Al-Bahr Al-Muhit — غافر 40:23 – غافر 40:48
المحتويات
غافر 40:23
﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ ﴿إلى فِرْعَوْنَ وهامانَ وقارُونَ فَقالُوا ساحِرٌ كَذّابٌ﴾ ﴿فَلَمّا جاءَهم بِالحَقِّ مِن عِنْدِنا قالُوا اقْتُلُوا أبْناءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ واسْتَحْيُوا نِساءَهم وما كَيْدُ الكافِرِينَ إلّا في ضَلالٍ﴾ ﴿وقالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أقْتُلْ مُوسى ولْيَدْعُ رَبَّهُ إنِّي أخافُ أنْ يُبَدِّلَ دِينَكم أوْ أنْ يُظْهِرَ في الأرْضِ الفَسادَ﴾ ﴿وقالَ مُوسى إنِّي عُذْتُ بِرَبِّي ورَبِّكم مِن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الحِسابِ﴾ ﴿وقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِن آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إيمانَهُ أتَقْتُلُونَ رَجُلًا أنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وقَدْ جاءَكم بِالبَيِّناتِ مِن رَبِّكم وإنْ يَكُ كاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وإنْ يَكُ صادِقًا يُصِبْكم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكم إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن هو مُسْرِفٌ كَذّابٌ﴾ ﴿يا قَوْم لَكُمُ المُلْكُ اليَوْمَ ظاهِرِينَ في الأرْضِ فَمَن يَنْصُرُنا مِن بَأْسِ اللَّهِ إنْ جاءَنا قالَ فِرْعَوْنُ ما أُرِيكم إلّا ما أرى وما أهْدِيكم إلّا سَبِيلَ الرَّشادِ﴾ .
ابْتَدَأ تَعالى قِصَّةَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَعَ فِرْعَوْنَ تَسْلِيَةً لِلرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ووَعِيدًا لِقُرَيْشٍ أنْ يَحِلَّ بِهِمْ ما حَلَّ بِفِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ مِن نِقْماتِ اللَّهِ، (p-٤٥٩)ووَعْدًا لِلْمُؤْمِنِينَ بِالظَّفَرِ والنَّصْرِ وحُسْنِ العاقِبَةِ. وآياتُ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - كَثِيرَةٌ، والَّذِي تَحَدّى بِهِ مِنَ المُعْجِزِ العَصا واليَدُ.
وقَرَأ عِيسى: (وسُلُطانٍ) بِضَمِّ اللّامِ، والسُّلْطانُ المُبِينُ: الحُجَّةُ والبُرْهانُ الواضِحُ. والظّاهِرُ أنَّ قارُونَ هو الَّذِي ذَكَرَهُ تَعالى في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ قارُونَ كانَ مِن قَوْمِ مُوسى﴾ [القصص: ٧٦]، وهو مِن بَنِي إسْرائِيلَ.
وقِيلَ: هو غَيْرُهُ، ونَصَّ عَلى هامانَ وقارُونَ لِمَكانَتِهِما في الكُفْرِ، ولِأنَّهُما أشْهَرُ أتْباعِ فِرْعَوْنَ.
﴿فَقالُوا ساحِرٌ كَذّابٌ﴾ أيْ: هَذا ساحِرٌ، لِما ظَهَرَ عَلى يَدَيْهِ مِن قَلْبِ العَصا حَيَّةً، وظُهُورِ النُّورِ السّاطِعِ عَلى يَدِهِ، كَذّابٌ لِكَوْنِهِ ادَّعى أنَّهُ رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ.
﴿فَلَمّا جاءَهم بِالحَقِّ مِن عِنْدِنا﴾ أيْ: بِالمُعْجِزاتِ والنُّبُوَّةِ والدُّعاءِ إلى الإيمانِ بِاللَّهِ، (قالُوا)، أيْ: أُولَئِكَ الثَّلاثَةُ، (اقْتُلُوا) . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْ: أعِيدُوا عَلَيْهِمُ القَتْلَ كالَّذِي كانَ أوَّلًا. انْتَهى.
يُرِيدُ أنَّ هَذا غَيْرُ القَتْلِ الأوَّلِ، وإنَّما أُمِرُوا بِقَتْلِ أبْناءِ المُؤْمِنِينَ لِئَلّا يَتَقَوّى بِهِمْ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وبِاسْتِحْياءِ النِّساءِ لِلِاسْتِخْدامِ والِاسْتِرْقاقِ، ولَمْ يَقَعْ ما أمَرُوا بِهِ ولا تَمَّ لَهم، ولا أعانَهُمُ اللَّهُ عَلَيْهِ.
﴿وما كَيْدُ الكافِرِينَ إلّا في ضَلالٍ﴾ أيْ: في حَيْرَةٍ وتَخَبُّطٍ، لَمْ يَقَعْ مِنهُ شَيْءٌ، ولا أنْجَحَ سَعْيَهَمْ، وكانُوا باشَرُوا القَتْلَ أوَّلًا، فَنَفَذَ قَضاءُ اللَّهِ في إظْهارِ مَن خافُوا هَلاكَهم عَلى يَدَيْهِ.
وقِيلَ: كانَ فِرْعَوْنُ قَدْ كَفَّ عَنْ قَتْلِ الأبْناءِ، فَلَمّا بُعِثَ مُوسى، وأحَسَّ أنَّهُ قَدْ وقَعَ ما كانَ يَحْذَرُهُ، أعادَ القَتْلَ عَلَيْهِمْ غَيْظًا وحِنْقًا وظَنًّا مِنهُ أنَّهُ يَصُدُّهم بِذَلِكَ عَنْ مُظاهَرَةِ مُوسى، وما عَلِمَ أنَّ كَيْدَهُ ضائِعٌ في الكَرَّتَيْنِ مَعًا.
﴿وقالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أقْتُلْ مُوسى ولْيَدْعُ رَبَّهُ﴾، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بَعْضُهُ مِن كَلامِ الحَسَنِ، كانَ إذا هَمَّ بِقَتْلِهِ كَفُّوهُ بِقَوْلِهِمْ: لَيْسَ بِالَّذِي تَخافُهُ، هو أقَلُّ مِن ذَلِكَ وأضْعَفُ، وما هو إلّا بَعْضُ السَّحَرَةِ، ومِثْلُهُ لا يُقاوِمُهُ إلّا ساحِرٌ مِثْلُهُ، ويَقُولُونَ: إنْ قَتَلْتَهُ أدْخَلْتَ الشُّبْهَةَ عَلى النّاسِ، واعْتَقَدُوا أنَّكَ عَجَزْتَ عَنْ مُظاهَرَتِهِ بِالحُجَّةِ.
والظّاهِرُ أنَّ فِرْعَوْنَ - لَعَنَهُ اللَّهُ - كانَ قَدِ اسْتَيْقَنَ أنَّهُ نَبِيٌّ، وأنَّ ما جاءَ بِهِ آياتٌ وما هو سِحْرٌ، ولَكِنَّ الرَّجُلَ كانَ فِيهِ خُبْثٌ وجَبَرُوتٌ، وكانَ قَتّالًا سَفّاكًا لِلدِّماءِ في أهْوَنِ شَيْءٍ، فَكَيْفَ لا يَقْتُلُ مَن أحَسَّ مِنهُ بِأنَّهُ هو الَّذِي يَثُلُّ عَرْشَهُ، ويَهْدِمُ مُلْكَهُ ؟ ولَكِنَّهُ يَخافُ إنْ هَمَّ بِقَتْلِهِ أنْ يُعاجَلَ بِالهَلاكِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ولْيَدْعُ رَبَّهُ﴾: شاهِدُ صِدْقٍ عَلى فَرْطِ خَوْفِهِ مِنهُ ومِن دَعْوَتِهِ رَبَّهُ، كانَ قَوْلُهُ: ﴿ذَرُونِي أقْتُلْ مُوسى﴾ تَمْوِيهًا عَلى قَوْمِهِ وإيهامًا أنَّهم هُمُ الَّذِينَ يَكُفُّونَهُ، وما كانَ يَكُفُّهُ إلّا ما في نَفْسِهِ مِن هَوْلِ الفَزَعِ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الظّاهِرُ مِن أمْرِ فِرْعَوْنَ أنَّهُ لَمّا بَهَرَتْ آياتُ مُوسى انْهَدَّ رُكْنُهُ واضْطَرَبَتْ مُعْتَقَداتُ أصْحابِهِ، ولَمْ يَفْقِدْ مِنهم مَن يُجاذِبُهُ الخِلافَ في أمْرِهِ، وذَلِكَ بَيِّنٌ مِن غَيْرِ ما مَوْضِعٍ في قِصَّتِهِما، وفي ذَلِكَ عَلى هَذا دَلِيلانِ: أحَدُهُما: قَوْلُهُ ﴿ذَرُونِي﴾، فَلَيْسَتْ هَذِهِ مِن ألْفاظِ الجَبابِرَةِ المُتَمَكِّنِينَ مِن إنْفاذِ أوامِرِهِمْ.
الدَّلِيلُ الثّانِي: في مَقالَةِ المُؤْمِنِ وما صَدَعَ بِهِ، وأنَّ مُكاشَفَتَهُ لِفِرْعَوْنَ خَيْرٌ مِن مُساتَرَتِهِ، وحُكْمَهُ بِنُبُوَّةِ مُوسى أظْهَرُ مِن تَقْرِيبِهِ في أمْرِهِ. وأمّا فِرْعَوْنُ، فَإنَّهُ نَحا إلى المَخْرَقَةِ والِاضْطِرابِ والتَّعاطِي، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ذَرُونِي أقْتُلْ مُوسى ولْيَدْعُ رَبَّهُ﴾ أيْ: إنِّي لا أُبالِي مِن رَبِّ مُوسى، ثُمَّ رَجَعَ إلى قَوْمِهِ يُرِيهِمُ النَّصِيحَةَ والخِيانَةَ لَهم، فَقالَ: ﴿إنِّي أخافُ أنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ﴾، والدِّينُ: السُّلْطانُ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ:
؎لَئِنْ حَلَلْتَ بِجَوٍّ في بَنِي أسَدٍ في دِينِ عَمْرٍو وحالَتْ بَيْنَنا فَدَكُ
انْتَهى.
وتَبْدِيلُ دِينِهِمْ هو تَغْيِيرُهُ، وكانُوا يَعْبُدُونَهُ ويَعْبُدُونَ الأصْنامَ، كَما قالَ: ﴿ويَذَرَكَ وآلِهَتَكَ﴾ [الأعراف: ١٢٧]، ﴿أوْ أنْ يُظْهِرَ في الأرْضِ الفَسادَ﴾ وذَلِكَ بِالتَّهارُجِ الَّذِي يَذْهَبُ مَعَهُ الأمْنُ، وتَتَعَطَّلُ المَزارِعُ والمَكاسِبُ، ويَهْلَكُ النّاسُ قَتْلًا وضَياعًا، فَأخافُ فَسادَ دِينِكم ودُنْياكم مَعًا.
وبَدَأ فِرْعَوْنُ بِخَوْفِهِ تَغْيِيرَ دِينِهِمْ عَلى تَغْيِيرِ دُنْياهم؛ لِأنَّ حُبَّهَمْ لِأدْيانِهِمْ فَوْقَ حُبِّهِمْ لِأمْوالِهِمْ.
وقِيلَ: ﴿ذَرُونِي﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهم كانُوا يَمْنَعُونَهُ مِن قَتْلِهِ، إمّا لِكَوْنِ بَعْضِهِمْ كانَ مُصَدِّقًا لَهُ فَيَتَحَيَّلُ في مَنعِ قَتْلِهِ، وإمّا لِما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ مِمّا ذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وإمّا لِشَغْلِ (p-٤٦٠)قَلْبِ فِرْعَوْنَ بِمُوسى حَتّى لا يَتَفَرَّغَ لَهم، ويَأْمَنُوا مِن شَرِّهِ؛ كَما يَفْعَلُونَ مَعَ المَلِكِ إذا خَرَجَ عَلَيْهِ خارِجِيٌّ شَغَلُوهُ بِهِ حَتّى يَأْمَنُوا مِن شَرِّهِ.
وقَرَأ الكُوفِيُّونَ: (أوْ أنْ)، بِتَرْدِيدِ الخَوْفِ بَيْنَ تَبْدِيلِ الدِّينِ أوْ ظُهُورِ الفَسادِ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ: (وأنْ) بِانْتِصابِ الخَوْفِ عَلَيْهِما مَعًا.
وقَرَأ أنَسُ بْنُ مالِكٍ، وابْنُ المُسَيَّبِ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وأبُو رَجاءٍ، والحَسَنُ، والجَحْدَرِيُّ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ: (يُظْهِرَ) مِن أظْهَرَ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، (الفَسادَ): نَصْبًا. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ، والأعْرَجُ، والأعْمَشُ، وابْنُ وثّابٍ، وعِيسى: (يَظْهَرُ) مِن ظَهَرَ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، (الفَسادُ): رَفْعًا.
وقَرَأ مُجاهِدٌ: (يَظَّهَّرُ) بِشَدِّ الظّاءِ والهاءِ، (الفَسادُ): رَفْعًا. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (يُظْهَرُ): بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الهاءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، (الفَسادُ): رَفْعًا.
ولَمّا سَمِعَ مُوسى بِمُقالَةِ فِرْعَوْنَ، اسْتَعاذَ بِاللَّهِ مِن شَرِّ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ مُنْكِرٍ لِلْمَعادِ. وقالَ: (ورَبِّكم): بَعْثًا عَلى الِاقْتِداءِ بِهِ، فَيَعُوذُونَ بِاللَّهِ ويَعْتَصِمُونَ بِهِ.
و﴿مِن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ﴾ يَشْمَلُ فِرْعَوْنَ وغَيْرَهُ مِنَ الجَبابِرَةِ؛ وكانَ ذَلِكَ عَلى طَرِيقِ التَّعْرِيضِ، وكانَ أبْلَغَ.
والتَّكَبُّرُ: تَعاظُمُ الإنْسانِ في نَفْسِهِ مَعَ حَقارَتِهِ؛ لِأنَّهُ يَفْعَلُ، و﴿لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الحِسابِ﴾، أيْ: بِالجَزاءِ، وكانَ ذَلِكَ آكَدَ في جَراءَتِهِ، إذْ حَصَلَ لَهُ التَّعاظُمُ في نَفْسِهِ، وعَدَمُ المُبالاةِ بِما ارْتَكَبَ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: (عُذْتُ) بِالإدْغامِ؛ وباقِي السَّبْعَةِ: بِالإظْهارِ.
﴿وقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِن آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إيمانَهُ﴾ قِيلَ: كانَ قِبْطِيًّا ابْنَ عَمِّ فِرْعَوْنَ، وكانَ يَجْرِي مَجْرى ولِيِّ العَهْدِ، ومَجْرى صاحِبِ الشُّرْطَةِ. وقِيلَ: كانَ قِبْطِيًّا لَيْسَ مِن قَرابَتِهِ. وقِيلَ: قِيلَ فِيهِ مِن آلِ فِرْعَوْنَ؛ لِأنَّهُ كانَ في الظّاهِرِ عَلى دِينِهِ ودِينِ أتْباعِهِ.
وقِيلَ: كانَ إسْرائِيلِيًّا ولَيْسَ مِن آلِ فِرْعَوْنَ، وجَعَلَ آلَ فِرْعَوْنَ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ: ﴿يَكْتُمُ إيمانَهُ﴾، لا في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِرَجُلٍ، كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ الظّاهِرُ، وهَذا فِيهِ بُعْدٌ، إذْ لَمْ يَكُنْ لِأحَدٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ أنْ يَتَجاسَرَ عِنْدَ فِرْعَوْنَ بِمِثْلِ ما تَكَلَّمَ بِهِ هَذا الرَّجُلُ.
وقَدْ رُدَّ قَوْلُ مَن عَلَّقَ مِن آلِ فِرْعَوْنَ بِيَكْتُمُ، فَإنَّهُ لا يُقالُ: كَتَمْتُ مِن فُلانٍ كَذا، إنَّما يُقالُ: كَتَمْتُ فُلانًا كَذا، قالَ تَعالى: ﴿ولا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٤٢]، وقالَ الشّاعِرُ:
؎كَتَمْتُكَ لَيْلًا بِالجَمُومِينَ ساهِرًا ∗∗∗ وهَمَّيْنِ هَمًّا مُسْتَكِنًّا وظاهِرا
؎أحادِيثَ نَفْسٍ تَشْتَكِي ما يُرِيبُها ∗∗∗ ووِرْدَ هُمُومٍ لَنْ يَجِدْنَ مَصادِرا
أيْ: كَتَمْتُكَ أحادِيثَ نَفْسٍ وهَمَّيْنِ. قِيلَ: واسْمُهُ سَمْعانُ. وقِيلَ: حَبِيبٌ. وقِيلَ: حِزْقِيلُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (رَجُلٌ) بِضَمِّ الجِيمِ. وقَرَأ عِيسى، وعَبْدُ الوارِثِ، وعُبَيْدُ بْنُ عُقَيْلٍ، وحَمْزَةُ بْنُ القاسِمِ عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِسُكُونٍ، وهي لُغَةُ تَمِيمٍ ونَجْدٍ.
﴿أتَقْتُلُونَ رَجُلًا أنْ يَقُولَ﴾ أيْ: لِأنْ يَقُولَ ﴿رَبِّيَ اللَّهُ﴾، وهَذا إنْكارٌ مِنهُ عَظِيمٌ وتَبْكِيتٌ لَهم، كَأنَّهُ قالَ: أتَرْتَكِبُونَ الفِعْلَةَ الشَّنْعاءَ الَّتِي هي قَتْلُ نَفْسٍ مُحَرَّمَةٍ وما لَكم عَلَيْهِ في ارْتِكابِها إلّا كَلِمَةُ الحَقِّ الَّتِي نَطَقَ بِها، وهي قَوْلُهُ: ﴿رَبِّيَ اللَّهُ﴾، مَعَ أنَّهُ ﴿قَدْ جاءَكم بِالبَيِّناتِ مِن رَبِّكُمْ﴾ أيْ: مِن عِنْدِ مَن نَسَبَ إلَيْهِ الرُّبُوبِيَّةَ، وهو رَبُّكم لا رَبُّهُ وحْدَهُ ؟ وهَذا اسْتِدْراجٌ إلى الِاعْتِرافِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولَكَ أنْ تُقَدِّرَ مُضافًا مَحْذُوفًا، أيْ: وقْتَ أنْ يَقُولَ، والمَعْنى: أتَقْتُلُونَهُ ساعَةَ سَمِعْتُمْ مِنهُ هَذا القَوْلَ مِن غَيْرِ رَوِيَّةٍ ولا فِكْرٍ في أمْرِهِ ؟ انْتَهى. وهَذا الَّذِي أجازَهُ مِن تَقْدِيرِ المُضافِ المَحْذُوفِ الَّذِي هو وقْتٌ لا يَجُوزُ، تَقُولُ: جِئْتُ صِياحَ الدِّيكِ، أيْ: وقْتَ صِياحِ الدِّيكِ، ولا أجِيءُ أنْ يَصِيحَ الدِّيكُ، نَصَّ عَلى ذَلِكَ النُّحاةُ، فَشَرْطُ ذَلِكَ أنْ يَكُونَ المَصْدَرُ مُصَرَّحًا بِهِ لا مُقَدَّرًا، وأنْ يَقُولَ لَيْسَ مَصْدَرًا مُصَرَّحًا بِهِ.
(بِالبَيِّناتِ): بِالدَّلائِلِ عَلى التَّوْحِيدِ، وهي الَّتِي ذَكَرَها في (طه، والشُّعَراءِ) حالَةَ مُحاوَرَتِهِ لَهُ في سُؤالِهِ عَنْ رَبِّهِ تَعالى.
ولَمّا صَرَّحَ بِالإنْكارِ عَلَيْهِمْ، غالَطَهم بَعْدُ في أنَّ قَسَّمَ أمْرَهُ إلى كَذِبٍ وصِدْقٍ، وأدّى ذَلِكَ في صُورَةِ (p-٤٦١)احْتِمالٍ ونَصِيحَةٍ، وبَدَأ في التَّقْسِيمِ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنْ يَكُ كاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ﴾، مُداراةً مِنهُ وسالِكًا طَرِيقَ الإنْصافِ في القَوْلِ، وخَوْفًا إذا أنْكَرَ عَلَيْهِمْ قَتْلَهُ أنَّهُ مِمَّنْ يُعاضِدُهُ ويُناصِرُهُ، فَأوْهَمَهم بِهَذا التَّقْسِيمِ والبَداءَةِ بِحالَةِ الكَذِبِ حَتّى يَسْلَمَ مِن شَرِّهِ، ويَكُونَ ذَلِكَ أدْنى لِتَسْلِيمِهِمْ. ومَعْنى ﴿فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ﴾ أيْ: لا يَتَخَطّاهُ ضَرَرُهُ.
﴿وإنْ يَكُ صادِقًا يُصِبْكم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾، وهو يَعْتَقِدُ أنَّهُ نَبِيٌّ صادِقٌ قَطْعًا، لَكِنَّهُ أتى بِلَفْظِ (بَعْضُ) لِإلْزامِ الحُجَّةِ بِأسْرِها في الأمْرِ، ولَيْسَ فِيهِ نَفْيُ أنْ يُصِيبَهم كُلُّ ما يَعِدُهم.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: يُصِبْكم بَعْضُ العَذابِ الَّذِي يَذْكُرُ، وذَلِكَ كانَ في هَلاكِهِمْ، ويَكُونُ المَعْنى: يُصِبْكُمُ القَسَمُ الواحِدُ مِمّا يَعِدُ بِهِ، وذَلِكَ هو بَعْضٌ مِمّا يَعِدُ؛ لِأنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وعَدَهم إنْ آمَنُوا بِالنِّعْمَةِ، وإنْ كَفَرُوا بِالنِّقْمَةِ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكم عَذابُ الدُّنْيا؛ لِأنَّهُ بَعْضُ عَذابِ الآخِرَةِ، ويَصِيرُونَ بَعْدَ ذَلِكَ إلى النّارِ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ: (بَعْضُ) بِمَعْنى كُلُّ، وأنْشَدُوا قَوْلَ عَمْرِو بْنِ شَسِيمٍ القَطامِيِّ:
؎قَدْ يُدْرِكُ المُتَأنِّي بَعْضَ حاجَتِهِ ∗∗∗ وقَدْ يَكُونُ مَعَ المُسْتَعْجَلِ الزَّلَلُ
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وذَلِكَ أنَّهُ حِينَ فَرَضَ صادِقًا، فَقَدْ أثْبَتَ أنَّهُ صادِقٌ في جَمِيعِ ما يَعِدُ، ولَكِنَّهُ أرْدَفَهُ ﴿يُصِبْكم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾، لِيَهْضِمَهُ بَعْضَ حَقِّهِ في ظاهِرِ الكَلامِ، فَيُرِيَهم أنَّهُ لَيْسَ بِكَلامِ مَن أعْطاهُ وافِيًا فَضْلًا أنْ يَتَعَصَّبَ لَهُ.
(فَإنْ قُلْتَ): وعَنْ أبِي عُبَيْدَةَ أنَّهُ قَسَّمَ البَعْضَ بِالكُلِّ، وأنْشَدَ بَيْتَ لَبِيدٍ وهو:
؎تَرّاكُ أمْكِنَةٍ إذا لَمْ أرْضَها ∗∗∗ ويُرِيكَ مِن بَعْضِ النُّفُوسِ حِمامُها
(قُلْتُ): إنْ صَحَّتِ الرِّوايَةُ عَنْهُ فَقَدْ حَقَّ في قَوْلِ المازِنِيِّ في مَسْألَةِ العافِيِ كانَ أحْفى مِن أنْ يَفْقَهَ ما أقُولُ لَهُ. انْتَهى، ويَعْنِي أنَّ أبا عُبَيْدَةَ خَطَّأهُ النّاسُ في اعْتِقادِهِ أنْ بَعْضًا يَكُونُ بِمَعْنى كُلٍّ، وأنْشَدُوا أيْضًا في كَوْنِ بَعْضٍ بِمَعْنى كُلٍّ قَوْلَ الشّاعِرِ:
؎إنَّ الأُمُورَ إذا الأحْداثُ دَبَّرَها ∗∗∗ دُونَ الشُّيُوخِ تَرى في بَعْضِها خَلَلا
أيْ: إذا رَأى الأحْداثَ، ولِذَلِكَ قالَ دَبَّرَها ولَمْ يَقُلْ دَبَّرُوها، راعى المُضافَ المَحْذُوفَ.
﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن هو مُسْرِفٌ كَذّابٌ﴾ فِيهِ: إشارَةٌ إلى عُلُوِّ شَأْنِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأنَّ مَنِ اصْطَفاهُ اللَّهُ لِلنُّبُوَّةِ لا يُمْكِنُ أنْ يَقَعَ مِنهُ إسْرافٌ ولا كَذِبٌ، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِفِرْعَوْنَ؛ إذْ هو غايَةُ الإسْرافِ عَلى نَفْسِهِ بِقَتْلِ أبْناءِ المُؤْمِنِينَ، وفي غايَةِ الكَذِبِ؛ إذِ ادَّعى الإلَهِيَّةَ والرُّبُوبِيَّةَ، ومَن هَذا شَأْنُهُ لا يَهْدِيهِ اللَّهُ.
وفِي الحَدِيثِ: ”«الصِّدِّيقُونَ ثَلاثَةٌ: حَبِيبٌ النَّجّارُ مُؤْمِنُ آلِ يس، ومُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ، وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ“ .
وفِي الحَدِيثِ: ”» أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - طافَ بِالبَيْتِ، فَحِينَ فَرَغَ أخَذَ بِمَجامِعِ رِدائِهِ، فَقالُوا لَهُ: أنْتَ الَّذِي تَنْهانا عَمّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا ؟ فَقالَ: أنا ذاكَ، فَقامَ أبُو بَكْرٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فالتَزَمَهُ مِن ورائِهِ، وقالَ: أتَقْتُلُونَ رَجُلًا أنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ، وقَدْ جاءَكم بِالبَيِّناتِ مِن رَبِّكم“، رافِعًا صَوْتَهُ بِذَلِكَ وعَيْناهُ تَسْفَحانِ بِالدُّمُوعِ حَتّى أرْسَلُوهُ.
وعَنْ جَعْفَرٍ الصّادِقِ: أنَّ مُؤْمِنَ آلِ فِرْعَوْنَ قالَ ذَلِكَ سِرًّا، وأبُو بَكْرٍ قالَهُ ظاهِرًا. وقالَ السُّدِّيُّ: (مُسْرِفٌ) بِالقَتْلِ. وقالَ قَتادَةُ: (مُسْرِفٌ) بِالكُفْرِ.
وقالَ صاحِبُ التَّحْرِيرِ والتَّحْبِيرِ: هَذا نَوْعٌ مِن أنْواعِ عِلْمِ البَيانِ تُسَمِّيهِ عُلَماؤُنا اسْتِدْراجَ المُخاطَبِ، وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا رَأى فِرْعَوْنَ قَدْ عَزَمَ عَلى قَتْلِ مُوسى، والقَوْمَ عَلى تَكْذِيبِهِ، أرادَ الِانْتِصارَ لَهُ بِطَرِيقٍ يُخْفِي عَلَيْهِمْ بِها أنَّهُ مُتَعَصِّبٌ لَهُ، وأنَّهُ مِن أتْباعِهِ، فَجاءَهم مِن طَرِيقِ النُّصْحِ والمُلاطَفَةِ فَقالَ: ﴿أتَقْتُلُونَ رَجُلًا أنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾، ولَمْ يَذْكُرِ اسْمَهُ، بَلْ قالَ رَجُلًا يُوهِمُ أنَّهُ لا يَعْرِفُهُ ولا يَتَعَصَّبُ لَهُ، ﴿أنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾، ولَمْ يَقُلْ رَجُلًا مُؤْمِنًا بِاللَّهِ، أوْ هو نَبِيُّ اللَّهِ؛ إذْ لَوْ قالَ شَيْئًا مِن ذَلِكَ لَعَلِمُوا أنَّهُ مُتَعَصِّبٌ. ولَمْ يَقْبَلُوا قَوْلَهُ، ثُمَّ أتْبَعَهُ بِما بَعْدَ ذَلِكَ، فَقَدَّمَ قَوْلَهُ: ﴿وإنْ يَكُ كاذِبًا﴾، مُوافَقَةً لِرَأْيِهِمْ فِيهِ. ثُمَّ تَلاهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنْ يَكُ صادِقًا﴾، ولَوْ قالَ: هو صادِقٌ وكَلُّ (p-٤٦٢)ما يَعِدُكم، لَعَلِمُوا أنَّهُ مُتَعَصِّبٌ، وأنَّهُ يَزْعُمُ أنَّهُ نَبِيٌّ، وأنَّهُ يُصَدِّقُهُ، فَإنَّ الأنْبِياءَ لا تُخِلُّ بِشَيْءٍ مِمّا يَقُولُونَهُ، ثُمَّ أتْبَعَهُ بِكَلامٍ يُفْهَمُ مِنهُ أنَّهُ لَيْسَ بِمُصَدِّقٍ، وهو قَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن هو مُسْرِفٌ كَذّابٌ﴾ . انْتَهى.
ثُمَّ قالَ: (يا قَوْمِ) نِداءٌ مُتَلَطِّفٌ في مَوْعِظَتِهِمْ.
﴿ياقَوْمِ لَكُمُ المُلْكُ اليَوْمَ ظاهِرِينَ﴾ أيْ: عالِمِينَ: (في الأرْضِ): في أرْضِ مِصْرَ، قَدْ غَلَبْتُمْ بَنِي إسْرائِيلَ فِيها، وقَهَرْتُمُوهم واسْتَعْبَدْتُمُوهم، وناداهم بِالمُلْكِ الَّذِي هو أعْظَمُ مَراتِبِ الدُّنْيا وأجَلُّها، وهو مِن جِهَةِ شَهَواتِهِمْ، وانْتَصَبَ (ظاهِرِينَ) عَلى الحالِ، والعامِلُ فِيها هو العامِلُ في الجارِّ والمَجْرُورِ، وذُو الحالِ هو ضَمِيرُ (لَكم) .
ثُمَّ حَذَّرَهم أنْ يُفْسِدُوا عَلى أنْفُسِهِمْ بِأنَّهُ إنْ جاءَهم بَأْسُ اللَّهِ لَمْ يَجِدُوا ناصِرًا لَهم ولا دافِعًا، وأدْرَجَ نَفْسَهُ في قَوْلِهِ: ﴿يَنْصُرُنا﴾، و(جاءَنا) لِأنَّهُ مِنهم في القَرابَةِ، ولِيُعْلِمَهم أنَّ الَّذِي يَنْصَحُهم بِهِ هو مُشارِكٌ لَهم فِيهِ.
وأقْوالُ هَذا المُؤْمِنِ تَدُلُّ عَلى زَوالِ هَيْبَةِ فِرْعَوْنَ مِن قَلْبِهِ، ولِذَلِكَ اسْتَكانَ فِرْعَوْنُ وقالَ: ﴿ما أُرِيكم إلّا ما أرى﴾ أيْ: ما أُشِيرُ عَلَيْكم إلّا بِقَتْلِهِ، ولا أسْتَصْوِبُ إلّا ذَلِكَ، وهَذا قَوْلُ مِن لا تَحَكُّمَ لَهُ، وأتى بِما وإلّا لِلْحَصْرِ والتَّأْكِيدِ.
﴿وما أهْدِيكم إلّا سَبِيلَ الرَّشادِ﴾، لا ما تَقُولُونَهُ مِن تَرْكِ قَتْلِهِ وقَدْ كَذَبَ، بَلْ كانَ خائِفًا وجِلًا، وقَدْ عَلِمَ أنَّ ما جاءَ بِهِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - حَقٌّ، ولَكِنَّهُ كانَ يَتَجَلَّدُ، ويُرِي ظاهِرَهُ خِلافَ ما أبْطَنَ.
وأوْرَدَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وابْنُ عَطِيَّةَ، وأبُو القاسِمِ الهُذَلِيُّ هُنا أنَّ مُعاذَ بْنَ جَبَلٍ قَرَأ (الرَّشّادِ) بِشَدِّ الشِّينِ.
قالَ أبُو الفَتْحِ: وهو اسْمُ فاعِلٍ في بِنْيَةِ مُبالَغَةٍ مِنَ الفِعْلِ الثُّلاثِيِّ رَشَدَ، فَهو كَعَبّادٍ مِن عَبَدَ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ مِن رَشِدَ، كَعَلّامٍ مِن عَلِمَ. وقالَ النَّحّاسُ: هو لَحْنٌ، وتَوَهَّمَهُ مِنَ الفِعْلِ الرُّباعِيِّ، ورُدَّ عَلَيْهِ أنَّهُ لا يَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ مِنَ الرُّباعِيِّ، بَلْ هو مِنَ الثُّلاثِيِّ، عَلى أنَّ بَعْضَهم قَدْ ذَهَبَ إلى أنَّهُ مِنَ الرُّباعِيِّ، فَبَنى فَعّالَ مِن أفْعَلَ، كَدَرّاكِ مِن أدْرَكَ، وسَآرٍ مِن أسْأرَ، وجَبّارٍ مِن أجْبَرَ، وقَصّارٍ مِن أقْصَرَ، ولَكِنَّهُ لَيْسَ بِقِياسٍ، فَلا يُحْمَلُ عَلَيْهِ ما وُجِدَتْ عَنْهُ مَندُوحَةٌ، وفَعّالٌ مِنَ الثُّلاثِيِّ مَقِيسٌ فَحُمِلَ عَلَيْهِ.
وقالَ أبُو حاتِمٍ: كانَ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ يُفَسِّرُها بِسَبِيلِ اللَّهِ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَبْعُدُ عِنْدِي عَلى مُعاذٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - .
وهَلْ كانَ فِرْعَوْنُ إلّا يَدَّعِي أنَّهُ إلَهٌ ؟ وتَعَلَّقَ بِناءُ اللَّفْظِ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ. انْتَهى.
وإيرادُ الخِلافِ في هَذا الحَرْفِ الَّذِي هو مِن قَوْلِ فِرْعَوْنَ خَطَأٌ، وتَرْكِيبُ قَوْلُ مُعاذٍ عَلَيْهِ خَطَأٌ، والصَّوابُ أنَّ الخِلافَ فِيهِ هو قَوْلُ المُؤْمِنِ: ﴿اتَّبِعُونِ أهْدِكم سَبِيلَ الرَّشادِ﴾ [غافر: ٣٨] . قالَ أبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ في (كِتابِ اللَّوامِحِ) لَهُ مِن شَواذِّ القِراءاتِ ما نَصَّهُ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ ﴿سَبِيلَ الرَّشادِ﴾ [غافر: ٣٨] الحَرْفُ الثّانِي بِالتَّشْدِيدِ، وكَذَلِكَ الحَسَنُ، وهو سَبِيلُ اللَّهِ تَعالى الَّذِي أوْضَحَ الشَّرائِعَ، كَذَلِكَ فَسَّرَهُ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ، وهو مَنقُولٌ مِن مُرْشِدٍ، كَدَرّاكٍ مِن مُدْرِكٍ، وجَبّارٍ مِنَ مُجْبِرٍ، وقَصّارٍ مِن مُقْصِرٍ عَنِ الأمْرِ، ولَها نَظائِرُ مَعْدُودَةٌ، فَأمّا قَصّارٌ فَهو مِن قَصَرَ مِنَ الثَّوْبِ قِصارَةً. وقالَ ابْنُ خالَوَيْهِ، بَعْدَ أنْ ذَكَرَ الخِلافَ في التَّنادِ وفي صَدٍّ عَنِ السَّبِيلِ ما نَصُّهُ (سَبِيلُ الرَّشّادِ بِتَشْدِيدِ الشِّينِ) مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ. قالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: يَعْنِي بِالرَّشّادِ اللَّهَ تَعالى. انْتَهى.
فَهَذا لَمْ يَذْكُرِ الخِلافَ إلّا في قَوْلِ المُؤْمِنِ: ﴿أهْدِكم سَبِيلَ الرَّشادِ﴾ [غافر: ٣٨]، فَذِكْرُ الخِلافِ فِيهِ في قَوْلِ فِرْعَوْنَ خَطَأٌ، ولَمْ يُفَسِّرْ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ (الرَّشّادَ) أنَّهُ اللَّهُ تَعالى إلّا في قَوْلِ المُؤْمِنِ، لا في قَوْلِ فِرْعَوْنَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ذَلِكَ التَّأْوِيلُ مِن قَوْلِ فِرْعَوْنَ.
غافر 40:24
﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ ﴿إلى فِرْعَوْنَ وهامانَ وقارُونَ فَقالُوا ساحِرٌ كَذّابٌ﴾ ﴿فَلَمّا جاءَهم بِالحَقِّ مِن عِنْدِنا قالُوا اقْتُلُوا أبْناءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ واسْتَحْيُوا نِساءَهم وما كَيْدُ الكافِرِينَ إلّا في ضَلالٍ﴾ ﴿وقالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أقْتُلْ مُوسى ولْيَدْعُ رَبَّهُ إنِّي أخافُ أنْ يُبَدِّلَ دِينَكم أوْ أنْ يُظْهِرَ في الأرْضِ الفَسادَ﴾ ﴿وقالَ مُوسى إنِّي عُذْتُ بِرَبِّي ورَبِّكم مِن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الحِسابِ﴾ ﴿وقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِن آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إيمانَهُ أتَقْتُلُونَ رَجُلًا أنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وقَدْ جاءَكم بِالبَيِّناتِ مِن رَبِّكم وإنْ يَكُ كاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وإنْ يَكُ صادِقًا يُصِبْكم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكم إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن هو مُسْرِفٌ كَذّابٌ﴾ ﴿يا قَوْم لَكُمُ المُلْكُ اليَوْمَ ظاهِرِينَ في الأرْضِ فَمَن يَنْصُرُنا مِن بَأْسِ اللَّهِ إنْ جاءَنا قالَ فِرْعَوْنُ ما أُرِيكم إلّا ما أرى وما أهْدِيكم إلّا سَبِيلَ الرَّشادِ﴾ .
ابْتَدَأ تَعالى قِصَّةَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَعَ فِرْعَوْنَ تَسْلِيَةً لِلرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ووَعِيدًا لِقُرَيْشٍ أنْ يَحِلَّ بِهِمْ ما حَلَّ بِفِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ مِن نِقْماتِ اللَّهِ، (p-٤٥٩)ووَعْدًا لِلْمُؤْمِنِينَ بِالظَّفَرِ والنَّصْرِ وحُسْنِ العاقِبَةِ. وآياتُ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - كَثِيرَةٌ، والَّذِي تَحَدّى بِهِ مِنَ المُعْجِزِ العَصا واليَدُ.
وقَرَأ عِيسى: (وسُلُطانٍ) بِضَمِّ اللّامِ، والسُّلْطانُ المُبِينُ: الحُجَّةُ والبُرْهانُ الواضِحُ. والظّاهِرُ أنَّ قارُونَ هو الَّذِي ذَكَرَهُ تَعالى في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ قارُونَ كانَ مِن قَوْمِ مُوسى﴾ [القصص: ٧٦]، وهو مِن بَنِي إسْرائِيلَ.
وقِيلَ: هو غَيْرُهُ، ونَصَّ عَلى هامانَ وقارُونَ لِمَكانَتِهِما في الكُفْرِ، ولِأنَّهُما أشْهَرُ أتْباعِ فِرْعَوْنَ.
﴿فَقالُوا ساحِرٌ كَذّابٌ﴾ أيْ: هَذا ساحِرٌ، لِما ظَهَرَ عَلى يَدَيْهِ مِن قَلْبِ العَصا حَيَّةً، وظُهُورِ النُّورِ السّاطِعِ عَلى يَدِهِ، كَذّابٌ لِكَوْنِهِ ادَّعى أنَّهُ رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ.
﴿فَلَمّا جاءَهم بِالحَقِّ مِن عِنْدِنا﴾ أيْ: بِالمُعْجِزاتِ والنُّبُوَّةِ والدُّعاءِ إلى الإيمانِ بِاللَّهِ، (قالُوا)، أيْ: أُولَئِكَ الثَّلاثَةُ، (اقْتُلُوا) . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْ: أعِيدُوا عَلَيْهِمُ القَتْلَ كالَّذِي كانَ أوَّلًا. انْتَهى.
يُرِيدُ أنَّ هَذا غَيْرُ القَتْلِ الأوَّلِ، وإنَّما أُمِرُوا بِقَتْلِ أبْناءِ المُؤْمِنِينَ لِئَلّا يَتَقَوّى بِهِمْ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وبِاسْتِحْياءِ النِّساءِ لِلِاسْتِخْدامِ والِاسْتِرْقاقِ، ولَمْ يَقَعْ ما أمَرُوا بِهِ ولا تَمَّ لَهم، ولا أعانَهُمُ اللَّهُ عَلَيْهِ.
﴿وما كَيْدُ الكافِرِينَ إلّا في ضَلالٍ﴾ أيْ: في حَيْرَةٍ وتَخَبُّطٍ، لَمْ يَقَعْ مِنهُ شَيْءٌ، ولا أنْجَحَ سَعْيَهَمْ، وكانُوا باشَرُوا القَتْلَ أوَّلًا، فَنَفَذَ قَضاءُ اللَّهِ في إظْهارِ مَن خافُوا هَلاكَهم عَلى يَدَيْهِ.
وقِيلَ: كانَ فِرْعَوْنُ قَدْ كَفَّ عَنْ قَتْلِ الأبْناءِ، فَلَمّا بُعِثَ مُوسى، وأحَسَّ أنَّهُ قَدْ وقَعَ ما كانَ يَحْذَرُهُ، أعادَ القَتْلَ عَلَيْهِمْ غَيْظًا وحِنْقًا وظَنًّا مِنهُ أنَّهُ يَصُدُّهم بِذَلِكَ عَنْ مُظاهَرَةِ مُوسى، وما عَلِمَ أنَّ كَيْدَهُ ضائِعٌ في الكَرَّتَيْنِ مَعًا.
﴿وقالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أقْتُلْ مُوسى ولْيَدْعُ رَبَّهُ﴾، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بَعْضُهُ مِن كَلامِ الحَسَنِ، كانَ إذا هَمَّ بِقَتْلِهِ كَفُّوهُ بِقَوْلِهِمْ: لَيْسَ بِالَّذِي تَخافُهُ، هو أقَلُّ مِن ذَلِكَ وأضْعَفُ، وما هو إلّا بَعْضُ السَّحَرَةِ، ومِثْلُهُ لا يُقاوِمُهُ إلّا ساحِرٌ مِثْلُهُ، ويَقُولُونَ: إنْ قَتَلْتَهُ أدْخَلْتَ الشُّبْهَةَ عَلى النّاسِ، واعْتَقَدُوا أنَّكَ عَجَزْتَ عَنْ مُظاهَرَتِهِ بِالحُجَّةِ.
والظّاهِرُ أنَّ فِرْعَوْنَ - لَعَنَهُ اللَّهُ - كانَ قَدِ اسْتَيْقَنَ أنَّهُ نَبِيٌّ، وأنَّ ما جاءَ بِهِ آياتٌ وما هو سِحْرٌ، ولَكِنَّ الرَّجُلَ كانَ فِيهِ خُبْثٌ وجَبَرُوتٌ، وكانَ قَتّالًا سَفّاكًا لِلدِّماءِ في أهْوَنِ شَيْءٍ، فَكَيْفَ لا يَقْتُلُ مَن أحَسَّ مِنهُ بِأنَّهُ هو الَّذِي يَثُلُّ عَرْشَهُ، ويَهْدِمُ مُلْكَهُ ؟ ولَكِنَّهُ يَخافُ إنْ هَمَّ بِقَتْلِهِ أنْ يُعاجَلَ بِالهَلاكِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ولْيَدْعُ رَبَّهُ﴾: شاهِدُ صِدْقٍ عَلى فَرْطِ خَوْفِهِ مِنهُ ومِن دَعْوَتِهِ رَبَّهُ، كانَ قَوْلُهُ: ﴿ذَرُونِي أقْتُلْ مُوسى﴾ تَمْوِيهًا عَلى قَوْمِهِ وإيهامًا أنَّهم هُمُ الَّذِينَ يَكُفُّونَهُ، وما كانَ يَكُفُّهُ إلّا ما في نَفْسِهِ مِن هَوْلِ الفَزَعِ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الظّاهِرُ مِن أمْرِ فِرْعَوْنَ أنَّهُ لَمّا بَهَرَتْ آياتُ مُوسى انْهَدَّ رُكْنُهُ واضْطَرَبَتْ مُعْتَقَداتُ أصْحابِهِ، ولَمْ يَفْقِدْ مِنهم مَن يُجاذِبُهُ الخِلافَ في أمْرِهِ، وذَلِكَ بَيِّنٌ مِن غَيْرِ ما مَوْضِعٍ في قِصَّتِهِما، وفي ذَلِكَ عَلى هَذا دَلِيلانِ: أحَدُهُما: قَوْلُهُ ﴿ذَرُونِي﴾، فَلَيْسَتْ هَذِهِ مِن ألْفاظِ الجَبابِرَةِ المُتَمَكِّنِينَ مِن إنْفاذِ أوامِرِهِمْ.
الدَّلِيلُ الثّانِي: في مَقالَةِ المُؤْمِنِ وما صَدَعَ بِهِ، وأنَّ مُكاشَفَتَهُ لِفِرْعَوْنَ خَيْرٌ مِن مُساتَرَتِهِ، وحُكْمَهُ بِنُبُوَّةِ مُوسى أظْهَرُ مِن تَقْرِيبِهِ في أمْرِهِ. وأمّا فِرْعَوْنُ، فَإنَّهُ نَحا إلى المَخْرَقَةِ والِاضْطِرابِ والتَّعاطِي، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ذَرُونِي أقْتُلْ مُوسى ولْيَدْعُ رَبَّهُ﴾ أيْ: إنِّي لا أُبالِي مِن رَبِّ مُوسى، ثُمَّ رَجَعَ إلى قَوْمِهِ يُرِيهِمُ النَّصِيحَةَ والخِيانَةَ لَهم، فَقالَ: ﴿إنِّي أخافُ أنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ﴾، والدِّينُ: السُّلْطانُ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ:
؎لَئِنْ حَلَلْتَ بِجَوٍّ في بَنِي أسَدٍ في دِينِ عَمْرٍو وحالَتْ بَيْنَنا فَدَكُ
انْتَهى.
وتَبْدِيلُ دِينِهِمْ هو تَغْيِيرُهُ، وكانُوا يَعْبُدُونَهُ ويَعْبُدُونَ الأصْنامَ، كَما قالَ: ﴿ويَذَرَكَ وآلِهَتَكَ﴾ [الأعراف: ١٢٧]، ﴿أوْ أنْ يُظْهِرَ في الأرْضِ الفَسادَ﴾ وذَلِكَ بِالتَّهارُجِ الَّذِي يَذْهَبُ مَعَهُ الأمْنُ، وتَتَعَطَّلُ المَزارِعُ والمَكاسِبُ، ويَهْلَكُ النّاسُ قَتْلًا وضَياعًا، فَأخافُ فَسادَ دِينِكم ودُنْياكم مَعًا.
وبَدَأ فِرْعَوْنُ بِخَوْفِهِ تَغْيِيرَ دِينِهِمْ عَلى تَغْيِيرِ دُنْياهم؛ لِأنَّ حُبَّهَمْ لِأدْيانِهِمْ فَوْقَ حُبِّهِمْ لِأمْوالِهِمْ.
وقِيلَ: ﴿ذَرُونِي﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهم كانُوا يَمْنَعُونَهُ مِن قَتْلِهِ، إمّا لِكَوْنِ بَعْضِهِمْ كانَ مُصَدِّقًا لَهُ فَيَتَحَيَّلُ في مَنعِ قَتْلِهِ، وإمّا لِما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ مِمّا ذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وإمّا لِشَغْلِ (p-٤٦٠)قَلْبِ فِرْعَوْنَ بِمُوسى حَتّى لا يَتَفَرَّغَ لَهم، ويَأْمَنُوا مِن شَرِّهِ؛ كَما يَفْعَلُونَ مَعَ المَلِكِ إذا خَرَجَ عَلَيْهِ خارِجِيٌّ شَغَلُوهُ بِهِ حَتّى يَأْمَنُوا مِن شَرِّهِ.
وقَرَأ الكُوفِيُّونَ: (أوْ أنْ)، بِتَرْدِيدِ الخَوْفِ بَيْنَ تَبْدِيلِ الدِّينِ أوْ ظُهُورِ الفَسادِ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ: (وأنْ) بِانْتِصابِ الخَوْفِ عَلَيْهِما مَعًا.
وقَرَأ أنَسُ بْنُ مالِكٍ، وابْنُ المُسَيَّبِ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وأبُو رَجاءٍ، والحَسَنُ، والجَحْدَرِيُّ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ: (يُظْهِرَ) مِن أظْهَرَ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، (الفَسادَ): نَصْبًا. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ، والأعْرَجُ، والأعْمَشُ، وابْنُ وثّابٍ، وعِيسى: (يَظْهَرُ) مِن ظَهَرَ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، (الفَسادُ): رَفْعًا.
وقَرَأ مُجاهِدٌ: (يَظَّهَّرُ) بِشَدِّ الظّاءِ والهاءِ، (الفَسادُ): رَفْعًا. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (يُظْهَرُ): بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الهاءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، (الفَسادُ): رَفْعًا.
ولَمّا سَمِعَ مُوسى بِمُقالَةِ فِرْعَوْنَ، اسْتَعاذَ بِاللَّهِ مِن شَرِّ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ مُنْكِرٍ لِلْمَعادِ. وقالَ: (ورَبِّكم): بَعْثًا عَلى الِاقْتِداءِ بِهِ، فَيَعُوذُونَ بِاللَّهِ ويَعْتَصِمُونَ بِهِ.
و﴿مِن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ﴾ يَشْمَلُ فِرْعَوْنَ وغَيْرَهُ مِنَ الجَبابِرَةِ؛ وكانَ ذَلِكَ عَلى طَرِيقِ التَّعْرِيضِ، وكانَ أبْلَغَ.
والتَّكَبُّرُ: تَعاظُمُ الإنْسانِ في نَفْسِهِ مَعَ حَقارَتِهِ؛ لِأنَّهُ يَفْعَلُ، و﴿لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الحِسابِ﴾، أيْ: بِالجَزاءِ، وكانَ ذَلِكَ آكَدَ في جَراءَتِهِ، إذْ حَصَلَ لَهُ التَّعاظُمُ في نَفْسِهِ، وعَدَمُ المُبالاةِ بِما ارْتَكَبَ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: (عُذْتُ) بِالإدْغامِ؛ وباقِي السَّبْعَةِ: بِالإظْهارِ.
﴿وقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِن آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إيمانَهُ﴾ قِيلَ: كانَ قِبْطِيًّا ابْنَ عَمِّ فِرْعَوْنَ، وكانَ يَجْرِي مَجْرى ولِيِّ العَهْدِ، ومَجْرى صاحِبِ الشُّرْطَةِ. وقِيلَ: كانَ قِبْطِيًّا لَيْسَ مِن قَرابَتِهِ. وقِيلَ: قِيلَ فِيهِ مِن آلِ فِرْعَوْنَ؛ لِأنَّهُ كانَ في الظّاهِرِ عَلى دِينِهِ ودِينِ أتْباعِهِ.
وقِيلَ: كانَ إسْرائِيلِيًّا ولَيْسَ مِن آلِ فِرْعَوْنَ، وجَعَلَ آلَ فِرْعَوْنَ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ: ﴿يَكْتُمُ إيمانَهُ﴾، لا في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِرَجُلٍ، كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ الظّاهِرُ، وهَذا فِيهِ بُعْدٌ، إذْ لَمْ يَكُنْ لِأحَدٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ أنْ يَتَجاسَرَ عِنْدَ فِرْعَوْنَ بِمِثْلِ ما تَكَلَّمَ بِهِ هَذا الرَّجُلُ.
وقَدْ رُدَّ قَوْلُ مَن عَلَّقَ مِن آلِ فِرْعَوْنَ بِيَكْتُمُ، فَإنَّهُ لا يُقالُ: كَتَمْتُ مِن فُلانٍ كَذا، إنَّما يُقالُ: كَتَمْتُ فُلانًا كَذا، قالَ تَعالى: ﴿ولا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٤٢]، وقالَ الشّاعِرُ:
؎كَتَمْتُكَ لَيْلًا بِالجَمُومِينَ ساهِرًا ∗∗∗ وهَمَّيْنِ هَمًّا مُسْتَكِنًّا وظاهِرا
؎أحادِيثَ نَفْسٍ تَشْتَكِي ما يُرِيبُها ∗∗∗ ووِرْدَ هُمُومٍ لَنْ يَجِدْنَ مَصادِرا
أيْ: كَتَمْتُكَ أحادِيثَ نَفْسٍ وهَمَّيْنِ. قِيلَ: واسْمُهُ سَمْعانُ. وقِيلَ: حَبِيبٌ. وقِيلَ: حِزْقِيلُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (رَجُلٌ) بِضَمِّ الجِيمِ. وقَرَأ عِيسى، وعَبْدُ الوارِثِ، وعُبَيْدُ بْنُ عُقَيْلٍ، وحَمْزَةُ بْنُ القاسِمِ عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِسُكُونٍ، وهي لُغَةُ تَمِيمٍ ونَجْدٍ.
﴿أتَقْتُلُونَ رَجُلًا أنْ يَقُولَ﴾ أيْ: لِأنْ يَقُولَ ﴿رَبِّيَ اللَّهُ﴾، وهَذا إنْكارٌ مِنهُ عَظِيمٌ وتَبْكِيتٌ لَهم، كَأنَّهُ قالَ: أتَرْتَكِبُونَ الفِعْلَةَ الشَّنْعاءَ الَّتِي هي قَتْلُ نَفْسٍ مُحَرَّمَةٍ وما لَكم عَلَيْهِ في ارْتِكابِها إلّا كَلِمَةُ الحَقِّ الَّتِي نَطَقَ بِها، وهي قَوْلُهُ: ﴿رَبِّيَ اللَّهُ﴾، مَعَ أنَّهُ ﴿قَدْ جاءَكم بِالبَيِّناتِ مِن رَبِّكُمْ﴾ أيْ: مِن عِنْدِ مَن نَسَبَ إلَيْهِ الرُّبُوبِيَّةَ، وهو رَبُّكم لا رَبُّهُ وحْدَهُ ؟ وهَذا اسْتِدْراجٌ إلى الِاعْتِرافِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولَكَ أنْ تُقَدِّرَ مُضافًا مَحْذُوفًا، أيْ: وقْتَ أنْ يَقُولَ، والمَعْنى: أتَقْتُلُونَهُ ساعَةَ سَمِعْتُمْ مِنهُ هَذا القَوْلَ مِن غَيْرِ رَوِيَّةٍ ولا فِكْرٍ في أمْرِهِ ؟ انْتَهى. وهَذا الَّذِي أجازَهُ مِن تَقْدِيرِ المُضافِ المَحْذُوفِ الَّذِي هو وقْتٌ لا يَجُوزُ، تَقُولُ: جِئْتُ صِياحَ الدِّيكِ، أيْ: وقْتَ صِياحِ الدِّيكِ، ولا أجِيءُ أنْ يَصِيحَ الدِّيكُ، نَصَّ عَلى ذَلِكَ النُّحاةُ، فَشَرْطُ ذَلِكَ أنْ يَكُونَ المَصْدَرُ مُصَرَّحًا بِهِ لا مُقَدَّرًا، وأنْ يَقُولَ لَيْسَ مَصْدَرًا مُصَرَّحًا بِهِ.
(بِالبَيِّناتِ): بِالدَّلائِلِ عَلى التَّوْحِيدِ، وهي الَّتِي ذَكَرَها في (طه، والشُّعَراءِ) حالَةَ مُحاوَرَتِهِ لَهُ في سُؤالِهِ عَنْ رَبِّهِ تَعالى.
ولَمّا صَرَّحَ بِالإنْكارِ عَلَيْهِمْ، غالَطَهم بَعْدُ في أنَّ قَسَّمَ أمْرَهُ إلى كَذِبٍ وصِدْقٍ، وأدّى ذَلِكَ في صُورَةِ (p-٤٦١)احْتِمالٍ ونَصِيحَةٍ، وبَدَأ في التَّقْسِيمِ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنْ يَكُ كاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ﴾، مُداراةً مِنهُ وسالِكًا طَرِيقَ الإنْصافِ في القَوْلِ، وخَوْفًا إذا أنْكَرَ عَلَيْهِمْ قَتْلَهُ أنَّهُ مِمَّنْ يُعاضِدُهُ ويُناصِرُهُ، فَأوْهَمَهم بِهَذا التَّقْسِيمِ والبَداءَةِ بِحالَةِ الكَذِبِ حَتّى يَسْلَمَ مِن شَرِّهِ، ويَكُونَ ذَلِكَ أدْنى لِتَسْلِيمِهِمْ. ومَعْنى ﴿فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ﴾ أيْ: لا يَتَخَطّاهُ ضَرَرُهُ.
﴿وإنْ يَكُ صادِقًا يُصِبْكم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾، وهو يَعْتَقِدُ أنَّهُ نَبِيٌّ صادِقٌ قَطْعًا، لَكِنَّهُ أتى بِلَفْظِ (بَعْضُ) لِإلْزامِ الحُجَّةِ بِأسْرِها في الأمْرِ، ولَيْسَ فِيهِ نَفْيُ أنْ يُصِيبَهم كُلُّ ما يَعِدُهم.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: يُصِبْكم بَعْضُ العَذابِ الَّذِي يَذْكُرُ، وذَلِكَ كانَ في هَلاكِهِمْ، ويَكُونُ المَعْنى: يُصِبْكُمُ القَسَمُ الواحِدُ مِمّا يَعِدُ بِهِ، وذَلِكَ هو بَعْضٌ مِمّا يَعِدُ؛ لِأنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وعَدَهم إنْ آمَنُوا بِالنِّعْمَةِ، وإنْ كَفَرُوا بِالنِّقْمَةِ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكم عَذابُ الدُّنْيا؛ لِأنَّهُ بَعْضُ عَذابِ الآخِرَةِ، ويَصِيرُونَ بَعْدَ ذَلِكَ إلى النّارِ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ: (بَعْضُ) بِمَعْنى كُلُّ، وأنْشَدُوا قَوْلَ عَمْرِو بْنِ شَسِيمٍ القَطامِيِّ:
؎قَدْ يُدْرِكُ المُتَأنِّي بَعْضَ حاجَتِهِ ∗∗∗ وقَدْ يَكُونُ مَعَ المُسْتَعْجَلِ الزَّلَلُ
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وذَلِكَ أنَّهُ حِينَ فَرَضَ صادِقًا، فَقَدْ أثْبَتَ أنَّهُ صادِقٌ في جَمِيعِ ما يَعِدُ، ولَكِنَّهُ أرْدَفَهُ ﴿يُصِبْكم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾، لِيَهْضِمَهُ بَعْضَ حَقِّهِ في ظاهِرِ الكَلامِ، فَيُرِيَهم أنَّهُ لَيْسَ بِكَلامِ مَن أعْطاهُ وافِيًا فَضْلًا أنْ يَتَعَصَّبَ لَهُ.
(فَإنْ قُلْتَ): وعَنْ أبِي عُبَيْدَةَ أنَّهُ قَسَّمَ البَعْضَ بِالكُلِّ، وأنْشَدَ بَيْتَ لَبِيدٍ وهو:
؎تَرّاكُ أمْكِنَةٍ إذا لَمْ أرْضَها ∗∗∗ ويُرِيكَ مِن بَعْضِ النُّفُوسِ حِمامُها
(قُلْتُ): إنْ صَحَّتِ الرِّوايَةُ عَنْهُ فَقَدْ حَقَّ في قَوْلِ المازِنِيِّ في مَسْألَةِ العافِيِ كانَ أحْفى مِن أنْ يَفْقَهَ ما أقُولُ لَهُ. انْتَهى، ويَعْنِي أنَّ أبا عُبَيْدَةَ خَطَّأهُ النّاسُ في اعْتِقادِهِ أنْ بَعْضًا يَكُونُ بِمَعْنى كُلٍّ، وأنْشَدُوا أيْضًا في كَوْنِ بَعْضٍ بِمَعْنى كُلٍّ قَوْلَ الشّاعِرِ:
؎إنَّ الأُمُورَ إذا الأحْداثُ دَبَّرَها ∗∗∗ دُونَ الشُّيُوخِ تَرى في بَعْضِها خَلَلا
أيْ: إذا رَأى الأحْداثَ، ولِذَلِكَ قالَ دَبَّرَها ولَمْ يَقُلْ دَبَّرُوها، راعى المُضافَ المَحْذُوفَ.
﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن هو مُسْرِفٌ كَذّابٌ﴾ فِيهِ: إشارَةٌ إلى عُلُوِّ شَأْنِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأنَّ مَنِ اصْطَفاهُ اللَّهُ لِلنُّبُوَّةِ لا يُمْكِنُ أنْ يَقَعَ مِنهُ إسْرافٌ ولا كَذِبٌ، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِفِرْعَوْنَ؛ إذْ هو غايَةُ الإسْرافِ عَلى نَفْسِهِ بِقَتْلِ أبْناءِ المُؤْمِنِينَ، وفي غايَةِ الكَذِبِ؛ إذِ ادَّعى الإلَهِيَّةَ والرُّبُوبِيَّةَ، ومَن هَذا شَأْنُهُ لا يَهْدِيهِ اللَّهُ.
وفِي الحَدِيثِ: ”«الصِّدِّيقُونَ ثَلاثَةٌ: حَبِيبٌ النَّجّارُ مُؤْمِنُ آلِ يس، ومُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ، وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ“ .
وفِي الحَدِيثِ: ”» أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - طافَ بِالبَيْتِ، فَحِينَ فَرَغَ أخَذَ بِمَجامِعِ رِدائِهِ، فَقالُوا لَهُ: أنْتَ الَّذِي تَنْهانا عَمّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا ؟ فَقالَ: أنا ذاكَ، فَقامَ أبُو بَكْرٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فالتَزَمَهُ مِن ورائِهِ، وقالَ: أتَقْتُلُونَ رَجُلًا أنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ، وقَدْ جاءَكم بِالبَيِّناتِ مِن رَبِّكم“، رافِعًا صَوْتَهُ بِذَلِكَ وعَيْناهُ تَسْفَحانِ بِالدُّمُوعِ حَتّى أرْسَلُوهُ.
وعَنْ جَعْفَرٍ الصّادِقِ: أنَّ مُؤْمِنَ آلِ فِرْعَوْنَ قالَ ذَلِكَ سِرًّا، وأبُو بَكْرٍ قالَهُ ظاهِرًا. وقالَ السُّدِّيُّ: (مُسْرِفٌ) بِالقَتْلِ. وقالَ قَتادَةُ: (مُسْرِفٌ) بِالكُفْرِ.
وقالَ صاحِبُ التَّحْرِيرِ والتَّحْبِيرِ: هَذا نَوْعٌ مِن أنْواعِ عِلْمِ البَيانِ تُسَمِّيهِ عُلَماؤُنا اسْتِدْراجَ المُخاطَبِ، وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا رَأى فِرْعَوْنَ قَدْ عَزَمَ عَلى قَتْلِ مُوسى، والقَوْمَ عَلى تَكْذِيبِهِ، أرادَ الِانْتِصارَ لَهُ بِطَرِيقٍ يُخْفِي عَلَيْهِمْ بِها أنَّهُ مُتَعَصِّبٌ لَهُ، وأنَّهُ مِن أتْباعِهِ، فَجاءَهم مِن طَرِيقِ النُّصْحِ والمُلاطَفَةِ فَقالَ: ﴿أتَقْتُلُونَ رَجُلًا أنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾، ولَمْ يَذْكُرِ اسْمَهُ، بَلْ قالَ رَجُلًا يُوهِمُ أنَّهُ لا يَعْرِفُهُ ولا يَتَعَصَّبُ لَهُ، ﴿أنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾، ولَمْ يَقُلْ رَجُلًا مُؤْمِنًا بِاللَّهِ، أوْ هو نَبِيُّ اللَّهِ؛ إذْ لَوْ قالَ شَيْئًا مِن ذَلِكَ لَعَلِمُوا أنَّهُ مُتَعَصِّبٌ. ولَمْ يَقْبَلُوا قَوْلَهُ، ثُمَّ أتْبَعَهُ بِما بَعْدَ ذَلِكَ، فَقَدَّمَ قَوْلَهُ: ﴿وإنْ يَكُ كاذِبًا﴾، مُوافَقَةً لِرَأْيِهِمْ فِيهِ. ثُمَّ تَلاهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنْ يَكُ صادِقًا﴾، ولَوْ قالَ: هو صادِقٌ وكَلُّ (p-٤٦٢)ما يَعِدُكم، لَعَلِمُوا أنَّهُ مُتَعَصِّبٌ، وأنَّهُ يَزْعُمُ أنَّهُ نَبِيٌّ، وأنَّهُ يُصَدِّقُهُ، فَإنَّ الأنْبِياءَ لا تُخِلُّ بِشَيْءٍ مِمّا يَقُولُونَهُ، ثُمَّ أتْبَعَهُ بِكَلامٍ يُفْهَمُ مِنهُ أنَّهُ لَيْسَ بِمُصَدِّقٍ، وهو قَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن هو مُسْرِفٌ كَذّابٌ﴾ . انْتَهى.
ثُمَّ قالَ: (يا قَوْمِ) نِداءٌ مُتَلَطِّفٌ في مَوْعِظَتِهِمْ.
﴿ياقَوْمِ لَكُمُ المُلْكُ اليَوْمَ ظاهِرِينَ﴾ أيْ: عالِمِينَ: (في الأرْضِ): في أرْضِ مِصْرَ، قَدْ غَلَبْتُمْ بَنِي إسْرائِيلَ فِيها، وقَهَرْتُمُوهم واسْتَعْبَدْتُمُوهم، وناداهم بِالمُلْكِ الَّذِي هو أعْظَمُ مَراتِبِ الدُّنْيا وأجَلُّها، وهو مِن جِهَةِ شَهَواتِهِمْ، وانْتَصَبَ (ظاهِرِينَ) عَلى الحالِ، والعامِلُ فِيها هو العامِلُ في الجارِّ والمَجْرُورِ، وذُو الحالِ هو ضَمِيرُ (لَكم) .
ثُمَّ حَذَّرَهم أنْ يُفْسِدُوا عَلى أنْفُسِهِمْ بِأنَّهُ إنْ جاءَهم بَأْسُ اللَّهِ لَمْ يَجِدُوا ناصِرًا لَهم ولا دافِعًا، وأدْرَجَ نَفْسَهُ في قَوْلِهِ: ﴿يَنْصُرُنا﴾، و(جاءَنا) لِأنَّهُ مِنهم في القَرابَةِ، ولِيُعْلِمَهم أنَّ الَّذِي يَنْصَحُهم بِهِ هو مُشارِكٌ لَهم فِيهِ.
وأقْوالُ هَذا المُؤْمِنِ تَدُلُّ عَلى زَوالِ هَيْبَةِ فِرْعَوْنَ مِن قَلْبِهِ، ولِذَلِكَ اسْتَكانَ فِرْعَوْنُ وقالَ: ﴿ما أُرِيكم إلّا ما أرى﴾ أيْ: ما أُشِيرُ عَلَيْكم إلّا بِقَتْلِهِ، ولا أسْتَصْوِبُ إلّا ذَلِكَ، وهَذا قَوْلُ مِن لا تَحَكُّمَ لَهُ، وأتى بِما وإلّا لِلْحَصْرِ والتَّأْكِيدِ.
﴿وما أهْدِيكم إلّا سَبِيلَ الرَّشادِ﴾، لا ما تَقُولُونَهُ مِن تَرْكِ قَتْلِهِ وقَدْ كَذَبَ، بَلْ كانَ خائِفًا وجِلًا، وقَدْ عَلِمَ أنَّ ما جاءَ بِهِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - حَقٌّ، ولَكِنَّهُ كانَ يَتَجَلَّدُ، ويُرِي ظاهِرَهُ خِلافَ ما أبْطَنَ.
وأوْرَدَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وابْنُ عَطِيَّةَ، وأبُو القاسِمِ الهُذَلِيُّ هُنا أنَّ مُعاذَ بْنَ جَبَلٍ قَرَأ (الرَّشّادِ) بِشَدِّ الشِّينِ.
قالَ أبُو الفَتْحِ: وهو اسْمُ فاعِلٍ في بِنْيَةِ مُبالَغَةٍ مِنَ الفِعْلِ الثُّلاثِيِّ رَشَدَ، فَهو كَعَبّادٍ مِن عَبَدَ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ مِن رَشِدَ، كَعَلّامٍ مِن عَلِمَ. وقالَ النَّحّاسُ: هو لَحْنٌ، وتَوَهَّمَهُ مِنَ الفِعْلِ الرُّباعِيِّ، ورُدَّ عَلَيْهِ أنَّهُ لا يَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ مِنَ الرُّباعِيِّ، بَلْ هو مِنَ الثُّلاثِيِّ، عَلى أنَّ بَعْضَهم قَدْ ذَهَبَ إلى أنَّهُ مِنَ الرُّباعِيِّ، فَبَنى فَعّالَ مِن أفْعَلَ، كَدَرّاكِ مِن أدْرَكَ، وسَآرٍ مِن أسْأرَ، وجَبّارٍ مِن أجْبَرَ، وقَصّارٍ مِن أقْصَرَ، ولَكِنَّهُ لَيْسَ بِقِياسٍ، فَلا يُحْمَلُ عَلَيْهِ ما وُجِدَتْ عَنْهُ مَندُوحَةٌ، وفَعّالٌ مِنَ الثُّلاثِيِّ مَقِيسٌ فَحُمِلَ عَلَيْهِ.
وقالَ أبُو حاتِمٍ: كانَ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ يُفَسِّرُها بِسَبِيلِ اللَّهِ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَبْعُدُ عِنْدِي عَلى مُعاذٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - .
وهَلْ كانَ فِرْعَوْنُ إلّا يَدَّعِي أنَّهُ إلَهٌ ؟ وتَعَلَّقَ بِناءُ اللَّفْظِ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ. انْتَهى.
وإيرادُ الخِلافِ في هَذا الحَرْفِ الَّذِي هو مِن قَوْلِ فِرْعَوْنَ خَطَأٌ، وتَرْكِيبُ قَوْلُ مُعاذٍ عَلَيْهِ خَطَأٌ، والصَّوابُ أنَّ الخِلافَ فِيهِ هو قَوْلُ المُؤْمِنِ: ﴿اتَّبِعُونِ أهْدِكم سَبِيلَ الرَّشادِ﴾ [غافر: ٣٨] . قالَ أبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ في (كِتابِ اللَّوامِحِ) لَهُ مِن شَواذِّ القِراءاتِ ما نَصَّهُ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ ﴿سَبِيلَ الرَّشادِ﴾ [غافر: ٣٨] الحَرْفُ الثّانِي بِالتَّشْدِيدِ، وكَذَلِكَ الحَسَنُ، وهو سَبِيلُ اللَّهِ تَعالى الَّذِي أوْضَحَ الشَّرائِعَ، كَذَلِكَ فَسَّرَهُ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ، وهو مَنقُولٌ مِن مُرْشِدٍ، كَدَرّاكٍ مِن مُدْرِكٍ، وجَبّارٍ مِنَ مُجْبِرٍ، وقَصّارٍ مِن مُقْصِرٍ عَنِ الأمْرِ، ولَها نَظائِرُ مَعْدُودَةٌ، فَأمّا قَصّارٌ فَهو مِن قَصَرَ مِنَ الثَّوْبِ قِصارَةً. وقالَ ابْنُ خالَوَيْهِ، بَعْدَ أنْ ذَكَرَ الخِلافَ في التَّنادِ وفي صَدٍّ عَنِ السَّبِيلِ ما نَصُّهُ (سَبِيلُ الرَّشّادِ بِتَشْدِيدِ الشِّينِ) مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ. قالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: يَعْنِي بِالرَّشّادِ اللَّهَ تَعالى. انْتَهى.
فَهَذا لَمْ يَذْكُرِ الخِلافَ إلّا في قَوْلِ المُؤْمِنِ: ﴿أهْدِكم سَبِيلَ الرَّشادِ﴾ [غافر: ٣٨]، فَذِكْرُ الخِلافِ فِيهِ في قَوْلِ فِرْعَوْنَ خَطَأٌ، ولَمْ يُفَسِّرْ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ (الرَّشّادَ) أنَّهُ اللَّهُ تَعالى إلّا في قَوْلِ المُؤْمِنِ، لا في قَوْلِ فِرْعَوْنَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ذَلِكَ التَّأْوِيلُ مِن قَوْلِ فِرْعَوْنَ.
غافر 40:25
﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ ﴿إلى فِرْعَوْنَ وهامانَ وقارُونَ فَقالُوا ساحِرٌ كَذّابٌ﴾ ﴿فَلَمّا جاءَهم بِالحَقِّ مِن عِنْدِنا قالُوا اقْتُلُوا أبْناءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ واسْتَحْيُوا نِساءَهم وما كَيْدُ الكافِرِينَ إلّا في ضَلالٍ﴾ ﴿وقالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أقْتُلْ مُوسى ولْيَدْعُ رَبَّهُ إنِّي أخافُ أنْ يُبَدِّلَ دِينَكم أوْ أنْ يُظْهِرَ في الأرْضِ الفَسادَ﴾ ﴿وقالَ مُوسى إنِّي عُذْتُ بِرَبِّي ورَبِّكم مِن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الحِسابِ﴾ ﴿وقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِن آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إيمانَهُ أتَقْتُلُونَ رَجُلًا أنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وقَدْ جاءَكم بِالبَيِّناتِ مِن رَبِّكم وإنْ يَكُ كاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وإنْ يَكُ صادِقًا يُصِبْكم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكم إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن هو مُسْرِفٌ كَذّابٌ﴾ ﴿يا قَوْم لَكُمُ المُلْكُ اليَوْمَ ظاهِرِينَ في الأرْضِ فَمَن يَنْصُرُنا مِن بَأْسِ اللَّهِ إنْ جاءَنا قالَ فِرْعَوْنُ ما أُرِيكم إلّا ما أرى وما أهْدِيكم إلّا سَبِيلَ الرَّشادِ﴾ .
ابْتَدَأ تَعالى قِصَّةَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَعَ فِرْعَوْنَ تَسْلِيَةً لِلرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ووَعِيدًا لِقُرَيْشٍ أنْ يَحِلَّ بِهِمْ ما حَلَّ بِفِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ مِن نِقْماتِ اللَّهِ، (p-٤٥٩)ووَعْدًا لِلْمُؤْمِنِينَ بِالظَّفَرِ والنَّصْرِ وحُسْنِ العاقِبَةِ. وآياتُ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - كَثِيرَةٌ، والَّذِي تَحَدّى بِهِ مِنَ المُعْجِزِ العَصا واليَدُ.
وقَرَأ عِيسى: (وسُلُطانٍ) بِضَمِّ اللّامِ، والسُّلْطانُ المُبِينُ: الحُجَّةُ والبُرْهانُ الواضِحُ. والظّاهِرُ أنَّ قارُونَ هو الَّذِي ذَكَرَهُ تَعالى في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ قارُونَ كانَ مِن قَوْمِ مُوسى﴾ [القصص: ٧٦]، وهو مِن بَنِي إسْرائِيلَ.
وقِيلَ: هو غَيْرُهُ، ونَصَّ عَلى هامانَ وقارُونَ لِمَكانَتِهِما في الكُفْرِ، ولِأنَّهُما أشْهَرُ أتْباعِ فِرْعَوْنَ.
﴿فَقالُوا ساحِرٌ كَذّابٌ﴾ أيْ: هَذا ساحِرٌ، لِما ظَهَرَ عَلى يَدَيْهِ مِن قَلْبِ العَصا حَيَّةً، وظُهُورِ النُّورِ السّاطِعِ عَلى يَدِهِ، كَذّابٌ لِكَوْنِهِ ادَّعى أنَّهُ رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ.
﴿فَلَمّا جاءَهم بِالحَقِّ مِن عِنْدِنا﴾ أيْ: بِالمُعْجِزاتِ والنُّبُوَّةِ والدُّعاءِ إلى الإيمانِ بِاللَّهِ، (قالُوا)، أيْ: أُولَئِكَ الثَّلاثَةُ، (اقْتُلُوا) . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْ: أعِيدُوا عَلَيْهِمُ القَتْلَ كالَّذِي كانَ أوَّلًا. انْتَهى.
يُرِيدُ أنَّ هَذا غَيْرُ القَتْلِ الأوَّلِ، وإنَّما أُمِرُوا بِقَتْلِ أبْناءِ المُؤْمِنِينَ لِئَلّا يَتَقَوّى بِهِمْ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وبِاسْتِحْياءِ النِّساءِ لِلِاسْتِخْدامِ والِاسْتِرْقاقِ، ولَمْ يَقَعْ ما أمَرُوا بِهِ ولا تَمَّ لَهم، ولا أعانَهُمُ اللَّهُ عَلَيْهِ.
﴿وما كَيْدُ الكافِرِينَ إلّا في ضَلالٍ﴾ أيْ: في حَيْرَةٍ وتَخَبُّطٍ، لَمْ يَقَعْ مِنهُ شَيْءٌ، ولا أنْجَحَ سَعْيَهَمْ، وكانُوا باشَرُوا القَتْلَ أوَّلًا، فَنَفَذَ قَضاءُ اللَّهِ في إظْهارِ مَن خافُوا هَلاكَهم عَلى يَدَيْهِ.
وقِيلَ: كانَ فِرْعَوْنُ قَدْ كَفَّ عَنْ قَتْلِ الأبْناءِ، فَلَمّا بُعِثَ مُوسى، وأحَسَّ أنَّهُ قَدْ وقَعَ ما كانَ يَحْذَرُهُ، أعادَ القَتْلَ عَلَيْهِمْ غَيْظًا وحِنْقًا وظَنًّا مِنهُ أنَّهُ يَصُدُّهم بِذَلِكَ عَنْ مُظاهَرَةِ مُوسى، وما عَلِمَ أنَّ كَيْدَهُ ضائِعٌ في الكَرَّتَيْنِ مَعًا.
﴿وقالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أقْتُلْ مُوسى ولْيَدْعُ رَبَّهُ﴾، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بَعْضُهُ مِن كَلامِ الحَسَنِ، كانَ إذا هَمَّ بِقَتْلِهِ كَفُّوهُ بِقَوْلِهِمْ: لَيْسَ بِالَّذِي تَخافُهُ، هو أقَلُّ مِن ذَلِكَ وأضْعَفُ، وما هو إلّا بَعْضُ السَّحَرَةِ، ومِثْلُهُ لا يُقاوِمُهُ إلّا ساحِرٌ مِثْلُهُ، ويَقُولُونَ: إنْ قَتَلْتَهُ أدْخَلْتَ الشُّبْهَةَ عَلى النّاسِ، واعْتَقَدُوا أنَّكَ عَجَزْتَ عَنْ مُظاهَرَتِهِ بِالحُجَّةِ.
والظّاهِرُ أنَّ فِرْعَوْنَ - لَعَنَهُ اللَّهُ - كانَ قَدِ اسْتَيْقَنَ أنَّهُ نَبِيٌّ، وأنَّ ما جاءَ بِهِ آياتٌ وما هو سِحْرٌ، ولَكِنَّ الرَّجُلَ كانَ فِيهِ خُبْثٌ وجَبَرُوتٌ، وكانَ قَتّالًا سَفّاكًا لِلدِّماءِ في أهْوَنِ شَيْءٍ، فَكَيْفَ لا يَقْتُلُ مَن أحَسَّ مِنهُ بِأنَّهُ هو الَّذِي يَثُلُّ عَرْشَهُ، ويَهْدِمُ مُلْكَهُ ؟ ولَكِنَّهُ يَخافُ إنْ هَمَّ بِقَتْلِهِ أنْ يُعاجَلَ بِالهَلاكِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ولْيَدْعُ رَبَّهُ﴾: شاهِدُ صِدْقٍ عَلى فَرْطِ خَوْفِهِ مِنهُ ومِن دَعْوَتِهِ رَبَّهُ، كانَ قَوْلُهُ: ﴿ذَرُونِي أقْتُلْ مُوسى﴾ تَمْوِيهًا عَلى قَوْمِهِ وإيهامًا أنَّهم هُمُ الَّذِينَ يَكُفُّونَهُ، وما كانَ يَكُفُّهُ إلّا ما في نَفْسِهِ مِن هَوْلِ الفَزَعِ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الظّاهِرُ مِن أمْرِ فِرْعَوْنَ أنَّهُ لَمّا بَهَرَتْ آياتُ مُوسى انْهَدَّ رُكْنُهُ واضْطَرَبَتْ مُعْتَقَداتُ أصْحابِهِ، ولَمْ يَفْقِدْ مِنهم مَن يُجاذِبُهُ الخِلافَ في أمْرِهِ، وذَلِكَ بَيِّنٌ مِن غَيْرِ ما مَوْضِعٍ في قِصَّتِهِما، وفي ذَلِكَ عَلى هَذا دَلِيلانِ: أحَدُهُما: قَوْلُهُ ﴿ذَرُونِي﴾، فَلَيْسَتْ هَذِهِ مِن ألْفاظِ الجَبابِرَةِ المُتَمَكِّنِينَ مِن إنْفاذِ أوامِرِهِمْ.
الدَّلِيلُ الثّانِي: في مَقالَةِ المُؤْمِنِ وما صَدَعَ بِهِ، وأنَّ مُكاشَفَتَهُ لِفِرْعَوْنَ خَيْرٌ مِن مُساتَرَتِهِ، وحُكْمَهُ بِنُبُوَّةِ مُوسى أظْهَرُ مِن تَقْرِيبِهِ في أمْرِهِ. وأمّا فِرْعَوْنُ، فَإنَّهُ نَحا إلى المَخْرَقَةِ والِاضْطِرابِ والتَّعاطِي، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ذَرُونِي أقْتُلْ مُوسى ولْيَدْعُ رَبَّهُ﴾ أيْ: إنِّي لا أُبالِي مِن رَبِّ مُوسى، ثُمَّ رَجَعَ إلى قَوْمِهِ يُرِيهِمُ النَّصِيحَةَ والخِيانَةَ لَهم، فَقالَ: ﴿إنِّي أخافُ أنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ﴾، والدِّينُ: السُّلْطانُ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ:
؎لَئِنْ حَلَلْتَ بِجَوٍّ في بَنِي أسَدٍ في دِينِ عَمْرٍو وحالَتْ بَيْنَنا فَدَكُ
انْتَهى.
وتَبْدِيلُ دِينِهِمْ هو تَغْيِيرُهُ، وكانُوا يَعْبُدُونَهُ ويَعْبُدُونَ الأصْنامَ، كَما قالَ: ﴿ويَذَرَكَ وآلِهَتَكَ﴾ [الأعراف: ١٢٧]، ﴿أوْ أنْ يُظْهِرَ في الأرْضِ الفَسادَ﴾ وذَلِكَ بِالتَّهارُجِ الَّذِي يَذْهَبُ مَعَهُ الأمْنُ، وتَتَعَطَّلُ المَزارِعُ والمَكاسِبُ، ويَهْلَكُ النّاسُ قَتْلًا وضَياعًا، فَأخافُ فَسادَ دِينِكم ودُنْياكم مَعًا.
وبَدَأ فِرْعَوْنُ بِخَوْفِهِ تَغْيِيرَ دِينِهِمْ عَلى تَغْيِيرِ دُنْياهم؛ لِأنَّ حُبَّهَمْ لِأدْيانِهِمْ فَوْقَ حُبِّهِمْ لِأمْوالِهِمْ.
وقِيلَ: ﴿ذَرُونِي﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهم كانُوا يَمْنَعُونَهُ مِن قَتْلِهِ، إمّا لِكَوْنِ بَعْضِهِمْ كانَ مُصَدِّقًا لَهُ فَيَتَحَيَّلُ في مَنعِ قَتْلِهِ، وإمّا لِما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ مِمّا ذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وإمّا لِشَغْلِ (p-٤٦٠)قَلْبِ فِرْعَوْنَ بِمُوسى حَتّى لا يَتَفَرَّغَ لَهم، ويَأْمَنُوا مِن شَرِّهِ؛ كَما يَفْعَلُونَ مَعَ المَلِكِ إذا خَرَجَ عَلَيْهِ خارِجِيٌّ شَغَلُوهُ بِهِ حَتّى يَأْمَنُوا مِن شَرِّهِ.
وقَرَأ الكُوفِيُّونَ: (أوْ أنْ)، بِتَرْدِيدِ الخَوْفِ بَيْنَ تَبْدِيلِ الدِّينِ أوْ ظُهُورِ الفَسادِ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ: (وأنْ) بِانْتِصابِ الخَوْفِ عَلَيْهِما مَعًا.
وقَرَأ أنَسُ بْنُ مالِكٍ، وابْنُ المُسَيَّبِ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وأبُو رَجاءٍ، والحَسَنُ، والجَحْدَرِيُّ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ: (يُظْهِرَ) مِن أظْهَرَ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، (الفَسادَ): نَصْبًا. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ، والأعْرَجُ، والأعْمَشُ، وابْنُ وثّابٍ، وعِيسى: (يَظْهَرُ) مِن ظَهَرَ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، (الفَسادُ): رَفْعًا.
وقَرَأ مُجاهِدٌ: (يَظَّهَّرُ) بِشَدِّ الظّاءِ والهاءِ، (الفَسادُ): رَفْعًا. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (يُظْهَرُ): بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الهاءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، (الفَسادُ): رَفْعًا.
ولَمّا سَمِعَ مُوسى بِمُقالَةِ فِرْعَوْنَ، اسْتَعاذَ بِاللَّهِ مِن شَرِّ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ مُنْكِرٍ لِلْمَعادِ. وقالَ: (ورَبِّكم): بَعْثًا عَلى الِاقْتِداءِ بِهِ، فَيَعُوذُونَ بِاللَّهِ ويَعْتَصِمُونَ بِهِ.
و﴿مِن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ﴾ يَشْمَلُ فِرْعَوْنَ وغَيْرَهُ مِنَ الجَبابِرَةِ؛ وكانَ ذَلِكَ عَلى طَرِيقِ التَّعْرِيضِ، وكانَ أبْلَغَ.
والتَّكَبُّرُ: تَعاظُمُ الإنْسانِ في نَفْسِهِ مَعَ حَقارَتِهِ؛ لِأنَّهُ يَفْعَلُ، و﴿لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الحِسابِ﴾، أيْ: بِالجَزاءِ، وكانَ ذَلِكَ آكَدَ في جَراءَتِهِ، إذْ حَصَلَ لَهُ التَّعاظُمُ في نَفْسِهِ، وعَدَمُ المُبالاةِ بِما ارْتَكَبَ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: (عُذْتُ) بِالإدْغامِ؛ وباقِي السَّبْعَةِ: بِالإظْهارِ.
﴿وقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِن آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إيمانَهُ﴾ قِيلَ: كانَ قِبْطِيًّا ابْنَ عَمِّ فِرْعَوْنَ، وكانَ يَجْرِي مَجْرى ولِيِّ العَهْدِ، ومَجْرى صاحِبِ الشُّرْطَةِ. وقِيلَ: كانَ قِبْطِيًّا لَيْسَ مِن قَرابَتِهِ. وقِيلَ: قِيلَ فِيهِ مِن آلِ فِرْعَوْنَ؛ لِأنَّهُ كانَ في الظّاهِرِ عَلى دِينِهِ ودِينِ أتْباعِهِ.
وقِيلَ: كانَ إسْرائِيلِيًّا ولَيْسَ مِن آلِ فِرْعَوْنَ، وجَعَلَ آلَ فِرْعَوْنَ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ: ﴿يَكْتُمُ إيمانَهُ﴾، لا في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِرَجُلٍ، كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ الظّاهِرُ، وهَذا فِيهِ بُعْدٌ، إذْ لَمْ يَكُنْ لِأحَدٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ أنْ يَتَجاسَرَ عِنْدَ فِرْعَوْنَ بِمِثْلِ ما تَكَلَّمَ بِهِ هَذا الرَّجُلُ.
وقَدْ رُدَّ قَوْلُ مَن عَلَّقَ مِن آلِ فِرْعَوْنَ بِيَكْتُمُ، فَإنَّهُ لا يُقالُ: كَتَمْتُ مِن فُلانٍ كَذا، إنَّما يُقالُ: كَتَمْتُ فُلانًا كَذا، قالَ تَعالى: ﴿ولا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٤٢]، وقالَ الشّاعِرُ:
؎كَتَمْتُكَ لَيْلًا بِالجَمُومِينَ ساهِرًا ∗∗∗ وهَمَّيْنِ هَمًّا مُسْتَكِنًّا وظاهِرا
؎أحادِيثَ نَفْسٍ تَشْتَكِي ما يُرِيبُها ∗∗∗ ووِرْدَ هُمُومٍ لَنْ يَجِدْنَ مَصادِرا
أيْ: كَتَمْتُكَ أحادِيثَ نَفْسٍ وهَمَّيْنِ. قِيلَ: واسْمُهُ سَمْعانُ. وقِيلَ: حَبِيبٌ. وقِيلَ: حِزْقِيلُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (رَجُلٌ) بِضَمِّ الجِيمِ. وقَرَأ عِيسى، وعَبْدُ الوارِثِ، وعُبَيْدُ بْنُ عُقَيْلٍ، وحَمْزَةُ بْنُ القاسِمِ عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِسُكُونٍ، وهي لُغَةُ تَمِيمٍ ونَجْدٍ.
﴿أتَقْتُلُونَ رَجُلًا أنْ يَقُولَ﴾ أيْ: لِأنْ يَقُولَ ﴿رَبِّيَ اللَّهُ﴾، وهَذا إنْكارٌ مِنهُ عَظِيمٌ وتَبْكِيتٌ لَهم، كَأنَّهُ قالَ: أتَرْتَكِبُونَ الفِعْلَةَ الشَّنْعاءَ الَّتِي هي قَتْلُ نَفْسٍ مُحَرَّمَةٍ وما لَكم عَلَيْهِ في ارْتِكابِها إلّا كَلِمَةُ الحَقِّ الَّتِي نَطَقَ بِها، وهي قَوْلُهُ: ﴿رَبِّيَ اللَّهُ﴾، مَعَ أنَّهُ ﴿قَدْ جاءَكم بِالبَيِّناتِ مِن رَبِّكُمْ﴾ أيْ: مِن عِنْدِ مَن نَسَبَ إلَيْهِ الرُّبُوبِيَّةَ، وهو رَبُّكم لا رَبُّهُ وحْدَهُ ؟ وهَذا اسْتِدْراجٌ إلى الِاعْتِرافِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولَكَ أنْ تُقَدِّرَ مُضافًا مَحْذُوفًا، أيْ: وقْتَ أنْ يَقُولَ، والمَعْنى: أتَقْتُلُونَهُ ساعَةَ سَمِعْتُمْ مِنهُ هَذا القَوْلَ مِن غَيْرِ رَوِيَّةٍ ولا فِكْرٍ في أمْرِهِ ؟ انْتَهى. وهَذا الَّذِي أجازَهُ مِن تَقْدِيرِ المُضافِ المَحْذُوفِ الَّذِي هو وقْتٌ لا يَجُوزُ، تَقُولُ: جِئْتُ صِياحَ الدِّيكِ، أيْ: وقْتَ صِياحِ الدِّيكِ، ولا أجِيءُ أنْ يَصِيحَ الدِّيكُ، نَصَّ عَلى ذَلِكَ النُّحاةُ، فَشَرْطُ ذَلِكَ أنْ يَكُونَ المَصْدَرُ مُصَرَّحًا بِهِ لا مُقَدَّرًا، وأنْ يَقُولَ لَيْسَ مَصْدَرًا مُصَرَّحًا بِهِ.
(بِالبَيِّناتِ): بِالدَّلائِلِ عَلى التَّوْحِيدِ، وهي الَّتِي ذَكَرَها في (طه، والشُّعَراءِ) حالَةَ مُحاوَرَتِهِ لَهُ في سُؤالِهِ عَنْ رَبِّهِ تَعالى.
ولَمّا صَرَّحَ بِالإنْكارِ عَلَيْهِمْ، غالَطَهم بَعْدُ في أنَّ قَسَّمَ أمْرَهُ إلى كَذِبٍ وصِدْقٍ، وأدّى ذَلِكَ في صُورَةِ (p-٤٦١)احْتِمالٍ ونَصِيحَةٍ، وبَدَأ في التَّقْسِيمِ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنْ يَكُ كاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ﴾، مُداراةً مِنهُ وسالِكًا طَرِيقَ الإنْصافِ في القَوْلِ، وخَوْفًا إذا أنْكَرَ عَلَيْهِمْ قَتْلَهُ أنَّهُ مِمَّنْ يُعاضِدُهُ ويُناصِرُهُ، فَأوْهَمَهم بِهَذا التَّقْسِيمِ والبَداءَةِ بِحالَةِ الكَذِبِ حَتّى يَسْلَمَ مِن شَرِّهِ، ويَكُونَ ذَلِكَ أدْنى لِتَسْلِيمِهِمْ. ومَعْنى ﴿فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ﴾ أيْ: لا يَتَخَطّاهُ ضَرَرُهُ.
﴿وإنْ يَكُ صادِقًا يُصِبْكم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾، وهو يَعْتَقِدُ أنَّهُ نَبِيٌّ صادِقٌ قَطْعًا، لَكِنَّهُ أتى بِلَفْظِ (بَعْضُ) لِإلْزامِ الحُجَّةِ بِأسْرِها في الأمْرِ، ولَيْسَ فِيهِ نَفْيُ أنْ يُصِيبَهم كُلُّ ما يَعِدُهم.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: يُصِبْكم بَعْضُ العَذابِ الَّذِي يَذْكُرُ، وذَلِكَ كانَ في هَلاكِهِمْ، ويَكُونُ المَعْنى: يُصِبْكُمُ القَسَمُ الواحِدُ مِمّا يَعِدُ بِهِ، وذَلِكَ هو بَعْضٌ مِمّا يَعِدُ؛ لِأنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وعَدَهم إنْ آمَنُوا بِالنِّعْمَةِ، وإنْ كَفَرُوا بِالنِّقْمَةِ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكم عَذابُ الدُّنْيا؛ لِأنَّهُ بَعْضُ عَذابِ الآخِرَةِ، ويَصِيرُونَ بَعْدَ ذَلِكَ إلى النّارِ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ: (بَعْضُ) بِمَعْنى كُلُّ، وأنْشَدُوا قَوْلَ عَمْرِو بْنِ شَسِيمٍ القَطامِيِّ:
؎قَدْ يُدْرِكُ المُتَأنِّي بَعْضَ حاجَتِهِ ∗∗∗ وقَدْ يَكُونُ مَعَ المُسْتَعْجَلِ الزَّلَلُ
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وذَلِكَ أنَّهُ حِينَ فَرَضَ صادِقًا، فَقَدْ أثْبَتَ أنَّهُ صادِقٌ في جَمِيعِ ما يَعِدُ، ولَكِنَّهُ أرْدَفَهُ ﴿يُصِبْكم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾، لِيَهْضِمَهُ بَعْضَ حَقِّهِ في ظاهِرِ الكَلامِ، فَيُرِيَهم أنَّهُ لَيْسَ بِكَلامِ مَن أعْطاهُ وافِيًا فَضْلًا أنْ يَتَعَصَّبَ لَهُ.
(فَإنْ قُلْتَ): وعَنْ أبِي عُبَيْدَةَ أنَّهُ قَسَّمَ البَعْضَ بِالكُلِّ، وأنْشَدَ بَيْتَ لَبِيدٍ وهو:
؎تَرّاكُ أمْكِنَةٍ إذا لَمْ أرْضَها ∗∗∗ ويُرِيكَ مِن بَعْضِ النُّفُوسِ حِمامُها
(قُلْتُ): إنْ صَحَّتِ الرِّوايَةُ عَنْهُ فَقَدْ حَقَّ في قَوْلِ المازِنِيِّ في مَسْألَةِ العافِيِ كانَ أحْفى مِن أنْ يَفْقَهَ ما أقُولُ لَهُ. انْتَهى، ويَعْنِي أنَّ أبا عُبَيْدَةَ خَطَّأهُ النّاسُ في اعْتِقادِهِ أنْ بَعْضًا يَكُونُ بِمَعْنى كُلٍّ، وأنْشَدُوا أيْضًا في كَوْنِ بَعْضٍ بِمَعْنى كُلٍّ قَوْلَ الشّاعِرِ:
؎إنَّ الأُمُورَ إذا الأحْداثُ دَبَّرَها ∗∗∗ دُونَ الشُّيُوخِ تَرى في بَعْضِها خَلَلا
أيْ: إذا رَأى الأحْداثَ، ولِذَلِكَ قالَ دَبَّرَها ولَمْ يَقُلْ دَبَّرُوها، راعى المُضافَ المَحْذُوفَ.
﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن هو مُسْرِفٌ كَذّابٌ﴾ فِيهِ: إشارَةٌ إلى عُلُوِّ شَأْنِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأنَّ مَنِ اصْطَفاهُ اللَّهُ لِلنُّبُوَّةِ لا يُمْكِنُ أنْ يَقَعَ مِنهُ إسْرافٌ ولا كَذِبٌ، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِفِرْعَوْنَ؛ إذْ هو غايَةُ الإسْرافِ عَلى نَفْسِهِ بِقَتْلِ أبْناءِ المُؤْمِنِينَ، وفي غايَةِ الكَذِبِ؛ إذِ ادَّعى الإلَهِيَّةَ والرُّبُوبِيَّةَ، ومَن هَذا شَأْنُهُ لا يَهْدِيهِ اللَّهُ.
