Al-Bahr Al-Muhit — ص 38:83 – الزمر 39:21
المحتويات
ص 38:83
﴿قُلْ هو نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿أنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ ﴿ما كانَ لِيَ مِن عِلْمٍ بِالمَلَإ الأعْلى إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ ﴿إنْ يُوحى إلَيَّ إلّا أنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿إذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ﴾ ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ ﴿فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلُّهم أجْمَعُونَ﴾ ﴿إلّا إبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ ﴿قالَ يا إبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أأسْتَكْبَرْتَ أمْ كُنْتَ مِنَ العالِينَ﴾ ﴿قالَ أنا خَيْرٌ مِنهُ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ ﴿قالَ فاخْرُجْ مِنها فَإنَّكَ رَجِيمٌ﴾ ﴿وإنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إلى يَوْمِ الدِّينِ﴾ ﴿قالَ رَبِّ فَأنْظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ﴿قالَ فَإنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ ﴿إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ﴾ ﴿قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلّا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ ﴿قالَ فالحَقُّ والحَقَّ أقُولُ﴾ ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ ومِمَّنْ تَبِعَكَ مِنهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿قُلْ ما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ وما أنا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ﴾ ﴿إنْ هو إلّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ ﴿ولَتَعْلَمُنَّ نَبَأهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ .
الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ هو نَبَأٌ﴾ يَعُودُ عَلى ما أخْبَرَ بِهِ مِن كَوْنِهِ رَسُولًا مُنْذِرًا داعِيًا إلى اللَّهِ، وأنَّهُ تَعالى هو المُنْفَرِدُ بِالأُلُوهِيَّةِ، المُتَّصِفُ بِتِلْكَ الأوْصافِ مِنَ الوَحْدانِيَّةِ والقَهْرِ ومُلْكِ العالَمِ وعِزَّتِهِ وغُفْرانِهِ، وهو خَبَرٌ عَظِيمٌ لا يُعْرِضُ عَنْ مِثْلِهِ إلّا غافِلٌ شَدِيدُ الغَفْلَةِ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: النَّبَأُ العَظِيمُ: القُرْآنُ. وقالَ الحَسَنُ: يَوْمُ القِيامَةِ. وقِيلَ: قَصَصُ آدَمَ والإنْباءُ بِهِ مِن غَيْرِ سَماعٍ مِن أحَدٍ.
وقالَ صاحِبُ التَّحْرِيرِ: سِياقُ الآيَةِ وظاهِرُها أنَّهُ يُرِيدُ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ هو نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾، ما قَصَّهُ اللَّهُ تَعالى مِن مُناظَرَةِ أهْلِ النّارِ ومُقاوَلَةِ الأتْباعِ مَعَ السّاداتِ؛ لِأنَّهُ مِن أحْوالِ البَعْثِ، وقُرَيْشٌ كانْتَ تُنْكِرُ البَعْثَ والحِسابَ والعِقابَ، وهم عَنْ ذَلِكَ مُعْرِضُونَ.
وقَوْلُهُ: ﴿ما كانَ لِيَ مِن عِلْمٍ بِالمَلَإ الأعْلى إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾: احْتِجاجٌ عَلى قُرَيْشٍ بِأنَّ ما جاءَ بِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ لا مِن قِبَلِ نَفْسِهِ. فَإنَّ مَن في الأرْضِ ما لَهُ عِلْمٌ بِمَن في السَّماءِ إلّا بِإعْلامِ اللَّهِ تَعالى؛ وعِلْمُ المُغَيَّباتِ لا يُوصَلُ إلَيْهِ إلّا (p-٤٠٩)بِإعْلامِ اللَّهِ تَعالى، وعِلْمُهُ بِأحْوالِ أهْلِ النّارِ، وابْتِداءِ خَلْقِ آدَمَ لَمْ يَكُنْ عَنْهُ عِلْمٌ بِذَلِكَ؛ فَإخْبارُهُ بِذَلِكَ هو بِإعْلامِ اللَّهِ، والِاسْتِدْلالُ بِقِصَّةِ آدَمَ؛ لِأنَّهُ أوَّلُ البَشَرِ خَلْقًا، وبَيْنَهُ وبَيْنَ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أزْمانٌ مُتَقادِمَةٌ وقُرُونٌ سالِفَةٌ. انْتَهى، وفي آخِرِهِ بَعْضُ اخْتِصارٍ.
ثُمَّ احْتَجَّ بِصِحَّةِ نُبُوَّتِهِ، بِأنَّ ما يُنْبِئُ بِهِ عَنِ المَلَأِ الأعْلى واخْتِصامِهِمْ أمْرٌ لَمْ يَكُنْ لَهُ بِهِ مِن عِلْمٍ قَطُّ. ثُمَّ عَلِمَهُ مِن غَيْرِ الطَّرِيقِ الَّذِي يَسْلُكُهُ المُتَعَلِّمُونَ، بَلْ ذَلِكَ مُسْتَفادٌ مِنَ الوَحْيِ، و(بِالمَلَأِ) مُتَعَلِّقٌ بِـ (عِلْمٍ)، و(إذْ) مَنصُوبٌ بِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بِمَحْذُوفٍ؛ لِأنَّ المَعْنى: ما كانَ لِي مِن عِلْمٍ بِكَلامِ المَلَأِ الأعْلى وقْتَ اخْتِصامِهِمْ.
(وإذْ قالَ) بَدَلٌ مِن ﴿إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ عَلى المَلَأِ الأعْلى، وهُمُ المَلائِكَةُ، وأبْعَدَ مَن قالَ إنَّهم قُرَيْشٌ، واخْتِصامُ المَلائِكَةِ في أمْرِ آدَمَ وذُرِّيَّتِهِ في جَعْلِهِمْ في الأرْضِ. وقالُوا: ﴿أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها﴾ [البقرة: ٣٠] . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وقالَ الحَسَنُ: إنَّ اللَّهَ خالِقٌ خَلْقًا كُنّا أكْرَمَ مِنهُ وأعْلَمَ. وقِيلَ: في الكَفّاراتِ وغَفْرِ الذُّنُوبِ، فَإنَّ العَبْدَ إذا عَمِلَ حَسَنَةً اخْتَلَفَتِ المَلائِكَةُ في قَدْرِ ثَوابِهِ في ذَلِكَ حَتّى يَقْضِيَ اللَّهُ بِما يَشاءُ. وفي الحَدِيثِ: ”«قالَ لَهُ رَبُّهُ في نَوْمِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: فِيمَ يَخْتَصِمُونَ ؟ فَقُلْتُ: لا أدْرِي، فَقالَ: في الكَفّاراتِ، وفي إسْباغِ الوُضُوءِ في السَّرّاتِ، ونَقْلِ الخُطا إلى الجَماعاتِ“» .
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كانَتْ مُقاوَلَةُ اللَّهِ سُبْحانَهُ بِواسِطَةِ مَلَكٍ، وكانَ المُقاوِلُ في الحَقِيقَةِ هو المَلَكُ المُتَوَسِّطُ، فَيَصِحُّ أنَّ التَّقاوُلَ بَيْنَ المَلائِكَةِ وآدَمَ وإبْلِيسَ، وهُمُ المَلَأُ الأعْلى.
والمُرادُ بِالِاخْتِصامِ: التَّقاوُلُ. وقِيلَ: المَلَأُ الأعْلى: المَلائِكَةُ، و﴿إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ الضَّمِيرُ فِيهِ لِلْعَرَبِ الكافِرِينَ، فَبَعْضُهم يَقُولُ: هي بَناتُ اللَّهِ، وبَعْضُهم: آلِهَةٌ تُعْبَدُ، وغَيْرُ ذَلِكَ مِن أقْوالِهِمْ.
﴿إنْ يُوحى إلَيَّ﴾ أيْ: ما يُوحى إلَيَّ، ﴿إلّا أنَّما أنا نَذِيرٌ﴾ أيْ: لِلْإنْذارِ، حَذَفَ اللّامَ ووَصَلَ الفِعْلَ والمَفْعُولَ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرًا يَدُلُّ عَلَيْهِ المَعْنى، أيْ: إنْ يُوحى إلَيَّ هو، أيْ: ما يُوحى إلّا الإنْذارُ، وأُقِيمَ إلِيَّ مَقامَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ إنَّما هو المَفْعُولُ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، أيْ: ما يُوحى إلَيَّ إلّا الإنْذارُ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: (إلّا إنَّما) بِكَسْرِ هَمْزَةِ إنَّما عَلى الحِكايَةِ، أيْ: ما يُوحى إلَيَّ إلّا هَذِهِ الجُمْلَةُ، كَأنْ قِيلَ لَهُ: أنْتَ نَذِيرٌ مُبِينٌ، فَحَكى هو المَعْنى، وهَذا كَما يَقُولُ الإنْسانُ: أنا عالِمٌ، فَيُقالُ لَهُ: قُلْتَ إنَّكَ عالِمٌ، فَيُحْكى المَعْنى.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقُرِئَ إنَّما بِالكَسْرِ عَلى الحِكايَةِ، أيْ: إلّا هَذا القَوْلُ، وهو أنْ أقُولَ لَكم ﴿إنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾، فَلا أدَّعِي شَيْئًا آخَرَ. انْتَهى.
فِي تَخْرِيجِهِ تَعارُضٌ؛ لِأنَّهُ قالَ أيْ: إلّا هَذا القَوْلَ، فَظاهِرُهُ الجُمْلَةُ الَّتِي هي ﴿إنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾، ثُمَّ قالَ: وهو أنْ أقُولَ لَكم إنِّي نَذِيرٌ، فالمَقامُ مَقامُ الفاعِلِ هو أنْ أقُولَ لَكم، وأنْ وما بَعْدَهُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، وعَلى قَوْلِهِ: إلّا هَذا القَوْلَ، يَكُونُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ فَيَتَعارَضا. وتَقَدَّمَ أنَّ (إذْ قالَ) بَدَلٌ مِن ﴿إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ هَذا إذا كانَتِ الخُصُومَةُ في شَأْنِ مَن يُسْتَخْلَفُ في الأرْضِ، وعَلى غَيْرِهِ مِنَ الأقْوالِ يَكُونُ مَنصُوبًا بِاذْكُرْ.
ولَمّا كانَتْ قُرَيْشٌ، خالَفُوا الرَّسُولَ، - عَلَيْهِ السَّلامُ -، بِسَبَبِ الحَسَدِ والكِبْرِ. ذَكَرَ حالَ إبْلِيسَ، حَيْثُ خالَفَ أمْرَ اللَّهِ بِسَبَبِ الحَسَدِ والكِبْرِ وما آلَ إلَيْهِ مِنَ اللَّعْنَةِ والطَّرْدِ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ، لِيَزْدَجِرَ عَنْ ذَلِكَ مَن فِيهِ شَيْءٌ مِنهُما.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ صَحَّ أنْ يَقُولَ لَهم: ﴿إنِّي خالِقٌ بَشَرًا﴾، وما عَرَفُوا ما البَشَرُ ولا عَهِدُوا بِهِ قَبْلُ ؟ (قُلْتُ): وجْهُهُ أنْ يَكُونَ قَدْ قالَ لَهم: إنِّي خالِقٌ خَلْقًا مِن صِفَةِ كَيْتَ وكَيْتَ، ولَكِنَّهُ حِينَ حَكاهُ اقْتَصَرَ عَلى الِاسْمِ. انْتَهى.
والبَشَرُ هو آدَمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وذَكَرَ هُنا أنَّهُ خَلَقَهُ مِن طِينٍ، وفي آلِ عِمْرانَ: ﴿خَلَقَهُ مِن تُرابٍ﴾ [آل عمران: ٥٩]، وفي الحِجْرِ: ﴿مِن صَلْصالٍ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ [الحجر: ٢٦]، وفي الأنْبِياءِ: ﴿مِن عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧]؛ ولا مُنافاةَ في تِلْكَ المادَّةِ البَعِيدَةِ، وهي التُّرابُ، ثُمَّ ما يَلِيهِ وهو الطِّينُ، ثُمَّ ما يَلِيهِ وهو الحَمَأُ المَسْنُونُ، ثُمَّ المادَّةُ تَلِي الحَمَأ وهو الصَّلْصالُ؛ وأمّا ﴿مِن عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧] فَمَضى تَفْسِيرُهُ.
﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ ﴿فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلُّهم أجْمَعُونَ﴾ ﴿إلّا إبْلِيسَ﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذا في الحِجْرِ، وهُنا ﴿اسْتَكْبَرَ وكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾، (p-٤١٠)وفِي البَقَرَةِ: ﴿أبى واسْتَكْبَرَ وكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ [البقرة: ٣٤]، وفي الأعْرافِ: ﴿لَمْ يَكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ﴾ [الأعراف: ١١]، وفي الحِجْرِ: ﴿أبى أنْ يَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٣١]، وفي الإسْراءِ: ﴿قالَ أأسْجُدُ لِمَن خَلَقْتَ طِينًا﴾ [الإسراء: ٦١]، وفي الكَهْفِ: ﴿كانَ مِنَ الجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ٥٠] .
والِاسْتِثْناءُ في جَمِيعِ هَذِهِ الآياتِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمْ يَسْجُدْ، فَتارَةً أكَّدَ بِالنَّفْيِّ المَحْضِ، وتارَةً ذَكَرَ إبايَتَهُ عَنِ السُّجُودِ، وهي الأنَفَةُ مِن ذَلِكَ، وتارَةً نَصَّ عَلى أنَّ ذَلِكَ الِامْتِناعَ كانَ سَبَبُهُ الِاسْتِكْبارَ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ أُرِيدَ بِهِ كُفْرُهُ ذَلِكَ الوَقْتَ، وإنْ لَمْ يَكُنْ قَبْلَهُ كافِرًا؛ وعُطِفَ عَلى اسْتَكْبَرَ، فَقَوِيَ ذَلِكَ؛ لِأنَّ الِاسْتِكْبارَ عَنِ السُّجُودِ إنَّما حَصَلَ لَهُ وقْتَ الأمْرِ.
ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إخْبارًا مِنهُ بِسَبْقِ كُفْرِهِ في الأزْمِنَةِ الماضِيَةِ في عِلْمِ اللَّهِ.
﴿قالَ يا إبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ﴾، وفي الأعْرافِ: ﴿ما مَنَعَكَ ألّا تَسْجُدَ﴾ [الأعراف: ١٢]، فَدَلَّ أنْ تَسْجُدَ هُنا، عَلى أنَّ لا في ﴿أنْ لا أقُولَ﴾ [الأعراف: ١٠٥] زائِدَةٌ، والمَعْنى أيْضًا يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ لا يَسْتَفْهِمُ إلّا عَنِ المانِعِ مِنَ السُّجُودِ، وهو اسْتِفْهامُ تَقْرِيرٍ وتَوْبِيخٍ. وما في ﴿لِما خَلَقْتُ﴾، اسْتَدَلَّ بِها مَن يُجِيزُ إطْلاقَ ما عَلى آحادِ مَن يَعْقِلُ، وأوَّلَ بِأنَّ ما مَصْدَرِيَّةٌ، والمَصْدَرُ يُرادُ بِهِ المَخْلُوقُ، لا حَقِيقَةُ المَصْدَرِ.
وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ: (لَمّا) بِفَتْحِ اللّامِ وتَشْدِيدِ المِيمِ، ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾، عَلى الإفْرادِ؛ والجُمْهُورُ: عَلى التَّثْنِيَةِ؛ وقُرِئَ ﴿بِيَدَيَّ﴾ كَقِراءَةِ ﴿بِمُصْرِخِيَّ﴾ [إبراهيم: ٢٢]؛ وقالَ تَعالى: ﴿مِمّا عَمِلَتْ أيْدِينا﴾ [يس: ٧١] بِالجَمْعِ، وكُلُّها عِبارَةٌ عَنِ القُدْرَةِ والقُوَّةِ، وعَبَّرَ بِاليَدِ، إذْ كانَ عِنْدَ البَشَرِ مُعْتادًا أنَّ البَطْشَ والقُوَّةَ بِاليَدِ.
وذَهَبَ القاضِي أبُو بَكْرِ بْنُ الطَّيِّبِ إلى أنَّ اليَدَ صِفَةُ ذاتٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهو قَوْلٌ مَرْغُوبٌ عَنْهُ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: (أسْتَكْبَرْتَ)، بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، فَأمْ مُتَّصِلَةٌ عادَلَتِ الهَمْزَةَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ النَّحْوِيِّينَ إلى أنَّ أمْ لا تَكُونُ مُعادِلَةً لِلْألِفِ مَعَ اخْتِلافِ الفِعْلَيْنِ، وإنَّما تَكُونُ مُعادِلَةً إذا دَخَلَتا عَلى فِعْلٍ واحِدٍ، كَقَوْلِكَ: أزَيْدٌ قامَ أمْ عَمْرٌو ؟ وقَوْلُكَ: أقامَ زَيْدٌ أمْ عَمْرٌو ؟ فَإذا اخْتَلَفَ الفِعْلانِ كَهَذِهِ الآيَةِ، فَلَيْسَتْ مُعادِلَةً. ومَعْنى الآيَةِ: أحَدَثَ لَكَ الِاسْتِكْبارُ الآنَ، أمْ كُنْتَ قَدِيمًا مِمَّنْ لا يَلِيقُ أنْ تُكَلَّفَ مِثْلَ هَذا لِعُلُوِّ مَكانِكَ ؟ وهَذا عَلى جِهَةِ التَّوْبِيخِ. انْتَهى.
وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ النَّحْوِيِّينَ مَذْهَبٌ غَيْرُ صَحِيحٍ. قالَ سِيبَوَيْهِ: وتَقُولُ أضْرَبْتَ زَيْدًا أمْ قَتَلْتَهُ فالبَدْءُ هُنا بِالفِعْلِ أحْسَنُ؛ لِأنَّكَ إنَّما تَسْألُ عَنْ أحَدِهِما، لا تَدْرِي أيُّهُما كانَ، ولا تَسْألُ عَنْ مَوْضِعِ أحَدِهِما، كَأنَّكَ قُلْتَ: أيُّ ذَلِكَ كانَ ؟ انْتَهى. فَعادَلَ بِأمِ الألِفَ مَعَ اخْتِلافِ الفِعْلَيْنِ.
﴿مِنَ العالِينَ﴾: مِمَّنْ عَلَوْتَ وفُقْتَ. فَأجابَ بِأنَّهُ مِنَ العالِينَ، حَيْثُ قالَ ﴿أنا خَيْرٌ مِنهُ﴾ . وقِيلَ: أسْتَكْبَرْتَ الآنَ، أوْ لَمْ تَزَلْ مُذْ كُنْتَ مِنَ المُسْتَكْبِرِينَ ؟ ومَعْنى الهَمْزَةِ: التَّقْرِيرُ. انْتَهى.
وقَرَأتْ فِرْقَةٌ، مِنهُمُ ابْنُ كَثِيرٍ وغَيْرُهُ: (اسْتَكْبَرْتَ)، بِصِلَةِ الألِفِ، وهي قِراءَةُ أهْلِ مَكَّةَ، ولَيْسَتْ في مَشْهُورِ ابْنِ كَثِيرٍ، فاحْتُمِلَ أنْ تَكُونَ هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ حُذِفَتْ لِدَلالَةِ أمْ عَلَيْها، كَقَوْلِهِ:
؎بِسَبْعٍ رَمَيْنَ الجَمْرَ أمْ بِثَمانِ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ إخْبارًا خاطَبَهُ بِذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّقْرِيعِ، وأمْ تَكُونُ مُنْقَطِعَةً، والمَعْنى: بَلْ أنْتَ مِنَ العالِينَ عِنْدَ نَفْسِكَ اسْتِخْفافًا بِهِ.
﴿قالَ أنا خَيْرٌ مِنهُ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ذَلِكَ في الأعْرافِ.
﴿قالَ فاخْرُجْ مِنها﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مِثْلِ ذَلِكَ في الحِجْرِ، إلّا أنَّ هُنا ﴿لَعْنَتِي﴾ وهُناكَ (اللَّعْنَةُ) أعَمُّ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ ويَلْعَنُهُمُ اللّاعِنُونَ﴾ [البقرة: ١٥٩] وأمّا بِالإضافَةِ، فالعُمُومُ في اللَّعْنَةِ أعَمُّ، واللَّعَناتُ إنَّما تَحْصُلُ مِن جِهَةِ أنَّ مَن عَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ كانَتْ عَلَيْهِ لَعْنَةُ كُلِّ لاعِنٍ، هَذا مِن جِهَةِ المَعْنى، وأمّا بِاللَّفْظِ فَيَقْتَضِي التَّخْصِيصَ.
﴿قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ﴾: أقْسَمَ إبْلِيسُ هُنا بِعِزَّةِ اللَّهِ، وقالَ في الأعْرافِ: ﴿فَبِما أغْوَيْتَنِي لَأقْعُدَنَّ﴾ [الأعراف: ١٦]، وفي الحِجْرِ: ﴿رَبِّ بِما أغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ﴾ [الحجر: ٣٩] . وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِما في مَوْضِعِهِما، وإنَّ مِنَ المُفَسِّرِينَ مَن قالَ: إنَّ الباءَ في: ﴿بِما أغْوَيْتَنِي﴾ [الحجر: ٣٩] وفي: ﴿فَبِما أغْوَيْتَنِي﴾ [الأعراف: ١٦] لَيْسَتْ باءَ القَسَمِ. فَإنْ كانَتْ باءَ القَسَمِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ في مَوْطِنَيْنِ: فَهُنا: ﴿لَأُغْوِيَنَّهُمْ﴾، وفي الأعْرافِ: ﴿لَأقْعُدَنَّ﴾ [الأعراف: ١٦]، وفي الحِجْرِ: ﴿لَأُزَيِّنَنَّ﴾ [الحجر: ٣٩] .
(p-٤١١)وقَرَأ الجُمْهُورُ: (فالحَقَّ والحَقَّ) بِنَصْبِهِما. أمّا الأوَّلُ فَمُقْسَمٌ بِهِ، حُذِفَ مِنهُ الحَرْفُ كَقَوْلِهِ: (أمانَةَ اللَّهِ لَأقُومَنَّ)، والمُقْسَمُ عَلَيْهِ (لَأمْلَأنَّ) .
﴿والحَقَّ أقُولُ﴾: اعْتِراضٌ بَيْنَ القَسَمِ وجَوابِهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومَعْناهُ: ولا أقُولُ إلّا الحَقَّ. انْتَهى؛ لِأنَّ عِنْدَهُ تَقُدُّمَ المَفْعُولِ يُفِيدُ الحَصْرَ. والحَقُّ المُقْسَمُ بِهِ إمّا اسْمُهُ تَعالى الَّذِي في قَوْلِهِ: ﴿أنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ المُبِينُ﴾ [النور: ٢٥]، أوِ الَّذِي هو نَقِيضُ الباطِلِ. وقِيلَ: ﴿فالحَقُّ﴾ مَنصُوبٌ عَلى الإغْراءِ، أيْ: فالزَمُوا الحَقَّ، و(لَأمْلَأنَّ): جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ. وقالَ الفَرّاءُ: هو عَلى مَعْنى قَوْلِكَ: حَقًّا لا شَكَّ، ووُجُودُ الألِفِ واللّامِ وطَرْحُهُما سَواءٌ، أيْ: لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ حَقًّا. انْتَهى.
وهَذا المَصْدَرُ الجائِي تَوْكِيدًا لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ، لا يَجُوزُ تَقْدِيمُهُ عِنْدَ جُمْهُورِ النُّحاةِ، وذَلِكَ مَخْصُوصٌ بِالجُمْلَةِ الَّتِي جُزْآها مَعْرِفَتانِ جامِدَتانِ جُمُودًا مَحْضًا.
وقالَ صاحِبُ البَسِيطِ: وقَدْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخَبَرُ نَكِرَةً، قالَ: والمُبْتَدَأُ يَكُونُ ضَمِيرًا نَحْوَ: هو زَيْدٌ مَعْرُوفًا، وهو الحَقُّ بَيِّنًا، وأنا الأمِيرُ مُفْتَخِرًا؛ ويَكُونُ ظاهِرًا كَقَوْلِكَ: زِيدٌ أبُوكَ عَطُوفًا، وأخُوكَ زَيْدٌ مَعْرُوفًا. انْتَهى.
وقالَتِ العَرَبُ: زَيْدٌ قائِمٌ غَيْرَ ذِي شَكٍّ، فَجاءَتِ الحالُ بَعْدَ جُمْلَةٍ، والخَبَرُ نَكِرَةً، وهي حالٌ مُؤَكِّدَةٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ، وكَأنَّ الفَرّاءَ لَمْ يَشْتَرِطْ هَذا الَّذِي ذَكَرَهُ أصْحابُنا مِن كَوْنِ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ مَعْرُوفَيْنِ جامِدَيْنِ؛ لِأنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ تَأْكِيدِ مَضْمُونِ الجُمْلَةِ الِابْتِدائِيَّةِ وبَيْنَ تَأْكِيدِ الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ. وقِيلَ: التَّقْدِيرُ فالحَقُّ الحَقُّ، أيْ أفْعَلُهُ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والأعْمَشُ: بِالرَّفْعِ فِيهِما، فالأوَّلُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، قِيلَ: تَقْدِيرُهُ فالحَقُّ أنا، وقِيلَ: فالحَقُّ مِنِّي، وقِيلَ: تَقْدِيرُهُ فالحَقُّ قَسَمِي، وحُذِفَ كَما حُذِفَ في: لَعَمْرُكَ لَأقُومَنَّ، وفي: يَمِينُ اللَّهِ أبْرَحُ قاعِدًا، أيْ لَعَمْرُكَ قَسَمِي ويَمِينُ اللَّهِ قَسَمِي، وهَذِهِ الجُمْلَةُ هي جُمْلَةُ القَسَمِ، وجَوابُهُ: لَأمْلَأنَّ. وأمّا (والحَقُّ أقُولُ) فَمُبْتَدَأٌ أيْضًا، خَبَرُهُ الجُمْلَةُ، وحُذِفَ العائِدُ، كَقِراءَةِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿وكُلًّا وعَدَ اللَّهُ الحُسْنى﴾ [النساء: ٩٥] . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أمّا الأوَّلُ فَرُفِعَ عَلى الِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ في قَوْلِهِ: ﴿لَأمْلَأنَّ﴾؛ لِأنَّ المَعْنى: أنْ أمْلَأ. انْتَهى.
وهَذا لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّ لَأمْلَأنَّ جَوابُ قَسَمٍ، ويَجِبُ أنْ يَكُونَ جُمْلَةً، فَلا يَتَقَدَّرُ بِمُفْرَدٍ. وأيْضًا لَيْسَ مَصْدَرًا مُقَدَّرًا بِحَرْفٍ مَصْدَرِيٍّ والفِعْلِ حَتّى يَنْحَلَّ إلَيْهِما، ولَكِنَّهُ لَمّا صَحَّ لَهُ إسْنادُ ما قُدِّرَ إلى المُبْتَدَأِ حُكِمَ أنَّهُ خَبَرٌ عَنْهُ.
وقَرَأ الحَسَنُ، وعِيسى، و عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي حَمّادٍ عَنْ أبِي بَكْرٍ: بِجَرِّهِمْ، ويَخْرُجُ عَلى أنَّ الأوَّلَ مَجْرُورٌ بِواوِ القَسَمِ مَحْذُوفَةً، تَقْدِيرُهُ: فَوالحَقِّ، والحَقِّ مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ، كَما تَقُولُ: واللَّهِ واللَّهِ لَأقُومَنَّ، و(أقُولُ) اعْتِراضٌ بَيْنَ القَسَمِ وجَوابِهِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿والحَقَّ أقُولُ﴾: أيْ: ولا أقُولُ إلّا الحَقَّ عَلى حِكايَةِ لَفْظِ المُقْسَمَ بِهِ، ومَعْناهُ التَّوْكِيدُ والتَّسْدِيدُ، وهَذا الوَجْهُ جائِزٌ في المَنصُوبِ والمَرْفُوعِ، وهو وجْهٌ دَقِيقٌ حَسَنٌ. انْتَهى.
ومُلَخَّصُهُ أنَّهُ أعْمَلَ القَوْلَ في لَفْظِ المُقْسَمِ بِهِ عَلى سَبِيلِ الحِكايَةِ نَصْبًا أوْ رَفْعًا أوْ جَرًّا. وقَرَأ مُجاهِدٌ، والأعْمَشُ: بِخِلافٍ عَنْهُما؛ وأبانُ بْنُ تَغْلَبَ، وطَلْحَةُ في رِوايَةٍ، وحَمْزَةُ، وعاصِمٌ، عَنِ المُفَضَّلِ، وخَلَفٍ، والعَبْسِيِّ: بِرَفْعِ ﴿فالحَقُّ﴾ ونَصْبِ ﴿والحَقَّ﴾، وتَقَدَّمَ إعْرابُهُما.
والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: (أجْمَعِينَ) تَأْكِيدٌ لِلْمُحَدَّثِ عَنْهُ والمَعْطُوفُ عَلَيْهِ، وهو ضَمِيرُ إبْلِيسَ ومَن عُطِفَ عَلَيْهِ، أيْ مِنكَ ومِن تابِعِيكِ أجْمَعِينَ. وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ أجْمَعِينَ تَأْكِيدًا لِلضَّمِيرِ الَّذِي في مِنهم، مُقَدَّرٌ، لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الشَّياطِينِ ومِمَّنْ تَبِعَهم مِن جَمِيعِ النّاسِ، لا تَفاوُتَ في ذَلِكَ بَيْنَ ناسٍ وناسٍ بَعْدَ وُجُودِ الأتْباعِ مِنهم مِن أوْلادِ الأنْبِياءِ وغَيْرِهِمْ. انْتَهى.
والضَّمِيرُ في (عَلَيْهِ) عائِدٌ عَلى القُرْآنِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقِيلَ: عائِدٌ عَلى الوَحْيِ. وقِيلَ: عَلى الدُّعاءِ إلى اللَّهِ.
﴿وما أنا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ﴾: أيِ المُتَصَنِّعِينَ المُتَحَلِّينَ بِما لَيْسُوا مِن أهْلِهِ، فَأنْتَحَلُ النُّبُوَّةَ والقَوْلَ عَلى اللَّهِ.
(إنْ هو) أيِ: القُرْآنُ، ﴿إلّا ذِكْرٌ﴾: أيْ: مِنَ اللَّهِ، ﴿لِلْعالَمِينَ﴾: الثَّقَلَيْنِ الإنْسِ والجِنِّ.
﴿ولَتَعْلَمُنَّ نَبَأهُ﴾: أيْ عاقِبَةَ خَبَرِهِ لِمَن آمَنَ بِهِ ومَن أعْرَضَ عَنْهُ، ﴿بَعْدَ حِينٍ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ وابْنُ زَيْدٍ: يَعْنِي يَوْمَ القِيامَةِ. وقالَ قَتادَةُ، والفَرّاءُ، والزَّجّاجُ: بَعْدَ المَوْتِ. وكانَ الحَسَنُ يَقُولُ: يا ابْنَ آدَمَ، عِنْدَ المَوْتِ (p-٤١٢)يَأْتِيكَ الخَبَرُ اليَقِينُ. وقِيلَ: المَعْنى لَيَظْهَرَنَّ لَكم حَقِيقَةُ ما أقُولُ.
﴿بَعْدَ حِينٍ﴾ أيْ: في المُسْتَأْنَفِ، إذا أخَذَتْكم سُيُوفُ المُسْلِمِينَ، وذَلِكَ يَوْمَ بَدْرٍ، وأشارَ إلى ذَلِكَ السُّدِّيُّ.
* *
سُورَةُ الزُّمَرِ خَمْسٌ وسَبْعُونَ آيَةً، مَكِّيَّةٌ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ [الزمر: ١] ﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ فاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر: ٢] ﴿ألا لِلَّهِ الدِّينُ الخالِصُ والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى إنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهم في ما هم فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن هو كاذِبٌ كَفّارٌ﴾ [الزمر: ٣] ﴿لَوْ أرادَ اللَّهُ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا لاصْطَفى مِمّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ سُبْحانَهُ هو اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ [الزمر: ٤] ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلى النَّهارِ ويُكَوِّرُ النَّهارَ عَلى اللَّيْلِ وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأجَلٍ مُسَمًّى ألا هو العَزِيزُ الغَفّارُ﴾ [الزمر: ٥] ﴿خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنها زَوْجَها وأنْزَلَ لَكم مِنَ الأنْعامِ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ يَخْلُقُكم في بُطُونِ أُمَّهاتِكم خَلْقًا مِن بَعْدِ خَلْقٍ في ظُلُماتٍ ثَلاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم لَهُ المُلْكُ لا إلَهَ إلّا هو فَأنّى تُصْرَفُونَ﴾ [الزمر: ٦] ﴿إنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكم ولا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ وإنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكم ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ثُمَّ إلى رَبِّكم مَرْجِعُكم فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ [الزمر: ٧] ﴿وإذا مَسَّ الإنْسانَ ضُرٌّ دَعا رَبَّهُ مُنِيبًا إلَيْهِ ثُمَّ إذا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنهُ نَسِيَ ما كانَ يَدْعُو إلَيْهِ مِن قَبْلُ وجَعَلَ لِلَّهِ أنْدادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إنَّكَ مِن أصْحابِ النّارِ﴾ [الزمر: ٨] ﴿أمْ مَن هو قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِدًا وقائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ ويَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبابِ﴾ [الزمر: ٩] ﴿قُلْ يا عِبادِي الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكم لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وأرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ إنَّما يُوَفّى الصّابِرُونَ أجْرَهم بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ [الزمر: ١٠] ﴿قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر: ١١] ﴿وأُمِرْتُ لِأنْ أكُونَ أوَّلَ المُسْلِمِينَ﴾ [الزمر: ١٢] ﴿قُلْ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الزمر: ١٣] ﴿قُلِ اللَّهَ أعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ [الزمر: ١٤] ﴿فاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِن دُونِهِ قُلْ إنَّ الخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ ألا ذَلِكَ هو الخُسْرانُ المُبِينُ﴾ [الزمر: ١٥] ﴿لَهم مِن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النّارِ ومِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ يا عِبادِ فاتَّقُونِ﴾ [الزمر: ١٦] ﴿والَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ أنْ يَعْبُدُوها وأنابُوا إلى اللَّهِ لَهُمُ البُشْرى فَبَشِّرْ عِبادِي﴾ [الزمر: ١٧] ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وأُولَئِكَ هم أُولُو الألْبابِ﴾ [الزمر: ١٨] ﴿أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ أفَأنْتَ تُنْقِذُ مَن في النّارِ﴾ [الزمر: ١٩] ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم لَهم غُرَفٌ مِن فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ وعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ المِيعادَ﴾ [الزمر: ٢٠] ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ في الأرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا ألْوانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطامًا إنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرى لِأُولِي الألْبابِ﴾ [الزمر: ٢١] ﴿أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ فَهو عَلى نُورٍ مِن رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهم مِن ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الزمر: ٢٢] ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ كِتابًا مُتَشابِهًا مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهم وقُلُوبُهم إلى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشاءُ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ [الزمر: ٢٣] ﴿أفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ وقِيلَ لِلظّالِمِينَ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ [الزمر: ٢٤] ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأتاهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ [الزمر: ٢٥] ﴿فَأذاقَهُمُ اللَّهُ الخِزْيَ في الحَياةِ الدُّنْيا ولَعَذابُ الآخِرَةِ أكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٢٦] ﴿ولَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ [الزمر: ٢٧] ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ [الزمر: ٢٨] ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ ورَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا الحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٢٩] ﴿إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهم مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠] ﴿ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكم تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر: ٣١] . (p-٤١٣)التَّكْوِيرُ: اللَّفُّ واللَّيُّ، يُقالُ: كارَ العِمامَةَ عَلى رَأْسِهِ وكَوَّرَها. خَوَّلَهُ النِّعْمَةَ أيْ: أعْطاهُ ابْتِداءً مِن غَيْرِ مُجازاةٍ، ولا يُقالُ في الجَزاءِ خَوَّلَ. قالَ زُهَيْرٌ:
؎هُنالِكَ إنْ يُسْتَخْوَلُوا المالَ يُخَوَّلُوا
ويُرْوى: يُسْتَخْيَلُوا المالَ يُخَيَّلُوا
وقالَ أبُو النَّجْمِ:
؎أعْطى فَلَمْ يَبْخَلْ ولَمْ يُبَخِّلْ ∗∗∗ كَوْمَ الذُّرى مِن خَوَلِ المَخْوِلِ
هاجَ الزَّرْعُ: ثارَ مِن مَنابِتِهِ، وقِيلَ: يَبِسَ. الحُطامُ: الفُتاتُ بَعْدَ يُبْسِهِ. القُشَعْرِيرَةُ: تَقَبُّضُ الجِلْدِ، يُقالُ: اقْشَعَرَّ جِلْدُهُ مِنَ الخَوْفِ: وقَفَ شَعْرُهُ، وهو مَثَلٌ في شِدَّةِ الخَوْفِ. الشِّكاسَةُ: سُوءُ الخُلُقِ وعُسْرُهُ.
ص 38:84
﴿قُلْ هو نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿أنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ ﴿ما كانَ لِيَ مِن عِلْمٍ بِالمَلَإ الأعْلى إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ ﴿إنْ يُوحى إلَيَّ إلّا أنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿إذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ﴾ ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ ﴿فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلُّهم أجْمَعُونَ﴾ ﴿إلّا إبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ ﴿قالَ يا إبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أأسْتَكْبَرْتَ أمْ كُنْتَ مِنَ العالِينَ﴾ ﴿قالَ أنا خَيْرٌ مِنهُ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ ﴿قالَ فاخْرُجْ مِنها فَإنَّكَ رَجِيمٌ﴾ ﴿وإنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إلى يَوْمِ الدِّينِ﴾ ﴿قالَ رَبِّ فَأنْظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ﴿قالَ فَإنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ ﴿إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ﴾ ﴿قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلّا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ ﴿قالَ فالحَقُّ والحَقَّ أقُولُ﴾ ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ ومِمَّنْ تَبِعَكَ مِنهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿قُلْ ما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ وما أنا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ﴾ ﴿إنْ هو إلّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ ﴿ولَتَعْلَمُنَّ نَبَأهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ .
الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ هو نَبَأٌ﴾ يَعُودُ عَلى ما أخْبَرَ بِهِ مِن كَوْنِهِ رَسُولًا مُنْذِرًا داعِيًا إلى اللَّهِ، وأنَّهُ تَعالى هو المُنْفَرِدُ بِالأُلُوهِيَّةِ، المُتَّصِفُ بِتِلْكَ الأوْصافِ مِنَ الوَحْدانِيَّةِ والقَهْرِ ومُلْكِ العالَمِ وعِزَّتِهِ وغُفْرانِهِ، وهو خَبَرٌ عَظِيمٌ لا يُعْرِضُ عَنْ مِثْلِهِ إلّا غافِلٌ شَدِيدُ الغَفْلَةِ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: النَّبَأُ العَظِيمُ: القُرْآنُ. وقالَ الحَسَنُ: يَوْمُ القِيامَةِ. وقِيلَ: قَصَصُ آدَمَ والإنْباءُ بِهِ مِن غَيْرِ سَماعٍ مِن أحَدٍ.
وقالَ صاحِبُ التَّحْرِيرِ: سِياقُ الآيَةِ وظاهِرُها أنَّهُ يُرِيدُ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ هو نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾، ما قَصَّهُ اللَّهُ تَعالى مِن مُناظَرَةِ أهْلِ النّارِ ومُقاوَلَةِ الأتْباعِ مَعَ السّاداتِ؛ لِأنَّهُ مِن أحْوالِ البَعْثِ، وقُرَيْشٌ كانْتَ تُنْكِرُ البَعْثَ والحِسابَ والعِقابَ، وهم عَنْ ذَلِكَ مُعْرِضُونَ.
وقَوْلُهُ: ﴿ما كانَ لِيَ مِن عِلْمٍ بِالمَلَإ الأعْلى إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾: احْتِجاجٌ عَلى قُرَيْشٍ بِأنَّ ما جاءَ بِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ لا مِن قِبَلِ نَفْسِهِ. فَإنَّ مَن في الأرْضِ ما لَهُ عِلْمٌ بِمَن في السَّماءِ إلّا بِإعْلامِ اللَّهِ تَعالى؛ وعِلْمُ المُغَيَّباتِ لا يُوصَلُ إلَيْهِ إلّا (p-٤٠٩)بِإعْلامِ اللَّهِ تَعالى، وعِلْمُهُ بِأحْوالِ أهْلِ النّارِ، وابْتِداءِ خَلْقِ آدَمَ لَمْ يَكُنْ عَنْهُ عِلْمٌ بِذَلِكَ؛ فَإخْبارُهُ بِذَلِكَ هو بِإعْلامِ اللَّهِ، والِاسْتِدْلالُ بِقِصَّةِ آدَمَ؛ لِأنَّهُ أوَّلُ البَشَرِ خَلْقًا، وبَيْنَهُ وبَيْنَ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أزْمانٌ مُتَقادِمَةٌ وقُرُونٌ سالِفَةٌ. انْتَهى، وفي آخِرِهِ بَعْضُ اخْتِصارٍ.
ثُمَّ احْتَجَّ بِصِحَّةِ نُبُوَّتِهِ، بِأنَّ ما يُنْبِئُ بِهِ عَنِ المَلَأِ الأعْلى واخْتِصامِهِمْ أمْرٌ لَمْ يَكُنْ لَهُ بِهِ مِن عِلْمٍ قَطُّ. ثُمَّ عَلِمَهُ مِن غَيْرِ الطَّرِيقِ الَّذِي يَسْلُكُهُ المُتَعَلِّمُونَ، بَلْ ذَلِكَ مُسْتَفادٌ مِنَ الوَحْيِ، و(بِالمَلَأِ) مُتَعَلِّقٌ بِـ (عِلْمٍ)، و(إذْ) مَنصُوبٌ بِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بِمَحْذُوفٍ؛ لِأنَّ المَعْنى: ما كانَ لِي مِن عِلْمٍ بِكَلامِ المَلَأِ الأعْلى وقْتَ اخْتِصامِهِمْ.
(وإذْ قالَ) بَدَلٌ مِن ﴿إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ عَلى المَلَأِ الأعْلى، وهُمُ المَلائِكَةُ، وأبْعَدَ مَن قالَ إنَّهم قُرَيْشٌ، واخْتِصامُ المَلائِكَةِ في أمْرِ آدَمَ وذُرِّيَّتِهِ في جَعْلِهِمْ في الأرْضِ. وقالُوا: ﴿أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها﴾ [البقرة: ٣٠] . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وقالَ الحَسَنُ: إنَّ اللَّهَ خالِقٌ خَلْقًا كُنّا أكْرَمَ مِنهُ وأعْلَمَ. وقِيلَ: في الكَفّاراتِ وغَفْرِ الذُّنُوبِ، فَإنَّ العَبْدَ إذا عَمِلَ حَسَنَةً اخْتَلَفَتِ المَلائِكَةُ في قَدْرِ ثَوابِهِ في ذَلِكَ حَتّى يَقْضِيَ اللَّهُ بِما يَشاءُ. وفي الحَدِيثِ: ”«قالَ لَهُ رَبُّهُ في نَوْمِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: فِيمَ يَخْتَصِمُونَ ؟ فَقُلْتُ: لا أدْرِي، فَقالَ: في الكَفّاراتِ، وفي إسْباغِ الوُضُوءِ في السَّرّاتِ، ونَقْلِ الخُطا إلى الجَماعاتِ“» .
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كانَتْ مُقاوَلَةُ اللَّهِ سُبْحانَهُ بِواسِطَةِ مَلَكٍ، وكانَ المُقاوِلُ في الحَقِيقَةِ هو المَلَكُ المُتَوَسِّطُ، فَيَصِحُّ أنَّ التَّقاوُلَ بَيْنَ المَلائِكَةِ وآدَمَ وإبْلِيسَ، وهُمُ المَلَأُ الأعْلى.
والمُرادُ بِالِاخْتِصامِ: التَّقاوُلُ. وقِيلَ: المَلَأُ الأعْلى: المَلائِكَةُ، و﴿إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ الضَّمِيرُ فِيهِ لِلْعَرَبِ الكافِرِينَ، فَبَعْضُهم يَقُولُ: هي بَناتُ اللَّهِ، وبَعْضُهم: آلِهَةٌ تُعْبَدُ، وغَيْرُ ذَلِكَ مِن أقْوالِهِمْ.
﴿إنْ يُوحى إلَيَّ﴾ أيْ: ما يُوحى إلَيَّ، ﴿إلّا أنَّما أنا نَذِيرٌ﴾ أيْ: لِلْإنْذارِ، حَذَفَ اللّامَ ووَصَلَ الفِعْلَ والمَفْعُولَ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرًا يَدُلُّ عَلَيْهِ المَعْنى، أيْ: إنْ يُوحى إلَيَّ هو، أيْ: ما يُوحى إلّا الإنْذارُ، وأُقِيمَ إلِيَّ مَقامَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ إنَّما هو المَفْعُولُ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، أيْ: ما يُوحى إلَيَّ إلّا الإنْذارُ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: (إلّا إنَّما) بِكَسْرِ هَمْزَةِ إنَّما عَلى الحِكايَةِ، أيْ: ما يُوحى إلَيَّ إلّا هَذِهِ الجُمْلَةُ، كَأنْ قِيلَ لَهُ: أنْتَ نَذِيرٌ مُبِينٌ، فَحَكى هو المَعْنى، وهَذا كَما يَقُولُ الإنْسانُ: أنا عالِمٌ، فَيُقالُ لَهُ: قُلْتَ إنَّكَ عالِمٌ، فَيُحْكى المَعْنى.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقُرِئَ إنَّما بِالكَسْرِ عَلى الحِكايَةِ، أيْ: إلّا هَذا القَوْلُ، وهو أنْ أقُولَ لَكم ﴿إنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾، فَلا أدَّعِي شَيْئًا آخَرَ. انْتَهى.
فِي تَخْرِيجِهِ تَعارُضٌ؛ لِأنَّهُ قالَ أيْ: إلّا هَذا القَوْلَ، فَظاهِرُهُ الجُمْلَةُ الَّتِي هي ﴿إنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾، ثُمَّ قالَ: وهو أنْ أقُولَ لَكم إنِّي نَذِيرٌ، فالمَقامُ مَقامُ الفاعِلِ هو أنْ أقُولَ لَكم، وأنْ وما بَعْدَهُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، وعَلى قَوْلِهِ: إلّا هَذا القَوْلَ، يَكُونُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ فَيَتَعارَضا. وتَقَدَّمَ أنَّ (إذْ قالَ) بَدَلٌ مِن ﴿إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ هَذا إذا كانَتِ الخُصُومَةُ في شَأْنِ مَن يُسْتَخْلَفُ في الأرْضِ، وعَلى غَيْرِهِ مِنَ الأقْوالِ يَكُونُ مَنصُوبًا بِاذْكُرْ.
ولَمّا كانَتْ قُرَيْشٌ، خالَفُوا الرَّسُولَ، - عَلَيْهِ السَّلامُ -، بِسَبَبِ الحَسَدِ والكِبْرِ. ذَكَرَ حالَ إبْلِيسَ، حَيْثُ خالَفَ أمْرَ اللَّهِ بِسَبَبِ الحَسَدِ والكِبْرِ وما آلَ إلَيْهِ مِنَ اللَّعْنَةِ والطَّرْدِ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ، لِيَزْدَجِرَ عَنْ ذَلِكَ مَن فِيهِ شَيْءٌ مِنهُما.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ صَحَّ أنْ يَقُولَ لَهم: ﴿إنِّي خالِقٌ بَشَرًا﴾، وما عَرَفُوا ما البَشَرُ ولا عَهِدُوا بِهِ قَبْلُ ؟ (قُلْتُ): وجْهُهُ أنْ يَكُونَ قَدْ قالَ لَهم: إنِّي خالِقٌ خَلْقًا مِن صِفَةِ كَيْتَ وكَيْتَ، ولَكِنَّهُ حِينَ حَكاهُ اقْتَصَرَ عَلى الِاسْمِ. انْتَهى.
والبَشَرُ هو آدَمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وذَكَرَ هُنا أنَّهُ خَلَقَهُ مِن طِينٍ، وفي آلِ عِمْرانَ: ﴿خَلَقَهُ مِن تُرابٍ﴾ [آل عمران: ٥٩]، وفي الحِجْرِ: ﴿مِن صَلْصالٍ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ [الحجر: ٢٦]، وفي الأنْبِياءِ: ﴿مِن عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧]؛ ولا مُنافاةَ في تِلْكَ المادَّةِ البَعِيدَةِ، وهي التُّرابُ، ثُمَّ ما يَلِيهِ وهو الطِّينُ، ثُمَّ ما يَلِيهِ وهو الحَمَأُ المَسْنُونُ، ثُمَّ المادَّةُ تَلِي الحَمَأ وهو الصَّلْصالُ؛ وأمّا ﴿مِن عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧] فَمَضى تَفْسِيرُهُ.
﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ ﴿فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلُّهم أجْمَعُونَ﴾ ﴿إلّا إبْلِيسَ﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذا في الحِجْرِ، وهُنا ﴿اسْتَكْبَرَ وكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾، (p-٤١٠)وفِي البَقَرَةِ: ﴿أبى واسْتَكْبَرَ وكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ [البقرة: ٣٤]، وفي الأعْرافِ: ﴿لَمْ يَكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ﴾ [الأعراف: ١١]، وفي الحِجْرِ: ﴿أبى أنْ يَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٣١]، وفي الإسْراءِ: ﴿قالَ أأسْجُدُ لِمَن خَلَقْتَ طِينًا﴾ [الإسراء: ٦١]، وفي الكَهْفِ: ﴿كانَ مِنَ الجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ٥٠] .
والِاسْتِثْناءُ في جَمِيعِ هَذِهِ الآياتِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمْ يَسْجُدْ، فَتارَةً أكَّدَ بِالنَّفْيِّ المَحْضِ، وتارَةً ذَكَرَ إبايَتَهُ عَنِ السُّجُودِ، وهي الأنَفَةُ مِن ذَلِكَ، وتارَةً نَصَّ عَلى أنَّ ذَلِكَ الِامْتِناعَ كانَ سَبَبُهُ الِاسْتِكْبارَ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ أُرِيدَ بِهِ كُفْرُهُ ذَلِكَ الوَقْتَ، وإنْ لَمْ يَكُنْ قَبْلَهُ كافِرًا؛ وعُطِفَ عَلى اسْتَكْبَرَ، فَقَوِيَ ذَلِكَ؛ لِأنَّ الِاسْتِكْبارَ عَنِ السُّجُودِ إنَّما حَصَلَ لَهُ وقْتَ الأمْرِ.
ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إخْبارًا مِنهُ بِسَبْقِ كُفْرِهِ في الأزْمِنَةِ الماضِيَةِ في عِلْمِ اللَّهِ.
﴿قالَ يا إبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ﴾، وفي الأعْرافِ: ﴿ما مَنَعَكَ ألّا تَسْجُدَ﴾ [الأعراف: ١٢]، فَدَلَّ أنْ تَسْجُدَ هُنا، عَلى أنَّ لا في ﴿أنْ لا أقُولَ﴾ [الأعراف: ١٠٥] زائِدَةٌ، والمَعْنى أيْضًا يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ لا يَسْتَفْهِمُ إلّا عَنِ المانِعِ مِنَ السُّجُودِ، وهو اسْتِفْهامُ تَقْرِيرٍ وتَوْبِيخٍ. وما في ﴿لِما خَلَقْتُ﴾، اسْتَدَلَّ بِها مَن يُجِيزُ إطْلاقَ ما عَلى آحادِ مَن يَعْقِلُ، وأوَّلَ بِأنَّ ما مَصْدَرِيَّةٌ، والمَصْدَرُ يُرادُ بِهِ المَخْلُوقُ، لا حَقِيقَةُ المَصْدَرِ.
وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ: (لَمّا) بِفَتْحِ اللّامِ وتَشْدِيدِ المِيمِ، ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾، عَلى الإفْرادِ؛ والجُمْهُورُ: عَلى التَّثْنِيَةِ؛ وقُرِئَ ﴿بِيَدَيَّ﴾ كَقِراءَةِ ﴿بِمُصْرِخِيَّ﴾ [إبراهيم: ٢٢]؛ وقالَ تَعالى: ﴿مِمّا عَمِلَتْ أيْدِينا﴾ [يس: ٧١] بِالجَمْعِ، وكُلُّها عِبارَةٌ عَنِ القُدْرَةِ والقُوَّةِ، وعَبَّرَ بِاليَدِ، إذْ كانَ عِنْدَ البَشَرِ مُعْتادًا أنَّ البَطْشَ والقُوَّةَ بِاليَدِ.
وذَهَبَ القاضِي أبُو بَكْرِ بْنُ الطَّيِّبِ إلى أنَّ اليَدَ صِفَةُ ذاتٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهو قَوْلٌ مَرْغُوبٌ عَنْهُ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: (أسْتَكْبَرْتَ)، بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، فَأمْ مُتَّصِلَةٌ عادَلَتِ الهَمْزَةَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ النَّحْوِيِّينَ إلى أنَّ أمْ لا تَكُونُ مُعادِلَةً لِلْألِفِ مَعَ اخْتِلافِ الفِعْلَيْنِ، وإنَّما تَكُونُ مُعادِلَةً إذا دَخَلَتا عَلى فِعْلٍ واحِدٍ، كَقَوْلِكَ: أزَيْدٌ قامَ أمْ عَمْرٌو ؟ وقَوْلُكَ: أقامَ زَيْدٌ أمْ عَمْرٌو ؟ فَإذا اخْتَلَفَ الفِعْلانِ كَهَذِهِ الآيَةِ، فَلَيْسَتْ مُعادِلَةً. ومَعْنى الآيَةِ: أحَدَثَ لَكَ الِاسْتِكْبارُ الآنَ، أمْ كُنْتَ قَدِيمًا مِمَّنْ لا يَلِيقُ أنْ تُكَلَّفَ مِثْلَ هَذا لِعُلُوِّ مَكانِكَ ؟ وهَذا عَلى جِهَةِ التَّوْبِيخِ. انْتَهى.
وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ النَّحْوِيِّينَ مَذْهَبٌ غَيْرُ صَحِيحٍ. قالَ سِيبَوَيْهِ: وتَقُولُ أضْرَبْتَ زَيْدًا أمْ قَتَلْتَهُ فالبَدْءُ هُنا بِالفِعْلِ أحْسَنُ؛ لِأنَّكَ إنَّما تَسْألُ عَنْ أحَدِهِما، لا تَدْرِي أيُّهُما كانَ، ولا تَسْألُ عَنْ مَوْضِعِ أحَدِهِما، كَأنَّكَ قُلْتَ: أيُّ ذَلِكَ كانَ ؟ انْتَهى. فَعادَلَ بِأمِ الألِفَ مَعَ اخْتِلافِ الفِعْلَيْنِ.
﴿مِنَ العالِينَ﴾: مِمَّنْ عَلَوْتَ وفُقْتَ. فَأجابَ بِأنَّهُ مِنَ العالِينَ، حَيْثُ قالَ ﴿أنا خَيْرٌ مِنهُ﴾ . وقِيلَ: أسْتَكْبَرْتَ الآنَ، أوْ لَمْ تَزَلْ مُذْ كُنْتَ مِنَ المُسْتَكْبِرِينَ ؟ ومَعْنى الهَمْزَةِ: التَّقْرِيرُ. انْتَهى.
وقَرَأتْ فِرْقَةٌ، مِنهُمُ ابْنُ كَثِيرٍ وغَيْرُهُ: (اسْتَكْبَرْتَ)، بِصِلَةِ الألِفِ، وهي قِراءَةُ أهْلِ مَكَّةَ، ولَيْسَتْ في مَشْهُورِ ابْنِ كَثِيرٍ، فاحْتُمِلَ أنْ تَكُونَ هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ حُذِفَتْ لِدَلالَةِ أمْ عَلَيْها، كَقَوْلِهِ:
؎بِسَبْعٍ رَمَيْنَ الجَمْرَ أمْ بِثَمانِ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ إخْبارًا خاطَبَهُ بِذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّقْرِيعِ، وأمْ تَكُونُ مُنْقَطِعَةً، والمَعْنى: بَلْ أنْتَ مِنَ العالِينَ عِنْدَ نَفْسِكَ اسْتِخْفافًا بِهِ.
﴿قالَ أنا خَيْرٌ مِنهُ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ذَلِكَ في الأعْرافِ.
﴿قالَ فاخْرُجْ مِنها﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مِثْلِ ذَلِكَ في الحِجْرِ، إلّا أنَّ هُنا ﴿لَعْنَتِي﴾ وهُناكَ (اللَّعْنَةُ) أعَمُّ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ ويَلْعَنُهُمُ اللّاعِنُونَ﴾ [البقرة: ١٥٩] وأمّا بِالإضافَةِ، فالعُمُومُ في اللَّعْنَةِ أعَمُّ، واللَّعَناتُ إنَّما تَحْصُلُ مِن جِهَةِ أنَّ مَن عَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ كانَتْ عَلَيْهِ لَعْنَةُ كُلِّ لاعِنٍ، هَذا مِن جِهَةِ المَعْنى، وأمّا بِاللَّفْظِ فَيَقْتَضِي التَّخْصِيصَ.
﴿قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ﴾: أقْسَمَ إبْلِيسُ هُنا بِعِزَّةِ اللَّهِ، وقالَ في الأعْرافِ: ﴿فَبِما أغْوَيْتَنِي لَأقْعُدَنَّ﴾ [الأعراف: ١٦]، وفي الحِجْرِ: ﴿رَبِّ بِما أغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ﴾ [الحجر: ٣٩] . وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِما في مَوْضِعِهِما، وإنَّ مِنَ المُفَسِّرِينَ مَن قالَ: إنَّ الباءَ في: ﴿بِما أغْوَيْتَنِي﴾ [الحجر: ٣٩] وفي: ﴿فَبِما أغْوَيْتَنِي﴾ [الأعراف: ١٦] لَيْسَتْ باءَ القَسَمِ. فَإنْ كانَتْ باءَ القَسَمِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ في مَوْطِنَيْنِ: فَهُنا: ﴿لَأُغْوِيَنَّهُمْ﴾، وفي الأعْرافِ: ﴿لَأقْعُدَنَّ﴾ [الأعراف: ١٦]، وفي الحِجْرِ: ﴿لَأُزَيِّنَنَّ﴾ [الحجر: ٣٩] .
(p-٤١١)وقَرَأ الجُمْهُورُ: (فالحَقَّ والحَقَّ) بِنَصْبِهِما. أمّا الأوَّلُ فَمُقْسَمٌ بِهِ، حُذِفَ مِنهُ الحَرْفُ كَقَوْلِهِ: (أمانَةَ اللَّهِ لَأقُومَنَّ)، والمُقْسَمُ عَلَيْهِ (لَأمْلَأنَّ) .
﴿والحَقَّ أقُولُ﴾: اعْتِراضٌ بَيْنَ القَسَمِ وجَوابِهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومَعْناهُ: ولا أقُولُ إلّا الحَقَّ. انْتَهى؛ لِأنَّ عِنْدَهُ تَقُدُّمَ المَفْعُولِ يُفِيدُ الحَصْرَ. والحَقُّ المُقْسَمُ بِهِ إمّا اسْمُهُ تَعالى الَّذِي في قَوْلِهِ: ﴿أنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ المُبِينُ﴾ [النور: ٢٥]، أوِ الَّذِي هو نَقِيضُ الباطِلِ. وقِيلَ: ﴿فالحَقُّ﴾ مَنصُوبٌ عَلى الإغْراءِ، أيْ: فالزَمُوا الحَقَّ، و(لَأمْلَأنَّ): جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ. وقالَ الفَرّاءُ: هو عَلى مَعْنى قَوْلِكَ: حَقًّا لا شَكَّ، ووُجُودُ الألِفِ واللّامِ وطَرْحُهُما سَواءٌ، أيْ: لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ حَقًّا. انْتَهى.
وهَذا المَصْدَرُ الجائِي تَوْكِيدًا لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ، لا يَجُوزُ تَقْدِيمُهُ عِنْدَ جُمْهُورِ النُّحاةِ، وذَلِكَ مَخْصُوصٌ بِالجُمْلَةِ الَّتِي جُزْآها مَعْرِفَتانِ جامِدَتانِ جُمُودًا مَحْضًا.
وقالَ صاحِبُ البَسِيطِ: وقَدْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخَبَرُ نَكِرَةً، قالَ: والمُبْتَدَأُ يَكُونُ ضَمِيرًا نَحْوَ: هو زَيْدٌ مَعْرُوفًا، وهو الحَقُّ بَيِّنًا، وأنا الأمِيرُ مُفْتَخِرًا؛ ويَكُونُ ظاهِرًا كَقَوْلِكَ: زِيدٌ أبُوكَ عَطُوفًا، وأخُوكَ زَيْدٌ مَعْرُوفًا. انْتَهى.
وقالَتِ العَرَبُ: زَيْدٌ قائِمٌ غَيْرَ ذِي شَكٍّ، فَجاءَتِ الحالُ بَعْدَ جُمْلَةٍ، والخَبَرُ نَكِرَةً، وهي حالٌ مُؤَكِّدَةٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ، وكَأنَّ الفَرّاءَ لَمْ يَشْتَرِطْ هَذا الَّذِي ذَكَرَهُ أصْحابُنا مِن كَوْنِ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ مَعْرُوفَيْنِ جامِدَيْنِ؛ لِأنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ تَأْكِيدِ مَضْمُونِ الجُمْلَةِ الِابْتِدائِيَّةِ وبَيْنَ تَأْكِيدِ الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ. وقِيلَ: التَّقْدِيرُ فالحَقُّ الحَقُّ، أيْ أفْعَلُهُ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والأعْمَشُ: بِالرَّفْعِ فِيهِما، فالأوَّلُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، قِيلَ: تَقْدِيرُهُ فالحَقُّ أنا، وقِيلَ: فالحَقُّ مِنِّي، وقِيلَ: تَقْدِيرُهُ فالحَقُّ قَسَمِي، وحُذِفَ كَما حُذِفَ في: لَعَمْرُكَ لَأقُومَنَّ، وفي: يَمِينُ اللَّهِ أبْرَحُ قاعِدًا، أيْ لَعَمْرُكَ قَسَمِي ويَمِينُ اللَّهِ قَسَمِي، وهَذِهِ الجُمْلَةُ هي جُمْلَةُ القَسَمِ، وجَوابُهُ: لَأمْلَأنَّ. وأمّا (والحَقُّ أقُولُ) فَمُبْتَدَأٌ أيْضًا، خَبَرُهُ الجُمْلَةُ، وحُذِفَ العائِدُ، كَقِراءَةِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿وكُلًّا وعَدَ اللَّهُ الحُسْنى﴾ [النساء: ٩٥] . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أمّا الأوَّلُ فَرُفِعَ عَلى الِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ في قَوْلِهِ: ﴿لَأمْلَأنَّ﴾؛ لِأنَّ المَعْنى: أنْ أمْلَأ. انْتَهى.
وهَذا لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّ لَأمْلَأنَّ جَوابُ قَسَمٍ، ويَجِبُ أنْ يَكُونَ جُمْلَةً، فَلا يَتَقَدَّرُ بِمُفْرَدٍ. وأيْضًا لَيْسَ مَصْدَرًا مُقَدَّرًا بِحَرْفٍ مَصْدَرِيٍّ والفِعْلِ حَتّى يَنْحَلَّ إلَيْهِما، ولَكِنَّهُ لَمّا صَحَّ لَهُ إسْنادُ ما قُدِّرَ إلى المُبْتَدَأِ حُكِمَ أنَّهُ خَبَرٌ عَنْهُ.
وقَرَأ الحَسَنُ، وعِيسى، و عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي حَمّادٍ عَنْ أبِي بَكْرٍ: بِجَرِّهِمْ، ويَخْرُجُ عَلى أنَّ الأوَّلَ مَجْرُورٌ بِواوِ القَسَمِ مَحْذُوفَةً، تَقْدِيرُهُ: فَوالحَقِّ، والحَقِّ مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ، كَما تَقُولُ: واللَّهِ واللَّهِ لَأقُومَنَّ، و(أقُولُ) اعْتِراضٌ بَيْنَ القَسَمِ وجَوابِهِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿والحَقَّ أقُولُ﴾: أيْ: ولا أقُولُ إلّا الحَقَّ عَلى حِكايَةِ لَفْظِ المُقْسَمَ بِهِ، ومَعْناهُ التَّوْكِيدُ والتَّسْدِيدُ، وهَذا الوَجْهُ جائِزٌ في المَنصُوبِ والمَرْفُوعِ، وهو وجْهٌ دَقِيقٌ حَسَنٌ. انْتَهى.
ومُلَخَّصُهُ أنَّهُ أعْمَلَ القَوْلَ في لَفْظِ المُقْسَمِ بِهِ عَلى سَبِيلِ الحِكايَةِ نَصْبًا أوْ رَفْعًا أوْ جَرًّا. وقَرَأ مُجاهِدٌ، والأعْمَشُ: بِخِلافٍ عَنْهُما؛ وأبانُ بْنُ تَغْلَبَ، وطَلْحَةُ في رِوايَةٍ، وحَمْزَةُ، وعاصِمٌ، عَنِ المُفَضَّلِ، وخَلَفٍ، والعَبْسِيِّ: بِرَفْعِ ﴿فالحَقُّ﴾ ونَصْبِ ﴿والحَقَّ﴾، وتَقَدَّمَ إعْرابُهُما.
والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: (أجْمَعِينَ) تَأْكِيدٌ لِلْمُحَدَّثِ عَنْهُ والمَعْطُوفُ عَلَيْهِ، وهو ضَمِيرُ إبْلِيسَ ومَن عُطِفَ عَلَيْهِ، أيْ مِنكَ ومِن تابِعِيكِ أجْمَعِينَ. وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ أجْمَعِينَ تَأْكِيدًا لِلضَّمِيرِ الَّذِي في مِنهم، مُقَدَّرٌ، لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الشَّياطِينِ ومِمَّنْ تَبِعَهم مِن جَمِيعِ النّاسِ، لا تَفاوُتَ في ذَلِكَ بَيْنَ ناسٍ وناسٍ بَعْدَ وُجُودِ الأتْباعِ مِنهم مِن أوْلادِ الأنْبِياءِ وغَيْرِهِمْ. انْتَهى.
والضَّمِيرُ في (عَلَيْهِ) عائِدٌ عَلى القُرْآنِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقِيلَ: عائِدٌ عَلى الوَحْيِ. وقِيلَ: عَلى الدُّعاءِ إلى اللَّهِ.
﴿وما أنا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ﴾: أيِ المُتَصَنِّعِينَ المُتَحَلِّينَ بِما لَيْسُوا مِن أهْلِهِ، فَأنْتَحَلُ النُّبُوَّةَ والقَوْلَ عَلى اللَّهِ.
(إنْ هو) أيِ: القُرْآنُ، ﴿إلّا ذِكْرٌ﴾: أيْ: مِنَ اللَّهِ، ﴿لِلْعالَمِينَ﴾: الثَّقَلَيْنِ الإنْسِ والجِنِّ.
﴿ولَتَعْلَمُنَّ نَبَأهُ﴾: أيْ عاقِبَةَ خَبَرِهِ لِمَن آمَنَ بِهِ ومَن أعْرَضَ عَنْهُ، ﴿بَعْدَ حِينٍ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ وابْنُ زَيْدٍ: يَعْنِي يَوْمَ القِيامَةِ. وقالَ قَتادَةُ، والفَرّاءُ، والزَّجّاجُ: بَعْدَ المَوْتِ. وكانَ الحَسَنُ يَقُولُ: يا ابْنَ آدَمَ، عِنْدَ المَوْتِ (p-٤١٢)يَأْتِيكَ الخَبَرُ اليَقِينُ. وقِيلَ: المَعْنى لَيَظْهَرَنَّ لَكم حَقِيقَةُ ما أقُولُ.
﴿بَعْدَ حِينٍ﴾ أيْ: في المُسْتَأْنَفِ، إذا أخَذَتْكم سُيُوفُ المُسْلِمِينَ، وذَلِكَ يَوْمَ بَدْرٍ، وأشارَ إلى ذَلِكَ السُّدِّيُّ.
* *
سُورَةُ الزُّمَرِ خَمْسٌ وسَبْعُونَ آيَةً، مَكِّيَّةٌ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ [الزمر: ١] ﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ فاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر: ٢] ﴿ألا لِلَّهِ الدِّينُ الخالِصُ والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى إنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهم في ما هم فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن هو كاذِبٌ كَفّارٌ﴾ [الزمر: ٣] ﴿لَوْ أرادَ اللَّهُ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا لاصْطَفى مِمّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ سُبْحانَهُ هو اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ [الزمر: ٤] ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلى النَّهارِ ويُكَوِّرُ النَّهارَ عَلى اللَّيْلِ وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأجَلٍ مُسَمًّى ألا هو العَزِيزُ الغَفّارُ﴾ [الزمر: ٥] ﴿خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنها زَوْجَها وأنْزَلَ لَكم مِنَ الأنْعامِ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ يَخْلُقُكم في بُطُونِ أُمَّهاتِكم خَلْقًا مِن بَعْدِ خَلْقٍ في ظُلُماتٍ ثَلاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم لَهُ المُلْكُ لا إلَهَ إلّا هو فَأنّى تُصْرَفُونَ﴾ [الزمر: ٦] ﴿إنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكم ولا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ وإنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكم ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ثُمَّ إلى رَبِّكم مَرْجِعُكم فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ [الزمر: ٧] ﴿وإذا مَسَّ الإنْسانَ ضُرٌّ دَعا رَبَّهُ مُنِيبًا إلَيْهِ ثُمَّ إذا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنهُ نَسِيَ ما كانَ يَدْعُو إلَيْهِ مِن قَبْلُ وجَعَلَ لِلَّهِ أنْدادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إنَّكَ مِن أصْحابِ النّارِ﴾ [الزمر: ٨] ﴿أمْ مَن هو قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِدًا وقائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ ويَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبابِ﴾ [الزمر: ٩] ﴿قُلْ يا عِبادِي الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكم لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وأرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ إنَّما يُوَفّى الصّابِرُونَ أجْرَهم بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ [الزمر: ١٠] ﴿قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر: ١١] ﴿وأُمِرْتُ لِأنْ أكُونَ أوَّلَ المُسْلِمِينَ﴾ [الزمر: ١٢] ﴿قُلْ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الزمر: ١٣] ﴿قُلِ اللَّهَ أعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ [الزمر: ١٤] ﴿فاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِن دُونِهِ قُلْ إنَّ الخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ ألا ذَلِكَ هو الخُسْرانُ المُبِينُ﴾ [الزمر: ١٥] ﴿لَهم مِن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النّارِ ومِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ يا عِبادِ فاتَّقُونِ﴾ [الزمر: ١٦] ﴿والَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ أنْ يَعْبُدُوها وأنابُوا إلى اللَّهِ لَهُمُ البُشْرى فَبَشِّرْ عِبادِي﴾ [الزمر: ١٧] ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وأُولَئِكَ هم أُولُو الألْبابِ﴾ [الزمر: ١٨] ﴿أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ أفَأنْتَ تُنْقِذُ مَن في النّارِ﴾ [الزمر: ١٩] ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم لَهم غُرَفٌ مِن فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ وعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ المِيعادَ﴾ [الزمر: ٢٠] ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ في الأرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا ألْوانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطامًا إنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرى لِأُولِي الألْبابِ﴾ [الزمر: ٢١] ﴿أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ فَهو عَلى نُورٍ مِن رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهم مِن ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الزمر: ٢٢] ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ كِتابًا مُتَشابِهًا مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهم وقُلُوبُهم إلى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشاءُ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ [الزمر: ٢٣] ﴿أفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ وقِيلَ لِلظّالِمِينَ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ [الزمر: ٢٤] ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأتاهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ [الزمر: ٢٥] ﴿فَأذاقَهُمُ اللَّهُ الخِزْيَ في الحَياةِ الدُّنْيا ولَعَذابُ الآخِرَةِ أكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٢٦] ﴿ولَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ [الزمر: ٢٧] ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ [الزمر: ٢٨] ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ ورَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا الحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٢٩] ﴿إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهم مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠] ﴿ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكم تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر: ٣١] . (p-٤١٣)التَّكْوِيرُ: اللَّفُّ واللَّيُّ، يُقالُ: كارَ العِمامَةَ عَلى رَأْسِهِ وكَوَّرَها. خَوَّلَهُ النِّعْمَةَ أيْ: أعْطاهُ ابْتِداءً مِن غَيْرِ مُجازاةٍ، ولا يُقالُ في الجَزاءِ خَوَّلَ. قالَ زُهَيْرٌ:
؎هُنالِكَ إنْ يُسْتَخْوَلُوا المالَ يُخَوَّلُوا
ويُرْوى: يُسْتَخْيَلُوا المالَ يُخَيَّلُوا
وقالَ أبُو النَّجْمِ:
؎أعْطى فَلَمْ يَبْخَلْ ولَمْ يُبَخِّلْ ∗∗∗ كَوْمَ الذُّرى مِن خَوَلِ المَخْوِلِ
هاجَ الزَّرْعُ: ثارَ مِن مَنابِتِهِ، وقِيلَ: يَبِسَ. الحُطامُ: الفُتاتُ بَعْدَ يُبْسِهِ. القُشَعْرِيرَةُ: تَقَبُّضُ الجِلْدِ، يُقالُ: اقْشَعَرَّ جِلْدُهُ مِنَ الخَوْفِ: وقَفَ شَعْرُهُ، وهو مَثَلٌ في شِدَّةِ الخَوْفِ. الشِّكاسَةُ: سُوءُ الخُلُقِ وعُسْرُهُ.
ص 38:85
﴿قُلْ هو نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿أنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ ﴿ما كانَ لِيَ مِن عِلْمٍ بِالمَلَإ الأعْلى إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ ﴿إنْ يُوحى إلَيَّ إلّا أنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿إذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ﴾ ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ ﴿فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلُّهم أجْمَعُونَ﴾ ﴿إلّا إبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ ﴿قالَ يا إبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أأسْتَكْبَرْتَ أمْ كُنْتَ مِنَ العالِينَ﴾ ﴿قالَ أنا خَيْرٌ مِنهُ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ ﴿قالَ فاخْرُجْ مِنها فَإنَّكَ رَجِيمٌ﴾ ﴿وإنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إلى يَوْمِ الدِّينِ﴾ ﴿قالَ رَبِّ فَأنْظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ﴿قالَ فَإنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ ﴿إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ﴾ ﴿قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلّا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ ﴿قالَ فالحَقُّ والحَقَّ أقُولُ﴾ ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ ومِمَّنْ تَبِعَكَ مِنهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿قُلْ ما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ وما أنا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ﴾ ﴿إنْ هو إلّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ ﴿ولَتَعْلَمُنَّ نَبَأهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ .
الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ هو نَبَأٌ﴾ يَعُودُ عَلى ما أخْبَرَ بِهِ مِن كَوْنِهِ رَسُولًا مُنْذِرًا داعِيًا إلى اللَّهِ، وأنَّهُ تَعالى هو المُنْفَرِدُ بِالأُلُوهِيَّةِ، المُتَّصِفُ بِتِلْكَ الأوْصافِ مِنَ الوَحْدانِيَّةِ والقَهْرِ ومُلْكِ العالَمِ وعِزَّتِهِ وغُفْرانِهِ، وهو خَبَرٌ عَظِيمٌ لا يُعْرِضُ عَنْ مِثْلِهِ إلّا غافِلٌ شَدِيدُ الغَفْلَةِ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: النَّبَأُ العَظِيمُ: القُرْآنُ. وقالَ الحَسَنُ: يَوْمُ القِيامَةِ. وقِيلَ: قَصَصُ آدَمَ والإنْباءُ بِهِ مِن غَيْرِ سَماعٍ مِن أحَدٍ.
وقالَ صاحِبُ التَّحْرِيرِ: سِياقُ الآيَةِ وظاهِرُها أنَّهُ يُرِيدُ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ هو نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾، ما قَصَّهُ اللَّهُ تَعالى مِن مُناظَرَةِ أهْلِ النّارِ ومُقاوَلَةِ الأتْباعِ مَعَ السّاداتِ؛ لِأنَّهُ مِن أحْوالِ البَعْثِ، وقُرَيْشٌ كانْتَ تُنْكِرُ البَعْثَ والحِسابَ والعِقابَ، وهم عَنْ ذَلِكَ مُعْرِضُونَ.
وقَوْلُهُ: ﴿ما كانَ لِيَ مِن عِلْمٍ بِالمَلَإ الأعْلى إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾: احْتِجاجٌ عَلى قُرَيْشٍ بِأنَّ ما جاءَ بِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ لا مِن قِبَلِ نَفْسِهِ. فَإنَّ مَن في الأرْضِ ما لَهُ عِلْمٌ بِمَن في السَّماءِ إلّا بِإعْلامِ اللَّهِ تَعالى؛ وعِلْمُ المُغَيَّباتِ لا يُوصَلُ إلَيْهِ إلّا (p-٤٠٩)بِإعْلامِ اللَّهِ تَعالى، وعِلْمُهُ بِأحْوالِ أهْلِ النّارِ، وابْتِداءِ خَلْقِ آدَمَ لَمْ يَكُنْ عَنْهُ عِلْمٌ بِذَلِكَ؛ فَإخْبارُهُ بِذَلِكَ هو بِإعْلامِ اللَّهِ، والِاسْتِدْلالُ بِقِصَّةِ آدَمَ؛ لِأنَّهُ أوَّلُ البَشَرِ خَلْقًا، وبَيْنَهُ وبَيْنَ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أزْمانٌ مُتَقادِمَةٌ وقُرُونٌ سالِفَةٌ. انْتَهى، وفي آخِرِهِ بَعْضُ اخْتِصارٍ.
ثُمَّ احْتَجَّ بِصِحَّةِ نُبُوَّتِهِ، بِأنَّ ما يُنْبِئُ بِهِ عَنِ المَلَأِ الأعْلى واخْتِصامِهِمْ أمْرٌ لَمْ يَكُنْ لَهُ بِهِ مِن عِلْمٍ قَطُّ. ثُمَّ عَلِمَهُ مِن غَيْرِ الطَّرِيقِ الَّذِي يَسْلُكُهُ المُتَعَلِّمُونَ، بَلْ ذَلِكَ مُسْتَفادٌ مِنَ الوَحْيِ، و(بِالمَلَأِ) مُتَعَلِّقٌ بِـ (عِلْمٍ)، و(إذْ) مَنصُوبٌ بِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بِمَحْذُوفٍ؛ لِأنَّ المَعْنى: ما كانَ لِي مِن عِلْمٍ بِكَلامِ المَلَأِ الأعْلى وقْتَ اخْتِصامِهِمْ.
(وإذْ قالَ) بَدَلٌ مِن ﴿إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ عَلى المَلَأِ الأعْلى، وهُمُ المَلائِكَةُ، وأبْعَدَ مَن قالَ إنَّهم قُرَيْشٌ، واخْتِصامُ المَلائِكَةِ في أمْرِ آدَمَ وذُرِّيَّتِهِ في جَعْلِهِمْ في الأرْضِ. وقالُوا: ﴿أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها﴾ [البقرة: ٣٠] . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وقالَ الحَسَنُ: إنَّ اللَّهَ خالِقٌ خَلْقًا كُنّا أكْرَمَ مِنهُ وأعْلَمَ. وقِيلَ: في الكَفّاراتِ وغَفْرِ الذُّنُوبِ، فَإنَّ العَبْدَ إذا عَمِلَ حَسَنَةً اخْتَلَفَتِ المَلائِكَةُ في قَدْرِ ثَوابِهِ في ذَلِكَ حَتّى يَقْضِيَ اللَّهُ بِما يَشاءُ. وفي الحَدِيثِ: ”«قالَ لَهُ رَبُّهُ في نَوْمِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: فِيمَ يَخْتَصِمُونَ ؟ فَقُلْتُ: لا أدْرِي، فَقالَ: في الكَفّاراتِ، وفي إسْباغِ الوُضُوءِ في السَّرّاتِ، ونَقْلِ الخُطا إلى الجَماعاتِ“» .
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كانَتْ مُقاوَلَةُ اللَّهِ سُبْحانَهُ بِواسِطَةِ مَلَكٍ، وكانَ المُقاوِلُ في الحَقِيقَةِ هو المَلَكُ المُتَوَسِّطُ، فَيَصِحُّ أنَّ التَّقاوُلَ بَيْنَ المَلائِكَةِ وآدَمَ وإبْلِيسَ، وهُمُ المَلَأُ الأعْلى.
والمُرادُ بِالِاخْتِصامِ: التَّقاوُلُ. وقِيلَ: المَلَأُ الأعْلى: المَلائِكَةُ، و﴿إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ الضَّمِيرُ فِيهِ لِلْعَرَبِ الكافِرِينَ، فَبَعْضُهم يَقُولُ: هي بَناتُ اللَّهِ، وبَعْضُهم: آلِهَةٌ تُعْبَدُ، وغَيْرُ ذَلِكَ مِن أقْوالِهِمْ.
﴿إنْ يُوحى إلَيَّ﴾ أيْ: ما يُوحى إلَيَّ، ﴿إلّا أنَّما أنا نَذِيرٌ﴾ أيْ: لِلْإنْذارِ، حَذَفَ اللّامَ ووَصَلَ الفِعْلَ والمَفْعُولَ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرًا يَدُلُّ عَلَيْهِ المَعْنى، أيْ: إنْ يُوحى إلَيَّ هو، أيْ: ما يُوحى إلّا الإنْذارُ، وأُقِيمَ إلِيَّ مَقامَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ إنَّما هو المَفْعُولُ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، أيْ: ما يُوحى إلَيَّ إلّا الإنْذارُ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: (إلّا إنَّما) بِكَسْرِ هَمْزَةِ إنَّما عَلى الحِكايَةِ، أيْ: ما يُوحى إلَيَّ إلّا هَذِهِ الجُمْلَةُ، كَأنْ قِيلَ لَهُ: أنْتَ نَذِيرٌ مُبِينٌ، فَحَكى هو المَعْنى، وهَذا كَما يَقُولُ الإنْسانُ: أنا عالِمٌ، فَيُقالُ لَهُ: قُلْتَ إنَّكَ عالِمٌ، فَيُحْكى المَعْنى.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقُرِئَ إنَّما بِالكَسْرِ عَلى الحِكايَةِ، أيْ: إلّا هَذا القَوْلُ، وهو أنْ أقُولَ لَكم ﴿إنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾، فَلا أدَّعِي شَيْئًا آخَرَ. انْتَهى.
فِي تَخْرِيجِهِ تَعارُضٌ؛ لِأنَّهُ قالَ أيْ: إلّا هَذا القَوْلَ، فَظاهِرُهُ الجُمْلَةُ الَّتِي هي ﴿إنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾، ثُمَّ قالَ: وهو أنْ أقُولَ لَكم إنِّي نَذِيرٌ، فالمَقامُ مَقامُ الفاعِلِ هو أنْ أقُولَ لَكم، وأنْ وما بَعْدَهُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، وعَلى قَوْلِهِ: إلّا هَذا القَوْلَ، يَكُونُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ فَيَتَعارَضا. وتَقَدَّمَ أنَّ (إذْ قالَ) بَدَلٌ مِن ﴿إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ هَذا إذا كانَتِ الخُصُومَةُ في شَأْنِ مَن يُسْتَخْلَفُ في الأرْضِ، وعَلى غَيْرِهِ مِنَ الأقْوالِ يَكُونُ مَنصُوبًا بِاذْكُرْ.
ولَمّا كانَتْ قُرَيْشٌ، خالَفُوا الرَّسُولَ، - عَلَيْهِ السَّلامُ -، بِسَبَبِ الحَسَدِ والكِبْرِ. ذَكَرَ حالَ إبْلِيسَ، حَيْثُ خالَفَ أمْرَ اللَّهِ بِسَبَبِ الحَسَدِ والكِبْرِ وما آلَ إلَيْهِ مِنَ اللَّعْنَةِ والطَّرْدِ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ، لِيَزْدَجِرَ عَنْ ذَلِكَ مَن فِيهِ شَيْءٌ مِنهُما.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ صَحَّ أنْ يَقُولَ لَهم: ﴿إنِّي خالِقٌ بَشَرًا﴾، وما عَرَفُوا ما البَشَرُ ولا عَهِدُوا بِهِ قَبْلُ ؟ (قُلْتُ): وجْهُهُ أنْ يَكُونَ قَدْ قالَ لَهم: إنِّي خالِقٌ خَلْقًا مِن صِفَةِ كَيْتَ وكَيْتَ، ولَكِنَّهُ حِينَ حَكاهُ اقْتَصَرَ عَلى الِاسْمِ. انْتَهى.
والبَشَرُ هو آدَمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وذَكَرَ هُنا أنَّهُ خَلَقَهُ مِن طِينٍ، وفي آلِ عِمْرانَ: ﴿خَلَقَهُ مِن تُرابٍ﴾ [آل عمران: ٥٩]، وفي الحِجْرِ: ﴿مِن صَلْصالٍ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ [الحجر: ٢٦]، وفي الأنْبِياءِ: ﴿مِن عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧]؛ ولا مُنافاةَ في تِلْكَ المادَّةِ البَعِيدَةِ، وهي التُّرابُ، ثُمَّ ما يَلِيهِ وهو الطِّينُ، ثُمَّ ما يَلِيهِ وهو الحَمَأُ المَسْنُونُ، ثُمَّ المادَّةُ تَلِي الحَمَأ وهو الصَّلْصالُ؛ وأمّا ﴿مِن عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧] فَمَضى تَفْسِيرُهُ.
﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ ﴿فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلُّهم أجْمَعُونَ﴾ ﴿إلّا إبْلِيسَ﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذا في الحِجْرِ، وهُنا ﴿اسْتَكْبَرَ وكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾، (p-٤١٠)وفِي البَقَرَةِ: ﴿أبى واسْتَكْبَرَ وكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ [البقرة: ٣٤]، وفي الأعْرافِ: ﴿لَمْ يَكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ﴾ [الأعراف: ١١]، وفي الحِجْرِ: ﴿أبى أنْ يَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٣١]، وفي الإسْراءِ: ﴿قالَ أأسْجُدُ لِمَن خَلَقْتَ طِينًا﴾ [الإسراء: ٦١]، وفي الكَهْفِ: ﴿كانَ مِنَ الجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ٥٠] .
والِاسْتِثْناءُ في جَمِيعِ هَذِهِ الآياتِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمْ يَسْجُدْ، فَتارَةً أكَّدَ بِالنَّفْيِّ المَحْضِ، وتارَةً ذَكَرَ إبايَتَهُ عَنِ السُّجُودِ، وهي الأنَفَةُ مِن ذَلِكَ، وتارَةً نَصَّ عَلى أنَّ ذَلِكَ الِامْتِناعَ كانَ سَبَبُهُ الِاسْتِكْبارَ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ أُرِيدَ بِهِ كُفْرُهُ ذَلِكَ الوَقْتَ، وإنْ لَمْ يَكُنْ قَبْلَهُ كافِرًا؛ وعُطِفَ عَلى اسْتَكْبَرَ، فَقَوِيَ ذَلِكَ؛ لِأنَّ الِاسْتِكْبارَ عَنِ السُّجُودِ إنَّما حَصَلَ لَهُ وقْتَ الأمْرِ.
ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إخْبارًا مِنهُ بِسَبْقِ كُفْرِهِ في الأزْمِنَةِ الماضِيَةِ في عِلْمِ اللَّهِ.
﴿قالَ يا إبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ﴾، وفي الأعْرافِ: ﴿ما مَنَعَكَ ألّا تَسْجُدَ﴾ [الأعراف: ١٢]، فَدَلَّ أنْ تَسْجُدَ هُنا، عَلى أنَّ لا في ﴿أنْ لا أقُولَ﴾ [الأعراف: ١٠٥] زائِدَةٌ، والمَعْنى أيْضًا يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ لا يَسْتَفْهِمُ إلّا عَنِ المانِعِ مِنَ السُّجُودِ، وهو اسْتِفْهامُ تَقْرِيرٍ وتَوْبِيخٍ. وما في ﴿لِما خَلَقْتُ﴾، اسْتَدَلَّ بِها مَن يُجِيزُ إطْلاقَ ما عَلى آحادِ مَن يَعْقِلُ، وأوَّلَ بِأنَّ ما مَصْدَرِيَّةٌ، والمَصْدَرُ يُرادُ بِهِ المَخْلُوقُ، لا حَقِيقَةُ المَصْدَرِ.
وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ: (لَمّا) بِفَتْحِ اللّامِ وتَشْدِيدِ المِيمِ، ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾، عَلى الإفْرادِ؛ والجُمْهُورُ: عَلى التَّثْنِيَةِ؛ وقُرِئَ ﴿بِيَدَيَّ﴾ كَقِراءَةِ ﴿بِمُصْرِخِيَّ﴾ [إبراهيم: ٢٢]؛ وقالَ تَعالى: ﴿مِمّا عَمِلَتْ أيْدِينا﴾ [يس: ٧١] بِالجَمْعِ، وكُلُّها عِبارَةٌ عَنِ القُدْرَةِ والقُوَّةِ، وعَبَّرَ بِاليَدِ، إذْ كانَ عِنْدَ البَشَرِ مُعْتادًا أنَّ البَطْشَ والقُوَّةَ بِاليَدِ.
وذَهَبَ القاضِي أبُو بَكْرِ بْنُ الطَّيِّبِ إلى أنَّ اليَدَ صِفَةُ ذاتٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهو قَوْلٌ مَرْغُوبٌ عَنْهُ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: (أسْتَكْبَرْتَ)، بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، فَأمْ مُتَّصِلَةٌ عادَلَتِ الهَمْزَةَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ النَّحْوِيِّينَ إلى أنَّ أمْ لا تَكُونُ مُعادِلَةً لِلْألِفِ مَعَ اخْتِلافِ الفِعْلَيْنِ، وإنَّما تَكُونُ مُعادِلَةً إذا دَخَلَتا عَلى فِعْلٍ واحِدٍ، كَقَوْلِكَ: أزَيْدٌ قامَ أمْ عَمْرٌو ؟ وقَوْلُكَ: أقامَ زَيْدٌ أمْ عَمْرٌو ؟ فَإذا اخْتَلَفَ الفِعْلانِ كَهَذِهِ الآيَةِ، فَلَيْسَتْ مُعادِلَةً. ومَعْنى الآيَةِ: أحَدَثَ لَكَ الِاسْتِكْبارُ الآنَ، أمْ كُنْتَ قَدِيمًا مِمَّنْ لا يَلِيقُ أنْ تُكَلَّفَ مِثْلَ هَذا لِعُلُوِّ مَكانِكَ ؟ وهَذا عَلى جِهَةِ التَّوْبِيخِ. انْتَهى.
وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ النَّحْوِيِّينَ مَذْهَبٌ غَيْرُ صَحِيحٍ. قالَ سِيبَوَيْهِ: وتَقُولُ أضْرَبْتَ زَيْدًا أمْ قَتَلْتَهُ فالبَدْءُ هُنا بِالفِعْلِ أحْسَنُ؛ لِأنَّكَ إنَّما تَسْألُ عَنْ أحَدِهِما، لا تَدْرِي أيُّهُما كانَ، ولا تَسْألُ عَنْ مَوْضِعِ أحَدِهِما، كَأنَّكَ قُلْتَ: أيُّ ذَلِكَ كانَ ؟ انْتَهى. فَعادَلَ بِأمِ الألِفَ مَعَ اخْتِلافِ الفِعْلَيْنِ.
﴿مِنَ العالِينَ﴾: مِمَّنْ عَلَوْتَ وفُقْتَ. فَأجابَ بِأنَّهُ مِنَ العالِينَ، حَيْثُ قالَ ﴿أنا خَيْرٌ مِنهُ﴾ . وقِيلَ: أسْتَكْبَرْتَ الآنَ، أوْ لَمْ تَزَلْ مُذْ كُنْتَ مِنَ المُسْتَكْبِرِينَ ؟ ومَعْنى الهَمْزَةِ: التَّقْرِيرُ. انْتَهى.
وقَرَأتْ فِرْقَةٌ، مِنهُمُ ابْنُ كَثِيرٍ وغَيْرُهُ: (اسْتَكْبَرْتَ)، بِصِلَةِ الألِفِ، وهي قِراءَةُ أهْلِ مَكَّةَ، ولَيْسَتْ في مَشْهُورِ ابْنِ كَثِيرٍ، فاحْتُمِلَ أنْ تَكُونَ هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ حُذِفَتْ لِدَلالَةِ أمْ عَلَيْها، كَقَوْلِهِ:
؎بِسَبْعٍ رَمَيْنَ الجَمْرَ أمْ بِثَمانِ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ إخْبارًا خاطَبَهُ بِذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّقْرِيعِ، وأمْ تَكُونُ مُنْقَطِعَةً، والمَعْنى: بَلْ أنْتَ مِنَ العالِينَ عِنْدَ نَفْسِكَ اسْتِخْفافًا بِهِ.
