّرُوهُ.
قِيلَ: وأحْسَنُ القَوْلِ: القُرْآنُ وما يَرْجِعُ إلَيْهِ. وقِيلَ: القَوْلُ: القُرْآنُ، وأحْسَنُهُ: ما فِيهِ مِن صَفْحٍ وعَفْوٍ واحْتِمالٍ ونَحْوِ ذَلِكَ. وقالَ قَتادَةُ: أحْسَنُ القَوْلِ طاعَةُ اللَّهِ.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: هو الرَّجُلُ يَجْلِسُ مَعَ القَوْمِ، فَيَسْمَعُ الحَدِيثَ فِيهِ مَحاسِنُ ومَساوٍ، فَيُحَدِّثُ بِأحْسَنِ ما سَمِعَ، ويَكُفُّ عَنْ ما سِواهُ.
و(الَّذِينَ): وصْفٌ لِـ (عِبادِ) . وقِيلَ: الوَقْفُ عَلى عِبادِ، والَّذِينَ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ أُولَئِكَ وما بَعْدَهُ.
﴿أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ﴾: قِيلَ نَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ، أيْ: نَفَّذَ عَلَيْهِ الوَعِيدَ بِالعَذابِ. والظّاهِرُ أنَّها جُمْلَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ، و(مَن) مَوْصُولَةٌ مُبْتَدَأٌ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ، فَقِيلَ تَقْدِيرُهُ: يَتَأسَّفُ عَلَيْهِ، وقِيلَ: يَتَخَلَّصُ مِنهُ. وقَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَأنْتَ تُخَلِّصُهُ، قالَ: حُذِفَ لِدَلالَةِ ﴿أفَأنْتَ تُنْقِذُ﴾ عَلَيْهِ. وقَدَّرَ الزَّمَخْشَرِيُّ بَيْنَ الهَمْزَةِ والفاءِ جُمْلَةً حَتّى تَقَرَّ الهَمْزَةُ في مَكانِها والفاءُ في مَكانِها، فَقالَ: التَّقْدِيرُ: أأنْتَ مالِكُ أمْرِهِمْ ؟ فَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ، وهو قَوْلٌ انْفَرَدَ بِهِ فِيما عَلِمْناهُ.
والَّذِي تَقُولُهُ النُّحاةُ أنَّ الفاءَ لِلْعَطْفِ ومَوْضِعُها التَّقْدِيمُ عَلى الهَمْزَةِ، لَكِنَّ الهَمْزَةَ لَمّا كانَ لَها صَدْرُ الكَلامِ، قُدِّمَتْ، فالأصْلُ عِنْدَهم: فَأمَن حَقَّ عَلَيْهِ، وعَلى القَوْلِ أنَّها جُمْلَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿أفَأنْتَ تُنْقِذُ مَن في النّارِ﴾، اسْتِفْهامُ تَوْقِيفٍ، وقُدِّمَ فِيهِ الضَّمِيرُ إشْعارًا بِأنَّكَ لَسْتَ تَقْدِرُ أنْ تُنْقِذَهُ مِنَ النّارِ، بَلْ لا يَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ أحَدٌ إلّا اللَّهُ. وذَهَبَتْ فِرْقَةٌ، مِنهُمُ الحَوْفَيُّ والزَّمَخْشَرِيُّ، إلى أنَّ مَن شَرْطِيَّةٌ، وجَوابُ الشَّرْطِ أفَأنْتِ، فالفاءُ فاءُ الجَوابِ دَخَلَتْ عَلى جُمْلَةِ الجَزاءِ، وأُعِيدَتِ الهَمْزَةُ لِتَوْكِيدِ مَعْنى الإنْكارِ والِاسْتِبْعادِ، ووُضِعَ مَن في النّارِ، وهو ظاهِرٌ، مَوْضِعَ المُضْمَرِ، إذْ كانَ الأصْلُ تُنْقِذُهُ، وإنَّما أُظْهِرَ تَشْهِيرًا لِحالِهِمْ وإظْهارًا لِخِسَّةِ مَنازِلِهِمْ. قالَ الحَوْفِيُّ: وجِيءَ بِألِفِ الِاسْتِفْهامِ لَمّا طالَ الكَلامُ تَوْكِيدًا، ولَوْلا طُولُهُ، لَمْ يَجُزِ الإتْيانُ بِها؛ لِأنَّهُ لا يَصْلُحُ في العَرَبِيَّةِ أنْ يَأْتِيَ بِألِفِ الِاسْتِفْهامِ في الِاسْمِ، وألِفٌ أُخْرى في الجَزاءِ. ومَعْنى الكَلامِ: أفَأنْتَ تُنْقِذُهُ ؟ انْتَهى.
وعَلى هَذا القَوْلِ، يَكُونُ قَدِ اجْتَمَعَ اسْتِفْهامٌ وشَرْطٌ عَلى قَوْلِ الجَماعَةِ أنَّ الهَمْزَةَ قَدَّمَتْ مَن تَأخَّرَ، فَيَجِيءُ الخِلافُ بَيْنَ سِيبَوَيْهِ ويُونُسَ: هَلِ الجُمْلَةُ الأخِيرَةُ هي لِلْمُسْتَفْهِمِ عَنْها أوْ هي جَوابُ الشَّرْطِ ؟ وعَلى تَقْدِيرِ الزَّمَخْشَرِيِّ: لَمْ تَدْخُلِ الهَمْزَةُ عَلى اسْمِ الشَّرْطِ، فَلَمْ يَجْتَمِعِ اسْتِفْهامٌ وشَرْطٌ؛ لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ عِنْدَهُ دَخَلَ عَلى الجُمْلَةِ المَحْذُوفَةِ عِنْدَهُ، وهو: أأنْتَ مالِكُ أمْرِهِمْ ؟ وفَمَن مَعْطُوفٌ عَلى تِلْكَ الجُمْلَةِ المَحْذُوفَةِ، عُطِفَتْ جُمْلَةُ الشَّرْطِ عَلى جُمْلَةِ الِاسْتِفْهامِ، ونَزَلَ اسْتِحْقاقُهُمُ العَذابَ، وهم في الدُّنْيا بِمَنزِلَةِ دُخُولِهِمُ النّارَ، ونَزَلَ اجْتِهادُ (p-٤٢٢)الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في دُعائِهِمْ إلى الإيمانِ مَنزِلَةَ انْقاذِهِمْ مِنَ النّارِ.
ولَمّا ذَكَرَ حالَ الكُفّارِ في النّارِ، وأنَّ الخاسِرِينَ لَهم ظُلَلٌ، ذَكَرَ حالَ المُؤْمِنِينَ، وناسَبَ الِاسْتِدْراكَ هُنا، إذْ هو واقِعٌ بَيْنِ الكافِرِينَ والمُؤْمِنِينَ، فَقالَ: (لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا) . فَفي ذَلِكَ حَضٌّ عَلى التَّقْوى، لَهم عَلالِيُّ مُرْتَفِعَةٌ فَوْقَها عَلالِيُّ مَبْنِيَّةٌ، أيْ: بِناءَ المَنازِلِ الَّتِي سُوِّيَتْ عَلى الأرْضِ. والضَّمِيرُ في (مِن تَحْتِها) عائِدٌ عَلى الجَمْعَيْنِ، أيْ: مِن تَحْتِ الغُرَفِ السُّفْلى والغُرَفِ العُلْيا، لا تَفاوُتَ بَيْنَ أعْلاها وأسْفَلِها وانْتَصَبَ (وعْدَ اللَّهِ) عَلى المَصْدَرِ المُؤَكِّدِ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ قَبْلَهُ، إذْ تَضَمَّنَتْ مَعْنى الوَعْدِ.
(ألَمْ تَرَ): خِطابٌ وتَوْقِيفٌ لِلسّامِعِ عَلى ما يَعْتَبِرُ بِهِ مِن أفْعالِ اللَّهِ الدّالَّةِ عَلى فَناءِ الدُّنْيا واضْمِحْلالِها.
﴿فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ﴾ أيْ: أدْخَلَهُ مَسالِكَ وعُيُونًا. والظّاهِرُ أنَّ ماءَ العُيُونِ هو مِن ماءِ المَطَرِ، تَحْبِسُهُ الأرْضُ ويَخْرُجُ شَيْئًا فَشَيْئًا.
﴿ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا﴾، ذَكَرَ مِنَّتَهُ تَعالى عَلَيْنا بِما تَقُومُ بِهِ مَعِيشَتُنا.
(مُخْتَلِفًا ألْوانُهُ): مِن أحْمَرَ وأبْيَضَ وأصْفَرَ، وشَمِلَ لَفْظُ الزَّرْعِ جَمِيعَ ما يُزْرَعُ مِن مُقْتاتٍ وغَيْرِهِ، أوْ مُخْتَلِفًا أصْنافُهُ مِن بُرٍّ وشَعِيرٍ وسِمْسِمٍ وغَيْرِ ذَلِكَ.
(ثُمَّ يَهِيجُ): يُقارِبُ الثِّمارَ، (فَتَراهُ مُصْفَرًّا) أيْ: زالَتْ خُضْرَتُهُ ونَضارَتُهُ.
وقَرَأ أبُو بِشْرٍ: (ثُمَّ يَجْعَلَهُ) بِالنَّصْبِ في اللّامِ. قالَ صاحِبُ الكامِلِ وهو ضَعِيفٌ. انْتَهى.
(إنَّ في ذَلِكَ) أيْ: فِيما ذُكِرَ مِن إنْزالِ المَطَرِ وإخْراجِ الزَّرْعِ بِهِ وتَنَقُّلاتِهِ إلى حالَةِ الحُطامِيَّةِ، (لَذِكْرى) أيْ: لَتَذْكِرَةً وتَنْبِيهًا عَلى حِكْمَةِ فاعِلِ ذَلِكَ وقُدْرَتِهِ.
﴿أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ﴾: نَزَلَتْ في حَمْزَةَ، وعَلِيٍّ، و(مَن) مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ تَقْدِيرُهُ: كالقاسِي المُعْرِضِ عَنِ الإسْلامِ، وأبُو لَهَبٍ وابْنُهُ كانا مِنَ القاسِيَةِ قُلُوبُهم، وشَرْحُ الصَّدْرِ اسْتِعارَةٌ عَنْ قَبُولِهِ لِلْإيمانِ والخَيْرِ والنُّورِ والهِدايَةِ. وفي الحَدِيثِ: (كَيْفَ انْشِراحُ الصُّدُورِ ؟ قالَ: إذا دَخَلَ النُّورُ القَلْبَ انْشَرَحَ وانْفَسَحَ، قُلْنا: وما عَلامَةُ ذَلِكَ ؟ قالَ: الإنابَةُ إلى دارِ الخُلُودِ والتَّجافِي عَنْ دارِ الغُرُورِ والتَّأهُّبُ لِلْمَوْتِ قَبْلَ المَوْتِ) .
﴿فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهم مِن ذِكْرِ اللَّهِ﴾ أيْ: مِن أجْلِ ذِكْرِهِ، أيْ: إذا ذُكِرَ اللَّهُ عِنْدَهم قَسَتْ قُلُوبُهم. وقالَ مالِكُ بْنُ دِينارٍ: ما ضُرِبَ عَبْدٌ بِعُقُوبَةٍ أعْظَمَ مِن قَسْوَةِ قَلْبٍ.
(أُولَئِكَ) أيِ: القاسِيَةُ قُلُوبُهم، (في ضَلالٍ مُبِينٍ) أيْ: في حَيْرَةٍ واضِحَةٍ، لا تَخْفى عَلى مَن تَأمَّلَها.
الزمر 39:23
(p-٤٢٣)﴿اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ كِتابًا مُتَشابِهًا مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهم وقُلُوبُهم إلى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشاءُ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ ﴿أفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ وقِيلَ لِلظّالِمِينَ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأتاهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿فَأذاقَهُمُ اللَّهُ الخِزْيَ في الحَياةِ الدُّنْيا ولَعَذابُ الآخِرَةِ أكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ ﴿قُرْءانًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ ورَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا الحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهم مَيِّتُونَ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكم تَخْتَصِمُونَ﴾ .
«عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ قَوْمًا مِنَ الصَّحابَةِ قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، حَدِّثْنا بِأحادِيثَ حِسانٍ، وبِأخْبارِ الدَّهْرِ، فَنَزَلَ: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ﴾» .
وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، أنَّ الصَّحابَةَ مَلَئُوا مَكَّةَ، فَقالُوا لَهُ: حَدِّثْنا، فَنَزَلَتْ.
والِابْتِداءُ بِاسْمِ اللَّهِ، وإسْنادُ نَزَّلَ لِضَمِيرِهِ مَبْنِيًّا عَلَيْهِ فِيهِ تَفْخِيمٌ لِلْمُنَزَّلِ ورَفْعٌ مِنهُ، كَما تَقُولُ: المَلِكُ أكْرَمَ فُلانًا، هو أفْخَمُ مِن: أكْرَمَ المَلِكُ فُلانًا. وحِكْمَةُ ذَلِكَ البَداءَةُ بِالأشْرَفِ مِن تَذَكُّرِ ما تُسْنَدُ إلَيْهِ، وهو كَثِيرٌ في القُرْآنِ، كَقَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ المَلائِكَةِ رُسُلًا﴾ [الحج: ٧٥]، و(كِتابًا) بَدَلٌ مِن (أحْسَنَ الحَدِيثِ) . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ حالًا. انْتَهى.
وكانَ بِناءً عَلى أنَّ (أحْسَنَ الحَدِيثِ) مَعْرِفَةٌ لِإضافَتِهِ إلى مَعْرِفَةٍ. وأفْعَلُ التَّفْضِيلِ، إذا أُضِيفَ إلى مَعْرِفَةٍ، فِيهِ خِلافٌ. فَقِيلَ: إضافَتُهُ مَحْضَةٌ، وقِيلَ: غَيْرُ مَحْضَةٍ. و(مُتَشابِهًا): مُطْلَقٌ في مُشابَهَةِ بَعْضِهِ بَعْضًا. فَمَعانِيهِ مُتَشابِهَةٌ، لا تَناقُضَ فِيها ولا تَعارُضَ، وألْفاظُهُ في غايَةِ الفَصاحَةِ والبَلاغَةِ والتَّناسُبِ، بِحَيْثُ أعْجَزَتِ العُظَماءَ والبُلَغاءَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿مَثانِيَ﴾، بِفَتْحِ الياءِ؛ وهِشامٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بِشْرٍ: بِسُكُونِ الياءِ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا، وسَكَّنَ الياءَ عَلى قَوْلِ مَن يُسَكِّنُ الياءَ في كُلِّ الأحْوالِ، لِانْكِسارِ ما قَبْلَها اسْتِثْقالًا لِلْحَرَكَةِ عَلَيْها. و﴿مَثانِيَ﴾ يَظْهَرُ أنَّهُ جَمْعُ مَثْنًى، ومَعْناهُ: مَوْضِعُ تَثْنِيَةِ القَصَصِ والأحْكامِ والعَقائِدِ والوَعْدِ والوَعِيدِ. وقِيلَ: يُثَنِّي في الصَّلاةِ بِمَعْنى: التَّكْرِيرِ والإعادَةِ. انْتَهى.
ووَصَفَ المُفْرَدَ بِالجَمْعِ؛ لِأنَّ فِيهِ تَفاصِيلَ، وتَفاصِيلُ الشَّيْءِ جُمْلَتُهُ. ألا تَرى أنَّكَ تَقُولُ: القُرْآنُ سُوَرٌ وآياتٌ ؟ فَكَذَلِكَ تَقُولُ: أحْكامٌ ومَواعِظُ مُكَرَّراتٌ، وأصْلُهُ كِتابًا مُتَشابِهًا فُصُولًا مَثانِيَ، حُذِفَ المَوْصُوفُ وأُقِيمَتْ صِفَتُهُ مَقامَهُ. وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ مِن بابِ: بُرْمَةٌ أعْشارٌ، وُثَوْبٌ أخْلاقٌ، وأنْ يَكُونَ تَمْيِيزًا عَنْ: مُتَشابِهًا، فَيَكُونُ مَنقُولًا مِنَ الفاعِلِ، أيْ: مُتَشابِهًا مَثانِيهِ.
كَما تَقُولُ: رَأيْتُ رَجُلًا حَسَنًا شَمائِلَ، وفائِدَةُ تَثْنِيَتِهِ وتَكُرُّرِهِ رُسُوخُهُ في النُّفُوسِ، إذْ هي أنْفَرُ شَيْءٍ عَنْ سَماعِ الوَعْظِ والنَّصِيحَةِ.
والظّاهِرُ حَمْلُ القُشَعْرِيرَةِ عَلى الحَقِيقَةِ، إذْ هو مَوْجُودٌ عِنْدَ الخَشْيَةِ، مَحْسُوسٌ يُدْرِكُهُ الإنْسانُ مِن نَفْسِهِ، وهو حاصِلٌ مِنَ التَّأثُّرِ القَلْبِيِّ. وقِيلَ: هو تَمْثِيلُ تَصْوِيرٍ لِإفْراطِ خَشْيَتِهِمْ، والمَعْنى: أنَّهُ حِينَ يَسْمَعُونَهُ يُتْلى ما فِيهِ مِن آياتِ الوَعِيدِ، عَرَتْهم خَشْيَةٌ تَنْقَبِضُ مِنها جُلُودُهم.
ثُمَّ إذا ذَكَرُوا اللَّهَ ورَحْمَتَهُ لانَتْ جُلُودُهم، أيْ: زالَ عَنْها ذَلِكَ التَّقَبُّضُ النّاشِئُ عَنْ خَشْيَةِ القُلُوبِ بِزَوالِ الخَشْيَةِ عَنْها، وضَمَّنَ تَلِينُ مَعْنى تَطْمَئِنُّ جُلُودُهم لَيِّنَةً غَيْرَ مُنْقَبِضَةٍ، وقُلُوبُهم راجِيَةٌ غَيْرُ خاشِيَةٍ، ولِذَلِكَ عَدّاهُ بِإلى.
وكانَ في ذِكْرِ القُلُوبِ في هَذِهِ الجُمْلَةِ دَلِيلٌ عَلى تَأثُّرِها عِنْدَ السَّماعِ، فاكْتَفى بِقُشَعْرِيرَةِ الجُلُودِ عَنْ ذِكْرِ خَشْيَةِ القُلُوبِ لِقِيامِ المُسَبَّبِ مَقامَ السَّبَبِ. فَلَمّا ذَكَرَ اللِّينَ ذَكَرَهُما، وفي ذِكْرِ اللِّينِ دَلِيلٌ عَلى المَحْذُوفِ الَّذِي هو رَحْمَةُ اللَّهِ، كَما كانَ في قَوْلِهِ: (إذا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهم)، دَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: (وجِلَتْ) عَنْ ذِكْرِ المَحْذُوفِ، أيْ: إذا ذُكِرَ وعِيدُ اللَّهِ وبَطْشُهُ. وقالَ العَبّاسُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلَبِ: قالَ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ”«مَنِ اقْشَعَرَّ جِلْدُهُ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ تَحاتَّتْ عَنْهُ ذُنُوبُهُ كَما يَتَحاتُّ عَنِ الشَّجَرَةِ اليابِسَةِ ورَقُها“» .
وقالَ ابْنُ عُمَرَ: وقَدْ رَأى ساقِطًا مِن سَماعِ القُرْآنِ، فَقالَ: إنّا لِنَخْشى اللَّهَ، وما نُسْقِطُ، هَؤُلاءِ يَدْخُلُ الشَّيْطانُ في جَوْفِ أحَدِهِمْ.
وقالَتْ أسْماءُ بِنْتُ أبِي بَكْرٍ: كانَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَدْمَعُ أعْيُنُهم وتَقْشَعِرُّ جُلُودُهم عِنْدَ سَماعِ القُرْآنِ، قِيلَ لَها: إنَّ قَوْمًا اليَوْمَ إذا اسْمِعُوا القُرْآنَ خَرَّ أحَدُهم مَغْشِيًّا عَلَيْهِ، فَقالَتْ: أعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ.
وقالَ ابْنُ سِيرِينَ: بَيْنَنا وبَيْنَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يُصْرَعُونَ عِنْدَ قِراءَةِ القُرْآنِ أنْ يُجْعَلَ أحَدُهم عَلى حائِطٍ باسِطًا رِجْلَيْهِ، ثُمَّ يُقْرَأُ عَلَيْهِ القُرْآنُ كُلُّهُ، فَإنْ رَمى بِنَفْسِهِ فَهو صادِقٌ. والإشارَةُ بِذَلِكَ إلى (p-٤٢٤)الكِتابِ، أوْ إلى ذَيْنِكَ الوَصْفَيْنِ مِنَ الِاقْشِعْرارِ واللِّينِ، أيْ: أثَرُ هُدى اللَّهِ.
﴿أفَمَن يَتَّقِي﴾ أيْ: يَسْتَقْبِلُ، كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎سَقَطَ النَّصِيفُ ولَمْ تُرِدْ إسْقاطَهُ فَتَناوَلَتْهُ واتَّقَتْنا بِاليَدِ
أيْ: اسْتَقْبَلَتْنا بِيَدِها لِتَقِيَ بِيَدِها وجْهَها أنْ يُرى.
والظّاهِرُ حَمْلُ ﴿بِوَجْهِهِ﴾ عَلى حَقِيقَتِهِ. لَمّا كانَ يُلْقى في النّارِ مَغْلُولَةً يَداهُ إلى رِجْلَيْهِ مَعَ عُنُقِهِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ ما يَتَّقِي بِهِ النّارَ إلّا وجْهَهُ.
قالَ مُجاهِدٌ: يُجَرُّ عَلى وجْهِهِ في النّارِ، ويَجُوزُ أنْ يُعَبَّرَ بِالوَجْهِ عَنِ الجُمْلَةِ. وقِيلَ: المَعْنى وصْفُ كَثْرَةِ ما يَنالُهم مِنَ العَذابِ، يَتَّقِيهِ أوَّلًا بِجَوارِحِهِ، فَيَتَزَيَدُ حَتّى يَتَّقِيَهُ بِوَجْهِهِ الَّذِي هو أشْرَفُ جَوارِحِهِ، وفِيهِ جَوابٌ، وهو غايَةُ العَذابِ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا المَعْنى عِنْدِي أبْيَنُ بَلاغَةً. في هَذا المِضْمارِ يَجْرِي قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎يَلْقى السُّيُوفَ بِوَجْهِهِ وبِنَحْرِهِ ∗∗∗ ويُقِيمُ هامَتَهُ مَقامَ المِغْفَرِ
لِأنَّهُ إنَّما أرادَ عِظَمَ جُرْأتِهِ عَلَيْها، فَهو يَلْقاها بِكُلِّ مِجَنٍّ، وبِكُلِّ شَيْءٍ عَنْهُ، حَتّى بِوَجْهِهِ وبِنَحْرِهِ. انْتَهى.
و(سُوءَ العَذابِ): أشَدَّهُ، وخَبَرُ مَن مَحْذُوفٌ قَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: كَمَن أمِنَ العَذابَ، وابْنُ عَطِيَّةَ: كالمُنَعَّمِينَ في الجَنَّةِ.
﴿وقِيلَ لِلظّالِمِينَ﴾ أيْ: قالَ ذَلِكَ خَزَنَةُ النّارِ، (ذُوقُوا ما كُنْتُمْ) أيْ: وبالَ ما كُنْتُمْ (تَكْسِبُونَ) مِنَ الأعْمالِ السَّيِّئَةِ.
(كَذَّبَ الَّذِينَ مِنَ قَبْلِهِمْ): تَمْثِيلٌ لِ قُرَيْشٍ بِالأُمَمِ الماضِيَةِ، وما آلَ إلَيْهِ أمْرُهم مِنَ الهَلاكِ.
﴿فَأتاهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾: مِنَ الجِهَةِ الَّتِي لا يَشْعُرُونَ أنَّ العَذابَ يَأْتِيهِمْ مِنَ قِبَلِها، ولا يَخْطُرُ بِبالِهِمْ أنَّ الشَّرَّ يَأْتِيهِمْ مِنها.
كانُوا في أمْنٍ وغِبْطَةٍ وسُرُورٍ، فَإذا هم مُعَذَّبُونَ مَخْزِيُّونَ ذَلِيلُونَ في الدُّنْيا مِن مَمْسُوخٍ ومَقْتُولٍ ومَأْسُورٍ ومَنفِيٍّ.
ثُمَّ أخْبَرَ أنَّ ما أُعِدَّ لَهم في الآخِرَةِ أعْظَمُ. وانْتَصَبَ (قُرْآنًا عَرَبِيًّا) عَلى الحالِ، وهي حالٌ مُؤَكِّدَةٌ، والحالُ في الحَقِيقَةِ هو (عَرَبِيًّا)، و(قُرْآنًا) تَوْطِئَةٌ لَهُ. وقِيلَ: انْتَصَبَ عَلى المَدْحِ، ونَفى عَنْهُ العِوَجَ؛ لِأنَّهُ مُسْتَقِيمٌ بَرِيءٌ مِنَ الِاخْتِلافِ والتَّناقُضِ.
وقالَ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ: غَيْرُ مُضْطَرِبٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: غَيْرُ مُخْتَلِفٍ. وقالَ مُجاهِدٌ: غَيْرُ ذِي لَبْسٍ. وقالَ السُّدِّيُّ: غَيْرُ مَخْلُوقٍ. وقِيلَ: غَيْرُ ذِي لَحْنٍ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): فَهَلّا قِيلَ مُسْتَقِيمًا أوْ غَيْرَ مُعْوَجٍّ ؟ (قُلْتُ): فِيهِ فائِدَتانِ: إحْداهُما: نَفْيُ أنْ يَكُونَ فِيهِ عِوَجٌ قَطُّ، كَما قالَ: ﴿ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجا﴾ [الكهف: ١] .
والثّانِي: أنَّ لَفْظَ العِوَجِ مُخْتَصٌّ بِالمَعانِي دُونَ الأعْيانِ. وقِيلَ: المُرادُ بِالعِوَجِ: الشَّكُّ واللَّبْسُ، وأنْشَدَ:
؎وقَدْ أتاكَ يَقِينًا غَيْرُ ذِي عِوَجِ ∗∗∗ مِنَ الإلَهِ وقَوْلٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ. انْتَهى
ولَمّا ذَكَرَ تَعالى أنَّهُ ضَرَبَ في القُرْآنِ (مِن كُلِّ مَثَلٍ): أيْ مُحْتاجٍ إلَيْهِ، ضَرَبَ هُنا مَثَلًا لِعابِدِ آلِهَةٍ كَثِيرَةٍ، ومَن يَعْبُدُ اللَّهَ وحْدَهُ، ومَثَّلَ بَرْجَلٍ مَمْلُوكٍ اشْتَرَكَ فِيهِ مُلّاكٌ سَيِّئُو الأخْلاقِ، فَهو لا يَقْدِرُ أنْ يُوَفِّيَ كُلَّ واحِدٍ مِنهم مَقْصُودَهُ، إذْ لا يَتَغاضى بَعْضُهم لِبَعْضٍ لِمُشاحَتِهِمْ، وطَلَبَ كُلٌّ مِنهم أنْ يَقْضِيَ حاجَتَهُ عَلى التَّمامِ، فَلا يَزالُ في عَناءٍ وتَعَبٍ ولَوْمٍ مِن كُلٍّ مِنهم.
ورَجُلٌ آخَرُ مَمْلُوكٌ جَمِيعُهُ لِرَجُلٍ واحِدٍ، فَهو مَعْنِيٌّ بِشُغْلِهِ لا يَشْغَلُهُ عَنْهُ شَيْءٌ، ومالِكُهُ راضٍ عَنْهُ إنْ قَدْ خَلُصَ لِخِدْمَتِهِ، وبَذَلَ جُهْدَهُ في قَضاءِ حَوائِجِهِ، فَلا يَلْقى مِن سَيِّدِهِ إلّا إحْسانًا، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في نَصْبِ المَثَلِ.
وما بَعْدَهُ.
وقالَ الكِسائِيُّ: انْتَصَبَ رَجُلًا عَلى إسْقاطِ الخافِضِ، أيْ مَثَلًا لِرَجُلٍ، أوْ في رَجُلٍ فِيهِ، أيْ: في رِقِّهِ مُشْتَرَكًا، وفِيهِ صِلَةٌ لِشُرَكاءَ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والزُّهْرِيُّ، والحَسَنُ: بِخِلافٍ عَنْهُ؛ والجَحْدَرَيُّ، وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو: (سالِمًا) اسْمُ فاعِلٍ مِنَ سَلِمَ، أيْ خالِصًا مِنَ الشَّرِكَةِ. وقَرَأ الأعْرَجُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، وأبُو رَجاءٍ، وطَلْحَةُ، والحَسَنُ: بِخِلافٍ عَنْهُ؛ وباقِي السَّبْعَةِ: (سَلَمًا) بِفَتْحِ السِّينِ واللّامِ.
وقَرَأ ابْنُ جُبَيْرٍ: (سِلْمًا) بِكَسْرِ السِّينِ وسُكُونِ اللّامِ، وهُما مَصْدَرٌ إنْ وُصِفَ بِهِما مُبالَغَةً في الخُلُوصِ مِنَ الشَّرِكَةِ. وقُرِئَ: (ورَجُلٌ (p-٤٢٥)سالِمٌ) بِرَفْعِهِما. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ وهُناكَ رَجُلٌ سالِمٌ لِرَجُلٍ. انْتَهى، فَجَعَلَ الخَبَرَ هُناكَ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ورَجُلٌ مُبْتَدَأً؛ لِأنَّهُ مَوْضِعُ تَفْصِيلٍ، إذْ قَدْ تَقَدَّمَ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ، فَيَكُونُ كَقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:
؎إذا ما بَكى مِن خَلْفِها انْحَرَفَتْ ∗∗∗ لَهُ بِشِقٍّ وشَقٍّ عِنْدَنا لَمْ يُحَوَّلِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإنَّما جَعَلَهُ رَجُلًا لِيَكُونَ أفْطَنَ لِما شَقِيَ بِهِ أوْ سَعِدَ، فَإنَّ المَرْأةَ والصَّبِيَّ قَدْ يَغْفَلانِ عَنْ ذَلِكَ.
وانْتَصَبَ (مَثَلًا) عَلى التَّمْيِيزِ المَنقُولِ مِنَ الفاعِلِ، إذِ التَّقْدِيرُ: هَلْ يَسْتَوِي مَثَلُهُما ؟ واقْتَصَرَ في التَّمْيِيزِ عَلى الواحِدِ؛ لِأنَّهُ المُقْتَصَرُ عَلَيْهِ أوَّلًا في قَوْلِهِ: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا)، ولِبَيانِ الجِنْسِ. وقُرِئَ: (مَثَلَيْنِ)، فَطابَقَ حالَ الرَّجُلَيْنِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ فِيمَن قَرَأ (مَثَلَيْنِ) أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ في (يَسْتَوِيانِ) لِلْمَثَلَيْنِ؛ لِأنَّ التَّقْدِيرَ مَثَلُ رَجُلٍ، والمَعْنى: هَلْ يَسْتَوِيانِ فِيما يَرْجِعُ إلى الوَصْفِيَّةِ ؟ كَما يَقُولُ: كَفى بِهِما رَجُلَيْنِ. انْتَهى.
والظّاهِرُ أنَّهُ يَعُودُ الضَّمِيرُ في يَسْتَوِيانِ إلى الرَّجُلَيْنِ، فَأمّا إذا جَعَلْتَهُ عائِدًا إلى المَثَلَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرَ أنَّ التَّقْدِيرَ مَثَلَ رَجُلٍ ورَجُلٍ، فَإنَّ التَّمْيِيزَ إذْ ذاكَ يَكُونُ قَدْ فُهِمَ مِنَ المُمَيَّزِ الَّذِي هو الضَّمِيرُ، إذْ يَصِيرُ التَّقْدِيرُ: هَلْ يَسْتَوِي المَثَلانِ مَثَلَيْنِ ؟ قُلْ: (الحَمْدُ لِلَّهِ): أيِ الثَّناءُ والمَدْحُ لِلَّهِ لا لِغَيْرِهِ، وهو الَّذِي ثَبَتَتْ وحْدانِيَّتُهُ، فَهو الَّذِي يَجِبُ أنْ يُحْمَدَ، (بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ)، فَيُشْرِكُونَ بِهِ غَيْرَهُ.
ولَفْظَةُ الحَمْدُ لِلَّهِ تُشْعِرُ بِوُقُوعِ الهَلاكِ بِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿فَقُطِعَ دابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٤٥] .
ولَمّا لَمْ يَلْتَفِتُوا إلى هَذِهِ الدَّلائِلِ الباهِرَةِ، أخْبَرَ الجَمِيعَ بِأنَّهم مَيِّتُونَ وصائِرُونَ إلَيْهِ، وأنَّ اخْتَصامَكم يَكُونُ بَيْنَ يَدَيْهِ يَوْمَ القِيامَةِ، وهو الحَكَمُ العَدْلُ، فَيَتَمَيَّزُ المُحِقُّ مِنَ المُبْطِلِ، وهو - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأتْباعُهُ المُحِقُّونَ الفائِزُونَ بِالظَّفَرِ والغَلَبَةِ، والكافِرُونَ هُمُ المُبْطِلُونَ.
فالضَّمِيرُ في (وإنَّكَ) خِطابٌ لِلرَّسُولِ، وتَدْخُلُ مَعَهُ أُمَّتُهُ في ذَلِكَ. والظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ في (وإنَّهم) عَلى الكُفّارِ، وغُلِّبَ ضَمِيرُ الخِطابِ في (إنَّكَ) عَلى ضَمِيرِ الغَيْبَةِ في (إنَّهم) ولِذَلِكَ جاءَ ﴿تَخْتَصِمُونَ﴾ بِالخِطابِ، فَتَحْتَجُّ أنْتَ عَلَيْهِمْ بِأنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وكَذَّبُوا، واجْتَهَدْتَ في الدَّعْوَةِ ولَجُّوا في العِنادِ.
وقالَ أبُو العالِيَةِ: هم أهْلُ القِبْلَةِ، يَخْتَصِمُونَ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ في مَظالِمِهِمْ.
وأبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ هَذا الخِصامَ سَبَبُهُ ما كانَ في قَتْلِ عُثْمانَ، وما جَرى بَيْنَ عَلِيٍّ ومُعاوِيَةَ بِسَبَبِ ذَلِكَ، رِضى اللَّهِ عَنْهم.
وقِيلَ: يَخْتَصِمُ الجَمِيعُ، فالكُفّارُ يُخاصِمُ بَعْضُهم بَعْضًا حَتّى يُقالَ لَهم: لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ. والمُؤْمِنُونَ يَتَلَقَّوْنَ الكافِرِينَ بِالحُجَجِ، وأهْلُ القِبْلَةِ يَكُونُ بَيْنَهُمُ الخِصامُ.
وقَرَأ ابْنُ الزُّبَيْرِ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وعِيسى، واليَمانِيُّ، وابْنُ أبِي غَوْثٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: (إنَّكَ مائِتٌ وإنَّهم مائِتُونَ)، وهي تُشْعِرُ بِحُدُوثِ الصِّفَةِ؛ والجُمْهُورُ: (مَيِّتٌ ومَيِّتُونَ) وهي تُشْعِرُ بِالثُّبُوتِ واللُّزُومِ كالحَيِّ.
الزمر 39:24
(p-٤٢٣)﴿اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ كِتابًا مُتَشابِهًا مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهم وقُلُوبُهم إلى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشاءُ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ ﴿أفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ وقِيلَ لِلظّالِمِينَ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأتاهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿فَأذاقَهُمُ اللَّهُ الخِزْيَ في الحَياةِ الدُّنْيا ولَعَذابُ الآخِرَةِ أكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ ﴿قُرْءانًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ ورَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا الحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهم مَيِّتُونَ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكم تَخْتَصِمُونَ﴾ .
«عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ قَوْمًا مِنَ الصَّحابَةِ قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، حَدِّثْنا بِأحادِيثَ حِسانٍ، وبِأخْبارِ الدَّهْرِ، فَنَزَلَ: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ﴾» .
وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، أنَّ الصَّحابَةَ مَلَئُوا مَكَّةَ، فَقالُوا لَهُ: حَدِّثْنا، فَنَزَلَتْ.
والِابْتِداءُ بِاسْمِ اللَّهِ، وإسْنادُ نَزَّلَ لِضَمِيرِهِ مَبْنِيًّا عَلَيْهِ فِيهِ تَفْخِيمٌ لِلْمُنَزَّلِ ورَفْعٌ مِنهُ، كَما تَقُولُ: المَلِكُ أكْرَمَ فُلانًا، هو أفْخَمُ مِن: أكْرَمَ المَلِكُ فُلانًا. وحِكْمَةُ ذَلِكَ البَداءَةُ بِالأشْرَفِ مِن تَذَكُّرِ ما تُسْنَدُ إلَيْهِ، وهو كَثِيرٌ في القُرْآنِ، كَقَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ المَلائِكَةِ رُسُلًا﴾ [الحج: ٧٥]، و(كِتابًا) بَدَلٌ مِن (أحْسَنَ الحَدِيثِ) . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ حالًا. انْتَهى.
وكانَ بِناءً عَلى أنَّ (أحْسَنَ الحَدِيثِ) مَعْرِفَةٌ لِإضافَتِهِ إلى مَعْرِفَةٍ. وأفْعَلُ التَّفْضِيلِ، إذا أُضِيفَ إلى مَعْرِفَةٍ، فِيهِ خِلافٌ. فَقِيلَ: إضافَتُهُ مَحْضَةٌ، وقِيلَ: غَيْرُ مَحْضَةٍ. و(مُتَشابِهًا): مُطْلَقٌ في مُشابَهَةِ بَعْضِهِ بَعْضًا. فَمَعانِيهِ مُتَشابِهَةٌ، لا تَناقُضَ فِيها ولا تَعارُضَ، وألْفاظُهُ في غايَةِ الفَصاحَةِ والبَلاغَةِ والتَّناسُبِ، بِحَيْثُ أعْجَزَتِ العُظَماءَ والبُلَغاءَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿مَثانِيَ﴾، بِفَتْحِ الياءِ؛ وهِشامٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بِشْرٍ: بِسُكُونِ الياءِ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا، وسَكَّنَ الياءَ عَلى قَوْلِ مَن يُسَكِّنُ الياءَ في كُلِّ الأحْوالِ، لِانْكِسارِ ما قَبْلَها اسْتِثْقالًا لِلْحَرَكَةِ عَلَيْها. و﴿مَثانِيَ﴾ يَظْهَرُ أنَّهُ جَمْعُ مَثْنًى، ومَعْناهُ: مَوْضِعُ تَثْنِيَةِ القَصَصِ والأحْكامِ والعَقائِدِ والوَعْدِ والوَعِيدِ. وقِيلَ: يُثَنِّي في الصَّلاةِ بِمَعْنى: التَّكْرِيرِ والإعادَةِ. انْتَهى.
ووَصَفَ المُفْرَدَ بِالجَمْعِ؛ لِأنَّ فِيهِ تَفاصِيلَ، وتَفاصِيلُ الشَّيْءِ جُمْلَتُهُ. ألا تَرى أنَّكَ تَقُولُ: القُرْآنُ سُوَرٌ وآياتٌ ؟ فَكَذَلِكَ تَقُولُ: أحْكامٌ ومَواعِظُ مُكَرَّراتٌ، وأصْلُهُ كِتابًا مُتَشابِهًا فُصُولًا مَثانِيَ، حُذِفَ المَوْصُوفُ وأُقِيمَتْ صِفَتُهُ مَقامَهُ. وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ مِن بابِ: بُرْمَةٌ أعْشارٌ، وُثَوْبٌ أخْلاقٌ، وأنْ يَكُونَ تَمْيِيزًا عَنْ: مُتَشابِهًا، فَيَكُونُ مَنقُولًا مِنَ الفاعِلِ، أيْ: مُتَشابِهًا مَثانِيهِ.
كَما تَقُولُ: رَأيْتُ رَجُلًا حَسَنًا شَمائِلَ، وفائِدَةُ تَثْنِيَتِهِ وتَكُرُّرِهِ رُسُوخُهُ في النُّفُوسِ، إذْ هي أنْفَرُ شَيْءٍ عَنْ سَماعِ الوَعْظِ والنَّصِيحَةِ.
والظّاهِرُ حَمْلُ القُشَعْرِيرَةِ عَلى الحَقِيقَةِ، إذْ هو مَوْجُودٌ عِنْدَ الخَشْيَةِ، مَحْسُوسٌ يُدْرِكُهُ الإنْسانُ مِن نَفْسِهِ، وهو حاصِلٌ مِنَ التَّأثُّرِ القَلْبِيِّ. وقِيلَ: هو تَمْثِيلُ تَصْوِيرٍ لِإفْراطِ خَشْيَتِهِمْ، والمَعْنى: أنَّهُ حِينَ يَسْمَعُونَهُ يُتْلى ما فِيهِ مِن آياتِ الوَعِيدِ، عَرَتْهم خَشْيَةٌ تَنْقَبِضُ مِنها جُلُودُهم.
ثُمَّ إذا ذَكَرُوا اللَّهَ ورَحْمَتَهُ لانَتْ جُلُودُهم، أيْ: زالَ عَنْها ذَلِكَ التَّقَبُّضُ النّاشِئُ عَنْ خَشْيَةِ القُلُوبِ بِزَوالِ الخَشْيَةِ عَنْها، وضَمَّنَ تَلِينُ مَعْنى تَطْمَئِنُّ جُلُودُهم لَيِّنَةً غَيْرَ مُنْقَبِضَةٍ، وقُلُوبُهم راجِيَةٌ غَيْرُ خاشِيَةٍ، ولِذَلِكَ عَدّاهُ بِإلى.
وكانَ في ذِكْرِ القُلُوبِ في هَذِهِ الجُمْلَةِ دَلِيلٌ عَلى تَأثُّرِها عِنْدَ السَّماعِ، فاكْتَفى بِقُشَعْرِيرَةِ الجُلُودِ عَنْ ذِكْرِ خَشْيَةِ القُلُوبِ لِقِيامِ المُسَبَّبِ مَقامَ السَّبَبِ. فَلَمّا ذَكَرَ اللِّينَ ذَكَرَهُما، وفي ذِكْرِ اللِّينِ دَلِيلٌ عَلى المَحْذُوفِ الَّذِي هو رَحْمَةُ اللَّهِ، كَما كانَ في قَوْلِهِ: (إذا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهم)، دَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: (وجِلَتْ) عَنْ ذِكْرِ المَحْذُوفِ، أيْ: إذا ذُكِرَ وعِيدُ اللَّهِ وبَطْشُهُ. وقالَ العَبّاسُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلَبِ: قالَ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ”«مَنِ اقْشَعَرَّ جِلْدُهُ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ تَحاتَّتْ عَنْهُ ذُنُوبُهُ كَما يَتَحاتُّ عَنِ الشَّجَرَةِ اليابِسَةِ ورَقُها“» .
وقالَ ابْنُ عُمَرَ: وقَدْ رَأى ساقِطًا مِن سَماعِ القُرْآنِ، فَقالَ: إنّا لِنَخْشى اللَّهَ، وما نُسْقِطُ، هَؤُلاءِ يَدْخُلُ الشَّيْطانُ في جَوْفِ أحَدِهِمْ.
وقالَتْ أسْماءُ بِنْتُ أبِي بَكْرٍ: كانَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَدْمَعُ أعْيُنُهم وتَقْشَعِرُّ جُلُودُهم عِنْدَ سَماعِ القُرْآنِ، قِيلَ لَها: إنَّ قَوْمًا اليَوْمَ إذا اسْمِعُوا القُرْآنَ خَرَّ أحَدُهم مَغْشِيًّا عَلَيْهِ، فَقالَتْ: أعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ.
وقالَ ابْنُ سِيرِينَ: بَيْنَنا وبَيْنَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يُصْرَعُونَ عِنْدَ قِراءَةِ القُرْآنِ أنْ يُجْعَلَ أحَدُهم عَلى حائِطٍ باسِطًا رِجْلَيْهِ، ثُمَّ يُقْرَأُ عَلَيْهِ القُرْآنُ كُلُّهُ، فَإنْ رَمى بِنَفْسِهِ فَهو صادِقٌ. والإشارَةُ بِذَلِكَ إلى (p-٤٢٤)الكِتابِ، أوْ إلى ذَيْنِكَ الوَصْفَيْنِ مِنَ الِاقْشِعْرارِ واللِّينِ، أيْ: أثَرُ هُدى اللَّهِ.
﴿أفَمَن يَتَّقِي﴾ أيْ: يَسْتَقْبِلُ، كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎سَقَطَ النَّصِيفُ ولَمْ تُرِدْ إسْقاطَهُ فَتَناوَلَتْهُ واتَّقَتْنا بِاليَدِ
أيْ: اسْتَقْبَلَتْنا بِيَدِها لِتَقِيَ بِيَدِها وجْهَها أنْ يُرى.
والظّاهِرُ حَمْلُ ﴿بِوَجْهِهِ﴾ عَلى حَقِيقَتِهِ. لَمّا كانَ يُلْقى في النّارِ مَغْلُولَةً يَداهُ إلى رِجْلَيْهِ مَعَ عُنُقِهِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ ما يَتَّقِي بِهِ النّارَ إلّا وجْهَهُ.
قالَ مُجاهِدٌ: يُجَرُّ عَلى وجْهِهِ في النّارِ، ويَجُوزُ أنْ يُعَبَّرَ بِالوَجْهِ عَنِ الجُمْلَةِ. وقِيلَ: المَعْنى وصْفُ كَثْرَةِ ما يَنالُهم مِنَ العَذابِ، يَتَّقِيهِ أوَّلًا بِجَوارِحِهِ، فَيَتَزَيَدُ حَتّى يَتَّقِيَهُ بِوَجْهِهِ الَّذِي هو أشْرَفُ جَوارِحِهِ، وفِيهِ جَوابٌ، وهو غايَةُ العَذابِ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا المَعْنى عِنْدِي أبْيَنُ بَلاغَةً. في هَذا المِضْمارِ يَجْرِي قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎يَلْقى السُّيُوفَ بِوَجْهِهِ وبِنَحْرِهِ ∗∗∗ ويُقِيمُ هامَتَهُ مَقامَ المِغْفَرِ
لِأنَّهُ إنَّما أرادَ عِظَمَ جُرْأتِهِ عَلَيْها، فَهو يَلْقاها بِكُلِّ مِجَنٍّ، وبِكُلِّ شَيْءٍ عَنْهُ، حَتّى بِوَجْهِهِ وبِنَحْرِهِ. انْتَهى.
و(سُوءَ العَذابِ): أشَدَّهُ، وخَبَرُ مَن مَحْذُوفٌ قَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: كَمَن أمِنَ العَذابَ، وابْنُ عَطِيَّةَ: كالمُنَعَّمِينَ في الجَنَّةِ.
﴿وقِيلَ لِلظّالِمِينَ﴾ أيْ: قالَ ذَلِكَ خَزَنَةُ النّارِ، (ذُوقُوا ما كُنْتُمْ) أيْ: وبالَ ما كُنْتُمْ (تَكْسِبُونَ) مِنَ الأعْمالِ السَّيِّئَةِ.
(كَذَّبَ الَّذِينَ مِنَ قَبْلِهِمْ): تَمْثِيلٌ لِ قُرَيْشٍ بِالأُمَمِ الماضِيَةِ، وما آلَ إلَيْهِ أمْرُهم مِنَ الهَلاكِ.
﴿فَأتاهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾: مِنَ الجِهَةِ الَّتِي لا يَشْعُرُونَ أنَّ العَذابَ يَأْتِيهِمْ مِنَ قِبَلِها، ولا يَخْطُرُ بِبالِهِمْ أنَّ الشَّرَّ يَأْتِيهِمْ مِنها.
كانُوا في أمْنٍ وغِبْطَةٍ وسُرُورٍ، فَإذا هم مُعَذَّبُونَ مَخْزِيُّونَ ذَلِيلُونَ في الدُّنْيا مِن مَمْسُوخٍ ومَقْتُولٍ ومَأْسُورٍ ومَنفِيٍّ.
ثُمَّ أخْبَرَ أنَّ ما أُعِدَّ لَهم في الآخِرَةِ أعْظَمُ. وانْتَصَبَ (قُرْآنًا عَرَبِيًّا) عَلى الحالِ، وهي حالٌ مُؤَكِّدَةٌ، والحالُ في الحَقِيقَةِ هو (عَرَبِيًّا)، و(قُرْآنًا) تَوْطِئَةٌ لَهُ. وقِيلَ: انْتَصَبَ عَلى المَدْحِ، ونَفى عَنْهُ العِوَجَ؛ لِأنَّهُ مُسْتَقِيمٌ بَرِيءٌ مِنَ الِاخْتِلافِ والتَّناقُضِ.
وقالَ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ: غَيْرُ مُضْطَرِبٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: غَيْرُ مُخْتَلِفٍ. وقالَ مُجاهِدٌ: غَيْرُ ذِي لَبْسٍ. وقالَ السُّدِّيُّ: غَيْرُ مَخْلُوقٍ. وقِيلَ: غَيْرُ ذِي لَحْنٍ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): فَهَلّا قِيلَ مُسْتَقِيمًا أوْ غَيْرَ مُعْوَجٍّ ؟ (قُلْتُ): فِيهِ فائِدَتانِ: إحْداهُما: نَفْيُ أنْ يَكُونَ فِيهِ عِوَجٌ قَطُّ، كَما قالَ: ﴿ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجا﴾ [الكهف: ١] .
والثّانِي: أنَّ لَفْظَ العِوَجِ مُخْتَصٌّ بِالمَعانِي دُونَ الأعْيانِ. وقِيلَ: المُرادُ بِالعِوَجِ: الشَّكُّ واللَّبْسُ، وأنْشَدَ:
؎وقَدْ أتاكَ يَقِينًا غَيْرُ ذِي عِوَجِ ∗∗∗ مِنَ الإلَهِ وقَوْلٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ. انْتَهى
ولَمّا ذَكَرَ تَعالى أنَّهُ ضَرَبَ في القُرْآنِ (مِن كُلِّ مَثَلٍ): أيْ مُحْتاجٍ إلَيْهِ، ضَرَبَ هُنا مَثَلًا لِعابِدِ آلِهَةٍ كَثِيرَةٍ، ومَن يَعْبُدُ اللَّهَ وحْدَهُ، ومَثَّلَ بَرْجَلٍ مَمْلُوكٍ اشْتَرَكَ فِيهِ مُلّاكٌ سَيِّئُو الأخْلاقِ، فَهو لا يَقْدِرُ أنْ يُوَفِّيَ كُلَّ واحِدٍ مِنهم مَقْصُودَهُ، إذْ لا يَتَغاضى بَعْضُهم لِبَعْضٍ لِمُشاحَتِهِمْ، وطَلَبَ كُلٌّ مِنهم أنْ يَقْضِيَ حاجَتَهُ عَلى التَّمامِ، فَلا يَزالُ في عَناءٍ وتَعَبٍ ولَوْمٍ مِن كُلٍّ مِنهم.
ورَجُلٌ آخَرُ مَمْلُوكٌ جَمِيعُهُ لِرَجُلٍ واحِدٍ، فَهو مَعْنِيٌّ بِشُغْلِهِ لا يَشْغَلُهُ عَنْهُ شَيْءٌ، ومالِكُهُ راضٍ عَنْهُ إنْ قَدْ خَلُصَ لِخِدْمَتِهِ، وبَذَلَ جُهْدَهُ في قَضاءِ حَوائِجِهِ، فَلا يَلْقى مِن سَيِّدِهِ إلّا إحْسانًا، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في نَصْبِ المَثَلِ.
وما بَعْدَهُ.
وقالَ الكِسائِيُّ: انْتَصَبَ رَجُلًا عَلى إسْقاطِ الخافِضِ، أيْ مَثَلًا لِرَجُلٍ، أوْ في رَجُلٍ فِيهِ، أيْ: في رِقِّهِ مُشْتَرَكًا، وفِيهِ صِلَةٌ لِشُرَكاءَ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والزُّهْرِيُّ، والحَسَنُ: بِخِلافٍ عَنْهُ؛ والجَحْدَرَيُّ، وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو: (سالِمًا) اسْمُ فاعِلٍ مِنَ سَلِمَ، أيْ خالِصًا مِنَ الشَّرِكَةِ. وقَرَأ الأعْرَجُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، وأبُو رَجاءٍ، وطَلْحَةُ، والحَسَنُ: بِخِلافٍ عَنْهُ؛ وباقِي السَّبْعَةِ: (سَلَمًا) بِفَتْحِ السِّينِ واللّامِ.
وقَرَأ ابْنُ جُبَيْرٍ: (سِلْمًا) بِكَسْرِ السِّينِ وسُكُونِ اللّامِ، وهُما مَصْدَرٌ إنْ وُصِفَ بِهِما مُبالَغَةً في الخُلُوصِ مِنَ الشَّرِكَةِ. وقُرِئَ: (ورَجُلٌ (p-٤٢٥)سالِمٌ) بِرَفْعِهِما. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ وهُناكَ رَجُلٌ سالِمٌ لِرَجُلٍ. انْتَهى، فَجَعَلَ الخَبَرَ هُناكَ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ورَجُلٌ مُبْتَدَأً؛ لِأنَّهُ مَوْضِعُ تَفْصِيلٍ، إذْ قَدْ تَقَدَّمَ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ، فَيَكُونُ كَقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:
؎إذا ما بَكى مِن خَلْفِها انْحَرَفَتْ ∗∗∗ لَهُ بِشِقٍّ وشَقٍّ عِنْدَنا لَمْ يُحَوَّلِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإنَّما جَعَلَهُ رَجُلًا لِيَكُونَ أفْطَنَ لِما شَقِيَ بِهِ أوْ سَعِدَ، فَإنَّ المَرْأةَ والصَّبِيَّ قَدْ يَغْفَلانِ عَنْ ذَلِكَ.
وانْتَصَبَ (مَثَلًا) عَلى التَّمْيِيزِ المَنقُولِ مِنَ الفاعِلِ، إذِ التَّقْدِيرُ: هَلْ يَسْتَوِي مَثَلُهُما ؟ واقْتَصَرَ في التَّمْيِيزِ عَلى الواحِدِ؛ لِأنَّهُ المُقْتَصَرُ عَلَيْهِ أوَّلًا في قَوْلِهِ: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا)، ولِبَيانِ الجِنْسِ. وقُرِئَ: (مَثَلَيْنِ)، فَطابَقَ حالَ الرَّجُلَيْنِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ فِيمَن قَرَأ (مَثَلَيْنِ) أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ في (يَسْتَوِيانِ) لِلْمَثَلَيْنِ؛ لِأنَّ التَّقْدِيرَ مَثَلُ رَجُلٍ، والمَعْنى: هَلْ يَسْتَوِيانِ فِيما يَرْجِعُ إلى الوَصْفِيَّةِ ؟ كَما يَقُولُ: كَفى بِهِما رَجُلَيْنِ. انْتَهى.
والظّاهِرُ أنَّهُ يَعُودُ الضَّمِيرُ في يَسْتَوِيانِ إلى الرَّجُلَيْنِ، فَأمّا إذا جَعَلْتَهُ عائِدًا إلى المَثَلَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرَ أنَّ التَّقْدِيرَ مَثَلَ رَجُلٍ ورَجُلٍ، فَإنَّ التَّمْيِيزَ إذْ ذاكَ يَكُونُ قَدْ فُهِمَ مِنَ المُمَيَّزِ الَّذِي هو الضَّمِيرُ، إذْ يَصِيرُ التَّقْدِيرُ: هَلْ يَسْتَوِي المَثَلانِ مَثَلَيْنِ ؟ قُلْ: (الحَمْدُ لِلَّهِ): أيِ الثَّناءُ والمَدْحُ لِلَّهِ لا لِغَيْرِهِ، وهو الَّذِي ثَبَتَتْ وحْدانِيَّتُهُ، فَهو الَّذِي يَجِبُ أنْ يُحْمَدَ، (بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ)، فَيُشْرِكُونَ بِهِ غَيْرَهُ.
ولَفْظَةُ الحَمْدُ لِلَّهِ تُشْعِرُ بِوُقُوعِ الهَلاكِ بِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿فَقُطِعَ دابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٤٥] .
ولَمّا لَمْ يَلْتَفِتُوا إلى هَذِهِ الدَّلائِلِ الباهِرَةِ، أخْبَرَ الجَمِيعَ بِأنَّهم مَيِّتُونَ وصائِرُونَ إلَيْهِ، وأنَّ اخْتَصامَكم يَكُونُ بَيْنَ يَدَيْهِ يَوْمَ القِيامَةِ، وهو الحَكَمُ العَدْلُ، فَيَتَمَيَّزُ المُحِقُّ مِنَ المُبْطِلِ، وهو - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأتْباعُهُ المُحِقُّونَ الفائِزُونَ بِالظَّفَرِ والغَلَبَةِ، والكافِرُونَ هُمُ المُبْطِلُونَ.
فالضَّمِيرُ في (وإنَّكَ) خِطابٌ لِلرَّسُولِ، وتَدْخُلُ مَعَهُ أُمَّتُهُ في ذَلِكَ. والظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ في (وإنَّهم) عَلى الكُفّارِ، وغُلِّبَ ضَمِيرُ الخِطابِ في (إنَّكَ) عَلى ضَمِيرِ الغَيْبَةِ في (إنَّهم) ولِذَلِكَ جاءَ ﴿تَخْتَصِمُونَ﴾ بِالخِطابِ، فَتَحْتَجُّ أنْتَ عَلَيْهِمْ بِأنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وكَذَّبُوا، واجْتَهَدْتَ في الدَّعْوَةِ ولَجُّوا في العِنادِ.
وقالَ أبُو العالِيَةِ: هم أهْلُ القِبْلَةِ، يَخْتَصِمُونَ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ في مَظالِمِهِمْ.
وأبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ هَذا الخِصامَ سَبَبُهُ ما كانَ في قَتْلِ عُثْمانَ، وما جَرى بَيْنَ عَلِيٍّ ومُعاوِيَةَ بِسَبَبِ ذَلِكَ، رِضى اللَّهِ عَنْهم.
وقِيلَ: يَخْتَصِمُ الجَمِيعُ، فالكُفّارُ يُخاصِمُ بَعْضُهم بَعْضًا حَتّى يُقالَ لَهم: لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ. والمُؤْمِنُونَ يَتَلَقَّوْنَ الكافِرِينَ بِالحُجَجِ، وأهْلُ القِبْلَةِ يَكُونُ بَيْنَهُمُ الخِصامُ.
وقَرَأ ابْنُ الزُّبَيْرِ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وعِيسى، واليَمانِيُّ، وابْنُ أبِي غَوْثٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: (إنَّكَ مائِتٌ وإنَّهم مائِتُونَ)، وهي تُشْعِرُ بِحُدُوثِ الصِّفَةِ؛ والجُمْهُورُ: (مَيِّتٌ ومَيِّتُونَ) وهي تُشْعِرُ بِالثُّبُوتِ واللُّزُومِ كالحَيِّ.
الزمر 39:25
(p-٤٢٣)﴿اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ كِتابًا مُتَشابِهًا مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهم وقُلُوبُهم إلى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشاءُ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ ﴿أفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ وقِيلَ لِلظّالِمِينَ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأتاهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿فَأذاقَهُمُ اللَّهُ الخِزْيَ في الحَياةِ الدُّنْيا ولَعَذابُ الآخِرَةِ أكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ ﴿قُرْءانًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ ورَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا الحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهم مَيِّتُونَ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكم تَخْتَصِمُونَ﴾ .
«عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ قَوْمًا مِنَ الصَّحابَةِ قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، حَدِّثْنا بِأحادِيثَ حِسانٍ، وبِأخْبارِ الدَّهْرِ، فَنَزَلَ: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ﴾» .
وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، أنَّ الصَّحابَةَ مَلَئُوا مَكَّةَ، فَقالُوا لَهُ: حَدِّثْنا، فَنَزَلَتْ.
والِابْتِداءُ بِاسْمِ اللَّهِ، وإسْنادُ نَزَّلَ لِضَمِيرِهِ مَبْنِيًّا عَلَيْهِ فِيهِ تَفْخِيمٌ لِلْمُنَزَّلِ ورَفْعٌ مِنهُ، كَما تَقُولُ: المَلِكُ أكْرَمَ فُلانًا، هو أفْخَمُ مِن: أكْرَمَ المَلِكُ فُلانًا. وحِكْمَةُ ذَلِكَ البَداءَةُ بِالأشْرَفِ مِن تَذَكُّرِ ما تُسْنَدُ إلَيْهِ، وهو كَثِيرٌ في القُرْآنِ، كَقَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ المَلائِكَةِ رُسُلًا﴾ [الحج: ٧٥]، و(كِتابًا) بَدَلٌ مِن (أحْسَنَ الحَدِيثِ) . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ حالًا. انْتَهى.
وكانَ بِناءً عَلى أنَّ (أحْسَنَ الحَدِيثِ) مَعْرِفَةٌ لِإضافَتِهِ إلى مَعْرِفَةٍ. وأفْعَلُ التَّفْضِيلِ، إذا أُضِيفَ إلى مَعْرِفَةٍ، فِيهِ خِلافٌ. فَقِيلَ: إضافَتُهُ مَحْضَةٌ، وقِيلَ: غَيْرُ مَحْضَةٍ. و(مُتَشابِهًا): مُطْلَقٌ في مُشابَهَةِ بَعْضِهِ بَعْضًا. فَمَعانِيهِ مُتَشابِهَةٌ، لا تَناقُضَ فِيها ولا تَعارُضَ، وألْفاظُهُ في غايَةِ الفَصاحَةِ والبَلاغَةِ والتَّناسُبِ، بِحَيْثُ أعْجَزَتِ العُظَماءَ والبُلَغاءَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿مَثانِيَ﴾، بِفَتْحِ الياءِ؛ وهِشامٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بِشْرٍ: بِسُكُونِ الياءِ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا، وسَكَّنَ الياءَ عَلى قَوْلِ مَن يُسَكِّنُ الياءَ في كُلِّ الأحْوالِ، لِانْكِسارِ ما قَبْلَها اسْتِثْقالًا لِلْحَرَكَةِ عَلَيْها. و﴿مَثانِيَ﴾ يَظْهَرُ أنَّهُ جَمْعُ مَثْنًى، ومَعْناهُ: مَوْضِعُ تَثْنِيَةِ القَصَصِ والأحْكامِ والعَقائِدِ والوَعْدِ والوَعِيدِ. وقِيلَ: يُثَنِّي في الصَّلاةِ بِمَعْنى: التَّكْرِيرِ والإعادَةِ. انْتَهى.
ووَصَفَ المُفْرَدَ بِالجَمْعِ؛ لِأنَّ فِيهِ تَفاصِيلَ، وتَفاصِيلُ الشَّيْءِ جُمْلَتُهُ. ألا تَرى أنَّكَ تَقُولُ: القُرْآنُ سُوَرٌ وآياتٌ ؟ فَكَذَلِكَ تَقُولُ: أحْكامٌ ومَواعِظُ مُكَرَّراتٌ، وأصْلُهُ كِتابًا مُتَشابِهًا فُصُولًا مَثانِيَ، حُذِفَ المَوْصُوفُ وأُقِيمَتْ صِفَتُهُ مَقامَهُ. وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ مِن بابِ: بُرْمَةٌ أعْشارٌ، وُثَوْبٌ أخْلاقٌ، وأنْ يَكُونَ تَمْيِيزًا عَنْ: مُتَشابِهًا، فَيَكُونُ مَنقُولًا مِنَ الفاعِلِ، أيْ: مُتَشابِهًا مَثانِيهِ.
كَما تَقُولُ: رَأيْتُ رَجُلًا حَسَنًا شَمائِلَ، وفائِدَةُ تَثْنِيَتِهِ وتَكُرُّرِهِ رُسُوخُهُ في النُّفُوسِ، إذْ هي أنْفَرُ شَيْءٍ عَنْ سَماعِ الوَعْظِ والنَّصِيحَةِ.
والظّاهِرُ حَمْلُ القُشَعْرِيرَةِ عَلى الحَقِيقَةِ، إذْ هو مَوْجُودٌ عِنْدَ الخَشْيَةِ، مَحْسُوسٌ يُدْرِكُهُ الإنْسانُ مِن نَفْسِهِ، وهو حاصِلٌ مِنَ التَّأثُّرِ القَلْبِيِّ. وقِيلَ: هو تَمْثِيلُ تَصْوِيرٍ لِإفْراطِ خَشْيَتِهِمْ، والمَعْنى: أنَّهُ حِينَ يَسْمَعُونَهُ يُتْلى ما فِيهِ مِن آياتِ الوَعِيدِ، عَرَتْهم خَشْيَةٌ تَنْقَبِضُ مِنها جُلُودُهم.
ثُمَّ إذا ذَكَرُوا اللَّهَ ورَحْمَتَهُ لانَتْ جُلُودُهم، أيْ: زالَ عَنْها ذَلِكَ التَّقَبُّضُ النّاشِئُ عَنْ خَشْيَةِ القُلُوبِ بِزَوالِ الخَشْيَةِ عَنْها، وضَمَّنَ تَلِينُ مَعْنى تَطْمَئِنُّ جُلُودُهم لَيِّنَةً غَيْرَ مُنْقَبِضَةٍ، وقُلُوبُهم راجِيَةٌ غَيْرُ خاشِيَةٍ، ولِذَلِكَ عَدّاهُ بِإلى.
وكانَ في ذِكْرِ القُلُوبِ في هَذِهِ الجُمْلَةِ دَلِيلٌ عَلى تَأثُّرِها عِنْدَ السَّماعِ، فاكْتَفى بِقُشَعْرِيرَةِ الجُلُودِ عَنْ ذِكْرِ خَشْيَةِ القُلُوبِ لِقِيامِ المُسَبَّبِ مَقامَ السَّبَبِ. فَلَمّا ذَكَرَ اللِّينَ ذَكَرَهُما، وفي ذِكْرِ اللِّينِ دَلِيلٌ عَلى المَحْذُوفِ الَّذِي هو رَحْمَةُ اللَّهِ، كَما كانَ في قَوْلِهِ: (إذا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهم)، دَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: (وجِلَتْ) عَنْ ذِكْرِ المَحْذُوفِ، أيْ: إذا ذُكِرَ وعِيدُ اللَّهِ وبَطْشُهُ. وقالَ العَبّاسُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلَبِ: قالَ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ”«مَنِ اقْشَعَرَّ جِلْدُهُ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ تَحاتَّتْ عَنْهُ ذُنُوبُهُ كَما يَتَحاتُّ عَنِ الشَّجَرَةِ اليابِسَةِ ورَقُها“» .
وقالَ ابْنُ عُمَرَ: وقَدْ رَأى ساقِطًا مِن سَماعِ القُرْآنِ، فَقالَ: إنّا لِنَخْشى اللَّهَ، وما نُسْقِطُ، هَؤُلاءِ يَدْخُلُ الشَّيْطانُ في جَوْفِ أحَدِهِمْ.
وقالَتْ أسْماءُ بِنْتُ أبِي بَكْرٍ: كانَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَدْمَعُ أعْيُنُهم وتَقْشَعِرُّ جُلُودُهم عِنْدَ سَماعِ القُرْآنِ، قِيلَ لَها: إنَّ قَوْمًا اليَوْمَ إذا اسْمِعُوا القُرْآنَ خَرَّ أحَدُهم مَغْشِيًّا عَلَيْهِ، فَقالَتْ: أعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ.
وقالَ ابْنُ سِيرِينَ: بَيْنَنا وبَيْنَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يُصْرَعُونَ عِنْدَ قِراءَةِ القُرْآنِ أنْ يُجْعَلَ أحَدُهم عَلى حائِطٍ باسِطًا رِجْلَيْهِ، ثُمَّ يُقْرَأُ عَلَيْهِ القُرْآنُ كُلُّهُ، فَإنْ رَمى بِنَفْسِهِ فَهو صادِقٌ. والإشارَةُ بِذَلِكَ إلى (p-٤٢٤)الكِتابِ، أوْ إلى ذَيْنِكَ الوَصْفَيْنِ مِنَ الِاقْشِعْرارِ واللِّينِ، أيْ: أثَرُ هُدى اللَّهِ.
﴿أفَمَن يَتَّقِي﴾ أيْ: يَسْتَقْبِلُ، كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎سَقَطَ النَّصِيفُ ولَمْ تُرِدْ إسْقاطَهُ فَتَناوَلَتْهُ واتَّقَتْنا بِاليَدِ
أيْ: اسْتَقْبَلَتْنا بِيَدِها لِتَقِيَ بِيَدِها وجْهَها أنْ يُرى.
والظّاهِرُ حَمْلُ ﴿بِوَجْهِهِ﴾ عَلى حَقِيقَتِهِ. لَمّا كانَ يُلْقى في النّارِ مَغْلُولَةً يَداهُ إلى رِجْلَيْهِ مَعَ عُنُقِهِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ ما يَتَّقِي بِهِ النّارَ إلّا وجْهَهُ.
قالَ مُجاهِدٌ: يُجَرُّ عَلى وجْهِهِ في النّارِ، ويَجُوزُ أنْ يُعَبَّرَ بِالوَجْهِ عَنِ الجُمْلَةِ. وقِيلَ: المَعْنى وصْفُ كَثْرَةِ ما يَنالُهم مِنَ العَذابِ، يَتَّقِيهِ أوَّلًا بِجَوارِحِهِ، فَيَتَزَيَدُ حَتّى يَتَّقِيَهُ بِوَجْهِهِ الَّذِي هو أشْرَفُ جَوارِحِهِ، وفِيهِ جَوابٌ، وهو غايَةُ العَذابِ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا المَعْنى عِنْدِي أبْيَنُ بَلاغَةً. في هَذا المِضْمارِ يَجْرِي قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎يَلْقى السُّيُوفَ بِوَجْهِهِ وبِنَحْرِهِ ∗∗∗ ويُقِيمُ هامَتَهُ مَقامَ المِغْفَرِ
لِأنَّهُ إنَّما أرادَ عِظَمَ جُرْأتِهِ عَلَيْها، فَهو يَلْقاها بِكُلِّ مِجَنٍّ، وبِكُلِّ شَيْءٍ عَنْهُ، حَتّى بِوَجْهِهِ وبِنَحْرِهِ. انْتَهى.
و(سُوءَ العَذابِ): أشَدَّهُ، وخَبَرُ مَن مَحْذُوفٌ قَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: كَمَن أمِنَ العَذابَ، وابْنُ عَطِيَّةَ: كالمُنَعَّمِينَ في الجَنَّةِ.
﴿وقِيلَ لِلظّالِمِينَ﴾ أيْ: قالَ ذَلِكَ خَزَنَةُ النّارِ، (ذُوقُوا ما كُنْتُمْ) أيْ: وبالَ ما كُنْتُمْ (تَكْسِبُونَ) مِنَ الأعْمالِ السَّيِّئَةِ.
(كَذَّبَ الَّذِينَ مِنَ قَبْلِهِمْ): تَمْثِيلٌ لِ قُرَيْشٍ بِالأُمَمِ الماضِيَةِ، وما آلَ إلَيْهِ أمْرُهم مِنَ الهَلاكِ.
﴿فَأتاهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾: مِنَ الجِهَةِ الَّتِي لا يَشْعُرُونَ أنَّ العَذابَ يَأْتِيهِمْ مِنَ قِبَلِها، ولا يَخْطُرُ بِبالِهِمْ أنَّ الشَّرَّ يَأْتِيهِمْ مِنها.
كانُوا في أمْنٍ وغِبْطَةٍ وسُرُورٍ، فَإذا هم مُعَذَّبُونَ مَخْزِيُّونَ ذَلِيلُونَ في الدُّنْيا مِن مَمْسُوخٍ ومَقْتُولٍ ومَأْسُورٍ ومَنفِيٍّ.
ثُمَّ أخْبَرَ أنَّ ما أُعِدَّ لَهم في الآخِرَةِ أعْظَمُ. وانْتَصَبَ (قُرْآنًا عَرَبِيًّا) عَلى الحالِ، وهي حالٌ مُؤَكِّدَةٌ، والحالُ في الحَقِيقَةِ هو (عَرَبِيًّا)، و(قُرْآنًا) تَوْطِئَةٌ لَهُ. وقِيلَ: انْتَصَبَ عَلى المَدْحِ، ونَفى عَنْهُ العِوَجَ؛ لِأنَّهُ مُسْتَقِيمٌ بَرِيءٌ مِنَ الِاخْتِلافِ والتَّناقُضِ.
وقالَ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ: غَيْرُ مُضْطَرِبٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: غَيْرُ مُخْتَلِفٍ. وقالَ مُجاهِدٌ: غَيْرُ ذِي لَبْسٍ. وقالَ السُّدِّيُّ: غَيْرُ مَخْلُوقٍ. وقِيلَ: غَيْرُ ذِي لَحْنٍ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): فَهَلّا قِيلَ مُسْتَقِيمًا أوْ غَيْرَ مُعْوَجٍّ ؟ (قُلْتُ): فِيهِ فائِدَتانِ: إحْداهُما: نَفْيُ أنْ يَكُونَ فِيهِ عِوَجٌ قَطُّ، كَما قالَ: ﴿ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجا﴾ [الكهف: ١] .
والثّانِي: أنَّ لَفْظَ العِوَجِ مُخْتَصٌّ بِالمَعانِي دُونَ الأعْيانِ. وقِيلَ: المُرادُ بِالعِوَجِ: الشَّكُّ واللَّبْسُ، وأنْشَدَ:
؎وقَدْ أتاكَ يَقِينًا غَيْرُ ذِي عِوَجِ ∗∗∗ مِنَ الإلَهِ وقَوْلٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ. انْتَهى
ولَمّا ذَكَرَ تَعالى أنَّهُ ضَرَبَ في القُرْآنِ (مِن كُلِّ مَثَلٍ): أيْ مُحْتاجٍ إلَيْهِ، ضَرَبَ هُنا مَثَلًا لِعابِدِ آلِهَةٍ كَثِيرَةٍ، ومَن يَعْبُدُ اللَّهَ وحْدَهُ، ومَثَّلَ بَرْجَلٍ مَمْلُوكٍ اشْتَرَكَ فِيهِ مُلّاكٌ سَيِّئُو الأخْلاقِ، فَهو لا يَقْدِرُ أنْ يُوَفِّيَ كُلَّ واحِدٍ مِنهم مَقْصُودَهُ، إذْ لا يَتَغاضى بَعْضُهم لِبَعْضٍ لِمُشاحَتِهِمْ، وطَلَبَ كُلٌّ مِنهم أنْ يَقْضِيَ حاجَتَهُ عَلى التَّمامِ، فَلا يَزالُ في عَناءٍ وتَعَبٍ ولَوْمٍ مِن كُلٍّ مِنهم.
ورَجُلٌ آخَرُ مَمْلُوكٌ جَمِيعُهُ لِرَجُلٍ واحِدٍ، فَهو مَعْنِيٌّ بِشُغْلِهِ لا يَشْغَلُهُ عَنْهُ شَيْءٌ، ومالِكُهُ راضٍ عَنْهُ إنْ قَدْ خَلُصَ لِخِدْمَتِهِ، وبَذَلَ جُهْدَهُ في قَضاءِ حَوائِجِهِ، فَلا يَلْقى مِن سَيِّدِهِ إلّا إحْسانًا، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في نَصْبِ المَثَلِ.
وما بَعْدَهُ.
وقالَ الكِسائِيُّ: انْتَصَبَ رَجُلًا عَلى إسْقاطِ الخافِضِ، أيْ مَثَلًا لِرَجُلٍ، أوْ في رَجُلٍ فِيهِ، أيْ: في رِقِّهِ مُشْتَرَكًا، وفِيهِ صِلَةٌ لِشُرَكاءَ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والزُّهْرِيُّ، والحَسَنُ: بِخِلافٍ عَنْهُ؛ والجَحْدَرَيُّ، وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو: (سالِمًا) اسْمُ فاعِلٍ مِنَ سَلِمَ، أيْ خالِصًا مِنَ الشَّرِكَةِ. وقَرَأ الأعْرَجُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، وأبُو رَجاءٍ، وطَلْحَةُ، والحَسَنُ: بِخِلافٍ عَنْهُ؛ وباقِي السَّبْعَةِ: (سَلَمًا) بِفَتْحِ السِّينِ واللّامِ.
وقَرَأ ابْنُ جُبَيْرٍ: (سِلْمًا) بِكَسْرِ السِّينِ وسُكُونِ اللّامِ، وهُما مَصْدَرٌ إنْ وُصِفَ بِهِما مُبالَغَةً في الخُلُوصِ مِنَ الشَّرِكَةِ. وقُرِئَ: (ورَجُلٌ (p-٤٢٥)سالِمٌ) بِرَفْعِهِما. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ وهُناكَ رَجُلٌ سالِمٌ لِرَجُلٍ. انْتَهى، فَجَعَلَ الخَبَرَ هُناكَ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ورَجُلٌ مُبْتَدَأً؛ لِأنَّهُ مَوْضِعُ تَفْصِيلٍ، إذْ قَدْ تَقَدَّمَ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ، فَيَكُونُ كَقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:
؎إذا ما بَكى مِن خَلْفِها انْحَرَفَتْ ∗∗∗ لَهُ بِشِقٍّ وشَقٍّ عِنْدَنا لَمْ يُحَوَّلِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإنَّما جَعَلَهُ رَجُلًا لِيَكُونَ أفْطَنَ لِما شَقِيَ بِهِ أوْ سَعِدَ، فَإنَّ المَرْأةَ والصَّبِيَّ قَدْ يَغْفَلانِ عَنْ ذَلِكَ.
وانْتَصَبَ (مَثَلًا) عَلى التَّمْيِيزِ المَنقُولِ مِنَ الفاعِلِ، إذِ التَّقْدِيرُ: هَلْ يَسْتَوِي مَثَلُهُما ؟ واقْتَصَرَ في التَّمْيِيزِ عَلى الواحِدِ؛ لِأنَّهُ المُقْتَصَرُ عَلَيْهِ أوَّلًا في قَوْلِهِ: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا)، ولِبَيانِ الجِنْسِ. وقُرِئَ: (مَثَلَيْنِ)، فَطابَقَ حالَ الرَّجُلَيْنِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ فِيمَن قَرَأ (مَثَلَيْنِ) أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ في (يَسْتَوِيانِ) لِلْمَثَلَيْنِ؛ لِأنَّ التَّقْدِيرَ مَثَلُ رَجُلٍ، والمَعْنى: هَلْ يَسْتَوِيانِ فِيما يَرْجِعُ إلى الوَصْفِيَّةِ ؟ كَما يَقُولُ: كَفى بِهِما رَجُلَيْنِ. انْتَهى.
والظّاهِرُ أنَّهُ يَعُودُ الضَّمِيرُ في يَسْتَوِيانِ إلى الرَّجُلَيْنِ، فَأمّا إذا جَعَلْتَهُ عائِدًا إلى المَثَلَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرَ أنَّ التَّقْدِيرَ مَثَلَ رَجُلٍ ورَجُلٍ، فَإنَّ التَّمْيِيزَ إذْ ذاكَ يَكُونُ قَدْ فُهِمَ مِنَ المُمَيَّزِ الَّذِي هو الضَّمِيرُ، إذْ يَصِيرُ التَّقْدِيرُ: هَلْ يَسْتَوِي المَثَلانِ مَثَلَيْنِ ؟ قُلْ: (الحَمْدُ لِلَّهِ): أيِ الثَّناءُ والمَدْحُ لِلَّهِ لا لِغَيْرِهِ، وهو الَّذِي ثَبَتَتْ وحْدانِيَّتُهُ، فَهو الَّذِي يَجِبُ أنْ يُحْمَدَ، (بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ)، فَيُشْرِكُونَ بِهِ غَيْرَهُ.
ولَفْظَةُ الحَمْدُ لِلَّهِ تُشْعِرُ بِوُقُوعِ الهَلاكِ بِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿فَقُطِعَ دابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٤٥] .
ولَمّا لَمْ يَلْتَفِتُوا إلى هَذِهِ الدَّلائِلِ الباهِرَةِ، أخْبَرَ الجَمِيعَ بِأنَّهم مَيِّتُونَ وصائِرُونَ إلَيْهِ، وأنَّ اخْتَصامَكم يَكُونُ بَيْنَ يَدَيْهِ يَوْمَ القِيامَةِ، وهو الحَكَمُ العَدْلُ، فَيَتَمَيَّزُ المُحِقُّ مِنَ المُبْطِلِ، وهو - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأتْباعُهُ المُحِقُّونَ الفائِزُونَ بِالظَّفَرِ والغَلَبَةِ، والكافِرُونَ هُمُ المُبْطِلُونَ.
فالضَّمِيرُ في (وإنَّكَ) خِطابٌ لِلرَّسُولِ، وتَدْخُلُ مَعَهُ أُمَّتُهُ في ذَلِكَ. والظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ في (وإنَّهم) عَلى الكُفّارِ، وغُلِّبَ ضَمِيرُ الخِطابِ في (إنَّكَ) عَلى ضَمِيرِ الغَيْبَةِ في (إنَّهم) ولِذَلِكَ جاءَ ﴿تَخْتَصِمُونَ﴾ بِالخِطابِ، فَتَحْتَجُّ أنْتَ عَلَيْهِمْ بِأنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وكَذَّبُوا، واجْتَهَدْتَ في الدَّعْوَةِ ولَجُّوا في العِنادِ.
وقالَ أبُو العالِيَةِ: هم أهْلُ القِبْلَةِ، يَخْتَصِمُونَ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ في مَظالِمِهِمْ.
وأبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ هَذا الخِصامَ سَبَبُهُ ما كانَ في قَتْلِ عُثْمانَ، وما جَرى بَيْنَ عَلِيٍّ ومُعاوِيَةَ بِسَبَبِ ذَلِكَ، رِضى اللَّهِ عَنْهم.
وقِيلَ: يَخْتَصِمُ الجَمِيعُ، فالكُفّارُ يُخاصِمُ بَعْضُهم بَعْضًا حَتّى يُقالَ لَهم: لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ. والمُؤْمِنُونَ يَتَلَقَّوْنَ الكافِرِينَ بِالحُجَجِ، وأهْلُ القِبْلَةِ يَكُونُ بَيْنَهُمُ الخِصامُ.
وقَرَأ ابْنُ الزُّبَيْرِ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وعِيسى، واليَمانِيُّ، وابْنُ أبِي غَوْثٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: (إنَّكَ مائِتٌ وإنَّهم مائِتُونَ)، وهي تُشْعِرُ بِحُدُوثِ الصِّفَةِ؛ والجُمْهُورُ: (مَيِّتٌ ومَيِّتُونَ) وهي تُشْعِرُ بِالثُّبُوتِ واللُّزُومِ كالحَيِّ.
الزمر 39:26
(p-٤٢٣)﴿اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ كِتابًا مُتَشابِهًا مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهم وقُلُوبُهم إلى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشاءُ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ ﴿أفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ وقِيلَ لِلظّالِمِينَ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأتاهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿فَأذاقَهُمُ اللَّهُ الخِزْيَ في الحَياةِ الدُّنْيا ولَعَذابُ الآخِرَةِ أكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ ﴿قُرْءانًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ ورَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا الحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهم مَيِّتُونَ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكم تَخْتَصِمُونَ﴾ .
«عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ قَوْمًا مِنَ الصَّحابَةِ قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، حَدِّثْنا بِأحادِيثَ حِسانٍ، وبِأخْبارِ الدَّهْرِ، فَنَزَلَ: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ﴾» .
وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، أنَّ الصَّحابَةَ مَلَئُوا مَكَّةَ، فَقالُوا لَهُ: حَدِّثْنا، فَنَزَلَتْ.
والِابْتِداءُ بِاسْمِ اللَّهِ، وإسْنادُ نَزَّلَ لِضَمِيرِهِ مَبْنِيًّا عَلَيْهِ فِيهِ تَفْخِيمٌ لِلْمُنَزَّلِ ورَفْعٌ مِنهُ، كَما تَقُولُ: المَلِكُ أكْرَمَ فُلانًا، هو أفْخَمُ مِن: أكْرَمَ المَلِكُ فُلانًا. وحِكْمَةُ ذَلِكَ البَداءَةُ بِالأشْرَفِ مِن تَذَكُّرِ ما تُسْنَدُ إلَيْهِ، وهو كَثِيرٌ في القُرْآنِ، كَقَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ المَلائِكَةِ رُسُلًا﴾ [الحج: ٧٥]، و(كِتابًا) بَدَلٌ مِن (أحْسَنَ الحَدِيثِ) . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ حالًا. انْتَهى.
وكانَ بِناءً عَلى أنَّ (أحْسَنَ الحَدِيثِ) مَعْرِفَةٌ لِإضافَتِهِ إلى مَعْرِفَةٍ. وأفْعَلُ التَّفْضِيلِ، إذا أُضِيفَ إلى مَعْرِفَةٍ، فِيهِ خِلافٌ. فَقِيلَ: إضافَتُهُ مَحْضَةٌ، وقِيلَ: غَيْرُ مَحْضَةٍ. و(مُتَشابِهًا): مُطْلَقٌ في مُشابَهَةِ بَعْضِهِ بَعْضًا. فَمَعانِيهِ مُتَشابِهَةٌ، لا تَناقُضَ فِيها ولا تَعارُضَ، وألْفاظُهُ في غايَةِ الفَصاحَةِ والبَلاغَةِ والتَّناسُبِ، بِحَيْثُ أعْجَزَتِ العُظَماءَ والبُلَغاءَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿مَثانِيَ﴾، بِفَتْحِ الياءِ؛ وهِشامٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بِشْرٍ: بِسُكُونِ الياءِ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا، وسَكَّنَ الياءَ عَلى قَوْلِ مَن يُسَكِّنُ الياءَ في كُلِّ الأحْوالِ، لِانْكِسارِ ما قَبْلَها اسْتِثْقالًا لِلْحَرَكَةِ عَلَيْها. و﴿مَثانِيَ﴾ يَظْهَرُ أنَّهُ جَمْعُ مَثْنًى، ومَعْناهُ: مَوْضِعُ تَثْنِيَةِ القَصَصِ والأحْكامِ والعَقائِدِ والوَعْدِ والوَعِيدِ. وقِيلَ: يُثَنِّي في الصَّلاةِ بِمَعْنى: التَّكْرِيرِ والإعادَةِ. انْتَهى.
ووَصَفَ المُفْرَدَ بِالجَمْعِ؛ لِأنَّ فِيهِ تَفاصِيلَ، وتَفاصِيلُ الشَّيْءِ جُمْلَتُهُ. ألا تَرى أنَّكَ تَقُولُ: القُرْآنُ سُوَرٌ وآياتٌ ؟ فَكَذَلِكَ تَقُولُ: أحْكامٌ ومَواعِظُ مُكَرَّراتٌ، وأصْلُهُ كِتابًا مُتَشابِهًا فُصُولًا مَثانِيَ، حُذِفَ المَوْصُوفُ وأُقِيمَتْ صِفَتُهُ مَقامَهُ. وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ مِن بابِ: بُرْمَةٌ أعْشارٌ، وُثَوْبٌ أخْلاقٌ، وأنْ يَكُونَ تَمْيِيزًا عَنْ: مُتَشابِهًا، فَيَكُونُ مَنقُولًا مِنَ الفاعِلِ، أيْ: مُتَشابِهًا مَثانِيهِ.
كَما تَقُولُ: رَأيْتُ رَجُلًا حَسَنًا شَمائِلَ، وفائِدَةُ تَثْنِيَتِهِ وتَكُرُّرِهِ رُسُوخُهُ في النُّفُوسِ، إذْ هي أنْفَرُ شَيْءٍ عَنْ سَماعِ الوَعْظِ والنَّصِيحَةِ.
والظّاهِرُ حَمْلُ القُشَعْرِيرَةِ عَلى الحَقِيقَةِ، إذْ هو مَوْجُودٌ عِنْدَ الخَشْيَةِ، مَحْسُوسٌ يُدْرِكُهُ الإنْسانُ مِن نَفْسِهِ، وهو حاصِلٌ مِنَ التَّأثُّرِ القَلْبِيِّ. وقِيلَ: هو تَمْثِيلُ تَصْوِيرٍ لِإفْراطِ خَشْيَتِهِمْ، والمَعْنى: أنَّهُ حِينَ يَسْمَعُونَهُ يُتْلى ما فِيهِ مِن آياتِ الوَعِيدِ، عَرَتْهم خَشْيَةٌ تَنْقَبِضُ مِنها جُلُودُهم.
ثُمَّ إذا ذَكَرُوا اللَّهَ ورَحْمَتَهُ لانَتْ جُلُودُهم، أيْ: زالَ عَنْها ذَلِكَ التَّقَبُّضُ النّاشِئُ عَنْ خَشْيَةِ القُلُوبِ بِزَوالِ الخَشْيَةِ عَنْها، وضَمَّنَ تَلِينُ مَعْنى تَطْمَئِنُّ جُلُودُهم لَيِّنَةً غَيْرَ مُنْقَبِضَةٍ، وقُلُوبُهم راجِيَةٌ غَيْرُ خاشِيَةٍ، ولِذَلِكَ عَدّاهُ بِإلى.
وكانَ في ذِكْرِ القُلُوبِ في هَذِهِ الجُمْلَةِ دَلِيلٌ عَلى تَأثُّرِها عِنْدَ السَّماعِ، فاكْتَفى بِقُشَعْرِيرَةِ الجُلُودِ عَنْ ذِكْرِ خَشْيَةِ القُلُوبِ لِقِيامِ المُسَبَّبِ مَقامَ السَّبَبِ. فَلَمّا ذَكَرَ اللِّينَ ذَكَرَهُما، وفي ذِكْرِ اللِّينِ دَلِيلٌ عَلى المَحْذُوفِ الَّذِي هو رَحْمَةُ اللَّهِ، كَما كانَ في قَوْلِهِ: (إذا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهم)، دَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: (وجِلَتْ) عَنْ ذِكْرِ المَحْذُوفِ، أيْ: إذا ذُكِرَ وعِيدُ اللَّهِ وبَطْشُهُ. وقالَ العَبّاسُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلَبِ: قالَ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ”«مَنِ اقْشَعَرَّ جِلْدُهُ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ تَحاتَّتْ عَنْهُ ذُنُوبُهُ كَما يَتَحاتُّ عَنِ الشَّجَرَةِ اليابِسَةِ ورَقُها“» .
وقالَ ابْنُ عُمَرَ: وقَدْ رَأى ساقِطًا مِن سَماعِ القُرْآنِ، فَقالَ: إنّا لِنَخْشى اللَّهَ، وما نُسْقِطُ، هَؤُلاءِ يَدْخُلُ الشَّيْطانُ في جَوْفِ أحَدِهِمْ.