وفِي الحَدِيثِ: ”«الصِّدِّيقُونَ ثَلاثَةٌ: حَبِيبٌ النَّجّارُ مُؤْمِنُ آلِ يس، ومُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ، وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ“ .
وفِي الحَدِيثِ: ”» أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - طافَ بِالبَيْتِ، فَحِينَ فَرَغَ أخَذَ بِمَجامِعِ رِدائِهِ، فَقالُوا لَهُ: أنْتَ الَّذِي تَنْهانا عَمّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا ؟ فَقالَ: أنا ذاكَ، فَقامَ أبُو بَكْرٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فالتَزَمَهُ مِن ورائِهِ، وقالَ: أتَقْتُلُونَ رَجُلًا أنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ، وقَدْ جاءَكم بِالبَيِّناتِ مِن رَبِّكم“، رافِعًا صَوْتَهُ بِذَلِكَ وعَيْناهُ تَسْفَحانِ بِالدُّمُوعِ حَتّى أرْسَلُوهُ.
وعَنْ جَعْفَرٍ الصّادِقِ: أنَّ مُؤْمِنَ آلِ فِرْعَوْنَ قالَ ذَلِكَ سِرًّا، وأبُو بَكْرٍ قالَهُ ظاهِرًا. وقالَ السُّدِّيُّ: (مُسْرِفٌ) بِالقَتْلِ. وقالَ قَتادَةُ: (مُسْرِفٌ) بِالكُفْرِ.
وقالَ صاحِبُ التَّحْرِيرِ والتَّحْبِيرِ: هَذا نَوْعٌ مِن أنْواعِ عِلْمِ البَيانِ تُسَمِّيهِ عُلَماؤُنا اسْتِدْراجَ المُخاطَبِ، وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا رَأى فِرْعَوْنَ قَدْ عَزَمَ عَلى قَتْلِ مُوسى، والقَوْمَ عَلى تَكْذِيبِهِ، أرادَ الِانْتِصارَ لَهُ بِطَرِيقٍ يُخْفِي عَلَيْهِمْ بِها أنَّهُ مُتَعَصِّبٌ لَهُ، وأنَّهُ مِن أتْباعِهِ، فَجاءَهم مِن طَرِيقِ النُّصْحِ والمُلاطَفَةِ فَقالَ: ﴿أتَقْتُلُونَ رَجُلًا أنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾، ولَمْ يَذْكُرِ اسْمَهُ، بَلْ قالَ رَجُلًا يُوهِمُ أنَّهُ لا يَعْرِفُهُ ولا يَتَعَصَّبُ لَهُ، ﴿أنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾، ولَمْ يَقُلْ رَجُلًا مُؤْمِنًا بِاللَّهِ، أوْ هو نَبِيُّ اللَّهِ؛ إذْ لَوْ قالَ شَيْئًا مِن ذَلِكَ لَعَلِمُوا أنَّهُ مُتَعَصِّبٌ. ولَمْ يَقْبَلُوا قَوْلَهُ، ثُمَّ أتْبَعَهُ بِما بَعْدَ ذَلِكَ، فَقَدَّمَ قَوْلَهُ: ﴿وإنْ يَكُ كاذِبًا﴾، مُوافَقَةً لِرَأْيِهِمْ فِيهِ. ثُمَّ تَلاهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنْ يَكُ صادِقًا﴾، ولَوْ قالَ: هو صادِقٌ وكَلُّ (p-٤٦٢)ما يَعِدُكم، لَعَلِمُوا أنَّهُ مُتَعَصِّبٌ، وأنَّهُ يَزْعُمُ أنَّهُ نَبِيٌّ، وأنَّهُ يُصَدِّقُهُ، فَإنَّ الأنْبِياءَ لا تُخِلُّ بِشَيْءٍ مِمّا يَقُولُونَهُ، ثُمَّ أتْبَعَهُ بِكَلامٍ يُفْهَمُ مِنهُ أنَّهُ لَيْسَ بِمُصَدِّقٍ، وهو قَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن هو مُسْرِفٌ كَذّابٌ﴾ . انْتَهى.
ثُمَّ قالَ: (يا قَوْمِ) نِداءٌ مُتَلَطِّفٌ في مَوْعِظَتِهِمْ.
﴿ياقَوْمِ لَكُمُ المُلْكُ اليَوْمَ ظاهِرِينَ﴾ أيْ: عالِمِينَ: (في الأرْضِ): في أرْضِ مِصْرَ، قَدْ غَلَبْتُمْ بَنِي إسْرائِيلَ فِيها، وقَهَرْتُمُوهم واسْتَعْبَدْتُمُوهم، وناداهم بِالمُلْكِ الَّذِي هو أعْظَمُ مَراتِبِ الدُّنْيا وأجَلُّها، وهو مِن جِهَةِ شَهَواتِهِمْ، وانْتَصَبَ (ظاهِرِينَ) عَلى الحالِ، والعامِلُ فِيها هو العامِلُ في الجارِّ والمَجْرُورِ، وذُو الحالِ هو ضَمِيرُ (لَكم) .
ثُمَّ حَذَّرَهم أنْ يُفْسِدُوا عَلى أنْفُسِهِمْ بِأنَّهُ إنْ جاءَهم بَأْسُ اللَّهِ لَمْ يَجِدُوا ناصِرًا لَهم ولا دافِعًا، وأدْرَجَ نَفْسَهُ في قَوْلِهِ: ﴿يَنْصُرُنا﴾، و(جاءَنا) لِأنَّهُ مِنهم في القَرابَةِ، ولِيُعْلِمَهم أنَّ الَّذِي يَنْصَحُهم بِهِ هو مُشارِكٌ لَهم فِيهِ.
وأقْوالُ هَذا المُؤْمِنِ تَدُلُّ عَلى زَوالِ هَيْبَةِ فِرْعَوْنَ مِن قَلْبِهِ، ولِذَلِكَ اسْتَكانَ فِرْعَوْنُ وقالَ: ﴿ما أُرِيكم إلّا ما أرى﴾ أيْ: ما أُشِيرُ عَلَيْكم إلّا بِقَتْلِهِ، ولا أسْتَصْوِبُ إلّا ذَلِكَ، وهَذا قَوْلُ مِن لا تَحَكُّمَ لَهُ، وأتى بِما وإلّا لِلْحَصْرِ والتَّأْكِيدِ.
﴿وما أهْدِيكم إلّا سَبِيلَ الرَّشادِ﴾، لا ما تَقُولُونَهُ مِن تَرْكِ قَتْلِهِ وقَدْ كَذَبَ، بَلْ كانَ خائِفًا وجِلًا، وقَدْ عَلِمَ أنَّ ما جاءَ بِهِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - حَقٌّ، ولَكِنَّهُ كانَ يَتَجَلَّدُ، ويُرِي ظاهِرَهُ خِلافَ ما أبْطَنَ.
وأوْرَدَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وابْنُ عَطِيَّةَ، وأبُو القاسِمِ الهُذَلِيُّ هُنا أنَّ مُعاذَ بْنَ جَبَلٍ قَرَأ (الرَّشّادِ) بِشَدِّ الشِّينِ.
قالَ أبُو الفَتْحِ: وهو اسْمُ فاعِلٍ في بِنْيَةِ مُبالَغَةٍ مِنَ الفِعْلِ الثُّلاثِيِّ رَشَدَ، فَهو كَعَبّادٍ مِن عَبَدَ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ مِن رَشِدَ، كَعَلّامٍ مِن عَلِمَ. وقالَ النَّحّاسُ: هو لَحْنٌ، وتَوَهَّمَهُ مِنَ الفِعْلِ الرُّباعِيِّ، ورُدَّ عَلَيْهِ أنَّهُ لا يَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ مِنَ الرُّباعِيِّ، بَلْ هو مِنَ الثُّلاثِيِّ، عَلى أنَّ بَعْضَهم قَدْ ذَهَبَ إلى أنَّهُ مِنَ الرُّباعِيِّ، فَبَنى فَعّالَ مِن أفْعَلَ، كَدَرّاكِ مِن أدْرَكَ، وسَآرٍ مِن أسْأرَ، وجَبّارٍ مِن أجْبَرَ، وقَصّارٍ مِن أقْصَرَ، ولَكِنَّهُ لَيْسَ بِقِياسٍ، فَلا يُحْمَلُ عَلَيْهِ ما وُجِدَتْ عَنْهُ مَندُوحَةٌ، وفَعّالٌ مِنَ الثُّلاثِيِّ مَقِيسٌ فَحُمِلَ عَلَيْهِ.
وقالَ أبُو حاتِمٍ: كانَ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ يُفَسِّرُها بِسَبِيلِ اللَّهِ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَبْعُدُ عِنْدِي عَلى مُعاذٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - .
وهَلْ كانَ فِرْعَوْنُ إلّا يَدَّعِي أنَّهُ إلَهٌ ؟ وتَعَلَّقَ بِناءُ اللَّفْظِ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ. انْتَهى.
وإيرادُ الخِلافِ في هَذا الحَرْفِ الَّذِي هو مِن قَوْلِ فِرْعَوْنَ خَطَأٌ، وتَرْكِيبُ قَوْلُ مُعاذٍ عَلَيْهِ خَطَأٌ، والصَّوابُ أنَّ الخِلافَ فِيهِ هو قَوْلُ المُؤْمِنِ: ﴿اتَّبِعُونِ أهْدِكم سَبِيلَ الرَّشادِ﴾ [غافر: ٣٨] . قالَ أبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ في (كِتابِ اللَّوامِحِ) لَهُ مِن شَواذِّ القِراءاتِ ما نَصَّهُ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ ﴿سَبِيلَ الرَّشادِ﴾ [غافر: ٣٨] الحَرْفُ الثّانِي بِالتَّشْدِيدِ، وكَذَلِكَ الحَسَنُ، وهو سَبِيلُ اللَّهِ تَعالى الَّذِي أوْضَحَ الشَّرائِعَ، كَذَلِكَ فَسَّرَهُ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ، وهو مَنقُولٌ مِن مُرْشِدٍ، كَدَرّاكٍ مِن مُدْرِكٍ، وجَبّارٍ مِنَ مُجْبِرٍ، وقَصّارٍ مِن مُقْصِرٍ عَنِ الأمْرِ، ولَها نَظائِرُ مَعْدُودَةٌ، فَأمّا قَصّارٌ فَهو مِن قَصَرَ مِنَ الثَّوْبِ قِصارَةً. وقالَ ابْنُ خالَوَيْهِ، بَعْدَ أنْ ذَكَرَ الخِلافَ في التَّنادِ وفي صَدٍّ عَنِ السَّبِيلِ ما نَصُّهُ (سَبِيلُ الرَّشّادِ بِتَشْدِيدِ الشِّينِ) مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ. قالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: يَعْنِي بِالرَّشّادِ اللَّهَ تَعالى. انْتَهى.
فَهَذا لَمْ يَذْكُرِ الخِلافَ إلّا في قَوْلِ المُؤْمِنِ: ﴿أهْدِكم سَبِيلَ الرَّشادِ﴾ [غافر: ٣٨]، فَذِكْرُ الخِلافِ فِيهِ في قَوْلِ فِرْعَوْنَ خَطَأٌ، ولَمْ يُفَسِّرْ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ (الرَّشّادَ) أنَّهُ اللَّهُ تَعالى إلّا في قَوْلِ المُؤْمِنِ، لا في قَوْلِ فِرْعَوْنَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ذَلِكَ التَّأْوِيلُ مِن قَوْلِ فِرْعَوْنَ.
غافر 40:26
﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ ﴿إلى فِرْعَوْنَ وهامانَ وقارُونَ فَقالُوا ساحِرٌ كَذّابٌ﴾ ﴿فَلَمّا جاءَهم بِالحَقِّ مِن عِنْدِنا قالُوا اقْتُلُوا أبْناءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ واسْتَحْيُوا نِساءَهم وما كَيْدُ الكافِرِينَ إلّا في ضَلالٍ﴾ ﴿وقالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أقْتُلْ مُوسى ولْيَدْعُ رَبَّهُ إنِّي أخافُ أنْ يُبَدِّلَ دِينَكم أوْ أنْ يُظْهِرَ في الأرْضِ الفَسادَ﴾ ﴿وقالَ مُوسى إنِّي عُذْتُ بِرَبِّي ورَبِّكم مِن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الحِسابِ﴾ ﴿وقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِن آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إيمانَهُ أتَقْتُلُونَ رَجُلًا أنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وقَدْ جاءَكم بِالبَيِّناتِ مِن رَبِّكم وإنْ يَكُ كاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وإنْ يَكُ صادِقًا يُصِبْكم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكم إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن هو مُسْرِفٌ كَذّابٌ﴾ ﴿يا قَوْم لَكُمُ المُلْكُ اليَوْمَ ظاهِرِينَ في الأرْضِ فَمَن يَنْصُرُنا مِن بَأْسِ اللَّهِ إنْ جاءَنا قالَ فِرْعَوْنُ ما أُرِيكم إلّا ما أرى وما أهْدِيكم إلّا سَبِيلَ الرَّشادِ﴾ .
ابْتَدَأ تَعالى قِصَّةَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَعَ فِرْعَوْنَ تَسْلِيَةً لِلرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ووَعِيدًا لِقُرَيْشٍ أنْ يَحِلَّ بِهِمْ ما حَلَّ بِفِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ مِن نِقْماتِ اللَّهِ، (p-٤٥٩)ووَعْدًا لِلْمُؤْمِنِينَ بِالظَّفَرِ والنَّصْرِ وحُسْنِ العاقِبَةِ. وآياتُ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - كَثِيرَةٌ، والَّذِي تَحَدّى بِهِ مِنَ المُعْجِزِ العَصا واليَدُ.
وقَرَأ عِيسى: (وسُلُطانٍ) بِضَمِّ اللّامِ، والسُّلْطانُ المُبِينُ: الحُجَّةُ والبُرْهانُ الواضِحُ. والظّاهِرُ أنَّ قارُونَ هو الَّذِي ذَكَرَهُ تَعالى في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ قارُونَ كانَ مِن قَوْمِ مُوسى﴾ [القصص: ٧٦]، وهو مِن بَنِي إسْرائِيلَ.
وقِيلَ: هو غَيْرُهُ، ونَصَّ عَلى هامانَ وقارُونَ لِمَكانَتِهِما في الكُفْرِ، ولِأنَّهُما أشْهَرُ أتْباعِ فِرْعَوْنَ.
﴿فَقالُوا ساحِرٌ كَذّابٌ﴾ أيْ: هَذا ساحِرٌ، لِما ظَهَرَ عَلى يَدَيْهِ مِن قَلْبِ العَصا حَيَّةً، وظُهُورِ النُّورِ السّاطِعِ عَلى يَدِهِ، كَذّابٌ لِكَوْنِهِ ادَّعى أنَّهُ رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ.
﴿فَلَمّا جاءَهم بِالحَقِّ مِن عِنْدِنا﴾ أيْ: بِالمُعْجِزاتِ والنُّبُوَّةِ والدُّعاءِ إلى الإيمانِ بِاللَّهِ، (قالُوا)، أيْ: أُولَئِكَ الثَّلاثَةُ، (اقْتُلُوا) . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْ: أعِيدُوا عَلَيْهِمُ القَتْلَ كالَّذِي كانَ أوَّلًا. انْتَهى.
يُرِيدُ أنَّ هَذا غَيْرُ القَتْلِ الأوَّلِ، وإنَّما أُمِرُوا بِقَتْلِ أبْناءِ المُؤْمِنِينَ لِئَلّا يَتَقَوّى بِهِمْ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وبِاسْتِحْياءِ النِّساءِ لِلِاسْتِخْدامِ والِاسْتِرْقاقِ، ولَمْ يَقَعْ ما أمَرُوا بِهِ ولا تَمَّ لَهم، ولا أعانَهُمُ اللَّهُ عَلَيْهِ.
﴿وما كَيْدُ الكافِرِينَ إلّا في ضَلالٍ﴾ أيْ: في حَيْرَةٍ وتَخَبُّطٍ، لَمْ يَقَعْ مِنهُ شَيْءٌ، ولا أنْجَحَ سَعْيَهَمْ، وكانُوا باشَرُوا القَتْلَ أوَّلًا، فَنَفَذَ قَضاءُ اللَّهِ في إظْهارِ مَن خافُوا هَلاكَهم عَلى يَدَيْهِ.
وقِيلَ: كانَ فِرْعَوْنُ قَدْ كَفَّ عَنْ قَتْلِ الأبْناءِ، فَلَمّا بُعِثَ مُوسى، وأحَسَّ أنَّهُ قَدْ وقَعَ ما كانَ يَحْذَرُهُ، أعادَ القَتْلَ عَلَيْهِمْ غَيْظًا وحِنْقًا وظَنًّا مِنهُ أنَّهُ يَصُدُّهم بِذَلِكَ عَنْ مُظاهَرَةِ مُوسى، وما عَلِمَ أنَّ كَيْدَهُ ضائِعٌ في الكَرَّتَيْنِ مَعًا.
﴿وقالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أقْتُلْ مُوسى ولْيَدْعُ رَبَّهُ﴾، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بَعْضُهُ مِن كَلامِ الحَسَنِ، كانَ إذا هَمَّ بِقَتْلِهِ كَفُّوهُ بِقَوْلِهِمْ: لَيْسَ بِالَّذِي تَخافُهُ، هو أقَلُّ مِن ذَلِكَ وأضْعَفُ، وما هو إلّا بَعْضُ السَّحَرَةِ، ومِثْلُهُ لا يُقاوِمُهُ إلّا ساحِرٌ مِثْلُهُ، ويَقُولُونَ: إنْ قَتَلْتَهُ أدْخَلْتَ الشُّبْهَةَ عَلى النّاسِ، واعْتَقَدُوا أنَّكَ عَجَزْتَ عَنْ مُظاهَرَتِهِ بِالحُجَّةِ.
والظّاهِرُ أنَّ فِرْعَوْنَ - لَعَنَهُ اللَّهُ - كانَ قَدِ اسْتَيْقَنَ أنَّهُ نَبِيٌّ، وأنَّ ما جاءَ بِهِ آياتٌ وما هو سِحْرٌ، ولَكِنَّ الرَّجُلَ كانَ فِيهِ خُبْثٌ وجَبَرُوتٌ، وكانَ قَتّالًا سَفّاكًا لِلدِّماءِ في أهْوَنِ شَيْءٍ، فَكَيْفَ لا يَقْتُلُ مَن أحَسَّ مِنهُ بِأنَّهُ هو الَّذِي يَثُلُّ عَرْشَهُ، ويَهْدِمُ مُلْكَهُ ؟ ولَكِنَّهُ يَخافُ إنْ هَمَّ بِقَتْلِهِ أنْ يُعاجَلَ بِالهَلاكِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ولْيَدْعُ رَبَّهُ﴾: شاهِدُ صِدْقٍ عَلى فَرْطِ خَوْفِهِ مِنهُ ومِن دَعْوَتِهِ رَبَّهُ، كانَ قَوْلُهُ: ﴿ذَرُونِي أقْتُلْ مُوسى﴾ تَمْوِيهًا عَلى قَوْمِهِ وإيهامًا أنَّهم هُمُ الَّذِينَ يَكُفُّونَهُ، وما كانَ يَكُفُّهُ إلّا ما في نَفْسِهِ مِن هَوْلِ الفَزَعِ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الظّاهِرُ مِن أمْرِ فِرْعَوْنَ أنَّهُ لَمّا بَهَرَتْ آياتُ مُوسى انْهَدَّ رُكْنُهُ واضْطَرَبَتْ مُعْتَقَداتُ أصْحابِهِ، ولَمْ يَفْقِدْ مِنهم مَن يُجاذِبُهُ الخِلافَ في أمْرِهِ، وذَلِكَ بَيِّنٌ مِن غَيْرِ ما مَوْضِعٍ في قِصَّتِهِما، وفي ذَلِكَ عَلى هَذا دَلِيلانِ: أحَدُهُما: قَوْلُهُ ﴿ذَرُونِي﴾، فَلَيْسَتْ هَذِهِ مِن ألْفاظِ الجَبابِرَةِ المُتَمَكِّنِينَ مِن إنْفاذِ أوامِرِهِمْ.
الدَّلِيلُ الثّانِي: في مَقالَةِ المُؤْمِنِ وما صَدَعَ بِهِ، وأنَّ مُكاشَفَتَهُ لِفِرْعَوْنَ خَيْرٌ مِن مُساتَرَتِهِ، وحُكْمَهُ بِنُبُوَّةِ مُوسى أظْهَرُ مِن تَقْرِيبِهِ في أمْرِهِ. وأمّا فِرْعَوْنُ، فَإنَّهُ نَحا إلى المَخْرَقَةِ والِاضْطِرابِ والتَّعاطِي، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ذَرُونِي أقْتُلْ مُوسى ولْيَدْعُ رَبَّهُ﴾ أيْ: إنِّي لا أُبالِي مِن رَبِّ مُوسى، ثُمَّ رَجَعَ إلى قَوْمِهِ يُرِيهِمُ النَّصِيحَةَ والخِيانَةَ لَهم، فَقالَ: ﴿إنِّي أخافُ أنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ﴾، والدِّينُ: السُّلْطانُ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ:
؎لَئِنْ حَلَلْتَ بِجَوٍّ في بَنِي أسَدٍ في دِينِ عَمْرٍو وحالَتْ بَيْنَنا فَدَكُ
انْتَهى.
وتَبْدِيلُ دِينِهِمْ هو تَغْيِيرُهُ، وكانُوا يَعْبُدُونَهُ ويَعْبُدُونَ الأصْنامَ، كَما قالَ: ﴿ويَذَرَكَ وآلِهَتَكَ﴾ [الأعراف: ١٢٧]، ﴿أوْ أنْ يُظْهِرَ في الأرْضِ الفَسادَ﴾ وذَلِكَ بِالتَّهارُجِ الَّذِي يَذْهَبُ مَعَهُ الأمْنُ، وتَتَعَطَّلُ المَزارِعُ والمَكاسِبُ، ويَهْلَكُ النّاسُ قَتْلًا وضَياعًا، فَأخافُ فَسادَ دِينِكم ودُنْياكم مَعًا.
وبَدَأ فِرْعَوْنُ بِخَوْفِهِ تَغْيِيرَ دِينِهِمْ عَلى تَغْيِيرِ دُنْياهم؛ لِأنَّ حُبَّهَمْ لِأدْيانِهِمْ فَوْقَ حُبِّهِمْ لِأمْوالِهِمْ.
وقِيلَ: ﴿ذَرُونِي﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهم كانُوا يَمْنَعُونَهُ مِن قَتْلِهِ، إمّا لِكَوْنِ بَعْضِهِمْ كانَ مُصَدِّقًا لَهُ فَيَتَحَيَّلُ في مَنعِ قَتْلِهِ، وإمّا لِما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ مِمّا ذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وإمّا لِشَغْلِ (p-٤٦٠)قَلْبِ فِرْعَوْنَ بِمُوسى حَتّى لا يَتَفَرَّغَ لَهم، ويَأْمَنُوا مِن شَرِّهِ؛ كَما يَفْعَلُونَ مَعَ المَلِكِ إذا خَرَجَ عَلَيْهِ خارِجِيٌّ شَغَلُوهُ بِهِ حَتّى يَأْمَنُوا مِن شَرِّهِ.
وقَرَأ الكُوفِيُّونَ: (أوْ أنْ)، بِتَرْدِيدِ الخَوْفِ بَيْنَ تَبْدِيلِ الدِّينِ أوْ ظُهُورِ الفَسادِ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ: (وأنْ) بِانْتِصابِ الخَوْفِ عَلَيْهِما مَعًا.
وقَرَأ أنَسُ بْنُ مالِكٍ، وابْنُ المُسَيَّبِ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وأبُو رَجاءٍ، والحَسَنُ، والجَحْدَرِيُّ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ: (يُظْهِرَ) مِن أظْهَرَ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، (الفَسادَ): نَصْبًا. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ، والأعْرَجُ، والأعْمَشُ، وابْنُ وثّابٍ، وعِيسى: (يَظْهَرُ) مِن ظَهَرَ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، (الفَسادُ): رَفْعًا.
وقَرَأ مُجاهِدٌ: (يَظَّهَّرُ) بِشَدِّ الظّاءِ والهاءِ، (الفَسادُ): رَفْعًا. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (يُظْهَرُ): بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الهاءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، (الفَسادُ): رَفْعًا.
ولَمّا سَمِعَ مُوسى بِمُقالَةِ فِرْعَوْنَ، اسْتَعاذَ بِاللَّهِ مِن شَرِّ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ مُنْكِرٍ لِلْمَعادِ. وقالَ: (ورَبِّكم): بَعْثًا عَلى الِاقْتِداءِ بِهِ، فَيَعُوذُونَ بِاللَّهِ ويَعْتَصِمُونَ بِهِ.
و﴿مِن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ﴾ يَشْمَلُ فِرْعَوْنَ وغَيْرَهُ مِنَ الجَبابِرَةِ؛ وكانَ ذَلِكَ عَلى طَرِيقِ التَّعْرِيضِ، وكانَ أبْلَغَ.
والتَّكَبُّرُ: تَعاظُمُ الإنْسانِ في نَفْسِهِ مَعَ حَقارَتِهِ؛ لِأنَّهُ يَفْعَلُ، و﴿لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الحِسابِ﴾، أيْ: بِالجَزاءِ، وكانَ ذَلِكَ آكَدَ في جَراءَتِهِ، إذْ حَصَلَ لَهُ التَّعاظُمُ في نَفْسِهِ، وعَدَمُ المُبالاةِ بِما ارْتَكَبَ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: (عُذْتُ) بِالإدْغامِ؛ وباقِي السَّبْعَةِ: بِالإظْهارِ.
﴿وقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِن آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إيمانَهُ﴾ قِيلَ: كانَ قِبْطِيًّا ابْنَ عَمِّ فِرْعَوْنَ، وكانَ يَجْرِي مَجْرى ولِيِّ العَهْدِ، ومَجْرى صاحِبِ الشُّرْطَةِ. وقِيلَ: كانَ قِبْطِيًّا لَيْسَ مِن قَرابَتِهِ. وقِيلَ: قِيلَ فِيهِ مِن آلِ فِرْعَوْنَ؛ لِأنَّهُ كانَ في الظّاهِرِ عَلى دِينِهِ ودِينِ أتْباعِهِ.
وقِيلَ: كانَ إسْرائِيلِيًّا ولَيْسَ مِن آلِ فِرْعَوْنَ، وجَعَلَ آلَ فِرْعَوْنَ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ: ﴿يَكْتُمُ إيمانَهُ﴾، لا في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِرَجُلٍ، كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ الظّاهِرُ، وهَذا فِيهِ بُعْدٌ، إذْ لَمْ يَكُنْ لِأحَدٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ أنْ يَتَجاسَرَ عِنْدَ فِرْعَوْنَ بِمِثْلِ ما تَكَلَّمَ بِهِ هَذا الرَّجُلُ.
وقَدْ رُدَّ قَوْلُ مَن عَلَّقَ مِن آلِ فِرْعَوْنَ بِيَكْتُمُ، فَإنَّهُ لا يُقالُ: كَتَمْتُ مِن فُلانٍ كَذا، إنَّما يُقالُ: كَتَمْتُ فُلانًا كَذا، قالَ تَعالى: ﴿ولا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٤٢]، وقالَ الشّاعِرُ:
؎كَتَمْتُكَ لَيْلًا بِالجَمُومِينَ ساهِرًا ∗∗∗ وهَمَّيْنِ هَمًّا مُسْتَكِنًّا وظاهِرا
؎أحادِيثَ نَفْسٍ تَشْتَكِي ما يُرِيبُها ∗∗∗ ووِرْدَ هُمُومٍ لَنْ يَجِدْنَ مَصادِرا
أيْ: كَتَمْتُكَ أحادِيثَ نَفْسٍ وهَمَّيْنِ. قِيلَ: واسْمُهُ سَمْعانُ. وقِيلَ: حَبِيبٌ. وقِيلَ: حِزْقِيلُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (رَجُلٌ) بِضَمِّ الجِيمِ. وقَرَأ عِيسى، وعَبْدُ الوارِثِ، وعُبَيْدُ بْنُ عُقَيْلٍ، وحَمْزَةُ بْنُ القاسِمِ عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِسُكُونٍ، وهي لُغَةُ تَمِيمٍ ونَجْدٍ.
﴿أتَقْتُلُونَ رَجُلًا أنْ يَقُولَ﴾ أيْ: لِأنْ يَقُولَ ﴿رَبِّيَ اللَّهُ﴾، وهَذا إنْكارٌ مِنهُ عَظِيمٌ وتَبْكِيتٌ لَهم، كَأنَّهُ قالَ: أتَرْتَكِبُونَ الفِعْلَةَ الشَّنْعاءَ الَّتِي هي قَتْلُ نَفْسٍ مُحَرَّمَةٍ وما لَكم عَلَيْهِ في ارْتِكابِها إلّا كَلِمَةُ الحَقِّ الَّتِي نَطَقَ بِها، وهي قَوْلُهُ: ﴿رَبِّيَ اللَّهُ﴾، مَعَ أنَّهُ ﴿قَدْ جاءَكم بِالبَيِّناتِ مِن رَبِّكُمْ﴾ أيْ: مِن عِنْدِ مَن نَسَبَ إلَيْهِ الرُّبُوبِيَّةَ، وهو رَبُّكم لا رَبُّهُ وحْدَهُ ؟ وهَذا اسْتِدْراجٌ إلى الِاعْتِرافِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولَكَ أنْ تُقَدِّرَ مُضافًا مَحْذُوفًا، أيْ: وقْتَ أنْ يَقُولَ، والمَعْنى: أتَقْتُلُونَهُ ساعَةَ سَمِعْتُمْ مِنهُ هَذا القَوْلَ مِن غَيْرِ رَوِيَّةٍ ولا فِكْرٍ في أمْرِهِ ؟ انْتَهى. وهَذا الَّذِي أجازَهُ مِن تَقْدِيرِ المُضافِ المَحْذُوفِ الَّذِي هو وقْتٌ لا يَجُوزُ، تَقُولُ: جِئْتُ صِياحَ الدِّيكِ، أيْ: وقْتَ صِياحِ الدِّيكِ، ولا أجِيءُ أنْ يَصِيحَ الدِّيكُ، نَصَّ عَلى ذَلِكَ النُّحاةُ، فَشَرْطُ ذَلِكَ أنْ يَكُونَ المَصْدَرُ مُصَرَّحًا بِهِ لا مُقَدَّرًا، وأنْ يَقُولَ لَيْسَ مَصْدَرًا مُصَرَّحًا بِهِ.
(بِالبَيِّناتِ): بِالدَّلائِلِ عَلى التَّوْحِيدِ، وهي الَّتِي ذَكَرَها في (طه، والشُّعَراءِ) حالَةَ مُحاوَرَتِهِ لَهُ في سُؤالِهِ عَنْ رَبِّهِ تَعالى.
ولَمّا صَرَّحَ بِالإنْكارِ عَلَيْهِمْ، غالَطَهم بَعْدُ في أنَّ قَسَّمَ أمْرَهُ إلى كَذِبٍ وصِدْقٍ، وأدّى ذَلِكَ في صُورَةِ (p-٤٦١)احْتِمالٍ ونَصِيحَةٍ، وبَدَأ في التَّقْسِيمِ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنْ يَكُ كاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ﴾، مُداراةً مِنهُ وسالِكًا طَرِيقَ الإنْصافِ في القَوْلِ، وخَوْفًا إذا أنْكَرَ عَلَيْهِمْ قَتْلَهُ أنَّهُ مِمَّنْ يُعاضِدُهُ ويُناصِرُهُ، فَأوْهَمَهم بِهَذا التَّقْسِيمِ والبَداءَةِ بِحالَةِ الكَذِبِ حَتّى يَسْلَمَ مِن شَرِّهِ، ويَكُونَ ذَلِكَ أدْنى لِتَسْلِيمِهِمْ. ومَعْنى ﴿فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ﴾ أيْ: لا يَتَخَطّاهُ ضَرَرُهُ.
﴿وإنْ يَكُ صادِقًا يُصِبْكم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾، وهو يَعْتَقِدُ أنَّهُ نَبِيٌّ صادِقٌ قَطْعًا، لَكِنَّهُ أتى بِلَفْظِ (بَعْضُ) لِإلْزامِ الحُجَّةِ بِأسْرِها في الأمْرِ، ولَيْسَ فِيهِ نَفْيُ أنْ يُصِيبَهم كُلُّ ما يَعِدُهم.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: يُصِبْكم بَعْضُ العَذابِ الَّذِي يَذْكُرُ، وذَلِكَ كانَ في هَلاكِهِمْ، ويَكُونُ المَعْنى: يُصِبْكُمُ القَسَمُ الواحِدُ مِمّا يَعِدُ بِهِ، وذَلِكَ هو بَعْضٌ مِمّا يَعِدُ؛ لِأنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وعَدَهم إنْ آمَنُوا بِالنِّعْمَةِ، وإنْ كَفَرُوا بِالنِّقْمَةِ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكم عَذابُ الدُّنْيا؛ لِأنَّهُ بَعْضُ عَذابِ الآخِرَةِ، ويَصِيرُونَ بَعْدَ ذَلِكَ إلى النّارِ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ: (بَعْضُ) بِمَعْنى كُلُّ، وأنْشَدُوا قَوْلَ عَمْرِو بْنِ شَسِيمٍ القَطامِيِّ:
؎قَدْ يُدْرِكُ المُتَأنِّي بَعْضَ حاجَتِهِ ∗∗∗ وقَدْ يَكُونُ مَعَ المُسْتَعْجَلِ الزَّلَلُ
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وذَلِكَ أنَّهُ حِينَ فَرَضَ صادِقًا، فَقَدْ أثْبَتَ أنَّهُ صادِقٌ في جَمِيعِ ما يَعِدُ، ولَكِنَّهُ أرْدَفَهُ ﴿يُصِبْكم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾، لِيَهْضِمَهُ بَعْضَ حَقِّهِ في ظاهِرِ الكَلامِ، فَيُرِيَهم أنَّهُ لَيْسَ بِكَلامِ مَن أعْطاهُ وافِيًا فَضْلًا أنْ يَتَعَصَّبَ لَهُ.
(فَإنْ قُلْتَ): وعَنْ أبِي عُبَيْدَةَ أنَّهُ قَسَّمَ البَعْضَ بِالكُلِّ، وأنْشَدَ بَيْتَ لَبِيدٍ وهو:
؎تَرّاكُ أمْكِنَةٍ إذا لَمْ أرْضَها ∗∗∗ ويُرِيكَ مِن بَعْضِ النُّفُوسِ حِمامُها
(قُلْتُ): إنْ صَحَّتِ الرِّوايَةُ عَنْهُ فَقَدْ حَقَّ في قَوْلِ المازِنِيِّ في مَسْألَةِ العافِيِ كانَ أحْفى مِن أنْ يَفْقَهَ ما أقُولُ لَهُ. انْتَهى، ويَعْنِي أنَّ أبا عُبَيْدَةَ خَطَّأهُ النّاسُ في اعْتِقادِهِ أنْ بَعْضًا يَكُونُ بِمَعْنى كُلٍّ، وأنْشَدُوا أيْضًا في كَوْنِ بَعْضٍ بِمَعْنى كُلٍّ قَوْلَ الشّاعِرِ:
؎إنَّ الأُمُورَ إذا الأحْداثُ دَبَّرَها ∗∗∗ دُونَ الشُّيُوخِ تَرى في بَعْضِها خَلَلا
أيْ: إذا رَأى الأحْداثَ، ولِذَلِكَ قالَ دَبَّرَها ولَمْ يَقُلْ دَبَّرُوها، راعى المُضافَ المَحْذُوفَ.
﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن هو مُسْرِفٌ كَذّابٌ﴾ فِيهِ: إشارَةٌ إلى عُلُوِّ شَأْنِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأنَّ مَنِ اصْطَفاهُ اللَّهُ لِلنُّبُوَّةِ لا يُمْكِنُ أنْ يَقَعَ مِنهُ إسْرافٌ ولا كَذِبٌ، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِفِرْعَوْنَ؛ إذْ هو غايَةُ الإسْرافِ عَلى نَفْسِهِ بِقَتْلِ أبْناءِ المُؤْمِنِينَ، وفي غايَةِ الكَذِبِ؛ إذِ ادَّعى الإلَهِيَّةَ والرُّبُوبِيَّةَ، ومَن هَذا شَأْنُهُ لا يَهْدِيهِ اللَّهُ.
وفِي الحَدِيثِ: ”«الصِّدِّيقُونَ ثَلاثَةٌ: حَبِيبٌ النَّجّارُ مُؤْمِنُ آلِ يس، ومُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ، وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ“ .
وفِي الحَدِيثِ: ”» أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - طافَ بِالبَيْتِ، فَحِينَ فَرَغَ أخَذَ بِمَجامِعِ رِدائِهِ، فَقالُوا لَهُ: أنْتَ الَّذِي تَنْهانا عَمّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا ؟ فَقالَ: أنا ذاكَ، فَقامَ أبُو بَكْرٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فالتَزَمَهُ مِن ورائِهِ، وقالَ: أتَقْتُلُونَ رَجُلًا أنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ، وقَدْ جاءَكم بِالبَيِّناتِ مِن رَبِّكم“، رافِعًا صَوْتَهُ بِذَلِكَ وعَيْناهُ تَسْفَحانِ بِالدُّمُوعِ حَتّى أرْسَلُوهُ.
وعَنْ جَعْفَرٍ الصّادِقِ: أنَّ مُؤْمِنَ آلِ فِرْعَوْنَ قالَ ذَلِكَ سِرًّا، وأبُو بَكْرٍ قالَهُ ظاهِرًا. وقالَ السُّدِّيُّ: (مُسْرِفٌ) بِالقَتْلِ. وقالَ قَتادَةُ: (مُسْرِفٌ) بِالكُفْرِ.
وقالَ صاحِبُ التَّحْرِيرِ والتَّحْبِيرِ: هَذا نَوْعٌ مِن أنْواعِ عِلْمِ البَيانِ تُسَمِّيهِ عُلَماؤُنا اسْتِدْراجَ المُخاطَبِ، وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا رَأى فِرْعَوْنَ قَدْ عَزَمَ عَلى قَتْلِ مُوسى، والقَوْمَ عَلى تَكْذِيبِهِ، أرادَ الِانْتِصارَ لَهُ بِطَرِيقٍ يُخْفِي عَلَيْهِمْ بِها أنَّهُ مُتَعَصِّبٌ لَهُ، وأنَّهُ مِن أتْباعِهِ، فَجاءَهم مِن طَرِيقِ النُّصْحِ والمُلاطَفَةِ فَقالَ: ﴿أتَقْتُلُونَ رَجُلًا أنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾، ولَمْ يَذْكُرِ اسْمَهُ، بَلْ قالَ رَجُلًا يُوهِمُ أنَّهُ لا يَعْرِفُهُ ولا يَتَعَصَّبُ لَهُ، ﴿أنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾، ولَمْ يَقُلْ رَجُلًا مُؤْمِنًا بِاللَّهِ، أوْ هو نَبِيُّ اللَّهِ؛ إذْ لَوْ قالَ شَيْئًا مِن ذَلِكَ لَعَلِمُوا أنَّهُ مُتَعَصِّبٌ. ولَمْ يَقْبَلُوا قَوْلَهُ، ثُمَّ أتْبَعَهُ بِما بَعْدَ ذَلِكَ، فَقَدَّمَ قَوْلَهُ: ﴿وإنْ يَكُ كاذِبًا﴾، مُوافَقَةً لِرَأْيِهِمْ فِيهِ. ثُمَّ تَلاهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنْ يَكُ صادِقًا﴾، ولَوْ قالَ: هو صادِقٌ وكَلُّ (p-٤٦٢)ما يَعِدُكم، لَعَلِمُوا أنَّهُ مُتَعَصِّبٌ، وأنَّهُ يَزْعُمُ أنَّهُ نَبِيٌّ، وأنَّهُ يُصَدِّقُهُ، فَإنَّ الأنْبِياءَ لا تُخِلُّ بِشَيْءٍ مِمّا يَقُولُونَهُ، ثُمَّ أتْبَعَهُ بِكَلامٍ يُفْهَمُ مِنهُ أنَّهُ لَيْسَ بِمُصَدِّقٍ، وهو قَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن هو مُسْرِفٌ كَذّابٌ﴾ . انْتَهى.
ثُمَّ قالَ: (يا قَوْمِ) نِداءٌ مُتَلَطِّفٌ في مَوْعِظَتِهِمْ.
﴿ياقَوْمِ لَكُمُ المُلْكُ اليَوْمَ ظاهِرِينَ﴾ أيْ: عالِمِينَ: (في الأرْضِ): في أرْضِ مِصْرَ، قَدْ غَلَبْتُمْ بَنِي إسْرائِيلَ فِيها، وقَهَرْتُمُوهم واسْتَعْبَدْتُمُوهم، وناداهم بِالمُلْكِ الَّذِي هو أعْظَمُ مَراتِبِ الدُّنْيا وأجَلُّها، وهو مِن جِهَةِ شَهَواتِهِمْ، وانْتَصَبَ (ظاهِرِينَ) عَلى الحالِ، والعامِلُ فِيها هو العامِلُ في الجارِّ والمَجْرُورِ، وذُو الحالِ هو ضَمِيرُ (لَكم) .
ثُمَّ حَذَّرَهم أنْ يُفْسِدُوا عَلى أنْفُسِهِمْ بِأنَّهُ إنْ جاءَهم بَأْسُ اللَّهِ لَمْ يَجِدُوا ناصِرًا لَهم ولا دافِعًا، وأدْرَجَ نَفْسَهُ في قَوْلِهِ: ﴿يَنْصُرُنا﴾، و(جاءَنا) لِأنَّهُ مِنهم في القَرابَةِ، ولِيُعْلِمَهم أنَّ الَّذِي يَنْصَحُهم بِهِ هو مُشارِكٌ لَهم فِيهِ.
وأقْوالُ هَذا المُؤْمِنِ تَدُلُّ عَلى زَوالِ هَيْبَةِ فِرْعَوْنَ مِن قَلْبِهِ، ولِذَلِكَ اسْتَكانَ فِرْعَوْنُ وقالَ: ﴿ما أُرِيكم إلّا ما أرى﴾ أيْ: ما أُشِيرُ عَلَيْكم إلّا بِقَتْلِهِ، ولا أسْتَصْوِبُ إلّا ذَلِكَ، وهَذا قَوْلُ مِن لا تَحَكُّمَ لَهُ، وأتى بِما وإلّا لِلْحَصْرِ والتَّأْكِيدِ.
﴿وما أهْدِيكم إلّا سَبِيلَ الرَّشادِ﴾، لا ما تَقُولُونَهُ مِن تَرْكِ قَتْلِهِ وقَدْ كَذَبَ، بَلْ كانَ خائِفًا وجِلًا، وقَدْ عَلِمَ أنَّ ما جاءَ بِهِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - حَقٌّ، ولَكِنَّهُ كانَ يَتَجَلَّدُ، ويُرِي ظاهِرَهُ خِلافَ ما أبْطَنَ.
وأوْرَدَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وابْنُ عَطِيَّةَ، وأبُو القاسِمِ الهُذَلِيُّ هُنا أنَّ مُعاذَ بْنَ جَبَلٍ قَرَأ (الرَّشّادِ) بِشَدِّ الشِّينِ.
قالَ أبُو الفَتْحِ: وهو اسْمُ فاعِلٍ في بِنْيَةِ مُبالَغَةٍ مِنَ الفِعْلِ الثُّلاثِيِّ رَشَدَ، فَهو كَعَبّادٍ مِن عَبَدَ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ مِن رَشِدَ، كَعَلّامٍ مِن عَلِمَ. وقالَ النَّحّاسُ: هو لَحْنٌ، وتَوَهَّمَهُ مِنَ الفِعْلِ الرُّباعِيِّ، ورُدَّ عَلَيْهِ أنَّهُ لا يَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ مِنَ الرُّباعِيِّ، بَلْ هو مِنَ الثُّلاثِيِّ، عَلى أنَّ بَعْضَهم قَدْ ذَهَبَ إلى أنَّهُ مِنَ الرُّباعِيِّ، فَبَنى فَعّالَ مِن أفْعَلَ، كَدَرّاكِ مِن أدْرَكَ، وسَآرٍ مِن أسْأرَ، وجَبّارٍ مِن أجْبَرَ، وقَصّارٍ مِن أقْصَرَ، ولَكِنَّهُ لَيْسَ بِقِياسٍ، فَلا يُحْمَلُ عَلَيْهِ ما وُجِدَتْ عَنْهُ مَندُوحَةٌ، وفَعّالٌ مِنَ الثُّلاثِيِّ مَقِيسٌ فَحُمِلَ عَلَيْهِ.
وقالَ أبُو حاتِمٍ: كانَ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ يُفَسِّرُها بِسَبِيلِ اللَّهِ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَبْعُدُ عِنْدِي عَلى مُعاذٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - .
وهَلْ كانَ فِرْعَوْنُ إلّا يَدَّعِي أنَّهُ إلَهٌ ؟ وتَعَلَّقَ بِناءُ اللَّفْظِ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ. انْتَهى.
وإيرادُ الخِلافِ في هَذا الحَرْفِ الَّذِي هو مِن قَوْلِ فِرْعَوْنَ خَطَأٌ، وتَرْكِيبُ قَوْلُ مُعاذٍ عَلَيْهِ خَطَأٌ، والصَّوابُ أنَّ الخِلافَ فِيهِ هو قَوْلُ المُؤْمِنِ: ﴿اتَّبِعُونِ أهْدِكم سَبِيلَ الرَّشادِ﴾ [غافر: ٣٨] . قالَ أبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ في (كِتابِ اللَّوامِحِ) لَهُ مِن شَواذِّ القِراءاتِ ما نَصَّهُ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ ﴿سَبِيلَ الرَّشادِ﴾ [غافر: ٣٨] الحَرْفُ الثّانِي بِالتَّشْدِيدِ، وكَذَلِكَ الحَسَنُ، وهو سَبِيلُ اللَّهِ تَعالى الَّذِي أوْضَحَ الشَّرائِعَ، كَذَلِكَ فَسَّرَهُ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ، وهو مَنقُولٌ مِن مُرْشِدٍ، كَدَرّاكٍ مِن مُدْرِكٍ، وجَبّارٍ مِنَ مُجْبِرٍ، وقَصّارٍ مِن مُقْصِرٍ عَنِ الأمْرِ، ولَها نَظائِرُ مَعْدُودَةٌ، فَأمّا قَصّارٌ فَهو مِن قَصَرَ مِنَ الثَّوْبِ قِصارَةً. وقالَ ابْنُ خالَوَيْهِ، بَعْدَ أنْ ذَكَرَ الخِلافَ في التَّنادِ وفي صَدٍّ عَنِ السَّبِيلِ ما نَصُّهُ (سَبِيلُ الرَّشّادِ بِتَشْدِيدِ الشِّينِ) مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ. قالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: يَعْنِي بِالرَّشّادِ اللَّهَ تَعالى. انْتَهى.
فَهَذا لَمْ يَذْكُرِ الخِلافَ إلّا في قَوْلِ المُؤْمِنِ: ﴿أهْدِكم سَبِيلَ الرَّشادِ﴾ [غافر: ٣٨]، فَذِكْرُ الخِلافِ فِيهِ في قَوْلِ فِرْعَوْنَ خَطَأٌ، ولَمْ يُفَسِّرْ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ (الرَّشّادَ) أنَّهُ اللَّهُ تَعالى إلّا في قَوْلِ المُؤْمِنِ، لا في قَوْلِ فِرْعَوْنَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ذَلِكَ التَّأْوِيلُ مِن قَوْلِ فِرْعَوْنَ.
غافر 40:27
﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ ﴿إلى فِرْعَوْنَ وهامانَ وقارُونَ فَقالُوا ساحِرٌ كَذّابٌ﴾ ﴿فَلَمّا جاءَهم بِالحَقِّ مِن عِنْدِنا قالُوا اقْتُلُوا أبْناءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ واسْتَحْيُوا نِساءَهم وما كَيْدُ الكافِرِينَ إلّا في ضَلالٍ﴾ ﴿وقالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أقْتُلْ مُوسى ولْيَدْعُ رَبَّهُ إنِّي أخافُ أنْ يُبَدِّلَ دِينَكم أوْ أنْ يُظْهِرَ في الأرْضِ الفَسادَ﴾ ﴿وقالَ مُوسى إنِّي عُذْتُ بِرَبِّي ورَبِّكم مِن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الحِسابِ﴾ ﴿وقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِن آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إيمانَهُ أتَقْتُلُونَ رَجُلًا أنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وقَدْ جاءَكم بِالبَيِّناتِ مِن رَبِّكم وإنْ يَكُ كاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وإنْ يَكُ صادِقًا يُصِبْكم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكم إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن هو مُسْرِفٌ كَذّابٌ﴾ ﴿يا قَوْم لَكُمُ المُلْكُ اليَوْمَ ظاهِرِينَ في الأرْضِ فَمَن يَنْصُرُنا مِن بَأْسِ اللَّهِ إنْ جاءَنا قالَ فِرْعَوْنُ ما أُرِيكم إلّا ما أرى وما أهْدِيكم إلّا سَبِيلَ الرَّشادِ﴾ .
ابْتَدَأ تَعالى قِصَّةَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَعَ فِرْعَوْنَ تَسْلِيَةً لِلرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ووَعِيدًا لِقُرَيْشٍ أنْ يَحِلَّ بِهِمْ ما حَلَّ بِفِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ مِن نِقْماتِ اللَّهِ، (p-٤٥٩)ووَعْدًا لِلْمُؤْمِنِينَ بِالظَّفَرِ والنَّصْرِ وحُسْنِ العاقِبَةِ. وآياتُ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - كَثِيرَةٌ، والَّذِي تَحَدّى بِهِ مِنَ المُعْجِزِ العَصا واليَدُ.
وقَرَأ عِيسى: (وسُلُطانٍ) بِضَمِّ اللّامِ، والسُّلْطانُ المُبِينُ: الحُجَّةُ والبُرْهانُ الواضِحُ. والظّاهِرُ أنَّ قارُونَ هو الَّذِي ذَكَرَهُ تَعالى في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ قارُونَ كانَ مِن قَوْمِ مُوسى﴾ [القصص: ٧٦]، وهو مِن بَنِي إسْرائِيلَ.
وقِيلَ: هو غَيْرُهُ، ونَصَّ عَلى هامانَ وقارُونَ لِمَكانَتِهِما في الكُفْرِ، ولِأنَّهُما أشْهَرُ أتْباعِ فِرْعَوْنَ.
﴿فَقالُوا ساحِرٌ كَذّابٌ﴾ أيْ: هَذا ساحِرٌ، لِما ظَهَرَ عَلى يَدَيْهِ مِن قَلْبِ العَصا حَيَّةً، وظُهُورِ النُّورِ السّاطِعِ عَلى يَدِهِ، كَذّابٌ لِكَوْنِهِ ادَّعى أنَّهُ رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ.
﴿فَلَمّا جاءَهم بِالحَقِّ مِن عِنْدِنا﴾ أيْ: بِالمُعْجِزاتِ والنُّبُوَّةِ والدُّعاءِ إلى الإيمانِ بِاللَّهِ، (قالُوا)، أيْ: أُولَئِكَ الثَّلاثَةُ، (اقْتُلُوا) . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْ: أعِيدُوا عَلَيْهِمُ القَتْلَ كالَّذِي كانَ أوَّلًا. انْتَهى.
يُرِيدُ أنَّ هَذا غَيْرُ القَتْلِ الأوَّلِ، وإنَّما أُمِرُوا بِقَتْلِ أبْناءِ المُؤْمِنِينَ لِئَلّا يَتَقَوّى بِهِمْ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وبِاسْتِحْياءِ النِّساءِ لِلِاسْتِخْدامِ والِاسْتِرْقاقِ، ولَمْ يَقَعْ ما أمَرُوا بِهِ ولا تَمَّ لَهم، ولا أعانَهُمُ اللَّهُ عَلَيْهِ.
﴿وما كَيْدُ الكافِرِينَ إلّا في ضَلالٍ﴾ أيْ: في حَيْرَةٍ وتَخَبُّطٍ، لَمْ يَقَعْ مِنهُ شَيْءٌ، ولا أنْجَحَ سَعْيَهَمْ، وكانُوا باشَرُوا القَتْلَ أوَّلًا، فَنَفَذَ قَضاءُ اللَّهِ في إظْهارِ مَن خافُوا هَلاكَهم عَلى يَدَيْهِ.
وقِيلَ: كانَ فِرْعَوْنُ قَدْ كَفَّ عَنْ قَتْلِ الأبْناءِ، فَلَمّا بُعِثَ مُوسى، وأحَسَّ أنَّهُ قَدْ وقَعَ ما كانَ يَحْذَرُهُ، أعادَ القَتْلَ عَلَيْهِمْ غَيْظًا وحِنْقًا وظَنًّا مِنهُ أنَّهُ يَصُدُّهم بِذَلِكَ عَنْ مُظاهَرَةِ مُوسى، وما عَلِمَ أنَّ كَيْدَهُ ضائِعٌ في الكَرَّتَيْنِ مَعًا.
﴿وقالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أقْتُلْ مُوسى ولْيَدْعُ رَبَّهُ﴾، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بَعْضُهُ مِن كَلامِ الحَسَنِ، كانَ إذا هَمَّ بِقَتْلِهِ كَفُّوهُ بِقَوْلِهِمْ: لَيْسَ بِالَّذِي تَخافُهُ، هو أقَلُّ مِن ذَلِكَ وأضْعَفُ، وما هو إلّا بَعْضُ السَّحَرَةِ، ومِثْلُهُ لا يُقاوِمُهُ إلّا ساحِرٌ مِثْلُهُ، ويَقُولُونَ: إنْ قَتَلْتَهُ أدْخَلْتَ الشُّبْهَةَ عَلى النّاسِ، واعْتَقَدُوا أنَّكَ عَجَزْتَ عَنْ مُظاهَرَتِهِ بِالحُجَّةِ.
والظّاهِرُ أنَّ فِرْعَوْنَ - لَعَنَهُ اللَّهُ - كانَ قَدِ اسْتَيْقَنَ أنَّهُ نَبِيٌّ، وأنَّ ما جاءَ بِهِ آياتٌ وما هو سِحْرٌ، ولَكِنَّ الرَّجُلَ كانَ فِيهِ خُبْثٌ وجَبَرُوتٌ، وكانَ قَتّالًا سَفّاكًا لِلدِّماءِ في أهْوَنِ شَيْءٍ، فَكَيْفَ لا يَقْتُلُ مَن أحَسَّ مِنهُ بِأنَّهُ هو الَّذِي يَثُلُّ عَرْشَهُ، ويَهْدِمُ مُلْكَهُ ؟ ولَكِنَّهُ يَخافُ إنْ هَمَّ بِقَتْلِهِ أنْ يُعاجَلَ بِالهَلاكِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ولْيَدْعُ رَبَّهُ﴾: شاهِدُ صِدْقٍ عَلى فَرْطِ خَوْفِهِ مِنهُ ومِن دَعْوَتِهِ رَبَّهُ، كانَ قَوْلُهُ: ﴿ذَرُونِي أقْتُلْ مُوسى﴾ تَمْوِيهًا عَلى قَوْمِهِ وإيهامًا أنَّهم هُمُ الَّذِينَ يَكُفُّونَهُ، وما كانَ يَكُفُّهُ إلّا ما في نَفْسِهِ مِن هَوْلِ الفَزَعِ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الظّاهِرُ مِن أمْرِ فِرْعَوْنَ أنَّهُ لَمّا بَهَرَتْ آياتُ مُوسى انْهَدَّ رُكْنُهُ واضْطَرَبَتْ مُعْتَقَداتُ أصْحابِهِ، ولَمْ يَفْقِدْ مِنهم مَن يُجاذِبُهُ الخِلافَ في أمْرِهِ، وذَلِكَ بَيِّنٌ مِن غَيْرِ ما مَوْضِعٍ في قِصَّتِهِما، وفي ذَلِكَ عَلى هَذا دَلِيلانِ: أحَدُهُما: قَوْلُهُ ﴿ذَرُونِي﴾، فَلَيْسَتْ هَذِهِ مِن ألْفاظِ الجَبابِرَةِ المُتَمَكِّنِينَ مِن إنْفاذِ أوامِرِهِمْ.
الدَّلِيلُ الثّانِي: في مَقالَةِ المُؤْمِنِ وما صَدَعَ بِهِ، وأنَّ مُكاشَفَتَهُ لِفِرْعَوْنَ خَيْرٌ مِن مُساتَرَتِهِ، وحُكْمَهُ بِنُبُوَّةِ مُوسى أظْهَرُ مِن تَقْرِيبِهِ في أمْرِهِ. وأمّا فِرْعَوْنُ، فَإنَّهُ نَحا إلى المَخْرَقَةِ والِاضْطِرابِ والتَّعاطِي، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ذَرُونِي أقْتُلْ مُوسى ولْيَدْعُ رَبَّهُ﴾ أيْ: إنِّي لا أُبالِي مِن رَبِّ مُوسى، ثُمَّ رَجَعَ إلى قَوْمِهِ يُرِيهِمُ النَّصِيحَةَ والخِيانَةَ لَهم، فَقالَ: ﴿إنِّي أخافُ أنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ﴾، والدِّينُ: السُّلْطانُ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ:
؎لَئِنْ حَلَلْتَ بِجَوٍّ في بَنِي أسَدٍ في دِينِ عَمْرٍو وحالَتْ بَيْنَنا فَدَكُ
انْتَهى.
وتَبْدِيلُ دِينِهِمْ هو تَغْيِيرُهُ، وكانُوا يَعْبُدُونَهُ ويَعْبُدُونَ الأصْنامَ، كَما قالَ: ﴿ويَذَرَكَ وآلِهَتَكَ﴾ [الأعراف: ١٢٧]، ﴿أوْ أنْ يُظْهِرَ في الأرْضِ الفَسادَ﴾ وذَلِكَ بِالتَّهارُجِ الَّذِي يَذْهَبُ مَعَهُ الأمْنُ، وتَتَعَطَّلُ المَزارِعُ والمَكاسِبُ، ويَهْلَكُ النّاسُ قَتْلًا وضَياعًا، فَأخافُ فَسادَ دِينِكم ودُنْياكم مَعًا.
وبَدَأ فِرْعَوْنُ بِخَوْفِهِ تَغْيِيرَ دِينِهِمْ عَلى تَغْيِيرِ دُنْياهم؛ لِأنَّ حُبَّهَمْ لِأدْيانِهِمْ فَوْقَ حُبِّهِمْ لِأمْوالِهِمْ.
وقِيلَ: ﴿ذَرُونِي﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهم كانُوا يَمْنَعُونَهُ مِن قَتْلِهِ، إمّا لِكَوْنِ بَعْضِهِمْ كانَ مُصَدِّقًا لَهُ فَيَتَحَيَّلُ في مَنعِ قَتْلِهِ، وإمّا لِما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ مِمّا ذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وإمّا لِشَغْلِ (p-٤٦٠)قَلْبِ فِرْعَوْنَ بِمُوسى حَتّى لا يَتَفَرَّغَ لَهم، ويَأْمَنُوا مِن شَرِّهِ؛ كَما يَفْعَلُونَ مَعَ المَلِكِ إذا خَرَجَ عَلَيْهِ خارِجِيٌّ شَغَلُوهُ بِهِ حَتّى يَأْمَنُوا مِن شَرِّهِ.
وقَرَأ الكُوفِيُّونَ: (أوْ أنْ)، بِتَرْدِيدِ الخَوْفِ بَيْنَ تَبْدِيلِ الدِّينِ أوْ ظُهُورِ الفَسادِ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ: (وأنْ) بِانْتِصابِ الخَوْفِ عَلَيْهِما مَعًا.
وقَرَأ أنَسُ بْنُ مالِكٍ، وابْنُ المُسَيَّبِ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وأبُو رَجاءٍ، والحَسَنُ، والجَحْدَرِيُّ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ: (يُظْهِرَ) مِن أظْهَرَ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، (الفَسادَ): نَصْبًا. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ، والأعْرَجُ، والأعْمَشُ، وابْنُ وثّابٍ، وعِيسى: (يَظْهَرُ) مِن ظَهَرَ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، (الفَسادُ): رَفْعًا.
وقَرَأ مُجاهِدٌ: (يَظَّهَّرُ) بِشَدِّ الظّاءِ والهاءِ، (الفَسادُ): رَفْعًا. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (يُظْهَرُ): بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الهاءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، (الفَسادُ): رَفْعًا.
ولَمّا سَمِعَ مُوسى بِمُقالَةِ فِرْعَوْنَ، اسْتَعاذَ بِاللَّهِ مِن شَرِّ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ مُنْكِرٍ لِلْمَعادِ. وقالَ: (ورَبِّكم): بَعْثًا عَلى الِاقْتِداءِ بِهِ، فَيَعُوذُونَ بِاللَّهِ ويَعْتَصِمُونَ بِهِ.
و﴿مِن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ﴾ يَشْمَلُ فِرْعَوْنَ وغَيْرَهُ مِنَ الجَبابِرَةِ؛ وكانَ ذَلِكَ عَلى طَرِيقِ التَّعْرِيضِ، وكانَ أبْلَغَ.
والتَّكَبُّرُ: تَعاظُمُ الإنْسانِ في نَفْسِهِ مَعَ حَقارَتِهِ؛ لِأنَّهُ يَفْعَلُ، و﴿لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الحِسابِ﴾، أيْ: بِالجَزاءِ، وكانَ ذَلِكَ آكَدَ في جَراءَتِهِ، إذْ حَصَلَ لَهُ التَّعاظُمُ في نَفْسِهِ، وعَدَمُ المُبالاةِ بِما ارْتَكَبَ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: (عُذْتُ) بِالإدْغامِ؛ وباقِي السَّبْعَةِ: بِالإظْهارِ.
﴿وقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِن آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إيمانَهُ﴾ قِيلَ: كانَ قِبْطِيًّا ابْنَ عَمِّ فِرْعَوْنَ، وكانَ يَجْرِي مَجْرى ولِيِّ العَهْدِ، ومَجْرى صاحِبِ الشُّرْطَةِ. وقِيلَ: كانَ قِبْطِيًّا لَيْسَ مِن قَرابَتِهِ. وقِيلَ: قِيلَ فِيهِ مِن آلِ فِرْعَوْنَ؛ لِأنَّهُ كانَ في الظّاهِرِ عَلى دِينِهِ ودِينِ أتْباعِهِ.
وقِيلَ: كانَ إسْرائِيلِيًّا ولَيْسَ مِن آلِ فِرْعَوْنَ، وجَعَلَ آلَ فِرْعَوْنَ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ: ﴿يَكْتُمُ إيمانَهُ﴾، لا في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِرَجُلٍ، كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ الظّاهِرُ، وهَذا فِيهِ بُعْدٌ، إذْ لَمْ يَكُنْ لِأحَدٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ أنْ يَتَجاسَرَ عِنْدَ فِرْعَوْنَ بِمِثْلِ ما تَكَلَّمَ بِهِ هَذا الرَّجُلُ.
وقَدْ رُدَّ قَوْلُ مَن عَلَّقَ مِن آلِ فِرْعَوْنَ بِيَكْتُمُ، فَإنَّهُ لا يُقالُ: كَتَمْتُ مِن فُلانٍ كَذا، إنَّما يُقالُ: كَتَمْتُ فُلانًا كَذا، قالَ تَعالى: ﴿ولا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٤٢]، وقالَ الشّاعِرُ:
؎كَتَمْتُكَ لَيْلًا بِالجَمُومِينَ ساهِرًا ∗∗∗ وهَمَّيْنِ هَمًّا مُسْتَكِنًّا وظاهِرا
؎أحادِيثَ نَفْسٍ تَشْتَكِي ما يُرِيبُها ∗∗∗ ووِرْدَ هُمُومٍ لَنْ يَجِدْنَ مَصادِرا
أيْ: كَتَمْتُكَ أحادِيثَ نَفْسٍ وهَمَّيْنِ. قِيلَ: واسْمُهُ سَمْعانُ. وقِيلَ: حَبِيبٌ. وقِيلَ: حِزْقِيلُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (رَجُلٌ) بِضَمِّ الجِيمِ. وقَرَأ عِيسى، وعَبْدُ الوارِثِ، وعُبَيْدُ بْنُ عُقَيْلٍ، وحَمْزَةُ بْنُ القاسِمِ عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِسُكُونٍ، وهي لُغَةُ تَمِيمٍ ونَجْدٍ.
﴿أتَقْتُلُونَ رَجُلًا أنْ يَقُولَ﴾ أيْ: لِأنْ يَقُولَ ﴿رَبِّيَ اللَّهُ﴾، وهَذا إنْكارٌ مِنهُ عَظِيمٌ وتَبْكِيتٌ لَهم، كَأنَّهُ قالَ: أتَرْتَكِبُونَ الفِعْلَةَ الشَّنْعاءَ الَّتِي هي قَتْلُ نَفْسٍ مُحَرَّمَةٍ وما لَكم عَلَيْهِ في ارْتِكابِها إلّا كَلِمَةُ الحَقِّ الَّتِي نَطَقَ بِها، وهي قَوْلُهُ: ﴿رَبِّيَ اللَّهُ﴾، مَعَ أنَّهُ ﴿قَدْ جاءَكم بِالبَيِّناتِ مِن رَبِّكُمْ﴾ أيْ: مِن عِنْدِ مَن نَسَبَ إلَيْهِ الرُّبُوبِيَّةَ، وهو رَبُّكم لا رَبُّهُ وحْدَهُ ؟ وهَذا اسْتِدْراجٌ إلى الِاعْتِرافِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولَكَ أنْ تُقَدِّرَ مُضافًا مَحْذُوفًا، أيْ: وقْتَ أنْ يَقُولَ، والمَعْنى: أتَقْتُلُونَهُ ساعَةَ سَمِعْتُمْ مِنهُ هَذا القَوْلَ مِن غَيْرِ رَوِيَّةٍ ولا فِكْرٍ في أمْرِهِ ؟ انْتَهى. وهَذا الَّذِي أجازَهُ مِن تَقْدِيرِ المُضافِ المَحْذُوفِ الَّذِي هو وقْتٌ لا يَجُوزُ، تَقُولُ: جِئْتُ صِياحَ الدِّيكِ، أيْ: وقْتَ صِياحِ الدِّيكِ، ولا أجِيءُ أنْ يَصِيحَ الدِّيكُ، نَصَّ عَلى ذَلِكَ النُّحاةُ، فَشَرْطُ ذَلِكَ أنْ يَكُونَ المَصْدَرُ مُصَرَّحًا بِهِ لا مُقَدَّرًا، وأنْ يَقُولَ لَيْسَ مَصْدَرًا مُصَرَّحًا بِهِ.
(بِالبَيِّناتِ): بِالدَّلائِلِ عَلى التَّوْحِيدِ، وهي الَّتِي ذَكَرَها في (طه، والشُّعَراءِ) حالَةَ مُحاوَرَتِهِ لَهُ في سُؤالِهِ عَنْ رَبِّهِ تَعالى.
ولَمّا صَرَّحَ بِالإنْكارِ عَلَيْهِمْ، غالَطَهم بَعْدُ في أنَّ قَسَّمَ أمْرَهُ إلى كَذِبٍ وصِدْقٍ، وأدّى ذَلِكَ في صُورَةِ (p-٤٦١)احْتِمالٍ ونَصِيحَةٍ، وبَدَأ في التَّقْسِيمِ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنْ يَكُ كاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ﴾، مُداراةً مِنهُ وسالِكًا طَرِيقَ الإنْصافِ في القَوْلِ، وخَوْفًا إذا أنْكَرَ عَلَيْهِمْ قَتْلَهُ أنَّهُ مِمَّنْ يُعاضِدُهُ ويُناصِرُهُ، فَأوْهَمَهم بِهَذا التَّقْسِيمِ والبَداءَةِ بِحالَةِ الكَذِبِ حَتّى يَسْلَمَ مِن شَرِّهِ، ويَكُونَ ذَلِكَ أدْنى لِتَسْلِيمِهِمْ. ومَعْنى ﴿فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ﴾ أيْ: لا يَتَخَطّاهُ ضَرَرُهُ.
﴿وإنْ يَكُ صادِقًا يُصِبْكم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾، وهو يَعْتَقِدُ أنَّهُ نَبِيٌّ صادِقٌ قَطْعًا، لَكِنَّهُ أتى بِلَفْظِ (بَعْضُ) لِإلْزامِ الحُجَّةِ بِأسْرِها في الأمْرِ، ولَيْسَ فِيهِ نَفْيُ أنْ يُصِيبَهم كُلُّ ما يَعِدُهم.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: يُصِبْكم بَعْضُ العَذابِ الَّذِي يَذْكُرُ، وذَلِكَ كانَ في هَلاكِهِمْ، ويَكُونُ المَعْنى: يُصِبْكُمُ القَسَمُ الواحِدُ مِمّا يَعِدُ بِهِ، وذَلِكَ هو بَعْضٌ مِمّا يَعِدُ؛ لِأنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وعَدَهم إنْ آمَنُوا بِالنِّعْمَةِ، وإنْ كَفَرُوا بِالنِّقْمَةِ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكم عَذابُ الدُّنْيا؛ لِأنَّهُ بَعْضُ عَذابِ الآخِرَةِ، ويَصِيرُونَ بَعْدَ ذَلِكَ إلى النّارِ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ: (بَعْضُ) بِمَعْنى كُلُّ، وأنْشَدُوا قَوْلَ عَمْرِو بْنِ شَسِيمٍ القَطامِيِّ:
؎قَدْ يُدْرِكُ المُتَأنِّي بَعْضَ حاجَتِهِ ∗∗∗ وقَدْ يَكُونُ مَعَ المُسْتَعْجَلِ الزَّلَلُ
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وذَلِكَ أنَّهُ حِينَ فَرَضَ صادِقًا، فَقَدْ أثْبَتَ أنَّهُ صادِقٌ في جَمِيعِ ما يَعِدُ، ولَكِنَّهُ أرْدَفَهُ ﴿يُصِبْكم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾، لِيَهْضِمَهُ بَعْضَ حَقِّهِ في ظاهِرِ الكَلامِ، فَيُرِيَهم أنَّهُ لَيْسَ بِكَلامِ مَن أعْطاهُ وافِيًا فَضْلًا أنْ يَتَعَصَّبَ لَهُ.
(فَإنْ قُلْتَ): وعَنْ أبِي عُبَيْدَةَ أنَّهُ قَسَّمَ البَعْضَ بِالكُلِّ، وأنْشَدَ بَيْتَ لَبِيدٍ وهو:
؎تَرّاكُ أمْكِنَةٍ إذا لَمْ أرْضَها ∗∗∗ ويُرِيكَ مِن بَعْضِ النُّفُوسِ حِمامُها
(قُلْتُ): إنْ صَحَّتِ الرِّوايَةُ عَنْهُ فَقَدْ حَقَّ في قَوْلِ المازِنِيِّ في مَسْألَةِ العافِيِ كانَ أحْفى مِن أنْ يَفْقَهَ ما أقُولُ لَهُ. انْتَهى، ويَعْنِي أنَّ أبا عُبَيْدَةَ خَطَّأهُ النّاسُ في اعْتِقادِهِ أنْ بَعْضًا يَكُونُ بِمَعْنى كُلٍّ، وأنْشَدُوا أيْضًا في كَوْنِ بَعْضٍ بِمَعْنى كُلٍّ قَوْلَ الشّاعِرِ:
؎إنَّ الأُمُورَ إذا الأحْداثُ دَبَّرَها ∗∗∗ دُونَ الشُّيُوخِ تَرى في بَعْضِها خَلَلا
أيْ: إذا رَأى الأحْداثَ، ولِذَلِكَ قالَ دَبَّرَها ولَمْ يَقُلْ دَبَّرُوها، راعى المُضافَ المَحْذُوفَ.
﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن هو مُسْرِفٌ كَذّابٌ﴾ فِيهِ: إشارَةٌ إلى عُلُوِّ شَأْنِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأنَّ مَنِ اصْطَفاهُ اللَّهُ لِلنُّبُوَّةِ لا يُمْكِنُ أنْ يَقَعَ مِنهُ إسْرافٌ ولا كَذِبٌ، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِفِرْعَوْنَ؛ إذْ هو غايَةُ الإسْرافِ عَلى نَفْسِهِ بِقَتْلِ أبْناءِ المُؤْمِنِينَ، وفي غايَةِ الكَذِبِ؛ إذِ ادَّعى الإلَهِيَّةَ والرُّبُوبِيَّةَ، ومَن هَذا شَأْنُهُ لا يَهْدِيهِ اللَّهُ.
وفِي الحَدِيثِ: ”«الصِّدِّيقُونَ ثَلاثَةٌ: حَبِيبٌ النَّجّارُ مُؤْمِنُ آلِ يس، ومُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ، وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ“ .
وفِي الحَدِيثِ: ”» أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - طافَ بِالبَيْتِ، فَحِينَ فَرَغَ أخَذَ بِمَجامِعِ رِدائِهِ، فَقالُوا لَهُ: أنْتَ الَّذِي تَنْهانا عَمّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا ؟ فَقالَ: أنا ذاكَ، فَقامَ أبُو بَكْرٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فالتَزَمَهُ مِن ورائِهِ، وقالَ: أتَقْتُلُونَ رَجُلًا أنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ، وقَدْ جاءَكم بِالبَيِّناتِ مِن رَبِّكم“، رافِعًا صَوْتَهُ بِذَلِكَ وعَيْناهُ تَسْفَحانِ بِالدُّمُوعِ حَتّى أرْسَلُوهُ.
وعَنْ جَعْفَرٍ الصّادِقِ: أنَّ مُؤْمِنَ آلِ فِرْعَوْنَ قالَ ذَلِكَ سِرًّا، وأبُو بَكْرٍ قالَهُ ظاهِرًا. وقالَ السُّدِّيُّ: (مُسْرِفٌ) بِالقَتْلِ. وقالَ قَتادَةُ: (مُسْرِفٌ) بِالكُفْرِ.
وقالَ صاحِبُ التَّحْرِيرِ والتَّحْبِيرِ: هَذا نَوْعٌ مِن أنْواعِ عِلْمِ البَيانِ تُسَمِّيهِ عُلَماؤُنا اسْتِدْراجَ المُخاطَبِ، وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا رَأى فِرْعَوْنَ قَدْ عَزَمَ عَلى قَتْلِ مُوسى، والقَوْمَ عَلى تَكْذِيبِهِ، أرادَ الِانْتِصارَ لَهُ بِطَرِيقٍ يُخْفِي عَلَيْهِمْ بِها أنَّهُ مُتَعَصِّبٌ لَهُ، وأنَّهُ مِن أتْباعِهِ، فَجاءَهم مِن طَرِيقِ النُّصْحِ والمُلاطَفَةِ فَقالَ: ﴿أتَقْتُلُونَ رَجُلًا أنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾، ولَمْ يَذْكُرِ اسْمَهُ، بَلْ قالَ رَجُلًا يُوهِمُ أنَّهُ لا يَعْرِفُهُ ولا يَتَعَصَّبُ لَهُ، ﴿أنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾، ولَمْ يَقُلْ رَجُلًا مُؤْمِنًا بِاللَّهِ، أوْ هو نَبِيُّ اللَّهِ؛ إذْ لَوْ قالَ شَيْئًا مِن ذَلِكَ لَعَلِمُوا أنَّهُ مُتَعَصِّبٌ. ولَمْ يَقْبَلُوا قَوْلَهُ، ثُمَّ أتْبَعَهُ بِما بَعْدَ ذَلِكَ، فَقَدَّمَ قَوْلَهُ: ﴿وإنْ يَكُ كاذِبًا﴾، مُوافَقَةً لِرَأْيِهِمْ فِيهِ. ثُمَّ تَلاهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنْ يَكُ صادِقًا﴾، ولَوْ قالَ: هو صادِقٌ وكَلُّ (p-٤٦٢)ما يَعِدُكم، لَعَلِمُوا أنَّهُ مُتَعَصِّبٌ، وأنَّهُ يَزْعُمُ أنَّهُ نَبِيٌّ، وأنَّهُ يُصَدِّقُهُ، فَإنَّ الأنْبِياءَ لا تُخِلُّ بِشَيْءٍ مِمّا يَقُولُونَهُ، ثُمَّ أتْبَعَهُ بِكَلامٍ يُفْهَمُ مِنهُ أنَّهُ لَيْسَ بِمُصَدِّقٍ، وهو قَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن هو مُسْرِفٌ كَذّابٌ﴾ . انْتَهى.
ثُمَّ قالَ: (يا قَوْمِ) نِداءٌ مُتَلَطِّفٌ في مَوْعِظَتِهِمْ.
﴿ياقَوْمِ لَكُمُ المُلْكُ اليَوْمَ ظاهِرِينَ﴾ أيْ: عالِمِينَ: (في الأرْضِ): في أرْضِ مِصْرَ، قَدْ غَلَبْتُمْ بَنِي إسْرائِيلَ فِيها، وقَهَرْتُمُوهم واسْتَعْبَدْتُمُوهم، وناداهم بِالمُلْكِ الَّذِي هو أعْظَمُ مَراتِبِ الدُّنْيا وأجَلُّها، وهو مِن جِهَةِ شَهَواتِهِمْ، وانْتَصَبَ (ظاهِرِينَ) عَلى الحالِ، والعامِلُ فِيها هو العامِلُ في الجارِّ والمَجْرُورِ، وذُو الحالِ هو ضَمِيرُ (لَكم) .
ثُمَّ حَذَّرَهم أنْ يُفْسِدُوا عَلى أنْفُسِهِمْ بِأنَّهُ إنْ جاءَهم بَأْسُ اللَّهِ لَمْ يَجِدُوا ناصِرًا لَهم ولا دافِعًا، وأدْرَجَ نَفْسَهُ في قَوْلِهِ: ﴿يَنْصُرُنا﴾، و(جاءَنا) لِأنَّهُ مِنهم في القَرابَةِ، ولِيُعْلِمَهم أنَّ الَّذِي يَنْصَحُهم بِهِ هو مُشارِكٌ لَهم فِيهِ.
وأقْوالُ هَذا المُؤْمِنِ تَدُلُّ عَلى زَوالِ هَيْبَةِ فِرْعَوْنَ مِن قَلْبِهِ، ولِذَلِكَ اسْتَكانَ فِرْعَوْنُ وقالَ: ﴿ما أُرِيكم إلّا ما أرى﴾ أيْ: ما أُشِيرُ عَلَيْكم إلّا بِقَتْلِهِ، ولا أسْتَصْوِبُ إلّا ذَلِكَ، وهَذا قَوْلُ مِن لا تَحَكُّمَ لَهُ، وأتى بِما وإلّا لِلْحَصْرِ والتَّأْكِيدِ.
﴿وما أهْدِيكم إلّا سَبِيلَ الرَّشادِ﴾، لا ما تَقُولُونَهُ مِن تَرْكِ قَتْلِهِ وقَدْ كَذَبَ، بَلْ كانَ خائِفًا وجِلًا، وقَدْ عَلِمَ أنَّ ما جاءَ بِهِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - حَقٌّ، ولَكِنَّهُ كانَ يَتَجَلَّدُ، ويُرِي ظاهِرَهُ خِلافَ ما أبْطَنَ.
وأوْرَدَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وابْنُ عَطِيَّةَ، وأبُو القاسِمِ الهُذَلِيُّ هُنا أنَّ مُعاذَ بْنَ جَبَلٍ قَرَأ (الرَّشّادِ) بِشَدِّ الشِّينِ.
قالَ أبُو الفَتْحِ: وهو اسْمُ فاعِلٍ في بِنْيَةِ مُبالَغَةٍ مِنَ الفِعْلِ الثُّلاثِيِّ رَشَدَ، فَهو كَعَبّادٍ مِن عَبَدَ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ مِن رَشِدَ، كَعَلّامٍ مِن عَلِمَ. وقالَ النَّحّاسُ: هو لَحْنٌ، وتَوَهَّمَهُ مِنَ الفِعْلِ الرُّباعِيِّ، ورُدَّ عَلَيْهِ أنَّهُ لا يَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ مِنَ الرُّباعِيِّ، بَلْ هو مِنَ الثُّلاثِيِّ، عَلى أنَّ بَعْضَهم قَدْ ذَهَبَ إلى أنَّهُ مِنَ الرُّباعِيِّ، فَبَنى فَعّالَ مِن أفْعَلَ، كَدَرّاكِ مِن أدْرَكَ، وسَآرٍ مِن أسْأرَ، وجَبّارٍ مِن أجْبَرَ، وقَصّارٍ مِن أقْصَرَ، ولَكِنَّهُ لَيْسَ بِقِياسٍ، فَلا يُحْمَلُ عَلَيْهِ ما وُجِدَتْ عَنْهُ مَندُوحَةٌ، وفَعّالٌ مِنَ الثُّلاثِيِّ مَقِيسٌ فَحُمِلَ عَلَيْهِ.
وقالَ أبُو حاتِمٍ: كانَ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ يُفَسِّرُها بِسَبِيلِ اللَّهِ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَبْعُدُ عِنْدِي عَلى مُعاذٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - .
وهَلْ كانَ فِرْعَوْنُ إلّا يَدَّعِي أنَّهُ إلَهٌ ؟ وتَعَلَّقَ بِناءُ اللَّفْظِ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ. انْتَهى.
وإيرادُ الخِلافِ في هَذا الحَرْفِ الَّذِي هو مِن قَوْلِ فِرْعَوْنَ خَطَأٌ، وتَرْكِيبُ قَوْلُ مُعاذٍ عَلَيْهِ خَطَأٌ، والصَّوابُ أنَّ الخِلافَ فِيهِ هو قَوْلُ المُؤْمِنِ: ﴿اتَّبِعُونِ أهْدِكم سَبِيلَ الرَّشادِ﴾ [غافر: ٣٨] . قالَ أبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ في (كِتابِ اللَّوامِحِ) لَهُ مِن شَواذِّ القِراءاتِ ما نَصَّهُ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ ﴿سَبِيلَ الرَّشادِ﴾ [غافر: ٣٨] الحَرْفُ الثّانِي بِالتَّشْدِيدِ، وكَذَلِكَ الحَسَنُ، وهو سَبِيلُ اللَّهِ تَعالى الَّذِي أوْضَحَ الشَّرائِعَ، كَذَلِكَ فَسَّرَهُ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ، وهو مَنقُولٌ مِن مُرْشِدٍ، كَدَرّاكٍ مِن مُدْرِكٍ، وجَبّارٍ مِنَ مُجْبِرٍ، وقَصّارٍ مِن مُقْصِرٍ عَنِ الأمْرِ، ولَها نَظائِرُ مَعْدُودَةٌ، فَأمّا قَصّارٌ فَهو مِن قَصَرَ مِنَ الثَّوْبِ قِصارَةً. وقالَ ابْنُ خالَوَيْهِ، بَعْدَ أنْ ذَكَرَ الخِلافَ في التَّنادِ وفي صَدٍّ عَنِ السَّبِيلِ ما نَصُّهُ (سَبِيلُ الرَّشّادِ بِتَشْدِيدِ الشِّينِ) مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ. قالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: يَعْنِي بِالرَّشّادِ اللَّهَ تَعالى. انْتَهى.
فَهَذا لَمْ يَذْكُرِ الخِلافَ إلّا في قَوْلِ المُؤْمِنِ: ﴿أهْدِكم سَبِيلَ الرَّشادِ﴾ [غافر: ٣٨]، فَذِكْرُ الخِلافِ فِيهِ في قَوْلِ فِرْعَوْنَ خَطَأٌ، ولَمْ يُفَسِّرْ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ (الرَّشّادَ) أنَّهُ اللَّهُ تَعالى إلّا في قَوْلِ المُؤْمِنِ، لا في قَوْلِ فِرْعَوْنَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ذَلِكَ التَّأْوِيلُ مِن قَوْلِ فِرْعَوْنَ.
غافر 40:28
﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ ﴿إلى فِرْعَوْنَ وهامانَ وقارُونَ فَقالُوا ساحِرٌ كَذّابٌ﴾ ﴿فَلَمّا جاءَهم بِالحَقِّ مِن عِنْدِنا قالُوا اقْتُلُوا أبْناءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ واسْتَحْيُوا نِساءَهم وما كَيْدُ الكافِرِينَ إلّا في ضَلالٍ﴾ ﴿وقالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أقْتُلْ مُوسى ولْيَدْعُ رَبَّهُ إنِّي أخافُ أنْ يُبَدِّلَ دِينَكم أوْ أنْ يُظْهِرَ في الأرْضِ الفَسادَ﴾ ﴿وقالَ مُوسى إنِّي عُذْتُ بِرَبِّي ورَبِّكم مِن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الحِسابِ﴾ ﴿وقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِن آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إيمانَهُ أتَقْتُلُونَ رَجُلًا أنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وقَدْ جاءَكم بِالبَيِّناتِ مِن رَبِّكم وإنْ يَكُ كاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وإنْ يَكُ صادِقًا يُصِبْكم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكم إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن هو مُسْرِفٌ كَذّابٌ﴾ ﴿يا قَوْم لَكُمُ المُلْكُ اليَوْمَ ظاهِرِينَ في الأرْضِ فَمَن يَنْصُرُنا مِن بَأْسِ اللَّهِ إنْ جاءَنا قالَ فِرْعَوْنُ ما أُرِيكم إلّا ما أرى وما أهْدِيكم إلّا سَبِيلَ الرَّشادِ﴾ .
ابْتَدَأ تَعالى قِصَّةَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَعَ فِرْعَوْنَ تَسْلِيَةً لِلرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ووَعِيدًا لِقُرَيْشٍ أنْ يَحِلَّ بِهِمْ ما حَلَّ بِفِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ مِن نِقْماتِ اللَّهِ، (p-٤٥٩)ووَعْدًا لِلْمُؤْمِنِينَ بِالظَّفَرِ والنَّصْرِ وحُسْنِ العاقِبَةِ. وآياتُ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - كَثِيرَةٌ، والَّذِي تَحَدّى بِهِ مِنَ المُعْجِزِ العَصا واليَدُ.
وقَرَأ عِيسى: (وسُلُطانٍ) بِضَمِّ اللّامِ، والسُّلْطانُ المُبِينُ: الحُجَّةُ والبُرْهانُ الواضِحُ. والظّاهِرُ أنَّ قارُونَ هو الَّذِي ذَكَرَهُ تَعالى في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ قارُونَ كانَ مِن قَوْمِ مُوسى﴾ [القصص: ٧٦]، وهو مِن بَنِي إسْرائِيلَ.
وقِيلَ: هو غَيْرُهُ، ونَصَّ عَلى هامانَ وقارُونَ لِمَكانَتِهِما في الكُفْرِ، ولِأنَّهُما أشْهَرُ أتْباعِ فِرْعَوْنَ.
﴿فَقالُوا ساحِرٌ كَذّابٌ﴾ أيْ: هَذا ساحِرٌ، لِما ظَهَرَ عَلى يَدَيْهِ مِن قَلْبِ العَصا حَيَّةً، وظُهُورِ النُّورِ السّاطِعِ عَلى يَدِهِ، كَذّابٌ لِكَوْنِهِ ادَّعى أنَّهُ رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ.
﴿فَلَمّا جاءَهم بِالحَقِّ مِن عِنْدِنا﴾ أيْ: بِالمُعْجِزاتِ والنُّبُوَّةِ والدُّعاءِ إلى الإيمانِ بِاللَّهِ، (قالُوا)، أيْ: أُولَئِكَ الثَّلاثَةُ، (اقْتُلُوا) . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْ: أعِيدُوا عَلَيْهِمُ القَتْلَ كالَّذِي كانَ أوَّلًا. انْتَهى.
يُرِيدُ أنَّ هَذا غَيْرُ القَتْلِ الأوَّلِ، وإنَّما أُمِرُوا بِقَتْلِ أبْناءِ المُؤْمِنِينَ لِئَلّا يَتَقَوّى بِهِمْ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وبِاسْتِحْياءِ النِّساءِ لِلِاسْتِخْدامِ والِاسْتِرْقاقِ، ولَمْ يَقَعْ ما أمَرُوا بِهِ ولا تَمَّ لَهم، ولا أعانَهُمُ اللَّهُ عَلَيْهِ.
﴿وما كَيْدُ الكافِرِينَ إلّا في ضَلالٍ﴾ أيْ: في حَيْرَةٍ وتَخَبُّطٍ، لَمْ يَقَعْ مِنهُ شَيْءٌ، ولا أنْجَحَ سَعْيَهَمْ، وكانُوا باشَرُوا القَتْلَ أوَّلًا، فَنَفَذَ قَضاءُ اللَّهِ في إظْهارِ مَن خافُوا هَلاكَهم عَلى يَدَيْهِ.
وقِيلَ: كانَ فِرْعَوْنُ قَدْ كَفَّ عَنْ قَتْلِ الأبْناءِ، فَلَمّا بُعِثَ مُوسى، وأحَسَّ أنَّهُ قَدْ وقَعَ ما كانَ يَحْذَرُهُ، أعادَ القَتْلَ عَلَيْهِمْ غَيْظًا وحِنْقًا وظَنًّا مِنهُ أنَّهُ يَصُدُّهم بِذَلِكَ عَنْ مُظاهَرَةِ مُوسى، وما عَلِمَ أنَّ كَيْدَهُ ضائِعٌ في الكَرَّتَيْنِ مَعًا.
﴿وقالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أقْتُلْ مُوسى ولْيَدْعُ رَبَّهُ﴾، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بَعْضُهُ مِن كَلامِ الحَسَنِ، كانَ إذا هَمَّ بِقَتْلِهِ كَفُّوهُ بِقَوْلِهِمْ: لَيْسَ بِالَّذِي تَخافُهُ، هو أقَلُّ مِن ذَلِكَ وأضْعَفُ، وما هو إلّا بَعْضُ السَّحَرَةِ، ومِثْلُهُ لا يُقاوِمُهُ إلّا ساحِرٌ مِثْلُهُ، ويَقُولُونَ: إنْ قَتَلْتَهُ أدْخَلْتَ الشُّبْهَةَ عَلى النّاسِ، واعْتَقَدُوا أنَّكَ عَجَزْتَ عَنْ مُظاهَرَتِهِ بِالحُجَّةِ.
والظّاهِرُ أنَّ فِرْعَوْنَ - لَعَنَهُ اللَّهُ - كانَ قَدِ اسْتَيْقَنَ أنَّهُ نَبِيٌّ، وأنَّ ما جاءَ بِهِ آياتٌ وما هو سِحْرٌ، ولَكِنَّ الرَّجُلَ كانَ فِيهِ خُبْثٌ وجَبَرُوتٌ، وكانَ قَتّالًا سَفّاكًا لِلدِّماءِ في أهْوَنِ شَيْءٍ، فَكَيْفَ لا يَقْتُلُ مَن أحَسَّ مِنهُ بِأنَّهُ هو الَّذِي يَثُلُّ عَرْشَهُ، ويَهْدِمُ مُلْكَهُ ؟ ولَكِنَّهُ يَخافُ إنْ هَمَّ بِقَتْلِهِ أنْ يُعاجَلَ بِالهَلاكِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ولْيَدْعُ رَبَّهُ﴾: شاهِدُ صِدْقٍ عَلى فَرْطِ خَوْفِهِ مِنهُ ومِن دَعْوَتِهِ رَبَّهُ، كانَ قَوْلُهُ: ﴿ذَرُونِي أقْتُلْ مُوسى﴾ تَمْوِيهًا عَلى قَوْمِهِ وإيهامًا أنَّهم هُمُ الَّذِينَ يَكُفُّونَهُ، وما كانَ يَكُفُّهُ إلّا ما في نَفْسِهِ مِن هَوْلِ الفَزَعِ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الظّاهِرُ مِن أمْرِ فِرْعَوْنَ أنَّهُ لَمّا بَهَرَتْ آياتُ مُوسى انْهَدَّ رُكْنُهُ واضْطَرَبَتْ مُعْتَقَداتُ أصْحابِهِ، ولَمْ يَفْقِدْ مِنهم مَن يُجاذِبُهُ الخِلافَ في أمْرِهِ، وذَلِكَ بَيِّنٌ مِن غَيْرِ ما مَوْضِعٍ في قِصَّتِهِما، وفي ذَلِكَ عَلى هَذا دَلِيلانِ: أحَدُهُما: قَوْلُهُ ﴿ذَرُونِي﴾، فَلَيْسَتْ هَذِهِ مِن ألْفاظِ الجَبابِرَةِ المُتَمَكِّنِينَ مِن إنْفاذِ أوامِرِهِمْ.
الدَّلِيلُ الثّانِي: في مَقالَةِ المُؤْمِنِ وما صَدَعَ بِهِ، وأنَّ مُكاشَفَتَهُ لِفِرْعَوْنَ خَيْرٌ مِن مُساتَرَتِهِ، وحُكْمَهُ بِنُبُوَّةِ مُوسى أظْهَرُ مِن تَقْرِيبِهِ في أمْرِهِ. وأمّا فِرْعَوْنُ، فَإنَّهُ نَحا إلى المَخْرَقَةِ والِاضْطِرابِ والتَّعاطِي، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ذَرُونِي أقْتُلْ مُوسى ولْيَدْعُ رَبَّهُ﴾ أيْ: إنِّي لا أُبالِي مِن رَبِّ مُوسى، ثُمَّ رَجَعَ إلى قَوْمِهِ يُرِيهِمُ النَّصِيحَةَ والخِيانَةَ لَهم، فَقالَ: ﴿إنِّي أخافُ أنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ﴾، والدِّينُ: السُّلْطانُ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ:
؎لَئِنْ حَلَلْتَ بِجَوٍّ في بَنِي أسَدٍ في دِينِ عَمْرٍو وحالَتْ بَيْنَنا فَدَكُ
انْتَهى.
وتَبْدِيلُ دِينِهِمْ هو تَغْيِيرُهُ، وكانُوا يَعْبُدُونَهُ ويَعْبُدُونَ الأصْنامَ، كَما قالَ: ﴿ويَذَرَكَ وآلِهَتَكَ﴾ [الأعراف: ١٢٧]، ﴿أوْ أنْ يُظْهِرَ في الأرْضِ الفَسادَ﴾ وذَلِكَ بِالتَّهارُجِ الَّذِي يَذْهَبُ مَعَهُ الأمْنُ، وتَتَعَطَّلُ المَزارِعُ والمَكاسِبُ، ويَهْلَكُ النّاسُ قَتْلًا وضَياعًا، فَأخافُ فَسادَ دِينِكم ودُنْياكم مَعًا.
وبَدَأ فِرْعَوْنُ بِخَوْفِهِ تَغْيِيرَ دِينِهِمْ عَلى تَغْيِيرِ دُنْياهم؛ لِأنَّ حُبَّهَمْ لِأدْيانِهِمْ فَوْقَ حُبِّهِمْ لِأمْوالِهِمْ.
وقِيلَ: ﴿ذَرُونِي﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهم كانُوا يَمْنَعُونَهُ مِن قَتْلِهِ، إمّا لِكَوْنِ بَعْضِهِمْ كانَ مُصَدِّقًا لَهُ فَيَتَحَيَّلُ في مَنعِ قَتْلِهِ، وإمّا لِما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ مِمّا ذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وإمّا لِشَغْلِ (p-٤٦٠)قَلْبِ فِرْعَوْنَ بِمُوسى حَتّى لا يَتَفَرَّغَ لَهم، ويَأْمَنُوا مِن شَرِّهِ؛ كَما يَفْعَلُونَ مَعَ المَلِكِ إذا خَرَجَ عَلَيْهِ خارِجِيٌّ شَغَلُوهُ بِهِ حَتّى يَأْمَنُوا مِن شَرِّهِ.
وقَرَأ الكُوفِيُّونَ: (أوْ أنْ)، بِتَرْدِيدِ الخَوْفِ بَيْنَ تَبْدِيلِ الدِّينِ أوْ ظُهُورِ الفَسادِ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ: (وأنْ) بِانْتِصابِ الخَوْفِ عَلَيْهِما مَعًا.
وقَرَأ أنَسُ بْنُ مالِكٍ، وابْنُ المُسَيَّبِ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وأبُو رَجاءٍ، والحَسَنُ، والجَحْدَرِيُّ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ: (يُظْهِرَ) مِن أظْهَرَ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، (الفَسادَ): نَصْبًا. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ، والأعْرَجُ، والأعْمَشُ، وابْنُ وثّابٍ، وعِيسى: (يَظْهَرُ) مِن ظَهَرَ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، (الفَسادُ): رَفْعًا.
وقَرَأ مُجاهِدٌ: (يَظَّهَّرُ) بِشَدِّ الظّاءِ والهاءِ، (الفَسادُ): رَفْعًا. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (يُظْهَرُ): بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الهاءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، (الفَسادُ): رَفْعًا.
ولَمّا سَمِعَ مُوسى بِمُقالَةِ فِرْعَوْنَ، اسْتَعاذَ بِاللَّهِ مِن شَرِّ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ مُنْكِرٍ لِلْمَعادِ. وقالَ: (ورَبِّكم): بَعْثًا عَلى الِاقْتِداءِ بِهِ، فَيَعُوذُونَ بِاللَّهِ ويَعْتَصِمُونَ بِهِ.
