Lafzullah

Al-Bahr Al-Muhit — غافر 40:1 – غافر 40:22

المؤلف / المصدر: Al-Bahr Al-Muhit

المحتويات
  1. غافر 40:1
  2. غافر 40:2
  3. غافر 40:3
  4. غافر 40:4
  5. غافر 40:5
  6. غافر 40:6
  7. غافر 40:7
  8. غافر 40:8
  9. غافر 40:9
  10. غافر 40:10
  11. غافر 40:11
  12. غافر 40:12
  13. غافر 40:13
  14. غافر 40:14
  15. غافر 40:15
  16. غافر 40:16
  17. غافر 40:17
  18. غافر 40:18
  19. غافر 40:19
  20. غافر 40:20
  21. غافر 40:21
  22. غافر 40:22

غافر 40:1

(p-٤٤٤)سُورَةُ غافِرٍ خَمْسٌ وثَمانُونَ آيَةً. مَكِّيَّةٌ ﷽ ﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ ﴿غافِرِ الذَّنْبِ وقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ العِقابِ ذِي الطَّوْلِ لا إلَهَ إلّا هو إلَيْهِ المَصِيرُ﴾ ﴿ما يُجادِلُ في آياتِ اللَّهِ إلّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهم في البِلادِ﴾ ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ والأحْزابُ مِن بَعْدِهِمْ وهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وجادَلُوا بِالباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الحَقَّ فَأخَذْتُهم فَكَيْفَ كانَ عِقابِ﴾ ﴿وكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّهم أصْحابُ النّارِ﴾ ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ ومَن حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ويُؤْمِنُونَ بِهِ ويَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا وسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وعِلْمًا فاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا واتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وقِهِمْ عَذابَ الجَحِيمِ﴾ [غافر: ٧] ﴿رَبَّنا وأدْخِلْهم جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وعَدْتَهم ومَن صَلَحَ مِن آبائِهِمْ وأزْواجِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [غافر: ٨] ﴿وقِهِمُ السَّيِّئاتِ ومَن تَقِ السَّيِّئاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ [غافر: ٩] ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أكْبَرُ مِن مَقْتِكم أنْفُسَكم إذْ تُدْعَوْنَ إلى الإيمانِ فَتَكْفُرُونَ﴾ [غافر: ١٠] ﴿قالُوا رَبَّنا أمَتَّنا اثْنَتَيْنِ وأحْيَيْتَنا اثْنَتَيْنِ فاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا فَهَلْ إلى خُرُوجٍ مِن سَبِيلٍ﴾ [غافر: ١١] ﴿ذَلِكم بِأنَّهُ إذا دُعِيَ اللَّهُ وحْدَهُ كَفَرْتُمْ وإنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فالحُكْمُ لِلَّهِ العَلِيِّ الكَبِيرِ﴾ [غافر: ١٢] ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكم آياتِهِ ويُنَزِّلُ لَكم مِنَ السَّماءِ رِزْقًا وما يَتَذَكَّرُ إلّا مَن يُنِيبُ﴾ [غافر: ١٣] ﴿فادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ولَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ﴾ [غافر: ١٤] ﴿رَفِيعُ الدَّرَجاتِ ذُو العَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِن أمْرِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ﴾ [غافر: ١٥] ﴿يَوْمَ هم بارِزُونَ لا يَخْفى عَلى اللَّهِ مِنهم شَيْءٌ لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ [غافر: ١٦] ﴿اليَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ لا ظُلْمَ اليَوْمَ إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ [غافر: ١٧] ﴿وأنْذِرْهم يَوْمَ الآزِفَةِ إذِ القُلُوبُ لَدى الحَناجِرِ كاظِمِينَ ما لِلظّالِمِينَ مِن حَمِيمٍ ولا شَفِيعٍ يُطاعُ﴾ [غافر: ١٨] ﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ وما تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر: ١٩] ﴿واللَّهُ يَقْضِي بِالحَقِّ والَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إنَّ اللَّهَ هو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [غافر: ٢٠] ﴿أوَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِن قَبْلِهِمْ كانُوا هم أشَدَّ مِنهم قُوَّةً وآثارًا في الأرْضِ فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وما كانَ لَهم مِنَ اللَّهِ مِن واقٍ﴾ [غافر: ٢١] ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَكَفَرُوا فَأخَذَهُمُ اللَّهُ إنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ العِقابِ﴾ [غافر: ٢٢] ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ [غافر: ٢٣] ﴿إلى فِرْعَوْنَ وهامانَ وقارُونَ فَقالُوا ساحِرٌ كَذّابٌ﴾ [غافر: ٢٤] ﴿فَلَمّا جاءَهم بِالحَقِّ مِن عِنْدِنا قالُوا اقْتُلُوا أبْناءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ واسْتَحْيُوا نِساءَهم وما كَيْدُ الكافِرِينَ إلّا في ضَلالٍ﴾ [غافر: ٢٥] ﴿وقالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أقْتُلْ مُوسى ولْيَدْعُ رَبَّهُ إنِّي أخافُ أنْ يُبَدِّلَ دِينَكم أوْ أنْ يُظْهِرَ في الأرْضِ الفَسادَ﴾ [غافر: ٢٦] ﴿وقالَ مُوسى إنِّي عُذْتُ بِرَبِّي ورَبِّكم مِن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الحِسابِ﴾ [غافر: ٢٧] ﴿وقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِن آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إيمانَهُ أتَقْتُلُونَ رَجُلًا أنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وقَدْ جاءَكم بِالبَيِّناتِ مِن رَبِّكم وإنْ يَكُ كاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وإنْ يَكُ صادِقًا يُصِبْكم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكم إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن هو مُسْرِفٌ كَذّابٌ﴾ [غافر: ٢٨] ﴿يا قَوْم لَكُمُ المُلْكُ اليَوْمَ ظاهِرِينَ في الأرْضِ فَمَن يَنْصُرُنا مِن بَأْسِ اللَّهِ إنْ جاءَنا قالَ فِرْعَوْنُ ما أُرِيكم إلّا ما أرى وما أهْدِيكم إلّا سَبِيلَ الرَّشادِ﴾ [غافر: ٢٩] ﴿وقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ إنِّي أخافُ عَلَيْكم مِثْلَ يَوْمِ الأحْزابِ﴾ [غافر: ٣٠] ﴿مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ والَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ وما اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبادِ﴾ [غافر: ٣١] ﴿ويا قَوْمِ إنِّي أخافُ عَلَيْكم يَوْمَ التَّنادِ﴾ [غافر: ٣٢] ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ ما لَكم مِنَ اللَّهِ مِن عاصِمٍ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ [غافر: ٣٣] ﴿ولَقَدْ جاءَكم يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالبَيِّناتِ فَما زِلْتُمْ في شَكٍّ مِمّا جاءَكم بِهِ حَتّى إذا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن هو مُسْرِفٌ مُرْتابٌ﴾ [غافر: ٣٤] (p-٤٤٥)﴿الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أتاهم كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبّارٍ﴾ [غافر: ٣٥] ﴿وقالَ فِرْعَوْنُ يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أبْلُغُ الأسْبابَ﴾ [غافر: ٣٦] ﴿أسْبابَ السَّماواتِ فَأطَّلِعَ إلى إلَهِ مُوسى وإنِّي لَأظُنُّهُ كاذِبًا وكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وما كَيْدُ فِرْعَوْنَ إلّا في تَبابٍ﴾ [غافر: ٣٧] ﴿وقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أهْدِكم سَبِيلَ الرَّشادِ﴾ [غافر: ٣٨] ﴿يا قَوْمِ إنَّما هَذِهِ الحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ وإنَّ الآخِرَةَ هي دارُ القَرارِ﴾ [غافر: ٣٩] ﴿مَن عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزى إلّا مِثْلَها ومَن عَمِلَ صالِحًا مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ [غافر: ٤٠] ﴿ويا قَوْمِ ما لِي أدْعُوكم إلى النَّجاةِ وتَدْعُونَنِي إلى النّارِ﴾ [غافر: ٤١] ﴿تَدْعُونَنِي لِأكْفُرَ بِاللَّهِ وأُشْرِكَ بِهِ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وأنا أدْعُوكم إلى العَزِيزِ الغَفّارِ﴾ [غافر: ٤٢] ﴿لا جَرَمَ أنَّما تَدْعُونَنِي إلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ وأنَّ مَرَدَّنا إلى اللَّهِ وأنَّ المُسْرِفِينَ هم أصْحابُ النّارِ﴾ [غافر: ٤٣] ﴿فَسَتَذْكُرُونَ ما أقُولُ لَكم وأُفَوِّضُ أمْرِي إلى اللَّهِ إنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالعِبادِ﴾ [غافر: ٤٤] ﴿فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا وحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ العَذابِ﴾ [غافر: ٤٥] ﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وعَشِيًّا ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ أدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذابِ﴾ [غافر: ٤٦] ﴿وإذْ يَتَحاجُّونَ في النّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إنّا كُنّا لَكم تَبَعًا فَهَلْ أنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا نَصِيبًا مِنَ النّارِ﴾ [غافر: ٤٧] ﴿قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إنّا كُلٌّ فِيها إنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ العِبادِ﴾ [غافر: ٤٨] ﴿وقالَ الَّذِينَ في النّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكم يُخَفِّفْ عَنّا يَوْمًا مِنَ العَذابِ﴾ [غافر: ٤٩] ﴿قالُوا أوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكم رُسُلُكم بِالبَيِّناتِ قالُوا بَلى قالُوا فادْعُوا وما دُعاءُ الكافِرِينَ إلّا في ضَلالٍ﴾ [غافر: ٥٠] ﴿إنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا والَّذِينَ آمَنُوا في الحَياةِ الدُّنْيا ويَوْمَ يَقُومُ الأشْهادُ﴾ [غافر: ٥١] ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظّالِمِينَ مَعْذِرَتُهم ولَهُمُ اللَّعْنَةُ ولَهم سُوءُ الدّارِ﴾ [غافر: ٥٢] ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الهُدى وأوْرَثْنا بَنِي إسْرائِيلَ الكِتابَ﴾ [غافر: ٥٣] ﴿هُدًى وذِكْرى لِأُولِي الألْبابِ﴾ [غافر: ٥٤] ﴿فاصْبِرْ إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالعَشِيِّ والإبْكارِ﴾ [غافر: ٥٥] ﴿إنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أتاهم إنْ في صُدُورِهِمْ إلّا كِبْرٌ ما هم بِبالِغِيهِ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إنَّهُ هو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [غافر: ٥٦] ﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ أكْبَرُ مِن خَلْقِ النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [غافر: ٥٧] ﴿وما يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ولا المُسِيءُ قَلِيلًا ما تَتَذَكَّرُونَ﴾ [غافر: ٥٨] ﴿إنَّ السّاعَةَ لَآتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [غافر: ٥٩] ﴿وقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكم إنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠] ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ والنَّهارَ مُبْصِرًا إنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾ [غافر: ٦١] ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لا إلَهَ إلّا هو فَأنّى تُؤْفَكُونَ﴾ [غافر: ٦٢] ﴿كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كانُوا بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [غافر: ٦٣] ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ قَرارًا والسَّماءَ بِناءً وصَوَّرَكم فَأحْسَنَ صُوَرَكم ورَزَقَكم مِنَ الطَّيِّباتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم فَتَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ﴾ [غافر: ٦٤] ﴿هُوَ الحَيُّ لا إلَهَ إلّا هو فادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [غافر: ٦٥] ﴿قُلْ إنِّي نُهِيتُ أنْ أعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَمّا جاءَنِيَ البَيِّناتُ مِن رَبِّي وأُمِرْتُ أنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [غافر: ٦٦] ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ مِن عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكم طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أشُدَّكم ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا ومِنكم مَن يُتَوَفّى مِن قَبْلُ ولِتَبْلُغُوا أجَلًا مُسَمًّى ولَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ [غافر: ٦٧] ﴿هُوَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ فَإذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [غافر: ٦٨] ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ أنّى يُصْرَفُونَ﴾ [غافر: ٦٩] ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالكِتابِ وبِما أرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [غافر: ٧٠] ﴿إذِ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ والسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ﴾ [غافر: ٧١] ﴿فِي الحَمِيمِ ثُمَّ في النّارِ يُسْجَرُونَ﴾ [غافر: ٧٢] . أزِفَ الشَّيْءُ: قَرُبَ، قالَ الشّاعِرُ: ؎أزِفَ التَّرَحُّلُ غَيْرَ أنَّ رِكابَنا لَمّا تَزَلْ بِرِحالِنا وكَأنْ قَدِ (p-٤٤٦)التَّبابُ: الخُسْرانُ، السِّلْسِلَةُ مَعْرُوفَةٌ، السَّحْبُ: الجَرُّ، سَجَرْتُ التَّنُّورَ: مَلَأْتُهُ نارًا. ﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ ﴿غافِرِ الذَّنْبِ وقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ العِقابِ ذِي الطَّوْلِ لا إلَهَ إلّا هو إلَيْهِ المَصِيرُ﴾ ﴿ما يُجادِلُ في آياتِ اللَّهِ إلّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهم في البِلادِ﴾ ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ والأحْزابُ مِن بَعْدِهِمْ وهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وجادَلُوا بِالباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الحَقَّ فَأخَذْتُهم فَكَيْفَ كانَ عِقابِ﴾ ﴿وكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّهم أصْحابُ النّارِ﴾ سَبْعُ الحَوامِيمِ مَكِّيّاتٌ، قالُوا بِإجْماعٍ. وقِيلَ: في بَعْضِ آياتِ هَذِهِ السُّوَرِ مَدَنِيٌّ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهو ضَعِيفٌ. وفِي الحَدِيثِ: «إنَّ الحَوامِيمَ دِيباجُ القُرْآنِ» وفِيهِ: «مَن أرادَ أنْ يَرْتَعَ في رِياضٍ مُونِقَةٍ مِنَ الجَنَّةِ فَلْيَقْرَأِ الحَوامِيمَ»، وفِيهِ: ”«مَثَلُ الحَوامِيمِ في القُرْآنِ مَثَلُ الحَبَراتِ في الثِّيابِ» . وهَذِهِ الحَوامِيمُ مَقْصُورَةٌ عَلى المَواعِظِ والزَّجْرِ وطُرُقِ الآخِرَةِ وهي قِصارٌ لا تَلْحَقُ فِيها سَآمَةٌ. ومُناسِبَةُ أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ لِآخِرِ الزُّمَرِ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ ما يَئُولُ إلَيْهِ حالُ الكافِرِينَ وحالُ المُؤْمِنِينَ، ذَكَرَ هُنا أنَّهُ تَعالى ( ﴿غافِرِ الذَّنْبِ وقابِلِ التَّوْبِ﴾، لِيَكُونَ ذَلِكَ اسْتِدْعاءً لِلْكافِرِ إلى الإيمانِ، وإلى الإقْلاعِ عَمّا هو فِيهِ، وأنَّ بابَ التَّوْبَةِ مَفْتُوحٌ. وذَكَرَ شِدَّةَ عِقابِهِ، وصَيْرُورَةَ العالَمِ كُلِّهِمْ فِيهِ لِيَرْتَدِعَ عَمّا هو فِيهِ، وأنَّ رُجُوعَهُ إلى رَبِّهِ، فَيُجازِيهِ بِما يَعْمَلُ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ. وقُرِئَ: بِفَتْحِ الحاءِ، اخْتِيارُ أبِي القاسِمِ بْنِ جُبارَةَ الهُذَلِيِّ، صاحِبِ كِتابِ: (الكامِلِ في القُرْآنِ)، وأبُو السَّمّالِ: بِكَسْرِها عَلى أصْلِ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ وعِيسى: بِفَتْحِها، وخَرَّجَ عَلى أنَّها حَرَكَةُ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وكانَتْ فَتْحَةً طَلَبًا لِلْخِفَّةِ كَأيْنَ، وحَرَكَةُ إعْرابٍ عَلى انْتِصابِها بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ تَقْدِيرُهُ: اقْرَأْ حم. وفِي الحَدِيثِ: «أنْ أعْرابِيًّا سَألَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ حم ما هو ؟ فَقالَ: أسْماءٌ وفَواتِحُ سُوَرٍ» وقالَ شُرَيْحُ بْنُ أبِي أوْفى العَبْسِيُّ: ؎يُذَكِّرُنِي حامِيمُ والرُّمْحُ شاجِرٌ ∗∗∗ فَهَلّا تَلا حامِيمَ قَبْلَ التَّقَدُّمِ وقالَ الكُمَيْتُ: ؎وجَدْنا لَكم في آلِ حَمِيمَ آيَةً ∗∗∗ تَأوَّلَها مِنّا تَقِيٌّ ومُعْرِبُ أعْرَبا حامِيمَ، ومُنِعَتِ الصَّرْفَ لِلْعَلَمِيَّةِ، أوِ العَلَمِيَّةِ وشِبْهِ العُجْمَةِ؛ لِأنَّ فاعِيلَ لَيْسَ مِن أوْزانِ أبْنِيَةِ العَرَبِ، وإنَّما وُجِدَ ذَلِكَ في العَجَمِ، نَحْوُ: قابِيلُ وهابِيلُ. وتَقَدَّمَ فِيما رُوِيَ في الحَدِيثِ جَمْعُ ﴿حم﴾ عَلى الحَوامِيمِ، كَما جُمِعَ ﴿طس﴾ [النمل: ١] عَلى الطَّواسِينِ. وحَكى صاحِبُ زادِ المَسِيرِ عَنْ شَيْخِهِ ابْنِ مَنصُورٍ اللُّغَوِيِّ أنَّهُ قالَ: مِنَ الخَطَأِ (p-٤٤٧)أنْ تَقُولَ: قَرَأْتُ الحَوامِيمَ، ولَيْسَ مِن كَلامِ العَرَبِ؛ والصَّوابُ أنْ يَقُولَ: قَرَأْتُ آلَ حم. وفي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ:“ إذا وقَعْتَ في آلِ حَمِيمَ وقَعْتَ في رَوْضاتٍ دَمِثاتٍ ”انْتَهى. فَإنْ صَحَّ مِن لَفْظِ الرَّسُولِ أنَّهُ قالَ:“ الحَوامِيمُ ”كانَ حُجَّةً عَلى مَن مَنَعَ ذَلِكَ، وإنْ كانَ نُقِلَ بِالمَعْنى، أمْكَنَ أنْ يَكُونَ مِن تَحْرِيفِ الأعاجِمِ. ألا تَرى لَفْظَ ابْنِ مَسْعُودٍ:“ إذا وقَعْتَ في آلِ حَمِيمَ " وقَوْلُ الكُمَيْتِ: وجَدْنا لَكم في آلِ حامِيمَ ؟ وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذِهِ الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ في أوَّلِ البَقَرَةِ، وقَدْ زادُوا في حامِيمَ أقْوالًا هُنا، وهي مَرْوِيَّةٌ عَنِ السَّلَفِ، غَنَيْنا عَنْ ذِكْرِها، لِاضْطِرابِها وعَدَمِ الدَّلِيلِ عَلى صِحَّةِ شَيْءٍ مِنها. فَإنْ كانَتْ حم اسْمًا لِلسُّورَةِ، كانَتْ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ، وإلّا فَتَنْزِيلُ مُبْتَدَأٌ، ومِنَ اللَّهِ الخَبَرُ، أوْ خَبَرُ ابْتِداءٍ، أيْ: هَذا تَنْزِيلُ، ومِنَ اللَّهِ مُتَعَلِّقٌ بِـ (تَنْزِيلُ) . و﴿العَزِيزِ العَلِيمِ﴾: صِفَتانِ دالَّتانِ عَلى المُبالَغَةِ في القُدْرَةِ والغَلَبَةِ والعِلْمِ، وهُما مِن صِفاتِ الذّاتِ. وقالَ الزَّجّاجُ: ﴿غافِرِ﴾ ﴿وقابِلِ﴾ صِفَتانِ، و(شَدِيدِ) بَدَلٌ. انْتَهى. وإنَّما جَعَلَ ﴿غافِرِ﴾ و(قابِلِ) صِفَتَيْنِ وإنْ كانا اسْمَيْ فاعِلٍ؛ لِأنَّهُ فُهِمَ مِن ذَلِكَ أنَّهُ لا يُرادُ بِهِما التَّجَدُّدُ ولا التَّقْيِيدُ بِزَمانٍ، بَلْ أُرِيدَ بِهِما الِاسْتِمْرارُ والثُّبُوتُ؛ وإضافَتُهُما مَحْضَةٌ فَيُعْرَفُ، وصَحَّ أنْ يُوصَفَ بِهِما المَعْرِفَةُ، وإنَّما أُعْرِبَ ﴿شَدِيدِ العِقابِ﴾ بَدَلًا؛ لِأنَّهُ مِن بابِ الصِّفَةِ المُشَبَّهَةِ، ولا يَتَعَرَّفُ بِالإضافَةِ إلى المَعْرِفَةِ، وقَدْ نَصَّ سِيبَوَيْهِ عَلى أنَّ كُلَّ ما إضافَتُهُ غَيْرُ مَحْضَةٍ، إذا أُضِيفَ إلى مَعْرِفَةٍ، جازَ أنْ يُنْوى بِإضافَتِهِ التَّمَحُّضُ، فَيَتَعَرَّفُ ويَنْعَتُ بِهِ المَعْرِفَةُ، إلّا ما كانَ مِن بابِ الصِّفَةِ المُشَبَّهَةِ، فَإنَّهُ لا يَتَعَرَّفُ. وحَكى صاحِبُ (المُقْنِعِ) عَنِ الكُوفِيِّينَ أنَّهم أجازُوا في حُسْنِ الوَجْهِ وما أشْبَهَهُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِلْمَعْرِفَةِ، قالَ: وذَلِكَ خَطَأٌ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ؛ لِأنَّ حُسْنَ الوَجْهِ نَكِرَةٌ، وإذا أرَدْتَ تَعْرِيفَهُ أدْخَلْتَ فِيهِ ألْ. وقالَ أبُو الحَجّاجِ الأعْلَمُ: لا يَبْعُدُ أنْ يُقْصَدَ بِحُسْنِ الوَجْهِ التَّعْرِيفُ؛ لِأنَّ الإضافَةَ لا تَمْنَعُ مِنهُ. انْتَهى، وهَذا جُنُوحٌ إلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ. وقَدْ جَعَلَ بَعْضُهم ﴿غافِرِ الذَّنْبِ﴾ وما بَعْدَهُ أبْدالًا، اعْتِبارًا بِأنَّها لا تَتَعَرَّفُ بِالإضافَةِ، كَأنَّهُ لاحَظَ في ﴿غافِرِ﴾ و(قابِلِ) زَمانَ الِاسْتِقْبالِ. وقِيلَ: ﴿غافِرِ﴾ و(قابِلِ) لا يُرادُ بِهِما المُضِيُّ، فَهُما يَتَعَرَّفانِ بِالإضافَةِ ويَكُونانِ صِفَتَيْنِ، أيْ: إنَّ قَضاءَهُ بِالغُفْرانِ وقَبُولِ التَّوْبِ هو في الدُّنْيا. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: جَعْلُ الزَّجّاجِ ﴿شَدِيدِ العِقابِ﴾ وحْدَهُ بَدَلًا بَيْنَ الصِّفاتِ فِيهِ نُبُوٌ ظاهِرٌ، والوَجْهُ أنْ يُقالَ: لَمّا صُودِفَ بَيْنَ هَذِهِ المَعارِفِ هَذِهِ النَّكِرَةُ الواحِدَةُ، فَقَدْ آذَنَتْ بِأنَّ كُلَّها أبِدالٌ غَيْرُ أوْصافٍ، ومِثالُ ذَلِكَ قَصِيدَةٌ جاءَتْ تَفاعِيلُها كُلُّها عَلى مُسْتَفْعِلُنْ، فَهي مَحْكُومٌ عَلَيْها أنَّها مِنَ الرَّجَزِ، فَإنْ وقَعَ فِيها (p-٤٤٨)جُزْءٌ واحِدٌ عَلى مُتَفاعِلُنْ كانَتْ مِنَ الكامِلِ، ولا نُبُوَ في ذَلِكَ؛ لِأنَّ الجَرْيَ عَلى القَواعِدِ الَّتِي قَدِ اسْتَقَرَّتْ وصَحَّتْ هو الأصْلُ. وقَوْلُهُ: فَقَدْ آذَنَتْ بِأنَّ كُلَّها أبْدالُ تَرْكِيبٍ غَيْرِ عَرَبِيٍّ؛ لِأنَّهُ جَعَلَ فَقَدْ آذَنَتْ جَوابَ لَمّا، ولَيْسَ مِنَ كَلامِهِمْ: لَمّا قامَ زَيْدٌ فَقَدْ قامَ عَمْرٌو، وقَوْلُهُ: بِأنَّ كُلَّها أبْدالٌ فِيهِ تَكْرارُ الأبْدالِ، أمّا بَدَلُ البَدَلِ عِنْدَ مَن أثْبَتَهُ فَقَدْ تَكَرَّرَتْ فِيهِ الأبْدالُ، وأمّا بَدَلُ كُلٍّ مِن كُلٍّ، وبَدَلُ بَعْضٍ مِن كُلٍّ، وبَدَلُ اشْتِمالٍ، فَلا نَصَّ عَنْ أحَدٍ مِنَ النَّحْوِيِّينَ أعْرِفُهُ في جَوازِ التَّكْرارِ فِيها، أوْ مَنعِهِ، إلّا أنَّ في كَلامِ بَعْضِ أصْحابِنا ما يَدُلُّ عَلى أنَّ البَدَلَ لا يُكَرَّرُ، وذَلِكَ في قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎فَإلى ابْنِ أُمِّ أُناسٍ أُرَحِّلُ ناقَتِي ∗∗∗ عَمْرٍو فَتَبْلُغُ ناقَتِي أوْ تَزْحَفُ ؎مَلِكٍ إذا نَزَلَ الوُفُودُ بِبابِهِ ∗∗∗ عَرَفُوا مَوارِدَ مُزْنِهِ لا تَنْزِفُ قالَ: فَمَلِكٌ بَدَلٌ مِن عَمْرٍو، بَدَلُ نَكِرَةٍ مِن مَعْرِفَةٍ. قالَ: فَإنْ قُلْتَ: لِمَ لا يَكُونُ بَدَلًا مِنَ ابْنِ أُمِّ أُناسٍ ؟ (قُلْتُ): لِأنَّهُ قَدْ أبْدَلَ مِنهُ عَمْرٌو، فَلا يَجُوزُ أنْ يُبَدَلَ مِنهُ مَرَّةً أُخْرى؛ لِأنَّهُ قَدْ طُرِحَ. انْتَهى. فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّ البَدَلَ لا يَتَكَرَّرُ، ويَتَّحِدُ المُبْدَلُ مِنهُ؛ ودَلَّ عَلى أنَّ البَدَلَ مِنَ البَدَلِ جائِزٌ، وقَوْلُهُ: جاءَتْ تَفاعِيلُها، هو جَمْعُ تِفْعالٍ أوْ تَفْعُولٍ أوْ تِفْعُولٍ أوْ تَفْعِيلٍ، ولَيْسَ شَيْءٌ مِن هَذِهِ الأوْزانِ يَكُونُ مَعْدُولًا في آخِرِ العَرُوضِ، بَلْ أجْزاؤُها مُنْحَصِرَةٌ، لَيْسَ مِنها شَيْءٌ مِن هَذِهِ الأوْزانِ، فَصَوابُهُ أنْ يَقُولَ: جاءَتْ أجْزاؤُها كُلُّها عَلى مُسْتَفْعِلُنْ. وقالَ سِيبَوَيْهِ أيْضًا: ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ هي صِفاتٌ، وإنَّما حُذِفَتِ الألِفُ واللّامُ مِن ﴿شَدِيدِ العِقابِ﴾ لِيُزاوِجَ ما قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ لَفْظًا، فَقَدْ غَيَّرُوا كَثِيرًا مِن كَلامِهِمْ عَنْ قَوانِينِهِ لِأجْلِ الِازْدِواجِ، حَتّى قالُوا: ما يَعْرِفُ سُحادِلَيْهِ من عُنادِلَيْهِ، فَثَنُّوا ما هو وِتْرٌ لِأجْلِ ما هو شَفْعٌ. عَلى أنَّ الخَلِيلَ قالَ في قَوْلِهِمْ: لا يَحْسُنُ بِالرَّجُلِ مِثْلِكَ أنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ، ويَحْسُنَ بِالرَّجُلِ خَيْرٍ مِنكَ أنْ يَفْعَلَ، عَلى نِيَّةِ الألِفِ واللّامِ، كَما كانَ الجَمّاءُ الغَفِيرُ عَلى نِيَّةِ طَرْحِ الألِفِ واللّامِ. ومِمّا يُسَهِّلُ ذَلِكَ أمْنُ اللَّبْسِ وجَهالَةُ المَوْصُوفِ. انْتَهى. ولا ضَرُورَةَ إلى اعْتِقادِ حَذْفِ الألِفِ واللّامِ مِن ﴿شَدِيدِ العِقابِ﴾، وتَرْكِ ما هو أصْلٌ في النَّحْوِ، وتَشْبِيهٍ بِنادِرٍ مُغَيَّرٍ عَنِ القَوانِينِ مِن تَثْنِيَةِ الوِتْرِ لِلشَّفْعِ، ويُنَزَّهُ كِتابُ اللَّهِ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُقالَ: قَدْ تَعَمَّدَ تَنْكِيرَهُ وإبْهامَهُ لِلدَّلالَةِ عَلى فَرْطِ الشِّدَّةِ، وعَلى ما لا شَيْءَ أدْهى مِنهُ، وأمْرٌ لِزِيادَةِ الإنْذارِ. ويَجُوزُ أنْ يُقالَ: هَذِهِ النُّكْتَةُ هي الدّاعِيَةُ إلى اخْتِيارِ البَدَلِ عَلى الوَصْفِ إذا سَلَكْتَ طَرِيقَةَ الإبْدالِ. انْتَهى. وأجازَ مَكِّيٌّ في ﴿غافِرِ﴾ و(قابِلِ) البَدَلَ حَمْلًا عَلى أنَّهُما نَكِرَتانِ لِاسْتِقْبالِهِما، والوَصْفُ حَمْلًا عَلى أنَّهُما مَعْرِفَتانِ لِمُضِيِّهِما. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: لا نِزاعَ في جَعْلِ ﴿غافِرِ﴾ و(قابِلِ) صِفَةً، وإنَّما كانا كَذَلِكَ؛ لِأنَّهُما يُفِيدانِ مَعْنى الدَّوامِ والِاسْتِمْرارِ، وكَذَلِكَ ﴿شَدِيدِ العِقابِ﴾ تُفِيدُ ذَلِكَ؛ لِأنَّ صِفاتَهُ مُنَزَّهَةٌ عَنِ الحُدُوثِ والتَّجَدُّدِ، فَمَعْناهُ: كَوْنُهُ بِحَيْثُ شَدِيدٌ عِقابُهُ، وهَذا المَعْنى حاصِلٌ أبَدًا، لا يُوصَفُ بِأنَّهُ حَصَلَ بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ. انْتَهى. وهَذا كَلامُ مَن لَمْ يَقِفْ عَلى عِلْمِ النَّحْوُ، ولا نَظَرَ فِيهِ، ويَلْزَمُهُ أنْ يَكُونَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿مِن لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ [النمل: ٦]، ومَلِيكٌ مُقْتَدِرٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٥٥]، مَعارِفَ لِتَنْزِيهِ صِفاتِهِ عَنِ الحُدُوثِ والتَّجَدُّدِ، ولِأنَّها صِفاتٌ لَمْ تَحْصُلْ بَعْدَ أنْ لَمْ تَكُنْ، ويَكُونُ تَعْرِيفُ صِفاتٍ بِألْ وتَنْكِيرُها سَواءً، وهَذا لا يَذْهَبُ إلَيْهِ مُبْتَدِئٌ في عِلْمِ النَّحْوِ، فَضْلًا عَمَّنْ صَنَّفَ فِيهِ، وقَدِمَ عَلى تَفْسِيرِ كِتابِ اللَّهِ. وتَلَخَّصَ مِن هَذا الكَلامِ المُطَوَّلِ أنَّ ﴿غافِرِ الذَّنْبِ﴾ وما عُطِفَ عَلَيْهِ و﴿شَدِيدِ العِقابِ﴾ أوْصافٌ؛ لِأنَّ المَعْطُوفَ عَلى الوَصْفِ وصْفٌ، والجَمِيعُ مَعارِفُ عَلى ما تَقَرَّرَ أوْ أبِدالٌّ؛ لِأنَّ المَعْطُوفَ عَلى البَدَلِ بَدَلٌ لِتَنْكِيرِ الجَمِيعِ. أوْ ﴿غافِرِ﴾ و(قابِلِ) وصْفانِ، و(شَدِيدِ) بَدَلٌ لِمَعْرِفَةٍ ذَيْنِكَ وتَنْكِيرِ (شَدِيدِ) . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): ما بالُ الواوِ في قَوْلِهِ: ﴿وقابِلِ التَّوْبِ﴾ ؟ (قُلْتُ): فِيها نُكْتَةٌ جَلِيلَةٌ (p-٤٤٩)وهِيَ إفادَةُ الجَمْعِ لِلْمُذْنِبِ التّائِبِ بَيْنَ رَحْمَتَيْنِ، بَيْنَ أنْ يَقْبَلَ تَوْبَتَهُ فَيَكْتُبَها لَهُ طاعَةً مِنَ الطّاعاتِ، وأنْ يَجْعَلَها مَحّاءَةً لِلذُّنُوبِ، كَأنْ لَمْ يُذْنِبْ، كَأنَّهُ قالَ: جامِعُ المَغْفِرَةِ والقَبُولِ. انْتَهى. وما أكْثَرَ تَلَمُّحَ هَذا الرَّجُلِ وشَقْشَقَتَهُ، والَّذِي أفادَ أنَّ الواوَ لِلْجَمْعِ، وهَذا مَعْرُوفٌ مِنَ ظاهِرِ عِلْمِ النَّحْوِ. وقالَ صاحِبُ الغُنْيانِ: وإنَّما عَطَفَ لِاجْتِماعِهِما وتَلازُمِهِما وعَدَمِ انْفِكاكِ أحَدِهِما عَنِ الآخَرِ. وقُطِعَ ﴿شَدِيدِ العِقابِ﴾ عَنْهُما فَلَمْ يُعْطَفْ لِانْفِرادِهِ. انْتَهى، وهي نَزْغَةٌ اعْتِزالِيَّةٌ. ومَذْهَبُ أهْلِ السُّنَّةِ جَوازُ غُفْرانِ اللَّهِ لِلْعاصِي، وإنْ لَمْ يَتُبْ إلّا الشِّرْكَ. والتَّوْبُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ كالذَّنْبِ، اسْمَ جِنْسٍ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ تَوْبَةٍ، كَبَشْرٍ وبَشْرَةٍ، وساعٍ وساعَةٍ. والظّاهِرُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وقابِلِ التَّوْبِ﴾ أنَّ تَوْبَةَ العاصِي بِغَيْرِ الكُفْرِ، كَتَوْبَةِ العاصِي بِالكُفْرِ مَقْطُوعٌ بِقَبُولِها. وذَكَرُوا في القَطْعِ بِقَبُولِ تَوْبَةِ العاصِي قَوْلَيْنِ لِأهْلِ السُّنَّةِ. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى شِدَّةَ عِقابِهِ أرْدَفَهُ بِما يُطْمِعُ في رَحْمَتِهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿ذِي الطَّوْلِ﴾، فَجاءَ ذَلِكَ وعِيدًا اكْتَنَفَهُ وعْدانِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الطَّوْلُ: السَّعَةُ والغِنى؛ وقالَ قَتادَةُ: النِّعَمُ؛ وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: القُدْرَةُ، وقَوْلُهُ: طَوْلُهُ تَضْعِيفُ حَسَناتِ أوْلِيائِهِ، وعَفْوُهُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ. ولَمّا ذَكَرَ جُمْلَةً مِن صِفاتِهِ العُلا الذّاتِيَّةِ والفِعْلِيَّةِ، ذَكَرَ أنَّهُ المُنْفَرِدُ بِالأُلُوهِيَّةِ، المَرْجُوعُ إلَيْهِ في الحَشْرِ؛ ثُمَّ ذَكَرَ حالَ مَن جادَلَ في الكِتابِ، وأتْبَعَ بِذِكْرِ الطّائِعِينَ مِن مَلائِكَتِهِ وصالِحِي عِبادِهِ فَقالَ: ﴿ما يُجادِلُ في آياتِ اللَّهِ إلّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، وجِدالُهم فِيها قَوْلُهم: مَرَّةً سِحْرٌ، ومَرَّةً شِعْرٌ، ومَرَّةً أساطِيرُ الأوَّلِينَ، ومَرَّةً إنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ، فَهو جِدالٌ بِالباطِلِ، وقَدْ دَلَّ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وجادَلُوا بِالباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الحَقَّ﴾ . وقالَ السُّدِّيُّ: ما يُجادِلُ أيْ: ما يُمارِي. وقالَ ابْنُ سَلامٍ: ما يَجْحَدُ. وقالَ أبُو العالِيَةِ: نَزَلَتْ في الحارِثِ بْنِ قَيْسٍ، أحَدُ المُسْتَهْزِئِينَ. وأمّا ما يَقَعُ بَيْنَ أهْلِ العِلْمِ مِنَ النَّظَرِ فِيها، واسْتِيضاحِ مَعانِيها، واسْتِنْباطِ الأحْكامِ والعَقائِدِ مِنها، ومُقارَعَةِ أهْلِ البِدَعِ بِها، فَذَلِكَ فِيهِ الثَّوابُ الجَزِيلُ. ثُمَّ نَهى السّامِعَ أنْ يَغْتَرَّ بِتَقَلُّبِ هَؤُلاءِ الكُفّارِ في البِلادِ وتَصَرُّفاتِهِمْ فِيها، بِما أمْلَيْتُ لَهم مِنَ المَساكِنِ والمَزارِعِ والمَمالِكِ والتِّجاراتِ والمَكاسِبِ، وكانَتْ قُرَيْشُ تَتَّجِرُ في الشَّأْمِ واليَمَنِ؛ فَإنَّ ذَلِكَ وبالٌ عَلَيْهِمْ وسَبَبٌ في إهْلاكِهِمْ، كَما هَلَكَ مَن كانَ قَبْلَهم مِن مُكَذِّبِي الرُّسُلِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فَلا يَغْرُرْكَ﴾، بِالفَكِّ، وهي لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: فَلا يَغُرَّكَ، بِالإدْغامِ مَفْتُوحَ الرّاءِ، وهي لُغَةُ تَمِيمٍ. ولَمّا كانَ جِدالُ الكُفّارِ ناشِئًا عَنْ تَكْذِيبِ ما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن آياتِ اللَّهِ، ذَكَرَ مَن كَذَّبَ قَبْلَهم مِنَ الأُمَمِ السّالِفَةِ، وما صارَ إلَيْهِ حالُهم مِن حُلُولِ نَقْماتِ اللَّهِ بِهِمْ، لِيَرْتَدِعَ بِهِمْ كَفّارُ مَن بُعِثَ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلَيْهِمْ؛ فَبَدَأ بِقَوْمِ نُوحٍ، إذْ كانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أوَّلَ رَسُولٍ في الأرْضِ، وعَطَفَ عَلى قَوْمِهِ الأحْزابَ، وهُمُ الَّذِينَ تَحَزَّبُوا عَلى الرُّسُلِ. ولَمْ يَقْبَلُوا ما جاءُوا بِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ، ومِنهم: عادٌ وثَمُودُ وفِرْعَوْنُ وأتْباعُهُ. وقَدَّمَ الهَمَّ بِالأخْذِ عَلى الجِدالِ بِالباطِلِ؛ لِأنَّ الرُّسُلَ لَمّا عَصَمَهُمُ اللَّهُ مِنهم أنْ يَقْتُلُوهم رَجَعُوا إلى الجِدالِ بِالباطِلِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿بِرَسُولِهِمْ﴾؛ وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ (بِرَسُولِها) عادَ الضَّمِيرُ إلى لَفْظِ أُمَّةٍ. ﴿لِيَأْخُذُوهُ﴾: لِيَتَمَكَّنُوا مِنهُ بِحَبْسٍ أوْ تَعْذِيبٍ أوْ قَتْلٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لِيَأْخُذُوهُ: لِيَمْلِكُوهُ، وأنْشَدَ قُطْرُبٌ: ؎فَإمّا تَأْخُذُونِي تَقْتُلُونِي ∗∗∗ فَكَمْ مِن آخِذٍ يَهْوى خُلُودِي ويُقالُ لِلْقَتِيلِ والأسِيرِ: أخِيذٌ. وقالَ قَتادَةُ: ﴿لِيَأْخُذُوهُ﴾: لِيَقْتُلُوهُ، عَبَّرَ عَنِ المُسَبَّبِ بِالسَّبَبِ. ﴿وجادَلُوا بِالباطِلِ﴾ أيْ: بِما هو مُضْمَحِلٌّ ذاهِبٌ لا ثَباتَ لَهُ. وقِيلَ: الباطِلُ: الكُفْرُ. وقِيلَ: الشَّيْطانُ. وقِيلَ: بِقَوْلِهِمْ: ﴿ما أنْتُمْ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا﴾ [يس: ١٥] . ﴿لِيُدْحِضُوا﴾: لِيُزْلِقُوا، ﴿بِهِ الحَقَّ﴾ أيِ: الثّابِتَ الصِّدْقِ. (فَأخَذْتُهم)، فَأهْلَكْتُهم. ﴿فَكَيْفَ كانَ عِقابِ﴾ إيّاهم، اسْتِفْهامُ تَعْجِيبٍ مِنَ اسْتِئْصالِهِمْ، واسْتِعْظامٍ لِما حَلَّ بِهِمْ، ولَيْسَ اسْتِفْهامًا عَنْ كَيْفِيَّةِ (p-٤٥٠)عِقابِهِمْ، وكانُوا يَمُرُّونَ عَلى مَساكِنِهِمْ ويَرَوْنَ آثارَ نِعْمَةِ اللَّهِ فِيهِمْ؛ واجْتَزَأ بِالكَسْرِ عَنْ ياءِ الإضافَةِ؛ لِأنَّها فاصِلَةٌ، والأصْلُ عِقابِي. ﴿وكَذَلِكَ حَقَّتْ﴾ أيْ: مِثْلُ ذَلِكَ الوُجُوبِ مِن عِقابِهِمْ وجَبَ عَلى الكَفَرَةِ، كَوْنِهِمْ مِن أصْحابِ النّارِ، مَن تَقَدَّمَ مِنهم ومَن تَأخَّرُوا. (أنَّهم): بَدَلٌ مِن ﴿كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾، فَهي في مَوْضِعِ رَفْعٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ لِأنَّهم وحُذِفَ لامُ العِلَّةِ. والمَعْنى: كَما وجَبَ إهْلاكُ أُولَئِكَ الأُمَمِ، وجَبَ إهْلاكُ هَؤُلاءِ؛ لِأنَّ المُوجِبَ لِإهْلاكِهِمْ وصْفٌ جامِعٌ لَهم، وهو كَوْنُهم مِن أصْحابِ النّارِ. وفِي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ: (وكَذَلِكَ سَبَقَتْ)، وهو تَفْسِيرُ مَعْنًى، لا قِراءَةٌ. وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزَ، وشَيْبَةُ، وابْنُ القَعْقاعِ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: كَلِماتٌ عَلى الجَمْعِ؛ وأبُو رَجاءٍ، وقَتادَةُ، وباقِي السَّبْعَةِ: عَلى الإفْرادِ.

غافر 40:2

(p-٤٤٤)سُورَةُ غافِرٍ خَمْسٌ وثَمانُونَ آيَةً. مَكِّيَّةٌ ﷽ ﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ ﴿غافِرِ الذَّنْبِ وقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ العِقابِ ذِي الطَّوْلِ لا إلَهَ إلّا هو إلَيْهِ المَصِيرُ﴾ ﴿ما يُجادِلُ في آياتِ اللَّهِ إلّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهم في البِلادِ﴾ ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ والأحْزابُ مِن بَعْدِهِمْ وهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وجادَلُوا بِالباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الحَقَّ فَأخَذْتُهم فَكَيْفَ كانَ عِقابِ﴾ ﴿وكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّهم أصْحابُ النّارِ﴾ ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ ومَن حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ويُؤْمِنُونَ بِهِ ويَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا وسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وعِلْمًا فاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا واتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وقِهِمْ عَذابَ الجَحِيمِ﴾ [غافر: ٧] ﴿رَبَّنا وأدْخِلْهم جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وعَدْتَهم ومَن صَلَحَ مِن آبائِهِمْ وأزْواجِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [غافر: ٨] ﴿وقِهِمُ السَّيِّئاتِ ومَن تَقِ السَّيِّئاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ [غافر: ٩] ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أكْبَرُ مِن مَقْتِكم أنْفُسَكم إذْ تُدْعَوْنَ إلى الإيمانِ فَتَكْفُرُونَ﴾ [غافر: ١٠] ﴿قالُوا رَبَّنا أمَتَّنا اثْنَتَيْنِ وأحْيَيْتَنا اثْنَتَيْنِ فاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا فَهَلْ إلى خُرُوجٍ مِن سَبِيلٍ﴾ [غافر: ١١] ﴿ذَلِكم بِأنَّهُ إذا دُعِيَ اللَّهُ وحْدَهُ كَفَرْتُمْ وإنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فالحُكْمُ لِلَّهِ العَلِيِّ الكَبِيرِ﴾ [غافر: ١٢] ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكم آياتِهِ ويُنَزِّلُ لَكم مِنَ السَّماءِ رِزْقًا وما يَتَذَكَّرُ إلّا مَن يُنِيبُ﴾ [غافر: ١٣] ﴿فادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ولَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ﴾ [غافر: ١٤] ﴿رَفِيعُ الدَّرَجاتِ ذُو العَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِن أمْرِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ﴾ [غافر: ١٥] ﴿يَوْمَ هم بارِزُونَ لا يَخْفى عَلى اللَّهِ مِنهم شَيْءٌ لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ [غافر: ١٦] ﴿اليَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ لا ظُلْمَ اليَوْمَ إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ [غافر: ١٧] ﴿وأنْذِرْهم يَوْمَ الآزِفَةِ إذِ القُلُوبُ لَدى الحَناجِرِ كاظِمِينَ ما لِلظّالِمِينَ مِن حَمِيمٍ ولا شَفِيعٍ يُطاعُ﴾ [غافر: ١٨] ﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ وما تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر: ١٩] ﴿واللَّهُ يَقْضِي بِالحَقِّ والَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إنَّ اللَّهَ هو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [غافر: ٢٠] ﴿أوَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِن قَبْلِهِمْ كانُوا هم أشَدَّ مِنهم قُوَّةً وآثارًا في الأرْضِ فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وما كانَ لَهم مِنَ اللَّهِ مِن واقٍ﴾ [غافر: ٢١] ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَكَفَرُوا فَأخَذَهُمُ اللَّهُ إنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ العِقابِ﴾ [غافر: ٢٢] ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ [غافر: ٢٣] ﴿إلى فِرْعَوْنَ وهامانَ وقارُونَ فَقالُوا ساحِرٌ كَذّابٌ﴾ [غافر: ٢٤] ﴿فَلَمّا جاءَهم بِالحَقِّ مِن عِنْدِنا قالُوا اقْتُلُوا أبْناءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ واسْتَحْيُوا نِساءَهم وما كَيْدُ الكافِرِينَ إلّا في ضَلالٍ﴾ [غافر: ٢٥] ﴿وقالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أقْتُلْ مُوسى ولْيَدْعُ رَبَّهُ إنِّي أخافُ أنْ يُبَدِّلَ دِينَكم أوْ أنْ يُظْهِرَ في الأرْضِ الفَسادَ﴾ [غافر: ٢٦] ﴿وقالَ مُوسى إنِّي عُذْتُ بِرَبِّي ورَبِّكم مِن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الحِسابِ﴾ [غافر: ٢٧] ﴿وقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِن آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إيمانَهُ أتَقْتُلُونَ رَجُلًا أنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وقَدْ جاءَكم بِالبَيِّناتِ مِن رَبِّكم وإنْ يَكُ كاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وإنْ يَكُ صادِقًا يُصِبْكم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكم إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن هو مُسْرِفٌ كَذّابٌ﴾ [غافر: ٢٨] ﴿يا قَوْم لَكُمُ المُلْكُ اليَوْمَ ظاهِرِينَ في الأرْضِ فَمَن يَنْصُرُنا مِن بَأْسِ اللَّهِ إنْ جاءَنا قالَ فِرْعَوْنُ ما أُرِيكم إلّا ما أرى وما أهْدِيكم إلّا سَبِيلَ الرَّشادِ﴾ [غافر: ٢٩] ﴿وقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ إنِّي أخافُ عَلَيْكم مِثْلَ يَوْمِ الأحْزابِ﴾ [غافر: ٣٠] ﴿مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ والَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ وما اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبادِ﴾ [غافر: ٣١] ﴿ويا قَوْمِ إنِّي أخافُ عَلَيْكم يَوْمَ التَّنادِ﴾ [غافر: ٣٢] ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ ما لَكم مِنَ اللَّهِ مِن عاصِمٍ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ [غافر: ٣٣] ﴿ولَقَدْ جاءَكم يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالبَيِّناتِ فَما زِلْتُمْ في شَكٍّ مِمّا جاءَكم بِهِ حَتّى إذا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن هو مُسْرِفٌ مُرْتابٌ﴾ [غافر: ٣٤] (p-٤٤٥)﴿الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أتاهم كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبّارٍ﴾ [غافر: ٣٥] ﴿وقالَ فِرْعَوْنُ يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أبْلُغُ الأسْبابَ﴾ [غافر: ٣٦] ﴿أسْبابَ السَّماواتِ فَأطَّلِعَ إلى إلَهِ مُوسى وإنِّي لَأظُنُّهُ كاذِبًا وكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وما كَيْدُ فِرْعَوْنَ إلّا في تَبابٍ﴾ [غافر: ٣٧] ﴿وقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أهْدِكم سَبِيلَ الرَّشادِ﴾ [غافر: ٣٨] ﴿يا قَوْمِ إنَّما هَذِهِ الحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ وإنَّ الآخِرَةَ هي دارُ القَرارِ﴾ [غافر: ٣٩] ﴿مَن عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزى إلّا مِثْلَها ومَن عَمِلَ صالِحًا مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ [غافر: ٤٠] ﴿ويا قَوْمِ ما لِي أدْعُوكم إلى النَّجاةِ وتَدْعُونَنِي إلى النّارِ﴾ [غافر: ٤١] ﴿تَدْعُونَنِي لِأكْفُرَ بِاللَّهِ وأُشْرِكَ بِهِ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وأنا أدْعُوكم إلى العَزِيزِ الغَفّارِ﴾ [غافر: ٤٢] ﴿لا جَرَمَ أنَّما تَدْعُونَنِي إلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ وأنَّ مَرَدَّنا إلى اللَّهِ وأنَّ المُسْرِفِينَ هم أصْحابُ النّارِ﴾ [غافر: ٤٣] ﴿فَسَتَذْكُرُونَ ما أقُولُ لَكم وأُفَوِّضُ أمْرِي إلى اللَّهِ إنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالعِبادِ﴾ [غافر: ٤٤] ﴿فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا وحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ العَذابِ﴾ [غافر: ٤٥] ﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وعَشِيًّا ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ أدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذابِ﴾ [غافر: ٤٦] ﴿وإذْ يَتَحاجُّونَ في النّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إنّا كُنّا لَكم تَبَعًا فَهَلْ أنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا نَصِيبًا مِنَ النّارِ﴾ [غافر: ٤٧] ﴿قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إنّا كُلٌّ فِيها إنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ العِبادِ﴾ [غافر: ٤٨] ﴿وقالَ الَّذِينَ في النّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكم يُخَفِّفْ عَنّا يَوْمًا مِنَ العَذابِ﴾ [غافر: ٤٩] ﴿قالُوا أوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكم رُسُلُكم بِالبَيِّناتِ قالُوا بَلى قالُوا فادْعُوا وما دُعاءُ الكافِرِينَ إلّا في ضَلالٍ﴾ [غافر: ٥٠] ﴿إنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا والَّذِينَ آمَنُوا في الحَياةِ الدُّنْيا ويَوْمَ يَقُومُ الأشْهادُ﴾ [غافر: ٥١] ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظّالِمِينَ مَعْذِرَتُهم ولَهُمُ اللَّعْنَةُ ولَهم سُوءُ الدّارِ﴾ [غافر: ٥٢] ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الهُدى وأوْرَثْنا بَنِي إسْرائِيلَ الكِتابَ﴾ [غافر: ٥٣] ﴿هُدًى وذِكْرى لِأُولِي الألْبابِ﴾ [غافر: ٥٤] ﴿فاصْبِرْ إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالعَشِيِّ والإبْكارِ﴾ [غافر: ٥٥] ﴿إنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أتاهم إنْ في صُدُورِهِمْ إلّا كِبْرٌ ما هم بِبالِغِيهِ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إنَّهُ هو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [غافر: ٥٦] ﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ أكْبَرُ مِن خَلْقِ النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [غافر: ٥٧] ﴿وما يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ولا المُسِيءُ قَلِيلًا ما تَتَذَكَّرُونَ﴾ [غافر: ٥٨] ﴿إنَّ السّاعَةَ لَآتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [غافر: ٥٩] ﴿وقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكم إنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠] ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ والنَّهارَ مُبْصِرًا إنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾ [غافر: ٦١] ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لا إلَهَ إلّا هو فَأنّى تُؤْفَكُونَ﴾ [غافر: ٦٢] ﴿كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كانُوا بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [غافر: ٦٣] ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ قَرارًا والسَّماءَ بِناءً وصَوَّرَكم فَأحْسَنَ صُوَرَكم ورَزَقَكم مِنَ الطَّيِّباتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم فَتَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ﴾ [غافر: ٦٤] ﴿هُوَ الحَيُّ لا إلَهَ إلّا هو فادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [غافر: ٦٥] ﴿قُلْ إنِّي نُهِيتُ أنْ أعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَمّا جاءَنِيَ البَيِّناتُ مِن رَبِّي وأُمِرْتُ أنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [غافر: ٦٦] ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ مِن عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكم طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أشُدَّكم ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا ومِنكم مَن يُتَوَفّى مِن قَبْلُ ولِتَبْلُغُوا أجَلًا مُسَمًّى ولَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ [غافر: ٦٧] ﴿هُوَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ فَإذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [غافر: ٦٨] ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ أنّى يُصْرَفُونَ﴾ [غافر: ٦٩] ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالكِتابِ وبِما أرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [غافر: ٧٠] ﴿إذِ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ والسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ﴾ [غافر: ٧١] ﴿فِي الحَمِيمِ ثُمَّ في النّارِ يُسْجَرُونَ﴾ [غافر: ٧٢] . أزِفَ الشَّيْءُ: قَرُبَ، قالَ الشّاعِرُ: ؎أزِفَ التَّرَحُّلُ غَيْرَ أنَّ رِكابَنا لَمّا تَزَلْ بِرِحالِنا وكَأنْ قَدِ (p-٤٤٦)التَّبابُ: الخُسْرانُ، السِّلْسِلَةُ مَعْرُوفَةٌ، السَّحْبُ: الجَرُّ، سَجَرْتُ التَّنُّورَ: مَلَأْتُهُ نارًا. ﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ ﴿غافِرِ الذَّنْبِ وقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ العِقابِ ذِي الطَّوْلِ لا إلَهَ إلّا هو إلَيْهِ المَصِيرُ﴾ ﴿ما يُجادِلُ في آياتِ اللَّهِ إلّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهم في البِلادِ﴾ ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ والأحْزابُ مِن بَعْدِهِمْ وهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وجادَلُوا بِالباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الحَقَّ فَأخَذْتُهم فَكَيْفَ كانَ عِقابِ﴾ ﴿وكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّهم أصْحابُ النّارِ﴾ سَبْعُ الحَوامِيمِ مَكِّيّاتٌ، قالُوا بِإجْماعٍ. وقِيلَ: في بَعْضِ آياتِ هَذِهِ السُّوَرِ مَدَنِيٌّ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهو ضَعِيفٌ. وفِي الحَدِيثِ: «إنَّ الحَوامِيمَ دِيباجُ القُرْآنِ» وفِيهِ: «مَن أرادَ أنْ يَرْتَعَ في رِياضٍ مُونِقَةٍ مِنَ الجَنَّةِ فَلْيَقْرَأِ الحَوامِيمَ»، وفِيهِ: ”«مَثَلُ الحَوامِيمِ في القُرْآنِ مَثَلُ الحَبَراتِ في الثِّيابِ» . وهَذِهِ الحَوامِيمُ مَقْصُورَةٌ عَلى المَواعِظِ والزَّجْرِ وطُرُقِ الآخِرَةِ وهي قِصارٌ لا تَلْحَقُ فِيها سَآمَةٌ. ومُناسِبَةُ أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ لِآخِرِ الزُّمَرِ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ ما يَئُولُ إلَيْهِ حالُ الكافِرِينَ وحالُ المُؤْمِنِينَ، ذَكَرَ هُنا أنَّهُ تَعالى ( ﴿غافِرِ الذَّنْبِ وقابِلِ التَّوْبِ﴾، لِيَكُونَ ذَلِكَ اسْتِدْعاءً لِلْكافِرِ إلى الإيمانِ، وإلى الإقْلاعِ عَمّا هو فِيهِ، وأنَّ بابَ التَّوْبَةِ مَفْتُوحٌ. وذَكَرَ شِدَّةَ عِقابِهِ، وصَيْرُورَةَ العالَمِ كُلِّهِمْ فِيهِ لِيَرْتَدِعَ عَمّا هو فِيهِ، وأنَّ رُجُوعَهُ إلى رَبِّهِ، فَيُجازِيهِ بِما يَعْمَلُ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ. وقُرِئَ: بِفَتْحِ الحاءِ، اخْتِيارُ أبِي القاسِمِ بْنِ جُبارَةَ الهُذَلِيِّ، صاحِبِ كِتابِ: (الكامِلِ في القُرْآنِ)، وأبُو السَّمّالِ: بِكَسْرِها عَلى أصْلِ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ وعِيسى: بِفَتْحِها، وخَرَّجَ عَلى أنَّها حَرَكَةُ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وكانَتْ فَتْحَةً طَلَبًا لِلْخِفَّةِ كَأيْنَ، وحَرَكَةُ إعْرابٍ عَلى انْتِصابِها بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ تَقْدِيرُهُ: اقْرَأْ حم. وفِي الحَدِيثِ: «أنْ أعْرابِيًّا سَألَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ حم ما هو ؟ فَقالَ: أسْماءٌ وفَواتِحُ سُوَرٍ» وقالَ شُرَيْحُ بْنُ أبِي أوْفى العَبْسِيُّ: ؎يُذَكِّرُنِي حامِيمُ والرُّمْحُ شاجِرٌ ∗∗∗ فَهَلّا تَلا حامِيمَ قَبْلَ التَّقَدُّمِ وقالَ الكُمَيْتُ: ؎وجَدْنا لَكم في آلِ حَمِيمَ آيَةً ∗∗∗ تَأوَّلَها مِنّا تَقِيٌّ ومُعْرِبُ أعْرَبا حامِيمَ، ومُنِعَتِ الصَّرْفَ لِلْعَلَمِيَّةِ، أوِ العَلَمِيَّةِ وشِبْهِ العُجْمَةِ؛ لِأنَّ فاعِيلَ لَيْسَ مِن أوْزانِ أبْنِيَةِ العَرَبِ، وإنَّما وُجِدَ ذَلِكَ في العَجَمِ، نَحْوُ: قابِيلُ وهابِيلُ. وتَقَدَّمَ فِيما رُوِيَ في الحَدِيثِ جَمْعُ ﴿حم﴾ عَلى الحَوامِيمِ، كَما جُمِعَ ﴿طس﴾ [النمل: ١] عَلى الطَّواسِينِ. وحَكى صاحِبُ زادِ المَسِيرِ عَنْ شَيْخِهِ ابْنِ مَنصُورٍ اللُّغَوِيِّ أنَّهُ قالَ: مِنَ الخَطَأِ (p-٤٤٧)أنْ تَقُولَ: قَرَأْتُ الحَوامِيمَ، ولَيْسَ مِن كَلامِ العَرَبِ؛ والصَّوابُ أنْ يَقُولَ: قَرَأْتُ آلَ حم. وفي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ:“ إذا وقَعْتَ في آلِ حَمِيمَ وقَعْتَ في رَوْضاتٍ دَمِثاتٍ ”انْتَهى. فَإنْ صَحَّ مِن لَفْظِ الرَّسُولِ أنَّهُ قالَ:“ الحَوامِيمُ ”كانَ حُجَّةً عَلى مَن مَنَعَ ذَلِكَ، وإنْ كانَ نُقِلَ بِالمَعْنى، أمْكَنَ أنْ يَكُونَ مِن تَحْرِيفِ الأعاجِمِ. ألا تَرى لَفْظَ ابْنِ مَسْعُودٍ:“ إذا وقَعْتَ في آلِ حَمِيمَ " وقَوْلُ الكُمَيْتِ: وجَدْنا لَكم في آلِ حامِيمَ ؟ وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذِهِ الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ في أوَّلِ البَقَرَةِ، وقَدْ زادُوا في حامِيمَ أقْوالًا هُنا، وهي مَرْوِيَّةٌ عَنِ السَّلَفِ، غَنَيْنا عَنْ ذِكْرِها، لِاضْطِرابِها وعَدَمِ الدَّلِيلِ عَلى صِحَّةِ شَيْءٍ مِنها. فَإنْ كانَتْ حم اسْمًا لِلسُّورَةِ، كانَتْ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ، وإلّا فَتَنْزِيلُ مُبْتَدَأٌ، ومِنَ اللَّهِ الخَبَرُ، أوْ خَبَرُ ابْتِداءٍ، أيْ: هَذا تَنْزِيلُ، ومِنَ اللَّهِ مُتَعَلِّقٌ بِـ (تَنْزِيلُ) . و﴿العَزِيزِ العَلِيمِ﴾: صِفَتانِ دالَّتانِ عَلى المُبالَغَةِ في القُدْرَةِ والغَلَبَةِ والعِلْمِ، وهُما مِن صِفاتِ الذّاتِ. وقالَ الزَّجّاجُ: ﴿غافِرِ﴾ ﴿وقابِلِ﴾ صِفَتانِ، و(شَدِيدِ) بَدَلٌ. انْتَهى. وإنَّما جَعَلَ ﴿غافِرِ﴾ و(قابِلِ) صِفَتَيْنِ وإنْ كانا اسْمَيْ فاعِلٍ؛ لِأنَّهُ فُهِمَ مِن ذَلِكَ أنَّهُ لا يُرادُ بِهِما التَّجَدُّدُ ولا التَّقْيِيدُ بِزَمانٍ، بَلْ أُرِيدَ بِهِما الِاسْتِمْرارُ والثُّبُوتُ؛ وإضافَتُهُما مَحْضَةٌ فَيُعْرَفُ، وصَحَّ أنْ يُوصَفَ بِهِما المَعْرِفَةُ، وإنَّما أُعْرِبَ ﴿شَدِيدِ العِقابِ﴾ بَدَلًا؛ لِأنَّهُ مِن بابِ الصِّفَةِ المُشَبَّهَةِ، ولا يَتَعَرَّفُ بِالإضافَةِ إلى المَعْرِفَةِ، وقَدْ نَصَّ سِيبَوَيْهِ عَلى أنَّ كُلَّ ما إضافَتُهُ غَيْرُ مَحْضَةٍ، إذا أُضِيفَ إلى مَعْرِفَةٍ، جازَ أنْ يُنْوى بِإضافَتِهِ التَّمَحُّضُ، فَيَتَعَرَّفُ ويَنْعَتُ بِهِ المَعْرِفَةُ، إلّا ما كانَ مِن بابِ الصِّفَةِ المُشَبَّهَةِ، فَإنَّهُ لا يَتَعَرَّفُ. وحَكى صاحِبُ (المُقْنِعِ) عَنِ الكُوفِيِّينَ أنَّهم أجازُوا في حُسْنِ الوَجْهِ وما أشْبَهَهُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِلْمَعْرِفَةِ، قالَ: وذَلِكَ خَطَأٌ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ؛ لِأنَّ حُسْنَ الوَجْهِ نَكِرَةٌ، وإذا أرَدْتَ تَعْرِيفَهُ أدْخَلْتَ فِيهِ ألْ. وقالَ أبُو الحَجّاجِ الأعْلَمُ: لا يَبْعُدُ أنْ يُقْصَدَ بِحُسْنِ الوَجْهِ التَّعْرِيفُ؛ لِأنَّ الإضافَةَ لا تَمْنَعُ مِنهُ. انْتَهى، وهَذا جُنُوحٌ إلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ. وقَدْ جَعَلَ بَعْضُهم ﴿غافِرِ الذَّنْبِ﴾ وما بَعْدَهُ أبْدالًا، اعْتِبارًا بِأنَّها لا تَتَعَرَّفُ بِالإضافَةِ، كَأنَّهُ لاحَظَ في ﴿غافِرِ﴾ و(قابِلِ) زَمانَ الِاسْتِقْبالِ. وقِيلَ: ﴿غافِرِ﴾ و(قابِلِ) لا يُرادُ بِهِما المُضِيُّ، فَهُما يَتَعَرَّفانِ بِالإضافَةِ ويَكُونانِ صِفَتَيْنِ، أيْ: إنَّ قَضاءَهُ بِالغُفْرانِ وقَبُولِ التَّوْبِ هو في الدُّنْيا. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: جَعْلُ الزَّجّاجِ ﴿شَدِيدِ العِقابِ﴾ وحْدَهُ بَدَلًا بَيْنَ الصِّفاتِ فِيهِ نُبُوٌ ظاهِرٌ، والوَجْهُ أنْ يُقالَ: لَمّا صُودِفَ بَيْنَ هَذِهِ المَعارِفِ هَذِهِ النَّكِرَةُ الواحِدَةُ، فَقَدْ آذَنَتْ بِأنَّ كُلَّها أبِدالٌ غَيْرُ أوْصافٍ، ومِثالُ ذَلِكَ قَصِيدَةٌ جاءَتْ تَفاعِيلُها كُلُّها عَلى مُسْتَفْعِلُنْ، فَهي مَحْكُومٌ عَلَيْها أنَّها مِنَ الرَّجَزِ، فَإنْ وقَعَ فِيها (p-٤٤٨)جُزْءٌ واحِدٌ عَلى مُتَفاعِلُنْ كانَتْ مِنَ الكامِلِ، ولا نُبُوَ في ذَلِكَ؛ لِأنَّ الجَرْيَ عَلى القَواعِدِ الَّتِي قَدِ اسْتَقَرَّتْ وصَحَّتْ هو الأصْلُ. وقَوْلُهُ: فَقَدْ آذَنَتْ بِأنَّ كُلَّها أبْدالُ تَرْكِيبٍ غَيْرِ عَرَبِيٍّ؛ لِأنَّهُ جَعَلَ فَقَدْ آذَنَتْ جَوابَ لَمّا، ولَيْسَ مِنَ كَلامِهِمْ: لَمّا قامَ زَيْدٌ فَقَدْ قامَ عَمْرٌو، وقَوْلُهُ: بِأنَّ كُلَّها أبْدالٌ فِيهِ تَكْرارُ الأبْدالِ، أمّا بَدَلُ البَدَلِ عِنْدَ مَن أثْبَتَهُ فَقَدْ تَكَرَّرَتْ فِيهِ الأبْدالُ، وأمّا بَدَلُ كُلٍّ مِن كُلٍّ، وبَدَلُ بَعْضٍ مِن كُلٍّ، وبَدَلُ اشْتِمالٍ، فَلا نَصَّ عَنْ أحَدٍ مِنَ النَّحْوِيِّينَ أعْرِفُهُ في جَوازِ التَّكْرارِ فِيها، أوْ مَنعِهِ، إلّا أنَّ في كَلامِ بَعْضِ أصْحابِنا ما يَدُلُّ عَلى أنَّ البَدَلَ لا يُكَرَّرُ، وذَلِكَ في قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎فَإلى ابْنِ أُمِّ أُناسٍ أُرَحِّلُ ناقَتِي ∗∗∗ عَمْرٍو فَتَبْلُغُ ناقَتِي أوْ تَزْحَفُ ؎مَلِكٍ إذا نَزَلَ الوُفُودُ بِبابِهِ ∗∗∗ عَرَفُوا مَوارِدَ مُزْنِهِ لا تَنْزِفُ قالَ: فَمَلِكٌ بَدَلٌ مِن عَمْرٍو، بَدَلُ نَكِرَةٍ مِن مَعْرِفَةٍ. قالَ: فَإنْ قُلْتَ: لِمَ لا يَكُونُ بَدَلًا مِنَ ابْنِ أُمِّ أُناسٍ ؟ (قُلْتُ): لِأنَّهُ قَدْ أبْدَلَ مِنهُ عَمْرٌو، فَلا يَجُوزُ أنْ يُبَدَلَ مِنهُ مَرَّةً أُخْرى؛ لِأنَّهُ قَدْ طُرِحَ. انْتَهى. فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّ البَدَلَ لا يَتَكَرَّرُ، ويَتَّحِدُ المُبْدَلُ مِنهُ؛ ودَلَّ عَلى أنَّ البَدَلَ مِنَ البَدَلِ جائِزٌ، وقَوْلُهُ: جاءَتْ تَفاعِيلُها، هو جَمْعُ تِفْعالٍ أوْ تَفْعُولٍ أوْ تِفْعُولٍ أوْ تَفْعِيلٍ، ولَيْسَ شَيْءٌ مِن هَذِهِ الأوْزانِ يَكُونُ مَعْدُولًا في آخِرِ العَرُوضِ، بَلْ أجْزاؤُها مُنْحَصِرَةٌ، لَيْسَ مِنها شَيْءٌ مِن هَذِهِ الأوْزانِ، فَصَوابُهُ أنْ يَقُولَ: جاءَتْ أجْزاؤُها كُلُّها عَلى مُسْتَفْعِلُنْ. وقالَ سِيبَوَيْهِ أيْضًا: ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ هي صِفاتٌ، وإنَّما حُذِفَتِ الألِفُ واللّامُ مِن ﴿شَدِيدِ العِقابِ﴾ لِيُزاوِجَ ما قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ لَفْظًا، فَقَدْ غَيَّرُوا كَثِيرًا مِن كَلامِهِمْ عَنْ قَوانِينِهِ لِأجْلِ الِازْدِواجِ، حَتّى قالُوا: ما يَعْرِفُ سُحادِلَيْهِ من عُنادِلَيْهِ، فَثَنُّوا ما هو وِتْرٌ لِأجْلِ ما هو شَفْعٌ. عَلى أنَّ الخَلِيلَ قالَ في قَوْلِهِمْ: لا يَحْسُنُ بِالرَّجُلِ مِثْلِكَ أنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ، ويَحْسُنَ بِالرَّجُلِ خَيْرٍ مِنكَ أنْ يَفْعَلَ، عَلى نِيَّةِ الألِفِ واللّامِ، كَما كانَ الجَمّاءُ الغَفِيرُ عَلى نِيَّةِ طَرْحِ الألِفِ واللّامِ. ومِمّا يُسَهِّلُ ذَلِكَ أمْنُ اللَّبْسِ وجَهالَةُ المَوْصُوفِ. انْتَهى. ولا ضَرُورَةَ إلى اعْتِقادِ حَذْفِ الألِفِ واللّامِ مِن ﴿شَدِيدِ العِقابِ﴾، وتَرْكِ ما هو أصْلٌ في النَّحْوِ، وتَشْبِيهٍ بِنادِرٍ مُغَيَّرٍ عَنِ القَوانِينِ مِن تَثْنِيَةِ الوِتْرِ لِلشَّفْعِ، ويُنَزَّهُ كِتابُ اللَّهِ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُقالَ: قَدْ تَعَمَّدَ تَنْكِيرَهُ وإبْهامَهُ لِلدَّلالَةِ عَلى فَرْطِ الشِّدَّةِ، وعَلى ما لا شَيْءَ أدْهى مِنهُ، وأمْرٌ لِزِيادَةِ الإنْذارِ. ويَجُوزُ أنْ يُقالَ: هَذِهِ النُّكْتَةُ هي الدّاعِيَةُ إلى اخْتِيارِ البَدَلِ عَلى الوَصْفِ إذا سَلَكْتَ طَرِيقَةَ الإبْدالِ. انْتَهى. وأجازَ مَكِّيٌّ في ﴿غافِرِ﴾ و(قابِلِ) البَدَلَ حَمْلًا عَلى أنَّهُما نَكِرَتانِ لِاسْتِقْبالِهِما، والوَصْفُ حَمْلًا عَلى أنَّهُما مَعْرِفَتانِ لِمُضِيِّهِما. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: لا نِزاعَ في جَعْلِ ﴿غافِرِ﴾ و(قابِلِ) صِفَةً، وإنَّما كانا كَذَلِكَ؛ لِأنَّهُما يُفِيدانِ مَعْنى الدَّوامِ والِاسْتِمْرارِ، وكَذَلِكَ ﴿شَدِيدِ العِقابِ﴾ تُفِيدُ ذَلِكَ؛ لِأنَّ صِفاتَهُ مُنَزَّهَةٌ عَنِ الحُدُوثِ والتَّجَدُّدِ، فَمَعْناهُ: كَوْنُهُ بِحَيْثُ شَدِيدٌ عِقابُهُ، وهَذا المَعْنى حاصِلٌ أبَدًا، لا يُوصَفُ بِأنَّهُ حَصَلَ بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ. انْتَهى. وهَذا كَلامُ مَن لَمْ يَقِفْ عَلى عِلْمِ النَّحْوُ، ولا نَظَرَ فِيهِ، ويَلْزَمُهُ أنْ يَكُونَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿مِن لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ [النمل: ٦]، ومَلِيكٌ مُقْتَدِرٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٥٥]، مَعارِفَ لِتَنْزِيهِ صِفاتِهِ عَنِ الحُدُوثِ والتَّجَدُّدِ، ولِأنَّها صِفاتٌ لَمْ تَحْصُلْ بَعْدَ أنْ لَمْ تَكُنْ، ويَكُونُ تَعْرِيفُ صِفاتٍ بِألْ وتَنْكِيرُها سَواءً، وهَذا لا يَذْهَبُ إلَيْهِ مُبْتَدِئٌ في عِلْمِ النَّحْوِ، فَضْلًا عَمَّنْ صَنَّفَ فِيهِ، وقَدِمَ عَلى تَفْسِيرِ كِتابِ اللَّهِ. وتَلَخَّصَ مِن هَذا الكَلامِ المُطَوَّلِ أنَّ ﴿غافِرِ الذَّنْبِ﴾ وما عُطِفَ عَلَيْهِ و﴿شَدِيدِ العِقابِ﴾ أوْصافٌ؛ لِأنَّ المَعْطُوفَ عَلى الوَصْفِ وصْفٌ، والجَمِيعُ مَعارِفُ عَلى ما تَقَرَّرَ أوْ أبِدالٌّ؛ لِأنَّ المَعْطُوفَ عَلى البَدَلِ بَدَلٌ لِتَنْكِيرِ الجَمِيعِ. أوْ ﴿غافِرِ﴾ و(قابِلِ) وصْفانِ، و(شَدِيدِ) بَدَلٌ لِمَعْرِفَةٍ ذَيْنِكَ وتَنْكِيرِ (شَدِيدِ) . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): ما بالُ الواوِ في قَوْلِهِ: ﴿وقابِلِ التَّوْبِ﴾ ؟ (قُلْتُ): فِيها نُكْتَةٌ جَلِيلَةٌ (p-٤٤٩)وهِيَ إفادَةُ الجَمْعِ لِلْمُذْنِبِ التّائِبِ بَيْنَ رَحْمَتَيْنِ، بَيْنَ أنْ يَقْبَلَ تَوْبَتَهُ فَيَكْتُبَها لَهُ طاعَةً مِنَ الطّاعاتِ، وأنْ يَجْعَلَها مَحّاءَةً لِلذُّنُوبِ، كَأنْ لَمْ يُذْنِبْ، كَأنَّهُ قالَ: جامِعُ المَغْفِرَةِ والقَبُولِ. انْتَهى. وما أكْثَرَ تَلَمُّحَ هَذا الرَّجُلِ وشَقْشَقَتَهُ، والَّذِي أفادَ أنَّ الواوَ لِلْجَمْعِ، وهَذا مَعْرُوفٌ مِنَ ظاهِرِ عِلْمِ النَّحْوِ. وقالَ صاحِبُ الغُنْيانِ: وإنَّما عَطَفَ لِاجْتِماعِهِما وتَلازُمِهِما وعَدَمِ انْفِكاكِ أحَدِهِما عَنِ الآخَرِ. وقُطِعَ ﴿شَدِيدِ العِقابِ﴾ عَنْهُما فَلَمْ يُعْطَفْ لِانْفِرادِهِ. انْتَهى، وهي نَزْغَةٌ اعْتِزالِيَّةٌ. ومَذْهَبُ أهْلِ السُّنَّةِ جَوازُ غُفْرانِ اللَّهِ لِلْعاصِي، وإنْ لَمْ يَتُبْ إلّا الشِّرْكَ. والتَّوْبُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ كالذَّنْبِ، اسْمَ جِنْسٍ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ تَوْبَةٍ، كَبَشْرٍ وبَشْرَةٍ، وساعٍ وساعَةٍ. والظّاهِرُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وقابِلِ التَّوْبِ﴾ أنَّ تَوْبَةَ العاصِي بِغَيْرِ الكُفْرِ، كَتَوْبَةِ العاصِي بِالكُفْرِ مَقْطُوعٌ بِقَبُولِها. وذَكَرُوا في القَطْعِ بِقَبُولِ تَوْبَةِ العاصِي قَوْلَيْنِ لِأهْلِ السُّنَّةِ. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى شِدَّةَ عِقابِهِ أرْدَفَهُ بِما يُطْمِعُ في رَحْمَتِهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿ذِي الطَّوْلِ﴾، فَجاءَ ذَلِكَ وعِيدًا اكْتَنَفَهُ وعْدانِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الطَّوْلُ: السَّعَةُ والغِنى؛ وقالَ قَتادَةُ: النِّعَمُ؛ وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: القُدْرَةُ، وقَوْلُهُ: طَوْلُهُ تَضْعِيفُ حَسَناتِ أوْلِيائِهِ، وعَفْوُهُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ. ولَمّا ذَكَرَ جُمْلَةً مِن صِفاتِهِ العُلا الذّاتِيَّةِ والفِعْلِيَّةِ، ذَكَرَ أنَّهُ المُنْفَرِدُ بِالأُلُوهِيَّةِ، المَرْجُوعُ إلَيْهِ في الحَشْرِ؛ ثُمَّ ذَكَرَ حالَ مَن جادَلَ في الكِتابِ، وأتْبَعَ بِذِكْرِ الطّائِعِينَ مِن مَلائِكَتِهِ وصالِحِي عِبادِهِ فَقالَ: ﴿ما يُجادِلُ في آياتِ اللَّهِ إلّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، وجِدالُهم فِيها قَوْلُهم: مَرَّةً سِحْرٌ، ومَرَّةً شِعْرٌ، ومَرَّةً أساطِيرُ الأوَّلِينَ، ومَرَّةً إنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ، فَهو جِدالٌ بِالباطِلِ، وقَدْ دَلَّ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وجادَلُوا بِالباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الحَقَّ﴾ . وقالَ السُّدِّيُّ: ما يُجادِلُ أيْ: ما يُمارِي. وقالَ ابْنُ سَلامٍ: ما يَجْحَدُ. وقالَ أبُو العالِيَةِ: نَزَلَتْ في الحارِثِ بْنِ قَيْسٍ، أحَدُ المُسْتَهْزِئِينَ. وأمّا ما يَقَعُ بَيْنَ أهْلِ العِلْمِ مِنَ النَّظَرِ فِيها، واسْتِيضاحِ مَعانِيها، واسْتِنْباطِ الأحْكامِ والعَقائِدِ مِنها، ومُقارَعَةِ أهْلِ البِدَعِ بِها، فَذَلِكَ فِيهِ الثَّوابُ الجَزِيلُ. ثُمَّ نَهى السّامِعَ أنْ يَغْتَرَّ بِتَقَلُّبِ هَؤُلاءِ الكُفّارِ في البِلادِ وتَصَرُّفاتِهِمْ فِيها، بِما أمْلَيْتُ لَهم مِنَ المَساكِنِ والمَزارِعِ والمَمالِكِ والتِّجاراتِ والمَكاسِبِ، وكانَتْ قُرَيْشُ تَتَّجِرُ في الشَّأْمِ واليَمَنِ؛ فَإنَّ ذَلِكَ وبالٌ عَلَيْهِمْ وسَبَبٌ في إهْلاكِهِمْ، كَما هَلَكَ مَن كانَ قَبْلَهم مِن مُكَذِّبِي الرُّسُلِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فَلا يَغْرُرْكَ﴾، بِالفَكِّ، وهي لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: فَلا يَغُرَّكَ، بِالإدْغامِ مَفْتُوحَ الرّاءِ، وهي لُغَةُ تَمِيمٍ. ولَمّا كانَ جِدالُ الكُفّارِ ناشِئًا عَنْ تَكْذِيبِ ما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن آياتِ اللَّهِ، ذَكَرَ مَن كَذَّبَ قَبْلَهم مِنَ الأُمَمِ السّالِفَةِ، وما صارَ إلَيْهِ حالُهم مِن حُلُولِ نَقْماتِ اللَّهِ بِهِمْ، لِيَرْتَدِعَ بِهِمْ كَفّارُ مَن بُعِثَ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلَيْهِمْ؛ فَبَدَأ بِقَوْمِ نُوحٍ، إذْ كانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أوَّلَ رَسُولٍ في الأرْضِ، وعَطَفَ عَلى قَوْمِهِ الأحْزابَ، وهُمُ الَّذِينَ تَحَزَّبُوا عَلى الرُّسُلِ. ولَمْ يَقْبَلُوا ما جاءُوا بِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ، ومِنهم: عادٌ وثَمُودُ وفِرْعَوْنُ وأتْباعُهُ. وقَدَّمَ الهَمَّ بِالأخْذِ عَلى الجِدالِ بِالباطِلِ؛ لِأنَّ الرُّسُلَ لَمّا عَصَمَهُمُ اللَّهُ مِنهم أنْ يَقْتُلُوهم رَجَعُوا إلى الجِدالِ بِالباطِلِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿بِرَسُولِهِمْ﴾؛ وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ (بِرَسُولِها) عادَ الضَّمِيرُ إلى لَفْظِ أُمَّةٍ. ﴿لِيَأْخُذُوهُ﴾: لِيَتَمَكَّنُوا مِنهُ بِحَبْسٍ أوْ تَعْذِيبٍ أوْ قَتْلٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لِيَأْخُذُوهُ: لِيَمْلِكُوهُ، وأنْشَدَ قُطْرُبٌ: ؎فَإمّا تَأْخُذُونِي تَقْتُلُونِي ∗∗∗ فَكَمْ مِن آخِذٍ يَهْوى خُلُودِي ويُقالُ لِلْقَتِيلِ والأسِيرِ: أخِيذٌ. وقالَ قَتادَةُ: ﴿لِيَأْخُذُوهُ﴾: لِيَقْتُلُوهُ، عَبَّرَ عَنِ المُسَبَّبِ بِالسَّبَبِ. ﴿وجادَلُوا بِالباطِلِ﴾ أيْ: بِما هو مُضْمَحِلٌّ ذاهِبٌ لا ثَباتَ لَهُ. وقِيلَ: الباطِلُ: الكُفْرُ. وقِيلَ: الشَّيْطانُ. وقِيلَ: بِقَوْلِهِمْ: ﴿ما أنْتُمْ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا﴾ [يس: ١٥] . ﴿لِيُدْحِضُوا﴾: لِيُزْلِقُوا، ﴿بِهِ الحَقَّ﴾ أيِ: الثّابِتَ الصِّدْقِ. (فَأخَذْتُهم)، فَأهْلَكْتُهم. ﴿فَكَيْفَ كانَ عِقابِ﴾ إيّاهم، اسْتِفْهامُ تَعْجِيبٍ مِنَ اسْتِئْصالِهِمْ، واسْتِعْظامٍ لِما حَلَّ بِهِمْ، ولَيْسَ اسْتِفْهامًا عَنْ كَيْفِيَّةِ (p-٤٥٠)عِقابِهِمْ، وكانُوا يَمُرُّونَ عَلى مَساكِنِهِمْ ويَرَوْنَ آثارَ نِعْمَةِ اللَّهِ فِيهِمْ؛ واجْتَزَأ بِالكَسْرِ عَنْ ياءِ الإضافَةِ؛ لِأنَّها فاصِلَةٌ، والأصْلُ عِقابِي. ﴿وكَذَلِكَ حَقَّتْ﴾ أيْ: مِثْلُ ذَلِكَ الوُجُوبِ مِن عِقابِهِمْ وجَبَ عَلى الكَفَرَةِ، كَوْنِهِمْ مِن أصْحابِ النّارِ، مَن تَقَدَّمَ مِنهم ومَن تَأخَّرُوا. (أنَّهم): بَدَلٌ مِن ﴿كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾، فَهي في مَوْضِعِ رَفْعٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ لِأنَّهم وحُذِفَ لامُ العِلَّةِ. والمَعْنى: كَما وجَبَ إهْلاكُ أُولَئِكَ الأُمَمِ، وجَبَ إهْلاكُ هَؤُلاءِ؛ لِأنَّ المُوجِبَ لِإهْلاكِهِمْ وصْفٌ جامِعٌ لَهم، وهو كَوْنُهم مِن أصْحابِ النّارِ. وفِي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ: (وكَذَلِكَ سَبَقَتْ)، وهو تَفْسِيرُ مَعْنًى، لا قِراءَةٌ. وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزَ، وشَيْبَةُ، وابْنُ القَعْقاعِ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: كَلِماتٌ عَلى الجَمْعِ؛ وأبُو رَجاءٍ، وقَتادَةُ، وباقِي السَّبْعَةِ: عَلى الإفْرادِ.