وقالَتْ أسْماءُ بِنْتُ أبِي بَكْرٍ: كانَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَدْمَعُ أعْيُنُهم وتَقْشَعِرُّ جُلُودُهم عِنْدَ سَماعِ القُرْآنِ، قِيلَ لَها: إنَّ قَوْمًا اليَوْمَ إذا اسْمِعُوا القُرْآنَ خَرَّ أحَدُهم مَغْشِيًّا عَلَيْهِ، فَقالَتْ: أعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ.
وقالَ ابْنُ سِيرِينَ: بَيْنَنا وبَيْنَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يُصْرَعُونَ عِنْدَ قِراءَةِ القُرْآنِ أنْ يُجْعَلَ أحَدُهم عَلى حائِطٍ باسِطًا رِجْلَيْهِ، ثُمَّ يُقْرَأُ عَلَيْهِ القُرْآنُ كُلُّهُ، فَإنْ رَمى بِنَفْسِهِ فَهو صادِقٌ. والإشارَةُ بِذَلِكَ إلى (p-٤٢٤)الكِتابِ، أوْ إلى ذَيْنِكَ الوَصْفَيْنِ مِنَ الِاقْشِعْرارِ واللِّينِ، أيْ: أثَرُ هُدى اللَّهِ.
﴿أفَمَن يَتَّقِي﴾ أيْ: يَسْتَقْبِلُ، كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎سَقَطَ النَّصِيفُ ولَمْ تُرِدْ إسْقاطَهُ فَتَناوَلَتْهُ واتَّقَتْنا بِاليَدِ
أيْ: اسْتَقْبَلَتْنا بِيَدِها لِتَقِيَ بِيَدِها وجْهَها أنْ يُرى.
والظّاهِرُ حَمْلُ ﴿بِوَجْهِهِ﴾ عَلى حَقِيقَتِهِ. لَمّا كانَ يُلْقى في النّارِ مَغْلُولَةً يَداهُ إلى رِجْلَيْهِ مَعَ عُنُقِهِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ ما يَتَّقِي بِهِ النّارَ إلّا وجْهَهُ.
قالَ مُجاهِدٌ: يُجَرُّ عَلى وجْهِهِ في النّارِ، ويَجُوزُ أنْ يُعَبَّرَ بِالوَجْهِ عَنِ الجُمْلَةِ. وقِيلَ: المَعْنى وصْفُ كَثْرَةِ ما يَنالُهم مِنَ العَذابِ، يَتَّقِيهِ أوَّلًا بِجَوارِحِهِ، فَيَتَزَيَدُ حَتّى يَتَّقِيَهُ بِوَجْهِهِ الَّذِي هو أشْرَفُ جَوارِحِهِ، وفِيهِ جَوابٌ، وهو غايَةُ العَذابِ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا المَعْنى عِنْدِي أبْيَنُ بَلاغَةً. في هَذا المِضْمارِ يَجْرِي قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎يَلْقى السُّيُوفَ بِوَجْهِهِ وبِنَحْرِهِ ∗∗∗ ويُقِيمُ هامَتَهُ مَقامَ المِغْفَرِ
لِأنَّهُ إنَّما أرادَ عِظَمَ جُرْأتِهِ عَلَيْها، فَهو يَلْقاها بِكُلِّ مِجَنٍّ، وبِكُلِّ شَيْءٍ عَنْهُ، حَتّى بِوَجْهِهِ وبِنَحْرِهِ. انْتَهى.
و(سُوءَ العَذابِ): أشَدَّهُ، وخَبَرُ مَن مَحْذُوفٌ قَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: كَمَن أمِنَ العَذابَ، وابْنُ عَطِيَّةَ: كالمُنَعَّمِينَ في الجَنَّةِ.
﴿وقِيلَ لِلظّالِمِينَ﴾ أيْ: قالَ ذَلِكَ خَزَنَةُ النّارِ، (ذُوقُوا ما كُنْتُمْ) أيْ: وبالَ ما كُنْتُمْ (تَكْسِبُونَ) مِنَ الأعْمالِ السَّيِّئَةِ.
(كَذَّبَ الَّذِينَ مِنَ قَبْلِهِمْ): تَمْثِيلٌ لِ قُرَيْشٍ بِالأُمَمِ الماضِيَةِ، وما آلَ إلَيْهِ أمْرُهم مِنَ الهَلاكِ.
﴿فَأتاهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾: مِنَ الجِهَةِ الَّتِي لا يَشْعُرُونَ أنَّ العَذابَ يَأْتِيهِمْ مِنَ قِبَلِها، ولا يَخْطُرُ بِبالِهِمْ أنَّ الشَّرَّ يَأْتِيهِمْ مِنها.
كانُوا في أمْنٍ وغِبْطَةٍ وسُرُورٍ، فَإذا هم مُعَذَّبُونَ مَخْزِيُّونَ ذَلِيلُونَ في الدُّنْيا مِن مَمْسُوخٍ ومَقْتُولٍ ومَأْسُورٍ ومَنفِيٍّ.
ثُمَّ أخْبَرَ أنَّ ما أُعِدَّ لَهم في الآخِرَةِ أعْظَمُ. وانْتَصَبَ (قُرْآنًا عَرَبِيًّا) عَلى الحالِ، وهي حالٌ مُؤَكِّدَةٌ، والحالُ في الحَقِيقَةِ هو (عَرَبِيًّا)، و(قُرْآنًا) تَوْطِئَةٌ لَهُ. وقِيلَ: انْتَصَبَ عَلى المَدْحِ، ونَفى عَنْهُ العِوَجَ؛ لِأنَّهُ مُسْتَقِيمٌ بَرِيءٌ مِنَ الِاخْتِلافِ والتَّناقُضِ.
وقالَ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ: غَيْرُ مُضْطَرِبٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: غَيْرُ مُخْتَلِفٍ. وقالَ مُجاهِدٌ: غَيْرُ ذِي لَبْسٍ. وقالَ السُّدِّيُّ: غَيْرُ مَخْلُوقٍ. وقِيلَ: غَيْرُ ذِي لَحْنٍ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): فَهَلّا قِيلَ مُسْتَقِيمًا أوْ غَيْرَ مُعْوَجٍّ ؟ (قُلْتُ): فِيهِ فائِدَتانِ: إحْداهُما: نَفْيُ أنْ يَكُونَ فِيهِ عِوَجٌ قَطُّ، كَما قالَ: ﴿ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجا﴾ [الكهف: ١] .
والثّانِي: أنَّ لَفْظَ العِوَجِ مُخْتَصٌّ بِالمَعانِي دُونَ الأعْيانِ. وقِيلَ: المُرادُ بِالعِوَجِ: الشَّكُّ واللَّبْسُ، وأنْشَدَ:
؎وقَدْ أتاكَ يَقِينًا غَيْرُ ذِي عِوَجِ ∗∗∗ مِنَ الإلَهِ وقَوْلٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ. انْتَهى
ولَمّا ذَكَرَ تَعالى أنَّهُ ضَرَبَ في القُرْآنِ (مِن كُلِّ مَثَلٍ): أيْ مُحْتاجٍ إلَيْهِ، ضَرَبَ هُنا مَثَلًا لِعابِدِ آلِهَةٍ كَثِيرَةٍ، ومَن يَعْبُدُ اللَّهَ وحْدَهُ، ومَثَّلَ بَرْجَلٍ مَمْلُوكٍ اشْتَرَكَ فِيهِ مُلّاكٌ سَيِّئُو الأخْلاقِ، فَهو لا يَقْدِرُ أنْ يُوَفِّيَ كُلَّ واحِدٍ مِنهم مَقْصُودَهُ، إذْ لا يَتَغاضى بَعْضُهم لِبَعْضٍ لِمُشاحَتِهِمْ، وطَلَبَ كُلٌّ مِنهم أنْ يَقْضِيَ حاجَتَهُ عَلى التَّمامِ، فَلا يَزالُ في عَناءٍ وتَعَبٍ ولَوْمٍ مِن كُلٍّ مِنهم.
ورَجُلٌ آخَرُ مَمْلُوكٌ جَمِيعُهُ لِرَجُلٍ واحِدٍ، فَهو مَعْنِيٌّ بِشُغْلِهِ لا يَشْغَلُهُ عَنْهُ شَيْءٌ، ومالِكُهُ راضٍ عَنْهُ إنْ قَدْ خَلُصَ لِخِدْمَتِهِ، وبَذَلَ جُهْدَهُ في قَضاءِ حَوائِجِهِ، فَلا يَلْقى مِن سَيِّدِهِ إلّا إحْسانًا، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في نَصْبِ المَثَلِ.
وما بَعْدَهُ.
وقالَ الكِسائِيُّ: انْتَصَبَ رَجُلًا عَلى إسْقاطِ الخافِضِ، أيْ مَثَلًا لِرَجُلٍ، أوْ في رَجُلٍ فِيهِ، أيْ: في رِقِّهِ مُشْتَرَكًا، وفِيهِ صِلَةٌ لِشُرَكاءَ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والزُّهْرِيُّ، والحَسَنُ: بِخِلافٍ عَنْهُ؛ والجَحْدَرَيُّ، وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو: (سالِمًا) اسْمُ فاعِلٍ مِنَ سَلِمَ، أيْ خالِصًا مِنَ الشَّرِكَةِ. وقَرَأ الأعْرَجُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، وأبُو رَجاءٍ، وطَلْحَةُ، والحَسَنُ: بِخِلافٍ عَنْهُ؛ وباقِي السَّبْعَةِ: (سَلَمًا) بِفَتْحِ السِّينِ واللّامِ.
وقَرَأ ابْنُ جُبَيْرٍ: (سِلْمًا) بِكَسْرِ السِّينِ وسُكُونِ اللّامِ، وهُما مَصْدَرٌ إنْ وُصِفَ بِهِما مُبالَغَةً في الخُلُوصِ مِنَ الشَّرِكَةِ. وقُرِئَ: (ورَجُلٌ (p-٤٢٥)سالِمٌ) بِرَفْعِهِما. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ وهُناكَ رَجُلٌ سالِمٌ لِرَجُلٍ. انْتَهى، فَجَعَلَ الخَبَرَ هُناكَ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ورَجُلٌ مُبْتَدَأً؛ لِأنَّهُ مَوْضِعُ تَفْصِيلٍ، إذْ قَدْ تَقَدَّمَ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ، فَيَكُونُ كَقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:
؎إذا ما بَكى مِن خَلْفِها انْحَرَفَتْ ∗∗∗ لَهُ بِشِقٍّ وشَقٍّ عِنْدَنا لَمْ يُحَوَّلِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإنَّما جَعَلَهُ رَجُلًا لِيَكُونَ أفْطَنَ لِما شَقِيَ بِهِ أوْ سَعِدَ، فَإنَّ المَرْأةَ والصَّبِيَّ قَدْ يَغْفَلانِ عَنْ ذَلِكَ.
وانْتَصَبَ (مَثَلًا) عَلى التَّمْيِيزِ المَنقُولِ مِنَ الفاعِلِ، إذِ التَّقْدِيرُ: هَلْ يَسْتَوِي مَثَلُهُما ؟ واقْتَصَرَ في التَّمْيِيزِ عَلى الواحِدِ؛ لِأنَّهُ المُقْتَصَرُ عَلَيْهِ أوَّلًا في قَوْلِهِ: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا)، ولِبَيانِ الجِنْسِ. وقُرِئَ: (مَثَلَيْنِ)، فَطابَقَ حالَ الرَّجُلَيْنِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ فِيمَن قَرَأ (مَثَلَيْنِ) أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ في (يَسْتَوِيانِ) لِلْمَثَلَيْنِ؛ لِأنَّ التَّقْدِيرَ مَثَلُ رَجُلٍ، والمَعْنى: هَلْ يَسْتَوِيانِ فِيما يَرْجِعُ إلى الوَصْفِيَّةِ ؟ كَما يَقُولُ: كَفى بِهِما رَجُلَيْنِ. انْتَهى.
والظّاهِرُ أنَّهُ يَعُودُ الضَّمِيرُ في يَسْتَوِيانِ إلى الرَّجُلَيْنِ، فَأمّا إذا جَعَلْتَهُ عائِدًا إلى المَثَلَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرَ أنَّ التَّقْدِيرَ مَثَلَ رَجُلٍ ورَجُلٍ، فَإنَّ التَّمْيِيزَ إذْ ذاكَ يَكُونُ قَدْ فُهِمَ مِنَ المُمَيَّزِ الَّذِي هو الضَّمِيرُ، إذْ يَصِيرُ التَّقْدِيرُ: هَلْ يَسْتَوِي المَثَلانِ مَثَلَيْنِ ؟ قُلْ: (الحَمْدُ لِلَّهِ): أيِ الثَّناءُ والمَدْحُ لِلَّهِ لا لِغَيْرِهِ، وهو الَّذِي ثَبَتَتْ وحْدانِيَّتُهُ، فَهو الَّذِي يَجِبُ أنْ يُحْمَدَ، (بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ)، فَيُشْرِكُونَ بِهِ غَيْرَهُ.
ولَفْظَةُ الحَمْدُ لِلَّهِ تُشْعِرُ بِوُقُوعِ الهَلاكِ بِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿فَقُطِعَ دابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٤٥] .
ولَمّا لَمْ يَلْتَفِتُوا إلى هَذِهِ الدَّلائِلِ الباهِرَةِ، أخْبَرَ الجَمِيعَ بِأنَّهم مَيِّتُونَ وصائِرُونَ إلَيْهِ، وأنَّ اخْتَصامَكم يَكُونُ بَيْنَ يَدَيْهِ يَوْمَ القِيامَةِ، وهو الحَكَمُ العَدْلُ، فَيَتَمَيَّزُ المُحِقُّ مِنَ المُبْطِلِ، وهو - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأتْباعُهُ المُحِقُّونَ الفائِزُونَ بِالظَّفَرِ والغَلَبَةِ، والكافِرُونَ هُمُ المُبْطِلُونَ.
فالضَّمِيرُ في (وإنَّكَ) خِطابٌ لِلرَّسُولِ، وتَدْخُلُ مَعَهُ أُمَّتُهُ في ذَلِكَ. والظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ في (وإنَّهم) عَلى الكُفّارِ، وغُلِّبَ ضَمِيرُ الخِطابِ في (إنَّكَ) عَلى ضَمِيرِ الغَيْبَةِ في (إنَّهم) ولِذَلِكَ جاءَ ﴿تَخْتَصِمُونَ﴾ بِالخِطابِ، فَتَحْتَجُّ أنْتَ عَلَيْهِمْ بِأنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وكَذَّبُوا، واجْتَهَدْتَ في الدَّعْوَةِ ولَجُّوا في العِنادِ.
وقالَ أبُو العالِيَةِ: هم أهْلُ القِبْلَةِ، يَخْتَصِمُونَ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ في مَظالِمِهِمْ.
وأبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ هَذا الخِصامَ سَبَبُهُ ما كانَ في قَتْلِ عُثْمانَ، وما جَرى بَيْنَ عَلِيٍّ ومُعاوِيَةَ بِسَبَبِ ذَلِكَ، رِضى اللَّهِ عَنْهم.
وقِيلَ: يَخْتَصِمُ الجَمِيعُ، فالكُفّارُ يُخاصِمُ بَعْضُهم بَعْضًا حَتّى يُقالَ لَهم: لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ. والمُؤْمِنُونَ يَتَلَقَّوْنَ الكافِرِينَ بِالحُجَجِ، وأهْلُ القِبْلَةِ يَكُونُ بَيْنَهُمُ الخِصامُ.
وقَرَأ ابْنُ الزُّبَيْرِ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وعِيسى، واليَمانِيُّ، وابْنُ أبِي غَوْثٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: (إنَّكَ مائِتٌ وإنَّهم مائِتُونَ)، وهي تُشْعِرُ بِحُدُوثِ الصِّفَةِ؛ والجُمْهُورُ: (مَيِّتٌ ومَيِّتُونَ) وهي تُشْعِرُ بِالثُّبُوتِ واللُّزُومِ كالحَيِّ.
الزمر 39:27
(p-٤٢٣)﴿اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ كِتابًا مُتَشابِهًا مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهم وقُلُوبُهم إلى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشاءُ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ ﴿أفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ وقِيلَ لِلظّالِمِينَ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأتاهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿فَأذاقَهُمُ اللَّهُ الخِزْيَ في الحَياةِ الدُّنْيا ولَعَذابُ الآخِرَةِ أكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ ﴿قُرْءانًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ ورَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا الحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهم مَيِّتُونَ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكم تَخْتَصِمُونَ﴾ .
«عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ قَوْمًا مِنَ الصَّحابَةِ قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، حَدِّثْنا بِأحادِيثَ حِسانٍ، وبِأخْبارِ الدَّهْرِ، فَنَزَلَ: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ﴾» .
وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، أنَّ الصَّحابَةَ مَلَئُوا مَكَّةَ، فَقالُوا لَهُ: حَدِّثْنا، فَنَزَلَتْ.
والِابْتِداءُ بِاسْمِ اللَّهِ، وإسْنادُ نَزَّلَ لِضَمِيرِهِ مَبْنِيًّا عَلَيْهِ فِيهِ تَفْخِيمٌ لِلْمُنَزَّلِ ورَفْعٌ مِنهُ، كَما تَقُولُ: المَلِكُ أكْرَمَ فُلانًا، هو أفْخَمُ مِن: أكْرَمَ المَلِكُ فُلانًا. وحِكْمَةُ ذَلِكَ البَداءَةُ بِالأشْرَفِ مِن تَذَكُّرِ ما تُسْنَدُ إلَيْهِ، وهو كَثِيرٌ في القُرْآنِ، كَقَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ المَلائِكَةِ رُسُلًا﴾ [الحج: ٧٥]، و(كِتابًا) بَدَلٌ مِن (أحْسَنَ الحَدِيثِ) . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ حالًا. انْتَهى.
وكانَ بِناءً عَلى أنَّ (أحْسَنَ الحَدِيثِ) مَعْرِفَةٌ لِإضافَتِهِ إلى مَعْرِفَةٍ. وأفْعَلُ التَّفْضِيلِ، إذا أُضِيفَ إلى مَعْرِفَةٍ، فِيهِ خِلافٌ. فَقِيلَ: إضافَتُهُ مَحْضَةٌ، وقِيلَ: غَيْرُ مَحْضَةٍ. و(مُتَشابِهًا): مُطْلَقٌ في مُشابَهَةِ بَعْضِهِ بَعْضًا. فَمَعانِيهِ مُتَشابِهَةٌ، لا تَناقُضَ فِيها ولا تَعارُضَ، وألْفاظُهُ في غايَةِ الفَصاحَةِ والبَلاغَةِ والتَّناسُبِ، بِحَيْثُ أعْجَزَتِ العُظَماءَ والبُلَغاءَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿مَثانِيَ﴾، بِفَتْحِ الياءِ؛ وهِشامٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بِشْرٍ: بِسُكُونِ الياءِ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا، وسَكَّنَ الياءَ عَلى قَوْلِ مَن يُسَكِّنُ الياءَ في كُلِّ الأحْوالِ، لِانْكِسارِ ما قَبْلَها اسْتِثْقالًا لِلْحَرَكَةِ عَلَيْها. و﴿مَثانِيَ﴾ يَظْهَرُ أنَّهُ جَمْعُ مَثْنًى، ومَعْناهُ: مَوْضِعُ تَثْنِيَةِ القَصَصِ والأحْكامِ والعَقائِدِ والوَعْدِ والوَعِيدِ. وقِيلَ: يُثَنِّي في الصَّلاةِ بِمَعْنى: التَّكْرِيرِ والإعادَةِ. انْتَهى.
ووَصَفَ المُفْرَدَ بِالجَمْعِ؛ لِأنَّ فِيهِ تَفاصِيلَ، وتَفاصِيلُ الشَّيْءِ جُمْلَتُهُ. ألا تَرى أنَّكَ تَقُولُ: القُرْآنُ سُوَرٌ وآياتٌ ؟ فَكَذَلِكَ تَقُولُ: أحْكامٌ ومَواعِظُ مُكَرَّراتٌ، وأصْلُهُ كِتابًا مُتَشابِهًا فُصُولًا مَثانِيَ، حُذِفَ المَوْصُوفُ وأُقِيمَتْ صِفَتُهُ مَقامَهُ. وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ مِن بابِ: بُرْمَةٌ أعْشارٌ، وُثَوْبٌ أخْلاقٌ، وأنْ يَكُونَ تَمْيِيزًا عَنْ: مُتَشابِهًا، فَيَكُونُ مَنقُولًا مِنَ الفاعِلِ، أيْ: مُتَشابِهًا مَثانِيهِ.
كَما تَقُولُ: رَأيْتُ رَجُلًا حَسَنًا شَمائِلَ، وفائِدَةُ تَثْنِيَتِهِ وتَكُرُّرِهِ رُسُوخُهُ في النُّفُوسِ، إذْ هي أنْفَرُ شَيْءٍ عَنْ سَماعِ الوَعْظِ والنَّصِيحَةِ.
والظّاهِرُ حَمْلُ القُشَعْرِيرَةِ عَلى الحَقِيقَةِ، إذْ هو مَوْجُودٌ عِنْدَ الخَشْيَةِ، مَحْسُوسٌ يُدْرِكُهُ الإنْسانُ مِن نَفْسِهِ، وهو حاصِلٌ مِنَ التَّأثُّرِ القَلْبِيِّ. وقِيلَ: هو تَمْثِيلُ تَصْوِيرٍ لِإفْراطِ خَشْيَتِهِمْ، والمَعْنى: أنَّهُ حِينَ يَسْمَعُونَهُ يُتْلى ما فِيهِ مِن آياتِ الوَعِيدِ، عَرَتْهم خَشْيَةٌ تَنْقَبِضُ مِنها جُلُودُهم.
ثُمَّ إذا ذَكَرُوا اللَّهَ ورَحْمَتَهُ لانَتْ جُلُودُهم، أيْ: زالَ عَنْها ذَلِكَ التَّقَبُّضُ النّاشِئُ عَنْ خَشْيَةِ القُلُوبِ بِزَوالِ الخَشْيَةِ عَنْها، وضَمَّنَ تَلِينُ مَعْنى تَطْمَئِنُّ جُلُودُهم لَيِّنَةً غَيْرَ مُنْقَبِضَةٍ، وقُلُوبُهم راجِيَةٌ غَيْرُ خاشِيَةٍ، ولِذَلِكَ عَدّاهُ بِإلى.
وكانَ في ذِكْرِ القُلُوبِ في هَذِهِ الجُمْلَةِ دَلِيلٌ عَلى تَأثُّرِها عِنْدَ السَّماعِ، فاكْتَفى بِقُشَعْرِيرَةِ الجُلُودِ عَنْ ذِكْرِ خَشْيَةِ القُلُوبِ لِقِيامِ المُسَبَّبِ مَقامَ السَّبَبِ. فَلَمّا ذَكَرَ اللِّينَ ذَكَرَهُما، وفي ذِكْرِ اللِّينِ دَلِيلٌ عَلى المَحْذُوفِ الَّذِي هو رَحْمَةُ اللَّهِ، كَما كانَ في قَوْلِهِ: (إذا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهم)، دَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: (وجِلَتْ) عَنْ ذِكْرِ المَحْذُوفِ، أيْ: إذا ذُكِرَ وعِيدُ اللَّهِ وبَطْشُهُ. وقالَ العَبّاسُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلَبِ: قالَ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ”«مَنِ اقْشَعَرَّ جِلْدُهُ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ تَحاتَّتْ عَنْهُ ذُنُوبُهُ كَما يَتَحاتُّ عَنِ الشَّجَرَةِ اليابِسَةِ ورَقُها“» .
وقالَ ابْنُ عُمَرَ: وقَدْ رَأى ساقِطًا مِن سَماعِ القُرْآنِ، فَقالَ: إنّا لِنَخْشى اللَّهَ، وما نُسْقِطُ، هَؤُلاءِ يَدْخُلُ الشَّيْطانُ في جَوْفِ أحَدِهِمْ.
وقالَتْ أسْماءُ بِنْتُ أبِي بَكْرٍ: كانَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَدْمَعُ أعْيُنُهم وتَقْشَعِرُّ جُلُودُهم عِنْدَ سَماعِ القُرْآنِ، قِيلَ لَها: إنَّ قَوْمًا اليَوْمَ إذا اسْمِعُوا القُرْآنَ خَرَّ أحَدُهم مَغْشِيًّا عَلَيْهِ، فَقالَتْ: أعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ.
وقالَ ابْنُ سِيرِينَ: بَيْنَنا وبَيْنَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يُصْرَعُونَ عِنْدَ قِراءَةِ القُرْآنِ أنْ يُجْعَلَ أحَدُهم عَلى حائِطٍ باسِطًا رِجْلَيْهِ، ثُمَّ يُقْرَأُ عَلَيْهِ القُرْآنُ كُلُّهُ، فَإنْ رَمى بِنَفْسِهِ فَهو صادِقٌ. والإشارَةُ بِذَلِكَ إلى (p-٤٢٤)الكِتابِ، أوْ إلى ذَيْنِكَ الوَصْفَيْنِ مِنَ الِاقْشِعْرارِ واللِّينِ، أيْ: أثَرُ هُدى اللَّهِ.
﴿أفَمَن يَتَّقِي﴾ أيْ: يَسْتَقْبِلُ، كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎سَقَطَ النَّصِيفُ ولَمْ تُرِدْ إسْقاطَهُ فَتَناوَلَتْهُ واتَّقَتْنا بِاليَدِ
أيْ: اسْتَقْبَلَتْنا بِيَدِها لِتَقِيَ بِيَدِها وجْهَها أنْ يُرى.
والظّاهِرُ حَمْلُ ﴿بِوَجْهِهِ﴾ عَلى حَقِيقَتِهِ. لَمّا كانَ يُلْقى في النّارِ مَغْلُولَةً يَداهُ إلى رِجْلَيْهِ مَعَ عُنُقِهِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ ما يَتَّقِي بِهِ النّارَ إلّا وجْهَهُ.
قالَ مُجاهِدٌ: يُجَرُّ عَلى وجْهِهِ في النّارِ، ويَجُوزُ أنْ يُعَبَّرَ بِالوَجْهِ عَنِ الجُمْلَةِ. وقِيلَ: المَعْنى وصْفُ كَثْرَةِ ما يَنالُهم مِنَ العَذابِ، يَتَّقِيهِ أوَّلًا بِجَوارِحِهِ، فَيَتَزَيَدُ حَتّى يَتَّقِيَهُ بِوَجْهِهِ الَّذِي هو أشْرَفُ جَوارِحِهِ، وفِيهِ جَوابٌ، وهو غايَةُ العَذابِ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا المَعْنى عِنْدِي أبْيَنُ بَلاغَةً. في هَذا المِضْمارِ يَجْرِي قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎يَلْقى السُّيُوفَ بِوَجْهِهِ وبِنَحْرِهِ ∗∗∗ ويُقِيمُ هامَتَهُ مَقامَ المِغْفَرِ
لِأنَّهُ إنَّما أرادَ عِظَمَ جُرْأتِهِ عَلَيْها، فَهو يَلْقاها بِكُلِّ مِجَنٍّ، وبِكُلِّ شَيْءٍ عَنْهُ، حَتّى بِوَجْهِهِ وبِنَحْرِهِ. انْتَهى.
و(سُوءَ العَذابِ): أشَدَّهُ، وخَبَرُ مَن مَحْذُوفٌ قَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: كَمَن أمِنَ العَذابَ، وابْنُ عَطِيَّةَ: كالمُنَعَّمِينَ في الجَنَّةِ.
﴿وقِيلَ لِلظّالِمِينَ﴾ أيْ: قالَ ذَلِكَ خَزَنَةُ النّارِ، (ذُوقُوا ما كُنْتُمْ) أيْ: وبالَ ما كُنْتُمْ (تَكْسِبُونَ) مِنَ الأعْمالِ السَّيِّئَةِ.
(كَذَّبَ الَّذِينَ مِنَ قَبْلِهِمْ): تَمْثِيلٌ لِ قُرَيْشٍ بِالأُمَمِ الماضِيَةِ، وما آلَ إلَيْهِ أمْرُهم مِنَ الهَلاكِ.
﴿فَأتاهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾: مِنَ الجِهَةِ الَّتِي لا يَشْعُرُونَ أنَّ العَذابَ يَأْتِيهِمْ مِنَ قِبَلِها، ولا يَخْطُرُ بِبالِهِمْ أنَّ الشَّرَّ يَأْتِيهِمْ مِنها.
كانُوا في أمْنٍ وغِبْطَةٍ وسُرُورٍ، فَإذا هم مُعَذَّبُونَ مَخْزِيُّونَ ذَلِيلُونَ في الدُّنْيا مِن مَمْسُوخٍ ومَقْتُولٍ ومَأْسُورٍ ومَنفِيٍّ.
ثُمَّ أخْبَرَ أنَّ ما أُعِدَّ لَهم في الآخِرَةِ أعْظَمُ. وانْتَصَبَ (قُرْآنًا عَرَبِيًّا) عَلى الحالِ، وهي حالٌ مُؤَكِّدَةٌ، والحالُ في الحَقِيقَةِ هو (عَرَبِيًّا)، و(قُرْآنًا) تَوْطِئَةٌ لَهُ. وقِيلَ: انْتَصَبَ عَلى المَدْحِ، ونَفى عَنْهُ العِوَجَ؛ لِأنَّهُ مُسْتَقِيمٌ بَرِيءٌ مِنَ الِاخْتِلافِ والتَّناقُضِ.
وقالَ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ: غَيْرُ مُضْطَرِبٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: غَيْرُ مُخْتَلِفٍ. وقالَ مُجاهِدٌ: غَيْرُ ذِي لَبْسٍ. وقالَ السُّدِّيُّ: غَيْرُ مَخْلُوقٍ. وقِيلَ: غَيْرُ ذِي لَحْنٍ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): فَهَلّا قِيلَ مُسْتَقِيمًا أوْ غَيْرَ مُعْوَجٍّ ؟ (قُلْتُ): فِيهِ فائِدَتانِ: إحْداهُما: نَفْيُ أنْ يَكُونَ فِيهِ عِوَجٌ قَطُّ، كَما قالَ: ﴿ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجا﴾ [الكهف: ١] .
والثّانِي: أنَّ لَفْظَ العِوَجِ مُخْتَصٌّ بِالمَعانِي دُونَ الأعْيانِ. وقِيلَ: المُرادُ بِالعِوَجِ: الشَّكُّ واللَّبْسُ، وأنْشَدَ:
؎وقَدْ أتاكَ يَقِينًا غَيْرُ ذِي عِوَجِ ∗∗∗ مِنَ الإلَهِ وقَوْلٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ. انْتَهى
ولَمّا ذَكَرَ تَعالى أنَّهُ ضَرَبَ في القُرْآنِ (مِن كُلِّ مَثَلٍ): أيْ مُحْتاجٍ إلَيْهِ، ضَرَبَ هُنا مَثَلًا لِعابِدِ آلِهَةٍ كَثِيرَةٍ، ومَن يَعْبُدُ اللَّهَ وحْدَهُ، ومَثَّلَ بَرْجَلٍ مَمْلُوكٍ اشْتَرَكَ فِيهِ مُلّاكٌ سَيِّئُو الأخْلاقِ، فَهو لا يَقْدِرُ أنْ يُوَفِّيَ كُلَّ واحِدٍ مِنهم مَقْصُودَهُ، إذْ لا يَتَغاضى بَعْضُهم لِبَعْضٍ لِمُشاحَتِهِمْ، وطَلَبَ كُلٌّ مِنهم أنْ يَقْضِيَ حاجَتَهُ عَلى التَّمامِ، فَلا يَزالُ في عَناءٍ وتَعَبٍ ولَوْمٍ مِن كُلٍّ مِنهم.
ورَجُلٌ آخَرُ مَمْلُوكٌ جَمِيعُهُ لِرَجُلٍ واحِدٍ، فَهو مَعْنِيٌّ بِشُغْلِهِ لا يَشْغَلُهُ عَنْهُ شَيْءٌ، ومالِكُهُ راضٍ عَنْهُ إنْ قَدْ خَلُصَ لِخِدْمَتِهِ، وبَذَلَ جُهْدَهُ في قَضاءِ حَوائِجِهِ، فَلا يَلْقى مِن سَيِّدِهِ إلّا إحْسانًا، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في نَصْبِ المَثَلِ.
وما بَعْدَهُ.
وقالَ الكِسائِيُّ: انْتَصَبَ رَجُلًا عَلى إسْقاطِ الخافِضِ، أيْ مَثَلًا لِرَجُلٍ، أوْ في رَجُلٍ فِيهِ، أيْ: في رِقِّهِ مُشْتَرَكًا، وفِيهِ صِلَةٌ لِشُرَكاءَ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والزُّهْرِيُّ، والحَسَنُ: بِخِلافٍ عَنْهُ؛ والجَحْدَرَيُّ، وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو: (سالِمًا) اسْمُ فاعِلٍ مِنَ سَلِمَ، أيْ خالِصًا مِنَ الشَّرِكَةِ. وقَرَأ الأعْرَجُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، وأبُو رَجاءٍ، وطَلْحَةُ، والحَسَنُ: بِخِلافٍ عَنْهُ؛ وباقِي السَّبْعَةِ: (سَلَمًا) بِفَتْحِ السِّينِ واللّامِ.
وقَرَأ ابْنُ جُبَيْرٍ: (سِلْمًا) بِكَسْرِ السِّينِ وسُكُونِ اللّامِ، وهُما مَصْدَرٌ إنْ وُصِفَ بِهِما مُبالَغَةً في الخُلُوصِ مِنَ الشَّرِكَةِ. وقُرِئَ: (ورَجُلٌ (p-٤٢٥)سالِمٌ) بِرَفْعِهِما. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ وهُناكَ رَجُلٌ سالِمٌ لِرَجُلٍ. انْتَهى، فَجَعَلَ الخَبَرَ هُناكَ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ورَجُلٌ مُبْتَدَأً؛ لِأنَّهُ مَوْضِعُ تَفْصِيلٍ، إذْ قَدْ تَقَدَّمَ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ، فَيَكُونُ كَقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:
؎إذا ما بَكى مِن خَلْفِها انْحَرَفَتْ ∗∗∗ لَهُ بِشِقٍّ وشَقٍّ عِنْدَنا لَمْ يُحَوَّلِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإنَّما جَعَلَهُ رَجُلًا لِيَكُونَ أفْطَنَ لِما شَقِيَ بِهِ أوْ سَعِدَ، فَإنَّ المَرْأةَ والصَّبِيَّ قَدْ يَغْفَلانِ عَنْ ذَلِكَ.
وانْتَصَبَ (مَثَلًا) عَلى التَّمْيِيزِ المَنقُولِ مِنَ الفاعِلِ، إذِ التَّقْدِيرُ: هَلْ يَسْتَوِي مَثَلُهُما ؟ واقْتَصَرَ في التَّمْيِيزِ عَلى الواحِدِ؛ لِأنَّهُ المُقْتَصَرُ عَلَيْهِ أوَّلًا في قَوْلِهِ: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا)، ولِبَيانِ الجِنْسِ. وقُرِئَ: (مَثَلَيْنِ)، فَطابَقَ حالَ الرَّجُلَيْنِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ فِيمَن قَرَأ (مَثَلَيْنِ) أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ في (يَسْتَوِيانِ) لِلْمَثَلَيْنِ؛ لِأنَّ التَّقْدِيرَ مَثَلُ رَجُلٍ، والمَعْنى: هَلْ يَسْتَوِيانِ فِيما يَرْجِعُ إلى الوَصْفِيَّةِ ؟ كَما يَقُولُ: كَفى بِهِما رَجُلَيْنِ. انْتَهى.
والظّاهِرُ أنَّهُ يَعُودُ الضَّمِيرُ في يَسْتَوِيانِ إلى الرَّجُلَيْنِ، فَأمّا إذا جَعَلْتَهُ عائِدًا إلى المَثَلَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرَ أنَّ التَّقْدِيرَ مَثَلَ رَجُلٍ ورَجُلٍ، فَإنَّ التَّمْيِيزَ إذْ ذاكَ يَكُونُ قَدْ فُهِمَ مِنَ المُمَيَّزِ الَّذِي هو الضَّمِيرُ، إذْ يَصِيرُ التَّقْدِيرُ: هَلْ يَسْتَوِي المَثَلانِ مَثَلَيْنِ ؟ قُلْ: (الحَمْدُ لِلَّهِ): أيِ الثَّناءُ والمَدْحُ لِلَّهِ لا لِغَيْرِهِ، وهو الَّذِي ثَبَتَتْ وحْدانِيَّتُهُ، فَهو الَّذِي يَجِبُ أنْ يُحْمَدَ، (بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ)، فَيُشْرِكُونَ بِهِ غَيْرَهُ.
ولَفْظَةُ الحَمْدُ لِلَّهِ تُشْعِرُ بِوُقُوعِ الهَلاكِ بِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿فَقُطِعَ دابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٤٥] .
ولَمّا لَمْ يَلْتَفِتُوا إلى هَذِهِ الدَّلائِلِ الباهِرَةِ، أخْبَرَ الجَمِيعَ بِأنَّهم مَيِّتُونَ وصائِرُونَ إلَيْهِ، وأنَّ اخْتَصامَكم يَكُونُ بَيْنَ يَدَيْهِ يَوْمَ القِيامَةِ، وهو الحَكَمُ العَدْلُ، فَيَتَمَيَّزُ المُحِقُّ مِنَ المُبْطِلِ، وهو - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأتْباعُهُ المُحِقُّونَ الفائِزُونَ بِالظَّفَرِ والغَلَبَةِ، والكافِرُونَ هُمُ المُبْطِلُونَ.
فالضَّمِيرُ في (وإنَّكَ) خِطابٌ لِلرَّسُولِ، وتَدْخُلُ مَعَهُ أُمَّتُهُ في ذَلِكَ. والظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ في (وإنَّهم) عَلى الكُفّارِ، وغُلِّبَ ضَمِيرُ الخِطابِ في (إنَّكَ) عَلى ضَمِيرِ الغَيْبَةِ في (إنَّهم) ولِذَلِكَ جاءَ ﴿تَخْتَصِمُونَ﴾ بِالخِطابِ، فَتَحْتَجُّ أنْتَ عَلَيْهِمْ بِأنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وكَذَّبُوا، واجْتَهَدْتَ في الدَّعْوَةِ ولَجُّوا في العِنادِ.
وقالَ أبُو العالِيَةِ: هم أهْلُ القِبْلَةِ، يَخْتَصِمُونَ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ في مَظالِمِهِمْ.
وأبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ هَذا الخِصامَ سَبَبُهُ ما كانَ في قَتْلِ عُثْمانَ، وما جَرى بَيْنَ عَلِيٍّ ومُعاوِيَةَ بِسَبَبِ ذَلِكَ، رِضى اللَّهِ عَنْهم.
وقِيلَ: يَخْتَصِمُ الجَمِيعُ، فالكُفّارُ يُخاصِمُ بَعْضُهم بَعْضًا حَتّى يُقالَ لَهم: لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ. والمُؤْمِنُونَ يَتَلَقَّوْنَ الكافِرِينَ بِالحُجَجِ، وأهْلُ القِبْلَةِ يَكُونُ بَيْنَهُمُ الخِصامُ.
وقَرَأ ابْنُ الزُّبَيْرِ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وعِيسى، واليَمانِيُّ، وابْنُ أبِي غَوْثٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: (إنَّكَ مائِتٌ وإنَّهم مائِتُونَ)، وهي تُشْعِرُ بِحُدُوثِ الصِّفَةِ؛ والجُمْهُورُ: (مَيِّتٌ ومَيِّتُونَ) وهي تُشْعِرُ بِالثُّبُوتِ واللُّزُومِ كالحَيِّ.
الزمر 39:28
(p-٤٢٣)﴿اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ كِتابًا مُتَشابِهًا مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهم وقُلُوبُهم إلى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشاءُ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ ﴿أفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ وقِيلَ لِلظّالِمِينَ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأتاهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿فَأذاقَهُمُ اللَّهُ الخِزْيَ في الحَياةِ الدُّنْيا ولَعَذابُ الآخِرَةِ أكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ ﴿قُرْءانًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ ورَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا الحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهم مَيِّتُونَ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكم تَخْتَصِمُونَ﴾ .
«عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ قَوْمًا مِنَ الصَّحابَةِ قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، حَدِّثْنا بِأحادِيثَ حِسانٍ، وبِأخْبارِ الدَّهْرِ، فَنَزَلَ: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ﴾» .
وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، أنَّ الصَّحابَةَ مَلَئُوا مَكَّةَ، فَقالُوا لَهُ: حَدِّثْنا، فَنَزَلَتْ.
والِابْتِداءُ بِاسْمِ اللَّهِ، وإسْنادُ نَزَّلَ لِضَمِيرِهِ مَبْنِيًّا عَلَيْهِ فِيهِ تَفْخِيمٌ لِلْمُنَزَّلِ ورَفْعٌ مِنهُ، كَما تَقُولُ: المَلِكُ أكْرَمَ فُلانًا، هو أفْخَمُ مِن: أكْرَمَ المَلِكُ فُلانًا. وحِكْمَةُ ذَلِكَ البَداءَةُ بِالأشْرَفِ مِن تَذَكُّرِ ما تُسْنَدُ إلَيْهِ، وهو كَثِيرٌ في القُرْآنِ، كَقَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ المَلائِكَةِ رُسُلًا﴾ [الحج: ٧٥]، و(كِتابًا) بَدَلٌ مِن (أحْسَنَ الحَدِيثِ) . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ حالًا. انْتَهى.
وكانَ بِناءً عَلى أنَّ (أحْسَنَ الحَدِيثِ) مَعْرِفَةٌ لِإضافَتِهِ إلى مَعْرِفَةٍ. وأفْعَلُ التَّفْضِيلِ، إذا أُضِيفَ إلى مَعْرِفَةٍ، فِيهِ خِلافٌ. فَقِيلَ: إضافَتُهُ مَحْضَةٌ، وقِيلَ: غَيْرُ مَحْضَةٍ. و(مُتَشابِهًا): مُطْلَقٌ في مُشابَهَةِ بَعْضِهِ بَعْضًا. فَمَعانِيهِ مُتَشابِهَةٌ، لا تَناقُضَ فِيها ولا تَعارُضَ، وألْفاظُهُ في غايَةِ الفَصاحَةِ والبَلاغَةِ والتَّناسُبِ، بِحَيْثُ أعْجَزَتِ العُظَماءَ والبُلَغاءَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿مَثانِيَ﴾، بِفَتْحِ الياءِ؛ وهِشامٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بِشْرٍ: بِسُكُونِ الياءِ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا، وسَكَّنَ الياءَ عَلى قَوْلِ مَن يُسَكِّنُ الياءَ في كُلِّ الأحْوالِ، لِانْكِسارِ ما قَبْلَها اسْتِثْقالًا لِلْحَرَكَةِ عَلَيْها. و﴿مَثانِيَ﴾ يَظْهَرُ أنَّهُ جَمْعُ مَثْنًى، ومَعْناهُ: مَوْضِعُ تَثْنِيَةِ القَصَصِ والأحْكامِ والعَقائِدِ والوَعْدِ والوَعِيدِ. وقِيلَ: يُثَنِّي في الصَّلاةِ بِمَعْنى: التَّكْرِيرِ والإعادَةِ. انْتَهى.
ووَصَفَ المُفْرَدَ بِالجَمْعِ؛ لِأنَّ فِيهِ تَفاصِيلَ، وتَفاصِيلُ الشَّيْءِ جُمْلَتُهُ. ألا تَرى أنَّكَ تَقُولُ: القُرْآنُ سُوَرٌ وآياتٌ ؟ فَكَذَلِكَ تَقُولُ: أحْكامٌ ومَواعِظُ مُكَرَّراتٌ، وأصْلُهُ كِتابًا مُتَشابِهًا فُصُولًا مَثانِيَ، حُذِفَ المَوْصُوفُ وأُقِيمَتْ صِفَتُهُ مَقامَهُ. وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ مِن بابِ: بُرْمَةٌ أعْشارٌ، وُثَوْبٌ أخْلاقٌ، وأنْ يَكُونَ تَمْيِيزًا عَنْ: مُتَشابِهًا، فَيَكُونُ مَنقُولًا مِنَ الفاعِلِ، أيْ: مُتَشابِهًا مَثانِيهِ.
كَما تَقُولُ: رَأيْتُ رَجُلًا حَسَنًا شَمائِلَ، وفائِدَةُ تَثْنِيَتِهِ وتَكُرُّرِهِ رُسُوخُهُ في النُّفُوسِ، إذْ هي أنْفَرُ شَيْءٍ عَنْ سَماعِ الوَعْظِ والنَّصِيحَةِ.
والظّاهِرُ حَمْلُ القُشَعْرِيرَةِ عَلى الحَقِيقَةِ، إذْ هو مَوْجُودٌ عِنْدَ الخَشْيَةِ، مَحْسُوسٌ يُدْرِكُهُ الإنْسانُ مِن نَفْسِهِ، وهو حاصِلٌ مِنَ التَّأثُّرِ القَلْبِيِّ. وقِيلَ: هو تَمْثِيلُ تَصْوِيرٍ لِإفْراطِ خَشْيَتِهِمْ، والمَعْنى: أنَّهُ حِينَ يَسْمَعُونَهُ يُتْلى ما فِيهِ مِن آياتِ الوَعِيدِ، عَرَتْهم خَشْيَةٌ تَنْقَبِضُ مِنها جُلُودُهم.
ثُمَّ إذا ذَكَرُوا اللَّهَ ورَحْمَتَهُ لانَتْ جُلُودُهم، أيْ: زالَ عَنْها ذَلِكَ التَّقَبُّضُ النّاشِئُ عَنْ خَشْيَةِ القُلُوبِ بِزَوالِ الخَشْيَةِ عَنْها، وضَمَّنَ تَلِينُ مَعْنى تَطْمَئِنُّ جُلُودُهم لَيِّنَةً غَيْرَ مُنْقَبِضَةٍ، وقُلُوبُهم راجِيَةٌ غَيْرُ خاشِيَةٍ، ولِذَلِكَ عَدّاهُ بِإلى.
وكانَ في ذِكْرِ القُلُوبِ في هَذِهِ الجُمْلَةِ دَلِيلٌ عَلى تَأثُّرِها عِنْدَ السَّماعِ، فاكْتَفى بِقُشَعْرِيرَةِ الجُلُودِ عَنْ ذِكْرِ خَشْيَةِ القُلُوبِ لِقِيامِ المُسَبَّبِ مَقامَ السَّبَبِ. فَلَمّا ذَكَرَ اللِّينَ ذَكَرَهُما، وفي ذِكْرِ اللِّينِ دَلِيلٌ عَلى المَحْذُوفِ الَّذِي هو رَحْمَةُ اللَّهِ، كَما كانَ في قَوْلِهِ: (إذا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهم)، دَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: (وجِلَتْ) عَنْ ذِكْرِ المَحْذُوفِ، أيْ: إذا ذُكِرَ وعِيدُ اللَّهِ وبَطْشُهُ. وقالَ العَبّاسُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلَبِ: قالَ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ”«مَنِ اقْشَعَرَّ جِلْدُهُ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ تَحاتَّتْ عَنْهُ ذُنُوبُهُ كَما يَتَحاتُّ عَنِ الشَّجَرَةِ اليابِسَةِ ورَقُها“» .
وقالَ ابْنُ عُمَرَ: وقَدْ رَأى ساقِطًا مِن سَماعِ القُرْآنِ، فَقالَ: إنّا لِنَخْشى اللَّهَ، وما نُسْقِطُ، هَؤُلاءِ يَدْخُلُ الشَّيْطانُ في جَوْفِ أحَدِهِمْ.
وقالَتْ أسْماءُ بِنْتُ أبِي بَكْرٍ: كانَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَدْمَعُ أعْيُنُهم وتَقْشَعِرُّ جُلُودُهم عِنْدَ سَماعِ القُرْآنِ، قِيلَ لَها: إنَّ قَوْمًا اليَوْمَ إذا اسْمِعُوا القُرْآنَ خَرَّ أحَدُهم مَغْشِيًّا عَلَيْهِ، فَقالَتْ: أعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ.
وقالَ ابْنُ سِيرِينَ: بَيْنَنا وبَيْنَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يُصْرَعُونَ عِنْدَ قِراءَةِ القُرْآنِ أنْ يُجْعَلَ أحَدُهم عَلى حائِطٍ باسِطًا رِجْلَيْهِ، ثُمَّ يُقْرَأُ عَلَيْهِ القُرْآنُ كُلُّهُ، فَإنْ رَمى بِنَفْسِهِ فَهو صادِقٌ. والإشارَةُ بِذَلِكَ إلى (p-٤٢٤)الكِتابِ، أوْ إلى ذَيْنِكَ الوَصْفَيْنِ مِنَ الِاقْشِعْرارِ واللِّينِ، أيْ: أثَرُ هُدى اللَّهِ.
﴿أفَمَن يَتَّقِي﴾ أيْ: يَسْتَقْبِلُ، كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎سَقَطَ النَّصِيفُ ولَمْ تُرِدْ إسْقاطَهُ فَتَناوَلَتْهُ واتَّقَتْنا بِاليَدِ
أيْ: اسْتَقْبَلَتْنا بِيَدِها لِتَقِيَ بِيَدِها وجْهَها أنْ يُرى.
والظّاهِرُ حَمْلُ ﴿بِوَجْهِهِ﴾ عَلى حَقِيقَتِهِ. لَمّا كانَ يُلْقى في النّارِ مَغْلُولَةً يَداهُ إلى رِجْلَيْهِ مَعَ عُنُقِهِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ ما يَتَّقِي بِهِ النّارَ إلّا وجْهَهُ.
قالَ مُجاهِدٌ: يُجَرُّ عَلى وجْهِهِ في النّارِ، ويَجُوزُ أنْ يُعَبَّرَ بِالوَجْهِ عَنِ الجُمْلَةِ. وقِيلَ: المَعْنى وصْفُ كَثْرَةِ ما يَنالُهم مِنَ العَذابِ، يَتَّقِيهِ أوَّلًا بِجَوارِحِهِ، فَيَتَزَيَدُ حَتّى يَتَّقِيَهُ بِوَجْهِهِ الَّذِي هو أشْرَفُ جَوارِحِهِ، وفِيهِ جَوابٌ، وهو غايَةُ العَذابِ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا المَعْنى عِنْدِي أبْيَنُ بَلاغَةً. في هَذا المِضْمارِ يَجْرِي قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎يَلْقى السُّيُوفَ بِوَجْهِهِ وبِنَحْرِهِ ∗∗∗ ويُقِيمُ هامَتَهُ مَقامَ المِغْفَرِ
لِأنَّهُ إنَّما أرادَ عِظَمَ جُرْأتِهِ عَلَيْها، فَهو يَلْقاها بِكُلِّ مِجَنٍّ، وبِكُلِّ شَيْءٍ عَنْهُ، حَتّى بِوَجْهِهِ وبِنَحْرِهِ. انْتَهى.
و(سُوءَ العَذابِ): أشَدَّهُ، وخَبَرُ مَن مَحْذُوفٌ قَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: كَمَن أمِنَ العَذابَ، وابْنُ عَطِيَّةَ: كالمُنَعَّمِينَ في الجَنَّةِ.
﴿وقِيلَ لِلظّالِمِينَ﴾ أيْ: قالَ ذَلِكَ خَزَنَةُ النّارِ، (ذُوقُوا ما كُنْتُمْ) أيْ: وبالَ ما كُنْتُمْ (تَكْسِبُونَ) مِنَ الأعْمالِ السَّيِّئَةِ.
(كَذَّبَ الَّذِينَ مِنَ قَبْلِهِمْ): تَمْثِيلٌ لِ قُرَيْشٍ بِالأُمَمِ الماضِيَةِ، وما آلَ إلَيْهِ أمْرُهم مِنَ الهَلاكِ.
﴿فَأتاهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾: مِنَ الجِهَةِ الَّتِي لا يَشْعُرُونَ أنَّ العَذابَ يَأْتِيهِمْ مِنَ قِبَلِها، ولا يَخْطُرُ بِبالِهِمْ أنَّ الشَّرَّ يَأْتِيهِمْ مِنها.
كانُوا في أمْنٍ وغِبْطَةٍ وسُرُورٍ، فَإذا هم مُعَذَّبُونَ مَخْزِيُّونَ ذَلِيلُونَ في الدُّنْيا مِن مَمْسُوخٍ ومَقْتُولٍ ومَأْسُورٍ ومَنفِيٍّ.
ثُمَّ أخْبَرَ أنَّ ما أُعِدَّ لَهم في الآخِرَةِ أعْظَمُ. وانْتَصَبَ (قُرْآنًا عَرَبِيًّا) عَلى الحالِ، وهي حالٌ مُؤَكِّدَةٌ، والحالُ في الحَقِيقَةِ هو (عَرَبِيًّا)، و(قُرْآنًا) تَوْطِئَةٌ لَهُ. وقِيلَ: انْتَصَبَ عَلى المَدْحِ، ونَفى عَنْهُ العِوَجَ؛ لِأنَّهُ مُسْتَقِيمٌ بَرِيءٌ مِنَ الِاخْتِلافِ والتَّناقُضِ.
وقالَ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ: غَيْرُ مُضْطَرِبٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: غَيْرُ مُخْتَلِفٍ. وقالَ مُجاهِدٌ: غَيْرُ ذِي لَبْسٍ. وقالَ السُّدِّيُّ: غَيْرُ مَخْلُوقٍ. وقِيلَ: غَيْرُ ذِي لَحْنٍ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): فَهَلّا قِيلَ مُسْتَقِيمًا أوْ غَيْرَ مُعْوَجٍّ ؟ (قُلْتُ): فِيهِ فائِدَتانِ: إحْداهُما: نَفْيُ أنْ يَكُونَ فِيهِ عِوَجٌ قَطُّ، كَما قالَ: ﴿ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجا﴾ [الكهف: ١] .
والثّانِي: أنَّ لَفْظَ العِوَجِ مُخْتَصٌّ بِالمَعانِي دُونَ الأعْيانِ. وقِيلَ: المُرادُ بِالعِوَجِ: الشَّكُّ واللَّبْسُ، وأنْشَدَ:
؎وقَدْ أتاكَ يَقِينًا غَيْرُ ذِي عِوَجِ ∗∗∗ مِنَ الإلَهِ وقَوْلٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ. انْتَهى
ولَمّا ذَكَرَ تَعالى أنَّهُ ضَرَبَ في القُرْآنِ (مِن كُلِّ مَثَلٍ): أيْ مُحْتاجٍ إلَيْهِ، ضَرَبَ هُنا مَثَلًا لِعابِدِ آلِهَةٍ كَثِيرَةٍ، ومَن يَعْبُدُ اللَّهَ وحْدَهُ، ومَثَّلَ بَرْجَلٍ مَمْلُوكٍ اشْتَرَكَ فِيهِ مُلّاكٌ سَيِّئُو الأخْلاقِ، فَهو لا يَقْدِرُ أنْ يُوَفِّيَ كُلَّ واحِدٍ مِنهم مَقْصُودَهُ، إذْ لا يَتَغاضى بَعْضُهم لِبَعْضٍ لِمُشاحَتِهِمْ، وطَلَبَ كُلٌّ مِنهم أنْ يَقْضِيَ حاجَتَهُ عَلى التَّمامِ، فَلا يَزالُ في عَناءٍ وتَعَبٍ ولَوْمٍ مِن كُلٍّ مِنهم.
ورَجُلٌ آخَرُ مَمْلُوكٌ جَمِيعُهُ لِرَجُلٍ واحِدٍ، فَهو مَعْنِيٌّ بِشُغْلِهِ لا يَشْغَلُهُ عَنْهُ شَيْءٌ، ومالِكُهُ راضٍ عَنْهُ إنْ قَدْ خَلُصَ لِخِدْمَتِهِ، وبَذَلَ جُهْدَهُ في قَضاءِ حَوائِجِهِ، فَلا يَلْقى مِن سَيِّدِهِ إلّا إحْسانًا، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في نَصْبِ المَثَلِ.
وما بَعْدَهُ.
وقالَ الكِسائِيُّ: انْتَصَبَ رَجُلًا عَلى إسْقاطِ الخافِضِ، أيْ مَثَلًا لِرَجُلٍ، أوْ في رَجُلٍ فِيهِ، أيْ: في رِقِّهِ مُشْتَرَكًا، وفِيهِ صِلَةٌ لِشُرَكاءَ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والزُّهْرِيُّ، والحَسَنُ: بِخِلافٍ عَنْهُ؛ والجَحْدَرَيُّ، وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو: (سالِمًا) اسْمُ فاعِلٍ مِنَ سَلِمَ، أيْ خالِصًا مِنَ الشَّرِكَةِ. وقَرَأ الأعْرَجُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، وأبُو رَجاءٍ، وطَلْحَةُ، والحَسَنُ: بِخِلافٍ عَنْهُ؛ وباقِي السَّبْعَةِ: (سَلَمًا) بِفَتْحِ السِّينِ واللّامِ.
وقَرَأ ابْنُ جُبَيْرٍ: (سِلْمًا) بِكَسْرِ السِّينِ وسُكُونِ اللّامِ، وهُما مَصْدَرٌ إنْ وُصِفَ بِهِما مُبالَغَةً في الخُلُوصِ مِنَ الشَّرِكَةِ. وقُرِئَ: (ورَجُلٌ (p-٤٢٥)سالِمٌ) بِرَفْعِهِما. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ وهُناكَ رَجُلٌ سالِمٌ لِرَجُلٍ. انْتَهى، فَجَعَلَ الخَبَرَ هُناكَ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ورَجُلٌ مُبْتَدَأً؛ لِأنَّهُ مَوْضِعُ تَفْصِيلٍ، إذْ قَدْ تَقَدَّمَ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ، فَيَكُونُ كَقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:
؎إذا ما بَكى مِن خَلْفِها انْحَرَفَتْ ∗∗∗ لَهُ بِشِقٍّ وشَقٍّ عِنْدَنا لَمْ يُحَوَّلِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإنَّما جَعَلَهُ رَجُلًا لِيَكُونَ أفْطَنَ لِما شَقِيَ بِهِ أوْ سَعِدَ، فَإنَّ المَرْأةَ والصَّبِيَّ قَدْ يَغْفَلانِ عَنْ ذَلِكَ.
وانْتَصَبَ (مَثَلًا) عَلى التَّمْيِيزِ المَنقُولِ مِنَ الفاعِلِ، إذِ التَّقْدِيرُ: هَلْ يَسْتَوِي مَثَلُهُما ؟ واقْتَصَرَ في التَّمْيِيزِ عَلى الواحِدِ؛ لِأنَّهُ المُقْتَصَرُ عَلَيْهِ أوَّلًا في قَوْلِهِ: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا)، ولِبَيانِ الجِنْسِ. وقُرِئَ: (مَثَلَيْنِ)، فَطابَقَ حالَ الرَّجُلَيْنِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ فِيمَن قَرَأ (مَثَلَيْنِ) أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ في (يَسْتَوِيانِ) لِلْمَثَلَيْنِ؛ لِأنَّ التَّقْدِيرَ مَثَلُ رَجُلٍ، والمَعْنى: هَلْ يَسْتَوِيانِ فِيما يَرْجِعُ إلى الوَصْفِيَّةِ ؟ كَما يَقُولُ: كَفى بِهِما رَجُلَيْنِ. انْتَهى.
والظّاهِرُ أنَّهُ يَعُودُ الضَّمِيرُ في يَسْتَوِيانِ إلى الرَّجُلَيْنِ، فَأمّا إذا جَعَلْتَهُ عائِدًا إلى المَثَلَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرَ أنَّ التَّقْدِيرَ مَثَلَ رَجُلٍ ورَجُلٍ، فَإنَّ التَّمْيِيزَ إذْ ذاكَ يَكُونُ قَدْ فُهِمَ مِنَ المُمَيَّزِ الَّذِي هو الضَّمِيرُ، إذْ يَصِيرُ التَّقْدِيرُ: هَلْ يَسْتَوِي المَثَلانِ مَثَلَيْنِ ؟ قُلْ: (الحَمْدُ لِلَّهِ): أيِ الثَّناءُ والمَدْحُ لِلَّهِ لا لِغَيْرِهِ، وهو الَّذِي ثَبَتَتْ وحْدانِيَّتُهُ، فَهو الَّذِي يَجِبُ أنْ يُحْمَدَ، (بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ)، فَيُشْرِكُونَ بِهِ غَيْرَهُ.
ولَفْظَةُ الحَمْدُ لِلَّهِ تُشْعِرُ بِوُقُوعِ الهَلاكِ بِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿فَقُطِعَ دابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٤٥] .
ولَمّا لَمْ يَلْتَفِتُوا إلى هَذِهِ الدَّلائِلِ الباهِرَةِ، أخْبَرَ الجَمِيعَ بِأنَّهم مَيِّتُونَ وصائِرُونَ إلَيْهِ، وأنَّ اخْتَصامَكم يَكُونُ بَيْنَ يَدَيْهِ يَوْمَ القِيامَةِ، وهو الحَكَمُ العَدْلُ، فَيَتَمَيَّزُ المُحِقُّ مِنَ المُبْطِلِ، وهو - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأتْباعُهُ المُحِقُّونَ الفائِزُونَ بِالظَّفَرِ والغَلَبَةِ، والكافِرُونَ هُمُ المُبْطِلُونَ.
فالضَّمِيرُ في (وإنَّكَ) خِطابٌ لِلرَّسُولِ، وتَدْخُلُ مَعَهُ أُمَّتُهُ في ذَلِكَ. والظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ في (وإنَّهم) عَلى الكُفّارِ، وغُلِّبَ ضَمِيرُ الخِطابِ في (إنَّكَ) عَلى ضَمِيرِ الغَيْبَةِ في (إنَّهم) ولِذَلِكَ جاءَ ﴿تَخْتَصِمُونَ﴾ بِالخِطابِ، فَتَحْتَجُّ أنْتَ عَلَيْهِمْ بِأنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وكَذَّبُوا، واجْتَهَدْتَ في الدَّعْوَةِ ولَجُّوا في العِنادِ.
وقالَ أبُو العالِيَةِ: هم أهْلُ القِبْلَةِ، يَخْتَصِمُونَ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ في مَظالِمِهِمْ.
وأبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ هَذا الخِصامَ سَبَبُهُ ما كانَ في قَتْلِ عُثْمانَ، وما جَرى بَيْنَ عَلِيٍّ ومُعاوِيَةَ بِسَبَبِ ذَلِكَ، رِضى اللَّهِ عَنْهم.
وقِيلَ: يَخْتَصِمُ الجَمِيعُ، فالكُفّارُ يُخاصِمُ بَعْضُهم بَعْضًا حَتّى يُقالَ لَهم: لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ. والمُؤْمِنُونَ يَتَلَقَّوْنَ الكافِرِينَ بِالحُجَجِ، وأهْلُ القِبْلَةِ يَكُونُ بَيْنَهُمُ الخِصامُ.
وقَرَأ ابْنُ الزُّبَيْرِ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وعِيسى، واليَمانِيُّ، وابْنُ أبِي غَوْثٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: (إنَّكَ مائِتٌ وإنَّهم مائِتُونَ)، وهي تُشْعِرُ بِحُدُوثِ الصِّفَةِ؛ والجُمْهُورُ: (مَيِّتٌ ومَيِّتُونَ) وهي تُشْعِرُ بِالثُّبُوتِ واللُّزُومِ كالحَيِّ.
الزمر 39:29
(p-٤٢٣)﴿اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ كِتابًا مُتَشابِهًا مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهم وقُلُوبُهم إلى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشاءُ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ ﴿أفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ وقِيلَ لِلظّالِمِينَ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأتاهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿فَأذاقَهُمُ اللَّهُ الخِزْيَ في الحَياةِ الدُّنْيا ولَعَذابُ الآخِرَةِ أكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ ﴿قُرْءانًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ ورَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا الحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهم مَيِّتُونَ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكم تَخْتَصِمُونَ﴾ .
«عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ قَوْمًا مِنَ الصَّحابَةِ قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، حَدِّثْنا بِأحادِيثَ حِسانٍ، وبِأخْبارِ الدَّهْرِ، فَنَزَلَ: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ﴾» .
وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، أنَّ الصَّحابَةَ مَلَئُوا مَكَّةَ، فَقالُوا لَهُ: حَدِّثْنا، فَنَزَلَتْ.
والِابْتِداءُ بِاسْمِ اللَّهِ، وإسْنادُ نَزَّلَ لِضَمِيرِهِ مَبْنِيًّا عَلَيْهِ فِيهِ تَفْخِيمٌ لِلْمُنَزَّلِ ورَفْعٌ مِنهُ، كَما تَقُولُ: المَلِكُ أكْرَمَ فُلانًا، هو أفْخَمُ مِن: أكْرَمَ المَلِكُ فُلانًا. وحِكْمَةُ ذَلِكَ البَداءَةُ بِالأشْرَفِ مِن تَذَكُّرِ ما تُسْنَدُ إلَيْهِ، وهو كَثِيرٌ في القُرْآنِ، كَقَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ المَلائِكَةِ رُسُلًا﴾ [الحج: ٧٥]، و(كِتابًا) بَدَلٌ مِن (أحْسَنَ الحَدِيثِ) . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ حالًا. انْتَهى.
وكانَ بِناءً عَلى أنَّ (أحْسَنَ الحَدِيثِ) مَعْرِفَةٌ لِإضافَتِهِ إلى مَعْرِفَةٍ. وأفْعَلُ التَّفْضِيلِ، إذا أُضِيفَ إلى مَعْرِفَةٍ، فِيهِ خِلافٌ. فَقِيلَ: إضافَتُهُ مَحْضَةٌ، وقِيلَ: غَيْرُ مَحْضَةٍ. و(مُتَشابِهًا): مُطْلَقٌ في مُشابَهَةِ بَعْضِهِ بَعْضًا. فَمَعانِيهِ مُتَشابِهَةٌ، لا تَناقُضَ فِيها ولا تَعارُضَ، وألْفاظُهُ في غايَةِ الفَصاحَةِ والبَلاغَةِ والتَّناسُبِ، بِحَيْثُ أعْجَزَتِ العُظَماءَ والبُلَغاءَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿مَثانِيَ﴾، بِفَتْحِ الياءِ؛ وهِشامٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بِشْرٍ: بِسُكُونِ الياءِ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا، وسَكَّنَ الياءَ عَلى قَوْلِ مَن يُسَكِّنُ الياءَ في كُلِّ الأحْوالِ، لِانْكِسارِ ما قَبْلَها اسْتِثْقالًا لِلْحَرَكَةِ عَلَيْها. و﴿مَثانِيَ﴾ يَظْهَرُ أنَّهُ جَمْعُ مَثْنًى، ومَعْناهُ: مَوْضِعُ تَثْنِيَةِ القَصَصِ والأحْكامِ والعَقائِدِ والوَعْدِ والوَعِيدِ. وقِيلَ: يُثَنِّي في الصَّلاةِ بِمَعْنى: التَّكْرِيرِ والإعادَةِ. انْتَهى.
ووَصَفَ المُفْرَدَ بِالجَمْعِ؛ لِأنَّ فِيهِ تَفاصِيلَ، وتَفاصِيلُ الشَّيْءِ جُمْلَتُهُ. ألا تَرى أنَّكَ تَقُولُ: القُرْآنُ سُوَرٌ وآياتٌ ؟ فَكَذَلِكَ تَقُولُ: أحْكامٌ ومَواعِظُ مُكَرَّراتٌ، وأصْلُهُ كِتابًا مُتَشابِهًا فُصُولًا مَثانِيَ، حُذِفَ المَوْصُوفُ وأُقِيمَتْ صِفَتُهُ مَقامَهُ. وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ مِن بابِ: بُرْمَةٌ أعْشارٌ، وُثَوْبٌ أخْلاقٌ، وأنْ يَكُونَ تَمْيِيزًا عَنْ: مُتَشابِهًا، فَيَكُونُ مَنقُولًا مِنَ الفاعِلِ، أيْ: مُتَشابِهًا مَثانِيهِ.
كَما تَقُولُ: رَأيْتُ رَجُلًا حَسَنًا شَمائِلَ، وفائِدَةُ تَثْنِيَتِهِ وتَكُرُّرِهِ رُسُوخُهُ في النُّفُوسِ، إذْ هي أنْفَرُ شَيْءٍ عَنْ سَماعِ الوَعْظِ والنَّصِيحَةِ.
والظّاهِرُ حَمْلُ القُشَعْرِيرَةِ عَلى الحَقِيقَةِ، إذْ هو مَوْجُودٌ عِنْدَ الخَشْيَةِ، مَحْسُوسٌ يُدْرِكُهُ الإنْسانُ مِن نَفْسِهِ، وهو حاصِلٌ مِنَ التَّأثُّرِ القَلْبِيِّ. وقِيلَ: هو تَمْثِيلُ تَصْوِيرٍ لِإفْراطِ خَشْيَتِهِمْ، والمَعْنى: أنَّهُ حِينَ يَسْمَعُونَهُ يُتْلى ما فِيهِ مِن آياتِ الوَعِيدِ، عَرَتْهم خَشْيَةٌ تَنْقَبِضُ مِنها جُلُودُهم.
ثُمَّ إذا ذَكَرُوا اللَّهَ ورَحْمَتَهُ لانَتْ جُلُودُهم، أيْ: زالَ عَنْها ذَلِكَ التَّقَبُّضُ النّاشِئُ عَنْ خَشْيَةِ القُلُوبِ بِزَوالِ الخَشْيَةِ عَنْها، وضَمَّنَ تَلِينُ مَعْنى تَطْمَئِنُّ جُلُودُهم لَيِّنَةً غَيْرَ مُنْقَبِضَةٍ، وقُلُوبُهم راجِيَةٌ غَيْرُ خاشِيَةٍ، ولِذَلِكَ عَدّاهُ بِإلى.
وكانَ في ذِكْرِ القُلُوبِ في هَذِهِ الجُمْلَةِ دَلِيلٌ عَلى تَأثُّرِها عِنْدَ السَّماعِ، فاكْتَفى بِقُشَعْرِيرَةِ الجُلُودِ عَنْ ذِكْرِ خَشْيَةِ القُلُوبِ لِقِيامِ المُسَبَّبِ مَقامَ السَّبَبِ. فَلَمّا ذَكَرَ اللِّينَ ذَكَرَهُما، وفي ذِكْرِ اللِّينِ دَلِيلٌ عَلى المَحْذُوفِ الَّذِي هو رَحْمَةُ اللَّهِ، كَما كانَ في قَوْلِهِ: (إذا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهم)، دَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: (وجِلَتْ) عَنْ ذِكْرِ المَحْذُوفِ، أيْ: إذا ذُكِرَ وعِيدُ اللَّهِ وبَطْشُهُ. وقالَ العَبّاسُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلَبِ: قالَ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ”«مَنِ اقْشَعَرَّ جِلْدُهُ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ تَحاتَّتْ عَنْهُ ذُنُوبُهُ كَما يَتَحاتُّ عَنِ الشَّجَرَةِ اليابِسَةِ ورَقُها“» .
وقالَ ابْنُ عُمَرَ: وقَدْ رَأى ساقِطًا مِن سَماعِ القُرْآنِ، فَقالَ: إنّا لِنَخْشى اللَّهَ، وما نُسْقِطُ، هَؤُلاءِ يَدْخُلُ الشَّيْطانُ في جَوْفِ أحَدِهِمْ.
وقالَتْ أسْماءُ بِنْتُ أبِي بَكْرٍ: كانَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَدْمَعُ أعْيُنُهم وتَقْشَعِرُّ جُلُودُهم عِنْدَ سَماعِ القُرْآنِ، قِيلَ لَها: إنَّ قَوْمًا اليَوْمَ إذا اسْمِعُوا القُرْآنَ خَرَّ أحَدُهم مَغْشِيًّا عَلَيْهِ، فَقالَتْ: أعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ.
وقالَ ابْنُ سِيرِينَ: بَيْنَنا وبَيْنَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يُصْرَعُونَ عِنْدَ قِراءَةِ القُرْآنِ أنْ يُجْعَلَ أحَدُهم عَلى حائِطٍ باسِطًا رِجْلَيْهِ، ثُمَّ يُقْرَأُ عَلَيْهِ القُرْآنُ كُلُّهُ، فَإنْ رَمى بِنَفْسِهِ فَهو صادِقٌ. والإشارَةُ بِذَلِكَ إلى (p-٤٢٤)الكِتابِ، أوْ إلى ذَيْنِكَ الوَصْفَيْنِ مِنَ الِاقْشِعْرارِ واللِّينِ، أيْ: أثَرُ هُدى اللَّهِ.
﴿أفَمَن يَتَّقِي﴾ أيْ: يَسْتَقْبِلُ، كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎سَقَطَ النَّصِيفُ ولَمْ تُرِدْ إسْقاطَهُ فَتَناوَلَتْهُ واتَّقَتْنا بِاليَدِ
أيْ: اسْتَقْبَلَتْنا بِيَدِها لِتَقِيَ بِيَدِها وجْهَها أنْ يُرى.
والظّاهِرُ حَمْلُ ﴿بِوَجْهِهِ﴾ عَلى حَقِيقَتِهِ. لَمّا كانَ يُلْقى في النّارِ مَغْلُولَةً يَداهُ إلى رِجْلَيْهِ مَعَ عُنُقِهِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ ما يَتَّقِي بِهِ النّارَ إلّا وجْهَهُ.
قالَ مُجاهِدٌ: يُجَرُّ عَلى وجْهِهِ في النّارِ، ويَجُوزُ أنْ يُعَبَّرَ بِالوَجْهِ عَنِ الجُمْلَةِ. وقِيلَ: المَعْنى وصْفُ كَثْرَةِ ما يَنالُهم مِنَ العَذابِ، يَتَّقِيهِ أوَّلًا بِجَوارِحِهِ، فَيَتَزَيَدُ حَتّى يَتَّقِيَهُ بِوَجْهِهِ الَّذِي هو أشْرَفُ جَوارِحِهِ، وفِيهِ جَوابٌ، وهو غايَةُ العَذابِ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا المَعْنى عِنْدِي أبْيَنُ بَلاغَةً. في هَذا المِضْمارِ يَجْرِي قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎يَلْقى السُّيُوفَ بِوَجْهِهِ وبِنَحْرِهِ ∗∗∗ ويُقِيمُ هامَتَهُ مَقامَ المِغْفَرِ
لِأنَّهُ إنَّما أرادَ عِظَمَ جُرْأتِهِ عَلَيْها، فَهو يَلْقاها بِكُلِّ مِجَنٍّ، وبِكُلِّ شَيْءٍ عَنْهُ، حَتّى بِوَجْهِهِ وبِنَحْرِهِ. انْتَهى.
و(سُوءَ العَذابِ): أشَدَّهُ، وخَبَرُ مَن مَحْذُوفٌ قَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: كَمَن أمِنَ العَذابَ، وابْنُ عَطِيَّةَ: كالمُنَعَّمِينَ في الجَنَّةِ.
﴿وقِيلَ لِلظّالِمِينَ﴾ أيْ: قالَ ذَلِكَ خَزَنَةُ النّارِ، (ذُوقُوا ما كُنْتُمْ) أيْ: وبالَ ما كُنْتُمْ (تَكْسِبُونَ) مِنَ الأعْمالِ السَّيِّئَةِ.
(كَذَّبَ الَّذِينَ مِنَ قَبْلِهِمْ): تَمْثِيلٌ لِ قُرَيْشٍ بِالأُمَمِ الماضِيَةِ، وما آلَ إلَيْهِ أمْرُهم مِنَ الهَلاكِ.
﴿فَأتاهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾: مِنَ الجِهَةِ الَّتِي لا يَشْعُرُونَ أنَّ العَذابَ يَأْتِيهِمْ مِنَ قِبَلِها، ولا يَخْطُرُ بِبالِهِمْ أنَّ الشَّرَّ يَأْتِيهِمْ مِنها.
كانُوا في أمْنٍ وغِبْطَةٍ وسُرُورٍ، فَإذا هم مُعَذَّبُونَ مَخْزِيُّونَ ذَلِيلُونَ في الدُّنْيا مِن مَمْسُوخٍ ومَقْتُولٍ ومَأْسُورٍ ومَنفِيٍّ.
ثُمَّ أخْبَرَ أنَّ ما أُعِدَّ لَهم في الآخِرَةِ أعْظَمُ. وانْتَصَبَ (قُرْآنًا عَرَبِيًّا) عَلى الحالِ، وهي حالٌ مُؤَكِّدَةٌ، والحالُ في الحَقِيقَةِ هو (عَرَبِيًّا)، و(قُرْآنًا) تَوْطِئَةٌ لَهُ. وقِيلَ: انْتَصَبَ عَلى المَدْحِ، ونَفى عَنْهُ العِوَجَ؛ لِأنَّهُ مُسْتَقِيمٌ بَرِيءٌ مِنَ الِاخْتِلافِ والتَّناقُضِ.
وقالَ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ: غَيْرُ مُضْطَرِبٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: غَيْرُ مُخْتَلِفٍ. وقالَ مُجاهِدٌ: غَيْرُ ذِي لَبْسٍ. وقالَ السُّدِّيُّ: غَيْرُ مَخْلُوقٍ. وقِيلَ: غَيْرُ ذِي لَحْنٍ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): فَهَلّا قِيلَ مُسْتَقِيمًا أوْ غَيْرَ مُعْوَجٍّ ؟ (قُلْتُ): فِيهِ فائِدَتانِ: إحْداهُما: نَفْيُ أنْ يَكُونَ فِيهِ عِوَجٌ قَطُّ، كَما قالَ: ﴿ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجا﴾ [الكهف: ١] .
والثّانِي: أنَّ لَفْظَ العِوَجِ مُخْتَصٌّ بِالمَعانِي دُونَ الأعْيانِ. وقِيلَ: المُرادُ بِالعِوَجِ: الشَّكُّ واللَّبْسُ، وأنْشَدَ:
؎وقَدْ أتاكَ يَقِينًا غَيْرُ ذِي عِوَجِ ∗∗∗ مِنَ الإلَهِ وقَوْلٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ. انْتَهى
ولَمّا ذَكَرَ تَعالى أنَّهُ ضَرَبَ في القُرْآنِ (مِن كُلِّ مَثَلٍ): أيْ مُحْتاجٍ إلَيْهِ، ضَرَبَ هُنا مَثَلًا لِعابِدِ آلِهَةٍ كَثِيرَةٍ، ومَن يَعْبُدُ اللَّهَ وحْدَهُ، ومَثَّلَ بَرْجَلٍ مَمْلُوكٍ اشْتَرَكَ فِيهِ مُلّاكٌ سَيِّئُو الأخْلاقِ، فَهو لا يَقْدِرُ أنْ يُوَفِّيَ كُلَّ واحِدٍ مِنهم مَقْصُودَهُ، إذْ لا يَتَغاضى بَعْضُهم لِبَعْضٍ لِمُشاحَتِهِمْ، وطَلَبَ كُلٌّ مِنهم أنْ يَقْضِيَ حاجَتَهُ عَلى التَّمامِ، فَلا يَزالُ في عَناءٍ وتَعَبٍ ولَوْمٍ مِن كُلٍّ مِنهم.
ورَجُلٌ آخَرُ مَمْلُوكٌ جَمِيعُهُ لِرَجُلٍ واحِدٍ، فَهو مَعْنِيٌّ بِشُغْلِهِ لا يَشْغَلُهُ عَنْهُ شَيْءٌ، ومالِكُهُ راضٍ عَنْهُ إنْ قَدْ خَلُصَ لِخِدْمَتِهِ، وبَذَلَ جُهْدَهُ في قَضاءِ حَوائِجِهِ، فَلا يَلْقى مِن سَيِّدِهِ إلّا إحْسانًا، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في نَصْبِ المَثَلِ.
وما بَعْدَهُ.
وقالَ الكِسائِيُّ: انْتَصَبَ رَجُلًا عَلى إسْقاطِ الخافِضِ، أيْ مَثَلًا لِرَجُلٍ، أوْ في رَجُلٍ فِيهِ، أيْ: في رِقِّهِ مُشْتَرَكًا، وفِيهِ صِلَةٌ لِشُرَكاءَ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والزُّهْرِيُّ، والحَسَنُ: بِخِلافٍ عَنْهُ؛ والجَحْدَرَيُّ، وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو: (سالِمًا) اسْمُ فاعِلٍ مِنَ سَلِمَ، أيْ خالِصًا مِنَ الشَّرِكَةِ. وقَرَأ الأعْرَجُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، وأبُو رَجاءٍ، وطَلْحَةُ، والحَسَنُ: بِخِلافٍ عَنْهُ؛ وباقِي السَّبْعَةِ: (سَلَمًا) بِفَتْحِ السِّينِ واللّامِ.
وقَرَأ ابْنُ جُبَيْرٍ: (سِلْمًا) بِكَسْرِ السِّينِ وسُكُونِ اللّامِ، وهُما مَصْدَرٌ إنْ وُصِفَ بِهِما مُبالَغَةً في الخُلُوصِ مِنَ الشَّرِكَةِ. وقُرِئَ: (ورَجُلٌ (p-٤٢٥)سالِمٌ) بِرَفْعِهِما. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ وهُناكَ رَجُلٌ سالِمٌ لِرَجُلٍ. انْتَهى، فَجَعَلَ الخَبَرَ هُناكَ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ورَجُلٌ مُبْتَدَأً؛ لِأنَّهُ مَوْضِعُ تَفْصِيلٍ، إذْ قَدْ تَقَدَّمَ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ، فَيَكُونُ كَقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:
؎إذا ما بَكى مِن خَلْفِها انْحَرَفَتْ ∗∗∗ لَهُ بِشِقٍّ وشَقٍّ عِنْدَنا لَمْ يُحَوَّلِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإنَّما جَعَلَهُ رَجُلًا لِيَكُونَ أفْطَنَ لِما شَقِيَ بِهِ أوْ سَعِدَ، فَإنَّ المَرْأةَ والصَّبِيَّ قَدْ يَغْفَلانِ عَنْ ذَلِكَ.
وانْتَصَبَ (مَثَلًا) عَلى التَّمْيِيزِ المَنقُولِ مِنَ الفاعِلِ، إذِ التَّقْدِيرُ: هَلْ يَسْتَوِي مَثَلُهُما ؟ واقْتَصَرَ في التَّمْيِيزِ عَلى الواحِدِ؛ لِأنَّهُ المُقْتَصَرُ عَلَيْهِ أوَّلًا في قَوْلِهِ: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا)، ولِبَيانِ الجِنْسِ. وقُرِئَ: (مَثَلَيْنِ)، فَطابَقَ حالَ الرَّجُلَيْنِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ فِيمَن قَرَأ (مَثَلَيْنِ) أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ في (يَسْتَوِيانِ) لِلْمَثَلَيْنِ؛ لِأنَّ التَّقْدِيرَ مَثَلُ رَجُلٍ، والمَعْنى: هَلْ يَسْتَوِيانِ فِيما يَرْجِعُ إلى الوَصْفِيَّةِ ؟ كَما يَقُولُ: كَفى بِهِما رَجُلَيْنِ. انْتَهى.
والظّاهِرُ أنَّهُ يَعُودُ الضَّمِيرُ في يَسْتَوِيانِ إلى الرَّجُلَيْنِ، فَأمّا إذا جَعَلْتَهُ عائِدًا إلى المَثَلَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرَ أنَّ التَّقْدِيرَ مَثَلَ رَجُلٍ ورَجُلٍ، فَإنَّ التَّمْيِيزَ إذْ ذاكَ يَكُونُ قَدْ فُهِمَ مِنَ المُمَيَّزِ الَّذِي هو الضَّمِيرُ، إذْ يَصِيرُ التَّقْدِيرُ: هَلْ يَسْتَوِي المَثَلانِ مَثَلَيْنِ ؟ قُلْ: (الحَمْدُ لِلَّهِ): أيِ الثَّناءُ والمَدْحُ لِلَّهِ لا لِغَيْرِهِ، وهو الَّذِي ثَبَتَتْ وحْدانِيَّتُهُ، فَهو الَّذِي يَجِبُ أنْ يُحْمَدَ، (بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ)، فَيُشْرِكُونَ بِهِ غَيْرَهُ.
ولَفْظَةُ الحَمْدُ لِلَّهِ تُشْعِرُ بِوُقُوعِ الهَلاكِ بِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿فَقُطِعَ دابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٤٥] .
ولَمّا لَمْ يَلْتَفِتُوا إلى هَذِهِ الدَّلائِلِ الباهِرَةِ، أخْبَرَ الجَمِيعَ بِأنَّهم مَيِّتُونَ وصائِرُونَ إلَيْهِ، وأنَّ اخْتَصامَكم يَكُونُ بَيْنَ يَدَيْهِ يَوْمَ القِيامَةِ، وهو الحَكَمُ العَدْلُ، فَيَتَمَيَّزُ المُحِقُّ مِنَ المُبْطِلِ، وهو - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأتْباعُهُ المُحِقُّونَ الفائِزُونَ بِالظَّفَرِ والغَلَبَةِ، والكافِرُونَ هُمُ المُبْطِلُونَ.
فالضَّمِيرُ في (وإنَّكَ) خِطابٌ لِلرَّسُولِ، وتَدْخُلُ مَعَهُ أُمَّتُهُ في ذَلِكَ. والظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ في (وإنَّهم) عَلى الكُفّارِ، وغُلِّبَ ضَمِيرُ الخِطابِ في (إنَّكَ) عَلى ضَمِيرِ الغَيْبَةِ في (إنَّهم) ولِذَلِكَ جاءَ ﴿تَخْتَصِمُونَ﴾ بِالخِطابِ، فَتَحْتَجُّ أنْتَ عَلَيْهِمْ بِأنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وكَذَّبُوا، واجْتَهَدْتَ في الدَّعْوَةِ ولَجُّوا في العِنادِ.
وقالَ أبُو العالِيَةِ: هم أهْلُ القِبْلَةِ، يَخْتَصِمُونَ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ في مَظالِمِهِمْ.
وأبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ هَذا الخِصامَ سَبَبُهُ ما كانَ في قَتْلِ عُثْمانَ، وما جَرى بَيْنَ عَلِيٍّ ومُعاوِيَةَ بِسَبَبِ ذَلِكَ، رِضى اللَّهِ عَنْهم.
وقِيلَ: يَخْتَصِمُ الجَمِيعُ، فالكُفّارُ يُخاصِمُ بَعْضُهم بَعْضًا حَتّى يُقالَ لَهم: لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ. والمُؤْمِنُونَ يَتَلَقَّوْنَ الكافِرِينَ بِالحُجَجِ، وأهْلُ القِبْلَةِ يَكُونُ بَيْنَهُمُ الخِصامُ.
وقَرَأ ابْنُ الزُّبَيْرِ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وعِيسى، واليَمانِيُّ، وابْنُ أبِي غَوْثٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: (إنَّكَ مائِتٌ وإنَّهم مائِتُونَ)، وهي تُشْعِرُ بِحُدُوثِ الصِّفَةِ؛ والجُمْهُورُ: (مَيِّتٌ ومَيِّتُونَ) وهي تُشْعِرُ بِالثُّبُوتِ واللُّزُومِ كالحَيِّ.
الزمر 39:30
(p-٤٢٣)﴿اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ كِتابًا مُتَشابِهًا مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهم وقُلُوبُهم إلى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشاءُ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ ﴿أفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ وقِيلَ لِلظّالِمِينَ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأتاهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿فَأذاقَهُمُ اللَّهُ الخِزْيَ في الحَياةِ الدُّنْيا ولَعَذابُ الآخِرَةِ أكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ ﴿قُرْءانًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ ورَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا الحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهم مَيِّتُونَ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكم تَخْتَصِمُونَ﴾ .
«عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ قَوْمًا مِنَ الصَّحابَةِ قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، حَدِّثْنا بِأحادِيثَ حِسانٍ، وبِأخْبارِ الدَّهْرِ، فَنَزَلَ: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ﴾» .
وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، أنَّ الصَّحابَةَ مَلَئُوا مَكَّةَ، فَقالُوا لَهُ: حَدِّثْنا، فَنَزَلَتْ.
والِابْتِداءُ بِاسْمِ اللَّهِ، وإسْنادُ نَزَّلَ لِضَمِيرِهِ مَبْنِيًّا عَلَيْهِ فِيهِ تَفْخِيمٌ لِلْمُنَزَّلِ ورَفْعٌ مِنهُ، كَما تَقُولُ: المَلِكُ أكْرَمَ فُلانًا، هو أفْخَمُ مِن: أكْرَمَ المَلِكُ فُلانًا. وحِكْمَةُ ذَلِكَ البَداءَةُ بِالأشْرَفِ مِن تَذَكُّرِ ما تُسْنَدُ إلَيْهِ، وهو كَثِيرٌ في القُرْآنِ، كَقَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ المَلائِكَةِ رُسُلًا﴾ [الحج: ٧٥]، و(كِتابًا) بَدَلٌ مِن (أحْسَنَ الحَدِيثِ) . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ حالًا. انْتَهى.
وكانَ بِناءً عَلى أنَّ (أحْسَنَ الحَدِيثِ) مَعْرِفَةٌ لِإضافَتِهِ إلى مَعْرِفَةٍ. وأفْعَلُ التَّفْضِيلِ، إذا أُضِيفَ إلى مَعْرِفَةٍ، فِيهِ خِلافٌ. فَقِيلَ: إضافَتُهُ مَحْضَةٌ، وقِيلَ: غَيْرُ مَحْضَةٍ. و(مُتَشابِهًا): مُطْلَقٌ في مُشابَهَةِ بَعْضِهِ بَعْضًا. فَمَعانِيهِ مُتَشابِهَةٌ، لا تَناقُضَ فِيها ولا تَعارُضَ، وألْفاظُهُ في غايَةِ الفَصاحَةِ والبَلاغَةِ والتَّناسُبِ، بِحَيْثُ أعْجَزَتِ العُظَماءَ والبُلَغاءَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿مَثانِيَ﴾، بِفَتْحِ الياءِ؛ وهِشامٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بِشْرٍ: بِسُكُونِ الياءِ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا، وسَكَّنَ الياءَ عَلى قَوْلِ مَن يُسَكِّنُ الياءَ في كُلِّ الأحْوالِ، لِانْكِسارِ ما قَبْلَها اسْتِثْقالًا لِلْحَرَكَةِ عَلَيْها. و﴿مَثانِيَ﴾ يَظْهَرُ أنَّهُ جَمْعُ مَثْنًى، ومَعْناهُ: مَوْضِعُ تَثْنِيَةِ القَصَصِ والأحْكامِ والعَقائِدِ والوَعْدِ والوَعِيدِ. وقِيلَ: يُثَنِّي في الصَّلاةِ بِمَعْنى: التَّكْرِيرِ والإعادَةِ. انْتَهى.