و﴿مِن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ﴾ يَشْمَلُ فِرْعَوْنَ وغَيْرَهُ مِنَ الجَبابِرَةِ؛ وكانَ ذَلِكَ عَلى طَرِيقِ التَّعْرِيضِ، وكانَ أبْلَغَ.
والتَّكَبُّرُ: تَعاظُمُ الإنْسانِ في نَفْسِهِ مَعَ حَقارَتِهِ؛ لِأنَّهُ يَفْعَلُ، و﴿لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الحِسابِ﴾، أيْ: بِالجَزاءِ، وكانَ ذَلِكَ آكَدَ في جَراءَتِهِ، إذْ حَصَلَ لَهُ التَّعاظُمُ في نَفْسِهِ، وعَدَمُ المُبالاةِ بِما ارْتَكَبَ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: (عُذْتُ) بِالإدْغامِ؛ وباقِي السَّبْعَةِ: بِالإظْهارِ.
﴿وقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِن آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إيمانَهُ﴾ قِيلَ: كانَ قِبْطِيًّا ابْنَ عَمِّ فِرْعَوْنَ، وكانَ يَجْرِي مَجْرى ولِيِّ العَهْدِ، ومَجْرى صاحِبِ الشُّرْطَةِ. وقِيلَ: كانَ قِبْطِيًّا لَيْسَ مِن قَرابَتِهِ. وقِيلَ: قِيلَ فِيهِ مِن آلِ فِرْعَوْنَ؛ لِأنَّهُ كانَ في الظّاهِرِ عَلى دِينِهِ ودِينِ أتْباعِهِ.
وقِيلَ: كانَ إسْرائِيلِيًّا ولَيْسَ مِن آلِ فِرْعَوْنَ، وجَعَلَ آلَ فِرْعَوْنَ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ: ﴿يَكْتُمُ إيمانَهُ﴾، لا في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِرَجُلٍ، كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ الظّاهِرُ، وهَذا فِيهِ بُعْدٌ، إذْ لَمْ يَكُنْ لِأحَدٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ أنْ يَتَجاسَرَ عِنْدَ فِرْعَوْنَ بِمِثْلِ ما تَكَلَّمَ بِهِ هَذا الرَّجُلُ.
وقَدْ رُدَّ قَوْلُ مَن عَلَّقَ مِن آلِ فِرْعَوْنَ بِيَكْتُمُ، فَإنَّهُ لا يُقالُ: كَتَمْتُ مِن فُلانٍ كَذا، إنَّما يُقالُ: كَتَمْتُ فُلانًا كَذا، قالَ تَعالى: ﴿ولا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٤٢]، وقالَ الشّاعِرُ:
؎كَتَمْتُكَ لَيْلًا بِالجَمُومِينَ ساهِرًا ∗∗∗ وهَمَّيْنِ هَمًّا مُسْتَكِنًّا وظاهِرا
؎أحادِيثَ نَفْسٍ تَشْتَكِي ما يُرِيبُها ∗∗∗ ووِرْدَ هُمُومٍ لَنْ يَجِدْنَ مَصادِرا
أيْ: كَتَمْتُكَ أحادِيثَ نَفْسٍ وهَمَّيْنِ. قِيلَ: واسْمُهُ سَمْعانُ. وقِيلَ: حَبِيبٌ. وقِيلَ: حِزْقِيلُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (رَجُلٌ) بِضَمِّ الجِيمِ. وقَرَأ عِيسى، وعَبْدُ الوارِثِ، وعُبَيْدُ بْنُ عُقَيْلٍ، وحَمْزَةُ بْنُ القاسِمِ عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِسُكُونٍ، وهي لُغَةُ تَمِيمٍ ونَجْدٍ.
﴿أتَقْتُلُونَ رَجُلًا أنْ يَقُولَ﴾ أيْ: لِأنْ يَقُولَ ﴿رَبِّيَ اللَّهُ﴾، وهَذا إنْكارٌ مِنهُ عَظِيمٌ وتَبْكِيتٌ لَهم، كَأنَّهُ قالَ: أتَرْتَكِبُونَ الفِعْلَةَ الشَّنْعاءَ الَّتِي هي قَتْلُ نَفْسٍ مُحَرَّمَةٍ وما لَكم عَلَيْهِ في ارْتِكابِها إلّا كَلِمَةُ الحَقِّ الَّتِي نَطَقَ بِها، وهي قَوْلُهُ: ﴿رَبِّيَ اللَّهُ﴾، مَعَ أنَّهُ ﴿قَدْ جاءَكم بِالبَيِّناتِ مِن رَبِّكُمْ﴾ أيْ: مِن عِنْدِ مَن نَسَبَ إلَيْهِ الرُّبُوبِيَّةَ، وهو رَبُّكم لا رَبُّهُ وحْدَهُ ؟ وهَذا اسْتِدْراجٌ إلى الِاعْتِرافِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولَكَ أنْ تُقَدِّرَ مُضافًا مَحْذُوفًا، أيْ: وقْتَ أنْ يَقُولَ، والمَعْنى: أتَقْتُلُونَهُ ساعَةَ سَمِعْتُمْ مِنهُ هَذا القَوْلَ مِن غَيْرِ رَوِيَّةٍ ولا فِكْرٍ في أمْرِهِ ؟ انْتَهى. وهَذا الَّذِي أجازَهُ مِن تَقْدِيرِ المُضافِ المَحْذُوفِ الَّذِي هو وقْتٌ لا يَجُوزُ، تَقُولُ: جِئْتُ صِياحَ الدِّيكِ، أيْ: وقْتَ صِياحِ الدِّيكِ، ولا أجِيءُ أنْ يَصِيحَ الدِّيكُ، نَصَّ عَلى ذَلِكَ النُّحاةُ، فَشَرْطُ ذَلِكَ أنْ يَكُونَ المَصْدَرُ مُصَرَّحًا بِهِ لا مُقَدَّرًا، وأنْ يَقُولَ لَيْسَ مَصْدَرًا مُصَرَّحًا بِهِ.
(بِالبَيِّناتِ): بِالدَّلائِلِ عَلى التَّوْحِيدِ، وهي الَّتِي ذَكَرَها في (طه، والشُّعَراءِ) حالَةَ مُحاوَرَتِهِ لَهُ في سُؤالِهِ عَنْ رَبِّهِ تَعالى.
ولَمّا صَرَّحَ بِالإنْكارِ عَلَيْهِمْ، غالَطَهم بَعْدُ في أنَّ قَسَّمَ أمْرَهُ إلى كَذِبٍ وصِدْقٍ، وأدّى ذَلِكَ في صُورَةِ (p-٤٦١)احْتِمالٍ ونَصِيحَةٍ، وبَدَأ في التَّقْسِيمِ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنْ يَكُ كاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ﴾، مُداراةً مِنهُ وسالِكًا طَرِيقَ الإنْصافِ في القَوْلِ، وخَوْفًا إذا أنْكَرَ عَلَيْهِمْ قَتْلَهُ أنَّهُ مِمَّنْ يُعاضِدُهُ ويُناصِرُهُ، فَأوْهَمَهم بِهَذا التَّقْسِيمِ والبَداءَةِ بِحالَةِ الكَذِبِ حَتّى يَسْلَمَ مِن شَرِّهِ، ويَكُونَ ذَلِكَ أدْنى لِتَسْلِيمِهِمْ. ومَعْنى ﴿فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ﴾ أيْ: لا يَتَخَطّاهُ ضَرَرُهُ.
﴿وإنْ يَكُ صادِقًا يُصِبْكم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾، وهو يَعْتَقِدُ أنَّهُ نَبِيٌّ صادِقٌ قَطْعًا، لَكِنَّهُ أتى بِلَفْظِ (بَعْضُ) لِإلْزامِ الحُجَّةِ بِأسْرِها في الأمْرِ، ولَيْسَ فِيهِ نَفْيُ أنْ يُصِيبَهم كُلُّ ما يَعِدُهم.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: يُصِبْكم بَعْضُ العَذابِ الَّذِي يَذْكُرُ، وذَلِكَ كانَ في هَلاكِهِمْ، ويَكُونُ المَعْنى: يُصِبْكُمُ القَسَمُ الواحِدُ مِمّا يَعِدُ بِهِ، وذَلِكَ هو بَعْضٌ مِمّا يَعِدُ؛ لِأنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وعَدَهم إنْ آمَنُوا بِالنِّعْمَةِ، وإنْ كَفَرُوا بِالنِّقْمَةِ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكم عَذابُ الدُّنْيا؛ لِأنَّهُ بَعْضُ عَذابِ الآخِرَةِ، ويَصِيرُونَ بَعْدَ ذَلِكَ إلى النّارِ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ: (بَعْضُ) بِمَعْنى كُلُّ، وأنْشَدُوا قَوْلَ عَمْرِو بْنِ شَسِيمٍ القَطامِيِّ:
؎قَدْ يُدْرِكُ المُتَأنِّي بَعْضَ حاجَتِهِ ∗∗∗ وقَدْ يَكُونُ مَعَ المُسْتَعْجَلِ الزَّلَلُ
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وذَلِكَ أنَّهُ حِينَ فَرَضَ صادِقًا، فَقَدْ أثْبَتَ أنَّهُ صادِقٌ في جَمِيعِ ما يَعِدُ، ولَكِنَّهُ أرْدَفَهُ ﴿يُصِبْكم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾، لِيَهْضِمَهُ بَعْضَ حَقِّهِ في ظاهِرِ الكَلامِ، فَيُرِيَهم أنَّهُ لَيْسَ بِكَلامِ مَن أعْطاهُ وافِيًا فَضْلًا أنْ يَتَعَصَّبَ لَهُ.
(فَإنْ قُلْتَ): وعَنْ أبِي عُبَيْدَةَ أنَّهُ قَسَّمَ البَعْضَ بِالكُلِّ، وأنْشَدَ بَيْتَ لَبِيدٍ وهو:
؎تَرّاكُ أمْكِنَةٍ إذا لَمْ أرْضَها ∗∗∗ ويُرِيكَ مِن بَعْضِ النُّفُوسِ حِمامُها
(قُلْتُ): إنْ صَحَّتِ الرِّوايَةُ عَنْهُ فَقَدْ حَقَّ في قَوْلِ المازِنِيِّ في مَسْألَةِ العافِيِ كانَ أحْفى مِن أنْ يَفْقَهَ ما أقُولُ لَهُ. انْتَهى، ويَعْنِي أنَّ أبا عُبَيْدَةَ خَطَّأهُ النّاسُ في اعْتِقادِهِ أنْ بَعْضًا يَكُونُ بِمَعْنى كُلٍّ، وأنْشَدُوا أيْضًا في كَوْنِ بَعْضٍ بِمَعْنى كُلٍّ قَوْلَ الشّاعِرِ:
؎إنَّ الأُمُورَ إذا الأحْداثُ دَبَّرَها ∗∗∗ دُونَ الشُّيُوخِ تَرى في بَعْضِها خَلَلا
أيْ: إذا رَأى الأحْداثَ، ولِذَلِكَ قالَ دَبَّرَها ولَمْ يَقُلْ دَبَّرُوها، راعى المُضافَ المَحْذُوفَ.
﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن هو مُسْرِفٌ كَذّابٌ﴾ فِيهِ: إشارَةٌ إلى عُلُوِّ شَأْنِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأنَّ مَنِ اصْطَفاهُ اللَّهُ لِلنُّبُوَّةِ لا يُمْكِنُ أنْ يَقَعَ مِنهُ إسْرافٌ ولا كَذِبٌ، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِفِرْعَوْنَ؛ إذْ هو غايَةُ الإسْرافِ عَلى نَفْسِهِ بِقَتْلِ أبْناءِ المُؤْمِنِينَ، وفي غايَةِ الكَذِبِ؛ إذِ ادَّعى الإلَهِيَّةَ والرُّبُوبِيَّةَ، ومَن هَذا شَأْنُهُ لا يَهْدِيهِ اللَّهُ.
وفِي الحَدِيثِ: ”«الصِّدِّيقُونَ ثَلاثَةٌ: حَبِيبٌ النَّجّارُ مُؤْمِنُ آلِ يس، ومُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ، وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ“ .
وفِي الحَدِيثِ: ”» أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - طافَ بِالبَيْتِ، فَحِينَ فَرَغَ أخَذَ بِمَجامِعِ رِدائِهِ، فَقالُوا لَهُ: أنْتَ الَّذِي تَنْهانا عَمّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا ؟ فَقالَ: أنا ذاكَ، فَقامَ أبُو بَكْرٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فالتَزَمَهُ مِن ورائِهِ، وقالَ: أتَقْتُلُونَ رَجُلًا أنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ، وقَدْ جاءَكم بِالبَيِّناتِ مِن رَبِّكم“، رافِعًا صَوْتَهُ بِذَلِكَ وعَيْناهُ تَسْفَحانِ بِالدُّمُوعِ حَتّى أرْسَلُوهُ.
وعَنْ جَعْفَرٍ الصّادِقِ: أنَّ مُؤْمِنَ آلِ فِرْعَوْنَ قالَ ذَلِكَ سِرًّا، وأبُو بَكْرٍ قالَهُ ظاهِرًا. وقالَ السُّدِّيُّ: (مُسْرِفٌ) بِالقَتْلِ. وقالَ قَتادَةُ: (مُسْرِفٌ) بِالكُفْرِ.
وقالَ صاحِبُ التَّحْرِيرِ والتَّحْبِيرِ: هَذا نَوْعٌ مِن أنْواعِ عِلْمِ البَيانِ تُسَمِّيهِ عُلَماؤُنا اسْتِدْراجَ المُخاطَبِ، وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا رَأى فِرْعَوْنَ قَدْ عَزَمَ عَلى قَتْلِ مُوسى، والقَوْمَ عَلى تَكْذِيبِهِ، أرادَ الِانْتِصارَ لَهُ بِطَرِيقٍ يُخْفِي عَلَيْهِمْ بِها أنَّهُ مُتَعَصِّبٌ لَهُ، وأنَّهُ مِن أتْباعِهِ، فَجاءَهم مِن طَرِيقِ النُّصْحِ والمُلاطَفَةِ فَقالَ: ﴿أتَقْتُلُونَ رَجُلًا أنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾، ولَمْ يَذْكُرِ اسْمَهُ، بَلْ قالَ رَجُلًا يُوهِمُ أنَّهُ لا يَعْرِفُهُ ولا يَتَعَصَّبُ لَهُ، ﴿أنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾، ولَمْ يَقُلْ رَجُلًا مُؤْمِنًا بِاللَّهِ، أوْ هو نَبِيُّ اللَّهِ؛ إذْ لَوْ قالَ شَيْئًا مِن ذَلِكَ لَعَلِمُوا أنَّهُ مُتَعَصِّبٌ. ولَمْ يَقْبَلُوا قَوْلَهُ، ثُمَّ أتْبَعَهُ بِما بَعْدَ ذَلِكَ، فَقَدَّمَ قَوْلَهُ: ﴿وإنْ يَكُ كاذِبًا﴾، مُوافَقَةً لِرَأْيِهِمْ فِيهِ. ثُمَّ تَلاهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنْ يَكُ صادِقًا﴾، ولَوْ قالَ: هو صادِقٌ وكَلُّ (p-٤٦٢)ما يَعِدُكم، لَعَلِمُوا أنَّهُ مُتَعَصِّبٌ، وأنَّهُ يَزْعُمُ أنَّهُ نَبِيٌّ، وأنَّهُ يُصَدِّقُهُ، فَإنَّ الأنْبِياءَ لا تُخِلُّ بِشَيْءٍ مِمّا يَقُولُونَهُ، ثُمَّ أتْبَعَهُ بِكَلامٍ يُفْهَمُ مِنهُ أنَّهُ لَيْسَ بِمُصَدِّقٍ، وهو قَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن هو مُسْرِفٌ كَذّابٌ﴾ . انْتَهى.
ثُمَّ قالَ: (يا قَوْمِ) نِداءٌ مُتَلَطِّفٌ في مَوْعِظَتِهِمْ.
﴿ياقَوْمِ لَكُمُ المُلْكُ اليَوْمَ ظاهِرِينَ﴾ أيْ: عالِمِينَ: (في الأرْضِ): في أرْضِ مِصْرَ، قَدْ غَلَبْتُمْ بَنِي إسْرائِيلَ فِيها، وقَهَرْتُمُوهم واسْتَعْبَدْتُمُوهم، وناداهم بِالمُلْكِ الَّذِي هو أعْظَمُ مَراتِبِ الدُّنْيا وأجَلُّها، وهو مِن جِهَةِ شَهَواتِهِمْ، وانْتَصَبَ (ظاهِرِينَ) عَلى الحالِ، والعامِلُ فِيها هو العامِلُ في الجارِّ والمَجْرُورِ، وذُو الحالِ هو ضَمِيرُ (لَكم) .
ثُمَّ حَذَّرَهم أنْ يُفْسِدُوا عَلى أنْفُسِهِمْ بِأنَّهُ إنْ جاءَهم بَأْسُ اللَّهِ لَمْ يَجِدُوا ناصِرًا لَهم ولا دافِعًا، وأدْرَجَ نَفْسَهُ في قَوْلِهِ: ﴿يَنْصُرُنا﴾، و(جاءَنا) لِأنَّهُ مِنهم في القَرابَةِ، ولِيُعْلِمَهم أنَّ الَّذِي يَنْصَحُهم بِهِ هو مُشارِكٌ لَهم فِيهِ.
وأقْوالُ هَذا المُؤْمِنِ تَدُلُّ عَلى زَوالِ هَيْبَةِ فِرْعَوْنَ مِن قَلْبِهِ، ولِذَلِكَ اسْتَكانَ فِرْعَوْنُ وقالَ: ﴿ما أُرِيكم إلّا ما أرى﴾ أيْ: ما أُشِيرُ عَلَيْكم إلّا بِقَتْلِهِ، ولا أسْتَصْوِبُ إلّا ذَلِكَ، وهَذا قَوْلُ مِن لا تَحَكُّمَ لَهُ، وأتى بِما وإلّا لِلْحَصْرِ والتَّأْكِيدِ.
﴿وما أهْدِيكم إلّا سَبِيلَ الرَّشادِ﴾، لا ما تَقُولُونَهُ مِن تَرْكِ قَتْلِهِ وقَدْ كَذَبَ، بَلْ كانَ خائِفًا وجِلًا، وقَدْ عَلِمَ أنَّ ما جاءَ بِهِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - حَقٌّ، ولَكِنَّهُ كانَ يَتَجَلَّدُ، ويُرِي ظاهِرَهُ خِلافَ ما أبْطَنَ.
وأوْرَدَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وابْنُ عَطِيَّةَ، وأبُو القاسِمِ الهُذَلِيُّ هُنا أنَّ مُعاذَ بْنَ جَبَلٍ قَرَأ (الرَّشّادِ) بِشَدِّ الشِّينِ.
قالَ أبُو الفَتْحِ: وهو اسْمُ فاعِلٍ في بِنْيَةِ مُبالَغَةٍ مِنَ الفِعْلِ الثُّلاثِيِّ رَشَدَ، فَهو كَعَبّادٍ مِن عَبَدَ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ مِن رَشِدَ، كَعَلّامٍ مِن عَلِمَ. وقالَ النَّحّاسُ: هو لَحْنٌ، وتَوَهَّمَهُ مِنَ الفِعْلِ الرُّباعِيِّ، ورُدَّ عَلَيْهِ أنَّهُ لا يَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ مِنَ الرُّباعِيِّ، بَلْ هو مِنَ الثُّلاثِيِّ، عَلى أنَّ بَعْضَهم قَدْ ذَهَبَ إلى أنَّهُ مِنَ الرُّباعِيِّ، فَبَنى فَعّالَ مِن أفْعَلَ، كَدَرّاكِ مِن أدْرَكَ، وسَآرٍ مِن أسْأرَ، وجَبّارٍ مِن أجْبَرَ، وقَصّارٍ مِن أقْصَرَ، ولَكِنَّهُ لَيْسَ بِقِياسٍ، فَلا يُحْمَلُ عَلَيْهِ ما وُجِدَتْ عَنْهُ مَندُوحَةٌ، وفَعّالٌ مِنَ الثُّلاثِيِّ مَقِيسٌ فَحُمِلَ عَلَيْهِ.
وقالَ أبُو حاتِمٍ: كانَ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ يُفَسِّرُها بِسَبِيلِ اللَّهِ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَبْعُدُ عِنْدِي عَلى مُعاذٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - .
وهَلْ كانَ فِرْعَوْنُ إلّا يَدَّعِي أنَّهُ إلَهٌ ؟ وتَعَلَّقَ بِناءُ اللَّفْظِ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ. انْتَهى.
وإيرادُ الخِلافِ في هَذا الحَرْفِ الَّذِي هو مِن قَوْلِ فِرْعَوْنَ خَطَأٌ، وتَرْكِيبُ قَوْلُ مُعاذٍ عَلَيْهِ خَطَأٌ، والصَّوابُ أنَّ الخِلافَ فِيهِ هو قَوْلُ المُؤْمِنِ: ﴿اتَّبِعُونِ أهْدِكم سَبِيلَ الرَّشادِ﴾ [غافر: ٣٨] . قالَ أبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ في (كِتابِ اللَّوامِحِ) لَهُ مِن شَواذِّ القِراءاتِ ما نَصَّهُ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ ﴿سَبِيلَ الرَّشادِ﴾ [غافر: ٣٨] الحَرْفُ الثّانِي بِالتَّشْدِيدِ، وكَذَلِكَ الحَسَنُ، وهو سَبِيلُ اللَّهِ تَعالى الَّذِي أوْضَحَ الشَّرائِعَ، كَذَلِكَ فَسَّرَهُ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ، وهو مَنقُولٌ مِن مُرْشِدٍ، كَدَرّاكٍ مِن مُدْرِكٍ، وجَبّارٍ مِنَ مُجْبِرٍ، وقَصّارٍ مِن مُقْصِرٍ عَنِ الأمْرِ، ولَها نَظائِرُ مَعْدُودَةٌ، فَأمّا قَصّارٌ فَهو مِن قَصَرَ مِنَ الثَّوْبِ قِصارَةً. وقالَ ابْنُ خالَوَيْهِ، بَعْدَ أنْ ذَكَرَ الخِلافَ في التَّنادِ وفي صَدٍّ عَنِ السَّبِيلِ ما نَصُّهُ (سَبِيلُ الرَّشّادِ بِتَشْدِيدِ الشِّينِ) مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ. قالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: يَعْنِي بِالرَّشّادِ اللَّهَ تَعالى. انْتَهى.
فَهَذا لَمْ يَذْكُرِ الخِلافَ إلّا في قَوْلِ المُؤْمِنِ: ﴿أهْدِكم سَبِيلَ الرَّشادِ﴾ [غافر: ٣٨]، فَذِكْرُ الخِلافِ فِيهِ في قَوْلِ فِرْعَوْنَ خَطَأٌ، ولَمْ يُفَسِّرْ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ (الرَّشّادَ) أنَّهُ اللَّهُ تَعالى إلّا في قَوْلِ المُؤْمِنِ، لا في قَوْلِ فِرْعَوْنَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ذَلِكَ التَّأْوِيلُ مِن قَوْلِ فِرْعَوْنَ.
غافر 40:29
﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ ﴿إلى فِرْعَوْنَ وهامانَ وقارُونَ فَقالُوا ساحِرٌ كَذّابٌ﴾ ﴿فَلَمّا جاءَهم بِالحَقِّ مِن عِنْدِنا قالُوا اقْتُلُوا أبْناءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ واسْتَحْيُوا نِساءَهم وما كَيْدُ الكافِرِينَ إلّا في ضَلالٍ﴾ ﴿وقالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أقْتُلْ مُوسى ولْيَدْعُ رَبَّهُ إنِّي أخافُ أنْ يُبَدِّلَ دِينَكم أوْ أنْ يُظْهِرَ في الأرْضِ الفَسادَ﴾ ﴿وقالَ مُوسى إنِّي عُذْتُ بِرَبِّي ورَبِّكم مِن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الحِسابِ﴾ ﴿وقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِن آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إيمانَهُ أتَقْتُلُونَ رَجُلًا أنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وقَدْ جاءَكم بِالبَيِّناتِ مِن رَبِّكم وإنْ يَكُ كاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وإنْ يَكُ صادِقًا يُصِبْكم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكم إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن هو مُسْرِفٌ كَذّابٌ﴾ ﴿يا قَوْم لَكُمُ المُلْكُ اليَوْمَ ظاهِرِينَ في الأرْضِ فَمَن يَنْصُرُنا مِن بَأْسِ اللَّهِ إنْ جاءَنا قالَ فِرْعَوْنُ ما أُرِيكم إلّا ما أرى وما أهْدِيكم إلّا سَبِيلَ الرَّشادِ﴾ .
ابْتَدَأ تَعالى قِصَّةَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَعَ فِرْعَوْنَ تَسْلِيَةً لِلرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ووَعِيدًا لِقُرَيْشٍ أنْ يَحِلَّ بِهِمْ ما حَلَّ بِفِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ مِن نِقْماتِ اللَّهِ، (p-٤٥٩)ووَعْدًا لِلْمُؤْمِنِينَ بِالظَّفَرِ والنَّصْرِ وحُسْنِ العاقِبَةِ. وآياتُ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - كَثِيرَةٌ، والَّذِي تَحَدّى بِهِ مِنَ المُعْجِزِ العَصا واليَدُ.
وقَرَأ عِيسى: (وسُلُطانٍ) بِضَمِّ اللّامِ، والسُّلْطانُ المُبِينُ: الحُجَّةُ والبُرْهانُ الواضِحُ. والظّاهِرُ أنَّ قارُونَ هو الَّذِي ذَكَرَهُ تَعالى في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ قارُونَ كانَ مِن قَوْمِ مُوسى﴾ [القصص: ٧٦]، وهو مِن بَنِي إسْرائِيلَ.
وقِيلَ: هو غَيْرُهُ، ونَصَّ عَلى هامانَ وقارُونَ لِمَكانَتِهِما في الكُفْرِ، ولِأنَّهُما أشْهَرُ أتْباعِ فِرْعَوْنَ.
﴿فَقالُوا ساحِرٌ كَذّابٌ﴾ أيْ: هَذا ساحِرٌ، لِما ظَهَرَ عَلى يَدَيْهِ مِن قَلْبِ العَصا حَيَّةً، وظُهُورِ النُّورِ السّاطِعِ عَلى يَدِهِ، كَذّابٌ لِكَوْنِهِ ادَّعى أنَّهُ رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ.
﴿فَلَمّا جاءَهم بِالحَقِّ مِن عِنْدِنا﴾ أيْ: بِالمُعْجِزاتِ والنُّبُوَّةِ والدُّعاءِ إلى الإيمانِ بِاللَّهِ، (قالُوا)، أيْ: أُولَئِكَ الثَّلاثَةُ، (اقْتُلُوا) . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْ: أعِيدُوا عَلَيْهِمُ القَتْلَ كالَّذِي كانَ أوَّلًا. انْتَهى.
يُرِيدُ أنَّ هَذا غَيْرُ القَتْلِ الأوَّلِ، وإنَّما أُمِرُوا بِقَتْلِ أبْناءِ المُؤْمِنِينَ لِئَلّا يَتَقَوّى بِهِمْ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وبِاسْتِحْياءِ النِّساءِ لِلِاسْتِخْدامِ والِاسْتِرْقاقِ، ولَمْ يَقَعْ ما أمَرُوا بِهِ ولا تَمَّ لَهم، ولا أعانَهُمُ اللَّهُ عَلَيْهِ.
﴿وما كَيْدُ الكافِرِينَ إلّا في ضَلالٍ﴾ أيْ: في حَيْرَةٍ وتَخَبُّطٍ، لَمْ يَقَعْ مِنهُ شَيْءٌ، ولا أنْجَحَ سَعْيَهَمْ، وكانُوا باشَرُوا القَتْلَ أوَّلًا، فَنَفَذَ قَضاءُ اللَّهِ في إظْهارِ مَن خافُوا هَلاكَهم عَلى يَدَيْهِ.
وقِيلَ: كانَ فِرْعَوْنُ قَدْ كَفَّ عَنْ قَتْلِ الأبْناءِ، فَلَمّا بُعِثَ مُوسى، وأحَسَّ أنَّهُ قَدْ وقَعَ ما كانَ يَحْذَرُهُ، أعادَ القَتْلَ عَلَيْهِمْ غَيْظًا وحِنْقًا وظَنًّا مِنهُ أنَّهُ يَصُدُّهم بِذَلِكَ عَنْ مُظاهَرَةِ مُوسى، وما عَلِمَ أنَّ كَيْدَهُ ضائِعٌ في الكَرَّتَيْنِ مَعًا.
﴿وقالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أقْتُلْ مُوسى ولْيَدْعُ رَبَّهُ﴾، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بَعْضُهُ مِن كَلامِ الحَسَنِ، كانَ إذا هَمَّ بِقَتْلِهِ كَفُّوهُ بِقَوْلِهِمْ: لَيْسَ بِالَّذِي تَخافُهُ، هو أقَلُّ مِن ذَلِكَ وأضْعَفُ، وما هو إلّا بَعْضُ السَّحَرَةِ، ومِثْلُهُ لا يُقاوِمُهُ إلّا ساحِرٌ مِثْلُهُ، ويَقُولُونَ: إنْ قَتَلْتَهُ أدْخَلْتَ الشُّبْهَةَ عَلى النّاسِ، واعْتَقَدُوا أنَّكَ عَجَزْتَ عَنْ مُظاهَرَتِهِ بِالحُجَّةِ.
والظّاهِرُ أنَّ فِرْعَوْنَ - لَعَنَهُ اللَّهُ - كانَ قَدِ اسْتَيْقَنَ أنَّهُ نَبِيٌّ، وأنَّ ما جاءَ بِهِ آياتٌ وما هو سِحْرٌ، ولَكِنَّ الرَّجُلَ كانَ فِيهِ خُبْثٌ وجَبَرُوتٌ، وكانَ قَتّالًا سَفّاكًا لِلدِّماءِ في أهْوَنِ شَيْءٍ، فَكَيْفَ لا يَقْتُلُ مَن أحَسَّ مِنهُ بِأنَّهُ هو الَّذِي يَثُلُّ عَرْشَهُ، ويَهْدِمُ مُلْكَهُ ؟ ولَكِنَّهُ يَخافُ إنْ هَمَّ بِقَتْلِهِ أنْ يُعاجَلَ بِالهَلاكِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ولْيَدْعُ رَبَّهُ﴾: شاهِدُ صِدْقٍ عَلى فَرْطِ خَوْفِهِ مِنهُ ومِن دَعْوَتِهِ رَبَّهُ، كانَ قَوْلُهُ: ﴿ذَرُونِي أقْتُلْ مُوسى﴾ تَمْوِيهًا عَلى قَوْمِهِ وإيهامًا أنَّهم هُمُ الَّذِينَ يَكُفُّونَهُ، وما كانَ يَكُفُّهُ إلّا ما في نَفْسِهِ مِن هَوْلِ الفَزَعِ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الظّاهِرُ مِن أمْرِ فِرْعَوْنَ أنَّهُ لَمّا بَهَرَتْ آياتُ مُوسى انْهَدَّ رُكْنُهُ واضْطَرَبَتْ مُعْتَقَداتُ أصْحابِهِ، ولَمْ يَفْقِدْ مِنهم مَن يُجاذِبُهُ الخِلافَ في أمْرِهِ، وذَلِكَ بَيِّنٌ مِن غَيْرِ ما مَوْضِعٍ في قِصَّتِهِما، وفي ذَلِكَ عَلى هَذا دَلِيلانِ: أحَدُهُما: قَوْلُهُ ﴿ذَرُونِي﴾، فَلَيْسَتْ هَذِهِ مِن ألْفاظِ الجَبابِرَةِ المُتَمَكِّنِينَ مِن إنْفاذِ أوامِرِهِمْ.
الدَّلِيلُ الثّانِي: في مَقالَةِ المُؤْمِنِ وما صَدَعَ بِهِ، وأنَّ مُكاشَفَتَهُ لِفِرْعَوْنَ خَيْرٌ مِن مُساتَرَتِهِ، وحُكْمَهُ بِنُبُوَّةِ مُوسى أظْهَرُ مِن تَقْرِيبِهِ في أمْرِهِ. وأمّا فِرْعَوْنُ، فَإنَّهُ نَحا إلى المَخْرَقَةِ والِاضْطِرابِ والتَّعاطِي، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ذَرُونِي أقْتُلْ مُوسى ولْيَدْعُ رَبَّهُ﴾ أيْ: إنِّي لا أُبالِي مِن رَبِّ مُوسى، ثُمَّ رَجَعَ إلى قَوْمِهِ يُرِيهِمُ النَّصِيحَةَ والخِيانَةَ لَهم، فَقالَ: ﴿إنِّي أخافُ أنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ﴾، والدِّينُ: السُّلْطانُ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ:
؎لَئِنْ حَلَلْتَ بِجَوٍّ في بَنِي أسَدٍ في دِينِ عَمْرٍو وحالَتْ بَيْنَنا فَدَكُ
انْتَهى.
وتَبْدِيلُ دِينِهِمْ هو تَغْيِيرُهُ، وكانُوا يَعْبُدُونَهُ ويَعْبُدُونَ الأصْنامَ، كَما قالَ: ﴿ويَذَرَكَ وآلِهَتَكَ﴾ [الأعراف: ١٢٧]، ﴿أوْ أنْ يُظْهِرَ في الأرْضِ الفَسادَ﴾ وذَلِكَ بِالتَّهارُجِ الَّذِي يَذْهَبُ مَعَهُ الأمْنُ، وتَتَعَطَّلُ المَزارِعُ والمَكاسِبُ، ويَهْلَكُ النّاسُ قَتْلًا وضَياعًا، فَأخافُ فَسادَ دِينِكم ودُنْياكم مَعًا.
وبَدَأ فِرْعَوْنُ بِخَوْفِهِ تَغْيِيرَ دِينِهِمْ عَلى تَغْيِيرِ دُنْياهم؛ لِأنَّ حُبَّهَمْ لِأدْيانِهِمْ فَوْقَ حُبِّهِمْ لِأمْوالِهِمْ.
وقِيلَ: ﴿ذَرُونِي﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهم كانُوا يَمْنَعُونَهُ مِن قَتْلِهِ، إمّا لِكَوْنِ بَعْضِهِمْ كانَ مُصَدِّقًا لَهُ فَيَتَحَيَّلُ في مَنعِ قَتْلِهِ، وإمّا لِما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ مِمّا ذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وإمّا لِشَغْلِ (p-٤٦٠)قَلْبِ فِرْعَوْنَ بِمُوسى حَتّى لا يَتَفَرَّغَ لَهم، ويَأْمَنُوا مِن شَرِّهِ؛ كَما يَفْعَلُونَ مَعَ المَلِكِ إذا خَرَجَ عَلَيْهِ خارِجِيٌّ شَغَلُوهُ بِهِ حَتّى يَأْمَنُوا مِن شَرِّهِ.
وقَرَأ الكُوفِيُّونَ: (أوْ أنْ)، بِتَرْدِيدِ الخَوْفِ بَيْنَ تَبْدِيلِ الدِّينِ أوْ ظُهُورِ الفَسادِ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ: (وأنْ) بِانْتِصابِ الخَوْفِ عَلَيْهِما مَعًا.
وقَرَأ أنَسُ بْنُ مالِكٍ، وابْنُ المُسَيَّبِ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وأبُو رَجاءٍ، والحَسَنُ، والجَحْدَرِيُّ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ: (يُظْهِرَ) مِن أظْهَرَ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، (الفَسادَ): نَصْبًا. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ، والأعْرَجُ، والأعْمَشُ، وابْنُ وثّابٍ، وعِيسى: (يَظْهَرُ) مِن ظَهَرَ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، (الفَسادُ): رَفْعًا.
وقَرَأ مُجاهِدٌ: (يَظَّهَّرُ) بِشَدِّ الظّاءِ والهاءِ، (الفَسادُ): رَفْعًا. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (يُظْهَرُ): بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الهاءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، (الفَسادُ): رَفْعًا.
ولَمّا سَمِعَ مُوسى بِمُقالَةِ فِرْعَوْنَ، اسْتَعاذَ بِاللَّهِ مِن شَرِّ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ مُنْكِرٍ لِلْمَعادِ. وقالَ: (ورَبِّكم): بَعْثًا عَلى الِاقْتِداءِ بِهِ، فَيَعُوذُونَ بِاللَّهِ ويَعْتَصِمُونَ بِهِ.
و﴿مِن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ﴾ يَشْمَلُ فِرْعَوْنَ وغَيْرَهُ مِنَ الجَبابِرَةِ؛ وكانَ ذَلِكَ عَلى طَرِيقِ التَّعْرِيضِ، وكانَ أبْلَغَ.
والتَّكَبُّرُ: تَعاظُمُ الإنْسانِ في نَفْسِهِ مَعَ حَقارَتِهِ؛ لِأنَّهُ يَفْعَلُ، و﴿لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الحِسابِ﴾، أيْ: بِالجَزاءِ، وكانَ ذَلِكَ آكَدَ في جَراءَتِهِ، إذْ حَصَلَ لَهُ التَّعاظُمُ في نَفْسِهِ، وعَدَمُ المُبالاةِ بِما ارْتَكَبَ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: (عُذْتُ) بِالإدْغامِ؛ وباقِي السَّبْعَةِ: بِالإظْهارِ.
﴿وقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِن آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إيمانَهُ﴾ قِيلَ: كانَ قِبْطِيًّا ابْنَ عَمِّ فِرْعَوْنَ، وكانَ يَجْرِي مَجْرى ولِيِّ العَهْدِ، ومَجْرى صاحِبِ الشُّرْطَةِ. وقِيلَ: كانَ قِبْطِيًّا لَيْسَ مِن قَرابَتِهِ. وقِيلَ: قِيلَ فِيهِ مِن آلِ فِرْعَوْنَ؛ لِأنَّهُ كانَ في الظّاهِرِ عَلى دِينِهِ ودِينِ أتْباعِهِ.
وقِيلَ: كانَ إسْرائِيلِيًّا ولَيْسَ مِن آلِ فِرْعَوْنَ، وجَعَلَ آلَ فِرْعَوْنَ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ: ﴿يَكْتُمُ إيمانَهُ﴾، لا في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِرَجُلٍ، كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ الظّاهِرُ، وهَذا فِيهِ بُعْدٌ، إذْ لَمْ يَكُنْ لِأحَدٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ أنْ يَتَجاسَرَ عِنْدَ فِرْعَوْنَ بِمِثْلِ ما تَكَلَّمَ بِهِ هَذا الرَّجُلُ.
وقَدْ رُدَّ قَوْلُ مَن عَلَّقَ مِن آلِ فِرْعَوْنَ بِيَكْتُمُ، فَإنَّهُ لا يُقالُ: كَتَمْتُ مِن فُلانٍ كَذا، إنَّما يُقالُ: كَتَمْتُ فُلانًا كَذا، قالَ تَعالى: ﴿ولا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٤٢]، وقالَ الشّاعِرُ:
؎كَتَمْتُكَ لَيْلًا بِالجَمُومِينَ ساهِرًا ∗∗∗ وهَمَّيْنِ هَمًّا مُسْتَكِنًّا وظاهِرا
؎أحادِيثَ نَفْسٍ تَشْتَكِي ما يُرِيبُها ∗∗∗ ووِرْدَ هُمُومٍ لَنْ يَجِدْنَ مَصادِرا
أيْ: كَتَمْتُكَ أحادِيثَ نَفْسٍ وهَمَّيْنِ. قِيلَ: واسْمُهُ سَمْعانُ. وقِيلَ: حَبِيبٌ. وقِيلَ: حِزْقِيلُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (رَجُلٌ) بِضَمِّ الجِيمِ. وقَرَأ عِيسى، وعَبْدُ الوارِثِ، وعُبَيْدُ بْنُ عُقَيْلٍ، وحَمْزَةُ بْنُ القاسِمِ عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِسُكُونٍ، وهي لُغَةُ تَمِيمٍ ونَجْدٍ.
﴿أتَقْتُلُونَ رَجُلًا أنْ يَقُولَ﴾ أيْ: لِأنْ يَقُولَ ﴿رَبِّيَ اللَّهُ﴾، وهَذا إنْكارٌ مِنهُ عَظِيمٌ وتَبْكِيتٌ لَهم، كَأنَّهُ قالَ: أتَرْتَكِبُونَ الفِعْلَةَ الشَّنْعاءَ الَّتِي هي قَتْلُ نَفْسٍ مُحَرَّمَةٍ وما لَكم عَلَيْهِ في ارْتِكابِها إلّا كَلِمَةُ الحَقِّ الَّتِي نَطَقَ بِها، وهي قَوْلُهُ: ﴿رَبِّيَ اللَّهُ﴾، مَعَ أنَّهُ ﴿قَدْ جاءَكم بِالبَيِّناتِ مِن رَبِّكُمْ﴾ أيْ: مِن عِنْدِ مَن نَسَبَ إلَيْهِ الرُّبُوبِيَّةَ، وهو رَبُّكم لا رَبُّهُ وحْدَهُ ؟ وهَذا اسْتِدْراجٌ إلى الِاعْتِرافِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولَكَ أنْ تُقَدِّرَ مُضافًا مَحْذُوفًا، أيْ: وقْتَ أنْ يَقُولَ، والمَعْنى: أتَقْتُلُونَهُ ساعَةَ سَمِعْتُمْ مِنهُ هَذا القَوْلَ مِن غَيْرِ رَوِيَّةٍ ولا فِكْرٍ في أمْرِهِ ؟ انْتَهى. وهَذا الَّذِي أجازَهُ مِن تَقْدِيرِ المُضافِ المَحْذُوفِ الَّذِي هو وقْتٌ لا يَجُوزُ، تَقُولُ: جِئْتُ صِياحَ الدِّيكِ، أيْ: وقْتَ صِياحِ الدِّيكِ، ولا أجِيءُ أنْ يَصِيحَ الدِّيكُ، نَصَّ عَلى ذَلِكَ النُّحاةُ، فَشَرْطُ ذَلِكَ أنْ يَكُونَ المَصْدَرُ مُصَرَّحًا بِهِ لا مُقَدَّرًا، وأنْ يَقُولَ لَيْسَ مَصْدَرًا مُصَرَّحًا بِهِ.
(بِالبَيِّناتِ): بِالدَّلائِلِ عَلى التَّوْحِيدِ، وهي الَّتِي ذَكَرَها في (طه، والشُّعَراءِ) حالَةَ مُحاوَرَتِهِ لَهُ في سُؤالِهِ عَنْ رَبِّهِ تَعالى.
ولَمّا صَرَّحَ بِالإنْكارِ عَلَيْهِمْ، غالَطَهم بَعْدُ في أنَّ قَسَّمَ أمْرَهُ إلى كَذِبٍ وصِدْقٍ، وأدّى ذَلِكَ في صُورَةِ (p-٤٦١)احْتِمالٍ ونَصِيحَةٍ، وبَدَأ في التَّقْسِيمِ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنْ يَكُ كاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ﴾، مُداراةً مِنهُ وسالِكًا طَرِيقَ الإنْصافِ في القَوْلِ، وخَوْفًا إذا أنْكَرَ عَلَيْهِمْ قَتْلَهُ أنَّهُ مِمَّنْ يُعاضِدُهُ ويُناصِرُهُ، فَأوْهَمَهم بِهَذا التَّقْسِيمِ والبَداءَةِ بِحالَةِ الكَذِبِ حَتّى يَسْلَمَ مِن شَرِّهِ، ويَكُونَ ذَلِكَ أدْنى لِتَسْلِيمِهِمْ. ومَعْنى ﴿فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ﴾ أيْ: لا يَتَخَطّاهُ ضَرَرُهُ.
﴿وإنْ يَكُ صادِقًا يُصِبْكم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾، وهو يَعْتَقِدُ أنَّهُ نَبِيٌّ صادِقٌ قَطْعًا، لَكِنَّهُ أتى بِلَفْظِ (بَعْضُ) لِإلْزامِ الحُجَّةِ بِأسْرِها في الأمْرِ، ولَيْسَ فِيهِ نَفْيُ أنْ يُصِيبَهم كُلُّ ما يَعِدُهم.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: يُصِبْكم بَعْضُ العَذابِ الَّذِي يَذْكُرُ، وذَلِكَ كانَ في هَلاكِهِمْ، ويَكُونُ المَعْنى: يُصِبْكُمُ القَسَمُ الواحِدُ مِمّا يَعِدُ بِهِ، وذَلِكَ هو بَعْضٌ مِمّا يَعِدُ؛ لِأنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وعَدَهم إنْ آمَنُوا بِالنِّعْمَةِ، وإنْ كَفَرُوا بِالنِّقْمَةِ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكم عَذابُ الدُّنْيا؛ لِأنَّهُ بَعْضُ عَذابِ الآخِرَةِ، ويَصِيرُونَ بَعْدَ ذَلِكَ إلى النّارِ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ: (بَعْضُ) بِمَعْنى كُلُّ، وأنْشَدُوا قَوْلَ عَمْرِو بْنِ شَسِيمٍ القَطامِيِّ:
؎قَدْ يُدْرِكُ المُتَأنِّي بَعْضَ حاجَتِهِ ∗∗∗ وقَدْ يَكُونُ مَعَ المُسْتَعْجَلِ الزَّلَلُ
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وذَلِكَ أنَّهُ حِينَ فَرَضَ صادِقًا، فَقَدْ أثْبَتَ أنَّهُ صادِقٌ في جَمِيعِ ما يَعِدُ، ولَكِنَّهُ أرْدَفَهُ ﴿يُصِبْكم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾، لِيَهْضِمَهُ بَعْضَ حَقِّهِ في ظاهِرِ الكَلامِ، فَيُرِيَهم أنَّهُ لَيْسَ بِكَلامِ مَن أعْطاهُ وافِيًا فَضْلًا أنْ يَتَعَصَّبَ لَهُ.
(فَإنْ قُلْتَ): وعَنْ أبِي عُبَيْدَةَ أنَّهُ قَسَّمَ البَعْضَ بِالكُلِّ، وأنْشَدَ بَيْتَ لَبِيدٍ وهو:
؎تَرّاكُ أمْكِنَةٍ إذا لَمْ أرْضَها ∗∗∗ ويُرِيكَ مِن بَعْضِ النُّفُوسِ حِمامُها
(قُلْتُ): إنْ صَحَّتِ الرِّوايَةُ عَنْهُ فَقَدْ حَقَّ في قَوْلِ المازِنِيِّ في مَسْألَةِ العافِيِ كانَ أحْفى مِن أنْ يَفْقَهَ ما أقُولُ لَهُ. انْتَهى، ويَعْنِي أنَّ أبا عُبَيْدَةَ خَطَّأهُ النّاسُ في اعْتِقادِهِ أنْ بَعْضًا يَكُونُ بِمَعْنى كُلٍّ، وأنْشَدُوا أيْضًا في كَوْنِ بَعْضٍ بِمَعْنى كُلٍّ قَوْلَ الشّاعِرِ:
؎إنَّ الأُمُورَ إذا الأحْداثُ دَبَّرَها ∗∗∗ دُونَ الشُّيُوخِ تَرى في بَعْضِها خَلَلا
أيْ: إذا رَأى الأحْداثَ، ولِذَلِكَ قالَ دَبَّرَها ولَمْ يَقُلْ دَبَّرُوها، راعى المُضافَ المَحْذُوفَ.
﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن هو مُسْرِفٌ كَذّابٌ﴾ فِيهِ: إشارَةٌ إلى عُلُوِّ شَأْنِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأنَّ مَنِ اصْطَفاهُ اللَّهُ لِلنُّبُوَّةِ لا يُمْكِنُ أنْ يَقَعَ مِنهُ إسْرافٌ ولا كَذِبٌ، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِفِرْعَوْنَ؛ إذْ هو غايَةُ الإسْرافِ عَلى نَفْسِهِ بِقَتْلِ أبْناءِ المُؤْمِنِينَ، وفي غايَةِ الكَذِبِ؛ إذِ ادَّعى الإلَهِيَّةَ والرُّبُوبِيَّةَ، ومَن هَذا شَأْنُهُ لا يَهْدِيهِ اللَّهُ.
وفِي الحَدِيثِ: ”«الصِّدِّيقُونَ ثَلاثَةٌ: حَبِيبٌ النَّجّارُ مُؤْمِنُ آلِ يس، ومُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ، وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ“ .
وفِي الحَدِيثِ: ”» أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - طافَ بِالبَيْتِ، فَحِينَ فَرَغَ أخَذَ بِمَجامِعِ رِدائِهِ، فَقالُوا لَهُ: أنْتَ الَّذِي تَنْهانا عَمّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا ؟ فَقالَ: أنا ذاكَ، فَقامَ أبُو بَكْرٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فالتَزَمَهُ مِن ورائِهِ، وقالَ: أتَقْتُلُونَ رَجُلًا أنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ، وقَدْ جاءَكم بِالبَيِّناتِ مِن رَبِّكم“، رافِعًا صَوْتَهُ بِذَلِكَ وعَيْناهُ تَسْفَحانِ بِالدُّمُوعِ حَتّى أرْسَلُوهُ.
وعَنْ جَعْفَرٍ الصّادِقِ: أنَّ مُؤْمِنَ آلِ فِرْعَوْنَ قالَ ذَلِكَ سِرًّا، وأبُو بَكْرٍ قالَهُ ظاهِرًا. وقالَ السُّدِّيُّ: (مُسْرِفٌ) بِالقَتْلِ. وقالَ قَتادَةُ: (مُسْرِفٌ) بِالكُفْرِ.
وقالَ صاحِبُ التَّحْرِيرِ والتَّحْبِيرِ: هَذا نَوْعٌ مِن أنْواعِ عِلْمِ البَيانِ تُسَمِّيهِ عُلَماؤُنا اسْتِدْراجَ المُخاطَبِ، وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا رَأى فِرْعَوْنَ قَدْ عَزَمَ عَلى قَتْلِ مُوسى، والقَوْمَ عَلى تَكْذِيبِهِ، أرادَ الِانْتِصارَ لَهُ بِطَرِيقٍ يُخْفِي عَلَيْهِمْ بِها أنَّهُ مُتَعَصِّبٌ لَهُ، وأنَّهُ مِن أتْباعِهِ، فَجاءَهم مِن طَرِيقِ النُّصْحِ والمُلاطَفَةِ فَقالَ: ﴿أتَقْتُلُونَ رَجُلًا أنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾، ولَمْ يَذْكُرِ اسْمَهُ، بَلْ قالَ رَجُلًا يُوهِمُ أنَّهُ لا يَعْرِفُهُ ولا يَتَعَصَّبُ لَهُ، ﴿أنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾، ولَمْ يَقُلْ رَجُلًا مُؤْمِنًا بِاللَّهِ، أوْ هو نَبِيُّ اللَّهِ؛ إذْ لَوْ قالَ شَيْئًا مِن ذَلِكَ لَعَلِمُوا أنَّهُ مُتَعَصِّبٌ. ولَمْ يَقْبَلُوا قَوْلَهُ، ثُمَّ أتْبَعَهُ بِما بَعْدَ ذَلِكَ، فَقَدَّمَ قَوْلَهُ: ﴿وإنْ يَكُ كاذِبًا﴾، مُوافَقَةً لِرَأْيِهِمْ فِيهِ. ثُمَّ تَلاهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنْ يَكُ صادِقًا﴾، ولَوْ قالَ: هو صادِقٌ وكَلُّ (p-٤٦٢)ما يَعِدُكم، لَعَلِمُوا أنَّهُ مُتَعَصِّبٌ، وأنَّهُ يَزْعُمُ أنَّهُ نَبِيٌّ، وأنَّهُ يُصَدِّقُهُ، فَإنَّ الأنْبِياءَ لا تُخِلُّ بِشَيْءٍ مِمّا يَقُولُونَهُ، ثُمَّ أتْبَعَهُ بِكَلامٍ يُفْهَمُ مِنهُ أنَّهُ لَيْسَ بِمُصَدِّقٍ، وهو قَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن هو مُسْرِفٌ كَذّابٌ﴾ . انْتَهى.
ثُمَّ قالَ: (يا قَوْمِ) نِداءٌ مُتَلَطِّفٌ في مَوْعِظَتِهِمْ.
﴿ياقَوْمِ لَكُمُ المُلْكُ اليَوْمَ ظاهِرِينَ﴾ أيْ: عالِمِينَ: (في الأرْضِ): في أرْضِ مِصْرَ، قَدْ غَلَبْتُمْ بَنِي إسْرائِيلَ فِيها، وقَهَرْتُمُوهم واسْتَعْبَدْتُمُوهم، وناداهم بِالمُلْكِ الَّذِي هو أعْظَمُ مَراتِبِ الدُّنْيا وأجَلُّها، وهو مِن جِهَةِ شَهَواتِهِمْ، وانْتَصَبَ (ظاهِرِينَ) عَلى الحالِ، والعامِلُ فِيها هو العامِلُ في الجارِّ والمَجْرُورِ، وذُو الحالِ هو ضَمِيرُ (لَكم) .
ثُمَّ حَذَّرَهم أنْ يُفْسِدُوا عَلى أنْفُسِهِمْ بِأنَّهُ إنْ جاءَهم بَأْسُ اللَّهِ لَمْ يَجِدُوا ناصِرًا لَهم ولا دافِعًا، وأدْرَجَ نَفْسَهُ في قَوْلِهِ: ﴿يَنْصُرُنا﴾، و(جاءَنا) لِأنَّهُ مِنهم في القَرابَةِ، ولِيُعْلِمَهم أنَّ الَّذِي يَنْصَحُهم بِهِ هو مُشارِكٌ لَهم فِيهِ.
وأقْوالُ هَذا المُؤْمِنِ تَدُلُّ عَلى زَوالِ هَيْبَةِ فِرْعَوْنَ مِن قَلْبِهِ، ولِذَلِكَ اسْتَكانَ فِرْعَوْنُ وقالَ: ﴿ما أُرِيكم إلّا ما أرى﴾ أيْ: ما أُشِيرُ عَلَيْكم إلّا بِقَتْلِهِ، ولا أسْتَصْوِبُ إلّا ذَلِكَ، وهَذا قَوْلُ مِن لا تَحَكُّمَ لَهُ، وأتى بِما وإلّا لِلْحَصْرِ والتَّأْكِيدِ.
﴿وما أهْدِيكم إلّا سَبِيلَ الرَّشادِ﴾، لا ما تَقُولُونَهُ مِن تَرْكِ قَتْلِهِ وقَدْ كَذَبَ، بَلْ كانَ خائِفًا وجِلًا، وقَدْ عَلِمَ أنَّ ما جاءَ بِهِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - حَقٌّ، ولَكِنَّهُ كانَ يَتَجَلَّدُ، ويُرِي ظاهِرَهُ خِلافَ ما أبْطَنَ.
وأوْرَدَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وابْنُ عَطِيَّةَ، وأبُو القاسِمِ الهُذَلِيُّ هُنا أنَّ مُعاذَ بْنَ جَبَلٍ قَرَأ (الرَّشّادِ) بِشَدِّ الشِّينِ.
قالَ أبُو الفَتْحِ: وهو اسْمُ فاعِلٍ في بِنْيَةِ مُبالَغَةٍ مِنَ الفِعْلِ الثُّلاثِيِّ رَشَدَ، فَهو كَعَبّادٍ مِن عَبَدَ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ مِن رَشِدَ، كَعَلّامٍ مِن عَلِمَ. وقالَ النَّحّاسُ: هو لَحْنٌ، وتَوَهَّمَهُ مِنَ الفِعْلِ الرُّباعِيِّ، ورُدَّ عَلَيْهِ أنَّهُ لا يَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ مِنَ الرُّباعِيِّ، بَلْ هو مِنَ الثُّلاثِيِّ، عَلى أنَّ بَعْضَهم قَدْ ذَهَبَ إلى أنَّهُ مِنَ الرُّباعِيِّ، فَبَنى فَعّالَ مِن أفْعَلَ، كَدَرّاكِ مِن أدْرَكَ، وسَآرٍ مِن أسْأرَ، وجَبّارٍ مِن أجْبَرَ، وقَصّارٍ مِن أقْصَرَ، ولَكِنَّهُ لَيْسَ بِقِياسٍ، فَلا يُحْمَلُ عَلَيْهِ ما وُجِدَتْ عَنْهُ مَندُوحَةٌ، وفَعّالٌ مِنَ الثُّلاثِيِّ مَقِيسٌ فَحُمِلَ عَلَيْهِ.
وقالَ أبُو حاتِمٍ: كانَ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ يُفَسِّرُها بِسَبِيلِ اللَّهِ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَبْعُدُ عِنْدِي عَلى مُعاذٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - .
وهَلْ كانَ فِرْعَوْنُ إلّا يَدَّعِي أنَّهُ إلَهٌ ؟ وتَعَلَّقَ بِناءُ اللَّفْظِ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ. انْتَهى.
وإيرادُ الخِلافِ في هَذا الحَرْفِ الَّذِي هو مِن قَوْلِ فِرْعَوْنَ خَطَأٌ، وتَرْكِيبُ قَوْلُ مُعاذٍ عَلَيْهِ خَطَأٌ، والصَّوابُ أنَّ الخِلافَ فِيهِ هو قَوْلُ المُؤْمِنِ: ﴿اتَّبِعُونِ أهْدِكم سَبِيلَ الرَّشادِ﴾ [غافر: ٣٨] . قالَ أبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ في (كِتابِ اللَّوامِحِ) لَهُ مِن شَواذِّ القِراءاتِ ما نَصَّهُ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ ﴿سَبِيلَ الرَّشادِ﴾ [غافر: ٣٨] الحَرْفُ الثّانِي بِالتَّشْدِيدِ، وكَذَلِكَ الحَسَنُ، وهو سَبِيلُ اللَّهِ تَعالى الَّذِي أوْضَحَ الشَّرائِعَ، كَذَلِكَ فَسَّرَهُ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ، وهو مَنقُولٌ مِن مُرْشِدٍ، كَدَرّاكٍ مِن مُدْرِكٍ، وجَبّارٍ مِنَ مُجْبِرٍ، وقَصّارٍ مِن مُقْصِرٍ عَنِ الأمْرِ، ولَها نَظائِرُ مَعْدُودَةٌ، فَأمّا قَصّارٌ فَهو مِن قَصَرَ مِنَ الثَّوْبِ قِصارَةً. وقالَ ابْنُ خالَوَيْهِ، بَعْدَ أنْ ذَكَرَ الخِلافَ في التَّنادِ وفي صَدٍّ عَنِ السَّبِيلِ ما نَصُّهُ (سَبِيلُ الرَّشّادِ بِتَشْدِيدِ الشِّينِ) مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ. قالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: يَعْنِي بِالرَّشّادِ اللَّهَ تَعالى. انْتَهى.
فَهَذا لَمْ يَذْكُرِ الخِلافَ إلّا في قَوْلِ المُؤْمِنِ: ﴿أهْدِكم سَبِيلَ الرَّشادِ﴾ [غافر: ٣٨]، فَذِكْرُ الخِلافِ فِيهِ في قَوْلِ فِرْعَوْنَ خَطَأٌ، ولَمْ يُفَسِّرْ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ (الرَّشّادَ) أنَّهُ اللَّهُ تَعالى إلّا في قَوْلِ المُؤْمِنِ، لا في قَوْلِ فِرْعَوْنَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ذَلِكَ التَّأْوِيلُ مِن قَوْلِ فِرْعَوْنَ.
غافر 40:30
﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ ﴿إلى فِرْعَوْنَ وهامانَ وقارُونَ فَقالُوا ساحِرٌ كَذّابٌ﴾ ﴿فَلَمّا جاءَهم بِالحَقِّ مِن عِنْدِنا قالُوا اقْتُلُوا أبْناءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ واسْتَحْيُوا نِساءَهم وما كَيْدُ الكافِرِينَ إلّا في ضَلالٍ﴾ ﴿وقالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أقْتُلْ مُوسى ولْيَدْعُ رَبَّهُ إنِّي أخافُ أنْ يُبَدِّلَ دِينَكم أوْ أنْ يُظْهِرَ في الأرْضِ الفَسادَ﴾ ﴿وقالَ مُوسى إنِّي عُذْتُ بِرَبِّي ورَبِّكم مِن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الحِسابِ﴾ ﴿وقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِن آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إيمانَهُ أتَقْتُلُونَ رَجُلًا أنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وقَدْ جاءَكم بِالبَيِّناتِ مِن رَبِّكم وإنْ يَكُ كاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وإنْ يَكُ صادِقًا يُصِبْكم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكم إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن هو مُسْرِفٌ كَذّابٌ﴾ ﴿يا قَوْم لَكُمُ المُلْكُ اليَوْمَ ظاهِرِينَ في الأرْضِ فَمَن يَنْصُرُنا مِن بَأْسِ اللَّهِ إنْ جاءَنا قالَ فِرْعَوْنُ ما أُرِيكم إلّا ما أرى وما أهْدِيكم إلّا سَبِيلَ الرَّشادِ﴾ .
ابْتَدَأ تَعالى قِصَّةَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَعَ فِرْعَوْنَ تَسْلِيَةً لِلرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ووَعِيدًا لِقُرَيْشٍ أنْ يَحِلَّ بِهِمْ ما حَلَّ بِفِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ مِن نِقْماتِ اللَّهِ، (p-٤٥٩)ووَعْدًا لِلْمُؤْمِنِينَ بِالظَّفَرِ والنَّصْرِ وحُسْنِ العاقِبَةِ. وآياتُ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - كَثِيرَةٌ، والَّذِي تَحَدّى بِهِ مِنَ المُعْجِزِ العَصا واليَدُ.
وقَرَأ عِيسى: (وسُلُطانٍ) بِضَمِّ اللّامِ، والسُّلْطانُ المُبِينُ: الحُجَّةُ والبُرْهانُ الواضِحُ. والظّاهِرُ أنَّ قارُونَ هو الَّذِي ذَكَرَهُ تَعالى في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ قارُونَ كانَ مِن قَوْمِ مُوسى﴾ [القصص: ٧٦]، وهو مِن بَنِي إسْرائِيلَ.
وقِيلَ: هو غَيْرُهُ، ونَصَّ عَلى هامانَ وقارُونَ لِمَكانَتِهِما في الكُفْرِ، ولِأنَّهُما أشْهَرُ أتْباعِ فِرْعَوْنَ.
﴿فَقالُوا ساحِرٌ كَذّابٌ﴾ أيْ: هَذا ساحِرٌ، لِما ظَهَرَ عَلى يَدَيْهِ مِن قَلْبِ العَصا حَيَّةً، وظُهُورِ النُّورِ السّاطِعِ عَلى يَدِهِ، كَذّابٌ لِكَوْنِهِ ادَّعى أنَّهُ رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ.
﴿فَلَمّا جاءَهم بِالحَقِّ مِن عِنْدِنا﴾ أيْ: بِالمُعْجِزاتِ والنُّبُوَّةِ والدُّعاءِ إلى الإيمانِ بِاللَّهِ، (قالُوا)، أيْ: أُولَئِكَ الثَّلاثَةُ، (اقْتُلُوا) . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْ: أعِيدُوا عَلَيْهِمُ القَتْلَ كالَّذِي كانَ أوَّلًا. انْتَهى.
يُرِيدُ أنَّ هَذا غَيْرُ القَتْلِ الأوَّلِ، وإنَّما أُمِرُوا بِقَتْلِ أبْناءِ المُؤْمِنِينَ لِئَلّا يَتَقَوّى بِهِمْ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وبِاسْتِحْياءِ النِّساءِ لِلِاسْتِخْدامِ والِاسْتِرْقاقِ، ولَمْ يَقَعْ ما أمَرُوا بِهِ ولا تَمَّ لَهم، ولا أعانَهُمُ اللَّهُ عَلَيْهِ.
﴿وما كَيْدُ الكافِرِينَ إلّا في ضَلالٍ﴾ أيْ: في حَيْرَةٍ وتَخَبُّطٍ، لَمْ يَقَعْ مِنهُ شَيْءٌ، ولا أنْجَحَ سَعْيَهَمْ، وكانُوا باشَرُوا القَتْلَ أوَّلًا، فَنَفَذَ قَضاءُ اللَّهِ في إظْهارِ مَن خافُوا هَلاكَهم عَلى يَدَيْهِ.
وقِيلَ: كانَ فِرْعَوْنُ قَدْ كَفَّ عَنْ قَتْلِ الأبْناءِ، فَلَمّا بُعِثَ مُوسى، وأحَسَّ أنَّهُ قَدْ وقَعَ ما كانَ يَحْذَرُهُ، أعادَ القَتْلَ عَلَيْهِمْ غَيْظًا وحِنْقًا وظَنًّا مِنهُ أنَّهُ يَصُدُّهم بِذَلِكَ عَنْ مُظاهَرَةِ مُوسى، وما عَلِمَ أنَّ كَيْدَهُ ضائِعٌ في الكَرَّتَيْنِ مَعًا.
﴿وقالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أقْتُلْ مُوسى ولْيَدْعُ رَبَّهُ﴾، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بَعْضُهُ مِن كَلامِ الحَسَنِ، كانَ إذا هَمَّ بِقَتْلِهِ كَفُّوهُ بِقَوْلِهِمْ: لَيْسَ بِالَّذِي تَخافُهُ، هو أقَلُّ مِن ذَلِكَ وأضْعَفُ، وما هو إلّا بَعْضُ السَّحَرَةِ، ومِثْلُهُ لا يُقاوِمُهُ إلّا ساحِرٌ مِثْلُهُ، ويَقُولُونَ: إنْ قَتَلْتَهُ أدْخَلْتَ الشُّبْهَةَ عَلى النّاسِ، واعْتَقَدُوا أنَّكَ عَجَزْتَ عَنْ مُظاهَرَتِهِ بِالحُجَّةِ.
والظّاهِرُ أنَّ فِرْعَوْنَ - لَعَنَهُ اللَّهُ - كانَ قَدِ اسْتَيْقَنَ أنَّهُ نَبِيٌّ، وأنَّ ما جاءَ بِهِ آياتٌ وما هو سِحْرٌ، ولَكِنَّ الرَّجُلَ كانَ فِيهِ خُبْثٌ وجَبَرُوتٌ، وكانَ قَتّالًا سَفّاكًا لِلدِّماءِ في أهْوَنِ شَيْءٍ، فَكَيْفَ لا يَقْتُلُ مَن أحَسَّ مِنهُ بِأنَّهُ هو الَّذِي يَثُلُّ عَرْشَهُ، ويَهْدِمُ مُلْكَهُ ؟ ولَكِنَّهُ يَخافُ إنْ هَمَّ بِقَتْلِهِ أنْ يُعاجَلَ بِالهَلاكِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ولْيَدْعُ رَبَّهُ﴾: شاهِدُ صِدْقٍ عَلى فَرْطِ خَوْفِهِ مِنهُ ومِن دَعْوَتِهِ رَبَّهُ، كانَ قَوْلُهُ: ﴿ذَرُونِي أقْتُلْ مُوسى﴾ تَمْوِيهًا عَلى قَوْمِهِ وإيهامًا أنَّهم هُمُ الَّذِينَ يَكُفُّونَهُ، وما كانَ يَكُفُّهُ إلّا ما في نَفْسِهِ مِن هَوْلِ الفَزَعِ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الظّاهِرُ مِن أمْرِ فِرْعَوْنَ أنَّهُ لَمّا بَهَرَتْ آياتُ مُوسى انْهَدَّ رُكْنُهُ واضْطَرَبَتْ مُعْتَقَداتُ أصْحابِهِ، ولَمْ يَفْقِدْ مِنهم مَن يُجاذِبُهُ الخِلافَ في أمْرِهِ، وذَلِكَ بَيِّنٌ مِن غَيْرِ ما مَوْضِعٍ في قِصَّتِهِما، وفي ذَلِكَ عَلى هَذا دَلِيلانِ: أحَدُهُما: قَوْلُهُ ﴿ذَرُونِي﴾، فَلَيْسَتْ هَذِهِ مِن ألْفاظِ الجَبابِرَةِ المُتَمَكِّنِينَ مِن إنْفاذِ أوامِرِهِمْ.
الدَّلِيلُ الثّانِي: في مَقالَةِ المُؤْمِنِ وما صَدَعَ بِهِ، وأنَّ مُكاشَفَتَهُ لِفِرْعَوْنَ خَيْرٌ مِن مُساتَرَتِهِ، وحُكْمَهُ بِنُبُوَّةِ مُوسى أظْهَرُ مِن تَقْرِيبِهِ في أمْرِهِ. وأمّا فِرْعَوْنُ، فَإنَّهُ نَحا إلى المَخْرَقَةِ والِاضْطِرابِ والتَّعاطِي، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ذَرُونِي أقْتُلْ مُوسى ولْيَدْعُ رَبَّهُ﴾ أيْ: إنِّي لا أُبالِي مِن رَبِّ مُوسى، ثُمَّ رَجَعَ إلى قَوْمِهِ يُرِيهِمُ النَّصِيحَةَ والخِيانَةَ لَهم، فَقالَ: ﴿إنِّي أخافُ أنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ﴾، والدِّينُ: السُّلْطانُ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ:
؎لَئِنْ حَلَلْتَ بِجَوٍّ في بَنِي أسَدٍ في دِينِ عَمْرٍو وحالَتْ بَيْنَنا فَدَكُ
انْتَهى.
وتَبْدِيلُ دِينِهِمْ هو تَغْيِيرُهُ، وكانُوا يَعْبُدُونَهُ ويَعْبُدُونَ الأصْنامَ، كَما قالَ: ﴿ويَذَرَكَ وآلِهَتَكَ﴾ [الأعراف: ١٢٧]، ﴿أوْ أنْ يُظْهِرَ في الأرْضِ الفَسادَ﴾ وذَلِكَ بِالتَّهارُجِ الَّذِي يَذْهَبُ مَعَهُ الأمْنُ، وتَتَعَطَّلُ المَزارِعُ والمَكاسِبُ، ويَهْلَكُ النّاسُ قَتْلًا وضَياعًا، فَأخافُ فَسادَ دِينِكم ودُنْياكم مَعًا.
وبَدَأ فِرْعَوْنُ بِخَوْفِهِ تَغْيِيرَ دِينِهِمْ عَلى تَغْيِيرِ دُنْياهم؛ لِأنَّ حُبَّهَمْ لِأدْيانِهِمْ فَوْقَ حُبِّهِمْ لِأمْوالِهِمْ.
وقِيلَ: ﴿ذَرُونِي﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهم كانُوا يَمْنَعُونَهُ مِن قَتْلِهِ، إمّا لِكَوْنِ بَعْضِهِمْ كانَ مُصَدِّقًا لَهُ فَيَتَحَيَّلُ في مَنعِ قَتْلِهِ، وإمّا لِما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ مِمّا ذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وإمّا لِشَغْلِ (p-٤٦٠)قَلْبِ فِرْعَوْنَ بِمُوسى حَتّى لا يَتَفَرَّغَ لَهم، ويَأْمَنُوا مِن شَرِّهِ؛ كَما يَفْعَلُونَ مَعَ المَلِكِ إذا خَرَجَ عَلَيْهِ خارِجِيٌّ شَغَلُوهُ بِهِ حَتّى يَأْمَنُوا مِن شَرِّهِ.
وقَرَأ الكُوفِيُّونَ: (أوْ أنْ)، بِتَرْدِيدِ الخَوْفِ بَيْنَ تَبْدِيلِ الدِّينِ أوْ ظُهُورِ الفَسادِ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ: (وأنْ) بِانْتِصابِ الخَوْفِ عَلَيْهِما مَعًا.
وقَرَأ أنَسُ بْنُ مالِكٍ، وابْنُ المُسَيَّبِ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وأبُو رَجاءٍ، والحَسَنُ، والجَحْدَرِيُّ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ: (يُظْهِرَ) مِن أظْهَرَ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، (الفَسادَ): نَصْبًا. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ، والأعْرَجُ، والأعْمَشُ، وابْنُ وثّابٍ، وعِيسى: (يَظْهَرُ) مِن ظَهَرَ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، (الفَسادُ): رَفْعًا.
وقَرَأ مُجاهِدٌ: (يَظَّهَّرُ) بِشَدِّ الظّاءِ والهاءِ، (الفَسادُ): رَفْعًا. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (يُظْهَرُ): بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الهاءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، (الفَسادُ): رَفْعًا.
ولَمّا سَمِعَ مُوسى بِمُقالَةِ فِرْعَوْنَ، اسْتَعاذَ بِاللَّهِ مِن شَرِّ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ مُنْكِرٍ لِلْمَعادِ. وقالَ: (ورَبِّكم): بَعْثًا عَلى الِاقْتِداءِ بِهِ، فَيَعُوذُونَ بِاللَّهِ ويَعْتَصِمُونَ بِهِ.
و﴿مِن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ﴾ يَشْمَلُ فِرْعَوْنَ وغَيْرَهُ مِنَ الجَبابِرَةِ؛ وكانَ ذَلِكَ عَلى طَرِيقِ التَّعْرِيضِ، وكانَ أبْلَغَ.
والتَّكَبُّرُ: تَعاظُمُ الإنْسانِ في نَفْسِهِ مَعَ حَقارَتِهِ؛ لِأنَّهُ يَفْعَلُ، و﴿لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الحِسابِ﴾، أيْ: بِالجَزاءِ، وكانَ ذَلِكَ آكَدَ في جَراءَتِهِ، إذْ حَصَلَ لَهُ التَّعاظُمُ في نَفْسِهِ، وعَدَمُ المُبالاةِ بِما ارْتَكَبَ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: (عُذْتُ) بِالإدْغامِ؛ وباقِي السَّبْعَةِ: بِالإظْهارِ.
﴿وقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِن آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إيمانَهُ﴾ قِيلَ: كانَ قِبْطِيًّا ابْنَ عَمِّ فِرْعَوْنَ، وكانَ يَجْرِي مَجْرى ولِيِّ العَهْدِ، ومَجْرى صاحِبِ الشُّرْطَةِ. وقِيلَ: كانَ قِبْطِيًّا لَيْسَ مِن قَرابَتِهِ. وقِيلَ: قِيلَ فِيهِ مِن آلِ فِرْعَوْنَ؛ لِأنَّهُ كانَ في الظّاهِرِ عَلى دِينِهِ ودِينِ أتْباعِهِ.
وقِيلَ: كانَ إسْرائِيلِيًّا ولَيْسَ مِن آلِ فِرْعَوْنَ، وجَعَلَ آلَ فِرْعَوْنَ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ: ﴿يَكْتُمُ إيمانَهُ﴾، لا في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِرَجُلٍ، كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ الظّاهِرُ، وهَذا فِيهِ بُعْدٌ، إذْ لَمْ يَكُنْ لِأحَدٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ أنْ يَتَجاسَرَ عِنْدَ فِرْعَوْنَ بِمِثْلِ ما تَكَلَّمَ بِهِ هَذا الرَّجُلُ.
وقَدْ رُدَّ قَوْلُ مَن عَلَّقَ مِن آلِ فِرْعَوْنَ بِيَكْتُمُ، فَإنَّهُ لا يُقالُ: كَتَمْتُ مِن فُلانٍ كَذا، إنَّما يُقالُ: كَتَمْتُ فُلانًا كَذا، قالَ تَعالى: ﴿ولا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٤٢]، وقالَ الشّاعِرُ:
؎كَتَمْتُكَ لَيْلًا بِالجَمُومِينَ ساهِرًا ∗∗∗ وهَمَّيْنِ هَمًّا مُسْتَكِنًّا وظاهِرا
؎أحادِيثَ نَفْسٍ تَشْتَكِي ما يُرِيبُها ∗∗∗ ووِرْدَ هُمُومٍ لَنْ يَجِدْنَ مَصادِرا
أيْ: كَتَمْتُكَ أحادِيثَ نَفْسٍ وهَمَّيْنِ. قِيلَ: واسْمُهُ سَمْعانُ. وقِيلَ: حَبِيبٌ. وقِيلَ: حِزْقِيلُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (رَجُلٌ) بِضَمِّ الجِيمِ. وقَرَأ عِيسى، وعَبْدُ الوارِثِ، وعُبَيْدُ بْنُ عُقَيْلٍ، وحَمْزَةُ بْنُ القاسِمِ عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِسُكُونٍ، وهي لُغَةُ تَمِيمٍ ونَجْدٍ.
﴿أتَقْتُلُونَ رَجُلًا أنْ يَقُولَ﴾ أيْ: لِأنْ يَقُولَ ﴿رَبِّيَ اللَّهُ﴾، وهَذا إنْكارٌ مِنهُ عَظِيمٌ وتَبْكِيتٌ لَهم، كَأنَّهُ قالَ: أتَرْتَكِبُونَ الفِعْلَةَ الشَّنْعاءَ الَّتِي هي قَتْلُ نَفْسٍ مُحَرَّمَةٍ وما لَكم عَلَيْهِ في ارْتِكابِها إلّا كَلِمَةُ الحَقِّ الَّتِي نَطَقَ بِها، وهي قَوْلُهُ: ﴿رَبِّيَ اللَّهُ﴾، مَعَ أنَّهُ ﴿قَدْ جاءَكم بِالبَيِّناتِ مِن رَبِّكُمْ﴾ أيْ: مِن عِنْدِ مَن نَسَبَ إلَيْهِ الرُّبُوبِيَّةَ، وهو رَبُّكم لا رَبُّهُ وحْدَهُ ؟ وهَذا اسْتِدْراجٌ إلى الِاعْتِرافِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولَكَ أنْ تُقَدِّرَ مُضافًا مَحْذُوفًا، أيْ: وقْتَ أنْ يَقُولَ، والمَعْنى: أتَقْتُلُونَهُ ساعَةَ سَمِعْتُمْ مِنهُ هَذا القَوْلَ مِن غَيْرِ رَوِيَّةٍ ولا فِكْرٍ في أمْرِهِ ؟ انْتَهى. وهَذا الَّذِي أجازَهُ مِن تَقْدِيرِ المُضافِ المَحْذُوفِ الَّذِي هو وقْتٌ لا يَجُوزُ، تَقُولُ: جِئْتُ صِياحَ الدِّيكِ، أيْ: وقْتَ صِياحِ الدِّيكِ، ولا أجِيءُ أنْ يَصِيحَ الدِّيكُ، نَصَّ عَلى ذَلِكَ النُّحاةُ، فَشَرْطُ ذَلِكَ أنْ يَكُونَ المَصْدَرُ مُصَرَّحًا بِهِ لا مُقَدَّرًا، وأنْ يَقُولَ لَيْسَ مَصْدَرًا مُصَرَّحًا بِهِ.
(بِالبَيِّناتِ): بِالدَّلائِلِ عَلى التَّوْحِيدِ، وهي الَّتِي ذَكَرَها في (طه، والشُّعَراءِ) حالَةَ مُحاوَرَتِهِ لَهُ في سُؤالِهِ عَنْ رَبِّهِ تَعالى.
ولَمّا صَرَّحَ بِالإنْكارِ عَلَيْهِمْ، غالَطَهم بَعْدُ في أنَّ قَسَّمَ أمْرَهُ إلى كَذِبٍ وصِدْقٍ، وأدّى ذَلِكَ في صُورَةِ (p-٤٦١)احْتِمالٍ ونَصِيحَةٍ، وبَدَأ في التَّقْسِيمِ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنْ يَكُ كاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ﴾، مُداراةً مِنهُ وسالِكًا طَرِيقَ الإنْصافِ في القَوْلِ، وخَوْفًا إذا أنْكَرَ عَلَيْهِمْ قَتْلَهُ أنَّهُ مِمَّنْ يُعاضِدُهُ ويُناصِرُهُ، فَأوْهَمَهم بِهَذا التَّقْسِيمِ والبَداءَةِ بِحالَةِ الكَذِبِ حَتّى يَسْلَمَ مِن شَرِّهِ، ويَكُونَ ذَلِكَ أدْنى لِتَسْلِيمِهِمْ. ومَعْنى ﴿فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ﴾ أيْ: لا يَتَخَطّاهُ ضَرَرُهُ.
﴿وإنْ يَكُ صادِقًا يُصِبْكم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾، وهو يَعْتَقِدُ أنَّهُ نَبِيٌّ صادِقٌ قَطْعًا، لَكِنَّهُ أتى بِلَفْظِ (بَعْضُ) لِإلْزامِ الحُجَّةِ بِأسْرِها في الأمْرِ، ولَيْسَ فِيهِ نَفْيُ أنْ يُصِيبَهم كُلُّ ما يَعِدُهم.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: يُصِبْكم بَعْضُ العَذابِ الَّذِي يَذْكُرُ، وذَلِكَ كانَ في هَلاكِهِمْ، ويَكُونُ المَعْنى: يُصِبْكُمُ القَسَمُ الواحِدُ مِمّا يَعِدُ بِهِ، وذَلِكَ هو بَعْضٌ مِمّا يَعِدُ؛ لِأنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وعَدَهم إنْ آمَنُوا بِالنِّعْمَةِ، وإنْ كَفَرُوا بِالنِّقْمَةِ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكم عَذابُ الدُّنْيا؛ لِأنَّهُ بَعْضُ عَذابِ الآخِرَةِ، ويَصِيرُونَ بَعْدَ ذَلِكَ إلى النّارِ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ: (بَعْضُ) بِمَعْنى كُلُّ، وأنْشَدُوا قَوْلَ عَمْرِو بْنِ شَسِيمٍ القَطامِيِّ:
؎قَدْ يُدْرِكُ المُتَأنِّي بَعْضَ حاجَتِهِ ∗∗∗ وقَدْ يَكُونُ مَعَ المُسْتَعْجَلِ الزَّلَلُ
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وذَلِكَ أنَّهُ حِينَ فَرَضَ صادِقًا، فَقَدْ أثْبَتَ أنَّهُ صادِقٌ في جَمِيعِ ما يَعِدُ، ولَكِنَّهُ أرْدَفَهُ ﴿يُصِبْكم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾، لِيَهْضِمَهُ بَعْضَ حَقِّهِ في ظاهِرِ الكَلامِ، فَيُرِيَهم أنَّهُ لَيْسَ بِكَلامِ مَن أعْطاهُ وافِيًا فَضْلًا أنْ يَتَعَصَّبَ لَهُ.
(فَإنْ قُلْتَ): وعَنْ أبِي عُبَيْدَةَ أنَّهُ قَسَّمَ البَعْضَ بِالكُلِّ، وأنْشَدَ بَيْتَ لَبِيدٍ وهو:
؎تَرّاكُ أمْكِنَةٍ إذا لَمْ أرْضَها ∗∗∗ ويُرِيكَ مِن بَعْضِ النُّفُوسِ حِمامُها
(قُلْتُ): إنْ صَحَّتِ الرِّوايَةُ عَنْهُ فَقَدْ حَقَّ في قَوْلِ المازِنِيِّ في مَسْألَةِ العافِيِ كانَ أحْفى مِن أنْ يَفْقَهَ ما أقُولُ لَهُ. انْتَهى، ويَعْنِي أنَّ أبا عُبَيْدَةَ خَطَّأهُ النّاسُ في اعْتِقادِهِ أنْ بَعْضًا يَكُونُ بِمَعْنى كُلٍّ، وأنْشَدُوا أيْضًا في كَوْنِ بَعْضٍ بِمَعْنى كُلٍّ قَوْلَ الشّاعِرِ:
؎إنَّ الأُمُورَ إذا الأحْداثُ دَبَّرَها ∗∗∗ دُونَ الشُّيُوخِ تَرى في بَعْضِها خَلَلا
أيْ: إذا رَأى الأحْداثَ، ولِذَلِكَ قالَ دَبَّرَها ولَمْ يَقُلْ دَبَّرُوها، راعى المُضافَ المَحْذُوفَ.
﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن هو مُسْرِفٌ كَذّابٌ﴾ فِيهِ: إشارَةٌ إلى عُلُوِّ شَأْنِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأنَّ مَنِ اصْطَفاهُ اللَّهُ لِلنُّبُوَّةِ لا يُمْكِنُ أنْ يَقَعَ مِنهُ إسْرافٌ ولا كَذِبٌ، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِفِرْعَوْنَ؛ إذْ هو غايَةُ الإسْرافِ عَلى نَفْسِهِ بِقَتْلِ أبْناءِ المُؤْمِنِينَ، وفي غايَةِ الكَذِبِ؛ إذِ ادَّعى الإلَهِيَّةَ والرُّبُوبِيَّةَ، ومَن هَذا شَأْنُهُ لا يَهْدِيهِ اللَّهُ.
وفِي الحَدِيثِ: ”«الصِّدِّيقُونَ ثَلاثَةٌ: حَبِيبٌ النَّجّارُ مُؤْمِنُ آلِ يس، ومُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ، وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ“ .
وفِي الحَدِيثِ: ”» أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - طافَ بِالبَيْتِ، فَحِينَ فَرَغَ أخَذَ بِمَجامِعِ رِدائِهِ، فَقالُوا لَهُ: أنْتَ الَّذِي تَنْهانا عَمّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا ؟ فَقالَ: أنا ذاكَ، فَقامَ أبُو بَكْرٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فالتَزَمَهُ مِن ورائِهِ، وقالَ: أتَقْتُلُونَ رَجُلًا أنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ، وقَدْ جاءَكم بِالبَيِّناتِ مِن رَبِّكم“، رافِعًا صَوْتَهُ بِذَلِكَ وعَيْناهُ تَسْفَحانِ بِالدُّمُوعِ حَتّى أرْسَلُوهُ.
وعَنْ جَعْفَرٍ الصّادِقِ: أنَّ مُؤْمِنَ آلِ فِرْعَوْنَ قالَ ذَلِكَ سِرًّا، وأبُو بَكْرٍ قالَهُ ظاهِرًا. وقالَ السُّدِّيُّ: (مُسْرِفٌ) بِالقَتْلِ. وقالَ قَتادَةُ: (مُسْرِفٌ) بِالكُفْرِ.
وقالَ صاحِبُ التَّحْرِيرِ والتَّحْبِيرِ: هَذا نَوْعٌ مِن أنْواعِ عِلْمِ البَيانِ تُسَمِّيهِ عُلَماؤُنا اسْتِدْراجَ المُخاطَبِ، وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا رَأى فِرْعَوْنَ قَدْ عَزَمَ عَلى قَتْلِ مُوسى، والقَوْمَ عَلى تَكْذِيبِهِ، أرادَ الِانْتِصارَ لَهُ بِطَرِيقٍ يُخْفِي عَلَيْهِمْ بِها أنَّهُ مُتَعَصِّبٌ لَهُ، وأنَّهُ مِن أتْباعِهِ، فَجاءَهم مِن طَرِيقِ النُّصْحِ والمُلاطَفَةِ فَقالَ: ﴿أتَقْتُلُونَ رَجُلًا أنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾، ولَمْ يَذْكُرِ اسْمَهُ، بَلْ قالَ رَجُلًا يُوهِمُ أنَّهُ لا يَعْرِفُهُ ولا يَتَعَصَّبُ لَهُ، ﴿أنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾، ولَمْ يَقُلْ رَجُلًا مُؤْمِنًا بِاللَّهِ، أوْ هو نَبِيُّ اللَّهِ؛ إذْ لَوْ قالَ شَيْئًا مِن ذَلِكَ لَعَلِمُوا أنَّهُ مُتَعَصِّبٌ. ولَمْ يَقْبَلُوا قَوْلَهُ، ثُمَّ أتْبَعَهُ بِما بَعْدَ ذَلِكَ، فَقَدَّمَ قَوْلَهُ: ﴿وإنْ يَكُ كاذِبًا﴾، مُوافَقَةً لِرَأْيِهِمْ فِيهِ. ثُمَّ تَلاهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنْ يَكُ صادِقًا﴾، ولَوْ قالَ: هو صادِقٌ وكَلُّ (p-٤٦٢)ما يَعِدُكم، لَعَلِمُوا أنَّهُ مُتَعَصِّبٌ، وأنَّهُ يَزْعُمُ أنَّهُ نَبِيٌّ، وأنَّهُ يُصَدِّقُهُ، فَإنَّ الأنْبِياءَ لا تُخِلُّ بِشَيْءٍ مِمّا يَقُولُونَهُ، ثُمَّ أتْبَعَهُ بِكَلامٍ يُفْهَمُ مِنهُ أنَّهُ لَيْسَ بِمُصَدِّقٍ، وهو قَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن هو مُسْرِفٌ كَذّابٌ﴾ . انْتَهى.
ثُمَّ قالَ: (يا قَوْمِ) نِداءٌ مُتَلَطِّفٌ في مَوْعِظَتِهِمْ.
﴿ياقَوْمِ لَكُمُ المُلْكُ اليَوْمَ ظاهِرِينَ﴾ أيْ: عالِمِينَ: (في الأرْضِ): في أرْضِ مِصْرَ، قَدْ غَلَبْتُمْ بَنِي إسْرائِيلَ فِيها، وقَهَرْتُمُوهم واسْتَعْبَدْتُمُوهم، وناداهم بِالمُلْكِ الَّذِي هو أعْظَمُ مَراتِبِ الدُّنْيا وأجَلُّها، وهو مِن جِهَةِ شَهَواتِهِمْ، وانْتَصَبَ (ظاهِرِينَ) عَلى الحالِ، والعامِلُ فِيها هو العامِلُ في الجارِّ والمَجْرُورِ، وذُو الحالِ هو ضَمِيرُ (لَكم) .
ثُمَّ حَذَّرَهم أنْ يُفْسِدُوا عَلى أنْفُسِهِمْ بِأنَّهُ إنْ جاءَهم بَأْسُ اللَّهِ لَمْ يَجِدُوا ناصِرًا لَهم ولا دافِعًا، وأدْرَجَ نَفْسَهُ في قَوْلِهِ: ﴿يَنْصُرُنا﴾، و(جاءَنا) لِأنَّهُ مِنهم في القَرابَةِ، ولِيُعْلِمَهم أنَّ الَّذِي يَنْصَحُهم بِهِ هو مُشارِكٌ لَهم فِيهِ.
وأقْوالُ هَذا المُؤْمِنِ تَدُلُّ عَلى زَوالِ هَيْبَةِ فِرْعَوْنَ مِن قَلْبِهِ، ولِذَلِكَ اسْتَكانَ فِرْعَوْنُ وقالَ: ﴿ما أُرِيكم إلّا ما أرى﴾ أيْ: ما أُشِيرُ عَلَيْكم إلّا بِقَتْلِهِ، ولا أسْتَصْوِبُ إلّا ذَلِكَ، وهَذا قَوْلُ مِن لا تَحَكُّمَ لَهُ، وأتى بِما وإلّا لِلْحَصْرِ والتَّأْكِيدِ.
﴿وما أهْدِيكم إلّا سَبِيلَ الرَّشادِ﴾، لا ما تَقُولُونَهُ مِن تَرْكِ قَتْلِهِ وقَدْ كَذَبَ، بَلْ كانَ خائِفًا وجِلًا، وقَدْ عَلِمَ أنَّ ما جاءَ بِهِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - حَقٌّ، ولَكِنَّهُ كانَ يَتَجَلَّدُ، ويُرِي ظاهِرَهُ خِلافَ ما أبْطَنَ.
وأوْرَدَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وابْنُ عَطِيَّةَ، وأبُو القاسِمِ الهُذَلِيُّ هُنا أنَّ مُعاذَ بْنَ جَبَلٍ قَرَأ (الرَّشّادِ) بِشَدِّ الشِّينِ.
قالَ أبُو الفَتْحِ: وهو اسْمُ فاعِلٍ في بِنْيَةِ مُبالَغَةٍ مِنَ الفِعْلِ الثُّلاثِيِّ رَشَدَ، فَهو كَعَبّادٍ مِن عَبَدَ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ مِن رَشِدَ، كَعَلّامٍ مِن عَلِمَ. وقالَ النَّحّاسُ: هو لَحْنٌ، وتَوَهَّمَهُ مِنَ الفِعْلِ الرُّباعِيِّ، ورُدَّ عَلَيْهِ أنَّهُ لا يَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ مِنَ الرُّباعِيِّ، بَلْ هو مِنَ الثُّلاثِيِّ، عَلى أنَّ بَعْضَهم قَدْ ذَهَبَ إلى أنَّهُ مِنَ الرُّباعِيِّ، فَبَنى فَعّالَ مِن أفْعَلَ، كَدَرّاكِ مِن أدْرَكَ، وسَآرٍ مِن أسْأرَ، وجَبّارٍ مِن أجْبَرَ، وقَصّارٍ مِن أقْصَرَ، ولَكِنَّهُ لَيْسَ بِقِياسٍ، فَلا يُحْمَلُ عَلَيْهِ ما وُجِدَتْ عَنْهُ مَندُوحَةٌ، وفَعّالٌ مِنَ الثُّلاثِيِّ مَقِيسٌ فَحُمِلَ عَلَيْهِ.
وقالَ أبُو حاتِمٍ: كانَ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ يُفَسِّرُها بِسَبِيلِ اللَّهِ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَبْعُدُ عِنْدِي عَلى مُعاذٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - .
وهَلْ كانَ فِرْعَوْنُ إلّا يَدَّعِي أنَّهُ إلَهٌ ؟ وتَعَلَّقَ بِناءُ اللَّفْظِ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ. انْتَهى.
وإيرادُ الخِلافِ في هَذا الحَرْفِ الَّذِي هو مِن قَوْلِ فِرْعَوْنَ خَطَأٌ، وتَرْكِيبُ قَوْلُ مُعاذٍ عَلَيْهِ خَطَأٌ، والصَّوابُ أنَّ الخِلافَ فِيهِ هو قَوْلُ المُؤْمِنِ: ﴿اتَّبِعُونِ أهْدِكم سَبِيلَ الرَّشادِ﴾ [غافر: ٣٨] . قالَ أبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ في (كِتابِ اللَّوامِحِ) لَهُ مِن شَواذِّ القِراءاتِ ما نَصَّهُ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ ﴿سَبِيلَ الرَّشادِ﴾ [غافر: ٣٨] الحَرْفُ الثّانِي بِالتَّشْدِيدِ، وكَذَلِكَ الحَسَنُ، وهو سَبِيلُ اللَّهِ تَعالى الَّذِي أوْضَحَ الشَّرائِعَ، كَذَلِكَ فَسَّرَهُ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ، وهو مَنقُولٌ مِن مُرْشِدٍ، كَدَرّاكٍ مِن مُدْرِكٍ، وجَبّارٍ مِنَ مُجْبِرٍ، وقَصّارٍ مِن مُقْصِرٍ عَنِ الأمْرِ، ولَها نَظائِرُ مَعْدُودَةٌ، فَأمّا قَصّارٌ فَهو مِن قَصَرَ مِنَ الثَّوْبِ قِصارَةً. وقالَ ابْنُ خالَوَيْهِ، بَعْدَ أنْ ذَكَرَ الخِلافَ في التَّنادِ وفي صَدٍّ عَنِ السَّبِيلِ ما نَصُّهُ (سَبِيلُ الرَّشّادِ بِتَشْدِيدِ الشِّينِ) مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ. قالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: يَعْنِي بِالرَّشّادِ اللَّهَ تَعالى. انْتَهى.
فَهَذا لَمْ يَذْكُرِ الخِلافَ إلّا في قَوْلِ المُؤْمِنِ: ﴿أهْدِكم سَبِيلَ الرَّشادِ﴾ [غافر: ٣٨]، فَذِكْرُ الخِلافِ فِيهِ في قَوْلِ فِرْعَوْنَ خَطَأٌ، ولَمْ يُفَسِّرْ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ (الرَّشّادَ) أنَّهُ اللَّهُ تَعالى إلّا في قَوْلِ المُؤْمِنِ، لا في قَوْلِ فِرْعَوْنَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ذَلِكَ التَّأْوِيلُ مِن قَوْلِ فِرْعَوْنَ.
غافر 40:31
﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ ﴿إلى فِرْعَوْنَ وهامانَ وقارُونَ فَقالُوا ساحِرٌ كَذّابٌ﴾ ﴿فَلَمّا جاءَهم بِالحَقِّ مِن عِنْدِنا قالُوا اقْتُلُوا أبْناءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ واسْتَحْيُوا نِساءَهم وما كَيْدُ الكافِرِينَ إلّا في ضَلالٍ﴾ ﴿وقالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أقْتُلْ مُوسى ولْيَدْعُ رَبَّهُ إنِّي أخافُ أنْ يُبَدِّلَ دِينَكم أوْ أنْ يُظْهِرَ في الأرْضِ الفَسادَ﴾ ﴿وقالَ مُوسى إنِّي عُذْتُ بِرَبِّي ورَبِّكم مِن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الحِسابِ﴾ ﴿وقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِن آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إيمانَهُ أتَقْتُلُونَ رَجُلًا أنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وقَدْ جاءَكم بِالبَيِّناتِ مِن رَبِّكم وإنْ يَكُ كاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وإنْ يَكُ صادِقًا يُصِبْكم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكم إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن هو مُسْرِفٌ كَذّابٌ﴾ ﴿يا قَوْم لَكُمُ المُلْكُ اليَوْمَ ظاهِرِينَ في الأرْضِ فَمَن يَنْصُرُنا مِن بَأْسِ اللَّهِ إنْ جاءَنا قالَ فِرْعَوْنُ ما أُرِيكم إلّا ما أرى وما أهْدِيكم إلّا سَبِيلَ الرَّشادِ﴾ .
ابْتَدَأ تَعالى قِصَّةَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَعَ فِرْعَوْنَ تَسْلِيَةً لِلرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ووَعِيدًا لِقُرَيْشٍ أنْ يَحِلَّ بِهِمْ ما حَلَّ بِفِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ مِن نِقْماتِ اللَّهِ، (p-٤٥٩)ووَعْدًا لِلْمُؤْمِنِينَ بِالظَّفَرِ والنَّصْرِ وحُسْنِ العاقِبَةِ. وآياتُ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - كَثِيرَةٌ، والَّذِي تَحَدّى بِهِ مِنَ المُعْجِزِ العَصا واليَدُ.