﴿قالَ أنا خَيْرٌ مِنهُ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ذَلِكَ في الأعْرافِ.
﴿قالَ فاخْرُجْ مِنها﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مِثْلِ ذَلِكَ في الحِجْرِ، إلّا أنَّ هُنا ﴿لَعْنَتِي﴾ وهُناكَ (اللَّعْنَةُ) أعَمُّ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ ويَلْعَنُهُمُ اللّاعِنُونَ﴾ [البقرة: ١٥٩] وأمّا بِالإضافَةِ، فالعُمُومُ في اللَّعْنَةِ أعَمُّ، واللَّعَناتُ إنَّما تَحْصُلُ مِن جِهَةِ أنَّ مَن عَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ كانَتْ عَلَيْهِ لَعْنَةُ كُلِّ لاعِنٍ، هَذا مِن جِهَةِ المَعْنى، وأمّا بِاللَّفْظِ فَيَقْتَضِي التَّخْصِيصَ.
﴿قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ﴾: أقْسَمَ إبْلِيسُ هُنا بِعِزَّةِ اللَّهِ، وقالَ في الأعْرافِ: ﴿فَبِما أغْوَيْتَنِي لَأقْعُدَنَّ﴾ [الأعراف: ١٦]، وفي الحِجْرِ: ﴿رَبِّ بِما أغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ﴾ [الحجر: ٣٩] . وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِما في مَوْضِعِهِما، وإنَّ مِنَ المُفَسِّرِينَ مَن قالَ: إنَّ الباءَ في: ﴿بِما أغْوَيْتَنِي﴾ [الحجر: ٣٩] وفي: ﴿فَبِما أغْوَيْتَنِي﴾ [الأعراف: ١٦] لَيْسَتْ باءَ القَسَمِ. فَإنْ كانَتْ باءَ القَسَمِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ في مَوْطِنَيْنِ: فَهُنا: ﴿لَأُغْوِيَنَّهُمْ﴾، وفي الأعْرافِ: ﴿لَأقْعُدَنَّ﴾ [الأعراف: ١٦]، وفي الحِجْرِ: ﴿لَأُزَيِّنَنَّ﴾ [الحجر: ٣٩] .
(p-٤١١)وقَرَأ الجُمْهُورُ: (فالحَقَّ والحَقَّ) بِنَصْبِهِما. أمّا الأوَّلُ فَمُقْسَمٌ بِهِ، حُذِفَ مِنهُ الحَرْفُ كَقَوْلِهِ: (أمانَةَ اللَّهِ لَأقُومَنَّ)، والمُقْسَمُ عَلَيْهِ (لَأمْلَأنَّ) .
﴿والحَقَّ أقُولُ﴾: اعْتِراضٌ بَيْنَ القَسَمِ وجَوابِهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومَعْناهُ: ولا أقُولُ إلّا الحَقَّ. انْتَهى؛ لِأنَّ عِنْدَهُ تَقُدُّمَ المَفْعُولِ يُفِيدُ الحَصْرَ. والحَقُّ المُقْسَمُ بِهِ إمّا اسْمُهُ تَعالى الَّذِي في قَوْلِهِ: ﴿أنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ المُبِينُ﴾ [النور: ٢٥]، أوِ الَّذِي هو نَقِيضُ الباطِلِ. وقِيلَ: ﴿فالحَقُّ﴾ مَنصُوبٌ عَلى الإغْراءِ، أيْ: فالزَمُوا الحَقَّ، و(لَأمْلَأنَّ): جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ. وقالَ الفَرّاءُ: هو عَلى مَعْنى قَوْلِكَ: حَقًّا لا شَكَّ، ووُجُودُ الألِفِ واللّامِ وطَرْحُهُما سَواءٌ، أيْ: لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ حَقًّا. انْتَهى.
وهَذا المَصْدَرُ الجائِي تَوْكِيدًا لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ، لا يَجُوزُ تَقْدِيمُهُ عِنْدَ جُمْهُورِ النُّحاةِ، وذَلِكَ مَخْصُوصٌ بِالجُمْلَةِ الَّتِي جُزْآها مَعْرِفَتانِ جامِدَتانِ جُمُودًا مَحْضًا.
وقالَ صاحِبُ البَسِيطِ: وقَدْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخَبَرُ نَكِرَةً، قالَ: والمُبْتَدَأُ يَكُونُ ضَمِيرًا نَحْوَ: هو زَيْدٌ مَعْرُوفًا، وهو الحَقُّ بَيِّنًا، وأنا الأمِيرُ مُفْتَخِرًا؛ ويَكُونُ ظاهِرًا كَقَوْلِكَ: زِيدٌ أبُوكَ عَطُوفًا، وأخُوكَ زَيْدٌ مَعْرُوفًا. انْتَهى.
وقالَتِ العَرَبُ: زَيْدٌ قائِمٌ غَيْرَ ذِي شَكٍّ، فَجاءَتِ الحالُ بَعْدَ جُمْلَةٍ، والخَبَرُ نَكِرَةً، وهي حالٌ مُؤَكِّدَةٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ، وكَأنَّ الفَرّاءَ لَمْ يَشْتَرِطْ هَذا الَّذِي ذَكَرَهُ أصْحابُنا مِن كَوْنِ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ مَعْرُوفَيْنِ جامِدَيْنِ؛ لِأنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ تَأْكِيدِ مَضْمُونِ الجُمْلَةِ الِابْتِدائِيَّةِ وبَيْنَ تَأْكِيدِ الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ. وقِيلَ: التَّقْدِيرُ فالحَقُّ الحَقُّ، أيْ أفْعَلُهُ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والأعْمَشُ: بِالرَّفْعِ فِيهِما، فالأوَّلُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، قِيلَ: تَقْدِيرُهُ فالحَقُّ أنا، وقِيلَ: فالحَقُّ مِنِّي، وقِيلَ: تَقْدِيرُهُ فالحَقُّ قَسَمِي، وحُذِفَ كَما حُذِفَ في: لَعَمْرُكَ لَأقُومَنَّ، وفي: يَمِينُ اللَّهِ أبْرَحُ قاعِدًا، أيْ لَعَمْرُكَ قَسَمِي ويَمِينُ اللَّهِ قَسَمِي، وهَذِهِ الجُمْلَةُ هي جُمْلَةُ القَسَمِ، وجَوابُهُ: لَأمْلَأنَّ. وأمّا (والحَقُّ أقُولُ) فَمُبْتَدَأٌ أيْضًا، خَبَرُهُ الجُمْلَةُ، وحُذِفَ العائِدُ، كَقِراءَةِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿وكُلًّا وعَدَ اللَّهُ الحُسْنى﴾ [النساء: ٩٥] . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أمّا الأوَّلُ فَرُفِعَ عَلى الِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ في قَوْلِهِ: ﴿لَأمْلَأنَّ﴾؛ لِأنَّ المَعْنى: أنْ أمْلَأ. انْتَهى.
وهَذا لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّ لَأمْلَأنَّ جَوابُ قَسَمٍ، ويَجِبُ أنْ يَكُونَ جُمْلَةً، فَلا يَتَقَدَّرُ بِمُفْرَدٍ. وأيْضًا لَيْسَ مَصْدَرًا مُقَدَّرًا بِحَرْفٍ مَصْدَرِيٍّ والفِعْلِ حَتّى يَنْحَلَّ إلَيْهِما، ولَكِنَّهُ لَمّا صَحَّ لَهُ إسْنادُ ما قُدِّرَ إلى المُبْتَدَأِ حُكِمَ أنَّهُ خَبَرٌ عَنْهُ.
وقَرَأ الحَسَنُ، وعِيسى، و عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي حَمّادٍ عَنْ أبِي بَكْرٍ: بِجَرِّهِمْ، ويَخْرُجُ عَلى أنَّ الأوَّلَ مَجْرُورٌ بِواوِ القَسَمِ مَحْذُوفَةً، تَقْدِيرُهُ: فَوالحَقِّ، والحَقِّ مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ، كَما تَقُولُ: واللَّهِ واللَّهِ لَأقُومَنَّ، و(أقُولُ) اعْتِراضٌ بَيْنَ القَسَمِ وجَوابِهِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿والحَقَّ أقُولُ﴾: أيْ: ولا أقُولُ إلّا الحَقَّ عَلى حِكايَةِ لَفْظِ المُقْسَمَ بِهِ، ومَعْناهُ التَّوْكِيدُ والتَّسْدِيدُ، وهَذا الوَجْهُ جائِزٌ في المَنصُوبِ والمَرْفُوعِ، وهو وجْهٌ دَقِيقٌ حَسَنٌ. انْتَهى.
ومُلَخَّصُهُ أنَّهُ أعْمَلَ القَوْلَ في لَفْظِ المُقْسَمِ بِهِ عَلى سَبِيلِ الحِكايَةِ نَصْبًا أوْ رَفْعًا أوْ جَرًّا. وقَرَأ مُجاهِدٌ، والأعْمَشُ: بِخِلافٍ عَنْهُما؛ وأبانُ بْنُ تَغْلَبَ، وطَلْحَةُ في رِوايَةٍ، وحَمْزَةُ، وعاصِمٌ، عَنِ المُفَضَّلِ، وخَلَفٍ، والعَبْسِيِّ: بِرَفْعِ ﴿فالحَقُّ﴾ ونَصْبِ ﴿والحَقَّ﴾، وتَقَدَّمَ إعْرابُهُما.
والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: (أجْمَعِينَ) تَأْكِيدٌ لِلْمُحَدَّثِ عَنْهُ والمَعْطُوفُ عَلَيْهِ، وهو ضَمِيرُ إبْلِيسَ ومَن عُطِفَ عَلَيْهِ، أيْ مِنكَ ومِن تابِعِيكِ أجْمَعِينَ. وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ أجْمَعِينَ تَأْكِيدًا لِلضَّمِيرِ الَّذِي في مِنهم، مُقَدَّرٌ، لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الشَّياطِينِ ومِمَّنْ تَبِعَهم مِن جَمِيعِ النّاسِ، لا تَفاوُتَ في ذَلِكَ بَيْنَ ناسٍ وناسٍ بَعْدَ وُجُودِ الأتْباعِ مِنهم مِن أوْلادِ الأنْبِياءِ وغَيْرِهِمْ. انْتَهى.
والضَّمِيرُ في (عَلَيْهِ) عائِدٌ عَلى القُرْآنِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقِيلَ: عائِدٌ عَلى الوَحْيِ. وقِيلَ: عَلى الدُّعاءِ إلى اللَّهِ.
﴿وما أنا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ﴾: أيِ المُتَصَنِّعِينَ المُتَحَلِّينَ بِما لَيْسُوا مِن أهْلِهِ، فَأنْتَحَلُ النُّبُوَّةَ والقَوْلَ عَلى اللَّهِ.
(إنْ هو) أيِ: القُرْآنُ، ﴿إلّا ذِكْرٌ﴾: أيْ: مِنَ اللَّهِ، ﴿لِلْعالَمِينَ﴾: الثَّقَلَيْنِ الإنْسِ والجِنِّ.
﴿ولَتَعْلَمُنَّ نَبَأهُ﴾: أيْ عاقِبَةَ خَبَرِهِ لِمَن آمَنَ بِهِ ومَن أعْرَضَ عَنْهُ، ﴿بَعْدَ حِينٍ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ وابْنُ زَيْدٍ: يَعْنِي يَوْمَ القِيامَةِ. وقالَ قَتادَةُ، والفَرّاءُ، والزَّجّاجُ: بَعْدَ المَوْتِ. وكانَ الحَسَنُ يَقُولُ: يا ابْنَ آدَمَ، عِنْدَ المَوْتِ (p-٤١٢)يَأْتِيكَ الخَبَرُ اليَقِينُ. وقِيلَ: المَعْنى لَيَظْهَرَنَّ لَكم حَقِيقَةُ ما أقُولُ.
﴿بَعْدَ حِينٍ﴾ أيْ: في المُسْتَأْنَفِ، إذا أخَذَتْكم سُيُوفُ المُسْلِمِينَ، وذَلِكَ يَوْمَ بَدْرٍ، وأشارَ إلى ذَلِكَ السُّدِّيُّ.
* *
سُورَةُ الزُّمَرِ خَمْسٌ وسَبْعُونَ آيَةً، مَكِّيَّةٌ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ [الزمر: ١] ﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ فاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر: ٢] ﴿ألا لِلَّهِ الدِّينُ الخالِصُ والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى إنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهم في ما هم فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن هو كاذِبٌ كَفّارٌ﴾ [الزمر: ٣] ﴿لَوْ أرادَ اللَّهُ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا لاصْطَفى مِمّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ سُبْحانَهُ هو اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ [الزمر: ٤] ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلى النَّهارِ ويُكَوِّرُ النَّهارَ عَلى اللَّيْلِ وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأجَلٍ مُسَمًّى ألا هو العَزِيزُ الغَفّارُ﴾ [الزمر: ٥] ﴿خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنها زَوْجَها وأنْزَلَ لَكم مِنَ الأنْعامِ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ يَخْلُقُكم في بُطُونِ أُمَّهاتِكم خَلْقًا مِن بَعْدِ خَلْقٍ في ظُلُماتٍ ثَلاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم لَهُ المُلْكُ لا إلَهَ إلّا هو فَأنّى تُصْرَفُونَ﴾ [الزمر: ٦] ﴿إنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكم ولا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ وإنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكم ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ثُمَّ إلى رَبِّكم مَرْجِعُكم فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ [الزمر: ٧] ﴿وإذا مَسَّ الإنْسانَ ضُرٌّ دَعا رَبَّهُ مُنِيبًا إلَيْهِ ثُمَّ إذا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنهُ نَسِيَ ما كانَ يَدْعُو إلَيْهِ مِن قَبْلُ وجَعَلَ لِلَّهِ أنْدادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إنَّكَ مِن أصْحابِ النّارِ﴾ [الزمر: ٨] ﴿أمْ مَن هو قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِدًا وقائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ ويَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبابِ﴾ [الزمر: ٩] ﴿قُلْ يا عِبادِي الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكم لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وأرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ إنَّما يُوَفّى الصّابِرُونَ أجْرَهم بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ [الزمر: ١٠] ﴿قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر: ١١] ﴿وأُمِرْتُ لِأنْ أكُونَ أوَّلَ المُسْلِمِينَ﴾ [الزمر: ١٢] ﴿قُلْ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الزمر: ١٣] ﴿قُلِ اللَّهَ أعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ [الزمر: ١٤] ﴿فاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِن دُونِهِ قُلْ إنَّ الخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ ألا ذَلِكَ هو الخُسْرانُ المُبِينُ﴾ [الزمر: ١٥] ﴿لَهم مِن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النّارِ ومِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ يا عِبادِ فاتَّقُونِ﴾ [الزمر: ١٦] ﴿والَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ أنْ يَعْبُدُوها وأنابُوا إلى اللَّهِ لَهُمُ البُشْرى فَبَشِّرْ عِبادِي﴾ [الزمر: ١٧] ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وأُولَئِكَ هم أُولُو الألْبابِ﴾ [الزمر: ١٨] ﴿أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ أفَأنْتَ تُنْقِذُ مَن في النّارِ﴾ [الزمر: ١٩] ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم لَهم غُرَفٌ مِن فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ وعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ المِيعادَ﴾ [الزمر: ٢٠] ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ في الأرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا ألْوانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطامًا إنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرى لِأُولِي الألْبابِ﴾ [الزمر: ٢١] ﴿أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ فَهو عَلى نُورٍ مِن رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهم مِن ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الزمر: ٢٢] ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ كِتابًا مُتَشابِهًا مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهم وقُلُوبُهم إلى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشاءُ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ [الزمر: ٢٣] ﴿أفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ وقِيلَ لِلظّالِمِينَ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ [الزمر: ٢٤] ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأتاهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ [الزمر: ٢٥] ﴿فَأذاقَهُمُ اللَّهُ الخِزْيَ في الحَياةِ الدُّنْيا ولَعَذابُ الآخِرَةِ أكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٢٦] ﴿ولَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ [الزمر: ٢٧] ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ [الزمر: ٢٨] ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ ورَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا الحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٢٩] ﴿إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهم مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠] ﴿ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكم تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر: ٣١] . (p-٤١٣)التَّكْوِيرُ: اللَّفُّ واللَّيُّ، يُقالُ: كارَ العِمامَةَ عَلى رَأْسِهِ وكَوَّرَها. خَوَّلَهُ النِّعْمَةَ أيْ: أعْطاهُ ابْتِداءً مِن غَيْرِ مُجازاةٍ، ولا يُقالُ في الجَزاءِ خَوَّلَ. قالَ زُهَيْرٌ:
؎هُنالِكَ إنْ يُسْتَخْوَلُوا المالَ يُخَوَّلُوا
ويُرْوى: يُسْتَخْيَلُوا المالَ يُخَيَّلُوا
وقالَ أبُو النَّجْمِ:
؎أعْطى فَلَمْ يَبْخَلْ ولَمْ يُبَخِّلْ ∗∗∗ كَوْمَ الذُّرى مِن خَوَلِ المَخْوِلِ
هاجَ الزَّرْعُ: ثارَ مِن مَنابِتِهِ، وقِيلَ: يَبِسَ. الحُطامُ: الفُتاتُ بَعْدَ يُبْسِهِ. القُشَعْرِيرَةُ: تَقَبُّضُ الجِلْدِ، يُقالُ: اقْشَعَرَّ جِلْدُهُ مِنَ الخَوْفِ: وقَفَ شَعْرُهُ، وهو مَثَلٌ في شِدَّةِ الخَوْفِ. الشِّكاسَةُ: سُوءُ الخُلُقِ وعُسْرُهُ.
ص 38:86
﴿قُلْ هو نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿أنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ ﴿ما كانَ لِيَ مِن عِلْمٍ بِالمَلَإ الأعْلى إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ ﴿إنْ يُوحى إلَيَّ إلّا أنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿إذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ﴾ ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ ﴿فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلُّهم أجْمَعُونَ﴾ ﴿إلّا إبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ ﴿قالَ يا إبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أأسْتَكْبَرْتَ أمْ كُنْتَ مِنَ العالِينَ﴾ ﴿قالَ أنا خَيْرٌ مِنهُ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ ﴿قالَ فاخْرُجْ مِنها فَإنَّكَ رَجِيمٌ﴾ ﴿وإنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إلى يَوْمِ الدِّينِ﴾ ﴿قالَ رَبِّ فَأنْظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ﴿قالَ فَإنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ ﴿إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ﴾ ﴿قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلّا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ ﴿قالَ فالحَقُّ والحَقَّ أقُولُ﴾ ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ ومِمَّنْ تَبِعَكَ مِنهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿قُلْ ما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ وما أنا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ﴾ ﴿إنْ هو إلّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ ﴿ولَتَعْلَمُنَّ نَبَأهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ .
الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ هو نَبَأٌ﴾ يَعُودُ عَلى ما أخْبَرَ بِهِ مِن كَوْنِهِ رَسُولًا مُنْذِرًا داعِيًا إلى اللَّهِ، وأنَّهُ تَعالى هو المُنْفَرِدُ بِالأُلُوهِيَّةِ، المُتَّصِفُ بِتِلْكَ الأوْصافِ مِنَ الوَحْدانِيَّةِ والقَهْرِ ومُلْكِ العالَمِ وعِزَّتِهِ وغُفْرانِهِ، وهو خَبَرٌ عَظِيمٌ لا يُعْرِضُ عَنْ مِثْلِهِ إلّا غافِلٌ شَدِيدُ الغَفْلَةِ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: النَّبَأُ العَظِيمُ: القُرْآنُ. وقالَ الحَسَنُ: يَوْمُ القِيامَةِ. وقِيلَ: قَصَصُ آدَمَ والإنْباءُ بِهِ مِن غَيْرِ سَماعٍ مِن أحَدٍ.
وقالَ صاحِبُ التَّحْرِيرِ: سِياقُ الآيَةِ وظاهِرُها أنَّهُ يُرِيدُ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ هو نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾، ما قَصَّهُ اللَّهُ تَعالى مِن مُناظَرَةِ أهْلِ النّارِ ومُقاوَلَةِ الأتْباعِ مَعَ السّاداتِ؛ لِأنَّهُ مِن أحْوالِ البَعْثِ، وقُرَيْشٌ كانْتَ تُنْكِرُ البَعْثَ والحِسابَ والعِقابَ، وهم عَنْ ذَلِكَ مُعْرِضُونَ.
وقَوْلُهُ: ﴿ما كانَ لِيَ مِن عِلْمٍ بِالمَلَإ الأعْلى إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾: احْتِجاجٌ عَلى قُرَيْشٍ بِأنَّ ما جاءَ بِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ لا مِن قِبَلِ نَفْسِهِ. فَإنَّ مَن في الأرْضِ ما لَهُ عِلْمٌ بِمَن في السَّماءِ إلّا بِإعْلامِ اللَّهِ تَعالى؛ وعِلْمُ المُغَيَّباتِ لا يُوصَلُ إلَيْهِ إلّا (p-٤٠٩)بِإعْلامِ اللَّهِ تَعالى، وعِلْمُهُ بِأحْوالِ أهْلِ النّارِ، وابْتِداءِ خَلْقِ آدَمَ لَمْ يَكُنْ عَنْهُ عِلْمٌ بِذَلِكَ؛ فَإخْبارُهُ بِذَلِكَ هو بِإعْلامِ اللَّهِ، والِاسْتِدْلالُ بِقِصَّةِ آدَمَ؛ لِأنَّهُ أوَّلُ البَشَرِ خَلْقًا، وبَيْنَهُ وبَيْنَ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أزْمانٌ مُتَقادِمَةٌ وقُرُونٌ سالِفَةٌ. انْتَهى، وفي آخِرِهِ بَعْضُ اخْتِصارٍ.
ثُمَّ احْتَجَّ بِصِحَّةِ نُبُوَّتِهِ، بِأنَّ ما يُنْبِئُ بِهِ عَنِ المَلَأِ الأعْلى واخْتِصامِهِمْ أمْرٌ لَمْ يَكُنْ لَهُ بِهِ مِن عِلْمٍ قَطُّ. ثُمَّ عَلِمَهُ مِن غَيْرِ الطَّرِيقِ الَّذِي يَسْلُكُهُ المُتَعَلِّمُونَ، بَلْ ذَلِكَ مُسْتَفادٌ مِنَ الوَحْيِ، و(بِالمَلَأِ) مُتَعَلِّقٌ بِـ (عِلْمٍ)، و(إذْ) مَنصُوبٌ بِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بِمَحْذُوفٍ؛ لِأنَّ المَعْنى: ما كانَ لِي مِن عِلْمٍ بِكَلامِ المَلَأِ الأعْلى وقْتَ اخْتِصامِهِمْ.
(وإذْ قالَ) بَدَلٌ مِن ﴿إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ عَلى المَلَأِ الأعْلى، وهُمُ المَلائِكَةُ، وأبْعَدَ مَن قالَ إنَّهم قُرَيْشٌ، واخْتِصامُ المَلائِكَةِ في أمْرِ آدَمَ وذُرِّيَّتِهِ في جَعْلِهِمْ في الأرْضِ. وقالُوا: ﴿أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها﴾ [البقرة: ٣٠] . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وقالَ الحَسَنُ: إنَّ اللَّهَ خالِقٌ خَلْقًا كُنّا أكْرَمَ مِنهُ وأعْلَمَ. وقِيلَ: في الكَفّاراتِ وغَفْرِ الذُّنُوبِ، فَإنَّ العَبْدَ إذا عَمِلَ حَسَنَةً اخْتَلَفَتِ المَلائِكَةُ في قَدْرِ ثَوابِهِ في ذَلِكَ حَتّى يَقْضِيَ اللَّهُ بِما يَشاءُ. وفي الحَدِيثِ: ”«قالَ لَهُ رَبُّهُ في نَوْمِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: فِيمَ يَخْتَصِمُونَ ؟ فَقُلْتُ: لا أدْرِي، فَقالَ: في الكَفّاراتِ، وفي إسْباغِ الوُضُوءِ في السَّرّاتِ، ونَقْلِ الخُطا إلى الجَماعاتِ“» .
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كانَتْ مُقاوَلَةُ اللَّهِ سُبْحانَهُ بِواسِطَةِ مَلَكٍ، وكانَ المُقاوِلُ في الحَقِيقَةِ هو المَلَكُ المُتَوَسِّطُ، فَيَصِحُّ أنَّ التَّقاوُلَ بَيْنَ المَلائِكَةِ وآدَمَ وإبْلِيسَ، وهُمُ المَلَأُ الأعْلى.
والمُرادُ بِالِاخْتِصامِ: التَّقاوُلُ. وقِيلَ: المَلَأُ الأعْلى: المَلائِكَةُ، و﴿إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ الضَّمِيرُ فِيهِ لِلْعَرَبِ الكافِرِينَ، فَبَعْضُهم يَقُولُ: هي بَناتُ اللَّهِ، وبَعْضُهم: آلِهَةٌ تُعْبَدُ، وغَيْرُ ذَلِكَ مِن أقْوالِهِمْ.
﴿إنْ يُوحى إلَيَّ﴾ أيْ: ما يُوحى إلَيَّ، ﴿إلّا أنَّما أنا نَذِيرٌ﴾ أيْ: لِلْإنْذارِ، حَذَفَ اللّامَ ووَصَلَ الفِعْلَ والمَفْعُولَ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرًا يَدُلُّ عَلَيْهِ المَعْنى، أيْ: إنْ يُوحى إلَيَّ هو، أيْ: ما يُوحى إلّا الإنْذارُ، وأُقِيمَ إلِيَّ مَقامَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ إنَّما هو المَفْعُولُ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، أيْ: ما يُوحى إلَيَّ إلّا الإنْذارُ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: (إلّا إنَّما) بِكَسْرِ هَمْزَةِ إنَّما عَلى الحِكايَةِ، أيْ: ما يُوحى إلَيَّ إلّا هَذِهِ الجُمْلَةُ، كَأنْ قِيلَ لَهُ: أنْتَ نَذِيرٌ مُبِينٌ، فَحَكى هو المَعْنى، وهَذا كَما يَقُولُ الإنْسانُ: أنا عالِمٌ، فَيُقالُ لَهُ: قُلْتَ إنَّكَ عالِمٌ، فَيُحْكى المَعْنى.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقُرِئَ إنَّما بِالكَسْرِ عَلى الحِكايَةِ، أيْ: إلّا هَذا القَوْلُ، وهو أنْ أقُولَ لَكم ﴿إنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾، فَلا أدَّعِي شَيْئًا آخَرَ. انْتَهى.
فِي تَخْرِيجِهِ تَعارُضٌ؛ لِأنَّهُ قالَ أيْ: إلّا هَذا القَوْلَ، فَظاهِرُهُ الجُمْلَةُ الَّتِي هي ﴿إنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾، ثُمَّ قالَ: وهو أنْ أقُولَ لَكم إنِّي نَذِيرٌ، فالمَقامُ مَقامُ الفاعِلِ هو أنْ أقُولَ لَكم، وأنْ وما بَعْدَهُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، وعَلى قَوْلِهِ: إلّا هَذا القَوْلَ، يَكُونُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ فَيَتَعارَضا. وتَقَدَّمَ أنَّ (إذْ قالَ) بَدَلٌ مِن ﴿إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ هَذا إذا كانَتِ الخُصُومَةُ في شَأْنِ مَن يُسْتَخْلَفُ في الأرْضِ، وعَلى غَيْرِهِ مِنَ الأقْوالِ يَكُونُ مَنصُوبًا بِاذْكُرْ.
ولَمّا كانَتْ قُرَيْشٌ، خالَفُوا الرَّسُولَ، - عَلَيْهِ السَّلامُ -، بِسَبَبِ الحَسَدِ والكِبْرِ. ذَكَرَ حالَ إبْلِيسَ، حَيْثُ خالَفَ أمْرَ اللَّهِ بِسَبَبِ الحَسَدِ والكِبْرِ وما آلَ إلَيْهِ مِنَ اللَّعْنَةِ والطَّرْدِ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ، لِيَزْدَجِرَ عَنْ ذَلِكَ مَن فِيهِ شَيْءٌ مِنهُما.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ صَحَّ أنْ يَقُولَ لَهم: ﴿إنِّي خالِقٌ بَشَرًا﴾، وما عَرَفُوا ما البَشَرُ ولا عَهِدُوا بِهِ قَبْلُ ؟ (قُلْتُ): وجْهُهُ أنْ يَكُونَ قَدْ قالَ لَهم: إنِّي خالِقٌ خَلْقًا مِن صِفَةِ كَيْتَ وكَيْتَ، ولَكِنَّهُ حِينَ حَكاهُ اقْتَصَرَ عَلى الِاسْمِ. انْتَهى.
والبَشَرُ هو آدَمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وذَكَرَ هُنا أنَّهُ خَلَقَهُ مِن طِينٍ، وفي آلِ عِمْرانَ: ﴿خَلَقَهُ مِن تُرابٍ﴾ [آل عمران: ٥٩]، وفي الحِجْرِ: ﴿مِن صَلْصالٍ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ [الحجر: ٢٦]، وفي الأنْبِياءِ: ﴿مِن عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧]؛ ولا مُنافاةَ في تِلْكَ المادَّةِ البَعِيدَةِ، وهي التُّرابُ، ثُمَّ ما يَلِيهِ وهو الطِّينُ، ثُمَّ ما يَلِيهِ وهو الحَمَأُ المَسْنُونُ، ثُمَّ المادَّةُ تَلِي الحَمَأ وهو الصَّلْصالُ؛ وأمّا ﴿مِن عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧] فَمَضى تَفْسِيرُهُ.
﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ ﴿فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلُّهم أجْمَعُونَ﴾ ﴿إلّا إبْلِيسَ﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذا في الحِجْرِ، وهُنا ﴿اسْتَكْبَرَ وكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾، (p-٤١٠)وفِي البَقَرَةِ: ﴿أبى واسْتَكْبَرَ وكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ [البقرة: ٣٤]، وفي الأعْرافِ: ﴿لَمْ يَكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ﴾ [الأعراف: ١١]، وفي الحِجْرِ: ﴿أبى أنْ يَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٣١]، وفي الإسْراءِ: ﴿قالَ أأسْجُدُ لِمَن خَلَقْتَ طِينًا﴾ [الإسراء: ٦١]، وفي الكَهْفِ: ﴿كانَ مِنَ الجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ٥٠] .
والِاسْتِثْناءُ في جَمِيعِ هَذِهِ الآياتِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمْ يَسْجُدْ، فَتارَةً أكَّدَ بِالنَّفْيِّ المَحْضِ، وتارَةً ذَكَرَ إبايَتَهُ عَنِ السُّجُودِ، وهي الأنَفَةُ مِن ذَلِكَ، وتارَةً نَصَّ عَلى أنَّ ذَلِكَ الِامْتِناعَ كانَ سَبَبُهُ الِاسْتِكْبارَ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ أُرِيدَ بِهِ كُفْرُهُ ذَلِكَ الوَقْتَ، وإنْ لَمْ يَكُنْ قَبْلَهُ كافِرًا؛ وعُطِفَ عَلى اسْتَكْبَرَ، فَقَوِيَ ذَلِكَ؛ لِأنَّ الِاسْتِكْبارَ عَنِ السُّجُودِ إنَّما حَصَلَ لَهُ وقْتَ الأمْرِ.
ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إخْبارًا مِنهُ بِسَبْقِ كُفْرِهِ في الأزْمِنَةِ الماضِيَةِ في عِلْمِ اللَّهِ.
﴿قالَ يا إبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ﴾، وفي الأعْرافِ: ﴿ما مَنَعَكَ ألّا تَسْجُدَ﴾ [الأعراف: ١٢]، فَدَلَّ أنْ تَسْجُدَ هُنا، عَلى أنَّ لا في ﴿أنْ لا أقُولَ﴾ [الأعراف: ١٠٥] زائِدَةٌ، والمَعْنى أيْضًا يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ لا يَسْتَفْهِمُ إلّا عَنِ المانِعِ مِنَ السُّجُودِ، وهو اسْتِفْهامُ تَقْرِيرٍ وتَوْبِيخٍ. وما في ﴿لِما خَلَقْتُ﴾، اسْتَدَلَّ بِها مَن يُجِيزُ إطْلاقَ ما عَلى آحادِ مَن يَعْقِلُ، وأوَّلَ بِأنَّ ما مَصْدَرِيَّةٌ، والمَصْدَرُ يُرادُ بِهِ المَخْلُوقُ، لا حَقِيقَةُ المَصْدَرِ.
وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ: (لَمّا) بِفَتْحِ اللّامِ وتَشْدِيدِ المِيمِ، ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾، عَلى الإفْرادِ؛ والجُمْهُورُ: عَلى التَّثْنِيَةِ؛ وقُرِئَ ﴿بِيَدَيَّ﴾ كَقِراءَةِ ﴿بِمُصْرِخِيَّ﴾ [إبراهيم: ٢٢]؛ وقالَ تَعالى: ﴿مِمّا عَمِلَتْ أيْدِينا﴾ [يس: ٧١] بِالجَمْعِ، وكُلُّها عِبارَةٌ عَنِ القُدْرَةِ والقُوَّةِ، وعَبَّرَ بِاليَدِ، إذْ كانَ عِنْدَ البَشَرِ مُعْتادًا أنَّ البَطْشَ والقُوَّةَ بِاليَدِ.
وذَهَبَ القاضِي أبُو بَكْرِ بْنُ الطَّيِّبِ إلى أنَّ اليَدَ صِفَةُ ذاتٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهو قَوْلٌ مَرْغُوبٌ عَنْهُ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: (أسْتَكْبَرْتَ)، بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، فَأمْ مُتَّصِلَةٌ عادَلَتِ الهَمْزَةَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ النَّحْوِيِّينَ إلى أنَّ أمْ لا تَكُونُ مُعادِلَةً لِلْألِفِ مَعَ اخْتِلافِ الفِعْلَيْنِ، وإنَّما تَكُونُ مُعادِلَةً إذا دَخَلَتا عَلى فِعْلٍ واحِدٍ، كَقَوْلِكَ: أزَيْدٌ قامَ أمْ عَمْرٌو ؟ وقَوْلُكَ: أقامَ زَيْدٌ أمْ عَمْرٌو ؟ فَإذا اخْتَلَفَ الفِعْلانِ كَهَذِهِ الآيَةِ، فَلَيْسَتْ مُعادِلَةً. ومَعْنى الآيَةِ: أحَدَثَ لَكَ الِاسْتِكْبارُ الآنَ، أمْ كُنْتَ قَدِيمًا مِمَّنْ لا يَلِيقُ أنْ تُكَلَّفَ مِثْلَ هَذا لِعُلُوِّ مَكانِكَ ؟ وهَذا عَلى جِهَةِ التَّوْبِيخِ. انْتَهى.
وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ النَّحْوِيِّينَ مَذْهَبٌ غَيْرُ صَحِيحٍ. قالَ سِيبَوَيْهِ: وتَقُولُ أضْرَبْتَ زَيْدًا أمْ قَتَلْتَهُ فالبَدْءُ هُنا بِالفِعْلِ أحْسَنُ؛ لِأنَّكَ إنَّما تَسْألُ عَنْ أحَدِهِما، لا تَدْرِي أيُّهُما كانَ، ولا تَسْألُ عَنْ مَوْضِعِ أحَدِهِما، كَأنَّكَ قُلْتَ: أيُّ ذَلِكَ كانَ ؟ انْتَهى. فَعادَلَ بِأمِ الألِفَ مَعَ اخْتِلافِ الفِعْلَيْنِ.
﴿مِنَ العالِينَ﴾: مِمَّنْ عَلَوْتَ وفُقْتَ. فَأجابَ بِأنَّهُ مِنَ العالِينَ، حَيْثُ قالَ ﴿أنا خَيْرٌ مِنهُ﴾ . وقِيلَ: أسْتَكْبَرْتَ الآنَ، أوْ لَمْ تَزَلْ مُذْ كُنْتَ مِنَ المُسْتَكْبِرِينَ ؟ ومَعْنى الهَمْزَةِ: التَّقْرِيرُ. انْتَهى.
وقَرَأتْ فِرْقَةٌ، مِنهُمُ ابْنُ كَثِيرٍ وغَيْرُهُ: (اسْتَكْبَرْتَ)، بِصِلَةِ الألِفِ، وهي قِراءَةُ أهْلِ مَكَّةَ، ولَيْسَتْ في مَشْهُورِ ابْنِ كَثِيرٍ، فاحْتُمِلَ أنْ تَكُونَ هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ حُذِفَتْ لِدَلالَةِ أمْ عَلَيْها، كَقَوْلِهِ:
؎بِسَبْعٍ رَمَيْنَ الجَمْرَ أمْ بِثَمانِ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ إخْبارًا خاطَبَهُ بِذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّقْرِيعِ، وأمْ تَكُونُ مُنْقَطِعَةً، والمَعْنى: بَلْ أنْتَ مِنَ العالِينَ عِنْدَ نَفْسِكَ اسْتِخْفافًا بِهِ.
﴿قالَ أنا خَيْرٌ مِنهُ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ذَلِكَ في الأعْرافِ.
﴿قالَ فاخْرُجْ مِنها﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مِثْلِ ذَلِكَ في الحِجْرِ، إلّا أنَّ هُنا ﴿لَعْنَتِي﴾ وهُناكَ (اللَّعْنَةُ) أعَمُّ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ ويَلْعَنُهُمُ اللّاعِنُونَ﴾ [البقرة: ١٥٩] وأمّا بِالإضافَةِ، فالعُمُومُ في اللَّعْنَةِ أعَمُّ، واللَّعَناتُ إنَّما تَحْصُلُ مِن جِهَةِ أنَّ مَن عَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ كانَتْ عَلَيْهِ لَعْنَةُ كُلِّ لاعِنٍ، هَذا مِن جِهَةِ المَعْنى، وأمّا بِاللَّفْظِ فَيَقْتَضِي التَّخْصِيصَ.
﴿قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ﴾: أقْسَمَ إبْلِيسُ هُنا بِعِزَّةِ اللَّهِ، وقالَ في الأعْرافِ: ﴿فَبِما أغْوَيْتَنِي لَأقْعُدَنَّ﴾ [الأعراف: ١٦]، وفي الحِجْرِ: ﴿رَبِّ بِما أغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ﴾ [الحجر: ٣٩] . وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِما في مَوْضِعِهِما، وإنَّ مِنَ المُفَسِّرِينَ مَن قالَ: إنَّ الباءَ في: ﴿بِما أغْوَيْتَنِي﴾ [الحجر: ٣٩] وفي: ﴿فَبِما أغْوَيْتَنِي﴾ [الأعراف: ١٦] لَيْسَتْ باءَ القَسَمِ. فَإنْ كانَتْ باءَ القَسَمِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ في مَوْطِنَيْنِ: فَهُنا: ﴿لَأُغْوِيَنَّهُمْ﴾، وفي الأعْرافِ: ﴿لَأقْعُدَنَّ﴾ [الأعراف: ١٦]، وفي الحِجْرِ: ﴿لَأُزَيِّنَنَّ﴾ [الحجر: ٣٩] .
(p-٤١١)وقَرَأ الجُمْهُورُ: (فالحَقَّ والحَقَّ) بِنَصْبِهِما. أمّا الأوَّلُ فَمُقْسَمٌ بِهِ، حُذِفَ مِنهُ الحَرْفُ كَقَوْلِهِ: (أمانَةَ اللَّهِ لَأقُومَنَّ)، والمُقْسَمُ عَلَيْهِ (لَأمْلَأنَّ) .
﴿والحَقَّ أقُولُ﴾: اعْتِراضٌ بَيْنَ القَسَمِ وجَوابِهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومَعْناهُ: ولا أقُولُ إلّا الحَقَّ. انْتَهى؛ لِأنَّ عِنْدَهُ تَقُدُّمَ المَفْعُولِ يُفِيدُ الحَصْرَ. والحَقُّ المُقْسَمُ بِهِ إمّا اسْمُهُ تَعالى الَّذِي في قَوْلِهِ: ﴿أنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ المُبِينُ﴾ [النور: ٢٥]، أوِ الَّذِي هو نَقِيضُ الباطِلِ. وقِيلَ: ﴿فالحَقُّ﴾ مَنصُوبٌ عَلى الإغْراءِ، أيْ: فالزَمُوا الحَقَّ، و(لَأمْلَأنَّ): جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ. وقالَ الفَرّاءُ: هو عَلى مَعْنى قَوْلِكَ: حَقًّا لا شَكَّ، ووُجُودُ الألِفِ واللّامِ وطَرْحُهُما سَواءٌ، أيْ: لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ حَقًّا. انْتَهى.
وهَذا المَصْدَرُ الجائِي تَوْكِيدًا لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ، لا يَجُوزُ تَقْدِيمُهُ عِنْدَ جُمْهُورِ النُّحاةِ، وذَلِكَ مَخْصُوصٌ بِالجُمْلَةِ الَّتِي جُزْآها مَعْرِفَتانِ جامِدَتانِ جُمُودًا مَحْضًا.
وقالَ صاحِبُ البَسِيطِ: وقَدْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخَبَرُ نَكِرَةً، قالَ: والمُبْتَدَأُ يَكُونُ ضَمِيرًا نَحْوَ: هو زَيْدٌ مَعْرُوفًا، وهو الحَقُّ بَيِّنًا، وأنا الأمِيرُ مُفْتَخِرًا؛ ويَكُونُ ظاهِرًا كَقَوْلِكَ: زِيدٌ أبُوكَ عَطُوفًا، وأخُوكَ زَيْدٌ مَعْرُوفًا. انْتَهى.
وقالَتِ العَرَبُ: زَيْدٌ قائِمٌ غَيْرَ ذِي شَكٍّ، فَجاءَتِ الحالُ بَعْدَ جُمْلَةٍ، والخَبَرُ نَكِرَةً، وهي حالٌ مُؤَكِّدَةٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ، وكَأنَّ الفَرّاءَ لَمْ يَشْتَرِطْ هَذا الَّذِي ذَكَرَهُ أصْحابُنا مِن كَوْنِ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ مَعْرُوفَيْنِ جامِدَيْنِ؛ لِأنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ تَأْكِيدِ مَضْمُونِ الجُمْلَةِ الِابْتِدائِيَّةِ وبَيْنَ تَأْكِيدِ الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ. وقِيلَ: التَّقْدِيرُ فالحَقُّ الحَقُّ، أيْ أفْعَلُهُ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والأعْمَشُ: بِالرَّفْعِ فِيهِما، فالأوَّلُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، قِيلَ: تَقْدِيرُهُ فالحَقُّ أنا، وقِيلَ: فالحَقُّ مِنِّي، وقِيلَ: تَقْدِيرُهُ فالحَقُّ قَسَمِي، وحُذِفَ كَما حُذِفَ في: لَعَمْرُكَ لَأقُومَنَّ، وفي: يَمِينُ اللَّهِ أبْرَحُ قاعِدًا، أيْ لَعَمْرُكَ قَسَمِي ويَمِينُ اللَّهِ قَسَمِي، وهَذِهِ الجُمْلَةُ هي جُمْلَةُ القَسَمِ، وجَوابُهُ: لَأمْلَأنَّ. وأمّا (والحَقُّ أقُولُ) فَمُبْتَدَأٌ أيْضًا، خَبَرُهُ الجُمْلَةُ، وحُذِفَ العائِدُ، كَقِراءَةِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿وكُلًّا وعَدَ اللَّهُ الحُسْنى﴾ [النساء: ٩٥] . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أمّا الأوَّلُ فَرُفِعَ عَلى الِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ في قَوْلِهِ: ﴿لَأمْلَأنَّ﴾؛ لِأنَّ المَعْنى: أنْ أمْلَأ. انْتَهى.
وهَذا لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّ لَأمْلَأنَّ جَوابُ قَسَمٍ، ويَجِبُ أنْ يَكُونَ جُمْلَةً، فَلا يَتَقَدَّرُ بِمُفْرَدٍ. وأيْضًا لَيْسَ مَصْدَرًا مُقَدَّرًا بِحَرْفٍ مَصْدَرِيٍّ والفِعْلِ حَتّى يَنْحَلَّ إلَيْهِما، ولَكِنَّهُ لَمّا صَحَّ لَهُ إسْنادُ ما قُدِّرَ إلى المُبْتَدَأِ حُكِمَ أنَّهُ خَبَرٌ عَنْهُ.
وقَرَأ الحَسَنُ، وعِيسى، و عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي حَمّادٍ عَنْ أبِي بَكْرٍ: بِجَرِّهِمْ، ويَخْرُجُ عَلى أنَّ الأوَّلَ مَجْرُورٌ بِواوِ القَسَمِ مَحْذُوفَةً، تَقْدِيرُهُ: فَوالحَقِّ، والحَقِّ مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ، كَما تَقُولُ: واللَّهِ واللَّهِ لَأقُومَنَّ، و(أقُولُ) اعْتِراضٌ بَيْنَ القَسَمِ وجَوابِهِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿والحَقَّ أقُولُ﴾: أيْ: ولا أقُولُ إلّا الحَقَّ عَلى حِكايَةِ لَفْظِ المُقْسَمَ بِهِ، ومَعْناهُ التَّوْكِيدُ والتَّسْدِيدُ، وهَذا الوَجْهُ جائِزٌ في المَنصُوبِ والمَرْفُوعِ، وهو وجْهٌ دَقِيقٌ حَسَنٌ. انْتَهى.
ومُلَخَّصُهُ أنَّهُ أعْمَلَ القَوْلَ في لَفْظِ المُقْسَمِ بِهِ عَلى سَبِيلِ الحِكايَةِ نَصْبًا أوْ رَفْعًا أوْ جَرًّا. وقَرَأ مُجاهِدٌ، والأعْمَشُ: بِخِلافٍ عَنْهُما؛ وأبانُ بْنُ تَغْلَبَ، وطَلْحَةُ في رِوايَةٍ، وحَمْزَةُ، وعاصِمٌ، عَنِ المُفَضَّلِ، وخَلَفٍ، والعَبْسِيِّ: بِرَفْعِ ﴿فالحَقُّ﴾ ونَصْبِ ﴿والحَقَّ﴾، وتَقَدَّمَ إعْرابُهُما.
والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: (أجْمَعِينَ) تَأْكِيدٌ لِلْمُحَدَّثِ عَنْهُ والمَعْطُوفُ عَلَيْهِ، وهو ضَمِيرُ إبْلِيسَ ومَن عُطِفَ عَلَيْهِ، أيْ مِنكَ ومِن تابِعِيكِ أجْمَعِينَ. وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ أجْمَعِينَ تَأْكِيدًا لِلضَّمِيرِ الَّذِي في مِنهم، مُقَدَّرٌ، لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الشَّياطِينِ ومِمَّنْ تَبِعَهم مِن جَمِيعِ النّاسِ، لا تَفاوُتَ في ذَلِكَ بَيْنَ ناسٍ وناسٍ بَعْدَ وُجُودِ الأتْباعِ مِنهم مِن أوْلادِ الأنْبِياءِ وغَيْرِهِمْ. انْتَهى.
والضَّمِيرُ في (عَلَيْهِ) عائِدٌ عَلى القُرْآنِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقِيلَ: عائِدٌ عَلى الوَحْيِ. وقِيلَ: عَلى الدُّعاءِ إلى اللَّهِ.
﴿وما أنا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ﴾: أيِ المُتَصَنِّعِينَ المُتَحَلِّينَ بِما لَيْسُوا مِن أهْلِهِ، فَأنْتَحَلُ النُّبُوَّةَ والقَوْلَ عَلى اللَّهِ.
(إنْ هو) أيِ: القُرْآنُ، ﴿إلّا ذِكْرٌ﴾: أيْ: مِنَ اللَّهِ، ﴿لِلْعالَمِينَ﴾: الثَّقَلَيْنِ الإنْسِ والجِنِّ.
﴿ولَتَعْلَمُنَّ نَبَأهُ﴾: أيْ عاقِبَةَ خَبَرِهِ لِمَن آمَنَ بِهِ ومَن أعْرَضَ عَنْهُ، ﴿بَعْدَ حِينٍ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ وابْنُ زَيْدٍ: يَعْنِي يَوْمَ القِيامَةِ. وقالَ قَتادَةُ، والفَرّاءُ، والزَّجّاجُ: بَعْدَ المَوْتِ. وكانَ الحَسَنُ يَقُولُ: يا ابْنَ آدَمَ، عِنْدَ المَوْتِ (p-٤١٢)يَأْتِيكَ الخَبَرُ اليَقِينُ. وقِيلَ: المَعْنى لَيَظْهَرَنَّ لَكم حَقِيقَةُ ما أقُولُ.
﴿بَعْدَ حِينٍ﴾ أيْ: في المُسْتَأْنَفِ، إذا أخَذَتْكم سُيُوفُ المُسْلِمِينَ، وذَلِكَ يَوْمَ بَدْرٍ، وأشارَ إلى ذَلِكَ السُّدِّيُّ.
* *
سُورَةُ الزُّمَرِ خَمْسٌ وسَبْعُونَ آيَةً، مَكِّيَّةٌ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ [الزمر: ١] ﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ فاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر: ٢] ﴿ألا لِلَّهِ الدِّينُ الخالِصُ والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى إنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهم في ما هم فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن هو كاذِبٌ كَفّارٌ﴾ [الزمر: ٣] ﴿لَوْ أرادَ اللَّهُ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا لاصْطَفى مِمّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ سُبْحانَهُ هو اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ [الزمر: ٤] ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلى النَّهارِ ويُكَوِّرُ النَّهارَ عَلى اللَّيْلِ وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأجَلٍ مُسَمًّى ألا هو العَزِيزُ الغَفّارُ﴾ [الزمر: ٥] ﴿خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنها زَوْجَها وأنْزَلَ لَكم مِنَ الأنْعامِ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ يَخْلُقُكم في بُطُونِ أُمَّهاتِكم خَلْقًا مِن بَعْدِ خَلْقٍ في ظُلُماتٍ ثَلاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم لَهُ المُلْكُ لا إلَهَ إلّا هو فَأنّى تُصْرَفُونَ﴾ [الزمر: ٦] ﴿إنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكم ولا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ وإنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكم ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ثُمَّ إلى رَبِّكم مَرْجِعُكم فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ [الزمر: ٧] ﴿وإذا مَسَّ الإنْسانَ ضُرٌّ دَعا رَبَّهُ مُنِيبًا إلَيْهِ ثُمَّ إذا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنهُ نَسِيَ ما كانَ يَدْعُو إلَيْهِ مِن قَبْلُ وجَعَلَ لِلَّهِ أنْدادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إنَّكَ مِن أصْحابِ النّارِ﴾ [الزمر: ٨] ﴿أمْ مَن هو قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِدًا وقائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ ويَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبابِ﴾ [الزمر: ٩] ﴿قُلْ يا عِبادِي الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكم لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وأرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ إنَّما يُوَفّى الصّابِرُونَ أجْرَهم بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ [الزمر: ١٠] ﴿قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر: ١١] ﴿وأُمِرْتُ لِأنْ أكُونَ أوَّلَ المُسْلِمِينَ﴾ [الزمر: ١٢] ﴿قُلْ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الزمر: ١٣] ﴿قُلِ اللَّهَ أعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ [الزمر: ١٤] ﴿فاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِن دُونِهِ قُلْ إنَّ الخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ ألا ذَلِكَ هو الخُسْرانُ المُبِينُ﴾ [الزمر: ١٥] ﴿لَهم مِن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النّارِ ومِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ يا عِبادِ فاتَّقُونِ﴾ [الزمر: ١٦] ﴿والَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ أنْ يَعْبُدُوها وأنابُوا إلى اللَّهِ لَهُمُ البُشْرى فَبَشِّرْ عِبادِي﴾ [الزمر: ١٧] ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وأُولَئِكَ هم أُولُو الألْبابِ﴾ [الزمر: ١٨] ﴿أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ أفَأنْتَ تُنْقِذُ مَن في النّارِ﴾ [الزمر: ١٩] ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم لَهم غُرَفٌ مِن فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ وعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ المِيعادَ﴾ [الزمر: ٢٠] ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ في الأرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا ألْوانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطامًا إنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرى لِأُولِي الألْبابِ﴾ [الزمر: ٢١] ﴿أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ فَهو عَلى نُورٍ مِن رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهم مِن ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الزمر: ٢٢] ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ كِتابًا مُتَشابِهًا مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهم وقُلُوبُهم إلى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشاءُ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ [الزمر: ٢٣] ﴿أفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ وقِيلَ لِلظّالِمِينَ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ [الزمر: ٢٤] ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأتاهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ [الزمر: ٢٥] ﴿فَأذاقَهُمُ اللَّهُ الخِزْيَ في الحَياةِ الدُّنْيا ولَعَذابُ الآخِرَةِ أكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٢٦] ﴿ولَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ [الزمر: ٢٧] ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ [الزمر: ٢٨] ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ ورَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا الحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٢٩] ﴿إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهم مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠] ﴿ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكم تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر: ٣١] . (p-٤١٣)التَّكْوِيرُ: اللَّفُّ واللَّيُّ، يُقالُ: كارَ العِمامَةَ عَلى رَأْسِهِ وكَوَّرَها. خَوَّلَهُ النِّعْمَةَ أيْ: أعْطاهُ ابْتِداءً مِن غَيْرِ مُجازاةٍ، ولا يُقالُ في الجَزاءِ خَوَّلَ. قالَ زُهَيْرٌ:
؎هُنالِكَ إنْ يُسْتَخْوَلُوا المالَ يُخَوَّلُوا
ويُرْوى: يُسْتَخْيَلُوا المالَ يُخَيَّلُوا
وقالَ أبُو النَّجْمِ:
؎أعْطى فَلَمْ يَبْخَلْ ولَمْ يُبَخِّلْ ∗∗∗ كَوْمَ الذُّرى مِن خَوَلِ المَخْوِلِ
هاجَ الزَّرْعُ: ثارَ مِن مَنابِتِهِ، وقِيلَ: يَبِسَ. الحُطامُ: الفُتاتُ بَعْدَ يُبْسِهِ. القُشَعْرِيرَةُ: تَقَبُّضُ الجِلْدِ، يُقالُ: اقْشَعَرَّ جِلْدُهُ مِنَ الخَوْفِ: وقَفَ شَعْرُهُ، وهو مَثَلٌ في شِدَّةِ الخَوْفِ. الشِّكاسَةُ: سُوءُ الخُلُقِ وعُسْرُهُ.
ص 38:87
﴿قُلْ هو نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿أنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ ﴿ما كانَ لِيَ مِن عِلْمٍ بِالمَلَإ الأعْلى إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ ﴿إنْ يُوحى إلَيَّ إلّا أنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿إذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ﴾ ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ ﴿فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلُّهم أجْمَعُونَ﴾ ﴿إلّا إبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ ﴿قالَ يا إبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أأسْتَكْبَرْتَ أمْ كُنْتَ مِنَ العالِينَ﴾ ﴿قالَ أنا خَيْرٌ مِنهُ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ ﴿قالَ فاخْرُجْ مِنها فَإنَّكَ رَجِيمٌ﴾ ﴿وإنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إلى يَوْمِ الدِّينِ﴾ ﴿قالَ رَبِّ فَأنْظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ﴿قالَ فَإنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ ﴿إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ﴾ ﴿قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلّا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ ﴿قالَ فالحَقُّ والحَقَّ أقُولُ﴾ ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ ومِمَّنْ تَبِعَكَ مِنهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿قُلْ ما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ وما أنا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ﴾ ﴿إنْ هو إلّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ ﴿ولَتَعْلَمُنَّ نَبَأهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ .
الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ هو نَبَأٌ﴾ يَعُودُ عَلى ما أخْبَرَ بِهِ مِن كَوْنِهِ رَسُولًا مُنْذِرًا داعِيًا إلى اللَّهِ، وأنَّهُ تَعالى هو المُنْفَرِدُ بِالأُلُوهِيَّةِ، المُتَّصِفُ بِتِلْكَ الأوْصافِ مِنَ الوَحْدانِيَّةِ والقَهْرِ ومُلْكِ العالَمِ وعِزَّتِهِ وغُفْرانِهِ، وهو خَبَرٌ عَظِيمٌ لا يُعْرِضُ عَنْ مِثْلِهِ إلّا غافِلٌ شَدِيدُ الغَفْلَةِ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: النَّبَأُ العَظِيمُ: القُرْآنُ. وقالَ الحَسَنُ: يَوْمُ القِيامَةِ. وقِيلَ: قَصَصُ آدَمَ والإنْباءُ بِهِ مِن غَيْرِ سَماعٍ مِن أحَدٍ.
وقالَ صاحِبُ التَّحْرِيرِ: سِياقُ الآيَةِ وظاهِرُها أنَّهُ يُرِيدُ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ هو نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾، ما قَصَّهُ اللَّهُ تَعالى مِن مُناظَرَةِ أهْلِ النّارِ ومُقاوَلَةِ الأتْباعِ مَعَ السّاداتِ؛ لِأنَّهُ مِن أحْوالِ البَعْثِ، وقُرَيْشٌ كانْتَ تُنْكِرُ البَعْثَ والحِسابَ والعِقابَ، وهم عَنْ ذَلِكَ مُعْرِضُونَ.
وقَوْلُهُ: ﴿ما كانَ لِيَ مِن عِلْمٍ بِالمَلَإ الأعْلى إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾: احْتِجاجٌ عَلى قُرَيْشٍ بِأنَّ ما جاءَ بِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ لا مِن قِبَلِ نَفْسِهِ. فَإنَّ مَن في الأرْضِ ما لَهُ عِلْمٌ بِمَن في السَّماءِ إلّا بِإعْلامِ اللَّهِ تَعالى؛ وعِلْمُ المُغَيَّباتِ لا يُوصَلُ إلَيْهِ إلّا (p-٤٠٩)بِإعْلامِ اللَّهِ تَعالى، وعِلْمُهُ بِأحْوالِ أهْلِ النّارِ، وابْتِداءِ خَلْقِ آدَمَ لَمْ يَكُنْ عَنْهُ عِلْمٌ بِذَلِكَ؛ فَإخْبارُهُ بِذَلِكَ هو بِإعْلامِ اللَّهِ، والِاسْتِدْلالُ بِقِصَّةِ آدَمَ؛ لِأنَّهُ أوَّلُ البَشَرِ خَلْقًا، وبَيْنَهُ وبَيْنَ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أزْمانٌ مُتَقادِمَةٌ وقُرُونٌ سالِفَةٌ. انْتَهى، وفي آخِرِهِ بَعْضُ اخْتِصارٍ.
ثُمَّ احْتَجَّ بِصِحَّةِ نُبُوَّتِهِ، بِأنَّ ما يُنْبِئُ بِهِ عَنِ المَلَأِ الأعْلى واخْتِصامِهِمْ أمْرٌ لَمْ يَكُنْ لَهُ بِهِ مِن عِلْمٍ قَطُّ. ثُمَّ عَلِمَهُ مِن غَيْرِ الطَّرِيقِ الَّذِي يَسْلُكُهُ المُتَعَلِّمُونَ، بَلْ ذَلِكَ مُسْتَفادٌ مِنَ الوَحْيِ، و(بِالمَلَأِ) مُتَعَلِّقٌ بِـ (عِلْمٍ)، و(إذْ) مَنصُوبٌ بِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بِمَحْذُوفٍ؛ لِأنَّ المَعْنى: ما كانَ لِي مِن عِلْمٍ بِكَلامِ المَلَأِ الأعْلى وقْتَ اخْتِصامِهِمْ.
(وإذْ قالَ) بَدَلٌ مِن ﴿إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ عَلى المَلَأِ الأعْلى، وهُمُ المَلائِكَةُ، وأبْعَدَ مَن قالَ إنَّهم قُرَيْشٌ، واخْتِصامُ المَلائِكَةِ في أمْرِ آدَمَ وذُرِّيَّتِهِ في جَعْلِهِمْ في الأرْضِ. وقالُوا: ﴿أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها﴾ [البقرة: ٣٠] . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وقالَ الحَسَنُ: إنَّ اللَّهَ خالِقٌ خَلْقًا كُنّا أكْرَمَ مِنهُ وأعْلَمَ. وقِيلَ: في الكَفّاراتِ وغَفْرِ الذُّنُوبِ، فَإنَّ العَبْدَ إذا عَمِلَ حَسَنَةً اخْتَلَفَتِ المَلائِكَةُ في قَدْرِ ثَوابِهِ في ذَلِكَ حَتّى يَقْضِيَ اللَّهُ بِما يَشاءُ. وفي الحَدِيثِ: ”«قالَ لَهُ رَبُّهُ في نَوْمِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: فِيمَ يَخْتَصِمُونَ ؟ فَقُلْتُ: لا أدْرِي، فَقالَ: في الكَفّاراتِ، وفي إسْباغِ الوُضُوءِ في السَّرّاتِ، ونَقْلِ الخُطا إلى الجَماعاتِ“» .
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كانَتْ مُقاوَلَةُ اللَّهِ سُبْحانَهُ بِواسِطَةِ مَلَكٍ، وكانَ المُقاوِلُ في الحَقِيقَةِ هو المَلَكُ المُتَوَسِّطُ، فَيَصِحُّ أنَّ التَّقاوُلَ بَيْنَ المَلائِكَةِ وآدَمَ وإبْلِيسَ، وهُمُ المَلَأُ الأعْلى.
والمُرادُ بِالِاخْتِصامِ: التَّقاوُلُ. وقِيلَ: المَلَأُ الأعْلى: المَلائِكَةُ، و﴿إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ الضَّمِيرُ فِيهِ لِلْعَرَبِ الكافِرِينَ، فَبَعْضُهم يَقُولُ: هي بَناتُ اللَّهِ، وبَعْضُهم: آلِهَةٌ تُعْبَدُ، وغَيْرُ ذَلِكَ مِن أقْوالِهِمْ.
﴿إنْ يُوحى إلَيَّ﴾ أيْ: ما يُوحى إلَيَّ، ﴿إلّا أنَّما أنا نَذِيرٌ﴾ أيْ: لِلْإنْذارِ، حَذَفَ اللّامَ ووَصَلَ الفِعْلَ والمَفْعُولَ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرًا يَدُلُّ عَلَيْهِ المَعْنى، أيْ: إنْ يُوحى إلَيَّ هو، أيْ: ما يُوحى إلّا الإنْذارُ، وأُقِيمَ إلِيَّ مَقامَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ إنَّما هو المَفْعُولُ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، أيْ: ما يُوحى إلَيَّ إلّا الإنْذارُ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: (إلّا إنَّما) بِكَسْرِ هَمْزَةِ إنَّما عَلى الحِكايَةِ، أيْ: ما يُوحى إلَيَّ إلّا هَذِهِ الجُمْلَةُ، كَأنْ قِيلَ لَهُ: أنْتَ نَذِيرٌ مُبِينٌ، فَحَكى هو المَعْنى، وهَذا كَما يَقُولُ الإنْسانُ: أنا عالِمٌ، فَيُقالُ لَهُ: قُلْتَ إنَّكَ عالِمٌ، فَيُحْكى المَعْنى.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقُرِئَ إنَّما بِالكَسْرِ عَلى الحِكايَةِ، أيْ: إلّا هَذا القَوْلُ، وهو أنْ أقُولَ لَكم ﴿إنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾، فَلا أدَّعِي شَيْئًا آخَرَ. انْتَهى.
فِي تَخْرِيجِهِ تَعارُضٌ؛ لِأنَّهُ قالَ أيْ: إلّا هَذا القَوْلَ، فَظاهِرُهُ الجُمْلَةُ الَّتِي هي ﴿إنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾، ثُمَّ قالَ: وهو أنْ أقُولَ لَكم إنِّي نَذِيرٌ، فالمَقامُ مَقامُ الفاعِلِ هو أنْ أقُولَ لَكم، وأنْ وما بَعْدَهُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، وعَلى قَوْلِهِ: إلّا هَذا القَوْلَ، يَكُونُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ فَيَتَعارَضا. وتَقَدَّمَ أنَّ (إذْ قالَ) بَدَلٌ مِن ﴿إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ هَذا إذا كانَتِ الخُصُومَةُ في شَأْنِ مَن يُسْتَخْلَفُ في الأرْضِ، وعَلى غَيْرِهِ مِنَ الأقْوالِ يَكُونُ مَنصُوبًا بِاذْكُرْ.
ولَمّا كانَتْ قُرَيْشٌ، خالَفُوا الرَّسُولَ، - عَلَيْهِ السَّلامُ -، بِسَبَبِ الحَسَدِ والكِبْرِ. ذَكَرَ حالَ إبْلِيسَ، حَيْثُ خالَفَ أمْرَ اللَّهِ بِسَبَبِ الحَسَدِ والكِبْرِ وما آلَ إلَيْهِ مِنَ اللَّعْنَةِ والطَّرْدِ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ، لِيَزْدَجِرَ عَنْ ذَلِكَ مَن فِيهِ شَيْءٌ مِنهُما.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ صَحَّ أنْ يَقُولَ لَهم: ﴿إنِّي خالِقٌ بَشَرًا﴾، وما عَرَفُوا ما البَشَرُ ولا عَهِدُوا بِهِ قَبْلُ ؟ (قُلْتُ): وجْهُهُ أنْ يَكُونَ قَدْ قالَ لَهم: إنِّي خالِقٌ خَلْقًا مِن صِفَةِ كَيْتَ وكَيْتَ، ولَكِنَّهُ حِينَ حَكاهُ اقْتَصَرَ عَلى الِاسْمِ. انْتَهى.
والبَشَرُ هو آدَمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وذَكَرَ هُنا أنَّهُ خَلَقَهُ مِن طِينٍ، وفي آلِ عِمْرانَ: ﴿خَلَقَهُ مِن تُرابٍ﴾ [آل عمران: ٥٩]، وفي الحِجْرِ: ﴿مِن صَلْصالٍ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ [الحجر: ٢٦]، وفي الأنْبِياءِ: ﴿مِن عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧]؛ ولا مُنافاةَ في تِلْكَ المادَّةِ البَعِيدَةِ، وهي التُّرابُ، ثُمَّ ما يَلِيهِ وهو الطِّينُ، ثُمَّ ما يَلِيهِ وهو الحَمَأُ المَسْنُونُ، ثُمَّ المادَّةُ تَلِي الحَمَأ وهو الصَّلْصالُ؛ وأمّا ﴿مِن عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧] فَمَضى تَفْسِيرُهُ.
﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ ﴿فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلُّهم أجْمَعُونَ﴾ ﴿إلّا إبْلِيسَ﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذا في الحِجْرِ، وهُنا ﴿اسْتَكْبَرَ وكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾، (p-٤١٠)وفِي البَقَرَةِ: ﴿أبى واسْتَكْبَرَ وكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ [البقرة: ٣٤]، وفي الأعْرافِ: ﴿لَمْ يَكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ﴾ [الأعراف: ١١]، وفي الحِجْرِ: ﴿أبى أنْ يَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٣١]، وفي الإسْراءِ: ﴿قالَ أأسْجُدُ لِمَن خَلَقْتَ طِينًا﴾ [الإسراء: ٦١]، وفي الكَهْفِ: ﴿كانَ مِنَ الجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ٥٠] .
والِاسْتِثْناءُ في جَمِيعِ هَذِهِ الآياتِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمْ يَسْجُدْ، فَتارَةً أكَّدَ بِالنَّفْيِّ المَحْضِ، وتارَةً ذَكَرَ إبايَتَهُ عَنِ السُّجُودِ، وهي الأنَفَةُ مِن ذَلِكَ، وتارَةً نَصَّ عَلى أنَّ ذَلِكَ الِامْتِناعَ كانَ سَبَبُهُ الِاسْتِكْبارَ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ أُرِيدَ بِهِ كُفْرُهُ ذَلِكَ الوَقْتَ، وإنْ لَمْ يَكُنْ قَبْلَهُ كافِرًا؛ وعُطِفَ عَلى اسْتَكْبَرَ، فَقَوِيَ ذَلِكَ؛ لِأنَّ الِاسْتِكْبارَ عَنِ السُّجُودِ إنَّما حَصَلَ لَهُ وقْتَ الأمْرِ.
ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إخْبارًا مِنهُ بِسَبْقِ كُفْرِهِ في الأزْمِنَةِ الماضِيَةِ في عِلْمِ اللَّهِ.
﴿قالَ يا إبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ﴾، وفي الأعْرافِ: ﴿ما مَنَعَكَ ألّا تَسْجُدَ﴾ [الأعراف: ١٢]، فَدَلَّ أنْ تَسْجُدَ هُنا، عَلى أنَّ لا في ﴿أنْ لا أقُولَ﴾ [الأعراف: ١٠٥] زائِدَةٌ، والمَعْنى أيْضًا يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ لا يَسْتَفْهِمُ إلّا عَنِ المانِعِ مِنَ السُّجُودِ، وهو اسْتِفْهامُ تَقْرِيرٍ وتَوْبِيخٍ. وما في ﴿لِما خَلَقْتُ﴾، اسْتَدَلَّ بِها مَن يُجِيزُ إطْلاقَ ما عَلى آحادِ مَن يَعْقِلُ، وأوَّلَ بِأنَّ ما مَصْدَرِيَّةٌ، والمَصْدَرُ يُرادُ بِهِ المَخْلُوقُ، لا حَقِيقَةُ المَصْدَرِ.
وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ: (لَمّا) بِفَتْحِ اللّامِ وتَشْدِيدِ المِيمِ، ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾، عَلى الإفْرادِ؛ والجُمْهُورُ: عَلى التَّثْنِيَةِ؛ وقُرِئَ ﴿بِيَدَيَّ﴾ كَقِراءَةِ ﴿بِمُصْرِخِيَّ﴾ [إبراهيم: ٢٢]؛ وقالَ تَعالى: ﴿مِمّا عَمِلَتْ أيْدِينا﴾ [يس: ٧١] بِالجَمْعِ، وكُلُّها عِبارَةٌ عَنِ القُدْرَةِ والقُوَّةِ، وعَبَّرَ بِاليَدِ، إذْ كانَ عِنْدَ البَشَرِ مُعْتادًا أنَّ البَطْشَ والقُوَّةَ بِاليَدِ.
وذَهَبَ القاضِي أبُو بَكْرِ بْنُ الطَّيِّبِ إلى أنَّ اليَدَ صِفَةُ ذاتٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهو قَوْلٌ مَرْغُوبٌ عَنْهُ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: (أسْتَكْبَرْتَ)، بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، فَأمْ مُتَّصِلَةٌ عادَلَتِ الهَمْزَةَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ النَّحْوِيِّينَ إلى أنَّ أمْ لا تَكُونُ مُعادِلَةً لِلْألِفِ مَعَ اخْتِلافِ الفِعْلَيْنِ، وإنَّما تَكُونُ مُعادِلَةً إذا دَخَلَتا عَلى فِعْلٍ واحِدٍ، كَقَوْلِكَ: أزَيْدٌ قامَ أمْ عَمْرٌو ؟ وقَوْلُكَ: أقامَ زَيْدٌ أمْ عَمْرٌو ؟ فَإذا اخْتَلَفَ الفِعْلانِ كَهَذِهِ الآيَةِ، فَلَيْسَتْ مُعادِلَةً. ومَعْنى الآيَةِ: أحَدَثَ لَكَ الِاسْتِكْبارُ الآنَ، أمْ كُنْتَ قَدِيمًا مِمَّنْ لا يَلِيقُ أنْ تُكَلَّفَ مِثْلَ هَذا لِعُلُوِّ مَكانِكَ ؟ وهَذا عَلى جِهَةِ التَّوْبِيخِ. انْتَهى.
وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ النَّحْوِيِّينَ مَذْهَبٌ غَيْرُ صَحِيحٍ. قالَ سِيبَوَيْهِ: وتَقُولُ أضْرَبْتَ زَيْدًا أمْ قَتَلْتَهُ فالبَدْءُ هُنا بِالفِعْلِ أحْسَنُ؛ لِأنَّكَ إنَّما تَسْألُ عَنْ أحَدِهِما، لا تَدْرِي أيُّهُما كانَ، ولا تَسْألُ عَنْ مَوْضِعِ أحَدِهِما، كَأنَّكَ قُلْتَ: أيُّ ذَلِكَ كانَ ؟ انْتَهى. فَعادَلَ بِأمِ الألِفَ مَعَ اخْتِلافِ الفِعْلَيْنِ.
﴿مِنَ العالِينَ﴾: مِمَّنْ عَلَوْتَ وفُقْتَ. فَأجابَ بِأنَّهُ مِنَ العالِينَ، حَيْثُ قالَ ﴿أنا خَيْرٌ مِنهُ﴾ . وقِيلَ: أسْتَكْبَرْتَ الآنَ، أوْ لَمْ تَزَلْ مُذْ كُنْتَ مِنَ المُسْتَكْبِرِينَ ؟ ومَعْنى الهَمْزَةِ: التَّقْرِيرُ. انْتَهى.
وقَرَأتْ فِرْقَةٌ، مِنهُمُ ابْنُ كَثِيرٍ وغَيْرُهُ: (اسْتَكْبَرْتَ)، بِصِلَةِ الألِفِ، وهي قِراءَةُ أهْلِ مَكَّةَ، ولَيْسَتْ في مَشْهُورِ ابْنِ كَثِيرٍ، فاحْتُمِلَ أنْ تَكُونَ هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ حُذِفَتْ لِدَلالَةِ أمْ عَلَيْها، كَقَوْلِهِ:
؎بِسَبْعٍ رَمَيْنَ الجَمْرَ أمْ بِثَمانِ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ إخْبارًا خاطَبَهُ بِذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّقْرِيعِ، وأمْ تَكُونُ مُنْقَطِعَةً، والمَعْنى: بَلْ أنْتَ مِنَ العالِينَ عِنْدَ نَفْسِكَ اسْتِخْفافًا بِهِ.
﴿قالَ أنا خَيْرٌ مِنهُ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ذَلِكَ في الأعْرافِ.
﴿قالَ فاخْرُجْ مِنها﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مِثْلِ ذَلِكَ في الحِجْرِ، إلّا أنَّ هُنا ﴿لَعْنَتِي﴾ وهُناكَ (اللَّعْنَةُ) أعَمُّ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ ويَلْعَنُهُمُ اللّاعِنُونَ﴾ [البقرة: ١٥٩] وأمّا بِالإضافَةِ، فالعُمُومُ في اللَّعْنَةِ أعَمُّ، واللَّعَناتُ إنَّما تَحْصُلُ مِن جِهَةِ أنَّ مَن عَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ كانَتْ عَلَيْهِ لَعْنَةُ كُلِّ لاعِنٍ، هَذا مِن جِهَةِ المَعْنى، وأمّا بِاللَّفْظِ فَيَقْتَضِي التَّخْصِيصَ.
﴿قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ﴾: أقْسَمَ إبْلِيسُ هُنا بِعِزَّةِ اللَّهِ، وقالَ في الأعْرافِ: ﴿فَبِما أغْوَيْتَنِي لَأقْعُدَنَّ﴾ [الأعراف: ١٦]، وفي الحِجْرِ: ﴿رَبِّ بِما أغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ﴾ [الحجر: ٣٩] . وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِما في مَوْضِعِهِما، وإنَّ مِنَ المُفَسِّرِينَ مَن قالَ: إنَّ الباءَ في: ﴿بِما أغْوَيْتَنِي﴾ [الحجر: ٣٩] وفي: ﴿فَبِما أغْوَيْتَنِي﴾ [الأعراف: ١٦] لَيْسَتْ باءَ القَسَمِ. فَإنْ كانَتْ باءَ القَسَمِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ في مَوْطِنَيْنِ: فَهُنا: ﴿لَأُغْوِيَنَّهُمْ﴾، وفي الأعْرافِ: ﴿لَأقْعُدَنَّ﴾ [الأعراف: ١٦]، وفي الحِجْرِ: ﴿لَأُزَيِّنَنَّ﴾ [الحجر: ٣٩] .
(p-٤١١)وقَرَأ الجُمْهُورُ: (فالحَقَّ والحَقَّ) بِنَصْبِهِما. أمّا الأوَّلُ فَمُقْسَمٌ بِهِ، حُذِفَ مِنهُ الحَرْفُ كَقَوْلِهِ: (أمانَةَ اللَّهِ لَأقُومَنَّ)، والمُقْسَمُ عَلَيْهِ (لَأمْلَأنَّ) .
﴿والحَقَّ أقُولُ﴾: اعْتِراضٌ بَيْنَ القَسَمِ وجَوابِهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومَعْناهُ: ولا أقُولُ إلّا الحَقَّ. انْتَهى؛ لِأنَّ عِنْدَهُ تَقُدُّمَ المَفْعُولِ يُفِيدُ الحَصْرَ. والحَقُّ المُقْسَمُ بِهِ إمّا اسْمُهُ تَعالى الَّذِي في قَوْلِهِ: ﴿أنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ المُبِينُ﴾ [النور: ٢٥]، أوِ الَّذِي هو نَقِيضُ الباطِلِ. وقِيلَ: ﴿فالحَقُّ﴾ مَنصُوبٌ عَلى الإغْراءِ، أيْ: فالزَمُوا الحَقَّ، و(لَأمْلَأنَّ): جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ. وقالَ الفَرّاءُ: هو عَلى مَعْنى قَوْلِكَ: حَقًّا لا شَكَّ، ووُجُودُ الألِفِ واللّامِ وطَرْحُهُما سَواءٌ، أيْ: لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ حَقًّا. انْتَهى.
وهَذا المَصْدَرُ الجائِي تَوْكِيدًا لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ، لا يَجُوزُ تَقْدِيمُهُ عِنْدَ جُمْهُورِ النُّحاةِ، وذَلِكَ مَخْصُوصٌ بِالجُمْلَةِ الَّتِي جُزْآها مَعْرِفَتانِ جامِدَتانِ جُمُودًا مَحْضًا.
وقالَ صاحِبُ البَسِيطِ: وقَدْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخَبَرُ نَكِرَةً، قالَ: والمُبْتَدَأُ يَكُونُ ضَمِيرًا نَحْوَ: هو زَيْدٌ مَعْرُوفًا، وهو الحَقُّ بَيِّنًا، وأنا الأمِيرُ مُفْتَخِرًا؛ ويَكُونُ ظاهِرًا كَقَوْلِكَ: زِيدٌ أبُوكَ عَطُوفًا، وأخُوكَ زَيْدٌ مَعْرُوفًا. انْتَهى.
وقالَتِ العَرَبُ: زَيْدٌ قائِمٌ غَيْرَ ذِي شَكٍّ، فَجاءَتِ الحالُ بَعْدَ جُمْلَةٍ، والخَبَرُ نَكِرَةً، وهي حالٌ مُؤَكِّدَةٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ، وكَأنَّ الفَرّاءَ لَمْ يَشْتَرِطْ هَذا الَّذِي ذَكَرَهُ أصْحابُنا مِن كَوْنِ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ مَعْرُوفَيْنِ جامِدَيْنِ؛ لِأنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ تَأْكِيدِ مَضْمُونِ الجُمْلَةِ الِابْتِدائِيَّةِ وبَيْنَ تَأْكِيدِ الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ. وقِيلَ: التَّقْدِيرُ فالحَقُّ الحَقُّ، أيْ أفْعَلُهُ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والأعْمَشُ: بِالرَّفْعِ فِيهِما، فالأوَّلُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، قِيلَ: تَقْدِيرُهُ فالحَقُّ أنا، وقِيلَ: فالحَقُّ مِنِّي، وقِيلَ: تَقْدِيرُهُ فالحَقُّ قَسَمِي، وحُذِفَ كَما حُذِفَ في: لَعَمْرُكَ لَأقُومَنَّ، وفي: يَمِينُ اللَّهِ أبْرَحُ قاعِدًا، أيْ لَعَمْرُكَ قَسَمِي ويَمِينُ اللَّهِ قَسَمِي، وهَذِهِ الجُمْلَةُ هي جُمْلَةُ القَسَمِ، وجَوابُهُ: لَأمْلَأنَّ. وأمّا (والحَقُّ أقُولُ) فَمُبْتَدَأٌ أيْضًا، خَبَرُهُ الجُمْلَةُ، وحُذِفَ العائِدُ، كَقِراءَةِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿وكُلًّا وعَدَ اللَّهُ الحُسْنى﴾ [النساء: ٩٥] . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أمّا الأوَّلُ فَرُفِعَ عَلى الِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ في قَوْلِهِ: ﴿لَأمْلَأنَّ﴾؛ لِأنَّ المَعْنى: أنْ أمْلَأ. انْتَهى.
وهَذا لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّ لَأمْلَأنَّ جَوابُ قَسَمٍ، ويَجِبُ أنْ يَكُونَ جُمْلَةً، فَلا يَتَقَدَّرُ بِمُفْرَدٍ. وأيْضًا لَيْسَ مَصْدَرًا مُقَدَّرًا بِحَرْفٍ مَصْدَرِيٍّ والفِعْلِ حَتّى يَنْحَلَّ إلَيْهِما، ولَكِنَّهُ لَمّا صَحَّ لَهُ إسْنادُ ما قُدِّرَ إلى المُبْتَدَأِ حُكِمَ أنَّهُ خَبَرٌ عَنْهُ.
وقَرَأ الحَسَنُ، وعِيسى، و عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي حَمّادٍ عَنْ أبِي بَكْرٍ: بِجَرِّهِمْ، ويَخْرُجُ عَلى أنَّ الأوَّلَ مَجْرُورٌ بِواوِ القَسَمِ مَحْذُوفَةً، تَقْدِيرُهُ: فَوالحَقِّ، والحَقِّ مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ، كَما تَقُولُ: واللَّهِ واللَّهِ لَأقُومَنَّ، و(أقُولُ) اعْتِراضٌ بَيْنَ القَسَمِ وجَوابِهِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿والحَقَّ أقُولُ﴾: أيْ: ولا أقُولُ إلّا الحَقَّ عَلى حِكايَةِ لَفْظِ المُقْسَمَ بِهِ، ومَعْناهُ التَّوْكِيدُ والتَّسْدِيدُ، وهَذا الوَجْهُ جائِزٌ في المَنصُوبِ والمَرْفُوعِ، وهو وجْهٌ دَقِيقٌ حَسَنٌ. انْتَهى.
ومُلَخَّصُهُ أنَّهُ أعْمَلَ القَوْلَ في لَفْظِ المُقْسَمِ بِهِ عَلى سَبِيلِ الحِكايَةِ نَصْبًا أوْ رَفْعًا أوْ جَرًّا. وقَرَأ مُجاهِدٌ، والأعْمَشُ: بِخِلافٍ عَنْهُما؛ وأبانُ بْنُ تَغْلَبَ، وطَلْحَةُ في رِوايَةٍ، وحَمْزَةُ، وعاصِمٌ، عَنِ المُفَضَّلِ، وخَلَفٍ، والعَبْسِيِّ: بِرَفْعِ ﴿فالحَقُّ﴾ ونَصْبِ ﴿والحَقَّ﴾، وتَقَدَّمَ إعْرابُهُما.
والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: (أجْمَعِينَ) تَأْكِيدٌ لِلْمُحَدَّثِ عَنْهُ والمَعْطُوفُ عَلَيْهِ، وهو ضَمِيرُ إبْلِيسَ ومَن عُطِفَ عَلَيْهِ، أيْ مِنكَ ومِن تابِعِيكِ أجْمَعِينَ. وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ أجْمَعِينَ تَأْكِيدًا لِلضَّمِيرِ الَّذِي في مِنهم، مُقَدَّرٌ، لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الشَّياطِينِ ومِمَّنْ تَبِعَهم مِن جَمِيعِ النّاسِ، لا تَفاوُتَ في ذَلِكَ بَيْنَ ناسٍ وناسٍ بَعْدَ وُجُودِ الأتْباعِ مِنهم مِن أوْلادِ الأنْبِياءِ وغَيْرِهِمْ. انْتَهى.
والضَّمِيرُ في (عَلَيْهِ) عائِدٌ عَلى القُرْآنِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقِيلَ: عائِدٌ عَلى الوَحْيِ. وقِيلَ: عَلى الدُّعاءِ إلى اللَّهِ.
﴿وما أنا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ﴾: أيِ المُتَصَنِّعِينَ المُتَحَلِّينَ بِما لَيْسُوا مِن أهْلِهِ، فَأنْتَحَلُ النُّبُوَّةَ والقَوْلَ عَلى اللَّهِ.
(إنْ هو) أيِ: القُرْآنُ، ﴿إلّا ذِكْرٌ﴾: أيْ: مِنَ اللَّهِ، ﴿لِلْعالَمِينَ﴾: الثَّقَلَيْنِ الإنْسِ والجِنِّ.
﴿ولَتَعْلَمُنَّ نَبَأهُ﴾: أيْ عاقِبَةَ خَبَرِهِ لِمَن آمَنَ بِهِ ومَن أعْرَضَ عَنْهُ، ﴿بَعْدَ حِينٍ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ وابْنُ زَيْدٍ: يَعْنِي يَوْمَ القِيامَةِ. وقالَ قَتادَةُ، والفَرّاءُ، والزَّجّاجُ: بَعْدَ المَوْتِ. وكانَ الحَسَنُ يَقُولُ: يا ابْنَ آدَمَ، عِنْدَ المَوْتِ (p-٤١٢)يَأْتِيكَ الخَبَرُ اليَقِينُ. وقِيلَ: المَعْنى لَيَظْهَرَنَّ لَكم حَقِيقَةُ ما أقُولُ.
﴿بَعْدَ حِينٍ﴾ أيْ: في المُسْتَأْنَفِ، إذا أخَذَتْكم سُيُوفُ المُسْلِمِينَ، وذَلِكَ يَوْمَ بَدْرٍ، وأشارَ إلى ذَلِكَ السُّدِّيُّ.
* *
سُورَةُ الزُّمَرِ خَمْسٌ وسَبْعُونَ آيَةً، مَكِّيَّةٌ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ [الزمر: ١] ﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ فاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر: ٢] ﴿ألا لِلَّهِ الدِّينُ الخالِصُ والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى إنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهم في ما هم فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن هو كاذِبٌ كَفّارٌ﴾ [الزمر: ٣] ﴿لَوْ أرادَ اللَّهُ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا لاصْطَفى مِمّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ سُبْحانَهُ هو اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ [الزمر: ٤] ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلى النَّهارِ ويُكَوِّرُ النَّهارَ عَلى اللَّيْلِ وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأجَلٍ مُسَمًّى ألا هو العَزِيزُ الغَفّارُ﴾ [الزمر: ٥] ﴿خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنها زَوْجَها وأنْزَلَ لَكم مِنَ الأنْعامِ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ يَخْلُقُكم في بُطُونِ أُمَّهاتِكم خَلْقًا مِن بَعْدِ خَلْقٍ في ظُلُماتٍ ثَلاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم لَهُ المُلْكُ لا إلَهَ إلّا هو فَأنّى تُصْرَفُونَ﴾ [الزمر: ٦] ﴿إنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكم ولا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ وإنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكم ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ثُمَّ إلى رَبِّكم مَرْجِعُكم فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ [الزمر: ٧] ﴿وإذا مَسَّ الإنْسانَ ضُرٌّ دَعا رَبَّهُ مُنِيبًا إلَيْهِ ثُمَّ إذا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنهُ نَسِيَ ما كانَ يَدْعُو إلَيْهِ مِن قَبْلُ وجَعَلَ لِلَّهِ أنْدادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إنَّكَ مِن أصْحابِ النّارِ﴾ [الزمر: ٨] ﴿أمْ مَن هو قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِدًا وقائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ ويَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبابِ﴾ [الزمر: ٩] ﴿قُلْ يا عِبادِي الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكم لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وأرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ إنَّما يُوَفّى الصّابِرُونَ أجْرَهم بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ [الزمر: ١٠] ﴿قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر: ١١] ﴿وأُمِرْتُ لِأنْ أكُونَ أوَّلَ المُسْلِمِينَ﴾ [الزمر: ١٢] ﴿قُلْ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الزمر: ١٣] ﴿قُلِ اللَّهَ أعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ [الزمر: ١٤] ﴿فاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِن دُونِهِ قُلْ إنَّ الخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ ألا ذَلِكَ هو الخُسْرانُ المُبِينُ﴾ [الزمر: ١٥] ﴿لَهم مِن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النّارِ ومِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ يا عِبادِ فاتَّقُونِ﴾ [الزمر: ١٦] ﴿والَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ أنْ يَعْبُدُوها وأنابُوا إلى اللَّهِ لَهُمُ البُشْرى فَبَشِّرْ عِبادِي﴾ [الزمر: ١٧] ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وأُولَئِكَ هم أُولُو الألْبابِ﴾ [الزمر: ١٨] ﴿أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ أفَأنْتَ تُنْقِذُ مَن في النّارِ﴾ [الزمر: ١٩] ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم لَهم غُرَفٌ مِن فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ وعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ المِيعادَ﴾ [الزمر: ٢٠] ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ في الأرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا ألْوانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطامًا إنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرى لِأُولِي الألْبابِ﴾ [الزمر: ٢١] ﴿أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ فَهو عَلى نُورٍ مِن رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهم مِن ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الزمر: ٢٢] ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ كِتابًا مُتَشابِهًا مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهم وقُلُوبُهم إلى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشاءُ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ [الزمر: ٢٣] ﴿أفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ وقِيلَ لِلظّالِمِينَ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ [الزمر: ٢٤] ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأتاهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ [الزمر: ٢٥] ﴿فَأذاقَهُمُ اللَّهُ الخِزْيَ في الحَياةِ الدُّنْيا ولَعَذابُ الآخِرَةِ أكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٢٦] ﴿ولَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ [الزمر: ٢٧] ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ [الزمر: ٢٨] ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ ورَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا الحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٢٩] ﴿إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهم مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠] ﴿ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكم تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر: ٣١] . (p-٤١٣)التَّكْوِيرُ: اللَّفُّ واللَّيُّ، يُقالُ: كارَ العِمامَةَ عَلى رَأْسِهِ وكَوَّرَها. خَوَّلَهُ النِّعْمَةَ أيْ: أعْطاهُ ابْتِداءً مِن غَيْرِ مُجازاةٍ، ولا يُقالُ في الجَزاءِ خَوَّلَ. قالَ زُهَيْرٌ:
؎هُنالِكَ إنْ يُسْتَخْوَلُوا المالَ يُخَوَّلُوا
ويُرْوى: يُسْتَخْيَلُوا المالَ يُخَيَّلُوا
وقالَ أبُو النَّجْمِ:
؎أعْطى فَلَمْ يَبْخَلْ ولَمْ يُبَخِّلْ ∗∗∗ كَوْمَ الذُّرى مِن خَوَلِ المَخْوِلِ
هاجَ الزَّرْعُ: ثارَ مِن مَنابِتِهِ، وقِيلَ: يَبِسَ. الحُطامُ: الفُتاتُ بَعْدَ يُبْسِهِ. القُشَعْرِيرَةُ: تَقَبُّضُ الجِلْدِ، يُقالُ: اقْشَعَرَّ جِلْدُهُ مِنَ الخَوْفِ: وقَفَ شَعْرُهُ، وهو مَثَلٌ في شِدَّةِ الخَوْفِ. الشِّكاسَةُ: سُوءُ الخُلُقِ وعُسْرُهُ.
ص 38:88
﴿قُلْ هو نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿أنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ ﴿ما كانَ لِيَ مِن عِلْمٍ بِالمَلَإ الأعْلى إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ ﴿إنْ يُوحى إلَيَّ إلّا أنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿إذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ﴾ ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ ﴿فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلُّهم أجْمَعُونَ﴾ ﴿إلّا إبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ ﴿قالَ يا إبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أأسْتَكْبَرْتَ أمْ كُنْتَ مِنَ العالِينَ﴾ ﴿قالَ أنا خَيْرٌ مِنهُ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ ﴿قالَ فاخْرُجْ مِنها فَإنَّكَ رَجِيمٌ﴾ ﴿وإنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إلى يَوْمِ الدِّينِ﴾ ﴿قالَ رَبِّ فَأنْظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ﴿قالَ فَإنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ ﴿إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ﴾ ﴿قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلّا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ ﴿قالَ فالحَقُّ والحَقَّ أقُولُ﴾ ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ ومِمَّنْ تَبِعَكَ مِنهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿قُلْ ما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ وما أنا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ﴾ ﴿إنْ هو إلّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ ﴿ولَتَعْلَمُنَّ نَبَأهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ .
الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ هو نَبَأٌ﴾ يَعُودُ عَلى ما أخْبَرَ بِهِ مِن كَوْنِهِ رَسُولًا مُنْذِرًا داعِيًا إلى اللَّهِ، وأنَّهُ تَعالى هو المُنْفَرِدُ بِالأُلُوهِيَّةِ، المُتَّصِفُ بِتِلْكَ الأوْصافِ مِنَ الوَحْدانِيَّةِ والقَهْرِ ومُلْكِ العالَمِ وعِزَّتِهِ وغُفْرانِهِ، وهو خَبَرٌ عَظِيمٌ لا يُعْرِضُ عَنْ مِثْلِهِ إلّا غافِلٌ شَدِيدُ الغَفْلَةِ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: النَّبَأُ العَظِيمُ: القُرْآنُ. وقالَ الحَسَنُ: يَوْمُ القِيامَةِ. وقِيلَ: قَصَصُ آدَمَ والإنْباءُ بِهِ مِن غَيْرِ سَماعٍ مِن أحَدٍ.
وقالَ صاحِبُ التَّحْرِيرِ: سِياقُ الآيَةِ وظاهِرُها أنَّهُ يُرِيدُ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ هو نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾، ما قَصَّهُ اللَّهُ تَعالى مِن مُناظَرَةِ أهْلِ النّارِ ومُقاوَلَةِ الأتْباعِ مَعَ السّاداتِ؛ لِأنَّهُ مِن أحْوالِ البَعْثِ، وقُرَيْشٌ كانْتَ تُنْكِرُ البَعْثَ والحِسابَ والعِقابَ، وهم عَنْ ذَلِكَ مُعْرِضُونَ.
وقَوْلُهُ: ﴿ما كانَ لِيَ مِن عِلْمٍ بِالمَلَإ الأعْلى إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾: احْتِجاجٌ عَلى قُرَيْشٍ بِأنَّ ما جاءَ بِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ لا مِن قِبَلِ نَفْسِهِ. فَإنَّ مَن في الأرْضِ ما لَهُ عِلْمٌ بِمَن في السَّماءِ إلّا بِإعْلامِ اللَّهِ تَعالى؛ وعِلْمُ المُغَيَّباتِ لا يُوصَلُ إلَيْهِ إلّا (p-٤٠٩)بِإعْلامِ اللَّهِ تَعالى، وعِلْمُهُ بِأحْوالِ أهْلِ النّارِ، وابْتِداءِ خَلْقِ آدَمَ لَمْ يَكُنْ عَنْهُ عِلْمٌ بِذَلِكَ؛ فَإخْبارُهُ بِذَلِكَ هو بِإعْلامِ اللَّهِ، والِاسْتِدْلالُ بِقِصَّةِ آدَمَ؛ لِأنَّهُ أوَّلُ البَشَرِ خَلْقًا، وبَيْنَهُ وبَيْنَ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أزْمانٌ مُتَقادِمَةٌ وقُرُونٌ سالِفَةٌ. انْتَهى، وفي آخِرِهِ بَعْضُ اخْتِصارٍ.
ثُمَّ احْتَجَّ بِصِحَّةِ نُبُوَّتِهِ، بِأنَّ ما يُنْبِئُ بِهِ عَنِ المَلَأِ الأعْلى واخْتِصامِهِمْ أمْرٌ لَمْ يَكُنْ لَهُ بِهِ مِن عِلْمٍ قَطُّ. ثُمَّ عَلِمَهُ مِن غَيْرِ الطَّرِيقِ الَّذِي يَسْلُكُهُ المُتَعَلِّمُونَ، بَلْ ذَلِكَ مُسْتَفادٌ مِنَ الوَحْيِ، و(بِالمَلَأِ) مُتَعَلِّقٌ بِـ (عِلْمٍ)، و(إذْ) مَنصُوبٌ بِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بِمَحْذُوفٍ؛ لِأنَّ المَعْنى: ما كانَ لِي مِن عِلْمٍ بِكَلامِ المَلَأِ الأعْلى وقْتَ اخْتِصامِهِمْ.
(وإذْ قالَ) بَدَلٌ مِن ﴿إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ عَلى المَلَأِ الأعْلى، وهُمُ المَلائِكَةُ، وأبْعَدَ مَن قالَ إنَّهم قُرَيْشٌ، واخْتِصامُ المَلائِكَةِ في أمْرِ آدَمَ وذُرِّيَّتِهِ في جَعْلِهِمْ في الأرْضِ. وقالُوا: ﴿أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها﴾ [البقرة: ٣٠] . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وقالَ الحَسَنُ: إنَّ اللَّهَ خالِقٌ خَلْقًا كُنّا أكْرَمَ مِنهُ وأعْلَمَ. وقِيلَ: في الكَفّاراتِ وغَفْرِ الذُّنُوبِ، فَإنَّ العَبْدَ إذا عَمِلَ حَسَنَةً اخْتَلَفَتِ المَلائِكَةُ في قَدْرِ ثَوابِهِ في ذَلِكَ حَتّى يَقْضِيَ اللَّهُ بِما يَشاءُ. وفي الحَدِيثِ: ”«قالَ لَهُ رَبُّهُ في نَوْمِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: فِيمَ يَخْتَصِمُونَ ؟ فَقُلْتُ: لا أدْرِي، فَقالَ: في الكَفّاراتِ، وفي إسْباغِ الوُضُوءِ في السَّرّاتِ، ونَقْلِ الخُطا إلى الجَماعاتِ“» .
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كانَتْ مُقاوَلَةُ اللَّهِ سُبْحانَهُ بِواسِطَةِ مَلَكٍ، وكانَ المُقاوِلُ في الحَقِيقَةِ هو المَلَكُ المُتَوَسِّطُ، فَيَصِحُّ أنَّ التَّقاوُلَ بَيْنَ المَلائِكَةِ وآدَمَ وإبْلِيسَ، وهُمُ المَلَأُ الأعْلى.
والمُرادُ بِالِاخْتِصامِ: التَّقاوُلُ. وقِيلَ: المَلَأُ الأعْلى: المَلائِكَةُ، و﴿إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ الضَّمِيرُ فِيهِ لِلْعَرَبِ الكافِرِينَ، فَبَعْضُهم يَقُولُ: هي بَناتُ اللَّهِ، وبَعْضُهم: آلِهَةٌ تُعْبَدُ، وغَيْرُ ذَلِكَ مِن أقْوالِهِمْ.
﴿إنْ يُوحى إلَيَّ﴾ أيْ: ما يُوحى إلَيَّ، ﴿إلّا أنَّما أنا نَذِيرٌ﴾ أيْ: لِلْإنْذارِ، حَذَفَ اللّامَ ووَصَلَ الفِعْلَ والمَفْعُولَ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرًا يَدُلُّ عَلَيْهِ المَعْنى، أيْ: إنْ يُوحى إلَيَّ هو، أيْ: ما يُوحى إلّا الإنْذارُ، وأُقِيمَ إلِيَّ مَقامَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ إنَّما هو المَفْعُولُ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، أيْ: ما يُوحى إلَيَّ إلّا الإنْذارُ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: (إلّا إنَّما) بِكَسْرِ هَمْزَةِ إنَّما عَلى الحِكايَةِ، أيْ: ما يُوحى إلَيَّ إلّا هَذِهِ الجُمْلَةُ، كَأنْ قِيلَ لَهُ: أنْتَ نَذِيرٌ مُبِينٌ، فَحَكى هو المَعْنى، وهَذا كَما يَقُولُ الإنْسانُ: أنا عالِمٌ، فَيُقالُ لَهُ: قُلْتَ إنَّكَ عالِمٌ، فَيُحْكى المَعْنى.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقُرِئَ إنَّما بِالكَسْرِ عَلى الحِكايَةِ، أيْ: إلّا هَذا القَوْلُ، وهو أنْ أقُولَ لَكم ﴿إنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾، فَلا أدَّعِي شَيْئًا آخَرَ. انْتَهى.
فِي تَخْرِيجِهِ تَعارُضٌ؛ لِأنَّهُ قالَ أيْ: إلّا هَذا القَوْلَ، فَظاهِرُهُ الجُمْلَةُ الَّتِي هي ﴿إنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾، ثُمَّ قالَ: وهو أنْ أقُولَ لَكم إنِّي نَذِيرٌ، فالمَقامُ مَقامُ الفاعِلِ هو أنْ أقُولَ لَكم، وأنْ وما بَعْدَهُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، وعَلى قَوْلِهِ: إلّا هَذا القَوْلَ، يَكُونُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ فَيَتَعارَضا. وتَقَدَّمَ أنَّ (إذْ قالَ) بَدَلٌ مِن ﴿إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ هَذا إذا كانَتِ الخُصُومَةُ في شَأْنِ مَن يُسْتَخْلَفُ في الأرْضِ، وعَلى غَيْرِهِ مِنَ الأقْوالِ يَكُونُ مَنصُوبًا بِاذْكُرْ.
ولَمّا كانَتْ قُرَيْشٌ، خالَفُوا الرَّسُولَ، - عَلَيْهِ السَّلامُ -، بِسَبَبِ الحَسَدِ والكِبْرِ. ذَكَرَ حالَ إبْلِيسَ، حَيْثُ خالَفَ أمْرَ اللَّهِ بِسَبَبِ الحَسَدِ والكِبْرِ وما آلَ إلَيْهِ مِنَ اللَّعْنَةِ والطَّرْدِ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ، لِيَزْدَجِرَ عَنْ ذَلِكَ مَن فِيهِ شَيْءٌ مِنهُما.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ صَحَّ أنْ يَقُولَ لَهم: ﴿إنِّي خالِقٌ بَشَرًا﴾، وما عَرَفُوا ما البَشَرُ ولا عَهِدُوا بِهِ قَبْلُ ؟ (قُلْتُ): وجْهُهُ أنْ يَكُونَ قَدْ قالَ لَهم: إنِّي خالِقٌ خَلْقًا مِن صِفَةِ كَيْتَ وكَيْتَ، ولَكِنَّهُ حِينَ حَكاهُ اقْتَصَرَ عَلى الِاسْمِ. انْتَهى.
والبَشَرُ هو آدَمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وذَكَرَ هُنا أنَّهُ خَلَقَهُ مِن طِينٍ، وفي آلِ عِمْرانَ: ﴿خَلَقَهُ مِن تُرابٍ﴾ [آل عمران: ٥٩]، وفي الحِجْرِ: ﴿مِن صَلْصالٍ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ [الحجر: ٢٦]، وفي الأنْبِياءِ: ﴿مِن عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧]؛ ولا مُنافاةَ في تِلْكَ المادَّةِ البَعِيدَةِ، وهي التُّرابُ، ثُمَّ ما يَلِيهِ وهو الطِّينُ، ثُمَّ ما يَلِيهِ وهو الحَمَأُ المَسْنُونُ، ثُمَّ المادَّةُ تَلِي الحَمَأ وهو الصَّلْصالُ؛ وأمّا ﴿مِن عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧] فَمَضى تَفْسِيرُهُ.
﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ ﴿فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلُّهم أجْمَعُونَ﴾ ﴿إلّا إبْلِيسَ﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذا في الحِجْرِ، وهُنا ﴿اسْتَكْبَرَ وكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾، (p-٤١٠)وفِي البَقَرَةِ: ﴿أبى واسْتَكْبَرَ وكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ [البقرة: ٣٤]، وفي الأعْرافِ: ﴿لَمْ يَكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ﴾ [الأعراف: ١١]، وفي الحِجْرِ: ﴿أبى أنْ يَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٣١]، وفي الإسْراءِ: ﴿قالَ أأسْجُدُ لِمَن خَلَقْتَ طِينًا﴾ [الإسراء: ٦١]، وفي الكَهْفِ: ﴿كانَ مِنَ الجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ٥٠] .
والِاسْتِثْناءُ في جَمِيعِ هَذِهِ الآياتِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمْ يَسْجُدْ، فَتارَةً أكَّدَ بِالنَّفْيِّ المَحْضِ، وتارَةً ذَكَرَ إبايَتَهُ عَنِ السُّجُودِ، وهي الأنَفَةُ مِن ذَلِكَ، وتارَةً نَصَّ عَلى أنَّ ذَلِكَ الِامْتِناعَ كانَ سَبَبُهُ الِاسْتِكْبارَ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ أُرِيدَ بِهِ كُفْرُهُ ذَلِكَ الوَقْتَ، وإنْ لَمْ يَكُنْ قَبْلَهُ كافِرًا؛ وعُطِفَ عَلى اسْتَكْبَرَ، فَقَوِيَ ذَلِكَ؛ لِأنَّ الِاسْتِكْبارَ عَنِ السُّجُودِ إنَّما حَصَلَ لَهُ وقْتَ الأمْرِ.
ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إخْبارًا مِنهُ بِسَبْقِ كُفْرِهِ في الأزْمِنَةِ الماضِيَةِ في عِلْمِ اللَّهِ.
﴿قالَ يا إبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ﴾، وفي الأعْرافِ: ﴿ما مَنَعَكَ ألّا تَسْجُدَ﴾ [الأعراف: ١٢]، فَدَلَّ أنْ تَسْجُدَ هُنا، عَلى أنَّ لا في ﴿أنْ لا أقُولَ﴾ [الأعراف: ١٠٥] زائِدَةٌ، والمَعْنى أيْضًا يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ لا يَسْتَفْهِمُ إلّا عَنِ المانِعِ مِنَ السُّجُودِ، وهو اسْتِفْهامُ تَقْرِيرٍ وتَوْبِيخٍ. وما في ﴿لِما خَلَقْتُ﴾، اسْتَدَلَّ بِها مَن يُجِيزُ إطْلاقَ ما عَلى آحادِ مَن يَعْقِلُ، وأوَّلَ بِأنَّ ما مَصْدَرِيَّةٌ، والمَصْدَرُ يُرادُ بِهِ المَخْلُوقُ، لا حَقِيقَةُ المَصْدَرِ.
وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ: (لَمّا) بِفَتْحِ اللّامِ وتَشْدِيدِ المِيمِ، ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾، عَلى الإفْرادِ؛ والجُمْهُورُ: عَلى التَّثْنِيَةِ؛ وقُرِئَ ﴿بِيَدَيَّ﴾ كَقِراءَةِ ﴿بِمُصْرِخِيَّ﴾ [إبراهيم: ٢٢]؛ وقالَ تَعالى: ﴿مِمّا عَمِلَتْ أيْدِينا﴾ [يس: ٧١] بِالجَمْعِ، وكُلُّها عِبارَةٌ عَنِ القُدْرَةِ والقُوَّةِ، وعَبَّرَ بِاليَدِ، إذْ كانَ عِنْدَ البَشَرِ مُعْتادًا أنَّ البَطْشَ والقُوَّةَ بِاليَدِ.
وذَهَبَ القاضِي أبُو بَكْرِ بْنُ الطَّيِّبِ إلى أنَّ اليَدَ صِفَةُ ذاتٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهو قَوْلٌ مَرْغُوبٌ عَنْهُ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: (أسْتَكْبَرْتَ)، بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، فَأمْ مُتَّصِلَةٌ عادَلَتِ الهَمْزَةَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ النَّحْوِيِّينَ إلى أنَّ أمْ لا تَكُونُ مُعادِلَةً لِلْألِفِ مَعَ اخْتِلافِ الفِعْلَيْنِ، وإنَّما تَكُونُ مُعادِلَةً إذا دَخَلَتا عَلى فِعْلٍ واحِدٍ، كَقَوْلِكَ: أزَيْدٌ قامَ أمْ عَمْرٌو ؟ وقَوْلُكَ: أقامَ زَيْدٌ أمْ عَمْرٌو ؟ فَإذا اخْتَلَفَ الفِعْلانِ كَهَذِهِ الآيَةِ، فَلَيْسَتْ مُعادِلَةً. ومَعْنى الآيَةِ: أحَدَثَ لَكَ الِاسْتِكْبارُ الآنَ، أمْ كُنْتَ قَدِيمًا مِمَّنْ لا يَلِيقُ أنْ تُكَلَّفَ مِثْلَ هَذا لِعُلُوِّ مَكانِكَ ؟ وهَذا عَلى جِهَةِ التَّوْبِيخِ. انْتَهى.
وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ النَّحْوِيِّينَ مَذْهَبٌ غَيْرُ صَحِيحٍ. قالَ سِيبَوَيْهِ: وتَقُولُ أضْرَبْتَ زَيْدًا أمْ قَتَلْتَهُ فالبَدْءُ هُنا بِالفِعْلِ أحْسَنُ؛ لِأنَّكَ إنَّما تَسْألُ عَنْ أحَدِهِما، لا تَدْرِي أيُّهُما كانَ، ولا تَسْألُ عَنْ مَوْضِعِ أحَدِهِما، كَأنَّكَ قُلْتَ: أيُّ ذَلِكَ كانَ ؟ انْتَهى. فَعادَلَ بِأمِ الألِفَ مَعَ اخْتِلافِ الفِعْلَيْنِ.
﴿مِنَ العالِينَ﴾: مِمَّنْ عَلَوْتَ وفُقْتَ. فَأجابَ بِأنَّهُ مِنَ العالِينَ، حَيْثُ قالَ ﴿أنا خَيْرٌ مِنهُ﴾ . وقِيلَ: أسْتَكْبَرْتَ الآنَ، أوْ لَمْ تَزَلْ مُذْ كُنْتَ مِنَ المُسْتَكْبِرِينَ ؟ ومَعْنى الهَمْزَةِ: التَّقْرِيرُ. انْتَهى.
وقَرَأتْ فِرْقَةٌ، مِنهُمُ ابْنُ كَثِيرٍ وغَيْرُهُ: (اسْتَكْبَرْتَ)، بِصِلَةِ الألِفِ، وهي قِراءَةُ أهْلِ مَكَّةَ، ولَيْسَتْ في مَشْهُورِ ابْنِ كَثِيرٍ، فاحْتُمِلَ أنْ تَكُونَ هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ حُذِفَتْ لِدَلالَةِ أمْ عَلَيْها، كَقَوْلِهِ:
؎بِسَبْعٍ رَمَيْنَ الجَمْرَ أمْ بِثَمانِ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ إخْبارًا خاطَبَهُ بِذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّقْرِيعِ، وأمْ تَكُونُ مُنْقَطِعَةً، والمَعْنى: بَلْ أنْتَ مِنَ العالِينَ عِنْدَ نَفْسِكَ اسْتِخْفافًا بِهِ.
﴿قالَ أنا خَيْرٌ مِنهُ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ذَلِكَ في الأعْرافِ.
﴿قالَ فاخْرُجْ مِنها﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مِثْلِ ذَلِكَ في الحِجْرِ، إلّا أنَّ هُنا ﴿لَعْنَتِي﴾ وهُناكَ (اللَّعْنَةُ) أعَمُّ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ ويَلْعَنُهُمُ اللّاعِنُونَ﴾ [البقرة: ١٥٩] وأمّا بِالإضافَةِ، فالعُمُومُ في اللَّعْنَةِ أعَمُّ، واللَّعَناتُ إنَّما تَحْصُلُ مِن جِهَةِ أنَّ مَن عَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ كانَتْ عَلَيْهِ لَعْنَةُ كُلِّ لاعِنٍ، هَذا مِن جِهَةِ المَعْنى، وأمّا بِاللَّفْظِ فَيَقْتَضِي التَّخْصِيصَ.
﴿قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ﴾: أقْسَمَ إبْلِيسُ هُنا بِعِزَّةِ اللَّهِ، وقالَ في الأعْرافِ: ﴿فَبِما أغْوَيْتَنِي لَأقْعُدَنَّ﴾ [الأعراف: ١٦]، وفي الحِجْرِ: ﴿رَبِّ بِما أغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ﴾ [الحجر: ٣٩] . وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِما في مَوْضِعِهِما، وإنَّ مِنَ المُفَسِّرِينَ مَن قالَ: إنَّ الباءَ في: ﴿بِما أغْوَيْتَنِي﴾ [الحجر: ٣٩] وفي: ﴿فَبِما أغْوَيْتَنِي﴾ [الأعراف: ١٦] لَيْسَتْ باءَ القَسَمِ. فَإنْ كانَتْ باءَ القَسَمِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ في مَوْطِنَيْنِ: فَهُنا: ﴿لَأُغْوِيَنَّهُمْ﴾، وفي الأعْرافِ: ﴿لَأقْعُدَنَّ﴾ [الأعراف: ١٦]، وفي الحِجْرِ: ﴿لَأُزَيِّنَنَّ﴾ [الحجر: ٣٩] .
(p-٤١١)وقَرَأ الجُمْهُورُ: (فالحَقَّ والحَقَّ) بِنَصْبِهِما. أمّا الأوَّلُ فَمُقْسَمٌ بِهِ، حُذِفَ مِنهُ الحَرْفُ كَقَوْلِهِ: (أمانَةَ اللَّهِ لَأقُومَنَّ)، والمُقْسَمُ عَلَيْهِ (لَأمْلَأنَّ) .
﴿والحَقَّ أقُولُ﴾: اعْتِراضٌ بَيْنَ القَسَمِ وجَوابِهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومَعْناهُ: ولا أقُولُ إلّا الحَقَّ. انْتَهى؛ لِأنَّ عِنْدَهُ تَقُدُّمَ المَفْعُولِ يُفِيدُ الحَصْرَ. والحَقُّ المُقْسَمُ بِهِ إمّا اسْمُهُ تَعالى الَّذِي في قَوْلِهِ: ﴿أنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ المُبِينُ﴾ [النور: ٢٥]، أوِ الَّذِي هو نَقِيضُ الباطِلِ. وقِيلَ: ﴿فالحَقُّ﴾ مَنصُوبٌ عَلى الإغْراءِ، أيْ: فالزَمُوا الحَقَّ، و(لَأمْلَأنَّ): جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ. وقالَ الفَرّاءُ: هو عَلى مَعْنى قَوْلِكَ: حَقًّا لا شَكَّ، ووُجُودُ الألِفِ واللّامِ وطَرْحُهُما سَواءٌ، أيْ: لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ حَقًّا. انْتَهى.
وهَذا المَصْدَرُ الجائِي تَوْكِيدًا لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ، لا يَجُوزُ تَقْدِيمُهُ عِنْدَ جُمْهُورِ النُّحاةِ، وذَلِكَ مَخْصُوصٌ بِالجُمْلَةِ الَّتِي جُزْآها مَعْرِفَتانِ جامِدَتانِ جُمُودًا مَحْضًا.
وقالَ صاحِبُ البَسِيطِ: وقَدْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخَبَرُ نَكِرَةً، قالَ: والمُبْتَدَأُ يَكُونُ ضَمِيرًا نَحْوَ: هو زَيْدٌ مَعْرُوفًا، وهو الحَقُّ بَيِّنًا، وأنا الأمِيرُ مُفْتَخِرًا؛ ويَكُونُ ظاهِرًا كَقَوْلِكَ: زِيدٌ أبُوكَ عَطُوفًا، وأخُوكَ زَيْدٌ مَعْرُوفًا. انْتَهى.
وقالَتِ العَرَبُ: زَيْدٌ قائِمٌ غَيْرَ ذِي شَكٍّ، فَجاءَتِ الحالُ بَعْدَ جُمْلَةٍ، والخَبَرُ نَكِرَةً، وهي حالٌ مُؤَكِّدَةٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ، وكَأنَّ الفَرّاءَ لَمْ يَشْتَرِطْ هَذا الَّذِي ذَكَرَهُ أصْحابُنا مِن كَوْنِ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ مَعْرُوفَيْنِ جامِدَيْنِ؛ لِأنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ تَأْكِيدِ مَضْمُونِ الجُمْلَةِ الِابْتِدائِيَّةِ وبَيْنَ تَأْكِيدِ الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ. وقِيلَ: التَّقْدِيرُ فالحَقُّ الحَقُّ، أيْ أفْعَلُهُ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والأعْمَشُ: بِالرَّفْعِ فِيهِما، فالأوَّلُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، قِيلَ: تَقْدِيرُهُ فالحَقُّ أنا، وقِيلَ: فالحَقُّ مِنِّي، وقِيلَ: تَقْدِيرُهُ فالحَقُّ قَسَمِي، وحُذِفَ كَما حُذِفَ في: لَعَمْرُكَ لَأقُومَنَّ، وفي: يَمِينُ اللَّهِ أبْرَحُ قاعِدًا، أيْ لَعَمْرُكَ قَسَمِي ويَمِينُ اللَّهِ قَسَمِي، وهَذِهِ الجُمْلَةُ هي جُمْلَةُ القَسَمِ، وجَوابُهُ: لَأمْلَأنَّ. وأمّا (والحَقُّ أقُولُ) فَمُبْتَدَأٌ أيْضًا، خَبَرُهُ الجُمْلَةُ، وحُذِفَ العائِدُ، كَقِراءَةِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿وكُلًّا وعَدَ اللَّهُ الحُسْنى﴾ [النساء: ٩٥] . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أمّا الأوَّلُ فَرُفِعَ عَلى الِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ في قَوْلِهِ: ﴿لَأمْلَأنَّ﴾؛ لِأنَّ المَعْنى: أنْ أمْلَأ. انْتَهى.
وهَذا لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّ لَأمْلَأنَّ جَوابُ قَسَمٍ، ويَجِبُ أنْ يَكُونَ جُمْلَةً، فَلا يَتَقَدَّرُ بِمُفْرَدٍ. وأيْضًا لَيْسَ مَصْدَرًا مُقَدَّرًا بِحَرْفٍ مَصْدَرِيٍّ والفِعْلِ حَتّى يَنْحَلَّ إلَيْهِما، ولَكِنَّهُ لَمّا صَحَّ لَهُ إسْنادُ ما قُدِّرَ إلى المُبْتَدَأِ حُكِمَ أنَّهُ خَبَرٌ عَنْهُ.
وقَرَأ الحَسَنُ، وعِيسى، و عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي حَمّادٍ عَنْ أبِي بَكْرٍ: بِجَرِّهِمْ، ويَخْرُجُ عَلى أنَّ الأوَّلَ مَجْرُورٌ بِواوِ القَسَمِ مَحْذُوفَةً، تَقْدِيرُهُ: فَوالحَقِّ، والحَقِّ مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ، كَما تَقُولُ: واللَّهِ واللَّهِ لَأقُومَنَّ، و(أقُولُ) اعْتِراضٌ بَيْنَ القَسَمِ وجَوابِهِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿والحَقَّ أقُولُ﴾: أيْ: ولا أقُولُ إلّا الحَقَّ عَلى حِكايَةِ لَفْظِ المُقْسَمَ بِهِ، ومَعْناهُ التَّوْكِيدُ والتَّسْدِيدُ، وهَذا الوَجْهُ جائِزٌ في المَنصُوبِ والمَرْفُوعِ، وهو وجْهٌ دَقِيقٌ حَسَنٌ. انْتَهى.
ومُلَخَّصُهُ أنَّهُ أعْمَلَ القَوْلَ في لَفْظِ المُقْسَمِ بِهِ عَلى سَبِيلِ الحِكايَةِ نَصْبًا أوْ رَفْعًا أوْ جَرًّا. وقَرَأ مُجاهِدٌ، والأعْمَشُ: بِخِلافٍ عَنْهُما؛ وأبانُ بْنُ تَغْلَبَ، وطَلْحَةُ في رِوايَةٍ، وحَمْزَةُ، وعاصِمٌ، عَنِ المُفَضَّلِ، وخَلَفٍ، والعَبْسِيِّ: بِرَفْعِ ﴿فالحَقُّ﴾ ونَصْبِ ﴿والحَقَّ﴾، وتَقَدَّمَ إعْرابُهُما.
والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: (أجْمَعِينَ) تَأْكِيدٌ لِلْمُحَدَّثِ عَنْهُ والمَعْطُوفُ عَلَيْهِ، وهو ضَمِيرُ إبْلِيسَ ومَن عُطِفَ عَلَيْهِ، أيْ مِنكَ ومِن تابِعِيكِ أجْمَعِينَ. وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ أجْمَعِينَ تَأْكِيدًا لِلضَّمِيرِ الَّذِي في مِنهم، مُقَدَّرٌ، لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الشَّياطِينِ ومِمَّنْ تَبِعَهم مِن جَمِيعِ النّاسِ، لا تَفاوُتَ في ذَلِكَ بَيْنَ ناسٍ وناسٍ بَعْدَ وُجُودِ الأتْباعِ مِنهم مِن أوْلادِ الأنْبِياءِ وغَيْرِهِمْ. انْتَهى.
والضَّمِيرُ في (عَلَيْهِ) عائِدٌ عَلى القُرْآنِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقِيلَ: عائِدٌ عَلى الوَحْيِ. وقِيلَ: عَلى الدُّعاءِ إلى اللَّهِ.
﴿وما أنا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ﴾: أيِ المُتَصَنِّعِينَ المُتَحَلِّينَ بِما لَيْسُوا مِن أهْلِهِ، فَأنْتَحَلُ النُّبُوَّةَ والقَوْلَ عَلى اللَّهِ.
(إنْ هو) أيِ: القُرْآنُ، ﴿إلّا ذِكْرٌ﴾: أيْ: مِنَ اللَّهِ، ﴿لِلْعالَمِينَ﴾: الثَّقَلَيْنِ الإنْسِ والجِنِّ.
﴿ولَتَعْلَمُنَّ نَبَأهُ﴾: أيْ عاقِبَةَ خَبَرِهِ لِمَن آمَنَ بِهِ ومَن أعْرَضَ عَنْهُ، ﴿بَعْدَ حِينٍ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ وابْنُ زَيْدٍ: يَعْنِي يَوْمَ القِيامَةِ. وقالَ قَتادَةُ، والفَرّاءُ، والزَّجّاجُ: بَعْدَ المَوْتِ. وكانَ الحَسَنُ يَقُولُ: يا ابْنَ آدَمَ، عِنْدَ المَوْتِ (p-٤١٢)يَأْتِيكَ الخَبَرُ اليَقِينُ. وقِيلَ: المَعْنى لَيَظْهَرَنَّ لَكم حَقِيقَةُ ما أقُولُ.
﴿بَعْدَ حِينٍ﴾ أيْ: في المُسْتَأْنَفِ، إذا أخَذَتْكم سُيُوفُ المُسْلِمِينَ، وذَلِكَ يَوْمَ بَدْرٍ، وأشارَ إلى ذَلِكَ السُّدِّيُّ.
* *
سُورَةُ الزُّمَرِ خَمْسٌ وسَبْعُونَ آيَةً، مَكِّيَّةٌ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ [الزمر: ١] ﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ فاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر: ٢] ﴿ألا لِلَّهِ الدِّينُ الخالِصُ والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى إنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهم في ما هم فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن هو كاذِبٌ كَفّارٌ﴾ [الزمر: ٣] ﴿لَوْ أرادَ اللَّهُ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا لاصْطَفى مِمّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ سُبْحانَهُ هو اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ [الزمر: ٤] ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلى النَّهارِ ويُكَوِّرُ النَّهارَ عَلى اللَّيْلِ وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأجَلٍ مُسَمًّى ألا هو العَزِيزُ الغَفّارُ﴾ [الزمر: ٥] ﴿خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنها زَوْجَها وأنْزَلَ لَكم مِنَ الأنْعامِ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ يَخْلُقُكم في بُطُونِ أُمَّهاتِكم خَلْقًا مِن بَعْدِ خَلْقٍ في ظُلُماتٍ ثَلاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم لَهُ المُلْكُ لا إلَهَ إلّا هو فَأنّى تُصْرَفُونَ﴾ [الزمر: ٦] ﴿إنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكم ولا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ وإنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكم ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ثُمَّ إلى رَبِّكم مَرْجِعُكم فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ [الزمر: ٧] ﴿وإذا مَسَّ الإنْسانَ ضُرٌّ دَعا رَبَّهُ مُنِيبًا إلَيْهِ ثُمَّ إذا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنهُ نَسِيَ ما كانَ يَدْعُو إلَيْهِ مِن قَبْلُ وجَعَلَ لِلَّهِ أنْدادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إنَّكَ مِن أصْحابِ النّارِ﴾ [الزمر: ٨] ﴿أمْ مَن هو قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِدًا وقائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ ويَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبابِ﴾ [الزمر: ٩] ﴿قُلْ يا عِبادِي الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكم لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وأرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ إنَّما يُوَفّى الصّابِرُونَ أجْرَهم بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ [الزمر: ١٠] ﴿قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر: ١١] ﴿وأُمِرْتُ لِأنْ أكُونَ أوَّلَ المُسْلِمِينَ﴾ [الزمر: ١٢] ﴿قُلْ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الزمر: ١٣] ﴿قُلِ اللَّهَ أعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ [الزمر: ١٤] ﴿فاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِن دُونِهِ قُلْ إنَّ الخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ ألا ذَلِكَ هو الخُسْرانُ المُبِينُ﴾ [الزمر: ١٥] ﴿لَهم مِن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النّارِ ومِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ يا عِبادِ فاتَّقُونِ﴾ [الزمر: ١٦] ﴿والَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ أنْ يَعْبُدُوها وأنابُوا إلى اللَّهِ لَهُمُ البُشْرى فَبَشِّرْ عِبادِي﴾ [الزمر: ١٧] ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وأُولَئِكَ هم أُولُو الألْبابِ﴾ [الزمر: ١٨] ﴿أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ أفَأنْتَ تُنْقِذُ مَن في النّارِ﴾ [الزمر: ١٩] ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم لَهم غُرَفٌ مِن فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ وعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ المِيعادَ﴾ [الزمر: ٢٠] ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ في الأرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا ألْوانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطامًا إنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرى لِأُولِي الألْبابِ﴾ [الزمر: ٢١] ﴿أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ فَهو عَلى نُورٍ مِن رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهم مِن ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الزمر: ٢٢] ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ كِتابًا مُتَشابِهًا مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهم وقُلُوبُهم إلى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشاءُ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ [الزمر: ٢٣] ﴿أفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ وقِيلَ لِلظّالِمِينَ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ [الزمر: ٢٤] ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأتاهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ [الزمر: ٢٥] ﴿فَأذاقَهُمُ اللَّهُ الخِزْيَ في الحَياةِ الدُّنْيا ولَعَذابُ الآخِرَةِ أكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٢٦] ﴿ولَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ [الزمر: ٢٧] ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ [الزمر: ٢٨] ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ ورَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا الحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٢٩] ﴿إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهم مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠] ﴿ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكم تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر: ٣١] . (p-٤١٣)التَّكْوِيرُ: اللَّفُّ واللَّيُّ، يُقالُ: كارَ العِمامَةَ عَلى رَأْسِهِ وكَوَّرَها. خَوَّلَهُ النِّعْمَةَ أيْ: أعْطاهُ ابْتِداءً مِن غَيْرِ مُجازاةٍ، ولا يُقالُ في الجَزاءِ خَوَّلَ. قالَ زُهَيْرٌ:
؎هُنالِكَ إنْ يُسْتَخْوَلُوا المالَ يُخَوَّلُوا
ويُرْوى: يُسْتَخْيَلُوا المالَ يُخَيَّلُوا
وقالَ أبُو النَّجْمِ:
؎أعْطى فَلَمْ يَبْخَلْ ولَمْ يُبَخِّلْ ∗∗∗ كَوْمَ الذُّرى مِن خَوَلِ المَخْوِلِ
هاجَ الزَّرْعُ: ثارَ مِن مَنابِتِهِ، وقِيلَ: يَبِسَ. الحُطامُ: الفُتاتُ بَعْدَ يُبْسِهِ. القُشَعْرِيرَةُ: تَقَبُّضُ الجِلْدِ، يُقالُ: اقْشَعَرَّ جِلْدُهُ مِنَ الخَوْفِ: وقَفَ شَعْرُهُ، وهو مَثَلٌ في شِدَّةِ الخَوْفِ. الشِّكاسَةُ: سُوءُ الخُلُقِ وعُسْرُهُ.
الزمر 39:1
﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ ﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ فاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ ﴿ألا لِلَّهِ الدِّينُ الخالِصُ والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى إنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهم في ما هم فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن هو كاذِبٌ كَفّارٌ﴾ ﴿لَوْ أرادَ اللَّهُ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا لاصْطَفى مِمّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ سُبْحانَهُ هو اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلى النَّهارِ ويُكَوِّرُ النَّهارَ عَلى اللَّيْلِ وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأجَلٍ مُسَمًّى ألا هو العَزِيزُ الغَفّارُ﴾ ﴿خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنها زَوْجَها وأنْزَلَ لَكم مِنَ الأنْعامِ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ يَخْلُقُكم في بُطُونِ أُمَّهاتِكم خَلْقًا مِن بَعْدِ خَلْقٍ في ظُلُماتٍ ثَلاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم لَهُ المُلْكُ لا إلَهَ إلّا هو فَأنّى تُصْرَفُونَ﴾ ﴿إنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكم ولا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ وإنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكم ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ثُمَّ إلى رَبِّكم مَرْجِعُكم فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ .
(p-٤١٤)هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: إلّا ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ﴾ [الزمر: ٢٣]، و﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا﴾ [الزمر: ٥٣] . وعَنْ مُقاتِلٍ: إلّا ﴿يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا﴾ [الزمر: ٥٣]، وقَوْلُهُ: ﴿قُلْ يا عِبادِي الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكم لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ﴾ [الزمر: ١٠] . وعَنْ بَعْضِ السَّلَفِ: إلّا ﴿يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا﴾ [الزمر: ٥٣]، إلى قَوْلِهِ: (تَشْعُرُونَ)، ثَلاثُ آياتٍ. وعَنْ بَعْضِهِمْ: إلّا سَبْعَ آياتٍ، مِن قَوْلِهِ: ﴿يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا﴾ [الزمر: ٥٣] . ومُناسَبَتُها لِآخَرِ ما قَبْلَها أنَّهُ خَتَمَ السُّورَةَ المُتَقَدِّمَةَ بِقَوْلِهِ: (إنْ هو إلّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ)، وبَدَأ هُنا: (تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ) . وقالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: (تَنْزِيلُ) مُبْتَدَأٌ، و(مِنَ اللَّهِ) الخَبَرُ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هَذا (تَنْزِيلُ)، و(مِنَ اللَّهِ) مُتَعَلِّقٌ بِـ (تَنْزِيلُ) وأقُولُ: إنَّهُ خَبَرٌ، والمُبْتَدَأُ هو لِيَعُودَ عَلى قَوْلِهِ: (إنْ هو إلّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ)، كَأنَّهُ قِيلَ: وهَذا الذِّكْرُ ما هو ؟ فَقِيلَ: هو تَنْزِيلُ الكِتابِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ غَيْرُ صِلَةٍ، يَعْنِي مِنَ اللَّهِ، كَقَوْلِكَ: هَذا الكِتابُ مِن فُلانٍ إلى فُلانٍ، وهو عَلى هَذا خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: هَذا تَنْزِيلُ الكِتابِ، هَذا مِنَ اللَّهِ، أوْ حالٌ مِن (تَنْزِيلُ) عَمِلَ فِيها مَعْنى الإشارَةِ. انْتَهى.
ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا عَمِلَ فِيها مَعْنى الإشارَةِ؛ لِأنَّ مَعانِيَ الأفْعالِ لا تَعْمَلُ إذا كانَ ما هو فِيهِ مَحْذُوفًا، ولِذَلِكَ رَدُّوا عَلى أبِي العَبّاسِ قَوْلَهُ في بَيْتِ الفَرَزْدَقِ:
؎وإذْ ما مِثْلَهم بَشَرُ
أنَّ مِثْلَهم مَنصُوبٌ بِالخَبَرِ المَحْذُوفِ وهو مُقَدَّرٌ، أيْ: وأنَّ ما في الوُجُودِ في حالِ مُماثَلَتِهِمْ بَشَرٌ.
والكِتابُ يَظْهَرُ أنَّهُ القُرْآنُ، وكُرِّرَ في قَوْلِهِ: (إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ) عَلى جِهَةِ التَّفْخِيمِ والتَّعْظِيمِ، وكَوْنُهُ في جُمْلَةٍ غَيْرِ السّابِقَةِ مَلْحُوظًا فِيهِ إسْنادُهُ إلى ضَمِيرِ العَظَمَةِ، وتَشْرِيفُ مَن أُنْزِلَ إلَيْهِ بِالخِطابِ، وتَخْصِيصُهُ بِالحَقِّ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وعِيسى: (تَنْزِيلَ) بِالنَّصْبِ، أيْ: اقْرَأْ والزَمْ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: قالَ المُفَسِّرُونَ في (تَنْزِيلُ الكِتابِ): هو القُرْآنُ، ويَظْهَرُ لِي أنَّهُ اسْمٌ عامٌّ لِجَمِيعِ ما تَنَزَّلَ مِن عِنْدِ اللَّهِ مِنَ الكُتُبِ، وكَأنَّهُ أخْبَرَ إخْبارًا مُجَرَّدًا أنَّ الكُتُبَ الهادِيَةَ الشّارِعَةَ إنَّما تَنْزِيلُها مِنَ اللَّهِ، وجَعَلَ هَذا الإخْبارَ تَقْدِمَةً وتَوْطِئَةً لِقَوْلِهِ: (إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ)، والعَزِيزُ في قُدْرَتِهِ، الحَكِيمُ في ابْتِداعِهِ. والكِتابُ الثّانِي هو القُرْآنُ، لا يَحْتَمِلُ غَيْرَ ذَلِكَ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): ما المُرادُ بِالكِتابِ ؟ (قُلْتُ): الظّاهِرُ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ أنَّهُ القُرْآنُ، وعَلى الثّانِي أنَّهُ السُّورَةُ. انْتَهى.
و(بِالحَقِّ) في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: مُلْتَبِسًا بِالحَقِّ، وهو الصِّدْقُ الثّابِتُ فِيما أوْدَعْناهُ مِن إثْباتِ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ والمَعادِ والتَّكالِيفِ، فَهَذا كُلُّهُ حَقٌّ وصِدْقٌ يَجِبُ اعْتِقادُهُ والعَمَلُ بِهِ، أوْ يَكُونُ بِالحَقِّ: بِالدَّلِيلِ عَلى أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وهو عَجْزُ الفُصَحاءِ عَنْ مُعارَضَتِهِ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ أيْ: مُتَضَمِّنًا الحَقَّ فِيهِ وفي أحْكامِهِ وفي أخْبارِهِ، أوْ بِمَعْنى الِاسْتِحْقاقِ وشُمُولِ المَنفَعَةِ لِلْعالَمِ في هِدايَتِهِمْ ودَعْوَتِهِمْ إلى اللَّهِ. انْتَهى مُلَخَّصًا.
ولَمّا امْتَنَّ تَعالى عَلى رَسُولِهِ بِإنْزالِ الكِتابِ عَلَيْهِ بِالحَقِّ، وكانَ الحَقُّ إخْلاصَ العِبادَةِ لِلَّهِ، أمَرَهُ تَعالى بِعِبادَتِهِ، فَقالَ: ﴿فاعْبُدِ اللَّهَ﴾، وكَأنَّ هَذا الأمْرَ ناشِئٌ عَنْ إنْزالِ الكِتابِ، فالفاءُ فِيهِ لِلرَّبْطِ، كَما تَقُولُ: أحْسَنَ إلَيْكَ زَيْدٌ فاشْكُرْهُ.
(مُخْلِصًا) أيْ: مُمْحِضًا، (لَهُ الدِّينَ): مِنَ الشِّرْكِ والرِّياءِ وسائِرِ ما يُفْسِدُهُ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: (الدِّينَ) بِالنَّصْبِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِالرَّفْعِ فاعِلًا بِمُخْلِصًا والرّاجِعُ لِذِي الحالِ مَحْذُوفٌ عَلى رَأْيِ البَصْرِيِّينَ، أيْ: الدِّينُ مِنكَ، أوْ يَكُونُ ألْ عِوَضًا مِنَ الضَّمِيرِ، أيْ: دِينُكَ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وحَقُّ مَن رَفَعَهُ أنْ يَقْرَأ (مُخْلَصًا) بِفَتْحِ اللّامِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأخْلَصُوا دِينَهم لِلَّهِ﴾ [النساء: ١٤٦]، حَتّى يُطابِقَ قَوْلَهُ: ﴿ألا لِلَّهِ الدِّينُ الخالِصُ﴾، والخالِصُ والمُخْلَصُ واحِدٌ، إلّا أنْ يَصِفَ الدِّينَ بِصِفَةِ صاحِبِهِ عَلى الإسْنادِ المَجازِيِّ، كَقَوْلِهِمْ: شِعْرُ شاعِرٍ.
وأمّا مَن جَعَلَ (مُخْلِصًا) حالًا مِنَ العابِدِ، و(لَهُ الدِّينُ) مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، فَقَدْ جاءَ بِإعْرابٍ رَجَعَ بِهِ الكَلامُ إلى قَوْلِكَ: لِلَّهِ الدِّينُ، أيْ: لِلَّهِ الدِّينُ الخالِصُ. انْتَهى.
وقَدْ قَدَّمَنا تَخْرِيجَهُ عَلى أنَّهُ فاعِلٌ بِمُخْلِصًا، وقَدَّرْنا ما يَرْبُطُ الحالَ بِصاحِبِها، ومِمَّنْ ذَهَبَ إلى أنَّ لَهُ (p-٤١٥)الدِّينُ مُسْتَأْنَفٌ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ الفَرّاءُ.
﴿ألا لِلَّهِ الدِّينُ الخالِصُ﴾ أيْ: مِن كُلِّ شائِبَةٍ وكَدَرٍ، فَهو الَّذِي يَجِبُ أنْ تُخْلَصَ لَهُ الطّاعَةُ، لِاطِّلاعِهِ عَلى الغُيُوبِ والأسْرارِ، ولِخُلُوصِ نِعْمَتِهِ عَلى عِبادِهِ مِن غَيْرِ اسْتِجْرارِ مَنفَعَةٍ مِنهم.
قالَ الحَسَنُ: الدِّينُ الخالِصُ: الإسْلامُ؛ وقالَ قَتادَةُ: شَهادَةُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ.
(والَّذِينَ اتَّخَذُوا): مُبْتَدَأٌ، والظّاهِرُ أنَّهُمُ المُشْرِكُونَ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ الخَبَرُ ”قالَ“ المَحْذُوفَ المَحْكِيَّ بِهِ قَوْلُهُ: ﴿ما نَعْبُدُهُمْ﴾، أيْ: والمُشْرِكُونَ المُتَّخِذُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أوْلِياءَ قالُوا: ما نَعْبُدُ تِلْكَ الأوْلِياءَ ﴿إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى﴾، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ الخَبَرَ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾، وذَلِكَ القَوْلُ المَحْذُوفُ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: اتَّخَذُوهم قائِلِينَ ما نَعْبُدُهم. وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ الخَبَرُ (إنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ)، و”قالُوا“ المَحْذُوفَةُ بَدَلٌ مِنِ ”اتَّخَذُوا“ صِلَةِ الَّذِينَ، فَلا يَكُونُ لَهُ مَوْضِعٌ مِنَ الإعْرابِ، وكَأنَّهُ مِن بَدَلِ الِاشْتِمالِ.
وفِي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ: قالُوا ما نَعْبُدُهم، وبِهِ قَرَأ هو وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ وابْنُ جُبَيْرٍ، وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ (والَّذِينَ اتَّخَذُوا) بِمَعْنى المُتَّخَذِينَ، وهُمُ المَلائِكَةُ وعِيسى واللّاتُ والعُزّى ونَحْوُهم، والضَّمِيرُ في ”اتَّخَذُوا“ عائِدٌ عَلى المَوْصُولِ، مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: والَّذِينَ اتَّخَذَهُمُ المُشْرِكُونَ أوْلِياءَ، و(أوْلِياءَ) مَفْعُولٌ ثانٍ، وهَذا الَّذِي أجازَهُ خِلافُ الظّاهِرِ، وهَذِهِ المَقالَةُ شائِعَةٌ في العَرَبِ، فَقالَ ذَلِكَ ناسٌ مِنهم في المَلائِكَةِ، وناسٌ في الأصْنامِ والأوْثانِ.
قالَ مُجاهِدٌ: وقَدْ قالَ ذَلِكَ قَوْمٌ مِنَ اليَهُودِ في عُزَيْرٍ، وقَوْمٌ مِنَ النَّصارى في المَسِيحِ. وقُرِئَ: ﴿ما نَعْبُدُهُمْ﴾ بِضَمِّ النُّونِ، إتْباعًا لِحَرَكَةِ الباءِ.
﴿إنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾: اقْتَصَرَ في الرَّدِّ عَلى مُجَرَّدِ التَّهْدِيدِ، والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في (بَيْنَهم) عائِدٌ عَلى المُتَّخِذِينَ والمُتَّخَذِينَ، والحُكْمُ بَيْنَهم هو بِإدْخالِ المَلائِكَةِ وعِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - الجَنَّةَ، ويُدْخِلُهُمُ النّارَ مَعَ الحِجارَةِ والخَشَبِ الَّتِي نَحَتُوها وعَبَدُوها مِن دُونِ اللَّهِ، يُعَذِّبُهم بِها، حَيْثُ يَجْعَلُهم وإيّاها حَصَبَ جَهَنَّمَ. واخْتِلافُهم أنَّ مَن عَبَدُوهُ كالمَلائِكَةِ وعِيسى كانُوا مُتَبَرِّئِينَ مِنهم لاعِنِينَ لَهم مُوَحِّدِينَ لِلَّهِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في ”بَيْنَهم“ عائِدٌ عَلى المُشْرِكِينَ والمُؤْمِنِينَ، إذا كانُوا يَلُومُونَهم عَلى عِبادَةِ الأصْنامِ فَيَقُولُونَ: ﴿ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى﴾، والحُكْمُ إذْ ذاكَ هو في يَوْمِ القِيامَةِ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ.
﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن هو كاذِبٌ كَفّارٌ﴾: كاذِبٌ في دَعْواهُ: أنَّ لِلَّهِ شَرِيكًا، كَفّارٌ لِأنْعُمِ اللَّهِ حَيْثُ جَعَلَ مَكانَ الشُّكْرِ الكُفْرَ، والمَعْنى: لا يَهْدِي مَن خَتَمَ عَلَيْهِ بِالمُوافاةِ عَلى الكُفْرِ فَهو عامٌّ، والمَعْنى عَلى الخُصُوصِ: فَكَمْ قَدْ هَدى مَن سَبَقَ مِنهُ الكَذِبُ والكُفْرُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لا يَهْدِي الكاذِبَ الكافِرَ في حالِ كَذِبِهِ وكُفْرِهِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: المُرادُ بِمَنعِ الهِدايَةِ: مَنعُ اللُّطْفِ تَسْجِيلًا عَلَيْهِمْ بِأنْ لا لُطْفَ لَهم، وأنَّهم في عِلْمِ اللَّهِ مِنَ الهالِكِينَ. انْتَهى.
وهُوَ عَلى طَرِيقِ الِاعْتِزالِ. وقَرَأ أنَسُ بْنُ مالِكٍ، والجَحْدَرَيُّ، والحَسَنُ، والأعْرَجُ، وابْنُ يَعْمُرَ: (كَذّابٌ كَفّارٌ) . وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (كَذُوبٌ وكَفُورٌ) .
ولَمّا كانَ مِن كَذِبِهِمْ دَعْوى بَعْضِهِمْ أنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ، وعَبَدُوها عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لَوْ أرادَ اللَّهُ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا﴾، تَشْرِيفًا لَهُ وتَبَنِّيًا، إذْ يَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ في حَقِّهِ تَعالى بِالتَّوالُدِ المَعْرُوفِ، ﴿لاصْطَفى﴾ أيِ: اخْتارَ مِن مَخْلُوقاتِهِ ما يَشاءُ ولَدًا عَلى سَبِيلِ التَّبَنِّي، ولَكِنَّهُ تَعالى لَمْ يَشَأْ ذَلِكَ لِقَوْلِهِ: ﴿وما يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا﴾ [مريم: ٩٢]، وهو عامٌّ في اتِّخاذِ النَّسْلِ واتِّخاذِ الِاصْطِفاءِ.
ويَدُلُّ عَلى أنَّ الِاتِّخاذَ هو التَّبَنِّي والِاصْطِفاءُ - قَوْلُهُ: (مِمّا يَخْلُقُ) أيْ: مِنَ الَّتِي أنْشَأها واخْتَرَعَها؛ ثُمَّ نَزَّهَ تَعالى نَفْسَهُ تَنْزِيِهًا مُطْلَقًا، فَقالَ: (سُبْحانَهُ)، ثُمَّ وصَفَ نَفْسَهُ بِالوَحْدانِيَّةِ والقَهْرِ لِجَمِيعِ العالَمِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي لَوْ أرادَ اتِّخاذَ الوَلَدِ لامْتَنَعَ، ولَمْ يَصِحَّ لِكَوْنِهِ مُحالًا، ولَمْ يَتَأتَّ إلّا أنْ يَصْطَفِيَ مِن خَلْقِهِ بَعْضَهم، ويَخْتَصَّهم ويُقَرِّبَهم كَما يَخْتَصُّ الرَّجُلُ ولَدَهُ ويُقَرِّبُهُ، وقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ بِالمَلائِكَةِ، فافْتَتَنْتُمْ بِهِ وغَرَّكُمُ اخْتِصاصُهُ إيّاهم، فَزَعَمْتُمْ أنَّهم أوْلادُهُ جَهْلًا مِنكم بِهِ، وبِحَقِيقَةِ المُخالَفَةِ لِحَقائِقِ الأجْسامِ والأعْراضِ، كَأنَّهُ قالَ: لَوْ أرادَ اتِّخاذَ الوَلَدِ، لَمْ يَزِدْ عَلى ما فَعَلَ مِنِ اصْطِفاءِ ما شاءَ مِن خَلْقِهِ، وهُمُ المَلائِكَةُ، إلّا لِأنَّكم لِجَهْلِكم بِهِ حَسِبْتُمُ (p-٤١٦)اصْطِفاءَهُمُ اتِّخاذَهم أوْلادًا، ثُمَّ تَمادَيْتُمْ في جَهْلِكم وسَفَهِكم فَجَعَلْتُمُوهم بَناتٍ وكُنْتُمْ كَذّابِينَ كَفّارِينَ مُبالِغِينَ في الِافْتِراءِ عَلى اللَّهِ ومَلائِكَتِهِ. انْتَهى.
والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ تَرْكِيبُ ”لَوْ“ وجَوابِها أنَّهُ كانَ يَتَرَتَّبُ اصْطِفاءُ الوَلَدِ مِمّا يَخْلُقُ عَلى تَقْدِيرِ اتِّخاذِهِ لَكِنَّهُ لَمْ يَتَّخِذْهُ فَلا يَصْطَفِيهِ. وأمّا ما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِن قَوْلِهِ: يَعْنِي لَوْ أرادَ إلى آخِرِهِ، وقَوْلِهِ بَعْدُ: كَأنَّهُ قالَ: لَوْ أرادَ اتِّخاذَ الوَلَدِ لَمْ يَزِدْ عَلى ما فَعَلَ مِنِ اصْطِفاءِ ما شاءَ مِن خَلْقِهِ وهُمُ المَلائِكَةُ فَلَيْسَ مَفْهُومًا مِن قَوْلِهِ: ﴿لَوْ أرادَ اللَّهُ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا لاصْطَفى مِمّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ .
ولَمّا نَزَّهَ تَعالى نَفْسَهُ ووَصَفَ ذاتَهُ بِالوَحْدَةِ والقَهْرِ، ذَكَرَ ما دَلَّ عَلى ذَلِكَ مِنِ اخْتِراعِ العالَمِ العُلْوِيِّ والسُّفْلِيِّ بِالحَقِّ، وتَكْوِيرِ اللَّيْلِ والنَّهارِ، وتَسْخِيرِ النَّيِّرَيْنِ وجَرْيِهِما عَلى نِظامٍ واحِدٍ، واتِّساقِ أمْرِهِما عَلى ما أرادَ إلى أجَلٍ مُسَمًّى، وهو يَوْمُ القِيامَةِ، حَيْثُ تَخْرُبُ بِنْيَةُ هَذا العالَمِ فَيَزُولُ جَرْيُهُما، أوْ إلى وقْتِ مَغِيبِهِما كُلَّ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ، أوْ وقْتِ قَوايِسِها كُلَّ شَهْرٍ.
والتَّكْوِيرُ: تَطْوِيلٌ مِنهُما عَلى الآخَرِ، فَكَأنَّ الآخَرَ صارَ عَلَيْهِ جُزْءٌ مِنهُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَحْمِلُ اللَّيْلَ عَلى النَّهارِ. وقالَ الضَّحّاكُ: يُدْخِلُ الزِّيادَةَ في أحَدِهِما بِالنُّقْصانِ مِنَ الآخَرِ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: يُدْخِلُ هَذا عَلى هَذا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وفِيهِ أوْجُهٌ: مِنها: أنَّ اللَّيْلَ والنَّهارَ خِلْفَةٌ، يَذْهَبُ هَذا ويَغْشى مَكانَهُ هَذا؛ وإذا غُشِّيَ مَكانَهُ فَكَأنَّما أُلْبِسَهُ ولُفَّ عَلَيْهِ كَما يُلَفُّ عَلى اللّابِسِ اللِّباسُ؛ ومِنها: أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما يُغِيِّبُ الآخَرَ إذا طَرَأ عَلَيْهِ، فَشُبِّهَ في تَغْيِيبِهِ إيّاهُ بِشَيْءٍ ظاهِرٍ لُفَّ عَلَيْهِ ما غَيَّبَهُ مِن مَطامِحِ الأبْصارِ؛ ومِنها أنَّ هَذا يَكُرُّ عَلى هَذا كُرُورًا مُتَتابِعًا، فَشُبِّهَ ذَلِكَ بِتَتابُعِ أكْوارِ العِمامَةِ بَعْضِها عَلى أثَرِ بَعْضٍ. انْتَهى.
﴿ألا هو العَزِيزُ الغَفّارُ﴾: العَزِيزُ الَّذِي لا يُغالَبُ، الغَفّارُ لِمَن تابَ، أوِ الحَلِيمُ الَّذِي لا يَعْجَلُ، سُمِّيَ الحِلْمُ غُفْرانًا مَجازًا.
ولَمّا ذَكَرَ ما دَلَّ عَلى وحْدانِيَّتِهِ وقَهْرِهِ، ذَكَرَ الإنْسانَ، وهو الَّذِي كُلِّفَ بِأعْباءِ التَّكالِيفِ، فَذَكَرَ أنَّهُ أوْجَدَنا مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ، وهي آدَمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وذَلِكَ أنَّ حَوّاءَ عَلى ما رُوِيَ خُلِقَتْ مِن آدَمَ، فَقَدْ صارَ خَلْقًا مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ لِوَساطَةِ حَوّاءَ. وقِيلَ: أخْرَجَ ذُرِّيَّةَ آدَمَ مِن ظَهْرِهِ كالذَّرِّ، ثُمَّ خَلَقَ بَعْدَ ذَلِكَ حَوّاءَ، فَعَلى هَذا كانَ خَلْقًا مِن آدَمَ بِغَيْرِ واسِطَةٍ. وجاءَتْ عَلى هَذا القَوْلِ عَلى وضْعِها، ثُمَّ لِلْمُهْلَةِ في الزَّمانِ، وعَلى القَوْلِ الأوَّلِ يَظْهَرُ أنَّ خَلْقَ حَوّاءَ كانَ بَعْدَ خَلْقِنا، ولَيْسَ كَذَلِكَ، فَثُمَّ جاءَ لِتَرْتِيبِ الأخْبارِ كَأنَّهُ قِيلَ: ثُمَّ كانَ مِن أمْرِهِ قَبْلَ ذَلِكَ أنْ جَعَلَ مِنها زَوْجَها، فَلَيْسَ التَّرْتِيبُ في زَمانِ الجَعْلِ. وقِيلَ: ثُمَّ مَعْطُوفٌ عَلى الصِّفَةِ الَّتِي هي واحِدَةٌ، أيْ: مِن نَفْسٍ وحَدَتْ، أيِ: انْفَرَدَتْ.
(ثُمَّ جَعَلَ)، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): ما وجْهُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنها زَوْجَها﴾، وما تُعْطِيهِ مِن مَعْنى التَّراخِي ؟ (قُلْتُ): هُما آيَتانِ مِن جُمْلَةِ الآياتِ الَّتِي عَدَّدَها دالًّا عَلى وحْدانِيَّتِهِ وقُدْرَتِهِ. تَشَعَّبَ هَذا الفائِتُ لِلْحَصْرِ مِن نَفْسِ آدَمَ، وخَلَقَ حَوّاءَ مِن قُصَيْراهُ، إلّا أنَّ إحْداهُما جَعَلَها اللَّهُ عادَةً مُسْتَمِرَّةً، والأُخْرى لَمْ تَجْرِ بِها العادَةُ، ولَمْ تُخْلَقْ أُنْثى غَيْرُ حَوّاءَ مِن رَجُلٍ، فَكانَتْ أدْخَلَ في كَوْنِها آيَةً، وأجْلَبَ لِعَجَبِ السّامِعِ، فَعَطَفَها بِـ ”ثُمَّ“ عَلى الآيَةِ الأُولى، لِلدَّلالَةِ عَلى مُبايَنَتِها فَضْلًا ومَزِيَّةً، وتَراخِيها عَنْها فِيما يَرْجِعُ إلى زِيادَةِ كَوْنِها آيَةً، فَهو مِنَ التَّراخِي في الحالِ والمَنزِلَةِ، لا مِنَ التَّراخِي في الوُجُودِ. انْتَهى.
وأمّا: ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنها زَوْجَها﴾، فَقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذا الجَعْلِ في أوَّلِ سُورَةِ النِّساءِ.
ووَصْفُ الأنْعامِ بِالإنْزالِ مَجازٌ إمّا لِأنَّ قَضاياهُ تُوصَفُ بِالنُّزُولِ مِنَ السَّماءِ حَيْثُ كُتِبَ في اللَّوْحِ كُلُّ كائِنٍ يَكُونُ، وإمّا لِعَيْشِها بِالنَّباتِ، والنَّباتُ ناشِئٌ عَنِ المَطَرِ، والمَطَرُ نازِلٌ مِنَ السَّماءِ، فَكَأنَّهُ تَعالى أنْزَلَها، فَيَكُونُ مِثْلَ قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎أسْنِمَةُ الإبالِ في رَبابِهِ
أيْ: في سَحابِهِ، وقالَ آخَرُ:
؎صارَ الثَّرِيدُ في رُءُوسِ العِيدانِ
وقِيلَ: خَلَقَها في الجَنَّةِ ثُمَّ أنْزَلَها، فَعَلى هَذا يَكُونُ إنْزالُ أُصُولِها حَقِيقَةً.
والأنْعامُ: الإبِلُ والبَقَرُ والضَّأْنُ (p-٤١٧)والمَعَزُ، (ثَمانِيَةَ أزْواجٍ)؛ لِأنَّ كُلًّا مِنها ذَكَرٌ وأُنْثى، والزَّوْجُ ما كانَ مَعَهُ آخَرُ مِن جِنْسِهِ، فَإذا انْفَرَدَ فَهو فَرْدٌ ووِتْرٌ. وقالَ تَعالى: ﴿فَجَعَلَ مِنهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ [القيامة: ٣٩] .
قالَ ابْنُ زَيْدٍ: ﴿خَلْقًا مِن بَعْدِ خَلْقٍ﴾: آخَرَ مِن ظَهْرِ آدَمَ وظُهُورِ الآباءِ. وقالَ عِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ: رُتَبًا ﴿خَلْقًا مِن بَعْدِ خَلْقٍ﴾ عَلى المُضْغَةِ والعَلَقَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ.
وأخَذَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ فَقالَ: حَيَوانًا سَوَيًّا مِن بَعْدِ عِظامٍ مَكْسُوَّةٍ لَحْمًا، مِن بَعْدِ عِظامٍ عارِيَةٍ، مِن بَعْدِ مُضَغٍ، مِن بَعْدِ عَلَقٍ، مِن بَعْدِ نُطَفٍ. انْتَهى.
وقَرَأ عِيسى وطَلْحَةُ ﴿يَخْلُقُكُمْ﴾ بِإدْغامِ القافِ في الكافِ.
والظُّلُماتُ الثَّلاثُ: البَطْنُ والرَّحِمُ والمَشِيمَةُ، وقِيلَ: الصُّلْبُ والرَّحِمُ والبَطْنُ.
(ذَلِكم): إشارَةٌ إلى المُتَّصِفِ بِتِلْكَ الأوْصافِ السّابِقَةِ مِن خَلْقِ السَّماواتِ وما بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ الأفْعالِ.
(فَأنّى تُصْرَفُونَ) أيْ: كَيْفَ تَعْدِلُونَ عَنْ عِبادَتِهِ إلى عِبادَةِ غَيْرِهِ ؟ .
(إنْ تَكْفُرُوا)، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: خِطابٌ لِلْكُفّارِ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهم. وعِبادُهُ هُمُ المُؤْمِنُونَ، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ قَبْلَهُ: (فَأنّى تُصْرَفُونَ)، وهَذا لِلْكُفّارِ، فَجاءَ (إنْ تَكْفُرُوا) خِطابًا لَهم، ﴿فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ﴾، وعَنْ عِبادَتِكم، إذْ لا يَرْجِعُ إلَيْهِ تَعالى مَنفَعَةٌ بِكم، ولا بِعِبادَتِكم إذْ هو الغَنِيُّ المُطْلَقُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُخاطِبًا لِجَمِيعِ النّاسِ؛ لِأنَّهُ تَعالى غَنِيٌّ عَنْ جَمِيعِهِمْ، وهم فُقَراءُ إلَيْهِ. انْتَهى.
ولَفْظُ (عِبادِهِ) عامٌّ، فَقِيلَ: المُرادُ الخُصُوصُ، وهُمُ المَلائِكَةُ ومُؤْمِنُو الإنْسِ والجِنِّ. والرِّضا بِمَعْنى الإرادَةِ، فَعَلى هَذا هي صِفَةُ ذاتٍ. وقِيلَ: المُرادُ العُمُومُ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ، والرِّضا مُغايِرٌ لِلْإرادَةِ، عَبَّرَ بِهِ عَنِ الشُّكْرِ والإثابَةِ، أيْ: لا يَشْكُرُهُ لَهم دِينًا ولا يُثِيبُهم بِهِ خَيْرًا، فالرِّضا عَلى هَذا صِفَةُ فِعْلٍ بِمَعْنى القَبُولِ والإثابَةِ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وتَأمَّلِ الإرادَةَ، فَإنَّ حَقِيقَتَها إنَّما هي فِيما لَمْ يَقَعْ بَعْدُ، والرِّضا حَقِيقَتُهُ إنَّما هو فِيما قَدْ وقَعَ، واعْتَبِرْ هَذا في آياتِ القُرْآنِ تَجِدْهُ، وإنْ كانَتِ العَرَبُ قَدْ تَسْتَعْمِلُ في أشْعارِهِمْ عَلى جِهَةِ التَّجَوُّزِ هَذا بَدَلَ هَذا.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولَقَدْ تَمَحَّلَ بَعْضُ الغُواةِ لِيُثْبِتَ لِلَّهِ ما نَفاهُ عَنْ ذاتِهِ مِنَ الرِّضا لِعِبادِهِ الكُفْرَ، فَقالَ: هَذا مِنَ العامِّ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ الخاصُّ، وما أرادَ إلّا عِبادَهُ الَّذِينَ عَناهم في قَوْلِهِ: (إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ)، يُرِيدُ المَعْصُومِينَ لِقَوْلِهِ: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٦]، تَعالى اللَّهُ عَمّا يَقُولُ الظّالِمُونَ. انْتَهى.
فَسَمّى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبّاسٍ - تُرْجُمانَ القُرْآنِ - وأعْلامَ أهْلِ السُّنَّةِ - بَعْضَ الغُواةِ، وأطْلَقَ عَلَيْهِمُ اسْمَ الظّالِمِينَ، وذَلِكَ مِن سَفَهِهِ وجُرْأتِهِ، كَما قَلْتُ في قَصِيدَتَيِ الَّتِي ذَكَرْتُ فِيها ما يُنْقَدُ عَلَيْهِ:
؎ويَشْتِمُ أعْلامَ الأئِمَّةِ ضَلَّةٌ ∗∗∗ ولا سِيَّما إنْ أوْلَجُوهُ المَضايِقا
﴿وإنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُضاعِفُ لَكم، وكَأنَّهُ يُرِيدُ ثَوابَ الشُّكْرِ؛ وقِيلَ: يَقْبَلُهُ مِنكم. قالَ صاحِبُ التَّحْرِيرِ: قُوَّةُ الكَلامِ تَدُلُّ عَلى أنَّ مَعْنى تَشْكُرُوا: تُؤْمِنُوا حَتّى يَصِيرَ بِإزاءِ الكُفْرِ، واللَّهُ تَعالى قَدْ سَمّى الأعْمالَ الصّالِحَةَ والطّاعاتِ شُكْرًا في قَوْلِهِ: ﴿اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْرًا﴾ [سبإ: ١٣] . انْتَهى.
وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذِهِ الآيَةِ في سَبَأٍ.
وقَرَأ النَّحْوِيّانِ، وابْنُ كَثِيرٍ: ﴿يَرْضَهُ﴾ بِوَصْلِ ضَمَّةِ الهاءِ بِواوٍ؛ وابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ: بِضَمَّةٍ فَقَطْ؛ وأبُو بَكْرٍ: بِسُكُونِ الهاءِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: وهو غَلَطٌ لا يَجُوزُ. انْتَهى.
ولَيْسَ بِغَلَطٍ، بَلْ ذَلِكَ لُغَةٌ لِبَنِي كِلابٍ وبَنِي عَقِيلٍ. وقَوْلُهُ: (ولا تَزِرُ) إلى: (بِذاتِ الصُّدُورِ)، تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ.
الزمر 39:2
﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ ﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ فاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ ﴿ألا لِلَّهِ الدِّينُ الخالِصُ والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى إنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهم في ما هم فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن هو كاذِبٌ كَفّارٌ﴾ ﴿لَوْ أرادَ اللَّهُ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا لاصْطَفى مِمّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ سُبْحانَهُ هو اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلى النَّهارِ ويُكَوِّرُ النَّهارَ عَلى اللَّيْلِ وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأجَلٍ مُسَمًّى ألا هو العَزِيزُ الغَفّارُ﴾ ﴿خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنها زَوْجَها وأنْزَلَ لَكم مِنَ الأنْعامِ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ يَخْلُقُكم في بُطُونِ أُمَّهاتِكم خَلْقًا مِن بَعْدِ خَلْقٍ في ظُلُماتٍ ثَلاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم لَهُ المُلْكُ لا إلَهَ إلّا هو فَأنّى تُصْرَفُونَ﴾ ﴿إنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكم ولا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ وإنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكم ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ثُمَّ إلى رَبِّكم مَرْجِعُكم فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ .
(p-٤١٤)هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: إلّا ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ﴾ [الزمر: ٢٣]، و﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا﴾ [الزمر: ٥٣] . وعَنْ مُقاتِلٍ: إلّا ﴿يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا﴾ [الزمر: ٥٣]، وقَوْلُهُ: ﴿قُلْ يا عِبادِي الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكم لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ﴾ [الزمر: ١٠] . وعَنْ بَعْضِ السَّلَفِ: إلّا ﴿يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا﴾ [الزمر: ٥٣]، إلى قَوْلِهِ: (تَشْعُرُونَ)، ثَلاثُ آياتٍ. وعَنْ بَعْضِهِمْ: إلّا سَبْعَ آياتٍ، مِن قَوْلِهِ: ﴿يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا﴾ [الزمر: ٥٣] . ومُناسَبَتُها لِآخَرِ ما قَبْلَها أنَّهُ خَتَمَ السُّورَةَ المُتَقَدِّمَةَ بِقَوْلِهِ: (إنْ هو إلّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ)، وبَدَأ هُنا: (تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ) . وقالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: (تَنْزِيلُ) مُبْتَدَأٌ، و(مِنَ اللَّهِ) الخَبَرُ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هَذا (تَنْزِيلُ)، و(مِنَ اللَّهِ) مُتَعَلِّقٌ بِـ (تَنْزِيلُ) وأقُولُ: إنَّهُ خَبَرٌ، والمُبْتَدَأُ هو لِيَعُودَ عَلى قَوْلِهِ: (إنْ هو إلّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ)، كَأنَّهُ قِيلَ: وهَذا الذِّكْرُ ما هو ؟ فَقِيلَ: هو تَنْزِيلُ الكِتابِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ غَيْرُ صِلَةٍ، يَعْنِي مِنَ اللَّهِ، كَقَوْلِكَ: هَذا الكِتابُ مِن فُلانٍ إلى فُلانٍ، وهو عَلى هَذا خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: هَذا تَنْزِيلُ الكِتابِ، هَذا مِنَ اللَّهِ، أوْ حالٌ مِن (تَنْزِيلُ) عَمِلَ فِيها مَعْنى الإشارَةِ. انْتَهى.
ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا عَمِلَ فِيها مَعْنى الإشارَةِ؛ لِأنَّ مَعانِيَ الأفْعالِ لا تَعْمَلُ إذا كانَ ما هو فِيهِ مَحْذُوفًا، ولِذَلِكَ رَدُّوا عَلى أبِي العَبّاسِ قَوْلَهُ في بَيْتِ الفَرَزْدَقِ:
؎وإذْ ما مِثْلَهم بَشَرُ
أنَّ مِثْلَهم مَنصُوبٌ بِالخَبَرِ المَحْذُوفِ وهو مُقَدَّرٌ، أيْ: وأنَّ ما في الوُجُودِ في حالِ مُماثَلَتِهِمْ بَشَرٌ.
والكِتابُ يَظْهَرُ أنَّهُ القُرْآنُ، وكُرِّرَ في قَوْلِهِ: (إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ) عَلى جِهَةِ التَّفْخِيمِ والتَّعْظِيمِ، وكَوْنُهُ في جُمْلَةٍ غَيْرِ السّابِقَةِ مَلْحُوظًا فِيهِ إسْنادُهُ إلى ضَمِيرِ العَظَمَةِ، وتَشْرِيفُ مَن أُنْزِلَ إلَيْهِ بِالخِطابِ، وتَخْصِيصُهُ بِالحَقِّ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وعِيسى: (تَنْزِيلَ) بِالنَّصْبِ، أيْ: اقْرَأْ والزَمْ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: قالَ المُفَسِّرُونَ في (تَنْزِيلُ الكِتابِ): هو القُرْآنُ، ويَظْهَرُ لِي أنَّهُ اسْمٌ عامٌّ لِجَمِيعِ ما تَنَزَّلَ مِن عِنْدِ اللَّهِ مِنَ الكُتُبِ، وكَأنَّهُ أخْبَرَ إخْبارًا مُجَرَّدًا أنَّ الكُتُبَ الهادِيَةَ الشّارِعَةَ إنَّما تَنْزِيلُها مِنَ اللَّهِ، وجَعَلَ هَذا الإخْبارَ تَقْدِمَةً وتَوْطِئَةً لِقَوْلِهِ: (إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ)، والعَزِيزُ في قُدْرَتِهِ، الحَكِيمُ في ابْتِداعِهِ. والكِتابُ الثّانِي هو القُرْآنُ، لا يَحْتَمِلُ غَيْرَ ذَلِكَ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): ما المُرادُ بِالكِتابِ ؟ (قُلْتُ): الظّاهِرُ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ أنَّهُ القُرْآنُ، وعَلى الثّانِي أنَّهُ السُّورَةُ. انْتَهى.
و(بِالحَقِّ) في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: مُلْتَبِسًا بِالحَقِّ، وهو الصِّدْقُ الثّابِتُ فِيما أوْدَعْناهُ مِن إثْباتِ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ والمَعادِ والتَّكالِيفِ، فَهَذا كُلُّهُ حَقٌّ وصِدْقٌ يَجِبُ اعْتِقادُهُ والعَمَلُ بِهِ، أوْ يَكُونُ بِالحَقِّ: بِالدَّلِيلِ عَلى أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وهو عَجْزُ الفُصَحاءِ عَنْ مُعارَضَتِهِ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ أيْ: مُتَضَمِّنًا الحَقَّ فِيهِ وفي أحْكامِهِ وفي أخْبارِهِ، أوْ بِمَعْنى الِاسْتِحْقاقِ وشُمُولِ المَنفَعَةِ لِلْعالَمِ في هِدايَتِهِمْ ودَعْوَتِهِمْ إلى اللَّهِ. انْتَهى مُلَخَّصًا.
ولَمّا امْتَنَّ تَعالى عَلى رَسُولِهِ بِإنْزالِ الكِتابِ عَلَيْهِ بِالحَقِّ، وكانَ الحَقُّ إخْلاصَ العِبادَةِ لِلَّهِ، أمَرَهُ تَعالى بِعِبادَتِهِ، فَقالَ: ﴿فاعْبُدِ اللَّهَ﴾، وكَأنَّ هَذا الأمْرَ ناشِئٌ عَنْ إنْزالِ الكِتابِ، فالفاءُ فِيهِ لِلرَّبْطِ، كَما تَقُولُ: أحْسَنَ إلَيْكَ زَيْدٌ فاشْكُرْهُ.
(مُخْلِصًا) أيْ: مُمْحِضًا، (لَهُ الدِّينَ): مِنَ الشِّرْكِ والرِّياءِ وسائِرِ ما يُفْسِدُهُ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: (الدِّينَ) بِالنَّصْبِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِالرَّفْعِ فاعِلًا بِمُخْلِصًا والرّاجِعُ لِذِي الحالِ مَحْذُوفٌ عَلى رَأْيِ البَصْرِيِّينَ، أيْ: الدِّينُ مِنكَ، أوْ يَكُونُ ألْ عِوَضًا مِنَ الضَّمِيرِ، أيْ: دِينُكَ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وحَقُّ مَن رَفَعَهُ أنْ يَقْرَأ (مُخْلَصًا) بِفَتْحِ اللّامِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأخْلَصُوا دِينَهم لِلَّهِ﴾ [النساء: ١٤٦]، حَتّى يُطابِقَ قَوْلَهُ: ﴿ألا لِلَّهِ الدِّينُ الخالِصُ﴾، والخالِصُ والمُخْلَصُ واحِدٌ، إلّا أنْ يَصِفَ الدِّينَ بِصِفَةِ صاحِبِهِ عَلى الإسْنادِ المَجازِيِّ، كَقَوْلِهِمْ: شِعْرُ شاعِرٍ.
وأمّا مَن جَعَلَ (مُخْلِصًا) حالًا مِنَ العابِدِ، و(لَهُ الدِّينُ) مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، فَقَدْ جاءَ بِإعْرابٍ رَجَعَ بِهِ الكَلامُ إلى قَوْلِكَ: لِلَّهِ الدِّينُ، أيْ: لِلَّهِ الدِّينُ الخالِصُ. انْتَهى.
وقَدْ قَدَّمَنا تَخْرِيجَهُ عَلى أنَّهُ فاعِلٌ بِمُخْلِصًا، وقَدَّرْنا ما يَرْبُطُ الحالَ بِصاحِبِها، ومِمَّنْ ذَهَبَ إلى أنَّ لَهُ (p-٤١٥)الدِّينُ مُسْتَأْنَفٌ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ الفَرّاءُ.
﴿ألا لِلَّهِ الدِّينُ الخالِصُ﴾ أيْ: مِن كُلِّ شائِبَةٍ وكَدَرٍ، فَهو الَّذِي يَجِبُ أنْ تُخْلَصَ لَهُ الطّاعَةُ، لِاطِّلاعِهِ عَلى الغُيُوبِ والأسْرارِ، ولِخُلُوصِ نِعْمَتِهِ عَلى عِبادِهِ مِن غَيْرِ اسْتِجْرارِ مَنفَعَةٍ مِنهم.
قالَ الحَسَنُ: الدِّينُ الخالِصُ: الإسْلامُ؛ وقالَ قَتادَةُ: شَهادَةُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ.
(والَّذِينَ اتَّخَذُوا): مُبْتَدَأٌ، والظّاهِرُ أنَّهُمُ المُشْرِكُونَ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ الخَبَرُ ”قالَ“ المَحْذُوفَ المَحْكِيَّ بِهِ قَوْلُهُ: ﴿ما نَعْبُدُهُمْ﴾، أيْ: والمُشْرِكُونَ المُتَّخِذُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أوْلِياءَ قالُوا: ما نَعْبُدُ تِلْكَ الأوْلِياءَ ﴿إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى﴾، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ الخَبَرَ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾، وذَلِكَ القَوْلُ المَحْذُوفُ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: اتَّخَذُوهم قائِلِينَ ما نَعْبُدُهم. وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ الخَبَرُ (إنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ)، و”قالُوا“ المَحْذُوفَةُ بَدَلٌ مِنِ ”اتَّخَذُوا“ صِلَةِ الَّذِينَ، فَلا يَكُونُ لَهُ مَوْضِعٌ مِنَ الإعْرابِ، وكَأنَّهُ مِن بَدَلِ الِاشْتِمالِ.
وفِي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ: قالُوا ما نَعْبُدُهم، وبِهِ قَرَأ هو وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ وابْنُ جُبَيْرٍ، وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ (والَّذِينَ اتَّخَذُوا) بِمَعْنى المُتَّخَذِينَ، وهُمُ المَلائِكَةُ وعِيسى واللّاتُ والعُزّى ونَحْوُهم، والضَّمِيرُ في ”اتَّخَذُوا“ عائِدٌ عَلى المَوْصُولِ، مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: والَّذِينَ اتَّخَذَهُمُ المُشْرِكُونَ أوْلِياءَ، و(أوْلِياءَ) مَفْعُولٌ ثانٍ، وهَذا الَّذِي أجازَهُ خِلافُ الظّاهِرِ، وهَذِهِ المَقالَةُ شائِعَةٌ في العَرَبِ، فَقالَ ذَلِكَ ناسٌ مِنهم في المَلائِكَةِ، وناسٌ في الأصْنامِ والأوْثانِ.
قالَ مُجاهِدٌ: وقَدْ قالَ ذَلِكَ قَوْمٌ مِنَ اليَهُودِ في عُزَيْرٍ، وقَوْمٌ مِنَ النَّصارى في المَسِيحِ. وقُرِئَ: ﴿ما نَعْبُدُهُمْ﴾ بِضَمِّ النُّونِ، إتْباعًا لِحَرَكَةِ الباءِ.
﴿إنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾: اقْتَصَرَ في الرَّدِّ عَلى مُجَرَّدِ التَّهْدِيدِ، والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في (بَيْنَهم) عائِدٌ عَلى المُتَّخِذِينَ والمُتَّخَذِينَ، والحُكْمُ بَيْنَهم هو بِإدْخالِ المَلائِكَةِ وعِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - الجَنَّةَ، ويُدْخِلُهُمُ النّارَ مَعَ الحِجارَةِ والخَشَبِ الَّتِي نَحَتُوها وعَبَدُوها مِن دُونِ اللَّهِ، يُعَذِّبُهم بِها، حَيْثُ يَجْعَلُهم وإيّاها حَصَبَ جَهَنَّمَ. واخْتِلافُهم أنَّ مَن عَبَدُوهُ كالمَلائِكَةِ وعِيسى كانُوا مُتَبَرِّئِينَ مِنهم لاعِنِينَ لَهم مُوَحِّدِينَ لِلَّهِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في ”بَيْنَهم“ عائِدٌ عَلى المُشْرِكِينَ والمُؤْمِنِينَ، إذا كانُوا يَلُومُونَهم عَلى عِبادَةِ الأصْنامِ فَيَقُولُونَ: ﴿ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى﴾، والحُكْمُ إذْ ذاكَ هو في يَوْمِ القِيامَةِ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ.
﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن هو كاذِبٌ كَفّارٌ﴾: كاذِبٌ في دَعْواهُ: أنَّ لِلَّهِ شَرِيكًا، كَفّارٌ لِأنْعُمِ اللَّهِ حَيْثُ جَعَلَ مَكانَ الشُّكْرِ الكُفْرَ، والمَعْنى: لا يَهْدِي مَن خَتَمَ عَلَيْهِ بِالمُوافاةِ عَلى الكُفْرِ فَهو عامٌّ، والمَعْنى عَلى الخُصُوصِ: فَكَمْ قَدْ هَدى مَن سَبَقَ مِنهُ الكَذِبُ والكُفْرُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لا يَهْدِي الكاذِبَ الكافِرَ في حالِ كَذِبِهِ وكُفْرِهِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: المُرادُ بِمَنعِ الهِدايَةِ: مَنعُ اللُّطْفِ تَسْجِيلًا عَلَيْهِمْ بِأنْ لا لُطْفَ لَهم، وأنَّهم في عِلْمِ اللَّهِ مِنَ الهالِكِينَ. انْتَهى.
وهُوَ عَلى طَرِيقِ الِاعْتِزالِ. وقَرَأ أنَسُ بْنُ مالِكٍ، والجَحْدَرَيُّ، والحَسَنُ، والأعْرَجُ، وابْنُ يَعْمُرَ: (كَذّابٌ كَفّارٌ) . وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (كَذُوبٌ وكَفُورٌ) .
ولَمّا كانَ مِن كَذِبِهِمْ دَعْوى بَعْضِهِمْ أنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ، وعَبَدُوها عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لَوْ أرادَ اللَّهُ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا﴾، تَشْرِيفًا لَهُ وتَبَنِّيًا، إذْ يَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ في حَقِّهِ تَعالى بِالتَّوالُدِ المَعْرُوفِ، ﴿لاصْطَفى﴾ أيِ: اخْتارَ مِن مَخْلُوقاتِهِ ما يَشاءُ ولَدًا عَلى سَبِيلِ التَّبَنِّي، ولَكِنَّهُ تَعالى لَمْ يَشَأْ ذَلِكَ لِقَوْلِهِ: ﴿وما يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا﴾ [مريم: ٩٢]، وهو عامٌّ في اتِّخاذِ النَّسْلِ واتِّخاذِ الِاصْطِفاءِ.
ويَدُلُّ عَلى أنَّ الِاتِّخاذَ هو التَّبَنِّي والِاصْطِفاءُ - قَوْلُهُ: (مِمّا يَخْلُقُ) أيْ: مِنَ الَّتِي أنْشَأها واخْتَرَعَها؛ ثُمَّ نَزَّهَ تَعالى نَفْسَهُ تَنْزِيِهًا مُطْلَقًا، فَقالَ: (سُبْحانَهُ)، ثُمَّ وصَفَ نَفْسَهُ بِالوَحْدانِيَّةِ والقَهْرِ لِجَمِيعِ العالَمِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي لَوْ أرادَ اتِّخاذَ الوَلَدِ لامْتَنَعَ، ولَمْ يَصِحَّ لِكَوْنِهِ مُحالًا، ولَمْ يَتَأتَّ إلّا أنْ يَصْطَفِيَ مِن خَلْقِهِ بَعْضَهم، ويَخْتَصَّهم ويُقَرِّبَهم كَما يَخْتَصُّ الرَّجُلُ ولَدَهُ ويُقَرِّبُهُ، وقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ بِالمَلائِكَةِ، فافْتَتَنْتُمْ بِهِ وغَرَّكُمُ اخْتِصاصُهُ إيّاهم، فَزَعَمْتُمْ أنَّهم أوْلادُهُ جَهْلًا مِنكم بِهِ، وبِحَقِيقَةِ المُخالَفَةِ لِحَقائِقِ الأجْسامِ والأعْراضِ، كَأنَّهُ قالَ: لَوْ أرادَ اتِّخاذَ الوَلَدِ، لَمْ يَزِدْ عَلى ما فَعَلَ مِنِ اصْطِفاءِ ما شاءَ مِن خَلْقِهِ، وهُمُ المَلائِكَةُ، إلّا لِأنَّكم لِجَهْلِكم بِهِ حَسِبْتُمُ (p-٤١٦)اصْطِفاءَهُمُ اتِّخاذَهم أوْلادًا، ثُمَّ تَمادَيْتُمْ في جَهْلِكم وسَفَهِكم فَجَعَلْتُمُوهم بَناتٍ وكُنْتُمْ كَذّابِينَ كَفّارِينَ مُبالِغِينَ في الِافْتِراءِ عَلى اللَّهِ ومَلائِكَتِهِ. انْتَهى.
والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ تَرْكِيبُ ”لَوْ“ وجَوابِها أنَّهُ كانَ يَتَرَتَّبُ اصْطِفاءُ الوَلَدِ مِمّا يَخْلُقُ عَلى تَقْدِيرِ اتِّخاذِهِ لَكِنَّهُ لَمْ يَتَّخِذْهُ فَلا يَصْطَفِيهِ. وأمّا ما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِن قَوْلِهِ: يَعْنِي لَوْ أرادَ إلى آخِرِهِ، وقَوْلِهِ بَعْدُ: كَأنَّهُ قالَ: لَوْ أرادَ اتِّخاذَ الوَلَدِ لَمْ يَزِدْ عَلى ما فَعَلَ مِنِ اصْطِفاءِ ما شاءَ مِن خَلْقِهِ وهُمُ المَلائِكَةُ فَلَيْسَ مَفْهُومًا مِن قَوْلِهِ: ﴿لَوْ أرادَ اللَّهُ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا لاصْطَفى مِمّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ .
ولَمّا نَزَّهَ تَعالى نَفْسَهُ ووَصَفَ ذاتَهُ بِالوَحْدَةِ والقَهْرِ، ذَكَرَ ما دَلَّ عَلى ذَلِكَ مِنِ اخْتِراعِ العالَمِ العُلْوِيِّ والسُّفْلِيِّ بِالحَقِّ، وتَكْوِيرِ اللَّيْلِ والنَّهارِ، وتَسْخِيرِ النَّيِّرَيْنِ وجَرْيِهِما عَلى نِظامٍ واحِدٍ، واتِّساقِ أمْرِهِما عَلى ما أرادَ إلى أجَلٍ مُسَمًّى، وهو يَوْمُ القِيامَةِ، حَيْثُ تَخْرُبُ بِنْيَةُ هَذا العالَمِ فَيَزُولُ جَرْيُهُما، أوْ إلى وقْتِ مَغِيبِهِما كُلَّ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ، أوْ وقْتِ قَوايِسِها كُلَّ شَهْرٍ.
والتَّكْوِيرُ: تَطْوِيلٌ مِنهُما عَلى الآخَرِ، فَكَأنَّ الآخَرَ صارَ عَلَيْهِ جُزْءٌ مِنهُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَحْمِلُ اللَّيْلَ عَلى النَّهارِ. وقالَ الضَّحّاكُ: يُدْخِلُ الزِّيادَةَ في أحَدِهِما بِالنُّقْصانِ مِنَ الآخَرِ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: يُدْخِلُ هَذا عَلى هَذا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وفِيهِ أوْجُهٌ: مِنها: أنَّ اللَّيْلَ والنَّهارَ خِلْفَةٌ، يَذْهَبُ هَذا ويَغْشى مَكانَهُ هَذا؛ وإذا غُشِّيَ مَكانَهُ فَكَأنَّما أُلْبِسَهُ ولُفَّ عَلَيْهِ كَما يُلَفُّ عَلى اللّابِسِ اللِّباسُ؛ ومِنها: أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما يُغِيِّبُ الآخَرَ إذا طَرَأ عَلَيْهِ، فَشُبِّهَ في تَغْيِيبِهِ إيّاهُ بِشَيْءٍ ظاهِرٍ لُفَّ عَلَيْهِ ما غَيَّبَهُ مِن مَطامِحِ الأبْصارِ؛ ومِنها أنَّ هَذا يَكُرُّ عَلى هَذا كُرُورًا مُتَتابِعًا، فَشُبِّهَ ذَلِكَ بِتَتابُعِ أكْوارِ العِمامَةِ بَعْضِها عَلى أثَرِ بَعْضٍ. انْتَهى.
﴿ألا هو العَزِيزُ الغَفّارُ﴾: العَزِيزُ الَّذِي لا يُغالَبُ، الغَفّارُ لِمَن تابَ، أوِ الحَلِيمُ الَّذِي لا يَعْجَلُ، سُمِّيَ الحِلْمُ غُفْرانًا مَجازًا.