غافر 40:3

(p-٤٤٤)سُورَةُ غافِرٍ خَمْسٌ وثَمانُونَ آيَةً. مَكِّيَّةٌ ﷽ ﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ ﴿غافِرِ الذَّنْبِ وقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ العِقابِ ذِي الطَّوْلِ لا إلَهَ إلّا هو إلَيْهِ المَصِيرُ﴾ ﴿ما يُجادِلُ في آياتِ اللَّهِ إلّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهم في البِلادِ﴾ ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ والأحْزابُ مِن بَعْدِهِمْ وهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وجادَلُوا بِالباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الحَقَّ فَأخَذْتُهم فَكَيْفَ كانَ عِقابِ﴾ ﴿وكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّهم أصْحابُ النّارِ﴾ ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ ومَن حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ويُؤْمِنُونَ بِهِ ويَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا وسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وعِلْمًا فاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا واتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وقِهِمْ عَذابَ الجَحِيمِ﴾ [غافر: ٧] ﴿رَبَّنا وأدْخِلْهم جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وعَدْتَهم ومَن صَلَحَ مِن آبائِهِمْ وأزْواجِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [غافر: ٨] ﴿وقِهِمُ السَّيِّئاتِ ومَن تَقِ السَّيِّئاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ [غافر: ٩] ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أكْبَرُ مِن مَقْتِكم أنْفُسَكم إذْ تُدْعَوْنَ إلى الإيمانِ فَتَكْفُرُونَ﴾ [غافر: ١٠] ﴿قالُوا رَبَّنا أمَتَّنا اثْنَتَيْنِ وأحْيَيْتَنا اثْنَتَيْنِ فاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا فَهَلْ إلى خُرُوجٍ مِن سَبِيلٍ﴾ [غافر: ١١] ﴿ذَلِكم بِأنَّهُ إذا دُعِيَ اللَّهُ وحْدَهُ كَفَرْتُمْ وإنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فالحُكْمُ لِلَّهِ العَلِيِّ الكَبِيرِ﴾ [غافر: ١٢] ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكم آياتِهِ ويُنَزِّلُ لَكم مِنَ السَّماءِ رِزْقًا وما يَتَذَكَّرُ إلّا مَن يُنِيبُ﴾ [غافر: ١٣] ﴿فادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ولَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ﴾ [غافر: ١٤] ﴿رَفِيعُ الدَّرَجاتِ ذُو العَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِن أمْرِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ﴾ [غافر: ١٥] ﴿يَوْمَ هم بارِزُونَ لا يَخْفى عَلى اللَّهِ مِنهم شَيْءٌ لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ [غافر: ١٦] ﴿اليَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ لا ظُلْمَ اليَوْمَ إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ [غافر: ١٧] ﴿وأنْذِرْهم يَوْمَ الآزِفَةِ إذِ القُلُوبُ لَدى الحَناجِرِ كاظِمِينَ ما لِلظّالِمِينَ مِن حَمِيمٍ ولا شَفِيعٍ يُطاعُ﴾ [غافر: ١٨] ﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ وما تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر: ١٩] ﴿واللَّهُ يَقْضِي بِالحَقِّ والَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إنَّ اللَّهَ هو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [غافر: ٢٠] ﴿أوَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِن قَبْلِهِمْ كانُوا هم أشَدَّ مِنهم قُوَّةً وآثارًا في الأرْضِ فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وما كانَ لَهم مِنَ اللَّهِ مِن واقٍ﴾ [غافر: ٢١] ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَكَفَرُوا فَأخَذَهُمُ اللَّهُ إنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ العِقابِ﴾ [غافر: ٢٢] ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ [غافر: ٢٣] ﴿إلى فِرْعَوْنَ وهامانَ وقارُونَ فَقالُوا ساحِرٌ كَذّابٌ﴾ [غافر: ٢٤] ﴿فَلَمّا جاءَهم بِالحَقِّ مِن عِنْدِنا قالُوا اقْتُلُوا أبْناءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ واسْتَحْيُوا نِساءَهم وما كَيْدُ الكافِرِينَ إلّا في ضَلالٍ﴾ [غافر: ٢٥] ﴿وقالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أقْتُلْ مُوسى ولْيَدْعُ رَبَّهُ إنِّي أخافُ أنْ يُبَدِّلَ دِينَكم أوْ أنْ يُظْهِرَ في الأرْضِ الفَسادَ﴾ [غافر: ٢٦] ﴿وقالَ مُوسى إنِّي عُذْتُ بِرَبِّي ورَبِّكم مِن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الحِسابِ﴾ [غافر: ٢٧] ﴿وقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِن آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إيمانَهُ أتَقْتُلُونَ رَجُلًا أنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وقَدْ جاءَكم بِالبَيِّناتِ مِن رَبِّكم وإنْ يَكُ كاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وإنْ يَكُ صادِقًا يُصِبْكم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكم إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن هو مُسْرِفٌ كَذّابٌ﴾ [غافر: ٢٨] ﴿يا قَوْم لَكُمُ المُلْكُ اليَوْمَ ظاهِرِينَ في الأرْضِ فَمَن يَنْصُرُنا مِن بَأْسِ اللَّهِ إنْ جاءَنا قالَ فِرْعَوْنُ ما أُرِيكم إلّا ما أرى وما أهْدِيكم إلّا سَبِيلَ الرَّشادِ﴾ [غافر: ٢٩] ﴿وقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ إنِّي أخافُ عَلَيْكم مِثْلَ يَوْمِ الأحْزابِ﴾ [غافر: ٣٠] ﴿مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ والَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ وما اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبادِ﴾ [غافر: ٣١] ﴿ويا قَوْمِ إنِّي أخافُ عَلَيْكم يَوْمَ التَّنادِ﴾ [غافر: ٣٢] ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ ما لَكم مِنَ اللَّهِ مِن عاصِمٍ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ [غافر: ٣٣] ﴿ولَقَدْ جاءَكم يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالبَيِّناتِ فَما زِلْتُمْ في شَكٍّ مِمّا جاءَكم بِهِ حَتّى إذا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن هو مُسْرِفٌ مُرْتابٌ﴾ [غافر: ٣٤] (p-٤٤٥)﴿الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أتاهم كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبّارٍ﴾ [غافر: ٣٥] ﴿وقالَ فِرْعَوْنُ يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أبْلُغُ الأسْبابَ﴾ [غافر: ٣٦] ﴿أسْبابَ السَّماواتِ فَأطَّلِعَ إلى إلَهِ مُوسى وإنِّي لَأظُنُّهُ كاذِبًا وكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وما كَيْدُ فِرْعَوْنَ إلّا في تَبابٍ﴾ [غافر: ٣٧] ﴿وقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أهْدِكم سَبِيلَ الرَّشادِ﴾ [غافر: ٣٨] ﴿يا قَوْمِ إنَّما هَذِهِ الحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ وإنَّ الآخِرَةَ هي دارُ القَرارِ﴾ [غافر: ٣٩] ﴿مَن عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزى إلّا مِثْلَها ومَن عَمِلَ صالِحًا مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ [غافر: ٤٠] ﴿ويا قَوْمِ ما لِي أدْعُوكم إلى النَّجاةِ وتَدْعُونَنِي إلى النّارِ﴾ [غافر: ٤١] ﴿تَدْعُونَنِي لِأكْفُرَ بِاللَّهِ وأُشْرِكَ بِهِ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وأنا أدْعُوكم إلى العَزِيزِ الغَفّارِ﴾ [غافر: ٤٢] ﴿لا جَرَمَ أنَّما تَدْعُونَنِي إلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ وأنَّ مَرَدَّنا إلى اللَّهِ وأنَّ المُسْرِفِينَ هم أصْحابُ النّارِ﴾ [غافر: ٤٣] ﴿فَسَتَذْكُرُونَ ما أقُولُ لَكم وأُفَوِّضُ أمْرِي إلى اللَّهِ إنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالعِبادِ﴾ [غافر: ٤٤] ﴿فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا وحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ العَذابِ﴾ [غافر: ٤٥] ﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وعَشِيًّا ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ أدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذابِ﴾ [غافر: ٤٦] ﴿وإذْ يَتَحاجُّونَ في النّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إنّا كُنّا لَكم تَبَعًا فَهَلْ أنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا نَصِيبًا مِنَ النّارِ﴾ [غافر: ٤٧] ﴿قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إنّا كُلٌّ فِيها إنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ العِبادِ﴾ [غافر: ٤٨] ﴿وقالَ الَّذِينَ في النّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكم يُخَفِّفْ عَنّا يَوْمًا مِنَ العَذابِ﴾ [غافر: ٤٩] ﴿قالُوا أوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكم رُسُلُكم بِالبَيِّناتِ قالُوا بَلى قالُوا فادْعُوا وما دُعاءُ الكافِرِينَ إلّا في ضَلالٍ﴾ [غافر: ٥٠] ﴿إنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا والَّذِينَ آمَنُوا في الحَياةِ الدُّنْيا ويَوْمَ يَقُومُ الأشْهادُ﴾ [غافر: ٥١] ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظّالِمِينَ مَعْذِرَتُهم ولَهُمُ اللَّعْنَةُ ولَهم سُوءُ الدّارِ﴾ [غافر: ٥٢] ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الهُدى وأوْرَثْنا بَنِي إسْرائِيلَ الكِتابَ﴾ [غافر: ٥٣] ﴿هُدًى وذِكْرى لِأُولِي الألْبابِ﴾ [غافر: ٥٤] ﴿فاصْبِرْ إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالعَشِيِّ والإبْكارِ﴾ [غافر: ٥٥] ﴿إنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أتاهم إنْ في صُدُورِهِمْ إلّا كِبْرٌ ما هم بِبالِغِيهِ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إنَّهُ هو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [غافر: ٥٦] ﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ أكْبَرُ مِن خَلْقِ النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [غافر: ٥٧] ﴿وما يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ولا المُسِيءُ قَلِيلًا ما تَتَذَكَّرُونَ﴾ [غافر: ٥٨] ﴿إنَّ السّاعَةَ لَآتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [غافر: ٥٩] ﴿وقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكم إنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠] ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ والنَّهارَ مُبْصِرًا إنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾ [غافر: ٦١] ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لا إلَهَ إلّا هو فَأنّى تُؤْفَكُونَ﴾ [غافر: ٦٢] ﴿كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كانُوا بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [غافر: ٦٣] ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ قَرارًا والسَّماءَ بِناءً وصَوَّرَكم فَأحْسَنَ صُوَرَكم ورَزَقَكم مِنَ الطَّيِّباتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم فَتَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ﴾ [غافر: ٦٤] ﴿هُوَ الحَيُّ لا إلَهَ إلّا هو فادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [غافر: ٦٥] ﴿قُلْ إنِّي نُهِيتُ أنْ أعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَمّا جاءَنِيَ البَيِّناتُ مِن رَبِّي وأُمِرْتُ أنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [غافر: ٦٦] ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ مِن عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكم طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أشُدَّكم ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا ومِنكم مَن يُتَوَفّى مِن قَبْلُ ولِتَبْلُغُوا أجَلًا مُسَمًّى ولَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ [غافر: ٦٧] ﴿هُوَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ فَإذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [غافر: ٦٨] ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ أنّى يُصْرَفُونَ﴾ [غافر: ٦٩] ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالكِتابِ وبِما أرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [غافر: ٧٠] ﴿إذِ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ والسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ﴾ [غافر: ٧١] ﴿فِي الحَمِيمِ ثُمَّ في النّارِ يُسْجَرُونَ﴾ [غافر: ٧٢] . أزِفَ الشَّيْءُ: قَرُبَ، قالَ الشّاعِرُ: ؎أزِفَ التَّرَحُّلُ غَيْرَ أنَّ رِكابَنا لَمّا تَزَلْ بِرِحالِنا وكَأنْ قَدِ (p-٤٤٦)التَّبابُ: الخُسْرانُ، السِّلْسِلَةُ مَعْرُوفَةٌ، السَّحْبُ: الجَرُّ، سَجَرْتُ التَّنُّورَ: مَلَأْتُهُ نارًا. ﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ ﴿غافِرِ الذَّنْبِ وقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ العِقابِ ذِي الطَّوْلِ لا إلَهَ إلّا هو إلَيْهِ المَصِيرُ﴾ ﴿ما يُجادِلُ في آياتِ اللَّهِ إلّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهم في البِلادِ﴾ ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ والأحْزابُ مِن بَعْدِهِمْ وهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وجادَلُوا بِالباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الحَقَّ فَأخَذْتُهم فَكَيْفَ كانَ عِقابِ﴾ ﴿وكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّهم أصْحابُ النّارِ﴾ سَبْعُ الحَوامِيمِ مَكِّيّاتٌ، قالُوا بِإجْماعٍ. وقِيلَ: في بَعْضِ آياتِ هَذِهِ السُّوَرِ مَدَنِيٌّ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهو ضَعِيفٌ. وفِي الحَدِيثِ: «إنَّ الحَوامِيمَ دِيباجُ القُرْآنِ» وفِيهِ: «مَن أرادَ أنْ يَرْتَعَ في رِياضٍ مُونِقَةٍ مِنَ الجَنَّةِ فَلْيَقْرَأِ الحَوامِيمَ»، وفِيهِ: ”«مَثَلُ الحَوامِيمِ في القُرْآنِ مَثَلُ الحَبَراتِ في الثِّيابِ» . وهَذِهِ الحَوامِيمُ مَقْصُورَةٌ عَلى المَواعِظِ والزَّجْرِ وطُرُقِ الآخِرَةِ وهي قِصارٌ لا تَلْحَقُ فِيها سَآمَةٌ. ومُناسِبَةُ أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ لِآخِرِ الزُّمَرِ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ ما يَئُولُ إلَيْهِ حالُ الكافِرِينَ وحالُ المُؤْمِنِينَ، ذَكَرَ هُنا أنَّهُ تَعالى ( ﴿غافِرِ الذَّنْبِ وقابِلِ التَّوْبِ﴾، لِيَكُونَ ذَلِكَ اسْتِدْعاءً لِلْكافِرِ إلى الإيمانِ، وإلى الإقْلاعِ عَمّا هو فِيهِ، وأنَّ بابَ التَّوْبَةِ مَفْتُوحٌ. وذَكَرَ شِدَّةَ عِقابِهِ، وصَيْرُورَةَ العالَمِ كُلِّهِمْ فِيهِ لِيَرْتَدِعَ عَمّا هو فِيهِ، وأنَّ رُجُوعَهُ إلى رَبِّهِ، فَيُجازِيهِ بِما يَعْمَلُ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ. وقُرِئَ: بِفَتْحِ الحاءِ، اخْتِيارُ أبِي القاسِمِ بْنِ جُبارَةَ الهُذَلِيِّ، صاحِبِ كِتابِ: (الكامِلِ في القُرْآنِ)، وأبُو السَّمّالِ: بِكَسْرِها عَلى أصْلِ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ وعِيسى: بِفَتْحِها، وخَرَّجَ عَلى أنَّها حَرَكَةُ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وكانَتْ فَتْحَةً طَلَبًا لِلْخِفَّةِ كَأيْنَ، وحَرَكَةُ إعْرابٍ عَلى انْتِصابِها بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ تَقْدِيرُهُ: اقْرَأْ حم. وفِي الحَدِيثِ: «أنْ أعْرابِيًّا سَألَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ حم ما هو ؟ فَقالَ: أسْماءٌ وفَواتِحُ سُوَرٍ» وقالَ شُرَيْحُ بْنُ أبِي أوْفى العَبْسِيُّ: ؎يُذَكِّرُنِي حامِيمُ والرُّمْحُ شاجِرٌ ∗∗∗ فَهَلّا تَلا حامِيمَ قَبْلَ التَّقَدُّمِ وقالَ الكُمَيْتُ: ؎وجَدْنا لَكم في آلِ حَمِيمَ آيَةً ∗∗∗ تَأوَّلَها مِنّا تَقِيٌّ ومُعْرِبُ أعْرَبا حامِيمَ، ومُنِعَتِ الصَّرْفَ لِلْعَلَمِيَّةِ، أوِ العَلَمِيَّةِ وشِبْهِ العُجْمَةِ؛ لِأنَّ فاعِيلَ لَيْسَ مِن أوْزانِ أبْنِيَةِ العَرَبِ، وإنَّما وُجِدَ ذَلِكَ في العَجَمِ، نَحْوُ: قابِيلُ وهابِيلُ. وتَقَدَّمَ فِيما رُوِيَ في الحَدِيثِ جَمْعُ ﴿حم﴾ عَلى الحَوامِيمِ، كَما جُمِعَ ﴿طس﴾ [النمل: ١] عَلى الطَّواسِينِ. وحَكى صاحِبُ زادِ المَسِيرِ عَنْ شَيْخِهِ ابْنِ مَنصُورٍ اللُّغَوِيِّ أنَّهُ قالَ: مِنَ الخَطَأِ (p-٤٤٧)أنْ تَقُولَ: قَرَأْتُ الحَوامِيمَ، ولَيْسَ مِن كَلامِ العَرَبِ؛ والصَّوابُ أنْ يَقُولَ: قَرَأْتُ آلَ حم. وفي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ:“ إذا وقَعْتَ في آلِ حَمِيمَ وقَعْتَ في رَوْضاتٍ دَمِثاتٍ ”انْتَهى. فَإنْ صَحَّ مِن لَفْظِ الرَّسُولِ أنَّهُ قالَ:“ الحَوامِيمُ ”كانَ حُجَّةً عَلى مَن مَنَعَ ذَلِكَ، وإنْ كانَ نُقِلَ بِالمَعْنى، أمْكَنَ أنْ يَكُونَ مِن تَحْرِيفِ الأعاجِمِ. ألا تَرى لَفْظَ ابْنِ مَسْعُودٍ:“ إذا وقَعْتَ في آلِ حَمِيمَ " وقَوْلُ الكُمَيْتِ: وجَدْنا لَكم في آلِ حامِيمَ ؟ وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذِهِ الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ في أوَّلِ البَقَرَةِ، وقَدْ زادُوا في حامِيمَ أقْوالًا هُنا، وهي مَرْوِيَّةٌ عَنِ السَّلَفِ، غَنَيْنا عَنْ ذِكْرِها، لِاضْطِرابِها وعَدَمِ الدَّلِيلِ عَلى صِحَّةِ شَيْءٍ مِنها. فَإنْ كانَتْ حم اسْمًا لِلسُّورَةِ، كانَتْ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ، وإلّا فَتَنْزِيلُ مُبْتَدَأٌ، ومِنَ اللَّهِ الخَبَرُ، أوْ خَبَرُ ابْتِداءٍ، أيْ: هَذا تَنْزِيلُ، ومِنَ اللَّهِ مُتَعَلِّقٌ بِـ (تَنْزِيلُ) . و﴿العَزِيزِ العَلِيمِ﴾: صِفَتانِ دالَّتانِ عَلى المُبالَغَةِ في القُدْرَةِ والغَلَبَةِ والعِلْمِ، وهُما مِن صِفاتِ الذّاتِ. وقالَ الزَّجّاجُ: ﴿غافِرِ﴾ ﴿وقابِلِ﴾ صِفَتانِ، و(شَدِيدِ) بَدَلٌ. انْتَهى. وإنَّما جَعَلَ ﴿غافِرِ﴾ و(قابِلِ) صِفَتَيْنِ وإنْ كانا اسْمَيْ فاعِلٍ؛ لِأنَّهُ فُهِمَ مِن ذَلِكَ أنَّهُ لا يُرادُ بِهِما التَّجَدُّدُ ولا التَّقْيِيدُ بِزَمانٍ، بَلْ أُرِيدَ بِهِما الِاسْتِمْرارُ والثُّبُوتُ؛ وإضافَتُهُما مَحْضَةٌ فَيُعْرَفُ، وصَحَّ أنْ يُوصَفَ بِهِما المَعْرِفَةُ، وإنَّما أُعْرِبَ ﴿شَدِيدِ العِقابِ﴾ بَدَلًا؛ لِأنَّهُ مِن بابِ الصِّفَةِ المُشَبَّهَةِ، ولا يَتَعَرَّفُ بِالإضافَةِ إلى المَعْرِفَةِ، وقَدْ نَصَّ سِيبَوَيْهِ عَلى أنَّ كُلَّ ما إضافَتُهُ غَيْرُ مَحْضَةٍ، إذا أُضِيفَ إلى مَعْرِفَةٍ، جازَ أنْ يُنْوى بِإضافَتِهِ التَّمَحُّضُ، فَيَتَعَرَّفُ ويَنْعَتُ بِهِ المَعْرِفَةُ، إلّا ما كانَ مِن بابِ الصِّفَةِ المُشَبَّهَةِ، فَإنَّهُ لا يَتَعَرَّفُ. وحَكى صاحِبُ (المُقْنِعِ) عَنِ الكُوفِيِّينَ أنَّهم أجازُوا في حُسْنِ الوَجْهِ وما أشْبَهَهُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِلْمَعْرِفَةِ، قالَ: وذَلِكَ خَطَأٌ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ؛ لِأنَّ حُسْنَ الوَجْهِ نَكِرَةٌ، وإذا أرَدْتَ تَعْرِيفَهُ أدْخَلْتَ فِيهِ ألْ. وقالَ أبُو الحَجّاجِ الأعْلَمُ: لا يَبْعُدُ أنْ يُقْصَدَ بِحُسْنِ الوَجْهِ التَّعْرِيفُ؛ لِأنَّ الإضافَةَ لا تَمْنَعُ مِنهُ. انْتَهى، وهَذا جُنُوحٌ إلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ. وقَدْ جَعَلَ بَعْضُهم ﴿غافِرِ الذَّنْبِ﴾ وما بَعْدَهُ أبْدالًا، اعْتِبارًا بِأنَّها لا تَتَعَرَّفُ بِالإضافَةِ، كَأنَّهُ لاحَظَ في ﴿غافِرِ﴾ و(قابِلِ) زَمانَ الِاسْتِقْبالِ. وقِيلَ: ﴿غافِرِ﴾ و(قابِلِ) لا يُرادُ بِهِما المُضِيُّ، فَهُما يَتَعَرَّفانِ بِالإضافَةِ ويَكُونانِ صِفَتَيْنِ، أيْ: إنَّ قَضاءَهُ بِالغُفْرانِ وقَبُولِ التَّوْبِ هو في الدُّنْيا. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: جَعْلُ الزَّجّاجِ ﴿شَدِيدِ العِقابِ﴾ وحْدَهُ بَدَلًا بَيْنَ الصِّفاتِ فِيهِ نُبُوٌ ظاهِرٌ، والوَجْهُ أنْ يُقالَ: لَمّا صُودِفَ بَيْنَ هَذِهِ المَعارِفِ هَذِهِ النَّكِرَةُ الواحِدَةُ، فَقَدْ آذَنَتْ بِأنَّ كُلَّها أبِدالٌ غَيْرُ أوْصافٍ، ومِثالُ ذَلِكَ قَصِيدَةٌ جاءَتْ تَفاعِيلُها كُلُّها عَلى مُسْتَفْعِلُنْ، فَهي مَحْكُومٌ عَلَيْها أنَّها مِنَ الرَّجَزِ، فَإنْ وقَعَ فِيها (p-٤٤٨)جُزْءٌ واحِدٌ عَلى مُتَفاعِلُنْ كانَتْ مِنَ الكامِلِ، ولا نُبُوَ في ذَلِكَ؛ لِأنَّ الجَرْيَ عَلى القَواعِدِ الَّتِي قَدِ اسْتَقَرَّتْ وصَحَّتْ هو الأصْلُ. وقَوْلُهُ: فَقَدْ آذَنَتْ بِأنَّ كُلَّها أبْدالُ تَرْكِيبٍ غَيْرِ عَرَبِيٍّ؛ لِأنَّهُ جَعَلَ فَقَدْ آذَنَتْ جَوابَ لَمّا، ولَيْسَ مِنَ كَلامِهِمْ: لَمّا قامَ زَيْدٌ فَقَدْ قامَ عَمْرٌو، وقَوْلُهُ: بِأنَّ كُلَّها أبْدالٌ فِيهِ تَكْرارُ الأبْدالِ، أمّا بَدَلُ البَدَلِ عِنْدَ مَن أثْبَتَهُ فَقَدْ تَكَرَّرَتْ فِيهِ الأبْدالُ، وأمّا بَدَلُ كُلٍّ مِن كُلٍّ، وبَدَلُ بَعْضٍ مِن كُلٍّ، وبَدَلُ اشْتِمالٍ، فَلا نَصَّ عَنْ أحَدٍ مِنَ النَّحْوِيِّينَ أعْرِفُهُ في جَوازِ التَّكْرارِ فِيها، أوْ مَنعِهِ، إلّا أنَّ في كَلامِ بَعْضِ أصْحابِنا ما يَدُلُّ عَلى أنَّ البَدَلَ لا يُكَرَّرُ، وذَلِكَ في قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎فَإلى ابْنِ أُمِّ أُناسٍ أُرَحِّلُ ناقَتِي ∗∗∗ عَمْرٍو فَتَبْلُغُ ناقَتِي أوْ تَزْحَفُ ؎مَلِكٍ إذا نَزَلَ الوُفُودُ بِبابِهِ ∗∗∗ عَرَفُوا مَوارِدَ مُزْنِهِ لا تَنْزِفُ قالَ: فَمَلِكٌ بَدَلٌ مِن عَمْرٍو، بَدَلُ نَكِرَةٍ مِن مَعْرِفَةٍ. قالَ: فَإنْ قُلْتَ: لِمَ لا يَكُونُ بَدَلًا مِنَ ابْنِ أُمِّ أُناسٍ ؟ (قُلْتُ): لِأنَّهُ قَدْ أبْدَلَ مِنهُ عَمْرٌو، فَلا يَجُوزُ أنْ يُبَدَلَ مِنهُ مَرَّةً أُخْرى؛ لِأنَّهُ قَدْ طُرِحَ. انْتَهى. فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّ البَدَلَ لا يَتَكَرَّرُ، ويَتَّحِدُ المُبْدَلُ مِنهُ؛ ودَلَّ عَلى أنَّ البَدَلَ مِنَ البَدَلِ جائِزٌ، وقَوْلُهُ: جاءَتْ تَفاعِيلُها، هو جَمْعُ تِفْعالٍ أوْ تَفْعُولٍ أوْ تِفْعُولٍ أوْ تَفْعِيلٍ، ولَيْسَ شَيْءٌ مِن هَذِهِ الأوْزانِ يَكُونُ مَعْدُولًا في آخِرِ العَرُوضِ، بَلْ أجْزاؤُها مُنْحَصِرَةٌ، لَيْسَ مِنها شَيْءٌ مِن هَذِهِ الأوْزانِ، فَصَوابُهُ أنْ يَقُولَ: جاءَتْ أجْزاؤُها كُلُّها عَلى مُسْتَفْعِلُنْ. وقالَ سِيبَوَيْهِ أيْضًا: ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ هي صِفاتٌ، وإنَّما حُذِفَتِ الألِفُ واللّامُ مِن ﴿شَدِيدِ العِقابِ﴾ لِيُزاوِجَ ما قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ لَفْظًا، فَقَدْ غَيَّرُوا كَثِيرًا مِن كَلامِهِمْ عَنْ قَوانِينِهِ لِأجْلِ الِازْدِواجِ، حَتّى قالُوا: ما يَعْرِفُ سُحادِلَيْهِ من عُنادِلَيْهِ، فَثَنُّوا ما هو وِتْرٌ لِأجْلِ ما هو شَفْعٌ. عَلى أنَّ الخَلِيلَ قالَ في قَوْلِهِمْ: لا يَحْسُنُ بِالرَّجُلِ مِثْلِكَ أنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ، ويَحْسُنَ بِالرَّجُلِ خَيْرٍ مِنكَ أنْ يَفْعَلَ، عَلى نِيَّةِ الألِفِ واللّامِ، كَما كانَ الجَمّاءُ الغَفِيرُ عَلى نِيَّةِ طَرْحِ الألِفِ واللّامِ. ومِمّا يُسَهِّلُ ذَلِكَ أمْنُ اللَّبْسِ وجَهالَةُ المَوْصُوفِ. انْتَهى. ولا ضَرُورَةَ إلى اعْتِقادِ حَذْفِ الألِفِ واللّامِ مِن ﴿شَدِيدِ العِقابِ﴾، وتَرْكِ ما هو أصْلٌ في النَّحْوِ، وتَشْبِيهٍ بِنادِرٍ مُغَيَّرٍ عَنِ القَوانِينِ مِن تَثْنِيَةِ الوِتْرِ لِلشَّفْعِ، ويُنَزَّهُ كِتابُ اللَّهِ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُقالَ: قَدْ تَعَمَّدَ تَنْكِيرَهُ وإبْهامَهُ لِلدَّلالَةِ عَلى فَرْطِ الشِّدَّةِ، وعَلى ما لا شَيْءَ أدْهى مِنهُ، وأمْرٌ لِزِيادَةِ الإنْذارِ. ويَجُوزُ أنْ يُقالَ: هَذِهِ النُّكْتَةُ هي الدّاعِيَةُ إلى اخْتِيارِ البَدَلِ عَلى الوَصْفِ إذا سَلَكْتَ طَرِيقَةَ الإبْدالِ. انْتَهى. وأجازَ مَكِّيٌّ في ﴿غافِرِ﴾ و(قابِلِ) البَدَلَ حَمْلًا عَلى أنَّهُما نَكِرَتانِ لِاسْتِقْبالِهِما، والوَصْفُ حَمْلًا عَلى أنَّهُما مَعْرِفَتانِ لِمُضِيِّهِما. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: لا نِزاعَ في جَعْلِ ﴿غافِرِ﴾ و(قابِلِ) صِفَةً، وإنَّما كانا كَذَلِكَ؛ لِأنَّهُما يُفِيدانِ مَعْنى الدَّوامِ والِاسْتِمْرارِ، وكَذَلِكَ ﴿شَدِيدِ العِقابِ﴾ تُفِيدُ ذَلِكَ؛ لِأنَّ صِفاتَهُ مُنَزَّهَةٌ عَنِ الحُدُوثِ والتَّجَدُّدِ، فَمَعْناهُ: كَوْنُهُ بِحَيْثُ شَدِيدٌ عِقابُهُ، وهَذا المَعْنى حاصِلٌ أبَدًا، لا يُوصَفُ بِأنَّهُ حَصَلَ بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ. انْتَهى. وهَذا كَلامُ مَن لَمْ يَقِفْ عَلى عِلْمِ النَّحْوُ، ولا نَظَرَ فِيهِ، ويَلْزَمُهُ أنْ يَكُونَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿مِن لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ [النمل: ٦]، ومَلِيكٌ مُقْتَدِرٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٥٥]، مَعارِفَ لِتَنْزِيهِ صِفاتِهِ عَنِ الحُدُوثِ والتَّجَدُّدِ، ولِأنَّها صِفاتٌ لَمْ تَحْصُلْ بَعْدَ أنْ لَمْ تَكُنْ، ويَكُونُ تَعْرِيفُ صِفاتٍ بِألْ وتَنْكِيرُها سَواءً، وهَذا لا يَذْهَبُ إلَيْهِ مُبْتَدِئٌ في عِلْمِ النَّحْوِ، فَضْلًا عَمَّنْ صَنَّفَ فِيهِ، وقَدِمَ عَلى تَفْسِيرِ كِتابِ اللَّهِ. وتَلَخَّصَ مِن هَذا الكَلامِ المُطَوَّلِ أنَّ ﴿غافِرِ الذَّنْبِ﴾ وما عُطِفَ عَلَيْهِ و﴿شَدِيدِ العِقابِ﴾ أوْصافٌ؛ لِأنَّ المَعْطُوفَ عَلى الوَصْفِ وصْفٌ، والجَمِيعُ مَعارِفُ عَلى ما تَقَرَّرَ أوْ أبِدالٌّ؛ لِأنَّ المَعْطُوفَ عَلى البَدَلِ بَدَلٌ لِتَنْكِيرِ الجَمِيعِ. أوْ ﴿غافِرِ﴾ و(قابِلِ) وصْفانِ، و(شَدِيدِ) بَدَلٌ لِمَعْرِفَةٍ ذَيْنِكَ وتَنْكِيرِ (شَدِيدِ) . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): ما بالُ الواوِ في قَوْلِهِ: ﴿وقابِلِ التَّوْبِ﴾ ؟ (قُلْتُ): فِيها نُكْتَةٌ جَلِيلَةٌ (p-٤٤٩)وهِيَ إفادَةُ الجَمْعِ لِلْمُذْنِبِ التّائِبِ بَيْنَ رَحْمَتَيْنِ، بَيْنَ أنْ يَقْبَلَ تَوْبَتَهُ فَيَكْتُبَها لَهُ طاعَةً مِنَ الطّاعاتِ، وأنْ يَجْعَلَها مَحّاءَةً لِلذُّنُوبِ، كَأنْ لَمْ يُذْنِبْ، كَأنَّهُ قالَ: جامِعُ المَغْفِرَةِ والقَبُولِ. انْتَهى. وما أكْثَرَ تَلَمُّحَ هَذا الرَّجُلِ وشَقْشَقَتَهُ، والَّذِي أفادَ أنَّ الواوَ لِلْجَمْعِ، وهَذا مَعْرُوفٌ مِنَ ظاهِرِ عِلْمِ النَّحْوِ. وقالَ صاحِبُ الغُنْيانِ: وإنَّما عَطَفَ لِاجْتِماعِهِما وتَلازُمِهِما وعَدَمِ انْفِكاكِ أحَدِهِما عَنِ الآخَرِ. وقُطِعَ ﴿شَدِيدِ العِقابِ﴾ عَنْهُما فَلَمْ يُعْطَفْ لِانْفِرادِهِ. انْتَهى، وهي نَزْغَةٌ اعْتِزالِيَّةٌ. ومَذْهَبُ أهْلِ السُّنَّةِ جَوازُ غُفْرانِ اللَّهِ لِلْعاصِي، وإنْ لَمْ يَتُبْ إلّا الشِّرْكَ. والتَّوْبُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ كالذَّنْبِ، اسْمَ جِنْسٍ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ تَوْبَةٍ، كَبَشْرٍ وبَشْرَةٍ، وساعٍ وساعَةٍ. والظّاهِرُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وقابِلِ التَّوْبِ﴾ أنَّ تَوْبَةَ العاصِي بِغَيْرِ الكُفْرِ، كَتَوْبَةِ العاصِي بِالكُفْرِ مَقْطُوعٌ بِقَبُولِها. وذَكَرُوا في القَطْعِ بِقَبُولِ تَوْبَةِ العاصِي قَوْلَيْنِ لِأهْلِ السُّنَّةِ. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى شِدَّةَ عِقابِهِ أرْدَفَهُ بِما يُطْمِعُ في رَحْمَتِهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿ذِي الطَّوْلِ﴾، فَجاءَ ذَلِكَ وعِيدًا اكْتَنَفَهُ وعْدانِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الطَّوْلُ: السَّعَةُ والغِنى؛ وقالَ قَتادَةُ: النِّعَمُ؛ وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: القُدْرَةُ، وقَوْلُهُ: طَوْلُهُ تَضْعِيفُ حَسَناتِ أوْلِيائِهِ، وعَفْوُهُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ. ولَمّا ذَكَرَ جُمْلَةً مِن صِفاتِهِ العُلا الذّاتِيَّةِ والفِعْلِيَّةِ، ذَكَرَ أنَّهُ المُنْفَرِدُ بِالأُلُوهِيَّةِ، المَرْجُوعُ إلَيْهِ في الحَشْرِ؛ ثُمَّ ذَكَرَ حالَ مَن جادَلَ في الكِتابِ، وأتْبَعَ بِذِكْرِ الطّائِعِينَ مِن مَلائِكَتِهِ وصالِحِي عِبادِهِ فَقالَ: ﴿ما يُجادِلُ في آياتِ اللَّهِ إلّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، وجِدالُهم فِيها قَوْلُهم: مَرَّةً سِحْرٌ، ومَرَّةً شِعْرٌ، ومَرَّةً أساطِيرُ الأوَّلِينَ، ومَرَّةً إنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ، فَهو جِدالٌ بِالباطِلِ، وقَدْ دَلَّ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وجادَلُوا بِالباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الحَقَّ﴾ . وقالَ السُّدِّيُّ: ما يُجادِلُ أيْ: ما يُمارِي. وقالَ ابْنُ سَلامٍ: ما يَجْحَدُ. وقالَ أبُو العالِيَةِ: نَزَلَتْ في الحارِثِ بْنِ قَيْسٍ، أحَدُ المُسْتَهْزِئِينَ. وأمّا ما يَقَعُ بَيْنَ أهْلِ العِلْمِ مِنَ النَّظَرِ فِيها، واسْتِيضاحِ مَعانِيها، واسْتِنْباطِ الأحْكامِ والعَقائِدِ مِنها، ومُقارَعَةِ أهْلِ البِدَعِ بِها، فَذَلِكَ فِيهِ الثَّوابُ الجَزِيلُ. ثُمَّ نَهى السّامِعَ أنْ يَغْتَرَّ بِتَقَلُّبِ هَؤُلاءِ الكُفّارِ في البِلادِ وتَصَرُّفاتِهِمْ فِيها، بِما أمْلَيْتُ لَهم مِنَ المَساكِنِ والمَزارِعِ والمَمالِكِ والتِّجاراتِ والمَكاسِبِ، وكانَتْ قُرَيْشُ تَتَّجِرُ في الشَّأْمِ واليَمَنِ؛ فَإنَّ ذَلِكَ وبالٌ عَلَيْهِمْ وسَبَبٌ في إهْلاكِهِمْ، كَما هَلَكَ مَن كانَ قَبْلَهم مِن مُكَذِّبِي الرُّسُلِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فَلا يَغْرُرْكَ﴾، بِالفَكِّ، وهي لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: فَلا يَغُرَّكَ، بِالإدْغامِ مَفْتُوحَ الرّاءِ، وهي لُغَةُ تَمِيمٍ. ولَمّا كانَ جِدالُ الكُفّارِ ناشِئًا عَنْ تَكْذِيبِ ما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن آياتِ اللَّهِ، ذَكَرَ مَن كَذَّبَ قَبْلَهم مِنَ الأُمَمِ السّالِفَةِ، وما صارَ إلَيْهِ حالُهم مِن حُلُولِ نَقْماتِ اللَّهِ بِهِمْ، لِيَرْتَدِعَ بِهِمْ كَفّارُ مَن بُعِثَ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلَيْهِمْ؛ فَبَدَأ بِقَوْمِ نُوحٍ، إذْ كانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أوَّلَ رَسُولٍ في الأرْضِ، وعَطَفَ عَلى قَوْمِهِ الأحْزابَ، وهُمُ الَّذِينَ تَحَزَّبُوا عَلى الرُّسُلِ. ولَمْ يَقْبَلُوا ما جاءُوا بِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ، ومِنهم: عادٌ وثَمُودُ وفِرْعَوْنُ وأتْباعُهُ. وقَدَّمَ الهَمَّ بِالأخْذِ عَلى الجِدالِ بِالباطِلِ؛ لِأنَّ الرُّسُلَ لَمّا عَصَمَهُمُ اللَّهُ مِنهم أنْ يَقْتُلُوهم رَجَعُوا إلى الجِدالِ بِالباطِلِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿بِرَسُولِهِمْ﴾؛ وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ (بِرَسُولِها) عادَ الضَّمِيرُ إلى لَفْظِ أُمَّةٍ. ﴿لِيَأْخُذُوهُ﴾: لِيَتَمَكَّنُوا مِنهُ بِحَبْسٍ أوْ تَعْذِيبٍ أوْ قَتْلٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لِيَأْخُذُوهُ: لِيَمْلِكُوهُ، وأنْشَدَ قُطْرُبٌ: ؎فَإمّا تَأْخُذُونِي تَقْتُلُونِي ∗∗∗ فَكَمْ مِن آخِذٍ يَهْوى خُلُودِي ويُقالُ لِلْقَتِيلِ والأسِيرِ: أخِيذٌ. وقالَ قَتادَةُ: ﴿لِيَأْخُذُوهُ﴾: لِيَقْتُلُوهُ، عَبَّرَ عَنِ المُسَبَّبِ بِالسَّبَبِ. ﴿وجادَلُوا بِالباطِلِ﴾ أيْ: بِما هو مُضْمَحِلٌّ ذاهِبٌ لا ثَباتَ لَهُ. وقِيلَ: الباطِلُ: الكُفْرُ. وقِيلَ: الشَّيْطانُ. وقِيلَ: بِقَوْلِهِمْ: ﴿ما أنْتُمْ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا﴾ [يس: ١٥] . ﴿لِيُدْحِضُوا﴾: لِيُزْلِقُوا، ﴿بِهِ الحَقَّ﴾ أيِ: الثّابِتَ الصِّدْقِ. (فَأخَذْتُهم)، فَأهْلَكْتُهم. ﴿فَكَيْفَ كانَ عِقابِ﴾ إيّاهم، اسْتِفْهامُ تَعْجِيبٍ مِنَ اسْتِئْصالِهِمْ، واسْتِعْظامٍ لِما حَلَّ بِهِمْ، ولَيْسَ اسْتِفْهامًا عَنْ كَيْفِيَّةِ (p-٤٥٠)عِقابِهِمْ، وكانُوا يَمُرُّونَ عَلى مَساكِنِهِمْ ويَرَوْنَ آثارَ نِعْمَةِ اللَّهِ فِيهِمْ؛ واجْتَزَأ بِالكَسْرِ عَنْ ياءِ الإضافَةِ؛ لِأنَّها فاصِلَةٌ، والأصْلُ عِقابِي. ﴿وكَذَلِكَ حَقَّتْ﴾ أيْ: مِثْلُ ذَلِكَ الوُجُوبِ مِن عِقابِهِمْ وجَبَ عَلى الكَفَرَةِ، كَوْنِهِمْ مِن أصْحابِ النّارِ، مَن تَقَدَّمَ مِنهم ومَن تَأخَّرُوا. (أنَّهم): بَدَلٌ مِن ﴿كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾، فَهي في مَوْضِعِ رَفْعٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ لِأنَّهم وحُذِفَ لامُ العِلَّةِ. والمَعْنى: كَما وجَبَ إهْلاكُ أُولَئِكَ الأُمَمِ، وجَبَ إهْلاكُ هَؤُلاءِ؛ لِأنَّ المُوجِبَ لِإهْلاكِهِمْ وصْفٌ جامِعٌ لَهم، وهو كَوْنُهم مِن أصْحابِ النّارِ. وفِي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ: (وكَذَلِكَ سَبَقَتْ)، وهو تَفْسِيرُ مَعْنًى، لا قِراءَةٌ. وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزَ، وشَيْبَةُ، وابْنُ القَعْقاعِ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: كَلِماتٌ عَلى الجَمْعِ؛ وأبُو رَجاءٍ، وقَتادَةُ، وباقِي السَّبْعَةِ: عَلى الإفْرادِ.

غافر 40:4

(p-٤٤٤)سُورَةُ غافِرٍ خَمْسٌ وثَمانُونَ آيَةً. مَكِّيَّةٌ ﷽ ﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ ﴿غافِرِ الذَّنْبِ وقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ العِقابِ ذِي الطَّوْلِ لا إلَهَ إلّا هو إلَيْهِ المَصِيرُ﴾ ﴿ما يُجادِلُ في آياتِ اللَّهِ إلّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهم في البِلادِ﴾ ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ والأحْزابُ مِن بَعْدِهِمْ وهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وجادَلُوا بِالباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الحَقَّ فَأخَذْتُهم فَكَيْفَ كانَ عِقابِ﴾ ﴿وكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّهم أصْحابُ النّارِ﴾ ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ ومَن حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ويُؤْمِنُونَ بِهِ ويَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا وسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وعِلْمًا فاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا واتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وقِهِمْ عَذابَ الجَحِيمِ﴾ [غافر: ٧] ﴿رَبَّنا وأدْخِلْهم جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وعَدْتَهم ومَن صَلَحَ مِن آبائِهِمْ وأزْواجِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [غافر: ٨] ﴿وقِهِمُ السَّيِّئاتِ ومَن تَقِ السَّيِّئاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ [غافر: ٩] ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أكْبَرُ مِن مَقْتِكم أنْفُسَكم إذْ تُدْعَوْنَ إلى الإيمانِ فَتَكْفُرُونَ﴾ [غافر: ١٠] ﴿قالُوا رَبَّنا أمَتَّنا اثْنَتَيْنِ وأحْيَيْتَنا اثْنَتَيْنِ فاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا فَهَلْ إلى خُرُوجٍ مِن سَبِيلٍ﴾ [غافر: ١١] ﴿ذَلِكم بِأنَّهُ إذا دُعِيَ اللَّهُ وحْدَهُ كَفَرْتُمْ وإنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فالحُكْمُ لِلَّهِ العَلِيِّ الكَبِيرِ﴾ [غافر: ١٢] ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكم آياتِهِ ويُنَزِّلُ لَكم مِنَ السَّماءِ رِزْقًا وما يَتَذَكَّرُ إلّا مَن يُنِيبُ﴾ [غافر: ١٣] ﴿فادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ولَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ﴾ [غافر: ١٤] ﴿رَفِيعُ الدَّرَجاتِ ذُو العَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِن أمْرِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ﴾ [غافر: ١٥] ﴿يَوْمَ هم بارِزُونَ لا يَخْفى عَلى اللَّهِ مِنهم شَيْءٌ لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ [غافر: ١٦] ﴿اليَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ لا ظُلْمَ اليَوْمَ إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ [غافر: ١٧] ﴿وأنْذِرْهم يَوْمَ الآزِفَةِ إذِ القُلُوبُ لَدى الحَناجِرِ كاظِمِينَ ما لِلظّالِمِينَ مِن حَمِيمٍ ولا شَفِيعٍ يُطاعُ﴾ [غافر: ١٨] ﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ وما تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر: ١٩] ﴿واللَّهُ يَقْضِي بِالحَقِّ والَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إنَّ اللَّهَ هو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [غافر: ٢٠] ﴿أوَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِن قَبْلِهِمْ كانُوا هم أشَدَّ مِنهم قُوَّةً وآثارًا في الأرْضِ فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وما كانَ لَهم مِنَ اللَّهِ مِن واقٍ﴾ [غافر: ٢١] ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَكَفَرُوا فَأخَذَهُمُ اللَّهُ إنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ العِقابِ﴾ [غافر: ٢٢] ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ [غافر: ٢٣] ﴿إلى فِرْعَوْنَ وهامانَ وقارُونَ فَقالُوا ساحِرٌ كَذّابٌ﴾ [غافر: ٢٤] ﴿فَلَمّا جاءَهم بِالحَقِّ مِن عِنْدِنا قالُوا اقْتُلُوا أبْناءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ واسْتَحْيُوا نِساءَهم وما كَيْدُ الكافِرِينَ إلّا في ضَلالٍ﴾ [غافر: ٢٥] ﴿وقالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أقْتُلْ مُوسى ولْيَدْعُ رَبَّهُ إنِّي أخافُ أنْ يُبَدِّلَ دِينَكم أوْ أنْ يُظْهِرَ في الأرْضِ الفَسادَ﴾ [غافر: ٢٦] ﴿وقالَ مُوسى إنِّي عُذْتُ بِرَبِّي ورَبِّكم مِن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الحِسابِ﴾ [غافر: ٢٧] ﴿وقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِن آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إيمانَهُ أتَقْتُلُونَ رَجُلًا أنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وقَدْ جاءَكم بِالبَيِّناتِ مِن رَبِّكم وإنْ يَكُ كاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وإنْ يَكُ صادِقًا يُصِبْكم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكم إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن هو مُسْرِفٌ كَذّابٌ﴾ [غافر: ٢٨] ﴿يا قَوْم لَكُمُ المُلْكُ اليَوْمَ ظاهِرِينَ في الأرْضِ فَمَن يَنْصُرُنا مِن بَأْسِ اللَّهِ إنْ جاءَنا قالَ فِرْعَوْنُ ما أُرِيكم إلّا ما أرى وما أهْدِيكم إلّا سَبِيلَ الرَّشادِ﴾ [غافر: ٢٩] ﴿وقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ إنِّي أخافُ عَلَيْكم مِثْلَ يَوْمِ الأحْزابِ﴾ [غافر: ٣٠] ﴿مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ والَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ وما اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبادِ﴾ [غافر: ٣١] ﴿ويا قَوْمِ إنِّي أخافُ عَلَيْكم يَوْمَ التَّنادِ﴾ [غافر: ٣٢] ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ ما لَكم مِنَ اللَّهِ مِن عاصِمٍ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ [غافر: ٣٣] ﴿ولَقَدْ جاءَكم يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالبَيِّناتِ فَما زِلْتُمْ في شَكٍّ مِمّا جاءَكم بِهِ حَتّى إذا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن هو مُسْرِفٌ مُرْتابٌ﴾ [غافر: ٣٤] (p-٤٤٥)﴿الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أتاهم كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبّارٍ﴾ [غافر: ٣٥] ﴿وقالَ فِرْعَوْنُ يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أبْلُغُ الأسْبابَ﴾ [غافر: ٣٦] ﴿أسْبابَ السَّماواتِ فَأطَّلِعَ إلى إلَهِ مُوسى وإنِّي لَأظُنُّهُ كاذِبًا وكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وما كَيْدُ فِرْعَوْنَ إلّا في تَبابٍ﴾ [غافر: ٣٧] ﴿وقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أهْدِكم سَبِيلَ الرَّشادِ﴾ [غافر: ٣٨] ﴿يا قَوْمِ إنَّما هَذِهِ الحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ وإنَّ الآخِرَةَ هي دارُ القَرارِ﴾ [غافر: ٣٩] ﴿مَن عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزى إلّا مِثْلَها ومَن عَمِلَ صالِحًا مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ [غافر: ٤٠] ﴿ويا قَوْمِ ما لِي أدْعُوكم إلى النَّجاةِ وتَدْعُونَنِي إلى النّارِ﴾ [غافر: ٤١] ﴿تَدْعُونَنِي لِأكْفُرَ بِاللَّهِ وأُشْرِكَ بِهِ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وأنا أدْعُوكم إلى العَزِيزِ الغَفّارِ﴾ [غافر: ٤٢] ﴿لا جَرَمَ أنَّما تَدْعُونَنِي إلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ وأنَّ مَرَدَّنا إلى اللَّهِ وأنَّ المُسْرِفِينَ هم أصْحابُ النّارِ﴾ [غافر: ٤٣] ﴿فَسَتَذْكُرُونَ ما أقُولُ لَكم وأُفَوِّضُ أمْرِي إلى اللَّهِ إنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالعِبادِ﴾ [غافر: ٤٤] ﴿فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا وحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ العَذابِ﴾ [غافر: ٤٥] ﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وعَشِيًّا ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ أدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذابِ﴾ [غافر: ٤٦] ﴿وإذْ يَتَحاجُّونَ في النّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إنّا كُنّا لَكم تَبَعًا فَهَلْ أنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا نَصِيبًا مِنَ النّارِ﴾ [غافر: ٤٧] ﴿قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إنّا كُلٌّ فِيها إنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ العِبادِ﴾ [غافر: ٤٨] ﴿وقالَ الَّذِينَ في النّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكم يُخَفِّفْ عَنّا يَوْمًا مِنَ العَذابِ﴾ [غافر: ٤٩] ﴿قالُوا أوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكم رُسُلُكم بِالبَيِّناتِ قالُوا بَلى قالُوا فادْعُوا وما دُعاءُ الكافِرِينَ إلّا في ضَلالٍ﴾ [غافر: ٥٠] ﴿إنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا والَّذِينَ آمَنُوا في الحَياةِ الدُّنْيا ويَوْمَ يَقُومُ الأشْهادُ﴾ [غافر: ٥١] ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظّالِمِينَ مَعْذِرَتُهم ولَهُمُ اللَّعْنَةُ ولَهم سُوءُ الدّارِ﴾ [غافر: ٥٢] ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الهُدى وأوْرَثْنا بَنِي إسْرائِيلَ الكِتابَ﴾ [غافر: ٥٣] ﴿هُدًى وذِكْرى لِأُولِي الألْبابِ﴾ [غافر: ٥٤] ﴿فاصْبِرْ إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالعَشِيِّ والإبْكارِ﴾ [غافر: ٥٥] ﴿إنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أتاهم إنْ في صُدُورِهِمْ إلّا كِبْرٌ ما هم بِبالِغِيهِ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إنَّهُ هو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [غافر: ٥٦] ﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ أكْبَرُ مِن خَلْقِ النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [غافر: ٥٧] ﴿وما يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ولا المُسِيءُ قَلِيلًا ما تَتَذَكَّرُونَ﴾ [غافر: ٥٨] ﴿إنَّ السّاعَةَ لَآتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [غافر: ٥٩] ﴿وقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكم إنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠] ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ والنَّهارَ مُبْصِرًا إنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾ [غافر: ٦١] ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لا إلَهَ إلّا هو فَأنّى تُؤْفَكُونَ﴾ [غافر: ٦٢] ﴿كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كانُوا بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [غافر: ٦٣] ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ قَرارًا والسَّماءَ بِناءً وصَوَّرَكم فَأحْسَنَ صُوَرَكم ورَزَقَكم مِنَ الطَّيِّباتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم فَتَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ﴾ [غافر: ٦٤] ﴿هُوَ الحَيُّ لا إلَهَ إلّا هو فادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [غافر: ٦٥] ﴿قُلْ إنِّي نُهِيتُ أنْ أعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَمّا جاءَنِيَ البَيِّناتُ مِن رَبِّي وأُمِرْتُ أنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [غافر: ٦٦] ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ مِن عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكم طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أشُدَّكم ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا ومِنكم مَن يُتَوَفّى مِن قَبْلُ ولِتَبْلُغُوا أجَلًا مُسَمًّى ولَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ [غافر: ٦٧] ﴿هُوَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ فَإذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [غافر: ٦٨] ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ أنّى يُصْرَفُونَ﴾ [غافر: ٦٩] ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالكِتابِ وبِما أرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [غافر: ٧٠] ﴿إذِ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ والسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ﴾ [غافر: ٧١] ﴿فِي الحَمِيمِ ثُمَّ في النّارِ يُسْجَرُونَ﴾ [غافر: ٧٢] . أزِفَ الشَّيْءُ: قَرُبَ، قالَ الشّاعِرُ: ؎أزِفَ التَّرَحُّلُ غَيْرَ أنَّ رِكابَنا لَمّا تَزَلْ بِرِحالِنا وكَأنْ قَدِ (p-٤٤٦)التَّبابُ: الخُسْرانُ، السِّلْسِلَةُ مَعْرُوفَةٌ، السَّحْبُ: الجَرُّ، سَجَرْتُ التَّنُّورَ: مَلَأْتُهُ نارًا. ﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ ﴿غافِرِ الذَّنْبِ وقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ العِقابِ ذِي الطَّوْلِ لا إلَهَ إلّا هو إلَيْهِ المَصِيرُ﴾ ﴿ما يُجادِلُ في آياتِ اللَّهِ إلّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهم في البِلادِ﴾ ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ والأحْزابُ مِن بَعْدِهِمْ وهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وجادَلُوا بِالباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الحَقَّ فَأخَذْتُهم فَكَيْفَ كانَ عِقابِ﴾ ﴿وكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّهم أصْحابُ النّارِ﴾ سَبْعُ الحَوامِيمِ مَكِّيّاتٌ، قالُوا بِإجْماعٍ. وقِيلَ: في بَعْضِ آياتِ هَذِهِ السُّوَرِ مَدَنِيٌّ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهو ضَعِيفٌ. وفِي الحَدِيثِ: «إنَّ الحَوامِيمَ دِيباجُ القُرْآنِ» وفِيهِ: «مَن أرادَ أنْ يَرْتَعَ في رِياضٍ مُونِقَةٍ مِنَ الجَنَّةِ فَلْيَقْرَأِ الحَوامِيمَ»، وفِيهِ: ”«مَثَلُ الحَوامِيمِ في القُرْآنِ مَثَلُ الحَبَراتِ في الثِّيابِ» . وهَذِهِ الحَوامِيمُ مَقْصُورَةٌ عَلى المَواعِظِ والزَّجْرِ وطُرُقِ الآخِرَةِ وهي قِصارٌ لا تَلْحَقُ فِيها سَآمَةٌ. ومُناسِبَةُ أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ لِآخِرِ الزُّمَرِ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ ما يَئُولُ إلَيْهِ حالُ الكافِرِينَ وحالُ المُؤْمِنِينَ، ذَكَرَ هُنا أنَّهُ تَعالى ( ﴿غافِرِ الذَّنْبِ وقابِلِ التَّوْبِ﴾، لِيَكُونَ ذَلِكَ اسْتِدْعاءً لِلْكافِرِ إلى الإيمانِ، وإلى الإقْلاعِ عَمّا هو فِيهِ، وأنَّ بابَ التَّوْبَةِ مَفْتُوحٌ. وذَكَرَ شِدَّةَ عِقابِهِ، وصَيْرُورَةَ العالَمِ كُلِّهِمْ فِيهِ لِيَرْتَدِعَ عَمّا هو فِيهِ، وأنَّ رُجُوعَهُ إلى رَبِّهِ، فَيُجازِيهِ بِما يَعْمَلُ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ. وقُرِئَ: بِفَتْحِ الحاءِ، اخْتِيارُ أبِي القاسِمِ بْنِ جُبارَةَ الهُذَلِيِّ، صاحِبِ كِتابِ: (الكامِلِ في القُرْآنِ)، وأبُو السَّمّالِ: بِكَسْرِها عَلى أصْلِ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ وعِيسى: بِفَتْحِها، وخَرَّجَ عَلى أنَّها حَرَكَةُ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وكانَتْ فَتْحَةً طَلَبًا لِلْخِفَّةِ كَأيْنَ، وحَرَكَةُ إعْرابٍ عَلى انْتِصابِها بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ تَقْدِيرُهُ: اقْرَأْ حم. وفِي الحَدِيثِ: «أنْ أعْرابِيًّا سَألَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ حم ما هو ؟ فَقالَ: أسْماءٌ وفَواتِحُ سُوَرٍ» وقالَ شُرَيْحُ بْنُ أبِي أوْفى العَبْسِيُّ: ؎يُذَكِّرُنِي حامِيمُ والرُّمْحُ شاجِرٌ ∗∗∗ فَهَلّا تَلا حامِيمَ قَبْلَ التَّقَدُّمِ وقالَ الكُمَيْتُ: ؎وجَدْنا لَكم في آلِ حَمِيمَ آيَةً ∗∗∗ تَأوَّلَها مِنّا تَقِيٌّ ومُعْرِبُ أعْرَبا حامِيمَ، ومُنِعَتِ الصَّرْفَ لِلْعَلَمِيَّةِ، أوِ العَلَمِيَّةِ وشِبْهِ العُجْمَةِ؛ لِأنَّ فاعِيلَ لَيْسَ مِن أوْزانِ أبْنِيَةِ العَرَبِ، وإنَّما وُجِدَ ذَلِكَ في العَجَمِ، نَحْوُ: قابِيلُ وهابِيلُ. وتَقَدَّمَ فِيما رُوِيَ في الحَدِيثِ جَمْعُ ﴿حم﴾ عَلى الحَوامِيمِ، كَما جُمِعَ ﴿طس﴾ [النمل: ١] عَلى الطَّواسِينِ. وحَكى صاحِبُ زادِ المَسِيرِ عَنْ شَيْخِهِ ابْنِ مَنصُورٍ اللُّغَوِيِّ أنَّهُ قالَ: مِنَ الخَطَأِ (p-٤٤٧)أنْ تَقُولَ: قَرَأْتُ الحَوامِيمَ، ولَيْسَ مِن كَلامِ العَرَبِ؛ والصَّوابُ أنْ يَقُولَ: قَرَأْتُ آلَ حم. وفي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ:“ إذا وقَعْتَ في آلِ حَمِيمَ وقَعْتَ في رَوْضاتٍ دَمِثاتٍ ”انْتَهى. فَإنْ صَحَّ مِن لَفْظِ الرَّسُولِ أنَّهُ قالَ:“ الحَوامِيمُ ”كانَ حُجَّةً عَلى مَن مَنَعَ ذَلِكَ، وإنْ كانَ نُقِلَ بِالمَعْنى، أمْكَنَ أنْ يَكُونَ مِن تَحْرِيفِ الأعاجِمِ. ألا تَرى لَفْظَ ابْنِ مَسْعُودٍ:“ إذا وقَعْتَ في آلِ حَمِيمَ " وقَوْلُ الكُمَيْتِ: وجَدْنا لَكم في آلِ حامِيمَ ؟ وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذِهِ الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ في أوَّلِ البَقَرَةِ، وقَدْ زادُوا في حامِيمَ أقْوالًا هُنا، وهي مَرْوِيَّةٌ عَنِ السَّلَفِ، غَنَيْنا عَنْ ذِكْرِها، لِاضْطِرابِها وعَدَمِ الدَّلِيلِ عَلى صِحَّةِ شَيْءٍ مِنها. فَإنْ كانَتْ حم اسْمًا لِلسُّورَةِ، كانَتْ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ، وإلّا فَتَنْزِيلُ مُبْتَدَأٌ، ومِنَ اللَّهِ الخَبَرُ، أوْ خَبَرُ ابْتِداءٍ، أيْ: هَذا تَنْزِيلُ، ومِنَ اللَّهِ مُتَعَلِّقٌ بِـ (تَنْزِيلُ) . و﴿العَزِيزِ العَلِيمِ﴾: صِفَتانِ دالَّتانِ عَلى المُبالَغَةِ في القُدْرَةِ والغَلَبَةِ والعِلْمِ، وهُما مِن صِفاتِ الذّاتِ. وقالَ الزَّجّاجُ: ﴿غافِرِ﴾ ﴿وقابِلِ﴾ صِفَتانِ، و(شَدِيدِ) بَدَلٌ. انْتَهى. وإنَّما جَعَلَ ﴿غافِرِ﴾ و(قابِلِ) صِفَتَيْنِ وإنْ كانا اسْمَيْ فاعِلٍ؛ لِأنَّهُ فُهِمَ مِن ذَلِكَ أنَّهُ لا يُرادُ بِهِما التَّجَدُّدُ ولا التَّقْيِيدُ بِزَمانٍ، بَلْ أُرِيدَ بِهِما الِاسْتِمْرارُ والثُّبُوتُ؛ وإضافَتُهُما مَحْضَةٌ فَيُعْرَفُ، وصَحَّ أنْ يُوصَفَ بِهِما المَعْرِفَةُ، وإنَّما أُعْرِبَ ﴿شَدِيدِ العِقابِ﴾ بَدَلًا؛ لِأنَّهُ مِن بابِ الصِّفَةِ المُشَبَّهَةِ، ولا يَتَعَرَّفُ بِالإضافَةِ إلى المَعْرِفَةِ، وقَدْ نَصَّ سِيبَوَيْهِ عَلى أنَّ كُلَّ ما إضافَتُهُ غَيْرُ مَحْضَةٍ، إذا أُضِيفَ إلى مَعْرِفَةٍ، جازَ أنْ يُنْوى بِإضافَتِهِ التَّمَحُّضُ، فَيَتَعَرَّفُ ويَنْعَتُ بِهِ المَعْرِفَةُ، إلّا ما كانَ مِن بابِ الصِّفَةِ المُشَبَّهَةِ، فَإنَّهُ لا يَتَعَرَّفُ. وحَكى صاحِبُ (المُقْنِعِ) عَنِ الكُوفِيِّينَ أنَّهم أجازُوا في حُسْنِ الوَجْهِ وما أشْبَهَهُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِلْمَعْرِفَةِ، قالَ: وذَلِكَ خَطَأٌ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ؛ لِأنَّ حُسْنَ الوَجْهِ نَكِرَةٌ، وإذا أرَدْتَ تَعْرِيفَهُ أدْخَلْتَ فِيهِ ألْ. وقالَ أبُو الحَجّاجِ الأعْلَمُ: لا يَبْعُدُ أنْ يُقْصَدَ بِحُسْنِ الوَجْهِ التَّعْرِيفُ؛ لِأنَّ الإضافَةَ لا تَمْنَعُ مِنهُ. انْتَهى، وهَذا جُنُوحٌ إلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ. وقَدْ جَعَلَ بَعْضُهم ﴿غافِرِ الذَّنْبِ﴾ وما بَعْدَهُ أبْدالًا، اعْتِبارًا بِأنَّها لا تَتَعَرَّفُ بِالإضافَةِ، كَأنَّهُ لاحَظَ في ﴿غافِرِ﴾ و(قابِلِ) زَمانَ الِاسْتِقْبالِ. وقِيلَ: ﴿غافِرِ﴾ و(قابِلِ) لا يُرادُ بِهِما المُضِيُّ، فَهُما يَتَعَرَّفانِ بِالإضافَةِ ويَكُونانِ صِفَتَيْنِ، أيْ: إنَّ قَضاءَهُ بِالغُفْرانِ وقَبُولِ التَّوْبِ هو في الدُّنْيا. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: جَعْلُ الزَّجّاجِ ﴿شَدِيدِ العِقابِ﴾ وحْدَهُ بَدَلًا بَيْنَ الصِّفاتِ فِيهِ نُبُوٌ ظاهِرٌ، والوَجْهُ أنْ يُقالَ: لَمّا صُودِفَ بَيْنَ هَذِهِ المَعارِفِ هَذِهِ النَّكِرَةُ الواحِدَةُ، فَقَدْ آذَنَتْ بِأنَّ كُلَّها أبِدالٌ غَيْرُ أوْصافٍ، ومِثالُ ذَلِكَ قَصِيدَةٌ جاءَتْ تَفاعِيلُها كُلُّها عَلى مُسْتَفْعِلُنْ، فَهي مَحْكُومٌ عَلَيْها أنَّها مِنَ الرَّجَزِ، فَإنْ وقَعَ فِيها (p-٤٤٨)جُزْءٌ واحِدٌ عَلى مُتَفاعِلُنْ كانَتْ مِنَ الكامِلِ، ولا نُبُوَ في ذَلِكَ؛ لِأنَّ الجَرْيَ عَلى القَواعِدِ الَّتِي قَدِ اسْتَقَرَّتْ وصَحَّتْ هو الأصْلُ. وقَوْلُهُ: فَقَدْ آذَنَتْ بِأنَّ كُلَّها أبْدالُ تَرْكِيبٍ غَيْرِ عَرَبِيٍّ؛ لِأنَّهُ جَعَلَ فَقَدْ آذَنَتْ جَوابَ لَمّا، ولَيْسَ مِنَ كَلامِهِمْ: لَمّا قامَ زَيْدٌ فَقَدْ قامَ عَمْرٌو، وقَوْلُهُ: بِأنَّ كُلَّها أبْدالٌ فِيهِ تَكْرارُ الأبْدالِ، أمّا بَدَلُ البَدَلِ عِنْدَ مَن أثْبَتَهُ فَقَدْ تَكَرَّرَتْ فِيهِ الأبْدالُ، وأمّا بَدَلُ كُلٍّ مِن كُلٍّ، وبَدَلُ بَعْضٍ مِن كُلٍّ، وبَدَلُ اشْتِمالٍ، فَلا نَصَّ عَنْ أحَدٍ مِنَ النَّحْوِيِّينَ أعْرِفُهُ في جَوازِ التَّكْرارِ فِيها، أوْ مَنعِهِ، إلّا أنَّ في كَلامِ بَعْضِ أصْحابِنا ما يَدُلُّ عَلى أنَّ البَدَلَ لا يُكَرَّرُ، وذَلِكَ في قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎فَإلى ابْنِ أُمِّ أُناسٍ أُرَحِّلُ ناقَتِي ∗∗∗ عَمْرٍو فَتَبْلُغُ ناقَتِي أوْ تَزْحَفُ ؎مَلِكٍ إذا نَزَلَ الوُفُودُ بِبابِهِ ∗∗∗ عَرَفُوا مَوارِدَ مُزْنِهِ لا تَنْزِفُ قالَ: فَمَلِكٌ بَدَلٌ مِن عَمْرٍو، بَدَلُ نَكِرَةٍ مِن مَعْرِفَةٍ. قالَ: فَإنْ قُلْتَ: لِمَ لا يَكُونُ بَدَلًا مِنَ ابْنِ أُمِّ أُناسٍ ؟ (قُلْتُ): لِأنَّهُ قَدْ أبْدَلَ مِنهُ عَمْرٌو، فَلا يَجُوزُ أنْ يُبَدَلَ مِنهُ مَرَّةً أُخْرى؛ لِأنَّهُ قَدْ طُرِحَ. انْتَهى. فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّ البَدَلَ لا يَتَكَرَّرُ، ويَتَّحِدُ المُبْدَلُ مِنهُ؛ ودَلَّ عَلى أنَّ البَدَلَ مِنَ البَدَلِ جائِزٌ، وقَوْلُهُ: جاءَتْ تَفاعِيلُها، هو جَمْعُ تِفْعالٍ أوْ تَفْعُولٍ أوْ تِفْعُولٍ أوْ تَفْعِيلٍ، ولَيْسَ شَيْءٌ مِن هَذِهِ الأوْزانِ يَكُونُ مَعْدُولًا في آخِرِ العَرُوضِ، بَلْ أجْزاؤُها مُنْحَصِرَةٌ، لَيْسَ مِنها شَيْءٌ مِن هَذِهِ الأوْزانِ، فَصَوابُهُ أنْ يَقُولَ: جاءَتْ أجْزاؤُها كُلُّها عَلى مُسْتَفْعِلُنْ. وقالَ سِيبَوَيْهِ أيْضًا: ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ هي صِفاتٌ، وإنَّما حُذِفَتِ الألِفُ واللّامُ مِن ﴿شَدِيدِ العِقابِ﴾ لِيُزاوِجَ ما قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ لَفْظًا، فَقَدْ غَيَّرُوا كَثِيرًا مِن كَلامِهِمْ عَنْ قَوانِينِهِ لِأجْلِ الِازْدِواجِ، حَتّى قالُوا: ما يَعْرِفُ سُحادِلَيْهِ من عُنادِلَيْهِ، فَثَنُّوا ما هو وِتْرٌ لِأجْلِ ما هو شَفْعٌ. عَلى أنَّ الخَلِيلَ قالَ في قَوْلِهِمْ: لا يَحْسُنُ بِالرَّجُلِ مِثْلِكَ أنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ، ويَحْسُنَ بِالرَّجُلِ خَيْرٍ مِنكَ أنْ يَفْعَلَ، عَلى نِيَّةِ الألِفِ واللّامِ، كَما كانَ الجَمّاءُ الغَفِيرُ عَلى نِيَّةِ طَرْحِ الألِفِ واللّامِ. ومِمّا يُسَهِّلُ ذَلِكَ أمْنُ اللَّبْسِ وجَهالَةُ المَوْصُوفِ. انْتَهى. ولا ضَرُورَةَ إلى اعْتِقادِ حَذْفِ الألِفِ واللّامِ مِن ﴿شَدِيدِ العِقابِ﴾، وتَرْكِ ما هو أصْلٌ في النَّحْوِ، وتَشْبِيهٍ بِنادِرٍ مُغَيَّرٍ عَنِ القَوانِينِ مِن تَثْنِيَةِ الوِتْرِ لِلشَّفْعِ، ويُنَزَّهُ كِتابُ اللَّهِ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُقالَ: قَدْ تَعَمَّدَ تَنْكِيرَهُ وإبْهامَهُ لِلدَّلالَةِ عَلى فَرْطِ الشِّدَّةِ، وعَلى ما لا شَيْءَ أدْهى مِنهُ، وأمْرٌ لِزِيادَةِ الإنْذارِ. ويَجُوزُ أنْ يُقالَ: هَذِهِ النُّكْتَةُ هي الدّاعِيَةُ إلى اخْتِيارِ البَدَلِ عَلى الوَصْفِ إذا سَلَكْتَ طَرِيقَةَ الإبْدالِ. انْتَهى. وأجازَ مَكِّيٌّ في ﴿غافِرِ﴾ و(قابِلِ) البَدَلَ حَمْلًا عَلى أنَّهُما نَكِرَتانِ لِاسْتِقْبالِهِما، والوَصْفُ حَمْلًا عَلى أنَّهُما مَعْرِفَتانِ لِمُضِيِّهِما. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: لا نِزاعَ في جَعْلِ ﴿غافِرِ﴾ و(قابِلِ) صِفَةً، وإنَّما كانا كَذَلِكَ؛ لِأنَّهُما يُفِيدانِ مَعْنى الدَّوامِ والِاسْتِمْرارِ، وكَذَلِكَ ﴿شَدِيدِ العِقابِ﴾ تُفِيدُ ذَلِكَ؛ لِأنَّ صِفاتَهُ مُنَزَّهَةٌ عَنِ الحُدُوثِ والتَّجَدُّدِ، فَمَعْناهُ: كَوْنُهُ بِحَيْثُ شَدِيدٌ عِقابُهُ، وهَذا المَعْنى حاصِلٌ أبَدًا، لا يُوصَفُ بِأنَّهُ حَصَلَ بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ. انْتَهى. وهَذا كَلامُ مَن لَمْ يَقِفْ عَلى عِلْمِ النَّحْوُ، ولا نَظَرَ فِيهِ، ويَلْزَمُهُ أنْ يَكُونَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿مِن لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ [النمل: ٦]، ومَلِيكٌ مُقْتَدِرٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٥٥]، مَعارِفَ لِتَنْزِيهِ صِفاتِهِ عَنِ الحُدُوثِ والتَّجَدُّدِ، ولِأنَّها صِفاتٌ لَمْ تَحْصُلْ بَعْدَ أنْ لَمْ تَكُنْ، ويَكُونُ تَعْرِيفُ صِفاتٍ بِألْ وتَنْكِيرُها سَواءً، وهَذا لا يَذْهَبُ إلَيْهِ مُبْتَدِئٌ في عِلْمِ النَّحْوِ، فَضْلًا عَمَّنْ صَنَّفَ فِيهِ، وقَدِمَ عَلى تَفْسِيرِ كِتابِ اللَّهِ. وتَلَخَّصَ مِن هَذا الكَلامِ المُطَوَّلِ أنَّ ﴿غافِرِ الذَّنْبِ﴾ وما عُطِفَ عَلَيْهِ و﴿شَدِيدِ العِقابِ﴾ أوْصافٌ؛ لِأنَّ المَعْطُوفَ عَلى الوَصْفِ وصْفٌ، والجَمِيعُ مَعارِفُ عَلى ما تَقَرَّرَ أوْ أبِدالٌّ؛ لِأنَّ المَعْطُوفَ عَلى البَدَلِ بَدَلٌ لِتَنْكِيرِ الجَمِيعِ. أوْ ﴿غافِرِ﴾ و(قابِلِ) وصْفانِ، و(شَدِيدِ) بَدَلٌ لِمَعْرِفَةٍ ذَيْنِكَ وتَنْكِيرِ (شَدِيدِ) . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): ما بالُ الواوِ في قَوْلِهِ: ﴿وقابِلِ التَّوْبِ﴾ ؟ (قُلْتُ): فِيها نُكْتَةٌ جَلِيلَةٌ (p-٤٤٩)وهِيَ إفادَةُ الجَمْعِ لِلْمُذْنِبِ التّائِبِ بَيْنَ رَحْمَتَيْنِ، بَيْنَ أنْ يَقْبَلَ تَوْبَتَهُ فَيَكْتُبَها لَهُ طاعَةً مِنَ الطّاعاتِ، وأنْ يَجْعَلَها مَحّاءَةً لِلذُّنُوبِ، كَأنْ لَمْ يُذْنِبْ، كَأنَّهُ قالَ: جامِعُ المَغْفِرَةِ والقَبُولِ. انْتَهى. وما أكْثَرَ تَلَمُّحَ هَذا الرَّجُلِ وشَقْشَقَتَهُ، والَّذِي أفادَ أنَّ الواوَ لِلْجَمْعِ، وهَذا مَعْرُوفٌ مِنَ ظاهِرِ عِلْمِ النَّحْوِ. وقالَ صاحِبُ الغُنْيانِ: وإنَّما عَطَفَ لِاجْتِماعِهِما وتَلازُمِهِما وعَدَمِ انْفِكاكِ أحَدِهِما عَنِ الآخَرِ. وقُطِعَ ﴿شَدِيدِ العِقابِ﴾ عَنْهُما فَلَمْ يُعْطَفْ لِانْفِرادِهِ. انْتَهى، وهي نَزْغَةٌ اعْتِزالِيَّةٌ. ومَذْهَبُ أهْلِ السُّنَّةِ جَوازُ غُفْرانِ اللَّهِ لِلْعاصِي، وإنْ لَمْ يَتُبْ إلّا الشِّرْكَ. والتَّوْبُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ كالذَّنْبِ، اسْمَ جِنْسٍ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ تَوْبَةٍ، كَبَشْرٍ وبَشْرَةٍ، وساعٍ وساعَةٍ. والظّاهِرُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وقابِلِ التَّوْبِ﴾ أنَّ تَوْبَةَ العاصِي بِغَيْرِ الكُفْرِ، كَتَوْبَةِ العاصِي بِالكُفْرِ مَقْطُوعٌ بِقَبُولِها. وذَكَرُوا في القَطْعِ بِقَبُولِ تَوْبَةِ العاصِي قَوْلَيْنِ لِأهْلِ السُّنَّةِ. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى شِدَّةَ عِقابِهِ أرْدَفَهُ بِما يُطْمِعُ في رَحْمَتِهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿ذِي الطَّوْلِ﴾، فَجاءَ ذَلِكَ وعِيدًا اكْتَنَفَهُ وعْدانِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الطَّوْلُ: السَّعَةُ والغِنى؛ وقالَ قَتادَةُ: النِّعَمُ؛ وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: القُدْرَةُ، وقَوْلُهُ: طَوْلُهُ تَضْعِيفُ حَسَناتِ أوْلِيائِهِ، وعَفْوُهُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ. ولَمّا ذَكَرَ جُمْلَةً مِن صِفاتِهِ العُلا الذّاتِيَّةِ والفِعْلِيَّةِ، ذَكَرَ أنَّهُ المُنْفَرِدُ بِالأُلُوهِيَّةِ، المَرْجُوعُ إلَيْهِ في الحَشْرِ؛ ثُمَّ ذَكَرَ حالَ مَن جادَلَ في الكِتابِ، وأتْبَعَ بِذِكْرِ الطّائِعِينَ مِن مَلائِكَتِهِ وصالِحِي عِبادِهِ فَقالَ: ﴿ما يُجادِلُ في آياتِ اللَّهِ إلّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، وجِدالُهم فِيها قَوْلُهم: مَرَّةً سِحْرٌ، ومَرَّةً شِعْرٌ، ومَرَّةً أساطِيرُ الأوَّلِينَ، ومَرَّةً إنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ، فَهو جِدالٌ بِالباطِلِ، وقَدْ دَلَّ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وجادَلُوا بِالباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الحَقَّ﴾ . وقالَ السُّدِّيُّ: ما يُجادِلُ أيْ: ما يُمارِي. وقالَ ابْنُ سَلامٍ: ما يَجْحَدُ. وقالَ أبُو العالِيَةِ: نَزَلَتْ في الحارِثِ بْنِ قَيْسٍ، أحَدُ المُسْتَهْزِئِينَ. وأمّا ما يَقَعُ بَيْنَ أهْلِ العِلْمِ مِنَ النَّظَرِ فِيها، واسْتِيضاحِ مَعانِيها، واسْتِنْباطِ الأحْكامِ والعَقائِدِ مِنها، ومُقارَعَةِ أهْلِ البِدَعِ بِها، فَذَلِكَ فِيهِ الثَّوابُ الجَزِيلُ. ثُمَّ نَهى السّامِعَ أنْ يَغْتَرَّ بِتَقَلُّبِ هَؤُلاءِ الكُفّارِ في البِلادِ وتَصَرُّفاتِهِمْ فِيها، بِما أمْلَيْتُ لَهم مِنَ المَساكِنِ والمَزارِعِ والمَمالِكِ والتِّجاراتِ والمَكاسِبِ، وكانَتْ قُرَيْشُ تَتَّجِرُ في الشَّأْمِ واليَمَنِ؛ فَإنَّ ذَلِكَ وبالٌ عَلَيْهِمْ وسَبَبٌ في إهْلاكِهِمْ، كَما هَلَكَ مَن كانَ قَبْلَهم مِن مُكَذِّبِي الرُّسُلِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فَلا يَغْرُرْكَ﴾، بِالفَكِّ، وهي لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: فَلا يَغُرَّكَ، بِالإدْغامِ مَفْتُوحَ الرّاءِ، وهي لُغَةُ تَمِيمٍ. ولَمّا كانَ جِدالُ الكُفّارِ ناشِئًا عَنْ تَكْذِيبِ ما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن آياتِ اللَّهِ، ذَكَرَ مَن كَذَّبَ قَبْلَهم مِنَ الأُمَمِ السّالِفَةِ، وما صارَ إلَيْهِ حالُهم مِن حُلُولِ نَقْماتِ اللَّهِ بِهِمْ، لِيَرْتَدِعَ بِهِمْ كَفّارُ مَن بُعِثَ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلَيْهِمْ؛ فَبَدَأ بِقَوْمِ نُوحٍ، إذْ كانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أوَّلَ رَسُولٍ في الأرْضِ، وعَطَفَ عَلى قَوْمِهِ الأحْزابَ، وهُمُ الَّذِينَ تَحَزَّبُوا عَلى الرُّسُلِ. ولَمْ يَقْبَلُوا ما جاءُوا بِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ، ومِنهم: عادٌ وثَمُودُ وفِرْعَوْنُ وأتْباعُهُ. وقَدَّمَ الهَمَّ بِالأخْذِ عَلى الجِدالِ بِالباطِلِ؛ لِأنَّ الرُّسُلَ لَمّا عَصَمَهُمُ اللَّهُ مِنهم أنْ يَقْتُلُوهم رَجَعُوا إلى الجِدالِ بِالباطِلِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿بِرَسُولِهِمْ﴾؛ وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ (بِرَسُولِها) عادَ الضَّمِيرُ إلى لَفْظِ أُمَّةٍ. ﴿لِيَأْخُذُوهُ﴾: لِيَتَمَكَّنُوا مِنهُ بِحَبْسٍ أوْ تَعْذِيبٍ أوْ قَتْلٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لِيَأْخُذُوهُ: لِيَمْلِكُوهُ، وأنْشَدَ قُطْرُبٌ: ؎فَإمّا تَأْخُذُونِي تَقْتُلُونِي ∗∗∗ فَكَمْ مِن آخِذٍ يَهْوى خُلُودِي ويُقالُ لِلْقَتِيلِ والأسِيرِ: أخِيذٌ. وقالَ قَتادَةُ: ﴿لِيَأْخُذُوهُ﴾: لِيَقْتُلُوهُ، عَبَّرَ عَنِ المُسَبَّبِ بِالسَّبَبِ. ﴿وجادَلُوا بِالباطِلِ﴾ أيْ: بِما هو مُضْمَحِلٌّ ذاهِبٌ لا ثَباتَ لَهُ. وقِيلَ: الباطِلُ: الكُفْرُ. وقِيلَ: الشَّيْطانُ. وقِيلَ: بِقَوْلِهِمْ: ﴿ما أنْتُمْ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا﴾ [يس: ١٥] . ﴿لِيُدْحِضُوا﴾: لِيُزْلِقُوا، ﴿بِهِ الحَقَّ﴾ أيِ: الثّابِتَ الصِّدْقِ. (فَأخَذْتُهم)، فَأهْلَكْتُهم. ﴿فَكَيْفَ كانَ عِقابِ﴾ إيّاهم، اسْتِفْهامُ تَعْجِيبٍ مِنَ اسْتِئْصالِهِمْ، واسْتِعْظامٍ لِما حَلَّ بِهِمْ، ولَيْسَ اسْتِفْهامًا عَنْ كَيْفِيَّةِ (p-٤٥٠)عِقابِهِمْ، وكانُوا يَمُرُّونَ عَلى مَساكِنِهِمْ ويَرَوْنَ آثارَ نِعْمَةِ اللَّهِ فِيهِمْ؛ واجْتَزَأ بِالكَسْرِ عَنْ ياءِ الإضافَةِ؛ لِأنَّها فاصِلَةٌ، والأصْلُ عِقابِي. ﴿وكَذَلِكَ حَقَّتْ﴾ أيْ: مِثْلُ ذَلِكَ الوُجُوبِ مِن عِقابِهِمْ وجَبَ عَلى الكَفَرَةِ، كَوْنِهِمْ مِن أصْحابِ النّارِ، مَن تَقَدَّمَ مِنهم ومَن تَأخَّرُوا. (أنَّهم): بَدَلٌ مِن ﴿كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾، فَهي في مَوْضِعِ رَفْعٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ لِأنَّهم وحُذِفَ لامُ العِلَّةِ. والمَعْنى: كَما وجَبَ إهْلاكُ أُولَئِكَ الأُمَمِ، وجَبَ إهْلاكُ هَؤُلاءِ؛ لِأنَّ المُوجِبَ لِإهْلاكِهِمْ وصْفٌ جامِعٌ لَهم، وهو كَوْنُهم مِن أصْحابِ النّارِ. وفِي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ: (وكَذَلِكَ سَبَقَتْ)، وهو تَفْسِيرُ مَعْنًى، لا قِراءَةٌ. وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزَ، وشَيْبَةُ، وابْنُ القَعْقاعِ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: كَلِماتٌ عَلى الجَمْعِ؛ وأبُو رَجاءٍ، وقَتادَةُ، وباقِي السَّبْعَةِ: عَلى الإفْرادِ.