وقَرَأ عِيسى: (وسُلُطانٍ) بِضَمِّ اللّامِ، والسُّلْطانُ المُبِينُ: الحُجَّةُ والبُرْهانُ الواضِحُ. والظّاهِرُ أنَّ قارُونَ هو الَّذِي ذَكَرَهُ تَعالى في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ قارُونَ كانَ مِن قَوْمِ مُوسى﴾ [القصص: ٧٦]، وهو مِن بَنِي إسْرائِيلَ.
وقِيلَ: هو غَيْرُهُ، ونَصَّ عَلى هامانَ وقارُونَ لِمَكانَتِهِما في الكُفْرِ، ولِأنَّهُما أشْهَرُ أتْباعِ فِرْعَوْنَ.
﴿فَقالُوا ساحِرٌ كَذّابٌ﴾ أيْ: هَذا ساحِرٌ، لِما ظَهَرَ عَلى يَدَيْهِ مِن قَلْبِ العَصا حَيَّةً، وظُهُورِ النُّورِ السّاطِعِ عَلى يَدِهِ، كَذّابٌ لِكَوْنِهِ ادَّعى أنَّهُ رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ.
﴿فَلَمّا جاءَهم بِالحَقِّ مِن عِنْدِنا﴾ أيْ: بِالمُعْجِزاتِ والنُّبُوَّةِ والدُّعاءِ إلى الإيمانِ بِاللَّهِ، (قالُوا)، أيْ: أُولَئِكَ الثَّلاثَةُ، (اقْتُلُوا) . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْ: أعِيدُوا عَلَيْهِمُ القَتْلَ كالَّذِي كانَ أوَّلًا. انْتَهى.
يُرِيدُ أنَّ هَذا غَيْرُ القَتْلِ الأوَّلِ، وإنَّما أُمِرُوا بِقَتْلِ أبْناءِ المُؤْمِنِينَ لِئَلّا يَتَقَوّى بِهِمْ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وبِاسْتِحْياءِ النِّساءِ لِلِاسْتِخْدامِ والِاسْتِرْقاقِ، ولَمْ يَقَعْ ما أمَرُوا بِهِ ولا تَمَّ لَهم، ولا أعانَهُمُ اللَّهُ عَلَيْهِ.
﴿وما كَيْدُ الكافِرِينَ إلّا في ضَلالٍ﴾ أيْ: في حَيْرَةٍ وتَخَبُّطٍ، لَمْ يَقَعْ مِنهُ شَيْءٌ، ولا أنْجَحَ سَعْيَهَمْ، وكانُوا باشَرُوا القَتْلَ أوَّلًا، فَنَفَذَ قَضاءُ اللَّهِ في إظْهارِ مَن خافُوا هَلاكَهم عَلى يَدَيْهِ.
وقِيلَ: كانَ فِرْعَوْنُ قَدْ كَفَّ عَنْ قَتْلِ الأبْناءِ، فَلَمّا بُعِثَ مُوسى، وأحَسَّ أنَّهُ قَدْ وقَعَ ما كانَ يَحْذَرُهُ، أعادَ القَتْلَ عَلَيْهِمْ غَيْظًا وحِنْقًا وظَنًّا مِنهُ أنَّهُ يَصُدُّهم بِذَلِكَ عَنْ مُظاهَرَةِ مُوسى، وما عَلِمَ أنَّ كَيْدَهُ ضائِعٌ في الكَرَّتَيْنِ مَعًا.
﴿وقالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أقْتُلْ مُوسى ولْيَدْعُ رَبَّهُ﴾، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بَعْضُهُ مِن كَلامِ الحَسَنِ، كانَ إذا هَمَّ بِقَتْلِهِ كَفُّوهُ بِقَوْلِهِمْ: لَيْسَ بِالَّذِي تَخافُهُ، هو أقَلُّ مِن ذَلِكَ وأضْعَفُ، وما هو إلّا بَعْضُ السَّحَرَةِ، ومِثْلُهُ لا يُقاوِمُهُ إلّا ساحِرٌ مِثْلُهُ، ويَقُولُونَ: إنْ قَتَلْتَهُ أدْخَلْتَ الشُّبْهَةَ عَلى النّاسِ، واعْتَقَدُوا أنَّكَ عَجَزْتَ عَنْ مُظاهَرَتِهِ بِالحُجَّةِ.
والظّاهِرُ أنَّ فِرْعَوْنَ - لَعَنَهُ اللَّهُ - كانَ قَدِ اسْتَيْقَنَ أنَّهُ نَبِيٌّ، وأنَّ ما جاءَ بِهِ آياتٌ وما هو سِحْرٌ، ولَكِنَّ الرَّجُلَ كانَ فِيهِ خُبْثٌ وجَبَرُوتٌ، وكانَ قَتّالًا سَفّاكًا لِلدِّماءِ في أهْوَنِ شَيْءٍ، فَكَيْفَ لا يَقْتُلُ مَن أحَسَّ مِنهُ بِأنَّهُ هو الَّذِي يَثُلُّ عَرْشَهُ، ويَهْدِمُ مُلْكَهُ ؟ ولَكِنَّهُ يَخافُ إنْ هَمَّ بِقَتْلِهِ أنْ يُعاجَلَ بِالهَلاكِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ولْيَدْعُ رَبَّهُ﴾: شاهِدُ صِدْقٍ عَلى فَرْطِ خَوْفِهِ مِنهُ ومِن دَعْوَتِهِ رَبَّهُ، كانَ قَوْلُهُ: ﴿ذَرُونِي أقْتُلْ مُوسى﴾ تَمْوِيهًا عَلى قَوْمِهِ وإيهامًا أنَّهم هُمُ الَّذِينَ يَكُفُّونَهُ، وما كانَ يَكُفُّهُ إلّا ما في نَفْسِهِ مِن هَوْلِ الفَزَعِ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الظّاهِرُ مِن أمْرِ فِرْعَوْنَ أنَّهُ لَمّا بَهَرَتْ آياتُ مُوسى انْهَدَّ رُكْنُهُ واضْطَرَبَتْ مُعْتَقَداتُ أصْحابِهِ، ولَمْ يَفْقِدْ مِنهم مَن يُجاذِبُهُ الخِلافَ في أمْرِهِ، وذَلِكَ بَيِّنٌ مِن غَيْرِ ما مَوْضِعٍ في قِصَّتِهِما، وفي ذَلِكَ عَلى هَذا دَلِيلانِ: أحَدُهُما: قَوْلُهُ ﴿ذَرُونِي﴾، فَلَيْسَتْ هَذِهِ مِن ألْفاظِ الجَبابِرَةِ المُتَمَكِّنِينَ مِن إنْفاذِ أوامِرِهِمْ.
الدَّلِيلُ الثّانِي: في مَقالَةِ المُؤْمِنِ وما صَدَعَ بِهِ، وأنَّ مُكاشَفَتَهُ لِفِرْعَوْنَ خَيْرٌ مِن مُساتَرَتِهِ، وحُكْمَهُ بِنُبُوَّةِ مُوسى أظْهَرُ مِن تَقْرِيبِهِ في أمْرِهِ. وأمّا فِرْعَوْنُ، فَإنَّهُ نَحا إلى المَخْرَقَةِ والِاضْطِرابِ والتَّعاطِي، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ذَرُونِي أقْتُلْ مُوسى ولْيَدْعُ رَبَّهُ﴾ أيْ: إنِّي لا أُبالِي مِن رَبِّ مُوسى، ثُمَّ رَجَعَ إلى قَوْمِهِ يُرِيهِمُ النَّصِيحَةَ والخِيانَةَ لَهم، فَقالَ: ﴿إنِّي أخافُ أنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ﴾، والدِّينُ: السُّلْطانُ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ:
؎لَئِنْ حَلَلْتَ بِجَوٍّ في بَنِي أسَدٍ في دِينِ عَمْرٍو وحالَتْ بَيْنَنا فَدَكُ
انْتَهى.
وتَبْدِيلُ دِينِهِمْ هو تَغْيِيرُهُ، وكانُوا يَعْبُدُونَهُ ويَعْبُدُونَ الأصْنامَ، كَما قالَ: ﴿ويَذَرَكَ وآلِهَتَكَ﴾ [الأعراف: ١٢٧]، ﴿أوْ أنْ يُظْهِرَ في الأرْضِ الفَسادَ﴾ وذَلِكَ بِالتَّهارُجِ الَّذِي يَذْهَبُ مَعَهُ الأمْنُ، وتَتَعَطَّلُ المَزارِعُ والمَكاسِبُ، ويَهْلَكُ النّاسُ قَتْلًا وضَياعًا، فَأخافُ فَسادَ دِينِكم ودُنْياكم مَعًا.
وبَدَأ فِرْعَوْنُ بِخَوْفِهِ تَغْيِيرَ دِينِهِمْ عَلى تَغْيِيرِ دُنْياهم؛ لِأنَّ حُبَّهَمْ لِأدْيانِهِمْ فَوْقَ حُبِّهِمْ لِأمْوالِهِمْ.
وقِيلَ: ﴿ذَرُونِي﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهم كانُوا يَمْنَعُونَهُ مِن قَتْلِهِ، إمّا لِكَوْنِ بَعْضِهِمْ كانَ مُصَدِّقًا لَهُ فَيَتَحَيَّلُ في مَنعِ قَتْلِهِ، وإمّا لِما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ مِمّا ذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وإمّا لِشَغْلِ (p-٤٦٠)قَلْبِ فِرْعَوْنَ بِمُوسى حَتّى لا يَتَفَرَّغَ لَهم، ويَأْمَنُوا مِن شَرِّهِ؛ كَما يَفْعَلُونَ مَعَ المَلِكِ إذا خَرَجَ عَلَيْهِ خارِجِيٌّ شَغَلُوهُ بِهِ حَتّى يَأْمَنُوا مِن شَرِّهِ.
وقَرَأ الكُوفِيُّونَ: (أوْ أنْ)، بِتَرْدِيدِ الخَوْفِ بَيْنَ تَبْدِيلِ الدِّينِ أوْ ظُهُورِ الفَسادِ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ: (وأنْ) بِانْتِصابِ الخَوْفِ عَلَيْهِما مَعًا.
وقَرَأ أنَسُ بْنُ مالِكٍ، وابْنُ المُسَيَّبِ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وأبُو رَجاءٍ، والحَسَنُ، والجَحْدَرِيُّ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ: (يُظْهِرَ) مِن أظْهَرَ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، (الفَسادَ): نَصْبًا. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ، والأعْرَجُ، والأعْمَشُ، وابْنُ وثّابٍ، وعِيسى: (يَظْهَرُ) مِن ظَهَرَ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، (الفَسادُ): رَفْعًا.
وقَرَأ مُجاهِدٌ: (يَظَّهَّرُ) بِشَدِّ الظّاءِ والهاءِ، (الفَسادُ): رَفْعًا. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (يُظْهَرُ): بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الهاءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، (الفَسادُ): رَفْعًا.
ولَمّا سَمِعَ مُوسى بِمُقالَةِ فِرْعَوْنَ، اسْتَعاذَ بِاللَّهِ مِن شَرِّ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ مُنْكِرٍ لِلْمَعادِ. وقالَ: (ورَبِّكم): بَعْثًا عَلى الِاقْتِداءِ بِهِ، فَيَعُوذُونَ بِاللَّهِ ويَعْتَصِمُونَ بِهِ.
و﴿مِن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ﴾ يَشْمَلُ فِرْعَوْنَ وغَيْرَهُ مِنَ الجَبابِرَةِ؛ وكانَ ذَلِكَ عَلى طَرِيقِ التَّعْرِيضِ، وكانَ أبْلَغَ.
والتَّكَبُّرُ: تَعاظُمُ الإنْسانِ في نَفْسِهِ مَعَ حَقارَتِهِ؛ لِأنَّهُ يَفْعَلُ، و﴿لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الحِسابِ﴾، أيْ: بِالجَزاءِ، وكانَ ذَلِكَ آكَدَ في جَراءَتِهِ، إذْ حَصَلَ لَهُ التَّعاظُمُ في نَفْسِهِ، وعَدَمُ المُبالاةِ بِما ارْتَكَبَ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: (عُذْتُ) بِالإدْغامِ؛ وباقِي السَّبْعَةِ: بِالإظْهارِ.
﴿وقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِن آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إيمانَهُ﴾ قِيلَ: كانَ قِبْطِيًّا ابْنَ عَمِّ فِرْعَوْنَ، وكانَ يَجْرِي مَجْرى ولِيِّ العَهْدِ، ومَجْرى صاحِبِ الشُّرْطَةِ. وقِيلَ: كانَ قِبْطِيًّا لَيْسَ مِن قَرابَتِهِ. وقِيلَ: قِيلَ فِيهِ مِن آلِ فِرْعَوْنَ؛ لِأنَّهُ كانَ في الظّاهِرِ عَلى دِينِهِ ودِينِ أتْباعِهِ.
وقِيلَ: كانَ إسْرائِيلِيًّا ولَيْسَ مِن آلِ فِرْعَوْنَ، وجَعَلَ آلَ فِرْعَوْنَ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ: ﴿يَكْتُمُ إيمانَهُ﴾، لا في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِرَجُلٍ، كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ الظّاهِرُ، وهَذا فِيهِ بُعْدٌ، إذْ لَمْ يَكُنْ لِأحَدٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ أنْ يَتَجاسَرَ عِنْدَ فِرْعَوْنَ بِمِثْلِ ما تَكَلَّمَ بِهِ هَذا الرَّجُلُ.
وقَدْ رُدَّ قَوْلُ مَن عَلَّقَ مِن آلِ فِرْعَوْنَ بِيَكْتُمُ، فَإنَّهُ لا يُقالُ: كَتَمْتُ مِن فُلانٍ كَذا، إنَّما يُقالُ: كَتَمْتُ فُلانًا كَذا، قالَ تَعالى: ﴿ولا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٤٢]، وقالَ الشّاعِرُ:
؎كَتَمْتُكَ لَيْلًا بِالجَمُومِينَ ساهِرًا ∗∗∗ وهَمَّيْنِ هَمًّا مُسْتَكِنًّا وظاهِرا
؎أحادِيثَ نَفْسٍ تَشْتَكِي ما يُرِيبُها ∗∗∗ ووِرْدَ هُمُومٍ لَنْ يَجِدْنَ مَصادِرا
أيْ: كَتَمْتُكَ أحادِيثَ نَفْسٍ وهَمَّيْنِ. قِيلَ: واسْمُهُ سَمْعانُ. وقِيلَ: حَبِيبٌ. وقِيلَ: حِزْقِيلُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (رَجُلٌ) بِضَمِّ الجِيمِ. وقَرَأ عِيسى، وعَبْدُ الوارِثِ، وعُبَيْدُ بْنُ عُقَيْلٍ، وحَمْزَةُ بْنُ القاسِمِ عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِسُكُونٍ، وهي لُغَةُ تَمِيمٍ ونَجْدٍ.
﴿أتَقْتُلُونَ رَجُلًا أنْ يَقُولَ﴾ أيْ: لِأنْ يَقُولَ ﴿رَبِّيَ اللَّهُ﴾، وهَذا إنْكارٌ مِنهُ عَظِيمٌ وتَبْكِيتٌ لَهم، كَأنَّهُ قالَ: أتَرْتَكِبُونَ الفِعْلَةَ الشَّنْعاءَ الَّتِي هي قَتْلُ نَفْسٍ مُحَرَّمَةٍ وما لَكم عَلَيْهِ في ارْتِكابِها إلّا كَلِمَةُ الحَقِّ الَّتِي نَطَقَ بِها، وهي قَوْلُهُ: ﴿رَبِّيَ اللَّهُ﴾، مَعَ أنَّهُ ﴿قَدْ جاءَكم بِالبَيِّناتِ مِن رَبِّكُمْ﴾ أيْ: مِن عِنْدِ مَن نَسَبَ إلَيْهِ الرُّبُوبِيَّةَ، وهو رَبُّكم لا رَبُّهُ وحْدَهُ ؟ وهَذا اسْتِدْراجٌ إلى الِاعْتِرافِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولَكَ أنْ تُقَدِّرَ مُضافًا مَحْذُوفًا، أيْ: وقْتَ أنْ يَقُولَ، والمَعْنى: أتَقْتُلُونَهُ ساعَةَ سَمِعْتُمْ مِنهُ هَذا القَوْلَ مِن غَيْرِ رَوِيَّةٍ ولا فِكْرٍ في أمْرِهِ ؟ انْتَهى. وهَذا الَّذِي أجازَهُ مِن تَقْدِيرِ المُضافِ المَحْذُوفِ الَّذِي هو وقْتٌ لا يَجُوزُ، تَقُولُ: جِئْتُ صِياحَ الدِّيكِ، أيْ: وقْتَ صِياحِ الدِّيكِ، ولا أجِيءُ أنْ يَصِيحَ الدِّيكُ، نَصَّ عَلى ذَلِكَ النُّحاةُ، فَشَرْطُ ذَلِكَ أنْ يَكُونَ المَصْدَرُ مُصَرَّحًا بِهِ لا مُقَدَّرًا، وأنْ يَقُولَ لَيْسَ مَصْدَرًا مُصَرَّحًا بِهِ.
(بِالبَيِّناتِ): بِالدَّلائِلِ عَلى التَّوْحِيدِ، وهي الَّتِي ذَكَرَها في (طه، والشُّعَراءِ) حالَةَ مُحاوَرَتِهِ لَهُ في سُؤالِهِ عَنْ رَبِّهِ تَعالى.
ولَمّا صَرَّحَ بِالإنْكارِ عَلَيْهِمْ، غالَطَهم بَعْدُ في أنَّ قَسَّمَ أمْرَهُ إلى كَذِبٍ وصِدْقٍ، وأدّى ذَلِكَ في صُورَةِ (p-٤٦١)احْتِمالٍ ونَصِيحَةٍ، وبَدَأ في التَّقْسِيمِ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنْ يَكُ كاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ﴾، مُداراةً مِنهُ وسالِكًا طَرِيقَ الإنْصافِ في القَوْلِ، وخَوْفًا إذا أنْكَرَ عَلَيْهِمْ قَتْلَهُ أنَّهُ مِمَّنْ يُعاضِدُهُ ويُناصِرُهُ، فَأوْهَمَهم بِهَذا التَّقْسِيمِ والبَداءَةِ بِحالَةِ الكَذِبِ حَتّى يَسْلَمَ مِن شَرِّهِ، ويَكُونَ ذَلِكَ أدْنى لِتَسْلِيمِهِمْ. ومَعْنى ﴿فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ﴾ أيْ: لا يَتَخَطّاهُ ضَرَرُهُ.
﴿وإنْ يَكُ صادِقًا يُصِبْكم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾، وهو يَعْتَقِدُ أنَّهُ نَبِيٌّ صادِقٌ قَطْعًا، لَكِنَّهُ أتى بِلَفْظِ (بَعْضُ) لِإلْزامِ الحُجَّةِ بِأسْرِها في الأمْرِ، ولَيْسَ فِيهِ نَفْيُ أنْ يُصِيبَهم كُلُّ ما يَعِدُهم.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: يُصِبْكم بَعْضُ العَذابِ الَّذِي يَذْكُرُ، وذَلِكَ كانَ في هَلاكِهِمْ، ويَكُونُ المَعْنى: يُصِبْكُمُ القَسَمُ الواحِدُ مِمّا يَعِدُ بِهِ، وذَلِكَ هو بَعْضٌ مِمّا يَعِدُ؛ لِأنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وعَدَهم إنْ آمَنُوا بِالنِّعْمَةِ، وإنْ كَفَرُوا بِالنِّقْمَةِ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكم عَذابُ الدُّنْيا؛ لِأنَّهُ بَعْضُ عَذابِ الآخِرَةِ، ويَصِيرُونَ بَعْدَ ذَلِكَ إلى النّارِ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ: (بَعْضُ) بِمَعْنى كُلُّ، وأنْشَدُوا قَوْلَ عَمْرِو بْنِ شَسِيمٍ القَطامِيِّ:
؎قَدْ يُدْرِكُ المُتَأنِّي بَعْضَ حاجَتِهِ ∗∗∗ وقَدْ يَكُونُ مَعَ المُسْتَعْجَلِ الزَّلَلُ
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وذَلِكَ أنَّهُ حِينَ فَرَضَ صادِقًا، فَقَدْ أثْبَتَ أنَّهُ صادِقٌ في جَمِيعِ ما يَعِدُ، ولَكِنَّهُ أرْدَفَهُ ﴿يُصِبْكم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾، لِيَهْضِمَهُ بَعْضَ حَقِّهِ في ظاهِرِ الكَلامِ، فَيُرِيَهم أنَّهُ لَيْسَ بِكَلامِ مَن أعْطاهُ وافِيًا فَضْلًا أنْ يَتَعَصَّبَ لَهُ.
(فَإنْ قُلْتَ): وعَنْ أبِي عُبَيْدَةَ أنَّهُ قَسَّمَ البَعْضَ بِالكُلِّ، وأنْشَدَ بَيْتَ لَبِيدٍ وهو:
؎تَرّاكُ أمْكِنَةٍ إذا لَمْ أرْضَها ∗∗∗ ويُرِيكَ مِن بَعْضِ النُّفُوسِ حِمامُها
(قُلْتُ): إنْ صَحَّتِ الرِّوايَةُ عَنْهُ فَقَدْ حَقَّ في قَوْلِ المازِنِيِّ في مَسْألَةِ العافِيِ كانَ أحْفى مِن أنْ يَفْقَهَ ما أقُولُ لَهُ. انْتَهى، ويَعْنِي أنَّ أبا عُبَيْدَةَ خَطَّأهُ النّاسُ في اعْتِقادِهِ أنْ بَعْضًا يَكُونُ بِمَعْنى كُلٍّ، وأنْشَدُوا أيْضًا في كَوْنِ بَعْضٍ بِمَعْنى كُلٍّ قَوْلَ الشّاعِرِ:
؎إنَّ الأُمُورَ إذا الأحْداثُ دَبَّرَها ∗∗∗ دُونَ الشُّيُوخِ تَرى في بَعْضِها خَلَلا
أيْ: إذا رَأى الأحْداثَ، ولِذَلِكَ قالَ دَبَّرَها ولَمْ يَقُلْ دَبَّرُوها، راعى المُضافَ المَحْذُوفَ.
﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن هو مُسْرِفٌ كَذّابٌ﴾ فِيهِ: إشارَةٌ إلى عُلُوِّ شَأْنِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأنَّ مَنِ اصْطَفاهُ اللَّهُ لِلنُّبُوَّةِ لا يُمْكِنُ أنْ يَقَعَ مِنهُ إسْرافٌ ولا كَذِبٌ، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِفِرْعَوْنَ؛ إذْ هو غايَةُ الإسْرافِ عَلى نَفْسِهِ بِقَتْلِ أبْناءِ المُؤْمِنِينَ، وفي غايَةِ الكَذِبِ؛ إذِ ادَّعى الإلَهِيَّةَ والرُّبُوبِيَّةَ، ومَن هَذا شَأْنُهُ لا يَهْدِيهِ اللَّهُ.
وفِي الحَدِيثِ: ”«الصِّدِّيقُونَ ثَلاثَةٌ: حَبِيبٌ النَّجّارُ مُؤْمِنُ آلِ يس، ومُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ، وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ“ .
وفِي الحَدِيثِ: ”» أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - طافَ بِالبَيْتِ، فَحِينَ فَرَغَ أخَذَ بِمَجامِعِ رِدائِهِ، فَقالُوا لَهُ: أنْتَ الَّذِي تَنْهانا عَمّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا ؟ فَقالَ: أنا ذاكَ، فَقامَ أبُو بَكْرٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فالتَزَمَهُ مِن ورائِهِ، وقالَ: أتَقْتُلُونَ رَجُلًا أنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ، وقَدْ جاءَكم بِالبَيِّناتِ مِن رَبِّكم“، رافِعًا صَوْتَهُ بِذَلِكَ وعَيْناهُ تَسْفَحانِ بِالدُّمُوعِ حَتّى أرْسَلُوهُ.
وعَنْ جَعْفَرٍ الصّادِقِ: أنَّ مُؤْمِنَ آلِ فِرْعَوْنَ قالَ ذَلِكَ سِرًّا، وأبُو بَكْرٍ قالَهُ ظاهِرًا. وقالَ السُّدِّيُّ: (مُسْرِفٌ) بِالقَتْلِ. وقالَ قَتادَةُ: (مُسْرِفٌ) بِالكُفْرِ.
وقالَ صاحِبُ التَّحْرِيرِ والتَّحْبِيرِ: هَذا نَوْعٌ مِن أنْواعِ عِلْمِ البَيانِ تُسَمِّيهِ عُلَماؤُنا اسْتِدْراجَ المُخاطَبِ، وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا رَأى فِرْعَوْنَ قَدْ عَزَمَ عَلى قَتْلِ مُوسى، والقَوْمَ عَلى تَكْذِيبِهِ، أرادَ الِانْتِصارَ لَهُ بِطَرِيقٍ يُخْفِي عَلَيْهِمْ بِها أنَّهُ مُتَعَصِّبٌ لَهُ، وأنَّهُ مِن أتْباعِهِ، فَجاءَهم مِن طَرِيقِ النُّصْحِ والمُلاطَفَةِ فَقالَ: ﴿أتَقْتُلُونَ رَجُلًا أنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾، ولَمْ يَذْكُرِ اسْمَهُ، بَلْ قالَ رَجُلًا يُوهِمُ أنَّهُ لا يَعْرِفُهُ ولا يَتَعَصَّبُ لَهُ، ﴿أنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾، ولَمْ يَقُلْ رَجُلًا مُؤْمِنًا بِاللَّهِ، أوْ هو نَبِيُّ اللَّهِ؛ إذْ لَوْ قالَ شَيْئًا مِن ذَلِكَ لَعَلِمُوا أنَّهُ مُتَعَصِّبٌ. ولَمْ يَقْبَلُوا قَوْلَهُ، ثُمَّ أتْبَعَهُ بِما بَعْدَ ذَلِكَ، فَقَدَّمَ قَوْلَهُ: ﴿وإنْ يَكُ كاذِبًا﴾، مُوافَقَةً لِرَأْيِهِمْ فِيهِ. ثُمَّ تَلاهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنْ يَكُ صادِقًا﴾، ولَوْ قالَ: هو صادِقٌ وكَلُّ (p-٤٦٢)ما يَعِدُكم، لَعَلِمُوا أنَّهُ مُتَعَصِّبٌ، وأنَّهُ يَزْعُمُ أنَّهُ نَبِيٌّ، وأنَّهُ يُصَدِّقُهُ، فَإنَّ الأنْبِياءَ لا تُخِلُّ بِشَيْءٍ مِمّا يَقُولُونَهُ، ثُمَّ أتْبَعَهُ بِكَلامٍ يُفْهَمُ مِنهُ أنَّهُ لَيْسَ بِمُصَدِّقٍ، وهو قَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن هو مُسْرِفٌ كَذّابٌ﴾ . انْتَهى.
ثُمَّ قالَ: (يا قَوْمِ) نِداءٌ مُتَلَطِّفٌ في مَوْعِظَتِهِمْ.
﴿ياقَوْمِ لَكُمُ المُلْكُ اليَوْمَ ظاهِرِينَ﴾ أيْ: عالِمِينَ: (في الأرْضِ): في أرْضِ مِصْرَ، قَدْ غَلَبْتُمْ بَنِي إسْرائِيلَ فِيها، وقَهَرْتُمُوهم واسْتَعْبَدْتُمُوهم، وناداهم بِالمُلْكِ الَّذِي هو أعْظَمُ مَراتِبِ الدُّنْيا وأجَلُّها، وهو مِن جِهَةِ شَهَواتِهِمْ، وانْتَصَبَ (ظاهِرِينَ) عَلى الحالِ، والعامِلُ فِيها هو العامِلُ في الجارِّ والمَجْرُورِ، وذُو الحالِ هو ضَمِيرُ (لَكم) .
ثُمَّ حَذَّرَهم أنْ يُفْسِدُوا عَلى أنْفُسِهِمْ بِأنَّهُ إنْ جاءَهم بَأْسُ اللَّهِ لَمْ يَجِدُوا ناصِرًا لَهم ولا دافِعًا، وأدْرَجَ نَفْسَهُ في قَوْلِهِ: ﴿يَنْصُرُنا﴾، و(جاءَنا) لِأنَّهُ مِنهم في القَرابَةِ، ولِيُعْلِمَهم أنَّ الَّذِي يَنْصَحُهم بِهِ هو مُشارِكٌ لَهم فِيهِ.
وأقْوالُ هَذا المُؤْمِنِ تَدُلُّ عَلى زَوالِ هَيْبَةِ فِرْعَوْنَ مِن قَلْبِهِ، ولِذَلِكَ اسْتَكانَ فِرْعَوْنُ وقالَ: ﴿ما أُرِيكم إلّا ما أرى﴾ أيْ: ما أُشِيرُ عَلَيْكم إلّا بِقَتْلِهِ، ولا أسْتَصْوِبُ إلّا ذَلِكَ، وهَذا قَوْلُ مِن لا تَحَكُّمَ لَهُ، وأتى بِما وإلّا لِلْحَصْرِ والتَّأْكِيدِ.
﴿وما أهْدِيكم إلّا سَبِيلَ الرَّشادِ﴾، لا ما تَقُولُونَهُ مِن تَرْكِ قَتْلِهِ وقَدْ كَذَبَ، بَلْ كانَ خائِفًا وجِلًا، وقَدْ عَلِمَ أنَّ ما جاءَ بِهِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - حَقٌّ، ولَكِنَّهُ كانَ يَتَجَلَّدُ، ويُرِي ظاهِرَهُ خِلافَ ما أبْطَنَ.
وأوْرَدَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وابْنُ عَطِيَّةَ، وأبُو القاسِمِ الهُذَلِيُّ هُنا أنَّ مُعاذَ بْنَ جَبَلٍ قَرَأ (الرَّشّادِ) بِشَدِّ الشِّينِ.
قالَ أبُو الفَتْحِ: وهو اسْمُ فاعِلٍ في بِنْيَةِ مُبالَغَةٍ مِنَ الفِعْلِ الثُّلاثِيِّ رَشَدَ، فَهو كَعَبّادٍ مِن عَبَدَ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ مِن رَشِدَ، كَعَلّامٍ مِن عَلِمَ. وقالَ النَّحّاسُ: هو لَحْنٌ، وتَوَهَّمَهُ مِنَ الفِعْلِ الرُّباعِيِّ، ورُدَّ عَلَيْهِ أنَّهُ لا يَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ مِنَ الرُّباعِيِّ، بَلْ هو مِنَ الثُّلاثِيِّ، عَلى أنَّ بَعْضَهم قَدْ ذَهَبَ إلى أنَّهُ مِنَ الرُّباعِيِّ، فَبَنى فَعّالَ مِن أفْعَلَ، كَدَرّاكِ مِن أدْرَكَ، وسَآرٍ مِن أسْأرَ، وجَبّارٍ مِن أجْبَرَ، وقَصّارٍ مِن أقْصَرَ، ولَكِنَّهُ لَيْسَ بِقِياسٍ، فَلا يُحْمَلُ عَلَيْهِ ما وُجِدَتْ عَنْهُ مَندُوحَةٌ، وفَعّالٌ مِنَ الثُّلاثِيِّ مَقِيسٌ فَحُمِلَ عَلَيْهِ.
وقالَ أبُو حاتِمٍ: كانَ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ يُفَسِّرُها بِسَبِيلِ اللَّهِ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَبْعُدُ عِنْدِي عَلى مُعاذٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - .
وهَلْ كانَ فِرْعَوْنُ إلّا يَدَّعِي أنَّهُ إلَهٌ ؟ وتَعَلَّقَ بِناءُ اللَّفْظِ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ. انْتَهى.
وإيرادُ الخِلافِ في هَذا الحَرْفِ الَّذِي هو مِن قَوْلِ فِرْعَوْنَ خَطَأٌ، وتَرْكِيبُ قَوْلُ مُعاذٍ عَلَيْهِ خَطَأٌ، والصَّوابُ أنَّ الخِلافَ فِيهِ هو قَوْلُ المُؤْمِنِ: ﴿اتَّبِعُونِ أهْدِكم سَبِيلَ الرَّشادِ﴾ [غافر: ٣٨] . قالَ أبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ في (كِتابِ اللَّوامِحِ) لَهُ مِن شَواذِّ القِراءاتِ ما نَصَّهُ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ ﴿سَبِيلَ الرَّشادِ﴾ [غافر: ٣٨] الحَرْفُ الثّانِي بِالتَّشْدِيدِ، وكَذَلِكَ الحَسَنُ، وهو سَبِيلُ اللَّهِ تَعالى الَّذِي أوْضَحَ الشَّرائِعَ، كَذَلِكَ فَسَّرَهُ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ، وهو مَنقُولٌ مِن مُرْشِدٍ، كَدَرّاكٍ مِن مُدْرِكٍ، وجَبّارٍ مِنَ مُجْبِرٍ، وقَصّارٍ مِن مُقْصِرٍ عَنِ الأمْرِ، ولَها نَظائِرُ مَعْدُودَةٌ، فَأمّا قَصّارٌ فَهو مِن قَصَرَ مِنَ الثَّوْبِ قِصارَةً. وقالَ ابْنُ خالَوَيْهِ، بَعْدَ أنْ ذَكَرَ الخِلافَ في التَّنادِ وفي صَدٍّ عَنِ السَّبِيلِ ما نَصُّهُ (سَبِيلُ الرَّشّادِ بِتَشْدِيدِ الشِّينِ) مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ. قالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: يَعْنِي بِالرَّشّادِ اللَّهَ تَعالى. انْتَهى.
فَهَذا لَمْ يَذْكُرِ الخِلافَ إلّا في قَوْلِ المُؤْمِنِ: ﴿أهْدِكم سَبِيلَ الرَّشادِ﴾ [غافر: ٣٨]، فَذِكْرُ الخِلافِ فِيهِ في قَوْلِ فِرْعَوْنَ خَطَأٌ، ولَمْ يُفَسِّرْ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ (الرَّشّادَ) أنَّهُ اللَّهُ تَعالى إلّا في قَوْلِ المُؤْمِنِ، لا في قَوْلِ فِرْعَوْنَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ذَلِكَ التَّأْوِيلُ مِن قَوْلِ فِرْعَوْنَ.
غافر 40:32
﴿وقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ إنِّي أخافُ عَلَيْكم مِثْلَ يَوْمِ الأحْزابِ﴾ [غافر: ٣٠] ﴿مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ والَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ وما اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبادِ﴾ [غافر: ٣١] ﴿ويا قَوْمِ إنِّي أخافُ عَلَيْكم يَوْمَ التَّنادِ﴾ ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ ما لَكم مِنَ اللَّهِ مِن عاصِمٍ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ ﴿ولَقَدْ جاءَكم يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالبَيِّناتِ فَما زِلْتُمْ في شَكٍّ مِمّا جاءَكم بِهِ حَتّى إذا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن هو مُسْرِفٌ مُرْتابٌ﴾ ﴿الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أتاهم كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبّارٍ﴾ ﴿وقالَ فِرْعَوْنُ يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أبْلُغُ الأسْبابَ﴾ ﴿أسْبابَ السَّماواتِ فَأطَّلِعَ إلى إلَهِ مُوسى وإنِّي لَأظُنُّهُ كاذِبًا وكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وما كَيْدُ فِرْعَوْنَ إلّا في تَبابٍ﴾ ﴿وقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أهْدِكم سَبِيلَ الرَّشادِ﴾ ﴿يا قَوْمِ إنَّما هَذِهِ الحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ وإنَّ الآخِرَةَ هي دارُ القَرارِ﴾ ﴿مَن عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزى إلّا مِثْلَها ومَن عَمِلَ صالِحًا مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ .
(p-٤٤٥)الجُمْهُورُ: عَلى أنَّ هَذا المُؤْمِنَ هو الرَّجُلُ القائِلُ: ( ﴿أتَقْتُلُونَ رَجُلًا﴾ [غافر: ٢٨]، قَصَّ اللَّهُ أقاوِيلَهُ إلى آخَرِ الآياتِ.
لَمّا رَأى ما لَحِقَ فِرْعَوْنَ مِنَ الخَوَرِ والخَوْفِ، أتى بِنَوْعٍ آخَرَ مِنَ التَّهْدِيدِ، وخَوَّفَهم أنْ يُصِيبَهم ما أصابَ الأُمَمَ السّابِقَةَ مِنَ اسْتِئْصالِ الهَلاكِ حِينَ كَذَّبُوا رُسُلَهم، وقَوِيَتْ نَفْسُهُ حَتّى سَرَدَ عَلَيْهِ ما سَرَدَ، ولَمْ يَهَبْ فِرْعَوْنَ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ كَلامُ ذَلِكَ المُؤْمِنِ قَدْ تَمَّ، وإنَّما أرادَ تَعالى بِالَّذِي آمَنَ بِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - واحْتَجُّوا بِقُوَّةِ كَلامِهِ، وأنَّهُ جَنَحَ مَعَهم بِالإيمانِ، وذَكَرَ عَذابَ الآخِرَةِ وغَيْرَ ذَلِكَ، ولَمْ يَكُنْ كَلامُ الأوَّلِ إلّا عَلانِيَةً لَهم، وأفْرَدَ اليَوْمَ، إمّا لِأنَّ المَعْنى مِثْلُ أيّامِ الأحْزابِ، أوْ أرادَ بِهِ الجَمْعَ، أيْ: مِثْلَ أيّامِ الأحْزابِ؛ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ أنَّ كُلَّ حِزْبٍ كانَ لَهُ يَوْمٌ. والأحْزابُ: الَّذِينَ تَحَزَّبُوا عَلى أنْبِياءِ اللَّهِ.
و﴿مِثْلَ دَأْبِ﴾ [غافر: ٣١]، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: بَدَلٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَطْفُ بَيانٍ.
وقالَ الزَّجّاجُ: مِثْلَ يَوْمِ حِزْبٍ، و(دَأبِ) عادَتُهم ودَيْدَنُهم في الكُفْرِ والمَعاصِي.
﴿وما اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبادِ﴾ [غافر: ٣١]، أيْ: إنَّ إهْلاكَهُ إيّاهم كانَ عَدْلًا مِنهُ، وفِيهِ مُبالَغَةٌ في نَفْيِ الظُّلْمِ، حَيْثُ عَلَّقَهُ بِالإرادَةِ. فَإذا نَفاهُ عَنِ الإرادَةِ، كانَ نَفْيُهُ عَنِ الوُقُوعِ أوْلى وأحْرى.
ولَمّا خَوَّفَهم أنْ يَحِلَّ بِهِمْ في الدُّنْيا ما حَلَّ بِالأحْزابِ، خَوَّفَهم أمْرَ الآخِرَةِ فَقالَ، تَعَطُّفًا لَهم بِنِدائِهِمْ: ﴿ويا قَوْمِ إنِّي أخافُ عَلَيْكم يَوْمَ التَّنادِ﴾ وهو يَوْمُ الحَشْرِ. والتَّنادِي مَصْدَرُ تَنادى القَوْمُ أيْ: نادى بَعْضُهم بَعْضًا. قالَ الشّاعِرُ:(p-٤٦٤)
؎تَنادَوْا فَقالُوا أرَدْتَ الخَيْلَ فارِسًا فَقُلْتُ أعَبُدُ اللَّهَ ذَلِكُمُ الرَّدِي
وسُمِّيَ يَوْمَ التَّنادِي، إمّا لِنِداءِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ بِالوَيْلِ والثُّبُورِ، وإمّا لِتَنادِي أهْلِ الجَنَّةِ وأهْلِ النّارِ عَلى ما ذُكِرَ في سُورَةِ الأعْرافِ، وإمّا لِأنَّ الخَلْقَ يُنادَوْنَ إلى المَحْشَرِ، وإمّا لِنِداءِ المُؤْمِنِ: ﴿هاؤُمُ اقْرَءُوا كِتابِيَهْ﴾ [الحاقة: ١٩]، والكافِرِ: ﴿يالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٥] . وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: التَّنادْ، بِسُكُونِ الدّالِ في الوَصْلِ أجْراهُ مَجْرى الوَقْفِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والضِّحاكُ، وأبُو صالِحٍ، والكَلْبِيُّ، والزَّعْفَرانِيُّ، وابْنُ مِقْسَمٍ: التَّنادِّ، بِتَشْدِيدِ الدّالِ: مِن نَدَّ البَعِيرُ إذا هَرَبَ. كَما قالَ: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ مِن أخِيهِ﴾ [عبس: ٣٤] الآيَةَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وغَيْرُهُ: في ﴿التَّنادِ﴾ خَفِيفَةُ الدّالِ هو التَّنادِي، أيْ: يَكُونُ بَيْنَ النّاسِ عِنْدَ النَّفْخِ في الصُّوَرِ، ونَفْخَةِ الفَزَعِ في الدُّنْيا، وأنَّهم يَفِرُّونَ عَلى وُجُوهِهِمْ لِلْفَزَعِ الَّتِي نالَهم، ويُنادِي بَعْضُهم بَعْضًا.
ورُوِيَ هَذا التَّأْوِيلُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ التَّذَكُّرُ بِكُلِّ نِداءٍ في القِيامَةِ فِيهِ مَشَقَّةٌ عَلى الكُفّارِ والعُصاةِ. انْتَهى.
قالَ أُمَيَّةُ بْنُ أبِي الصَّلْتِ:
؎وبَثَّ الخَلْقَ فِيها إذْ دَحاها ∗∗∗ فَهم سُكّانُها حَتّى التَّنادِي
وفِي الحَدِيثِ: «إنَّ لِلنّاسِ جَوْلَةً يَوْمَ القِيامَةِ يَنِدُّونَ»، يَظُنُّونَ أنَّهم يَجِدُونَ مَهْرَبًا؛ ثُمَّ تَلا: ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾ .
قالَ مُجاهِدٌ: مَعْناهُ فارِّينَ. وقالَ السُّدِّيُّ: ﴿ما لَكم مِنَ اللَّهِ مِن عاصِمٍ﴾ في فِرارِكم حَتّى تُعَذَّبُوا في النّارِ.
وقالَ قَتادَةُ: ما لَكم في الِانْطِلاقِ إلَيْها مِن عاصِمٍ، أيْ: مانِعٍ، يَمْنَعُكم مِنها، أوْ ناصِرٍ.
ولَمّا يَئِسَ المُؤْمِنُ مِن قَبُولِها قالَ: ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ .
ثُمَّ أخَذَ يُوَبِّخُهم عَلى تَكْذِيبِ الرُّسُلِ، بِأنَّ يُوسُفَ قَدْ جاءَهم بِالبَيِّناتِ. والظّاهِرُ أنَّهُ يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ، وفِرْعَوْنُ هو فِرْعَوْنُ مُوسى، ورَوى أشْهَبُ عَنْ مالِكٍ أنَّهُ بَلَغَهُ أنَّ فِرْعَوْنَ عَمَّرَ أرْبَعَمِائَةِ سَنَةٍ وأرْبَعِينَ سَنَةً.
وقِيلَ: بَلِ الجائِي إلَيْهِمْ هو يُوسُفُ بْنُ إبْراهِيمَ بْنِ يُوسُفَ بْنِ يَعْقُوبَ، وأنَّ فِرْعَوْنَ هو فِرْعَوْنُ، غَيْرُ فِرْعَوْنَ مُوسى.
و﴿بِالبَيِّناتِ﴾: بِالمُعْجِزاتِ. فَلَمْ يَزالُوا شاكِّينَ في رِسالَتِهِ كافِرِينَ، حَتّى إذا تُوُفِّيَ، ﴿قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولًا﴾ ) . ولَيْسَ هَذا تَصْدِيقًا لِرِسالَتِهِ، وكَيْفَ وما زالُوا في شَكٍّ مِنهُ، وإنَّما المَعْنى: لا رَسُولَ مِن عِنْدِ اللَّهِ فَيَبْعَثَهُ إلى الخَلْقِ، فَفِيهِ نَفْيُ الرَّسُولِ، ونَفْيُ بَعْثَتِهِ.
وقُرِئَ: (ألَنْ يَبْعَثَ)، بِإدْخالِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ عَلى حَرْفِ النَّفْيِ، كَأنَّ بَعْضَهم يُقَرِّرُ بَعْضًا عَلى نَفْيِ البَعْثَةِ.
(كَذَلِكَ) أيْ: مِثْلُ إضْلالِ اللَّهِ إيّاكم، أيْ: حِينَ لَمْ تَقْبَلُوا مِن يُوسُفَ، ﴿يُضِلُّ اللَّهُ مَن هو مُسْرِفٌ مُرْتابٌ﴾: يَعْنِيهِمْ؛ إذْ هُمُ المُسْرِفُونَ المُرْتابُونَ في رِسالاتِ الأنْبِياءِ.
وجَوَّزُوا في ﴿الَّذِينَ يُجادِلُونَ﴾ أنْ تَكُونَ صِفَةً لِـ (مَن)، وبَدَلًا مِنهُ: أيْ مَعْناهُ جَمْعٌ ومُبْتَدَأٌ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: جِدالُ الَّذِينَ يُجادِلُونَ، حَتّى يَكُونَ الضَّمِيرُ في ﴿كَبُرَ﴾ عائِدًا عَلى ذَلِكَ أوَّلًا، أوْ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، والفاعِلُ بِـ ﴿كَبُرَ﴾ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى الجَدَلِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ: ﴿يُجادِلُونَ﴾، أوْ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى (مَن) عَلى لَفْظِها، عَلى أنْ يَكُونَ (الَّذِينَ) صِفَةً، أوْ بَدَلًا أُعِيدَ أوَّلًا عَلى لَفْظِ (مَن) في قَوْلِهِ: ﴿هُوَ مُسْرِفٌ كَذّابٌ﴾ [غافر: ٢٨] . ثُمَّ جَمَعَ الَّذِينَ عَلى مَعْنى (مَن)، ثُمَّ أفْرَدَ في قَوْلِهِ: ﴿كَبُرَ﴾ عَلى لَفْظِ (مَن) .
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ﴿الَّذِينَ يُجادِلُونَ﴾ مُبْتَدَأً و﴿بِغَيْرِ سُلْطانٍ أتاهُمْ﴾ خَبَرًا، وفاعِلُ ﴿كَبُرَ﴾ قَوْلُهُ: (كَذَلِكَ)، أيْ: ﴿كَبُرَ مَقْتًا﴾ مِثْلَ ذَلِكَ الجِدالِ، و﴿يَطْبَعُ اللَّهُ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ، ومَن قالَ: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ﴾ جِدالُهم، فَقَدْ حَذَفَ الفاعِلَ، والفاعِلُ لا يَصِحُّ حَذْفُهُ. انْتَهى، وهَذا الَّذِي أجازَهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِثْلُهُ في كَلامٍ فَصِيحٍ، (p-٤٦٥)فَكَيْفَ في كَلامِ اللَّهِ ؟ لِأنَّ فِيهِ تَفْكِيكَ الكَلامِ بَعْضِهِ مِن بَعْضٍ، وارْتِكابُ مَذْهَبِ الصَّحِيحِ خِلافُهُ.
أمّا تَفْكِيكُ الكَلامِ، فالظّاهِرُ أنَّ ﴿بِغَيْرِ سُلْطانٍ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ ﴿يُجادِلُونَ﴾، ولا يُتَعَقَّلُ جَعْلُهُ خَبَرًا لِلَّذِينِ؛ لِأنَّهُ جارٌّ ومَجْرُورٌ، فَيَصِيرُ التَّقْدِيرُ: ﴿الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ﴾: كائِنُونُ، أوْ مُسْتَقِرُّونَ، ﴿بِغَيْرِ سُلْطانٍ﴾، أيْ: في غَيْرِ سُلْطانٍ؛ لِأنَّ الباءَ إذا ذاكَ ظَرْفِيَّةٌ خَبَرٌ عَنِ الجُثَّةِ، وكَذَلِكَ في قَوْلِهِ يَطْبَعُ أنَّهُ مُسْتَأْنَفٌ فِيهِ تَفْكِيكُ الكَلامِ؛ لِأنَّ ما جاءَ في القُرْآنِ مِن ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ﴾، أوْ نَطْبَعُ، إنَّما جاءَ مَرْبُوطًا بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، فَكَذَلِكَ هُنا. وأمّا ارْتِكابُ مَذْهَبِ الصَّحِيحِ خِلافُهُ، فَجَعَلَ الكافَ اسْمًا فاعِلًا بِـ ﴿كَبُرَ﴾، وذَلِكَ لا يَجُوزُ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ إلّا الأخْفَشَ، ولَمْ يَثْبُتْ في كَلامِ العَرَبِ، أعْنِي نَثْرَها: جاءَنِي كَزَيْدٍ، تُرِيدُ: مِثْلَ زَيْدٍ، فَلَمْ تَثْبُتِ اسْمِيَّتُها، فَتَكُونُ فاعِلَةً.
وأمّا قَوْلُهُ: ومَن قالَ إلى آخِرِهِ، فَإنَّ قائِلَ ذَلِكَ وهو الحَوْفِيُّ، والظَّنُّ بِهِ أنَّهُ فَسَّرَ المَعْنى ولَمْ يُرِدِ الإعْرابَ. وأمّا تَفْسِيرُ الإعْرابِ أنَّ الفاعِلَ بِـ ﴿كَبُرَ﴾ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى الجِدالِ المَفْهُومِ مِن ﴿يُجادِلُونَ﴾، كَما قالُوا: مَن كَذَبَ كانَ شَرًّا لَهُ، أيْ: كانَ هو، أيِ: الكَذِبُ المَفْهُومُ مِن كَذَبَ. والأوْلى في إعْرابِ هَذا الكَلامِ أنْ يَكُونَ ﴿الَّذِينَ﴾ مُبْتَدَأً وخَبَرُهُ ﴿كَبُرَ﴾، والفاعِلُ ضَمِيرُ المَصْدَرِ المَفْهُومِ مِن ﴿يُجادِلُونَ﴾، وهَذِهِ الصِّفَةُ مَوْجُودَةٌ في فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ، ويَكُونُ الواعِظُ لَهم قَدْ عَدَلَ عَنْ مُخاطَبَتِهِمْ إلى الِاسْمِ الغائِبِ، لِحُسْنِ مُحاوَرَتِهِ لَهم واسْتِجْلابِ قُلُوبِهِمْ، وإبْرازِ ذَلِكَ في صُورَةِ تَذْكِيرِهِمْ، ولا يُفَجِئُهم بِالخِطابِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿كَبُرَ مَقْتًا﴾ ضَرْبٌ مِنَ التَّعَجُّبِ والِاسْتِعْظامِ لِجِدالِهِمْ والشَّهادَةِ عَلى خُرُوجِهِ عَنْ حَدِّ إشْكالِهِ مِنَ الكَبائِرِ.
(كَذَلِكَ) أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ الطَّبْعِ عَلى قُلُوبِ المُجادِلِينَ، ﴿يَطْبَعُ اللَّهُ﴾ أيْ: يَخْتِمُ بِالضَّلالَةِ ويَحْجُبُ عَنِ الهُدى. وقَرَأ أبُو عَمْرِو بْنُ ذَكْوانَ، والأعْرَجُ، بِخِلافٍ عَنْهُ: (قَلْبٍ) بِالتَّنْوِينِ، وصَفَ القَلْبَ بِالتَّكَبُّرِ والجَبَرُوتِ، لِكَوْنِهِ مَرْكَزَهُما ومَنبَعَهُما، كَما يَقُولُونَ: رَأتِ العَيْنُ، وكَما قالَ: ﴿فَإنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، والإثْمُ: الجُمْلَةُ، وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ عَلى حَذْفِ المُضافِ، أيْ: عَلى كُلِّ ذِي قَلْبٍ مُتَكَبِّرٍ، بِجَعْلِ الصِّفَةِ لِصاحِبِ القَلْبِ. انْتَهى، ولا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلى اعْتِقادِ الحَذْفِ.
وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ: ﴿قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ﴾ بِالإضافَةِ، والمُضافُ فِيهِ العامُّ عامٌّ، فَلَزِمَ عُمُومُ مُتَكَبِّرٍ جَبّارٍ. وقالَ مُقاتِلٌ: المُتَكَبِّرُ: المُعانِدُ في تَعْظِيمِ أمْرِ اللَّهِ، والجَبّارُ: المُسَلَّطُ عَلى خَلْقِ اللَّهِ.
﴿وقالَ فِرْعَوْنُ يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحًا﴾، أقْوالُ فِرْعَوْنَ: ذَرُونِي أقْتُلُ مُوسى، ما أُرِيكم إلّا ما أرى، يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحًا، حَيْدَةٌ عَنْ مُحاجَّةِ مُوسى، ورُجُوعٌ إلى أشْياءَ لا تَصِحُّ، وذَلِكَ كُلُّهُ لِما خامَرَهُ مِنَ الجَزَعِ والخَوْفِ وعَدَمِ المُقاوَمَةِ، والتَّعَرُّفِ أنَّ هَلاكَهُ وهَلاكَ قَوْمِهِ عَلى يَدِ مُوسى، وأنَّ قُدْرَتَهُ عَجَزَتْ عَنِ التَّأْثِيرِ في مُوسى، هَذا عَلى كَثْرَةِ سَفْكِهِ الدِّماءَ.
وتَقَدَّمَ الكَلامُ في الصَّرْحِ في سُورَةِ القَصَصِ فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ.
قالَ السُّدِّيُّ: الأسْبابُ: الطُّرُقُ. وقالَ قَتادَةُ: الأبْوابُ؛ وقِيلَ: عَنى لَعَلَّهُ يَجِدُ مَعَ قُرْبِهِ مِنَ السَّماءِ سَبَبًا يَتَعَلَّقُ بِهِ، وما أدّاكَ إلى شَيْءٍ فَهو سَبَبٌ، وأبْهَمَ أوَّلًا الأسْبابَ، ثُمَّ أبْدَلَ مِنها ما أوْضَحَها. والإيضاحُ بَعْدَ الإبْهامِ يُفِيدُ تَفْخِيمَ الشَّيْءِ، إذْ في الإبْهامِ تَشَوُّقٌ لِلْمُرادِ، وتَعَجُّبٌ مِنَ المَقْصُودِ، ثُمَّ بِالتَّوْضِيحِ يَحْصُلُ المَقْصُودُ ويَتَعَيَّنُ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فَأطَّلِعُ﴾ رَفْعًا، عَطْفًا عَلى ﴿أبْلُغُ﴾ فَكِلاهُما مُتَرَجًّى. وقَرَأ الأعْرَجُ، وأبُو حَيْوَةَ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، والزَّعْفَرانِيُّ، وابْنُ مِقْسَمٍ، وحَفْصٌ: ﴿فَأطَّلِعَ﴾، بِنَصْبِ العَيْنِ. وقالَ أبُو القاسِمِ بْنُ جِبارَةَ، وابْنُ عَطِيَّةَ: عَلى جَوابِ التَّمَنِّي. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَلى جَوابِ التَّرَجِّي، تَشْبِيهًا لِلتَّرَجِّي بِالتَّمَنِّي. انْتَهى.
وقَدْ فَرَّقَ النُّحاةُ بَيْنَ التَّمَنِّي والتَّرَجِّي، فَذَكَرُوا أنَّ التَّمَنِّيَ يَكُونُ في المُمْكِنِ والمُمْتَنِعِ، والتَّرَجِّيَ يَكُونُ في المُمْكِنِ.
وبُلُوغُ أسْبابِ السَّماواتِ غَيْرُ مُمْكِنٍ، لَكِنَّ فِرْعَوْنَ أبْرَزَ ما لا يُمْكِنُ في صُورَةِ المُمْكِنِ تَمْوِيهًا عَلى سامِعِيهِ.
وأمّا النَّصْبُ بَعْدَ الفاءِ في جَوابِ التَّرَجِّي فَشَيْءٌ أجازَهُ الكُوفِيُّونَ ومَنَعَهُ البَصْرِيُّونَ، واحْتَجَّ (p-٤٦٦)الكُوفِيُّونَ بِهَذِهِ القِراءَةِ وبِقِراءَةِ عاصِمٍ، ﴿فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى﴾ [عبس: ٤] في سُورَةِ عَبَسَ، إذْ هو جَوابُ التَّرَجِّي في قَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّهُ يَزَّكّى﴾ [عبس: ٣] ﴿أوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى﴾ [عبس: ٤] . وقَدْ تَأوَّلْنا ذَلِكَ عَلى أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى التَّوَهُّمِ؛ لِأنَّ خَبَرَ لَعَلَّ كَثِيرًا جاءَ مَقْرُونًا بِأنْ في النَّظْمِ كَثِيرًا، وفي النَّثْرِ قَلِيلًا.
فَمَن نَصَبَ تَوَهَّمَ أنَّ الفِعْلَ المَرْفُوعَ الواقِعَ خَبَرًا كانَ مَنصُوبًا بِأنْ، والعَطْفُ عَلى التَّوَهُّمِ كَثِيرٌ، وإنْ كانَ لا يَنْقاسُ، لَكِنْ إنْ وقَعَ شَيْءٌ وأمْكَنَ تَخْرِيجُهُ عَلَيْهِ خَرَجَ، وأمّا هُنا، ﴿فَأطَّلِعَ﴾ فَقَدْ جَعَلَهُ بَعْضُهم جَوابًا لِلْأمْرِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿ابْنِ لِي صَرْحًا﴾، كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎يا ناقُ سِيرِي عُنُقًا فَسِيحًا ∗∗∗ إلى سُلَيْمانَ فَنَسْتَرِيحا
ولَمّا قالَ: ﴿فَأطَّلِعَ إلى إلَهِ مُوسى﴾، كانَ ذَلِكَ إقْرارًا بِإلَهِ مُوسى، فاسْتَدْرَكَ هَذا الإقْرارَ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنِّي لَأظُنُّهُ﴾ أيْ: في ادِّعاءِ الإلَهِيَّةِ، كَما قالَ في القَصَصِ: ﴿لَعَلِّي أطَّلِعُ إلى إلَهِ مُوسى وإنِّي لَأظُنُّهُ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ [القصص: ٣٨] .
﴿وكَذَلِكَ﴾ أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ التَّزْيِينِ في إيهامِ فِرْعَوْنَ أنَّهُ يَطَّلِعُ إلى إلَهِ مُوسى.
﴿زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ﴾ . وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ﴾ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ؛ وقُرِئَ: (زَيَّنَ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿وصُدَّ﴾ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ أيْ: وصَدَّ فِرْعَوْنُ؛ والكُوفِيُّونَ: بِضَمِّ الصّادِ مُناسِبًا لِـ ﴿زُيِّنَ﴾ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ؛ وابْنُ وثّابٍ: بِكَسْرِ الصّادِ، أصْلُهُ صَدُدَ، نَقُلَتِ الحَرَكَةُ إلى الصّادِ بَعْدَ تَوَهُّمِ حَذْفِها؛ وابْنُ إسْحاقَ، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي بَكْرَةَ، بِفَتْحِ الصّادِ وضَمِّ الدّالِ، مُنَوَّنَةً عَطْفًا عَلى ﴿سُوءُ عَمَلِهِ﴾ . والتِّبابُ: الخُسْرانُ، خَسِرَ مُلْكَهُ في الدُّنْيا فِيها بِالغَرَقِ، وفي الآخِرَةِ بِخُلُودِ النّارِ، وتَكَرَّرَ وعْظُ المُؤْمِنِ إثْرَ كَلامِ فِرْعَوْنَ بِنِدائِهِ قَوْمَهُ مَرَّتَيْنِ، مُتْبِعًا كُلَّ نِداءٍ بِما فِيهِ زَجْرٌ واتِّعاظٌ لَوْ وُجِدَ مَن يَقْبَلُ، وأمَرَ هُنا بِاتِّباعِهِ؛ لِأنْ يَهْدِيَهم سَبِيلَ الرَّشادِ.
وقَرَأ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ: بِشَدِّ الشِّينِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ذَلِكَ. والرَّدُّ عَلى مَن جَعَلَ هَذِهِ القِراءَةَ في كَلامِ فِرْعَوْنَ، وأجْمَلَ أوَّلًا في قَوْلِهِ: ﴿سَبِيلَ الرَّشادِ﴾، وهو سَبِيلُ الإيمانِ بِاللَّهِ واتِّباعِ شَرْعِهِ.
ثُمَّ فَسَّرَ، فافْتَتَحَ بِذَمِّ الدُّنْيا وبِصِغَرِ شَأْنِها، وأنَّها مَتاعٌ زائِلٌ، هي ومَن تَمَتَّعَ بِها، وأنَّ الآخِرَةَ هي دارُ القَرارِ الَّتِي لا انْفِكاكَ مِنها، إمّا إلى جَنَّةٍ، وإمّا إلى نارٍ.
وكَذَلِكَ قالَ: ﴿مَن عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزى إلّا مِثْلَها﴾ . وقَرَأ أبُو رَجاءٍ، وشَيْبَةُ، والأعْمَشُ، والأخَوانِ، والصّاحِبانِ، وحَفْصٌ: ﴿يَدْخُلُونَ﴾ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وباقِي السَّبْعَةِ، والأعْرَجُ، والحَسَنُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وعِيسى: مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ.
غافر 40:33
﴿وقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ إنِّي أخافُ عَلَيْكم مِثْلَ يَوْمِ الأحْزابِ﴾ [غافر: ٣٠] ﴿مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ والَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ وما اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبادِ﴾ [غافر: ٣١] ﴿ويا قَوْمِ إنِّي أخافُ عَلَيْكم يَوْمَ التَّنادِ﴾ ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ ما لَكم مِنَ اللَّهِ مِن عاصِمٍ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ ﴿ولَقَدْ جاءَكم يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالبَيِّناتِ فَما زِلْتُمْ في شَكٍّ مِمّا جاءَكم بِهِ حَتّى إذا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن هو مُسْرِفٌ مُرْتابٌ﴾ ﴿الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أتاهم كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبّارٍ﴾ ﴿وقالَ فِرْعَوْنُ يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أبْلُغُ الأسْبابَ﴾ ﴿أسْبابَ السَّماواتِ فَأطَّلِعَ إلى إلَهِ مُوسى وإنِّي لَأظُنُّهُ كاذِبًا وكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وما كَيْدُ فِرْعَوْنَ إلّا في تَبابٍ﴾ ﴿وقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أهْدِكم سَبِيلَ الرَّشادِ﴾ ﴿يا قَوْمِ إنَّما هَذِهِ الحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ وإنَّ الآخِرَةَ هي دارُ القَرارِ﴾ ﴿مَن عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزى إلّا مِثْلَها ومَن عَمِلَ صالِحًا مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ .
(p-٤٤٥)الجُمْهُورُ: عَلى أنَّ هَذا المُؤْمِنَ هو الرَّجُلُ القائِلُ: ( ﴿أتَقْتُلُونَ رَجُلًا﴾ [غافر: ٢٨]، قَصَّ اللَّهُ أقاوِيلَهُ إلى آخَرِ الآياتِ.
لَمّا رَأى ما لَحِقَ فِرْعَوْنَ مِنَ الخَوَرِ والخَوْفِ، أتى بِنَوْعٍ آخَرَ مِنَ التَّهْدِيدِ، وخَوَّفَهم أنْ يُصِيبَهم ما أصابَ الأُمَمَ السّابِقَةَ مِنَ اسْتِئْصالِ الهَلاكِ حِينَ كَذَّبُوا رُسُلَهم، وقَوِيَتْ نَفْسُهُ حَتّى سَرَدَ عَلَيْهِ ما سَرَدَ، ولَمْ يَهَبْ فِرْعَوْنَ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ كَلامُ ذَلِكَ المُؤْمِنِ قَدْ تَمَّ، وإنَّما أرادَ تَعالى بِالَّذِي آمَنَ بِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - واحْتَجُّوا بِقُوَّةِ كَلامِهِ، وأنَّهُ جَنَحَ مَعَهم بِالإيمانِ، وذَكَرَ عَذابَ الآخِرَةِ وغَيْرَ ذَلِكَ، ولَمْ يَكُنْ كَلامُ الأوَّلِ إلّا عَلانِيَةً لَهم، وأفْرَدَ اليَوْمَ، إمّا لِأنَّ المَعْنى مِثْلُ أيّامِ الأحْزابِ، أوْ أرادَ بِهِ الجَمْعَ، أيْ: مِثْلَ أيّامِ الأحْزابِ؛ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ أنَّ كُلَّ حِزْبٍ كانَ لَهُ يَوْمٌ. والأحْزابُ: الَّذِينَ تَحَزَّبُوا عَلى أنْبِياءِ اللَّهِ.
و﴿مِثْلَ دَأْبِ﴾ [غافر: ٣١]، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: بَدَلٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَطْفُ بَيانٍ.
وقالَ الزَّجّاجُ: مِثْلَ يَوْمِ حِزْبٍ، و(دَأبِ) عادَتُهم ودَيْدَنُهم في الكُفْرِ والمَعاصِي.
﴿وما اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبادِ﴾ [غافر: ٣١]، أيْ: إنَّ إهْلاكَهُ إيّاهم كانَ عَدْلًا مِنهُ، وفِيهِ مُبالَغَةٌ في نَفْيِ الظُّلْمِ، حَيْثُ عَلَّقَهُ بِالإرادَةِ. فَإذا نَفاهُ عَنِ الإرادَةِ، كانَ نَفْيُهُ عَنِ الوُقُوعِ أوْلى وأحْرى.
ولَمّا خَوَّفَهم أنْ يَحِلَّ بِهِمْ في الدُّنْيا ما حَلَّ بِالأحْزابِ، خَوَّفَهم أمْرَ الآخِرَةِ فَقالَ، تَعَطُّفًا لَهم بِنِدائِهِمْ: ﴿ويا قَوْمِ إنِّي أخافُ عَلَيْكم يَوْمَ التَّنادِ﴾ وهو يَوْمُ الحَشْرِ. والتَّنادِي مَصْدَرُ تَنادى القَوْمُ أيْ: نادى بَعْضُهم بَعْضًا. قالَ الشّاعِرُ:(p-٤٦٤)
؎تَنادَوْا فَقالُوا أرَدْتَ الخَيْلَ فارِسًا فَقُلْتُ أعَبُدُ اللَّهَ ذَلِكُمُ الرَّدِي
وسُمِّيَ يَوْمَ التَّنادِي، إمّا لِنِداءِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ بِالوَيْلِ والثُّبُورِ، وإمّا لِتَنادِي أهْلِ الجَنَّةِ وأهْلِ النّارِ عَلى ما ذُكِرَ في سُورَةِ الأعْرافِ، وإمّا لِأنَّ الخَلْقَ يُنادَوْنَ إلى المَحْشَرِ، وإمّا لِنِداءِ المُؤْمِنِ: ﴿هاؤُمُ اقْرَءُوا كِتابِيَهْ﴾ [الحاقة: ١٩]، والكافِرِ: ﴿يالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٥] . وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: التَّنادْ، بِسُكُونِ الدّالِ في الوَصْلِ أجْراهُ مَجْرى الوَقْفِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والضِّحاكُ، وأبُو صالِحٍ، والكَلْبِيُّ، والزَّعْفَرانِيُّ، وابْنُ مِقْسَمٍ: التَّنادِّ، بِتَشْدِيدِ الدّالِ: مِن نَدَّ البَعِيرُ إذا هَرَبَ. كَما قالَ: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ مِن أخِيهِ﴾ [عبس: ٣٤] الآيَةَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وغَيْرُهُ: في ﴿التَّنادِ﴾ خَفِيفَةُ الدّالِ هو التَّنادِي، أيْ: يَكُونُ بَيْنَ النّاسِ عِنْدَ النَّفْخِ في الصُّوَرِ، ونَفْخَةِ الفَزَعِ في الدُّنْيا، وأنَّهم يَفِرُّونَ عَلى وُجُوهِهِمْ لِلْفَزَعِ الَّتِي نالَهم، ويُنادِي بَعْضُهم بَعْضًا.
ورُوِيَ هَذا التَّأْوِيلُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ التَّذَكُّرُ بِكُلِّ نِداءٍ في القِيامَةِ فِيهِ مَشَقَّةٌ عَلى الكُفّارِ والعُصاةِ. انْتَهى.
قالَ أُمَيَّةُ بْنُ أبِي الصَّلْتِ:
؎وبَثَّ الخَلْقَ فِيها إذْ دَحاها ∗∗∗ فَهم سُكّانُها حَتّى التَّنادِي
وفِي الحَدِيثِ: «إنَّ لِلنّاسِ جَوْلَةً يَوْمَ القِيامَةِ يَنِدُّونَ»، يَظُنُّونَ أنَّهم يَجِدُونَ مَهْرَبًا؛ ثُمَّ تَلا: ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾ .
قالَ مُجاهِدٌ: مَعْناهُ فارِّينَ. وقالَ السُّدِّيُّ: ﴿ما لَكم مِنَ اللَّهِ مِن عاصِمٍ﴾ في فِرارِكم حَتّى تُعَذَّبُوا في النّارِ.
وقالَ قَتادَةُ: ما لَكم في الِانْطِلاقِ إلَيْها مِن عاصِمٍ، أيْ: مانِعٍ، يَمْنَعُكم مِنها، أوْ ناصِرٍ.
ولَمّا يَئِسَ المُؤْمِنُ مِن قَبُولِها قالَ: ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ .
ثُمَّ أخَذَ يُوَبِّخُهم عَلى تَكْذِيبِ الرُّسُلِ، بِأنَّ يُوسُفَ قَدْ جاءَهم بِالبَيِّناتِ. والظّاهِرُ أنَّهُ يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ، وفِرْعَوْنُ هو فِرْعَوْنُ مُوسى، ورَوى أشْهَبُ عَنْ مالِكٍ أنَّهُ بَلَغَهُ أنَّ فِرْعَوْنَ عَمَّرَ أرْبَعَمِائَةِ سَنَةٍ وأرْبَعِينَ سَنَةً.
وقِيلَ: بَلِ الجائِي إلَيْهِمْ هو يُوسُفُ بْنُ إبْراهِيمَ بْنِ يُوسُفَ بْنِ يَعْقُوبَ، وأنَّ فِرْعَوْنَ هو فِرْعَوْنُ، غَيْرُ فِرْعَوْنَ مُوسى.
و﴿بِالبَيِّناتِ﴾: بِالمُعْجِزاتِ. فَلَمْ يَزالُوا شاكِّينَ في رِسالَتِهِ كافِرِينَ، حَتّى إذا تُوُفِّيَ، ﴿قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولًا﴾ ) . ولَيْسَ هَذا تَصْدِيقًا لِرِسالَتِهِ، وكَيْفَ وما زالُوا في شَكٍّ مِنهُ، وإنَّما المَعْنى: لا رَسُولَ مِن عِنْدِ اللَّهِ فَيَبْعَثَهُ إلى الخَلْقِ، فَفِيهِ نَفْيُ الرَّسُولِ، ونَفْيُ بَعْثَتِهِ.
وقُرِئَ: (ألَنْ يَبْعَثَ)، بِإدْخالِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ عَلى حَرْفِ النَّفْيِ، كَأنَّ بَعْضَهم يُقَرِّرُ بَعْضًا عَلى نَفْيِ البَعْثَةِ.
(كَذَلِكَ) أيْ: مِثْلُ إضْلالِ اللَّهِ إيّاكم، أيْ: حِينَ لَمْ تَقْبَلُوا مِن يُوسُفَ، ﴿يُضِلُّ اللَّهُ مَن هو مُسْرِفٌ مُرْتابٌ﴾: يَعْنِيهِمْ؛ إذْ هُمُ المُسْرِفُونَ المُرْتابُونَ في رِسالاتِ الأنْبِياءِ.
وجَوَّزُوا في ﴿الَّذِينَ يُجادِلُونَ﴾ أنْ تَكُونَ صِفَةً لِـ (مَن)، وبَدَلًا مِنهُ: أيْ مَعْناهُ جَمْعٌ ومُبْتَدَأٌ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: جِدالُ الَّذِينَ يُجادِلُونَ، حَتّى يَكُونَ الضَّمِيرُ في ﴿كَبُرَ﴾ عائِدًا عَلى ذَلِكَ أوَّلًا، أوْ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، والفاعِلُ بِـ ﴿كَبُرَ﴾ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى الجَدَلِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ: ﴿يُجادِلُونَ﴾، أوْ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى (مَن) عَلى لَفْظِها، عَلى أنْ يَكُونَ (الَّذِينَ) صِفَةً، أوْ بَدَلًا أُعِيدَ أوَّلًا عَلى لَفْظِ (مَن) في قَوْلِهِ: ﴿هُوَ مُسْرِفٌ كَذّابٌ﴾ [غافر: ٢٨] . ثُمَّ جَمَعَ الَّذِينَ عَلى مَعْنى (مَن)، ثُمَّ أفْرَدَ في قَوْلِهِ: ﴿كَبُرَ﴾ عَلى لَفْظِ (مَن) .
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ﴿الَّذِينَ يُجادِلُونَ﴾ مُبْتَدَأً و﴿بِغَيْرِ سُلْطانٍ أتاهُمْ﴾ خَبَرًا، وفاعِلُ ﴿كَبُرَ﴾ قَوْلُهُ: (كَذَلِكَ)، أيْ: ﴿كَبُرَ مَقْتًا﴾ مِثْلَ ذَلِكَ الجِدالِ، و﴿يَطْبَعُ اللَّهُ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ، ومَن قالَ: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ﴾ جِدالُهم، فَقَدْ حَذَفَ الفاعِلَ، والفاعِلُ لا يَصِحُّ حَذْفُهُ. انْتَهى، وهَذا الَّذِي أجازَهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِثْلُهُ في كَلامٍ فَصِيحٍ، (p-٤٦٥)فَكَيْفَ في كَلامِ اللَّهِ ؟ لِأنَّ فِيهِ تَفْكِيكَ الكَلامِ بَعْضِهِ مِن بَعْضٍ، وارْتِكابُ مَذْهَبِ الصَّحِيحِ خِلافُهُ.
أمّا تَفْكِيكُ الكَلامِ، فالظّاهِرُ أنَّ ﴿بِغَيْرِ سُلْطانٍ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ ﴿يُجادِلُونَ﴾، ولا يُتَعَقَّلُ جَعْلُهُ خَبَرًا لِلَّذِينِ؛ لِأنَّهُ جارٌّ ومَجْرُورٌ، فَيَصِيرُ التَّقْدِيرُ: ﴿الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ﴾: كائِنُونُ، أوْ مُسْتَقِرُّونَ، ﴿بِغَيْرِ سُلْطانٍ﴾، أيْ: في غَيْرِ سُلْطانٍ؛ لِأنَّ الباءَ إذا ذاكَ ظَرْفِيَّةٌ خَبَرٌ عَنِ الجُثَّةِ، وكَذَلِكَ في قَوْلِهِ يَطْبَعُ أنَّهُ مُسْتَأْنَفٌ فِيهِ تَفْكِيكُ الكَلامِ؛ لِأنَّ ما جاءَ في القُرْآنِ مِن ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ﴾، أوْ نَطْبَعُ، إنَّما جاءَ مَرْبُوطًا بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، فَكَذَلِكَ هُنا. وأمّا ارْتِكابُ مَذْهَبِ الصَّحِيحِ خِلافُهُ، فَجَعَلَ الكافَ اسْمًا فاعِلًا بِـ ﴿كَبُرَ﴾، وذَلِكَ لا يَجُوزُ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ إلّا الأخْفَشَ، ولَمْ يَثْبُتْ في كَلامِ العَرَبِ، أعْنِي نَثْرَها: جاءَنِي كَزَيْدٍ، تُرِيدُ: مِثْلَ زَيْدٍ، فَلَمْ تَثْبُتِ اسْمِيَّتُها، فَتَكُونُ فاعِلَةً.
وأمّا قَوْلُهُ: ومَن قالَ إلى آخِرِهِ، فَإنَّ قائِلَ ذَلِكَ وهو الحَوْفِيُّ، والظَّنُّ بِهِ أنَّهُ فَسَّرَ المَعْنى ولَمْ يُرِدِ الإعْرابَ. وأمّا تَفْسِيرُ الإعْرابِ أنَّ الفاعِلَ بِـ ﴿كَبُرَ﴾ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى الجِدالِ المَفْهُومِ مِن ﴿يُجادِلُونَ﴾، كَما قالُوا: مَن كَذَبَ كانَ شَرًّا لَهُ، أيْ: كانَ هو، أيِ: الكَذِبُ المَفْهُومُ مِن كَذَبَ. والأوْلى في إعْرابِ هَذا الكَلامِ أنْ يَكُونَ ﴿الَّذِينَ﴾ مُبْتَدَأً وخَبَرُهُ ﴿كَبُرَ﴾، والفاعِلُ ضَمِيرُ المَصْدَرِ المَفْهُومِ مِن ﴿يُجادِلُونَ﴾، وهَذِهِ الصِّفَةُ مَوْجُودَةٌ في فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ، ويَكُونُ الواعِظُ لَهم قَدْ عَدَلَ عَنْ مُخاطَبَتِهِمْ إلى الِاسْمِ الغائِبِ، لِحُسْنِ مُحاوَرَتِهِ لَهم واسْتِجْلابِ قُلُوبِهِمْ، وإبْرازِ ذَلِكَ في صُورَةِ تَذْكِيرِهِمْ، ولا يُفَجِئُهم بِالخِطابِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿كَبُرَ مَقْتًا﴾ ضَرْبٌ مِنَ التَّعَجُّبِ والِاسْتِعْظامِ لِجِدالِهِمْ والشَّهادَةِ عَلى خُرُوجِهِ عَنْ حَدِّ إشْكالِهِ مِنَ الكَبائِرِ.
(كَذَلِكَ) أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ الطَّبْعِ عَلى قُلُوبِ المُجادِلِينَ، ﴿يَطْبَعُ اللَّهُ﴾ أيْ: يَخْتِمُ بِالضَّلالَةِ ويَحْجُبُ عَنِ الهُدى. وقَرَأ أبُو عَمْرِو بْنُ ذَكْوانَ، والأعْرَجُ، بِخِلافٍ عَنْهُ: (قَلْبٍ) بِالتَّنْوِينِ، وصَفَ القَلْبَ بِالتَّكَبُّرِ والجَبَرُوتِ، لِكَوْنِهِ مَرْكَزَهُما ومَنبَعَهُما، كَما يَقُولُونَ: رَأتِ العَيْنُ، وكَما قالَ: ﴿فَإنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، والإثْمُ: الجُمْلَةُ، وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ عَلى حَذْفِ المُضافِ، أيْ: عَلى كُلِّ ذِي قَلْبٍ مُتَكَبِّرٍ، بِجَعْلِ الصِّفَةِ لِصاحِبِ القَلْبِ. انْتَهى، ولا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلى اعْتِقادِ الحَذْفِ.
وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ: ﴿قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ﴾ بِالإضافَةِ، والمُضافُ فِيهِ العامُّ عامٌّ، فَلَزِمَ عُمُومُ مُتَكَبِّرٍ جَبّارٍ. وقالَ مُقاتِلٌ: المُتَكَبِّرُ: المُعانِدُ في تَعْظِيمِ أمْرِ اللَّهِ، والجَبّارُ: المُسَلَّطُ عَلى خَلْقِ اللَّهِ.
﴿وقالَ فِرْعَوْنُ يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحًا﴾، أقْوالُ فِرْعَوْنَ: ذَرُونِي أقْتُلُ مُوسى، ما أُرِيكم إلّا ما أرى، يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحًا، حَيْدَةٌ عَنْ مُحاجَّةِ مُوسى، ورُجُوعٌ إلى أشْياءَ لا تَصِحُّ، وذَلِكَ كُلُّهُ لِما خامَرَهُ مِنَ الجَزَعِ والخَوْفِ وعَدَمِ المُقاوَمَةِ، والتَّعَرُّفِ أنَّ هَلاكَهُ وهَلاكَ قَوْمِهِ عَلى يَدِ مُوسى، وأنَّ قُدْرَتَهُ عَجَزَتْ عَنِ التَّأْثِيرِ في مُوسى، هَذا عَلى كَثْرَةِ سَفْكِهِ الدِّماءَ.
وتَقَدَّمَ الكَلامُ في الصَّرْحِ في سُورَةِ القَصَصِ فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ.
قالَ السُّدِّيُّ: الأسْبابُ: الطُّرُقُ. وقالَ قَتادَةُ: الأبْوابُ؛ وقِيلَ: عَنى لَعَلَّهُ يَجِدُ مَعَ قُرْبِهِ مِنَ السَّماءِ سَبَبًا يَتَعَلَّقُ بِهِ، وما أدّاكَ إلى شَيْءٍ فَهو سَبَبٌ، وأبْهَمَ أوَّلًا الأسْبابَ، ثُمَّ أبْدَلَ مِنها ما أوْضَحَها. والإيضاحُ بَعْدَ الإبْهامِ يُفِيدُ تَفْخِيمَ الشَّيْءِ، إذْ في الإبْهامِ تَشَوُّقٌ لِلْمُرادِ، وتَعَجُّبٌ مِنَ المَقْصُودِ، ثُمَّ بِالتَّوْضِيحِ يَحْصُلُ المَقْصُودُ ويَتَعَيَّنُ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فَأطَّلِعُ﴾ رَفْعًا، عَطْفًا عَلى ﴿أبْلُغُ﴾ فَكِلاهُما مُتَرَجًّى. وقَرَأ الأعْرَجُ، وأبُو حَيْوَةَ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، والزَّعْفَرانِيُّ، وابْنُ مِقْسَمٍ، وحَفْصٌ: ﴿فَأطَّلِعَ﴾، بِنَصْبِ العَيْنِ. وقالَ أبُو القاسِمِ بْنُ جِبارَةَ، وابْنُ عَطِيَّةَ: عَلى جَوابِ التَّمَنِّي. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَلى جَوابِ التَّرَجِّي، تَشْبِيهًا لِلتَّرَجِّي بِالتَّمَنِّي. انْتَهى.
وقَدْ فَرَّقَ النُّحاةُ بَيْنَ التَّمَنِّي والتَّرَجِّي، فَذَكَرُوا أنَّ التَّمَنِّيَ يَكُونُ في المُمْكِنِ والمُمْتَنِعِ، والتَّرَجِّيَ يَكُونُ في المُمْكِنِ.
وبُلُوغُ أسْبابِ السَّماواتِ غَيْرُ مُمْكِنٍ، لَكِنَّ فِرْعَوْنَ أبْرَزَ ما لا يُمْكِنُ في صُورَةِ المُمْكِنِ تَمْوِيهًا عَلى سامِعِيهِ.
وأمّا النَّصْبُ بَعْدَ الفاءِ في جَوابِ التَّرَجِّي فَشَيْءٌ أجازَهُ الكُوفِيُّونَ ومَنَعَهُ البَصْرِيُّونَ، واحْتَجَّ (p-٤٦٦)الكُوفِيُّونَ بِهَذِهِ القِراءَةِ وبِقِراءَةِ عاصِمٍ، ﴿فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى﴾ [عبس: ٤] في سُورَةِ عَبَسَ، إذْ هو جَوابُ التَّرَجِّي في قَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّهُ يَزَّكّى﴾ [عبس: ٣] ﴿أوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى﴾ [عبس: ٤] . وقَدْ تَأوَّلْنا ذَلِكَ عَلى أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى التَّوَهُّمِ؛ لِأنَّ خَبَرَ لَعَلَّ كَثِيرًا جاءَ مَقْرُونًا بِأنْ في النَّظْمِ كَثِيرًا، وفي النَّثْرِ قَلِيلًا.
فَمَن نَصَبَ تَوَهَّمَ أنَّ الفِعْلَ المَرْفُوعَ الواقِعَ خَبَرًا كانَ مَنصُوبًا بِأنْ، والعَطْفُ عَلى التَّوَهُّمِ كَثِيرٌ، وإنْ كانَ لا يَنْقاسُ، لَكِنْ إنْ وقَعَ شَيْءٌ وأمْكَنَ تَخْرِيجُهُ عَلَيْهِ خَرَجَ، وأمّا هُنا، ﴿فَأطَّلِعَ﴾ فَقَدْ جَعَلَهُ بَعْضُهم جَوابًا لِلْأمْرِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿ابْنِ لِي صَرْحًا﴾، كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎يا ناقُ سِيرِي عُنُقًا فَسِيحًا ∗∗∗ إلى سُلَيْمانَ فَنَسْتَرِيحا
ولَمّا قالَ: ﴿فَأطَّلِعَ إلى إلَهِ مُوسى﴾، كانَ ذَلِكَ إقْرارًا بِإلَهِ مُوسى، فاسْتَدْرَكَ هَذا الإقْرارَ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنِّي لَأظُنُّهُ﴾ أيْ: في ادِّعاءِ الإلَهِيَّةِ، كَما قالَ في القَصَصِ: ﴿لَعَلِّي أطَّلِعُ إلى إلَهِ مُوسى وإنِّي لَأظُنُّهُ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ [القصص: ٣٨] .
﴿وكَذَلِكَ﴾ أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ التَّزْيِينِ في إيهامِ فِرْعَوْنَ أنَّهُ يَطَّلِعُ إلى إلَهِ مُوسى.
﴿زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ﴾ . وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ﴾ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ؛ وقُرِئَ: (زَيَّنَ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿وصُدَّ﴾ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ أيْ: وصَدَّ فِرْعَوْنُ؛ والكُوفِيُّونَ: بِضَمِّ الصّادِ مُناسِبًا لِـ ﴿زُيِّنَ﴾ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ؛ وابْنُ وثّابٍ: بِكَسْرِ الصّادِ، أصْلُهُ صَدُدَ، نَقُلَتِ الحَرَكَةُ إلى الصّادِ بَعْدَ تَوَهُّمِ حَذْفِها؛ وابْنُ إسْحاقَ، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي بَكْرَةَ، بِفَتْحِ الصّادِ وضَمِّ الدّالِ، مُنَوَّنَةً عَطْفًا عَلى ﴿سُوءُ عَمَلِهِ﴾ . والتِّبابُ: الخُسْرانُ، خَسِرَ مُلْكَهُ في الدُّنْيا فِيها بِالغَرَقِ، وفي الآخِرَةِ بِخُلُودِ النّارِ، وتَكَرَّرَ وعْظُ المُؤْمِنِ إثْرَ كَلامِ فِرْعَوْنَ بِنِدائِهِ قَوْمَهُ مَرَّتَيْنِ، مُتْبِعًا كُلَّ نِداءٍ بِما فِيهِ زَجْرٌ واتِّعاظٌ لَوْ وُجِدَ مَن يَقْبَلُ، وأمَرَ هُنا بِاتِّباعِهِ؛ لِأنْ يَهْدِيَهم سَبِيلَ الرَّشادِ.
وقَرَأ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ: بِشَدِّ الشِّينِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ذَلِكَ. والرَّدُّ عَلى مَن جَعَلَ هَذِهِ القِراءَةَ في كَلامِ فِرْعَوْنَ، وأجْمَلَ أوَّلًا في قَوْلِهِ: ﴿سَبِيلَ الرَّشادِ﴾، وهو سَبِيلُ الإيمانِ بِاللَّهِ واتِّباعِ شَرْعِهِ.
ثُمَّ فَسَّرَ، فافْتَتَحَ بِذَمِّ الدُّنْيا وبِصِغَرِ شَأْنِها، وأنَّها مَتاعٌ زائِلٌ، هي ومَن تَمَتَّعَ بِها، وأنَّ الآخِرَةَ هي دارُ القَرارِ الَّتِي لا انْفِكاكَ مِنها، إمّا إلى جَنَّةٍ، وإمّا إلى نارٍ.
وكَذَلِكَ قالَ: ﴿مَن عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزى إلّا مِثْلَها﴾ . وقَرَأ أبُو رَجاءٍ، وشَيْبَةُ، والأعْمَشُ، والأخَوانِ، والصّاحِبانِ، وحَفْصٌ: ﴿يَدْخُلُونَ﴾ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وباقِي السَّبْعَةِ، والأعْرَجُ، والحَسَنُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وعِيسى: مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ.
غافر 40:34
﴿وقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ إنِّي أخافُ عَلَيْكم مِثْلَ يَوْمِ الأحْزابِ﴾ [غافر: ٣٠] ﴿مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ والَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ وما اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبادِ﴾ [غافر: ٣١] ﴿ويا قَوْمِ إنِّي أخافُ عَلَيْكم يَوْمَ التَّنادِ﴾ ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ ما لَكم مِنَ اللَّهِ مِن عاصِمٍ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ ﴿ولَقَدْ جاءَكم يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالبَيِّناتِ فَما زِلْتُمْ في شَكٍّ مِمّا جاءَكم بِهِ حَتّى إذا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن هو مُسْرِفٌ مُرْتابٌ﴾ ﴿الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أتاهم كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبّارٍ﴾ ﴿وقالَ فِرْعَوْنُ يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أبْلُغُ الأسْبابَ﴾ ﴿أسْبابَ السَّماواتِ فَأطَّلِعَ إلى إلَهِ مُوسى وإنِّي لَأظُنُّهُ كاذِبًا وكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وما كَيْدُ فِرْعَوْنَ إلّا في تَبابٍ﴾ ﴿وقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أهْدِكم سَبِيلَ الرَّشادِ﴾ ﴿يا قَوْمِ إنَّما هَذِهِ الحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ وإنَّ الآخِرَةَ هي دارُ القَرارِ﴾ ﴿مَن عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزى إلّا مِثْلَها ومَن عَمِلَ صالِحًا مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ .
(p-٤٤٥)الجُمْهُورُ: عَلى أنَّ هَذا المُؤْمِنَ هو الرَّجُلُ القائِلُ: ( ﴿أتَقْتُلُونَ رَجُلًا﴾ [غافر: ٢٨]، قَصَّ اللَّهُ أقاوِيلَهُ إلى آخَرِ الآياتِ.
لَمّا رَأى ما لَحِقَ فِرْعَوْنَ مِنَ الخَوَرِ والخَوْفِ، أتى بِنَوْعٍ آخَرَ مِنَ التَّهْدِيدِ، وخَوَّفَهم أنْ يُصِيبَهم ما أصابَ الأُمَمَ السّابِقَةَ مِنَ اسْتِئْصالِ الهَلاكِ حِينَ كَذَّبُوا رُسُلَهم، وقَوِيَتْ نَفْسُهُ حَتّى سَرَدَ عَلَيْهِ ما سَرَدَ، ولَمْ يَهَبْ فِرْعَوْنَ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ كَلامُ ذَلِكَ المُؤْمِنِ قَدْ تَمَّ، وإنَّما أرادَ تَعالى بِالَّذِي آمَنَ بِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - واحْتَجُّوا بِقُوَّةِ كَلامِهِ، وأنَّهُ جَنَحَ مَعَهم بِالإيمانِ، وذَكَرَ عَذابَ الآخِرَةِ وغَيْرَ ذَلِكَ، ولَمْ يَكُنْ كَلامُ الأوَّلِ إلّا عَلانِيَةً لَهم، وأفْرَدَ اليَوْمَ، إمّا لِأنَّ المَعْنى مِثْلُ أيّامِ الأحْزابِ، أوْ أرادَ بِهِ الجَمْعَ، أيْ: مِثْلَ أيّامِ الأحْزابِ؛ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ أنَّ كُلَّ حِزْبٍ كانَ لَهُ يَوْمٌ. والأحْزابُ: الَّذِينَ تَحَزَّبُوا عَلى أنْبِياءِ اللَّهِ.
و﴿مِثْلَ دَأْبِ﴾ [غافر: ٣١]، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: بَدَلٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَطْفُ بَيانٍ.
وقالَ الزَّجّاجُ: مِثْلَ يَوْمِ حِزْبٍ، و(دَأبِ) عادَتُهم ودَيْدَنُهم في الكُفْرِ والمَعاصِي.
﴿وما اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبادِ﴾ [غافر: ٣١]، أيْ: إنَّ إهْلاكَهُ إيّاهم كانَ عَدْلًا مِنهُ، وفِيهِ مُبالَغَةٌ في نَفْيِ الظُّلْمِ، حَيْثُ عَلَّقَهُ بِالإرادَةِ. فَإذا نَفاهُ عَنِ الإرادَةِ، كانَ نَفْيُهُ عَنِ الوُقُوعِ أوْلى وأحْرى.
ولَمّا خَوَّفَهم أنْ يَحِلَّ بِهِمْ في الدُّنْيا ما حَلَّ بِالأحْزابِ، خَوَّفَهم أمْرَ الآخِرَةِ فَقالَ، تَعَطُّفًا لَهم بِنِدائِهِمْ: ﴿ويا قَوْمِ إنِّي أخافُ عَلَيْكم يَوْمَ التَّنادِ﴾ وهو يَوْمُ الحَشْرِ. والتَّنادِي مَصْدَرُ تَنادى القَوْمُ أيْ: نادى بَعْضُهم بَعْضًا. قالَ الشّاعِرُ:(p-٤٦٤)
؎تَنادَوْا فَقالُوا أرَدْتَ الخَيْلَ فارِسًا فَقُلْتُ أعَبُدُ اللَّهَ ذَلِكُمُ الرَّدِي
وسُمِّيَ يَوْمَ التَّنادِي، إمّا لِنِداءِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ بِالوَيْلِ والثُّبُورِ، وإمّا لِتَنادِي أهْلِ الجَنَّةِ وأهْلِ النّارِ عَلى ما ذُكِرَ في سُورَةِ الأعْرافِ، وإمّا لِأنَّ الخَلْقَ يُنادَوْنَ إلى المَحْشَرِ، وإمّا لِنِداءِ المُؤْمِنِ: ﴿هاؤُمُ اقْرَءُوا كِتابِيَهْ﴾ [الحاقة: ١٩]، والكافِرِ: ﴿يالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٥] . وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: التَّنادْ، بِسُكُونِ الدّالِ في الوَصْلِ أجْراهُ مَجْرى الوَقْفِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والضِّحاكُ، وأبُو صالِحٍ، والكَلْبِيُّ، والزَّعْفَرانِيُّ، وابْنُ مِقْسَمٍ: التَّنادِّ، بِتَشْدِيدِ الدّالِ: مِن نَدَّ البَعِيرُ إذا هَرَبَ. كَما قالَ: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ مِن أخِيهِ﴾ [عبس: ٣٤] الآيَةَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وغَيْرُهُ: في ﴿التَّنادِ﴾ خَفِيفَةُ الدّالِ هو التَّنادِي، أيْ: يَكُونُ بَيْنَ النّاسِ عِنْدَ النَّفْخِ في الصُّوَرِ، ونَفْخَةِ الفَزَعِ في الدُّنْيا، وأنَّهم يَفِرُّونَ عَلى وُجُوهِهِمْ لِلْفَزَعِ الَّتِي نالَهم، ويُنادِي بَعْضُهم بَعْضًا.
ورُوِيَ هَذا التَّأْوِيلُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ التَّذَكُّرُ بِكُلِّ نِداءٍ في القِيامَةِ فِيهِ مَشَقَّةٌ عَلى الكُفّارِ والعُصاةِ. انْتَهى.
قالَ أُمَيَّةُ بْنُ أبِي الصَّلْتِ:
؎وبَثَّ الخَلْقَ فِيها إذْ دَحاها ∗∗∗ فَهم سُكّانُها حَتّى التَّنادِي
وفِي الحَدِيثِ: «إنَّ لِلنّاسِ جَوْلَةً يَوْمَ القِيامَةِ يَنِدُّونَ»، يَظُنُّونَ أنَّهم يَجِدُونَ مَهْرَبًا؛ ثُمَّ تَلا: ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾ .
قالَ مُجاهِدٌ: مَعْناهُ فارِّينَ. وقالَ السُّدِّيُّ: ﴿ما لَكم مِنَ اللَّهِ مِن عاصِمٍ﴾ في فِرارِكم حَتّى تُعَذَّبُوا في النّارِ.
وقالَ قَتادَةُ: ما لَكم في الِانْطِلاقِ إلَيْها مِن عاصِمٍ، أيْ: مانِعٍ، يَمْنَعُكم مِنها، أوْ ناصِرٍ.
ولَمّا يَئِسَ المُؤْمِنُ مِن قَبُولِها قالَ: ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ .
ثُمَّ أخَذَ يُوَبِّخُهم عَلى تَكْذِيبِ الرُّسُلِ، بِأنَّ يُوسُفَ قَدْ جاءَهم بِالبَيِّناتِ. والظّاهِرُ أنَّهُ يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ، وفِرْعَوْنُ هو فِرْعَوْنُ مُوسى، ورَوى أشْهَبُ عَنْ مالِكٍ أنَّهُ بَلَغَهُ أنَّ فِرْعَوْنَ عَمَّرَ أرْبَعَمِائَةِ سَنَةٍ وأرْبَعِينَ سَنَةً.
وقِيلَ: بَلِ الجائِي إلَيْهِمْ هو يُوسُفُ بْنُ إبْراهِيمَ بْنِ يُوسُفَ بْنِ يَعْقُوبَ، وأنَّ فِرْعَوْنَ هو فِرْعَوْنُ، غَيْرُ فِرْعَوْنَ مُوسى.
و﴿بِالبَيِّناتِ﴾: بِالمُعْجِزاتِ. فَلَمْ يَزالُوا شاكِّينَ في رِسالَتِهِ كافِرِينَ، حَتّى إذا تُوُفِّيَ، ﴿قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولًا﴾ ) . ولَيْسَ هَذا تَصْدِيقًا لِرِسالَتِهِ، وكَيْفَ وما زالُوا في شَكٍّ مِنهُ، وإنَّما المَعْنى: لا رَسُولَ مِن عِنْدِ اللَّهِ فَيَبْعَثَهُ إلى الخَلْقِ، فَفِيهِ نَفْيُ الرَّسُولِ، ونَفْيُ بَعْثَتِهِ.