ولَمّا ذَكَرَ ما دَلَّ عَلى وحْدانِيَّتِهِ وقَهْرِهِ، ذَكَرَ الإنْسانَ، وهو الَّذِي كُلِّفَ بِأعْباءِ التَّكالِيفِ، فَذَكَرَ أنَّهُ أوْجَدَنا مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ، وهي آدَمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وذَلِكَ أنَّ حَوّاءَ عَلى ما رُوِيَ خُلِقَتْ مِن آدَمَ، فَقَدْ صارَ خَلْقًا مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ لِوَساطَةِ حَوّاءَ. وقِيلَ: أخْرَجَ ذُرِّيَّةَ آدَمَ مِن ظَهْرِهِ كالذَّرِّ، ثُمَّ خَلَقَ بَعْدَ ذَلِكَ حَوّاءَ، فَعَلى هَذا كانَ خَلْقًا مِن آدَمَ بِغَيْرِ واسِطَةٍ. وجاءَتْ عَلى هَذا القَوْلِ عَلى وضْعِها، ثُمَّ لِلْمُهْلَةِ في الزَّمانِ، وعَلى القَوْلِ الأوَّلِ يَظْهَرُ أنَّ خَلْقَ حَوّاءَ كانَ بَعْدَ خَلْقِنا، ولَيْسَ كَذَلِكَ، فَثُمَّ جاءَ لِتَرْتِيبِ الأخْبارِ كَأنَّهُ قِيلَ: ثُمَّ كانَ مِن أمْرِهِ قَبْلَ ذَلِكَ أنْ جَعَلَ مِنها زَوْجَها، فَلَيْسَ التَّرْتِيبُ في زَمانِ الجَعْلِ. وقِيلَ: ثُمَّ مَعْطُوفٌ عَلى الصِّفَةِ الَّتِي هي واحِدَةٌ، أيْ: مِن نَفْسٍ وحَدَتْ، أيِ: انْفَرَدَتْ.
(ثُمَّ جَعَلَ)، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): ما وجْهُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنها زَوْجَها﴾، وما تُعْطِيهِ مِن مَعْنى التَّراخِي ؟ (قُلْتُ): هُما آيَتانِ مِن جُمْلَةِ الآياتِ الَّتِي عَدَّدَها دالًّا عَلى وحْدانِيَّتِهِ وقُدْرَتِهِ. تَشَعَّبَ هَذا الفائِتُ لِلْحَصْرِ مِن نَفْسِ آدَمَ، وخَلَقَ حَوّاءَ مِن قُصَيْراهُ، إلّا أنَّ إحْداهُما جَعَلَها اللَّهُ عادَةً مُسْتَمِرَّةً، والأُخْرى لَمْ تَجْرِ بِها العادَةُ، ولَمْ تُخْلَقْ أُنْثى غَيْرُ حَوّاءَ مِن رَجُلٍ، فَكانَتْ أدْخَلَ في كَوْنِها آيَةً، وأجْلَبَ لِعَجَبِ السّامِعِ، فَعَطَفَها بِـ ”ثُمَّ“ عَلى الآيَةِ الأُولى، لِلدَّلالَةِ عَلى مُبايَنَتِها فَضْلًا ومَزِيَّةً، وتَراخِيها عَنْها فِيما يَرْجِعُ إلى زِيادَةِ كَوْنِها آيَةً، فَهو مِنَ التَّراخِي في الحالِ والمَنزِلَةِ، لا مِنَ التَّراخِي في الوُجُودِ. انْتَهى.
وأمّا: ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنها زَوْجَها﴾، فَقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذا الجَعْلِ في أوَّلِ سُورَةِ النِّساءِ.
ووَصْفُ الأنْعامِ بِالإنْزالِ مَجازٌ إمّا لِأنَّ قَضاياهُ تُوصَفُ بِالنُّزُولِ مِنَ السَّماءِ حَيْثُ كُتِبَ في اللَّوْحِ كُلُّ كائِنٍ يَكُونُ، وإمّا لِعَيْشِها بِالنَّباتِ، والنَّباتُ ناشِئٌ عَنِ المَطَرِ، والمَطَرُ نازِلٌ مِنَ السَّماءِ، فَكَأنَّهُ تَعالى أنْزَلَها، فَيَكُونُ مِثْلَ قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎أسْنِمَةُ الإبالِ في رَبابِهِ
أيْ: في سَحابِهِ، وقالَ آخَرُ:
؎صارَ الثَّرِيدُ في رُءُوسِ العِيدانِ
وقِيلَ: خَلَقَها في الجَنَّةِ ثُمَّ أنْزَلَها، فَعَلى هَذا يَكُونُ إنْزالُ أُصُولِها حَقِيقَةً.
والأنْعامُ: الإبِلُ والبَقَرُ والضَّأْنُ (p-٤١٧)والمَعَزُ، (ثَمانِيَةَ أزْواجٍ)؛ لِأنَّ كُلًّا مِنها ذَكَرٌ وأُنْثى، والزَّوْجُ ما كانَ مَعَهُ آخَرُ مِن جِنْسِهِ، فَإذا انْفَرَدَ فَهو فَرْدٌ ووِتْرٌ. وقالَ تَعالى: ﴿فَجَعَلَ مِنهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ [القيامة: ٣٩] .
قالَ ابْنُ زَيْدٍ: ﴿خَلْقًا مِن بَعْدِ خَلْقٍ﴾: آخَرَ مِن ظَهْرِ آدَمَ وظُهُورِ الآباءِ. وقالَ عِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ: رُتَبًا ﴿خَلْقًا مِن بَعْدِ خَلْقٍ﴾ عَلى المُضْغَةِ والعَلَقَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ.
وأخَذَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ فَقالَ: حَيَوانًا سَوَيًّا مِن بَعْدِ عِظامٍ مَكْسُوَّةٍ لَحْمًا، مِن بَعْدِ عِظامٍ عارِيَةٍ، مِن بَعْدِ مُضَغٍ، مِن بَعْدِ عَلَقٍ، مِن بَعْدِ نُطَفٍ. انْتَهى.
وقَرَأ عِيسى وطَلْحَةُ ﴿يَخْلُقُكُمْ﴾ بِإدْغامِ القافِ في الكافِ.
والظُّلُماتُ الثَّلاثُ: البَطْنُ والرَّحِمُ والمَشِيمَةُ، وقِيلَ: الصُّلْبُ والرَّحِمُ والبَطْنُ.
(ذَلِكم): إشارَةٌ إلى المُتَّصِفِ بِتِلْكَ الأوْصافِ السّابِقَةِ مِن خَلْقِ السَّماواتِ وما بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ الأفْعالِ.
(فَأنّى تُصْرَفُونَ) أيْ: كَيْفَ تَعْدِلُونَ عَنْ عِبادَتِهِ إلى عِبادَةِ غَيْرِهِ ؟ .
(إنْ تَكْفُرُوا)، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: خِطابٌ لِلْكُفّارِ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهم. وعِبادُهُ هُمُ المُؤْمِنُونَ، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ قَبْلَهُ: (فَأنّى تُصْرَفُونَ)، وهَذا لِلْكُفّارِ، فَجاءَ (إنْ تَكْفُرُوا) خِطابًا لَهم، ﴿فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ﴾، وعَنْ عِبادَتِكم، إذْ لا يَرْجِعُ إلَيْهِ تَعالى مَنفَعَةٌ بِكم، ولا بِعِبادَتِكم إذْ هو الغَنِيُّ المُطْلَقُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُخاطِبًا لِجَمِيعِ النّاسِ؛ لِأنَّهُ تَعالى غَنِيٌّ عَنْ جَمِيعِهِمْ، وهم فُقَراءُ إلَيْهِ. انْتَهى.
ولَفْظُ (عِبادِهِ) عامٌّ، فَقِيلَ: المُرادُ الخُصُوصُ، وهُمُ المَلائِكَةُ ومُؤْمِنُو الإنْسِ والجِنِّ. والرِّضا بِمَعْنى الإرادَةِ، فَعَلى هَذا هي صِفَةُ ذاتٍ. وقِيلَ: المُرادُ العُمُومُ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ، والرِّضا مُغايِرٌ لِلْإرادَةِ، عَبَّرَ بِهِ عَنِ الشُّكْرِ والإثابَةِ، أيْ: لا يَشْكُرُهُ لَهم دِينًا ولا يُثِيبُهم بِهِ خَيْرًا، فالرِّضا عَلى هَذا صِفَةُ فِعْلٍ بِمَعْنى القَبُولِ والإثابَةِ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وتَأمَّلِ الإرادَةَ، فَإنَّ حَقِيقَتَها إنَّما هي فِيما لَمْ يَقَعْ بَعْدُ، والرِّضا حَقِيقَتُهُ إنَّما هو فِيما قَدْ وقَعَ، واعْتَبِرْ هَذا في آياتِ القُرْآنِ تَجِدْهُ، وإنْ كانَتِ العَرَبُ قَدْ تَسْتَعْمِلُ في أشْعارِهِمْ عَلى جِهَةِ التَّجَوُّزِ هَذا بَدَلَ هَذا.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولَقَدْ تَمَحَّلَ بَعْضُ الغُواةِ لِيُثْبِتَ لِلَّهِ ما نَفاهُ عَنْ ذاتِهِ مِنَ الرِّضا لِعِبادِهِ الكُفْرَ، فَقالَ: هَذا مِنَ العامِّ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ الخاصُّ، وما أرادَ إلّا عِبادَهُ الَّذِينَ عَناهم في قَوْلِهِ: (إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ)، يُرِيدُ المَعْصُومِينَ لِقَوْلِهِ: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٦]، تَعالى اللَّهُ عَمّا يَقُولُ الظّالِمُونَ. انْتَهى.
فَسَمّى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبّاسٍ - تُرْجُمانَ القُرْآنِ - وأعْلامَ أهْلِ السُّنَّةِ - بَعْضَ الغُواةِ، وأطْلَقَ عَلَيْهِمُ اسْمَ الظّالِمِينَ، وذَلِكَ مِن سَفَهِهِ وجُرْأتِهِ، كَما قَلْتُ في قَصِيدَتَيِ الَّتِي ذَكَرْتُ فِيها ما يُنْقَدُ عَلَيْهِ:
؎ويَشْتِمُ أعْلامَ الأئِمَّةِ ضَلَّةٌ ∗∗∗ ولا سِيَّما إنْ أوْلَجُوهُ المَضايِقا
﴿وإنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُضاعِفُ لَكم، وكَأنَّهُ يُرِيدُ ثَوابَ الشُّكْرِ؛ وقِيلَ: يَقْبَلُهُ مِنكم. قالَ صاحِبُ التَّحْرِيرِ: قُوَّةُ الكَلامِ تَدُلُّ عَلى أنَّ مَعْنى تَشْكُرُوا: تُؤْمِنُوا حَتّى يَصِيرَ بِإزاءِ الكُفْرِ، واللَّهُ تَعالى قَدْ سَمّى الأعْمالَ الصّالِحَةَ والطّاعاتِ شُكْرًا في قَوْلِهِ: ﴿اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْرًا﴾ [سبإ: ١٣] . انْتَهى.
وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذِهِ الآيَةِ في سَبَأٍ.
وقَرَأ النَّحْوِيّانِ، وابْنُ كَثِيرٍ: ﴿يَرْضَهُ﴾ بِوَصْلِ ضَمَّةِ الهاءِ بِواوٍ؛ وابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ: بِضَمَّةٍ فَقَطْ؛ وأبُو بَكْرٍ: بِسُكُونِ الهاءِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: وهو غَلَطٌ لا يَجُوزُ. انْتَهى.
ولَيْسَ بِغَلَطٍ، بَلْ ذَلِكَ لُغَةٌ لِبَنِي كِلابٍ وبَنِي عَقِيلٍ. وقَوْلُهُ: (ولا تَزِرُ) إلى: (بِذاتِ الصُّدُورِ)، تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ.
الزمر 39:3
﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ ﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ فاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ ﴿ألا لِلَّهِ الدِّينُ الخالِصُ والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى إنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهم في ما هم فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن هو كاذِبٌ كَفّارٌ﴾ ﴿لَوْ أرادَ اللَّهُ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا لاصْطَفى مِمّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ سُبْحانَهُ هو اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلى النَّهارِ ويُكَوِّرُ النَّهارَ عَلى اللَّيْلِ وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأجَلٍ مُسَمًّى ألا هو العَزِيزُ الغَفّارُ﴾ ﴿خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنها زَوْجَها وأنْزَلَ لَكم مِنَ الأنْعامِ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ يَخْلُقُكم في بُطُونِ أُمَّهاتِكم خَلْقًا مِن بَعْدِ خَلْقٍ في ظُلُماتٍ ثَلاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم لَهُ المُلْكُ لا إلَهَ إلّا هو فَأنّى تُصْرَفُونَ﴾ ﴿إنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكم ولا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ وإنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكم ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ثُمَّ إلى رَبِّكم مَرْجِعُكم فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ .
(p-٤١٤)هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: إلّا ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ﴾ [الزمر: ٢٣]، و﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا﴾ [الزمر: ٥٣] . وعَنْ مُقاتِلٍ: إلّا ﴿يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا﴾ [الزمر: ٥٣]، وقَوْلُهُ: ﴿قُلْ يا عِبادِي الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكم لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ﴾ [الزمر: ١٠] . وعَنْ بَعْضِ السَّلَفِ: إلّا ﴿يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا﴾ [الزمر: ٥٣]، إلى قَوْلِهِ: (تَشْعُرُونَ)، ثَلاثُ آياتٍ. وعَنْ بَعْضِهِمْ: إلّا سَبْعَ آياتٍ، مِن قَوْلِهِ: ﴿يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا﴾ [الزمر: ٥٣] . ومُناسَبَتُها لِآخَرِ ما قَبْلَها أنَّهُ خَتَمَ السُّورَةَ المُتَقَدِّمَةَ بِقَوْلِهِ: (إنْ هو إلّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ)، وبَدَأ هُنا: (تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ) . وقالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: (تَنْزِيلُ) مُبْتَدَأٌ، و(مِنَ اللَّهِ) الخَبَرُ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هَذا (تَنْزِيلُ)، و(مِنَ اللَّهِ) مُتَعَلِّقٌ بِـ (تَنْزِيلُ) وأقُولُ: إنَّهُ خَبَرٌ، والمُبْتَدَأُ هو لِيَعُودَ عَلى قَوْلِهِ: (إنْ هو إلّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ)، كَأنَّهُ قِيلَ: وهَذا الذِّكْرُ ما هو ؟ فَقِيلَ: هو تَنْزِيلُ الكِتابِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ غَيْرُ صِلَةٍ، يَعْنِي مِنَ اللَّهِ، كَقَوْلِكَ: هَذا الكِتابُ مِن فُلانٍ إلى فُلانٍ، وهو عَلى هَذا خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: هَذا تَنْزِيلُ الكِتابِ، هَذا مِنَ اللَّهِ، أوْ حالٌ مِن (تَنْزِيلُ) عَمِلَ فِيها مَعْنى الإشارَةِ. انْتَهى.
ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا عَمِلَ فِيها مَعْنى الإشارَةِ؛ لِأنَّ مَعانِيَ الأفْعالِ لا تَعْمَلُ إذا كانَ ما هو فِيهِ مَحْذُوفًا، ولِذَلِكَ رَدُّوا عَلى أبِي العَبّاسِ قَوْلَهُ في بَيْتِ الفَرَزْدَقِ:
؎وإذْ ما مِثْلَهم بَشَرُ
أنَّ مِثْلَهم مَنصُوبٌ بِالخَبَرِ المَحْذُوفِ وهو مُقَدَّرٌ، أيْ: وأنَّ ما في الوُجُودِ في حالِ مُماثَلَتِهِمْ بَشَرٌ.
والكِتابُ يَظْهَرُ أنَّهُ القُرْآنُ، وكُرِّرَ في قَوْلِهِ: (إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ) عَلى جِهَةِ التَّفْخِيمِ والتَّعْظِيمِ، وكَوْنُهُ في جُمْلَةٍ غَيْرِ السّابِقَةِ مَلْحُوظًا فِيهِ إسْنادُهُ إلى ضَمِيرِ العَظَمَةِ، وتَشْرِيفُ مَن أُنْزِلَ إلَيْهِ بِالخِطابِ، وتَخْصِيصُهُ بِالحَقِّ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وعِيسى: (تَنْزِيلَ) بِالنَّصْبِ، أيْ: اقْرَأْ والزَمْ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: قالَ المُفَسِّرُونَ في (تَنْزِيلُ الكِتابِ): هو القُرْآنُ، ويَظْهَرُ لِي أنَّهُ اسْمٌ عامٌّ لِجَمِيعِ ما تَنَزَّلَ مِن عِنْدِ اللَّهِ مِنَ الكُتُبِ، وكَأنَّهُ أخْبَرَ إخْبارًا مُجَرَّدًا أنَّ الكُتُبَ الهادِيَةَ الشّارِعَةَ إنَّما تَنْزِيلُها مِنَ اللَّهِ، وجَعَلَ هَذا الإخْبارَ تَقْدِمَةً وتَوْطِئَةً لِقَوْلِهِ: (إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ)، والعَزِيزُ في قُدْرَتِهِ، الحَكِيمُ في ابْتِداعِهِ. والكِتابُ الثّانِي هو القُرْآنُ، لا يَحْتَمِلُ غَيْرَ ذَلِكَ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): ما المُرادُ بِالكِتابِ ؟ (قُلْتُ): الظّاهِرُ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ أنَّهُ القُرْآنُ، وعَلى الثّانِي أنَّهُ السُّورَةُ. انْتَهى.
و(بِالحَقِّ) في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: مُلْتَبِسًا بِالحَقِّ، وهو الصِّدْقُ الثّابِتُ فِيما أوْدَعْناهُ مِن إثْباتِ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ والمَعادِ والتَّكالِيفِ، فَهَذا كُلُّهُ حَقٌّ وصِدْقٌ يَجِبُ اعْتِقادُهُ والعَمَلُ بِهِ، أوْ يَكُونُ بِالحَقِّ: بِالدَّلِيلِ عَلى أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وهو عَجْزُ الفُصَحاءِ عَنْ مُعارَضَتِهِ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ أيْ: مُتَضَمِّنًا الحَقَّ فِيهِ وفي أحْكامِهِ وفي أخْبارِهِ، أوْ بِمَعْنى الِاسْتِحْقاقِ وشُمُولِ المَنفَعَةِ لِلْعالَمِ في هِدايَتِهِمْ ودَعْوَتِهِمْ إلى اللَّهِ. انْتَهى مُلَخَّصًا.
ولَمّا امْتَنَّ تَعالى عَلى رَسُولِهِ بِإنْزالِ الكِتابِ عَلَيْهِ بِالحَقِّ، وكانَ الحَقُّ إخْلاصَ العِبادَةِ لِلَّهِ، أمَرَهُ تَعالى بِعِبادَتِهِ، فَقالَ: ﴿فاعْبُدِ اللَّهَ﴾، وكَأنَّ هَذا الأمْرَ ناشِئٌ عَنْ إنْزالِ الكِتابِ، فالفاءُ فِيهِ لِلرَّبْطِ، كَما تَقُولُ: أحْسَنَ إلَيْكَ زَيْدٌ فاشْكُرْهُ.
(مُخْلِصًا) أيْ: مُمْحِضًا، (لَهُ الدِّينَ): مِنَ الشِّرْكِ والرِّياءِ وسائِرِ ما يُفْسِدُهُ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: (الدِّينَ) بِالنَّصْبِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِالرَّفْعِ فاعِلًا بِمُخْلِصًا والرّاجِعُ لِذِي الحالِ مَحْذُوفٌ عَلى رَأْيِ البَصْرِيِّينَ، أيْ: الدِّينُ مِنكَ، أوْ يَكُونُ ألْ عِوَضًا مِنَ الضَّمِيرِ، أيْ: دِينُكَ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وحَقُّ مَن رَفَعَهُ أنْ يَقْرَأ (مُخْلَصًا) بِفَتْحِ اللّامِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأخْلَصُوا دِينَهم لِلَّهِ﴾ [النساء: ١٤٦]، حَتّى يُطابِقَ قَوْلَهُ: ﴿ألا لِلَّهِ الدِّينُ الخالِصُ﴾، والخالِصُ والمُخْلَصُ واحِدٌ، إلّا أنْ يَصِفَ الدِّينَ بِصِفَةِ صاحِبِهِ عَلى الإسْنادِ المَجازِيِّ، كَقَوْلِهِمْ: شِعْرُ شاعِرٍ.
وأمّا مَن جَعَلَ (مُخْلِصًا) حالًا مِنَ العابِدِ، و(لَهُ الدِّينُ) مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، فَقَدْ جاءَ بِإعْرابٍ رَجَعَ بِهِ الكَلامُ إلى قَوْلِكَ: لِلَّهِ الدِّينُ، أيْ: لِلَّهِ الدِّينُ الخالِصُ. انْتَهى.
وقَدْ قَدَّمَنا تَخْرِيجَهُ عَلى أنَّهُ فاعِلٌ بِمُخْلِصًا، وقَدَّرْنا ما يَرْبُطُ الحالَ بِصاحِبِها، ومِمَّنْ ذَهَبَ إلى أنَّ لَهُ (p-٤١٥)الدِّينُ مُسْتَأْنَفٌ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ الفَرّاءُ.
﴿ألا لِلَّهِ الدِّينُ الخالِصُ﴾ أيْ: مِن كُلِّ شائِبَةٍ وكَدَرٍ، فَهو الَّذِي يَجِبُ أنْ تُخْلَصَ لَهُ الطّاعَةُ، لِاطِّلاعِهِ عَلى الغُيُوبِ والأسْرارِ، ولِخُلُوصِ نِعْمَتِهِ عَلى عِبادِهِ مِن غَيْرِ اسْتِجْرارِ مَنفَعَةٍ مِنهم.
قالَ الحَسَنُ: الدِّينُ الخالِصُ: الإسْلامُ؛ وقالَ قَتادَةُ: شَهادَةُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ.
(والَّذِينَ اتَّخَذُوا): مُبْتَدَأٌ، والظّاهِرُ أنَّهُمُ المُشْرِكُونَ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ الخَبَرُ ”قالَ“ المَحْذُوفَ المَحْكِيَّ بِهِ قَوْلُهُ: ﴿ما نَعْبُدُهُمْ﴾، أيْ: والمُشْرِكُونَ المُتَّخِذُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أوْلِياءَ قالُوا: ما نَعْبُدُ تِلْكَ الأوْلِياءَ ﴿إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى﴾، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ الخَبَرَ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾، وذَلِكَ القَوْلُ المَحْذُوفُ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: اتَّخَذُوهم قائِلِينَ ما نَعْبُدُهم. وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ الخَبَرُ (إنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ)، و”قالُوا“ المَحْذُوفَةُ بَدَلٌ مِنِ ”اتَّخَذُوا“ صِلَةِ الَّذِينَ، فَلا يَكُونُ لَهُ مَوْضِعٌ مِنَ الإعْرابِ، وكَأنَّهُ مِن بَدَلِ الِاشْتِمالِ.
وفِي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ: قالُوا ما نَعْبُدُهم، وبِهِ قَرَأ هو وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ وابْنُ جُبَيْرٍ، وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ (والَّذِينَ اتَّخَذُوا) بِمَعْنى المُتَّخَذِينَ، وهُمُ المَلائِكَةُ وعِيسى واللّاتُ والعُزّى ونَحْوُهم، والضَّمِيرُ في ”اتَّخَذُوا“ عائِدٌ عَلى المَوْصُولِ، مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: والَّذِينَ اتَّخَذَهُمُ المُشْرِكُونَ أوْلِياءَ، و(أوْلِياءَ) مَفْعُولٌ ثانٍ، وهَذا الَّذِي أجازَهُ خِلافُ الظّاهِرِ، وهَذِهِ المَقالَةُ شائِعَةٌ في العَرَبِ، فَقالَ ذَلِكَ ناسٌ مِنهم في المَلائِكَةِ، وناسٌ في الأصْنامِ والأوْثانِ.
قالَ مُجاهِدٌ: وقَدْ قالَ ذَلِكَ قَوْمٌ مِنَ اليَهُودِ في عُزَيْرٍ، وقَوْمٌ مِنَ النَّصارى في المَسِيحِ. وقُرِئَ: ﴿ما نَعْبُدُهُمْ﴾ بِضَمِّ النُّونِ، إتْباعًا لِحَرَكَةِ الباءِ.
﴿إنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾: اقْتَصَرَ في الرَّدِّ عَلى مُجَرَّدِ التَّهْدِيدِ، والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في (بَيْنَهم) عائِدٌ عَلى المُتَّخِذِينَ والمُتَّخَذِينَ، والحُكْمُ بَيْنَهم هو بِإدْخالِ المَلائِكَةِ وعِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - الجَنَّةَ، ويُدْخِلُهُمُ النّارَ مَعَ الحِجارَةِ والخَشَبِ الَّتِي نَحَتُوها وعَبَدُوها مِن دُونِ اللَّهِ، يُعَذِّبُهم بِها، حَيْثُ يَجْعَلُهم وإيّاها حَصَبَ جَهَنَّمَ. واخْتِلافُهم أنَّ مَن عَبَدُوهُ كالمَلائِكَةِ وعِيسى كانُوا مُتَبَرِّئِينَ مِنهم لاعِنِينَ لَهم مُوَحِّدِينَ لِلَّهِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في ”بَيْنَهم“ عائِدٌ عَلى المُشْرِكِينَ والمُؤْمِنِينَ، إذا كانُوا يَلُومُونَهم عَلى عِبادَةِ الأصْنامِ فَيَقُولُونَ: ﴿ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى﴾، والحُكْمُ إذْ ذاكَ هو في يَوْمِ القِيامَةِ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ.
﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن هو كاذِبٌ كَفّارٌ﴾: كاذِبٌ في دَعْواهُ: أنَّ لِلَّهِ شَرِيكًا، كَفّارٌ لِأنْعُمِ اللَّهِ حَيْثُ جَعَلَ مَكانَ الشُّكْرِ الكُفْرَ، والمَعْنى: لا يَهْدِي مَن خَتَمَ عَلَيْهِ بِالمُوافاةِ عَلى الكُفْرِ فَهو عامٌّ، والمَعْنى عَلى الخُصُوصِ: فَكَمْ قَدْ هَدى مَن سَبَقَ مِنهُ الكَذِبُ والكُفْرُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لا يَهْدِي الكاذِبَ الكافِرَ في حالِ كَذِبِهِ وكُفْرِهِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: المُرادُ بِمَنعِ الهِدايَةِ: مَنعُ اللُّطْفِ تَسْجِيلًا عَلَيْهِمْ بِأنْ لا لُطْفَ لَهم، وأنَّهم في عِلْمِ اللَّهِ مِنَ الهالِكِينَ. انْتَهى.
وهُوَ عَلى طَرِيقِ الِاعْتِزالِ. وقَرَأ أنَسُ بْنُ مالِكٍ، والجَحْدَرَيُّ، والحَسَنُ، والأعْرَجُ، وابْنُ يَعْمُرَ: (كَذّابٌ كَفّارٌ) . وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (كَذُوبٌ وكَفُورٌ) .
ولَمّا كانَ مِن كَذِبِهِمْ دَعْوى بَعْضِهِمْ أنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ، وعَبَدُوها عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لَوْ أرادَ اللَّهُ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا﴾، تَشْرِيفًا لَهُ وتَبَنِّيًا، إذْ يَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ في حَقِّهِ تَعالى بِالتَّوالُدِ المَعْرُوفِ، ﴿لاصْطَفى﴾ أيِ: اخْتارَ مِن مَخْلُوقاتِهِ ما يَشاءُ ولَدًا عَلى سَبِيلِ التَّبَنِّي، ولَكِنَّهُ تَعالى لَمْ يَشَأْ ذَلِكَ لِقَوْلِهِ: ﴿وما يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا﴾ [مريم: ٩٢]، وهو عامٌّ في اتِّخاذِ النَّسْلِ واتِّخاذِ الِاصْطِفاءِ.
ويَدُلُّ عَلى أنَّ الِاتِّخاذَ هو التَّبَنِّي والِاصْطِفاءُ - قَوْلُهُ: (مِمّا يَخْلُقُ) أيْ: مِنَ الَّتِي أنْشَأها واخْتَرَعَها؛ ثُمَّ نَزَّهَ تَعالى نَفْسَهُ تَنْزِيِهًا مُطْلَقًا، فَقالَ: (سُبْحانَهُ)، ثُمَّ وصَفَ نَفْسَهُ بِالوَحْدانِيَّةِ والقَهْرِ لِجَمِيعِ العالَمِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي لَوْ أرادَ اتِّخاذَ الوَلَدِ لامْتَنَعَ، ولَمْ يَصِحَّ لِكَوْنِهِ مُحالًا، ولَمْ يَتَأتَّ إلّا أنْ يَصْطَفِيَ مِن خَلْقِهِ بَعْضَهم، ويَخْتَصَّهم ويُقَرِّبَهم كَما يَخْتَصُّ الرَّجُلُ ولَدَهُ ويُقَرِّبُهُ، وقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ بِالمَلائِكَةِ، فافْتَتَنْتُمْ بِهِ وغَرَّكُمُ اخْتِصاصُهُ إيّاهم، فَزَعَمْتُمْ أنَّهم أوْلادُهُ جَهْلًا مِنكم بِهِ، وبِحَقِيقَةِ المُخالَفَةِ لِحَقائِقِ الأجْسامِ والأعْراضِ، كَأنَّهُ قالَ: لَوْ أرادَ اتِّخاذَ الوَلَدِ، لَمْ يَزِدْ عَلى ما فَعَلَ مِنِ اصْطِفاءِ ما شاءَ مِن خَلْقِهِ، وهُمُ المَلائِكَةُ، إلّا لِأنَّكم لِجَهْلِكم بِهِ حَسِبْتُمُ (p-٤١٦)اصْطِفاءَهُمُ اتِّخاذَهم أوْلادًا، ثُمَّ تَمادَيْتُمْ في جَهْلِكم وسَفَهِكم فَجَعَلْتُمُوهم بَناتٍ وكُنْتُمْ كَذّابِينَ كَفّارِينَ مُبالِغِينَ في الِافْتِراءِ عَلى اللَّهِ ومَلائِكَتِهِ. انْتَهى.
والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ تَرْكِيبُ ”لَوْ“ وجَوابِها أنَّهُ كانَ يَتَرَتَّبُ اصْطِفاءُ الوَلَدِ مِمّا يَخْلُقُ عَلى تَقْدِيرِ اتِّخاذِهِ لَكِنَّهُ لَمْ يَتَّخِذْهُ فَلا يَصْطَفِيهِ. وأمّا ما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِن قَوْلِهِ: يَعْنِي لَوْ أرادَ إلى آخِرِهِ، وقَوْلِهِ بَعْدُ: كَأنَّهُ قالَ: لَوْ أرادَ اتِّخاذَ الوَلَدِ لَمْ يَزِدْ عَلى ما فَعَلَ مِنِ اصْطِفاءِ ما شاءَ مِن خَلْقِهِ وهُمُ المَلائِكَةُ فَلَيْسَ مَفْهُومًا مِن قَوْلِهِ: ﴿لَوْ أرادَ اللَّهُ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا لاصْطَفى مِمّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ .
ولَمّا نَزَّهَ تَعالى نَفْسَهُ ووَصَفَ ذاتَهُ بِالوَحْدَةِ والقَهْرِ، ذَكَرَ ما دَلَّ عَلى ذَلِكَ مِنِ اخْتِراعِ العالَمِ العُلْوِيِّ والسُّفْلِيِّ بِالحَقِّ، وتَكْوِيرِ اللَّيْلِ والنَّهارِ، وتَسْخِيرِ النَّيِّرَيْنِ وجَرْيِهِما عَلى نِظامٍ واحِدٍ، واتِّساقِ أمْرِهِما عَلى ما أرادَ إلى أجَلٍ مُسَمًّى، وهو يَوْمُ القِيامَةِ، حَيْثُ تَخْرُبُ بِنْيَةُ هَذا العالَمِ فَيَزُولُ جَرْيُهُما، أوْ إلى وقْتِ مَغِيبِهِما كُلَّ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ، أوْ وقْتِ قَوايِسِها كُلَّ شَهْرٍ.
والتَّكْوِيرُ: تَطْوِيلٌ مِنهُما عَلى الآخَرِ، فَكَأنَّ الآخَرَ صارَ عَلَيْهِ جُزْءٌ مِنهُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَحْمِلُ اللَّيْلَ عَلى النَّهارِ. وقالَ الضَّحّاكُ: يُدْخِلُ الزِّيادَةَ في أحَدِهِما بِالنُّقْصانِ مِنَ الآخَرِ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: يُدْخِلُ هَذا عَلى هَذا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وفِيهِ أوْجُهٌ: مِنها: أنَّ اللَّيْلَ والنَّهارَ خِلْفَةٌ، يَذْهَبُ هَذا ويَغْشى مَكانَهُ هَذا؛ وإذا غُشِّيَ مَكانَهُ فَكَأنَّما أُلْبِسَهُ ولُفَّ عَلَيْهِ كَما يُلَفُّ عَلى اللّابِسِ اللِّباسُ؛ ومِنها: أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما يُغِيِّبُ الآخَرَ إذا طَرَأ عَلَيْهِ، فَشُبِّهَ في تَغْيِيبِهِ إيّاهُ بِشَيْءٍ ظاهِرٍ لُفَّ عَلَيْهِ ما غَيَّبَهُ مِن مَطامِحِ الأبْصارِ؛ ومِنها أنَّ هَذا يَكُرُّ عَلى هَذا كُرُورًا مُتَتابِعًا، فَشُبِّهَ ذَلِكَ بِتَتابُعِ أكْوارِ العِمامَةِ بَعْضِها عَلى أثَرِ بَعْضٍ. انْتَهى.
﴿ألا هو العَزِيزُ الغَفّارُ﴾: العَزِيزُ الَّذِي لا يُغالَبُ، الغَفّارُ لِمَن تابَ، أوِ الحَلِيمُ الَّذِي لا يَعْجَلُ، سُمِّيَ الحِلْمُ غُفْرانًا مَجازًا.
ولَمّا ذَكَرَ ما دَلَّ عَلى وحْدانِيَّتِهِ وقَهْرِهِ، ذَكَرَ الإنْسانَ، وهو الَّذِي كُلِّفَ بِأعْباءِ التَّكالِيفِ، فَذَكَرَ أنَّهُ أوْجَدَنا مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ، وهي آدَمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وذَلِكَ أنَّ حَوّاءَ عَلى ما رُوِيَ خُلِقَتْ مِن آدَمَ، فَقَدْ صارَ خَلْقًا مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ لِوَساطَةِ حَوّاءَ. وقِيلَ: أخْرَجَ ذُرِّيَّةَ آدَمَ مِن ظَهْرِهِ كالذَّرِّ، ثُمَّ خَلَقَ بَعْدَ ذَلِكَ حَوّاءَ، فَعَلى هَذا كانَ خَلْقًا مِن آدَمَ بِغَيْرِ واسِطَةٍ. وجاءَتْ عَلى هَذا القَوْلِ عَلى وضْعِها، ثُمَّ لِلْمُهْلَةِ في الزَّمانِ، وعَلى القَوْلِ الأوَّلِ يَظْهَرُ أنَّ خَلْقَ حَوّاءَ كانَ بَعْدَ خَلْقِنا، ولَيْسَ كَذَلِكَ، فَثُمَّ جاءَ لِتَرْتِيبِ الأخْبارِ كَأنَّهُ قِيلَ: ثُمَّ كانَ مِن أمْرِهِ قَبْلَ ذَلِكَ أنْ جَعَلَ مِنها زَوْجَها، فَلَيْسَ التَّرْتِيبُ في زَمانِ الجَعْلِ. وقِيلَ: ثُمَّ مَعْطُوفٌ عَلى الصِّفَةِ الَّتِي هي واحِدَةٌ، أيْ: مِن نَفْسٍ وحَدَتْ، أيِ: انْفَرَدَتْ.
(ثُمَّ جَعَلَ)، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): ما وجْهُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنها زَوْجَها﴾، وما تُعْطِيهِ مِن مَعْنى التَّراخِي ؟ (قُلْتُ): هُما آيَتانِ مِن جُمْلَةِ الآياتِ الَّتِي عَدَّدَها دالًّا عَلى وحْدانِيَّتِهِ وقُدْرَتِهِ. تَشَعَّبَ هَذا الفائِتُ لِلْحَصْرِ مِن نَفْسِ آدَمَ، وخَلَقَ حَوّاءَ مِن قُصَيْراهُ، إلّا أنَّ إحْداهُما جَعَلَها اللَّهُ عادَةً مُسْتَمِرَّةً، والأُخْرى لَمْ تَجْرِ بِها العادَةُ، ولَمْ تُخْلَقْ أُنْثى غَيْرُ حَوّاءَ مِن رَجُلٍ، فَكانَتْ أدْخَلَ في كَوْنِها آيَةً، وأجْلَبَ لِعَجَبِ السّامِعِ، فَعَطَفَها بِـ ”ثُمَّ“ عَلى الآيَةِ الأُولى، لِلدَّلالَةِ عَلى مُبايَنَتِها فَضْلًا ومَزِيَّةً، وتَراخِيها عَنْها فِيما يَرْجِعُ إلى زِيادَةِ كَوْنِها آيَةً، فَهو مِنَ التَّراخِي في الحالِ والمَنزِلَةِ، لا مِنَ التَّراخِي في الوُجُودِ. انْتَهى.
وأمّا: ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنها زَوْجَها﴾، فَقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذا الجَعْلِ في أوَّلِ سُورَةِ النِّساءِ.
ووَصْفُ الأنْعامِ بِالإنْزالِ مَجازٌ إمّا لِأنَّ قَضاياهُ تُوصَفُ بِالنُّزُولِ مِنَ السَّماءِ حَيْثُ كُتِبَ في اللَّوْحِ كُلُّ كائِنٍ يَكُونُ، وإمّا لِعَيْشِها بِالنَّباتِ، والنَّباتُ ناشِئٌ عَنِ المَطَرِ، والمَطَرُ نازِلٌ مِنَ السَّماءِ، فَكَأنَّهُ تَعالى أنْزَلَها، فَيَكُونُ مِثْلَ قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎أسْنِمَةُ الإبالِ في رَبابِهِ
أيْ: في سَحابِهِ، وقالَ آخَرُ:
؎صارَ الثَّرِيدُ في رُءُوسِ العِيدانِ
وقِيلَ: خَلَقَها في الجَنَّةِ ثُمَّ أنْزَلَها، فَعَلى هَذا يَكُونُ إنْزالُ أُصُولِها حَقِيقَةً.
والأنْعامُ: الإبِلُ والبَقَرُ والضَّأْنُ (p-٤١٧)والمَعَزُ، (ثَمانِيَةَ أزْواجٍ)؛ لِأنَّ كُلًّا مِنها ذَكَرٌ وأُنْثى، والزَّوْجُ ما كانَ مَعَهُ آخَرُ مِن جِنْسِهِ، فَإذا انْفَرَدَ فَهو فَرْدٌ ووِتْرٌ. وقالَ تَعالى: ﴿فَجَعَلَ مِنهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ [القيامة: ٣٩] .
قالَ ابْنُ زَيْدٍ: ﴿خَلْقًا مِن بَعْدِ خَلْقٍ﴾: آخَرَ مِن ظَهْرِ آدَمَ وظُهُورِ الآباءِ. وقالَ عِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ: رُتَبًا ﴿خَلْقًا مِن بَعْدِ خَلْقٍ﴾ عَلى المُضْغَةِ والعَلَقَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ.
وأخَذَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ فَقالَ: حَيَوانًا سَوَيًّا مِن بَعْدِ عِظامٍ مَكْسُوَّةٍ لَحْمًا، مِن بَعْدِ عِظامٍ عارِيَةٍ، مِن بَعْدِ مُضَغٍ، مِن بَعْدِ عَلَقٍ، مِن بَعْدِ نُطَفٍ. انْتَهى.
وقَرَأ عِيسى وطَلْحَةُ ﴿يَخْلُقُكُمْ﴾ بِإدْغامِ القافِ في الكافِ.
والظُّلُماتُ الثَّلاثُ: البَطْنُ والرَّحِمُ والمَشِيمَةُ، وقِيلَ: الصُّلْبُ والرَّحِمُ والبَطْنُ.
(ذَلِكم): إشارَةٌ إلى المُتَّصِفِ بِتِلْكَ الأوْصافِ السّابِقَةِ مِن خَلْقِ السَّماواتِ وما بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ الأفْعالِ.
(فَأنّى تُصْرَفُونَ) أيْ: كَيْفَ تَعْدِلُونَ عَنْ عِبادَتِهِ إلى عِبادَةِ غَيْرِهِ ؟ .
(إنْ تَكْفُرُوا)، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: خِطابٌ لِلْكُفّارِ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهم. وعِبادُهُ هُمُ المُؤْمِنُونَ، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ قَبْلَهُ: (فَأنّى تُصْرَفُونَ)، وهَذا لِلْكُفّارِ، فَجاءَ (إنْ تَكْفُرُوا) خِطابًا لَهم، ﴿فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ﴾، وعَنْ عِبادَتِكم، إذْ لا يَرْجِعُ إلَيْهِ تَعالى مَنفَعَةٌ بِكم، ولا بِعِبادَتِكم إذْ هو الغَنِيُّ المُطْلَقُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُخاطِبًا لِجَمِيعِ النّاسِ؛ لِأنَّهُ تَعالى غَنِيٌّ عَنْ جَمِيعِهِمْ، وهم فُقَراءُ إلَيْهِ. انْتَهى.
ولَفْظُ (عِبادِهِ) عامٌّ، فَقِيلَ: المُرادُ الخُصُوصُ، وهُمُ المَلائِكَةُ ومُؤْمِنُو الإنْسِ والجِنِّ. والرِّضا بِمَعْنى الإرادَةِ، فَعَلى هَذا هي صِفَةُ ذاتٍ. وقِيلَ: المُرادُ العُمُومُ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ، والرِّضا مُغايِرٌ لِلْإرادَةِ، عَبَّرَ بِهِ عَنِ الشُّكْرِ والإثابَةِ، أيْ: لا يَشْكُرُهُ لَهم دِينًا ولا يُثِيبُهم بِهِ خَيْرًا، فالرِّضا عَلى هَذا صِفَةُ فِعْلٍ بِمَعْنى القَبُولِ والإثابَةِ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وتَأمَّلِ الإرادَةَ، فَإنَّ حَقِيقَتَها إنَّما هي فِيما لَمْ يَقَعْ بَعْدُ، والرِّضا حَقِيقَتُهُ إنَّما هو فِيما قَدْ وقَعَ، واعْتَبِرْ هَذا في آياتِ القُرْآنِ تَجِدْهُ، وإنْ كانَتِ العَرَبُ قَدْ تَسْتَعْمِلُ في أشْعارِهِمْ عَلى جِهَةِ التَّجَوُّزِ هَذا بَدَلَ هَذا.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولَقَدْ تَمَحَّلَ بَعْضُ الغُواةِ لِيُثْبِتَ لِلَّهِ ما نَفاهُ عَنْ ذاتِهِ مِنَ الرِّضا لِعِبادِهِ الكُفْرَ، فَقالَ: هَذا مِنَ العامِّ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ الخاصُّ، وما أرادَ إلّا عِبادَهُ الَّذِينَ عَناهم في قَوْلِهِ: (إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ)، يُرِيدُ المَعْصُومِينَ لِقَوْلِهِ: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٦]، تَعالى اللَّهُ عَمّا يَقُولُ الظّالِمُونَ. انْتَهى.
فَسَمّى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبّاسٍ - تُرْجُمانَ القُرْآنِ - وأعْلامَ أهْلِ السُّنَّةِ - بَعْضَ الغُواةِ، وأطْلَقَ عَلَيْهِمُ اسْمَ الظّالِمِينَ، وذَلِكَ مِن سَفَهِهِ وجُرْأتِهِ، كَما قَلْتُ في قَصِيدَتَيِ الَّتِي ذَكَرْتُ فِيها ما يُنْقَدُ عَلَيْهِ:
؎ويَشْتِمُ أعْلامَ الأئِمَّةِ ضَلَّةٌ ∗∗∗ ولا سِيَّما إنْ أوْلَجُوهُ المَضايِقا
﴿وإنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُضاعِفُ لَكم، وكَأنَّهُ يُرِيدُ ثَوابَ الشُّكْرِ؛ وقِيلَ: يَقْبَلُهُ مِنكم. قالَ صاحِبُ التَّحْرِيرِ: قُوَّةُ الكَلامِ تَدُلُّ عَلى أنَّ مَعْنى تَشْكُرُوا: تُؤْمِنُوا حَتّى يَصِيرَ بِإزاءِ الكُفْرِ، واللَّهُ تَعالى قَدْ سَمّى الأعْمالَ الصّالِحَةَ والطّاعاتِ شُكْرًا في قَوْلِهِ: ﴿اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْرًا﴾ [سبإ: ١٣] . انْتَهى.
وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذِهِ الآيَةِ في سَبَأٍ.
وقَرَأ النَّحْوِيّانِ، وابْنُ كَثِيرٍ: ﴿يَرْضَهُ﴾ بِوَصْلِ ضَمَّةِ الهاءِ بِواوٍ؛ وابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ: بِضَمَّةٍ فَقَطْ؛ وأبُو بَكْرٍ: بِسُكُونِ الهاءِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: وهو غَلَطٌ لا يَجُوزُ. انْتَهى.
ولَيْسَ بِغَلَطٍ، بَلْ ذَلِكَ لُغَةٌ لِبَنِي كِلابٍ وبَنِي عَقِيلٍ. وقَوْلُهُ: (ولا تَزِرُ) إلى: (بِذاتِ الصُّدُورِ)، تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ.
الزمر 39:4
﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ ﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ فاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ ﴿ألا لِلَّهِ الدِّينُ الخالِصُ والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى إنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهم في ما هم فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن هو كاذِبٌ كَفّارٌ﴾ ﴿لَوْ أرادَ اللَّهُ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا لاصْطَفى مِمّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ سُبْحانَهُ هو اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلى النَّهارِ ويُكَوِّرُ النَّهارَ عَلى اللَّيْلِ وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأجَلٍ مُسَمًّى ألا هو العَزِيزُ الغَفّارُ﴾ ﴿خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنها زَوْجَها وأنْزَلَ لَكم مِنَ الأنْعامِ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ يَخْلُقُكم في بُطُونِ أُمَّهاتِكم خَلْقًا مِن بَعْدِ خَلْقٍ في ظُلُماتٍ ثَلاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم لَهُ المُلْكُ لا إلَهَ إلّا هو فَأنّى تُصْرَفُونَ﴾ ﴿إنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكم ولا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ وإنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكم ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ثُمَّ إلى رَبِّكم مَرْجِعُكم فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ .
(p-٤١٤)هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: إلّا ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ﴾ [الزمر: ٢٣]، و﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا﴾ [الزمر: ٥٣] . وعَنْ مُقاتِلٍ: إلّا ﴿يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا﴾ [الزمر: ٥٣]، وقَوْلُهُ: ﴿قُلْ يا عِبادِي الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكم لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ﴾ [الزمر: ١٠] . وعَنْ بَعْضِ السَّلَفِ: إلّا ﴿يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا﴾ [الزمر: ٥٣]، إلى قَوْلِهِ: (تَشْعُرُونَ)، ثَلاثُ آياتٍ. وعَنْ بَعْضِهِمْ: إلّا سَبْعَ آياتٍ، مِن قَوْلِهِ: ﴿يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا﴾ [الزمر: ٥٣] . ومُناسَبَتُها لِآخَرِ ما قَبْلَها أنَّهُ خَتَمَ السُّورَةَ المُتَقَدِّمَةَ بِقَوْلِهِ: (إنْ هو إلّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ)، وبَدَأ هُنا: (تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ) . وقالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: (تَنْزِيلُ) مُبْتَدَأٌ، و(مِنَ اللَّهِ) الخَبَرُ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هَذا (تَنْزِيلُ)، و(مِنَ اللَّهِ) مُتَعَلِّقٌ بِـ (تَنْزِيلُ) وأقُولُ: إنَّهُ خَبَرٌ، والمُبْتَدَأُ هو لِيَعُودَ عَلى قَوْلِهِ: (إنْ هو إلّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ)، كَأنَّهُ قِيلَ: وهَذا الذِّكْرُ ما هو ؟ فَقِيلَ: هو تَنْزِيلُ الكِتابِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ غَيْرُ صِلَةٍ، يَعْنِي مِنَ اللَّهِ، كَقَوْلِكَ: هَذا الكِتابُ مِن فُلانٍ إلى فُلانٍ، وهو عَلى هَذا خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: هَذا تَنْزِيلُ الكِتابِ، هَذا مِنَ اللَّهِ، أوْ حالٌ مِن (تَنْزِيلُ) عَمِلَ فِيها مَعْنى الإشارَةِ. انْتَهى.
ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا عَمِلَ فِيها مَعْنى الإشارَةِ؛ لِأنَّ مَعانِيَ الأفْعالِ لا تَعْمَلُ إذا كانَ ما هو فِيهِ مَحْذُوفًا، ولِذَلِكَ رَدُّوا عَلى أبِي العَبّاسِ قَوْلَهُ في بَيْتِ الفَرَزْدَقِ:
؎وإذْ ما مِثْلَهم بَشَرُ
أنَّ مِثْلَهم مَنصُوبٌ بِالخَبَرِ المَحْذُوفِ وهو مُقَدَّرٌ، أيْ: وأنَّ ما في الوُجُودِ في حالِ مُماثَلَتِهِمْ بَشَرٌ.
والكِتابُ يَظْهَرُ أنَّهُ القُرْآنُ، وكُرِّرَ في قَوْلِهِ: (إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ) عَلى جِهَةِ التَّفْخِيمِ والتَّعْظِيمِ، وكَوْنُهُ في جُمْلَةٍ غَيْرِ السّابِقَةِ مَلْحُوظًا فِيهِ إسْنادُهُ إلى ضَمِيرِ العَظَمَةِ، وتَشْرِيفُ مَن أُنْزِلَ إلَيْهِ بِالخِطابِ، وتَخْصِيصُهُ بِالحَقِّ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وعِيسى: (تَنْزِيلَ) بِالنَّصْبِ، أيْ: اقْرَأْ والزَمْ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: قالَ المُفَسِّرُونَ في (تَنْزِيلُ الكِتابِ): هو القُرْآنُ، ويَظْهَرُ لِي أنَّهُ اسْمٌ عامٌّ لِجَمِيعِ ما تَنَزَّلَ مِن عِنْدِ اللَّهِ مِنَ الكُتُبِ، وكَأنَّهُ أخْبَرَ إخْبارًا مُجَرَّدًا أنَّ الكُتُبَ الهادِيَةَ الشّارِعَةَ إنَّما تَنْزِيلُها مِنَ اللَّهِ، وجَعَلَ هَذا الإخْبارَ تَقْدِمَةً وتَوْطِئَةً لِقَوْلِهِ: (إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ)، والعَزِيزُ في قُدْرَتِهِ، الحَكِيمُ في ابْتِداعِهِ. والكِتابُ الثّانِي هو القُرْآنُ، لا يَحْتَمِلُ غَيْرَ ذَلِكَ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): ما المُرادُ بِالكِتابِ ؟ (قُلْتُ): الظّاهِرُ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ أنَّهُ القُرْآنُ، وعَلى الثّانِي أنَّهُ السُّورَةُ. انْتَهى.
و(بِالحَقِّ) في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: مُلْتَبِسًا بِالحَقِّ، وهو الصِّدْقُ الثّابِتُ فِيما أوْدَعْناهُ مِن إثْباتِ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ والمَعادِ والتَّكالِيفِ، فَهَذا كُلُّهُ حَقٌّ وصِدْقٌ يَجِبُ اعْتِقادُهُ والعَمَلُ بِهِ، أوْ يَكُونُ بِالحَقِّ: بِالدَّلِيلِ عَلى أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وهو عَجْزُ الفُصَحاءِ عَنْ مُعارَضَتِهِ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ أيْ: مُتَضَمِّنًا الحَقَّ فِيهِ وفي أحْكامِهِ وفي أخْبارِهِ، أوْ بِمَعْنى الِاسْتِحْقاقِ وشُمُولِ المَنفَعَةِ لِلْعالَمِ في هِدايَتِهِمْ ودَعْوَتِهِمْ إلى اللَّهِ. انْتَهى مُلَخَّصًا.
ولَمّا امْتَنَّ تَعالى عَلى رَسُولِهِ بِإنْزالِ الكِتابِ عَلَيْهِ بِالحَقِّ، وكانَ الحَقُّ إخْلاصَ العِبادَةِ لِلَّهِ، أمَرَهُ تَعالى بِعِبادَتِهِ، فَقالَ: ﴿فاعْبُدِ اللَّهَ﴾، وكَأنَّ هَذا الأمْرَ ناشِئٌ عَنْ إنْزالِ الكِتابِ، فالفاءُ فِيهِ لِلرَّبْطِ، كَما تَقُولُ: أحْسَنَ إلَيْكَ زَيْدٌ فاشْكُرْهُ.
(مُخْلِصًا) أيْ: مُمْحِضًا، (لَهُ الدِّينَ): مِنَ الشِّرْكِ والرِّياءِ وسائِرِ ما يُفْسِدُهُ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: (الدِّينَ) بِالنَّصْبِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِالرَّفْعِ فاعِلًا بِمُخْلِصًا والرّاجِعُ لِذِي الحالِ مَحْذُوفٌ عَلى رَأْيِ البَصْرِيِّينَ، أيْ: الدِّينُ مِنكَ، أوْ يَكُونُ ألْ عِوَضًا مِنَ الضَّمِيرِ، أيْ: دِينُكَ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وحَقُّ مَن رَفَعَهُ أنْ يَقْرَأ (مُخْلَصًا) بِفَتْحِ اللّامِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأخْلَصُوا دِينَهم لِلَّهِ﴾ [النساء: ١٤٦]، حَتّى يُطابِقَ قَوْلَهُ: ﴿ألا لِلَّهِ الدِّينُ الخالِصُ﴾، والخالِصُ والمُخْلَصُ واحِدٌ، إلّا أنْ يَصِفَ الدِّينَ بِصِفَةِ صاحِبِهِ عَلى الإسْنادِ المَجازِيِّ، كَقَوْلِهِمْ: شِعْرُ شاعِرٍ.
وأمّا مَن جَعَلَ (مُخْلِصًا) حالًا مِنَ العابِدِ، و(لَهُ الدِّينُ) مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، فَقَدْ جاءَ بِإعْرابٍ رَجَعَ بِهِ الكَلامُ إلى قَوْلِكَ: لِلَّهِ الدِّينُ، أيْ: لِلَّهِ الدِّينُ الخالِصُ. انْتَهى.
وقَدْ قَدَّمَنا تَخْرِيجَهُ عَلى أنَّهُ فاعِلٌ بِمُخْلِصًا، وقَدَّرْنا ما يَرْبُطُ الحالَ بِصاحِبِها، ومِمَّنْ ذَهَبَ إلى أنَّ لَهُ (p-٤١٥)الدِّينُ مُسْتَأْنَفٌ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ الفَرّاءُ.
﴿ألا لِلَّهِ الدِّينُ الخالِصُ﴾ أيْ: مِن كُلِّ شائِبَةٍ وكَدَرٍ، فَهو الَّذِي يَجِبُ أنْ تُخْلَصَ لَهُ الطّاعَةُ، لِاطِّلاعِهِ عَلى الغُيُوبِ والأسْرارِ، ولِخُلُوصِ نِعْمَتِهِ عَلى عِبادِهِ مِن غَيْرِ اسْتِجْرارِ مَنفَعَةٍ مِنهم.
قالَ الحَسَنُ: الدِّينُ الخالِصُ: الإسْلامُ؛ وقالَ قَتادَةُ: شَهادَةُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ.
(والَّذِينَ اتَّخَذُوا): مُبْتَدَأٌ، والظّاهِرُ أنَّهُمُ المُشْرِكُونَ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ الخَبَرُ ”قالَ“ المَحْذُوفَ المَحْكِيَّ بِهِ قَوْلُهُ: ﴿ما نَعْبُدُهُمْ﴾، أيْ: والمُشْرِكُونَ المُتَّخِذُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أوْلِياءَ قالُوا: ما نَعْبُدُ تِلْكَ الأوْلِياءَ ﴿إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى﴾، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ الخَبَرَ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾، وذَلِكَ القَوْلُ المَحْذُوفُ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: اتَّخَذُوهم قائِلِينَ ما نَعْبُدُهم. وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ الخَبَرُ (إنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ)، و”قالُوا“ المَحْذُوفَةُ بَدَلٌ مِنِ ”اتَّخَذُوا“ صِلَةِ الَّذِينَ، فَلا يَكُونُ لَهُ مَوْضِعٌ مِنَ الإعْرابِ، وكَأنَّهُ مِن بَدَلِ الِاشْتِمالِ.
وفِي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ: قالُوا ما نَعْبُدُهم، وبِهِ قَرَأ هو وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ وابْنُ جُبَيْرٍ، وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ (والَّذِينَ اتَّخَذُوا) بِمَعْنى المُتَّخَذِينَ، وهُمُ المَلائِكَةُ وعِيسى واللّاتُ والعُزّى ونَحْوُهم، والضَّمِيرُ في ”اتَّخَذُوا“ عائِدٌ عَلى المَوْصُولِ، مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: والَّذِينَ اتَّخَذَهُمُ المُشْرِكُونَ أوْلِياءَ، و(أوْلِياءَ) مَفْعُولٌ ثانٍ، وهَذا الَّذِي أجازَهُ خِلافُ الظّاهِرِ، وهَذِهِ المَقالَةُ شائِعَةٌ في العَرَبِ، فَقالَ ذَلِكَ ناسٌ مِنهم في المَلائِكَةِ، وناسٌ في الأصْنامِ والأوْثانِ.
قالَ مُجاهِدٌ: وقَدْ قالَ ذَلِكَ قَوْمٌ مِنَ اليَهُودِ في عُزَيْرٍ، وقَوْمٌ مِنَ النَّصارى في المَسِيحِ. وقُرِئَ: ﴿ما نَعْبُدُهُمْ﴾ بِضَمِّ النُّونِ، إتْباعًا لِحَرَكَةِ الباءِ.
﴿إنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾: اقْتَصَرَ في الرَّدِّ عَلى مُجَرَّدِ التَّهْدِيدِ، والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في (بَيْنَهم) عائِدٌ عَلى المُتَّخِذِينَ والمُتَّخَذِينَ، والحُكْمُ بَيْنَهم هو بِإدْخالِ المَلائِكَةِ وعِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - الجَنَّةَ، ويُدْخِلُهُمُ النّارَ مَعَ الحِجارَةِ والخَشَبِ الَّتِي نَحَتُوها وعَبَدُوها مِن دُونِ اللَّهِ، يُعَذِّبُهم بِها، حَيْثُ يَجْعَلُهم وإيّاها حَصَبَ جَهَنَّمَ. واخْتِلافُهم أنَّ مَن عَبَدُوهُ كالمَلائِكَةِ وعِيسى كانُوا مُتَبَرِّئِينَ مِنهم لاعِنِينَ لَهم مُوَحِّدِينَ لِلَّهِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في ”بَيْنَهم“ عائِدٌ عَلى المُشْرِكِينَ والمُؤْمِنِينَ، إذا كانُوا يَلُومُونَهم عَلى عِبادَةِ الأصْنامِ فَيَقُولُونَ: ﴿ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى﴾، والحُكْمُ إذْ ذاكَ هو في يَوْمِ القِيامَةِ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ.
﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن هو كاذِبٌ كَفّارٌ﴾: كاذِبٌ في دَعْواهُ: أنَّ لِلَّهِ شَرِيكًا، كَفّارٌ لِأنْعُمِ اللَّهِ حَيْثُ جَعَلَ مَكانَ الشُّكْرِ الكُفْرَ، والمَعْنى: لا يَهْدِي مَن خَتَمَ عَلَيْهِ بِالمُوافاةِ عَلى الكُفْرِ فَهو عامٌّ، والمَعْنى عَلى الخُصُوصِ: فَكَمْ قَدْ هَدى مَن سَبَقَ مِنهُ الكَذِبُ والكُفْرُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لا يَهْدِي الكاذِبَ الكافِرَ في حالِ كَذِبِهِ وكُفْرِهِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: المُرادُ بِمَنعِ الهِدايَةِ: مَنعُ اللُّطْفِ تَسْجِيلًا عَلَيْهِمْ بِأنْ لا لُطْفَ لَهم، وأنَّهم في عِلْمِ اللَّهِ مِنَ الهالِكِينَ. انْتَهى.
وهُوَ عَلى طَرِيقِ الِاعْتِزالِ. وقَرَأ أنَسُ بْنُ مالِكٍ، والجَحْدَرَيُّ، والحَسَنُ، والأعْرَجُ، وابْنُ يَعْمُرَ: (كَذّابٌ كَفّارٌ) . وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (كَذُوبٌ وكَفُورٌ) .
ولَمّا كانَ مِن كَذِبِهِمْ دَعْوى بَعْضِهِمْ أنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ، وعَبَدُوها عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لَوْ أرادَ اللَّهُ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا﴾، تَشْرِيفًا لَهُ وتَبَنِّيًا، إذْ يَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ في حَقِّهِ تَعالى بِالتَّوالُدِ المَعْرُوفِ، ﴿لاصْطَفى﴾ أيِ: اخْتارَ مِن مَخْلُوقاتِهِ ما يَشاءُ ولَدًا عَلى سَبِيلِ التَّبَنِّي، ولَكِنَّهُ تَعالى لَمْ يَشَأْ ذَلِكَ لِقَوْلِهِ: ﴿وما يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا﴾ [مريم: ٩٢]، وهو عامٌّ في اتِّخاذِ النَّسْلِ واتِّخاذِ الِاصْطِفاءِ.
ويَدُلُّ عَلى أنَّ الِاتِّخاذَ هو التَّبَنِّي والِاصْطِفاءُ - قَوْلُهُ: (مِمّا يَخْلُقُ) أيْ: مِنَ الَّتِي أنْشَأها واخْتَرَعَها؛ ثُمَّ نَزَّهَ تَعالى نَفْسَهُ تَنْزِيِهًا مُطْلَقًا، فَقالَ: (سُبْحانَهُ)، ثُمَّ وصَفَ نَفْسَهُ بِالوَحْدانِيَّةِ والقَهْرِ لِجَمِيعِ العالَمِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي لَوْ أرادَ اتِّخاذَ الوَلَدِ لامْتَنَعَ، ولَمْ يَصِحَّ لِكَوْنِهِ مُحالًا، ولَمْ يَتَأتَّ إلّا أنْ يَصْطَفِيَ مِن خَلْقِهِ بَعْضَهم، ويَخْتَصَّهم ويُقَرِّبَهم كَما يَخْتَصُّ الرَّجُلُ ولَدَهُ ويُقَرِّبُهُ، وقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ بِالمَلائِكَةِ، فافْتَتَنْتُمْ بِهِ وغَرَّكُمُ اخْتِصاصُهُ إيّاهم، فَزَعَمْتُمْ أنَّهم أوْلادُهُ جَهْلًا مِنكم بِهِ، وبِحَقِيقَةِ المُخالَفَةِ لِحَقائِقِ الأجْسامِ والأعْراضِ، كَأنَّهُ قالَ: لَوْ أرادَ اتِّخاذَ الوَلَدِ، لَمْ يَزِدْ عَلى ما فَعَلَ مِنِ اصْطِفاءِ ما شاءَ مِن خَلْقِهِ، وهُمُ المَلائِكَةُ، إلّا لِأنَّكم لِجَهْلِكم بِهِ حَسِبْتُمُ (p-٤١٦)اصْطِفاءَهُمُ اتِّخاذَهم أوْلادًا، ثُمَّ تَمادَيْتُمْ في جَهْلِكم وسَفَهِكم فَجَعَلْتُمُوهم بَناتٍ وكُنْتُمْ كَذّابِينَ كَفّارِينَ مُبالِغِينَ في الِافْتِراءِ عَلى اللَّهِ ومَلائِكَتِهِ. انْتَهى.
والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ تَرْكِيبُ ”لَوْ“ وجَوابِها أنَّهُ كانَ يَتَرَتَّبُ اصْطِفاءُ الوَلَدِ مِمّا يَخْلُقُ عَلى تَقْدِيرِ اتِّخاذِهِ لَكِنَّهُ لَمْ يَتَّخِذْهُ فَلا يَصْطَفِيهِ. وأمّا ما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِن قَوْلِهِ: يَعْنِي لَوْ أرادَ إلى آخِرِهِ، وقَوْلِهِ بَعْدُ: كَأنَّهُ قالَ: لَوْ أرادَ اتِّخاذَ الوَلَدِ لَمْ يَزِدْ عَلى ما فَعَلَ مِنِ اصْطِفاءِ ما شاءَ مِن خَلْقِهِ وهُمُ المَلائِكَةُ فَلَيْسَ مَفْهُومًا مِن قَوْلِهِ: ﴿لَوْ أرادَ اللَّهُ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا لاصْطَفى مِمّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ .
ولَمّا نَزَّهَ تَعالى نَفْسَهُ ووَصَفَ ذاتَهُ بِالوَحْدَةِ والقَهْرِ، ذَكَرَ ما دَلَّ عَلى ذَلِكَ مِنِ اخْتِراعِ العالَمِ العُلْوِيِّ والسُّفْلِيِّ بِالحَقِّ، وتَكْوِيرِ اللَّيْلِ والنَّهارِ، وتَسْخِيرِ النَّيِّرَيْنِ وجَرْيِهِما عَلى نِظامٍ واحِدٍ، واتِّساقِ أمْرِهِما عَلى ما أرادَ إلى أجَلٍ مُسَمًّى، وهو يَوْمُ القِيامَةِ، حَيْثُ تَخْرُبُ بِنْيَةُ هَذا العالَمِ فَيَزُولُ جَرْيُهُما، أوْ إلى وقْتِ مَغِيبِهِما كُلَّ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ، أوْ وقْتِ قَوايِسِها كُلَّ شَهْرٍ.
والتَّكْوِيرُ: تَطْوِيلٌ مِنهُما عَلى الآخَرِ، فَكَأنَّ الآخَرَ صارَ عَلَيْهِ جُزْءٌ مِنهُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَحْمِلُ اللَّيْلَ عَلى النَّهارِ. وقالَ الضَّحّاكُ: يُدْخِلُ الزِّيادَةَ في أحَدِهِما بِالنُّقْصانِ مِنَ الآخَرِ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: يُدْخِلُ هَذا عَلى هَذا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وفِيهِ أوْجُهٌ: مِنها: أنَّ اللَّيْلَ والنَّهارَ خِلْفَةٌ، يَذْهَبُ هَذا ويَغْشى مَكانَهُ هَذا؛ وإذا غُشِّيَ مَكانَهُ فَكَأنَّما أُلْبِسَهُ ولُفَّ عَلَيْهِ كَما يُلَفُّ عَلى اللّابِسِ اللِّباسُ؛ ومِنها: أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما يُغِيِّبُ الآخَرَ إذا طَرَأ عَلَيْهِ، فَشُبِّهَ في تَغْيِيبِهِ إيّاهُ بِشَيْءٍ ظاهِرٍ لُفَّ عَلَيْهِ ما غَيَّبَهُ مِن مَطامِحِ الأبْصارِ؛ ومِنها أنَّ هَذا يَكُرُّ عَلى هَذا كُرُورًا مُتَتابِعًا، فَشُبِّهَ ذَلِكَ بِتَتابُعِ أكْوارِ العِمامَةِ بَعْضِها عَلى أثَرِ بَعْضٍ. انْتَهى.
﴿ألا هو العَزِيزُ الغَفّارُ﴾: العَزِيزُ الَّذِي لا يُغالَبُ، الغَفّارُ لِمَن تابَ، أوِ الحَلِيمُ الَّذِي لا يَعْجَلُ، سُمِّيَ الحِلْمُ غُفْرانًا مَجازًا.
ولَمّا ذَكَرَ ما دَلَّ عَلى وحْدانِيَّتِهِ وقَهْرِهِ، ذَكَرَ الإنْسانَ، وهو الَّذِي كُلِّفَ بِأعْباءِ التَّكالِيفِ، فَذَكَرَ أنَّهُ أوْجَدَنا مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ، وهي آدَمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وذَلِكَ أنَّ حَوّاءَ عَلى ما رُوِيَ خُلِقَتْ مِن آدَمَ، فَقَدْ صارَ خَلْقًا مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ لِوَساطَةِ حَوّاءَ. وقِيلَ: أخْرَجَ ذُرِّيَّةَ آدَمَ مِن ظَهْرِهِ كالذَّرِّ، ثُمَّ خَلَقَ بَعْدَ ذَلِكَ حَوّاءَ، فَعَلى هَذا كانَ خَلْقًا مِن آدَمَ بِغَيْرِ واسِطَةٍ. وجاءَتْ عَلى هَذا القَوْلِ عَلى وضْعِها، ثُمَّ لِلْمُهْلَةِ في الزَّمانِ، وعَلى القَوْلِ الأوَّلِ يَظْهَرُ أنَّ خَلْقَ حَوّاءَ كانَ بَعْدَ خَلْقِنا، ولَيْسَ كَذَلِكَ، فَثُمَّ جاءَ لِتَرْتِيبِ الأخْبارِ كَأنَّهُ قِيلَ: ثُمَّ كانَ مِن أمْرِهِ قَبْلَ ذَلِكَ أنْ جَعَلَ مِنها زَوْجَها، فَلَيْسَ التَّرْتِيبُ في زَمانِ الجَعْلِ. وقِيلَ: ثُمَّ مَعْطُوفٌ عَلى الصِّفَةِ الَّتِي هي واحِدَةٌ، أيْ: مِن نَفْسٍ وحَدَتْ، أيِ: انْفَرَدَتْ.
(ثُمَّ جَعَلَ)، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): ما وجْهُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنها زَوْجَها﴾، وما تُعْطِيهِ مِن مَعْنى التَّراخِي ؟ (قُلْتُ): هُما آيَتانِ مِن جُمْلَةِ الآياتِ الَّتِي عَدَّدَها دالًّا عَلى وحْدانِيَّتِهِ وقُدْرَتِهِ. تَشَعَّبَ هَذا الفائِتُ لِلْحَصْرِ مِن نَفْسِ آدَمَ، وخَلَقَ حَوّاءَ مِن قُصَيْراهُ، إلّا أنَّ إحْداهُما جَعَلَها اللَّهُ عادَةً مُسْتَمِرَّةً، والأُخْرى لَمْ تَجْرِ بِها العادَةُ، ولَمْ تُخْلَقْ أُنْثى غَيْرُ حَوّاءَ مِن رَجُلٍ، فَكانَتْ أدْخَلَ في كَوْنِها آيَةً، وأجْلَبَ لِعَجَبِ السّامِعِ، فَعَطَفَها بِـ ”ثُمَّ“ عَلى الآيَةِ الأُولى، لِلدَّلالَةِ عَلى مُبايَنَتِها فَضْلًا ومَزِيَّةً، وتَراخِيها عَنْها فِيما يَرْجِعُ إلى زِيادَةِ كَوْنِها آيَةً، فَهو مِنَ التَّراخِي في الحالِ والمَنزِلَةِ، لا مِنَ التَّراخِي في الوُجُودِ. انْتَهى.
وأمّا: ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنها زَوْجَها﴾، فَقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذا الجَعْلِ في أوَّلِ سُورَةِ النِّساءِ.
ووَصْفُ الأنْعامِ بِالإنْزالِ مَجازٌ إمّا لِأنَّ قَضاياهُ تُوصَفُ بِالنُّزُولِ مِنَ السَّماءِ حَيْثُ كُتِبَ في اللَّوْحِ كُلُّ كائِنٍ يَكُونُ، وإمّا لِعَيْشِها بِالنَّباتِ، والنَّباتُ ناشِئٌ عَنِ المَطَرِ، والمَطَرُ نازِلٌ مِنَ السَّماءِ، فَكَأنَّهُ تَعالى أنْزَلَها، فَيَكُونُ مِثْلَ قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎أسْنِمَةُ الإبالِ في رَبابِهِ
أيْ: في سَحابِهِ، وقالَ آخَرُ:
؎صارَ الثَّرِيدُ في رُءُوسِ العِيدانِ
وقِيلَ: خَلَقَها في الجَنَّةِ ثُمَّ أنْزَلَها، فَعَلى هَذا يَكُونُ إنْزالُ أُصُولِها حَقِيقَةً.
والأنْعامُ: الإبِلُ والبَقَرُ والضَّأْنُ (p-٤١٧)والمَعَزُ، (ثَمانِيَةَ أزْواجٍ)؛ لِأنَّ كُلًّا مِنها ذَكَرٌ وأُنْثى، والزَّوْجُ ما كانَ مَعَهُ آخَرُ مِن جِنْسِهِ، فَإذا انْفَرَدَ فَهو فَرْدٌ ووِتْرٌ. وقالَ تَعالى: ﴿فَجَعَلَ مِنهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ [القيامة: ٣٩] .
قالَ ابْنُ زَيْدٍ: ﴿خَلْقًا مِن بَعْدِ خَلْقٍ﴾: آخَرَ مِن ظَهْرِ آدَمَ وظُهُورِ الآباءِ. وقالَ عِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ: رُتَبًا ﴿خَلْقًا مِن بَعْدِ خَلْقٍ﴾ عَلى المُضْغَةِ والعَلَقَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ.
وأخَذَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ فَقالَ: حَيَوانًا سَوَيًّا مِن بَعْدِ عِظامٍ مَكْسُوَّةٍ لَحْمًا، مِن بَعْدِ عِظامٍ عارِيَةٍ، مِن بَعْدِ مُضَغٍ، مِن بَعْدِ عَلَقٍ، مِن بَعْدِ نُطَفٍ. انْتَهى.
وقَرَأ عِيسى وطَلْحَةُ ﴿يَخْلُقُكُمْ﴾ بِإدْغامِ القافِ في الكافِ.
والظُّلُماتُ الثَّلاثُ: البَطْنُ والرَّحِمُ والمَشِيمَةُ، وقِيلَ: الصُّلْبُ والرَّحِمُ والبَطْنُ.
(ذَلِكم): إشارَةٌ إلى المُتَّصِفِ بِتِلْكَ الأوْصافِ السّابِقَةِ مِن خَلْقِ السَّماواتِ وما بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ الأفْعالِ.
(فَأنّى تُصْرَفُونَ) أيْ: كَيْفَ تَعْدِلُونَ عَنْ عِبادَتِهِ إلى عِبادَةِ غَيْرِهِ ؟ .
(إنْ تَكْفُرُوا)، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: خِطابٌ لِلْكُفّارِ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهم. وعِبادُهُ هُمُ المُؤْمِنُونَ، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ قَبْلَهُ: (فَأنّى تُصْرَفُونَ)، وهَذا لِلْكُفّارِ، فَجاءَ (إنْ تَكْفُرُوا) خِطابًا لَهم، ﴿فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ﴾، وعَنْ عِبادَتِكم، إذْ لا يَرْجِعُ إلَيْهِ تَعالى مَنفَعَةٌ بِكم، ولا بِعِبادَتِكم إذْ هو الغَنِيُّ المُطْلَقُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُخاطِبًا لِجَمِيعِ النّاسِ؛ لِأنَّهُ تَعالى غَنِيٌّ عَنْ جَمِيعِهِمْ، وهم فُقَراءُ إلَيْهِ. انْتَهى.
ولَفْظُ (عِبادِهِ) عامٌّ، فَقِيلَ: المُرادُ الخُصُوصُ، وهُمُ المَلائِكَةُ ومُؤْمِنُو الإنْسِ والجِنِّ. والرِّضا بِمَعْنى الإرادَةِ، فَعَلى هَذا هي صِفَةُ ذاتٍ. وقِيلَ: المُرادُ العُمُومُ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ، والرِّضا مُغايِرٌ لِلْإرادَةِ، عَبَّرَ بِهِ عَنِ الشُّكْرِ والإثابَةِ، أيْ: لا يَشْكُرُهُ لَهم دِينًا ولا يُثِيبُهم بِهِ خَيْرًا، فالرِّضا عَلى هَذا صِفَةُ فِعْلٍ بِمَعْنى القَبُولِ والإثابَةِ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وتَأمَّلِ الإرادَةَ، فَإنَّ حَقِيقَتَها إنَّما هي فِيما لَمْ يَقَعْ بَعْدُ، والرِّضا حَقِيقَتُهُ إنَّما هو فِيما قَدْ وقَعَ، واعْتَبِرْ هَذا في آياتِ القُرْآنِ تَجِدْهُ، وإنْ كانَتِ العَرَبُ قَدْ تَسْتَعْمِلُ في أشْعارِهِمْ عَلى جِهَةِ التَّجَوُّزِ هَذا بَدَلَ هَذا.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولَقَدْ تَمَحَّلَ بَعْضُ الغُواةِ لِيُثْبِتَ لِلَّهِ ما نَفاهُ عَنْ ذاتِهِ مِنَ الرِّضا لِعِبادِهِ الكُفْرَ، فَقالَ: هَذا مِنَ العامِّ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ الخاصُّ، وما أرادَ إلّا عِبادَهُ الَّذِينَ عَناهم في قَوْلِهِ: (إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ)، يُرِيدُ المَعْصُومِينَ لِقَوْلِهِ: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٦]، تَعالى اللَّهُ عَمّا يَقُولُ الظّالِمُونَ. انْتَهى.
فَسَمّى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبّاسٍ - تُرْجُمانَ القُرْآنِ - وأعْلامَ أهْلِ السُّنَّةِ - بَعْضَ الغُواةِ، وأطْلَقَ عَلَيْهِمُ اسْمَ الظّالِمِينَ، وذَلِكَ مِن سَفَهِهِ وجُرْأتِهِ، كَما قَلْتُ في قَصِيدَتَيِ الَّتِي ذَكَرْتُ فِيها ما يُنْقَدُ عَلَيْهِ:
؎ويَشْتِمُ أعْلامَ الأئِمَّةِ ضَلَّةٌ ∗∗∗ ولا سِيَّما إنْ أوْلَجُوهُ المَضايِقا
﴿وإنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُضاعِفُ لَكم، وكَأنَّهُ يُرِيدُ ثَوابَ الشُّكْرِ؛ وقِيلَ: يَقْبَلُهُ مِنكم. قالَ صاحِبُ التَّحْرِيرِ: قُوَّةُ الكَلامِ تَدُلُّ عَلى أنَّ مَعْنى تَشْكُرُوا: تُؤْمِنُوا حَتّى يَصِيرَ بِإزاءِ الكُفْرِ، واللَّهُ تَعالى قَدْ سَمّى الأعْمالَ الصّالِحَةَ والطّاعاتِ شُكْرًا في قَوْلِهِ: ﴿اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْرًا﴾ [سبإ: ١٣] . انْتَهى.
وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذِهِ الآيَةِ في سَبَأٍ.
وقَرَأ النَّحْوِيّانِ، وابْنُ كَثِيرٍ: ﴿يَرْضَهُ﴾ بِوَصْلِ ضَمَّةِ الهاءِ بِواوٍ؛ وابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ: بِضَمَّةٍ فَقَطْ؛ وأبُو بَكْرٍ: بِسُكُونِ الهاءِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: وهو غَلَطٌ لا يَجُوزُ. انْتَهى.
ولَيْسَ بِغَلَطٍ، بَلْ ذَلِكَ لُغَةٌ لِبَنِي كِلابٍ وبَنِي عَقِيلٍ. وقَوْلُهُ: (ولا تَزِرُ) إلى: (بِذاتِ الصُّدُورِ)، تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ.
الزمر 39:5
﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ ﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ فاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ ﴿ألا لِلَّهِ الدِّينُ الخالِصُ والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى إنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهم في ما هم فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن هو كاذِبٌ كَفّارٌ﴾ ﴿لَوْ أرادَ اللَّهُ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا لاصْطَفى مِمّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ سُبْحانَهُ هو اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلى النَّهارِ ويُكَوِّرُ النَّهارَ عَلى اللَّيْلِ وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأجَلٍ مُسَمًّى ألا هو العَزِيزُ الغَفّارُ﴾ ﴿خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنها زَوْجَها وأنْزَلَ لَكم مِنَ الأنْعامِ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ يَخْلُقُكم في بُطُونِ أُمَّهاتِكم خَلْقًا مِن بَعْدِ خَلْقٍ في ظُلُماتٍ ثَلاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم لَهُ المُلْكُ لا إلَهَ إلّا هو فَأنّى تُصْرَفُونَ﴾ ﴿إنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكم ولا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ وإنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكم ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ثُمَّ إلى رَبِّكم مَرْجِعُكم فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ .
(p-٤١٤)هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: إلّا ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ﴾ [الزمر: ٢٣]، و﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا﴾ [الزمر: ٥٣] . وعَنْ مُقاتِلٍ: إلّا ﴿يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا﴾ [الزمر: ٥٣]، وقَوْلُهُ: ﴿قُلْ يا عِبادِي الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكم لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ﴾ [الزمر: ١٠] . وعَنْ بَعْضِ السَّلَفِ: إلّا ﴿يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا﴾ [الزمر: ٥٣]، إلى قَوْلِهِ: (تَشْعُرُونَ)، ثَلاثُ آياتٍ. وعَنْ بَعْضِهِمْ: إلّا سَبْعَ آياتٍ، مِن قَوْلِهِ: ﴿يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا﴾ [الزمر: ٥٣] . ومُناسَبَتُها لِآخَرِ ما قَبْلَها أنَّهُ خَتَمَ السُّورَةَ المُتَقَدِّمَةَ بِقَوْلِهِ: (إنْ هو إلّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ)، وبَدَأ هُنا: (تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ) . وقالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: (تَنْزِيلُ) مُبْتَدَأٌ، و(مِنَ اللَّهِ) الخَبَرُ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هَذا (تَنْزِيلُ)، و(مِنَ اللَّهِ) مُتَعَلِّقٌ بِـ (تَنْزِيلُ) وأقُولُ: إنَّهُ خَبَرٌ، والمُبْتَدَأُ هو لِيَعُودَ عَلى قَوْلِهِ: (إنْ هو إلّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ)، كَأنَّهُ قِيلَ: وهَذا الذِّكْرُ ما هو ؟ فَقِيلَ: هو تَنْزِيلُ الكِتابِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ غَيْرُ صِلَةٍ، يَعْنِي مِنَ اللَّهِ، كَقَوْلِكَ: هَذا الكِتابُ مِن فُلانٍ إلى فُلانٍ، وهو عَلى هَذا خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: هَذا تَنْزِيلُ الكِتابِ، هَذا مِنَ اللَّهِ، أوْ حالٌ مِن (تَنْزِيلُ) عَمِلَ فِيها مَعْنى الإشارَةِ. انْتَهى.
ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا عَمِلَ فِيها مَعْنى الإشارَةِ؛ لِأنَّ مَعانِيَ الأفْعالِ لا تَعْمَلُ إذا كانَ ما هو فِيهِ مَحْذُوفًا، ولِذَلِكَ رَدُّوا عَلى أبِي العَبّاسِ قَوْلَهُ في بَيْتِ الفَرَزْدَقِ:
؎وإذْ ما مِثْلَهم بَشَرُ
أنَّ مِثْلَهم مَنصُوبٌ بِالخَبَرِ المَحْذُوفِ وهو مُقَدَّرٌ، أيْ: وأنَّ ما في الوُجُودِ في حالِ مُماثَلَتِهِمْ بَشَرٌ.
والكِتابُ يَظْهَرُ أنَّهُ القُرْآنُ، وكُرِّرَ في قَوْلِهِ: (إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ) عَلى جِهَةِ التَّفْخِيمِ والتَّعْظِيمِ، وكَوْنُهُ في جُمْلَةٍ غَيْرِ السّابِقَةِ مَلْحُوظًا فِيهِ إسْنادُهُ إلى ضَمِيرِ العَظَمَةِ، وتَشْرِيفُ مَن أُنْزِلَ إلَيْهِ بِالخِطابِ، وتَخْصِيصُهُ بِالحَقِّ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وعِيسى: (تَنْزِيلَ) بِالنَّصْبِ، أيْ: اقْرَأْ والزَمْ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: قالَ المُفَسِّرُونَ في (تَنْزِيلُ الكِتابِ): هو القُرْآنُ، ويَظْهَرُ لِي أنَّهُ اسْمٌ عامٌّ لِجَمِيعِ ما تَنَزَّلَ مِن عِنْدِ اللَّهِ مِنَ الكُتُبِ، وكَأنَّهُ أخْبَرَ إخْبارًا مُجَرَّدًا أنَّ الكُتُبَ الهادِيَةَ الشّارِعَةَ إنَّما تَنْزِيلُها مِنَ اللَّهِ، وجَعَلَ هَذا الإخْبارَ تَقْدِمَةً وتَوْطِئَةً لِقَوْلِهِ: (إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ)، والعَزِيزُ في قُدْرَتِهِ، الحَكِيمُ في ابْتِداعِهِ. والكِتابُ الثّانِي هو القُرْآنُ، لا يَحْتَمِلُ غَيْرَ ذَلِكَ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): ما المُرادُ بِالكِتابِ ؟ (قُلْتُ): الظّاهِرُ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ أنَّهُ القُرْآنُ، وعَلى الثّانِي أنَّهُ السُّورَةُ. انْتَهى.
و(بِالحَقِّ) في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: مُلْتَبِسًا بِالحَقِّ، وهو الصِّدْقُ الثّابِتُ فِيما أوْدَعْناهُ مِن إثْباتِ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ والمَعادِ والتَّكالِيفِ، فَهَذا كُلُّهُ حَقٌّ وصِدْقٌ يَجِبُ اعْتِقادُهُ والعَمَلُ بِهِ، أوْ يَكُونُ بِالحَقِّ: بِالدَّلِيلِ عَلى أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وهو عَجْزُ الفُصَحاءِ عَنْ مُعارَضَتِهِ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ أيْ: مُتَضَمِّنًا الحَقَّ فِيهِ وفي أحْكامِهِ وفي أخْبارِهِ، أوْ بِمَعْنى الِاسْتِحْقاقِ وشُمُولِ المَنفَعَةِ لِلْعالَمِ في هِدايَتِهِمْ ودَعْوَتِهِمْ إلى اللَّهِ. انْتَهى مُلَخَّصًا.
ولَمّا امْتَنَّ تَعالى عَلى رَسُولِهِ بِإنْزالِ الكِتابِ عَلَيْهِ بِالحَقِّ، وكانَ الحَقُّ إخْلاصَ العِبادَةِ لِلَّهِ، أمَرَهُ تَعالى بِعِبادَتِهِ، فَقالَ: ﴿فاعْبُدِ اللَّهَ﴾، وكَأنَّ هَذا الأمْرَ ناشِئٌ عَنْ إنْزالِ الكِتابِ، فالفاءُ فِيهِ لِلرَّبْطِ، كَما تَقُولُ: أحْسَنَ إلَيْكَ زَيْدٌ فاشْكُرْهُ.
(مُخْلِصًا) أيْ: مُمْحِضًا، (لَهُ الدِّينَ): مِنَ الشِّرْكِ والرِّياءِ وسائِرِ ما يُفْسِدُهُ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: (الدِّينَ) بِالنَّصْبِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِالرَّفْعِ فاعِلًا بِمُخْلِصًا والرّاجِعُ لِذِي الحالِ مَحْذُوفٌ عَلى رَأْيِ البَصْرِيِّينَ، أيْ: الدِّينُ مِنكَ، أوْ يَكُونُ ألْ عِوَضًا مِنَ الضَّمِيرِ، أيْ: دِينُكَ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وحَقُّ مَن رَفَعَهُ أنْ يَقْرَأ (مُخْلَصًا) بِفَتْحِ اللّامِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأخْلَصُوا دِينَهم لِلَّهِ﴾ [النساء: ١٤٦]، حَتّى يُطابِقَ قَوْلَهُ: ﴿ألا لِلَّهِ الدِّينُ الخالِصُ﴾، والخالِصُ والمُخْلَصُ واحِدٌ، إلّا أنْ يَصِفَ الدِّينَ بِصِفَةِ صاحِبِهِ عَلى الإسْنادِ المَجازِيِّ، كَقَوْلِهِمْ: شِعْرُ شاعِرٍ.
وأمّا مَن جَعَلَ (مُخْلِصًا) حالًا مِنَ العابِدِ، و(لَهُ الدِّينُ) مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، فَقَدْ جاءَ بِإعْرابٍ رَجَعَ بِهِ الكَلامُ إلى قَوْلِكَ: لِلَّهِ الدِّينُ، أيْ: لِلَّهِ الدِّينُ الخالِصُ. انْتَهى.
وقَدْ قَدَّمَنا تَخْرِيجَهُ عَلى أنَّهُ فاعِلٌ بِمُخْلِصًا، وقَدَّرْنا ما يَرْبُطُ الحالَ بِصاحِبِها، ومِمَّنْ ذَهَبَ إلى أنَّ لَهُ (p-٤١٥)الدِّينُ مُسْتَأْنَفٌ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ الفَرّاءُ.
﴿ألا لِلَّهِ الدِّينُ الخالِصُ﴾ أيْ: مِن كُلِّ شائِبَةٍ وكَدَرٍ، فَهو الَّذِي يَجِبُ أنْ تُخْلَصَ لَهُ الطّاعَةُ، لِاطِّلاعِهِ عَلى الغُيُوبِ والأسْرارِ، ولِخُلُوصِ نِعْمَتِهِ عَلى عِبادِهِ مِن غَيْرِ اسْتِجْرارِ مَنفَعَةٍ مِنهم.
قالَ الحَسَنُ: الدِّينُ الخالِصُ: الإسْلامُ؛ وقالَ قَتادَةُ: شَهادَةُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ.
(والَّذِينَ اتَّخَذُوا): مُبْتَدَأٌ، والظّاهِرُ أنَّهُمُ المُشْرِكُونَ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ الخَبَرُ ”قالَ“ المَحْذُوفَ المَحْكِيَّ بِهِ قَوْلُهُ: ﴿ما نَعْبُدُهُمْ﴾، أيْ: والمُشْرِكُونَ المُتَّخِذُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أوْلِياءَ قالُوا: ما نَعْبُدُ تِلْكَ الأوْلِياءَ ﴿إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى﴾، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ الخَبَرَ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾، وذَلِكَ القَوْلُ المَحْذُوفُ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: اتَّخَذُوهم قائِلِينَ ما نَعْبُدُهم. وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ الخَبَرُ (إنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ)، و”قالُوا“ المَحْذُوفَةُ بَدَلٌ مِنِ ”اتَّخَذُوا“ صِلَةِ الَّذِينَ، فَلا يَكُونُ لَهُ مَوْضِعٌ مِنَ الإعْرابِ، وكَأنَّهُ مِن بَدَلِ الِاشْتِمالِ.
وفِي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ: قالُوا ما نَعْبُدُهم، وبِهِ قَرَأ هو وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ وابْنُ جُبَيْرٍ، وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ (والَّذِينَ اتَّخَذُوا) بِمَعْنى المُتَّخَذِينَ، وهُمُ المَلائِكَةُ وعِيسى واللّاتُ والعُزّى ونَحْوُهم، والضَّمِيرُ في ”اتَّخَذُوا“ عائِدٌ عَلى المَوْصُولِ، مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: والَّذِينَ اتَّخَذَهُمُ المُشْرِكُونَ أوْلِياءَ، و(أوْلِياءَ) مَفْعُولٌ ثانٍ، وهَذا الَّذِي أجازَهُ خِلافُ الظّاهِرِ، وهَذِهِ المَقالَةُ شائِعَةٌ في العَرَبِ، فَقالَ ذَلِكَ ناسٌ مِنهم في المَلائِكَةِ، وناسٌ في الأصْنامِ والأوْثانِ.
قالَ مُجاهِدٌ: وقَدْ قالَ ذَلِكَ قَوْمٌ مِنَ اليَهُودِ في عُزَيْرٍ، وقَوْمٌ مِنَ النَّصارى في المَسِيحِ. وقُرِئَ: ﴿ما نَعْبُدُهُمْ﴾ بِضَمِّ النُّونِ، إتْباعًا لِحَرَكَةِ الباءِ.
﴿إنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾: اقْتَصَرَ في الرَّدِّ عَلى مُجَرَّدِ التَّهْدِيدِ، والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في (بَيْنَهم) عائِدٌ عَلى المُتَّخِذِينَ والمُتَّخَذِينَ، والحُكْمُ بَيْنَهم هو بِإدْخالِ المَلائِكَةِ وعِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - الجَنَّةَ، ويُدْخِلُهُمُ النّارَ مَعَ الحِجارَةِ والخَشَبِ الَّتِي نَحَتُوها وعَبَدُوها مِن دُونِ اللَّهِ، يُعَذِّبُهم بِها، حَيْثُ يَجْعَلُهم وإيّاها حَصَبَ جَهَنَّمَ. واخْتِلافُهم أنَّ مَن عَبَدُوهُ كالمَلائِكَةِ وعِيسى كانُوا مُتَبَرِّئِينَ مِنهم لاعِنِينَ لَهم مُوَحِّدِينَ لِلَّهِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في ”بَيْنَهم“ عائِدٌ عَلى المُشْرِكِينَ والمُؤْمِنِينَ، إذا كانُوا يَلُومُونَهم عَلى عِبادَةِ الأصْنامِ فَيَقُولُونَ: ﴿ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى﴾، والحُكْمُ إذْ ذاكَ هو في يَوْمِ القِيامَةِ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ.
﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن هو كاذِبٌ كَفّارٌ﴾: كاذِبٌ في دَعْواهُ: أنَّ لِلَّهِ شَرِيكًا، كَفّارٌ لِأنْعُمِ اللَّهِ حَيْثُ جَعَلَ مَكانَ الشُّكْرِ الكُفْرَ، والمَعْنى: لا يَهْدِي مَن خَتَمَ عَلَيْهِ بِالمُوافاةِ عَلى الكُفْرِ فَهو عامٌّ، والمَعْنى عَلى الخُصُوصِ: فَكَمْ قَدْ هَدى مَن سَبَقَ مِنهُ الكَذِبُ والكُفْرُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لا يَهْدِي الكاذِبَ الكافِرَ في حالِ كَذِبِهِ وكُفْرِهِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: المُرادُ بِمَنعِ الهِدايَةِ: مَنعُ اللُّطْفِ تَسْجِيلًا عَلَيْهِمْ بِأنْ لا لُطْفَ لَهم، وأنَّهم في عِلْمِ اللَّهِ مِنَ الهالِكِينَ. انْتَهى.
وهُوَ عَلى طَرِيقِ الِاعْتِزالِ. وقَرَأ أنَسُ بْنُ مالِكٍ، والجَحْدَرَيُّ، والحَسَنُ، والأعْرَجُ، وابْنُ يَعْمُرَ: (كَذّابٌ كَفّارٌ) . وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (كَذُوبٌ وكَفُورٌ) .
ولَمّا كانَ مِن كَذِبِهِمْ دَعْوى بَعْضِهِمْ أنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ، وعَبَدُوها عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لَوْ أرادَ اللَّهُ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا﴾، تَشْرِيفًا لَهُ وتَبَنِّيًا، إذْ يَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ في حَقِّهِ تَعالى بِالتَّوالُدِ المَعْرُوفِ، ﴿لاصْطَفى﴾ أيِ: اخْتارَ مِن مَخْلُوقاتِهِ ما يَشاءُ ولَدًا عَلى سَبِيلِ التَّبَنِّي، ولَكِنَّهُ تَعالى لَمْ يَشَأْ ذَلِكَ لِقَوْلِهِ: ﴿وما يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا﴾ [مريم: ٩٢]، وهو عامٌّ في اتِّخاذِ النَّسْلِ واتِّخاذِ الِاصْطِفاءِ.
ويَدُلُّ عَلى أنَّ الِاتِّخاذَ هو التَّبَنِّي والِاصْطِفاءُ - قَوْلُهُ: (مِمّا يَخْلُقُ) أيْ: مِنَ الَّتِي أنْشَأها واخْتَرَعَها؛ ثُمَّ نَزَّهَ تَعالى نَفْسَهُ تَنْزِيِهًا مُطْلَقًا، فَقالَ: (سُبْحانَهُ)، ثُمَّ وصَفَ نَفْسَهُ بِالوَحْدانِيَّةِ والقَهْرِ لِجَمِيعِ العالَمِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي لَوْ أرادَ اتِّخاذَ الوَلَدِ لامْتَنَعَ، ولَمْ يَصِحَّ لِكَوْنِهِ مُحالًا، ولَمْ يَتَأتَّ إلّا أنْ يَصْطَفِيَ مِن خَلْقِهِ بَعْضَهم، ويَخْتَصَّهم ويُقَرِّبَهم كَما يَخْتَصُّ الرَّجُلُ ولَدَهُ ويُقَرِّبُهُ، وقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ بِالمَلائِكَةِ، فافْتَتَنْتُمْ بِهِ وغَرَّكُمُ اخْتِصاصُهُ إيّاهم، فَزَعَمْتُمْ أنَّهم أوْلادُهُ جَهْلًا مِنكم بِهِ، وبِحَقِيقَةِ المُخالَفَةِ لِحَقائِقِ الأجْسامِ والأعْراضِ، كَأنَّهُ قالَ: لَوْ أرادَ اتِّخاذَ الوَلَدِ، لَمْ يَزِدْ عَلى ما فَعَلَ مِنِ اصْطِفاءِ ما شاءَ مِن خَلْقِهِ، وهُمُ المَلائِكَةُ، إلّا لِأنَّكم لِجَهْلِكم بِهِ حَسِبْتُمُ (p-٤١٦)اصْطِفاءَهُمُ اتِّخاذَهم أوْلادًا، ثُمَّ تَمادَيْتُمْ في جَهْلِكم وسَفَهِكم فَجَعَلْتُمُوهم بَناتٍ وكُنْتُمْ كَذّابِينَ كَفّارِينَ مُبالِغِينَ في الِافْتِراءِ عَلى اللَّهِ ومَلائِكَتِهِ. انْتَهى.
والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ تَرْكِيبُ ”لَوْ“ وجَوابِها أنَّهُ كانَ يَتَرَتَّبُ اصْطِفاءُ الوَلَدِ مِمّا يَخْلُقُ عَلى تَقْدِيرِ اتِّخاذِهِ لَكِنَّهُ لَمْ يَتَّخِذْهُ فَلا يَصْطَفِيهِ. وأمّا ما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِن قَوْلِهِ: يَعْنِي لَوْ أرادَ إلى آخِرِهِ، وقَوْلِهِ بَعْدُ: كَأنَّهُ قالَ: لَوْ أرادَ اتِّخاذَ الوَلَدِ لَمْ يَزِدْ عَلى ما فَعَلَ مِنِ اصْطِفاءِ ما شاءَ مِن خَلْقِهِ وهُمُ المَلائِكَةُ فَلَيْسَ مَفْهُومًا مِن قَوْلِهِ: ﴿لَوْ أرادَ اللَّهُ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا لاصْطَفى مِمّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ .
ولَمّا نَزَّهَ تَعالى نَفْسَهُ ووَصَفَ ذاتَهُ بِالوَحْدَةِ والقَهْرِ، ذَكَرَ ما دَلَّ عَلى ذَلِكَ مِنِ اخْتِراعِ العالَمِ العُلْوِيِّ والسُّفْلِيِّ بِالحَقِّ، وتَكْوِيرِ اللَّيْلِ والنَّهارِ، وتَسْخِيرِ النَّيِّرَيْنِ وجَرْيِهِما عَلى نِظامٍ واحِدٍ، واتِّساقِ أمْرِهِما عَلى ما أرادَ إلى أجَلٍ مُسَمًّى، وهو يَوْمُ القِيامَةِ، حَيْثُ تَخْرُبُ بِنْيَةُ هَذا العالَمِ فَيَزُولُ جَرْيُهُما، أوْ إلى وقْتِ مَغِيبِهِما كُلَّ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ، أوْ وقْتِ قَوايِسِها كُلَّ شَهْرٍ.
والتَّكْوِيرُ: تَطْوِيلٌ مِنهُما عَلى الآخَرِ، فَكَأنَّ الآخَرَ صارَ عَلَيْهِ جُزْءٌ مِنهُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَحْمِلُ اللَّيْلَ عَلى النَّهارِ. وقالَ الضَّحّاكُ: يُدْخِلُ الزِّيادَةَ في أحَدِهِما بِالنُّقْصانِ مِنَ الآخَرِ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: يُدْخِلُ هَذا عَلى هَذا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وفِيهِ أوْجُهٌ: مِنها: أنَّ اللَّيْلَ والنَّهارَ خِلْفَةٌ، يَذْهَبُ هَذا ويَغْشى مَكانَهُ هَذا؛ وإذا غُشِّيَ مَكانَهُ فَكَأنَّما أُلْبِسَهُ ولُفَّ عَلَيْهِ كَما يُلَفُّ عَلى اللّابِسِ اللِّباسُ؛ ومِنها: أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما يُغِيِّبُ الآخَرَ إذا طَرَأ عَلَيْهِ، فَشُبِّهَ في تَغْيِيبِهِ إيّاهُ بِشَيْءٍ ظاهِرٍ لُفَّ عَلَيْهِ ما غَيَّبَهُ مِن مَطامِحِ الأبْصارِ؛ ومِنها أنَّ هَذا يَكُرُّ عَلى هَذا كُرُورًا مُتَتابِعًا، فَشُبِّهَ ذَلِكَ بِتَتابُعِ أكْوارِ العِمامَةِ بَعْضِها عَلى أثَرِ بَعْضٍ. انْتَهى.
﴿ألا هو العَزِيزُ الغَفّارُ﴾: العَزِيزُ الَّذِي لا يُغالَبُ، الغَفّارُ لِمَن تابَ، أوِ الحَلِيمُ الَّذِي لا يَعْجَلُ، سُمِّيَ الحِلْمُ غُفْرانًا مَجازًا.
ولَمّا ذَكَرَ ما دَلَّ عَلى وحْدانِيَّتِهِ وقَهْرِهِ، ذَكَرَ الإنْسانَ، وهو الَّذِي كُلِّفَ بِأعْباءِ التَّكالِيفِ، فَذَكَرَ أنَّهُ أوْجَدَنا مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ، وهي آدَمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وذَلِكَ أنَّ حَوّاءَ عَلى ما رُوِيَ خُلِقَتْ مِن آدَمَ، فَقَدْ صارَ خَلْقًا مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ لِوَساطَةِ حَوّاءَ. وقِيلَ: أخْرَجَ ذُرِّيَّةَ آدَمَ مِن ظَهْرِهِ كالذَّرِّ، ثُمَّ خَلَقَ بَعْدَ ذَلِكَ حَوّاءَ، فَعَلى هَذا كانَ خَلْقًا مِن آدَمَ بِغَيْرِ واسِطَةٍ. وجاءَتْ عَلى هَذا القَوْلِ عَلى وضْعِها، ثُمَّ لِلْمُهْلَةِ في الزَّمانِ، وعَلى القَوْلِ الأوَّلِ يَظْهَرُ أنَّ خَلْقَ حَوّاءَ كانَ بَعْدَ خَلْقِنا، ولَيْسَ كَذَلِكَ، فَثُمَّ جاءَ لِتَرْتِيبِ الأخْبارِ كَأنَّهُ قِيلَ: ثُمَّ كانَ مِن أمْرِهِ قَبْلَ ذَلِكَ أنْ جَعَلَ مِنها زَوْجَها، فَلَيْسَ التَّرْتِيبُ في زَمانِ الجَعْلِ. وقِيلَ: ثُمَّ مَعْطُوفٌ عَلى الصِّفَةِ الَّتِي هي واحِدَةٌ، أيْ: مِن نَفْسٍ وحَدَتْ، أيِ: انْفَرَدَتْ.
(ثُمَّ جَعَلَ)، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): ما وجْهُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنها زَوْجَها﴾، وما تُعْطِيهِ مِن مَعْنى التَّراخِي ؟ (قُلْتُ): هُما آيَتانِ مِن جُمْلَةِ الآياتِ الَّتِي عَدَّدَها دالًّا عَلى وحْدانِيَّتِهِ وقُدْرَتِهِ. تَشَعَّبَ هَذا الفائِتُ لِلْحَصْرِ مِن نَفْسِ آدَمَ، وخَلَقَ حَوّاءَ مِن قُصَيْراهُ، إلّا أنَّ إحْداهُما جَعَلَها اللَّهُ عادَةً مُسْتَمِرَّةً، والأُخْرى لَمْ تَجْرِ بِها العادَةُ، ولَمْ تُخْلَقْ أُنْثى غَيْرُ حَوّاءَ مِن رَجُلٍ، فَكانَتْ أدْخَلَ في كَوْنِها آيَةً، وأجْلَبَ لِعَجَبِ السّامِعِ، فَعَطَفَها بِـ ”ثُمَّ“ عَلى الآيَةِ الأُولى، لِلدَّلالَةِ عَلى مُبايَنَتِها فَضْلًا ومَزِيَّةً، وتَراخِيها عَنْها فِيما يَرْجِعُ إلى زِيادَةِ كَوْنِها آيَةً، فَهو مِنَ التَّراخِي في الحالِ والمَنزِلَةِ، لا مِنَ التَّراخِي في الوُجُودِ. انْتَهى.
وأمّا: ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنها زَوْجَها﴾، فَقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذا الجَعْلِ في أوَّلِ سُورَةِ النِّساءِ.
ووَصْفُ الأنْعامِ بِالإنْزالِ مَجازٌ إمّا لِأنَّ قَضاياهُ تُوصَفُ بِالنُّزُولِ مِنَ السَّماءِ حَيْثُ كُتِبَ في اللَّوْحِ كُلُّ كائِنٍ يَكُونُ، وإمّا لِعَيْشِها بِالنَّباتِ، والنَّباتُ ناشِئٌ عَنِ المَطَرِ، والمَطَرُ نازِلٌ مِنَ السَّماءِ، فَكَأنَّهُ تَعالى أنْزَلَها، فَيَكُونُ مِثْلَ قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎أسْنِمَةُ الإبالِ في رَبابِهِ
أيْ: في سَحابِهِ، وقالَ آخَرُ:
؎صارَ الثَّرِيدُ في رُءُوسِ العِيدانِ
وقِيلَ: خَلَقَها في الجَنَّةِ ثُمَّ أنْزَلَها، فَعَلى هَذا يَكُونُ إنْزالُ أُصُولِها حَقِيقَةً.
والأنْعامُ: الإبِلُ والبَقَرُ والضَّأْنُ (p-٤١٧)والمَعَزُ، (ثَمانِيَةَ أزْواجٍ)؛ لِأنَّ كُلًّا مِنها ذَكَرٌ وأُنْثى، والزَّوْجُ ما كانَ مَعَهُ آخَرُ مِن جِنْسِهِ، فَإذا انْفَرَدَ فَهو فَرْدٌ ووِتْرٌ. وقالَ تَعالى: ﴿فَجَعَلَ مِنهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ [القيامة: ٣٩] .
قالَ ابْنُ زَيْدٍ: ﴿خَلْقًا مِن بَعْدِ خَلْقٍ﴾: آخَرَ مِن ظَهْرِ آدَمَ وظُهُورِ الآباءِ. وقالَ عِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ: رُتَبًا ﴿خَلْقًا مِن بَعْدِ خَلْقٍ﴾ عَلى المُضْغَةِ والعَلَقَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ.
وأخَذَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ فَقالَ: حَيَوانًا سَوَيًّا مِن بَعْدِ عِظامٍ مَكْسُوَّةٍ لَحْمًا، مِن بَعْدِ عِظامٍ عارِيَةٍ، مِن بَعْدِ مُضَغٍ، مِن بَعْدِ عَلَقٍ، مِن بَعْدِ نُطَفٍ. انْتَهى.
وقَرَأ عِيسى وطَلْحَةُ ﴿يَخْلُقُكُمْ﴾ بِإدْغامِ القافِ في الكافِ.
والظُّلُماتُ الثَّلاثُ: البَطْنُ والرَّحِمُ والمَشِيمَةُ، وقِيلَ: الصُّلْبُ والرَّحِمُ والبَطْنُ.
(ذَلِكم): إشارَةٌ إلى المُتَّصِفِ بِتِلْكَ الأوْصافِ السّابِقَةِ مِن خَلْقِ السَّماواتِ وما بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ الأفْعالِ.
(فَأنّى تُصْرَفُونَ) أيْ: كَيْفَ تَعْدِلُونَ عَنْ عِبادَتِهِ إلى عِبادَةِ غَيْرِهِ ؟ .
(إنْ تَكْفُرُوا)، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: خِطابٌ لِلْكُفّارِ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهم. وعِبادُهُ هُمُ المُؤْمِنُونَ، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ قَبْلَهُ: (فَأنّى تُصْرَفُونَ)، وهَذا لِلْكُفّارِ، فَجاءَ (إنْ تَكْفُرُوا) خِطابًا لَهم، ﴿فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ﴾، وعَنْ عِبادَتِكم، إذْ لا يَرْجِعُ إلَيْهِ تَعالى مَنفَعَةٌ بِكم، ولا بِعِبادَتِكم إذْ هو الغَنِيُّ المُطْلَقُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُخاطِبًا لِجَمِيعِ النّاسِ؛ لِأنَّهُ تَعالى غَنِيٌّ عَنْ جَمِيعِهِمْ، وهم فُقَراءُ إلَيْهِ. انْتَهى.
ولَفْظُ (عِبادِهِ) عامٌّ، فَقِيلَ: المُرادُ الخُصُوصُ، وهُمُ المَلائِكَةُ ومُؤْمِنُو الإنْسِ والجِنِّ. والرِّضا بِمَعْنى الإرادَةِ، فَعَلى هَذا هي صِفَةُ ذاتٍ. وقِيلَ: المُرادُ العُمُومُ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ، والرِّضا مُغايِرٌ لِلْإرادَةِ، عَبَّرَ بِهِ عَنِ الشُّكْرِ والإثابَةِ، أيْ: لا يَشْكُرُهُ لَهم دِينًا ولا يُثِيبُهم بِهِ خَيْرًا، فالرِّضا عَلى هَذا صِفَةُ فِعْلٍ بِمَعْنى القَبُولِ والإثابَةِ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وتَأمَّلِ الإرادَةَ، فَإنَّ حَقِيقَتَها إنَّما هي فِيما لَمْ يَقَعْ بَعْدُ، والرِّضا حَقِيقَتُهُ إنَّما هو فِيما قَدْ وقَعَ، واعْتَبِرْ هَذا في آياتِ القُرْآنِ تَجِدْهُ، وإنْ كانَتِ العَرَبُ قَدْ تَسْتَعْمِلُ في أشْعارِهِمْ عَلى جِهَةِ التَّجَوُّزِ هَذا بَدَلَ هَذا.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولَقَدْ تَمَحَّلَ بَعْضُ الغُواةِ لِيُثْبِتَ لِلَّهِ ما نَفاهُ عَنْ ذاتِهِ مِنَ الرِّضا لِعِبادِهِ الكُفْرَ، فَقالَ: هَذا مِنَ العامِّ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ الخاصُّ، وما أرادَ إلّا عِبادَهُ الَّذِينَ عَناهم في قَوْلِهِ: (إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ)، يُرِيدُ المَعْصُومِينَ لِقَوْلِهِ: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٦]، تَعالى اللَّهُ عَمّا يَقُولُ الظّالِمُونَ. انْتَهى.
فَسَمّى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبّاسٍ - تُرْجُمانَ القُرْآنِ - وأعْلامَ أهْلِ السُّنَّةِ - بَعْضَ الغُواةِ، وأطْلَقَ عَلَيْهِمُ اسْمَ الظّالِمِينَ، وذَلِكَ مِن سَفَهِهِ وجُرْأتِهِ، كَما قَلْتُ في قَصِيدَتَيِ الَّتِي ذَكَرْتُ فِيها ما يُنْقَدُ عَلَيْهِ:
؎ويَشْتِمُ أعْلامَ الأئِمَّةِ ضَلَّةٌ ∗∗∗ ولا سِيَّما إنْ أوْلَجُوهُ المَضايِقا
﴿وإنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُضاعِفُ لَكم، وكَأنَّهُ يُرِيدُ ثَوابَ الشُّكْرِ؛ وقِيلَ: يَقْبَلُهُ مِنكم. قالَ صاحِبُ التَّحْرِيرِ: قُوَّةُ الكَلامِ تَدُلُّ عَلى أنَّ مَعْنى تَشْكُرُوا: تُؤْمِنُوا حَتّى يَصِيرَ بِإزاءِ الكُفْرِ، واللَّهُ تَعالى قَدْ سَمّى الأعْمالَ الصّالِحَةَ والطّاعاتِ شُكْرًا في قَوْلِهِ: ﴿اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْرًا﴾ [سبإ: ١٣] . انْتَهى.
وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذِهِ الآيَةِ في سَبَأٍ.
وقَرَأ النَّحْوِيّانِ، وابْنُ كَثِيرٍ: ﴿يَرْضَهُ﴾ بِوَصْلِ ضَمَّةِ الهاءِ بِواوٍ؛ وابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ: بِضَمَّةٍ فَقَطْ؛ وأبُو بَكْرٍ: بِسُكُونِ الهاءِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: وهو غَلَطٌ لا يَجُوزُ. انْتَهى.
ولَيْسَ بِغَلَطٍ، بَلْ ذَلِكَ لُغَةٌ لِبَنِي كِلابٍ وبَنِي عَقِيلٍ. وقَوْلُهُ: (ولا تَزِرُ) إلى: (بِذاتِ الصُّدُورِ)، تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ.
الزمر 39:6
﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ ﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ فاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ ﴿ألا لِلَّهِ الدِّينُ الخالِصُ والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى إنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهم في ما هم فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن هو كاذِبٌ كَفّارٌ﴾ ﴿لَوْ أرادَ اللَّهُ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا لاصْطَفى مِمّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ سُبْحانَهُ هو اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلى النَّهارِ ويُكَوِّرُ النَّهارَ عَلى اللَّيْلِ وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأجَلٍ مُسَمًّى ألا هو العَزِيزُ الغَفّارُ﴾ ﴿خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنها زَوْجَها وأنْزَلَ لَكم مِنَ الأنْعامِ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ يَخْلُقُكم في بُطُونِ أُمَّهاتِكم خَلْقًا مِن بَعْدِ خَلْقٍ في ظُلُماتٍ ثَلاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم لَهُ المُلْكُ لا إلَهَ إلّا هو فَأنّى تُصْرَفُونَ﴾ ﴿إنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكم ولا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ وإنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكم ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ثُمَّ إلى رَبِّكم مَرْجِعُكم فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ .
(p-٤١٤)هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: إلّا ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ﴾ [الزمر: ٢٣]، و﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا﴾ [الزمر: ٥٣] . وعَنْ مُقاتِلٍ: إلّا ﴿يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا﴾ [الزمر: ٥٣]، وقَوْلُهُ: ﴿قُلْ يا عِبادِي الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكم لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ﴾ [الزمر: ١٠] . وعَنْ بَعْضِ السَّلَفِ: إلّا ﴿يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا﴾ [الزمر: ٥٣]، إلى قَوْلِهِ: (تَشْعُرُونَ)، ثَلاثُ آياتٍ. وعَنْ بَعْضِهِمْ: إلّا سَبْعَ آياتٍ، مِن قَوْلِهِ: ﴿يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا﴾ [الزمر: ٥٣] . ومُناسَبَتُها لِآخَرِ ما قَبْلَها أنَّهُ خَتَمَ السُّورَةَ المُتَقَدِّمَةَ بِقَوْلِهِ: (إنْ هو إلّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ)، وبَدَأ هُنا: (تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ) . وقالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: (تَنْزِيلُ) مُبْتَدَأٌ، و(مِنَ اللَّهِ) الخَبَرُ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هَذا (تَنْزِيلُ)، و(مِنَ اللَّهِ) مُتَعَلِّقٌ بِـ (تَنْزِيلُ) وأقُولُ: إنَّهُ خَبَرٌ، والمُبْتَدَأُ هو لِيَعُودَ عَلى قَوْلِهِ: (إنْ هو إلّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ)، كَأنَّهُ قِيلَ: وهَذا الذِّكْرُ ما هو ؟ فَقِيلَ: هو تَنْزِيلُ الكِتابِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ غَيْرُ صِلَةٍ، يَعْنِي مِنَ اللَّهِ، كَقَوْلِكَ: هَذا الكِتابُ مِن فُلانٍ إلى فُلانٍ، وهو عَلى هَذا خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: هَذا تَنْزِيلُ الكِتابِ، هَذا مِنَ اللَّهِ، أوْ حالٌ مِن (تَنْزِيلُ) عَمِلَ فِيها مَعْنى الإشارَةِ. انْتَهى.
ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا عَمِلَ فِيها مَعْنى الإشارَةِ؛ لِأنَّ مَعانِيَ الأفْعالِ لا تَعْمَلُ إذا كانَ ما هو فِيهِ مَحْذُوفًا، ولِذَلِكَ رَدُّوا عَلى أبِي العَبّاسِ قَوْلَهُ في بَيْتِ الفَرَزْدَقِ:
؎وإذْ ما مِثْلَهم بَشَرُ
أنَّ مِثْلَهم مَنصُوبٌ بِالخَبَرِ المَحْذُوفِ وهو مُقَدَّرٌ، أيْ: وأنَّ ما في الوُجُودِ في حالِ مُماثَلَتِهِمْ بَشَرٌ.
والكِتابُ يَظْهَرُ أنَّهُ القُرْآنُ، وكُرِّرَ في قَوْلِهِ: (إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ) عَلى جِهَةِ التَّفْخِيمِ والتَّعْظِيمِ، وكَوْنُهُ في جُمْلَةٍ غَيْرِ السّابِقَةِ مَلْحُوظًا فِيهِ إسْنادُهُ إلى ضَمِيرِ العَظَمَةِ، وتَشْرِيفُ مَن أُنْزِلَ إلَيْهِ بِالخِطابِ، وتَخْصِيصُهُ بِالحَقِّ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وعِيسى: (تَنْزِيلَ) بِالنَّصْبِ، أيْ: اقْرَأْ والزَمْ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: قالَ المُفَسِّرُونَ في (تَنْزِيلُ الكِتابِ): هو القُرْآنُ، ويَظْهَرُ لِي أنَّهُ اسْمٌ عامٌّ لِجَمِيعِ ما تَنَزَّلَ مِن عِنْدِ اللَّهِ مِنَ الكُتُبِ، وكَأنَّهُ أخْبَرَ إخْبارًا مُجَرَّدًا أنَّ الكُتُبَ الهادِيَةَ الشّارِعَةَ إنَّما تَنْزِيلُها مِنَ اللَّهِ، وجَعَلَ هَذا الإخْبارَ تَقْدِمَةً وتَوْطِئَةً لِقَوْلِهِ: (إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ)، والعَزِيزُ في قُدْرَتِهِ، الحَكِيمُ في ابْتِداعِهِ. والكِتابُ الثّانِي هو القُرْآنُ، لا يَحْتَمِلُ غَيْرَ ذَلِكَ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): ما المُرادُ بِالكِتابِ ؟ (قُلْتُ): الظّاهِرُ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ أنَّهُ القُرْآنُ، وعَلى الثّانِي أنَّهُ السُّورَةُ. انْتَهى.
و(بِالحَقِّ) في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: مُلْتَبِسًا بِالحَقِّ، وهو الصِّدْقُ الثّابِتُ فِيما أوْدَعْناهُ مِن إثْباتِ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ والمَعادِ والتَّكالِيفِ، فَهَذا كُلُّهُ حَقٌّ وصِدْقٌ يَجِبُ اعْتِقادُهُ والعَمَلُ بِهِ، أوْ يَكُونُ بِالحَقِّ: بِالدَّلِيلِ عَلى أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وهو عَجْزُ الفُصَحاءِ عَنْ مُعارَضَتِهِ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ أيْ: مُتَضَمِّنًا الحَقَّ فِيهِ وفي أحْكامِهِ وفي أخْبارِهِ، أوْ بِمَعْنى الِاسْتِحْقاقِ وشُمُولِ المَنفَعَةِ لِلْعالَمِ في هِدايَتِهِمْ ودَعْوَتِهِمْ إلى اللَّهِ. انْتَهى مُلَخَّصًا.
ولَمّا امْتَنَّ تَعالى عَلى رَسُولِهِ بِإنْزالِ الكِتابِ عَلَيْهِ بِالحَقِّ، وكانَ الحَقُّ إخْلاصَ العِبادَةِ لِلَّهِ، أمَرَهُ تَعالى بِعِبادَتِهِ، فَقالَ: ﴿فاعْبُدِ اللَّهَ﴾، وكَأنَّ هَذا الأمْرَ ناشِئٌ عَنْ إنْزالِ الكِتابِ، فالفاءُ فِيهِ لِلرَّبْطِ، كَما تَقُولُ: أحْسَنَ إلَيْكَ زَيْدٌ فاشْكُرْهُ.
(مُخْلِصًا) أيْ: مُمْحِضًا، (لَهُ الدِّينَ): مِنَ الشِّرْكِ والرِّياءِ وسائِرِ ما يُفْسِدُهُ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: (الدِّينَ) بِالنَّصْبِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِالرَّفْعِ فاعِلًا بِمُخْلِصًا والرّاجِعُ لِذِي الحالِ مَحْذُوفٌ عَلى رَأْيِ البَصْرِيِّينَ، أيْ: الدِّينُ مِنكَ، أوْ يَكُونُ ألْ عِوَضًا مِنَ الضَّمِيرِ، أيْ: دِينُكَ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وحَقُّ مَن رَفَعَهُ أنْ يَقْرَأ (مُخْلَصًا) بِفَتْحِ اللّامِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأخْلَصُوا دِينَهم لِلَّهِ﴾ [النساء: ١٤٦]، حَتّى يُطابِقَ قَوْلَهُ: ﴿ألا لِلَّهِ الدِّينُ الخالِصُ﴾، والخالِصُ والمُخْلَصُ واحِدٌ، إلّا أنْ يَصِفَ الدِّينَ بِصِفَةِ صاحِبِهِ عَلى الإسْنادِ المَجازِيِّ، كَقَوْلِهِمْ: شِعْرُ شاعِرٍ.
وأمّا مَن جَعَلَ (مُخْلِصًا) حالًا مِنَ العابِدِ، و(لَهُ الدِّينُ) مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، فَقَدْ جاءَ بِإعْرابٍ رَجَعَ بِهِ الكَلامُ إلى قَوْلِكَ: لِلَّهِ الدِّينُ، أيْ: لِلَّهِ الدِّينُ الخالِصُ. انْتَهى.
وقَدْ قَدَّمَنا تَخْرِيجَهُ عَلى أنَّهُ فاعِلٌ بِمُخْلِصًا، وقَدَّرْنا ما يَرْبُطُ الحالَ بِصاحِبِها، ومِمَّنْ ذَهَبَ إلى أنَّ لَهُ (p-٤١٥)الدِّينُ مُسْتَأْنَفٌ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ الفَرّاءُ.
﴿ألا لِلَّهِ الدِّينُ الخالِصُ﴾ أيْ: مِن كُلِّ شائِبَةٍ وكَدَرٍ، فَهو الَّذِي يَجِبُ أنْ تُخْلَصَ لَهُ الطّاعَةُ، لِاطِّلاعِهِ عَلى الغُيُوبِ والأسْرارِ، ولِخُلُوصِ نِعْمَتِهِ عَلى عِبادِهِ مِن غَيْرِ اسْتِجْرارِ مَنفَعَةٍ مِنهم.
قالَ الحَسَنُ: الدِّينُ الخالِصُ: الإسْلامُ؛ وقالَ قَتادَةُ: شَهادَةُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ.
(والَّذِينَ اتَّخَذُوا): مُبْتَدَأٌ، والظّاهِرُ أنَّهُمُ المُشْرِكُونَ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ الخَبَرُ ”قالَ“ المَحْذُوفَ المَحْكِيَّ بِهِ قَوْلُهُ: ﴿ما نَعْبُدُهُمْ﴾، أيْ: والمُشْرِكُونَ المُتَّخِذُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أوْلِياءَ قالُوا: ما نَعْبُدُ تِلْكَ الأوْلِياءَ ﴿إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى﴾، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ الخَبَرَ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾، وذَلِكَ القَوْلُ المَحْذُوفُ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: اتَّخَذُوهم قائِلِينَ ما نَعْبُدُهم. وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ الخَبَرُ (إنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ)، و”قالُوا“ المَحْذُوفَةُ بَدَلٌ مِنِ ”اتَّخَذُوا“ صِلَةِ الَّذِينَ، فَلا يَكُونُ لَهُ مَوْضِعٌ مِنَ الإعْرابِ، وكَأنَّهُ مِن بَدَلِ الِاشْتِمالِ.
وفِي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ: قالُوا ما نَعْبُدُهم، وبِهِ قَرَأ هو وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ وابْنُ جُبَيْرٍ، وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ (والَّذِينَ اتَّخَذُوا) بِمَعْنى المُتَّخَذِينَ، وهُمُ المَلائِكَةُ وعِيسى واللّاتُ والعُزّى ونَحْوُهم، والضَّمِيرُ في ”اتَّخَذُوا“ عائِدٌ عَلى المَوْصُولِ، مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: والَّذِينَ اتَّخَذَهُمُ المُشْرِكُونَ أوْلِياءَ، و(أوْلِياءَ) مَفْعُولٌ ثانٍ، وهَذا الَّذِي أجازَهُ خِلافُ الظّاهِرِ، وهَذِهِ المَقالَةُ شائِعَةٌ في العَرَبِ، فَقالَ ذَلِكَ ناسٌ مِنهم في المَلائِكَةِ، وناسٌ في الأصْنامِ والأوْثانِ.
قالَ مُجاهِدٌ: وقَدْ قالَ ذَلِكَ قَوْمٌ مِنَ اليَهُودِ في عُزَيْرٍ، وقَوْمٌ مِنَ النَّصارى في المَسِيحِ. وقُرِئَ: ﴿ما نَعْبُدُهُمْ﴾ بِضَمِّ النُّونِ، إتْباعًا لِحَرَكَةِ الباءِ.
﴿إنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾: اقْتَصَرَ في الرَّدِّ عَلى مُجَرَّدِ التَّهْدِيدِ، والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في (بَيْنَهم) عائِدٌ عَلى المُتَّخِذِينَ والمُتَّخَذِينَ، والحُكْمُ بَيْنَهم هو بِإدْخالِ المَلائِكَةِ وعِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - الجَنَّةَ، ويُدْخِلُهُمُ النّارَ مَعَ الحِجارَةِ والخَشَبِ الَّتِي نَحَتُوها وعَبَدُوها مِن دُونِ اللَّهِ، يُعَذِّبُهم بِها، حَيْثُ يَجْعَلُهم وإيّاها حَصَبَ جَهَنَّمَ. واخْتِلافُهم أنَّ مَن عَبَدُوهُ كالمَلائِكَةِ وعِيسى كانُوا مُتَبَرِّئِينَ مِنهم لاعِنِينَ لَهم مُوَحِّدِينَ لِلَّهِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في ”بَيْنَهم“ عائِدٌ عَلى المُشْرِكِينَ والمُؤْمِنِينَ، إذا كانُوا يَلُومُونَهم عَلى عِبادَةِ الأصْنامِ فَيَقُولُونَ: ﴿ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى﴾، والحُكْمُ إذْ ذاكَ هو في يَوْمِ القِيامَةِ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ.
﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن هو كاذِبٌ كَفّارٌ﴾: كاذِبٌ في دَعْواهُ: أنَّ لِلَّهِ شَرِيكًا، كَفّارٌ لِأنْعُمِ اللَّهِ حَيْثُ جَعَلَ مَكانَ الشُّكْرِ الكُفْرَ، والمَعْنى: لا يَهْدِي مَن خَتَمَ عَلَيْهِ بِالمُوافاةِ عَلى الكُفْرِ فَهو عامٌّ، والمَعْنى عَلى الخُصُوصِ: فَكَمْ قَدْ هَدى مَن سَبَقَ مِنهُ الكَذِبُ والكُفْرُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لا يَهْدِي الكاذِبَ الكافِرَ في حالِ كَذِبِهِ وكُفْرِهِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: المُرادُ بِمَنعِ الهِدايَةِ: مَنعُ اللُّطْفِ تَسْجِيلًا عَلَيْهِمْ بِأنْ لا لُطْفَ لَهم، وأنَّهم في عِلْمِ اللَّهِ مِنَ الهالِكِينَ. انْتَهى.
وهُوَ عَلى طَرِيقِ الِاعْتِزالِ. وقَرَأ أنَسُ بْنُ مالِكٍ، والجَحْدَرَيُّ، والحَسَنُ، والأعْرَجُ، وابْنُ يَعْمُرَ: (كَذّابٌ كَفّارٌ) . وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (كَذُوبٌ وكَفُورٌ) .
ولَمّا كانَ مِن كَذِبِهِمْ دَعْوى بَعْضِهِمْ أنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ، وعَبَدُوها عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لَوْ أرادَ اللَّهُ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا﴾، تَشْرِيفًا لَهُ وتَبَنِّيًا، إذْ يَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ في حَقِّهِ تَعالى بِالتَّوالُدِ المَعْرُوفِ، ﴿لاصْطَفى﴾ أيِ: اخْتارَ مِن مَخْلُوقاتِهِ ما يَشاءُ ولَدًا عَلى سَبِيلِ التَّبَنِّي، ولَكِنَّهُ تَعالى لَمْ يَشَأْ ذَلِكَ لِقَوْلِهِ: ﴿وما يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا﴾ [مريم: ٩٢]، وهو عامٌّ في اتِّخاذِ النَّسْلِ واتِّخاذِ الِاصْطِفاءِ.
ويَدُلُّ عَلى أنَّ الِاتِّخاذَ هو التَّبَنِّي والِاصْطِفاءُ - قَوْلُهُ: (مِمّا يَخْلُقُ) أيْ: مِنَ الَّتِي أنْشَأها واخْتَرَعَها؛ ثُمَّ نَزَّهَ تَعالى نَفْسَهُ تَنْزِيِهًا مُطْلَقًا، فَقالَ: (سُبْحانَهُ)، ثُمَّ وصَفَ نَفْسَهُ بِالوَحْدانِيَّةِ والقَهْرِ لِجَمِيعِ العالَمِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي لَوْ أرادَ اتِّخاذَ الوَلَدِ لامْتَنَعَ، ولَمْ يَصِحَّ لِكَوْنِهِ مُحالًا، ولَمْ يَتَأتَّ إلّا أنْ يَصْطَفِيَ مِن خَلْقِهِ بَعْضَهم، ويَخْتَصَّهم ويُقَرِّبَهم كَما يَخْتَصُّ الرَّجُلُ ولَدَهُ ويُقَرِّبُهُ، وقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ بِالمَلائِكَةِ، فافْتَتَنْتُمْ بِهِ وغَرَّكُمُ اخْتِصاصُهُ إيّاهم، فَزَعَمْتُمْ أنَّهم أوْلادُهُ جَهْلًا مِنكم بِهِ، وبِحَقِيقَةِ المُخالَفَةِ لِحَقائِقِ الأجْسامِ والأعْراضِ، كَأنَّهُ قالَ: لَوْ أرادَ اتِّخاذَ الوَلَدِ، لَمْ يَزِدْ عَلى ما فَعَلَ مِنِ اصْطِفاءِ ما شاءَ مِن خَلْقِهِ، وهُمُ المَلائِكَةُ، إلّا لِأنَّكم لِجَهْلِكم بِهِ حَسِبْتُمُ (p-٤١٦)اصْطِفاءَهُمُ اتِّخاذَهم أوْلادًا، ثُمَّ تَمادَيْتُمْ في جَهْلِكم وسَفَهِكم فَجَعَلْتُمُوهم بَناتٍ وكُنْتُمْ كَذّابِينَ كَفّارِينَ مُبالِغِينَ في الِافْتِراءِ عَلى اللَّهِ ومَلائِكَتِهِ. انْتَهى.
والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ تَرْكِيبُ ”لَوْ“ وجَوابِها أنَّهُ كانَ يَتَرَتَّبُ اصْطِفاءُ الوَلَدِ مِمّا يَخْلُقُ عَلى تَقْدِيرِ اتِّخاذِهِ لَكِنَّهُ لَمْ يَتَّخِذْهُ فَلا يَصْطَفِيهِ. وأمّا ما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِن قَوْلِهِ: يَعْنِي لَوْ أرادَ إلى آخِرِهِ، وقَوْلِهِ بَعْدُ: كَأنَّهُ قالَ: لَوْ أرادَ اتِّخاذَ الوَلَدِ لَمْ يَزِدْ عَلى ما فَعَلَ مِنِ اصْطِفاءِ ما شاءَ مِن خَلْقِهِ وهُمُ المَلائِكَةُ فَلَيْسَ مَفْهُومًا مِن قَوْلِهِ: ﴿لَوْ أرادَ اللَّهُ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا لاصْطَفى مِمّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ .
ولَمّا نَزَّهَ تَعالى نَفْسَهُ ووَصَفَ ذاتَهُ بِالوَحْدَةِ والقَهْرِ، ذَكَرَ ما دَلَّ عَلى ذَلِكَ مِنِ اخْتِراعِ العالَمِ العُلْوِيِّ والسُّفْلِيِّ بِالحَقِّ، وتَكْوِيرِ اللَّيْلِ والنَّهارِ، وتَسْخِيرِ النَّيِّرَيْنِ وجَرْيِهِما عَلى نِظامٍ واحِدٍ، واتِّساقِ أمْرِهِما عَلى ما أرادَ إلى أجَلٍ مُسَمًّى، وهو يَوْمُ القِيامَةِ، حَيْثُ تَخْرُبُ بِنْيَةُ هَذا العالَمِ فَيَزُولُ جَرْيُهُما، أوْ إلى وقْتِ مَغِيبِهِما كُلَّ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ، أوْ وقْتِ قَوايِسِها كُلَّ شَهْرٍ.
والتَّكْوِيرُ: تَطْوِيلٌ مِنهُما عَلى الآخَرِ، فَكَأنَّ الآخَرَ صارَ عَلَيْهِ جُزْءٌ مِنهُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَحْمِلُ اللَّيْلَ عَلى النَّهارِ. وقالَ الضَّحّاكُ: يُدْخِلُ الزِّيادَةَ في أحَدِهِما بِالنُّقْصانِ مِنَ الآخَرِ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: يُدْخِلُ هَذا عَلى هَذا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وفِيهِ أوْجُهٌ: مِنها: أنَّ اللَّيْلَ والنَّهارَ خِلْفَةٌ، يَذْهَبُ هَذا ويَغْشى مَكانَهُ هَذا؛ وإذا غُشِّيَ مَكانَهُ فَكَأنَّما أُلْبِسَهُ ولُفَّ عَلَيْهِ كَما يُلَفُّ عَلى اللّابِسِ اللِّباسُ؛ ومِنها: أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما يُغِيِّبُ الآخَرَ إذا طَرَأ عَلَيْهِ، فَشُبِّهَ في تَغْيِيبِهِ إيّاهُ بِشَيْءٍ ظاهِرٍ لُفَّ عَلَيْهِ ما غَيَّبَهُ مِن مَطامِحِ الأبْصارِ؛ ومِنها أنَّ هَذا يَكُرُّ عَلى هَذا كُرُورًا مُتَتابِعًا، فَشُبِّهَ ذَلِكَ بِتَتابُعِ أكْوارِ العِمامَةِ بَعْضِها عَلى أثَرِ بَعْضٍ. انْتَهى.
﴿ألا هو العَزِيزُ الغَفّارُ﴾: العَزِيزُ الَّذِي لا يُغالَبُ، الغَفّارُ لِمَن تابَ، أوِ الحَلِيمُ الَّذِي لا يَعْجَلُ، سُمِّيَ الحِلْمُ غُفْرانًا مَجازًا.
ولَمّا ذَكَرَ ما دَلَّ عَلى وحْدانِيَّتِهِ وقَهْرِهِ، ذَكَرَ الإنْسانَ، وهو الَّذِي كُلِّفَ بِأعْباءِ التَّكالِيفِ، فَذَكَرَ أنَّهُ أوْجَدَنا مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ، وهي آدَمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وذَلِكَ أنَّ حَوّاءَ عَلى ما رُوِيَ خُلِقَتْ مِن آدَمَ، فَقَدْ صارَ خَلْقًا مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ لِوَساطَةِ حَوّاءَ. وقِيلَ: أخْرَجَ ذُرِّيَّةَ آدَمَ مِن ظَهْرِهِ كالذَّرِّ، ثُمَّ خَلَقَ بَعْدَ ذَلِكَ حَوّاءَ، فَعَلى هَذا كانَ خَلْقًا مِن آدَمَ بِغَيْرِ واسِطَةٍ. وجاءَتْ عَلى هَذا القَوْلِ عَلى وضْعِها، ثُمَّ لِلْمُهْلَةِ في الزَّمانِ، وعَلى القَوْلِ الأوَّلِ يَظْهَرُ أنَّ خَلْقَ حَوّاءَ كانَ بَعْدَ خَلْقِنا، ولَيْسَ كَذَلِكَ، فَثُمَّ جاءَ لِتَرْتِيبِ الأخْبارِ كَأنَّهُ قِيلَ: ثُمَّ كانَ مِن أمْرِهِ قَبْلَ ذَلِكَ أنْ جَعَلَ مِنها زَوْجَها، فَلَيْسَ التَّرْتِيبُ في زَمانِ الجَعْلِ. وقِيلَ: ثُمَّ مَعْطُوفٌ عَلى الصِّفَةِ الَّتِي هي واحِدَةٌ، أيْ: مِن نَفْسٍ وحَدَتْ، أيِ: انْفَرَدَتْ.
(ثُمَّ جَعَلَ)، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): ما وجْهُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنها زَوْجَها﴾، وما تُعْطِيهِ مِن مَعْنى التَّراخِي ؟ (قُلْتُ): هُما آيَتانِ مِن جُمْلَةِ الآياتِ الَّتِي عَدَّدَها دالًّا عَلى وحْدانِيَّتِهِ وقُدْرَتِهِ. تَشَعَّبَ هَذا الفائِتُ لِلْحَصْرِ مِن نَفْسِ آدَمَ، وخَلَقَ حَوّاءَ مِن قُصَيْراهُ، إلّا أنَّ إحْداهُما جَعَلَها اللَّهُ عادَةً مُسْتَمِرَّةً، والأُخْرى لَمْ تَجْرِ بِها العادَةُ، ولَمْ تُخْلَقْ أُنْثى غَيْرُ حَوّاءَ مِن رَجُلٍ، فَكانَتْ أدْخَلَ في كَوْنِها آيَةً، وأجْلَبَ لِعَجَبِ السّامِعِ، فَعَطَفَها بِـ ”ثُمَّ“ عَلى الآيَةِ الأُولى، لِلدَّلالَةِ عَلى مُبايَنَتِها فَضْلًا ومَزِيَّةً، وتَراخِيها عَنْها فِيما يَرْجِعُ إلى زِيادَةِ كَوْنِها آيَةً، فَهو مِنَ التَّراخِي في الحالِ والمَنزِلَةِ، لا مِنَ التَّراخِي في الوُجُودِ. انْتَهى.
وأمّا: ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنها زَوْجَها﴾، فَقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذا الجَعْلِ في أوَّلِ سُورَةِ النِّساءِ.
ووَصْفُ الأنْعامِ بِالإنْزالِ مَجازٌ إمّا لِأنَّ قَضاياهُ تُوصَفُ بِالنُّزُولِ مِنَ السَّماءِ حَيْثُ كُتِبَ في اللَّوْحِ كُلُّ كائِنٍ يَكُونُ، وإمّا لِعَيْشِها بِالنَّباتِ، والنَّباتُ ناشِئٌ عَنِ المَطَرِ، والمَطَرُ نازِلٌ مِنَ السَّماءِ، فَكَأنَّهُ تَعالى أنْزَلَها، فَيَكُونُ مِثْلَ قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎أسْنِمَةُ الإبالِ في رَبابِهِ
أيْ: في سَحابِهِ، وقالَ آخَرُ:
؎صارَ الثَّرِيدُ في رُءُوسِ العِيدانِ
وقِيلَ: خَلَقَها في الجَنَّةِ ثُمَّ أنْزَلَها، فَعَلى هَذا يَكُونُ إنْزالُ أُصُولِها حَقِيقَةً.
والأنْعامُ: الإبِلُ والبَقَرُ والضَّأْنُ (p-٤١٧)والمَعَزُ، (ثَمانِيَةَ أزْواجٍ)؛ لِأنَّ كُلًّا مِنها ذَكَرٌ وأُنْثى، والزَّوْجُ ما كانَ مَعَهُ آخَرُ مِن جِنْسِهِ، فَإذا انْفَرَدَ فَهو فَرْدٌ ووِتْرٌ. وقالَ تَعالى: ﴿فَجَعَلَ مِنهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ [القيامة: ٣٩] .
قالَ ابْنُ زَيْدٍ: ﴿خَلْقًا مِن بَعْدِ خَلْقٍ﴾: آخَرَ مِن ظَهْرِ آدَمَ وظُهُورِ الآباءِ. وقالَ عِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ: رُتَبًا ﴿خَلْقًا مِن بَعْدِ خَلْقٍ﴾ عَلى المُضْغَةِ والعَلَقَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ.
وأخَذَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ فَقالَ: حَيَوانًا سَوَيًّا مِن بَعْدِ عِظامٍ مَكْسُوَّةٍ لَحْمًا، مِن بَعْدِ عِظامٍ عارِيَةٍ، مِن بَعْدِ مُضَغٍ، مِن بَعْدِ عَلَقٍ، مِن بَعْدِ نُطَفٍ. انْتَهى.
وقَرَأ عِيسى وطَلْحَةُ ﴿يَخْلُقُكُمْ﴾ بِإدْغامِ القافِ في الكافِ.
والظُّلُماتُ الثَّلاثُ: البَطْنُ والرَّحِمُ والمَشِيمَةُ، وقِيلَ: الصُّلْبُ والرَّحِمُ والبَطْنُ.
(ذَلِكم): إشارَةٌ إلى المُتَّصِفِ بِتِلْكَ الأوْصافِ السّابِقَةِ مِن خَلْقِ السَّماواتِ وما بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ الأفْعالِ.
(فَأنّى تُصْرَفُونَ) أيْ: كَيْفَ تَعْدِلُونَ عَنْ عِبادَتِهِ إلى عِبادَةِ غَيْرِهِ ؟ .
(إنْ تَكْفُرُوا)، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: خِطابٌ لِلْكُفّارِ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهم. وعِبادُهُ هُمُ المُؤْمِنُونَ، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ قَبْلَهُ: (فَأنّى تُصْرَفُونَ)، وهَذا لِلْكُفّارِ، فَجاءَ (إنْ تَكْفُرُوا) خِطابًا لَهم، ﴿فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ﴾، وعَنْ عِبادَتِكم، إذْ لا يَرْجِعُ إلَيْهِ تَعالى مَنفَعَةٌ بِكم، ولا بِعِبادَتِكم إذْ هو الغَنِيُّ المُطْلَقُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُخاطِبًا لِجَمِيعِ النّاسِ؛ لِأنَّهُ تَعالى غَنِيٌّ عَنْ جَمِيعِهِمْ، وهم فُقَراءُ إلَيْهِ. انْتَهى.
ولَفْظُ (عِبادِهِ) عامٌّ، فَقِيلَ: المُرادُ الخُصُوصُ، وهُمُ المَلائِكَةُ ومُؤْمِنُو الإنْسِ والجِنِّ. والرِّضا بِمَعْنى الإرادَةِ، فَعَلى هَذا هي صِفَةُ ذاتٍ. وقِيلَ: المُرادُ العُمُومُ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ، والرِّضا مُغايِرٌ لِلْإرادَةِ، عَبَّرَ بِهِ عَنِ الشُّكْرِ والإثابَةِ، أيْ: لا يَشْكُرُهُ لَهم دِينًا ولا يُثِيبُهم بِهِ خَيْرًا، فالرِّضا عَلى هَذا صِفَةُ فِعْلٍ بِمَعْنى القَبُولِ والإثابَةِ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وتَأمَّلِ الإرادَةَ، فَإنَّ حَقِيقَتَها إنَّما هي فِيما لَمْ يَقَعْ بَعْدُ، والرِّضا حَقِيقَتُهُ إنَّما هو فِيما قَدْ وقَعَ، واعْتَبِرْ هَذا في آياتِ القُرْآنِ تَجِدْهُ، وإنْ كانَتِ العَرَبُ قَدْ تَسْتَعْمِلُ في أشْعارِهِمْ عَلى جِهَةِ التَّجَوُّزِ هَذا بَدَلَ هَذا.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولَقَدْ تَمَحَّلَ بَعْضُ الغُواةِ لِيُثْبِتَ لِلَّهِ ما نَفاهُ عَنْ ذاتِهِ مِنَ الرِّضا لِعِبادِهِ الكُفْرَ، فَقالَ: هَذا مِنَ العامِّ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ الخاصُّ، وما أرادَ إلّا عِبادَهُ الَّذِينَ عَناهم في قَوْلِهِ: (إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ)، يُرِيدُ المَعْصُومِينَ لِقَوْلِهِ: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٦]، تَعالى اللَّهُ عَمّا يَقُولُ الظّالِمُونَ. انْتَهى.
فَسَمّى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبّاسٍ - تُرْجُمانَ القُرْآنِ - وأعْلامَ أهْلِ السُّنَّةِ - بَعْضَ الغُواةِ، وأطْلَقَ عَلَيْهِمُ اسْمَ الظّالِمِينَ، وذَلِكَ مِن سَفَهِهِ وجُرْأتِهِ، كَما قَلْتُ في قَصِيدَتَيِ الَّتِي ذَكَرْتُ فِيها ما يُنْقَدُ عَلَيْهِ:
؎ويَشْتِمُ أعْلامَ الأئِمَّةِ ضَلَّةٌ ∗∗∗ ولا سِيَّما إنْ أوْلَجُوهُ المَضايِقا
﴿وإنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُضاعِفُ لَكم، وكَأنَّهُ يُرِيدُ ثَوابَ الشُّكْرِ؛ وقِيلَ: يَقْبَلُهُ مِنكم. قالَ صاحِبُ التَّحْرِيرِ: قُوَّةُ الكَلامِ تَدُلُّ عَلى أنَّ مَعْنى تَشْكُرُوا: تُؤْمِنُوا حَتّى يَصِيرَ بِإزاءِ الكُفْرِ، واللَّهُ تَعالى قَدْ سَمّى الأعْمالَ الصّالِحَةَ والطّاعاتِ شُكْرًا في قَوْلِهِ: ﴿اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْرًا﴾ [سبإ: ١٣] . انْتَهى.
وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذِهِ الآيَةِ في سَبَأٍ.
وقَرَأ النَّحْوِيّانِ، وابْنُ كَثِيرٍ: ﴿يَرْضَهُ﴾ بِوَصْلِ ضَمَّةِ الهاءِ بِواوٍ؛ وابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ: بِضَمَّةٍ فَقَطْ؛ وأبُو بَكْرٍ: بِسُكُونِ الهاءِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: وهو غَلَطٌ لا يَجُوزُ. انْتَهى.
ولَيْسَ بِغَلَطٍ، بَلْ ذَلِكَ لُغَةٌ لِبَنِي كِلابٍ وبَنِي عَقِيلٍ. وقَوْلُهُ: (ولا تَزِرُ) إلى: (بِذاتِ الصُّدُورِ)، تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ.
الزمر 39:7
﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ ﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ فاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ ﴿ألا لِلَّهِ الدِّينُ الخالِصُ والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى إنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهم في ما هم فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن هو كاذِبٌ كَفّارٌ﴾ ﴿لَوْ أرادَ اللَّهُ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا لاصْطَفى مِمّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ سُبْحانَهُ هو اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلى النَّهارِ ويُكَوِّرُ النَّهارَ عَلى اللَّيْلِ وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأجَلٍ مُسَمًّى ألا هو العَزِيزُ الغَفّارُ﴾ ﴿خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنها زَوْجَها وأنْزَلَ لَكم مِنَ الأنْعامِ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ يَخْلُقُكم في بُطُونِ أُمَّهاتِكم خَلْقًا مِن بَعْدِ خَلْقٍ في ظُلُماتٍ ثَلاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم لَهُ المُلْكُ لا إلَهَ إلّا هو فَأنّى تُصْرَفُونَ﴾ ﴿إنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكم ولا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ وإنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكم ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ثُمَّ إلى رَبِّكم مَرْجِعُكم فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ .
(p-٤١٤)هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: إلّا ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ﴾ [الزمر: ٢٣]، و﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا﴾ [الزمر: ٥٣] . وعَنْ مُقاتِلٍ: إلّا ﴿يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا﴾ [الزمر: ٥٣]، وقَوْلُهُ: ﴿قُلْ يا عِبادِي الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكم لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ﴾ [الزمر: ١٠] . وعَنْ بَعْضِ السَّلَفِ: إلّا ﴿يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا﴾ [الزمر: ٥٣]، إلى قَوْلِهِ: (تَشْعُرُونَ)، ثَلاثُ آياتٍ. وعَنْ بَعْضِهِمْ: إلّا سَبْعَ آياتٍ، مِن قَوْلِهِ: ﴿يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا﴾ [الزمر: ٥٣] . ومُناسَبَتُها لِآخَرِ ما قَبْلَها أنَّهُ خَتَمَ السُّورَةَ المُتَقَدِّمَةَ بِقَوْلِهِ: (إنْ هو إلّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ)، وبَدَأ هُنا: (تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ) . وقالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: (تَنْزِيلُ) مُبْتَدَأٌ، و(مِنَ اللَّهِ) الخَبَرُ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هَذا (تَنْزِيلُ)، و(مِنَ اللَّهِ) مُتَعَلِّقٌ بِـ (تَنْزِيلُ) وأقُولُ: إنَّهُ خَبَرٌ، والمُبْتَدَأُ هو لِيَعُودَ عَلى قَوْلِهِ: (إنْ هو إلّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ)، كَأنَّهُ قِيلَ: وهَذا الذِّكْرُ ما هو ؟ فَقِيلَ: هو تَنْزِيلُ الكِتابِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ غَيْرُ صِلَةٍ، يَعْنِي مِنَ اللَّهِ، كَقَوْلِكَ: هَذا الكِتابُ مِن فُلانٍ إلى فُلانٍ، وهو عَلى هَذا خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: هَذا تَنْزِيلُ الكِتابِ، هَذا مِنَ اللَّهِ، أوْ حالٌ مِن (تَنْزِيلُ) عَمِلَ فِيها مَعْنى الإشارَةِ. انْتَهى.
ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا عَمِلَ فِيها مَعْنى الإشارَةِ؛ لِأنَّ مَعانِيَ الأفْعالِ لا تَعْمَلُ إذا كانَ ما هو فِيهِ مَحْذُوفًا، ولِذَلِكَ رَدُّوا عَلى أبِي العَبّاسِ قَوْلَهُ في بَيْتِ الفَرَزْدَقِ:
؎وإذْ ما مِثْلَهم بَشَرُ
أنَّ مِثْلَهم مَنصُوبٌ بِالخَبَرِ المَحْذُوفِ وهو مُقَدَّرٌ، أيْ: وأنَّ ما في الوُجُودِ في حالِ مُماثَلَتِهِمْ بَشَرٌ.
والكِتابُ يَظْهَرُ أنَّهُ القُرْآنُ، وكُرِّرَ في قَوْلِهِ: (إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ) عَلى جِهَةِ التَّفْخِيمِ والتَّعْظِيمِ، وكَوْنُهُ في جُمْلَةٍ غَيْرِ السّابِقَةِ مَلْحُوظًا فِيهِ إسْنادُهُ إلى ضَمِيرِ العَظَمَةِ، وتَشْرِيفُ مَن أُنْزِلَ إلَيْهِ بِالخِطابِ، وتَخْصِيصُهُ بِالحَقِّ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وعِيسى: (تَنْزِيلَ) بِالنَّصْبِ، أيْ: اقْرَأْ والزَمْ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: قالَ المُفَسِّرُونَ في (تَنْزِيلُ الكِتابِ): هو القُرْآنُ، ويَظْهَرُ لِي أنَّهُ اسْمٌ عامٌّ لِجَمِيعِ ما تَنَزَّلَ مِن عِنْدِ اللَّهِ مِنَ الكُتُبِ، وكَأنَّهُ أخْبَرَ إخْبارًا مُجَرَّدًا أنَّ الكُتُبَ الهادِيَةَ الشّارِعَةَ إنَّما تَنْزِيلُها مِنَ اللَّهِ، وجَعَلَ هَذا الإخْبارَ تَقْدِمَةً وتَوْطِئَةً لِقَوْلِهِ: (إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ)، والعَزِيزُ في قُدْرَتِهِ، الحَكِيمُ في ابْتِداعِهِ. والكِتابُ الثّانِي هو القُرْآنُ، لا يَحْتَمِلُ غَيْرَ ذَلِكَ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): ما المُرادُ بِالكِتابِ ؟ (قُلْتُ): الظّاهِرُ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ أنَّهُ القُرْآنُ، وعَلى الثّانِي أنَّهُ السُّورَةُ. انْتَهى.
و(بِالحَقِّ) في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: مُلْتَبِسًا بِالحَقِّ، وهو الصِّدْقُ الثّابِتُ فِيما أوْدَعْناهُ مِن إثْباتِ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ والمَعادِ والتَّكالِيفِ، فَهَذا كُلُّهُ حَقٌّ وصِدْقٌ يَجِبُ اعْتِقادُهُ والعَمَلُ بِهِ، أوْ يَكُونُ بِالحَقِّ: بِالدَّلِيلِ عَلى أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وهو عَجْزُ الفُصَحاءِ عَنْ مُعارَضَتِهِ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ أيْ: مُتَضَمِّنًا الحَقَّ فِيهِ وفي أحْكامِهِ وفي أخْبارِهِ، أوْ بِمَعْنى الِاسْتِحْقاقِ وشُمُولِ المَنفَعَةِ لِلْعالَمِ في هِدايَتِهِمْ ودَعْوَتِهِمْ إلى اللَّهِ. انْتَهى مُلَخَّصًا.
ولَمّا امْتَنَّ تَعالى عَلى رَسُولِهِ بِإنْزالِ الكِتابِ عَلَيْهِ بِالحَقِّ، وكانَ الحَقُّ إخْلاصَ العِبادَةِ لِلَّهِ، أمَرَهُ تَعالى بِعِبادَتِهِ، فَقالَ: ﴿فاعْبُدِ اللَّهَ﴾، وكَأنَّ هَذا الأمْرَ ناشِئٌ عَنْ إنْزالِ الكِتابِ، فالفاءُ فِيهِ لِلرَّبْطِ، كَما تَقُولُ: أحْسَنَ إلَيْكَ زَيْدٌ فاشْكُرْهُ.
(مُخْلِصًا) أيْ: مُمْحِضًا، (لَهُ الدِّينَ): مِنَ الشِّرْكِ والرِّياءِ وسائِرِ ما يُفْسِدُهُ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: (الدِّينَ) بِالنَّصْبِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِالرَّفْعِ فاعِلًا بِمُخْلِصًا والرّاجِعُ لِذِي الحالِ مَحْذُوفٌ عَلى رَأْيِ البَصْرِيِّينَ، أيْ: الدِّينُ مِنكَ، أوْ يَكُونُ ألْ عِوَضًا مِنَ الضَّمِيرِ، أيْ: دِينُكَ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وحَقُّ مَن رَفَعَهُ أنْ يَقْرَأ (مُخْلَصًا) بِفَتْحِ اللّامِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأخْلَصُوا دِينَهم لِلَّهِ﴾ [النساء: ١٤٦]، حَتّى يُطابِقَ قَوْلَهُ: ﴿ألا لِلَّهِ الدِّينُ الخالِصُ﴾، والخالِصُ والمُخْلَصُ واحِدٌ، إلّا أنْ يَصِفَ الدِّينَ بِصِفَةِ صاحِبِهِ عَلى الإسْنادِ المَجازِيِّ، كَقَوْلِهِمْ: شِعْرُ شاعِرٍ.
وأمّا مَن جَعَلَ (مُخْلِصًا) حالًا مِنَ العابِدِ، و(لَهُ الدِّينُ) مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، فَقَدْ جاءَ بِإعْرابٍ رَجَعَ بِهِ الكَلامُ إلى قَوْلِكَ: لِلَّهِ الدِّينُ، أيْ: لِلَّهِ الدِّينُ الخالِصُ. انْتَهى.
وقَدْ قَدَّمَنا تَخْرِيجَهُ عَلى أنَّهُ فاعِلٌ بِمُخْلِصًا، وقَدَّرْنا ما يَرْبُطُ الحالَ بِصاحِبِها، ومِمَّنْ ذَهَبَ إلى أنَّ لَهُ (p-٤١٥)الدِّينُ مُسْتَأْنَفٌ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ الفَرّاءُ.
﴿ألا لِلَّهِ الدِّينُ الخالِصُ﴾ أيْ: مِن كُلِّ شائِبَةٍ وكَدَرٍ، فَهو الَّذِي يَجِبُ أنْ تُخْلَصَ لَهُ الطّاعَةُ، لِاطِّلاعِهِ عَلى الغُيُوبِ والأسْرارِ، ولِخُلُوصِ نِعْمَتِهِ عَلى عِبادِهِ مِن غَيْرِ اسْتِجْرارِ مَنفَعَةٍ مِنهم.
قالَ الحَسَنُ: الدِّينُ الخالِصُ: الإسْلامُ؛ وقالَ قَتادَةُ: شَهادَةُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ.
(والَّذِينَ اتَّخَذُوا): مُبْتَدَأٌ، والظّاهِرُ أنَّهُمُ المُشْرِكُونَ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ الخَبَرُ ”قالَ“ المَحْذُوفَ المَحْكِيَّ بِهِ قَوْلُهُ: ﴿ما نَعْبُدُهُمْ﴾، أيْ: والمُشْرِكُونَ المُتَّخِذُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أوْلِياءَ قالُوا: ما نَعْبُدُ تِلْكَ الأوْلِياءَ ﴿إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى﴾، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ الخَبَرَ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾، وذَلِكَ القَوْلُ المَحْذُوفُ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: اتَّخَذُوهم قائِلِينَ ما نَعْبُدُهم. وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ الخَبَرُ (إنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ)، و”قالُوا“ المَحْذُوفَةُ بَدَلٌ مِنِ ”اتَّخَذُوا“ صِلَةِ الَّذِينَ، فَلا يَكُونُ لَهُ مَوْضِعٌ مِنَ الإعْرابِ، وكَأنَّهُ مِن بَدَلِ الِاشْتِمالِ.
وفِي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ: قالُوا ما نَعْبُدُهم، وبِهِ قَرَأ هو وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ وابْنُ جُبَيْرٍ، وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ (والَّذِينَ اتَّخَذُوا) بِمَعْنى المُتَّخَذِينَ، وهُمُ المَلائِكَةُ وعِيسى واللّاتُ والعُزّى ونَحْوُهم، والضَّمِيرُ في ”اتَّخَذُوا“ عائِدٌ عَلى المَوْصُولِ، مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: والَّذِينَ اتَّخَذَهُمُ المُشْرِكُونَ أوْلِياءَ، و(أوْلِياءَ) مَفْعُولٌ ثانٍ، وهَذا الَّذِي أجازَهُ خِلافُ الظّاهِرِ، وهَذِهِ المَقالَةُ شائِعَةٌ في العَرَبِ، فَقالَ ذَلِكَ ناسٌ مِنهم في المَلائِكَةِ، وناسٌ في الأصْنامِ والأوْثانِ.
قالَ مُجاهِدٌ: وقَدْ قالَ ذَلِكَ قَوْمٌ مِنَ اليَهُودِ في عُزَيْرٍ، وقَوْمٌ مِنَ النَّصارى في المَسِيحِ. وقُرِئَ: ﴿ما نَعْبُدُهُمْ﴾ بِضَمِّ النُّونِ، إتْباعًا لِحَرَكَةِ الباءِ.
﴿إنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾: اقْتَصَرَ في الرَّدِّ عَلى مُجَرَّدِ التَّهْدِيدِ، والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في (بَيْنَهم) عائِدٌ عَلى المُتَّخِذِينَ والمُتَّخَذِينَ، والحُكْمُ بَيْنَهم هو بِإدْخالِ المَلائِكَةِ وعِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - الجَنَّةَ، ويُدْخِلُهُمُ النّارَ مَعَ الحِجارَةِ والخَشَبِ الَّتِي نَحَتُوها وعَبَدُوها مِن دُونِ اللَّهِ، يُعَذِّبُهم بِها، حَيْثُ يَجْعَلُهم وإيّاها حَصَبَ جَهَنَّمَ. واخْتِلافُهم أنَّ مَن عَبَدُوهُ كالمَلائِكَةِ وعِيسى كانُوا مُتَبَرِّئِينَ مِنهم لاعِنِينَ لَهم مُوَحِّدِينَ لِلَّهِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في ”بَيْنَهم“ عائِدٌ عَلى المُشْرِكِينَ والمُؤْمِنِينَ، إذا كانُوا يَلُومُونَهم عَلى عِبادَةِ الأصْنامِ فَيَقُولُونَ: ﴿ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى﴾، والحُكْمُ إذْ ذاكَ هو في يَوْمِ القِيامَةِ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ.
﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن هو كاذِبٌ كَفّارٌ﴾: كاذِبٌ في دَعْواهُ: أنَّ لِلَّهِ شَرِيكًا، كَفّارٌ لِأنْعُمِ اللَّهِ حَيْثُ جَعَلَ مَكانَ الشُّكْرِ الكُفْرَ، والمَعْنى: لا يَهْدِي مَن خَتَمَ عَلَيْهِ بِالمُوافاةِ عَلى الكُفْرِ فَهو عامٌّ، والمَعْنى عَلى الخُصُوصِ: فَكَمْ قَدْ هَدى مَن سَبَقَ مِنهُ الكَذِبُ والكُفْرُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لا يَهْدِي الكاذِبَ الكافِرَ في حالِ كَذِبِهِ وكُفْرِهِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: المُرادُ بِمَنعِ الهِدايَةِ: مَنعُ اللُّطْفِ تَسْجِيلًا عَلَيْهِمْ بِأنْ لا لُطْفَ لَهم، وأنَّهم في عِلْمِ اللَّهِ مِنَ الهالِكِينَ. انْتَهى.
وهُوَ عَلى طَرِيقِ الِاعْتِزالِ. وقَرَأ أنَسُ بْنُ مالِكٍ، والجَحْدَرَيُّ، والحَسَنُ، والأعْرَجُ، وابْنُ يَعْمُرَ: (كَذّابٌ كَفّارٌ) . وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (كَذُوبٌ وكَفُورٌ) .
ولَمّا كانَ مِن كَذِبِهِمْ دَعْوى بَعْضِهِمْ أنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ، وعَبَدُوها عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لَوْ أرادَ اللَّهُ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا﴾، تَشْرِيفًا لَهُ وتَبَنِّيًا، إذْ يَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ في حَقِّهِ تَعالى بِالتَّوالُدِ المَعْرُوفِ، ﴿لاصْطَفى﴾ أيِ: اخْتارَ مِن مَخْلُوقاتِهِ ما يَشاءُ ولَدًا عَلى سَبِيلِ التَّبَنِّي، ولَكِنَّهُ تَعالى لَمْ يَشَأْ ذَلِكَ لِقَوْلِهِ: ﴿وما يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا﴾ [مريم: ٩٢]، وهو عامٌّ في اتِّخاذِ النَّسْلِ واتِّخاذِ الِاصْطِفاءِ.
ويَدُلُّ عَلى أنَّ الِاتِّخاذَ هو التَّبَنِّي والِاصْطِفاءُ - قَوْلُهُ: (مِمّا يَخْلُقُ) أيْ: مِنَ الَّتِي أنْشَأها واخْتَرَعَها؛ ثُمَّ نَزَّهَ تَعالى نَفْسَهُ تَنْزِيِهًا مُطْلَقًا، فَقالَ: (سُبْحانَهُ)، ثُمَّ وصَفَ نَفْسَهُ بِالوَحْدانِيَّةِ والقَهْرِ لِجَمِيعِ العالَمِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي لَوْ أرادَ اتِّخاذَ الوَلَدِ لامْتَنَعَ، ولَمْ يَصِحَّ لِكَوْنِهِ مُحالًا، ولَمْ يَتَأتَّ إلّا أنْ يَصْطَفِيَ مِن خَلْقِهِ بَعْضَهم، ويَخْتَصَّهم ويُقَرِّبَهم كَما يَخْتَصُّ الرَّجُلُ ولَدَهُ ويُقَرِّبُهُ، وقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ بِالمَلائِكَةِ، فافْتَتَنْتُمْ بِهِ وغَرَّكُمُ اخْتِصاصُهُ إيّاهم، فَزَعَمْتُمْ أنَّهم أوْلادُهُ جَهْلًا مِنكم بِهِ، وبِحَقِيقَةِ المُخالَفَةِ لِحَقائِقِ الأجْسامِ والأعْراضِ، كَأنَّهُ قالَ: لَوْ أرادَ اتِّخاذَ الوَلَدِ، لَمْ يَزِدْ عَلى ما فَعَلَ مِنِ اصْطِفاءِ ما شاءَ مِن خَلْقِهِ، وهُمُ المَلائِكَةُ، إلّا لِأنَّكم لِجَهْلِكم بِهِ حَسِبْتُمُ (p-٤١٦)اصْطِفاءَهُمُ اتِّخاذَهم أوْلادًا، ثُمَّ تَمادَيْتُمْ في جَهْلِكم وسَفَهِكم فَجَعَلْتُمُوهم بَناتٍ وكُنْتُمْ كَذّابِينَ كَفّارِينَ مُبالِغِينَ في الِافْتِراءِ عَلى اللَّهِ ومَلائِكَتِهِ. انْتَهى.
والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ تَرْكِيبُ ”لَوْ“ وجَوابِها أنَّهُ كانَ يَتَرَتَّبُ اصْطِفاءُ الوَلَدِ مِمّا يَخْلُقُ عَلى تَقْدِيرِ اتِّخاذِهِ لَكِنَّهُ لَمْ يَتَّخِذْهُ فَلا يَصْطَفِيهِ. وأمّا ما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِن قَوْلِهِ: يَعْنِي لَوْ أرادَ إلى آخِرِهِ، وقَوْلِهِ بَعْدُ: كَأنَّهُ قالَ: لَوْ أرادَ اتِّخاذَ الوَلَدِ لَمْ يَزِدْ عَلى ما فَعَلَ مِنِ اصْطِفاءِ ما شاءَ مِن خَلْقِهِ وهُمُ المَلائِكَةُ فَلَيْسَ مَفْهُومًا مِن قَوْلِهِ: ﴿لَوْ أرادَ اللَّهُ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا لاصْطَفى مِمّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ .
ولَمّا نَزَّهَ تَعالى نَفْسَهُ ووَصَفَ ذاتَهُ بِالوَحْدَةِ والقَهْرِ، ذَكَرَ ما دَلَّ عَلى ذَلِكَ مِنِ اخْتِراعِ العالَمِ العُلْوِيِّ والسُّفْلِيِّ بِالحَقِّ، وتَكْوِيرِ اللَّيْلِ والنَّهارِ، وتَسْخِيرِ النَّيِّرَيْنِ وجَرْيِهِما عَلى نِظامٍ واحِدٍ، واتِّساقِ أمْرِهِما عَلى ما أرادَ إلى أجَلٍ مُسَمًّى، وهو يَوْمُ القِيامَةِ، حَيْثُ تَخْرُبُ بِنْيَةُ هَذا العالَمِ فَيَزُولُ جَرْيُهُما، أوْ إلى وقْتِ مَغِيبِهِما كُلَّ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ، أوْ وقْتِ قَوايِسِها كُلَّ شَهْرٍ.
والتَّكْوِيرُ: تَطْوِيلٌ مِنهُما عَلى الآخَرِ، فَكَأنَّ الآخَرَ صارَ عَلَيْهِ جُزْءٌ مِنهُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَحْمِلُ اللَّيْلَ عَلى النَّهارِ. وقالَ الضَّحّاكُ: يُدْخِلُ الزِّيادَةَ في أحَدِهِما بِالنُّقْصانِ مِنَ الآخَرِ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: يُدْخِلُ هَذا عَلى هَذا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وفِيهِ أوْجُهٌ: مِنها: أنَّ اللَّيْلَ والنَّهارَ خِلْفَةٌ، يَذْهَبُ هَذا ويَغْشى مَكانَهُ هَذا؛ وإذا غُشِّيَ مَكانَهُ فَكَأنَّما أُلْبِسَهُ ولُفَّ عَلَيْهِ كَما يُلَفُّ عَلى اللّابِسِ اللِّباسُ؛ ومِنها: أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما يُغِيِّبُ الآخَرَ إذا طَرَأ عَلَيْهِ، فَشُبِّهَ في تَغْيِيبِهِ إيّاهُ بِشَيْءٍ ظاهِرٍ لُفَّ عَلَيْهِ ما غَيَّبَهُ مِن مَطامِحِ الأبْصارِ؛ ومِنها أنَّ هَذا يَكُرُّ عَلى هَذا كُرُورًا مُتَتابِعًا، فَشُبِّهَ ذَلِكَ بِتَتابُعِ أكْوارِ العِمامَةِ بَعْضِها عَلى أثَرِ بَعْضٍ. انْتَهى.
﴿ألا هو العَزِيزُ الغَفّارُ﴾: العَزِيزُ الَّذِي لا يُغالَبُ، الغَفّارُ لِمَن تابَ، أوِ الحَلِيمُ الَّذِي لا يَعْجَلُ، سُمِّيَ الحِلْمُ غُفْرانًا مَجازًا.
ولَمّا ذَكَرَ ما دَلَّ عَلى وحْدانِيَّتِهِ وقَهْرِهِ، ذَكَرَ الإنْسانَ، وهو الَّذِي كُلِّفَ بِأعْباءِ التَّكالِيفِ، فَذَكَرَ أنَّهُ أوْجَدَنا مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ، وهي آدَمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وذَلِكَ أنَّ حَوّاءَ عَلى ما رُوِيَ خُلِقَتْ مِن آدَمَ، فَقَدْ صارَ خَلْقًا مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ لِوَساطَةِ حَوّاءَ. وقِيلَ: أخْرَجَ ذُرِّيَّةَ آدَمَ مِن ظَهْرِهِ كالذَّرِّ، ثُمَّ خَلَقَ بَعْدَ ذَلِكَ حَوّاءَ، فَعَلى هَذا كانَ خَلْقًا مِن آدَمَ بِغَيْرِ واسِطَةٍ. وجاءَتْ عَلى هَذا القَوْلِ عَلى وضْعِها، ثُمَّ لِلْمُهْلَةِ في الزَّمانِ، وعَلى القَوْلِ الأوَّلِ يَظْهَرُ أنَّ خَلْقَ حَوّاءَ كانَ بَعْدَ خَلْقِنا، ولَيْسَ كَذَلِكَ، فَثُمَّ جاءَ لِتَرْتِيبِ الأخْبارِ كَأنَّهُ قِيلَ: ثُمَّ كانَ مِن أمْرِهِ قَبْلَ ذَلِكَ أنْ جَعَلَ مِنها زَوْجَها، فَلَيْسَ التَّرْتِيبُ في زَمانِ الجَعْلِ. وقِيلَ: ثُمَّ مَعْطُوفٌ عَلى الصِّفَةِ الَّتِي هي واحِدَةٌ، أيْ: مِن نَفْسٍ وحَدَتْ، أيِ: انْفَرَدَتْ.
(ثُمَّ جَعَلَ)، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): ما وجْهُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنها زَوْجَها﴾، وما تُعْطِيهِ مِن مَعْنى التَّراخِي ؟ (قُلْتُ): هُما آيَتانِ مِن جُمْلَةِ الآياتِ الَّتِي عَدَّدَها دالًّا عَلى وحْدانِيَّتِهِ وقُدْرَتِهِ. تَشَعَّبَ هَذا الفائِتُ لِلْحَصْرِ مِن نَفْسِ آدَمَ، وخَلَقَ حَوّاءَ مِن قُصَيْراهُ، إلّا أنَّ إحْداهُما جَعَلَها اللَّهُ عادَةً مُسْتَمِرَّةً، والأُخْرى لَمْ تَجْرِ بِها العادَةُ، ولَمْ تُخْلَقْ أُنْثى غَيْرُ حَوّاءَ مِن رَجُلٍ، فَكانَتْ أدْخَلَ في كَوْنِها آيَةً، وأجْلَبَ لِعَجَبِ السّامِعِ، فَعَطَفَها بِـ ”ثُمَّ“ عَلى الآيَةِ الأُولى، لِلدَّلالَةِ عَلى مُبايَنَتِها فَضْلًا ومَزِيَّةً، وتَراخِيها عَنْها فِيما يَرْجِعُ إلى زِيادَةِ كَوْنِها آيَةً، فَهو مِنَ التَّراخِي في الحالِ والمَنزِلَةِ، لا مِنَ التَّراخِي في الوُجُودِ. انْتَهى.
وأمّا: ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنها زَوْجَها﴾، فَقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذا الجَعْلِ في أوَّلِ سُورَةِ النِّساءِ.
ووَصْفُ الأنْعامِ بِالإنْزالِ مَجازٌ إمّا لِأنَّ قَضاياهُ تُوصَفُ بِالنُّزُولِ مِنَ السَّماءِ حَيْثُ كُتِبَ في اللَّوْحِ كُلُّ كائِنٍ يَكُونُ، وإمّا لِعَيْشِها بِالنَّباتِ، والنَّباتُ ناشِئٌ عَنِ المَطَرِ، والمَطَرُ نازِلٌ مِنَ السَّماءِ، فَكَأنَّهُ تَعالى أنْزَلَها، فَيَكُونُ مِثْلَ قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎أسْنِمَةُ الإبالِ في رَبابِهِ
أيْ: في سَحابِهِ، وقالَ آخَرُ:
؎صارَ الثَّرِيدُ في رُءُوسِ العِيدانِ
وقِيلَ: خَلَقَها في الجَنَّةِ ثُمَّ أنْزَلَها، فَعَلى هَذا يَكُونُ إنْزالُ أُصُولِها حَقِيقَةً.
والأنْعامُ: الإبِلُ والبَقَرُ والضَّأْنُ (p-٤١٧)والمَعَزُ، (ثَمانِيَةَ أزْواجٍ)؛ لِأنَّ كُلًّا مِنها ذَكَرٌ وأُنْثى، والزَّوْجُ ما كانَ مَعَهُ آخَرُ مِن جِنْسِهِ، فَإذا انْفَرَدَ فَهو فَرْدٌ ووِتْرٌ. وقالَ تَعالى: ﴿فَجَعَلَ مِنهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ [القيامة: ٣٩] .
قالَ ابْنُ زَيْدٍ: ﴿خَلْقًا مِن بَعْدِ خَلْقٍ﴾: آخَرَ مِن ظَهْرِ آدَمَ وظُهُورِ الآباءِ. وقالَ عِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ: رُتَبًا ﴿خَلْقًا مِن بَعْدِ خَلْقٍ﴾ عَلى المُضْغَةِ والعَلَقَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ.
وأخَذَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ فَقالَ: حَيَوانًا سَوَيًّا مِن بَعْدِ عِظامٍ مَكْسُوَّةٍ لَحْمًا، مِن بَعْدِ عِظامٍ عارِيَةٍ، مِن بَعْدِ مُضَغٍ، مِن بَعْدِ عَلَقٍ، مِن بَعْدِ نُطَفٍ. انْتَهى.
وقَرَأ عِيسى وطَلْحَةُ ﴿يَخْلُقُكُمْ﴾ بِإدْغامِ القافِ في الكافِ.
والظُّلُماتُ الثَّلاثُ: البَطْنُ والرَّحِمُ والمَشِيمَةُ، وقِيلَ: الصُّلْبُ والرَّحِمُ والبَطْنُ.
(ذَلِكم): إشارَةٌ إلى المُتَّصِفِ بِتِلْكَ الأوْصافِ السّابِقَةِ مِن خَلْقِ السَّماواتِ وما بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ الأفْعالِ.
(فَأنّى تُصْرَفُونَ) أيْ: كَيْفَ تَعْدِلُونَ عَنْ عِبادَتِهِ إلى عِبادَةِ غَيْرِهِ ؟ .
(إنْ تَكْفُرُوا)، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: خِطابٌ لِلْكُفّارِ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهم. وعِبادُهُ هُمُ المُؤْمِنُونَ، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ قَبْلَهُ: (فَأنّى تُصْرَفُونَ)، وهَذا لِلْكُفّارِ، فَجاءَ (إنْ تَكْفُرُوا) خِطابًا لَهم، ﴿فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ﴾، وعَنْ عِبادَتِكم، إذْ لا يَرْجِعُ إلَيْهِ تَعالى مَنفَعَةٌ بِكم، ولا بِعِبادَتِكم إذْ هو الغَنِيُّ المُطْلَقُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُخاطِبًا لِجَمِيعِ النّاسِ؛ لِأنَّهُ تَعالى غَنِيٌّ عَنْ جَمِيعِهِمْ، وهم فُقَراءُ إلَيْهِ. انْتَهى.
ولَفْظُ (عِبادِهِ) عامٌّ، فَقِيلَ: المُرادُ الخُصُوصُ، وهُمُ المَلائِكَةُ ومُؤْمِنُو الإنْسِ والجِنِّ. والرِّضا بِمَعْنى الإرادَةِ، فَعَلى هَذا هي صِفَةُ ذاتٍ. وقِيلَ: المُرادُ العُمُومُ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ، والرِّضا مُغايِرٌ لِلْإرادَةِ، عَبَّرَ بِهِ عَنِ الشُّكْرِ والإثابَةِ، أيْ: لا يَشْكُرُهُ لَهم دِينًا ولا يُثِيبُهم بِهِ خَيْرًا، فالرِّضا عَلى هَذا صِفَةُ فِعْلٍ بِمَعْنى القَبُولِ والإثابَةِ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وتَأمَّلِ الإرادَةَ، فَإنَّ حَقِيقَتَها إنَّما هي فِيما لَمْ يَقَعْ بَعْدُ، والرِّضا حَقِيقَتُهُ إنَّما هو فِيما قَدْ وقَعَ، واعْتَبِرْ هَذا في آياتِ القُرْآنِ تَجِدْهُ، وإنْ كانَتِ العَرَبُ قَدْ تَسْتَعْمِلُ في أشْعارِهِمْ عَلى جِهَةِ التَّجَوُّزِ هَذا بَدَلَ هَذا.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولَقَدْ تَمَحَّلَ بَعْضُ الغُواةِ لِيُثْبِتَ لِلَّهِ ما نَفاهُ عَنْ ذاتِهِ مِنَ الرِّضا لِعِبادِهِ الكُفْرَ، فَقالَ: هَذا مِنَ العامِّ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ الخاصُّ، وما أرادَ إلّا عِبادَهُ الَّذِينَ عَناهم في قَوْلِهِ: (إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ)، يُرِيدُ المَعْصُومِينَ لِقَوْلِهِ: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٦]، تَعالى اللَّهُ عَمّا يَقُولُ الظّالِمُونَ. انْتَهى.
فَسَمّى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبّاسٍ - تُرْجُمانَ القُرْآنِ - وأعْلامَ أهْلِ السُّنَّةِ - بَعْضَ الغُواةِ، وأطْلَقَ عَلَيْهِمُ اسْمَ الظّالِمِينَ، وذَلِكَ مِن سَفَهِهِ وجُرْأتِهِ، كَما قَلْتُ في قَصِيدَتَيِ الَّتِي ذَكَرْتُ فِيها ما يُنْقَدُ عَلَيْهِ:
؎ويَشْتِمُ أعْلامَ الأئِمَّةِ ضَلَّةٌ ∗∗∗ ولا سِيَّما إنْ أوْلَجُوهُ المَضايِقا
﴿وإنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُضاعِفُ لَكم، وكَأنَّهُ يُرِيدُ ثَوابَ الشُّكْرِ؛ وقِيلَ: يَقْبَلُهُ مِنكم. قالَ صاحِبُ التَّحْرِيرِ: قُوَّةُ الكَلامِ تَدُلُّ عَلى أنَّ مَعْنى تَشْكُرُوا: تُؤْمِنُوا حَتّى يَصِيرَ بِإزاءِ الكُفْرِ، واللَّهُ تَعالى قَدْ سَمّى الأعْمالَ الصّالِحَةَ والطّاعاتِ شُكْرًا في قَوْلِهِ: ﴿اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْرًا﴾ [سبإ: ١٣] . انْتَهى.
وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذِهِ الآيَةِ في سَبَأٍ.
وقَرَأ النَّحْوِيّانِ، وابْنُ كَثِيرٍ: ﴿يَرْضَهُ﴾ بِوَصْلِ ضَمَّةِ الهاءِ بِواوٍ؛ وابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ: بِضَمَّةٍ فَقَطْ؛ وأبُو بَكْرٍ: بِسُكُونِ الهاءِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: وهو غَلَطٌ لا يَجُوزُ. انْتَهى.
ولَيْسَ بِغَلَطٍ، بَلْ ذَلِكَ لُغَةٌ لِبَنِي كِلابٍ وبَنِي عَقِيلٍ. وقَوْلُهُ: (ولا تَزِرُ) إلى: (بِذاتِ الصُّدُورِ)، تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ.
الزمر 39:8
(p-٤١٨)﴿وإذا مَسَّ الإنْسانَ ضُرٌّ دَعا رَبَّهُ مُنِيبًا إلَيْهِ ثُمَّ إذا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنهُ نَسِيَ ما كانَ يَدْعُو إلَيْهِ مِن قَبْلُ وجَعَلَ لِلَّهِ أنْدادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إنَّكَ مِن أصْحابِ النّارِ﴾ ﴿أمْ مَن هو قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِدًا وقائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ ويَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبابِ﴾ ﴿قُلْ يا عِبادِي الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكم لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وأرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ إنَّما يُوَفّى الصّابِرُونَ أجْرَهم بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ ﴿قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ ﴿وأُمِرْتُ لِأنْ أكُونَ أوَّلَ المُسْلِمِينَ﴾ ﴿قُلْ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿قُلِ اللَّهَ أعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ ﴿فاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِن دُونِهِ قُلْ إنَّ الخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ ألا ذَلِكَ هو الخُسْرانُ المُبِينُ﴾ ﴿لَهم مِن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النّارِ ومِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ يا عِبادِ فاتَّقُونِ﴾ .
الظّاهِرُ أنَّ الإنْسانَ هُنا جِنْسُ الكافِرِ، وقِيلَ: مُعَيَّنٌ، كَعُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ. ويَدْخُلُ في الضُّرِّ جَمِيعُ المَكارِهِ في جِسْمٍ أوْ أهْلٍ أوْ مالٍ.
﴿دَعا رَبَّهُ﴾: اسْتَجارَ رَبَّهُ وناداهُ، ولَمْ يُؤَمِّلْ في كَشْفِ الضُّرِّ سِواهُ، ﴿مُنِيبًا إلَيْهِ﴾ أيْ: راجِعًا إلَيْهِ وحْدَهُ في إزالَةِ ذَلِكَ.
﴿ثُمَّ إذا خَوَّلَهُ﴾: أنالَهُ وأعْطاهُ بَعْدَ كَشْفِ ذَلِكَ الضُّرِّ عَنْهُ. وحَقِيقَةُ خَوَّلَهُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِهِمْ: هو خائِلُهُ، قالَ: إذا كانَ مُتَعَهِّدًا حُسْنَ القِيامِ عَلَيْهِ، أوْ مِن خالَ يَخُولُ، إذا اخْتالَ وافْتَخَرَ، وتَقُولُ العَرَبُ:
إنَّ الغَنِيَّ طَوِيلَ الذَّيْلِ مَيّاسٌ
﴿نَسِيَ ما كانَ يَدْعُو﴾ أيْ: تَرَكَ، والظّاهِرُ أنَّ ما بِمَعْنى الَّذِي، أيْ: نَسِيَ الضُّرَّ الَّذِي كانَ يَدْعُو اللَّهَ إلى كَشْفِهِ. وقِيلَ: ما بِمَعْنى مَن أيْ: نَسِيَ رَبَّهُ الَّذِي كانَ يَتَضَرَّعُ إلَيْهِ ويَبْتَهِلُ في كَشْفِ ضُرِّهِ. وقِيلَ: ما مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ: نَسِيَ كَوْنَهُ يَدْعُو.
وقِيلَ: تَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿نَسِيَ﴾، أيْ: نَسِيَ ما كانَ فِيهِ مِنَ الضُّرِّ. وما نافِيَةٌ، نَفى أنْ يَكُونَ دُعاءَ هَذا الكافِرِ خالِصًا لِلَّهِ مَقْصُورًا مِن قِبَلِ الضَّرَرِ، وعَلى الأقْوالِ السّابِقَةِ. (مِن قَبْلِ) أيْ: مِن قَبْلِ تَخْوِيلِ النِّعْمَةِ، وهو زَمانُ الضَّرَرِ.
﴿وجَعَلَ لِلَّهِ أنْدادًا﴾ أيْ: أمْثالًا يُضادُّ بَعْضُها بَعْضًا ويُعارِضُ. قالَ قَتادَةُ أيْ: مِنَ الرِّجالِ يُطِيعُونَهم في المَعْصِيَةِ. وقالَ غَيْرُهُ: أوْثانًا، وهَذا مِنَ سَخْفِ عُقُولِهِمْ. حِينَ مَسَّ الضُّرُّ دَعَوُا اللَّهَ ولَمْ يَلْتَجِئُوا في كَشْفِهِ إلّا إلَيْهِ؛ وحِينَ كَشَفَ ذَلِكَ وخَوَّلَ النِّعْمَةَ أشْرَكُوا بِهِ، فاللّامُ لامُ العِلَّةِ، وقِيلَ: لامُ العاقِبَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (لِيُضِلَّ)، بِضَمِّ الياءِ أيْ: ما اكْتَفى بِضَلالِ نَفْسِهِ حَتّى جَعَلَ غَيْرَهُ يَضِلُّ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عُمَرَ، وعِيسى: بِفَتْحِها، ثُمَّ أتى بِصِيغَةِ الأمْرِ فَقالَ: ﴿تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا﴾ أيْ: تَلَذَّذْ واصْنَعْ ما شِئْتَ قَلِيلًا، أيْ: عُمْرًا قَلِيلًا، والخِطابُ لِلْكافِرِ جاعِلِ الأنْدادِ لِلَّهِ.