غافر 40:5

(p-٤٤٤)سُورَةُ غافِرٍ خَمْسٌ وثَمانُونَ آيَةً. مَكِّيَّةٌ ﷽ ﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ ﴿غافِرِ الذَّنْبِ وقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ العِقابِ ذِي الطَّوْلِ لا إلَهَ إلّا هو إلَيْهِ المَصِيرُ﴾ ﴿ما يُجادِلُ في آياتِ اللَّهِ إلّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهم في البِلادِ﴾ ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ والأحْزابُ مِن بَعْدِهِمْ وهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وجادَلُوا بِالباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الحَقَّ فَأخَذْتُهم فَكَيْفَ كانَ عِقابِ﴾ ﴿وكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّهم أصْحابُ النّارِ﴾ ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ ومَن حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ويُؤْمِنُونَ بِهِ ويَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا وسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وعِلْمًا فاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا واتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وقِهِمْ عَذابَ الجَحِيمِ﴾ [غافر: ٧] ﴿رَبَّنا وأدْخِلْهم جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وعَدْتَهم ومَن صَلَحَ مِن آبائِهِمْ وأزْواجِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [غافر: ٨] ﴿وقِهِمُ السَّيِّئاتِ ومَن تَقِ السَّيِّئاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ [غافر: ٩] ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أكْبَرُ مِن مَقْتِكم أنْفُسَكم إذْ تُدْعَوْنَ إلى الإيمانِ فَتَكْفُرُونَ﴾ [غافر: ١٠] ﴿قالُوا رَبَّنا أمَتَّنا اثْنَتَيْنِ وأحْيَيْتَنا اثْنَتَيْنِ فاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا فَهَلْ إلى خُرُوجٍ مِن سَبِيلٍ﴾ [غافر: ١١] ﴿ذَلِكم بِأنَّهُ إذا دُعِيَ اللَّهُ وحْدَهُ كَفَرْتُمْ وإنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فالحُكْمُ لِلَّهِ العَلِيِّ الكَبِيرِ﴾ [غافر: ١٢] ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكم آياتِهِ ويُنَزِّلُ لَكم مِنَ السَّماءِ رِزْقًا وما يَتَذَكَّرُ إلّا مَن يُنِيبُ﴾ [غافر: ١٣] ﴿فادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ولَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ﴾ [غافر: ١٤] ﴿رَفِيعُ الدَّرَجاتِ ذُو العَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِن أمْرِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ﴾ [غافر: ١٥] ﴿يَوْمَ هم بارِزُونَ لا يَخْفى عَلى اللَّهِ مِنهم شَيْءٌ لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ [غافر: ١٦] ﴿اليَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ لا ظُلْمَ اليَوْمَ إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ [غافر: ١٧] ﴿وأنْذِرْهم يَوْمَ الآزِفَةِ إذِ القُلُوبُ لَدى الحَناجِرِ كاظِمِينَ ما لِلظّالِمِينَ مِن حَمِيمٍ ولا شَفِيعٍ يُطاعُ﴾ [غافر: ١٨] ﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ وما تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر: ١٩] ﴿واللَّهُ يَقْضِي بِالحَقِّ والَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إنَّ اللَّهَ هو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [غافر: ٢٠] ﴿أوَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِن قَبْلِهِمْ كانُوا هم أشَدَّ مِنهم قُوَّةً وآثارًا في الأرْضِ فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وما كانَ لَهم مِنَ اللَّهِ مِن واقٍ﴾ [غافر: ٢١] ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَكَفَرُوا فَأخَذَهُمُ اللَّهُ إنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ العِقابِ﴾ [غافر: ٢٢] ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ [غافر: ٢٣] ﴿إلى فِرْعَوْنَ وهامانَ وقارُونَ فَقالُوا ساحِرٌ كَذّابٌ﴾ [غافر: ٢٤] ﴿فَلَمّا جاءَهم بِالحَقِّ مِن عِنْدِنا قالُوا اقْتُلُوا أبْناءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ واسْتَحْيُوا نِساءَهم وما كَيْدُ الكافِرِينَ إلّا في ضَلالٍ﴾ [غافر: ٢٥] ﴿وقالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أقْتُلْ مُوسى ولْيَدْعُ رَبَّهُ إنِّي أخافُ أنْ يُبَدِّلَ دِينَكم أوْ أنْ يُظْهِرَ في الأرْضِ الفَسادَ﴾ [غافر: ٢٦] ﴿وقالَ مُوسى إنِّي عُذْتُ بِرَبِّي ورَبِّكم مِن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الحِسابِ﴾ [غافر: ٢٧] ﴿وقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِن آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إيمانَهُ أتَقْتُلُونَ رَجُلًا أنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وقَدْ جاءَكم بِالبَيِّناتِ مِن رَبِّكم وإنْ يَكُ كاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وإنْ يَكُ صادِقًا يُصِبْكم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكم إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن هو مُسْرِفٌ كَذّابٌ﴾ [غافر: ٢٨] ﴿يا قَوْم لَكُمُ المُلْكُ اليَوْمَ ظاهِرِينَ في الأرْضِ فَمَن يَنْصُرُنا مِن بَأْسِ اللَّهِ إنْ جاءَنا قالَ فِرْعَوْنُ ما أُرِيكم إلّا ما أرى وما أهْدِيكم إلّا سَبِيلَ الرَّشادِ﴾ [غافر: ٢٩] ﴿وقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ إنِّي أخافُ عَلَيْكم مِثْلَ يَوْمِ الأحْزابِ﴾ [غافر: ٣٠] ﴿مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ والَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ وما اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبادِ﴾ [غافر: ٣١] ﴿ويا قَوْمِ إنِّي أخافُ عَلَيْكم يَوْمَ التَّنادِ﴾ [غافر: ٣٢] ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ ما لَكم مِنَ اللَّهِ مِن عاصِمٍ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ [غافر: ٣٣] ﴿ولَقَدْ جاءَكم يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالبَيِّناتِ فَما زِلْتُمْ في شَكٍّ مِمّا جاءَكم بِهِ حَتّى إذا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن هو مُسْرِفٌ مُرْتابٌ﴾ [غافر: ٣٤] (p-٤٤٥)﴿الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أتاهم كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبّارٍ﴾ [غافر: ٣٥] ﴿وقالَ فِرْعَوْنُ يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أبْلُغُ الأسْبابَ﴾ [غافر: ٣٦] ﴿أسْبابَ السَّماواتِ فَأطَّلِعَ إلى إلَهِ مُوسى وإنِّي لَأظُنُّهُ كاذِبًا وكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وما كَيْدُ فِرْعَوْنَ إلّا في تَبابٍ﴾ [غافر: ٣٧] ﴿وقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أهْدِكم سَبِيلَ الرَّشادِ﴾ [غافر: ٣٨] ﴿يا قَوْمِ إنَّما هَذِهِ الحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ وإنَّ الآخِرَةَ هي دارُ القَرارِ﴾ [غافر: ٣٩] ﴿مَن عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزى إلّا مِثْلَها ومَن عَمِلَ صالِحًا مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ [غافر: ٤٠] ﴿ويا قَوْمِ ما لِي أدْعُوكم إلى النَّجاةِ وتَدْعُونَنِي إلى النّارِ﴾ [غافر: ٤١] ﴿تَدْعُونَنِي لِأكْفُرَ بِاللَّهِ وأُشْرِكَ بِهِ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وأنا أدْعُوكم إلى العَزِيزِ الغَفّارِ﴾ [غافر: ٤٢] ﴿لا جَرَمَ أنَّما تَدْعُونَنِي إلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ وأنَّ مَرَدَّنا إلى اللَّهِ وأنَّ المُسْرِفِينَ هم أصْحابُ النّارِ﴾ [غافر: ٤٣] ﴿فَسَتَذْكُرُونَ ما أقُولُ لَكم وأُفَوِّضُ أمْرِي إلى اللَّهِ إنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالعِبادِ﴾ [غافر: ٤٤] ﴿فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا وحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ العَذابِ﴾ [غافر: ٤٥] ﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وعَشِيًّا ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ أدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذابِ﴾ [غافر: ٤٦] ﴿وإذْ يَتَحاجُّونَ في النّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إنّا كُنّا لَكم تَبَعًا فَهَلْ أنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا نَصِيبًا مِنَ النّارِ﴾ [غافر: ٤٧] ﴿قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إنّا كُلٌّ فِيها إنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ العِبادِ﴾ [غافر: ٤٨] ﴿وقالَ الَّذِينَ في النّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكم يُخَفِّفْ عَنّا يَوْمًا مِنَ العَذابِ﴾ [غافر: ٤٩] ﴿قالُوا أوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكم رُسُلُكم بِالبَيِّناتِ قالُوا بَلى قالُوا فادْعُوا وما دُعاءُ الكافِرِينَ إلّا في ضَلالٍ﴾ [غافر: ٥٠] ﴿إنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا والَّذِينَ آمَنُوا في الحَياةِ الدُّنْيا ويَوْمَ يَقُومُ الأشْهادُ﴾ [غافر: ٥١] ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظّالِمِينَ مَعْذِرَتُهم ولَهُمُ اللَّعْنَةُ ولَهم سُوءُ الدّارِ﴾ [غافر: ٥٢] ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الهُدى وأوْرَثْنا بَنِي إسْرائِيلَ الكِتابَ﴾ [غافر: ٥٣] ﴿هُدًى وذِكْرى لِأُولِي الألْبابِ﴾ [غافر: ٥٤] ﴿فاصْبِرْ إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالعَشِيِّ والإبْكارِ﴾ [غافر: ٥٥] ﴿إنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أتاهم إنْ في صُدُورِهِمْ إلّا كِبْرٌ ما هم بِبالِغِيهِ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إنَّهُ هو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [غافر: ٥٦] ﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ أكْبَرُ مِن خَلْقِ النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [غافر: ٥٧] ﴿وما يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ولا المُسِيءُ قَلِيلًا ما تَتَذَكَّرُونَ﴾ [غافر: ٥٨] ﴿إنَّ السّاعَةَ لَآتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [غافر: ٥٩] ﴿وقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكم إنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠] ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ والنَّهارَ مُبْصِرًا إنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾ [غافر: ٦١] ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لا إلَهَ إلّا هو فَأنّى تُؤْفَكُونَ﴾ [غافر: ٦٢] ﴿كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كانُوا بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [غافر: ٦٣] ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ قَرارًا والسَّماءَ بِناءً وصَوَّرَكم فَأحْسَنَ صُوَرَكم ورَزَقَكم مِنَ الطَّيِّباتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم فَتَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ﴾ [غافر: ٦٤] ﴿هُوَ الحَيُّ لا إلَهَ إلّا هو فادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [غافر: ٦٥] ﴿قُلْ إنِّي نُهِيتُ أنْ أعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَمّا جاءَنِيَ البَيِّناتُ مِن رَبِّي وأُمِرْتُ أنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [غافر: ٦٦] ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ مِن عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكم طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أشُدَّكم ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا ومِنكم مَن يُتَوَفّى مِن قَبْلُ ولِتَبْلُغُوا أجَلًا مُسَمًّى ولَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ [غافر: ٦٧] ﴿هُوَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ فَإذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [غافر: ٦٨] ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ أنّى يُصْرَفُونَ﴾ [غافر: ٦٩] ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالكِتابِ وبِما أرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [غافر: ٧٠] ﴿إذِ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ والسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ﴾ [غافر: ٧١] ﴿فِي الحَمِيمِ ثُمَّ في النّارِ يُسْجَرُونَ﴾ [غافر: ٧٢] . أزِفَ الشَّيْءُ: قَرُبَ، قالَ الشّاعِرُ: ؎أزِفَ التَّرَحُّلُ غَيْرَ أنَّ رِكابَنا لَمّا تَزَلْ بِرِحالِنا وكَأنْ قَدِ (p-٤٤٦)التَّبابُ: الخُسْرانُ، السِّلْسِلَةُ مَعْرُوفَةٌ، السَّحْبُ: الجَرُّ، سَجَرْتُ التَّنُّورَ: مَلَأْتُهُ نارًا. ﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ ﴿غافِرِ الذَّنْبِ وقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ العِقابِ ذِي الطَّوْلِ لا إلَهَ إلّا هو إلَيْهِ المَصِيرُ﴾ ﴿ما يُجادِلُ في آياتِ اللَّهِ إلّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهم في البِلادِ﴾ ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ والأحْزابُ مِن بَعْدِهِمْ وهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وجادَلُوا بِالباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الحَقَّ فَأخَذْتُهم فَكَيْفَ كانَ عِقابِ﴾ ﴿وكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّهم أصْحابُ النّارِ﴾ سَبْعُ الحَوامِيمِ مَكِّيّاتٌ، قالُوا بِإجْماعٍ. وقِيلَ: في بَعْضِ آياتِ هَذِهِ السُّوَرِ مَدَنِيٌّ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهو ضَعِيفٌ. وفِي الحَدِيثِ: «إنَّ الحَوامِيمَ دِيباجُ القُرْآنِ» وفِيهِ: «مَن أرادَ أنْ يَرْتَعَ في رِياضٍ مُونِقَةٍ مِنَ الجَنَّةِ فَلْيَقْرَأِ الحَوامِيمَ»، وفِيهِ: ”«مَثَلُ الحَوامِيمِ في القُرْآنِ مَثَلُ الحَبَراتِ في الثِّيابِ» . وهَذِهِ الحَوامِيمُ مَقْصُورَةٌ عَلى المَواعِظِ والزَّجْرِ وطُرُقِ الآخِرَةِ وهي قِصارٌ لا تَلْحَقُ فِيها سَآمَةٌ. ومُناسِبَةُ أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ لِآخِرِ الزُّمَرِ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ ما يَئُولُ إلَيْهِ حالُ الكافِرِينَ وحالُ المُؤْمِنِينَ، ذَكَرَ هُنا أنَّهُ تَعالى ( ﴿غافِرِ الذَّنْبِ وقابِلِ التَّوْبِ﴾، لِيَكُونَ ذَلِكَ اسْتِدْعاءً لِلْكافِرِ إلى الإيمانِ، وإلى الإقْلاعِ عَمّا هو فِيهِ، وأنَّ بابَ التَّوْبَةِ مَفْتُوحٌ. وذَكَرَ شِدَّةَ عِقابِهِ، وصَيْرُورَةَ العالَمِ كُلِّهِمْ فِيهِ لِيَرْتَدِعَ عَمّا هو فِيهِ، وأنَّ رُجُوعَهُ إلى رَبِّهِ، فَيُجازِيهِ بِما يَعْمَلُ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ. وقُرِئَ: بِفَتْحِ الحاءِ، اخْتِيارُ أبِي القاسِمِ بْنِ جُبارَةَ الهُذَلِيِّ، صاحِبِ كِتابِ: (الكامِلِ في القُرْآنِ)، وأبُو السَّمّالِ: بِكَسْرِها عَلى أصْلِ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ وعِيسى: بِفَتْحِها، وخَرَّجَ عَلى أنَّها حَرَكَةُ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وكانَتْ فَتْحَةً طَلَبًا لِلْخِفَّةِ كَأيْنَ، وحَرَكَةُ إعْرابٍ عَلى انْتِصابِها بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ تَقْدِيرُهُ: اقْرَأْ حم. وفِي الحَدِيثِ: «أنْ أعْرابِيًّا سَألَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ حم ما هو ؟ فَقالَ: أسْماءٌ وفَواتِحُ سُوَرٍ» وقالَ شُرَيْحُ بْنُ أبِي أوْفى العَبْسِيُّ: ؎يُذَكِّرُنِي حامِيمُ والرُّمْحُ شاجِرٌ ∗∗∗ فَهَلّا تَلا حامِيمَ قَبْلَ التَّقَدُّمِ وقالَ الكُمَيْتُ: ؎وجَدْنا لَكم في آلِ حَمِيمَ آيَةً ∗∗∗ تَأوَّلَها مِنّا تَقِيٌّ ومُعْرِبُ أعْرَبا حامِيمَ، ومُنِعَتِ الصَّرْفَ لِلْعَلَمِيَّةِ، أوِ العَلَمِيَّةِ وشِبْهِ العُجْمَةِ؛ لِأنَّ فاعِيلَ لَيْسَ مِن أوْزانِ أبْنِيَةِ العَرَبِ، وإنَّما وُجِدَ ذَلِكَ في العَجَمِ، نَحْوُ: قابِيلُ وهابِيلُ. وتَقَدَّمَ فِيما رُوِيَ في الحَدِيثِ جَمْعُ ﴿حم﴾ عَلى الحَوامِيمِ، كَما جُمِعَ ﴿طس﴾ [النمل: ١] عَلى الطَّواسِينِ. وحَكى صاحِبُ زادِ المَسِيرِ عَنْ شَيْخِهِ ابْنِ مَنصُورٍ اللُّغَوِيِّ أنَّهُ قالَ: مِنَ الخَطَأِ (p-٤٤٧)أنْ تَقُولَ: قَرَأْتُ الحَوامِيمَ، ولَيْسَ مِن كَلامِ العَرَبِ؛ والصَّوابُ أنْ يَقُولَ: قَرَأْتُ آلَ حم. وفي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ:“ إذا وقَعْتَ في آلِ حَمِيمَ وقَعْتَ في رَوْضاتٍ دَمِثاتٍ ”انْتَهى. فَإنْ صَحَّ مِن لَفْظِ الرَّسُولِ أنَّهُ قالَ:“ الحَوامِيمُ ”كانَ حُجَّةً عَلى مَن مَنَعَ ذَلِكَ، وإنْ كانَ نُقِلَ بِالمَعْنى، أمْكَنَ أنْ يَكُونَ مِن تَحْرِيفِ الأعاجِمِ. ألا تَرى لَفْظَ ابْنِ مَسْعُودٍ:“ إذا وقَعْتَ في آلِ حَمِيمَ " وقَوْلُ الكُمَيْتِ: وجَدْنا لَكم في آلِ حامِيمَ ؟ وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذِهِ الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ في أوَّلِ البَقَرَةِ، وقَدْ زادُوا في حامِيمَ أقْوالًا هُنا، وهي مَرْوِيَّةٌ عَنِ السَّلَفِ، غَنَيْنا عَنْ ذِكْرِها، لِاضْطِرابِها وعَدَمِ الدَّلِيلِ عَلى صِحَّةِ شَيْءٍ مِنها. فَإنْ كانَتْ حم اسْمًا لِلسُّورَةِ، كانَتْ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ، وإلّا فَتَنْزِيلُ مُبْتَدَأٌ، ومِنَ اللَّهِ الخَبَرُ، أوْ خَبَرُ ابْتِداءٍ، أيْ: هَذا تَنْزِيلُ، ومِنَ اللَّهِ مُتَعَلِّقٌ بِـ (تَنْزِيلُ) . و﴿العَزِيزِ العَلِيمِ﴾: صِفَتانِ دالَّتانِ عَلى المُبالَغَةِ في القُدْرَةِ والغَلَبَةِ والعِلْمِ، وهُما مِن صِفاتِ الذّاتِ. وقالَ الزَّجّاجُ: ﴿غافِرِ﴾ ﴿وقابِلِ﴾ صِفَتانِ، و(شَدِيدِ) بَدَلٌ. انْتَهى. وإنَّما جَعَلَ ﴿غافِرِ﴾ و(قابِلِ) صِفَتَيْنِ وإنْ كانا اسْمَيْ فاعِلٍ؛ لِأنَّهُ فُهِمَ مِن ذَلِكَ أنَّهُ لا يُرادُ بِهِما التَّجَدُّدُ ولا التَّقْيِيدُ بِزَمانٍ، بَلْ أُرِيدَ بِهِما الِاسْتِمْرارُ والثُّبُوتُ؛ وإضافَتُهُما مَحْضَةٌ فَيُعْرَفُ، وصَحَّ أنْ يُوصَفَ بِهِما المَعْرِفَةُ، وإنَّما أُعْرِبَ ﴿شَدِيدِ العِقابِ﴾ بَدَلًا؛ لِأنَّهُ مِن بابِ الصِّفَةِ المُشَبَّهَةِ، ولا يَتَعَرَّفُ بِالإضافَةِ إلى المَعْرِفَةِ، وقَدْ نَصَّ سِيبَوَيْهِ عَلى أنَّ كُلَّ ما إضافَتُهُ غَيْرُ مَحْضَةٍ، إذا أُضِيفَ إلى مَعْرِفَةٍ، جازَ أنْ يُنْوى بِإضافَتِهِ التَّمَحُّضُ، فَيَتَعَرَّفُ ويَنْعَتُ بِهِ المَعْرِفَةُ، إلّا ما كانَ مِن بابِ الصِّفَةِ المُشَبَّهَةِ، فَإنَّهُ لا يَتَعَرَّفُ. وحَكى صاحِبُ (المُقْنِعِ) عَنِ الكُوفِيِّينَ أنَّهم أجازُوا في حُسْنِ الوَجْهِ وما أشْبَهَهُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِلْمَعْرِفَةِ، قالَ: وذَلِكَ خَطَأٌ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ؛ لِأنَّ حُسْنَ الوَجْهِ نَكِرَةٌ، وإذا أرَدْتَ تَعْرِيفَهُ أدْخَلْتَ فِيهِ ألْ. وقالَ أبُو الحَجّاجِ الأعْلَمُ: لا يَبْعُدُ أنْ يُقْصَدَ بِحُسْنِ الوَجْهِ التَّعْرِيفُ؛ لِأنَّ الإضافَةَ لا تَمْنَعُ مِنهُ. انْتَهى، وهَذا جُنُوحٌ إلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ. وقَدْ جَعَلَ بَعْضُهم ﴿غافِرِ الذَّنْبِ﴾ وما بَعْدَهُ أبْدالًا، اعْتِبارًا بِأنَّها لا تَتَعَرَّفُ بِالإضافَةِ، كَأنَّهُ لاحَظَ في ﴿غافِرِ﴾ و(قابِلِ) زَمانَ الِاسْتِقْبالِ. وقِيلَ: ﴿غافِرِ﴾ و(قابِلِ) لا يُرادُ بِهِما المُضِيُّ، فَهُما يَتَعَرَّفانِ بِالإضافَةِ ويَكُونانِ صِفَتَيْنِ، أيْ: إنَّ قَضاءَهُ بِالغُفْرانِ وقَبُولِ التَّوْبِ هو في الدُّنْيا. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: جَعْلُ الزَّجّاجِ ﴿شَدِيدِ العِقابِ﴾ وحْدَهُ بَدَلًا بَيْنَ الصِّفاتِ فِيهِ نُبُوٌ ظاهِرٌ، والوَجْهُ أنْ يُقالَ: لَمّا صُودِفَ بَيْنَ هَذِهِ المَعارِفِ هَذِهِ النَّكِرَةُ الواحِدَةُ، فَقَدْ آذَنَتْ بِأنَّ كُلَّها أبِدالٌ غَيْرُ أوْصافٍ، ومِثالُ ذَلِكَ قَصِيدَةٌ جاءَتْ تَفاعِيلُها كُلُّها عَلى مُسْتَفْعِلُنْ، فَهي مَحْكُومٌ عَلَيْها أنَّها مِنَ الرَّجَزِ، فَإنْ وقَعَ فِيها (p-٤٤٨)جُزْءٌ واحِدٌ عَلى مُتَفاعِلُنْ كانَتْ مِنَ الكامِلِ، ولا نُبُوَ في ذَلِكَ؛ لِأنَّ الجَرْيَ عَلى القَواعِدِ الَّتِي قَدِ اسْتَقَرَّتْ وصَحَّتْ هو الأصْلُ. وقَوْلُهُ: فَقَدْ آذَنَتْ بِأنَّ كُلَّها أبْدالُ تَرْكِيبٍ غَيْرِ عَرَبِيٍّ؛ لِأنَّهُ جَعَلَ فَقَدْ آذَنَتْ جَوابَ لَمّا، ولَيْسَ مِنَ كَلامِهِمْ: لَمّا قامَ زَيْدٌ فَقَدْ قامَ عَمْرٌو، وقَوْلُهُ: بِأنَّ كُلَّها أبْدالٌ فِيهِ تَكْرارُ الأبْدالِ، أمّا بَدَلُ البَدَلِ عِنْدَ مَن أثْبَتَهُ فَقَدْ تَكَرَّرَتْ فِيهِ الأبْدالُ، وأمّا بَدَلُ كُلٍّ مِن كُلٍّ، وبَدَلُ بَعْضٍ مِن كُلٍّ، وبَدَلُ اشْتِمالٍ، فَلا نَصَّ عَنْ أحَدٍ مِنَ النَّحْوِيِّينَ أعْرِفُهُ في جَوازِ التَّكْرارِ فِيها، أوْ مَنعِهِ، إلّا أنَّ في كَلامِ بَعْضِ أصْحابِنا ما يَدُلُّ عَلى أنَّ البَدَلَ لا يُكَرَّرُ، وذَلِكَ في قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎فَإلى ابْنِ أُمِّ أُناسٍ أُرَحِّلُ ناقَتِي ∗∗∗ عَمْرٍو فَتَبْلُغُ ناقَتِي أوْ تَزْحَفُ ؎مَلِكٍ إذا نَزَلَ الوُفُودُ بِبابِهِ ∗∗∗ عَرَفُوا مَوارِدَ مُزْنِهِ لا تَنْزِفُ قالَ: فَمَلِكٌ بَدَلٌ مِن عَمْرٍو، بَدَلُ نَكِرَةٍ مِن مَعْرِفَةٍ. قالَ: فَإنْ قُلْتَ: لِمَ لا يَكُونُ بَدَلًا مِنَ ابْنِ أُمِّ أُناسٍ ؟ (قُلْتُ): لِأنَّهُ قَدْ أبْدَلَ مِنهُ عَمْرٌو، فَلا يَجُوزُ أنْ يُبَدَلَ مِنهُ مَرَّةً أُخْرى؛ لِأنَّهُ قَدْ طُرِحَ. انْتَهى. فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّ البَدَلَ لا يَتَكَرَّرُ، ويَتَّحِدُ المُبْدَلُ مِنهُ؛ ودَلَّ عَلى أنَّ البَدَلَ مِنَ البَدَلِ جائِزٌ، وقَوْلُهُ: جاءَتْ تَفاعِيلُها، هو جَمْعُ تِفْعالٍ أوْ تَفْعُولٍ أوْ تِفْعُولٍ أوْ تَفْعِيلٍ، ولَيْسَ شَيْءٌ مِن هَذِهِ الأوْزانِ يَكُونُ مَعْدُولًا في آخِرِ العَرُوضِ، بَلْ أجْزاؤُها مُنْحَصِرَةٌ، لَيْسَ مِنها شَيْءٌ مِن هَذِهِ الأوْزانِ، فَصَوابُهُ أنْ يَقُولَ: جاءَتْ أجْزاؤُها كُلُّها عَلى مُسْتَفْعِلُنْ. وقالَ سِيبَوَيْهِ أيْضًا: ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ هي صِفاتٌ، وإنَّما حُذِفَتِ الألِفُ واللّامُ مِن ﴿شَدِيدِ العِقابِ﴾ لِيُزاوِجَ ما قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ لَفْظًا، فَقَدْ غَيَّرُوا كَثِيرًا مِن كَلامِهِمْ عَنْ قَوانِينِهِ لِأجْلِ الِازْدِواجِ، حَتّى قالُوا: ما يَعْرِفُ سُحادِلَيْهِ من عُنادِلَيْهِ، فَثَنُّوا ما هو وِتْرٌ لِأجْلِ ما هو شَفْعٌ. عَلى أنَّ الخَلِيلَ قالَ في قَوْلِهِمْ: لا يَحْسُنُ بِالرَّجُلِ مِثْلِكَ أنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ، ويَحْسُنَ بِالرَّجُلِ خَيْرٍ مِنكَ أنْ يَفْعَلَ، عَلى نِيَّةِ الألِفِ واللّامِ، كَما كانَ الجَمّاءُ الغَفِيرُ عَلى نِيَّةِ طَرْحِ الألِفِ واللّامِ. ومِمّا يُسَهِّلُ ذَلِكَ أمْنُ اللَّبْسِ وجَهالَةُ المَوْصُوفِ. انْتَهى. ولا ضَرُورَةَ إلى اعْتِقادِ حَذْفِ الألِفِ واللّامِ مِن ﴿شَدِيدِ العِقابِ﴾، وتَرْكِ ما هو أصْلٌ في النَّحْوِ، وتَشْبِيهٍ بِنادِرٍ مُغَيَّرٍ عَنِ القَوانِينِ مِن تَثْنِيَةِ الوِتْرِ لِلشَّفْعِ، ويُنَزَّهُ كِتابُ اللَّهِ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُقالَ: قَدْ تَعَمَّدَ تَنْكِيرَهُ وإبْهامَهُ لِلدَّلالَةِ عَلى فَرْطِ الشِّدَّةِ، وعَلى ما لا شَيْءَ أدْهى مِنهُ، وأمْرٌ لِزِيادَةِ الإنْذارِ. ويَجُوزُ أنْ يُقالَ: هَذِهِ النُّكْتَةُ هي الدّاعِيَةُ إلى اخْتِيارِ البَدَلِ عَلى الوَصْفِ إذا سَلَكْتَ طَرِيقَةَ الإبْدالِ. انْتَهى. وأجازَ مَكِّيٌّ في ﴿غافِرِ﴾ و(قابِلِ) البَدَلَ حَمْلًا عَلى أنَّهُما نَكِرَتانِ لِاسْتِقْبالِهِما، والوَصْفُ حَمْلًا عَلى أنَّهُما مَعْرِفَتانِ لِمُضِيِّهِما. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: لا نِزاعَ في جَعْلِ ﴿غافِرِ﴾ و(قابِلِ) صِفَةً، وإنَّما كانا كَذَلِكَ؛ لِأنَّهُما يُفِيدانِ مَعْنى الدَّوامِ والِاسْتِمْرارِ، وكَذَلِكَ ﴿شَدِيدِ العِقابِ﴾ تُفِيدُ ذَلِكَ؛ لِأنَّ صِفاتَهُ مُنَزَّهَةٌ عَنِ الحُدُوثِ والتَّجَدُّدِ، فَمَعْناهُ: كَوْنُهُ بِحَيْثُ شَدِيدٌ عِقابُهُ، وهَذا المَعْنى حاصِلٌ أبَدًا، لا يُوصَفُ بِأنَّهُ حَصَلَ بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ. انْتَهى. وهَذا كَلامُ مَن لَمْ يَقِفْ عَلى عِلْمِ النَّحْوُ، ولا نَظَرَ فِيهِ، ويَلْزَمُهُ أنْ يَكُونَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿مِن لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ [النمل: ٦]، ومَلِيكٌ مُقْتَدِرٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٥٥]، مَعارِفَ لِتَنْزِيهِ صِفاتِهِ عَنِ الحُدُوثِ والتَّجَدُّدِ، ولِأنَّها صِفاتٌ لَمْ تَحْصُلْ بَعْدَ أنْ لَمْ تَكُنْ، ويَكُونُ تَعْرِيفُ صِفاتٍ بِألْ وتَنْكِيرُها سَواءً، وهَذا لا يَذْهَبُ إلَيْهِ مُبْتَدِئٌ في عِلْمِ النَّحْوِ، فَضْلًا عَمَّنْ صَنَّفَ فِيهِ، وقَدِمَ عَلى تَفْسِيرِ كِتابِ اللَّهِ. وتَلَخَّصَ مِن هَذا الكَلامِ المُطَوَّلِ أنَّ ﴿غافِرِ الذَّنْبِ﴾ وما عُطِفَ عَلَيْهِ و﴿شَدِيدِ العِقابِ﴾ أوْصافٌ؛ لِأنَّ المَعْطُوفَ عَلى الوَصْفِ وصْفٌ، والجَمِيعُ مَعارِفُ عَلى ما تَقَرَّرَ أوْ أبِدالٌّ؛ لِأنَّ المَعْطُوفَ عَلى البَدَلِ بَدَلٌ لِتَنْكِيرِ الجَمِيعِ. أوْ ﴿غافِرِ﴾ و(قابِلِ) وصْفانِ، و(شَدِيدِ) بَدَلٌ لِمَعْرِفَةٍ ذَيْنِكَ وتَنْكِيرِ (شَدِيدِ) . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): ما بالُ الواوِ في قَوْلِهِ: ﴿وقابِلِ التَّوْبِ﴾ ؟ (قُلْتُ): فِيها نُكْتَةٌ جَلِيلَةٌ (p-٤٤٩)وهِيَ إفادَةُ الجَمْعِ لِلْمُذْنِبِ التّائِبِ بَيْنَ رَحْمَتَيْنِ، بَيْنَ أنْ يَقْبَلَ تَوْبَتَهُ فَيَكْتُبَها لَهُ طاعَةً مِنَ الطّاعاتِ، وأنْ يَجْعَلَها مَحّاءَةً لِلذُّنُوبِ، كَأنْ لَمْ يُذْنِبْ، كَأنَّهُ قالَ: جامِعُ المَغْفِرَةِ والقَبُولِ. انْتَهى. وما أكْثَرَ تَلَمُّحَ هَذا الرَّجُلِ وشَقْشَقَتَهُ، والَّذِي أفادَ أنَّ الواوَ لِلْجَمْعِ، وهَذا مَعْرُوفٌ مِنَ ظاهِرِ عِلْمِ النَّحْوِ. وقالَ صاحِبُ الغُنْيانِ: وإنَّما عَطَفَ لِاجْتِماعِهِما وتَلازُمِهِما وعَدَمِ انْفِكاكِ أحَدِهِما عَنِ الآخَرِ. وقُطِعَ ﴿شَدِيدِ العِقابِ﴾ عَنْهُما فَلَمْ يُعْطَفْ لِانْفِرادِهِ. انْتَهى، وهي نَزْغَةٌ اعْتِزالِيَّةٌ. ومَذْهَبُ أهْلِ السُّنَّةِ جَوازُ غُفْرانِ اللَّهِ لِلْعاصِي، وإنْ لَمْ يَتُبْ إلّا الشِّرْكَ. والتَّوْبُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ كالذَّنْبِ، اسْمَ جِنْسٍ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ تَوْبَةٍ، كَبَشْرٍ وبَشْرَةٍ، وساعٍ وساعَةٍ. والظّاهِرُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وقابِلِ التَّوْبِ﴾ أنَّ تَوْبَةَ العاصِي بِغَيْرِ الكُفْرِ، كَتَوْبَةِ العاصِي بِالكُفْرِ مَقْطُوعٌ بِقَبُولِها. وذَكَرُوا في القَطْعِ بِقَبُولِ تَوْبَةِ العاصِي قَوْلَيْنِ لِأهْلِ السُّنَّةِ. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى شِدَّةَ عِقابِهِ أرْدَفَهُ بِما يُطْمِعُ في رَحْمَتِهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿ذِي الطَّوْلِ﴾، فَجاءَ ذَلِكَ وعِيدًا اكْتَنَفَهُ وعْدانِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الطَّوْلُ: السَّعَةُ والغِنى؛ وقالَ قَتادَةُ: النِّعَمُ؛ وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: القُدْرَةُ، وقَوْلُهُ: طَوْلُهُ تَضْعِيفُ حَسَناتِ أوْلِيائِهِ، وعَفْوُهُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ. ولَمّا ذَكَرَ جُمْلَةً مِن صِفاتِهِ العُلا الذّاتِيَّةِ والفِعْلِيَّةِ، ذَكَرَ أنَّهُ المُنْفَرِدُ بِالأُلُوهِيَّةِ، المَرْجُوعُ إلَيْهِ في الحَشْرِ؛ ثُمَّ ذَكَرَ حالَ مَن جادَلَ في الكِتابِ، وأتْبَعَ بِذِكْرِ الطّائِعِينَ مِن مَلائِكَتِهِ وصالِحِي عِبادِهِ فَقالَ: ﴿ما يُجادِلُ في آياتِ اللَّهِ إلّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، وجِدالُهم فِيها قَوْلُهم: مَرَّةً سِحْرٌ، ومَرَّةً شِعْرٌ، ومَرَّةً أساطِيرُ الأوَّلِينَ، ومَرَّةً إنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ، فَهو جِدالٌ بِالباطِلِ، وقَدْ دَلَّ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وجادَلُوا بِالباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الحَقَّ﴾ . وقالَ السُّدِّيُّ: ما يُجادِلُ أيْ: ما يُمارِي. وقالَ ابْنُ سَلامٍ: ما يَجْحَدُ. وقالَ أبُو العالِيَةِ: نَزَلَتْ في الحارِثِ بْنِ قَيْسٍ، أحَدُ المُسْتَهْزِئِينَ. وأمّا ما يَقَعُ بَيْنَ أهْلِ العِلْمِ مِنَ النَّظَرِ فِيها، واسْتِيضاحِ مَعانِيها، واسْتِنْباطِ الأحْكامِ والعَقائِدِ مِنها، ومُقارَعَةِ أهْلِ البِدَعِ بِها، فَذَلِكَ فِيهِ الثَّوابُ الجَزِيلُ. ثُمَّ نَهى السّامِعَ أنْ يَغْتَرَّ بِتَقَلُّبِ هَؤُلاءِ الكُفّارِ في البِلادِ وتَصَرُّفاتِهِمْ فِيها، بِما أمْلَيْتُ لَهم مِنَ المَساكِنِ والمَزارِعِ والمَمالِكِ والتِّجاراتِ والمَكاسِبِ، وكانَتْ قُرَيْشُ تَتَّجِرُ في الشَّأْمِ واليَمَنِ؛ فَإنَّ ذَلِكَ وبالٌ عَلَيْهِمْ وسَبَبٌ في إهْلاكِهِمْ، كَما هَلَكَ مَن كانَ قَبْلَهم مِن مُكَذِّبِي الرُّسُلِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فَلا يَغْرُرْكَ﴾، بِالفَكِّ، وهي لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: فَلا يَغُرَّكَ، بِالإدْغامِ مَفْتُوحَ الرّاءِ، وهي لُغَةُ تَمِيمٍ. ولَمّا كانَ جِدالُ الكُفّارِ ناشِئًا عَنْ تَكْذِيبِ ما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن آياتِ اللَّهِ، ذَكَرَ مَن كَذَّبَ قَبْلَهم مِنَ الأُمَمِ السّالِفَةِ، وما صارَ إلَيْهِ حالُهم مِن حُلُولِ نَقْماتِ اللَّهِ بِهِمْ، لِيَرْتَدِعَ بِهِمْ كَفّارُ مَن بُعِثَ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلَيْهِمْ؛ فَبَدَأ بِقَوْمِ نُوحٍ، إذْ كانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أوَّلَ رَسُولٍ في الأرْضِ، وعَطَفَ عَلى قَوْمِهِ الأحْزابَ، وهُمُ الَّذِينَ تَحَزَّبُوا عَلى الرُّسُلِ. ولَمْ يَقْبَلُوا ما جاءُوا بِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ، ومِنهم: عادٌ وثَمُودُ وفِرْعَوْنُ وأتْباعُهُ. وقَدَّمَ الهَمَّ بِالأخْذِ عَلى الجِدالِ بِالباطِلِ؛ لِأنَّ الرُّسُلَ لَمّا عَصَمَهُمُ اللَّهُ مِنهم أنْ يَقْتُلُوهم رَجَعُوا إلى الجِدالِ بِالباطِلِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿بِرَسُولِهِمْ﴾؛ وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ (بِرَسُولِها) عادَ الضَّمِيرُ إلى لَفْظِ أُمَّةٍ. ﴿لِيَأْخُذُوهُ﴾: لِيَتَمَكَّنُوا مِنهُ بِحَبْسٍ أوْ تَعْذِيبٍ أوْ قَتْلٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لِيَأْخُذُوهُ: لِيَمْلِكُوهُ، وأنْشَدَ قُطْرُبٌ: ؎فَإمّا تَأْخُذُونِي تَقْتُلُونِي ∗∗∗ فَكَمْ مِن آخِذٍ يَهْوى خُلُودِي ويُقالُ لِلْقَتِيلِ والأسِيرِ: أخِيذٌ. وقالَ قَتادَةُ: ﴿لِيَأْخُذُوهُ﴾: لِيَقْتُلُوهُ، عَبَّرَ عَنِ المُسَبَّبِ بِالسَّبَبِ. ﴿وجادَلُوا بِالباطِلِ﴾ أيْ: بِما هو مُضْمَحِلٌّ ذاهِبٌ لا ثَباتَ لَهُ. وقِيلَ: الباطِلُ: الكُفْرُ. وقِيلَ: الشَّيْطانُ. وقِيلَ: بِقَوْلِهِمْ: ﴿ما أنْتُمْ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا﴾ [يس: ١٥] . ﴿لِيُدْحِضُوا﴾: لِيُزْلِقُوا، ﴿بِهِ الحَقَّ﴾ أيِ: الثّابِتَ الصِّدْقِ. (فَأخَذْتُهم)، فَأهْلَكْتُهم. ﴿فَكَيْفَ كانَ عِقابِ﴾ إيّاهم، اسْتِفْهامُ تَعْجِيبٍ مِنَ اسْتِئْصالِهِمْ، واسْتِعْظامٍ لِما حَلَّ بِهِمْ، ولَيْسَ اسْتِفْهامًا عَنْ كَيْفِيَّةِ (p-٤٥٠)عِقابِهِمْ، وكانُوا يَمُرُّونَ عَلى مَساكِنِهِمْ ويَرَوْنَ آثارَ نِعْمَةِ اللَّهِ فِيهِمْ؛ واجْتَزَأ بِالكَسْرِ عَنْ ياءِ الإضافَةِ؛ لِأنَّها فاصِلَةٌ، والأصْلُ عِقابِي. ﴿وكَذَلِكَ حَقَّتْ﴾ أيْ: مِثْلُ ذَلِكَ الوُجُوبِ مِن عِقابِهِمْ وجَبَ عَلى الكَفَرَةِ، كَوْنِهِمْ مِن أصْحابِ النّارِ، مَن تَقَدَّمَ مِنهم ومَن تَأخَّرُوا. (أنَّهم): بَدَلٌ مِن ﴿كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾، فَهي في مَوْضِعِ رَفْعٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ لِأنَّهم وحُذِفَ لامُ العِلَّةِ. والمَعْنى: كَما وجَبَ إهْلاكُ أُولَئِكَ الأُمَمِ، وجَبَ إهْلاكُ هَؤُلاءِ؛ لِأنَّ المُوجِبَ لِإهْلاكِهِمْ وصْفٌ جامِعٌ لَهم، وهو كَوْنُهم مِن أصْحابِ النّارِ. وفِي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ: (وكَذَلِكَ سَبَقَتْ)، وهو تَفْسِيرُ مَعْنًى، لا قِراءَةٌ. وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزَ، وشَيْبَةُ، وابْنُ القَعْقاعِ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: كَلِماتٌ عَلى الجَمْعِ؛ وأبُو رَجاءٍ، وقَتادَةُ، وباقِي السَّبْعَةِ: عَلى الإفْرادِ.

غافر 40:6

(p-٤٤٤)سُورَةُ غافِرٍ خَمْسٌ وثَمانُونَ آيَةً. مَكِّيَّةٌ ﷽ ﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ ﴿غافِرِ الذَّنْبِ وقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ العِقابِ ذِي الطَّوْلِ لا إلَهَ إلّا هو إلَيْهِ المَصِيرُ﴾ ﴿ما يُجادِلُ في آياتِ اللَّهِ إلّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهم في البِلادِ﴾ ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ والأحْزابُ مِن بَعْدِهِمْ وهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وجادَلُوا بِالباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الحَقَّ فَأخَذْتُهم فَكَيْفَ كانَ عِقابِ﴾ ﴿وكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّهم أصْحابُ النّارِ﴾ ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ ومَن حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ويُؤْمِنُونَ بِهِ ويَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا وسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وعِلْمًا فاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا واتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وقِهِمْ عَذابَ الجَحِيمِ﴾ [غافر: ٧] ﴿رَبَّنا وأدْخِلْهم جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وعَدْتَهم ومَن صَلَحَ مِن آبائِهِمْ وأزْواجِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [غافر: ٨] ﴿وقِهِمُ السَّيِّئاتِ ومَن تَقِ السَّيِّئاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ [غافر: ٩] ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أكْبَرُ مِن مَقْتِكم أنْفُسَكم إذْ تُدْعَوْنَ إلى الإيمانِ فَتَكْفُرُونَ﴾ [غافر: ١٠] ﴿قالُوا رَبَّنا أمَتَّنا اثْنَتَيْنِ وأحْيَيْتَنا اثْنَتَيْنِ فاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا فَهَلْ إلى خُرُوجٍ مِن سَبِيلٍ﴾ [غافر: ١١] ﴿ذَلِكم بِأنَّهُ إذا دُعِيَ اللَّهُ وحْدَهُ كَفَرْتُمْ وإنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فالحُكْمُ لِلَّهِ العَلِيِّ الكَبِيرِ﴾ [غافر: ١٢] ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكم آياتِهِ ويُنَزِّلُ لَكم مِنَ السَّماءِ رِزْقًا وما يَتَذَكَّرُ إلّا مَن يُنِيبُ﴾ [غافر: ١٣] ﴿فادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ولَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ﴾ [غافر: ١٤] ﴿رَفِيعُ الدَّرَجاتِ ذُو العَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِن أمْرِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ﴾ [غافر: ١٥] ﴿يَوْمَ هم بارِزُونَ لا يَخْفى عَلى اللَّهِ مِنهم شَيْءٌ لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ [غافر: ١٦] ﴿اليَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ لا ظُلْمَ اليَوْمَ إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ [غافر: ١٧] ﴿وأنْذِرْهم يَوْمَ الآزِفَةِ إذِ القُلُوبُ لَدى الحَناجِرِ كاظِمِينَ ما لِلظّالِمِينَ مِن حَمِيمٍ ولا شَفِيعٍ يُطاعُ﴾ [غافر: ١٨] ﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ وما تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر: ١٩] ﴿واللَّهُ يَقْضِي بِالحَقِّ والَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إنَّ اللَّهَ هو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [غافر: ٢٠] ﴿أوَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِن قَبْلِهِمْ كانُوا هم أشَدَّ مِنهم قُوَّةً وآثارًا في الأرْضِ فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وما كانَ لَهم مِنَ اللَّهِ مِن واقٍ﴾ [غافر: ٢١] ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَكَفَرُوا فَأخَذَهُمُ اللَّهُ إنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ العِقابِ﴾ [غافر: ٢٢] ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ [غافر: ٢٣] ﴿إلى فِرْعَوْنَ وهامانَ وقارُونَ فَقالُوا ساحِرٌ كَذّابٌ﴾ [غافر: ٢٤] ﴿فَلَمّا جاءَهم بِالحَقِّ مِن عِنْدِنا قالُوا اقْتُلُوا أبْناءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ واسْتَحْيُوا نِساءَهم وما كَيْدُ الكافِرِينَ إلّا في ضَلالٍ﴾ [غافر: ٢٥] ﴿وقالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أقْتُلْ مُوسى ولْيَدْعُ رَبَّهُ إنِّي أخافُ أنْ يُبَدِّلَ دِينَكم أوْ أنْ يُظْهِرَ في الأرْضِ الفَسادَ﴾ [غافر: ٢٦] ﴿وقالَ مُوسى إنِّي عُذْتُ بِرَبِّي ورَبِّكم مِن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الحِسابِ﴾ [غافر: ٢٧] ﴿وقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِن آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إيمانَهُ أتَقْتُلُونَ رَجُلًا أنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وقَدْ جاءَكم بِالبَيِّناتِ مِن رَبِّكم وإنْ يَكُ كاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وإنْ يَكُ صادِقًا يُصِبْكم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكم إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن هو مُسْرِفٌ كَذّابٌ﴾ [غافر: ٢٨] ﴿يا قَوْم لَكُمُ المُلْكُ اليَوْمَ ظاهِرِينَ في الأرْضِ فَمَن يَنْصُرُنا مِن بَأْسِ اللَّهِ إنْ جاءَنا قالَ فِرْعَوْنُ ما أُرِيكم إلّا ما أرى وما أهْدِيكم إلّا سَبِيلَ الرَّشادِ﴾ [غافر: ٢٩] ﴿وقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ إنِّي أخافُ عَلَيْكم مِثْلَ يَوْمِ الأحْزابِ﴾ [غافر: ٣٠] ﴿مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ والَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ وما اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبادِ﴾ [غافر: ٣١] ﴿ويا قَوْمِ إنِّي أخافُ عَلَيْكم يَوْمَ التَّنادِ﴾ [غافر: ٣٢] ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ ما لَكم مِنَ اللَّهِ مِن عاصِمٍ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ [غافر: ٣٣] ﴿ولَقَدْ جاءَكم يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالبَيِّناتِ فَما زِلْتُمْ في شَكٍّ مِمّا جاءَكم بِهِ حَتّى إذا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن هو مُسْرِفٌ مُرْتابٌ﴾ [غافر: ٣٤] (p-٤٤٥)﴿الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أتاهم كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبّارٍ﴾ [غافر: ٣٥] ﴿وقالَ فِرْعَوْنُ يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أبْلُغُ الأسْبابَ﴾ [غافر: ٣٦] ﴿أسْبابَ السَّماواتِ فَأطَّلِعَ إلى إلَهِ مُوسى وإنِّي لَأظُنُّهُ كاذِبًا وكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وما كَيْدُ فِرْعَوْنَ إلّا في تَبابٍ﴾ [غافر: ٣٧] ﴿وقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أهْدِكم سَبِيلَ الرَّشادِ﴾ [غافر: ٣٨] ﴿يا قَوْمِ إنَّما هَذِهِ الحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ وإنَّ الآخِرَةَ هي دارُ القَرارِ﴾ [غافر: ٣٩] ﴿مَن عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزى إلّا مِثْلَها ومَن عَمِلَ صالِحًا مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ [غافر: ٤٠] ﴿ويا قَوْمِ ما لِي أدْعُوكم إلى النَّجاةِ وتَدْعُونَنِي إلى النّارِ﴾ [غافر: ٤١] ﴿تَدْعُونَنِي لِأكْفُرَ بِاللَّهِ وأُشْرِكَ بِهِ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وأنا أدْعُوكم إلى العَزِيزِ الغَفّارِ﴾ [غافر: ٤٢] ﴿لا جَرَمَ أنَّما تَدْعُونَنِي إلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ وأنَّ مَرَدَّنا إلى اللَّهِ وأنَّ المُسْرِفِينَ هم أصْحابُ النّارِ﴾ [غافر: ٤٣] ﴿فَسَتَذْكُرُونَ ما أقُولُ لَكم وأُفَوِّضُ أمْرِي إلى اللَّهِ إنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالعِبادِ﴾ [غافر: ٤٤] ﴿فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا وحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ العَذابِ﴾ [غافر: ٤٥] ﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وعَشِيًّا ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ أدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذابِ﴾ [غافر: ٤٦] ﴿وإذْ يَتَحاجُّونَ في النّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إنّا كُنّا لَكم تَبَعًا فَهَلْ أنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا نَصِيبًا مِنَ النّارِ﴾ [غافر: ٤٧] ﴿قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إنّا كُلٌّ فِيها إنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ العِبادِ﴾ [غافر: ٤٨] ﴿وقالَ الَّذِينَ في النّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكم يُخَفِّفْ عَنّا يَوْمًا مِنَ العَذابِ﴾ [غافر: ٤٩] ﴿قالُوا أوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكم رُسُلُكم بِالبَيِّناتِ قالُوا بَلى قالُوا فادْعُوا وما دُعاءُ الكافِرِينَ إلّا في ضَلالٍ﴾ [غافر: ٥٠] ﴿إنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا والَّذِينَ آمَنُوا في الحَياةِ الدُّنْيا ويَوْمَ يَقُومُ الأشْهادُ﴾ [غافر: ٥١] ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظّالِمِينَ مَعْذِرَتُهم ولَهُمُ اللَّعْنَةُ ولَهم سُوءُ الدّارِ﴾ [غافر: ٥٢] ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الهُدى وأوْرَثْنا بَنِي إسْرائِيلَ الكِتابَ﴾ [غافر: ٥٣] ﴿هُدًى وذِكْرى لِأُولِي الألْبابِ﴾ [غافر: ٥٤] ﴿فاصْبِرْ إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالعَشِيِّ والإبْكارِ﴾ [غافر: ٥٥] ﴿إنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أتاهم إنْ في صُدُورِهِمْ إلّا كِبْرٌ ما هم بِبالِغِيهِ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إنَّهُ هو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [غافر: ٥٦] ﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ أكْبَرُ مِن خَلْقِ النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [غافر: ٥٧] ﴿وما يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ولا المُسِيءُ قَلِيلًا ما تَتَذَكَّرُونَ﴾ [غافر: ٥٨] ﴿إنَّ السّاعَةَ لَآتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [غافر: ٥٩] ﴿وقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكم إنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠] ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ والنَّهارَ مُبْصِرًا إنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾ [غافر: ٦١] ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لا إلَهَ إلّا هو فَأنّى تُؤْفَكُونَ﴾ [غافر: ٦٢] ﴿كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كانُوا بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [غافر: ٦٣] ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ قَرارًا والسَّماءَ بِناءً وصَوَّرَكم فَأحْسَنَ صُوَرَكم ورَزَقَكم مِنَ الطَّيِّباتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم فَتَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ﴾ [غافر: ٦٤] ﴿هُوَ الحَيُّ لا إلَهَ إلّا هو فادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [غافر: ٦٥] ﴿قُلْ إنِّي نُهِيتُ أنْ أعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَمّا جاءَنِيَ البَيِّناتُ مِن رَبِّي وأُمِرْتُ أنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [غافر: ٦٦] ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ مِن عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكم طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أشُدَّكم ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا ومِنكم مَن يُتَوَفّى مِن قَبْلُ ولِتَبْلُغُوا أجَلًا مُسَمًّى ولَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ [غافر: ٦٧] ﴿هُوَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ فَإذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [غافر: ٦٨] ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ أنّى يُصْرَفُونَ﴾ [غافر: ٦٩] ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالكِتابِ وبِما أرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [غافر: ٧٠] ﴿إذِ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ والسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ﴾ [غافر: ٧١] ﴿فِي الحَمِيمِ ثُمَّ في النّارِ يُسْجَرُونَ﴾ [غافر: ٧٢] . أزِفَ الشَّيْءُ: قَرُبَ، قالَ الشّاعِرُ: ؎أزِفَ التَّرَحُّلُ غَيْرَ أنَّ رِكابَنا لَمّا تَزَلْ بِرِحالِنا وكَأنْ قَدِ (p-٤٤٦)التَّبابُ: الخُسْرانُ، السِّلْسِلَةُ مَعْرُوفَةٌ، السَّحْبُ: الجَرُّ، سَجَرْتُ التَّنُّورَ: مَلَأْتُهُ نارًا. ﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ ﴿غافِرِ الذَّنْبِ وقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ العِقابِ ذِي الطَّوْلِ لا إلَهَ إلّا هو إلَيْهِ المَصِيرُ﴾ ﴿ما يُجادِلُ في آياتِ اللَّهِ إلّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهم في البِلادِ﴾ ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ والأحْزابُ مِن بَعْدِهِمْ وهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وجادَلُوا بِالباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الحَقَّ فَأخَذْتُهم فَكَيْفَ كانَ عِقابِ﴾ ﴿وكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّهم أصْحابُ النّارِ﴾ سَبْعُ الحَوامِيمِ مَكِّيّاتٌ، قالُوا بِإجْماعٍ. وقِيلَ: في بَعْضِ آياتِ هَذِهِ السُّوَرِ مَدَنِيٌّ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهو ضَعِيفٌ. وفِي الحَدِيثِ: «إنَّ الحَوامِيمَ دِيباجُ القُرْآنِ» وفِيهِ: «مَن أرادَ أنْ يَرْتَعَ في رِياضٍ مُونِقَةٍ مِنَ الجَنَّةِ فَلْيَقْرَأِ الحَوامِيمَ»، وفِيهِ: ”«مَثَلُ الحَوامِيمِ في القُرْآنِ مَثَلُ الحَبَراتِ في الثِّيابِ» . وهَذِهِ الحَوامِيمُ مَقْصُورَةٌ عَلى المَواعِظِ والزَّجْرِ وطُرُقِ الآخِرَةِ وهي قِصارٌ لا تَلْحَقُ فِيها سَآمَةٌ. ومُناسِبَةُ أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ لِآخِرِ الزُّمَرِ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ ما يَئُولُ إلَيْهِ حالُ الكافِرِينَ وحالُ المُؤْمِنِينَ، ذَكَرَ هُنا أنَّهُ تَعالى ( ﴿غافِرِ الذَّنْبِ وقابِلِ التَّوْبِ﴾، لِيَكُونَ ذَلِكَ اسْتِدْعاءً لِلْكافِرِ إلى الإيمانِ، وإلى الإقْلاعِ عَمّا هو فِيهِ، وأنَّ بابَ التَّوْبَةِ مَفْتُوحٌ. وذَكَرَ شِدَّةَ عِقابِهِ، وصَيْرُورَةَ العالَمِ كُلِّهِمْ فِيهِ لِيَرْتَدِعَ عَمّا هو فِيهِ، وأنَّ رُجُوعَهُ إلى رَبِّهِ، فَيُجازِيهِ بِما يَعْمَلُ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ. وقُرِئَ: بِفَتْحِ الحاءِ، اخْتِيارُ أبِي القاسِمِ بْنِ جُبارَةَ الهُذَلِيِّ، صاحِبِ كِتابِ: (الكامِلِ في القُرْآنِ)، وأبُو السَّمّالِ: بِكَسْرِها عَلى أصْلِ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ وعِيسى: بِفَتْحِها، وخَرَّجَ عَلى أنَّها حَرَكَةُ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وكانَتْ فَتْحَةً طَلَبًا لِلْخِفَّةِ كَأيْنَ، وحَرَكَةُ إعْرابٍ عَلى انْتِصابِها بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ تَقْدِيرُهُ: اقْرَأْ حم. وفِي الحَدِيثِ: «أنْ أعْرابِيًّا سَألَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ حم ما هو ؟ فَقالَ: أسْماءٌ وفَواتِحُ سُوَرٍ» وقالَ شُرَيْحُ بْنُ أبِي أوْفى العَبْسِيُّ: ؎يُذَكِّرُنِي حامِيمُ والرُّمْحُ شاجِرٌ ∗∗∗ فَهَلّا تَلا حامِيمَ قَبْلَ التَّقَدُّمِ وقالَ الكُمَيْتُ: ؎وجَدْنا لَكم في آلِ حَمِيمَ آيَةً ∗∗∗ تَأوَّلَها مِنّا تَقِيٌّ ومُعْرِبُ أعْرَبا حامِيمَ، ومُنِعَتِ الصَّرْفَ لِلْعَلَمِيَّةِ، أوِ العَلَمِيَّةِ وشِبْهِ العُجْمَةِ؛ لِأنَّ فاعِيلَ لَيْسَ مِن أوْزانِ أبْنِيَةِ العَرَبِ، وإنَّما وُجِدَ ذَلِكَ في العَجَمِ، نَحْوُ: قابِيلُ وهابِيلُ. وتَقَدَّمَ فِيما رُوِيَ في الحَدِيثِ جَمْعُ ﴿حم﴾ عَلى الحَوامِيمِ، كَما جُمِعَ ﴿طس﴾ [النمل: ١] عَلى الطَّواسِينِ. وحَكى صاحِبُ زادِ المَسِيرِ عَنْ شَيْخِهِ ابْنِ مَنصُورٍ اللُّغَوِيِّ أنَّهُ قالَ: مِنَ الخَطَأِ (p-٤٤٧)أنْ تَقُولَ: قَرَأْتُ الحَوامِيمَ، ولَيْسَ مِن كَلامِ العَرَبِ؛ والصَّوابُ أنْ يَقُولَ: قَرَأْتُ آلَ حم. وفي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ:“ إذا وقَعْتَ في آلِ حَمِيمَ وقَعْتَ في رَوْضاتٍ دَمِثاتٍ ”انْتَهى. فَإنْ صَحَّ مِن لَفْظِ الرَّسُولِ أنَّهُ قالَ:“ الحَوامِيمُ ”كانَ حُجَّةً عَلى مَن مَنَعَ ذَلِكَ، وإنْ كانَ نُقِلَ بِالمَعْنى، أمْكَنَ أنْ يَكُونَ مِن تَحْرِيفِ الأعاجِمِ. ألا تَرى لَفْظَ ابْنِ مَسْعُودٍ:“ إذا وقَعْتَ في آلِ حَمِيمَ " وقَوْلُ الكُمَيْتِ: وجَدْنا لَكم في آلِ حامِيمَ ؟ وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذِهِ الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ في أوَّلِ البَقَرَةِ، وقَدْ زادُوا في حامِيمَ أقْوالًا هُنا، وهي مَرْوِيَّةٌ عَنِ السَّلَفِ، غَنَيْنا عَنْ ذِكْرِها، لِاضْطِرابِها وعَدَمِ الدَّلِيلِ عَلى صِحَّةِ شَيْءٍ مِنها. فَإنْ كانَتْ حم اسْمًا لِلسُّورَةِ، كانَتْ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ، وإلّا فَتَنْزِيلُ مُبْتَدَأٌ، ومِنَ اللَّهِ الخَبَرُ، أوْ خَبَرُ ابْتِداءٍ، أيْ: هَذا تَنْزِيلُ، ومِنَ اللَّهِ مُتَعَلِّقٌ بِـ (تَنْزِيلُ) . و﴿العَزِيزِ العَلِيمِ﴾: صِفَتانِ دالَّتانِ عَلى المُبالَغَةِ في القُدْرَةِ والغَلَبَةِ والعِلْمِ، وهُما مِن صِفاتِ الذّاتِ. وقالَ الزَّجّاجُ: ﴿غافِرِ﴾ ﴿وقابِلِ﴾ صِفَتانِ، و(شَدِيدِ) بَدَلٌ. انْتَهى. وإنَّما جَعَلَ ﴿غافِرِ﴾ و(قابِلِ) صِفَتَيْنِ وإنْ كانا اسْمَيْ فاعِلٍ؛ لِأنَّهُ فُهِمَ مِن ذَلِكَ أنَّهُ لا يُرادُ بِهِما التَّجَدُّدُ ولا التَّقْيِيدُ بِزَمانٍ، بَلْ أُرِيدَ بِهِما الِاسْتِمْرارُ والثُّبُوتُ؛ وإضافَتُهُما مَحْضَةٌ فَيُعْرَفُ، وصَحَّ أنْ يُوصَفَ بِهِما المَعْرِفَةُ، وإنَّما أُعْرِبَ ﴿شَدِيدِ العِقابِ﴾ بَدَلًا؛ لِأنَّهُ مِن بابِ الصِّفَةِ المُشَبَّهَةِ، ولا يَتَعَرَّفُ بِالإضافَةِ إلى المَعْرِفَةِ، وقَدْ نَصَّ سِيبَوَيْهِ عَلى أنَّ كُلَّ ما إضافَتُهُ غَيْرُ مَحْضَةٍ، إذا أُضِيفَ إلى مَعْرِفَةٍ، جازَ أنْ يُنْوى بِإضافَتِهِ التَّمَحُّضُ، فَيَتَعَرَّفُ ويَنْعَتُ بِهِ المَعْرِفَةُ، إلّا ما كانَ مِن بابِ الصِّفَةِ المُشَبَّهَةِ، فَإنَّهُ لا يَتَعَرَّفُ. وحَكى صاحِبُ (المُقْنِعِ) عَنِ الكُوفِيِّينَ أنَّهم أجازُوا في حُسْنِ الوَجْهِ وما أشْبَهَهُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِلْمَعْرِفَةِ، قالَ: وذَلِكَ خَطَأٌ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ؛ لِأنَّ حُسْنَ الوَجْهِ نَكِرَةٌ، وإذا أرَدْتَ تَعْرِيفَهُ أدْخَلْتَ فِيهِ ألْ. وقالَ أبُو الحَجّاجِ الأعْلَمُ: لا يَبْعُدُ أنْ يُقْصَدَ بِحُسْنِ الوَجْهِ التَّعْرِيفُ؛ لِأنَّ الإضافَةَ لا تَمْنَعُ مِنهُ. انْتَهى، وهَذا جُنُوحٌ إلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ. وقَدْ جَعَلَ بَعْضُهم ﴿غافِرِ الذَّنْبِ﴾ وما بَعْدَهُ أبْدالًا، اعْتِبارًا بِأنَّها لا تَتَعَرَّفُ بِالإضافَةِ، كَأنَّهُ لاحَظَ في ﴿غافِرِ﴾ و(قابِلِ) زَمانَ الِاسْتِقْبالِ. وقِيلَ: ﴿غافِرِ﴾ و(قابِلِ) لا يُرادُ بِهِما المُضِيُّ، فَهُما يَتَعَرَّفانِ بِالإضافَةِ ويَكُونانِ صِفَتَيْنِ، أيْ: إنَّ قَضاءَهُ بِالغُفْرانِ وقَبُولِ التَّوْبِ هو في الدُّنْيا. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: جَعْلُ الزَّجّاجِ ﴿شَدِيدِ العِقابِ﴾ وحْدَهُ بَدَلًا بَيْنَ الصِّفاتِ فِيهِ نُبُوٌ ظاهِرٌ، والوَجْهُ أنْ يُقالَ: لَمّا صُودِفَ بَيْنَ هَذِهِ المَعارِفِ هَذِهِ النَّكِرَةُ الواحِدَةُ، فَقَدْ آذَنَتْ بِأنَّ كُلَّها أبِدالٌ غَيْرُ أوْصافٍ، ومِثالُ ذَلِكَ قَصِيدَةٌ جاءَتْ تَفاعِيلُها كُلُّها عَلى مُسْتَفْعِلُنْ، فَهي مَحْكُومٌ عَلَيْها أنَّها مِنَ الرَّجَزِ، فَإنْ وقَعَ فِيها (p-٤٤٨)جُزْءٌ واحِدٌ عَلى مُتَفاعِلُنْ كانَتْ مِنَ الكامِلِ، ولا نُبُوَ في ذَلِكَ؛ لِأنَّ الجَرْيَ عَلى القَواعِدِ الَّتِي قَدِ اسْتَقَرَّتْ وصَحَّتْ هو الأصْلُ. وقَوْلُهُ: فَقَدْ آذَنَتْ بِأنَّ كُلَّها أبْدالُ تَرْكِيبٍ غَيْرِ عَرَبِيٍّ؛ لِأنَّهُ جَعَلَ فَقَدْ آذَنَتْ جَوابَ لَمّا، ولَيْسَ مِنَ كَلامِهِمْ: لَمّا قامَ زَيْدٌ فَقَدْ قامَ عَمْرٌو، وقَوْلُهُ: بِأنَّ كُلَّها أبْدالٌ فِيهِ تَكْرارُ الأبْدالِ، أمّا بَدَلُ البَدَلِ عِنْدَ مَن أثْبَتَهُ فَقَدْ تَكَرَّرَتْ فِيهِ الأبْدالُ، وأمّا بَدَلُ كُلٍّ مِن كُلٍّ، وبَدَلُ بَعْضٍ مِن كُلٍّ، وبَدَلُ اشْتِمالٍ، فَلا نَصَّ عَنْ أحَدٍ مِنَ النَّحْوِيِّينَ أعْرِفُهُ في جَوازِ التَّكْرارِ فِيها، أوْ مَنعِهِ، إلّا أنَّ في كَلامِ بَعْضِ أصْحابِنا ما يَدُلُّ عَلى أنَّ البَدَلَ لا يُكَرَّرُ، وذَلِكَ في قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎فَإلى ابْنِ أُمِّ أُناسٍ أُرَحِّلُ ناقَتِي ∗∗∗ عَمْرٍو فَتَبْلُغُ ناقَتِي أوْ تَزْحَفُ ؎مَلِكٍ إذا نَزَلَ الوُفُودُ بِبابِهِ ∗∗∗ عَرَفُوا مَوارِدَ مُزْنِهِ لا تَنْزِفُ قالَ: فَمَلِكٌ بَدَلٌ مِن عَمْرٍو، بَدَلُ نَكِرَةٍ مِن مَعْرِفَةٍ. قالَ: فَإنْ قُلْتَ: لِمَ لا يَكُونُ بَدَلًا مِنَ ابْنِ أُمِّ أُناسٍ ؟ (قُلْتُ): لِأنَّهُ قَدْ أبْدَلَ مِنهُ عَمْرٌو، فَلا يَجُوزُ أنْ يُبَدَلَ مِنهُ مَرَّةً أُخْرى؛ لِأنَّهُ قَدْ طُرِحَ. انْتَهى. فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّ البَدَلَ لا يَتَكَرَّرُ، ويَتَّحِدُ المُبْدَلُ مِنهُ؛ ودَلَّ عَلى أنَّ البَدَلَ مِنَ البَدَلِ جائِزٌ، وقَوْلُهُ: جاءَتْ تَفاعِيلُها، هو جَمْعُ تِفْعالٍ أوْ تَفْعُولٍ أوْ تِفْعُولٍ أوْ تَفْعِيلٍ، ولَيْسَ شَيْءٌ مِن هَذِهِ الأوْزانِ يَكُونُ مَعْدُولًا في آخِرِ العَرُوضِ، بَلْ أجْزاؤُها مُنْحَصِرَةٌ، لَيْسَ مِنها شَيْءٌ مِن هَذِهِ الأوْزانِ، فَصَوابُهُ أنْ يَقُولَ: جاءَتْ أجْزاؤُها كُلُّها عَلى مُسْتَفْعِلُنْ. وقالَ سِيبَوَيْهِ أيْضًا: ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ هي صِفاتٌ، وإنَّما حُذِفَتِ الألِفُ واللّامُ مِن ﴿شَدِيدِ العِقابِ﴾ لِيُزاوِجَ ما قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ لَفْظًا، فَقَدْ غَيَّرُوا كَثِيرًا مِن كَلامِهِمْ عَنْ قَوانِينِهِ لِأجْلِ الِازْدِواجِ، حَتّى قالُوا: ما يَعْرِفُ سُحادِلَيْهِ من عُنادِلَيْهِ، فَثَنُّوا ما هو وِتْرٌ لِأجْلِ ما هو شَفْعٌ. عَلى أنَّ الخَلِيلَ قالَ في قَوْلِهِمْ: لا يَحْسُنُ بِالرَّجُلِ مِثْلِكَ أنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ، ويَحْسُنَ بِالرَّجُلِ خَيْرٍ مِنكَ أنْ يَفْعَلَ، عَلى نِيَّةِ الألِفِ واللّامِ، كَما كانَ الجَمّاءُ الغَفِيرُ عَلى نِيَّةِ طَرْحِ الألِفِ واللّامِ. ومِمّا يُسَهِّلُ ذَلِكَ أمْنُ اللَّبْسِ وجَهالَةُ المَوْصُوفِ. انْتَهى. ولا ضَرُورَةَ إلى اعْتِقادِ حَذْفِ الألِفِ واللّامِ مِن ﴿شَدِيدِ العِقابِ﴾، وتَرْكِ ما هو أصْلٌ في النَّحْوِ، وتَشْبِيهٍ بِنادِرٍ مُغَيَّرٍ عَنِ القَوانِينِ مِن تَثْنِيَةِ الوِتْرِ لِلشَّفْعِ، ويُنَزَّهُ كِتابُ اللَّهِ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُقالَ: قَدْ تَعَمَّدَ تَنْكِيرَهُ وإبْهامَهُ لِلدَّلالَةِ عَلى فَرْطِ الشِّدَّةِ، وعَلى ما لا شَيْءَ أدْهى مِنهُ، وأمْرٌ لِزِيادَةِ الإنْذارِ. ويَجُوزُ أنْ يُقالَ: هَذِهِ النُّكْتَةُ هي الدّاعِيَةُ إلى اخْتِيارِ البَدَلِ عَلى الوَصْفِ إذا سَلَكْتَ طَرِيقَةَ الإبْدالِ. انْتَهى. وأجازَ مَكِّيٌّ في ﴿غافِرِ﴾ و(قابِلِ) البَدَلَ حَمْلًا عَلى أنَّهُما نَكِرَتانِ لِاسْتِقْبالِهِما، والوَصْفُ حَمْلًا عَلى أنَّهُما مَعْرِفَتانِ لِمُضِيِّهِما. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: لا نِزاعَ في جَعْلِ ﴿غافِرِ﴾ و(قابِلِ) صِفَةً، وإنَّما كانا كَذَلِكَ؛ لِأنَّهُما يُفِيدانِ مَعْنى الدَّوامِ والِاسْتِمْرارِ، وكَذَلِكَ ﴿شَدِيدِ العِقابِ﴾ تُفِيدُ ذَلِكَ؛ لِأنَّ صِفاتَهُ مُنَزَّهَةٌ عَنِ الحُدُوثِ والتَّجَدُّدِ، فَمَعْناهُ: كَوْنُهُ بِحَيْثُ شَدِيدٌ عِقابُهُ، وهَذا المَعْنى حاصِلٌ أبَدًا، لا يُوصَفُ بِأنَّهُ حَصَلَ بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ. انْتَهى. وهَذا كَلامُ مَن لَمْ يَقِفْ عَلى عِلْمِ النَّحْوُ، ولا نَظَرَ فِيهِ، ويَلْزَمُهُ أنْ يَكُونَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿مِن لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ [النمل: ٦]، ومَلِيكٌ مُقْتَدِرٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٥٥]، مَعارِفَ لِتَنْزِيهِ صِفاتِهِ عَنِ الحُدُوثِ والتَّجَدُّدِ، ولِأنَّها صِفاتٌ لَمْ تَحْصُلْ بَعْدَ أنْ لَمْ تَكُنْ، ويَكُونُ تَعْرِيفُ صِفاتٍ بِألْ وتَنْكِيرُها سَواءً، وهَذا لا يَذْهَبُ إلَيْهِ مُبْتَدِئٌ في عِلْمِ النَّحْوِ، فَضْلًا عَمَّنْ صَنَّفَ فِيهِ، وقَدِمَ عَلى تَفْسِيرِ كِتابِ اللَّهِ. وتَلَخَّصَ مِن هَذا الكَلامِ المُطَوَّلِ أنَّ ﴿غافِرِ الذَّنْبِ﴾ وما عُطِفَ عَلَيْهِ و﴿شَدِيدِ العِقابِ﴾ أوْصافٌ؛ لِأنَّ المَعْطُوفَ عَلى الوَصْفِ وصْفٌ، والجَمِيعُ مَعارِفُ عَلى ما تَقَرَّرَ أوْ أبِدالٌّ؛ لِأنَّ المَعْطُوفَ عَلى البَدَلِ بَدَلٌ لِتَنْكِيرِ الجَمِيعِ. أوْ ﴿غافِرِ﴾ و(قابِلِ) وصْفانِ، و(شَدِيدِ) بَدَلٌ لِمَعْرِفَةٍ ذَيْنِكَ وتَنْكِيرِ (شَدِيدِ) . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): ما بالُ الواوِ في قَوْلِهِ: ﴿وقابِلِ التَّوْبِ﴾ ؟ (قُلْتُ): فِيها نُكْتَةٌ جَلِيلَةٌ (p-٤٤٩)وهِيَ إفادَةُ الجَمْعِ لِلْمُذْنِبِ التّائِبِ بَيْنَ رَحْمَتَيْنِ، بَيْنَ أنْ يَقْبَلَ تَوْبَتَهُ فَيَكْتُبَها لَهُ طاعَةً مِنَ الطّاعاتِ، وأنْ يَجْعَلَها مَحّاءَةً لِلذُّنُوبِ، كَأنْ لَمْ يُذْنِبْ، كَأنَّهُ قالَ: جامِعُ المَغْفِرَةِ والقَبُولِ. انْتَهى. وما أكْثَرَ تَلَمُّحَ هَذا الرَّجُلِ وشَقْشَقَتَهُ، والَّذِي أفادَ أنَّ الواوَ لِلْجَمْعِ، وهَذا مَعْرُوفٌ مِنَ ظاهِرِ عِلْمِ النَّحْوِ. وقالَ صاحِبُ الغُنْيانِ: وإنَّما عَطَفَ لِاجْتِماعِهِما وتَلازُمِهِما وعَدَمِ انْفِكاكِ أحَدِهِما عَنِ الآخَرِ. وقُطِعَ ﴿شَدِيدِ العِقابِ﴾ عَنْهُما فَلَمْ يُعْطَفْ لِانْفِرادِهِ. انْتَهى، وهي نَزْغَةٌ اعْتِزالِيَّةٌ. ومَذْهَبُ أهْلِ السُّنَّةِ جَوازُ غُفْرانِ اللَّهِ لِلْعاصِي، وإنْ لَمْ يَتُبْ إلّا الشِّرْكَ. والتَّوْبُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ كالذَّنْبِ، اسْمَ جِنْسٍ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ تَوْبَةٍ، كَبَشْرٍ وبَشْرَةٍ، وساعٍ وساعَةٍ. والظّاهِرُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وقابِلِ التَّوْبِ﴾ أنَّ تَوْبَةَ العاصِي بِغَيْرِ الكُفْرِ، كَتَوْبَةِ العاصِي بِالكُفْرِ مَقْطُوعٌ بِقَبُولِها. وذَكَرُوا في القَطْعِ بِقَبُولِ تَوْبَةِ العاصِي قَوْلَيْنِ لِأهْلِ السُّنَّةِ. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى شِدَّةَ عِقابِهِ أرْدَفَهُ بِما يُطْمِعُ في رَحْمَتِهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿ذِي الطَّوْلِ﴾، فَجاءَ ذَلِكَ وعِيدًا اكْتَنَفَهُ وعْدانِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الطَّوْلُ: السَّعَةُ والغِنى؛ وقالَ قَتادَةُ: النِّعَمُ؛ وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: القُدْرَةُ، وقَوْلُهُ: طَوْلُهُ تَضْعِيفُ حَسَناتِ أوْلِيائِهِ، وعَفْوُهُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ. ولَمّا ذَكَرَ جُمْلَةً مِن صِفاتِهِ العُلا الذّاتِيَّةِ والفِعْلِيَّةِ، ذَكَرَ أنَّهُ المُنْفَرِدُ بِالأُلُوهِيَّةِ، المَرْجُوعُ إلَيْهِ في الحَشْرِ؛ ثُمَّ ذَكَرَ حالَ مَن جادَلَ في الكِتابِ، وأتْبَعَ بِذِكْرِ الطّائِعِينَ مِن مَلائِكَتِهِ وصالِحِي عِبادِهِ فَقالَ: ﴿ما يُجادِلُ في آياتِ اللَّهِ إلّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، وجِدالُهم فِيها قَوْلُهم: مَرَّةً سِحْرٌ، ومَرَّةً شِعْرٌ، ومَرَّةً أساطِيرُ الأوَّلِينَ، ومَرَّةً إنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ، فَهو جِدالٌ بِالباطِلِ، وقَدْ دَلَّ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وجادَلُوا بِالباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الحَقَّ﴾ . وقالَ السُّدِّيُّ: ما يُجادِلُ أيْ: ما يُمارِي. وقالَ ابْنُ سَلامٍ: ما يَجْحَدُ. وقالَ أبُو العالِيَةِ: نَزَلَتْ في الحارِثِ بْنِ قَيْسٍ، أحَدُ المُسْتَهْزِئِينَ. وأمّا ما يَقَعُ بَيْنَ أهْلِ العِلْمِ مِنَ النَّظَرِ فِيها، واسْتِيضاحِ مَعانِيها، واسْتِنْباطِ الأحْكامِ والعَقائِدِ مِنها، ومُقارَعَةِ أهْلِ البِدَعِ بِها، فَذَلِكَ فِيهِ الثَّوابُ الجَزِيلُ. ثُمَّ نَهى السّامِعَ أنْ يَغْتَرَّ بِتَقَلُّبِ هَؤُلاءِ الكُفّارِ في البِلادِ وتَصَرُّفاتِهِمْ فِيها، بِما أمْلَيْتُ لَهم مِنَ المَساكِنِ والمَزارِعِ والمَمالِكِ والتِّجاراتِ والمَكاسِبِ، وكانَتْ قُرَيْشُ تَتَّجِرُ في الشَّأْمِ واليَمَنِ؛ فَإنَّ ذَلِكَ وبالٌ عَلَيْهِمْ وسَبَبٌ في إهْلاكِهِمْ، كَما هَلَكَ مَن كانَ قَبْلَهم مِن مُكَذِّبِي الرُّسُلِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فَلا يَغْرُرْكَ﴾، بِالفَكِّ، وهي لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: فَلا يَغُرَّكَ، بِالإدْغامِ مَفْتُوحَ الرّاءِ، وهي لُغَةُ تَمِيمٍ. ولَمّا كانَ جِدالُ الكُفّارِ ناشِئًا عَنْ تَكْذِيبِ ما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن آياتِ اللَّهِ، ذَكَرَ مَن كَذَّبَ قَبْلَهم مِنَ الأُمَمِ السّالِفَةِ، وما صارَ إلَيْهِ حالُهم مِن حُلُولِ نَقْماتِ اللَّهِ بِهِمْ، لِيَرْتَدِعَ بِهِمْ كَفّارُ مَن بُعِثَ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلَيْهِمْ؛ فَبَدَأ بِقَوْمِ نُوحٍ، إذْ كانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أوَّلَ رَسُولٍ في الأرْضِ، وعَطَفَ عَلى قَوْمِهِ الأحْزابَ، وهُمُ الَّذِينَ تَحَزَّبُوا عَلى الرُّسُلِ. ولَمْ يَقْبَلُوا ما جاءُوا بِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ، ومِنهم: عادٌ وثَمُودُ وفِرْعَوْنُ وأتْباعُهُ. وقَدَّمَ الهَمَّ بِالأخْذِ عَلى الجِدالِ بِالباطِلِ؛ لِأنَّ الرُّسُلَ لَمّا عَصَمَهُمُ اللَّهُ مِنهم أنْ يَقْتُلُوهم رَجَعُوا إلى الجِدالِ بِالباطِلِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿بِرَسُولِهِمْ﴾؛ وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ (بِرَسُولِها) عادَ الضَّمِيرُ إلى لَفْظِ أُمَّةٍ. ﴿لِيَأْخُذُوهُ﴾: لِيَتَمَكَّنُوا مِنهُ بِحَبْسٍ أوْ تَعْذِيبٍ أوْ قَتْلٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لِيَأْخُذُوهُ: لِيَمْلِكُوهُ، وأنْشَدَ قُطْرُبٌ: ؎فَإمّا تَأْخُذُونِي تَقْتُلُونِي ∗∗∗ فَكَمْ مِن آخِذٍ يَهْوى خُلُودِي ويُقالُ لِلْقَتِيلِ والأسِيرِ: أخِيذٌ. وقالَ قَتادَةُ: ﴿لِيَأْخُذُوهُ﴾: لِيَقْتُلُوهُ، عَبَّرَ عَنِ المُسَبَّبِ بِالسَّبَبِ. ﴿وجادَلُوا بِالباطِلِ﴾ أيْ: بِما هو مُضْمَحِلٌّ ذاهِبٌ لا ثَباتَ لَهُ. وقِيلَ: الباطِلُ: الكُفْرُ. وقِيلَ: الشَّيْطانُ. وقِيلَ: بِقَوْلِهِمْ: ﴿ما أنْتُمْ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا﴾ [يس: ١٥] . ﴿لِيُدْحِضُوا﴾: لِيُزْلِقُوا، ﴿بِهِ الحَقَّ﴾ أيِ: الثّابِتَ الصِّدْقِ. (فَأخَذْتُهم)، فَأهْلَكْتُهم. ﴿فَكَيْفَ كانَ عِقابِ﴾ إيّاهم، اسْتِفْهامُ تَعْجِيبٍ مِنَ اسْتِئْصالِهِمْ، واسْتِعْظامٍ لِما حَلَّ بِهِمْ، ولَيْسَ اسْتِفْهامًا عَنْ كَيْفِيَّةِ (p-٤٥٠)عِقابِهِمْ، وكانُوا يَمُرُّونَ عَلى مَساكِنِهِمْ ويَرَوْنَ آثارَ نِعْمَةِ اللَّهِ فِيهِمْ؛ واجْتَزَأ بِالكَسْرِ عَنْ ياءِ الإضافَةِ؛ لِأنَّها فاصِلَةٌ، والأصْلُ عِقابِي. ﴿وكَذَلِكَ حَقَّتْ﴾ أيْ: مِثْلُ ذَلِكَ الوُجُوبِ مِن عِقابِهِمْ وجَبَ عَلى الكَفَرَةِ، كَوْنِهِمْ مِن أصْحابِ النّارِ، مَن تَقَدَّمَ مِنهم ومَن تَأخَّرُوا. (أنَّهم): بَدَلٌ مِن ﴿كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾، فَهي في مَوْضِعِ رَفْعٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ لِأنَّهم وحُذِفَ لامُ العِلَّةِ. والمَعْنى: كَما وجَبَ إهْلاكُ أُولَئِكَ الأُمَمِ، وجَبَ إهْلاكُ هَؤُلاءِ؛ لِأنَّ المُوجِبَ لِإهْلاكِهِمْ وصْفٌ جامِعٌ لَهم، وهو كَوْنُهم مِن أصْحابِ النّارِ. وفِي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ: (وكَذَلِكَ سَبَقَتْ)، وهو تَفْسِيرُ مَعْنًى، لا قِراءَةٌ. وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزَ، وشَيْبَةُ، وابْنُ القَعْقاعِ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: كَلِماتٌ عَلى الجَمْعِ؛ وأبُو رَجاءٍ، وقَتادَةُ، وباقِي السَّبْعَةِ: عَلى الإفْرادِ.

غافر 40:7

﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ ومَن حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ويُؤْمِنُونَ بِهِ ويَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا وسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وعِلْمًا فاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا واتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وقِهِمْ عَذابَ الجَحِيمِ﴾ ﴿رَبَّنا وأدْخِلْهم جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وعَدْتَهم ومَن صَلَحَ مِن آبائِهِمْ وأزْواجِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ﴿وقِهِمُ السَّيِّئاتِ ومَن تَقِ السَّيِّئاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أكْبَرُ مِن مَقْتِكم أنْفُسَكم إذْ تُدْعَوْنَ إلى الإيمانِ فَتَكْفُرُونَ﴾ ﴿قالُوا رَبَّنا أمَتَّنا اثْنَتَيْنِ وأحْيَيْتَنا اثْنَتَيْنِ فاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا فَهَلْ إلى خُرُوجٍ مِن سَبِيلٍ﴾ ﴿ذَلِكم بِأنَّهُ إذا دُعِيَ اللَّهُ وحْدَهُ كَفَرْتُمْ وإنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فالحُكْمُ لِلَّهِ العَلِيِّ الكَبِيرِ﴾ ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكم آياتِهِ ويُنَزِّلُ لَكم مِنَ السَّماءِ رِزْقًا وما يَتَذَكَّرُ إلّا مَن يُنِيبُ﴾ . لَمّا ذَكَرَ جِدالَ الكُفّارِ في آياتِ اللَّهِ وعِصْيانَهم، ذَكَرَ طاعَةَ هَؤُلاءِ المُصْطَفَيْنَ مِن خَلْقِهِ، وهم حَمَلَةُ العَرْشِ، ﴿ومَن حَوْلَهُ﴾، وهم (p-٤٥١)الحافُّونَ بِهِ مِنَ المَلائِكَةِ. وذَكَرُوا مِن وصْفِ تِلْكَ الحَمَلَةِ وعِظَمِ خَلْقِهِمْ، ووَصْفِ العَرْشِ، ومِن أيِّ شَيْءٍ خُلِقَ، والحُجُبِ السَّبْعِينِيّاتِ الَّتِي اخْتَلَفَتْ أجْناسُها، قالُوا: احْتَجَبَ اللَّهُ عَنِ العَرْشِ وعَنْ حامِلِيهِ، واللَّهُ أعْلَمُ بِهِ عَلى أنَّ قُدْرَتَهُ تَعالى مُحْتَمِلَةٌ لِكُلِّ ما ذَكَرُوهُ مِمّا لا يَقْتَضِي تَجْسِيمًا، لَكِنَّهُ يَحْتاجُ إلى نَقْلٍ صَحِيحٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (العَرْشَ) بِفَتْحِ العَيْنِ؛ وابْنُ عَبّاسٍ وفِرْقَةٌ: بِضَمِّها، كَأنَّهُ جَمْعُ عَرْشٍ، كَسَقْفٍ وسُقُفٍ، أوْ يَكُونُ لُغَةً في العَرْشِ. ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ أيْ: يُنَزِّهُونَهُ عَنْ جَمِيعِ النَّقائِصِ، ﴿بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾: بِالثَّناءِ عَلَيْهِ بِأنَّهُ المُنْعِمُ عَلى الإطْلاقِ. والتَّسْبِيحُ: إشارَةٌ إلى الإجْلالِ؛ والتَّحْمِيدُ: إشارَةٌ إلى الإكْرامِ، فَهو قَرِيبٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الجَلالِ والإكْرامِ﴾ [الرحمن: ٧٨]، ونَظِيرُهُ: ﴿وتَرى المَلائِكَةَ حافِّينَ مِن حَوْلِ العَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وقُضِيَ بَيْنَهم بِالحَقِّ﴾ [الزمر: ٧٥]؛ وقَوْلُهم: ونَحْنُ نَسَبَّحُ بِحَمْدِكَ. ﴿ويُؤْمِنُونَ﴾ أيْ: ويُصَدِّقُونَ بِوُجُودِهِ تَعالى، وبِما وصَفَ بِهِ نَفْسَهُ مِنَ صِفاتِهِ العُلا، وتَسْبِيحُهم إيّاهُ يَتَضَمَّنُ الإيمانَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): ما فائِدَةُ قَوْلِهِ: ﴿ويُؤْمِنُونَ بِهِ﴾، ولا يَخْفى عَلى أحَدٍ أنَّ حَمَلَةِ العَرْشِ ومَن حَوْلَهُ مِنَ المَلائِكَةِ الَّذِينَ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِهِ مُؤْمِنُونَ ؟ (قُلْتُ): فائِدَتُهُ إظْهارُ شَرَفِ الإيمانِ وفَضْلِهِ والتَّرْغِيبُ فِيهِ، كَما وصَفَ الأنْبِياءَ في غَيْرِ مَوْضِعٍ مِن كِتابِهِ بِالصَّلاحِ لِذَلِكَ، وكَما عَقَّبَ أعْمالَهَمُ الخَيْرَ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البلد: ١٧]، فَأبانَ بِذَلِكَ فَضْلَ الإيمانِ. وفائِدَةٌ أُخْرى، وهي التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ الأمْرَ لَوْ كانَ كَما تَقُولُ المُجَسِّمَةُ، لَكانَ حَمَلَةُ العَرْشِ ومَن حَوْلَهُ مُشاهِدِينَ مُعايِنِينَ، ولَما وُصِفُوا بِالإيمانِ؛ لِأنَّهُ إنَّما يُوصَفُ بِالإيمانِ الغائِبُ. ولَمّا وُصِفُوا بِهِ عَلى سَبِيلِ الثَّناءِ عَلَيْهِمْ، عُلِمَ أنَّ إيمانَهم وإيمانَ مَن في الأرْضِ وكُلِّ مَن غابَ عَنْ ذَلِكَ المَقامِ سَواءٌ في أنَّ إيمانَ الجَمِيعِ بِطَرِيقِ النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ لا غَيْرُ، وأنَّهُ لا طَرِيقَ إلى مَعْرِفَتِهِ إلّا هَذا، وأنَّهُ مُنَزَّهٌ عَنْ صِفاتِ الأجْرامِ. وقَدْ رُوعِيَ التَّناسُبُ في قَوْلِهِ: ﴿ويُؤْمِنُونَ بِهِ ويَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾، كَأنَّهُ قِيلَ: ويُؤْمِنُونَ ويَسْتَغْفِرُونَ لِمَن في مِثْلِ حالِهِمْ وصِفَتِهِمْ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الِاشْتِراكَ في الإيمانِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ أدْعى شَيْءٍ إلى النَّصِيحَةِ، وأبْعَثَهُ عَلى إمْحاضِ الشَّفَقَةِ، وإنْ تَفاوَتَتِ الأجْناسُ وتَباعَدَتِ الأماكِنُ، فَإنَّهُ لا تَجانُسَ بَيْنَ مَلَكٍ وإنْسانٍ، ولا بَيْنَ سَماءٍ وأرْضٍ قَطُّ، ثُمَّ لَمّا جاءَ جامِعُ الإيمانِ، جاءَ مَعَهُ التَّجانُسُ الكُلِّيُّ والتَّناسُبُ الحَقِيقِيُّ، حَتّى اسْتَغْفَرَ مَن حَوْلَ العَرْشِ لِمَن فَوْقَ الأرْضِ، قالَ تَعالى: ﴿ويَسْتَغْفِرُونَ لِمَن في الأرْضِ﴾ [الشورى: ٥] . انْتَهى، وهو كَلامٌ حَسَنٌ. إلّا أنَّ قَوْلَهُ: إنَّ إيمانَ الجَمِيعِ بِطَرِيقِ النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ لا غَيْرُ. فِيهِ نَظَرٌ، وقَوْلُهُ: ﴿ويَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ تَخْصِيصٌ لِعُمُومِ قَوْلِهِ: ﴿ويَسْتَغْفِرُونَ لِمَن في الأرْضِ﴾ [الشورى: ٥] . وقالَ مُطَرِّفُ بْنُ الشِّخِّيرِ: وجَدْنا أنْصَحَ العِبادِ لِلْعِبادِ المَلائِكَةَ، وأغَشَّ العِبادِ لِلْعِبادِ الشَّياطِينَ، وتَلا هَذِهِ الآيَةَ. انْتَهى. ويَنْبَغِي أنْ يُقالَ: أنْصَحُ العِبادِ لِلْعِبادِ الأنْبِياءُ والمَلائِكَةُ. ﴿رَبَّنا وسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وعِلْمًا﴾ أيْ: يَقُولُونَ: رَبَّنا واحْتَمَلَ هَذا المَحْذُوفُ بَيانًا لِيَسْتَغْفِرُونِ، فَيَكُونُ في مَحَلِّ رَفْعٍ، وأنْ يَكُونَ حالًا، فَيَكُونُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ. وكَثِيرًا ما جاءَ النِّداءُ بِلَفْظِ رَبَّنا، ورَبِّ، وفِيهِ اسْتِعْطافُ العَبْدِ لِمَوْلاهُ الَّذِي رَبّاهُ، وقامَ بِمَصالِحِهِ مِن لَدُنْ نَشْأتِهِ إلى وقْتِ نِدائِهِ، فَهو جَدِيرٌ بِأنْ لا يُنادِيَهُ إلّا بِلَفْظِ الرَّبِّ. وانْتَصَبَ ﴿رَحْمَةً وعِلْمًا﴾ عَلى التَّمْيِيزِ، والأصْلُ: وسِعَتْ رَحْمَتُكَ كُلَّ شَيْءٍ، وعِلْمُكَ كُلَّ شَيْءٍ؛ وأُسْنِدَ الوُسْعُ إلى صاحِبِها مُبالَغَةً، كَأنَّ ذاتَهُ هي الرَّحْمَةُ والعِلْمُ، وقَدْ وسِعَ كُلَّ شَيْءٍ. وقَدَّمَ الرَّحْمَةَ؛ لِأنَّهم بِها يَسْتَمْطِرُونَ إحْسانَهُ ويَتَوَسَّلُونَ بِها إلى حُصُولِ مَطْلُوبِهِمْ مِن سُؤالِ المَغْفِرَةِ. ولَمّا حَكى تَعالى عَنْهم كَيْفِيَّةَ ثَنائِهِمْ عَلَيْهِ، وأخْبَرَ بِاسْتِغْفارِهِمْ، وهو قَوْلُهم: ﴿فاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا واتَّبَعُوا سَبِيلَكَ﴾ . وطَلَبُ المَغْفِرَةِ نَتِيجَةُ الرَّحْمَةِ، ولِلَّذِينِ تابُوا يَتَضَمَّنُ أنَّكَ عَلِمْتَ تَوْبَتَهم، فَهُما راجِعانِ إلى قَوْلِهِ: ﴿رَحْمَةً وعِلْمًا﴾، و﴿واتَّبَعُوا سَبِيلَكَ﴾، وهي سَبِيلُ الحَقِّ الَّتِي نَهَجَتْها لِعِبادِكَ، ﴿إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ﴾: الَّذِي لا تُغالَبُ، (الحَكِيمُ): الَّذِي يَضَعُ الأشْياءَ مَواضِعَها الَّتِي (p-٤٥٢)تَلِيقُ بِها. ولَمّا كانَ طَلَبُ الغُفْرانِ يَتَضَمَّنُ إسْقاطَ العَذابِ، أرْدَفُوهُ بِالتَّضَرُّعِ بِوِقايَتِهِمُ العَذابَ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ والتَّأْكِيدِ، فَقالُوا: ﴿وقِهِمْ عَذابَ الجَحِيمِ﴾، وطَلَبُ المَغْفِرَةِ ووِقايَةُ العَذابِ لِلتّائِبِ الصّالِحِ، وقَدْ وعَدَ بِذَلِكَ الوَعْدِ الصّادِقِ بِمَنزِلَةِ الشَّفاعَةِ في زِيادَةِ الثَّوابِ والكَرامَةِ. ولَمّا سَألُوا إزالَةَ العِقابِ، سَألُوا اتِّصالَ الثَّوابِ، وكَرَّرَ الدُّعاءَ بِـ (رَبَّنا) فَقالُوا: ﴿رَبَّنا وأدْخِلْهم جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ . وقَرَأ الجُمْهُورُ: (جَنّاتِ) جَمْعًا؛ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، والأعْمَشُ: (جَنَّةَ عَدْنٍ) بِالإفْرادِ، وكَذا في مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في إعْرابِ (الَّتِي) في قَوْلِهِ: ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وعَدَ الرَّحْمَنُ عِبادَهُ بِالغَيْبِ﴾ [مريم: ٦١] في سُورَةِ مَرْيَمَ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ (صَلُحَ) بِضَمِّ اللّامِ، يُقالُ: صَلَحَ فَهو صَلِيحٌ وصَلُحَ فَهو صالِحٌ. وقَرَأ عِيسى (وذُرِّيَّتَهم) بِالإفْرادِ؛ والجُمْهُورُ بِالجَمْعِ. وعَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ في تَفْسِيرِ ذَلِكَ أنَّ الرَّجُلَ يَدْخُلُ الجَنَّةَ قَبْلَ قَرابَتِهِ فَيَقُولُ: أيْنَ أبِي ؟ أيْنَ أُمِّي ؟ أيْنَ ابْنِي ؟ أيْنَ زَوْجَتِي ؟ فَيَلْحَقُونَ بِهِ لِصَلاحِهِ ولِتَنْبِيهِهِ عَلَيْهِ وطَلَبِهِ إيّاهم، وهَذِهِ دَعْوَةُ المَلائِكَةِ. انْتَهى. وإذا كانَ الإنْسانُ في خَيْرٍ، ومَعَهُ عَشِيرَتُهُ وأهْلُهُ، كانَ أبْهَجَ عِنْدَهُ وأسَرَّ لِقَلْبِهِ. والظّاهِرُ عَطْفُ (ومَن) عَلى الضَّمِيرِ في ﴿وأدْخِلْهُمْ﴾، إذْ هُمُ المُحَدَّثُ عَنْهم والمَسْئُولُ لَهم. وقالَ الفَرّاءُ، والزَّجّاجُ: نَصْبُهُ مِن مَكانَيْنِ: إنْ شِئْتَ عَلى الضَّمِيرِ في ﴿وأدْخِلْهُمْ﴾، وإنْ شِئْتَ عَلى الضَّمِيرِ في ﴿وعَدْتَهُمْ﴾ . ﴿وقِهِمُ السَّيِّئاتِ﴾ أيِ: امْنَعْهم مِنَ الوُقُوعِ فِيها حَتّى لا يَتَرَتَّبَ عَلَيْها جَزاؤُها، أوْ وقِهِمْ جَزاءَ السَّيِّئاتِ الَّتِي اجْتَرَحُوها، فَحُذِفَ المُضافُ ولا تَكْرارَ في هَذا، وقَوْلُهُ: ﴿وقِهِمْ عَذابَ الجَحِيمِ﴾ لِعَدَمِ تَوافُقِ المَدْعُوِّ لَهم أنَّ الدُّعاءَ الأوَّلَ لِلَّذِينِ تابُوا، والثّانِي أنَّهُ لَهم ولِمَن صَلُحَ مِنَ المَذْكُورِينَ، أوْ لِاخْتِلافِ الدُّعاءَيْنِ إذا أُرِيدَ بِالسَّيِّئاتِ أنْفُسُهم، فَذَلِكَ وِقايَةُ عَذابِ الجَحِيمِ، وهَذا وِقايَةُ الوُقُوعِ في السَّيِّئاتِ. والتَّنْوِينُ في (يَوْمَئِذٍ) تَنْوِينُ العِوَضِ، والمَحْذُوفُ جُمْلَةٌ عُوِّضَ مِنها التَّنْوِينُ، ولَمْ تَتَقَدَّمْ جُمْلَةٌ يَكُونُ التَّنْوِينُ عِوَضًا مِنها، كَقَوْلِهِ: ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ﴾ [الواقعة: ٨٣]، ﴿وأنْتُمْ حِينَئِذٍ﴾ [الواقعة: ٨٤] أيْ: حِينَ إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ، فَلا بُدَّ مِنَ تَقْدِيرِ جُمْلَةٍ يَكُونُ التَّنْوِينُ عِوَضًا مِنها كَقَوْلِهِ، يَدُلُّ عَلَيْها مَعْنى الكَلامِ، وهي ﴿ومَن تَقِ السَّيِّئاتِ﴾ أيْ: جَزاءَها يَوْمَ إذْ يُؤاخَذُ بِها ﴿فَقَدْ رَحِمْتَهُ﴾ . ولَمْ يَتَعَرَّضْ أحَدٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ الَّذِينَ وقَفْنا عَلى كَلامِهِمْ في الآيَةِ لِلْجُمْلَةِ الَّتِي عُوِّضَ مِنها التَّنْوِينُ في (يَوْمَئِذٍ) وذَلِكَ إشارَةٌ إلى الغُفْرانِ، ودُخُولِ الجَنَّةِ، ووِقايَةُ العَذابِ هو الفَوْزُ بِالظَّفَرِ العَظِيمِ الَّذِي عَظُمَ خَطَرُهُ وجَلَّ صُنْعُهُ. ولَمّا ذَكَرَ شَيْئًا مِن أحْوالِ المُؤْمِنِينَ، وذَكَرَ شَيْئًا مِن أحْوالِ الكافِرِينَ، وما يَجْرِي لَهم في الآخِرَةِ مِنَ اعْتِرافِهِمْ بِذُنُوبِهِمْ، واسْتِحْقاقِهِمُ العَذابَ، وسُؤالِهِمُ الرُّجُوعَ إلى الدُّنْيا. ونِداؤُهم، قالَ السُّدِّيُّ: في النّارِ. وقالَ قَتادَةُ: يَوْمَ القِيامَةِ، والمُنادُونَ لَهُمُ الزَّبانِيَةُ عَلى جِهَةِ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ. واللّامُ في ﴿لَمَقْتُ﴾ لامُ الِابْتِداءِ ولامُ القَسَمِ، ومَقْتُ مَصْدَرٌ مُضافٌ إلى الفاعِلِ، التَّقْدِيرُ: لَمَقْتُ اللَّهِ إيّاكم، أوْ لَمَقْتُ اللَّهِ أنْفُسَكم، وحُذِفَ المَفْعُولُ لِدَلالَةِ ما بَعْدَهُ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ: ﴿أكْبَرُ مِن مَقْتِكم أنْفُسَكُمْ﴾ . والظّاهِرُ أنَّ مَقْتَ اللَّهِ إيّاهم هو في الدُّنْيا، ويَضْعُفُ أنْ يَكُونَ في الآخِرَةِ، كَما قالَ بَعْضُهم لِبَقاءِ (إذْ تُدْعَوْنَ)، مُفْلَتًا مِنَ الكَلامِ، لِكَوْنِهِ لَيْسَ لَهُ عامِلٌ تَقَدَّمَ، ولا مُفَسِّرٌ لِعامِلٍ. فَإذا كانَ المَقْتُ السّابِقُ في الدُّنْيا، أمْكَنَ أنْ يُضْمِرَ لَهُ عامِلٌ تَقْدِيرُهُ: مَقْتُكم إذْ تُدْعَوْنَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (وإذْ تُدْعَوْنَ) مَنصُوبٌ بِالمَقْتِ الأوَّلِ، والمَعْنى: أنَّهُ يُقالُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ: إنِ اللَّهَ مَقَتَ أنْفُسَكُمُ الأمّارَةَ بِالسُّوءِ والكُفْرِ حِينَ كانَ الأنْبِياءُ يَدْعُونَكم إلى الإيمانِ، فَتَأْبَوْنَ قُبُولَهُ وتَخْتارُونَ عَلَيْهِ الكُفْرَ، أشَدُّ مِمّا تَمْقُتُونَهُنَّ اليَوْمَ وأنْتُمْ في النّارِ، إذْ أوْقَعْتُكم فِيها بِاتِّباعِكم هَواهُنَّ. انْتَهى، وفِيهِ دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ. وأخْطَأ في قَوْلِهِ: (إذْ تُدْعَوْنَ) مَنصُوبٌ بِالمَقْتِ الأوَّلِ؛ لِأنَّ المَقْتَ مَصْدَرٌ، ومَعْمُولُهُ مِن صِلَتِهِ، ولا يَجُوزُ أنْ يُخْبِرَ عَنْهُ إلّا بَعْدَ اسْتِيفائِهِ صِلَتَهُ، وقَدْ أخْبَرَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أكْبَرُ مِن مَقْتِكم أنْفُسَكُمْ﴾، وهَذا مِن ظَواهِرِ عِلْمِ النَّحْوِ الَّتِي لا تَكادُ تَخْفى عَلى المُبْتَدِئِينَ، (p-٤٥٣)فَضْلًا عَمّا تَدَّعِي العَجَمُ أنَّهُ في العَرَبِيَّةِ شَيْخُ العَرَبِ والعَجَمِ. ولَمّا كانَ الفَصْلُ بَيْنَ المَصْدَرِ ومَعْمُولِهِ بِالخَبَرِ لا يَجُوزُ، قَدَّرْنا العامِلَ فِيهِ مُضْمَرًا، أيْ: مَقْتُكم إذْ تُدْعَوْنَ، وشَبِيهُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ﴾ [الطارق: ٨] . قَدَّرُوا العامِلَ بِرَجْعِهِ ﴿يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ﴾ [الطارق: ٩] لِلْفَصْلِ بِـ ﴿لَقادِرٌ﴾ [الطارق: ٨] بَيْنَ المَصْدَرِ ويَوْمَ. واخْتِلافُ زَمانَيِ المَقْتَيْنِ الأوَّلُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ هو قَوْلُ مُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، وابْنِ زَيْدٍ والأكْثَرِينَ. وتَقَدَّمَ لَنا أنَّ مِنهم مَن قالَ في الآخِرَةِ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وعَنِ الحَسَنِ لَمّا رَأوْا أعْمالَهُمُ الخَبِيثَةَ مَقَتُوا أنْفُسَهم فَنُودُوا: ﴿لَمَقْتُ اللَّهِ﴾ . وقِيلَ: مَعْناهُ لَمَقْتُ اللَّهِ إيّاكُمُ الآنَ أكْبَرُ مِن مَقْتِ بَعْضِكم لِبَعْضٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَكْفُرُ بَعْضُكم بِبَعْضٍ ويَلْعَنُ بَعْضُكم بَعْضًا﴾ [العنكبوت: ٢٥]، و(إذْ تُدْعَوْنَ) تَعْلِيلٌ. انْتَهى. وكانَ قَوْلُهُ: (إذْ تُدْعَوْنَ) تَعْلِيلٌ مِن كَلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ. وقالَ قَوْمٌ: (إذْ تُدْعَوْنَ) مَعْمُولٌ، لِـ ”اذْكُرْ“ مَحْذُوفَةٍ، ويَتَّجِهُ ذَلِكَ عَلى أنْ يَكُونَ مَقْتُ اللَّهِ إيّاهم في الآخِرَةِ، عَلى قَوْلِ الحَسَنِ، قِيلَ لَهم ذَلِكَ تَوْبِيخًا وتَقْرِيعًا وتَنْبِيهًا عَلى ما فاتَهم مِنَ الإيمانِ والثَّوابِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: مِن مَقْتِ أنْفُسِكم، أنْ كُلَّ واحِدٍ يَمْقُتُ نَفْسَهُ، أوْ أنْ بَعْضَكم يَمْقُتُ بَعْضًا، كَما قِيلَ: إنَّ الأتْباعَ يَمْقُتُونَ الرُّؤَساءَ لِما ورَّطُوهم فِيهِ مِنَ الكُفْرِ، والرُّؤَساءُ يَمْقُتُونَ الأتْباعَ. وقِيلَ: يَمْقُتُونَ أنْفُسَهم حِينَ قالَ لَهُمُ الشَّيْطانُ: ﴿فَلا تَلُومُونِي ولُومُوا أنْفُسَكُمْ﴾ [إبراهيم: ٢٢]، والمَقْتُ أشَدُّ البُغْضِ، وهو مُسْتَحِيلٌ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى، فَمَعْناهُ: الإنْكارُ والزَّجْرُ. ﴿قالُوا رَبَّنا أمَتَّنا اثْنَتَيْنِ﴾: وجْهُ اتِّصالِ هَذِهِ بِما قَبْلَها أنَّهم كانُوا يُنْكِرُونَ البَعْثَ، وعَظَّمَ مَقْتَهم أنْفُسَهم هَذا الإنْكارُ، فَلَمّا مَقَتُوا أنْفُسَهم، ورَأوْا حُزْنًا طَوِيلًا رَجَعُوا إلى الإقْرارِ بِالبَعْثِ، فَأقَرُّوا أنَّهُ تَعالى أماتَهُمُ اثْنَتَيْنِ وأحْياهُمُ اثْنَتَيْنِ تَعْظِيمًا لِقُدْرَتِهِ وتَوَسُّلًا إلى رِضاهُ، ثُمَّ أطْمَعُوا أنْفُسَهم بِالِاعْتِرافِ بِالذُّنُوبِ أنْ يُرَدُّوا إلى الدُّنْيا، أيْ: إنْ رَجَعْنا إلى الدُّنْيا ودُعِينا لِلْإيمانِ بادَرْنا إلَيْهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ، وأبُو مالِكٍ: مَوْتُهم كَوْنُهم ماءً في الأصْلابِ، ثُمَّ إحْياؤُهم في الدُّنْيا، ثُمَّ مَوْتُهم فِيها، ثُمَّ إحْياؤُهم يَوْمَ القِيامَةِ. وقالَ السُّدِّيُّ: إحْياؤُهم في الدُّنْيا، ثُمَّ إماتَتُهم فِيها، ثُمَّ إحْياؤُهم في القَبْرِ لِسُؤالِ المَلَكَيْنِ، ثُمَّ إماتَتُهم فِيهِ، ثُمَّ إحْياؤُهم في الحَشْرِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: إحْياؤُهم نَسَمًا عِنْدَ أخْذِ العَهْدِ عَلَيْهِمْ مِن صُلْبِ آدَمَ، ثُمَّ إماتَتُهم بَعْدُ، ثُمَّ إحْياؤُهم في الدُّنْيا، ثُمَّ إماتَتُهم، ثُمَّ إحْياؤُهم، فَعَلى هَذا والَّذِي قَبْلَهُ تَكُونُ ثَلاثَةَ إحْياءاتٍ، وهو خِلافُ القُرْآنِ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: الكافِرُ في الدُّنْيا حَيُّ الجَسَدِ، مَيِّتُ القَلْبِ، فاعْتُبِرَتِ الحالَتانِ، ثُمَّ إماتَتُهم حَقِيقَةً، ثُمَّ إحْياؤُهم في البَعْثِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في أوَّلِ البَقَرَةِ عَلى الإماتَتَيْنِ والإحْياءَيْنِ في قَوْلِهِ: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وكُنْتُمْ أمْواتًا﴾ [البقرة: ٢٨] الآيَةَ، وكَرَّرْنا ذَلِكَ هُنا لِبُعْدِ ما بَيْنَ المَوْضِعَيْنِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): كَيْفَ صَحَّ أنْ يُسَمِّيَ (خَلَقَهم أمْواتًا) إماتَةً ؟ (قُلْتُ): كَما صَحَّ: سُبْحانَ مِن صَغَّرَ جِسْمَ البَعُوضَةِ وكَبَّرَ جِسْمَ الفِيلِ، وقَوْلُكُ لِلْحَفّارِ ضَيِّقْ فَمَ الرَّكِيَّةِ ووَسِّعْ أسْفَلَها، ولَيْسَ ثَمَّ نَقْلٌ مِن كِبَرٍ إلى صِغَرٍ، ولا مِن صِغَرٍ إلى كِبَرٍ، ولا مِن ضِيقٍ إلى سِعَةٍ، ولا مِن سِعَةٍ إلى ضِيقٍ، وإنَّما أرَدْتَ الإنْشاءَ عَلى تِلْكَ الصِّفاتِ. والسَّبَبُ في صِحَّتِهِ أنَّ الصِّغَرَ والكِبَرَ جائِزانِ مَعًا عَلى المَصْنُوعِ الواحِدِ مِن غَيْرِ تَرْجِيحٍ لِأحَدِهِما، وكَذَلِكَ الضِّيقُ والسِّعَةُ، فَإذا اخْتارَ الصّانِعُ أحَدَ الجائِزَيْنِ، وهو مُتَمَكِّنٌ مِنهُما عَلى السَّواءِ، فَقَدْ صَرَفَ المَصْنُوعَ إلى الجائِزِ الآخَرِ، فَجَعَلَ صَرْفَهُ عَنْهُ كَنَقْلِهِ مِنهُ. انْتَهى. يَعْنِي أنَّ (خَلَقَهم أمْواتًا) كَأنَّهُ نَقْلٌ مِنَ الحَياةِ، وهو الجائِزُ الآخَرُ. وظاهِرُ ﴿فاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا﴾ أنَّهُ مُتَسَبِّبٌ عَنْ قُبُولِهِمْ. ﴿قالُوا رَبَّنا أمَتَّنا اثْنَتَيْنِ وأحْيَيْتَنا اثْنَتَيْنِ﴾ وثَمَّ مَحْذُوفٌ، أيْ: فَعَرَفْنا قُدْرَتَكَ عَلى الإماتَةِ والإحْياءِ، وزالَ إنْكارُنا لِلْبَعْثِ، ﴿فاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا﴾ السّابِقَةِ مِن إنْكارِ البَعْثِ وغَيْرِهِ. ﴿فَهَلْ إلى خُرُوجٍ﴾ أيْ: سَرِيعٍ أوْ بَطِيءٍ مِنَ النّارِ، ﴿مِن سَبِيلٍ﴾: وهَذا سُؤالُ مَن يَئِسَ مِنَ الخُرُوجِ، ولَكِنَّهُ تَعَلَّلٌ وتَحَيَّرٌ. (ذَلِكم): الظّاهِرُ أنَّ الخِطابَ لِلْكُفّارِ في الآخِرَةِ، (p-٤٥٤)والإشارَةُ إلى العَذابِ الَّذِي هم فِيهِ، أوْ إلى مَقْتِهِمْ أنْفُسَهم، أوْ إلى المَنعِ مِنَ الخُرُوجِ والزَّجْرِ والإهانَةِ، احْتِمالاتٌ مَقُولَةٌ. وقِيلَ: الخِطابُ لِمُحاضِرِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، والضَّمِيرُ في (فَإنَّهُ) ضَمِيرُ الشَّأْنِ. ﴿إذا دُعِيَ اللَّهُ وحْدَهُ﴾ أيْ: إذا أُفْرِدَ بِالإلَهِيَّةِ ونُفِيَتْ عَنْ سِواهُ، ﴿كَفَرْتُمْ وإنْ يُشْرَكْ بِهِ﴾ أيْ: ذُكِرَتِ اللّاتُ والعُزّى وأمْثالُهُما مِنَ الأصْنامِ، صَدَّقْتُمْ بِأُلُوهِيَّتِها وسَكَنَتْ نُفُوسُكم إلَيْها. ﴿فالحُكْمُ﴾ بِعَذابِكم، (لِلَّهِ)، لا لِتِلْكَ الأصْنامِ الَّتِي أشْرَكْتُمُوها مَعَ اللَّهِ، (العَلِيِّ) عَنِ الشِّرْكِ، (الكَبِيرِ): العَظِيمِ الكِبْرِياءِ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: لِأهْلِ النّارِ خَمْسُ دَعَواتٍ، يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ في الأرْبَعَةِ، فَإذا كانَتِ الخامِسَةُ سَكَتُوا. ﴿قالُوا رَبَّنا أمَتَّنا اثْنَتَيْنِ﴾ الآيَةَ، وفي إبْراهِيمَ: ﴿رَبَّنا أخِّرْنا﴾ [إبراهيم: ٤٤] الآيَةَ، وفي السَّجْدَةِ: ﴿رَبَّنا أبْصَرْنا﴾ [السجدة: ١٢] الآيَةَ، وفي فاطِرٍ: ﴿رَبَّنا أخْرِجْنا﴾ [فاطر: ٣٧] الآيَةَ، وفي المُؤْمِنُونَ: ﴿رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا﴾ [المؤمنون: ١٠٦] الآيَةَ، فَراجَعَهُمُ ﴿اخْسَئُوا فِيها ولا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] قالَ: فَكانَ آخِرُ كَلامِهِمْ ذَلِكَ. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى ما يُوجِبُ التَّهْدِيدَ الشَّدِيدَ في حَقِّ المُشْرِكِينَ، أرْدَفَهُ بِذِكْرِ ما يَدُلُّ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ وحِكْمَتِهِ، لَيَصِيرَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ جَعْلُ الأحْجارِ المَنحُوتَةِ والخُشُبِ المَعْبُودَةِ شُرَكاءَ لِلَّهِ، فَقالَ: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكم آياتِهِ﴾ أيُّها النّاسُ، ويَشْمَلُ آياتِ قُدْرَتِهِ مِنَ الرِّيحِ والسَّحابِ والرَّعْدِ والبَرْقِ والصَّواعِقِ ونَحْوِها مِنَ الآثارِ العُلْوِيَّةِ، وآياتِ كِتابِهِ المُشْتَمِلِ عَلى الأوَّلِينَ والآخَرِينَ، وآياتِ الإعْجازِ عَلى أيْدِي رُسُلِهِ. وهَذِهِ الآياتُ راجِعَةٌ إلى نُورِ العَقْلِ الدّاعِي إلى تَوْحِيدِ اللَّهِ. ثُمَّ قالَ: ﴿ويُنَزِّلُ لَكم مِنَ السَّماءِ رِزْقًا﴾، وهو المَطَرُ الَّذِي هو سَبَبُ قِوامِ بِنْيَةِ البَدَنِ، فَتِلْكَ الآياتُ لِلْأدْيانِ كَهَذا الرِّزْقِ لِلْأبْدانِ. ﴿وما يَتَذَكَّرُ﴾ أيْ: يَتَّعِظُ ويَعْتَبِرُ، وجَعَلَهُ تَذَكُّرًا؛ لِأنَّهُ مَرْكُوزٌ في العُقُولِ دَلائِلُ التَّوْحِيدِ، ثُمَّ قَدْ يَعْرِضُ الِاشْتِغالُ بِعِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ فَيَمْنَعُ مِن تَجَلِّي نُورِ العَقْلِ، فَإذا تابَ إلى اللَّهِ تَذَكَّرَ.