ووَصَفَ المُفْرَدَ بِالجَمْعِ؛ لِأنَّ فِيهِ تَفاصِيلَ، وتَفاصِيلُ الشَّيْءِ جُمْلَتُهُ. ألا تَرى أنَّكَ تَقُولُ: القُرْآنُ سُوَرٌ وآياتٌ ؟ فَكَذَلِكَ تَقُولُ: أحْكامٌ ومَواعِظُ مُكَرَّراتٌ، وأصْلُهُ كِتابًا مُتَشابِهًا فُصُولًا مَثانِيَ، حُذِفَ المَوْصُوفُ وأُقِيمَتْ صِفَتُهُ مَقامَهُ. وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ مِن بابِ: بُرْمَةٌ أعْشارٌ، وُثَوْبٌ أخْلاقٌ، وأنْ يَكُونَ تَمْيِيزًا عَنْ: مُتَشابِهًا، فَيَكُونُ مَنقُولًا مِنَ الفاعِلِ، أيْ: مُتَشابِهًا مَثانِيهِ.
كَما تَقُولُ: رَأيْتُ رَجُلًا حَسَنًا شَمائِلَ، وفائِدَةُ تَثْنِيَتِهِ وتَكُرُّرِهِ رُسُوخُهُ في النُّفُوسِ، إذْ هي أنْفَرُ شَيْءٍ عَنْ سَماعِ الوَعْظِ والنَّصِيحَةِ.
والظّاهِرُ حَمْلُ القُشَعْرِيرَةِ عَلى الحَقِيقَةِ، إذْ هو مَوْجُودٌ عِنْدَ الخَشْيَةِ، مَحْسُوسٌ يُدْرِكُهُ الإنْسانُ مِن نَفْسِهِ، وهو حاصِلٌ مِنَ التَّأثُّرِ القَلْبِيِّ. وقِيلَ: هو تَمْثِيلُ تَصْوِيرٍ لِإفْراطِ خَشْيَتِهِمْ، والمَعْنى: أنَّهُ حِينَ يَسْمَعُونَهُ يُتْلى ما فِيهِ مِن آياتِ الوَعِيدِ، عَرَتْهم خَشْيَةٌ تَنْقَبِضُ مِنها جُلُودُهم.
ثُمَّ إذا ذَكَرُوا اللَّهَ ورَحْمَتَهُ لانَتْ جُلُودُهم، أيْ: زالَ عَنْها ذَلِكَ التَّقَبُّضُ النّاشِئُ عَنْ خَشْيَةِ القُلُوبِ بِزَوالِ الخَشْيَةِ عَنْها، وضَمَّنَ تَلِينُ مَعْنى تَطْمَئِنُّ جُلُودُهم لَيِّنَةً غَيْرَ مُنْقَبِضَةٍ، وقُلُوبُهم راجِيَةٌ غَيْرُ خاشِيَةٍ، ولِذَلِكَ عَدّاهُ بِإلى.
وكانَ في ذِكْرِ القُلُوبِ في هَذِهِ الجُمْلَةِ دَلِيلٌ عَلى تَأثُّرِها عِنْدَ السَّماعِ، فاكْتَفى بِقُشَعْرِيرَةِ الجُلُودِ عَنْ ذِكْرِ خَشْيَةِ القُلُوبِ لِقِيامِ المُسَبَّبِ مَقامَ السَّبَبِ. فَلَمّا ذَكَرَ اللِّينَ ذَكَرَهُما، وفي ذِكْرِ اللِّينِ دَلِيلٌ عَلى المَحْذُوفِ الَّذِي هو رَحْمَةُ اللَّهِ، كَما كانَ في قَوْلِهِ: (إذا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهم)، دَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: (وجِلَتْ) عَنْ ذِكْرِ المَحْذُوفِ، أيْ: إذا ذُكِرَ وعِيدُ اللَّهِ وبَطْشُهُ. وقالَ العَبّاسُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلَبِ: قالَ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ”«مَنِ اقْشَعَرَّ جِلْدُهُ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ تَحاتَّتْ عَنْهُ ذُنُوبُهُ كَما يَتَحاتُّ عَنِ الشَّجَرَةِ اليابِسَةِ ورَقُها“» .
وقالَ ابْنُ عُمَرَ: وقَدْ رَأى ساقِطًا مِن سَماعِ القُرْآنِ، فَقالَ: إنّا لِنَخْشى اللَّهَ، وما نُسْقِطُ، هَؤُلاءِ يَدْخُلُ الشَّيْطانُ في جَوْفِ أحَدِهِمْ.
وقالَتْ أسْماءُ بِنْتُ أبِي بَكْرٍ: كانَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَدْمَعُ أعْيُنُهم وتَقْشَعِرُّ جُلُودُهم عِنْدَ سَماعِ القُرْآنِ، قِيلَ لَها: إنَّ قَوْمًا اليَوْمَ إذا اسْمِعُوا القُرْآنَ خَرَّ أحَدُهم مَغْشِيًّا عَلَيْهِ، فَقالَتْ: أعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ.
وقالَ ابْنُ سِيرِينَ: بَيْنَنا وبَيْنَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يُصْرَعُونَ عِنْدَ قِراءَةِ القُرْآنِ أنْ يُجْعَلَ أحَدُهم عَلى حائِطٍ باسِطًا رِجْلَيْهِ، ثُمَّ يُقْرَأُ عَلَيْهِ القُرْآنُ كُلُّهُ، فَإنْ رَمى بِنَفْسِهِ فَهو صادِقٌ. والإشارَةُ بِذَلِكَ إلى (p-٤٢٤)الكِتابِ، أوْ إلى ذَيْنِكَ الوَصْفَيْنِ مِنَ الِاقْشِعْرارِ واللِّينِ، أيْ: أثَرُ هُدى اللَّهِ.
﴿أفَمَن يَتَّقِي﴾ أيْ: يَسْتَقْبِلُ، كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎سَقَطَ النَّصِيفُ ولَمْ تُرِدْ إسْقاطَهُ فَتَناوَلَتْهُ واتَّقَتْنا بِاليَدِ
أيْ: اسْتَقْبَلَتْنا بِيَدِها لِتَقِيَ بِيَدِها وجْهَها أنْ يُرى.
والظّاهِرُ حَمْلُ ﴿بِوَجْهِهِ﴾ عَلى حَقِيقَتِهِ. لَمّا كانَ يُلْقى في النّارِ مَغْلُولَةً يَداهُ إلى رِجْلَيْهِ مَعَ عُنُقِهِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ ما يَتَّقِي بِهِ النّارَ إلّا وجْهَهُ.
قالَ مُجاهِدٌ: يُجَرُّ عَلى وجْهِهِ في النّارِ، ويَجُوزُ أنْ يُعَبَّرَ بِالوَجْهِ عَنِ الجُمْلَةِ. وقِيلَ: المَعْنى وصْفُ كَثْرَةِ ما يَنالُهم مِنَ العَذابِ، يَتَّقِيهِ أوَّلًا بِجَوارِحِهِ، فَيَتَزَيَدُ حَتّى يَتَّقِيَهُ بِوَجْهِهِ الَّذِي هو أشْرَفُ جَوارِحِهِ، وفِيهِ جَوابٌ، وهو غايَةُ العَذابِ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا المَعْنى عِنْدِي أبْيَنُ بَلاغَةً. في هَذا المِضْمارِ يَجْرِي قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎يَلْقى السُّيُوفَ بِوَجْهِهِ وبِنَحْرِهِ ∗∗∗ ويُقِيمُ هامَتَهُ مَقامَ المِغْفَرِ
لِأنَّهُ إنَّما أرادَ عِظَمَ جُرْأتِهِ عَلَيْها، فَهو يَلْقاها بِكُلِّ مِجَنٍّ، وبِكُلِّ شَيْءٍ عَنْهُ، حَتّى بِوَجْهِهِ وبِنَحْرِهِ. انْتَهى.
و(سُوءَ العَذابِ): أشَدَّهُ، وخَبَرُ مَن مَحْذُوفٌ قَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: كَمَن أمِنَ العَذابَ، وابْنُ عَطِيَّةَ: كالمُنَعَّمِينَ في الجَنَّةِ.
﴿وقِيلَ لِلظّالِمِينَ﴾ أيْ: قالَ ذَلِكَ خَزَنَةُ النّارِ، (ذُوقُوا ما كُنْتُمْ) أيْ: وبالَ ما كُنْتُمْ (تَكْسِبُونَ) مِنَ الأعْمالِ السَّيِّئَةِ.
(كَذَّبَ الَّذِينَ مِنَ قَبْلِهِمْ): تَمْثِيلٌ لِ قُرَيْشٍ بِالأُمَمِ الماضِيَةِ، وما آلَ إلَيْهِ أمْرُهم مِنَ الهَلاكِ.
﴿فَأتاهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾: مِنَ الجِهَةِ الَّتِي لا يَشْعُرُونَ أنَّ العَذابَ يَأْتِيهِمْ مِنَ قِبَلِها، ولا يَخْطُرُ بِبالِهِمْ أنَّ الشَّرَّ يَأْتِيهِمْ مِنها.
كانُوا في أمْنٍ وغِبْطَةٍ وسُرُورٍ، فَإذا هم مُعَذَّبُونَ مَخْزِيُّونَ ذَلِيلُونَ في الدُّنْيا مِن مَمْسُوخٍ ومَقْتُولٍ ومَأْسُورٍ ومَنفِيٍّ.
ثُمَّ أخْبَرَ أنَّ ما أُعِدَّ لَهم في الآخِرَةِ أعْظَمُ. وانْتَصَبَ (قُرْآنًا عَرَبِيًّا) عَلى الحالِ، وهي حالٌ مُؤَكِّدَةٌ، والحالُ في الحَقِيقَةِ هو (عَرَبِيًّا)، و(قُرْآنًا) تَوْطِئَةٌ لَهُ. وقِيلَ: انْتَصَبَ عَلى المَدْحِ، ونَفى عَنْهُ العِوَجَ؛ لِأنَّهُ مُسْتَقِيمٌ بَرِيءٌ مِنَ الِاخْتِلافِ والتَّناقُضِ.
وقالَ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ: غَيْرُ مُضْطَرِبٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: غَيْرُ مُخْتَلِفٍ. وقالَ مُجاهِدٌ: غَيْرُ ذِي لَبْسٍ. وقالَ السُّدِّيُّ: غَيْرُ مَخْلُوقٍ. وقِيلَ: غَيْرُ ذِي لَحْنٍ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): فَهَلّا قِيلَ مُسْتَقِيمًا أوْ غَيْرَ مُعْوَجٍّ ؟ (قُلْتُ): فِيهِ فائِدَتانِ: إحْداهُما: نَفْيُ أنْ يَكُونَ فِيهِ عِوَجٌ قَطُّ، كَما قالَ: ﴿ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجا﴾ [الكهف: ١] .
والثّانِي: أنَّ لَفْظَ العِوَجِ مُخْتَصٌّ بِالمَعانِي دُونَ الأعْيانِ. وقِيلَ: المُرادُ بِالعِوَجِ: الشَّكُّ واللَّبْسُ، وأنْشَدَ:
؎وقَدْ أتاكَ يَقِينًا غَيْرُ ذِي عِوَجِ ∗∗∗ مِنَ الإلَهِ وقَوْلٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ. انْتَهى
ولَمّا ذَكَرَ تَعالى أنَّهُ ضَرَبَ في القُرْآنِ (مِن كُلِّ مَثَلٍ): أيْ مُحْتاجٍ إلَيْهِ، ضَرَبَ هُنا مَثَلًا لِعابِدِ آلِهَةٍ كَثِيرَةٍ، ومَن يَعْبُدُ اللَّهَ وحْدَهُ، ومَثَّلَ بَرْجَلٍ مَمْلُوكٍ اشْتَرَكَ فِيهِ مُلّاكٌ سَيِّئُو الأخْلاقِ، فَهو لا يَقْدِرُ أنْ يُوَفِّيَ كُلَّ واحِدٍ مِنهم مَقْصُودَهُ، إذْ لا يَتَغاضى بَعْضُهم لِبَعْضٍ لِمُشاحَتِهِمْ، وطَلَبَ كُلٌّ مِنهم أنْ يَقْضِيَ حاجَتَهُ عَلى التَّمامِ، فَلا يَزالُ في عَناءٍ وتَعَبٍ ولَوْمٍ مِن كُلٍّ مِنهم.
ورَجُلٌ آخَرُ مَمْلُوكٌ جَمِيعُهُ لِرَجُلٍ واحِدٍ، فَهو مَعْنِيٌّ بِشُغْلِهِ لا يَشْغَلُهُ عَنْهُ شَيْءٌ، ومالِكُهُ راضٍ عَنْهُ إنْ قَدْ خَلُصَ لِخِدْمَتِهِ، وبَذَلَ جُهْدَهُ في قَضاءِ حَوائِجِهِ، فَلا يَلْقى مِن سَيِّدِهِ إلّا إحْسانًا، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في نَصْبِ المَثَلِ.
وما بَعْدَهُ.
وقالَ الكِسائِيُّ: انْتَصَبَ رَجُلًا عَلى إسْقاطِ الخافِضِ، أيْ مَثَلًا لِرَجُلٍ، أوْ في رَجُلٍ فِيهِ، أيْ: في رِقِّهِ مُشْتَرَكًا، وفِيهِ صِلَةٌ لِشُرَكاءَ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والزُّهْرِيُّ، والحَسَنُ: بِخِلافٍ عَنْهُ؛ والجَحْدَرَيُّ، وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو: (سالِمًا) اسْمُ فاعِلٍ مِنَ سَلِمَ، أيْ خالِصًا مِنَ الشَّرِكَةِ. وقَرَأ الأعْرَجُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، وأبُو رَجاءٍ، وطَلْحَةُ، والحَسَنُ: بِخِلافٍ عَنْهُ؛ وباقِي السَّبْعَةِ: (سَلَمًا) بِفَتْحِ السِّينِ واللّامِ.
وقَرَأ ابْنُ جُبَيْرٍ: (سِلْمًا) بِكَسْرِ السِّينِ وسُكُونِ اللّامِ، وهُما مَصْدَرٌ إنْ وُصِفَ بِهِما مُبالَغَةً في الخُلُوصِ مِنَ الشَّرِكَةِ. وقُرِئَ: (ورَجُلٌ (p-٤٢٥)سالِمٌ) بِرَفْعِهِما. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ وهُناكَ رَجُلٌ سالِمٌ لِرَجُلٍ. انْتَهى، فَجَعَلَ الخَبَرَ هُناكَ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ورَجُلٌ مُبْتَدَأً؛ لِأنَّهُ مَوْضِعُ تَفْصِيلٍ، إذْ قَدْ تَقَدَّمَ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ، فَيَكُونُ كَقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:
؎إذا ما بَكى مِن خَلْفِها انْحَرَفَتْ ∗∗∗ لَهُ بِشِقٍّ وشَقٍّ عِنْدَنا لَمْ يُحَوَّلِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإنَّما جَعَلَهُ رَجُلًا لِيَكُونَ أفْطَنَ لِما شَقِيَ بِهِ أوْ سَعِدَ، فَإنَّ المَرْأةَ والصَّبِيَّ قَدْ يَغْفَلانِ عَنْ ذَلِكَ.
وانْتَصَبَ (مَثَلًا) عَلى التَّمْيِيزِ المَنقُولِ مِنَ الفاعِلِ، إذِ التَّقْدِيرُ: هَلْ يَسْتَوِي مَثَلُهُما ؟ واقْتَصَرَ في التَّمْيِيزِ عَلى الواحِدِ؛ لِأنَّهُ المُقْتَصَرُ عَلَيْهِ أوَّلًا في قَوْلِهِ: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا)، ولِبَيانِ الجِنْسِ. وقُرِئَ: (مَثَلَيْنِ)، فَطابَقَ حالَ الرَّجُلَيْنِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ فِيمَن قَرَأ (مَثَلَيْنِ) أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ في (يَسْتَوِيانِ) لِلْمَثَلَيْنِ؛ لِأنَّ التَّقْدِيرَ مَثَلُ رَجُلٍ، والمَعْنى: هَلْ يَسْتَوِيانِ فِيما يَرْجِعُ إلى الوَصْفِيَّةِ ؟ كَما يَقُولُ: كَفى بِهِما رَجُلَيْنِ. انْتَهى.
والظّاهِرُ أنَّهُ يَعُودُ الضَّمِيرُ في يَسْتَوِيانِ إلى الرَّجُلَيْنِ، فَأمّا إذا جَعَلْتَهُ عائِدًا إلى المَثَلَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرَ أنَّ التَّقْدِيرَ مَثَلَ رَجُلٍ ورَجُلٍ، فَإنَّ التَّمْيِيزَ إذْ ذاكَ يَكُونُ قَدْ فُهِمَ مِنَ المُمَيَّزِ الَّذِي هو الضَّمِيرُ، إذْ يَصِيرُ التَّقْدِيرُ: هَلْ يَسْتَوِي المَثَلانِ مَثَلَيْنِ ؟ قُلْ: (الحَمْدُ لِلَّهِ): أيِ الثَّناءُ والمَدْحُ لِلَّهِ لا لِغَيْرِهِ، وهو الَّذِي ثَبَتَتْ وحْدانِيَّتُهُ، فَهو الَّذِي يَجِبُ أنْ يُحْمَدَ، (بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ)، فَيُشْرِكُونَ بِهِ غَيْرَهُ.
ولَفْظَةُ الحَمْدُ لِلَّهِ تُشْعِرُ بِوُقُوعِ الهَلاكِ بِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿فَقُطِعَ دابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٤٥] .
ولَمّا لَمْ يَلْتَفِتُوا إلى هَذِهِ الدَّلائِلِ الباهِرَةِ، أخْبَرَ الجَمِيعَ بِأنَّهم مَيِّتُونَ وصائِرُونَ إلَيْهِ، وأنَّ اخْتَصامَكم يَكُونُ بَيْنَ يَدَيْهِ يَوْمَ القِيامَةِ، وهو الحَكَمُ العَدْلُ، فَيَتَمَيَّزُ المُحِقُّ مِنَ المُبْطِلِ، وهو - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأتْباعُهُ المُحِقُّونَ الفائِزُونَ بِالظَّفَرِ والغَلَبَةِ، والكافِرُونَ هُمُ المُبْطِلُونَ.
فالضَّمِيرُ في (وإنَّكَ) خِطابٌ لِلرَّسُولِ، وتَدْخُلُ مَعَهُ أُمَّتُهُ في ذَلِكَ. والظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ في (وإنَّهم) عَلى الكُفّارِ، وغُلِّبَ ضَمِيرُ الخِطابِ في (إنَّكَ) عَلى ضَمِيرِ الغَيْبَةِ في (إنَّهم) ولِذَلِكَ جاءَ ﴿تَخْتَصِمُونَ﴾ بِالخِطابِ، فَتَحْتَجُّ أنْتَ عَلَيْهِمْ بِأنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وكَذَّبُوا، واجْتَهَدْتَ في الدَّعْوَةِ ولَجُّوا في العِنادِ.
وقالَ أبُو العالِيَةِ: هم أهْلُ القِبْلَةِ، يَخْتَصِمُونَ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ في مَظالِمِهِمْ.
وأبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ هَذا الخِصامَ سَبَبُهُ ما كانَ في قَتْلِ عُثْمانَ، وما جَرى بَيْنَ عَلِيٍّ ومُعاوِيَةَ بِسَبَبِ ذَلِكَ، رِضى اللَّهِ عَنْهم.
وقِيلَ: يَخْتَصِمُ الجَمِيعُ، فالكُفّارُ يُخاصِمُ بَعْضُهم بَعْضًا حَتّى يُقالَ لَهم: لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ. والمُؤْمِنُونَ يَتَلَقَّوْنَ الكافِرِينَ بِالحُجَجِ، وأهْلُ القِبْلَةِ يَكُونُ بَيْنَهُمُ الخِصامُ.
وقَرَأ ابْنُ الزُّبَيْرِ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وعِيسى، واليَمانِيُّ، وابْنُ أبِي غَوْثٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: (إنَّكَ مائِتٌ وإنَّهم مائِتُونَ)، وهي تُشْعِرُ بِحُدُوثِ الصِّفَةِ؛ والجُمْهُورُ: (مَيِّتٌ ومَيِّتُونَ) وهي تُشْعِرُ بِالثُّبُوتِ واللُّزُومِ كالحَيِّ.
الزمر 39:31
(p-٤٢٣)﴿اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ كِتابًا مُتَشابِهًا مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهم وقُلُوبُهم إلى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشاءُ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ ﴿أفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ وقِيلَ لِلظّالِمِينَ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأتاهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿فَأذاقَهُمُ اللَّهُ الخِزْيَ في الحَياةِ الدُّنْيا ولَعَذابُ الآخِرَةِ أكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ ﴿قُرْءانًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ ورَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا الحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهم مَيِّتُونَ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكم تَخْتَصِمُونَ﴾ .
«عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ قَوْمًا مِنَ الصَّحابَةِ قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، حَدِّثْنا بِأحادِيثَ حِسانٍ، وبِأخْبارِ الدَّهْرِ، فَنَزَلَ: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ﴾» .
وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، أنَّ الصَّحابَةَ مَلَئُوا مَكَّةَ، فَقالُوا لَهُ: حَدِّثْنا، فَنَزَلَتْ.
والِابْتِداءُ بِاسْمِ اللَّهِ، وإسْنادُ نَزَّلَ لِضَمِيرِهِ مَبْنِيًّا عَلَيْهِ فِيهِ تَفْخِيمٌ لِلْمُنَزَّلِ ورَفْعٌ مِنهُ، كَما تَقُولُ: المَلِكُ أكْرَمَ فُلانًا، هو أفْخَمُ مِن: أكْرَمَ المَلِكُ فُلانًا. وحِكْمَةُ ذَلِكَ البَداءَةُ بِالأشْرَفِ مِن تَذَكُّرِ ما تُسْنَدُ إلَيْهِ، وهو كَثِيرٌ في القُرْآنِ، كَقَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ المَلائِكَةِ رُسُلًا﴾ [الحج: ٧٥]، و(كِتابًا) بَدَلٌ مِن (أحْسَنَ الحَدِيثِ) . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ حالًا. انْتَهى.
وكانَ بِناءً عَلى أنَّ (أحْسَنَ الحَدِيثِ) مَعْرِفَةٌ لِإضافَتِهِ إلى مَعْرِفَةٍ. وأفْعَلُ التَّفْضِيلِ، إذا أُضِيفَ إلى مَعْرِفَةٍ، فِيهِ خِلافٌ. فَقِيلَ: إضافَتُهُ مَحْضَةٌ، وقِيلَ: غَيْرُ مَحْضَةٍ. و(مُتَشابِهًا): مُطْلَقٌ في مُشابَهَةِ بَعْضِهِ بَعْضًا. فَمَعانِيهِ مُتَشابِهَةٌ، لا تَناقُضَ فِيها ولا تَعارُضَ، وألْفاظُهُ في غايَةِ الفَصاحَةِ والبَلاغَةِ والتَّناسُبِ، بِحَيْثُ أعْجَزَتِ العُظَماءَ والبُلَغاءَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿مَثانِيَ﴾، بِفَتْحِ الياءِ؛ وهِشامٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بِشْرٍ: بِسُكُونِ الياءِ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا، وسَكَّنَ الياءَ عَلى قَوْلِ مَن يُسَكِّنُ الياءَ في كُلِّ الأحْوالِ، لِانْكِسارِ ما قَبْلَها اسْتِثْقالًا لِلْحَرَكَةِ عَلَيْها. و﴿مَثانِيَ﴾ يَظْهَرُ أنَّهُ جَمْعُ مَثْنًى، ومَعْناهُ: مَوْضِعُ تَثْنِيَةِ القَصَصِ والأحْكامِ والعَقائِدِ والوَعْدِ والوَعِيدِ. وقِيلَ: يُثَنِّي في الصَّلاةِ بِمَعْنى: التَّكْرِيرِ والإعادَةِ. انْتَهى.
ووَصَفَ المُفْرَدَ بِالجَمْعِ؛ لِأنَّ فِيهِ تَفاصِيلَ، وتَفاصِيلُ الشَّيْءِ جُمْلَتُهُ. ألا تَرى أنَّكَ تَقُولُ: القُرْآنُ سُوَرٌ وآياتٌ ؟ فَكَذَلِكَ تَقُولُ: أحْكامٌ ومَواعِظُ مُكَرَّراتٌ، وأصْلُهُ كِتابًا مُتَشابِهًا فُصُولًا مَثانِيَ، حُذِفَ المَوْصُوفُ وأُقِيمَتْ صِفَتُهُ مَقامَهُ. وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ مِن بابِ: بُرْمَةٌ أعْشارٌ، وُثَوْبٌ أخْلاقٌ، وأنْ يَكُونَ تَمْيِيزًا عَنْ: مُتَشابِهًا، فَيَكُونُ مَنقُولًا مِنَ الفاعِلِ، أيْ: مُتَشابِهًا مَثانِيهِ.
كَما تَقُولُ: رَأيْتُ رَجُلًا حَسَنًا شَمائِلَ، وفائِدَةُ تَثْنِيَتِهِ وتَكُرُّرِهِ رُسُوخُهُ في النُّفُوسِ، إذْ هي أنْفَرُ شَيْءٍ عَنْ سَماعِ الوَعْظِ والنَّصِيحَةِ.
والظّاهِرُ حَمْلُ القُشَعْرِيرَةِ عَلى الحَقِيقَةِ، إذْ هو مَوْجُودٌ عِنْدَ الخَشْيَةِ، مَحْسُوسٌ يُدْرِكُهُ الإنْسانُ مِن نَفْسِهِ، وهو حاصِلٌ مِنَ التَّأثُّرِ القَلْبِيِّ. وقِيلَ: هو تَمْثِيلُ تَصْوِيرٍ لِإفْراطِ خَشْيَتِهِمْ، والمَعْنى: أنَّهُ حِينَ يَسْمَعُونَهُ يُتْلى ما فِيهِ مِن آياتِ الوَعِيدِ، عَرَتْهم خَشْيَةٌ تَنْقَبِضُ مِنها جُلُودُهم.
ثُمَّ إذا ذَكَرُوا اللَّهَ ورَحْمَتَهُ لانَتْ جُلُودُهم، أيْ: زالَ عَنْها ذَلِكَ التَّقَبُّضُ النّاشِئُ عَنْ خَشْيَةِ القُلُوبِ بِزَوالِ الخَشْيَةِ عَنْها، وضَمَّنَ تَلِينُ مَعْنى تَطْمَئِنُّ جُلُودُهم لَيِّنَةً غَيْرَ مُنْقَبِضَةٍ، وقُلُوبُهم راجِيَةٌ غَيْرُ خاشِيَةٍ، ولِذَلِكَ عَدّاهُ بِإلى.
وكانَ في ذِكْرِ القُلُوبِ في هَذِهِ الجُمْلَةِ دَلِيلٌ عَلى تَأثُّرِها عِنْدَ السَّماعِ، فاكْتَفى بِقُشَعْرِيرَةِ الجُلُودِ عَنْ ذِكْرِ خَشْيَةِ القُلُوبِ لِقِيامِ المُسَبَّبِ مَقامَ السَّبَبِ. فَلَمّا ذَكَرَ اللِّينَ ذَكَرَهُما، وفي ذِكْرِ اللِّينِ دَلِيلٌ عَلى المَحْذُوفِ الَّذِي هو رَحْمَةُ اللَّهِ، كَما كانَ في قَوْلِهِ: (إذا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهم)، دَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: (وجِلَتْ) عَنْ ذِكْرِ المَحْذُوفِ، أيْ: إذا ذُكِرَ وعِيدُ اللَّهِ وبَطْشُهُ. وقالَ العَبّاسُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلَبِ: قالَ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ”«مَنِ اقْشَعَرَّ جِلْدُهُ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ تَحاتَّتْ عَنْهُ ذُنُوبُهُ كَما يَتَحاتُّ عَنِ الشَّجَرَةِ اليابِسَةِ ورَقُها“» .
وقالَ ابْنُ عُمَرَ: وقَدْ رَأى ساقِطًا مِن سَماعِ القُرْآنِ، فَقالَ: إنّا لِنَخْشى اللَّهَ، وما نُسْقِطُ، هَؤُلاءِ يَدْخُلُ الشَّيْطانُ في جَوْفِ أحَدِهِمْ.
وقالَتْ أسْماءُ بِنْتُ أبِي بَكْرٍ: كانَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَدْمَعُ أعْيُنُهم وتَقْشَعِرُّ جُلُودُهم عِنْدَ سَماعِ القُرْآنِ، قِيلَ لَها: إنَّ قَوْمًا اليَوْمَ إذا اسْمِعُوا القُرْآنَ خَرَّ أحَدُهم مَغْشِيًّا عَلَيْهِ، فَقالَتْ: أعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ.
وقالَ ابْنُ سِيرِينَ: بَيْنَنا وبَيْنَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يُصْرَعُونَ عِنْدَ قِراءَةِ القُرْآنِ أنْ يُجْعَلَ أحَدُهم عَلى حائِطٍ باسِطًا رِجْلَيْهِ، ثُمَّ يُقْرَأُ عَلَيْهِ القُرْآنُ كُلُّهُ، فَإنْ رَمى بِنَفْسِهِ فَهو صادِقٌ. والإشارَةُ بِذَلِكَ إلى (p-٤٢٤)الكِتابِ، أوْ إلى ذَيْنِكَ الوَصْفَيْنِ مِنَ الِاقْشِعْرارِ واللِّينِ، أيْ: أثَرُ هُدى اللَّهِ.
﴿أفَمَن يَتَّقِي﴾ أيْ: يَسْتَقْبِلُ، كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎سَقَطَ النَّصِيفُ ولَمْ تُرِدْ إسْقاطَهُ فَتَناوَلَتْهُ واتَّقَتْنا بِاليَدِ
أيْ: اسْتَقْبَلَتْنا بِيَدِها لِتَقِيَ بِيَدِها وجْهَها أنْ يُرى.
والظّاهِرُ حَمْلُ ﴿بِوَجْهِهِ﴾ عَلى حَقِيقَتِهِ. لَمّا كانَ يُلْقى في النّارِ مَغْلُولَةً يَداهُ إلى رِجْلَيْهِ مَعَ عُنُقِهِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ ما يَتَّقِي بِهِ النّارَ إلّا وجْهَهُ.
قالَ مُجاهِدٌ: يُجَرُّ عَلى وجْهِهِ في النّارِ، ويَجُوزُ أنْ يُعَبَّرَ بِالوَجْهِ عَنِ الجُمْلَةِ. وقِيلَ: المَعْنى وصْفُ كَثْرَةِ ما يَنالُهم مِنَ العَذابِ، يَتَّقِيهِ أوَّلًا بِجَوارِحِهِ، فَيَتَزَيَدُ حَتّى يَتَّقِيَهُ بِوَجْهِهِ الَّذِي هو أشْرَفُ جَوارِحِهِ، وفِيهِ جَوابٌ، وهو غايَةُ العَذابِ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا المَعْنى عِنْدِي أبْيَنُ بَلاغَةً. في هَذا المِضْمارِ يَجْرِي قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎يَلْقى السُّيُوفَ بِوَجْهِهِ وبِنَحْرِهِ ∗∗∗ ويُقِيمُ هامَتَهُ مَقامَ المِغْفَرِ
لِأنَّهُ إنَّما أرادَ عِظَمَ جُرْأتِهِ عَلَيْها، فَهو يَلْقاها بِكُلِّ مِجَنٍّ، وبِكُلِّ شَيْءٍ عَنْهُ، حَتّى بِوَجْهِهِ وبِنَحْرِهِ. انْتَهى.
و(سُوءَ العَذابِ): أشَدَّهُ، وخَبَرُ مَن مَحْذُوفٌ قَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: كَمَن أمِنَ العَذابَ، وابْنُ عَطِيَّةَ: كالمُنَعَّمِينَ في الجَنَّةِ.
﴿وقِيلَ لِلظّالِمِينَ﴾ أيْ: قالَ ذَلِكَ خَزَنَةُ النّارِ، (ذُوقُوا ما كُنْتُمْ) أيْ: وبالَ ما كُنْتُمْ (تَكْسِبُونَ) مِنَ الأعْمالِ السَّيِّئَةِ.
(كَذَّبَ الَّذِينَ مِنَ قَبْلِهِمْ): تَمْثِيلٌ لِ قُرَيْشٍ بِالأُمَمِ الماضِيَةِ، وما آلَ إلَيْهِ أمْرُهم مِنَ الهَلاكِ.
﴿فَأتاهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾: مِنَ الجِهَةِ الَّتِي لا يَشْعُرُونَ أنَّ العَذابَ يَأْتِيهِمْ مِنَ قِبَلِها، ولا يَخْطُرُ بِبالِهِمْ أنَّ الشَّرَّ يَأْتِيهِمْ مِنها.
كانُوا في أمْنٍ وغِبْطَةٍ وسُرُورٍ، فَإذا هم مُعَذَّبُونَ مَخْزِيُّونَ ذَلِيلُونَ في الدُّنْيا مِن مَمْسُوخٍ ومَقْتُولٍ ومَأْسُورٍ ومَنفِيٍّ.
ثُمَّ أخْبَرَ أنَّ ما أُعِدَّ لَهم في الآخِرَةِ أعْظَمُ. وانْتَصَبَ (قُرْآنًا عَرَبِيًّا) عَلى الحالِ، وهي حالٌ مُؤَكِّدَةٌ، والحالُ في الحَقِيقَةِ هو (عَرَبِيًّا)، و(قُرْآنًا) تَوْطِئَةٌ لَهُ. وقِيلَ: انْتَصَبَ عَلى المَدْحِ، ونَفى عَنْهُ العِوَجَ؛ لِأنَّهُ مُسْتَقِيمٌ بَرِيءٌ مِنَ الِاخْتِلافِ والتَّناقُضِ.
وقالَ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ: غَيْرُ مُضْطَرِبٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: غَيْرُ مُخْتَلِفٍ. وقالَ مُجاهِدٌ: غَيْرُ ذِي لَبْسٍ. وقالَ السُّدِّيُّ: غَيْرُ مَخْلُوقٍ. وقِيلَ: غَيْرُ ذِي لَحْنٍ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): فَهَلّا قِيلَ مُسْتَقِيمًا أوْ غَيْرَ مُعْوَجٍّ ؟ (قُلْتُ): فِيهِ فائِدَتانِ: إحْداهُما: نَفْيُ أنْ يَكُونَ فِيهِ عِوَجٌ قَطُّ، كَما قالَ: ﴿ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجا﴾ [الكهف: ١] .
والثّانِي: أنَّ لَفْظَ العِوَجِ مُخْتَصٌّ بِالمَعانِي دُونَ الأعْيانِ. وقِيلَ: المُرادُ بِالعِوَجِ: الشَّكُّ واللَّبْسُ، وأنْشَدَ:
؎وقَدْ أتاكَ يَقِينًا غَيْرُ ذِي عِوَجِ ∗∗∗ مِنَ الإلَهِ وقَوْلٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ. انْتَهى
ولَمّا ذَكَرَ تَعالى أنَّهُ ضَرَبَ في القُرْآنِ (مِن كُلِّ مَثَلٍ): أيْ مُحْتاجٍ إلَيْهِ، ضَرَبَ هُنا مَثَلًا لِعابِدِ آلِهَةٍ كَثِيرَةٍ، ومَن يَعْبُدُ اللَّهَ وحْدَهُ، ومَثَّلَ بَرْجَلٍ مَمْلُوكٍ اشْتَرَكَ فِيهِ مُلّاكٌ سَيِّئُو الأخْلاقِ، فَهو لا يَقْدِرُ أنْ يُوَفِّيَ كُلَّ واحِدٍ مِنهم مَقْصُودَهُ، إذْ لا يَتَغاضى بَعْضُهم لِبَعْضٍ لِمُشاحَتِهِمْ، وطَلَبَ كُلٌّ مِنهم أنْ يَقْضِيَ حاجَتَهُ عَلى التَّمامِ، فَلا يَزالُ في عَناءٍ وتَعَبٍ ولَوْمٍ مِن كُلٍّ مِنهم.
ورَجُلٌ آخَرُ مَمْلُوكٌ جَمِيعُهُ لِرَجُلٍ واحِدٍ، فَهو مَعْنِيٌّ بِشُغْلِهِ لا يَشْغَلُهُ عَنْهُ شَيْءٌ، ومالِكُهُ راضٍ عَنْهُ إنْ قَدْ خَلُصَ لِخِدْمَتِهِ، وبَذَلَ جُهْدَهُ في قَضاءِ حَوائِجِهِ، فَلا يَلْقى مِن سَيِّدِهِ إلّا إحْسانًا، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في نَصْبِ المَثَلِ.
وما بَعْدَهُ.
وقالَ الكِسائِيُّ: انْتَصَبَ رَجُلًا عَلى إسْقاطِ الخافِضِ، أيْ مَثَلًا لِرَجُلٍ، أوْ في رَجُلٍ فِيهِ، أيْ: في رِقِّهِ مُشْتَرَكًا، وفِيهِ صِلَةٌ لِشُرَكاءَ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والزُّهْرِيُّ، والحَسَنُ: بِخِلافٍ عَنْهُ؛ والجَحْدَرَيُّ، وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو: (سالِمًا) اسْمُ فاعِلٍ مِنَ سَلِمَ، أيْ خالِصًا مِنَ الشَّرِكَةِ. وقَرَأ الأعْرَجُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، وأبُو رَجاءٍ، وطَلْحَةُ، والحَسَنُ: بِخِلافٍ عَنْهُ؛ وباقِي السَّبْعَةِ: (سَلَمًا) بِفَتْحِ السِّينِ واللّامِ.
وقَرَأ ابْنُ جُبَيْرٍ: (سِلْمًا) بِكَسْرِ السِّينِ وسُكُونِ اللّامِ، وهُما مَصْدَرٌ إنْ وُصِفَ بِهِما مُبالَغَةً في الخُلُوصِ مِنَ الشَّرِكَةِ. وقُرِئَ: (ورَجُلٌ (p-٤٢٥)سالِمٌ) بِرَفْعِهِما. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ وهُناكَ رَجُلٌ سالِمٌ لِرَجُلٍ. انْتَهى، فَجَعَلَ الخَبَرَ هُناكَ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ورَجُلٌ مُبْتَدَأً؛ لِأنَّهُ مَوْضِعُ تَفْصِيلٍ، إذْ قَدْ تَقَدَّمَ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ، فَيَكُونُ كَقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:
؎إذا ما بَكى مِن خَلْفِها انْحَرَفَتْ ∗∗∗ لَهُ بِشِقٍّ وشَقٍّ عِنْدَنا لَمْ يُحَوَّلِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإنَّما جَعَلَهُ رَجُلًا لِيَكُونَ أفْطَنَ لِما شَقِيَ بِهِ أوْ سَعِدَ، فَإنَّ المَرْأةَ والصَّبِيَّ قَدْ يَغْفَلانِ عَنْ ذَلِكَ.
وانْتَصَبَ (مَثَلًا) عَلى التَّمْيِيزِ المَنقُولِ مِنَ الفاعِلِ، إذِ التَّقْدِيرُ: هَلْ يَسْتَوِي مَثَلُهُما ؟ واقْتَصَرَ في التَّمْيِيزِ عَلى الواحِدِ؛ لِأنَّهُ المُقْتَصَرُ عَلَيْهِ أوَّلًا في قَوْلِهِ: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا)، ولِبَيانِ الجِنْسِ. وقُرِئَ: (مَثَلَيْنِ)، فَطابَقَ حالَ الرَّجُلَيْنِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ فِيمَن قَرَأ (مَثَلَيْنِ) أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ في (يَسْتَوِيانِ) لِلْمَثَلَيْنِ؛ لِأنَّ التَّقْدِيرَ مَثَلُ رَجُلٍ، والمَعْنى: هَلْ يَسْتَوِيانِ فِيما يَرْجِعُ إلى الوَصْفِيَّةِ ؟ كَما يَقُولُ: كَفى بِهِما رَجُلَيْنِ. انْتَهى.
والظّاهِرُ أنَّهُ يَعُودُ الضَّمِيرُ في يَسْتَوِيانِ إلى الرَّجُلَيْنِ، فَأمّا إذا جَعَلْتَهُ عائِدًا إلى المَثَلَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرَ أنَّ التَّقْدِيرَ مَثَلَ رَجُلٍ ورَجُلٍ، فَإنَّ التَّمْيِيزَ إذْ ذاكَ يَكُونُ قَدْ فُهِمَ مِنَ المُمَيَّزِ الَّذِي هو الضَّمِيرُ، إذْ يَصِيرُ التَّقْدِيرُ: هَلْ يَسْتَوِي المَثَلانِ مَثَلَيْنِ ؟ قُلْ: (الحَمْدُ لِلَّهِ): أيِ الثَّناءُ والمَدْحُ لِلَّهِ لا لِغَيْرِهِ، وهو الَّذِي ثَبَتَتْ وحْدانِيَّتُهُ، فَهو الَّذِي يَجِبُ أنْ يُحْمَدَ، (بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ)، فَيُشْرِكُونَ بِهِ غَيْرَهُ.
ولَفْظَةُ الحَمْدُ لِلَّهِ تُشْعِرُ بِوُقُوعِ الهَلاكِ بِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿فَقُطِعَ دابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٤٥] .
ولَمّا لَمْ يَلْتَفِتُوا إلى هَذِهِ الدَّلائِلِ الباهِرَةِ، أخْبَرَ الجَمِيعَ بِأنَّهم مَيِّتُونَ وصائِرُونَ إلَيْهِ، وأنَّ اخْتَصامَكم يَكُونُ بَيْنَ يَدَيْهِ يَوْمَ القِيامَةِ، وهو الحَكَمُ العَدْلُ، فَيَتَمَيَّزُ المُحِقُّ مِنَ المُبْطِلِ، وهو - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأتْباعُهُ المُحِقُّونَ الفائِزُونَ بِالظَّفَرِ والغَلَبَةِ، والكافِرُونَ هُمُ المُبْطِلُونَ.
فالضَّمِيرُ في (وإنَّكَ) خِطابٌ لِلرَّسُولِ، وتَدْخُلُ مَعَهُ أُمَّتُهُ في ذَلِكَ. والظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ في (وإنَّهم) عَلى الكُفّارِ، وغُلِّبَ ضَمِيرُ الخِطابِ في (إنَّكَ) عَلى ضَمِيرِ الغَيْبَةِ في (إنَّهم) ولِذَلِكَ جاءَ ﴿تَخْتَصِمُونَ﴾ بِالخِطابِ، فَتَحْتَجُّ أنْتَ عَلَيْهِمْ بِأنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وكَذَّبُوا، واجْتَهَدْتَ في الدَّعْوَةِ ولَجُّوا في العِنادِ.
وقالَ أبُو العالِيَةِ: هم أهْلُ القِبْلَةِ، يَخْتَصِمُونَ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ في مَظالِمِهِمْ.
وأبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ هَذا الخِصامَ سَبَبُهُ ما كانَ في قَتْلِ عُثْمانَ، وما جَرى بَيْنَ عَلِيٍّ ومُعاوِيَةَ بِسَبَبِ ذَلِكَ، رِضى اللَّهِ عَنْهم.
وقِيلَ: يَخْتَصِمُ الجَمِيعُ، فالكُفّارُ يُخاصِمُ بَعْضُهم بَعْضًا حَتّى يُقالَ لَهم: لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ. والمُؤْمِنُونَ يَتَلَقَّوْنَ الكافِرِينَ بِالحُجَجِ، وأهْلُ القِبْلَةِ يَكُونُ بَيْنَهُمُ الخِصامُ.
وقَرَأ ابْنُ الزُّبَيْرِ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وعِيسى، واليَمانِيُّ، وابْنُ أبِي غَوْثٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: (إنَّكَ مائِتٌ وإنَّهم مائِتُونَ)، وهي تُشْعِرُ بِحُدُوثِ الصِّفَةِ؛ والجُمْهُورُ: (مَيِّتٌ ومَيِّتُونَ) وهي تُشْعِرُ بِالثُّبُوتِ واللُّزُومِ كالحَيِّ.
الزمر 39:32
﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلى اللَّهِ وكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إذْ جاءَهُ ألَيْسَ في جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكافِرِينَ﴾ ﴿والَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾ ﴿لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزاءُ المُحْسِنِينَ﴾ ﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهم أسْوَأ الَّذِي عَمِلُوا ويَجْزِيَهم أجْرَهم بِأحْسَنِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ ويُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ ﴿ومَن يَهْدِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن مُضِلٍّ ألَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقامٍ﴾ ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أفَرَأيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إنْ أرادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ أوْ أرادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ المُتَوَكِّلُونَ﴾ ﴿قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكم إنِّي عامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ ويَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ ﴿إنّا أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ لِلنّاسِ بِالحَقِّ فَمَنِ اهْتَدى فَلِنَفْسِهِ ومَن ضَلَّ فَإنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ [الزمر: ٤١] ﴿اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها والَّتِي لَمْ تَمُتْ في مَنامِها فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْها المَوْتَ ويُرْسِلُ الأُخْرى إلى أجَلٍ مُسَمًّى إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الزمر: ٤٢] ﴿أمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعاءَ قُلْ أوَلَوْ كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا ولا يَعْقِلُونَ﴾ [الزمر: ٤٣] (p-٤٢٦)﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [الزمر: ٤٤] ﴿وإذا ذُكِرَ اللَّهُ وحْدَهُ اشْمَأزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وإذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ إذا هم يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [الزمر: ٤٥] ﴿قُلِ اللَّهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ والأرْضِ عالِمَ الغَيْبِ والشَّهادَةِ أنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ في ما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [الزمر: ٤٦] ﴿ولَوْ أنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ما في الأرْضِ جَمِيعًا ومِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ مِن سُوءِ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ وبَدا لَهم مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر: ٤٧] ﴿وبَدا لَهم سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الزمر: ٤٨] ﴿فَإذا مَسَّ الإنْسانَ ضُرٌّ دَعانا ثُمَّ إذا خَوَّلْناهُ نِعْمَةً مِنّا قالَ إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ بَلْ هي فِتْنَةٌ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٤٩] ﴿قَدْ قالَها الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الزمر: ٥٠] ﴿فَأصابَهم سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا والَّذِينَ ظَلَمُوا مِن هَؤُلاءِ سَيُصِيبُهم سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وما هم بِمُعْجِزِينَ﴾ [الزمر: ٥١] ﴿أوَلَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الزمر: ٥٢] ﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣] ﴿وأنِيبُوا إلى رَبِّكم وأسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَكُمُ العَذابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ [الزمر: ٥٤] ﴿واتَّبِعُوا أحْسَنَ ما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكم مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَكُمُ العَذابُ بَغْتَةً وأنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [الزمر: ٥٥] ﴿أنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتا عَلى ما فَرَّطْتُ في جَنْبِ اللَّهِ وإنْ كُنْتُ لَمِنَ السّاخِرِينَ﴾ [الزمر: ٥٦] ﴿أوْ تَقُولَ لَوْ أنَّ اللَّهَ هَدانِي لَكُنْتُ مِنَ المُتَّقِينَ﴾ [الزمر: ٥٧] ﴿أوْ تَقُولَ حِينَ تَرى العَذابَ لَوْ أنَّ لِي كَرَّةً فَأكُونَ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ [الزمر: ٥٨] ﴿بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي فَكَذَّبْتَ بِها واسْتَكْبَرْتَ وكُنْتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ [الزمر: ٥٩] ﴿ويَوْمَ القِيامَةِ تَرى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى اللَّهِ وُجُوهُهم مُسْوَدَّةٌ ألَيْسَ في جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [الزمر: ٦٠] ﴿ويُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفازَتِهِمْ لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ [الزمر: ٦١] ﴿اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ وكِيلٌ﴾ [الزمر: ٦٢] ﴿لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ والأرْضِ والَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ [الزمر: ٦٣] ﴿قُلْ أفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أعْبُدُ أيُّها الجاهِلُونَ﴾ [الزمر: ٦٤] ﴿ولَقَدْ أُوحِيَ إلَيْكَ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ولَتَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥] ﴿بَلِ اللَّهَ فاعْبُدْ وكُنْ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٦] ﴿وما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ والأرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيامَةِ والسَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر: ٦٧] ﴿ونُفِخَ في الصُّورِ فَصَعِقَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ إلّا مَن شاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإذا هم قِيامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر: ٦٨] ﴿وأشْرَقَتِ الأرْضُ بِنُورِ رَبِّها ووُضِعَ الكِتابُ وجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ والشُّهَداءِ وقُضِيَ بَيْنَهم بِالحَقِّ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٦٩] ﴿ووُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وهو أعْلَمُ بِما يَفْعَلُونَ﴾ [الزمر: ٧٠] ﴿وسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إلى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتّى إذا جاءُوها فُتِحَتْ أبْوابُها وقالَ لَهم خَزَنَتُها ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِنكم يَتْلُونَ عَلَيْكم آياتِ رَبِّكم ويُنْذِرُونَكم لِقاءَ يَوْمِكم هَذا قالُوا بَلى ولَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ العَذابِ عَلى الكافِرِينَ﴾ [الزمر: ٧١] ﴿قِيلَ ادْخُلُوا أبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوى المُتَكَبِّرِينَ﴾ [الزمر: ٧٢] ﴿وسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم إلى الجَنَّةِ زُمَرًا حَتّى إذا جاءُوها وفُتِحَتْ أبْوابُها وقالَ لَهم خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكم طِبْتُمْ فادْخُلُوها خالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣] ﴿وقالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وعْدَهُ وأوْرَثَنا الأرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ فَنِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ﴾ [الزمر: ٧٤] ﴿وتَرى المَلائِكَةَ حافِّينَ مِن حَوْلِ العَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وقُضِيَ بَيْنَهم بِالحَقِّ وقِيلَ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الزمر: ٧٥] .
اشْمَأزَّ، قالَ أبُو زَيْدٍ: زَعِرَ. قالَ غَيْرُهُ: تَقَبَّضَ كَراهَةً ونُفُورًا. قالَ الشّاعِرُ:
؎إذا عَضَّ الثِّقاتُ بِها اشْمَأزَّتْ ووَلَّتْهُ عَشَوْزَنَةً زَبُونا
المَقالِيدُ: المَفاتِيحُ، قِيلَ: لا واحِدَ لَها مِن لَفْظِها، قالَهُ التَّبْرِيزِيُّ. وقِيلَ: واحِدُها مِقْلِيدٌ، وقِيلَ: مِقْلادٌ، ويُقالُ: إقْلِيدٌ وأقالِيدُ، والكَلِمَةُ أصْلُها فارِسِيَّةٌ. الزُّمَرُ: جَمْعُ زُمْرَةٍ، قالَ أبُو عُبَيْدٍ، والأخْفَشُ: جَماعاتٌ مُتَفَرِّقَةٌ، (p-٤٢٧)بَعْضُها إثْرَ بَعْضٍ. قالَ:
حَتّى احْزَألَّتْ زُمَرٌ بَعْدَ زُمَرْ
ويُقالُ: تَزَمَّرَ. والحُفُوفُ: الإحْداقُ بِالشَّيْءِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎تَحُفُّهُ جانِبٌ ضَيْقٌ ويَتْبَعُهُ ∗∗∗ مِثْلُ الزُّجاجَةِ لَمْ يُكْحَلْ مِنَ الرَّمَدِ
وهَذِهِ اللَّفْظَةُ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الحَفافِ، وهو الجانِبُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎لَهُ لَحَظاتٌ عَنْ حَفافِي سَرِيرِهِ إذا كَرَّها فِيها عِقابٌ ونائِلُ
﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلى اللَّهِ وكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إذْ جاءَهُ ألَيْسَ في جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكافِرِينَ﴾ ﴿والَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾ ﴿لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزاءُ المُحْسِنِينَ﴾ ﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهم أسْوَأ الَّذِي عَمِلُوا ويَجْزِيَهم أجْرَهم بِأحْسَنِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ ويُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ ﴿ومَن يَهْدِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن مُضِلٍّ ألَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقامٍ﴾ ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أفَرَأيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إنْ أرادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ أوْ أرادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ المُتَوَكِّلُونَ﴾ ﴿قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكم إنِّي عامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ ويَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ .
﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلى اللَّهِ﴾: هَذا تَفْسِيرٌ وبَيانٌ لِلَّذِينِ يَكُونُ بَيْنَهُمُ الخُصُومَةُ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الِاخْتِصامَ السّابِقَ يَكُونُ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ، والمَعْنى: لا أجِدُ في المُكَذِّبِينَ أظْلَمَ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ، فَنَسَبَ إلَيْهِ الوَلَدَ والصّاحِبَةَ (p-٤٢٨)والشَّرِيكَ، وحَرَّمَ وحَلَّلَ مِن غَيْرِ أمْرِ اللَّهِ.
﴿وكَذَّبَ بِالصِّدْقِ﴾: وهو ما جاءَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؛ (إذْ جاءَهُ) أيْ: وقْتُ مَجِيئِهِ، فاجَأهُ بِالتَّكْذِيبِ مِن غَيْرِ فِكْرٍ ولا ارْتِياءٍ ولا نَظَرٍ، بَلْ وقْتَ مَجِيئِهِ كَذَّبَ بِهِ.
ثُمَّ تَوَعَّدَهم تَوَعُّدًا فِيهِ احْتِقارُهم عَلى جِهَةِ التَّوْقِيفِ، ولِلْكافِرِينَ مِمّا قامَ فِيهِ الظّاهِرُ مَقامَ المُضْمَرِ، أيْ: مَثْوًى لَهم، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى عِلَّةِ كَذِبِهِمْ وتَكْذِيبِهِمْ، وهو الكُفْرُ.
﴿والَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ﴾ مُعادِلٌ لِقَوْلِهِ: (فَمَن أظْلَمُ) .
﴿وصَدَّقَ بِهِ﴾ مُقابِلٌ لِقَوْلِهِ: ﴿وكَذَّبَ بِالصِّدْقِ﴾ . (والَّذِي) جَنْسٌ، كَأنَّهُ قالَ: والفَرِيقُ الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾، فَجَمَعَ. كَما أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: (فَمَن أظْلَمُ)، يُرادُ بِهِ جَمْعٌ، ولِذَلِكَ قالَ (مَثْوًى لِلْكافِرِينَ) .
وفِي قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ: (والَّذِي جاءُوا بِالصِّدْقِ وصَدَّقُوا بِهِ) . وقِيلَ: أرادَ والَّذِينَ، فَحُذِفَتْ مِنهُ النُّونَ، وهَذا لَيْسَ بِصَحِيحٍ، إذْ لَوْ أُرِيدَ الَّذِينَ بِلَفْظِ الَّذِي وحُذِفَتْ مِنهُ النُّونُ، لَكانَ الضَّمِيرُ مَجْمُوعًا كَقَوْلِهِ:
؎وإنَّ الَّذِي حانَتْ بِفَلْحِ دِماؤُهُمْ
ألا تَرى أنَّهُ إذا حُذِفَتِ النُّونُ في المُثَنّى كانَ الضَّمِيرُ مُثَنًّى ؟ كَقَوْلِهِ:
؎أبَنِي كُلَيْبٍ أنَّ عَمَّيَّ اللَّذا ∗∗∗ قَتَلا المُلُوكَ وفَكَّكا الأغْلالا
وقِيلَ: الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وصَدَّقَ بِهِ هو رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .
وقِيلَ: الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ جِبْرِيلُ، والَّذِي صَدَّقَ بِهِ هو مُحَمَّدٌ ﷺ .
وقالَ عَلِيٌّ، وأبُو العالِيَةِ، والكَلْبِيُّ، وجَماعَةٌ: الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ هو الرَّسُولُ، والَّذِي صَدَّقَ بِهِ هو أبُو بَكْرٍ.
وقالَ أبُو الأسْوَدِ، ومُجاهِدٌ، وجَماعَةٌ: الَّذِي صَدَّقَ بِهِ وهو عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وصَدَّقَ بِهِ هو رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جاءَ بِالصِّدْقِ وآمَنَ بِهِ، وأرادَ بِهِ إيّاهُ ومَن تَبِعَهُ، كَما أرادَ بِمُوسى إيّاهُ وقَوْمَهُ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ لَعَلَّهم يَهْتَدُونَ﴾ [المؤمنون: ٤٩]، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾، إلّا أنَّ هَذا في الصِّفَةِ، وذَلِكَ في الِاسْمِ.
ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ: والفَوْجُ والفَرِيقُ الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وصَدَّقَ بِهِ، وهو الرَّسُولُ الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ، وصَحابَتُهُ الَّذِينَ صَدَّقُوا بِهِ. انْتَهى.
وقَوْلُهُ: وأرادَ بِهِ إيّاهُ ومَن تَبِعَهُ، كَما أرادَ بِمُوسى إيّاهُ وقَوْمَهُ. اسْتَعْمَلَ الضَّمِيرَ المُنْفَصِلَ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ، وإنَّما هو مُتَّصِلٌ، فَإصْلاحُهُ: وأرادَهُ بِهِ ومَن تَبِعَهُ، كَما أرادَهُ بِمُوسى وقَوْمِهِ أيْ: لَعَلَّ قَوْمَهُ يَهْتَدُونَ، إذْ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مُهْتَدٍ. فالمُتَرَجّى هِدايَةُ قَوْمِهِ، لا هِدايَتُهُ، إذْ لا يُتَرَجّى إلّا ما كانَ مَفْقُودًا لا مَوْجُودًا.
وقَوْلُهُ: ويَجُوزُ إلَخْ، فِيهِ تَوْزِيعُ الصِّلَةِ، والفَوْجُ هو المَوْصُولُ، فَهو كَقَوْلِهِ: جاءَ الفَرِيقُ الَّذِي شَرُفَ وشَرَّفَ. والأظْهَرُ عَدَمُ التَّوْزِيعِ، بَلِ المَعْطُوفُ عَلى الصِّلَةِ، صِلَةٌ لِمَن لَهُ الصِّلَةُ الأُولى.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: (وصَدَّقَ) مُشَدَّدًا، وأبُو صالِحٍ، وعِكْرِمَةُ بْنُ سُلَيْمانَ، ومُحَمَّدُ بْنُ جُحازَةَ: مُخَفَّفًا. قالَ أبُو صالِحٍ: وعَمِلَ بِهِ.
وقِيلَ: اسْتَحَقَّ بِهِ اسْمَ الصِّدْقِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: فَعَلى هَذا إسْنادُ الأفْعالِ كُلِّها إلى مُحَمَّدٍ ﷺ، وكَأنَّ أُمَّتَهُ في ضِمْنِ القَوْلِ، وهو الَّذِي يَحْسُنُ ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾ . انْتَهى.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ أيْ: صَدَقَ بِهِ النّاسَ، ولَمْ يَكْذِبْهم بِهِ، يَعْنِي: أدّاهُ إلَيْهِمْ، كَما نَزَلَ عَلَيْهِ مِن غَيْرِ تَحْرِيفٍ. وقِيلَ: مَعْناهُ: وصارَ صادِقًا بِهِ، أيْ: بِسَبَبِهِ؛ لِأنَّ القُرْآنَ مُعْجِزَةٌ، والمُعْجِزَةُ تَصْدِيقٌ مِنَ الحَكِيمِ الَّذِي لا يَفْعَلُ القَبِيحَ لِمَن يُجْرِيها عَلى يَدَيْهِ، ولا يَجُوزُ أنْ يُصَدَّقَ إلّا الصّادِقُ، فَيَصِيرُ لِذَلِكَ صادِقًا بِالمُعْجِزَةِ.
وقُرِئَ: ﴿وصَدَّقَ بِهِ﴾ . انْتَهى. يَعْنِي: مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مُشَدَّدًا. وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: جاءَ بِالصِّدْقِ مِن عِنْدِ اللَّهِ وصَدَّقَ بِقَوْلِهِ، أيْ: في قَوْلِهِ، أوْ في مَجِيئِهِ، فاجْتَمَعَ لَهُ الصِّفَتانِ مِنَ الصِّدْقِ: مِن صِدْقِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وصِدْقِهِ بِنَفْسِهِ، وذَلِكَ مُبالَغَةٌ في المَدْحِ. انْتَهى.
﴿لَهم ما يَشاءُونَ﴾: عامٌّ في كُلِّ ما تَشْتَهِيهِ أنْفُسُهم وتَتَعَلَّقُ بِهِ إرادَتُهم. و﴿لِيُكَفِّرَ﴾: مُتَعَلِّقٌ بِالمُحْسِنِينَ، أيِ: الَّذِينَ أحْسَنُوا لِيُكَفِّرَ، أوْ بِمَحْذُوفٍ، أيْ: يَسَّرَ ذَلِكَ لَهم لِيُكَفِّرَ؛ لِأنَّ التَّكْفِيرَ لا يَكُونُ إلّا بَعْدَ التَّيْسِيرِ لِلْخَيْرِ. و﴿أسْوَأ الَّذِي عَمِلُوا﴾: هو كُفْرُ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ ومَعاصِي أهْلِ الإسْلامِ. (p-٤٢٩)والتَّكْفِيرُ يَدُلُّ عَلى سُقُوطِ العِقابِ عَنْهم عَلى أكْمَلِ الوُجُوهِ، والجَزاءُ بِالأحْسَنِ يَدُلُّ عَلى حُصُولِ الثَّوابِ عَلى أكْمَلِ الوُجُوهِ، فَقِيلَ: ذَلِكَ يَكُونُ إذا صَدَّقُوا الأنْبِياءَ فِيما أتَوْا بِهِ. وقالَ مُقاتِلٌ: يَجْزِيهِمْ بِالمَحاسِنِ مِن أعْمالِهِمْ، ولا يَجْزِيهِمْ بِالمَساوِي، وهَذا قَوْلُ المُرْجِئَةِ، يَقُولُونَ: لا يَضُرُّ شَيْءٌ مِنَ المَعاصِي مَعَ الإيمانِ. واحْتَجَّ بِهَذِهِ الآيَةِ، وقامَ الظّاهِرُ مَقامَ المُضْمَرِ في المُحْسِنِينَ، أيْ: ذَلِكَ جَزاؤُهم، فَنَبَّهَ بِالظّاهِرِ عَلى العِلَّةِ المُقْتَضِيَةِ لِحُصُولِ الثَّوابِ. والظّاهِرُ أنَّ أسْوَأ أفْعَلُ تَفْضِيلٍ، وبِهِ قَرَأ الجُمْهُورُ: وإذا كَفَّرَ أسْوَأ أعْمالِهِمْ، فَتَكْفِيرُ ما هو دُونَهُ أحْرى. وقِيلَ: أفْعَلُ لَيْسَ لِلتَّفْضِيلِ، وهو كَقَوْلِكَ: الأشَجُّ أعْدَلُ بَنِي مَرْوانَ، أيْ: عادِلٌ، فَكَذَلِكَ هَذا، أيْ: سَيِّئُ الَّذِينَ عَمِلُوا.
ويَدُلُّ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ قِراءَةُ ابْنِ مِقْسَمٍ، وحامِدِ بْنِ يَحْيى، عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ: (أسْوَأ) هُنا؛ وفي (حم السَّجْدَةِ) بِألِفٍ بَيْنَ الواوِ والهَمْزَةِ، جَمْعُ سُوءٍ، ولا تَفْضِيلَ فِيهِ. والظّاهِرُ أنَّ ﴿بِأحْسَنِ﴾ أفْعَلُ تَفْضِيلٍ فَقِيلَ: لِيَنْظُرَ إلى أحْسَنِ طاعاتِهِ فَيُجْزى الباقِي في الجَزاءِ عَلى قِياسِهِ، وإنْ تَخَلَّفَ عَنْهُ بِالتَّقْصِيرِ. وقِيلَ: بِأحْسَنِ ثَوابِ أعْمالِهِمْ. وقِيلَ: بِأحْسَنِ مِن عَمَلِهِمْ، وهو الجَنَّةُ، وهَذا يَنْبُو عَنْهُ ﴿بِأحْسَنِ الَّذِي﴾ .
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أمّا التَّفْضِيلُ فَيُؤْذِنُ بِأنَّ الشَّيْءَ الَّذِي يَفْرُطُ مِنهم مِنَ الصَّغائِرِ والزَّلّاتِ المُكَفَّراتِ هو عِنْدَهُمُ الأسْوَأُ لِاسْتِعْظامِهِمُ المَعْصِيَةَ، والحَسَنُ الَّذِي يَعْمَلُونَ هو عِنْدَ اللَّهِ الأحْسَنُ لِحُسْنِ إخْلاصِهِمْ فِيهِ، فَلِذَلِكَ ذَكَرَ سَيِّئَهم بِالأسْوَأِ، وحَسَنَهم بِالأحْسَنِ. انْتَهى.
وهُوَ عَلى رَأْيِ المُعْتَزِلَةِ، ويَكُونُ قَدِ اسْتَعْمَلَ أسْوَأ في التَّفْضِيلِ عَلى مُعْتَقَدِهِمْ، وأحْسَنَ في التَّفْضِيلِ عَلى ما هو عِنْدَ اللَّهِ، وذَلِكَ تَوْزِيعٌ في أفْعَلِ التَّفْضِيلِ، وهو خِلافُ الظّاهِرِ.
قالَتْ قُرَيْشٌ: لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ مُحَمَّدٌ عَنْ تَعْيِيبِ آلِهَتِنا وتَعْيِيبِنا، لِنُسَلِّطَها عَلَيْهِ فَتُصِيبَهُ بِخَبَلٍ وتَعْتَرِيَهُ بِسُوءٍ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ﴾ أيْ: شَرَّ مَن يُرِيدُهُ بِشَرٍّ، والهَمْزَةُ الدّاخِلَةُ عَلى النَّفْيِ لِلتَّقْرِيرِ، أيْ: هو كافٍ عَبْدَهُ، وفي إضافَتِهِ إلَيْهِ تَشْرِيفٌ عَظِيمٌ لِنَبِيِّهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (عَبْدَهُ)، وهو رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: (عِبادَهُ) بِالجَمْعِ، أيِ: الأنْبِياءَ والمُطِيعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ.
﴿ويُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾: وهو الأصْنامُ. ولَمّا بَعَثَ خالِدًا إلى كَسْرِ العُزّى، قالَ لَهُ سادِنُها: إنِّي أخافُ عَلَيْكَ مِنها، فَلَها قُوَّةٌ لا يَقُومُ لَها شَيْءٌ. فَأخَذَ خالِدٌ الفَأْسَ، فَهَشَّمَ بِهِ وجْهَها ثُمَّ انْصَرَفَ. وفي قَوْلِهِ: ﴿ويُخَوِّفُونَكَ﴾، تَهَكُّمٌ بِهِمْ؛ لِأنَّهم خَوَّفُوهُ بِما لا يَقْدِرُ عَلى نَفْعٍ ولا ضَرَرٍ. ونَظِيرُ هَذا التَّخْوِيفِ قَوْلُ قَوْمِ هُودٍ لَهُ: ﴿إنْ نَقُولُ إلّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ﴾ [هود: ٥٤] . وقُرِئَ: (بِكافِي عَبْدِهِ) عَلى الإضافَةِ، (ويُكافِي عِبادَهُ) مُضارِعُ كَفى، ونُصِبَ (عِبادَهُ) فاحْتُمِلَ أنْ يَكُونَ مُفاعَلَةً مِنَ الكِفايَةِ، كَقَوْلِكَ: يُجازِي في يَجْزِي، وهو أبْلَغُ مِن كَفى، لِبِنائِهِ عَلى لَفْظِ المُبالِغَةِ، وهو الظّاهِرُ لِكَثْرَةِ تَرَدُّدِ هَذا المَعْنى في القُرْآنِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٣٧] . ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَهْمُوزًا مِنَ المُكافَأةِ، وهي المُجازاةُ، أيْ: يَجْزِيهِمْ أجْرَهم.
ولَمّا كانَ تَعالى كافِيَ عَبْدِهِ، كانَ التَّخْوِيفُ بِغَيْرِهِ عَبَثًا باطِلًا.
ولَمّا اشْتَمَلَتِ الآيَةُ عَلى مُهْتَدِينَ وضالِّينَ، أخْبَرَ أنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ هو فاعِلُهُ، ثُمَّ قالَ: ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ﴾ أيْ: غالِبٍ مَنِيعٍ، ﴿ذِي انْتِقامٍ﴾: وفِيهِ وعِيدٌ لِقُرَيْشٍ، ووَعْدٌ لِلْمُؤْمِنِينَ.
ولَمّا أقَرُّوا بِالصّانِعِ، وهو اللَّهُ، أخْبَرَهم أنَّهُ تَعالى هو المُتَصَرِّفُ في نَبِيِّهِ بِما أرادَ. فَإنَّ تِلْكَ الأصْنامَ الَّتِي يَدَّعُونَها آلِهَةً مِن دُونِهِ لا تَكْشِفُ ضُرًّا ولا تُمْسِكُ رَحْمَةً، أيْ: صِحَّةً وسَعَةً في الرِّزْقِ ونَحْوَ ذَلِكَ.
وأرَأيْتُمْ هُنا جارِيَةٌ عَلى وضْعِها، تَعَدَّتْ إلى مَفْعُولِها الأوَّلِ، وهو ما يَدْعُونَ. وجاءَ المَفْعُولُ الثّانِي جُمْلَةً اسْتِفْهامِيَّةً، وفِيها العائِدُ عَلى ما، وهو لَفْظُ هُنَّ وأُنِّثَ تَحْقِيرًا لَها وتَعْجِيزًا وتَضْعِيفًا. وكانَ فِيها مَن سُمِّي تَسْمِيَةَ الإناثِ، كالعُزّى ومَناةَ واللّاتَ.
وأضافَ إرادَةَ اللَّهِ الضُّرَّ إلى نَفْسِهِ والرَّحْمَةَ إلَيْها؛ لِأنَّهم خَوَّفُوهُ مَضَرَّتَها، فاسْتَسْلَفَ مِنهُمُ الإقْرارَ بِأنَّ خالِقَ العالَمِ هو اللَّهُ.
ثُمَّ اسْتَخْبَرَهم عَنْ أصْنامِهِمْ، هَلْ تَدْفَعُ شَرًّا (p-٤٣٠)وتَجْلِبُ خَيْرًا ؟ وقَرَأ الجُمْهُورُ: (كاشِفاتُ ومُمْسِكاتُ) عَلى الإضافَةِ؛ وشَيْبَةُ، والأعْرَجُ، وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ، وعِيسى: بِخِلافٍ عَنْهُ؛ وأبُو عَمْرٍو، وأبُو بَكْرٍ؛ بِتَنْوِينِهِما ونَصْبِ ما بَعْدَهُما.
ولَمّا تَقَرَّرَ أنَّهُ تَعالى كافِيهِ، وأنَّ أصْنامَهم لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ، أمْرَهُ تَعالى أنْ يَعْلَمَ أنَّهُ تَعالى هو حَسْبُهُ، أيْ: كافِيهِ. والجَوابُ في هَذا الِاسْتِخْبارِ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: فَإنَّهم سَيَقُولُونَ: لا تَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ. وقالَ مُقاتِلٌ: اسْتَخْبَرَهم فَسَكَتُوا.
﴿قُلْ ياقَوْمِ اعْمَلُوا﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظِيرِها.
الزمر 39:33
﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلى اللَّهِ وكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إذْ جاءَهُ ألَيْسَ في جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكافِرِينَ﴾ ﴿والَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾ ﴿لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزاءُ المُحْسِنِينَ﴾ ﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهم أسْوَأ الَّذِي عَمِلُوا ويَجْزِيَهم أجْرَهم بِأحْسَنِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ ويُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ ﴿ومَن يَهْدِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن مُضِلٍّ ألَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقامٍ﴾ ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أفَرَأيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إنْ أرادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ أوْ أرادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ المُتَوَكِّلُونَ﴾ ﴿قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكم إنِّي عامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ ويَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ ﴿إنّا أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ لِلنّاسِ بِالحَقِّ فَمَنِ اهْتَدى فَلِنَفْسِهِ ومَن ضَلَّ فَإنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ [الزمر: ٤١] ﴿اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها والَّتِي لَمْ تَمُتْ في مَنامِها فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْها المَوْتَ ويُرْسِلُ الأُخْرى إلى أجَلٍ مُسَمًّى إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الزمر: ٤٢] ﴿أمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعاءَ قُلْ أوَلَوْ كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا ولا يَعْقِلُونَ﴾ [الزمر: ٤٣] (p-٤٢٦)﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [الزمر: ٤٤] ﴿وإذا ذُكِرَ اللَّهُ وحْدَهُ اشْمَأزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وإذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ إذا هم يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [الزمر: ٤٥] ﴿قُلِ اللَّهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ والأرْضِ عالِمَ الغَيْبِ والشَّهادَةِ أنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ في ما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [الزمر: ٤٦] ﴿ولَوْ أنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ما في الأرْضِ جَمِيعًا ومِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ مِن سُوءِ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ وبَدا لَهم مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر: ٤٧] ﴿وبَدا لَهم سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الزمر: ٤٨] ﴿فَإذا مَسَّ الإنْسانَ ضُرٌّ دَعانا ثُمَّ إذا خَوَّلْناهُ نِعْمَةً مِنّا قالَ إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ بَلْ هي فِتْنَةٌ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٤٩] ﴿قَدْ قالَها الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الزمر: ٥٠] ﴿فَأصابَهم سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا والَّذِينَ ظَلَمُوا مِن هَؤُلاءِ سَيُصِيبُهم سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وما هم بِمُعْجِزِينَ﴾ [الزمر: ٥١] ﴿أوَلَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الزمر: ٥٢] ﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣] ﴿وأنِيبُوا إلى رَبِّكم وأسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَكُمُ العَذابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ [الزمر: ٥٤] ﴿واتَّبِعُوا أحْسَنَ ما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكم مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَكُمُ العَذابُ بَغْتَةً وأنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [الزمر: ٥٥] ﴿أنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتا عَلى ما فَرَّطْتُ في جَنْبِ اللَّهِ وإنْ كُنْتُ لَمِنَ السّاخِرِينَ﴾ [الزمر: ٥٦] ﴿أوْ تَقُولَ لَوْ أنَّ اللَّهَ هَدانِي لَكُنْتُ مِنَ المُتَّقِينَ﴾ [الزمر: ٥٧] ﴿أوْ تَقُولَ حِينَ تَرى العَذابَ لَوْ أنَّ لِي كَرَّةً فَأكُونَ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ [الزمر: ٥٨] ﴿بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي فَكَذَّبْتَ بِها واسْتَكْبَرْتَ وكُنْتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ [الزمر: ٥٩] ﴿ويَوْمَ القِيامَةِ تَرى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى اللَّهِ وُجُوهُهم مُسْوَدَّةٌ ألَيْسَ في جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [الزمر: ٦٠] ﴿ويُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفازَتِهِمْ لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ [الزمر: ٦١] ﴿اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ وكِيلٌ﴾ [الزمر: ٦٢] ﴿لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ والأرْضِ والَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ [الزمر: ٦٣] ﴿قُلْ أفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أعْبُدُ أيُّها الجاهِلُونَ﴾ [الزمر: ٦٤] ﴿ولَقَدْ أُوحِيَ إلَيْكَ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ولَتَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥] ﴿بَلِ اللَّهَ فاعْبُدْ وكُنْ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٦] ﴿وما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ والأرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيامَةِ والسَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر: ٦٧] ﴿ونُفِخَ في الصُّورِ فَصَعِقَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ إلّا مَن شاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإذا هم قِيامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر: ٦٨] ﴿وأشْرَقَتِ الأرْضُ بِنُورِ رَبِّها ووُضِعَ الكِتابُ وجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ والشُّهَداءِ وقُضِيَ بَيْنَهم بِالحَقِّ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٦٩] ﴿ووُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وهو أعْلَمُ بِما يَفْعَلُونَ﴾ [الزمر: ٧٠] ﴿وسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إلى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتّى إذا جاءُوها فُتِحَتْ أبْوابُها وقالَ لَهم خَزَنَتُها ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِنكم يَتْلُونَ عَلَيْكم آياتِ رَبِّكم ويُنْذِرُونَكم لِقاءَ يَوْمِكم هَذا قالُوا بَلى ولَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ العَذابِ عَلى الكافِرِينَ﴾ [الزمر: ٧١] ﴿قِيلَ ادْخُلُوا أبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوى المُتَكَبِّرِينَ﴾ [الزمر: ٧٢] ﴿وسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم إلى الجَنَّةِ زُمَرًا حَتّى إذا جاءُوها وفُتِحَتْ أبْوابُها وقالَ لَهم خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكم طِبْتُمْ فادْخُلُوها خالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣] ﴿وقالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وعْدَهُ وأوْرَثَنا الأرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ فَنِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ﴾ [الزمر: ٧٤] ﴿وتَرى المَلائِكَةَ حافِّينَ مِن حَوْلِ العَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وقُضِيَ بَيْنَهم بِالحَقِّ وقِيلَ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الزمر: ٧٥] .
اشْمَأزَّ، قالَ أبُو زَيْدٍ: زَعِرَ. قالَ غَيْرُهُ: تَقَبَّضَ كَراهَةً ونُفُورًا. قالَ الشّاعِرُ:
؎إذا عَضَّ الثِّقاتُ بِها اشْمَأزَّتْ ووَلَّتْهُ عَشَوْزَنَةً زَبُونا
المَقالِيدُ: المَفاتِيحُ، قِيلَ: لا واحِدَ لَها مِن لَفْظِها، قالَهُ التَّبْرِيزِيُّ. وقِيلَ: واحِدُها مِقْلِيدٌ، وقِيلَ: مِقْلادٌ، ويُقالُ: إقْلِيدٌ وأقالِيدُ، والكَلِمَةُ أصْلُها فارِسِيَّةٌ. الزُّمَرُ: جَمْعُ زُمْرَةٍ، قالَ أبُو عُبَيْدٍ، والأخْفَشُ: جَماعاتٌ مُتَفَرِّقَةٌ، (p-٤٢٧)بَعْضُها إثْرَ بَعْضٍ. قالَ:
حَتّى احْزَألَّتْ زُمَرٌ بَعْدَ زُمَرْ
ويُقالُ: تَزَمَّرَ. والحُفُوفُ: الإحْداقُ بِالشَّيْءِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎تَحُفُّهُ جانِبٌ ضَيْقٌ ويَتْبَعُهُ ∗∗∗ مِثْلُ الزُّجاجَةِ لَمْ يُكْحَلْ مِنَ الرَّمَدِ
وهَذِهِ اللَّفْظَةُ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الحَفافِ، وهو الجانِبُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎لَهُ لَحَظاتٌ عَنْ حَفافِي سَرِيرِهِ إذا كَرَّها فِيها عِقابٌ ونائِلُ
﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلى اللَّهِ وكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إذْ جاءَهُ ألَيْسَ في جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكافِرِينَ﴾ ﴿والَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾ ﴿لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزاءُ المُحْسِنِينَ﴾ ﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهم أسْوَأ الَّذِي عَمِلُوا ويَجْزِيَهم أجْرَهم بِأحْسَنِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ ويُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ ﴿ومَن يَهْدِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن مُضِلٍّ ألَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقامٍ﴾ ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أفَرَأيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إنْ أرادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ أوْ أرادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ المُتَوَكِّلُونَ﴾ ﴿قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكم إنِّي عامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ ويَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ .
﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلى اللَّهِ﴾: هَذا تَفْسِيرٌ وبَيانٌ لِلَّذِينِ يَكُونُ بَيْنَهُمُ الخُصُومَةُ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الِاخْتِصامَ السّابِقَ يَكُونُ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ، والمَعْنى: لا أجِدُ في المُكَذِّبِينَ أظْلَمَ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ، فَنَسَبَ إلَيْهِ الوَلَدَ والصّاحِبَةَ (p-٤٢٨)والشَّرِيكَ، وحَرَّمَ وحَلَّلَ مِن غَيْرِ أمْرِ اللَّهِ.
﴿وكَذَّبَ بِالصِّدْقِ﴾: وهو ما جاءَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؛ (إذْ جاءَهُ) أيْ: وقْتُ مَجِيئِهِ، فاجَأهُ بِالتَّكْذِيبِ مِن غَيْرِ فِكْرٍ ولا ارْتِياءٍ ولا نَظَرٍ، بَلْ وقْتَ مَجِيئِهِ كَذَّبَ بِهِ.
ثُمَّ تَوَعَّدَهم تَوَعُّدًا فِيهِ احْتِقارُهم عَلى جِهَةِ التَّوْقِيفِ، ولِلْكافِرِينَ مِمّا قامَ فِيهِ الظّاهِرُ مَقامَ المُضْمَرِ، أيْ: مَثْوًى لَهم، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى عِلَّةِ كَذِبِهِمْ وتَكْذِيبِهِمْ، وهو الكُفْرُ.
﴿والَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ﴾ مُعادِلٌ لِقَوْلِهِ: (فَمَن أظْلَمُ) .
﴿وصَدَّقَ بِهِ﴾ مُقابِلٌ لِقَوْلِهِ: ﴿وكَذَّبَ بِالصِّدْقِ﴾ . (والَّذِي) جَنْسٌ، كَأنَّهُ قالَ: والفَرِيقُ الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾، فَجَمَعَ. كَما أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: (فَمَن أظْلَمُ)، يُرادُ بِهِ جَمْعٌ، ولِذَلِكَ قالَ (مَثْوًى لِلْكافِرِينَ) .
وفِي قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ: (والَّذِي جاءُوا بِالصِّدْقِ وصَدَّقُوا بِهِ) . وقِيلَ: أرادَ والَّذِينَ، فَحُذِفَتْ مِنهُ النُّونَ، وهَذا لَيْسَ بِصَحِيحٍ، إذْ لَوْ أُرِيدَ الَّذِينَ بِلَفْظِ الَّذِي وحُذِفَتْ مِنهُ النُّونُ، لَكانَ الضَّمِيرُ مَجْمُوعًا كَقَوْلِهِ:
؎وإنَّ الَّذِي حانَتْ بِفَلْحِ دِماؤُهُمْ
ألا تَرى أنَّهُ إذا حُذِفَتِ النُّونُ في المُثَنّى كانَ الضَّمِيرُ مُثَنًّى ؟ كَقَوْلِهِ:
؎أبَنِي كُلَيْبٍ أنَّ عَمَّيَّ اللَّذا ∗∗∗ قَتَلا المُلُوكَ وفَكَّكا الأغْلالا
وقِيلَ: الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وصَدَّقَ بِهِ هو رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .
وقِيلَ: الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ جِبْرِيلُ، والَّذِي صَدَّقَ بِهِ هو مُحَمَّدٌ ﷺ .
وقالَ عَلِيٌّ، وأبُو العالِيَةِ، والكَلْبِيُّ، وجَماعَةٌ: الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ هو الرَّسُولُ، والَّذِي صَدَّقَ بِهِ هو أبُو بَكْرٍ.
وقالَ أبُو الأسْوَدِ، ومُجاهِدٌ، وجَماعَةٌ: الَّذِي صَدَّقَ بِهِ وهو عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وصَدَّقَ بِهِ هو رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جاءَ بِالصِّدْقِ وآمَنَ بِهِ، وأرادَ بِهِ إيّاهُ ومَن تَبِعَهُ، كَما أرادَ بِمُوسى إيّاهُ وقَوْمَهُ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ لَعَلَّهم يَهْتَدُونَ﴾ [المؤمنون: ٤٩]، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾، إلّا أنَّ هَذا في الصِّفَةِ، وذَلِكَ في الِاسْمِ.
ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ: والفَوْجُ والفَرِيقُ الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وصَدَّقَ بِهِ، وهو الرَّسُولُ الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ، وصَحابَتُهُ الَّذِينَ صَدَّقُوا بِهِ. انْتَهى.
وقَوْلُهُ: وأرادَ بِهِ إيّاهُ ومَن تَبِعَهُ، كَما أرادَ بِمُوسى إيّاهُ وقَوْمَهُ. اسْتَعْمَلَ الضَّمِيرَ المُنْفَصِلَ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ، وإنَّما هو مُتَّصِلٌ، فَإصْلاحُهُ: وأرادَهُ بِهِ ومَن تَبِعَهُ، كَما أرادَهُ بِمُوسى وقَوْمِهِ أيْ: لَعَلَّ قَوْمَهُ يَهْتَدُونَ، إذْ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مُهْتَدٍ. فالمُتَرَجّى هِدايَةُ قَوْمِهِ، لا هِدايَتُهُ، إذْ لا يُتَرَجّى إلّا ما كانَ مَفْقُودًا لا مَوْجُودًا.
وقَوْلُهُ: ويَجُوزُ إلَخْ، فِيهِ تَوْزِيعُ الصِّلَةِ، والفَوْجُ هو المَوْصُولُ، فَهو كَقَوْلِهِ: جاءَ الفَرِيقُ الَّذِي شَرُفَ وشَرَّفَ. والأظْهَرُ عَدَمُ التَّوْزِيعِ، بَلِ المَعْطُوفُ عَلى الصِّلَةِ، صِلَةٌ لِمَن لَهُ الصِّلَةُ الأُولى.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: (وصَدَّقَ) مُشَدَّدًا، وأبُو صالِحٍ، وعِكْرِمَةُ بْنُ سُلَيْمانَ، ومُحَمَّدُ بْنُ جُحازَةَ: مُخَفَّفًا. قالَ أبُو صالِحٍ: وعَمِلَ بِهِ.
وقِيلَ: اسْتَحَقَّ بِهِ اسْمَ الصِّدْقِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: فَعَلى هَذا إسْنادُ الأفْعالِ كُلِّها إلى مُحَمَّدٍ ﷺ، وكَأنَّ أُمَّتَهُ في ضِمْنِ القَوْلِ، وهو الَّذِي يَحْسُنُ ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾ . انْتَهى.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ أيْ: صَدَقَ بِهِ النّاسَ، ولَمْ يَكْذِبْهم بِهِ، يَعْنِي: أدّاهُ إلَيْهِمْ، كَما نَزَلَ عَلَيْهِ مِن غَيْرِ تَحْرِيفٍ. وقِيلَ: مَعْناهُ: وصارَ صادِقًا بِهِ، أيْ: بِسَبَبِهِ؛ لِأنَّ القُرْآنَ مُعْجِزَةٌ، والمُعْجِزَةُ تَصْدِيقٌ مِنَ الحَكِيمِ الَّذِي لا يَفْعَلُ القَبِيحَ لِمَن يُجْرِيها عَلى يَدَيْهِ، ولا يَجُوزُ أنْ يُصَدَّقَ إلّا الصّادِقُ، فَيَصِيرُ لِذَلِكَ صادِقًا بِالمُعْجِزَةِ.
وقُرِئَ: ﴿وصَدَّقَ بِهِ﴾ . انْتَهى. يَعْنِي: مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مُشَدَّدًا. وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: جاءَ بِالصِّدْقِ مِن عِنْدِ اللَّهِ وصَدَّقَ بِقَوْلِهِ، أيْ: في قَوْلِهِ، أوْ في مَجِيئِهِ، فاجْتَمَعَ لَهُ الصِّفَتانِ مِنَ الصِّدْقِ: مِن صِدْقِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وصِدْقِهِ بِنَفْسِهِ، وذَلِكَ مُبالَغَةٌ في المَدْحِ. انْتَهى.
﴿لَهم ما يَشاءُونَ﴾: عامٌّ في كُلِّ ما تَشْتَهِيهِ أنْفُسُهم وتَتَعَلَّقُ بِهِ إرادَتُهم. و﴿لِيُكَفِّرَ﴾: مُتَعَلِّقٌ بِالمُحْسِنِينَ، أيِ: الَّذِينَ أحْسَنُوا لِيُكَفِّرَ، أوْ بِمَحْذُوفٍ، أيْ: يَسَّرَ ذَلِكَ لَهم لِيُكَفِّرَ؛ لِأنَّ التَّكْفِيرَ لا يَكُونُ إلّا بَعْدَ التَّيْسِيرِ لِلْخَيْرِ. و﴿أسْوَأ الَّذِي عَمِلُوا﴾: هو كُفْرُ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ ومَعاصِي أهْلِ الإسْلامِ. (p-٤٢٩)والتَّكْفِيرُ يَدُلُّ عَلى سُقُوطِ العِقابِ عَنْهم عَلى أكْمَلِ الوُجُوهِ، والجَزاءُ بِالأحْسَنِ يَدُلُّ عَلى حُصُولِ الثَّوابِ عَلى أكْمَلِ الوُجُوهِ، فَقِيلَ: ذَلِكَ يَكُونُ إذا صَدَّقُوا الأنْبِياءَ فِيما أتَوْا بِهِ. وقالَ مُقاتِلٌ: يَجْزِيهِمْ بِالمَحاسِنِ مِن أعْمالِهِمْ، ولا يَجْزِيهِمْ بِالمَساوِي، وهَذا قَوْلُ المُرْجِئَةِ، يَقُولُونَ: لا يَضُرُّ شَيْءٌ مِنَ المَعاصِي مَعَ الإيمانِ. واحْتَجَّ بِهَذِهِ الآيَةِ، وقامَ الظّاهِرُ مَقامَ المُضْمَرِ في المُحْسِنِينَ، أيْ: ذَلِكَ جَزاؤُهم، فَنَبَّهَ بِالظّاهِرِ عَلى العِلَّةِ المُقْتَضِيَةِ لِحُصُولِ الثَّوابِ. والظّاهِرُ أنَّ أسْوَأ أفْعَلُ تَفْضِيلٍ، وبِهِ قَرَأ الجُمْهُورُ: وإذا كَفَّرَ أسْوَأ أعْمالِهِمْ، فَتَكْفِيرُ ما هو دُونَهُ أحْرى. وقِيلَ: أفْعَلُ لَيْسَ لِلتَّفْضِيلِ، وهو كَقَوْلِكَ: الأشَجُّ أعْدَلُ بَنِي مَرْوانَ، أيْ: عادِلٌ، فَكَذَلِكَ هَذا، أيْ: سَيِّئُ الَّذِينَ عَمِلُوا.
ويَدُلُّ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ قِراءَةُ ابْنِ مِقْسَمٍ، وحامِدِ بْنِ يَحْيى، عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ: (أسْوَأ) هُنا؛ وفي (حم السَّجْدَةِ) بِألِفٍ بَيْنَ الواوِ والهَمْزَةِ، جَمْعُ سُوءٍ، ولا تَفْضِيلَ فِيهِ. والظّاهِرُ أنَّ ﴿بِأحْسَنِ﴾ أفْعَلُ تَفْضِيلٍ فَقِيلَ: لِيَنْظُرَ إلى أحْسَنِ طاعاتِهِ فَيُجْزى الباقِي في الجَزاءِ عَلى قِياسِهِ، وإنْ تَخَلَّفَ عَنْهُ بِالتَّقْصِيرِ. وقِيلَ: بِأحْسَنِ ثَوابِ أعْمالِهِمْ. وقِيلَ: بِأحْسَنِ مِن عَمَلِهِمْ، وهو الجَنَّةُ، وهَذا يَنْبُو عَنْهُ ﴿بِأحْسَنِ الَّذِي﴾ .