وقُرِئَ: (ألَنْ يَبْعَثَ)، بِإدْخالِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ عَلى حَرْفِ النَّفْيِ، كَأنَّ بَعْضَهم يُقَرِّرُ بَعْضًا عَلى نَفْيِ البَعْثَةِ.
(كَذَلِكَ) أيْ: مِثْلُ إضْلالِ اللَّهِ إيّاكم، أيْ: حِينَ لَمْ تَقْبَلُوا مِن يُوسُفَ، ﴿يُضِلُّ اللَّهُ مَن هو مُسْرِفٌ مُرْتابٌ﴾: يَعْنِيهِمْ؛ إذْ هُمُ المُسْرِفُونَ المُرْتابُونَ في رِسالاتِ الأنْبِياءِ.
وجَوَّزُوا في ﴿الَّذِينَ يُجادِلُونَ﴾ أنْ تَكُونَ صِفَةً لِـ (مَن)، وبَدَلًا مِنهُ: أيْ مَعْناهُ جَمْعٌ ومُبْتَدَأٌ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: جِدالُ الَّذِينَ يُجادِلُونَ، حَتّى يَكُونَ الضَّمِيرُ في ﴿كَبُرَ﴾ عائِدًا عَلى ذَلِكَ أوَّلًا، أوْ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، والفاعِلُ بِـ ﴿كَبُرَ﴾ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى الجَدَلِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ: ﴿يُجادِلُونَ﴾، أوْ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى (مَن) عَلى لَفْظِها، عَلى أنْ يَكُونَ (الَّذِينَ) صِفَةً، أوْ بَدَلًا أُعِيدَ أوَّلًا عَلى لَفْظِ (مَن) في قَوْلِهِ: ﴿هُوَ مُسْرِفٌ كَذّابٌ﴾ [غافر: ٢٨] . ثُمَّ جَمَعَ الَّذِينَ عَلى مَعْنى (مَن)، ثُمَّ أفْرَدَ في قَوْلِهِ: ﴿كَبُرَ﴾ عَلى لَفْظِ (مَن) .
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ﴿الَّذِينَ يُجادِلُونَ﴾ مُبْتَدَأً و﴿بِغَيْرِ سُلْطانٍ أتاهُمْ﴾ خَبَرًا، وفاعِلُ ﴿كَبُرَ﴾ قَوْلُهُ: (كَذَلِكَ)، أيْ: ﴿كَبُرَ مَقْتًا﴾ مِثْلَ ذَلِكَ الجِدالِ، و﴿يَطْبَعُ اللَّهُ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ، ومَن قالَ: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ﴾ جِدالُهم، فَقَدْ حَذَفَ الفاعِلَ، والفاعِلُ لا يَصِحُّ حَذْفُهُ. انْتَهى، وهَذا الَّذِي أجازَهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِثْلُهُ في كَلامٍ فَصِيحٍ، (p-٤٦٥)فَكَيْفَ في كَلامِ اللَّهِ ؟ لِأنَّ فِيهِ تَفْكِيكَ الكَلامِ بَعْضِهِ مِن بَعْضٍ، وارْتِكابُ مَذْهَبِ الصَّحِيحِ خِلافُهُ.
أمّا تَفْكِيكُ الكَلامِ، فالظّاهِرُ أنَّ ﴿بِغَيْرِ سُلْطانٍ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ ﴿يُجادِلُونَ﴾، ولا يُتَعَقَّلُ جَعْلُهُ خَبَرًا لِلَّذِينِ؛ لِأنَّهُ جارٌّ ومَجْرُورٌ، فَيَصِيرُ التَّقْدِيرُ: ﴿الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ﴾: كائِنُونُ، أوْ مُسْتَقِرُّونَ، ﴿بِغَيْرِ سُلْطانٍ﴾، أيْ: في غَيْرِ سُلْطانٍ؛ لِأنَّ الباءَ إذا ذاكَ ظَرْفِيَّةٌ خَبَرٌ عَنِ الجُثَّةِ، وكَذَلِكَ في قَوْلِهِ يَطْبَعُ أنَّهُ مُسْتَأْنَفٌ فِيهِ تَفْكِيكُ الكَلامِ؛ لِأنَّ ما جاءَ في القُرْآنِ مِن ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ﴾، أوْ نَطْبَعُ، إنَّما جاءَ مَرْبُوطًا بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، فَكَذَلِكَ هُنا. وأمّا ارْتِكابُ مَذْهَبِ الصَّحِيحِ خِلافُهُ، فَجَعَلَ الكافَ اسْمًا فاعِلًا بِـ ﴿كَبُرَ﴾، وذَلِكَ لا يَجُوزُ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ إلّا الأخْفَشَ، ولَمْ يَثْبُتْ في كَلامِ العَرَبِ، أعْنِي نَثْرَها: جاءَنِي كَزَيْدٍ، تُرِيدُ: مِثْلَ زَيْدٍ، فَلَمْ تَثْبُتِ اسْمِيَّتُها، فَتَكُونُ فاعِلَةً.
وأمّا قَوْلُهُ: ومَن قالَ إلى آخِرِهِ، فَإنَّ قائِلَ ذَلِكَ وهو الحَوْفِيُّ، والظَّنُّ بِهِ أنَّهُ فَسَّرَ المَعْنى ولَمْ يُرِدِ الإعْرابَ. وأمّا تَفْسِيرُ الإعْرابِ أنَّ الفاعِلَ بِـ ﴿كَبُرَ﴾ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى الجِدالِ المَفْهُومِ مِن ﴿يُجادِلُونَ﴾، كَما قالُوا: مَن كَذَبَ كانَ شَرًّا لَهُ، أيْ: كانَ هو، أيِ: الكَذِبُ المَفْهُومُ مِن كَذَبَ. والأوْلى في إعْرابِ هَذا الكَلامِ أنْ يَكُونَ ﴿الَّذِينَ﴾ مُبْتَدَأً وخَبَرُهُ ﴿كَبُرَ﴾، والفاعِلُ ضَمِيرُ المَصْدَرِ المَفْهُومِ مِن ﴿يُجادِلُونَ﴾، وهَذِهِ الصِّفَةُ مَوْجُودَةٌ في فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ، ويَكُونُ الواعِظُ لَهم قَدْ عَدَلَ عَنْ مُخاطَبَتِهِمْ إلى الِاسْمِ الغائِبِ، لِحُسْنِ مُحاوَرَتِهِ لَهم واسْتِجْلابِ قُلُوبِهِمْ، وإبْرازِ ذَلِكَ في صُورَةِ تَذْكِيرِهِمْ، ولا يُفَجِئُهم بِالخِطابِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿كَبُرَ مَقْتًا﴾ ضَرْبٌ مِنَ التَّعَجُّبِ والِاسْتِعْظامِ لِجِدالِهِمْ والشَّهادَةِ عَلى خُرُوجِهِ عَنْ حَدِّ إشْكالِهِ مِنَ الكَبائِرِ.
(كَذَلِكَ) أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ الطَّبْعِ عَلى قُلُوبِ المُجادِلِينَ، ﴿يَطْبَعُ اللَّهُ﴾ أيْ: يَخْتِمُ بِالضَّلالَةِ ويَحْجُبُ عَنِ الهُدى. وقَرَأ أبُو عَمْرِو بْنُ ذَكْوانَ، والأعْرَجُ، بِخِلافٍ عَنْهُ: (قَلْبٍ) بِالتَّنْوِينِ، وصَفَ القَلْبَ بِالتَّكَبُّرِ والجَبَرُوتِ، لِكَوْنِهِ مَرْكَزَهُما ومَنبَعَهُما، كَما يَقُولُونَ: رَأتِ العَيْنُ، وكَما قالَ: ﴿فَإنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، والإثْمُ: الجُمْلَةُ، وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ عَلى حَذْفِ المُضافِ، أيْ: عَلى كُلِّ ذِي قَلْبٍ مُتَكَبِّرٍ، بِجَعْلِ الصِّفَةِ لِصاحِبِ القَلْبِ. انْتَهى، ولا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلى اعْتِقادِ الحَذْفِ.
وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ: ﴿قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ﴾ بِالإضافَةِ، والمُضافُ فِيهِ العامُّ عامٌّ، فَلَزِمَ عُمُومُ مُتَكَبِّرٍ جَبّارٍ. وقالَ مُقاتِلٌ: المُتَكَبِّرُ: المُعانِدُ في تَعْظِيمِ أمْرِ اللَّهِ، والجَبّارُ: المُسَلَّطُ عَلى خَلْقِ اللَّهِ.
﴿وقالَ فِرْعَوْنُ يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحًا﴾، أقْوالُ فِرْعَوْنَ: ذَرُونِي أقْتُلُ مُوسى، ما أُرِيكم إلّا ما أرى، يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحًا، حَيْدَةٌ عَنْ مُحاجَّةِ مُوسى، ورُجُوعٌ إلى أشْياءَ لا تَصِحُّ، وذَلِكَ كُلُّهُ لِما خامَرَهُ مِنَ الجَزَعِ والخَوْفِ وعَدَمِ المُقاوَمَةِ، والتَّعَرُّفِ أنَّ هَلاكَهُ وهَلاكَ قَوْمِهِ عَلى يَدِ مُوسى، وأنَّ قُدْرَتَهُ عَجَزَتْ عَنِ التَّأْثِيرِ في مُوسى، هَذا عَلى كَثْرَةِ سَفْكِهِ الدِّماءَ.
وتَقَدَّمَ الكَلامُ في الصَّرْحِ في سُورَةِ القَصَصِ فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ.
قالَ السُّدِّيُّ: الأسْبابُ: الطُّرُقُ. وقالَ قَتادَةُ: الأبْوابُ؛ وقِيلَ: عَنى لَعَلَّهُ يَجِدُ مَعَ قُرْبِهِ مِنَ السَّماءِ سَبَبًا يَتَعَلَّقُ بِهِ، وما أدّاكَ إلى شَيْءٍ فَهو سَبَبٌ، وأبْهَمَ أوَّلًا الأسْبابَ، ثُمَّ أبْدَلَ مِنها ما أوْضَحَها. والإيضاحُ بَعْدَ الإبْهامِ يُفِيدُ تَفْخِيمَ الشَّيْءِ، إذْ في الإبْهامِ تَشَوُّقٌ لِلْمُرادِ، وتَعَجُّبٌ مِنَ المَقْصُودِ، ثُمَّ بِالتَّوْضِيحِ يَحْصُلُ المَقْصُودُ ويَتَعَيَّنُ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فَأطَّلِعُ﴾ رَفْعًا، عَطْفًا عَلى ﴿أبْلُغُ﴾ فَكِلاهُما مُتَرَجًّى. وقَرَأ الأعْرَجُ، وأبُو حَيْوَةَ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، والزَّعْفَرانِيُّ، وابْنُ مِقْسَمٍ، وحَفْصٌ: ﴿فَأطَّلِعَ﴾، بِنَصْبِ العَيْنِ. وقالَ أبُو القاسِمِ بْنُ جِبارَةَ، وابْنُ عَطِيَّةَ: عَلى جَوابِ التَّمَنِّي. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَلى جَوابِ التَّرَجِّي، تَشْبِيهًا لِلتَّرَجِّي بِالتَّمَنِّي. انْتَهى.
وقَدْ فَرَّقَ النُّحاةُ بَيْنَ التَّمَنِّي والتَّرَجِّي، فَذَكَرُوا أنَّ التَّمَنِّيَ يَكُونُ في المُمْكِنِ والمُمْتَنِعِ، والتَّرَجِّيَ يَكُونُ في المُمْكِنِ.
وبُلُوغُ أسْبابِ السَّماواتِ غَيْرُ مُمْكِنٍ، لَكِنَّ فِرْعَوْنَ أبْرَزَ ما لا يُمْكِنُ في صُورَةِ المُمْكِنِ تَمْوِيهًا عَلى سامِعِيهِ.
وأمّا النَّصْبُ بَعْدَ الفاءِ في جَوابِ التَّرَجِّي فَشَيْءٌ أجازَهُ الكُوفِيُّونَ ومَنَعَهُ البَصْرِيُّونَ، واحْتَجَّ (p-٤٦٦)الكُوفِيُّونَ بِهَذِهِ القِراءَةِ وبِقِراءَةِ عاصِمٍ، ﴿فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى﴾ [عبس: ٤] في سُورَةِ عَبَسَ، إذْ هو جَوابُ التَّرَجِّي في قَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّهُ يَزَّكّى﴾ [عبس: ٣] ﴿أوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى﴾ [عبس: ٤] . وقَدْ تَأوَّلْنا ذَلِكَ عَلى أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى التَّوَهُّمِ؛ لِأنَّ خَبَرَ لَعَلَّ كَثِيرًا جاءَ مَقْرُونًا بِأنْ في النَّظْمِ كَثِيرًا، وفي النَّثْرِ قَلِيلًا.
فَمَن نَصَبَ تَوَهَّمَ أنَّ الفِعْلَ المَرْفُوعَ الواقِعَ خَبَرًا كانَ مَنصُوبًا بِأنْ، والعَطْفُ عَلى التَّوَهُّمِ كَثِيرٌ، وإنْ كانَ لا يَنْقاسُ، لَكِنْ إنْ وقَعَ شَيْءٌ وأمْكَنَ تَخْرِيجُهُ عَلَيْهِ خَرَجَ، وأمّا هُنا، ﴿فَأطَّلِعَ﴾ فَقَدْ جَعَلَهُ بَعْضُهم جَوابًا لِلْأمْرِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿ابْنِ لِي صَرْحًا﴾، كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎يا ناقُ سِيرِي عُنُقًا فَسِيحًا ∗∗∗ إلى سُلَيْمانَ فَنَسْتَرِيحا
ولَمّا قالَ: ﴿فَأطَّلِعَ إلى إلَهِ مُوسى﴾، كانَ ذَلِكَ إقْرارًا بِإلَهِ مُوسى، فاسْتَدْرَكَ هَذا الإقْرارَ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنِّي لَأظُنُّهُ﴾ أيْ: في ادِّعاءِ الإلَهِيَّةِ، كَما قالَ في القَصَصِ: ﴿لَعَلِّي أطَّلِعُ إلى إلَهِ مُوسى وإنِّي لَأظُنُّهُ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ [القصص: ٣٨] .
﴿وكَذَلِكَ﴾ أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ التَّزْيِينِ في إيهامِ فِرْعَوْنَ أنَّهُ يَطَّلِعُ إلى إلَهِ مُوسى.
﴿زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ﴾ . وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ﴾ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ؛ وقُرِئَ: (زَيَّنَ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿وصُدَّ﴾ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ أيْ: وصَدَّ فِرْعَوْنُ؛ والكُوفِيُّونَ: بِضَمِّ الصّادِ مُناسِبًا لِـ ﴿زُيِّنَ﴾ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ؛ وابْنُ وثّابٍ: بِكَسْرِ الصّادِ، أصْلُهُ صَدُدَ، نَقُلَتِ الحَرَكَةُ إلى الصّادِ بَعْدَ تَوَهُّمِ حَذْفِها؛ وابْنُ إسْحاقَ، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي بَكْرَةَ، بِفَتْحِ الصّادِ وضَمِّ الدّالِ، مُنَوَّنَةً عَطْفًا عَلى ﴿سُوءُ عَمَلِهِ﴾ . والتِّبابُ: الخُسْرانُ، خَسِرَ مُلْكَهُ في الدُّنْيا فِيها بِالغَرَقِ، وفي الآخِرَةِ بِخُلُودِ النّارِ، وتَكَرَّرَ وعْظُ المُؤْمِنِ إثْرَ كَلامِ فِرْعَوْنَ بِنِدائِهِ قَوْمَهُ مَرَّتَيْنِ، مُتْبِعًا كُلَّ نِداءٍ بِما فِيهِ زَجْرٌ واتِّعاظٌ لَوْ وُجِدَ مَن يَقْبَلُ، وأمَرَ هُنا بِاتِّباعِهِ؛ لِأنْ يَهْدِيَهم سَبِيلَ الرَّشادِ.
وقَرَأ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ: بِشَدِّ الشِّينِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ذَلِكَ. والرَّدُّ عَلى مَن جَعَلَ هَذِهِ القِراءَةَ في كَلامِ فِرْعَوْنَ، وأجْمَلَ أوَّلًا في قَوْلِهِ: ﴿سَبِيلَ الرَّشادِ﴾، وهو سَبِيلُ الإيمانِ بِاللَّهِ واتِّباعِ شَرْعِهِ.
ثُمَّ فَسَّرَ، فافْتَتَحَ بِذَمِّ الدُّنْيا وبِصِغَرِ شَأْنِها، وأنَّها مَتاعٌ زائِلٌ، هي ومَن تَمَتَّعَ بِها، وأنَّ الآخِرَةَ هي دارُ القَرارِ الَّتِي لا انْفِكاكَ مِنها، إمّا إلى جَنَّةٍ، وإمّا إلى نارٍ.
وكَذَلِكَ قالَ: ﴿مَن عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزى إلّا مِثْلَها﴾ . وقَرَأ أبُو رَجاءٍ، وشَيْبَةُ، والأعْمَشُ، والأخَوانِ، والصّاحِبانِ، وحَفْصٌ: ﴿يَدْخُلُونَ﴾ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وباقِي السَّبْعَةِ، والأعْرَجُ، والحَسَنُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وعِيسى: مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ.
غافر 40:35
﴿وقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ إنِّي أخافُ عَلَيْكم مِثْلَ يَوْمِ الأحْزابِ﴾ [غافر: ٣٠] ﴿مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ والَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ وما اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبادِ﴾ [غافر: ٣١] ﴿ويا قَوْمِ إنِّي أخافُ عَلَيْكم يَوْمَ التَّنادِ﴾ ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ ما لَكم مِنَ اللَّهِ مِن عاصِمٍ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ ﴿ولَقَدْ جاءَكم يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالبَيِّناتِ فَما زِلْتُمْ في شَكٍّ مِمّا جاءَكم بِهِ حَتّى إذا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن هو مُسْرِفٌ مُرْتابٌ﴾ ﴿الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أتاهم كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبّارٍ﴾ ﴿وقالَ فِرْعَوْنُ يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أبْلُغُ الأسْبابَ﴾ ﴿أسْبابَ السَّماواتِ فَأطَّلِعَ إلى إلَهِ مُوسى وإنِّي لَأظُنُّهُ كاذِبًا وكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وما كَيْدُ فِرْعَوْنَ إلّا في تَبابٍ﴾ ﴿وقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أهْدِكم سَبِيلَ الرَّشادِ﴾ ﴿يا قَوْمِ إنَّما هَذِهِ الحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ وإنَّ الآخِرَةَ هي دارُ القَرارِ﴾ ﴿مَن عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزى إلّا مِثْلَها ومَن عَمِلَ صالِحًا مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ .
(p-٤٤٥)الجُمْهُورُ: عَلى أنَّ هَذا المُؤْمِنَ هو الرَّجُلُ القائِلُ: ( ﴿أتَقْتُلُونَ رَجُلًا﴾ [غافر: ٢٨]، قَصَّ اللَّهُ أقاوِيلَهُ إلى آخَرِ الآياتِ.
لَمّا رَأى ما لَحِقَ فِرْعَوْنَ مِنَ الخَوَرِ والخَوْفِ، أتى بِنَوْعٍ آخَرَ مِنَ التَّهْدِيدِ، وخَوَّفَهم أنْ يُصِيبَهم ما أصابَ الأُمَمَ السّابِقَةَ مِنَ اسْتِئْصالِ الهَلاكِ حِينَ كَذَّبُوا رُسُلَهم، وقَوِيَتْ نَفْسُهُ حَتّى سَرَدَ عَلَيْهِ ما سَرَدَ، ولَمْ يَهَبْ فِرْعَوْنَ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ كَلامُ ذَلِكَ المُؤْمِنِ قَدْ تَمَّ، وإنَّما أرادَ تَعالى بِالَّذِي آمَنَ بِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - واحْتَجُّوا بِقُوَّةِ كَلامِهِ، وأنَّهُ جَنَحَ مَعَهم بِالإيمانِ، وذَكَرَ عَذابَ الآخِرَةِ وغَيْرَ ذَلِكَ، ولَمْ يَكُنْ كَلامُ الأوَّلِ إلّا عَلانِيَةً لَهم، وأفْرَدَ اليَوْمَ، إمّا لِأنَّ المَعْنى مِثْلُ أيّامِ الأحْزابِ، أوْ أرادَ بِهِ الجَمْعَ، أيْ: مِثْلَ أيّامِ الأحْزابِ؛ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ أنَّ كُلَّ حِزْبٍ كانَ لَهُ يَوْمٌ. والأحْزابُ: الَّذِينَ تَحَزَّبُوا عَلى أنْبِياءِ اللَّهِ.
و﴿مِثْلَ دَأْبِ﴾ [غافر: ٣١]، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: بَدَلٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَطْفُ بَيانٍ.
وقالَ الزَّجّاجُ: مِثْلَ يَوْمِ حِزْبٍ، و(دَأبِ) عادَتُهم ودَيْدَنُهم في الكُفْرِ والمَعاصِي.
﴿وما اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبادِ﴾ [غافر: ٣١]، أيْ: إنَّ إهْلاكَهُ إيّاهم كانَ عَدْلًا مِنهُ، وفِيهِ مُبالَغَةٌ في نَفْيِ الظُّلْمِ، حَيْثُ عَلَّقَهُ بِالإرادَةِ. فَإذا نَفاهُ عَنِ الإرادَةِ، كانَ نَفْيُهُ عَنِ الوُقُوعِ أوْلى وأحْرى.
ولَمّا خَوَّفَهم أنْ يَحِلَّ بِهِمْ في الدُّنْيا ما حَلَّ بِالأحْزابِ، خَوَّفَهم أمْرَ الآخِرَةِ فَقالَ، تَعَطُّفًا لَهم بِنِدائِهِمْ: ﴿ويا قَوْمِ إنِّي أخافُ عَلَيْكم يَوْمَ التَّنادِ﴾ وهو يَوْمُ الحَشْرِ. والتَّنادِي مَصْدَرُ تَنادى القَوْمُ أيْ: نادى بَعْضُهم بَعْضًا. قالَ الشّاعِرُ:(p-٤٦٤)
؎تَنادَوْا فَقالُوا أرَدْتَ الخَيْلَ فارِسًا فَقُلْتُ أعَبُدُ اللَّهَ ذَلِكُمُ الرَّدِي
وسُمِّيَ يَوْمَ التَّنادِي، إمّا لِنِداءِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ بِالوَيْلِ والثُّبُورِ، وإمّا لِتَنادِي أهْلِ الجَنَّةِ وأهْلِ النّارِ عَلى ما ذُكِرَ في سُورَةِ الأعْرافِ، وإمّا لِأنَّ الخَلْقَ يُنادَوْنَ إلى المَحْشَرِ، وإمّا لِنِداءِ المُؤْمِنِ: ﴿هاؤُمُ اقْرَءُوا كِتابِيَهْ﴾ [الحاقة: ١٩]، والكافِرِ: ﴿يالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٥] . وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: التَّنادْ، بِسُكُونِ الدّالِ في الوَصْلِ أجْراهُ مَجْرى الوَقْفِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والضِّحاكُ، وأبُو صالِحٍ، والكَلْبِيُّ، والزَّعْفَرانِيُّ، وابْنُ مِقْسَمٍ: التَّنادِّ، بِتَشْدِيدِ الدّالِ: مِن نَدَّ البَعِيرُ إذا هَرَبَ. كَما قالَ: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ مِن أخِيهِ﴾ [عبس: ٣٤] الآيَةَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وغَيْرُهُ: في ﴿التَّنادِ﴾ خَفِيفَةُ الدّالِ هو التَّنادِي، أيْ: يَكُونُ بَيْنَ النّاسِ عِنْدَ النَّفْخِ في الصُّوَرِ، ونَفْخَةِ الفَزَعِ في الدُّنْيا، وأنَّهم يَفِرُّونَ عَلى وُجُوهِهِمْ لِلْفَزَعِ الَّتِي نالَهم، ويُنادِي بَعْضُهم بَعْضًا.
ورُوِيَ هَذا التَّأْوِيلُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ التَّذَكُّرُ بِكُلِّ نِداءٍ في القِيامَةِ فِيهِ مَشَقَّةٌ عَلى الكُفّارِ والعُصاةِ. انْتَهى.
قالَ أُمَيَّةُ بْنُ أبِي الصَّلْتِ:
؎وبَثَّ الخَلْقَ فِيها إذْ دَحاها ∗∗∗ فَهم سُكّانُها حَتّى التَّنادِي
وفِي الحَدِيثِ: «إنَّ لِلنّاسِ جَوْلَةً يَوْمَ القِيامَةِ يَنِدُّونَ»، يَظُنُّونَ أنَّهم يَجِدُونَ مَهْرَبًا؛ ثُمَّ تَلا: ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾ .
قالَ مُجاهِدٌ: مَعْناهُ فارِّينَ. وقالَ السُّدِّيُّ: ﴿ما لَكم مِنَ اللَّهِ مِن عاصِمٍ﴾ في فِرارِكم حَتّى تُعَذَّبُوا في النّارِ.
وقالَ قَتادَةُ: ما لَكم في الِانْطِلاقِ إلَيْها مِن عاصِمٍ، أيْ: مانِعٍ، يَمْنَعُكم مِنها، أوْ ناصِرٍ.
ولَمّا يَئِسَ المُؤْمِنُ مِن قَبُولِها قالَ: ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ .
ثُمَّ أخَذَ يُوَبِّخُهم عَلى تَكْذِيبِ الرُّسُلِ، بِأنَّ يُوسُفَ قَدْ جاءَهم بِالبَيِّناتِ. والظّاهِرُ أنَّهُ يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ، وفِرْعَوْنُ هو فِرْعَوْنُ مُوسى، ورَوى أشْهَبُ عَنْ مالِكٍ أنَّهُ بَلَغَهُ أنَّ فِرْعَوْنَ عَمَّرَ أرْبَعَمِائَةِ سَنَةٍ وأرْبَعِينَ سَنَةً.
وقِيلَ: بَلِ الجائِي إلَيْهِمْ هو يُوسُفُ بْنُ إبْراهِيمَ بْنِ يُوسُفَ بْنِ يَعْقُوبَ، وأنَّ فِرْعَوْنَ هو فِرْعَوْنُ، غَيْرُ فِرْعَوْنَ مُوسى.
و﴿بِالبَيِّناتِ﴾: بِالمُعْجِزاتِ. فَلَمْ يَزالُوا شاكِّينَ في رِسالَتِهِ كافِرِينَ، حَتّى إذا تُوُفِّيَ، ﴿قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولًا﴾ ) . ولَيْسَ هَذا تَصْدِيقًا لِرِسالَتِهِ، وكَيْفَ وما زالُوا في شَكٍّ مِنهُ، وإنَّما المَعْنى: لا رَسُولَ مِن عِنْدِ اللَّهِ فَيَبْعَثَهُ إلى الخَلْقِ، فَفِيهِ نَفْيُ الرَّسُولِ، ونَفْيُ بَعْثَتِهِ.
وقُرِئَ: (ألَنْ يَبْعَثَ)، بِإدْخالِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ عَلى حَرْفِ النَّفْيِ، كَأنَّ بَعْضَهم يُقَرِّرُ بَعْضًا عَلى نَفْيِ البَعْثَةِ.
(كَذَلِكَ) أيْ: مِثْلُ إضْلالِ اللَّهِ إيّاكم، أيْ: حِينَ لَمْ تَقْبَلُوا مِن يُوسُفَ، ﴿يُضِلُّ اللَّهُ مَن هو مُسْرِفٌ مُرْتابٌ﴾: يَعْنِيهِمْ؛ إذْ هُمُ المُسْرِفُونَ المُرْتابُونَ في رِسالاتِ الأنْبِياءِ.
وجَوَّزُوا في ﴿الَّذِينَ يُجادِلُونَ﴾ أنْ تَكُونَ صِفَةً لِـ (مَن)، وبَدَلًا مِنهُ: أيْ مَعْناهُ جَمْعٌ ومُبْتَدَأٌ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: جِدالُ الَّذِينَ يُجادِلُونَ، حَتّى يَكُونَ الضَّمِيرُ في ﴿كَبُرَ﴾ عائِدًا عَلى ذَلِكَ أوَّلًا، أوْ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، والفاعِلُ بِـ ﴿كَبُرَ﴾ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى الجَدَلِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ: ﴿يُجادِلُونَ﴾، أوْ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى (مَن) عَلى لَفْظِها، عَلى أنْ يَكُونَ (الَّذِينَ) صِفَةً، أوْ بَدَلًا أُعِيدَ أوَّلًا عَلى لَفْظِ (مَن) في قَوْلِهِ: ﴿هُوَ مُسْرِفٌ كَذّابٌ﴾ [غافر: ٢٨] . ثُمَّ جَمَعَ الَّذِينَ عَلى مَعْنى (مَن)، ثُمَّ أفْرَدَ في قَوْلِهِ: ﴿كَبُرَ﴾ عَلى لَفْظِ (مَن) .
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ﴿الَّذِينَ يُجادِلُونَ﴾ مُبْتَدَأً و﴿بِغَيْرِ سُلْطانٍ أتاهُمْ﴾ خَبَرًا، وفاعِلُ ﴿كَبُرَ﴾ قَوْلُهُ: (كَذَلِكَ)، أيْ: ﴿كَبُرَ مَقْتًا﴾ مِثْلَ ذَلِكَ الجِدالِ، و﴿يَطْبَعُ اللَّهُ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ، ومَن قالَ: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ﴾ جِدالُهم، فَقَدْ حَذَفَ الفاعِلَ، والفاعِلُ لا يَصِحُّ حَذْفُهُ. انْتَهى، وهَذا الَّذِي أجازَهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِثْلُهُ في كَلامٍ فَصِيحٍ، (p-٤٦٥)فَكَيْفَ في كَلامِ اللَّهِ ؟ لِأنَّ فِيهِ تَفْكِيكَ الكَلامِ بَعْضِهِ مِن بَعْضٍ، وارْتِكابُ مَذْهَبِ الصَّحِيحِ خِلافُهُ.
أمّا تَفْكِيكُ الكَلامِ، فالظّاهِرُ أنَّ ﴿بِغَيْرِ سُلْطانٍ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ ﴿يُجادِلُونَ﴾، ولا يُتَعَقَّلُ جَعْلُهُ خَبَرًا لِلَّذِينِ؛ لِأنَّهُ جارٌّ ومَجْرُورٌ، فَيَصِيرُ التَّقْدِيرُ: ﴿الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ﴾: كائِنُونُ، أوْ مُسْتَقِرُّونَ، ﴿بِغَيْرِ سُلْطانٍ﴾، أيْ: في غَيْرِ سُلْطانٍ؛ لِأنَّ الباءَ إذا ذاكَ ظَرْفِيَّةٌ خَبَرٌ عَنِ الجُثَّةِ، وكَذَلِكَ في قَوْلِهِ يَطْبَعُ أنَّهُ مُسْتَأْنَفٌ فِيهِ تَفْكِيكُ الكَلامِ؛ لِأنَّ ما جاءَ في القُرْآنِ مِن ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ﴾، أوْ نَطْبَعُ، إنَّما جاءَ مَرْبُوطًا بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، فَكَذَلِكَ هُنا. وأمّا ارْتِكابُ مَذْهَبِ الصَّحِيحِ خِلافُهُ، فَجَعَلَ الكافَ اسْمًا فاعِلًا بِـ ﴿كَبُرَ﴾، وذَلِكَ لا يَجُوزُ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ إلّا الأخْفَشَ، ولَمْ يَثْبُتْ في كَلامِ العَرَبِ، أعْنِي نَثْرَها: جاءَنِي كَزَيْدٍ، تُرِيدُ: مِثْلَ زَيْدٍ، فَلَمْ تَثْبُتِ اسْمِيَّتُها، فَتَكُونُ فاعِلَةً.
وأمّا قَوْلُهُ: ومَن قالَ إلى آخِرِهِ، فَإنَّ قائِلَ ذَلِكَ وهو الحَوْفِيُّ، والظَّنُّ بِهِ أنَّهُ فَسَّرَ المَعْنى ولَمْ يُرِدِ الإعْرابَ. وأمّا تَفْسِيرُ الإعْرابِ أنَّ الفاعِلَ بِـ ﴿كَبُرَ﴾ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى الجِدالِ المَفْهُومِ مِن ﴿يُجادِلُونَ﴾، كَما قالُوا: مَن كَذَبَ كانَ شَرًّا لَهُ، أيْ: كانَ هو، أيِ: الكَذِبُ المَفْهُومُ مِن كَذَبَ. والأوْلى في إعْرابِ هَذا الكَلامِ أنْ يَكُونَ ﴿الَّذِينَ﴾ مُبْتَدَأً وخَبَرُهُ ﴿كَبُرَ﴾، والفاعِلُ ضَمِيرُ المَصْدَرِ المَفْهُومِ مِن ﴿يُجادِلُونَ﴾، وهَذِهِ الصِّفَةُ مَوْجُودَةٌ في فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ، ويَكُونُ الواعِظُ لَهم قَدْ عَدَلَ عَنْ مُخاطَبَتِهِمْ إلى الِاسْمِ الغائِبِ، لِحُسْنِ مُحاوَرَتِهِ لَهم واسْتِجْلابِ قُلُوبِهِمْ، وإبْرازِ ذَلِكَ في صُورَةِ تَذْكِيرِهِمْ، ولا يُفَجِئُهم بِالخِطابِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿كَبُرَ مَقْتًا﴾ ضَرْبٌ مِنَ التَّعَجُّبِ والِاسْتِعْظامِ لِجِدالِهِمْ والشَّهادَةِ عَلى خُرُوجِهِ عَنْ حَدِّ إشْكالِهِ مِنَ الكَبائِرِ.
(كَذَلِكَ) أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ الطَّبْعِ عَلى قُلُوبِ المُجادِلِينَ، ﴿يَطْبَعُ اللَّهُ﴾ أيْ: يَخْتِمُ بِالضَّلالَةِ ويَحْجُبُ عَنِ الهُدى. وقَرَأ أبُو عَمْرِو بْنُ ذَكْوانَ، والأعْرَجُ، بِخِلافٍ عَنْهُ: (قَلْبٍ) بِالتَّنْوِينِ، وصَفَ القَلْبَ بِالتَّكَبُّرِ والجَبَرُوتِ، لِكَوْنِهِ مَرْكَزَهُما ومَنبَعَهُما، كَما يَقُولُونَ: رَأتِ العَيْنُ، وكَما قالَ: ﴿فَإنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، والإثْمُ: الجُمْلَةُ، وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ عَلى حَذْفِ المُضافِ، أيْ: عَلى كُلِّ ذِي قَلْبٍ مُتَكَبِّرٍ، بِجَعْلِ الصِّفَةِ لِصاحِبِ القَلْبِ. انْتَهى، ولا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلى اعْتِقادِ الحَذْفِ.
وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ: ﴿قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ﴾ بِالإضافَةِ، والمُضافُ فِيهِ العامُّ عامٌّ، فَلَزِمَ عُمُومُ مُتَكَبِّرٍ جَبّارٍ. وقالَ مُقاتِلٌ: المُتَكَبِّرُ: المُعانِدُ في تَعْظِيمِ أمْرِ اللَّهِ، والجَبّارُ: المُسَلَّطُ عَلى خَلْقِ اللَّهِ.
﴿وقالَ فِرْعَوْنُ يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحًا﴾، أقْوالُ فِرْعَوْنَ: ذَرُونِي أقْتُلُ مُوسى، ما أُرِيكم إلّا ما أرى، يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحًا، حَيْدَةٌ عَنْ مُحاجَّةِ مُوسى، ورُجُوعٌ إلى أشْياءَ لا تَصِحُّ، وذَلِكَ كُلُّهُ لِما خامَرَهُ مِنَ الجَزَعِ والخَوْفِ وعَدَمِ المُقاوَمَةِ، والتَّعَرُّفِ أنَّ هَلاكَهُ وهَلاكَ قَوْمِهِ عَلى يَدِ مُوسى، وأنَّ قُدْرَتَهُ عَجَزَتْ عَنِ التَّأْثِيرِ في مُوسى، هَذا عَلى كَثْرَةِ سَفْكِهِ الدِّماءَ.
وتَقَدَّمَ الكَلامُ في الصَّرْحِ في سُورَةِ القَصَصِ فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ.
قالَ السُّدِّيُّ: الأسْبابُ: الطُّرُقُ. وقالَ قَتادَةُ: الأبْوابُ؛ وقِيلَ: عَنى لَعَلَّهُ يَجِدُ مَعَ قُرْبِهِ مِنَ السَّماءِ سَبَبًا يَتَعَلَّقُ بِهِ، وما أدّاكَ إلى شَيْءٍ فَهو سَبَبٌ، وأبْهَمَ أوَّلًا الأسْبابَ، ثُمَّ أبْدَلَ مِنها ما أوْضَحَها. والإيضاحُ بَعْدَ الإبْهامِ يُفِيدُ تَفْخِيمَ الشَّيْءِ، إذْ في الإبْهامِ تَشَوُّقٌ لِلْمُرادِ، وتَعَجُّبٌ مِنَ المَقْصُودِ، ثُمَّ بِالتَّوْضِيحِ يَحْصُلُ المَقْصُودُ ويَتَعَيَّنُ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فَأطَّلِعُ﴾ رَفْعًا، عَطْفًا عَلى ﴿أبْلُغُ﴾ فَكِلاهُما مُتَرَجًّى. وقَرَأ الأعْرَجُ، وأبُو حَيْوَةَ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، والزَّعْفَرانِيُّ، وابْنُ مِقْسَمٍ، وحَفْصٌ: ﴿فَأطَّلِعَ﴾، بِنَصْبِ العَيْنِ. وقالَ أبُو القاسِمِ بْنُ جِبارَةَ، وابْنُ عَطِيَّةَ: عَلى جَوابِ التَّمَنِّي. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَلى جَوابِ التَّرَجِّي، تَشْبِيهًا لِلتَّرَجِّي بِالتَّمَنِّي. انْتَهى.
وقَدْ فَرَّقَ النُّحاةُ بَيْنَ التَّمَنِّي والتَّرَجِّي، فَذَكَرُوا أنَّ التَّمَنِّيَ يَكُونُ في المُمْكِنِ والمُمْتَنِعِ، والتَّرَجِّيَ يَكُونُ في المُمْكِنِ.
وبُلُوغُ أسْبابِ السَّماواتِ غَيْرُ مُمْكِنٍ، لَكِنَّ فِرْعَوْنَ أبْرَزَ ما لا يُمْكِنُ في صُورَةِ المُمْكِنِ تَمْوِيهًا عَلى سامِعِيهِ.
وأمّا النَّصْبُ بَعْدَ الفاءِ في جَوابِ التَّرَجِّي فَشَيْءٌ أجازَهُ الكُوفِيُّونَ ومَنَعَهُ البَصْرِيُّونَ، واحْتَجَّ (p-٤٦٦)الكُوفِيُّونَ بِهَذِهِ القِراءَةِ وبِقِراءَةِ عاصِمٍ، ﴿فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى﴾ [عبس: ٤] في سُورَةِ عَبَسَ، إذْ هو جَوابُ التَّرَجِّي في قَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّهُ يَزَّكّى﴾ [عبس: ٣] ﴿أوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى﴾ [عبس: ٤] . وقَدْ تَأوَّلْنا ذَلِكَ عَلى أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى التَّوَهُّمِ؛ لِأنَّ خَبَرَ لَعَلَّ كَثِيرًا جاءَ مَقْرُونًا بِأنْ في النَّظْمِ كَثِيرًا، وفي النَّثْرِ قَلِيلًا.
فَمَن نَصَبَ تَوَهَّمَ أنَّ الفِعْلَ المَرْفُوعَ الواقِعَ خَبَرًا كانَ مَنصُوبًا بِأنْ، والعَطْفُ عَلى التَّوَهُّمِ كَثِيرٌ، وإنْ كانَ لا يَنْقاسُ، لَكِنْ إنْ وقَعَ شَيْءٌ وأمْكَنَ تَخْرِيجُهُ عَلَيْهِ خَرَجَ، وأمّا هُنا، ﴿فَأطَّلِعَ﴾ فَقَدْ جَعَلَهُ بَعْضُهم جَوابًا لِلْأمْرِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿ابْنِ لِي صَرْحًا﴾، كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎يا ناقُ سِيرِي عُنُقًا فَسِيحًا ∗∗∗ إلى سُلَيْمانَ فَنَسْتَرِيحا
ولَمّا قالَ: ﴿فَأطَّلِعَ إلى إلَهِ مُوسى﴾، كانَ ذَلِكَ إقْرارًا بِإلَهِ مُوسى، فاسْتَدْرَكَ هَذا الإقْرارَ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنِّي لَأظُنُّهُ﴾ أيْ: في ادِّعاءِ الإلَهِيَّةِ، كَما قالَ في القَصَصِ: ﴿لَعَلِّي أطَّلِعُ إلى إلَهِ مُوسى وإنِّي لَأظُنُّهُ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ [القصص: ٣٨] .
﴿وكَذَلِكَ﴾ أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ التَّزْيِينِ في إيهامِ فِرْعَوْنَ أنَّهُ يَطَّلِعُ إلى إلَهِ مُوسى.
﴿زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ﴾ . وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ﴾ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ؛ وقُرِئَ: (زَيَّنَ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿وصُدَّ﴾ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ أيْ: وصَدَّ فِرْعَوْنُ؛ والكُوفِيُّونَ: بِضَمِّ الصّادِ مُناسِبًا لِـ ﴿زُيِّنَ﴾ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ؛ وابْنُ وثّابٍ: بِكَسْرِ الصّادِ، أصْلُهُ صَدُدَ، نَقُلَتِ الحَرَكَةُ إلى الصّادِ بَعْدَ تَوَهُّمِ حَذْفِها؛ وابْنُ إسْحاقَ، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي بَكْرَةَ، بِفَتْحِ الصّادِ وضَمِّ الدّالِ، مُنَوَّنَةً عَطْفًا عَلى ﴿سُوءُ عَمَلِهِ﴾ . والتِّبابُ: الخُسْرانُ، خَسِرَ مُلْكَهُ في الدُّنْيا فِيها بِالغَرَقِ، وفي الآخِرَةِ بِخُلُودِ النّارِ، وتَكَرَّرَ وعْظُ المُؤْمِنِ إثْرَ كَلامِ فِرْعَوْنَ بِنِدائِهِ قَوْمَهُ مَرَّتَيْنِ، مُتْبِعًا كُلَّ نِداءٍ بِما فِيهِ زَجْرٌ واتِّعاظٌ لَوْ وُجِدَ مَن يَقْبَلُ، وأمَرَ هُنا بِاتِّباعِهِ؛ لِأنْ يَهْدِيَهم سَبِيلَ الرَّشادِ.
وقَرَأ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ: بِشَدِّ الشِّينِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ذَلِكَ. والرَّدُّ عَلى مَن جَعَلَ هَذِهِ القِراءَةَ في كَلامِ فِرْعَوْنَ، وأجْمَلَ أوَّلًا في قَوْلِهِ: ﴿سَبِيلَ الرَّشادِ﴾، وهو سَبِيلُ الإيمانِ بِاللَّهِ واتِّباعِ شَرْعِهِ.
ثُمَّ فَسَّرَ، فافْتَتَحَ بِذَمِّ الدُّنْيا وبِصِغَرِ شَأْنِها، وأنَّها مَتاعٌ زائِلٌ، هي ومَن تَمَتَّعَ بِها، وأنَّ الآخِرَةَ هي دارُ القَرارِ الَّتِي لا انْفِكاكَ مِنها، إمّا إلى جَنَّةٍ، وإمّا إلى نارٍ.
وكَذَلِكَ قالَ: ﴿مَن عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزى إلّا مِثْلَها﴾ . وقَرَأ أبُو رَجاءٍ، وشَيْبَةُ، والأعْمَشُ، والأخَوانِ، والصّاحِبانِ، وحَفْصٌ: ﴿يَدْخُلُونَ﴾ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وباقِي السَّبْعَةِ، والأعْرَجُ، والحَسَنُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وعِيسى: مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ.
غافر 40:36
﴿وقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ إنِّي أخافُ عَلَيْكم مِثْلَ يَوْمِ الأحْزابِ﴾ [غافر: ٣٠] ﴿مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ والَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ وما اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبادِ﴾ [غافر: ٣١] ﴿ويا قَوْمِ إنِّي أخافُ عَلَيْكم يَوْمَ التَّنادِ﴾ ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ ما لَكم مِنَ اللَّهِ مِن عاصِمٍ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ ﴿ولَقَدْ جاءَكم يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالبَيِّناتِ فَما زِلْتُمْ في شَكٍّ مِمّا جاءَكم بِهِ حَتّى إذا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن هو مُسْرِفٌ مُرْتابٌ﴾ ﴿الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أتاهم كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبّارٍ﴾ ﴿وقالَ فِرْعَوْنُ يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أبْلُغُ الأسْبابَ﴾ ﴿أسْبابَ السَّماواتِ فَأطَّلِعَ إلى إلَهِ مُوسى وإنِّي لَأظُنُّهُ كاذِبًا وكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وما كَيْدُ فِرْعَوْنَ إلّا في تَبابٍ﴾ ﴿وقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أهْدِكم سَبِيلَ الرَّشادِ﴾ ﴿يا قَوْمِ إنَّما هَذِهِ الحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ وإنَّ الآخِرَةَ هي دارُ القَرارِ﴾ ﴿مَن عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزى إلّا مِثْلَها ومَن عَمِلَ صالِحًا مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ .
(p-٤٤٥)الجُمْهُورُ: عَلى أنَّ هَذا المُؤْمِنَ هو الرَّجُلُ القائِلُ: ( ﴿أتَقْتُلُونَ رَجُلًا﴾ [غافر: ٢٨]، قَصَّ اللَّهُ أقاوِيلَهُ إلى آخَرِ الآياتِ.
لَمّا رَأى ما لَحِقَ فِرْعَوْنَ مِنَ الخَوَرِ والخَوْفِ، أتى بِنَوْعٍ آخَرَ مِنَ التَّهْدِيدِ، وخَوَّفَهم أنْ يُصِيبَهم ما أصابَ الأُمَمَ السّابِقَةَ مِنَ اسْتِئْصالِ الهَلاكِ حِينَ كَذَّبُوا رُسُلَهم، وقَوِيَتْ نَفْسُهُ حَتّى سَرَدَ عَلَيْهِ ما سَرَدَ، ولَمْ يَهَبْ فِرْعَوْنَ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ كَلامُ ذَلِكَ المُؤْمِنِ قَدْ تَمَّ، وإنَّما أرادَ تَعالى بِالَّذِي آمَنَ بِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - واحْتَجُّوا بِقُوَّةِ كَلامِهِ، وأنَّهُ جَنَحَ مَعَهم بِالإيمانِ، وذَكَرَ عَذابَ الآخِرَةِ وغَيْرَ ذَلِكَ، ولَمْ يَكُنْ كَلامُ الأوَّلِ إلّا عَلانِيَةً لَهم، وأفْرَدَ اليَوْمَ، إمّا لِأنَّ المَعْنى مِثْلُ أيّامِ الأحْزابِ، أوْ أرادَ بِهِ الجَمْعَ، أيْ: مِثْلَ أيّامِ الأحْزابِ؛ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ أنَّ كُلَّ حِزْبٍ كانَ لَهُ يَوْمٌ. والأحْزابُ: الَّذِينَ تَحَزَّبُوا عَلى أنْبِياءِ اللَّهِ.
و﴿مِثْلَ دَأْبِ﴾ [غافر: ٣١]، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: بَدَلٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَطْفُ بَيانٍ.
وقالَ الزَّجّاجُ: مِثْلَ يَوْمِ حِزْبٍ، و(دَأبِ) عادَتُهم ودَيْدَنُهم في الكُفْرِ والمَعاصِي.
﴿وما اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبادِ﴾ [غافر: ٣١]، أيْ: إنَّ إهْلاكَهُ إيّاهم كانَ عَدْلًا مِنهُ، وفِيهِ مُبالَغَةٌ في نَفْيِ الظُّلْمِ، حَيْثُ عَلَّقَهُ بِالإرادَةِ. فَإذا نَفاهُ عَنِ الإرادَةِ، كانَ نَفْيُهُ عَنِ الوُقُوعِ أوْلى وأحْرى.
ولَمّا خَوَّفَهم أنْ يَحِلَّ بِهِمْ في الدُّنْيا ما حَلَّ بِالأحْزابِ، خَوَّفَهم أمْرَ الآخِرَةِ فَقالَ، تَعَطُّفًا لَهم بِنِدائِهِمْ: ﴿ويا قَوْمِ إنِّي أخافُ عَلَيْكم يَوْمَ التَّنادِ﴾ وهو يَوْمُ الحَشْرِ. والتَّنادِي مَصْدَرُ تَنادى القَوْمُ أيْ: نادى بَعْضُهم بَعْضًا. قالَ الشّاعِرُ:(p-٤٦٤)
؎تَنادَوْا فَقالُوا أرَدْتَ الخَيْلَ فارِسًا فَقُلْتُ أعَبُدُ اللَّهَ ذَلِكُمُ الرَّدِي
وسُمِّيَ يَوْمَ التَّنادِي، إمّا لِنِداءِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ بِالوَيْلِ والثُّبُورِ، وإمّا لِتَنادِي أهْلِ الجَنَّةِ وأهْلِ النّارِ عَلى ما ذُكِرَ في سُورَةِ الأعْرافِ، وإمّا لِأنَّ الخَلْقَ يُنادَوْنَ إلى المَحْشَرِ، وإمّا لِنِداءِ المُؤْمِنِ: ﴿هاؤُمُ اقْرَءُوا كِتابِيَهْ﴾ [الحاقة: ١٩]، والكافِرِ: ﴿يالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٥] . وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: التَّنادْ، بِسُكُونِ الدّالِ في الوَصْلِ أجْراهُ مَجْرى الوَقْفِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والضِّحاكُ، وأبُو صالِحٍ، والكَلْبِيُّ، والزَّعْفَرانِيُّ، وابْنُ مِقْسَمٍ: التَّنادِّ، بِتَشْدِيدِ الدّالِ: مِن نَدَّ البَعِيرُ إذا هَرَبَ. كَما قالَ: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ مِن أخِيهِ﴾ [عبس: ٣٤] الآيَةَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وغَيْرُهُ: في ﴿التَّنادِ﴾ خَفِيفَةُ الدّالِ هو التَّنادِي، أيْ: يَكُونُ بَيْنَ النّاسِ عِنْدَ النَّفْخِ في الصُّوَرِ، ونَفْخَةِ الفَزَعِ في الدُّنْيا، وأنَّهم يَفِرُّونَ عَلى وُجُوهِهِمْ لِلْفَزَعِ الَّتِي نالَهم، ويُنادِي بَعْضُهم بَعْضًا.
ورُوِيَ هَذا التَّأْوِيلُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ التَّذَكُّرُ بِكُلِّ نِداءٍ في القِيامَةِ فِيهِ مَشَقَّةٌ عَلى الكُفّارِ والعُصاةِ. انْتَهى.
قالَ أُمَيَّةُ بْنُ أبِي الصَّلْتِ:
؎وبَثَّ الخَلْقَ فِيها إذْ دَحاها ∗∗∗ فَهم سُكّانُها حَتّى التَّنادِي
وفِي الحَدِيثِ: «إنَّ لِلنّاسِ جَوْلَةً يَوْمَ القِيامَةِ يَنِدُّونَ»، يَظُنُّونَ أنَّهم يَجِدُونَ مَهْرَبًا؛ ثُمَّ تَلا: ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾ .
قالَ مُجاهِدٌ: مَعْناهُ فارِّينَ. وقالَ السُّدِّيُّ: ﴿ما لَكم مِنَ اللَّهِ مِن عاصِمٍ﴾ في فِرارِكم حَتّى تُعَذَّبُوا في النّارِ.
وقالَ قَتادَةُ: ما لَكم في الِانْطِلاقِ إلَيْها مِن عاصِمٍ، أيْ: مانِعٍ، يَمْنَعُكم مِنها، أوْ ناصِرٍ.
ولَمّا يَئِسَ المُؤْمِنُ مِن قَبُولِها قالَ: ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ .
ثُمَّ أخَذَ يُوَبِّخُهم عَلى تَكْذِيبِ الرُّسُلِ، بِأنَّ يُوسُفَ قَدْ جاءَهم بِالبَيِّناتِ. والظّاهِرُ أنَّهُ يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ، وفِرْعَوْنُ هو فِرْعَوْنُ مُوسى، ورَوى أشْهَبُ عَنْ مالِكٍ أنَّهُ بَلَغَهُ أنَّ فِرْعَوْنَ عَمَّرَ أرْبَعَمِائَةِ سَنَةٍ وأرْبَعِينَ سَنَةً.
وقِيلَ: بَلِ الجائِي إلَيْهِمْ هو يُوسُفُ بْنُ إبْراهِيمَ بْنِ يُوسُفَ بْنِ يَعْقُوبَ، وأنَّ فِرْعَوْنَ هو فِرْعَوْنُ، غَيْرُ فِرْعَوْنَ مُوسى.
و﴿بِالبَيِّناتِ﴾: بِالمُعْجِزاتِ. فَلَمْ يَزالُوا شاكِّينَ في رِسالَتِهِ كافِرِينَ، حَتّى إذا تُوُفِّيَ، ﴿قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولًا﴾ ) . ولَيْسَ هَذا تَصْدِيقًا لِرِسالَتِهِ، وكَيْفَ وما زالُوا في شَكٍّ مِنهُ، وإنَّما المَعْنى: لا رَسُولَ مِن عِنْدِ اللَّهِ فَيَبْعَثَهُ إلى الخَلْقِ، فَفِيهِ نَفْيُ الرَّسُولِ، ونَفْيُ بَعْثَتِهِ.
وقُرِئَ: (ألَنْ يَبْعَثَ)، بِإدْخالِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ عَلى حَرْفِ النَّفْيِ، كَأنَّ بَعْضَهم يُقَرِّرُ بَعْضًا عَلى نَفْيِ البَعْثَةِ.
(كَذَلِكَ) أيْ: مِثْلُ إضْلالِ اللَّهِ إيّاكم، أيْ: حِينَ لَمْ تَقْبَلُوا مِن يُوسُفَ، ﴿يُضِلُّ اللَّهُ مَن هو مُسْرِفٌ مُرْتابٌ﴾: يَعْنِيهِمْ؛ إذْ هُمُ المُسْرِفُونَ المُرْتابُونَ في رِسالاتِ الأنْبِياءِ.
وجَوَّزُوا في ﴿الَّذِينَ يُجادِلُونَ﴾ أنْ تَكُونَ صِفَةً لِـ (مَن)، وبَدَلًا مِنهُ: أيْ مَعْناهُ جَمْعٌ ومُبْتَدَأٌ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: جِدالُ الَّذِينَ يُجادِلُونَ، حَتّى يَكُونَ الضَّمِيرُ في ﴿كَبُرَ﴾ عائِدًا عَلى ذَلِكَ أوَّلًا، أوْ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، والفاعِلُ بِـ ﴿كَبُرَ﴾ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى الجَدَلِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ: ﴿يُجادِلُونَ﴾، أوْ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى (مَن) عَلى لَفْظِها، عَلى أنْ يَكُونَ (الَّذِينَ) صِفَةً، أوْ بَدَلًا أُعِيدَ أوَّلًا عَلى لَفْظِ (مَن) في قَوْلِهِ: ﴿هُوَ مُسْرِفٌ كَذّابٌ﴾ [غافر: ٢٨] . ثُمَّ جَمَعَ الَّذِينَ عَلى مَعْنى (مَن)، ثُمَّ أفْرَدَ في قَوْلِهِ: ﴿كَبُرَ﴾ عَلى لَفْظِ (مَن) .
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ﴿الَّذِينَ يُجادِلُونَ﴾ مُبْتَدَأً و﴿بِغَيْرِ سُلْطانٍ أتاهُمْ﴾ خَبَرًا، وفاعِلُ ﴿كَبُرَ﴾ قَوْلُهُ: (كَذَلِكَ)، أيْ: ﴿كَبُرَ مَقْتًا﴾ مِثْلَ ذَلِكَ الجِدالِ، و﴿يَطْبَعُ اللَّهُ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ، ومَن قالَ: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ﴾ جِدالُهم، فَقَدْ حَذَفَ الفاعِلَ، والفاعِلُ لا يَصِحُّ حَذْفُهُ. انْتَهى، وهَذا الَّذِي أجازَهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِثْلُهُ في كَلامٍ فَصِيحٍ، (p-٤٦٥)فَكَيْفَ في كَلامِ اللَّهِ ؟ لِأنَّ فِيهِ تَفْكِيكَ الكَلامِ بَعْضِهِ مِن بَعْضٍ، وارْتِكابُ مَذْهَبِ الصَّحِيحِ خِلافُهُ.
أمّا تَفْكِيكُ الكَلامِ، فالظّاهِرُ أنَّ ﴿بِغَيْرِ سُلْطانٍ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ ﴿يُجادِلُونَ﴾، ولا يُتَعَقَّلُ جَعْلُهُ خَبَرًا لِلَّذِينِ؛ لِأنَّهُ جارٌّ ومَجْرُورٌ، فَيَصِيرُ التَّقْدِيرُ: ﴿الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ﴾: كائِنُونُ، أوْ مُسْتَقِرُّونَ، ﴿بِغَيْرِ سُلْطانٍ﴾، أيْ: في غَيْرِ سُلْطانٍ؛ لِأنَّ الباءَ إذا ذاكَ ظَرْفِيَّةٌ خَبَرٌ عَنِ الجُثَّةِ، وكَذَلِكَ في قَوْلِهِ يَطْبَعُ أنَّهُ مُسْتَأْنَفٌ فِيهِ تَفْكِيكُ الكَلامِ؛ لِأنَّ ما جاءَ في القُرْآنِ مِن ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ﴾، أوْ نَطْبَعُ، إنَّما جاءَ مَرْبُوطًا بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، فَكَذَلِكَ هُنا. وأمّا ارْتِكابُ مَذْهَبِ الصَّحِيحِ خِلافُهُ، فَجَعَلَ الكافَ اسْمًا فاعِلًا بِـ ﴿كَبُرَ﴾، وذَلِكَ لا يَجُوزُ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ إلّا الأخْفَشَ، ولَمْ يَثْبُتْ في كَلامِ العَرَبِ، أعْنِي نَثْرَها: جاءَنِي كَزَيْدٍ، تُرِيدُ: مِثْلَ زَيْدٍ، فَلَمْ تَثْبُتِ اسْمِيَّتُها، فَتَكُونُ فاعِلَةً.
وأمّا قَوْلُهُ: ومَن قالَ إلى آخِرِهِ، فَإنَّ قائِلَ ذَلِكَ وهو الحَوْفِيُّ، والظَّنُّ بِهِ أنَّهُ فَسَّرَ المَعْنى ولَمْ يُرِدِ الإعْرابَ. وأمّا تَفْسِيرُ الإعْرابِ أنَّ الفاعِلَ بِـ ﴿كَبُرَ﴾ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى الجِدالِ المَفْهُومِ مِن ﴿يُجادِلُونَ﴾، كَما قالُوا: مَن كَذَبَ كانَ شَرًّا لَهُ، أيْ: كانَ هو، أيِ: الكَذِبُ المَفْهُومُ مِن كَذَبَ. والأوْلى في إعْرابِ هَذا الكَلامِ أنْ يَكُونَ ﴿الَّذِينَ﴾ مُبْتَدَأً وخَبَرُهُ ﴿كَبُرَ﴾، والفاعِلُ ضَمِيرُ المَصْدَرِ المَفْهُومِ مِن ﴿يُجادِلُونَ﴾، وهَذِهِ الصِّفَةُ مَوْجُودَةٌ في فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ، ويَكُونُ الواعِظُ لَهم قَدْ عَدَلَ عَنْ مُخاطَبَتِهِمْ إلى الِاسْمِ الغائِبِ، لِحُسْنِ مُحاوَرَتِهِ لَهم واسْتِجْلابِ قُلُوبِهِمْ، وإبْرازِ ذَلِكَ في صُورَةِ تَذْكِيرِهِمْ، ولا يُفَجِئُهم بِالخِطابِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿كَبُرَ مَقْتًا﴾ ضَرْبٌ مِنَ التَّعَجُّبِ والِاسْتِعْظامِ لِجِدالِهِمْ والشَّهادَةِ عَلى خُرُوجِهِ عَنْ حَدِّ إشْكالِهِ مِنَ الكَبائِرِ.
(كَذَلِكَ) أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ الطَّبْعِ عَلى قُلُوبِ المُجادِلِينَ، ﴿يَطْبَعُ اللَّهُ﴾ أيْ: يَخْتِمُ بِالضَّلالَةِ ويَحْجُبُ عَنِ الهُدى. وقَرَأ أبُو عَمْرِو بْنُ ذَكْوانَ، والأعْرَجُ، بِخِلافٍ عَنْهُ: (قَلْبٍ) بِالتَّنْوِينِ، وصَفَ القَلْبَ بِالتَّكَبُّرِ والجَبَرُوتِ، لِكَوْنِهِ مَرْكَزَهُما ومَنبَعَهُما، كَما يَقُولُونَ: رَأتِ العَيْنُ، وكَما قالَ: ﴿فَإنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، والإثْمُ: الجُمْلَةُ، وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ عَلى حَذْفِ المُضافِ، أيْ: عَلى كُلِّ ذِي قَلْبٍ مُتَكَبِّرٍ، بِجَعْلِ الصِّفَةِ لِصاحِبِ القَلْبِ. انْتَهى، ولا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلى اعْتِقادِ الحَذْفِ.
وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ: ﴿قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ﴾ بِالإضافَةِ، والمُضافُ فِيهِ العامُّ عامٌّ، فَلَزِمَ عُمُومُ مُتَكَبِّرٍ جَبّارٍ. وقالَ مُقاتِلٌ: المُتَكَبِّرُ: المُعانِدُ في تَعْظِيمِ أمْرِ اللَّهِ، والجَبّارُ: المُسَلَّطُ عَلى خَلْقِ اللَّهِ.
﴿وقالَ فِرْعَوْنُ يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحًا﴾، أقْوالُ فِرْعَوْنَ: ذَرُونِي أقْتُلُ مُوسى، ما أُرِيكم إلّا ما أرى، يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحًا، حَيْدَةٌ عَنْ مُحاجَّةِ مُوسى، ورُجُوعٌ إلى أشْياءَ لا تَصِحُّ، وذَلِكَ كُلُّهُ لِما خامَرَهُ مِنَ الجَزَعِ والخَوْفِ وعَدَمِ المُقاوَمَةِ، والتَّعَرُّفِ أنَّ هَلاكَهُ وهَلاكَ قَوْمِهِ عَلى يَدِ مُوسى، وأنَّ قُدْرَتَهُ عَجَزَتْ عَنِ التَّأْثِيرِ في مُوسى، هَذا عَلى كَثْرَةِ سَفْكِهِ الدِّماءَ.
وتَقَدَّمَ الكَلامُ في الصَّرْحِ في سُورَةِ القَصَصِ فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ.
قالَ السُّدِّيُّ: الأسْبابُ: الطُّرُقُ. وقالَ قَتادَةُ: الأبْوابُ؛ وقِيلَ: عَنى لَعَلَّهُ يَجِدُ مَعَ قُرْبِهِ مِنَ السَّماءِ سَبَبًا يَتَعَلَّقُ بِهِ، وما أدّاكَ إلى شَيْءٍ فَهو سَبَبٌ، وأبْهَمَ أوَّلًا الأسْبابَ، ثُمَّ أبْدَلَ مِنها ما أوْضَحَها. والإيضاحُ بَعْدَ الإبْهامِ يُفِيدُ تَفْخِيمَ الشَّيْءِ، إذْ في الإبْهامِ تَشَوُّقٌ لِلْمُرادِ، وتَعَجُّبٌ مِنَ المَقْصُودِ، ثُمَّ بِالتَّوْضِيحِ يَحْصُلُ المَقْصُودُ ويَتَعَيَّنُ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فَأطَّلِعُ﴾ رَفْعًا، عَطْفًا عَلى ﴿أبْلُغُ﴾ فَكِلاهُما مُتَرَجًّى. وقَرَأ الأعْرَجُ، وأبُو حَيْوَةَ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، والزَّعْفَرانِيُّ، وابْنُ مِقْسَمٍ، وحَفْصٌ: ﴿فَأطَّلِعَ﴾، بِنَصْبِ العَيْنِ. وقالَ أبُو القاسِمِ بْنُ جِبارَةَ، وابْنُ عَطِيَّةَ: عَلى جَوابِ التَّمَنِّي. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَلى جَوابِ التَّرَجِّي، تَشْبِيهًا لِلتَّرَجِّي بِالتَّمَنِّي. انْتَهى.
وقَدْ فَرَّقَ النُّحاةُ بَيْنَ التَّمَنِّي والتَّرَجِّي، فَذَكَرُوا أنَّ التَّمَنِّيَ يَكُونُ في المُمْكِنِ والمُمْتَنِعِ، والتَّرَجِّيَ يَكُونُ في المُمْكِنِ.
وبُلُوغُ أسْبابِ السَّماواتِ غَيْرُ مُمْكِنٍ، لَكِنَّ فِرْعَوْنَ أبْرَزَ ما لا يُمْكِنُ في صُورَةِ المُمْكِنِ تَمْوِيهًا عَلى سامِعِيهِ.
وأمّا النَّصْبُ بَعْدَ الفاءِ في جَوابِ التَّرَجِّي فَشَيْءٌ أجازَهُ الكُوفِيُّونَ ومَنَعَهُ البَصْرِيُّونَ، واحْتَجَّ (p-٤٦٦)الكُوفِيُّونَ بِهَذِهِ القِراءَةِ وبِقِراءَةِ عاصِمٍ، ﴿فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى﴾ [عبس: ٤] في سُورَةِ عَبَسَ، إذْ هو جَوابُ التَّرَجِّي في قَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّهُ يَزَّكّى﴾ [عبس: ٣] ﴿أوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى﴾ [عبس: ٤] . وقَدْ تَأوَّلْنا ذَلِكَ عَلى أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى التَّوَهُّمِ؛ لِأنَّ خَبَرَ لَعَلَّ كَثِيرًا جاءَ مَقْرُونًا بِأنْ في النَّظْمِ كَثِيرًا، وفي النَّثْرِ قَلِيلًا.
فَمَن نَصَبَ تَوَهَّمَ أنَّ الفِعْلَ المَرْفُوعَ الواقِعَ خَبَرًا كانَ مَنصُوبًا بِأنْ، والعَطْفُ عَلى التَّوَهُّمِ كَثِيرٌ، وإنْ كانَ لا يَنْقاسُ، لَكِنْ إنْ وقَعَ شَيْءٌ وأمْكَنَ تَخْرِيجُهُ عَلَيْهِ خَرَجَ، وأمّا هُنا، ﴿فَأطَّلِعَ﴾ فَقَدْ جَعَلَهُ بَعْضُهم جَوابًا لِلْأمْرِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿ابْنِ لِي صَرْحًا﴾، كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎يا ناقُ سِيرِي عُنُقًا فَسِيحًا ∗∗∗ إلى سُلَيْمانَ فَنَسْتَرِيحا
ولَمّا قالَ: ﴿فَأطَّلِعَ إلى إلَهِ مُوسى﴾، كانَ ذَلِكَ إقْرارًا بِإلَهِ مُوسى، فاسْتَدْرَكَ هَذا الإقْرارَ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنِّي لَأظُنُّهُ﴾ أيْ: في ادِّعاءِ الإلَهِيَّةِ، كَما قالَ في القَصَصِ: ﴿لَعَلِّي أطَّلِعُ إلى إلَهِ مُوسى وإنِّي لَأظُنُّهُ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ [القصص: ٣٨] .
﴿وكَذَلِكَ﴾ أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ التَّزْيِينِ في إيهامِ فِرْعَوْنَ أنَّهُ يَطَّلِعُ إلى إلَهِ مُوسى.
﴿زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ﴾ . وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ﴾ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ؛ وقُرِئَ: (زَيَّنَ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿وصُدَّ﴾ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ أيْ: وصَدَّ فِرْعَوْنُ؛ والكُوفِيُّونَ: بِضَمِّ الصّادِ مُناسِبًا لِـ ﴿زُيِّنَ﴾ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ؛ وابْنُ وثّابٍ: بِكَسْرِ الصّادِ، أصْلُهُ صَدُدَ، نَقُلَتِ الحَرَكَةُ إلى الصّادِ بَعْدَ تَوَهُّمِ حَذْفِها؛ وابْنُ إسْحاقَ، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي بَكْرَةَ، بِفَتْحِ الصّادِ وضَمِّ الدّالِ، مُنَوَّنَةً عَطْفًا عَلى ﴿سُوءُ عَمَلِهِ﴾ . والتِّبابُ: الخُسْرانُ، خَسِرَ مُلْكَهُ في الدُّنْيا فِيها بِالغَرَقِ، وفي الآخِرَةِ بِخُلُودِ النّارِ، وتَكَرَّرَ وعْظُ المُؤْمِنِ إثْرَ كَلامِ فِرْعَوْنَ بِنِدائِهِ قَوْمَهُ مَرَّتَيْنِ، مُتْبِعًا كُلَّ نِداءٍ بِما فِيهِ زَجْرٌ واتِّعاظٌ لَوْ وُجِدَ مَن يَقْبَلُ، وأمَرَ هُنا بِاتِّباعِهِ؛ لِأنْ يَهْدِيَهم سَبِيلَ الرَّشادِ.
وقَرَأ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ: بِشَدِّ الشِّينِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ذَلِكَ. والرَّدُّ عَلى مَن جَعَلَ هَذِهِ القِراءَةَ في كَلامِ فِرْعَوْنَ، وأجْمَلَ أوَّلًا في قَوْلِهِ: ﴿سَبِيلَ الرَّشادِ﴾، وهو سَبِيلُ الإيمانِ بِاللَّهِ واتِّباعِ شَرْعِهِ.
ثُمَّ فَسَّرَ، فافْتَتَحَ بِذَمِّ الدُّنْيا وبِصِغَرِ شَأْنِها، وأنَّها مَتاعٌ زائِلٌ، هي ومَن تَمَتَّعَ بِها، وأنَّ الآخِرَةَ هي دارُ القَرارِ الَّتِي لا انْفِكاكَ مِنها، إمّا إلى جَنَّةٍ، وإمّا إلى نارٍ.
وكَذَلِكَ قالَ: ﴿مَن عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزى إلّا مِثْلَها﴾ . وقَرَأ أبُو رَجاءٍ، وشَيْبَةُ، والأعْمَشُ، والأخَوانِ، والصّاحِبانِ، وحَفْصٌ: ﴿يَدْخُلُونَ﴾ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وباقِي السَّبْعَةِ، والأعْرَجُ، والحَسَنُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وعِيسى: مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ.
غافر 40:37
﴿وقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ إنِّي أخافُ عَلَيْكم مِثْلَ يَوْمِ الأحْزابِ﴾ [غافر: ٣٠] ﴿مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ والَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ وما اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبادِ﴾ [غافر: ٣١] ﴿ويا قَوْمِ إنِّي أخافُ عَلَيْكم يَوْمَ التَّنادِ﴾ ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ ما لَكم مِنَ اللَّهِ مِن عاصِمٍ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ ﴿ولَقَدْ جاءَكم يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالبَيِّناتِ فَما زِلْتُمْ في شَكٍّ مِمّا جاءَكم بِهِ حَتّى إذا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن هو مُسْرِفٌ مُرْتابٌ﴾ ﴿الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أتاهم كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبّارٍ﴾ ﴿وقالَ فِرْعَوْنُ يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أبْلُغُ الأسْبابَ﴾ ﴿أسْبابَ السَّماواتِ فَأطَّلِعَ إلى إلَهِ مُوسى وإنِّي لَأظُنُّهُ كاذِبًا وكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وما كَيْدُ فِرْعَوْنَ إلّا في تَبابٍ﴾ ﴿وقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أهْدِكم سَبِيلَ الرَّشادِ﴾ ﴿يا قَوْمِ إنَّما هَذِهِ الحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ وإنَّ الآخِرَةَ هي دارُ القَرارِ﴾ ﴿مَن عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزى إلّا مِثْلَها ومَن عَمِلَ صالِحًا مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ .
(p-٤٤٥)الجُمْهُورُ: عَلى أنَّ هَذا المُؤْمِنَ هو الرَّجُلُ القائِلُ: ( ﴿أتَقْتُلُونَ رَجُلًا﴾ [غافر: ٢٨]، قَصَّ اللَّهُ أقاوِيلَهُ إلى آخَرِ الآياتِ.
لَمّا رَأى ما لَحِقَ فِرْعَوْنَ مِنَ الخَوَرِ والخَوْفِ، أتى بِنَوْعٍ آخَرَ مِنَ التَّهْدِيدِ، وخَوَّفَهم أنْ يُصِيبَهم ما أصابَ الأُمَمَ السّابِقَةَ مِنَ اسْتِئْصالِ الهَلاكِ حِينَ كَذَّبُوا رُسُلَهم، وقَوِيَتْ نَفْسُهُ حَتّى سَرَدَ عَلَيْهِ ما سَرَدَ، ولَمْ يَهَبْ فِرْعَوْنَ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ كَلامُ ذَلِكَ المُؤْمِنِ قَدْ تَمَّ، وإنَّما أرادَ تَعالى بِالَّذِي آمَنَ بِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - واحْتَجُّوا بِقُوَّةِ كَلامِهِ، وأنَّهُ جَنَحَ مَعَهم بِالإيمانِ، وذَكَرَ عَذابَ الآخِرَةِ وغَيْرَ ذَلِكَ، ولَمْ يَكُنْ كَلامُ الأوَّلِ إلّا عَلانِيَةً لَهم، وأفْرَدَ اليَوْمَ، إمّا لِأنَّ المَعْنى مِثْلُ أيّامِ الأحْزابِ، أوْ أرادَ بِهِ الجَمْعَ، أيْ: مِثْلَ أيّامِ الأحْزابِ؛ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ أنَّ كُلَّ حِزْبٍ كانَ لَهُ يَوْمٌ. والأحْزابُ: الَّذِينَ تَحَزَّبُوا عَلى أنْبِياءِ اللَّهِ.
و﴿مِثْلَ دَأْبِ﴾ [غافر: ٣١]، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: بَدَلٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَطْفُ بَيانٍ.
وقالَ الزَّجّاجُ: مِثْلَ يَوْمِ حِزْبٍ، و(دَأبِ) عادَتُهم ودَيْدَنُهم في الكُفْرِ والمَعاصِي.
﴿وما اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبادِ﴾ [غافر: ٣١]، أيْ: إنَّ إهْلاكَهُ إيّاهم كانَ عَدْلًا مِنهُ، وفِيهِ مُبالَغَةٌ في نَفْيِ الظُّلْمِ، حَيْثُ عَلَّقَهُ بِالإرادَةِ. فَإذا نَفاهُ عَنِ الإرادَةِ، كانَ نَفْيُهُ عَنِ الوُقُوعِ أوْلى وأحْرى.
ولَمّا خَوَّفَهم أنْ يَحِلَّ بِهِمْ في الدُّنْيا ما حَلَّ بِالأحْزابِ، خَوَّفَهم أمْرَ الآخِرَةِ فَقالَ، تَعَطُّفًا لَهم بِنِدائِهِمْ: ﴿ويا قَوْمِ إنِّي أخافُ عَلَيْكم يَوْمَ التَّنادِ﴾ وهو يَوْمُ الحَشْرِ. والتَّنادِي مَصْدَرُ تَنادى القَوْمُ أيْ: نادى بَعْضُهم بَعْضًا. قالَ الشّاعِرُ:(p-٤٦٤)
؎تَنادَوْا فَقالُوا أرَدْتَ الخَيْلَ فارِسًا فَقُلْتُ أعَبُدُ اللَّهَ ذَلِكُمُ الرَّدِي
وسُمِّيَ يَوْمَ التَّنادِي، إمّا لِنِداءِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ بِالوَيْلِ والثُّبُورِ، وإمّا لِتَنادِي أهْلِ الجَنَّةِ وأهْلِ النّارِ عَلى ما ذُكِرَ في سُورَةِ الأعْرافِ، وإمّا لِأنَّ الخَلْقَ يُنادَوْنَ إلى المَحْشَرِ، وإمّا لِنِداءِ المُؤْمِنِ: ﴿هاؤُمُ اقْرَءُوا كِتابِيَهْ﴾ [الحاقة: ١٩]، والكافِرِ: ﴿يالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٥] . وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: التَّنادْ، بِسُكُونِ الدّالِ في الوَصْلِ أجْراهُ مَجْرى الوَقْفِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والضِّحاكُ، وأبُو صالِحٍ، والكَلْبِيُّ، والزَّعْفَرانِيُّ، وابْنُ مِقْسَمٍ: التَّنادِّ، بِتَشْدِيدِ الدّالِ: مِن نَدَّ البَعِيرُ إذا هَرَبَ. كَما قالَ: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ مِن أخِيهِ﴾ [عبس: ٣٤] الآيَةَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وغَيْرُهُ: في ﴿التَّنادِ﴾ خَفِيفَةُ الدّالِ هو التَّنادِي، أيْ: يَكُونُ بَيْنَ النّاسِ عِنْدَ النَّفْخِ في الصُّوَرِ، ونَفْخَةِ الفَزَعِ في الدُّنْيا، وأنَّهم يَفِرُّونَ عَلى وُجُوهِهِمْ لِلْفَزَعِ الَّتِي نالَهم، ويُنادِي بَعْضُهم بَعْضًا.
ورُوِيَ هَذا التَّأْوِيلُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ التَّذَكُّرُ بِكُلِّ نِداءٍ في القِيامَةِ فِيهِ مَشَقَّةٌ عَلى الكُفّارِ والعُصاةِ. انْتَهى.
قالَ أُمَيَّةُ بْنُ أبِي الصَّلْتِ:
؎وبَثَّ الخَلْقَ فِيها إذْ دَحاها ∗∗∗ فَهم سُكّانُها حَتّى التَّنادِي
وفِي الحَدِيثِ: «إنَّ لِلنّاسِ جَوْلَةً يَوْمَ القِيامَةِ يَنِدُّونَ»، يَظُنُّونَ أنَّهم يَجِدُونَ مَهْرَبًا؛ ثُمَّ تَلا: ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾ .
قالَ مُجاهِدٌ: مَعْناهُ فارِّينَ. وقالَ السُّدِّيُّ: ﴿ما لَكم مِنَ اللَّهِ مِن عاصِمٍ﴾ في فِرارِكم حَتّى تُعَذَّبُوا في النّارِ.
وقالَ قَتادَةُ: ما لَكم في الِانْطِلاقِ إلَيْها مِن عاصِمٍ، أيْ: مانِعٍ، يَمْنَعُكم مِنها، أوْ ناصِرٍ.
ولَمّا يَئِسَ المُؤْمِنُ مِن قَبُولِها قالَ: ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ .
ثُمَّ أخَذَ يُوَبِّخُهم عَلى تَكْذِيبِ الرُّسُلِ، بِأنَّ يُوسُفَ قَدْ جاءَهم بِالبَيِّناتِ. والظّاهِرُ أنَّهُ يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ، وفِرْعَوْنُ هو فِرْعَوْنُ مُوسى، ورَوى أشْهَبُ عَنْ مالِكٍ أنَّهُ بَلَغَهُ أنَّ فِرْعَوْنَ عَمَّرَ أرْبَعَمِائَةِ سَنَةٍ وأرْبَعِينَ سَنَةً.
وقِيلَ: بَلِ الجائِي إلَيْهِمْ هو يُوسُفُ بْنُ إبْراهِيمَ بْنِ يُوسُفَ بْنِ يَعْقُوبَ، وأنَّ فِرْعَوْنَ هو فِرْعَوْنُ، غَيْرُ فِرْعَوْنَ مُوسى.
و﴿بِالبَيِّناتِ﴾: بِالمُعْجِزاتِ. فَلَمْ يَزالُوا شاكِّينَ في رِسالَتِهِ كافِرِينَ، حَتّى إذا تُوُفِّيَ، ﴿قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولًا﴾ ) . ولَيْسَ هَذا تَصْدِيقًا لِرِسالَتِهِ، وكَيْفَ وما زالُوا في شَكٍّ مِنهُ، وإنَّما المَعْنى: لا رَسُولَ مِن عِنْدِ اللَّهِ فَيَبْعَثَهُ إلى الخَلْقِ، فَفِيهِ نَفْيُ الرَّسُولِ، ونَفْيُ بَعْثَتِهِ.
وقُرِئَ: (ألَنْ يَبْعَثَ)، بِإدْخالِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ عَلى حَرْفِ النَّفْيِ، كَأنَّ بَعْضَهم يُقَرِّرُ بَعْضًا عَلى نَفْيِ البَعْثَةِ.
(كَذَلِكَ) أيْ: مِثْلُ إضْلالِ اللَّهِ إيّاكم، أيْ: حِينَ لَمْ تَقْبَلُوا مِن يُوسُفَ، ﴿يُضِلُّ اللَّهُ مَن هو مُسْرِفٌ مُرْتابٌ﴾: يَعْنِيهِمْ؛ إذْ هُمُ المُسْرِفُونَ المُرْتابُونَ في رِسالاتِ الأنْبِياءِ.
وجَوَّزُوا في ﴿الَّذِينَ يُجادِلُونَ﴾ أنْ تَكُونَ صِفَةً لِـ (مَن)، وبَدَلًا مِنهُ: أيْ مَعْناهُ جَمْعٌ ومُبْتَدَأٌ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: جِدالُ الَّذِينَ يُجادِلُونَ، حَتّى يَكُونَ الضَّمِيرُ في ﴿كَبُرَ﴾ عائِدًا عَلى ذَلِكَ أوَّلًا، أوْ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، والفاعِلُ بِـ ﴿كَبُرَ﴾ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى الجَدَلِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ: ﴿يُجادِلُونَ﴾، أوْ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى (مَن) عَلى لَفْظِها، عَلى أنْ يَكُونَ (الَّذِينَ) صِفَةً، أوْ بَدَلًا أُعِيدَ أوَّلًا عَلى لَفْظِ (مَن) في قَوْلِهِ: ﴿هُوَ مُسْرِفٌ كَذّابٌ﴾ [غافر: ٢٨] . ثُمَّ جَمَعَ الَّذِينَ عَلى مَعْنى (مَن)، ثُمَّ أفْرَدَ في قَوْلِهِ: ﴿كَبُرَ﴾ عَلى لَفْظِ (مَن) .
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ﴿الَّذِينَ يُجادِلُونَ﴾ مُبْتَدَأً و﴿بِغَيْرِ سُلْطانٍ أتاهُمْ﴾ خَبَرًا، وفاعِلُ ﴿كَبُرَ﴾ قَوْلُهُ: (كَذَلِكَ)، أيْ: ﴿كَبُرَ مَقْتًا﴾ مِثْلَ ذَلِكَ الجِدالِ، و﴿يَطْبَعُ اللَّهُ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ، ومَن قالَ: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ﴾ جِدالُهم، فَقَدْ حَذَفَ الفاعِلَ، والفاعِلُ لا يَصِحُّ حَذْفُهُ. انْتَهى، وهَذا الَّذِي أجازَهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِثْلُهُ في كَلامٍ فَصِيحٍ، (p-٤٦٥)فَكَيْفَ في كَلامِ اللَّهِ ؟ لِأنَّ فِيهِ تَفْكِيكَ الكَلامِ بَعْضِهِ مِن بَعْضٍ، وارْتِكابُ مَذْهَبِ الصَّحِيحِ خِلافُهُ.
أمّا تَفْكِيكُ الكَلامِ، فالظّاهِرُ أنَّ ﴿بِغَيْرِ سُلْطانٍ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ ﴿يُجادِلُونَ﴾، ولا يُتَعَقَّلُ جَعْلُهُ خَبَرًا لِلَّذِينِ؛ لِأنَّهُ جارٌّ ومَجْرُورٌ، فَيَصِيرُ التَّقْدِيرُ: ﴿الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ﴾: كائِنُونُ، أوْ مُسْتَقِرُّونَ، ﴿بِغَيْرِ سُلْطانٍ﴾، أيْ: في غَيْرِ سُلْطانٍ؛ لِأنَّ الباءَ إذا ذاكَ ظَرْفِيَّةٌ خَبَرٌ عَنِ الجُثَّةِ، وكَذَلِكَ في قَوْلِهِ يَطْبَعُ أنَّهُ مُسْتَأْنَفٌ فِيهِ تَفْكِيكُ الكَلامِ؛ لِأنَّ ما جاءَ في القُرْآنِ مِن ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ﴾، أوْ نَطْبَعُ، إنَّما جاءَ مَرْبُوطًا بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، فَكَذَلِكَ هُنا. وأمّا ارْتِكابُ مَذْهَبِ الصَّحِيحِ خِلافُهُ، فَجَعَلَ الكافَ اسْمًا فاعِلًا بِـ ﴿كَبُرَ﴾، وذَلِكَ لا يَجُوزُ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ إلّا الأخْفَشَ، ولَمْ يَثْبُتْ في كَلامِ العَرَبِ، أعْنِي نَثْرَها: جاءَنِي كَزَيْدٍ، تُرِيدُ: مِثْلَ زَيْدٍ، فَلَمْ تَثْبُتِ اسْمِيَّتُها، فَتَكُونُ فاعِلَةً.
وأمّا قَوْلُهُ: ومَن قالَ إلى آخِرِهِ، فَإنَّ قائِلَ ذَلِكَ وهو الحَوْفِيُّ، والظَّنُّ بِهِ أنَّهُ فَسَّرَ المَعْنى ولَمْ يُرِدِ الإعْرابَ. وأمّا تَفْسِيرُ الإعْرابِ أنَّ الفاعِلَ بِـ ﴿كَبُرَ﴾ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى الجِدالِ المَفْهُومِ مِن ﴿يُجادِلُونَ﴾، كَما قالُوا: مَن كَذَبَ كانَ شَرًّا لَهُ، أيْ: كانَ هو، أيِ: الكَذِبُ المَفْهُومُ مِن كَذَبَ. والأوْلى في إعْرابِ هَذا الكَلامِ أنْ يَكُونَ ﴿الَّذِينَ﴾ مُبْتَدَأً وخَبَرُهُ ﴿كَبُرَ﴾، والفاعِلُ ضَمِيرُ المَصْدَرِ المَفْهُومِ مِن ﴿يُجادِلُونَ﴾، وهَذِهِ الصِّفَةُ مَوْجُودَةٌ في فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ، ويَكُونُ الواعِظُ لَهم قَدْ عَدَلَ عَنْ مُخاطَبَتِهِمْ إلى الِاسْمِ الغائِبِ، لِحُسْنِ مُحاوَرَتِهِ لَهم واسْتِجْلابِ قُلُوبِهِمْ، وإبْرازِ ذَلِكَ في صُورَةِ تَذْكِيرِهِمْ، ولا يُفَجِئُهم بِالخِطابِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿كَبُرَ مَقْتًا﴾ ضَرْبٌ مِنَ التَّعَجُّبِ والِاسْتِعْظامِ لِجِدالِهِمْ والشَّهادَةِ عَلى خُرُوجِهِ عَنْ حَدِّ إشْكالِهِ مِنَ الكَبائِرِ.
(كَذَلِكَ) أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ الطَّبْعِ عَلى قُلُوبِ المُجادِلِينَ، ﴿يَطْبَعُ اللَّهُ﴾ أيْ: يَخْتِمُ بِالضَّلالَةِ ويَحْجُبُ عَنِ الهُدى. وقَرَأ أبُو عَمْرِو بْنُ ذَكْوانَ، والأعْرَجُ، بِخِلافٍ عَنْهُ: (قَلْبٍ) بِالتَّنْوِينِ، وصَفَ القَلْبَ بِالتَّكَبُّرِ والجَبَرُوتِ، لِكَوْنِهِ مَرْكَزَهُما ومَنبَعَهُما، كَما يَقُولُونَ: رَأتِ العَيْنُ، وكَما قالَ: ﴿فَإنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، والإثْمُ: الجُمْلَةُ، وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ عَلى حَذْفِ المُضافِ، أيْ: عَلى كُلِّ ذِي قَلْبٍ مُتَكَبِّرٍ، بِجَعْلِ الصِّفَةِ لِصاحِبِ القَلْبِ. انْتَهى، ولا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلى اعْتِقادِ الحَذْفِ.
وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ: ﴿قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ﴾ بِالإضافَةِ، والمُضافُ فِيهِ العامُّ عامٌّ، فَلَزِمَ عُمُومُ مُتَكَبِّرٍ جَبّارٍ. وقالَ مُقاتِلٌ: المُتَكَبِّرُ: المُعانِدُ في تَعْظِيمِ أمْرِ اللَّهِ، والجَبّارُ: المُسَلَّطُ عَلى خَلْقِ اللَّهِ.
﴿وقالَ فِرْعَوْنُ يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحًا﴾، أقْوالُ فِرْعَوْنَ: ذَرُونِي أقْتُلُ مُوسى، ما أُرِيكم إلّا ما أرى، يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحًا، حَيْدَةٌ عَنْ مُحاجَّةِ مُوسى، ورُجُوعٌ إلى أشْياءَ لا تَصِحُّ، وذَلِكَ كُلُّهُ لِما خامَرَهُ مِنَ الجَزَعِ والخَوْفِ وعَدَمِ المُقاوَمَةِ، والتَّعَرُّفِ أنَّ هَلاكَهُ وهَلاكَ قَوْمِهِ عَلى يَدِ مُوسى، وأنَّ قُدْرَتَهُ عَجَزَتْ عَنِ التَّأْثِيرِ في مُوسى، هَذا عَلى كَثْرَةِ سَفْكِهِ الدِّماءَ.
وتَقَدَّمَ الكَلامُ في الصَّرْحِ في سُورَةِ القَصَصِ فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ.
قالَ السُّدِّيُّ: الأسْبابُ: الطُّرُقُ. وقالَ قَتادَةُ: الأبْوابُ؛ وقِيلَ: عَنى لَعَلَّهُ يَجِدُ مَعَ قُرْبِهِ مِنَ السَّماءِ سَبَبًا يَتَعَلَّقُ بِهِ، وما أدّاكَ إلى شَيْءٍ فَهو سَبَبٌ، وأبْهَمَ أوَّلًا الأسْبابَ، ثُمَّ أبْدَلَ مِنها ما أوْضَحَها. والإيضاحُ بَعْدَ الإبْهامِ يُفِيدُ تَفْخِيمَ الشَّيْءِ، إذْ في الإبْهامِ تَشَوُّقٌ لِلْمُرادِ، وتَعَجُّبٌ مِنَ المَقْصُودِ، ثُمَّ بِالتَّوْضِيحِ يَحْصُلُ المَقْصُودُ ويَتَعَيَّنُ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فَأطَّلِعُ﴾ رَفْعًا، عَطْفًا عَلى ﴿أبْلُغُ﴾ فَكِلاهُما مُتَرَجًّى. وقَرَأ الأعْرَجُ، وأبُو حَيْوَةَ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، والزَّعْفَرانِيُّ، وابْنُ مِقْسَمٍ، وحَفْصٌ: ﴿فَأطَّلِعَ﴾، بِنَصْبِ العَيْنِ. وقالَ أبُو القاسِمِ بْنُ جِبارَةَ، وابْنُ عَطِيَّةَ: عَلى جَوابِ التَّمَنِّي. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَلى جَوابِ التَّرَجِّي، تَشْبِيهًا لِلتَّرَجِّي بِالتَّمَنِّي. انْتَهى.
وقَدْ فَرَّقَ النُّحاةُ بَيْنَ التَّمَنِّي والتَّرَجِّي، فَذَكَرُوا أنَّ التَّمَنِّيَ يَكُونُ في المُمْكِنِ والمُمْتَنِعِ، والتَّرَجِّيَ يَكُونُ في المُمْكِنِ.
وبُلُوغُ أسْبابِ السَّماواتِ غَيْرُ مُمْكِنٍ، لَكِنَّ فِرْعَوْنَ أبْرَزَ ما لا يُمْكِنُ في صُورَةِ المُمْكِنِ تَمْوِيهًا عَلى سامِعِيهِ.
وأمّا النَّصْبُ بَعْدَ الفاءِ في جَوابِ التَّرَجِّي فَشَيْءٌ أجازَهُ الكُوفِيُّونَ ومَنَعَهُ البَصْرِيُّونَ، واحْتَجَّ (p-٤٦٦)الكُوفِيُّونَ بِهَذِهِ القِراءَةِ وبِقِراءَةِ عاصِمٍ، ﴿فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى﴾ [عبس: ٤] في سُورَةِ عَبَسَ، إذْ هو جَوابُ التَّرَجِّي في قَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّهُ يَزَّكّى﴾ [عبس: ٣] ﴿أوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى﴾ [عبس: ٤] . وقَدْ تَأوَّلْنا ذَلِكَ عَلى أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى التَّوَهُّمِ؛ لِأنَّ خَبَرَ لَعَلَّ كَثِيرًا جاءَ مَقْرُونًا بِأنْ في النَّظْمِ كَثِيرًا، وفي النَّثْرِ قَلِيلًا.
فَمَن نَصَبَ تَوَهَّمَ أنَّ الفِعْلَ المَرْفُوعَ الواقِعَ خَبَرًا كانَ مَنصُوبًا بِأنْ، والعَطْفُ عَلى التَّوَهُّمِ كَثِيرٌ، وإنْ كانَ لا يَنْقاسُ، لَكِنْ إنْ وقَعَ شَيْءٌ وأمْكَنَ تَخْرِيجُهُ عَلَيْهِ خَرَجَ، وأمّا هُنا، ﴿فَأطَّلِعَ﴾ فَقَدْ جَعَلَهُ بَعْضُهم جَوابًا لِلْأمْرِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿ابْنِ لِي صَرْحًا﴾، كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎يا ناقُ سِيرِي عُنُقًا فَسِيحًا ∗∗∗ إلى سُلَيْمانَ فَنَسْتَرِيحا
ولَمّا قالَ: ﴿فَأطَّلِعَ إلى إلَهِ مُوسى﴾، كانَ ذَلِكَ إقْرارًا بِإلَهِ مُوسى، فاسْتَدْرَكَ هَذا الإقْرارَ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنِّي لَأظُنُّهُ﴾ أيْ: في ادِّعاءِ الإلَهِيَّةِ، كَما قالَ في القَصَصِ: ﴿لَعَلِّي أطَّلِعُ إلى إلَهِ مُوسى وإنِّي لَأظُنُّهُ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ [القصص: ٣٨] .
﴿وكَذَلِكَ﴾ أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ التَّزْيِينِ في إيهامِ فِرْعَوْنَ أنَّهُ يَطَّلِعُ إلى إلَهِ مُوسى.
﴿زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ﴾ . وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ﴾ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ؛ وقُرِئَ: (زَيَّنَ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿وصُدَّ﴾ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ أيْ: وصَدَّ فِرْعَوْنُ؛ والكُوفِيُّونَ: بِضَمِّ الصّادِ مُناسِبًا لِـ ﴿زُيِّنَ﴾ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ؛ وابْنُ وثّابٍ: بِكَسْرِ الصّادِ، أصْلُهُ صَدُدَ، نَقُلَتِ الحَرَكَةُ إلى الصّادِ بَعْدَ تَوَهُّمِ حَذْفِها؛ وابْنُ إسْحاقَ، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي بَكْرَةَ، بِفَتْحِ الصّادِ وضَمِّ الدّالِ، مُنَوَّنَةً عَطْفًا عَلى ﴿سُوءُ عَمَلِهِ﴾ . والتِّبابُ: الخُسْرانُ، خَسِرَ مُلْكَهُ في الدُّنْيا فِيها بِالغَرَقِ، وفي الآخِرَةِ بِخُلُودِ النّارِ، وتَكَرَّرَ وعْظُ المُؤْمِنِ إثْرَ كَلامِ فِرْعَوْنَ بِنِدائِهِ قَوْمَهُ مَرَّتَيْنِ، مُتْبِعًا كُلَّ نِداءٍ بِما فِيهِ زَجْرٌ واتِّعاظٌ لَوْ وُجِدَ مَن يَقْبَلُ، وأمَرَ هُنا بِاتِّباعِهِ؛ لِأنْ يَهْدِيَهم سَبِيلَ الرَّشادِ.
وقَرَأ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ: بِشَدِّ الشِّينِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ذَلِكَ. والرَّدُّ عَلى مَن جَعَلَ هَذِهِ القِراءَةَ في كَلامِ فِرْعَوْنَ، وأجْمَلَ أوَّلًا في قَوْلِهِ: ﴿سَبِيلَ الرَّشادِ﴾، وهو سَبِيلُ الإيمانِ بِاللَّهِ واتِّباعِ شَرْعِهِ.
ثُمَّ فَسَّرَ، فافْتَتَحَ بِذَمِّ الدُّنْيا وبِصِغَرِ شَأْنِها، وأنَّها مَتاعٌ زائِلٌ، هي ومَن تَمَتَّعَ بِها، وأنَّ الآخِرَةَ هي دارُ القَرارِ الَّتِي لا انْفِكاكَ مِنها، إمّا إلى جَنَّةٍ، وإمّا إلى نارٍ.