غافر 40:8

﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ ومَن حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ويُؤْمِنُونَ بِهِ ويَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا وسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وعِلْمًا فاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا واتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وقِهِمْ عَذابَ الجَحِيمِ﴾ ﴿رَبَّنا وأدْخِلْهم جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وعَدْتَهم ومَن صَلَحَ مِن آبائِهِمْ وأزْواجِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ﴿وقِهِمُ السَّيِّئاتِ ومَن تَقِ السَّيِّئاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أكْبَرُ مِن مَقْتِكم أنْفُسَكم إذْ تُدْعَوْنَ إلى الإيمانِ فَتَكْفُرُونَ﴾ ﴿قالُوا رَبَّنا أمَتَّنا اثْنَتَيْنِ وأحْيَيْتَنا اثْنَتَيْنِ فاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا فَهَلْ إلى خُرُوجٍ مِن سَبِيلٍ﴾ ﴿ذَلِكم بِأنَّهُ إذا دُعِيَ اللَّهُ وحْدَهُ كَفَرْتُمْ وإنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فالحُكْمُ لِلَّهِ العَلِيِّ الكَبِيرِ﴾ ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكم آياتِهِ ويُنَزِّلُ لَكم مِنَ السَّماءِ رِزْقًا وما يَتَذَكَّرُ إلّا مَن يُنِيبُ﴾ . لَمّا ذَكَرَ جِدالَ الكُفّارِ في آياتِ اللَّهِ وعِصْيانَهم، ذَكَرَ طاعَةَ هَؤُلاءِ المُصْطَفَيْنَ مِن خَلْقِهِ، وهم حَمَلَةُ العَرْشِ، ﴿ومَن حَوْلَهُ﴾، وهم (p-٤٥١)الحافُّونَ بِهِ مِنَ المَلائِكَةِ. وذَكَرُوا مِن وصْفِ تِلْكَ الحَمَلَةِ وعِظَمِ خَلْقِهِمْ، ووَصْفِ العَرْشِ، ومِن أيِّ شَيْءٍ خُلِقَ، والحُجُبِ السَّبْعِينِيّاتِ الَّتِي اخْتَلَفَتْ أجْناسُها، قالُوا: احْتَجَبَ اللَّهُ عَنِ العَرْشِ وعَنْ حامِلِيهِ، واللَّهُ أعْلَمُ بِهِ عَلى أنَّ قُدْرَتَهُ تَعالى مُحْتَمِلَةٌ لِكُلِّ ما ذَكَرُوهُ مِمّا لا يَقْتَضِي تَجْسِيمًا، لَكِنَّهُ يَحْتاجُ إلى نَقْلٍ صَحِيحٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (العَرْشَ) بِفَتْحِ العَيْنِ؛ وابْنُ عَبّاسٍ وفِرْقَةٌ: بِضَمِّها، كَأنَّهُ جَمْعُ عَرْشٍ، كَسَقْفٍ وسُقُفٍ، أوْ يَكُونُ لُغَةً في العَرْشِ. ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ أيْ: يُنَزِّهُونَهُ عَنْ جَمِيعِ النَّقائِصِ، ﴿بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾: بِالثَّناءِ عَلَيْهِ بِأنَّهُ المُنْعِمُ عَلى الإطْلاقِ. والتَّسْبِيحُ: إشارَةٌ إلى الإجْلالِ؛ والتَّحْمِيدُ: إشارَةٌ إلى الإكْرامِ، فَهو قَرِيبٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الجَلالِ والإكْرامِ﴾ [الرحمن: ٧٨]، ونَظِيرُهُ: ﴿وتَرى المَلائِكَةَ حافِّينَ مِن حَوْلِ العَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وقُضِيَ بَيْنَهم بِالحَقِّ﴾ [الزمر: ٧٥]؛ وقَوْلُهم: ونَحْنُ نَسَبَّحُ بِحَمْدِكَ. ﴿ويُؤْمِنُونَ﴾ أيْ: ويُصَدِّقُونَ بِوُجُودِهِ تَعالى، وبِما وصَفَ بِهِ نَفْسَهُ مِنَ صِفاتِهِ العُلا، وتَسْبِيحُهم إيّاهُ يَتَضَمَّنُ الإيمانَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): ما فائِدَةُ قَوْلِهِ: ﴿ويُؤْمِنُونَ بِهِ﴾، ولا يَخْفى عَلى أحَدٍ أنَّ حَمَلَةِ العَرْشِ ومَن حَوْلَهُ مِنَ المَلائِكَةِ الَّذِينَ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِهِ مُؤْمِنُونَ ؟ (قُلْتُ): فائِدَتُهُ إظْهارُ شَرَفِ الإيمانِ وفَضْلِهِ والتَّرْغِيبُ فِيهِ، كَما وصَفَ الأنْبِياءَ في غَيْرِ مَوْضِعٍ مِن كِتابِهِ بِالصَّلاحِ لِذَلِكَ، وكَما عَقَّبَ أعْمالَهَمُ الخَيْرَ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البلد: ١٧]، فَأبانَ بِذَلِكَ فَضْلَ الإيمانِ. وفائِدَةٌ أُخْرى، وهي التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ الأمْرَ لَوْ كانَ كَما تَقُولُ المُجَسِّمَةُ، لَكانَ حَمَلَةُ العَرْشِ ومَن حَوْلَهُ مُشاهِدِينَ مُعايِنِينَ، ولَما وُصِفُوا بِالإيمانِ؛ لِأنَّهُ إنَّما يُوصَفُ بِالإيمانِ الغائِبُ. ولَمّا وُصِفُوا بِهِ عَلى سَبِيلِ الثَّناءِ عَلَيْهِمْ، عُلِمَ أنَّ إيمانَهم وإيمانَ مَن في الأرْضِ وكُلِّ مَن غابَ عَنْ ذَلِكَ المَقامِ سَواءٌ في أنَّ إيمانَ الجَمِيعِ بِطَرِيقِ النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ لا غَيْرُ، وأنَّهُ لا طَرِيقَ إلى مَعْرِفَتِهِ إلّا هَذا، وأنَّهُ مُنَزَّهٌ عَنْ صِفاتِ الأجْرامِ. وقَدْ رُوعِيَ التَّناسُبُ في قَوْلِهِ: ﴿ويُؤْمِنُونَ بِهِ ويَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾، كَأنَّهُ قِيلَ: ويُؤْمِنُونَ ويَسْتَغْفِرُونَ لِمَن في مِثْلِ حالِهِمْ وصِفَتِهِمْ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الِاشْتِراكَ في الإيمانِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ أدْعى شَيْءٍ إلى النَّصِيحَةِ، وأبْعَثَهُ عَلى إمْحاضِ الشَّفَقَةِ، وإنْ تَفاوَتَتِ الأجْناسُ وتَباعَدَتِ الأماكِنُ، فَإنَّهُ لا تَجانُسَ بَيْنَ مَلَكٍ وإنْسانٍ، ولا بَيْنَ سَماءٍ وأرْضٍ قَطُّ، ثُمَّ لَمّا جاءَ جامِعُ الإيمانِ، جاءَ مَعَهُ التَّجانُسُ الكُلِّيُّ والتَّناسُبُ الحَقِيقِيُّ، حَتّى اسْتَغْفَرَ مَن حَوْلَ العَرْشِ لِمَن فَوْقَ الأرْضِ، قالَ تَعالى: ﴿ويَسْتَغْفِرُونَ لِمَن في الأرْضِ﴾ [الشورى: ٥] . انْتَهى، وهو كَلامٌ حَسَنٌ. إلّا أنَّ قَوْلَهُ: إنَّ إيمانَ الجَمِيعِ بِطَرِيقِ النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ لا غَيْرُ. فِيهِ نَظَرٌ، وقَوْلُهُ: ﴿ويَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ تَخْصِيصٌ لِعُمُومِ قَوْلِهِ: ﴿ويَسْتَغْفِرُونَ لِمَن في الأرْضِ﴾ [الشورى: ٥] . وقالَ مُطَرِّفُ بْنُ الشِّخِّيرِ: وجَدْنا أنْصَحَ العِبادِ لِلْعِبادِ المَلائِكَةَ، وأغَشَّ العِبادِ لِلْعِبادِ الشَّياطِينَ، وتَلا هَذِهِ الآيَةَ. انْتَهى. ويَنْبَغِي أنْ يُقالَ: أنْصَحُ العِبادِ لِلْعِبادِ الأنْبِياءُ والمَلائِكَةُ. ﴿رَبَّنا وسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وعِلْمًا﴾ أيْ: يَقُولُونَ: رَبَّنا واحْتَمَلَ هَذا المَحْذُوفُ بَيانًا لِيَسْتَغْفِرُونِ، فَيَكُونُ في مَحَلِّ رَفْعٍ، وأنْ يَكُونَ حالًا، فَيَكُونُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ. وكَثِيرًا ما جاءَ النِّداءُ بِلَفْظِ رَبَّنا، ورَبِّ، وفِيهِ اسْتِعْطافُ العَبْدِ لِمَوْلاهُ الَّذِي رَبّاهُ، وقامَ بِمَصالِحِهِ مِن لَدُنْ نَشْأتِهِ إلى وقْتِ نِدائِهِ، فَهو جَدِيرٌ بِأنْ لا يُنادِيَهُ إلّا بِلَفْظِ الرَّبِّ. وانْتَصَبَ ﴿رَحْمَةً وعِلْمًا﴾ عَلى التَّمْيِيزِ، والأصْلُ: وسِعَتْ رَحْمَتُكَ كُلَّ شَيْءٍ، وعِلْمُكَ كُلَّ شَيْءٍ؛ وأُسْنِدَ الوُسْعُ إلى صاحِبِها مُبالَغَةً، كَأنَّ ذاتَهُ هي الرَّحْمَةُ والعِلْمُ، وقَدْ وسِعَ كُلَّ شَيْءٍ. وقَدَّمَ الرَّحْمَةَ؛ لِأنَّهم بِها يَسْتَمْطِرُونَ إحْسانَهُ ويَتَوَسَّلُونَ بِها إلى حُصُولِ مَطْلُوبِهِمْ مِن سُؤالِ المَغْفِرَةِ. ولَمّا حَكى تَعالى عَنْهم كَيْفِيَّةَ ثَنائِهِمْ عَلَيْهِ، وأخْبَرَ بِاسْتِغْفارِهِمْ، وهو قَوْلُهم: ﴿فاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا واتَّبَعُوا سَبِيلَكَ﴾ . وطَلَبُ المَغْفِرَةِ نَتِيجَةُ الرَّحْمَةِ، ولِلَّذِينِ تابُوا يَتَضَمَّنُ أنَّكَ عَلِمْتَ تَوْبَتَهم، فَهُما راجِعانِ إلى قَوْلِهِ: ﴿رَحْمَةً وعِلْمًا﴾، و﴿واتَّبَعُوا سَبِيلَكَ﴾، وهي سَبِيلُ الحَقِّ الَّتِي نَهَجَتْها لِعِبادِكَ، ﴿إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ﴾: الَّذِي لا تُغالَبُ، (الحَكِيمُ): الَّذِي يَضَعُ الأشْياءَ مَواضِعَها الَّتِي (p-٤٥٢)تَلِيقُ بِها. ولَمّا كانَ طَلَبُ الغُفْرانِ يَتَضَمَّنُ إسْقاطَ العَذابِ، أرْدَفُوهُ بِالتَّضَرُّعِ بِوِقايَتِهِمُ العَذابَ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ والتَّأْكِيدِ، فَقالُوا: ﴿وقِهِمْ عَذابَ الجَحِيمِ﴾، وطَلَبُ المَغْفِرَةِ ووِقايَةُ العَذابِ لِلتّائِبِ الصّالِحِ، وقَدْ وعَدَ بِذَلِكَ الوَعْدِ الصّادِقِ بِمَنزِلَةِ الشَّفاعَةِ في زِيادَةِ الثَّوابِ والكَرامَةِ. ولَمّا سَألُوا إزالَةَ العِقابِ، سَألُوا اتِّصالَ الثَّوابِ، وكَرَّرَ الدُّعاءَ بِـ (رَبَّنا) فَقالُوا: ﴿رَبَّنا وأدْخِلْهم جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ . وقَرَأ الجُمْهُورُ: (جَنّاتِ) جَمْعًا؛ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، والأعْمَشُ: (جَنَّةَ عَدْنٍ) بِالإفْرادِ، وكَذا في مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في إعْرابِ (الَّتِي) في قَوْلِهِ: ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وعَدَ الرَّحْمَنُ عِبادَهُ بِالغَيْبِ﴾ [مريم: ٦١] في سُورَةِ مَرْيَمَ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ (صَلُحَ) بِضَمِّ اللّامِ، يُقالُ: صَلَحَ فَهو صَلِيحٌ وصَلُحَ فَهو صالِحٌ. وقَرَأ عِيسى (وذُرِّيَّتَهم) بِالإفْرادِ؛ والجُمْهُورُ بِالجَمْعِ. وعَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ في تَفْسِيرِ ذَلِكَ أنَّ الرَّجُلَ يَدْخُلُ الجَنَّةَ قَبْلَ قَرابَتِهِ فَيَقُولُ: أيْنَ أبِي ؟ أيْنَ أُمِّي ؟ أيْنَ ابْنِي ؟ أيْنَ زَوْجَتِي ؟ فَيَلْحَقُونَ بِهِ لِصَلاحِهِ ولِتَنْبِيهِهِ عَلَيْهِ وطَلَبِهِ إيّاهم، وهَذِهِ دَعْوَةُ المَلائِكَةِ. انْتَهى. وإذا كانَ الإنْسانُ في خَيْرٍ، ومَعَهُ عَشِيرَتُهُ وأهْلُهُ، كانَ أبْهَجَ عِنْدَهُ وأسَرَّ لِقَلْبِهِ. والظّاهِرُ عَطْفُ (ومَن) عَلى الضَّمِيرِ في ﴿وأدْخِلْهُمْ﴾، إذْ هُمُ المُحَدَّثُ عَنْهم والمَسْئُولُ لَهم. وقالَ الفَرّاءُ، والزَّجّاجُ: نَصْبُهُ مِن مَكانَيْنِ: إنْ شِئْتَ عَلى الضَّمِيرِ في ﴿وأدْخِلْهُمْ﴾، وإنْ شِئْتَ عَلى الضَّمِيرِ في ﴿وعَدْتَهُمْ﴾ . ﴿وقِهِمُ السَّيِّئاتِ﴾ أيِ: امْنَعْهم مِنَ الوُقُوعِ فِيها حَتّى لا يَتَرَتَّبَ عَلَيْها جَزاؤُها، أوْ وقِهِمْ جَزاءَ السَّيِّئاتِ الَّتِي اجْتَرَحُوها، فَحُذِفَ المُضافُ ولا تَكْرارَ في هَذا، وقَوْلُهُ: ﴿وقِهِمْ عَذابَ الجَحِيمِ﴾ لِعَدَمِ تَوافُقِ المَدْعُوِّ لَهم أنَّ الدُّعاءَ الأوَّلَ لِلَّذِينِ تابُوا، والثّانِي أنَّهُ لَهم ولِمَن صَلُحَ مِنَ المَذْكُورِينَ، أوْ لِاخْتِلافِ الدُّعاءَيْنِ إذا أُرِيدَ بِالسَّيِّئاتِ أنْفُسُهم، فَذَلِكَ وِقايَةُ عَذابِ الجَحِيمِ، وهَذا وِقايَةُ الوُقُوعِ في السَّيِّئاتِ. والتَّنْوِينُ في (يَوْمَئِذٍ) تَنْوِينُ العِوَضِ، والمَحْذُوفُ جُمْلَةٌ عُوِّضَ مِنها التَّنْوِينُ، ولَمْ تَتَقَدَّمْ جُمْلَةٌ يَكُونُ التَّنْوِينُ عِوَضًا مِنها، كَقَوْلِهِ: ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ﴾ [الواقعة: ٨٣]، ﴿وأنْتُمْ حِينَئِذٍ﴾ [الواقعة: ٨٤] أيْ: حِينَ إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ، فَلا بُدَّ مِنَ تَقْدِيرِ جُمْلَةٍ يَكُونُ التَّنْوِينُ عِوَضًا مِنها كَقَوْلِهِ، يَدُلُّ عَلَيْها مَعْنى الكَلامِ، وهي ﴿ومَن تَقِ السَّيِّئاتِ﴾ أيْ: جَزاءَها يَوْمَ إذْ يُؤاخَذُ بِها ﴿فَقَدْ رَحِمْتَهُ﴾ . ولَمْ يَتَعَرَّضْ أحَدٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ الَّذِينَ وقَفْنا عَلى كَلامِهِمْ في الآيَةِ لِلْجُمْلَةِ الَّتِي عُوِّضَ مِنها التَّنْوِينُ في (يَوْمَئِذٍ) وذَلِكَ إشارَةٌ إلى الغُفْرانِ، ودُخُولِ الجَنَّةِ، ووِقايَةُ العَذابِ هو الفَوْزُ بِالظَّفَرِ العَظِيمِ الَّذِي عَظُمَ خَطَرُهُ وجَلَّ صُنْعُهُ. ولَمّا ذَكَرَ شَيْئًا مِن أحْوالِ المُؤْمِنِينَ، وذَكَرَ شَيْئًا مِن أحْوالِ الكافِرِينَ، وما يَجْرِي لَهم في الآخِرَةِ مِنَ اعْتِرافِهِمْ بِذُنُوبِهِمْ، واسْتِحْقاقِهِمُ العَذابَ، وسُؤالِهِمُ الرُّجُوعَ إلى الدُّنْيا. ونِداؤُهم، قالَ السُّدِّيُّ: في النّارِ. وقالَ قَتادَةُ: يَوْمَ القِيامَةِ، والمُنادُونَ لَهُمُ الزَّبانِيَةُ عَلى جِهَةِ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ. واللّامُ في ﴿لَمَقْتُ﴾ لامُ الِابْتِداءِ ولامُ القَسَمِ، ومَقْتُ مَصْدَرٌ مُضافٌ إلى الفاعِلِ، التَّقْدِيرُ: لَمَقْتُ اللَّهِ إيّاكم، أوْ لَمَقْتُ اللَّهِ أنْفُسَكم، وحُذِفَ المَفْعُولُ لِدَلالَةِ ما بَعْدَهُ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ: ﴿أكْبَرُ مِن مَقْتِكم أنْفُسَكُمْ﴾ . والظّاهِرُ أنَّ مَقْتَ اللَّهِ إيّاهم هو في الدُّنْيا، ويَضْعُفُ أنْ يَكُونَ في الآخِرَةِ، كَما قالَ بَعْضُهم لِبَقاءِ (إذْ تُدْعَوْنَ)، مُفْلَتًا مِنَ الكَلامِ، لِكَوْنِهِ لَيْسَ لَهُ عامِلٌ تَقَدَّمَ، ولا مُفَسِّرٌ لِعامِلٍ. فَإذا كانَ المَقْتُ السّابِقُ في الدُّنْيا، أمْكَنَ أنْ يُضْمِرَ لَهُ عامِلٌ تَقْدِيرُهُ: مَقْتُكم إذْ تُدْعَوْنَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (وإذْ تُدْعَوْنَ) مَنصُوبٌ بِالمَقْتِ الأوَّلِ، والمَعْنى: أنَّهُ يُقالُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ: إنِ اللَّهَ مَقَتَ أنْفُسَكُمُ الأمّارَةَ بِالسُّوءِ والكُفْرِ حِينَ كانَ الأنْبِياءُ يَدْعُونَكم إلى الإيمانِ، فَتَأْبَوْنَ قُبُولَهُ وتَخْتارُونَ عَلَيْهِ الكُفْرَ، أشَدُّ مِمّا تَمْقُتُونَهُنَّ اليَوْمَ وأنْتُمْ في النّارِ، إذْ أوْقَعْتُكم فِيها بِاتِّباعِكم هَواهُنَّ. انْتَهى، وفِيهِ دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ. وأخْطَأ في قَوْلِهِ: (إذْ تُدْعَوْنَ) مَنصُوبٌ بِالمَقْتِ الأوَّلِ؛ لِأنَّ المَقْتَ مَصْدَرٌ، ومَعْمُولُهُ مِن صِلَتِهِ، ولا يَجُوزُ أنْ يُخْبِرَ عَنْهُ إلّا بَعْدَ اسْتِيفائِهِ صِلَتَهُ، وقَدْ أخْبَرَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أكْبَرُ مِن مَقْتِكم أنْفُسَكُمْ﴾، وهَذا مِن ظَواهِرِ عِلْمِ النَّحْوِ الَّتِي لا تَكادُ تَخْفى عَلى المُبْتَدِئِينَ، (p-٤٥٣)فَضْلًا عَمّا تَدَّعِي العَجَمُ أنَّهُ في العَرَبِيَّةِ شَيْخُ العَرَبِ والعَجَمِ. ولَمّا كانَ الفَصْلُ بَيْنَ المَصْدَرِ ومَعْمُولِهِ بِالخَبَرِ لا يَجُوزُ، قَدَّرْنا العامِلَ فِيهِ مُضْمَرًا، أيْ: مَقْتُكم إذْ تُدْعَوْنَ، وشَبِيهُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ﴾ [الطارق: ٨] . قَدَّرُوا العامِلَ بِرَجْعِهِ ﴿يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ﴾ [الطارق: ٩] لِلْفَصْلِ بِـ ﴿لَقادِرٌ﴾ [الطارق: ٨] بَيْنَ المَصْدَرِ ويَوْمَ. واخْتِلافُ زَمانَيِ المَقْتَيْنِ الأوَّلُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ هو قَوْلُ مُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، وابْنِ زَيْدٍ والأكْثَرِينَ. وتَقَدَّمَ لَنا أنَّ مِنهم مَن قالَ في الآخِرَةِ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وعَنِ الحَسَنِ لَمّا رَأوْا أعْمالَهُمُ الخَبِيثَةَ مَقَتُوا أنْفُسَهم فَنُودُوا: ﴿لَمَقْتُ اللَّهِ﴾ . وقِيلَ: مَعْناهُ لَمَقْتُ اللَّهِ إيّاكُمُ الآنَ أكْبَرُ مِن مَقْتِ بَعْضِكم لِبَعْضٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَكْفُرُ بَعْضُكم بِبَعْضٍ ويَلْعَنُ بَعْضُكم بَعْضًا﴾ [العنكبوت: ٢٥]، و(إذْ تُدْعَوْنَ) تَعْلِيلٌ. انْتَهى. وكانَ قَوْلُهُ: (إذْ تُدْعَوْنَ) تَعْلِيلٌ مِن كَلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ. وقالَ قَوْمٌ: (إذْ تُدْعَوْنَ) مَعْمُولٌ، لِـ ”اذْكُرْ“ مَحْذُوفَةٍ، ويَتَّجِهُ ذَلِكَ عَلى أنْ يَكُونَ مَقْتُ اللَّهِ إيّاهم في الآخِرَةِ، عَلى قَوْلِ الحَسَنِ، قِيلَ لَهم ذَلِكَ تَوْبِيخًا وتَقْرِيعًا وتَنْبِيهًا عَلى ما فاتَهم مِنَ الإيمانِ والثَّوابِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: مِن مَقْتِ أنْفُسِكم، أنْ كُلَّ واحِدٍ يَمْقُتُ نَفْسَهُ، أوْ أنْ بَعْضَكم يَمْقُتُ بَعْضًا، كَما قِيلَ: إنَّ الأتْباعَ يَمْقُتُونَ الرُّؤَساءَ لِما ورَّطُوهم فِيهِ مِنَ الكُفْرِ، والرُّؤَساءُ يَمْقُتُونَ الأتْباعَ. وقِيلَ: يَمْقُتُونَ أنْفُسَهم حِينَ قالَ لَهُمُ الشَّيْطانُ: ﴿فَلا تَلُومُونِي ولُومُوا أنْفُسَكُمْ﴾ [إبراهيم: ٢٢]، والمَقْتُ أشَدُّ البُغْضِ، وهو مُسْتَحِيلٌ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى، فَمَعْناهُ: الإنْكارُ والزَّجْرُ. ﴿قالُوا رَبَّنا أمَتَّنا اثْنَتَيْنِ﴾: وجْهُ اتِّصالِ هَذِهِ بِما قَبْلَها أنَّهم كانُوا يُنْكِرُونَ البَعْثَ، وعَظَّمَ مَقْتَهم أنْفُسَهم هَذا الإنْكارُ، فَلَمّا مَقَتُوا أنْفُسَهم، ورَأوْا حُزْنًا طَوِيلًا رَجَعُوا إلى الإقْرارِ بِالبَعْثِ، فَأقَرُّوا أنَّهُ تَعالى أماتَهُمُ اثْنَتَيْنِ وأحْياهُمُ اثْنَتَيْنِ تَعْظِيمًا لِقُدْرَتِهِ وتَوَسُّلًا إلى رِضاهُ، ثُمَّ أطْمَعُوا أنْفُسَهم بِالِاعْتِرافِ بِالذُّنُوبِ أنْ يُرَدُّوا إلى الدُّنْيا، أيْ: إنْ رَجَعْنا إلى الدُّنْيا ودُعِينا لِلْإيمانِ بادَرْنا إلَيْهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ، وأبُو مالِكٍ: مَوْتُهم كَوْنُهم ماءً في الأصْلابِ، ثُمَّ إحْياؤُهم في الدُّنْيا، ثُمَّ مَوْتُهم فِيها، ثُمَّ إحْياؤُهم يَوْمَ القِيامَةِ. وقالَ السُّدِّيُّ: إحْياؤُهم في الدُّنْيا، ثُمَّ إماتَتُهم فِيها، ثُمَّ إحْياؤُهم في القَبْرِ لِسُؤالِ المَلَكَيْنِ، ثُمَّ إماتَتُهم فِيهِ، ثُمَّ إحْياؤُهم في الحَشْرِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: إحْياؤُهم نَسَمًا عِنْدَ أخْذِ العَهْدِ عَلَيْهِمْ مِن صُلْبِ آدَمَ، ثُمَّ إماتَتُهم بَعْدُ، ثُمَّ إحْياؤُهم في الدُّنْيا، ثُمَّ إماتَتُهم، ثُمَّ إحْياؤُهم، فَعَلى هَذا والَّذِي قَبْلَهُ تَكُونُ ثَلاثَةَ إحْياءاتٍ، وهو خِلافُ القُرْآنِ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: الكافِرُ في الدُّنْيا حَيُّ الجَسَدِ، مَيِّتُ القَلْبِ، فاعْتُبِرَتِ الحالَتانِ، ثُمَّ إماتَتُهم حَقِيقَةً، ثُمَّ إحْياؤُهم في البَعْثِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في أوَّلِ البَقَرَةِ عَلى الإماتَتَيْنِ والإحْياءَيْنِ في قَوْلِهِ: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وكُنْتُمْ أمْواتًا﴾ [البقرة: ٢٨] الآيَةَ، وكَرَّرْنا ذَلِكَ هُنا لِبُعْدِ ما بَيْنَ المَوْضِعَيْنِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): كَيْفَ صَحَّ أنْ يُسَمِّيَ (خَلَقَهم أمْواتًا) إماتَةً ؟ (قُلْتُ): كَما صَحَّ: سُبْحانَ مِن صَغَّرَ جِسْمَ البَعُوضَةِ وكَبَّرَ جِسْمَ الفِيلِ، وقَوْلُكُ لِلْحَفّارِ ضَيِّقْ فَمَ الرَّكِيَّةِ ووَسِّعْ أسْفَلَها، ولَيْسَ ثَمَّ نَقْلٌ مِن كِبَرٍ إلى صِغَرٍ، ولا مِن صِغَرٍ إلى كِبَرٍ، ولا مِن ضِيقٍ إلى سِعَةٍ، ولا مِن سِعَةٍ إلى ضِيقٍ، وإنَّما أرَدْتَ الإنْشاءَ عَلى تِلْكَ الصِّفاتِ. والسَّبَبُ في صِحَّتِهِ أنَّ الصِّغَرَ والكِبَرَ جائِزانِ مَعًا عَلى المَصْنُوعِ الواحِدِ مِن غَيْرِ تَرْجِيحٍ لِأحَدِهِما، وكَذَلِكَ الضِّيقُ والسِّعَةُ، فَإذا اخْتارَ الصّانِعُ أحَدَ الجائِزَيْنِ، وهو مُتَمَكِّنٌ مِنهُما عَلى السَّواءِ، فَقَدْ صَرَفَ المَصْنُوعَ إلى الجائِزِ الآخَرِ، فَجَعَلَ صَرْفَهُ عَنْهُ كَنَقْلِهِ مِنهُ. انْتَهى. يَعْنِي أنَّ (خَلَقَهم أمْواتًا) كَأنَّهُ نَقْلٌ مِنَ الحَياةِ، وهو الجائِزُ الآخَرُ. وظاهِرُ ﴿فاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا﴾ أنَّهُ مُتَسَبِّبٌ عَنْ قُبُولِهِمْ. ﴿قالُوا رَبَّنا أمَتَّنا اثْنَتَيْنِ وأحْيَيْتَنا اثْنَتَيْنِ﴾ وثَمَّ مَحْذُوفٌ، أيْ: فَعَرَفْنا قُدْرَتَكَ عَلى الإماتَةِ والإحْياءِ، وزالَ إنْكارُنا لِلْبَعْثِ، ﴿فاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا﴾ السّابِقَةِ مِن إنْكارِ البَعْثِ وغَيْرِهِ. ﴿فَهَلْ إلى خُرُوجٍ﴾ أيْ: سَرِيعٍ أوْ بَطِيءٍ مِنَ النّارِ، ﴿مِن سَبِيلٍ﴾: وهَذا سُؤالُ مَن يَئِسَ مِنَ الخُرُوجِ، ولَكِنَّهُ تَعَلَّلٌ وتَحَيَّرٌ. (ذَلِكم): الظّاهِرُ أنَّ الخِطابَ لِلْكُفّارِ في الآخِرَةِ، (p-٤٥٤)والإشارَةُ إلى العَذابِ الَّذِي هم فِيهِ، أوْ إلى مَقْتِهِمْ أنْفُسَهم، أوْ إلى المَنعِ مِنَ الخُرُوجِ والزَّجْرِ والإهانَةِ، احْتِمالاتٌ مَقُولَةٌ. وقِيلَ: الخِطابُ لِمُحاضِرِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، والضَّمِيرُ في (فَإنَّهُ) ضَمِيرُ الشَّأْنِ. ﴿إذا دُعِيَ اللَّهُ وحْدَهُ﴾ أيْ: إذا أُفْرِدَ بِالإلَهِيَّةِ ونُفِيَتْ عَنْ سِواهُ، ﴿كَفَرْتُمْ وإنْ يُشْرَكْ بِهِ﴾ أيْ: ذُكِرَتِ اللّاتُ والعُزّى وأمْثالُهُما مِنَ الأصْنامِ، صَدَّقْتُمْ بِأُلُوهِيَّتِها وسَكَنَتْ نُفُوسُكم إلَيْها. ﴿فالحُكْمُ﴾ بِعَذابِكم، (لِلَّهِ)، لا لِتِلْكَ الأصْنامِ الَّتِي أشْرَكْتُمُوها مَعَ اللَّهِ، (العَلِيِّ) عَنِ الشِّرْكِ، (الكَبِيرِ): العَظِيمِ الكِبْرِياءِ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: لِأهْلِ النّارِ خَمْسُ دَعَواتٍ، يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ في الأرْبَعَةِ، فَإذا كانَتِ الخامِسَةُ سَكَتُوا. ﴿قالُوا رَبَّنا أمَتَّنا اثْنَتَيْنِ﴾ الآيَةَ، وفي إبْراهِيمَ: ﴿رَبَّنا أخِّرْنا﴾ [إبراهيم: ٤٤] الآيَةَ، وفي السَّجْدَةِ: ﴿رَبَّنا أبْصَرْنا﴾ [السجدة: ١٢] الآيَةَ، وفي فاطِرٍ: ﴿رَبَّنا أخْرِجْنا﴾ [فاطر: ٣٧] الآيَةَ، وفي المُؤْمِنُونَ: ﴿رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا﴾ [المؤمنون: ١٠٦] الآيَةَ، فَراجَعَهُمُ ﴿اخْسَئُوا فِيها ولا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] قالَ: فَكانَ آخِرُ كَلامِهِمْ ذَلِكَ. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى ما يُوجِبُ التَّهْدِيدَ الشَّدِيدَ في حَقِّ المُشْرِكِينَ، أرْدَفَهُ بِذِكْرِ ما يَدُلُّ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ وحِكْمَتِهِ، لَيَصِيرَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ جَعْلُ الأحْجارِ المَنحُوتَةِ والخُشُبِ المَعْبُودَةِ شُرَكاءَ لِلَّهِ، فَقالَ: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكم آياتِهِ﴾ أيُّها النّاسُ، ويَشْمَلُ آياتِ قُدْرَتِهِ مِنَ الرِّيحِ والسَّحابِ والرَّعْدِ والبَرْقِ والصَّواعِقِ ونَحْوِها مِنَ الآثارِ العُلْوِيَّةِ، وآياتِ كِتابِهِ المُشْتَمِلِ عَلى الأوَّلِينَ والآخَرِينَ، وآياتِ الإعْجازِ عَلى أيْدِي رُسُلِهِ. وهَذِهِ الآياتُ راجِعَةٌ إلى نُورِ العَقْلِ الدّاعِي إلى تَوْحِيدِ اللَّهِ. ثُمَّ قالَ: ﴿ويُنَزِّلُ لَكم مِنَ السَّماءِ رِزْقًا﴾، وهو المَطَرُ الَّذِي هو سَبَبُ قِوامِ بِنْيَةِ البَدَنِ، فَتِلْكَ الآياتُ لِلْأدْيانِ كَهَذا الرِّزْقِ لِلْأبْدانِ. ﴿وما يَتَذَكَّرُ﴾ أيْ: يَتَّعِظُ ويَعْتَبِرُ، وجَعَلَهُ تَذَكُّرًا؛ لِأنَّهُ مَرْكُوزٌ في العُقُولِ دَلائِلُ التَّوْحِيدِ، ثُمَّ قَدْ يَعْرِضُ الِاشْتِغالُ بِعِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ فَيَمْنَعُ مِن تَجَلِّي نُورِ العَقْلِ، فَإذا تابَ إلى اللَّهِ تَذَكَّرَ.

غافر 40:9

﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ ومَن حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ويُؤْمِنُونَ بِهِ ويَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا وسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وعِلْمًا فاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا واتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وقِهِمْ عَذابَ الجَحِيمِ﴾ ﴿رَبَّنا وأدْخِلْهم جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وعَدْتَهم ومَن صَلَحَ مِن آبائِهِمْ وأزْواجِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ﴿وقِهِمُ السَّيِّئاتِ ومَن تَقِ السَّيِّئاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أكْبَرُ مِن مَقْتِكم أنْفُسَكم إذْ تُدْعَوْنَ إلى الإيمانِ فَتَكْفُرُونَ﴾ ﴿قالُوا رَبَّنا أمَتَّنا اثْنَتَيْنِ وأحْيَيْتَنا اثْنَتَيْنِ فاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا فَهَلْ إلى خُرُوجٍ مِن سَبِيلٍ﴾ ﴿ذَلِكم بِأنَّهُ إذا دُعِيَ اللَّهُ وحْدَهُ كَفَرْتُمْ وإنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فالحُكْمُ لِلَّهِ العَلِيِّ الكَبِيرِ﴾ ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكم آياتِهِ ويُنَزِّلُ لَكم مِنَ السَّماءِ رِزْقًا وما يَتَذَكَّرُ إلّا مَن يُنِيبُ﴾ . لَمّا ذَكَرَ جِدالَ الكُفّارِ في آياتِ اللَّهِ وعِصْيانَهم، ذَكَرَ طاعَةَ هَؤُلاءِ المُصْطَفَيْنَ مِن خَلْقِهِ، وهم حَمَلَةُ العَرْشِ، ﴿ومَن حَوْلَهُ﴾، وهم (p-٤٥١)الحافُّونَ بِهِ مِنَ المَلائِكَةِ. وذَكَرُوا مِن وصْفِ تِلْكَ الحَمَلَةِ وعِظَمِ خَلْقِهِمْ، ووَصْفِ العَرْشِ، ومِن أيِّ شَيْءٍ خُلِقَ، والحُجُبِ السَّبْعِينِيّاتِ الَّتِي اخْتَلَفَتْ أجْناسُها، قالُوا: احْتَجَبَ اللَّهُ عَنِ العَرْشِ وعَنْ حامِلِيهِ، واللَّهُ أعْلَمُ بِهِ عَلى أنَّ قُدْرَتَهُ تَعالى مُحْتَمِلَةٌ لِكُلِّ ما ذَكَرُوهُ مِمّا لا يَقْتَضِي تَجْسِيمًا، لَكِنَّهُ يَحْتاجُ إلى نَقْلٍ صَحِيحٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (العَرْشَ) بِفَتْحِ العَيْنِ؛ وابْنُ عَبّاسٍ وفِرْقَةٌ: بِضَمِّها، كَأنَّهُ جَمْعُ عَرْشٍ، كَسَقْفٍ وسُقُفٍ، أوْ يَكُونُ لُغَةً في العَرْشِ. ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ أيْ: يُنَزِّهُونَهُ عَنْ جَمِيعِ النَّقائِصِ، ﴿بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾: بِالثَّناءِ عَلَيْهِ بِأنَّهُ المُنْعِمُ عَلى الإطْلاقِ. والتَّسْبِيحُ: إشارَةٌ إلى الإجْلالِ؛ والتَّحْمِيدُ: إشارَةٌ إلى الإكْرامِ، فَهو قَرِيبٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الجَلالِ والإكْرامِ﴾ [الرحمن: ٧٨]، ونَظِيرُهُ: ﴿وتَرى المَلائِكَةَ حافِّينَ مِن حَوْلِ العَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وقُضِيَ بَيْنَهم بِالحَقِّ﴾ [الزمر: ٧٥]؛ وقَوْلُهم: ونَحْنُ نَسَبَّحُ بِحَمْدِكَ. ﴿ويُؤْمِنُونَ﴾ أيْ: ويُصَدِّقُونَ بِوُجُودِهِ تَعالى، وبِما وصَفَ بِهِ نَفْسَهُ مِنَ صِفاتِهِ العُلا، وتَسْبِيحُهم إيّاهُ يَتَضَمَّنُ الإيمانَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): ما فائِدَةُ قَوْلِهِ: ﴿ويُؤْمِنُونَ بِهِ﴾، ولا يَخْفى عَلى أحَدٍ أنَّ حَمَلَةِ العَرْشِ ومَن حَوْلَهُ مِنَ المَلائِكَةِ الَّذِينَ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِهِ مُؤْمِنُونَ ؟ (قُلْتُ): فائِدَتُهُ إظْهارُ شَرَفِ الإيمانِ وفَضْلِهِ والتَّرْغِيبُ فِيهِ، كَما وصَفَ الأنْبِياءَ في غَيْرِ مَوْضِعٍ مِن كِتابِهِ بِالصَّلاحِ لِذَلِكَ، وكَما عَقَّبَ أعْمالَهَمُ الخَيْرَ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البلد: ١٧]، فَأبانَ بِذَلِكَ فَضْلَ الإيمانِ. وفائِدَةٌ أُخْرى، وهي التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ الأمْرَ لَوْ كانَ كَما تَقُولُ المُجَسِّمَةُ، لَكانَ حَمَلَةُ العَرْشِ ومَن حَوْلَهُ مُشاهِدِينَ مُعايِنِينَ، ولَما وُصِفُوا بِالإيمانِ؛ لِأنَّهُ إنَّما يُوصَفُ بِالإيمانِ الغائِبُ. ولَمّا وُصِفُوا بِهِ عَلى سَبِيلِ الثَّناءِ عَلَيْهِمْ، عُلِمَ أنَّ إيمانَهم وإيمانَ مَن في الأرْضِ وكُلِّ مَن غابَ عَنْ ذَلِكَ المَقامِ سَواءٌ في أنَّ إيمانَ الجَمِيعِ بِطَرِيقِ النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ لا غَيْرُ، وأنَّهُ لا طَرِيقَ إلى مَعْرِفَتِهِ إلّا هَذا، وأنَّهُ مُنَزَّهٌ عَنْ صِفاتِ الأجْرامِ. وقَدْ رُوعِيَ التَّناسُبُ في قَوْلِهِ: ﴿ويُؤْمِنُونَ بِهِ ويَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾، كَأنَّهُ قِيلَ: ويُؤْمِنُونَ ويَسْتَغْفِرُونَ لِمَن في مِثْلِ حالِهِمْ وصِفَتِهِمْ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الِاشْتِراكَ في الإيمانِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ أدْعى شَيْءٍ إلى النَّصِيحَةِ، وأبْعَثَهُ عَلى إمْحاضِ الشَّفَقَةِ، وإنْ تَفاوَتَتِ الأجْناسُ وتَباعَدَتِ الأماكِنُ، فَإنَّهُ لا تَجانُسَ بَيْنَ مَلَكٍ وإنْسانٍ، ولا بَيْنَ سَماءٍ وأرْضٍ قَطُّ، ثُمَّ لَمّا جاءَ جامِعُ الإيمانِ، جاءَ مَعَهُ التَّجانُسُ الكُلِّيُّ والتَّناسُبُ الحَقِيقِيُّ، حَتّى اسْتَغْفَرَ مَن حَوْلَ العَرْشِ لِمَن فَوْقَ الأرْضِ، قالَ تَعالى: ﴿ويَسْتَغْفِرُونَ لِمَن في الأرْضِ﴾ [الشورى: ٥] . انْتَهى، وهو كَلامٌ حَسَنٌ. إلّا أنَّ قَوْلَهُ: إنَّ إيمانَ الجَمِيعِ بِطَرِيقِ النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ لا غَيْرُ. فِيهِ نَظَرٌ، وقَوْلُهُ: ﴿ويَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ تَخْصِيصٌ لِعُمُومِ قَوْلِهِ: ﴿ويَسْتَغْفِرُونَ لِمَن في الأرْضِ﴾ [الشورى: ٥] . وقالَ مُطَرِّفُ بْنُ الشِّخِّيرِ: وجَدْنا أنْصَحَ العِبادِ لِلْعِبادِ المَلائِكَةَ، وأغَشَّ العِبادِ لِلْعِبادِ الشَّياطِينَ، وتَلا هَذِهِ الآيَةَ. انْتَهى. ويَنْبَغِي أنْ يُقالَ: أنْصَحُ العِبادِ لِلْعِبادِ الأنْبِياءُ والمَلائِكَةُ. ﴿رَبَّنا وسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وعِلْمًا﴾ أيْ: يَقُولُونَ: رَبَّنا واحْتَمَلَ هَذا المَحْذُوفُ بَيانًا لِيَسْتَغْفِرُونِ، فَيَكُونُ في مَحَلِّ رَفْعٍ، وأنْ يَكُونَ حالًا، فَيَكُونُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ. وكَثِيرًا ما جاءَ النِّداءُ بِلَفْظِ رَبَّنا، ورَبِّ، وفِيهِ اسْتِعْطافُ العَبْدِ لِمَوْلاهُ الَّذِي رَبّاهُ، وقامَ بِمَصالِحِهِ مِن لَدُنْ نَشْأتِهِ إلى وقْتِ نِدائِهِ، فَهو جَدِيرٌ بِأنْ لا يُنادِيَهُ إلّا بِلَفْظِ الرَّبِّ. وانْتَصَبَ ﴿رَحْمَةً وعِلْمًا﴾ عَلى التَّمْيِيزِ، والأصْلُ: وسِعَتْ رَحْمَتُكَ كُلَّ شَيْءٍ، وعِلْمُكَ كُلَّ شَيْءٍ؛ وأُسْنِدَ الوُسْعُ إلى صاحِبِها مُبالَغَةً، كَأنَّ ذاتَهُ هي الرَّحْمَةُ والعِلْمُ، وقَدْ وسِعَ كُلَّ شَيْءٍ. وقَدَّمَ الرَّحْمَةَ؛ لِأنَّهم بِها يَسْتَمْطِرُونَ إحْسانَهُ ويَتَوَسَّلُونَ بِها إلى حُصُولِ مَطْلُوبِهِمْ مِن سُؤالِ المَغْفِرَةِ. ولَمّا حَكى تَعالى عَنْهم كَيْفِيَّةَ ثَنائِهِمْ عَلَيْهِ، وأخْبَرَ بِاسْتِغْفارِهِمْ، وهو قَوْلُهم: ﴿فاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا واتَّبَعُوا سَبِيلَكَ﴾ . وطَلَبُ المَغْفِرَةِ نَتِيجَةُ الرَّحْمَةِ، ولِلَّذِينِ تابُوا يَتَضَمَّنُ أنَّكَ عَلِمْتَ تَوْبَتَهم، فَهُما راجِعانِ إلى قَوْلِهِ: ﴿رَحْمَةً وعِلْمًا﴾، و﴿واتَّبَعُوا سَبِيلَكَ﴾، وهي سَبِيلُ الحَقِّ الَّتِي نَهَجَتْها لِعِبادِكَ، ﴿إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ﴾: الَّذِي لا تُغالَبُ، (الحَكِيمُ): الَّذِي يَضَعُ الأشْياءَ مَواضِعَها الَّتِي (p-٤٥٢)تَلِيقُ بِها. ولَمّا كانَ طَلَبُ الغُفْرانِ يَتَضَمَّنُ إسْقاطَ العَذابِ، أرْدَفُوهُ بِالتَّضَرُّعِ بِوِقايَتِهِمُ العَذابَ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ والتَّأْكِيدِ، فَقالُوا: ﴿وقِهِمْ عَذابَ الجَحِيمِ﴾، وطَلَبُ المَغْفِرَةِ ووِقايَةُ العَذابِ لِلتّائِبِ الصّالِحِ، وقَدْ وعَدَ بِذَلِكَ الوَعْدِ الصّادِقِ بِمَنزِلَةِ الشَّفاعَةِ في زِيادَةِ الثَّوابِ والكَرامَةِ. ولَمّا سَألُوا إزالَةَ العِقابِ، سَألُوا اتِّصالَ الثَّوابِ، وكَرَّرَ الدُّعاءَ بِـ (رَبَّنا) فَقالُوا: ﴿رَبَّنا وأدْخِلْهم جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ . وقَرَأ الجُمْهُورُ: (جَنّاتِ) جَمْعًا؛ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، والأعْمَشُ: (جَنَّةَ عَدْنٍ) بِالإفْرادِ، وكَذا في مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في إعْرابِ (الَّتِي) في قَوْلِهِ: ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وعَدَ الرَّحْمَنُ عِبادَهُ بِالغَيْبِ﴾ [مريم: ٦١] في سُورَةِ مَرْيَمَ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ (صَلُحَ) بِضَمِّ اللّامِ، يُقالُ: صَلَحَ فَهو صَلِيحٌ وصَلُحَ فَهو صالِحٌ. وقَرَأ عِيسى (وذُرِّيَّتَهم) بِالإفْرادِ؛ والجُمْهُورُ بِالجَمْعِ. وعَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ في تَفْسِيرِ ذَلِكَ أنَّ الرَّجُلَ يَدْخُلُ الجَنَّةَ قَبْلَ قَرابَتِهِ فَيَقُولُ: أيْنَ أبِي ؟ أيْنَ أُمِّي ؟ أيْنَ ابْنِي ؟ أيْنَ زَوْجَتِي ؟ فَيَلْحَقُونَ بِهِ لِصَلاحِهِ ولِتَنْبِيهِهِ عَلَيْهِ وطَلَبِهِ إيّاهم، وهَذِهِ دَعْوَةُ المَلائِكَةِ. انْتَهى. وإذا كانَ الإنْسانُ في خَيْرٍ، ومَعَهُ عَشِيرَتُهُ وأهْلُهُ، كانَ أبْهَجَ عِنْدَهُ وأسَرَّ لِقَلْبِهِ. والظّاهِرُ عَطْفُ (ومَن) عَلى الضَّمِيرِ في ﴿وأدْخِلْهُمْ﴾، إذْ هُمُ المُحَدَّثُ عَنْهم والمَسْئُولُ لَهم. وقالَ الفَرّاءُ، والزَّجّاجُ: نَصْبُهُ مِن مَكانَيْنِ: إنْ شِئْتَ عَلى الضَّمِيرِ في ﴿وأدْخِلْهُمْ﴾، وإنْ شِئْتَ عَلى الضَّمِيرِ في ﴿وعَدْتَهُمْ﴾ . ﴿وقِهِمُ السَّيِّئاتِ﴾ أيِ: امْنَعْهم مِنَ الوُقُوعِ فِيها حَتّى لا يَتَرَتَّبَ عَلَيْها جَزاؤُها، أوْ وقِهِمْ جَزاءَ السَّيِّئاتِ الَّتِي اجْتَرَحُوها، فَحُذِفَ المُضافُ ولا تَكْرارَ في هَذا، وقَوْلُهُ: ﴿وقِهِمْ عَذابَ الجَحِيمِ﴾ لِعَدَمِ تَوافُقِ المَدْعُوِّ لَهم أنَّ الدُّعاءَ الأوَّلَ لِلَّذِينِ تابُوا، والثّانِي أنَّهُ لَهم ولِمَن صَلُحَ مِنَ المَذْكُورِينَ، أوْ لِاخْتِلافِ الدُّعاءَيْنِ إذا أُرِيدَ بِالسَّيِّئاتِ أنْفُسُهم، فَذَلِكَ وِقايَةُ عَذابِ الجَحِيمِ، وهَذا وِقايَةُ الوُقُوعِ في السَّيِّئاتِ. والتَّنْوِينُ في (يَوْمَئِذٍ) تَنْوِينُ العِوَضِ، والمَحْذُوفُ جُمْلَةٌ عُوِّضَ مِنها التَّنْوِينُ، ولَمْ تَتَقَدَّمْ جُمْلَةٌ يَكُونُ التَّنْوِينُ عِوَضًا مِنها، كَقَوْلِهِ: ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ﴾ [الواقعة: ٨٣]، ﴿وأنْتُمْ حِينَئِذٍ﴾ [الواقعة: ٨٤] أيْ: حِينَ إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ، فَلا بُدَّ مِنَ تَقْدِيرِ جُمْلَةٍ يَكُونُ التَّنْوِينُ عِوَضًا مِنها كَقَوْلِهِ، يَدُلُّ عَلَيْها مَعْنى الكَلامِ، وهي ﴿ومَن تَقِ السَّيِّئاتِ﴾ أيْ: جَزاءَها يَوْمَ إذْ يُؤاخَذُ بِها ﴿فَقَدْ رَحِمْتَهُ﴾ . ولَمْ يَتَعَرَّضْ أحَدٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ الَّذِينَ وقَفْنا عَلى كَلامِهِمْ في الآيَةِ لِلْجُمْلَةِ الَّتِي عُوِّضَ مِنها التَّنْوِينُ في (يَوْمَئِذٍ) وذَلِكَ إشارَةٌ إلى الغُفْرانِ، ودُخُولِ الجَنَّةِ، ووِقايَةُ العَذابِ هو الفَوْزُ بِالظَّفَرِ العَظِيمِ الَّذِي عَظُمَ خَطَرُهُ وجَلَّ صُنْعُهُ. ولَمّا ذَكَرَ شَيْئًا مِن أحْوالِ المُؤْمِنِينَ، وذَكَرَ شَيْئًا مِن أحْوالِ الكافِرِينَ، وما يَجْرِي لَهم في الآخِرَةِ مِنَ اعْتِرافِهِمْ بِذُنُوبِهِمْ، واسْتِحْقاقِهِمُ العَذابَ، وسُؤالِهِمُ الرُّجُوعَ إلى الدُّنْيا. ونِداؤُهم، قالَ السُّدِّيُّ: في النّارِ. وقالَ قَتادَةُ: يَوْمَ القِيامَةِ، والمُنادُونَ لَهُمُ الزَّبانِيَةُ عَلى جِهَةِ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ. واللّامُ في ﴿لَمَقْتُ﴾ لامُ الِابْتِداءِ ولامُ القَسَمِ، ومَقْتُ مَصْدَرٌ مُضافٌ إلى الفاعِلِ، التَّقْدِيرُ: لَمَقْتُ اللَّهِ إيّاكم، أوْ لَمَقْتُ اللَّهِ أنْفُسَكم، وحُذِفَ المَفْعُولُ لِدَلالَةِ ما بَعْدَهُ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ: ﴿أكْبَرُ مِن مَقْتِكم أنْفُسَكُمْ﴾ . والظّاهِرُ أنَّ مَقْتَ اللَّهِ إيّاهم هو في الدُّنْيا، ويَضْعُفُ أنْ يَكُونَ في الآخِرَةِ، كَما قالَ بَعْضُهم لِبَقاءِ (إذْ تُدْعَوْنَ)، مُفْلَتًا مِنَ الكَلامِ، لِكَوْنِهِ لَيْسَ لَهُ عامِلٌ تَقَدَّمَ، ولا مُفَسِّرٌ لِعامِلٍ. فَإذا كانَ المَقْتُ السّابِقُ في الدُّنْيا، أمْكَنَ أنْ يُضْمِرَ لَهُ عامِلٌ تَقْدِيرُهُ: مَقْتُكم إذْ تُدْعَوْنَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (وإذْ تُدْعَوْنَ) مَنصُوبٌ بِالمَقْتِ الأوَّلِ، والمَعْنى: أنَّهُ يُقالُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ: إنِ اللَّهَ مَقَتَ أنْفُسَكُمُ الأمّارَةَ بِالسُّوءِ والكُفْرِ حِينَ كانَ الأنْبِياءُ يَدْعُونَكم إلى الإيمانِ، فَتَأْبَوْنَ قُبُولَهُ وتَخْتارُونَ عَلَيْهِ الكُفْرَ، أشَدُّ مِمّا تَمْقُتُونَهُنَّ اليَوْمَ وأنْتُمْ في النّارِ، إذْ أوْقَعْتُكم فِيها بِاتِّباعِكم هَواهُنَّ. انْتَهى، وفِيهِ دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ. وأخْطَأ في قَوْلِهِ: (إذْ تُدْعَوْنَ) مَنصُوبٌ بِالمَقْتِ الأوَّلِ؛ لِأنَّ المَقْتَ مَصْدَرٌ، ومَعْمُولُهُ مِن صِلَتِهِ، ولا يَجُوزُ أنْ يُخْبِرَ عَنْهُ إلّا بَعْدَ اسْتِيفائِهِ صِلَتَهُ، وقَدْ أخْبَرَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أكْبَرُ مِن مَقْتِكم أنْفُسَكُمْ﴾، وهَذا مِن ظَواهِرِ عِلْمِ النَّحْوِ الَّتِي لا تَكادُ تَخْفى عَلى المُبْتَدِئِينَ، (p-٤٥٣)فَضْلًا عَمّا تَدَّعِي العَجَمُ أنَّهُ في العَرَبِيَّةِ شَيْخُ العَرَبِ والعَجَمِ. ولَمّا كانَ الفَصْلُ بَيْنَ المَصْدَرِ ومَعْمُولِهِ بِالخَبَرِ لا يَجُوزُ، قَدَّرْنا العامِلَ فِيهِ مُضْمَرًا، أيْ: مَقْتُكم إذْ تُدْعَوْنَ، وشَبِيهُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ﴾ [الطارق: ٨] . قَدَّرُوا العامِلَ بِرَجْعِهِ ﴿يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ﴾ [الطارق: ٩] لِلْفَصْلِ بِـ ﴿لَقادِرٌ﴾ [الطارق: ٨] بَيْنَ المَصْدَرِ ويَوْمَ. واخْتِلافُ زَمانَيِ المَقْتَيْنِ الأوَّلُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ هو قَوْلُ مُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، وابْنِ زَيْدٍ والأكْثَرِينَ. وتَقَدَّمَ لَنا أنَّ مِنهم مَن قالَ في الآخِرَةِ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وعَنِ الحَسَنِ لَمّا رَأوْا أعْمالَهُمُ الخَبِيثَةَ مَقَتُوا أنْفُسَهم فَنُودُوا: ﴿لَمَقْتُ اللَّهِ﴾ . وقِيلَ: مَعْناهُ لَمَقْتُ اللَّهِ إيّاكُمُ الآنَ أكْبَرُ مِن مَقْتِ بَعْضِكم لِبَعْضٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَكْفُرُ بَعْضُكم بِبَعْضٍ ويَلْعَنُ بَعْضُكم بَعْضًا﴾ [العنكبوت: ٢٥]، و(إذْ تُدْعَوْنَ) تَعْلِيلٌ. انْتَهى. وكانَ قَوْلُهُ: (إذْ تُدْعَوْنَ) تَعْلِيلٌ مِن كَلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ. وقالَ قَوْمٌ: (إذْ تُدْعَوْنَ) مَعْمُولٌ، لِـ ”اذْكُرْ“ مَحْذُوفَةٍ، ويَتَّجِهُ ذَلِكَ عَلى أنْ يَكُونَ مَقْتُ اللَّهِ إيّاهم في الآخِرَةِ، عَلى قَوْلِ الحَسَنِ، قِيلَ لَهم ذَلِكَ تَوْبِيخًا وتَقْرِيعًا وتَنْبِيهًا عَلى ما فاتَهم مِنَ الإيمانِ والثَّوابِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: مِن مَقْتِ أنْفُسِكم، أنْ كُلَّ واحِدٍ يَمْقُتُ نَفْسَهُ، أوْ أنْ بَعْضَكم يَمْقُتُ بَعْضًا، كَما قِيلَ: إنَّ الأتْباعَ يَمْقُتُونَ الرُّؤَساءَ لِما ورَّطُوهم فِيهِ مِنَ الكُفْرِ، والرُّؤَساءُ يَمْقُتُونَ الأتْباعَ. وقِيلَ: يَمْقُتُونَ أنْفُسَهم حِينَ قالَ لَهُمُ الشَّيْطانُ: ﴿فَلا تَلُومُونِي ولُومُوا أنْفُسَكُمْ﴾ [إبراهيم: ٢٢]، والمَقْتُ أشَدُّ البُغْضِ، وهو مُسْتَحِيلٌ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى، فَمَعْناهُ: الإنْكارُ والزَّجْرُ. ﴿قالُوا رَبَّنا أمَتَّنا اثْنَتَيْنِ﴾: وجْهُ اتِّصالِ هَذِهِ بِما قَبْلَها أنَّهم كانُوا يُنْكِرُونَ البَعْثَ، وعَظَّمَ مَقْتَهم أنْفُسَهم هَذا الإنْكارُ، فَلَمّا مَقَتُوا أنْفُسَهم، ورَأوْا حُزْنًا طَوِيلًا رَجَعُوا إلى الإقْرارِ بِالبَعْثِ، فَأقَرُّوا أنَّهُ تَعالى أماتَهُمُ اثْنَتَيْنِ وأحْياهُمُ اثْنَتَيْنِ تَعْظِيمًا لِقُدْرَتِهِ وتَوَسُّلًا إلى رِضاهُ، ثُمَّ أطْمَعُوا أنْفُسَهم بِالِاعْتِرافِ بِالذُّنُوبِ أنْ يُرَدُّوا إلى الدُّنْيا، أيْ: إنْ رَجَعْنا إلى الدُّنْيا ودُعِينا لِلْإيمانِ بادَرْنا إلَيْهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ، وأبُو مالِكٍ: مَوْتُهم كَوْنُهم ماءً في الأصْلابِ، ثُمَّ إحْياؤُهم في الدُّنْيا، ثُمَّ مَوْتُهم فِيها، ثُمَّ إحْياؤُهم يَوْمَ القِيامَةِ. وقالَ السُّدِّيُّ: إحْياؤُهم في الدُّنْيا، ثُمَّ إماتَتُهم فِيها، ثُمَّ إحْياؤُهم في القَبْرِ لِسُؤالِ المَلَكَيْنِ، ثُمَّ إماتَتُهم فِيهِ، ثُمَّ إحْياؤُهم في الحَشْرِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: إحْياؤُهم نَسَمًا عِنْدَ أخْذِ العَهْدِ عَلَيْهِمْ مِن صُلْبِ آدَمَ، ثُمَّ إماتَتُهم بَعْدُ، ثُمَّ إحْياؤُهم في الدُّنْيا، ثُمَّ إماتَتُهم، ثُمَّ إحْياؤُهم، فَعَلى هَذا والَّذِي قَبْلَهُ تَكُونُ ثَلاثَةَ إحْياءاتٍ، وهو خِلافُ القُرْآنِ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: الكافِرُ في الدُّنْيا حَيُّ الجَسَدِ، مَيِّتُ القَلْبِ، فاعْتُبِرَتِ الحالَتانِ، ثُمَّ إماتَتُهم حَقِيقَةً، ثُمَّ إحْياؤُهم في البَعْثِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في أوَّلِ البَقَرَةِ عَلى الإماتَتَيْنِ والإحْياءَيْنِ في قَوْلِهِ: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وكُنْتُمْ أمْواتًا﴾ [البقرة: ٢٨] الآيَةَ، وكَرَّرْنا ذَلِكَ هُنا لِبُعْدِ ما بَيْنَ المَوْضِعَيْنِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): كَيْفَ صَحَّ أنْ يُسَمِّيَ (خَلَقَهم أمْواتًا) إماتَةً ؟ (قُلْتُ): كَما صَحَّ: سُبْحانَ مِن صَغَّرَ جِسْمَ البَعُوضَةِ وكَبَّرَ جِسْمَ الفِيلِ، وقَوْلُكُ لِلْحَفّارِ ضَيِّقْ فَمَ الرَّكِيَّةِ ووَسِّعْ أسْفَلَها، ولَيْسَ ثَمَّ نَقْلٌ مِن كِبَرٍ إلى صِغَرٍ، ولا مِن صِغَرٍ إلى كِبَرٍ، ولا مِن ضِيقٍ إلى سِعَةٍ، ولا مِن سِعَةٍ إلى ضِيقٍ، وإنَّما أرَدْتَ الإنْشاءَ عَلى تِلْكَ الصِّفاتِ. والسَّبَبُ في صِحَّتِهِ أنَّ الصِّغَرَ والكِبَرَ جائِزانِ مَعًا عَلى المَصْنُوعِ الواحِدِ مِن غَيْرِ تَرْجِيحٍ لِأحَدِهِما، وكَذَلِكَ الضِّيقُ والسِّعَةُ، فَإذا اخْتارَ الصّانِعُ أحَدَ الجائِزَيْنِ، وهو مُتَمَكِّنٌ مِنهُما عَلى السَّواءِ، فَقَدْ صَرَفَ المَصْنُوعَ إلى الجائِزِ الآخَرِ، فَجَعَلَ صَرْفَهُ عَنْهُ كَنَقْلِهِ مِنهُ. انْتَهى. يَعْنِي أنَّ (خَلَقَهم أمْواتًا) كَأنَّهُ نَقْلٌ مِنَ الحَياةِ، وهو الجائِزُ الآخَرُ. وظاهِرُ ﴿فاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا﴾ أنَّهُ مُتَسَبِّبٌ عَنْ قُبُولِهِمْ. ﴿قالُوا رَبَّنا أمَتَّنا اثْنَتَيْنِ وأحْيَيْتَنا اثْنَتَيْنِ﴾ وثَمَّ مَحْذُوفٌ، أيْ: فَعَرَفْنا قُدْرَتَكَ عَلى الإماتَةِ والإحْياءِ، وزالَ إنْكارُنا لِلْبَعْثِ، ﴿فاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا﴾ السّابِقَةِ مِن إنْكارِ البَعْثِ وغَيْرِهِ. ﴿فَهَلْ إلى خُرُوجٍ﴾ أيْ: سَرِيعٍ أوْ بَطِيءٍ مِنَ النّارِ، ﴿مِن سَبِيلٍ﴾: وهَذا سُؤالُ مَن يَئِسَ مِنَ الخُرُوجِ، ولَكِنَّهُ تَعَلَّلٌ وتَحَيَّرٌ. (ذَلِكم): الظّاهِرُ أنَّ الخِطابَ لِلْكُفّارِ في الآخِرَةِ، (p-٤٥٤)والإشارَةُ إلى العَذابِ الَّذِي هم فِيهِ، أوْ إلى مَقْتِهِمْ أنْفُسَهم، أوْ إلى المَنعِ مِنَ الخُرُوجِ والزَّجْرِ والإهانَةِ، احْتِمالاتٌ مَقُولَةٌ. وقِيلَ: الخِطابُ لِمُحاضِرِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، والضَّمِيرُ في (فَإنَّهُ) ضَمِيرُ الشَّأْنِ. ﴿إذا دُعِيَ اللَّهُ وحْدَهُ﴾ أيْ: إذا أُفْرِدَ بِالإلَهِيَّةِ ونُفِيَتْ عَنْ سِواهُ، ﴿كَفَرْتُمْ وإنْ يُشْرَكْ بِهِ﴾ أيْ: ذُكِرَتِ اللّاتُ والعُزّى وأمْثالُهُما مِنَ الأصْنامِ، صَدَّقْتُمْ بِأُلُوهِيَّتِها وسَكَنَتْ نُفُوسُكم إلَيْها. ﴿فالحُكْمُ﴾ بِعَذابِكم، (لِلَّهِ)، لا لِتِلْكَ الأصْنامِ الَّتِي أشْرَكْتُمُوها مَعَ اللَّهِ، (العَلِيِّ) عَنِ الشِّرْكِ، (الكَبِيرِ): العَظِيمِ الكِبْرِياءِ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: لِأهْلِ النّارِ خَمْسُ دَعَواتٍ، يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ في الأرْبَعَةِ، فَإذا كانَتِ الخامِسَةُ سَكَتُوا. ﴿قالُوا رَبَّنا أمَتَّنا اثْنَتَيْنِ﴾ الآيَةَ، وفي إبْراهِيمَ: ﴿رَبَّنا أخِّرْنا﴾ [إبراهيم: ٤٤] الآيَةَ، وفي السَّجْدَةِ: ﴿رَبَّنا أبْصَرْنا﴾ [السجدة: ١٢] الآيَةَ، وفي فاطِرٍ: ﴿رَبَّنا أخْرِجْنا﴾ [فاطر: ٣٧] الآيَةَ، وفي المُؤْمِنُونَ: ﴿رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا﴾ [المؤمنون: ١٠٦] الآيَةَ، فَراجَعَهُمُ ﴿اخْسَئُوا فِيها ولا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] قالَ: فَكانَ آخِرُ كَلامِهِمْ ذَلِكَ. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى ما يُوجِبُ التَّهْدِيدَ الشَّدِيدَ في حَقِّ المُشْرِكِينَ، أرْدَفَهُ بِذِكْرِ ما يَدُلُّ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ وحِكْمَتِهِ، لَيَصِيرَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ جَعْلُ الأحْجارِ المَنحُوتَةِ والخُشُبِ المَعْبُودَةِ شُرَكاءَ لِلَّهِ، فَقالَ: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكم آياتِهِ﴾ أيُّها النّاسُ، ويَشْمَلُ آياتِ قُدْرَتِهِ مِنَ الرِّيحِ والسَّحابِ والرَّعْدِ والبَرْقِ والصَّواعِقِ ونَحْوِها مِنَ الآثارِ العُلْوِيَّةِ، وآياتِ كِتابِهِ المُشْتَمِلِ عَلى الأوَّلِينَ والآخَرِينَ، وآياتِ الإعْجازِ عَلى أيْدِي رُسُلِهِ. وهَذِهِ الآياتُ راجِعَةٌ إلى نُورِ العَقْلِ الدّاعِي إلى تَوْحِيدِ اللَّهِ. ثُمَّ قالَ: ﴿ويُنَزِّلُ لَكم مِنَ السَّماءِ رِزْقًا﴾، وهو المَطَرُ الَّذِي هو سَبَبُ قِوامِ بِنْيَةِ البَدَنِ، فَتِلْكَ الآياتُ لِلْأدْيانِ كَهَذا الرِّزْقِ لِلْأبْدانِ. ﴿وما يَتَذَكَّرُ﴾ أيْ: يَتَّعِظُ ويَعْتَبِرُ، وجَعَلَهُ تَذَكُّرًا؛ لِأنَّهُ مَرْكُوزٌ في العُقُولِ دَلائِلُ التَّوْحِيدِ، ثُمَّ قَدْ يَعْرِضُ الِاشْتِغالُ بِعِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ فَيَمْنَعُ مِن تَجَلِّي نُورِ العَقْلِ، فَإذا تابَ إلى اللَّهِ تَذَكَّرَ.

غافر 40:10

﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ ومَن حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ويُؤْمِنُونَ بِهِ ويَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا وسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وعِلْمًا فاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا واتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وقِهِمْ عَذابَ الجَحِيمِ﴾ ﴿رَبَّنا وأدْخِلْهم جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وعَدْتَهم ومَن صَلَحَ مِن آبائِهِمْ وأزْواجِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ﴿وقِهِمُ السَّيِّئاتِ ومَن تَقِ السَّيِّئاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أكْبَرُ مِن مَقْتِكم أنْفُسَكم إذْ تُدْعَوْنَ إلى الإيمانِ فَتَكْفُرُونَ﴾ ﴿قالُوا رَبَّنا أمَتَّنا اثْنَتَيْنِ وأحْيَيْتَنا اثْنَتَيْنِ فاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا فَهَلْ إلى خُرُوجٍ مِن سَبِيلٍ﴾ ﴿ذَلِكم بِأنَّهُ إذا دُعِيَ اللَّهُ وحْدَهُ كَفَرْتُمْ وإنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فالحُكْمُ لِلَّهِ العَلِيِّ الكَبِيرِ﴾ ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكم آياتِهِ ويُنَزِّلُ لَكم مِنَ السَّماءِ رِزْقًا وما يَتَذَكَّرُ إلّا مَن يُنِيبُ﴾ . لَمّا ذَكَرَ جِدالَ الكُفّارِ في آياتِ اللَّهِ وعِصْيانَهم، ذَكَرَ طاعَةَ هَؤُلاءِ المُصْطَفَيْنَ مِن خَلْقِهِ، وهم حَمَلَةُ العَرْشِ، ﴿ومَن حَوْلَهُ﴾، وهم (p-٤٥١)الحافُّونَ بِهِ مِنَ المَلائِكَةِ. وذَكَرُوا مِن وصْفِ تِلْكَ الحَمَلَةِ وعِظَمِ خَلْقِهِمْ، ووَصْفِ العَرْشِ، ومِن أيِّ شَيْءٍ خُلِقَ، والحُجُبِ السَّبْعِينِيّاتِ الَّتِي اخْتَلَفَتْ أجْناسُها، قالُوا: احْتَجَبَ اللَّهُ عَنِ العَرْشِ وعَنْ حامِلِيهِ، واللَّهُ أعْلَمُ بِهِ عَلى أنَّ قُدْرَتَهُ تَعالى مُحْتَمِلَةٌ لِكُلِّ ما ذَكَرُوهُ مِمّا لا يَقْتَضِي تَجْسِيمًا، لَكِنَّهُ يَحْتاجُ إلى نَقْلٍ صَحِيحٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (العَرْشَ) بِفَتْحِ العَيْنِ؛ وابْنُ عَبّاسٍ وفِرْقَةٌ: بِضَمِّها، كَأنَّهُ جَمْعُ عَرْشٍ، كَسَقْفٍ وسُقُفٍ، أوْ يَكُونُ لُغَةً في العَرْشِ. ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ أيْ: يُنَزِّهُونَهُ عَنْ جَمِيعِ النَّقائِصِ، ﴿بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾: بِالثَّناءِ عَلَيْهِ بِأنَّهُ المُنْعِمُ عَلى الإطْلاقِ. والتَّسْبِيحُ: إشارَةٌ إلى الإجْلالِ؛ والتَّحْمِيدُ: إشارَةٌ إلى الإكْرامِ، فَهو قَرِيبٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الجَلالِ والإكْرامِ﴾ [الرحمن: ٧٨]، ونَظِيرُهُ: ﴿وتَرى المَلائِكَةَ حافِّينَ مِن حَوْلِ العَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وقُضِيَ بَيْنَهم بِالحَقِّ﴾ [الزمر: ٧٥]؛ وقَوْلُهم: ونَحْنُ نَسَبَّحُ بِحَمْدِكَ. ﴿ويُؤْمِنُونَ﴾ أيْ: ويُصَدِّقُونَ بِوُجُودِهِ تَعالى، وبِما وصَفَ بِهِ نَفْسَهُ مِنَ صِفاتِهِ العُلا، وتَسْبِيحُهم إيّاهُ يَتَضَمَّنُ الإيمانَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): ما فائِدَةُ قَوْلِهِ: ﴿ويُؤْمِنُونَ بِهِ﴾، ولا يَخْفى عَلى أحَدٍ أنَّ حَمَلَةِ العَرْشِ ومَن حَوْلَهُ مِنَ المَلائِكَةِ الَّذِينَ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِهِ مُؤْمِنُونَ ؟ (قُلْتُ): فائِدَتُهُ إظْهارُ شَرَفِ الإيمانِ وفَضْلِهِ والتَّرْغِيبُ فِيهِ، كَما وصَفَ الأنْبِياءَ في غَيْرِ مَوْضِعٍ مِن كِتابِهِ بِالصَّلاحِ لِذَلِكَ، وكَما عَقَّبَ أعْمالَهَمُ الخَيْرَ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البلد: ١٧]، فَأبانَ بِذَلِكَ فَضْلَ الإيمانِ. وفائِدَةٌ أُخْرى، وهي التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ الأمْرَ لَوْ كانَ كَما تَقُولُ المُجَسِّمَةُ، لَكانَ حَمَلَةُ العَرْشِ ومَن حَوْلَهُ مُشاهِدِينَ مُعايِنِينَ، ولَما وُصِفُوا بِالإيمانِ؛ لِأنَّهُ إنَّما يُوصَفُ بِالإيمانِ الغائِبُ. ولَمّا وُصِفُوا بِهِ عَلى سَبِيلِ الثَّناءِ عَلَيْهِمْ، عُلِمَ أنَّ إيمانَهم وإيمانَ مَن في الأرْضِ وكُلِّ مَن غابَ عَنْ ذَلِكَ المَقامِ سَواءٌ في أنَّ إيمانَ الجَمِيعِ بِطَرِيقِ النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ لا غَيْرُ، وأنَّهُ لا طَرِيقَ إلى مَعْرِفَتِهِ إلّا هَذا، وأنَّهُ مُنَزَّهٌ عَنْ صِفاتِ الأجْرامِ. وقَدْ رُوعِيَ التَّناسُبُ في قَوْلِهِ: ﴿ويُؤْمِنُونَ بِهِ ويَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾، كَأنَّهُ قِيلَ: ويُؤْمِنُونَ ويَسْتَغْفِرُونَ لِمَن في مِثْلِ حالِهِمْ وصِفَتِهِمْ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الِاشْتِراكَ في الإيمانِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ أدْعى شَيْءٍ إلى النَّصِيحَةِ، وأبْعَثَهُ عَلى إمْحاضِ الشَّفَقَةِ، وإنْ تَفاوَتَتِ الأجْناسُ وتَباعَدَتِ الأماكِنُ، فَإنَّهُ لا تَجانُسَ بَيْنَ مَلَكٍ وإنْسانٍ، ولا بَيْنَ سَماءٍ وأرْضٍ قَطُّ، ثُمَّ لَمّا جاءَ جامِعُ الإيمانِ، جاءَ مَعَهُ التَّجانُسُ الكُلِّيُّ والتَّناسُبُ الحَقِيقِيُّ، حَتّى اسْتَغْفَرَ مَن حَوْلَ العَرْشِ لِمَن فَوْقَ الأرْضِ، قالَ تَعالى: ﴿ويَسْتَغْفِرُونَ لِمَن في الأرْضِ﴾ [الشورى: ٥] . انْتَهى، وهو كَلامٌ حَسَنٌ. إلّا أنَّ قَوْلَهُ: إنَّ إيمانَ الجَمِيعِ بِطَرِيقِ النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ لا غَيْرُ. فِيهِ نَظَرٌ، وقَوْلُهُ: ﴿ويَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ تَخْصِيصٌ لِعُمُومِ قَوْلِهِ: ﴿ويَسْتَغْفِرُونَ لِمَن في الأرْضِ﴾ [الشورى: ٥] . وقالَ مُطَرِّفُ بْنُ الشِّخِّيرِ: وجَدْنا أنْصَحَ العِبادِ لِلْعِبادِ المَلائِكَةَ، وأغَشَّ العِبادِ لِلْعِبادِ الشَّياطِينَ، وتَلا هَذِهِ الآيَةَ. انْتَهى. ويَنْبَغِي أنْ يُقالَ: أنْصَحُ العِبادِ لِلْعِبادِ الأنْبِياءُ والمَلائِكَةُ. ﴿رَبَّنا وسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وعِلْمًا﴾ أيْ: يَقُولُونَ: رَبَّنا واحْتَمَلَ هَذا المَحْذُوفُ بَيانًا لِيَسْتَغْفِرُونِ، فَيَكُونُ في مَحَلِّ رَفْعٍ، وأنْ يَكُونَ حالًا، فَيَكُونُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ. وكَثِيرًا ما جاءَ النِّداءُ بِلَفْظِ رَبَّنا، ورَبِّ، وفِيهِ اسْتِعْطافُ العَبْدِ لِمَوْلاهُ الَّذِي رَبّاهُ، وقامَ بِمَصالِحِهِ مِن لَدُنْ نَشْأتِهِ إلى وقْتِ نِدائِهِ، فَهو جَدِيرٌ بِأنْ لا يُنادِيَهُ إلّا بِلَفْظِ الرَّبِّ. وانْتَصَبَ ﴿رَحْمَةً وعِلْمًا﴾ عَلى التَّمْيِيزِ، والأصْلُ: وسِعَتْ رَحْمَتُكَ كُلَّ شَيْءٍ، وعِلْمُكَ كُلَّ شَيْءٍ؛ وأُسْنِدَ الوُسْعُ إلى صاحِبِها مُبالَغَةً، كَأنَّ ذاتَهُ هي الرَّحْمَةُ والعِلْمُ، وقَدْ وسِعَ كُلَّ شَيْءٍ. وقَدَّمَ الرَّحْمَةَ؛ لِأنَّهم بِها يَسْتَمْطِرُونَ إحْسانَهُ ويَتَوَسَّلُونَ بِها إلى حُصُولِ مَطْلُوبِهِمْ مِن سُؤالِ المَغْفِرَةِ. ولَمّا حَكى تَعالى عَنْهم كَيْفِيَّةَ ثَنائِهِمْ عَلَيْهِ، وأخْبَرَ بِاسْتِغْفارِهِمْ، وهو قَوْلُهم: ﴿فاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا واتَّبَعُوا سَبِيلَكَ﴾ . وطَلَبُ المَغْفِرَةِ نَتِيجَةُ الرَّحْمَةِ، ولِلَّذِينِ تابُوا يَتَضَمَّنُ أنَّكَ عَلِمْتَ تَوْبَتَهم، فَهُما راجِعانِ إلى قَوْلِهِ: ﴿رَحْمَةً وعِلْمًا﴾، و﴿واتَّبَعُوا سَبِيلَكَ﴾، وهي سَبِيلُ الحَقِّ الَّتِي نَهَجَتْها لِعِبادِكَ، ﴿إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ﴾: الَّذِي لا تُغالَبُ، (الحَكِيمُ): الَّذِي يَضَعُ الأشْياءَ مَواضِعَها الَّتِي (p-٤٥٢)تَلِيقُ بِها. ولَمّا كانَ طَلَبُ الغُفْرانِ يَتَضَمَّنُ إسْقاطَ العَذابِ، أرْدَفُوهُ بِالتَّضَرُّعِ بِوِقايَتِهِمُ العَذابَ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ والتَّأْكِيدِ، فَقالُوا: ﴿وقِهِمْ عَذابَ الجَحِيمِ﴾، وطَلَبُ المَغْفِرَةِ ووِقايَةُ العَذابِ لِلتّائِبِ الصّالِحِ، وقَدْ وعَدَ بِذَلِكَ الوَعْدِ الصّادِقِ بِمَنزِلَةِ الشَّفاعَةِ في زِيادَةِ الثَّوابِ والكَرامَةِ. ولَمّا سَألُوا إزالَةَ العِقابِ، سَألُوا اتِّصالَ الثَّوابِ، وكَرَّرَ الدُّعاءَ بِـ (رَبَّنا) فَقالُوا: ﴿رَبَّنا وأدْخِلْهم جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ . وقَرَأ الجُمْهُورُ: (جَنّاتِ) جَمْعًا؛ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، والأعْمَشُ: (جَنَّةَ عَدْنٍ) بِالإفْرادِ، وكَذا في مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في إعْرابِ (الَّتِي) في قَوْلِهِ: ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وعَدَ الرَّحْمَنُ عِبادَهُ بِالغَيْبِ﴾ [مريم: ٦١] في سُورَةِ مَرْيَمَ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ (صَلُحَ) بِضَمِّ اللّامِ، يُقالُ: صَلَحَ فَهو صَلِيحٌ وصَلُحَ فَهو صالِحٌ. وقَرَأ عِيسى (وذُرِّيَّتَهم) بِالإفْرادِ؛ والجُمْهُورُ بِالجَمْعِ. وعَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ في تَفْسِيرِ ذَلِكَ أنَّ الرَّجُلَ يَدْخُلُ الجَنَّةَ قَبْلَ قَرابَتِهِ فَيَقُولُ: أيْنَ أبِي ؟ أيْنَ أُمِّي ؟ أيْنَ ابْنِي ؟ أيْنَ زَوْجَتِي ؟ فَيَلْحَقُونَ بِهِ لِصَلاحِهِ ولِتَنْبِيهِهِ عَلَيْهِ وطَلَبِهِ إيّاهم، وهَذِهِ دَعْوَةُ المَلائِكَةِ. انْتَهى. وإذا كانَ الإنْسانُ في خَيْرٍ، ومَعَهُ عَشِيرَتُهُ وأهْلُهُ، كانَ أبْهَجَ عِنْدَهُ وأسَرَّ لِقَلْبِهِ. والظّاهِرُ عَطْفُ (ومَن) عَلى الضَّمِيرِ في ﴿وأدْخِلْهُمْ﴾، إذْ هُمُ المُحَدَّثُ عَنْهم والمَسْئُولُ لَهم. وقالَ الفَرّاءُ، والزَّجّاجُ: نَصْبُهُ مِن مَكانَيْنِ: إنْ شِئْتَ عَلى الضَّمِيرِ في ﴿وأدْخِلْهُمْ﴾، وإنْ شِئْتَ عَلى الضَّمِيرِ في ﴿وعَدْتَهُمْ﴾ . ﴿وقِهِمُ السَّيِّئاتِ﴾ أيِ: امْنَعْهم مِنَ الوُقُوعِ فِيها حَتّى لا يَتَرَتَّبَ عَلَيْها جَزاؤُها، أوْ وقِهِمْ جَزاءَ السَّيِّئاتِ الَّتِي اجْتَرَحُوها، فَحُذِفَ المُضافُ ولا تَكْرارَ في هَذا، وقَوْلُهُ: ﴿وقِهِمْ عَذابَ الجَحِيمِ﴾ لِعَدَمِ تَوافُقِ المَدْعُوِّ لَهم أنَّ الدُّعاءَ الأوَّلَ لِلَّذِينِ تابُوا، والثّانِي أنَّهُ لَهم ولِمَن صَلُحَ مِنَ المَذْكُورِينَ، أوْ لِاخْتِلافِ الدُّعاءَيْنِ إذا أُرِيدَ بِالسَّيِّئاتِ أنْفُسُهم، فَذَلِكَ وِقايَةُ عَذابِ الجَحِيمِ، وهَذا وِقايَةُ الوُقُوعِ في السَّيِّئاتِ. والتَّنْوِينُ في (يَوْمَئِذٍ) تَنْوِينُ العِوَضِ، والمَحْذُوفُ جُمْلَةٌ عُوِّضَ مِنها التَّنْوِينُ، ولَمْ تَتَقَدَّمْ جُمْلَةٌ يَكُونُ التَّنْوِينُ عِوَضًا مِنها، كَقَوْلِهِ: ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ﴾ [الواقعة: ٨٣]، ﴿وأنْتُمْ حِينَئِذٍ﴾ [الواقعة: ٨٤] أيْ: حِينَ إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ، فَلا بُدَّ مِنَ تَقْدِيرِ جُمْلَةٍ يَكُونُ التَّنْوِينُ عِوَضًا مِنها كَقَوْلِهِ، يَدُلُّ عَلَيْها مَعْنى الكَلامِ، وهي ﴿ومَن تَقِ السَّيِّئاتِ﴾ أيْ: جَزاءَها يَوْمَ إذْ يُؤاخَذُ بِها ﴿فَقَدْ رَحِمْتَهُ﴾ . ولَمْ يَتَعَرَّضْ أحَدٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ الَّذِينَ وقَفْنا عَلى كَلامِهِمْ في الآيَةِ لِلْجُمْلَةِ الَّتِي عُوِّضَ مِنها التَّنْوِينُ في (يَوْمَئِذٍ) وذَلِكَ إشارَةٌ إلى الغُفْرانِ، ودُخُولِ الجَنَّةِ، ووِقايَةُ العَذابِ هو الفَوْزُ بِالظَّفَرِ العَظِيمِ الَّذِي عَظُمَ خَطَرُهُ وجَلَّ صُنْعُهُ. ولَمّا ذَكَرَ شَيْئًا مِن أحْوالِ المُؤْمِنِينَ، وذَكَرَ شَيْئًا مِن أحْوالِ الكافِرِينَ، وما يَجْرِي لَهم في الآخِرَةِ مِنَ اعْتِرافِهِمْ بِذُنُوبِهِمْ، واسْتِحْقاقِهِمُ العَذابَ، وسُؤالِهِمُ الرُّجُوعَ إلى الدُّنْيا. ونِداؤُهم، قالَ السُّدِّيُّ: في النّارِ. وقالَ قَتادَةُ: يَوْمَ القِيامَةِ، والمُنادُونَ لَهُمُ الزَّبانِيَةُ عَلى جِهَةِ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ. واللّامُ في ﴿لَمَقْتُ﴾ لامُ الِابْتِداءِ ولامُ القَسَمِ، ومَقْتُ مَصْدَرٌ مُضافٌ إلى الفاعِلِ، التَّقْدِيرُ: لَمَقْتُ اللَّهِ إيّاكم، أوْ لَمَقْتُ اللَّهِ أنْفُسَكم، وحُذِفَ المَفْعُولُ لِدَلالَةِ ما بَعْدَهُ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ: ﴿أكْبَرُ مِن مَقْتِكم أنْفُسَكُمْ﴾ . والظّاهِرُ أنَّ مَقْتَ اللَّهِ إيّاهم هو في الدُّنْيا، ويَضْعُفُ أنْ يَكُونَ في الآخِرَةِ، كَما قالَ بَعْضُهم لِبَقاءِ (إذْ تُدْعَوْنَ)، مُفْلَتًا مِنَ الكَلامِ، لِكَوْنِهِ لَيْسَ لَهُ عامِلٌ تَقَدَّمَ، ولا مُفَسِّرٌ لِعامِلٍ. فَإذا كانَ المَقْتُ السّابِقُ في الدُّنْيا، أمْكَنَ أنْ يُضْمِرَ لَهُ عامِلٌ تَقْدِيرُهُ: مَقْتُكم إذْ تُدْعَوْنَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (وإذْ تُدْعَوْنَ) مَنصُوبٌ بِالمَقْتِ الأوَّلِ، والمَعْنى: أنَّهُ يُقالُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ: إنِ اللَّهَ مَقَتَ أنْفُسَكُمُ الأمّارَةَ بِالسُّوءِ والكُفْرِ حِينَ كانَ الأنْبِياءُ يَدْعُونَكم إلى الإيمانِ، فَتَأْبَوْنَ قُبُولَهُ وتَخْتارُونَ عَلَيْهِ الكُفْرَ، أشَدُّ مِمّا تَمْقُتُونَهُنَّ اليَوْمَ وأنْتُمْ في النّارِ، إذْ أوْقَعْتُكم فِيها بِاتِّباعِكم هَواهُنَّ. انْتَهى، وفِيهِ دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ. وأخْطَأ في قَوْلِهِ: (إذْ تُدْعَوْنَ) مَنصُوبٌ بِالمَقْتِ الأوَّلِ؛ لِأنَّ المَقْتَ مَصْدَرٌ، ومَعْمُولُهُ مِن صِلَتِهِ، ولا يَجُوزُ أنْ يُخْبِرَ عَنْهُ إلّا بَعْدَ اسْتِيفائِهِ صِلَتَهُ، وقَدْ أخْبَرَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أكْبَرُ مِن مَقْتِكم أنْفُسَكُمْ﴾، وهَذا مِن ظَواهِرِ عِلْمِ النَّحْوِ الَّتِي لا تَكادُ تَخْفى عَلى المُبْتَدِئِينَ، (p-٤٥٣)فَضْلًا عَمّا تَدَّعِي العَجَمُ أنَّهُ في العَرَبِيَّةِ شَيْخُ العَرَبِ والعَجَمِ. ولَمّا كانَ الفَصْلُ بَيْنَ المَصْدَرِ ومَعْمُولِهِ بِالخَبَرِ لا يَجُوزُ، قَدَّرْنا العامِلَ فِيهِ مُضْمَرًا، أيْ: مَقْتُكم إذْ تُدْعَوْنَ، وشَبِيهُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ﴾ [الطارق: ٨] . قَدَّرُوا العامِلَ بِرَجْعِهِ ﴿يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ﴾ [الطارق: ٩] لِلْفَصْلِ بِـ ﴿لَقادِرٌ﴾ [الطارق: ٨] بَيْنَ المَصْدَرِ ويَوْمَ. واخْتِلافُ زَمانَيِ المَقْتَيْنِ الأوَّلُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ هو قَوْلُ مُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، وابْنِ زَيْدٍ والأكْثَرِينَ. وتَقَدَّمَ لَنا أنَّ مِنهم مَن قالَ في الآخِرَةِ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وعَنِ الحَسَنِ لَمّا رَأوْا أعْمالَهُمُ الخَبِيثَةَ مَقَتُوا أنْفُسَهم فَنُودُوا: ﴿لَمَقْتُ اللَّهِ﴾ . وقِيلَ: مَعْناهُ لَمَقْتُ اللَّهِ إيّاكُمُ الآنَ أكْبَرُ مِن مَقْتِ بَعْضِكم لِبَعْضٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَكْفُرُ بَعْضُكم بِبَعْضٍ ويَلْعَنُ بَعْضُكم بَعْضًا﴾ [العنكبوت: ٢٥]، و(إذْ تُدْعَوْنَ) تَعْلِيلٌ. انْتَهى. وكانَ قَوْلُهُ: (إذْ تُدْعَوْنَ) تَعْلِيلٌ مِن كَلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ. وقالَ قَوْمٌ: (إذْ تُدْعَوْنَ) مَعْمُولٌ، لِـ ”اذْكُرْ“ مَحْذُوفَةٍ، ويَتَّجِهُ ذَلِكَ عَلى أنْ يَكُونَ مَقْتُ اللَّهِ إيّاهم في الآخِرَةِ، عَلى قَوْلِ الحَسَنِ، قِيلَ لَهم ذَلِكَ تَوْبِيخًا وتَقْرِيعًا وتَنْبِيهًا عَلى ما فاتَهم مِنَ الإيمانِ والثَّوابِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: مِن مَقْتِ أنْفُسِكم، أنْ كُلَّ واحِدٍ يَمْقُتُ نَفْسَهُ، أوْ أنْ بَعْضَكم يَمْقُتُ بَعْضًا، كَما قِيلَ: إنَّ الأتْباعَ يَمْقُتُونَ الرُّؤَساءَ لِما ورَّطُوهم فِيهِ مِنَ الكُفْرِ، والرُّؤَساءُ يَمْقُتُونَ الأتْباعَ. وقِيلَ: يَمْقُتُونَ أنْفُسَهم حِينَ قالَ لَهُمُ الشَّيْطانُ: ﴿فَلا تَلُومُونِي ولُومُوا أنْفُسَكُمْ﴾ [إبراهيم: ٢٢]، والمَقْتُ أشَدُّ البُغْضِ، وهو مُسْتَحِيلٌ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى، فَمَعْناهُ: الإنْكارُ والزَّجْرُ. ﴿قالُوا رَبَّنا أمَتَّنا اثْنَتَيْنِ﴾: وجْهُ اتِّصالِ هَذِهِ بِما قَبْلَها أنَّهم كانُوا يُنْكِرُونَ البَعْثَ، وعَظَّمَ مَقْتَهم أنْفُسَهم هَذا الإنْكارُ، فَلَمّا مَقَتُوا أنْفُسَهم، ورَأوْا حُزْنًا طَوِيلًا رَجَعُوا إلى الإقْرارِ بِالبَعْثِ، فَأقَرُّوا أنَّهُ تَعالى أماتَهُمُ اثْنَتَيْنِ وأحْياهُمُ اثْنَتَيْنِ تَعْظِيمًا لِقُدْرَتِهِ وتَوَسُّلًا إلى رِضاهُ، ثُمَّ أطْمَعُوا أنْفُسَهم بِالِاعْتِرافِ بِالذُّنُوبِ أنْ يُرَدُّوا إلى الدُّنْيا، أيْ: إنْ رَجَعْنا إلى الدُّنْيا ودُعِينا لِلْإيمانِ بادَرْنا إلَيْهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ، وأبُو مالِكٍ: مَوْتُهم كَوْنُهم ماءً في الأصْلابِ، ثُمَّ إحْياؤُهم في الدُّنْيا، ثُمَّ مَوْتُهم فِيها، ثُمَّ إحْياؤُهم يَوْمَ القِيامَةِ. وقالَ السُّدِّيُّ: إحْياؤُهم في الدُّنْيا، ثُمَّ إماتَتُهم فِيها، ثُمَّ إحْياؤُهم في القَبْرِ لِسُؤالِ المَلَكَيْنِ، ثُمَّ إماتَتُهم فِيهِ، ثُمَّ إحْياؤُهم في الحَشْرِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: إحْياؤُهم نَسَمًا عِنْدَ أخْذِ العَهْدِ عَلَيْهِمْ مِن صُلْبِ آدَمَ، ثُمَّ إماتَتُهم بَعْدُ، ثُمَّ إحْياؤُهم في الدُّنْيا، ثُمَّ إماتَتُهم، ثُمَّ إحْياؤُهم، فَعَلى هَذا والَّذِي قَبْلَهُ تَكُونُ ثَلاثَةَ إحْياءاتٍ، وهو خِلافُ القُرْآنِ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: الكافِرُ في الدُّنْيا حَيُّ الجَسَدِ، مَيِّتُ القَلْبِ، فاعْتُبِرَتِ الحالَتانِ، ثُمَّ إماتَتُهم حَقِيقَةً، ثُمَّ إحْياؤُهم في البَعْثِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في أوَّلِ البَقَرَةِ عَلى الإماتَتَيْنِ والإحْياءَيْنِ في قَوْلِهِ: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وكُنْتُمْ أمْواتًا﴾ [البقرة: ٢٨] الآيَةَ، وكَرَّرْنا ذَلِكَ هُنا لِبُعْدِ ما بَيْنَ المَوْضِعَيْنِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): كَيْفَ صَحَّ أنْ يُسَمِّيَ (خَلَقَهم أمْواتًا) إماتَةً ؟ (قُلْتُ): كَما صَحَّ: سُبْحانَ مِن صَغَّرَ جِسْمَ البَعُوضَةِ وكَبَّرَ جِسْمَ الفِيلِ، وقَوْلُكُ لِلْحَفّارِ ضَيِّقْ فَمَ الرَّكِيَّةِ ووَسِّعْ أسْفَلَها، ولَيْسَ ثَمَّ نَقْلٌ مِن كِبَرٍ إلى صِغَرٍ، ولا مِن صِغَرٍ إلى كِبَرٍ، ولا مِن ضِيقٍ إلى سِعَةٍ، ولا مِن سِعَةٍ إلى ضِيقٍ، وإنَّما أرَدْتَ الإنْشاءَ عَلى تِلْكَ الصِّفاتِ. والسَّبَبُ في صِحَّتِهِ أنَّ الصِّغَرَ والكِبَرَ جائِزانِ مَعًا عَلى المَصْنُوعِ الواحِدِ مِن غَيْرِ تَرْجِيحٍ لِأحَدِهِما، وكَذَلِكَ الضِّيقُ والسِّعَةُ، فَإذا اخْتارَ الصّانِعُ أحَدَ الجائِزَيْنِ، وهو مُتَمَكِّنٌ مِنهُما عَلى السَّواءِ، فَقَدْ صَرَفَ المَصْنُوعَ إلى الجائِزِ الآخَرِ، فَجَعَلَ صَرْفَهُ عَنْهُ كَنَقْلِهِ مِنهُ. انْتَهى. يَعْنِي أنَّ (خَلَقَهم أمْواتًا) كَأنَّهُ نَقْلٌ مِنَ الحَياةِ، وهو الجائِزُ الآخَرُ. وظاهِرُ ﴿فاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا﴾ أنَّهُ مُتَسَبِّبٌ عَنْ قُبُولِهِمْ. ﴿قالُوا رَبَّنا أمَتَّنا اثْنَتَيْنِ وأحْيَيْتَنا اثْنَتَيْنِ﴾ وثَمَّ مَحْذُوفٌ، أيْ: فَعَرَفْنا قُدْرَتَكَ عَلى الإماتَةِ والإحْياءِ، وزالَ إنْكارُنا لِلْبَعْثِ، ﴿فاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا﴾ السّابِقَةِ مِن إنْكارِ البَعْثِ وغَيْرِهِ. ﴿فَهَلْ إلى خُرُوجٍ﴾ أيْ: سَرِيعٍ أوْ بَطِيءٍ مِنَ النّارِ، ﴿مِن سَبِيلٍ﴾: وهَذا سُؤالُ مَن يَئِسَ مِنَ الخُرُوجِ، ولَكِنَّهُ تَعَلَّلٌ وتَحَيَّرٌ. (ذَلِكم): الظّاهِرُ أنَّ الخِطابَ لِلْكُفّارِ في الآخِرَةِ، (p-٤٥٤)والإشارَةُ إلى العَذابِ الَّذِي هم فِيهِ، أوْ إلى مَقْتِهِمْ أنْفُسَهم، أوْ إلى المَنعِ مِنَ الخُرُوجِ والزَّجْرِ والإهانَةِ، احْتِمالاتٌ مَقُولَةٌ. وقِيلَ: الخِطابُ لِمُحاضِرِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، والضَّمِيرُ في (فَإنَّهُ) ضَمِيرُ الشَّأْنِ. ﴿إذا دُعِيَ اللَّهُ وحْدَهُ﴾ أيْ: إذا أُفْرِدَ بِالإلَهِيَّةِ ونُفِيَتْ عَنْ سِواهُ، ﴿كَفَرْتُمْ وإنْ يُشْرَكْ بِهِ﴾ أيْ: ذُكِرَتِ اللّاتُ والعُزّى وأمْثالُهُما مِنَ الأصْنامِ، صَدَّقْتُمْ بِأُلُوهِيَّتِها وسَكَنَتْ نُفُوسُكم إلَيْها. ﴿فالحُكْمُ﴾ بِعَذابِكم، (لِلَّهِ)، لا لِتِلْكَ الأصْنامِ الَّتِي أشْرَكْتُمُوها مَعَ اللَّهِ، (العَلِيِّ) عَنِ الشِّرْكِ، (الكَبِيرِ): العَظِيمِ الكِبْرِياءِ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: لِأهْلِ النّارِ خَمْسُ دَعَواتٍ، يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ في الأرْبَعَةِ، فَإذا كانَتِ الخامِسَةُ سَكَتُوا. ﴿قالُوا رَبَّنا أمَتَّنا اثْنَتَيْنِ﴾ الآيَةَ، وفي إبْراهِيمَ: ﴿رَبَّنا أخِّرْنا﴾ [إبراهيم: ٤٤] الآيَةَ، وفي السَّجْدَةِ: ﴿رَبَّنا أبْصَرْنا﴾ [السجدة: ١٢] الآيَةَ، وفي فاطِرٍ: ﴿رَبَّنا أخْرِجْنا﴾ [فاطر: ٣٧] الآيَةَ، وفي المُؤْمِنُونَ: ﴿رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا﴾ [المؤمنون: ١٠٦] الآيَةَ، فَراجَعَهُمُ ﴿اخْسَئُوا فِيها ولا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] قالَ: فَكانَ آخِرُ كَلامِهِمْ ذَلِكَ. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى ما يُوجِبُ التَّهْدِيدَ الشَّدِيدَ في حَقِّ المُشْرِكِينَ، أرْدَفَهُ بِذِكْرِ ما يَدُلُّ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ وحِكْمَتِهِ، لَيَصِيرَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ جَعْلُ الأحْجارِ المَنحُوتَةِ والخُشُبِ المَعْبُودَةِ شُرَكاءَ لِلَّهِ، فَقالَ: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكم آياتِهِ﴾ أيُّها النّاسُ، ويَشْمَلُ آياتِ قُدْرَتِهِ مِنَ الرِّيحِ والسَّحابِ والرَّعْدِ والبَرْقِ والصَّواعِقِ ونَحْوِها مِنَ الآثارِ العُلْوِيَّةِ، وآياتِ كِتابِهِ المُشْتَمِلِ عَلى الأوَّلِينَ والآخَرِينَ، وآياتِ الإعْجازِ عَلى أيْدِي رُسُلِهِ. وهَذِهِ الآياتُ راجِعَةٌ إلى نُورِ العَقْلِ الدّاعِي إلى تَوْحِيدِ اللَّهِ. ثُمَّ قالَ: ﴿ويُنَزِّلُ لَكم مِنَ السَّماءِ رِزْقًا﴾، وهو المَطَرُ الَّذِي هو سَبَبُ قِوامِ بِنْيَةِ البَدَنِ، فَتِلْكَ الآياتُ لِلْأدْيانِ كَهَذا الرِّزْقِ لِلْأبْدانِ. ﴿وما يَتَذَكَّرُ﴾ أيْ: يَتَّعِظُ ويَعْتَبِرُ، وجَعَلَهُ تَذَكُّرًا؛ لِأنَّهُ مَرْكُوزٌ في العُقُولِ دَلائِلُ التَّوْحِيدِ، ثُمَّ قَدْ يَعْرِضُ الِاشْتِغالُ بِعِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ فَيَمْنَعُ مِن تَجَلِّي نُورِ العَقْلِ، فَإذا تابَ إلى اللَّهِ تَذَكَّرَ.