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أمّا التَّفْضِيلُ فَيُؤْذِنُ بِأنَّ الشَّيْءَ الَّذِي يَفْرُطُ مِنهم مِنَ الصَّغائِرِ والزَّلّاتِ المُكَفَّراتِ هو عِنْدَهُمُ الأسْوَأُ لِاسْتِعْظامِهِمُ المَعْصِيَةَ، والحَسَنُ الَّذِي يَعْمَلُونَ هو عِنْدَ اللَّهِ الأحْسَنُ لِحُسْنِ إخْلاصِهِمْ فِيهِ، فَلِذَلِكَ ذَكَرَ سَيِّئَهم بِالأسْوَأِ، وحَسَنَهم بِالأحْسَنِ. انْتَهى.
وهُوَ عَلى رَأْيِ المُعْتَزِلَةِ، ويَكُونُ قَدِ اسْتَعْمَلَ أسْوَأ في التَّفْضِيلِ عَلى مُعْتَقَدِهِمْ، وأحْسَنَ في التَّفْضِيلِ عَلى ما هو عِنْدَ اللَّهِ، وذَلِكَ تَوْزِيعٌ في أفْعَلِ التَّفْضِيلِ، وهو خِلافُ الظّاهِرِ.
قالَتْ قُرَيْشٌ: لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ مُحَمَّدٌ عَنْ تَعْيِيبِ آلِهَتِنا وتَعْيِيبِنا، لِنُسَلِّطَها عَلَيْهِ فَتُصِيبَهُ بِخَبَلٍ وتَعْتَرِيَهُ بِسُوءٍ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ﴾ أيْ: شَرَّ مَن يُرِيدُهُ بِشَرٍّ، والهَمْزَةُ الدّاخِلَةُ عَلى النَّفْيِ لِلتَّقْرِيرِ، أيْ: هو كافٍ عَبْدَهُ، وفي إضافَتِهِ إلَيْهِ تَشْرِيفٌ عَظِيمٌ لِنَبِيِّهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (عَبْدَهُ)، وهو رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: (عِبادَهُ) بِالجَمْعِ، أيِ: الأنْبِياءَ والمُطِيعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ.
﴿ويُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾: وهو الأصْنامُ. ولَمّا بَعَثَ خالِدًا إلى كَسْرِ العُزّى، قالَ لَهُ سادِنُها: إنِّي أخافُ عَلَيْكَ مِنها، فَلَها قُوَّةٌ لا يَقُومُ لَها شَيْءٌ. فَأخَذَ خالِدٌ الفَأْسَ، فَهَشَّمَ بِهِ وجْهَها ثُمَّ انْصَرَفَ. وفي قَوْلِهِ: ﴿ويُخَوِّفُونَكَ﴾، تَهَكُّمٌ بِهِمْ؛ لِأنَّهم خَوَّفُوهُ بِما لا يَقْدِرُ عَلى نَفْعٍ ولا ضَرَرٍ. ونَظِيرُ هَذا التَّخْوِيفِ قَوْلُ قَوْمِ هُودٍ لَهُ: ﴿إنْ نَقُولُ إلّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ﴾ [هود: ٥٤] . وقُرِئَ: (بِكافِي عَبْدِهِ) عَلى الإضافَةِ، (ويُكافِي عِبادَهُ) مُضارِعُ كَفى، ونُصِبَ (عِبادَهُ) فاحْتُمِلَ أنْ يَكُونَ مُفاعَلَةً مِنَ الكِفايَةِ، كَقَوْلِكَ: يُجازِي في يَجْزِي، وهو أبْلَغُ مِن كَفى، لِبِنائِهِ عَلى لَفْظِ المُبالِغَةِ، وهو الظّاهِرُ لِكَثْرَةِ تَرَدُّدِ هَذا المَعْنى في القُرْآنِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٣٧] . ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَهْمُوزًا مِنَ المُكافَأةِ، وهي المُجازاةُ، أيْ: يَجْزِيهِمْ أجْرَهم.
ولَمّا كانَ تَعالى كافِيَ عَبْدِهِ، كانَ التَّخْوِيفُ بِغَيْرِهِ عَبَثًا باطِلًا.
ولَمّا اشْتَمَلَتِ الآيَةُ عَلى مُهْتَدِينَ وضالِّينَ، أخْبَرَ أنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ هو فاعِلُهُ، ثُمَّ قالَ: ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ﴾ أيْ: غالِبٍ مَنِيعٍ، ﴿ذِي انْتِقامٍ﴾: وفِيهِ وعِيدٌ لِقُرَيْشٍ، ووَعْدٌ لِلْمُؤْمِنِينَ.
ولَمّا أقَرُّوا بِالصّانِعِ، وهو اللَّهُ، أخْبَرَهم أنَّهُ تَعالى هو المُتَصَرِّفُ في نَبِيِّهِ بِما أرادَ. فَإنَّ تِلْكَ الأصْنامَ الَّتِي يَدَّعُونَها آلِهَةً مِن دُونِهِ لا تَكْشِفُ ضُرًّا ولا تُمْسِكُ رَحْمَةً، أيْ: صِحَّةً وسَعَةً في الرِّزْقِ ونَحْوَ ذَلِكَ.
وأرَأيْتُمْ هُنا جارِيَةٌ عَلى وضْعِها، تَعَدَّتْ إلى مَفْعُولِها الأوَّلِ، وهو ما يَدْعُونَ. وجاءَ المَفْعُولُ الثّانِي جُمْلَةً اسْتِفْهامِيَّةً، وفِيها العائِدُ عَلى ما، وهو لَفْظُ هُنَّ وأُنِّثَ تَحْقِيرًا لَها وتَعْجِيزًا وتَضْعِيفًا. وكانَ فِيها مَن سُمِّي تَسْمِيَةَ الإناثِ، كالعُزّى ومَناةَ واللّاتَ.
وأضافَ إرادَةَ اللَّهِ الضُّرَّ إلى نَفْسِهِ والرَّحْمَةَ إلَيْها؛ لِأنَّهم خَوَّفُوهُ مَضَرَّتَها، فاسْتَسْلَفَ مِنهُمُ الإقْرارَ بِأنَّ خالِقَ العالَمِ هو اللَّهُ.
ثُمَّ اسْتَخْبَرَهم عَنْ أصْنامِهِمْ، هَلْ تَدْفَعُ شَرًّا (p-٤٣٠)وتَجْلِبُ خَيْرًا ؟ وقَرَأ الجُمْهُورُ: (كاشِفاتُ ومُمْسِكاتُ) عَلى الإضافَةِ؛ وشَيْبَةُ، والأعْرَجُ، وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ، وعِيسى: بِخِلافٍ عَنْهُ؛ وأبُو عَمْرٍو، وأبُو بَكْرٍ؛ بِتَنْوِينِهِما ونَصْبِ ما بَعْدَهُما.
ولَمّا تَقَرَّرَ أنَّهُ تَعالى كافِيهِ، وأنَّ أصْنامَهم لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ، أمْرَهُ تَعالى أنْ يَعْلَمَ أنَّهُ تَعالى هو حَسْبُهُ، أيْ: كافِيهِ. والجَوابُ في هَذا الِاسْتِخْبارِ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: فَإنَّهم سَيَقُولُونَ: لا تَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ. وقالَ مُقاتِلٌ: اسْتَخْبَرَهم فَسَكَتُوا.
﴿قُلْ ياقَوْمِ اعْمَلُوا﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظِيرِها.
الزمر 39:34
﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلى اللَّهِ وكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إذْ جاءَهُ ألَيْسَ في جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكافِرِينَ﴾ ﴿والَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾ ﴿لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزاءُ المُحْسِنِينَ﴾ ﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهم أسْوَأ الَّذِي عَمِلُوا ويَجْزِيَهم أجْرَهم بِأحْسَنِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ ويُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ ﴿ومَن يَهْدِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن مُضِلٍّ ألَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقامٍ﴾ ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أفَرَأيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إنْ أرادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ أوْ أرادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ المُتَوَكِّلُونَ﴾ ﴿قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكم إنِّي عامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ ويَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ ﴿إنّا أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ لِلنّاسِ بِالحَقِّ فَمَنِ اهْتَدى فَلِنَفْسِهِ ومَن ضَلَّ فَإنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ [الزمر: ٤١] ﴿اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها والَّتِي لَمْ تَمُتْ في مَنامِها فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْها المَوْتَ ويُرْسِلُ الأُخْرى إلى أجَلٍ مُسَمًّى إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الزمر: ٤٢] ﴿أمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعاءَ قُلْ أوَلَوْ كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا ولا يَعْقِلُونَ﴾ [الزمر: ٤٣] (p-٤٢٦)﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [الزمر: ٤٤] ﴿وإذا ذُكِرَ اللَّهُ وحْدَهُ اشْمَأزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وإذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ إذا هم يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [الزمر: ٤٥] ﴿قُلِ اللَّهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ والأرْضِ عالِمَ الغَيْبِ والشَّهادَةِ أنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ في ما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [الزمر: ٤٦] ﴿ولَوْ أنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ما في الأرْضِ جَمِيعًا ومِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ مِن سُوءِ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ وبَدا لَهم مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر: ٤٧] ﴿وبَدا لَهم سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الزمر: ٤٨] ﴿فَإذا مَسَّ الإنْسانَ ضُرٌّ دَعانا ثُمَّ إذا خَوَّلْناهُ نِعْمَةً مِنّا قالَ إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ بَلْ هي فِتْنَةٌ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٤٩] ﴿قَدْ قالَها الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الزمر: ٥٠] ﴿فَأصابَهم سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا والَّذِينَ ظَلَمُوا مِن هَؤُلاءِ سَيُصِيبُهم سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وما هم بِمُعْجِزِينَ﴾ [الزمر: ٥١] ﴿أوَلَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الزمر: ٥٢] ﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣] ﴿وأنِيبُوا إلى رَبِّكم وأسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَكُمُ العَذابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ [الزمر: ٥٤] ﴿واتَّبِعُوا أحْسَنَ ما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكم مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَكُمُ العَذابُ بَغْتَةً وأنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [الزمر: ٥٥] ﴿أنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتا عَلى ما فَرَّطْتُ في جَنْبِ اللَّهِ وإنْ كُنْتُ لَمِنَ السّاخِرِينَ﴾ [الزمر: ٥٦] ﴿أوْ تَقُولَ لَوْ أنَّ اللَّهَ هَدانِي لَكُنْتُ مِنَ المُتَّقِينَ﴾ [الزمر: ٥٧] ﴿أوْ تَقُولَ حِينَ تَرى العَذابَ لَوْ أنَّ لِي كَرَّةً فَأكُونَ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ [الزمر: ٥٨] ﴿بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي فَكَذَّبْتَ بِها واسْتَكْبَرْتَ وكُنْتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ [الزمر: ٥٩] ﴿ويَوْمَ القِيامَةِ تَرى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى اللَّهِ وُجُوهُهم مُسْوَدَّةٌ ألَيْسَ في جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [الزمر: ٦٠] ﴿ويُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفازَتِهِمْ لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ [الزمر: ٦١] ﴿اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ وكِيلٌ﴾ [الزمر: ٦٢] ﴿لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ والأرْضِ والَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ [الزمر: ٦٣] ﴿قُلْ أفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أعْبُدُ أيُّها الجاهِلُونَ﴾ [الزمر: ٦٤] ﴿ولَقَدْ أُوحِيَ إلَيْكَ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ولَتَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥] ﴿بَلِ اللَّهَ فاعْبُدْ وكُنْ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٦] ﴿وما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ والأرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيامَةِ والسَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر: ٦٧] ﴿ونُفِخَ في الصُّورِ فَصَعِقَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ إلّا مَن شاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإذا هم قِيامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر: ٦٨] ﴿وأشْرَقَتِ الأرْضُ بِنُورِ رَبِّها ووُضِعَ الكِتابُ وجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ والشُّهَداءِ وقُضِيَ بَيْنَهم بِالحَقِّ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٦٩] ﴿ووُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وهو أعْلَمُ بِما يَفْعَلُونَ﴾ [الزمر: ٧٠] ﴿وسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إلى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتّى إذا جاءُوها فُتِحَتْ أبْوابُها وقالَ لَهم خَزَنَتُها ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِنكم يَتْلُونَ عَلَيْكم آياتِ رَبِّكم ويُنْذِرُونَكم لِقاءَ يَوْمِكم هَذا قالُوا بَلى ولَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ العَذابِ عَلى الكافِرِينَ﴾ [الزمر: ٧١] ﴿قِيلَ ادْخُلُوا أبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوى المُتَكَبِّرِينَ﴾ [الزمر: ٧٢] ﴿وسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم إلى الجَنَّةِ زُمَرًا حَتّى إذا جاءُوها وفُتِحَتْ أبْوابُها وقالَ لَهم خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكم طِبْتُمْ فادْخُلُوها خالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣] ﴿وقالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وعْدَهُ وأوْرَثَنا الأرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ فَنِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ﴾ [الزمر: ٧٤] ﴿وتَرى المَلائِكَةَ حافِّينَ مِن حَوْلِ العَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وقُضِيَ بَيْنَهم بِالحَقِّ وقِيلَ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الزمر: ٧٥] .
اشْمَأزَّ، قالَ أبُو زَيْدٍ: زَعِرَ. قالَ غَيْرُهُ: تَقَبَّضَ كَراهَةً ونُفُورًا. قالَ الشّاعِرُ:
؎إذا عَضَّ الثِّقاتُ بِها اشْمَأزَّتْ ووَلَّتْهُ عَشَوْزَنَةً زَبُونا
المَقالِيدُ: المَفاتِيحُ، قِيلَ: لا واحِدَ لَها مِن لَفْظِها، قالَهُ التَّبْرِيزِيُّ. وقِيلَ: واحِدُها مِقْلِيدٌ، وقِيلَ: مِقْلادٌ، ويُقالُ: إقْلِيدٌ وأقالِيدُ، والكَلِمَةُ أصْلُها فارِسِيَّةٌ. الزُّمَرُ: جَمْعُ زُمْرَةٍ، قالَ أبُو عُبَيْدٍ، والأخْفَشُ: جَماعاتٌ مُتَفَرِّقَةٌ، (p-٤٢٧)بَعْضُها إثْرَ بَعْضٍ. قالَ:
حَتّى احْزَألَّتْ زُمَرٌ بَعْدَ زُمَرْ
ويُقالُ: تَزَمَّرَ. والحُفُوفُ: الإحْداقُ بِالشَّيْءِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎تَحُفُّهُ جانِبٌ ضَيْقٌ ويَتْبَعُهُ ∗∗∗ مِثْلُ الزُّجاجَةِ لَمْ يُكْحَلْ مِنَ الرَّمَدِ
وهَذِهِ اللَّفْظَةُ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الحَفافِ، وهو الجانِبُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎لَهُ لَحَظاتٌ عَنْ حَفافِي سَرِيرِهِ إذا كَرَّها فِيها عِقابٌ ونائِلُ
﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلى اللَّهِ وكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إذْ جاءَهُ ألَيْسَ في جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكافِرِينَ﴾ ﴿والَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾ ﴿لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزاءُ المُحْسِنِينَ﴾ ﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهم أسْوَأ الَّذِي عَمِلُوا ويَجْزِيَهم أجْرَهم بِأحْسَنِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ ويُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ ﴿ومَن يَهْدِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن مُضِلٍّ ألَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقامٍ﴾ ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أفَرَأيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إنْ أرادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ أوْ أرادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ المُتَوَكِّلُونَ﴾ ﴿قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكم إنِّي عامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ ويَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ .
﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلى اللَّهِ﴾: هَذا تَفْسِيرٌ وبَيانٌ لِلَّذِينِ يَكُونُ بَيْنَهُمُ الخُصُومَةُ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الِاخْتِصامَ السّابِقَ يَكُونُ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ، والمَعْنى: لا أجِدُ في المُكَذِّبِينَ أظْلَمَ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ، فَنَسَبَ إلَيْهِ الوَلَدَ والصّاحِبَةَ (p-٤٢٨)والشَّرِيكَ، وحَرَّمَ وحَلَّلَ مِن غَيْرِ أمْرِ اللَّهِ.
﴿وكَذَّبَ بِالصِّدْقِ﴾: وهو ما جاءَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؛ (إذْ جاءَهُ) أيْ: وقْتُ مَجِيئِهِ، فاجَأهُ بِالتَّكْذِيبِ مِن غَيْرِ فِكْرٍ ولا ارْتِياءٍ ولا نَظَرٍ، بَلْ وقْتَ مَجِيئِهِ كَذَّبَ بِهِ.
ثُمَّ تَوَعَّدَهم تَوَعُّدًا فِيهِ احْتِقارُهم عَلى جِهَةِ التَّوْقِيفِ، ولِلْكافِرِينَ مِمّا قامَ فِيهِ الظّاهِرُ مَقامَ المُضْمَرِ، أيْ: مَثْوًى لَهم، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى عِلَّةِ كَذِبِهِمْ وتَكْذِيبِهِمْ، وهو الكُفْرُ.
﴿والَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ﴾ مُعادِلٌ لِقَوْلِهِ: (فَمَن أظْلَمُ) .
﴿وصَدَّقَ بِهِ﴾ مُقابِلٌ لِقَوْلِهِ: ﴿وكَذَّبَ بِالصِّدْقِ﴾ . (والَّذِي) جَنْسٌ، كَأنَّهُ قالَ: والفَرِيقُ الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾، فَجَمَعَ. كَما أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: (فَمَن أظْلَمُ)، يُرادُ بِهِ جَمْعٌ، ولِذَلِكَ قالَ (مَثْوًى لِلْكافِرِينَ) .
وفِي قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ: (والَّذِي جاءُوا بِالصِّدْقِ وصَدَّقُوا بِهِ) . وقِيلَ: أرادَ والَّذِينَ، فَحُذِفَتْ مِنهُ النُّونَ، وهَذا لَيْسَ بِصَحِيحٍ، إذْ لَوْ أُرِيدَ الَّذِينَ بِلَفْظِ الَّذِي وحُذِفَتْ مِنهُ النُّونُ، لَكانَ الضَّمِيرُ مَجْمُوعًا كَقَوْلِهِ:
؎وإنَّ الَّذِي حانَتْ بِفَلْحِ دِماؤُهُمْ
ألا تَرى أنَّهُ إذا حُذِفَتِ النُّونُ في المُثَنّى كانَ الضَّمِيرُ مُثَنًّى ؟ كَقَوْلِهِ:
؎أبَنِي كُلَيْبٍ أنَّ عَمَّيَّ اللَّذا ∗∗∗ قَتَلا المُلُوكَ وفَكَّكا الأغْلالا
وقِيلَ: الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وصَدَّقَ بِهِ هو رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .
وقِيلَ: الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ جِبْرِيلُ، والَّذِي صَدَّقَ بِهِ هو مُحَمَّدٌ ﷺ .
وقالَ عَلِيٌّ، وأبُو العالِيَةِ، والكَلْبِيُّ، وجَماعَةٌ: الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ هو الرَّسُولُ، والَّذِي صَدَّقَ بِهِ هو أبُو بَكْرٍ.
وقالَ أبُو الأسْوَدِ، ومُجاهِدٌ، وجَماعَةٌ: الَّذِي صَدَّقَ بِهِ وهو عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وصَدَّقَ بِهِ هو رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جاءَ بِالصِّدْقِ وآمَنَ بِهِ، وأرادَ بِهِ إيّاهُ ومَن تَبِعَهُ، كَما أرادَ بِمُوسى إيّاهُ وقَوْمَهُ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ لَعَلَّهم يَهْتَدُونَ﴾ [المؤمنون: ٤٩]، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾، إلّا أنَّ هَذا في الصِّفَةِ، وذَلِكَ في الِاسْمِ.
ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ: والفَوْجُ والفَرِيقُ الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وصَدَّقَ بِهِ، وهو الرَّسُولُ الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ، وصَحابَتُهُ الَّذِينَ صَدَّقُوا بِهِ. انْتَهى.
وقَوْلُهُ: وأرادَ بِهِ إيّاهُ ومَن تَبِعَهُ، كَما أرادَ بِمُوسى إيّاهُ وقَوْمَهُ. اسْتَعْمَلَ الضَّمِيرَ المُنْفَصِلَ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ، وإنَّما هو مُتَّصِلٌ، فَإصْلاحُهُ: وأرادَهُ بِهِ ومَن تَبِعَهُ، كَما أرادَهُ بِمُوسى وقَوْمِهِ أيْ: لَعَلَّ قَوْمَهُ يَهْتَدُونَ، إذْ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مُهْتَدٍ. فالمُتَرَجّى هِدايَةُ قَوْمِهِ، لا هِدايَتُهُ، إذْ لا يُتَرَجّى إلّا ما كانَ مَفْقُودًا لا مَوْجُودًا.
وقَوْلُهُ: ويَجُوزُ إلَخْ، فِيهِ تَوْزِيعُ الصِّلَةِ، والفَوْجُ هو المَوْصُولُ، فَهو كَقَوْلِهِ: جاءَ الفَرِيقُ الَّذِي شَرُفَ وشَرَّفَ. والأظْهَرُ عَدَمُ التَّوْزِيعِ، بَلِ المَعْطُوفُ عَلى الصِّلَةِ، صِلَةٌ لِمَن لَهُ الصِّلَةُ الأُولى.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: (وصَدَّقَ) مُشَدَّدًا، وأبُو صالِحٍ، وعِكْرِمَةُ بْنُ سُلَيْمانَ، ومُحَمَّدُ بْنُ جُحازَةَ: مُخَفَّفًا. قالَ أبُو صالِحٍ: وعَمِلَ بِهِ.
وقِيلَ: اسْتَحَقَّ بِهِ اسْمَ الصِّدْقِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: فَعَلى هَذا إسْنادُ الأفْعالِ كُلِّها إلى مُحَمَّدٍ ﷺ، وكَأنَّ أُمَّتَهُ في ضِمْنِ القَوْلِ، وهو الَّذِي يَحْسُنُ ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾ . انْتَهى.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ أيْ: صَدَقَ بِهِ النّاسَ، ولَمْ يَكْذِبْهم بِهِ، يَعْنِي: أدّاهُ إلَيْهِمْ، كَما نَزَلَ عَلَيْهِ مِن غَيْرِ تَحْرِيفٍ. وقِيلَ: مَعْناهُ: وصارَ صادِقًا بِهِ، أيْ: بِسَبَبِهِ؛ لِأنَّ القُرْآنَ مُعْجِزَةٌ، والمُعْجِزَةُ تَصْدِيقٌ مِنَ الحَكِيمِ الَّذِي لا يَفْعَلُ القَبِيحَ لِمَن يُجْرِيها عَلى يَدَيْهِ، ولا يَجُوزُ أنْ يُصَدَّقَ إلّا الصّادِقُ، فَيَصِيرُ لِذَلِكَ صادِقًا بِالمُعْجِزَةِ.
وقُرِئَ: ﴿وصَدَّقَ بِهِ﴾ . انْتَهى. يَعْنِي: مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مُشَدَّدًا. وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: جاءَ بِالصِّدْقِ مِن عِنْدِ اللَّهِ وصَدَّقَ بِقَوْلِهِ، أيْ: في قَوْلِهِ، أوْ في مَجِيئِهِ، فاجْتَمَعَ لَهُ الصِّفَتانِ مِنَ الصِّدْقِ: مِن صِدْقِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وصِدْقِهِ بِنَفْسِهِ، وذَلِكَ مُبالَغَةٌ في المَدْحِ. انْتَهى.
﴿لَهم ما يَشاءُونَ﴾: عامٌّ في كُلِّ ما تَشْتَهِيهِ أنْفُسُهم وتَتَعَلَّقُ بِهِ إرادَتُهم. و﴿لِيُكَفِّرَ﴾: مُتَعَلِّقٌ بِالمُحْسِنِينَ، أيِ: الَّذِينَ أحْسَنُوا لِيُكَفِّرَ، أوْ بِمَحْذُوفٍ، أيْ: يَسَّرَ ذَلِكَ لَهم لِيُكَفِّرَ؛ لِأنَّ التَّكْفِيرَ لا يَكُونُ إلّا بَعْدَ التَّيْسِيرِ لِلْخَيْرِ. و﴿أسْوَأ الَّذِي عَمِلُوا﴾: هو كُفْرُ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ ومَعاصِي أهْلِ الإسْلامِ. (p-٤٢٩)والتَّكْفِيرُ يَدُلُّ عَلى سُقُوطِ العِقابِ عَنْهم عَلى أكْمَلِ الوُجُوهِ، والجَزاءُ بِالأحْسَنِ يَدُلُّ عَلى حُصُولِ الثَّوابِ عَلى أكْمَلِ الوُجُوهِ، فَقِيلَ: ذَلِكَ يَكُونُ إذا صَدَّقُوا الأنْبِياءَ فِيما أتَوْا بِهِ. وقالَ مُقاتِلٌ: يَجْزِيهِمْ بِالمَحاسِنِ مِن أعْمالِهِمْ، ولا يَجْزِيهِمْ بِالمَساوِي، وهَذا قَوْلُ المُرْجِئَةِ، يَقُولُونَ: لا يَضُرُّ شَيْءٌ مِنَ المَعاصِي مَعَ الإيمانِ. واحْتَجَّ بِهَذِهِ الآيَةِ، وقامَ الظّاهِرُ مَقامَ المُضْمَرِ في المُحْسِنِينَ، أيْ: ذَلِكَ جَزاؤُهم، فَنَبَّهَ بِالظّاهِرِ عَلى العِلَّةِ المُقْتَضِيَةِ لِحُصُولِ الثَّوابِ. والظّاهِرُ أنَّ أسْوَأ أفْعَلُ تَفْضِيلٍ، وبِهِ قَرَأ الجُمْهُورُ: وإذا كَفَّرَ أسْوَأ أعْمالِهِمْ، فَتَكْفِيرُ ما هو دُونَهُ أحْرى. وقِيلَ: أفْعَلُ لَيْسَ لِلتَّفْضِيلِ، وهو كَقَوْلِكَ: الأشَجُّ أعْدَلُ بَنِي مَرْوانَ، أيْ: عادِلٌ، فَكَذَلِكَ هَذا، أيْ: سَيِّئُ الَّذِينَ عَمِلُوا.
ويَدُلُّ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ قِراءَةُ ابْنِ مِقْسَمٍ، وحامِدِ بْنِ يَحْيى، عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ: (أسْوَأ) هُنا؛ وفي (حم السَّجْدَةِ) بِألِفٍ بَيْنَ الواوِ والهَمْزَةِ، جَمْعُ سُوءٍ، ولا تَفْضِيلَ فِيهِ. والظّاهِرُ أنَّ ﴿بِأحْسَنِ﴾ أفْعَلُ تَفْضِيلٍ فَقِيلَ: لِيَنْظُرَ إلى أحْسَنِ طاعاتِهِ فَيُجْزى الباقِي في الجَزاءِ عَلى قِياسِهِ، وإنْ تَخَلَّفَ عَنْهُ بِالتَّقْصِيرِ. وقِيلَ: بِأحْسَنِ ثَوابِ أعْمالِهِمْ. وقِيلَ: بِأحْسَنِ مِن عَمَلِهِمْ، وهو الجَنَّةُ، وهَذا يَنْبُو عَنْهُ ﴿بِأحْسَنِ الَّذِي﴾ .
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أمّا التَّفْضِيلُ فَيُؤْذِنُ بِأنَّ الشَّيْءَ الَّذِي يَفْرُطُ مِنهم مِنَ الصَّغائِرِ والزَّلّاتِ المُكَفَّراتِ هو عِنْدَهُمُ الأسْوَأُ لِاسْتِعْظامِهِمُ المَعْصِيَةَ، والحَسَنُ الَّذِي يَعْمَلُونَ هو عِنْدَ اللَّهِ الأحْسَنُ لِحُسْنِ إخْلاصِهِمْ فِيهِ، فَلِذَلِكَ ذَكَرَ سَيِّئَهم بِالأسْوَأِ، وحَسَنَهم بِالأحْسَنِ. انْتَهى.
وهُوَ عَلى رَأْيِ المُعْتَزِلَةِ، ويَكُونُ قَدِ اسْتَعْمَلَ أسْوَأ في التَّفْضِيلِ عَلى مُعْتَقَدِهِمْ، وأحْسَنَ في التَّفْضِيلِ عَلى ما هو عِنْدَ اللَّهِ، وذَلِكَ تَوْزِيعٌ في أفْعَلِ التَّفْضِيلِ، وهو خِلافُ الظّاهِرِ.
قالَتْ قُرَيْشٌ: لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ مُحَمَّدٌ عَنْ تَعْيِيبِ آلِهَتِنا وتَعْيِيبِنا، لِنُسَلِّطَها عَلَيْهِ فَتُصِيبَهُ بِخَبَلٍ وتَعْتَرِيَهُ بِسُوءٍ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ﴾ أيْ: شَرَّ مَن يُرِيدُهُ بِشَرٍّ، والهَمْزَةُ الدّاخِلَةُ عَلى النَّفْيِ لِلتَّقْرِيرِ، أيْ: هو كافٍ عَبْدَهُ، وفي إضافَتِهِ إلَيْهِ تَشْرِيفٌ عَظِيمٌ لِنَبِيِّهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (عَبْدَهُ)، وهو رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: (عِبادَهُ) بِالجَمْعِ، أيِ: الأنْبِياءَ والمُطِيعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ.
﴿ويُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾: وهو الأصْنامُ. ولَمّا بَعَثَ خالِدًا إلى كَسْرِ العُزّى، قالَ لَهُ سادِنُها: إنِّي أخافُ عَلَيْكَ مِنها، فَلَها قُوَّةٌ لا يَقُومُ لَها شَيْءٌ. فَأخَذَ خالِدٌ الفَأْسَ، فَهَشَّمَ بِهِ وجْهَها ثُمَّ انْصَرَفَ. وفي قَوْلِهِ: ﴿ويُخَوِّفُونَكَ﴾، تَهَكُّمٌ بِهِمْ؛ لِأنَّهم خَوَّفُوهُ بِما لا يَقْدِرُ عَلى نَفْعٍ ولا ضَرَرٍ. ونَظِيرُ هَذا التَّخْوِيفِ قَوْلُ قَوْمِ هُودٍ لَهُ: ﴿إنْ نَقُولُ إلّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ﴾ [هود: ٥٤] . وقُرِئَ: (بِكافِي عَبْدِهِ) عَلى الإضافَةِ، (ويُكافِي عِبادَهُ) مُضارِعُ كَفى، ونُصِبَ (عِبادَهُ) فاحْتُمِلَ أنْ يَكُونَ مُفاعَلَةً مِنَ الكِفايَةِ، كَقَوْلِكَ: يُجازِي في يَجْزِي، وهو أبْلَغُ مِن كَفى، لِبِنائِهِ عَلى لَفْظِ المُبالِغَةِ، وهو الظّاهِرُ لِكَثْرَةِ تَرَدُّدِ هَذا المَعْنى في القُرْآنِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٣٧] . ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَهْمُوزًا مِنَ المُكافَأةِ، وهي المُجازاةُ، أيْ: يَجْزِيهِمْ أجْرَهم.
ولَمّا كانَ تَعالى كافِيَ عَبْدِهِ، كانَ التَّخْوِيفُ بِغَيْرِهِ عَبَثًا باطِلًا.
ولَمّا اشْتَمَلَتِ الآيَةُ عَلى مُهْتَدِينَ وضالِّينَ، أخْبَرَ أنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ هو فاعِلُهُ، ثُمَّ قالَ: ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ﴾ أيْ: غالِبٍ مَنِيعٍ، ﴿ذِي انْتِقامٍ﴾: وفِيهِ وعِيدٌ لِقُرَيْشٍ، ووَعْدٌ لِلْمُؤْمِنِينَ.
ولَمّا أقَرُّوا بِالصّانِعِ، وهو اللَّهُ، أخْبَرَهم أنَّهُ تَعالى هو المُتَصَرِّفُ في نَبِيِّهِ بِما أرادَ. فَإنَّ تِلْكَ الأصْنامَ الَّتِي يَدَّعُونَها آلِهَةً مِن دُونِهِ لا تَكْشِفُ ضُرًّا ولا تُمْسِكُ رَحْمَةً، أيْ: صِحَّةً وسَعَةً في الرِّزْقِ ونَحْوَ ذَلِكَ.
وأرَأيْتُمْ هُنا جارِيَةٌ عَلى وضْعِها، تَعَدَّتْ إلى مَفْعُولِها الأوَّلِ، وهو ما يَدْعُونَ. وجاءَ المَفْعُولُ الثّانِي جُمْلَةً اسْتِفْهامِيَّةً، وفِيها العائِدُ عَلى ما، وهو لَفْظُ هُنَّ وأُنِّثَ تَحْقِيرًا لَها وتَعْجِيزًا وتَضْعِيفًا. وكانَ فِيها مَن سُمِّي تَسْمِيَةَ الإناثِ، كالعُزّى ومَناةَ واللّاتَ.
وأضافَ إرادَةَ اللَّهِ الضُّرَّ إلى نَفْسِهِ والرَّحْمَةَ إلَيْها؛ لِأنَّهم خَوَّفُوهُ مَضَرَّتَها، فاسْتَسْلَفَ مِنهُمُ الإقْرارَ بِأنَّ خالِقَ العالَمِ هو اللَّهُ.
ثُمَّ اسْتَخْبَرَهم عَنْ أصْنامِهِمْ، هَلْ تَدْفَعُ شَرًّا (p-٤٣٠)وتَجْلِبُ خَيْرًا ؟ وقَرَأ الجُمْهُورُ: (كاشِفاتُ ومُمْسِكاتُ) عَلى الإضافَةِ؛ وشَيْبَةُ، والأعْرَجُ، وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ، وعِيسى: بِخِلافٍ عَنْهُ؛ وأبُو عَمْرٍو، وأبُو بَكْرٍ؛ بِتَنْوِينِهِما ونَصْبِ ما بَعْدَهُما.
ولَمّا تَقَرَّرَ أنَّهُ تَعالى كافِيهِ، وأنَّ أصْنامَهم لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ، أمْرَهُ تَعالى أنْ يَعْلَمَ أنَّهُ تَعالى هو حَسْبُهُ، أيْ: كافِيهِ. والجَوابُ في هَذا الِاسْتِخْبارِ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: فَإنَّهم سَيَقُولُونَ: لا تَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ. وقالَ مُقاتِلٌ: اسْتَخْبَرَهم فَسَكَتُوا.
﴿قُلْ ياقَوْمِ اعْمَلُوا﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظِيرِها.
الزمر 39:35
﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلى اللَّهِ وكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إذْ جاءَهُ ألَيْسَ في جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكافِرِينَ﴾ ﴿والَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾ ﴿لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزاءُ المُحْسِنِينَ﴾ ﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهم أسْوَأ الَّذِي عَمِلُوا ويَجْزِيَهم أجْرَهم بِأحْسَنِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ ويُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ ﴿ومَن يَهْدِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن مُضِلٍّ ألَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقامٍ﴾ ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أفَرَأيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إنْ أرادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ أوْ أرادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ المُتَوَكِّلُونَ﴾ ﴿قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكم إنِّي عامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ ويَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ ﴿إنّا أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ لِلنّاسِ بِالحَقِّ فَمَنِ اهْتَدى فَلِنَفْسِهِ ومَن ضَلَّ فَإنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ [الزمر: ٤١] ﴿اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها والَّتِي لَمْ تَمُتْ في مَنامِها فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْها المَوْتَ ويُرْسِلُ الأُخْرى إلى أجَلٍ مُسَمًّى إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الزمر: ٤٢] ﴿أمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعاءَ قُلْ أوَلَوْ كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا ولا يَعْقِلُونَ﴾ [الزمر: ٤٣] (p-٤٢٦)﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [الزمر: ٤٤] ﴿وإذا ذُكِرَ اللَّهُ وحْدَهُ اشْمَأزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وإذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ إذا هم يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [الزمر: ٤٥] ﴿قُلِ اللَّهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ والأرْضِ عالِمَ الغَيْبِ والشَّهادَةِ أنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ في ما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [الزمر: ٤٦] ﴿ولَوْ أنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ما في الأرْضِ جَمِيعًا ومِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ مِن سُوءِ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ وبَدا لَهم مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر: ٤٧] ﴿وبَدا لَهم سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الزمر: ٤٨] ﴿فَإذا مَسَّ الإنْسانَ ضُرٌّ دَعانا ثُمَّ إذا خَوَّلْناهُ نِعْمَةً مِنّا قالَ إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ بَلْ هي فِتْنَةٌ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٤٩] ﴿قَدْ قالَها الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الزمر: ٥٠] ﴿فَأصابَهم سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا والَّذِينَ ظَلَمُوا مِن هَؤُلاءِ سَيُصِيبُهم سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وما هم بِمُعْجِزِينَ﴾ [الزمر: ٥١] ﴿أوَلَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الزمر: ٥٢] ﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣] ﴿وأنِيبُوا إلى رَبِّكم وأسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَكُمُ العَذابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ [الزمر: ٥٤] ﴿واتَّبِعُوا أحْسَنَ ما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكم مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَكُمُ العَذابُ بَغْتَةً وأنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [الزمر: ٥٥] ﴿أنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتا عَلى ما فَرَّطْتُ في جَنْبِ اللَّهِ وإنْ كُنْتُ لَمِنَ السّاخِرِينَ﴾ [الزمر: ٥٦] ﴿أوْ تَقُولَ لَوْ أنَّ اللَّهَ هَدانِي لَكُنْتُ مِنَ المُتَّقِينَ﴾ [الزمر: ٥٧] ﴿أوْ تَقُولَ حِينَ تَرى العَذابَ لَوْ أنَّ لِي كَرَّةً فَأكُونَ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ [الزمر: ٥٨] ﴿بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي فَكَذَّبْتَ بِها واسْتَكْبَرْتَ وكُنْتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ [الزمر: ٥٩] ﴿ويَوْمَ القِيامَةِ تَرى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى اللَّهِ وُجُوهُهم مُسْوَدَّةٌ ألَيْسَ في جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [الزمر: ٦٠] ﴿ويُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفازَتِهِمْ لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ [الزمر: ٦١] ﴿اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ وكِيلٌ﴾ [الزمر: ٦٢] ﴿لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ والأرْضِ والَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ [الزمر: ٦٣] ﴿قُلْ أفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أعْبُدُ أيُّها الجاهِلُونَ﴾ [الزمر: ٦٤] ﴿ولَقَدْ أُوحِيَ إلَيْكَ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ولَتَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥] ﴿بَلِ اللَّهَ فاعْبُدْ وكُنْ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٦] ﴿وما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ والأرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيامَةِ والسَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر: ٦٧] ﴿ونُفِخَ في الصُّورِ فَصَعِقَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ إلّا مَن شاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإذا هم قِيامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر: ٦٨] ﴿وأشْرَقَتِ الأرْضُ بِنُورِ رَبِّها ووُضِعَ الكِتابُ وجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ والشُّهَداءِ وقُضِيَ بَيْنَهم بِالحَقِّ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٦٩] ﴿ووُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وهو أعْلَمُ بِما يَفْعَلُونَ﴾ [الزمر: ٧٠] ﴿وسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إلى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتّى إذا جاءُوها فُتِحَتْ أبْوابُها وقالَ لَهم خَزَنَتُها ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِنكم يَتْلُونَ عَلَيْكم آياتِ رَبِّكم ويُنْذِرُونَكم لِقاءَ يَوْمِكم هَذا قالُوا بَلى ولَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ العَذابِ عَلى الكافِرِينَ﴾ [الزمر: ٧١] ﴿قِيلَ ادْخُلُوا أبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوى المُتَكَبِّرِينَ﴾ [الزمر: ٧٢] ﴿وسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم إلى الجَنَّةِ زُمَرًا حَتّى إذا جاءُوها وفُتِحَتْ أبْوابُها وقالَ لَهم خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكم طِبْتُمْ فادْخُلُوها خالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣] ﴿وقالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وعْدَهُ وأوْرَثَنا الأرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ فَنِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ﴾ [الزمر: ٧٤] ﴿وتَرى المَلائِكَةَ حافِّينَ مِن حَوْلِ العَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وقُضِيَ بَيْنَهم بِالحَقِّ وقِيلَ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الزمر: ٧٥] .
اشْمَأزَّ، قالَ أبُو زَيْدٍ: زَعِرَ. قالَ غَيْرُهُ: تَقَبَّضَ كَراهَةً ونُفُورًا. قالَ الشّاعِرُ:
؎إذا عَضَّ الثِّقاتُ بِها اشْمَأزَّتْ ووَلَّتْهُ عَشَوْزَنَةً زَبُونا
المَقالِيدُ: المَفاتِيحُ، قِيلَ: لا واحِدَ لَها مِن لَفْظِها، قالَهُ التَّبْرِيزِيُّ. وقِيلَ: واحِدُها مِقْلِيدٌ، وقِيلَ: مِقْلادٌ، ويُقالُ: إقْلِيدٌ وأقالِيدُ، والكَلِمَةُ أصْلُها فارِسِيَّةٌ. الزُّمَرُ: جَمْعُ زُمْرَةٍ، قالَ أبُو عُبَيْدٍ، والأخْفَشُ: جَماعاتٌ مُتَفَرِّقَةٌ، (p-٤٢٧)بَعْضُها إثْرَ بَعْضٍ. قالَ:
حَتّى احْزَألَّتْ زُمَرٌ بَعْدَ زُمَرْ
ويُقالُ: تَزَمَّرَ. والحُفُوفُ: الإحْداقُ بِالشَّيْءِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎تَحُفُّهُ جانِبٌ ضَيْقٌ ويَتْبَعُهُ ∗∗∗ مِثْلُ الزُّجاجَةِ لَمْ يُكْحَلْ مِنَ الرَّمَدِ
وهَذِهِ اللَّفْظَةُ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الحَفافِ، وهو الجانِبُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎لَهُ لَحَظاتٌ عَنْ حَفافِي سَرِيرِهِ إذا كَرَّها فِيها عِقابٌ ونائِلُ
﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلى اللَّهِ وكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إذْ جاءَهُ ألَيْسَ في جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكافِرِينَ﴾ ﴿والَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾ ﴿لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزاءُ المُحْسِنِينَ﴾ ﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهم أسْوَأ الَّذِي عَمِلُوا ويَجْزِيَهم أجْرَهم بِأحْسَنِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ ويُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ ﴿ومَن يَهْدِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن مُضِلٍّ ألَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقامٍ﴾ ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أفَرَأيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إنْ أرادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ أوْ أرادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ المُتَوَكِّلُونَ﴾ ﴿قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكم إنِّي عامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ ويَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ .
﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلى اللَّهِ﴾: هَذا تَفْسِيرٌ وبَيانٌ لِلَّذِينِ يَكُونُ بَيْنَهُمُ الخُصُومَةُ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الِاخْتِصامَ السّابِقَ يَكُونُ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ، والمَعْنى: لا أجِدُ في المُكَذِّبِينَ أظْلَمَ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ، فَنَسَبَ إلَيْهِ الوَلَدَ والصّاحِبَةَ (p-٤٢٨)والشَّرِيكَ، وحَرَّمَ وحَلَّلَ مِن غَيْرِ أمْرِ اللَّهِ.
﴿وكَذَّبَ بِالصِّدْقِ﴾: وهو ما جاءَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؛ (إذْ جاءَهُ) أيْ: وقْتُ مَجِيئِهِ، فاجَأهُ بِالتَّكْذِيبِ مِن غَيْرِ فِكْرٍ ولا ارْتِياءٍ ولا نَظَرٍ، بَلْ وقْتَ مَجِيئِهِ كَذَّبَ بِهِ.
ثُمَّ تَوَعَّدَهم تَوَعُّدًا فِيهِ احْتِقارُهم عَلى جِهَةِ التَّوْقِيفِ، ولِلْكافِرِينَ مِمّا قامَ فِيهِ الظّاهِرُ مَقامَ المُضْمَرِ، أيْ: مَثْوًى لَهم، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى عِلَّةِ كَذِبِهِمْ وتَكْذِيبِهِمْ، وهو الكُفْرُ.
﴿والَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ﴾ مُعادِلٌ لِقَوْلِهِ: (فَمَن أظْلَمُ) .
﴿وصَدَّقَ بِهِ﴾ مُقابِلٌ لِقَوْلِهِ: ﴿وكَذَّبَ بِالصِّدْقِ﴾ . (والَّذِي) جَنْسٌ، كَأنَّهُ قالَ: والفَرِيقُ الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾، فَجَمَعَ. كَما أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: (فَمَن أظْلَمُ)، يُرادُ بِهِ جَمْعٌ، ولِذَلِكَ قالَ (مَثْوًى لِلْكافِرِينَ) .
وفِي قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ: (والَّذِي جاءُوا بِالصِّدْقِ وصَدَّقُوا بِهِ) . وقِيلَ: أرادَ والَّذِينَ، فَحُذِفَتْ مِنهُ النُّونَ، وهَذا لَيْسَ بِصَحِيحٍ، إذْ لَوْ أُرِيدَ الَّذِينَ بِلَفْظِ الَّذِي وحُذِفَتْ مِنهُ النُّونُ، لَكانَ الضَّمِيرُ مَجْمُوعًا كَقَوْلِهِ:
؎وإنَّ الَّذِي حانَتْ بِفَلْحِ دِماؤُهُمْ
ألا تَرى أنَّهُ إذا حُذِفَتِ النُّونُ في المُثَنّى كانَ الضَّمِيرُ مُثَنًّى ؟ كَقَوْلِهِ:
؎أبَنِي كُلَيْبٍ أنَّ عَمَّيَّ اللَّذا ∗∗∗ قَتَلا المُلُوكَ وفَكَّكا الأغْلالا
وقِيلَ: الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وصَدَّقَ بِهِ هو رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .
وقِيلَ: الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ جِبْرِيلُ، والَّذِي صَدَّقَ بِهِ هو مُحَمَّدٌ ﷺ .
وقالَ عَلِيٌّ، وأبُو العالِيَةِ، والكَلْبِيُّ، وجَماعَةٌ: الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ هو الرَّسُولُ، والَّذِي صَدَّقَ بِهِ هو أبُو بَكْرٍ.
وقالَ أبُو الأسْوَدِ، ومُجاهِدٌ، وجَماعَةٌ: الَّذِي صَدَّقَ بِهِ وهو عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وصَدَّقَ بِهِ هو رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جاءَ بِالصِّدْقِ وآمَنَ بِهِ، وأرادَ بِهِ إيّاهُ ومَن تَبِعَهُ، كَما أرادَ بِمُوسى إيّاهُ وقَوْمَهُ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ لَعَلَّهم يَهْتَدُونَ﴾ [المؤمنون: ٤٩]، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾، إلّا أنَّ هَذا في الصِّفَةِ، وذَلِكَ في الِاسْمِ.
ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ: والفَوْجُ والفَرِيقُ الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وصَدَّقَ بِهِ، وهو الرَّسُولُ الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ، وصَحابَتُهُ الَّذِينَ صَدَّقُوا بِهِ. انْتَهى.
وقَوْلُهُ: وأرادَ بِهِ إيّاهُ ومَن تَبِعَهُ، كَما أرادَ بِمُوسى إيّاهُ وقَوْمَهُ. اسْتَعْمَلَ الضَّمِيرَ المُنْفَصِلَ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ، وإنَّما هو مُتَّصِلٌ، فَإصْلاحُهُ: وأرادَهُ بِهِ ومَن تَبِعَهُ، كَما أرادَهُ بِمُوسى وقَوْمِهِ أيْ: لَعَلَّ قَوْمَهُ يَهْتَدُونَ، إذْ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مُهْتَدٍ. فالمُتَرَجّى هِدايَةُ قَوْمِهِ، لا هِدايَتُهُ، إذْ لا يُتَرَجّى إلّا ما كانَ مَفْقُودًا لا مَوْجُودًا.
وقَوْلُهُ: ويَجُوزُ إلَخْ، فِيهِ تَوْزِيعُ الصِّلَةِ، والفَوْجُ هو المَوْصُولُ، فَهو كَقَوْلِهِ: جاءَ الفَرِيقُ الَّذِي شَرُفَ وشَرَّفَ. والأظْهَرُ عَدَمُ التَّوْزِيعِ، بَلِ المَعْطُوفُ عَلى الصِّلَةِ، صِلَةٌ لِمَن لَهُ الصِّلَةُ الأُولى.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: (وصَدَّقَ) مُشَدَّدًا، وأبُو صالِحٍ، وعِكْرِمَةُ بْنُ سُلَيْمانَ، ومُحَمَّدُ بْنُ جُحازَةَ: مُخَفَّفًا. قالَ أبُو صالِحٍ: وعَمِلَ بِهِ.
وقِيلَ: اسْتَحَقَّ بِهِ اسْمَ الصِّدْقِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: فَعَلى هَذا إسْنادُ الأفْعالِ كُلِّها إلى مُحَمَّدٍ ﷺ، وكَأنَّ أُمَّتَهُ في ضِمْنِ القَوْلِ، وهو الَّذِي يَحْسُنُ ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾ . انْتَهى.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ أيْ: صَدَقَ بِهِ النّاسَ، ولَمْ يَكْذِبْهم بِهِ، يَعْنِي: أدّاهُ إلَيْهِمْ، كَما نَزَلَ عَلَيْهِ مِن غَيْرِ تَحْرِيفٍ. وقِيلَ: مَعْناهُ: وصارَ صادِقًا بِهِ، أيْ: بِسَبَبِهِ؛ لِأنَّ القُرْآنَ مُعْجِزَةٌ، والمُعْجِزَةُ تَصْدِيقٌ مِنَ الحَكِيمِ الَّذِي لا يَفْعَلُ القَبِيحَ لِمَن يُجْرِيها عَلى يَدَيْهِ، ولا يَجُوزُ أنْ يُصَدَّقَ إلّا الصّادِقُ، فَيَصِيرُ لِذَلِكَ صادِقًا بِالمُعْجِزَةِ.
وقُرِئَ: ﴿وصَدَّقَ بِهِ﴾ . انْتَهى. يَعْنِي: مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مُشَدَّدًا. وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: جاءَ بِالصِّدْقِ مِن عِنْدِ اللَّهِ وصَدَّقَ بِقَوْلِهِ، أيْ: في قَوْلِهِ، أوْ في مَجِيئِهِ، فاجْتَمَعَ لَهُ الصِّفَتانِ مِنَ الصِّدْقِ: مِن صِدْقِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وصِدْقِهِ بِنَفْسِهِ، وذَلِكَ مُبالَغَةٌ في المَدْحِ. انْتَهى.
﴿لَهم ما يَشاءُونَ﴾: عامٌّ في كُلِّ ما تَشْتَهِيهِ أنْفُسُهم وتَتَعَلَّقُ بِهِ إرادَتُهم. و﴿لِيُكَفِّرَ﴾: مُتَعَلِّقٌ بِالمُحْسِنِينَ، أيِ: الَّذِينَ أحْسَنُوا لِيُكَفِّرَ، أوْ بِمَحْذُوفٍ، أيْ: يَسَّرَ ذَلِكَ لَهم لِيُكَفِّرَ؛ لِأنَّ التَّكْفِيرَ لا يَكُونُ إلّا بَعْدَ التَّيْسِيرِ لِلْخَيْرِ. و﴿أسْوَأ الَّذِي عَمِلُوا﴾: هو كُفْرُ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ ومَعاصِي أهْلِ الإسْلامِ. (p-٤٢٩)والتَّكْفِيرُ يَدُلُّ عَلى سُقُوطِ العِقابِ عَنْهم عَلى أكْمَلِ الوُجُوهِ، والجَزاءُ بِالأحْسَنِ يَدُلُّ عَلى حُصُولِ الثَّوابِ عَلى أكْمَلِ الوُجُوهِ، فَقِيلَ: ذَلِكَ يَكُونُ إذا صَدَّقُوا الأنْبِياءَ فِيما أتَوْا بِهِ. وقالَ مُقاتِلٌ: يَجْزِيهِمْ بِالمَحاسِنِ مِن أعْمالِهِمْ، ولا يَجْزِيهِمْ بِالمَساوِي، وهَذا قَوْلُ المُرْجِئَةِ، يَقُولُونَ: لا يَضُرُّ شَيْءٌ مِنَ المَعاصِي مَعَ الإيمانِ. واحْتَجَّ بِهَذِهِ الآيَةِ، وقامَ الظّاهِرُ مَقامَ المُضْمَرِ في المُحْسِنِينَ، أيْ: ذَلِكَ جَزاؤُهم، فَنَبَّهَ بِالظّاهِرِ عَلى العِلَّةِ المُقْتَضِيَةِ لِحُصُولِ الثَّوابِ. والظّاهِرُ أنَّ أسْوَأ أفْعَلُ تَفْضِيلٍ، وبِهِ قَرَأ الجُمْهُورُ: وإذا كَفَّرَ أسْوَأ أعْمالِهِمْ، فَتَكْفِيرُ ما هو دُونَهُ أحْرى. وقِيلَ: أفْعَلُ لَيْسَ لِلتَّفْضِيلِ، وهو كَقَوْلِكَ: الأشَجُّ أعْدَلُ بَنِي مَرْوانَ، أيْ: عادِلٌ، فَكَذَلِكَ هَذا، أيْ: سَيِّئُ الَّذِينَ عَمِلُوا.
ويَدُلُّ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ قِراءَةُ ابْنِ مِقْسَمٍ، وحامِدِ بْنِ يَحْيى، عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ: (أسْوَأ) هُنا؛ وفي (حم السَّجْدَةِ) بِألِفٍ بَيْنَ الواوِ والهَمْزَةِ، جَمْعُ سُوءٍ، ولا تَفْضِيلَ فِيهِ. والظّاهِرُ أنَّ ﴿بِأحْسَنِ﴾ أفْعَلُ تَفْضِيلٍ فَقِيلَ: لِيَنْظُرَ إلى أحْسَنِ طاعاتِهِ فَيُجْزى الباقِي في الجَزاءِ عَلى قِياسِهِ، وإنْ تَخَلَّفَ عَنْهُ بِالتَّقْصِيرِ. وقِيلَ: بِأحْسَنِ ثَوابِ أعْمالِهِمْ. وقِيلَ: بِأحْسَنِ مِن عَمَلِهِمْ، وهو الجَنَّةُ، وهَذا يَنْبُو عَنْهُ ﴿بِأحْسَنِ الَّذِي﴾ .
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أمّا التَّفْضِيلُ فَيُؤْذِنُ بِأنَّ الشَّيْءَ الَّذِي يَفْرُطُ مِنهم مِنَ الصَّغائِرِ والزَّلّاتِ المُكَفَّراتِ هو عِنْدَهُمُ الأسْوَأُ لِاسْتِعْظامِهِمُ المَعْصِيَةَ، والحَسَنُ الَّذِي يَعْمَلُونَ هو عِنْدَ اللَّهِ الأحْسَنُ لِحُسْنِ إخْلاصِهِمْ فِيهِ، فَلِذَلِكَ ذَكَرَ سَيِّئَهم بِالأسْوَأِ، وحَسَنَهم بِالأحْسَنِ. انْتَهى.
وهُوَ عَلى رَأْيِ المُعْتَزِلَةِ، ويَكُونُ قَدِ اسْتَعْمَلَ أسْوَأ في التَّفْضِيلِ عَلى مُعْتَقَدِهِمْ، وأحْسَنَ في التَّفْضِيلِ عَلى ما هو عِنْدَ اللَّهِ، وذَلِكَ تَوْزِيعٌ في أفْعَلِ التَّفْضِيلِ، وهو خِلافُ الظّاهِرِ.
قالَتْ قُرَيْشٌ: لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ مُحَمَّدٌ عَنْ تَعْيِيبِ آلِهَتِنا وتَعْيِيبِنا، لِنُسَلِّطَها عَلَيْهِ فَتُصِيبَهُ بِخَبَلٍ وتَعْتَرِيَهُ بِسُوءٍ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ﴾ أيْ: شَرَّ مَن يُرِيدُهُ بِشَرٍّ، والهَمْزَةُ الدّاخِلَةُ عَلى النَّفْيِ لِلتَّقْرِيرِ، أيْ: هو كافٍ عَبْدَهُ، وفي إضافَتِهِ إلَيْهِ تَشْرِيفٌ عَظِيمٌ لِنَبِيِّهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (عَبْدَهُ)، وهو رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: (عِبادَهُ) بِالجَمْعِ، أيِ: الأنْبِياءَ والمُطِيعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ.
﴿ويُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾: وهو الأصْنامُ. ولَمّا بَعَثَ خالِدًا إلى كَسْرِ العُزّى، قالَ لَهُ سادِنُها: إنِّي أخافُ عَلَيْكَ مِنها، فَلَها قُوَّةٌ لا يَقُومُ لَها شَيْءٌ. فَأخَذَ خالِدٌ الفَأْسَ، فَهَشَّمَ بِهِ وجْهَها ثُمَّ انْصَرَفَ. وفي قَوْلِهِ: ﴿ويُخَوِّفُونَكَ﴾، تَهَكُّمٌ بِهِمْ؛ لِأنَّهم خَوَّفُوهُ بِما لا يَقْدِرُ عَلى نَفْعٍ ولا ضَرَرٍ. ونَظِيرُ هَذا التَّخْوِيفِ قَوْلُ قَوْمِ هُودٍ لَهُ: ﴿إنْ نَقُولُ إلّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ﴾ [هود: ٥٤] . وقُرِئَ: (بِكافِي عَبْدِهِ) عَلى الإضافَةِ، (ويُكافِي عِبادَهُ) مُضارِعُ كَفى، ونُصِبَ (عِبادَهُ) فاحْتُمِلَ أنْ يَكُونَ مُفاعَلَةً مِنَ الكِفايَةِ، كَقَوْلِكَ: يُجازِي في يَجْزِي، وهو أبْلَغُ مِن كَفى، لِبِنائِهِ عَلى لَفْظِ المُبالِغَةِ، وهو الظّاهِرُ لِكَثْرَةِ تَرَدُّدِ هَذا المَعْنى في القُرْآنِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٣٧] . ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَهْمُوزًا مِنَ المُكافَأةِ، وهي المُجازاةُ، أيْ: يَجْزِيهِمْ أجْرَهم.
ولَمّا كانَ تَعالى كافِيَ عَبْدِهِ، كانَ التَّخْوِيفُ بِغَيْرِهِ عَبَثًا باطِلًا.
ولَمّا اشْتَمَلَتِ الآيَةُ عَلى مُهْتَدِينَ وضالِّينَ، أخْبَرَ أنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ هو فاعِلُهُ، ثُمَّ قالَ: ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ﴾ أيْ: غالِبٍ مَنِيعٍ، ﴿ذِي انْتِقامٍ﴾: وفِيهِ وعِيدٌ لِقُرَيْشٍ، ووَعْدٌ لِلْمُؤْمِنِينَ.
ولَمّا أقَرُّوا بِالصّانِعِ، وهو اللَّهُ، أخْبَرَهم أنَّهُ تَعالى هو المُتَصَرِّفُ في نَبِيِّهِ بِما أرادَ. فَإنَّ تِلْكَ الأصْنامَ الَّتِي يَدَّعُونَها آلِهَةً مِن دُونِهِ لا تَكْشِفُ ضُرًّا ولا تُمْسِكُ رَحْمَةً، أيْ: صِحَّةً وسَعَةً في الرِّزْقِ ونَحْوَ ذَلِكَ.
وأرَأيْتُمْ هُنا جارِيَةٌ عَلى وضْعِها، تَعَدَّتْ إلى مَفْعُولِها الأوَّلِ، وهو ما يَدْعُونَ. وجاءَ المَفْعُولُ الثّانِي جُمْلَةً اسْتِفْهامِيَّةً، وفِيها العائِدُ عَلى ما، وهو لَفْظُ هُنَّ وأُنِّثَ تَحْقِيرًا لَها وتَعْجِيزًا وتَضْعِيفًا. وكانَ فِيها مَن سُمِّي تَسْمِيَةَ الإناثِ، كالعُزّى ومَناةَ واللّاتَ.
وأضافَ إرادَةَ اللَّهِ الضُّرَّ إلى نَفْسِهِ والرَّحْمَةَ إلَيْها؛ لِأنَّهم خَوَّفُوهُ مَضَرَّتَها، فاسْتَسْلَفَ مِنهُمُ الإقْرارَ بِأنَّ خالِقَ العالَمِ هو اللَّهُ.
ثُمَّ اسْتَخْبَرَهم عَنْ أصْنامِهِمْ، هَلْ تَدْفَعُ شَرًّا (p-٤٣٠)وتَجْلِبُ خَيْرًا ؟ وقَرَأ الجُمْهُورُ: (كاشِفاتُ ومُمْسِكاتُ) عَلى الإضافَةِ؛ وشَيْبَةُ، والأعْرَجُ، وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ، وعِيسى: بِخِلافٍ عَنْهُ؛ وأبُو عَمْرٍو، وأبُو بَكْرٍ؛ بِتَنْوِينِهِما ونَصْبِ ما بَعْدَهُما.
ولَمّا تَقَرَّرَ أنَّهُ تَعالى كافِيهِ، وأنَّ أصْنامَهم لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ، أمْرَهُ تَعالى أنْ يَعْلَمَ أنَّهُ تَعالى هو حَسْبُهُ، أيْ: كافِيهِ. والجَوابُ في هَذا الِاسْتِخْبارِ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: فَإنَّهم سَيَقُولُونَ: لا تَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ. وقالَ مُقاتِلٌ: اسْتَخْبَرَهم فَسَكَتُوا.
﴿قُلْ ياقَوْمِ اعْمَلُوا﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظِيرِها.
الزمر 39:36
﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلى اللَّهِ وكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إذْ جاءَهُ ألَيْسَ في جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكافِرِينَ﴾ ﴿والَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾ ﴿لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزاءُ المُحْسِنِينَ﴾ ﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهم أسْوَأ الَّذِي عَمِلُوا ويَجْزِيَهم أجْرَهم بِأحْسَنِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ ويُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ ﴿ومَن يَهْدِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن مُضِلٍّ ألَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقامٍ﴾ ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أفَرَأيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إنْ أرادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ أوْ أرادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ المُتَوَكِّلُونَ﴾ ﴿قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكم إنِّي عامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ ويَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ ﴿إنّا أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ لِلنّاسِ بِالحَقِّ فَمَنِ اهْتَدى فَلِنَفْسِهِ ومَن ضَلَّ فَإنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ [الزمر: ٤١] ﴿اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها والَّتِي لَمْ تَمُتْ في مَنامِها فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْها المَوْتَ ويُرْسِلُ الأُخْرى إلى أجَلٍ مُسَمًّى إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الزمر: ٤٢] ﴿أمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعاءَ قُلْ أوَلَوْ كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا ولا يَعْقِلُونَ﴾ [الزمر: ٤٣] (p-٤٢٦)﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [الزمر: ٤٤] ﴿وإذا ذُكِرَ اللَّهُ وحْدَهُ اشْمَأزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وإذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ إذا هم يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [الزمر: ٤٥] ﴿قُلِ اللَّهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ والأرْضِ عالِمَ الغَيْبِ والشَّهادَةِ أنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ في ما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [الزمر: ٤٦] ﴿ولَوْ أنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ما في الأرْضِ جَمِيعًا ومِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ مِن سُوءِ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ وبَدا لَهم مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر: ٤٧] ﴿وبَدا لَهم سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الزمر: ٤٨] ﴿فَإذا مَسَّ الإنْسانَ ضُرٌّ دَعانا ثُمَّ إذا خَوَّلْناهُ نِعْمَةً مِنّا قالَ إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ بَلْ هي فِتْنَةٌ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٤٩] ﴿قَدْ قالَها الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الزمر: ٥٠] ﴿فَأصابَهم سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا والَّذِينَ ظَلَمُوا مِن هَؤُلاءِ سَيُصِيبُهم سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وما هم بِمُعْجِزِينَ﴾ [الزمر: ٥١] ﴿أوَلَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الزمر: ٥٢] ﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣] ﴿وأنِيبُوا إلى رَبِّكم وأسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَكُمُ العَذابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ [الزمر: ٥٤] ﴿واتَّبِعُوا أحْسَنَ ما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكم مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَكُمُ العَذابُ بَغْتَةً وأنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [الزمر: ٥٥] ﴿أنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتا عَلى ما فَرَّطْتُ في جَنْبِ اللَّهِ وإنْ كُنْتُ لَمِنَ السّاخِرِينَ﴾ [الزمر: ٥٦] ﴿أوْ تَقُولَ لَوْ أنَّ اللَّهَ هَدانِي لَكُنْتُ مِنَ المُتَّقِينَ﴾ [الزمر: ٥٧] ﴿أوْ تَقُولَ حِينَ تَرى العَذابَ لَوْ أنَّ لِي كَرَّةً فَأكُونَ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ [الزمر: ٥٨] ﴿بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي فَكَذَّبْتَ بِها واسْتَكْبَرْتَ وكُنْتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ [الزمر: ٥٩] ﴿ويَوْمَ القِيامَةِ تَرى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى اللَّهِ وُجُوهُهم مُسْوَدَّةٌ ألَيْسَ في جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [الزمر: ٦٠] ﴿ويُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفازَتِهِمْ لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ [الزمر: ٦١] ﴿اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ وكِيلٌ﴾ [الزمر: ٦٢] ﴿لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ والأرْضِ والَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ [الزمر: ٦٣] ﴿قُلْ أفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أعْبُدُ أيُّها الجاهِلُونَ﴾ [الزمر: ٦٤] ﴿ولَقَدْ أُوحِيَ إلَيْكَ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ولَتَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥] ﴿بَلِ اللَّهَ فاعْبُدْ وكُنْ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٦] ﴿وما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ والأرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيامَةِ والسَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر: ٦٧] ﴿ونُفِخَ في الصُّورِ فَصَعِقَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ إلّا مَن شاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإذا هم قِيامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر: ٦٨] ﴿وأشْرَقَتِ الأرْضُ بِنُورِ رَبِّها ووُضِعَ الكِتابُ وجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ والشُّهَداءِ وقُضِيَ بَيْنَهم بِالحَقِّ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٦٩] ﴿ووُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وهو أعْلَمُ بِما يَفْعَلُونَ﴾ [الزمر: ٧٠] ﴿وسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إلى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتّى إذا جاءُوها فُتِحَتْ أبْوابُها وقالَ لَهم خَزَنَتُها ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِنكم يَتْلُونَ عَلَيْكم آياتِ رَبِّكم ويُنْذِرُونَكم لِقاءَ يَوْمِكم هَذا قالُوا بَلى ولَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ العَذابِ عَلى الكافِرِينَ﴾ [الزمر: ٧١] ﴿قِيلَ ادْخُلُوا أبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوى المُتَكَبِّرِينَ﴾ [الزمر: ٧٢] ﴿وسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم إلى الجَنَّةِ زُمَرًا حَتّى إذا جاءُوها وفُتِحَتْ أبْوابُها وقالَ لَهم خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكم طِبْتُمْ فادْخُلُوها خالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣] ﴿وقالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وعْدَهُ وأوْرَثَنا الأرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ فَنِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ﴾ [الزمر: ٧٤] ﴿وتَرى المَلائِكَةَ حافِّينَ مِن حَوْلِ العَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وقُضِيَ بَيْنَهم بِالحَقِّ وقِيلَ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الزمر: ٧٥] .
اشْمَأزَّ، قالَ أبُو زَيْدٍ: زَعِرَ. قالَ غَيْرُهُ: تَقَبَّضَ كَراهَةً ونُفُورًا. قالَ الشّاعِرُ:
؎إذا عَضَّ الثِّقاتُ بِها اشْمَأزَّتْ ووَلَّتْهُ عَشَوْزَنَةً زَبُونا
المَقالِيدُ: المَفاتِيحُ، قِيلَ: لا واحِدَ لَها مِن لَفْظِها، قالَهُ التَّبْرِيزِيُّ. وقِيلَ: واحِدُها مِقْلِيدٌ، وقِيلَ: مِقْلادٌ، ويُقالُ: إقْلِيدٌ وأقالِيدُ، والكَلِمَةُ أصْلُها فارِسِيَّةٌ. الزُّمَرُ: جَمْعُ زُمْرَةٍ، قالَ أبُو عُبَيْدٍ، والأخْفَشُ: جَماعاتٌ مُتَفَرِّقَةٌ، (p-٤٢٧)بَعْضُها إثْرَ بَعْضٍ. قالَ:
حَتّى احْزَألَّتْ زُمَرٌ بَعْدَ زُمَرْ
ويُقالُ: تَزَمَّرَ. والحُفُوفُ: الإحْداقُ بِالشَّيْءِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎تَحُفُّهُ جانِبٌ ضَيْقٌ ويَتْبَعُهُ ∗∗∗ مِثْلُ الزُّجاجَةِ لَمْ يُكْحَلْ مِنَ الرَّمَدِ
وهَذِهِ اللَّفْظَةُ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الحَفافِ، وهو الجانِبُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎لَهُ لَحَظاتٌ عَنْ حَفافِي سَرِيرِهِ إذا كَرَّها فِيها عِقابٌ ونائِلُ
﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلى اللَّهِ وكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إذْ جاءَهُ ألَيْسَ في جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكافِرِينَ﴾ ﴿والَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾ ﴿لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزاءُ المُحْسِنِينَ﴾ ﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهم أسْوَأ الَّذِي عَمِلُوا ويَجْزِيَهم أجْرَهم بِأحْسَنِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ ويُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ ﴿ومَن يَهْدِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن مُضِلٍّ ألَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقامٍ﴾ ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أفَرَأيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إنْ أرادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ أوْ أرادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ المُتَوَكِّلُونَ﴾ ﴿قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكم إنِّي عامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ ويَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ .
﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلى اللَّهِ﴾: هَذا تَفْسِيرٌ وبَيانٌ لِلَّذِينِ يَكُونُ بَيْنَهُمُ الخُصُومَةُ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الِاخْتِصامَ السّابِقَ يَكُونُ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ، والمَعْنى: لا أجِدُ في المُكَذِّبِينَ أظْلَمَ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ، فَنَسَبَ إلَيْهِ الوَلَدَ والصّاحِبَةَ (p-٤٢٨)والشَّرِيكَ، وحَرَّمَ وحَلَّلَ مِن غَيْرِ أمْرِ اللَّهِ.
﴿وكَذَّبَ بِالصِّدْقِ﴾: وهو ما جاءَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؛ (إذْ جاءَهُ) أيْ: وقْتُ مَجِيئِهِ، فاجَأهُ بِالتَّكْذِيبِ مِن غَيْرِ فِكْرٍ ولا ارْتِياءٍ ولا نَظَرٍ، بَلْ وقْتَ مَجِيئِهِ كَذَّبَ بِهِ.
ثُمَّ تَوَعَّدَهم تَوَعُّدًا فِيهِ احْتِقارُهم عَلى جِهَةِ التَّوْقِيفِ، ولِلْكافِرِينَ مِمّا قامَ فِيهِ الظّاهِرُ مَقامَ المُضْمَرِ، أيْ: مَثْوًى لَهم، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى عِلَّةِ كَذِبِهِمْ وتَكْذِيبِهِمْ، وهو الكُفْرُ.
﴿والَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ﴾ مُعادِلٌ لِقَوْلِهِ: (فَمَن أظْلَمُ) .
﴿وصَدَّقَ بِهِ﴾ مُقابِلٌ لِقَوْلِهِ: ﴿وكَذَّبَ بِالصِّدْقِ﴾ . (والَّذِي) جَنْسٌ، كَأنَّهُ قالَ: والفَرِيقُ الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾، فَجَمَعَ. كَما أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: (فَمَن أظْلَمُ)، يُرادُ بِهِ جَمْعٌ، ولِذَلِكَ قالَ (مَثْوًى لِلْكافِرِينَ) .
وفِي قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ: (والَّذِي جاءُوا بِالصِّدْقِ وصَدَّقُوا بِهِ) . وقِيلَ: أرادَ والَّذِينَ، فَحُذِفَتْ مِنهُ النُّونَ، وهَذا لَيْسَ بِصَحِيحٍ، إذْ لَوْ أُرِيدَ الَّذِينَ بِلَفْظِ الَّذِي وحُذِفَتْ مِنهُ النُّونُ، لَكانَ الضَّمِيرُ مَجْمُوعًا كَقَوْلِهِ:
؎وإنَّ الَّذِي حانَتْ بِفَلْحِ دِماؤُهُمْ
ألا تَرى أنَّهُ إذا حُذِفَتِ النُّونُ في المُثَنّى كانَ الضَّمِيرُ مُثَنًّى ؟ كَقَوْلِهِ:
؎أبَنِي كُلَيْبٍ أنَّ عَمَّيَّ اللَّذا ∗∗∗ قَتَلا المُلُوكَ وفَكَّكا الأغْلالا
وقِيلَ: الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وصَدَّقَ بِهِ هو رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .
وقِيلَ: الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ جِبْرِيلُ، والَّذِي صَدَّقَ بِهِ هو مُحَمَّدٌ ﷺ .
وقالَ عَلِيٌّ، وأبُو العالِيَةِ، والكَلْبِيُّ، وجَماعَةٌ: الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ هو الرَّسُولُ، والَّذِي صَدَّقَ بِهِ هو أبُو بَكْرٍ.
وقالَ أبُو الأسْوَدِ، ومُجاهِدٌ، وجَماعَةٌ: الَّذِي صَدَّقَ بِهِ وهو عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وصَدَّقَ بِهِ هو رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جاءَ بِالصِّدْقِ وآمَنَ بِهِ، وأرادَ بِهِ إيّاهُ ومَن تَبِعَهُ، كَما أرادَ بِمُوسى إيّاهُ وقَوْمَهُ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ لَعَلَّهم يَهْتَدُونَ﴾ [المؤمنون: ٤٩]، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾، إلّا أنَّ هَذا في الصِّفَةِ، وذَلِكَ في الِاسْمِ.
ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ: والفَوْجُ والفَرِيقُ الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وصَدَّقَ بِهِ، وهو الرَّسُولُ الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ، وصَحابَتُهُ الَّذِينَ صَدَّقُوا بِهِ. انْتَهى.
وقَوْلُهُ: وأرادَ بِهِ إيّاهُ ومَن تَبِعَهُ، كَما أرادَ بِمُوسى إيّاهُ وقَوْمَهُ. اسْتَعْمَلَ الضَّمِيرَ المُنْفَصِلَ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ، وإنَّما هو مُتَّصِلٌ، فَإصْلاحُهُ: وأرادَهُ بِهِ ومَن تَبِعَهُ، كَما أرادَهُ بِمُوسى وقَوْمِهِ أيْ: لَعَلَّ قَوْمَهُ يَهْتَدُونَ، إذْ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مُهْتَدٍ. فالمُتَرَجّى هِدايَةُ قَوْمِهِ، لا هِدايَتُهُ، إذْ لا يُتَرَجّى إلّا ما كانَ مَفْقُودًا لا مَوْجُودًا.
وقَوْلُهُ: ويَجُوزُ إلَخْ، فِيهِ تَوْزِيعُ الصِّلَةِ، والفَوْجُ هو المَوْصُولُ، فَهو كَقَوْلِهِ: جاءَ الفَرِيقُ الَّذِي شَرُفَ وشَرَّفَ. والأظْهَرُ عَدَمُ التَّوْزِيعِ، بَلِ المَعْطُوفُ عَلى الصِّلَةِ، صِلَةٌ لِمَن لَهُ الصِّلَةُ الأُولى.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: (وصَدَّقَ) مُشَدَّدًا، وأبُو صالِحٍ، وعِكْرِمَةُ بْنُ سُلَيْمانَ، ومُحَمَّدُ بْنُ جُحازَةَ: مُخَفَّفًا. قالَ أبُو صالِحٍ: وعَمِلَ بِهِ.
وقِيلَ: اسْتَحَقَّ بِهِ اسْمَ الصِّدْقِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: فَعَلى هَذا إسْنادُ الأفْعالِ كُلِّها إلى مُحَمَّدٍ ﷺ، وكَأنَّ أُمَّتَهُ في ضِمْنِ القَوْلِ، وهو الَّذِي يَحْسُنُ ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾ . انْتَهى.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ أيْ: صَدَقَ بِهِ النّاسَ، ولَمْ يَكْذِبْهم بِهِ، يَعْنِي: أدّاهُ إلَيْهِمْ، كَما نَزَلَ عَلَيْهِ مِن غَيْرِ تَحْرِيفٍ. وقِيلَ: مَعْناهُ: وصارَ صادِقًا بِهِ، أيْ: بِسَبَبِهِ؛ لِأنَّ القُرْآنَ مُعْجِزَةٌ، والمُعْجِزَةُ تَصْدِيقٌ مِنَ الحَكِيمِ الَّذِي لا يَفْعَلُ القَبِيحَ لِمَن يُجْرِيها عَلى يَدَيْهِ، ولا يَجُوزُ أنْ يُصَدَّقَ إلّا الصّادِقُ، فَيَصِيرُ لِذَلِكَ صادِقًا بِالمُعْجِزَةِ.
وقُرِئَ: ﴿وصَدَّقَ بِهِ﴾ . انْتَهى. يَعْنِي: مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مُشَدَّدًا. وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: جاءَ بِالصِّدْقِ مِن عِنْدِ اللَّهِ وصَدَّقَ بِقَوْلِهِ، أيْ: في قَوْلِهِ، أوْ في مَجِيئِهِ، فاجْتَمَعَ لَهُ الصِّفَتانِ مِنَ الصِّدْقِ: مِن صِدْقِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وصِدْقِهِ بِنَفْسِهِ، وذَلِكَ مُبالَغَةٌ في المَدْحِ. انْتَهى.
﴿لَهم ما يَشاءُونَ﴾: عامٌّ في كُلِّ ما تَشْتَهِيهِ أنْفُسُهم وتَتَعَلَّقُ بِهِ إرادَتُهم. و﴿لِيُكَفِّرَ﴾: مُتَعَلِّقٌ بِالمُحْسِنِينَ، أيِ: الَّذِينَ أحْسَنُوا لِيُكَفِّرَ، أوْ بِمَحْذُوفٍ، أيْ: يَسَّرَ ذَلِكَ لَهم لِيُكَفِّرَ؛ لِأنَّ التَّكْفِيرَ لا يَكُونُ إلّا بَعْدَ التَّيْسِيرِ لِلْخَيْرِ. و﴿أسْوَأ الَّذِي عَمِلُوا﴾: هو كُفْرُ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ ومَعاصِي أهْلِ الإسْلامِ. (p-٤٢٩)والتَّكْفِيرُ يَدُلُّ عَلى سُقُوطِ العِقابِ عَنْهم عَلى أكْمَلِ الوُجُوهِ، والجَزاءُ بِالأحْسَنِ يَدُلُّ عَلى حُصُولِ الثَّوابِ عَلى أكْمَلِ الوُجُوهِ، فَقِيلَ: ذَلِكَ يَكُونُ إذا صَدَّقُوا الأنْبِياءَ فِيما أتَوْا بِهِ. وقالَ مُقاتِلٌ: يَجْزِيهِمْ بِالمَحاسِنِ مِن أعْمالِهِمْ، ولا يَجْزِيهِمْ بِالمَساوِي، وهَذا قَوْلُ المُرْجِئَةِ، يَقُولُونَ: لا يَضُرُّ شَيْءٌ مِنَ المَعاصِي مَعَ الإيمانِ. واحْتَجَّ بِهَذِهِ الآيَةِ، وقامَ الظّاهِرُ مَقامَ المُضْمَرِ في المُحْسِنِينَ، أيْ: ذَلِكَ جَزاؤُهم، فَنَبَّهَ بِالظّاهِرِ عَلى العِلَّةِ المُقْتَضِيَةِ لِحُصُولِ الثَّوابِ. والظّاهِرُ أنَّ أسْوَأ أفْعَلُ تَفْضِيلٍ، وبِهِ قَرَأ الجُمْهُورُ: وإذا كَفَّرَ أسْوَأ أعْمالِهِمْ، فَتَكْفِيرُ ما هو دُونَهُ أحْرى. وقِيلَ: أفْعَلُ لَيْسَ لِلتَّفْضِيلِ، وهو كَقَوْلِكَ: الأشَجُّ أعْدَلُ بَنِي مَرْوانَ، أيْ: عادِلٌ، فَكَذَلِكَ هَذا، أيْ: سَيِّئُ الَّذِينَ عَمِلُوا.
ويَدُلُّ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ قِراءَةُ ابْنِ مِقْسَمٍ، وحامِدِ بْنِ يَحْيى، عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ: (أسْوَأ) هُنا؛ وفي (حم السَّجْدَةِ) بِألِفٍ بَيْنَ الواوِ والهَمْزَةِ، جَمْعُ سُوءٍ، ولا تَفْضِيلَ فِيهِ. والظّاهِرُ أنَّ ﴿بِأحْسَنِ﴾ أفْعَلُ تَفْضِيلٍ فَقِيلَ: لِيَنْظُرَ إلى أحْسَنِ طاعاتِهِ فَيُجْزى الباقِي في الجَزاءِ عَلى قِياسِهِ، وإنْ تَخَلَّفَ عَنْهُ بِالتَّقْصِيرِ. وقِيلَ: بِأحْسَنِ ثَوابِ أعْمالِهِمْ. وقِيلَ: بِأحْسَنِ مِن عَمَلِهِمْ، وهو الجَنَّةُ، وهَذا يَنْبُو عَنْهُ ﴿بِأحْسَنِ الَّذِي﴾ .
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أمّا التَّفْضِيلُ فَيُؤْذِنُ بِأنَّ الشَّيْءَ الَّذِي يَفْرُطُ مِنهم مِنَ الصَّغائِرِ والزَّلّاتِ المُكَفَّراتِ هو عِنْدَهُمُ الأسْوَأُ لِاسْتِعْظامِهِمُ المَعْصِيَةَ، والحَسَنُ الَّذِي يَعْمَلُونَ هو عِنْدَ اللَّهِ الأحْسَنُ لِحُسْنِ إخْلاصِهِمْ فِيهِ، فَلِذَلِكَ ذَكَرَ سَيِّئَهم بِالأسْوَأِ، وحَسَنَهم بِالأحْسَنِ. انْتَهى.
وهُوَ عَلى رَأْيِ المُعْتَزِلَةِ، ويَكُونُ قَدِ اسْتَعْمَلَ أسْوَأ في التَّفْضِيلِ عَلى مُعْتَقَدِهِمْ، وأحْسَنَ في التَّفْضِيلِ عَلى ما هو عِنْدَ اللَّهِ، وذَلِكَ تَوْزِيعٌ في أفْعَلِ التَّفْضِيلِ، وهو خِلافُ الظّاهِرِ.
قالَتْ قُرَيْشٌ: لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ مُحَمَّدٌ عَنْ تَعْيِيبِ آلِهَتِنا وتَعْيِيبِنا، لِنُسَلِّطَها عَلَيْهِ فَتُصِيبَهُ بِخَبَلٍ وتَعْتَرِيَهُ بِسُوءٍ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ﴾ أيْ: شَرَّ مَن يُرِيدُهُ بِشَرٍّ، والهَمْزَةُ الدّاخِلَةُ عَلى النَّفْيِ لِلتَّقْرِيرِ، أيْ: هو كافٍ عَبْدَهُ، وفي إضافَتِهِ إلَيْهِ تَشْرِيفٌ عَظِيمٌ لِنَبِيِّهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (عَبْدَهُ)، وهو رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: (عِبادَهُ) بِالجَمْعِ، أيِ: الأنْبِياءَ والمُطِيعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ.
﴿ويُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾: وهو الأصْنامُ. ولَمّا بَعَثَ خالِدًا إلى كَسْرِ العُزّى، قالَ لَهُ سادِنُها: إنِّي أخافُ عَلَيْكَ مِنها، فَلَها قُوَّةٌ لا يَقُومُ لَها شَيْءٌ. فَأخَذَ خالِدٌ الفَأْسَ، فَهَشَّمَ بِهِ وجْهَها ثُمَّ انْصَرَفَ. وفي قَوْلِهِ: ﴿ويُخَوِّفُونَكَ﴾، تَهَكُّمٌ بِهِمْ؛ لِأنَّهم خَوَّفُوهُ بِما لا يَقْدِرُ عَلى نَفْعٍ ولا ضَرَرٍ. ونَظِيرُ هَذا التَّخْوِيفِ قَوْلُ قَوْمِ هُودٍ لَهُ: ﴿إنْ نَقُولُ إلّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ﴾ [هود: ٥٤] . وقُرِئَ: (بِكافِي عَبْدِهِ) عَلى الإضافَةِ، (ويُكافِي عِبادَهُ) مُضارِعُ كَفى، ونُصِبَ (عِبادَهُ) فاحْتُمِلَ أنْ يَكُونَ مُفاعَلَةً مِنَ الكِفايَةِ، كَقَوْلِكَ: يُجازِي في يَجْزِي، وهو أبْلَغُ مِن كَفى، لِبِنائِهِ عَلى لَفْظِ المُبالِغَةِ، وهو الظّاهِرُ لِكَثْرَةِ تَرَدُّدِ هَذا المَعْنى في القُرْآنِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٣٧] . ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَهْمُوزًا مِنَ المُكافَأةِ، وهي المُجازاةُ، أيْ: يَجْزِيهِمْ أجْرَهم.
ولَمّا كانَ تَعالى كافِيَ عَبْدِهِ، كانَ التَّخْوِيفُ بِغَيْرِهِ عَبَثًا باطِلًا.
ولَمّا اشْتَمَلَتِ الآيَةُ عَلى مُهْتَدِينَ وضالِّينَ، أخْبَرَ أنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ هو فاعِلُهُ، ثُمَّ قالَ: ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ﴾ أيْ: غالِبٍ مَنِيعٍ، ﴿ذِي انْتِقامٍ﴾: وفِيهِ وعِيدٌ لِقُرَيْشٍ، ووَعْدٌ لِلْمُؤْمِنِينَ.
ولَمّا أقَرُّوا بِالصّانِعِ، وهو اللَّهُ، أخْبَرَهم أنَّهُ تَعالى هو المُتَصَرِّفُ في نَبِيِّهِ بِما أرادَ. فَإنَّ تِلْكَ الأصْنامَ الَّتِي يَدَّعُونَها آلِهَةً مِن دُونِهِ لا تَكْشِفُ ضُرًّا ولا تُمْسِكُ رَحْمَةً، أيْ: صِحَّةً وسَعَةً في الرِّزْقِ ونَحْوَ ذَلِكَ.
وأرَأيْتُمْ هُنا جارِيَةٌ عَلى وضْعِها، تَعَدَّتْ إلى مَفْعُولِها الأوَّلِ، وهو ما يَدْعُونَ. وجاءَ المَفْعُولُ الثّانِي جُمْلَةً اسْتِفْهامِيَّةً، وفِيها العائِدُ عَلى ما، وهو لَفْظُ هُنَّ وأُنِّثَ تَحْقِيرًا لَها وتَعْجِيزًا وتَضْعِيفًا. وكانَ فِيها مَن سُمِّي تَسْمِيَةَ الإناثِ، كالعُزّى ومَناةَ واللّاتَ.
وأضافَ إرادَةَ اللَّهِ الضُّرَّ إلى نَفْسِهِ والرَّحْمَةَ إلَيْها؛ لِأنَّهم خَوَّفُوهُ مَضَرَّتَها، فاسْتَسْلَفَ مِنهُمُ الإقْرارَ بِأنَّ خالِقَ العالَمِ هو اللَّهُ.
ثُمَّ اسْتَخْبَرَهم عَنْ أصْنامِهِمْ، هَلْ تَدْفَعُ شَرًّا (p-٤٣٠)وتَجْلِبُ خَيْرًا ؟ وقَرَأ الجُمْهُورُ: (كاشِفاتُ ومُمْسِكاتُ) عَلى الإضافَةِ؛ وشَيْبَةُ، والأعْرَجُ، وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ، وعِيسى: بِخِلافٍ عَنْهُ؛ وأبُو عَمْرٍو، وأبُو بَكْرٍ؛ بِتَنْوِينِهِما ونَصْبِ ما بَعْدَهُما.
ولَمّا تَقَرَّرَ أنَّهُ تَعالى كافِيهِ، وأنَّ أصْنامَهم لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ، أمْرَهُ تَعالى أنْ يَعْلَمَ أنَّهُ تَعالى هو حَسْبُهُ، أيْ: كافِيهِ. والجَوابُ في هَذا الِاسْتِخْبارِ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: فَإنَّهم سَيَقُولُونَ: لا تَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ. وقالَ مُقاتِلٌ: اسْتَخْبَرَهم فَسَكَتُوا.
﴿قُلْ ياقَوْمِ اعْمَلُوا﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظِيرِها.