وكَذَلِكَ قالَ: ﴿مَن عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزى إلّا مِثْلَها﴾ . وقَرَأ أبُو رَجاءٍ، وشَيْبَةُ، والأعْمَشُ، والأخَوانِ، والصّاحِبانِ، وحَفْصٌ: ﴿يَدْخُلُونَ﴾ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وباقِي السَّبْعَةِ، والأعْرَجُ، والحَسَنُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وعِيسى: مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ.
غافر 40:38
﴿وقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ إنِّي أخافُ عَلَيْكم مِثْلَ يَوْمِ الأحْزابِ﴾ [غافر: ٣٠] ﴿مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ والَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ وما اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبادِ﴾ [غافر: ٣١] ﴿ويا قَوْمِ إنِّي أخافُ عَلَيْكم يَوْمَ التَّنادِ﴾ ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ ما لَكم مِنَ اللَّهِ مِن عاصِمٍ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ ﴿ولَقَدْ جاءَكم يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالبَيِّناتِ فَما زِلْتُمْ في شَكٍّ مِمّا جاءَكم بِهِ حَتّى إذا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن هو مُسْرِفٌ مُرْتابٌ﴾ ﴿الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أتاهم كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبّارٍ﴾ ﴿وقالَ فِرْعَوْنُ يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أبْلُغُ الأسْبابَ﴾ ﴿أسْبابَ السَّماواتِ فَأطَّلِعَ إلى إلَهِ مُوسى وإنِّي لَأظُنُّهُ كاذِبًا وكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وما كَيْدُ فِرْعَوْنَ إلّا في تَبابٍ﴾ ﴿وقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أهْدِكم سَبِيلَ الرَّشادِ﴾ ﴿يا قَوْمِ إنَّما هَذِهِ الحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ وإنَّ الآخِرَةَ هي دارُ القَرارِ﴾ ﴿مَن عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزى إلّا مِثْلَها ومَن عَمِلَ صالِحًا مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ .
(p-٤٤٥)الجُمْهُورُ: عَلى أنَّ هَذا المُؤْمِنَ هو الرَّجُلُ القائِلُ: ( ﴿أتَقْتُلُونَ رَجُلًا﴾ [غافر: ٢٨]، قَصَّ اللَّهُ أقاوِيلَهُ إلى آخَرِ الآياتِ.
لَمّا رَأى ما لَحِقَ فِرْعَوْنَ مِنَ الخَوَرِ والخَوْفِ، أتى بِنَوْعٍ آخَرَ مِنَ التَّهْدِيدِ، وخَوَّفَهم أنْ يُصِيبَهم ما أصابَ الأُمَمَ السّابِقَةَ مِنَ اسْتِئْصالِ الهَلاكِ حِينَ كَذَّبُوا رُسُلَهم، وقَوِيَتْ نَفْسُهُ حَتّى سَرَدَ عَلَيْهِ ما سَرَدَ، ولَمْ يَهَبْ فِرْعَوْنَ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ كَلامُ ذَلِكَ المُؤْمِنِ قَدْ تَمَّ، وإنَّما أرادَ تَعالى بِالَّذِي آمَنَ بِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - واحْتَجُّوا بِقُوَّةِ كَلامِهِ، وأنَّهُ جَنَحَ مَعَهم بِالإيمانِ، وذَكَرَ عَذابَ الآخِرَةِ وغَيْرَ ذَلِكَ، ولَمْ يَكُنْ كَلامُ الأوَّلِ إلّا عَلانِيَةً لَهم، وأفْرَدَ اليَوْمَ، إمّا لِأنَّ المَعْنى مِثْلُ أيّامِ الأحْزابِ، أوْ أرادَ بِهِ الجَمْعَ، أيْ: مِثْلَ أيّامِ الأحْزابِ؛ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ أنَّ كُلَّ حِزْبٍ كانَ لَهُ يَوْمٌ. والأحْزابُ: الَّذِينَ تَحَزَّبُوا عَلى أنْبِياءِ اللَّهِ.
و﴿مِثْلَ دَأْبِ﴾ [غافر: ٣١]، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: بَدَلٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَطْفُ بَيانٍ.
وقالَ الزَّجّاجُ: مِثْلَ يَوْمِ حِزْبٍ، و(دَأبِ) عادَتُهم ودَيْدَنُهم في الكُفْرِ والمَعاصِي.
﴿وما اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبادِ﴾ [غافر: ٣١]، أيْ: إنَّ إهْلاكَهُ إيّاهم كانَ عَدْلًا مِنهُ، وفِيهِ مُبالَغَةٌ في نَفْيِ الظُّلْمِ، حَيْثُ عَلَّقَهُ بِالإرادَةِ. فَإذا نَفاهُ عَنِ الإرادَةِ، كانَ نَفْيُهُ عَنِ الوُقُوعِ أوْلى وأحْرى.
ولَمّا خَوَّفَهم أنْ يَحِلَّ بِهِمْ في الدُّنْيا ما حَلَّ بِالأحْزابِ، خَوَّفَهم أمْرَ الآخِرَةِ فَقالَ، تَعَطُّفًا لَهم بِنِدائِهِمْ: ﴿ويا قَوْمِ إنِّي أخافُ عَلَيْكم يَوْمَ التَّنادِ﴾ وهو يَوْمُ الحَشْرِ. والتَّنادِي مَصْدَرُ تَنادى القَوْمُ أيْ: نادى بَعْضُهم بَعْضًا. قالَ الشّاعِرُ:(p-٤٦٤)
؎تَنادَوْا فَقالُوا أرَدْتَ الخَيْلَ فارِسًا فَقُلْتُ أعَبُدُ اللَّهَ ذَلِكُمُ الرَّدِي
وسُمِّيَ يَوْمَ التَّنادِي، إمّا لِنِداءِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ بِالوَيْلِ والثُّبُورِ، وإمّا لِتَنادِي أهْلِ الجَنَّةِ وأهْلِ النّارِ عَلى ما ذُكِرَ في سُورَةِ الأعْرافِ، وإمّا لِأنَّ الخَلْقَ يُنادَوْنَ إلى المَحْشَرِ، وإمّا لِنِداءِ المُؤْمِنِ: ﴿هاؤُمُ اقْرَءُوا كِتابِيَهْ﴾ [الحاقة: ١٩]، والكافِرِ: ﴿يالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٥] . وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: التَّنادْ، بِسُكُونِ الدّالِ في الوَصْلِ أجْراهُ مَجْرى الوَقْفِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والضِّحاكُ، وأبُو صالِحٍ، والكَلْبِيُّ، والزَّعْفَرانِيُّ، وابْنُ مِقْسَمٍ: التَّنادِّ، بِتَشْدِيدِ الدّالِ: مِن نَدَّ البَعِيرُ إذا هَرَبَ. كَما قالَ: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ مِن أخِيهِ﴾ [عبس: ٣٤] الآيَةَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وغَيْرُهُ: في ﴿التَّنادِ﴾ خَفِيفَةُ الدّالِ هو التَّنادِي، أيْ: يَكُونُ بَيْنَ النّاسِ عِنْدَ النَّفْخِ في الصُّوَرِ، ونَفْخَةِ الفَزَعِ في الدُّنْيا، وأنَّهم يَفِرُّونَ عَلى وُجُوهِهِمْ لِلْفَزَعِ الَّتِي نالَهم، ويُنادِي بَعْضُهم بَعْضًا.
ورُوِيَ هَذا التَّأْوِيلُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ التَّذَكُّرُ بِكُلِّ نِداءٍ في القِيامَةِ فِيهِ مَشَقَّةٌ عَلى الكُفّارِ والعُصاةِ. انْتَهى.
قالَ أُمَيَّةُ بْنُ أبِي الصَّلْتِ:
؎وبَثَّ الخَلْقَ فِيها إذْ دَحاها ∗∗∗ فَهم سُكّانُها حَتّى التَّنادِي
وفِي الحَدِيثِ: «إنَّ لِلنّاسِ جَوْلَةً يَوْمَ القِيامَةِ يَنِدُّونَ»، يَظُنُّونَ أنَّهم يَجِدُونَ مَهْرَبًا؛ ثُمَّ تَلا: ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾ .
قالَ مُجاهِدٌ: مَعْناهُ فارِّينَ. وقالَ السُّدِّيُّ: ﴿ما لَكم مِنَ اللَّهِ مِن عاصِمٍ﴾ في فِرارِكم حَتّى تُعَذَّبُوا في النّارِ.
وقالَ قَتادَةُ: ما لَكم في الِانْطِلاقِ إلَيْها مِن عاصِمٍ، أيْ: مانِعٍ، يَمْنَعُكم مِنها، أوْ ناصِرٍ.
ولَمّا يَئِسَ المُؤْمِنُ مِن قَبُولِها قالَ: ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ .
ثُمَّ أخَذَ يُوَبِّخُهم عَلى تَكْذِيبِ الرُّسُلِ، بِأنَّ يُوسُفَ قَدْ جاءَهم بِالبَيِّناتِ. والظّاهِرُ أنَّهُ يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ، وفِرْعَوْنُ هو فِرْعَوْنُ مُوسى، ورَوى أشْهَبُ عَنْ مالِكٍ أنَّهُ بَلَغَهُ أنَّ فِرْعَوْنَ عَمَّرَ أرْبَعَمِائَةِ سَنَةٍ وأرْبَعِينَ سَنَةً.
وقِيلَ: بَلِ الجائِي إلَيْهِمْ هو يُوسُفُ بْنُ إبْراهِيمَ بْنِ يُوسُفَ بْنِ يَعْقُوبَ، وأنَّ فِرْعَوْنَ هو فِرْعَوْنُ، غَيْرُ فِرْعَوْنَ مُوسى.
و﴿بِالبَيِّناتِ﴾: بِالمُعْجِزاتِ. فَلَمْ يَزالُوا شاكِّينَ في رِسالَتِهِ كافِرِينَ، حَتّى إذا تُوُفِّيَ، ﴿قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولًا﴾ ) . ولَيْسَ هَذا تَصْدِيقًا لِرِسالَتِهِ، وكَيْفَ وما زالُوا في شَكٍّ مِنهُ، وإنَّما المَعْنى: لا رَسُولَ مِن عِنْدِ اللَّهِ فَيَبْعَثَهُ إلى الخَلْقِ، فَفِيهِ نَفْيُ الرَّسُولِ، ونَفْيُ بَعْثَتِهِ.
وقُرِئَ: (ألَنْ يَبْعَثَ)، بِإدْخالِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ عَلى حَرْفِ النَّفْيِ، كَأنَّ بَعْضَهم يُقَرِّرُ بَعْضًا عَلى نَفْيِ البَعْثَةِ.
(كَذَلِكَ) أيْ: مِثْلُ إضْلالِ اللَّهِ إيّاكم، أيْ: حِينَ لَمْ تَقْبَلُوا مِن يُوسُفَ، ﴿يُضِلُّ اللَّهُ مَن هو مُسْرِفٌ مُرْتابٌ﴾: يَعْنِيهِمْ؛ إذْ هُمُ المُسْرِفُونَ المُرْتابُونَ في رِسالاتِ الأنْبِياءِ.
وجَوَّزُوا في ﴿الَّذِينَ يُجادِلُونَ﴾ أنْ تَكُونَ صِفَةً لِـ (مَن)، وبَدَلًا مِنهُ: أيْ مَعْناهُ جَمْعٌ ومُبْتَدَأٌ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: جِدالُ الَّذِينَ يُجادِلُونَ، حَتّى يَكُونَ الضَّمِيرُ في ﴿كَبُرَ﴾ عائِدًا عَلى ذَلِكَ أوَّلًا، أوْ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، والفاعِلُ بِـ ﴿كَبُرَ﴾ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى الجَدَلِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ: ﴿يُجادِلُونَ﴾، أوْ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى (مَن) عَلى لَفْظِها، عَلى أنْ يَكُونَ (الَّذِينَ) صِفَةً، أوْ بَدَلًا أُعِيدَ أوَّلًا عَلى لَفْظِ (مَن) في قَوْلِهِ: ﴿هُوَ مُسْرِفٌ كَذّابٌ﴾ [غافر: ٢٨] . ثُمَّ جَمَعَ الَّذِينَ عَلى مَعْنى (مَن)، ثُمَّ أفْرَدَ في قَوْلِهِ: ﴿كَبُرَ﴾ عَلى لَفْظِ (مَن) .
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ﴿الَّذِينَ يُجادِلُونَ﴾ مُبْتَدَأً و﴿بِغَيْرِ سُلْطانٍ أتاهُمْ﴾ خَبَرًا، وفاعِلُ ﴿كَبُرَ﴾ قَوْلُهُ: (كَذَلِكَ)، أيْ: ﴿كَبُرَ مَقْتًا﴾ مِثْلَ ذَلِكَ الجِدالِ، و﴿يَطْبَعُ اللَّهُ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ، ومَن قالَ: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ﴾ جِدالُهم، فَقَدْ حَذَفَ الفاعِلَ، والفاعِلُ لا يَصِحُّ حَذْفُهُ. انْتَهى، وهَذا الَّذِي أجازَهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِثْلُهُ في كَلامٍ فَصِيحٍ، (p-٤٦٥)فَكَيْفَ في كَلامِ اللَّهِ ؟ لِأنَّ فِيهِ تَفْكِيكَ الكَلامِ بَعْضِهِ مِن بَعْضٍ، وارْتِكابُ مَذْهَبِ الصَّحِيحِ خِلافُهُ.
أمّا تَفْكِيكُ الكَلامِ، فالظّاهِرُ أنَّ ﴿بِغَيْرِ سُلْطانٍ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ ﴿يُجادِلُونَ﴾، ولا يُتَعَقَّلُ جَعْلُهُ خَبَرًا لِلَّذِينِ؛ لِأنَّهُ جارٌّ ومَجْرُورٌ، فَيَصِيرُ التَّقْدِيرُ: ﴿الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ﴾: كائِنُونُ، أوْ مُسْتَقِرُّونَ، ﴿بِغَيْرِ سُلْطانٍ﴾، أيْ: في غَيْرِ سُلْطانٍ؛ لِأنَّ الباءَ إذا ذاكَ ظَرْفِيَّةٌ خَبَرٌ عَنِ الجُثَّةِ، وكَذَلِكَ في قَوْلِهِ يَطْبَعُ أنَّهُ مُسْتَأْنَفٌ فِيهِ تَفْكِيكُ الكَلامِ؛ لِأنَّ ما جاءَ في القُرْآنِ مِن ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ﴾، أوْ نَطْبَعُ، إنَّما جاءَ مَرْبُوطًا بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، فَكَذَلِكَ هُنا. وأمّا ارْتِكابُ مَذْهَبِ الصَّحِيحِ خِلافُهُ، فَجَعَلَ الكافَ اسْمًا فاعِلًا بِـ ﴿كَبُرَ﴾، وذَلِكَ لا يَجُوزُ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ إلّا الأخْفَشَ، ولَمْ يَثْبُتْ في كَلامِ العَرَبِ، أعْنِي نَثْرَها: جاءَنِي كَزَيْدٍ، تُرِيدُ: مِثْلَ زَيْدٍ، فَلَمْ تَثْبُتِ اسْمِيَّتُها، فَتَكُونُ فاعِلَةً.
وأمّا قَوْلُهُ: ومَن قالَ إلى آخِرِهِ، فَإنَّ قائِلَ ذَلِكَ وهو الحَوْفِيُّ، والظَّنُّ بِهِ أنَّهُ فَسَّرَ المَعْنى ولَمْ يُرِدِ الإعْرابَ. وأمّا تَفْسِيرُ الإعْرابِ أنَّ الفاعِلَ بِـ ﴿كَبُرَ﴾ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى الجِدالِ المَفْهُومِ مِن ﴿يُجادِلُونَ﴾، كَما قالُوا: مَن كَذَبَ كانَ شَرًّا لَهُ، أيْ: كانَ هو، أيِ: الكَذِبُ المَفْهُومُ مِن كَذَبَ. والأوْلى في إعْرابِ هَذا الكَلامِ أنْ يَكُونَ ﴿الَّذِينَ﴾ مُبْتَدَأً وخَبَرُهُ ﴿كَبُرَ﴾، والفاعِلُ ضَمِيرُ المَصْدَرِ المَفْهُومِ مِن ﴿يُجادِلُونَ﴾، وهَذِهِ الصِّفَةُ مَوْجُودَةٌ في فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ، ويَكُونُ الواعِظُ لَهم قَدْ عَدَلَ عَنْ مُخاطَبَتِهِمْ إلى الِاسْمِ الغائِبِ، لِحُسْنِ مُحاوَرَتِهِ لَهم واسْتِجْلابِ قُلُوبِهِمْ، وإبْرازِ ذَلِكَ في صُورَةِ تَذْكِيرِهِمْ، ولا يُفَجِئُهم بِالخِطابِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿كَبُرَ مَقْتًا﴾ ضَرْبٌ مِنَ التَّعَجُّبِ والِاسْتِعْظامِ لِجِدالِهِمْ والشَّهادَةِ عَلى خُرُوجِهِ عَنْ حَدِّ إشْكالِهِ مِنَ الكَبائِرِ.
(كَذَلِكَ) أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ الطَّبْعِ عَلى قُلُوبِ المُجادِلِينَ، ﴿يَطْبَعُ اللَّهُ﴾ أيْ: يَخْتِمُ بِالضَّلالَةِ ويَحْجُبُ عَنِ الهُدى. وقَرَأ أبُو عَمْرِو بْنُ ذَكْوانَ، والأعْرَجُ، بِخِلافٍ عَنْهُ: (قَلْبٍ) بِالتَّنْوِينِ، وصَفَ القَلْبَ بِالتَّكَبُّرِ والجَبَرُوتِ، لِكَوْنِهِ مَرْكَزَهُما ومَنبَعَهُما، كَما يَقُولُونَ: رَأتِ العَيْنُ، وكَما قالَ: ﴿فَإنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، والإثْمُ: الجُمْلَةُ، وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ عَلى حَذْفِ المُضافِ، أيْ: عَلى كُلِّ ذِي قَلْبٍ مُتَكَبِّرٍ، بِجَعْلِ الصِّفَةِ لِصاحِبِ القَلْبِ. انْتَهى، ولا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلى اعْتِقادِ الحَذْفِ.
وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ: ﴿قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ﴾ بِالإضافَةِ، والمُضافُ فِيهِ العامُّ عامٌّ، فَلَزِمَ عُمُومُ مُتَكَبِّرٍ جَبّارٍ. وقالَ مُقاتِلٌ: المُتَكَبِّرُ: المُعانِدُ في تَعْظِيمِ أمْرِ اللَّهِ، والجَبّارُ: المُسَلَّطُ عَلى خَلْقِ اللَّهِ.
﴿وقالَ فِرْعَوْنُ يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحًا﴾، أقْوالُ فِرْعَوْنَ: ذَرُونِي أقْتُلُ مُوسى، ما أُرِيكم إلّا ما أرى، يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحًا، حَيْدَةٌ عَنْ مُحاجَّةِ مُوسى، ورُجُوعٌ إلى أشْياءَ لا تَصِحُّ، وذَلِكَ كُلُّهُ لِما خامَرَهُ مِنَ الجَزَعِ والخَوْفِ وعَدَمِ المُقاوَمَةِ، والتَّعَرُّفِ أنَّ هَلاكَهُ وهَلاكَ قَوْمِهِ عَلى يَدِ مُوسى، وأنَّ قُدْرَتَهُ عَجَزَتْ عَنِ التَّأْثِيرِ في مُوسى، هَذا عَلى كَثْرَةِ سَفْكِهِ الدِّماءَ.
وتَقَدَّمَ الكَلامُ في الصَّرْحِ في سُورَةِ القَصَصِ فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ.
قالَ السُّدِّيُّ: الأسْبابُ: الطُّرُقُ. وقالَ قَتادَةُ: الأبْوابُ؛ وقِيلَ: عَنى لَعَلَّهُ يَجِدُ مَعَ قُرْبِهِ مِنَ السَّماءِ سَبَبًا يَتَعَلَّقُ بِهِ، وما أدّاكَ إلى شَيْءٍ فَهو سَبَبٌ، وأبْهَمَ أوَّلًا الأسْبابَ، ثُمَّ أبْدَلَ مِنها ما أوْضَحَها. والإيضاحُ بَعْدَ الإبْهامِ يُفِيدُ تَفْخِيمَ الشَّيْءِ، إذْ في الإبْهامِ تَشَوُّقٌ لِلْمُرادِ، وتَعَجُّبٌ مِنَ المَقْصُودِ، ثُمَّ بِالتَّوْضِيحِ يَحْصُلُ المَقْصُودُ ويَتَعَيَّنُ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فَأطَّلِعُ﴾ رَفْعًا، عَطْفًا عَلى ﴿أبْلُغُ﴾ فَكِلاهُما مُتَرَجًّى. وقَرَأ الأعْرَجُ، وأبُو حَيْوَةَ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، والزَّعْفَرانِيُّ، وابْنُ مِقْسَمٍ، وحَفْصٌ: ﴿فَأطَّلِعَ﴾، بِنَصْبِ العَيْنِ. وقالَ أبُو القاسِمِ بْنُ جِبارَةَ، وابْنُ عَطِيَّةَ: عَلى جَوابِ التَّمَنِّي. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَلى جَوابِ التَّرَجِّي، تَشْبِيهًا لِلتَّرَجِّي بِالتَّمَنِّي. انْتَهى.
وقَدْ فَرَّقَ النُّحاةُ بَيْنَ التَّمَنِّي والتَّرَجِّي، فَذَكَرُوا أنَّ التَّمَنِّيَ يَكُونُ في المُمْكِنِ والمُمْتَنِعِ، والتَّرَجِّيَ يَكُونُ في المُمْكِنِ.
وبُلُوغُ أسْبابِ السَّماواتِ غَيْرُ مُمْكِنٍ، لَكِنَّ فِرْعَوْنَ أبْرَزَ ما لا يُمْكِنُ في صُورَةِ المُمْكِنِ تَمْوِيهًا عَلى سامِعِيهِ.
وأمّا النَّصْبُ بَعْدَ الفاءِ في جَوابِ التَّرَجِّي فَشَيْءٌ أجازَهُ الكُوفِيُّونَ ومَنَعَهُ البَصْرِيُّونَ، واحْتَجَّ (p-٤٦٦)الكُوفِيُّونَ بِهَذِهِ القِراءَةِ وبِقِراءَةِ عاصِمٍ، ﴿فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى﴾ [عبس: ٤] في سُورَةِ عَبَسَ، إذْ هو جَوابُ التَّرَجِّي في قَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّهُ يَزَّكّى﴾ [عبس: ٣] ﴿أوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى﴾ [عبس: ٤] . وقَدْ تَأوَّلْنا ذَلِكَ عَلى أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى التَّوَهُّمِ؛ لِأنَّ خَبَرَ لَعَلَّ كَثِيرًا جاءَ مَقْرُونًا بِأنْ في النَّظْمِ كَثِيرًا، وفي النَّثْرِ قَلِيلًا.
فَمَن نَصَبَ تَوَهَّمَ أنَّ الفِعْلَ المَرْفُوعَ الواقِعَ خَبَرًا كانَ مَنصُوبًا بِأنْ، والعَطْفُ عَلى التَّوَهُّمِ كَثِيرٌ، وإنْ كانَ لا يَنْقاسُ، لَكِنْ إنْ وقَعَ شَيْءٌ وأمْكَنَ تَخْرِيجُهُ عَلَيْهِ خَرَجَ، وأمّا هُنا، ﴿فَأطَّلِعَ﴾ فَقَدْ جَعَلَهُ بَعْضُهم جَوابًا لِلْأمْرِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿ابْنِ لِي صَرْحًا﴾، كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎يا ناقُ سِيرِي عُنُقًا فَسِيحًا ∗∗∗ إلى سُلَيْمانَ فَنَسْتَرِيحا
ولَمّا قالَ: ﴿فَأطَّلِعَ إلى إلَهِ مُوسى﴾، كانَ ذَلِكَ إقْرارًا بِإلَهِ مُوسى، فاسْتَدْرَكَ هَذا الإقْرارَ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنِّي لَأظُنُّهُ﴾ أيْ: في ادِّعاءِ الإلَهِيَّةِ، كَما قالَ في القَصَصِ: ﴿لَعَلِّي أطَّلِعُ إلى إلَهِ مُوسى وإنِّي لَأظُنُّهُ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ [القصص: ٣٨] .
﴿وكَذَلِكَ﴾ أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ التَّزْيِينِ في إيهامِ فِرْعَوْنَ أنَّهُ يَطَّلِعُ إلى إلَهِ مُوسى.
﴿زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ﴾ . وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ﴾ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ؛ وقُرِئَ: (زَيَّنَ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿وصُدَّ﴾ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ أيْ: وصَدَّ فِرْعَوْنُ؛ والكُوفِيُّونَ: بِضَمِّ الصّادِ مُناسِبًا لِـ ﴿زُيِّنَ﴾ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ؛ وابْنُ وثّابٍ: بِكَسْرِ الصّادِ، أصْلُهُ صَدُدَ، نَقُلَتِ الحَرَكَةُ إلى الصّادِ بَعْدَ تَوَهُّمِ حَذْفِها؛ وابْنُ إسْحاقَ، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي بَكْرَةَ، بِفَتْحِ الصّادِ وضَمِّ الدّالِ، مُنَوَّنَةً عَطْفًا عَلى ﴿سُوءُ عَمَلِهِ﴾ . والتِّبابُ: الخُسْرانُ، خَسِرَ مُلْكَهُ في الدُّنْيا فِيها بِالغَرَقِ، وفي الآخِرَةِ بِخُلُودِ النّارِ، وتَكَرَّرَ وعْظُ المُؤْمِنِ إثْرَ كَلامِ فِرْعَوْنَ بِنِدائِهِ قَوْمَهُ مَرَّتَيْنِ، مُتْبِعًا كُلَّ نِداءٍ بِما فِيهِ زَجْرٌ واتِّعاظٌ لَوْ وُجِدَ مَن يَقْبَلُ، وأمَرَ هُنا بِاتِّباعِهِ؛ لِأنْ يَهْدِيَهم سَبِيلَ الرَّشادِ.
وقَرَأ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ: بِشَدِّ الشِّينِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ذَلِكَ. والرَّدُّ عَلى مَن جَعَلَ هَذِهِ القِراءَةَ في كَلامِ فِرْعَوْنَ، وأجْمَلَ أوَّلًا في قَوْلِهِ: ﴿سَبِيلَ الرَّشادِ﴾، وهو سَبِيلُ الإيمانِ بِاللَّهِ واتِّباعِ شَرْعِهِ.
ثُمَّ فَسَّرَ، فافْتَتَحَ بِذَمِّ الدُّنْيا وبِصِغَرِ شَأْنِها، وأنَّها مَتاعٌ زائِلٌ، هي ومَن تَمَتَّعَ بِها، وأنَّ الآخِرَةَ هي دارُ القَرارِ الَّتِي لا انْفِكاكَ مِنها، إمّا إلى جَنَّةٍ، وإمّا إلى نارٍ.
وكَذَلِكَ قالَ: ﴿مَن عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزى إلّا مِثْلَها﴾ . وقَرَأ أبُو رَجاءٍ، وشَيْبَةُ، والأعْمَشُ، والأخَوانِ، والصّاحِبانِ، وحَفْصٌ: ﴿يَدْخُلُونَ﴾ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وباقِي السَّبْعَةِ، والأعْرَجُ، والحَسَنُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وعِيسى: مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ.
غافر 40:39
﴿وقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ إنِّي أخافُ عَلَيْكم مِثْلَ يَوْمِ الأحْزابِ﴾ [غافر: ٣٠] ﴿مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ والَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ وما اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبادِ﴾ [غافر: ٣١] ﴿ويا قَوْمِ إنِّي أخافُ عَلَيْكم يَوْمَ التَّنادِ﴾ ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ ما لَكم مِنَ اللَّهِ مِن عاصِمٍ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ ﴿ولَقَدْ جاءَكم يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالبَيِّناتِ فَما زِلْتُمْ في شَكٍّ مِمّا جاءَكم بِهِ حَتّى إذا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن هو مُسْرِفٌ مُرْتابٌ﴾ ﴿الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أتاهم كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبّارٍ﴾ ﴿وقالَ فِرْعَوْنُ يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أبْلُغُ الأسْبابَ﴾ ﴿أسْبابَ السَّماواتِ فَأطَّلِعَ إلى إلَهِ مُوسى وإنِّي لَأظُنُّهُ كاذِبًا وكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وما كَيْدُ فِرْعَوْنَ إلّا في تَبابٍ﴾ ﴿وقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أهْدِكم سَبِيلَ الرَّشادِ﴾ ﴿يا قَوْمِ إنَّما هَذِهِ الحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ وإنَّ الآخِرَةَ هي دارُ القَرارِ﴾ ﴿مَن عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزى إلّا مِثْلَها ومَن عَمِلَ صالِحًا مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ .
(p-٤٤٥)الجُمْهُورُ: عَلى أنَّ هَذا المُؤْمِنَ هو الرَّجُلُ القائِلُ: ( ﴿أتَقْتُلُونَ رَجُلًا﴾ [غافر: ٢٨]، قَصَّ اللَّهُ أقاوِيلَهُ إلى آخَرِ الآياتِ.
لَمّا رَأى ما لَحِقَ فِرْعَوْنَ مِنَ الخَوَرِ والخَوْفِ، أتى بِنَوْعٍ آخَرَ مِنَ التَّهْدِيدِ، وخَوَّفَهم أنْ يُصِيبَهم ما أصابَ الأُمَمَ السّابِقَةَ مِنَ اسْتِئْصالِ الهَلاكِ حِينَ كَذَّبُوا رُسُلَهم، وقَوِيَتْ نَفْسُهُ حَتّى سَرَدَ عَلَيْهِ ما سَرَدَ، ولَمْ يَهَبْ فِرْعَوْنَ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ كَلامُ ذَلِكَ المُؤْمِنِ قَدْ تَمَّ، وإنَّما أرادَ تَعالى بِالَّذِي آمَنَ بِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - واحْتَجُّوا بِقُوَّةِ كَلامِهِ، وأنَّهُ جَنَحَ مَعَهم بِالإيمانِ، وذَكَرَ عَذابَ الآخِرَةِ وغَيْرَ ذَلِكَ، ولَمْ يَكُنْ كَلامُ الأوَّلِ إلّا عَلانِيَةً لَهم، وأفْرَدَ اليَوْمَ، إمّا لِأنَّ المَعْنى مِثْلُ أيّامِ الأحْزابِ، أوْ أرادَ بِهِ الجَمْعَ، أيْ: مِثْلَ أيّامِ الأحْزابِ؛ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ أنَّ كُلَّ حِزْبٍ كانَ لَهُ يَوْمٌ. والأحْزابُ: الَّذِينَ تَحَزَّبُوا عَلى أنْبِياءِ اللَّهِ.
و﴿مِثْلَ دَأْبِ﴾ [غافر: ٣١]، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: بَدَلٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَطْفُ بَيانٍ.
وقالَ الزَّجّاجُ: مِثْلَ يَوْمِ حِزْبٍ، و(دَأبِ) عادَتُهم ودَيْدَنُهم في الكُفْرِ والمَعاصِي.
﴿وما اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبادِ﴾ [غافر: ٣١]، أيْ: إنَّ إهْلاكَهُ إيّاهم كانَ عَدْلًا مِنهُ، وفِيهِ مُبالَغَةٌ في نَفْيِ الظُّلْمِ، حَيْثُ عَلَّقَهُ بِالإرادَةِ. فَإذا نَفاهُ عَنِ الإرادَةِ، كانَ نَفْيُهُ عَنِ الوُقُوعِ أوْلى وأحْرى.
ولَمّا خَوَّفَهم أنْ يَحِلَّ بِهِمْ في الدُّنْيا ما حَلَّ بِالأحْزابِ، خَوَّفَهم أمْرَ الآخِرَةِ فَقالَ، تَعَطُّفًا لَهم بِنِدائِهِمْ: ﴿ويا قَوْمِ إنِّي أخافُ عَلَيْكم يَوْمَ التَّنادِ﴾ وهو يَوْمُ الحَشْرِ. والتَّنادِي مَصْدَرُ تَنادى القَوْمُ أيْ: نادى بَعْضُهم بَعْضًا. قالَ الشّاعِرُ:(p-٤٦٤)
؎تَنادَوْا فَقالُوا أرَدْتَ الخَيْلَ فارِسًا فَقُلْتُ أعَبُدُ اللَّهَ ذَلِكُمُ الرَّدِي
وسُمِّيَ يَوْمَ التَّنادِي، إمّا لِنِداءِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ بِالوَيْلِ والثُّبُورِ، وإمّا لِتَنادِي أهْلِ الجَنَّةِ وأهْلِ النّارِ عَلى ما ذُكِرَ في سُورَةِ الأعْرافِ، وإمّا لِأنَّ الخَلْقَ يُنادَوْنَ إلى المَحْشَرِ، وإمّا لِنِداءِ المُؤْمِنِ: ﴿هاؤُمُ اقْرَءُوا كِتابِيَهْ﴾ [الحاقة: ١٩]، والكافِرِ: ﴿يالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٥] . وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: التَّنادْ، بِسُكُونِ الدّالِ في الوَصْلِ أجْراهُ مَجْرى الوَقْفِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والضِّحاكُ، وأبُو صالِحٍ، والكَلْبِيُّ، والزَّعْفَرانِيُّ، وابْنُ مِقْسَمٍ: التَّنادِّ، بِتَشْدِيدِ الدّالِ: مِن نَدَّ البَعِيرُ إذا هَرَبَ. كَما قالَ: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ مِن أخِيهِ﴾ [عبس: ٣٤] الآيَةَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وغَيْرُهُ: في ﴿التَّنادِ﴾ خَفِيفَةُ الدّالِ هو التَّنادِي، أيْ: يَكُونُ بَيْنَ النّاسِ عِنْدَ النَّفْخِ في الصُّوَرِ، ونَفْخَةِ الفَزَعِ في الدُّنْيا، وأنَّهم يَفِرُّونَ عَلى وُجُوهِهِمْ لِلْفَزَعِ الَّتِي نالَهم، ويُنادِي بَعْضُهم بَعْضًا.
ورُوِيَ هَذا التَّأْوِيلُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ التَّذَكُّرُ بِكُلِّ نِداءٍ في القِيامَةِ فِيهِ مَشَقَّةٌ عَلى الكُفّارِ والعُصاةِ. انْتَهى.
قالَ أُمَيَّةُ بْنُ أبِي الصَّلْتِ:
؎وبَثَّ الخَلْقَ فِيها إذْ دَحاها ∗∗∗ فَهم سُكّانُها حَتّى التَّنادِي
وفِي الحَدِيثِ: «إنَّ لِلنّاسِ جَوْلَةً يَوْمَ القِيامَةِ يَنِدُّونَ»، يَظُنُّونَ أنَّهم يَجِدُونَ مَهْرَبًا؛ ثُمَّ تَلا: ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾ .
قالَ مُجاهِدٌ: مَعْناهُ فارِّينَ. وقالَ السُّدِّيُّ: ﴿ما لَكم مِنَ اللَّهِ مِن عاصِمٍ﴾ في فِرارِكم حَتّى تُعَذَّبُوا في النّارِ.
وقالَ قَتادَةُ: ما لَكم في الِانْطِلاقِ إلَيْها مِن عاصِمٍ، أيْ: مانِعٍ، يَمْنَعُكم مِنها، أوْ ناصِرٍ.
ولَمّا يَئِسَ المُؤْمِنُ مِن قَبُولِها قالَ: ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ .
ثُمَّ أخَذَ يُوَبِّخُهم عَلى تَكْذِيبِ الرُّسُلِ، بِأنَّ يُوسُفَ قَدْ جاءَهم بِالبَيِّناتِ. والظّاهِرُ أنَّهُ يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ، وفِرْعَوْنُ هو فِرْعَوْنُ مُوسى، ورَوى أشْهَبُ عَنْ مالِكٍ أنَّهُ بَلَغَهُ أنَّ فِرْعَوْنَ عَمَّرَ أرْبَعَمِائَةِ سَنَةٍ وأرْبَعِينَ سَنَةً.
وقِيلَ: بَلِ الجائِي إلَيْهِمْ هو يُوسُفُ بْنُ إبْراهِيمَ بْنِ يُوسُفَ بْنِ يَعْقُوبَ، وأنَّ فِرْعَوْنَ هو فِرْعَوْنُ، غَيْرُ فِرْعَوْنَ مُوسى.
و﴿بِالبَيِّناتِ﴾: بِالمُعْجِزاتِ. فَلَمْ يَزالُوا شاكِّينَ في رِسالَتِهِ كافِرِينَ، حَتّى إذا تُوُفِّيَ، ﴿قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولًا﴾ ) . ولَيْسَ هَذا تَصْدِيقًا لِرِسالَتِهِ، وكَيْفَ وما زالُوا في شَكٍّ مِنهُ، وإنَّما المَعْنى: لا رَسُولَ مِن عِنْدِ اللَّهِ فَيَبْعَثَهُ إلى الخَلْقِ، فَفِيهِ نَفْيُ الرَّسُولِ، ونَفْيُ بَعْثَتِهِ.
وقُرِئَ: (ألَنْ يَبْعَثَ)، بِإدْخالِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ عَلى حَرْفِ النَّفْيِ، كَأنَّ بَعْضَهم يُقَرِّرُ بَعْضًا عَلى نَفْيِ البَعْثَةِ.
(كَذَلِكَ) أيْ: مِثْلُ إضْلالِ اللَّهِ إيّاكم، أيْ: حِينَ لَمْ تَقْبَلُوا مِن يُوسُفَ، ﴿يُضِلُّ اللَّهُ مَن هو مُسْرِفٌ مُرْتابٌ﴾: يَعْنِيهِمْ؛ إذْ هُمُ المُسْرِفُونَ المُرْتابُونَ في رِسالاتِ الأنْبِياءِ.
وجَوَّزُوا في ﴿الَّذِينَ يُجادِلُونَ﴾ أنْ تَكُونَ صِفَةً لِـ (مَن)، وبَدَلًا مِنهُ: أيْ مَعْناهُ جَمْعٌ ومُبْتَدَأٌ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: جِدالُ الَّذِينَ يُجادِلُونَ، حَتّى يَكُونَ الضَّمِيرُ في ﴿كَبُرَ﴾ عائِدًا عَلى ذَلِكَ أوَّلًا، أوْ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، والفاعِلُ بِـ ﴿كَبُرَ﴾ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى الجَدَلِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ: ﴿يُجادِلُونَ﴾، أوْ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى (مَن) عَلى لَفْظِها، عَلى أنْ يَكُونَ (الَّذِينَ) صِفَةً، أوْ بَدَلًا أُعِيدَ أوَّلًا عَلى لَفْظِ (مَن) في قَوْلِهِ: ﴿هُوَ مُسْرِفٌ كَذّابٌ﴾ [غافر: ٢٨] . ثُمَّ جَمَعَ الَّذِينَ عَلى مَعْنى (مَن)، ثُمَّ أفْرَدَ في قَوْلِهِ: ﴿كَبُرَ﴾ عَلى لَفْظِ (مَن) .
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ﴿الَّذِينَ يُجادِلُونَ﴾ مُبْتَدَأً و﴿بِغَيْرِ سُلْطانٍ أتاهُمْ﴾ خَبَرًا، وفاعِلُ ﴿كَبُرَ﴾ قَوْلُهُ: (كَذَلِكَ)، أيْ: ﴿كَبُرَ مَقْتًا﴾ مِثْلَ ذَلِكَ الجِدالِ، و﴿يَطْبَعُ اللَّهُ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ، ومَن قالَ: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ﴾ جِدالُهم، فَقَدْ حَذَفَ الفاعِلَ، والفاعِلُ لا يَصِحُّ حَذْفُهُ. انْتَهى، وهَذا الَّذِي أجازَهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِثْلُهُ في كَلامٍ فَصِيحٍ، (p-٤٦٥)فَكَيْفَ في كَلامِ اللَّهِ ؟ لِأنَّ فِيهِ تَفْكِيكَ الكَلامِ بَعْضِهِ مِن بَعْضٍ، وارْتِكابُ مَذْهَبِ الصَّحِيحِ خِلافُهُ.
أمّا تَفْكِيكُ الكَلامِ، فالظّاهِرُ أنَّ ﴿بِغَيْرِ سُلْطانٍ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ ﴿يُجادِلُونَ﴾، ولا يُتَعَقَّلُ جَعْلُهُ خَبَرًا لِلَّذِينِ؛ لِأنَّهُ جارٌّ ومَجْرُورٌ، فَيَصِيرُ التَّقْدِيرُ: ﴿الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ﴾: كائِنُونُ، أوْ مُسْتَقِرُّونَ، ﴿بِغَيْرِ سُلْطانٍ﴾، أيْ: في غَيْرِ سُلْطانٍ؛ لِأنَّ الباءَ إذا ذاكَ ظَرْفِيَّةٌ خَبَرٌ عَنِ الجُثَّةِ، وكَذَلِكَ في قَوْلِهِ يَطْبَعُ أنَّهُ مُسْتَأْنَفٌ فِيهِ تَفْكِيكُ الكَلامِ؛ لِأنَّ ما جاءَ في القُرْآنِ مِن ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ﴾، أوْ نَطْبَعُ، إنَّما جاءَ مَرْبُوطًا بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، فَكَذَلِكَ هُنا. وأمّا ارْتِكابُ مَذْهَبِ الصَّحِيحِ خِلافُهُ، فَجَعَلَ الكافَ اسْمًا فاعِلًا بِـ ﴿كَبُرَ﴾، وذَلِكَ لا يَجُوزُ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ إلّا الأخْفَشَ، ولَمْ يَثْبُتْ في كَلامِ العَرَبِ، أعْنِي نَثْرَها: جاءَنِي كَزَيْدٍ، تُرِيدُ: مِثْلَ زَيْدٍ، فَلَمْ تَثْبُتِ اسْمِيَّتُها، فَتَكُونُ فاعِلَةً.
وأمّا قَوْلُهُ: ومَن قالَ إلى آخِرِهِ، فَإنَّ قائِلَ ذَلِكَ وهو الحَوْفِيُّ، والظَّنُّ بِهِ أنَّهُ فَسَّرَ المَعْنى ولَمْ يُرِدِ الإعْرابَ. وأمّا تَفْسِيرُ الإعْرابِ أنَّ الفاعِلَ بِـ ﴿كَبُرَ﴾ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى الجِدالِ المَفْهُومِ مِن ﴿يُجادِلُونَ﴾، كَما قالُوا: مَن كَذَبَ كانَ شَرًّا لَهُ، أيْ: كانَ هو، أيِ: الكَذِبُ المَفْهُومُ مِن كَذَبَ. والأوْلى في إعْرابِ هَذا الكَلامِ أنْ يَكُونَ ﴿الَّذِينَ﴾ مُبْتَدَأً وخَبَرُهُ ﴿كَبُرَ﴾، والفاعِلُ ضَمِيرُ المَصْدَرِ المَفْهُومِ مِن ﴿يُجادِلُونَ﴾، وهَذِهِ الصِّفَةُ مَوْجُودَةٌ في فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ، ويَكُونُ الواعِظُ لَهم قَدْ عَدَلَ عَنْ مُخاطَبَتِهِمْ إلى الِاسْمِ الغائِبِ، لِحُسْنِ مُحاوَرَتِهِ لَهم واسْتِجْلابِ قُلُوبِهِمْ، وإبْرازِ ذَلِكَ في صُورَةِ تَذْكِيرِهِمْ، ولا يُفَجِئُهم بِالخِطابِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿كَبُرَ مَقْتًا﴾ ضَرْبٌ مِنَ التَّعَجُّبِ والِاسْتِعْظامِ لِجِدالِهِمْ والشَّهادَةِ عَلى خُرُوجِهِ عَنْ حَدِّ إشْكالِهِ مِنَ الكَبائِرِ.
(كَذَلِكَ) أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ الطَّبْعِ عَلى قُلُوبِ المُجادِلِينَ، ﴿يَطْبَعُ اللَّهُ﴾ أيْ: يَخْتِمُ بِالضَّلالَةِ ويَحْجُبُ عَنِ الهُدى. وقَرَأ أبُو عَمْرِو بْنُ ذَكْوانَ، والأعْرَجُ، بِخِلافٍ عَنْهُ: (قَلْبٍ) بِالتَّنْوِينِ، وصَفَ القَلْبَ بِالتَّكَبُّرِ والجَبَرُوتِ، لِكَوْنِهِ مَرْكَزَهُما ومَنبَعَهُما، كَما يَقُولُونَ: رَأتِ العَيْنُ، وكَما قالَ: ﴿فَإنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، والإثْمُ: الجُمْلَةُ، وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ عَلى حَذْفِ المُضافِ، أيْ: عَلى كُلِّ ذِي قَلْبٍ مُتَكَبِّرٍ، بِجَعْلِ الصِّفَةِ لِصاحِبِ القَلْبِ. انْتَهى، ولا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلى اعْتِقادِ الحَذْفِ.
وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ: ﴿قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ﴾ بِالإضافَةِ، والمُضافُ فِيهِ العامُّ عامٌّ، فَلَزِمَ عُمُومُ مُتَكَبِّرٍ جَبّارٍ. وقالَ مُقاتِلٌ: المُتَكَبِّرُ: المُعانِدُ في تَعْظِيمِ أمْرِ اللَّهِ، والجَبّارُ: المُسَلَّطُ عَلى خَلْقِ اللَّهِ.
﴿وقالَ فِرْعَوْنُ يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحًا﴾، أقْوالُ فِرْعَوْنَ: ذَرُونِي أقْتُلُ مُوسى، ما أُرِيكم إلّا ما أرى، يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحًا، حَيْدَةٌ عَنْ مُحاجَّةِ مُوسى، ورُجُوعٌ إلى أشْياءَ لا تَصِحُّ، وذَلِكَ كُلُّهُ لِما خامَرَهُ مِنَ الجَزَعِ والخَوْفِ وعَدَمِ المُقاوَمَةِ، والتَّعَرُّفِ أنَّ هَلاكَهُ وهَلاكَ قَوْمِهِ عَلى يَدِ مُوسى، وأنَّ قُدْرَتَهُ عَجَزَتْ عَنِ التَّأْثِيرِ في مُوسى، هَذا عَلى كَثْرَةِ سَفْكِهِ الدِّماءَ.
وتَقَدَّمَ الكَلامُ في الصَّرْحِ في سُورَةِ القَصَصِ فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ.
قالَ السُّدِّيُّ: الأسْبابُ: الطُّرُقُ. وقالَ قَتادَةُ: الأبْوابُ؛ وقِيلَ: عَنى لَعَلَّهُ يَجِدُ مَعَ قُرْبِهِ مِنَ السَّماءِ سَبَبًا يَتَعَلَّقُ بِهِ، وما أدّاكَ إلى شَيْءٍ فَهو سَبَبٌ، وأبْهَمَ أوَّلًا الأسْبابَ، ثُمَّ أبْدَلَ مِنها ما أوْضَحَها. والإيضاحُ بَعْدَ الإبْهامِ يُفِيدُ تَفْخِيمَ الشَّيْءِ، إذْ في الإبْهامِ تَشَوُّقٌ لِلْمُرادِ، وتَعَجُّبٌ مِنَ المَقْصُودِ، ثُمَّ بِالتَّوْضِيحِ يَحْصُلُ المَقْصُودُ ويَتَعَيَّنُ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فَأطَّلِعُ﴾ رَفْعًا، عَطْفًا عَلى ﴿أبْلُغُ﴾ فَكِلاهُما مُتَرَجًّى. وقَرَأ الأعْرَجُ، وأبُو حَيْوَةَ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، والزَّعْفَرانِيُّ، وابْنُ مِقْسَمٍ، وحَفْصٌ: ﴿فَأطَّلِعَ﴾، بِنَصْبِ العَيْنِ. وقالَ أبُو القاسِمِ بْنُ جِبارَةَ، وابْنُ عَطِيَّةَ: عَلى جَوابِ التَّمَنِّي. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَلى جَوابِ التَّرَجِّي، تَشْبِيهًا لِلتَّرَجِّي بِالتَّمَنِّي. انْتَهى.
وقَدْ فَرَّقَ النُّحاةُ بَيْنَ التَّمَنِّي والتَّرَجِّي، فَذَكَرُوا أنَّ التَّمَنِّيَ يَكُونُ في المُمْكِنِ والمُمْتَنِعِ، والتَّرَجِّيَ يَكُونُ في المُمْكِنِ.
وبُلُوغُ أسْبابِ السَّماواتِ غَيْرُ مُمْكِنٍ، لَكِنَّ فِرْعَوْنَ أبْرَزَ ما لا يُمْكِنُ في صُورَةِ المُمْكِنِ تَمْوِيهًا عَلى سامِعِيهِ.
وأمّا النَّصْبُ بَعْدَ الفاءِ في جَوابِ التَّرَجِّي فَشَيْءٌ أجازَهُ الكُوفِيُّونَ ومَنَعَهُ البَصْرِيُّونَ، واحْتَجَّ (p-٤٦٦)الكُوفِيُّونَ بِهَذِهِ القِراءَةِ وبِقِراءَةِ عاصِمٍ، ﴿فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى﴾ [عبس: ٤] في سُورَةِ عَبَسَ، إذْ هو جَوابُ التَّرَجِّي في قَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّهُ يَزَّكّى﴾ [عبس: ٣] ﴿أوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى﴾ [عبس: ٤] . وقَدْ تَأوَّلْنا ذَلِكَ عَلى أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى التَّوَهُّمِ؛ لِأنَّ خَبَرَ لَعَلَّ كَثِيرًا جاءَ مَقْرُونًا بِأنْ في النَّظْمِ كَثِيرًا، وفي النَّثْرِ قَلِيلًا.
فَمَن نَصَبَ تَوَهَّمَ أنَّ الفِعْلَ المَرْفُوعَ الواقِعَ خَبَرًا كانَ مَنصُوبًا بِأنْ، والعَطْفُ عَلى التَّوَهُّمِ كَثِيرٌ، وإنْ كانَ لا يَنْقاسُ، لَكِنْ إنْ وقَعَ شَيْءٌ وأمْكَنَ تَخْرِيجُهُ عَلَيْهِ خَرَجَ، وأمّا هُنا، ﴿فَأطَّلِعَ﴾ فَقَدْ جَعَلَهُ بَعْضُهم جَوابًا لِلْأمْرِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿ابْنِ لِي صَرْحًا﴾، كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎يا ناقُ سِيرِي عُنُقًا فَسِيحًا ∗∗∗ إلى سُلَيْمانَ فَنَسْتَرِيحا
ولَمّا قالَ: ﴿فَأطَّلِعَ إلى إلَهِ مُوسى﴾، كانَ ذَلِكَ إقْرارًا بِإلَهِ مُوسى، فاسْتَدْرَكَ هَذا الإقْرارَ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنِّي لَأظُنُّهُ﴾ أيْ: في ادِّعاءِ الإلَهِيَّةِ، كَما قالَ في القَصَصِ: ﴿لَعَلِّي أطَّلِعُ إلى إلَهِ مُوسى وإنِّي لَأظُنُّهُ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ [القصص: ٣٨] .
﴿وكَذَلِكَ﴾ أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ التَّزْيِينِ في إيهامِ فِرْعَوْنَ أنَّهُ يَطَّلِعُ إلى إلَهِ مُوسى.
﴿زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ﴾ . وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ﴾ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ؛ وقُرِئَ: (زَيَّنَ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿وصُدَّ﴾ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ أيْ: وصَدَّ فِرْعَوْنُ؛ والكُوفِيُّونَ: بِضَمِّ الصّادِ مُناسِبًا لِـ ﴿زُيِّنَ﴾ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ؛ وابْنُ وثّابٍ: بِكَسْرِ الصّادِ، أصْلُهُ صَدُدَ، نَقُلَتِ الحَرَكَةُ إلى الصّادِ بَعْدَ تَوَهُّمِ حَذْفِها؛ وابْنُ إسْحاقَ، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي بَكْرَةَ، بِفَتْحِ الصّادِ وضَمِّ الدّالِ، مُنَوَّنَةً عَطْفًا عَلى ﴿سُوءُ عَمَلِهِ﴾ . والتِّبابُ: الخُسْرانُ، خَسِرَ مُلْكَهُ في الدُّنْيا فِيها بِالغَرَقِ، وفي الآخِرَةِ بِخُلُودِ النّارِ، وتَكَرَّرَ وعْظُ المُؤْمِنِ إثْرَ كَلامِ فِرْعَوْنَ بِنِدائِهِ قَوْمَهُ مَرَّتَيْنِ، مُتْبِعًا كُلَّ نِداءٍ بِما فِيهِ زَجْرٌ واتِّعاظٌ لَوْ وُجِدَ مَن يَقْبَلُ، وأمَرَ هُنا بِاتِّباعِهِ؛ لِأنْ يَهْدِيَهم سَبِيلَ الرَّشادِ.
وقَرَأ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ: بِشَدِّ الشِّينِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ذَلِكَ. والرَّدُّ عَلى مَن جَعَلَ هَذِهِ القِراءَةَ في كَلامِ فِرْعَوْنَ، وأجْمَلَ أوَّلًا في قَوْلِهِ: ﴿سَبِيلَ الرَّشادِ﴾، وهو سَبِيلُ الإيمانِ بِاللَّهِ واتِّباعِ شَرْعِهِ.
ثُمَّ فَسَّرَ، فافْتَتَحَ بِذَمِّ الدُّنْيا وبِصِغَرِ شَأْنِها، وأنَّها مَتاعٌ زائِلٌ، هي ومَن تَمَتَّعَ بِها، وأنَّ الآخِرَةَ هي دارُ القَرارِ الَّتِي لا انْفِكاكَ مِنها، إمّا إلى جَنَّةٍ، وإمّا إلى نارٍ.
وكَذَلِكَ قالَ: ﴿مَن عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزى إلّا مِثْلَها﴾ . وقَرَأ أبُو رَجاءٍ، وشَيْبَةُ، والأعْمَشُ، والأخَوانِ، والصّاحِبانِ، وحَفْصٌ: ﴿يَدْخُلُونَ﴾ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وباقِي السَّبْعَةِ، والأعْرَجُ، والحَسَنُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وعِيسى: مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ.
غافر 40:40
﴿وقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ إنِّي أخافُ عَلَيْكم مِثْلَ يَوْمِ الأحْزابِ﴾ [غافر: ٣٠] ﴿مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ والَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ وما اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبادِ﴾ [غافر: ٣١] ﴿ويا قَوْمِ إنِّي أخافُ عَلَيْكم يَوْمَ التَّنادِ﴾ ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ ما لَكم مِنَ اللَّهِ مِن عاصِمٍ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ ﴿ولَقَدْ جاءَكم يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالبَيِّناتِ فَما زِلْتُمْ في شَكٍّ مِمّا جاءَكم بِهِ حَتّى إذا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن هو مُسْرِفٌ مُرْتابٌ﴾ ﴿الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أتاهم كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبّارٍ﴾ ﴿وقالَ فِرْعَوْنُ يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أبْلُغُ الأسْبابَ﴾ ﴿أسْبابَ السَّماواتِ فَأطَّلِعَ إلى إلَهِ مُوسى وإنِّي لَأظُنُّهُ كاذِبًا وكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وما كَيْدُ فِرْعَوْنَ إلّا في تَبابٍ﴾ ﴿وقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أهْدِكم سَبِيلَ الرَّشادِ﴾ ﴿يا قَوْمِ إنَّما هَذِهِ الحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ وإنَّ الآخِرَةَ هي دارُ القَرارِ﴾ ﴿مَن عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزى إلّا مِثْلَها ومَن عَمِلَ صالِحًا مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ .
(p-٤٤٥)الجُمْهُورُ: عَلى أنَّ هَذا المُؤْمِنَ هو الرَّجُلُ القائِلُ: ( ﴿أتَقْتُلُونَ رَجُلًا﴾ [غافر: ٢٨]، قَصَّ اللَّهُ أقاوِيلَهُ إلى آخَرِ الآياتِ.
لَمّا رَأى ما لَحِقَ فِرْعَوْنَ مِنَ الخَوَرِ والخَوْفِ، أتى بِنَوْعٍ آخَرَ مِنَ التَّهْدِيدِ، وخَوَّفَهم أنْ يُصِيبَهم ما أصابَ الأُمَمَ السّابِقَةَ مِنَ اسْتِئْصالِ الهَلاكِ حِينَ كَذَّبُوا رُسُلَهم، وقَوِيَتْ نَفْسُهُ حَتّى سَرَدَ عَلَيْهِ ما سَرَدَ، ولَمْ يَهَبْ فِرْعَوْنَ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ كَلامُ ذَلِكَ المُؤْمِنِ قَدْ تَمَّ، وإنَّما أرادَ تَعالى بِالَّذِي آمَنَ بِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - واحْتَجُّوا بِقُوَّةِ كَلامِهِ، وأنَّهُ جَنَحَ مَعَهم بِالإيمانِ، وذَكَرَ عَذابَ الآخِرَةِ وغَيْرَ ذَلِكَ، ولَمْ يَكُنْ كَلامُ الأوَّلِ إلّا عَلانِيَةً لَهم، وأفْرَدَ اليَوْمَ، إمّا لِأنَّ المَعْنى مِثْلُ أيّامِ الأحْزابِ، أوْ أرادَ بِهِ الجَمْعَ، أيْ: مِثْلَ أيّامِ الأحْزابِ؛ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ أنَّ كُلَّ حِزْبٍ كانَ لَهُ يَوْمٌ. والأحْزابُ: الَّذِينَ تَحَزَّبُوا عَلى أنْبِياءِ اللَّهِ.
و﴿مِثْلَ دَأْبِ﴾ [غافر: ٣١]، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: بَدَلٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَطْفُ بَيانٍ.
وقالَ الزَّجّاجُ: مِثْلَ يَوْمِ حِزْبٍ، و(دَأبِ) عادَتُهم ودَيْدَنُهم في الكُفْرِ والمَعاصِي.
﴿وما اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبادِ﴾ [غافر: ٣١]، أيْ: إنَّ إهْلاكَهُ إيّاهم كانَ عَدْلًا مِنهُ، وفِيهِ مُبالَغَةٌ في نَفْيِ الظُّلْمِ، حَيْثُ عَلَّقَهُ بِالإرادَةِ. فَإذا نَفاهُ عَنِ الإرادَةِ، كانَ نَفْيُهُ عَنِ الوُقُوعِ أوْلى وأحْرى.
ولَمّا خَوَّفَهم أنْ يَحِلَّ بِهِمْ في الدُّنْيا ما حَلَّ بِالأحْزابِ، خَوَّفَهم أمْرَ الآخِرَةِ فَقالَ، تَعَطُّفًا لَهم بِنِدائِهِمْ: ﴿ويا قَوْمِ إنِّي أخافُ عَلَيْكم يَوْمَ التَّنادِ﴾ وهو يَوْمُ الحَشْرِ. والتَّنادِي مَصْدَرُ تَنادى القَوْمُ أيْ: نادى بَعْضُهم بَعْضًا. قالَ الشّاعِرُ:(p-٤٦٤)
؎تَنادَوْا فَقالُوا أرَدْتَ الخَيْلَ فارِسًا فَقُلْتُ أعَبُدُ اللَّهَ ذَلِكُمُ الرَّدِي
وسُمِّيَ يَوْمَ التَّنادِي، إمّا لِنِداءِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ بِالوَيْلِ والثُّبُورِ، وإمّا لِتَنادِي أهْلِ الجَنَّةِ وأهْلِ النّارِ عَلى ما ذُكِرَ في سُورَةِ الأعْرافِ، وإمّا لِأنَّ الخَلْقَ يُنادَوْنَ إلى المَحْشَرِ، وإمّا لِنِداءِ المُؤْمِنِ: ﴿هاؤُمُ اقْرَءُوا كِتابِيَهْ﴾ [الحاقة: ١٩]، والكافِرِ: ﴿يالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٥] . وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: التَّنادْ، بِسُكُونِ الدّالِ في الوَصْلِ أجْراهُ مَجْرى الوَقْفِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والضِّحاكُ، وأبُو صالِحٍ، والكَلْبِيُّ، والزَّعْفَرانِيُّ، وابْنُ مِقْسَمٍ: التَّنادِّ، بِتَشْدِيدِ الدّالِ: مِن نَدَّ البَعِيرُ إذا هَرَبَ. كَما قالَ: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ مِن أخِيهِ﴾ [عبس: ٣٤] الآيَةَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وغَيْرُهُ: في ﴿التَّنادِ﴾ خَفِيفَةُ الدّالِ هو التَّنادِي، أيْ: يَكُونُ بَيْنَ النّاسِ عِنْدَ النَّفْخِ في الصُّوَرِ، ونَفْخَةِ الفَزَعِ في الدُّنْيا، وأنَّهم يَفِرُّونَ عَلى وُجُوهِهِمْ لِلْفَزَعِ الَّتِي نالَهم، ويُنادِي بَعْضُهم بَعْضًا.
ورُوِيَ هَذا التَّأْوِيلُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ التَّذَكُّرُ بِكُلِّ نِداءٍ في القِيامَةِ فِيهِ مَشَقَّةٌ عَلى الكُفّارِ والعُصاةِ. انْتَهى.
قالَ أُمَيَّةُ بْنُ أبِي الصَّلْتِ:
؎وبَثَّ الخَلْقَ فِيها إذْ دَحاها ∗∗∗ فَهم سُكّانُها حَتّى التَّنادِي
وفِي الحَدِيثِ: «إنَّ لِلنّاسِ جَوْلَةً يَوْمَ القِيامَةِ يَنِدُّونَ»، يَظُنُّونَ أنَّهم يَجِدُونَ مَهْرَبًا؛ ثُمَّ تَلا: ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾ .
قالَ مُجاهِدٌ: مَعْناهُ فارِّينَ. وقالَ السُّدِّيُّ: ﴿ما لَكم مِنَ اللَّهِ مِن عاصِمٍ﴾ في فِرارِكم حَتّى تُعَذَّبُوا في النّارِ.
وقالَ قَتادَةُ: ما لَكم في الِانْطِلاقِ إلَيْها مِن عاصِمٍ، أيْ: مانِعٍ، يَمْنَعُكم مِنها، أوْ ناصِرٍ.
ولَمّا يَئِسَ المُؤْمِنُ مِن قَبُولِها قالَ: ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ .
ثُمَّ أخَذَ يُوَبِّخُهم عَلى تَكْذِيبِ الرُّسُلِ، بِأنَّ يُوسُفَ قَدْ جاءَهم بِالبَيِّناتِ. والظّاهِرُ أنَّهُ يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ، وفِرْعَوْنُ هو فِرْعَوْنُ مُوسى، ورَوى أشْهَبُ عَنْ مالِكٍ أنَّهُ بَلَغَهُ أنَّ فِرْعَوْنَ عَمَّرَ أرْبَعَمِائَةِ سَنَةٍ وأرْبَعِينَ سَنَةً.
وقِيلَ: بَلِ الجائِي إلَيْهِمْ هو يُوسُفُ بْنُ إبْراهِيمَ بْنِ يُوسُفَ بْنِ يَعْقُوبَ، وأنَّ فِرْعَوْنَ هو فِرْعَوْنُ، غَيْرُ فِرْعَوْنَ مُوسى.
و﴿بِالبَيِّناتِ﴾: بِالمُعْجِزاتِ. فَلَمْ يَزالُوا شاكِّينَ في رِسالَتِهِ كافِرِينَ، حَتّى إذا تُوُفِّيَ، ﴿قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولًا﴾ ) . ولَيْسَ هَذا تَصْدِيقًا لِرِسالَتِهِ، وكَيْفَ وما زالُوا في شَكٍّ مِنهُ، وإنَّما المَعْنى: لا رَسُولَ مِن عِنْدِ اللَّهِ فَيَبْعَثَهُ إلى الخَلْقِ، فَفِيهِ نَفْيُ الرَّسُولِ، ونَفْيُ بَعْثَتِهِ.
وقُرِئَ: (ألَنْ يَبْعَثَ)، بِإدْخالِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ عَلى حَرْفِ النَّفْيِ، كَأنَّ بَعْضَهم يُقَرِّرُ بَعْضًا عَلى نَفْيِ البَعْثَةِ.
(كَذَلِكَ) أيْ: مِثْلُ إضْلالِ اللَّهِ إيّاكم، أيْ: حِينَ لَمْ تَقْبَلُوا مِن يُوسُفَ، ﴿يُضِلُّ اللَّهُ مَن هو مُسْرِفٌ مُرْتابٌ﴾: يَعْنِيهِمْ؛ إذْ هُمُ المُسْرِفُونَ المُرْتابُونَ في رِسالاتِ الأنْبِياءِ.
وجَوَّزُوا في ﴿الَّذِينَ يُجادِلُونَ﴾ أنْ تَكُونَ صِفَةً لِـ (مَن)، وبَدَلًا مِنهُ: أيْ مَعْناهُ جَمْعٌ ومُبْتَدَأٌ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: جِدالُ الَّذِينَ يُجادِلُونَ، حَتّى يَكُونَ الضَّمِيرُ في ﴿كَبُرَ﴾ عائِدًا عَلى ذَلِكَ أوَّلًا، أوْ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، والفاعِلُ بِـ ﴿كَبُرَ﴾ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى الجَدَلِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ: ﴿يُجادِلُونَ﴾، أوْ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى (مَن) عَلى لَفْظِها، عَلى أنْ يَكُونَ (الَّذِينَ) صِفَةً، أوْ بَدَلًا أُعِيدَ أوَّلًا عَلى لَفْظِ (مَن) في قَوْلِهِ: ﴿هُوَ مُسْرِفٌ كَذّابٌ﴾ [غافر: ٢٨] . ثُمَّ جَمَعَ الَّذِينَ عَلى مَعْنى (مَن)، ثُمَّ أفْرَدَ في قَوْلِهِ: ﴿كَبُرَ﴾ عَلى لَفْظِ (مَن) .
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ﴿الَّذِينَ يُجادِلُونَ﴾ مُبْتَدَأً و﴿بِغَيْرِ سُلْطانٍ أتاهُمْ﴾ خَبَرًا، وفاعِلُ ﴿كَبُرَ﴾ قَوْلُهُ: (كَذَلِكَ)، أيْ: ﴿كَبُرَ مَقْتًا﴾ مِثْلَ ذَلِكَ الجِدالِ، و﴿يَطْبَعُ اللَّهُ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ، ومَن قالَ: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ﴾ جِدالُهم، فَقَدْ حَذَفَ الفاعِلَ، والفاعِلُ لا يَصِحُّ حَذْفُهُ. انْتَهى، وهَذا الَّذِي أجازَهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِثْلُهُ في كَلامٍ فَصِيحٍ، (p-٤٦٥)فَكَيْفَ في كَلامِ اللَّهِ ؟ لِأنَّ فِيهِ تَفْكِيكَ الكَلامِ بَعْضِهِ مِن بَعْضٍ، وارْتِكابُ مَذْهَبِ الصَّحِيحِ خِلافُهُ.
أمّا تَفْكِيكُ الكَلامِ، فالظّاهِرُ أنَّ ﴿بِغَيْرِ سُلْطانٍ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ ﴿يُجادِلُونَ﴾، ولا يُتَعَقَّلُ جَعْلُهُ خَبَرًا لِلَّذِينِ؛ لِأنَّهُ جارٌّ ومَجْرُورٌ، فَيَصِيرُ التَّقْدِيرُ: ﴿الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ﴾: كائِنُونُ، أوْ مُسْتَقِرُّونَ، ﴿بِغَيْرِ سُلْطانٍ﴾، أيْ: في غَيْرِ سُلْطانٍ؛ لِأنَّ الباءَ إذا ذاكَ ظَرْفِيَّةٌ خَبَرٌ عَنِ الجُثَّةِ، وكَذَلِكَ في قَوْلِهِ يَطْبَعُ أنَّهُ مُسْتَأْنَفٌ فِيهِ تَفْكِيكُ الكَلامِ؛ لِأنَّ ما جاءَ في القُرْآنِ مِن ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ﴾، أوْ نَطْبَعُ، إنَّما جاءَ مَرْبُوطًا بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، فَكَذَلِكَ هُنا. وأمّا ارْتِكابُ مَذْهَبِ الصَّحِيحِ خِلافُهُ، فَجَعَلَ الكافَ اسْمًا فاعِلًا بِـ ﴿كَبُرَ﴾، وذَلِكَ لا يَجُوزُ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ إلّا الأخْفَشَ، ولَمْ يَثْبُتْ في كَلامِ العَرَبِ، أعْنِي نَثْرَها: جاءَنِي كَزَيْدٍ، تُرِيدُ: مِثْلَ زَيْدٍ، فَلَمْ تَثْبُتِ اسْمِيَّتُها، فَتَكُونُ فاعِلَةً.
وأمّا قَوْلُهُ: ومَن قالَ إلى آخِرِهِ، فَإنَّ قائِلَ ذَلِكَ وهو الحَوْفِيُّ، والظَّنُّ بِهِ أنَّهُ فَسَّرَ المَعْنى ولَمْ يُرِدِ الإعْرابَ. وأمّا تَفْسِيرُ الإعْرابِ أنَّ الفاعِلَ بِـ ﴿كَبُرَ﴾ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى الجِدالِ المَفْهُومِ مِن ﴿يُجادِلُونَ﴾، كَما قالُوا: مَن كَذَبَ كانَ شَرًّا لَهُ، أيْ: كانَ هو، أيِ: الكَذِبُ المَفْهُومُ مِن كَذَبَ. والأوْلى في إعْرابِ هَذا الكَلامِ أنْ يَكُونَ ﴿الَّذِينَ﴾ مُبْتَدَأً وخَبَرُهُ ﴿كَبُرَ﴾، والفاعِلُ ضَمِيرُ المَصْدَرِ المَفْهُومِ مِن ﴿يُجادِلُونَ﴾، وهَذِهِ الصِّفَةُ مَوْجُودَةٌ في فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ، ويَكُونُ الواعِظُ لَهم قَدْ عَدَلَ عَنْ مُخاطَبَتِهِمْ إلى الِاسْمِ الغائِبِ، لِحُسْنِ مُحاوَرَتِهِ لَهم واسْتِجْلابِ قُلُوبِهِمْ، وإبْرازِ ذَلِكَ في صُورَةِ تَذْكِيرِهِمْ، ولا يُفَجِئُهم بِالخِطابِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿كَبُرَ مَقْتًا﴾ ضَرْبٌ مِنَ التَّعَجُّبِ والِاسْتِعْظامِ لِجِدالِهِمْ والشَّهادَةِ عَلى خُرُوجِهِ عَنْ حَدِّ إشْكالِهِ مِنَ الكَبائِرِ.
(كَذَلِكَ) أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ الطَّبْعِ عَلى قُلُوبِ المُجادِلِينَ، ﴿يَطْبَعُ اللَّهُ﴾ أيْ: يَخْتِمُ بِالضَّلالَةِ ويَحْجُبُ عَنِ الهُدى. وقَرَأ أبُو عَمْرِو بْنُ ذَكْوانَ، والأعْرَجُ، بِخِلافٍ عَنْهُ: (قَلْبٍ) بِالتَّنْوِينِ، وصَفَ القَلْبَ بِالتَّكَبُّرِ والجَبَرُوتِ، لِكَوْنِهِ مَرْكَزَهُما ومَنبَعَهُما، كَما يَقُولُونَ: رَأتِ العَيْنُ، وكَما قالَ: ﴿فَإنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، والإثْمُ: الجُمْلَةُ، وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ عَلى حَذْفِ المُضافِ، أيْ: عَلى كُلِّ ذِي قَلْبٍ مُتَكَبِّرٍ، بِجَعْلِ الصِّفَةِ لِصاحِبِ القَلْبِ. انْتَهى، ولا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلى اعْتِقادِ الحَذْفِ.
وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ: ﴿قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ﴾ بِالإضافَةِ، والمُضافُ فِيهِ العامُّ عامٌّ، فَلَزِمَ عُمُومُ مُتَكَبِّرٍ جَبّارٍ. وقالَ مُقاتِلٌ: المُتَكَبِّرُ: المُعانِدُ في تَعْظِيمِ أمْرِ اللَّهِ، والجَبّارُ: المُسَلَّطُ عَلى خَلْقِ اللَّهِ.
﴿وقالَ فِرْعَوْنُ يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحًا﴾، أقْوالُ فِرْعَوْنَ: ذَرُونِي أقْتُلُ مُوسى، ما أُرِيكم إلّا ما أرى، يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحًا، حَيْدَةٌ عَنْ مُحاجَّةِ مُوسى، ورُجُوعٌ إلى أشْياءَ لا تَصِحُّ، وذَلِكَ كُلُّهُ لِما خامَرَهُ مِنَ الجَزَعِ والخَوْفِ وعَدَمِ المُقاوَمَةِ، والتَّعَرُّفِ أنَّ هَلاكَهُ وهَلاكَ قَوْمِهِ عَلى يَدِ مُوسى، وأنَّ قُدْرَتَهُ عَجَزَتْ عَنِ التَّأْثِيرِ في مُوسى، هَذا عَلى كَثْرَةِ سَفْكِهِ الدِّماءَ.
وتَقَدَّمَ الكَلامُ في الصَّرْحِ في سُورَةِ القَصَصِ فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ.
قالَ السُّدِّيُّ: الأسْبابُ: الطُّرُقُ. وقالَ قَتادَةُ: الأبْوابُ؛ وقِيلَ: عَنى لَعَلَّهُ يَجِدُ مَعَ قُرْبِهِ مِنَ السَّماءِ سَبَبًا يَتَعَلَّقُ بِهِ، وما أدّاكَ إلى شَيْءٍ فَهو سَبَبٌ، وأبْهَمَ أوَّلًا الأسْبابَ، ثُمَّ أبْدَلَ مِنها ما أوْضَحَها. والإيضاحُ بَعْدَ الإبْهامِ يُفِيدُ تَفْخِيمَ الشَّيْءِ، إذْ في الإبْهامِ تَشَوُّقٌ لِلْمُرادِ، وتَعَجُّبٌ مِنَ المَقْصُودِ، ثُمَّ بِالتَّوْضِيحِ يَحْصُلُ المَقْصُودُ ويَتَعَيَّنُ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فَأطَّلِعُ﴾ رَفْعًا، عَطْفًا عَلى ﴿أبْلُغُ﴾ فَكِلاهُما مُتَرَجًّى. وقَرَأ الأعْرَجُ، وأبُو حَيْوَةَ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، والزَّعْفَرانِيُّ، وابْنُ مِقْسَمٍ، وحَفْصٌ: ﴿فَأطَّلِعَ﴾، بِنَصْبِ العَيْنِ. وقالَ أبُو القاسِمِ بْنُ جِبارَةَ، وابْنُ عَطِيَّةَ: عَلى جَوابِ التَّمَنِّي. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَلى جَوابِ التَّرَجِّي، تَشْبِيهًا لِلتَّرَجِّي بِالتَّمَنِّي. انْتَهى.
وقَدْ فَرَّقَ النُّحاةُ بَيْنَ التَّمَنِّي والتَّرَجِّي، فَذَكَرُوا أنَّ التَّمَنِّيَ يَكُونُ في المُمْكِنِ والمُمْتَنِعِ، والتَّرَجِّيَ يَكُونُ في المُمْكِنِ.
وبُلُوغُ أسْبابِ السَّماواتِ غَيْرُ مُمْكِنٍ، لَكِنَّ فِرْعَوْنَ أبْرَزَ ما لا يُمْكِنُ في صُورَةِ المُمْكِنِ تَمْوِيهًا عَلى سامِعِيهِ.
وأمّا النَّصْبُ بَعْدَ الفاءِ في جَوابِ التَّرَجِّي فَشَيْءٌ أجازَهُ الكُوفِيُّونَ ومَنَعَهُ البَصْرِيُّونَ، واحْتَجَّ (p-٤٦٦)الكُوفِيُّونَ بِهَذِهِ القِراءَةِ وبِقِراءَةِ عاصِمٍ، ﴿فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى﴾ [عبس: ٤] في سُورَةِ عَبَسَ، إذْ هو جَوابُ التَّرَجِّي في قَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّهُ يَزَّكّى﴾ [عبس: ٣] ﴿أوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى﴾ [عبس: ٤] . وقَدْ تَأوَّلْنا ذَلِكَ عَلى أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى التَّوَهُّمِ؛ لِأنَّ خَبَرَ لَعَلَّ كَثِيرًا جاءَ مَقْرُونًا بِأنْ في النَّظْمِ كَثِيرًا، وفي النَّثْرِ قَلِيلًا.
فَمَن نَصَبَ تَوَهَّمَ أنَّ الفِعْلَ المَرْفُوعَ الواقِعَ خَبَرًا كانَ مَنصُوبًا بِأنْ، والعَطْفُ عَلى التَّوَهُّمِ كَثِيرٌ، وإنْ كانَ لا يَنْقاسُ، لَكِنْ إنْ وقَعَ شَيْءٌ وأمْكَنَ تَخْرِيجُهُ عَلَيْهِ خَرَجَ، وأمّا هُنا، ﴿فَأطَّلِعَ﴾ فَقَدْ جَعَلَهُ بَعْضُهم جَوابًا لِلْأمْرِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿ابْنِ لِي صَرْحًا﴾، كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎يا ناقُ سِيرِي عُنُقًا فَسِيحًا ∗∗∗ إلى سُلَيْمانَ فَنَسْتَرِيحا
ولَمّا قالَ: ﴿فَأطَّلِعَ إلى إلَهِ مُوسى﴾، كانَ ذَلِكَ إقْرارًا بِإلَهِ مُوسى، فاسْتَدْرَكَ هَذا الإقْرارَ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنِّي لَأظُنُّهُ﴾ أيْ: في ادِّعاءِ الإلَهِيَّةِ، كَما قالَ في القَصَصِ: ﴿لَعَلِّي أطَّلِعُ إلى إلَهِ مُوسى وإنِّي لَأظُنُّهُ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ [القصص: ٣٨] .
﴿وكَذَلِكَ﴾ أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ التَّزْيِينِ في إيهامِ فِرْعَوْنَ أنَّهُ يَطَّلِعُ إلى إلَهِ مُوسى.
﴿زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ﴾ . وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ﴾ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ؛ وقُرِئَ: (زَيَّنَ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿وصُدَّ﴾ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ أيْ: وصَدَّ فِرْعَوْنُ؛ والكُوفِيُّونَ: بِضَمِّ الصّادِ مُناسِبًا لِـ ﴿زُيِّنَ﴾ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ؛ وابْنُ وثّابٍ: بِكَسْرِ الصّادِ، أصْلُهُ صَدُدَ، نَقُلَتِ الحَرَكَةُ إلى الصّادِ بَعْدَ تَوَهُّمِ حَذْفِها؛ وابْنُ إسْحاقَ، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي بَكْرَةَ، بِفَتْحِ الصّادِ وضَمِّ الدّالِ، مُنَوَّنَةً عَطْفًا عَلى ﴿سُوءُ عَمَلِهِ﴾ . والتِّبابُ: الخُسْرانُ، خَسِرَ مُلْكَهُ في الدُّنْيا فِيها بِالغَرَقِ، وفي الآخِرَةِ بِخُلُودِ النّارِ، وتَكَرَّرَ وعْظُ المُؤْمِنِ إثْرَ كَلامِ فِرْعَوْنَ بِنِدائِهِ قَوْمَهُ مَرَّتَيْنِ، مُتْبِعًا كُلَّ نِداءٍ بِما فِيهِ زَجْرٌ واتِّعاظٌ لَوْ وُجِدَ مَن يَقْبَلُ، وأمَرَ هُنا بِاتِّباعِهِ؛ لِأنْ يَهْدِيَهم سَبِيلَ الرَّشادِ.
وقَرَأ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ: بِشَدِّ الشِّينِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ذَلِكَ. والرَّدُّ عَلى مَن جَعَلَ هَذِهِ القِراءَةَ في كَلامِ فِرْعَوْنَ، وأجْمَلَ أوَّلًا في قَوْلِهِ: ﴿سَبِيلَ الرَّشادِ﴾، وهو سَبِيلُ الإيمانِ بِاللَّهِ واتِّباعِ شَرْعِهِ.
ثُمَّ فَسَّرَ، فافْتَتَحَ بِذَمِّ الدُّنْيا وبِصِغَرِ شَأْنِها، وأنَّها مَتاعٌ زائِلٌ، هي ومَن تَمَتَّعَ بِها، وأنَّ الآخِرَةَ هي دارُ القَرارِ الَّتِي لا انْفِكاكَ مِنها، إمّا إلى جَنَّةٍ، وإمّا إلى نارٍ.
وكَذَلِكَ قالَ: ﴿مَن عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزى إلّا مِثْلَها﴾ . وقَرَأ أبُو رَجاءٍ، وشَيْبَةُ، والأعْمَشُ، والأخَوانِ، والصّاحِبانِ، وحَفْصٌ: ﴿يَدْخُلُونَ﴾ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وباقِي السَّبْعَةِ، والأعْرَجُ، والحَسَنُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وعِيسى: مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ.
غافر 40:41
(p-٤٦٧)﴿ويا قَوْمِ ما لِي أدْعُوكم إلى النَّجاةِ وتَدْعُونَنِي إلى النّارِ﴾ ﴿تَدْعُونَنِي لِأكْفُرَ بِاللَّهِ وأُشْرِكَ بِهِ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وأنا أدْعُوكم إلى العَزِيزِ الغَفّارِ﴾ ﴿لا جَرَمَ أنَّما تَدْعُونَنِي إلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ وأنَّ مَرَدَّنا إلى اللَّهِ وأنَّ المُسْرِفِينَ هم أصْحابُ النّارِ﴾ ﴿فَسَتَذْكُرُونَ ما أقُولُ لَكم وأُفَوِّضُ أمْرِي إلى اللَّهِ إنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالعِبادِ﴾ ﴿فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا وحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ العَذابِ﴾ ﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وعَشِيًّا ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ أدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذابِ﴾ ﴿وإذْ يَتَحاجُّونَ في النّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إنّا كُنّا لَكم تَبَعًا فَهَلْ أنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا نَصِيبًا مِنَ النّارِ﴾ ﴿قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إنّا كُلٌّ فِيها إنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ العِبادِ﴾ ﴿وقالَ الَّذِينَ في النّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكم يُخَفِّفْ عَنّا يَوْمًا مِنَ العَذابِ﴾ ﴿قالُوا أوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكم رُسُلُكم بِالبَيِّناتِ قالُوا بَلى قالُوا فادْعُوا وما دُعاءُ الكافِرِينَ إلّا في ضَلالٍ﴾ ﴿إنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا والَّذِينَ آمَنُوا في الحَياةِ الدُّنْيا ويَوْمَ يَقُومُ الأشْهادُ﴾ ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظّالِمِينَ مَعْذِرَتُهم ولَهُمُ اللَّعْنَةُ ولَهم سُوءُ الدّارِ﴾
بَدَأ المُؤْمِنُ بِذِكْرِ المُتَسَبَّبِ عَنْ دَعْوَتِهِمْ، وأبْدى التَّفاضُلَ بَيْنَهُما. ولَمّا ذَكَرَ المُسَبِّبَيْنِ، ذَكَرَ سَبَبَهُما، وهو دُعاؤُهم إلى الكُفْرِ والشِّرْكِ، ودُعاؤُهُ إيّاهم إلى الإيمانِ والتَّوْحِيدِ.
وأتى بِصِيغَةِ العَزِيزِ، وهو الَّذِي لا نَظِيرَ لَهُ، والغالِبُ الَّذِي العالَمُ كُلُّهم في قَبْضَتِهِ يَتَصَرَّفُ فِيهِمْ كَما يَشاءُ، الغَفّارُ لِذُنُوبِ مَن رَجَعَ إلَيْهِ وآمَنُ بِهِ، وأوْصَلَ سَبَبَ دُعائِهِمْ بِمُسَبِّبِهِ، وهو الكُفْرُ والنّارُ، وأخَّرَ سَبَبَ مُسَبِّبِهِ لِيَكُونَ افْتِتاحَ كَلامِهِ واخْتِتامِهِ بِما يَدْعُو إلى الخَيْرِ.
وبَدَأ أوَّلًا بِجُمْلَةٍ اسْمِيَّةٍ، وهو الاسْتِفْهامُ المُتَضَمِّنُ التَّعَجُّبَ مِن حالَتِهِمْ، وخَتَمَ أيْضًا بِجُمْلَةٍ اسْمِيَّةٍ لِيَكُونَ أبْلَغَ في تَوْكِيدِ الأخْبارِ. وجاءَ في حَقِّهِمْ ﴿وتَدْعُونَنِي﴾ بِالجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ الَّتِي لا تَقْتَضِي تَوْكِيدًا، إذْ دَعَوْتُهم باطِلَةٌ لا ثُبُوتَ لَها، فَتُؤَكَّدُ. و﴿ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾ هي الأوْثانُ، أيْ: لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ عِلْمِي، إذْ لَيْسَ لَها مَدْخَلٌ في الأُلُوهِيَّةِ ولا لِفِرْعَوْنَ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): لِمَ جاءَ بِالواوِ في النِّداءِ الثّالِثِ دُونَ الثّانِي ؟ .
(قُلْتُ): لِأنَّ الثّانِيَ داخِلٌ في كَلامٍ هو بَيانٌ لِلْمُجْمَلِ وتَفْسِيرٌ لَهُ، فَأعْطى الدّاخِلَ عَلَيْهِ حُكْمَهُ في امْتِناعِ دُخُولِ الواوِ، وأمّا الثّالِثُ فَداخِلٌ عَلى كَلامٍ لَيْسَ بِتِلْكَ المَثابَةِ. انْتَهى.
وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى لا جَرَمَ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ هُنا، ورُوِيَ عَنِ العَرَبِ: لا جُرْمَ أنَّهُ يَفْعَلُ بِضَمِّ الجِيمِ وسُكُونِ الرّاءِ، يُرِيدُ لا بُدَّ، وفَعَلٌ وفُعْلٌ أخَوانِ، كَرَشَدٍ ورُشْدٍ، وعَدَمٍ وعُدْمٍ.
(أنَّما) أيْ: أنَّ الَّذِي ﴿تَدْعُونَنِي إلَيْهِ﴾ أيْ: إلى عِبادَتِهِ، ﴿لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ﴾، أيْ: قَدْرٌ وحَقٌّ يَجِبُ أنْ يُدْعى إلَيْهِ، أوْ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ إلى نَفْسِهِ؛ لِأنَّ الجَمادَ لا يَدْعُو، والمَعْبُودُ بِالحَقِّ يَدْعُو العِبادَ إلى طاعَتِهِ، ثُمَّ يَدْعُو العِبادَ إلَيْها إظْهارًا لِدَعْوَةِ رَبِّهِمْ.
وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى لَيْسَ لَهُ اسْتِجابَةُ دَعْوَةٍ تُوجِبُ الأُلُوهِيَّةَ في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ، أوْ دَعْوَةٌ مُسْتَجابَةٌ، جُعِلَتِ الدَّعْوَةُ الَّتِي لا اسْتِجابَةَ لَها ولا مَنفَعَةَ كَلا دَعْوَةٍ، أوْ سُمِّيَتِ الِاسْتِجابَةُ بِاسْمِ الدَّعْوَةِ، كَما سُمِّيَ الفِعْلُ المُجازى عَلَيْهِ بِاسْمِ الجَزاءِ في قَوْلِهِ: (كَما تَدِينُ تُدانُ) .
وقالَ الكَلْبِيُّ: لَيْسَتْ لَهُ شَفاعَةٌ في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ، وكانَ فِرْعَوْنُ أوَّلًا يَدْعُو النّاسَ إلى عِبادَةِ الأصْنامِ، ثُمَّ دَعاهم إلى عِبادَةِ البَقَرِ، وكانَتْ تُعْبَدُ ما دامَتْ شابَّةً، فَإذا هَزُلَتْ أمَرَ بِذَبْحِها ودَعا بِأُخْرى لِتُعْبَدَ. فَلَمّا طالَ عَلَيْهِ الزَّمانُ قالَ: ﴿أنا رَبُّكُمُ الأعْلى﴾ [النازعات: ٢٤] .
ولَمّا ذَكَرَ انْتِفاءَ دَعْوَةِ ما عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ وذَكَرَ أنَّ مَرَدَّ الجَمِيعِ إلى اللَّهِ، أيْ: إلى جَزائِهِ، ﴿وأنَّ المُسْرِفِينَ﴾: وهُمُ المُشْرِكُونَ (p-٤٦٨)فِي قَوْلِ قَتادَةَ، والسَّفّاكُونَ لِلدِّماءِ بِغَيْرِ حِلِّها في قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ، ومُجاهِدٍ. وقِيلَ: مَن غَلَبَ شَرُّهُ خَيْرَهُ هو المُسْرِفُ. وقالَ عِكْرِمَةُ: هُمُ الجَبّارُونَ المُتَكَبِّرُونَ.
وخَتَمَ المُؤْمِنُ كَلامَهُ بِخاتِمَةٍ لَطِيفَةٍ تُوجِبُ التَّخْوِيفَ والتَّهْدِيدَ وهي قَوْلُهُ: ﴿فَسَتَذْكُرُونَ ما أقُولُ لَكُمْ﴾ أيْ: إذا حَلَّ بِكم عِقابُ اللَّهِ.
﴿وأُفَوِّضُ أمْرِي﴾ إلى قَضاءِ اللَّهِ وقَدَرِهِ، لا إلَيْكم ولا إلى أصْنامِكم، وكانُوا قَدْ تَوَعَّدُوهُ.
ثُمَّ ذَكَرَ ما يُوجِبُ التَّفْوِيضَ، وهو كَوْنُهُ تَعالى بَصِيرًا بِأحْوالِ العِبادِ وبِمَقادِيرِ حاجاتِهِمْ.
قالَ مُقاتِلٌ: لَمّا قالَ هَذِهِ الكَلِماتِ، قَصَدُوا قَتْلَهُ؛ فَهَرَبَ هَذا المُؤْمِنُ إلى الجَبَلِ، فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ.
وقِيلَ: لَمّا أظْهَرَ إيمانَهُ، بَعَثَ فِرْعَوْنُ في طَلَبِهِ ألْفَ رَجُلٍ؛ فَمِنهم مَن أدْرَكَهُ، فَذَبَّ السِّباعُ عَنْهُ وأكَلَتْهُمُ السِّباعُ، ومِنهم مَن ماتَ في الجِبالِ عَطَشًا، ومِنهم مَن رَجَعَ إلى فِرْعَوْنَ خائِبًا، فاتَّهَمَهُ وقَتَلَهُ وصَلَبَهُ. وقِيلَ: نَجا مَعَ مُوسى في البَحْرِ، وفَرَّ في جُمْلَةِ مَن فَرَّ مَعَهُ.
﴿فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا﴾ أيْ: شَدائِدَ مَكْرِهِمُ الَّتِي تَسُوؤُهُ، وما هَمُّوا بِهِ مِن أنْواعِ العَذابِ لِمَن خالَفَهم.
﴿وحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ العَذابِ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو ما حاقَ بِالألْفِ الَّذِينَ بَعَثَهم فِرْعَوْنُ في طَلَبِ المُؤْمِنِ، مِن أكْلِ السِّباعِ، والمَوْتِ بِالعَطَشِ، والقَتْلِ والصَّلْبِ، كَما تَقَدَّمَ.
وقِيلَ: ﴿سُوءُ العَذابِ﴾: هو الغَرَقُ في الدُّنْيا والحَرْقُ في الآخِرَةِ.
(النّارُ) بَدَلٌ مِن ﴿سُوءُ العَذابِ﴾، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما سُوءُ العَذابِ: قِيلَ: النّارُ، أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿يُعْرَضُونَ﴾، ويُقَوِّي هَذا الوَجْهَ قِراءَةُ مَن نَصَبَ، أيْ: تَدْخُلُونَ النّارَ يُعْرَضُونَ عَلَيْها.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُنْصَبَ عَلى الِاخْتِصاصِ.
والظّاهِرُ أنَّ عَرْضَهم عَلى النّارِ مَخْصُوصٌ بِهَذَيْنِ الوَقْتَيْنِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِذِكْرِ الطَّرَفَيْنِ الدَّوامُ في الدُّنْيا، والظّاهِرُ أنَّ العَرْضَ خِلافُ الإحْراقِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَرْضُهم عَلَيْها: إحْراقُهم بِها، يُقالُ: عَرَضَ الإمامُ الأُسارى عَلى السَّيْفِ إذا قَتَلَهم بِهِ. انْتَهى.
والظّاهِرُ أنَّ العَرْضَ هو في الدُّنْيا. ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الهُذَيْلِ بْنِ شُرَحْبِيلَ، وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، والسُّدِّيِّ: أنَّ أرْواحَهم في جَوْفِ طُيُورٍ سُودٍ، تَرُوحُ بِهِمْ وتَغْدُو إلى النّارِ. وقالَ رَجُلٌ لِلْأوْزاعِيِّ: رَأيْتُ طُيُورًا بِيضًا تَغْدُو مِنَ البَحْرِ، ثُمَّ تَرُوحُ بِالعَشِيِّ سُودًا مِثْلُها، فَقالَ الأوْزاعِيُّ: تِلْكَ الَّتِي في حَواصِلِها أرْواحُ آلِ فِرْعَوْنَ، يُحْرَقُ رِياشُها وتَسْوَدُّ بِالعَرْضِ عَلى النّارِ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ وغَيْرُهُ: أرادَ أنَّهم يُعْرَضُونَ في الآخِرَةِ عَلى تَقْدِيرِ ما بَيْنَ الغُدُوِّ والعَشِيِّ، إذْ لا غُدُوَّ ولا عَشِيَّ في الآخِرَةِ، وإنَّما ذَلِكَ عَلى التَّقْدِيرِ بِأيّامِ الدُّنْيا.
وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: تُعْرَضُ أرْواحُ آلِ فِرْعَوْنَ ومَن كانَ مِثْلَهم مِنَ الكُفّارِ عَلى النّارِ بِالغَداةِ والعَشِيِّ، يُقالُ: هَذِهِ دارُكم.
وفِي صَحِيحِ البُخارِيِّ، ومُسْلِمٍ، مِن حَدِيثِ ابْنِ عِمْرانَ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «إنَّ أحَدَكم إذا ماتَ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدَهُ بِالغَداةِ والعَشِيِّ، إنْ كانَ مِن أهْلِ الجَنَّةِ فَمِن أهْلِ الجَنَّةِ، وإنْ كانَ مِن أهْلِ النّارِ فَمِن أهْلِ النّارِ، يُقالُ هَذا مَقْعَدُكَ حَتّى يَبْعَثَكَ اللَّهُ إلَيْهِ يَوْمَ القِيامَةِ» .
واسْتَدَلَّ مُجاهِدٌ ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ وعِكْرِمَةُ ومُقاتِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وعَشِيًّا﴾ أيْ: عِنْدَ مَوْتِهِمْ عَلى عَذابِ القَبْرِ في الدُّنْيا. والظّاهِرُ تَمامُ الجُمْلَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿وعَشِيًّا﴾، وأنَّ يَوْمَ القِيامَةِ مَعْمُولٌ لِمَحْذُوفٍ عَلى إضْمارِ القَوْلِ، أيْ: ويَوْمَ القِيامَةِ يُقالُ لَهم: ادْخُلُوا. وقِيلَ: و(يَوْمَ) مَعْطُوفٌ عَلى ﴿وعَشِيًّا﴾ فالعامِلُ فِيهِ ﴿يُعْرَضُونَ﴾ و﴿أدْخِلُوا﴾ عَلى إضْمارِ الفِعْلِ. وقِيلَ: العامِلُ في (يَوْمَ) ﴿أدْخِلُوا﴾ . وقَرَأ الأعْرَجُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، والأعْمَشُ، وابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ، ونافِعٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ: ﴿أدْخِلُوا﴾، أمْرًا لِلْخَزَنَةِ مِن أدْخَلَ.
وعَلِيٌّ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، وابْنُ كَثِيرٍ، والعَرَبِيّانِ، وأبُو بَكْرٍ: أمْرًا مِن دَخَلَ ﴿آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذابِ﴾ . قِيلَ: وهو الهاوِيَةُ. قالَ الأوْزاعِيُّ: بَلَغَنا أنَّهم ألْفا ألْفٍ وسِتُّمِائَةِ ألْفٍ.
﴿وإذْ يَتَحاجُّونَ في النّارِ﴾: الظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ عَلى فِرْعَوْنَ. وقالَ (p-٤٦٩)ابْنُ عَطِيَّةَ: والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿يَتَحاجُّونَ﴾ لِجَمِيعِ كَفّارِ الأُمَمِ، وهَذا ابْتِداءُ قَصَصٍ لا يَخْتَصُّ بِآلِ فِرْعَوْنَ، والعامِلُ في (إذْ) فِعْلٌ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ واذْكُرُوا.
وقالَ الطَّبَرِيُّ: وإذْ هَذِهِ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿إذِ القُلُوبُ لَدى الحَناجِرِ﴾ [غافر: ١٨]، وهَذا بَعِيدٌ. انْتَهى.
والمُحاجَّةُ: التَّحاوُرُ بِالحُجَّةِ والخُصُومَةِ. والضُّعَفاءُ أيْ: في القَدَرِ والمَنزِلَةِ في الدُّنْيا. والَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا أيْ: عَنِ الإيمانِ واتِّباعِ الرُّسُلِ.
﴿إنّا كُنّا لَكم تَبَعًا﴾ أيْ: ذَوِي تَبَعٍ، فَتَبَعٌ مَصْدَرٌ أوِ اسْمُ جَمْعٍ لِتابِعٍ، كَآيِمٍ وأيَمٍ، وخادِمِ وخَدَمٍ، وغائِبٍ وغَيَبٍ.
﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا﴾ أيْ: حامِلُونَ عَنّا ؟ فَأجابُوهم: ﴿إنّا كُلٌّ فِيها﴾، وأنَّ حُكْمَ اللَّهِ قَدْ نَفَذَ فِينا وفِيكم، إنّا مُسْتَمِرُّونَ في النّارِ.
وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْقَعِ، وعِيسى بْنُ عِمْرانَ: (كُلًّا) بِنَصْبِ (كُلٌّ) . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وابْنُ عَطِيَّةَ: عَلى التَّوْكِيدِ لِاسْمِ إنَّ، وهو مَعْرِفَةٌ، والتَّنْوِينُ عِوَضٌ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ، يُرِيدُ: إنّا كُلُّنا فِيها. انْتَهى.
وخَبَرُ إنَّ هو فِيها، ومَن رَفَعَ (كُلًّا) فَعَلى الِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ فِيها، والجُمْلَةُ خَبَرُ إنَّ. وقالَ ابْنُ مالِكٍ في تَصْنِيفِهِ (تَسْهِيلِ الفَوائِدِ): وقَدْ تَكَلَّمَ عَلى (كُلٌّ) ولا يُسْتَغْنى بِنِيَّةِ إضافَتِهِ، خِلافًا لِلْفَرّاءِ والزَّمَخْشَرِيِّ. انْتَهى، وهَذا المَذْهَبُ مَنقُولٌ عَنِ الكُوفِيِّينَ، وقَدْ رَدَّ ابْنُ مالِكٍ عَلى هَذا المَذْهَبِ بِما قَرَّرَهُ في شَرْحِهِ (التَّسْهِيلِ) .
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): هَلْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ (كُلًّا) حالًا قَدْ عَمِلَ (فِيها) فِيها ؟ (قُلْتُ): لا؛ لِأنَّ الظَّرْفَ لا يَعْمَلُ، والحالُ مُتَقَدِّمَةٌ، كَما يَعْمَلُ في الظَّرْفِ مُتَقَدِّمًا، تَقُولُ: كُلُّ يَوْمٍ لَكَ ثَوْبٌ، ولا تَقُولُ: قائِمًا في الدّارِ زَيْدٌ. انْتَهى.
وهَذا الَّذِي مَنَعَهُ أجازَهُ الأخْفَشُ إذا تَوَسَّطَتِ الحالُ، نَحْوُ: زَيْدٌ قائِمًا في الدّارِ، وزَيْدٌ قائِمًا عِنْدَكَ، والتَّمْثِيلُ الَّذِي ذَكَرَهُ لَيْسَ مُطابِقًا في الآيَةِ؛ لِأنَّ الآيَةَ تَقَدَّمَ فِيها المُسْنَدُ إلَيْهِ الحُكْمُ، وهو اسْمُ إنَّ، وتَوَسَّطَتِ الحالُ إذا قُلْنا إنَّها حالٌ، وتَأخَّرَ العامِلُ فِيها، وأمّا تَمْثِيلُهُ بِقَوْلِهِ: ولا تَقُولُ: قائِمًا في الدّارِ زَيْدٌ، تَأخَّرَ فِيهِ المُسْنَدُ والمُسْنَدُ إلَيْهِ، وقَدْ ذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ المَنعَ في ذَلِكَ إجْماعٌ مِنَ النُّحاةِ.
وقالَ ابْنُ مالِكٍ: والقَوْلُ المَرْضِيُّ عِنْدِي أنَّ كُلًّا في القِراءَةِ المَذْكُورَةِ مَنصُوبٌ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ المَرْفُوعَ المَنَوِيَّ في (فِيها) وفِيها هو العامِلُ، وقَدْ تَقَدَّمَتِ الحالُ عَلَيْهِ مَعَ عَدَمِ تَصَرُّفِهِ، كَما قُدِّمَتْ في قِراءَةِ مَن قَرَأ: ﴿والسَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] . وفي قَوْلِ النّابِغَةِ الذُّبْيانِيِّ:
؎رَهْطُ ابْنِ كُوزٍ مُحْقِبِي أدْراعَهم فِيهِمْ ورَهْطُ رَبِيعَةَ بْنِ حَذارِ
وقالَ بَعْضُ الطّائِيِّينَ:
؎دَعا فَأجَبْنا وهو بادَّيَّ ذِلَّةً ∗∗∗ لَدَيْكم فَكانَ النَّصْرُ غَيْرَ قَرِيبِ
انْتَهى. وهَذا التَّخْرِيجُ هو عَلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ، كَما ذَكَرْناهُ، والَّذِي أخْتارُهُ في تَخْرِيجِ هَذِهِ القِراءَةِ أنَّ (كُلًّا) بَدَلٌ مِنِ اسْمِ إنَّ؛ لِأنَّ (كُلًّا) يَتَصَرَّفُ فِيهِما بِالِابْتِداءِ ونَواسِخِهِ وغَيْرِ ذَلِكَ، فَكَأنَّهُ قالَ: إنَّ كُلًّا بَدَلٌ مِنِ اسْمِ إنَّ؛ لِأنَّ كُلًّا فِيها، وإذا كانُوا قَدْ تَأوَّلُوا حَوْلًا أكْتَعًا ويَوْمًا أجْمَعًا عَلى البَدَلِ، مَعَ أنَّهُما لا يَلِيانِ العَوامِلَ، فَإنْ يُدَّعى في (كُلٌّ) البَدَلُ أوْلى، وأيْضًا فَتَنْكِيرُ (كُلٌّ) ونَصْبُهُ حالًا في غايَةِ الشُّذُوذِ، والمَشْهُورُ (p-٤٧٠)أنَّ كُلًّا مَعْرِفَةٌ إذا قُطِعَتْ عَنِ الإضافَةِ. حُكِيَ: مَرَرْتُ بِكُلٍّ قائِمًا، وبِبَعْضٍ جالِسًا في الفَصِيحِ الكَثِيرِ في كَلامِهِمْ، وقَدْ شَذَّ نَصْبُ كُلٍّ عَلى الحالِ في قَوْلِهِمْ: مَرَرْتُ بِهِمْ كُلًّا، أيْ: جَمِيعًا.
(فَإنْ قُلْتَ): كَيْفَ يَجْعَلُهُ بَدَلًا، وهو بَدَلُ كُلٍّ مِن كُلٍّ مِن ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ، وهو لا يَجُوزُ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ ؟ .
(قُلْتُ): مَذْهَبُ الأخْفَشِ والكُوفِيِّينَ جَوازُهُ، وهو الصَّحِيحُ، عَلى أنَّ هَذا لَيْسَ مِمّا وقَعَ فِيهِ الخِلافُ، بَلْ إذا كانَ البَدَلُ يُفِيدُ الإحاطَةَ، جازَ أنْ يُبْدَلَ مِن ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ وضَمِيرِ المُخاطَبِ، لا نَعْلَمُ خِلافًا في ذَلِكَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَكُونُ لَنا عِيدًا لِأوَّلِنا وآخِرِنا﴾ [المائدة: ١١٤]، وكَقَوْلِكِ: مَرَرْتُ بِكم صَغِيرِكم وكَبِيرِكم، مَعْناهُ: مَرَرْتُ بِكم كُلِّكم، وتَكُونُ لَنا عِيدًا كُلِّنا. فَإذا جازَ ذَلِكَ فِيما هو بِمَعْنى الإحاطَةِ، فَجَوازُهُ فِيما دَلَّ عَلى الإحاطَةِ، وهو (كُلٌّ) أوْلى، ولا التِفاتَ لِمَنعِ المُبَرِّدِ البَدَلَ فِيهِ؛ لِأنَّهُ بَدَلٌ مِن ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَتَحَقَّقْ مَناطُ الخِلافِ.
ولَمّا أجابَ الضُّعَفاءُ المُسْتَكْبِرُونَ قالُوا جَمِيعًا: ﴿لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ﴾، وأبْرَزَ ما أُضِيفَ إلَيْهِ الخَزَنَةُ، ولَمْ يَأْتِ ضَمِيرًا، فَكانَ يَكُونُ التَّرْكِيبُ لِخَزَنَتِها، لِما في ذِكْرِ جَهَنَّمَ مِنَ التَّهْوِيلِ، وفِيها أطْغى الكُفّارِ وأعْتاهم. ولَعَلَّ الكُفّارَ تَوَهَّمُوا أنَّ مَلائِكَةَ جَهَنَّمَ المُوَكَّلِينَ بِعَذابِ تِلْكَ الطُّغاةِ هم أقْرَبُ مَنزِلَةً عِنْدَ اللَّهِ مِن غَيْرِهِمْ مِنَ المَلائِكَةِ المُوَكَّلِينَ بِبَقِيَّةِ دَرَكاتِ النّارِ، فَرَجَوْا أنْ يُجِيبُوهم ويَدْعُوا لَهم بِالتَّخْفِيفِ، فَراجَعَتْهُمُ الخَزَنَةُ عَلى سَبِيلِ التَّوْبِيخِ لَهم والتَّقْرِيرِ: ﴿أوْلَمَ تَكُ تَأْتِيكم رُسُلُكم بِالبَيِّناتِ﴾، فَأجابُوا بِأنَّهم أتَتْهم، ﴿قالُوا﴾ أيِ: الخَزَنَةُ، ﴿فادْعُوا﴾ أنْتُمْ عَلى مَعْنى الهُزْءِ بِهِمْ، أوْ فادْعُوا أنْتُمْ، فَإنّا لا نَجْتَرِئُ عَلى ذَلِكَ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما دُعاءُ الكافِرِينَ إلّا في ضَلالٍ﴾ مِن كَلامِ الخَزَنَةِ أيْ: دُعاؤُكم لا يَنْفَعُ ولا يُجْدِي. وقِيلَ: هو مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى إخْبارًا مِنهُ لِمُحَمَّدٍ ﷺ .
وجاءَتْ هَذِهِ الأخْبارُ مُعَبَّرًا عَنْها بِلَفْظِ الماضِي الواقِعِ لِتَيَقُّنِ وُقُوعِها.
ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى أنَّهُ يَنْصُرُ رُسُلَهُ ويُظْفِرُهم بِأعْدائِهِمْ، كَما فَعَلَ بِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - حَيْثُ أهْلَكَ عَدُوَّهُ فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ، وفِيهِ تَبْشِيرٌ لِلرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِنَصْرِهِ عَلى قَوْمِهِ، (في الحَياةِ الدُّنْيا)، العاقِبَةُ الحَسَنَةُ لَهم، ﴿ويَوْمَ يَقُومُ الأشْهادُ﴾: وهو يَوْمُ القِيامَةِ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَنْصُرُهم بِالغَلَبَةِ، وفي الآخِرَةِ بِالعَذابِ. وقالَ السُّدِّيُّ: بِالِانْتِقامِ مِن أعْدائِهِمْ. وقالَ أبُو العالِيَةِ: بِإفْلاحِ حُجَّتِهِمْ. وقالَ السُّدِّيُّ أيْضًا: ما قَتَلَ قَوْمٌ قَطُّ نَبِيًّا أوْ قَوْمًا مِن دُعاةِ الحَقِّ إلّا بَعَثَ اللَّهُ مَن يَنْتَقِمُ لَهم، فَصارُوا مَنصُورِينَ فِيها وإنْ قُتِلُوا. انْتَهى.
ألا تَرى إلى قَتَلَةِ الحُسَيْنِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كَيْفَ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ المُخْتارَ بْنَ عُبَيْدٍ يَتْبَعُهم واحِدًا واحِدًا حَتّى قَتَلَهم ؟ وبُخْتُنَصَّرُ تَتَبَعَ اليَهُودَ حِينَ قَتَلُوا يَحْيى بْنَ زَكَرِيّا، عَلَيْهِما السَّلامُ ؟ وقِيلَ: والنَّصْرُ خاصٌّ بِمَن أظْهَرَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى أُمَّتِهِ، كَنُوحٍ ومُوسى ومُحَمَّدٍ عَلَيْهِمُ السَّلامُ؛ لِأنّا نَجِدُ مِنَ الأنْبِياءِ مَن قَتَلَهُ قَوْمُهُ، كَيَحْيى، ومَن لَمْ يُنْصَرْ عَلَيْهِمْ. وقالَ السُّدِّيُّ: الخَبَرُ عامٌّ، وذَلِكَ أنَّ نُصْرَةَ الرُّسُلِ والأنْبِياءِ واقِعَةٌ ولا بُدَّ إمّا في حَياةِ الرَّسُولِ المَنصُورِ، كَنُوحٍ ومُوسى - عَلَيْهِما السَّلامُ - وإمّا بَعْدَ مَوْتِهِ. ألا تَرى إلى ما صَنَعَ اللَّهُ تَعالى بِبَنِي إسْرائِيلَ بَعْدَ قَتْلِهِمْ يَحْيى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن تَسْلِيطِ بُخْتُنَصَّرَ حَتّى انْتَصَرَ لِيَحْيى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ؟ وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يَقُومُ) بِالياءِ؛ وابْنُ هُرْمُزَ، وإسْماعِيلُ، والمِنقَرِيُّ عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِتاءِ التَّأْنِيثِ. الجَماعَةُ. والأشْهادُ، جَمْعُ شَهِيدٍ، كَشَرِيفٍ وأشْرافٍ، أوْ جَمْعُ شاهِدٍ، كَصاحِبٍ وأصْحابٍ، كَما قالَ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ [النساء: ٤١] . وقالَ: ﴿لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ ويَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكم شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣]، والظّاهِرُ أنَّهُ مِنَ الشَّهادَةِ. وقِيلَ: مِنَ المُشاهَدَةِ، بِمَعْنى الحُضُورِ.
﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ﴾: بَدَلٌ مِن (يَوْمَ) (يَقُومُ) . وقُرِئَ: (تَنْفَعُ) بِالتّاءِ وبِالياءِ، وتَقَدَّمَ ذِكْرُ الخِلافِ في ذَلِكَ في آخِرِ الرُّومِ، ويُحْتَمَلُ أنَّهم يَعْتَذِرُونَ ولا تُقْبَلُ مَعْذِرَتُهم، أوْ أنَّهم لا مَعْذِرَةَ لَهم فَتُقْبَلُ.
﴿ولَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ والإبْعادُ مِنَ اللَّهِ.
﴿ولَهم سُوءُ الدّارِ﴾: سُوءُ عاقِبَةِ الدّارِ.
غافر 40:42
(p-٤٦٧)﴿ويا قَوْمِ ما لِي أدْعُوكم إلى النَّجاةِ وتَدْعُونَنِي إلى النّارِ﴾ ﴿تَدْعُونَنِي لِأكْفُرَ بِاللَّهِ وأُشْرِكَ بِهِ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وأنا أدْعُوكم إلى العَزِيزِ الغَفّارِ﴾ ﴿لا جَرَمَ أنَّما تَدْعُونَنِي إلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ وأنَّ مَرَدَّنا إلى اللَّهِ وأنَّ المُسْرِفِينَ هم أصْحابُ النّارِ﴾ ﴿فَسَتَذْكُرُونَ ما أقُولُ لَكم وأُفَوِّضُ أمْرِي إلى اللَّهِ إنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالعِبادِ﴾ ﴿فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا وحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ العَذابِ﴾ ﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وعَشِيًّا ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ أدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذابِ﴾ ﴿وإذْ يَتَحاجُّونَ في النّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إنّا كُنّا لَكم تَبَعًا فَهَلْ أنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا نَصِيبًا مِنَ النّارِ﴾ ﴿قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إنّا كُلٌّ فِيها إنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ العِبادِ﴾ ﴿وقالَ الَّذِينَ في النّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكم يُخَفِّفْ عَنّا يَوْمًا مِنَ العَذابِ﴾ ﴿قالُوا أوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكم رُسُلُكم بِالبَيِّناتِ قالُوا بَلى قالُوا فادْعُوا وما دُعاءُ الكافِرِينَ إلّا في ضَلالٍ﴾ ﴿إنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا والَّذِينَ آمَنُوا في الحَياةِ الدُّنْيا ويَوْمَ يَقُومُ الأشْهادُ﴾ ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظّالِمِينَ مَعْذِرَتُهم ولَهُمُ اللَّعْنَةُ ولَهم سُوءُ الدّارِ﴾
بَدَأ المُؤْمِنُ بِذِكْرِ المُتَسَبَّبِ عَنْ دَعْوَتِهِمْ، وأبْدى التَّفاضُلَ بَيْنَهُما. ولَمّا ذَكَرَ المُسَبِّبَيْنِ، ذَكَرَ سَبَبَهُما، وهو دُعاؤُهم إلى الكُفْرِ والشِّرْكِ، ودُعاؤُهُ إيّاهم إلى الإيمانِ والتَّوْحِيدِ.
وأتى بِصِيغَةِ العَزِيزِ، وهو الَّذِي لا نَظِيرَ لَهُ، والغالِبُ الَّذِي العالَمُ كُلُّهم في قَبْضَتِهِ يَتَصَرَّفُ فِيهِمْ كَما يَشاءُ، الغَفّارُ لِذُنُوبِ مَن رَجَعَ إلَيْهِ وآمَنُ بِهِ، وأوْصَلَ سَبَبَ دُعائِهِمْ بِمُسَبِّبِهِ، وهو الكُفْرُ والنّارُ، وأخَّرَ سَبَبَ مُسَبِّبِهِ لِيَكُونَ افْتِتاحَ كَلامِهِ واخْتِتامِهِ بِما يَدْعُو إلى الخَيْرِ.
وبَدَأ أوَّلًا بِجُمْلَةٍ اسْمِيَّةٍ، وهو الاسْتِفْهامُ المُتَضَمِّنُ التَّعَجُّبَ مِن حالَتِهِمْ، وخَتَمَ أيْضًا بِجُمْلَةٍ اسْمِيَّةٍ لِيَكُونَ أبْلَغَ في تَوْكِيدِ الأخْبارِ. وجاءَ في حَقِّهِمْ ﴿وتَدْعُونَنِي﴾ بِالجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ الَّتِي لا تَقْتَضِي تَوْكِيدًا، إذْ دَعَوْتُهم باطِلَةٌ لا ثُبُوتَ لَها، فَتُؤَكَّدُ. و﴿ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾ هي الأوْثانُ، أيْ: لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ عِلْمِي، إذْ لَيْسَ لَها مَدْخَلٌ في الأُلُوهِيَّةِ ولا لِفِرْعَوْنَ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): لِمَ جاءَ بِالواوِ في النِّداءِ الثّالِثِ دُونَ الثّانِي ؟ .
(قُلْتُ): لِأنَّ الثّانِيَ داخِلٌ في كَلامٍ هو بَيانٌ لِلْمُجْمَلِ وتَفْسِيرٌ لَهُ، فَأعْطى الدّاخِلَ عَلَيْهِ حُكْمَهُ في امْتِناعِ دُخُولِ الواوِ، وأمّا الثّالِثُ فَداخِلٌ عَلى كَلامٍ لَيْسَ بِتِلْكَ المَثابَةِ. انْتَهى.
وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى لا جَرَمَ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ هُنا، ورُوِيَ عَنِ العَرَبِ: لا جُرْمَ أنَّهُ يَفْعَلُ بِضَمِّ الجِيمِ وسُكُونِ الرّاءِ، يُرِيدُ لا بُدَّ، وفَعَلٌ وفُعْلٌ أخَوانِ، كَرَشَدٍ ورُشْدٍ، وعَدَمٍ وعُدْمٍ.
(أنَّما) أيْ: أنَّ الَّذِي ﴿تَدْعُونَنِي إلَيْهِ﴾ أيْ: إلى عِبادَتِهِ، ﴿لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ﴾، أيْ: قَدْرٌ وحَقٌّ يَجِبُ أنْ يُدْعى إلَيْهِ، أوْ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ إلى نَفْسِهِ؛ لِأنَّ الجَمادَ لا يَدْعُو، والمَعْبُودُ بِالحَقِّ يَدْعُو العِبادَ إلى طاعَتِهِ، ثُمَّ يَدْعُو العِبادَ إلَيْها إظْهارًا لِدَعْوَةِ رَبِّهِمْ.
وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى لَيْسَ لَهُ اسْتِجابَةُ دَعْوَةٍ تُوجِبُ الأُلُوهِيَّةَ في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ، أوْ دَعْوَةٌ مُسْتَجابَةٌ، جُعِلَتِ الدَّعْوَةُ الَّتِي لا اسْتِجابَةَ لَها ولا مَنفَعَةَ كَلا دَعْوَةٍ، أوْ سُمِّيَتِ الِاسْتِجابَةُ بِاسْمِ الدَّعْوَةِ، كَما سُمِّيَ الفِعْلُ المُجازى عَلَيْهِ بِاسْمِ الجَزاءِ في قَوْلِهِ: (كَما تَدِينُ تُدانُ) .
وقالَ الكَلْبِيُّ: لَيْسَتْ لَهُ شَفاعَةٌ في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ، وكانَ فِرْعَوْنُ أوَّلًا يَدْعُو النّاسَ إلى عِبادَةِ الأصْنامِ، ثُمَّ دَعاهم إلى عِبادَةِ البَقَرِ، وكانَتْ تُعْبَدُ ما دامَتْ شابَّةً، فَإذا هَزُلَتْ أمَرَ بِذَبْحِها ودَعا بِأُخْرى لِتُعْبَدَ. فَلَمّا طالَ عَلَيْهِ الزَّمانُ قالَ: ﴿أنا رَبُّكُمُ الأعْلى﴾ [النازعات: ٢٤] .
ولَمّا ذَكَرَ انْتِفاءَ دَعْوَةِ ما عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ وذَكَرَ أنَّ مَرَدَّ الجَمِيعِ إلى اللَّهِ، أيْ: إلى جَزائِهِ، ﴿وأنَّ المُسْرِفِينَ﴾: وهُمُ المُشْرِكُونَ (p-٤٦٨)فِي قَوْلِ قَتادَةَ، والسَّفّاكُونَ لِلدِّماءِ بِغَيْرِ حِلِّها في قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ، ومُجاهِدٍ. وقِيلَ: مَن غَلَبَ شَرُّهُ خَيْرَهُ هو المُسْرِفُ. وقالَ عِكْرِمَةُ: هُمُ الجَبّارُونَ المُتَكَبِّرُونَ.
وخَتَمَ المُؤْمِنُ كَلامَهُ بِخاتِمَةٍ لَطِيفَةٍ تُوجِبُ التَّخْوِيفَ والتَّهْدِيدَ وهي قَوْلُهُ: ﴿فَسَتَذْكُرُونَ ما أقُولُ لَكُمْ﴾ أيْ: إذا حَلَّ بِكم عِقابُ اللَّهِ.
﴿وأُفَوِّضُ أمْرِي﴾ إلى قَضاءِ اللَّهِ وقَدَرِهِ، لا إلَيْكم ولا إلى أصْنامِكم، وكانُوا قَدْ تَوَعَّدُوهُ.
ثُمَّ ذَكَرَ ما يُوجِبُ التَّفْوِيضَ، وهو كَوْنُهُ تَعالى بَصِيرًا بِأحْوالِ العِبادِ وبِمَقادِيرِ حاجاتِهِمْ.
قالَ مُقاتِلٌ: لَمّا قالَ هَذِهِ الكَلِماتِ، قَصَدُوا قَتْلَهُ؛ فَهَرَبَ هَذا المُؤْمِنُ إلى الجَبَلِ، فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ.
وقِيلَ: لَمّا أظْهَرَ إيمانَهُ، بَعَثَ فِرْعَوْنُ في طَلَبِهِ ألْفَ رَجُلٍ؛ فَمِنهم مَن أدْرَكَهُ، فَذَبَّ السِّباعُ عَنْهُ وأكَلَتْهُمُ السِّباعُ، ومِنهم مَن ماتَ في الجِبالِ عَطَشًا، ومِنهم مَن رَجَعَ إلى فِرْعَوْنَ خائِبًا، فاتَّهَمَهُ وقَتَلَهُ وصَلَبَهُ. وقِيلَ: نَجا مَعَ مُوسى في البَحْرِ، وفَرَّ في جُمْلَةِ مَن فَرَّ مَعَهُ.
﴿فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا﴾ أيْ: شَدائِدَ مَكْرِهِمُ الَّتِي تَسُوؤُهُ، وما هَمُّوا بِهِ مِن أنْواعِ العَذابِ لِمَن خالَفَهم.
﴿وحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ العَذابِ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو ما حاقَ بِالألْفِ الَّذِينَ بَعَثَهم فِرْعَوْنُ في طَلَبِ المُؤْمِنِ، مِن أكْلِ السِّباعِ، والمَوْتِ بِالعَطَشِ، والقَتْلِ والصَّلْبِ، كَما تَقَدَّمَ.
وقِيلَ: ﴿سُوءُ العَذابِ﴾: هو الغَرَقُ في الدُّنْيا والحَرْقُ في الآخِرَةِ.
(النّارُ) بَدَلٌ مِن ﴿سُوءُ العَذابِ﴾، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما سُوءُ العَذابِ: قِيلَ: النّارُ، أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿يُعْرَضُونَ﴾، ويُقَوِّي هَذا الوَجْهَ قِراءَةُ مَن نَصَبَ، أيْ: تَدْخُلُونَ النّارَ يُعْرَضُونَ عَلَيْها.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُنْصَبَ عَلى الِاخْتِصاصِ.
والظّاهِرُ أنَّ عَرْضَهم عَلى النّارِ مَخْصُوصٌ بِهَذَيْنِ الوَقْتَيْنِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِذِكْرِ الطَّرَفَيْنِ الدَّوامُ في الدُّنْيا، والظّاهِرُ أنَّ العَرْضَ خِلافُ الإحْراقِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَرْضُهم عَلَيْها: إحْراقُهم بِها، يُقالُ: عَرَضَ الإمامُ الأُسارى عَلى السَّيْفِ إذا قَتَلَهم بِهِ. انْتَهى.
والظّاهِرُ أنَّ العَرْضَ هو في الدُّنْيا. ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الهُذَيْلِ بْنِ شُرَحْبِيلَ، وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، والسُّدِّيِّ: أنَّ أرْواحَهم في جَوْفِ طُيُورٍ سُودٍ، تَرُوحُ بِهِمْ وتَغْدُو إلى النّارِ. وقالَ رَجُلٌ لِلْأوْزاعِيِّ: رَأيْتُ طُيُورًا بِيضًا تَغْدُو مِنَ البَحْرِ، ثُمَّ تَرُوحُ بِالعَشِيِّ سُودًا مِثْلُها، فَقالَ الأوْزاعِيُّ: تِلْكَ الَّتِي في حَواصِلِها أرْواحُ آلِ فِرْعَوْنَ، يُحْرَقُ رِياشُها وتَسْوَدُّ بِالعَرْضِ عَلى النّارِ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ وغَيْرُهُ: أرادَ أنَّهم يُعْرَضُونَ في الآخِرَةِ عَلى تَقْدِيرِ ما بَيْنَ الغُدُوِّ والعَشِيِّ، إذْ لا غُدُوَّ ولا عَشِيَّ في الآخِرَةِ، وإنَّما ذَلِكَ عَلى التَّقْدِيرِ بِأيّامِ الدُّنْيا.
وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: تُعْرَضُ أرْواحُ آلِ فِرْعَوْنَ ومَن كانَ مِثْلَهم مِنَ الكُفّارِ عَلى النّارِ بِالغَداةِ والعَشِيِّ، يُقالُ: هَذِهِ دارُكم.
وفِي صَحِيحِ البُخارِيِّ، ومُسْلِمٍ، مِن حَدِيثِ ابْنِ عِمْرانَ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «إنَّ أحَدَكم إذا ماتَ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدَهُ بِالغَداةِ والعَشِيِّ، إنْ كانَ مِن أهْلِ الجَنَّةِ فَمِن أهْلِ الجَنَّةِ، وإنْ كانَ مِن أهْلِ النّارِ فَمِن أهْلِ النّارِ، يُقالُ هَذا مَقْعَدُكَ حَتّى يَبْعَثَكَ اللَّهُ إلَيْهِ يَوْمَ القِيامَةِ» .
واسْتَدَلَّ مُجاهِدٌ ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ وعِكْرِمَةُ ومُقاتِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وعَشِيًّا﴾ أيْ: عِنْدَ مَوْتِهِمْ عَلى عَذابِ القَبْرِ في الدُّنْيا. والظّاهِرُ تَمامُ الجُمْلَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿وعَشِيًّا﴾، وأنَّ يَوْمَ القِيامَةِ مَعْمُولٌ لِمَحْذُوفٍ عَلى إضْمارِ القَوْلِ، أيْ: ويَوْمَ القِيامَةِ يُقالُ لَهم: ادْخُلُوا. وقِيلَ: و(يَوْمَ) مَعْطُوفٌ عَلى ﴿وعَشِيًّا﴾ فالعامِلُ فِيهِ ﴿يُعْرَضُونَ﴾ و﴿أدْخِلُوا﴾ عَلى إضْمارِ الفِعْلِ. وقِيلَ: العامِلُ في (يَوْمَ) ﴿أدْخِلُوا﴾ . وقَرَأ الأعْرَجُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، والأعْمَشُ، وابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ، ونافِعٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ: ﴿أدْخِلُوا﴾، أمْرًا لِلْخَزَنَةِ مِن أدْخَلَ.
وعَلِيٌّ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، وابْنُ كَثِيرٍ، والعَرَبِيّانِ، وأبُو بَكْرٍ: أمْرًا مِن دَخَلَ ﴿آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذابِ﴾ . قِيلَ: وهو الهاوِيَةُ. قالَ الأوْزاعِيُّ: بَلَغَنا أنَّهم ألْفا ألْفٍ وسِتُّمِائَةِ ألْفٍ.
﴿وإذْ يَتَحاجُّونَ في النّارِ﴾: الظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ عَلى فِرْعَوْنَ. وقالَ (p-٤٦٩)ابْنُ عَطِيَّةَ: والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿يَتَحاجُّونَ﴾ لِجَمِيعِ كَفّارِ الأُمَمِ، وهَذا ابْتِداءُ قَصَصٍ لا يَخْتَصُّ بِآلِ فِرْعَوْنَ، والعامِلُ في (إذْ) فِعْلٌ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ واذْكُرُوا.
وقالَ الطَّبَرِيُّ: وإذْ هَذِهِ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿إذِ القُلُوبُ لَدى الحَناجِرِ﴾ [غافر: ١٨]، وهَذا بَعِيدٌ. انْتَهى.
والمُحاجَّةُ: التَّحاوُرُ بِالحُجَّةِ والخُصُومَةِ. والضُّعَفاءُ أيْ: في القَدَرِ والمَنزِلَةِ في الدُّنْيا. والَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا أيْ: عَنِ الإيمانِ واتِّباعِ الرُّسُلِ.
﴿إنّا كُنّا لَكم تَبَعًا﴾ أيْ: ذَوِي تَبَعٍ، فَتَبَعٌ مَصْدَرٌ أوِ اسْمُ جَمْعٍ لِتابِعٍ، كَآيِمٍ وأيَمٍ، وخادِمِ وخَدَمٍ، وغائِبٍ وغَيَبٍ.
﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا﴾ أيْ: حامِلُونَ عَنّا ؟ فَأجابُوهم: ﴿إنّا كُلٌّ فِيها﴾، وأنَّ حُكْمَ اللَّهِ قَدْ نَفَذَ فِينا وفِيكم، إنّا مُسْتَمِرُّونَ في النّارِ.
وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْقَعِ، وعِيسى بْنُ عِمْرانَ: (كُلًّا) بِنَصْبِ (كُلٌّ) . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وابْنُ عَطِيَّةَ: عَلى التَّوْكِيدِ لِاسْمِ إنَّ، وهو مَعْرِفَةٌ، والتَّنْوِينُ عِوَضٌ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ، يُرِيدُ: إنّا كُلُّنا فِيها. انْتَهى.
وخَبَرُ إنَّ هو فِيها، ومَن رَفَعَ (كُلًّا) فَعَلى الِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ فِيها، والجُمْلَةُ خَبَرُ إنَّ. وقالَ ابْنُ مالِكٍ في تَصْنِيفِهِ (تَسْهِيلِ الفَوائِدِ): وقَدْ تَكَلَّمَ عَلى (كُلٌّ) ولا يُسْتَغْنى بِنِيَّةِ إضافَتِهِ، خِلافًا لِلْفَرّاءِ والزَّمَخْشَرِيِّ. انْتَهى، وهَذا المَذْهَبُ مَنقُولٌ عَنِ الكُوفِيِّينَ، وقَدْ رَدَّ ابْنُ مالِكٍ عَلى هَذا المَذْهَبِ بِما قَرَّرَهُ في شَرْحِهِ (التَّسْهِيلِ) .
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): هَلْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ (كُلًّا) حالًا قَدْ عَمِلَ (فِيها) فِيها ؟ (قُلْتُ): لا؛ لِأنَّ الظَّرْفَ لا يَعْمَلُ، والحالُ مُتَقَدِّمَةٌ، كَما يَعْمَلُ في الظَّرْفِ مُتَقَدِّمًا، تَقُولُ: كُلُّ يَوْمٍ لَكَ ثَوْبٌ، ولا تَقُولُ: قائِمًا في الدّارِ زَيْدٌ. انْتَهى.
وهَذا الَّذِي مَنَعَهُ أجازَهُ الأخْفَشُ إذا تَوَسَّطَتِ الحالُ، نَحْوُ: زَيْدٌ قائِمًا في الدّارِ، وزَيْدٌ قائِمًا عِنْدَكَ، والتَّمْثِيلُ الَّذِي ذَكَرَهُ لَيْسَ مُطابِقًا في الآيَةِ؛ لِأنَّ الآيَةَ تَقَدَّمَ فِيها المُسْنَدُ إلَيْهِ الحُكْمُ، وهو اسْمُ إنَّ، وتَوَسَّطَتِ الحالُ إذا قُلْنا إنَّها حالٌ، وتَأخَّرَ العامِلُ فِيها، وأمّا تَمْثِيلُهُ بِقَوْلِهِ: ولا تَقُولُ: قائِمًا في الدّارِ زَيْدٌ، تَأخَّرَ فِيهِ المُسْنَدُ والمُسْنَدُ إلَيْهِ، وقَدْ ذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ المَنعَ في ذَلِكَ إجْماعٌ مِنَ النُّحاةِ.
وقالَ ابْنُ مالِكٍ: والقَوْلُ المَرْضِيُّ عِنْدِي أنَّ كُلًّا في القِراءَةِ المَذْكُورَةِ مَنصُوبٌ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ المَرْفُوعَ المَنَوِيَّ في (فِيها) وفِيها هو العامِلُ، وقَدْ تَقَدَّمَتِ الحالُ عَلَيْهِ مَعَ عَدَمِ تَصَرُّفِهِ، كَما قُدِّمَتْ في قِراءَةِ مَن قَرَأ: ﴿والسَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] . وفي قَوْلِ النّابِغَةِ الذُّبْيانِيِّ:
؎رَهْطُ ابْنِ كُوزٍ مُحْقِبِي أدْراعَهم فِيهِمْ ورَهْطُ رَبِيعَةَ بْنِ حَذارِ
وقالَ بَعْضُ الطّائِيِّينَ:
؎دَعا فَأجَبْنا وهو بادَّيَّ ذِلَّةً ∗∗∗ لَدَيْكم فَكانَ النَّصْرُ غَيْرَ قَرِيبِ
انْتَهى. وهَذا التَّخْرِيجُ هو عَلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ، كَما ذَكَرْناهُ، والَّذِي أخْتارُهُ في تَخْرِيجِ هَذِهِ القِراءَةِ أنَّ (كُلًّا) بَدَلٌ مِنِ اسْمِ إنَّ؛ لِأنَّ (كُلًّا) يَتَصَرَّفُ فِيهِما بِالِابْتِداءِ ونَواسِخِهِ وغَيْرِ ذَلِكَ، فَكَأنَّهُ قالَ: إنَّ كُلًّا بَدَلٌ مِنِ اسْمِ إنَّ؛ لِأنَّ كُلًّا فِيها، وإذا كانُوا قَدْ تَأوَّلُوا حَوْلًا أكْتَعًا ويَوْمًا أجْمَعًا عَلى البَدَلِ، مَعَ أنَّهُما لا يَلِيانِ العَوامِلَ، فَإنْ يُدَّعى في (كُلٌّ) البَدَلُ أوْلى، وأيْضًا فَتَنْكِيرُ (كُلٌّ) ونَصْبُهُ حالًا في غايَةِ الشُّذُوذِ، والمَشْهُورُ (p-٤٧٠)أنَّ كُلًّا مَعْرِفَةٌ إذا قُطِعَتْ عَنِ الإضافَةِ. حُكِيَ: مَرَرْتُ بِكُلٍّ قائِمًا، وبِبَعْضٍ جالِسًا في الفَصِيحِ الكَثِيرِ في كَلامِهِمْ، وقَدْ شَذَّ نَصْبُ كُلٍّ عَلى الحالِ في قَوْلِهِمْ: مَرَرْتُ بِهِمْ كُلًّا، أيْ: جَمِيعًا.
(فَإنْ قُلْتَ): كَيْفَ يَجْعَلُهُ بَدَلًا، وهو بَدَلُ كُلٍّ مِن كُلٍّ مِن ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ، وهو لا يَجُوزُ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ ؟ .
(قُلْتُ): مَذْهَبُ الأخْفَشِ والكُوفِيِّينَ جَوازُهُ، وهو الصَّحِيحُ، عَلى أنَّ هَذا لَيْسَ مِمّا وقَعَ فِيهِ الخِلافُ، بَلْ إذا كانَ البَدَلُ يُفِيدُ الإحاطَةَ، جازَ أنْ يُبْدَلَ مِن ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ وضَمِيرِ المُخاطَبِ، لا نَعْلَمُ خِلافًا في ذَلِكَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَكُونُ لَنا عِيدًا لِأوَّلِنا وآخِرِنا﴾ [المائدة: ١١٤]، وكَقَوْلِكِ: مَرَرْتُ بِكم صَغِيرِكم وكَبِيرِكم، مَعْناهُ: مَرَرْتُ بِكم كُلِّكم، وتَكُونُ لَنا عِيدًا كُلِّنا. فَإذا جازَ ذَلِكَ فِيما هو بِمَعْنى الإحاطَةِ، فَجَوازُهُ فِيما دَلَّ عَلى الإحاطَةِ، وهو (كُلٌّ) أوْلى، ولا التِفاتَ لِمَنعِ المُبَرِّدِ البَدَلَ فِيهِ؛ لِأنَّهُ بَدَلٌ مِن ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَتَحَقَّقْ مَناطُ الخِلافِ.
ولَمّا أجابَ الضُّعَفاءُ المُسْتَكْبِرُونَ قالُوا جَمِيعًا: ﴿لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ﴾، وأبْرَزَ ما أُضِيفَ إلَيْهِ الخَزَنَةُ، ولَمْ يَأْتِ ضَمِيرًا، فَكانَ يَكُونُ التَّرْكِيبُ لِخَزَنَتِها، لِما في ذِكْرِ جَهَنَّمَ مِنَ التَّهْوِيلِ، وفِيها أطْغى الكُفّارِ وأعْتاهم. ولَعَلَّ الكُفّارَ تَوَهَّمُوا أنَّ مَلائِكَةَ جَهَنَّمَ المُوَكَّلِينَ بِعَذابِ تِلْكَ الطُّغاةِ هم أقْرَبُ مَنزِلَةً عِنْدَ اللَّهِ مِن غَيْرِهِمْ مِنَ المَلائِكَةِ المُوَكَّلِينَ بِبَقِيَّةِ دَرَكاتِ النّارِ، فَرَجَوْا أنْ يُجِيبُوهم ويَدْعُوا لَهم بِالتَّخْفِيفِ، فَراجَعَتْهُمُ الخَزَنَةُ عَلى سَبِيلِ التَّوْبِيخِ لَهم والتَّقْرِيرِ: ﴿أوْلَمَ تَكُ تَأْتِيكم رُسُلُكم بِالبَيِّناتِ﴾، فَأجابُوا بِأنَّهم أتَتْهم، ﴿قالُوا﴾ أيِ: الخَزَنَةُ، ﴿فادْعُوا﴾ أنْتُمْ عَلى مَعْنى الهُزْءِ بِهِمْ، أوْ فادْعُوا أنْتُمْ، فَإنّا لا نَجْتَرِئُ عَلى ذَلِكَ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما دُعاءُ الكافِرِينَ إلّا في ضَلالٍ﴾ مِن كَلامِ الخَزَنَةِ أيْ: دُعاؤُكم لا يَنْفَعُ ولا يُجْدِي. وقِيلَ: هو مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى إخْبارًا مِنهُ لِمُحَمَّدٍ ﷺ .
وجاءَتْ هَذِهِ الأخْبارُ مُعَبَّرًا عَنْها بِلَفْظِ الماضِي الواقِعِ لِتَيَقُّنِ وُقُوعِها.
ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى أنَّهُ يَنْصُرُ رُسُلَهُ ويُظْفِرُهم بِأعْدائِهِمْ، كَما فَعَلَ بِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - حَيْثُ أهْلَكَ عَدُوَّهُ فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ، وفِيهِ تَبْشِيرٌ لِلرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِنَصْرِهِ عَلى قَوْمِهِ، (في الحَياةِ الدُّنْيا)، العاقِبَةُ الحَسَنَةُ لَهم، ﴿ويَوْمَ يَقُومُ الأشْهادُ﴾: وهو يَوْمُ القِيامَةِ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَنْصُرُهم بِالغَلَبَةِ، وفي الآخِرَةِ بِالعَذابِ. وقالَ السُّدِّيُّ: بِالِانْتِقامِ مِن أعْدائِهِمْ. وقالَ أبُو العالِيَةِ: بِإفْلاحِ حُجَّتِهِمْ. وقالَ السُّدِّيُّ أيْضًا: ما قَتَلَ قَوْمٌ قَطُّ نَبِيًّا أوْ قَوْمًا مِن دُعاةِ الحَقِّ إلّا بَعَثَ اللَّهُ مَن يَنْتَقِمُ لَهم، فَصارُوا مَنصُورِينَ فِيها وإنْ قُتِلُوا. انْتَهى.
ألا تَرى إلى قَتَلَةِ الحُسَيْنِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كَيْفَ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ المُخْتارَ بْنَ عُبَيْدٍ يَتْبَعُهم واحِدًا واحِدًا حَتّى قَتَلَهم ؟ وبُخْتُنَصَّرُ تَتَبَعَ اليَهُودَ حِينَ قَتَلُوا يَحْيى بْنَ زَكَرِيّا، عَلَيْهِما السَّلامُ ؟ وقِيلَ: والنَّصْرُ خاصٌّ بِمَن أظْهَرَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى أُمَّتِهِ، كَنُوحٍ ومُوسى ومُحَمَّدٍ عَلَيْهِمُ السَّلامُ؛ لِأنّا نَجِدُ مِنَ الأنْبِياءِ مَن قَتَلَهُ قَوْمُهُ، كَيَحْيى، ومَن لَمْ يُنْصَرْ عَلَيْهِمْ. وقالَ السُّدِّيُّ: الخَبَرُ عامٌّ، وذَلِكَ أنَّ نُصْرَةَ الرُّسُلِ والأنْبِياءِ واقِعَةٌ ولا بُدَّ إمّا في حَياةِ الرَّسُولِ المَنصُورِ، كَنُوحٍ ومُوسى - عَلَيْهِما السَّلامُ - وإمّا بَعْدَ مَوْتِهِ. ألا تَرى إلى ما صَنَعَ اللَّهُ تَعالى بِبَنِي إسْرائِيلَ بَعْدَ قَتْلِهِمْ يَحْيى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن تَسْلِيطِ بُخْتُنَصَّرَ حَتّى انْتَصَرَ لِيَحْيى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ؟ وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يَقُومُ) بِالياءِ؛ وابْنُ هُرْمُزَ، وإسْماعِيلُ، والمِنقَرِيُّ عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِتاءِ التَّأْنِيثِ. الجَماعَةُ. والأشْهادُ، جَمْعُ شَهِيدٍ، كَشَرِيفٍ وأشْرافٍ، أوْ جَمْعُ شاهِدٍ، كَصاحِبٍ وأصْحابٍ، كَما قالَ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ [النساء: ٤١] . وقالَ: ﴿لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ ويَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكم شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣]، والظّاهِرُ أنَّهُ مِنَ الشَّهادَةِ. وقِيلَ: مِنَ المُشاهَدَةِ، بِمَعْنى الحُضُورِ.
﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ﴾: بَدَلٌ مِن (يَوْمَ) (يَقُومُ) . وقُرِئَ: (تَنْفَعُ) بِالتّاءِ وبِالياءِ، وتَقَدَّمَ ذِكْرُ الخِلافِ في ذَلِكَ في آخِرِ الرُّومِ، ويُحْتَمَلُ أنَّهم يَعْتَذِرُونَ ولا تُقْبَلُ مَعْذِرَتُهم، أوْ أنَّهم لا مَعْذِرَةَ لَهم فَتُقْبَلُ.
﴿ولَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ والإبْعادُ مِنَ اللَّهِ.
﴿ولَهم سُوءُ الدّارِ﴾: سُوءُ عاقِبَةِ الدّارِ.
غافر 40:43
(p-٤٦٧)﴿ويا قَوْمِ ما لِي أدْعُوكم إلى النَّجاةِ وتَدْعُونَنِي إلى النّارِ﴾ ﴿تَدْعُونَنِي لِأكْفُرَ بِاللَّهِ وأُشْرِكَ بِهِ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وأنا أدْعُوكم إلى العَزِيزِ الغَفّارِ﴾ ﴿لا جَرَمَ أنَّما تَدْعُونَنِي إلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ وأنَّ مَرَدَّنا إلى اللَّهِ وأنَّ المُسْرِفِينَ هم أصْحابُ النّارِ﴾ ﴿فَسَتَذْكُرُونَ ما أقُولُ لَكم وأُفَوِّضُ أمْرِي إلى اللَّهِ إنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالعِبادِ﴾ ﴿فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا وحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ العَذابِ﴾ ﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وعَشِيًّا ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ أدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذابِ﴾ ﴿وإذْ يَتَحاجُّونَ في النّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إنّا كُنّا لَكم تَبَعًا فَهَلْ أنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا نَصِيبًا مِنَ النّارِ﴾ ﴿قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إنّا كُلٌّ فِيها إنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ العِبادِ﴾ ﴿وقالَ الَّذِينَ في النّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكم يُخَفِّفْ عَنّا يَوْمًا مِنَ العَذابِ﴾ ﴿قالُوا أوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكم رُسُلُكم بِالبَيِّناتِ قالُوا بَلى قالُوا فادْعُوا وما دُعاءُ الكافِرِينَ إلّا في ضَلالٍ﴾ ﴿إنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا والَّذِينَ آمَنُوا في الحَياةِ الدُّنْيا ويَوْمَ يَقُومُ الأشْهادُ﴾ ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظّالِمِينَ مَعْذِرَتُهم ولَهُمُ اللَّعْنَةُ ولَهم سُوءُ الدّارِ﴾
بَدَأ المُؤْمِنُ بِذِكْرِ المُتَسَبَّبِ عَنْ دَعْوَتِهِمْ، وأبْدى التَّفاضُلَ بَيْنَهُما. ولَمّا ذَكَرَ المُسَبِّبَيْنِ، ذَكَرَ سَبَبَهُما، وهو دُعاؤُهم إلى الكُفْرِ والشِّرْكِ، ودُعاؤُهُ إيّاهم إلى الإيمانِ والتَّوْحِيدِ.
وأتى بِصِيغَةِ العَزِيزِ، وهو الَّذِي لا نَظِيرَ لَهُ، والغالِبُ الَّذِي العالَمُ كُلُّهم في قَبْضَتِهِ يَتَصَرَّفُ فِيهِمْ كَما يَشاءُ، الغَفّارُ لِذُنُوبِ مَن رَجَعَ إلَيْهِ وآمَنُ بِهِ، وأوْصَلَ سَبَبَ دُعائِهِمْ بِمُسَبِّبِهِ، وهو الكُفْرُ والنّارُ، وأخَّرَ سَبَبَ مُسَبِّبِهِ لِيَكُونَ افْتِتاحَ كَلامِهِ واخْتِتامِهِ بِما يَدْعُو إلى الخَيْرِ.
وبَدَأ أوَّلًا بِجُمْلَةٍ اسْمِيَّةٍ، وهو الاسْتِفْهامُ المُتَضَمِّنُ التَّعَجُّبَ مِن حالَتِهِمْ، وخَتَمَ أيْضًا بِجُمْلَةٍ اسْمِيَّةٍ لِيَكُونَ أبْلَغَ في تَوْكِيدِ الأخْبارِ. وجاءَ في حَقِّهِمْ ﴿وتَدْعُونَنِي﴾ بِالجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ الَّتِي لا تَقْتَضِي تَوْكِيدًا، إذْ دَعَوْتُهم باطِلَةٌ لا ثُبُوتَ لَها، فَتُؤَكَّدُ. و﴿ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾ هي الأوْثانُ، أيْ: لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ عِلْمِي، إذْ لَيْسَ لَها مَدْخَلٌ في الأُلُوهِيَّةِ ولا لِفِرْعَوْنَ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): لِمَ جاءَ بِالواوِ في النِّداءِ الثّالِثِ دُونَ الثّانِي ؟ .
(قُلْتُ): لِأنَّ الثّانِيَ داخِلٌ في كَلامٍ هو بَيانٌ لِلْمُجْمَلِ وتَفْسِيرٌ لَهُ، فَأعْطى الدّاخِلَ عَلَيْهِ حُكْمَهُ في امْتِناعِ دُخُولِ الواوِ، وأمّا الثّالِثُ فَداخِلٌ عَلى كَلامٍ لَيْسَ بِتِلْكَ المَثابَةِ. انْتَهى.
وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى لا جَرَمَ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ هُنا، ورُوِيَ عَنِ العَرَبِ: لا جُرْمَ أنَّهُ يَفْعَلُ بِضَمِّ الجِيمِ وسُكُونِ الرّاءِ، يُرِيدُ لا بُدَّ، وفَعَلٌ وفُعْلٌ أخَوانِ، كَرَشَدٍ ورُشْدٍ، وعَدَمٍ وعُدْمٍ.
(أنَّما) أيْ: أنَّ الَّذِي ﴿تَدْعُونَنِي إلَيْهِ﴾ أيْ: إلى عِبادَتِهِ، ﴿لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ﴾، أيْ: قَدْرٌ وحَقٌّ يَجِبُ أنْ يُدْعى إلَيْهِ، أوْ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ إلى نَفْسِهِ؛ لِأنَّ الجَمادَ لا يَدْعُو، والمَعْبُودُ بِالحَقِّ يَدْعُو العِبادَ إلى طاعَتِهِ، ثُمَّ يَدْعُو العِبادَ إلَيْها إظْهارًا لِدَعْوَةِ رَبِّهِمْ.
وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى لَيْسَ لَهُ اسْتِجابَةُ دَعْوَةٍ تُوجِبُ الأُلُوهِيَّةَ في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ، أوْ دَعْوَةٌ مُسْتَجابَةٌ، جُعِلَتِ الدَّعْوَةُ الَّتِي لا اسْتِجابَةَ لَها ولا مَنفَعَةَ كَلا دَعْوَةٍ، أوْ سُمِّيَتِ الِاسْتِجابَةُ بِاسْمِ الدَّعْوَةِ، كَما سُمِّيَ الفِعْلُ المُجازى عَلَيْهِ بِاسْمِ الجَزاءِ في قَوْلِهِ: (كَما تَدِينُ تُدانُ) .
وقالَ الكَلْبِيُّ: لَيْسَتْ لَهُ شَفاعَةٌ في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ، وكانَ فِرْعَوْنُ أوَّلًا يَدْعُو النّاسَ إلى عِبادَةِ الأصْنامِ، ثُمَّ دَعاهم إلى عِبادَةِ البَقَرِ، وكانَتْ تُعْبَدُ ما دامَتْ شابَّةً، فَإذا هَزُلَتْ أمَرَ بِذَبْحِها ودَعا بِأُخْرى لِتُعْبَدَ. فَلَمّا طالَ عَلَيْهِ الزَّمانُ قالَ: ﴿أنا رَبُّكُمُ الأعْلى﴾ [النازعات: ٢٤] .
ولَمّا ذَكَرَ انْتِفاءَ دَعْوَةِ ما عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ وذَكَرَ أنَّ مَرَدَّ الجَمِيعِ إلى اللَّهِ، أيْ: إلى جَزائِهِ، ﴿وأنَّ المُسْرِفِينَ﴾: وهُمُ المُشْرِكُونَ (p-٤٦٨)فِي قَوْلِ قَتادَةَ، والسَّفّاكُونَ لِلدِّماءِ بِغَيْرِ حِلِّها في قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ، ومُجاهِدٍ. وقِيلَ: مَن غَلَبَ شَرُّهُ خَيْرَهُ هو المُسْرِفُ. وقالَ عِكْرِمَةُ: هُمُ الجَبّارُونَ المُتَكَبِّرُونَ.
وخَتَمَ المُؤْمِنُ كَلامَهُ بِخاتِمَةٍ لَطِيفَةٍ تُوجِبُ التَّخْوِيفَ والتَّهْدِيدَ وهي قَوْلُهُ: ﴿فَسَتَذْكُرُونَ ما أقُولُ لَكُمْ﴾ أيْ: إذا حَلَّ بِكم عِقابُ اللَّهِ.
﴿وأُفَوِّضُ أمْرِي﴾ إلى قَضاءِ اللَّهِ وقَدَرِهِ، لا إلَيْكم ولا إلى أصْنامِكم، وكانُوا قَدْ تَوَعَّدُوهُ.
ثُمَّ ذَكَرَ ما يُوجِبُ التَّفْوِيضَ، وهو كَوْنُهُ تَعالى بَصِيرًا بِأحْوالِ العِبادِ وبِمَقادِيرِ حاجاتِهِمْ.
قالَ مُقاتِلٌ: لَمّا قالَ هَذِهِ الكَلِماتِ، قَصَدُوا قَتْلَهُ؛ فَهَرَبَ هَذا المُؤْمِنُ إلى الجَبَلِ، فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ.
وقِيلَ: لَمّا أظْهَرَ إيمانَهُ، بَعَثَ فِرْعَوْنُ في طَلَبِهِ ألْفَ رَجُلٍ؛ فَمِنهم مَن أدْرَكَهُ، فَذَبَّ السِّباعُ عَنْهُ وأكَلَتْهُمُ السِّباعُ، ومِنهم مَن ماتَ في الجِبالِ عَطَشًا، ومِنهم مَن رَجَعَ إلى فِرْعَوْنَ خائِبًا، فاتَّهَمَهُ وقَتَلَهُ وصَلَبَهُ. وقِيلَ: نَجا مَعَ مُوسى في البَحْرِ، وفَرَّ في جُمْلَةِ مَن فَرَّ مَعَهُ.
﴿فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا﴾ أيْ: شَدائِدَ مَكْرِهِمُ الَّتِي تَسُوؤُهُ، وما هَمُّوا بِهِ مِن أنْواعِ العَذابِ لِمَن خالَفَهم.
﴿وحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ العَذابِ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو ما حاقَ بِالألْفِ الَّذِينَ بَعَثَهم فِرْعَوْنُ في طَلَبِ المُؤْمِنِ، مِن أكْلِ السِّباعِ، والمَوْتِ بِالعَطَشِ، والقَتْلِ والصَّلْبِ، كَما تَقَدَّمَ.
وقِيلَ: ﴿سُوءُ العَذابِ﴾: هو الغَرَقُ في الدُّنْيا والحَرْقُ في الآخِرَةِ.
(النّارُ) بَدَلٌ مِن ﴿سُوءُ العَذابِ﴾، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما سُوءُ العَذابِ: قِيلَ: النّارُ، أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿يُعْرَضُونَ﴾، ويُقَوِّي هَذا الوَجْهَ قِراءَةُ مَن نَصَبَ، أيْ: تَدْخُلُونَ النّارَ يُعْرَضُونَ عَلَيْها.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُنْصَبَ عَلى الِاخْتِصاصِ.
والظّاهِرُ أنَّ عَرْضَهم عَلى النّارِ مَخْصُوصٌ بِهَذَيْنِ الوَقْتَيْنِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِذِكْرِ الطَّرَفَيْنِ الدَّوامُ في الدُّنْيا، والظّاهِرُ أنَّ العَرْضَ خِلافُ الإحْراقِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَرْضُهم عَلَيْها: إحْراقُهم بِها، يُقالُ: عَرَضَ الإمامُ الأُسارى عَلى السَّيْفِ إذا قَتَلَهم بِهِ. انْتَهى.
والظّاهِرُ أنَّ العَرْضَ هو في الدُّنْيا. ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الهُذَيْلِ بْنِ شُرَحْبِيلَ، وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، والسُّدِّيِّ: أنَّ أرْواحَهم في جَوْفِ طُيُورٍ سُودٍ، تَرُوحُ بِهِمْ وتَغْدُو إلى النّارِ. وقالَ رَجُلٌ لِلْأوْزاعِيِّ: رَأيْتُ طُيُورًا بِيضًا تَغْدُو مِنَ البَحْرِ، ثُمَّ تَرُوحُ بِالعَشِيِّ سُودًا مِثْلُها، فَقالَ الأوْزاعِيُّ: تِلْكَ الَّتِي في حَواصِلِها أرْواحُ آلِ فِرْعَوْنَ، يُحْرَقُ رِياشُها وتَسْوَدُّ بِالعَرْضِ عَلى النّارِ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ وغَيْرُهُ: أرادَ أنَّهم يُعْرَضُونَ في الآخِرَةِ عَلى تَقْدِيرِ ما بَيْنَ الغُدُوِّ والعَشِيِّ، إذْ لا غُدُوَّ ولا عَشِيَّ في الآخِرَةِ، وإنَّما ذَلِكَ عَلى التَّقْدِيرِ بِأيّامِ الدُّنْيا.
وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: تُعْرَضُ أرْواحُ آلِ فِرْعَوْنَ ومَن كانَ مِثْلَهم مِنَ الكُفّارِ عَلى النّارِ بِالغَداةِ والعَشِيِّ، يُقالُ: هَذِهِ دارُكم.
وفِي صَحِيحِ البُخارِيِّ، ومُسْلِمٍ، مِن حَدِيثِ ابْنِ عِمْرانَ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «إنَّ أحَدَكم إذا ماتَ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدَهُ بِالغَداةِ والعَشِيِّ، إنْ كانَ مِن أهْلِ الجَنَّةِ فَمِن أهْلِ الجَنَّةِ، وإنْ كانَ مِن أهْلِ النّارِ فَمِن أهْلِ النّارِ، يُقالُ هَذا مَقْعَدُكَ حَتّى يَبْعَثَكَ اللَّهُ إلَيْهِ يَوْمَ القِيامَةِ» .
واسْتَدَلَّ مُجاهِدٌ ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ وعِكْرِمَةُ ومُقاتِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وعَشِيًّا﴾ أيْ: عِنْدَ مَوْتِهِمْ عَلى عَذابِ القَبْرِ في الدُّنْيا. والظّاهِرُ تَمامُ الجُمْلَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿وعَشِيًّا﴾، وأنَّ يَوْمَ القِيامَةِ مَعْمُولٌ لِمَحْذُوفٍ عَلى إضْمارِ القَوْلِ، أيْ: ويَوْمَ القِيامَةِ يُقالُ لَهم: ادْخُلُوا. وقِيلَ: و(يَوْمَ) مَعْطُوفٌ عَلى ﴿وعَشِيًّا﴾ فالعامِلُ فِيهِ ﴿يُعْرَضُونَ﴾ و﴿أدْخِلُوا﴾ عَلى إضْمارِ الفِعْلِ. وقِيلَ: العامِلُ في (يَوْمَ) ﴿أدْخِلُوا﴾ . وقَرَأ الأعْرَجُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، والأعْمَشُ، وابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ، ونافِعٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ: ﴿أدْخِلُوا﴾، أمْرًا لِلْخَزَنَةِ مِن أدْخَلَ.
وعَلِيٌّ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، وابْنُ كَثِيرٍ، والعَرَبِيّانِ، وأبُو بَكْرٍ: أمْرًا مِن دَخَلَ ﴿آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذابِ﴾ . قِيلَ: وهو الهاوِيَةُ. قالَ الأوْزاعِيُّ: بَلَغَنا أنَّهم ألْفا ألْفٍ وسِتُّمِائَةِ ألْفٍ.
﴿وإذْ يَتَحاجُّونَ في النّارِ﴾: الظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ عَلى فِرْعَوْنَ. وقالَ (p-٤٦٩)ابْنُ عَطِيَّةَ: والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿يَتَحاجُّونَ﴾ لِجَمِيعِ كَفّارِ الأُمَمِ، وهَذا ابْتِداءُ قَصَصٍ لا يَخْتَصُّ بِآلِ فِرْعَوْنَ، والعامِلُ في (إذْ) فِعْلٌ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ واذْكُرُوا.
وقالَ الطَّبَرِيُّ: وإذْ هَذِهِ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿إذِ القُلُوبُ لَدى الحَناجِرِ﴾ [غافر: ١٨]، وهَذا بَعِيدٌ. انْتَهى.
والمُحاجَّةُ: التَّحاوُرُ بِالحُجَّةِ والخُصُومَةِ. والضُّعَفاءُ أيْ: في القَدَرِ والمَنزِلَةِ في الدُّنْيا. والَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا أيْ: عَنِ الإيمانِ واتِّباعِ الرُّسُلِ.
﴿إنّا كُنّا لَكم تَبَعًا﴾ أيْ: ذَوِي تَبَعٍ، فَتَبَعٌ مَصْدَرٌ أوِ اسْمُ جَمْعٍ لِتابِعٍ، كَآيِمٍ وأيَمٍ، وخادِمِ وخَدَمٍ، وغائِبٍ وغَيَبٍ.
﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا﴾ أيْ: حامِلُونَ عَنّا ؟ فَأجابُوهم: ﴿إنّا كُلٌّ فِيها﴾، وأنَّ حُكْمَ اللَّهِ قَدْ نَفَذَ فِينا وفِيكم، إنّا مُسْتَمِرُّونَ في النّارِ.
وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْقَعِ، وعِيسى بْنُ عِمْرانَ: (كُلًّا) بِنَصْبِ (كُلٌّ) . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وابْنُ عَطِيَّةَ: عَلى التَّوْكِيدِ لِاسْمِ إنَّ، وهو مَعْرِفَةٌ، والتَّنْوِينُ عِوَضٌ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ، يُرِيدُ: إنّا كُلُّنا فِيها. انْتَهى.
وخَبَرُ إنَّ هو فِيها، ومَن رَفَعَ (كُلًّا) فَعَلى الِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ فِيها، والجُمْلَةُ خَبَرُ إنَّ. وقالَ ابْنُ مالِكٍ في تَصْنِيفِهِ (تَسْهِيلِ الفَوائِدِ): وقَدْ تَكَلَّمَ عَلى (كُلٌّ) ولا يُسْتَغْنى بِنِيَّةِ إضافَتِهِ، خِلافًا لِلْفَرّاءِ والزَّمَخْشَرِيِّ. انْتَهى، وهَذا المَذْهَبُ مَنقُولٌ عَنِ الكُوفِيِّينَ، وقَدْ رَدَّ ابْنُ مالِكٍ عَلى هَذا المَذْهَبِ بِما قَرَّرَهُ في شَرْحِهِ (التَّسْهِيلِ) .
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): هَلْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ (كُلًّا) حالًا قَدْ عَمِلَ (فِيها) فِيها ؟ (قُلْتُ): لا؛ لِأنَّ الظَّرْفَ لا يَعْمَلُ، والحالُ مُتَقَدِّمَةٌ، كَما يَعْمَلُ في الظَّرْفِ مُتَقَدِّمًا، تَقُولُ: كُلُّ يَوْمٍ لَكَ ثَوْبٌ، ولا تَقُولُ: قائِمًا في الدّارِ زَيْدٌ. انْتَهى.
وهَذا الَّذِي مَنَعَهُ أجازَهُ الأخْفَشُ إذا تَوَسَّطَتِ الحالُ، نَحْوُ: زَيْدٌ قائِمًا في الدّارِ، وزَيْدٌ قائِمًا عِنْدَكَ، والتَّمْثِيلُ الَّذِي ذَكَرَهُ لَيْسَ مُطابِقًا في الآيَةِ؛ لِأنَّ الآيَةَ تَقَدَّمَ فِيها المُسْنَدُ إلَيْهِ الحُكْمُ، وهو اسْمُ إنَّ، وتَوَسَّطَتِ الحالُ إذا قُلْنا إنَّها حالٌ، وتَأخَّرَ العامِلُ فِيها، وأمّا تَمْثِيلُهُ بِقَوْلِهِ: ولا تَقُولُ: قائِمًا في الدّارِ زَيْدٌ، تَأخَّرَ فِيهِ المُسْنَدُ والمُسْنَدُ إلَيْهِ، وقَدْ ذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ المَنعَ في ذَلِكَ إجْماعٌ مِنَ النُّحاةِ.
وقالَ ابْنُ مالِكٍ: والقَوْلُ المَرْضِيُّ عِنْدِي أنَّ كُلًّا في القِراءَةِ المَذْكُورَةِ مَنصُوبٌ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ المَرْفُوعَ المَنَوِيَّ في (فِيها) وفِيها هو العامِلُ، وقَدْ تَقَدَّمَتِ الحالُ عَلَيْهِ مَعَ عَدَمِ تَصَرُّفِهِ، كَما قُدِّمَتْ في قِراءَةِ مَن قَرَأ: ﴿والسَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] . وفي قَوْلِ النّابِغَةِ الذُّبْيانِيِّ:
؎رَهْطُ ابْنِ كُوزٍ مُحْقِبِي أدْراعَهم فِيهِمْ ورَهْطُ رَبِيعَةَ بْنِ حَذارِ
وقالَ بَعْضُ الطّائِيِّينَ:
؎دَعا فَأجَبْنا وهو بادَّيَّ ذِلَّةً ∗∗∗ لَدَيْكم فَكانَ النَّصْرُ غَيْرَ قَرِيبِ
انْتَهى. وهَذا التَّخْرِيجُ هو عَلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ، كَما ذَكَرْناهُ، والَّذِي أخْتارُهُ في تَخْرِيجِ هَذِهِ القِراءَةِ أنَّ (كُلًّا) بَدَلٌ مِنِ اسْمِ إنَّ؛ لِأنَّ (كُلًّا) يَتَصَرَّفُ فِيهِما بِالِابْتِداءِ ونَواسِخِهِ وغَيْرِ ذَلِكَ، فَكَأنَّهُ قالَ: إنَّ كُلًّا بَدَلٌ مِنِ اسْمِ إنَّ؛ لِأنَّ كُلًّا فِيها، وإذا كانُوا قَدْ تَأوَّلُوا حَوْلًا أكْتَعًا ويَوْمًا أجْمَعًا عَلى البَدَلِ، مَعَ أنَّهُما لا يَلِيانِ العَوامِلَ، فَإنْ يُدَّعى في (كُلٌّ) البَدَلُ أوْلى، وأيْضًا فَتَنْكِيرُ (كُلٌّ) ونَصْبُهُ حالًا في غايَةِ الشُّذُوذِ، والمَشْهُورُ (p-٤٧٠)أنَّ كُلًّا مَعْرِفَةٌ إذا قُطِعَتْ عَنِ الإضافَةِ. حُكِيَ: مَرَرْتُ بِكُلٍّ قائِمًا، وبِبَعْضٍ جالِسًا في الفَصِيحِ الكَثِيرِ في كَلامِهِمْ، وقَدْ شَذَّ نَصْبُ كُلٍّ عَلى الحالِ في قَوْلِهِمْ: مَرَرْتُ بِهِمْ كُلًّا، أيْ: جَمِيعًا.
(فَإنْ قُلْتَ): كَيْفَ يَجْعَلُهُ بَدَلًا، وهو بَدَلُ كُلٍّ مِن كُلٍّ مِن ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ، وهو لا يَجُوزُ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ ؟ .
(قُلْتُ): مَذْهَبُ الأخْفَشِ والكُوفِيِّينَ جَوازُهُ، وهو الصَّحِيحُ، عَلى أنَّ هَذا لَيْسَ مِمّا وقَعَ فِيهِ الخِلافُ، بَلْ إذا كانَ البَدَلُ يُفِيدُ الإحاطَةَ، جازَ أنْ يُبْدَلَ مِن ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ وضَمِيرِ المُخاطَبِ، لا نَعْلَمُ خِلافًا في ذَلِكَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَكُونُ لَنا عِيدًا لِأوَّلِنا وآخِرِنا﴾ [المائدة: ١١٤]، وكَقَوْلِكِ: مَرَرْتُ بِكم صَغِيرِكم وكَبِيرِكم، مَعْناهُ: مَرَرْتُ بِكم كُلِّكم، وتَكُونُ لَنا عِيدًا كُلِّنا. فَإذا جازَ ذَلِكَ فِيما هو بِمَعْنى الإحاطَةِ، فَجَوازُهُ فِيما دَلَّ عَلى الإحاطَةِ، وهو (كُلٌّ) أوْلى، ولا التِفاتَ لِمَنعِ المُبَرِّدِ البَدَلَ فِيهِ؛ لِأنَّهُ بَدَلٌ مِن ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَتَحَقَّقْ مَناطُ الخِلافِ.
ولَمّا أجابَ الضُّعَفاءُ المُسْتَكْبِرُونَ قالُوا جَمِيعًا: ﴿لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ﴾، وأبْرَزَ ما أُضِيفَ إلَيْهِ الخَزَنَةُ، ولَمْ يَأْتِ ضَمِيرًا، فَكانَ يَكُونُ التَّرْكِيبُ لِخَزَنَتِها، لِما في ذِكْرِ جَهَنَّمَ مِنَ التَّهْوِيلِ، وفِيها أطْغى الكُفّارِ وأعْتاهم. ولَعَلَّ الكُفّارَ تَوَهَّمُوا أنَّ مَلائِكَةَ جَهَنَّمَ المُوَكَّلِينَ بِعَذابِ تِلْكَ الطُّغاةِ هم أقْرَبُ مَنزِلَةً عِنْدَ اللَّهِ مِن غَيْرِهِمْ مِنَ المَلائِكَةِ المُوَكَّلِينَ بِبَقِيَّةِ دَرَكاتِ النّارِ، فَرَجَوْا أنْ يُجِيبُوهم ويَدْعُوا لَهم بِالتَّخْفِيفِ، فَراجَعَتْهُمُ الخَزَنَةُ عَلى سَبِيلِ التَّوْبِيخِ لَهم والتَّقْرِيرِ: ﴿أوْلَمَ تَكُ تَأْتِيكم رُسُلُكم بِالبَيِّناتِ﴾، فَأجابُوا بِأنَّهم أتَتْهم، ﴿قالُوا﴾ أيِ: الخَزَنَةُ، ﴿فادْعُوا﴾ أنْتُمْ عَلى مَعْنى الهُزْءِ بِهِمْ، أوْ فادْعُوا أنْتُمْ، فَإنّا لا نَجْتَرِئُ عَلى ذَلِكَ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما دُعاءُ الكافِرِينَ إلّا في ضَلالٍ﴾ مِن كَلامِ الخَزَنَةِ أيْ: دُعاؤُكم لا يَنْفَعُ ولا يُجْدِي. وقِيلَ: هو مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى إخْبارًا مِنهُ لِمُحَمَّدٍ ﷺ .
وجاءَتْ هَذِهِ الأخْبارُ مُعَبَّرًا عَنْها بِلَفْظِ الماضِي الواقِعِ لِتَيَقُّنِ وُقُوعِها.
ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى أنَّهُ يَنْصُرُ رُسُلَهُ ويُظْفِرُهم بِأعْدائِهِمْ، كَما فَعَلَ بِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - حَيْثُ أهْلَكَ عَدُوَّهُ فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ، وفِيهِ تَبْشِيرٌ لِلرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِنَصْرِهِ عَلى قَوْمِهِ، (في الحَياةِ الدُّنْيا)، العاقِبَةُ الحَسَنَةُ لَهم، ﴿ويَوْمَ يَقُومُ الأشْهادُ﴾: وهو يَوْمُ القِيامَةِ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَنْصُرُهم بِالغَلَبَةِ، وفي الآخِرَةِ بِالعَذابِ. وقالَ السُّدِّيُّ: بِالِانْتِقامِ مِن أعْدائِهِمْ. وقالَ أبُو العالِيَةِ: بِإفْلاحِ حُجَّتِهِمْ. وقالَ السُّدِّيُّ أيْضًا: ما قَتَلَ قَوْمٌ قَطُّ نَبِيًّا أوْ قَوْمًا مِن دُعاةِ الحَقِّ إلّا بَعَثَ اللَّهُ مَن يَنْتَقِمُ لَهم، فَصارُوا مَنصُورِينَ فِيها وإنْ قُتِلُوا. انْتَهى.
ألا تَرى إلى قَتَلَةِ الحُسَيْنِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كَيْفَ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ المُخْتارَ بْنَ عُبَيْدٍ يَتْبَعُهم واحِدًا واحِدًا حَتّى قَتَلَهم ؟ وبُخْتُنَصَّرُ تَتَبَعَ اليَهُودَ حِينَ قَتَلُوا يَحْيى بْنَ زَكَرِيّا، عَلَيْهِما السَّلامُ ؟ وقِيلَ: والنَّصْرُ خاصٌّ بِمَن أظْهَرَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى أُمَّتِهِ، كَنُوحٍ ومُوسى ومُحَمَّدٍ عَلَيْهِمُ السَّلامُ؛ لِأنّا نَجِدُ مِنَ الأنْبِياءِ مَن قَتَلَهُ قَوْمُهُ، كَيَحْيى، ومَن لَمْ يُنْصَرْ عَلَيْهِمْ. وقالَ السُّدِّيُّ: الخَبَرُ عامٌّ، وذَلِكَ أنَّ نُصْرَةَ الرُّسُلِ والأنْبِياءِ واقِعَةٌ ولا بُدَّ إمّا في حَياةِ الرَّسُولِ المَنصُورِ، كَنُوحٍ ومُوسى - عَلَيْهِما السَّلامُ - وإمّا بَعْدَ مَوْتِهِ. ألا تَرى إلى ما صَنَعَ اللَّهُ تَعالى بِبَنِي إسْرائِيلَ بَعْدَ قَتْلِهِمْ يَحْيى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن تَسْلِيطِ بُخْتُنَصَّرَ حَتّى انْتَصَرَ لِيَحْيى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ؟ وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يَقُومُ) بِالياءِ؛ وابْنُ هُرْمُزَ، وإسْماعِيلُ، والمِنقَرِيُّ عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِتاءِ التَّأْنِيثِ. الجَماعَةُ. والأشْهادُ، جَمْعُ شَهِيدٍ، كَشَرِيفٍ وأشْرافٍ، أوْ جَمْعُ شاهِدٍ، كَصاحِبٍ وأصْحابٍ، كَما قالَ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ [النساء: ٤١] . وقالَ: ﴿لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ ويَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكم شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣]، والظّاهِرُ أنَّهُ مِنَ الشَّهادَةِ. وقِيلَ: مِنَ المُشاهَدَةِ، بِمَعْنى الحُضُورِ.
﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ﴾: بَدَلٌ مِن (يَوْمَ) (يَقُومُ) . وقُرِئَ: (تَنْفَعُ) بِالتّاءِ وبِالياءِ، وتَقَدَّمَ ذِكْرُ الخِلافِ في ذَلِكَ في آخِرِ الرُّومِ، ويُحْتَمَلُ أنَّهم يَعْتَذِرُونَ ولا تُقْبَلُ مَعْذِرَتُهم، أوْ أنَّهم لا مَعْذِرَةَ لَهم فَتُقْبَلُ.
﴿ولَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ والإبْعادُ مِنَ اللَّهِ.
﴿ولَهم سُوءُ الدّارِ﴾: سُوءُ عاقِبَةِ الدّارِ.
غافر 40:44
(p-٤٦٧)﴿ويا قَوْمِ ما لِي أدْعُوكم إلى النَّجاةِ وتَدْعُونَنِي إلى النّارِ﴾ ﴿تَدْعُونَنِي لِأكْفُرَ بِاللَّهِ وأُشْرِكَ بِهِ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وأنا أدْعُوكم إلى العَزِيزِ الغَفّارِ﴾ ﴿لا جَرَمَ أنَّما تَدْعُونَنِي إلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ وأنَّ مَرَدَّنا إلى اللَّهِ وأنَّ المُسْرِفِينَ هم أصْحابُ النّارِ﴾ ﴿فَسَتَذْكُرُونَ ما أقُولُ لَكم وأُفَوِّضُ أمْرِي إلى اللَّهِ إنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالعِبادِ﴾ ﴿فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا وحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ العَذابِ﴾ ﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وعَشِيًّا ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ أدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذابِ﴾ ﴿وإذْ يَتَحاجُّونَ في النّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إنّا كُنّا لَكم تَبَعًا فَهَلْ أنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا نَصِيبًا مِنَ النّارِ﴾ ﴿قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إنّا كُلٌّ فِيها إنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ العِبادِ﴾ ﴿وقالَ الَّذِينَ في النّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكم يُخَفِّفْ عَنّا يَوْمًا مِنَ العَذابِ﴾ ﴿قالُوا أوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكم رُسُلُكم بِالبَيِّناتِ قالُوا بَلى قالُوا فادْعُوا وما دُعاءُ الكافِرِينَ إلّا في ضَلالٍ﴾ ﴿إنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا والَّذِينَ آمَنُوا في الحَياةِ الدُّنْيا ويَوْمَ يَقُومُ الأشْهادُ﴾ ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظّالِمِينَ مَعْذِرَتُهم ولَهُمُ اللَّعْنَةُ ولَهم سُوءُ الدّارِ﴾
بَدَأ المُؤْمِنُ بِذِكْرِ المُتَسَبَّبِ عَنْ دَعْوَتِهِمْ، وأبْدى التَّفاضُلَ بَيْنَهُما. ولَمّا ذَكَرَ المُسَبِّبَيْنِ، ذَكَرَ سَبَبَهُما، وهو دُعاؤُهم إلى الكُفْرِ والشِّرْكِ، ودُعاؤُهُ إيّاهم إلى الإيمانِ والتَّوْحِيدِ.
وأتى بِصِيغَةِ العَزِيزِ، وهو الَّذِي لا نَظِيرَ لَهُ، والغالِبُ الَّذِي العالَمُ كُلُّهم في قَبْضَتِهِ يَتَصَرَّفُ فِيهِمْ كَما يَشاءُ، الغَفّارُ لِذُنُوبِ مَن رَجَعَ إلَيْهِ وآمَنُ بِهِ، وأوْصَلَ سَبَبَ دُعائِهِمْ بِمُسَبِّبِهِ، وهو الكُفْرُ والنّارُ، وأخَّرَ سَبَبَ مُسَبِّبِهِ لِيَكُونَ افْتِتاحَ كَلامِهِ واخْتِتامِهِ بِما يَدْعُو إلى الخَيْرِ.
وبَدَأ أوَّلًا بِجُمْلَةٍ اسْمِيَّةٍ، وهو الاسْتِفْهامُ المُتَضَمِّنُ التَّعَجُّبَ مِن حالَتِهِمْ، وخَتَمَ أيْضًا بِجُمْلَةٍ اسْمِيَّةٍ لِيَكُونَ أبْلَغَ في تَوْكِيدِ الأخْبارِ. وجاءَ في حَقِّهِمْ ﴿وتَدْعُونَنِي﴾ بِالجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ الَّتِي لا تَقْتَضِي تَوْكِيدًا، إذْ دَعَوْتُهم باطِلَةٌ لا ثُبُوتَ لَها، فَتُؤَكَّدُ. و﴿ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾ هي الأوْثانُ، أيْ: لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ عِلْمِي، إذْ لَيْسَ لَها مَدْخَلٌ في الأُلُوهِيَّةِ ولا لِفِرْعَوْنَ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): لِمَ جاءَ بِالواوِ في النِّداءِ الثّالِثِ دُونَ الثّانِي ؟ .
(قُلْتُ): لِأنَّ الثّانِيَ داخِلٌ في كَلامٍ هو بَيانٌ لِلْمُجْمَلِ وتَفْسِيرٌ لَهُ، فَأعْطى الدّاخِلَ عَلَيْهِ حُكْمَهُ في امْتِناعِ دُخُولِ الواوِ، وأمّا الثّالِثُ فَداخِلٌ عَلى كَلامٍ لَيْسَ بِتِلْكَ المَثابَةِ. انْتَهى.
وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى لا جَرَمَ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ هُنا، ورُوِيَ عَنِ العَرَبِ: لا جُرْمَ أنَّهُ يَفْعَلُ بِضَمِّ الجِيمِ وسُكُونِ الرّاءِ، يُرِيدُ لا بُدَّ، وفَعَلٌ وفُعْلٌ أخَوانِ، كَرَشَدٍ ورُشْدٍ، وعَدَمٍ وعُدْمٍ.
(أنَّما) أيْ: أنَّ الَّذِي ﴿تَدْعُونَنِي إلَيْهِ﴾ أيْ: إلى عِبادَتِهِ، ﴿لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ﴾، أيْ: قَدْرٌ وحَقٌّ يَجِبُ أنْ يُدْعى إلَيْهِ، أوْ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ إلى نَفْسِهِ؛ لِأنَّ الجَمادَ لا يَدْعُو، والمَعْبُودُ بِالحَقِّ يَدْعُو العِبادَ إلى طاعَتِهِ، ثُمَّ يَدْعُو العِبادَ إلَيْها إظْهارًا لِدَعْوَةِ رَبِّهِمْ.
وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى لَيْسَ لَهُ اسْتِجابَةُ دَعْوَةٍ تُوجِبُ الأُلُوهِيَّةَ في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ، أوْ دَعْوَةٌ مُسْتَجابَةٌ، جُعِلَتِ الدَّعْوَةُ الَّتِي لا اسْتِجابَةَ لَها ولا مَنفَعَةَ كَلا دَعْوَةٍ، أوْ سُمِّيَتِ الِاسْتِجابَةُ بِاسْمِ الدَّعْوَةِ، كَما سُمِّيَ الفِعْلُ المُجازى عَلَيْهِ بِاسْمِ الجَزاءِ في قَوْلِهِ: (كَما تَدِينُ تُدانُ) .
وقالَ الكَلْبِيُّ: لَيْسَتْ لَهُ شَفاعَةٌ في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ، وكانَ فِرْعَوْنُ أوَّلًا يَدْعُو النّاسَ إلى عِبادَةِ الأصْنامِ، ثُمَّ دَعاهم إلى عِبادَةِ البَقَرِ، وكانَتْ تُعْبَدُ ما دامَتْ شابَّةً، فَإذا هَزُلَتْ أمَرَ بِذَبْحِها ودَعا بِأُخْرى لِتُعْبَدَ. فَلَمّا طالَ عَلَيْهِ الزَّمانُ قالَ: ﴿أنا رَبُّكُمُ الأعْلى﴾ [النازعات: ٢٤] .
ولَمّا ذَكَرَ انْتِفاءَ دَعْوَةِ ما عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ وذَكَرَ أنَّ مَرَدَّ الجَمِيعِ إلى اللَّهِ، أيْ: إلى جَزائِهِ، ﴿وأنَّ المُسْرِفِينَ﴾: وهُمُ المُشْرِكُونَ (p-٤٦٨)فِي قَوْلِ قَتادَةَ، والسَّفّاكُونَ لِلدِّماءِ بِغَيْرِ حِلِّها في قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ، ومُجاهِدٍ. وقِيلَ: مَن غَلَبَ شَرُّهُ خَيْرَهُ هو المُسْرِفُ. وقالَ عِكْرِمَةُ: هُمُ الجَبّارُونَ المُتَكَبِّرُونَ.
وخَتَمَ المُؤْمِنُ كَلامَهُ بِخاتِمَةٍ لَطِيفَةٍ تُوجِبُ التَّخْوِيفَ والتَّهْدِيدَ وهي قَوْلُهُ: ﴿فَسَتَذْكُرُونَ ما أقُولُ لَكُمْ﴾ أيْ: إذا حَلَّ بِكم عِقابُ اللَّهِ.
﴿وأُفَوِّضُ أمْرِي﴾ إلى قَضاءِ اللَّهِ وقَدَرِهِ، لا إلَيْكم ولا إلى أصْنامِكم، وكانُوا قَدْ تَوَعَّدُوهُ.
ثُمَّ ذَكَرَ ما يُوجِبُ التَّفْوِيضَ، وهو كَوْنُهُ تَعالى بَصِيرًا بِأحْوالِ العِبادِ وبِمَقادِيرِ حاجاتِهِمْ.
قالَ مُقاتِلٌ: لَمّا قالَ هَذِهِ الكَلِماتِ، قَصَدُوا قَتْلَهُ؛ فَهَرَبَ هَذا المُؤْمِنُ إلى الجَبَلِ، فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ.
وقِيلَ: لَمّا أظْهَرَ إيمانَهُ، بَعَثَ فِرْعَوْنُ في طَلَبِهِ ألْفَ رَجُلٍ؛ فَمِنهم مَن أدْرَكَهُ، فَذَبَّ السِّباعُ عَنْهُ وأكَلَتْهُمُ السِّباعُ، ومِنهم مَن ماتَ في الجِبالِ عَطَشًا، ومِنهم مَن رَجَعَ إلى فِرْعَوْنَ خائِبًا، فاتَّهَمَهُ وقَتَلَهُ وصَلَبَهُ. وقِيلَ: نَجا مَعَ مُوسى في البَحْرِ، وفَرَّ في جُمْلَةِ مَن فَرَّ مَعَهُ.
﴿فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا﴾ أيْ: شَدائِدَ مَكْرِهِمُ الَّتِي تَسُوؤُهُ، وما هَمُّوا بِهِ مِن أنْواعِ العَذابِ لِمَن خالَفَهم.
﴿وحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ العَذابِ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو ما حاقَ بِالألْفِ الَّذِينَ بَعَثَهم فِرْعَوْنُ في طَلَبِ المُؤْمِنِ، مِن أكْلِ السِّباعِ، والمَوْتِ بِالعَطَشِ، والقَتْلِ والصَّلْبِ، كَما تَقَدَّمَ.
وقِيلَ: ﴿سُوءُ العَذابِ﴾: هو الغَرَقُ في الدُّنْيا والحَرْقُ في الآخِرَةِ.
(النّارُ) بَدَلٌ مِن ﴿سُوءُ العَذابِ﴾، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما سُوءُ العَذابِ: قِيلَ: النّارُ، أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿يُعْرَضُونَ﴾، ويُقَوِّي هَذا الوَجْهَ قِراءَةُ مَن نَصَبَ، أيْ: تَدْخُلُونَ النّارَ يُعْرَضُونَ عَلَيْها.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُنْصَبَ عَلى الِاخْتِصاصِ.
والظّاهِرُ أنَّ عَرْضَهم عَلى النّارِ مَخْصُوصٌ بِهَذَيْنِ الوَقْتَيْنِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِذِكْرِ الطَّرَفَيْنِ الدَّوامُ في الدُّنْيا، والظّاهِرُ أنَّ العَرْضَ خِلافُ الإحْراقِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَرْضُهم عَلَيْها: إحْراقُهم بِها، يُقالُ: عَرَضَ الإمامُ الأُسارى عَلى السَّيْفِ إذا قَتَلَهم بِهِ. انْتَهى.
والظّاهِرُ أنَّ العَرْضَ هو في الدُّنْيا. ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الهُذَيْلِ بْنِ شُرَحْبِيلَ، وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، والسُّدِّيِّ: أنَّ أرْواحَهم في جَوْفِ طُيُورٍ سُودٍ، تَرُوحُ بِهِمْ وتَغْدُو إلى النّارِ. وقالَ رَجُلٌ لِلْأوْزاعِيِّ: رَأيْتُ طُيُورًا بِيضًا تَغْدُو مِنَ البَحْرِ، ثُمَّ تَرُوحُ بِالعَشِيِّ سُودًا مِثْلُها، فَقالَ الأوْزاعِيُّ: تِلْكَ الَّتِي في حَواصِلِها أرْواحُ آلِ فِرْعَوْنَ، يُحْرَقُ رِياشُها وتَسْوَدُّ بِالعَرْضِ عَلى النّارِ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ وغَيْرُهُ: أرادَ أنَّهم يُعْرَضُونَ في الآخِرَةِ عَلى تَقْدِيرِ ما بَيْنَ الغُدُوِّ والعَشِيِّ، إذْ لا غُدُوَّ ولا عَشِيَّ في الآخِرَةِ، وإنَّما ذَلِكَ عَلى التَّقْدِيرِ بِأيّامِ الدُّنْيا.
وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: تُعْرَضُ أرْواحُ آلِ فِرْعَوْنَ ومَن كانَ مِثْلَهم مِنَ الكُفّارِ عَلى النّارِ بِالغَداةِ والعَشِيِّ، يُقالُ: هَذِهِ دارُكم.
وفِي صَحِيحِ البُخارِيِّ، ومُسْلِمٍ، مِن حَدِيثِ ابْنِ عِمْرانَ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «إنَّ أحَدَكم إذا ماتَ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدَهُ بِالغَداةِ والعَشِيِّ، إنْ كانَ مِن أهْلِ الجَنَّةِ فَمِن أهْلِ الجَنَّةِ، وإنْ كانَ مِن أهْلِ النّارِ فَمِن أهْلِ النّارِ، يُقالُ هَذا مَقْعَدُكَ حَتّى يَبْعَثَكَ اللَّهُ إلَيْهِ يَوْمَ القِيامَةِ» .
واسْتَدَلَّ مُجاهِدٌ ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ وعِكْرِمَةُ ومُقاتِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وعَشِيًّا﴾ أيْ: عِنْدَ مَوْتِهِمْ عَلى عَذابِ القَبْرِ في الدُّنْيا. والظّاهِرُ تَمامُ الجُمْلَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿وعَشِيًّا﴾، وأنَّ يَوْمَ القِيامَةِ مَعْمُولٌ لِمَحْذُوفٍ عَلى إضْمارِ القَوْلِ، أيْ: ويَوْمَ القِيامَةِ يُقالُ لَهم: ادْخُلُوا. وقِيلَ: و(يَوْمَ) مَعْطُوفٌ عَلى ﴿وعَشِيًّا﴾ فالعامِلُ فِيهِ ﴿يُعْرَضُونَ﴾ و﴿أدْخِلُوا﴾ عَلى إضْمارِ الفِعْلِ. وقِيلَ: العامِلُ في (يَوْمَ) ﴿أدْخِلُوا﴾ . وقَرَأ الأعْرَجُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، والأعْمَشُ، وابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ، ونافِعٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ: ﴿أدْخِلُوا﴾، أمْرًا لِلْخَزَنَةِ مِن أدْخَلَ.
وعَلِيٌّ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، وابْنُ كَثِيرٍ، والعَرَبِيّانِ، وأبُو بَكْرٍ: أمْرًا مِن دَخَلَ ﴿آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذابِ﴾ . قِيلَ: وهو الهاوِيَةُ. قالَ الأوْزاعِيُّ: بَلَغَنا أنَّهم ألْفا ألْفٍ وسِتُّمِائَةِ ألْفٍ.
﴿وإذْ يَتَحاجُّونَ في النّارِ﴾: الظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ عَلى فِرْعَوْنَ. وقالَ (p-٤٦٩)ابْنُ عَطِيَّةَ: والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿يَتَحاجُّونَ﴾ لِجَمِيعِ كَفّارِ الأُمَمِ، وهَذا ابْتِداءُ قَصَصٍ لا يَخْتَصُّ بِآلِ فِرْعَوْنَ، والعامِلُ في (إذْ) فِعْلٌ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ واذْكُرُوا.
وقالَ الطَّبَرِيُّ: وإذْ هَذِهِ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿إذِ القُلُوبُ لَدى الحَناجِرِ﴾ [غافر: ١٨]، وهَذا بَعِيدٌ. انْتَهى.
والمُحاجَّةُ: التَّحاوُرُ بِالحُجَّةِ والخُصُومَةِ. والضُّعَفاءُ أيْ: في القَدَرِ والمَنزِلَةِ في الدُّنْيا. والَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا أيْ: عَنِ الإيمانِ واتِّباعِ الرُّسُلِ.
﴿إنّا كُنّا لَكم تَبَعًا﴾ أيْ: ذَوِي تَبَعٍ، فَتَبَعٌ مَصْدَرٌ أوِ اسْمُ جَمْعٍ لِتابِعٍ، كَآيِمٍ وأيَمٍ، وخادِمِ وخَدَمٍ، وغائِبٍ وغَيَبٍ.
﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا﴾ أيْ: حامِلُونَ عَنّا ؟ فَأجابُوهم: ﴿إنّا كُلٌّ فِيها﴾، وأنَّ حُكْمَ اللَّهِ قَدْ نَفَذَ فِينا وفِيكم، إنّا مُسْتَمِرُّونَ في النّارِ.
وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْقَعِ، وعِيسى بْنُ عِمْرانَ: (كُلًّا) بِنَصْبِ (كُلٌّ) . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وابْنُ عَطِيَّةَ: عَلى التَّوْكِيدِ لِاسْمِ إنَّ، وهو مَعْرِفَةٌ، والتَّنْوِينُ عِوَضٌ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ، يُرِيدُ: إنّا كُلُّنا فِيها. انْتَهى.
وخَبَرُ إنَّ هو فِيها، ومَن رَفَعَ (كُلًّا) فَعَلى الِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ فِيها، والجُمْلَةُ خَبَرُ إنَّ. وقالَ ابْنُ مالِكٍ في تَصْنِيفِهِ (تَسْهِيلِ الفَوائِدِ): وقَدْ تَكَلَّمَ عَلى (كُلٌّ) ولا يُسْتَغْنى بِنِيَّةِ إضافَتِهِ، خِلافًا لِلْفَرّاءِ والزَّمَخْشَرِيِّ. انْتَهى، وهَذا المَذْهَبُ مَنقُولٌ عَنِ الكُوفِيِّينَ، وقَدْ رَدَّ ابْنُ مالِكٍ عَلى هَذا المَذْهَبِ بِما قَرَّرَهُ في شَرْحِهِ (التَّسْهِيلِ) .
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): هَلْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ (كُلًّا) حالًا قَدْ عَمِلَ (فِيها) فِيها ؟ (قُلْتُ): لا؛ لِأنَّ الظَّرْفَ لا يَعْمَلُ، والحالُ مُتَقَدِّمَةٌ، كَما يَعْمَلُ في الظَّرْفِ مُتَقَدِّمًا، تَقُولُ: كُلُّ يَوْمٍ لَكَ ثَوْبٌ، ولا تَقُولُ: قائِمًا في الدّارِ زَيْدٌ. انْتَهى.
وهَذا الَّذِي مَنَعَهُ أجازَهُ الأخْفَشُ إذا تَوَسَّطَتِ الحالُ، نَحْوُ: زَيْدٌ قائِمًا في الدّارِ، وزَيْدٌ قائِمًا عِنْدَكَ، والتَّمْثِيلُ الَّذِي ذَكَرَهُ لَيْسَ مُطابِقًا في الآيَةِ؛ لِأنَّ الآيَةَ تَقَدَّمَ فِيها المُسْنَدُ إلَيْهِ الحُكْمُ، وهو اسْمُ إنَّ، وتَوَسَّطَتِ الحالُ إذا قُلْنا إنَّها حالٌ، وتَأخَّرَ العامِلُ فِيها، وأمّا تَمْثِيلُهُ بِقَوْلِهِ: ولا تَقُولُ: قائِمًا في الدّارِ زَيْدٌ، تَأخَّرَ فِيهِ المُسْنَدُ والمُسْنَدُ إلَيْهِ، وقَدْ ذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ المَنعَ في ذَلِكَ إجْماعٌ مِنَ النُّحاةِ.
وقالَ ابْنُ مالِكٍ: والقَوْلُ المَرْضِيُّ عِنْدِي أنَّ كُلًّا في القِراءَةِ المَذْكُورَةِ مَنصُوبٌ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ المَرْفُوعَ المَنَوِيَّ في (فِيها) وفِيها هو العامِلُ، وقَدْ تَقَدَّمَتِ الحالُ عَلَيْهِ مَعَ عَدَمِ تَصَرُّفِهِ، كَما قُدِّمَتْ في قِراءَةِ مَن قَرَأ: ﴿والسَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] . وفي قَوْلِ النّابِغَةِ الذُّبْيانِيِّ:
؎رَهْطُ ابْنِ كُوزٍ مُحْقِبِي أدْراعَهم فِيهِمْ ورَهْطُ رَبِيعَةَ بْنِ حَذارِ
وقالَ بَعْضُ الطّائِيِّينَ:
؎دَعا فَأجَبْنا وهو بادَّيَّ ذِلَّةً ∗∗∗ لَدَيْكم فَكانَ النَّصْرُ غَيْرَ قَرِيبِ
انْتَهى. وهَذا التَّخْرِيجُ هو عَلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ، كَما ذَكَرْناهُ، والَّذِي أخْتارُهُ في تَخْرِيجِ هَذِهِ القِراءَةِ أنَّ (كُلًّا) بَدَلٌ مِنِ اسْمِ إنَّ؛ لِأنَّ (كُلًّا) يَتَصَرَّفُ فِيهِما بِالِابْتِداءِ ونَواسِخِهِ وغَيْرِ ذَلِكَ، فَكَأنَّهُ قالَ: إنَّ كُلًّا بَدَلٌ مِنِ اسْمِ إنَّ؛ لِأنَّ كُلًّا فِيها، وإذا كانُوا قَدْ تَأوَّلُوا حَوْلًا أكْتَعًا ويَوْمًا أجْمَعًا عَلى البَدَلِ، مَعَ أنَّهُما لا يَلِيانِ العَوامِلَ، فَإنْ يُدَّعى في (كُلٌّ) البَدَلُ أوْلى، وأيْضًا فَتَنْكِيرُ (كُلٌّ) ونَصْبُهُ حالًا في غايَةِ الشُّذُوذِ، والمَشْهُورُ (p-٤٧٠)أنَّ كُلًّا مَعْرِفَةٌ إذا قُطِعَتْ عَنِ الإضافَةِ. حُكِيَ: مَرَرْتُ بِكُلٍّ قائِمًا، وبِبَعْضٍ جالِسًا في الفَصِيحِ الكَثِيرِ في كَلامِهِمْ، وقَدْ شَذَّ نَصْبُ كُلٍّ عَلى الحالِ في قَوْلِهِمْ: مَرَرْتُ بِهِمْ كُلًّا، أيْ: جَمِيعًا.