غافر 40:11

﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ ومَن حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ويُؤْمِنُونَ بِهِ ويَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا وسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وعِلْمًا فاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا واتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وقِهِمْ عَذابَ الجَحِيمِ﴾ ﴿رَبَّنا وأدْخِلْهم جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وعَدْتَهم ومَن صَلَحَ مِن آبائِهِمْ وأزْواجِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ﴿وقِهِمُ السَّيِّئاتِ ومَن تَقِ السَّيِّئاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أكْبَرُ مِن مَقْتِكم أنْفُسَكم إذْ تُدْعَوْنَ إلى الإيمانِ فَتَكْفُرُونَ﴾ ﴿قالُوا رَبَّنا أمَتَّنا اثْنَتَيْنِ وأحْيَيْتَنا اثْنَتَيْنِ فاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا فَهَلْ إلى خُرُوجٍ مِن سَبِيلٍ﴾ ﴿ذَلِكم بِأنَّهُ إذا دُعِيَ اللَّهُ وحْدَهُ كَفَرْتُمْ وإنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فالحُكْمُ لِلَّهِ العَلِيِّ الكَبِيرِ﴾ ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكم آياتِهِ ويُنَزِّلُ لَكم مِنَ السَّماءِ رِزْقًا وما يَتَذَكَّرُ إلّا مَن يُنِيبُ﴾ . لَمّا ذَكَرَ جِدالَ الكُفّارِ في آياتِ اللَّهِ وعِصْيانَهم، ذَكَرَ طاعَةَ هَؤُلاءِ المُصْطَفَيْنَ مِن خَلْقِهِ، وهم حَمَلَةُ العَرْشِ، ﴿ومَن حَوْلَهُ﴾، وهم (p-٤٥١)الحافُّونَ بِهِ مِنَ المَلائِكَةِ. وذَكَرُوا مِن وصْفِ تِلْكَ الحَمَلَةِ وعِظَمِ خَلْقِهِمْ، ووَصْفِ العَرْشِ، ومِن أيِّ شَيْءٍ خُلِقَ، والحُجُبِ السَّبْعِينِيّاتِ الَّتِي اخْتَلَفَتْ أجْناسُها، قالُوا: احْتَجَبَ اللَّهُ عَنِ العَرْشِ وعَنْ حامِلِيهِ، واللَّهُ أعْلَمُ بِهِ عَلى أنَّ قُدْرَتَهُ تَعالى مُحْتَمِلَةٌ لِكُلِّ ما ذَكَرُوهُ مِمّا لا يَقْتَضِي تَجْسِيمًا، لَكِنَّهُ يَحْتاجُ إلى نَقْلٍ صَحِيحٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (العَرْشَ) بِفَتْحِ العَيْنِ؛ وابْنُ عَبّاسٍ وفِرْقَةٌ: بِضَمِّها، كَأنَّهُ جَمْعُ عَرْشٍ، كَسَقْفٍ وسُقُفٍ، أوْ يَكُونُ لُغَةً في العَرْشِ. ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ أيْ: يُنَزِّهُونَهُ عَنْ جَمِيعِ النَّقائِصِ، ﴿بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾: بِالثَّناءِ عَلَيْهِ بِأنَّهُ المُنْعِمُ عَلى الإطْلاقِ. والتَّسْبِيحُ: إشارَةٌ إلى الإجْلالِ؛ والتَّحْمِيدُ: إشارَةٌ إلى الإكْرامِ، فَهو قَرِيبٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الجَلالِ والإكْرامِ﴾ [الرحمن: ٧٨]، ونَظِيرُهُ: ﴿وتَرى المَلائِكَةَ حافِّينَ مِن حَوْلِ العَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وقُضِيَ بَيْنَهم بِالحَقِّ﴾ [الزمر: ٧٥]؛ وقَوْلُهم: ونَحْنُ نَسَبَّحُ بِحَمْدِكَ. ﴿ويُؤْمِنُونَ﴾ أيْ: ويُصَدِّقُونَ بِوُجُودِهِ تَعالى، وبِما وصَفَ بِهِ نَفْسَهُ مِنَ صِفاتِهِ العُلا، وتَسْبِيحُهم إيّاهُ يَتَضَمَّنُ الإيمانَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): ما فائِدَةُ قَوْلِهِ: ﴿ويُؤْمِنُونَ بِهِ﴾، ولا يَخْفى عَلى أحَدٍ أنَّ حَمَلَةِ العَرْشِ ومَن حَوْلَهُ مِنَ المَلائِكَةِ الَّذِينَ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِهِ مُؤْمِنُونَ ؟ (قُلْتُ): فائِدَتُهُ إظْهارُ شَرَفِ الإيمانِ وفَضْلِهِ والتَّرْغِيبُ فِيهِ، كَما وصَفَ الأنْبِياءَ في غَيْرِ مَوْضِعٍ مِن كِتابِهِ بِالصَّلاحِ لِذَلِكَ، وكَما عَقَّبَ أعْمالَهَمُ الخَيْرَ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البلد: ١٧]، فَأبانَ بِذَلِكَ فَضْلَ الإيمانِ. وفائِدَةٌ أُخْرى، وهي التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ الأمْرَ لَوْ كانَ كَما تَقُولُ المُجَسِّمَةُ، لَكانَ حَمَلَةُ العَرْشِ ومَن حَوْلَهُ مُشاهِدِينَ مُعايِنِينَ، ولَما وُصِفُوا بِالإيمانِ؛ لِأنَّهُ إنَّما يُوصَفُ بِالإيمانِ الغائِبُ. ولَمّا وُصِفُوا بِهِ عَلى سَبِيلِ الثَّناءِ عَلَيْهِمْ، عُلِمَ أنَّ إيمانَهم وإيمانَ مَن في الأرْضِ وكُلِّ مَن غابَ عَنْ ذَلِكَ المَقامِ سَواءٌ في أنَّ إيمانَ الجَمِيعِ بِطَرِيقِ النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ لا غَيْرُ، وأنَّهُ لا طَرِيقَ إلى مَعْرِفَتِهِ إلّا هَذا، وأنَّهُ مُنَزَّهٌ عَنْ صِفاتِ الأجْرامِ. وقَدْ رُوعِيَ التَّناسُبُ في قَوْلِهِ: ﴿ويُؤْمِنُونَ بِهِ ويَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾، كَأنَّهُ قِيلَ: ويُؤْمِنُونَ ويَسْتَغْفِرُونَ لِمَن في مِثْلِ حالِهِمْ وصِفَتِهِمْ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الِاشْتِراكَ في الإيمانِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ أدْعى شَيْءٍ إلى النَّصِيحَةِ، وأبْعَثَهُ عَلى إمْحاضِ الشَّفَقَةِ، وإنْ تَفاوَتَتِ الأجْناسُ وتَباعَدَتِ الأماكِنُ، فَإنَّهُ لا تَجانُسَ بَيْنَ مَلَكٍ وإنْسانٍ، ولا بَيْنَ سَماءٍ وأرْضٍ قَطُّ، ثُمَّ لَمّا جاءَ جامِعُ الإيمانِ، جاءَ مَعَهُ التَّجانُسُ الكُلِّيُّ والتَّناسُبُ الحَقِيقِيُّ، حَتّى اسْتَغْفَرَ مَن حَوْلَ العَرْشِ لِمَن فَوْقَ الأرْضِ، قالَ تَعالى: ﴿ويَسْتَغْفِرُونَ لِمَن في الأرْضِ﴾ [الشورى: ٥] . انْتَهى، وهو كَلامٌ حَسَنٌ. إلّا أنَّ قَوْلَهُ: إنَّ إيمانَ الجَمِيعِ بِطَرِيقِ النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ لا غَيْرُ. فِيهِ نَظَرٌ، وقَوْلُهُ: ﴿ويَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ تَخْصِيصٌ لِعُمُومِ قَوْلِهِ: ﴿ويَسْتَغْفِرُونَ لِمَن في الأرْضِ﴾ [الشورى: ٥] . وقالَ مُطَرِّفُ بْنُ الشِّخِّيرِ: وجَدْنا أنْصَحَ العِبادِ لِلْعِبادِ المَلائِكَةَ، وأغَشَّ العِبادِ لِلْعِبادِ الشَّياطِينَ، وتَلا هَذِهِ الآيَةَ. انْتَهى. ويَنْبَغِي أنْ يُقالَ: أنْصَحُ العِبادِ لِلْعِبادِ الأنْبِياءُ والمَلائِكَةُ. ﴿رَبَّنا وسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وعِلْمًا﴾ أيْ: يَقُولُونَ: رَبَّنا واحْتَمَلَ هَذا المَحْذُوفُ بَيانًا لِيَسْتَغْفِرُونِ، فَيَكُونُ في مَحَلِّ رَفْعٍ، وأنْ يَكُونَ حالًا، فَيَكُونُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ. وكَثِيرًا ما جاءَ النِّداءُ بِلَفْظِ رَبَّنا، ورَبِّ، وفِيهِ اسْتِعْطافُ العَبْدِ لِمَوْلاهُ الَّذِي رَبّاهُ، وقامَ بِمَصالِحِهِ مِن لَدُنْ نَشْأتِهِ إلى وقْتِ نِدائِهِ، فَهو جَدِيرٌ بِأنْ لا يُنادِيَهُ إلّا بِلَفْظِ الرَّبِّ. وانْتَصَبَ ﴿رَحْمَةً وعِلْمًا﴾ عَلى التَّمْيِيزِ، والأصْلُ: وسِعَتْ رَحْمَتُكَ كُلَّ شَيْءٍ، وعِلْمُكَ كُلَّ شَيْءٍ؛ وأُسْنِدَ الوُسْعُ إلى صاحِبِها مُبالَغَةً، كَأنَّ ذاتَهُ هي الرَّحْمَةُ والعِلْمُ، وقَدْ وسِعَ كُلَّ شَيْءٍ. وقَدَّمَ الرَّحْمَةَ؛ لِأنَّهم بِها يَسْتَمْطِرُونَ إحْسانَهُ ويَتَوَسَّلُونَ بِها إلى حُصُولِ مَطْلُوبِهِمْ مِن سُؤالِ المَغْفِرَةِ. ولَمّا حَكى تَعالى عَنْهم كَيْفِيَّةَ ثَنائِهِمْ عَلَيْهِ، وأخْبَرَ بِاسْتِغْفارِهِمْ، وهو قَوْلُهم: ﴿فاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا واتَّبَعُوا سَبِيلَكَ﴾ . وطَلَبُ المَغْفِرَةِ نَتِيجَةُ الرَّحْمَةِ، ولِلَّذِينِ تابُوا يَتَضَمَّنُ أنَّكَ عَلِمْتَ تَوْبَتَهم، فَهُما راجِعانِ إلى قَوْلِهِ: ﴿رَحْمَةً وعِلْمًا﴾، و﴿واتَّبَعُوا سَبِيلَكَ﴾، وهي سَبِيلُ الحَقِّ الَّتِي نَهَجَتْها لِعِبادِكَ، ﴿إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ﴾: الَّذِي لا تُغالَبُ، (الحَكِيمُ): الَّذِي يَضَعُ الأشْياءَ مَواضِعَها الَّتِي (p-٤٥٢)تَلِيقُ بِها. ولَمّا كانَ طَلَبُ الغُفْرانِ يَتَضَمَّنُ إسْقاطَ العَذابِ، أرْدَفُوهُ بِالتَّضَرُّعِ بِوِقايَتِهِمُ العَذابَ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ والتَّأْكِيدِ، فَقالُوا: ﴿وقِهِمْ عَذابَ الجَحِيمِ﴾، وطَلَبُ المَغْفِرَةِ ووِقايَةُ العَذابِ لِلتّائِبِ الصّالِحِ، وقَدْ وعَدَ بِذَلِكَ الوَعْدِ الصّادِقِ بِمَنزِلَةِ الشَّفاعَةِ في زِيادَةِ الثَّوابِ والكَرامَةِ. ولَمّا سَألُوا إزالَةَ العِقابِ، سَألُوا اتِّصالَ الثَّوابِ، وكَرَّرَ الدُّعاءَ بِـ (رَبَّنا) فَقالُوا: ﴿رَبَّنا وأدْخِلْهم جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ . وقَرَأ الجُمْهُورُ: (جَنّاتِ) جَمْعًا؛ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، والأعْمَشُ: (جَنَّةَ عَدْنٍ) بِالإفْرادِ، وكَذا في مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في إعْرابِ (الَّتِي) في قَوْلِهِ: ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وعَدَ الرَّحْمَنُ عِبادَهُ بِالغَيْبِ﴾ [مريم: ٦١] في سُورَةِ مَرْيَمَ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ (صَلُحَ) بِضَمِّ اللّامِ، يُقالُ: صَلَحَ فَهو صَلِيحٌ وصَلُحَ فَهو صالِحٌ. وقَرَأ عِيسى (وذُرِّيَّتَهم) بِالإفْرادِ؛ والجُمْهُورُ بِالجَمْعِ. وعَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ في تَفْسِيرِ ذَلِكَ أنَّ الرَّجُلَ يَدْخُلُ الجَنَّةَ قَبْلَ قَرابَتِهِ فَيَقُولُ: أيْنَ أبِي ؟ أيْنَ أُمِّي ؟ أيْنَ ابْنِي ؟ أيْنَ زَوْجَتِي ؟ فَيَلْحَقُونَ بِهِ لِصَلاحِهِ ولِتَنْبِيهِهِ عَلَيْهِ وطَلَبِهِ إيّاهم، وهَذِهِ دَعْوَةُ المَلائِكَةِ. انْتَهى. وإذا كانَ الإنْسانُ في خَيْرٍ، ومَعَهُ عَشِيرَتُهُ وأهْلُهُ، كانَ أبْهَجَ عِنْدَهُ وأسَرَّ لِقَلْبِهِ. والظّاهِرُ عَطْفُ (ومَن) عَلى الضَّمِيرِ في ﴿وأدْخِلْهُمْ﴾، إذْ هُمُ المُحَدَّثُ عَنْهم والمَسْئُولُ لَهم. وقالَ الفَرّاءُ، والزَّجّاجُ: نَصْبُهُ مِن مَكانَيْنِ: إنْ شِئْتَ عَلى الضَّمِيرِ في ﴿وأدْخِلْهُمْ﴾، وإنْ شِئْتَ عَلى الضَّمِيرِ في ﴿وعَدْتَهُمْ﴾ . ﴿وقِهِمُ السَّيِّئاتِ﴾ أيِ: امْنَعْهم مِنَ الوُقُوعِ فِيها حَتّى لا يَتَرَتَّبَ عَلَيْها جَزاؤُها، أوْ وقِهِمْ جَزاءَ السَّيِّئاتِ الَّتِي اجْتَرَحُوها، فَحُذِفَ المُضافُ ولا تَكْرارَ في هَذا، وقَوْلُهُ: ﴿وقِهِمْ عَذابَ الجَحِيمِ﴾ لِعَدَمِ تَوافُقِ المَدْعُوِّ لَهم أنَّ الدُّعاءَ الأوَّلَ لِلَّذِينِ تابُوا، والثّانِي أنَّهُ لَهم ولِمَن صَلُحَ مِنَ المَذْكُورِينَ، أوْ لِاخْتِلافِ الدُّعاءَيْنِ إذا أُرِيدَ بِالسَّيِّئاتِ أنْفُسُهم، فَذَلِكَ وِقايَةُ عَذابِ الجَحِيمِ، وهَذا وِقايَةُ الوُقُوعِ في السَّيِّئاتِ. والتَّنْوِينُ في (يَوْمَئِذٍ) تَنْوِينُ العِوَضِ، والمَحْذُوفُ جُمْلَةٌ عُوِّضَ مِنها التَّنْوِينُ، ولَمْ تَتَقَدَّمْ جُمْلَةٌ يَكُونُ التَّنْوِينُ عِوَضًا مِنها، كَقَوْلِهِ: ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ﴾ [الواقعة: ٨٣]، ﴿وأنْتُمْ حِينَئِذٍ﴾ [الواقعة: ٨٤] أيْ: حِينَ إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ، فَلا بُدَّ مِنَ تَقْدِيرِ جُمْلَةٍ يَكُونُ التَّنْوِينُ عِوَضًا مِنها كَقَوْلِهِ، يَدُلُّ عَلَيْها مَعْنى الكَلامِ، وهي ﴿ومَن تَقِ السَّيِّئاتِ﴾ أيْ: جَزاءَها يَوْمَ إذْ يُؤاخَذُ بِها ﴿فَقَدْ رَحِمْتَهُ﴾ . ولَمْ يَتَعَرَّضْ أحَدٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ الَّذِينَ وقَفْنا عَلى كَلامِهِمْ في الآيَةِ لِلْجُمْلَةِ الَّتِي عُوِّضَ مِنها التَّنْوِينُ في (يَوْمَئِذٍ) وذَلِكَ إشارَةٌ إلى الغُفْرانِ، ودُخُولِ الجَنَّةِ، ووِقايَةُ العَذابِ هو الفَوْزُ بِالظَّفَرِ العَظِيمِ الَّذِي عَظُمَ خَطَرُهُ وجَلَّ صُنْعُهُ. ولَمّا ذَكَرَ شَيْئًا مِن أحْوالِ المُؤْمِنِينَ، وذَكَرَ شَيْئًا مِن أحْوالِ الكافِرِينَ، وما يَجْرِي لَهم في الآخِرَةِ مِنَ اعْتِرافِهِمْ بِذُنُوبِهِمْ، واسْتِحْقاقِهِمُ العَذابَ، وسُؤالِهِمُ الرُّجُوعَ إلى الدُّنْيا. ونِداؤُهم، قالَ السُّدِّيُّ: في النّارِ. وقالَ قَتادَةُ: يَوْمَ القِيامَةِ، والمُنادُونَ لَهُمُ الزَّبانِيَةُ عَلى جِهَةِ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ. واللّامُ في ﴿لَمَقْتُ﴾ لامُ الِابْتِداءِ ولامُ القَسَمِ، ومَقْتُ مَصْدَرٌ مُضافٌ إلى الفاعِلِ، التَّقْدِيرُ: لَمَقْتُ اللَّهِ إيّاكم، أوْ لَمَقْتُ اللَّهِ أنْفُسَكم، وحُذِفَ المَفْعُولُ لِدَلالَةِ ما بَعْدَهُ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ: ﴿أكْبَرُ مِن مَقْتِكم أنْفُسَكُمْ﴾ . والظّاهِرُ أنَّ مَقْتَ اللَّهِ إيّاهم هو في الدُّنْيا، ويَضْعُفُ أنْ يَكُونَ في الآخِرَةِ، كَما قالَ بَعْضُهم لِبَقاءِ (إذْ تُدْعَوْنَ)، مُفْلَتًا مِنَ الكَلامِ، لِكَوْنِهِ لَيْسَ لَهُ عامِلٌ تَقَدَّمَ، ولا مُفَسِّرٌ لِعامِلٍ. فَإذا كانَ المَقْتُ السّابِقُ في الدُّنْيا، أمْكَنَ أنْ يُضْمِرَ لَهُ عامِلٌ تَقْدِيرُهُ: مَقْتُكم إذْ تُدْعَوْنَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (وإذْ تُدْعَوْنَ) مَنصُوبٌ بِالمَقْتِ الأوَّلِ، والمَعْنى: أنَّهُ يُقالُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ: إنِ اللَّهَ مَقَتَ أنْفُسَكُمُ الأمّارَةَ بِالسُّوءِ والكُفْرِ حِينَ كانَ الأنْبِياءُ يَدْعُونَكم إلى الإيمانِ، فَتَأْبَوْنَ قُبُولَهُ وتَخْتارُونَ عَلَيْهِ الكُفْرَ، أشَدُّ مِمّا تَمْقُتُونَهُنَّ اليَوْمَ وأنْتُمْ في النّارِ، إذْ أوْقَعْتُكم فِيها بِاتِّباعِكم هَواهُنَّ. انْتَهى، وفِيهِ دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ. وأخْطَأ في قَوْلِهِ: (إذْ تُدْعَوْنَ) مَنصُوبٌ بِالمَقْتِ الأوَّلِ؛ لِأنَّ المَقْتَ مَصْدَرٌ، ومَعْمُولُهُ مِن صِلَتِهِ، ولا يَجُوزُ أنْ يُخْبِرَ عَنْهُ إلّا بَعْدَ اسْتِيفائِهِ صِلَتَهُ، وقَدْ أخْبَرَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أكْبَرُ مِن مَقْتِكم أنْفُسَكُمْ﴾، وهَذا مِن ظَواهِرِ عِلْمِ النَّحْوِ الَّتِي لا تَكادُ تَخْفى عَلى المُبْتَدِئِينَ، (p-٤٥٣)فَضْلًا عَمّا تَدَّعِي العَجَمُ أنَّهُ في العَرَبِيَّةِ شَيْخُ العَرَبِ والعَجَمِ. ولَمّا كانَ الفَصْلُ بَيْنَ المَصْدَرِ ومَعْمُولِهِ بِالخَبَرِ لا يَجُوزُ، قَدَّرْنا العامِلَ فِيهِ مُضْمَرًا، أيْ: مَقْتُكم إذْ تُدْعَوْنَ، وشَبِيهُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ﴾ [الطارق: ٨] . قَدَّرُوا العامِلَ بِرَجْعِهِ ﴿يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ﴾ [الطارق: ٩] لِلْفَصْلِ بِـ ﴿لَقادِرٌ﴾ [الطارق: ٨] بَيْنَ المَصْدَرِ ويَوْمَ. واخْتِلافُ زَمانَيِ المَقْتَيْنِ الأوَّلُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ هو قَوْلُ مُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، وابْنِ زَيْدٍ والأكْثَرِينَ. وتَقَدَّمَ لَنا أنَّ مِنهم مَن قالَ في الآخِرَةِ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وعَنِ الحَسَنِ لَمّا رَأوْا أعْمالَهُمُ الخَبِيثَةَ مَقَتُوا أنْفُسَهم فَنُودُوا: ﴿لَمَقْتُ اللَّهِ﴾ . وقِيلَ: مَعْناهُ لَمَقْتُ اللَّهِ إيّاكُمُ الآنَ أكْبَرُ مِن مَقْتِ بَعْضِكم لِبَعْضٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَكْفُرُ بَعْضُكم بِبَعْضٍ ويَلْعَنُ بَعْضُكم بَعْضًا﴾ [العنكبوت: ٢٥]، و(إذْ تُدْعَوْنَ) تَعْلِيلٌ. انْتَهى. وكانَ قَوْلُهُ: (إذْ تُدْعَوْنَ) تَعْلِيلٌ مِن كَلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ. وقالَ قَوْمٌ: (إذْ تُدْعَوْنَ) مَعْمُولٌ، لِـ ”اذْكُرْ“ مَحْذُوفَةٍ، ويَتَّجِهُ ذَلِكَ عَلى أنْ يَكُونَ مَقْتُ اللَّهِ إيّاهم في الآخِرَةِ، عَلى قَوْلِ الحَسَنِ، قِيلَ لَهم ذَلِكَ تَوْبِيخًا وتَقْرِيعًا وتَنْبِيهًا عَلى ما فاتَهم مِنَ الإيمانِ والثَّوابِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: مِن مَقْتِ أنْفُسِكم، أنْ كُلَّ واحِدٍ يَمْقُتُ نَفْسَهُ، أوْ أنْ بَعْضَكم يَمْقُتُ بَعْضًا، كَما قِيلَ: إنَّ الأتْباعَ يَمْقُتُونَ الرُّؤَساءَ لِما ورَّطُوهم فِيهِ مِنَ الكُفْرِ، والرُّؤَساءُ يَمْقُتُونَ الأتْباعَ. وقِيلَ: يَمْقُتُونَ أنْفُسَهم حِينَ قالَ لَهُمُ الشَّيْطانُ: ﴿فَلا تَلُومُونِي ولُومُوا أنْفُسَكُمْ﴾ [إبراهيم: ٢٢]، والمَقْتُ أشَدُّ البُغْضِ، وهو مُسْتَحِيلٌ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى، فَمَعْناهُ: الإنْكارُ والزَّجْرُ. ﴿قالُوا رَبَّنا أمَتَّنا اثْنَتَيْنِ﴾: وجْهُ اتِّصالِ هَذِهِ بِما قَبْلَها أنَّهم كانُوا يُنْكِرُونَ البَعْثَ، وعَظَّمَ مَقْتَهم أنْفُسَهم هَذا الإنْكارُ، فَلَمّا مَقَتُوا أنْفُسَهم، ورَأوْا حُزْنًا طَوِيلًا رَجَعُوا إلى الإقْرارِ بِالبَعْثِ، فَأقَرُّوا أنَّهُ تَعالى أماتَهُمُ اثْنَتَيْنِ وأحْياهُمُ اثْنَتَيْنِ تَعْظِيمًا لِقُدْرَتِهِ وتَوَسُّلًا إلى رِضاهُ، ثُمَّ أطْمَعُوا أنْفُسَهم بِالِاعْتِرافِ بِالذُّنُوبِ أنْ يُرَدُّوا إلى الدُّنْيا، أيْ: إنْ رَجَعْنا إلى الدُّنْيا ودُعِينا لِلْإيمانِ بادَرْنا إلَيْهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ، وأبُو مالِكٍ: مَوْتُهم كَوْنُهم ماءً في الأصْلابِ، ثُمَّ إحْياؤُهم في الدُّنْيا، ثُمَّ مَوْتُهم فِيها، ثُمَّ إحْياؤُهم يَوْمَ القِيامَةِ. وقالَ السُّدِّيُّ: إحْياؤُهم في الدُّنْيا، ثُمَّ إماتَتُهم فِيها، ثُمَّ إحْياؤُهم في القَبْرِ لِسُؤالِ المَلَكَيْنِ، ثُمَّ إماتَتُهم فِيهِ، ثُمَّ إحْياؤُهم في الحَشْرِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: إحْياؤُهم نَسَمًا عِنْدَ أخْذِ العَهْدِ عَلَيْهِمْ مِن صُلْبِ آدَمَ، ثُمَّ إماتَتُهم بَعْدُ، ثُمَّ إحْياؤُهم في الدُّنْيا، ثُمَّ إماتَتُهم، ثُمَّ إحْياؤُهم، فَعَلى هَذا والَّذِي قَبْلَهُ تَكُونُ ثَلاثَةَ إحْياءاتٍ، وهو خِلافُ القُرْآنِ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: الكافِرُ في الدُّنْيا حَيُّ الجَسَدِ، مَيِّتُ القَلْبِ، فاعْتُبِرَتِ الحالَتانِ، ثُمَّ إماتَتُهم حَقِيقَةً، ثُمَّ إحْياؤُهم في البَعْثِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في أوَّلِ البَقَرَةِ عَلى الإماتَتَيْنِ والإحْياءَيْنِ في قَوْلِهِ: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وكُنْتُمْ أمْواتًا﴾ [البقرة: ٢٨] الآيَةَ، وكَرَّرْنا ذَلِكَ هُنا لِبُعْدِ ما بَيْنَ المَوْضِعَيْنِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): كَيْفَ صَحَّ أنْ يُسَمِّيَ (خَلَقَهم أمْواتًا) إماتَةً ؟ (قُلْتُ): كَما صَحَّ: سُبْحانَ مِن صَغَّرَ جِسْمَ البَعُوضَةِ وكَبَّرَ جِسْمَ الفِيلِ، وقَوْلُكُ لِلْحَفّارِ ضَيِّقْ فَمَ الرَّكِيَّةِ ووَسِّعْ أسْفَلَها، ولَيْسَ ثَمَّ نَقْلٌ مِن كِبَرٍ إلى صِغَرٍ، ولا مِن صِغَرٍ إلى كِبَرٍ، ولا مِن ضِيقٍ إلى سِعَةٍ، ولا مِن سِعَةٍ إلى ضِيقٍ، وإنَّما أرَدْتَ الإنْشاءَ عَلى تِلْكَ الصِّفاتِ. والسَّبَبُ في صِحَّتِهِ أنَّ الصِّغَرَ والكِبَرَ جائِزانِ مَعًا عَلى المَصْنُوعِ الواحِدِ مِن غَيْرِ تَرْجِيحٍ لِأحَدِهِما، وكَذَلِكَ الضِّيقُ والسِّعَةُ، فَإذا اخْتارَ الصّانِعُ أحَدَ الجائِزَيْنِ، وهو مُتَمَكِّنٌ مِنهُما عَلى السَّواءِ، فَقَدْ صَرَفَ المَصْنُوعَ إلى الجائِزِ الآخَرِ، فَجَعَلَ صَرْفَهُ عَنْهُ كَنَقْلِهِ مِنهُ. انْتَهى. يَعْنِي أنَّ (خَلَقَهم أمْواتًا) كَأنَّهُ نَقْلٌ مِنَ الحَياةِ، وهو الجائِزُ الآخَرُ. وظاهِرُ ﴿فاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا﴾ أنَّهُ مُتَسَبِّبٌ عَنْ قُبُولِهِمْ. ﴿قالُوا رَبَّنا أمَتَّنا اثْنَتَيْنِ وأحْيَيْتَنا اثْنَتَيْنِ﴾ وثَمَّ مَحْذُوفٌ، أيْ: فَعَرَفْنا قُدْرَتَكَ عَلى الإماتَةِ والإحْياءِ، وزالَ إنْكارُنا لِلْبَعْثِ، ﴿فاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا﴾ السّابِقَةِ مِن إنْكارِ البَعْثِ وغَيْرِهِ. ﴿فَهَلْ إلى خُرُوجٍ﴾ أيْ: سَرِيعٍ أوْ بَطِيءٍ مِنَ النّارِ، ﴿مِن سَبِيلٍ﴾: وهَذا سُؤالُ مَن يَئِسَ مِنَ الخُرُوجِ، ولَكِنَّهُ تَعَلَّلٌ وتَحَيَّرٌ. (ذَلِكم): الظّاهِرُ أنَّ الخِطابَ لِلْكُفّارِ في الآخِرَةِ، (p-٤٥٤)والإشارَةُ إلى العَذابِ الَّذِي هم فِيهِ، أوْ إلى مَقْتِهِمْ أنْفُسَهم، أوْ إلى المَنعِ مِنَ الخُرُوجِ والزَّجْرِ والإهانَةِ، احْتِمالاتٌ مَقُولَةٌ. وقِيلَ: الخِطابُ لِمُحاضِرِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، والضَّمِيرُ في (فَإنَّهُ) ضَمِيرُ الشَّأْنِ. ﴿إذا دُعِيَ اللَّهُ وحْدَهُ﴾ أيْ: إذا أُفْرِدَ بِالإلَهِيَّةِ ونُفِيَتْ عَنْ سِواهُ، ﴿كَفَرْتُمْ وإنْ يُشْرَكْ بِهِ﴾ أيْ: ذُكِرَتِ اللّاتُ والعُزّى وأمْثالُهُما مِنَ الأصْنامِ، صَدَّقْتُمْ بِأُلُوهِيَّتِها وسَكَنَتْ نُفُوسُكم إلَيْها. ﴿فالحُكْمُ﴾ بِعَذابِكم، (لِلَّهِ)، لا لِتِلْكَ الأصْنامِ الَّتِي أشْرَكْتُمُوها مَعَ اللَّهِ، (العَلِيِّ) عَنِ الشِّرْكِ، (الكَبِيرِ): العَظِيمِ الكِبْرِياءِ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: لِأهْلِ النّارِ خَمْسُ دَعَواتٍ، يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ في الأرْبَعَةِ، فَإذا كانَتِ الخامِسَةُ سَكَتُوا. ﴿قالُوا رَبَّنا أمَتَّنا اثْنَتَيْنِ﴾ الآيَةَ، وفي إبْراهِيمَ: ﴿رَبَّنا أخِّرْنا﴾ [إبراهيم: ٤٤] الآيَةَ، وفي السَّجْدَةِ: ﴿رَبَّنا أبْصَرْنا﴾ [السجدة: ١٢] الآيَةَ، وفي فاطِرٍ: ﴿رَبَّنا أخْرِجْنا﴾ [فاطر: ٣٧] الآيَةَ، وفي المُؤْمِنُونَ: ﴿رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا﴾ [المؤمنون: ١٠٦] الآيَةَ، فَراجَعَهُمُ ﴿اخْسَئُوا فِيها ولا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] قالَ: فَكانَ آخِرُ كَلامِهِمْ ذَلِكَ. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى ما يُوجِبُ التَّهْدِيدَ الشَّدِيدَ في حَقِّ المُشْرِكِينَ، أرْدَفَهُ بِذِكْرِ ما يَدُلُّ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ وحِكْمَتِهِ، لَيَصِيرَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ جَعْلُ الأحْجارِ المَنحُوتَةِ والخُشُبِ المَعْبُودَةِ شُرَكاءَ لِلَّهِ، فَقالَ: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكم آياتِهِ﴾ أيُّها النّاسُ، ويَشْمَلُ آياتِ قُدْرَتِهِ مِنَ الرِّيحِ والسَّحابِ والرَّعْدِ والبَرْقِ والصَّواعِقِ ونَحْوِها مِنَ الآثارِ العُلْوِيَّةِ، وآياتِ كِتابِهِ المُشْتَمِلِ عَلى الأوَّلِينَ والآخَرِينَ، وآياتِ الإعْجازِ عَلى أيْدِي رُسُلِهِ. وهَذِهِ الآياتُ راجِعَةٌ إلى نُورِ العَقْلِ الدّاعِي إلى تَوْحِيدِ اللَّهِ. ثُمَّ قالَ: ﴿ويُنَزِّلُ لَكم مِنَ السَّماءِ رِزْقًا﴾، وهو المَطَرُ الَّذِي هو سَبَبُ قِوامِ بِنْيَةِ البَدَنِ، فَتِلْكَ الآياتُ لِلْأدْيانِ كَهَذا الرِّزْقِ لِلْأبْدانِ. ﴿وما يَتَذَكَّرُ﴾ أيْ: يَتَّعِظُ ويَعْتَبِرُ، وجَعَلَهُ تَذَكُّرًا؛ لِأنَّهُ مَرْكُوزٌ في العُقُولِ دَلائِلُ التَّوْحِيدِ، ثُمَّ قَدْ يَعْرِضُ الِاشْتِغالُ بِعِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ فَيَمْنَعُ مِن تَجَلِّي نُورِ العَقْلِ، فَإذا تابَ إلى اللَّهِ تَذَكَّرَ.

غافر 40:12

﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ ومَن حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ويُؤْمِنُونَ بِهِ ويَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا وسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وعِلْمًا فاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا واتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وقِهِمْ عَذابَ الجَحِيمِ﴾ ﴿رَبَّنا وأدْخِلْهم جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وعَدْتَهم ومَن صَلَحَ مِن آبائِهِمْ وأزْواجِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ﴿وقِهِمُ السَّيِّئاتِ ومَن تَقِ السَّيِّئاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أكْبَرُ مِن مَقْتِكم أنْفُسَكم إذْ تُدْعَوْنَ إلى الإيمانِ فَتَكْفُرُونَ﴾ ﴿قالُوا رَبَّنا أمَتَّنا اثْنَتَيْنِ وأحْيَيْتَنا اثْنَتَيْنِ فاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا فَهَلْ إلى خُرُوجٍ مِن سَبِيلٍ﴾ ﴿ذَلِكم بِأنَّهُ إذا دُعِيَ اللَّهُ وحْدَهُ كَفَرْتُمْ وإنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فالحُكْمُ لِلَّهِ العَلِيِّ الكَبِيرِ﴾ ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكم آياتِهِ ويُنَزِّلُ لَكم مِنَ السَّماءِ رِزْقًا وما يَتَذَكَّرُ إلّا مَن يُنِيبُ﴾ . لَمّا ذَكَرَ جِدالَ الكُفّارِ في آياتِ اللَّهِ وعِصْيانَهم، ذَكَرَ طاعَةَ هَؤُلاءِ المُصْطَفَيْنَ مِن خَلْقِهِ، وهم حَمَلَةُ العَرْشِ، ﴿ومَن حَوْلَهُ﴾، وهم (p-٤٥١)الحافُّونَ بِهِ مِنَ المَلائِكَةِ. وذَكَرُوا مِن وصْفِ تِلْكَ الحَمَلَةِ وعِظَمِ خَلْقِهِمْ، ووَصْفِ العَرْشِ، ومِن أيِّ شَيْءٍ خُلِقَ، والحُجُبِ السَّبْعِينِيّاتِ الَّتِي اخْتَلَفَتْ أجْناسُها، قالُوا: احْتَجَبَ اللَّهُ عَنِ العَرْشِ وعَنْ حامِلِيهِ، واللَّهُ أعْلَمُ بِهِ عَلى أنَّ قُدْرَتَهُ تَعالى مُحْتَمِلَةٌ لِكُلِّ ما ذَكَرُوهُ مِمّا لا يَقْتَضِي تَجْسِيمًا، لَكِنَّهُ يَحْتاجُ إلى نَقْلٍ صَحِيحٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (العَرْشَ) بِفَتْحِ العَيْنِ؛ وابْنُ عَبّاسٍ وفِرْقَةٌ: بِضَمِّها، كَأنَّهُ جَمْعُ عَرْشٍ، كَسَقْفٍ وسُقُفٍ، أوْ يَكُونُ لُغَةً في العَرْشِ. ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ أيْ: يُنَزِّهُونَهُ عَنْ جَمِيعِ النَّقائِصِ، ﴿بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾: بِالثَّناءِ عَلَيْهِ بِأنَّهُ المُنْعِمُ عَلى الإطْلاقِ. والتَّسْبِيحُ: إشارَةٌ إلى الإجْلالِ؛ والتَّحْمِيدُ: إشارَةٌ إلى الإكْرامِ، فَهو قَرِيبٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الجَلالِ والإكْرامِ﴾ [الرحمن: ٧٨]، ونَظِيرُهُ: ﴿وتَرى المَلائِكَةَ حافِّينَ مِن حَوْلِ العَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وقُضِيَ بَيْنَهم بِالحَقِّ﴾ [الزمر: ٧٥]؛ وقَوْلُهم: ونَحْنُ نَسَبَّحُ بِحَمْدِكَ. ﴿ويُؤْمِنُونَ﴾ أيْ: ويُصَدِّقُونَ بِوُجُودِهِ تَعالى، وبِما وصَفَ بِهِ نَفْسَهُ مِنَ صِفاتِهِ العُلا، وتَسْبِيحُهم إيّاهُ يَتَضَمَّنُ الإيمانَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): ما فائِدَةُ قَوْلِهِ: ﴿ويُؤْمِنُونَ بِهِ﴾، ولا يَخْفى عَلى أحَدٍ أنَّ حَمَلَةِ العَرْشِ ومَن حَوْلَهُ مِنَ المَلائِكَةِ الَّذِينَ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِهِ مُؤْمِنُونَ ؟ (قُلْتُ): فائِدَتُهُ إظْهارُ شَرَفِ الإيمانِ وفَضْلِهِ والتَّرْغِيبُ فِيهِ، كَما وصَفَ الأنْبِياءَ في غَيْرِ مَوْضِعٍ مِن كِتابِهِ بِالصَّلاحِ لِذَلِكَ، وكَما عَقَّبَ أعْمالَهَمُ الخَيْرَ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البلد: ١٧]، فَأبانَ بِذَلِكَ فَضْلَ الإيمانِ. وفائِدَةٌ أُخْرى، وهي التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ الأمْرَ لَوْ كانَ كَما تَقُولُ المُجَسِّمَةُ، لَكانَ حَمَلَةُ العَرْشِ ومَن حَوْلَهُ مُشاهِدِينَ مُعايِنِينَ، ولَما وُصِفُوا بِالإيمانِ؛ لِأنَّهُ إنَّما يُوصَفُ بِالإيمانِ الغائِبُ. ولَمّا وُصِفُوا بِهِ عَلى سَبِيلِ الثَّناءِ عَلَيْهِمْ، عُلِمَ أنَّ إيمانَهم وإيمانَ مَن في الأرْضِ وكُلِّ مَن غابَ عَنْ ذَلِكَ المَقامِ سَواءٌ في أنَّ إيمانَ الجَمِيعِ بِطَرِيقِ النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ لا غَيْرُ، وأنَّهُ لا طَرِيقَ إلى مَعْرِفَتِهِ إلّا هَذا، وأنَّهُ مُنَزَّهٌ عَنْ صِفاتِ الأجْرامِ. وقَدْ رُوعِيَ التَّناسُبُ في قَوْلِهِ: ﴿ويُؤْمِنُونَ بِهِ ويَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾، كَأنَّهُ قِيلَ: ويُؤْمِنُونَ ويَسْتَغْفِرُونَ لِمَن في مِثْلِ حالِهِمْ وصِفَتِهِمْ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الِاشْتِراكَ في الإيمانِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ أدْعى شَيْءٍ إلى النَّصِيحَةِ، وأبْعَثَهُ عَلى إمْحاضِ الشَّفَقَةِ، وإنْ تَفاوَتَتِ الأجْناسُ وتَباعَدَتِ الأماكِنُ، فَإنَّهُ لا تَجانُسَ بَيْنَ مَلَكٍ وإنْسانٍ، ولا بَيْنَ سَماءٍ وأرْضٍ قَطُّ، ثُمَّ لَمّا جاءَ جامِعُ الإيمانِ، جاءَ مَعَهُ التَّجانُسُ الكُلِّيُّ والتَّناسُبُ الحَقِيقِيُّ، حَتّى اسْتَغْفَرَ مَن حَوْلَ العَرْشِ لِمَن فَوْقَ الأرْضِ، قالَ تَعالى: ﴿ويَسْتَغْفِرُونَ لِمَن في الأرْضِ﴾ [الشورى: ٥] . انْتَهى، وهو كَلامٌ حَسَنٌ. إلّا أنَّ قَوْلَهُ: إنَّ إيمانَ الجَمِيعِ بِطَرِيقِ النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ لا غَيْرُ. فِيهِ نَظَرٌ، وقَوْلُهُ: ﴿ويَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ تَخْصِيصٌ لِعُمُومِ قَوْلِهِ: ﴿ويَسْتَغْفِرُونَ لِمَن في الأرْضِ﴾ [الشورى: ٥] . وقالَ مُطَرِّفُ بْنُ الشِّخِّيرِ: وجَدْنا أنْصَحَ العِبادِ لِلْعِبادِ المَلائِكَةَ، وأغَشَّ العِبادِ لِلْعِبادِ الشَّياطِينَ، وتَلا هَذِهِ الآيَةَ. انْتَهى. ويَنْبَغِي أنْ يُقالَ: أنْصَحُ العِبادِ لِلْعِبادِ الأنْبِياءُ والمَلائِكَةُ. ﴿رَبَّنا وسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وعِلْمًا﴾ أيْ: يَقُولُونَ: رَبَّنا واحْتَمَلَ هَذا المَحْذُوفُ بَيانًا لِيَسْتَغْفِرُونِ، فَيَكُونُ في مَحَلِّ رَفْعٍ، وأنْ يَكُونَ حالًا، فَيَكُونُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ. وكَثِيرًا ما جاءَ النِّداءُ بِلَفْظِ رَبَّنا، ورَبِّ، وفِيهِ اسْتِعْطافُ العَبْدِ لِمَوْلاهُ الَّذِي رَبّاهُ، وقامَ بِمَصالِحِهِ مِن لَدُنْ نَشْأتِهِ إلى وقْتِ نِدائِهِ، فَهو جَدِيرٌ بِأنْ لا يُنادِيَهُ إلّا بِلَفْظِ الرَّبِّ. وانْتَصَبَ ﴿رَحْمَةً وعِلْمًا﴾ عَلى التَّمْيِيزِ، والأصْلُ: وسِعَتْ رَحْمَتُكَ كُلَّ شَيْءٍ، وعِلْمُكَ كُلَّ شَيْءٍ؛ وأُسْنِدَ الوُسْعُ إلى صاحِبِها مُبالَغَةً، كَأنَّ ذاتَهُ هي الرَّحْمَةُ والعِلْمُ، وقَدْ وسِعَ كُلَّ شَيْءٍ. وقَدَّمَ الرَّحْمَةَ؛ لِأنَّهم بِها يَسْتَمْطِرُونَ إحْسانَهُ ويَتَوَسَّلُونَ بِها إلى حُصُولِ مَطْلُوبِهِمْ مِن سُؤالِ المَغْفِرَةِ. ولَمّا حَكى تَعالى عَنْهم كَيْفِيَّةَ ثَنائِهِمْ عَلَيْهِ، وأخْبَرَ بِاسْتِغْفارِهِمْ، وهو قَوْلُهم: ﴿فاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا واتَّبَعُوا سَبِيلَكَ﴾ . وطَلَبُ المَغْفِرَةِ نَتِيجَةُ الرَّحْمَةِ، ولِلَّذِينِ تابُوا يَتَضَمَّنُ أنَّكَ عَلِمْتَ تَوْبَتَهم، فَهُما راجِعانِ إلى قَوْلِهِ: ﴿رَحْمَةً وعِلْمًا﴾، و﴿واتَّبَعُوا سَبِيلَكَ﴾، وهي سَبِيلُ الحَقِّ الَّتِي نَهَجَتْها لِعِبادِكَ، ﴿إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ﴾: الَّذِي لا تُغالَبُ، (الحَكِيمُ): الَّذِي يَضَعُ الأشْياءَ مَواضِعَها الَّتِي (p-٤٥٢)تَلِيقُ بِها. ولَمّا كانَ طَلَبُ الغُفْرانِ يَتَضَمَّنُ إسْقاطَ العَذابِ، أرْدَفُوهُ بِالتَّضَرُّعِ بِوِقايَتِهِمُ العَذابَ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ والتَّأْكِيدِ، فَقالُوا: ﴿وقِهِمْ عَذابَ الجَحِيمِ﴾، وطَلَبُ المَغْفِرَةِ ووِقايَةُ العَذابِ لِلتّائِبِ الصّالِحِ، وقَدْ وعَدَ بِذَلِكَ الوَعْدِ الصّادِقِ بِمَنزِلَةِ الشَّفاعَةِ في زِيادَةِ الثَّوابِ والكَرامَةِ. ولَمّا سَألُوا إزالَةَ العِقابِ، سَألُوا اتِّصالَ الثَّوابِ، وكَرَّرَ الدُّعاءَ بِـ (رَبَّنا) فَقالُوا: ﴿رَبَّنا وأدْخِلْهم جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ . وقَرَأ الجُمْهُورُ: (جَنّاتِ) جَمْعًا؛ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، والأعْمَشُ: (جَنَّةَ عَدْنٍ) بِالإفْرادِ، وكَذا في مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في إعْرابِ (الَّتِي) في قَوْلِهِ: ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وعَدَ الرَّحْمَنُ عِبادَهُ بِالغَيْبِ﴾ [مريم: ٦١] في سُورَةِ مَرْيَمَ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ (صَلُحَ) بِضَمِّ اللّامِ، يُقالُ: صَلَحَ فَهو صَلِيحٌ وصَلُحَ فَهو صالِحٌ. وقَرَأ عِيسى (وذُرِّيَّتَهم) بِالإفْرادِ؛ والجُمْهُورُ بِالجَمْعِ. وعَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ في تَفْسِيرِ ذَلِكَ أنَّ الرَّجُلَ يَدْخُلُ الجَنَّةَ قَبْلَ قَرابَتِهِ فَيَقُولُ: أيْنَ أبِي ؟ أيْنَ أُمِّي ؟ أيْنَ ابْنِي ؟ أيْنَ زَوْجَتِي ؟ فَيَلْحَقُونَ بِهِ لِصَلاحِهِ ولِتَنْبِيهِهِ عَلَيْهِ وطَلَبِهِ إيّاهم، وهَذِهِ دَعْوَةُ المَلائِكَةِ. انْتَهى. وإذا كانَ الإنْسانُ في خَيْرٍ، ومَعَهُ عَشِيرَتُهُ وأهْلُهُ، كانَ أبْهَجَ عِنْدَهُ وأسَرَّ لِقَلْبِهِ. والظّاهِرُ عَطْفُ (ومَن) عَلى الضَّمِيرِ في ﴿وأدْخِلْهُمْ﴾، إذْ هُمُ المُحَدَّثُ عَنْهم والمَسْئُولُ لَهم. وقالَ الفَرّاءُ، والزَّجّاجُ: نَصْبُهُ مِن مَكانَيْنِ: إنْ شِئْتَ عَلى الضَّمِيرِ في ﴿وأدْخِلْهُمْ﴾، وإنْ شِئْتَ عَلى الضَّمِيرِ في ﴿وعَدْتَهُمْ﴾ . ﴿وقِهِمُ السَّيِّئاتِ﴾ أيِ: امْنَعْهم مِنَ الوُقُوعِ فِيها حَتّى لا يَتَرَتَّبَ عَلَيْها جَزاؤُها، أوْ وقِهِمْ جَزاءَ السَّيِّئاتِ الَّتِي اجْتَرَحُوها، فَحُذِفَ المُضافُ ولا تَكْرارَ في هَذا، وقَوْلُهُ: ﴿وقِهِمْ عَذابَ الجَحِيمِ﴾ لِعَدَمِ تَوافُقِ المَدْعُوِّ لَهم أنَّ الدُّعاءَ الأوَّلَ لِلَّذِينِ تابُوا، والثّانِي أنَّهُ لَهم ولِمَن صَلُحَ مِنَ المَذْكُورِينَ، أوْ لِاخْتِلافِ الدُّعاءَيْنِ إذا أُرِيدَ بِالسَّيِّئاتِ أنْفُسُهم، فَذَلِكَ وِقايَةُ عَذابِ الجَحِيمِ، وهَذا وِقايَةُ الوُقُوعِ في السَّيِّئاتِ. والتَّنْوِينُ في (يَوْمَئِذٍ) تَنْوِينُ العِوَضِ، والمَحْذُوفُ جُمْلَةٌ عُوِّضَ مِنها التَّنْوِينُ، ولَمْ تَتَقَدَّمْ جُمْلَةٌ يَكُونُ التَّنْوِينُ عِوَضًا مِنها، كَقَوْلِهِ: ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ﴾ [الواقعة: ٨٣]، ﴿وأنْتُمْ حِينَئِذٍ﴾ [الواقعة: ٨٤] أيْ: حِينَ إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ، فَلا بُدَّ مِنَ تَقْدِيرِ جُمْلَةٍ يَكُونُ التَّنْوِينُ عِوَضًا مِنها كَقَوْلِهِ، يَدُلُّ عَلَيْها مَعْنى الكَلامِ، وهي ﴿ومَن تَقِ السَّيِّئاتِ﴾ أيْ: جَزاءَها يَوْمَ إذْ يُؤاخَذُ بِها ﴿فَقَدْ رَحِمْتَهُ﴾ . ولَمْ يَتَعَرَّضْ أحَدٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ الَّذِينَ وقَفْنا عَلى كَلامِهِمْ في الآيَةِ لِلْجُمْلَةِ الَّتِي عُوِّضَ مِنها التَّنْوِينُ في (يَوْمَئِذٍ) وذَلِكَ إشارَةٌ إلى الغُفْرانِ، ودُخُولِ الجَنَّةِ، ووِقايَةُ العَذابِ هو الفَوْزُ بِالظَّفَرِ العَظِيمِ الَّذِي عَظُمَ خَطَرُهُ وجَلَّ صُنْعُهُ. ولَمّا ذَكَرَ شَيْئًا مِن أحْوالِ المُؤْمِنِينَ، وذَكَرَ شَيْئًا مِن أحْوالِ الكافِرِينَ، وما يَجْرِي لَهم في الآخِرَةِ مِنَ اعْتِرافِهِمْ بِذُنُوبِهِمْ، واسْتِحْقاقِهِمُ العَذابَ، وسُؤالِهِمُ الرُّجُوعَ إلى الدُّنْيا. ونِداؤُهم، قالَ السُّدِّيُّ: في النّارِ. وقالَ قَتادَةُ: يَوْمَ القِيامَةِ، والمُنادُونَ لَهُمُ الزَّبانِيَةُ عَلى جِهَةِ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ. واللّامُ في ﴿لَمَقْتُ﴾ لامُ الِابْتِداءِ ولامُ القَسَمِ، ومَقْتُ مَصْدَرٌ مُضافٌ إلى الفاعِلِ، التَّقْدِيرُ: لَمَقْتُ اللَّهِ إيّاكم، أوْ لَمَقْتُ اللَّهِ أنْفُسَكم، وحُذِفَ المَفْعُولُ لِدَلالَةِ ما بَعْدَهُ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ: ﴿أكْبَرُ مِن مَقْتِكم أنْفُسَكُمْ﴾ . والظّاهِرُ أنَّ مَقْتَ اللَّهِ إيّاهم هو في الدُّنْيا، ويَضْعُفُ أنْ يَكُونَ في الآخِرَةِ، كَما قالَ بَعْضُهم لِبَقاءِ (إذْ تُدْعَوْنَ)، مُفْلَتًا مِنَ الكَلامِ، لِكَوْنِهِ لَيْسَ لَهُ عامِلٌ تَقَدَّمَ، ولا مُفَسِّرٌ لِعامِلٍ. فَإذا كانَ المَقْتُ السّابِقُ في الدُّنْيا، أمْكَنَ أنْ يُضْمِرَ لَهُ عامِلٌ تَقْدِيرُهُ: مَقْتُكم إذْ تُدْعَوْنَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (وإذْ تُدْعَوْنَ) مَنصُوبٌ بِالمَقْتِ الأوَّلِ، والمَعْنى: أنَّهُ يُقالُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ: إنِ اللَّهَ مَقَتَ أنْفُسَكُمُ الأمّارَةَ بِالسُّوءِ والكُفْرِ حِينَ كانَ الأنْبِياءُ يَدْعُونَكم إلى الإيمانِ، فَتَأْبَوْنَ قُبُولَهُ وتَخْتارُونَ عَلَيْهِ الكُفْرَ، أشَدُّ مِمّا تَمْقُتُونَهُنَّ اليَوْمَ وأنْتُمْ في النّارِ، إذْ أوْقَعْتُكم فِيها بِاتِّباعِكم هَواهُنَّ. انْتَهى، وفِيهِ دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ. وأخْطَأ في قَوْلِهِ: (إذْ تُدْعَوْنَ) مَنصُوبٌ بِالمَقْتِ الأوَّلِ؛ لِأنَّ المَقْتَ مَصْدَرٌ، ومَعْمُولُهُ مِن صِلَتِهِ، ولا يَجُوزُ أنْ يُخْبِرَ عَنْهُ إلّا بَعْدَ اسْتِيفائِهِ صِلَتَهُ، وقَدْ أخْبَرَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أكْبَرُ مِن مَقْتِكم أنْفُسَكُمْ﴾، وهَذا مِن ظَواهِرِ عِلْمِ النَّحْوِ الَّتِي لا تَكادُ تَخْفى عَلى المُبْتَدِئِينَ، (p-٤٥٣)فَضْلًا عَمّا تَدَّعِي العَجَمُ أنَّهُ في العَرَبِيَّةِ شَيْخُ العَرَبِ والعَجَمِ. ولَمّا كانَ الفَصْلُ بَيْنَ المَصْدَرِ ومَعْمُولِهِ بِالخَبَرِ لا يَجُوزُ، قَدَّرْنا العامِلَ فِيهِ مُضْمَرًا، أيْ: مَقْتُكم إذْ تُدْعَوْنَ، وشَبِيهُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ﴾ [الطارق: ٨] . قَدَّرُوا العامِلَ بِرَجْعِهِ ﴿يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ﴾ [الطارق: ٩] لِلْفَصْلِ بِـ ﴿لَقادِرٌ﴾ [الطارق: ٨] بَيْنَ المَصْدَرِ ويَوْمَ. واخْتِلافُ زَمانَيِ المَقْتَيْنِ الأوَّلُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ هو قَوْلُ مُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، وابْنِ زَيْدٍ والأكْثَرِينَ. وتَقَدَّمَ لَنا أنَّ مِنهم مَن قالَ في الآخِرَةِ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وعَنِ الحَسَنِ لَمّا رَأوْا أعْمالَهُمُ الخَبِيثَةَ مَقَتُوا أنْفُسَهم فَنُودُوا: ﴿لَمَقْتُ اللَّهِ﴾ . وقِيلَ: مَعْناهُ لَمَقْتُ اللَّهِ إيّاكُمُ الآنَ أكْبَرُ مِن مَقْتِ بَعْضِكم لِبَعْضٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَكْفُرُ بَعْضُكم بِبَعْضٍ ويَلْعَنُ بَعْضُكم بَعْضًا﴾ [العنكبوت: ٢٥]، و(إذْ تُدْعَوْنَ) تَعْلِيلٌ. انْتَهى. وكانَ قَوْلُهُ: (إذْ تُدْعَوْنَ) تَعْلِيلٌ مِن كَلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ. وقالَ قَوْمٌ: (إذْ تُدْعَوْنَ) مَعْمُولٌ، لِـ ”اذْكُرْ“ مَحْذُوفَةٍ، ويَتَّجِهُ ذَلِكَ عَلى أنْ يَكُونَ مَقْتُ اللَّهِ إيّاهم في الآخِرَةِ، عَلى قَوْلِ الحَسَنِ، قِيلَ لَهم ذَلِكَ تَوْبِيخًا وتَقْرِيعًا وتَنْبِيهًا عَلى ما فاتَهم مِنَ الإيمانِ والثَّوابِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: مِن مَقْتِ أنْفُسِكم، أنْ كُلَّ واحِدٍ يَمْقُتُ نَفْسَهُ، أوْ أنْ بَعْضَكم يَمْقُتُ بَعْضًا، كَما قِيلَ: إنَّ الأتْباعَ يَمْقُتُونَ الرُّؤَساءَ لِما ورَّطُوهم فِيهِ مِنَ الكُفْرِ، والرُّؤَساءُ يَمْقُتُونَ الأتْباعَ. وقِيلَ: يَمْقُتُونَ أنْفُسَهم حِينَ قالَ لَهُمُ الشَّيْطانُ: ﴿فَلا تَلُومُونِي ولُومُوا أنْفُسَكُمْ﴾ [إبراهيم: ٢٢]، والمَقْتُ أشَدُّ البُغْضِ، وهو مُسْتَحِيلٌ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى، فَمَعْناهُ: الإنْكارُ والزَّجْرُ. ﴿قالُوا رَبَّنا أمَتَّنا اثْنَتَيْنِ﴾: وجْهُ اتِّصالِ هَذِهِ بِما قَبْلَها أنَّهم كانُوا يُنْكِرُونَ البَعْثَ، وعَظَّمَ مَقْتَهم أنْفُسَهم هَذا الإنْكارُ، فَلَمّا مَقَتُوا أنْفُسَهم، ورَأوْا حُزْنًا طَوِيلًا رَجَعُوا إلى الإقْرارِ بِالبَعْثِ، فَأقَرُّوا أنَّهُ تَعالى أماتَهُمُ اثْنَتَيْنِ وأحْياهُمُ اثْنَتَيْنِ تَعْظِيمًا لِقُدْرَتِهِ وتَوَسُّلًا إلى رِضاهُ، ثُمَّ أطْمَعُوا أنْفُسَهم بِالِاعْتِرافِ بِالذُّنُوبِ أنْ يُرَدُّوا إلى الدُّنْيا، أيْ: إنْ رَجَعْنا إلى الدُّنْيا ودُعِينا لِلْإيمانِ بادَرْنا إلَيْهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ، وأبُو مالِكٍ: مَوْتُهم كَوْنُهم ماءً في الأصْلابِ، ثُمَّ إحْياؤُهم في الدُّنْيا، ثُمَّ مَوْتُهم فِيها، ثُمَّ إحْياؤُهم يَوْمَ القِيامَةِ. وقالَ السُّدِّيُّ: إحْياؤُهم في الدُّنْيا، ثُمَّ إماتَتُهم فِيها، ثُمَّ إحْياؤُهم في القَبْرِ لِسُؤالِ المَلَكَيْنِ، ثُمَّ إماتَتُهم فِيهِ، ثُمَّ إحْياؤُهم في الحَشْرِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: إحْياؤُهم نَسَمًا عِنْدَ أخْذِ العَهْدِ عَلَيْهِمْ مِن صُلْبِ آدَمَ، ثُمَّ إماتَتُهم بَعْدُ، ثُمَّ إحْياؤُهم في الدُّنْيا، ثُمَّ إماتَتُهم، ثُمَّ إحْياؤُهم، فَعَلى هَذا والَّذِي قَبْلَهُ تَكُونُ ثَلاثَةَ إحْياءاتٍ، وهو خِلافُ القُرْآنِ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: الكافِرُ في الدُّنْيا حَيُّ الجَسَدِ، مَيِّتُ القَلْبِ، فاعْتُبِرَتِ الحالَتانِ، ثُمَّ إماتَتُهم حَقِيقَةً، ثُمَّ إحْياؤُهم في البَعْثِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في أوَّلِ البَقَرَةِ عَلى الإماتَتَيْنِ والإحْياءَيْنِ في قَوْلِهِ: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وكُنْتُمْ أمْواتًا﴾ [البقرة: ٢٨] الآيَةَ، وكَرَّرْنا ذَلِكَ هُنا لِبُعْدِ ما بَيْنَ المَوْضِعَيْنِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): كَيْفَ صَحَّ أنْ يُسَمِّيَ (خَلَقَهم أمْواتًا) إماتَةً ؟ (قُلْتُ): كَما صَحَّ: سُبْحانَ مِن صَغَّرَ جِسْمَ البَعُوضَةِ وكَبَّرَ جِسْمَ الفِيلِ، وقَوْلُكُ لِلْحَفّارِ ضَيِّقْ فَمَ الرَّكِيَّةِ ووَسِّعْ أسْفَلَها، ولَيْسَ ثَمَّ نَقْلٌ مِن كِبَرٍ إلى صِغَرٍ، ولا مِن صِغَرٍ إلى كِبَرٍ، ولا مِن ضِيقٍ إلى سِعَةٍ، ولا مِن سِعَةٍ إلى ضِيقٍ، وإنَّما أرَدْتَ الإنْشاءَ عَلى تِلْكَ الصِّفاتِ. والسَّبَبُ في صِحَّتِهِ أنَّ الصِّغَرَ والكِبَرَ جائِزانِ مَعًا عَلى المَصْنُوعِ الواحِدِ مِن غَيْرِ تَرْجِيحٍ لِأحَدِهِما، وكَذَلِكَ الضِّيقُ والسِّعَةُ، فَإذا اخْتارَ الصّانِعُ أحَدَ الجائِزَيْنِ، وهو مُتَمَكِّنٌ مِنهُما عَلى السَّواءِ، فَقَدْ صَرَفَ المَصْنُوعَ إلى الجائِزِ الآخَرِ، فَجَعَلَ صَرْفَهُ عَنْهُ كَنَقْلِهِ مِنهُ. انْتَهى. يَعْنِي أنَّ (خَلَقَهم أمْواتًا) كَأنَّهُ نَقْلٌ مِنَ الحَياةِ، وهو الجائِزُ الآخَرُ. وظاهِرُ ﴿فاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا﴾ أنَّهُ مُتَسَبِّبٌ عَنْ قُبُولِهِمْ. ﴿قالُوا رَبَّنا أمَتَّنا اثْنَتَيْنِ وأحْيَيْتَنا اثْنَتَيْنِ﴾ وثَمَّ مَحْذُوفٌ، أيْ: فَعَرَفْنا قُدْرَتَكَ عَلى الإماتَةِ والإحْياءِ، وزالَ إنْكارُنا لِلْبَعْثِ، ﴿فاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا﴾ السّابِقَةِ مِن إنْكارِ البَعْثِ وغَيْرِهِ. ﴿فَهَلْ إلى خُرُوجٍ﴾ أيْ: سَرِيعٍ أوْ بَطِيءٍ مِنَ النّارِ، ﴿مِن سَبِيلٍ﴾: وهَذا سُؤالُ مَن يَئِسَ مِنَ الخُرُوجِ، ولَكِنَّهُ تَعَلَّلٌ وتَحَيَّرٌ. (ذَلِكم): الظّاهِرُ أنَّ الخِطابَ لِلْكُفّارِ في الآخِرَةِ، (p-٤٥٤)والإشارَةُ إلى العَذابِ الَّذِي هم فِيهِ، أوْ إلى مَقْتِهِمْ أنْفُسَهم، أوْ إلى المَنعِ مِنَ الخُرُوجِ والزَّجْرِ والإهانَةِ، احْتِمالاتٌ مَقُولَةٌ. وقِيلَ: الخِطابُ لِمُحاضِرِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، والضَّمِيرُ في (فَإنَّهُ) ضَمِيرُ الشَّأْنِ. ﴿إذا دُعِيَ اللَّهُ وحْدَهُ﴾ أيْ: إذا أُفْرِدَ بِالإلَهِيَّةِ ونُفِيَتْ عَنْ سِواهُ، ﴿كَفَرْتُمْ وإنْ يُشْرَكْ بِهِ﴾ أيْ: ذُكِرَتِ اللّاتُ والعُزّى وأمْثالُهُما مِنَ الأصْنامِ، صَدَّقْتُمْ بِأُلُوهِيَّتِها وسَكَنَتْ نُفُوسُكم إلَيْها. ﴿فالحُكْمُ﴾ بِعَذابِكم، (لِلَّهِ)، لا لِتِلْكَ الأصْنامِ الَّتِي أشْرَكْتُمُوها مَعَ اللَّهِ، (العَلِيِّ) عَنِ الشِّرْكِ، (الكَبِيرِ): العَظِيمِ الكِبْرِياءِ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: لِأهْلِ النّارِ خَمْسُ دَعَواتٍ، يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ في الأرْبَعَةِ، فَإذا كانَتِ الخامِسَةُ سَكَتُوا. ﴿قالُوا رَبَّنا أمَتَّنا اثْنَتَيْنِ﴾ الآيَةَ، وفي إبْراهِيمَ: ﴿رَبَّنا أخِّرْنا﴾ [إبراهيم: ٤٤] الآيَةَ، وفي السَّجْدَةِ: ﴿رَبَّنا أبْصَرْنا﴾ [السجدة: ١٢] الآيَةَ، وفي فاطِرٍ: ﴿رَبَّنا أخْرِجْنا﴾ [فاطر: ٣٧] الآيَةَ، وفي المُؤْمِنُونَ: ﴿رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا﴾ [المؤمنون: ١٠٦] الآيَةَ، فَراجَعَهُمُ ﴿اخْسَئُوا فِيها ولا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] قالَ: فَكانَ آخِرُ كَلامِهِمْ ذَلِكَ. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى ما يُوجِبُ التَّهْدِيدَ الشَّدِيدَ في حَقِّ المُشْرِكِينَ، أرْدَفَهُ بِذِكْرِ ما يَدُلُّ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ وحِكْمَتِهِ، لَيَصِيرَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ جَعْلُ الأحْجارِ المَنحُوتَةِ والخُشُبِ المَعْبُودَةِ شُرَكاءَ لِلَّهِ، فَقالَ: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكم آياتِهِ﴾ أيُّها النّاسُ، ويَشْمَلُ آياتِ قُدْرَتِهِ مِنَ الرِّيحِ والسَّحابِ والرَّعْدِ والبَرْقِ والصَّواعِقِ ونَحْوِها مِنَ الآثارِ العُلْوِيَّةِ، وآياتِ كِتابِهِ المُشْتَمِلِ عَلى الأوَّلِينَ والآخَرِينَ، وآياتِ الإعْجازِ عَلى أيْدِي رُسُلِهِ. وهَذِهِ الآياتُ راجِعَةٌ إلى نُورِ العَقْلِ الدّاعِي إلى تَوْحِيدِ اللَّهِ. ثُمَّ قالَ: ﴿ويُنَزِّلُ لَكم مِنَ السَّماءِ رِزْقًا﴾، وهو المَطَرُ الَّذِي هو سَبَبُ قِوامِ بِنْيَةِ البَدَنِ، فَتِلْكَ الآياتُ لِلْأدْيانِ كَهَذا الرِّزْقِ لِلْأبْدانِ. ﴿وما يَتَذَكَّرُ﴾ أيْ: يَتَّعِظُ ويَعْتَبِرُ، وجَعَلَهُ تَذَكُّرًا؛ لِأنَّهُ مَرْكُوزٌ في العُقُولِ دَلائِلُ التَّوْحِيدِ، ثُمَّ قَدْ يَعْرِضُ الِاشْتِغالُ بِعِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ فَيَمْنَعُ مِن تَجَلِّي نُورِ العَقْلِ، فَإذا تابَ إلى اللَّهِ تَذَكَّرَ.