الزمر 39:37
﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلى اللَّهِ وكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إذْ جاءَهُ ألَيْسَ في جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكافِرِينَ﴾ ﴿والَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾ ﴿لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزاءُ المُحْسِنِينَ﴾ ﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهم أسْوَأ الَّذِي عَمِلُوا ويَجْزِيَهم أجْرَهم بِأحْسَنِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ ويُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ ﴿ومَن يَهْدِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن مُضِلٍّ ألَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقامٍ﴾ ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أفَرَأيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إنْ أرادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ أوْ أرادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ المُتَوَكِّلُونَ﴾ ﴿قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكم إنِّي عامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ ويَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ ﴿إنّا أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ لِلنّاسِ بِالحَقِّ فَمَنِ اهْتَدى فَلِنَفْسِهِ ومَن ضَلَّ فَإنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ [الزمر: ٤١] ﴿اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها والَّتِي لَمْ تَمُتْ في مَنامِها فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْها المَوْتَ ويُرْسِلُ الأُخْرى إلى أجَلٍ مُسَمًّى إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الزمر: ٤٢] ﴿أمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعاءَ قُلْ أوَلَوْ كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا ولا يَعْقِلُونَ﴾ [الزمر: ٤٣] (p-٤٢٦)﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [الزمر: ٤٤] ﴿وإذا ذُكِرَ اللَّهُ وحْدَهُ اشْمَأزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وإذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ إذا هم يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [الزمر: ٤٥] ﴿قُلِ اللَّهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ والأرْضِ عالِمَ الغَيْبِ والشَّهادَةِ أنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ في ما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [الزمر: ٤٦] ﴿ولَوْ أنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ما في الأرْضِ جَمِيعًا ومِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ مِن سُوءِ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ وبَدا لَهم مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر: ٤٧] ﴿وبَدا لَهم سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الزمر: ٤٨] ﴿فَإذا مَسَّ الإنْسانَ ضُرٌّ دَعانا ثُمَّ إذا خَوَّلْناهُ نِعْمَةً مِنّا قالَ إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ بَلْ هي فِتْنَةٌ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٤٩] ﴿قَدْ قالَها الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الزمر: ٥٠] ﴿فَأصابَهم سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا والَّذِينَ ظَلَمُوا مِن هَؤُلاءِ سَيُصِيبُهم سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وما هم بِمُعْجِزِينَ﴾ [الزمر: ٥١] ﴿أوَلَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الزمر: ٥٢] ﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣] ﴿وأنِيبُوا إلى رَبِّكم وأسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَكُمُ العَذابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ [الزمر: ٥٤] ﴿واتَّبِعُوا أحْسَنَ ما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكم مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَكُمُ العَذابُ بَغْتَةً وأنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [الزمر: ٥٥] ﴿أنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتا عَلى ما فَرَّطْتُ في جَنْبِ اللَّهِ وإنْ كُنْتُ لَمِنَ السّاخِرِينَ﴾ [الزمر: ٥٦] ﴿أوْ تَقُولَ لَوْ أنَّ اللَّهَ هَدانِي لَكُنْتُ مِنَ المُتَّقِينَ﴾ [الزمر: ٥٧] ﴿أوْ تَقُولَ حِينَ تَرى العَذابَ لَوْ أنَّ لِي كَرَّةً فَأكُونَ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ [الزمر: ٥٨] ﴿بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي فَكَذَّبْتَ بِها واسْتَكْبَرْتَ وكُنْتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ [الزمر: ٥٩] ﴿ويَوْمَ القِيامَةِ تَرى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى اللَّهِ وُجُوهُهم مُسْوَدَّةٌ ألَيْسَ في جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [الزمر: ٦٠] ﴿ويُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفازَتِهِمْ لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ [الزمر: ٦١] ﴿اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ وكِيلٌ﴾ [الزمر: ٦٢] ﴿لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ والأرْضِ والَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ [الزمر: ٦٣] ﴿قُلْ أفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أعْبُدُ أيُّها الجاهِلُونَ﴾ [الزمر: ٦٤] ﴿ولَقَدْ أُوحِيَ إلَيْكَ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ولَتَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥] ﴿بَلِ اللَّهَ فاعْبُدْ وكُنْ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٦] ﴿وما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ والأرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيامَةِ والسَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر: ٦٧] ﴿ونُفِخَ في الصُّورِ فَصَعِقَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ إلّا مَن شاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإذا هم قِيامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر: ٦٨] ﴿وأشْرَقَتِ الأرْضُ بِنُورِ رَبِّها ووُضِعَ الكِتابُ وجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ والشُّهَداءِ وقُضِيَ بَيْنَهم بِالحَقِّ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٦٩] ﴿ووُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وهو أعْلَمُ بِما يَفْعَلُونَ﴾ [الزمر: ٧٠] ﴿وسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إلى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتّى إذا جاءُوها فُتِحَتْ أبْوابُها وقالَ لَهم خَزَنَتُها ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِنكم يَتْلُونَ عَلَيْكم آياتِ رَبِّكم ويُنْذِرُونَكم لِقاءَ يَوْمِكم هَذا قالُوا بَلى ولَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ العَذابِ عَلى الكافِرِينَ﴾ [الزمر: ٧١] ﴿قِيلَ ادْخُلُوا أبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوى المُتَكَبِّرِينَ﴾ [الزمر: ٧٢] ﴿وسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم إلى الجَنَّةِ زُمَرًا حَتّى إذا جاءُوها وفُتِحَتْ أبْوابُها وقالَ لَهم خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكم طِبْتُمْ فادْخُلُوها خالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣] ﴿وقالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وعْدَهُ وأوْرَثَنا الأرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ فَنِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ﴾ [الزمر: ٧٤] ﴿وتَرى المَلائِكَةَ حافِّينَ مِن حَوْلِ العَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وقُضِيَ بَيْنَهم بِالحَقِّ وقِيلَ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الزمر: ٧٥] .
اشْمَأزَّ، قالَ أبُو زَيْدٍ: زَعِرَ. قالَ غَيْرُهُ: تَقَبَّضَ كَراهَةً ونُفُورًا. قالَ الشّاعِرُ:
؎إذا عَضَّ الثِّقاتُ بِها اشْمَأزَّتْ ووَلَّتْهُ عَشَوْزَنَةً زَبُونا
المَقالِيدُ: المَفاتِيحُ، قِيلَ: لا واحِدَ لَها مِن لَفْظِها، قالَهُ التَّبْرِيزِيُّ. وقِيلَ: واحِدُها مِقْلِيدٌ، وقِيلَ: مِقْلادٌ، ويُقالُ: إقْلِيدٌ وأقالِيدُ، والكَلِمَةُ أصْلُها فارِسِيَّةٌ. الزُّمَرُ: جَمْعُ زُمْرَةٍ، قالَ أبُو عُبَيْدٍ، والأخْفَشُ: جَماعاتٌ مُتَفَرِّقَةٌ، (p-٤٢٧)بَعْضُها إثْرَ بَعْضٍ. قالَ:
حَتّى احْزَألَّتْ زُمَرٌ بَعْدَ زُمَرْ
ويُقالُ: تَزَمَّرَ. والحُفُوفُ: الإحْداقُ بِالشَّيْءِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎تَحُفُّهُ جانِبٌ ضَيْقٌ ويَتْبَعُهُ ∗∗∗ مِثْلُ الزُّجاجَةِ لَمْ يُكْحَلْ مِنَ الرَّمَدِ
وهَذِهِ اللَّفْظَةُ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الحَفافِ، وهو الجانِبُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎لَهُ لَحَظاتٌ عَنْ حَفافِي سَرِيرِهِ إذا كَرَّها فِيها عِقابٌ ونائِلُ
﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلى اللَّهِ وكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إذْ جاءَهُ ألَيْسَ في جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكافِرِينَ﴾ ﴿والَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾ ﴿لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزاءُ المُحْسِنِينَ﴾ ﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهم أسْوَأ الَّذِي عَمِلُوا ويَجْزِيَهم أجْرَهم بِأحْسَنِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ ويُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ ﴿ومَن يَهْدِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن مُضِلٍّ ألَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقامٍ﴾ ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أفَرَأيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إنْ أرادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ أوْ أرادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ المُتَوَكِّلُونَ﴾ ﴿قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكم إنِّي عامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ ويَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ .
﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلى اللَّهِ﴾: هَذا تَفْسِيرٌ وبَيانٌ لِلَّذِينِ يَكُونُ بَيْنَهُمُ الخُصُومَةُ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الِاخْتِصامَ السّابِقَ يَكُونُ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ، والمَعْنى: لا أجِدُ في المُكَذِّبِينَ أظْلَمَ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ، فَنَسَبَ إلَيْهِ الوَلَدَ والصّاحِبَةَ (p-٤٢٨)والشَّرِيكَ، وحَرَّمَ وحَلَّلَ مِن غَيْرِ أمْرِ اللَّهِ.
﴿وكَذَّبَ بِالصِّدْقِ﴾: وهو ما جاءَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؛ (إذْ جاءَهُ) أيْ: وقْتُ مَجِيئِهِ، فاجَأهُ بِالتَّكْذِيبِ مِن غَيْرِ فِكْرٍ ولا ارْتِياءٍ ولا نَظَرٍ، بَلْ وقْتَ مَجِيئِهِ كَذَّبَ بِهِ.
ثُمَّ تَوَعَّدَهم تَوَعُّدًا فِيهِ احْتِقارُهم عَلى جِهَةِ التَّوْقِيفِ، ولِلْكافِرِينَ مِمّا قامَ فِيهِ الظّاهِرُ مَقامَ المُضْمَرِ، أيْ: مَثْوًى لَهم، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى عِلَّةِ كَذِبِهِمْ وتَكْذِيبِهِمْ، وهو الكُفْرُ.
﴿والَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ﴾ مُعادِلٌ لِقَوْلِهِ: (فَمَن أظْلَمُ) .
﴿وصَدَّقَ بِهِ﴾ مُقابِلٌ لِقَوْلِهِ: ﴿وكَذَّبَ بِالصِّدْقِ﴾ . (والَّذِي) جَنْسٌ، كَأنَّهُ قالَ: والفَرِيقُ الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾، فَجَمَعَ. كَما أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: (فَمَن أظْلَمُ)، يُرادُ بِهِ جَمْعٌ، ولِذَلِكَ قالَ (مَثْوًى لِلْكافِرِينَ) .
وفِي قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ: (والَّذِي جاءُوا بِالصِّدْقِ وصَدَّقُوا بِهِ) . وقِيلَ: أرادَ والَّذِينَ، فَحُذِفَتْ مِنهُ النُّونَ، وهَذا لَيْسَ بِصَحِيحٍ، إذْ لَوْ أُرِيدَ الَّذِينَ بِلَفْظِ الَّذِي وحُذِفَتْ مِنهُ النُّونُ، لَكانَ الضَّمِيرُ مَجْمُوعًا كَقَوْلِهِ:
؎وإنَّ الَّذِي حانَتْ بِفَلْحِ دِماؤُهُمْ
ألا تَرى أنَّهُ إذا حُذِفَتِ النُّونُ في المُثَنّى كانَ الضَّمِيرُ مُثَنًّى ؟ كَقَوْلِهِ:
؎أبَنِي كُلَيْبٍ أنَّ عَمَّيَّ اللَّذا ∗∗∗ قَتَلا المُلُوكَ وفَكَّكا الأغْلالا
وقِيلَ: الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وصَدَّقَ بِهِ هو رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .
وقِيلَ: الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ جِبْرِيلُ، والَّذِي صَدَّقَ بِهِ هو مُحَمَّدٌ ﷺ .
وقالَ عَلِيٌّ، وأبُو العالِيَةِ، والكَلْبِيُّ، وجَماعَةٌ: الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ هو الرَّسُولُ، والَّذِي صَدَّقَ بِهِ هو أبُو بَكْرٍ.
وقالَ أبُو الأسْوَدِ، ومُجاهِدٌ، وجَماعَةٌ: الَّذِي صَدَّقَ بِهِ وهو عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وصَدَّقَ بِهِ هو رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جاءَ بِالصِّدْقِ وآمَنَ بِهِ، وأرادَ بِهِ إيّاهُ ومَن تَبِعَهُ، كَما أرادَ بِمُوسى إيّاهُ وقَوْمَهُ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ لَعَلَّهم يَهْتَدُونَ﴾ [المؤمنون: ٤٩]، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾، إلّا أنَّ هَذا في الصِّفَةِ، وذَلِكَ في الِاسْمِ.
ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ: والفَوْجُ والفَرِيقُ الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وصَدَّقَ بِهِ، وهو الرَّسُولُ الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ، وصَحابَتُهُ الَّذِينَ صَدَّقُوا بِهِ. انْتَهى.
وقَوْلُهُ: وأرادَ بِهِ إيّاهُ ومَن تَبِعَهُ، كَما أرادَ بِمُوسى إيّاهُ وقَوْمَهُ. اسْتَعْمَلَ الضَّمِيرَ المُنْفَصِلَ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ، وإنَّما هو مُتَّصِلٌ، فَإصْلاحُهُ: وأرادَهُ بِهِ ومَن تَبِعَهُ، كَما أرادَهُ بِمُوسى وقَوْمِهِ أيْ: لَعَلَّ قَوْمَهُ يَهْتَدُونَ، إذْ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مُهْتَدٍ. فالمُتَرَجّى هِدايَةُ قَوْمِهِ، لا هِدايَتُهُ، إذْ لا يُتَرَجّى إلّا ما كانَ مَفْقُودًا لا مَوْجُودًا.
وقَوْلُهُ: ويَجُوزُ إلَخْ، فِيهِ تَوْزِيعُ الصِّلَةِ، والفَوْجُ هو المَوْصُولُ، فَهو كَقَوْلِهِ: جاءَ الفَرِيقُ الَّذِي شَرُفَ وشَرَّفَ. والأظْهَرُ عَدَمُ التَّوْزِيعِ، بَلِ المَعْطُوفُ عَلى الصِّلَةِ، صِلَةٌ لِمَن لَهُ الصِّلَةُ الأُولى.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: (وصَدَّقَ) مُشَدَّدًا، وأبُو صالِحٍ، وعِكْرِمَةُ بْنُ سُلَيْمانَ، ومُحَمَّدُ بْنُ جُحازَةَ: مُخَفَّفًا. قالَ أبُو صالِحٍ: وعَمِلَ بِهِ.
وقِيلَ: اسْتَحَقَّ بِهِ اسْمَ الصِّدْقِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: فَعَلى هَذا إسْنادُ الأفْعالِ كُلِّها إلى مُحَمَّدٍ ﷺ، وكَأنَّ أُمَّتَهُ في ضِمْنِ القَوْلِ، وهو الَّذِي يَحْسُنُ ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾ . انْتَهى.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ أيْ: صَدَقَ بِهِ النّاسَ، ولَمْ يَكْذِبْهم بِهِ، يَعْنِي: أدّاهُ إلَيْهِمْ، كَما نَزَلَ عَلَيْهِ مِن غَيْرِ تَحْرِيفٍ. وقِيلَ: مَعْناهُ: وصارَ صادِقًا بِهِ، أيْ: بِسَبَبِهِ؛ لِأنَّ القُرْآنَ مُعْجِزَةٌ، والمُعْجِزَةُ تَصْدِيقٌ مِنَ الحَكِيمِ الَّذِي لا يَفْعَلُ القَبِيحَ لِمَن يُجْرِيها عَلى يَدَيْهِ، ولا يَجُوزُ أنْ يُصَدَّقَ إلّا الصّادِقُ، فَيَصِيرُ لِذَلِكَ صادِقًا بِالمُعْجِزَةِ.
وقُرِئَ: ﴿وصَدَّقَ بِهِ﴾ . انْتَهى. يَعْنِي: مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مُشَدَّدًا. وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: جاءَ بِالصِّدْقِ مِن عِنْدِ اللَّهِ وصَدَّقَ بِقَوْلِهِ، أيْ: في قَوْلِهِ، أوْ في مَجِيئِهِ، فاجْتَمَعَ لَهُ الصِّفَتانِ مِنَ الصِّدْقِ: مِن صِدْقِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وصِدْقِهِ بِنَفْسِهِ، وذَلِكَ مُبالَغَةٌ في المَدْحِ. انْتَهى.
﴿لَهم ما يَشاءُونَ﴾: عامٌّ في كُلِّ ما تَشْتَهِيهِ أنْفُسُهم وتَتَعَلَّقُ بِهِ إرادَتُهم. و﴿لِيُكَفِّرَ﴾: مُتَعَلِّقٌ بِالمُحْسِنِينَ، أيِ: الَّذِينَ أحْسَنُوا لِيُكَفِّرَ، أوْ بِمَحْذُوفٍ، أيْ: يَسَّرَ ذَلِكَ لَهم لِيُكَفِّرَ؛ لِأنَّ التَّكْفِيرَ لا يَكُونُ إلّا بَعْدَ التَّيْسِيرِ لِلْخَيْرِ. و﴿أسْوَأ الَّذِي عَمِلُوا﴾: هو كُفْرُ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ ومَعاصِي أهْلِ الإسْلامِ. (p-٤٢٩)والتَّكْفِيرُ يَدُلُّ عَلى سُقُوطِ العِقابِ عَنْهم عَلى أكْمَلِ الوُجُوهِ، والجَزاءُ بِالأحْسَنِ يَدُلُّ عَلى حُصُولِ الثَّوابِ عَلى أكْمَلِ الوُجُوهِ، فَقِيلَ: ذَلِكَ يَكُونُ إذا صَدَّقُوا الأنْبِياءَ فِيما أتَوْا بِهِ. وقالَ مُقاتِلٌ: يَجْزِيهِمْ بِالمَحاسِنِ مِن أعْمالِهِمْ، ولا يَجْزِيهِمْ بِالمَساوِي، وهَذا قَوْلُ المُرْجِئَةِ، يَقُولُونَ: لا يَضُرُّ شَيْءٌ مِنَ المَعاصِي مَعَ الإيمانِ. واحْتَجَّ بِهَذِهِ الآيَةِ، وقامَ الظّاهِرُ مَقامَ المُضْمَرِ في المُحْسِنِينَ، أيْ: ذَلِكَ جَزاؤُهم، فَنَبَّهَ بِالظّاهِرِ عَلى العِلَّةِ المُقْتَضِيَةِ لِحُصُولِ الثَّوابِ. والظّاهِرُ أنَّ أسْوَأ أفْعَلُ تَفْضِيلٍ، وبِهِ قَرَأ الجُمْهُورُ: وإذا كَفَّرَ أسْوَأ أعْمالِهِمْ، فَتَكْفِيرُ ما هو دُونَهُ أحْرى. وقِيلَ: أفْعَلُ لَيْسَ لِلتَّفْضِيلِ، وهو كَقَوْلِكَ: الأشَجُّ أعْدَلُ بَنِي مَرْوانَ، أيْ: عادِلٌ، فَكَذَلِكَ هَذا، أيْ: سَيِّئُ الَّذِينَ عَمِلُوا.
ويَدُلُّ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ قِراءَةُ ابْنِ مِقْسَمٍ، وحامِدِ بْنِ يَحْيى، عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ: (أسْوَأ) هُنا؛ وفي (حم السَّجْدَةِ) بِألِفٍ بَيْنَ الواوِ والهَمْزَةِ، جَمْعُ سُوءٍ، ولا تَفْضِيلَ فِيهِ. والظّاهِرُ أنَّ ﴿بِأحْسَنِ﴾ أفْعَلُ تَفْضِيلٍ فَقِيلَ: لِيَنْظُرَ إلى أحْسَنِ طاعاتِهِ فَيُجْزى الباقِي في الجَزاءِ عَلى قِياسِهِ، وإنْ تَخَلَّفَ عَنْهُ بِالتَّقْصِيرِ. وقِيلَ: بِأحْسَنِ ثَوابِ أعْمالِهِمْ. وقِيلَ: بِأحْسَنِ مِن عَمَلِهِمْ، وهو الجَنَّةُ، وهَذا يَنْبُو عَنْهُ ﴿بِأحْسَنِ الَّذِي﴾ .
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أمّا التَّفْضِيلُ فَيُؤْذِنُ بِأنَّ الشَّيْءَ الَّذِي يَفْرُطُ مِنهم مِنَ الصَّغائِرِ والزَّلّاتِ المُكَفَّراتِ هو عِنْدَهُمُ الأسْوَأُ لِاسْتِعْظامِهِمُ المَعْصِيَةَ، والحَسَنُ الَّذِي يَعْمَلُونَ هو عِنْدَ اللَّهِ الأحْسَنُ لِحُسْنِ إخْلاصِهِمْ فِيهِ، فَلِذَلِكَ ذَكَرَ سَيِّئَهم بِالأسْوَأِ، وحَسَنَهم بِالأحْسَنِ. انْتَهى.
وهُوَ عَلى رَأْيِ المُعْتَزِلَةِ، ويَكُونُ قَدِ اسْتَعْمَلَ أسْوَأ في التَّفْضِيلِ عَلى مُعْتَقَدِهِمْ، وأحْسَنَ في التَّفْضِيلِ عَلى ما هو عِنْدَ اللَّهِ، وذَلِكَ تَوْزِيعٌ في أفْعَلِ التَّفْضِيلِ، وهو خِلافُ الظّاهِرِ.
قالَتْ قُرَيْشٌ: لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ مُحَمَّدٌ عَنْ تَعْيِيبِ آلِهَتِنا وتَعْيِيبِنا، لِنُسَلِّطَها عَلَيْهِ فَتُصِيبَهُ بِخَبَلٍ وتَعْتَرِيَهُ بِسُوءٍ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ﴾ أيْ: شَرَّ مَن يُرِيدُهُ بِشَرٍّ، والهَمْزَةُ الدّاخِلَةُ عَلى النَّفْيِ لِلتَّقْرِيرِ، أيْ: هو كافٍ عَبْدَهُ، وفي إضافَتِهِ إلَيْهِ تَشْرِيفٌ عَظِيمٌ لِنَبِيِّهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (عَبْدَهُ)، وهو رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: (عِبادَهُ) بِالجَمْعِ، أيِ: الأنْبِياءَ والمُطِيعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ.
﴿ويُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾: وهو الأصْنامُ. ولَمّا بَعَثَ خالِدًا إلى كَسْرِ العُزّى، قالَ لَهُ سادِنُها: إنِّي أخافُ عَلَيْكَ مِنها، فَلَها قُوَّةٌ لا يَقُومُ لَها شَيْءٌ. فَأخَذَ خالِدٌ الفَأْسَ، فَهَشَّمَ بِهِ وجْهَها ثُمَّ انْصَرَفَ. وفي قَوْلِهِ: ﴿ويُخَوِّفُونَكَ﴾، تَهَكُّمٌ بِهِمْ؛ لِأنَّهم خَوَّفُوهُ بِما لا يَقْدِرُ عَلى نَفْعٍ ولا ضَرَرٍ. ونَظِيرُ هَذا التَّخْوِيفِ قَوْلُ قَوْمِ هُودٍ لَهُ: ﴿إنْ نَقُولُ إلّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ﴾ [هود: ٥٤] . وقُرِئَ: (بِكافِي عَبْدِهِ) عَلى الإضافَةِ، (ويُكافِي عِبادَهُ) مُضارِعُ كَفى، ونُصِبَ (عِبادَهُ) فاحْتُمِلَ أنْ يَكُونَ مُفاعَلَةً مِنَ الكِفايَةِ، كَقَوْلِكَ: يُجازِي في يَجْزِي، وهو أبْلَغُ مِن كَفى، لِبِنائِهِ عَلى لَفْظِ المُبالِغَةِ، وهو الظّاهِرُ لِكَثْرَةِ تَرَدُّدِ هَذا المَعْنى في القُرْآنِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٣٧] . ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَهْمُوزًا مِنَ المُكافَأةِ، وهي المُجازاةُ، أيْ: يَجْزِيهِمْ أجْرَهم.
ولَمّا كانَ تَعالى كافِيَ عَبْدِهِ، كانَ التَّخْوِيفُ بِغَيْرِهِ عَبَثًا باطِلًا.
ولَمّا اشْتَمَلَتِ الآيَةُ عَلى مُهْتَدِينَ وضالِّينَ، أخْبَرَ أنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ هو فاعِلُهُ، ثُمَّ قالَ: ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ﴾ أيْ: غالِبٍ مَنِيعٍ، ﴿ذِي انْتِقامٍ﴾: وفِيهِ وعِيدٌ لِقُرَيْشٍ، ووَعْدٌ لِلْمُؤْمِنِينَ.
ولَمّا أقَرُّوا بِالصّانِعِ، وهو اللَّهُ، أخْبَرَهم أنَّهُ تَعالى هو المُتَصَرِّفُ في نَبِيِّهِ بِما أرادَ. فَإنَّ تِلْكَ الأصْنامَ الَّتِي يَدَّعُونَها آلِهَةً مِن دُونِهِ لا تَكْشِفُ ضُرًّا ولا تُمْسِكُ رَحْمَةً، أيْ: صِحَّةً وسَعَةً في الرِّزْقِ ونَحْوَ ذَلِكَ.
وأرَأيْتُمْ هُنا جارِيَةٌ عَلى وضْعِها، تَعَدَّتْ إلى مَفْعُولِها الأوَّلِ، وهو ما يَدْعُونَ. وجاءَ المَفْعُولُ الثّانِي جُمْلَةً اسْتِفْهامِيَّةً، وفِيها العائِدُ عَلى ما، وهو لَفْظُ هُنَّ وأُنِّثَ تَحْقِيرًا لَها وتَعْجِيزًا وتَضْعِيفًا. وكانَ فِيها مَن سُمِّي تَسْمِيَةَ الإناثِ، كالعُزّى ومَناةَ واللّاتَ.
وأضافَ إرادَةَ اللَّهِ الضُّرَّ إلى نَفْسِهِ والرَّحْمَةَ إلَيْها؛ لِأنَّهم خَوَّفُوهُ مَضَرَّتَها، فاسْتَسْلَفَ مِنهُمُ الإقْرارَ بِأنَّ خالِقَ العالَمِ هو اللَّهُ.
ثُمَّ اسْتَخْبَرَهم عَنْ أصْنامِهِمْ، هَلْ تَدْفَعُ شَرًّا (p-٤٣٠)وتَجْلِبُ خَيْرًا ؟ وقَرَأ الجُمْهُورُ: (كاشِفاتُ ومُمْسِكاتُ) عَلى الإضافَةِ؛ وشَيْبَةُ، والأعْرَجُ، وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ، وعِيسى: بِخِلافٍ عَنْهُ؛ وأبُو عَمْرٍو، وأبُو بَكْرٍ؛ بِتَنْوِينِهِما ونَصْبِ ما بَعْدَهُما.
ولَمّا تَقَرَّرَ أنَّهُ تَعالى كافِيهِ، وأنَّ أصْنامَهم لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ، أمْرَهُ تَعالى أنْ يَعْلَمَ أنَّهُ تَعالى هو حَسْبُهُ، أيْ: كافِيهِ. والجَوابُ في هَذا الِاسْتِخْبارِ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: فَإنَّهم سَيَقُولُونَ: لا تَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ. وقالَ مُقاتِلٌ: اسْتَخْبَرَهم فَسَكَتُوا.
﴿قُلْ ياقَوْمِ اعْمَلُوا﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظِيرِها.
الزمر 39:38
﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلى اللَّهِ وكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إذْ جاءَهُ ألَيْسَ في جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكافِرِينَ﴾ ﴿والَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾ ﴿لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزاءُ المُحْسِنِينَ﴾ ﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهم أسْوَأ الَّذِي عَمِلُوا ويَجْزِيَهم أجْرَهم بِأحْسَنِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ ويُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ ﴿ومَن يَهْدِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن مُضِلٍّ ألَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقامٍ﴾ ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أفَرَأيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إنْ أرادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ أوْ أرادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ المُتَوَكِّلُونَ﴾ ﴿قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكم إنِّي عامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ ويَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ ﴿إنّا أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ لِلنّاسِ بِالحَقِّ فَمَنِ اهْتَدى فَلِنَفْسِهِ ومَن ضَلَّ فَإنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ [الزمر: ٤١] ﴿اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها والَّتِي لَمْ تَمُتْ في مَنامِها فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْها المَوْتَ ويُرْسِلُ الأُخْرى إلى أجَلٍ مُسَمًّى إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الزمر: ٤٢] ﴿أمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعاءَ قُلْ أوَلَوْ كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا ولا يَعْقِلُونَ﴾ [الزمر: ٤٣] (p-٤٢٦)﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [الزمر: ٤٤] ﴿وإذا ذُكِرَ اللَّهُ وحْدَهُ اشْمَأزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وإذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ إذا هم يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [الزمر: ٤٥] ﴿قُلِ اللَّهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ والأرْضِ عالِمَ الغَيْبِ والشَّهادَةِ أنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ في ما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [الزمر: ٤٦] ﴿ولَوْ أنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ما في الأرْضِ جَمِيعًا ومِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ مِن سُوءِ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ وبَدا لَهم مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر: ٤٧] ﴿وبَدا لَهم سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الزمر: ٤٨] ﴿فَإذا مَسَّ الإنْسانَ ضُرٌّ دَعانا ثُمَّ إذا خَوَّلْناهُ نِعْمَةً مِنّا قالَ إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ بَلْ هي فِتْنَةٌ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٤٩] ﴿قَدْ قالَها الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الزمر: ٥٠] ﴿فَأصابَهم سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا والَّذِينَ ظَلَمُوا مِن هَؤُلاءِ سَيُصِيبُهم سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وما هم بِمُعْجِزِينَ﴾ [الزمر: ٥١] ﴿أوَلَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الزمر: ٥٢] ﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣] ﴿وأنِيبُوا إلى رَبِّكم وأسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَكُمُ العَذابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ [الزمر: ٥٤] ﴿واتَّبِعُوا أحْسَنَ ما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكم مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَكُمُ العَذابُ بَغْتَةً وأنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [الزمر: ٥٥] ﴿أنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتا عَلى ما فَرَّطْتُ في جَنْبِ اللَّهِ وإنْ كُنْتُ لَمِنَ السّاخِرِينَ﴾ [الزمر: ٥٦] ﴿أوْ تَقُولَ لَوْ أنَّ اللَّهَ هَدانِي لَكُنْتُ مِنَ المُتَّقِينَ﴾ [الزمر: ٥٧] ﴿أوْ تَقُولَ حِينَ تَرى العَذابَ لَوْ أنَّ لِي كَرَّةً فَأكُونَ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ [الزمر: ٥٨] ﴿بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي فَكَذَّبْتَ بِها واسْتَكْبَرْتَ وكُنْتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ [الزمر: ٥٩] ﴿ويَوْمَ القِيامَةِ تَرى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى اللَّهِ وُجُوهُهم مُسْوَدَّةٌ ألَيْسَ في جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [الزمر: ٦٠] ﴿ويُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفازَتِهِمْ لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ [الزمر: ٦١] ﴿اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ وكِيلٌ﴾ [الزمر: ٦٢] ﴿لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ والأرْضِ والَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ [الزمر: ٦٣] ﴿قُلْ أفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أعْبُدُ أيُّها الجاهِلُونَ﴾ [الزمر: ٦٤] ﴿ولَقَدْ أُوحِيَ إلَيْكَ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ولَتَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥] ﴿بَلِ اللَّهَ فاعْبُدْ وكُنْ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٦] ﴿وما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ والأرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيامَةِ والسَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر: ٦٧] ﴿ونُفِخَ في الصُّورِ فَصَعِقَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ إلّا مَن شاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإذا هم قِيامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر: ٦٨] ﴿وأشْرَقَتِ الأرْضُ بِنُورِ رَبِّها ووُضِعَ الكِتابُ وجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ والشُّهَداءِ وقُضِيَ بَيْنَهم بِالحَقِّ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٦٩] ﴿ووُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وهو أعْلَمُ بِما يَفْعَلُونَ﴾ [الزمر: ٧٠] ﴿وسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إلى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتّى إذا جاءُوها فُتِحَتْ أبْوابُها وقالَ لَهم خَزَنَتُها ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِنكم يَتْلُونَ عَلَيْكم آياتِ رَبِّكم ويُنْذِرُونَكم لِقاءَ يَوْمِكم هَذا قالُوا بَلى ولَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ العَذابِ عَلى الكافِرِينَ﴾ [الزمر: ٧١] ﴿قِيلَ ادْخُلُوا أبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوى المُتَكَبِّرِينَ﴾ [الزمر: ٧٢] ﴿وسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم إلى الجَنَّةِ زُمَرًا حَتّى إذا جاءُوها وفُتِحَتْ أبْوابُها وقالَ لَهم خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكم طِبْتُمْ فادْخُلُوها خالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣] ﴿وقالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وعْدَهُ وأوْرَثَنا الأرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ فَنِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ﴾ [الزمر: ٧٤] ﴿وتَرى المَلائِكَةَ حافِّينَ مِن حَوْلِ العَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وقُضِيَ بَيْنَهم بِالحَقِّ وقِيلَ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الزمر: ٧٥] .
اشْمَأزَّ، قالَ أبُو زَيْدٍ: زَعِرَ. قالَ غَيْرُهُ: تَقَبَّضَ كَراهَةً ونُفُورًا. قالَ الشّاعِرُ:
؎إذا عَضَّ الثِّقاتُ بِها اشْمَأزَّتْ ووَلَّتْهُ عَشَوْزَنَةً زَبُونا
المَقالِيدُ: المَفاتِيحُ، قِيلَ: لا واحِدَ لَها مِن لَفْظِها، قالَهُ التَّبْرِيزِيُّ. وقِيلَ: واحِدُها مِقْلِيدٌ، وقِيلَ: مِقْلادٌ، ويُقالُ: إقْلِيدٌ وأقالِيدُ، والكَلِمَةُ أصْلُها فارِسِيَّةٌ. الزُّمَرُ: جَمْعُ زُمْرَةٍ، قالَ أبُو عُبَيْدٍ، والأخْفَشُ: جَماعاتٌ مُتَفَرِّقَةٌ، (p-٤٢٧)بَعْضُها إثْرَ بَعْضٍ. قالَ:
حَتّى احْزَألَّتْ زُمَرٌ بَعْدَ زُمَرْ
ويُقالُ: تَزَمَّرَ. والحُفُوفُ: الإحْداقُ بِالشَّيْءِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎تَحُفُّهُ جانِبٌ ضَيْقٌ ويَتْبَعُهُ ∗∗∗ مِثْلُ الزُّجاجَةِ لَمْ يُكْحَلْ مِنَ الرَّمَدِ
وهَذِهِ اللَّفْظَةُ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الحَفافِ، وهو الجانِبُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎لَهُ لَحَظاتٌ عَنْ حَفافِي سَرِيرِهِ إذا كَرَّها فِيها عِقابٌ ونائِلُ
﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلى اللَّهِ وكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إذْ جاءَهُ ألَيْسَ في جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكافِرِينَ﴾ ﴿والَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾ ﴿لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزاءُ المُحْسِنِينَ﴾ ﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهم أسْوَأ الَّذِي عَمِلُوا ويَجْزِيَهم أجْرَهم بِأحْسَنِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ ويُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ ﴿ومَن يَهْدِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن مُضِلٍّ ألَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقامٍ﴾ ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أفَرَأيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إنْ أرادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ أوْ أرادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ المُتَوَكِّلُونَ﴾ ﴿قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكم إنِّي عامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ ويَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ .
﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلى اللَّهِ﴾: هَذا تَفْسِيرٌ وبَيانٌ لِلَّذِينِ يَكُونُ بَيْنَهُمُ الخُصُومَةُ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الِاخْتِصامَ السّابِقَ يَكُونُ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ، والمَعْنى: لا أجِدُ في المُكَذِّبِينَ أظْلَمَ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ، فَنَسَبَ إلَيْهِ الوَلَدَ والصّاحِبَةَ (p-٤٢٨)والشَّرِيكَ، وحَرَّمَ وحَلَّلَ مِن غَيْرِ أمْرِ اللَّهِ.
﴿وكَذَّبَ بِالصِّدْقِ﴾: وهو ما جاءَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؛ (إذْ جاءَهُ) أيْ: وقْتُ مَجِيئِهِ، فاجَأهُ بِالتَّكْذِيبِ مِن غَيْرِ فِكْرٍ ولا ارْتِياءٍ ولا نَظَرٍ، بَلْ وقْتَ مَجِيئِهِ كَذَّبَ بِهِ.
ثُمَّ تَوَعَّدَهم تَوَعُّدًا فِيهِ احْتِقارُهم عَلى جِهَةِ التَّوْقِيفِ، ولِلْكافِرِينَ مِمّا قامَ فِيهِ الظّاهِرُ مَقامَ المُضْمَرِ، أيْ: مَثْوًى لَهم، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى عِلَّةِ كَذِبِهِمْ وتَكْذِيبِهِمْ، وهو الكُفْرُ.
﴿والَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ﴾ مُعادِلٌ لِقَوْلِهِ: (فَمَن أظْلَمُ) .
﴿وصَدَّقَ بِهِ﴾ مُقابِلٌ لِقَوْلِهِ: ﴿وكَذَّبَ بِالصِّدْقِ﴾ . (والَّذِي) جَنْسٌ، كَأنَّهُ قالَ: والفَرِيقُ الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾، فَجَمَعَ. كَما أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: (فَمَن أظْلَمُ)، يُرادُ بِهِ جَمْعٌ، ولِذَلِكَ قالَ (مَثْوًى لِلْكافِرِينَ) .
وفِي قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ: (والَّذِي جاءُوا بِالصِّدْقِ وصَدَّقُوا بِهِ) . وقِيلَ: أرادَ والَّذِينَ، فَحُذِفَتْ مِنهُ النُّونَ، وهَذا لَيْسَ بِصَحِيحٍ، إذْ لَوْ أُرِيدَ الَّذِينَ بِلَفْظِ الَّذِي وحُذِفَتْ مِنهُ النُّونُ، لَكانَ الضَّمِيرُ مَجْمُوعًا كَقَوْلِهِ:
؎وإنَّ الَّذِي حانَتْ بِفَلْحِ دِماؤُهُمْ
ألا تَرى أنَّهُ إذا حُذِفَتِ النُّونُ في المُثَنّى كانَ الضَّمِيرُ مُثَنًّى ؟ كَقَوْلِهِ:
؎أبَنِي كُلَيْبٍ أنَّ عَمَّيَّ اللَّذا ∗∗∗ قَتَلا المُلُوكَ وفَكَّكا الأغْلالا
وقِيلَ: الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وصَدَّقَ بِهِ هو رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .
وقِيلَ: الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ جِبْرِيلُ، والَّذِي صَدَّقَ بِهِ هو مُحَمَّدٌ ﷺ .
وقالَ عَلِيٌّ، وأبُو العالِيَةِ، والكَلْبِيُّ، وجَماعَةٌ: الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ هو الرَّسُولُ، والَّذِي صَدَّقَ بِهِ هو أبُو بَكْرٍ.
وقالَ أبُو الأسْوَدِ، ومُجاهِدٌ، وجَماعَةٌ: الَّذِي صَدَّقَ بِهِ وهو عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وصَدَّقَ بِهِ هو رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جاءَ بِالصِّدْقِ وآمَنَ بِهِ، وأرادَ بِهِ إيّاهُ ومَن تَبِعَهُ، كَما أرادَ بِمُوسى إيّاهُ وقَوْمَهُ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ لَعَلَّهم يَهْتَدُونَ﴾ [المؤمنون: ٤٩]، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾، إلّا أنَّ هَذا في الصِّفَةِ، وذَلِكَ في الِاسْمِ.
ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ: والفَوْجُ والفَرِيقُ الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وصَدَّقَ بِهِ، وهو الرَّسُولُ الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ، وصَحابَتُهُ الَّذِينَ صَدَّقُوا بِهِ. انْتَهى.
وقَوْلُهُ: وأرادَ بِهِ إيّاهُ ومَن تَبِعَهُ، كَما أرادَ بِمُوسى إيّاهُ وقَوْمَهُ. اسْتَعْمَلَ الضَّمِيرَ المُنْفَصِلَ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ، وإنَّما هو مُتَّصِلٌ، فَإصْلاحُهُ: وأرادَهُ بِهِ ومَن تَبِعَهُ، كَما أرادَهُ بِمُوسى وقَوْمِهِ أيْ: لَعَلَّ قَوْمَهُ يَهْتَدُونَ، إذْ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مُهْتَدٍ. فالمُتَرَجّى هِدايَةُ قَوْمِهِ، لا هِدايَتُهُ، إذْ لا يُتَرَجّى إلّا ما كانَ مَفْقُودًا لا مَوْجُودًا.
وقَوْلُهُ: ويَجُوزُ إلَخْ، فِيهِ تَوْزِيعُ الصِّلَةِ، والفَوْجُ هو المَوْصُولُ، فَهو كَقَوْلِهِ: جاءَ الفَرِيقُ الَّذِي شَرُفَ وشَرَّفَ. والأظْهَرُ عَدَمُ التَّوْزِيعِ، بَلِ المَعْطُوفُ عَلى الصِّلَةِ، صِلَةٌ لِمَن لَهُ الصِّلَةُ الأُولى.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: (وصَدَّقَ) مُشَدَّدًا، وأبُو صالِحٍ، وعِكْرِمَةُ بْنُ سُلَيْمانَ، ومُحَمَّدُ بْنُ جُحازَةَ: مُخَفَّفًا. قالَ أبُو صالِحٍ: وعَمِلَ بِهِ.
وقِيلَ: اسْتَحَقَّ بِهِ اسْمَ الصِّدْقِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: فَعَلى هَذا إسْنادُ الأفْعالِ كُلِّها إلى مُحَمَّدٍ ﷺ، وكَأنَّ أُمَّتَهُ في ضِمْنِ القَوْلِ، وهو الَّذِي يَحْسُنُ ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾ . انْتَهى.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ أيْ: صَدَقَ بِهِ النّاسَ، ولَمْ يَكْذِبْهم بِهِ، يَعْنِي: أدّاهُ إلَيْهِمْ، كَما نَزَلَ عَلَيْهِ مِن غَيْرِ تَحْرِيفٍ. وقِيلَ: مَعْناهُ: وصارَ صادِقًا بِهِ، أيْ: بِسَبَبِهِ؛ لِأنَّ القُرْآنَ مُعْجِزَةٌ، والمُعْجِزَةُ تَصْدِيقٌ مِنَ الحَكِيمِ الَّذِي لا يَفْعَلُ القَبِيحَ لِمَن يُجْرِيها عَلى يَدَيْهِ، ولا يَجُوزُ أنْ يُصَدَّقَ إلّا الصّادِقُ، فَيَصِيرُ لِذَلِكَ صادِقًا بِالمُعْجِزَةِ.
وقُرِئَ: ﴿وصَدَّقَ بِهِ﴾ . انْتَهى. يَعْنِي: مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مُشَدَّدًا. وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: جاءَ بِالصِّدْقِ مِن عِنْدِ اللَّهِ وصَدَّقَ بِقَوْلِهِ، أيْ: في قَوْلِهِ، أوْ في مَجِيئِهِ، فاجْتَمَعَ لَهُ الصِّفَتانِ مِنَ الصِّدْقِ: مِن صِدْقِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وصِدْقِهِ بِنَفْسِهِ، وذَلِكَ مُبالَغَةٌ في المَدْحِ. انْتَهى.
﴿لَهم ما يَشاءُونَ﴾: عامٌّ في كُلِّ ما تَشْتَهِيهِ أنْفُسُهم وتَتَعَلَّقُ بِهِ إرادَتُهم. و﴿لِيُكَفِّرَ﴾: مُتَعَلِّقٌ بِالمُحْسِنِينَ، أيِ: الَّذِينَ أحْسَنُوا لِيُكَفِّرَ، أوْ بِمَحْذُوفٍ، أيْ: يَسَّرَ ذَلِكَ لَهم لِيُكَفِّرَ؛ لِأنَّ التَّكْفِيرَ لا يَكُونُ إلّا بَعْدَ التَّيْسِيرِ لِلْخَيْرِ. و﴿أسْوَأ الَّذِي عَمِلُوا﴾: هو كُفْرُ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ ومَعاصِي أهْلِ الإسْلامِ. (p-٤٢٩)والتَّكْفِيرُ يَدُلُّ عَلى سُقُوطِ العِقابِ عَنْهم عَلى أكْمَلِ الوُجُوهِ، والجَزاءُ بِالأحْسَنِ يَدُلُّ عَلى حُصُولِ الثَّوابِ عَلى أكْمَلِ الوُجُوهِ، فَقِيلَ: ذَلِكَ يَكُونُ إذا صَدَّقُوا الأنْبِياءَ فِيما أتَوْا بِهِ. وقالَ مُقاتِلٌ: يَجْزِيهِمْ بِالمَحاسِنِ مِن أعْمالِهِمْ، ولا يَجْزِيهِمْ بِالمَساوِي، وهَذا قَوْلُ المُرْجِئَةِ، يَقُولُونَ: لا يَضُرُّ شَيْءٌ مِنَ المَعاصِي مَعَ الإيمانِ. واحْتَجَّ بِهَذِهِ الآيَةِ، وقامَ الظّاهِرُ مَقامَ المُضْمَرِ في المُحْسِنِينَ، أيْ: ذَلِكَ جَزاؤُهم، فَنَبَّهَ بِالظّاهِرِ عَلى العِلَّةِ المُقْتَضِيَةِ لِحُصُولِ الثَّوابِ. والظّاهِرُ أنَّ أسْوَأ أفْعَلُ تَفْضِيلٍ، وبِهِ قَرَأ الجُمْهُورُ: وإذا كَفَّرَ أسْوَأ أعْمالِهِمْ، فَتَكْفِيرُ ما هو دُونَهُ أحْرى. وقِيلَ: أفْعَلُ لَيْسَ لِلتَّفْضِيلِ، وهو كَقَوْلِكَ: الأشَجُّ أعْدَلُ بَنِي مَرْوانَ، أيْ: عادِلٌ، فَكَذَلِكَ هَذا، أيْ: سَيِّئُ الَّذِينَ عَمِلُوا.
ويَدُلُّ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ قِراءَةُ ابْنِ مِقْسَمٍ، وحامِدِ بْنِ يَحْيى، عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ: (أسْوَأ) هُنا؛ وفي (حم السَّجْدَةِ) بِألِفٍ بَيْنَ الواوِ والهَمْزَةِ، جَمْعُ سُوءٍ، ولا تَفْضِيلَ فِيهِ. والظّاهِرُ أنَّ ﴿بِأحْسَنِ﴾ أفْعَلُ تَفْضِيلٍ فَقِيلَ: لِيَنْظُرَ إلى أحْسَنِ طاعاتِهِ فَيُجْزى الباقِي في الجَزاءِ عَلى قِياسِهِ، وإنْ تَخَلَّفَ عَنْهُ بِالتَّقْصِيرِ. وقِيلَ: بِأحْسَنِ ثَوابِ أعْمالِهِمْ. وقِيلَ: بِأحْسَنِ مِن عَمَلِهِمْ، وهو الجَنَّةُ، وهَذا يَنْبُو عَنْهُ ﴿بِأحْسَنِ الَّذِي﴾ .
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أمّا التَّفْضِيلُ فَيُؤْذِنُ بِأنَّ الشَّيْءَ الَّذِي يَفْرُطُ مِنهم مِنَ الصَّغائِرِ والزَّلّاتِ المُكَفَّراتِ هو عِنْدَهُمُ الأسْوَأُ لِاسْتِعْظامِهِمُ المَعْصِيَةَ، والحَسَنُ الَّذِي يَعْمَلُونَ هو عِنْدَ اللَّهِ الأحْسَنُ لِحُسْنِ إخْلاصِهِمْ فِيهِ، فَلِذَلِكَ ذَكَرَ سَيِّئَهم بِالأسْوَأِ، وحَسَنَهم بِالأحْسَنِ. انْتَهى.
وهُوَ عَلى رَأْيِ المُعْتَزِلَةِ، ويَكُونُ قَدِ اسْتَعْمَلَ أسْوَأ في التَّفْضِيلِ عَلى مُعْتَقَدِهِمْ، وأحْسَنَ في التَّفْضِيلِ عَلى ما هو عِنْدَ اللَّهِ، وذَلِكَ تَوْزِيعٌ في أفْعَلِ التَّفْضِيلِ، وهو خِلافُ الظّاهِرِ.
قالَتْ قُرَيْشٌ: لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ مُحَمَّدٌ عَنْ تَعْيِيبِ آلِهَتِنا وتَعْيِيبِنا، لِنُسَلِّطَها عَلَيْهِ فَتُصِيبَهُ بِخَبَلٍ وتَعْتَرِيَهُ بِسُوءٍ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ﴾ أيْ: شَرَّ مَن يُرِيدُهُ بِشَرٍّ، والهَمْزَةُ الدّاخِلَةُ عَلى النَّفْيِ لِلتَّقْرِيرِ، أيْ: هو كافٍ عَبْدَهُ، وفي إضافَتِهِ إلَيْهِ تَشْرِيفٌ عَظِيمٌ لِنَبِيِّهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (عَبْدَهُ)، وهو رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: (عِبادَهُ) بِالجَمْعِ، أيِ: الأنْبِياءَ والمُطِيعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ.
﴿ويُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾: وهو الأصْنامُ. ولَمّا بَعَثَ خالِدًا إلى كَسْرِ العُزّى، قالَ لَهُ سادِنُها: إنِّي أخافُ عَلَيْكَ مِنها، فَلَها قُوَّةٌ لا يَقُومُ لَها شَيْءٌ. فَأخَذَ خالِدٌ الفَأْسَ، فَهَشَّمَ بِهِ وجْهَها ثُمَّ انْصَرَفَ. وفي قَوْلِهِ: ﴿ويُخَوِّفُونَكَ﴾، تَهَكُّمٌ بِهِمْ؛ لِأنَّهم خَوَّفُوهُ بِما لا يَقْدِرُ عَلى نَفْعٍ ولا ضَرَرٍ. ونَظِيرُ هَذا التَّخْوِيفِ قَوْلُ قَوْمِ هُودٍ لَهُ: ﴿إنْ نَقُولُ إلّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ﴾ [هود: ٥٤] . وقُرِئَ: (بِكافِي عَبْدِهِ) عَلى الإضافَةِ، (ويُكافِي عِبادَهُ) مُضارِعُ كَفى، ونُصِبَ (عِبادَهُ) فاحْتُمِلَ أنْ يَكُونَ مُفاعَلَةً مِنَ الكِفايَةِ، كَقَوْلِكَ: يُجازِي في يَجْزِي، وهو أبْلَغُ مِن كَفى، لِبِنائِهِ عَلى لَفْظِ المُبالِغَةِ، وهو الظّاهِرُ لِكَثْرَةِ تَرَدُّدِ هَذا المَعْنى في القُرْآنِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٣٧] . ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَهْمُوزًا مِنَ المُكافَأةِ، وهي المُجازاةُ، أيْ: يَجْزِيهِمْ أجْرَهم.
ولَمّا كانَ تَعالى كافِيَ عَبْدِهِ، كانَ التَّخْوِيفُ بِغَيْرِهِ عَبَثًا باطِلًا.
ولَمّا اشْتَمَلَتِ الآيَةُ عَلى مُهْتَدِينَ وضالِّينَ، أخْبَرَ أنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ هو فاعِلُهُ، ثُمَّ قالَ: ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ﴾ أيْ: غالِبٍ مَنِيعٍ، ﴿ذِي انْتِقامٍ﴾: وفِيهِ وعِيدٌ لِقُرَيْشٍ، ووَعْدٌ لِلْمُؤْمِنِينَ.
ولَمّا أقَرُّوا بِالصّانِعِ، وهو اللَّهُ، أخْبَرَهم أنَّهُ تَعالى هو المُتَصَرِّفُ في نَبِيِّهِ بِما أرادَ. فَإنَّ تِلْكَ الأصْنامَ الَّتِي يَدَّعُونَها آلِهَةً مِن دُونِهِ لا تَكْشِفُ ضُرًّا ولا تُمْسِكُ رَحْمَةً، أيْ: صِحَّةً وسَعَةً في الرِّزْقِ ونَحْوَ ذَلِكَ.
وأرَأيْتُمْ هُنا جارِيَةٌ عَلى وضْعِها، تَعَدَّتْ إلى مَفْعُولِها الأوَّلِ، وهو ما يَدْعُونَ. وجاءَ المَفْعُولُ الثّانِي جُمْلَةً اسْتِفْهامِيَّةً، وفِيها العائِدُ عَلى ما، وهو لَفْظُ هُنَّ وأُنِّثَ تَحْقِيرًا لَها وتَعْجِيزًا وتَضْعِيفًا. وكانَ فِيها مَن سُمِّي تَسْمِيَةَ الإناثِ، كالعُزّى ومَناةَ واللّاتَ.
وأضافَ إرادَةَ اللَّهِ الضُّرَّ إلى نَفْسِهِ والرَّحْمَةَ إلَيْها؛ لِأنَّهم خَوَّفُوهُ مَضَرَّتَها، فاسْتَسْلَفَ مِنهُمُ الإقْرارَ بِأنَّ خالِقَ العالَمِ هو اللَّهُ.
ثُمَّ اسْتَخْبَرَهم عَنْ أصْنامِهِمْ، هَلْ تَدْفَعُ شَرًّا (p-٤٣٠)وتَجْلِبُ خَيْرًا ؟ وقَرَأ الجُمْهُورُ: (كاشِفاتُ ومُمْسِكاتُ) عَلى الإضافَةِ؛ وشَيْبَةُ، والأعْرَجُ، وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ، وعِيسى: بِخِلافٍ عَنْهُ؛ وأبُو عَمْرٍو، وأبُو بَكْرٍ؛ بِتَنْوِينِهِما ونَصْبِ ما بَعْدَهُما.
ولَمّا تَقَرَّرَ أنَّهُ تَعالى كافِيهِ، وأنَّ أصْنامَهم لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ، أمْرَهُ تَعالى أنْ يَعْلَمَ أنَّهُ تَعالى هو حَسْبُهُ، أيْ: كافِيهِ. والجَوابُ في هَذا الِاسْتِخْبارِ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: فَإنَّهم سَيَقُولُونَ: لا تَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ. وقالَ مُقاتِلٌ: اسْتَخْبَرَهم فَسَكَتُوا.
﴿قُلْ ياقَوْمِ اعْمَلُوا﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظِيرِها.
الزمر 39:39
﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلى اللَّهِ وكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إذْ جاءَهُ ألَيْسَ في جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكافِرِينَ﴾ ﴿والَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾ ﴿لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزاءُ المُحْسِنِينَ﴾ ﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهم أسْوَأ الَّذِي عَمِلُوا ويَجْزِيَهم أجْرَهم بِأحْسَنِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ ويُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ ﴿ومَن يَهْدِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن مُضِلٍّ ألَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقامٍ﴾ ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أفَرَأيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إنْ أرادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ أوْ أرادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ المُتَوَكِّلُونَ﴾ ﴿قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكم إنِّي عامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ ويَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ ﴿إنّا أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ لِلنّاسِ بِالحَقِّ فَمَنِ اهْتَدى فَلِنَفْسِهِ ومَن ضَلَّ فَإنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ [الزمر: ٤١] ﴿اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها والَّتِي لَمْ تَمُتْ في مَنامِها فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْها المَوْتَ ويُرْسِلُ الأُخْرى إلى أجَلٍ مُسَمًّى إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الزمر: ٤٢] ﴿أمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعاءَ قُلْ أوَلَوْ كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا ولا يَعْقِلُونَ﴾ [الزمر: ٤٣] (p-٤٢٦)﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [الزمر: ٤٤] ﴿وإذا ذُكِرَ اللَّهُ وحْدَهُ اشْمَأزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وإذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ إذا هم يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [الزمر: ٤٥] ﴿قُلِ اللَّهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ والأرْضِ عالِمَ الغَيْبِ والشَّهادَةِ أنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ في ما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [الزمر: ٤٦] ﴿ولَوْ أنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ما في الأرْضِ جَمِيعًا ومِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ مِن سُوءِ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ وبَدا لَهم مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر: ٤٧] ﴿وبَدا لَهم سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الزمر: ٤٨] ﴿فَإذا مَسَّ الإنْسانَ ضُرٌّ دَعانا ثُمَّ إذا خَوَّلْناهُ نِعْمَةً مِنّا قالَ إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ بَلْ هي فِتْنَةٌ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٤٩] ﴿قَدْ قالَها الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الزمر: ٥٠] ﴿فَأصابَهم سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا والَّذِينَ ظَلَمُوا مِن هَؤُلاءِ سَيُصِيبُهم سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وما هم بِمُعْجِزِينَ﴾ [الزمر: ٥١] ﴿أوَلَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الزمر: ٥٢] ﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣] ﴿وأنِيبُوا إلى رَبِّكم وأسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَكُمُ العَذابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ [الزمر: ٥٤] ﴿واتَّبِعُوا أحْسَنَ ما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكم مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَكُمُ العَذابُ بَغْتَةً وأنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [الزمر: ٥٥] ﴿أنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتا عَلى ما فَرَّطْتُ في جَنْبِ اللَّهِ وإنْ كُنْتُ لَمِنَ السّاخِرِينَ﴾ [الزمر: ٥٦] ﴿أوْ تَقُولَ لَوْ أنَّ اللَّهَ هَدانِي لَكُنْتُ مِنَ المُتَّقِينَ﴾ [الزمر: ٥٧] ﴿أوْ تَقُولَ حِينَ تَرى العَذابَ لَوْ أنَّ لِي كَرَّةً فَأكُونَ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ [الزمر: ٥٨] ﴿بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي فَكَذَّبْتَ بِها واسْتَكْبَرْتَ وكُنْتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ [الزمر: ٥٩] ﴿ويَوْمَ القِيامَةِ تَرى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى اللَّهِ وُجُوهُهم مُسْوَدَّةٌ ألَيْسَ في جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [الزمر: ٦٠] ﴿ويُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفازَتِهِمْ لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ [الزمر: ٦١] ﴿اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ وكِيلٌ﴾ [الزمر: ٦٢] ﴿لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ والأرْضِ والَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ [الزمر: ٦٣] ﴿قُلْ أفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أعْبُدُ أيُّها الجاهِلُونَ﴾ [الزمر: ٦٤] ﴿ولَقَدْ أُوحِيَ إلَيْكَ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ولَتَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥] ﴿بَلِ اللَّهَ فاعْبُدْ وكُنْ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٦] ﴿وما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ والأرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيامَةِ والسَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر: ٦٧] ﴿ونُفِخَ في الصُّورِ فَصَعِقَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ إلّا مَن شاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإذا هم قِيامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر: ٦٨] ﴿وأشْرَقَتِ الأرْضُ بِنُورِ رَبِّها ووُضِعَ الكِتابُ وجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ والشُّهَداءِ وقُضِيَ بَيْنَهم بِالحَقِّ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٦٩] ﴿ووُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وهو أعْلَمُ بِما يَفْعَلُونَ﴾ [الزمر: ٧٠] ﴿وسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إلى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتّى إذا جاءُوها فُتِحَتْ أبْوابُها وقالَ لَهم خَزَنَتُها ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِنكم يَتْلُونَ عَلَيْكم آياتِ رَبِّكم ويُنْذِرُونَكم لِقاءَ يَوْمِكم هَذا قالُوا بَلى ولَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ العَذابِ عَلى الكافِرِينَ﴾ [الزمر: ٧١] ﴿قِيلَ ادْخُلُوا أبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوى المُتَكَبِّرِينَ﴾ [الزمر: ٧٢] ﴿وسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم إلى الجَنَّةِ زُمَرًا حَتّى إذا جاءُوها وفُتِحَتْ أبْوابُها وقالَ لَهم خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكم طِبْتُمْ فادْخُلُوها خالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣] ﴿وقالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وعْدَهُ وأوْرَثَنا الأرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ فَنِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ﴾ [الزمر: ٧٤] ﴿وتَرى المَلائِكَةَ حافِّينَ مِن حَوْلِ العَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وقُضِيَ بَيْنَهم بِالحَقِّ وقِيلَ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الزمر: ٧٥] .
اشْمَأزَّ، قالَ أبُو زَيْدٍ: زَعِرَ. قالَ غَيْرُهُ: تَقَبَّضَ كَراهَةً ونُفُورًا. قالَ الشّاعِرُ:
؎إذا عَضَّ الثِّقاتُ بِها اشْمَأزَّتْ ووَلَّتْهُ عَشَوْزَنَةً زَبُونا
المَقالِيدُ: المَفاتِيحُ، قِيلَ: لا واحِدَ لَها مِن لَفْظِها، قالَهُ التَّبْرِيزِيُّ. وقِيلَ: واحِدُها مِقْلِيدٌ، وقِيلَ: مِقْلادٌ، ويُقالُ: إقْلِيدٌ وأقالِيدُ، والكَلِمَةُ أصْلُها فارِسِيَّةٌ. الزُّمَرُ: جَمْعُ زُمْرَةٍ، قالَ أبُو عُبَيْدٍ، والأخْفَشُ: جَماعاتٌ مُتَفَرِّقَةٌ، (p-٤٢٧)بَعْضُها إثْرَ بَعْضٍ. قالَ:
حَتّى احْزَألَّتْ زُمَرٌ بَعْدَ زُمَرْ
ويُقالُ: تَزَمَّرَ. والحُفُوفُ: الإحْداقُ بِالشَّيْءِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎تَحُفُّهُ جانِبٌ ضَيْقٌ ويَتْبَعُهُ ∗∗∗ مِثْلُ الزُّجاجَةِ لَمْ يُكْحَلْ مِنَ الرَّمَدِ
وهَذِهِ اللَّفْظَةُ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الحَفافِ، وهو الجانِبُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎لَهُ لَحَظاتٌ عَنْ حَفافِي سَرِيرِهِ إذا كَرَّها فِيها عِقابٌ ونائِلُ
﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلى اللَّهِ وكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إذْ جاءَهُ ألَيْسَ في جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكافِرِينَ﴾ ﴿والَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾ ﴿لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزاءُ المُحْسِنِينَ﴾ ﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهم أسْوَأ الَّذِي عَمِلُوا ويَجْزِيَهم أجْرَهم بِأحْسَنِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ ويُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ ﴿ومَن يَهْدِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن مُضِلٍّ ألَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقامٍ﴾ ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أفَرَأيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إنْ أرادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ أوْ أرادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ المُتَوَكِّلُونَ﴾ ﴿قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكم إنِّي عامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ ويَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ .
﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلى اللَّهِ﴾: هَذا تَفْسِيرٌ وبَيانٌ لِلَّذِينِ يَكُونُ بَيْنَهُمُ الخُصُومَةُ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الِاخْتِصامَ السّابِقَ يَكُونُ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ، والمَعْنى: لا أجِدُ في المُكَذِّبِينَ أظْلَمَ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ، فَنَسَبَ إلَيْهِ الوَلَدَ والصّاحِبَةَ (p-٤٢٨)والشَّرِيكَ، وحَرَّمَ وحَلَّلَ مِن غَيْرِ أمْرِ اللَّهِ.
﴿وكَذَّبَ بِالصِّدْقِ﴾: وهو ما جاءَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؛ (إذْ جاءَهُ) أيْ: وقْتُ مَجِيئِهِ، فاجَأهُ بِالتَّكْذِيبِ مِن غَيْرِ فِكْرٍ ولا ارْتِياءٍ ولا نَظَرٍ، بَلْ وقْتَ مَجِيئِهِ كَذَّبَ بِهِ.
ثُمَّ تَوَعَّدَهم تَوَعُّدًا فِيهِ احْتِقارُهم عَلى جِهَةِ التَّوْقِيفِ، ولِلْكافِرِينَ مِمّا قامَ فِيهِ الظّاهِرُ مَقامَ المُضْمَرِ، أيْ: مَثْوًى لَهم، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى عِلَّةِ كَذِبِهِمْ وتَكْذِيبِهِمْ، وهو الكُفْرُ.
﴿والَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ﴾ مُعادِلٌ لِقَوْلِهِ: (فَمَن أظْلَمُ) .
﴿وصَدَّقَ بِهِ﴾ مُقابِلٌ لِقَوْلِهِ: ﴿وكَذَّبَ بِالصِّدْقِ﴾ . (والَّذِي) جَنْسٌ، كَأنَّهُ قالَ: والفَرِيقُ الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾، فَجَمَعَ. كَما أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: (فَمَن أظْلَمُ)، يُرادُ بِهِ جَمْعٌ، ولِذَلِكَ قالَ (مَثْوًى لِلْكافِرِينَ) .
وفِي قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ: (والَّذِي جاءُوا بِالصِّدْقِ وصَدَّقُوا بِهِ) . وقِيلَ: أرادَ والَّذِينَ، فَحُذِفَتْ مِنهُ النُّونَ، وهَذا لَيْسَ بِصَحِيحٍ، إذْ لَوْ أُرِيدَ الَّذِينَ بِلَفْظِ الَّذِي وحُذِفَتْ مِنهُ النُّونُ، لَكانَ الضَّمِيرُ مَجْمُوعًا كَقَوْلِهِ:
؎وإنَّ الَّذِي حانَتْ بِفَلْحِ دِماؤُهُمْ
ألا تَرى أنَّهُ إذا حُذِفَتِ النُّونُ في المُثَنّى كانَ الضَّمِيرُ مُثَنًّى ؟ كَقَوْلِهِ:
؎أبَنِي كُلَيْبٍ أنَّ عَمَّيَّ اللَّذا ∗∗∗ قَتَلا المُلُوكَ وفَكَّكا الأغْلالا
وقِيلَ: الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وصَدَّقَ بِهِ هو رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .
وقِيلَ: الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ جِبْرِيلُ، والَّذِي صَدَّقَ بِهِ هو مُحَمَّدٌ ﷺ .
وقالَ عَلِيٌّ، وأبُو العالِيَةِ، والكَلْبِيُّ، وجَماعَةٌ: الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ هو الرَّسُولُ، والَّذِي صَدَّقَ بِهِ هو أبُو بَكْرٍ.
وقالَ أبُو الأسْوَدِ، ومُجاهِدٌ، وجَماعَةٌ: الَّذِي صَدَّقَ بِهِ وهو عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وصَدَّقَ بِهِ هو رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جاءَ بِالصِّدْقِ وآمَنَ بِهِ، وأرادَ بِهِ إيّاهُ ومَن تَبِعَهُ، كَما أرادَ بِمُوسى إيّاهُ وقَوْمَهُ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ لَعَلَّهم يَهْتَدُونَ﴾ [المؤمنون: ٤٩]، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾، إلّا أنَّ هَذا في الصِّفَةِ، وذَلِكَ في الِاسْمِ.
ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ: والفَوْجُ والفَرِيقُ الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وصَدَّقَ بِهِ، وهو الرَّسُولُ الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ، وصَحابَتُهُ الَّذِينَ صَدَّقُوا بِهِ. انْتَهى.
وقَوْلُهُ: وأرادَ بِهِ إيّاهُ ومَن تَبِعَهُ، كَما أرادَ بِمُوسى إيّاهُ وقَوْمَهُ. اسْتَعْمَلَ الضَّمِيرَ المُنْفَصِلَ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ، وإنَّما هو مُتَّصِلٌ، فَإصْلاحُهُ: وأرادَهُ بِهِ ومَن تَبِعَهُ، كَما أرادَهُ بِمُوسى وقَوْمِهِ أيْ: لَعَلَّ قَوْمَهُ يَهْتَدُونَ، إذْ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مُهْتَدٍ. فالمُتَرَجّى هِدايَةُ قَوْمِهِ، لا هِدايَتُهُ، إذْ لا يُتَرَجّى إلّا ما كانَ مَفْقُودًا لا مَوْجُودًا.
وقَوْلُهُ: ويَجُوزُ إلَخْ، فِيهِ تَوْزِيعُ الصِّلَةِ، والفَوْجُ هو المَوْصُولُ، فَهو كَقَوْلِهِ: جاءَ الفَرِيقُ الَّذِي شَرُفَ وشَرَّفَ. والأظْهَرُ عَدَمُ التَّوْزِيعِ، بَلِ المَعْطُوفُ عَلى الصِّلَةِ، صِلَةٌ لِمَن لَهُ الصِّلَةُ الأُولى.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: (وصَدَّقَ) مُشَدَّدًا، وأبُو صالِحٍ، وعِكْرِمَةُ بْنُ سُلَيْمانَ، ومُحَمَّدُ بْنُ جُحازَةَ: مُخَفَّفًا. قالَ أبُو صالِحٍ: وعَمِلَ بِهِ.
وقِيلَ: اسْتَحَقَّ بِهِ اسْمَ الصِّدْقِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: فَعَلى هَذا إسْنادُ الأفْعالِ كُلِّها إلى مُحَمَّدٍ ﷺ، وكَأنَّ أُمَّتَهُ في ضِمْنِ القَوْلِ، وهو الَّذِي يَحْسُنُ ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾ . انْتَهى.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ أيْ: صَدَقَ بِهِ النّاسَ، ولَمْ يَكْذِبْهم بِهِ، يَعْنِي: أدّاهُ إلَيْهِمْ، كَما نَزَلَ عَلَيْهِ مِن غَيْرِ تَحْرِيفٍ. وقِيلَ: مَعْناهُ: وصارَ صادِقًا بِهِ، أيْ: بِسَبَبِهِ؛ لِأنَّ القُرْآنَ مُعْجِزَةٌ، والمُعْجِزَةُ تَصْدِيقٌ مِنَ الحَكِيمِ الَّذِي لا يَفْعَلُ القَبِيحَ لِمَن يُجْرِيها عَلى يَدَيْهِ، ولا يَجُوزُ أنْ يُصَدَّقَ إلّا الصّادِقُ، فَيَصِيرُ لِذَلِكَ صادِقًا بِالمُعْجِزَةِ.
وقُرِئَ: ﴿وصَدَّقَ بِهِ﴾ . انْتَهى. يَعْنِي: مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مُشَدَّدًا. وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: جاءَ بِالصِّدْقِ مِن عِنْدِ اللَّهِ وصَدَّقَ بِقَوْلِهِ، أيْ: في قَوْلِهِ، أوْ في مَجِيئِهِ، فاجْتَمَعَ لَهُ الصِّفَتانِ مِنَ الصِّدْقِ: مِن صِدْقِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وصِدْقِهِ بِنَفْسِهِ، وذَلِكَ مُبالَغَةٌ في المَدْحِ. انْتَهى.
﴿لَهم ما يَشاءُونَ﴾: عامٌّ في كُلِّ ما تَشْتَهِيهِ أنْفُسُهم وتَتَعَلَّقُ بِهِ إرادَتُهم. و﴿لِيُكَفِّرَ﴾: مُتَعَلِّقٌ بِالمُحْسِنِينَ، أيِ: الَّذِينَ أحْسَنُوا لِيُكَفِّرَ، أوْ بِمَحْذُوفٍ، أيْ: يَسَّرَ ذَلِكَ لَهم لِيُكَفِّرَ؛ لِأنَّ التَّكْفِيرَ لا يَكُونُ إلّا بَعْدَ التَّيْسِيرِ لِلْخَيْرِ. و﴿أسْوَأ الَّذِي عَمِلُوا﴾: هو كُفْرُ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ ومَعاصِي أهْلِ الإسْلامِ. (p-٤٢٩)والتَّكْفِيرُ يَدُلُّ عَلى سُقُوطِ العِقابِ عَنْهم عَلى أكْمَلِ الوُجُوهِ، والجَزاءُ بِالأحْسَنِ يَدُلُّ عَلى حُصُولِ الثَّوابِ عَلى أكْمَلِ الوُجُوهِ، فَقِيلَ: ذَلِكَ يَكُونُ إذا صَدَّقُوا الأنْبِياءَ فِيما أتَوْا بِهِ. وقالَ مُقاتِلٌ: يَجْزِيهِمْ بِالمَحاسِنِ مِن أعْمالِهِمْ، ولا يَجْزِيهِمْ بِالمَساوِي، وهَذا قَوْلُ المُرْجِئَةِ، يَقُولُونَ: لا يَضُرُّ شَيْءٌ مِنَ المَعاصِي مَعَ الإيمانِ. واحْتَجَّ بِهَذِهِ الآيَةِ، وقامَ الظّاهِرُ مَقامَ المُضْمَرِ في المُحْسِنِينَ، أيْ: ذَلِكَ جَزاؤُهم، فَنَبَّهَ بِالظّاهِرِ عَلى العِلَّةِ المُقْتَضِيَةِ لِحُصُولِ الثَّوابِ. والظّاهِرُ أنَّ أسْوَأ أفْعَلُ تَفْضِيلٍ، وبِهِ قَرَأ الجُمْهُورُ: وإذا كَفَّرَ أسْوَأ أعْمالِهِمْ، فَتَكْفِيرُ ما هو دُونَهُ أحْرى. وقِيلَ: أفْعَلُ لَيْسَ لِلتَّفْضِيلِ، وهو كَقَوْلِكَ: الأشَجُّ أعْدَلُ بَنِي مَرْوانَ، أيْ: عادِلٌ، فَكَذَلِكَ هَذا، أيْ: سَيِّئُ الَّذِينَ عَمِلُوا.
ويَدُلُّ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ قِراءَةُ ابْنِ مِقْسَمٍ، وحامِدِ بْنِ يَحْيى، عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ: (أسْوَأ) هُنا؛ وفي (حم السَّجْدَةِ) بِألِفٍ بَيْنَ الواوِ والهَمْزَةِ، جَمْعُ سُوءٍ، ولا تَفْضِيلَ فِيهِ. والظّاهِرُ أنَّ ﴿بِأحْسَنِ﴾ أفْعَلُ تَفْضِيلٍ فَقِيلَ: لِيَنْظُرَ إلى أحْسَنِ طاعاتِهِ فَيُجْزى الباقِي في الجَزاءِ عَلى قِياسِهِ، وإنْ تَخَلَّفَ عَنْهُ بِالتَّقْصِيرِ. وقِيلَ: بِأحْسَنِ ثَوابِ أعْمالِهِمْ. وقِيلَ: بِأحْسَنِ مِن عَمَلِهِمْ، وهو الجَنَّةُ، وهَذا يَنْبُو عَنْهُ ﴿بِأحْسَنِ الَّذِي﴾ .
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أمّا التَّفْضِيلُ فَيُؤْذِنُ بِأنَّ الشَّيْءَ الَّذِي يَفْرُطُ مِنهم مِنَ الصَّغائِرِ والزَّلّاتِ المُكَفَّراتِ هو عِنْدَهُمُ الأسْوَأُ لِاسْتِعْظامِهِمُ المَعْصِيَةَ، والحَسَنُ الَّذِي يَعْمَلُونَ هو عِنْدَ اللَّهِ الأحْسَنُ لِحُسْنِ إخْلاصِهِمْ فِيهِ، فَلِذَلِكَ ذَكَرَ سَيِّئَهم بِالأسْوَأِ، وحَسَنَهم بِالأحْسَنِ. انْتَهى.
وهُوَ عَلى رَأْيِ المُعْتَزِلَةِ، ويَكُونُ قَدِ اسْتَعْمَلَ أسْوَأ في التَّفْضِيلِ عَلى مُعْتَقَدِهِمْ، وأحْسَنَ في التَّفْضِيلِ عَلى ما هو عِنْدَ اللَّهِ، وذَلِكَ تَوْزِيعٌ في أفْعَلِ التَّفْضِيلِ، وهو خِلافُ الظّاهِرِ.
قالَتْ قُرَيْشٌ: لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ مُحَمَّدٌ عَنْ تَعْيِيبِ آلِهَتِنا وتَعْيِيبِنا، لِنُسَلِّطَها عَلَيْهِ فَتُصِيبَهُ بِخَبَلٍ وتَعْتَرِيَهُ بِسُوءٍ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ﴾ أيْ: شَرَّ مَن يُرِيدُهُ بِشَرٍّ، والهَمْزَةُ الدّاخِلَةُ عَلى النَّفْيِ لِلتَّقْرِيرِ، أيْ: هو كافٍ عَبْدَهُ، وفي إضافَتِهِ إلَيْهِ تَشْرِيفٌ عَظِيمٌ لِنَبِيِّهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (عَبْدَهُ)، وهو رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: (عِبادَهُ) بِالجَمْعِ، أيِ: الأنْبِياءَ والمُطِيعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ.
﴿ويُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾: وهو الأصْنامُ. ولَمّا بَعَثَ خالِدًا إلى كَسْرِ العُزّى، قالَ لَهُ سادِنُها: إنِّي أخافُ عَلَيْكَ مِنها، فَلَها قُوَّةٌ لا يَقُومُ لَها شَيْءٌ. فَأخَذَ خالِدٌ الفَأْسَ، فَهَشَّمَ بِهِ وجْهَها ثُمَّ انْصَرَفَ. وفي قَوْلِهِ: ﴿ويُخَوِّفُونَكَ﴾، تَهَكُّمٌ بِهِمْ؛ لِأنَّهم خَوَّفُوهُ بِما لا يَقْدِرُ عَلى نَفْعٍ ولا ضَرَرٍ. ونَظِيرُ هَذا التَّخْوِيفِ قَوْلُ قَوْمِ هُودٍ لَهُ: ﴿إنْ نَقُولُ إلّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ﴾ [هود: ٥٤] . وقُرِئَ: (بِكافِي عَبْدِهِ) عَلى الإضافَةِ، (ويُكافِي عِبادَهُ) مُضارِعُ كَفى، ونُصِبَ (عِبادَهُ) فاحْتُمِلَ أنْ يَكُونَ مُفاعَلَةً مِنَ الكِفايَةِ، كَقَوْلِكَ: يُجازِي في يَجْزِي، وهو أبْلَغُ مِن كَفى، لِبِنائِهِ عَلى لَفْظِ المُبالِغَةِ، وهو الظّاهِرُ لِكَثْرَةِ تَرَدُّدِ هَذا المَعْنى في القُرْآنِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٣٧] . ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَهْمُوزًا مِنَ المُكافَأةِ، وهي المُجازاةُ، أيْ: يَجْزِيهِمْ أجْرَهم.
ولَمّا كانَ تَعالى كافِيَ عَبْدِهِ، كانَ التَّخْوِيفُ بِغَيْرِهِ عَبَثًا باطِلًا.
ولَمّا اشْتَمَلَتِ الآيَةُ عَلى مُهْتَدِينَ وضالِّينَ، أخْبَرَ أنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ هو فاعِلُهُ، ثُمَّ قالَ: ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ﴾ أيْ: غالِبٍ مَنِيعٍ، ﴿ذِي انْتِقامٍ﴾: وفِيهِ وعِيدٌ لِقُرَيْشٍ، ووَعْدٌ لِلْمُؤْمِنِينَ.
ولَمّا أقَرُّوا بِالصّانِعِ، وهو اللَّهُ، أخْبَرَهم أنَّهُ تَعالى هو المُتَصَرِّفُ في نَبِيِّهِ بِما أرادَ. فَإنَّ تِلْكَ الأصْنامَ الَّتِي يَدَّعُونَها آلِهَةً مِن دُونِهِ لا تَكْشِفُ ضُرًّا ولا تُمْسِكُ رَحْمَةً، أيْ: صِحَّةً وسَعَةً في الرِّزْقِ ونَحْوَ ذَلِكَ.
وأرَأيْتُمْ هُنا جارِيَةٌ عَلى وضْعِها، تَعَدَّتْ إلى مَفْعُولِها الأوَّلِ، وهو ما يَدْعُونَ. وجاءَ المَفْعُولُ الثّانِي جُمْلَةً اسْتِفْهامِيَّةً، وفِيها العائِدُ عَلى ما، وهو لَفْظُ هُنَّ وأُنِّثَ تَحْقِيرًا لَها وتَعْجِيزًا وتَضْعِيفًا. وكانَ فِيها مَن سُمِّي تَسْمِيَةَ الإناثِ، كالعُزّى ومَناةَ واللّاتَ.
وأضافَ إرادَةَ اللَّهِ الضُّرَّ إلى نَفْسِهِ والرَّحْمَةَ إلَيْها؛ لِأنَّهم خَوَّفُوهُ مَضَرَّتَها، فاسْتَسْلَفَ مِنهُمُ الإقْرارَ بِأنَّ خالِقَ العالَمِ هو اللَّهُ.
ثُمَّ اسْتَخْبَرَهم عَنْ أصْنامِهِمْ، هَلْ تَدْفَعُ شَرًّا (p-٤٣٠)وتَجْلِبُ خَيْرًا ؟ وقَرَأ الجُمْهُورُ: (كاشِفاتُ ومُمْسِكاتُ) عَلى الإضافَةِ؛ وشَيْبَةُ، والأعْرَجُ، وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ، وعِيسى: بِخِلافٍ عَنْهُ؛ وأبُو عَمْرٍو، وأبُو بَكْرٍ؛ بِتَنْوِينِهِما ونَصْبِ ما بَعْدَهُما.
ولَمّا تَقَرَّرَ أنَّهُ تَعالى كافِيهِ، وأنَّ أصْنامَهم لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ، أمْرَهُ تَعالى أنْ يَعْلَمَ أنَّهُ تَعالى هو حَسْبُهُ، أيْ: كافِيهِ. والجَوابُ في هَذا الِاسْتِخْبارِ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: فَإنَّهم سَيَقُولُونَ: لا تَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ. وقالَ مُقاتِلٌ: اسْتَخْبَرَهم فَسَكَتُوا.
﴿قُلْ ياقَوْمِ اعْمَلُوا﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظِيرِها.
الزمر 39:40
﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلى اللَّهِ وكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إذْ جاءَهُ ألَيْسَ في جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكافِرِينَ﴾ ﴿والَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾ ﴿لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزاءُ المُحْسِنِينَ﴾ ﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهم أسْوَأ الَّذِي عَمِلُوا ويَجْزِيَهم أجْرَهم بِأحْسَنِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ ويُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ ﴿ومَن يَهْدِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن مُضِلٍّ ألَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقامٍ﴾ ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أفَرَأيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إنْ أرادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ أوْ أرادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ المُتَوَكِّلُونَ﴾ ﴿قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكم إنِّي عامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ ويَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ ﴿إنّا أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ لِلنّاسِ بِالحَقِّ فَمَنِ اهْتَدى فَلِنَفْسِهِ ومَن ضَلَّ فَإنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ [الزمر: ٤١] ﴿اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها والَّتِي لَمْ تَمُتْ في مَنامِها فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْها المَوْتَ ويُرْسِلُ الأُخْرى إلى أجَلٍ مُسَمًّى إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الزمر: ٤٢] ﴿أمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعاءَ قُلْ أوَلَوْ كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا ولا يَعْقِلُونَ﴾ [الزمر: ٤٣] (p-٤٢٦)﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [الزمر: ٤٤] ﴿وإذا ذُكِرَ اللَّهُ وحْدَهُ اشْمَأزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وإذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ إذا هم يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [الزمر: ٤٥] ﴿قُلِ اللَّهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ والأرْضِ عالِمَ الغَيْبِ والشَّهادَةِ أنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ في ما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [الزمر: ٤٦] ﴿ولَوْ أنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ما في الأرْضِ جَمِيعًا ومِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ مِن سُوءِ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ وبَدا لَهم مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر: ٤٧] ﴿وبَدا لَهم سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الزمر: ٤٨] ﴿فَإذا مَسَّ الإنْسانَ ضُرٌّ دَعانا ثُمَّ إذا خَوَّلْناهُ نِعْمَةً مِنّا قالَ إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ بَلْ هي فِتْنَةٌ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٤٩] ﴿قَدْ قالَها الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الزمر: ٥٠] ﴿فَأصابَهم سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا والَّذِينَ ظَلَمُوا مِن هَؤُلاءِ سَيُصِيبُهم سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وما هم بِمُعْجِزِينَ﴾ [الزمر: ٥١] ﴿أوَلَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الزمر: ٥٢] ﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣] ﴿وأنِيبُوا إلى رَبِّكم وأسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَكُمُ العَذابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ [الزمر: ٥٤] ﴿واتَّبِعُوا أحْسَنَ ما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكم مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَكُمُ العَذابُ بَغْتَةً وأنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [الزمر: ٥٥] ﴿أنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتا عَلى ما فَرَّطْتُ في جَنْبِ اللَّهِ وإنْ كُنْتُ لَمِنَ السّاخِرِينَ﴾ [الزمر: ٥٦] ﴿أوْ تَقُولَ لَوْ أنَّ اللَّهَ هَدانِي لَكُنْتُ مِنَ المُتَّقِينَ﴾ [الزمر: ٥٧] ﴿أوْ تَقُولَ حِينَ تَرى العَذابَ لَوْ أنَّ لِي كَرَّةً فَأكُونَ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ [الزمر: ٥٨] ﴿بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي فَكَذَّبْتَ بِها واسْتَكْبَرْتَ وكُنْتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ [الزمر: ٥٩] ﴿ويَوْمَ القِيامَةِ تَرى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى اللَّهِ وُجُوهُهم مُسْوَدَّةٌ ألَيْسَ في جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [الزمر: ٦٠] ﴿ويُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفازَتِهِمْ لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ [الزمر: ٦١] ﴿اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ وكِيلٌ﴾ [الزمر: ٦٢] ﴿لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ والأرْضِ والَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ [الزمر: ٦٣] ﴿قُلْ أفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أعْبُدُ أيُّها الجاهِلُونَ﴾ [الزمر: ٦٤] ﴿ولَقَدْ أُوحِيَ إلَيْكَ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ولَتَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥] ﴿بَلِ اللَّهَ فاعْبُدْ وكُنْ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٦] ﴿وما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ والأرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيامَةِ والسَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر: ٦٧] ﴿ونُفِخَ في الصُّورِ فَصَعِقَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ إلّا مَن شاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإذا هم قِيامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر: ٦٨] ﴿وأشْرَقَتِ الأرْضُ بِنُورِ رَبِّها ووُضِعَ الكِتابُ وجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ والشُّهَداءِ وقُضِيَ بَيْنَهم بِالحَقِّ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٦٩] ﴿ووُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وهو أعْلَمُ بِما يَفْعَلُونَ﴾ [الزمر: ٧٠] ﴿وسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إلى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتّى إذا جاءُوها فُتِحَتْ أبْوابُها وقالَ لَهم خَزَنَتُها ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِنكم يَتْلُونَ عَلَيْكم آياتِ رَبِّكم ويُنْذِرُونَكم لِقاءَ يَوْمِكم هَذا قالُوا بَلى ولَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ العَذابِ عَلى الكافِرِينَ﴾ [الزمر: ٧١] ﴿قِيلَ ادْخُلُوا أبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوى المُتَكَبِّرِينَ﴾ [الزمر: ٧٢] ﴿وسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم إلى الجَنَّةِ زُمَرًا حَتّى إذا جاءُوها وفُتِحَتْ أبْوابُها وقالَ لَهم خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكم طِبْتُمْ فادْخُلُوها خالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣] ﴿وقالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وعْدَهُ وأوْرَثَنا الأرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ فَنِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ﴾ [الزمر: ٧٤] ﴿وتَرى المَلائِكَةَ حافِّينَ مِن حَوْلِ العَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وقُضِيَ بَيْنَهم بِالحَقِّ وقِيلَ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الزمر: ٧٥] .
اشْمَأزَّ، قالَ أبُو زَيْدٍ: زَعِرَ. قالَ غَيْرُهُ: تَقَبَّضَ كَراهَةً ونُفُورًا. قالَ الشّاعِرُ:
؎إذا عَضَّ الثِّقاتُ بِها اشْمَأزَّتْ ووَلَّتْهُ عَشَوْزَنَةً زَبُونا
المَقالِيدُ: المَفاتِيحُ، قِيلَ: لا واحِدَ لَها مِن لَفْظِها، قالَهُ التَّبْرِيزِيُّ. وقِيلَ: واحِدُها مِقْلِيدٌ، وقِيلَ: مِقْلادٌ، ويُقالُ: إقْلِيدٌ وأقالِيدُ، والكَلِمَةُ أصْلُها فارِسِيَّةٌ. الزُّمَرُ: جَمْعُ زُمْرَةٍ، قالَ أبُو عُبَيْدٍ، والأخْفَشُ: جَماعاتٌ مُتَفَرِّقَةٌ، (p-٤٢٧)بَعْضُها إثْرَ بَعْضٍ. قالَ:
حَتّى احْزَألَّتْ زُمَرٌ بَعْدَ زُمَرْ
ويُقالُ: تَزَمَّرَ. والحُفُوفُ: الإحْداقُ بِالشَّيْءِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎تَحُفُّهُ جانِبٌ ضَيْقٌ ويَتْبَعُهُ ∗∗∗ مِثْلُ الزُّجاجَةِ لَمْ يُكْحَلْ مِنَ الرَّمَدِ
وهَذِهِ اللَّفْظَةُ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الحَفافِ، وهو الجانِبُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎لَهُ لَحَظاتٌ عَنْ حَفافِي سَرِيرِهِ إذا كَرَّها فِيها عِقابٌ ونائِلُ
﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلى اللَّهِ وكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إذْ جاءَهُ ألَيْسَ في جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكافِرِينَ﴾ ﴿والَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾ ﴿لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزاءُ المُحْسِنِينَ﴾ ﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهم أسْوَأ الَّذِي عَمِلُوا ويَجْزِيَهم أجْرَهم بِأحْسَنِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ ويُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ ﴿ومَن يَهْدِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن مُضِلٍّ ألَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقامٍ﴾ ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أفَرَأيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إنْ أرادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ أوْ أرادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ المُتَوَكِّلُونَ﴾ ﴿قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكم إنِّي عامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ ويَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ .
﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلى اللَّهِ﴾: هَذا تَفْسِيرٌ وبَيانٌ لِلَّذِينِ يَكُونُ بَيْنَهُمُ الخُصُومَةُ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الِاخْتِصامَ السّابِقَ يَكُونُ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ، والمَعْنى: لا أجِدُ في المُكَذِّبِينَ أظْلَمَ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ، فَنَسَبَ إلَيْهِ الوَلَدَ والصّاحِبَةَ (p-٤٢٨)والشَّرِيكَ، وحَرَّمَ وحَلَّلَ مِن غَيْرِ أمْرِ اللَّهِ.
﴿وكَذَّبَ بِالصِّدْقِ﴾: وهو ما جاءَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؛ (إذْ جاءَهُ) أيْ: وقْتُ مَجِيئِهِ، فاجَأهُ بِالتَّكْذِيبِ مِن غَيْرِ فِكْرٍ ولا ارْتِياءٍ ولا نَظَرٍ، بَلْ وقْتَ مَجِيئِهِ كَذَّبَ بِهِ.
ثُمَّ تَوَعَّدَهم تَوَعُّدًا فِيهِ احْتِقارُهم عَلى جِهَةِ التَّوْقِيفِ، ولِلْكافِرِينَ مِمّا قامَ فِيهِ الظّاهِرُ مَقامَ المُضْمَرِ، أيْ: مَثْوًى لَهم، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى عِلَّةِ كَذِبِهِمْ وتَكْذِيبِهِمْ، وهو الكُفْرُ.
﴿والَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ﴾ مُعادِلٌ لِقَوْلِهِ: (فَمَن أظْلَمُ) .
﴿وصَدَّقَ بِهِ﴾ مُقابِلٌ لِقَوْلِهِ: ﴿وكَذَّبَ بِالصِّدْقِ﴾ . (والَّذِي) جَنْسٌ، كَأنَّهُ قالَ: والفَرِيقُ الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾، فَجَمَعَ. كَما أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: (فَمَن أظْلَمُ)، يُرادُ بِهِ جَمْعٌ، ولِذَلِكَ قالَ (مَثْوًى لِلْكافِرِينَ) .
وفِي قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ: (والَّذِي جاءُوا بِالصِّدْقِ وصَدَّقُوا بِهِ) . وقِيلَ: أرادَ والَّذِينَ، فَحُذِفَتْ مِنهُ النُّونَ، وهَذا لَيْسَ بِصَحِيحٍ، إذْ لَوْ أُرِيدَ الَّذِينَ بِلَفْظِ الَّذِي وحُذِفَتْ مِنهُ النُّونُ، لَكانَ الضَّمِيرُ مَجْمُوعًا كَقَوْلِهِ:
؎وإنَّ الَّذِي حانَتْ بِفَلْحِ دِماؤُهُمْ
ألا تَرى أنَّهُ إذا حُذِفَتِ النُّونُ في المُثَنّى كانَ الضَّمِيرُ مُثَنًّى ؟ كَقَوْلِهِ:
؎أبَنِي كُلَيْبٍ أنَّ عَمَّيَّ اللَّذا ∗∗∗ قَتَلا المُلُوكَ وفَكَّكا الأغْلالا
وقِيلَ: الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وصَدَّقَ بِهِ هو رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .
وقِيلَ: الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ جِبْرِيلُ، والَّذِي صَدَّقَ بِهِ هو مُحَمَّدٌ ﷺ .
وقالَ عَلِيٌّ، وأبُو العالِيَةِ، والكَلْبِيُّ، وجَماعَةٌ: الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ هو الرَّسُولُ، والَّذِي صَدَّقَ بِهِ هو أبُو بَكْرٍ.