﴿إنَّكَ مِن أصْحابِ النّارِ﴾ أيْ: مِن سُكّانِها المُخَلَّدِينَ فِيها. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقَوْلُهُ ﴿تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ﴾، أيْ: مِن بابِ الخِذْلانِ والتَّخْلِيَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ لَهُ: إذْ قَدْ أبَيْتَ قَبْلُ ما أُمِرْتَ بِهِ مِنَ الإيمانِ والطّاعَةِ، فَمِن حَقِّكِ أنْ لا تُؤْمَرَ بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ. ويُؤْمَرُ بِتَرْكِهِ مُبالَغَةَ خِذْلانِهِ وتَخْلِيَتِهِ وشَأْنَهُ؛ لِأنَّهُ لا مُبالَغَةَ في الخِذْلانِ أشَدُّ مِنَ أنْ يُبْعَثَ عَلى عَكْسِ ما أُمِرُوا بِهِ، ونَظِيرُهُ في المَعْنى: ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْواهم جَهَنَّمُ﴾ [آل عمران: ١٩٧] . انْتَهى.
ولَمّا شَرَحَ تَعالى شَيْئًا مِن أحْوالِ الظّالِمِينَ الضّالِّينَ المُشْرِكِينَ، أرْدَفَهُ بِشَرْحِ أحْوالِ المُهْتَدِينَ المُوَحِّدِينَ فَقالَ: ﴿أمْ مَن هو قانِتٌ﴾ . وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وحَمْزَةُ، والأعْمَشُ، وعِيسى، وشَيْبَةُ، والحَسَنُ في رِوايَةٍ: (أمَن)، بِتَخْفِيفِ المِيمِ. والظّاهِرُ أنَّ الهَمْزَةَ لِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرِ، ومُقابِلُهُ مَحْذُوفٌ لِفَهْمِ المَعْنى، والتَّقْدِيرُ: أهَذا القانِتُ خَيْرٌ أمِ الكافِرُ المُخاطَبُ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ﴾ ؟ ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ . ومِن حَذْفِ المُقابِلِ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎دَعانِي إلَيْها القَلْبُ إنِّي لِأمْرِها سَمِيعٌ فَما أدْرِي أرُشْدٌ طِلابُها
تَقْدِيرُهُ: أمْ غَيٌّ.
وقالَ الفَرّاءُ: الهَمْزَةُ لِلنِّداءِ، كَأنَّهُ قِيلَ: يا مَن هو قانِتٌ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: (قُلْ) خِطابًا لَهُ، وهَذا القَوْلُ أجْنَبِيُّ مِمّا قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ. وضَعَّفَ هَذا القَوْلَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ، ولا التِفاتَ لِتَضْعِيفِ الأخْفَشِ وأبِي حاتِمٍ هَذِهِ القِراءَةَ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، والأعْرَجُ، وأبُو جَعْفَرٍ: (أمَّنْ)، بِتَشْدِيدِ المِيمِ، وهي أمْ أُدْغِمَتْ مِيمُها في مِيمِ مَن، فاحْتَمَلَتْ أمْ أنْ تَكُونَ مُتَّصِلَةً، ومُعادِلُها مَحْذُوفٌ قَبْلَها، تَقْدِيرُهُ: أهَذا الكافِرُ خَيْرٌ أمْ مَن هو قانِتٌ ؟ قالَ مَعْناهُ الأخْفَشُ، ويَحْتاجُ مِثْلُ هَذا التَّقْدِيرِ (p-٤١٩)إلى سَماعٍ مِنَ العَرَبِ، وهو أنْ يُحْذَفَ المُعادِلُ الأوَّلُ.
واحْتَمَلَتْ أمْ أنْ تَكُونَ مُنْقَطِعَةً تَتَقَدَّرُ بِبَلْ والهَمْزَةِ، والتَّقْدِيرُ: بَلْ أمْ مَن هو قانِتٌ صِفَتُهُ كَذا، كَمَن لَيْسَ كَذَلِكَ. وقالَ النَّحّاسُ: (أمْ) بِمَعْنى بَلْ، و(مَن) بِمَعْنى الَّذِي، والتَّقْدِيرُ: بَلِ الَّذِي هو قانِتٌ أفْضَلُ مِمَّنْ ذُكِرَ قَبْلَهُ. انْتَهى.
ولا فَضْلَ لِمَن قَبْلَهُ حَتّى يُجْعَلَ هَذا أفْضَلُ، بَلْ يُقَدَّرُ الخَبَرُ مِن أصْحابِ الجَنَّةِ، يَدُلُّ عَلَيْهِ مُقابِلُهُ: ﴿إنَّكَ مِن أصْحابِ النّارِ﴾ . والقانِتُ: المُطِيعُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في القُنُوتِ في البَقَرَةِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ساجِدًا وقائِمًا﴾، بِالنَّصْبِ عَلى الحالِ؛ والضَّحّاكُ: بِرَفْعِهِما إمّا عَلى النَّعْتِ لِـ (قانِتٌ) وإمّا عَلى أنَّهُ خَبْرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، والواوُ لِلْجَمْعِ بَيْنَ الصِّفَتَيْنِ.
﴿يَحْذَرُ الآخِرَةَ﴾ أيْ: عَذابَ الآخِرَةِ، ﴿ويَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ أيْ: حُصُولَها، وقِيلَ: نَعِيمَ الجَنَّةِ، وهَذا المُتَّصِفُ بِالقُنُوتِ إلى سائِرِ الأوْصافِ، قالَ مُقاتِلٌ: عَمّارٌ، وصُهَيْبٌ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو ذَرٍّ. وقالَ ابْنُ عُمَرَ: عُثْمانُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ الضَّحّاكِ: أبُو بَكْرٍ، وعُمَرُ. وقالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . والظّاهِرُ أنَّهُ مَنِ اتَّصَفَ بِهَذِهِ الأوْصافِ مِن غَيْرِ تَعْيِينٍ.
وفِي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى فَضْلِ قِيامِ اللَّيْلِ، وأنَّهُ أرْجَحُ مِن قِيامِ النَّهارِ.
ولَمّا ذَكَرَ العَمَلَ ذَكَرَ العِلْمَ فَقالَ: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾، فَدَلَّ أنَّ كَمالَ الإنْسانِ مَحْصُورٌ في هَذَيْنِ المَقْصُودَيْنِ، فَكَما لا يَسْتَوِي هَذانِ، كَذَلِكَ لا يَسْتَوِي المُطِيعُ والعاصِي. والمُرادُ بِالعِلْمِ هُنا: ما أدّى إلى مَعْرِفَةِ اللَّهِ ونَجاةِ العَبْدِ مِن سُخْطِهِ. وقَرَأ: (يَذَّكَّرُ) بِإدْغامِ تاءِ يَتَذَكَّرُ في الذّالِ.
﴿قُلْ يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾، ورُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ في جَعْفَرِ بْنِ أبِي طالِبٍ وأصْحابِهِ حِينَ عَزَمُوا عَلى الهِجْرَةِ إلى أرْضِ الحَبَشَةِ، وعَدَهم تَعالى فَقالَ: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ﴾ . والظّاهِرُ تَعَلُّقُ (في هَذِهِ) بِـ (أحْسَنُوا)، وأنَّ المُحْسِنِينَ في الدُّنْيا لَهم في الآخِرَةِ حَسَنَةٌ، أيْ: حَسَنَةٌ عَظِيمَةٌ، وهي الجَنَّةُ، قالَهُ مُقاتِلٌ، والصِّفَةُ مَحْذُوفَةٌ يَدُلُّ عَلَيْها المَعْنى؛ لِأنَّ مَن أحْسَنَ في الدُّنْيا لا يُوعَدُ أنْ يَكُونَ لَهُ في الآخِرَةِ مُطْلَقُ حَسَنَةٍ. وقالَ السُّدِّيُّ: (في هَذِهِ) مِن تَمامِ (حَسَنَةٍ)، أيْ: ولَوْ تَأخَّرَ لَكانَ صِفَةً، أيْ: الَّذِينَ يُحْسِنُونَ لَهم حَسَنَةٌ كائِنَةٌ في الدُّنْيا. فَلَمّا تَقَدَّمَ انْتَصَبَ عَلى الحالِ، والحَسَنَةُ الَّتِي لَهم في الدُّنْيا هي العافِيَةُ والظُّهُورُ ووِلايَةُ اللَّهِ تَعالى.
ثُمَّ حَضَّ عَلى الهِجْرَةِ فَقالَ: ﴿وأرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ﴾، كَقَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَكُنْ أرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها﴾ [النساء: ٩٧]، أيْ: لا عُذْرَ لِلْمُفَرِّطِينَ ألْبَتَّةَ، حَتّى لَوِ اعْتَلُّوا بِأوْطانِهِمْ، وأنَّهم لا يَتَمَكَّنُونَ فِيها مِن أعْمالِ الطّاعاتِ، قِيلَ لَهم: إنَّ بِلادَ اللَّهِ كَثِيرَةٌ واسِعَةٌ، فَتَحَوَّلُوا إلى الأماكِنِ الَّتِي تُمْكِنُكم فِيها الطّاعاتُ.
وقالَ عَطاءٌ: ﴿وأرْضُ اللَّهِ﴾ المَدِينَةُ لِلْهِجْرَةِ، قِيلَ: فَعَلى هَذا يَكُونُ أحْسَنُوا: هاجَرُوا، وحَسَنَةٌ: راحَةٌ مِنَ الأعْداءِ.
وقالَ قَوْمٌ: (أرْضُ اللَّهِ) هُنا: الجَنَّةُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا القَوْلُ تَحَكُّمٌ، لا دَلِيلَ عَلَيْهِ. انْتَهى.
وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: لا يَمْتَنِعُ ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ تَعالى أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِالتَّقْوى؛ ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ مَنِ اتَّقى لَهُ في الآخِرَةِ الحَسَنَةُ، وهي الخُلُودُ في الجَنَّةِ؛ ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ أرْضَ اللَّهِ واسِعَةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿وأوْرَثَنا الأرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ﴾ [الزمر: ٧٤]، وقَوْلِهِ: ﴿وجَنَّةٍ عَرْضُها السَّماواتُ والأرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣] .
ولَمّا كانَتْ رُتْبَةُ الإحْسانِ مُنْتَهى الرُّتَبِ، كَما جاءَ: ما الإحْسانُ ؟ قالَ: أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ. وكانَ الصَّبْرُ عَلى ذَلِكَ مِن أشَقِّ الأشْياءِ، وخُصُوصًا مَن فارَقَ وطَنَهُ وعَشِيرَتَهُ وصَبَرَ عَلى بَلاءِ الغُرْبَةِ. ذَكَرَ أنَّ الصّابِرِينَ يُوَفَّوْنَ أُجُورَهم بِغَيْرِ حِسابٍ، أيْ: لا يُحاسَبُونَ في الآخِرَةِ، كَما يُحاسَبُ غَيْرُهم؛ أوْ يُوَفَّوْنَ ما لا يَحْصُرُهُ حِسابٌ مِنَ الكَثْرَةِ.
﴿قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾: أمَرَهُ تَعالى أنْ يُصْدِعَ الكُفّارَ بِما أُمِرَ بِهِ مِن عِبادَةِ اللَّهِ، يُخَلِّصَها مِنَ الشَّوائِبِ، (وأُمِرْتُ) أيْ: أُمِرْتُ بِما أُمِرْتُ، لِأكُونَ أوَّلَ مَن أسْلَمَ، أيِ: انْقادَ لِلَّهِ تَعالى، ويَعْنِي مِن أهْلِ عَصْرِهِ أوْ مِن قَوْمِهِ؛ لِأنَّهُ أوَّلُ مَن خالَفَ عُبّادَ الأصْنامِ، أوْ أوَّلُ مَن دَعَوْتُهم إلى الإسْلامِ إسْلامًا، أوْ أوَّلُ مَن دَعا نَفْسَهُ إلى ما دَعا إلَيْهِ غَيْرَهُ، لِأكُونَ مُقْتَدًى بِي قَوْلًا وفِعْلًا، (p-٤٢٠)لا كالمُلُوكِ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِما لا يَفْعَلُونَ، أوْ أنْ أفْعَلَ ما أسْتَحِقُّ بِهِ الأوَّلِيَّةَ مِنَ أعْمالِ السّابِقَيْنِ دَلالَةً عَلى السَّبَبِ بِالمُسَبَّبِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ عُطِفَ أُمِرْتُ عَلى أُمِرْتُ وهُما واحِدٌ ؟ (قُلْتُ): لَيْسا بِواحِدٍ لِاخْتِلافِ جِهَتَيْهِما، وذَلِكَ أنَّ الأمْرَ بِالإخْلاصِ وتَكْلِيفَهُ شَيْءٌ، والأمْرَ بِهِ لِتُحْرِزَ بِهِ قَصَبَ السَّبْقِ في الدِّينِ شَيْءٌ. وإذا اخْتَلَفَ وجْها الشَّيْءِ وصِفَتاهُ يُنَزَّلُ بِذَلِكَ مَنزِلَةَ شَيْئَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، ولَكَ أنْ تَجْعَلَ اللّامَ مَزِيدَةً مِثْلَها في أرَدْتُ؛ لِأنَّ أفْعَلَ لا تُزادُ إلّا مَعَ أنْ خاصَّةً دُونَ الِاسْمِ الصَّرِيحِ، كَأنَّها زِيدَتْ عِوَضًا مِن تَرْكِ الأصْلِ إلى ما يَقُومُ مَقامَهُ، كَما عَوَّضَ السِّينَ في اسْطاعَ عِوَضًا مِن تَرْكِ الأصْلِ الَّذِي هو أطْوَعُ. والدَّلِيلُ عَلى هَذا الوَجْهِ مَجِيئُهُ بِغَيْرِ لامٍ في قَوْلِهِ: (وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ أوَّلَ مَن أسْلَمَ) . انْتَهى.
ويُحْتَمَلُ في (أنْ أكُونَ) في ثَلاثَةِ المَواضِعِ أصْلُهُ " لِأنْ أكُونُ )، فَيَكُونُ قَدْ حُذِفَتِ اللّامُ، والمَأْمُورُ بِهِ مَحْذُوفٌ، وهو المُصَرَّحُ بِهِ هُنا ﴿إنِّي أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ﴾ .
﴿قُلْ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذِهِ الجُمْلَةِ، مَقُولُ القَوْلِ في سُورَةِ يُونُسَ.
ولَمّا أمَرَهُ أوَّلًا أنْ يُخْبِرَ بِأنَّهُ أُمِرَ بِعِبادَةِ اللَّهِ، أمَرَ ثانِيًا أنْ يُخْبِرَ بِأنَّهُ يَعْبُدُ اللَّهَ وحْدَهُ. وتَقْدِيمُ الجَلالَةِ دالٌّ عَلى الِاهْتِمامِ بِمَن يُعْبَدُ، وعِنْدَ الزَّمَخْشَرِيِّ يَدُلُّ عَلى الِاخْتِصاصِ، قالَ: ولِدَلالَتِهِ عَلى ذَلِكَ، قَدَّمَ المَعْبُودَ عَلى فِعْلِ العِبادَةِ، وأخَّرَهُ في الأوَّلِ. فالكَلامُ أوَّلًا واقِعٌ في الفِعْلِ في نَفْسِهِ وإيجادِهِ، وثانِيًا فِيمَن يُفْعَلُ الفِعْلُ لِأجْلِهِ، ولِذَلِكَ رُتِّبَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿فاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِن دُونِهِ﴾ . والمُرادُ بِهَذا الأمْرِ الوارِدِ عَلى وجْهِ التَّخْيِيرِ المُبالَغَةُ في الخِذْلانِ والتَّخْلِيَةِ. انْتَهى.
وقالَ غَيْرُهُ: ﴿فاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ﴾: صِيغَةُ أمْرٍ عَلى جِهَةِ التَّهْدِيدِ لِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ﴾ .
﴿قُلْ إنَّ الخاسِرِينَ﴾ أيْ: حَقِيقَةُ الخُسْرانِ، (الَّذِينَ خَسِرُوا) أيْ: هُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم، حَيْثُ صارُوا مِن أهْلِ النّارِ، وأهْلِيهِمُ الَّذِينَ كانُوا مَعَهم في الدُّنْيا، حَيْثُ كانُوا مَعَهم في النّارِ، فَلَمْ يَنْتَفِعُوا مِنهم بِشَيْءٍ، وإنْ كانَ أهْلُوهم قَدْ آمَنُوا، فُخُسْرانُهم إيّاهم كَوْنُهم لا يَجْتَمِعُونَ بِهِمْ ولا يَرْجِعُونَ إلَيْهِمْ.
وقالَ قَتادَةُ: كَأنَّ اللَّهَ قَدْ أعَدَّ لَهم أهْلًا في الجَنَّةِ فَخَسِرُوهم، وقالَ مَعْناهُ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرانَ. وقالَ الحَسَنُ: هي الحُورُ العِينُ.
ثُمَّ ذَكَرَ ذَلِكَ الخُسْرانَ وبالَغَ فِيهِ في التَّنْبِيهِ عَلَيْهِ أوَّلًا، والإشارَةِ إلَيْهِ، وتَأْكِيدِهِ بِالفِعْلِ، وتَعْرِيفِهِ بِألْ، ووَصْفِهِ بِأنَّهُ المُبِينُ أيِ: الواضِحُ لِمَن تَأمَّلَهُ أدْنى تَأمُّلٍ.
ولَمّا ذَكَرَ خُسْرانَهم أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ، ذَكَرَ حالَهم في جَهَنَّمَ، وأنَّهُ مِن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ ومِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ، فَيُظْهِرُ أنَّ النّارَ تَغْشاهم مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِهِمْ، وسَمّى ما تَحْتَهم ظُلَلًا لِمُقابَلَةِ ما فَوْقَهم، كَما قالَ: ﴿يَوْمَ يَغْشاهُمُ العَذابُ مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٥٥]، وقالَ لَهم: ﴿مِن جَهَنَّمَ مِهادٌ ومِن فَوْقِهِمْ غَواشٍ﴾ [الأعراف: ٤١] وقِيلَ: هي ظُلَلٌ لِلَّذِينِ هم تَحْتَهم، إذِ النّارُ طِباقٌ. وقِيلَ: إنَّما تَحْتُهم يَلْتَهِبُ ويَتَصاعَدُ مِنهُ شَيْءٌ حَتّى يَكُونَ ظُلَّةً، فَسُمِّيَ ظُلَّةً بِاعْتِبارِ ما آلَ إلَيْهِ أخِيرًا.
(ذَلِكَ) أيْ: ذَلِكَ العَذابُ، يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ؛ لِيَعْلَمُوا ما يُخَلِّصُكم مِنهُ، ثُمَّ ناداهم وأمَرَهم فَقالَ: ﴿ياعِبادِ فاتَّقُونِ﴾ أيِ: اتَّقَوْا عَذابِي.
الزمر 39:9
(p-٤١٨)﴿وإذا مَسَّ الإنْسانَ ضُرٌّ دَعا رَبَّهُ مُنِيبًا إلَيْهِ ثُمَّ إذا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنهُ نَسِيَ ما كانَ يَدْعُو إلَيْهِ مِن قَبْلُ وجَعَلَ لِلَّهِ أنْدادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إنَّكَ مِن أصْحابِ النّارِ﴾ ﴿أمْ مَن هو قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِدًا وقائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ ويَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبابِ﴾ ﴿قُلْ يا عِبادِي الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكم لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وأرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ إنَّما يُوَفّى الصّابِرُونَ أجْرَهم بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ ﴿قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ ﴿وأُمِرْتُ لِأنْ أكُونَ أوَّلَ المُسْلِمِينَ﴾ ﴿قُلْ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿قُلِ اللَّهَ أعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ ﴿فاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِن دُونِهِ قُلْ إنَّ الخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ ألا ذَلِكَ هو الخُسْرانُ المُبِينُ﴾ ﴿لَهم مِن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النّارِ ومِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ يا عِبادِ فاتَّقُونِ﴾ .
الظّاهِرُ أنَّ الإنْسانَ هُنا جِنْسُ الكافِرِ، وقِيلَ: مُعَيَّنٌ، كَعُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ. ويَدْخُلُ في الضُّرِّ جَمِيعُ المَكارِهِ في جِسْمٍ أوْ أهْلٍ أوْ مالٍ.
﴿دَعا رَبَّهُ﴾: اسْتَجارَ رَبَّهُ وناداهُ، ولَمْ يُؤَمِّلْ في كَشْفِ الضُّرِّ سِواهُ، ﴿مُنِيبًا إلَيْهِ﴾ أيْ: راجِعًا إلَيْهِ وحْدَهُ في إزالَةِ ذَلِكَ.
﴿ثُمَّ إذا خَوَّلَهُ﴾: أنالَهُ وأعْطاهُ بَعْدَ كَشْفِ ذَلِكَ الضُّرِّ عَنْهُ. وحَقِيقَةُ خَوَّلَهُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِهِمْ: هو خائِلُهُ، قالَ: إذا كانَ مُتَعَهِّدًا حُسْنَ القِيامِ عَلَيْهِ، أوْ مِن خالَ يَخُولُ، إذا اخْتالَ وافْتَخَرَ، وتَقُولُ العَرَبُ:
إنَّ الغَنِيَّ طَوِيلَ الذَّيْلِ مَيّاسٌ
﴿نَسِيَ ما كانَ يَدْعُو﴾ أيْ: تَرَكَ، والظّاهِرُ أنَّ ما بِمَعْنى الَّذِي، أيْ: نَسِيَ الضُّرَّ الَّذِي كانَ يَدْعُو اللَّهَ إلى كَشْفِهِ. وقِيلَ: ما بِمَعْنى مَن أيْ: نَسِيَ رَبَّهُ الَّذِي كانَ يَتَضَرَّعُ إلَيْهِ ويَبْتَهِلُ في كَشْفِ ضُرِّهِ. وقِيلَ: ما مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ: نَسِيَ كَوْنَهُ يَدْعُو.
وقِيلَ: تَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿نَسِيَ﴾، أيْ: نَسِيَ ما كانَ فِيهِ مِنَ الضُّرِّ. وما نافِيَةٌ، نَفى أنْ يَكُونَ دُعاءَ هَذا الكافِرِ خالِصًا لِلَّهِ مَقْصُورًا مِن قِبَلِ الضَّرَرِ، وعَلى الأقْوالِ السّابِقَةِ. (مِن قَبْلِ) أيْ: مِن قَبْلِ تَخْوِيلِ النِّعْمَةِ، وهو زَمانُ الضَّرَرِ.
﴿وجَعَلَ لِلَّهِ أنْدادًا﴾ أيْ: أمْثالًا يُضادُّ بَعْضُها بَعْضًا ويُعارِضُ. قالَ قَتادَةُ أيْ: مِنَ الرِّجالِ يُطِيعُونَهم في المَعْصِيَةِ. وقالَ غَيْرُهُ: أوْثانًا، وهَذا مِنَ سَخْفِ عُقُولِهِمْ. حِينَ مَسَّ الضُّرُّ دَعَوُا اللَّهَ ولَمْ يَلْتَجِئُوا في كَشْفِهِ إلّا إلَيْهِ؛ وحِينَ كَشَفَ ذَلِكَ وخَوَّلَ النِّعْمَةَ أشْرَكُوا بِهِ، فاللّامُ لامُ العِلَّةِ، وقِيلَ: لامُ العاقِبَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (لِيُضِلَّ)، بِضَمِّ الياءِ أيْ: ما اكْتَفى بِضَلالِ نَفْسِهِ حَتّى جَعَلَ غَيْرَهُ يَضِلُّ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عُمَرَ، وعِيسى: بِفَتْحِها، ثُمَّ أتى بِصِيغَةِ الأمْرِ فَقالَ: ﴿تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا﴾ أيْ: تَلَذَّذْ واصْنَعْ ما شِئْتَ قَلِيلًا، أيْ: عُمْرًا قَلِيلًا، والخِطابُ لِلْكافِرِ جاعِلِ الأنْدادِ لِلَّهِ.
﴿إنَّكَ مِن أصْحابِ النّارِ﴾ أيْ: مِن سُكّانِها المُخَلَّدِينَ فِيها. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقَوْلُهُ ﴿تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ﴾، أيْ: مِن بابِ الخِذْلانِ والتَّخْلِيَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ لَهُ: إذْ قَدْ أبَيْتَ قَبْلُ ما أُمِرْتَ بِهِ مِنَ الإيمانِ والطّاعَةِ، فَمِن حَقِّكِ أنْ لا تُؤْمَرَ بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ. ويُؤْمَرُ بِتَرْكِهِ مُبالَغَةَ خِذْلانِهِ وتَخْلِيَتِهِ وشَأْنَهُ؛ لِأنَّهُ لا مُبالَغَةَ في الخِذْلانِ أشَدُّ مِنَ أنْ يُبْعَثَ عَلى عَكْسِ ما أُمِرُوا بِهِ، ونَظِيرُهُ في المَعْنى: ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْواهم جَهَنَّمُ﴾ [آل عمران: ١٩٧] . انْتَهى.
ولَمّا شَرَحَ تَعالى شَيْئًا مِن أحْوالِ الظّالِمِينَ الضّالِّينَ المُشْرِكِينَ، أرْدَفَهُ بِشَرْحِ أحْوالِ المُهْتَدِينَ المُوَحِّدِينَ فَقالَ: ﴿أمْ مَن هو قانِتٌ﴾ . وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وحَمْزَةُ، والأعْمَشُ، وعِيسى، وشَيْبَةُ، والحَسَنُ في رِوايَةٍ: (أمَن)، بِتَخْفِيفِ المِيمِ. والظّاهِرُ أنَّ الهَمْزَةَ لِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرِ، ومُقابِلُهُ مَحْذُوفٌ لِفَهْمِ المَعْنى، والتَّقْدِيرُ: أهَذا القانِتُ خَيْرٌ أمِ الكافِرُ المُخاطَبُ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ﴾ ؟ ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ . ومِن حَذْفِ المُقابِلِ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎دَعانِي إلَيْها القَلْبُ إنِّي لِأمْرِها سَمِيعٌ فَما أدْرِي أرُشْدٌ طِلابُها
تَقْدِيرُهُ: أمْ غَيٌّ.
وقالَ الفَرّاءُ: الهَمْزَةُ لِلنِّداءِ، كَأنَّهُ قِيلَ: يا مَن هو قانِتٌ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: (قُلْ) خِطابًا لَهُ، وهَذا القَوْلُ أجْنَبِيُّ مِمّا قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ. وضَعَّفَ هَذا القَوْلَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ، ولا التِفاتَ لِتَضْعِيفِ الأخْفَشِ وأبِي حاتِمٍ هَذِهِ القِراءَةَ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، والأعْرَجُ، وأبُو جَعْفَرٍ: (أمَّنْ)، بِتَشْدِيدِ المِيمِ، وهي أمْ أُدْغِمَتْ مِيمُها في مِيمِ مَن، فاحْتَمَلَتْ أمْ أنْ تَكُونَ مُتَّصِلَةً، ومُعادِلُها مَحْذُوفٌ قَبْلَها، تَقْدِيرُهُ: أهَذا الكافِرُ خَيْرٌ أمْ مَن هو قانِتٌ ؟ قالَ مَعْناهُ الأخْفَشُ، ويَحْتاجُ مِثْلُ هَذا التَّقْدِيرِ (p-٤١٩)إلى سَماعٍ مِنَ العَرَبِ، وهو أنْ يُحْذَفَ المُعادِلُ الأوَّلُ.
واحْتَمَلَتْ أمْ أنْ تَكُونَ مُنْقَطِعَةً تَتَقَدَّرُ بِبَلْ والهَمْزَةِ، والتَّقْدِيرُ: بَلْ أمْ مَن هو قانِتٌ صِفَتُهُ كَذا، كَمَن لَيْسَ كَذَلِكَ. وقالَ النَّحّاسُ: (أمْ) بِمَعْنى بَلْ، و(مَن) بِمَعْنى الَّذِي، والتَّقْدِيرُ: بَلِ الَّذِي هو قانِتٌ أفْضَلُ مِمَّنْ ذُكِرَ قَبْلَهُ. انْتَهى.
ولا فَضْلَ لِمَن قَبْلَهُ حَتّى يُجْعَلَ هَذا أفْضَلُ، بَلْ يُقَدَّرُ الخَبَرُ مِن أصْحابِ الجَنَّةِ، يَدُلُّ عَلَيْهِ مُقابِلُهُ: ﴿إنَّكَ مِن أصْحابِ النّارِ﴾ . والقانِتُ: المُطِيعُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في القُنُوتِ في البَقَرَةِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ساجِدًا وقائِمًا﴾، بِالنَّصْبِ عَلى الحالِ؛ والضَّحّاكُ: بِرَفْعِهِما إمّا عَلى النَّعْتِ لِـ (قانِتٌ) وإمّا عَلى أنَّهُ خَبْرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، والواوُ لِلْجَمْعِ بَيْنَ الصِّفَتَيْنِ.
﴿يَحْذَرُ الآخِرَةَ﴾ أيْ: عَذابَ الآخِرَةِ، ﴿ويَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ أيْ: حُصُولَها، وقِيلَ: نَعِيمَ الجَنَّةِ، وهَذا المُتَّصِفُ بِالقُنُوتِ إلى سائِرِ الأوْصافِ، قالَ مُقاتِلٌ: عَمّارٌ، وصُهَيْبٌ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو ذَرٍّ. وقالَ ابْنُ عُمَرَ: عُثْمانُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ الضَّحّاكِ: أبُو بَكْرٍ، وعُمَرُ. وقالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . والظّاهِرُ أنَّهُ مَنِ اتَّصَفَ بِهَذِهِ الأوْصافِ مِن غَيْرِ تَعْيِينٍ.
وفِي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى فَضْلِ قِيامِ اللَّيْلِ، وأنَّهُ أرْجَحُ مِن قِيامِ النَّهارِ.
ولَمّا ذَكَرَ العَمَلَ ذَكَرَ العِلْمَ فَقالَ: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾، فَدَلَّ أنَّ كَمالَ الإنْسانِ مَحْصُورٌ في هَذَيْنِ المَقْصُودَيْنِ، فَكَما لا يَسْتَوِي هَذانِ، كَذَلِكَ لا يَسْتَوِي المُطِيعُ والعاصِي. والمُرادُ بِالعِلْمِ هُنا: ما أدّى إلى مَعْرِفَةِ اللَّهِ ونَجاةِ العَبْدِ مِن سُخْطِهِ. وقَرَأ: (يَذَّكَّرُ) بِإدْغامِ تاءِ يَتَذَكَّرُ في الذّالِ.
﴿قُلْ يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾، ورُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ في جَعْفَرِ بْنِ أبِي طالِبٍ وأصْحابِهِ حِينَ عَزَمُوا عَلى الهِجْرَةِ إلى أرْضِ الحَبَشَةِ، وعَدَهم تَعالى فَقالَ: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ﴾ . والظّاهِرُ تَعَلُّقُ (في هَذِهِ) بِـ (أحْسَنُوا)، وأنَّ المُحْسِنِينَ في الدُّنْيا لَهم في الآخِرَةِ حَسَنَةٌ، أيْ: حَسَنَةٌ عَظِيمَةٌ، وهي الجَنَّةُ، قالَهُ مُقاتِلٌ، والصِّفَةُ مَحْذُوفَةٌ يَدُلُّ عَلَيْها المَعْنى؛ لِأنَّ مَن أحْسَنَ في الدُّنْيا لا يُوعَدُ أنْ يَكُونَ لَهُ في الآخِرَةِ مُطْلَقُ حَسَنَةٍ. وقالَ السُّدِّيُّ: (في هَذِهِ) مِن تَمامِ (حَسَنَةٍ)، أيْ: ولَوْ تَأخَّرَ لَكانَ صِفَةً، أيْ: الَّذِينَ يُحْسِنُونَ لَهم حَسَنَةٌ كائِنَةٌ في الدُّنْيا. فَلَمّا تَقَدَّمَ انْتَصَبَ عَلى الحالِ، والحَسَنَةُ الَّتِي لَهم في الدُّنْيا هي العافِيَةُ والظُّهُورُ ووِلايَةُ اللَّهِ تَعالى.
ثُمَّ حَضَّ عَلى الهِجْرَةِ فَقالَ: ﴿وأرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ﴾، كَقَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَكُنْ أرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها﴾ [النساء: ٩٧]، أيْ: لا عُذْرَ لِلْمُفَرِّطِينَ ألْبَتَّةَ، حَتّى لَوِ اعْتَلُّوا بِأوْطانِهِمْ، وأنَّهم لا يَتَمَكَّنُونَ فِيها مِن أعْمالِ الطّاعاتِ، قِيلَ لَهم: إنَّ بِلادَ اللَّهِ كَثِيرَةٌ واسِعَةٌ، فَتَحَوَّلُوا إلى الأماكِنِ الَّتِي تُمْكِنُكم فِيها الطّاعاتُ.
وقالَ عَطاءٌ: ﴿وأرْضُ اللَّهِ﴾ المَدِينَةُ لِلْهِجْرَةِ، قِيلَ: فَعَلى هَذا يَكُونُ أحْسَنُوا: هاجَرُوا، وحَسَنَةٌ: راحَةٌ مِنَ الأعْداءِ.
وقالَ قَوْمٌ: (أرْضُ اللَّهِ) هُنا: الجَنَّةُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا القَوْلُ تَحَكُّمٌ، لا دَلِيلَ عَلَيْهِ. انْتَهى.
وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: لا يَمْتَنِعُ ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ تَعالى أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِالتَّقْوى؛ ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ مَنِ اتَّقى لَهُ في الآخِرَةِ الحَسَنَةُ، وهي الخُلُودُ في الجَنَّةِ؛ ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ أرْضَ اللَّهِ واسِعَةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿وأوْرَثَنا الأرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ﴾ [الزمر: ٧٤]، وقَوْلِهِ: ﴿وجَنَّةٍ عَرْضُها السَّماواتُ والأرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣] .
ولَمّا كانَتْ رُتْبَةُ الإحْسانِ مُنْتَهى الرُّتَبِ، كَما جاءَ: ما الإحْسانُ ؟ قالَ: أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ. وكانَ الصَّبْرُ عَلى ذَلِكَ مِن أشَقِّ الأشْياءِ، وخُصُوصًا مَن فارَقَ وطَنَهُ وعَشِيرَتَهُ وصَبَرَ عَلى بَلاءِ الغُرْبَةِ. ذَكَرَ أنَّ الصّابِرِينَ يُوَفَّوْنَ أُجُورَهم بِغَيْرِ حِسابٍ، أيْ: لا يُحاسَبُونَ في الآخِرَةِ، كَما يُحاسَبُ غَيْرُهم؛ أوْ يُوَفَّوْنَ ما لا يَحْصُرُهُ حِسابٌ مِنَ الكَثْرَةِ.
﴿قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾: أمَرَهُ تَعالى أنْ يُصْدِعَ الكُفّارَ بِما أُمِرَ بِهِ مِن عِبادَةِ اللَّهِ، يُخَلِّصَها مِنَ الشَّوائِبِ، (وأُمِرْتُ) أيْ: أُمِرْتُ بِما أُمِرْتُ، لِأكُونَ أوَّلَ مَن أسْلَمَ، أيِ: انْقادَ لِلَّهِ تَعالى، ويَعْنِي مِن أهْلِ عَصْرِهِ أوْ مِن قَوْمِهِ؛ لِأنَّهُ أوَّلُ مَن خالَفَ عُبّادَ الأصْنامِ، أوْ أوَّلُ مَن دَعَوْتُهم إلى الإسْلامِ إسْلامًا، أوْ أوَّلُ مَن دَعا نَفْسَهُ إلى ما دَعا إلَيْهِ غَيْرَهُ، لِأكُونَ مُقْتَدًى بِي قَوْلًا وفِعْلًا، (p-٤٢٠)لا كالمُلُوكِ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِما لا يَفْعَلُونَ، أوْ أنْ أفْعَلَ ما أسْتَحِقُّ بِهِ الأوَّلِيَّةَ مِنَ أعْمالِ السّابِقَيْنِ دَلالَةً عَلى السَّبَبِ بِالمُسَبَّبِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ عُطِفَ أُمِرْتُ عَلى أُمِرْتُ وهُما واحِدٌ ؟ (قُلْتُ): لَيْسا بِواحِدٍ لِاخْتِلافِ جِهَتَيْهِما، وذَلِكَ أنَّ الأمْرَ بِالإخْلاصِ وتَكْلِيفَهُ شَيْءٌ، والأمْرَ بِهِ لِتُحْرِزَ بِهِ قَصَبَ السَّبْقِ في الدِّينِ شَيْءٌ. وإذا اخْتَلَفَ وجْها الشَّيْءِ وصِفَتاهُ يُنَزَّلُ بِذَلِكَ مَنزِلَةَ شَيْئَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، ولَكَ أنْ تَجْعَلَ اللّامَ مَزِيدَةً مِثْلَها في أرَدْتُ؛ لِأنَّ أفْعَلَ لا تُزادُ إلّا مَعَ أنْ خاصَّةً دُونَ الِاسْمِ الصَّرِيحِ، كَأنَّها زِيدَتْ عِوَضًا مِن تَرْكِ الأصْلِ إلى ما يَقُومُ مَقامَهُ، كَما عَوَّضَ السِّينَ في اسْطاعَ عِوَضًا مِن تَرْكِ الأصْلِ الَّذِي هو أطْوَعُ. والدَّلِيلُ عَلى هَذا الوَجْهِ مَجِيئُهُ بِغَيْرِ لامٍ في قَوْلِهِ: (وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ أوَّلَ مَن أسْلَمَ) . انْتَهى.
ويُحْتَمَلُ في (أنْ أكُونَ) في ثَلاثَةِ المَواضِعِ أصْلُهُ " لِأنْ أكُونُ )، فَيَكُونُ قَدْ حُذِفَتِ اللّامُ، والمَأْمُورُ بِهِ مَحْذُوفٌ، وهو المُصَرَّحُ بِهِ هُنا ﴿إنِّي أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ﴾ .
﴿قُلْ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذِهِ الجُمْلَةِ، مَقُولُ القَوْلِ في سُورَةِ يُونُسَ.
ولَمّا أمَرَهُ أوَّلًا أنْ يُخْبِرَ بِأنَّهُ أُمِرَ بِعِبادَةِ اللَّهِ، أمَرَ ثانِيًا أنْ يُخْبِرَ بِأنَّهُ يَعْبُدُ اللَّهَ وحْدَهُ. وتَقْدِيمُ الجَلالَةِ دالٌّ عَلى الِاهْتِمامِ بِمَن يُعْبَدُ، وعِنْدَ الزَّمَخْشَرِيِّ يَدُلُّ عَلى الِاخْتِصاصِ، قالَ: ولِدَلالَتِهِ عَلى ذَلِكَ، قَدَّمَ المَعْبُودَ عَلى فِعْلِ العِبادَةِ، وأخَّرَهُ في الأوَّلِ. فالكَلامُ أوَّلًا واقِعٌ في الفِعْلِ في نَفْسِهِ وإيجادِهِ، وثانِيًا فِيمَن يُفْعَلُ الفِعْلُ لِأجْلِهِ، ولِذَلِكَ رُتِّبَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿فاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِن دُونِهِ﴾ . والمُرادُ بِهَذا الأمْرِ الوارِدِ عَلى وجْهِ التَّخْيِيرِ المُبالَغَةُ في الخِذْلانِ والتَّخْلِيَةِ. انْتَهى.
وقالَ غَيْرُهُ: ﴿فاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ﴾: صِيغَةُ أمْرٍ عَلى جِهَةِ التَّهْدِيدِ لِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ﴾ .
﴿قُلْ إنَّ الخاسِرِينَ﴾ أيْ: حَقِيقَةُ الخُسْرانِ، (الَّذِينَ خَسِرُوا) أيْ: هُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم، حَيْثُ صارُوا مِن أهْلِ النّارِ، وأهْلِيهِمُ الَّذِينَ كانُوا مَعَهم في الدُّنْيا، حَيْثُ كانُوا مَعَهم في النّارِ، فَلَمْ يَنْتَفِعُوا مِنهم بِشَيْءٍ، وإنْ كانَ أهْلُوهم قَدْ آمَنُوا، فُخُسْرانُهم إيّاهم كَوْنُهم لا يَجْتَمِعُونَ بِهِمْ ولا يَرْجِعُونَ إلَيْهِمْ.
وقالَ قَتادَةُ: كَأنَّ اللَّهَ قَدْ أعَدَّ لَهم أهْلًا في الجَنَّةِ فَخَسِرُوهم، وقالَ مَعْناهُ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرانَ. وقالَ الحَسَنُ: هي الحُورُ العِينُ.
ثُمَّ ذَكَرَ ذَلِكَ الخُسْرانَ وبالَغَ فِيهِ في التَّنْبِيهِ عَلَيْهِ أوَّلًا، والإشارَةِ إلَيْهِ، وتَأْكِيدِهِ بِالفِعْلِ، وتَعْرِيفِهِ بِألْ، ووَصْفِهِ بِأنَّهُ المُبِينُ أيِ: الواضِحُ لِمَن تَأمَّلَهُ أدْنى تَأمُّلٍ.
ولَمّا ذَكَرَ خُسْرانَهم أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ، ذَكَرَ حالَهم في جَهَنَّمَ، وأنَّهُ مِن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ ومِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ، فَيُظْهِرُ أنَّ النّارَ تَغْشاهم مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِهِمْ، وسَمّى ما تَحْتَهم ظُلَلًا لِمُقابَلَةِ ما فَوْقَهم، كَما قالَ: ﴿يَوْمَ يَغْشاهُمُ العَذابُ مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٥٥]، وقالَ لَهم: ﴿مِن جَهَنَّمَ مِهادٌ ومِن فَوْقِهِمْ غَواشٍ﴾ [الأعراف: ٤١] وقِيلَ: هي ظُلَلٌ لِلَّذِينِ هم تَحْتَهم، إذِ النّارُ طِباقٌ. وقِيلَ: إنَّما تَحْتُهم يَلْتَهِبُ ويَتَصاعَدُ مِنهُ شَيْءٌ حَتّى يَكُونَ ظُلَّةً، فَسُمِّيَ ظُلَّةً بِاعْتِبارِ ما آلَ إلَيْهِ أخِيرًا.
(ذَلِكَ) أيْ: ذَلِكَ العَذابُ، يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ؛ لِيَعْلَمُوا ما يُخَلِّصُكم مِنهُ، ثُمَّ ناداهم وأمَرَهم فَقالَ: ﴿ياعِبادِ فاتَّقُونِ﴾ أيِ: اتَّقَوْا عَذابِي.
الزمر 39:10
(p-٤١٨)﴿وإذا مَسَّ الإنْسانَ ضُرٌّ دَعا رَبَّهُ مُنِيبًا إلَيْهِ ثُمَّ إذا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنهُ نَسِيَ ما كانَ يَدْعُو إلَيْهِ مِن قَبْلُ وجَعَلَ لِلَّهِ أنْدادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إنَّكَ مِن أصْحابِ النّارِ﴾ ﴿أمْ مَن هو قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِدًا وقائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ ويَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبابِ﴾ ﴿قُلْ يا عِبادِي الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكم لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وأرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ إنَّما يُوَفّى الصّابِرُونَ أجْرَهم بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ ﴿قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ ﴿وأُمِرْتُ لِأنْ أكُونَ أوَّلَ المُسْلِمِينَ﴾ ﴿قُلْ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿قُلِ اللَّهَ أعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ ﴿فاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِن دُونِهِ قُلْ إنَّ الخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ ألا ذَلِكَ هو الخُسْرانُ المُبِينُ﴾ ﴿لَهم مِن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النّارِ ومِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ يا عِبادِ فاتَّقُونِ﴾ .
الظّاهِرُ أنَّ الإنْسانَ هُنا جِنْسُ الكافِرِ، وقِيلَ: مُعَيَّنٌ، كَعُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ. ويَدْخُلُ في الضُّرِّ جَمِيعُ المَكارِهِ في جِسْمٍ أوْ أهْلٍ أوْ مالٍ.
﴿دَعا رَبَّهُ﴾: اسْتَجارَ رَبَّهُ وناداهُ، ولَمْ يُؤَمِّلْ في كَشْفِ الضُّرِّ سِواهُ، ﴿مُنِيبًا إلَيْهِ﴾ أيْ: راجِعًا إلَيْهِ وحْدَهُ في إزالَةِ ذَلِكَ.
﴿ثُمَّ إذا خَوَّلَهُ﴾: أنالَهُ وأعْطاهُ بَعْدَ كَشْفِ ذَلِكَ الضُّرِّ عَنْهُ. وحَقِيقَةُ خَوَّلَهُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِهِمْ: هو خائِلُهُ، قالَ: إذا كانَ مُتَعَهِّدًا حُسْنَ القِيامِ عَلَيْهِ، أوْ مِن خالَ يَخُولُ، إذا اخْتالَ وافْتَخَرَ، وتَقُولُ العَرَبُ:
إنَّ الغَنِيَّ طَوِيلَ الذَّيْلِ مَيّاسٌ
﴿نَسِيَ ما كانَ يَدْعُو﴾ أيْ: تَرَكَ، والظّاهِرُ أنَّ ما بِمَعْنى الَّذِي، أيْ: نَسِيَ الضُّرَّ الَّذِي كانَ يَدْعُو اللَّهَ إلى كَشْفِهِ. وقِيلَ: ما بِمَعْنى مَن أيْ: نَسِيَ رَبَّهُ الَّذِي كانَ يَتَضَرَّعُ إلَيْهِ ويَبْتَهِلُ في كَشْفِ ضُرِّهِ. وقِيلَ: ما مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ: نَسِيَ كَوْنَهُ يَدْعُو.
وقِيلَ: تَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿نَسِيَ﴾، أيْ: نَسِيَ ما كانَ فِيهِ مِنَ الضُّرِّ. وما نافِيَةٌ، نَفى أنْ يَكُونَ دُعاءَ هَذا الكافِرِ خالِصًا لِلَّهِ مَقْصُورًا مِن قِبَلِ الضَّرَرِ، وعَلى الأقْوالِ السّابِقَةِ. (مِن قَبْلِ) أيْ: مِن قَبْلِ تَخْوِيلِ النِّعْمَةِ، وهو زَمانُ الضَّرَرِ.
﴿وجَعَلَ لِلَّهِ أنْدادًا﴾ أيْ: أمْثالًا يُضادُّ بَعْضُها بَعْضًا ويُعارِضُ. قالَ قَتادَةُ أيْ: مِنَ الرِّجالِ يُطِيعُونَهم في المَعْصِيَةِ. وقالَ غَيْرُهُ: أوْثانًا، وهَذا مِنَ سَخْفِ عُقُولِهِمْ. حِينَ مَسَّ الضُّرُّ دَعَوُا اللَّهَ ولَمْ يَلْتَجِئُوا في كَشْفِهِ إلّا إلَيْهِ؛ وحِينَ كَشَفَ ذَلِكَ وخَوَّلَ النِّعْمَةَ أشْرَكُوا بِهِ، فاللّامُ لامُ العِلَّةِ، وقِيلَ: لامُ العاقِبَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (لِيُضِلَّ)، بِضَمِّ الياءِ أيْ: ما اكْتَفى بِضَلالِ نَفْسِهِ حَتّى جَعَلَ غَيْرَهُ يَضِلُّ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عُمَرَ، وعِيسى: بِفَتْحِها، ثُمَّ أتى بِصِيغَةِ الأمْرِ فَقالَ: ﴿تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا﴾ أيْ: تَلَذَّذْ واصْنَعْ ما شِئْتَ قَلِيلًا، أيْ: عُمْرًا قَلِيلًا، والخِطابُ لِلْكافِرِ جاعِلِ الأنْدادِ لِلَّهِ.
﴿إنَّكَ مِن أصْحابِ النّارِ﴾ أيْ: مِن سُكّانِها المُخَلَّدِينَ فِيها. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقَوْلُهُ ﴿تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ﴾، أيْ: مِن بابِ الخِذْلانِ والتَّخْلِيَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ لَهُ: إذْ قَدْ أبَيْتَ قَبْلُ ما أُمِرْتَ بِهِ مِنَ الإيمانِ والطّاعَةِ، فَمِن حَقِّكِ أنْ لا تُؤْمَرَ بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ. ويُؤْمَرُ بِتَرْكِهِ مُبالَغَةَ خِذْلانِهِ وتَخْلِيَتِهِ وشَأْنَهُ؛ لِأنَّهُ لا مُبالَغَةَ في الخِذْلانِ أشَدُّ مِنَ أنْ يُبْعَثَ عَلى عَكْسِ ما أُمِرُوا بِهِ، ونَظِيرُهُ في المَعْنى: ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْواهم جَهَنَّمُ﴾ [آل عمران: ١٩٧] . انْتَهى.
ولَمّا شَرَحَ تَعالى شَيْئًا مِن أحْوالِ الظّالِمِينَ الضّالِّينَ المُشْرِكِينَ، أرْدَفَهُ بِشَرْحِ أحْوالِ المُهْتَدِينَ المُوَحِّدِينَ فَقالَ: ﴿أمْ مَن هو قانِتٌ﴾ . وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وحَمْزَةُ، والأعْمَشُ، وعِيسى، وشَيْبَةُ، والحَسَنُ في رِوايَةٍ: (أمَن)، بِتَخْفِيفِ المِيمِ. والظّاهِرُ أنَّ الهَمْزَةَ لِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرِ، ومُقابِلُهُ مَحْذُوفٌ لِفَهْمِ المَعْنى، والتَّقْدِيرُ: أهَذا القانِتُ خَيْرٌ أمِ الكافِرُ المُخاطَبُ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ﴾ ؟ ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ . ومِن حَذْفِ المُقابِلِ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎دَعانِي إلَيْها القَلْبُ إنِّي لِأمْرِها سَمِيعٌ فَما أدْرِي أرُشْدٌ طِلابُها
تَقْدِيرُهُ: أمْ غَيٌّ.
وقالَ الفَرّاءُ: الهَمْزَةُ لِلنِّداءِ، كَأنَّهُ قِيلَ: يا مَن هو قانِتٌ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: (قُلْ) خِطابًا لَهُ، وهَذا القَوْلُ أجْنَبِيُّ مِمّا قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ. وضَعَّفَ هَذا القَوْلَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ، ولا التِفاتَ لِتَضْعِيفِ الأخْفَشِ وأبِي حاتِمٍ هَذِهِ القِراءَةَ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، والأعْرَجُ، وأبُو جَعْفَرٍ: (أمَّنْ)، بِتَشْدِيدِ المِيمِ، وهي أمْ أُدْغِمَتْ مِيمُها في مِيمِ مَن، فاحْتَمَلَتْ أمْ أنْ تَكُونَ مُتَّصِلَةً، ومُعادِلُها مَحْذُوفٌ قَبْلَها، تَقْدِيرُهُ: أهَذا الكافِرُ خَيْرٌ أمْ مَن هو قانِتٌ ؟ قالَ مَعْناهُ الأخْفَشُ، ويَحْتاجُ مِثْلُ هَذا التَّقْدِيرِ (p-٤١٩)إلى سَماعٍ مِنَ العَرَبِ، وهو أنْ يُحْذَفَ المُعادِلُ الأوَّلُ.
واحْتَمَلَتْ أمْ أنْ تَكُونَ مُنْقَطِعَةً تَتَقَدَّرُ بِبَلْ والهَمْزَةِ، والتَّقْدِيرُ: بَلْ أمْ مَن هو قانِتٌ صِفَتُهُ كَذا، كَمَن لَيْسَ كَذَلِكَ. وقالَ النَّحّاسُ: (أمْ) بِمَعْنى بَلْ، و(مَن) بِمَعْنى الَّذِي، والتَّقْدِيرُ: بَلِ الَّذِي هو قانِتٌ أفْضَلُ مِمَّنْ ذُكِرَ قَبْلَهُ. انْتَهى.
ولا فَضْلَ لِمَن قَبْلَهُ حَتّى يُجْعَلَ هَذا أفْضَلُ، بَلْ يُقَدَّرُ الخَبَرُ مِن أصْحابِ الجَنَّةِ، يَدُلُّ عَلَيْهِ مُقابِلُهُ: ﴿إنَّكَ مِن أصْحابِ النّارِ﴾ . والقانِتُ: المُطِيعُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في القُنُوتِ في البَقَرَةِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ساجِدًا وقائِمًا﴾، بِالنَّصْبِ عَلى الحالِ؛ والضَّحّاكُ: بِرَفْعِهِما إمّا عَلى النَّعْتِ لِـ (قانِتٌ) وإمّا عَلى أنَّهُ خَبْرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، والواوُ لِلْجَمْعِ بَيْنَ الصِّفَتَيْنِ.
﴿يَحْذَرُ الآخِرَةَ﴾ أيْ: عَذابَ الآخِرَةِ، ﴿ويَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ أيْ: حُصُولَها، وقِيلَ: نَعِيمَ الجَنَّةِ، وهَذا المُتَّصِفُ بِالقُنُوتِ إلى سائِرِ الأوْصافِ، قالَ مُقاتِلٌ: عَمّارٌ، وصُهَيْبٌ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو ذَرٍّ. وقالَ ابْنُ عُمَرَ: عُثْمانُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ الضَّحّاكِ: أبُو بَكْرٍ، وعُمَرُ. وقالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . والظّاهِرُ أنَّهُ مَنِ اتَّصَفَ بِهَذِهِ الأوْصافِ مِن غَيْرِ تَعْيِينٍ.
وفِي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى فَضْلِ قِيامِ اللَّيْلِ، وأنَّهُ أرْجَحُ مِن قِيامِ النَّهارِ.
ولَمّا ذَكَرَ العَمَلَ ذَكَرَ العِلْمَ فَقالَ: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾، فَدَلَّ أنَّ كَمالَ الإنْسانِ مَحْصُورٌ في هَذَيْنِ المَقْصُودَيْنِ، فَكَما لا يَسْتَوِي هَذانِ، كَذَلِكَ لا يَسْتَوِي المُطِيعُ والعاصِي. والمُرادُ بِالعِلْمِ هُنا: ما أدّى إلى مَعْرِفَةِ اللَّهِ ونَجاةِ العَبْدِ مِن سُخْطِهِ. وقَرَأ: (يَذَّكَّرُ) بِإدْغامِ تاءِ يَتَذَكَّرُ في الذّالِ.
﴿قُلْ يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾، ورُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ في جَعْفَرِ بْنِ أبِي طالِبٍ وأصْحابِهِ حِينَ عَزَمُوا عَلى الهِجْرَةِ إلى أرْضِ الحَبَشَةِ، وعَدَهم تَعالى فَقالَ: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ﴾ . والظّاهِرُ تَعَلُّقُ (في هَذِهِ) بِـ (أحْسَنُوا)، وأنَّ المُحْسِنِينَ في الدُّنْيا لَهم في الآخِرَةِ حَسَنَةٌ، أيْ: حَسَنَةٌ عَظِيمَةٌ، وهي الجَنَّةُ، قالَهُ مُقاتِلٌ، والصِّفَةُ مَحْذُوفَةٌ يَدُلُّ عَلَيْها المَعْنى؛ لِأنَّ مَن أحْسَنَ في الدُّنْيا لا يُوعَدُ أنْ يَكُونَ لَهُ في الآخِرَةِ مُطْلَقُ حَسَنَةٍ. وقالَ السُّدِّيُّ: (في هَذِهِ) مِن تَمامِ (حَسَنَةٍ)، أيْ: ولَوْ تَأخَّرَ لَكانَ صِفَةً، أيْ: الَّذِينَ يُحْسِنُونَ لَهم حَسَنَةٌ كائِنَةٌ في الدُّنْيا. فَلَمّا تَقَدَّمَ انْتَصَبَ عَلى الحالِ، والحَسَنَةُ الَّتِي لَهم في الدُّنْيا هي العافِيَةُ والظُّهُورُ ووِلايَةُ اللَّهِ تَعالى.
ثُمَّ حَضَّ عَلى الهِجْرَةِ فَقالَ: ﴿وأرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ﴾، كَقَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَكُنْ أرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها﴾ [النساء: ٩٧]، أيْ: لا عُذْرَ لِلْمُفَرِّطِينَ ألْبَتَّةَ، حَتّى لَوِ اعْتَلُّوا بِأوْطانِهِمْ، وأنَّهم لا يَتَمَكَّنُونَ فِيها مِن أعْمالِ الطّاعاتِ، قِيلَ لَهم: إنَّ بِلادَ اللَّهِ كَثِيرَةٌ واسِعَةٌ، فَتَحَوَّلُوا إلى الأماكِنِ الَّتِي تُمْكِنُكم فِيها الطّاعاتُ.
وقالَ عَطاءٌ: ﴿وأرْضُ اللَّهِ﴾ المَدِينَةُ لِلْهِجْرَةِ، قِيلَ: فَعَلى هَذا يَكُونُ أحْسَنُوا: هاجَرُوا، وحَسَنَةٌ: راحَةٌ مِنَ الأعْداءِ.
وقالَ قَوْمٌ: (أرْضُ اللَّهِ) هُنا: الجَنَّةُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا القَوْلُ تَحَكُّمٌ، لا دَلِيلَ عَلَيْهِ. انْتَهى.
وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: لا يَمْتَنِعُ ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ تَعالى أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِالتَّقْوى؛ ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ مَنِ اتَّقى لَهُ في الآخِرَةِ الحَسَنَةُ، وهي الخُلُودُ في الجَنَّةِ؛ ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ أرْضَ اللَّهِ واسِعَةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿وأوْرَثَنا الأرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ﴾ [الزمر: ٧٤]، وقَوْلِهِ: ﴿وجَنَّةٍ عَرْضُها السَّماواتُ والأرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣] .
ولَمّا كانَتْ رُتْبَةُ الإحْسانِ مُنْتَهى الرُّتَبِ، كَما جاءَ: ما الإحْسانُ ؟ قالَ: أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ. وكانَ الصَّبْرُ عَلى ذَلِكَ مِن أشَقِّ الأشْياءِ، وخُصُوصًا مَن فارَقَ وطَنَهُ وعَشِيرَتَهُ وصَبَرَ عَلى بَلاءِ الغُرْبَةِ. ذَكَرَ أنَّ الصّابِرِينَ يُوَفَّوْنَ أُجُورَهم بِغَيْرِ حِسابٍ، أيْ: لا يُحاسَبُونَ في الآخِرَةِ، كَما يُحاسَبُ غَيْرُهم؛ أوْ يُوَفَّوْنَ ما لا يَحْصُرُهُ حِسابٌ مِنَ الكَثْرَةِ.
﴿قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾: أمَرَهُ تَعالى أنْ يُصْدِعَ الكُفّارَ بِما أُمِرَ بِهِ مِن عِبادَةِ اللَّهِ، يُخَلِّصَها مِنَ الشَّوائِبِ، (وأُمِرْتُ) أيْ: أُمِرْتُ بِما أُمِرْتُ، لِأكُونَ أوَّلَ مَن أسْلَمَ، أيِ: انْقادَ لِلَّهِ تَعالى، ويَعْنِي مِن أهْلِ عَصْرِهِ أوْ مِن قَوْمِهِ؛ لِأنَّهُ أوَّلُ مَن خالَفَ عُبّادَ الأصْنامِ، أوْ أوَّلُ مَن دَعَوْتُهم إلى الإسْلامِ إسْلامًا، أوْ أوَّلُ مَن دَعا نَفْسَهُ إلى ما دَعا إلَيْهِ غَيْرَهُ، لِأكُونَ مُقْتَدًى بِي قَوْلًا وفِعْلًا، (p-٤٢٠)لا كالمُلُوكِ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِما لا يَفْعَلُونَ، أوْ أنْ أفْعَلَ ما أسْتَحِقُّ بِهِ الأوَّلِيَّةَ مِنَ أعْمالِ السّابِقَيْنِ دَلالَةً عَلى السَّبَبِ بِالمُسَبَّبِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ عُطِفَ أُمِرْتُ عَلى أُمِرْتُ وهُما واحِدٌ ؟ (قُلْتُ): لَيْسا بِواحِدٍ لِاخْتِلافِ جِهَتَيْهِما، وذَلِكَ أنَّ الأمْرَ بِالإخْلاصِ وتَكْلِيفَهُ شَيْءٌ، والأمْرَ بِهِ لِتُحْرِزَ بِهِ قَصَبَ السَّبْقِ في الدِّينِ شَيْءٌ. وإذا اخْتَلَفَ وجْها الشَّيْءِ وصِفَتاهُ يُنَزَّلُ بِذَلِكَ مَنزِلَةَ شَيْئَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، ولَكَ أنْ تَجْعَلَ اللّامَ مَزِيدَةً مِثْلَها في أرَدْتُ؛ لِأنَّ أفْعَلَ لا تُزادُ إلّا مَعَ أنْ خاصَّةً دُونَ الِاسْمِ الصَّرِيحِ، كَأنَّها زِيدَتْ عِوَضًا مِن تَرْكِ الأصْلِ إلى ما يَقُومُ مَقامَهُ، كَما عَوَّضَ السِّينَ في اسْطاعَ عِوَضًا مِن تَرْكِ الأصْلِ الَّذِي هو أطْوَعُ. والدَّلِيلُ عَلى هَذا الوَجْهِ مَجِيئُهُ بِغَيْرِ لامٍ في قَوْلِهِ: (وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ أوَّلَ مَن أسْلَمَ) . انْتَهى.
ويُحْتَمَلُ في (أنْ أكُونَ) في ثَلاثَةِ المَواضِعِ أصْلُهُ " لِأنْ أكُونُ )، فَيَكُونُ قَدْ حُذِفَتِ اللّامُ، والمَأْمُورُ بِهِ مَحْذُوفٌ، وهو المُصَرَّحُ بِهِ هُنا ﴿إنِّي أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ﴾ .
﴿قُلْ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذِهِ الجُمْلَةِ، مَقُولُ القَوْلِ في سُورَةِ يُونُسَ.
ولَمّا أمَرَهُ أوَّلًا أنْ يُخْبِرَ بِأنَّهُ أُمِرَ بِعِبادَةِ اللَّهِ، أمَرَ ثانِيًا أنْ يُخْبِرَ بِأنَّهُ يَعْبُدُ اللَّهَ وحْدَهُ. وتَقْدِيمُ الجَلالَةِ دالٌّ عَلى الِاهْتِمامِ بِمَن يُعْبَدُ، وعِنْدَ الزَّمَخْشَرِيِّ يَدُلُّ عَلى الِاخْتِصاصِ، قالَ: ولِدَلالَتِهِ عَلى ذَلِكَ، قَدَّمَ المَعْبُودَ عَلى فِعْلِ العِبادَةِ، وأخَّرَهُ في الأوَّلِ. فالكَلامُ أوَّلًا واقِعٌ في الفِعْلِ في نَفْسِهِ وإيجادِهِ، وثانِيًا فِيمَن يُفْعَلُ الفِعْلُ لِأجْلِهِ، ولِذَلِكَ رُتِّبَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿فاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِن دُونِهِ﴾ . والمُرادُ بِهَذا الأمْرِ الوارِدِ عَلى وجْهِ التَّخْيِيرِ المُبالَغَةُ في الخِذْلانِ والتَّخْلِيَةِ. انْتَهى.
وقالَ غَيْرُهُ: ﴿فاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ﴾: صِيغَةُ أمْرٍ عَلى جِهَةِ التَّهْدِيدِ لِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ﴾ .
﴿قُلْ إنَّ الخاسِرِينَ﴾ أيْ: حَقِيقَةُ الخُسْرانِ، (الَّذِينَ خَسِرُوا) أيْ: هُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم، حَيْثُ صارُوا مِن أهْلِ النّارِ، وأهْلِيهِمُ الَّذِينَ كانُوا مَعَهم في الدُّنْيا، حَيْثُ كانُوا مَعَهم في النّارِ، فَلَمْ يَنْتَفِعُوا مِنهم بِشَيْءٍ، وإنْ كانَ أهْلُوهم قَدْ آمَنُوا، فُخُسْرانُهم إيّاهم كَوْنُهم لا يَجْتَمِعُونَ بِهِمْ ولا يَرْجِعُونَ إلَيْهِمْ.
وقالَ قَتادَةُ: كَأنَّ اللَّهَ قَدْ أعَدَّ لَهم أهْلًا في الجَنَّةِ فَخَسِرُوهم، وقالَ مَعْناهُ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرانَ. وقالَ الحَسَنُ: هي الحُورُ العِينُ.
ثُمَّ ذَكَرَ ذَلِكَ الخُسْرانَ وبالَغَ فِيهِ في التَّنْبِيهِ عَلَيْهِ أوَّلًا، والإشارَةِ إلَيْهِ، وتَأْكِيدِهِ بِالفِعْلِ، وتَعْرِيفِهِ بِألْ، ووَصْفِهِ بِأنَّهُ المُبِينُ أيِ: الواضِحُ لِمَن تَأمَّلَهُ أدْنى تَأمُّلٍ.
ولَمّا ذَكَرَ خُسْرانَهم أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ، ذَكَرَ حالَهم في جَهَنَّمَ، وأنَّهُ مِن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ ومِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ، فَيُظْهِرُ أنَّ النّارَ تَغْشاهم مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِهِمْ، وسَمّى ما تَحْتَهم ظُلَلًا لِمُقابَلَةِ ما فَوْقَهم، كَما قالَ: ﴿يَوْمَ يَغْشاهُمُ العَذابُ مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٥٥]، وقالَ لَهم: ﴿مِن جَهَنَّمَ مِهادٌ ومِن فَوْقِهِمْ غَواشٍ﴾ [الأعراف: ٤١] وقِيلَ: هي ظُلَلٌ لِلَّذِينِ هم تَحْتَهم، إذِ النّارُ طِباقٌ. وقِيلَ: إنَّما تَحْتُهم يَلْتَهِبُ ويَتَصاعَدُ مِنهُ شَيْءٌ حَتّى يَكُونَ ظُلَّةً، فَسُمِّيَ ظُلَّةً بِاعْتِبارِ ما آلَ إلَيْهِ أخِيرًا.
(ذَلِكَ) أيْ: ذَلِكَ العَذابُ، يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ؛ لِيَعْلَمُوا ما يُخَلِّصُكم مِنهُ، ثُمَّ ناداهم وأمَرَهم فَقالَ: ﴿ياعِبادِ فاتَّقُونِ﴾ أيِ: اتَّقَوْا عَذابِي.
الزمر 39:11
(p-٤١٨)﴿وإذا مَسَّ الإنْسانَ ضُرٌّ دَعا رَبَّهُ مُنِيبًا إلَيْهِ ثُمَّ إذا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنهُ نَسِيَ ما كانَ يَدْعُو إلَيْهِ مِن قَبْلُ وجَعَلَ لِلَّهِ أنْدادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إنَّكَ مِن أصْحابِ النّارِ﴾ ﴿أمْ مَن هو قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِدًا وقائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ ويَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبابِ﴾ ﴿قُلْ يا عِبادِي الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكم لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وأرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ إنَّما يُوَفّى الصّابِرُونَ أجْرَهم بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ ﴿قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ ﴿وأُمِرْتُ لِأنْ أكُونَ أوَّلَ المُسْلِمِينَ﴾ ﴿قُلْ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿قُلِ اللَّهَ أعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ ﴿فاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِن دُونِهِ قُلْ إنَّ الخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ ألا ذَلِكَ هو الخُسْرانُ المُبِينُ﴾ ﴿لَهم مِن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النّارِ ومِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ يا عِبادِ فاتَّقُونِ﴾ .
الظّاهِرُ أنَّ الإنْسانَ هُنا جِنْسُ الكافِرِ، وقِيلَ: مُعَيَّنٌ، كَعُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ. ويَدْخُلُ في الضُّرِّ جَمِيعُ المَكارِهِ في جِسْمٍ أوْ أهْلٍ أوْ مالٍ.
﴿دَعا رَبَّهُ﴾: اسْتَجارَ رَبَّهُ وناداهُ، ولَمْ يُؤَمِّلْ في كَشْفِ الضُّرِّ سِواهُ، ﴿مُنِيبًا إلَيْهِ﴾ أيْ: راجِعًا إلَيْهِ وحْدَهُ في إزالَةِ ذَلِكَ.
﴿ثُمَّ إذا خَوَّلَهُ﴾: أنالَهُ وأعْطاهُ بَعْدَ كَشْفِ ذَلِكَ الضُّرِّ عَنْهُ. وحَقِيقَةُ خَوَّلَهُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِهِمْ: هو خائِلُهُ، قالَ: إذا كانَ مُتَعَهِّدًا حُسْنَ القِيامِ عَلَيْهِ، أوْ مِن خالَ يَخُولُ، إذا اخْتالَ وافْتَخَرَ، وتَقُولُ العَرَبُ:
إنَّ الغَنِيَّ طَوِيلَ الذَّيْلِ مَيّاسٌ
﴿نَسِيَ ما كانَ يَدْعُو﴾ أيْ: تَرَكَ، والظّاهِرُ أنَّ ما بِمَعْنى الَّذِي، أيْ: نَسِيَ الضُّرَّ الَّذِي كانَ يَدْعُو اللَّهَ إلى كَشْفِهِ. وقِيلَ: ما بِمَعْنى مَن أيْ: نَسِيَ رَبَّهُ الَّذِي كانَ يَتَضَرَّعُ إلَيْهِ ويَبْتَهِلُ في كَشْفِ ضُرِّهِ. وقِيلَ: ما مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ: نَسِيَ كَوْنَهُ يَدْعُو.
وقِيلَ: تَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿نَسِيَ﴾، أيْ: نَسِيَ ما كانَ فِيهِ مِنَ الضُّرِّ. وما نافِيَةٌ، نَفى أنْ يَكُونَ دُعاءَ هَذا الكافِرِ خالِصًا لِلَّهِ مَقْصُورًا مِن قِبَلِ الضَّرَرِ، وعَلى الأقْوالِ السّابِقَةِ. (مِن قَبْلِ) أيْ: مِن قَبْلِ تَخْوِيلِ النِّعْمَةِ، وهو زَمانُ الضَّرَرِ.
﴿وجَعَلَ لِلَّهِ أنْدادًا﴾ أيْ: أمْثالًا يُضادُّ بَعْضُها بَعْضًا ويُعارِضُ. قالَ قَتادَةُ أيْ: مِنَ الرِّجالِ يُطِيعُونَهم في المَعْصِيَةِ. وقالَ غَيْرُهُ: أوْثانًا، وهَذا مِنَ سَخْفِ عُقُولِهِمْ. حِينَ مَسَّ الضُّرُّ دَعَوُا اللَّهَ ولَمْ يَلْتَجِئُوا في كَشْفِهِ إلّا إلَيْهِ؛ وحِينَ كَشَفَ ذَلِكَ وخَوَّلَ النِّعْمَةَ أشْرَكُوا بِهِ، فاللّامُ لامُ العِلَّةِ، وقِيلَ: لامُ العاقِبَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (لِيُضِلَّ)، بِضَمِّ الياءِ أيْ: ما اكْتَفى بِضَلالِ نَفْسِهِ حَتّى جَعَلَ غَيْرَهُ يَضِلُّ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عُمَرَ، وعِيسى: بِفَتْحِها، ثُمَّ أتى بِصِيغَةِ الأمْرِ فَقالَ: ﴿تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا﴾ أيْ: تَلَذَّذْ واصْنَعْ ما شِئْتَ قَلِيلًا، أيْ: عُمْرًا قَلِيلًا، والخِطابُ لِلْكافِرِ جاعِلِ الأنْدادِ لِلَّهِ.
﴿إنَّكَ مِن أصْحابِ النّارِ﴾ أيْ: مِن سُكّانِها المُخَلَّدِينَ فِيها. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقَوْلُهُ ﴿تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ﴾، أيْ: مِن بابِ الخِذْلانِ والتَّخْلِيَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ لَهُ: إذْ قَدْ أبَيْتَ قَبْلُ ما أُمِرْتَ بِهِ مِنَ الإيمانِ والطّاعَةِ، فَمِن حَقِّكِ أنْ لا تُؤْمَرَ بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ. ويُؤْمَرُ بِتَرْكِهِ مُبالَغَةَ خِذْلانِهِ وتَخْلِيَتِهِ وشَأْنَهُ؛ لِأنَّهُ لا مُبالَغَةَ في الخِذْلانِ أشَدُّ مِنَ أنْ يُبْعَثَ عَلى عَكْسِ ما أُمِرُوا بِهِ، ونَظِيرُهُ في المَعْنى: ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْواهم جَهَنَّمُ﴾ [آل عمران: ١٩٧] . انْتَهى.
ولَمّا شَرَحَ تَعالى شَيْئًا مِن أحْوالِ الظّالِمِينَ الضّالِّينَ المُشْرِكِينَ، أرْدَفَهُ بِشَرْحِ أحْوالِ المُهْتَدِينَ المُوَحِّدِينَ فَقالَ: ﴿أمْ مَن هو قانِتٌ﴾ . وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وحَمْزَةُ، والأعْمَشُ، وعِيسى، وشَيْبَةُ، والحَسَنُ في رِوايَةٍ: (أمَن)، بِتَخْفِيفِ المِيمِ. والظّاهِرُ أنَّ الهَمْزَةَ لِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرِ، ومُقابِلُهُ مَحْذُوفٌ لِفَهْمِ المَعْنى، والتَّقْدِيرُ: أهَذا القانِتُ خَيْرٌ أمِ الكافِرُ المُخاطَبُ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ﴾ ؟ ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ . ومِن حَذْفِ المُقابِلِ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎دَعانِي إلَيْها القَلْبُ إنِّي لِأمْرِها سَمِيعٌ فَما أدْرِي أرُشْدٌ طِلابُها
تَقْدِيرُهُ: أمْ غَيٌّ.
وقالَ الفَرّاءُ: الهَمْزَةُ لِلنِّداءِ، كَأنَّهُ قِيلَ: يا مَن هو قانِتٌ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: (قُلْ) خِطابًا لَهُ، وهَذا القَوْلُ أجْنَبِيُّ مِمّا قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ. وضَعَّفَ هَذا القَوْلَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ، ولا التِفاتَ لِتَضْعِيفِ الأخْفَشِ وأبِي حاتِمٍ هَذِهِ القِراءَةَ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، والأعْرَجُ، وأبُو جَعْفَرٍ: (أمَّنْ)، بِتَشْدِيدِ المِيمِ، وهي أمْ أُدْغِمَتْ مِيمُها في مِيمِ مَن، فاحْتَمَلَتْ أمْ أنْ تَكُونَ مُتَّصِلَةً، ومُعادِلُها مَحْذُوفٌ قَبْلَها، تَقْدِيرُهُ: أهَذا الكافِرُ خَيْرٌ أمْ مَن هو قانِتٌ ؟ قالَ مَعْناهُ الأخْفَشُ، ويَحْتاجُ مِثْلُ هَذا التَّقْدِيرِ (p-٤١٩)إلى سَماعٍ مِنَ العَرَبِ، وهو أنْ يُحْذَفَ المُعادِلُ الأوَّلُ.
واحْتَمَلَتْ أمْ أنْ تَكُونَ مُنْقَطِعَةً تَتَقَدَّرُ بِبَلْ والهَمْزَةِ، والتَّقْدِيرُ: بَلْ أمْ مَن هو قانِتٌ صِفَتُهُ كَذا، كَمَن لَيْسَ كَذَلِكَ. وقالَ النَّحّاسُ: (أمْ) بِمَعْنى بَلْ، و(مَن) بِمَعْنى الَّذِي، والتَّقْدِيرُ: بَلِ الَّذِي هو قانِتٌ أفْضَلُ مِمَّنْ ذُكِرَ قَبْلَهُ. انْتَهى.
ولا فَضْلَ لِمَن قَبْلَهُ حَتّى يُجْعَلَ هَذا أفْضَلُ، بَلْ يُقَدَّرُ الخَبَرُ مِن أصْحابِ الجَنَّةِ، يَدُلُّ عَلَيْهِ مُقابِلُهُ: ﴿إنَّكَ مِن أصْحابِ النّارِ﴾ . والقانِتُ: المُطِيعُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في القُنُوتِ في البَقَرَةِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ساجِدًا وقائِمًا﴾، بِالنَّصْبِ عَلى الحالِ؛ والضَّحّاكُ: بِرَفْعِهِما إمّا عَلى النَّعْتِ لِـ (قانِتٌ) وإمّا عَلى أنَّهُ خَبْرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، والواوُ لِلْجَمْعِ بَيْنَ الصِّفَتَيْنِ.
﴿يَحْذَرُ الآخِرَةَ﴾ أيْ: عَذابَ الآخِرَةِ، ﴿ويَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ أيْ: حُصُولَها، وقِيلَ: نَعِيمَ الجَنَّةِ، وهَذا المُتَّصِفُ بِالقُنُوتِ إلى سائِرِ الأوْصافِ، قالَ مُقاتِلٌ: عَمّارٌ، وصُهَيْبٌ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو ذَرٍّ. وقالَ ابْنُ عُمَرَ: عُثْمانُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ الضَّحّاكِ: أبُو بَكْرٍ، وعُمَرُ. وقالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . والظّاهِرُ أنَّهُ مَنِ اتَّصَفَ بِهَذِهِ الأوْصافِ مِن غَيْرِ تَعْيِينٍ.
وفِي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى فَضْلِ قِيامِ اللَّيْلِ، وأنَّهُ أرْجَحُ مِن قِيامِ النَّهارِ.
ولَمّا ذَكَرَ العَمَلَ ذَكَرَ العِلْمَ فَقالَ: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾، فَدَلَّ أنَّ كَمالَ الإنْسانِ مَحْصُورٌ في هَذَيْنِ المَقْصُودَيْنِ، فَكَما لا يَسْتَوِي هَذانِ، كَذَلِكَ لا يَسْتَوِي المُطِيعُ والعاصِي. والمُرادُ بِالعِلْمِ هُنا: ما أدّى إلى مَعْرِفَةِ اللَّهِ ونَجاةِ العَبْدِ مِن سُخْطِهِ. وقَرَأ: (يَذَّكَّرُ) بِإدْغامِ تاءِ يَتَذَكَّرُ في الذّالِ.
﴿قُلْ يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾، ورُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ في جَعْفَرِ بْنِ أبِي طالِبٍ وأصْحابِهِ حِينَ عَزَمُوا عَلى الهِجْرَةِ إلى أرْضِ الحَبَشَةِ، وعَدَهم تَعالى فَقالَ: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ﴾ . والظّاهِرُ تَعَلُّقُ (في هَذِهِ) بِـ (أحْسَنُوا)، وأنَّ المُحْسِنِينَ في الدُّنْيا لَهم في الآخِرَةِ حَسَنَةٌ، أيْ: حَسَنَةٌ عَظِيمَةٌ، وهي الجَنَّةُ، قالَهُ مُقاتِلٌ، والصِّفَةُ مَحْذُوفَةٌ يَدُلُّ عَلَيْها المَعْنى؛ لِأنَّ مَن أحْسَنَ في الدُّنْيا لا يُوعَدُ أنْ يَكُونَ لَهُ في الآخِرَةِ مُطْلَقُ حَسَنَةٍ. وقالَ السُّدِّيُّ: (في هَذِهِ) مِن تَمامِ (حَسَنَةٍ)، أيْ: ولَوْ تَأخَّرَ لَكانَ صِفَةً، أيْ: الَّذِينَ يُحْسِنُونَ لَهم حَسَنَةٌ كائِنَةٌ في الدُّنْيا. فَلَمّا تَقَدَّمَ انْتَصَبَ عَلى الحالِ، والحَسَنَةُ الَّتِي لَهم في الدُّنْيا هي العافِيَةُ والظُّهُورُ ووِلايَةُ اللَّهِ تَعالى.
ثُمَّ حَضَّ عَلى الهِجْرَةِ فَقالَ: ﴿وأرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ﴾، كَقَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَكُنْ أرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها﴾ [النساء: ٩٧]، أيْ: لا عُذْرَ لِلْمُفَرِّطِينَ ألْبَتَّةَ، حَتّى لَوِ اعْتَلُّوا بِأوْطانِهِمْ، وأنَّهم لا يَتَمَكَّنُونَ فِيها مِن أعْمالِ الطّاعاتِ، قِيلَ لَهم: إنَّ بِلادَ اللَّهِ كَثِيرَةٌ واسِعَةٌ، فَتَحَوَّلُوا إلى الأماكِنِ الَّتِي تُمْكِنُكم فِيها الطّاعاتُ.
وقالَ عَطاءٌ: ﴿وأرْضُ اللَّهِ﴾ المَدِينَةُ لِلْهِجْرَةِ، قِيلَ: فَعَلى هَذا يَكُونُ أحْسَنُوا: هاجَرُوا، وحَسَنَةٌ: راحَةٌ مِنَ الأعْداءِ.
وقالَ قَوْمٌ: (أرْضُ اللَّهِ) هُنا: الجَنَّةُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا القَوْلُ تَحَكُّمٌ، لا دَلِيلَ عَلَيْهِ. انْتَهى.
وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: لا يَمْتَنِعُ ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ تَعالى أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِالتَّقْوى؛ ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ مَنِ اتَّقى لَهُ في الآخِرَةِ الحَسَنَةُ، وهي الخُلُودُ في الجَنَّةِ؛ ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ أرْضَ اللَّهِ واسِعَةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿وأوْرَثَنا الأرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ﴾ [الزمر: ٧٤]، وقَوْلِهِ: ﴿وجَنَّةٍ عَرْضُها السَّماواتُ والأرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣] .
ولَمّا كانَتْ رُتْبَةُ الإحْسانِ مُنْتَهى الرُّتَبِ، كَما جاءَ: ما الإحْسانُ ؟ قالَ: أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ. وكانَ الصَّبْرُ عَلى ذَلِكَ مِن أشَقِّ الأشْياءِ، وخُصُوصًا مَن فارَقَ وطَنَهُ وعَشِيرَتَهُ وصَبَرَ عَلى بَلاءِ الغُرْبَةِ. ذَكَرَ أنَّ الصّابِرِينَ يُوَفَّوْنَ أُجُورَهم بِغَيْرِ حِسابٍ، أيْ: لا يُحاسَبُونَ في الآخِرَةِ، كَما يُحاسَبُ غَيْرُهم؛ أوْ يُوَفَّوْنَ ما لا يَحْصُرُهُ حِسابٌ مِنَ الكَثْرَةِ.
﴿قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾: أمَرَهُ تَعالى أنْ يُصْدِعَ الكُفّارَ بِما أُمِرَ بِهِ مِن عِبادَةِ اللَّهِ، يُخَلِّصَها مِنَ الشَّوائِبِ، (وأُمِرْتُ) أيْ: أُمِرْتُ بِما أُمِرْتُ، لِأكُونَ أوَّلَ مَن أسْلَمَ، أيِ: انْقادَ لِلَّهِ تَعالى، ويَعْنِي مِن أهْلِ عَصْرِهِ أوْ مِن قَوْمِهِ؛ لِأنَّهُ أوَّلُ مَن خالَفَ عُبّادَ الأصْنامِ، أوْ أوَّلُ مَن دَعَوْتُهم إلى الإسْلامِ إسْلامًا، أوْ أوَّلُ مَن دَعا نَفْسَهُ إلى ما دَعا إلَيْهِ غَيْرَهُ، لِأكُونَ مُقْتَدًى بِي قَوْلًا وفِعْلًا، (p-٤٢٠)لا كالمُلُوكِ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِما لا يَفْعَلُونَ، أوْ أنْ أفْعَلَ ما أسْتَحِقُّ بِهِ الأوَّلِيَّةَ مِنَ أعْمالِ السّابِقَيْنِ دَلالَةً عَلى السَّبَبِ بِالمُسَبَّبِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ عُطِفَ أُمِرْتُ عَلى أُمِرْتُ وهُما واحِدٌ ؟ (قُلْتُ): لَيْسا بِواحِدٍ لِاخْتِلافِ جِهَتَيْهِما، وذَلِكَ أنَّ الأمْرَ بِالإخْلاصِ وتَكْلِيفَهُ شَيْءٌ، والأمْرَ بِهِ لِتُحْرِزَ بِهِ قَصَبَ السَّبْقِ في الدِّينِ شَيْءٌ. وإذا اخْتَلَفَ وجْها الشَّيْءِ وصِفَتاهُ يُنَزَّلُ بِذَلِكَ مَنزِلَةَ شَيْئَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، ولَكَ أنْ تَجْعَلَ اللّامَ مَزِيدَةً مِثْلَها في أرَدْتُ؛ لِأنَّ أفْعَلَ لا تُزادُ إلّا مَعَ أنْ خاصَّةً دُونَ الِاسْمِ الصَّرِيحِ، كَأنَّها زِيدَتْ عِوَضًا مِن تَرْكِ الأصْلِ إلى ما يَقُومُ مَقامَهُ، كَما عَوَّضَ السِّينَ في اسْطاعَ عِوَضًا مِن تَرْكِ الأصْلِ الَّذِي هو أطْوَعُ. والدَّلِيلُ عَلى هَذا الوَجْهِ مَجِيئُهُ بِغَيْرِ لامٍ في قَوْلِهِ: (وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ أوَّلَ مَن أسْلَمَ) . انْتَهى.
ويُحْتَمَلُ في (أنْ أكُونَ) في ثَلاثَةِ المَواضِعِ أصْلُهُ " لِأنْ أكُونُ )، فَيَكُونُ قَدْ حُذِفَتِ اللّامُ، والمَأْمُورُ بِهِ مَحْذُوفٌ، وهو المُصَرَّحُ بِهِ هُنا ﴿إنِّي أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ﴾ .
﴿قُلْ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذِهِ الجُمْلَةِ، مَقُولُ القَوْلِ في سُورَةِ يُونُسَ.
ولَمّا أمَرَهُ أوَّلًا أنْ يُخْبِرَ بِأنَّهُ أُمِرَ بِعِبادَةِ اللَّهِ، أمَرَ ثانِيًا أنْ يُخْبِرَ بِأنَّهُ يَعْبُدُ اللَّهَ وحْدَهُ. وتَقْدِيمُ الجَلالَةِ دالٌّ عَلى الِاهْتِمامِ بِمَن يُعْبَدُ، وعِنْدَ الزَّمَخْشَرِيِّ يَدُلُّ عَلى الِاخْتِصاصِ، قالَ: ولِدَلالَتِهِ عَلى ذَلِكَ، قَدَّمَ المَعْبُودَ عَلى فِعْلِ العِبادَةِ، وأخَّرَهُ في الأوَّلِ. فالكَلامُ أوَّلًا واقِعٌ في الفِعْلِ في نَفْسِهِ وإيجادِهِ، وثانِيًا فِيمَن يُفْعَلُ الفِعْلُ لِأجْلِهِ، ولِذَلِكَ رُتِّبَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿فاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِن دُونِهِ﴾ . والمُرادُ بِهَذا الأمْرِ الوارِدِ عَلى وجْهِ التَّخْيِيرِ المُبالَغَةُ في الخِذْلانِ والتَّخْلِيَةِ. انْتَهى.
وقالَ غَيْرُهُ: ﴿فاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ﴾: صِيغَةُ أمْرٍ عَلى جِهَةِ التَّهْدِيدِ لِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ﴾ .
﴿قُلْ إنَّ الخاسِرِينَ﴾ أيْ: حَقِيقَةُ الخُسْرانِ، (الَّذِينَ خَسِرُوا) أيْ: هُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم، حَيْثُ صارُوا مِن أهْلِ النّارِ، وأهْلِيهِمُ الَّذِينَ كانُوا مَعَهم في الدُّنْيا، حَيْثُ كانُوا مَعَهم في النّارِ، فَلَمْ يَنْتَفِعُوا مِنهم بِشَيْءٍ، وإنْ كانَ أهْلُوهم قَدْ آمَنُوا، فُخُسْرانُهم إيّاهم كَوْنُهم لا يَجْتَمِعُونَ بِهِمْ ولا يَرْجِعُونَ إلَيْهِمْ.
وقالَ قَتادَةُ: كَأنَّ اللَّهَ قَدْ أعَدَّ لَهم أهْلًا في الجَنَّةِ فَخَسِرُوهم، وقالَ مَعْناهُ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرانَ. وقالَ الحَسَنُ: هي الحُورُ العِينُ.
ثُمَّ ذَكَرَ ذَلِكَ الخُسْرانَ وبالَغَ فِيهِ في التَّنْبِيهِ عَلَيْهِ أوَّلًا، والإشارَةِ إلَيْهِ، وتَأْكِيدِهِ بِالفِعْلِ، وتَعْرِيفِهِ بِألْ، ووَصْفِهِ بِأنَّهُ المُبِينُ أيِ: الواضِحُ لِمَن تَأمَّلَهُ أدْنى تَأمُّلٍ.
ولَمّا ذَكَرَ خُسْرانَهم أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ، ذَكَرَ حالَهم في جَهَنَّمَ، وأنَّهُ مِن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ ومِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ، فَيُظْهِرُ أنَّ النّارَ تَغْشاهم مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِهِمْ، وسَمّى ما تَحْتَهم ظُلَلًا لِمُقابَلَةِ ما فَوْقَهم، كَما قالَ: ﴿يَوْمَ يَغْشاهُمُ العَذابُ مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٥٥]، وقالَ لَهم: ﴿مِن جَهَنَّمَ مِهادٌ ومِن فَوْقِهِمْ غَواشٍ﴾ [الأعراف: ٤١] وقِيلَ: هي ظُلَلٌ لِلَّذِينِ هم تَحْتَهم، إذِ النّارُ طِباقٌ. وقِيلَ: إنَّما تَحْتُهم يَلْتَهِبُ ويَتَصاعَدُ مِنهُ شَيْءٌ حَتّى يَكُونَ ظُلَّةً، فَسُمِّيَ ظُلَّةً بِاعْتِبارِ ما آلَ إلَيْهِ أخِيرًا.
(ذَلِكَ) أيْ: ذَلِكَ العَذابُ، يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ؛ لِيَعْلَمُوا ما يُخَلِّصُكم مِنهُ، ثُمَّ ناداهم وأمَرَهم فَقالَ: ﴿ياعِبادِ فاتَّقُونِ﴾ أيِ: اتَّقَوْا عَذابِي.
الزمر 39:12
(p-٤١٨)﴿وإذا مَسَّ الإنْسانَ ضُرٌّ دَعا رَبَّهُ مُنِيبًا إلَيْهِ ثُمَّ إذا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنهُ نَسِيَ ما كانَ يَدْعُو إلَيْهِ مِن قَبْلُ وجَعَلَ لِلَّهِ أنْدادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إنَّكَ مِن أصْحابِ النّارِ﴾ ﴿أمْ مَن هو قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِدًا وقائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ ويَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبابِ﴾ ﴿قُلْ يا عِبادِي الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكم لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وأرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ إنَّما يُوَفّى الصّابِرُونَ أجْرَهم بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ ﴿قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ ﴿وأُمِرْتُ لِأنْ أكُونَ أوَّلَ المُسْلِمِينَ﴾ ﴿قُلْ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿قُلِ اللَّهَ أعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ ﴿فاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِن دُونِهِ قُلْ إنَّ الخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ ألا ذَلِكَ هو الخُسْرانُ المُبِينُ﴾ ﴿لَهم مِن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النّارِ ومِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ يا عِبادِ فاتَّقُونِ﴾ .
الظّاهِرُ أنَّ الإنْسانَ هُنا جِنْسُ الكافِرِ، وقِيلَ: مُعَيَّنٌ، كَعُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ. ويَدْخُلُ في الضُّرِّ جَمِيعُ المَكارِهِ في جِسْمٍ أوْ أهْلٍ أوْ مالٍ.
﴿دَعا رَبَّهُ﴾: اسْتَجارَ رَبَّهُ وناداهُ، ولَمْ يُؤَمِّلْ في كَشْفِ الضُّرِّ سِواهُ، ﴿مُنِيبًا إلَيْهِ﴾ أيْ: راجِعًا إلَيْهِ وحْدَهُ في إزالَةِ ذَلِكَ.