غافر 40:13

﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ ومَن حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ويُؤْمِنُونَ بِهِ ويَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا وسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وعِلْمًا فاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا واتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وقِهِمْ عَذابَ الجَحِيمِ﴾ ﴿رَبَّنا وأدْخِلْهم جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وعَدْتَهم ومَن صَلَحَ مِن آبائِهِمْ وأزْواجِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ﴿وقِهِمُ السَّيِّئاتِ ومَن تَقِ السَّيِّئاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أكْبَرُ مِن مَقْتِكم أنْفُسَكم إذْ تُدْعَوْنَ إلى الإيمانِ فَتَكْفُرُونَ﴾ ﴿قالُوا رَبَّنا أمَتَّنا اثْنَتَيْنِ وأحْيَيْتَنا اثْنَتَيْنِ فاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا فَهَلْ إلى خُرُوجٍ مِن سَبِيلٍ﴾ ﴿ذَلِكم بِأنَّهُ إذا دُعِيَ اللَّهُ وحْدَهُ كَفَرْتُمْ وإنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فالحُكْمُ لِلَّهِ العَلِيِّ الكَبِيرِ﴾ ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكم آياتِهِ ويُنَزِّلُ لَكم مِنَ السَّماءِ رِزْقًا وما يَتَذَكَّرُ إلّا مَن يُنِيبُ﴾ . لَمّا ذَكَرَ جِدالَ الكُفّارِ في آياتِ اللَّهِ وعِصْيانَهم، ذَكَرَ طاعَةَ هَؤُلاءِ المُصْطَفَيْنَ مِن خَلْقِهِ، وهم حَمَلَةُ العَرْشِ، ﴿ومَن حَوْلَهُ﴾، وهم (p-٤٥١)الحافُّونَ بِهِ مِنَ المَلائِكَةِ. وذَكَرُوا مِن وصْفِ تِلْكَ الحَمَلَةِ وعِظَمِ خَلْقِهِمْ، ووَصْفِ العَرْشِ، ومِن أيِّ شَيْءٍ خُلِقَ، والحُجُبِ السَّبْعِينِيّاتِ الَّتِي اخْتَلَفَتْ أجْناسُها، قالُوا: احْتَجَبَ اللَّهُ عَنِ العَرْشِ وعَنْ حامِلِيهِ، واللَّهُ أعْلَمُ بِهِ عَلى أنَّ قُدْرَتَهُ تَعالى مُحْتَمِلَةٌ لِكُلِّ ما ذَكَرُوهُ مِمّا لا يَقْتَضِي تَجْسِيمًا، لَكِنَّهُ يَحْتاجُ إلى نَقْلٍ صَحِيحٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (العَرْشَ) بِفَتْحِ العَيْنِ؛ وابْنُ عَبّاسٍ وفِرْقَةٌ: بِضَمِّها، كَأنَّهُ جَمْعُ عَرْشٍ، كَسَقْفٍ وسُقُفٍ، أوْ يَكُونُ لُغَةً في العَرْشِ. ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ أيْ: يُنَزِّهُونَهُ عَنْ جَمِيعِ النَّقائِصِ، ﴿بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾: بِالثَّناءِ عَلَيْهِ بِأنَّهُ المُنْعِمُ عَلى الإطْلاقِ. والتَّسْبِيحُ: إشارَةٌ إلى الإجْلالِ؛ والتَّحْمِيدُ: إشارَةٌ إلى الإكْرامِ، فَهو قَرِيبٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الجَلالِ والإكْرامِ﴾ [الرحمن: ٧٨]، ونَظِيرُهُ: ﴿وتَرى المَلائِكَةَ حافِّينَ مِن حَوْلِ العَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وقُضِيَ بَيْنَهم بِالحَقِّ﴾ [الزمر: ٧٥]؛ وقَوْلُهم: ونَحْنُ نَسَبَّحُ بِحَمْدِكَ. ﴿ويُؤْمِنُونَ﴾ أيْ: ويُصَدِّقُونَ بِوُجُودِهِ تَعالى، وبِما وصَفَ بِهِ نَفْسَهُ مِنَ صِفاتِهِ العُلا، وتَسْبِيحُهم إيّاهُ يَتَضَمَّنُ الإيمانَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): ما فائِدَةُ قَوْلِهِ: ﴿ويُؤْمِنُونَ بِهِ﴾، ولا يَخْفى عَلى أحَدٍ أنَّ حَمَلَةِ العَرْشِ ومَن حَوْلَهُ مِنَ المَلائِكَةِ الَّذِينَ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِهِ مُؤْمِنُونَ ؟ (قُلْتُ): فائِدَتُهُ إظْهارُ شَرَفِ الإيمانِ وفَضْلِهِ والتَّرْغِيبُ فِيهِ، كَما وصَفَ الأنْبِياءَ في غَيْرِ مَوْضِعٍ مِن كِتابِهِ بِالصَّلاحِ لِذَلِكَ، وكَما عَقَّبَ أعْمالَهَمُ الخَيْرَ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البلد: ١٧]، فَأبانَ بِذَلِكَ فَضْلَ الإيمانِ. وفائِدَةٌ أُخْرى، وهي التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ الأمْرَ لَوْ كانَ كَما تَقُولُ المُجَسِّمَةُ، لَكانَ حَمَلَةُ العَرْشِ ومَن حَوْلَهُ مُشاهِدِينَ مُعايِنِينَ، ولَما وُصِفُوا بِالإيمانِ؛ لِأنَّهُ إنَّما يُوصَفُ بِالإيمانِ الغائِبُ. ولَمّا وُصِفُوا بِهِ عَلى سَبِيلِ الثَّناءِ عَلَيْهِمْ، عُلِمَ أنَّ إيمانَهم وإيمانَ مَن في الأرْضِ وكُلِّ مَن غابَ عَنْ ذَلِكَ المَقامِ سَواءٌ في أنَّ إيمانَ الجَمِيعِ بِطَرِيقِ النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ لا غَيْرُ، وأنَّهُ لا طَرِيقَ إلى مَعْرِفَتِهِ إلّا هَذا، وأنَّهُ مُنَزَّهٌ عَنْ صِفاتِ الأجْرامِ. وقَدْ رُوعِيَ التَّناسُبُ في قَوْلِهِ: ﴿ويُؤْمِنُونَ بِهِ ويَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾، كَأنَّهُ قِيلَ: ويُؤْمِنُونَ ويَسْتَغْفِرُونَ لِمَن في مِثْلِ حالِهِمْ وصِفَتِهِمْ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الِاشْتِراكَ في الإيمانِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ أدْعى شَيْءٍ إلى النَّصِيحَةِ، وأبْعَثَهُ عَلى إمْحاضِ الشَّفَقَةِ، وإنْ تَفاوَتَتِ الأجْناسُ وتَباعَدَتِ الأماكِنُ، فَإنَّهُ لا تَجانُسَ بَيْنَ مَلَكٍ وإنْسانٍ، ولا بَيْنَ سَماءٍ وأرْضٍ قَطُّ، ثُمَّ لَمّا جاءَ جامِعُ الإيمانِ، جاءَ مَعَهُ التَّجانُسُ الكُلِّيُّ والتَّناسُبُ الحَقِيقِيُّ، حَتّى اسْتَغْفَرَ مَن حَوْلَ العَرْشِ لِمَن فَوْقَ الأرْضِ، قالَ تَعالى: ﴿ويَسْتَغْفِرُونَ لِمَن في الأرْضِ﴾ [الشورى: ٥] . انْتَهى، وهو كَلامٌ حَسَنٌ. إلّا أنَّ قَوْلَهُ: إنَّ إيمانَ الجَمِيعِ بِطَرِيقِ النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ لا غَيْرُ. فِيهِ نَظَرٌ، وقَوْلُهُ: ﴿ويَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ تَخْصِيصٌ لِعُمُومِ قَوْلِهِ: ﴿ويَسْتَغْفِرُونَ لِمَن في الأرْضِ﴾ [الشورى: ٥] . وقالَ مُطَرِّفُ بْنُ الشِّخِّيرِ: وجَدْنا أنْصَحَ العِبادِ لِلْعِبادِ المَلائِكَةَ، وأغَشَّ العِبادِ لِلْعِبادِ الشَّياطِينَ، وتَلا هَذِهِ الآيَةَ. انْتَهى. ويَنْبَغِي أنْ يُقالَ: أنْصَحُ العِبادِ لِلْعِبادِ الأنْبِياءُ والمَلائِكَةُ. ﴿رَبَّنا وسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وعِلْمًا﴾ أيْ: يَقُولُونَ: رَبَّنا واحْتَمَلَ هَذا المَحْذُوفُ بَيانًا لِيَسْتَغْفِرُونِ، فَيَكُونُ في مَحَلِّ رَفْعٍ، وأنْ يَكُونَ حالًا، فَيَكُونُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ. وكَثِيرًا ما جاءَ النِّداءُ بِلَفْظِ رَبَّنا، ورَبِّ، وفِيهِ اسْتِعْطافُ العَبْدِ لِمَوْلاهُ الَّذِي رَبّاهُ، وقامَ بِمَصالِحِهِ مِن لَدُنْ نَشْأتِهِ إلى وقْتِ نِدائِهِ، فَهو جَدِيرٌ بِأنْ لا يُنادِيَهُ إلّا بِلَفْظِ الرَّبِّ. وانْتَصَبَ ﴿رَحْمَةً وعِلْمًا﴾ عَلى التَّمْيِيزِ، والأصْلُ: وسِعَتْ رَحْمَتُكَ كُلَّ شَيْءٍ، وعِلْمُكَ كُلَّ شَيْءٍ؛ وأُسْنِدَ الوُسْعُ إلى صاحِبِها مُبالَغَةً، كَأنَّ ذاتَهُ هي الرَّحْمَةُ والعِلْمُ، وقَدْ وسِعَ كُلَّ شَيْءٍ. وقَدَّمَ الرَّحْمَةَ؛ لِأنَّهم بِها يَسْتَمْطِرُونَ إحْسانَهُ ويَتَوَسَّلُونَ بِها إلى حُصُولِ مَطْلُوبِهِمْ مِن سُؤالِ المَغْفِرَةِ. ولَمّا حَكى تَعالى عَنْهم كَيْفِيَّةَ ثَنائِهِمْ عَلَيْهِ، وأخْبَرَ بِاسْتِغْفارِهِمْ، وهو قَوْلُهم: ﴿فاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا واتَّبَعُوا سَبِيلَكَ﴾ . وطَلَبُ المَغْفِرَةِ نَتِيجَةُ الرَّحْمَةِ، ولِلَّذِينِ تابُوا يَتَضَمَّنُ أنَّكَ عَلِمْتَ تَوْبَتَهم، فَهُما راجِعانِ إلى قَوْلِهِ: ﴿رَحْمَةً وعِلْمًا﴾، و﴿واتَّبَعُوا سَبِيلَكَ﴾، وهي سَبِيلُ الحَقِّ الَّتِي نَهَجَتْها لِعِبادِكَ، ﴿إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ﴾: الَّذِي لا تُغالَبُ، (الحَكِيمُ): الَّذِي يَضَعُ الأشْياءَ مَواضِعَها الَّتِي (p-٤٥٢)تَلِيقُ بِها. ولَمّا كانَ طَلَبُ الغُفْرانِ يَتَضَمَّنُ إسْقاطَ العَذابِ، أرْدَفُوهُ بِالتَّضَرُّعِ بِوِقايَتِهِمُ العَذابَ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ والتَّأْكِيدِ، فَقالُوا: ﴿وقِهِمْ عَذابَ الجَحِيمِ﴾، وطَلَبُ المَغْفِرَةِ ووِقايَةُ العَذابِ لِلتّائِبِ الصّالِحِ، وقَدْ وعَدَ بِذَلِكَ الوَعْدِ الصّادِقِ بِمَنزِلَةِ الشَّفاعَةِ في زِيادَةِ الثَّوابِ والكَرامَةِ. ولَمّا سَألُوا إزالَةَ العِقابِ، سَألُوا اتِّصالَ الثَّوابِ، وكَرَّرَ الدُّعاءَ بِـ (رَبَّنا) فَقالُوا: ﴿رَبَّنا وأدْخِلْهم جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ . وقَرَأ الجُمْهُورُ: (جَنّاتِ) جَمْعًا؛ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، والأعْمَشُ: (جَنَّةَ عَدْنٍ) بِالإفْرادِ، وكَذا في مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في إعْرابِ (الَّتِي) في قَوْلِهِ: ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وعَدَ الرَّحْمَنُ عِبادَهُ بِالغَيْبِ﴾ [مريم: ٦١] في سُورَةِ مَرْيَمَ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ (صَلُحَ) بِضَمِّ اللّامِ، يُقالُ: صَلَحَ فَهو صَلِيحٌ وصَلُحَ فَهو صالِحٌ. وقَرَأ عِيسى (وذُرِّيَّتَهم) بِالإفْرادِ؛ والجُمْهُورُ بِالجَمْعِ. وعَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ في تَفْسِيرِ ذَلِكَ أنَّ الرَّجُلَ يَدْخُلُ الجَنَّةَ قَبْلَ قَرابَتِهِ فَيَقُولُ: أيْنَ أبِي ؟ أيْنَ أُمِّي ؟ أيْنَ ابْنِي ؟ أيْنَ زَوْجَتِي ؟ فَيَلْحَقُونَ بِهِ لِصَلاحِهِ ولِتَنْبِيهِهِ عَلَيْهِ وطَلَبِهِ إيّاهم، وهَذِهِ دَعْوَةُ المَلائِكَةِ. انْتَهى. وإذا كانَ الإنْسانُ في خَيْرٍ، ومَعَهُ عَشِيرَتُهُ وأهْلُهُ، كانَ أبْهَجَ عِنْدَهُ وأسَرَّ لِقَلْبِهِ. والظّاهِرُ عَطْفُ (ومَن) عَلى الضَّمِيرِ في ﴿وأدْخِلْهُمْ﴾، إذْ هُمُ المُحَدَّثُ عَنْهم والمَسْئُولُ لَهم. وقالَ الفَرّاءُ، والزَّجّاجُ: نَصْبُهُ مِن مَكانَيْنِ: إنْ شِئْتَ عَلى الضَّمِيرِ في ﴿وأدْخِلْهُمْ﴾، وإنْ شِئْتَ عَلى الضَّمِيرِ في ﴿وعَدْتَهُمْ﴾ . ﴿وقِهِمُ السَّيِّئاتِ﴾ أيِ: امْنَعْهم مِنَ الوُقُوعِ فِيها حَتّى لا يَتَرَتَّبَ عَلَيْها جَزاؤُها، أوْ وقِهِمْ جَزاءَ السَّيِّئاتِ الَّتِي اجْتَرَحُوها، فَحُذِفَ المُضافُ ولا تَكْرارَ في هَذا، وقَوْلُهُ: ﴿وقِهِمْ عَذابَ الجَحِيمِ﴾ لِعَدَمِ تَوافُقِ المَدْعُوِّ لَهم أنَّ الدُّعاءَ الأوَّلَ لِلَّذِينِ تابُوا، والثّانِي أنَّهُ لَهم ولِمَن صَلُحَ مِنَ المَذْكُورِينَ، أوْ لِاخْتِلافِ الدُّعاءَيْنِ إذا أُرِيدَ بِالسَّيِّئاتِ أنْفُسُهم، فَذَلِكَ وِقايَةُ عَذابِ الجَحِيمِ، وهَذا وِقايَةُ الوُقُوعِ في السَّيِّئاتِ. والتَّنْوِينُ في (يَوْمَئِذٍ) تَنْوِينُ العِوَضِ، والمَحْذُوفُ جُمْلَةٌ عُوِّضَ مِنها التَّنْوِينُ، ولَمْ تَتَقَدَّمْ جُمْلَةٌ يَكُونُ التَّنْوِينُ عِوَضًا مِنها، كَقَوْلِهِ: ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ﴾ [الواقعة: ٨٣]، ﴿وأنْتُمْ حِينَئِذٍ﴾ [الواقعة: ٨٤] أيْ: حِينَ إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ، فَلا بُدَّ مِنَ تَقْدِيرِ جُمْلَةٍ يَكُونُ التَّنْوِينُ عِوَضًا مِنها كَقَوْلِهِ، يَدُلُّ عَلَيْها مَعْنى الكَلامِ، وهي ﴿ومَن تَقِ السَّيِّئاتِ﴾ أيْ: جَزاءَها يَوْمَ إذْ يُؤاخَذُ بِها ﴿فَقَدْ رَحِمْتَهُ﴾ . ولَمْ يَتَعَرَّضْ أحَدٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ الَّذِينَ وقَفْنا عَلى كَلامِهِمْ في الآيَةِ لِلْجُمْلَةِ الَّتِي عُوِّضَ مِنها التَّنْوِينُ في (يَوْمَئِذٍ) وذَلِكَ إشارَةٌ إلى الغُفْرانِ، ودُخُولِ الجَنَّةِ، ووِقايَةُ العَذابِ هو الفَوْزُ بِالظَّفَرِ العَظِيمِ الَّذِي عَظُمَ خَطَرُهُ وجَلَّ صُنْعُهُ. ولَمّا ذَكَرَ شَيْئًا مِن أحْوالِ المُؤْمِنِينَ، وذَكَرَ شَيْئًا مِن أحْوالِ الكافِرِينَ، وما يَجْرِي لَهم في الآخِرَةِ مِنَ اعْتِرافِهِمْ بِذُنُوبِهِمْ، واسْتِحْقاقِهِمُ العَذابَ، وسُؤالِهِمُ الرُّجُوعَ إلى الدُّنْيا. ونِداؤُهم، قالَ السُّدِّيُّ: في النّارِ. وقالَ قَتادَةُ: يَوْمَ القِيامَةِ، والمُنادُونَ لَهُمُ الزَّبانِيَةُ عَلى جِهَةِ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ. واللّامُ في ﴿لَمَقْتُ﴾ لامُ الِابْتِداءِ ولامُ القَسَمِ، ومَقْتُ مَصْدَرٌ مُضافٌ إلى الفاعِلِ، التَّقْدِيرُ: لَمَقْتُ اللَّهِ إيّاكم، أوْ لَمَقْتُ اللَّهِ أنْفُسَكم، وحُذِفَ المَفْعُولُ لِدَلالَةِ ما بَعْدَهُ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ: ﴿أكْبَرُ مِن مَقْتِكم أنْفُسَكُمْ﴾ . والظّاهِرُ أنَّ مَقْتَ اللَّهِ إيّاهم هو في الدُّنْيا، ويَضْعُفُ أنْ يَكُونَ في الآخِرَةِ، كَما قالَ بَعْضُهم لِبَقاءِ (إذْ تُدْعَوْنَ)، مُفْلَتًا مِنَ الكَلامِ، لِكَوْنِهِ لَيْسَ لَهُ عامِلٌ تَقَدَّمَ، ولا مُفَسِّرٌ لِعامِلٍ. فَإذا كانَ المَقْتُ السّابِقُ في الدُّنْيا، أمْكَنَ أنْ يُضْمِرَ لَهُ عامِلٌ تَقْدِيرُهُ: مَقْتُكم إذْ تُدْعَوْنَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (وإذْ تُدْعَوْنَ) مَنصُوبٌ بِالمَقْتِ الأوَّلِ، والمَعْنى: أنَّهُ يُقالُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ: إنِ اللَّهَ مَقَتَ أنْفُسَكُمُ الأمّارَةَ بِالسُّوءِ والكُفْرِ حِينَ كانَ الأنْبِياءُ يَدْعُونَكم إلى الإيمانِ، فَتَأْبَوْنَ قُبُولَهُ وتَخْتارُونَ عَلَيْهِ الكُفْرَ، أشَدُّ مِمّا تَمْقُتُونَهُنَّ اليَوْمَ وأنْتُمْ في النّارِ، إذْ أوْقَعْتُكم فِيها بِاتِّباعِكم هَواهُنَّ. انْتَهى، وفِيهِ دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ. وأخْطَأ في قَوْلِهِ: (إذْ تُدْعَوْنَ) مَنصُوبٌ بِالمَقْتِ الأوَّلِ؛ لِأنَّ المَقْتَ مَصْدَرٌ، ومَعْمُولُهُ مِن صِلَتِهِ، ولا يَجُوزُ أنْ يُخْبِرَ عَنْهُ إلّا بَعْدَ اسْتِيفائِهِ صِلَتَهُ، وقَدْ أخْبَرَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أكْبَرُ مِن مَقْتِكم أنْفُسَكُمْ﴾، وهَذا مِن ظَواهِرِ عِلْمِ النَّحْوِ الَّتِي لا تَكادُ تَخْفى عَلى المُبْتَدِئِينَ، (p-٤٥٣)فَضْلًا عَمّا تَدَّعِي العَجَمُ أنَّهُ في العَرَبِيَّةِ شَيْخُ العَرَبِ والعَجَمِ. ولَمّا كانَ الفَصْلُ بَيْنَ المَصْدَرِ ومَعْمُولِهِ بِالخَبَرِ لا يَجُوزُ، قَدَّرْنا العامِلَ فِيهِ مُضْمَرًا، أيْ: مَقْتُكم إذْ تُدْعَوْنَ، وشَبِيهُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ﴾ [الطارق: ٨] . قَدَّرُوا العامِلَ بِرَجْعِهِ ﴿يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ﴾ [الطارق: ٩] لِلْفَصْلِ بِـ ﴿لَقادِرٌ﴾ [الطارق: ٨] بَيْنَ المَصْدَرِ ويَوْمَ. واخْتِلافُ زَمانَيِ المَقْتَيْنِ الأوَّلُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ هو قَوْلُ مُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، وابْنِ زَيْدٍ والأكْثَرِينَ. وتَقَدَّمَ لَنا أنَّ مِنهم مَن قالَ في الآخِرَةِ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وعَنِ الحَسَنِ لَمّا رَأوْا أعْمالَهُمُ الخَبِيثَةَ مَقَتُوا أنْفُسَهم فَنُودُوا: ﴿لَمَقْتُ اللَّهِ﴾ . وقِيلَ: مَعْناهُ لَمَقْتُ اللَّهِ إيّاكُمُ الآنَ أكْبَرُ مِن مَقْتِ بَعْضِكم لِبَعْضٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَكْفُرُ بَعْضُكم بِبَعْضٍ ويَلْعَنُ بَعْضُكم بَعْضًا﴾ [العنكبوت: ٢٥]، و(إذْ تُدْعَوْنَ) تَعْلِيلٌ. انْتَهى. وكانَ قَوْلُهُ: (إذْ تُدْعَوْنَ) تَعْلِيلٌ مِن كَلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ. وقالَ قَوْمٌ: (إذْ تُدْعَوْنَ) مَعْمُولٌ، لِـ ”اذْكُرْ“ مَحْذُوفَةٍ، ويَتَّجِهُ ذَلِكَ عَلى أنْ يَكُونَ مَقْتُ اللَّهِ إيّاهم في الآخِرَةِ، عَلى قَوْلِ الحَسَنِ، قِيلَ لَهم ذَلِكَ تَوْبِيخًا وتَقْرِيعًا وتَنْبِيهًا عَلى ما فاتَهم مِنَ الإيمانِ والثَّوابِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: مِن مَقْتِ أنْفُسِكم، أنْ كُلَّ واحِدٍ يَمْقُتُ نَفْسَهُ، أوْ أنْ بَعْضَكم يَمْقُتُ بَعْضًا، كَما قِيلَ: إنَّ الأتْباعَ يَمْقُتُونَ الرُّؤَساءَ لِما ورَّطُوهم فِيهِ مِنَ الكُفْرِ، والرُّؤَساءُ يَمْقُتُونَ الأتْباعَ. وقِيلَ: يَمْقُتُونَ أنْفُسَهم حِينَ قالَ لَهُمُ الشَّيْطانُ: ﴿فَلا تَلُومُونِي ولُومُوا أنْفُسَكُمْ﴾ [إبراهيم: ٢٢]، والمَقْتُ أشَدُّ البُغْضِ، وهو مُسْتَحِيلٌ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى، فَمَعْناهُ: الإنْكارُ والزَّجْرُ. ﴿قالُوا رَبَّنا أمَتَّنا اثْنَتَيْنِ﴾: وجْهُ اتِّصالِ هَذِهِ بِما قَبْلَها أنَّهم كانُوا يُنْكِرُونَ البَعْثَ، وعَظَّمَ مَقْتَهم أنْفُسَهم هَذا الإنْكارُ، فَلَمّا مَقَتُوا أنْفُسَهم، ورَأوْا حُزْنًا طَوِيلًا رَجَعُوا إلى الإقْرارِ بِالبَعْثِ، فَأقَرُّوا أنَّهُ تَعالى أماتَهُمُ اثْنَتَيْنِ وأحْياهُمُ اثْنَتَيْنِ تَعْظِيمًا لِقُدْرَتِهِ وتَوَسُّلًا إلى رِضاهُ، ثُمَّ أطْمَعُوا أنْفُسَهم بِالِاعْتِرافِ بِالذُّنُوبِ أنْ يُرَدُّوا إلى الدُّنْيا، أيْ: إنْ رَجَعْنا إلى الدُّنْيا ودُعِينا لِلْإيمانِ بادَرْنا إلَيْهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ، وأبُو مالِكٍ: مَوْتُهم كَوْنُهم ماءً في الأصْلابِ، ثُمَّ إحْياؤُهم في الدُّنْيا، ثُمَّ مَوْتُهم فِيها، ثُمَّ إحْياؤُهم يَوْمَ القِيامَةِ. وقالَ السُّدِّيُّ: إحْياؤُهم في الدُّنْيا، ثُمَّ إماتَتُهم فِيها، ثُمَّ إحْياؤُهم في القَبْرِ لِسُؤالِ المَلَكَيْنِ، ثُمَّ إماتَتُهم فِيهِ، ثُمَّ إحْياؤُهم في الحَشْرِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: إحْياؤُهم نَسَمًا عِنْدَ أخْذِ العَهْدِ عَلَيْهِمْ مِن صُلْبِ آدَمَ، ثُمَّ إماتَتُهم بَعْدُ، ثُمَّ إحْياؤُهم في الدُّنْيا، ثُمَّ إماتَتُهم، ثُمَّ إحْياؤُهم، فَعَلى هَذا والَّذِي قَبْلَهُ تَكُونُ ثَلاثَةَ إحْياءاتٍ، وهو خِلافُ القُرْآنِ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: الكافِرُ في الدُّنْيا حَيُّ الجَسَدِ، مَيِّتُ القَلْبِ، فاعْتُبِرَتِ الحالَتانِ، ثُمَّ إماتَتُهم حَقِيقَةً، ثُمَّ إحْياؤُهم في البَعْثِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في أوَّلِ البَقَرَةِ عَلى الإماتَتَيْنِ والإحْياءَيْنِ في قَوْلِهِ: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وكُنْتُمْ أمْواتًا﴾ [البقرة: ٢٨] الآيَةَ، وكَرَّرْنا ذَلِكَ هُنا لِبُعْدِ ما بَيْنَ المَوْضِعَيْنِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): كَيْفَ صَحَّ أنْ يُسَمِّيَ (خَلَقَهم أمْواتًا) إماتَةً ؟ (قُلْتُ): كَما صَحَّ: سُبْحانَ مِن صَغَّرَ جِسْمَ البَعُوضَةِ وكَبَّرَ جِسْمَ الفِيلِ، وقَوْلُكُ لِلْحَفّارِ ضَيِّقْ فَمَ الرَّكِيَّةِ ووَسِّعْ أسْفَلَها، ولَيْسَ ثَمَّ نَقْلٌ مِن كِبَرٍ إلى صِغَرٍ، ولا مِن صِغَرٍ إلى كِبَرٍ، ولا مِن ضِيقٍ إلى سِعَةٍ، ولا مِن سِعَةٍ إلى ضِيقٍ، وإنَّما أرَدْتَ الإنْشاءَ عَلى تِلْكَ الصِّفاتِ. والسَّبَبُ في صِحَّتِهِ أنَّ الصِّغَرَ والكِبَرَ جائِزانِ مَعًا عَلى المَصْنُوعِ الواحِدِ مِن غَيْرِ تَرْجِيحٍ لِأحَدِهِما، وكَذَلِكَ الضِّيقُ والسِّعَةُ، فَإذا اخْتارَ الصّانِعُ أحَدَ الجائِزَيْنِ، وهو مُتَمَكِّنٌ مِنهُما عَلى السَّواءِ، فَقَدْ صَرَفَ المَصْنُوعَ إلى الجائِزِ الآخَرِ، فَجَعَلَ صَرْفَهُ عَنْهُ كَنَقْلِهِ مِنهُ. انْتَهى. يَعْنِي أنَّ (خَلَقَهم أمْواتًا) كَأنَّهُ نَقْلٌ مِنَ الحَياةِ، وهو الجائِزُ الآخَرُ. وظاهِرُ ﴿فاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا﴾ أنَّهُ مُتَسَبِّبٌ عَنْ قُبُولِهِمْ. ﴿قالُوا رَبَّنا أمَتَّنا اثْنَتَيْنِ وأحْيَيْتَنا اثْنَتَيْنِ﴾ وثَمَّ مَحْذُوفٌ، أيْ: فَعَرَفْنا قُدْرَتَكَ عَلى الإماتَةِ والإحْياءِ، وزالَ إنْكارُنا لِلْبَعْثِ، ﴿فاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا﴾ السّابِقَةِ مِن إنْكارِ البَعْثِ وغَيْرِهِ. ﴿فَهَلْ إلى خُرُوجٍ﴾ أيْ: سَرِيعٍ أوْ بَطِيءٍ مِنَ النّارِ، ﴿مِن سَبِيلٍ﴾: وهَذا سُؤالُ مَن يَئِسَ مِنَ الخُرُوجِ، ولَكِنَّهُ تَعَلَّلٌ وتَحَيَّرٌ. (ذَلِكم): الظّاهِرُ أنَّ الخِطابَ لِلْكُفّارِ في الآخِرَةِ، (p-٤٥٤)والإشارَةُ إلى العَذابِ الَّذِي هم فِيهِ، أوْ إلى مَقْتِهِمْ أنْفُسَهم، أوْ إلى المَنعِ مِنَ الخُرُوجِ والزَّجْرِ والإهانَةِ، احْتِمالاتٌ مَقُولَةٌ. وقِيلَ: الخِطابُ لِمُحاضِرِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، والضَّمِيرُ في (فَإنَّهُ) ضَمِيرُ الشَّأْنِ. ﴿إذا دُعِيَ اللَّهُ وحْدَهُ﴾ أيْ: إذا أُفْرِدَ بِالإلَهِيَّةِ ونُفِيَتْ عَنْ سِواهُ، ﴿كَفَرْتُمْ وإنْ يُشْرَكْ بِهِ﴾ أيْ: ذُكِرَتِ اللّاتُ والعُزّى وأمْثالُهُما مِنَ الأصْنامِ، صَدَّقْتُمْ بِأُلُوهِيَّتِها وسَكَنَتْ نُفُوسُكم إلَيْها. ﴿فالحُكْمُ﴾ بِعَذابِكم، (لِلَّهِ)، لا لِتِلْكَ الأصْنامِ الَّتِي أشْرَكْتُمُوها مَعَ اللَّهِ، (العَلِيِّ) عَنِ الشِّرْكِ، (الكَبِيرِ): العَظِيمِ الكِبْرِياءِ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: لِأهْلِ النّارِ خَمْسُ دَعَواتٍ، يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ في الأرْبَعَةِ، فَإذا كانَتِ الخامِسَةُ سَكَتُوا. ﴿قالُوا رَبَّنا أمَتَّنا اثْنَتَيْنِ﴾ الآيَةَ، وفي إبْراهِيمَ: ﴿رَبَّنا أخِّرْنا﴾ [إبراهيم: ٤٤] الآيَةَ، وفي السَّجْدَةِ: ﴿رَبَّنا أبْصَرْنا﴾ [السجدة: ١٢] الآيَةَ، وفي فاطِرٍ: ﴿رَبَّنا أخْرِجْنا﴾ [فاطر: ٣٧] الآيَةَ، وفي المُؤْمِنُونَ: ﴿رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا﴾ [المؤمنون: ١٠٦] الآيَةَ، فَراجَعَهُمُ ﴿اخْسَئُوا فِيها ولا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] قالَ: فَكانَ آخِرُ كَلامِهِمْ ذَلِكَ. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى ما يُوجِبُ التَّهْدِيدَ الشَّدِيدَ في حَقِّ المُشْرِكِينَ، أرْدَفَهُ بِذِكْرِ ما يَدُلُّ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ وحِكْمَتِهِ، لَيَصِيرَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ جَعْلُ الأحْجارِ المَنحُوتَةِ والخُشُبِ المَعْبُودَةِ شُرَكاءَ لِلَّهِ، فَقالَ: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكم آياتِهِ﴾ أيُّها النّاسُ، ويَشْمَلُ آياتِ قُدْرَتِهِ مِنَ الرِّيحِ والسَّحابِ والرَّعْدِ والبَرْقِ والصَّواعِقِ ونَحْوِها مِنَ الآثارِ العُلْوِيَّةِ، وآياتِ كِتابِهِ المُشْتَمِلِ عَلى الأوَّلِينَ والآخَرِينَ، وآياتِ الإعْجازِ عَلى أيْدِي رُسُلِهِ. وهَذِهِ الآياتُ راجِعَةٌ إلى نُورِ العَقْلِ الدّاعِي إلى تَوْحِيدِ اللَّهِ. ثُمَّ قالَ: ﴿ويُنَزِّلُ لَكم مِنَ السَّماءِ رِزْقًا﴾، وهو المَطَرُ الَّذِي هو سَبَبُ قِوامِ بِنْيَةِ البَدَنِ، فَتِلْكَ الآياتُ لِلْأدْيانِ كَهَذا الرِّزْقِ لِلْأبْدانِ. ﴿وما يَتَذَكَّرُ﴾ أيْ: يَتَّعِظُ ويَعْتَبِرُ، وجَعَلَهُ تَذَكُّرًا؛ لِأنَّهُ مَرْكُوزٌ في العُقُولِ دَلائِلُ التَّوْحِيدِ، ثُمَّ قَدْ يَعْرِضُ الِاشْتِغالُ بِعِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ فَيَمْنَعُ مِن تَجَلِّي نُورِ العَقْلِ، فَإذا تابَ إلى اللَّهِ تَذَكَّرَ.

غافر 40:14

﴿فادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ولَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ﴾ ﴿رَفِيعُ الدَّرَجاتِ ذُو العَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِن أمْرِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ﴾ ﴿يَوْمَ هم بارِزُونَ لا يَخْفى عَلى اللَّهِ مِنهم شَيْءٌ لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ ﴿اليَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ لا ظُلْمَ اليَوْمَ إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ ﴿وأنْذِرْهم يَوْمَ الآزِفَةِ إذِ القُلُوبُ لَدى الحَناجِرِ كاظِمِينَ ما لِلظّالِمِينَ مِن حَمِيمٍ ولا شَفِيعٍ يُطاعُ﴾ ﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ وما تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ ﴿واللَّهُ يَقْضِي بِالحَقِّ والَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إنَّ اللَّهَ هو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ ﴿أوَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِن قَبْلِهِمْ كانُوا هم أشَدَّ مِنهم قُوَّةً وآثارًا في الأرْضِ فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وما كانَ لَهم مِنَ اللَّهِ مِن واقٍ﴾ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَكَفَرُوا فَأخَذَهُمُ اللَّهُ إنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ العِقابِ﴾ . الأمْرُ بِقَوْلِهِ: ﴿فادْعُوا اللَّهَ﴾ لِلْمُنِيبِينَ المُؤْمِنِينَ أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أيِ: اعْبُدُوهُ، ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [غافر: ٦٥] مِنَ الشِّرْكِ عَلى كُلِّ حالٍ، حَتّى في حالِ غَيْظِ أعْدائِكُمُ المُتَمالِئِينَ عَلَيْكم وعَلى اسْتِئْصالِكم. و﴿رَفِيعُ﴾: خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ثَلاثَةُ أخْبارٍ مُتَرَتِّبَةٍ عَلى قَوْلِهِ: ﴿الَّذِي يُرِيكُمْ﴾ [غافر: ١٣]، أوْ أخْبارُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وهي مُخْتَلِفَةٌ تَعْرِيفًا وتَنْكِيرًا. انْتَهى. أمّا تَرَتُّبُها عَلى قَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ﴾ [غافر: ١٣]، فَبَعِيدٌ كَطُولِ الفَصْلِ، وأمّا كَوْنُها أخَبارًا لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، فَمَبْنِيٌّ عَلى جَوازِ تَعَدُّدِ الأخْبارِ، إذا لَمْ تَكُنْ في مَعْنى خَبَرٍ واحِدٍ، والمَنعُ اخْتِيارُ أصْحابِنا. وقُرِئَ: ﴿رَفِيعُ﴾ بِالنَّصْبِ عَلى المَدْحِ، واحْتُمِلَ أنْ يَكُونَ ﴿رَفِيعُ﴾ لِلْمُبالَغَةِ (p-٤٥٥)عَلى فَعِيلٍ مِن رافِعٍ، فَيَكُونُ الدَّرَجاتُ مَفْعُولَةً، أيْ: رافِعُ دَرَجاتِ المُؤْمِنِينَ ومَنازِلِهِمْ في الجَنَّةِ. وبِهِ فَسَّرَ ابْنُ سَلامٍ، أوْ عَبَّرَ بِالدَّرَجاتِ عَنِ السَّماواتِ، أرْفَعُها سَماءً فَوْقَ سَماءٍ، والعَرْشُ فَوْقَهُنَّ. وبِهِ فَسَّرَ ابْنُ جُبَيْرٍ، واحْتُمِلَ أنْ يَكُونَ ﴿رَفِيعُ﴾ فَعِيلًا مِن رَفَعَ الشَّيْءَ عَلا فَهو رَفِيعٌ، فَيَكُونُ مِن بابِ الصِّفَةِ المُشَبَّهَةِ، والدَّرَجاتُ المَصاعِدُ المَلائِكَةُ إلى أنْ تَبْلُغَ العَرْشَ، أُضِيفَتْ إلَيْهِ دَلالَةً عَلى عِزِّهِ وسُلْطانِهِ، أيْ: دَرَجاتِ مَلائِكَتِهِ، كَما وصَفَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ذِي المَعارِجِ﴾ [المعارج: ٣]، أوْ يَكُونُ ذَلِكَ عِبارَةً عَنْ رَفْعَةِ شَأْنِهِ وعُلُوِّ سُلْطانِهِ. كَما أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ذُو العَرْشِ﴾ عِبارَةٌ عَنْ مُلْكِهِ، وبِنَحْوِهِ فَسَّرَ ابْنُ زَيْدٍ قالَ: عَظِيمُ الصِّفاتِ. و(الرُّوحَ) النُّبُوَّةَ، قالَهُ قَتادَةُ، والسُّدِّيُّ، كَما قالَ: ﴿رُوحًا مِن أمْرِنا﴾ [الشورى: ٥٢]؛ وعَنْ قَتادَةَ أيْضًا: الوَحْيَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: القُرْآنَ، وقالَ الضَّحّاكُ: جِبْرِيلُ يُرْسِلُهُ لِمَن يَشاءُ. وقِيلَ: الرَّحْمَةُ، وقِيلَ: أرْواحُ العِبادِ، وهَذانِ القَوْلانِ ضَعِيفانِ، والأوْلى الوَحْيُ، اسْتُعِيرَ لَهُ الرُّوحُ لِحَياةِ الأدْيانِ المَرْضِيَّةِ بِهِ، كَما قالَ: ﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ﴾ [الأنعام: ١٢٢] . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إلْقاءُ الرُّوحِ عامِلًا لِكُلِّ ما يُنْعِمُ اللَّهُ بِهِ عَلى عِبادِهِ المُهْتَدِينَ في تَفْهِيمِ الإيمانِ والمَعْقُولاتِ الشَّرِيفَةِ. انْتَهى. وقالَ الزَّجّاجُ: الرُّوحُ: كُلُّ ما بِهِ حَياةُ النّاسِ، وكُلُّ مُهْتَدٍ حَيٌّ، وكُلُّ ضالٍّ مَيِّتٌ. انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿مِن أمْرِهِ﴾: مِن قَضائِهِ. وقالَ مُقاتِلٌ: بِأمْرِهِ، وحَكى الشَّعْبِيُّ مِن قَوْلِهِ، ويَظْهَرُ أنَّ مِن لِابْتِداءِ الغايَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (لِيُنْذِرَ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، (يَوْمَ) بِالنَّصْبِ، والظّاهِرُ أنَّ الفاعِلَ يَعُودُ عَلى اللَّهِ؛ لِأنَّهُ هو المُحَدَّثُ عَنْهُ. واحْتَمَلَ (يَوْمَ) أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا عَلى السِّعَةِ، وأنْ يَكُونَ ظَرْفًا، والمُنْذَرُ بِهِ مَحْذُوفٌ. وقَرَأ أُبَيٌّ وجَماعَةٌ كَذَلِكَ إلّا أنَّهم رَفَعُوا يَوْمَ عَلى الفاعِلِيَّةِ مَجازًا. وقِيلَ: الفاعِلُ في القِراءَةِ الأُولى ضَمِيرُ الرُّوحِ. وقِيلَ: ضَمِيرُ مَن. وقَرَأ اليَمانِيُّ فِيما ذَكَرَ صاحِبُ اللَّوامِحِ (لِيُنْذَرَ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ ﴿يَوْمُ التَّلاقِ﴾ بِرَفْعِ المِيمِ. وقَرَأ الحَسَنُ واليَمانِيُّ فِيما ذَكَرَ ابْنُ خالَوَيْهِ (لِتُنْذِرَ) بِالتّاءِ، فَقالُوا: الفاعِلُ ضَمِيرُ الرُّوحِ؛ لِأنَّها تُؤَنَّثُ، أوْ فِيهِ ضَمِيرُ الخِطابِ المَوْصُولِ. وقُرِئَ: التَّلاقِ والتَّنادِ، بِياءٍ وبِغَيْرِ ياءٍ، وسُمِّي يَوْمَ التَّلاقِ لِالتِقاءِ الخَلائِقِ فِيهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ: يَلْتَقِي فِيهِ الخالِقُ والمَخْلُوقُ. وقالَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرانَ: يَلْتَقِي فِيهِ الظّالِمُ والمَظْلُومُ. وحَكى الثَّعْلَبِيُّ: يَلْتَقِي المَرْءُ بِعِلْمِهِ. وقالَ السُّدِّيُّ: يُلاقِي أهْلُ السَّماءِ أهْلَ الأرْضِ. وقِيلَ: يَلْتَقِي العابِدُونَ ومَعْبُودُهم. ﴿يَوْمَ هم بارِزُونَ﴾ أيْ: ظاهِرُونَ مِن قُبُورِهِمْ، لا يَسْتُرُهم شَيْءٌ مِن جَبَلٍ أوْ أكَمَةٍ أوْ بِناءٍ؛ لِأنَّ الأرْضَ إذْ ذاكَ قاعُ صَفْصَفٍ، ولا مِن ثِيابٍ؛ لِأنَّهم يُحْشَرُونَ حُفاةً عُراةً. و(يَوْمًا) بَدَلٌ مِن ﴿يَوْمَ التَّلاقِ﴾ وكِلاهُما ظَرْفٌ مُسْتَقْبَلٌ. والظَّرْفُ المُسْتَقْبَلُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ لا يَجُوزُ إضافَتُهُ إلى الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ، لا يَجُوزُ: أجِيئُكَ يَوْمَ زَيْدٌ ذاهِبٌ، إجْراءً لَهُ مَجْرى إذا، فَكَما لا يَجُوزُ أنْ تَقُولَ: أجِيئُكَ إذا زَيْدٌ ذاهِبٌ، فَكَذَلِكَ لا يَجُوزُ هَذا. وذَهَبَ أبُو الحَسَنِ إلى جَوازِ ذَلِكَ، فَيَتَخَرَّجُ قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ هم بارِزُونَ﴾ عَلى هَذا المَذْهَبِ. وقَدْ أجازَ ذَلِكَ بَعْضُ أصْحابِنا عَلى قِلَّةٍ، والدَّلائِلُ مَذْكُورَةٌ في عِلْمِ النَّحْوِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ انْتِصابُهُ عَلى الظَّرْفِ، والعامِلُ فِيهِ قَوْلُهُ: (لا يَخْفى)، وهي حَرَكَةُ إعْرابٍ لا حَرَكَةُ بِناءٍ؛ لِأنَّ الظَّرْفَ لا يُبْنى إلّا إذا أُضِيفَ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ، كَيَوْمَئِذٍ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎عَلى حِينِ عاتَبْتُ المَشِيبَ عَلى الصِّبا وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَذا يَوْمُ يَنْفَعُ﴾ [المائدة: ١١٩] . وأمّا في هَذِهِ الآيَةِ فالجُمْلَةُ اسْمٌ مُتَمَكِّنٌ، كَما تَقُولُ: جِئْتُ يَوْمَ زَيْدٌ أمِيرٌ، فَلا يَجُوزُ البِناءُ. انْتَهى. يَعْنِي أنْ يَنْتَصِبَ عَلى الظَّرْفِ قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ هم بارِزُونَ﴾ . وأمّا قَوْلُهُ لا يُبْنى إلّا إذا أُضِيفَ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ، فالبِناءُ لَيْسَ مُتَحَتِّمًا، بَلْ يَجُوزُ فِيهِ البِناءُ والإعْرابُ. وأمّا تَمْثِيلُهُ بِ ﴿يَوْمُ يَنْفَعُ﴾ [المائدة: ١١٩] فَمَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ أنَّهُ لا يَجُوزُ فِيهِ إلّا الإعْرابُ، ومَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ جَوازُ البِناءِ والإعْرابِ فِيهِ. وأمّا إذا أُضِيفَ إلى جُمْلَةٍ اسْمِيَّةٍ، كَمّا مَثَّلَ مِن قَوْلِهِ: جِئْتُ يَوْمَ زَيْدٌ أمِيرٌ، فالنَّقْلُ عَنِ البَصْرِيِّينَ تَحَتُّمُ الإعْرابِ، كَما ذُكِرَ، (p-٤٥٦)والنَّقْلُ عَنِ الكُوفِيِّينَ جَوازُ الإعْرابِ والبِناءِ. وذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ أصْحابِنا، وهو الصَّحِيحُ لِكَثْرَةِ شَواهِدِ البِناءِ عَلى ذَلِكَ. ووَقَعَ في بَعْضِ تَصانِيفِ أصْحابِنا أنَّهُ يَتَحَتَّمُ فِيهِ البِناءُ، وهَذا قَوْلٌ لَمْ يَذْهَبْ إلَيْهِ أحَدٌ، فَهو وهْمٌ. ﴿لا يَخْفى عَلى اللَّهِ مِنهم شَيْءٌ﴾ أيْ: مِن سَرائِرِهِمْ وبَواطِنِهِمْ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إذا هَلَكَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا اللَّهُ قالَ: ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ﴾، فَلا يُجِيبُهُ أحَدٌ، فَيَرُدُّ عَلى نَفْسِهِ: ﴿لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ . وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: يَجْمَعُ اللَّهُ الخَلائِقَ يَوْمَ القِيامَةِ في صَعِيدٍ بِأرْضٍ بَيْضاءَ، كَأنَّها سَبِيكَةُ فِضَّةٍ لَمْ يُعْصَ اللَّهُ فِيها قَطُّ، فَأوَّلُ ما يَتَكَلَّمُ بِهِ أنْ يُنادِيَ مُنادٍ: ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ﴾ ؟ فَيُجِيبُونَ كُلُّهم: ﴿لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ . رُوِيَ أنَّهُ تَعالى يُقَرِّرُ هَذا التَّقْرِيرَ ويَسْكُتُ العالَمُ هَيْبَةً وجَزَعًا، فَيُجِيبُ نَفْسَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾، فَيُجِيبُ النّاسُ. وإنَّما خَصَّ التَّقْرِيرَ بِاليَوْمِ، وإنْ كانَ المُلْكُ لَهُ تَعالى في ذَلِكَ اليَوْمِ وفي غَيْرِهِ، لِظُهُورِ ذَلِكَ لِلْكَفَرَةِ والجَهَلَةِ ووُضُوحِهِ يَوْمَ القِيامَةِ. وإذا تَأمَّلَ مَن لَهُ مُسْكَةُ عَقْلٍ تَسْخِيرَ أهْلِ السَّماواتِ الأرْضِ، ونُفُوذَ القَضاءِ فِيهِمْ، وتَيَقَّنَ أنْ لا مُلْكَ إلّا لِلَّهِ، ومِن نَتائِجِ مُلْكِهِ في ذَلِكَ اليَوْمِ جَزاءُ كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ، وانْتِفاءُ الظُّلْمِ، وسُرْعَةُ الحِسابِ أنَّ حِسابَهم في وقْتٍ واحِدٍ لا يَشْغَلُهُ حِسابٌ عَنْ حِسابٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذِهِ الآيَةُ نَصٌّ في أنَّ الثَّوابَ والعِقابَ مُعَلَّقٌ بِاكْتِسابِ العَبْدِ. انْتَهى، وهو عَلى طَرِيقَةِ الأشْعَرِيَّةِ. ورُوِيَ أنَّ يَوْمَ القِيامَةِ لا يَنْتَصِفُ حَتّى يُقِيلَ المُؤْمِنُونَ في الجَنَّةِ والكافِرُونَ في النّارِ. و﴿يَوْمَ الآزِفَةِ﴾: هو يَوْمُ القِيامَةِ، يَأْمُرُ تَعالى نَبِيَّهُ أنْ يُنْذِرَ العالَمَ ويُحَذِّرَهم مِنهُ ومِن أهْوالِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ. والآزِفَةُ صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ يَوْمَ السّاعَةِ الآزِفَةِ، أوِ الطّامَّةِ الآزِفَةِ ونَحْوُ هَذا. ولَمّا اعْتَقَبَ كُلَّ إنْذارٍ نَوْعًا مِنَ الشِّدَّةِ والخَوْفِ وغَيْرِهِما، حَسُنَ التَّكْرارُ في الآزِفَةِ القَرِيبَةِ، كَما تَقَدَّمَ، وهي مُشارَفَتُهم دُخُولَ النّارِ، فَإنَّهُ إذْ ذاكَ تَزِيغُ القُلُوبُ عَنْ مَقارِّها مِن شِدَّةِ الخَوْفِ. وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: ﴿يَوْمَ الآزِفَةِ﴾ يَوْمَ المَنِيَّةِ وحُضُورِ الأجَلِ، يَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّهُ يَعْدِلُ وصْفَ يَوْمِ القِيامَةِ بِأنَّهُ يَوْمُ التَّلاقِ، ويَوْمُ بُرُوزِهِمْ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ هَذا اليَوْمُ غَيْرَهُ، وهَذِهِ الصِّفَةُ مَخْصُوصَةٌ في سائِرِ الآياتِ، يَوْمُ المَوْتِ بِالقُرْبِ أوْلى مِن وصْفِ يَوْمِ القِيامَةِ بِالقُرْبِ، وأيْضًا فالصِّفاتُ المَذْكُورَةُ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ الآزِفَةِ﴾، لائِقَةٌ بِيَوْمِ حُضُورِ المَنِيَّةِ؛ لِأنَّ الرَّجُلَ عِنْدَ مُعايَنَةِ مَلائِكَةِ العَذابِ لِعَظَمِ خَوْفِهِ، يَكادُ قَلْبُهُ يَبْلُغُ حَنْجَرَتَهُ مِن شِدَّةِ الخَوْفِ، ولا يَكُونُ لَهُ حَمِيمٌ ولا شَفِيعٌ يَرْفَعُ عَنْهُ ما بِهِ مِن أنْواعِ الخَوْفِ. ﴿إذِ القُلُوبُ لَدى الحَناجِرِ﴾، قِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ حَقِيقَةً، ويَبْقُونَ أحْياءً مَعَ ذَلِكَ بِخِلافِ حالَةِ الدُّنْيا، فَإنَّ مَنِ انْتَقَلَ قَلْبُهُ إلى حَنْجَرَتِهِ ماتَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ كِنايَةً عَنْ ما يَبْلُغُونَ إلَيْهِ مِن شِدَّةِ الجَزَعِ. كَما تَقُولُ: كادَتْ نَفْسِي أنْ تَخْرُجَ، وانْتَصَبَ ﴿كاظِمِينَ﴾ عَلى الحالِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هو حالٌ عَنْ أصْحابِ القُلُوبِ عَلى المَعْنى، إذا المَعْنى: إذْ قُلُوبُهم لَدى حَناجِرِهِمْ كاظِمِينَ عَلَيْها، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ حالًا عَنِ القُلُوبِ، وأنَّ القُلُوبَ كاظِمَةٌ عَلى غَمٍّ وكَرْبٍ فِيها، مَعَ بُلُوغِها الحَناجِرَ. وإنَّما جَمَعَ الكاظِمَ جَمْعَ السَّلامَةِ؛ لِأنَّهُ وصَفَها بِالكَظْمِ الَّذِي هو مِن أفْعالِ العُقَلاءِ، كَما قالَ: ﴿رَأيْتُهم لِي ساجِدِينَ﴾ [يوسف: ٤] . وقالَ: فَظَلَّتْ أعْناقُهم لَها خاضِعِينَ، ويُعَضِّدُهُ قِراءَةُ مَن قَرَأ: (كاظِمُونَ) . ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا عَنْ قَوْلِهِ أيْ: وأنْذِرْهم مُقَدِّرِينَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ﴿كاظِمِينَ﴾ حالٌ مِمّا أُبْدِلَ مِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَشْخَصُ فِيهِ الأبْصارُ﴾ [إبراهيم: ٤٢] ﴿مُهْطِعِينَ﴾ [إبراهيم: ٤٣]: أرادَ تَشْخَصُ فِيهِ أبْصارُهم، وقالَ الحَوْفِيُّ: (القُلُوبُ) رُفِعَ بِالِابْتِداءِ، و﴿لَدى الحَناجِرِ﴾ الخَبَرُ مُتَعَلِّقٌ بِمَعْنى الِاسْتِقْرارِ. وقالَ أبُو البَقاءِ: ﴿كاظِمِينَ﴾ حالٌ مِنَ القُلُوبِ؛ لِأنَّ المُرادَ أصْحابُها. انْتَهى. ﴿ما لِلظّالِمِينَ مِن حَمِيمٍ﴾ أيْ: مُحِبٍّ مُشْفِقٍ، (ولا شَفِيعٍ) ﴿يُطاعُ﴾ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِشَفِيعٍ، فاحْتُمِلَ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ خَفْضٍ عَلى اللَّفْظِ، وفي مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى المَوْضِعِ واحْتُمِلَ أنْ يَنْسَحِبَ النَّفْيُ عَلى الوَصْفِ فَقَطْ، فَيَكُونُ مِن شَفِيعٍ، ولَكِنَّهُ لا يُطاعُ، أيْ: (p-٤٥٧)لا تُقْبَلُ شَفاعَتُهُ، واحْتُمِلَ أنْ يَنْسَحِبَ النَّفْيُ عَلى المَوْصُوفِ وصْفَتِهِ أيْ: لا شَفِيعَ فَيُطاعُ، وهَذا هو المَقْصُودُ في الآيَةِ أنَّ الشَّفِيعَ عِنْدَ اللَّهِ إنَّما يَكُونُ مِن أوْلِيائِهِ تَعالى، ولا تَكُونُ الشَّفاعَةُ إلّا لِمَنِ ارْتَضاهُ اللَّهُ، وأيْضًا فَيَكُونُ في زِيادَةِ التَّفَضُّلِ والثَّوابِ ولا يُمْكِنُ شَيْءٌ مِن هَذا في حَقِّ الكافِرِ. وعَنِ الحَسَنِ: واللَّهِ لا يَكُونُ لَهم شَفِيعٌ ألْبَتَّةَ، ﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ﴾، كَقَوْلِهِ: ؎وإنْ سَقَيْتِ كِرامَ النّاسِ فاسْقِينا أيِ: النّاسَ الكِرامَ. وجَوَّزُوا أنْ تَكُونَ (خائِنَةَ) مَصْدَرًا، كالعافِيَةِ والعاقِبَةِ، أيْ: يَعْلَمُ خِيانَةَ الأعْيُنِ. ولَمّا كانَتِ الأفْعالُ الَّتِي يُقْصَدُ بِها التَّكَتُّمُ بَدَنِيَّةً، فَأخْفاها ﴿خائِنَةَ الأعْيُنِ﴾ مِن كَسْرِ جَفْنٍ وغَمْزٍ ونَظَرٍ يُفْهِمُ مَعْنًى، ويُرِيدُ صاحِبَ مَعْنًى آخَرَ وقَلْبٍ، وهو ما تَحْتَوِي عَلَيْهِ الضَّمائِرُ، قَسَّمَ ما يُتَكَتَّمُ بِهِ إلى هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ، وذَكَرَ أنَّ عِلْمَهُ مُتَعَلِّقٌ بِهِما التَّعَلُّقَ التّامَّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولا يَحْسُنُ أنْ يُرادَ الخائِنَةُ مِنَ الأعْيُنِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ لا يُساعِدُ عَلَيْهِ. انْتَهى، يَعْنِي أنَّهُ لا يُناسِبُ أنْ يَكُونَ مُقابِلَ المَعْنى إلّا المَعْنى، وتَقَدَّمَ أنَّ الظّاهِرَ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ الأعْيُنَ الخائِنَةَ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ﴾ الآيَةَ مُتَّصِلٌ بِما قَبْلَهُ. لَمّا أمَرَ بِإنْكارِهِ يَوْمَ الآزِفَةِ، وما يَعْرِضُ فِيهِ مِن شِدَّةِ الكَرْبِ والغَمِّ، وأنَّ الظّالِمَ لا يَجِدُ مَن يَحْمِيهِ مِن ذَلِكَ، ولا مَن يَشْفَعُ لَهُ. ذَكَرَ اطِّلاعَهُ تَعالى عَلى جَمِيعِ ما يَصْدُرُ مِنَ العَبْدِ، وأنَّهُ مُجازًى بِما عَمِلَ، لِيَكُونَ عَلى حَذَرٍ مِن ذَلِكَ اليَوْمِ إذا عَلِمَ أنَّ اللَّهَ مُطَّلِعٌ عَلى أعْمالِهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ﴾ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿سَرِيعُ الحِسابِ﴾؛ لِأنَّ سُرْعَةَ حِسابِهِ لِلْخَلْقِ إنَّما هي بِعِلْمِهِ الَّذِي لا يَحْتاجُ مَعَهُ إلى رَوِيَّةٍ وفِكْرٍ، ولا لِشَيْءٍ مِمّا يَحْتاجُهُ المُحاسِبُونَ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: (يَعْلَمُ) مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿لا يَخْفى عَلى اللَّهِ مِنهم شَيْءٌ﴾ وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ، يُقَوِّيهِ تَناسُبُ المَعْنَيَيْنِ، ويُضَعِّفُهُ بُعْدُ الآيَةِ مِنَ الآيَةِ وكَثْرَةُ الحائِلِ. انْتَهى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): بِمَ اتَّصَلَ قَوْلُهُ: يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ ؟ (قُلْتُ): هو خَبَرٌ مِن أخْبارِ (هو) في قَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ البَرْقَ﴾ [الرعد: ١٢]، مِثْلَ: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ﴾، ولَكِنْ مَن يُلْقِي الرُّوحَ قَدْ عَلَّلَ بِقَوْلِهِ: ﴿لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ﴾، ثُمَّ أسْقَطَ وتَذَكَّرَ أحْوالَ يَوْمِ التَّلاقِ إلى قَوْلِهِ: ﴿ولا شَفِيعٍ يُطاعُ﴾، فَبَعُدَ لِذَلِكَ عَنْ إخْوانِهِ. انْتَهى. وفِي بَعْضِ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ، أنا مِرْصادُ الهِمَمِ، أنا العالِمُ بِحالِ الفِكْرِ وكَسْرِ العُيُونِ. وقالَ مُجاهِدٌ: ﴿خائِنَةَ الأعْيُنِ﴾: مُسارَقَةُ النَّظَرِ إلى ما لا يَجُوزُ؛ ومَثَّلَ المُفَسِّرُونَ ﴿خائِنَةَ الأعْيُنِ﴾ بِالنَّظَرِ الثّانِي إلى حُرْمَةِ غَيْرِ النّاظِرِ، وما تُخْفِي الصُّدُورُ بِالنَّظَرِ الأوَّلِ الَّذِي لا يُمْكِنُ رَفْعُهُ. ﴿واللَّهُ يَقْضِي بِالحَقِّ﴾: هَذا يُوجِبُ عَظِيمَ الخَوْفِ؛ لِأنَّ الحاكِمَ إذا كانَ عالِمًا بِجَمِيعِ الأحْوالِ لا يَقْضِي إلّا بِالحَقِّ في ما دَقَّ وجَلَّ خافَهُ الخَلْقُ غايَةً. ﴿والَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾: هَذا قَدْحٌ في أصْنامِهِمْ وتَهَكُّمٌ بِهِمْ؛ لِأنَّ ما لا يُوصَفُ بِالقُدْرَةِ، لا يُقالُ فِيهِ: يَقْضِي ولا يَقْضِي. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يَدْعُونَ) بِياءِ الغِيبَةِ لِتَناسُبِ الضَّمائِرِ الغائِبَةِ قَبْلُ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، ونافِعٌ: بِخِلافٍ عَنْهُ؛ وهِشامٌ: (تَدْعُونَ) بِتاءِ الخِطابِ، أيْ: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ. ﴿إنَّ اللَّهَ هو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾: تَقْرِيرٌ لِقَوْلِهِ: ﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ وما تُخْفِي الصُّدُورُ﴾، وعِيدٌ لَهم بِأنَّهُ يَسْمَعُ ما يَقُولُونَ ويُبْصِرُ ما يَعْمَلُونَ وتَعْرِيضٌ بِأصْنامِهِمْ أنَّها لا تَسْمَعُ ولا تُبْصِرُ. ﴿أوَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِن قَبْلِهِمْ﴾: أحالَ قُرَيْشًا عَلى الِاعْتِبارِ بِالسِّيَرِ، وجازَ أنْ يَكُونَ فَيَنْظُرُوا مَجْزُومًا عَطْفًا عَلى يَسِيرُوا وأنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى جَوابِ النَّفْيِ، كَما قالَ: ؎ألَمْ تَسْألْ فَتُخْبِرَكَ الرُّسُومُ وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مِثْلِ هَذِهِ الجُمْلَةِ، وحَمَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ هم عَلى أنْ يَكُونَ فَصْلًا ولا يَتَعَيَّنُ، إذْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ هم تَوْكِيدًا لِضَمِيرِ (كانُوا) . وقَرَأ الجُمْهُورُ: مِنهم بِضَمِيرِ الغَيْبَةِ؛ وابْنُ عامِرٍ: مِنكم بِضَمِيرِ الخِطابِ عَلى سَبِيلِ الِالتِفاتِ. ﴿وآثارًا في الأرْضِ﴾: مَعْطُوفٌ عَلى (قُوَّةً) أيْ: مَبانِيهِمْ وحُصُونُهم وعِدَدُهم كانَتْ في غايَةِ الشِّدَّةِ. ﴿وتَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا﴾ [الشعراء: ١٤٩] . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ أرادُوا أكْثَرَ آثارًا لِقَوْلِهِ: مُتَقَلِّدًا سَيْفًا ورُمْحًا (p-٤٥٨)انْتَهى. أيْ: ومُعْتَقِلًا رُمْحًا، ولا حاجَةَ إلى ادِّعاءِ الحَذْفِ مَعَ صِحَّةِ المَعْنى بِدُونِهِ. ﴿مِن واقٍ﴾ أيْ: وما كانَ لَهم مِن عَذابِ اللَّهِ مِن ساتِرٍ يَمْنَعُهم مَنعَهُ. (ذَلِكَ) أيْ: الأخْذُ، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِ ذَلِكَ.

غافر 40:15

﴿فادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ولَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ﴾ ﴿رَفِيعُ الدَّرَجاتِ ذُو العَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِن أمْرِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ﴾ ﴿يَوْمَ هم بارِزُونَ لا يَخْفى عَلى اللَّهِ مِنهم شَيْءٌ لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ ﴿اليَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ لا ظُلْمَ اليَوْمَ إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ ﴿وأنْذِرْهم يَوْمَ الآزِفَةِ إذِ القُلُوبُ لَدى الحَناجِرِ كاظِمِينَ ما لِلظّالِمِينَ مِن حَمِيمٍ ولا شَفِيعٍ يُطاعُ﴾ ﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ وما تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ ﴿واللَّهُ يَقْضِي بِالحَقِّ والَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إنَّ اللَّهَ هو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ ﴿أوَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِن قَبْلِهِمْ كانُوا هم أشَدَّ مِنهم قُوَّةً وآثارًا في الأرْضِ فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وما كانَ لَهم مِنَ اللَّهِ مِن واقٍ﴾ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَكَفَرُوا فَأخَذَهُمُ اللَّهُ إنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ العِقابِ﴾ . الأمْرُ بِقَوْلِهِ: ﴿فادْعُوا اللَّهَ﴾ لِلْمُنِيبِينَ المُؤْمِنِينَ أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أيِ: اعْبُدُوهُ، ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [غافر: ٦٥] مِنَ الشِّرْكِ عَلى كُلِّ حالٍ، حَتّى في حالِ غَيْظِ أعْدائِكُمُ المُتَمالِئِينَ عَلَيْكم وعَلى اسْتِئْصالِكم. و﴿رَفِيعُ﴾: خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ثَلاثَةُ أخْبارٍ مُتَرَتِّبَةٍ عَلى قَوْلِهِ: ﴿الَّذِي يُرِيكُمْ﴾ [غافر: ١٣]، أوْ أخْبارُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وهي مُخْتَلِفَةٌ تَعْرِيفًا وتَنْكِيرًا. انْتَهى. أمّا تَرَتُّبُها عَلى قَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ﴾ [غافر: ١٣]، فَبَعِيدٌ كَطُولِ الفَصْلِ، وأمّا كَوْنُها أخَبارًا لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، فَمَبْنِيٌّ عَلى جَوازِ تَعَدُّدِ الأخْبارِ، إذا لَمْ تَكُنْ في مَعْنى خَبَرٍ واحِدٍ، والمَنعُ اخْتِيارُ أصْحابِنا. وقُرِئَ: ﴿رَفِيعُ﴾ بِالنَّصْبِ عَلى المَدْحِ، واحْتُمِلَ أنْ يَكُونَ ﴿رَفِيعُ﴾ لِلْمُبالَغَةِ (p-٤٥٥)عَلى فَعِيلٍ مِن رافِعٍ، فَيَكُونُ الدَّرَجاتُ مَفْعُولَةً، أيْ: رافِعُ دَرَجاتِ المُؤْمِنِينَ ومَنازِلِهِمْ في الجَنَّةِ. وبِهِ فَسَّرَ ابْنُ سَلامٍ، أوْ عَبَّرَ بِالدَّرَجاتِ عَنِ السَّماواتِ، أرْفَعُها سَماءً فَوْقَ سَماءٍ، والعَرْشُ فَوْقَهُنَّ. وبِهِ فَسَّرَ ابْنُ جُبَيْرٍ، واحْتُمِلَ أنْ يَكُونَ ﴿رَفِيعُ﴾ فَعِيلًا مِن رَفَعَ الشَّيْءَ عَلا فَهو رَفِيعٌ، فَيَكُونُ مِن بابِ الصِّفَةِ المُشَبَّهَةِ، والدَّرَجاتُ المَصاعِدُ المَلائِكَةُ إلى أنْ تَبْلُغَ العَرْشَ، أُضِيفَتْ إلَيْهِ دَلالَةً عَلى عِزِّهِ وسُلْطانِهِ، أيْ: دَرَجاتِ مَلائِكَتِهِ، كَما وصَفَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ذِي المَعارِجِ﴾ [المعارج: ٣]، أوْ يَكُونُ ذَلِكَ عِبارَةً عَنْ رَفْعَةِ شَأْنِهِ وعُلُوِّ سُلْطانِهِ. كَما أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ذُو العَرْشِ﴾ عِبارَةٌ عَنْ مُلْكِهِ، وبِنَحْوِهِ فَسَّرَ ابْنُ زَيْدٍ قالَ: عَظِيمُ الصِّفاتِ. و(الرُّوحَ) النُّبُوَّةَ، قالَهُ قَتادَةُ، والسُّدِّيُّ، كَما قالَ: ﴿رُوحًا مِن أمْرِنا﴾ [الشورى: ٥٢]؛ وعَنْ قَتادَةَ أيْضًا: الوَحْيَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: القُرْآنَ، وقالَ الضَّحّاكُ: جِبْرِيلُ يُرْسِلُهُ لِمَن يَشاءُ. وقِيلَ: الرَّحْمَةُ، وقِيلَ: أرْواحُ العِبادِ، وهَذانِ القَوْلانِ ضَعِيفانِ، والأوْلى الوَحْيُ، اسْتُعِيرَ لَهُ الرُّوحُ لِحَياةِ الأدْيانِ المَرْضِيَّةِ بِهِ، كَما قالَ: ﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ﴾ [الأنعام: ١٢٢] . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إلْقاءُ الرُّوحِ عامِلًا لِكُلِّ ما يُنْعِمُ اللَّهُ بِهِ عَلى عِبادِهِ المُهْتَدِينَ في تَفْهِيمِ الإيمانِ والمَعْقُولاتِ الشَّرِيفَةِ. انْتَهى. وقالَ الزَّجّاجُ: الرُّوحُ: كُلُّ ما بِهِ حَياةُ النّاسِ، وكُلُّ مُهْتَدٍ حَيٌّ، وكُلُّ ضالٍّ مَيِّتٌ. انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿مِن أمْرِهِ﴾: مِن قَضائِهِ. وقالَ مُقاتِلٌ: بِأمْرِهِ، وحَكى الشَّعْبِيُّ مِن قَوْلِهِ، ويَظْهَرُ أنَّ مِن لِابْتِداءِ الغايَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (لِيُنْذِرَ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، (يَوْمَ) بِالنَّصْبِ، والظّاهِرُ أنَّ الفاعِلَ يَعُودُ عَلى اللَّهِ؛ لِأنَّهُ هو المُحَدَّثُ عَنْهُ. واحْتَمَلَ (يَوْمَ) أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا عَلى السِّعَةِ، وأنْ يَكُونَ ظَرْفًا، والمُنْذَرُ بِهِ مَحْذُوفٌ. وقَرَأ أُبَيٌّ وجَماعَةٌ كَذَلِكَ إلّا أنَّهم رَفَعُوا يَوْمَ عَلى الفاعِلِيَّةِ مَجازًا. وقِيلَ: الفاعِلُ في القِراءَةِ الأُولى ضَمِيرُ الرُّوحِ. وقِيلَ: ضَمِيرُ مَن. وقَرَأ اليَمانِيُّ فِيما ذَكَرَ صاحِبُ اللَّوامِحِ (لِيُنْذَرَ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ ﴿يَوْمُ التَّلاقِ﴾ بِرَفْعِ المِيمِ. وقَرَأ الحَسَنُ واليَمانِيُّ فِيما ذَكَرَ ابْنُ خالَوَيْهِ (لِتُنْذِرَ) بِالتّاءِ، فَقالُوا: الفاعِلُ ضَمِيرُ الرُّوحِ؛ لِأنَّها تُؤَنَّثُ، أوْ فِيهِ ضَمِيرُ الخِطابِ المَوْصُولِ. وقُرِئَ: التَّلاقِ والتَّنادِ، بِياءٍ وبِغَيْرِ ياءٍ، وسُمِّي يَوْمَ التَّلاقِ لِالتِقاءِ الخَلائِقِ فِيهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ: يَلْتَقِي فِيهِ الخالِقُ والمَخْلُوقُ. وقالَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرانَ: يَلْتَقِي فِيهِ الظّالِمُ والمَظْلُومُ. وحَكى الثَّعْلَبِيُّ: يَلْتَقِي المَرْءُ بِعِلْمِهِ. وقالَ السُّدِّيُّ: يُلاقِي أهْلُ السَّماءِ أهْلَ الأرْضِ. وقِيلَ: يَلْتَقِي العابِدُونَ ومَعْبُودُهم. ﴿يَوْمَ هم بارِزُونَ﴾ أيْ: ظاهِرُونَ مِن قُبُورِهِمْ، لا يَسْتُرُهم شَيْءٌ مِن جَبَلٍ أوْ أكَمَةٍ أوْ بِناءٍ؛ لِأنَّ الأرْضَ إذْ ذاكَ قاعُ صَفْصَفٍ، ولا مِن ثِيابٍ؛ لِأنَّهم يُحْشَرُونَ حُفاةً عُراةً. و(يَوْمًا) بَدَلٌ مِن ﴿يَوْمَ التَّلاقِ﴾ وكِلاهُما ظَرْفٌ مُسْتَقْبَلٌ. والظَّرْفُ المُسْتَقْبَلُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ لا يَجُوزُ إضافَتُهُ إلى الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ، لا يَجُوزُ: أجِيئُكَ يَوْمَ زَيْدٌ ذاهِبٌ، إجْراءً لَهُ مَجْرى إذا، فَكَما لا يَجُوزُ أنْ تَقُولَ: أجِيئُكَ إذا زَيْدٌ ذاهِبٌ، فَكَذَلِكَ لا يَجُوزُ هَذا. وذَهَبَ أبُو الحَسَنِ إلى جَوازِ ذَلِكَ، فَيَتَخَرَّجُ قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ هم بارِزُونَ﴾ عَلى هَذا المَذْهَبِ. وقَدْ أجازَ ذَلِكَ بَعْضُ أصْحابِنا عَلى قِلَّةٍ، والدَّلائِلُ مَذْكُورَةٌ في عِلْمِ النَّحْوِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ انْتِصابُهُ عَلى الظَّرْفِ، والعامِلُ فِيهِ قَوْلُهُ: (لا يَخْفى)، وهي حَرَكَةُ إعْرابٍ لا حَرَكَةُ بِناءٍ؛ لِأنَّ الظَّرْفَ لا يُبْنى إلّا إذا أُضِيفَ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ، كَيَوْمَئِذٍ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎عَلى حِينِ عاتَبْتُ المَشِيبَ عَلى الصِّبا وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَذا يَوْمُ يَنْفَعُ﴾ [المائدة: ١١٩] . وأمّا في هَذِهِ الآيَةِ فالجُمْلَةُ اسْمٌ مُتَمَكِّنٌ، كَما تَقُولُ: جِئْتُ يَوْمَ زَيْدٌ أمِيرٌ، فَلا يَجُوزُ البِناءُ. انْتَهى. يَعْنِي أنْ يَنْتَصِبَ عَلى الظَّرْفِ قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ هم بارِزُونَ﴾ . وأمّا قَوْلُهُ لا يُبْنى إلّا إذا أُضِيفَ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ، فالبِناءُ لَيْسَ مُتَحَتِّمًا، بَلْ يَجُوزُ فِيهِ البِناءُ والإعْرابُ. وأمّا تَمْثِيلُهُ بِ ﴿يَوْمُ يَنْفَعُ﴾ [المائدة: ١١٩] فَمَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ أنَّهُ لا يَجُوزُ فِيهِ إلّا الإعْرابُ، ومَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ جَوازُ البِناءِ والإعْرابِ فِيهِ. وأمّا إذا أُضِيفَ إلى جُمْلَةٍ اسْمِيَّةٍ، كَمّا مَثَّلَ مِن قَوْلِهِ: جِئْتُ يَوْمَ زَيْدٌ أمِيرٌ، فالنَّقْلُ عَنِ البَصْرِيِّينَ تَحَتُّمُ الإعْرابِ، كَما ذُكِرَ، (p-٤٥٦)والنَّقْلُ عَنِ الكُوفِيِّينَ جَوازُ الإعْرابِ والبِناءِ. وذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ أصْحابِنا، وهو الصَّحِيحُ لِكَثْرَةِ شَواهِدِ البِناءِ عَلى ذَلِكَ. ووَقَعَ في بَعْضِ تَصانِيفِ أصْحابِنا أنَّهُ يَتَحَتَّمُ فِيهِ البِناءُ، وهَذا قَوْلٌ لَمْ يَذْهَبْ إلَيْهِ أحَدٌ، فَهو وهْمٌ. ﴿لا يَخْفى عَلى اللَّهِ مِنهم شَيْءٌ﴾ أيْ: مِن سَرائِرِهِمْ وبَواطِنِهِمْ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إذا هَلَكَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا اللَّهُ قالَ: ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ﴾، فَلا يُجِيبُهُ أحَدٌ، فَيَرُدُّ عَلى نَفْسِهِ: ﴿لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ . وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: يَجْمَعُ اللَّهُ الخَلائِقَ يَوْمَ القِيامَةِ في صَعِيدٍ بِأرْضٍ بَيْضاءَ، كَأنَّها سَبِيكَةُ فِضَّةٍ لَمْ يُعْصَ اللَّهُ فِيها قَطُّ، فَأوَّلُ ما يَتَكَلَّمُ بِهِ أنْ يُنادِيَ مُنادٍ: ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ﴾ ؟ فَيُجِيبُونَ كُلُّهم: ﴿لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ . رُوِيَ أنَّهُ تَعالى يُقَرِّرُ هَذا التَّقْرِيرَ ويَسْكُتُ العالَمُ هَيْبَةً وجَزَعًا، فَيُجِيبُ نَفْسَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾، فَيُجِيبُ النّاسُ. وإنَّما خَصَّ التَّقْرِيرَ بِاليَوْمِ، وإنْ كانَ المُلْكُ لَهُ تَعالى في ذَلِكَ اليَوْمِ وفي غَيْرِهِ، لِظُهُورِ ذَلِكَ لِلْكَفَرَةِ والجَهَلَةِ ووُضُوحِهِ يَوْمَ القِيامَةِ. وإذا تَأمَّلَ مَن لَهُ مُسْكَةُ عَقْلٍ تَسْخِيرَ أهْلِ السَّماواتِ الأرْضِ، ونُفُوذَ القَضاءِ فِيهِمْ، وتَيَقَّنَ أنْ لا مُلْكَ إلّا لِلَّهِ، ومِن نَتائِجِ مُلْكِهِ في ذَلِكَ اليَوْمِ جَزاءُ كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ، وانْتِفاءُ الظُّلْمِ، وسُرْعَةُ الحِسابِ أنَّ حِسابَهم في وقْتٍ واحِدٍ لا يَشْغَلُهُ حِسابٌ عَنْ حِسابٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذِهِ الآيَةُ نَصٌّ في أنَّ الثَّوابَ والعِقابَ مُعَلَّقٌ بِاكْتِسابِ العَبْدِ. انْتَهى، وهو عَلى طَرِيقَةِ الأشْعَرِيَّةِ. ورُوِيَ أنَّ يَوْمَ القِيامَةِ لا يَنْتَصِفُ حَتّى يُقِيلَ المُؤْمِنُونَ في الجَنَّةِ والكافِرُونَ في النّارِ. و﴿يَوْمَ الآزِفَةِ﴾: هو يَوْمُ القِيامَةِ، يَأْمُرُ تَعالى نَبِيَّهُ أنْ يُنْذِرَ العالَمَ ويُحَذِّرَهم مِنهُ ومِن أهْوالِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ. والآزِفَةُ صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ يَوْمَ السّاعَةِ الآزِفَةِ، أوِ الطّامَّةِ الآزِفَةِ ونَحْوُ هَذا. ولَمّا اعْتَقَبَ كُلَّ إنْذارٍ نَوْعًا مِنَ الشِّدَّةِ والخَوْفِ وغَيْرِهِما، حَسُنَ التَّكْرارُ في الآزِفَةِ القَرِيبَةِ، كَما تَقَدَّمَ، وهي مُشارَفَتُهم دُخُولَ النّارِ، فَإنَّهُ إذْ ذاكَ تَزِيغُ القُلُوبُ عَنْ مَقارِّها مِن شِدَّةِ الخَوْفِ. وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: ﴿يَوْمَ الآزِفَةِ﴾ يَوْمَ المَنِيَّةِ وحُضُورِ الأجَلِ، يَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّهُ يَعْدِلُ وصْفَ يَوْمِ القِيامَةِ بِأنَّهُ يَوْمُ التَّلاقِ، ويَوْمُ بُرُوزِهِمْ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ هَذا اليَوْمُ غَيْرَهُ، وهَذِهِ الصِّفَةُ مَخْصُوصَةٌ في سائِرِ الآياتِ، يَوْمُ المَوْتِ بِالقُرْبِ أوْلى مِن وصْفِ يَوْمِ القِيامَةِ بِالقُرْبِ، وأيْضًا فالصِّفاتُ المَذْكُورَةُ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ الآزِفَةِ﴾، لائِقَةٌ بِيَوْمِ حُضُورِ المَنِيَّةِ؛ لِأنَّ الرَّجُلَ عِنْدَ مُعايَنَةِ مَلائِكَةِ العَذابِ لِعَظَمِ خَوْفِهِ، يَكادُ قَلْبُهُ يَبْلُغُ حَنْجَرَتَهُ مِن شِدَّةِ الخَوْفِ، ولا يَكُونُ لَهُ حَمِيمٌ ولا شَفِيعٌ يَرْفَعُ عَنْهُ ما بِهِ مِن أنْواعِ الخَوْفِ. ﴿إذِ القُلُوبُ لَدى الحَناجِرِ﴾، قِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ حَقِيقَةً، ويَبْقُونَ أحْياءً مَعَ ذَلِكَ بِخِلافِ حالَةِ الدُّنْيا، فَإنَّ مَنِ انْتَقَلَ قَلْبُهُ إلى حَنْجَرَتِهِ ماتَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ كِنايَةً عَنْ ما يَبْلُغُونَ إلَيْهِ مِن شِدَّةِ الجَزَعِ. كَما تَقُولُ: كادَتْ نَفْسِي أنْ تَخْرُجَ، وانْتَصَبَ ﴿كاظِمِينَ﴾ عَلى الحالِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هو حالٌ عَنْ أصْحابِ القُلُوبِ عَلى المَعْنى، إذا المَعْنى: إذْ قُلُوبُهم لَدى حَناجِرِهِمْ كاظِمِينَ عَلَيْها، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ حالًا عَنِ القُلُوبِ، وأنَّ القُلُوبَ كاظِمَةٌ عَلى غَمٍّ وكَرْبٍ فِيها، مَعَ بُلُوغِها الحَناجِرَ. وإنَّما جَمَعَ الكاظِمَ جَمْعَ السَّلامَةِ؛ لِأنَّهُ وصَفَها بِالكَظْمِ الَّذِي هو مِن أفْعالِ العُقَلاءِ، كَما قالَ: ﴿رَأيْتُهم لِي ساجِدِينَ﴾ [يوسف: ٤] . وقالَ: فَظَلَّتْ أعْناقُهم لَها خاضِعِينَ، ويُعَضِّدُهُ قِراءَةُ مَن قَرَأ: (كاظِمُونَ) . ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا عَنْ قَوْلِهِ أيْ: وأنْذِرْهم مُقَدِّرِينَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ﴿كاظِمِينَ﴾ حالٌ مِمّا أُبْدِلَ مِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَشْخَصُ فِيهِ الأبْصارُ﴾ [إبراهيم: ٤٢] ﴿مُهْطِعِينَ﴾ [إبراهيم: ٤٣]: أرادَ تَشْخَصُ فِيهِ أبْصارُهم، وقالَ الحَوْفِيُّ: (القُلُوبُ) رُفِعَ بِالِابْتِداءِ، و﴿لَدى الحَناجِرِ﴾ الخَبَرُ مُتَعَلِّقٌ بِمَعْنى الِاسْتِقْرارِ. وقالَ أبُو البَقاءِ: ﴿كاظِمِينَ﴾ حالٌ مِنَ القُلُوبِ؛ لِأنَّ المُرادَ أصْحابُها. انْتَهى. ﴿ما لِلظّالِمِينَ مِن حَمِيمٍ﴾ أيْ: مُحِبٍّ مُشْفِقٍ، (ولا شَفِيعٍ) ﴿يُطاعُ﴾ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِشَفِيعٍ، فاحْتُمِلَ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ خَفْضٍ عَلى اللَّفْظِ، وفي مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى المَوْضِعِ واحْتُمِلَ أنْ يَنْسَحِبَ النَّفْيُ عَلى الوَصْفِ فَقَطْ، فَيَكُونُ مِن شَفِيعٍ، ولَكِنَّهُ لا يُطاعُ، أيْ: (p-٤٥٧)لا تُقْبَلُ شَفاعَتُهُ، واحْتُمِلَ أنْ يَنْسَحِبَ النَّفْيُ عَلى المَوْصُوفِ وصْفَتِهِ أيْ: لا شَفِيعَ فَيُطاعُ، وهَذا هو المَقْصُودُ في الآيَةِ أنَّ الشَّفِيعَ عِنْدَ اللَّهِ إنَّما يَكُونُ مِن أوْلِيائِهِ تَعالى، ولا تَكُونُ الشَّفاعَةُ إلّا لِمَنِ ارْتَضاهُ اللَّهُ، وأيْضًا فَيَكُونُ في زِيادَةِ التَّفَضُّلِ والثَّوابِ ولا يُمْكِنُ شَيْءٌ مِن هَذا في حَقِّ الكافِرِ. وعَنِ الحَسَنِ: واللَّهِ لا يَكُونُ لَهم شَفِيعٌ ألْبَتَّةَ، ﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ﴾، كَقَوْلِهِ: ؎وإنْ سَقَيْتِ كِرامَ النّاسِ فاسْقِينا أيِ: النّاسَ الكِرامَ. وجَوَّزُوا أنْ تَكُونَ (خائِنَةَ) مَصْدَرًا، كالعافِيَةِ والعاقِبَةِ، أيْ: يَعْلَمُ خِيانَةَ الأعْيُنِ. ولَمّا كانَتِ الأفْعالُ الَّتِي يُقْصَدُ بِها التَّكَتُّمُ بَدَنِيَّةً، فَأخْفاها ﴿خائِنَةَ الأعْيُنِ﴾ مِن كَسْرِ جَفْنٍ وغَمْزٍ ونَظَرٍ يُفْهِمُ مَعْنًى، ويُرِيدُ صاحِبَ مَعْنًى آخَرَ وقَلْبٍ، وهو ما تَحْتَوِي عَلَيْهِ الضَّمائِرُ، قَسَّمَ ما يُتَكَتَّمُ بِهِ إلى هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ، وذَكَرَ أنَّ عِلْمَهُ مُتَعَلِّقٌ بِهِما التَّعَلُّقَ التّامَّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولا يَحْسُنُ أنْ يُرادَ الخائِنَةُ مِنَ الأعْيُنِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ لا يُساعِدُ عَلَيْهِ. انْتَهى، يَعْنِي أنَّهُ لا يُناسِبُ أنْ يَكُونَ مُقابِلَ المَعْنى إلّا المَعْنى، وتَقَدَّمَ أنَّ الظّاهِرَ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ الأعْيُنَ الخائِنَةَ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ﴾ الآيَةَ مُتَّصِلٌ بِما قَبْلَهُ. لَمّا أمَرَ بِإنْكارِهِ يَوْمَ الآزِفَةِ، وما يَعْرِضُ فِيهِ مِن شِدَّةِ الكَرْبِ والغَمِّ، وأنَّ الظّالِمَ لا يَجِدُ مَن يَحْمِيهِ مِن ذَلِكَ، ولا مَن يَشْفَعُ لَهُ. ذَكَرَ اطِّلاعَهُ تَعالى عَلى جَمِيعِ ما يَصْدُرُ مِنَ العَبْدِ، وأنَّهُ مُجازًى بِما عَمِلَ، لِيَكُونَ عَلى حَذَرٍ مِن ذَلِكَ اليَوْمِ إذا عَلِمَ أنَّ اللَّهَ مُطَّلِعٌ عَلى أعْمالِهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ﴾ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿سَرِيعُ الحِسابِ﴾؛ لِأنَّ سُرْعَةَ حِسابِهِ لِلْخَلْقِ إنَّما هي بِعِلْمِهِ الَّذِي لا يَحْتاجُ مَعَهُ إلى رَوِيَّةٍ وفِكْرٍ، ولا لِشَيْءٍ مِمّا يَحْتاجُهُ المُحاسِبُونَ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: (يَعْلَمُ) مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿لا يَخْفى عَلى اللَّهِ مِنهم شَيْءٌ﴾ وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ، يُقَوِّيهِ تَناسُبُ المَعْنَيَيْنِ، ويُضَعِّفُهُ بُعْدُ الآيَةِ مِنَ الآيَةِ وكَثْرَةُ الحائِلِ. انْتَهى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): بِمَ اتَّصَلَ قَوْلُهُ: يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ ؟ (قُلْتُ): هو خَبَرٌ مِن أخْبارِ (هو) في قَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ البَرْقَ﴾ [الرعد: ١٢]، مِثْلَ: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ﴾، ولَكِنْ مَن يُلْقِي الرُّوحَ قَدْ عَلَّلَ بِقَوْلِهِ: ﴿لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ﴾، ثُمَّ أسْقَطَ وتَذَكَّرَ أحْوالَ يَوْمِ التَّلاقِ إلى قَوْلِهِ: ﴿ولا شَفِيعٍ يُطاعُ﴾، فَبَعُدَ لِذَلِكَ عَنْ إخْوانِهِ. انْتَهى. وفِي بَعْضِ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ، أنا مِرْصادُ الهِمَمِ، أنا العالِمُ بِحالِ الفِكْرِ وكَسْرِ العُيُونِ. وقالَ مُجاهِدٌ: ﴿خائِنَةَ الأعْيُنِ﴾: مُسارَقَةُ النَّظَرِ إلى ما لا يَجُوزُ؛ ومَثَّلَ المُفَسِّرُونَ ﴿خائِنَةَ الأعْيُنِ﴾ بِالنَّظَرِ الثّانِي إلى حُرْمَةِ غَيْرِ النّاظِرِ، وما تُخْفِي الصُّدُورُ بِالنَّظَرِ الأوَّلِ الَّذِي لا يُمْكِنُ رَفْعُهُ. ﴿واللَّهُ يَقْضِي بِالحَقِّ﴾: هَذا يُوجِبُ عَظِيمَ الخَوْفِ؛ لِأنَّ الحاكِمَ إذا كانَ عالِمًا بِجَمِيعِ الأحْوالِ لا يَقْضِي إلّا بِالحَقِّ في ما دَقَّ وجَلَّ خافَهُ الخَلْقُ غايَةً. ﴿والَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾: هَذا قَدْحٌ في أصْنامِهِمْ وتَهَكُّمٌ بِهِمْ؛ لِأنَّ ما لا يُوصَفُ بِالقُدْرَةِ، لا يُقالُ فِيهِ: يَقْضِي ولا يَقْضِي. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يَدْعُونَ) بِياءِ الغِيبَةِ لِتَناسُبِ الضَّمائِرِ الغائِبَةِ قَبْلُ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، ونافِعٌ: بِخِلافٍ عَنْهُ؛ وهِشامٌ: (تَدْعُونَ) بِتاءِ الخِطابِ، أيْ: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ. ﴿إنَّ اللَّهَ هو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾: تَقْرِيرٌ لِقَوْلِهِ: ﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ وما تُخْفِي الصُّدُورُ﴾، وعِيدٌ لَهم بِأنَّهُ يَسْمَعُ ما يَقُولُونَ ويُبْصِرُ ما يَعْمَلُونَ وتَعْرِيضٌ بِأصْنامِهِمْ أنَّها لا تَسْمَعُ ولا تُبْصِرُ. ﴿أوَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِن قَبْلِهِمْ﴾: أحالَ قُرَيْشًا عَلى الِاعْتِبارِ بِالسِّيَرِ، وجازَ أنْ يَكُونَ فَيَنْظُرُوا مَجْزُومًا عَطْفًا عَلى يَسِيرُوا وأنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى جَوابِ النَّفْيِ، كَما قالَ: ؎ألَمْ تَسْألْ فَتُخْبِرَكَ الرُّسُومُ وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مِثْلِ هَذِهِ الجُمْلَةِ، وحَمَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ هم عَلى أنْ يَكُونَ فَصْلًا ولا يَتَعَيَّنُ، إذْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ هم تَوْكِيدًا لِضَمِيرِ (كانُوا) . وقَرَأ الجُمْهُورُ: مِنهم بِضَمِيرِ الغَيْبَةِ؛ وابْنُ عامِرٍ: مِنكم بِضَمِيرِ الخِطابِ عَلى سَبِيلِ الِالتِفاتِ. ﴿وآثارًا في الأرْضِ﴾: مَعْطُوفٌ عَلى (قُوَّةً) أيْ: مَبانِيهِمْ وحُصُونُهم وعِدَدُهم كانَتْ في غايَةِ الشِّدَّةِ. ﴿وتَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا﴾ [الشعراء: ١٤٩] . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ أرادُوا أكْثَرَ آثارًا لِقَوْلِهِ: مُتَقَلِّدًا سَيْفًا ورُمْحًا (p-٤٥٨)انْتَهى. أيْ: ومُعْتَقِلًا رُمْحًا، ولا حاجَةَ إلى ادِّعاءِ الحَذْفِ مَعَ صِحَّةِ المَعْنى بِدُونِهِ. ﴿مِن واقٍ﴾ أيْ: وما كانَ لَهم مِن عَذابِ اللَّهِ مِن ساتِرٍ يَمْنَعُهم مَنعَهُ. (ذَلِكَ) أيْ: الأخْذُ، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِ ذَلِكَ.

غافر 40:16

﴿فادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ولَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ﴾ ﴿رَفِيعُ الدَّرَجاتِ ذُو العَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِن أمْرِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ﴾ ﴿يَوْمَ هم بارِزُونَ لا يَخْفى عَلى اللَّهِ مِنهم شَيْءٌ لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ ﴿اليَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ لا ظُلْمَ اليَوْمَ إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ ﴿وأنْذِرْهم يَوْمَ الآزِفَةِ إذِ القُلُوبُ لَدى الحَناجِرِ كاظِمِينَ ما لِلظّالِمِينَ مِن حَمِيمٍ ولا شَفِيعٍ يُطاعُ﴾ ﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ وما تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ ﴿واللَّهُ يَقْضِي بِالحَقِّ والَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إنَّ اللَّهَ هو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ ﴿أوَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِن قَبْلِهِمْ كانُوا هم أشَدَّ مِنهم قُوَّةً وآثارًا في الأرْضِ فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وما كانَ لَهم مِنَ اللَّهِ مِن واقٍ﴾ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَكَفَرُوا فَأخَذَهُمُ اللَّهُ إنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ العِقابِ﴾ . الأمْرُ بِقَوْلِهِ: ﴿فادْعُوا اللَّهَ﴾ لِلْمُنِيبِينَ المُؤْمِنِينَ أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أيِ: اعْبُدُوهُ، ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [غافر: ٦٥] مِنَ الشِّرْكِ عَلى كُلِّ حالٍ، حَتّى في حالِ غَيْظِ أعْدائِكُمُ المُتَمالِئِينَ عَلَيْكم وعَلى اسْتِئْصالِكم. و﴿رَفِيعُ﴾: خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ثَلاثَةُ أخْبارٍ مُتَرَتِّبَةٍ عَلى قَوْلِهِ: ﴿الَّذِي يُرِيكُمْ﴾ [غافر: ١٣]، أوْ أخْبارُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وهي مُخْتَلِفَةٌ تَعْرِيفًا وتَنْكِيرًا. انْتَهى. أمّا تَرَتُّبُها عَلى قَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ﴾ [غافر: ١٣]، فَبَعِيدٌ كَطُولِ الفَصْلِ، وأمّا كَوْنُها أخَبارًا لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، فَمَبْنِيٌّ عَلى جَوازِ تَعَدُّدِ الأخْبارِ، إذا لَمْ تَكُنْ في مَعْنى خَبَرٍ واحِدٍ، والمَنعُ اخْتِيارُ أصْحابِنا. وقُرِئَ: ﴿رَفِيعُ﴾ بِالنَّصْبِ عَلى المَدْحِ، واحْتُمِلَ أنْ يَكُونَ ﴿رَفِيعُ﴾ لِلْمُبالَغَةِ (p-٤٥٥)عَلى فَعِيلٍ مِن رافِعٍ، فَيَكُونُ الدَّرَجاتُ مَفْعُولَةً، أيْ: رافِعُ دَرَجاتِ المُؤْمِنِينَ ومَنازِلِهِمْ في الجَنَّةِ. وبِهِ فَسَّرَ ابْنُ سَلامٍ، أوْ عَبَّرَ بِالدَّرَجاتِ عَنِ السَّماواتِ، أرْفَعُها سَماءً فَوْقَ سَماءٍ، والعَرْشُ فَوْقَهُنَّ. وبِهِ فَسَّرَ ابْنُ جُبَيْرٍ، واحْتُمِلَ أنْ يَكُونَ ﴿رَفِيعُ﴾ فَعِيلًا مِن رَفَعَ الشَّيْءَ عَلا فَهو رَفِيعٌ، فَيَكُونُ مِن بابِ الصِّفَةِ المُشَبَّهَةِ، والدَّرَجاتُ المَصاعِدُ المَلائِكَةُ إلى أنْ تَبْلُغَ العَرْشَ، أُضِيفَتْ إلَيْهِ دَلالَةً عَلى عِزِّهِ وسُلْطانِهِ، أيْ: دَرَجاتِ مَلائِكَتِهِ، كَما وصَفَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ذِي المَعارِجِ﴾ [المعارج: ٣]، أوْ يَكُونُ ذَلِكَ عِبارَةً عَنْ رَفْعَةِ شَأْنِهِ وعُلُوِّ سُلْطانِهِ. كَما أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ذُو العَرْشِ﴾ عِبارَةٌ عَنْ مُلْكِهِ، وبِنَحْوِهِ فَسَّرَ ابْنُ زَيْدٍ قالَ: عَظِيمُ الصِّفاتِ. و(الرُّوحَ) النُّبُوَّةَ، قالَهُ قَتادَةُ، والسُّدِّيُّ، كَما قالَ: ﴿رُوحًا مِن أمْرِنا﴾ [الشورى: ٥٢]؛ وعَنْ قَتادَةَ أيْضًا: الوَحْيَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: القُرْآنَ، وقالَ الضَّحّاكُ: جِبْرِيلُ يُرْسِلُهُ لِمَن يَشاءُ. وقِيلَ: الرَّحْمَةُ، وقِيلَ: أرْواحُ العِبادِ، وهَذانِ القَوْلانِ ضَعِيفانِ، والأوْلى الوَحْيُ، اسْتُعِيرَ لَهُ الرُّوحُ لِحَياةِ الأدْيانِ المَرْضِيَّةِ بِهِ، كَما قالَ: ﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ﴾ [الأنعام: ١٢٢] . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إلْقاءُ الرُّوحِ عامِلًا لِكُلِّ ما يُنْعِمُ اللَّهُ بِهِ عَلى عِبادِهِ المُهْتَدِينَ في تَفْهِيمِ الإيمانِ والمَعْقُولاتِ الشَّرِيفَةِ. انْتَهى. وقالَ الزَّجّاجُ: الرُّوحُ: كُلُّ ما بِهِ حَياةُ النّاسِ، وكُلُّ مُهْتَدٍ حَيٌّ، وكُلُّ ضالٍّ مَيِّتٌ. انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿مِن أمْرِهِ﴾: مِن قَضائِهِ. وقالَ مُقاتِلٌ: بِأمْرِهِ، وحَكى الشَّعْبِيُّ مِن قَوْلِهِ، ويَظْهَرُ أنَّ مِن لِابْتِداءِ الغايَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (لِيُنْذِرَ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، (يَوْمَ) بِالنَّصْبِ، والظّاهِرُ أنَّ الفاعِلَ يَعُودُ عَلى اللَّهِ؛ لِأنَّهُ هو المُحَدَّثُ عَنْهُ. واحْتَمَلَ (يَوْمَ) أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا عَلى السِّعَةِ، وأنْ يَكُونَ ظَرْفًا، والمُنْذَرُ بِهِ مَحْذُوفٌ. وقَرَأ أُبَيٌّ وجَماعَةٌ كَذَلِكَ إلّا أنَّهم رَفَعُوا يَوْمَ عَلى الفاعِلِيَّةِ مَجازًا. وقِيلَ: الفاعِلُ في القِراءَةِ الأُولى ضَمِيرُ الرُّوحِ. وقِيلَ: ضَمِيرُ مَن. وقَرَأ اليَمانِيُّ فِيما ذَكَرَ صاحِبُ اللَّوامِحِ (لِيُنْذَرَ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ ﴿يَوْمُ التَّلاقِ﴾ بِرَفْعِ المِيمِ. وقَرَأ الحَسَنُ واليَمانِيُّ فِيما ذَكَرَ ابْنُ خالَوَيْهِ (لِتُنْذِرَ) بِالتّاءِ، فَقالُوا: الفاعِلُ ضَمِيرُ الرُّوحِ؛ لِأنَّها تُؤَنَّثُ، أوْ فِيهِ ضَمِيرُ الخِطابِ المَوْصُولِ. وقُرِئَ: التَّلاقِ والتَّنادِ، بِياءٍ وبِغَيْرِ ياءٍ، وسُمِّي يَوْمَ التَّلاقِ لِالتِقاءِ الخَلائِقِ فِيهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ: يَلْتَقِي فِيهِ الخالِقُ والمَخْلُوقُ. وقالَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرانَ: يَلْتَقِي فِيهِ الظّالِمُ والمَظْلُومُ. وحَكى الثَّعْلَبِيُّ: يَلْتَقِي المَرْءُ بِعِلْمِهِ. وقالَ السُّدِّيُّ: يُلاقِي أهْلُ السَّماءِ أهْلَ الأرْضِ. وقِيلَ: يَلْتَقِي العابِدُونَ ومَعْبُودُهم. ﴿يَوْمَ هم بارِزُونَ﴾ أيْ: ظاهِرُونَ مِن قُبُورِهِمْ، لا يَسْتُرُهم شَيْءٌ مِن جَبَلٍ أوْ أكَمَةٍ أوْ بِناءٍ؛ لِأنَّ الأرْضَ إذْ ذاكَ قاعُ صَفْصَفٍ، ولا مِن ثِيابٍ؛ لِأنَّهم يُحْشَرُونَ حُفاةً عُراةً. و(يَوْمًا) بَدَلٌ مِن ﴿يَوْمَ التَّلاقِ﴾ وكِلاهُما ظَرْفٌ مُسْتَقْبَلٌ. والظَّرْفُ المُسْتَقْبَلُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ لا يَجُوزُ إضافَتُهُ إلى الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ، لا يَجُوزُ: أجِيئُكَ يَوْمَ زَيْدٌ ذاهِبٌ، إجْراءً لَهُ مَجْرى إذا، فَكَما لا يَجُوزُ أنْ تَقُولَ: أجِيئُكَ إذا زَيْدٌ ذاهِبٌ، فَكَذَلِكَ لا يَجُوزُ هَذا. وذَهَبَ أبُو الحَسَنِ إلى جَوازِ ذَلِكَ، فَيَتَخَرَّجُ قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ هم بارِزُونَ﴾ عَلى هَذا المَذْهَبِ. وقَدْ أجازَ ذَلِكَ بَعْضُ أصْحابِنا عَلى قِلَّةٍ، والدَّلائِلُ مَذْكُورَةٌ في عِلْمِ النَّحْوِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ انْتِصابُهُ عَلى الظَّرْفِ، والعامِلُ فِيهِ قَوْلُهُ: (لا يَخْفى)، وهي حَرَكَةُ إعْرابٍ لا حَرَكَةُ بِناءٍ؛ لِأنَّ الظَّرْفَ لا يُبْنى إلّا إذا أُضِيفَ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ، كَيَوْمَئِذٍ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎عَلى حِينِ عاتَبْتُ المَشِيبَ عَلى الصِّبا وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَذا يَوْمُ يَنْفَعُ﴾ [المائدة: ١١٩] . وأمّا في هَذِهِ الآيَةِ فالجُمْلَةُ اسْمٌ مُتَمَكِّنٌ، كَما تَقُولُ: جِئْتُ يَوْمَ زَيْدٌ أمِيرٌ، فَلا يَجُوزُ البِناءُ. انْتَهى. يَعْنِي أنْ يَنْتَصِبَ عَلى الظَّرْفِ قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ هم بارِزُونَ﴾ . وأمّا قَوْلُهُ لا يُبْنى إلّا إذا أُضِيفَ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ، فالبِناءُ لَيْسَ مُتَحَتِّمًا، بَلْ يَجُوزُ فِيهِ البِناءُ والإعْرابُ. وأمّا تَمْثِيلُهُ بِ ﴿يَوْمُ يَنْفَعُ﴾ [المائدة: ١١٩] فَمَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ أنَّهُ لا يَجُوزُ فِيهِ إلّا الإعْرابُ، ومَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ جَوازُ البِناءِ والإعْرابِ فِيهِ. وأمّا إذا أُضِيفَ إلى جُمْلَةٍ اسْمِيَّةٍ، كَمّا مَثَّلَ مِن قَوْلِهِ: جِئْتُ يَوْمَ زَيْدٌ أمِيرٌ، فالنَّقْلُ عَنِ البَصْرِيِّينَ تَحَتُّمُ الإعْرابِ، كَما ذُكِرَ، (p-٤٥٦)والنَّقْلُ عَنِ الكُوفِيِّينَ جَوازُ الإعْرابِ والبِناءِ. وذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ أصْحابِنا، وهو الصَّحِيحُ لِكَثْرَةِ شَواهِدِ البِناءِ عَلى ذَلِكَ. ووَقَعَ في بَعْضِ تَصانِيفِ أصْحابِنا أنَّهُ يَتَحَتَّمُ فِيهِ البِناءُ، وهَذا قَوْلٌ لَمْ يَذْهَبْ إلَيْهِ أحَدٌ، فَهو وهْمٌ. ﴿لا يَخْفى عَلى اللَّهِ مِنهم شَيْءٌ﴾ أيْ: مِن سَرائِرِهِمْ وبَواطِنِهِمْ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إذا هَلَكَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا اللَّهُ قالَ: ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ﴾، فَلا يُجِيبُهُ أحَدٌ، فَيَرُدُّ عَلى نَفْسِهِ: ﴿لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ . وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: يَجْمَعُ اللَّهُ الخَلائِقَ يَوْمَ القِيامَةِ في صَعِيدٍ بِأرْضٍ بَيْضاءَ، كَأنَّها سَبِيكَةُ فِضَّةٍ لَمْ يُعْصَ اللَّهُ فِيها قَطُّ، فَأوَّلُ ما يَتَكَلَّمُ بِهِ أنْ يُنادِيَ مُنادٍ: ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ﴾ ؟ فَيُجِيبُونَ كُلُّهم: ﴿لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ . رُوِيَ أنَّهُ تَعالى يُقَرِّرُ هَذا التَّقْرِيرَ ويَسْكُتُ العالَمُ هَيْبَةً وجَزَعًا، فَيُجِيبُ نَفْسَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾، فَيُجِيبُ النّاسُ. وإنَّما خَصَّ التَّقْرِيرَ بِاليَوْمِ، وإنْ كانَ المُلْكُ لَهُ تَعالى في ذَلِكَ اليَوْمِ وفي غَيْرِهِ، لِظُهُورِ ذَلِكَ لِلْكَفَرَةِ والجَهَلَةِ ووُضُوحِهِ يَوْمَ القِيامَةِ. وإذا تَأمَّلَ مَن لَهُ مُسْكَةُ عَقْلٍ تَسْخِيرَ أهْلِ السَّماواتِ الأرْضِ، ونُفُوذَ القَضاءِ فِيهِمْ، وتَيَقَّنَ أنْ لا مُلْكَ إلّا لِلَّهِ، ومِن نَتائِجِ مُلْكِهِ في ذَلِكَ اليَوْمِ جَزاءُ كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ، وانْتِفاءُ الظُّلْمِ، وسُرْعَةُ الحِسابِ أنَّ حِسابَهم في وقْتٍ واحِدٍ لا يَشْغَلُهُ حِسابٌ عَنْ حِسابٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذِهِ الآيَةُ نَصٌّ في أنَّ الثَّوابَ والعِقابَ مُعَلَّقٌ بِاكْتِسابِ العَبْدِ. انْتَهى، وهو عَلى طَرِيقَةِ الأشْعَرِيَّةِ. ورُوِيَ أنَّ يَوْمَ القِيامَةِ لا يَنْتَصِفُ حَتّى يُقِيلَ المُؤْمِنُونَ في الجَنَّةِ والكافِرُونَ في النّارِ. و﴿يَوْمَ الآزِفَةِ﴾: هو يَوْمُ القِيامَةِ، يَأْمُرُ تَعالى نَبِيَّهُ أنْ يُنْذِرَ العالَمَ ويُحَذِّرَهم مِنهُ ومِن أهْوالِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ. والآزِفَةُ صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ يَوْمَ السّاعَةِ الآزِفَةِ، أوِ الطّامَّةِ الآزِفَةِ ونَحْوُ هَذا. ولَمّا اعْتَقَبَ كُلَّ إنْذارٍ نَوْعًا مِنَ الشِّدَّةِ والخَوْفِ وغَيْرِهِما، حَسُنَ التَّكْرارُ في الآزِفَةِ القَرِيبَةِ، كَما تَقَدَّمَ، وهي مُشارَفَتُهم دُخُولَ النّارِ، فَإنَّهُ إذْ ذاكَ تَزِيغُ القُلُوبُ عَنْ مَقارِّها مِن شِدَّةِ الخَوْفِ. وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: ﴿يَوْمَ الآزِفَةِ﴾ يَوْمَ المَنِيَّةِ وحُضُورِ الأجَلِ، يَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّهُ يَعْدِلُ وصْفَ يَوْمِ القِيامَةِ بِأنَّهُ يَوْمُ التَّلاقِ، ويَوْمُ بُرُوزِهِمْ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ هَذا اليَوْمُ غَيْرَهُ، وهَذِهِ الصِّفَةُ مَخْصُوصَةٌ في سائِرِ الآياتِ، يَوْمُ المَوْتِ بِالقُرْبِ أوْلى مِن وصْفِ يَوْمِ القِيامَةِ بِالقُرْبِ، وأيْضًا فالصِّفاتُ المَذْكُورَةُ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ الآزِفَةِ﴾، لائِقَةٌ بِيَوْمِ حُضُورِ المَنِيَّةِ؛ لِأنَّ الرَّجُلَ عِنْدَ مُعايَنَةِ مَلائِكَةِ العَذابِ لِعَظَمِ خَوْفِهِ، يَكادُ قَلْبُهُ يَبْلُغُ حَنْجَرَتَهُ مِن شِدَّةِ الخَوْفِ، ولا يَكُونُ لَهُ حَمِيمٌ ولا شَفِيعٌ يَرْفَعُ عَنْهُ ما بِهِ مِن أنْواعِ الخَوْفِ. ﴿إذِ القُلُوبُ لَدى الحَناجِرِ﴾، قِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ حَقِيقَةً، ويَبْقُونَ أحْياءً مَعَ ذَلِكَ بِخِلافِ حالَةِ الدُّنْيا، فَإنَّ مَنِ انْتَقَلَ قَلْبُهُ إلى حَنْجَرَتِهِ ماتَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ كِنايَةً عَنْ ما يَبْلُغُونَ إلَيْهِ مِن شِدَّةِ الجَزَعِ. كَما تَقُولُ: كادَتْ نَفْسِي أنْ تَخْرُجَ، وانْتَصَبَ ﴿كاظِمِينَ﴾ عَلى الحالِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هو حالٌ عَنْ أصْحابِ القُلُوبِ عَلى المَعْنى، إذا المَعْنى: إذْ قُلُوبُهم لَدى حَناجِرِهِمْ كاظِمِينَ عَلَيْها، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ حالًا عَنِ القُلُوبِ، وأنَّ القُلُوبَ كاظِمَةٌ عَلى غَمٍّ وكَرْبٍ فِيها، مَعَ بُلُوغِها الحَناجِرَ. وإنَّما جَمَعَ الكاظِمَ جَمْعَ السَّلامَةِ؛ لِأنَّهُ وصَفَها بِالكَظْمِ الَّذِي هو مِن أفْعالِ العُقَلاءِ، كَما قالَ: ﴿رَأيْتُهم لِي ساجِدِينَ﴾ [يوسف: ٤] . وقالَ: فَظَلَّتْ أعْناقُهم لَها خاضِعِينَ، ويُعَضِّدُهُ قِراءَةُ مَن قَرَأ: (كاظِمُونَ) . ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا عَنْ قَوْلِهِ أيْ: وأنْذِرْهم مُقَدِّرِينَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ﴿كاظِمِينَ﴾ حالٌ مِمّا أُبْدِلَ مِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَشْخَصُ فِيهِ الأبْصارُ﴾ [إبراهيم: ٤٢] ﴿مُهْطِعِينَ﴾ [إبراهيم: ٤٣]: أرادَ تَشْخَصُ فِيهِ أبْصارُهم، وقالَ الحَوْفِيُّ: (القُلُوبُ) رُفِعَ بِالِابْتِداءِ، و﴿لَدى الحَناجِرِ﴾ الخَبَرُ مُتَعَلِّقٌ بِمَعْنى الِاسْتِقْرارِ. وقالَ أبُو البَقاءِ: ﴿كاظِمِينَ﴾ حالٌ مِنَ القُلُوبِ؛ لِأنَّ المُرادَ أصْحابُها. انْتَهى. ﴿ما لِلظّالِمِينَ مِن حَمِيمٍ﴾ أيْ: مُحِبٍّ مُشْفِقٍ، (ولا شَفِيعٍ) ﴿يُطاعُ﴾ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِشَفِيعٍ، فاحْتُمِلَ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ خَفْضٍ عَلى اللَّفْظِ، وفي مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى المَوْضِعِ واحْتُمِلَ أنْ يَنْسَحِبَ النَّفْيُ عَلى الوَصْفِ فَقَطْ، فَيَكُونُ مِن شَفِيعٍ، ولَكِنَّهُ لا يُطاعُ، أيْ: (p-٤٥٧)لا تُقْبَلُ شَفاعَتُهُ، واحْتُمِلَ أنْ يَنْسَحِبَ النَّفْيُ عَلى المَوْصُوفِ وصْفَتِهِ أيْ: لا شَفِيعَ فَيُطاعُ، وهَذا هو المَقْصُودُ في الآيَةِ أنَّ الشَّفِيعَ عِنْدَ اللَّهِ إنَّما يَكُونُ مِن أوْلِيائِهِ تَعالى، ولا تَكُونُ الشَّفاعَةُ إلّا لِمَنِ ارْتَضاهُ اللَّهُ، وأيْضًا فَيَكُونُ في زِيادَةِ التَّفَضُّلِ والثَّوابِ ولا يُمْكِنُ شَيْءٌ مِن هَذا في حَقِّ الكافِرِ. وعَنِ الحَسَنِ: واللَّهِ لا يَكُونُ لَهم شَفِيعٌ ألْبَتَّةَ، ﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ﴾، كَقَوْلِهِ: ؎وإنْ سَقَيْتِ كِرامَ النّاسِ فاسْقِينا أيِ: النّاسَ الكِرامَ. وجَوَّزُوا أنْ تَكُونَ (خائِنَةَ) مَصْدَرًا، كالعافِيَةِ والعاقِبَةِ، أيْ: يَعْلَمُ خِيانَةَ الأعْيُنِ. ولَمّا كانَتِ الأفْعالُ الَّتِي يُقْصَدُ بِها التَّكَتُّمُ بَدَنِيَّةً، فَأخْفاها ﴿خائِنَةَ الأعْيُنِ﴾ مِن كَسْرِ جَفْنٍ وغَمْزٍ ونَظَرٍ يُفْهِمُ مَعْنًى، ويُرِيدُ صاحِبَ مَعْنًى آخَرَ وقَلْبٍ، وهو ما تَحْتَوِي عَلَيْهِ الضَّمائِرُ، قَسَّمَ ما يُتَكَتَّمُ بِهِ إلى هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ، وذَكَرَ أنَّ عِلْمَهُ مُتَعَلِّقٌ بِهِما التَّعَلُّقَ التّامَّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولا يَحْسُنُ أنْ يُرادَ الخائِنَةُ مِنَ الأعْيُنِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ لا يُساعِدُ عَلَيْهِ. انْتَهى، يَعْنِي أنَّهُ لا يُناسِبُ أنْ يَكُونَ مُقابِلَ المَعْنى إلّا المَعْنى، وتَقَدَّمَ أنَّ الظّاهِرَ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ الأعْيُنَ الخائِنَةَ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ﴾ الآيَةَ مُتَّصِلٌ بِما قَبْلَهُ. لَمّا أمَرَ بِإنْكارِهِ يَوْمَ الآزِفَةِ، وما يَعْرِضُ فِيهِ مِن شِدَّةِ الكَرْبِ والغَمِّ، وأنَّ الظّالِمَ لا يَجِدُ مَن يَحْمِيهِ مِن ذَلِكَ، ولا مَن يَشْفَعُ لَهُ. ذَكَرَ اطِّلاعَهُ تَعالى عَلى جَمِيعِ ما يَصْدُرُ مِنَ العَبْدِ، وأنَّهُ مُجازًى بِما عَمِلَ، لِيَكُونَ عَلى حَذَرٍ مِن ذَلِكَ اليَوْمِ إذا عَلِمَ أنَّ اللَّهَ مُطَّلِعٌ عَلى أعْمالِهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ﴾ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿سَرِيعُ الحِسابِ﴾؛ لِأنَّ سُرْعَةَ حِسابِهِ لِلْخَلْقِ إنَّما هي بِعِلْمِهِ الَّذِي لا يَحْتاجُ مَعَهُ إلى رَوِيَّةٍ وفِكْرٍ، ولا لِشَيْءٍ مِمّا يَحْتاجُهُ المُحاسِبُونَ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: (يَعْلَمُ) مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿لا يَخْفى عَلى اللَّهِ مِنهم شَيْءٌ﴾ وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ، يُقَوِّيهِ تَناسُبُ المَعْنَيَيْنِ، ويُضَعِّفُهُ بُعْدُ الآيَةِ مِنَ الآيَةِ وكَثْرَةُ الحائِلِ. انْتَهى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): بِمَ اتَّصَلَ قَوْلُهُ: يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ ؟ (قُلْتُ): هو خَبَرٌ مِن أخْبارِ (هو) في قَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ البَرْقَ﴾ [الرعد: ١٢]، مِثْلَ: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ﴾، ولَكِنْ مَن يُلْقِي الرُّوحَ قَدْ عَلَّلَ بِقَوْلِهِ: ﴿لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ﴾، ثُمَّ أسْقَطَ وتَذَكَّرَ أحْوالَ يَوْمِ التَّلاقِ إلى قَوْلِهِ: ﴿ولا شَفِيعٍ يُطاعُ﴾، فَبَعُدَ لِذَلِكَ عَنْ إخْوانِهِ. انْتَهى. وفِي بَعْضِ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ، أنا مِرْصادُ الهِمَمِ، أنا العالِمُ بِحالِ الفِكْرِ وكَسْرِ العُيُونِ. وقالَ مُجاهِدٌ: ﴿خائِنَةَ الأعْيُنِ﴾: مُسارَقَةُ النَّظَرِ إلى ما لا يَجُوزُ؛ ومَثَّلَ المُفَسِّرُونَ ﴿خائِنَةَ الأعْيُنِ﴾ بِالنَّظَرِ الثّانِي إلى حُرْمَةِ غَيْرِ النّاظِرِ، وما تُخْفِي الصُّدُورُ بِالنَّظَرِ الأوَّلِ الَّذِي لا يُمْكِنُ رَفْعُهُ. ﴿واللَّهُ يَقْضِي بِالحَقِّ﴾: هَذا يُوجِبُ عَظِيمَ الخَوْفِ؛ لِأنَّ الحاكِمَ إذا كانَ عالِمًا بِجَمِيعِ الأحْوالِ لا يَقْضِي إلّا بِالحَقِّ في ما دَقَّ وجَلَّ خافَهُ الخَلْقُ غايَةً. ﴿والَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾: هَذا قَدْحٌ في أصْنامِهِمْ وتَهَكُّمٌ بِهِمْ؛ لِأنَّ ما لا يُوصَفُ بِالقُدْرَةِ، لا يُقالُ فِيهِ: يَقْضِي ولا يَقْضِي. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يَدْعُونَ) بِياءِ الغِيبَةِ لِتَناسُبِ الضَّمائِرِ الغائِبَةِ قَبْلُ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، ونافِعٌ: بِخِلافٍ عَنْهُ؛ وهِشامٌ: (تَدْعُونَ) بِتاءِ الخِطابِ، أيْ: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ. ﴿إنَّ اللَّهَ هو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾: تَقْرِيرٌ لِقَوْلِهِ: ﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ وما تُخْفِي الصُّدُورُ﴾، وعِيدٌ لَهم بِأنَّهُ يَسْمَعُ ما يَقُولُونَ ويُبْصِرُ ما يَعْمَلُونَ وتَعْرِيضٌ بِأصْنامِهِمْ أنَّها لا تَسْمَعُ ولا تُبْصِرُ. ﴿أوَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِن قَبْلِهِمْ﴾: أحالَ قُرَيْشًا عَلى الِاعْتِبارِ بِالسِّيَرِ، وجازَ أنْ يَكُونَ فَيَنْظُرُوا مَجْزُومًا عَطْفًا عَلى يَسِيرُوا وأنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى جَوابِ النَّفْيِ، كَما قالَ: ؎ألَمْ تَسْألْ فَتُخْبِرَكَ الرُّسُومُ وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مِثْلِ هَذِهِ الجُمْلَةِ، وحَمَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ هم عَلى أنْ يَكُونَ فَصْلًا ولا يَتَعَيَّنُ، إذْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ هم تَوْكِيدًا لِضَمِيرِ (كانُوا) . وقَرَأ الجُمْهُورُ: مِنهم بِضَمِيرِ الغَيْبَةِ؛ وابْنُ عامِرٍ: مِنكم بِضَمِيرِ الخِطابِ عَلى سَبِيلِ الِالتِفاتِ. ﴿وآثارًا في الأرْضِ﴾: مَعْطُوفٌ عَلى (قُوَّةً) أيْ: مَبانِيهِمْ وحُصُونُهم وعِدَدُهم كانَتْ في غايَةِ الشِّدَّةِ. ﴿وتَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا﴾ [الشعراء: ١٤٩] . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ أرادُوا أكْثَرَ آثارًا لِقَوْلِهِ: مُتَقَلِّدًا سَيْفًا ورُمْحًا (p-٤٥٨)انْتَهى. أيْ: ومُعْتَقِلًا رُمْحًا، ولا حاجَةَ إلى ادِّعاءِ الحَذْفِ مَعَ صِحَّةِ المَعْنى بِدُونِهِ. ﴿مِن واقٍ﴾ أيْ: وما كانَ لَهم مِن عَذابِ اللَّهِ مِن ساتِرٍ يَمْنَعُهم مَنعَهُ. (ذَلِكَ) أيْ: الأخْذُ، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِ ذَلِكَ.