وقالَ أبُو الأسْوَدِ، ومُجاهِدٌ، وجَماعَةٌ: الَّذِي صَدَّقَ بِهِ وهو عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وصَدَّقَ بِهِ هو رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جاءَ بِالصِّدْقِ وآمَنَ بِهِ، وأرادَ بِهِ إيّاهُ ومَن تَبِعَهُ، كَما أرادَ بِمُوسى إيّاهُ وقَوْمَهُ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ لَعَلَّهم يَهْتَدُونَ﴾ [المؤمنون: ٤٩]، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾، إلّا أنَّ هَذا في الصِّفَةِ، وذَلِكَ في الِاسْمِ.
ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ: والفَوْجُ والفَرِيقُ الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وصَدَّقَ بِهِ، وهو الرَّسُولُ الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ، وصَحابَتُهُ الَّذِينَ صَدَّقُوا بِهِ. انْتَهى.
وقَوْلُهُ: وأرادَ بِهِ إيّاهُ ومَن تَبِعَهُ، كَما أرادَ بِمُوسى إيّاهُ وقَوْمَهُ. اسْتَعْمَلَ الضَّمِيرَ المُنْفَصِلَ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ، وإنَّما هو مُتَّصِلٌ، فَإصْلاحُهُ: وأرادَهُ بِهِ ومَن تَبِعَهُ، كَما أرادَهُ بِمُوسى وقَوْمِهِ أيْ: لَعَلَّ قَوْمَهُ يَهْتَدُونَ، إذْ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مُهْتَدٍ. فالمُتَرَجّى هِدايَةُ قَوْمِهِ، لا هِدايَتُهُ، إذْ لا يُتَرَجّى إلّا ما كانَ مَفْقُودًا لا مَوْجُودًا.
وقَوْلُهُ: ويَجُوزُ إلَخْ، فِيهِ تَوْزِيعُ الصِّلَةِ، والفَوْجُ هو المَوْصُولُ، فَهو كَقَوْلِهِ: جاءَ الفَرِيقُ الَّذِي شَرُفَ وشَرَّفَ. والأظْهَرُ عَدَمُ التَّوْزِيعِ، بَلِ المَعْطُوفُ عَلى الصِّلَةِ، صِلَةٌ لِمَن لَهُ الصِّلَةُ الأُولى.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: (وصَدَّقَ) مُشَدَّدًا، وأبُو صالِحٍ، وعِكْرِمَةُ بْنُ سُلَيْمانَ، ومُحَمَّدُ بْنُ جُحازَةَ: مُخَفَّفًا. قالَ أبُو صالِحٍ: وعَمِلَ بِهِ.
وقِيلَ: اسْتَحَقَّ بِهِ اسْمَ الصِّدْقِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: فَعَلى هَذا إسْنادُ الأفْعالِ كُلِّها إلى مُحَمَّدٍ ﷺ، وكَأنَّ أُمَّتَهُ في ضِمْنِ القَوْلِ، وهو الَّذِي يَحْسُنُ ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾ . انْتَهى.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ أيْ: صَدَقَ بِهِ النّاسَ، ولَمْ يَكْذِبْهم بِهِ، يَعْنِي: أدّاهُ إلَيْهِمْ، كَما نَزَلَ عَلَيْهِ مِن غَيْرِ تَحْرِيفٍ. وقِيلَ: مَعْناهُ: وصارَ صادِقًا بِهِ، أيْ: بِسَبَبِهِ؛ لِأنَّ القُرْآنَ مُعْجِزَةٌ، والمُعْجِزَةُ تَصْدِيقٌ مِنَ الحَكِيمِ الَّذِي لا يَفْعَلُ القَبِيحَ لِمَن يُجْرِيها عَلى يَدَيْهِ، ولا يَجُوزُ أنْ يُصَدَّقَ إلّا الصّادِقُ، فَيَصِيرُ لِذَلِكَ صادِقًا بِالمُعْجِزَةِ.
وقُرِئَ: ﴿وصَدَّقَ بِهِ﴾ . انْتَهى. يَعْنِي: مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مُشَدَّدًا. وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: جاءَ بِالصِّدْقِ مِن عِنْدِ اللَّهِ وصَدَّقَ بِقَوْلِهِ، أيْ: في قَوْلِهِ، أوْ في مَجِيئِهِ، فاجْتَمَعَ لَهُ الصِّفَتانِ مِنَ الصِّدْقِ: مِن صِدْقِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وصِدْقِهِ بِنَفْسِهِ، وذَلِكَ مُبالَغَةٌ في المَدْحِ. انْتَهى.
﴿لَهم ما يَشاءُونَ﴾: عامٌّ في كُلِّ ما تَشْتَهِيهِ أنْفُسُهم وتَتَعَلَّقُ بِهِ إرادَتُهم. و﴿لِيُكَفِّرَ﴾: مُتَعَلِّقٌ بِالمُحْسِنِينَ، أيِ: الَّذِينَ أحْسَنُوا لِيُكَفِّرَ، أوْ بِمَحْذُوفٍ، أيْ: يَسَّرَ ذَلِكَ لَهم لِيُكَفِّرَ؛ لِأنَّ التَّكْفِيرَ لا يَكُونُ إلّا بَعْدَ التَّيْسِيرِ لِلْخَيْرِ. و﴿أسْوَأ الَّذِي عَمِلُوا﴾: هو كُفْرُ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ ومَعاصِي أهْلِ الإسْلامِ. (p-٤٢٩)والتَّكْفِيرُ يَدُلُّ عَلى سُقُوطِ العِقابِ عَنْهم عَلى أكْمَلِ الوُجُوهِ، والجَزاءُ بِالأحْسَنِ يَدُلُّ عَلى حُصُولِ الثَّوابِ عَلى أكْمَلِ الوُجُوهِ، فَقِيلَ: ذَلِكَ يَكُونُ إذا صَدَّقُوا الأنْبِياءَ فِيما أتَوْا بِهِ. وقالَ مُقاتِلٌ: يَجْزِيهِمْ بِالمَحاسِنِ مِن أعْمالِهِمْ، ولا يَجْزِيهِمْ بِالمَساوِي، وهَذا قَوْلُ المُرْجِئَةِ، يَقُولُونَ: لا يَضُرُّ شَيْءٌ مِنَ المَعاصِي مَعَ الإيمانِ. واحْتَجَّ بِهَذِهِ الآيَةِ، وقامَ الظّاهِرُ مَقامَ المُضْمَرِ في المُحْسِنِينَ، أيْ: ذَلِكَ جَزاؤُهم، فَنَبَّهَ بِالظّاهِرِ عَلى العِلَّةِ المُقْتَضِيَةِ لِحُصُولِ الثَّوابِ. والظّاهِرُ أنَّ أسْوَأ أفْعَلُ تَفْضِيلٍ، وبِهِ قَرَأ الجُمْهُورُ: وإذا كَفَّرَ أسْوَأ أعْمالِهِمْ، فَتَكْفِيرُ ما هو دُونَهُ أحْرى. وقِيلَ: أفْعَلُ لَيْسَ لِلتَّفْضِيلِ، وهو كَقَوْلِكَ: الأشَجُّ أعْدَلُ بَنِي مَرْوانَ، أيْ: عادِلٌ، فَكَذَلِكَ هَذا، أيْ: سَيِّئُ الَّذِينَ عَمِلُوا.
ويَدُلُّ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ قِراءَةُ ابْنِ مِقْسَمٍ، وحامِدِ بْنِ يَحْيى، عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ: (أسْوَأ) هُنا؛ وفي (حم السَّجْدَةِ) بِألِفٍ بَيْنَ الواوِ والهَمْزَةِ، جَمْعُ سُوءٍ، ولا تَفْضِيلَ فِيهِ. والظّاهِرُ أنَّ ﴿بِأحْسَنِ﴾ أفْعَلُ تَفْضِيلٍ فَقِيلَ: لِيَنْظُرَ إلى أحْسَنِ طاعاتِهِ فَيُجْزى الباقِي في الجَزاءِ عَلى قِياسِهِ، وإنْ تَخَلَّفَ عَنْهُ بِالتَّقْصِيرِ. وقِيلَ: بِأحْسَنِ ثَوابِ أعْمالِهِمْ. وقِيلَ: بِأحْسَنِ مِن عَمَلِهِمْ، وهو الجَنَّةُ، وهَذا يَنْبُو عَنْهُ ﴿بِأحْسَنِ الَّذِي﴾ .
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أمّا التَّفْضِيلُ فَيُؤْذِنُ بِأنَّ الشَّيْءَ الَّذِي يَفْرُطُ مِنهم مِنَ الصَّغائِرِ والزَّلّاتِ المُكَفَّراتِ هو عِنْدَهُمُ الأسْوَأُ لِاسْتِعْظامِهِمُ المَعْصِيَةَ، والحَسَنُ الَّذِي يَعْمَلُونَ هو عِنْدَ اللَّهِ الأحْسَنُ لِحُسْنِ إخْلاصِهِمْ فِيهِ، فَلِذَلِكَ ذَكَرَ سَيِّئَهم بِالأسْوَأِ، وحَسَنَهم بِالأحْسَنِ. انْتَهى.
وهُوَ عَلى رَأْيِ المُعْتَزِلَةِ، ويَكُونُ قَدِ اسْتَعْمَلَ أسْوَأ في التَّفْضِيلِ عَلى مُعْتَقَدِهِمْ، وأحْسَنَ في التَّفْضِيلِ عَلى ما هو عِنْدَ اللَّهِ، وذَلِكَ تَوْزِيعٌ في أفْعَلِ التَّفْضِيلِ، وهو خِلافُ الظّاهِرِ.
قالَتْ قُرَيْشٌ: لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ مُحَمَّدٌ عَنْ تَعْيِيبِ آلِهَتِنا وتَعْيِيبِنا، لِنُسَلِّطَها عَلَيْهِ فَتُصِيبَهُ بِخَبَلٍ وتَعْتَرِيَهُ بِسُوءٍ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ﴾ أيْ: شَرَّ مَن يُرِيدُهُ بِشَرٍّ، والهَمْزَةُ الدّاخِلَةُ عَلى النَّفْيِ لِلتَّقْرِيرِ، أيْ: هو كافٍ عَبْدَهُ، وفي إضافَتِهِ إلَيْهِ تَشْرِيفٌ عَظِيمٌ لِنَبِيِّهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (عَبْدَهُ)، وهو رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: (عِبادَهُ) بِالجَمْعِ، أيِ: الأنْبِياءَ والمُطِيعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ.
﴿ويُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾: وهو الأصْنامُ. ولَمّا بَعَثَ خالِدًا إلى كَسْرِ العُزّى، قالَ لَهُ سادِنُها: إنِّي أخافُ عَلَيْكَ مِنها، فَلَها قُوَّةٌ لا يَقُومُ لَها شَيْءٌ. فَأخَذَ خالِدٌ الفَأْسَ، فَهَشَّمَ بِهِ وجْهَها ثُمَّ انْصَرَفَ. وفي قَوْلِهِ: ﴿ويُخَوِّفُونَكَ﴾، تَهَكُّمٌ بِهِمْ؛ لِأنَّهم خَوَّفُوهُ بِما لا يَقْدِرُ عَلى نَفْعٍ ولا ضَرَرٍ. ونَظِيرُ هَذا التَّخْوِيفِ قَوْلُ قَوْمِ هُودٍ لَهُ: ﴿إنْ نَقُولُ إلّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ﴾ [هود: ٥٤] . وقُرِئَ: (بِكافِي عَبْدِهِ) عَلى الإضافَةِ، (ويُكافِي عِبادَهُ) مُضارِعُ كَفى، ونُصِبَ (عِبادَهُ) فاحْتُمِلَ أنْ يَكُونَ مُفاعَلَةً مِنَ الكِفايَةِ، كَقَوْلِكَ: يُجازِي في يَجْزِي، وهو أبْلَغُ مِن كَفى، لِبِنائِهِ عَلى لَفْظِ المُبالِغَةِ، وهو الظّاهِرُ لِكَثْرَةِ تَرَدُّدِ هَذا المَعْنى في القُرْآنِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٣٧] . ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَهْمُوزًا مِنَ المُكافَأةِ، وهي المُجازاةُ، أيْ: يَجْزِيهِمْ أجْرَهم.
ولَمّا كانَ تَعالى كافِيَ عَبْدِهِ، كانَ التَّخْوِيفُ بِغَيْرِهِ عَبَثًا باطِلًا.
ولَمّا اشْتَمَلَتِ الآيَةُ عَلى مُهْتَدِينَ وضالِّينَ، أخْبَرَ أنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ هو فاعِلُهُ، ثُمَّ قالَ: ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ﴾ أيْ: غالِبٍ مَنِيعٍ، ﴿ذِي انْتِقامٍ﴾: وفِيهِ وعِيدٌ لِقُرَيْشٍ، ووَعْدٌ لِلْمُؤْمِنِينَ.
ولَمّا أقَرُّوا بِالصّانِعِ، وهو اللَّهُ، أخْبَرَهم أنَّهُ تَعالى هو المُتَصَرِّفُ في نَبِيِّهِ بِما أرادَ. فَإنَّ تِلْكَ الأصْنامَ الَّتِي يَدَّعُونَها آلِهَةً مِن دُونِهِ لا تَكْشِفُ ضُرًّا ولا تُمْسِكُ رَحْمَةً، أيْ: صِحَّةً وسَعَةً في الرِّزْقِ ونَحْوَ ذَلِكَ.
وأرَأيْتُمْ هُنا جارِيَةٌ عَلى وضْعِها، تَعَدَّتْ إلى مَفْعُولِها الأوَّلِ، وهو ما يَدْعُونَ. وجاءَ المَفْعُولُ الثّانِي جُمْلَةً اسْتِفْهامِيَّةً، وفِيها العائِدُ عَلى ما، وهو لَفْظُ هُنَّ وأُنِّثَ تَحْقِيرًا لَها وتَعْجِيزًا وتَضْعِيفًا. وكانَ فِيها مَن سُمِّي تَسْمِيَةَ الإناثِ، كالعُزّى ومَناةَ واللّاتَ.
وأضافَ إرادَةَ اللَّهِ الضُّرَّ إلى نَفْسِهِ والرَّحْمَةَ إلَيْها؛ لِأنَّهم خَوَّفُوهُ مَضَرَّتَها، فاسْتَسْلَفَ مِنهُمُ الإقْرارَ بِأنَّ خالِقَ العالَمِ هو اللَّهُ.
ثُمَّ اسْتَخْبَرَهم عَنْ أصْنامِهِمْ، هَلْ تَدْفَعُ شَرًّا (p-٤٣٠)وتَجْلِبُ خَيْرًا ؟ وقَرَأ الجُمْهُورُ: (كاشِفاتُ ومُمْسِكاتُ) عَلى الإضافَةِ؛ وشَيْبَةُ، والأعْرَجُ، وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ، وعِيسى: بِخِلافٍ عَنْهُ؛ وأبُو عَمْرٍو، وأبُو بَكْرٍ؛ بِتَنْوِينِهِما ونَصْبِ ما بَعْدَهُما.
ولَمّا تَقَرَّرَ أنَّهُ تَعالى كافِيهِ، وأنَّ أصْنامَهم لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ، أمْرَهُ تَعالى أنْ يَعْلَمَ أنَّهُ تَعالى هو حَسْبُهُ، أيْ: كافِيهِ. والجَوابُ في هَذا الِاسْتِخْبارِ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: فَإنَّهم سَيَقُولُونَ: لا تَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ. وقالَ مُقاتِلٌ: اسْتَخْبَرَهم فَسَكَتُوا.
﴿قُلْ ياقَوْمِ اعْمَلُوا﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظِيرِها.
الزمر 39:41
﴿إنّا أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ لِلنّاسِ بِالحَقِّ فَمَنِ اهْتَدى فَلِنَفْسِهِ ومَن ضَلَّ فَإنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ ﴿اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها والَّتِي لَمْ تَمُتْ في مَنامِها فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْها المَوْتَ ويُرْسِلُ الأُخْرى إلى أجَلٍ مُسَمًّى إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ﴿أمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعاءَ قُلْ أوَلَوْ كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا ولا يَعْقِلُونَ﴾ ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ﴿وإذا ذُكِرَ اللَّهُ وحْدَهُ اشْمَأزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وإذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ إذا هم يَسْتَبْشِرُونَ﴾ ﴿قُلِ اللَّهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ والأرْضِ عالِمَ الغَيْبِ والشَّهادَةِ أنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ في ما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ ﴿ولَوْ أنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ما في الأرْضِ جَمِيعًا ومِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ مِن سُوءِ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ وبَدا لَهم مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ ﴿وبَدا لَهم سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ .
لَمّا كانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - يَعْظُمُ عَلَيْهِ عَدَمُ إيمانِهِمْ ورُجُوعِهِمْ إلى ما أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ، سَلّاهُ تَعالى عَنْ ذَلِكَ، وأخْبَرَهُ أنَّهُ أنْزَلَ عَلَيْهِ الكِتابَ، وهو القُرْآنُ، مَصْحُوبًا بِالحَقِّ، وهو دِينُ الإسْلامِ، لِلنّاسِ أيْ: لِأجْلِهِمْ، إذْ فِيهِ تَكالِيفُهم.
﴿فَمَنِ اهْتَدى﴾: فَثَوابُ هِدايَتِهِ إنَّما هو لَهُ، (ومَن ضَلَّ): فَعِقابُ ضَلالِهِ إنَّما هو عَلَيْهِ.
﴿وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ أيْ: فَتُجْبِرُهم عَلى الإيمانِ. قالَ قَتادَةُ: بِوَكِيلٍ: بِحَفِيظٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِلنّاسِ: لِأجْلِ حاجَتِهِمْ إلَيْهِ، لِيُبَشَّرُوا ويُنْذَرُوا. فَتَقْوى دَواعِيهِمْ إلى اخْتِيارِ الطّاعَةِ عَلى المَعْصِيَةِ، فَلا حاجَةَ لِي إلى ذَلِكَ، فَأنا الغَنِيُّ. فَمَنِ اخْتارَ الهُدى، فَقَدْ نَفَعَ نَفْسَهُ؛ ومَنِ اخْتارَ الضَّلالَةَ، فَقَدْ ضَرَّها، وما وُكِّلْتَ عَلَيْهِمْ لِتُجْبِرَهم عَلى الهُدى. فَإنَّ التَّكْلِيفَ مَبْنِيٌّ عَلى الِاخْتِيارِ دُونَ الإجْبارِ. انْتَهى، وهو عَلى مَذْهَبِ المُعْتَزِلَةِ.
ولَمّا ذَكَرَ تَعالى أنَّهُ أنْزَلَ الكِتابَ عَلى رَسُولِهِ بِالحَقِّ لِلنّاسِ، نَبَّهَ عَلى أنَّهُ مِن آياتِهِ الكُبْرى يَدُلُّ عَلى الوَحْدانِيَّةِ، لا يُشْرِكُهُ في ذَلِكَ صَنَمٌ وعَلى غَيْرِهِ
فَقالَ: ﴿اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها﴾، والأنْفُسُ هي الأرْواحُ. وقِيلَ: النَّفْسُ غَيْرُ الرُّوحِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. فالرُّوحُ لَها تَدْبِيرُ عالَمِ الحَياةِ، والنَّفْسُ لَها تَدْبِيرُ عالَمِ الإحْساسِ. وفَرَّقَتْ فِرْقَةٌ بَيْنَ نَفْسِ التَّمْيِيزِ ونَفْسِ التَّخْيِيلِ. والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ الحَدِيثُ واللُّغَةُ أنَّ النَّفْسَ والرُّوحَ مُتَرادِفانِ، وأنَّ فِراقَ ذَلِكَ مِنَ الجَسَدِ هو المَوْتُ. ومَعْنى يَتَوَفّى النَّفْسَ: يُمِيتُها، والَّتِي أيْ: والأنْفُسُ الَّتِي لَمْ تَمُتْ في مَنامِها، أيْ: يَتَوَفّاها حِينَ تَنامُ، (p-٤٣١)تَشْبِيهًا لِلنُّوامِ بِالأمْواتِ.
ومِنهُ: ﴿وهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكم بِاللَّيْلِ﴾ [الأنعام: ٦٠] . فَبَيْنَ المَيِّتِ والنّائِمِ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ، وهو كَوْنُهُما لا يُمَيِّزانِ ولا يَتَصَرَّفانِ. فَيُمْسِكُ مَن قَضى عَلَيْها المَوْتَ الحَقِيقِيَّ، ولا يَرُدُّها في وقْتِها حَيَّةً؛ ويُرْسِلُ النّائِمَةَ لِجَسَدِها إلى أجَلٍ ضَرَبَهُ لِمَوْتِها. وقِيلَ: ﴿يَتَوَفّى الأنْفُسَ﴾: يَسْتَوْفِيها ويَقْبِضُها، وهي الأنْفُسُ الَّتِي يَكُونُ مَعَها الحَياةَ والحَرَكَةَ. ويَتَوَفّى الأنْفُسَ الَّتِي لَمْ تَمُتْ في مَنامِها، وهي أنْفُسُ التَّمْيِيزِ، قالُوا: فالَّتِي تُتَوَفّى في النَّوْمِ هي نَفْسُ التَّمْيِيزِ لا نَفْسُ الحَياةِ؛ لِأنَّ نَفْسَ الحَياةِ إذا زالَتْ زالَ مَعَها النَّفَسُ. والنّائِمُ يَتَنَفَّسُ، وكَوْنُ النَّفْسِ تُقْبَضُ، والرُّوحُ في الجَسَدِ حالَةَ النَّوْمِ، بِدَلِيلِ أنَّهُ يَتَقَلَّبُ ويَتَنَفَّسُ، هو قَوْلُ الأكْثَرِينَ. ودَلَّ عَلى التَّغايُرِ وكَوْنِها شَيْئًا واحِدًا هو قَوْلُ ابْنِ جُبَيْرٍ وأحَدُ قَوْلَيِ ابْنِ عَبّاسٍ: والخَوْضُ في هَذا، وطَلَبُ إدْراكِ ذَلِكَ عَلى جَلِيَّتِهِ عَناءٌ ولا يُوصَلُ إلى ذَلِكَ.
﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيْ: في تَوَفِّي الأنْفُسِ مائِتَةً ونائِمَةً، وإمْساكِها وإرْسالِها إلى أجَلٍ، (لَآياتٍ): لَعَلاماتٍ دالَّةٍ عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ وعِلْمِهِ، (لِقَوْمٍ) يُجِيلُونَ فِيهِ أفْكارَهم ويَعْتَبِرُونَ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: (قَضى) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، (المَوْتَ): نَصْبًا؛ وابْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ، وطَلْحَةُ، وعِيسى، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ؛ (المَوْتُ) رَفْعًا. فَأمْ مُنْقَطِعَةٌ تُقَدَّرُ بِبَلْ والهَمْزَةِ، وهو تَقْرِيرٌ وتَوْبِيخٌ. وكانُوا يَقُولُونَ: هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَنا، والشَّفاعَةُ إنَّما هي لِمَنِ ارْتَضاهُ اللَّهُ وبِإذْنِهِ تَعالى، وهَذا مَفْقُودٌ في آلِهَتِهِمْ. و(أوَلَوْ) مَعْناهُ: أيَتَّخِذُونَهم شُفَعاءَهم بِهَذِهِ المَثابَةِ مِن كَوْنِهِمْ لا يَعْقِلُونَ ولا يَمْلِكُونَ شَيْئًا، وذَلِكَ عامُّ النَّقْصِ، فَكَيْفَ يَشْفَعُ هَؤُلاءِ ؟ وتَقَدَّمَ لَنا الكَلامُ في أوَلَوْ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مَتى دَخَلَتْ ألِفُ الِاسْتِفْهامِ عَلى واوِ العَطْفِ أوْ فائِهِ أحْدَثَتْ مَعْنى التَّقْرِيرِ. انْتَهى.
وإذا كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا، فَكَيْفَ يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ ؟ وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ أيْ: ولَوْ كانُوا عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا قَطُّ حَتّى يَمْلِكُوا الشَّفاعَةَ، ولا عَقْلَ لَهم. انْتَهى.
فَأتى بِقَوْلِهِ: قَطُّ، بَعْدَ قَوْلِهِ: لا يَمْلِكُونَ، ولَيْسَ بِفِعْلٍ ماضٍ، وقَطُّ ظَرْفٌ يُسْتَعْمَلُ مَعَ الماضِي لا مَعَ غَيْرِهِ، وقَدْ تَكَرَّرَ لِلزَّمَخْشَرِيِّ هَذا الِاسْتِعْمالُ، ولَيْسَ بِاسْتِعْمالٍ عَرَبِيٍّ.
﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعًا﴾: فَهو مالِكُها، يَأْذَنُ فِيها لِمَن يَشاءُ ثُمَّ أتى بِعامٍّ وهو: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾، فانْدَرَجَ فِيهِ مِلْكُ الشَّفاعَةِ. ولَمّا كانَتِ الشَّفاعَةُ مِن غَيْرِهِ مَوْقُوفَةً عَلى إذْنِهِ، كانَتِ الشَّفاعَةُ كُلُّها لَهُ. ولَمّا أخْبَرَ أنَّهُ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ، هَدَّدَهم بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾، فَيَعْلَمُونَ أنَّهم لا يَشْفَعُونَ، ويَخِيبُ سَعْيُكم في عِبادَتِهِمْ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَعْناهُ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ اليَوْمَ، ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ يَوْمَ القِيامَةِ، فَلا يَكُونُ المُلْكُ في ذَلِكَ إلّا لَهُ، فَلَهُ مُلْكُ الدُّنْيا والآخِرَةِ.
﴿وإذا ذُكِرَ اللَّهُ وحْدَهُ﴾ أيْ: مُفْرَدًا بِالذِّكْرِ، ولَمْ يُذْكَرْ مَعَ آلِهَتِهِمْ. وقِيلَ: إذا قِيلَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، ﴿وإذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾، وهي الأصْنامُ.
والِاشْمِئْزازُ والِاسْتِبْشارُ مُتَقابِلانِ غايَةً؛ لِأنَّ الِاشْمِئْزازَ: امْتِلاءُ القَلْبِ غَمًّا وغَيْظًا، فَيَظْهَرُ أثَرُهُ، وهو الِانْقِباضُ في الوَجْهِ، والِاسْتِبْشارُ: امْتِلاؤُهُ سُرُورًا، فَيَظْهَرُ أثَرُهُ، وهو الِانْبِساطُ، والتَّهَلُّلُ في الوَجْهِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): ما العامِلُ في وإذا ذُكِرَ ؟ (قُلْتُ): العامِلُ في إذا الفُجائِيَّةِ تَقْدِيرُهُ: وقْتُ ذِكْرِ الَّذِينَ مِن دُونِهِ فاجَأُوا الِاسْتِبْشارَ.
وقالَ الحَوْفِيُّ: ﴿إذا هم يَسْتَبْشِرُونَ﴾، إذا مُضافَةٌ إلى الِابْتِلاءِ والخَبَرِ، وإذا مُكَرَّرَةٌ لِلتَّوْكِيدِ وحُذِفَ ما تُضافُ إلَيْهِ، والتَّقْدِيرُ: إذا كانَ ذَلِكَ هم يَسْتَبْشِرُونَ، فَيَكُونُ هم يَسْتَبْشِرُونَ العامِلَ في إذا، المَعْنى: إذا كانَ ذَلِكَ اسْتَبْشَرُوا. انْتَهى.
أمّا قَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ: فَلا أعْلَمُهُ مِن قَوْلِ مَن يَنْتَمِي لِلنَّحْوِ، وهو أنَّ الظَّرْفَيْنِ مَعْمُولانِ لِعامِلٍ واحِدٍ، ثُمَّ إذا الأُولى يَنْتَصِبُ عَلى الظَّرْفِ، والثّانِيَةُ عَلى المَفْعُولِ بِهِ.
وأمّا قَوْلُ الحَوْفِيِّ فَبَعِيدٌ جِدًّا عَنِ الصَّوابِ، إذْ جَعَلَ إذا مُضافَةً إلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ، ثُمَّ قالَ: وإذا مُكَرَّرَةٌ لِلتَّوْكِيدِ وحُذِفَ ما تُضافُ إلَيْهِ، فَكَيْفَ تَكُونُ مُضافَةً إلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ الَّذِي هم (p-٤٣٢)يَسْتَبْشِرُونَ ؟ وهَذا كُلُّهُ يُوجِبُهُ عَدَمُ الإتْقانِ لِعِلْمِ النَّحْوِ والتَّحَدُّثِ فِيهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ لَنا في مَواضِعِ إذا الَّتِي لِلْمُفاجَأةِ جَوابًا لِإذا الشَّرْطِيَّةِ، وقَدْ قَرَّرْنا في عِلْمِ النَّحْوِ الَّذِي كَتَبْناهُ أنَّ إذا الشَّرْطِيَّةَ لَيْسَتْ مُضافَةً إلى الجُمْلَةِ الَّتِي تَلِيها، وإنْ كانَ مَذْهَبَ الأكْثَرِينَ، وأنَّها لَيْسَتْ بِمَعْمُولَةٍ لِلْجَوابِ، وأقَمْنا الدَّلِيلَ عَلى ذَلِكَ، بَلْ هي مَعْمُولَةٌ لِلْفِعْلِ الَّذِي يَلِيها، كَسائِرِ أسْماءِ الشَّرْطِيَّةِ الظَّرْفِيَّةِ، وإذا الفُجائِيَّةُ رابِطَةٌ لِجُمْلَةِ الجَزاءِ بِجُمْلَةِ الشَّرْطِ، كالفاءِ؛ وهي مَعْمُولَةٌ لِما بَعْدَها. إنْ قُلْنا إنَّها ظَرْفٌ، سَواءٌ كانَ زَمانًا أوْ مَكانًا. ومَن قالَ إنَّها حَرْفٌ، فَلا يَعْمَلُ فِيها شَيْءٌ، فَإذا الأُولى مَعْمُولَةٌ لِذِكْرِهِمْ، والثّانِيَةُ مَعْمُولَةٌ لَيَسْتَبْشِرُونَ.
ولَمّا أخْبَرَ عَنْ سَخافَةِ عُقُولِهِمْ بِاشْمِئْزازِهِمْ مِن ذِكْرِ اللَّهِ، واسْتِبْشارِهِمْ بِذِكْرِ الأصْنامِ، أمَرَهُ أنْ يَدْعُوَ بِأسْماءِ اللَّهِ العُظْمى مِنَ القُدْرَةِ والعِلْمِ ونِسْبَةِ الحُكْمِ إلَيْهِ، إذْ غَيْرُهُ لا قُدْرَةَ لَهُ ولا عِلْمَ تامَّ ولا حُكْمَ، وفي ذَلِكَ وصْفٌ لِحالِهِمُ السَّيِّئِ ووَعِيدٌ لَهم وتَسْلِيَةٌ لِلرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - .
وتَقَدَّمَ الكَلامُ في (اللَّهُمَّ) في سُورَةِ آلَ عِمْرانَ.
﴿ولَوْ أنَّ لِلَّذِينِ ظَلَمُوا﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى تَشْبِيهِهِ في العُقُودِ.
﴿وبَدا لَهم مِنَ اللَّهِ﴾ أيْ: كانَتْ ظُنُونُهم في الدُّنْيا مُتَفَرِّقَةً، حَسَبَ ضَلالاتِهِمْ وتَخَيُّلاتِهِمْ فِيما يَعْتَقِدُونَهُ. فَإذا عايَنُوا العَذابَ يَوْمَ القِيامَةِ، ظَهَرَ لَهم خِلافُ ما كانُوا يَظُنُّونَ، وما كانَ في حِسابِهِمْ. وقالَ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ: ويْلٌ لِأهْلِ الرِّياءِ مِن هَذِهِ الآيَةِ.
﴿وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا﴾ أيْ: جَزاءُ ما كانُوا وما في ﴿ما كَسَبُوا﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى الَّذِي، أيْ: سَيِّئاتُ أعْمالِهِمْ، وأنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، أيْ: سَيِّئاتُ كَسْبِهِمْ. والسَّيِّئاتُ: أنْواعُ العَذابِ سُمِّيَتْ سَيِّئاتٌ، كَما قالَ: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشورى: ٤٠] .
الزمر 39:42
﴿إنّا أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ لِلنّاسِ بِالحَقِّ فَمَنِ اهْتَدى فَلِنَفْسِهِ ومَن ضَلَّ فَإنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ ﴿اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها والَّتِي لَمْ تَمُتْ في مَنامِها فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْها المَوْتَ ويُرْسِلُ الأُخْرى إلى أجَلٍ مُسَمًّى إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ﴿أمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعاءَ قُلْ أوَلَوْ كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا ولا يَعْقِلُونَ﴾ ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ﴿وإذا ذُكِرَ اللَّهُ وحْدَهُ اشْمَأزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وإذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ إذا هم يَسْتَبْشِرُونَ﴾ ﴿قُلِ اللَّهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ والأرْضِ عالِمَ الغَيْبِ والشَّهادَةِ أنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ في ما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ ﴿ولَوْ أنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ما في الأرْضِ جَمِيعًا ومِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ مِن سُوءِ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ وبَدا لَهم مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ ﴿وبَدا لَهم سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ .
لَمّا كانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - يَعْظُمُ عَلَيْهِ عَدَمُ إيمانِهِمْ ورُجُوعِهِمْ إلى ما أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ، سَلّاهُ تَعالى عَنْ ذَلِكَ، وأخْبَرَهُ أنَّهُ أنْزَلَ عَلَيْهِ الكِتابَ، وهو القُرْآنُ، مَصْحُوبًا بِالحَقِّ، وهو دِينُ الإسْلامِ، لِلنّاسِ أيْ: لِأجْلِهِمْ، إذْ فِيهِ تَكالِيفُهم.
﴿فَمَنِ اهْتَدى﴾: فَثَوابُ هِدايَتِهِ إنَّما هو لَهُ، (ومَن ضَلَّ): فَعِقابُ ضَلالِهِ إنَّما هو عَلَيْهِ.
﴿وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ أيْ: فَتُجْبِرُهم عَلى الإيمانِ. قالَ قَتادَةُ: بِوَكِيلٍ: بِحَفِيظٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِلنّاسِ: لِأجْلِ حاجَتِهِمْ إلَيْهِ، لِيُبَشَّرُوا ويُنْذَرُوا. فَتَقْوى دَواعِيهِمْ إلى اخْتِيارِ الطّاعَةِ عَلى المَعْصِيَةِ، فَلا حاجَةَ لِي إلى ذَلِكَ، فَأنا الغَنِيُّ. فَمَنِ اخْتارَ الهُدى، فَقَدْ نَفَعَ نَفْسَهُ؛ ومَنِ اخْتارَ الضَّلالَةَ، فَقَدْ ضَرَّها، وما وُكِّلْتَ عَلَيْهِمْ لِتُجْبِرَهم عَلى الهُدى. فَإنَّ التَّكْلِيفَ مَبْنِيٌّ عَلى الِاخْتِيارِ دُونَ الإجْبارِ. انْتَهى، وهو عَلى مَذْهَبِ المُعْتَزِلَةِ.
ولَمّا ذَكَرَ تَعالى أنَّهُ أنْزَلَ الكِتابَ عَلى رَسُولِهِ بِالحَقِّ لِلنّاسِ، نَبَّهَ عَلى أنَّهُ مِن آياتِهِ الكُبْرى يَدُلُّ عَلى الوَحْدانِيَّةِ، لا يُشْرِكُهُ في ذَلِكَ صَنَمٌ وعَلى غَيْرِهِ
فَقالَ: ﴿اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها﴾، والأنْفُسُ هي الأرْواحُ. وقِيلَ: النَّفْسُ غَيْرُ الرُّوحِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. فالرُّوحُ لَها تَدْبِيرُ عالَمِ الحَياةِ، والنَّفْسُ لَها تَدْبِيرُ عالَمِ الإحْساسِ. وفَرَّقَتْ فِرْقَةٌ بَيْنَ نَفْسِ التَّمْيِيزِ ونَفْسِ التَّخْيِيلِ. والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ الحَدِيثُ واللُّغَةُ أنَّ النَّفْسَ والرُّوحَ مُتَرادِفانِ، وأنَّ فِراقَ ذَلِكَ مِنَ الجَسَدِ هو المَوْتُ. ومَعْنى يَتَوَفّى النَّفْسَ: يُمِيتُها، والَّتِي أيْ: والأنْفُسُ الَّتِي لَمْ تَمُتْ في مَنامِها، أيْ: يَتَوَفّاها حِينَ تَنامُ، (p-٤٣١)تَشْبِيهًا لِلنُّوامِ بِالأمْواتِ.
ومِنهُ: ﴿وهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكم بِاللَّيْلِ﴾ [الأنعام: ٦٠] . فَبَيْنَ المَيِّتِ والنّائِمِ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ، وهو كَوْنُهُما لا يُمَيِّزانِ ولا يَتَصَرَّفانِ. فَيُمْسِكُ مَن قَضى عَلَيْها المَوْتَ الحَقِيقِيَّ، ولا يَرُدُّها في وقْتِها حَيَّةً؛ ويُرْسِلُ النّائِمَةَ لِجَسَدِها إلى أجَلٍ ضَرَبَهُ لِمَوْتِها. وقِيلَ: ﴿يَتَوَفّى الأنْفُسَ﴾: يَسْتَوْفِيها ويَقْبِضُها، وهي الأنْفُسُ الَّتِي يَكُونُ مَعَها الحَياةَ والحَرَكَةَ. ويَتَوَفّى الأنْفُسَ الَّتِي لَمْ تَمُتْ في مَنامِها، وهي أنْفُسُ التَّمْيِيزِ، قالُوا: فالَّتِي تُتَوَفّى في النَّوْمِ هي نَفْسُ التَّمْيِيزِ لا نَفْسُ الحَياةِ؛ لِأنَّ نَفْسَ الحَياةِ إذا زالَتْ زالَ مَعَها النَّفَسُ. والنّائِمُ يَتَنَفَّسُ، وكَوْنُ النَّفْسِ تُقْبَضُ، والرُّوحُ في الجَسَدِ حالَةَ النَّوْمِ، بِدَلِيلِ أنَّهُ يَتَقَلَّبُ ويَتَنَفَّسُ، هو قَوْلُ الأكْثَرِينَ. ودَلَّ عَلى التَّغايُرِ وكَوْنِها شَيْئًا واحِدًا هو قَوْلُ ابْنِ جُبَيْرٍ وأحَدُ قَوْلَيِ ابْنِ عَبّاسٍ: والخَوْضُ في هَذا، وطَلَبُ إدْراكِ ذَلِكَ عَلى جَلِيَّتِهِ عَناءٌ ولا يُوصَلُ إلى ذَلِكَ.
﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيْ: في تَوَفِّي الأنْفُسِ مائِتَةً ونائِمَةً، وإمْساكِها وإرْسالِها إلى أجَلٍ، (لَآياتٍ): لَعَلاماتٍ دالَّةٍ عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ وعِلْمِهِ، (لِقَوْمٍ) يُجِيلُونَ فِيهِ أفْكارَهم ويَعْتَبِرُونَ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: (قَضى) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، (المَوْتَ): نَصْبًا؛ وابْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ، وطَلْحَةُ، وعِيسى، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ؛ (المَوْتُ) رَفْعًا. فَأمْ مُنْقَطِعَةٌ تُقَدَّرُ بِبَلْ والهَمْزَةِ، وهو تَقْرِيرٌ وتَوْبِيخٌ. وكانُوا يَقُولُونَ: هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَنا، والشَّفاعَةُ إنَّما هي لِمَنِ ارْتَضاهُ اللَّهُ وبِإذْنِهِ تَعالى، وهَذا مَفْقُودٌ في آلِهَتِهِمْ. و(أوَلَوْ) مَعْناهُ: أيَتَّخِذُونَهم شُفَعاءَهم بِهَذِهِ المَثابَةِ مِن كَوْنِهِمْ لا يَعْقِلُونَ ولا يَمْلِكُونَ شَيْئًا، وذَلِكَ عامُّ النَّقْصِ، فَكَيْفَ يَشْفَعُ هَؤُلاءِ ؟ وتَقَدَّمَ لَنا الكَلامُ في أوَلَوْ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مَتى دَخَلَتْ ألِفُ الِاسْتِفْهامِ عَلى واوِ العَطْفِ أوْ فائِهِ أحْدَثَتْ مَعْنى التَّقْرِيرِ. انْتَهى.
وإذا كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا، فَكَيْفَ يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ ؟ وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ أيْ: ولَوْ كانُوا عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا قَطُّ حَتّى يَمْلِكُوا الشَّفاعَةَ، ولا عَقْلَ لَهم. انْتَهى.
فَأتى بِقَوْلِهِ: قَطُّ، بَعْدَ قَوْلِهِ: لا يَمْلِكُونَ، ولَيْسَ بِفِعْلٍ ماضٍ، وقَطُّ ظَرْفٌ يُسْتَعْمَلُ مَعَ الماضِي لا مَعَ غَيْرِهِ، وقَدْ تَكَرَّرَ لِلزَّمَخْشَرِيِّ هَذا الِاسْتِعْمالُ، ولَيْسَ بِاسْتِعْمالٍ عَرَبِيٍّ.
﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعًا﴾: فَهو مالِكُها، يَأْذَنُ فِيها لِمَن يَشاءُ ثُمَّ أتى بِعامٍّ وهو: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾، فانْدَرَجَ فِيهِ مِلْكُ الشَّفاعَةِ. ولَمّا كانَتِ الشَّفاعَةُ مِن غَيْرِهِ مَوْقُوفَةً عَلى إذْنِهِ، كانَتِ الشَّفاعَةُ كُلُّها لَهُ. ولَمّا أخْبَرَ أنَّهُ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ، هَدَّدَهم بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾، فَيَعْلَمُونَ أنَّهم لا يَشْفَعُونَ، ويَخِيبُ سَعْيُكم في عِبادَتِهِمْ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَعْناهُ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ اليَوْمَ، ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ يَوْمَ القِيامَةِ، فَلا يَكُونُ المُلْكُ في ذَلِكَ إلّا لَهُ، فَلَهُ مُلْكُ الدُّنْيا والآخِرَةِ.
﴿وإذا ذُكِرَ اللَّهُ وحْدَهُ﴾ أيْ: مُفْرَدًا بِالذِّكْرِ، ولَمْ يُذْكَرْ مَعَ آلِهَتِهِمْ. وقِيلَ: إذا قِيلَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، ﴿وإذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾، وهي الأصْنامُ.
والِاشْمِئْزازُ والِاسْتِبْشارُ مُتَقابِلانِ غايَةً؛ لِأنَّ الِاشْمِئْزازَ: امْتِلاءُ القَلْبِ غَمًّا وغَيْظًا، فَيَظْهَرُ أثَرُهُ، وهو الِانْقِباضُ في الوَجْهِ، والِاسْتِبْشارُ: امْتِلاؤُهُ سُرُورًا، فَيَظْهَرُ أثَرُهُ، وهو الِانْبِساطُ، والتَّهَلُّلُ في الوَجْهِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): ما العامِلُ في وإذا ذُكِرَ ؟ (قُلْتُ): العامِلُ في إذا الفُجائِيَّةِ تَقْدِيرُهُ: وقْتُ ذِكْرِ الَّذِينَ مِن دُونِهِ فاجَأُوا الِاسْتِبْشارَ.
وقالَ الحَوْفِيُّ: ﴿إذا هم يَسْتَبْشِرُونَ﴾، إذا مُضافَةٌ إلى الِابْتِلاءِ والخَبَرِ، وإذا مُكَرَّرَةٌ لِلتَّوْكِيدِ وحُذِفَ ما تُضافُ إلَيْهِ، والتَّقْدِيرُ: إذا كانَ ذَلِكَ هم يَسْتَبْشِرُونَ، فَيَكُونُ هم يَسْتَبْشِرُونَ العامِلَ في إذا، المَعْنى: إذا كانَ ذَلِكَ اسْتَبْشَرُوا. انْتَهى.
أمّا قَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ: فَلا أعْلَمُهُ مِن قَوْلِ مَن يَنْتَمِي لِلنَّحْوِ، وهو أنَّ الظَّرْفَيْنِ مَعْمُولانِ لِعامِلٍ واحِدٍ، ثُمَّ إذا الأُولى يَنْتَصِبُ عَلى الظَّرْفِ، والثّانِيَةُ عَلى المَفْعُولِ بِهِ.
وأمّا قَوْلُ الحَوْفِيِّ فَبَعِيدٌ جِدًّا عَنِ الصَّوابِ، إذْ جَعَلَ إذا مُضافَةً إلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ، ثُمَّ قالَ: وإذا مُكَرَّرَةٌ لِلتَّوْكِيدِ وحُذِفَ ما تُضافُ إلَيْهِ، فَكَيْفَ تَكُونُ مُضافَةً إلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ الَّذِي هم (p-٤٣٢)يَسْتَبْشِرُونَ ؟ وهَذا كُلُّهُ يُوجِبُهُ عَدَمُ الإتْقانِ لِعِلْمِ النَّحْوِ والتَّحَدُّثِ فِيهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ لَنا في مَواضِعِ إذا الَّتِي لِلْمُفاجَأةِ جَوابًا لِإذا الشَّرْطِيَّةِ، وقَدْ قَرَّرْنا في عِلْمِ النَّحْوِ الَّذِي كَتَبْناهُ أنَّ إذا الشَّرْطِيَّةَ لَيْسَتْ مُضافَةً إلى الجُمْلَةِ الَّتِي تَلِيها، وإنْ كانَ مَذْهَبَ الأكْثَرِينَ، وأنَّها لَيْسَتْ بِمَعْمُولَةٍ لِلْجَوابِ، وأقَمْنا الدَّلِيلَ عَلى ذَلِكَ، بَلْ هي مَعْمُولَةٌ لِلْفِعْلِ الَّذِي يَلِيها، كَسائِرِ أسْماءِ الشَّرْطِيَّةِ الظَّرْفِيَّةِ، وإذا الفُجائِيَّةُ رابِطَةٌ لِجُمْلَةِ الجَزاءِ بِجُمْلَةِ الشَّرْطِ، كالفاءِ؛ وهي مَعْمُولَةٌ لِما بَعْدَها. إنْ قُلْنا إنَّها ظَرْفٌ، سَواءٌ كانَ زَمانًا أوْ مَكانًا. ومَن قالَ إنَّها حَرْفٌ، فَلا يَعْمَلُ فِيها شَيْءٌ، فَإذا الأُولى مَعْمُولَةٌ لِذِكْرِهِمْ، والثّانِيَةُ مَعْمُولَةٌ لَيَسْتَبْشِرُونَ.
ولَمّا أخْبَرَ عَنْ سَخافَةِ عُقُولِهِمْ بِاشْمِئْزازِهِمْ مِن ذِكْرِ اللَّهِ، واسْتِبْشارِهِمْ بِذِكْرِ الأصْنامِ، أمَرَهُ أنْ يَدْعُوَ بِأسْماءِ اللَّهِ العُظْمى مِنَ القُدْرَةِ والعِلْمِ ونِسْبَةِ الحُكْمِ إلَيْهِ، إذْ غَيْرُهُ لا قُدْرَةَ لَهُ ولا عِلْمَ تامَّ ولا حُكْمَ، وفي ذَلِكَ وصْفٌ لِحالِهِمُ السَّيِّئِ ووَعِيدٌ لَهم وتَسْلِيَةٌ لِلرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - .
وتَقَدَّمَ الكَلامُ في (اللَّهُمَّ) في سُورَةِ آلَ عِمْرانَ.
﴿ولَوْ أنَّ لِلَّذِينِ ظَلَمُوا﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى تَشْبِيهِهِ في العُقُودِ.
﴿وبَدا لَهم مِنَ اللَّهِ﴾ أيْ: كانَتْ ظُنُونُهم في الدُّنْيا مُتَفَرِّقَةً، حَسَبَ ضَلالاتِهِمْ وتَخَيُّلاتِهِمْ فِيما يَعْتَقِدُونَهُ. فَإذا عايَنُوا العَذابَ يَوْمَ القِيامَةِ، ظَهَرَ لَهم خِلافُ ما كانُوا يَظُنُّونَ، وما كانَ في حِسابِهِمْ. وقالَ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ: ويْلٌ لِأهْلِ الرِّياءِ مِن هَذِهِ الآيَةِ.
﴿وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا﴾ أيْ: جَزاءُ ما كانُوا وما في ﴿ما كَسَبُوا﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى الَّذِي، أيْ: سَيِّئاتُ أعْمالِهِمْ، وأنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، أيْ: سَيِّئاتُ كَسْبِهِمْ. والسَّيِّئاتُ: أنْواعُ العَذابِ سُمِّيَتْ سَيِّئاتٌ، كَما قالَ: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشورى: ٤٠] .
الزمر 39:43
﴿إنّا أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ لِلنّاسِ بِالحَقِّ فَمَنِ اهْتَدى فَلِنَفْسِهِ ومَن ضَلَّ فَإنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ ﴿اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها والَّتِي لَمْ تَمُتْ في مَنامِها فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْها المَوْتَ ويُرْسِلُ الأُخْرى إلى أجَلٍ مُسَمًّى إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ﴿أمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعاءَ قُلْ أوَلَوْ كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا ولا يَعْقِلُونَ﴾ ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ﴿وإذا ذُكِرَ اللَّهُ وحْدَهُ اشْمَأزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وإذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ إذا هم يَسْتَبْشِرُونَ﴾ ﴿قُلِ اللَّهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ والأرْضِ عالِمَ الغَيْبِ والشَّهادَةِ أنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ في ما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ ﴿ولَوْ أنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ما في الأرْضِ جَمِيعًا ومِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ مِن سُوءِ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ وبَدا لَهم مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ ﴿وبَدا لَهم سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ .
لَمّا كانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - يَعْظُمُ عَلَيْهِ عَدَمُ إيمانِهِمْ ورُجُوعِهِمْ إلى ما أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ، سَلّاهُ تَعالى عَنْ ذَلِكَ، وأخْبَرَهُ أنَّهُ أنْزَلَ عَلَيْهِ الكِتابَ، وهو القُرْآنُ، مَصْحُوبًا بِالحَقِّ، وهو دِينُ الإسْلامِ، لِلنّاسِ أيْ: لِأجْلِهِمْ، إذْ فِيهِ تَكالِيفُهم.
﴿فَمَنِ اهْتَدى﴾: فَثَوابُ هِدايَتِهِ إنَّما هو لَهُ، (ومَن ضَلَّ): فَعِقابُ ضَلالِهِ إنَّما هو عَلَيْهِ.
﴿وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ أيْ: فَتُجْبِرُهم عَلى الإيمانِ. قالَ قَتادَةُ: بِوَكِيلٍ: بِحَفِيظٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِلنّاسِ: لِأجْلِ حاجَتِهِمْ إلَيْهِ، لِيُبَشَّرُوا ويُنْذَرُوا. فَتَقْوى دَواعِيهِمْ إلى اخْتِيارِ الطّاعَةِ عَلى المَعْصِيَةِ، فَلا حاجَةَ لِي إلى ذَلِكَ، فَأنا الغَنِيُّ. فَمَنِ اخْتارَ الهُدى، فَقَدْ نَفَعَ نَفْسَهُ؛ ومَنِ اخْتارَ الضَّلالَةَ، فَقَدْ ضَرَّها، وما وُكِّلْتَ عَلَيْهِمْ لِتُجْبِرَهم عَلى الهُدى. فَإنَّ التَّكْلِيفَ مَبْنِيٌّ عَلى الِاخْتِيارِ دُونَ الإجْبارِ. انْتَهى، وهو عَلى مَذْهَبِ المُعْتَزِلَةِ.
ولَمّا ذَكَرَ تَعالى أنَّهُ أنْزَلَ الكِتابَ عَلى رَسُولِهِ بِالحَقِّ لِلنّاسِ، نَبَّهَ عَلى أنَّهُ مِن آياتِهِ الكُبْرى يَدُلُّ عَلى الوَحْدانِيَّةِ، لا يُشْرِكُهُ في ذَلِكَ صَنَمٌ وعَلى غَيْرِهِ
فَقالَ: ﴿اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها﴾، والأنْفُسُ هي الأرْواحُ. وقِيلَ: النَّفْسُ غَيْرُ الرُّوحِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. فالرُّوحُ لَها تَدْبِيرُ عالَمِ الحَياةِ، والنَّفْسُ لَها تَدْبِيرُ عالَمِ الإحْساسِ. وفَرَّقَتْ فِرْقَةٌ بَيْنَ نَفْسِ التَّمْيِيزِ ونَفْسِ التَّخْيِيلِ. والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ الحَدِيثُ واللُّغَةُ أنَّ النَّفْسَ والرُّوحَ مُتَرادِفانِ، وأنَّ فِراقَ ذَلِكَ مِنَ الجَسَدِ هو المَوْتُ. ومَعْنى يَتَوَفّى النَّفْسَ: يُمِيتُها، والَّتِي أيْ: والأنْفُسُ الَّتِي لَمْ تَمُتْ في مَنامِها، أيْ: يَتَوَفّاها حِينَ تَنامُ، (p-٤٣١)تَشْبِيهًا لِلنُّوامِ بِالأمْواتِ.
ومِنهُ: ﴿وهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكم بِاللَّيْلِ﴾ [الأنعام: ٦٠] . فَبَيْنَ المَيِّتِ والنّائِمِ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ، وهو كَوْنُهُما لا يُمَيِّزانِ ولا يَتَصَرَّفانِ. فَيُمْسِكُ مَن قَضى عَلَيْها المَوْتَ الحَقِيقِيَّ، ولا يَرُدُّها في وقْتِها حَيَّةً؛ ويُرْسِلُ النّائِمَةَ لِجَسَدِها إلى أجَلٍ ضَرَبَهُ لِمَوْتِها. وقِيلَ: ﴿يَتَوَفّى الأنْفُسَ﴾: يَسْتَوْفِيها ويَقْبِضُها، وهي الأنْفُسُ الَّتِي يَكُونُ مَعَها الحَياةَ والحَرَكَةَ. ويَتَوَفّى الأنْفُسَ الَّتِي لَمْ تَمُتْ في مَنامِها، وهي أنْفُسُ التَّمْيِيزِ، قالُوا: فالَّتِي تُتَوَفّى في النَّوْمِ هي نَفْسُ التَّمْيِيزِ لا نَفْسُ الحَياةِ؛ لِأنَّ نَفْسَ الحَياةِ إذا زالَتْ زالَ مَعَها النَّفَسُ. والنّائِمُ يَتَنَفَّسُ، وكَوْنُ النَّفْسِ تُقْبَضُ، والرُّوحُ في الجَسَدِ حالَةَ النَّوْمِ، بِدَلِيلِ أنَّهُ يَتَقَلَّبُ ويَتَنَفَّسُ، هو قَوْلُ الأكْثَرِينَ. ودَلَّ عَلى التَّغايُرِ وكَوْنِها شَيْئًا واحِدًا هو قَوْلُ ابْنِ جُبَيْرٍ وأحَدُ قَوْلَيِ ابْنِ عَبّاسٍ: والخَوْضُ في هَذا، وطَلَبُ إدْراكِ ذَلِكَ عَلى جَلِيَّتِهِ عَناءٌ ولا يُوصَلُ إلى ذَلِكَ.
﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيْ: في تَوَفِّي الأنْفُسِ مائِتَةً ونائِمَةً، وإمْساكِها وإرْسالِها إلى أجَلٍ، (لَآياتٍ): لَعَلاماتٍ دالَّةٍ عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ وعِلْمِهِ، (لِقَوْمٍ) يُجِيلُونَ فِيهِ أفْكارَهم ويَعْتَبِرُونَ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: (قَضى) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، (المَوْتَ): نَصْبًا؛ وابْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ، وطَلْحَةُ، وعِيسى، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ؛ (المَوْتُ) رَفْعًا. فَأمْ مُنْقَطِعَةٌ تُقَدَّرُ بِبَلْ والهَمْزَةِ، وهو تَقْرِيرٌ وتَوْبِيخٌ. وكانُوا يَقُولُونَ: هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَنا، والشَّفاعَةُ إنَّما هي لِمَنِ ارْتَضاهُ اللَّهُ وبِإذْنِهِ تَعالى، وهَذا مَفْقُودٌ في آلِهَتِهِمْ. و(أوَلَوْ) مَعْناهُ: أيَتَّخِذُونَهم شُفَعاءَهم بِهَذِهِ المَثابَةِ مِن كَوْنِهِمْ لا يَعْقِلُونَ ولا يَمْلِكُونَ شَيْئًا، وذَلِكَ عامُّ النَّقْصِ، فَكَيْفَ يَشْفَعُ هَؤُلاءِ ؟ وتَقَدَّمَ لَنا الكَلامُ في أوَلَوْ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مَتى دَخَلَتْ ألِفُ الِاسْتِفْهامِ عَلى واوِ العَطْفِ أوْ فائِهِ أحْدَثَتْ مَعْنى التَّقْرِيرِ. انْتَهى.
وإذا كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا، فَكَيْفَ يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ ؟ وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ أيْ: ولَوْ كانُوا عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا قَطُّ حَتّى يَمْلِكُوا الشَّفاعَةَ، ولا عَقْلَ لَهم. انْتَهى.
فَأتى بِقَوْلِهِ: قَطُّ، بَعْدَ قَوْلِهِ: لا يَمْلِكُونَ، ولَيْسَ بِفِعْلٍ ماضٍ، وقَطُّ ظَرْفٌ يُسْتَعْمَلُ مَعَ الماضِي لا مَعَ غَيْرِهِ، وقَدْ تَكَرَّرَ لِلزَّمَخْشَرِيِّ هَذا الِاسْتِعْمالُ، ولَيْسَ بِاسْتِعْمالٍ عَرَبِيٍّ.
﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعًا﴾: فَهو مالِكُها، يَأْذَنُ فِيها لِمَن يَشاءُ ثُمَّ أتى بِعامٍّ وهو: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾، فانْدَرَجَ فِيهِ مِلْكُ الشَّفاعَةِ. ولَمّا كانَتِ الشَّفاعَةُ مِن غَيْرِهِ مَوْقُوفَةً عَلى إذْنِهِ، كانَتِ الشَّفاعَةُ كُلُّها لَهُ. ولَمّا أخْبَرَ أنَّهُ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ، هَدَّدَهم بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾، فَيَعْلَمُونَ أنَّهم لا يَشْفَعُونَ، ويَخِيبُ سَعْيُكم في عِبادَتِهِمْ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَعْناهُ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ اليَوْمَ، ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ يَوْمَ القِيامَةِ، فَلا يَكُونُ المُلْكُ في ذَلِكَ إلّا لَهُ، فَلَهُ مُلْكُ الدُّنْيا والآخِرَةِ.
﴿وإذا ذُكِرَ اللَّهُ وحْدَهُ﴾ أيْ: مُفْرَدًا بِالذِّكْرِ، ولَمْ يُذْكَرْ مَعَ آلِهَتِهِمْ. وقِيلَ: إذا قِيلَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، ﴿وإذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾، وهي الأصْنامُ.
والِاشْمِئْزازُ والِاسْتِبْشارُ مُتَقابِلانِ غايَةً؛ لِأنَّ الِاشْمِئْزازَ: امْتِلاءُ القَلْبِ غَمًّا وغَيْظًا، فَيَظْهَرُ أثَرُهُ، وهو الِانْقِباضُ في الوَجْهِ، والِاسْتِبْشارُ: امْتِلاؤُهُ سُرُورًا، فَيَظْهَرُ أثَرُهُ، وهو الِانْبِساطُ، والتَّهَلُّلُ في الوَجْهِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): ما العامِلُ في وإذا ذُكِرَ ؟ (قُلْتُ): العامِلُ في إذا الفُجائِيَّةِ تَقْدِيرُهُ: وقْتُ ذِكْرِ الَّذِينَ مِن دُونِهِ فاجَأُوا الِاسْتِبْشارَ.
وقالَ الحَوْفِيُّ: ﴿إذا هم يَسْتَبْشِرُونَ﴾، إذا مُضافَةٌ إلى الِابْتِلاءِ والخَبَرِ، وإذا مُكَرَّرَةٌ لِلتَّوْكِيدِ وحُذِفَ ما تُضافُ إلَيْهِ، والتَّقْدِيرُ: إذا كانَ ذَلِكَ هم يَسْتَبْشِرُونَ، فَيَكُونُ هم يَسْتَبْشِرُونَ العامِلَ في إذا، المَعْنى: إذا كانَ ذَلِكَ اسْتَبْشَرُوا. انْتَهى.
أمّا قَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ: فَلا أعْلَمُهُ مِن قَوْلِ مَن يَنْتَمِي لِلنَّحْوِ، وهو أنَّ الظَّرْفَيْنِ مَعْمُولانِ لِعامِلٍ واحِدٍ، ثُمَّ إذا الأُولى يَنْتَصِبُ عَلى الظَّرْفِ، والثّانِيَةُ عَلى المَفْعُولِ بِهِ.
وأمّا قَوْلُ الحَوْفِيِّ فَبَعِيدٌ جِدًّا عَنِ الصَّوابِ، إذْ جَعَلَ إذا مُضافَةً إلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ، ثُمَّ قالَ: وإذا مُكَرَّرَةٌ لِلتَّوْكِيدِ وحُذِفَ ما تُضافُ إلَيْهِ، فَكَيْفَ تَكُونُ مُضافَةً إلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ الَّذِي هم (p-٤٣٢)يَسْتَبْشِرُونَ ؟ وهَذا كُلُّهُ يُوجِبُهُ عَدَمُ الإتْقانِ لِعِلْمِ النَّحْوِ والتَّحَدُّثِ فِيهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ لَنا في مَواضِعِ إذا الَّتِي لِلْمُفاجَأةِ جَوابًا لِإذا الشَّرْطِيَّةِ، وقَدْ قَرَّرْنا في عِلْمِ النَّحْوِ الَّذِي كَتَبْناهُ أنَّ إذا الشَّرْطِيَّةَ لَيْسَتْ مُضافَةً إلى الجُمْلَةِ الَّتِي تَلِيها، وإنْ كانَ مَذْهَبَ الأكْثَرِينَ، وأنَّها لَيْسَتْ بِمَعْمُولَةٍ لِلْجَوابِ، وأقَمْنا الدَّلِيلَ عَلى ذَلِكَ، بَلْ هي مَعْمُولَةٌ لِلْفِعْلِ الَّذِي يَلِيها، كَسائِرِ أسْماءِ الشَّرْطِيَّةِ الظَّرْفِيَّةِ، وإذا الفُجائِيَّةُ رابِطَةٌ لِجُمْلَةِ الجَزاءِ بِجُمْلَةِ الشَّرْطِ، كالفاءِ؛ وهي مَعْمُولَةٌ لِما بَعْدَها. إنْ قُلْنا إنَّها ظَرْفٌ، سَواءٌ كانَ زَمانًا أوْ مَكانًا. ومَن قالَ إنَّها حَرْفٌ، فَلا يَعْمَلُ فِيها شَيْءٌ، فَإذا الأُولى مَعْمُولَةٌ لِذِكْرِهِمْ، والثّانِيَةُ مَعْمُولَةٌ لَيَسْتَبْشِرُونَ.
ولَمّا أخْبَرَ عَنْ سَخافَةِ عُقُولِهِمْ بِاشْمِئْزازِهِمْ مِن ذِكْرِ اللَّهِ، واسْتِبْشارِهِمْ بِذِكْرِ الأصْنامِ، أمَرَهُ أنْ يَدْعُوَ بِأسْماءِ اللَّهِ العُظْمى مِنَ القُدْرَةِ والعِلْمِ ونِسْبَةِ الحُكْمِ إلَيْهِ، إذْ غَيْرُهُ لا قُدْرَةَ لَهُ ولا عِلْمَ تامَّ ولا حُكْمَ، وفي ذَلِكَ وصْفٌ لِحالِهِمُ السَّيِّئِ ووَعِيدٌ لَهم وتَسْلِيَةٌ لِلرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - .
وتَقَدَّمَ الكَلامُ في (اللَّهُمَّ) في سُورَةِ آلَ عِمْرانَ.
﴿ولَوْ أنَّ لِلَّذِينِ ظَلَمُوا﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى تَشْبِيهِهِ في العُقُودِ.
﴿وبَدا لَهم مِنَ اللَّهِ﴾ أيْ: كانَتْ ظُنُونُهم في الدُّنْيا مُتَفَرِّقَةً، حَسَبَ ضَلالاتِهِمْ وتَخَيُّلاتِهِمْ فِيما يَعْتَقِدُونَهُ. فَإذا عايَنُوا العَذابَ يَوْمَ القِيامَةِ، ظَهَرَ لَهم خِلافُ ما كانُوا يَظُنُّونَ، وما كانَ في حِسابِهِمْ. وقالَ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ: ويْلٌ لِأهْلِ الرِّياءِ مِن هَذِهِ الآيَةِ.
﴿وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا﴾ أيْ: جَزاءُ ما كانُوا وما في ﴿ما كَسَبُوا﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى الَّذِي، أيْ: سَيِّئاتُ أعْمالِهِمْ، وأنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، أيْ: سَيِّئاتُ كَسْبِهِمْ. والسَّيِّئاتُ: أنْواعُ العَذابِ سُمِّيَتْ سَيِّئاتٌ، كَما قالَ: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشورى: ٤٠] .
الزمر 39:44
﴿إنّا أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ لِلنّاسِ بِالحَقِّ فَمَنِ اهْتَدى فَلِنَفْسِهِ ومَن ضَلَّ فَإنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ ﴿اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها والَّتِي لَمْ تَمُتْ في مَنامِها فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْها المَوْتَ ويُرْسِلُ الأُخْرى إلى أجَلٍ مُسَمًّى إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ﴿أمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعاءَ قُلْ أوَلَوْ كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا ولا يَعْقِلُونَ﴾ ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ﴿وإذا ذُكِرَ اللَّهُ وحْدَهُ اشْمَأزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وإذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ إذا هم يَسْتَبْشِرُونَ﴾ ﴿قُلِ اللَّهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ والأرْضِ عالِمَ الغَيْبِ والشَّهادَةِ أنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ في ما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ ﴿ولَوْ أنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ما في الأرْضِ جَمِيعًا ومِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ مِن سُوءِ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ وبَدا لَهم مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ ﴿وبَدا لَهم سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ .
لَمّا كانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - يَعْظُمُ عَلَيْهِ عَدَمُ إيمانِهِمْ ورُجُوعِهِمْ إلى ما أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ، سَلّاهُ تَعالى عَنْ ذَلِكَ، وأخْبَرَهُ أنَّهُ أنْزَلَ عَلَيْهِ الكِتابَ، وهو القُرْآنُ، مَصْحُوبًا بِالحَقِّ، وهو دِينُ الإسْلامِ، لِلنّاسِ أيْ: لِأجْلِهِمْ، إذْ فِيهِ تَكالِيفُهم.
﴿فَمَنِ اهْتَدى﴾: فَثَوابُ هِدايَتِهِ إنَّما هو لَهُ، (ومَن ضَلَّ): فَعِقابُ ضَلالِهِ إنَّما هو عَلَيْهِ.
﴿وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ أيْ: فَتُجْبِرُهم عَلى الإيمانِ. قالَ قَتادَةُ: بِوَكِيلٍ: بِحَفِيظٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِلنّاسِ: لِأجْلِ حاجَتِهِمْ إلَيْهِ، لِيُبَشَّرُوا ويُنْذَرُوا. فَتَقْوى دَواعِيهِمْ إلى اخْتِيارِ الطّاعَةِ عَلى المَعْصِيَةِ، فَلا حاجَةَ لِي إلى ذَلِكَ، فَأنا الغَنِيُّ. فَمَنِ اخْتارَ الهُدى، فَقَدْ نَفَعَ نَفْسَهُ؛ ومَنِ اخْتارَ الضَّلالَةَ، فَقَدْ ضَرَّها، وما وُكِّلْتَ عَلَيْهِمْ لِتُجْبِرَهم عَلى الهُدى. فَإنَّ التَّكْلِيفَ مَبْنِيٌّ عَلى الِاخْتِيارِ دُونَ الإجْبارِ. انْتَهى، وهو عَلى مَذْهَبِ المُعْتَزِلَةِ.
ولَمّا ذَكَرَ تَعالى أنَّهُ أنْزَلَ الكِتابَ عَلى رَسُولِهِ بِالحَقِّ لِلنّاسِ، نَبَّهَ عَلى أنَّهُ مِن آياتِهِ الكُبْرى يَدُلُّ عَلى الوَحْدانِيَّةِ، لا يُشْرِكُهُ في ذَلِكَ صَنَمٌ وعَلى غَيْرِهِ
فَقالَ: ﴿اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها﴾، والأنْفُسُ هي الأرْواحُ. وقِيلَ: النَّفْسُ غَيْرُ الرُّوحِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. فالرُّوحُ لَها تَدْبِيرُ عالَمِ الحَياةِ، والنَّفْسُ لَها تَدْبِيرُ عالَمِ الإحْساسِ. وفَرَّقَتْ فِرْقَةٌ بَيْنَ نَفْسِ التَّمْيِيزِ ونَفْسِ التَّخْيِيلِ. والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ الحَدِيثُ واللُّغَةُ أنَّ النَّفْسَ والرُّوحَ مُتَرادِفانِ، وأنَّ فِراقَ ذَلِكَ مِنَ الجَسَدِ هو المَوْتُ. ومَعْنى يَتَوَفّى النَّفْسَ: يُمِيتُها، والَّتِي أيْ: والأنْفُسُ الَّتِي لَمْ تَمُتْ في مَنامِها، أيْ: يَتَوَفّاها حِينَ تَنامُ، (p-٤٣١)تَشْبِيهًا لِلنُّوامِ بِالأمْواتِ.
ومِنهُ: ﴿وهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكم بِاللَّيْلِ﴾ [الأنعام: ٦٠] . فَبَيْنَ المَيِّتِ والنّائِمِ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ، وهو كَوْنُهُما لا يُمَيِّزانِ ولا يَتَصَرَّفانِ. فَيُمْسِكُ مَن قَضى عَلَيْها المَوْتَ الحَقِيقِيَّ، ولا يَرُدُّها في وقْتِها حَيَّةً؛ ويُرْسِلُ النّائِمَةَ لِجَسَدِها إلى أجَلٍ ضَرَبَهُ لِمَوْتِها. وقِيلَ: ﴿يَتَوَفّى الأنْفُسَ﴾: يَسْتَوْفِيها ويَقْبِضُها، وهي الأنْفُسُ الَّتِي يَكُونُ مَعَها الحَياةَ والحَرَكَةَ. ويَتَوَفّى الأنْفُسَ الَّتِي لَمْ تَمُتْ في مَنامِها، وهي أنْفُسُ التَّمْيِيزِ، قالُوا: فالَّتِي تُتَوَفّى في النَّوْمِ هي نَفْسُ التَّمْيِيزِ لا نَفْسُ الحَياةِ؛ لِأنَّ نَفْسَ الحَياةِ إذا زالَتْ زالَ مَعَها النَّفَسُ. والنّائِمُ يَتَنَفَّسُ، وكَوْنُ النَّفْسِ تُقْبَضُ، والرُّوحُ في الجَسَدِ حالَةَ النَّوْمِ، بِدَلِيلِ أنَّهُ يَتَقَلَّبُ ويَتَنَفَّسُ، هو قَوْلُ الأكْثَرِينَ. ودَلَّ عَلى التَّغايُرِ وكَوْنِها شَيْئًا واحِدًا هو قَوْلُ ابْنِ جُبَيْرٍ وأحَدُ قَوْلَيِ ابْنِ عَبّاسٍ: والخَوْضُ في هَذا، وطَلَبُ إدْراكِ ذَلِكَ عَلى جَلِيَّتِهِ عَناءٌ ولا يُوصَلُ إلى ذَلِكَ.
﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيْ: في تَوَفِّي الأنْفُسِ مائِتَةً ونائِمَةً، وإمْساكِها وإرْسالِها إلى أجَلٍ، (لَآياتٍ): لَعَلاماتٍ دالَّةٍ عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ وعِلْمِهِ، (لِقَوْمٍ) يُجِيلُونَ فِيهِ أفْكارَهم ويَعْتَبِرُونَ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: (قَضى) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، (المَوْتَ): نَصْبًا؛ وابْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ، وطَلْحَةُ، وعِيسى، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ؛ (المَوْتُ) رَفْعًا. فَأمْ مُنْقَطِعَةٌ تُقَدَّرُ بِبَلْ والهَمْزَةِ، وهو تَقْرِيرٌ وتَوْبِيخٌ. وكانُوا يَقُولُونَ: هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَنا، والشَّفاعَةُ إنَّما هي لِمَنِ ارْتَضاهُ اللَّهُ وبِإذْنِهِ تَعالى، وهَذا مَفْقُودٌ في آلِهَتِهِمْ. و(أوَلَوْ) مَعْناهُ: أيَتَّخِذُونَهم شُفَعاءَهم بِهَذِهِ المَثابَةِ مِن كَوْنِهِمْ لا يَعْقِلُونَ ولا يَمْلِكُونَ شَيْئًا، وذَلِكَ عامُّ النَّقْصِ، فَكَيْفَ يَشْفَعُ هَؤُلاءِ ؟ وتَقَدَّمَ لَنا الكَلامُ في أوَلَوْ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مَتى دَخَلَتْ ألِفُ الِاسْتِفْهامِ عَلى واوِ العَطْفِ أوْ فائِهِ أحْدَثَتْ مَعْنى التَّقْرِيرِ. انْتَهى.
وإذا كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا، فَكَيْفَ يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ ؟ وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ أيْ: ولَوْ كانُوا عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا قَطُّ حَتّى يَمْلِكُوا الشَّفاعَةَ، ولا عَقْلَ لَهم. انْتَهى.
فَأتى بِقَوْلِهِ: قَطُّ، بَعْدَ قَوْلِهِ: لا يَمْلِكُونَ، ولَيْسَ بِفِعْلٍ ماضٍ، وقَطُّ ظَرْفٌ يُسْتَعْمَلُ مَعَ الماضِي لا مَعَ غَيْرِهِ، وقَدْ تَكَرَّرَ لِلزَّمَخْشَرِيِّ هَذا الِاسْتِعْمالُ، ولَيْسَ بِاسْتِعْمالٍ عَرَبِيٍّ.
﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعًا﴾: فَهو مالِكُها، يَأْذَنُ فِيها لِمَن يَشاءُ ثُمَّ أتى بِعامٍّ وهو: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾، فانْدَرَجَ فِيهِ مِلْكُ الشَّفاعَةِ. ولَمّا كانَتِ الشَّفاعَةُ مِن غَيْرِهِ مَوْقُوفَةً عَلى إذْنِهِ، كانَتِ الشَّفاعَةُ كُلُّها لَهُ. ولَمّا أخْبَرَ أنَّهُ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ، هَدَّدَهم بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾، فَيَعْلَمُونَ أنَّهم لا يَشْفَعُونَ، ويَخِيبُ سَعْيُكم في عِبادَتِهِمْ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَعْناهُ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ اليَوْمَ، ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ يَوْمَ القِيامَةِ، فَلا يَكُونُ المُلْكُ في ذَلِكَ إلّا لَهُ، فَلَهُ مُلْكُ الدُّنْيا والآخِرَةِ.
﴿وإذا ذُكِرَ اللَّهُ وحْدَهُ﴾ أيْ: مُفْرَدًا بِالذِّكْرِ، ولَمْ يُذْكَرْ مَعَ آلِهَتِهِمْ. وقِيلَ: إذا قِيلَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، ﴿وإذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾، وهي الأصْنامُ.
والِاشْمِئْزازُ والِاسْتِبْشارُ مُتَقابِلانِ غايَةً؛ لِأنَّ الِاشْمِئْزازَ: امْتِلاءُ القَلْبِ غَمًّا وغَيْظًا، فَيَظْهَرُ أثَرُهُ، وهو الِانْقِباضُ في الوَجْهِ، والِاسْتِبْشارُ: امْتِلاؤُهُ سُرُورًا، فَيَظْهَرُ أثَرُهُ، وهو الِانْبِساطُ، والتَّهَلُّلُ في الوَجْهِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): ما العامِلُ في وإذا ذُكِرَ ؟ (قُلْتُ): العامِلُ في إذا الفُجائِيَّةِ تَقْدِيرُهُ: وقْتُ ذِكْرِ الَّذِينَ مِن دُونِهِ فاجَأُوا الِاسْتِبْشارَ.
وقالَ الحَوْفِيُّ: ﴿إذا هم يَسْتَبْشِرُونَ﴾، إذا مُضافَةٌ إلى الِابْتِلاءِ والخَبَرِ، وإذا مُكَرَّرَةٌ لِلتَّوْكِيدِ وحُذِفَ ما تُضافُ إلَيْهِ، والتَّقْدِيرُ: إذا كانَ ذَلِكَ هم يَسْتَبْشِرُونَ، فَيَكُونُ هم يَسْتَبْشِرُونَ العامِلَ في إذا، المَعْنى: إذا كانَ ذَلِكَ اسْتَبْشَرُوا. انْتَهى.
أمّا قَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ: فَلا أعْلَمُهُ مِن قَوْلِ مَن يَنْتَمِي لِلنَّحْوِ، وهو أنَّ الظَّرْفَيْنِ مَعْمُولانِ لِعامِلٍ واحِدٍ، ثُمَّ إذا الأُولى يَنْتَصِبُ عَلى الظَّرْفِ، والثّانِيَةُ عَلى المَفْعُولِ بِهِ.
وأمّا قَوْلُ الحَوْفِيِّ فَبَعِيدٌ جِدًّا عَنِ الصَّوابِ، إذْ جَعَلَ إذا مُضافَةً إلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ، ثُمَّ قالَ: وإذا مُكَرَّرَةٌ لِلتَّوْكِيدِ وحُذِفَ ما تُضافُ إلَيْهِ، فَكَيْفَ تَكُونُ مُضافَةً إلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ الَّذِي هم (p-٤٣٢)يَسْتَبْشِرُونَ ؟ وهَذا كُلُّهُ يُوجِبُهُ عَدَمُ الإتْقانِ لِعِلْمِ النَّحْوِ والتَّحَدُّثِ فِيهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ لَنا في مَواضِعِ إذا الَّتِي لِلْمُفاجَأةِ جَوابًا لِإذا الشَّرْطِيَّةِ، وقَدْ قَرَّرْنا في عِلْمِ النَّحْوِ الَّذِي كَتَبْناهُ أنَّ إذا الشَّرْطِيَّةَ لَيْسَتْ مُضافَةً إلى الجُمْلَةِ الَّتِي تَلِيها، وإنْ كانَ مَذْهَبَ الأكْثَرِينَ، وأنَّها لَيْسَتْ بِمَعْمُولَةٍ لِلْجَوابِ، وأقَمْنا الدَّلِيلَ عَلى ذَلِكَ، بَلْ هي مَعْمُولَةٌ لِلْفِعْلِ الَّذِي يَلِيها، كَسائِرِ أسْماءِ الشَّرْطِيَّةِ الظَّرْفِيَّةِ، وإذا الفُجائِيَّةُ رابِطَةٌ لِجُمْلَةِ الجَزاءِ بِجُمْلَةِ الشَّرْطِ، كالفاءِ؛ وهي مَعْمُولَةٌ لِما بَعْدَها. إنْ قُلْنا إنَّها ظَرْفٌ، سَواءٌ كانَ زَمانًا أوْ مَكانًا. ومَن قالَ إنَّها حَرْفٌ، فَلا يَعْمَلُ فِيها شَيْءٌ، فَإذا الأُولى مَعْمُولَةٌ لِذِكْرِهِمْ، والثّانِيَةُ مَعْمُولَةٌ لَيَسْتَبْشِرُونَ.
ولَمّا أخْبَرَ عَنْ سَخافَةِ عُقُولِهِمْ بِاشْمِئْزازِهِمْ مِن ذِكْرِ اللَّهِ، واسْتِبْشارِهِمْ بِذِكْرِ الأصْنامِ، أمَرَهُ أنْ يَدْعُوَ بِأسْماءِ اللَّهِ العُظْمى مِنَ القُدْرَةِ والعِلْمِ ونِسْبَةِ الحُكْمِ إلَيْهِ، إذْ غَيْرُهُ لا قُدْرَةَ لَهُ ولا عِلْمَ تامَّ ولا حُكْمَ، وفي ذَلِكَ وصْفٌ لِحالِهِمُ السَّيِّئِ ووَعِيدٌ لَهم وتَسْلِيَةٌ لِلرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - .
وتَقَدَّمَ الكَلامُ في (اللَّهُمَّ) في سُورَةِ آلَ عِمْرانَ.
﴿ولَوْ أنَّ لِلَّذِينِ ظَلَمُوا﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى تَشْبِيهِهِ في العُقُودِ.
﴿وبَدا لَهم مِنَ اللَّهِ﴾ أيْ: كانَتْ ظُنُونُهم في الدُّنْيا مُتَفَرِّقَةً، حَسَبَ ضَلالاتِهِمْ وتَخَيُّلاتِهِمْ فِيما يَعْتَقِدُونَهُ. فَإذا عايَنُوا العَذابَ يَوْمَ القِيامَةِ، ظَهَرَ لَهم خِلافُ ما كانُوا يَظُنُّونَ، وما كانَ في حِسابِهِمْ. وقالَ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ: ويْلٌ لِأهْلِ الرِّياءِ مِن هَذِهِ الآيَةِ.
﴿وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا﴾ أيْ: جَزاءُ ما كانُوا وما في ﴿ما كَسَبُوا﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى الَّذِي، أيْ: سَيِّئاتُ أعْمالِهِمْ، وأنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، أيْ: سَيِّئاتُ كَسْبِهِمْ. والسَّيِّئاتُ: أنْواعُ العَذابِ سُمِّيَتْ سَيِّئاتٌ، كَما قالَ: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشورى: ٤٠] .
الزمر 39:45
﴿إنّا أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ لِلنّاسِ بِالحَقِّ فَمَنِ اهْتَدى فَلِنَفْسِهِ ومَن ضَلَّ فَإنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ ﴿اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها والَّتِي لَمْ تَمُتْ في مَنامِها فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْها المَوْتَ ويُرْسِلُ الأُخْرى إلى أجَلٍ مُسَمًّى إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ﴿أمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعاءَ قُلْ أوَلَوْ كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا ولا يَعْقِلُونَ﴾ ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ﴿وإذا ذُكِرَ اللَّهُ وحْدَهُ اشْمَأزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وإذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ إذا هم يَسْتَبْشِرُونَ﴾ ﴿قُلِ اللَّهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ والأرْضِ عالِمَ الغَيْبِ والشَّهادَةِ أنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ في ما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ ﴿ولَوْ أنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ما في الأرْضِ جَمِيعًا ومِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ مِن سُوءِ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ وبَدا لَهم مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ ﴿وبَدا لَهم سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ .
لَمّا كانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - يَعْظُمُ عَلَيْهِ عَدَمُ إيمانِهِمْ ورُجُوعِهِمْ إلى ما أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ، سَلّاهُ تَعالى عَنْ ذَلِكَ، وأخْبَرَهُ أنَّهُ أنْزَلَ عَلَيْهِ الكِتابَ، وهو القُرْآنُ، مَصْحُوبًا بِالحَقِّ، وهو دِينُ الإسْلامِ، لِلنّاسِ أيْ: لِأجْلِهِمْ، إذْ فِيهِ تَكالِيفُهم.
﴿فَمَنِ اهْتَدى﴾: فَثَوابُ هِدايَتِهِ إنَّما هو لَهُ، (ومَن ضَلَّ): فَعِقابُ ضَلالِهِ إنَّما هو عَلَيْهِ.
﴿وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ أيْ: فَتُجْبِرُهم عَلى الإيمانِ. قالَ قَتادَةُ: بِوَكِيلٍ: بِحَفِيظٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِلنّاسِ: لِأجْلِ حاجَتِهِمْ إلَيْهِ، لِيُبَشَّرُوا ويُنْذَرُوا. فَتَقْوى دَواعِيهِمْ إلى اخْتِيارِ الطّاعَةِ عَلى المَعْصِيَةِ، فَلا حاجَةَ لِي إلى ذَلِكَ، فَأنا الغَنِيُّ. فَمَنِ اخْتارَ الهُدى، فَقَدْ نَفَعَ نَفْسَهُ؛ ومَنِ اخْتارَ الضَّلالَةَ، فَقَدْ ضَرَّها، وما وُكِّلْتَ عَلَيْهِمْ لِتُجْبِرَهم عَلى الهُدى. فَإنَّ التَّكْلِيفَ مَبْنِيٌّ عَلى الِاخْتِيارِ دُونَ الإجْبارِ. انْتَهى، وهو عَلى مَذْهَبِ المُعْتَزِلَةِ.
ولَمّا ذَكَرَ تَعالى أنَّهُ أنْزَلَ الكِتابَ عَلى رَسُولِهِ بِالحَقِّ لِلنّاسِ، نَبَّهَ عَلى أنَّهُ مِن آياتِهِ الكُبْرى يَدُلُّ عَلى الوَحْدانِيَّةِ، لا يُشْرِكُهُ في ذَلِكَ صَنَمٌ وعَلى غَيْرِهِ
فَقالَ: ﴿اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها﴾، والأنْفُسُ هي الأرْواحُ. وقِيلَ: النَّفْسُ غَيْرُ الرُّوحِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. فالرُّوحُ لَها تَدْبِيرُ عالَمِ الحَياةِ، والنَّفْسُ لَها تَدْبِيرُ عالَمِ الإحْساسِ. وفَرَّقَتْ فِرْقَةٌ بَيْنَ نَفْسِ التَّمْيِيزِ ونَفْسِ التَّخْيِيلِ. والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ الحَدِيثُ واللُّغَةُ أنَّ النَّفْسَ والرُّوحَ مُتَرادِفانِ، وأنَّ فِراقَ ذَلِكَ مِنَ الجَسَدِ هو المَوْتُ. ومَعْنى يَتَوَفّى النَّفْسَ: يُمِيتُها، والَّتِي أيْ: والأنْفُسُ الَّتِي لَمْ تَمُتْ في مَنامِها، أيْ: يَتَوَفّاها حِينَ تَنامُ، (p-٤٣١)تَشْبِيهًا لِلنُّوامِ بِالأمْواتِ.
ومِنهُ: ﴿وهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكم بِاللَّيْلِ﴾ [الأنعام: ٦٠] . فَبَيْنَ المَيِّتِ والنّائِمِ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ، وهو كَوْنُهُما لا يُمَيِّزانِ ولا يَتَصَرَّفانِ. فَيُمْسِكُ مَن قَضى عَلَيْها المَوْتَ الحَقِيقِيَّ، ولا يَرُدُّها في وقْتِها حَيَّةً؛ ويُرْسِلُ النّائِمَةَ لِجَسَدِها إلى أجَلٍ ضَرَبَهُ لِمَوْتِها. وقِيلَ: ﴿يَتَوَفّى الأنْفُسَ﴾: يَسْتَوْفِيها ويَقْبِضُها، وهي الأنْفُسُ الَّتِي يَكُونُ مَعَها الحَياةَ والحَرَكَةَ. ويَتَوَفّى الأنْفُسَ الَّتِي لَمْ تَمُتْ في مَنامِها، وهي أنْفُسُ التَّمْيِيزِ، قالُوا: فالَّتِي تُتَوَفّى في النَّوْمِ هي نَفْسُ التَّمْيِيزِ لا نَفْسُ الحَياةِ؛ لِأنَّ نَفْسَ الحَياةِ إذا زالَتْ زالَ مَعَها النَّفَسُ. والنّائِمُ يَتَنَفَّسُ، وكَوْنُ النَّفْسِ تُقْبَضُ، والرُّوحُ في الجَسَدِ حالَةَ النَّوْمِ، بِدَلِيلِ أنَّهُ يَتَقَلَّبُ ويَتَنَفَّسُ، هو قَوْلُ الأكْثَرِينَ. ودَلَّ عَلى التَّغايُرِ وكَوْنِها شَيْئًا واحِدًا هو قَوْلُ ابْنِ جُبَيْرٍ وأحَدُ قَوْلَيِ ابْنِ عَبّاسٍ: والخَوْضُ في هَذا، وطَلَبُ إدْراكِ ذَلِكَ عَلى جَلِيَّتِهِ عَناءٌ ولا يُوصَلُ إلى ذَلِكَ.
﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيْ: في تَوَفِّي الأنْفُسِ مائِتَةً ونائِمَةً، وإمْساكِها وإرْسالِها إلى أجَلٍ، (لَآياتٍ): لَعَلاماتٍ دالَّةٍ عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ وعِلْمِهِ، (لِقَوْمٍ) يُجِيلُونَ فِيهِ أفْكارَهم ويَعْتَبِرُونَ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: (قَضى) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، (المَوْتَ): نَصْبًا؛ وابْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ، وطَلْحَةُ، وعِيسى، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ؛ (المَوْتُ) رَفْعًا. فَأمْ مُنْقَطِعَةٌ تُقَدَّرُ بِبَلْ والهَمْزَةِ، وهو تَقْرِيرٌ وتَوْبِيخٌ. وكانُوا يَقُولُونَ: هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَنا، والشَّفاعَةُ إنَّما هي لِمَنِ ارْتَضاهُ اللَّهُ وبِإذْنِهِ تَعالى، وهَذا مَفْقُودٌ في آلِهَتِهِمْ. و(أوَلَوْ) مَعْناهُ: أيَتَّخِذُونَهم شُفَعاءَهم بِهَذِهِ المَثابَةِ مِن كَوْنِهِمْ لا يَعْقِلُونَ ولا يَمْلِكُونَ شَيْئًا، وذَلِكَ عامُّ النَّقْصِ، فَكَيْفَ يَشْفَعُ هَؤُلاءِ ؟ وتَقَدَّمَ لَنا الكَلامُ في أوَلَوْ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مَتى دَخَلَتْ ألِفُ الِاسْتِفْهامِ عَلى واوِ العَطْفِ أوْ فائِهِ أحْدَثَتْ مَعْنى التَّقْرِيرِ. انْتَهى.
وإذا كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا، فَكَيْفَ يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ ؟ وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ أيْ: ولَوْ كانُوا عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا قَطُّ حَتّى يَمْلِكُوا الشَّفاعَةَ، ولا عَقْلَ لَهم. انْتَهى.
فَأتى بِقَوْلِهِ: قَطُّ، بَعْدَ قَوْلِهِ: لا يَمْلِكُونَ، ولَيْسَ بِفِعْلٍ ماضٍ، وقَطُّ ظَرْفٌ يُسْتَعْمَلُ مَعَ الماضِي لا مَعَ غَيْرِهِ، وقَدْ تَكَرَّرَ لِلزَّمَخْشَرِيِّ هَذا الِاسْتِعْمالُ، ولَيْسَ بِاسْتِعْمالٍ عَرَبِيٍّ.
﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعًا﴾: فَهو مالِكُها، يَأْذَنُ فِيها لِمَن يَشاءُ ثُمَّ أتى بِعامٍّ وهو: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾، فانْدَرَجَ فِيهِ مِلْكُ الشَّفاعَةِ. ولَمّا كانَتِ الشَّفاعَةُ مِن غَيْرِهِ مَوْقُوفَةً عَلى إذْنِهِ، كانَتِ الشَّفاعَةُ كُلُّها لَهُ. ولَمّا أخْبَرَ أنَّهُ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ، هَدَّدَهم بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾، فَيَعْلَمُونَ أنَّهم لا يَشْفَعُونَ، ويَخِيبُ سَعْيُكم في عِبادَتِهِمْ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَعْناهُ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ اليَوْمَ، ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ يَوْمَ القِيامَةِ، فَلا يَكُونُ المُلْكُ في ذَلِكَ إلّا لَهُ، فَلَهُ مُلْكُ الدُّنْيا والآخِرَةِ.
﴿وإذا ذُكِرَ اللَّهُ وحْدَهُ﴾ أيْ: مُفْرَدًا بِالذِّكْرِ، ولَمْ يُذْكَرْ مَعَ آلِهَتِهِمْ. وقِيلَ: إذا قِيلَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، ﴿وإذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾، وهي الأصْنامُ.
والِاشْمِئْزازُ والِاسْتِبْشارُ مُتَقابِلانِ غايَةً؛ لِأنَّ الِاشْمِئْزازَ: امْتِلاءُ القَلْبِ غَمًّا وغَيْظًا، فَيَظْهَرُ أثَرُهُ، وهو الِانْقِباضُ في الوَجْهِ، والِاسْتِبْشارُ: امْتِلاؤُهُ سُرُورًا، فَيَظْهَرُ أثَرُهُ، وهو الِانْبِساطُ، والتَّهَلُّلُ في الوَجْهِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): ما العامِلُ في وإذا ذُكِرَ ؟ (قُلْتُ): العامِلُ في إذا الفُجائِيَّةِ تَقْدِيرُهُ: وقْتُ ذِكْرِ الَّذِينَ مِن دُونِهِ فاجَأُوا الِاسْتِبْشارَ.
وقالَ الحَوْفِيُّ: ﴿إذا هم يَسْتَبْشِرُونَ﴾، إذا مُضافَةٌ إلى الِابْتِلاءِ والخَبَرِ، وإذا مُكَرَّرَةٌ لِلتَّوْكِيدِ وحُذِفَ ما تُضافُ إلَيْهِ، والتَّقْدِيرُ: إذا كانَ ذَلِكَ هم يَسْتَبْشِرُونَ، فَيَكُونُ هم يَسْتَبْشِرُونَ العامِلَ في إذا، المَعْنى: إذا كانَ ذَلِكَ اسْتَبْشَرُوا. انْتَهى.
أمّا قَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ: فَلا أعْلَمُهُ مِن قَوْلِ مَن يَنْتَمِي لِلنَّحْوِ، وهو أنَّ الظَّرْفَيْنِ مَعْمُولانِ لِعامِلٍ واحِدٍ، ثُمَّ إذا الأُولى يَنْتَصِبُ عَلى الظَّرْفِ، والثّانِيَةُ عَلى المَفْعُولِ بِهِ.
وأمّا قَوْلُ الحَوْفِيِّ فَبَعِيدٌ جِدًّا عَنِ الصَّوابِ، إذْ جَعَلَ إذا مُضافَةً إلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ، ثُمَّ قالَ: وإذا مُكَرَّرَةٌ لِلتَّوْكِيدِ وحُذِفَ ما تُضافُ إلَيْهِ، فَكَيْفَ تَكُونُ مُضافَةً إلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ الَّذِي هم (p-٤٣٢)يَسْتَبْشِرُونَ ؟ وهَذا كُلُّهُ يُوجِبُهُ عَدَمُ الإتْقانِ لِعِلْمِ النَّحْوِ والتَّحَدُّثِ فِيهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ لَنا في مَواضِعِ إذا الَّتِي لِلْمُفاجَأةِ جَوابًا لِإذا الشَّرْطِيَّةِ، وقَدْ قَرَّرْنا في عِلْمِ النَّحْوِ الَّذِي كَتَبْناهُ أنَّ إذا الشَّرْطِيَّةَ لَيْسَتْ مُضافَةً إلى الجُمْلَةِ الَّتِي تَلِيها، وإنْ كانَ مَذْهَبَ الأكْثَرِينَ، وأنَّها لَيْسَتْ بِمَعْمُولَةٍ لِلْجَوابِ، وأقَمْنا الدَّلِيلَ عَلى ذَلِكَ، بَلْ هي مَعْمُولَةٌ لِلْفِعْلِ الَّذِي يَلِيها، كَسائِرِ أسْماءِ الشَّرْطِيَّةِ الظَّرْفِيَّةِ، وإذا الفُجائِيَّةُ رابِطَةٌ لِجُمْلَةِ الجَزاءِ بِجُمْلَةِ الشَّرْطِ، كالفاءِ؛ وهي مَعْمُولَةٌ لِما بَعْدَها. إنْ قُلْنا إنَّها ظَرْفٌ، سَواءٌ كانَ زَمانًا أوْ مَكانًا. ومَن قالَ إنَّها حَرْفٌ، فَلا يَعْمَلُ فِيها شَيْءٌ، فَإذا الأُولى مَعْمُولَةٌ لِذِكْرِهِمْ، والثّانِيَةُ مَعْمُولَةٌ لَيَسْتَبْشِرُونَ.
ولَمّا أخْبَرَ عَنْ سَخافَةِ عُقُولِهِمْ بِاشْمِئْزازِهِمْ مِن ذِكْرِ اللَّهِ، واسْتِبْشارِهِمْ بِذِكْرِ الأصْنامِ، أمَرَهُ أنْ يَدْعُوَ بِأسْماءِ اللَّهِ العُظْمى مِنَ القُدْرَةِ والعِلْمِ ونِسْبَةِ الحُكْمِ إلَيْهِ، إذْ غَيْرُهُ لا قُدْرَةَ لَهُ ولا عِلْمَ تامَّ ولا حُكْمَ، وفي ذَلِكَ وصْفٌ لِحالِهِمُ السَّيِّئِ ووَعِيدٌ لَهم وتَسْلِيَةٌ لِلرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - .
وتَقَدَّمَ الكَلامُ في (اللَّهُمَّ) في سُورَةِ آلَ عِمْرانَ.
﴿ولَوْ أنَّ لِلَّذِينِ ظَلَمُوا﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى تَشْبِيهِهِ في العُقُودِ.
﴿وبَدا لَهم مِنَ اللَّهِ﴾ أيْ: كانَتْ ظُنُونُهم في الدُّنْيا مُتَفَرِّقَةً، حَسَبَ ضَلالاتِهِمْ وتَخَيُّلاتِهِمْ فِيما يَعْتَقِدُونَهُ. فَإذا عايَنُوا العَذابَ يَوْمَ القِيامَةِ، ظَهَرَ لَهم خِلافُ ما كانُوا يَظُنُّونَ، وما كانَ في حِسابِهِمْ. وقالَ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ: ويْلٌ لِأهْلِ الرِّياءِ مِن هَذِهِ الآيَةِ.
﴿وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا﴾ أيْ: جَزاءُ ما كانُوا وما في ﴿ما كَسَبُوا﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى الَّذِي، أيْ: سَيِّئاتُ أعْمالِهِمْ، وأنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، أيْ: سَيِّئاتُ كَسْبِهِمْ. والسَّيِّئاتُ: أنْواعُ العَذابِ سُمِّيَتْ سَيِّئاتٌ، كَما قالَ: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشورى: ٤٠] .
الزمر 39:46
﴿إنّا أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ لِلنّاسِ بِالحَقِّ فَمَنِ اهْتَدى فَلِنَفْسِهِ ومَن ضَلَّ فَإنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ ﴿اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها والَّتِي لَمْ تَمُتْ في مَنامِها فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْها المَوْتَ ويُرْسِلُ الأُخْرى إلى أجَلٍ مُسَمًّى إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ﴿أمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعاءَ قُلْ أوَلَوْ كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا ولا يَعْقِلُونَ﴾ ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ﴿وإذا ذُكِرَ اللَّهُ وحْدَهُ اشْمَأزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وإذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ إذا هم يَسْتَبْشِرُونَ﴾ ﴿قُلِ اللَّهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ والأرْضِ عالِمَ الغَيْبِ والشَّهادَةِ أنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ في ما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ ﴿ولَوْ أنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ما في الأرْضِ جَمِيعًا ومِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ مِن سُوءِ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ وبَدا لَهم مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ ﴿وبَدا لَهم سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ .
لَمّا كانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - يَعْظُمُ عَلَيْهِ عَدَمُ إيمانِهِمْ ورُجُوعِهِمْ إلى ما أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ، سَلّاهُ تَعالى عَنْ ذَلِكَ، وأخْبَرَهُ أنَّهُ أنْزَلَ عَلَيْهِ الكِتابَ، وهو القُرْآنُ، مَصْحُوبًا بِالحَقِّ، وهو دِينُ الإسْلامِ، لِلنّاسِ أيْ: لِأجْلِهِمْ، إذْ فِيهِ تَكالِيفُهم.
﴿فَمَنِ اهْتَدى﴾: فَثَوابُ هِدايَتِهِ إنَّما هو لَهُ، (ومَن ضَلَّ): فَعِقابُ ضَلالِهِ إنَّما هو عَلَيْهِ.
﴿وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ أيْ: فَتُجْبِرُهم عَلى الإيمانِ. قالَ قَتادَةُ: بِوَكِيلٍ: بِحَفِيظٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِلنّاسِ: لِأجْلِ حاجَتِهِمْ إلَيْهِ، لِيُبَشَّرُوا ويُنْذَرُوا. فَتَقْوى دَواعِيهِمْ إلى اخْتِيارِ الطّاعَةِ عَلى المَعْصِيَةِ، فَلا حاجَةَ لِي إلى ذَلِكَ، فَأنا الغَنِيُّ. فَمَنِ اخْتارَ الهُدى، فَقَدْ نَفَعَ نَفْسَهُ؛ ومَنِ اخْتارَ الضَّلالَةَ، فَقَدْ ضَرَّها، وما وُكِّلْتَ عَلَيْهِمْ لِتُجْبِرَهم عَلى الهُدى. فَإنَّ التَّكْلِيفَ مَبْنِيٌّ عَلى الِاخْتِيارِ دُونَ الإجْبارِ. انْتَهى، وهو عَلى مَذْهَبِ المُعْتَزِلَةِ.
ولَمّا ذَكَرَ تَعالى أنَّهُ أنْزَلَ الكِتابَ عَلى رَسُولِهِ بِالحَقِّ لِلنّاسِ، نَبَّهَ عَلى أنَّهُ مِن آياتِهِ الكُبْرى يَدُلُّ عَلى الوَحْدانِيَّةِ، لا يُشْرِكُهُ في ذَلِكَ صَنَمٌ وعَلى غَيْرِهِ
فَقالَ: ﴿اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها﴾، والأنْفُسُ هي الأرْواحُ. وقِيلَ: النَّفْسُ غَيْرُ الرُّوحِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. فالرُّوحُ لَها تَدْبِيرُ عالَمِ الحَياةِ، والنَّفْسُ لَها تَدْبِيرُ عالَمِ الإحْساسِ. وفَرَّقَتْ فِرْقَةٌ بَيْنَ نَفْسِ التَّمْيِيزِ ونَفْسِ التَّخْيِيلِ. والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ الحَدِيثُ واللُّغَةُ أنَّ النَّفْسَ والرُّوحَ مُتَرادِفانِ، وأنَّ فِراقَ ذَلِكَ مِنَ الجَسَدِ هو المَوْتُ. ومَعْنى يَتَوَفّى النَّفْسَ: يُمِيتُها، والَّتِي أيْ: والأنْفُسُ الَّتِي لَمْ تَمُتْ في مَنامِها، أيْ: يَتَوَفّاها حِينَ تَنامُ، (p-٤٣١)تَشْبِيهًا لِلنُّوامِ بِالأمْواتِ.
ومِنهُ: ﴿وهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكم بِاللَّيْلِ﴾ [الأنعام: ٦٠] . فَبَيْنَ المَيِّتِ والنّائِمِ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ، وهو كَوْنُهُما لا يُمَيِّزانِ ولا يَتَصَرَّفانِ. فَيُمْسِكُ مَن قَضى عَلَيْها المَوْتَ الحَقِيقِيَّ، ولا يَرُدُّها في وقْتِها حَيَّةً؛ ويُرْسِلُ النّائِمَةَ لِجَسَدِها إلى أجَلٍ ضَرَبَهُ لِمَوْتِها. وقِيلَ: ﴿يَتَوَفّى الأنْفُسَ﴾: يَسْتَوْفِيها ويَقْبِضُها، وهي الأنْفُسُ الَّتِي يَكُونُ مَعَها الحَياةَ والحَرَكَةَ. ويَتَوَفّى الأنْفُسَ الَّتِي لَمْ تَمُتْ في مَنامِها، وهي أنْفُسُ التَّمْيِيزِ، قالُوا: فالَّتِي تُتَوَفّى في النَّوْمِ هي نَفْسُ التَّمْيِيزِ لا نَفْسُ الحَياةِ؛ لِأنَّ نَفْسَ الحَياةِ إذا زالَتْ زالَ مَعَها النَّفَسُ. والنّائِمُ يَتَنَفَّسُ، وكَوْنُ النَّفْسِ تُقْبَضُ، والرُّوحُ في الجَسَدِ حالَةَ النَّوْمِ، بِدَلِيلِ أنَّهُ يَتَقَلَّبُ ويَتَنَفَّسُ، هو قَوْلُ الأكْثَرِينَ. ودَلَّ عَلى التَّغايُرِ وكَوْنِها شَيْئًا واحِدًا هو قَوْلُ ابْنِ جُبَيْرٍ وأحَدُ قَوْلَيِ ابْنِ عَبّاسٍ: والخَوْضُ في هَذا، وطَلَبُ إدْراكِ ذَلِكَ عَلى جَلِيَّتِهِ عَناءٌ ولا يُوصَلُ إلى ذَلِكَ.
﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيْ: في تَوَفِّي الأنْفُسِ مائِتَةً ونائِمَةً، وإمْساكِها وإرْسالِها إلى أجَلٍ، (لَآياتٍ): لَعَلاماتٍ دالَّةٍ عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ وعِلْمِهِ، (لِقَوْمٍ) يُجِيلُونَ فِيهِ أفْكارَهم ويَعْتَبِرُونَ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: (قَضى) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، (المَوْتَ): نَصْبًا؛ وابْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ، وطَلْحَةُ، وعِيسى، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ؛ (المَوْتُ) رَفْعًا. فَأمْ مُنْقَطِعَةٌ تُقَدَّرُ بِبَلْ والهَمْزَةِ، وهو تَقْرِيرٌ وتَوْبِيخٌ. وكانُوا يَقُولُونَ: هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَنا، والشَّفاعَةُ إنَّما هي لِمَنِ ارْتَضاهُ اللَّهُ وبِإذْنِهِ تَعالى، وهَذا مَفْقُودٌ في آلِهَتِهِمْ. و(أوَلَوْ) مَعْناهُ: أيَتَّخِذُونَهم شُفَعاءَهم بِهَذِهِ المَثابَةِ مِن كَوْنِهِمْ لا يَعْقِلُونَ ولا يَمْلِكُونَ شَيْئًا، وذَلِكَ عامُّ النَّقْصِ، فَكَيْفَ يَشْفَعُ هَؤُلاءِ ؟ وتَقَدَّمَ لَنا الكَلامُ في أوَلَوْ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مَتى دَخَلَتْ ألِفُ الِاسْتِفْهامِ عَلى واوِ العَطْفِ أوْ فائِهِ أحْدَثَتْ مَعْنى التَّقْرِيرِ. انْتَهى.
وإذا كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا، فَكَيْفَ يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ ؟ وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ أيْ: ولَوْ كانُوا عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا قَطُّ حَتّى يَمْلِكُوا الشَّفاعَةَ، ولا عَقْلَ لَهم. انْتَهى.
فَأتى بِقَوْلِهِ: قَطُّ، بَعْدَ قَوْلِهِ: لا يَمْلِكُونَ، ولَيْسَ بِفِعْلٍ ماضٍ، وقَطُّ ظَرْفٌ يُسْتَعْمَلُ مَعَ الماضِي لا مَعَ غَيْرِهِ، وقَدْ تَكَرَّرَ لِلزَّمَخْشَرِيِّ هَذا الِاسْتِعْمالُ، ولَيْسَ بِاسْتِعْمالٍ عَرَبِيٍّ.
﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعًا﴾: فَهو مالِكُها، يَأْذَنُ فِيها لِمَن يَشاءُ ثُمَّ أتى بِعامٍّ وهو: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾، فانْدَرَجَ فِيهِ مِلْكُ الشَّفاعَةِ. ولَمّا كانَتِ الشَّفاعَةُ مِن غَيْرِهِ مَوْقُوفَةً عَلى إذْنِهِ، كانَتِ الشَّفاعَةُ كُلُّها لَهُ. ولَمّا أخْبَرَ أنَّهُ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ، هَدَّدَهم بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾، فَيَعْلَمُونَ أنَّهم لا يَشْفَعُونَ، ويَخِيبُ سَعْيُكم في عِبادَتِهِمْ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَعْناهُ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ اليَوْمَ، ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ يَوْمَ القِيامَةِ، فَلا يَكُونُ المُلْكُ في ذَلِكَ إلّا لَهُ، فَلَهُ مُلْكُ الدُّنْيا والآخِرَةِ.
﴿وإذا ذُكِرَ اللَّهُ وحْدَهُ﴾ أيْ: مُفْرَدًا بِالذِّكْرِ، ولَمْ يُذْكَرْ مَعَ آلِهَتِهِمْ. وقِيلَ: إذا قِيلَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، ﴿وإذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾، وهي الأصْنامُ.
والِاشْمِئْزازُ والِاسْتِبْشارُ مُتَقابِلانِ غايَةً؛ لِأنَّ الِاشْمِئْزازَ: امْتِلاءُ القَلْبِ غَمًّا وغَيْظًا، فَيَظْهَرُ أثَرُهُ، وهو الِانْقِباضُ في الوَجْهِ، والِاسْتِبْشارُ: امْتِلاؤُهُ سُرُورًا، فَيَظْهَرُ أثَرُهُ، وهو الِانْبِساطُ، والتَّهَلُّلُ في الوَجْهِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): ما العامِلُ في وإذا ذُكِرَ ؟ (قُلْتُ): العامِلُ في إذا الفُجائِيَّةِ تَقْدِيرُهُ: وقْتُ ذِكْرِ الَّذِينَ مِن دُونِهِ فاجَأُوا الِاسْتِبْشارَ.
وقالَ الحَوْفِيُّ: ﴿إذا هم يَسْتَبْشِرُونَ﴾، إذا مُضافَةٌ إلى الِابْتِلاءِ والخَبَرِ، وإذا مُكَرَّرَةٌ لِلتَّوْكِيدِ وحُذِفَ ما تُضافُ إلَيْهِ، والتَّقْدِيرُ: إذا كانَ ذَلِكَ هم يَسْتَبْشِرُونَ، فَيَكُونُ هم يَسْتَبْشِرُونَ العامِلَ في إذا، المَعْنى: إذا كانَ ذَلِكَ اسْتَبْشَرُوا. انْتَهى.
أمّا قَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ: فَلا أعْلَمُهُ مِن قَوْلِ مَن يَنْتَمِي لِلنَّحْوِ، وهو أنَّ الظَّرْفَيْنِ مَعْمُولانِ لِعامِلٍ واحِدٍ، ثُمَّ إذا الأُولى يَنْتَصِبُ عَلى الظَّرْفِ، والثّانِيَةُ عَلى المَفْعُولِ بِهِ.
وأمّا قَوْلُ الحَوْفِيِّ فَبَعِيدٌ جِدًّا عَنِ الصَّوابِ، إذْ جَعَلَ إذا مُضافَةً إلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ، ثُمَّ قالَ: وإذا مُكَرَّرَةٌ لِلتَّوْكِيدِ وحُذِفَ ما تُضافُ إلَيْهِ، فَكَيْفَ تَكُونُ مُضافَةً إلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ الَّذِي هم (p-٤٣٢)يَسْتَبْشِرُونَ ؟ وهَذا كُلُّهُ يُوجِبُهُ عَدَمُ الإتْقانِ لِعِلْمِ النَّحْوِ والتَّحَدُّثِ فِيهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ لَنا في مَواضِعِ إذا الَّتِي لِلْمُفاجَأةِ جَوابًا لِإذا الشَّرْطِيَّةِ، وقَدْ قَرَّرْنا في عِلْمِ النَّحْوِ الَّذِي كَتَبْناهُ أنَّ إذا الشَّرْطِيَّةَ لَيْسَتْ مُضافَةً إلى الجُمْلَةِ الَّتِي تَلِيها، وإنْ كانَ مَذْهَبَ الأكْثَرِينَ، وأنَّها لَيْسَتْ بِمَعْمُولَةٍ لِلْجَوابِ، وأقَمْنا الدَّلِيلَ عَلى ذَلِكَ، بَلْ هي مَعْمُولَةٌ لِلْفِعْلِ الَّذِي يَلِيها، كَسائِرِ أسْماءِ الشَّرْطِيَّةِ الظَّرْفِيَّةِ، وإذا الفُجائِيَّةُ رابِطَةٌ لِجُمْلَةِ الجَزاءِ بِجُمْلَةِ الشَّرْطِ، كالفاءِ؛ وهي مَعْمُولَةٌ لِما بَعْدَها. إنْ قُلْنا إنَّها ظَرْفٌ، سَواءٌ كانَ زَمانًا أوْ مَكانًا. ومَن قالَ إنَّها حَرْفٌ، فَلا يَعْمَلُ فِيها شَيْءٌ، فَإذا الأُولى مَعْمُولَةٌ لِذِكْرِهِمْ، والثّانِيَةُ مَعْمُولَةٌ لَيَسْتَبْشِرُونَ.
ولَمّا أخْبَرَ عَنْ سَخافَةِ عُقُولِهِمْ بِاشْمِئْزازِهِمْ مِن ذِكْرِ اللَّهِ، واسْتِبْشارِهِمْ بِذِكْرِ الأصْنامِ، أمَرَهُ أنْ يَدْعُوَ بِأسْماءِ اللَّهِ العُظْمى مِنَ القُدْرَةِ والعِلْمِ ونِسْبَةِ الحُكْمِ إلَيْهِ، إذْ غَيْرُهُ لا قُدْرَةَ لَهُ ولا عِلْمَ تامَّ ولا حُكْمَ، وفي ذَلِكَ وصْفٌ لِحالِهِمُ السَّيِّئِ ووَعِيدٌ لَهم وتَسْلِيَةٌ لِلرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - .
وتَقَدَّمَ الكَلامُ في (اللَّهُمَّ) في سُورَةِ آلَ عِمْرانَ.
﴿ولَوْ أنَّ لِلَّذِينِ ظَلَمُوا﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى تَشْبِيهِهِ في العُقُودِ.
﴿وبَدا لَهم مِنَ اللَّهِ﴾ أيْ: كانَتْ ظُنُونُهم في الدُّنْيا مُتَفَرِّقَةً، حَسَبَ ضَلالاتِهِمْ وتَخَيُّلاتِهِمْ فِيما يَعْتَقِدُونَهُ. فَإذا عايَنُوا العَذابَ يَوْمَ القِيامَةِ، ظَهَرَ لَهم خِلافُ ما كانُوا يَظُنُّونَ، وما كانَ في حِسابِهِمْ. وقالَ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ: ويْلٌ لِأهْلِ الرِّياءِ مِن هَذِهِ الآيَةِ.
﴿وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا﴾ أيْ: جَزاءُ ما كانُوا وما في ﴿ما كَسَبُوا﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى الَّذِي، أيْ: سَيِّئاتُ أعْمالِهِمْ، وأنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، أيْ: سَيِّئاتُ كَسْبِهِمْ. والسَّيِّئاتُ: أنْواعُ العَذابِ سُمِّيَتْ سَيِّئاتٌ، كَما قالَ: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشورى: ٤٠] .
الزمر 39:47
﴿إنّا أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ لِلنّاسِ بِالحَقِّ فَمَنِ اهْتَدى فَلِنَفْسِهِ ومَن ضَلَّ فَإنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ ﴿اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها والَّتِي لَمْ تَمُتْ في مَنامِها فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْها المَوْتَ ويُرْسِلُ الأُخْرى إلى أجَلٍ مُسَمًّى إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ﴿أمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعاءَ قُلْ أوَلَوْ كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا ولا يَعْقِلُونَ﴾ ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ﴿وإذا ذُكِرَ اللَّهُ وحْدَهُ اشْمَأزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وإذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ إذا هم يَسْتَبْشِرُونَ﴾ ﴿قُلِ اللَّهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ والأرْضِ عالِمَ الغَيْبِ والشَّهادَةِ أنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ في ما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ ﴿ولَوْ أنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ما في الأرْضِ جَمِيعًا ومِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ مِن سُوءِ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ وبَدا لَهم مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ ﴿وبَدا لَهم سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ .
لَمّا كانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - يَعْظُمُ عَلَيْهِ عَدَمُ إيمانِهِمْ ورُجُوعِهِمْ إلى ما أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ، سَلّاهُ تَعالى عَنْ ذَلِكَ، وأخْبَرَهُ أنَّهُ أنْزَلَ عَلَيْهِ الكِتابَ، وهو القُرْآنُ، مَصْحُوبًا بِالحَقِّ، وهو دِينُ الإسْلامِ، لِلنّاسِ أيْ: لِأجْلِهِمْ، إذْ فِيهِ تَكالِيفُهم.
﴿فَمَنِ اهْتَدى﴾: فَثَوابُ هِدايَتِهِ إنَّما هو لَهُ، (ومَن ضَلَّ): فَعِقابُ ضَلالِهِ إنَّما هو عَلَيْهِ.
﴿وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ أيْ: فَتُجْبِرُهم عَلى الإيمانِ. قالَ قَتادَةُ: بِوَكِيلٍ: بِحَفِيظٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِلنّاسِ: لِأجْلِ حاجَتِهِمْ إلَيْهِ، لِيُبَشَّرُوا ويُنْذَرُوا. فَتَقْوى دَواعِيهِمْ إلى اخْتِيارِ الطّاعَةِ عَلى المَعْصِيَةِ، فَلا حاجَةَ لِي إلى ذَلِكَ، فَأنا الغَنِيُّ. فَمَنِ اخْتارَ الهُدى، فَقَدْ نَفَعَ نَفْسَهُ؛ ومَنِ اخْتارَ الضَّلالَةَ، فَقَدْ ضَرَّها، وما وُكِّلْتَ عَلَيْهِمْ لِتُجْبِرَهم عَلى الهُدى. فَإنَّ التَّكْلِيفَ مَبْنِيٌّ عَلى الِاخْتِيارِ دُونَ الإجْبارِ. انْتَهى، وهو عَلى مَذْهَبِ المُعْتَزِلَةِ.
ولَمّا ذَكَرَ تَعالى أنَّهُ أنْزَلَ الكِتابَ عَلى رَسُولِهِ بِالحَقِّ لِلنّاسِ، نَبَّهَ عَلى أنَّهُ مِن آياتِهِ الكُبْرى يَدُلُّ عَلى الوَحْدانِيَّةِ، لا يُشْرِكُهُ في ذَلِكَ صَنَمٌ وعَلى غَيْرِهِ
فَقالَ: ﴿اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها﴾، والأنْفُسُ هي الأرْواحُ. وقِيلَ: النَّفْسُ غَيْرُ الرُّوحِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. فالرُّوحُ لَها تَدْبِيرُ عالَمِ الحَياةِ، والنَّفْسُ لَها تَدْبِيرُ عالَمِ الإحْساسِ. وفَرَّقَتْ فِرْقَةٌ بَيْنَ نَفْسِ التَّمْيِيزِ ونَفْسِ التَّخْيِيلِ. والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ الحَدِيثُ واللُّغَةُ أنَّ النَّفْسَ والرُّوحَ مُتَرادِفانِ، وأنَّ فِراقَ ذَلِكَ مِنَ الجَسَدِ هو المَوْتُ. ومَعْنى يَتَوَفّى النَّفْسَ: يُمِيتُها، والَّتِي أيْ: والأنْفُسُ الَّتِي لَمْ تَمُتْ في مَنامِها، أيْ: يَتَوَفّاها حِينَ تَنامُ، (p-٤٣١)تَشْبِيهًا لِلنُّوامِ بِالأمْواتِ.
ومِنهُ: ﴿وهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكم بِاللَّيْلِ﴾ [الأنعام: ٦٠] . فَبَيْنَ المَيِّتِ والنّائِمِ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ، وهو كَوْنُهُما لا يُمَيِّزانِ ولا يَتَصَرَّفانِ. فَيُمْسِكُ مَن قَضى عَلَيْها المَوْتَ الحَقِيقِيَّ، ولا يَرُدُّها في وقْتِها حَيَّةً؛ ويُرْسِلُ النّائِمَةَ لِجَسَدِها إلى أجَلٍ ضَرَبَهُ لِمَوْتِها. وقِيلَ: ﴿يَتَوَفّى الأنْفُسَ﴾: يَسْتَوْفِيها ويَقْبِضُها، وهي الأنْفُسُ الَّتِي يَكُونُ مَعَها الحَياةَ والحَرَكَةَ. ويَتَوَفّى الأنْفُسَ الَّتِي لَمْ تَمُتْ في مَنامِها، وهي أنْفُسُ التَّمْيِيزِ، قالُوا: فالَّتِي تُتَوَفّى في النَّوْمِ هي نَفْسُ التَّمْيِيزِ لا نَفْسُ الحَياةِ؛ لِأنَّ نَفْسَ الحَياةِ إذا زالَتْ زالَ مَعَها النَّفَسُ. والنّائِمُ يَتَنَفَّسُ، وكَوْنُ النَّفْسِ تُقْبَضُ، والرُّوحُ في الجَسَدِ حالَةَ النَّوْمِ، بِدَلِيلِ أنَّهُ يَتَقَلَّبُ ويَتَنَفَّسُ، هو قَوْلُ الأكْثَرِينَ. ودَلَّ عَلى التَّغايُرِ وكَوْنِها شَيْئًا واحِدًا هو قَوْلُ ابْنِ جُبَيْرٍ وأحَدُ قَوْلَيِ ابْنِ عَبّاسٍ: والخَوْضُ في هَذا، وطَلَبُ إدْراكِ ذَلِكَ عَلى جَلِيَّتِهِ عَناءٌ ولا يُوصَلُ إلى ذَلِكَ.
﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيْ: في تَوَفِّي الأنْفُسِ مائِتَةً ونائِمَةً، وإمْساكِها وإرْسالِها إلى أجَلٍ، (لَآياتٍ): لَعَلاماتٍ دالَّةٍ عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ وعِلْمِهِ، (لِقَوْمٍ) يُجِيلُونَ فِيهِ أفْكارَهم ويَعْتَبِرُونَ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: (قَضى) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، (المَوْتَ): نَصْبًا؛ وابْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ، وطَلْحَةُ، وعِيسى، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ؛ (المَوْتُ) رَفْعًا. فَأمْ مُنْقَطِعَةٌ تُقَدَّرُ بِبَلْ والهَمْزَةِ، وهو تَقْرِيرٌ وتَوْبِيخٌ. وكانُوا يَقُولُونَ: هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَنا، والشَّفاعَةُ إنَّما هي لِمَنِ ارْتَضاهُ اللَّهُ وبِإذْنِهِ تَعالى، وهَذا مَفْقُودٌ في آلِهَتِهِمْ. و(أوَلَوْ) مَعْناهُ: أيَتَّخِذُونَهم شُفَعاءَهم بِهَذِهِ المَثابَةِ مِن كَوْنِهِمْ لا يَعْقِلُونَ ولا يَمْلِكُونَ شَيْئًا، وذَلِكَ عامُّ النَّقْصِ، فَكَيْفَ يَشْفَعُ هَؤُلاءِ ؟ وتَقَدَّمَ لَنا الكَلامُ في أوَلَوْ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مَتى دَخَلَتْ ألِفُ الِاسْتِفْهامِ عَلى واوِ العَطْفِ أوْ فائِهِ أحْدَثَتْ مَعْنى التَّقْرِيرِ. انْتَهى.
وإذا كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا، فَكَيْفَ يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ ؟ وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ أيْ: ولَوْ كانُوا عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا قَطُّ حَتّى يَمْلِكُوا الشَّفاعَةَ، ولا عَقْلَ لَهم. انْتَهى.
فَأتى بِقَوْلِهِ: قَطُّ، بَعْدَ قَوْلِهِ: لا يَمْلِكُونَ، ولَيْسَ بِفِعْلٍ ماضٍ، وقَطُّ ظَرْفٌ يُسْتَعْمَلُ مَعَ الماضِي لا مَعَ غَيْرِهِ، وقَدْ تَكَرَّرَ لِلزَّمَخْشَرِيِّ هَذا الِاسْتِعْمالُ، ولَيْسَ بِاسْتِعْمالٍ عَرَبِيٍّ.
﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعًا﴾: فَهو مالِكُها، يَأْذَنُ فِيها لِمَن يَشاءُ ثُمَّ أتى بِعامٍّ وهو: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾، فانْدَرَجَ فِيهِ مِلْكُ الشَّفاعَةِ. ولَمّا كانَتِ الشَّفاعَةُ مِن غَيْرِهِ مَوْقُوفَةً عَلى إذْنِهِ، كانَتِ الشَّفاعَةُ كُلُّها لَهُ. ولَمّا أخْبَرَ أنَّهُ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ، هَدَّدَهم بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾، فَيَعْلَمُونَ أنَّهم لا يَشْفَعُونَ، ويَخِيبُ سَعْيُكم في عِبادَتِهِمْ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَعْناهُ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ اليَوْمَ، ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ يَوْمَ القِيامَةِ، فَلا يَكُونُ المُلْكُ في ذَلِكَ إلّا لَهُ، فَلَهُ مُلْكُ الدُّنْيا والآخِرَةِ.
﴿وإذا ذُكِرَ اللَّهُ وحْدَهُ﴾ أيْ: مُفْرَدًا بِالذِّكْرِ، ولَمْ يُذْكَرْ مَعَ آلِهَتِهِمْ. وقِيلَ: إذا قِيلَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، ﴿وإذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾، وهي الأصْنامُ.
والِاشْمِئْزازُ والِاسْتِبْشارُ مُتَقابِلانِ غايَةً؛ لِأنَّ الِاشْمِئْزازَ: امْتِلاءُ القَلْبِ غَمًّا وغَيْظًا، فَيَظْهَرُ أثَرُهُ، وهو الِانْقِباضُ في الوَجْهِ، والِاسْتِبْشارُ: امْتِلاؤُهُ سُرُورًا، فَيَظْهَرُ أثَرُهُ، وهو الِانْبِساطُ، والتَّهَلُّلُ في الوَجْهِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): ما العامِلُ في وإذا ذُكِرَ ؟ (قُلْتُ): العامِلُ في إذا الفُجائِيَّةِ تَقْدِيرُهُ: وقْتُ ذِكْرِ الَّذِينَ مِن دُونِهِ فاجَأُوا الِاسْتِبْشارَ.
وقالَ الحَوْفِيُّ: ﴿إذا هم يَسْتَبْشِرُونَ﴾، إذا مُضافَةٌ إلى الِابْتِلاءِ والخَبَرِ، وإذا مُكَرَّرَةٌ لِلتَّوْكِيدِ وحُذِفَ ما تُضافُ إلَيْهِ، والتَّقْدِيرُ: إذا كانَ ذَلِكَ هم يَسْتَبْشِرُونَ، فَيَكُونُ هم يَسْتَبْشِرُونَ العامِلَ في إذا، المَعْنى: إذا كانَ ذَلِكَ اسْتَبْشَرُوا. انْتَهى.
أمّا قَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ: فَلا أعْلَمُهُ مِن قَوْلِ مَن يَنْتَمِي لِلنَّحْوِ، وهو أنَّ الظَّرْفَيْنِ مَعْمُولانِ لِعامِلٍ واحِدٍ، ثُمَّ إذا الأُولى يَنْتَصِبُ عَلى الظَّرْفِ، والثّانِيَةُ عَلى المَفْعُولِ بِهِ.
وأمّا قَوْلُ الحَوْفِيِّ فَبَعِيدٌ جِدًّا عَنِ الصَّوابِ، إذْ جَعَلَ إذا مُضافَةً إلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ، ثُمَّ قالَ: وإذا مُكَرَّرَةٌ لِلتَّوْكِيدِ وحُذِفَ ما تُضافُ إلَيْهِ، فَكَيْفَ تَكُونُ مُضافَةً إلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ الَّذِي هم (p-٤٣٢)يَسْتَبْشِرُونَ ؟ وهَذا كُلُّهُ يُوجِبُهُ عَدَمُ الإتْقانِ لِعِلْمِ النَّحْوِ والتَّحَدُّثِ فِيهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ لَنا في مَواضِعِ إذا الَّتِي لِلْمُفاجَأةِ جَوابًا لِإذا الشَّرْطِيَّةِ، وقَدْ قَرَّرْنا في عِلْمِ النَّحْوِ الَّذِي كَتَبْناهُ أنَّ إذا الشَّرْطِيَّةَ لَيْسَتْ مُضافَةً إلى الجُمْلَةِ الَّتِي تَلِيها، وإنْ كانَ مَذْهَبَ الأكْثَرِينَ، وأنَّها لَيْسَتْ بِمَعْمُولَةٍ لِلْجَوابِ، وأقَمْنا الدَّلِيلَ عَلى ذَلِكَ، بَلْ هي مَعْمُولَةٌ لِلْفِعْلِ الَّذِي يَلِيها، كَسائِرِ أسْماءِ الشَّرْطِيَّةِ الظَّرْفِيَّةِ، وإذا الفُجائِيَّةُ رابِطَةٌ لِجُمْلَةِ الجَزاءِ بِجُمْلَةِ الشَّرْطِ، كالفاءِ؛ وهي مَعْمُولَةٌ لِما بَعْدَها. إنْ قُلْنا إنَّها ظَرْفٌ، سَواءٌ كانَ زَمانًا أوْ مَكانًا. ومَن قالَ إنَّها حَرْفٌ، فَلا يَعْمَلُ فِيها شَيْءٌ، فَإذا الأُولى مَعْمُولَةٌ لِذِكْرِهِمْ، والثّانِيَةُ مَعْمُولَةٌ لَيَسْتَبْشِرُونَ.
ولَمّا أخْبَرَ عَنْ سَخافَةِ عُقُولِهِمْ بِاشْمِئْزازِهِمْ مِن ذِكْرِ اللَّهِ، واسْتِبْشارِهِمْ بِذِكْرِ الأصْنامِ، أمَرَهُ أنْ يَدْعُوَ بِأسْماءِ اللَّهِ العُظْمى مِنَ القُدْرَةِ والعِلْمِ ونِسْبَةِ الحُكْمِ إلَيْهِ، إذْ غَيْرُهُ لا قُدْرَةَ لَهُ ولا عِلْمَ تامَّ ولا حُكْمَ، وفي ذَلِكَ وصْفٌ لِحالِهِمُ السَّيِّئِ ووَعِيدٌ لَهم وتَسْلِيَةٌ لِلرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - .
وتَقَدَّمَ الكَلامُ في (اللَّهُمَّ) في سُورَةِ آلَ عِمْرانَ.
﴿ولَوْ أنَّ لِلَّذِينِ ظَلَمُوا﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى تَشْبِيهِهِ في العُقُودِ.
﴿وبَدا لَهم مِنَ اللَّهِ﴾ أيْ: كانَتْ ظُنُونُهم في الدُّنْيا مُتَفَرِّقَةً، حَسَبَ ضَلالاتِهِمْ وتَخَيُّلاتِهِمْ فِيما يَعْتَقِدُونَهُ. فَإذا عايَنُوا العَذابَ يَوْمَ القِيامَةِ، ظَهَرَ لَهم خِلافُ ما كانُوا يَظُنُّونَ، وما كانَ في حِسابِهِمْ. وقالَ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ: ويْلٌ لِأهْلِ الرِّياءِ مِن هَذِهِ الآيَةِ.
﴿وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا﴾ أيْ: جَزاءُ ما كانُوا وما في ﴿ما كَسَبُوا﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى الَّذِي، أيْ: سَيِّئاتُ أعْمالِهِمْ، وأنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، أيْ: سَيِّئاتُ كَسْبِهِمْ. والسَّيِّئاتُ: أنْواعُ العَذابِ سُمِّيَتْ سَيِّئاتٌ، كَما قالَ: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشورى: ٤٠] .
الزمر 39:48
﴿إنّا أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ لِلنّاسِ بِالحَقِّ فَمَنِ اهْتَدى فَلِنَفْسِهِ ومَن ضَلَّ فَإنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ ﴿اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها والَّتِي لَمْ تَمُتْ في مَنامِها فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْها المَوْتَ ويُرْسِلُ الأُخْرى إلى أجَلٍ مُسَمًّى إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ﴿أمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعاءَ قُلْ أوَلَوْ كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا ولا يَعْقِلُونَ﴾ ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ﴿وإذا ذُكِرَ اللَّهُ وحْدَهُ اشْمَأزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وإذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ إذا هم يَسْتَبْشِرُونَ﴾ ﴿قُلِ اللَّهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ والأرْضِ عالِمَ الغَيْبِ والشَّهادَةِ أنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ في ما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ ﴿ولَوْ أنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ما في الأرْضِ جَمِيعًا ومِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ مِن سُوءِ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ وبَدا لَهم مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ ﴿وبَدا لَهم سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ .
لَمّا كانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - يَعْظُمُ عَلَيْهِ عَدَمُ إيمانِهِمْ ورُجُوعِهِمْ إلى ما أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ، سَلّاهُ تَعالى عَنْ ذَلِكَ، وأخْبَرَهُ أنَّهُ أنْزَلَ عَلَيْهِ الكِتابَ، وهو القُرْآنُ، مَصْحُوبًا بِالحَقِّ، وهو دِينُ الإسْلامِ، لِلنّاسِ أيْ: لِأجْلِهِمْ، إذْ فِيهِ تَكالِيفُهم.
﴿فَمَنِ اهْتَدى﴾: فَثَوابُ هِدايَتِهِ إنَّما هو لَهُ، (ومَن ضَلَّ): فَعِقابُ ضَلالِهِ إنَّما هو عَلَيْهِ.
﴿وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ أيْ: فَتُجْبِرُهم عَلى الإيمانِ. قالَ قَتادَةُ: بِوَكِيلٍ: بِحَفِيظٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِلنّاسِ: لِأجْلِ حاجَتِهِمْ إلَيْهِ، لِيُبَشَّرُوا ويُنْذَرُوا. فَتَقْوى دَواعِيهِمْ إلى اخْتِيارِ الطّاعَةِ عَلى المَعْصِيَةِ، فَلا حاجَةَ لِي إلى ذَلِكَ، فَأنا الغَنِيُّ. فَمَنِ اخْتارَ الهُدى، فَقَدْ نَفَعَ نَفْسَهُ؛ ومَنِ اخْتارَ الضَّلالَةَ، فَقَدْ ضَرَّها، وما وُكِّلْتَ عَلَيْهِمْ لِتُجْبِرَهم عَلى الهُدى. فَإنَّ التَّكْلِيفَ مَبْنِيٌّ عَلى الِاخْتِيارِ دُونَ الإجْبارِ. انْتَهى، وهو عَلى مَذْهَبِ المُعْتَزِلَةِ.
ولَمّا ذَكَرَ تَعالى أنَّهُ أنْزَلَ الكِتابَ عَلى رَسُولِهِ بِالحَقِّ لِلنّاسِ، نَبَّهَ عَلى أنَّهُ مِن آياتِهِ الكُبْرى يَدُلُّ عَلى الوَحْدانِيَّةِ، لا يُشْرِكُهُ في ذَلِكَ صَنَمٌ وعَلى غَيْرِهِ
فَقالَ: ﴿اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها﴾، والأنْفُسُ هي الأرْواحُ. وقِيلَ: النَّفْسُ غَيْرُ الرُّوحِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. فالرُّوحُ لَها تَدْبِيرُ عالَمِ الحَياةِ، والنَّفْسُ لَها تَدْبِيرُ عالَمِ الإحْساسِ. وفَرَّقَتْ فِرْقَةٌ بَيْنَ نَفْسِ التَّمْيِيزِ ونَفْسِ التَّخْيِيلِ. والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ الحَدِيثُ واللُّغَةُ أنَّ النَّفْسَ والرُّوحَ مُتَرادِفانِ، وأنَّ فِراقَ ذَلِكَ مِنَ الجَسَدِ هو المَوْتُ. ومَعْنى يَتَوَفّى النَّفْسَ: يُمِيتُها، والَّتِي أيْ: والأنْفُسُ الَّتِي لَمْ تَمُتْ في مَنامِها، أيْ: يَتَوَفّاها حِينَ تَنامُ، (p-٤٣١)تَشْبِيهًا لِلنُّوامِ بِالأمْواتِ.
ومِنهُ: ﴿وهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكم بِاللَّيْلِ﴾ [الأنعام: ٦٠] . فَبَيْنَ المَيِّتِ والنّائِمِ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ، وهو كَوْنُهُما لا يُمَيِّزانِ ولا يَتَصَرَّفانِ. فَيُمْسِكُ مَن قَضى عَلَيْها المَوْتَ الحَقِيقِيَّ، ولا يَرُدُّها في وقْتِها حَيَّةً؛ ويُرْسِلُ النّائِمَةَ لِجَسَدِها إلى أجَلٍ ضَرَبَهُ لِمَوْتِها. وقِيلَ: ﴿يَتَوَفّى الأنْفُسَ﴾: يَسْتَوْفِيها ويَقْبِضُها، وهي الأنْفُسُ الَّتِي يَكُونُ مَعَها الحَياةَ والحَرَكَةَ. ويَتَوَفّى الأنْفُسَ الَّتِي لَمْ تَمُتْ في مَنامِها، وهي أنْفُسُ التَّمْيِيزِ، قالُوا: فالَّتِي تُتَوَفّى في النَّوْمِ هي نَفْسُ التَّمْيِيزِ لا نَفْسُ الحَياةِ؛ لِأنَّ نَفْسَ الحَياةِ إذا زالَتْ زالَ مَعَها النَّفَسُ. والنّائِمُ يَتَنَفَّسُ، وكَوْنُ النَّفْسِ تُقْبَضُ، والرُّوحُ في الجَسَدِ حالَةَ النَّوْمِ، بِدَلِيلِ أنَّهُ يَتَقَلَّبُ ويَتَنَفَّسُ، هو قَوْلُ الأكْثَرِينَ. ودَلَّ عَلى التَّغايُرِ وكَوْنِها شَيْئًا واحِدًا هو قَوْلُ ابْنِ جُبَيْرٍ وأحَدُ قَوْلَيِ ابْنِ عَبّاسٍ: والخَوْضُ في هَذا، وطَلَبُ إدْراكِ ذَلِكَ عَلى جَلِيَّتِهِ عَناءٌ ولا يُوصَلُ إلى ذَلِكَ.
﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيْ: في تَوَفِّي الأنْفُسِ مائِتَةً ونائِمَةً، وإمْساكِها وإرْسالِها إلى أجَلٍ، (لَآياتٍ): لَعَلاماتٍ دالَّةٍ عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ وعِلْمِهِ، (لِقَوْمٍ) يُجِيلُونَ فِيهِ أفْكارَهم ويَعْتَبِرُونَ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: (قَضى) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، (المَوْتَ): نَصْبًا؛ وابْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ، وطَلْحَةُ، وعِيسى، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ؛ (المَوْتُ) رَفْعًا. فَأمْ مُنْقَطِعَةٌ تُقَدَّرُ بِبَلْ والهَمْزَةِ، وهو تَقْرِيرٌ وتَوْبِيخٌ. وكانُوا يَقُولُونَ: هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَنا، والشَّفاعَةُ إنَّما هي لِمَنِ ارْتَضاهُ اللَّهُ وبِإذْنِهِ تَعالى، وهَذا مَفْقُودٌ في آلِهَتِهِمْ. و(أوَلَوْ) مَعْناهُ: أيَتَّخِذُونَهم شُفَعاءَهم بِهَذِهِ المَثابَةِ مِن كَوْنِهِمْ لا يَعْقِلُونَ ولا يَمْلِكُونَ شَيْئًا، وذَلِكَ عامُّ النَّقْصِ، فَكَيْفَ يَشْفَعُ هَؤُلاءِ ؟ وتَقَدَّمَ لَنا الكَلامُ في أوَلَوْ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مَتى دَخَلَتْ ألِفُ الِاسْتِفْهامِ عَلى واوِ العَطْفِ أوْ فائِهِ أحْدَثَتْ مَعْنى التَّقْرِيرِ. انْتَهى.
وإذا كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا، فَكَيْفَ يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ ؟ وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ أيْ: ولَوْ كانُوا عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا قَطُّ حَتّى يَمْلِكُوا الشَّفاعَةَ، ولا عَقْلَ لَهم. انْتَهى.
فَأتى بِقَوْلِهِ: قَطُّ، بَعْدَ قَوْلِهِ: لا يَمْلِكُونَ، ولَيْسَ بِفِعْلٍ ماضٍ، وقَطُّ ظَرْفٌ يُسْتَعْمَلُ مَعَ الماضِي لا مَعَ غَيْرِهِ، وقَدْ تَكَرَّرَ لِلزَّمَخْشَرِيِّ هَذا الِاسْتِعْمالُ، ولَيْسَ بِاسْتِعْمالٍ عَرَبِيٍّ.
﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعًا﴾: فَهو مالِكُها، يَأْذَنُ فِيها لِمَن يَشاءُ ثُمَّ أتى بِعامٍّ وهو: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾، فانْدَرَجَ فِيهِ مِلْكُ الشَّفاعَةِ. ولَمّا كانَتِ الشَّفاعَةُ مِن غَيْرِهِ مَوْقُوفَةً عَلى إذْنِهِ، كانَتِ الشَّفاعَةُ كُلُّها لَهُ. ولَمّا أخْبَرَ أنَّهُ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ، هَدَّدَهم بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾، فَيَعْلَمُونَ أنَّهم لا يَشْفَعُونَ، ويَخِيبُ سَعْيُكم في عِبادَتِهِمْ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَعْناهُ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ اليَوْمَ، ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ يَوْمَ القِيامَةِ، فَلا يَكُونُ المُلْكُ في ذَلِكَ إلّا لَهُ، فَلَهُ مُلْكُ الدُّنْيا والآخِرَةِ.
﴿وإذا ذُكِرَ اللَّهُ وحْدَهُ﴾ أيْ: مُفْرَدًا بِالذِّكْرِ، ولَمْ يُذْكَرْ مَعَ آلِهَتِهِمْ. وقِيلَ: إذا قِيلَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، ﴿وإذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾، وهي الأصْنامُ.
والِاشْمِئْزازُ والِاسْتِبْشارُ مُتَقابِلانِ غايَةً؛ لِأنَّ الِاشْمِئْزازَ: امْتِلاءُ القَلْبِ غَمًّا وغَيْظًا، فَيَظْهَرُ أثَرُهُ، وهو الِانْقِباضُ في الوَجْهِ، والِاسْتِبْشارُ: امْتِلاؤُهُ سُرُورًا، فَيَظْهَرُ أثَرُهُ، وهو الِانْبِساطُ، والتَّهَلُّلُ في الوَجْهِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): ما العامِلُ في وإذا ذُكِرَ ؟ (قُلْتُ): العامِلُ في إذا الفُجائِيَّةِ تَقْدِيرُهُ: وقْتُ ذِكْرِ الَّذِينَ مِن دُونِهِ فاجَأُوا الِاسْتِبْشارَ.
وقالَ الحَوْفِيُّ: ﴿إذا هم يَسْتَبْشِرُونَ﴾، إذا مُضافَةٌ إلى الِابْتِلاءِ والخَبَرِ، وإذا مُكَرَّرَةٌ لِلتَّوْكِيدِ وحُذِفَ ما تُضافُ إلَيْهِ، والتَّقْدِيرُ: إذا كانَ ذَلِكَ هم يَسْتَبْشِرُونَ، فَيَكُونُ هم يَسْتَبْشِرُونَ العامِلَ في إذا، المَعْنى: إذا كانَ ذَلِكَ اسْتَبْشَرُوا. انْتَهى.
أمّا قَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ: فَلا أعْلَمُهُ مِن قَوْلِ مَن يَنْتَمِي لِلنَّحْوِ، وهو أنَّ الظَّرْفَيْنِ مَعْمُولانِ لِعامِلٍ واحِدٍ، ثُمَّ إذا الأُولى يَنْتَصِبُ عَلى الظَّرْفِ، والثّانِيَةُ عَلى المَفْعُولِ بِهِ.
وأمّا قَوْلُ الحَوْفِيِّ فَبَعِيدٌ جِدًّا عَنِ الصَّوابِ، إذْ جَعَلَ إذا مُضافَةً إلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ، ثُمَّ قالَ: وإذا مُكَرَّرَةٌ لِلتَّوْكِيدِ وحُذِفَ ما تُضافُ إلَيْهِ، فَكَيْفَ تَكُونُ مُضافَةً إلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ الَّذِي هم (p-٤٣٢)يَسْتَبْشِرُونَ ؟ وهَذا كُلُّهُ يُوجِبُهُ عَدَمُ الإتْقانِ لِعِلْمِ النَّحْوِ والتَّحَدُّثِ فِيهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ لَنا في مَواضِعِ إذا الَّتِي لِلْمُفاجَأةِ جَوابًا لِإذا الشَّرْطِيَّةِ، وقَدْ قَرَّرْنا في عِلْمِ النَّحْوِ الَّذِي كَتَبْناهُ أنَّ إذا الشَّرْطِيَّةَ لَيْسَتْ مُضافَةً إلى الجُمْلَةِ الَّتِي تَلِيها، وإنْ كانَ مَذْهَبَ الأكْثَرِينَ، وأنَّها لَيْسَتْ بِمَعْمُولَةٍ لِلْجَوابِ، وأقَمْنا الدَّلِيلَ عَلى ذَلِكَ، بَلْ هي مَعْمُولَةٌ لِلْفِعْلِ الَّذِي يَلِيها، كَسائِرِ أسْماءِ الشَّرْطِيَّةِ الظَّرْفِيَّةِ، وإذا الفُجائِيَّةُ رابِطَةٌ لِجُمْلَةِ الجَزاءِ بِجُمْلَةِ الشَّرْطِ، كالفاءِ؛ وهي مَعْمُولَةٌ لِما بَعْدَها. إنْ قُلْنا إنَّها ظَرْفٌ، سَواءٌ كانَ زَمانًا أوْ مَكانًا. ومَن قالَ إنَّها حَرْفٌ، فَلا يَعْمَلُ فِيها شَيْءٌ، فَإذا الأُولى مَعْمُولَةٌ لِذِكْرِهِمْ، والثّانِيَةُ مَعْمُولَةٌ لَيَسْتَبْشِرُونَ.
ولَمّا أخْبَرَ عَنْ سَخافَةِ عُقُولِهِمْ بِاشْمِئْزازِهِمْ مِن ذِكْرِ اللَّهِ، واسْتِبْشارِهِمْ بِذِكْرِ الأصْنامِ، أمَرَهُ أنْ يَدْعُوَ بِأسْماءِ اللَّهِ العُظْمى مِنَ القُدْرَةِ والعِلْمِ ونِسْبَةِ الحُكْمِ إلَيْهِ، إذْ غَيْرُهُ لا قُدْرَةَ لَهُ ولا عِلْمَ تامَّ ولا حُكْمَ، وفي ذَلِكَ وصْفٌ لِحالِهِمُ السَّيِّئِ ووَعِيدٌ لَهم وتَسْلِيَةٌ لِلرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - .
وتَقَدَّمَ الكَلامُ في (اللَّهُمَّ) في سُورَةِ آلَ عِمْرانَ.
﴿ولَوْ أنَّ لِلَّذِينِ ظَلَمُوا﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى تَشْبِيهِهِ في العُقُودِ.
﴿وبَدا لَهم مِنَ اللَّهِ﴾ أيْ: كانَتْ ظُنُونُهم في الدُّنْيا مُتَفَرِّقَةً، حَسَبَ ضَلالاتِهِمْ وتَخَيُّلاتِهِمْ فِيما يَعْتَقِدُونَهُ. فَإذا عايَنُوا العَذابَ يَوْمَ القِيامَةِ، ظَهَرَ لَهم خِلافُ ما كانُوا يَظُنُّونَ، وما كانَ في حِسابِهِمْ. وقالَ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ: ويْلٌ لِأهْلِ الرِّياءِ مِن هَذِهِ الآيَةِ.
﴿وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا﴾ أيْ: جَزاءُ ما كانُوا وما في ﴿ما كَسَبُوا﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى الَّذِي، أيْ: سَيِّئاتُ أعْمالِهِمْ، وأنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، أيْ: سَيِّئاتُ كَسْبِهِمْ. والسَّيِّئاتُ: أنْواعُ العَذابِ سُمِّيَتْ سَيِّئاتٌ، كَما قالَ: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشورى: ٤٠] .
الزمر 39:49
﴿فَإذا مَسَّ الإنْسانَ ضُرٌّ دَعانا ثُمَّ إذا خَوَّلْناهُ نِعْمَةً مِنّا قالَ إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ بَلْ هي فِتْنَةٌ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿قَدْ قالَها الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ﴿فَأصابَهم سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا والَّذِينَ ظَلَمُوا مِن هَؤُلاءِ سَيُصِيبُهم سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وما هم بِمُعْجِزِينَ﴾ ﴿أوَلَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿قُلْ ياعِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿وأنِيبُوا إلى رَبِّكم وأسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَكُمُ العَذابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ ﴿واتَّبِعُوا أحْسَنَ ما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكم مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَكُمُ العَذابُ بَغْتَةً وأنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ .
تَقَدَّمَ في غَيْرِ آيَةٍ كَوْنُ الإنْسانِ إذا مَسَّهُ الضُّرُّ التَجَأ إلى اللَّهِ، مَعَ اعْتِقادِهِمُ الأوْثانَ وعِبادَتَها. فَإذا أصابَتْهم شِدَّةٌ نَبَذُوها ودَعَوْا رَبَّ السَّماواتِ والأرْضِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى تَناقُضِ آرائِهِمْ وشَدَّةِ اضْطِرابِها. والإنْسانُ جَنْسٌ، وضُرٌّ (p-٤٣٣)مُطْلَقٌ، والنِّعْمَةُ عامَّةٌ في جَمِيعِ ما يَسُرُّ، ومِن ذَلِكَ إزالَةُ الضُّرِّ. وقِيلَ: الإنْسانُ مُعَيَّنٌ، وهو حُذَيْفَةُ بْنُ المُغِيرَةِ. والظّاهِرُ أنَّ ما في إنَّما كافَّةٌ مُهَيِّئَةٌ لِدُخُولِ إنْ عَلى الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ، وذُكِّرَ الضَّمِيرُ في (أُوتِيتُهُ)، وإنْ كانَ عائَدًا عَلى النِّعْمَةِ؛ لِأنَّ مَعْناها مُذَكَّرٌ، وهو الأنْعامُ أوِ المالُ، عَلى قَوْلِ مَن شَرَحَ النِّعْمَةَ بِالمالِ، أوِ المَعْنى: شَيْئًا مِنَ النِّعْمَةِ، أوْ لِأنَّها تَشْتَمِلُ عَلى مُذَكَّرٍ ومُؤَنَّثٍ، فَغُلِّبَ المُذَكَّرُ. وقِيلَ: ما مَوْصُولَةٌ، والضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى ما، أيْ: قالَ: إنَّ الَّذِي أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ مِنِّي أيْ: بِوَجْهِ المَكاسِبِ والمَتاجِرِ، قالَهُ قَتادَةُ، وفِيهِ إعْجابٌ بِالنَّفْسِ وتَعاظُمٌ مُفْرِطٌ. أوْ عَلى عِلْمٍ مِنَ اللَّهِ فِيَّ واسْتِحْقاقِ جَزائِهِ عِنْدَ اللَّهِ، وفي هَذا احْتِرازٌ بِاللَّهِ وعَجْزٌ ومَنٌّ عَلى اللَّهِ. أوْ عَلى عِلْمٍ مِنِّي بِأنِّي سَأُعْطاهُ لِما فِيَّ مِن فَضْلٍ واسْتِحْقاقٍ.
(﴿بَلْ هي فِتْنَةٌ﴾: إضْرابٌ عَنْ دَعْواهُ أنَّهُ إنَّما أُوتِيَ عَلى عِلْمٍ، بَلْ تِلْكَ النِّعْمَةُ فِتْنَةٌ وابْتِلاءٌ. ذَكَّرَ أوَّلًا في ( أُوتِيتُهُ) عَلى المَعْنى، إذْ كانَتْ ما مُهَيِّئَةً، ثُمَّ عادَ إلى اللَّفْظِ فَأنَّثَ في قَوْلِهِ ﴿بَلْ هِيَ﴾، أوْ تَكُونُ (هي) عادَتْ عَلى الإتْيانِ، أيْ: بَلْ إتْيانُهُ النِّعْمَةَ فِتْنَةٌ. وكانَ العَطْفُ هُنا بِالفاءِ في فَإذا، بِالواوِ في أوَّلِ السُّورَةِ؛ لِأنَّها وقَعَتْ مُسَبَّبَةً عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وإذا ذُكِرَ اللَّهُ﴾ [الزمر: ٤٥]، أيْ: يَشْمَئِزُّونَ عِنْدَ ذِكْرِ اللَّهِ، ويَسْتَبْشِرُونَ بِذِكْرِ آلِهَتِهِمْ.
فَإذا مَسَّ أحَدُهم ضُرٌّ دَعا مَنِ اشْمَأزَّ مِن ذِكْرِهِ دُونَ مَنِ اسْتَبْشَرَ بِذِكْرِهِ. ومُناسِبَةُ السَّبَبِيَّةِ أنَّكَ تَقُولُ: زَيْدٌ مُؤْمِنٌ، فَإذا مَسَّهُ الضُّرُّ التَجَأ إلى اللَّهِ. فالسَّبَبُ هَنا ظاهِرٌ، وزَيْدٌ كافِرٌ، فَإذا مَسَّهُ الضُّرُّ التَجَأ إلَيْهِ، يُقِيمُ كُفْرَهُ مَقامَ الإيمانِ في جَعْلِهِ سَبَبًا لِلِالتِجاءِ، يَحْكِي عَكْسَ ما فِيهِ الكافِرُ. يَقْصِدُ بِذَلِكَ الإنْكارَ والتَّعَجُّبَ مِن فِعْلِهِ المُتَناقِضِ، حَيْثُ كَفَرَ بِاللَّهِ ثُمَّ التَجَأ إلَيْهِ في الشَّدائِدِ.
وأمّا الآيَةُ الأُولى فَلَمْ تَقَعْ مُسَبَّبَةً، بَلْ ناسَبَتْ ما قَبْلَها، فَعُطِفَتْ عَلَيْهِ بِالواوِ، وإذا كانَتْ فَإذا مُتَّصِلَةً بِقَوْلِهِ: ﴿وإذا ذُكِرَ اللَّهُ وحْدَهُ﴾ [الزمر: ٤٥]، كَما قُلْنا، فَما بَيْنَهُما مِنَ الآيِ اعْتِراضٌ يُؤَكَّدُ بِهِ ما بَيْنَ المُتَّصِلِينَ. فَدُعاءُ الرَّسُولِ رَبَّهُ بِأمْرٍ مِنهُ، وقَوْلُهُ: ﴿أنْتَ تَحْكُمُ﴾ [الزمر: ٤٦]، وتَعْقِيبُهُ الوَعِيدَ، تَأْكِيدٌ لِاشْمِئْزازِهِمْ واسْتِبْشارِهِمْ ورُجُوعِهِمْ إلى اللَّهِ في الشَّدائِدِ دُونَ آلِهَتِهِمْ. وقَوْلُهُ: ﴿ولَوْ أنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الزمر: ٤٧] يَتَناوَلُ لَهم، أوْ لِكُلِّ ظالِمٍ، إنْ جُعِلَ مُطْلَقًا أوْ إيّاهم خاصَّةً إنْ عُنُوا بِهِ. انْتَهى.
وهُوَ مُلْتَقَطٌ أكْثَرُهُ مِن كَلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ، وهو مُتَكَلِّفٌ في رَبْطِ هَذِهِ الآيَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿وإذا ذُكِرَ اللَّهُ وحْدَهُ اشْمَأزَّتْ﴾ [الزمر: ٤٥] مَعَ بُعْدِ ما بَيْنَهُما مِنَ الفَواصِلِ. وإذا كانَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ لا يُجِيزُ الِاعْتِراضَ بِجُمْلَتَيْنِ، فَكَيْفَ يُجِيزُهُ بِهَذِهِ الجُمَلِ الكَثِيرَةِ ؟ والَّذِي يَظْهَرُ في الرَّبْطِ أنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿ولَوْ أنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الزمر: ٤٧] الآيَةَ، كانَ ذَلِكَ إشْعارًا بِما يَنالُ الظّالِمِينَ مِن شِدَّةِ العَذابِ، وأنَّهُ يَظْهَرُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ مِنَ العَذابِ ما لَمْ يَكُنْ في حِسابِهِمْ، أتْبَعَ ذَلِكَ بِما يَدُلُّ عَلى ظُلْمِهِ وبَغْيِهِ، إذْ كانَ إذا مَسَّهُ دَعا رَبَّهُ، فَإذا أحْسَنَ إلَيْهِ، لَمْ يُنْسِبْ ذَلِكَ إلَيْهِ. ثُمَّ إنَّهُ بَعْدُ وصَفَ تِلْكَ النِّعْمَةِ أنَّها ابْتِلاءٌ وفِتْنَةٌ، كَما بَدا لَهُ في الآخِرَةِ مِن عَمَلِهِ الَّذِي كانَ يَظُنُّهُ صالِحًا ما لَمْ يَكُنْ في حِسابِهِ مِن سُوءِ العَذابِ المُتَرَتِّبِ عَلى ذَلِكَ العَمَلِ، تَرَتُّبَ الفِتْنَةِ عَلى تِلْكَ النِّعْمَةِ.
﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: أنَّ ذَلِكَ اسْتِدْراجٌ وامْتِحانٌ ﴿قَدْ قالَها الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ: قالَ مِثْلَ مَقالَتِهِمْ: ﴿أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ﴾ . والظّاهِرُ أنَّ قائِلِي ذَلِكَ جَماعَةٌ مِنَ الأُمَمِ الكافِرَةِ الماضِيَةِ، كَقارُونَ في قَوْلِهِ: ﴿قالَ إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص: ٧٨] . وقِيلَ: الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ هم قارُونُ وقَوْمُهُ، إذْ رَضُوا بِمَقالَتِهِ، فَنُسِبَ القَوْلُ إلَيْهِمْ جَمِيعًا. وقُرِئَ: (قَدْ قالَهُ) أيْ: قالَ القَوْلَ أوِ الكَلامَ.
﴿فَما أغْنى عَنْهُمْ﴾: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ ما نافِيَةً، وهو الظّاهِرُ. وأنْ تَكُونَ اسْتِفْهامِيَّةً، فِيها مَعْنى النَّفْيِ.
﴿ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ أيْ: مِنَ الأمْوالِ.
﴿والَّذِينَ ظَلَمُوا مِن هَؤُلاءِ﴾: إشارَةٌ إلى مُشْرِكِي قُرَيْشٍ، ﴿سَيُصِيبُهم سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا﴾: جاءَ بِسِينِ الِاسْتِقْبالِ الَّتِي هي أقَلُّ تَنْفِيسًا في الزَّمانِ مِن سَوْفَ، وهو خَبَرُ غَيْبٍ، أبْرَزَهُ الوُجُودُ في يَوْمِ بَدْرٍ وغَيْرِهِ. قَتَلَ رُؤَساءَهم، وحَبَسَ عَنْهُمُ الرِّزْقَ، فَلَمْ يُمْطَرُوا سَبْعَ سِنِينَ؛ ثُمَّ بَسَطَ لَهم، فَمُطِرُوا سَبْعَ سِنِينَ، فَقِيلَ لَهم: ألَمْ تَعْلَمُوا أنَّهُ لا قابِضَ ولا باسِطَ إلّا اللَّهُ تَعالى ؟ .
﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا﴾: نَزَلَتْ في وحْشِيٍّ قاتِلِ حَمْزَةَ، قالَهُ عَطاءٌ؛ أوْ في قَوْمٍ آمَنُوا: عَيّاشِ بْنِ (p-٤٣٤)رَبِيعَةَ، والوَلِيدِ بْنِ الوَلِيدِ، ونَفَرٍ مَعَهُما، فَفَتَنَتْهم قُرَيْشٌ، فافْتَتَنُوا وظَنُّوا أنْ لا تَوْبَةَ لَهم، فَكَتَبَ عُمَرُ لَهم بِهَذِهِ الآيَةِ، قالَهُ عُمَرُ، والسُّدِّيُّ، وقَتادَةُ، وابْنُ إسْحاقَ. وقِيلَ: في قَوْمٍ كُفّارٍ مِن أهْلِ الجاهِلِيَّةِ قالُوا: وما يَنْفَعُنا الإسْلامُ، وقَدْ زَنَيْنا، وقَتَلْنا النَّفْسَ، وأتَيْنا كُلَّ كَبِيرَةٍ ؟ ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها: أنَّهُ تَعالى لَمّا شَدَّدَ عَلى الكُفّارِ وذَكَرَ ما أعَدَّ لَهم مِنَ العَذابِ، وأنَّهم لَوْ كانَ لِأحَدِهِمْ ما في الأرْضِ ومِثْلُهُ مَعَهُ لافْتَدى بِهِ مِن عَذابِ اللَّهِ، ذَكَرَ ما في إحْسانِهِ مِن غُفْرانِ الذُّنُوبِ إذا آمَنَ العَبْدُ ورَجَعَ إلى اللَّهِ.
وكَثِيرًا تَأْتِي آياتُ الرَّحْمَةِ مَعَ آياتِ النِّقْمَةِ لِيَرْجُوَ العَبْدُ ويَخافَ.
وهَذِهِ الآيَةُ عامَّةٌ في كُلِّ كافِرٍ يَتُوبُ، ومُؤْمِنٍ عاصٍ يَتُوبُ، تَمْحُو الذَّنْبَ تَوْبَتُهُ. وقالَ عَبْدُ اللَّهِ، وعَلِيٌّ، وابْنُ عامِرٍ: هَذِهِ أرْجى آيَةٍ في كِتابِ اللَّهِ. وتَقَدَّمَ الخِلافُ في قِراءَةِ ﴿لا تَقْنَطُوا﴾ في الحِجْرِ.
﴿إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾: عامٌّ يُرادُ بِهِ ما سِوى الشِّرْكِ، فَهو مُقَيَّدٌ أيْضًا بِالمُؤْمِنِ العاصِي غَيْرِ التّائِبِ بِالمَشِيئَةِ. وفي قَوْلِهِ: (يا عِبادِيَ)، بِإضافَتِهِمْ إلَيْهِ ونِدائِهِمْ، إقْبالٌ وتَشْرِيفٌ. و﴿أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ أيْ: بِالمَعاصِي، والمَعْنى: أنَّ ضَرَرَ تِلْكَ الذُّنُوبِ إنَّما هو عائِدٌ عَلَيْهِمْ، والنَّهْيُ عَنِ القُنُوطِ يَقْتَضِي الأمْرَ بِالرَّجاءِ، وإضافَةُ الرَّحْمَةِ إلى اللَّهِ التِفاتٌ مِن ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ إلى الِاسْمِ الغائِبِ؛ لِأنَّ في إضافَتِها إلَيْهِ سِعَةً لِلرَّحْمَةِ إذا أُضِيفَتْ إلى اللَّهِ الَّذِي هو أعْظَمُ الأسْماءِ؛ لِأنَّهُ العِلْمُ المُحْتَوِي عَلى مَعانِي جَمِيعِ الأسْماءِ. ثُمَّ أعادَ الِاسْمَ الأعْظَمَ، وأكَّدَ الجُمْلَةَ ”بِأنَّ“ مُبالَغَةً في الوَعْدِ بِالغُفْرانِ، ثُمَّ وصَفَ نَفْسَهُ بِما سَبَقَ في الجُمْلَتَيْنِ مِنَ الرَّحْمَةِ والغُفْرانِ بِصِفَتَيِ المُبالَغَةِ، وأكَّدَ بِلَفْظٍ هو المُقْتَضِي عِنْدَ بَعْضِهِمُ الحَصْرَ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ شَرْطَ التَّوْبَةِ. وقَدْ تَكَرَّرَ ذِكْرُ هَذا الشَّرْطِ في القُرْآنِ، فَكانَ ذِكْرُهُ فِيما ذُكِرَ فِيهِ ذِكْرًا لَهُ فِيما لَمْ يُذْكَرْ فِيهِ؛ لِأنَّ القُرْآنَ في حُكْمِ كَلامٍ واحِدٍ، ولا يَجُوزُ فِيهِ التَّناقُضُ. انْتَهى، وهو عَلى طَرِيقَةِ المُعْتَزِلَةِ في أنَّ المُؤْمِنَ العاصِيَ لا يُغْفَرُ لَهُ إلّا بِشَرْطِ التَّوْبَةِ.
ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِيها فُسْحَةٌ عَظِيمَةٌ لِلْمُسْرِفِ، أتْبَعَها بِأنَّ الإنابَةَ - وهي الرُّجُوعُ - مَطْلُوبَةٌ مَأْمُورٌ بِها. ثُمَّ تَوَعَّدَ مَن لَمْ يَتُبْ بِالعَذابِ، حَتّى لا يَبْقى المَرْءُ كالمُمِلِّ مِنَ الطّاعَةِ، والمُتَّكِلِ عَلى الغُفْرانِ دُونَ إنابَةٍ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإنَّما ذَكَرَ الإنابَةَ عَلى إثْرِ المَغْفِرَةِ، لِئَلّا يَطْمَعَ طامِعٌ في حُصُولِها بِغَيْرِ تَوْبَةٍ، ولِلدَّلالَةِ عَلى أنَّها شَرْطٌ فِيها لازِمٌ لا تَحْصُلُ بِدُونِهِ. انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ.
﴿واتَّبِعُوا أحْسَنَ ما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكُمْ﴾، مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ﴾ [الزمر: ١٨]، وهو القُرْآنُ، ولَيْسَ المَعْنى أنَّ بَعْضًا أحْسَنُ مِن بَعْضٍ، بَلْ كُلُّهُ حَسَنٌ.
﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَكُمُ العَذابُ بَغْتَةً﴾، أيْ: فَجْأةً، ﴿وأنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ أيْ: وأنْتُمْ غافِلُونَ عَنْ حُلُولِهِ بِكم، فَيَكُونُ ذَلِكَ أشَدَّ في عَذابِكم.
الزمر 39:50
﴿فَإذا مَسَّ الإنْسانَ ضُرٌّ دَعانا ثُمَّ إذا خَوَّلْناهُ نِعْمَةً مِنّا قالَ إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ بَلْ هي فِتْنَةٌ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿قَدْ قالَها الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ﴿فَأصابَهم سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا والَّذِينَ ظَلَمُوا مِن هَؤُلاءِ سَيُصِيبُهم سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وما هم بِمُعْجِزِينَ﴾ ﴿أوَلَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿قُلْ ياعِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿وأنِيبُوا إلى رَبِّكم وأسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَكُمُ العَذابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ ﴿واتَّبِعُوا أحْسَنَ ما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكم مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَكُمُ العَذابُ بَغْتَةً وأنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ .
تَقَدَّمَ في غَيْرِ آيَةٍ كَوْنُ الإنْسانِ إذا مَسَّهُ الضُّرُّ التَجَأ إلى اللَّهِ، مَعَ اعْتِقادِهِمُ الأوْثانَ وعِبادَتَها. فَإذا أصابَتْهم شِدَّةٌ نَبَذُوها ودَعَوْا رَبَّ السَّماواتِ والأرْضِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى تَناقُضِ آرائِهِمْ وشَدَّةِ اضْطِرابِها. والإنْسانُ جَنْسٌ، وضُرٌّ (p-٤٣٣)مُطْلَقٌ، والنِّعْمَةُ عامَّةٌ في جَمِيعِ ما يَسُرُّ، ومِن ذَلِكَ إزالَةُ الضُّرِّ. وقِيلَ: الإنْسانُ مُعَيَّنٌ، وهو حُذَيْفَةُ بْنُ المُغِيرَةِ. والظّاهِرُ أنَّ ما في إنَّما كافَّةٌ مُهَيِّئَةٌ لِدُخُولِ إنْ عَلى الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ، وذُكِّرَ الضَّمِيرُ في (أُوتِيتُهُ)، وإنْ كانَ عائَدًا عَلى النِّعْمَةِ؛ لِأنَّ مَعْناها مُذَكَّرٌ، وهو الأنْعامُ أوِ المالُ، عَلى قَوْلِ مَن شَرَحَ النِّعْمَةَ بِالمالِ، أوِ المَعْنى: شَيْئًا مِنَ النِّعْمَةِ، أوْ لِأنَّها تَشْتَمِلُ عَلى مُذَكَّرٍ ومُؤَنَّثٍ، فَغُلِّبَ المُذَكَّرُ. وقِيلَ: ما مَوْصُولَةٌ، والضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى ما، أيْ: قالَ: إنَّ الَّذِي أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ مِنِّي أيْ: بِوَجْهِ المَكاسِبِ والمَتاجِرِ، قالَهُ قَتادَةُ، وفِيهِ إعْجابٌ بِالنَّفْسِ وتَعاظُمٌ مُفْرِطٌ. أوْ عَلى عِلْمٍ مِنَ اللَّهِ فِيَّ واسْتِحْقاقِ جَزائِهِ عِنْدَ اللَّهِ، وفي هَذا احْتِرازٌ بِاللَّهِ وعَجْزٌ ومَنٌّ عَلى اللَّهِ. أوْ عَلى عِلْمٍ مِنِّي بِأنِّي سَأُعْطاهُ لِما فِيَّ مِن فَضْلٍ واسْتِحْقاقٍ.
(﴿بَلْ هي فِتْنَةٌ﴾: إضْرابٌ عَنْ دَعْواهُ أنَّهُ إنَّما أُوتِيَ عَلى عِلْمٍ، بَلْ تِلْكَ النِّعْمَةُ فِتْنَةٌ وابْتِلاءٌ. ذَكَّرَ أوَّلًا في ( أُوتِيتُهُ) عَلى المَعْنى، إذْ كانَتْ ما مُهَيِّئَةً، ثُمَّ عادَ إلى اللَّفْظِ فَأنَّثَ في قَوْلِهِ ﴿بَلْ هِيَ﴾، أوْ تَكُونُ (هي) عادَتْ عَلى الإتْيانِ، أيْ: بَلْ إتْيانُهُ النِّعْمَةَ فِتْنَةٌ. وكانَ العَطْفُ هُنا بِالفاءِ في فَإذا، بِالواوِ في أوَّلِ السُّورَةِ؛ لِأنَّها وقَعَتْ مُسَبَّبَةً عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وإذا ذُكِرَ اللَّهُ﴾ [الزمر: ٤٥]، أيْ: يَشْمَئِزُّونَ عِنْدَ ذِكْرِ اللَّهِ، ويَسْتَبْشِرُونَ بِذِكْرِ آلِهَتِهِمْ.
فَإذا مَسَّ أحَدُهم ضُرٌّ دَعا مَنِ اشْمَأزَّ مِن ذِكْرِهِ دُونَ مَنِ اسْتَبْشَرَ بِذِكْرِهِ. ومُناسِبَةُ السَّبَبِيَّةِ أنَّكَ تَقُولُ: زَيْدٌ مُؤْمِنٌ، فَإذا مَسَّهُ الضُّرُّ التَجَأ إلى اللَّهِ. فالسَّبَبُ هَنا ظاهِرٌ، وزَيْدٌ كافِرٌ، فَإذا مَسَّهُ الضُّرُّ التَجَأ إلَيْهِ، يُقِيمُ كُفْرَهُ مَقامَ الإيمانِ في جَعْلِهِ سَبَبًا لِلِالتِجاءِ، يَحْكِي عَكْسَ ما فِيهِ الكافِرُ. يَقْصِدُ بِذَلِكَ الإنْكارَ والتَّعَجُّبَ مِن فِعْلِهِ المُتَناقِضِ، حَيْثُ كَفَرَ بِاللَّهِ ثُمَّ التَجَأ إلَيْهِ في الشَّدائِدِ.
وأمّا الآيَةُ الأُولى فَلَمْ تَقَعْ مُسَبَّبَةً، بَلْ ناسَبَتْ ما قَبْلَها، فَعُطِفَتْ عَلَيْهِ بِالواوِ، وإذا كانَتْ فَإذا مُتَّصِلَةً بِقَوْلِهِ: ﴿وإذا ذُكِرَ اللَّهُ وحْدَهُ﴾ [الزمر: ٤٥]، كَما قُلْنا، فَما بَيْنَهُما مِنَ الآيِ اعْتِراضٌ يُؤَكَّدُ بِهِ ما بَيْنَ المُتَّصِلِينَ. فَدُعاءُ الرَّسُولِ رَبَّهُ بِأمْرٍ مِنهُ، وقَوْلُهُ: ﴿أنْتَ تَحْكُمُ﴾ [الزمر: ٤٦]، وتَعْقِيبُهُ الوَعِيدَ، تَأْكِيدٌ لِاشْمِئْزازِهِمْ واسْتِبْشارِهِمْ ورُجُوعِهِمْ إلى اللَّهِ في الشَّدائِدِ دُونَ آلِهَتِهِمْ. وقَوْلُهُ: ﴿ولَوْ أنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الزمر: ٤٧] يَتَناوَلُ لَهم، أوْ لِكُلِّ ظالِمٍ، إنْ جُعِلَ مُطْلَقًا أوْ إيّاهم خاصَّةً إنْ عُنُوا بِهِ. انْتَهى.
وهُوَ مُلْتَقَطٌ أكْثَرُهُ مِن كَلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ، وهو مُتَكَلِّفٌ في رَبْطِ هَذِهِ الآيَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿وإذا ذُكِرَ اللَّهُ وحْدَهُ اشْمَأزَّتْ﴾ [الزمر: ٤٥] مَعَ بُعْدِ ما بَيْنَهُما مِنَ الفَواصِلِ. وإذا كانَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ لا يُجِيزُ الِاعْتِراضَ بِجُمْلَتَيْنِ، فَكَيْفَ يُجِيزُهُ بِهَذِهِ الجُمَلِ الكَثِيرَةِ ؟ والَّذِي يَظْهَرُ في الرَّبْطِ أنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿ولَوْ أنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الزمر: ٤٧] الآيَةَ، كانَ ذَلِكَ إشْعارًا بِما يَنالُ الظّالِمِينَ مِن شِدَّةِ العَذابِ، وأنَّهُ يَظْهَرُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ مِنَ العَذابِ ما لَمْ يَكُنْ في حِسابِهِمْ، أتْبَعَ ذَلِكَ بِما يَدُلُّ عَلى ظُلْمِهِ وبَغْيِهِ، إذْ كانَ إذا مَسَّهُ دَعا رَبَّهُ، فَإذا أحْسَنَ إلَيْهِ، لَمْ يُنْسِبْ ذَلِكَ إلَيْهِ. ثُمَّ إنَّهُ بَعْدُ وصَفَ تِلْكَ النِّعْمَةِ أنَّها ابْتِلاءٌ وفِتْنَةٌ، كَما بَدا لَهُ في الآخِرَةِ مِن عَمَلِهِ الَّذِي كانَ يَظُنُّهُ صالِحًا ما لَمْ يَكُنْ في حِسابِهِ مِن سُوءِ العَذابِ المُتَرَتِّبِ عَلى ذَلِكَ العَمَلِ، تَرَتُّبَ الفِتْنَةِ عَلى تِلْكَ النِّعْمَةِ.
﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: أنَّ ذَلِكَ اسْتِدْراجٌ وامْتِحانٌ ﴿قَدْ قالَها الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ: قالَ مِثْلَ مَقالَتِهِمْ: ﴿أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ﴾ . والظّاهِرُ أنَّ قائِلِي ذَلِكَ جَماعَةٌ مِنَ الأُمَمِ الكافِرَةِ الماضِيَةِ، كَقارُونَ في قَوْلِهِ: ﴿قالَ إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص: ٧٨] . وقِيلَ: الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ هم قارُونُ وقَوْمُهُ، إذْ رَضُوا بِمَقالَتِهِ، فَنُسِبَ القَوْلُ إلَيْهِمْ جَمِيعًا. وقُرِئَ: (قَدْ قالَهُ) أيْ: قالَ القَوْلَ أوِ الكَلامَ.
﴿فَما أغْنى عَنْهُمْ﴾: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ ما نافِيَةً، وهو الظّاهِرُ. وأنْ تَكُونَ اسْتِفْهامِيَّةً، فِيها مَعْنى النَّفْيِ.
﴿ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ أيْ: مِنَ الأمْوالِ.
﴿والَّذِينَ ظَلَمُوا مِن هَؤُلاءِ﴾: إشارَةٌ إلى مُشْرِكِي قُرَيْشٍ، ﴿سَيُصِيبُهم سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا﴾: جاءَ بِسِينِ الِاسْتِقْبالِ الَّتِي هي أقَلُّ تَنْفِيسًا في الزَّمانِ مِن سَوْفَ، وهو خَبَرُ غَيْبٍ، أبْرَزَهُ الوُجُودُ في يَوْمِ بَدْرٍ وغَيْرِهِ. قَتَلَ رُؤَساءَهم، وحَبَسَ عَنْهُمُ الرِّزْقَ، فَلَمْ يُمْطَرُوا سَبْعَ سِنِينَ؛ ثُمَّ بَسَطَ لَهم، فَمُطِرُوا سَبْعَ سِنِينَ، فَقِيلَ لَهم: ألَمْ تَعْلَمُوا أنَّهُ لا قابِضَ ولا باسِطَ إلّا اللَّهُ تَعالى ؟ .
﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا﴾: نَزَلَتْ في وحْشِيٍّ قاتِلِ حَمْزَةَ، قالَهُ عَطاءٌ؛ أوْ في قَوْمٍ آمَنُوا: عَيّاشِ بْنِ (p-٤٣٤)رَبِيعَةَ، والوَلِيدِ بْنِ الوَلِيدِ، ونَفَرٍ مَعَهُما، فَفَتَنَتْهم قُرَيْشٌ، فافْتَتَنُوا وظَنُّوا أنْ لا تَوْبَةَ لَهم، فَكَتَبَ عُمَرُ لَهم بِهَذِهِ الآيَةِ، قالَهُ عُمَرُ، والسُّدِّيُّ، وقَتادَةُ، وابْنُ إسْحاقَ. وقِيلَ: في قَوْمٍ كُفّارٍ مِن أهْلِ الجاهِلِيَّةِ قالُوا: وما يَنْفَعُنا الإسْلامُ، وقَدْ زَنَيْنا، وقَتَلْنا النَّفْسَ، وأتَيْنا كُلَّ كَبِيرَةٍ ؟ ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها: أنَّهُ تَعالى لَمّا شَدَّدَ عَلى الكُفّارِ وذَكَرَ ما أعَدَّ لَهم مِنَ العَذابِ، وأنَّهم لَوْ كانَ لِأحَدِهِمْ ما في الأرْضِ ومِثْلُهُ مَعَهُ لافْتَدى بِهِ مِن عَذابِ اللَّهِ، ذَكَرَ ما في إحْسانِهِ مِن غُفْرانِ الذُّنُوبِ إذا آمَنَ العَبْدُ ورَجَعَ إلى اللَّهِ.
وكَثِيرًا تَأْتِي آياتُ الرَّحْمَةِ مَعَ آياتِ النِّقْمَةِ لِيَرْجُوَ العَبْدُ ويَخافَ.
وهَذِهِ الآيَةُ عامَّةٌ في كُلِّ كافِرٍ يَتُوبُ، ومُؤْمِنٍ عاصٍ يَتُوبُ، تَمْحُو الذَّنْبَ تَوْبَتُهُ. وقالَ عَبْدُ اللَّهِ، وعَلِيٌّ، وابْنُ عامِرٍ: هَذِهِ أرْجى آيَةٍ في كِتابِ اللَّهِ. وتَقَدَّمَ الخِلافُ في قِراءَةِ ﴿لا تَقْنَطُوا﴾ في الحِجْرِ.
﴿إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾: عامٌّ يُرادُ بِهِ ما سِوى الشِّرْكِ، فَهو مُقَيَّدٌ أيْضًا بِالمُؤْمِنِ العاصِي غَيْرِ التّائِبِ بِالمَشِيئَةِ. وفي قَوْلِهِ: (يا عِبادِيَ)، بِإضافَتِهِمْ إلَيْهِ ونِدائِهِمْ، إقْبالٌ وتَشْرِيفٌ. و﴿أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ أيْ: بِالمَعاصِي، والمَعْنى: أنَّ ضَرَرَ تِلْكَ الذُّنُوبِ إنَّما هو عائِدٌ عَلَيْهِمْ، والنَّهْيُ عَنِ القُنُوطِ يَقْتَضِي الأمْرَ بِالرَّجاءِ، وإضافَةُ الرَّحْمَةِ إلى اللَّهِ التِفاتٌ مِن ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ إلى الِاسْمِ الغائِبِ؛ لِأنَّ في إضافَتِها إلَيْهِ سِعَةً لِلرَّحْمَةِ إذا أُضِيفَتْ إلى اللَّهِ الَّذِي هو أعْظَمُ الأسْماءِ؛ لِأنَّهُ العِلْمُ المُحْتَوِي عَلى مَعانِي جَمِيعِ الأسْماءِ. ثُمَّ أعادَ الِاسْمَ الأعْظَمَ، وأكَّدَ الجُمْلَةَ ”بِأنَّ“ مُبالَغَةً في الوَعْدِ بِالغُفْرانِ، ثُمَّ وصَفَ نَفْسَهُ بِما سَبَقَ في الجُمْلَتَيْنِ مِنَ الرَّحْمَةِ والغُفْرانِ بِصِفَتَيِ المُبالَغَةِ، وأكَّدَ بِلَفْظٍ هو المُقْتَضِي عِنْدَ بَعْضِهِمُ الحَصْرَ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ شَرْطَ التَّوْبَةِ. وقَدْ تَكَرَّرَ ذِكْرُ هَذا الشَّرْطِ في القُرْآنِ، فَكانَ ذِكْرُهُ فِيما ذُكِرَ فِيهِ ذِكْرًا لَهُ فِيما لَمْ يُذْكَرْ فِيهِ؛ لِأنَّ القُرْآنَ في حُكْمِ كَلامٍ واحِدٍ، ولا يَجُوزُ فِيهِ التَّناقُضُ. انْتَهى، وهو عَلى طَرِيقَةِ المُعْتَزِلَةِ في أنَّ المُؤْمِنَ العاصِيَ لا يُغْفَرُ لَهُ إلّا بِشَرْطِ التَّوْبَةِ.
ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِيها فُسْحَةٌ عَظِيمَةٌ لِلْمُسْرِفِ، أتْبَعَها بِأنَّ الإنابَةَ - وهي الرُّجُوعُ - مَطْلُوبَةٌ مَأْمُورٌ بِها. ثُمَّ تَوَعَّدَ مَن لَمْ يَتُبْ بِالعَذابِ، حَتّى لا يَبْقى المَرْءُ كالمُمِلِّ مِنَ الطّاعَةِ، والمُتَّكِلِ عَلى الغُفْرانِ دُونَ إنابَةٍ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإنَّما ذَكَرَ الإنابَةَ عَلى إثْرِ المَغْفِرَةِ، لِئَلّا يَطْمَعَ طامِعٌ في حُصُولِها بِغَيْرِ تَوْبَةٍ، ولِلدَّلالَةِ عَلى أنَّها شَرْطٌ فِيها لازِمٌ لا تَحْصُلُ بِدُونِهِ. انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ.
﴿واتَّبِعُوا أحْسَنَ ما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكُمْ﴾، مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ﴾ [الزمر: ١٨]، وهو القُرْآنُ، ولَيْسَ المَعْنى أنَّ بَعْضًا أحْسَنُ مِن بَعْضٍ، بَلْ كُلُّهُ حَسَنٌ.
﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَكُمُ العَذابُ بَغْتَةً﴾، أيْ: فَجْأةً، ﴿وأنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ أيْ: وأنْتُمْ غافِلُونَ عَنْ حُلُولِهِ بِكم، فَيَكُونُ ذَلِكَ أشَدَّ في عَذابِكم.
الزمر 39:51
﴿فَإذا مَسَّ الإنْسانَ ضُرٌّ دَعانا ثُمَّ إذا خَوَّلْناهُ نِعْمَةً مِنّا قالَ إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ بَلْ هي فِتْنَةٌ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿قَدْ قالَها الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ﴿فَأصابَهم سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا والَّذِينَ ظَلَمُوا مِن هَؤُلاءِ سَيُصِيبُهم سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وما هم بِمُعْجِزِينَ﴾ ﴿أوَلَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿قُلْ ياعِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿وأنِيبُوا إلى رَبِّكم وأسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَكُمُ العَذابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ ﴿واتَّبِعُوا أحْسَنَ ما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكم مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَكُمُ العَذابُ بَغْتَةً وأنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ .
تَقَدَّمَ في غَيْرِ آيَةٍ كَوْنُ الإنْسانِ إذا مَسَّهُ الضُّرُّ التَجَأ إلى اللَّهِ، مَعَ اعْتِقادِهِمُ الأوْثانَ وعِبادَتَها. فَإذا أصابَتْهم شِدَّةٌ نَبَذُوها ودَعَوْا رَبَّ السَّماواتِ والأرْضِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى تَناقُضِ آرائِهِمْ وشَدَّةِ اضْطِرابِها. والإنْسانُ جَنْسٌ، وضُرٌّ (p-٤٣٣)مُطْلَقٌ، والنِّعْمَةُ عامَّةٌ في جَمِيعِ ما يَسُرُّ، ومِن ذَلِكَ إزالَةُ الضُّرِّ. وقِيلَ: الإنْسانُ مُعَيَّنٌ، وهو حُذَيْفَةُ بْنُ المُغِيرَةِ. والظّاهِرُ أنَّ ما في إنَّما كافَّةٌ مُهَيِّئَةٌ لِدُخُولِ إنْ عَلى الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ، وذُكِّرَ الضَّمِيرُ في (أُوتِيتُهُ)، وإنْ كانَ عائَدًا عَلى النِّعْمَةِ؛ لِأنَّ مَعْناها مُذَكَّرٌ، وهو الأنْعامُ أوِ المالُ، عَلى قَوْلِ مَن شَرَحَ النِّعْمَةَ بِالمالِ، أوِ المَعْنى: شَيْئًا مِنَ النِّعْمَةِ، أوْ لِأنَّها تَشْتَمِلُ عَلى مُذَكَّرٍ ومُؤَنَّثٍ، فَغُلِّبَ المُذَكَّرُ. وقِيلَ: ما مَوْصُولَةٌ، والضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى ما، أيْ: قالَ: إنَّ الَّذِي أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ مِنِّي أيْ: بِوَجْهِ المَكاسِبِ والمَتاجِرِ، قالَهُ قَتادَةُ، وفِيهِ إعْجابٌ بِالنَّفْسِ وتَعاظُمٌ مُفْرِطٌ. أوْ عَلى عِلْمٍ مِنَ اللَّهِ فِيَّ واسْتِحْقاقِ جَزائِهِ عِنْدَ اللَّهِ، وفي هَذا احْتِرازٌ بِاللَّهِ وعَجْزٌ ومَنٌّ عَلى اللَّهِ. أوْ عَلى عِلْمٍ مِنِّي بِأنِّي سَأُعْطاهُ لِما فِيَّ مِن فَضْلٍ واسْتِحْقاقٍ.
(﴿بَلْ هي فِتْنَةٌ﴾: إضْرابٌ عَنْ دَعْواهُ أنَّهُ إنَّما أُوتِيَ عَلى عِلْمٍ، بَلْ تِلْكَ النِّعْمَةُ فِتْنَةٌ وابْتِلاءٌ. ذَكَّرَ أوَّلًا في ( أُوتِيتُهُ) عَلى المَعْنى، إذْ كانَتْ ما مُهَيِّئَةً، ثُمَّ عادَ إلى اللَّفْظِ فَأنَّثَ في قَوْلِهِ ﴿بَلْ هِيَ﴾، أوْ تَكُونُ (هي) عادَتْ عَلى الإتْيانِ، أيْ: بَلْ إتْيانُهُ النِّعْمَةَ فِتْنَةٌ. وكانَ العَطْفُ هُنا بِالفاءِ في فَإذا، بِالواوِ في أوَّلِ السُّورَةِ؛ لِأنَّها وقَعَتْ مُسَبَّبَةً عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وإذا ذُكِرَ اللَّهُ﴾ [الزمر: ٤٥]، أيْ: يَشْمَئِزُّونَ عِنْدَ ذِكْرِ اللَّهِ، ويَسْتَبْشِرُونَ بِذِكْرِ آلِهَتِهِمْ.
فَإذا مَسَّ أحَدُهم ضُرٌّ دَعا مَنِ اشْمَأزَّ مِن ذِكْرِهِ دُونَ مَنِ اسْتَبْشَرَ بِذِكْرِهِ. ومُناسِبَةُ السَّبَبِيَّةِ أنَّكَ تَقُولُ: زَيْدٌ مُؤْمِنٌ، فَإذا مَسَّهُ الضُّرُّ التَجَأ إلى اللَّهِ. فالسَّبَبُ هَنا ظاهِرٌ، وزَيْدٌ كافِرٌ، فَإذا مَسَّهُ الضُّرُّ التَجَأ إلَيْهِ، يُقِيمُ كُفْرَهُ مَقامَ الإيمانِ في جَعْلِهِ سَبَبًا لِلِالتِجاءِ، يَحْكِي عَكْسَ ما فِيهِ الكافِرُ. يَقْصِدُ بِذَلِكَ الإنْكارَ والتَّعَجُّبَ مِن فِعْلِهِ المُتَناقِضِ، حَيْثُ كَفَرَ بِاللَّهِ ثُمَّ التَجَأ إلَيْهِ في الشَّدائِدِ.
وأمّا الآيَةُ الأُولى فَلَمْ تَقَعْ مُسَبَّبَةً، بَلْ ناسَبَتْ ما قَبْلَها، فَعُطِفَتْ عَلَيْهِ بِالواوِ، وإذا كانَتْ فَإذا مُتَّصِلَةً بِقَوْلِهِ: ﴿وإذا ذُكِرَ اللَّهُ وحْدَهُ﴾ [الزمر: ٤٥]، كَما قُلْنا، فَما بَيْنَهُما مِنَ الآيِ اعْتِراضٌ يُؤَكَّدُ بِهِ ما بَيْنَ المُتَّصِلِينَ. فَدُعاءُ الرَّسُولِ رَبَّهُ بِأمْرٍ مِنهُ، وقَوْلُهُ: ﴿أنْتَ تَحْكُمُ﴾ [الزمر: ٤٦]، وتَعْقِيبُهُ الوَعِيدَ، تَأْكِيدٌ لِاشْمِئْزازِهِمْ واسْتِبْشارِهِمْ ورُجُوعِهِمْ إلى اللَّهِ في الشَّدائِدِ دُونَ آلِهَتِهِمْ. وقَوْلُهُ: ﴿ولَوْ أنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الزمر: ٤٧] يَتَناوَلُ لَهم، أوْ لِكُلِّ ظالِمٍ، إنْ جُعِلَ مُطْلَقًا أوْ إيّاهم خاصَّةً إنْ عُنُوا بِهِ. انْتَهى.
وهُوَ مُلْتَقَطٌ أكْثَرُهُ مِن كَلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ، وهو مُتَكَلِّفٌ في رَبْطِ هَذِهِ الآيَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿وإذا ذُكِرَ اللَّهُ وحْدَهُ اشْمَأزَّتْ﴾ [الزمر: ٤٥] مَعَ بُعْدِ ما بَيْنَهُما مِنَ الفَواصِلِ. وإذا كانَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ لا يُجِيزُ الِاعْتِراضَ بِجُمْلَتَيْنِ، فَكَيْفَ يُجِيزُهُ بِهَذِهِ الجُمَلِ الكَثِيرَةِ ؟ والَّذِي يَظْهَرُ في الرَّبْطِ أنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿ولَوْ أنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الزمر: ٤٧] الآيَةَ، كانَ ذَلِكَ إشْعارًا بِما يَنالُ الظّالِمِينَ مِن شِدَّةِ العَذابِ، وأنَّهُ يَظْهَرُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ مِنَ العَذابِ ما لَمْ يَكُنْ في حِسابِهِمْ، أتْبَعَ ذَلِكَ بِما يَدُلُّ عَلى ظُلْمِهِ وبَغْيِهِ، إذْ كانَ إذا مَسَّهُ دَعا رَبَّهُ، فَإذا أحْسَنَ إلَيْهِ، لَمْ يُنْسِبْ ذَلِكَ إلَيْهِ. ثُمَّ إنَّهُ بَعْدُ وصَفَ تِلْكَ النِّعْمَةِ أنَّها ابْتِلاءٌ وفِتْنَةٌ، كَما بَدا لَهُ في الآخِرَةِ مِن عَمَلِهِ الَّذِي كانَ يَظُنُّهُ صالِحًا ما لَمْ يَكُنْ في حِسابِهِ مِن سُوءِ العَذابِ المُتَرَتِّبِ عَلى ذَلِكَ العَمَلِ، تَرَتُّبَ الفِتْنَةِ عَلى تِلْكَ النِّعْمَةِ.
﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: أنَّ ذَلِكَ اسْتِدْراجٌ وامْتِحانٌ ﴿قَدْ قالَها الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ: قالَ مِثْلَ مَقالَتِهِمْ: ﴿أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ﴾ . والظّاهِرُ أنَّ قائِلِي ذَلِكَ جَماعَةٌ مِنَ الأُمَمِ الكافِرَةِ الماضِيَةِ، كَقارُونَ في قَوْلِهِ: ﴿قالَ إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص: ٧٨] . وقِيلَ: الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ هم قارُونُ وقَوْمُهُ، إذْ رَضُوا بِمَقالَتِهِ، فَنُسِبَ القَوْلُ إلَيْهِمْ جَمِيعًا. وقُرِئَ: (قَدْ قالَهُ) أيْ: قالَ القَوْلَ أوِ الكَلامَ.
﴿فَما أغْنى عَنْهُمْ﴾: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ ما نافِيَةً، وهو الظّاهِرُ. وأنْ تَكُونَ اسْتِفْهامِيَّةً، فِيها مَعْنى النَّفْيِ.
﴿ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ أيْ: مِنَ الأمْوالِ.
﴿والَّذِينَ ظَلَمُوا مِن هَؤُلاءِ﴾: إشارَةٌ إلى مُشْرِكِي قُرَيْشٍ، ﴿سَيُصِيبُهم سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا﴾: جاءَ بِسِينِ الِاسْتِقْبالِ الَّتِي هي أقَلُّ تَنْفِيسًا في الزَّمانِ مِن سَوْفَ، وهو خَبَرُ غَيْبٍ، أبْرَزَهُ الوُجُودُ في يَوْمِ بَدْرٍ وغَيْرِهِ. قَتَلَ رُؤَساءَهم، وحَبَسَ عَنْهُمُ الرِّزْقَ، فَلَمْ يُمْطَرُوا سَبْعَ سِنِينَ؛ ثُمَّ بَسَطَ لَهم، فَمُطِرُوا سَبْعَ سِنِينَ، فَقِيلَ لَهم: ألَمْ تَعْلَمُوا أنَّهُ لا قابِضَ ولا باسِطَ إلّا اللَّهُ تَعالى ؟ .
﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا﴾: نَزَلَتْ في وحْشِيٍّ قاتِلِ حَمْزَةَ، قالَهُ عَطاءٌ؛ أوْ في قَوْمٍ آمَنُوا: عَيّاشِ بْنِ (p-٤٣٤)رَبِيعَةَ، والوَلِيدِ بْنِ الوَلِيدِ، ونَفَرٍ مَعَهُما، فَفَتَنَتْهم قُرَيْشٌ، فافْتَتَنُوا وظَنُّوا أنْ لا تَوْبَةَ لَهم، فَكَتَبَ عُمَرُ لَهم بِهَذِهِ الآيَةِ، قالَهُ عُمَرُ، والسُّدِّيُّ، وقَتادَةُ، وابْنُ إسْحاقَ. وقِيلَ: في قَوْمٍ كُفّارٍ مِن أهْلِ الجاهِلِيَّةِ قالُوا: وما يَنْفَعُنا الإسْلامُ، وقَدْ زَنَيْنا، وقَتَلْنا النَّفْسَ، وأتَيْنا كُلَّ كَبِيرَةٍ ؟ ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها: أنَّهُ تَعالى لَمّا شَدَّدَ عَلى الكُفّارِ وذَكَرَ ما أعَدَّ لَهم مِنَ العَذابِ، وأنَّهم لَوْ كانَ لِأحَدِهِمْ ما في الأرْضِ ومِثْلُهُ مَعَهُ لافْتَدى بِهِ مِن عَذابِ اللَّهِ، ذَكَرَ ما في إحْسانِهِ مِن غُفْرانِ الذُّنُوبِ إذا آمَنَ العَبْدُ ورَجَعَ إلى اللَّهِ.
وكَثِيرًا تَأْتِي آياتُ الرَّحْمَةِ مَعَ آياتِ النِّقْمَةِ لِيَرْجُوَ العَبْدُ ويَخافَ.
وهَذِهِ الآيَةُ عامَّةٌ في كُلِّ كافِرٍ يَتُوبُ، ومُؤْمِنٍ عاصٍ يَتُوبُ، تَمْحُو الذَّنْبَ تَوْبَتُهُ. وقالَ عَبْدُ اللَّهِ، وعَلِيٌّ، وابْنُ عامِرٍ: هَذِهِ أرْجى آيَةٍ في كِتابِ اللَّهِ. وتَقَدَّمَ الخِلافُ في قِراءَةِ ﴿لا تَقْنَطُوا﴾ في الحِجْرِ.
﴿إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾: عامٌّ يُرادُ بِهِ ما سِوى الشِّرْكِ، فَهو مُقَيَّدٌ أيْضًا بِالمُؤْمِنِ العاصِي غَيْرِ التّائِبِ بِالمَشِيئَةِ. وفي قَوْلِهِ: (يا عِبادِيَ)، بِإضافَتِهِمْ إلَيْهِ ونِدائِهِمْ، إقْبالٌ وتَشْرِيفٌ. و﴿أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ أيْ: بِالمَعاصِي، والمَعْنى: أنَّ ضَرَرَ تِلْكَ الذُّنُوبِ إنَّما هو عائِدٌ عَلَيْهِمْ، والنَّهْيُ عَنِ القُنُوطِ يَقْتَضِي الأمْرَ بِالرَّجاءِ، وإضافَةُ الرَّحْمَةِ إلى اللَّهِ التِفاتٌ مِن ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ إلى الِاسْمِ الغائِبِ؛ لِأنَّ في إضافَتِها إلَيْهِ سِعَةً لِلرَّحْمَةِ إذا أُضِيفَتْ إلى اللَّهِ الَّذِي هو أعْظَمُ الأسْماءِ؛ لِأنَّهُ العِلْمُ المُحْتَوِي عَلى مَعانِي جَمِيعِ الأسْماءِ. ثُمَّ أعادَ الِاسْمَ الأعْظَمَ، وأكَّدَ الجُمْلَةَ ”بِأنَّ“ مُبالَغَةً في الوَعْدِ بِالغُفْرانِ، ثُمَّ وصَفَ نَفْسَهُ بِما سَبَقَ في الجُمْلَتَيْنِ مِنَ الرَّحْمَةِ والغُفْرانِ بِصِفَتَيِ المُبالَغَةِ، وأكَّدَ بِلَفْظٍ هو المُقْتَضِي عِنْدَ بَعْضِهِمُ الحَصْرَ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ شَرْطَ التَّوْبَةِ. وقَدْ تَكَرَّرَ ذِكْرُ هَذا الشَّرْطِ في القُرْآنِ، فَكانَ ذِكْرُهُ فِيما ذُكِرَ فِيهِ ذِكْرًا لَهُ فِيما لَمْ يُذْكَرْ فِيهِ؛ لِأنَّ القُرْآنَ في حُكْمِ كَلامٍ واحِدٍ، ولا يَجُوزُ فِيهِ التَّناقُضُ. انْتَهى، وهو عَلى طَرِيقَةِ المُعْتَزِلَةِ في أنَّ المُؤْمِنَ العاصِيَ لا يُغْفَرُ لَهُ إلّا بِشَرْطِ التَّوْبَةِ.
ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِيها فُسْحَةٌ عَظِيمَةٌ لِلْمُسْرِفِ، أتْبَعَها بِأنَّ الإنابَةَ - وهي الرُّجُوعُ - مَطْلُوبَةٌ مَأْمُورٌ بِها. ثُمَّ تَوَعَّدَ مَن لَمْ يَتُبْ بِالعَذابِ، حَتّى لا يَبْقى المَرْءُ كالمُمِلِّ مِنَ الطّاعَةِ، والمُتَّكِلِ عَلى الغُفْرانِ دُونَ إنابَةٍ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإنَّما ذَكَرَ الإنابَةَ عَلى إثْرِ المَغْفِرَةِ، لِئَلّا يَطْمَعَ طامِعٌ في حُصُولِها بِغَيْرِ تَوْبَةٍ، ولِلدَّلالَةِ عَلى أنَّها شَرْطٌ فِيها لازِمٌ لا تَحْصُلُ بِدُونِهِ. انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ.
﴿واتَّبِعُوا أحْسَنَ ما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكُمْ﴾، مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ﴾ [الزمر: ١٨]، وهو القُرْآنُ، ولَيْسَ المَعْنى أنَّ بَعْضًا أحْسَنُ مِن بَعْضٍ، بَلْ كُلُّهُ حَسَنٌ.
﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَكُمُ العَذابُ بَغْتَةً﴾، أيْ: فَجْأةً، ﴿وأنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ أيْ: وأنْتُمْ غافِلُونَ عَنْ حُلُولِهِ بِكم، فَيَكُونُ ذَلِكَ أشَدَّ في عَذابِكم.
الزمر 39:52
﴿فَإذا مَسَّ الإنْسانَ ضُرٌّ دَعانا ثُمَّ إذا خَوَّلْناهُ نِعْمَةً مِنّا قالَ إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ بَلْ هي فِتْنَةٌ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿قَدْ قالَها الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ﴿فَأصابَهم سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا والَّذِينَ ظَلَمُوا مِن هَؤُلاءِ سَيُصِيبُهم سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وما هم بِمُعْجِزِينَ﴾ ﴿أوَلَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿قُلْ ياعِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿وأنِيبُوا إلى رَبِّكم وأسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَكُمُ العَذابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ ﴿واتَّبِعُوا أحْسَنَ ما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكم مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَكُمُ العَذابُ بَغْتَةً وأنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ .
تَقَدَّمَ في غَيْرِ آيَةٍ كَوْنُ الإنْسانِ إذا مَسَّهُ الضُّرُّ التَجَأ إلى اللَّهِ، مَعَ اعْتِقادِهِمُ الأوْثانَ وعِبادَتَها. فَإذا أصابَتْهم شِدَّةٌ نَبَذُوها ودَعَوْا رَبَّ السَّماواتِ والأرْضِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى تَناقُضِ آرائِهِمْ وشَدَّةِ اضْطِرابِها. والإنْسانُ جَنْسٌ، وضُرٌّ (p-٤٣٣)مُطْلَقٌ، والنِّعْمَةُ عامَّةٌ في جَمِيعِ ما يَسُرُّ، ومِن ذَلِكَ إزالَةُ الضُّرِّ. وقِيلَ: الإنْسانُ مُعَيَّنٌ، وهو حُذَيْفَةُ بْنُ المُغِيرَةِ. والظّاهِرُ أنَّ ما في إنَّما كافَّةٌ مُهَيِّئَةٌ لِدُخُولِ إنْ عَلى الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ، وذُكِّرَ الضَّمِيرُ في (أُوتِيتُهُ)، وإنْ كانَ عائَدًا عَلى النِّعْمَةِ؛ لِأنَّ مَعْناها مُذَكَّرٌ، وهو الأنْعامُ أوِ المالُ، عَلى قَوْلِ مَن شَرَحَ النِّعْمَةَ بِالمالِ، أوِ المَعْنى: شَيْئًا مِنَ النِّعْمَةِ، أوْ لِأنَّها تَشْتَمِلُ عَلى مُذَكَّرٍ ومُؤَنَّثٍ، فَغُلِّبَ المُذَكَّرُ. وقِيلَ: ما مَوْصُولَةٌ، والضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى ما، أيْ: قالَ: إنَّ الَّذِي أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ مِنِّي أيْ: بِوَجْهِ المَكاسِبِ والمَتاجِرِ، قالَهُ قَتادَةُ، وفِيهِ إعْجابٌ بِالنَّفْسِ وتَعاظُمٌ مُفْرِطٌ. أوْ عَلى عِلْمٍ مِنَ اللَّهِ فِيَّ واسْتِحْقاقِ جَزائِهِ عِنْدَ اللَّهِ، وفي هَذا احْتِرازٌ بِاللَّهِ وعَجْزٌ ومَنٌّ عَلى اللَّهِ. أوْ عَلى عِلْمٍ مِنِّي بِأنِّي سَأُعْطاهُ لِما فِيَّ مِن فَضْلٍ واسْتِحْقاقٍ.
(﴿بَلْ هي فِتْنَةٌ﴾: إضْرابٌ عَنْ دَعْواهُ أنَّهُ إنَّما أُوتِيَ عَلى عِلْمٍ، بَلْ تِلْكَ النِّعْمَةُ فِتْنَةٌ وابْتِلاءٌ. ذَكَّرَ أوَّلًا في ( أُوتِيتُهُ) عَلى المَعْنى، إذْ كانَتْ ما مُهَيِّئَةً، ثُمَّ عادَ إلى اللَّفْظِ فَأنَّثَ في قَوْلِهِ ﴿بَلْ هِيَ﴾، أوْ تَكُونُ (هي) عادَتْ عَلى الإتْيانِ، أيْ: بَلْ إتْيانُهُ النِّعْمَةَ فِتْنَةٌ. وكانَ العَطْفُ هُنا بِالفاءِ في فَإذا، بِالواوِ في أوَّلِ السُّورَةِ؛ لِأنَّها وقَعَتْ مُسَبَّبَةً عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وإذا ذُكِرَ اللَّهُ﴾ [الزمر: ٤٥]، أيْ: يَشْمَئِزُّونَ عِنْدَ ذِكْرِ اللَّهِ، ويَسْتَبْشِرُونَ بِذِكْرِ آلِهَتِهِمْ.
فَإذا مَسَّ أحَدُهم ضُرٌّ دَعا مَنِ اشْمَأزَّ مِن ذِكْرِهِ دُونَ مَنِ اسْتَبْشَرَ بِذِكْرِهِ. ومُناسِبَةُ السَّبَبِيَّةِ أنَّكَ تَقُولُ: زَيْدٌ مُؤْمِنٌ، فَإذا مَسَّهُ الضُّرُّ التَجَأ إلى اللَّهِ. فالسَّبَبُ هَنا ظاهِرٌ، وزَيْدٌ كافِرٌ، فَإذا مَسَّهُ الضُّرُّ التَجَأ إلَيْهِ، يُقِيمُ كُفْرَهُ مَقامَ الإيمانِ في جَعْلِهِ سَبَبًا لِلِالتِجاءِ، يَحْكِي عَكْسَ ما فِيهِ الكافِرُ. يَقْصِدُ بِذَلِكَ الإنْكارَ والتَّعَجُّبَ مِن فِعْلِهِ المُتَناقِضِ، حَيْثُ كَفَرَ بِاللَّهِ ثُمَّ التَجَأ إلَيْهِ في الشَّدائِدِ.
وأمّا الآيَةُ الأُولى فَلَمْ تَقَعْ مُسَبَّبَةً، بَلْ ناسَبَتْ ما قَبْلَها، فَعُطِفَتْ عَلَيْهِ بِالواوِ، وإذا كانَتْ فَإذا مُتَّصِلَةً بِقَوْلِهِ: ﴿وإذا ذُكِرَ اللَّهُ وحْدَهُ﴾ [الزمر: ٤٥]، كَما قُلْنا، فَما بَيْنَهُما مِنَ الآيِ اعْتِراضٌ يُؤَكَّدُ بِهِ ما بَيْنَ المُتَّصِلِينَ. فَدُعاءُ الرَّسُولِ رَبَّهُ بِأمْرٍ مِنهُ، وقَوْلُهُ: ﴿أنْتَ تَحْكُمُ﴾ [الزمر: ٤٦]، وتَعْقِيبُهُ الوَعِيدَ، تَأْكِيدٌ لِاشْمِئْزازِهِمْ واسْتِبْشارِهِمْ ورُجُوعِهِمْ إلى اللَّهِ في الشَّدائِدِ دُونَ آلِهَتِهِمْ. وقَوْلُهُ: ﴿ولَوْ أنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الزمر: ٤٧] يَتَناوَلُ لَهم، أوْ لِكُلِّ ظالِمٍ، إنْ جُعِلَ مُطْلَقًا أوْ إيّاهم خاصَّةً إنْ عُنُوا بِهِ. انْتَهى.
وهُوَ مُلْتَقَطٌ أكْثَرُهُ مِن كَلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ، وهو مُتَكَلِّفٌ في رَبْطِ هَذِهِ الآيَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿وإذا ذُكِرَ اللَّهُ وحْدَهُ اشْمَأزَّتْ﴾ [الزمر: ٤٥] مَعَ بُعْدِ ما بَيْنَهُما مِنَ الفَواصِلِ. وإذا كانَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ لا يُجِيزُ الِاعْتِراضَ بِجُمْلَتَيْنِ، فَكَيْفَ يُجِيزُهُ بِهَذِهِ الجُمَلِ الكَثِيرَةِ ؟ والَّذِي يَظْهَرُ في الرَّبْطِ أنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿ولَوْ أنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الزمر: ٤٧] الآيَةَ، كانَ ذَلِكَ إشْعارًا بِما يَنالُ الظّالِمِينَ مِن شِدَّةِ العَذابِ، وأنَّهُ يَظْهَرُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ مِنَ العَذابِ ما لَمْ يَكُنْ في حِسابِهِمْ، أتْبَعَ ذَلِكَ بِما يَدُلُّ عَلى ظُلْمِهِ وبَغْيِهِ، إذْ كانَ إذا مَسَّهُ دَعا رَبَّهُ، فَإذا أحْسَنَ إلَيْهِ، لَمْ يُنْسِبْ ذَلِكَ إلَيْهِ. ثُمَّ إنَّهُ بَعْدُ وصَفَ تِلْكَ النِّعْمَةِ أنَّها ابْتِلاءٌ وفِتْنَةٌ، كَما بَدا لَهُ في الآخِرَةِ مِن عَمَلِهِ الَّذِي كانَ يَظُنُّهُ صالِحًا ما لَمْ يَكُنْ في حِسابِهِ مِن سُوءِ العَذابِ المُتَرَتِّبِ عَلى ذَلِكَ العَمَلِ، تَرَتُّبَ الفِتْنَةِ عَلى تِلْكَ النِّعْمَةِ.
﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: أنَّ ذَلِكَ اسْتِدْراجٌ وامْتِحانٌ ﴿قَدْ قالَها الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ: قالَ مِثْلَ مَقالَتِهِمْ: ﴿أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ﴾ . والظّاهِرُ أنَّ قائِلِي ذَلِكَ جَماعَةٌ مِنَ الأُمَمِ الكافِرَةِ الماضِيَةِ، كَقارُونَ في قَوْلِهِ: ﴿قالَ إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص: ٧٨] . وقِيلَ: الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ هم قارُونُ وقَوْمُهُ، إذْ رَضُوا بِمَقالَتِهِ، فَنُسِبَ القَوْلُ إلَيْهِمْ جَمِيعًا. وقُرِئَ: (قَدْ قالَهُ) أيْ: قالَ القَوْلَ أوِ الكَلامَ.
﴿فَما أغْنى عَنْهُمْ﴾: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ ما نافِيَةً، وهو الظّاهِرُ. وأنْ تَكُونَ اسْتِفْهامِيَّةً، فِيها مَعْنى النَّفْيِ.
﴿ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ أيْ: مِنَ الأمْوالِ.
﴿والَّذِينَ ظَلَمُوا مِن هَؤُلاءِ﴾: إشارَةٌ إلى مُشْرِكِي قُرَيْشٍ، ﴿سَيُصِيبُهم سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا﴾: جاءَ بِسِينِ الِاسْتِقْبالِ الَّتِي هي أقَلُّ تَنْفِيسًا في الزَّمانِ مِن سَوْفَ، وهو خَبَرُ غَيْبٍ، أبْرَزَهُ الوُجُودُ في يَوْمِ بَدْرٍ وغَيْرِهِ. قَتَلَ رُؤَساءَهم، وحَبَسَ عَنْهُمُ الرِّزْقَ، فَلَمْ يُمْطَرُوا سَبْعَ سِنِينَ؛ ثُمَّ بَسَطَ لَهم، فَمُطِرُوا سَبْعَ سِنِينَ، فَقِيلَ لَهم: ألَمْ تَعْلَمُوا أنَّهُ لا قابِضَ ولا باسِطَ إلّا اللَّهُ تَعالى ؟ .
﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا﴾: نَزَلَتْ في وحْشِيٍّ قاتِلِ حَمْزَةَ، قالَهُ عَطاءٌ؛ أوْ في قَوْمٍ آمَنُوا: عَيّاشِ بْنِ (p-٤٣٤)رَبِيعَةَ، والوَلِيدِ بْنِ الوَلِيدِ، ونَفَرٍ مَعَهُما، فَفَتَنَتْهم قُرَيْشٌ، فافْتَتَنُوا وظَنُّوا أنْ لا تَوْبَةَ لَهم، فَكَتَبَ عُمَرُ لَهم بِهَذِهِ الآيَةِ، قالَهُ عُمَرُ، والسُّدِّيُّ، وقَتادَةُ، وابْنُ إسْحاقَ. وقِيلَ: في قَوْمٍ كُفّارٍ مِن أهْلِ الجاهِلِيَّةِ قالُوا: وما يَنْفَعُنا الإسْلامُ، وقَدْ زَنَيْنا، وقَتَلْنا النَّفْسَ، وأتَيْنا كُلَّ كَبِيرَةٍ ؟ ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها: أنَّهُ تَعالى لَمّا شَدَّدَ عَلى الكُفّارِ وذَكَرَ ما أعَدَّ لَهم مِنَ العَذابِ، وأنَّهم لَوْ كانَ لِأحَدِهِمْ ما في الأرْضِ ومِثْلُهُ مَعَهُ لافْتَدى بِهِ مِن عَذابِ اللَّهِ، ذَكَرَ ما في إحْسانِهِ مِن غُفْرانِ الذُّنُوبِ إذا آمَنَ العَبْدُ ورَجَعَ إلى اللَّهِ.
وكَثِيرًا تَأْتِي آياتُ الرَّحْمَةِ مَعَ آياتِ النِّقْمَةِ لِيَرْجُوَ العَبْدُ ويَخافَ.
وهَذِهِ الآيَةُ عامَّةٌ في كُلِّ كافِرٍ يَتُوبُ، ومُؤْمِنٍ عاصٍ يَتُوبُ، تَمْحُو الذَّنْبَ تَوْبَتُهُ. وقالَ عَبْدُ اللَّهِ، وعَلِيٌّ، وابْنُ عامِرٍ: هَذِهِ أرْجى آيَةٍ في كِتابِ اللَّهِ. وتَقَدَّمَ الخِلافُ في قِراءَةِ ﴿لا تَقْنَطُوا﴾ في الحِجْرِ.
﴿إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾: عامٌّ يُرادُ بِهِ ما سِوى الشِّرْكِ، فَهو مُقَيَّدٌ أيْضًا بِالمُؤْمِنِ العاصِي غَيْرِ التّائِبِ بِالمَشِيئَةِ. وفي قَوْلِهِ: (يا عِبادِيَ)، بِإضافَتِهِمْ إلَيْهِ ونِدائِهِمْ، إقْبالٌ وتَشْرِيفٌ. و﴿أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ أيْ: بِالمَعاصِي، والمَعْنى: أنَّ ضَرَرَ تِلْكَ الذُّنُوبِ إنَّما هو عائِدٌ عَلَيْهِمْ، والنَّهْيُ عَنِ القُنُوطِ يَقْتَضِي الأمْرَ بِالرَّجاءِ، وإضافَةُ الرَّحْمَةِ إلى اللَّهِ التِفاتٌ مِن ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ إلى الِاسْمِ الغائِبِ؛ لِأنَّ في إضافَتِها إلَيْهِ سِعَةً لِلرَّحْمَةِ إذا أُضِيفَتْ إلى اللَّهِ الَّذِي هو أعْظَمُ الأسْماءِ؛ لِأنَّهُ العِلْمُ المُحْتَوِي عَلى مَعانِي جَمِيعِ الأسْماءِ. ثُمَّ أعادَ الِاسْمَ الأعْظَمَ، وأكَّدَ الجُمْلَةَ ”بِأنَّ“ مُبالَغَةً في الوَعْدِ بِالغُفْرانِ، ثُمَّ وصَفَ نَفْسَهُ بِما سَبَقَ في الجُمْلَتَيْنِ مِنَ الرَّحْمَةِ والغُفْرانِ بِصِفَتَيِ المُبالَغَةِ، وأكَّدَ بِلَفْظٍ هو المُقْتَضِي عِنْدَ بَعْضِهِمُ الحَصْرَ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ شَرْطَ التَّوْبَةِ. وقَدْ تَكَرَّرَ ذِكْرُ هَذا الشَّرْطِ في القُرْآنِ، فَكانَ ذِكْرُهُ فِيما ذُكِرَ فِيهِ ذِكْرًا لَهُ فِيما لَمْ يُذْكَرْ فِيهِ؛ لِأنَّ القُرْآنَ في حُكْمِ كَلامٍ واحِدٍ، ولا يَجُوزُ فِيهِ التَّناقُضُ. انْتَهى، وهو عَلى طَرِيقَةِ المُعْتَزِلَةِ في أنَّ المُؤْمِنَ العاصِيَ لا يُغْفَرُ لَهُ إلّا بِشَرْطِ التَّوْبَةِ.
ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِيها فُسْحَةٌ عَظِيمَةٌ لِلْمُسْرِفِ، أتْبَعَها بِأنَّ الإنابَةَ - وهي الرُّجُوعُ - مَطْلُوبَةٌ مَأْمُورٌ بِها. ثُمَّ تَوَعَّدَ مَن لَمْ يَتُبْ بِالعَذابِ، حَتّى لا يَبْقى المَرْءُ كالمُمِلِّ مِنَ الطّاعَةِ، والمُتَّكِلِ عَلى الغُفْرانِ دُونَ إنابَةٍ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإنَّما ذَكَرَ الإنابَةَ عَلى إثْرِ المَغْفِرَةِ، لِئَلّا يَطْمَعَ طامِعٌ في حُصُولِها بِغَيْرِ تَوْبَةٍ، ولِلدَّلالَةِ عَلى أنَّها شَرْطٌ فِيها لازِمٌ لا تَحْصُلُ بِدُونِهِ. انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ.
﴿واتَّبِعُوا أحْسَنَ ما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكُمْ﴾، مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ﴾ [الزمر: ١٨]، وهو القُرْآنُ، ولَيْسَ المَعْنى أنَّ بَعْضًا أحْسَنُ مِن بَعْضٍ، بَلْ كُلُّهُ حَسَنٌ.
﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَكُمُ العَذابُ بَغْتَةً﴾، أيْ: فَجْأةً، ﴿وأنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ أيْ: وأنْتُمْ غافِلُونَ عَنْ حُلُولِهِ بِكم، فَيَكُونُ ذَلِكَ أشَدَّ في عَذابِكم.
الزمر 39:53
﴿فَإذا مَسَّ الإنْسانَ ضُرٌّ دَعانا ثُمَّ إذا خَوَّلْناهُ نِعْمَةً مِنّا قالَ إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ بَلْ هي فِتْنَةٌ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿قَدْ قالَها الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ﴿فَأصابَهم سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا والَّذِينَ ظَلَمُوا مِن هَؤُلاءِ سَيُصِيبُهم سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وما هم بِمُعْجِزِينَ﴾ ﴿أوَلَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿قُلْ ياعِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿وأنِيبُوا إلى رَبِّكم وأسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَكُمُ العَذابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ ﴿واتَّبِعُوا أحْسَنَ ما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكم مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَكُمُ العَذابُ بَغْتَةً وأنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ .
تَقَدَّمَ في غَيْرِ آيَةٍ كَوْنُ الإنْسانِ إذا مَسَّهُ الضُّرُّ التَجَأ إلى اللَّهِ، مَعَ اعْتِقادِهِمُ الأوْثانَ وعِبادَتَها. فَإذا أصابَتْهم شِدَّةٌ نَبَذُوها ودَعَوْا رَبَّ السَّماواتِ والأرْضِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى تَناقُضِ آرائِهِمْ وشَدَّةِ اضْطِرابِها. والإنْسانُ جَنْسٌ، وضُرٌّ (p-٤٣٣)مُطْلَقٌ، والنِّعْمَةُ عامَّةٌ في جَمِيعِ ما يَسُرُّ، ومِن ذَلِكَ إزالَةُ الضُّرِّ. وقِيلَ: الإنْسانُ مُعَيَّنٌ، وهو حُذَيْفَةُ بْنُ المُغِيرَةِ. والظّاهِرُ أنَّ ما في إنَّما كافَّةٌ مُهَيِّئَةٌ لِدُخُولِ إنْ عَلى الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ، وذُكِّرَ الضَّمِيرُ في (أُوتِيتُهُ)، وإنْ كانَ عائَدًا عَلى النِّعْمَةِ؛ لِأنَّ مَعْناها مُذَكَّرٌ، وهو الأنْعامُ أوِ المالُ، عَلى قَوْلِ مَن شَرَحَ النِّعْمَةَ بِالمالِ، أوِ المَعْنى: شَيْئًا مِنَ النِّعْمَةِ، أوْ لِأنَّها تَشْتَمِلُ عَلى مُذَكَّرٍ ومُؤَنَّثٍ، فَغُلِّبَ المُذَكَّرُ. وقِيلَ: ما مَوْصُولَةٌ، والضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى ما، أيْ: قالَ: إنَّ الَّذِي أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ مِنِّي أيْ: بِوَجْهِ المَكاسِبِ والمَتاجِرِ، قالَهُ قَتادَةُ، وفِيهِ إعْجابٌ بِالنَّفْسِ وتَعاظُمٌ مُفْرِطٌ. أوْ عَلى عِلْمٍ مِنَ اللَّهِ فِيَّ واسْتِحْقاقِ جَزائِهِ عِنْدَ اللَّهِ، وفي هَذا احْتِرازٌ بِاللَّهِ وعَجْزٌ ومَنٌّ عَلى اللَّهِ. أوْ عَلى عِلْمٍ مِنِّي بِأنِّي سَأُعْطاهُ لِما فِيَّ مِن فَضْلٍ واسْتِحْقاقٍ.
(﴿بَلْ هي فِتْنَةٌ﴾: إضْرابٌ عَنْ دَعْواهُ أنَّهُ إنَّما أُوتِيَ عَلى عِلْمٍ، بَلْ تِلْكَ النِّعْمَةُ فِتْنَةٌ وابْتِلاءٌ. ذَكَّرَ أوَّلًا في ( أُوتِيتُهُ) عَلى المَعْنى، إذْ كانَتْ ما مُهَيِّئَةً، ثُمَّ عادَ إلى اللَّفْظِ فَأنَّثَ في قَوْلِهِ ﴿بَلْ هِيَ﴾، أوْ تَكُونُ (هي) عادَتْ عَلى الإتْيانِ، أيْ: بَلْ إتْيانُهُ النِّعْمَةَ فِتْنَةٌ. وكانَ العَطْفُ هُنا بِالفاءِ في فَإذا، بِالواوِ في أوَّلِ السُّورَةِ؛ لِأنَّها وقَعَتْ مُسَبَّبَةً عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وإذا ذُكِرَ اللَّهُ﴾ [الزمر: ٤٥]، أيْ: يَشْمَئِزُّونَ عِنْدَ ذِكْرِ اللَّهِ، ويَسْتَبْشِرُونَ بِذِكْرِ آلِهَتِهِمْ.
فَإذا مَسَّ أحَدُهم ضُرٌّ دَعا مَنِ اشْمَأزَّ مِن ذِكْرِهِ دُونَ مَنِ اسْتَبْشَرَ بِذِكْرِهِ. ومُناسِبَةُ السَّبَبِيَّةِ أنَّكَ تَقُولُ: زَيْدٌ مُؤْمِنٌ، فَإذا مَسَّهُ الضُّرُّ التَجَأ إلى اللَّهِ. فالسَّبَبُ هَنا ظاهِرٌ، وزَيْدٌ كافِرٌ، فَإذا مَسَّهُ الضُّرُّ التَجَأ إلَيْهِ، يُقِيمُ كُفْرَهُ مَقامَ الإيمانِ في جَعْلِهِ سَبَبًا لِلِالتِجاءِ، يَحْكِي عَكْسَ ما فِيهِ الكافِرُ. يَقْصِدُ بِذَلِكَ الإنْكارَ والتَّعَجُّبَ مِن فِعْلِهِ المُتَناقِضِ، حَيْثُ كَفَرَ بِاللَّهِ ثُمَّ التَجَأ إلَيْهِ في الشَّدائِدِ.
وأمّا الآيَةُ الأُولى فَلَمْ تَقَعْ مُسَبَّبَةً، بَلْ ناسَبَتْ ما قَبْلَها، فَعُطِفَتْ عَلَيْهِ بِالواوِ، وإذا كانَتْ فَإذا مُتَّصِلَةً بِقَوْلِهِ: ﴿وإذا ذُكِرَ اللَّهُ وحْدَهُ﴾ [الزمر: ٤٥]، كَما قُلْنا، فَما بَيْنَهُما مِنَ الآيِ اعْتِراضٌ يُؤَكَّدُ بِهِ ما بَيْنَ المُتَّصِلِينَ. فَدُعاءُ الرَّسُولِ رَبَّهُ بِأمْرٍ مِنهُ، وقَوْلُهُ: ﴿أنْتَ تَحْكُمُ﴾ [الزمر: ٤٦]، وتَعْقِيبُهُ الوَعِيدَ، تَأْكِيدٌ لِاشْمِئْزازِهِمْ واسْتِبْشارِهِمْ ورُجُوعِهِمْ إلى اللَّهِ في الشَّدائِدِ دُونَ آلِهَتِهِمْ. وقَوْلُهُ: ﴿ولَوْ أنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الزمر: ٤٧] يَتَناوَلُ لَهم، أوْ لِكُلِّ ظالِمٍ، إنْ جُعِلَ مُطْلَقًا أوْ إيّاهم خاصَّةً إنْ عُنُوا بِهِ. انْتَهى.
وهُوَ مُلْتَقَطٌ أكْثَرُهُ مِن كَلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ، وهو مُتَكَلِّفٌ في رَبْطِ هَذِهِ الآيَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿وإذا ذُكِرَ اللَّهُ وحْدَهُ اشْمَأزَّتْ﴾ [الزمر: ٤٥] مَعَ بُعْدِ ما بَيْنَهُما مِنَ الفَواصِلِ. وإذا كانَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ لا يُجِيزُ الِاعْتِراضَ بِجُمْلَتَيْنِ، فَكَيْفَ يُجِيزُهُ بِهَذِهِ الجُمَلِ الكَثِيرَةِ ؟ والَّذِي يَظْهَرُ في الرَّبْطِ أنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿ولَوْ أنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الزمر: ٤٧] الآيَةَ، كانَ ذَلِكَ إشْعارًا بِما يَنالُ الظّالِمِينَ مِن شِدَّةِ العَذابِ، وأنَّهُ يَظْهَرُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ مِنَ العَذابِ ما لَمْ يَكُنْ في حِسابِهِمْ، أتْبَعَ ذَلِكَ بِما يَدُلُّ عَلى ظُلْمِهِ وبَغْيِهِ، إذْ كانَ إذا مَسَّهُ دَعا رَبَّهُ، فَإذا أحْسَنَ إلَيْهِ، لَمْ يُنْسِبْ ذَلِكَ إلَيْهِ. ثُمَّ إنَّهُ بَعْدُ وصَفَ تِلْكَ النِّعْمَةِ أنَّها ابْتِلاءٌ وفِتْنَةٌ، كَما بَدا لَهُ في الآخِرَةِ مِن عَمَلِهِ الَّذِي كانَ يَظُنُّهُ صالِحًا ما لَمْ يَكُنْ في حِسابِهِ مِن سُوءِ العَذابِ المُتَرَتِّبِ عَلى ذَلِكَ العَمَلِ، تَرَتُّبَ الفِتْنَةِ عَلى تِلْكَ النِّعْمَةِ.
﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: أنَّ ذَلِكَ اسْتِدْراجٌ وامْتِحانٌ ﴿قَدْ قالَها الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ: قالَ مِثْلَ مَقالَتِهِمْ: ﴿أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ﴾ . والظّاهِرُ أنَّ قائِلِي ذَلِكَ جَماعَةٌ مِنَ الأُمَمِ الكافِرَةِ الماضِيَةِ، كَقارُونَ في قَوْلِهِ: ﴿قالَ إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص: ٧٨] . وقِيلَ: الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ هم قارُونُ وقَوْمُهُ، إذْ رَضُوا بِمَقالَتِهِ، فَنُسِبَ القَوْلُ إلَيْهِمْ جَمِيعًا. وقُرِئَ: (قَدْ قالَهُ) أيْ: قالَ القَوْلَ أوِ الكَلامَ.
﴿فَما أغْنى عَنْهُمْ﴾: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ ما نافِيَةً، وهو الظّاهِرُ. وأنْ تَكُونَ اسْتِفْهامِيَّةً، فِيها مَعْنى النَّفْيِ.
﴿ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ أيْ: مِنَ الأمْوالِ.
﴿والَّذِينَ ظَلَمُوا مِن هَؤُلاءِ﴾: إشارَةٌ إلى مُشْرِكِي قُرَيْشٍ، ﴿سَيُصِيبُهم سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا﴾: جاءَ بِسِينِ الِاسْتِقْبالِ الَّتِي هي أقَلُّ تَنْفِيسًا في الزَّمانِ مِن سَوْفَ، وهو خَبَرُ غَيْبٍ، أبْرَزَهُ الوُجُودُ في يَوْمِ بَدْرٍ وغَيْرِهِ. قَتَلَ رُؤَساءَهم، وحَبَسَ عَنْهُمُ الرِّزْقَ، فَلَمْ يُمْطَرُوا سَبْعَ سِنِينَ؛ ثُمَّ بَسَطَ لَهم، فَمُطِرُوا سَبْعَ سِنِينَ، فَقِيلَ لَهم: ألَمْ تَعْلَمُوا أنَّهُ لا قابِضَ ولا باسِطَ إلّا اللَّهُ تَعالى ؟ .
﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا﴾: نَزَلَتْ في وحْشِيٍّ قاتِلِ حَمْزَةَ، قالَهُ عَطاءٌ؛ أوْ في قَوْمٍ آمَنُوا: عَيّاشِ بْنِ (p-٤٣٤)رَبِيعَةَ، والوَلِيدِ بْنِ الوَلِيدِ، ونَفَرٍ مَعَهُما، فَفَتَنَتْهم قُرَيْشٌ، فافْتَتَنُوا وظَنُّوا أنْ لا تَوْبَةَ لَهم، فَكَتَبَ عُمَرُ لَهم بِهَذِهِ الآيَةِ، قالَهُ عُمَرُ، والسُّدِّيُّ، وقَتادَةُ، وابْنُ إسْحاقَ. وقِيلَ: في قَوْمٍ كُفّارٍ مِن أهْلِ الجاهِلِيَّةِ قالُوا: وما يَنْفَعُنا الإسْلامُ، وقَدْ زَنَيْنا، وقَتَلْنا النَّفْسَ، وأتَيْنا كُلَّ كَبِيرَةٍ ؟ ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها: أنَّهُ تَعالى لَمّا شَدَّدَ عَلى الكُفّارِ وذَكَرَ ما أعَدَّ لَهم مِنَ العَذابِ، وأنَّهم لَوْ كانَ لِأحَدِهِمْ ما في الأرْضِ ومِثْلُهُ مَعَهُ لافْتَدى بِهِ مِن عَذابِ اللَّهِ، ذَكَرَ ما في إحْسانِهِ مِن غُفْرانِ الذُّنُوبِ إذا آمَنَ العَبْدُ ورَجَعَ إلى اللَّهِ.
وكَثِيرًا تَأْتِي آياتُ الرَّحْمَةِ مَعَ آياتِ النِّقْمَةِ لِيَرْجُوَ العَبْدُ ويَخافَ.
وهَذِهِ الآيَةُ عامَّةٌ في كُلِّ كافِرٍ يَتُوبُ، ومُؤْمِنٍ عاصٍ يَتُوبُ، تَمْحُو الذَّنْبَ تَوْبَتُهُ. وقالَ عَبْدُ اللَّهِ، وعَلِيٌّ، وابْنُ عامِرٍ: هَذِهِ أرْجى آيَةٍ في كِتابِ اللَّهِ. وتَقَدَّمَ الخِلافُ في قِراءَةِ ﴿لا تَقْنَطُوا﴾ في الحِجْرِ.
﴿إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾: عامٌّ يُرادُ بِهِ ما سِوى الشِّرْكِ، فَهو مُقَيَّدٌ أيْضًا بِالمُؤْمِنِ العاصِي غَيْرِ التّائِبِ بِالمَشِيئَةِ. وفي قَوْلِهِ: (يا عِبادِيَ)، بِإضافَتِهِمْ إلَيْهِ ونِدائِهِمْ، إقْبالٌ وتَشْرِيفٌ. و﴿أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ أيْ: بِالمَعاصِي، والمَعْنى: أنَّ ضَرَرَ تِلْكَ الذُّنُوبِ إنَّما هو عائِدٌ عَلَيْهِمْ، والنَّهْيُ عَنِ القُنُوطِ يَقْتَضِي الأمْرَ بِالرَّجاءِ، وإضافَةُ الرَّحْمَةِ إلى اللَّهِ التِفاتٌ مِن ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ إلى الِاسْمِ الغائِبِ؛ لِأنَّ في إضافَتِها إلَيْهِ سِعَةً لِلرَّحْمَةِ إذا أُضِيفَتْ إلى اللَّهِ الَّذِي هو أعْظَمُ الأسْماءِ؛ لِأنَّهُ العِلْمُ المُحْتَوِي عَلى مَعانِي جَمِيعِ الأسْماءِ. ثُمَّ أعادَ الِاسْمَ الأعْظَمَ، وأكَّدَ الجُمْلَةَ ”بِأنَّ“ مُبالَغَةً في الوَعْدِ بِالغُفْرانِ، ثُمَّ وصَفَ نَفْسَهُ بِما سَبَقَ في الجُمْلَتَيْنِ مِنَ الرَّحْمَةِ والغُفْرانِ بِصِفَتَيِ المُبالَغَةِ، وأكَّدَ بِلَفْظٍ هو المُقْتَضِي عِنْدَ بَعْضِهِمُ الحَصْرَ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ شَرْطَ التَّوْبَةِ. وقَدْ تَكَرَّرَ ذِكْرُ هَذا الشَّرْطِ في القُرْآنِ، فَكانَ ذِكْرُهُ فِيما ذُكِرَ فِيهِ ذِكْرًا لَهُ فِيما لَمْ يُذْكَرْ فِيهِ؛ لِأنَّ القُرْآنَ في حُكْمِ كَلامٍ واحِدٍ، ولا يَجُوزُ فِيهِ التَّناقُضُ. انْتَهى، وهو عَلى طَرِيقَةِ المُعْتَزِلَةِ في أنَّ المُؤْمِنَ العاصِيَ لا يُغْفَرُ لَهُ إلّا بِشَرْطِ التَّوْبَةِ.
ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِيها فُسْحَةٌ عَظِيمَةٌ لِلْمُسْرِفِ، أتْبَعَها بِأنَّ الإنابَةَ - وهي الرُّجُوعُ - مَطْلُوبَةٌ مَأْمُورٌ بِها. ثُمَّ تَوَعَّدَ مَن لَمْ يَتُبْ بِالعَذابِ، حَتّى لا يَبْقى المَرْءُ كالمُمِلِّ مِنَ الطّاعَةِ، والمُتَّكِلِ عَلى الغُفْرانِ دُونَ إنابَةٍ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإنَّما ذَكَرَ الإنابَةَ عَلى إثْرِ المَغْفِرَةِ، لِئَلّا يَطْمَعَ طامِعٌ في حُصُولِها بِغَيْرِ تَوْبَةٍ، ولِلدَّلالَةِ عَلى أنَّها شَرْطٌ فِيها لازِمٌ لا تَحْصُلُ بِدُونِهِ. انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ.
﴿واتَّبِعُوا أحْسَنَ ما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكُمْ﴾، مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ﴾ [الزمر: ١٨]، وهو القُرْآنُ، ولَيْسَ المَعْنى أنَّ بَعْضًا أحْسَنُ مِن بَعْضٍ، بَلْ كُلُّهُ حَسَنٌ.
﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَكُمُ العَذابُ بَغْتَةً﴾، أيْ: فَجْأةً، ﴿وأنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ أيْ: وأنْتُمْ غافِلُونَ عَنْ حُلُولِهِ بِكم، فَيَكُونُ ذَلِكَ أشَدَّ في عَذابِكم.
الزمر 39:54
﴿فَإذا مَسَّ الإنْسانَ ضُرٌّ دَعانا ثُمَّ إذا خَوَّلْناهُ نِعْمَةً مِنّا قالَ إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ بَلْ هي فِتْنَةٌ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿قَدْ قالَها الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ﴿فَأصابَهم سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا والَّذِينَ ظَلَمُوا مِن هَؤُلاءِ سَيُصِيبُهم سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وما هم بِمُعْجِزِينَ﴾ ﴿أوَلَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿قُلْ ياعِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿وأنِيبُوا إلى رَبِّكم وأسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَكُمُ العَذابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ ﴿واتَّبِعُوا أحْسَنَ ما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكم مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَكُمُ العَذابُ بَغْتَةً وأنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ .
تَقَدَّمَ في غَيْرِ آيَةٍ كَوْنُ الإنْسانِ إذا مَسَّهُ الضُّرُّ التَجَأ إلى اللَّهِ، مَعَ اعْتِقادِهِمُ الأوْثانَ وعِبادَتَها. فَإذا أصابَتْهم شِدَّةٌ نَبَذُوها ودَعَوْا رَبَّ السَّماواتِ والأرْضِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى تَناقُضِ آرائِهِمْ وشَدَّةِ اضْطِرابِها. والإنْسانُ جَنْسٌ، وضُرٌّ (p-٤٣٣)مُطْلَقٌ، والنِّعْمَةُ عامَّةٌ في جَمِيعِ ما يَسُرُّ، ومِن ذَلِكَ إزالَةُ الضُّرِّ. وقِيلَ: الإنْسانُ مُعَيَّنٌ، وهو حُذَيْفَةُ بْنُ المُغِيرَةِ. والظّاهِرُ أنَّ ما في إنَّما كافَّةٌ مُهَيِّئَةٌ لِدُخُولِ إنْ عَلى الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ، وذُكِّرَ الضَّمِيرُ في (أُوتِيتُهُ)، وإنْ كانَ عائَدًا عَلى النِّعْمَةِ؛ لِأنَّ مَعْناها مُذَكَّرٌ، وهو الأنْعامُ أوِ المالُ، عَلى قَوْلِ مَن شَرَحَ النِّعْمَةَ بِالمالِ، أوِ المَعْنى: شَيْئًا مِنَ النِّعْمَةِ، أوْ لِأنَّها تَشْتَمِلُ عَلى مُذَكَّرٍ ومُؤَنَّثٍ، فَغُلِّبَ المُذَكَّرُ. وقِيلَ: ما مَوْصُولَةٌ، والضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى ما، أيْ: قالَ: إنَّ الَّذِي أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ مِنِّي أيْ: بِوَجْهِ المَكاسِبِ والمَتاجِرِ، قالَهُ قَتادَةُ، وفِيهِ إعْجابٌ بِالنَّفْسِ وتَعاظُمٌ مُفْرِطٌ. أوْ عَلى عِلْمٍ مِنَ اللَّهِ فِيَّ واسْتِحْقاقِ جَزائِهِ عِنْدَ اللَّهِ، وفي هَذا احْتِرازٌ بِاللَّهِ وعَجْزٌ ومَنٌّ عَلى اللَّهِ. أوْ عَلى عِلْمٍ مِنِّي بِأنِّي سَأُعْطاهُ لِما فِيَّ مِن فَضْلٍ واسْتِحْقاقٍ.
(﴿بَلْ هي فِتْنَةٌ﴾: إضْرابٌ عَنْ دَعْواهُ أنَّهُ إنَّما أُوتِيَ عَلى عِلْمٍ، بَلْ تِلْكَ النِّعْمَةُ فِتْنَةٌ وابْتِلاءٌ. ذَكَّرَ أوَّلًا في ( أُوتِيتُهُ) عَلى المَعْنى، إذْ كانَتْ ما مُهَيِّئَةً، ثُمَّ عادَ إلى اللَّفْظِ فَأنَّثَ في قَوْلِهِ ﴿بَلْ هِيَ﴾، أوْ تَكُونُ (هي) عادَتْ عَلى الإتْيانِ، أيْ: بَلْ إتْيانُهُ النِّعْمَةَ فِتْنَةٌ. وكانَ العَطْفُ هُنا بِالفاءِ في فَإذا، بِالواوِ في أوَّلِ السُّورَةِ؛ لِأنَّها وقَعَتْ مُسَبَّبَةً عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وإذا ذُكِرَ اللَّهُ﴾ [الزمر: ٤٥]، أيْ: يَشْمَئِزُّونَ عِنْدَ ذِكْرِ اللَّهِ، ويَسْتَبْشِرُونَ بِذِكْرِ آلِهَتِهِمْ.
فَإذا مَسَّ أحَدُهم ضُرٌّ دَعا مَنِ اشْمَأزَّ مِن ذِكْرِهِ دُونَ مَنِ اسْتَبْشَرَ بِذِكْرِهِ. ومُناسِبَةُ السَّبَبِيَّةِ أنَّكَ تَقُولُ: زَيْدٌ مُؤْمِنٌ، فَإذا مَسَّهُ الضُّرُّ التَجَأ إلى اللَّهِ. فالسَّبَبُ هَنا ظاهِرٌ، وزَيْدٌ كافِرٌ، فَإذا مَسَّهُ الضُّرُّ التَجَأ إلَيْهِ، يُقِيمُ كُفْرَهُ مَقامَ الإيمانِ في جَعْلِهِ سَبَبًا لِلِالتِجاءِ، يَحْكِي عَكْسَ ما فِيهِ الكافِرُ. يَقْصِدُ بِذَلِكَ الإنْكارَ والتَّعَجُّبَ مِن فِعْلِهِ المُتَناقِضِ، حَيْثُ كَفَرَ بِاللَّهِ ثُمَّ التَجَأ إلَيْهِ في الشَّدائِدِ.
وأمّا الآيَةُ الأُولى فَلَمْ تَقَعْ مُسَبَّبَةً، بَلْ ناسَبَتْ ما قَبْلَها، فَعُطِفَتْ عَلَيْهِ بِالواوِ، وإذا كانَتْ فَإذا مُتَّصِلَةً بِقَوْلِهِ: ﴿وإذا ذُكِرَ اللَّهُ وحْدَهُ﴾ [الزمر: ٤٥]، كَما قُلْنا، فَما بَيْنَهُما مِنَ الآيِ اعْتِراضٌ يُؤَكَّدُ بِهِ ما بَيْنَ المُتَّصِلِينَ. فَدُعاءُ الرَّسُولِ رَبَّهُ بِأمْرٍ مِنهُ، وقَوْلُهُ: ﴿أنْتَ تَحْكُمُ﴾ [الزمر: ٤٦]، وتَعْقِيبُهُ الوَعِيدَ، تَأْكِيدٌ لِاشْمِئْزازِهِمْ واسْتِبْشارِهِمْ ورُجُوعِهِمْ إلى اللَّهِ في الشَّدائِدِ دُونَ آلِهَتِهِمْ. وقَوْلُهُ: ﴿ولَوْ أنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الزمر: ٤٧] يَتَناوَلُ لَهم، أوْ لِكُلِّ ظالِمٍ، إنْ جُعِلَ مُطْلَقًا أوْ إيّاهم خاصَّةً إنْ عُنُوا بِهِ. انْتَهى.
وهُوَ مُلْتَقَطٌ أكْثَرُهُ مِن كَلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ، وهو مُتَكَلِّفٌ في رَبْطِ هَذِهِ الآيَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿وإذا ذُكِرَ اللَّهُ وحْدَهُ اشْمَأزَّتْ﴾ [الزمر: ٤٥] مَعَ بُعْدِ ما بَيْنَهُما مِنَ الفَواصِلِ. وإذا كانَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ لا يُجِيزُ الِاعْتِراضَ بِجُمْلَتَيْنِ، فَكَيْفَ يُجِيزُهُ بِهَذِهِ الجُمَلِ الكَثِيرَةِ ؟ والَّذِي يَظْهَرُ في الرَّبْطِ أنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿ولَوْ أنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الزمر: ٤٧] الآيَةَ، كانَ ذَلِكَ إشْعارًا بِما يَنالُ الظّالِمِينَ مِن شِدَّةِ العَذابِ، وأنَّهُ يَظْهَرُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ مِنَ العَذابِ ما لَمْ يَكُنْ في حِسابِهِمْ، أتْبَعَ ذَلِكَ بِما يَدُلُّ عَلى ظُلْمِهِ وبَغْيِهِ، إذْ كانَ إذا مَسَّهُ دَعا رَبَّهُ، فَإذا أحْسَنَ إلَيْهِ، لَمْ يُنْسِبْ ذَلِكَ إلَيْهِ. ثُمَّ إنَّهُ بَعْدُ وصَفَ تِلْكَ النِّعْمَةِ أنَّها ابْتِلاءٌ وفِتْنَةٌ، كَما بَدا لَهُ في الآخِرَةِ مِن عَمَلِهِ الَّذِي كانَ يَظُنُّهُ صالِحًا ما لَمْ يَكُنْ في حِسابِهِ مِن سُوءِ العَذابِ المُتَرَتِّبِ عَلى ذَلِكَ العَمَلِ، تَرَتُّبَ الفِتْنَةِ عَلى تِلْكَ النِّعْمَةِ.
﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: أنَّ ذَلِكَ اسْتِدْراجٌ وامْتِحانٌ ﴿قَدْ قالَها الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ: قالَ مِثْلَ مَقالَتِهِمْ: ﴿أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ﴾ . والظّاهِرُ أنَّ قائِلِي ذَلِكَ جَماعَةٌ مِنَ الأُمَمِ الكافِرَةِ الماضِيَةِ، كَقارُونَ في قَوْلِهِ: ﴿قالَ إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص: ٧٨] . وقِيلَ: الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ هم قارُونُ وقَوْمُهُ، إذْ رَضُوا بِمَقالَتِهِ، فَنُسِبَ القَوْلُ إلَيْهِمْ جَمِيعًا. وقُرِئَ: (قَدْ قالَهُ) أيْ: قالَ القَوْلَ أوِ الكَلامَ.
﴿فَما أغْنى عَنْهُمْ﴾: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ ما نافِيَةً، وهو الظّاهِرُ. وأنْ تَكُونَ اسْتِفْهامِيَّةً، فِيها مَعْنى النَّفْيِ.
﴿ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ أيْ: مِنَ الأمْوالِ.
﴿والَّذِينَ ظَلَمُوا مِن هَؤُلاءِ﴾: إشارَةٌ إلى مُشْرِكِي قُرَيْشٍ، ﴿سَيُصِيبُهم سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا﴾: جاءَ بِسِينِ الِاسْتِقْبالِ الَّتِي هي أقَلُّ تَنْفِيسًا في الزَّمانِ مِن سَوْفَ، وهو خَبَرُ غَيْبٍ، أبْرَزَهُ الوُجُودُ في يَوْمِ بَدْرٍ وغَيْرِهِ. قَتَلَ رُؤَساءَهم، وحَبَسَ عَنْهُمُ الرِّزْقَ، فَلَمْ يُمْطَرُوا سَبْعَ سِنِينَ؛ ثُمَّ بَسَطَ لَهم، فَمُطِرُوا سَبْعَ سِنِينَ، فَقِيلَ لَهم: ألَمْ تَعْلَمُوا أنَّهُ لا قابِضَ ولا باسِطَ إلّا اللَّهُ تَعالى ؟ .
﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا﴾: نَزَلَتْ في وحْشِيٍّ قاتِلِ حَمْزَةَ، قالَهُ عَطاءٌ؛ أوْ في قَوْمٍ آمَنُوا: عَيّاشِ بْنِ (p-٤٣٤)رَبِيعَةَ، والوَلِيدِ بْنِ الوَلِيدِ، ونَفَرٍ مَعَهُما، فَفَتَنَتْهم قُرَيْشٌ، فافْتَتَنُوا وظَنُّوا أنْ لا تَوْبَةَ لَهم، فَكَتَبَ عُمَرُ لَهم بِهَذِهِ الآيَةِ، قالَهُ عُمَرُ، والسُّدِّيُّ، وقَتادَةُ، وابْنُ إسْحاقَ. وقِيلَ: في قَوْمٍ كُفّارٍ مِن أهْلِ الجاهِلِيَّةِ قالُوا: وما يَنْفَعُنا الإسْلامُ، وقَدْ زَنَيْنا، وقَتَلْنا النَّفْسَ، وأتَيْنا كُلَّ كَبِيرَةٍ ؟ ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها: أنَّهُ تَعالى لَمّا شَدَّدَ عَلى الكُفّارِ وذَكَرَ ما أعَدَّ لَهم مِنَ العَذابِ، وأنَّهم لَوْ كانَ لِأحَدِهِمْ ما في الأرْضِ ومِثْلُهُ مَعَهُ لافْتَدى بِهِ مِن عَذابِ اللَّهِ، ذَكَرَ ما في إحْسانِهِ مِن غُفْرانِ الذُّنُوبِ إذا آمَنَ العَبْدُ ورَجَعَ إلى اللَّهِ.
وكَثِيرًا تَأْتِي آياتُ الرَّحْمَةِ مَعَ آياتِ النِّقْمَةِ لِيَرْجُوَ العَبْدُ ويَخافَ.
وهَذِهِ الآيَةُ عامَّةٌ في كُلِّ كافِرٍ يَتُوبُ، ومُؤْمِنٍ عاصٍ يَتُوبُ، تَمْحُو الذَّنْبَ تَوْبَتُهُ. وقالَ عَبْدُ اللَّهِ، وعَلِيٌّ، وابْنُ عامِرٍ: هَذِهِ أرْجى آيَةٍ في كِتابِ اللَّهِ. وتَقَدَّمَ الخِلافُ في قِراءَةِ ﴿لا تَقْنَطُوا﴾ في الحِجْرِ.
﴿إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾: عامٌّ يُرادُ بِهِ ما سِوى الشِّرْكِ، فَهو مُقَيَّدٌ أيْضًا بِالمُؤْمِنِ العاصِي غَيْرِ التّائِبِ بِالمَشِيئَةِ. وفي قَوْلِهِ: (يا عِبادِيَ)، بِإضافَتِهِمْ إلَيْهِ ونِدائِهِمْ، إقْبالٌ وتَشْرِيفٌ. و﴿أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ أيْ: بِالمَعاصِي، والمَعْنى: أنَّ ضَرَرَ تِلْكَ الذُّنُوبِ إنَّما هو عائِدٌ عَلَيْهِمْ، والنَّهْيُ عَنِ القُنُوطِ يَقْتَضِي الأمْرَ بِالرَّجاءِ، وإضافَةُ الرَّحْمَةِ إلى اللَّهِ التِفاتٌ مِن ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ إلى الِاسْمِ الغائِبِ؛ لِأنَّ في إضافَتِها إلَيْهِ سِعَةً لِلرَّحْمَةِ إذا أُضِيفَتْ إلى اللَّهِ الَّذِي هو أعْظَمُ الأسْماءِ؛ لِأنَّهُ العِلْمُ المُحْتَوِي عَلى مَعانِي جَمِيعِ الأسْماءِ. ثُمَّ أعادَ الِاسْمَ الأعْظَمَ، وأكَّدَ الجُمْلَةَ ”بِأنَّ“ مُبالَغَةً في الوَعْدِ بِالغُفْرانِ، ثُمَّ وصَفَ نَفْسَهُ بِما سَبَقَ في الجُمْلَتَيْنِ مِنَ الرَّحْمَةِ والغُفْرانِ بِصِفَتَيِ المُبالَغَةِ، وأكَّدَ بِلَفْظٍ هو المُقْتَضِي عِنْدَ بَعْضِهِمُ الحَصْرَ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ شَرْطَ التَّوْبَةِ. وقَدْ تَكَرَّرَ ذِكْرُ هَذا الشَّرْطِ في القُرْآنِ، فَكانَ ذِكْرُهُ فِيما ذُكِرَ فِيهِ ذِكْرًا لَهُ فِيما لَمْ يُذْكَرْ فِيهِ؛ لِأنَّ القُرْآنَ في حُكْمِ كَلامٍ واحِدٍ، ولا يَجُوزُ فِيهِ التَّناقُضُ. انْتَهى، وهو عَلى طَرِيقَةِ المُعْتَزِلَةِ في أنَّ المُؤْمِنَ العاصِيَ لا يُغْفَرُ لَهُ إلّا بِشَرْطِ التَّوْبَةِ.
ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِيها فُسْحَةٌ عَظِيمَةٌ لِلْمُسْرِفِ، أتْبَعَها بِأنَّ الإنابَةَ - وهي الرُّجُوعُ - مَطْلُوبَةٌ مَأْمُورٌ بِها. ثُمَّ تَوَعَّدَ مَن لَمْ يَتُبْ بِالعَذابِ، حَتّى لا يَبْقى المَرْءُ كالمُمِلِّ مِنَ الطّاعَةِ، والمُتَّكِلِ عَلى الغُفْرانِ دُونَ إنابَةٍ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإنَّما ذَكَرَ الإنابَةَ عَلى إثْرِ المَغْفِرَةِ، لِئَلّا يَطْمَعَ طامِعٌ في حُصُولِها بِغَيْرِ تَوْبَةٍ، ولِلدَّلالَةِ عَلى أنَّها شَرْطٌ فِيها لازِمٌ لا تَحْصُلُ بِدُونِهِ. انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ.
﴿واتَّبِعُوا أحْسَنَ ما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكُمْ﴾، مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ﴾ [الزمر: ١٨]، وهو القُرْآنُ، ولَيْسَ المَعْنى أنَّ بَعْضًا أحْسَنُ مِن بَعْضٍ، بَلْ كُلُّهُ حَسَنٌ.
﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَكُمُ العَذابُ بَغْتَةً﴾، أيْ: فَجْأةً، ﴿وأنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ أيْ: وأنْتُمْ غافِلُونَ عَنْ حُلُولِهِ بِكم، فَيَكُونُ ذَلِكَ أشَدَّ في عَذابِكم.
الزمر 39:55
﴿فَإذا مَسَّ الإنْسانَ ضُرٌّ دَعانا ثُمَّ إذا خَوَّلْناهُ نِعْمَةً مِنّا قالَ إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ بَلْ هي فِتْنَةٌ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿قَدْ قالَها الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ﴿فَأصابَهم سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا والَّذِينَ ظَلَمُوا مِن هَؤُلاءِ سَيُصِيبُهم سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وما هم بِمُعْجِزِينَ﴾ ﴿أوَلَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿قُلْ ياعِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿وأنِيبُوا إلى رَبِّكم وأسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَكُمُ العَذابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ ﴿واتَّبِعُوا أحْسَنَ ما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكم مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَكُمُ العَذابُ بَغْتَةً وأنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ .
تَقَدَّمَ في غَيْرِ آيَةٍ كَوْنُ الإنْسانِ إذا مَسَّهُ الضُّرُّ التَجَأ إلى اللَّهِ، مَعَ اعْتِقادِهِمُ الأوْثانَ وعِبادَتَها. فَإذا أصابَتْهم شِدَّةٌ نَبَذُوها ودَعَوْا رَبَّ السَّماواتِ والأرْضِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى تَناقُضِ آرائِهِمْ وشَدَّةِ اضْطِرابِها. والإنْسانُ جَنْسٌ، وضُرٌّ (p-٤٣٣)مُطْلَقٌ، والنِّعْمَةُ عامَّةٌ في جَمِيعِ ما يَسُرُّ، ومِن ذَلِكَ إزالَةُ الضُّرِّ. وقِيلَ: الإنْسانُ مُعَيَّنٌ، وهو حُذَيْفَةُ بْنُ المُغِيرَةِ. والظّاهِرُ أنَّ ما في إنَّما كافَّةٌ مُهَيِّئَةٌ لِدُخُولِ إنْ عَلى الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ، وذُكِّرَ الضَّمِيرُ في (أُوتِيتُهُ)، وإنْ كانَ عائَدًا عَلى النِّعْمَةِ؛ لِأنَّ مَعْناها مُذَكَّرٌ، وهو الأنْعامُ أوِ المالُ، عَلى قَوْلِ مَن شَرَحَ النِّعْمَةَ بِالمالِ، أوِ المَعْنى: شَيْئًا مِنَ النِّعْمَةِ، أوْ لِأنَّها تَشْتَمِلُ عَلى مُذَكَّرٍ ومُؤَنَّثٍ، فَغُلِّبَ المُذَكَّرُ. وقِيلَ: ما مَوْصُولَةٌ، والضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى ما، أيْ: قالَ: إنَّ الَّذِي أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ مِنِّي أيْ: بِوَجْهِ المَكاسِبِ والمَتاجِرِ، قالَهُ قَتادَةُ، وفِيهِ إعْجابٌ بِالنَّفْسِ وتَعاظُمٌ مُفْرِطٌ. أوْ عَلى عِلْمٍ مِنَ اللَّهِ فِيَّ واسْتِحْقاقِ جَزائِهِ عِنْدَ اللَّهِ، وفي هَذا احْتِرازٌ بِاللَّهِ وعَجْزٌ ومَنٌّ عَلى اللَّهِ. أوْ عَلى عِلْمٍ مِنِّي بِأنِّي سَأُعْطاهُ لِما فِيَّ مِن فَضْلٍ واسْتِحْقاقٍ.
(﴿بَلْ هي فِتْنَةٌ﴾: إضْرابٌ عَنْ دَعْواهُ أنَّهُ إنَّما أُوتِيَ عَلى عِلْمٍ، بَلْ تِلْكَ النِّعْمَةُ فِتْنَةٌ وابْتِلاءٌ. ذَكَّرَ أوَّلًا في ( أُوتِيتُهُ) عَلى المَعْنى، إذْ كانَتْ ما مُهَيِّئَةً، ثُمَّ عادَ إلى اللَّفْظِ فَأنَّثَ في قَوْلِهِ ﴿بَلْ هِيَ﴾، أوْ تَكُونُ (هي) عادَتْ عَلى الإتْيانِ، أيْ: بَلْ إتْيانُهُ النِّعْمَةَ فِتْنَةٌ. وكانَ العَطْفُ هُنا بِالفاءِ في فَإذا، بِالواوِ في أوَّلِ السُّورَةِ؛ لِأنَّها وقَعَتْ مُسَبَّبَةً عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وإذا ذُكِرَ اللَّهُ﴾ [الزمر: ٤٥]، أيْ: يَشْمَئِزُّونَ عِنْدَ ذِكْرِ اللَّهِ، ويَسْتَبْشِرُونَ بِذِكْرِ آلِهَتِهِمْ.
فَإذا مَسَّ أحَدُهم ضُرٌّ دَعا مَنِ اشْمَأزَّ مِن ذِكْرِهِ دُونَ مَنِ اسْتَبْشَرَ بِذِكْرِهِ. ومُناسِبَةُ السَّبَبِيَّةِ أنَّكَ تَقُولُ: زَيْدٌ مُؤْمِنٌ، فَإذا مَسَّهُ الضُّرُّ التَجَأ إلى اللَّهِ. فالسَّبَبُ هَنا ظاهِرٌ، وزَيْدٌ كافِرٌ، فَإذا مَسَّهُ الضُّرُّ التَجَأ إلَيْهِ، يُقِيمُ كُفْرَهُ مَقامَ الإيمانِ في جَعْلِهِ سَبَبًا لِلِالتِجاءِ، يَحْكِي عَكْسَ ما فِيهِ الكافِرُ. يَقْصِدُ بِذَلِكَ الإنْكارَ والتَّعَجُّبَ مِن فِعْلِهِ المُتَناقِضِ، حَيْثُ كَفَرَ بِاللَّهِ ثُمَّ التَجَأ إلَيْهِ في الشَّدائِدِ.
وأمّا الآيَةُ الأُولى فَلَمْ تَقَعْ مُسَبَّبَةً، بَلْ ناسَبَتْ ما قَبْلَها، فَعُطِفَتْ عَلَيْهِ بِالواوِ، وإذا كانَتْ فَإذا مُتَّصِلَةً بِقَوْلِهِ: ﴿وإذا ذُكِرَ اللَّهُ وحْدَهُ﴾ [الزمر: ٤٥]، كَما قُلْنا، فَما بَيْنَهُما مِنَ الآيِ اعْتِراضٌ يُؤَكَّدُ بِهِ ما بَيْنَ المُتَّصِلِينَ. فَدُعاءُ الرَّسُولِ رَبَّهُ بِأمْرٍ مِنهُ، وقَوْلُهُ: ﴿أنْتَ تَحْكُمُ﴾ [الزمر: ٤٦]، وتَعْقِيبُهُ الوَعِيدَ، تَأْكِيدٌ لِاشْمِئْزازِهِمْ واسْتِبْشارِهِمْ ورُجُوعِهِمْ إلى اللَّهِ في الشَّدائِدِ دُونَ آلِهَتِهِمْ. وقَوْلُهُ: ﴿ولَوْ أنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الزمر: ٤٧] يَتَناوَلُ لَهم، أوْ لِكُلِّ ظالِمٍ، إنْ جُعِلَ مُطْلَقًا أوْ إيّاهم خاصَّةً إنْ عُنُوا بِهِ. انْتَهى.
وهُوَ مُلْتَقَطٌ أكْثَرُهُ مِن كَلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ، وهو مُتَكَلِّفٌ في رَبْطِ هَذِهِ الآيَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿وإذا ذُكِرَ اللَّهُ وحْدَهُ اشْمَأزَّتْ﴾ [الزمر: ٤٥] مَعَ بُعْدِ ما بَيْنَهُما مِنَ الفَواصِلِ. وإذا كانَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ لا يُجِيزُ الِاعْتِراضَ بِجُمْلَتَيْنِ، فَكَيْفَ يُجِيزُهُ بِهَذِهِ الجُمَلِ الكَثِيرَةِ ؟ والَّذِي يَظْهَرُ في الرَّبْطِ أنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿ولَوْ أنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الزمر: ٤٧] الآيَةَ، كانَ ذَلِكَ إشْعارًا بِما يَنالُ الظّالِمِينَ مِن شِدَّةِ العَذابِ، وأنَّهُ يَظْهَرُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ مِنَ العَذابِ ما لَمْ يَكُنْ في حِسابِهِمْ، أتْبَعَ ذَلِكَ بِما يَدُلُّ عَلى ظُلْمِهِ وبَغْيِهِ، إذْ كانَ إذا مَسَّهُ دَعا رَبَّهُ، فَإذا أحْسَنَ إلَيْهِ، لَمْ يُنْسِبْ ذَلِكَ إلَيْهِ. ثُمَّ إنَّهُ بَعْدُ وصَفَ تِلْكَ النِّعْمَةِ أنَّها ابْتِلاءٌ وفِتْنَةٌ، كَما بَدا لَهُ في الآخِرَةِ مِن عَمَلِهِ الَّذِي كانَ يَظُنُّهُ صالِحًا ما لَمْ يَكُنْ في حِسابِهِ مِن سُوءِ العَذابِ المُتَرَتِّبِ عَلى ذَلِكَ العَمَلِ، تَرَتُّبَ الفِتْنَةِ عَلى تِلْكَ النِّعْمَةِ.
﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: أنَّ ذَلِكَ اسْتِدْراجٌ وامْتِحانٌ ﴿قَدْ قالَها الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ: قالَ مِثْلَ مَقالَتِهِمْ: ﴿أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ﴾ . والظّاهِرُ أنَّ قائِلِي ذَلِكَ جَماعَةٌ مِنَ الأُمَمِ الكافِرَةِ الماضِيَةِ، كَقارُونَ في قَوْلِهِ: ﴿قالَ إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص: ٧٨] . وقِيلَ: الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ هم قارُونُ وقَوْمُهُ، إذْ رَضُوا بِمَقالَتِهِ، فَنُسِبَ القَوْلُ إلَيْهِمْ جَمِيعًا. وقُرِئَ: (قَدْ قالَهُ) أيْ: قالَ القَوْلَ أوِ الكَلامَ.
﴿فَما أغْنى عَنْهُمْ﴾: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ ما نافِيَةً، وهو الظّاهِرُ. وأنْ تَكُونَ اسْتِفْهامِيَّةً، فِيها مَعْنى النَّفْيِ.
﴿ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ أيْ: مِنَ الأمْوالِ.
﴿والَّذِينَ ظَلَمُوا مِن هَؤُلاءِ﴾: إشارَةٌ إلى مُشْرِكِي قُرَيْشٍ، ﴿سَيُصِيبُهم سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا﴾: جاءَ بِسِينِ الِاسْتِقْبالِ الَّتِي هي أقَلُّ تَنْفِيسًا في الزَّمانِ مِن سَوْفَ، وهو خَبَرُ غَيْبٍ، أبْرَزَهُ الوُجُودُ في يَوْمِ بَدْرٍ وغَيْرِهِ. قَتَلَ رُؤَساءَهم، وحَبَسَ عَنْهُمُ الرِّزْقَ، فَلَمْ يُمْطَرُوا سَبْعَ سِنِينَ؛ ثُمَّ بَسَطَ لَهم، فَمُطِرُوا سَبْعَ سِنِينَ، فَقِيلَ لَهم: ألَمْ تَعْلَمُوا أنَّهُ لا قابِضَ ولا باسِطَ إلّا اللَّهُ تَعالى ؟ .
﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا﴾: نَزَلَتْ في وحْشِيٍّ قاتِلِ حَمْزَةَ، قالَهُ عَطاءٌ؛ أوْ في قَوْمٍ آمَنُوا: عَيّاشِ بْنِ (p-٤٣٤)رَبِيعَةَ، والوَلِيدِ بْنِ الوَلِيدِ، ونَفَرٍ مَعَهُما، فَفَتَنَتْهم قُرَيْشٌ، فافْتَتَنُوا وظَنُّوا أنْ لا تَوْبَةَ لَهم، فَكَتَبَ عُمَرُ لَهم بِهَذِهِ الآيَةِ، قالَهُ عُمَرُ، والسُّدِّيُّ، وقَتادَةُ، وابْنُ إسْحاقَ. وقِيلَ: في قَوْمٍ كُفّارٍ مِن أهْلِ الجاهِلِيَّةِ قالُوا: وما يَنْفَعُنا الإسْلامُ، وقَدْ زَنَيْنا، وقَتَلْنا النَّفْسَ، وأتَيْنا كُلَّ كَبِيرَةٍ ؟ ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها: أنَّهُ تَعالى لَمّا شَدَّدَ عَلى الكُفّارِ وذَكَرَ ما أعَدَّ لَهم مِنَ العَذابِ، وأنَّهم لَوْ كانَ لِأحَدِهِمْ ما في الأرْضِ ومِثْلُهُ مَعَهُ لافْتَدى بِهِ مِن عَذابِ اللَّهِ، ذَكَرَ ما في إحْسانِهِ مِن غُفْرانِ الذُّنُوبِ إذا آمَنَ العَبْدُ ورَجَعَ إلى اللَّهِ.
وكَثِيرًا تَأْتِي آياتُ الرَّحْمَةِ مَعَ آياتِ النِّقْمَةِ لِيَرْجُوَ العَبْدُ ويَخافَ.
وهَذِهِ الآيَةُ عامَّةٌ في كُلِّ كافِرٍ يَتُوبُ، ومُؤْمِنٍ عاصٍ يَتُوبُ، تَمْحُو الذَّنْبَ تَوْبَتُهُ. وقالَ عَبْدُ اللَّهِ، وعَلِيٌّ، وابْنُ عامِرٍ: هَذِهِ أرْجى آيَةٍ في كِتابِ اللَّهِ. وتَقَدَّمَ الخِلافُ في قِراءَةِ ﴿لا تَقْنَطُوا﴾ في الحِجْرِ.
﴿إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾: عامٌّ يُرادُ بِهِ ما سِوى الشِّرْكِ، فَهو مُقَيَّدٌ أيْضًا بِالمُؤْمِنِ العاصِي غَيْرِ التّائِبِ بِالمَشِيئَةِ. وفي قَوْلِهِ: (يا عِبادِيَ)، بِإضافَتِهِمْ إلَيْهِ ونِدائِهِمْ، إقْبالٌ وتَشْرِيفٌ. و﴿أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ أيْ: بِالمَعاصِي، والمَعْنى: أنَّ ضَرَرَ تِلْكَ الذُّنُوبِ إنَّما هو عائِدٌ عَلَيْهِمْ، والنَّهْيُ عَنِ القُنُوطِ يَقْتَضِي الأمْرَ بِالرَّجاءِ، وإضافَةُ الرَّحْمَةِ إلى اللَّهِ التِفاتٌ مِن ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ إلى الِاسْمِ الغائِبِ؛ لِأنَّ في إضافَتِها إلَيْهِ سِعَةً لِلرَّحْمَةِ إذا أُضِيفَتْ إلى اللَّهِ الَّذِي هو أعْظَمُ الأسْماءِ؛ لِأنَّهُ العِلْمُ المُحْتَوِي عَلى مَعانِي جَمِيعِ الأسْماءِ. ثُمَّ أعادَ الِاسْمَ الأعْظَمَ، وأكَّدَ الجُمْلَةَ ”بِأنَّ“ مُبالَغَةً في الوَعْدِ بِالغُفْرانِ، ثُمَّ وصَفَ نَفْسَهُ بِما سَبَقَ في الجُمْلَتَيْنِ مِنَ الرَّحْمَةِ والغُفْرانِ بِصِفَتَيِ المُبالَغَةِ، وأكَّدَ بِلَفْظٍ هو المُقْتَضِي عِنْدَ بَعْضِهِمُ الحَصْرَ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ شَرْطَ التَّوْبَةِ. وقَدْ تَكَرَّرَ ذِكْرُ هَذا الشَّرْطِ في القُرْآنِ، فَكانَ ذِكْرُهُ فِيما ذُكِرَ فِيهِ ذِكْرًا لَهُ فِيما لَمْ يُذْكَرْ فِيهِ؛ لِأنَّ القُرْآنَ في حُكْمِ كَلامٍ واحِدٍ، ولا يَجُوزُ فِيهِ التَّناقُضُ. انْتَهى، وهو عَلى طَرِيقَةِ المُعْتَزِلَةِ في أنَّ المُؤْمِنَ العاصِيَ لا يُغْفَرُ لَهُ إلّا بِشَرْطِ التَّوْبَةِ.
ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِيها فُسْحَةٌ عَظِيمَةٌ لِلْمُسْرِفِ، أتْبَعَها بِأنَّ الإنابَةَ - وهي الرُّجُوعُ - مَطْلُوبَةٌ مَأْمُورٌ بِها. ثُمَّ تَوَعَّدَ مَن لَمْ يَتُبْ بِالعَذابِ، حَتّى لا يَبْقى المَرْءُ كالمُمِلِّ مِنَ الطّاعَةِ، والمُتَّكِلِ عَلى الغُفْرانِ دُونَ إنابَةٍ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإنَّما ذَكَرَ الإنابَةَ عَلى إثْرِ المَغْفِرَةِ، لِئَلّا يَطْمَعَ طامِعٌ في حُصُولِها بِغَيْرِ تَوْبَةٍ، ولِلدَّلالَةِ عَلى أنَّها شَرْطٌ فِيها لازِمٌ لا تَحْصُلُ بِدُونِهِ. انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ.
﴿واتَّبِعُوا أحْسَنَ ما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكُمْ﴾، مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ﴾ [الزمر: ١٨]، وهو القُرْآنُ، ولَيْسَ المَعْنى أنَّ بَعْضًا أحْسَنُ مِن بَعْضٍ، بَلْ كُلُّهُ حَسَنٌ.
﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَكُمُ العَذابُ بَغْتَةً﴾، أيْ: فَجْأةً، ﴿وأنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ أيْ: وأنْتُمْ غافِلُونَ عَنْ حُلُولِهِ بِكم، فَيَكُونُ ذَلِكَ أشَدَّ في عَذابِكم.