﴿ثُمَّ إذا خَوَّلَهُ﴾: أنالَهُ وأعْطاهُ بَعْدَ كَشْفِ ذَلِكَ الضُّرِّ عَنْهُ. وحَقِيقَةُ خَوَّلَهُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِهِمْ: هو خائِلُهُ، قالَ: إذا كانَ مُتَعَهِّدًا حُسْنَ القِيامِ عَلَيْهِ، أوْ مِن خالَ يَخُولُ، إذا اخْتالَ وافْتَخَرَ، وتَقُولُ العَرَبُ:
إنَّ الغَنِيَّ طَوِيلَ الذَّيْلِ مَيّاسٌ
﴿نَسِيَ ما كانَ يَدْعُو﴾ أيْ: تَرَكَ، والظّاهِرُ أنَّ ما بِمَعْنى الَّذِي، أيْ: نَسِيَ الضُّرَّ الَّذِي كانَ يَدْعُو اللَّهَ إلى كَشْفِهِ. وقِيلَ: ما بِمَعْنى مَن أيْ: نَسِيَ رَبَّهُ الَّذِي كانَ يَتَضَرَّعُ إلَيْهِ ويَبْتَهِلُ في كَشْفِ ضُرِّهِ. وقِيلَ: ما مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ: نَسِيَ كَوْنَهُ يَدْعُو.
وقِيلَ: تَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿نَسِيَ﴾، أيْ: نَسِيَ ما كانَ فِيهِ مِنَ الضُّرِّ. وما نافِيَةٌ، نَفى أنْ يَكُونَ دُعاءَ هَذا الكافِرِ خالِصًا لِلَّهِ مَقْصُورًا مِن قِبَلِ الضَّرَرِ، وعَلى الأقْوالِ السّابِقَةِ. (مِن قَبْلِ) أيْ: مِن قَبْلِ تَخْوِيلِ النِّعْمَةِ، وهو زَمانُ الضَّرَرِ.
﴿وجَعَلَ لِلَّهِ أنْدادًا﴾ أيْ: أمْثالًا يُضادُّ بَعْضُها بَعْضًا ويُعارِضُ. قالَ قَتادَةُ أيْ: مِنَ الرِّجالِ يُطِيعُونَهم في المَعْصِيَةِ. وقالَ غَيْرُهُ: أوْثانًا، وهَذا مِنَ سَخْفِ عُقُولِهِمْ. حِينَ مَسَّ الضُّرُّ دَعَوُا اللَّهَ ولَمْ يَلْتَجِئُوا في كَشْفِهِ إلّا إلَيْهِ؛ وحِينَ كَشَفَ ذَلِكَ وخَوَّلَ النِّعْمَةَ أشْرَكُوا بِهِ، فاللّامُ لامُ العِلَّةِ، وقِيلَ: لامُ العاقِبَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (لِيُضِلَّ)، بِضَمِّ الياءِ أيْ: ما اكْتَفى بِضَلالِ نَفْسِهِ حَتّى جَعَلَ غَيْرَهُ يَضِلُّ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عُمَرَ، وعِيسى: بِفَتْحِها، ثُمَّ أتى بِصِيغَةِ الأمْرِ فَقالَ: ﴿تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا﴾ أيْ: تَلَذَّذْ واصْنَعْ ما شِئْتَ قَلِيلًا، أيْ: عُمْرًا قَلِيلًا، والخِطابُ لِلْكافِرِ جاعِلِ الأنْدادِ لِلَّهِ.
﴿إنَّكَ مِن أصْحابِ النّارِ﴾ أيْ: مِن سُكّانِها المُخَلَّدِينَ فِيها. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقَوْلُهُ ﴿تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ﴾، أيْ: مِن بابِ الخِذْلانِ والتَّخْلِيَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ لَهُ: إذْ قَدْ أبَيْتَ قَبْلُ ما أُمِرْتَ بِهِ مِنَ الإيمانِ والطّاعَةِ، فَمِن حَقِّكِ أنْ لا تُؤْمَرَ بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ. ويُؤْمَرُ بِتَرْكِهِ مُبالَغَةَ خِذْلانِهِ وتَخْلِيَتِهِ وشَأْنَهُ؛ لِأنَّهُ لا مُبالَغَةَ في الخِذْلانِ أشَدُّ مِنَ أنْ يُبْعَثَ عَلى عَكْسِ ما أُمِرُوا بِهِ، ونَظِيرُهُ في المَعْنى: ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْواهم جَهَنَّمُ﴾ [آل عمران: ١٩٧] . انْتَهى.
ولَمّا شَرَحَ تَعالى شَيْئًا مِن أحْوالِ الظّالِمِينَ الضّالِّينَ المُشْرِكِينَ، أرْدَفَهُ بِشَرْحِ أحْوالِ المُهْتَدِينَ المُوَحِّدِينَ فَقالَ: ﴿أمْ مَن هو قانِتٌ﴾ . وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وحَمْزَةُ، والأعْمَشُ، وعِيسى، وشَيْبَةُ، والحَسَنُ في رِوايَةٍ: (أمَن)، بِتَخْفِيفِ المِيمِ. والظّاهِرُ أنَّ الهَمْزَةَ لِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرِ، ومُقابِلُهُ مَحْذُوفٌ لِفَهْمِ المَعْنى، والتَّقْدِيرُ: أهَذا القانِتُ خَيْرٌ أمِ الكافِرُ المُخاطَبُ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ﴾ ؟ ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ . ومِن حَذْفِ المُقابِلِ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎دَعانِي إلَيْها القَلْبُ إنِّي لِأمْرِها سَمِيعٌ فَما أدْرِي أرُشْدٌ طِلابُها
تَقْدِيرُهُ: أمْ غَيٌّ.
وقالَ الفَرّاءُ: الهَمْزَةُ لِلنِّداءِ، كَأنَّهُ قِيلَ: يا مَن هو قانِتٌ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: (قُلْ) خِطابًا لَهُ، وهَذا القَوْلُ أجْنَبِيُّ مِمّا قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ. وضَعَّفَ هَذا القَوْلَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ، ولا التِفاتَ لِتَضْعِيفِ الأخْفَشِ وأبِي حاتِمٍ هَذِهِ القِراءَةَ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، والأعْرَجُ، وأبُو جَعْفَرٍ: (أمَّنْ)، بِتَشْدِيدِ المِيمِ، وهي أمْ أُدْغِمَتْ مِيمُها في مِيمِ مَن، فاحْتَمَلَتْ أمْ أنْ تَكُونَ مُتَّصِلَةً، ومُعادِلُها مَحْذُوفٌ قَبْلَها، تَقْدِيرُهُ: أهَذا الكافِرُ خَيْرٌ أمْ مَن هو قانِتٌ ؟ قالَ مَعْناهُ الأخْفَشُ، ويَحْتاجُ مِثْلُ هَذا التَّقْدِيرِ (p-٤١٩)إلى سَماعٍ مِنَ العَرَبِ، وهو أنْ يُحْذَفَ المُعادِلُ الأوَّلُ.
واحْتَمَلَتْ أمْ أنْ تَكُونَ مُنْقَطِعَةً تَتَقَدَّرُ بِبَلْ والهَمْزَةِ، والتَّقْدِيرُ: بَلْ أمْ مَن هو قانِتٌ صِفَتُهُ كَذا، كَمَن لَيْسَ كَذَلِكَ. وقالَ النَّحّاسُ: (أمْ) بِمَعْنى بَلْ، و(مَن) بِمَعْنى الَّذِي، والتَّقْدِيرُ: بَلِ الَّذِي هو قانِتٌ أفْضَلُ مِمَّنْ ذُكِرَ قَبْلَهُ. انْتَهى.
ولا فَضْلَ لِمَن قَبْلَهُ حَتّى يُجْعَلَ هَذا أفْضَلُ، بَلْ يُقَدَّرُ الخَبَرُ مِن أصْحابِ الجَنَّةِ، يَدُلُّ عَلَيْهِ مُقابِلُهُ: ﴿إنَّكَ مِن أصْحابِ النّارِ﴾ . والقانِتُ: المُطِيعُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في القُنُوتِ في البَقَرَةِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ساجِدًا وقائِمًا﴾، بِالنَّصْبِ عَلى الحالِ؛ والضَّحّاكُ: بِرَفْعِهِما إمّا عَلى النَّعْتِ لِـ (قانِتٌ) وإمّا عَلى أنَّهُ خَبْرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، والواوُ لِلْجَمْعِ بَيْنَ الصِّفَتَيْنِ.
﴿يَحْذَرُ الآخِرَةَ﴾ أيْ: عَذابَ الآخِرَةِ، ﴿ويَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ أيْ: حُصُولَها، وقِيلَ: نَعِيمَ الجَنَّةِ، وهَذا المُتَّصِفُ بِالقُنُوتِ إلى سائِرِ الأوْصافِ، قالَ مُقاتِلٌ: عَمّارٌ، وصُهَيْبٌ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو ذَرٍّ. وقالَ ابْنُ عُمَرَ: عُثْمانُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ الضَّحّاكِ: أبُو بَكْرٍ، وعُمَرُ. وقالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . والظّاهِرُ أنَّهُ مَنِ اتَّصَفَ بِهَذِهِ الأوْصافِ مِن غَيْرِ تَعْيِينٍ.
وفِي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى فَضْلِ قِيامِ اللَّيْلِ، وأنَّهُ أرْجَحُ مِن قِيامِ النَّهارِ.
ولَمّا ذَكَرَ العَمَلَ ذَكَرَ العِلْمَ فَقالَ: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾، فَدَلَّ أنَّ كَمالَ الإنْسانِ مَحْصُورٌ في هَذَيْنِ المَقْصُودَيْنِ، فَكَما لا يَسْتَوِي هَذانِ، كَذَلِكَ لا يَسْتَوِي المُطِيعُ والعاصِي. والمُرادُ بِالعِلْمِ هُنا: ما أدّى إلى مَعْرِفَةِ اللَّهِ ونَجاةِ العَبْدِ مِن سُخْطِهِ. وقَرَأ: (يَذَّكَّرُ) بِإدْغامِ تاءِ يَتَذَكَّرُ في الذّالِ.
﴿قُلْ يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾، ورُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ في جَعْفَرِ بْنِ أبِي طالِبٍ وأصْحابِهِ حِينَ عَزَمُوا عَلى الهِجْرَةِ إلى أرْضِ الحَبَشَةِ، وعَدَهم تَعالى فَقالَ: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ﴾ . والظّاهِرُ تَعَلُّقُ (في هَذِهِ) بِـ (أحْسَنُوا)، وأنَّ المُحْسِنِينَ في الدُّنْيا لَهم في الآخِرَةِ حَسَنَةٌ، أيْ: حَسَنَةٌ عَظِيمَةٌ، وهي الجَنَّةُ، قالَهُ مُقاتِلٌ، والصِّفَةُ مَحْذُوفَةٌ يَدُلُّ عَلَيْها المَعْنى؛ لِأنَّ مَن أحْسَنَ في الدُّنْيا لا يُوعَدُ أنْ يَكُونَ لَهُ في الآخِرَةِ مُطْلَقُ حَسَنَةٍ. وقالَ السُّدِّيُّ: (في هَذِهِ) مِن تَمامِ (حَسَنَةٍ)، أيْ: ولَوْ تَأخَّرَ لَكانَ صِفَةً، أيْ: الَّذِينَ يُحْسِنُونَ لَهم حَسَنَةٌ كائِنَةٌ في الدُّنْيا. فَلَمّا تَقَدَّمَ انْتَصَبَ عَلى الحالِ، والحَسَنَةُ الَّتِي لَهم في الدُّنْيا هي العافِيَةُ والظُّهُورُ ووِلايَةُ اللَّهِ تَعالى.
ثُمَّ حَضَّ عَلى الهِجْرَةِ فَقالَ: ﴿وأرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ﴾، كَقَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَكُنْ أرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها﴾ [النساء: ٩٧]، أيْ: لا عُذْرَ لِلْمُفَرِّطِينَ ألْبَتَّةَ، حَتّى لَوِ اعْتَلُّوا بِأوْطانِهِمْ، وأنَّهم لا يَتَمَكَّنُونَ فِيها مِن أعْمالِ الطّاعاتِ، قِيلَ لَهم: إنَّ بِلادَ اللَّهِ كَثِيرَةٌ واسِعَةٌ، فَتَحَوَّلُوا إلى الأماكِنِ الَّتِي تُمْكِنُكم فِيها الطّاعاتُ.
وقالَ عَطاءٌ: ﴿وأرْضُ اللَّهِ﴾ المَدِينَةُ لِلْهِجْرَةِ، قِيلَ: فَعَلى هَذا يَكُونُ أحْسَنُوا: هاجَرُوا، وحَسَنَةٌ: راحَةٌ مِنَ الأعْداءِ.
وقالَ قَوْمٌ: (أرْضُ اللَّهِ) هُنا: الجَنَّةُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا القَوْلُ تَحَكُّمٌ، لا دَلِيلَ عَلَيْهِ. انْتَهى.
وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: لا يَمْتَنِعُ ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ تَعالى أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِالتَّقْوى؛ ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ مَنِ اتَّقى لَهُ في الآخِرَةِ الحَسَنَةُ، وهي الخُلُودُ في الجَنَّةِ؛ ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ أرْضَ اللَّهِ واسِعَةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿وأوْرَثَنا الأرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ﴾ [الزمر: ٧٤]، وقَوْلِهِ: ﴿وجَنَّةٍ عَرْضُها السَّماواتُ والأرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣] .
ولَمّا كانَتْ رُتْبَةُ الإحْسانِ مُنْتَهى الرُّتَبِ، كَما جاءَ: ما الإحْسانُ ؟ قالَ: أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ. وكانَ الصَّبْرُ عَلى ذَلِكَ مِن أشَقِّ الأشْياءِ، وخُصُوصًا مَن فارَقَ وطَنَهُ وعَشِيرَتَهُ وصَبَرَ عَلى بَلاءِ الغُرْبَةِ. ذَكَرَ أنَّ الصّابِرِينَ يُوَفَّوْنَ أُجُورَهم بِغَيْرِ حِسابٍ، أيْ: لا يُحاسَبُونَ في الآخِرَةِ، كَما يُحاسَبُ غَيْرُهم؛ أوْ يُوَفَّوْنَ ما لا يَحْصُرُهُ حِسابٌ مِنَ الكَثْرَةِ.
﴿قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾: أمَرَهُ تَعالى أنْ يُصْدِعَ الكُفّارَ بِما أُمِرَ بِهِ مِن عِبادَةِ اللَّهِ، يُخَلِّصَها مِنَ الشَّوائِبِ، (وأُمِرْتُ) أيْ: أُمِرْتُ بِما أُمِرْتُ، لِأكُونَ أوَّلَ مَن أسْلَمَ، أيِ: انْقادَ لِلَّهِ تَعالى، ويَعْنِي مِن أهْلِ عَصْرِهِ أوْ مِن قَوْمِهِ؛ لِأنَّهُ أوَّلُ مَن خالَفَ عُبّادَ الأصْنامِ، أوْ أوَّلُ مَن دَعَوْتُهم إلى الإسْلامِ إسْلامًا، أوْ أوَّلُ مَن دَعا نَفْسَهُ إلى ما دَعا إلَيْهِ غَيْرَهُ، لِأكُونَ مُقْتَدًى بِي قَوْلًا وفِعْلًا، (p-٤٢٠)لا كالمُلُوكِ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِما لا يَفْعَلُونَ، أوْ أنْ أفْعَلَ ما أسْتَحِقُّ بِهِ الأوَّلِيَّةَ مِنَ أعْمالِ السّابِقَيْنِ دَلالَةً عَلى السَّبَبِ بِالمُسَبَّبِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ عُطِفَ أُمِرْتُ عَلى أُمِرْتُ وهُما واحِدٌ ؟ (قُلْتُ): لَيْسا بِواحِدٍ لِاخْتِلافِ جِهَتَيْهِما، وذَلِكَ أنَّ الأمْرَ بِالإخْلاصِ وتَكْلِيفَهُ شَيْءٌ، والأمْرَ بِهِ لِتُحْرِزَ بِهِ قَصَبَ السَّبْقِ في الدِّينِ شَيْءٌ. وإذا اخْتَلَفَ وجْها الشَّيْءِ وصِفَتاهُ يُنَزَّلُ بِذَلِكَ مَنزِلَةَ شَيْئَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، ولَكَ أنْ تَجْعَلَ اللّامَ مَزِيدَةً مِثْلَها في أرَدْتُ؛ لِأنَّ أفْعَلَ لا تُزادُ إلّا مَعَ أنْ خاصَّةً دُونَ الِاسْمِ الصَّرِيحِ، كَأنَّها زِيدَتْ عِوَضًا مِن تَرْكِ الأصْلِ إلى ما يَقُومُ مَقامَهُ، كَما عَوَّضَ السِّينَ في اسْطاعَ عِوَضًا مِن تَرْكِ الأصْلِ الَّذِي هو أطْوَعُ. والدَّلِيلُ عَلى هَذا الوَجْهِ مَجِيئُهُ بِغَيْرِ لامٍ في قَوْلِهِ: (وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ أوَّلَ مَن أسْلَمَ) . انْتَهى.
ويُحْتَمَلُ في (أنْ أكُونَ) في ثَلاثَةِ المَواضِعِ أصْلُهُ " لِأنْ أكُونُ )، فَيَكُونُ قَدْ حُذِفَتِ اللّامُ، والمَأْمُورُ بِهِ مَحْذُوفٌ، وهو المُصَرَّحُ بِهِ هُنا ﴿إنِّي أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ﴾ .
﴿قُلْ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذِهِ الجُمْلَةِ، مَقُولُ القَوْلِ في سُورَةِ يُونُسَ.
ولَمّا أمَرَهُ أوَّلًا أنْ يُخْبِرَ بِأنَّهُ أُمِرَ بِعِبادَةِ اللَّهِ، أمَرَ ثانِيًا أنْ يُخْبِرَ بِأنَّهُ يَعْبُدُ اللَّهَ وحْدَهُ. وتَقْدِيمُ الجَلالَةِ دالٌّ عَلى الِاهْتِمامِ بِمَن يُعْبَدُ، وعِنْدَ الزَّمَخْشَرِيِّ يَدُلُّ عَلى الِاخْتِصاصِ، قالَ: ولِدَلالَتِهِ عَلى ذَلِكَ، قَدَّمَ المَعْبُودَ عَلى فِعْلِ العِبادَةِ، وأخَّرَهُ في الأوَّلِ. فالكَلامُ أوَّلًا واقِعٌ في الفِعْلِ في نَفْسِهِ وإيجادِهِ، وثانِيًا فِيمَن يُفْعَلُ الفِعْلُ لِأجْلِهِ، ولِذَلِكَ رُتِّبَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿فاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِن دُونِهِ﴾ . والمُرادُ بِهَذا الأمْرِ الوارِدِ عَلى وجْهِ التَّخْيِيرِ المُبالَغَةُ في الخِذْلانِ والتَّخْلِيَةِ. انْتَهى.
وقالَ غَيْرُهُ: ﴿فاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ﴾: صِيغَةُ أمْرٍ عَلى جِهَةِ التَّهْدِيدِ لِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ﴾ .
﴿قُلْ إنَّ الخاسِرِينَ﴾ أيْ: حَقِيقَةُ الخُسْرانِ، (الَّذِينَ خَسِرُوا) أيْ: هُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم، حَيْثُ صارُوا مِن أهْلِ النّارِ، وأهْلِيهِمُ الَّذِينَ كانُوا مَعَهم في الدُّنْيا، حَيْثُ كانُوا مَعَهم في النّارِ، فَلَمْ يَنْتَفِعُوا مِنهم بِشَيْءٍ، وإنْ كانَ أهْلُوهم قَدْ آمَنُوا، فُخُسْرانُهم إيّاهم كَوْنُهم لا يَجْتَمِعُونَ بِهِمْ ولا يَرْجِعُونَ إلَيْهِمْ.
وقالَ قَتادَةُ: كَأنَّ اللَّهَ قَدْ أعَدَّ لَهم أهْلًا في الجَنَّةِ فَخَسِرُوهم، وقالَ مَعْناهُ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرانَ. وقالَ الحَسَنُ: هي الحُورُ العِينُ.
ثُمَّ ذَكَرَ ذَلِكَ الخُسْرانَ وبالَغَ فِيهِ في التَّنْبِيهِ عَلَيْهِ أوَّلًا، والإشارَةِ إلَيْهِ، وتَأْكِيدِهِ بِالفِعْلِ، وتَعْرِيفِهِ بِألْ، ووَصْفِهِ بِأنَّهُ المُبِينُ أيِ: الواضِحُ لِمَن تَأمَّلَهُ أدْنى تَأمُّلٍ.
ولَمّا ذَكَرَ خُسْرانَهم أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ، ذَكَرَ حالَهم في جَهَنَّمَ، وأنَّهُ مِن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ ومِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ، فَيُظْهِرُ أنَّ النّارَ تَغْشاهم مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِهِمْ، وسَمّى ما تَحْتَهم ظُلَلًا لِمُقابَلَةِ ما فَوْقَهم، كَما قالَ: ﴿يَوْمَ يَغْشاهُمُ العَذابُ مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٥٥]، وقالَ لَهم: ﴿مِن جَهَنَّمَ مِهادٌ ومِن فَوْقِهِمْ غَواشٍ﴾ [الأعراف: ٤١] وقِيلَ: هي ظُلَلٌ لِلَّذِينِ هم تَحْتَهم، إذِ النّارُ طِباقٌ. وقِيلَ: إنَّما تَحْتُهم يَلْتَهِبُ ويَتَصاعَدُ مِنهُ شَيْءٌ حَتّى يَكُونَ ظُلَّةً، فَسُمِّيَ ظُلَّةً بِاعْتِبارِ ما آلَ إلَيْهِ أخِيرًا.
(ذَلِكَ) أيْ: ذَلِكَ العَذابُ، يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ؛ لِيَعْلَمُوا ما يُخَلِّصُكم مِنهُ، ثُمَّ ناداهم وأمَرَهم فَقالَ: ﴿ياعِبادِ فاتَّقُونِ﴾ أيِ: اتَّقَوْا عَذابِي.
الزمر 39:13
(p-٤١٨)﴿وإذا مَسَّ الإنْسانَ ضُرٌّ دَعا رَبَّهُ مُنِيبًا إلَيْهِ ثُمَّ إذا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنهُ نَسِيَ ما كانَ يَدْعُو إلَيْهِ مِن قَبْلُ وجَعَلَ لِلَّهِ أنْدادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إنَّكَ مِن أصْحابِ النّارِ﴾ ﴿أمْ مَن هو قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِدًا وقائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ ويَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبابِ﴾ ﴿قُلْ يا عِبادِي الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكم لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وأرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ إنَّما يُوَفّى الصّابِرُونَ أجْرَهم بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ ﴿قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ ﴿وأُمِرْتُ لِأنْ أكُونَ أوَّلَ المُسْلِمِينَ﴾ ﴿قُلْ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿قُلِ اللَّهَ أعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ ﴿فاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِن دُونِهِ قُلْ إنَّ الخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ ألا ذَلِكَ هو الخُسْرانُ المُبِينُ﴾ ﴿لَهم مِن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النّارِ ومِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ يا عِبادِ فاتَّقُونِ﴾ .
الظّاهِرُ أنَّ الإنْسانَ هُنا جِنْسُ الكافِرِ، وقِيلَ: مُعَيَّنٌ، كَعُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ. ويَدْخُلُ في الضُّرِّ جَمِيعُ المَكارِهِ في جِسْمٍ أوْ أهْلٍ أوْ مالٍ.
﴿دَعا رَبَّهُ﴾: اسْتَجارَ رَبَّهُ وناداهُ، ولَمْ يُؤَمِّلْ في كَشْفِ الضُّرِّ سِواهُ، ﴿مُنِيبًا إلَيْهِ﴾ أيْ: راجِعًا إلَيْهِ وحْدَهُ في إزالَةِ ذَلِكَ.
﴿ثُمَّ إذا خَوَّلَهُ﴾: أنالَهُ وأعْطاهُ بَعْدَ كَشْفِ ذَلِكَ الضُّرِّ عَنْهُ. وحَقِيقَةُ خَوَّلَهُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِهِمْ: هو خائِلُهُ، قالَ: إذا كانَ مُتَعَهِّدًا حُسْنَ القِيامِ عَلَيْهِ، أوْ مِن خالَ يَخُولُ، إذا اخْتالَ وافْتَخَرَ، وتَقُولُ العَرَبُ:
إنَّ الغَنِيَّ طَوِيلَ الذَّيْلِ مَيّاسٌ
﴿نَسِيَ ما كانَ يَدْعُو﴾ أيْ: تَرَكَ، والظّاهِرُ أنَّ ما بِمَعْنى الَّذِي، أيْ: نَسِيَ الضُّرَّ الَّذِي كانَ يَدْعُو اللَّهَ إلى كَشْفِهِ. وقِيلَ: ما بِمَعْنى مَن أيْ: نَسِيَ رَبَّهُ الَّذِي كانَ يَتَضَرَّعُ إلَيْهِ ويَبْتَهِلُ في كَشْفِ ضُرِّهِ. وقِيلَ: ما مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ: نَسِيَ كَوْنَهُ يَدْعُو.
وقِيلَ: تَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿نَسِيَ﴾، أيْ: نَسِيَ ما كانَ فِيهِ مِنَ الضُّرِّ. وما نافِيَةٌ، نَفى أنْ يَكُونَ دُعاءَ هَذا الكافِرِ خالِصًا لِلَّهِ مَقْصُورًا مِن قِبَلِ الضَّرَرِ، وعَلى الأقْوالِ السّابِقَةِ. (مِن قَبْلِ) أيْ: مِن قَبْلِ تَخْوِيلِ النِّعْمَةِ، وهو زَمانُ الضَّرَرِ.
﴿وجَعَلَ لِلَّهِ أنْدادًا﴾ أيْ: أمْثالًا يُضادُّ بَعْضُها بَعْضًا ويُعارِضُ. قالَ قَتادَةُ أيْ: مِنَ الرِّجالِ يُطِيعُونَهم في المَعْصِيَةِ. وقالَ غَيْرُهُ: أوْثانًا، وهَذا مِنَ سَخْفِ عُقُولِهِمْ. حِينَ مَسَّ الضُّرُّ دَعَوُا اللَّهَ ولَمْ يَلْتَجِئُوا في كَشْفِهِ إلّا إلَيْهِ؛ وحِينَ كَشَفَ ذَلِكَ وخَوَّلَ النِّعْمَةَ أشْرَكُوا بِهِ، فاللّامُ لامُ العِلَّةِ، وقِيلَ: لامُ العاقِبَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (لِيُضِلَّ)، بِضَمِّ الياءِ أيْ: ما اكْتَفى بِضَلالِ نَفْسِهِ حَتّى جَعَلَ غَيْرَهُ يَضِلُّ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عُمَرَ، وعِيسى: بِفَتْحِها، ثُمَّ أتى بِصِيغَةِ الأمْرِ فَقالَ: ﴿تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا﴾ أيْ: تَلَذَّذْ واصْنَعْ ما شِئْتَ قَلِيلًا، أيْ: عُمْرًا قَلِيلًا، والخِطابُ لِلْكافِرِ جاعِلِ الأنْدادِ لِلَّهِ.
﴿إنَّكَ مِن أصْحابِ النّارِ﴾ أيْ: مِن سُكّانِها المُخَلَّدِينَ فِيها. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقَوْلُهُ ﴿تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ﴾، أيْ: مِن بابِ الخِذْلانِ والتَّخْلِيَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ لَهُ: إذْ قَدْ أبَيْتَ قَبْلُ ما أُمِرْتَ بِهِ مِنَ الإيمانِ والطّاعَةِ، فَمِن حَقِّكِ أنْ لا تُؤْمَرَ بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ. ويُؤْمَرُ بِتَرْكِهِ مُبالَغَةَ خِذْلانِهِ وتَخْلِيَتِهِ وشَأْنَهُ؛ لِأنَّهُ لا مُبالَغَةَ في الخِذْلانِ أشَدُّ مِنَ أنْ يُبْعَثَ عَلى عَكْسِ ما أُمِرُوا بِهِ، ونَظِيرُهُ في المَعْنى: ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْواهم جَهَنَّمُ﴾ [آل عمران: ١٩٧] . انْتَهى.
ولَمّا شَرَحَ تَعالى شَيْئًا مِن أحْوالِ الظّالِمِينَ الضّالِّينَ المُشْرِكِينَ، أرْدَفَهُ بِشَرْحِ أحْوالِ المُهْتَدِينَ المُوَحِّدِينَ فَقالَ: ﴿أمْ مَن هو قانِتٌ﴾ . وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وحَمْزَةُ، والأعْمَشُ، وعِيسى، وشَيْبَةُ، والحَسَنُ في رِوايَةٍ: (أمَن)، بِتَخْفِيفِ المِيمِ. والظّاهِرُ أنَّ الهَمْزَةَ لِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرِ، ومُقابِلُهُ مَحْذُوفٌ لِفَهْمِ المَعْنى، والتَّقْدِيرُ: أهَذا القانِتُ خَيْرٌ أمِ الكافِرُ المُخاطَبُ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ﴾ ؟ ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ . ومِن حَذْفِ المُقابِلِ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎دَعانِي إلَيْها القَلْبُ إنِّي لِأمْرِها سَمِيعٌ فَما أدْرِي أرُشْدٌ طِلابُها
تَقْدِيرُهُ: أمْ غَيٌّ.
وقالَ الفَرّاءُ: الهَمْزَةُ لِلنِّداءِ، كَأنَّهُ قِيلَ: يا مَن هو قانِتٌ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: (قُلْ) خِطابًا لَهُ، وهَذا القَوْلُ أجْنَبِيُّ مِمّا قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ. وضَعَّفَ هَذا القَوْلَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ، ولا التِفاتَ لِتَضْعِيفِ الأخْفَشِ وأبِي حاتِمٍ هَذِهِ القِراءَةَ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، والأعْرَجُ، وأبُو جَعْفَرٍ: (أمَّنْ)، بِتَشْدِيدِ المِيمِ، وهي أمْ أُدْغِمَتْ مِيمُها في مِيمِ مَن، فاحْتَمَلَتْ أمْ أنْ تَكُونَ مُتَّصِلَةً، ومُعادِلُها مَحْذُوفٌ قَبْلَها، تَقْدِيرُهُ: أهَذا الكافِرُ خَيْرٌ أمْ مَن هو قانِتٌ ؟ قالَ مَعْناهُ الأخْفَشُ، ويَحْتاجُ مِثْلُ هَذا التَّقْدِيرِ (p-٤١٩)إلى سَماعٍ مِنَ العَرَبِ، وهو أنْ يُحْذَفَ المُعادِلُ الأوَّلُ.
واحْتَمَلَتْ أمْ أنْ تَكُونَ مُنْقَطِعَةً تَتَقَدَّرُ بِبَلْ والهَمْزَةِ، والتَّقْدِيرُ: بَلْ أمْ مَن هو قانِتٌ صِفَتُهُ كَذا، كَمَن لَيْسَ كَذَلِكَ. وقالَ النَّحّاسُ: (أمْ) بِمَعْنى بَلْ، و(مَن) بِمَعْنى الَّذِي، والتَّقْدِيرُ: بَلِ الَّذِي هو قانِتٌ أفْضَلُ مِمَّنْ ذُكِرَ قَبْلَهُ. انْتَهى.
ولا فَضْلَ لِمَن قَبْلَهُ حَتّى يُجْعَلَ هَذا أفْضَلُ، بَلْ يُقَدَّرُ الخَبَرُ مِن أصْحابِ الجَنَّةِ، يَدُلُّ عَلَيْهِ مُقابِلُهُ: ﴿إنَّكَ مِن أصْحابِ النّارِ﴾ . والقانِتُ: المُطِيعُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في القُنُوتِ في البَقَرَةِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ساجِدًا وقائِمًا﴾، بِالنَّصْبِ عَلى الحالِ؛ والضَّحّاكُ: بِرَفْعِهِما إمّا عَلى النَّعْتِ لِـ (قانِتٌ) وإمّا عَلى أنَّهُ خَبْرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، والواوُ لِلْجَمْعِ بَيْنَ الصِّفَتَيْنِ.
﴿يَحْذَرُ الآخِرَةَ﴾ أيْ: عَذابَ الآخِرَةِ، ﴿ويَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ أيْ: حُصُولَها، وقِيلَ: نَعِيمَ الجَنَّةِ، وهَذا المُتَّصِفُ بِالقُنُوتِ إلى سائِرِ الأوْصافِ، قالَ مُقاتِلٌ: عَمّارٌ، وصُهَيْبٌ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو ذَرٍّ. وقالَ ابْنُ عُمَرَ: عُثْمانُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ الضَّحّاكِ: أبُو بَكْرٍ، وعُمَرُ. وقالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . والظّاهِرُ أنَّهُ مَنِ اتَّصَفَ بِهَذِهِ الأوْصافِ مِن غَيْرِ تَعْيِينٍ.
وفِي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى فَضْلِ قِيامِ اللَّيْلِ، وأنَّهُ أرْجَحُ مِن قِيامِ النَّهارِ.
ولَمّا ذَكَرَ العَمَلَ ذَكَرَ العِلْمَ فَقالَ: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾، فَدَلَّ أنَّ كَمالَ الإنْسانِ مَحْصُورٌ في هَذَيْنِ المَقْصُودَيْنِ، فَكَما لا يَسْتَوِي هَذانِ، كَذَلِكَ لا يَسْتَوِي المُطِيعُ والعاصِي. والمُرادُ بِالعِلْمِ هُنا: ما أدّى إلى مَعْرِفَةِ اللَّهِ ونَجاةِ العَبْدِ مِن سُخْطِهِ. وقَرَأ: (يَذَّكَّرُ) بِإدْغامِ تاءِ يَتَذَكَّرُ في الذّالِ.
﴿قُلْ يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾، ورُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ في جَعْفَرِ بْنِ أبِي طالِبٍ وأصْحابِهِ حِينَ عَزَمُوا عَلى الهِجْرَةِ إلى أرْضِ الحَبَشَةِ، وعَدَهم تَعالى فَقالَ: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ﴾ . والظّاهِرُ تَعَلُّقُ (في هَذِهِ) بِـ (أحْسَنُوا)، وأنَّ المُحْسِنِينَ في الدُّنْيا لَهم في الآخِرَةِ حَسَنَةٌ، أيْ: حَسَنَةٌ عَظِيمَةٌ، وهي الجَنَّةُ، قالَهُ مُقاتِلٌ، والصِّفَةُ مَحْذُوفَةٌ يَدُلُّ عَلَيْها المَعْنى؛ لِأنَّ مَن أحْسَنَ في الدُّنْيا لا يُوعَدُ أنْ يَكُونَ لَهُ في الآخِرَةِ مُطْلَقُ حَسَنَةٍ. وقالَ السُّدِّيُّ: (في هَذِهِ) مِن تَمامِ (حَسَنَةٍ)، أيْ: ولَوْ تَأخَّرَ لَكانَ صِفَةً، أيْ: الَّذِينَ يُحْسِنُونَ لَهم حَسَنَةٌ كائِنَةٌ في الدُّنْيا. فَلَمّا تَقَدَّمَ انْتَصَبَ عَلى الحالِ، والحَسَنَةُ الَّتِي لَهم في الدُّنْيا هي العافِيَةُ والظُّهُورُ ووِلايَةُ اللَّهِ تَعالى.
ثُمَّ حَضَّ عَلى الهِجْرَةِ فَقالَ: ﴿وأرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ﴾، كَقَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَكُنْ أرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها﴾ [النساء: ٩٧]، أيْ: لا عُذْرَ لِلْمُفَرِّطِينَ ألْبَتَّةَ، حَتّى لَوِ اعْتَلُّوا بِأوْطانِهِمْ، وأنَّهم لا يَتَمَكَّنُونَ فِيها مِن أعْمالِ الطّاعاتِ، قِيلَ لَهم: إنَّ بِلادَ اللَّهِ كَثِيرَةٌ واسِعَةٌ، فَتَحَوَّلُوا إلى الأماكِنِ الَّتِي تُمْكِنُكم فِيها الطّاعاتُ.
وقالَ عَطاءٌ: ﴿وأرْضُ اللَّهِ﴾ المَدِينَةُ لِلْهِجْرَةِ، قِيلَ: فَعَلى هَذا يَكُونُ أحْسَنُوا: هاجَرُوا، وحَسَنَةٌ: راحَةٌ مِنَ الأعْداءِ.
وقالَ قَوْمٌ: (أرْضُ اللَّهِ) هُنا: الجَنَّةُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا القَوْلُ تَحَكُّمٌ، لا دَلِيلَ عَلَيْهِ. انْتَهى.
وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: لا يَمْتَنِعُ ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ تَعالى أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِالتَّقْوى؛ ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ مَنِ اتَّقى لَهُ في الآخِرَةِ الحَسَنَةُ، وهي الخُلُودُ في الجَنَّةِ؛ ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ أرْضَ اللَّهِ واسِعَةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿وأوْرَثَنا الأرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ﴾ [الزمر: ٧٤]، وقَوْلِهِ: ﴿وجَنَّةٍ عَرْضُها السَّماواتُ والأرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣] .
ولَمّا كانَتْ رُتْبَةُ الإحْسانِ مُنْتَهى الرُّتَبِ، كَما جاءَ: ما الإحْسانُ ؟ قالَ: أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ. وكانَ الصَّبْرُ عَلى ذَلِكَ مِن أشَقِّ الأشْياءِ، وخُصُوصًا مَن فارَقَ وطَنَهُ وعَشِيرَتَهُ وصَبَرَ عَلى بَلاءِ الغُرْبَةِ. ذَكَرَ أنَّ الصّابِرِينَ يُوَفَّوْنَ أُجُورَهم بِغَيْرِ حِسابٍ، أيْ: لا يُحاسَبُونَ في الآخِرَةِ، كَما يُحاسَبُ غَيْرُهم؛ أوْ يُوَفَّوْنَ ما لا يَحْصُرُهُ حِسابٌ مِنَ الكَثْرَةِ.
﴿قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾: أمَرَهُ تَعالى أنْ يُصْدِعَ الكُفّارَ بِما أُمِرَ بِهِ مِن عِبادَةِ اللَّهِ، يُخَلِّصَها مِنَ الشَّوائِبِ، (وأُمِرْتُ) أيْ: أُمِرْتُ بِما أُمِرْتُ، لِأكُونَ أوَّلَ مَن أسْلَمَ، أيِ: انْقادَ لِلَّهِ تَعالى، ويَعْنِي مِن أهْلِ عَصْرِهِ أوْ مِن قَوْمِهِ؛ لِأنَّهُ أوَّلُ مَن خالَفَ عُبّادَ الأصْنامِ، أوْ أوَّلُ مَن دَعَوْتُهم إلى الإسْلامِ إسْلامًا، أوْ أوَّلُ مَن دَعا نَفْسَهُ إلى ما دَعا إلَيْهِ غَيْرَهُ، لِأكُونَ مُقْتَدًى بِي قَوْلًا وفِعْلًا، (p-٤٢٠)لا كالمُلُوكِ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِما لا يَفْعَلُونَ، أوْ أنْ أفْعَلَ ما أسْتَحِقُّ بِهِ الأوَّلِيَّةَ مِنَ أعْمالِ السّابِقَيْنِ دَلالَةً عَلى السَّبَبِ بِالمُسَبَّبِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ عُطِفَ أُمِرْتُ عَلى أُمِرْتُ وهُما واحِدٌ ؟ (قُلْتُ): لَيْسا بِواحِدٍ لِاخْتِلافِ جِهَتَيْهِما، وذَلِكَ أنَّ الأمْرَ بِالإخْلاصِ وتَكْلِيفَهُ شَيْءٌ، والأمْرَ بِهِ لِتُحْرِزَ بِهِ قَصَبَ السَّبْقِ في الدِّينِ شَيْءٌ. وإذا اخْتَلَفَ وجْها الشَّيْءِ وصِفَتاهُ يُنَزَّلُ بِذَلِكَ مَنزِلَةَ شَيْئَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، ولَكَ أنْ تَجْعَلَ اللّامَ مَزِيدَةً مِثْلَها في أرَدْتُ؛ لِأنَّ أفْعَلَ لا تُزادُ إلّا مَعَ أنْ خاصَّةً دُونَ الِاسْمِ الصَّرِيحِ، كَأنَّها زِيدَتْ عِوَضًا مِن تَرْكِ الأصْلِ إلى ما يَقُومُ مَقامَهُ، كَما عَوَّضَ السِّينَ في اسْطاعَ عِوَضًا مِن تَرْكِ الأصْلِ الَّذِي هو أطْوَعُ. والدَّلِيلُ عَلى هَذا الوَجْهِ مَجِيئُهُ بِغَيْرِ لامٍ في قَوْلِهِ: (وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ أوَّلَ مَن أسْلَمَ) . انْتَهى.
ويُحْتَمَلُ في (أنْ أكُونَ) في ثَلاثَةِ المَواضِعِ أصْلُهُ " لِأنْ أكُونُ )، فَيَكُونُ قَدْ حُذِفَتِ اللّامُ، والمَأْمُورُ بِهِ مَحْذُوفٌ، وهو المُصَرَّحُ بِهِ هُنا ﴿إنِّي أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ﴾ .
﴿قُلْ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذِهِ الجُمْلَةِ، مَقُولُ القَوْلِ في سُورَةِ يُونُسَ.
ولَمّا أمَرَهُ أوَّلًا أنْ يُخْبِرَ بِأنَّهُ أُمِرَ بِعِبادَةِ اللَّهِ، أمَرَ ثانِيًا أنْ يُخْبِرَ بِأنَّهُ يَعْبُدُ اللَّهَ وحْدَهُ. وتَقْدِيمُ الجَلالَةِ دالٌّ عَلى الِاهْتِمامِ بِمَن يُعْبَدُ، وعِنْدَ الزَّمَخْشَرِيِّ يَدُلُّ عَلى الِاخْتِصاصِ، قالَ: ولِدَلالَتِهِ عَلى ذَلِكَ، قَدَّمَ المَعْبُودَ عَلى فِعْلِ العِبادَةِ، وأخَّرَهُ في الأوَّلِ. فالكَلامُ أوَّلًا واقِعٌ في الفِعْلِ في نَفْسِهِ وإيجادِهِ، وثانِيًا فِيمَن يُفْعَلُ الفِعْلُ لِأجْلِهِ، ولِذَلِكَ رُتِّبَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿فاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِن دُونِهِ﴾ . والمُرادُ بِهَذا الأمْرِ الوارِدِ عَلى وجْهِ التَّخْيِيرِ المُبالَغَةُ في الخِذْلانِ والتَّخْلِيَةِ. انْتَهى.
وقالَ غَيْرُهُ: ﴿فاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ﴾: صِيغَةُ أمْرٍ عَلى جِهَةِ التَّهْدِيدِ لِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ﴾ .
﴿قُلْ إنَّ الخاسِرِينَ﴾ أيْ: حَقِيقَةُ الخُسْرانِ، (الَّذِينَ خَسِرُوا) أيْ: هُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم، حَيْثُ صارُوا مِن أهْلِ النّارِ، وأهْلِيهِمُ الَّذِينَ كانُوا مَعَهم في الدُّنْيا، حَيْثُ كانُوا مَعَهم في النّارِ، فَلَمْ يَنْتَفِعُوا مِنهم بِشَيْءٍ، وإنْ كانَ أهْلُوهم قَدْ آمَنُوا، فُخُسْرانُهم إيّاهم كَوْنُهم لا يَجْتَمِعُونَ بِهِمْ ولا يَرْجِعُونَ إلَيْهِمْ.
وقالَ قَتادَةُ: كَأنَّ اللَّهَ قَدْ أعَدَّ لَهم أهْلًا في الجَنَّةِ فَخَسِرُوهم، وقالَ مَعْناهُ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرانَ. وقالَ الحَسَنُ: هي الحُورُ العِينُ.
ثُمَّ ذَكَرَ ذَلِكَ الخُسْرانَ وبالَغَ فِيهِ في التَّنْبِيهِ عَلَيْهِ أوَّلًا، والإشارَةِ إلَيْهِ، وتَأْكِيدِهِ بِالفِعْلِ، وتَعْرِيفِهِ بِألْ، ووَصْفِهِ بِأنَّهُ المُبِينُ أيِ: الواضِحُ لِمَن تَأمَّلَهُ أدْنى تَأمُّلٍ.
ولَمّا ذَكَرَ خُسْرانَهم أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ، ذَكَرَ حالَهم في جَهَنَّمَ، وأنَّهُ مِن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ ومِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ، فَيُظْهِرُ أنَّ النّارَ تَغْشاهم مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِهِمْ، وسَمّى ما تَحْتَهم ظُلَلًا لِمُقابَلَةِ ما فَوْقَهم، كَما قالَ: ﴿يَوْمَ يَغْشاهُمُ العَذابُ مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٥٥]، وقالَ لَهم: ﴿مِن جَهَنَّمَ مِهادٌ ومِن فَوْقِهِمْ غَواشٍ﴾ [الأعراف: ٤١] وقِيلَ: هي ظُلَلٌ لِلَّذِينِ هم تَحْتَهم، إذِ النّارُ طِباقٌ. وقِيلَ: إنَّما تَحْتُهم يَلْتَهِبُ ويَتَصاعَدُ مِنهُ شَيْءٌ حَتّى يَكُونَ ظُلَّةً، فَسُمِّيَ ظُلَّةً بِاعْتِبارِ ما آلَ إلَيْهِ أخِيرًا.
(ذَلِكَ) أيْ: ذَلِكَ العَذابُ، يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ؛ لِيَعْلَمُوا ما يُخَلِّصُكم مِنهُ، ثُمَّ ناداهم وأمَرَهم فَقالَ: ﴿ياعِبادِ فاتَّقُونِ﴾ أيِ: اتَّقَوْا عَذابِي.
الزمر 39:14
(p-٤١٨)﴿وإذا مَسَّ الإنْسانَ ضُرٌّ دَعا رَبَّهُ مُنِيبًا إلَيْهِ ثُمَّ إذا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنهُ نَسِيَ ما كانَ يَدْعُو إلَيْهِ مِن قَبْلُ وجَعَلَ لِلَّهِ أنْدادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إنَّكَ مِن أصْحابِ النّارِ﴾ ﴿أمْ مَن هو قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِدًا وقائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ ويَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبابِ﴾ ﴿قُلْ يا عِبادِي الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكم لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وأرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ إنَّما يُوَفّى الصّابِرُونَ أجْرَهم بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ ﴿قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ ﴿وأُمِرْتُ لِأنْ أكُونَ أوَّلَ المُسْلِمِينَ﴾ ﴿قُلْ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿قُلِ اللَّهَ أعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ ﴿فاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِن دُونِهِ قُلْ إنَّ الخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ ألا ذَلِكَ هو الخُسْرانُ المُبِينُ﴾ ﴿لَهم مِن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النّارِ ومِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ يا عِبادِ فاتَّقُونِ﴾ .
الظّاهِرُ أنَّ الإنْسانَ هُنا جِنْسُ الكافِرِ، وقِيلَ: مُعَيَّنٌ، كَعُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ. ويَدْخُلُ في الضُّرِّ جَمِيعُ المَكارِهِ في جِسْمٍ أوْ أهْلٍ أوْ مالٍ.
﴿دَعا رَبَّهُ﴾: اسْتَجارَ رَبَّهُ وناداهُ، ولَمْ يُؤَمِّلْ في كَشْفِ الضُّرِّ سِواهُ، ﴿مُنِيبًا إلَيْهِ﴾ أيْ: راجِعًا إلَيْهِ وحْدَهُ في إزالَةِ ذَلِكَ.
﴿ثُمَّ إذا خَوَّلَهُ﴾: أنالَهُ وأعْطاهُ بَعْدَ كَشْفِ ذَلِكَ الضُّرِّ عَنْهُ. وحَقِيقَةُ خَوَّلَهُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِهِمْ: هو خائِلُهُ، قالَ: إذا كانَ مُتَعَهِّدًا حُسْنَ القِيامِ عَلَيْهِ، أوْ مِن خالَ يَخُولُ، إذا اخْتالَ وافْتَخَرَ، وتَقُولُ العَرَبُ:
إنَّ الغَنِيَّ طَوِيلَ الذَّيْلِ مَيّاسٌ
﴿نَسِيَ ما كانَ يَدْعُو﴾ أيْ: تَرَكَ، والظّاهِرُ أنَّ ما بِمَعْنى الَّذِي، أيْ: نَسِيَ الضُّرَّ الَّذِي كانَ يَدْعُو اللَّهَ إلى كَشْفِهِ. وقِيلَ: ما بِمَعْنى مَن أيْ: نَسِيَ رَبَّهُ الَّذِي كانَ يَتَضَرَّعُ إلَيْهِ ويَبْتَهِلُ في كَشْفِ ضُرِّهِ. وقِيلَ: ما مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ: نَسِيَ كَوْنَهُ يَدْعُو.
وقِيلَ: تَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿نَسِيَ﴾، أيْ: نَسِيَ ما كانَ فِيهِ مِنَ الضُّرِّ. وما نافِيَةٌ، نَفى أنْ يَكُونَ دُعاءَ هَذا الكافِرِ خالِصًا لِلَّهِ مَقْصُورًا مِن قِبَلِ الضَّرَرِ، وعَلى الأقْوالِ السّابِقَةِ. (مِن قَبْلِ) أيْ: مِن قَبْلِ تَخْوِيلِ النِّعْمَةِ، وهو زَمانُ الضَّرَرِ.
﴿وجَعَلَ لِلَّهِ أنْدادًا﴾ أيْ: أمْثالًا يُضادُّ بَعْضُها بَعْضًا ويُعارِضُ. قالَ قَتادَةُ أيْ: مِنَ الرِّجالِ يُطِيعُونَهم في المَعْصِيَةِ. وقالَ غَيْرُهُ: أوْثانًا، وهَذا مِنَ سَخْفِ عُقُولِهِمْ. حِينَ مَسَّ الضُّرُّ دَعَوُا اللَّهَ ولَمْ يَلْتَجِئُوا في كَشْفِهِ إلّا إلَيْهِ؛ وحِينَ كَشَفَ ذَلِكَ وخَوَّلَ النِّعْمَةَ أشْرَكُوا بِهِ، فاللّامُ لامُ العِلَّةِ، وقِيلَ: لامُ العاقِبَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (لِيُضِلَّ)، بِضَمِّ الياءِ أيْ: ما اكْتَفى بِضَلالِ نَفْسِهِ حَتّى جَعَلَ غَيْرَهُ يَضِلُّ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عُمَرَ، وعِيسى: بِفَتْحِها، ثُمَّ أتى بِصِيغَةِ الأمْرِ فَقالَ: ﴿تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا﴾ أيْ: تَلَذَّذْ واصْنَعْ ما شِئْتَ قَلِيلًا، أيْ: عُمْرًا قَلِيلًا، والخِطابُ لِلْكافِرِ جاعِلِ الأنْدادِ لِلَّهِ.
﴿إنَّكَ مِن أصْحابِ النّارِ﴾ أيْ: مِن سُكّانِها المُخَلَّدِينَ فِيها. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقَوْلُهُ ﴿تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ﴾، أيْ: مِن بابِ الخِذْلانِ والتَّخْلِيَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ لَهُ: إذْ قَدْ أبَيْتَ قَبْلُ ما أُمِرْتَ بِهِ مِنَ الإيمانِ والطّاعَةِ، فَمِن حَقِّكِ أنْ لا تُؤْمَرَ بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ. ويُؤْمَرُ بِتَرْكِهِ مُبالَغَةَ خِذْلانِهِ وتَخْلِيَتِهِ وشَأْنَهُ؛ لِأنَّهُ لا مُبالَغَةَ في الخِذْلانِ أشَدُّ مِنَ أنْ يُبْعَثَ عَلى عَكْسِ ما أُمِرُوا بِهِ، ونَظِيرُهُ في المَعْنى: ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْواهم جَهَنَّمُ﴾ [آل عمران: ١٩٧] . انْتَهى.
ولَمّا شَرَحَ تَعالى شَيْئًا مِن أحْوالِ الظّالِمِينَ الضّالِّينَ المُشْرِكِينَ، أرْدَفَهُ بِشَرْحِ أحْوالِ المُهْتَدِينَ المُوَحِّدِينَ فَقالَ: ﴿أمْ مَن هو قانِتٌ﴾ . وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وحَمْزَةُ، والأعْمَشُ، وعِيسى، وشَيْبَةُ، والحَسَنُ في رِوايَةٍ: (أمَن)، بِتَخْفِيفِ المِيمِ. والظّاهِرُ أنَّ الهَمْزَةَ لِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرِ، ومُقابِلُهُ مَحْذُوفٌ لِفَهْمِ المَعْنى، والتَّقْدِيرُ: أهَذا القانِتُ خَيْرٌ أمِ الكافِرُ المُخاطَبُ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ﴾ ؟ ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ . ومِن حَذْفِ المُقابِلِ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎دَعانِي إلَيْها القَلْبُ إنِّي لِأمْرِها سَمِيعٌ فَما أدْرِي أرُشْدٌ طِلابُها
تَقْدِيرُهُ: أمْ غَيٌّ.
وقالَ الفَرّاءُ: الهَمْزَةُ لِلنِّداءِ، كَأنَّهُ قِيلَ: يا مَن هو قانِتٌ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: (قُلْ) خِطابًا لَهُ، وهَذا القَوْلُ أجْنَبِيُّ مِمّا قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ. وضَعَّفَ هَذا القَوْلَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ، ولا التِفاتَ لِتَضْعِيفِ الأخْفَشِ وأبِي حاتِمٍ هَذِهِ القِراءَةَ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، والأعْرَجُ، وأبُو جَعْفَرٍ: (أمَّنْ)، بِتَشْدِيدِ المِيمِ، وهي أمْ أُدْغِمَتْ مِيمُها في مِيمِ مَن، فاحْتَمَلَتْ أمْ أنْ تَكُونَ مُتَّصِلَةً، ومُعادِلُها مَحْذُوفٌ قَبْلَها، تَقْدِيرُهُ: أهَذا الكافِرُ خَيْرٌ أمْ مَن هو قانِتٌ ؟ قالَ مَعْناهُ الأخْفَشُ، ويَحْتاجُ مِثْلُ هَذا التَّقْدِيرِ (p-٤١٩)إلى سَماعٍ مِنَ العَرَبِ، وهو أنْ يُحْذَفَ المُعادِلُ الأوَّلُ.
واحْتَمَلَتْ أمْ أنْ تَكُونَ مُنْقَطِعَةً تَتَقَدَّرُ بِبَلْ والهَمْزَةِ، والتَّقْدِيرُ: بَلْ أمْ مَن هو قانِتٌ صِفَتُهُ كَذا، كَمَن لَيْسَ كَذَلِكَ. وقالَ النَّحّاسُ: (أمْ) بِمَعْنى بَلْ، و(مَن) بِمَعْنى الَّذِي، والتَّقْدِيرُ: بَلِ الَّذِي هو قانِتٌ أفْضَلُ مِمَّنْ ذُكِرَ قَبْلَهُ. انْتَهى.
ولا فَضْلَ لِمَن قَبْلَهُ حَتّى يُجْعَلَ هَذا أفْضَلُ، بَلْ يُقَدَّرُ الخَبَرُ مِن أصْحابِ الجَنَّةِ، يَدُلُّ عَلَيْهِ مُقابِلُهُ: ﴿إنَّكَ مِن أصْحابِ النّارِ﴾ . والقانِتُ: المُطِيعُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في القُنُوتِ في البَقَرَةِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ساجِدًا وقائِمًا﴾، بِالنَّصْبِ عَلى الحالِ؛ والضَّحّاكُ: بِرَفْعِهِما إمّا عَلى النَّعْتِ لِـ (قانِتٌ) وإمّا عَلى أنَّهُ خَبْرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، والواوُ لِلْجَمْعِ بَيْنَ الصِّفَتَيْنِ.
﴿يَحْذَرُ الآخِرَةَ﴾ أيْ: عَذابَ الآخِرَةِ، ﴿ويَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ أيْ: حُصُولَها، وقِيلَ: نَعِيمَ الجَنَّةِ، وهَذا المُتَّصِفُ بِالقُنُوتِ إلى سائِرِ الأوْصافِ، قالَ مُقاتِلٌ: عَمّارٌ، وصُهَيْبٌ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو ذَرٍّ. وقالَ ابْنُ عُمَرَ: عُثْمانُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ الضَّحّاكِ: أبُو بَكْرٍ، وعُمَرُ. وقالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . والظّاهِرُ أنَّهُ مَنِ اتَّصَفَ بِهَذِهِ الأوْصافِ مِن غَيْرِ تَعْيِينٍ.
وفِي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى فَضْلِ قِيامِ اللَّيْلِ، وأنَّهُ أرْجَحُ مِن قِيامِ النَّهارِ.
ولَمّا ذَكَرَ العَمَلَ ذَكَرَ العِلْمَ فَقالَ: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾، فَدَلَّ أنَّ كَمالَ الإنْسانِ مَحْصُورٌ في هَذَيْنِ المَقْصُودَيْنِ، فَكَما لا يَسْتَوِي هَذانِ، كَذَلِكَ لا يَسْتَوِي المُطِيعُ والعاصِي. والمُرادُ بِالعِلْمِ هُنا: ما أدّى إلى مَعْرِفَةِ اللَّهِ ونَجاةِ العَبْدِ مِن سُخْطِهِ. وقَرَأ: (يَذَّكَّرُ) بِإدْغامِ تاءِ يَتَذَكَّرُ في الذّالِ.
﴿قُلْ يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾، ورُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ في جَعْفَرِ بْنِ أبِي طالِبٍ وأصْحابِهِ حِينَ عَزَمُوا عَلى الهِجْرَةِ إلى أرْضِ الحَبَشَةِ، وعَدَهم تَعالى فَقالَ: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ﴾ . والظّاهِرُ تَعَلُّقُ (في هَذِهِ) بِـ (أحْسَنُوا)، وأنَّ المُحْسِنِينَ في الدُّنْيا لَهم في الآخِرَةِ حَسَنَةٌ، أيْ: حَسَنَةٌ عَظِيمَةٌ، وهي الجَنَّةُ، قالَهُ مُقاتِلٌ، والصِّفَةُ مَحْذُوفَةٌ يَدُلُّ عَلَيْها المَعْنى؛ لِأنَّ مَن أحْسَنَ في الدُّنْيا لا يُوعَدُ أنْ يَكُونَ لَهُ في الآخِرَةِ مُطْلَقُ حَسَنَةٍ. وقالَ السُّدِّيُّ: (في هَذِهِ) مِن تَمامِ (حَسَنَةٍ)، أيْ: ولَوْ تَأخَّرَ لَكانَ صِفَةً، أيْ: الَّذِينَ يُحْسِنُونَ لَهم حَسَنَةٌ كائِنَةٌ في الدُّنْيا. فَلَمّا تَقَدَّمَ انْتَصَبَ عَلى الحالِ، والحَسَنَةُ الَّتِي لَهم في الدُّنْيا هي العافِيَةُ والظُّهُورُ ووِلايَةُ اللَّهِ تَعالى.
ثُمَّ حَضَّ عَلى الهِجْرَةِ فَقالَ: ﴿وأرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ﴾، كَقَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَكُنْ أرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها﴾ [النساء: ٩٧]، أيْ: لا عُذْرَ لِلْمُفَرِّطِينَ ألْبَتَّةَ، حَتّى لَوِ اعْتَلُّوا بِأوْطانِهِمْ، وأنَّهم لا يَتَمَكَّنُونَ فِيها مِن أعْمالِ الطّاعاتِ، قِيلَ لَهم: إنَّ بِلادَ اللَّهِ كَثِيرَةٌ واسِعَةٌ، فَتَحَوَّلُوا إلى الأماكِنِ الَّتِي تُمْكِنُكم فِيها الطّاعاتُ.
وقالَ عَطاءٌ: ﴿وأرْضُ اللَّهِ﴾ المَدِينَةُ لِلْهِجْرَةِ، قِيلَ: فَعَلى هَذا يَكُونُ أحْسَنُوا: هاجَرُوا، وحَسَنَةٌ: راحَةٌ مِنَ الأعْداءِ.
وقالَ قَوْمٌ: (أرْضُ اللَّهِ) هُنا: الجَنَّةُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا القَوْلُ تَحَكُّمٌ، لا دَلِيلَ عَلَيْهِ. انْتَهى.
وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: لا يَمْتَنِعُ ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ تَعالى أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِالتَّقْوى؛ ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ مَنِ اتَّقى لَهُ في الآخِرَةِ الحَسَنَةُ، وهي الخُلُودُ في الجَنَّةِ؛ ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ أرْضَ اللَّهِ واسِعَةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿وأوْرَثَنا الأرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ﴾ [الزمر: ٧٤]، وقَوْلِهِ: ﴿وجَنَّةٍ عَرْضُها السَّماواتُ والأرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣] .
ولَمّا كانَتْ رُتْبَةُ الإحْسانِ مُنْتَهى الرُّتَبِ، كَما جاءَ: ما الإحْسانُ ؟ قالَ: أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ. وكانَ الصَّبْرُ عَلى ذَلِكَ مِن أشَقِّ الأشْياءِ، وخُصُوصًا مَن فارَقَ وطَنَهُ وعَشِيرَتَهُ وصَبَرَ عَلى بَلاءِ الغُرْبَةِ. ذَكَرَ أنَّ الصّابِرِينَ يُوَفَّوْنَ أُجُورَهم بِغَيْرِ حِسابٍ، أيْ: لا يُحاسَبُونَ في الآخِرَةِ، كَما يُحاسَبُ غَيْرُهم؛ أوْ يُوَفَّوْنَ ما لا يَحْصُرُهُ حِسابٌ مِنَ الكَثْرَةِ.
﴿قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾: أمَرَهُ تَعالى أنْ يُصْدِعَ الكُفّارَ بِما أُمِرَ بِهِ مِن عِبادَةِ اللَّهِ، يُخَلِّصَها مِنَ الشَّوائِبِ، (وأُمِرْتُ) أيْ: أُمِرْتُ بِما أُمِرْتُ، لِأكُونَ أوَّلَ مَن أسْلَمَ، أيِ: انْقادَ لِلَّهِ تَعالى، ويَعْنِي مِن أهْلِ عَصْرِهِ أوْ مِن قَوْمِهِ؛ لِأنَّهُ أوَّلُ مَن خالَفَ عُبّادَ الأصْنامِ، أوْ أوَّلُ مَن دَعَوْتُهم إلى الإسْلامِ إسْلامًا، أوْ أوَّلُ مَن دَعا نَفْسَهُ إلى ما دَعا إلَيْهِ غَيْرَهُ، لِأكُونَ مُقْتَدًى بِي قَوْلًا وفِعْلًا، (p-٤٢٠)لا كالمُلُوكِ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِما لا يَفْعَلُونَ، أوْ أنْ أفْعَلَ ما أسْتَحِقُّ بِهِ الأوَّلِيَّةَ مِنَ أعْمالِ السّابِقَيْنِ دَلالَةً عَلى السَّبَبِ بِالمُسَبَّبِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ عُطِفَ أُمِرْتُ عَلى أُمِرْتُ وهُما واحِدٌ ؟ (قُلْتُ): لَيْسا بِواحِدٍ لِاخْتِلافِ جِهَتَيْهِما، وذَلِكَ أنَّ الأمْرَ بِالإخْلاصِ وتَكْلِيفَهُ شَيْءٌ، والأمْرَ بِهِ لِتُحْرِزَ بِهِ قَصَبَ السَّبْقِ في الدِّينِ شَيْءٌ. وإذا اخْتَلَفَ وجْها الشَّيْءِ وصِفَتاهُ يُنَزَّلُ بِذَلِكَ مَنزِلَةَ شَيْئَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، ولَكَ أنْ تَجْعَلَ اللّامَ مَزِيدَةً مِثْلَها في أرَدْتُ؛ لِأنَّ أفْعَلَ لا تُزادُ إلّا مَعَ أنْ خاصَّةً دُونَ الِاسْمِ الصَّرِيحِ، كَأنَّها زِيدَتْ عِوَضًا مِن تَرْكِ الأصْلِ إلى ما يَقُومُ مَقامَهُ، كَما عَوَّضَ السِّينَ في اسْطاعَ عِوَضًا مِن تَرْكِ الأصْلِ الَّذِي هو أطْوَعُ. والدَّلِيلُ عَلى هَذا الوَجْهِ مَجِيئُهُ بِغَيْرِ لامٍ في قَوْلِهِ: (وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ أوَّلَ مَن أسْلَمَ) . انْتَهى.
ويُحْتَمَلُ في (أنْ أكُونَ) في ثَلاثَةِ المَواضِعِ أصْلُهُ " لِأنْ أكُونُ )، فَيَكُونُ قَدْ حُذِفَتِ اللّامُ، والمَأْمُورُ بِهِ مَحْذُوفٌ، وهو المُصَرَّحُ بِهِ هُنا ﴿إنِّي أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ﴾ .
﴿قُلْ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذِهِ الجُمْلَةِ، مَقُولُ القَوْلِ في سُورَةِ يُونُسَ.
ولَمّا أمَرَهُ أوَّلًا أنْ يُخْبِرَ بِأنَّهُ أُمِرَ بِعِبادَةِ اللَّهِ، أمَرَ ثانِيًا أنْ يُخْبِرَ بِأنَّهُ يَعْبُدُ اللَّهَ وحْدَهُ. وتَقْدِيمُ الجَلالَةِ دالٌّ عَلى الِاهْتِمامِ بِمَن يُعْبَدُ، وعِنْدَ الزَّمَخْشَرِيِّ يَدُلُّ عَلى الِاخْتِصاصِ، قالَ: ولِدَلالَتِهِ عَلى ذَلِكَ، قَدَّمَ المَعْبُودَ عَلى فِعْلِ العِبادَةِ، وأخَّرَهُ في الأوَّلِ. فالكَلامُ أوَّلًا واقِعٌ في الفِعْلِ في نَفْسِهِ وإيجادِهِ، وثانِيًا فِيمَن يُفْعَلُ الفِعْلُ لِأجْلِهِ، ولِذَلِكَ رُتِّبَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿فاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِن دُونِهِ﴾ . والمُرادُ بِهَذا الأمْرِ الوارِدِ عَلى وجْهِ التَّخْيِيرِ المُبالَغَةُ في الخِذْلانِ والتَّخْلِيَةِ. انْتَهى.
وقالَ غَيْرُهُ: ﴿فاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ﴾: صِيغَةُ أمْرٍ عَلى جِهَةِ التَّهْدِيدِ لِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ﴾ .
﴿قُلْ إنَّ الخاسِرِينَ﴾ أيْ: حَقِيقَةُ الخُسْرانِ، (الَّذِينَ خَسِرُوا) أيْ: هُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم، حَيْثُ صارُوا مِن أهْلِ النّارِ، وأهْلِيهِمُ الَّذِينَ كانُوا مَعَهم في الدُّنْيا، حَيْثُ كانُوا مَعَهم في النّارِ، فَلَمْ يَنْتَفِعُوا مِنهم بِشَيْءٍ، وإنْ كانَ أهْلُوهم قَدْ آمَنُوا، فُخُسْرانُهم إيّاهم كَوْنُهم لا يَجْتَمِعُونَ بِهِمْ ولا يَرْجِعُونَ إلَيْهِمْ.
وقالَ قَتادَةُ: كَأنَّ اللَّهَ قَدْ أعَدَّ لَهم أهْلًا في الجَنَّةِ فَخَسِرُوهم، وقالَ مَعْناهُ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرانَ. وقالَ الحَسَنُ: هي الحُورُ العِينُ.
ثُمَّ ذَكَرَ ذَلِكَ الخُسْرانَ وبالَغَ فِيهِ في التَّنْبِيهِ عَلَيْهِ أوَّلًا، والإشارَةِ إلَيْهِ، وتَأْكِيدِهِ بِالفِعْلِ، وتَعْرِيفِهِ بِألْ، ووَصْفِهِ بِأنَّهُ المُبِينُ أيِ: الواضِحُ لِمَن تَأمَّلَهُ أدْنى تَأمُّلٍ.
ولَمّا ذَكَرَ خُسْرانَهم أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ، ذَكَرَ حالَهم في جَهَنَّمَ، وأنَّهُ مِن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ ومِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ، فَيُظْهِرُ أنَّ النّارَ تَغْشاهم مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِهِمْ، وسَمّى ما تَحْتَهم ظُلَلًا لِمُقابَلَةِ ما فَوْقَهم، كَما قالَ: ﴿يَوْمَ يَغْشاهُمُ العَذابُ مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٥٥]، وقالَ لَهم: ﴿مِن جَهَنَّمَ مِهادٌ ومِن فَوْقِهِمْ غَواشٍ﴾ [الأعراف: ٤١] وقِيلَ: هي ظُلَلٌ لِلَّذِينِ هم تَحْتَهم، إذِ النّارُ طِباقٌ. وقِيلَ: إنَّما تَحْتُهم يَلْتَهِبُ ويَتَصاعَدُ مِنهُ شَيْءٌ حَتّى يَكُونَ ظُلَّةً، فَسُمِّيَ ظُلَّةً بِاعْتِبارِ ما آلَ إلَيْهِ أخِيرًا.
(ذَلِكَ) أيْ: ذَلِكَ العَذابُ، يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ؛ لِيَعْلَمُوا ما يُخَلِّصُكم مِنهُ، ثُمَّ ناداهم وأمَرَهم فَقالَ: ﴿ياعِبادِ فاتَّقُونِ﴾ أيِ: اتَّقَوْا عَذابِي.
الزمر 39:15
(p-٤١٨)﴿وإذا مَسَّ الإنْسانَ ضُرٌّ دَعا رَبَّهُ مُنِيبًا إلَيْهِ ثُمَّ إذا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنهُ نَسِيَ ما كانَ يَدْعُو إلَيْهِ مِن قَبْلُ وجَعَلَ لِلَّهِ أنْدادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إنَّكَ مِن أصْحابِ النّارِ﴾ ﴿أمْ مَن هو قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِدًا وقائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ ويَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبابِ﴾ ﴿قُلْ يا عِبادِي الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكم لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وأرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ إنَّما يُوَفّى الصّابِرُونَ أجْرَهم بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ ﴿قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ ﴿وأُمِرْتُ لِأنْ أكُونَ أوَّلَ المُسْلِمِينَ﴾ ﴿قُلْ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿قُلِ اللَّهَ أعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ ﴿فاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِن دُونِهِ قُلْ إنَّ الخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ ألا ذَلِكَ هو الخُسْرانُ المُبِينُ﴾ ﴿لَهم مِن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النّارِ ومِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ يا عِبادِ فاتَّقُونِ﴾ .
الظّاهِرُ أنَّ الإنْسانَ هُنا جِنْسُ الكافِرِ، وقِيلَ: مُعَيَّنٌ، كَعُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ. ويَدْخُلُ في الضُّرِّ جَمِيعُ المَكارِهِ في جِسْمٍ أوْ أهْلٍ أوْ مالٍ.
﴿دَعا رَبَّهُ﴾: اسْتَجارَ رَبَّهُ وناداهُ، ولَمْ يُؤَمِّلْ في كَشْفِ الضُّرِّ سِواهُ، ﴿مُنِيبًا إلَيْهِ﴾ أيْ: راجِعًا إلَيْهِ وحْدَهُ في إزالَةِ ذَلِكَ.
﴿ثُمَّ إذا خَوَّلَهُ﴾: أنالَهُ وأعْطاهُ بَعْدَ كَشْفِ ذَلِكَ الضُّرِّ عَنْهُ. وحَقِيقَةُ خَوَّلَهُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِهِمْ: هو خائِلُهُ، قالَ: إذا كانَ مُتَعَهِّدًا حُسْنَ القِيامِ عَلَيْهِ، أوْ مِن خالَ يَخُولُ، إذا اخْتالَ وافْتَخَرَ، وتَقُولُ العَرَبُ:
إنَّ الغَنِيَّ طَوِيلَ الذَّيْلِ مَيّاسٌ
﴿نَسِيَ ما كانَ يَدْعُو﴾ أيْ: تَرَكَ، والظّاهِرُ أنَّ ما بِمَعْنى الَّذِي، أيْ: نَسِيَ الضُّرَّ الَّذِي كانَ يَدْعُو اللَّهَ إلى كَشْفِهِ. وقِيلَ: ما بِمَعْنى مَن أيْ: نَسِيَ رَبَّهُ الَّذِي كانَ يَتَضَرَّعُ إلَيْهِ ويَبْتَهِلُ في كَشْفِ ضُرِّهِ. وقِيلَ: ما مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ: نَسِيَ كَوْنَهُ يَدْعُو.
وقِيلَ: تَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿نَسِيَ﴾، أيْ: نَسِيَ ما كانَ فِيهِ مِنَ الضُّرِّ. وما نافِيَةٌ، نَفى أنْ يَكُونَ دُعاءَ هَذا الكافِرِ خالِصًا لِلَّهِ مَقْصُورًا مِن قِبَلِ الضَّرَرِ، وعَلى الأقْوالِ السّابِقَةِ. (مِن قَبْلِ) أيْ: مِن قَبْلِ تَخْوِيلِ النِّعْمَةِ، وهو زَمانُ الضَّرَرِ.
﴿وجَعَلَ لِلَّهِ أنْدادًا﴾ أيْ: أمْثالًا يُضادُّ بَعْضُها بَعْضًا ويُعارِضُ. قالَ قَتادَةُ أيْ: مِنَ الرِّجالِ يُطِيعُونَهم في المَعْصِيَةِ. وقالَ غَيْرُهُ: أوْثانًا، وهَذا مِنَ سَخْفِ عُقُولِهِمْ. حِينَ مَسَّ الضُّرُّ دَعَوُا اللَّهَ ولَمْ يَلْتَجِئُوا في كَشْفِهِ إلّا إلَيْهِ؛ وحِينَ كَشَفَ ذَلِكَ وخَوَّلَ النِّعْمَةَ أشْرَكُوا بِهِ، فاللّامُ لامُ العِلَّةِ، وقِيلَ: لامُ العاقِبَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (لِيُضِلَّ)، بِضَمِّ الياءِ أيْ: ما اكْتَفى بِضَلالِ نَفْسِهِ حَتّى جَعَلَ غَيْرَهُ يَضِلُّ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عُمَرَ، وعِيسى: بِفَتْحِها، ثُمَّ أتى بِصِيغَةِ الأمْرِ فَقالَ: ﴿تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا﴾ أيْ: تَلَذَّذْ واصْنَعْ ما شِئْتَ قَلِيلًا، أيْ: عُمْرًا قَلِيلًا، والخِطابُ لِلْكافِرِ جاعِلِ الأنْدادِ لِلَّهِ.
﴿إنَّكَ مِن أصْحابِ النّارِ﴾ أيْ: مِن سُكّانِها المُخَلَّدِينَ فِيها. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقَوْلُهُ ﴿تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ﴾، أيْ: مِن بابِ الخِذْلانِ والتَّخْلِيَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ لَهُ: إذْ قَدْ أبَيْتَ قَبْلُ ما أُمِرْتَ بِهِ مِنَ الإيمانِ والطّاعَةِ، فَمِن حَقِّكِ أنْ لا تُؤْمَرَ بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ. ويُؤْمَرُ بِتَرْكِهِ مُبالَغَةَ خِذْلانِهِ وتَخْلِيَتِهِ وشَأْنَهُ؛ لِأنَّهُ لا مُبالَغَةَ في الخِذْلانِ أشَدُّ مِنَ أنْ يُبْعَثَ عَلى عَكْسِ ما أُمِرُوا بِهِ، ونَظِيرُهُ في المَعْنى: ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْواهم جَهَنَّمُ﴾ [آل عمران: ١٩٧] . انْتَهى.
ولَمّا شَرَحَ تَعالى شَيْئًا مِن أحْوالِ الظّالِمِينَ الضّالِّينَ المُشْرِكِينَ، أرْدَفَهُ بِشَرْحِ أحْوالِ المُهْتَدِينَ المُوَحِّدِينَ فَقالَ: ﴿أمْ مَن هو قانِتٌ﴾ . وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وحَمْزَةُ، والأعْمَشُ، وعِيسى، وشَيْبَةُ، والحَسَنُ في رِوايَةٍ: (أمَن)، بِتَخْفِيفِ المِيمِ. والظّاهِرُ أنَّ الهَمْزَةَ لِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرِ، ومُقابِلُهُ مَحْذُوفٌ لِفَهْمِ المَعْنى، والتَّقْدِيرُ: أهَذا القانِتُ خَيْرٌ أمِ الكافِرُ المُخاطَبُ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ﴾ ؟ ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ . ومِن حَذْفِ المُقابِلِ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎دَعانِي إلَيْها القَلْبُ إنِّي لِأمْرِها سَمِيعٌ فَما أدْرِي أرُشْدٌ طِلابُها
تَقْدِيرُهُ: أمْ غَيٌّ.
وقالَ الفَرّاءُ: الهَمْزَةُ لِلنِّداءِ، كَأنَّهُ قِيلَ: يا مَن هو قانِتٌ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: (قُلْ) خِطابًا لَهُ، وهَذا القَوْلُ أجْنَبِيُّ مِمّا قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ. وضَعَّفَ هَذا القَوْلَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ، ولا التِفاتَ لِتَضْعِيفِ الأخْفَشِ وأبِي حاتِمٍ هَذِهِ القِراءَةَ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، والأعْرَجُ، وأبُو جَعْفَرٍ: (أمَّنْ)، بِتَشْدِيدِ المِيمِ، وهي أمْ أُدْغِمَتْ مِيمُها في مِيمِ مَن، فاحْتَمَلَتْ أمْ أنْ تَكُونَ مُتَّصِلَةً، ومُعادِلُها مَحْذُوفٌ قَبْلَها، تَقْدِيرُهُ: أهَذا الكافِرُ خَيْرٌ أمْ مَن هو قانِتٌ ؟ قالَ مَعْناهُ الأخْفَشُ، ويَحْتاجُ مِثْلُ هَذا التَّقْدِيرِ (p-٤١٩)إلى سَماعٍ مِنَ العَرَبِ، وهو أنْ يُحْذَفَ المُعادِلُ الأوَّلُ.
واحْتَمَلَتْ أمْ أنْ تَكُونَ مُنْقَطِعَةً تَتَقَدَّرُ بِبَلْ والهَمْزَةِ، والتَّقْدِيرُ: بَلْ أمْ مَن هو قانِتٌ صِفَتُهُ كَذا، كَمَن لَيْسَ كَذَلِكَ. وقالَ النَّحّاسُ: (أمْ) بِمَعْنى بَلْ، و(مَن) بِمَعْنى الَّذِي، والتَّقْدِيرُ: بَلِ الَّذِي هو قانِتٌ أفْضَلُ مِمَّنْ ذُكِرَ قَبْلَهُ. انْتَهى.
ولا فَضْلَ لِمَن قَبْلَهُ حَتّى يُجْعَلَ هَذا أفْضَلُ، بَلْ يُقَدَّرُ الخَبَرُ مِن أصْحابِ الجَنَّةِ، يَدُلُّ عَلَيْهِ مُقابِلُهُ: ﴿إنَّكَ مِن أصْحابِ النّارِ﴾ . والقانِتُ: المُطِيعُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في القُنُوتِ في البَقَرَةِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ساجِدًا وقائِمًا﴾، بِالنَّصْبِ عَلى الحالِ؛ والضَّحّاكُ: بِرَفْعِهِما إمّا عَلى النَّعْتِ لِـ (قانِتٌ) وإمّا عَلى أنَّهُ خَبْرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، والواوُ لِلْجَمْعِ بَيْنَ الصِّفَتَيْنِ.
﴿يَحْذَرُ الآخِرَةَ﴾ أيْ: عَذابَ الآخِرَةِ، ﴿ويَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ أيْ: حُصُولَها، وقِيلَ: نَعِيمَ الجَنَّةِ، وهَذا المُتَّصِفُ بِالقُنُوتِ إلى سائِرِ الأوْصافِ، قالَ مُقاتِلٌ: عَمّارٌ، وصُهَيْبٌ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو ذَرٍّ. وقالَ ابْنُ عُمَرَ: عُثْمانُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ الضَّحّاكِ: أبُو بَكْرٍ، وعُمَرُ. وقالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . والظّاهِرُ أنَّهُ مَنِ اتَّصَفَ بِهَذِهِ الأوْصافِ مِن غَيْرِ تَعْيِينٍ.
وفِي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى فَضْلِ قِيامِ اللَّيْلِ، وأنَّهُ أرْجَحُ مِن قِيامِ النَّهارِ.
ولَمّا ذَكَرَ العَمَلَ ذَكَرَ العِلْمَ فَقالَ: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾، فَدَلَّ أنَّ كَمالَ الإنْسانِ مَحْصُورٌ في هَذَيْنِ المَقْصُودَيْنِ، فَكَما لا يَسْتَوِي هَذانِ، كَذَلِكَ لا يَسْتَوِي المُطِيعُ والعاصِي. والمُرادُ بِالعِلْمِ هُنا: ما أدّى إلى مَعْرِفَةِ اللَّهِ ونَجاةِ العَبْدِ مِن سُخْطِهِ. وقَرَأ: (يَذَّكَّرُ) بِإدْغامِ تاءِ يَتَذَكَّرُ في الذّالِ.
﴿قُلْ يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾، ورُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ في جَعْفَرِ بْنِ أبِي طالِبٍ وأصْحابِهِ حِينَ عَزَمُوا عَلى الهِجْرَةِ إلى أرْضِ الحَبَشَةِ، وعَدَهم تَعالى فَقالَ: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ﴾ . والظّاهِرُ تَعَلُّقُ (في هَذِهِ) بِـ (أحْسَنُوا)، وأنَّ المُحْسِنِينَ في الدُّنْيا لَهم في الآخِرَةِ حَسَنَةٌ، أيْ: حَسَنَةٌ عَظِيمَةٌ، وهي الجَنَّةُ، قالَهُ مُقاتِلٌ، والصِّفَةُ مَحْذُوفَةٌ يَدُلُّ عَلَيْها المَعْنى؛ لِأنَّ مَن أحْسَنَ في الدُّنْيا لا يُوعَدُ أنْ يَكُونَ لَهُ في الآخِرَةِ مُطْلَقُ حَسَنَةٍ. وقالَ السُّدِّيُّ: (في هَذِهِ) مِن تَمامِ (حَسَنَةٍ)، أيْ: ولَوْ تَأخَّرَ لَكانَ صِفَةً، أيْ: الَّذِينَ يُحْسِنُونَ لَهم حَسَنَةٌ كائِنَةٌ في الدُّنْيا. فَلَمّا تَقَدَّمَ انْتَصَبَ عَلى الحالِ، والحَسَنَةُ الَّتِي لَهم في الدُّنْيا هي العافِيَةُ والظُّهُورُ ووِلايَةُ اللَّهِ تَعالى.
ثُمَّ حَضَّ عَلى الهِجْرَةِ فَقالَ: ﴿وأرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ﴾، كَقَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَكُنْ أرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها﴾ [النساء: ٩٧]، أيْ: لا عُذْرَ لِلْمُفَرِّطِينَ ألْبَتَّةَ، حَتّى لَوِ اعْتَلُّوا بِأوْطانِهِمْ، وأنَّهم لا يَتَمَكَّنُونَ فِيها مِن أعْمالِ الطّاعاتِ، قِيلَ لَهم: إنَّ بِلادَ اللَّهِ كَثِيرَةٌ واسِعَةٌ، فَتَحَوَّلُوا إلى الأماكِنِ الَّتِي تُمْكِنُكم فِيها الطّاعاتُ.
وقالَ عَطاءٌ: ﴿وأرْضُ اللَّهِ﴾ المَدِينَةُ لِلْهِجْرَةِ، قِيلَ: فَعَلى هَذا يَكُونُ أحْسَنُوا: هاجَرُوا، وحَسَنَةٌ: راحَةٌ مِنَ الأعْداءِ.
وقالَ قَوْمٌ: (أرْضُ اللَّهِ) هُنا: الجَنَّةُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا القَوْلُ تَحَكُّمٌ، لا دَلِيلَ عَلَيْهِ. انْتَهى.
وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: لا يَمْتَنِعُ ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ تَعالى أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِالتَّقْوى؛ ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ مَنِ اتَّقى لَهُ في الآخِرَةِ الحَسَنَةُ، وهي الخُلُودُ في الجَنَّةِ؛ ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ أرْضَ اللَّهِ واسِعَةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿وأوْرَثَنا الأرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ﴾ [الزمر: ٧٤]، وقَوْلِهِ: ﴿وجَنَّةٍ عَرْضُها السَّماواتُ والأرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣] .
ولَمّا كانَتْ رُتْبَةُ الإحْسانِ مُنْتَهى الرُّتَبِ، كَما جاءَ: ما الإحْسانُ ؟ قالَ: أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ. وكانَ الصَّبْرُ عَلى ذَلِكَ مِن أشَقِّ الأشْياءِ، وخُصُوصًا مَن فارَقَ وطَنَهُ وعَشِيرَتَهُ وصَبَرَ عَلى بَلاءِ الغُرْبَةِ. ذَكَرَ أنَّ الصّابِرِينَ يُوَفَّوْنَ أُجُورَهم بِغَيْرِ حِسابٍ، أيْ: لا يُحاسَبُونَ في الآخِرَةِ، كَما يُحاسَبُ غَيْرُهم؛ أوْ يُوَفَّوْنَ ما لا يَحْصُرُهُ حِسابٌ مِنَ الكَثْرَةِ.
﴿قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾: أمَرَهُ تَعالى أنْ يُصْدِعَ الكُفّارَ بِما أُمِرَ بِهِ مِن عِبادَةِ اللَّهِ، يُخَلِّصَها مِنَ الشَّوائِبِ، (وأُمِرْتُ) أيْ: أُمِرْتُ بِما أُمِرْتُ، لِأكُونَ أوَّلَ مَن أسْلَمَ، أيِ: انْقادَ لِلَّهِ تَعالى، ويَعْنِي مِن أهْلِ عَصْرِهِ أوْ مِن قَوْمِهِ؛ لِأنَّهُ أوَّلُ مَن خالَفَ عُبّادَ الأصْنامِ، أوْ أوَّلُ مَن دَعَوْتُهم إلى الإسْلامِ إسْلامًا، أوْ أوَّلُ مَن دَعا نَفْسَهُ إلى ما دَعا إلَيْهِ غَيْرَهُ، لِأكُونَ مُقْتَدًى بِي قَوْلًا وفِعْلًا، (p-٤٢٠)لا كالمُلُوكِ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِما لا يَفْعَلُونَ، أوْ أنْ أفْعَلَ ما أسْتَحِقُّ بِهِ الأوَّلِيَّةَ مِنَ أعْمالِ السّابِقَيْنِ دَلالَةً عَلى السَّبَبِ بِالمُسَبَّبِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ عُطِفَ أُمِرْتُ عَلى أُمِرْتُ وهُما واحِدٌ ؟ (قُلْتُ): لَيْسا بِواحِدٍ لِاخْتِلافِ جِهَتَيْهِما، وذَلِكَ أنَّ الأمْرَ بِالإخْلاصِ وتَكْلِيفَهُ شَيْءٌ، والأمْرَ بِهِ لِتُحْرِزَ بِهِ قَصَبَ السَّبْقِ في الدِّينِ شَيْءٌ. وإذا اخْتَلَفَ وجْها الشَّيْءِ وصِفَتاهُ يُنَزَّلُ بِذَلِكَ مَنزِلَةَ شَيْئَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، ولَكَ أنْ تَجْعَلَ اللّامَ مَزِيدَةً مِثْلَها في أرَدْتُ؛ لِأنَّ أفْعَلَ لا تُزادُ إلّا مَعَ أنْ خاصَّةً دُونَ الِاسْمِ الصَّرِيحِ، كَأنَّها زِيدَتْ عِوَضًا مِن تَرْكِ الأصْلِ إلى ما يَقُومُ مَقامَهُ، كَما عَوَّضَ السِّينَ في اسْطاعَ عِوَضًا مِن تَرْكِ الأصْلِ الَّذِي هو أطْوَعُ. والدَّلِيلُ عَلى هَذا الوَجْهِ مَجِيئُهُ بِغَيْرِ لامٍ في قَوْلِهِ: (وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ أوَّلَ مَن أسْلَمَ) . انْتَهى.
ويُحْتَمَلُ في (أنْ أكُونَ) في ثَلاثَةِ المَواضِعِ أصْلُهُ " لِأنْ أكُونُ )، فَيَكُونُ قَدْ حُذِفَتِ اللّامُ، والمَأْمُورُ بِهِ مَحْذُوفٌ، وهو المُصَرَّحُ بِهِ هُنا ﴿إنِّي أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ﴾ .
﴿قُلْ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذِهِ الجُمْلَةِ، مَقُولُ القَوْلِ في سُورَةِ يُونُسَ.
ولَمّا أمَرَهُ أوَّلًا أنْ يُخْبِرَ بِأنَّهُ أُمِرَ بِعِبادَةِ اللَّهِ، أمَرَ ثانِيًا أنْ يُخْبِرَ بِأنَّهُ يَعْبُدُ اللَّهَ وحْدَهُ. وتَقْدِيمُ الجَلالَةِ دالٌّ عَلى الِاهْتِمامِ بِمَن يُعْبَدُ، وعِنْدَ الزَّمَخْشَرِيِّ يَدُلُّ عَلى الِاخْتِصاصِ، قالَ: ولِدَلالَتِهِ عَلى ذَلِكَ، قَدَّمَ المَعْبُودَ عَلى فِعْلِ العِبادَةِ، وأخَّرَهُ في الأوَّلِ. فالكَلامُ أوَّلًا واقِعٌ في الفِعْلِ في نَفْسِهِ وإيجادِهِ، وثانِيًا فِيمَن يُفْعَلُ الفِعْلُ لِأجْلِهِ، ولِذَلِكَ رُتِّبَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿فاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِن دُونِهِ﴾ . والمُرادُ بِهَذا الأمْرِ الوارِدِ عَلى وجْهِ التَّخْيِيرِ المُبالَغَةُ في الخِذْلانِ والتَّخْلِيَةِ. انْتَهى.
وقالَ غَيْرُهُ: ﴿فاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ﴾: صِيغَةُ أمْرٍ عَلى جِهَةِ التَّهْدِيدِ لِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ﴾ .
﴿قُلْ إنَّ الخاسِرِينَ﴾ أيْ: حَقِيقَةُ الخُسْرانِ، (الَّذِينَ خَسِرُوا) أيْ: هُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم، حَيْثُ صارُوا مِن أهْلِ النّارِ، وأهْلِيهِمُ الَّذِينَ كانُوا مَعَهم في الدُّنْيا، حَيْثُ كانُوا مَعَهم في النّارِ، فَلَمْ يَنْتَفِعُوا مِنهم بِشَيْءٍ، وإنْ كانَ أهْلُوهم قَدْ آمَنُوا، فُخُسْرانُهم إيّاهم كَوْنُهم لا يَجْتَمِعُونَ بِهِمْ ولا يَرْجِعُونَ إلَيْهِمْ.
وقالَ قَتادَةُ: كَأنَّ اللَّهَ قَدْ أعَدَّ لَهم أهْلًا في الجَنَّةِ فَخَسِرُوهم، وقالَ مَعْناهُ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرانَ. وقالَ الحَسَنُ: هي الحُورُ العِينُ.
ثُمَّ ذَكَرَ ذَلِكَ الخُسْرانَ وبالَغَ فِيهِ في التَّنْبِيهِ عَلَيْهِ أوَّلًا، والإشارَةِ إلَيْهِ، وتَأْكِيدِهِ بِالفِعْلِ، وتَعْرِيفِهِ بِألْ، ووَصْفِهِ بِأنَّهُ المُبِينُ أيِ: الواضِحُ لِمَن تَأمَّلَهُ أدْنى تَأمُّلٍ.
ولَمّا ذَكَرَ خُسْرانَهم أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ، ذَكَرَ حالَهم في جَهَنَّمَ، وأنَّهُ مِن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ ومِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ، فَيُظْهِرُ أنَّ النّارَ تَغْشاهم مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِهِمْ، وسَمّى ما تَحْتَهم ظُلَلًا لِمُقابَلَةِ ما فَوْقَهم، كَما قالَ: ﴿يَوْمَ يَغْشاهُمُ العَذابُ مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٥٥]، وقالَ لَهم: ﴿مِن جَهَنَّمَ مِهادٌ ومِن فَوْقِهِمْ غَواشٍ﴾ [الأعراف: ٤١] وقِيلَ: هي ظُلَلٌ لِلَّذِينِ هم تَحْتَهم، إذِ النّارُ طِباقٌ. وقِيلَ: إنَّما تَحْتُهم يَلْتَهِبُ ويَتَصاعَدُ مِنهُ شَيْءٌ حَتّى يَكُونَ ظُلَّةً، فَسُمِّيَ ظُلَّةً بِاعْتِبارِ ما آلَ إلَيْهِ أخِيرًا.