غافر 40:17

﴿فادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ولَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ﴾ ﴿رَفِيعُ الدَّرَجاتِ ذُو العَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِن أمْرِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ﴾ ﴿يَوْمَ هم بارِزُونَ لا يَخْفى عَلى اللَّهِ مِنهم شَيْءٌ لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ ﴿اليَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ لا ظُلْمَ اليَوْمَ إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ ﴿وأنْذِرْهم يَوْمَ الآزِفَةِ إذِ القُلُوبُ لَدى الحَناجِرِ كاظِمِينَ ما لِلظّالِمِينَ مِن حَمِيمٍ ولا شَفِيعٍ يُطاعُ﴾ ﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ وما تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ ﴿واللَّهُ يَقْضِي بِالحَقِّ والَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إنَّ اللَّهَ هو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ ﴿أوَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِن قَبْلِهِمْ كانُوا هم أشَدَّ مِنهم قُوَّةً وآثارًا في الأرْضِ فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وما كانَ لَهم مِنَ اللَّهِ مِن واقٍ﴾ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَكَفَرُوا فَأخَذَهُمُ اللَّهُ إنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ العِقابِ﴾ . الأمْرُ بِقَوْلِهِ: ﴿فادْعُوا اللَّهَ﴾ لِلْمُنِيبِينَ المُؤْمِنِينَ أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أيِ: اعْبُدُوهُ، ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [غافر: ٦٥] مِنَ الشِّرْكِ عَلى كُلِّ حالٍ، حَتّى في حالِ غَيْظِ أعْدائِكُمُ المُتَمالِئِينَ عَلَيْكم وعَلى اسْتِئْصالِكم. و﴿رَفِيعُ﴾: خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ثَلاثَةُ أخْبارٍ مُتَرَتِّبَةٍ عَلى قَوْلِهِ: ﴿الَّذِي يُرِيكُمْ﴾ [غافر: ١٣]، أوْ أخْبارُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وهي مُخْتَلِفَةٌ تَعْرِيفًا وتَنْكِيرًا. انْتَهى. أمّا تَرَتُّبُها عَلى قَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ﴾ [غافر: ١٣]، فَبَعِيدٌ كَطُولِ الفَصْلِ، وأمّا كَوْنُها أخَبارًا لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، فَمَبْنِيٌّ عَلى جَوازِ تَعَدُّدِ الأخْبارِ، إذا لَمْ تَكُنْ في مَعْنى خَبَرٍ واحِدٍ، والمَنعُ اخْتِيارُ أصْحابِنا. وقُرِئَ: ﴿رَفِيعُ﴾ بِالنَّصْبِ عَلى المَدْحِ، واحْتُمِلَ أنْ يَكُونَ ﴿رَفِيعُ﴾ لِلْمُبالَغَةِ (p-٤٥٥)عَلى فَعِيلٍ مِن رافِعٍ، فَيَكُونُ الدَّرَجاتُ مَفْعُولَةً، أيْ: رافِعُ دَرَجاتِ المُؤْمِنِينَ ومَنازِلِهِمْ في الجَنَّةِ. وبِهِ فَسَّرَ ابْنُ سَلامٍ، أوْ عَبَّرَ بِالدَّرَجاتِ عَنِ السَّماواتِ، أرْفَعُها سَماءً فَوْقَ سَماءٍ، والعَرْشُ فَوْقَهُنَّ. وبِهِ فَسَّرَ ابْنُ جُبَيْرٍ، واحْتُمِلَ أنْ يَكُونَ ﴿رَفِيعُ﴾ فَعِيلًا مِن رَفَعَ الشَّيْءَ عَلا فَهو رَفِيعٌ، فَيَكُونُ مِن بابِ الصِّفَةِ المُشَبَّهَةِ، والدَّرَجاتُ المَصاعِدُ المَلائِكَةُ إلى أنْ تَبْلُغَ العَرْشَ، أُضِيفَتْ إلَيْهِ دَلالَةً عَلى عِزِّهِ وسُلْطانِهِ، أيْ: دَرَجاتِ مَلائِكَتِهِ، كَما وصَفَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ذِي المَعارِجِ﴾ [المعارج: ٣]، أوْ يَكُونُ ذَلِكَ عِبارَةً عَنْ رَفْعَةِ شَأْنِهِ وعُلُوِّ سُلْطانِهِ. كَما أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ذُو العَرْشِ﴾ عِبارَةٌ عَنْ مُلْكِهِ، وبِنَحْوِهِ فَسَّرَ ابْنُ زَيْدٍ قالَ: عَظِيمُ الصِّفاتِ. و(الرُّوحَ) النُّبُوَّةَ، قالَهُ قَتادَةُ، والسُّدِّيُّ، كَما قالَ: ﴿رُوحًا مِن أمْرِنا﴾ [الشورى: ٥٢]؛ وعَنْ قَتادَةَ أيْضًا: الوَحْيَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: القُرْآنَ، وقالَ الضَّحّاكُ: جِبْرِيلُ يُرْسِلُهُ لِمَن يَشاءُ. وقِيلَ: الرَّحْمَةُ، وقِيلَ: أرْواحُ العِبادِ، وهَذانِ القَوْلانِ ضَعِيفانِ، والأوْلى الوَحْيُ، اسْتُعِيرَ لَهُ الرُّوحُ لِحَياةِ الأدْيانِ المَرْضِيَّةِ بِهِ، كَما قالَ: ﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ﴾ [الأنعام: ١٢٢] . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إلْقاءُ الرُّوحِ عامِلًا لِكُلِّ ما يُنْعِمُ اللَّهُ بِهِ عَلى عِبادِهِ المُهْتَدِينَ في تَفْهِيمِ الإيمانِ والمَعْقُولاتِ الشَّرِيفَةِ. انْتَهى. وقالَ الزَّجّاجُ: الرُّوحُ: كُلُّ ما بِهِ حَياةُ النّاسِ، وكُلُّ مُهْتَدٍ حَيٌّ، وكُلُّ ضالٍّ مَيِّتٌ. انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿مِن أمْرِهِ﴾: مِن قَضائِهِ. وقالَ مُقاتِلٌ: بِأمْرِهِ، وحَكى الشَّعْبِيُّ مِن قَوْلِهِ، ويَظْهَرُ أنَّ مِن لِابْتِداءِ الغايَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (لِيُنْذِرَ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، (يَوْمَ) بِالنَّصْبِ، والظّاهِرُ أنَّ الفاعِلَ يَعُودُ عَلى اللَّهِ؛ لِأنَّهُ هو المُحَدَّثُ عَنْهُ. واحْتَمَلَ (يَوْمَ) أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا عَلى السِّعَةِ، وأنْ يَكُونَ ظَرْفًا، والمُنْذَرُ بِهِ مَحْذُوفٌ. وقَرَأ أُبَيٌّ وجَماعَةٌ كَذَلِكَ إلّا أنَّهم رَفَعُوا يَوْمَ عَلى الفاعِلِيَّةِ مَجازًا. وقِيلَ: الفاعِلُ في القِراءَةِ الأُولى ضَمِيرُ الرُّوحِ. وقِيلَ: ضَمِيرُ مَن. وقَرَأ اليَمانِيُّ فِيما ذَكَرَ صاحِبُ اللَّوامِحِ (لِيُنْذَرَ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ ﴿يَوْمُ التَّلاقِ﴾ بِرَفْعِ المِيمِ. وقَرَأ الحَسَنُ واليَمانِيُّ فِيما ذَكَرَ ابْنُ خالَوَيْهِ (لِتُنْذِرَ) بِالتّاءِ، فَقالُوا: الفاعِلُ ضَمِيرُ الرُّوحِ؛ لِأنَّها تُؤَنَّثُ، أوْ فِيهِ ضَمِيرُ الخِطابِ المَوْصُولِ. وقُرِئَ: التَّلاقِ والتَّنادِ، بِياءٍ وبِغَيْرِ ياءٍ، وسُمِّي يَوْمَ التَّلاقِ لِالتِقاءِ الخَلائِقِ فِيهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ: يَلْتَقِي فِيهِ الخالِقُ والمَخْلُوقُ. وقالَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرانَ: يَلْتَقِي فِيهِ الظّالِمُ والمَظْلُومُ. وحَكى الثَّعْلَبِيُّ: يَلْتَقِي المَرْءُ بِعِلْمِهِ. وقالَ السُّدِّيُّ: يُلاقِي أهْلُ السَّماءِ أهْلَ الأرْضِ. وقِيلَ: يَلْتَقِي العابِدُونَ ومَعْبُودُهم. ﴿يَوْمَ هم بارِزُونَ﴾ أيْ: ظاهِرُونَ مِن قُبُورِهِمْ، لا يَسْتُرُهم شَيْءٌ مِن جَبَلٍ أوْ أكَمَةٍ أوْ بِناءٍ؛ لِأنَّ الأرْضَ إذْ ذاكَ قاعُ صَفْصَفٍ، ولا مِن ثِيابٍ؛ لِأنَّهم يُحْشَرُونَ حُفاةً عُراةً. و(يَوْمًا) بَدَلٌ مِن ﴿يَوْمَ التَّلاقِ﴾ وكِلاهُما ظَرْفٌ مُسْتَقْبَلٌ. والظَّرْفُ المُسْتَقْبَلُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ لا يَجُوزُ إضافَتُهُ إلى الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ، لا يَجُوزُ: أجِيئُكَ يَوْمَ زَيْدٌ ذاهِبٌ، إجْراءً لَهُ مَجْرى إذا، فَكَما لا يَجُوزُ أنْ تَقُولَ: أجِيئُكَ إذا زَيْدٌ ذاهِبٌ، فَكَذَلِكَ لا يَجُوزُ هَذا. وذَهَبَ أبُو الحَسَنِ إلى جَوازِ ذَلِكَ، فَيَتَخَرَّجُ قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ هم بارِزُونَ﴾ عَلى هَذا المَذْهَبِ. وقَدْ أجازَ ذَلِكَ بَعْضُ أصْحابِنا عَلى قِلَّةٍ، والدَّلائِلُ مَذْكُورَةٌ في عِلْمِ النَّحْوِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ انْتِصابُهُ عَلى الظَّرْفِ، والعامِلُ فِيهِ قَوْلُهُ: (لا يَخْفى)، وهي حَرَكَةُ إعْرابٍ لا حَرَكَةُ بِناءٍ؛ لِأنَّ الظَّرْفَ لا يُبْنى إلّا إذا أُضِيفَ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ، كَيَوْمَئِذٍ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎عَلى حِينِ عاتَبْتُ المَشِيبَ عَلى الصِّبا وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَذا يَوْمُ يَنْفَعُ﴾ [المائدة: ١١٩] . وأمّا في هَذِهِ الآيَةِ فالجُمْلَةُ اسْمٌ مُتَمَكِّنٌ، كَما تَقُولُ: جِئْتُ يَوْمَ زَيْدٌ أمِيرٌ، فَلا يَجُوزُ البِناءُ. انْتَهى. يَعْنِي أنْ يَنْتَصِبَ عَلى الظَّرْفِ قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ هم بارِزُونَ﴾ . وأمّا قَوْلُهُ لا يُبْنى إلّا إذا أُضِيفَ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ، فالبِناءُ لَيْسَ مُتَحَتِّمًا، بَلْ يَجُوزُ فِيهِ البِناءُ والإعْرابُ. وأمّا تَمْثِيلُهُ بِ ﴿يَوْمُ يَنْفَعُ﴾ [المائدة: ١١٩] فَمَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ أنَّهُ لا يَجُوزُ فِيهِ إلّا الإعْرابُ، ومَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ جَوازُ البِناءِ والإعْرابِ فِيهِ. وأمّا إذا أُضِيفَ إلى جُمْلَةٍ اسْمِيَّةٍ، كَمّا مَثَّلَ مِن قَوْلِهِ: جِئْتُ يَوْمَ زَيْدٌ أمِيرٌ، فالنَّقْلُ عَنِ البَصْرِيِّينَ تَحَتُّمُ الإعْرابِ، كَما ذُكِرَ، (p-٤٥٦)والنَّقْلُ عَنِ الكُوفِيِّينَ جَوازُ الإعْرابِ والبِناءِ. وذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ أصْحابِنا، وهو الصَّحِيحُ لِكَثْرَةِ شَواهِدِ البِناءِ عَلى ذَلِكَ. ووَقَعَ في بَعْضِ تَصانِيفِ أصْحابِنا أنَّهُ يَتَحَتَّمُ فِيهِ البِناءُ، وهَذا قَوْلٌ لَمْ يَذْهَبْ إلَيْهِ أحَدٌ، فَهو وهْمٌ. ﴿لا يَخْفى عَلى اللَّهِ مِنهم شَيْءٌ﴾ أيْ: مِن سَرائِرِهِمْ وبَواطِنِهِمْ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إذا هَلَكَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا اللَّهُ قالَ: ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ﴾، فَلا يُجِيبُهُ أحَدٌ، فَيَرُدُّ عَلى نَفْسِهِ: ﴿لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ . وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: يَجْمَعُ اللَّهُ الخَلائِقَ يَوْمَ القِيامَةِ في صَعِيدٍ بِأرْضٍ بَيْضاءَ، كَأنَّها سَبِيكَةُ فِضَّةٍ لَمْ يُعْصَ اللَّهُ فِيها قَطُّ، فَأوَّلُ ما يَتَكَلَّمُ بِهِ أنْ يُنادِيَ مُنادٍ: ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ﴾ ؟ فَيُجِيبُونَ كُلُّهم: ﴿لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ . رُوِيَ أنَّهُ تَعالى يُقَرِّرُ هَذا التَّقْرِيرَ ويَسْكُتُ العالَمُ هَيْبَةً وجَزَعًا، فَيُجِيبُ نَفْسَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾، فَيُجِيبُ النّاسُ. وإنَّما خَصَّ التَّقْرِيرَ بِاليَوْمِ، وإنْ كانَ المُلْكُ لَهُ تَعالى في ذَلِكَ اليَوْمِ وفي غَيْرِهِ، لِظُهُورِ ذَلِكَ لِلْكَفَرَةِ والجَهَلَةِ ووُضُوحِهِ يَوْمَ القِيامَةِ. وإذا تَأمَّلَ مَن لَهُ مُسْكَةُ عَقْلٍ تَسْخِيرَ أهْلِ السَّماواتِ الأرْضِ، ونُفُوذَ القَضاءِ فِيهِمْ، وتَيَقَّنَ أنْ لا مُلْكَ إلّا لِلَّهِ، ومِن نَتائِجِ مُلْكِهِ في ذَلِكَ اليَوْمِ جَزاءُ كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ، وانْتِفاءُ الظُّلْمِ، وسُرْعَةُ الحِسابِ أنَّ حِسابَهم في وقْتٍ واحِدٍ لا يَشْغَلُهُ حِسابٌ عَنْ حِسابٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذِهِ الآيَةُ نَصٌّ في أنَّ الثَّوابَ والعِقابَ مُعَلَّقٌ بِاكْتِسابِ العَبْدِ. انْتَهى، وهو عَلى طَرِيقَةِ الأشْعَرِيَّةِ. ورُوِيَ أنَّ يَوْمَ القِيامَةِ لا يَنْتَصِفُ حَتّى يُقِيلَ المُؤْمِنُونَ في الجَنَّةِ والكافِرُونَ في النّارِ. و﴿يَوْمَ الآزِفَةِ﴾: هو يَوْمُ القِيامَةِ، يَأْمُرُ تَعالى نَبِيَّهُ أنْ يُنْذِرَ العالَمَ ويُحَذِّرَهم مِنهُ ومِن أهْوالِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ. والآزِفَةُ صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ يَوْمَ السّاعَةِ الآزِفَةِ، أوِ الطّامَّةِ الآزِفَةِ ونَحْوُ هَذا. ولَمّا اعْتَقَبَ كُلَّ إنْذارٍ نَوْعًا مِنَ الشِّدَّةِ والخَوْفِ وغَيْرِهِما، حَسُنَ التَّكْرارُ في الآزِفَةِ القَرِيبَةِ، كَما تَقَدَّمَ، وهي مُشارَفَتُهم دُخُولَ النّارِ، فَإنَّهُ إذْ ذاكَ تَزِيغُ القُلُوبُ عَنْ مَقارِّها مِن شِدَّةِ الخَوْفِ. وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: ﴿يَوْمَ الآزِفَةِ﴾ يَوْمَ المَنِيَّةِ وحُضُورِ الأجَلِ، يَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّهُ يَعْدِلُ وصْفَ يَوْمِ القِيامَةِ بِأنَّهُ يَوْمُ التَّلاقِ، ويَوْمُ بُرُوزِهِمْ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ هَذا اليَوْمُ غَيْرَهُ، وهَذِهِ الصِّفَةُ مَخْصُوصَةٌ في سائِرِ الآياتِ، يَوْمُ المَوْتِ بِالقُرْبِ أوْلى مِن وصْفِ يَوْمِ القِيامَةِ بِالقُرْبِ، وأيْضًا فالصِّفاتُ المَذْكُورَةُ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ الآزِفَةِ﴾، لائِقَةٌ بِيَوْمِ حُضُورِ المَنِيَّةِ؛ لِأنَّ الرَّجُلَ عِنْدَ مُعايَنَةِ مَلائِكَةِ العَذابِ لِعَظَمِ خَوْفِهِ، يَكادُ قَلْبُهُ يَبْلُغُ حَنْجَرَتَهُ مِن شِدَّةِ الخَوْفِ، ولا يَكُونُ لَهُ حَمِيمٌ ولا شَفِيعٌ يَرْفَعُ عَنْهُ ما بِهِ مِن أنْواعِ الخَوْفِ. ﴿إذِ القُلُوبُ لَدى الحَناجِرِ﴾، قِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ حَقِيقَةً، ويَبْقُونَ أحْياءً مَعَ ذَلِكَ بِخِلافِ حالَةِ الدُّنْيا، فَإنَّ مَنِ انْتَقَلَ قَلْبُهُ إلى حَنْجَرَتِهِ ماتَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ كِنايَةً عَنْ ما يَبْلُغُونَ إلَيْهِ مِن شِدَّةِ الجَزَعِ. كَما تَقُولُ: كادَتْ نَفْسِي أنْ تَخْرُجَ، وانْتَصَبَ ﴿كاظِمِينَ﴾ عَلى الحالِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هو حالٌ عَنْ أصْحابِ القُلُوبِ عَلى المَعْنى، إذا المَعْنى: إذْ قُلُوبُهم لَدى حَناجِرِهِمْ كاظِمِينَ عَلَيْها، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ حالًا عَنِ القُلُوبِ، وأنَّ القُلُوبَ كاظِمَةٌ عَلى غَمٍّ وكَرْبٍ فِيها، مَعَ بُلُوغِها الحَناجِرَ. وإنَّما جَمَعَ الكاظِمَ جَمْعَ السَّلامَةِ؛ لِأنَّهُ وصَفَها بِالكَظْمِ الَّذِي هو مِن أفْعالِ العُقَلاءِ، كَما قالَ: ﴿رَأيْتُهم لِي ساجِدِينَ﴾ [يوسف: ٤] . وقالَ: فَظَلَّتْ أعْناقُهم لَها خاضِعِينَ، ويُعَضِّدُهُ قِراءَةُ مَن قَرَأ: (كاظِمُونَ) . ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا عَنْ قَوْلِهِ أيْ: وأنْذِرْهم مُقَدِّرِينَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ﴿كاظِمِينَ﴾ حالٌ مِمّا أُبْدِلَ مِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَشْخَصُ فِيهِ الأبْصارُ﴾ [إبراهيم: ٤٢] ﴿مُهْطِعِينَ﴾ [إبراهيم: ٤٣]: أرادَ تَشْخَصُ فِيهِ أبْصارُهم، وقالَ الحَوْفِيُّ: (القُلُوبُ) رُفِعَ بِالِابْتِداءِ، و﴿لَدى الحَناجِرِ﴾ الخَبَرُ مُتَعَلِّقٌ بِمَعْنى الِاسْتِقْرارِ. وقالَ أبُو البَقاءِ: ﴿كاظِمِينَ﴾ حالٌ مِنَ القُلُوبِ؛ لِأنَّ المُرادَ أصْحابُها. انْتَهى. ﴿ما لِلظّالِمِينَ مِن حَمِيمٍ﴾ أيْ: مُحِبٍّ مُشْفِقٍ، (ولا شَفِيعٍ) ﴿يُطاعُ﴾ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِشَفِيعٍ، فاحْتُمِلَ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ خَفْضٍ عَلى اللَّفْظِ، وفي مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى المَوْضِعِ واحْتُمِلَ أنْ يَنْسَحِبَ النَّفْيُ عَلى الوَصْفِ فَقَطْ، فَيَكُونُ مِن شَفِيعٍ، ولَكِنَّهُ لا يُطاعُ، أيْ: (p-٤٥٧)لا تُقْبَلُ شَفاعَتُهُ، واحْتُمِلَ أنْ يَنْسَحِبَ النَّفْيُ عَلى المَوْصُوفِ وصْفَتِهِ أيْ: لا شَفِيعَ فَيُطاعُ، وهَذا هو المَقْصُودُ في الآيَةِ أنَّ الشَّفِيعَ عِنْدَ اللَّهِ إنَّما يَكُونُ مِن أوْلِيائِهِ تَعالى، ولا تَكُونُ الشَّفاعَةُ إلّا لِمَنِ ارْتَضاهُ اللَّهُ، وأيْضًا فَيَكُونُ في زِيادَةِ التَّفَضُّلِ والثَّوابِ ولا يُمْكِنُ شَيْءٌ مِن هَذا في حَقِّ الكافِرِ. وعَنِ الحَسَنِ: واللَّهِ لا يَكُونُ لَهم شَفِيعٌ ألْبَتَّةَ، ﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ﴾، كَقَوْلِهِ: ؎وإنْ سَقَيْتِ كِرامَ النّاسِ فاسْقِينا أيِ: النّاسَ الكِرامَ. وجَوَّزُوا أنْ تَكُونَ (خائِنَةَ) مَصْدَرًا، كالعافِيَةِ والعاقِبَةِ، أيْ: يَعْلَمُ خِيانَةَ الأعْيُنِ. ولَمّا كانَتِ الأفْعالُ الَّتِي يُقْصَدُ بِها التَّكَتُّمُ بَدَنِيَّةً، فَأخْفاها ﴿خائِنَةَ الأعْيُنِ﴾ مِن كَسْرِ جَفْنٍ وغَمْزٍ ونَظَرٍ يُفْهِمُ مَعْنًى، ويُرِيدُ صاحِبَ مَعْنًى آخَرَ وقَلْبٍ، وهو ما تَحْتَوِي عَلَيْهِ الضَّمائِرُ، قَسَّمَ ما يُتَكَتَّمُ بِهِ إلى هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ، وذَكَرَ أنَّ عِلْمَهُ مُتَعَلِّقٌ بِهِما التَّعَلُّقَ التّامَّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولا يَحْسُنُ أنْ يُرادَ الخائِنَةُ مِنَ الأعْيُنِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ لا يُساعِدُ عَلَيْهِ. انْتَهى، يَعْنِي أنَّهُ لا يُناسِبُ أنْ يَكُونَ مُقابِلَ المَعْنى إلّا المَعْنى، وتَقَدَّمَ أنَّ الظّاهِرَ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ الأعْيُنَ الخائِنَةَ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ﴾ الآيَةَ مُتَّصِلٌ بِما قَبْلَهُ. لَمّا أمَرَ بِإنْكارِهِ يَوْمَ الآزِفَةِ، وما يَعْرِضُ فِيهِ مِن شِدَّةِ الكَرْبِ والغَمِّ، وأنَّ الظّالِمَ لا يَجِدُ مَن يَحْمِيهِ مِن ذَلِكَ، ولا مَن يَشْفَعُ لَهُ. ذَكَرَ اطِّلاعَهُ تَعالى عَلى جَمِيعِ ما يَصْدُرُ مِنَ العَبْدِ، وأنَّهُ مُجازًى بِما عَمِلَ، لِيَكُونَ عَلى حَذَرٍ مِن ذَلِكَ اليَوْمِ إذا عَلِمَ أنَّ اللَّهَ مُطَّلِعٌ عَلى أعْمالِهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ﴾ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿سَرِيعُ الحِسابِ﴾؛ لِأنَّ سُرْعَةَ حِسابِهِ لِلْخَلْقِ إنَّما هي بِعِلْمِهِ الَّذِي لا يَحْتاجُ مَعَهُ إلى رَوِيَّةٍ وفِكْرٍ، ولا لِشَيْءٍ مِمّا يَحْتاجُهُ المُحاسِبُونَ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: (يَعْلَمُ) مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿لا يَخْفى عَلى اللَّهِ مِنهم شَيْءٌ﴾ وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ، يُقَوِّيهِ تَناسُبُ المَعْنَيَيْنِ، ويُضَعِّفُهُ بُعْدُ الآيَةِ مِنَ الآيَةِ وكَثْرَةُ الحائِلِ. انْتَهى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): بِمَ اتَّصَلَ قَوْلُهُ: يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ ؟ (قُلْتُ): هو خَبَرٌ مِن أخْبارِ (هو) في قَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ البَرْقَ﴾ [الرعد: ١٢]، مِثْلَ: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ﴾، ولَكِنْ مَن يُلْقِي الرُّوحَ قَدْ عَلَّلَ بِقَوْلِهِ: ﴿لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ﴾، ثُمَّ أسْقَطَ وتَذَكَّرَ أحْوالَ يَوْمِ التَّلاقِ إلى قَوْلِهِ: ﴿ولا شَفِيعٍ يُطاعُ﴾، فَبَعُدَ لِذَلِكَ عَنْ إخْوانِهِ. انْتَهى. وفِي بَعْضِ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ، أنا مِرْصادُ الهِمَمِ، أنا العالِمُ بِحالِ الفِكْرِ وكَسْرِ العُيُونِ. وقالَ مُجاهِدٌ: ﴿خائِنَةَ الأعْيُنِ﴾: مُسارَقَةُ النَّظَرِ إلى ما لا يَجُوزُ؛ ومَثَّلَ المُفَسِّرُونَ ﴿خائِنَةَ الأعْيُنِ﴾ بِالنَّظَرِ الثّانِي إلى حُرْمَةِ غَيْرِ النّاظِرِ، وما تُخْفِي الصُّدُورُ بِالنَّظَرِ الأوَّلِ الَّذِي لا يُمْكِنُ رَفْعُهُ. ﴿واللَّهُ يَقْضِي بِالحَقِّ﴾: هَذا يُوجِبُ عَظِيمَ الخَوْفِ؛ لِأنَّ الحاكِمَ إذا كانَ عالِمًا بِجَمِيعِ الأحْوالِ لا يَقْضِي إلّا بِالحَقِّ في ما دَقَّ وجَلَّ خافَهُ الخَلْقُ غايَةً. ﴿والَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾: هَذا قَدْحٌ في أصْنامِهِمْ وتَهَكُّمٌ بِهِمْ؛ لِأنَّ ما لا يُوصَفُ بِالقُدْرَةِ، لا يُقالُ فِيهِ: يَقْضِي ولا يَقْضِي. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يَدْعُونَ) بِياءِ الغِيبَةِ لِتَناسُبِ الضَّمائِرِ الغائِبَةِ قَبْلُ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، ونافِعٌ: بِخِلافٍ عَنْهُ؛ وهِشامٌ: (تَدْعُونَ) بِتاءِ الخِطابِ، أيْ: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ. ﴿إنَّ اللَّهَ هو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾: تَقْرِيرٌ لِقَوْلِهِ: ﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ وما تُخْفِي الصُّدُورُ﴾، وعِيدٌ لَهم بِأنَّهُ يَسْمَعُ ما يَقُولُونَ ويُبْصِرُ ما يَعْمَلُونَ وتَعْرِيضٌ بِأصْنامِهِمْ أنَّها لا تَسْمَعُ ولا تُبْصِرُ. ﴿أوَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِن قَبْلِهِمْ﴾: أحالَ قُرَيْشًا عَلى الِاعْتِبارِ بِالسِّيَرِ، وجازَ أنْ يَكُونَ فَيَنْظُرُوا مَجْزُومًا عَطْفًا عَلى يَسِيرُوا وأنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى جَوابِ النَّفْيِ، كَما قالَ: ؎ألَمْ تَسْألْ فَتُخْبِرَكَ الرُّسُومُ وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مِثْلِ هَذِهِ الجُمْلَةِ، وحَمَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ هم عَلى أنْ يَكُونَ فَصْلًا ولا يَتَعَيَّنُ، إذْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ هم تَوْكِيدًا لِضَمِيرِ (كانُوا) . وقَرَأ الجُمْهُورُ: مِنهم بِضَمِيرِ الغَيْبَةِ؛ وابْنُ عامِرٍ: مِنكم بِضَمِيرِ الخِطابِ عَلى سَبِيلِ الِالتِفاتِ. ﴿وآثارًا في الأرْضِ﴾: مَعْطُوفٌ عَلى (قُوَّةً) أيْ: مَبانِيهِمْ وحُصُونُهم وعِدَدُهم كانَتْ في غايَةِ الشِّدَّةِ. ﴿وتَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا﴾ [الشعراء: ١٤٩] . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ أرادُوا أكْثَرَ آثارًا لِقَوْلِهِ: مُتَقَلِّدًا سَيْفًا ورُمْحًا (p-٤٥٨)انْتَهى. أيْ: ومُعْتَقِلًا رُمْحًا، ولا حاجَةَ إلى ادِّعاءِ الحَذْفِ مَعَ صِحَّةِ المَعْنى بِدُونِهِ. ﴿مِن واقٍ﴾ أيْ: وما كانَ لَهم مِن عَذابِ اللَّهِ مِن ساتِرٍ يَمْنَعُهم مَنعَهُ. (ذَلِكَ) أيْ: الأخْذُ، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِ ذَلِكَ.

غافر 40:18

﴿فادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ولَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ﴾ ﴿رَفِيعُ الدَّرَجاتِ ذُو العَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِن أمْرِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ﴾ ﴿يَوْمَ هم بارِزُونَ لا يَخْفى عَلى اللَّهِ مِنهم شَيْءٌ لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ ﴿اليَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ لا ظُلْمَ اليَوْمَ إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ ﴿وأنْذِرْهم يَوْمَ الآزِفَةِ إذِ القُلُوبُ لَدى الحَناجِرِ كاظِمِينَ ما لِلظّالِمِينَ مِن حَمِيمٍ ولا شَفِيعٍ يُطاعُ﴾ ﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ وما تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ ﴿واللَّهُ يَقْضِي بِالحَقِّ والَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إنَّ اللَّهَ هو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ ﴿أوَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِن قَبْلِهِمْ كانُوا هم أشَدَّ مِنهم قُوَّةً وآثارًا في الأرْضِ فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وما كانَ لَهم مِنَ اللَّهِ مِن واقٍ﴾ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَكَفَرُوا فَأخَذَهُمُ اللَّهُ إنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ العِقابِ﴾ . الأمْرُ بِقَوْلِهِ: ﴿فادْعُوا اللَّهَ﴾ لِلْمُنِيبِينَ المُؤْمِنِينَ أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أيِ: اعْبُدُوهُ، ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [غافر: ٦٥] مِنَ الشِّرْكِ عَلى كُلِّ حالٍ، حَتّى في حالِ غَيْظِ أعْدائِكُمُ المُتَمالِئِينَ عَلَيْكم وعَلى اسْتِئْصالِكم. و﴿رَفِيعُ﴾: خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ثَلاثَةُ أخْبارٍ مُتَرَتِّبَةٍ عَلى قَوْلِهِ: ﴿الَّذِي يُرِيكُمْ﴾ [غافر: ١٣]، أوْ أخْبارُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وهي مُخْتَلِفَةٌ تَعْرِيفًا وتَنْكِيرًا. انْتَهى. أمّا تَرَتُّبُها عَلى قَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ﴾ [غافر: ١٣]، فَبَعِيدٌ كَطُولِ الفَصْلِ، وأمّا كَوْنُها أخَبارًا لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، فَمَبْنِيٌّ عَلى جَوازِ تَعَدُّدِ الأخْبارِ، إذا لَمْ تَكُنْ في مَعْنى خَبَرٍ واحِدٍ، والمَنعُ اخْتِيارُ أصْحابِنا. وقُرِئَ: ﴿رَفِيعُ﴾ بِالنَّصْبِ عَلى المَدْحِ، واحْتُمِلَ أنْ يَكُونَ ﴿رَفِيعُ﴾ لِلْمُبالَغَةِ (p-٤٥٥)عَلى فَعِيلٍ مِن رافِعٍ، فَيَكُونُ الدَّرَجاتُ مَفْعُولَةً، أيْ: رافِعُ دَرَجاتِ المُؤْمِنِينَ ومَنازِلِهِمْ في الجَنَّةِ. وبِهِ فَسَّرَ ابْنُ سَلامٍ، أوْ عَبَّرَ بِالدَّرَجاتِ عَنِ السَّماواتِ، أرْفَعُها سَماءً فَوْقَ سَماءٍ، والعَرْشُ فَوْقَهُنَّ. وبِهِ فَسَّرَ ابْنُ جُبَيْرٍ، واحْتُمِلَ أنْ يَكُونَ ﴿رَفِيعُ﴾ فَعِيلًا مِن رَفَعَ الشَّيْءَ عَلا فَهو رَفِيعٌ، فَيَكُونُ مِن بابِ الصِّفَةِ المُشَبَّهَةِ، والدَّرَجاتُ المَصاعِدُ المَلائِكَةُ إلى أنْ تَبْلُغَ العَرْشَ، أُضِيفَتْ إلَيْهِ دَلالَةً عَلى عِزِّهِ وسُلْطانِهِ، أيْ: دَرَجاتِ مَلائِكَتِهِ، كَما وصَفَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ذِي المَعارِجِ﴾ [المعارج: ٣]، أوْ يَكُونُ ذَلِكَ عِبارَةً عَنْ رَفْعَةِ شَأْنِهِ وعُلُوِّ سُلْطانِهِ. كَما أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ذُو العَرْشِ﴾ عِبارَةٌ عَنْ مُلْكِهِ، وبِنَحْوِهِ فَسَّرَ ابْنُ زَيْدٍ قالَ: عَظِيمُ الصِّفاتِ. و(الرُّوحَ) النُّبُوَّةَ، قالَهُ قَتادَةُ، والسُّدِّيُّ، كَما قالَ: ﴿رُوحًا مِن أمْرِنا﴾ [الشورى: ٥٢]؛ وعَنْ قَتادَةَ أيْضًا: الوَحْيَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: القُرْآنَ، وقالَ الضَّحّاكُ: جِبْرِيلُ يُرْسِلُهُ لِمَن يَشاءُ. وقِيلَ: الرَّحْمَةُ، وقِيلَ: أرْواحُ العِبادِ، وهَذانِ القَوْلانِ ضَعِيفانِ، والأوْلى الوَحْيُ، اسْتُعِيرَ لَهُ الرُّوحُ لِحَياةِ الأدْيانِ المَرْضِيَّةِ بِهِ، كَما قالَ: ﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ﴾ [الأنعام: ١٢٢] . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إلْقاءُ الرُّوحِ عامِلًا لِكُلِّ ما يُنْعِمُ اللَّهُ بِهِ عَلى عِبادِهِ المُهْتَدِينَ في تَفْهِيمِ الإيمانِ والمَعْقُولاتِ الشَّرِيفَةِ. انْتَهى. وقالَ الزَّجّاجُ: الرُّوحُ: كُلُّ ما بِهِ حَياةُ النّاسِ، وكُلُّ مُهْتَدٍ حَيٌّ، وكُلُّ ضالٍّ مَيِّتٌ. انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿مِن أمْرِهِ﴾: مِن قَضائِهِ. وقالَ مُقاتِلٌ: بِأمْرِهِ، وحَكى الشَّعْبِيُّ مِن قَوْلِهِ، ويَظْهَرُ أنَّ مِن لِابْتِداءِ الغايَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (لِيُنْذِرَ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، (يَوْمَ) بِالنَّصْبِ، والظّاهِرُ أنَّ الفاعِلَ يَعُودُ عَلى اللَّهِ؛ لِأنَّهُ هو المُحَدَّثُ عَنْهُ. واحْتَمَلَ (يَوْمَ) أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا عَلى السِّعَةِ، وأنْ يَكُونَ ظَرْفًا، والمُنْذَرُ بِهِ مَحْذُوفٌ. وقَرَأ أُبَيٌّ وجَماعَةٌ كَذَلِكَ إلّا أنَّهم رَفَعُوا يَوْمَ عَلى الفاعِلِيَّةِ مَجازًا. وقِيلَ: الفاعِلُ في القِراءَةِ الأُولى ضَمِيرُ الرُّوحِ. وقِيلَ: ضَمِيرُ مَن. وقَرَأ اليَمانِيُّ فِيما ذَكَرَ صاحِبُ اللَّوامِحِ (لِيُنْذَرَ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ ﴿يَوْمُ التَّلاقِ﴾ بِرَفْعِ المِيمِ. وقَرَأ الحَسَنُ واليَمانِيُّ فِيما ذَكَرَ ابْنُ خالَوَيْهِ (لِتُنْذِرَ) بِالتّاءِ، فَقالُوا: الفاعِلُ ضَمِيرُ الرُّوحِ؛ لِأنَّها تُؤَنَّثُ، أوْ فِيهِ ضَمِيرُ الخِطابِ المَوْصُولِ. وقُرِئَ: التَّلاقِ والتَّنادِ، بِياءٍ وبِغَيْرِ ياءٍ، وسُمِّي يَوْمَ التَّلاقِ لِالتِقاءِ الخَلائِقِ فِيهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ: يَلْتَقِي فِيهِ الخالِقُ والمَخْلُوقُ. وقالَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرانَ: يَلْتَقِي فِيهِ الظّالِمُ والمَظْلُومُ. وحَكى الثَّعْلَبِيُّ: يَلْتَقِي المَرْءُ بِعِلْمِهِ. وقالَ السُّدِّيُّ: يُلاقِي أهْلُ السَّماءِ أهْلَ الأرْضِ. وقِيلَ: يَلْتَقِي العابِدُونَ ومَعْبُودُهم. ﴿يَوْمَ هم بارِزُونَ﴾ أيْ: ظاهِرُونَ مِن قُبُورِهِمْ، لا يَسْتُرُهم شَيْءٌ مِن جَبَلٍ أوْ أكَمَةٍ أوْ بِناءٍ؛ لِأنَّ الأرْضَ إذْ ذاكَ قاعُ صَفْصَفٍ، ولا مِن ثِيابٍ؛ لِأنَّهم يُحْشَرُونَ حُفاةً عُراةً. و(يَوْمًا) بَدَلٌ مِن ﴿يَوْمَ التَّلاقِ﴾ وكِلاهُما ظَرْفٌ مُسْتَقْبَلٌ. والظَّرْفُ المُسْتَقْبَلُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ لا يَجُوزُ إضافَتُهُ إلى الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ، لا يَجُوزُ: أجِيئُكَ يَوْمَ زَيْدٌ ذاهِبٌ، إجْراءً لَهُ مَجْرى إذا، فَكَما لا يَجُوزُ أنْ تَقُولَ: أجِيئُكَ إذا زَيْدٌ ذاهِبٌ، فَكَذَلِكَ لا يَجُوزُ هَذا. وذَهَبَ أبُو الحَسَنِ إلى جَوازِ ذَلِكَ، فَيَتَخَرَّجُ قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ هم بارِزُونَ﴾ عَلى هَذا المَذْهَبِ. وقَدْ أجازَ ذَلِكَ بَعْضُ أصْحابِنا عَلى قِلَّةٍ، والدَّلائِلُ مَذْكُورَةٌ في عِلْمِ النَّحْوِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ انْتِصابُهُ عَلى الظَّرْفِ، والعامِلُ فِيهِ قَوْلُهُ: (لا يَخْفى)، وهي حَرَكَةُ إعْرابٍ لا حَرَكَةُ بِناءٍ؛ لِأنَّ الظَّرْفَ لا يُبْنى إلّا إذا أُضِيفَ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ، كَيَوْمَئِذٍ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎عَلى حِينِ عاتَبْتُ المَشِيبَ عَلى الصِّبا وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَذا يَوْمُ يَنْفَعُ﴾ [المائدة: ١١٩] . وأمّا في هَذِهِ الآيَةِ فالجُمْلَةُ اسْمٌ مُتَمَكِّنٌ، كَما تَقُولُ: جِئْتُ يَوْمَ زَيْدٌ أمِيرٌ، فَلا يَجُوزُ البِناءُ. انْتَهى. يَعْنِي أنْ يَنْتَصِبَ عَلى الظَّرْفِ قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ هم بارِزُونَ﴾ . وأمّا قَوْلُهُ لا يُبْنى إلّا إذا أُضِيفَ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ، فالبِناءُ لَيْسَ مُتَحَتِّمًا، بَلْ يَجُوزُ فِيهِ البِناءُ والإعْرابُ. وأمّا تَمْثِيلُهُ بِ ﴿يَوْمُ يَنْفَعُ﴾ [المائدة: ١١٩] فَمَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ أنَّهُ لا يَجُوزُ فِيهِ إلّا الإعْرابُ، ومَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ جَوازُ البِناءِ والإعْرابِ فِيهِ. وأمّا إذا أُضِيفَ إلى جُمْلَةٍ اسْمِيَّةٍ، كَمّا مَثَّلَ مِن قَوْلِهِ: جِئْتُ يَوْمَ زَيْدٌ أمِيرٌ، فالنَّقْلُ عَنِ البَصْرِيِّينَ تَحَتُّمُ الإعْرابِ، كَما ذُكِرَ، (p-٤٥٦)والنَّقْلُ عَنِ الكُوفِيِّينَ جَوازُ الإعْرابِ والبِناءِ. وذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ أصْحابِنا، وهو الصَّحِيحُ لِكَثْرَةِ شَواهِدِ البِناءِ عَلى ذَلِكَ. ووَقَعَ في بَعْضِ تَصانِيفِ أصْحابِنا أنَّهُ يَتَحَتَّمُ فِيهِ البِناءُ، وهَذا قَوْلٌ لَمْ يَذْهَبْ إلَيْهِ أحَدٌ، فَهو وهْمٌ. ﴿لا يَخْفى عَلى اللَّهِ مِنهم شَيْءٌ﴾ أيْ: مِن سَرائِرِهِمْ وبَواطِنِهِمْ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إذا هَلَكَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا اللَّهُ قالَ: ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ﴾، فَلا يُجِيبُهُ أحَدٌ، فَيَرُدُّ عَلى نَفْسِهِ: ﴿لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ . وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: يَجْمَعُ اللَّهُ الخَلائِقَ يَوْمَ القِيامَةِ في صَعِيدٍ بِأرْضٍ بَيْضاءَ، كَأنَّها سَبِيكَةُ فِضَّةٍ لَمْ يُعْصَ اللَّهُ فِيها قَطُّ، فَأوَّلُ ما يَتَكَلَّمُ بِهِ أنْ يُنادِيَ مُنادٍ: ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ﴾ ؟ فَيُجِيبُونَ كُلُّهم: ﴿لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ . رُوِيَ أنَّهُ تَعالى يُقَرِّرُ هَذا التَّقْرِيرَ ويَسْكُتُ العالَمُ هَيْبَةً وجَزَعًا، فَيُجِيبُ نَفْسَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾، فَيُجِيبُ النّاسُ. وإنَّما خَصَّ التَّقْرِيرَ بِاليَوْمِ، وإنْ كانَ المُلْكُ لَهُ تَعالى في ذَلِكَ اليَوْمِ وفي غَيْرِهِ، لِظُهُورِ ذَلِكَ لِلْكَفَرَةِ والجَهَلَةِ ووُضُوحِهِ يَوْمَ القِيامَةِ. وإذا تَأمَّلَ مَن لَهُ مُسْكَةُ عَقْلٍ تَسْخِيرَ أهْلِ السَّماواتِ الأرْضِ، ونُفُوذَ القَضاءِ فِيهِمْ، وتَيَقَّنَ أنْ لا مُلْكَ إلّا لِلَّهِ، ومِن نَتائِجِ مُلْكِهِ في ذَلِكَ اليَوْمِ جَزاءُ كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ، وانْتِفاءُ الظُّلْمِ، وسُرْعَةُ الحِسابِ أنَّ حِسابَهم في وقْتٍ واحِدٍ لا يَشْغَلُهُ حِسابٌ عَنْ حِسابٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذِهِ الآيَةُ نَصٌّ في أنَّ الثَّوابَ والعِقابَ مُعَلَّقٌ بِاكْتِسابِ العَبْدِ. انْتَهى، وهو عَلى طَرِيقَةِ الأشْعَرِيَّةِ. ورُوِيَ أنَّ يَوْمَ القِيامَةِ لا يَنْتَصِفُ حَتّى يُقِيلَ المُؤْمِنُونَ في الجَنَّةِ والكافِرُونَ في النّارِ. و﴿يَوْمَ الآزِفَةِ﴾: هو يَوْمُ القِيامَةِ، يَأْمُرُ تَعالى نَبِيَّهُ أنْ يُنْذِرَ العالَمَ ويُحَذِّرَهم مِنهُ ومِن أهْوالِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ. والآزِفَةُ صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ يَوْمَ السّاعَةِ الآزِفَةِ، أوِ الطّامَّةِ الآزِفَةِ ونَحْوُ هَذا. ولَمّا اعْتَقَبَ كُلَّ إنْذارٍ نَوْعًا مِنَ الشِّدَّةِ والخَوْفِ وغَيْرِهِما، حَسُنَ التَّكْرارُ في الآزِفَةِ القَرِيبَةِ، كَما تَقَدَّمَ، وهي مُشارَفَتُهم دُخُولَ النّارِ، فَإنَّهُ إذْ ذاكَ تَزِيغُ القُلُوبُ عَنْ مَقارِّها مِن شِدَّةِ الخَوْفِ. وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: ﴿يَوْمَ الآزِفَةِ﴾ يَوْمَ المَنِيَّةِ وحُضُورِ الأجَلِ، يَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّهُ يَعْدِلُ وصْفَ يَوْمِ القِيامَةِ بِأنَّهُ يَوْمُ التَّلاقِ، ويَوْمُ بُرُوزِهِمْ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ هَذا اليَوْمُ غَيْرَهُ، وهَذِهِ الصِّفَةُ مَخْصُوصَةٌ في سائِرِ الآياتِ، يَوْمُ المَوْتِ بِالقُرْبِ أوْلى مِن وصْفِ يَوْمِ القِيامَةِ بِالقُرْبِ، وأيْضًا فالصِّفاتُ المَذْكُورَةُ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ الآزِفَةِ﴾، لائِقَةٌ بِيَوْمِ حُضُورِ المَنِيَّةِ؛ لِأنَّ الرَّجُلَ عِنْدَ مُعايَنَةِ مَلائِكَةِ العَذابِ لِعَظَمِ خَوْفِهِ، يَكادُ قَلْبُهُ يَبْلُغُ حَنْجَرَتَهُ مِن شِدَّةِ الخَوْفِ، ولا يَكُونُ لَهُ حَمِيمٌ ولا شَفِيعٌ يَرْفَعُ عَنْهُ ما بِهِ مِن أنْواعِ الخَوْفِ. ﴿إذِ القُلُوبُ لَدى الحَناجِرِ﴾، قِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ حَقِيقَةً، ويَبْقُونَ أحْياءً مَعَ ذَلِكَ بِخِلافِ حالَةِ الدُّنْيا، فَإنَّ مَنِ انْتَقَلَ قَلْبُهُ إلى حَنْجَرَتِهِ ماتَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ كِنايَةً عَنْ ما يَبْلُغُونَ إلَيْهِ مِن شِدَّةِ الجَزَعِ. كَما تَقُولُ: كادَتْ نَفْسِي أنْ تَخْرُجَ، وانْتَصَبَ ﴿كاظِمِينَ﴾ عَلى الحالِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هو حالٌ عَنْ أصْحابِ القُلُوبِ عَلى المَعْنى، إذا المَعْنى: إذْ قُلُوبُهم لَدى حَناجِرِهِمْ كاظِمِينَ عَلَيْها، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ حالًا عَنِ القُلُوبِ، وأنَّ القُلُوبَ كاظِمَةٌ عَلى غَمٍّ وكَرْبٍ فِيها، مَعَ بُلُوغِها الحَناجِرَ. وإنَّما جَمَعَ الكاظِمَ جَمْعَ السَّلامَةِ؛ لِأنَّهُ وصَفَها بِالكَظْمِ الَّذِي هو مِن أفْعالِ العُقَلاءِ، كَما قالَ: ﴿رَأيْتُهم لِي ساجِدِينَ﴾ [يوسف: ٤] . وقالَ: فَظَلَّتْ أعْناقُهم لَها خاضِعِينَ، ويُعَضِّدُهُ قِراءَةُ مَن قَرَأ: (كاظِمُونَ) . ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا عَنْ قَوْلِهِ أيْ: وأنْذِرْهم مُقَدِّرِينَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ﴿كاظِمِينَ﴾ حالٌ مِمّا أُبْدِلَ مِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَشْخَصُ فِيهِ الأبْصارُ﴾ [إبراهيم: ٤٢] ﴿مُهْطِعِينَ﴾ [إبراهيم: ٤٣]: أرادَ تَشْخَصُ فِيهِ أبْصارُهم، وقالَ الحَوْفِيُّ: (القُلُوبُ) رُفِعَ بِالِابْتِداءِ، و﴿لَدى الحَناجِرِ﴾ الخَبَرُ مُتَعَلِّقٌ بِمَعْنى الِاسْتِقْرارِ. وقالَ أبُو البَقاءِ: ﴿كاظِمِينَ﴾ حالٌ مِنَ القُلُوبِ؛ لِأنَّ المُرادَ أصْحابُها. انْتَهى. ﴿ما لِلظّالِمِينَ مِن حَمِيمٍ﴾ أيْ: مُحِبٍّ مُشْفِقٍ، (ولا شَفِيعٍ) ﴿يُطاعُ﴾ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِشَفِيعٍ، فاحْتُمِلَ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ خَفْضٍ عَلى اللَّفْظِ، وفي مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى المَوْضِعِ واحْتُمِلَ أنْ يَنْسَحِبَ النَّفْيُ عَلى الوَصْفِ فَقَطْ، فَيَكُونُ مِن شَفِيعٍ، ولَكِنَّهُ لا يُطاعُ، أيْ: (p-٤٥٧)لا تُقْبَلُ شَفاعَتُهُ، واحْتُمِلَ أنْ يَنْسَحِبَ النَّفْيُ عَلى المَوْصُوفِ وصْفَتِهِ أيْ: لا شَفِيعَ فَيُطاعُ، وهَذا هو المَقْصُودُ في الآيَةِ أنَّ الشَّفِيعَ عِنْدَ اللَّهِ إنَّما يَكُونُ مِن أوْلِيائِهِ تَعالى، ولا تَكُونُ الشَّفاعَةُ إلّا لِمَنِ ارْتَضاهُ اللَّهُ، وأيْضًا فَيَكُونُ في زِيادَةِ التَّفَضُّلِ والثَّوابِ ولا يُمْكِنُ شَيْءٌ مِن هَذا في حَقِّ الكافِرِ. وعَنِ الحَسَنِ: واللَّهِ لا يَكُونُ لَهم شَفِيعٌ ألْبَتَّةَ، ﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ﴾، كَقَوْلِهِ: ؎وإنْ سَقَيْتِ كِرامَ النّاسِ فاسْقِينا أيِ: النّاسَ الكِرامَ. وجَوَّزُوا أنْ تَكُونَ (خائِنَةَ) مَصْدَرًا، كالعافِيَةِ والعاقِبَةِ، أيْ: يَعْلَمُ خِيانَةَ الأعْيُنِ. ولَمّا كانَتِ الأفْعالُ الَّتِي يُقْصَدُ بِها التَّكَتُّمُ بَدَنِيَّةً، فَأخْفاها ﴿خائِنَةَ الأعْيُنِ﴾ مِن كَسْرِ جَفْنٍ وغَمْزٍ ونَظَرٍ يُفْهِمُ مَعْنًى، ويُرِيدُ صاحِبَ مَعْنًى آخَرَ وقَلْبٍ، وهو ما تَحْتَوِي عَلَيْهِ الضَّمائِرُ، قَسَّمَ ما يُتَكَتَّمُ بِهِ إلى هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ، وذَكَرَ أنَّ عِلْمَهُ مُتَعَلِّقٌ بِهِما التَّعَلُّقَ التّامَّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولا يَحْسُنُ أنْ يُرادَ الخائِنَةُ مِنَ الأعْيُنِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ لا يُساعِدُ عَلَيْهِ. انْتَهى، يَعْنِي أنَّهُ لا يُناسِبُ أنْ يَكُونَ مُقابِلَ المَعْنى إلّا المَعْنى، وتَقَدَّمَ أنَّ الظّاهِرَ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ الأعْيُنَ الخائِنَةَ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ﴾ الآيَةَ مُتَّصِلٌ بِما قَبْلَهُ. لَمّا أمَرَ بِإنْكارِهِ يَوْمَ الآزِفَةِ، وما يَعْرِضُ فِيهِ مِن شِدَّةِ الكَرْبِ والغَمِّ، وأنَّ الظّالِمَ لا يَجِدُ مَن يَحْمِيهِ مِن ذَلِكَ، ولا مَن يَشْفَعُ لَهُ. ذَكَرَ اطِّلاعَهُ تَعالى عَلى جَمِيعِ ما يَصْدُرُ مِنَ العَبْدِ، وأنَّهُ مُجازًى بِما عَمِلَ، لِيَكُونَ عَلى حَذَرٍ مِن ذَلِكَ اليَوْمِ إذا عَلِمَ أنَّ اللَّهَ مُطَّلِعٌ عَلى أعْمالِهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ﴾ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿سَرِيعُ الحِسابِ﴾؛ لِأنَّ سُرْعَةَ حِسابِهِ لِلْخَلْقِ إنَّما هي بِعِلْمِهِ الَّذِي لا يَحْتاجُ مَعَهُ إلى رَوِيَّةٍ وفِكْرٍ، ولا لِشَيْءٍ مِمّا يَحْتاجُهُ المُحاسِبُونَ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: (يَعْلَمُ) مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿لا يَخْفى عَلى اللَّهِ مِنهم شَيْءٌ﴾ وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ، يُقَوِّيهِ تَناسُبُ المَعْنَيَيْنِ، ويُضَعِّفُهُ بُعْدُ الآيَةِ مِنَ الآيَةِ وكَثْرَةُ الحائِلِ. انْتَهى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): بِمَ اتَّصَلَ قَوْلُهُ: يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ ؟ (قُلْتُ): هو خَبَرٌ مِن أخْبارِ (هو) في قَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ البَرْقَ﴾ [الرعد: ١٢]، مِثْلَ: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ﴾، ولَكِنْ مَن يُلْقِي الرُّوحَ قَدْ عَلَّلَ بِقَوْلِهِ: ﴿لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ﴾، ثُمَّ أسْقَطَ وتَذَكَّرَ أحْوالَ يَوْمِ التَّلاقِ إلى قَوْلِهِ: ﴿ولا شَفِيعٍ يُطاعُ﴾، فَبَعُدَ لِذَلِكَ عَنْ إخْوانِهِ. انْتَهى. وفِي بَعْضِ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ، أنا مِرْصادُ الهِمَمِ، أنا العالِمُ بِحالِ الفِكْرِ وكَسْرِ العُيُونِ. وقالَ مُجاهِدٌ: ﴿خائِنَةَ الأعْيُنِ﴾: مُسارَقَةُ النَّظَرِ إلى ما لا يَجُوزُ؛ ومَثَّلَ المُفَسِّرُونَ ﴿خائِنَةَ الأعْيُنِ﴾ بِالنَّظَرِ الثّانِي إلى حُرْمَةِ غَيْرِ النّاظِرِ، وما تُخْفِي الصُّدُورُ بِالنَّظَرِ الأوَّلِ الَّذِي لا يُمْكِنُ رَفْعُهُ. ﴿واللَّهُ يَقْضِي بِالحَقِّ﴾: هَذا يُوجِبُ عَظِيمَ الخَوْفِ؛ لِأنَّ الحاكِمَ إذا كانَ عالِمًا بِجَمِيعِ الأحْوالِ لا يَقْضِي إلّا بِالحَقِّ في ما دَقَّ وجَلَّ خافَهُ الخَلْقُ غايَةً. ﴿والَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾: هَذا قَدْحٌ في أصْنامِهِمْ وتَهَكُّمٌ بِهِمْ؛ لِأنَّ ما لا يُوصَفُ بِالقُدْرَةِ، لا يُقالُ فِيهِ: يَقْضِي ولا يَقْضِي. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يَدْعُونَ) بِياءِ الغِيبَةِ لِتَناسُبِ الضَّمائِرِ الغائِبَةِ قَبْلُ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، ونافِعٌ: بِخِلافٍ عَنْهُ؛ وهِشامٌ: (تَدْعُونَ) بِتاءِ الخِطابِ، أيْ: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ. ﴿إنَّ اللَّهَ هو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾: تَقْرِيرٌ لِقَوْلِهِ: ﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ وما تُخْفِي الصُّدُورُ﴾، وعِيدٌ لَهم بِأنَّهُ يَسْمَعُ ما يَقُولُونَ ويُبْصِرُ ما يَعْمَلُونَ وتَعْرِيضٌ بِأصْنامِهِمْ أنَّها لا تَسْمَعُ ولا تُبْصِرُ. ﴿أوَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِن قَبْلِهِمْ﴾: أحالَ قُرَيْشًا عَلى الِاعْتِبارِ بِالسِّيَرِ، وجازَ أنْ يَكُونَ فَيَنْظُرُوا مَجْزُومًا عَطْفًا عَلى يَسِيرُوا وأنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى جَوابِ النَّفْيِ، كَما قالَ: ؎ألَمْ تَسْألْ فَتُخْبِرَكَ الرُّسُومُ وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مِثْلِ هَذِهِ الجُمْلَةِ، وحَمَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ هم عَلى أنْ يَكُونَ فَصْلًا ولا يَتَعَيَّنُ، إذْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ هم تَوْكِيدًا لِضَمِيرِ (كانُوا) . وقَرَأ الجُمْهُورُ: مِنهم بِضَمِيرِ الغَيْبَةِ؛ وابْنُ عامِرٍ: مِنكم بِضَمِيرِ الخِطابِ عَلى سَبِيلِ الِالتِفاتِ. ﴿وآثارًا في الأرْضِ﴾: مَعْطُوفٌ عَلى (قُوَّةً) أيْ: مَبانِيهِمْ وحُصُونُهم وعِدَدُهم كانَتْ في غايَةِ الشِّدَّةِ. ﴿وتَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا﴾ [الشعراء: ١٤٩] . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ أرادُوا أكْثَرَ آثارًا لِقَوْلِهِ: مُتَقَلِّدًا سَيْفًا ورُمْحًا (p-٤٥٨)انْتَهى. أيْ: ومُعْتَقِلًا رُمْحًا، ولا حاجَةَ إلى ادِّعاءِ الحَذْفِ مَعَ صِحَّةِ المَعْنى بِدُونِهِ. ﴿مِن واقٍ﴾ أيْ: وما كانَ لَهم مِن عَذابِ اللَّهِ مِن ساتِرٍ يَمْنَعُهم مَنعَهُ. (ذَلِكَ) أيْ: الأخْذُ، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِ ذَلِكَ.

غافر 40:19

﴿فادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ولَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ﴾ ﴿رَفِيعُ الدَّرَجاتِ ذُو العَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِن أمْرِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ﴾ ﴿يَوْمَ هم بارِزُونَ لا يَخْفى عَلى اللَّهِ مِنهم شَيْءٌ لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ ﴿اليَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ لا ظُلْمَ اليَوْمَ إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ ﴿وأنْذِرْهم يَوْمَ الآزِفَةِ إذِ القُلُوبُ لَدى الحَناجِرِ كاظِمِينَ ما لِلظّالِمِينَ مِن حَمِيمٍ ولا شَفِيعٍ يُطاعُ﴾ ﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ وما تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ ﴿واللَّهُ يَقْضِي بِالحَقِّ والَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إنَّ اللَّهَ هو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ ﴿أوَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِن قَبْلِهِمْ كانُوا هم أشَدَّ مِنهم قُوَّةً وآثارًا في الأرْضِ فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وما كانَ لَهم مِنَ اللَّهِ مِن واقٍ﴾ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَكَفَرُوا فَأخَذَهُمُ اللَّهُ إنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ العِقابِ﴾ . الأمْرُ بِقَوْلِهِ: ﴿فادْعُوا اللَّهَ﴾ لِلْمُنِيبِينَ المُؤْمِنِينَ أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أيِ: اعْبُدُوهُ، ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [غافر: ٦٥] مِنَ الشِّرْكِ عَلى كُلِّ حالٍ، حَتّى في حالِ غَيْظِ أعْدائِكُمُ المُتَمالِئِينَ عَلَيْكم وعَلى اسْتِئْصالِكم. و﴿رَفِيعُ﴾: خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ثَلاثَةُ أخْبارٍ مُتَرَتِّبَةٍ عَلى قَوْلِهِ: ﴿الَّذِي يُرِيكُمْ﴾ [غافر: ١٣]، أوْ أخْبارُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وهي مُخْتَلِفَةٌ تَعْرِيفًا وتَنْكِيرًا. انْتَهى. أمّا تَرَتُّبُها عَلى قَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ﴾ [غافر: ١٣]، فَبَعِيدٌ كَطُولِ الفَصْلِ، وأمّا كَوْنُها أخَبارًا لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، فَمَبْنِيٌّ عَلى جَوازِ تَعَدُّدِ الأخْبارِ، إذا لَمْ تَكُنْ في مَعْنى خَبَرٍ واحِدٍ، والمَنعُ اخْتِيارُ أصْحابِنا. وقُرِئَ: ﴿رَفِيعُ﴾ بِالنَّصْبِ عَلى المَدْحِ، واحْتُمِلَ أنْ يَكُونَ ﴿رَفِيعُ﴾ لِلْمُبالَغَةِ (p-٤٥٥)عَلى فَعِيلٍ مِن رافِعٍ، فَيَكُونُ الدَّرَجاتُ مَفْعُولَةً، أيْ: رافِعُ دَرَجاتِ المُؤْمِنِينَ ومَنازِلِهِمْ في الجَنَّةِ. وبِهِ فَسَّرَ ابْنُ سَلامٍ، أوْ عَبَّرَ بِالدَّرَجاتِ عَنِ السَّماواتِ، أرْفَعُها سَماءً فَوْقَ سَماءٍ، والعَرْشُ فَوْقَهُنَّ. وبِهِ فَسَّرَ ابْنُ جُبَيْرٍ، واحْتُمِلَ أنْ يَكُونَ ﴿رَفِيعُ﴾ فَعِيلًا مِن رَفَعَ الشَّيْءَ عَلا فَهو رَفِيعٌ، فَيَكُونُ مِن بابِ الصِّفَةِ المُشَبَّهَةِ، والدَّرَجاتُ المَصاعِدُ المَلائِكَةُ إلى أنْ تَبْلُغَ العَرْشَ، أُضِيفَتْ إلَيْهِ دَلالَةً عَلى عِزِّهِ وسُلْطانِهِ، أيْ: دَرَجاتِ مَلائِكَتِهِ، كَما وصَفَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ذِي المَعارِجِ﴾ [المعارج: ٣]، أوْ يَكُونُ ذَلِكَ عِبارَةً عَنْ رَفْعَةِ شَأْنِهِ وعُلُوِّ سُلْطانِهِ. كَما أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ذُو العَرْشِ﴾ عِبارَةٌ عَنْ مُلْكِهِ، وبِنَحْوِهِ فَسَّرَ ابْنُ زَيْدٍ قالَ: عَظِيمُ الصِّفاتِ. و(الرُّوحَ) النُّبُوَّةَ، قالَهُ قَتادَةُ، والسُّدِّيُّ، كَما قالَ: ﴿رُوحًا مِن أمْرِنا﴾ [الشورى: ٥٢]؛ وعَنْ قَتادَةَ أيْضًا: الوَحْيَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: القُرْآنَ، وقالَ الضَّحّاكُ: جِبْرِيلُ يُرْسِلُهُ لِمَن يَشاءُ. وقِيلَ: الرَّحْمَةُ، وقِيلَ: أرْواحُ العِبادِ، وهَذانِ القَوْلانِ ضَعِيفانِ، والأوْلى الوَحْيُ، اسْتُعِيرَ لَهُ الرُّوحُ لِحَياةِ الأدْيانِ المَرْضِيَّةِ بِهِ، كَما قالَ: ﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ﴾ [الأنعام: ١٢٢] . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إلْقاءُ الرُّوحِ عامِلًا لِكُلِّ ما يُنْعِمُ اللَّهُ بِهِ عَلى عِبادِهِ المُهْتَدِينَ في تَفْهِيمِ الإيمانِ والمَعْقُولاتِ الشَّرِيفَةِ. انْتَهى. وقالَ الزَّجّاجُ: الرُّوحُ: كُلُّ ما بِهِ حَياةُ النّاسِ، وكُلُّ مُهْتَدٍ حَيٌّ، وكُلُّ ضالٍّ مَيِّتٌ. انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿مِن أمْرِهِ﴾: مِن قَضائِهِ. وقالَ مُقاتِلٌ: بِأمْرِهِ، وحَكى الشَّعْبِيُّ مِن قَوْلِهِ، ويَظْهَرُ أنَّ مِن لِابْتِداءِ الغايَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (لِيُنْذِرَ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، (يَوْمَ) بِالنَّصْبِ، والظّاهِرُ أنَّ الفاعِلَ يَعُودُ عَلى اللَّهِ؛ لِأنَّهُ هو المُحَدَّثُ عَنْهُ. واحْتَمَلَ (يَوْمَ) أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا عَلى السِّعَةِ، وأنْ يَكُونَ ظَرْفًا، والمُنْذَرُ بِهِ مَحْذُوفٌ. وقَرَأ أُبَيٌّ وجَماعَةٌ كَذَلِكَ إلّا أنَّهم رَفَعُوا يَوْمَ عَلى الفاعِلِيَّةِ مَجازًا. وقِيلَ: الفاعِلُ في القِراءَةِ الأُولى ضَمِيرُ الرُّوحِ. وقِيلَ: ضَمِيرُ مَن. وقَرَأ اليَمانِيُّ فِيما ذَكَرَ صاحِبُ اللَّوامِحِ (لِيُنْذَرَ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ ﴿يَوْمُ التَّلاقِ﴾ بِرَفْعِ المِيمِ. وقَرَأ الحَسَنُ واليَمانِيُّ فِيما ذَكَرَ ابْنُ خالَوَيْهِ (لِتُنْذِرَ) بِالتّاءِ، فَقالُوا: الفاعِلُ ضَمِيرُ الرُّوحِ؛ لِأنَّها تُؤَنَّثُ، أوْ فِيهِ ضَمِيرُ الخِطابِ المَوْصُولِ. وقُرِئَ: التَّلاقِ والتَّنادِ، بِياءٍ وبِغَيْرِ ياءٍ، وسُمِّي يَوْمَ التَّلاقِ لِالتِقاءِ الخَلائِقِ فِيهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ: يَلْتَقِي فِيهِ الخالِقُ والمَخْلُوقُ. وقالَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرانَ: يَلْتَقِي فِيهِ الظّالِمُ والمَظْلُومُ. وحَكى الثَّعْلَبِيُّ: يَلْتَقِي المَرْءُ بِعِلْمِهِ. وقالَ السُّدِّيُّ: يُلاقِي أهْلُ السَّماءِ أهْلَ الأرْضِ. وقِيلَ: يَلْتَقِي العابِدُونَ ومَعْبُودُهم. ﴿يَوْمَ هم بارِزُونَ﴾ أيْ: ظاهِرُونَ مِن قُبُورِهِمْ، لا يَسْتُرُهم شَيْءٌ مِن جَبَلٍ أوْ أكَمَةٍ أوْ بِناءٍ؛ لِأنَّ الأرْضَ إذْ ذاكَ قاعُ صَفْصَفٍ، ولا مِن ثِيابٍ؛ لِأنَّهم يُحْشَرُونَ حُفاةً عُراةً. و(يَوْمًا) بَدَلٌ مِن ﴿يَوْمَ التَّلاقِ﴾ وكِلاهُما ظَرْفٌ مُسْتَقْبَلٌ. والظَّرْفُ المُسْتَقْبَلُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ لا يَجُوزُ إضافَتُهُ إلى الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ، لا يَجُوزُ: أجِيئُكَ يَوْمَ زَيْدٌ ذاهِبٌ، إجْراءً لَهُ مَجْرى إذا، فَكَما لا يَجُوزُ أنْ تَقُولَ: أجِيئُكَ إذا زَيْدٌ ذاهِبٌ، فَكَذَلِكَ لا يَجُوزُ هَذا. وذَهَبَ أبُو الحَسَنِ إلى جَوازِ ذَلِكَ، فَيَتَخَرَّجُ قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ هم بارِزُونَ﴾ عَلى هَذا المَذْهَبِ. وقَدْ أجازَ ذَلِكَ بَعْضُ أصْحابِنا عَلى قِلَّةٍ، والدَّلائِلُ مَذْكُورَةٌ في عِلْمِ النَّحْوِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ انْتِصابُهُ عَلى الظَّرْفِ، والعامِلُ فِيهِ قَوْلُهُ: (لا يَخْفى)، وهي حَرَكَةُ إعْرابٍ لا حَرَكَةُ بِناءٍ؛ لِأنَّ الظَّرْفَ لا يُبْنى إلّا إذا أُضِيفَ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ، كَيَوْمَئِذٍ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎عَلى حِينِ عاتَبْتُ المَشِيبَ عَلى الصِّبا وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَذا يَوْمُ يَنْفَعُ﴾ [المائدة: ١١٩] . وأمّا في هَذِهِ الآيَةِ فالجُمْلَةُ اسْمٌ مُتَمَكِّنٌ، كَما تَقُولُ: جِئْتُ يَوْمَ زَيْدٌ أمِيرٌ، فَلا يَجُوزُ البِناءُ. انْتَهى. يَعْنِي أنْ يَنْتَصِبَ عَلى الظَّرْفِ قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ هم بارِزُونَ﴾ . وأمّا قَوْلُهُ لا يُبْنى إلّا إذا أُضِيفَ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ، فالبِناءُ لَيْسَ مُتَحَتِّمًا، بَلْ يَجُوزُ فِيهِ البِناءُ والإعْرابُ. وأمّا تَمْثِيلُهُ بِ ﴿يَوْمُ يَنْفَعُ﴾ [المائدة: ١١٩] فَمَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ أنَّهُ لا يَجُوزُ فِيهِ إلّا الإعْرابُ، ومَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ جَوازُ البِناءِ والإعْرابِ فِيهِ. وأمّا إذا أُضِيفَ إلى جُمْلَةٍ اسْمِيَّةٍ، كَمّا مَثَّلَ مِن قَوْلِهِ: جِئْتُ يَوْمَ زَيْدٌ أمِيرٌ، فالنَّقْلُ عَنِ البَصْرِيِّينَ تَحَتُّمُ الإعْرابِ، كَما ذُكِرَ، (p-٤٥٦)والنَّقْلُ عَنِ الكُوفِيِّينَ جَوازُ الإعْرابِ والبِناءِ. وذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ أصْحابِنا، وهو الصَّحِيحُ لِكَثْرَةِ شَواهِدِ البِناءِ عَلى ذَلِكَ. ووَقَعَ في بَعْضِ تَصانِيفِ أصْحابِنا أنَّهُ يَتَحَتَّمُ فِيهِ البِناءُ، وهَذا قَوْلٌ لَمْ يَذْهَبْ إلَيْهِ أحَدٌ، فَهو وهْمٌ. ﴿لا يَخْفى عَلى اللَّهِ مِنهم شَيْءٌ﴾ أيْ: مِن سَرائِرِهِمْ وبَواطِنِهِمْ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إذا هَلَكَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا اللَّهُ قالَ: ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ﴾، فَلا يُجِيبُهُ أحَدٌ، فَيَرُدُّ عَلى نَفْسِهِ: ﴿لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ . وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: يَجْمَعُ اللَّهُ الخَلائِقَ يَوْمَ القِيامَةِ في صَعِيدٍ بِأرْضٍ بَيْضاءَ، كَأنَّها سَبِيكَةُ فِضَّةٍ لَمْ يُعْصَ اللَّهُ فِيها قَطُّ، فَأوَّلُ ما يَتَكَلَّمُ بِهِ أنْ يُنادِيَ مُنادٍ: ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ﴾ ؟ فَيُجِيبُونَ كُلُّهم: ﴿لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ . رُوِيَ أنَّهُ تَعالى يُقَرِّرُ هَذا التَّقْرِيرَ ويَسْكُتُ العالَمُ هَيْبَةً وجَزَعًا، فَيُجِيبُ نَفْسَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾، فَيُجِيبُ النّاسُ. وإنَّما خَصَّ التَّقْرِيرَ بِاليَوْمِ، وإنْ كانَ المُلْكُ لَهُ تَعالى في ذَلِكَ اليَوْمِ وفي غَيْرِهِ، لِظُهُورِ ذَلِكَ لِلْكَفَرَةِ والجَهَلَةِ ووُضُوحِهِ يَوْمَ القِيامَةِ. وإذا تَأمَّلَ مَن لَهُ مُسْكَةُ عَقْلٍ تَسْخِيرَ أهْلِ السَّماواتِ الأرْضِ، ونُفُوذَ القَضاءِ فِيهِمْ، وتَيَقَّنَ أنْ لا مُلْكَ إلّا لِلَّهِ، ومِن نَتائِجِ مُلْكِهِ في ذَلِكَ اليَوْمِ جَزاءُ كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ، وانْتِفاءُ الظُّلْمِ، وسُرْعَةُ الحِسابِ أنَّ حِسابَهم في وقْتٍ واحِدٍ لا يَشْغَلُهُ حِسابٌ عَنْ حِسابٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذِهِ الآيَةُ نَصٌّ في أنَّ الثَّوابَ والعِقابَ مُعَلَّقٌ بِاكْتِسابِ العَبْدِ. انْتَهى، وهو عَلى طَرِيقَةِ الأشْعَرِيَّةِ. ورُوِيَ أنَّ يَوْمَ القِيامَةِ لا يَنْتَصِفُ حَتّى يُقِيلَ المُؤْمِنُونَ في الجَنَّةِ والكافِرُونَ في النّارِ. و﴿يَوْمَ الآزِفَةِ﴾: هو يَوْمُ القِيامَةِ، يَأْمُرُ تَعالى نَبِيَّهُ أنْ يُنْذِرَ العالَمَ ويُحَذِّرَهم مِنهُ ومِن أهْوالِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ. والآزِفَةُ صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ يَوْمَ السّاعَةِ الآزِفَةِ، أوِ الطّامَّةِ الآزِفَةِ ونَحْوُ هَذا. ولَمّا اعْتَقَبَ كُلَّ إنْذارٍ نَوْعًا مِنَ الشِّدَّةِ والخَوْفِ وغَيْرِهِما، حَسُنَ التَّكْرارُ في الآزِفَةِ القَرِيبَةِ، كَما تَقَدَّمَ، وهي مُشارَفَتُهم دُخُولَ النّارِ، فَإنَّهُ إذْ ذاكَ تَزِيغُ القُلُوبُ عَنْ مَقارِّها مِن شِدَّةِ الخَوْفِ. وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: ﴿يَوْمَ الآزِفَةِ﴾ يَوْمَ المَنِيَّةِ وحُضُورِ الأجَلِ، يَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّهُ يَعْدِلُ وصْفَ يَوْمِ القِيامَةِ بِأنَّهُ يَوْمُ التَّلاقِ، ويَوْمُ بُرُوزِهِمْ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ هَذا اليَوْمُ غَيْرَهُ، وهَذِهِ الصِّفَةُ مَخْصُوصَةٌ في سائِرِ الآياتِ، يَوْمُ المَوْتِ بِالقُرْبِ أوْلى مِن وصْفِ يَوْمِ القِيامَةِ بِالقُرْبِ، وأيْضًا فالصِّفاتُ المَذْكُورَةُ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ الآزِفَةِ﴾، لائِقَةٌ بِيَوْمِ حُضُورِ المَنِيَّةِ؛ لِأنَّ الرَّجُلَ عِنْدَ مُعايَنَةِ مَلائِكَةِ العَذابِ لِعَظَمِ خَوْفِهِ، يَكادُ قَلْبُهُ يَبْلُغُ حَنْجَرَتَهُ مِن شِدَّةِ الخَوْفِ، ولا يَكُونُ لَهُ حَمِيمٌ ولا شَفِيعٌ يَرْفَعُ عَنْهُ ما بِهِ مِن أنْواعِ الخَوْفِ. ﴿إذِ القُلُوبُ لَدى الحَناجِرِ﴾، قِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ حَقِيقَةً، ويَبْقُونَ أحْياءً مَعَ ذَلِكَ بِخِلافِ حالَةِ الدُّنْيا، فَإنَّ مَنِ انْتَقَلَ قَلْبُهُ إلى حَنْجَرَتِهِ ماتَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ كِنايَةً عَنْ ما يَبْلُغُونَ إلَيْهِ مِن شِدَّةِ الجَزَعِ. كَما تَقُولُ: كادَتْ نَفْسِي أنْ تَخْرُجَ، وانْتَصَبَ ﴿كاظِمِينَ﴾ عَلى الحالِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هو حالٌ عَنْ أصْحابِ القُلُوبِ عَلى المَعْنى، إذا المَعْنى: إذْ قُلُوبُهم لَدى حَناجِرِهِمْ كاظِمِينَ عَلَيْها، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ حالًا عَنِ القُلُوبِ، وأنَّ القُلُوبَ كاظِمَةٌ عَلى غَمٍّ وكَرْبٍ فِيها، مَعَ بُلُوغِها الحَناجِرَ. وإنَّما جَمَعَ الكاظِمَ جَمْعَ السَّلامَةِ؛ لِأنَّهُ وصَفَها بِالكَظْمِ الَّذِي هو مِن أفْعالِ العُقَلاءِ، كَما قالَ: ﴿رَأيْتُهم لِي ساجِدِينَ﴾ [يوسف: ٤] . وقالَ: فَظَلَّتْ أعْناقُهم لَها خاضِعِينَ، ويُعَضِّدُهُ قِراءَةُ مَن قَرَأ: (كاظِمُونَ) . ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا عَنْ قَوْلِهِ أيْ: وأنْذِرْهم مُقَدِّرِينَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ﴿كاظِمِينَ﴾ حالٌ مِمّا أُبْدِلَ مِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَشْخَصُ فِيهِ الأبْصارُ﴾ [إبراهيم: ٤٢] ﴿مُهْطِعِينَ﴾ [إبراهيم: ٤٣]: أرادَ تَشْخَصُ فِيهِ أبْصارُهم، وقالَ الحَوْفِيُّ: (القُلُوبُ) رُفِعَ بِالِابْتِداءِ، و﴿لَدى الحَناجِرِ﴾ الخَبَرُ مُتَعَلِّقٌ بِمَعْنى الِاسْتِقْرارِ. وقالَ أبُو البَقاءِ: ﴿كاظِمِينَ﴾ حالٌ مِنَ القُلُوبِ؛ لِأنَّ المُرادَ أصْحابُها. انْتَهى. ﴿ما لِلظّالِمِينَ مِن حَمِيمٍ﴾ أيْ: مُحِبٍّ مُشْفِقٍ، (ولا شَفِيعٍ) ﴿يُطاعُ﴾ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِشَفِيعٍ، فاحْتُمِلَ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ خَفْضٍ عَلى اللَّفْظِ، وفي مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى المَوْضِعِ واحْتُمِلَ أنْ يَنْسَحِبَ النَّفْيُ عَلى الوَصْفِ فَقَطْ، فَيَكُونُ مِن شَفِيعٍ، ولَكِنَّهُ لا يُطاعُ، أيْ: (p-٤٥٧)لا تُقْبَلُ شَفاعَتُهُ، واحْتُمِلَ أنْ يَنْسَحِبَ النَّفْيُ عَلى المَوْصُوفِ وصْفَتِهِ أيْ: لا شَفِيعَ فَيُطاعُ، وهَذا هو المَقْصُودُ في الآيَةِ أنَّ الشَّفِيعَ عِنْدَ اللَّهِ إنَّما يَكُونُ مِن أوْلِيائِهِ تَعالى، ولا تَكُونُ الشَّفاعَةُ إلّا لِمَنِ ارْتَضاهُ اللَّهُ، وأيْضًا فَيَكُونُ في زِيادَةِ التَّفَضُّلِ والثَّوابِ ولا يُمْكِنُ شَيْءٌ مِن هَذا في حَقِّ الكافِرِ. وعَنِ الحَسَنِ: واللَّهِ لا يَكُونُ لَهم شَفِيعٌ ألْبَتَّةَ، ﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ﴾، كَقَوْلِهِ: ؎وإنْ سَقَيْتِ كِرامَ النّاسِ فاسْقِينا أيِ: النّاسَ الكِرامَ. وجَوَّزُوا أنْ تَكُونَ (خائِنَةَ) مَصْدَرًا، كالعافِيَةِ والعاقِبَةِ، أيْ: يَعْلَمُ خِيانَةَ الأعْيُنِ. ولَمّا كانَتِ الأفْعالُ الَّتِي يُقْصَدُ بِها التَّكَتُّمُ بَدَنِيَّةً، فَأخْفاها ﴿خائِنَةَ الأعْيُنِ﴾ مِن كَسْرِ جَفْنٍ وغَمْزٍ ونَظَرٍ يُفْهِمُ مَعْنًى، ويُرِيدُ صاحِبَ مَعْنًى آخَرَ وقَلْبٍ، وهو ما تَحْتَوِي عَلَيْهِ الضَّمائِرُ، قَسَّمَ ما يُتَكَتَّمُ بِهِ إلى هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ، وذَكَرَ أنَّ عِلْمَهُ مُتَعَلِّقٌ بِهِما التَّعَلُّقَ التّامَّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولا يَحْسُنُ أنْ يُرادَ الخائِنَةُ مِنَ الأعْيُنِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ لا يُساعِدُ عَلَيْهِ. انْتَهى، يَعْنِي أنَّهُ لا يُناسِبُ أنْ يَكُونَ مُقابِلَ المَعْنى إلّا المَعْنى، وتَقَدَّمَ أنَّ الظّاهِرَ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ الأعْيُنَ الخائِنَةَ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ﴾ الآيَةَ مُتَّصِلٌ بِما قَبْلَهُ. لَمّا أمَرَ بِإنْكارِهِ يَوْمَ الآزِفَةِ، وما يَعْرِضُ فِيهِ مِن شِدَّةِ الكَرْبِ والغَمِّ، وأنَّ الظّالِمَ لا يَجِدُ مَن يَحْمِيهِ مِن ذَلِكَ، ولا مَن يَشْفَعُ لَهُ. ذَكَرَ اطِّلاعَهُ تَعالى عَلى جَمِيعِ ما يَصْدُرُ مِنَ العَبْدِ، وأنَّهُ مُجازًى بِما عَمِلَ، لِيَكُونَ عَلى حَذَرٍ مِن ذَلِكَ اليَوْمِ إذا عَلِمَ أنَّ اللَّهَ مُطَّلِعٌ عَلى أعْمالِهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ﴾ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿سَرِيعُ الحِسابِ﴾؛ لِأنَّ سُرْعَةَ حِسابِهِ لِلْخَلْقِ إنَّما هي بِعِلْمِهِ الَّذِي لا يَحْتاجُ مَعَهُ إلى رَوِيَّةٍ وفِكْرٍ، ولا لِشَيْءٍ مِمّا يَحْتاجُهُ المُحاسِبُونَ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: (يَعْلَمُ) مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿لا يَخْفى عَلى اللَّهِ مِنهم شَيْءٌ﴾ وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ، يُقَوِّيهِ تَناسُبُ المَعْنَيَيْنِ، ويُضَعِّفُهُ بُعْدُ الآيَةِ مِنَ الآيَةِ وكَثْرَةُ الحائِلِ. انْتَهى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): بِمَ اتَّصَلَ قَوْلُهُ: يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ ؟ (قُلْتُ): هو خَبَرٌ مِن أخْبارِ (هو) في قَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ البَرْقَ﴾ [الرعد: ١٢]، مِثْلَ: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ﴾، ولَكِنْ مَن يُلْقِي الرُّوحَ قَدْ عَلَّلَ بِقَوْلِهِ: ﴿لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ﴾، ثُمَّ أسْقَطَ وتَذَكَّرَ أحْوالَ يَوْمِ التَّلاقِ إلى قَوْلِهِ: ﴿ولا شَفِيعٍ يُطاعُ﴾، فَبَعُدَ لِذَلِكَ عَنْ إخْوانِهِ. انْتَهى. وفِي بَعْضِ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ، أنا مِرْصادُ الهِمَمِ، أنا العالِمُ بِحالِ الفِكْرِ وكَسْرِ العُيُونِ. وقالَ مُجاهِدٌ: ﴿خائِنَةَ الأعْيُنِ﴾: مُسارَقَةُ النَّظَرِ إلى ما لا يَجُوزُ؛ ومَثَّلَ المُفَسِّرُونَ ﴿خائِنَةَ الأعْيُنِ﴾ بِالنَّظَرِ الثّانِي إلى حُرْمَةِ غَيْرِ النّاظِرِ، وما تُخْفِي الصُّدُورُ بِالنَّظَرِ الأوَّلِ الَّذِي لا يُمْكِنُ رَفْعُهُ. ﴿واللَّهُ يَقْضِي بِالحَقِّ﴾: هَذا يُوجِبُ عَظِيمَ الخَوْفِ؛ لِأنَّ الحاكِمَ إذا كانَ عالِمًا بِجَمِيعِ الأحْوالِ لا يَقْضِي إلّا بِالحَقِّ في ما دَقَّ وجَلَّ خافَهُ الخَلْقُ غايَةً. ﴿والَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾: هَذا قَدْحٌ في أصْنامِهِمْ وتَهَكُّمٌ بِهِمْ؛ لِأنَّ ما لا يُوصَفُ بِالقُدْرَةِ، لا يُقالُ فِيهِ: يَقْضِي ولا يَقْضِي. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يَدْعُونَ) بِياءِ الغِيبَةِ لِتَناسُبِ الضَّمائِرِ الغائِبَةِ قَبْلُ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، ونافِعٌ: بِخِلافٍ عَنْهُ؛ وهِشامٌ: (تَدْعُونَ) بِتاءِ الخِطابِ، أيْ: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ. ﴿إنَّ اللَّهَ هو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾: تَقْرِيرٌ لِقَوْلِهِ: ﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ وما تُخْفِي الصُّدُورُ﴾، وعِيدٌ لَهم بِأنَّهُ يَسْمَعُ ما يَقُولُونَ ويُبْصِرُ ما يَعْمَلُونَ وتَعْرِيضٌ بِأصْنامِهِمْ أنَّها لا تَسْمَعُ ولا تُبْصِرُ. ﴿أوَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِن قَبْلِهِمْ﴾: أحالَ قُرَيْشًا عَلى الِاعْتِبارِ بِالسِّيَرِ، وجازَ أنْ يَكُونَ فَيَنْظُرُوا مَجْزُومًا عَطْفًا عَلى يَسِيرُوا وأنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى جَوابِ النَّفْيِ، كَما قالَ: ؎ألَمْ تَسْألْ فَتُخْبِرَكَ الرُّسُومُ وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مِثْلِ هَذِهِ الجُمْلَةِ، وحَمَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ هم عَلى أنْ يَكُونَ فَصْلًا ولا يَتَعَيَّنُ، إذْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ هم تَوْكِيدًا لِضَمِيرِ (كانُوا) . وقَرَأ الجُمْهُورُ: مِنهم بِضَمِيرِ الغَيْبَةِ؛ وابْنُ عامِرٍ: مِنكم بِضَمِيرِ الخِطابِ عَلى سَبِيلِ الِالتِفاتِ. ﴿وآثارًا في الأرْضِ﴾: مَعْطُوفٌ عَلى (قُوَّةً) أيْ: مَبانِيهِمْ وحُصُونُهم وعِدَدُهم كانَتْ في غايَةِ الشِّدَّةِ. ﴿وتَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا﴾ [الشعراء: ١٤٩] . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ أرادُوا أكْثَرَ آثارًا لِقَوْلِهِ: مُتَقَلِّدًا سَيْفًا ورُمْحًا (p-٤٥٨)انْتَهى. أيْ: ومُعْتَقِلًا رُمْحًا، ولا حاجَةَ إلى ادِّعاءِ الحَذْفِ مَعَ صِحَّةِ المَعْنى بِدُونِهِ. ﴿مِن واقٍ﴾ أيْ: وما كانَ لَهم مِن عَذابِ اللَّهِ مِن ساتِرٍ يَمْنَعُهم مَنعَهُ. (ذَلِكَ) أيْ: الأخْذُ، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِ ذَلِكَ.

غافر 40:20

﴿فادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ولَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ﴾ ﴿رَفِيعُ الدَّرَجاتِ ذُو العَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِن أمْرِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ﴾ ﴿يَوْمَ هم بارِزُونَ لا يَخْفى عَلى اللَّهِ مِنهم شَيْءٌ لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ ﴿اليَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ لا ظُلْمَ اليَوْمَ إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ ﴿وأنْذِرْهم يَوْمَ الآزِفَةِ إذِ القُلُوبُ لَدى الحَناجِرِ كاظِمِينَ ما لِلظّالِمِينَ مِن حَمِيمٍ ولا شَفِيعٍ يُطاعُ﴾ ﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ وما تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ ﴿واللَّهُ يَقْضِي بِالحَقِّ والَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إنَّ اللَّهَ هو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ ﴿أوَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِن قَبْلِهِمْ كانُوا هم أشَدَّ مِنهم قُوَّةً وآثارًا في الأرْضِ فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وما كانَ لَهم مِنَ اللَّهِ مِن واقٍ﴾ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَكَفَرُوا فَأخَذَهُمُ اللَّهُ إنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ العِقابِ﴾ . الأمْرُ بِقَوْلِهِ: ﴿فادْعُوا اللَّهَ﴾ لِلْمُنِيبِينَ المُؤْمِنِينَ أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أيِ: اعْبُدُوهُ، ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [غافر: ٦٥] مِنَ الشِّرْكِ عَلى كُلِّ حالٍ، حَتّى في حالِ غَيْظِ أعْدائِكُمُ المُتَمالِئِينَ عَلَيْكم وعَلى اسْتِئْصالِكم. و﴿رَفِيعُ﴾: خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ثَلاثَةُ أخْبارٍ مُتَرَتِّبَةٍ عَلى قَوْلِهِ: ﴿الَّذِي يُرِيكُمْ﴾ [غافر: ١٣]، أوْ أخْبارُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وهي مُخْتَلِفَةٌ تَعْرِيفًا وتَنْكِيرًا. انْتَهى. أمّا تَرَتُّبُها عَلى قَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ﴾ [غافر: ١٣]، فَبَعِيدٌ كَطُولِ الفَصْلِ، وأمّا كَوْنُها أخَبارًا لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، فَمَبْنِيٌّ عَلى جَوازِ تَعَدُّدِ الأخْبارِ، إذا لَمْ تَكُنْ في مَعْنى خَبَرٍ واحِدٍ، والمَنعُ اخْتِيارُ أصْحابِنا. وقُرِئَ: ﴿رَفِيعُ﴾ بِالنَّصْبِ عَلى المَدْحِ، واحْتُمِلَ أنْ يَكُونَ ﴿رَفِيعُ﴾ لِلْمُبالَغَةِ (p-٤٥٥)عَلى فَعِيلٍ مِن رافِعٍ، فَيَكُونُ الدَّرَجاتُ مَفْعُولَةً، أيْ: رافِعُ دَرَجاتِ المُؤْمِنِينَ ومَنازِلِهِمْ في الجَنَّةِ. وبِهِ فَسَّرَ ابْنُ سَلامٍ، أوْ عَبَّرَ بِالدَّرَجاتِ عَنِ السَّماواتِ، أرْفَعُها سَماءً فَوْقَ سَماءٍ، والعَرْشُ فَوْقَهُنَّ. وبِهِ فَسَّرَ ابْنُ جُبَيْرٍ، واحْتُمِلَ أنْ يَكُونَ ﴿رَفِيعُ﴾ فَعِيلًا مِن رَفَعَ الشَّيْءَ عَلا فَهو رَفِيعٌ، فَيَكُونُ مِن بابِ الصِّفَةِ المُشَبَّهَةِ، والدَّرَجاتُ المَصاعِدُ المَلائِكَةُ إلى أنْ تَبْلُغَ العَرْشَ، أُضِيفَتْ إلَيْهِ دَلالَةً عَلى عِزِّهِ وسُلْطانِهِ، أيْ: دَرَجاتِ مَلائِكَتِهِ، كَما وصَفَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ذِي المَعارِجِ﴾ [المعارج: ٣]، أوْ يَكُونُ ذَلِكَ عِبارَةً عَنْ رَفْعَةِ شَأْنِهِ وعُلُوِّ سُلْطانِهِ. كَما أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ذُو العَرْشِ﴾ عِبارَةٌ عَنْ مُلْكِهِ، وبِنَحْوِهِ فَسَّرَ ابْنُ زَيْدٍ قالَ: عَظِيمُ الصِّفاتِ. و(الرُّوحَ) النُّبُوَّةَ، قالَهُ قَتادَةُ، والسُّدِّيُّ، كَما قالَ: ﴿رُوحًا مِن أمْرِنا﴾ [الشورى: ٥٢]؛ وعَنْ قَتادَةَ أيْضًا: الوَحْيَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: القُرْآنَ، وقالَ الضَّحّاكُ: جِبْرِيلُ يُرْسِلُهُ لِمَن يَشاءُ. وقِيلَ: الرَّحْمَةُ، وقِيلَ: أرْواحُ العِبادِ، وهَذانِ القَوْلانِ ضَعِيفانِ، والأوْلى الوَحْيُ، اسْتُعِيرَ لَهُ الرُّوحُ لِحَياةِ الأدْيانِ المَرْضِيَّةِ بِهِ، كَما قالَ: ﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ﴾ [الأنعام: ١٢٢] . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إلْقاءُ الرُّوحِ عامِلًا لِكُلِّ ما يُنْعِمُ اللَّهُ بِهِ عَلى عِبادِهِ المُهْتَدِينَ في تَفْهِيمِ الإيمانِ والمَعْقُولاتِ الشَّرِيفَةِ. انْتَهى. وقالَ الزَّجّاجُ: الرُّوحُ: كُلُّ ما بِهِ حَياةُ النّاسِ، وكُلُّ مُهْتَدٍ حَيٌّ، وكُلُّ ضالٍّ مَيِّتٌ. انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿مِن أمْرِهِ﴾: مِن قَضائِهِ. وقالَ مُقاتِلٌ: بِأمْرِهِ، وحَكى الشَّعْبِيُّ مِن قَوْلِهِ، ويَظْهَرُ أنَّ مِن لِابْتِداءِ الغايَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (لِيُنْذِرَ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، (يَوْمَ) بِالنَّصْبِ، والظّاهِرُ أنَّ الفاعِلَ يَعُودُ عَلى اللَّهِ؛ لِأنَّهُ هو المُحَدَّثُ عَنْهُ. واحْتَمَلَ (يَوْمَ) أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا عَلى السِّعَةِ، وأنْ يَكُونَ ظَرْفًا، والمُنْذَرُ بِهِ مَحْذُوفٌ. وقَرَأ أُبَيٌّ وجَماعَةٌ كَذَلِكَ إلّا أنَّهم رَفَعُوا يَوْمَ عَلى الفاعِلِيَّةِ مَجازًا. وقِيلَ: الفاعِلُ في القِراءَةِ الأُولى ضَمِيرُ الرُّوحِ. وقِيلَ: ضَمِيرُ مَن. وقَرَأ اليَمانِيُّ فِيما ذَكَرَ صاحِبُ اللَّوامِحِ (لِيُنْذَرَ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ ﴿يَوْمُ التَّلاقِ﴾ بِرَفْعِ المِيمِ. وقَرَأ الحَسَنُ واليَمانِيُّ فِيما ذَكَرَ ابْنُ خالَوَيْهِ (لِتُنْذِرَ) بِالتّاءِ، فَقالُوا: الفاعِلُ ضَمِيرُ الرُّوحِ؛ لِأنَّها تُؤَنَّثُ، أوْ فِيهِ ضَمِيرُ الخِطابِ المَوْصُولِ. وقُرِئَ: التَّلاقِ والتَّنادِ، بِياءٍ وبِغَيْرِ ياءٍ، وسُمِّي يَوْمَ التَّلاقِ لِالتِقاءِ الخَلائِقِ فِيهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ: يَلْتَقِي فِيهِ الخالِقُ والمَخْلُوقُ. وقالَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرانَ: يَلْتَقِي فِيهِ الظّالِمُ والمَظْلُومُ. وحَكى الثَّعْلَبِيُّ: يَلْتَقِي المَرْءُ بِعِلْمِهِ. وقالَ السُّدِّيُّ: يُلاقِي أهْلُ السَّماءِ أهْلَ الأرْضِ. وقِيلَ: يَلْتَقِي العابِدُونَ ومَعْبُودُهم. ﴿يَوْمَ هم بارِزُونَ﴾ أيْ: ظاهِرُونَ مِن قُبُورِهِمْ، لا يَسْتُرُهم شَيْءٌ مِن جَبَلٍ أوْ أكَمَةٍ أوْ بِناءٍ؛ لِأنَّ الأرْضَ إذْ ذاكَ قاعُ صَفْصَفٍ، ولا مِن ثِيابٍ؛ لِأنَّهم يُحْشَرُونَ حُفاةً عُراةً. و(يَوْمًا) بَدَلٌ مِن ﴿يَوْمَ التَّلاقِ﴾ وكِلاهُما ظَرْفٌ مُسْتَقْبَلٌ. والظَّرْفُ المُسْتَقْبَلُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ لا يَجُوزُ إضافَتُهُ إلى الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ، لا يَجُوزُ: أجِيئُكَ يَوْمَ زَيْدٌ ذاهِبٌ، إجْراءً لَهُ مَجْرى إذا، فَكَما لا يَجُوزُ أنْ تَقُولَ: أجِيئُكَ إذا زَيْدٌ ذاهِبٌ، فَكَذَلِكَ لا يَجُوزُ هَذا. وذَهَبَ أبُو الحَسَنِ إلى جَوازِ ذَلِكَ، فَيَتَخَرَّجُ قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ هم بارِزُونَ﴾ عَلى هَذا المَذْهَبِ. وقَدْ أجازَ ذَلِكَ بَعْضُ أصْحابِنا عَلى قِلَّةٍ، والدَّلائِلُ مَذْكُورَةٌ في عِلْمِ النَّحْوِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ انْتِصابُهُ عَلى الظَّرْفِ، والعامِلُ فِيهِ قَوْلُهُ: (لا يَخْفى)، وهي حَرَكَةُ إعْرابٍ لا حَرَكَةُ بِناءٍ؛ لِأنَّ الظَّرْفَ لا يُبْنى إلّا إذا أُضِيفَ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ، كَيَوْمَئِذٍ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎عَلى حِينِ عاتَبْتُ المَشِيبَ عَلى الصِّبا وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَذا يَوْمُ يَنْفَعُ﴾ [المائدة: ١١٩] . وأمّا في هَذِهِ الآيَةِ فالجُمْلَةُ اسْمٌ مُتَمَكِّنٌ، كَما تَقُولُ: جِئْتُ يَوْمَ زَيْدٌ أمِيرٌ، فَلا يَجُوزُ البِناءُ. انْتَهى. يَعْنِي أنْ يَنْتَصِبَ عَلى الظَّرْفِ قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ هم بارِزُونَ﴾ . وأمّا قَوْلُهُ لا يُبْنى إلّا إذا أُضِيفَ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ، فالبِناءُ لَيْسَ مُتَحَتِّمًا، بَلْ يَجُوزُ فِيهِ البِناءُ والإعْرابُ. وأمّا تَمْثِيلُهُ بِ ﴿يَوْمُ يَنْفَعُ﴾ [المائدة: ١١٩] فَمَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ أنَّهُ لا يَجُوزُ فِيهِ إلّا الإعْرابُ، ومَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ جَوازُ البِناءِ والإعْرابِ فِيهِ. وأمّا إذا أُضِيفَ إلى جُمْلَةٍ اسْمِيَّةٍ، كَمّا مَثَّلَ مِن قَوْلِهِ: جِئْتُ يَوْمَ زَيْدٌ أمِيرٌ، فالنَّقْلُ عَنِ البَصْرِيِّينَ تَحَتُّمُ الإعْرابِ، كَما ذُكِرَ، (p-٤٥٦)والنَّقْلُ عَنِ الكُوفِيِّينَ جَوازُ الإعْرابِ والبِناءِ. وذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ أصْحابِنا، وهو الصَّحِيحُ لِكَثْرَةِ شَواهِدِ البِناءِ عَلى ذَلِكَ. ووَقَعَ في بَعْضِ تَصانِيفِ أصْحابِنا أنَّهُ يَتَحَتَّمُ فِيهِ البِناءُ، وهَذا قَوْلٌ لَمْ يَذْهَبْ إلَيْهِ أحَدٌ، فَهو وهْمٌ. ﴿لا يَخْفى عَلى اللَّهِ مِنهم شَيْءٌ﴾ أيْ: مِن سَرائِرِهِمْ وبَواطِنِهِمْ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إذا هَلَكَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا اللَّهُ قالَ: ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ﴾، فَلا يُجِيبُهُ أحَدٌ، فَيَرُدُّ عَلى نَفْسِهِ: ﴿لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ . وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: يَجْمَعُ اللَّهُ الخَلائِقَ يَوْمَ القِيامَةِ في صَعِيدٍ بِأرْضٍ بَيْضاءَ، كَأنَّها سَبِيكَةُ فِضَّةٍ لَمْ يُعْصَ اللَّهُ فِيها قَطُّ، فَأوَّلُ ما يَتَكَلَّمُ بِهِ أنْ يُنادِيَ مُنادٍ: ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ﴾ ؟ فَيُجِيبُونَ كُلُّهم: ﴿لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ . رُوِيَ أنَّهُ تَعالى يُقَرِّرُ هَذا التَّقْرِيرَ ويَسْكُتُ العالَمُ هَيْبَةً وجَزَعًا، فَيُجِيبُ نَفْسَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾، فَيُجِيبُ النّاسُ. وإنَّما خَصَّ التَّقْرِيرَ بِاليَوْمِ، وإنْ كانَ المُلْكُ لَهُ تَعالى في ذَلِكَ اليَوْمِ وفي غَيْرِهِ، لِظُهُورِ ذَلِكَ لِلْكَفَرَةِ والجَهَلَةِ ووُضُوحِهِ يَوْمَ القِيامَةِ. وإذا تَأمَّلَ مَن لَهُ مُسْكَةُ عَقْلٍ تَسْخِيرَ أهْلِ السَّماواتِ الأرْضِ، ونُفُوذَ القَضاءِ فِيهِمْ، وتَيَقَّنَ أنْ لا مُلْكَ إلّا لِلَّهِ، ومِن نَتائِجِ مُلْكِهِ في ذَلِكَ اليَوْمِ جَزاءُ كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ، وانْتِفاءُ الظُّلْمِ، وسُرْعَةُ الحِسابِ أنَّ حِسابَهم في وقْتٍ واحِدٍ لا يَشْغَلُهُ حِسابٌ عَنْ حِسابٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذِهِ الآيَةُ نَصٌّ في أنَّ الثَّوابَ والعِقابَ مُعَلَّقٌ بِاكْتِسابِ العَبْدِ. انْتَهى، وهو عَلى طَرِيقَةِ الأشْعَرِيَّةِ. ورُوِيَ أنَّ يَوْمَ القِيامَةِ لا يَنْتَصِفُ حَتّى يُقِيلَ المُؤْمِنُونَ في الجَنَّةِ والكافِرُونَ في النّارِ. و﴿يَوْمَ الآزِفَةِ﴾: هو يَوْمُ القِيامَةِ، يَأْمُرُ تَعالى نَبِيَّهُ أنْ يُنْذِرَ العالَمَ ويُحَذِّرَهم مِنهُ ومِن أهْوالِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ. والآزِفَةُ صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ يَوْمَ السّاعَةِ الآزِفَةِ، أوِ الطّامَّةِ الآزِفَةِ ونَحْوُ هَذا. ولَمّا اعْتَقَبَ كُلَّ إنْذارٍ نَوْعًا مِنَ الشِّدَّةِ والخَوْفِ وغَيْرِهِما، حَسُنَ التَّكْرارُ في الآزِفَةِ القَرِيبَةِ، كَما تَقَدَّمَ، وهي مُشارَفَتُهم دُخُولَ النّارِ، فَإنَّهُ إذْ ذاكَ تَزِيغُ القُلُوبُ عَنْ مَقارِّها مِن شِدَّةِ الخَوْفِ. وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: ﴿يَوْمَ الآزِفَةِ﴾ يَوْمَ المَنِيَّةِ وحُضُورِ الأجَلِ، يَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّهُ يَعْدِلُ وصْفَ يَوْمِ القِيامَةِ بِأنَّهُ يَوْمُ التَّلاقِ، ويَوْمُ بُرُوزِهِمْ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ هَذا اليَوْمُ غَيْرَهُ، وهَذِهِ الصِّفَةُ مَخْصُوصَةٌ في سائِرِ الآياتِ، يَوْمُ المَوْتِ بِالقُرْبِ أوْلى مِن وصْفِ يَوْمِ القِيامَةِ بِالقُرْبِ، وأيْضًا فالصِّفاتُ المَذْكُورَةُ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ الآزِفَةِ﴾، لائِقَةٌ بِيَوْمِ حُضُورِ المَنِيَّةِ؛ لِأنَّ الرَّجُلَ عِنْدَ مُعايَنَةِ مَلائِكَةِ العَذابِ لِعَظَمِ خَوْفِهِ، يَكادُ قَلْبُهُ يَبْلُغُ حَنْجَرَتَهُ مِن شِدَّةِ الخَوْفِ، ولا يَكُونُ لَهُ حَمِيمٌ ولا شَفِيعٌ يَرْفَعُ عَنْهُ ما بِهِ مِن أنْواعِ الخَوْفِ. ﴿إذِ القُلُوبُ لَدى الحَناجِرِ﴾، قِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ حَقِيقَةً، ويَبْقُونَ أحْياءً مَعَ ذَلِكَ بِخِلافِ حالَةِ الدُّنْيا، فَإنَّ مَنِ انْتَقَلَ قَلْبُهُ إلى حَنْجَرَتِهِ ماتَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ كِنايَةً عَنْ ما يَبْلُغُونَ إلَيْهِ مِن شِدَّةِ الجَزَعِ. كَما تَقُولُ: كادَتْ نَفْسِي أنْ تَخْرُجَ، وانْتَصَبَ ﴿كاظِمِينَ﴾ عَلى الحالِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هو حالٌ عَنْ أصْحابِ القُلُوبِ عَلى المَعْنى، إذا المَعْنى: إذْ قُلُوبُهم لَدى حَناجِرِهِمْ كاظِمِينَ عَلَيْها، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ حالًا عَنِ القُلُوبِ، وأنَّ القُلُوبَ كاظِمَةٌ عَلى غَمٍّ وكَرْبٍ فِيها، مَعَ بُلُوغِها الحَناجِرَ. وإنَّما جَمَعَ الكاظِمَ جَمْعَ السَّلامَةِ؛ لِأنَّهُ وصَفَها بِالكَظْمِ الَّذِي هو مِن أفْعالِ العُقَلاءِ، كَما قالَ: ﴿رَأيْتُهم لِي ساجِدِينَ﴾ [يوسف: ٤] . وقالَ: فَظَلَّتْ أعْناقُهم لَها خاضِعِينَ، ويُعَضِّدُهُ قِراءَةُ مَن قَرَأ: (كاظِمُونَ) . ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا عَنْ قَوْلِهِ أيْ: وأنْذِرْهم مُقَدِّرِينَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ﴿كاظِمِينَ﴾ حالٌ مِمّا أُبْدِلَ مِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَشْخَصُ فِيهِ الأبْصارُ﴾ [إبراهيم: ٤٢] ﴿مُهْطِعِينَ﴾ [إبراهيم: ٤٣]: أرادَ تَشْخَصُ فِيهِ أبْصارُهم، وقالَ الحَوْفِيُّ: (القُلُوبُ) رُفِعَ بِالِابْتِداءِ، و﴿لَدى الحَناجِرِ﴾ الخَبَرُ مُتَعَلِّقٌ بِمَعْنى الِاسْتِقْرارِ. وقالَ أبُو البَقاءِ: ﴿كاظِمِينَ﴾ حالٌ مِنَ القُلُوبِ؛ لِأنَّ المُرادَ أصْحابُها. انْتَهى. ﴿ما لِلظّالِمِينَ مِن حَمِيمٍ﴾ أيْ: مُحِبٍّ مُشْفِقٍ، (ولا شَفِيعٍ) ﴿يُطاعُ﴾ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِشَفِيعٍ، فاحْتُمِلَ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ خَفْضٍ عَلى اللَّفْظِ، وفي مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى المَوْضِعِ واحْتُمِلَ أنْ يَنْسَحِبَ النَّفْيُ عَلى الوَصْفِ فَقَطْ، فَيَكُونُ مِن شَفِيعٍ، ولَكِنَّهُ لا يُطاعُ، أيْ: (p-٤٥٧)لا تُقْبَلُ شَفاعَتُهُ، واحْتُمِلَ أنْ يَنْسَحِبَ النَّفْيُ عَلى المَوْصُوفِ وصْفَتِهِ أيْ: لا شَفِيعَ فَيُطاعُ، وهَذا هو المَقْصُودُ في الآيَةِ أنَّ الشَّفِيعَ عِنْدَ اللَّهِ إنَّما يَكُونُ مِن أوْلِيائِهِ تَعالى، ولا تَكُونُ الشَّفاعَةُ إلّا لِمَنِ ارْتَضاهُ اللَّهُ، وأيْضًا فَيَكُونُ في زِيادَةِ التَّفَضُّلِ والثَّوابِ ولا يُمْكِنُ شَيْءٌ مِن هَذا في حَقِّ الكافِرِ. وعَنِ الحَسَنِ: واللَّهِ لا يَكُونُ لَهم شَفِيعٌ ألْبَتَّةَ، ﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ﴾، كَقَوْلِهِ: ؎وإنْ سَقَيْتِ كِرامَ النّاسِ فاسْقِينا أيِ: النّاسَ الكِرامَ. وجَوَّزُوا أنْ تَكُونَ (خائِنَةَ) مَصْدَرًا، كالعافِيَةِ والعاقِبَةِ، أيْ: يَعْلَمُ خِيانَةَ الأعْيُنِ. ولَمّا كانَتِ الأفْعالُ الَّتِي يُقْصَدُ بِها التَّكَتُّمُ بَدَنِيَّةً، فَأخْفاها ﴿خائِنَةَ الأعْيُنِ﴾ مِن كَسْرِ جَفْنٍ وغَمْزٍ ونَظَرٍ يُفْهِمُ مَعْنًى، ويُرِيدُ صاحِبَ مَعْنًى آخَرَ وقَلْبٍ، وهو ما تَحْتَوِي عَلَيْهِ الضَّمائِرُ، قَسَّمَ ما يُتَكَتَّمُ بِهِ إلى هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ، وذَكَرَ أنَّ عِلْمَهُ مُتَعَلِّقٌ بِهِما التَّعَلُّقَ التّامَّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولا يَحْسُنُ أنْ يُرادَ الخائِنَةُ مِنَ الأعْيُنِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ لا يُساعِدُ عَلَيْهِ. انْتَهى، يَعْنِي أنَّهُ لا يُناسِبُ أنْ يَكُونَ مُقابِلَ المَعْنى إلّا المَعْنى، وتَقَدَّمَ أنَّ الظّاهِرَ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ الأعْيُنَ الخائِنَةَ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ﴾ الآيَةَ مُتَّصِلٌ بِما قَبْلَهُ. لَمّا أمَرَ بِإنْكارِهِ يَوْمَ الآزِفَةِ، وما يَعْرِضُ فِيهِ مِن شِدَّةِ الكَرْبِ والغَمِّ، وأنَّ الظّالِمَ لا يَجِدُ مَن يَحْمِيهِ مِن ذَلِكَ، ولا مَن يَشْفَعُ لَهُ. ذَكَرَ اطِّلاعَهُ تَعالى عَلى جَمِيعِ ما يَصْدُرُ مِنَ العَبْدِ، وأنَّهُ مُجازًى بِما عَمِلَ، لِيَكُونَ عَلى حَذَرٍ مِن ذَلِكَ اليَوْمِ إذا عَلِمَ أنَّ اللَّهَ مُطَّلِعٌ عَلى أعْمالِهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ﴾ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿سَرِيعُ الحِسابِ﴾؛ لِأنَّ سُرْعَةَ حِسابِهِ لِلْخَلْقِ إنَّما هي بِعِلْمِهِ الَّذِي لا يَحْتاجُ مَعَهُ إلى رَوِيَّةٍ وفِكْرٍ، ولا لِشَيْءٍ مِمّا يَحْتاجُهُ المُحاسِبُونَ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: (يَعْلَمُ) مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿لا يَخْفى عَلى اللَّهِ مِنهم شَيْءٌ﴾ وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ، يُقَوِّيهِ تَناسُبُ المَعْنَيَيْنِ، ويُضَعِّفُهُ بُعْدُ الآيَةِ مِنَ الآيَةِ وكَثْرَةُ الحائِلِ. انْتَهى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): بِمَ اتَّصَلَ قَوْلُهُ: يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ ؟ (قُلْتُ): هو خَبَرٌ مِن أخْبارِ (هو) في قَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ البَرْقَ﴾ [الرعد: ١٢]، مِثْلَ: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ﴾، ولَكِنْ مَن يُلْقِي الرُّوحَ قَدْ عَلَّلَ بِقَوْلِهِ: ﴿لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ﴾، ثُمَّ أسْقَطَ وتَذَكَّرَ أحْوالَ يَوْمِ التَّلاقِ إلى قَوْلِهِ: ﴿ولا شَفِيعٍ يُطاعُ﴾، فَبَعُدَ لِذَلِكَ عَنْ إخْوانِهِ. انْتَهى. وفِي بَعْضِ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ، أنا مِرْصادُ الهِمَمِ، أنا العالِمُ بِحالِ الفِكْرِ وكَسْرِ العُيُونِ. وقالَ مُجاهِدٌ: ﴿خائِنَةَ الأعْيُنِ﴾: مُسارَقَةُ النَّظَرِ إلى ما لا يَجُوزُ؛ ومَثَّلَ المُفَسِّرُونَ ﴿خائِنَةَ الأعْيُنِ﴾ بِالنَّظَرِ الثّانِي إلى حُرْمَةِ غَيْرِ النّاظِرِ، وما تُخْفِي الصُّدُورُ بِالنَّظَرِ الأوَّلِ الَّذِي لا يُمْكِنُ رَفْعُهُ. ﴿واللَّهُ يَقْضِي بِالحَقِّ﴾: هَذا يُوجِبُ عَظِيمَ الخَوْفِ؛ لِأنَّ الحاكِمَ إذا كانَ عالِمًا بِجَمِيعِ الأحْوالِ لا يَقْضِي إلّا بِالحَقِّ في ما دَقَّ وجَلَّ خافَهُ الخَلْقُ غايَةً. ﴿والَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾: هَذا قَدْحٌ في أصْنامِهِمْ وتَهَكُّمٌ بِهِمْ؛ لِأنَّ ما لا يُوصَفُ بِالقُدْرَةِ، لا يُقالُ فِيهِ: يَقْضِي ولا يَقْضِي. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يَدْعُونَ) بِياءِ الغِيبَةِ لِتَناسُبِ الضَّمائِرِ الغائِبَةِ قَبْلُ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، ونافِعٌ: بِخِلافٍ عَنْهُ؛ وهِشامٌ: (تَدْعُونَ) بِتاءِ الخِطابِ، أيْ: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ. ﴿إنَّ اللَّهَ هو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾: تَقْرِيرٌ لِقَوْلِهِ: ﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ وما تُخْفِي الصُّدُورُ﴾، وعِيدٌ لَهم بِأنَّهُ يَسْمَعُ ما يَقُولُونَ ويُبْصِرُ ما يَعْمَلُونَ وتَعْرِيضٌ بِأصْنامِهِمْ أنَّها لا تَسْمَعُ ولا تُبْصِرُ. ﴿أوَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِن قَبْلِهِمْ﴾: أحالَ قُرَيْشًا عَلى الِاعْتِبارِ بِالسِّيَرِ، وجازَ أنْ يَكُونَ فَيَنْظُرُوا مَجْزُومًا عَطْفًا عَلى يَسِيرُوا وأنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى جَوابِ النَّفْيِ، كَما قالَ: ؎ألَمْ تَسْألْ فَتُخْبِرَكَ الرُّسُومُ وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مِثْلِ هَذِهِ الجُمْلَةِ، وحَمَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ هم عَلى أنْ يَكُونَ فَصْلًا ولا يَتَعَيَّنُ، إذْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ هم تَوْكِيدًا لِضَمِيرِ (كانُوا) . وقَرَأ الجُمْهُورُ: مِنهم بِضَمِيرِ الغَيْبَةِ؛ وابْنُ عامِرٍ: مِنكم بِضَمِيرِ الخِطابِ عَلى سَبِيلِ الِالتِفاتِ. ﴿وآثارًا في الأرْضِ﴾: مَعْطُوفٌ عَلى (قُوَّةً) أيْ: مَبانِيهِمْ وحُصُونُهم وعِدَدُهم كانَتْ في غايَةِ الشِّدَّةِ. ﴿وتَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا﴾ [الشعراء: ١٤٩] . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ أرادُوا أكْثَرَ آثارًا لِقَوْلِهِ: مُتَقَلِّدًا سَيْفًا ورُمْحًا (p-٤٥٨)انْتَهى. أيْ: ومُعْتَقِلًا رُمْحًا، ولا حاجَةَ إلى ادِّعاءِ الحَذْفِ مَعَ صِحَّةِ المَعْنى بِدُونِهِ. ﴿مِن واقٍ﴾ أيْ: وما كانَ لَهم مِن عَذابِ اللَّهِ مِن ساتِرٍ يَمْنَعُهم مَنعَهُ. (ذَلِكَ) أيْ: الأخْذُ، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِ ذَلِكَ.

غافر 40:21

﴿فادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ولَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ﴾ ﴿رَفِيعُ الدَّرَجاتِ ذُو العَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِن أمْرِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ﴾ ﴿يَوْمَ هم بارِزُونَ لا يَخْفى عَلى اللَّهِ مِنهم شَيْءٌ لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ ﴿اليَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ لا ظُلْمَ اليَوْمَ إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ ﴿وأنْذِرْهم يَوْمَ الآزِفَةِ إذِ القُلُوبُ لَدى الحَناجِرِ كاظِمِينَ ما لِلظّالِمِينَ مِن حَمِيمٍ ولا شَفِيعٍ يُطاعُ﴾ ﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ وما تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ ﴿واللَّهُ يَقْضِي بِالحَقِّ والَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إنَّ اللَّهَ هو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ ﴿أوَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِن قَبْلِهِمْ كانُوا هم أشَدَّ مِنهم قُوَّةً وآثارًا في الأرْضِ فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وما كانَ لَهم مِنَ اللَّهِ مِن واقٍ﴾ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَكَفَرُوا فَأخَذَهُمُ اللَّهُ إنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ العِقابِ﴾ . الأمْرُ بِقَوْلِهِ: ﴿فادْعُوا اللَّهَ﴾ لِلْمُنِيبِينَ المُؤْمِنِينَ أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أيِ: اعْبُدُوهُ، ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [غافر: ٦٥] مِنَ الشِّرْكِ عَلى كُلِّ حالٍ، حَتّى في حالِ غَيْظِ أعْدائِكُمُ المُتَمالِئِينَ عَلَيْكم وعَلى اسْتِئْصالِكم. و﴿رَفِيعُ﴾: خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ثَلاثَةُ أخْبارٍ مُتَرَتِّبَةٍ عَلى قَوْلِهِ: ﴿الَّذِي يُرِيكُمْ﴾ [غافر: ١٣]، أوْ أخْبارُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وهي مُخْتَلِفَةٌ تَعْرِيفًا وتَنْكِيرًا. انْتَهى. أمّا تَرَتُّبُها عَلى قَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ﴾ [غافر: ١٣]، فَبَعِيدٌ كَطُولِ الفَصْلِ، وأمّا كَوْنُها أخَبارًا لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، فَمَبْنِيٌّ عَلى جَوازِ تَعَدُّدِ الأخْبارِ، إذا لَمْ تَكُنْ في مَعْنى خَبَرٍ واحِدٍ، والمَنعُ اخْتِيارُ أصْحابِنا. وقُرِئَ: ﴿رَفِيعُ﴾ بِالنَّصْبِ عَلى المَدْحِ، واحْتُمِلَ أنْ يَكُونَ ﴿رَفِيعُ﴾ لِلْمُبالَغَةِ (p-٤٥٥)عَلى فَعِيلٍ مِن رافِعٍ، فَيَكُونُ الدَّرَجاتُ مَفْعُولَةً، أيْ: رافِعُ دَرَجاتِ المُؤْمِنِينَ ومَنازِلِهِمْ في الجَنَّةِ. وبِهِ فَسَّرَ ابْنُ سَلامٍ، أوْ عَبَّرَ بِالدَّرَجاتِ عَنِ السَّماواتِ، أرْفَعُها سَماءً فَوْقَ سَماءٍ، والعَرْشُ فَوْقَهُنَّ. وبِهِ فَسَّرَ ابْنُ جُبَيْرٍ، واحْتُمِلَ أنْ يَكُونَ ﴿رَفِيعُ﴾ فَعِيلًا مِن رَفَعَ الشَّيْءَ عَلا فَهو رَفِيعٌ، فَيَكُونُ مِن بابِ الصِّفَةِ المُشَبَّهَةِ، والدَّرَجاتُ المَصاعِدُ المَلائِكَةُ إلى أنْ تَبْلُغَ العَرْشَ، أُضِيفَتْ إلَيْهِ دَلالَةً عَلى عِزِّهِ وسُلْطانِهِ، أيْ: دَرَجاتِ مَلائِكَتِهِ، كَما وصَفَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ذِي المَعارِجِ﴾ [المعارج: ٣]، أوْ يَكُونُ ذَلِكَ عِبارَةً عَنْ رَفْعَةِ شَأْنِهِ وعُلُوِّ سُلْطانِهِ. كَما أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ذُو العَرْشِ﴾ عِبارَةٌ عَنْ مُلْكِهِ، وبِنَحْوِهِ فَسَّرَ ابْنُ زَيْدٍ قالَ: عَظِيمُ الصِّفاتِ. و(الرُّوحَ) النُّبُوَّةَ، قالَهُ قَتادَةُ، والسُّدِّيُّ، كَما قالَ: ﴿رُوحًا مِن أمْرِنا﴾ [الشورى: ٥٢]؛ وعَنْ قَتادَةَ أيْضًا: الوَحْيَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: القُرْآنَ، وقالَ الضَّحّاكُ: جِبْرِيلُ يُرْسِلُهُ لِمَن يَشاءُ. وقِيلَ: الرَّحْمَةُ، وقِيلَ: أرْواحُ العِبادِ، وهَذانِ القَوْلانِ ضَعِيفانِ، والأوْلى الوَحْيُ، اسْتُعِيرَ لَهُ الرُّوحُ لِحَياةِ الأدْيانِ المَرْضِيَّةِ بِهِ، كَما قالَ: ﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ﴾ [الأنعام: ١٢٢] . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إلْقاءُ الرُّوحِ عامِلًا لِكُلِّ ما يُنْعِمُ اللَّهُ بِهِ عَلى عِبادِهِ المُهْتَدِينَ في تَفْهِيمِ الإيمانِ والمَعْقُولاتِ الشَّرِيفَةِ. انْتَهى. وقالَ الزَّجّاجُ: الرُّوحُ: كُلُّ ما بِهِ حَياةُ النّاسِ، وكُلُّ مُهْتَدٍ حَيٌّ، وكُلُّ ضالٍّ مَيِّتٌ. انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿مِن أمْرِهِ﴾: مِن قَضائِهِ. وقالَ مُقاتِلٌ: بِأمْرِهِ، وحَكى الشَّعْبِيُّ مِن قَوْلِهِ، ويَظْهَرُ أنَّ مِن لِابْتِداءِ الغايَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (لِيُنْذِرَ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، (يَوْمَ) بِالنَّصْبِ، والظّاهِرُ أنَّ الفاعِلَ يَعُودُ عَلى اللَّهِ؛ لِأنَّهُ هو المُحَدَّثُ عَنْهُ. واحْتَمَلَ (يَوْمَ) أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا عَلى السِّعَةِ، وأنْ يَكُونَ ظَرْفًا، والمُنْذَرُ بِهِ مَحْذُوفٌ. وقَرَأ أُبَيٌّ وجَماعَةٌ كَذَلِكَ إلّا أنَّهم رَفَعُوا يَوْمَ عَلى الفاعِلِيَّةِ مَجازًا. وقِيلَ: الفاعِلُ في القِراءَةِ الأُولى ضَمِيرُ الرُّوحِ. وقِيلَ: ضَمِيرُ مَن. وقَرَأ اليَمانِيُّ فِيما ذَكَرَ صاحِبُ اللَّوامِحِ (لِيُنْذَرَ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ ﴿يَوْمُ التَّلاقِ﴾ بِرَفْعِ المِيمِ. وقَرَأ الحَسَنُ واليَمانِيُّ فِيما ذَكَرَ ابْنُ خالَوَيْهِ (لِتُنْذِرَ) بِالتّاءِ، فَقالُوا: الفاعِلُ ضَمِيرُ الرُّوحِ؛ لِأنَّها تُؤَنَّثُ، أوْ فِيهِ ضَمِيرُ الخِطابِ المَوْصُولِ. وقُرِئَ: التَّلاقِ والتَّنادِ، بِياءٍ وبِغَيْرِ ياءٍ، وسُمِّي يَوْمَ التَّلاقِ لِالتِقاءِ الخَلائِقِ فِيهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ: يَلْتَقِي فِيهِ الخالِقُ والمَخْلُوقُ. وقالَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرانَ: يَلْتَقِي فِيهِ الظّالِمُ والمَظْلُومُ. وحَكى الثَّعْلَبِيُّ: يَلْتَقِي المَرْءُ بِعِلْمِهِ. وقالَ السُّدِّيُّ: يُلاقِي أهْلُ السَّماءِ أهْلَ الأرْضِ. وقِيلَ: يَلْتَقِي العابِدُونَ ومَعْبُودُهم. ﴿يَوْمَ هم بارِزُونَ﴾ أيْ: ظاهِرُونَ مِن قُبُورِهِمْ، لا يَسْتُرُهم شَيْءٌ مِن جَبَلٍ أوْ أكَمَةٍ أوْ بِناءٍ؛ لِأنَّ الأرْضَ إذْ ذاكَ قاعُ صَفْصَفٍ، ولا مِن ثِيابٍ؛ لِأنَّهم يُحْشَرُونَ حُفاةً عُراةً. و(يَوْمًا) بَدَلٌ مِن ﴿يَوْمَ التَّلاقِ﴾ وكِلاهُما ظَرْفٌ مُسْتَقْبَلٌ. والظَّرْفُ المُسْتَقْبَلُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ لا يَجُوزُ إضافَتُهُ إلى الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ، لا يَجُوزُ: أجِيئُكَ يَوْمَ زَيْدٌ ذاهِبٌ، إجْراءً لَهُ مَجْرى إذا، فَكَما لا يَجُوزُ أنْ تَقُولَ: أجِيئُكَ إذا زَيْدٌ ذاهِبٌ، فَكَذَلِكَ لا يَجُوزُ هَذا. وذَهَبَ أبُو الحَسَنِ إلى جَوازِ ذَلِكَ، فَيَتَخَرَّجُ قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ هم بارِزُونَ﴾ عَلى هَذا المَذْهَبِ. وقَدْ أجازَ ذَلِكَ بَعْضُ أصْحابِنا عَلى قِلَّةٍ، والدَّلائِلُ مَذْكُورَةٌ في عِلْمِ النَّحْوِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ انْتِصابُهُ عَلى الظَّرْفِ، والعامِلُ فِيهِ قَوْلُهُ: (لا يَخْفى)، وهي حَرَكَةُ إعْرابٍ لا حَرَكَةُ بِناءٍ؛ لِأنَّ الظَّرْفَ لا يُبْنى إلّا إذا أُضِيفَ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ، كَيَوْمَئِذٍ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎عَلى حِينِ عاتَبْتُ المَشِيبَ عَلى الصِّبا وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَذا يَوْمُ يَنْفَعُ﴾ [المائدة: ١١٩] . وأمّا في هَذِهِ الآيَةِ فالجُمْلَةُ اسْمٌ مُتَمَكِّنٌ، كَما تَقُولُ: جِئْتُ يَوْمَ زَيْدٌ أمِيرٌ، فَلا يَجُوزُ البِناءُ. انْتَهى. يَعْنِي أنْ يَنْتَصِبَ عَلى الظَّرْفِ قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ هم بارِزُونَ﴾ . وأمّا قَوْلُهُ لا يُبْنى إلّا إذا أُضِيفَ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ، فالبِناءُ لَيْسَ مُتَحَتِّمًا، بَلْ يَجُوزُ فِيهِ البِناءُ والإعْرابُ. وأمّا تَمْثِيلُهُ بِ ﴿يَوْمُ يَنْفَعُ﴾ [المائدة: ١١٩] فَمَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ أنَّهُ لا يَجُوزُ فِيهِ إلّا الإعْرابُ، ومَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ جَوازُ البِناءِ والإعْرابِ فِيهِ. وأمّا إذا أُضِيفَ إلى جُمْلَةٍ اسْمِيَّةٍ، كَمّا مَثَّلَ مِن قَوْلِهِ: جِئْتُ يَوْمَ زَيْدٌ أمِيرٌ، فالنَّقْلُ عَنِ البَصْرِيِّينَ تَحَتُّمُ الإعْرابِ، كَما ذُكِرَ، (p-٤٥٦)والنَّقْلُ عَنِ الكُوفِيِّينَ جَوازُ الإعْرابِ والبِناءِ. وذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ أصْحابِنا، وهو الصَّحِيحُ لِكَثْرَةِ شَواهِدِ البِناءِ عَلى ذَلِكَ. ووَقَعَ في بَعْضِ تَصانِيفِ أصْحابِنا أنَّهُ يَتَحَتَّمُ فِيهِ البِناءُ، وهَذا قَوْلٌ لَمْ يَذْهَبْ إلَيْهِ أحَدٌ، فَهو وهْمٌ. ﴿لا يَخْفى عَلى اللَّهِ مِنهم شَيْءٌ﴾ أيْ: مِن سَرائِرِهِمْ وبَواطِنِهِمْ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إذا هَلَكَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا اللَّهُ قالَ: ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ﴾، فَلا يُجِيبُهُ أحَدٌ، فَيَرُدُّ عَلى نَفْسِهِ: ﴿لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ . وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: يَجْمَعُ اللَّهُ الخَلائِقَ يَوْمَ القِيامَةِ في صَعِيدٍ بِأرْضٍ بَيْضاءَ، كَأنَّها سَبِيكَةُ فِضَّةٍ لَمْ يُعْصَ اللَّهُ فِيها قَطُّ، فَأوَّلُ ما يَتَكَلَّمُ بِهِ أنْ يُنادِيَ مُنادٍ: ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ﴾ ؟ فَيُجِيبُونَ كُلُّهم: ﴿لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ . رُوِيَ أنَّهُ تَعالى يُقَرِّرُ هَذا التَّقْرِيرَ ويَسْكُتُ العالَمُ هَيْبَةً وجَزَعًا، فَيُجِيبُ نَفْسَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾، فَيُجِيبُ النّاسُ. وإنَّما خَصَّ التَّقْرِيرَ بِاليَوْمِ، وإنْ كانَ المُلْكُ لَهُ تَعالى في ذَلِكَ اليَوْمِ وفي غَيْرِهِ، لِظُهُورِ ذَلِكَ لِلْكَفَرَةِ والجَهَلَةِ ووُضُوحِهِ يَوْمَ القِيامَةِ. وإذا تَأمَّلَ مَن لَهُ مُسْكَةُ عَقْلٍ تَسْخِيرَ أهْلِ السَّماواتِ الأرْضِ، ونُفُوذَ القَضاءِ فِيهِمْ، وتَيَقَّنَ أنْ لا مُلْكَ إلّا لِلَّهِ، ومِن نَتائِجِ مُلْكِهِ في ذَلِكَ اليَوْمِ جَزاءُ كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ، وانْتِفاءُ الظُّلْمِ، وسُرْعَةُ الحِسابِ أنَّ حِسابَهم في وقْتٍ واحِدٍ لا يَشْغَلُهُ حِسابٌ عَنْ حِسابٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذِهِ الآيَةُ نَصٌّ في أنَّ الثَّوابَ والعِقابَ مُعَلَّقٌ بِاكْتِسابِ العَبْدِ. انْتَهى، وهو عَلى طَرِيقَةِ الأشْعَرِيَّةِ. ورُوِيَ أنَّ يَوْمَ القِيامَةِ لا يَنْتَصِفُ حَتّى يُقِيلَ المُؤْمِنُونَ في الجَنَّةِ والكافِرُونَ في النّارِ. و﴿يَوْمَ الآزِفَةِ﴾: هو يَوْمُ القِيامَةِ، يَأْمُرُ تَعالى نَبِيَّهُ أنْ يُنْذِرَ العالَمَ ويُحَذِّرَهم مِنهُ ومِن أهْوالِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ. والآزِفَةُ صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ يَوْمَ السّاعَةِ الآزِفَةِ، أوِ الطّامَّةِ الآزِفَةِ ونَحْوُ هَذا. ولَمّا اعْتَقَبَ كُلَّ إنْذارٍ نَوْعًا مِنَ الشِّدَّةِ والخَوْفِ وغَيْرِهِما، حَسُنَ التَّكْرارُ في الآزِفَةِ القَرِيبَةِ، كَما تَقَدَّمَ، وهي مُشارَفَتُهم دُخُولَ النّارِ، فَإنَّهُ إذْ ذاكَ تَزِيغُ القُلُوبُ عَنْ مَقارِّها مِن شِدَّةِ الخَوْفِ. وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: ﴿يَوْمَ الآزِفَةِ﴾ يَوْمَ المَنِيَّةِ وحُضُورِ الأجَلِ، يَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّهُ يَعْدِلُ وصْفَ يَوْمِ القِيامَةِ بِأنَّهُ يَوْمُ التَّلاقِ، ويَوْمُ بُرُوزِهِمْ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ هَذا اليَوْمُ غَيْرَهُ، وهَذِهِ الصِّفَةُ مَخْصُوصَةٌ في سائِرِ الآياتِ، يَوْمُ المَوْتِ بِالقُرْبِ أوْلى مِن وصْفِ يَوْمِ القِيامَةِ بِالقُرْبِ، وأيْضًا فالصِّفاتُ المَذْكُورَةُ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ الآزِفَةِ﴾، لائِقَةٌ بِيَوْمِ حُضُورِ المَنِيَّةِ؛ لِأنَّ الرَّجُلَ عِنْدَ مُعايَنَةِ مَلائِكَةِ العَذابِ لِعَظَمِ خَوْفِهِ، يَكادُ قَلْبُهُ يَبْلُغُ حَنْجَرَتَهُ مِن شِدَّةِ الخَوْفِ، ولا يَكُونُ لَهُ حَمِيمٌ ولا شَفِيعٌ يَرْفَعُ عَنْهُ ما بِهِ مِن أنْواعِ الخَوْفِ. ﴿إذِ القُلُوبُ لَدى الحَناجِرِ﴾، قِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ حَقِيقَةً، ويَبْقُونَ أحْياءً مَعَ ذَلِكَ بِخِلافِ حالَةِ الدُّنْيا، فَإنَّ مَنِ انْتَقَلَ قَلْبُهُ إلى حَنْجَرَتِهِ ماتَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ كِنايَةً عَنْ ما يَبْلُغُونَ إلَيْهِ مِن شِدَّةِ الجَزَعِ. كَما تَقُولُ: كادَتْ نَفْسِي أنْ تَخْرُجَ، وانْتَصَبَ ﴿كاظِمِينَ﴾ عَلى الحالِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هو حالٌ عَنْ أصْحابِ القُلُوبِ عَلى المَعْنى، إذا المَعْنى: إذْ قُلُوبُهم لَدى حَناجِرِهِمْ كاظِمِينَ عَلَيْها، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ حالًا عَنِ القُلُوبِ، وأنَّ القُلُوبَ كاظِمَةٌ عَلى غَمٍّ وكَرْبٍ فِيها، مَعَ بُلُوغِها الحَناجِرَ. وإنَّما جَمَعَ الكاظِمَ جَمْعَ السَّلامَةِ؛ لِأنَّهُ وصَفَها بِالكَظْمِ الَّذِي هو مِن أفْعالِ العُقَلاءِ، كَما قالَ: ﴿رَأيْتُهم لِي ساجِدِينَ﴾ [يوسف: ٤] . وقالَ: فَظَلَّتْ أعْناقُهم لَها خاضِعِينَ، ويُعَضِّدُهُ قِراءَةُ مَن قَرَأ: (كاظِمُونَ) . ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا عَنْ قَوْلِهِ أيْ: وأنْذِرْهم مُقَدِّرِينَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ﴿كاظِمِينَ﴾ حالٌ مِمّا أُبْدِلَ مِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَشْخَصُ فِيهِ الأبْصارُ﴾ [إبراهيم: ٤٢] ﴿مُهْطِعِينَ﴾ [إبراهيم: ٤٣]: أرادَ تَشْخَصُ فِيهِ أبْصارُهم، وقالَ الحَوْفِيُّ: (القُلُوبُ) رُفِعَ بِالِابْتِداءِ، و﴿لَدى الحَناجِرِ﴾ الخَبَرُ مُتَعَلِّقٌ بِمَعْنى الِاسْتِقْرارِ. وقالَ أبُو البَقاءِ: ﴿كاظِمِينَ﴾ حالٌ مِنَ القُلُوبِ؛ لِأنَّ المُرادَ أصْحابُها. انْتَهى. ﴿ما لِلظّالِمِينَ مِن حَمِيمٍ﴾ أيْ: مُحِبٍّ مُشْفِقٍ، (ولا شَفِيعٍ) ﴿يُطاعُ﴾ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِشَفِيعٍ، فاحْتُمِلَ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ خَفْضٍ عَلى اللَّفْظِ، وفي مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى المَوْضِعِ واحْتُمِلَ أنْ يَنْسَحِبَ النَّفْيُ عَلى الوَصْفِ فَقَطْ، فَيَكُونُ مِن شَفِيعٍ، ولَكِنَّهُ لا يُطاعُ، أيْ: (p-٤٥٧)لا تُقْبَلُ شَفاعَتُهُ، واحْتُمِلَ أنْ يَنْسَحِبَ النَّفْيُ عَلى المَوْصُوفِ وصْفَتِهِ أيْ: لا شَفِيعَ فَيُطاعُ، وهَذا هو المَقْصُودُ في الآيَةِ أنَّ الشَّفِيعَ عِنْدَ اللَّهِ إنَّما يَكُونُ مِن أوْلِيائِهِ تَعالى، ولا تَكُونُ الشَّفاعَةُ إلّا لِمَنِ ارْتَضاهُ اللَّهُ، وأيْضًا فَيَكُونُ في زِيادَةِ التَّفَضُّلِ والثَّوابِ ولا يُمْكِنُ شَيْءٌ مِن هَذا في حَقِّ الكافِرِ. وعَنِ الحَسَنِ: واللَّهِ لا يَكُونُ لَهم شَفِيعٌ ألْبَتَّةَ، ﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ﴾، كَقَوْلِهِ: ؎وإنْ سَقَيْتِ كِرامَ النّاسِ فاسْقِينا أيِ: النّاسَ الكِرامَ. وجَوَّزُوا أنْ تَكُونَ (خائِنَةَ) مَصْدَرًا، كالعافِيَةِ والعاقِبَةِ، أيْ: يَعْلَمُ خِيانَةَ الأعْيُنِ. ولَمّا كانَتِ الأفْعالُ الَّتِي يُقْصَدُ بِها التَّكَتُّمُ بَدَنِيَّةً، فَأخْفاها ﴿خائِنَةَ الأعْيُنِ﴾ مِن كَسْرِ جَفْنٍ وغَمْزٍ ونَظَرٍ يُفْهِمُ مَعْنًى، ويُرِيدُ صاحِبَ مَعْنًى آخَرَ وقَلْبٍ، وهو ما تَحْتَوِي عَلَيْهِ الضَّمائِرُ، قَسَّمَ ما يُتَكَتَّمُ بِهِ إلى هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ، وذَكَرَ أنَّ عِلْمَهُ مُتَعَلِّقٌ بِهِما التَّعَلُّقَ التّامَّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولا يَحْسُنُ أنْ يُرادَ الخائِنَةُ مِنَ الأعْيُنِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ لا يُساعِدُ عَلَيْهِ. انْتَهى، يَعْنِي أنَّهُ لا يُناسِبُ أنْ يَكُونَ مُقابِلَ المَعْنى إلّا المَعْنى، وتَقَدَّمَ أنَّ الظّاهِرَ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ الأعْيُنَ الخائِنَةَ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ﴾ الآيَةَ مُتَّصِلٌ بِما قَبْلَهُ. لَمّا أمَرَ بِإنْكارِهِ يَوْمَ الآزِفَةِ، وما يَعْرِضُ فِيهِ مِن شِدَّةِ الكَرْبِ والغَمِّ، وأنَّ الظّالِمَ لا يَجِدُ مَن يَحْمِيهِ مِن ذَلِكَ، ولا مَن يَشْفَعُ لَهُ. ذَكَرَ اطِّلاعَهُ تَعالى عَلى جَمِيعِ ما يَصْدُرُ مِنَ العَبْدِ، وأنَّهُ مُجازًى بِما عَمِلَ، لِيَكُونَ عَلى حَذَرٍ مِن ذَلِكَ اليَوْمِ إذا عَلِمَ أنَّ اللَّهَ مُطَّلِعٌ عَلى أعْمالِهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ﴾ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿سَرِيعُ الحِسابِ﴾؛ لِأنَّ سُرْعَةَ حِسابِهِ لِلْخَلْقِ إنَّما هي بِعِلْمِهِ الَّذِي لا يَحْتاجُ مَعَهُ إلى رَوِيَّةٍ وفِكْرٍ، ولا لِشَيْءٍ مِمّا يَحْتاجُهُ المُحاسِبُونَ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: (يَعْلَمُ) مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿لا يَخْفى عَلى اللَّهِ مِنهم شَيْءٌ﴾ وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ، يُقَوِّيهِ تَناسُبُ المَعْنَيَيْنِ، ويُضَعِّفُهُ بُعْدُ الآيَةِ مِنَ الآيَةِ وكَثْرَةُ الحائِلِ. انْتَهى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): بِمَ اتَّصَلَ قَوْلُهُ: يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ ؟ (قُلْتُ): هو خَبَرٌ مِن أخْبارِ (هو) في قَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ البَرْقَ﴾ [الرعد: ١٢]، مِثْلَ: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ﴾، ولَكِنْ مَن يُلْقِي الرُّوحَ قَدْ عَلَّلَ بِقَوْلِهِ: ﴿لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ﴾، ثُمَّ أسْقَطَ وتَذَكَّرَ أحْوالَ يَوْمِ التَّلاقِ إلى قَوْلِهِ: ﴿ولا شَفِيعٍ يُطاعُ﴾، فَبَعُدَ لِذَلِكَ عَنْ إخْوانِهِ. انْتَهى. وفِي بَعْضِ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ، أنا مِرْصادُ الهِمَمِ، أنا العالِمُ بِحالِ الفِكْرِ وكَسْرِ العُيُونِ. وقالَ مُجاهِدٌ: ﴿خائِنَةَ الأعْيُنِ﴾: مُسارَقَةُ النَّظَرِ إلى ما لا يَجُوزُ؛ ومَثَّلَ المُفَسِّرُونَ ﴿خائِنَةَ الأعْيُنِ﴾ بِالنَّظَرِ الثّانِي إلى حُرْمَةِ غَيْرِ النّاظِرِ، وما تُخْفِي الصُّدُورُ بِالنَّظَرِ الأوَّلِ الَّذِي لا يُمْكِنُ رَفْعُهُ. ﴿واللَّهُ يَقْضِي بِالحَقِّ﴾: هَذا يُوجِبُ عَظِيمَ الخَوْفِ؛ لِأنَّ الحاكِمَ إذا كانَ عالِمًا بِجَمِيعِ الأحْوالِ لا يَقْضِي إلّا بِالحَقِّ في ما دَقَّ وجَلَّ خافَهُ الخَلْقُ غايَةً. ﴿والَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾: هَذا قَدْحٌ في أصْنامِهِمْ وتَهَكُّمٌ بِهِمْ؛ لِأنَّ ما لا يُوصَفُ بِالقُدْرَةِ، لا يُقالُ فِيهِ: يَقْضِي ولا يَقْضِي. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يَدْعُونَ) بِياءِ الغِيبَةِ لِتَناسُبِ الضَّمائِرِ الغائِبَةِ قَبْلُ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، ونافِعٌ: بِخِلافٍ عَنْهُ؛ وهِشامٌ: (تَدْعُونَ) بِتاءِ الخِطابِ، أيْ: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ. ﴿إنَّ اللَّهَ هو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾: تَقْرِيرٌ لِقَوْلِهِ: ﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ وما تُخْفِي الصُّدُورُ﴾، وعِيدٌ لَهم بِأنَّهُ يَسْمَعُ ما يَقُولُونَ ويُبْصِرُ ما يَعْمَلُونَ وتَعْرِيضٌ بِأصْنامِهِمْ أنَّها لا تَسْمَعُ ولا تُبْصِرُ. ﴿أوَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِن قَبْلِهِمْ﴾: أحالَ قُرَيْشًا عَلى الِاعْتِبارِ بِالسِّيَرِ، وجازَ أنْ يَكُونَ فَيَنْظُرُوا مَجْزُومًا عَطْفًا عَلى يَسِيرُوا وأنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى جَوابِ النَّفْيِ، كَما قالَ: ؎ألَمْ تَسْألْ فَتُخْبِرَكَ الرُّسُومُ وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مِثْلِ هَذِهِ الجُمْلَةِ، وحَمَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ هم عَلى أنْ يَكُونَ فَصْلًا ولا يَتَعَيَّنُ، إذْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ هم تَوْكِيدًا لِضَمِيرِ (كانُوا) . وقَرَأ الجُمْهُورُ: مِنهم بِضَمِيرِ الغَيْبَةِ؛ وابْنُ عامِرٍ: مِنكم بِضَمِيرِ الخِطابِ عَلى سَبِيلِ الِالتِفاتِ. ﴿وآثارًا في الأرْضِ﴾: مَعْطُوفٌ عَلى (قُوَّةً) أيْ: مَبانِيهِمْ وحُصُونُهم وعِدَدُهم كانَتْ في غايَةِ الشِّدَّةِ. ﴿وتَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا﴾ [الشعراء: ١٤٩] . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ أرادُوا أكْثَرَ آثارًا لِقَوْلِهِ: مُتَقَلِّدًا سَيْفًا ورُمْحًا (p-٤٥٨)انْتَهى. أيْ: ومُعْتَقِلًا رُمْحًا، ولا حاجَةَ إلى ادِّعاءِ الحَذْفِ مَعَ صِحَّةِ المَعْنى بِدُونِهِ. ﴿مِن واقٍ﴾ أيْ: وما كانَ لَهم مِن عَذابِ اللَّهِ مِن ساتِرٍ يَمْنَعُهم مَنعَهُ. (ذَلِكَ) أيْ: الأخْذُ، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِ ذَلِكَ.

غافر 40:22

﴿فادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ولَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ﴾ ﴿رَفِيعُ الدَّرَجاتِ ذُو العَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِن أمْرِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ﴾ ﴿يَوْمَ هم بارِزُونَ لا يَخْفى عَلى اللَّهِ مِنهم شَيْءٌ لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ ﴿اليَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ لا ظُلْمَ اليَوْمَ إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ ﴿وأنْذِرْهم يَوْمَ الآزِفَةِ إذِ القُلُوبُ لَدى الحَناجِرِ كاظِمِينَ ما لِلظّالِمِينَ مِن حَمِيمٍ ولا شَفِيعٍ يُطاعُ﴾ ﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ وما تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ ﴿واللَّهُ يَقْضِي بِالحَقِّ والَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إنَّ اللَّهَ هو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ ﴿أوَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِن قَبْلِهِمْ كانُوا هم أشَدَّ مِنهم قُوَّةً وآثارًا في الأرْضِ فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وما كانَ لَهم مِنَ اللَّهِ مِن واقٍ﴾ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَكَفَرُوا فَأخَذَهُمُ اللَّهُ إنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ العِقابِ﴾ . الأمْرُ بِقَوْلِهِ: ﴿فادْعُوا اللَّهَ﴾ لِلْمُنِيبِينَ المُؤْمِنِينَ أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أيِ: اعْبُدُوهُ، ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [غافر: ٦٥] مِنَ الشِّرْكِ عَلى كُلِّ حالٍ، حَتّى في حالِ غَيْظِ أعْدائِكُمُ المُتَمالِئِينَ عَلَيْكم وعَلى اسْتِئْصالِكم. و﴿رَفِيعُ﴾: خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ثَلاثَةُ أخْبارٍ مُتَرَتِّبَةٍ عَلى قَوْلِهِ: ﴿الَّذِي يُرِيكُمْ﴾ [غافر: ١٣]، أوْ أخْبارُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وهي مُخْتَلِفَةٌ تَعْرِيفًا وتَنْكِيرًا. انْتَهى. أمّا تَرَتُّبُها عَلى قَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ﴾ [غافر: ١٣]، فَبَعِيدٌ كَطُولِ الفَصْلِ، وأمّا كَوْنُها أخَبارًا لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، فَمَبْنِيٌّ عَلى جَوازِ تَعَدُّدِ الأخْبارِ، إذا لَمْ تَكُنْ في مَعْنى خَبَرٍ واحِدٍ، والمَنعُ اخْتِيارُ أصْحابِنا. وقُرِئَ: ﴿رَفِيعُ﴾ بِالنَّصْبِ عَلى المَدْحِ، واحْتُمِلَ أنْ يَكُونَ ﴿رَفِيعُ﴾ لِلْمُبالَغَةِ (p-٤٥٥)عَلى فَعِيلٍ مِن رافِعٍ، فَيَكُونُ الدَّرَجاتُ مَفْعُولَةً، أيْ: رافِعُ دَرَجاتِ المُؤْمِنِينَ ومَنازِلِهِمْ في الجَنَّةِ. وبِهِ فَسَّرَ ابْنُ سَلامٍ، أوْ عَبَّرَ بِالدَّرَجاتِ عَنِ السَّماواتِ، أرْفَعُها سَماءً فَوْقَ سَماءٍ، والعَرْشُ فَوْقَهُنَّ. وبِهِ فَسَّرَ ابْنُ جُبَيْرٍ، واحْتُمِلَ أنْ يَكُونَ ﴿رَفِيعُ﴾ فَعِيلًا مِن رَفَعَ الشَّيْءَ عَلا فَهو رَفِيعٌ، فَيَكُونُ مِن بابِ الصِّفَةِ المُشَبَّهَةِ، والدَّرَجاتُ المَصاعِدُ المَلائِكَةُ إلى أنْ تَبْلُغَ العَرْشَ، أُضِيفَتْ إلَيْهِ دَلالَةً عَلى عِزِّهِ وسُلْطانِهِ، أيْ: دَرَجاتِ مَلائِكَتِهِ، كَما وصَفَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ذِي المَعارِجِ﴾ [المعارج: ٣]، أوْ يَكُونُ ذَلِكَ عِبارَةً عَنْ رَفْعَةِ شَأْنِهِ وعُلُوِّ سُلْطانِهِ. كَما أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ذُو العَرْشِ﴾ عِبارَةٌ عَنْ مُلْكِهِ، وبِنَحْوِهِ فَسَّرَ ابْنُ زَيْدٍ قالَ: عَظِيمُ الصِّفاتِ. و(الرُّوحَ) النُّبُوَّةَ، قالَهُ قَتادَةُ، والسُّدِّيُّ، كَما قالَ: ﴿رُوحًا مِن أمْرِنا﴾ [الشورى: ٥٢]؛ وعَنْ قَتادَةَ أيْضًا: الوَحْيَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: القُرْآنَ، وقالَ الضَّحّاكُ: جِبْرِيلُ يُرْسِلُهُ لِمَن يَشاءُ. وقِيلَ: الرَّحْمَةُ، وقِيلَ: أرْواحُ العِبادِ، وهَذانِ القَوْلانِ ضَعِيفانِ، والأوْلى الوَحْيُ، اسْتُعِيرَ لَهُ الرُّوحُ لِحَياةِ الأدْيانِ المَرْضِيَّةِ بِهِ، كَما قالَ: ﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ﴾ [الأنعام: ١٢٢] . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إلْقاءُ الرُّوحِ عامِلًا لِكُلِّ ما يُنْعِمُ اللَّهُ بِهِ عَلى عِبادِهِ المُهْتَدِينَ في تَفْهِيمِ الإيمانِ والمَعْقُولاتِ الشَّرِيفَةِ. انْتَهى. وقالَ الزَّجّاجُ: الرُّوحُ: كُلُّ ما بِهِ حَياةُ النّاسِ، وكُلُّ مُهْتَدٍ حَيٌّ، وكُلُّ ضالٍّ مَيِّتٌ. انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿مِن أمْرِهِ﴾: مِن قَضائِهِ. وقالَ مُقاتِلٌ: بِأمْرِهِ، وحَكى الشَّعْبِيُّ مِن قَوْلِهِ، ويَظْهَرُ أنَّ مِن لِابْتِداءِ الغايَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (لِيُنْذِرَ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، (يَوْمَ) بِالنَّصْبِ، والظّاهِرُ أنَّ الفاعِلَ يَعُودُ عَلى اللَّهِ؛ لِأنَّهُ هو المُحَدَّثُ عَنْهُ. واحْتَمَلَ (يَوْمَ) أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا عَلى السِّعَةِ، وأنْ يَكُونَ ظَرْفًا، والمُنْذَرُ بِهِ مَحْذُوفٌ. وقَرَأ أُبَيٌّ وجَماعَةٌ كَذَلِكَ إلّا أنَّهم رَفَعُوا يَوْمَ عَلى الفاعِلِيَّةِ مَجازًا. وقِيلَ: الفاعِلُ في القِراءَةِ الأُولى ضَمِيرُ الرُّوحِ. وقِيلَ: ضَمِيرُ مَن. وقَرَأ اليَمانِيُّ فِيما ذَكَرَ صاحِبُ اللَّوامِحِ (لِيُنْذَرَ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ ﴿يَوْمُ التَّلاقِ﴾ بِرَفْعِ المِيمِ. وقَرَأ الحَسَنُ واليَمانِيُّ فِيما ذَكَرَ ابْنُ خالَوَيْهِ (لِتُنْذِرَ) بِالتّاءِ، فَقالُوا: الفاعِلُ ضَمِيرُ الرُّوحِ؛ لِأنَّها تُؤَنَّثُ، أوْ فِيهِ ضَمِيرُ الخِطابِ المَوْصُولِ. وقُرِئَ: التَّلاقِ والتَّنادِ، بِياءٍ وبِغَيْرِ ياءٍ، وسُمِّي يَوْمَ التَّلاقِ لِالتِقاءِ الخَلائِقِ فِيهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ: يَلْتَقِي فِيهِ الخالِقُ والمَخْلُوقُ. وقالَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرانَ: يَلْتَقِي فِيهِ الظّالِمُ والمَظْلُومُ. وحَكى الثَّعْلَبِيُّ: يَلْتَقِي المَرْءُ بِعِلْمِهِ. وقالَ السُّدِّيُّ: يُلاقِي أهْلُ السَّماءِ أهْلَ الأرْضِ. وقِيلَ: يَلْتَقِي العابِدُونَ ومَعْبُودُهم. ﴿يَوْمَ هم بارِزُونَ﴾ أيْ: ظاهِرُونَ مِن قُبُورِهِمْ، لا يَسْتُرُهم شَيْءٌ مِن جَبَلٍ أوْ أكَمَةٍ أوْ بِناءٍ؛ لِأنَّ الأرْضَ إذْ ذاكَ قاعُ صَفْصَفٍ، ولا مِن ثِيابٍ؛ لِأنَّهم يُحْشَرُونَ حُفاةً عُراةً. و(يَوْمًا) بَدَلٌ مِن ﴿يَوْمَ التَّلاقِ﴾ وكِلاهُما ظَرْفٌ مُسْتَقْبَلٌ. والظَّرْفُ المُسْتَقْبَلُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ لا يَجُوزُ إضافَتُهُ إلى الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ، لا يَجُوزُ: أجِيئُكَ يَوْمَ زَيْدٌ ذاهِبٌ، إجْراءً لَهُ مَجْرى إذا، فَكَما لا يَجُوزُ أنْ تَقُولَ: أجِيئُكَ إذا زَيْدٌ ذاهِبٌ، فَكَذَلِكَ لا يَجُوزُ هَذا. وذَهَبَ أبُو الحَسَنِ إلى جَوازِ ذَلِكَ، فَيَتَخَرَّجُ قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ هم بارِزُونَ﴾ عَلى هَذا المَذْهَبِ. وقَدْ أجازَ ذَلِكَ بَعْضُ أصْحابِنا عَلى قِلَّةٍ، والدَّلائِلُ مَذْكُورَةٌ في عِلْمِ النَّحْوِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ انْتِصابُهُ عَلى الظَّرْفِ، والعامِلُ فِيهِ قَوْلُهُ: (لا يَخْفى)، وهي حَرَكَةُ إعْرابٍ لا حَرَكَةُ بِناءٍ؛ لِأنَّ الظَّرْفَ لا يُبْنى إلّا إذا أُضِيفَ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ، كَيَوْمَئِذٍ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎عَلى حِينِ عاتَبْتُ المَشِيبَ عَلى الصِّبا وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَذا يَوْمُ يَنْفَعُ﴾ [المائدة: ١١٩] . وأمّا في هَذِهِ الآيَةِ فالجُمْلَةُ اسْمٌ مُتَمَكِّنٌ، كَما تَقُولُ: جِئْتُ يَوْمَ زَيْدٌ أمِيرٌ، فَلا يَجُوزُ البِناءُ. انْتَهى. يَعْنِي أنْ يَنْتَصِبَ عَلى الظَّرْفِ قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ هم بارِزُونَ﴾ . وأمّا قَوْلُهُ لا يُبْنى إلّا إذا أُضِيفَ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ، فالبِناءُ لَيْسَ مُتَحَتِّمًا، بَلْ يَجُوزُ فِيهِ البِناءُ والإعْرابُ. وأمّا تَمْثِيلُهُ بِ ﴿يَوْمُ يَنْفَعُ﴾ [المائدة: ١١٩] فَمَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ أنَّهُ لا يَجُوزُ فِيهِ إلّا الإعْرابُ، ومَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ جَوازُ البِناءِ والإعْرابِ فِيهِ. وأمّا إذا أُضِيفَ إلى جُمْلَةٍ اسْمِيَّةٍ، كَمّا مَثَّلَ مِن قَوْلِهِ: جِئْتُ يَوْمَ زَيْدٌ أمِيرٌ، فالنَّقْلُ عَنِ البَصْرِيِّينَ تَحَتُّمُ الإعْرابِ، كَما ذُكِرَ، (p-٤٥٦)والنَّقْلُ عَنِ الكُوفِيِّينَ جَوازُ الإعْرابِ والبِناءِ. وذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ أصْحابِنا، وهو الصَّحِيحُ لِكَثْرَةِ شَواهِدِ البِناءِ عَلى ذَلِكَ. ووَقَعَ في بَعْضِ تَصانِيفِ أصْحابِنا أنَّهُ يَتَحَتَّمُ فِيهِ البِناءُ، وهَذا قَوْلٌ لَمْ يَذْهَبْ إلَيْهِ أحَدٌ، فَهو وهْمٌ. ﴿لا يَخْفى عَلى اللَّهِ مِنهم شَيْءٌ﴾ أيْ: مِن سَرائِرِهِمْ وبَواطِنِهِمْ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إذا هَلَكَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا اللَّهُ قالَ: ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ﴾، فَلا يُجِيبُهُ أحَدٌ، فَيَرُدُّ عَلى نَفْسِهِ: ﴿لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ . وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: يَجْمَعُ اللَّهُ الخَلائِقَ يَوْمَ القِيامَةِ في صَعِيدٍ بِأرْضٍ بَيْضاءَ، كَأنَّها سَبِيكَةُ فِضَّةٍ لَمْ يُعْصَ اللَّهُ فِيها قَطُّ، فَأوَّلُ ما يَتَكَلَّمُ بِهِ أنْ يُنادِيَ مُنادٍ: ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ﴾ ؟ فَيُجِيبُونَ كُلُّهم: ﴿لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ . رُوِيَ أنَّهُ تَعالى يُقَرِّرُ هَذا التَّقْرِيرَ ويَسْكُتُ العالَمُ هَيْبَةً وجَزَعًا، فَيُجِيبُ نَفْسَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾، فَيُجِيبُ النّاسُ. وإنَّما خَصَّ التَّقْرِيرَ بِاليَوْمِ، وإنْ كانَ المُلْكُ لَهُ تَعالى في ذَلِكَ اليَوْمِ وفي غَيْرِهِ، لِظُهُورِ ذَلِكَ لِلْكَفَرَةِ والجَهَلَةِ ووُضُوحِهِ يَوْمَ القِيامَةِ. وإذا تَأمَّلَ مَن لَهُ مُسْكَةُ عَقْلٍ تَسْخِيرَ أهْلِ السَّماواتِ الأرْضِ، ونُفُوذَ القَضاءِ فِيهِمْ، وتَيَقَّنَ أنْ لا مُلْكَ إلّا لِلَّهِ، ومِن نَتائِجِ مُلْكِهِ في ذَلِكَ اليَوْمِ جَزاءُ كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ، وانْتِفاءُ الظُّلْمِ، وسُرْعَةُ الحِسابِ أنَّ حِسابَهم في وقْتٍ واحِدٍ لا يَشْغَلُهُ حِسابٌ عَنْ حِسابٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذِهِ الآيَةُ نَصٌّ في أنَّ الثَّوابَ والعِقابَ مُعَلَّقٌ بِاكْتِسابِ العَبْدِ. انْتَهى، وهو عَلى طَرِيقَةِ الأشْعَرِيَّةِ. ورُوِيَ أنَّ يَوْمَ القِيامَةِ لا يَنْتَصِفُ حَتّى يُقِيلَ المُؤْمِنُونَ في الجَنَّةِ والكافِرُونَ في النّارِ. و﴿يَوْمَ الآزِفَةِ﴾: هو يَوْمُ القِيامَةِ، يَأْمُرُ تَعالى نَبِيَّهُ أنْ يُنْذِرَ العالَمَ ويُحَذِّرَهم مِنهُ ومِن أهْوالِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ. والآزِفَةُ صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ يَوْمَ السّاعَةِ الآزِفَةِ، أوِ الطّامَّةِ الآزِفَةِ ونَحْوُ هَذا. ولَمّا اعْتَقَبَ كُلَّ إنْذارٍ نَوْعًا مِنَ الشِّدَّةِ والخَوْفِ وغَيْرِهِما، حَسُنَ التَّكْرارُ في الآزِفَةِ القَرِيبَةِ، كَما تَقَدَّمَ، وهي مُشارَفَتُهم دُخُولَ النّارِ، فَإنَّهُ إذْ ذاكَ تَزِيغُ القُلُوبُ عَنْ مَقارِّها مِن شِدَّةِ الخَوْفِ. وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: ﴿يَوْمَ الآزِفَةِ﴾ يَوْمَ المَنِيَّةِ وحُضُورِ الأجَلِ، يَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّهُ يَعْدِلُ وصْفَ يَوْمِ القِيامَةِ بِأنَّهُ يَوْمُ التَّلاقِ، ويَوْمُ بُرُوزِهِمْ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ هَذا اليَوْمُ غَيْرَهُ، وهَذِهِ الصِّفَةُ مَخْصُوصَةٌ في سائِرِ الآياتِ، يَوْمُ المَوْتِ بِالقُرْبِ أوْلى مِن وصْفِ يَوْمِ القِيامَةِ بِالقُرْبِ، وأيْضًا فالصِّفاتُ المَذْكُورَةُ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ الآزِفَةِ﴾، لائِقَةٌ بِيَوْمِ حُضُورِ المَنِيَّةِ؛ لِأنَّ الرَّجُلَ عِنْدَ مُعايَنَةِ مَلائِكَةِ العَذابِ لِعَظَمِ خَوْفِهِ، يَكادُ قَلْبُهُ يَبْلُغُ حَنْجَرَتَهُ مِن شِدَّةِ الخَوْفِ، ولا يَكُونُ لَهُ حَمِيمٌ ولا شَفِيعٌ يَرْفَعُ عَنْهُ ما بِهِ مِن أنْواعِ الخَوْفِ. ﴿إذِ القُلُوبُ لَدى الحَناجِرِ﴾، قِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ حَقِيقَةً، ويَبْقُونَ أحْياءً مَعَ ذَلِكَ بِخِلافِ حالَةِ الدُّنْيا، فَإنَّ مَنِ انْتَقَلَ قَلْبُهُ إلى حَنْجَرَتِهِ ماتَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ كِنايَةً عَنْ ما يَبْلُغُونَ إلَيْهِ مِن شِدَّةِ الجَزَعِ. كَما تَقُولُ: كادَتْ نَفْسِي أنْ تَخْرُجَ، وانْتَصَبَ ﴿كاظِمِينَ﴾ عَلى الحالِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هو حالٌ عَنْ أصْحابِ القُلُوبِ عَلى المَعْنى، إذا المَعْنى: إذْ قُلُوبُهم لَدى حَناجِرِهِمْ كاظِمِينَ عَلَيْها، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ حالًا عَنِ القُلُوبِ، وأنَّ القُلُوبَ كاظِمَةٌ عَلى غَمٍّ وكَرْبٍ فِيها، مَعَ بُلُوغِها الحَناجِرَ. وإنَّما جَمَعَ الكاظِمَ جَمْعَ السَّلامَةِ؛ لِأنَّهُ وصَفَها بِالكَظْمِ الَّذِي هو مِن أفْعالِ العُقَلاءِ، كَما قالَ: ﴿رَأيْتُهم لِي ساجِدِينَ﴾ [يوسف: ٤] . وقالَ: فَظَلَّتْ أعْناقُهم لَها خاضِعِينَ، ويُعَضِّدُهُ قِراءَةُ مَن قَرَأ: (كاظِمُونَ) . ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا عَنْ قَوْلِهِ أيْ: وأنْذِرْهم مُقَدِّرِينَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ﴿كاظِمِينَ﴾ حالٌ مِمّا أُبْدِلَ مِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَشْخَصُ فِيهِ الأبْصارُ﴾ [إبراهيم: ٤٢] ﴿مُهْطِعِينَ﴾ [إبراهيم: ٤٣]: أرادَ تَشْخَصُ فِيهِ أبْصارُهم، وقالَ الحَوْفِيُّ: (القُلُوبُ) رُفِعَ بِالِابْتِداءِ، و﴿لَدى الحَناجِرِ﴾ الخَبَرُ مُتَعَلِّقٌ بِمَعْنى الِاسْتِقْرارِ. وقالَ أبُو البَقاءِ: ﴿كاظِمِينَ﴾ حالٌ مِنَ القُلُوبِ؛ لِأنَّ المُرادَ أصْحابُها. انْتَهى. ﴿ما لِلظّالِمِينَ مِن حَمِيمٍ﴾ أيْ: مُحِبٍّ مُشْفِقٍ، (ولا شَفِيعٍ) ﴿يُطاعُ﴾ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِشَفِيعٍ، فاحْتُمِلَ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ خَفْضٍ عَلى اللَّفْظِ، وفي مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى المَوْضِعِ واحْتُمِلَ أنْ يَنْسَحِبَ النَّفْيُ عَلى الوَصْفِ فَقَطْ، فَيَكُونُ مِن شَفِيعٍ، ولَكِنَّهُ لا يُطاعُ، أيْ: (p-٤٥٧)لا تُقْبَلُ شَفاعَتُهُ، واحْتُمِلَ أنْ يَنْسَحِبَ النَّفْيُ عَلى المَوْصُوفِ وصْفَتِهِ أيْ: لا شَفِيعَ فَيُطاعُ، وهَذا هو المَقْصُودُ في الآيَةِ أنَّ الشَّفِيعَ عِنْدَ اللَّهِ إنَّما يَكُونُ مِن أوْلِيائِهِ تَعالى، ولا تَكُونُ الشَّفاعَةُ إلّا لِمَنِ ارْتَضاهُ اللَّهُ، وأيْضًا فَيَكُونُ في زِيادَةِ التَّفَضُّلِ والثَّوابِ ولا يُمْكِنُ شَيْءٌ مِن هَذا في حَقِّ الكافِرِ. وعَنِ الحَسَنِ: واللَّهِ لا يَكُونُ لَهم شَفِيعٌ ألْبَتَّةَ، ﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ﴾، كَقَوْلِهِ: ؎وإنْ سَقَيْتِ كِرامَ النّاسِ فاسْقِينا أيِ: النّاسَ الكِرامَ. وجَوَّزُوا أنْ تَكُونَ (خائِنَةَ) مَصْدَرًا، كالعافِيَةِ والعاقِبَةِ، أيْ: يَعْلَمُ خِيانَةَ الأعْيُنِ. ولَمّا كانَتِ الأفْعالُ الَّتِي يُقْصَدُ بِها التَّكَتُّمُ بَدَنِيَّةً، فَأخْفاها ﴿خائِنَةَ الأعْيُنِ﴾ مِن كَسْرِ جَفْنٍ وغَمْزٍ ونَظَرٍ يُفْهِمُ مَعْنًى، ويُرِيدُ صاحِبَ مَعْنًى آخَرَ وقَلْبٍ، وهو ما تَحْتَوِي عَلَيْهِ الضَّمائِرُ، قَسَّمَ ما يُتَكَتَّمُ بِهِ إلى هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ، وذَكَرَ أنَّ عِلْمَهُ مُتَعَلِّقٌ بِهِما التَّعَلُّقَ التّامَّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولا يَحْسُنُ أنْ يُرادَ الخائِنَةُ مِنَ الأعْيُنِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ لا يُساعِدُ عَلَيْهِ. انْتَهى، يَعْنِي أنَّهُ لا يُناسِبُ أنْ يَكُونَ مُقابِلَ المَعْنى إلّا المَعْنى، وتَقَدَّمَ أنَّ الظّاهِرَ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ الأعْيُنَ الخائِنَةَ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ﴾ الآيَةَ مُتَّصِلٌ بِما قَبْلَهُ. لَمّا أمَرَ بِإنْكارِهِ يَوْمَ الآزِفَةِ، وما يَعْرِضُ فِيهِ مِن شِدَّةِ الكَرْبِ والغَمِّ، وأنَّ الظّالِمَ لا يَجِدُ مَن يَحْمِيهِ مِن ذَلِكَ، ولا مَن يَشْفَعُ لَهُ. ذَكَرَ اطِّلاعَهُ تَعالى عَلى جَمِيعِ ما يَصْدُرُ مِنَ العَبْدِ، وأنَّهُ مُجازًى بِما عَمِلَ، لِيَكُونَ عَلى حَذَرٍ مِن ذَلِكَ اليَوْمِ إذا عَلِمَ أنَّ اللَّهَ مُطَّلِعٌ عَلى أعْمالِهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ﴾ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿سَرِيعُ الحِسابِ﴾؛ لِأنَّ سُرْعَةَ حِسابِهِ لِلْخَلْقِ إنَّما هي بِعِلْمِهِ الَّذِي لا يَحْتاجُ مَعَهُ إلى رَوِيَّةٍ وفِكْرٍ، ولا لِشَيْءٍ مِمّا يَحْتاجُهُ المُحاسِبُونَ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: (يَعْلَمُ) مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿لا يَخْفى عَلى اللَّهِ مِنهم شَيْءٌ﴾ وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ، يُقَوِّيهِ تَناسُبُ المَعْنَيَيْنِ، ويُضَعِّفُهُ بُعْدُ الآيَةِ مِنَ الآيَةِ وكَثْرَةُ الحائِلِ. انْتَهى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): بِمَ اتَّصَلَ قَوْلُهُ: يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ ؟ (قُلْتُ): هو خَبَرٌ مِن أخْبارِ (هو) في قَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ البَرْقَ﴾ [الرعد: ١٢]، مِثْلَ: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ﴾، ولَكِنْ مَن يُلْقِي الرُّوحَ قَدْ عَلَّلَ بِقَوْلِهِ: ﴿لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ﴾، ثُمَّ أسْقَطَ وتَذَكَّرَ أحْوالَ يَوْمِ التَّلاقِ إلى قَوْلِهِ: ﴿ولا شَفِيعٍ يُطاعُ﴾، فَبَعُدَ لِذَلِكَ عَنْ إخْوانِهِ. انْتَهى. وفِي بَعْضِ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ، أنا مِرْصادُ الهِمَمِ، أنا العالِمُ بِحالِ الفِكْرِ وكَسْرِ العُيُونِ. وقالَ مُجاهِدٌ: ﴿خائِنَةَ الأعْيُنِ﴾: مُسارَقَةُ النَّظَرِ إلى ما لا يَجُوزُ؛ ومَثَّلَ المُفَسِّرُونَ ﴿خائِنَةَ الأعْيُنِ﴾ بِالنَّظَرِ الثّانِي إلى حُرْمَةِ غَيْرِ النّاظِرِ، وما تُخْفِي الصُّدُورُ بِالنَّظَرِ الأوَّلِ الَّذِي لا يُمْكِنُ رَفْعُهُ. ﴿واللَّهُ يَقْضِي بِالحَقِّ﴾: هَذا يُوجِبُ عَظِيمَ الخَوْفِ؛ لِأنَّ الحاكِمَ إذا كانَ عالِمًا بِجَمِيعِ الأحْوالِ لا يَقْضِي إلّا بِالحَقِّ في ما دَقَّ وجَلَّ خافَهُ الخَلْقُ غايَةً. ﴿والَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾: هَذا قَدْحٌ في أصْنامِهِمْ وتَهَكُّمٌ بِهِمْ؛ لِأنَّ ما لا يُوصَفُ بِالقُدْرَةِ، لا يُقالُ فِيهِ: يَقْضِي ولا يَقْضِي. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يَدْعُونَ) بِياءِ الغِيبَةِ لِتَناسُبِ الضَّمائِرِ الغائِبَةِ قَبْلُ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، ونافِعٌ: بِخِلافٍ عَنْهُ؛ وهِشامٌ: (تَدْعُونَ) بِتاءِ الخِطابِ، أيْ: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ. ﴿إنَّ اللَّهَ هو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾: تَقْرِيرٌ لِقَوْلِهِ: ﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ وما تُخْفِي الصُّدُورُ﴾، وعِيدٌ لَهم بِأنَّهُ يَسْمَعُ ما يَقُولُونَ ويُبْصِرُ ما يَعْمَلُونَ وتَعْرِيضٌ بِأصْنامِهِمْ أنَّها لا تَسْمَعُ ولا تُبْصِرُ. ﴿أوَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِن قَبْلِهِمْ﴾: أحالَ قُرَيْشًا عَلى الِاعْتِبارِ بِالسِّيَرِ، وجازَ أنْ يَكُونَ فَيَنْظُرُوا مَجْزُومًا عَطْفًا عَلى يَسِيرُوا وأنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى جَوابِ النَّفْيِ، كَما قالَ: ؎ألَمْ تَسْألْ فَتُخْبِرَكَ الرُّسُومُ وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مِثْلِ هَذِهِ الجُمْلَةِ، وحَمَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ هم عَلى أنْ يَكُونَ فَصْلًا ولا يَتَعَيَّنُ، إذْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ هم تَوْكِيدًا لِضَمِيرِ (كانُوا) . وقَرَأ الجُمْهُورُ: مِنهم بِضَمِيرِ الغَيْبَةِ؛ وابْنُ عامِرٍ: مِنكم بِضَمِيرِ الخِطابِ عَلى سَبِيلِ الِالتِفاتِ. ﴿وآثارًا في الأرْضِ﴾: مَعْطُوفٌ عَلى (قُوَّةً) أيْ: مَبانِيهِمْ وحُصُونُهم وعِدَدُهم كانَتْ في غايَةِ الشِّدَّةِ. ﴿وتَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا﴾ [الشعراء: ١٤٩] . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ أرادُوا أكْثَرَ آثارًا لِقَوْلِهِ: مُتَقَلِّدًا سَيْفًا ورُمْحًا (p-٤٥٨)انْتَهى. أيْ: ومُعْتَقِلًا رُمْحًا، ولا حاجَةَ إلى ادِّعاءِ الحَذْفِ مَعَ صِحَّةِ المَعْنى بِدُونِهِ. ﴿مِن واقٍ﴾ أيْ: وما كانَ لَهم مِن عَذابِ اللَّهِ مِن ساتِرٍ يَمْنَعُهم مَنعَهُ. (ذَلِكَ) أيْ: الأخْذُ، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِ ذَلِكَ.