(ذَلِكَ) أيْ: ذَلِكَ العَذابُ، يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ؛ لِيَعْلَمُوا ما يُخَلِّصُكم مِنهُ، ثُمَّ ناداهم وأمَرَهم فَقالَ: ﴿ياعِبادِ فاتَّقُونِ﴾ أيِ: اتَّقَوْا عَذابِي.
الزمر 39:16
(p-٤١٨)﴿وإذا مَسَّ الإنْسانَ ضُرٌّ دَعا رَبَّهُ مُنِيبًا إلَيْهِ ثُمَّ إذا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنهُ نَسِيَ ما كانَ يَدْعُو إلَيْهِ مِن قَبْلُ وجَعَلَ لِلَّهِ أنْدادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إنَّكَ مِن أصْحابِ النّارِ﴾ ﴿أمْ مَن هو قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِدًا وقائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ ويَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبابِ﴾ ﴿قُلْ يا عِبادِي الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكم لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وأرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ إنَّما يُوَفّى الصّابِرُونَ أجْرَهم بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ ﴿قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ ﴿وأُمِرْتُ لِأنْ أكُونَ أوَّلَ المُسْلِمِينَ﴾ ﴿قُلْ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿قُلِ اللَّهَ أعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ ﴿فاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِن دُونِهِ قُلْ إنَّ الخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ ألا ذَلِكَ هو الخُسْرانُ المُبِينُ﴾ ﴿لَهم مِن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النّارِ ومِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ يا عِبادِ فاتَّقُونِ﴾ .
الظّاهِرُ أنَّ الإنْسانَ هُنا جِنْسُ الكافِرِ، وقِيلَ: مُعَيَّنٌ، كَعُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ. ويَدْخُلُ في الضُّرِّ جَمِيعُ المَكارِهِ في جِسْمٍ أوْ أهْلٍ أوْ مالٍ.
﴿دَعا رَبَّهُ﴾: اسْتَجارَ رَبَّهُ وناداهُ، ولَمْ يُؤَمِّلْ في كَشْفِ الضُّرِّ سِواهُ، ﴿مُنِيبًا إلَيْهِ﴾ أيْ: راجِعًا إلَيْهِ وحْدَهُ في إزالَةِ ذَلِكَ.
﴿ثُمَّ إذا خَوَّلَهُ﴾: أنالَهُ وأعْطاهُ بَعْدَ كَشْفِ ذَلِكَ الضُّرِّ عَنْهُ. وحَقِيقَةُ خَوَّلَهُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِهِمْ: هو خائِلُهُ، قالَ: إذا كانَ مُتَعَهِّدًا حُسْنَ القِيامِ عَلَيْهِ، أوْ مِن خالَ يَخُولُ، إذا اخْتالَ وافْتَخَرَ، وتَقُولُ العَرَبُ:
إنَّ الغَنِيَّ طَوِيلَ الذَّيْلِ مَيّاسٌ
﴿نَسِيَ ما كانَ يَدْعُو﴾ أيْ: تَرَكَ، والظّاهِرُ أنَّ ما بِمَعْنى الَّذِي، أيْ: نَسِيَ الضُّرَّ الَّذِي كانَ يَدْعُو اللَّهَ إلى كَشْفِهِ. وقِيلَ: ما بِمَعْنى مَن أيْ: نَسِيَ رَبَّهُ الَّذِي كانَ يَتَضَرَّعُ إلَيْهِ ويَبْتَهِلُ في كَشْفِ ضُرِّهِ. وقِيلَ: ما مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ: نَسِيَ كَوْنَهُ يَدْعُو.
وقِيلَ: تَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿نَسِيَ﴾، أيْ: نَسِيَ ما كانَ فِيهِ مِنَ الضُّرِّ. وما نافِيَةٌ، نَفى أنْ يَكُونَ دُعاءَ هَذا الكافِرِ خالِصًا لِلَّهِ مَقْصُورًا مِن قِبَلِ الضَّرَرِ، وعَلى الأقْوالِ السّابِقَةِ. (مِن قَبْلِ) أيْ: مِن قَبْلِ تَخْوِيلِ النِّعْمَةِ، وهو زَمانُ الضَّرَرِ.
﴿وجَعَلَ لِلَّهِ أنْدادًا﴾ أيْ: أمْثالًا يُضادُّ بَعْضُها بَعْضًا ويُعارِضُ. قالَ قَتادَةُ أيْ: مِنَ الرِّجالِ يُطِيعُونَهم في المَعْصِيَةِ. وقالَ غَيْرُهُ: أوْثانًا، وهَذا مِنَ سَخْفِ عُقُولِهِمْ. حِينَ مَسَّ الضُّرُّ دَعَوُا اللَّهَ ولَمْ يَلْتَجِئُوا في كَشْفِهِ إلّا إلَيْهِ؛ وحِينَ كَشَفَ ذَلِكَ وخَوَّلَ النِّعْمَةَ أشْرَكُوا بِهِ، فاللّامُ لامُ العِلَّةِ، وقِيلَ: لامُ العاقِبَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (لِيُضِلَّ)، بِضَمِّ الياءِ أيْ: ما اكْتَفى بِضَلالِ نَفْسِهِ حَتّى جَعَلَ غَيْرَهُ يَضِلُّ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عُمَرَ، وعِيسى: بِفَتْحِها، ثُمَّ أتى بِصِيغَةِ الأمْرِ فَقالَ: ﴿تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا﴾ أيْ: تَلَذَّذْ واصْنَعْ ما شِئْتَ قَلِيلًا، أيْ: عُمْرًا قَلِيلًا، والخِطابُ لِلْكافِرِ جاعِلِ الأنْدادِ لِلَّهِ.
﴿إنَّكَ مِن أصْحابِ النّارِ﴾ أيْ: مِن سُكّانِها المُخَلَّدِينَ فِيها. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقَوْلُهُ ﴿تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ﴾، أيْ: مِن بابِ الخِذْلانِ والتَّخْلِيَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ لَهُ: إذْ قَدْ أبَيْتَ قَبْلُ ما أُمِرْتَ بِهِ مِنَ الإيمانِ والطّاعَةِ، فَمِن حَقِّكِ أنْ لا تُؤْمَرَ بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ. ويُؤْمَرُ بِتَرْكِهِ مُبالَغَةَ خِذْلانِهِ وتَخْلِيَتِهِ وشَأْنَهُ؛ لِأنَّهُ لا مُبالَغَةَ في الخِذْلانِ أشَدُّ مِنَ أنْ يُبْعَثَ عَلى عَكْسِ ما أُمِرُوا بِهِ، ونَظِيرُهُ في المَعْنى: ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْواهم جَهَنَّمُ﴾ [آل عمران: ١٩٧] . انْتَهى.
ولَمّا شَرَحَ تَعالى شَيْئًا مِن أحْوالِ الظّالِمِينَ الضّالِّينَ المُشْرِكِينَ، أرْدَفَهُ بِشَرْحِ أحْوالِ المُهْتَدِينَ المُوَحِّدِينَ فَقالَ: ﴿أمْ مَن هو قانِتٌ﴾ . وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وحَمْزَةُ، والأعْمَشُ، وعِيسى، وشَيْبَةُ، والحَسَنُ في رِوايَةٍ: (أمَن)، بِتَخْفِيفِ المِيمِ. والظّاهِرُ أنَّ الهَمْزَةَ لِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرِ، ومُقابِلُهُ مَحْذُوفٌ لِفَهْمِ المَعْنى، والتَّقْدِيرُ: أهَذا القانِتُ خَيْرٌ أمِ الكافِرُ المُخاطَبُ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ﴾ ؟ ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ . ومِن حَذْفِ المُقابِلِ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎دَعانِي إلَيْها القَلْبُ إنِّي لِأمْرِها سَمِيعٌ فَما أدْرِي أرُشْدٌ طِلابُها
تَقْدِيرُهُ: أمْ غَيٌّ.
وقالَ الفَرّاءُ: الهَمْزَةُ لِلنِّداءِ، كَأنَّهُ قِيلَ: يا مَن هو قانِتٌ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: (قُلْ) خِطابًا لَهُ، وهَذا القَوْلُ أجْنَبِيُّ مِمّا قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ. وضَعَّفَ هَذا القَوْلَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ، ولا التِفاتَ لِتَضْعِيفِ الأخْفَشِ وأبِي حاتِمٍ هَذِهِ القِراءَةَ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، والأعْرَجُ، وأبُو جَعْفَرٍ: (أمَّنْ)، بِتَشْدِيدِ المِيمِ، وهي أمْ أُدْغِمَتْ مِيمُها في مِيمِ مَن، فاحْتَمَلَتْ أمْ أنْ تَكُونَ مُتَّصِلَةً، ومُعادِلُها مَحْذُوفٌ قَبْلَها، تَقْدِيرُهُ: أهَذا الكافِرُ خَيْرٌ أمْ مَن هو قانِتٌ ؟ قالَ مَعْناهُ الأخْفَشُ، ويَحْتاجُ مِثْلُ هَذا التَّقْدِيرِ (p-٤١٩)إلى سَماعٍ مِنَ العَرَبِ، وهو أنْ يُحْذَفَ المُعادِلُ الأوَّلُ.
واحْتَمَلَتْ أمْ أنْ تَكُونَ مُنْقَطِعَةً تَتَقَدَّرُ بِبَلْ والهَمْزَةِ، والتَّقْدِيرُ: بَلْ أمْ مَن هو قانِتٌ صِفَتُهُ كَذا، كَمَن لَيْسَ كَذَلِكَ. وقالَ النَّحّاسُ: (أمْ) بِمَعْنى بَلْ، و(مَن) بِمَعْنى الَّذِي، والتَّقْدِيرُ: بَلِ الَّذِي هو قانِتٌ أفْضَلُ مِمَّنْ ذُكِرَ قَبْلَهُ. انْتَهى.
ولا فَضْلَ لِمَن قَبْلَهُ حَتّى يُجْعَلَ هَذا أفْضَلُ، بَلْ يُقَدَّرُ الخَبَرُ مِن أصْحابِ الجَنَّةِ، يَدُلُّ عَلَيْهِ مُقابِلُهُ: ﴿إنَّكَ مِن أصْحابِ النّارِ﴾ . والقانِتُ: المُطِيعُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في القُنُوتِ في البَقَرَةِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ساجِدًا وقائِمًا﴾، بِالنَّصْبِ عَلى الحالِ؛ والضَّحّاكُ: بِرَفْعِهِما إمّا عَلى النَّعْتِ لِـ (قانِتٌ) وإمّا عَلى أنَّهُ خَبْرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، والواوُ لِلْجَمْعِ بَيْنَ الصِّفَتَيْنِ.
﴿يَحْذَرُ الآخِرَةَ﴾ أيْ: عَذابَ الآخِرَةِ، ﴿ويَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ أيْ: حُصُولَها، وقِيلَ: نَعِيمَ الجَنَّةِ، وهَذا المُتَّصِفُ بِالقُنُوتِ إلى سائِرِ الأوْصافِ، قالَ مُقاتِلٌ: عَمّارٌ، وصُهَيْبٌ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو ذَرٍّ. وقالَ ابْنُ عُمَرَ: عُثْمانُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ الضَّحّاكِ: أبُو بَكْرٍ، وعُمَرُ. وقالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . والظّاهِرُ أنَّهُ مَنِ اتَّصَفَ بِهَذِهِ الأوْصافِ مِن غَيْرِ تَعْيِينٍ.
وفِي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى فَضْلِ قِيامِ اللَّيْلِ، وأنَّهُ أرْجَحُ مِن قِيامِ النَّهارِ.
ولَمّا ذَكَرَ العَمَلَ ذَكَرَ العِلْمَ فَقالَ: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾، فَدَلَّ أنَّ كَمالَ الإنْسانِ مَحْصُورٌ في هَذَيْنِ المَقْصُودَيْنِ، فَكَما لا يَسْتَوِي هَذانِ، كَذَلِكَ لا يَسْتَوِي المُطِيعُ والعاصِي. والمُرادُ بِالعِلْمِ هُنا: ما أدّى إلى مَعْرِفَةِ اللَّهِ ونَجاةِ العَبْدِ مِن سُخْطِهِ. وقَرَأ: (يَذَّكَّرُ) بِإدْغامِ تاءِ يَتَذَكَّرُ في الذّالِ.
﴿قُلْ يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾، ورُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ في جَعْفَرِ بْنِ أبِي طالِبٍ وأصْحابِهِ حِينَ عَزَمُوا عَلى الهِجْرَةِ إلى أرْضِ الحَبَشَةِ، وعَدَهم تَعالى فَقالَ: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ﴾ . والظّاهِرُ تَعَلُّقُ (في هَذِهِ) بِـ (أحْسَنُوا)، وأنَّ المُحْسِنِينَ في الدُّنْيا لَهم في الآخِرَةِ حَسَنَةٌ، أيْ: حَسَنَةٌ عَظِيمَةٌ، وهي الجَنَّةُ، قالَهُ مُقاتِلٌ، والصِّفَةُ مَحْذُوفَةٌ يَدُلُّ عَلَيْها المَعْنى؛ لِأنَّ مَن أحْسَنَ في الدُّنْيا لا يُوعَدُ أنْ يَكُونَ لَهُ في الآخِرَةِ مُطْلَقُ حَسَنَةٍ. وقالَ السُّدِّيُّ: (في هَذِهِ) مِن تَمامِ (حَسَنَةٍ)، أيْ: ولَوْ تَأخَّرَ لَكانَ صِفَةً، أيْ: الَّذِينَ يُحْسِنُونَ لَهم حَسَنَةٌ كائِنَةٌ في الدُّنْيا. فَلَمّا تَقَدَّمَ انْتَصَبَ عَلى الحالِ، والحَسَنَةُ الَّتِي لَهم في الدُّنْيا هي العافِيَةُ والظُّهُورُ ووِلايَةُ اللَّهِ تَعالى.
ثُمَّ حَضَّ عَلى الهِجْرَةِ فَقالَ: ﴿وأرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ﴾، كَقَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَكُنْ أرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها﴾ [النساء: ٩٧]، أيْ: لا عُذْرَ لِلْمُفَرِّطِينَ ألْبَتَّةَ، حَتّى لَوِ اعْتَلُّوا بِأوْطانِهِمْ، وأنَّهم لا يَتَمَكَّنُونَ فِيها مِن أعْمالِ الطّاعاتِ، قِيلَ لَهم: إنَّ بِلادَ اللَّهِ كَثِيرَةٌ واسِعَةٌ، فَتَحَوَّلُوا إلى الأماكِنِ الَّتِي تُمْكِنُكم فِيها الطّاعاتُ.
وقالَ عَطاءٌ: ﴿وأرْضُ اللَّهِ﴾ المَدِينَةُ لِلْهِجْرَةِ، قِيلَ: فَعَلى هَذا يَكُونُ أحْسَنُوا: هاجَرُوا، وحَسَنَةٌ: راحَةٌ مِنَ الأعْداءِ.
وقالَ قَوْمٌ: (أرْضُ اللَّهِ) هُنا: الجَنَّةُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا القَوْلُ تَحَكُّمٌ، لا دَلِيلَ عَلَيْهِ. انْتَهى.
وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: لا يَمْتَنِعُ ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ تَعالى أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِالتَّقْوى؛ ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ مَنِ اتَّقى لَهُ في الآخِرَةِ الحَسَنَةُ، وهي الخُلُودُ في الجَنَّةِ؛ ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ أرْضَ اللَّهِ واسِعَةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿وأوْرَثَنا الأرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ﴾ [الزمر: ٧٤]، وقَوْلِهِ: ﴿وجَنَّةٍ عَرْضُها السَّماواتُ والأرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣] .
ولَمّا كانَتْ رُتْبَةُ الإحْسانِ مُنْتَهى الرُّتَبِ، كَما جاءَ: ما الإحْسانُ ؟ قالَ: أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ. وكانَ الصَّبْرُ عَلى ذَلِكَ مِن أشَقِّ الأشْياءِ، وخُصُوصًا مَن فارَقَ وطَنَهُ وعَشِيرَتَهُ وصَبَرَ عَلى بَلاءِ الغُرْبَةِ. ذَكَرَ أنَّ الصّابِرِينَ يُوَفَّوْنَ أُجُورَهم بِغَيْرِ حِسابٍ، أيْ: لا يُحاسَبُونَ في الآخِرَةِ، كَما يُحاسَبُ غَيْرُهم؛ أوْ يُوَفَّوْنَ ما لا يَحْصُرُهُ حِسابٌ مِنَ الكَثْرَةِ.
﴿قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾: أمَرَهُ تَعالى أنْ يُصْدِعَ الكُفّارَ بِما أُمِرَ بِهِ مِن عِبادَةِ اللَّهِ، يُخَلِّصَها مِنَ الشَّوائِبِ، (وأُمِرْتُ) أيْ: أُمِرْتُ بِما أُمِرْتُ، لِأكُونَ أوَّلَ مَن أسْلَمَ، أيِ: انْقادَ لِلَّهِ تَعالى، ويَعْنِي مِن أهْلِ عَصْرِهِ أوْ مِن قَوْمِهِ؛ لِأنَّهُ أوَّلُ مَن خالَفَ عُبّادَ الأصْنامِ، أوْ أوَّلُ مَن دَعَوْتُهم إلى الإسْلامِ إسْلامًا، أوْ أوَّلُ مَن دَعا نَفْسَهُ إلى ما دَعا إلَيْهِ غَيْرَهُ، لِأكُونَ مُقْتَدًى بِي قَوْلًا وفِعْلًا، (p-٤٢٠)لا كالمُلُوكِ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِما لا يَفْعَلُونَ، أوْ أنْ أفْعَلَ ما أسْتَحِقُّ بِهِ الأوَّلِيَّةَ مِنَ أعْمالِ السّابِقَيْنِ دَلالَةً عَلى السَّبَبِ بِالمُسَبَّبِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ عُطِفَ أُمِرْتُ عَلى أُمِرْتُ وهُما واحِدٌ ؟ (قُلْتُ): لَيْسا بِواحِدٍ لِاخْتِلافِ جِهَتَيْهِما، وذَلِكَ أنَّ الأمْرَ بِالإخْلاصِ وتَكْلِيفَهُ شَيْءٌ، والأمْرَ بِهِ لِتُحْرِزَ بِهِ قَصَبَ السَّبْقِ في الدِّينِ شَيْءٌ. وإذا اخْتَلَفَ وجْها الشَّيْءِ وصِفَتاهُ يُنَزَّلُ بِذَلِكَ مَنزِلَةَ شَيْئَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، ولَكَ أنْ تَجْعَلَ اللّامَ مَزِيدَةً مِثْلَها في أرَدْتُ؛ لِأنَّ أفْعَلَ لا تُزادُ إلّا مَعَ أنْ خاصَّةً دُونَ الِاسْمِ الصَّرِيحِ، كَأنَّها زِيدَتْ عِوَضًا مِن تَرْكِ الأصْلِ إلى ما يَقُومُ مَقامَهُ، كَما عَوَّضَ السِّينَ في اسْطاعَ عِوَضًا مِن تَرْكِ الأصْلِ الَّذِي هو أطْوَعُ. والدَّلِيلُ عَلى هَذا الوَجْهِ مَجِيئُهُ بِغَيْرِ لامٍ في قَوْلِهِ: (وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ أوَّلَ مَن أسْلَمَ) . انْتَهى.
ويُحْتَمَلُ في (أنْ أكُونَ) في ثَلاثَةِ المَواضِعِ أصْلُهُ " لِأنْ أكُونُ )، فَيَكُونُ قَدْ حُذِفَتِ اللّامُ، والمَأْمُورُ بِهِ مَحْذُوفٌ، وهو المُصَرَّحُ بِهِ هُنا ﴿إنِّي أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ﴾ .
﴿قُلْ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذِهِ الجُمْلَةِ، مَقُولُ القَوْلِ في سُورَةِ يُونُسَ.
ولَمّا أمَرَهُ أوَّلًا أنْ يُخْبِرَ بِأنَّهُ أُمِرَ بِعِبادَةِ اللَّهِ، أمَرَ ثانِيًا أنْ يُخْبِرَ بِأنَّهُ يَعْبُدُ اللَّهَ وحْدَهُ. وتَقْدِيمُ الجَلالَةِ دالٌّ عَلى الِاهْتِمامِ بِمَن يُعْبَدُ، وعِنْدَ الزَّمَخْشَرِيِّ يَدُلُّ عَلى الِاخْتِصاصِ، قالَ: ولِدَلالَتِهِ عَلى ذَلِكَ، قَدَّمَ المَعْبُودَ عَلى فِعْلِ العِبادَةِ، وأخَّرَهُ في الأوَّلِ. فالكَلامُ أوَّلًا واقِعٌ في الفِعْلِ في نَفْسِهِ وإيجادِهِ، وثانِيًا فِيمَن يُفْعَلُ الفِعْلُ لِأجْلِهِ، ولِذَلِكَ رُتِّبَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿فاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِن دُونِهِ﴾ . والمُرادُ بِهَذا الأمْرِ الوارِدِ عَلى وجْهِ التَّخْيِيرِ المُبالَغَةُ في الخِذْلانِ والتَّخْلِيَةِ. انْتَهى.
وقالَ غَيْرُهُ: ﴿فاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ﴾: صِيغَةُ أمْرٍ عَلى جِهَةِ التَّهْدِيدِ لِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ﴾ .
﴿قُلْ إنَّ الخاسِرِينَ﴾ أيْ: حَقِيقَةُ الخُسْرانِ، (الَّذِينَ خَسِرُوا) أيْ: هُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم، حَيْثُ صارُوا مِن أهْلِ النّارِ، وأهْلِيهِمُ الَّذِينَ كانُوا مَعَهم في الدُّنْيا، حَيْثُ كانُوا مَعَهم في النّارِ، فَلَمْ يَنْتَفِعُوا مِنهم بِشَيْءٍ، وإنْ كانَ أهْلُوهم قَدْ آمَنُوا، فُخُسْرانُهم إيّاهم كَوْنُهم لا يَجْتَمِعُونَ بِهِمْ ولا يَرْجِعُونَ إلَيْهِمْ.
وقالَ قَتادَةُ: كَأنَّ اللَّهَ قَدْ أعَدَّ لَهم أهْلًا في الجَنَّةِ فَخَسِرُوهم، وقالَ مَعْناهُ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرانَ. وقالَ الحَسَنُ: هي الحُورُ العِينُ.
ثُمَّ ذَكَرَ ذَلِكَ الخُسْرانَ وبالَغَ فِيهِ في التَّنْبِيهِ عَلَيْهِ أوَّلًا، والإشارَةِ إلَيْهِ، وتَأْكِيدِهِ بِالفِعْلِ، وتَعْرِيفِهِ بِألْ، ووَصْفِهِ بِأنَّهُ المُبِينُ أيِ: الواضِحُ لِمَن تَأمَّلَهُ أدْنى تَأمُّلٍ.
ولَمّا ذَكَرَ خُسْرانَهم أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ، ذَكَرَ حالَهم في جَهَنَّمَ، وأنَّهُ مِن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ ومِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ، فَيُظْهِرُ أنَّ النّارَ تَغْشاهم مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِهِمْ، وسَمّى ما تَحْتَهم ظُلَلًا لِمُقابَلَةِ ما فَوْقَهم، كَما قالَ: ﴿يَوْمَ يَغْشاهُمُ العَذابُ مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٥٥]، وقالَ لَهم: ﴿مِن جَهَنَّمَ مِهادٌ ومِن فَوْقِهِمْ غَواشٍ﴾ [الأعراف: ٤١] وقِيلَ: هي ظُلَلٌ لِلَّذِينِ هم تَحْتَهم، إذِ النّارُ طِباقٌ. وقِيلَ: إنَّما تَحْتُهم يَلْتَهِبُ ويَتَصاعَدُ مِنهُ شَيْءٌ حَتّى يَكُونَ ظُلَّةً، فَسُمِّيَ ظُلَّةً بِاعْتِبارِ ما آلَ إلَيْهِ أخِيرًا.
(ذَلِكَ) أيْ: ذَلِكَ العَذابُ، يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ؛ لِيَعْلَمُوا ما يُخَلِّصُكم مِنهُ، ثُمَّ ناداهم وأمَرَهم فَقالَ: ﴿ياعِبادِ فاتَّقُونِ﴾ أيِ: اتَّقَوْا عَذابِي.
الزمر 39:17
(p-٤٢١)﴿والَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ أنْ يَعْبُدُوها وأنابُوا إلى اللَّهِ لَهُمُ البُشْرى فَبَشِّرْ عِبادِي﴾ ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وأُولَئِكَ هم أُولُو الألْبابِ﴾ ﴿أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ أفَأنْتَ تُنْقِذُ مَن في النّارِ﴾ ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم لَهم غُرَفٌ مِن فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ وعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ المِيعادَ﴾ ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ في الأرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا ألْوانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطامًا إنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرى لِأُولِي الألْبابِ﴾ ﴿أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ فَهو عَلى نُورٍ مِن رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهم مِن ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ .
قالَ ابْنُ زَيْدٍ: نَزَلَتْ ﴿والَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ﴾ في زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ، وسَلْمانَ، وأبِي ذَرٍّ.
وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: الإشارَةُ بِها إلى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وسَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ، وسَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ، والزُّبَيْرِ، وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا أسْلَمَ أبُو بَكْرٍ، سَمِعُوا ذَلِكَ فَجاءُوهُ وقالُوا: أسْلَمْتَ ؟ قالَ: نَعَمْ، وذَكَّرَهم بِاللَّهِ، فَآمَنُوا بِأجْمَعِهِمْ، فَنَزَلَتْ فِيهِمْ، وهي مُحْكَمَةٌ في النّاسِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ.
والطّاغُوتُ: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْها في البَقَرَةِ. وقَرَأ الحَسَنُ: (الطَّواغِيتَ) جَمْعًا.
﴿أنْ يَعْبُدُوها﴾ أيْ: عِبادَتَها، وهو بَدَلُ اشْتِمالٍ.
(لَهُمُ البُشْرى) أيْ: مِنَ اللَّهِ تَعالى بِالثَّوابِ.
(فَبَشِّرْ عِبادِ): هُمُ المُجْتَنِبُونَ الطّاغُوتَ إلى اللَّهِ. وضَعَ الظّاهِرَ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِيَدُلَّ عَلى أنَّهم هم، ولِيَتَرَتَّبَ عَلى الظّاهِرِ الوَصْفُ، وهو: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ﴾، وهو عامٌّ في جَمِيعِ الأقْوالِ، ﴿فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ﴾: ثَناءٌ عَلَيْهِمْ بِنُفُوذِ بَصائِرِهِمْ وتَمْيِيزِهِمُ الأحْسَنَ، فَإذا سَمِعُوا قَوْلًا تَبَصَّرُوهُ.
قِيلَ: وأحْسَنُ القَوْلِ: القُرْآنُ وما يَرْجِعُ إلَيْهِ. وقِيلَ: القَوْلُ: القُرْآنُ، وأحْسَنُهُ: ما فِيهِ مِن صَفْحٍ وعَفْوٍ واحْتِمالٍ ونَحْوِ ذَلِكَ. وقالَ قَتادَةُ: أحْسَنُ القَوْلِ طاعَةُ اللَّهِ.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: هو الرَّجُلُ يَجْلِسُ مَعَ القَوْمِ، فَيَسْمَعُ الحَدِيثَ فِيهِ مَحاسِنُ ومَساوٍ، فَيُحَدِّثُ بِأحْسَنِ ما سَمِعَ، ويَكُفُّ عَنْ ما سِواهُ.
و(الَّذِينَ): وصْفٌ لِـ (عِبادِ) . وقِيلَ: الوَقْفُ عَلى عِبادِ، والَّذِينَ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ أُولَئِكَ وما بَعْدَهُ.
﴿أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ﴾: قِيلَ نَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ، أيْ: نَفَّذَ عَلَيْهِ الوَعِيدَ بِالعَذابِ. والظّاهِرُ أنَّها جُمْلَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ، و(مَن) مَوْصُولَةٌ مُبْتَدَأٌ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ، فَقِيلَ تَقْدِيرُهُ: يَتَأسَّفُ عَلَيْهِ، وقِيلَ: يَتَخَلَّصُ مِنهُ. وقَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَأنْتَ تُخَلِّصُهُ، قالَ: حُذِفَ لِدَلالَةِ ﴿أفَأنْتَ تُنْقِذُ﴾ عَلَيْهِ. وقَدَّرَ الزَّمَخْشَرِيُّ بَيْنَ الهَمْزَةِ والفاءِ جُمْلَةً حَتّى تَقَرَّ الهَمْزَةُ في مَكانِها والفاءُ في مَكانِها، فَقالَ: التَّقْدِيرُ: أأنْتَ مالِكُ أمْرِهِمْ ؟ فَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ، وهو قَوْلٌ انْفَرَدَ بِهِ فِيما عَلِمْناهُ.
والَّذِي تَقُولُهُ النُّحاةُ أنَّ الفاءَ لِلْعَطْفِ ومَوْضِعُها التَّقْدِيمُ عَلى الهَمْزَةِ، لَكِنَّ الهَمْزَةَ لَمّا كانَ لَها صَدْرُ الكَلامِ، قُدِّمَتْ، فالأصْلُ عِنْدَهم: فَأمَن حَقَّ عَلَيْهِ، وعَلى القَوْلِ أنَّها جُمْلَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿أفَأنْتَ تُنْقِذُ مَن في النّارِ﴾، اسْتِفْهامُ تَوْقِيفٍ، وقُدِّمَ فِيهِ الضَّمِيرُ إشْعارًا بِأنَّكَ لَسْتَ تَقْدِرُ أنْ تُنْقِذَهُ مِنَ النّارِ، بَلْ لا يَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ أحَدٌ إلّا اللَّهُ. وذَهَبَتْ فِرْقَةٌ، مِنهُمُ الحَوْفَيُّ والزَّمَخْشَرِيُّ، إلى أنَّ مَن شَرْطِيَّةٌ، وجَوابُ الشَّرْطِ أفَأنْتِ، فالفاءُ فاءُ الجَوابِ دَخَلَتْ عَلى جُمْلَةِ الجَزاءِ، وأُعِيدَتِ الهَمْزَةُ لِتَوْكِيدِ مَعْنى الإنْكارِ والِاسْتِبْعادِ، ووُضِعَ مَن في النّارِ، وهو ظاهِرٌ، مَوْضِعَ المُضْمَرِ، إذْ كانَ الأصْلُ تُنْقِذُهُ، وإنَّما أُظْهِرَ تَشْهِيرًا لِحالِهِمْ وإظْهارًا لِخِسَّةِ مَنازِلِهِمْ. قالَ الحَوْفِيُّ: وجِيءَ بِألِفِ الِاسْتِفْهامِ لَمّا طالَ الكَلامُ تَوْكِيدًا، ولَوْلا طُولُهُ، لَمْ يَجُزِ الإتْيانُ بِها؛ لِأنَّهُ لا يَصْلُحُ في العَرَبِيَّةِ أنْ يَأْتِيَ بِألِفِ الِاسْتِفْهامِ في الِاسْمِ، وألِفٌ أُخْرى في الجَزاءِ. ومَعْنى الكَلامِ: أفَأنْتَ تُنْقِذُهُ ؟ انْتَهى.
وعَلى هَذا القَوْلِ، يَكُونُ قَدِ اجْتَمَعَ اسْتِفْهامٌ وشَرْطٌ عَلى قَوْلِ الجَماعَةِ أنَّ الهَمْزَةَ قَدَّمَتْ مَن تَأخَّرَ، فَيَجِيءُ الخِلافُ بَيْنَ سِيبَوَيْهِ ويُونُسَ: هَلِ الجُمْلَةُ الأخِيرَةُ هي لِلْمُسْتَفْهِمِ عَنْها أوْ هي جَوابُ الشَّرْطِ ؟ وعَلى تَقْدِيرِ الزَّمَخْشَرِيِّ: لَمْ تَدْخُلِ الهَمْزَةُ عَلى اسْمِ الشَّرْطِ، فَلَمْ يَجْتَمِعِ اسْتِفْهامٌ وشَرْطٌ؛ لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ عِنْدَهُ دَخَلَ عَلى الجُمْلَةِ المَحْذُوفَةِ عِنْدَهُ، وهو: أأنْتَ مالِكُ أمْرِهِمْ ؟ وفَمَن مَعْطُوفٌ عَلى تِلْكَ الجُمْلَةِ المَحْذُوفَةِ، عُطِفَتْ جُمْلَةُ الشَّرْطِ عَلى جُمْلَةِ الِاسْتِفْهامِ، ونَزَلَ اسْتِحْقاقُهُمُ العَذابَ، وهم في الدُّنْيا بِمَنزِلَةِ دُخُولِهِمُ النّارَ، ونَزَلَ اجْتِهادُ (p-٤٢٢)الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في دُعائِهِمْ إلى الإيمانِ مَنزِلَةَ انْقاذِهِمْ مِنَ النّارِ.
ولَمّا ذَكَرَ حالَ الكُفّارِ في النّارِ، وأنَّ الخاسِرِينَ لَهم ظُلَلٌ، ذَكَرَ حالَ المُؤْمِنِينَ، وناسَبَ الِاسْتِدْراكَ هُنا، إذْ هو واقِعٌ بَيْنِ الكافِرِينَ والمُؤْمِنِينَ، فَقالَ: (لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا) . فَفي ذَلِكَ حَضٌّ عَلى التَّقْوى، لَهم عَلالِيُّ مُرْتَفِعَةٌ فَوْقَها عَلالِيُّ مَبْنِيَّةٌ، أيْ: بِناءَ المَنازِلِ الَّتِي سُوِّيَتْ عَلى الأرْضِ. والضَّمِيرُ في (مِن تَحْتِها) عائِدٌ عَلى الجَمْعَيْنِ، أيْ: مِن تَحْتِ الغُرَفِ السُّفْلى والغُرَفِ العُلْيا، لا تَفاوُتَ بَيْنَ أعْلاها وأسْفَلِها وانْتَصَبَ (وعْدَ اللَّهِ) عَلى المَصْدَرِ المُؤَكِّدِ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ قَبْلَهُ، إذْ تَضَمَّنَتْ مَعْنى الوَعْدِ.
(ألَمْ تَرَ): خِطابٌ وتَوْقِيفٌ لِلسّامِعِ عَلى ما يَعْتَبِرُ بِهِ مِن أفْعالِ اللَّهِ الدّالَّةِ عَلى فَناءِ الدُّنْيا واضْمِحْلالِها.
﴿فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ﴾ أيْ: أدْخَلَهُ مَسالِكَ وعُيُونًا. والظّاهِرُ أنَّ ماءَ العُيُونِ هو مِن ماءِ المَطَرِ، تَحْبِسُهُ الأرْضُ ويَخْرُجُ شَيْئًا فَشَيْئًا.
﴿ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا﴾، ذَكَرَ مِنَّتَهُ تَعالى عَلَيْنا بِما تَقُومُ بِهِ مَعِيشَتُنا.
(مُخْتَلِفًا ألْوانُهُ): مِن أحْمَرَ وأبْيَضَ وأصْفَرَ، وشَمِلَ لَفْظُ الزَّرْعِ جَمِيعَ ما يُزْرَعُ مِن مُقْتاتٍ وغَيْرِهِ، أوْ مُخْتَلِفًا أصْنافُهُ مِن بُرٍّ وشَعِيرٍ وسِمْسِمٍ وغَيْرِ ذَلِكَ.
(ثُمَّ يَهِيجُ): يُقارِبُ الثِّمارَ، (فَتَراهُ مُصْفَرًّا) أيْ: زالَتْ خُضْرَتُهُ ونَضارَتُهُ.
وقَرَأ أبُو بِشْرٍ: (ثُمَّ يَجْعَلَهُ) بِالنَّصْبِ في اللّامِ. قالَ صاحِبُ الكامِلِ وهو ضَعِيفٌ. انْتَهى.
(إنَّ في ذَلِكَ) أيْ: فِيما ذُكِرَ مِن إنْزالِ المَطَرِ وإخْراجِ الزَّرْعِ بِهِ وتَنَقُّلاتِهِ إلى حالَةِ الحُطامِيَّةِ، (لَذِكْرى) أيْ: لَتَذْكِرَةً وتَنْبِيهًا عَلى حِكْمَةِ فاعِلِ ذَلِكَ وقُدْرَتِهِ.
﴿أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ﴾: نَزَلَتْ في حَمْزَةَ، وعَلِيٍّ، و(مَن) مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ تَقْدِيرُهُ: كالقاسِي المُعْرِضِ عَنِ الإسْلامِ، وأبُو لَهَبٍ وابْنُهُ كانا مِنَ القاسِيَةِ قُلُوبُهم، وشَرْحُ الصَّدْرِ اسْتِعارَةٌ عَنْ قَبُولِهِ لِلْإيمانِ والخَيْرِ والنُّورِ والهِدايَةِ. وفي الحَدِيثِ: (كَيْفَ انْشِراحُ الصُّدُورِ ؟ قالَ: إذا دَخَلَ النُّورُ القَلْبَ انْشَرَحَ وانْفَسَحَ، قُلْنا: وما عَلامَةُ ذَلِكَ ؟ قالَ: الإنابَةُ إلى دارِ الخُلُودِ والتَّجافِي عَنْ دارِ الغُرُورِ والتَّأهُّبُ لِلْمَوْتِ قَبْلَ المَوْتِ) .
﴿فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهم مِن ذِكْرِ اللَّهِ﴾ أيْ: مِن أجْلِ ذِكْرِهِ، أيْ: إذا ذُكِرَ اللَّهُ عِنْدَهم قَسَتْ قُلُوبُهم. وقالَ مالِكُ بْنُ دِينارٍ: ما ضُرِبَ عَبْدٌ بِعُقُوبَةٍ أعْظَمَ مِن قَسْوَةِ قَلْبٍ.
(أُولَئِكَ) أيِ: القاسِيَةُ قُلُوبُهم، (في ضَلالٍ مُبِينٍ) أيْ: في حَيْرَةٍ واضِحَةٍ، لا تَخْفى عَلى مَن تَأمَّلَها.
الزمر 39:18
(p-٤٢١)﴿والَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ أنْ يَعْبُدُوها وأنابُوا إلى اللَّهِ لَهُمُ البُشْرى فَبَشِّرْ عِبادِي﴾ ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وأُولَئِكَ هم أُولُو الألْبابِ﴾ ﴿أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ أفَأنْتَ تُنْقِذُ مَن في النّارِ﴾ ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم لَهم غُرَفٌ مِن فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ وعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ المِيعادَ﴾ ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ في الأرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا ألْوانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطامًا إنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرى لِأُولِي الألْبابِ﴾ ﴿أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ فَهو عَلى نُورٍ مِن رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهم مِن ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ .
قالَ ابْنُ زَيْدٍ: نَزَلَتْ ﴿والَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ﴾ في زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ، وسَلْمانَ، وأبِي ذَرٍّ.
وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: الإشارَةُ بِها إلى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وسَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ، وسَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ، والزُّبَيْرِ، وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا أسْلَمَ أبُو بَكْرٍ، سَمِعُوا ذَلِكَ فَجاءُوهُ وقالُوا: أسْلَمْتَ ؟ قالَ: نَعَمْ، وذَكَّرَهم بِاللَّهِ، فَآمَنُوا بِأجْمَعِهِمْ، فَنَزَلَتْ فِيهِمْ، وهي مُحْكَمَةٌ في النّاسِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ.
والطّاغُوتُ: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْها في البَقَرَةِ. وقَرَأ الحَسَنُ: (الطَّواغِيتَ) جَمْعًا.
﴿أنْ يَعْبُدُوها﴾ أيْ: عِبادَتَها، وهو بَدَلُ اشْتِمالٍ.
(لَهُمُ البُشْرى) أيْ: مِنَ اللَّهِ تَعالى بِالثَّوابِ.
(فَبَشِّرْ عِبادِ): هُمُ المُجْتَنِبُونَ الطّاغُوتَ إلى اللَّهِ. وضَعَ الظّاهِرَ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِيَدُلَّ عَلى أنَّهم هم، ولِيَتَرَتَّبَ عَلى الظّاهِرِ الوَصْفُ، وهو: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ﴾، وهو عامٌّ في جَمِيعِ الأقْوالِ، ﴿فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ﴾: ثَناءٌ عَلَيْهِمْ بِنُفُوذِ بَصائِرِهِمْ وتَمْيِيزِهِمُ الأحْسَنَ، فَإذا سَمِعُوا قَوْلًا تَبَصَّرُوهُ.
قِيلَ: وأحْسَنُ القَوْلِ: القُرْآنُ وما يَرْجِعُ إلَيْهِ. وقِيلَ: القَوْلُ: القُرْآنُ، وأحْسَنُهُ: ما فِيهِ مِن صَفْحٍ وعَفْوٍ واحْتِمالٍ ونَحْوِ ذَلِكَ. وقالَ قَتادَةُ: أحْسَنُ القَوْلِ طاعَةُ اللَّهِ.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: هو الرَّجُلُ يَجْلِسُ مَعَ القَوْمِ، فَيَسْمَعُ الحَدِيثَ فِيهِ مَحاسِنُ ومَساوٍ، فَيُحَدِّثُ بِأحْسَنِ ما سَمِعَ، ويَكُفُّ عَنْ ما سِواهُ.
و(الَّذِينَ): وصْفٌ لِـ (عِبادِ) . وقِيلَ: الوَقْفُ عَلى عِبادِ، والَّذِينَ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ أُولَئِكَ وما بَعْدَهُ.
﴿أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ﴾: قِيلَ نَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ، أيْ: نَفَّذَ عَلَيْهِ الوَعِيدَ بِالعَذابِ. والظّاهِرُ أنَّها جُمْلَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ، و(مَن) مَوْصُولَةٌ مُبْتَدَأٌ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ، فَقِيلَ تَقْدِيرُهُ: يَتَأسَّفُ عَلَيْهِ، وقِيلَ: يَتَخَلَّصُ مِنهُ. وقَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَأنْتَ تُخَلِّصُهُ، قالَ: حُذِفَ لِدَلالَةِ ﴿أفَأنْتَ تُنْقِذُ﴾ عَلَيْهِ. وقَدَّرَ الزَّمَخْشَرِيُّ بَيْنَ الهَمْزَةِ والفاءِ جُمْلَةً حَتّى تَقَرَّ الهَمْزَةُ في مَكانِها والفاءُ في مَكانِها، فَقالَ: التَّقْدِيرُ: أأنْتَ مالِكُ أمْرِهِمْ ؟ فَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ، وهو قَوْلٌ انْفَرَدَ بِهِ فِيما عَلِمْناهُ.
والَّذِي تَقُولُهُ النُّحاةُ أنَّ الفاءَ لِلْعَطْفِ ومَوْضِعُها التَّقْدِيمُ عَلى الهَمْزَةِ، لَكِنَّ الهَمْزَةَ لَمّا كانَ لَها صَدْرُ الكَلامِ، قُدِّمَتْ، فالأصْلُ عِنْدَهم: فَأمَن حَقَّ عَلَيْهِ، وعَلى القَوْلِ أنَّها جُمْلَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿أفَأنْتَ تُنْقِذُ مَن في النّارِ﴾، اسْتِفْهامُ تَوْقِيفٍ، وقُدِّمَ فِيهِ الضَّمِيرُ إشْعارًا بِأنَّكَ لَسْتَ تَقْدِرُ أنْ تُنْقِذَهُ مِنَ النّارِ، بَلْ لا يَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ أحَدٌ إلّا اللَّهُ. وذَهَبَتْ فِرْقَةٌ، مِنهُمُ الحَوْفَيُّ والزَّمَخْشَرِيُّ، إلى أنَّ مَن شَرْطِيَّةٌ، وجَوابُ الشَّرْطِ أفَأنْتِ، فالفاءُ فاءُ الجَوابِ دَخَلَتْ عَلى جُمْلَةِ الجَزاءِ، وأُعِيدَتِ الهَمْزَةُ لِتَوْكِيدِ مَعْنى الإنْكارِ والِاسْتِبْعادِ، ووُضِعَ مَن في النّارِ، وهو ظاهِرٌ، مَوْضِعَ المُضْمَرِ، إذْ كانَ الأصْلُ تُنْقِذُهُ، وإنَّما أُظْهِرَ تَشْهِيرًا لِحالِهِمْ وإظْهارًا لِخِسَّةِ مَنازِلِهِمْ. قالَ الحَوْفِيُّ: وجِيءَ بِألِفِ الِاسْتِفْهامِ لَمّا طالَ الكَلامُ تَوْكِيدًا، ولَوْلا طُولُهُ، لَمْ يَجُزِ الإتْيانُ بِها؛ لِأنَّهُ لا يَصْلُحُ في العَرَبِيَّةِ أنْ يَأْتِيَ بِألِفِ الِاسْتِفْهامِ في الِاسْمِ، وألِفٌ أُخْرى في الجَزاءِ. ومَعْنى الكَلامِ: أفَأنْتَ تُنْقِذُهُ ؟ انْتَهى.
وعَلى هَذا القَوْلِ، يَكُونُ قَدِ اجْتَمَعَ اسْتِفْهامٌ وشَرْطٌ عَلى قَوْلِ الجَماعَةِ أنَّ الهَمْزَةَ قَدَّمَتْ مَن تَأخَّرَ، فَيَجِيءُ الخِلافُ بَيْنَ سِيبَوَيْهِ ويُونُسَ: هَلِ الجُمْلَةُ الأخِيرَةُ هي لِلْمُسْتَفْهِمِ عَنْها أوْ هي جَوابُ الشَّرْطِ ؟ وعَلى تَقْدِيرِ الزَّمَخْشَرِيِّ: لَمْ تَدْخُلِ الهَمْزَةُ عَلى اسْمِ الشَّرْطِ، فَلَمْ يَجْتَمِعِ اسْتِفْهامٌ وشَرْطٌ؛ لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ عِنْدَهُ دَخَلَ عَلى الجُمْلَةِ المَحْذُوفَةِ عِنْدَهُ، وهو: أأنْتَ مالِكُ أمْرِهِمْ ؟ وفَمَن مَعْطُوفٌ عَلى تِلْكَ الجُمْلَةِ المَحْذُوفَةِ، عُطِفَتْ جُمْلَةُ الشَّرْطِ عَلى جُمْلَةِ الِاسْتِفْهامِ، ونَزَلَ اسْتِحْقاقُهُمُ العَذابَ، وهم في الدُّنْيا بِمَنزِلَةِ دُخُولِهِمُ النّارَ، ونَزَلَ اجْتِهادُ (p-٤٢٢)الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في دُعائِهِمْ إلى الإيمانِ مَنزِلَةَ انْقاذِهِمْ مِنَ النّارِ.
ولَمّا ذَكَرَ حالَ الكُفّارِ في النّارِ، وأنَّ الخاسِرِينَ لَهم ظُلَلٌ، ذَكَرَ حالَ المُؤْمِنِينَ، وناسَبَ الِاسْتِدْراكَ هُنا، إذْ هو واقِعٌ بَيْنِ الكافِرِينَ والمُؤْمِنِينَ، فَقالَ: (لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا) . فَفي ذَلِكَ حَضٌّ عَلى التَّقْوى، لَهم عَلالِيُّ مُرْتَفِعَةٌ فَوْقَها عَلالِيُّ مَبْنِيَّةٌ، أيْ: بِناءَ المَنازِلِ الَّتِي سُوِّيَتْ عَلى الأرْضِ. والضَّمِيرُ في (مِن تَحْتِها) عائِدٌ عَلى الجَمْعَيْنِ، أيْ: مِن تَحْتِ الغُرَفِ السُّفْلى والغُرَفِ العُلْيا، لا تَفاوُتَ بَيْنَ أعْلاها وأسْفَلِها وانْتَصَبَ (وعْدَ اللَّهِ) عَلى المَصْدَرِ المُؤَكِّدِ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ قَبْلَهُ، إذْ تَضَمَّنَتْ مَعْنى الوَعْدِ.
(ألَمْ تَرَ): خِطابٌ وتَوْقِيفٌ لِلسّامِعِ عَلى ما يَعْتَبِرُ بِهِ مِن أفْعالِ اللَّهِ الدّالَّةِ عَلى فَناءِ الدُّنْيا واضْمِحْلالِها.
﴿فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ﴾ أيْ: أدْخَلَهُ مَسالِكَ وعُيُونًا. والظّاهِرُ أنَّ ماءَ العُيُونِ هو مِن ماءِ المَطَرِ، تَحْبِسُهُ الأرْضُ ويَخْرُجُ شَيْئًا فَشَيْئًا.
﴿ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا﴾، ذَكَرَ مِنَّتَهُ تَعالى عَلَيْنا بِما تَقُومُ بِهِ مَعِيشَتُنا.
(مُخْتَلِفًا ألْوانُهُ): مِن أحْمَرَ وأبْيَضَ وأصْفَرَ، وشَمِلَ لَفْظُ الزَّرْعِ جَمِيعَ ما يُزْرَعُ مِن مُقْتاتٍ وغَيْرِهِ، أوْ مُخْتَلِفًا أصْنافُهُ مِن بُرٍّ وشَعِيرٍ وسِمْسِمٍ وغَيْرِ ذَلِكَ.
(ثُمَّ يَهِيجُ): يُقارِبُ الثِّمارَ، (فَتَراهُ مُصْفَرًّا) أيْ: زالَتْ خُضْرَتُهُ ونَضارَتُهُ.
وقَرَأ أبُو بِشْرٍ: (ثُمَّ يَجْعَلَهُ) بِالنَّصْبِ في اللّامِ. قالَ صاحِبُ الكامِلِ وهو ضَعِيفٌ. انْتَهى.
(إنَّ في ذَلِكَ) أيْ: فِيما ذُكِرَ مِن إنْزالِ المَطَرِ وإخْراجِ الزَّرْعِ بِهِ وتَنَقُّلاتِهِ إلى حالَةِ الحُطامِيَّةِ، (لَذِكْرى) أيْ: لَتَذْكِرَةً وتَنْبِيهًا عَلى حِكْمَةِ فاعِلِ ذَلِكَ وقُدْرَتِهِ.
﴿أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ﴾: نَزَلَتْ في حَمْزَةَ، وعَلِيٍّ، و(مَن) مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ تَقْدِيرُهُ: كالقاسِي المُعْرِضِ عَنِ الإسْلامِ، وأبُو لَهَبٍ وابْنُهُ كانا مِنَ القاسِيَةِ قُلُوبُهم، وشَرْحُ الصَّدْرِ اسْتِعارَةٌ عَنْ قَبُولِهِ لِلْإيمانِ والخَيْرِ والنُّورِ والهِدايَةِ. وفي الحَدِيثِ: (كَيْفَ انْشِراحُ الصُّدُورِ ؟ قالَ: إذا دَخَلَ النُّورُ القَلْبَ انْشَرَحَ وانْفَسَحَ، قُلْنا: وما عَلامَةُ ذَلِكَ ؟ قالَ: الإنابَةُ إلى دارِ الخُلُودِ والتَّجافِي عَنْ دارِ الغُرُورِ والتَّأهُّبُ لِلْمَوْتِ قَبْلَ المَوْتِ) .
﴿فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهم مِن ذِكْرِ اللَّهِ﴾ أيْ: مِن أجْلِ ذِكْرِهِ، أيْ: إذا ذُكِرَ اللَّهُ عِنْدَهم قَسَتْ قُلُوبُهم. وقالَ مالِكُ بْنُ دِينارٍ: ما ضُرِبَ عَبْدٌ بِعُقُوبَةٍ أعْظَمَ مِن قَسْوَةِ قَلْبٍ.
(أُولَئِكَ) أيِ: القاسِيَةُ قُلُوبُهم، (في ضَلالٍ مُبِينٍ) أيْ: في حَيْرَةٍ واضِحَةٍ، لا تَخْفى عَلى مَن تَأمَّلَها.
الزمر 39:19
(p-٤٢١)﴿والَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ أنْ يَعْبُدُوها وأنابُوا إلى اللَّهِ لَهُمُ البُشْرى فَبَشِّرْ عِبادِي﴾ ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وأُولَئِكَ هم أُولُو الألْبابِ﴾ ﴿أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ أفَأنْتَ تُنْقِذُ مَن في النّارِ﴾ ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم لَهم غُرَفٌ مِن فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ وعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ المِيعادَ﴾ ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ في الأرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا ألْوانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطامًا إنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرى لِأُولِي الألْبابِ﴾ ﴿أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ فَهو عَلى نُورٍ مِن رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهم مِن ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ .
قالَ ابْنُ زَيْدٍ: نَزَلَتْ ﴿والَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ﴾ في زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ، وسَلْمانَ، وأبِي ذَرٍّ.
وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: الإشارَةُ بِها إلى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وسَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ، وسَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ، والزُّبَيْرِ، وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا أسْلَمَ أبُو بَكْرٍ، سَمِعُوا ذَلِكَ فَجاءُوهُ وقالُوا: أسْلَمْتَ ؟ قالَ: نَعَمْ، وذَكَّرَهم بِاللَّهِ، فَآمَنُوا بِأجْمَعِهِمْ، فَنَزَلَتْ فِيهِمْ، وهي مُحْكَمَةٌ في النّاسِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ.
والطّاغُوتُ: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْها في البَقَرَةِ. وقَرَأ الحَسَنُ: (الطَّواغِيتَ) جَمْعًا.
﴿أنْ يَعْبُدُوها﴾ أيْ: عِبادَتَها، وهو بَدَلُ اشْتِمالٍ.
(لَهُمُ البُشْرى) أيْ: مِنَ اللَّهِ تَعالى بِالثَّوابِ.
(فَبَشِّرْ عِبادِ): هُمُ المُجْتَنِبُونَ الطّاغُوتَ إلى اللَّهِ. وضَعَ الظّاهِرَ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِيَدُلَّ عَلى أنَّهم هم، ولِيَتَرَتَّبَ عَلى الظّاهِرِ الوَصْفُ، وهو: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ﴾، وهو عامٌّ في جَمِيعِ الأقْوالِ، ﴿فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ﴾: ثَناءٌ عَلَيْهِمْ بِنُفُوذِ بَصائِرِهِمْ وتَمْيِيزِهِمُ الأحْسَنَ، فَإذا سَمِعُوا قَوْلًا تَبَصَّرُوهُ.
قِيلَ: وأحْسَنُ القَوْلِ: القُرْآنُ وما يَرْجِعُ إلَيْهِ. وقِيلَ: القَوْلُ: القُرْآنُ، وأحْسَنُهُ: ما فِيهِ مِن صَفْحٍ وعَفْوٍ واحْتِمالٍ ونَحْوِ ذَلِكَ. وقالَ قَتادَةُ: أحْسَنُ القَوْلِ طاعَةُ اللَّهِ.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: هو الرَّجُلُ يَجْلِسُ مَعَ القَوْمِ، فَيَسْمَعُ الحَدِيثَ فِيهِ مَحاسِنُ ومَساوٍ، فَيُحَدِّثُ بِأحْسَنِ ما سَمِعَ، ويَكُفُّ عَنْ ما سِواهُ.
و(الَّذِينَ): وصْفٌ لِـ (عِبادِ) . وقِيلَ: الوَقْفُ عَلى عِبادِ، والَّذِينَ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ أُولَئِكَ وما بَعْدَهُ.
﴿أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ﴾: قِيلَ نَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ، أيْ: نَفَّذَ عَلَيْهِ الوَعِيدَ بِالعَذابِ. والظّاهِرُ أنَّها جُمْلَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ، و(مَن) مَوْصُولَةٌ مُبْتَدَأٌ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ، فَقِيلَ تَقْدِيرُهُ: يَتَأسَّفُ عَلَيْهِ، وقِيلَ: يَتَخَلَّصُ مِنهُ. وقَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَأنْتَ تُخَلِّصُهُ، قالَ: حُذِفَ لِدَلالَةِ ﴿أفَأنْتَ تُنْقِذُ﴾ عَلَيْهِ. وقَدَّرَ الزَّمَخْشَرِيُّ بَيْنَ الهَمْزَةِ والفاءِ جُمْلَةً حَتّى تَقَرَّ الهَمْزَةُ في مَكانِها والفاءُ في مَكانِها، فَقالَ: التَّقْدِيرُ: أأنْتَ مالِكُ أمْرِهِمْ ؟ فَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ، وهو قَوْلٌ انْفَرَدَ بِهِ فِيما عَلِمْناهُ.
والَّذِي تَقُولُهُ النُّحاةُ أنَّ الفاءَ لِلْعَطْفِ ومَوْضِعُها التَّقْدِيمُ عَلى الهَمْزَةِ، لَكِنَّ الهَمْزَةَ لَمّا كانَ لَها صَدْرُ الكَلامِ، قُدِّمَتْ، فالأصْلُ عِنْدَهم: فَأمَن حَقَّ عَلَيْهِ، وعَلى القَوْلِ أنَّها جُمْلَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿أفَأنْتَ تُنْقِذُ مَن في النّارِ﴾، اسْتِفْهامُ تَوْقِيفٍ، وقُدِّمَ فِيهِ الضَّمِيرُ إشْعارًا بِأنَّكَ لَسْتَ تَقْدِرُ أنْ تُنْقِذَهُ مِنَ النّارِ، بَلْ لا يَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ أحَدٌ إلّا اللَّهُ. وذَهَبَتْ فِرْقَةٌ، مِنهُمُ الحَوْفَيُّ والزَّمَخْشَرِيُّ، إلى أنَّ مَن شَرْطِيَّةٌ، وجَوابُ الشَّرْطِ أفَأنْتِ، فالفاءُ فاءُ الجَوابِ دَخَلَتْ عَلى جُمْلَةِ الجَزاءِ، وأُعِيدَتِ الهَمْزَةُ لِتَوْكِيدِ مَعْنى الإنْكارِ والِاسْتِبْعادِ، ووُضِعَ مَن في النّارِ، وهو ظاهِرٌ، مَوْضِعَ المُضْمَرِ، إذْ كانَ الأصْلُ تُنْقِذُهُ، وإنَّما أُظْهِرَ تَشْهِيرًا لِحالِهِمْ وإظْهارًا لِخِسَّةِ مَنازِلِهِمْ. قالَ الحَوْفِيُّ: وجِيءَ بِألِفِ الِاسْتِفْهامِ لَمّا طالَ الكَلامُ تَوْكِيدًا، ولَوْلا طُولُهُ، لَمْ يَجُزِ الإتْيانُ بِها؛ لِأنَّهُ لا يَصْلُحُ في العَرَبِيَّةِ أنْ يَأْتِيَ بِألِفِ الِاسْتِفْهامِ في الِاسْمِ، وألِفٌ أُخْرى في الجَزاءِ. ومَعْنى الكَلامِ: أفَأنْتَ تُنْقِذُهُ ؟ انْتَهى.
وعَلى هَذا القَوْلِ، يَكُونُ قَدِ اجْتَمَعَ اسْتِفْهامٌ وشَرْطٌ عَلى قَوْلِ الجَماعَةِ أنَّ الهَمْزَةَ قَدَّمَتْ مَن تَأخَّرَ، فَيَجِيءُ الخِلافُ بَيْنَ سِيبَوَيْهِ ويُونُسَ: هَلِ الجُمْلَةُ الأخِيرَةُ هي لِلْمُسْتَفْهِمِ عَنْها أوْ هي جَوابُ الشَّرْطِ ؟ وعَلى تَقْدِيرِ الزَّمَخْشَرِيِّ: لَمْ تَدْخُلِ الهَمْزَةُ عَلى اسْمِ الشَّرْطِ، فَلَمْ يَجْتَمِعِ اسْتِفْهامٌ وشَرْطٌ؛ لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ عِنْدَهُ دَخَلَ عَلى الجُمْلَةِ المَحْذُوفَةِ عِنْدَهُ، وهو: أأنْتَ مالِكُ أمْرِهِمْ ؟ وفَمَن مَعْطُوفٌ عَلى تِلْكَ الجُمْلَةِ المَحْذُوفَةِ، عُطِفَتْ جُمْلَةُ الشَّرْطِ عَلى جُمْلَةِ الِاسْتِفْهامِ، ونَزَلَ اسْتِحْقاقُهُمُ العَذابَ، وهم في الدُّنْيا بِمَنزِلَةِ دُخُولِهِمُ النّارَ، ونَزَلَ اجْتِهادُ (p-٤٢٢)الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في دُعائِهِمْ إلى الإيمانِ مَنزِلَةَ انْقاذِهِمْ مِنَ النّارِ.
ولَمّا ذَكَرَ حالَ الكُفّارِ في النّارِ، وأنَّ الخاسِرِينَ لَهم ظُلَلٌ، ذَكَرَ حالَ المُؤْمِنِينَ، وناسَبَ الِاسْتِدْراكَ هُنا، إذْ هو واقِعٌ بَيْنِ الكافِرِينَ والمُؤْمِنِينَ، فَقالَ: (لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا) . فَفي ذَلِكَ حَضٌّ عَلى التَّقْوى، لَهم عَلالِيُّ مُرْتَفِعَةٌ فَوْقَها عَلالِيُّ مَبْنِيَّةٌ، أيْ: بِناءَ المَنازِلِ الَّتِي سُوِّيَتْ عَلى الأرْضِ. والضَّمِيرُ في (مِن تَحْتِها) عائِدٌ عَلى الجَمْعَيْنِ، أيْ: مِن تَحْتِ الغُرَفِ السُّفْلى والغُرَفِ العُلْيا، لا تَفاوُتَ بَيْنَ أعْلاها وأسْفَلِها وانْتَصَبَ (وعْدَ اللَّهِ) عَلى المَصْدَرِ المُؤَكِّدِ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ قَبْلَهُ، إذْ تَضَمَّنَتْ مَعْنى الوَعْدِ.
(ألَمْ تَرَ): خِطابٌ وتَوْقِيفٌ لِلسّامِعِ عَلى ما يَعْتَبِرُ بِهِ مِن أفْعالِ اللَّهِ الدّالَّةِ عَلى فَناءِ الدُّنْيا واضْمِحْلالِها.
﴿فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ﴾ أيْ: أدْخَلَهُ مَسالِكَ وعُيُونًا. والظّاهِرُ أنَّ ماءَ العُيُونِ هو مِن ماءِ المَطَرِ، تَحْبِسُهُ الأرْضُ ويَخْرُجُ شَيْئًا فَشَيْئًا.
﴿ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا﴾، ذَكَرَ مِنَّتَهُ تَعالى عَلَيْنا بِما تَقُومُ بِهِ مَعِيشَتُنا.
(مُخْتَلِفًا ألْوانُهُ): مِن أحْمَرَ وأبْيَضَ وأصْفَرَ، وشَمِلَ لَفْظُ الزَّرْعِ جَمِيعَ ما يُزْرَعُ مِن مُقْتاتٍ وغَيْرِهِ، أوْ مُخْتَلِفًا أصْنافُهُ مِن بُرٍّ وشَعِيرٍ وسِمْسِمٍ وغَيْرِ ذَلِكَ.
(ثُمَّ يَهِيجُ): يُقارِبُ الثِّمارَ، (فَتَراهُ مُصْفَرًّا) أيْ: زالَتْ خُضْرَتُهُ ونَضارَتُهُ.
وقَرَأ أبُو بِشْرٍ: (ثُمَّ يَجْعَلَهُ) بِالنَّصْبِ في اللّامِ. قالَ صاحِبُ الكامِلِ وهو ضَعِيفٌ. انْتَهى.
(إنَّ في ذَلِكَ) أيْ: فِيما ذُكِرَ مِن إنْزالِ المَطَرِ وإخْراجِ الزَّرْعِ بِهِ وتَنَقُّلاتِهِ إلى حالَةِ الحُطامِيَّةِ، (لَذِكْرى) أيْ: لَتَذْكِرَةً وتَنْبِيهًا عَلى حِكْمَةِ فاعِلِ ذَلِكَ وقُدْرَتِهِ.
﴿أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ﴾: نَزَلَتْ في حَمْزَةَ، وعَلِيٍّ، و(مَن) مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ تَقْدِيرُهُ: كالقاسِي المُعْرِضِ عَنِ الإسْلامِ، وأبُو لَهَبٍ وابْنُهُ كانا مِنَ القاسِيَةِ قُلُوبُهم، وشَرْحُ الصَّدْرِ اسْتِعارَةٌ عَنْ قَبُولِهِ لِلْإيمانِ والخَيْرِ والنُّورِ والهِدايَةِ. وفي الحَدِيثِ: (كَيْفَ انْشِراحُ الصُّدُورِ ؟ قالَ: إذا دَخَلَ النُّورُ القَلْبَ انْشَرَحَ وانْفَسَحَ، قُلْنا: وما عَلامَةُ ذَلِكَ ؟ قالَ: الإنابَةُ إلى دارِ الخُلُودِ والتَّجافِي عَنْ دارِ الغُرُورِ والتَّأهُّبُ لِلْمَوْتِ قَبْلَ المَوْتِ) .
﴿فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهم مِن ذِكْرِ اللَّهِ﴾ أيْ: مِن أجْلِ ذِكْرِهِ، أيْ: إذا ذُكِرَ اللَّهُ عِنْدَهم قَسَتْ قُلُوبُهم. وقالَ مالِكُ بْنُ دِينارٍ: ما ضُرِبَ عَبْدٌ بِعُقُوبَةٍ أعْظَمَ مِن قَسْوَةِ قَلْبٍ.
(أُولَئِكَ) أيِ: القاسِيَةُ قُلُوبُهم، (في ضَلالٍ مُبِينٍ) أيْ: في حَيْرَةٍ واضِحَةٍ، لا تَخْفى عَلى مَن تَأمَّلَها.
الزمر 39:20
(p-٤٢١)﴿والَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ أنْ يَعْبُدُوها وأنابُوا إلى اللَّهِ لَهُمُ البُشْرى فَبَشِّرْ عِبادِي﴾ ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وأُولَئِكَ هم أُولُو الألْبابِ﴾ ﴿أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ أفَأنْتَ تُنْقِذُ مَن في النّارِ﴾ ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم لَهم غُرَفٌ مِن فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ وعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ المِيعادَ﴾ ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ في الأرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا ألْوانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطامًا إنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرى لِأُولِي الألْبابِ﴾ ﴿أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ فَهو عَلى نُورٍ مِن رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهم مِن ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ .
قالَ ابْنُ زَيْدٍ: نَزَلَتْ ﴿والَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ﴾ في زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ، وسَلْمانَ، وأبِي ذَرٍّ.
وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: الإشارَةُ بِها إلى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وسَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ، وسَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ، والزُّبَيْرِ، وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا أسْلَمَ أبُو بَكْرٍ، سَمِعُوا ذَلِكَ فَجاءُوهُ وقالُوا: أسْلَمْتَ ؟ قالَ: نَعَمْ، وذَكَّرَهم بِاللَّهِ، فَآمَنُوا بِأجْمَعِهِمْ، فَنَزَلَتْ فِيهِمْ، وهي مُحْكَمَةٌ في النّاسِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ.
والطّاغُوتُ: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْها في البَقَرَةِ. وقَرَأ الحَسَنُ: (الطَّواغِيتَ) جَمْعًا.
﴿أنْ يَعْبُدُوها﴾ أيْ: عِبادَتَها، وهو بَدَلُ اشْتِمالٍ.
(لَهُمُ البُشْرى) أيْ: مِنَ اللَّهِ تَعالى بِالثَّوابِ.
(فَبَشِّرْ عِبادِ): هُمُ المُجْتَنِبُونَ الطّاغُوتَ إلى اللَّهِ. وضَعَ الظّاهِرَ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِيَدُلَّ عَلى أنَّهم هم، ولِيَتَرَتَّبَ عَلى الظّاهِرِ الوَصْفُ، وهو: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ﴾، وهو عامٌّ في جَمِيعِ الأقْوالِ، ﴿فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ﴾: ثَناءٌ عَلَيْهِمْ بِنُفُوذِ بَصائِرِهِمْ وتَمْيِيزِهِمُ الأحْسَنَ، فَإذا سَمِعُوا قَوْلًا تَبَصَّرُوهُ.
قِيلَ: وأحْسَنُ القَوْلِ: القُرْآنُ وما يَرْجِعُ إلَيْهِ. وقِيلَ: القَوْلُ: القُرْآنُ، وأحْسَنُهُ: ما فِيهِ مِن صَفْحٍ وعَفْوٍ واحْتِمالٍ ونَحْوِ ذَلِكَ. وقالَ قَتادَةُ: أحْسَنُ القَوْلِ طاعَةُ اللَّهِ.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: هو الرَّجُلُ يَجْلِسُ مَعَ القَوْمِ، فَيَسْمَعُ الحَدِيثَ فِيهِ مَحاسِنُ ومَساوٍ، فَيُحَدِّثُ بِأحْسَنِ ما سَمِعَ، ويَكُفُّ عَنْ ما سِواهُ.
و(الَّذِينَ): وصْفٌ لِـ (عِبادِ) . وقِيلَ: الوَقْفُ عَلى عِبادِ، والَّذِينَ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ أُولَئِكَ وما بَعْدَهُ.
﴿أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ﴾: قِيلَ نَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ، أيْ: نَفَّذَ عَلَيْهِ الوَعِيدَ بِالعَذابِ. والظّاهِرُ أنَّها جُمْلَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ، و(مَن) مَوْصُولَةٌ مُبْتَدَأٌ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ، فَقِيلَ تَقْدِيرُهُ: يَتَأسَّفُ عَلَيْهِ، وقِيلَ: يَتَخَلَّصُ مِنهُ. وقَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَأنْتَ تُخَلِّصُهُ، قالَ: حُذِفَ لِدَلالَةِ ﴿أفَأنْتَ تُنْقِذُ﴾ عَلَيْهِ. وقَدَّرَ الزَّمَخْشَرِيُّ بَيْنَ الهَمْزَةِ والفاءِ جُمْلَةً حَتّى تَقَرَّ الهَمْزَةُ في مَكانِها والفاءُ في مَكانِها، فَقالَ: التَّقْدِيرُ: أأنْتَ مالِكُ أمْرِهِمْ ؟ فَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ، وهو قَوْلٌ انْفَرَدَ بِهِ فِيما عَلِمْناهُ.
والَّذِي تَقُولُهُ النُّحاةُ أنَّ الفاءَ لِلْعَطْفِ ومَوْضِعُها التَّقْدِيمُ عَلى الهَمْزَةِ، لَكِنَّ الهَمْزَةَ لَمّا كانَ لَها صَدْرُ الكَلامِ، قُدِّمَتْ، فالأصْلُ عِنْدَهم: فَأمَن حَقَّ عَلَيْهِ، وعَلى القَوْلِ أنَّها جُمْلَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿أفَأنْتَ تُنْقِذُ مَن في النّارِ﴾، اسْتِفْهامُ تَوْقِيفٍ، وقُدِّمَ فِيهِ الضَّمِيرُ إشْعارًا بِأنَّكَ لَسْتَ تَقْدِرُ أنْ تُنْقِذَهُ مِنَ النّارِ، بَلْ لا يَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ أحَدٌ إلّا اللَّهُ. وذَهَبَتْ فِرْقَةٌ، مِنهُمُ الحَوْفَيُّ والزَّمَخْشَرِيُّ، إلى أنَّ مَن شَرْطِيَّةٌ، وجَوابُ الشَّرْطِ أفَأنْتِ، فالفاءُ فاءُ الجَوابِ دَخَلَتْ عَلى جُمْلَةِ الجَزاءِ، وأُعِيدَتِ الهَمْزَةُ لِتَوْكِيدِ مَعْنى الإنْكارِ والِاسْتِبْعادِ، ووُضِعَ مَن في النّارِ، وهو ظاهِرٌ، مَوْضِعَ المُضْمَرِ، إذْ كانَ الأصْلُ تُنْقِذُهُ، وإنَّما أُظْهِرَ تَشْهِيرًا لِحالِهِمْ وإظْهارًا لِخِسَّةِ مَنازِلِهِمْ. قالَ الحَوْفِيُّ: وجِيءَ بِألِفِ الِاسْتِفْهامِ لَمّا طالَ الكَلامُ تَوْكِيدًا، ولَوْلا طُولُهُ، لَمْ يَجُزِ الإتْيانُ بِها؛ لِأنَّهُ لا يَصْلُحُ في العَرَبِيَّةِ أنْ يَأْتِيَ بِألِفِ الِاسْتِفْهامِ في الِاسْمِ، وألِفٌ أُخْرى في الجَزاءِ. ومَعْنى الكَلامِ: أفَأنْتَ تُنْقِذُهُ ؟ انْتَهى.
وعَلى هَذا القَوْلِ، يَكُونُ قَدِ اجْتَمَعَ اسْتِفْهامٌ وشَرْطٌ عَلى قَوْلِ الجَماعَةِ أنَّ الهَمْزَةَ قَدَّمَتْ مَن تَأخَّرَ، فَيَجِيءُ الخِلافُ بَيْنَ سِيبَوَيْهِ ويُونُسَ: هَلِ الجُمْلَةُ الأخِيرَةُ هي لِلْمُسْتَفْهِمِ عَنْها أوْ هي جَوابُ الشَّرْطِ ؟ وعَلى تَقْدِيرِ الزَّمَخْشَرِيِّ: لَمْ تَدْخُلِ الهَمْزَةُ عَلى اسْمِ الشَّرْطِ، فَلَمْ يَجْتَمِعِ اسْتِفْهامٌ وشَرْطٌ؛ لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ عِنْدَهُ دَخَلَ عَلى الجُمْلَةِ المَحْذُوفَةِ عِنْدَهُ، وهو: أأنْتَ مالِكُ أمْرِهِمْ ؟ وفَمَن مَعْطُوفٌ عَلى تِلْكَ الجُمْلَةِ المَحْذُوفَةِ، عُطِفَتْ جُمْلَةُ الشَّرْطِ عَلى جُمْلَةِ الِاسْتِفْهامِ، ونَزَلَ اسْتِحْقاقُهُمُ العَذابَ، وهم في الدُّنْيا بِمَنزِلَةِ دُخُولِهِمُ النّارَ، ونَزَلَ اجْتِهادُ (p-٤٢٢)الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في دُعائِهِمْ إلى الإيمانِ مَنزِلَةَ انْقاذِهِمْ مِنَ النّارِ.
ولَمّا ذَكَرَ حالَ الكُفّارِ في النّارِ، وأنَّ الخاسِرِينَ لَهم ظُلَلٌ، ذَكَرَ حالَ المُؤْمِنِينَ، وناسَبَ الِاسْتِدْراكَ هُنا، إذْ هو واقِعٌ بَيْنِ الكافِرِينَ والمُؤْمِنِينَ، فَقالَ: (لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا) . فَفي ذَلِكَ حَضٌّ عَلى التَّقْوى، لَهم عَلالِيُّ مُرْتَفِعَةٌ فَوْقَها عَلالِيُّ مَبْنِيَّةٌ، أيْ: بِناءَ المَنازِلِ الَّتِي سُوِّيَتْ عَلى الأرْضِ. والضَّمِيرُ في (مِن تَحْتِها) عائِدٌ عَلى الجَمْعَيْنِ، أيْ: مِن تَحْتِ الغُرَفِ السُّفْلى والغُرَفِ العُلْيا، لا تَفاوُتَ بَيْنَ أعْلاها وأسْفَلِها وانْتَصَبَ (وعْدَ اللَّهِ) عَلى المَصْدَرِ المُؤَكِّدِ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ قَبْلَهُ، إذْ تَضَمَّنَتْ مَعْنى الوَعْدِ.
(ألَمْ تَرَ): خِطابٌ وتَوْقِيفٌ لِلسّامِعِ عَلى ما يَعْتَبِرُ بِهِ مِن أفْعالِ اللَّهِ الدّالَّةِ عَلى فَناءِ الدُّنْيا واضْمِحْلالِها.
﴿فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ﴾ أيْ: أدْخَلَهُ مَسالِكَ وعُيُونًا. والظّاهِرُ أنَّ ماءَ العُيُونِ هو مِن ماءِ المَطَرِ، تَحْبِسُهُ الأرْضُ ويَخْرُجُ شَيْئًا فَشَيْئًا.
﴿ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا﴾، ذَكَرَ مِنَّتَهُ تَعالى عَلَيْنا بِما تَقُومُ بِهِ مَعِيشَتُنا.
(مُخْتَلِفًا ألْوانُهُ): مِن أحْمَرَ وأبْيَضَ وأصْفَرَ، وشَمِلَ لَفْظُ الزَّرْعِ جَمِيعَ ما يُزْرَعُ مِن مُقْتاتٍ وغَيْرِهِ، أوْ مُخْتَلِفًا أصْنافُهُ مِن بُرٍّ وشَعِيرٍ وسِمْسِمٍ وغَيْرِ ذَلِكَ.
(ثُمَّ يَهِيجُ): يُقارِبُ الثِّمارَ، (فَتَراهُ مُصْفَرًّا) أيْ: زالَتْ خُضْرَتُهُ ونَضارَتُهُ.
وقَرَأ أبُو بِشْرٍ: (ثُمَّ يَجْعَلَهُ) بِالنَّصْبِ في اللّامِ. قالَ صاحِبُ الكامِلِ وهو ضَعِيفٌ. انْتَهى.
(إنَّ في ذَلِكَ) أيْ: فِيما ذُكِرَ مِن إنْزالِ المَطَرِ وإخْراجِ الزَّرْعِ بِهِ وتَنَقُّلاتِهِ إلى حالَةِ الحُطامِيَّةِ، (لَذِكْرى) أيْ: لَتَذْكِرَةً وتَنْبِيهًا عَلى حِكْمَةِ فاعِلِ ذَلِكَ وقُدْرَتِهِ.
﴿أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ﴾: نَزَلَتْ في حَمْزَةَ، وعَلِيٍّ، و(مَن) مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ تَقْدِيرُهُ: كالقاسِي المُعْرِضِ عَنِ الإسْلامِ، وأبُو لَهَبٍ وابْنُهُ كانا مِنَ القاسِيَةِ قُلُوبُهم، وشَرْحُ الصَّدْرِ اسْتِعارَةٌ عَنْ قَبُولِهِ لِلْإيمانِ والخَيْرِ والنُّورِ والهِدايَةِ. وفي الحَدِيثِ: (كَيْفَ انْشِراحُ الصُّدُورِ ؟ قالَ: إذا دَخَلَ النُّورُ القَلْبَ انْشَرَحَ وانْفَسَحَ، قُلْنا: وما عَلامَةُ ذَلِكَ ؟ قالَ: الإنابَةُ إلى دارِ الخُلُودِ والتَّجافِي عَنْ دارِ الغُرُورِ والتَّأهُّبُ لِلْمَوْتِ قَبْلَ المَوْتِ) .
﴿فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهم مِن ذِكْرِ اللَّهِ﴾ أيْ: مِن أجْلِ ذِكْرِهِ، أيْ: إذا ذُكِرَ اللَّهُ عِنْدَهم قَسَتْ قُلُوبُهم. وقالَ مالِكُ بْنُ دِينارٍ: ما ضُرِبَ عَبْدٌ بِعُقُوبَةٍ أعْظَمَ مِن قَسْوَةِ قَلْبٍ.
(أُولَئِكَ) أيِ: القاسِيَةُ قُلُوبُهم، (في ضَلالٍ مُبِينٍ) أيْ: في حَيْرَةٍ واضِحَةٍ، لا تَخْفى عَلى مَن تَأمَّلَها.
الزمر 39:21
(p-٤٢١)﴿والَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ أنْ يَعْبُدُوها وأنابُوا إلى اللَّهِ لَهُمُ البُشْرى فَبَشِّرْ عِبادِي﴾ ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وأُولَئِكَ هم أُولُو الألْبابِ﴾ ﴿أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ أفَأنْتَ تُنْقِذُ مَن في النّارِ﴾ ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم لَهم غُرَفٌ مِن فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ وعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ المِيعادَ﴾ ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ في الأرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا ألْوانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطامًا إنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرى لِأُولِي الألْبابِ﴾ ﴿أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ فَهو عَلى نُورٍ مِن رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهم مِن ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ .
قالَ ابْنُ زَيْدٍ: نَزَلَتْ ﴿والَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ﴾ في زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ، وسَلْمانَ، وأبِي ذَرٍّ.
وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: الإشارَةُ بِها إلى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وسَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ، وسَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ، والزُّبَيْرِ، وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا أسْلَمَ أبُو بَكْرٍ، سَمِعُوا ذَلِكَ فَجاءُوهُ وقالُوا: أسْلَمْتَ ؟ قالَ: نَعَمْ، وذَكَّرَهم بِاللَّهِ، فَآمَنُوا بِأجْمَعِهِمْ، فَنَزَلَتْ فِيهِمْ، وهي مُحْكَمَةٌ في النّاسِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ.
والطّاغُوتُ: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْها في البَقَرَةِ. وقَرَأ الحَسَنُ: (الطَّواغِيتَ) جَمْعًا.
﴿أنْ يَعْبُدُوها﴾ أيْ: عِبادَتَها، وهو بَدَلُ اشْتِمالٍ.
(لَهُمُ البُشْرى) أيْ: مِنَ اللَّهِ تَعالى بِالثَّوابِ.
(فَبَشِّرْ عِبادِ): هُمُ المُجْتَنِبُونَ الطّاغُوتَ إلى اللَّهِ. وضَعَ الظّاهِرَ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِيَدُلَّ عَلى أنَّهم هم، ولِيَتَرَتَّبَ عَلى الظّاهِرِ الوَصْفُ، وهو: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ﴾، وهو عامٌّ في جَمِيعِ الأقْوالِ، ﴿فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ﴾: ثَناءٌ عَلَيْهِمْ بِنُفُوذِ بَصائِرِهِمْ وتَمْيِيزِهِمُ الأحْسَنَ، فَإذا سَمِعُوا قَوْلًا تَبَصَّرُوهُ.
قِيلَ: وأحْسَنُ القَوْلِ: القُرْآنُ وما يَرْجِعُ إلَيْهِ. وقِيلَ: القَوْلُ: القُرْآنُ، وأحْسَنُهُ: ما فِيهِ مِن صَفْحٍ وعَفْوٍ واحْتِمالٍ ونَحْوِ ذَلِكَ. وقالَ قَتادَةُ: أحْسَنُ القَوْلِ طاعَةُ اللَّهِ.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: هو الرَّجُلُ يَجْلِسُ مَعَ القَوْمِ، فَيَسْمَعُ الحَدِيثَ فِيهِ مَحاسِنُ ومَساوٍ، فَيُحَدِّثُ بِأحْسَنِ ما سَمِعَ، ويَكُفُّ عَنْ ما سِواهُ.
و(الَّذِينَ): وصْفٌ لِـ (عِبادِ) . وقِيلَ: الوَقْفُ عَلى عِبادِ، والَّذِينَ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ أُولَئِكَ وما بَعْدَهُ.
﴿أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ﴾: قِيلَ نَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ، أيْ: نَفَّذَ عَلَيْهِ الوَعِيدَ بِالعَذابِ. والظّاهِرُ أنَّها جُمْلَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ، و(مَن) مَوْصُولَةٌ مُبْتَدَأٌ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ، فَقِيلَ تَقْدِيرُهُ: يَتَأسَّفُ عَلَيْهِ، وقِيلَ: يَتَخَلَّصُ مِنهُ. وقَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَأنْتَ تُخَلِّصُهُ، قالَ: حُذِفَ لِدَلالَةِ ﴿أفَأنْتَ تُنْقِذُ﴾ عَلَيْهِ. وقَدَّرَ الزَّمَخْشَرِيُّ بَيْنَ الهَمْزَةِ والفاءِ جُمْلَةً حَتّى تَقَرَّ الهَمْزَةُ في مَكانِها والفاءُ في مَكانِها، فَقالَ: التَّقْدِيرُ: أأنْتَ مالِكُ أمْرِهِمْ ؟ فَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ، وهو قَوْلٌ انْفَرَدَ بِهِ فِيما عَلِمْناهُ.
والَّذِي تَقُولُهُ النُّحاةُ أنَّ الفاءَ لِلْعَطْفِ ومَوْضِعُها التَّقْدِيمُ عَلى الهَمْزَةِ، لَكِنَّ الهَمْزَةَ لَمّا كانَ لَها صَدْرُ الكَلامِ، قُدِّمَتْ، فالأصْلُ عِنْدَهم: فَأمَن حَقَّ عَلَيْهِ، وعَلى القَوْلِ أنَّها جُمْلَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿أفَأنْتَ تُنْقِذُ مَن في النّارِ﴾، اسْتِفْهامُ تَوْقِيفٍ، وقُدِّمَ فِيهِ الضَّمِيرُ إشْعارًا بِأنَّكَ لَسْتَ تَقْدِرُ أنْ تُنْقِذَهُ مِنَ النّارِ، بَلْ لا يَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ أحَدٌ إلّا اللَّهُ. وذَهَبَتْ فِرْقَةٌ، مِنهُمُ الحَوْفَيُّ والزَّمَخْشَرِيُّ، إلى أنَّ مَن شَرْطِيَّةٌ، وجَوابُ الشَّرْطِ أفَأنْتِ، فالفاءُ فاءُ الجَوابِ دَخَلَتْ عَلى جُمْلَةِ الجَزاءِ، وأُعِيدَتِ الهَمْزَةُ لِتَوْكِيدِ مَعْنى الإنْكارِ والِاسْتِبْعادِ، ووُضِعَ مَن في النّارِ، وهو ظاهِرٌ، مَوْضِعَ المُضْمَرِ، إذْ كانَ الأصْلُ تُنْقِذُهُ، وإنَّما أُظْهِرَ تَشْهِيرًا لِحالِهِمْ وإظْهارًا لِخِسَّةِ مَنازِلِهِمْ. قالَ الحَوْفِيُّ: وجِيءَ بِألِفِ الِاسْتِفْهامِ لَمّا طالَ الكَلامُ تَوْكِيدًا، ولَوْلا طُولُهُ، لَمْ يَجُزِ الإتْيانُ بِها؛ لِأنَّهُ لا يَصْلُحُ في العَرَبِيَّةِ أنْ يَأْتِيَ بِألِفِ الِاسْتِفْهامِ في الِاسْمِ، وألِفٌ أُخْرى في الجَزاءِ. ومَعْنى الكَلامِ: أفَأنْتَ تُنْقِذُهُ ؟ انْتَهى.
وعَلى هَذا القَوْلِ، يَكُونُ قَدِ اجْتَمَعَ اسْتِفْهامٌ وشَرْطٌ عَلى قَوْلِ الجَماعَةِ أنَّ الهَمْزَةَ قَدَّمَتْ مَن تَأخَّرَ، فَيَجِيءُ الخِلافُ بَيْنَ سِيبَوَيْهِ ويُونُسَ: هَلِ الجُمْلَةُ الأخِيرَةُ هي لِلْمُسْتَفْهِمِ عَنْها أوْ هي جَوابُ الشَّرْطِ ؟ وعَلى تَقْدِيرِ الزَّمَخْشَرِيِّ: لَمْ تَدْخُلِ الهَمْزَةُ عَلى اسْمِ الشَّرْطِ، فَلَمْ يَجْتَمِعِ اسْتِفْهامٌ وشَرْطٌ؛ لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ عِنْدَهُ دَخَلَ عَلى الجُمْلَةِ المَحْذُوفَةِ عِنْدَهُ، وهو: أأنْتَ مالِكُ أمْرِهِمْ ؟ وفَمَن مَعْطُوفٌ عَلى تِلْكَ الجُمْلَةِ المَحْذُوفَةِ، عُطِفَتْ جُمْلَةُ الشَّرْطِ عَلى جُمْلَةِ الِاسْتِفْهامِ، ونَزَلَ اسْتِحْقاقُهُمُ العَذابَ، وهم في الدُّنْيا بِمَنزِلَةِ دُخُولِهِمُ النّارَ، ونَزَلَ اجْتِهادُ (p-٤٢٢)الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في دُعائِهِمْ إلى الإيمانِ مَنزِلَةَ انْقاذِهِمْ مِنَ النّارِ.
ولَمّا ذَكَرَ حالَ الكُفّارِ في النّارِ، وأنَّ الخاسِرِينَ لَهم ظُلَلٌ، ذَكَرَ حالَ المُؤْمِنِينَ، وناسَبَ الِاسْتِدْراكَ هُنا، إذْ هو واقِعٌ بَيْنِ الكافِرِينَ والمُؤْمِنِينَ، فَقالَ: (لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا) . فَفي ذَلِكَ حَضٌّ عَلى التَّقْوى، لَهم عَلالِيُّ مُرْتَفِعَةٌ فَوْقَها عَلالِيُّ مَبْنِيَّةٌ، أيْ: بِناءَ المَنازِلِ الَّتِي سُوِّيَتْ عَلى الأرْضِ. والضَّمِيرُ في (مِن تَحْتِها) عائِدٌ عَلى الجَمْعَيْنِ، أيْ: مِن تَحْتِ الغُرَفِ السُّفْلى والغُرَفِ العُلْيا، لا تَفاوُتَ بَيْنَ أعْلاها وأسْفَلِها وانْتَصَبَ (وعْدَ اللَّهِ) عَلى المَصْدَرِ المُؤَكِّدِ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ قَبْلَهُ، إذْ تَضَمَّنَتْ مَعْنى الوَعْدِ.
(ألَمْ تَرَ): خِطابٌ وتَوْقِيفٌ لِلسّامِعِ عَلى ما يَعْتَبِرُ بِهِ مِن أفْعالِ اللَّهِ الدّالَّةِ عَلى فَناءِ الدُّنْيا واضْمِحْلالِها.
﴿فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ﴾ أيْ: أدْخَلَهُ مَسالِكَ وعُيُونًا. والظّاهِرُ أنَّ ماءَ العُيُونِ هو مِن ماءِ المَطَرِ، تَحْبِسُهُ الأرْضُ ويَخْرُجُ شَيْئًا فَشَيْئًا.
﴿ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا﴾، ذَكَرَ مِنَّتَهُ تَعالى عَلَيْنا بِما تَقُومُ بِهِ مَعِيشَتُنا.
(مُخْتَلِفًا ألْوانُهُ): مِن أحْمَرَ وأبْيَضَ وأصْفَرَ، وشَمِلَ لَفْظُ الزَّرْعِ جَمِيعَ ما يُزْرَعُ مِن مُقْتاتٍ وغَيْرِهِ، أوْ مُخْتَلِفًا أصْنافُهُ مِن بُرٍّ وشَعِيرٍ وسِمْسِمٍ وغَيْرِ ذَلِكَ.
(ثُمَّ يَهِيجُ): يُقارِبُ الثِّمارَ، (فَتَراهُ مُصْفَرًّا) أيْ: زالَتْ خُضْرَتُهُ ونَضارَتُهُ.
وقَرَأ أبُو بِشْرٍ: (ثُمَّ يَجْعَلَهُ) بِالنَّصْبِ في اللّامِ. قالَ صاحِبُ الكامِلِ وهو ضَعِيفٌ. انْتَهى.
(إنَّ في ذَلِكَ) أيْ: فِيما ذُكِرَ مِن إنْزالِ المَطَرِ وإخْراجِ الزَّرْعِ بِهِ وتَنَقُّلاتِهِ إلى حالَةِ الحُطامِيَّةِ، (لَذِكْرى) أيْ: لَتَذْكِرَةً وتَنْبِيهًا عَلى حِكْمَةِ فاعِلِ ذَلِكَ وقُدْرَتِهِ.
﴿أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ﴾: نَزَلَتْ في حَمْزَةَ، وعَلِيٍّ، و(مَن) مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ تَقْدِيرُهُ: كالقاسِي المُعْرِضِ عَنِ الإسْلامِ، وأبُو لَهَبٍ وابْنُهُ كانا مِنَ القاسِيَةِ قُلُوبُهم، وشَرْحُ الصَّدْرِ اسْتِعارَةٌ عَنْ قَبُولِهِ لِلْإيمانِ والخَيْرِ والنُّورِ والهِدايَةِ. وفي الحَدِيثِ: (كَيْفَ انْشِراحُ الصُّدُورِ ؟ قالَ: إذا دَخَلَ النُّورُ القَلْبَ انْشَرَحَ وانْفَسَحَ، قُلْنا: وما عَلامَةُ ذَلِكَ ؟ قالَ: الإنابَةُ إلى دارِ الخُلُودِ والتَّجافِي عَنْ دارِ الغُرُورِ والتَّأهُّبُ لِلْمَوْتِ قَبْلَ المَوْتِ) .
﴿فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهم مِن ذِكْرِ اللَّهِ﴾ أيْ: مِن أجْلِ ذِكْرِهِ، أيْ: إذا ذُكِرَ اللَّهُ عِنْدَهم قَسَتْ قُلُوبُهم. وقالَ مالِكُ بْنُ دِينارٍ: ما ضُرِبَ عَبْدٌ بِعُقُوبَةٍ أعْظَمَ مِن قَسْوَةِ قَلْبٍ.
(أُولَئِكَ) أيِ: القاسِيَةُ قُلُوبُهم، (في ضَلالٍ مُبِينٍ) أيْ: في حَيْرَةٍ واضِحَةٍ، لا تَخْفى عَلى مَن تَأمَّلَها.