(فَإنْ قُلْتَ): كَيْفَ يَجْعَلُهُ بَدَلًا، وهو بَدَلُ كُلٍّ مِن كُلٍّ مِن ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ، وهو لا يَجُوزُ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ ؟ .
(قُلْتُ): مَذْهَبُ الأخْفَشِ والكُوفِيِّينَ جَوازُهُ، وهو الصَّحِيحُ، عَلى أنَّ هَذا لَيْسَ مِمّا وقَعَ فِيهِ الخِلافُ، بَلْ إذا كانَ البَدَلُ يُفِيدُ الإحاطَةَ، جازَ أنْ يُبْدَلَ مِن ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ وضَمِيرِ المُخاطَبِ، لا نَعْلَمُ خِلافًا في ذَلِكَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَكُونُ لَنا عِيدًا لِأوَّلِنا وآخِرِنا﴾ [المائدة: ١١٤]، وكَقَوْلِكِ: مَرَرْتُ بِكم صَغِيرِكم وكَبِيرِكم، مَعْناهُ: مَرَرْتُ بِكم كُلِّكم، وتَكُونُ لَنا عِيدًا كُلِّنا. فَإذا جازَ ذَلِكَ فِيما هو بِمَعْنى الإحاطَةِ، فَجَوازُهُ فِيما دَلَّ عَلى الإحاطَةِ، وهو (كُلٌّ) أوْلى، ولا التِفاتَ لِمَنعِ المُبَرِّدِ البَدَلَ فِيهِ؛ لِأنَّهُ بَدَلٌ مِن ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَتَحَقَّقْ مَناطُ الخِلافِ.
ولَمّا أجابَ الضُّعَفاءُ المُسْتَكْبِرُونَ قالُوا جَمِيعًا: ﴿لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ﴾، وأبْرَزَ ما أُضِيفَ إلَيْهِ الخَزَنَةُ، ولَمْ يَأْتِ ضَمِيرًا، فَكانَ يَكُونُ التَّرْكِيبُ لِخَزَنَتِها، لِما في ذِكْرِ جَهَنَّمَ مِنَ التَّهْوِيلِ، وفِيها أطْغى الكُفّارِ وأعْتاهم. ولَعَلَّ الكُفّارَ تَوَهَّمُوا أنَّ مَلائِكَةَ جَهَنَّمَ المُوَكَّلِينَ بِعَذابِ تِلْكَ الطُّغاةِ هم أقْرَبُ مَنزِلَةً عِنْدَ اللَّهِ مِن غَيْرِهِمْ مِنَ المَلائِكَةِ المُوَكَّلِينَ بِبَقِيَّةِ دَرَكاتِ النّارِ، فَرَجَوْا أنْ يُجِيبُوهم ويَدْعُوا لَهم بِالتَّخْفِيفِ، فَراجَعَتْهُمُ الخَزَنَةُ عَلى سَبِيلِ التَّوْبِيخِ لَهم والتَّقْرِيرِ: ﴿أوْلَمَ تَكُ تَأْتِيكم رُسُلُكم بِالبَيِّناتِ﴾، فَأجابُوا بِأنَّهم أتَتْهم، ﴿قالُوا﴾ أيِ: الخَزَنَةُ، ﴿فادْعُوا﴾ أنْتُمْ عَلى مَعْنى الهُزْءِ بِهِمْ، أوْ فادْعُوا أنْتُمْ، فَإنّا لا نَجْتَرِئُ عَلى ذَلِكَ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما دُعاءُ الكافِرِينَ إلّا في ضَلالٍ﴾ مِن كَلامِ الخَزَنَةِ أيْ: دُعاؤُكم لا يَنْفَعُ ولا يُجْدِي. وقِيلَ: هو مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى إخْبارًا مِنهُ لِمُحَمَّدٍ ﷺ .
وجاءَتْ هَذِهِ الأخْبارُ مُعَبَّرًا عَنْها بِلَفْظِ الماضِي الواقِعِ لِتَيَقُّنِ وُقُوعِها.
ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى أنَّهُ يَنْصُرُ رُسُلَهُ ويُظْفِرُهم بِأعْدائِهِمْ، كَما فَعَلَ بِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - حَيْثُ أهْلَكَ عَدُوَّهُ فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ، وفِيهِ تَبْشِيرٌ لِلرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِنَصْرِهِ عَلى قَوْمِهِ، (في الحَياةِ الدُّنْيا)، العاقِبَةُ الحَسَنَةُ لَهم، ﴿ويَوْمَ يَقُومُ الأشْهادُ﴾: وهو يَوْمُ القِيامَةِ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَنْصُرُهم بِالغَلَبَةِ، وفي الآخِرَةِ بِالعَذابِ. وقالَ السُّدِّيُّ: بِالِانْتِقامِ مِن أعْدائِهِمْ. وقالَ أبُو العالِيَةِ: بِإفْلاحِ حُجَّتِهِمْ. وقالَ السُّدِّيُّ أيْضًا: ما قَتَلَ قَوْمٌ قَطُّ نَبِيًّا أوْ قَوْمًا مِن دُعاةِ الحَقِّ إلّا بَعَثَ اللَّهُ مَن يَنْتَقِمُ لَهم، فَصارُوا مَنصُورِينَ فِيها وإنْ قُتِلُوا. انْتَهى.
ألا تَرى إلى قَتَلَةِ الحُسَيْنِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كَيْفَ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ المُخْتارَ بْنَ عُبَيْدٍ يَتْبَعُهم واحِدًا واحِدًا حَتّى قَتَلَهم ؟ وبُخْتُنَصَّرُ تَتَبَعَ اليَهُودَ حِينَ قَتَلُوا يَحْيى بْنَ زَكَرِيّا، عَلَيْهِما السَّلامُ ؟ وقِيلَ: والنَّصْرُ خاصٌّ بِمَن أظْهَرَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى أُمَّتِهِ، كَنُوحٍ ومُوسى ومُحَمَّدٍ عَلَيْهِمُ السَّلامُ؛ لِأنّا نَجِدُ مِنَ الأنْبِياءِ مَن قَتَلَهُ قَوْمُهُ، كَيَحْيى، ومَن لَمْ يُنْصَرْ عَلَيْهِمْ. وقالَ السُّدِّيُّ: الخَبَرُ عامٌّ، وذَلِكَ أنَّ نُصْرَةَ الرُّسُلِ والأنْبِياءِ واقِعَةٌ ولا بُدَّ إمّا في حَياةِ الرَّسُولِ المَنصُورِ، كَنُوحٍ ومُوسى - عَلَيْهِما السَّلامُ - وإمّا بَعْدَ مَوْتِهِ. ألا تَرى إلى ما صَنَعَ اللَّهُ تَعالى بِبَنِي إسْرائِيلَ بَعْدَ قَتْلِهِمْ يَحْيى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن تَسْلِيطِ بُخْتُنَصَّرَ حَتّى انْتَصَرَ لِيَحْيى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ؟ وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يَقُومُ) بِالياءِ؛ وابْنُ هُرْمُزَ، وإسْماعِيلُ، والمِنقَرِيُّ عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِتاءِ التَّأْنِيثِ. الجَماعَةُ. والأشْهادُ، جَمْعُ شَهِيدٍ، كَشَرِيفٍ وأشْرافٍ، أوْ جَمْعُ شاهِدٍ، كَصاحِبٍ وأصْحابٍ، كَما قالَ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ [النساء: ٤١] . وقالَ: ﴿لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ ويَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكم شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣]، والظّاهِرُ أنَّهُ مِنَ الشَّهادَةِ. وقِيلَ: مِنَ المُشاهَدَةِ، بِمَعْنى الحُضُورِ.
﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ﴾: بَدَلٌ مِن (يَوْمَ) (يَقُومُ) . وقُرِئَ: (تَنْفَعُ) بِالتّاءِ وبِالياءِ، وتَقَدَّمَ ذِكْرُ الخِلافِ في ذَلِكَ في آخِرِ الرُّومِ، ويُحْتَمَلُ أنَّهم يَعْتَذِرُونَ ولا تُقْبَلُ مَعْذِرَتُهم، أوْ أنَّهم لا مَعْذِرَةَ لَهم فَتُقْبَلُ.
﴿ولَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ والإبْعادُ مِنَ اللَّهِ.
﴿ولَهم سُوءُ الدّارِ﴾: سُوءُ عاقِبَةِ الدّارِ.
غافر 40:45
(p-٤٦٧)﴿ويا قَوْمِ ما لِي أدْعُوكم إلى النَّجاةِ وتَدْعُونَنِي إلى النّارِ﴾ ﴿تَدْعُونَنِي لِأكْفُرَ بِاللَّهِ وأُشْرِكَ بِهِ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وأنا أدْعُوكم إلى العَزِيزِ الغَفّارِ﴾ ﴿لا جَرَمَ أنَّما تَدْعُونَنِي إلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ وأنَّ مَرَدَّنا إلى اللَّهِ وأنَّ المُسْرِفِينَ هم أصْحابُ النّارِ﴾ ﴿فَسَتَذْكُرُونَ ما أقُولُ لَكم وأُفَوِّضُ أمْرِي إلى اللَّهِ إنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالعِبادِ﴾ ﴿فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا وحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ العَذابِ﴾ ﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وعَشِيًّا ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ أدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذابِ﴾ ﴿وإذْ يَتَحاجُّونَ في النّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إنّا كُنّا لَكم تَبَعًا فَهَلْ أنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا نَصِيبًا مِنَ النّارِ﴾ ﴿قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إنّا كُلٌّ فِيها إنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ العِبادِ﴾ ﴿وقالَ الَّذِينَ في النّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكم يُخَفِّفْ عَنّا يَوْمًا مِنَ العَذابِ﴾ ﴿قالُوا أوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكم رُسُلُكم بِالبَيِّناتِ قالُوا بَلى قالُوا فادْعُوا وما دُعاءُ الكافِرِينَ إلّا في ضَلالٍ﴾ ﴿إنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا والَّذِينَ آمَنُوا في الحَياةِ الدُّنْيا ويَوْمَ يَقُومُ الأشْهادُ﴾ ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظّالِمِينَ مَعْذِرَتُهم ولَهُمُ اللَّعْنَةُ ولَهم سُوءُ الدّارِ﴾
بَدَأ المُؤْمِنُ بِذِكْرِ المُتَسَبَّبِ عَنْ دَعْوَتِهِمْ، وأبْدى التَّفاضُلَ بَيْنَهُما. ولَمّا ذَكَرَ المُسَبِّبَيْنِ، ذَكَرَ سَبَبَهُما، وهو دُعاؤُهم إلى الكُفْرِ والشِّرْكِ، ودُعاؤُهُ إيّاهم إلى الإيمانِ والتَّوْحِيدِ.
وأتى بِصِيغَةِ العَزِيزِ، وهو الَّذِي لا نَظِيرَ لَهُ، والغالِبُ الَّذِي العالَمُ كُلُّهم في قَبْضَتِهِ يَتَصَرَّفُ فِيهِمْ كَما يَشاءُ، الغَفّارُ لِذُنُوبِ مَن رَجَعَ إلَيْهِ وآمَنُ بِهِ، وأوْصَلَ سَبَبَ دُعائِهِمْ بِمُسَبِّبِهِ، وهو الكُفْرُ والنّارُ، وأخَّرَ سَبَبَ مُسَبِّبِهِ لِيَكُونَ افْتِتاحَ كَلامِهِ واخْتِتامِهِ بِما يَدْعُو إلى الخَيْرِ.
وبَدَأ أوَّلًا بِجُمْلَةٍ اسْمِيَّةٍ، وهو الاسْتِفْهامُ المُتَضَمِّنُ التَّعَجُّبَ مِن حالَتِهِمْ، وخَتَمَ أيْضًا بِجُمْلَةٍ اسْمِيَّةٍ لِيَكُونَ أبْلَغَ في تَوْكِيدِ الأخْبارِ. وجاءَ في حَقِّهِمْ ﴿وتَدْعُونَنِي﴾ بِالجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ الَّتِي لا تَقْتَضِي تَوْكِيدًا، إذْ دَعَوْتُهم باطِلَةٌ لا ثُبُوتَ لَها، فَتُؤَكَّدُ. و﴿ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾ هي الأوْثانُ، أيْ: لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ عِلْمِي، إذْ لَيْسَ لَها مَدْخَلٌ في الأُلُوهِيَّةِ ولا لِفِرْعَوْنَ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): لِمَ جاءَ بِالواوِ في النِّداءِ الثّالِثِ دُونَ الثّانِي ؟ .
(قُلْتُ): لِأنَّ الثّانِيَ داخِلٌ في كَلامٍ هو بَيانٌ لِلْمُجْمَلِ وتَفْسِيرٌ لَهُ، فَأعْطى الدّاخِلَ عَلَيْهِ حُكْمَهُ في امْتِناعِ دُخُولِ الواوِ، وأمّا الثّالِثُ فَداخِلٌ عَلى كَلامٍ لَيْسَ بِتِلْكَ المَثابَةِ. انْتَهى.
وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى لا جَرَمَ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ هُنا، ورُوِيَ عَنِ العَرَبِ: لا جُرْمَ أنَّهُ يَفْعَلُ بِضَمِّ الجِيمِ وسُكُونِ الرّاءِ، يُرِيدُ لا بُدَّ، وفَعَلٌ وفُعْلٌ أخَوانِ، كَرَشَدٍ ورُشْدٍ، وعَدَمٍ وعُدْمٍ.
(أنَّما) أيْ: أنَّ الَّذِي ﴿تَدْعُونَنِي إلَيْهِ﴾ أيْ: إلى عِبادَتِهِ، ﴿لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ﴾، أيْ: قَدْرٌ وحَقٌّ يَجِبُ أنْ يُدْعى إلَيْهِ، أوْ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ إلى نَفْسِهِ؛ لِأنَّ الجَمادَ لا يَدْعُو، والمَعْبُودُ بِالحَقِّ يَدْعُو العِبادَ إلى طاعَتِهِ، ثُمَّ يَدْعُو العِبادَ إلَيْها إظْهارًا لِدَعْوَةِ رَبِّهِمْ.
وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى لَيْسَ لَهُ اسْتِجابَةُ دَعْوَةٍ تُوجِبُ الأُلُوهِيَّةَ في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ، أوْ دَعْوَةٌ مُسْتَجابَةٌ، جُعِلَتِ الدَّعْوَةُ الَّتِي لا اسْتِجابَةَ لَها ولا مَنفَعَةَ كَلا دَعْوَةٍ، أوْ سُمِّيَتِ الِاسْتِجابَةُ بِاسْمِ الدَّعْوَةِ، كَما سُمِّيَ الفِعْلُ المُجازى عَلَيْهِ بِاسْمِ الجَزاءِ في قَوْلِهِ: (كَما تَدِينُ تُدانُ) .
وقالَ الكَلْبِيُّ: لَيْسَتْ لَهُ شَفاعَةٌ في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ، وكانَ فِرْعَوْنُ أوَّلًا يَدْعُو النّاسَ إلى عِبادَةِ الأصْنامِ، ثُمَّ دَعاهم إلى عِبادَةِ البَقَرِ، وكانَتْ تُعْبَدُ ما دامَتْ شابَّةً، فَإذا هَزُلَتْ أمَرَ بِذَبْحِها ودَعا بِأُخْرى لِتُعْبَدَ. فَلَمّا طالَ عَلَيْهِ الزَّمانُ قالَ: ﴿أنا رَبُّكُمُ الأعْلى﴾ [النازعات: ٢٤] .
ولَمّا ذَكَرَ انْتِفاءَ دَعْوَةِ ما عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ وذَكَرَ أنَّ مَرَدَّ الجَمِيعِ إلى اللَّهِ، أيْ: إلى جَزائِهِ، ﴿وأنَّ المُسْرِفِينَ﴾: وهُمُ المُشْرِكُونَ (p-٤٦٨)فِي قَوْلِ قَتادَةَ، والسَّفّاكُونَ لِلدِّماءِ بِغَيْرِ حِلِّها في قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ، ومُجاهِدٍ. وقِيلَ: مَن غَلَبَ شَرُّهُ خَيْرَهُ هو المُسْرِفُ. وقالَ عِكْرِمَةُ: هُمُ الجَبّارُونَ المُتَكَبِّرُونَ.
وخَتَمَ المُؤْمِنُ كَلامَهُ بِخاتِمَةٍ لَطِيفَةٍ تُوجِبُ التَّخْوِيفَ والتَّهْدِيدَ وهي قَوْلُهُ: ﴿فَسَتَذْكُرُونَ ما أقُولُ لَكُمْ﴾ أيْ: إذا حَلَّ بِكم عِقابُ اللَّهِ.
﴿وأُفَوِّضُ أمْرِي﴾ إلى قَضاءِ اللَّهِ وقَدَرِهِ، لا إلَيْكم ولا إلى أصْنامِكم، وكانُوا قَدْ تَوَعَّدُوهُ.
ثُمَّ ذَكَرَ ما يُوجِبُ التَّفْوِيضَ، وهو كَوْنُهُ تَعالى بَصِيرًا بِأحْوالِ العِبادِ وبِمَقادِيرِ حاجاتِهِمْ.
قالَ مُقاتِلٌ: لَمّا قالَ هَذِهِ الكَلِماتِ، قَصَدُوا قَتْلَهُ؛ فَهَرَبَ هَذا المُؤْمِنُ إلى الجَبَلِ، فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ.
وقِيلَ: لَمّا أظْهَرَ إيمانَهُ، بَعَثَ فِرْعَوْنُ في طَلَبِهِ ألْفَ رَجُلٍ؛ فَمِنهم مَن أدْرَكَهُ، فَذَبَّ السِّباعُ عَنْهُ وأكَلَتْهُمُ السِّباعُ، ومِنهم مَن ماتَ في الجِبالِ عَطَشًا، ومِنهم مَن رَجَعَ إلى فِرْعَوْنَ خائِبًا، فاتَّهَمَهُ وقَتَلَهُ وصَلَبَهُ. وقِيلَ: نَجا مَعَ مُوسى في البَحْرِ، وفَرَّ في جُمْلَةِ مَن فَرَّ مَعَهُ.
﴿فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا﴾ أيْ: شَدائِدَ مَكْرِهِمُ الَّتِي تَسُوؤُهُ، وما هَمُّوا بِهِ مِن أنْواعِ العَذابِ لِمَن خالَفَهم.
﴿وحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ العَذابِ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو ما حاقَ بِالألْفِ الَّذِينَ بَعَثَهم فِرْعَوْنُ في طَلَبِ المُؤْمِنِ، مِن أكْلِ السِّباعِ، والمَوْتِ بِالعَطَشِ، والقَتْلِ والصَّلْبِ، كَما تَقَدَّمَ.
وقِيلَ: ﴿سُوءُ العَذابِ﴾: هو الغَرَقُ في الدُّنْيا والحَرْقُ في الآخِرَةِ.
(النّارُ) بَدَلٌ مِن ﴿سُوءُ العَذابِ﴾، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما سُوءُ العَذابِ: قِيلَ: النّارُ، أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿يُعْرَضُونَ﴾، ويُقَوِّي هَذا الوَجْهَ قِراءَةُ مَن نَصَبَ، أيْ: تَدْخُلُونَ النّارَ يُعْرَضُونَ عَلَيْها.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُنْصَبَ عَلى الِاخْتِصاصِ.
والظّاهِرُ أنَّ عَرْضَهم عَلى النّارِ مَخْصُوصٌ بِهَذَيْنِ الوَقْتَيْنِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِذِكْرِ الطَّرَفَيْنِ الدَّوامُ في الدُّنْيا، والظّاهِرُ أنَّ العَرْضَ خِلافُ الإحْراقِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَرْضُهم عَلَيْها: إحْراقُهم بِها، يُقالُ: عَرَضَ الإمامُ الأُسارى عَلى السَّيْفِ إذا قَتَلَهم بِهِ. انْتَهى.
والظّاهِرُ أنَّ العَرْضَ هو في الدُّنْيا. ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الهُذَيْلِ بْنِ شُرَحْبِيلَ، وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، والسُّدِّيِّ: أنَّ أرْواحَهم في جَوْفِ طُيُورٍ سُودٍ، تَرُوحُ بِهِمْ وتَغْدُو إلى النّارِ. وقالَ رَجُلٌ لِلْأوْزاعِيِّ: رَأيْتُ طُيُورًا بِيضًا تَغْدُو مِنَ البَحْرِ، ثُمَّ تَرُوحُ بِالعَشِيِّ سُودًا مِثْلُها، فَقالَ الأوْزاعِيُّ: تِلْكَ الَّتِي في حَواصِلِها أرْواحُ آلِ فِرْعَوْنَ، يُحْرَقُ رِياشُها وتَسْوَدُّ بِالعَرْضِ عَلى النّارِ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ وغَيْرُهُ: أرادَ أنَّهم يُعْرَضُونَ في الآخِرَةِ عَلى تَقْدِيرِ ما بَيْنَ الغُدُوِّ والعَشِيِّ، إذْ لا غُدُوَّ ولا عَشِيَّ في الآخِرَةِ، وإنَّما ذَلِكَ عَلى التَّقْدِيرِ بِأيّامِ الدُّنْيا.
وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: تُعْرَضُ أرْواحُ آلِ فِرْعَوْنَ ومَن كانَ مِثْلَهم مِنَ الكُفّارِ عَلى النّارِ بِالغَداةِ والعَشِيِّ، يُقالُ: هَذِهِ دارُكم.
وفِي صَحِيحِ البُخارِيِّ، ومُسْلِمٍ، مِن حَدِيثِ ابْنِ عِمْرانَ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «إنَّ أحَدَكم إذا ماتَ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدَهُ بِالغَداةِ والعَشِيِّ، إنْ كانَ مِن أهْلِ الجَنَّةِ فَمِن أهْلِ الجَنَّةِ، وإنْ كانَ مِن أهْلِ النّارِ فَمِن أهْلِ النّارِ، يُقالُ هَذا مَقْعَدُكَ حَتّى يَبْعَثَكَ اللَّهُ إلَيْهِ يَوْمَ القِيامَةِ» .
واسْتَدَلَّ مُجاهِدٌ ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ وعِكْرِمَةُ ومُقاتِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وعَشِيًّا﴾ أيْ: عِنْدَ مَوْتِهِمْ عَلى عَذابِ القَبْرِ في الدُّنْيا. والظّاهِرُ تَمامُ الجُمْلَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿وعَشِيًّا﴾، وأنَّ يَوْمَ القِيامَةِ مَعْمُولٌ لِمَحْذُوفٍ عَلى إضْمارِ القَوْلِ، أيْ: ويَوْمَ القِيامَةِ يُقالُ لَهم: ادْخُلُوا. وقِيلَ: و(يَوْمَ) مَعْطُوفٌ عَلى ﴿وعَشِيًّا﴾ فالعامِلُ فِيهِ ﴿يُعْرَضُونَ﴾ و﴿أدْخِلُوا﴾ عَلى إضْمارِ الفِعْلِ. وقِيلَ: العامِلُ في (يَوْمَ) ﴿أدْخِلُوا﴾ . وقَرَأ الأعْرَجُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، والأعْمَشُ، وابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ، ونافِعٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ: ﴿أدْخِلُوا﴾، أمْرًا لِلْخَزَنَةِ مِن أدْخَلَ.
وعَلِيٌّ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، وابْنُ كَثِيرٍ، والعَرَبِيّانِ، وأبُو بَكْرٍ: أمْرًا مِن دَخَلَ ﴿آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذابِ﴾ . قِيلَ: وهو الهاوِيَةُ. قالَ الأوْزاعِيُّ: بَلَغَنا أنَّهم ألْفا ألْفٍ وسِتُّمِائَةِ ألْفٍ.
﴿وإذْ يَتَحاجُّونَ في النّارِ﴾: الظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ عَلى فِرْعَوْنَ. وقالَ (p-٤٦٩)ابْنُ عَطِيَّةَ: والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿يَتَحاجُّونَ﴾ لِجَمِيعِ كَفّارِ الأُمَمِ، وهَذا ابْتِداءُ قَصَصٍ لا يَخْتَصُّ بِآلِ فِرْعَوْنَ، والعامِلُ في (إذْ) فِعْلٌ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ واذْكُرُوا.
وقالَ الطَّبَرِيُّ: وإذْ هَذِهِ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿إذِ القُلُوبُ لَدى الحَناجِرِ﴾ [غافر: ١٨]، وهَذا بَعِيدٌ. انْتَهى.
والمُحاجَّةُ: التَّحاوُرُ بِالحُجَّةِ والخُصُومَةِ. والضُّعَفاءُ أيْ: في القَدَرِ والمَنزِلَةِ في الدُّنْيا. والَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا أيْ: عَنِ الإيمانِ واتِّباعِ الرُّسُلِ.
﴿إنّا كُنّا لَكم تَبَعًا﴾ أيْ: ذَوِي تَبَعٍ، فَتَبَعٌ مَصْدَرٌ أوِ اسْمُ جَمْعٍ لِتابِعٍ، كَآيِمٍ وأيَمٍ، وخادِمِ وخَدَمٍ، وغائِبٍ وغَيَبٍ.
﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا﴾ أيْ: حامِلُونَ عَنّا ؟ فَأجابُوهم: ﴿إنّا كُلٌّ فِيها﴾، وأنَّ حُكْمَ اللَّهِ قَدْ نَفَذَ فِينا وفِيكم، إنّا مُسْتَمِرُّونَ في النّارِ.
وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْقَعِ، وعِيسى بْنُ عِمْرانَ: (كُلًّا) بِنَصْبِ (كُلٌّ) . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وابْنُ عَطِيَّةَ: عَلى التَّوْكِيدِ لِاسْمِ إنَّ، وهو مَعْرِفَةٌ، والتَّنْوِينُ عِوَضٌ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ، يُرِيدُ: إنّا كُلُّنا فِيها. انْتَهى.
وخَبَرُ إنَّ هو فِيها، ومَن رَفَعَ (كُلًّا) فَعَلى الِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ فِيها، والجُمْلَةُ خَبَرُ إنَّ. وقالَ ابْنُ مالِكٍ في تَصْنِيفِهِ (تَسْهِيلِ الفَوائِدِ): وقَدْ تَكَلَّمَ عَلى (كُلٌّ) ولا يُسْتَغْنى بِنِيَّةِ إضافَتِهِ، خِلافًا لِلْفَرّاءِ والزَّمَخْشَرِيِّ. انْتَهى، وهَذا المَذْهَبُ مَنقُولٌ عَنِ الكُوفِيِّينَ، وقَدْ رَدَّ ابْنُ مالِكٍ عَلى هَذا المَذْهَبِ بِما قَرَّرَهُ في شَرْحِهِ (التَّسْهِيلِ) .
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): هَلْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ (كُلًّا) حالًا قَدْ عَمِلَ (فِيها) فِيها ؟ (قُلْتُ): لا؛ لِأنَّ الظَّرْفَ لا يَعْمَلُ، والحالُ مُتَقَدِّمَةٌ، كَما يَعْمَلُ في الظَّرْفِ مُتَقَدِّمًا، تَقُولُ: كُلُّ يَوْمٍ لَكَ ثَوْبٌ، ولا تَقُولُ: قائِمًا في الدّارِ زَيْدٌ. انْتَهى.
وهَذا الَّذِي مَنَعَهُ أجازَهُ الأخْفَشُ إذا تَوَسَّطَتِ الحالُ، نَحْوُ: زَيْدٌ قائِمًا في الدّارِ، وزَيْدٌ قائِمًا عِنْدَكَ، والتَّمْثِيلُ الَّذِي ذَكَرَهُ لَيْسَ مُطابِقًا في الآيَةِ؛ لِأنَّ الآيَةَ تَقَدَّمَ فِيها المُسْنَدُ إلَيْهِ الحُكْمُ، وهو اسْمُ إنَّ، وتَوَسَّطَتِ الحالُ إذا قُلْنا إنَّها حالٌ، وتَأخَّرَ العامِلُ فِيها، وأمّا تَمْثِيلُهُ بِقَوْلِهِ: ولا تَقُولُ: قائِمًا في الدّارِ زَيْدٌ، تَأخَّرَ فِيهِ المُسْنَدُ والمُسْنَدُ إلَيْهِ، وقَدْ ذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ المَنعَ في ذَلِكَ إجْماعٌ مِنَ النُّحاةِ.
وقالَ ابْنُ مالِكٍ: والقَوْلُ المَرْضِيُّ عِنْدِي أنَّ كُلًّا في القِراءَةِ المَذْكُورَةِ مَنصُوبٌ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ المَرْفُوعَ المَنَوِيَّ في (فِيها) وفِيها هو العامِلُ، وقَدْ تَقَدَّمَتِ الحالُ عَلَيْهِ مَعَ عَدَمِ تَصَرُّفِهِ، كَما قُدِّمَتْ في قِراءَةِ مَن قَرَأ: ﴿والسَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] . وفي قَوْلِ النّابِغَةِ الذُّبْيانِيِّ:
؎رَهْطُ ابْنِ كُوزٍ مُحْقِبِي أدْراعَهم فِيهِمْ ورَهْطُ رَبِيعَةَ بْنِ حَذارِ
وقالَ بَعْضُ الطّائِيِّينَ:
؎دَعا فَأجَبْنا وهو بادَّيَّ ذِلَّةً ∗∗∗ لَدَيْكم فَكانَ النَّصْرُ غَيْرَ قَرِيبِ
انْتَهى. وهَذا التَّخْرِيجُ هو عَلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ، كَما ذَكَرْناهُ، والَّذِي أخْتارُهُ في تَخْرِيجِ هَذِهِ القِراءَةِ أنَّ (كُلًّا) بَدَلٌ مِنِ اسْمِ إنَّ؛ لِأنَّ (كُلًّا) يَتَصَرَّفُ فِيهِما بِالِابْتِداءِ ونَواسِخِهِ وغَيْرِ ذَلِكَ، فَكَأنَّهُ قالَ: إنَّ كُلًّا بَدَلٌ مِنِ اسْمِ إنَّ؛ لِأنَّ كُلًّا فِيها، وإذا كانُوا قَدْ تَأوَّلُوا حَوْلًا أكْتَعًا ويَوْمًا أجْمَعًا عَلى البَدَلِ، مَعَ أنَّهُما لا يَلِيانِ العَوامِلَ، فَإنْ يُدَّعى في (كُلٌّ) البَدَلُ أوْلى، وأيْضًا فَتَنْكِيرُ (كُلٌّ) ونَصْبُهُ حالًا في غايَةِ الشُّذُوذِ، والمَشْهُورُ (p-٤٧٠)أنَّ كُلًّا مَعْرِفَةٌ إذا قُطِعَتْ عَنِ الإضافَةِ. حُكِيَ: مَرَرْتُ بِكُلٍّ قائِمًا، وبِبَعْضٍ جالِسًا في الفَصِيحِ الكَثِيرِ في كَلامِهِمْ، وقَدْ شَذَّ نَصْبُ كُلٍّ عَلى الحالِ في قَوْلِهِمْ: مَرَرْتُ بِهِمْ كُلًّا، أيْ: جَمِيعًا.
(فَإنْ قُلْتَ): كَيْفَ يَجْعَلُهُ بَدَلًا، وهو بَدَلُ كُلٍّ مِن كُلٍّ مِن ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ، وهو لا يَجُوزُ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ ؟ .
(قُلْتُ): مَذْهَبُ الأخْفَشِ والكُوفِيِّينَ جَوازُهُ، وهو الصَّحِيحُ، عَلى أنَّ هَذا لَيْسَ مِمّا وقَعَ فِيهِ الخِلافُ، بَلْ إذا كانَ البَدَلُ يُفِيدُ الإحاطَةَ، جازَ أنْ يُبْدَلَ مِن ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ وضَمِيرِ المُخاطَبِ، لا نَعْلَمُ خِلافًا في ذَلِكَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَكُونُ لَنا عِيدًا لِأوَّلِنا وآخِرِنا﴾ [المائدة: ١١٤]، وكَقَوْلِكِ: مَرَرْتُ بِكم صَغِيرِكم وكَبِيرِكم، مَعْناهُ: مَرَرْتُ بِكم كُلِّكم، وتَكُونُ لَنا عِيدًا كُلِّنا. فَإذا جازَ ذَلِكَ فِيما هو بِمَعْنى الإحاطَةِ، فَجَوازُهُ فِيما دَلَّ عَلى الإحاطَةِ، وهو (كُلٌّ) أوْلى، ولا التِفاتَ لِمَنعِ المُبَرِّدِ البَدَلَ فِيهِ؛ لِأنَّهُ بَدَلٌ مِن ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَتَحَقَّقْ مَناطُ الخِلافِ.
ولَمّا أجابَ الضُّعَفاءُ المُسْتَكْبِرُونَ قالُوا جَمِيعًا: ﴿لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ﴾، وأبْرَزَ ما أُضِيفَ إلَيْهِ الخَزَنَةُ، ولَمْ يَأْتِ ضَمِيرًا، فَكانَ يَكُونُ التَّرْكِيبُ لِخَزَنَتِها، لِما في ذِكْرِ جَهَنَّمَ مِنَ التَّهْوِيلِ، وفِيها أطْغى الكُفّارِ وأعْتاهم. ولَعَلَّ الكُفّارَ تَوَهَّمُوا أنَّ مَلائِكَةَ جَهَنَّمَ المُوَكَّلِينَ بِعَذابِ تِلْكَ الطُّغاةِ هم أقْرَبُ مَنزِلَةً عِنْدَ اللَّهِ مِن غَيْرِهِمْ مِنَ المَلائِكَةِ المُوَكَّلِينَ بِبَقِيَّةِ دَرَكاتِ النّارِ، فَرَجَوْا أنْ يُجِيبُوهم ويَدْعُوا لَهم بِالتَّخْفِيفِ، فَراجَعَتْهُمُ الخَزَنَةُ عَلى سَبِيلِ التَّوْبِيخِ لَهم والتَّقْرِيرِ: ﴿أوْلَمَ تَكُ تَأْتِيكم رُسُلُكم بِالبَيِّناتِ﴾، فَأجابُوا بِأنَّهم أتَتْهم، ﴿قالُوا﴾ أيِ: الخَزَنَةُ، ﴿فادْعُوا﴾ أنْتُمْ عَلى مَعْنى الهُزْءِ بِهِمْ، أوْ فادْعُوا أنْتُمْ، فَإنّا لا نَجْتَرِئُ عَلى ذَلِكَ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما دُعاءُ الكافِرِينَ إلّا في ضَلالٍ﴾ مِن كَلامِ الخَزَنَةِ أيْ: دُعاؤُكم لا يَنْفَعُ ولا يُجْدِي. وقِيلَ: هو مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى إخْبارًا مِنهُ لِمُحَمَّدٍ ﷺ .
وجاءَتْ هَذِهِ الأخْبارُ مُعَبَّرًا عَنْها بِلَفْظِ الماضِي الواقِعِ لِتَيَقُّنِ وُقُوعِها.
ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى أنَّهُ يَنْصُرُ رُسُلَهُ ويُظْفِرُهم بِأعْدائِهِمْ، كَما فَعَلَ بِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - حَيْثُ أهْلَكَ عَدُوَّهُ فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ، وفِيهِ تَبْشِيرٌ لِلرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِنَصْرِهِ عَلى قَوْمِهِ، (في الحَياةِ الدُّنْيا)، العاقِبَةُ الحَسَنَةُ لَهم، ﴿ويَوْمَ يَقُومُ الأشْهادُ﴾: وهو يَوْمُ القِيامَةِ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَنْصُرُهم بِالغَلَبَةِ، وفي الآخِرَةِ بِالعَذابِ. وقالَ السُّدِّيُّ: بِالِانْتِقامِ مِن أعْدائِهِمْ. وقالَ أبُو العالِيَةِ: بِإفْلاحِ حُجَّتِهِمْ. وقالَ السُّدِّيُّ أيْضًا: ما قَتَلَ قَوْمٌ قَطُّ نَبِيًّا أوْ قَوْمًا مِن دُعاةِ الحَقِّ إلّا بَعَثَ اللَّهُ مَن يَنْتَقِمُ لَهم، فَصارُوا مَنصُورِينَ فِيها وإنْ قُتِلُوا. انْتَهى.
ألا تَرى إلى قَتَلَةِ الحُسَيْنِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كَيْفَ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ المُخْتارَ بْنَ عُبَيْدٍ يَتْبَعُهم واحِدًا واحِدًا حَتّى قَتَلَهم ؟ وبُخْتُنَصَّرُ تَتَبَعَ اليَهُودَ حِينَ قَتَلُوا يَحْيى بْنَ زَكَرِيّا، عَلَيْهِما السَّلامُ ؟ وقِيلَ: والنَّصْرُ خاصٌّ بِمَن أظْهَرَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى أُمَّتِهِ، كَنُوحٍ ومُوسى ومُحَمَّدٍ عَلَيْهِمُ السَّلامُ؛ لِأنّا نَجِدُ مِنَ الأنْبِياءِ مَن قَتَلَهُ قَوْمُهُ، كَيَحْيى، ومَن لَمْ يُنْصَرْ عَلَيْهِمْ. وقالَ السُّدِّيُّ: الخَبَرُ عامٌّ، وذَلِكَ أنَّ نُصْرَةَ الرُّسُلِ والأنْبِياءِ واقِعَةٌ ولا بُدَّ إمّا في حَياةِ الرَّسُولِ المَنصُورِ، كَنُوحٍ ومُوسى - عَلَيْهِما السَّلامُ - وإمّا بَعْدَ مَوْتِهِ. ألا تَرى إلى ما صَنَعَ اللَّهُ تَعالى بِبَنِي إسْرائِيلَ بَعْدَ قَتْلِهِمْ يَحْيى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن تَسْلِيطِ بُخْتُنَصَّرَ حَتّى انْتَصَرَ لِيَحْيى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ؟ وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يَقُومُ) بِالياءِ؛ وابْنُ هُرْمُزَ، وإسْماعِيلُ، والمِنقَرِيُّ عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِتاءِ التَّأْنِيثِ. الجَماعَةُ. والأشْهادُ، جَمْعُ شَهِيدٍ، كَشَرِيفٍ وأشْرافٍ، أوْ جَمْعُ شاهِدٍ، كَصاحِبٍ وأصْحابٍ، كَما قالَ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ [النساء: ٤١] . وقالَ: ﴿لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ ويَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكم شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣]، والظّاهِرُ أنَّهُ مِنَ الشَّهادَةِ. وقِيلَ: مِنَ المُشاهَدَةِ، بِمَعْنى الحُضُورِ.
﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ﴾: بَدَلٌ مِن (يَوْمَ) (يَقُومُ) . وقُرِئَ: (تَنْفَعُ) بِالتّاءِ وبِالياءِ، وتَقَدَّمَ ذِكْرُ الخِلافِ في ذَلِكَ في آخِرِ الرُّومِ، ويُحْتَمَلُ أنَّهم يَعْتَذِرُونَ ولا تُقْبَلُ مَعْذِرَتُهم، أوْ أنَّهم لا مَعْذِرَةَ لَهم فَتُقْبَلُ.
﴿ولَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ والإبْعادُ مِنَ اللَّهِ.
﴿ولَهم سُوءُ الدّارِ﴾: سُوءُ عاقِبَةِ الدّارِ.
غافر 40:46
(p-٤٦٧)﴿ويا قَوْمِ ما لِي أدْعُوكم إلى النَّجاةِ وتَدْعُونَنِي إلى النّارِ﴾ ﴿تَدْعُونَنِي لِأكْفُرَ بِاللَّهِ وأُشْرِكَ بِهِ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وأنا أدْعُوكم إلى العَزِيزِ الغَفّارِ﴾ ﴿لا جَرَمَ أنَّما تَدْعُونَنِي إلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ وأنَّ مَرَدَّنا إلى اللَّهِ وأنَّ المُسْرِفِينَ هم أصْحابُ النّارِ﴾ ﴿فَسَتَذْكُرُونَ ما أقُولُ لَكم وأُفَوِّضُ أمْرِي إلى اللَّهِ إنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالعِبادِ﴾ ﴿فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا وحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ العَذابِ﴾ ﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وعَشِيًّا ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ أدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذابِ﴾ ﴿وإذْ يَتَحاجُّونَ في النّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إنّا كُنّا لَكم تَبَعًا فَهَلْ أنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا نَصِيبًا مِنَ النّارِ﴾ ﴿قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إنّا كُلٌّ فِيها إنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ العِبادِ﴾ ﴿وقالَ الَّذِينَ في النّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكم يُخَفِّفْ عَنّا يَوْمًا مِنَ العَذابِ﴾ ﴿قالُوا أوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكم رُسُلُكم بِالبَيِّناتِ قالُوا بَلى قالُوا فادْعُوا وما دُعاءُ الكافِرِينَ إلّا في ضَلالٍ﴾ ﴿إنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا والَّذِينَ آمَنُوا في الحَياةِ الدُّنْيا ويَوْمَ يَقُومُ الأشْهادُ﴾ ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظّالِمِينَ مَعْذِرَتُهم ولَهُمُ اللَّعْنَةُ ولَهم سُوءُ الدّارِ﴾
بَدَأ المُؤْمِنُ بِذِكْرِ المُتَسَبَّبِ عَنْ دَعْوَتِهِمْ، وأبْدى التَّفاضُلَ بَيْنَهُما. ولَمّا ذَكَرَ المُسَبِّبَيْنِ، ذَكَرَ سَبَبَهُما، وهو دُعاؤُهم إلى الكُفْرِ والشِّرْكِ، ودُعاؤُهُ إيّاهم إلى الإيمانِ والتَّوْحِيدِ.
وأتى بِصِيغَةِ العَزِيزِ، وهو الَّذِي لا نَظِيرَ لَهُ، والغالِبُ الَّذِي العالَمُ كُلُّهم في قَبْضَتِهِ يَتَصَرَّفُ فِيهِمْ كَما يَشاءُ، الغَفّارُ لِذُنُوبِ مَن رَجَعَ إلَيْهِ وآمَنُ بِهِ، وأوْصَلَ سَبَبَ دُعائِهِمْ بِمُسَبِّبِهِ، وهو الكُفْرُ والنّارُ، وأخَّرَ سَبَبَ مُسَبِّبِهِ لِيَكُونَ افْتِتاحَ كَلامِهِ واخْتِتامِهِ بِما يَدْعُو إلى الخَيْرِ.
وبَدَأ أوَّلًا بِجُمْلَةٍ اسْمِيَّةٍ، وهو الاسْتِفْهامُ المُتَضَمِّنُ التَّعَجُّبَ مِن حالَتِهِمْ، وخَتَمَ أيْضًا بِجُمْلَةٍ اسْمِيَّةٍ لِيَكُونَ أبْلَغَ في تَوْكِيدِ الأخْبارِ. وجاءَ في حَقِّهِمْ ﴿وتَدْعُونَنِي﴾ بِالجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ الَّتِي لا تَقْتَضِي تَوْكِيدًا، إذْ دَعَوْتُهم باطِلَةٌ لا ثُبُوتَ لَها، فَتُؤَكَّدُ. و﴿ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾ هي الأوْثانُ، أيْ: لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ عِلْمِي، إذْ لَيْسَ لَها مَدْخَلٌ في الأُلُوهِيَّةِ ولا لِفِرْعَوْنَ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): لِمَ جاءَ بِالواوِ في النِّداءِ الثّالِثِ دُونَ الثّانِي ؟ .
(قُلْتُ): لِأنَّ الثّانِيَ داخِلٌ في كَلامٍ هو بَيانٌ لِلْمُجْمَلِ وتَفْسِيرٌ لَهُ، فَأعْطى الدّاخِلَ عَلَيْهِ حُكْمَهُ في امْتِناعِ دُخُولِ الواوِ، وأمّا الثّالِثُ فَداخِلٌ عَلى كَلامٍ لَيْسَ بِتِلْكَ المَثابَةِ. انْتَهى.
وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى لا جَرَمَ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ هُنا، ورُوِيَ عَنِ العَرَبِ: لا جُرْمَ أنَّهُ يَفْعَلُ بِضَمِّ الجِيمِ وسُكُونِ الرّاءِ، يُرِيدُ لا بُدَّ، وفَعَلٌ وفُعْلٌ أخَوانِ، كَرَشَدٍ ورُشْدٍ، وعَدَمٍ وعُدْمٍ.
(أنَّما) أيْ: أنَّ الَّذِي ﴿تَدْعُونَنِي إلَيْهِ﴾ أيْ: إلى عِبادَتِهِ، ﴿لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ﴾، أيْ: قَدْرٌ وحَقٌّ يَجِبُ أنْ يُدْعى إلَيْهِ، أوْ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ إلى نَفْسِهِ؛ لِأنَّ الجَمادَ لا يَدْعُو، والمَعْبُودُ بِالحَقِّ يَدْعُو العِبادَ إلى طاعَتِهِ، ثُمَّ يَدْعُو العِبادَ إلَيْها إظْهارًا لِدَعْوَةِ رَبِّهِمْ.
وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى لَيْسَ لَهُ اسْتِجابَةُ دَعْوَةٍ تُوجِبُ الأُلُوهِيَّةَ في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ، أوْ دَعْوَةٌ مُسْتَجابَةٌ، جُعِلَتِ الدَّعْوَةُ الَّتِي لا اسْتِجابَةَ لَها ولا مَنفَعَةَ كَلا دَعْوَةٍ، أوْ سُمِّيَتِ الِاسْتِجابَةُ بِاسْمِ الدَّعْوَةِ، كَما سُمِّيَ الفِعْلُ المُجازى عَلَيْهِ بِاسْمِ الجَزاءِ في قَوْلِهِ: (كَما تَدِينُ تُدانُ) .
وقالَ الكَلْبِيُّ: لَيْسَتْ لَهُ شَفاعَةٌ في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ، وكانَ فِرْعَوْنُ أوَّلًا يَدْعُو النّاسَ إلى عِبادَةِ الأصْنامِ، ثُمَّ دَعاهم إلى عِبادَةِ البَقَرِ، وكانَتْ تُعْبَدُ ما دامَتْ شابَّةً، فَإذا هَزُلَتْ أمَرَ بِذَبْحِها ودَعا بِأُخْرى لِتُعْبَدَ. فَلَمّا طالَ عَلَيْهِ الزَّمانُ قالَ: ﴿أنا رَبُّكُمُ الأعْلى﴾ [النازعات: ٢٤] .
ولَمّا ذَكَرَ انْتِفاءَ دَعْوَةِ ما عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ وذَكَرَ أنَّ مَرَدَّ الجَمِيعِ إلى اللَّهِ، أيْ: إلى جَزائِهِ، ﴿وأنَّ المُسْرِفِينَ﴾: وهُمُ المُشْرِكُونَ (p-٤٦٨)فِي قَوْلِ قَتادَةَ، والسَّفّاكُونَ لِلدِّماءِ بِغَيْرِ حِلِّها في قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ، ومُجاهِدٍ. وقِيلَ: مَن غَلَبَ شَرُّهُ خَيْرَهُ هو المُسْرِفُ. وقالَ عِكْرِمَةُ: هُمُ الجَبّارُونَ المُتَكَبِّرُونَ.
وخَتَمَ المُؤْمِنُ كَلامَهُ بِخاتِمَةٍ لَطِيفَةٍ تُوجِبُ التَّخْوِيفَ والتَّهْدِيدَ وهي قَوْلُهُ: ﴿فَسَتَذْكُرُونَ ما أقُولُ لَكُمْ﴾ أيْ: إذا حَلَّ بِكم عِقابُ اللَّهِ.
﴿وأُفَوِّضُ أمْرِي﴾ إلى قَضاءِ اللَّهِ وقَدَرِهِ، لا إلَيْكم ولا إلى أصْنامِكم، وكانُوا قَدْ تَوَعَّدُوهُ.
ثُمَّ ذَكَرَ ما يُوجِبُ التَّفْوِيضَ، وهو كَوْنُهُ تَعالى بَصِيرًا بِأحْوالِ العِبادِ وبِمَقادِيرِ حاجاتِهِمْ.
قالَ مُقاتِلٌ: لَمّا قالَ هَذِهِ الكَلِماتِ، قَصَدُوا قَتْلَهُ؛ فَهَرَبَ هَذا المُؤْمِنُ إلى الجَبَلِ، فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ.
وقِيلَ: لَمّا أظْهَرَ إيمانَهُ، بَعَثَ فِرْعَوْنُ في طَلَبِهِ ألْفَ رَجُلٍ؛ فَمِنهم مَن أدْرَكَهُ، فَذَبَّ السِّباعُ عَنْهُ وأكَلَتْهُمُ السِّباعُ، ومِنهم مَن ماتَ في الجِبالِ عَطَشًا، ومِنهم مَن رَجَعَ إلى فِرْعَوْنَ خائِبًا، فاتَّهَمَهُ وقَتَلَهُ وصَلَبَهُ. وقِيلَ: نَجا مَعَ مُوسى في البَحْرِ، وفَرَّ في جُمْلَةِ مَن فَرَّ مَعَهُ.
﴿فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا﴾ أيْ: شَدائِدَ مَكْرِهِمُ الَّتِي تَسُوؤُهُ، وما هَمُّوا بِهِ مِن أنْواعِ العَذابِ لِمَن خالَفَهم.
﴿وحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ العَذابِ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو ما حاقَ بِالألْفِ الَّذِينَ بَعَثَهم فِرْعَوْنُ في طَلَبِ المُؤْمِنِ، مِن أكْلِ السِّباعِ، والمَوْتِ بِالعَطَشِ، والقَتْلِ والصَّلْبِ، كَما تَقَدَّمَ.
وقِيلَ: ﴿سُوءُ العَذابِ﴾: هو الغَرَقُ في الدُّنْيا والحَرْقُ في الآخِرَةِ.
(النّارُ) بَدَلٌ مِن ﴿سُوءُ العَذابِ﴾، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما سُوءُ العَذابِ: قِيلَ: النّارُ، أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿يُعْرَضُونَ﴾، ويُقَوِّي هَذا الوَجْهَ قِراءَةُ مَن نَصَبَ، أيْ: تَدْخُلُونَ النّارَ يُعْرَضُونَ عَلَيْها.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُنْصَبَ عَلى الِاخْتِصاصِ.
والظّاهِرُ أنَّ عَرْضَهم عَلى النّارِ مَخْصُوصٌ بِهَذَيْنِ الوَقْتَيْنِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِذِكْرِ الطَّرَفَيْنِ الدَّوامُ في الدُّنْيا، والظّاهِرُ أنَّ العَرْضَ خِلافُ الإحْراقِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَرْضُهم عَلَيْها: إحْراقُهم بِها، يُقالُ: عَرَضَ الإمامُ الأُسارى عَلى السَّيْفِ إذا قَتَلَهم بِهِ. انْتَهى.
والظّاهِرُ أنَّ العَرْضَ هو في الدُّنْيا. ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الهُذَيْلِ بْنِ شُرَحْبِيلَ، وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، والسُّدِّيِّ: أنَّ أرْواحَهم في جَوْفِ طُيُورٍ سُودٍ، تَرُوحُ بِهِمْ وتَغْدُو إلى النّارِ. وقالَ رَجُلٌ لِلْأوْزاعِيِّ: رَأيْتُ طُيُورًا بِيضًا تَغْدُو مِنَ البَحْرِ، ثُمَّ تَرُوحُ بِالعَشِيِّ سُودًا مِثْلُها، فَقالَ الأوْزاعِيُّ: تِلْكَ الَّتِي في حَواصِلِها أرْواحُ آلِ فِرْعَوْنَ، يُحْرَقُ رِياشُها وتَسْوَدُّ بِالعَرْضِ عَلى النّارِ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ وغَيْرُهُ: أرادَ أنَّهم يُعْرَضُونَ في الآخِرَةِ عَلى تَقْدِيرِ ما بَيْنَ الغُدُوِّ والعَشِيِّ، إذْ لا غُدُوَّ ولا عَشِيَّ في الآخِرَةِ، وإنَّما ذَلِكَ عَلى التَّقْدِيرِ بِأيّامِ الدُّنْيا.
وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: تُعْرَضُ أرْواحُ آلِ فِرْعَوْنَ ومَن كانَ مِثْلَهم مِنَ الكُفّارِ عَلى النّارِ بِالغَداةِ والعَشِيِّ، يُقالُ: هَذِهِ دارُكم.
وفِي صَحِيحِ البُخارِيِّ، ومُسْلِمٍ، مِن حَدِيثِ ابْنِ عِمْرانَ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «إنَّ أحَدَكم إذا ماتَ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدَهُ بِالغَداةِ والعَشِيِّ، إنْ كانَ مِن أهْلِ الجَنَّةِ فَمِن أهْلِ الجَنَّةِ، وإنْ كانَ مِن أهْلِ النّارِ فَمِن أهْلِ النّارِ، يُقالُ هَذا مَقْعَدُكَ حَتّى يَبْعَثَكَ اللَّهُ إلَيْهِ يَوْمَ القِيامَةِ» .
واسْتَدَلَّ مُجاهِدٌ ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ وعِكْرِمَةُ ومُقاتِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وعَشِيًّا﴾ أيْ: عِنْدَ مَوْتِهِمْ عَلى عَذابِ القَبْرِ في الدُّنْيا. والظّاهِرُ تَمامُ الجُمْلَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿وعَشِيًّا﴾، وأنَّ يَوْمَ القِيامَةِ مَعْمُولٌ لِمَحْذُوفٍ عَلى إضْمارِ القَوْلِ، أيْ: ويَوْمَ القِيامَةِ يُقالُ لَهم: ادْخُلُوا. وقِيلَ: و(يَوْمَ) مَعْطُوفٌ عَلى ﴿وعَشِيًّا﴾ فالعامِلُ فِيهِ ﴿يُعْرَضُونَ﴾ و﴿أدْخِلُوا﴾ عَلى إضْمارِ الفِعْلِ. وقِيلَ: العامِلُ في (يَوْمَ) ﴿أدْخِلُوا﴾ . وقَرَأ الأعْرَجُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، والأعْمَشُ، وابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ، ونافِعٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ: ﴿أدْخِلُوا﴾، أمْرًا لِلْخَزَنَةِ مِن أدْخَلَ.
وعَلِيٌّ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، وابْنُ كَثِيرٍ، والعَرَبِيّانِ، وأبُو بَكْرٍ: أمْرًا مِن دَخَلَ ﴿آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذابِ﴾ . قِيلَ: وهو الهاوِيَةُ. قالَ الأوْزاعِيُّ: بَلَغَنا أنَّهم ألْفا ألْفٍ وسِتُّمِائَةِ ألْفٍ.
﴿وإذْ يَتَحاجُّونَ في النّارِ﴾: الظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ عَلى فِرْعَوْنَ. وقالَ (p-٤٦٩)ابْنُ عَطِيَّةَ: والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿يَتَحاجُّونَ﴾ لِجَمِيعِ كَفّارِ الأُمَمِ، وهَذا ابْتِداءُ قَصَصٍ لا يَخْتَصُّ بِآلِ فِرْعَوْنَ، والعامِلُ في (إذْ) فِعْلٌ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ واذْكُرُوا.
وقالَ الطَّبَرِيُّ: وإذْ هَذِهِ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿إذِ القُلُوبُ لَدى الحَناجِرِ﴾ [غافر: ١٨]، وهَذا بَعِيدٌ. انْتَهى.
والمُحاجَّةُ: التَّحاوُرُ بِالحُجَّةِ والخُصُومَةِ. والضُّعَفاءُ أيْ: في القَدَرِ والمَنزِلَةِ في الدُّنْيا. والَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا أيْ: عَنِ الإيمانِ واتِّباعِ الرُّسُلِ.
﴿إنّا كُنّا لَكم تَبَعًا﴾ أيْ: ذَوِي تَبَعٍ، فَتَبَعٌ مَصْدَرٌ أوِ اسْمُ جَمْعٍ لِتابِعٍ، كَآيِمٍ وأيَمٍ، وخادِمِ وخَدَمٍ، وغائِبٍ وغَيَبٍ.
﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا﴾ أيْ: حامِلُونَ عَنّا ؟ فَأجابُوهم: ﴿إنّا كُلٌّ فِيها﴾، وأنَّ حُكْمَ اللَّهِ قَدْ نَفَذَ فِينا وفِيكم، إنّا مُسْتَمِرُّونَ في النّارِ.
وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْقَعِ، وعِيسى بْنُ عِمْرانَ: (كُلًّا) بِنَصْبِ (كُلٌّ) . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وابْنُ عَطِيَّةَ: عَلى التَّوْكِيدِ لِاسْمِ إنَّ، وهو مَعْرِفَةٌ، والتَّنْوِينُ عِوَضٌ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ، يُرِيدُ: إنّا كُلُّنا فِيها. انْتَهى.
وخَبَرُ إنَّ هو فِيها، ومَن رَفَعَ (كُلًّا) فَعَلى الِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ فِيها، والجُمْلَةُ خَبَرُ إنَّ. وقالَ ابْنُ مالِكٍ في تَصْنِيفِهِ (تَسْهِيلِ الفَوائِدِ): وقَدْ تَكَلَّمَ عَلى (كُلٌّ) ولا يُسْتَغْنى بِنِيَّةِ إضافَتِهِ، خِلافًا لِلْفَرّاءِ والزَّمَخْشَرِيِّ. انْتَهى، وهَذا المَذْهَبُ مَنقُولٌ عَنِ الكُوفِيِّينَ، وقَدْ رَدَّ ابْنُ مالِكٍ عَلى هَذا المَذْهَبِ بِما قَرَّرَهُ في شَرْحِهِ (التَّسْهِيلِ) .
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): هَلْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ (كُلًّا) حالًا قَدْ عَمِلَ (فِيها) فِيها ؟ (قُلْتُ): لا؛ لِأنَّ الظَّرْفَ لا يَعْمَلُ، والحالُ مُتَقَدِّمَةٌ، كَما يَعْمَلُ في الظَّرْفِ مُتَقَدِّمًا، تَقُولُ: كُلُّ يَوْمٍ لَكَ ثَوْبٌ، ولا تَقُولُ: قائِمًا في الدّارِ زَيْدٌ. انْتَهى.
وهَذا الَّذِي مَنَعَهُ أجازَهُ الأخْفَشُ إذا تَوَسَّطَتِ الحالُ، نَحْوُ: زَيْدٌ قائِمًا في الدّارِ، وزَيْدٌ قائِمًا عِنْدَكَ، والتَّمْثِيلُ الَّذِي ذَكَرَهُ لَيْسَ مُطابِقًا في الآيَةِ؛ لِأنَّ الآيَةَ تَقَدَّمَ فِيها المُسْنَدُ إلَيْهِ الحُكْمُ، وهو اسْمُ إنَّ، وتَوَسَّطَتِ الحالُ إذا قُلْنا إنَّها حالٌ، وتَأخَّرَ العامِلُ فِيها، وأمّا تَمْثِيلُهُ بِقَوْلِهِ: ولا تَقُولُ: قائِمًا في الدّارِ زَيْدٌ، تَأخَّرَ فِيهِ المُسْنَدُ والمُسْنَدُ إلَيْهِ، وقَدْ ذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ المَنعَ في ذَلِكَ إجْماعٌ مِنَ النُّحاةِ.
وقالَ ابْنُ مالِكٍ: والقَوْلُ المَرْضِيُّ عِنْدِي أنَّ كُلًّا في القِراءَةِ المَذْكُورَةِ مَنصُوبٌ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ المَرْفُوعَ المَنَوِيَّ في (فِيها) وفِيها هو العامِلُ، وقَدْ تَقَدَّمَتِ الحالُ عَلَيْهِ مَعَ عَدَمِ تَصَرُّفِهِ، كَما قُدِّمَتْ في قِراءَةِ مَن قَرَأ: ﴿والسَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] . وفي قَوْلِ النّابِغَةِ الذُّبْيانِيِّ:
؎رَهْطُ ابْنِ كُوزٍ مُحْقِبِي أدْراعَهم فِيهِمْ ورَهْطُ رَبِيعَةَ بْنِ حَذارِ
وقالَ بَعْضُ الطّائِيِّينَ:
؎دَعا فَأجَبْنا وهو بادَّيَّ ذِلَّةً ∗∗∗ لَدَيْكم فَكانَ النَّصْرُ غَيْرَ قَرِيبِ
انْتَهى. وهَذا التَّخْرِيجُ هو عَلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ، كَما ذَكَرْناهُ، والَّذِي أخْتارُهُ في تَخْرِيجِ هَذِهِ القِراءَةِ أنَّ (كُلًّا) بَدَلٌ مِنِ اسْمِ إنَّ؛ لِأنَّ (كُلًّا) يَتَصَرَّفُ فِيهِما بِالِابْتِداءِ ونَواسِخِهِ وغَيْرِ ذَلِكَ، فَكَأنَّهُ قالَ: إنَّ كُلًّا بَدَلٌ مِنِ اسْمِ إنَّ؛ لِأنَّ كُلًّا فِيها، وإذا كانُوا قَدْ تَأوَّلُوا حَوْلًا أكْتَعًا ويَوْمًا أجْمَعًا عَلى البَدَلِ، مَعَ أنَّهُما لا يَلِيانِ العَوامِلَ، فَإنْ يُدَّعى في (كُلٌّ) البَدَلُ أوْلى، وأيْضًا فَتَنْكِيرُ (كُلٌّ) ونَصْبُهُ حالًا في غايَةِ الشُّذُوذِ، والمَشْهُورُ (p-٤٧٠)أنَّ كُلًّا مَعْرِفَةٌ إذا قُطِعَتْ عَنِ الإضافَةِ. حُكِيَ: مَرَرْتُ بِكُلٍّ قائِمًا، وبِبَعْضٍ جالِسًا في الفَصِيحِ الكَثِيرِ في كَلامِهِمْ، وقَدْ شَذَّ نَصْبُ كُلٍّ عَلى الحالِ في قَوْلِهِمْ: مَرَرْتُ بِهِمْ كُلًّا، أيْ: جَمِيعًا.
(فَإنْ قُلْتَ): كَيْفَ يَجْعَلُهُ بَدَلًا، وهو بَدَلُ كُلٍّ مِن كُلٍّ مِن ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ، وهو لا يَجُوزُ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ ؟ .
(قُلْتُ): مَذْهَبُ الأخْفَشِ والكُوفِيِّينَ جَوازُهُ، وهو الصَّحِيحُ، عَلى أنَّ هَذا لَيْسَ مِمّا وقَعَ فِيهِ الخِلافُ، بَلْ إذا كانَ البَدَلُ يُفِيدُ الإحاطَةَ، جازَ أنْ يُبْدَلَ مِن ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ وضَمِيرِ المُخاطَبِ، لا نَعْلَمُ خِلافًا في ذَلِكَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَكُونُ لَنا عِيدًا لِأوَّلِنا وآخِرِنا﴾ [المائدة: ١١٤]، وكَقَوْلِكِ: مَرَرْتُ بِكم صَغِيرِكم وكَبِيرِكم، مَعْناهُ: مَرَرْتُ بِكم كُلِّكم، وتَكُونُ لَنا عِيدًا كُلِّنا. فَإذا جازَ ذَلِكَ فِيما هو بِمَعْنى الإحاطَةِ، فَجَوازُهُ فِيما دَلَّ عَلى الإحاطَةِ، وهو (كُلٌّ) أوْلى، ولا التِفاتَ لِمَنعِ المُبَرِّدِ البَدَلَ فِيهِ؛ لِأنَّهُ بَدَلٌ مِن ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَتَحَقَّقْ مَناطُ الخِلافِ.
ولَمّا أجابَ الضُّعَفاءُ المُسْتَكْبِرُونَ قالُوا جَمِيعًا: ﴿لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ﴾، وأبْرَزَ ما أُضِيفَ إلَيْهِ الخَزَنَةُ، ولَمْ يَأْتِ ضَمِيرًا، فَكانَ يَكُونُ التَّرْكِيبُ لِخَزَنَتِها، لِما في ذِكْرِ جَهَنَّمَ مِنَ التَّهْوِيلِ، وفِيها أطْغى الكُفّارِ وأعْتاهم. ولَعَلَّ الكُفّارَ تَوَهَّمُوا أنَّ مَلائِكَةَ جَهَنَّمَ المُوَكَّلِينَ بِعَذابِ تِلْكَ الطُّغاةِ هم أقْرَبُ مَنزِلَةً عِنْدَ اللَّهِ مِن غَيْرِهِمْ مِنَ المَلائِكَةِ المُوَكَّلِينَ بِبَقِيَّةِ دَرَكاتِ النّارِ، فَرَجَوْا أنْ يُجِيبُوهم ويَدْعُوا لَهم بِالتَّخْفِيفِ، فَراجَعَتْهُمُ الخَزَنَةُ عَلى سَبِيلِ التَّوْبِيخِ لَهم والتَّقْرِيرِ: ﴿أوْلَمَ تَكُ تَأْتِيكم رُسُلُكم بِالبَيِّناتِ﴾، فَأجابُوا بِأنَّهم أتَتْهم، ﴿قالُوا﴾ أيِ: الخَزَنَةُ، ﴿فادْعُوا﴾ أنْتُمْ عَلى مَعْنى الهُزْءِ بِهِمْ، أوْ فادْعُوا أنْتُمْ، فَإنّا لا نَجْتَرِئُ عَلى ذَلِكَ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما دُعاءُ الكافِرِينَ إلّا في ضَلالٍ﴾ مِن كَلامِ الخَزَنَةِ أيْ: دُعاؤُكم لا يَنْفَعُ ولا يُجْدِي. وقِيلَ: هو مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى إخْبارًا مِنهُ لِمُحَمَّدٍ ﷺ .
وجاءَتْ هَذِهِ الأخْبارُ مُعَبَّرًا عَنْها بِلَفْظِ الماضِي الواقِعِ لِتَيَقُّنِ وُقُوعِها.
ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى أنَّهُ يَنْصُرُ رُسُلَهُ ويُظْفِرُهم بِأعْدائِهِمْ، كَما فَعَلَ بِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - حَيْثُ أهْلَكَ عَدُوَّهُ فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ، وفِيهِ تَبْشِيرٌ لِلرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِنَصْرِهِ عَلى قَوْمِهِ، (في الحَياةِ الدُّنْيا)، العاقِبَةُ الحَسَنَةُ لَهم، ﴿ويَوْمَ يَقُومُ الأشْهادُ﴾: وهو يَوْمُ القِيامَةِ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَنْصُرُهم بِالغَلَبَةِ، وفي الآخِرَةِ بِالعَذابِ. وقالَ السُّدِّيُّ: بِالِانْتِقامِ مِن أعْدائِهِمْ. وقالَ أبُو العالِيَةِ: بِإفْلاحِ حُجَّتِهِمْ. وقالَ السُّدِّيُّ أيْضًا: ما قَتَلَ قَوْمٌ قَطُّ نَبِيًّا أوْ قَوْمًا مِن دُعاةِ الحَقِّ إلّا بَعَثَ اللَّهُ مَن يَنْتَقِمُ لَهم، فَصارُوا مَنصُورِينَ فِيها وإنْ قُتِلُوا. انْتَهى.
ألا تَرى إلى قَتَلَةِ الحُسَيْنِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كَيْفَ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ المُخْتارَ بْنَ عُبَيْدٍ يَتْبَعُهم واحِدًا واحِدًا حَتّى قَتَلَهم ؟ وبُخْتُنَصَّرُ تَتَبَعَ اليَهُودَ حِينَ قَتَلُوا يَحْيى بْنَ زَكَرِيّا، عَلَيْهِما السَّلامُ ؟ وقِيلَ: والنَّصْرُ خاصٌّ بِمَن أظْهَرَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى أُمَّتِهِ، كَنُوحٍ ومُوسى ومُحَمَّدٍ عَلَيْهِمُ السَّلامُ؛ لِأنّا نَجِدُ مِنَ الأنْبِياءِ مَن قَتَلَهُ قَوْمُهُ، كَيَحْيى، ومَن لَمْ يُنْصَرْ عَلَيْهِمْ. وقالَ السُّدِّيُّ: الخَبَرُ عامٌّ، وذَلِكَ أنَّ نُصْرَةَ الرُّسُلِ والأنْبِياءِ واقِعَةٌ ولا بُدَّ إمّا في حَياةِ الرَّسُولِ المَنصُورِ، كَنُوحٍ ومُوسى - عَلَيْهِما السَّلامُ - وإمّا بَعْدَ مَوْتِهِ. ألا تَرى إلى ما صَنَعَ اللَّهُ تَعالى بِبَنِي إسْرائِيلَ بَعْدَ قَتْلِهِمْ يَحْيى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن تَسْلِيطِ بُخْتُنَصَّرَ حَتّى انْتَصَرَ لِيَحْيى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ؟ وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يَقُومُ) بِالياءِ؛ وابْنُ هُرْمُزَ، وإسْماعِيلُ، والمِنقَرِيُّ عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِتاءِ التَّأْنِيثِ. الجَماعَةُ. والأشْهادُ، جَمْعُ شَهِيدٍ، كَشَرِيفٍ وأشْرافٍ، أوْ جَمْعُ شاهِدٍ، كَصاحِبٍ وأصْحابٍ، كَما قالَ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ [النساء: ٤١] . وقالَ: ﴿لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ ويَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكم شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣]، والظّاهِرُ أنَّهُ مِنَ الشَّهادَةِ. وقِيلَ: مِنَ المُشاهَدَةِ، بِمَعْنى الحُضُورِ.
﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ﴾: بَدَلٌ مِن (يَوْمَ) (يَقُومُ) . وقُرِئَ: (تَنْفَعُ) بِالتّاءِ وبِالياءِ، وتَقَدَّمَ ذِكْرُ الخِلافِ في ذَلِكَ في آخِرِ الرُّومِ، ويُحْتَمَلُ أنَّهم يَعْتَذِرُونَ ولا تُقْبَلُ مَعْذِرَتُهم، أوْ أنَّهم لا مَعْذِرَةَ لَهم فَتُقْبَلُ.
﴿ولَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ والإبْعادُ مِنَ اللَّهِ.
﴿ولَهم سُوءُ الدّارِ﴾: سُوءُ عاقِبَةِ الدّارِ.
غافر 40:47
(p-٤٦٧)﴿ويا قَوْمِ ما لِي أدْعُوكم إلى النَّجاةِ وتَدْعُونَنِي إلى النّارِ﴾ ﴿تَدْعُونَنِي لِأكْفُرَ بِاللَّهِ وأُشْرِكَ بِهِ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وأنا أدْعُوكم إلى العَزِيزِ الغَفّارِ﴾ ﴿لا جَرَمَ أنَّما تَدْعُونَنِي إلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ وأنَّ مَرَدَّنا إلى اللَّهِ وأنَّ المُسْرِفِينَ هم أصْحابُ النّارِ﴾ ﴿فَسَتَذْكُرُونَ ما أقُولُ لَكم وأُفَوِّضُ أمْرِي إلى اللَّهِ إنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالعِبادِ﴾ ﴿فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا وحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ العَذابِ﴾ ﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وعَشِيًّا ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ أدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذابِ﴾ ﴿وإذْ يَتَحاجُّونَ في النّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إنّا كُنّا لَكم تَبَعًا فَهَلْ أنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا نَصِيبًا مِنَ النّارِ﴾ ﴿قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إنّا كُلٌّ فِيها إنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ العِبادِ﴾ ﴿وقالَ الَّذِينَ في النّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكم يُخَفِّفْ عَنّا يَوْمًا مِنَ العَذابِ﴾ ﴿قالُوا أوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكم رُسُلُكم بِالبَيِّناتِ قالُوا بَلى قالُوا فادْعُوا وما دُعاءُ الكافِرِينَ إلّا في ضَلالٍ﴾ ﴿إنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا والَّذِينَ آمَنُوا في الحَياةِ الدُّنْيا ويَوْمَ يَقُومُ الأشْهادُ﴾ ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظّالِمِينَ مَعْذِرَتُهم ولَهُمُ اللَّعْنَةُ ولَهم سُوءُ الدّارِ﴾
بَدَأ المُؤْمِنُ بِذِكْرِ المُتَسَبَّبِ عَنْ دَعْوَتِهِمْ، وأبْدى التَّفاضُلَ بَيْنَهُما. ولَمّا ذَكَرَ المُسَبِّبَيْنِ، ذَكَرَ سَبَبَهُما، وهو دُعاؤُهم إلى الكُفْرِ والشِّرْكِ، ودُعاؤُهُ إيّاهم إلى الإيمانِ والتَّوْحِيدِ.
وأتى بِصِيغَةِ العَزِيزِ، وهو الَّذِي لا نَظِيرَ لَهُ، والغالِبُ الَّذِي العالَمُ كُلُّهم في قَبْضَتِهِ يَتَصَرَّفُ فِيهِمْ كَما يَشاءُ، الغَفّارُ لِذُنُوبِ مَن رَجَعَ إلَيْهِ وآمَنُ بِهِ، وأوْصَلَ سَبَبَ دُعائِهِمْ بِمُسَبِّبِهِ، وهو الكُفْرُ والنّارُ، وأخَّرَ سَبَبَ مُسَبِّبِهِ لِيَكُونَ افْتِتاحَ كَلامِهِ واخْتِتامِهِ بِما يَدْعُو إلى الخَيْرِ.
وبَدَأ أوَّلًا بِجُمْلَةٍ اسْمِيَّةٍ، وهو الاسْتِفْهامُ المُتَضَمِّنُ التَّعَجُّبَ مِن حالَتِهِمْ، وخَتَمَ أيْضًا بِجُمْلَةٍ اسْمِيَّةٍ لِيَكُونَ أبْلَغَ في تَوْكِيدِ الأخْبارِ. وجاءَ في حَقِّهِمْ ﴿وتَدْعُونَنِي﴾ بِالجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ الَّتِي لا تَقْتَضِي تَوْكِيدًا، إذْ دَعَوْتُهم باطِلَةٌ لا ثُبُوتَ لَها، فَتُؤَكَّدُ. و﴿ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾ هي الأوْثانُ، أيْ: لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ عِلْمِي، إذْ لَيْسَ لَها مَدْخَلٌ في الأُلُوهِيَّةِ ولا لِفِرْعَوْنَ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): لِمَ جاءَ بِالواوِ في النِّداءِ الثّالِثِ دُونَ الثّانِي ؟ .
(قُلْتُ): لِأنَّ الثّانِيَ داخِلٌ في كَلامٍ هو بَيانٌ لِلْمُجْمَلِ وتَفْسِيرٌ لَهُ، فَأعْطى الدّاخِلَ عَلَيْهِ حُكْمَهُ في امْتِناعِ دُخُولِ الواوِ، وأمّا الثّالِثُ فَداخِلٌ عَلى كَلامٍ لَيْسَ بِتِلْكَ المَثابَةِ. انْتَهى.
وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى لا جَرَمَ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ هُنا، ورُوِيَ عَنِ العَرَبِ: لا جُرْمَ أنَّهُ يَفْعَلُ بِضَمِّ الجِيمِ وسُكُونِ الرّاءِ، يُرِيدُ لا بُدَّ، وفَعَلٌ وفُعْلٌ أخَوانِ، كَرَشَدٍ ورُشْدٍ، وعَدَمٍ وعُدْمٍ.
(أنَّما) أيْ: أنَّ الَّذِي ﴿تَدْعُونَنِي إلَيْهِ﴾ أيْ: إلى عِبادَتِهِ، ﴿لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ﴾، أيْ: قَدْرٌ وحَقٌّ يَجِبُ أنْ يُدْعى إلَيْهِ، أوْ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ إلى نَفْسِهِ؛ لِأنَّ الجَمادَ لا يَدْعُو، والمَعْبُودُ بِالحَقِّ يَدْعُو العِبادَ إلى طاعَتِهِ، ثُمَّ يَدْعُو العِبادَ إلَيْها إظْهارًا لِدَعْوَةِ رَبِّهِمْ.
وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى لَيْسَ لَهُ اسْتِجابَةُ دَعْوَةٍ تُوجِبُ الأُلُوهِيَّةَ في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ، أوْ دَعْوَةٌ مُسْتَجابَةٌ، جُعِلَتِ الدَّعْوَةُ الَّتِي لا اسْتِجابَةَ لَها ولا مَنفَعَةَ كَلا دَعْوَةٍ، أوْ سُمِّيَتِ الِاسْتِجابَةُ بِاسْمِ الدَّعْوَةِ، كَما سُمِّيَ الفِعْلُ المُجازى عَلَيْهِ بِاسْمِ الجَزاءِ في قَوْلِهِ: (كَما تَدِينُ تُدانُ) .
وقالَ الكَلْبِيُّ: لَيْسَتْ لَهُ شَفاعَةٌ في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ، وكانَ فِرْعَوْنُ أوَّلًا يَدْعُو النّاسَ إلى عِبادَةِ الأصْنامِ، ثُمَّ دَعاهم إلى عِبادَةِ البَقَرِ، وكانَتْ تُعْبَدُ ما دامَتْ شابَّةً، فَإذا هَزُلَتْ أمَرَ بِذَبْحِها ودَعا بِأُخْرى لِتُعْبَدَ. فَلَمّا طالَ عَلَيْهِ الزَّمانُ قالَ: ﴿أنا رَبُّكُمُ الأعْلى﴾ [النازعات: ٢٤] .
ولَمّا ذَكَرَ انْتِفاءَ دَعْوَةِ ما عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ وذَكَرَ أنَّ مَرَدَّ الجَمِيعِ إلى اللَّهِ، أيْ: إلى جَزائِهِ، ﴿وأنَّ المُسْرِفِينَ﴾: وهُمُ المُشْرِكُونَ (p-٤٦٨)فِي قَوْلِ قَتادَةَ، والسَّفّاكُونَ لِلدِّماءِ بِغَيْرِ حِلِّها في قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ، ومُجاهِدٍ. وقِيلَ: مَن غَلَبَ شَرُّهُ خَيْرَهُ هو المُسْرِفُ. وقالَ عِكْرِمَةُ: هُمُ الجَبّارُونَ المُتَكَبِّرُونَ.
وخَتَمَ المُؤْمِنُ كَلامَهُ بِخاتِمَةٍ لَطِيفَةٍ تُوجِبُ التَّخْوِيفَ والتَّهْدِيدَ وهي قَوْلُهُ: ﴿فَسَتَذْكُرُونَ ما أقُولُ لَكُمْ﴾ أيْ: إذا حَلَّ بِكم عِقابُ اللَّهِ.
﴿وأُفَوِّضُ أمْرِي﴾ إلى قَضاءِ اللَّهِ وقَدَرِهِ، لا إلَيْكم ولا إلى أصْنامِكم، وكانُوا قَدْ تَوَعَّدُوهُ.
ثُمَّ ذَكَرَ ما يُوجِبُ التَّفْوِيضَ، وهو كَوْنُهُ تَعالى بَصِيرًا بِأحْوالِ العِبادِ وبِمَقادِيرِ حاجاتِهِمْ.
قالَ مُقاتِلٌ: لَمّا قالَ هَذِهِ الكَلِماتِ، قَصَدُوا قَتْلَهُ؛ فَهَرَبَ هَذا المُؤْمِنُ إلى الجَبَلِ، فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ.
وقِيلَ: لَمّا أظْهَرَ إيمانَهُ، بَعَثَ فِرْعَوْنُ في طَلَبِهِ ألْفَ رَجُلٍ؛ فَمِنهم مَن أدْرَكَهُ، فَذَبَّ السِّباعُ عَنْهُ وأكَلَتْهُمُ السِّباعُ، ومِنهم مَن ماتَ في الجِبالِ عَطَشًا، ومِنهم مَن رَجَعَ إلى فِرْعَوْنَ خائِبًا، فاتَّهَمَهُ وقَتَلَهُ وصَلَبَهُ. وقِيلَ: نَجا مَعَ مُوسى في البَحْرِ، وفَرَّ في جُمْلَةِ مَن فَرَّ مَعَهُ.
﴿فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا﴾ أيْ: شَدائِدَ مَكْرِهِمُ الَّتِي تَسُوؤُهُ، وما هَمُّوا بِهِ مِن أنْواعِ العَذابِ لِمَن خالَفَهم.
﴿وحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ العَذابِ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو ما حاقَ بِالألْفِ الَّذِينَ بَعَثَهم فِرْعَوْنُ في طَلَبِ المُؤْمِنِ، مِن أكْلِ السِّباعِ، والمَوْتِ بِالعَطَشِ، والقَتْلِ والصَّلْبِ، كَما تَقَدَّمَ.
وقِيلَ: ﴿سُوءُ العَذابِ﴾: هو الغَرَقُ في الدُّنْيا والحَرْقُ في الآخِرَةِ.
(النّارُ) بَدَلٌ مِن ﴿سُوءُ العَذابِ﴾، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما سُوءُ العَذابِ: قِيلَ: النّارُ، أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿يُعْرَضُونَ﴾، ويُقَوِّي هَذا الوَجْهَ قِراءَةُ مَن نَصَبَ، أيْ: تَدْخُلُونَ النّارَ يُعْرَضُونَ عَلَيْها.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُنْصَبَ عَلى الِاخْتِصاصِ.
والظّاهِرُ أنَّ عَرْضَهم عَلى النّارِ مَخْصُوصٌ بِهَذَيْنِ الوَقْتَيْنِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِذِكْرِ الطَّرَفَيْنِ الدَّوامُ في الدُّنْيا، والظّاهِرُ أنَّ العَرْضَ خِلافُ الإحْراقِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَرْضُهم عَلَيْها: إحْراقُهم بِها، يُقالُ: عَرَضَ الإمامُ الأُسارى عَلى السَّيْفِ إذا قَتَلَهم بِهِ. انْتَهى.
والظّاهِرُ أنَّ العَرْضَ هو في الدُّنْيا. ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الهُذَيْلِ بْنِ شُرَحْبِيلَ، وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، والسُّدِّيِّ: أنَّ أرْواحَهم في جَوْفِ طُيُورٍ سُودٍ، تَرُوحُ بِهِمْ وتَغْدُو إلى النّارِ. وقالَ رَجُلٌ لِلْأوْزاعِيِّ: رَأيْتُ طُيُورًا بِيضًا تَغْدُو مِنَ البَحْرِ، ثُمَّ تَرُوحُ بِالعَشِيِّ سُودًا مِثْلُها، فَقالَ الأوْزاعِيُّ: تِلْكَ الَّتِي في حَواصِلِها أرْواحُ آلِ فِرْعَوْنَ، يُحْرَقُ رِياشُها وتَسْوَدُّ بِالعَرْضِ عَلى النّارِ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ وغَيْرُهُ: أرادَ أنَّهم يُعْرَضُونَ في الآخِرَةِ عَلى تَقْدِيرِ ما بَيْنَ الغُدُوِّ والعَشِيِّ، إذْ لا غُدُوَّ ولا عَشِيَّ في الآخِرَةِ، وإنَّما ذَلِكَ عَلى التَّقْدِيرِ بِأيّامِ الدُّنْيا.
وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: تُعْرَضُ أرْواحُ آلِ فِرْعَوْنَ ومَن كانَ مِثْلَهم مِنَ الكُفّارِ عَلى النّارِ بِالغَداةِ والعَشِيِّ، يُقالُ: هَذِهِ دارُكم.
وفِي صَحِيحِ البُخارِيِّ، ومُسْلِمٍ، مِن حَدِيثِ ابْنِ عِمْرانَ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «إنَّ أحَدَكم إذا ماتَ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدَهُ بِالغَداةِ والعَشِيِّ، إنْ كانَ مِن أهْلِ الجَنَّةِ فَمِن أهْلِ الجَنَّةِ، وإنْ كانَ مِن أهْلِ النّارِ فَمِن أهْلِ النّارِ، يُقالُ هَذا مَقْعَدُكَ حَتّى يَبْعَثَكَ اللَّهُ إلَيْهِ يَوْمَ القِيامَةِ» .
واسْتَدَلَّ مُجاهِدٌ ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ وعِكْرِمَةُ ومُقاتِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وعَشِيًّا﴾ أيْ: عِنْدَ مَوْتِهِمْ عَلى عَذابِ القَبْرِ في الدُّنْيا. والظّاهِرُ تَمامُ الجُمْلَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿وعَشِيًّا﴾، وأنَّ يَوْمَ القِيامَةِ مَعْمُولٌ لِمَحْذُوفٍ عَلى إضْمارِ القَوْلِ، أيْ: ويَوْمَ القِيامَةِ يُقالُ لَهم: ادْخُلُوا. وقِيلَ: و(يَوْمَ) مَعْطُوفٌ عَلى ﴿وعَشِيًّا﴾ فالعامِلُ فِيهِ ﴿يُعْرَضُونَ﴾ و﴿أدْخِلُوا﴾ عَلى إضْمارِ الفِعْلِ. وقِيلَ: العامِلُ في (يَوْمَ) ﴿أدْخِلُوا﴾ . وقَرَأ الأعْرَجُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، والأعْمَشُ، وابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ، ونافِعٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ: ﴿أدْخِلُوا﴾، أمْرًا لِلْخَزَنَةِ مِن أدْخَلَ.
وعَلِيٌّ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، وابْنُ كَثِيرٍ، والعَرَبِيّانِ، وأبُو بَكْرٍ: أمْرًا مِن دَخَلَ ﴿آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذابِ﴾ . قِيلَ: وهو الهاوِيَةُ. قالَ الأوْزاعِيُّ: بَلَغَنا أنَّهم ألْفا ألْفٍ وسِتُّمِائَةِ ألْفٍ.
﴿وإذْ يَتَحاجُّونَ في النّارِ﴾: الظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ عَلى فِرْعَوْنَ. وقالَ (p-٤٦٩)ابْنُ عَطِيَّةَ: والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿يَتَحاجُّونَ﴾ لِجَمِيعِ كَفّارِ الأُمَمِ، وهَذا ابْتِداءُ قَصَصٍ لا يَخْتَصُّ بِآلِ فِرْعَوْنَ، والعامِلُ في (إذْ) فِعْلٌ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ واذْكُرُوا.
وقالَ الطَّبَرِيُّ: وإذْ هَذِهِ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿إذِ القُلُوبُ لَدى الحَناجِرِ﴾ [غافر: ١٨]، وهَذا بَعِيدٌ. انْتَهى.
والمُحاجَّةُ: التَّحاوُرُ بِالحُجَّةِ والخُصُومَةِ. والضُّعَفاءُ أيْ: في القَدَرِ والمَنزِلَةِ في الدُّنْيا. والَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا أيْ: عَنِ الإيمانِ واتِّباعِ الرُّسُلِ.
﴿إنّا كُنّا لَكم تَبَعًا﴾ أيْ: ذَوِي تَبَعٍ، فَتَبَعٌ مَصْدَرٌ أوِ اسْمُ جَمْعٍ لِتابِعٍ، كَآيِمٍ وأيَمٍ، وخادِمِ وخَدَمٍ، وغائِبٍ وغَيَبٍ.
﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا﴾ أيْ: حامِلُونَ عَنّا ؟ فَأجابُوهم: ﴿إنّا كُلٌّ فِيها﴾، وأنَّ حُكْمَ اللَّهِ قَدْ نَفَذَ فِينا وفِيكم، إنّا مُسْتَمِرُّونَ في النّارِ.
وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْقَعِ، وعِيسى بْنُ عِمْرانَ: (كُلًّا) بِنَصْبِ (كُلٌّ) . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وابْنُ عَطِيَّةَ: عَلى التَّوْكِيدِ لِاسْمِ إنَّ، وهو مَعْرِفَةٌ، والتَّنْوِينُ عِوَضٌ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ، يُرِيدُ: إنّا كُلُّنا فِيها. انْتَهى.
وخَبَرُ إنَّ هو فِيها، ومَن رَفَعَ (كُلًّا) فَعَلى الِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ فِيها، والجُمْلَةُ خَبَرُ إنَّ. وقالَ ابْنُ مالِكٍ في تَصْنِيفِهِ (تَسْهِيلِ الفَوائِدِ): وقَدْ تَكَلَّمَ عَلى (كُلٌّ) ولا يُسْتَغْنى بِنِيَّةِ إضافَتِهِ، خِلافًا لِلْفَرّاءِ والزَّمَخْشَرِيِّ. انْتَهى، وهَذا المَذْهَبُ مَنقُولٌ عَنِ الكُوفِيِّينَ، وقَدْ رَدَّ ابْنُ مالِكٍ عَلى هَذا المَذْهَبِ بِما قَرَّرَهُ في شَرْحِهِ (التَّسْهِيلِ) .
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): هَلْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ (كُلًّا) حالًا قَدْ عَمِلَ (فِيها) فِيها ؟ (قُلْتُ): لا؛ لِأنَّ الظَّرْفَ لا يَعْمَلُ، والحالُ مُتَقَدِّمَةٌ، كَما يَعْمَلُ في الظَّرْفِ مُتَقَدِّمًا، تَقُولُ: كُلُّ يَوْمٍ لَكَ ثَوْبٌ، ولا تَقُولُ: قائِمًا في الدّارِ زَيْدٌ. انْتَهى.
وهَذا الَّذِي مَنَعَهُ أجازَهُ الأخْفَشُ إذا تَوَسَّطَتِ الحالُ، نَحْوُ: زَيْدٌ قائِمًا في الدّارِ، وزَيْدٌ قائِمًا عِنْدَكَ، والتَّمْثِيلُ الَّذِي ذَكَرَهُ لَيْسَ مُطابِقًا في الآيَةِ؛ لِأنَّ الآيَةَ تَقَدَّمَ فِيها المُسْنَدُ إلَيْهِ الحُكْمُ، وهو اسْمُ إنَّ، وتَوَسَّطَتِ الحالُ إذا قُلْنا إنَّها حالٌ، وتَأخَّرَ العامِلُ فِيها، وأمّا تَمْثِيلُهُ بِقَوْلِهِ: ولا تَقُولُ: قائِمًا في الدّارِ زَيْدٌ، تَأخَّرَ فِيهِ المُسْنَدُ والمُسْنَدُ إلَيْهِ، وقَدْ ذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ المَنعَ في ذَلِكَ إجْماعٌ مِنَ النُّحاةِ.
وقالَ ابْنُ مالِكٍ: والقَوْلُ المَرْضِيُّ عِنْدِي أنَّ كُلًّا في القِراءَةِ المَذْكُورَةِ مَنصُوبٌ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ المَرْفُوعَ المَنَوِيَّ في (فِيها) وفِيها هو العامِلُ، وقَدْ تَقَدَّمَتِ الحالُ عَلَيْهِ مَعَ عَدَمِ تَصَرُّفِهِ، كَما قُدِّمَتْ في قِراءَةِ مَن قَرَأ: ﴿والسَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] . وفي قَوْلِ النّابِغَةِ الذُّبْيانِيِّ:
؎رَهْطُ ابْنِ كُوزٍ مُحْقِبِي أدْراعَهم فِيهِمْ ورَهْطُ رَبِيعَةَ بْنِ حَذارِ
وقالَ بَعْضُ الطّائِيِّينَ:
؎دَعا فَأجَبْنا وهو بادَّيَّ ذِلَّةً ∗∗∗ لَدَيْكم فَكانَ النَّصْرُ غَيْرَ قَرِيبِ
انْتَهى. وهَذا التَّخْرِيجُ هو عَلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ، كَما ذَكَرْناهُ، والَّذِي أخْتارُهُ في تَخْرِيجِ هَذِهِ القِراءَةِ أنَّ (كُلًّا) بَدَلٌ مِنِ اسْمِ إنَّ؛ لِأنَّ (كُلًّا) يَتَصَرَّفُ فِيهِما بِالِابْتِداءِ ونَواسِخِهِ وغَيْرِ ذَلِكَ، فَكَأنَّهُ قالَ: إنَّ كُلًّا بَدَلٌ مِنِ اسْمِ إنَّ؛ لِأنَّ كُلًّا فِيها، وإذا كانُوا قَدْ تَأوَّلُوا حَوْلًا أكْتَعًا ويَوْمًا أجْمَعًا عَلى البَدَلِ، مَعَ أنَّهُما لا يَلِيانِ العَوامِلَ، فَإنْ يُدَّعى في (كُلٌّ) البَدَلُ أوْلى، وأيْضًا فَتَنْكِيرُ (كُلٌّ) ونَصْبُهُ حالًا في غايَةِ الشُّذُوذِ، والمَشْهُورُ (p-٤٧٠)أنَّ كُلًّا مَعْرِفَةٌ إذا قُطِعَتْ عَنِ الإضافَةِ. حُكِيَ: مَرَرْتُ بِكُلٍّ قائِمًا، وبِبَعْضٍ جالِسًا في الفَصِيحِ الكَثِيرِ في كَلامِهِمْ، وقَدْ شَذَّ نَصْبُ كُلٍّ عَلى الحالِ في قَوْلِهِمْ: مَرَرْتُ بِهِمْ كُلًّا، أيْ: جَمِيعًا.
(فَإنْ قُلْتَ): كَيْفَ يَجْعَلُهُ بَدَلًا، وهو بَدَلُ كُلٍّ مِن كُلٍّ مِن ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ، وهو لا يَجُوزُ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ ؟ .
(قُلْتُ): مَذْهَبُ الأخْفَشِ والكُوفِيِّينَ جَوازُهُ، وهو الصَّحِيحُ، عَلى أنَّ هَذا لَيْسَ مِمّا وقَعَ فِيهِ الخِلافُ، بَلْ إذا كانَ البَدَلُ يُفِيدُ الإحاطَةَ، جازَ أنْ يُبْدَلَ مِن ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ وضَمِيرِ المُخاطَبِ، لا نَعْلَمُ خِلافًا في ذَلِكَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَكُونُ لَنا عِيدًا لِأوَّلِنا وآخِرِنا﴾ [المائدة: ١١٤]، وكَقَوْلِكِ: مَرَرْتُ بِكم صَغِيرِكم وكَبِيرِكم، مَعْناهُ: مَرَرْتُ بِكم كُلِّكم، وتَكُونُ لَنا عِيدًا كُلِّنا. فَإذا جازَ ذَلِكَ فِيما هو بِمَعْنى الإحاطَةِ، فَجَوازُهُ فِيما دَلَّ عَلى الإحاطَةِ، وهو (كُلٌّ) أوْلى، ولا التِفاتَ لِمَنعِ المُبَرِّدِ البَدَلَ فِيهِ؛ لِأنَّهُ بَدَلٌ مِن ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَتَحَقَّقْ مَناطُ الخِلافِ.
ولَمّا أجابَ الضُّعَفاءُ المُسْتَكْبِرُونَ قالُوا جَمِيعًا: ﴿لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ﴾، وأبْرَزَ ما أُضِيفَ إلَيْهِ الخَزَنَةُ، ولَمْ يَأْتِ ضَمِيرًا، فَكانَ يَكُونُ التَّرْكِيبُ لِخَزَنَتِها، لِما في ذِكْرِ جَهَنَّمَ مِنَ التَّهْوِيلِ، وفِيها أطْغى الكُفّارِ وأعْتاهم. ولَعَلَّ الكُفّارَ تَوَهَّمُوا أنَّ مَلائِكَةَ جَهَنَّمَ المُوَكَّلِينَ بِعَذابِ تِلْكَ الطُّغاةِ هم أقْرَبُ مَنزِلَةً عِنْدَ اللَّهِ مِن غَيْرِهِمْ مِنَ المَلائِكَةِ المُوَكَّلِينَ بِبَقِيَّةِ دَرَكاتِ النّارِ، فَرَجَوْا أنْ يُجِيبُوهم ويَدْعُوا لَهم بِالتَّخْفِيفِ، فَراجَعَتْهُمُ الخَزَنَةُ عَلى سَبِيلِ التَّوْبِيخِ لَهم والتَّقْرِيرِ: ﴿أوْلَمَ تَكُ تَأْتِيكم رُسُلُكم بِالبَيِّناتِ﴾، فَأجابُوا بِأنَّهم أتَتْهم، ﴿قالُوا﴾ أيِ: الخَزَنَةُ، ﴿فادْعُوا﴾ أنْتُمْ عَلى مَعْنى الهُزْءِ بِهِمْ، أوْ فادْعُوا أنْتُمْ، فَإنّا لا نَجْتَرِئُ عَلى ذَلِكَ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما دُعاءُ الكافِرِينَ إلّا في ضَلالٍ﴾ مِن كَلامِ الخَزَنَةِ أيْ: دُعاؤُكم لا يَنْفَعُ ولا يُجْدِي. وقِيلَ: هو مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى إخْبارًا مِنهُ لِمُحَمَّدٍ ﷺ .
وجاءَتْ هَذِهِ الأخْبارُ مُعَبَّرًا عَنْها بِلَفْظِ الماضِي الواقِعِ لِتَيَقُّنِ وُقُوعِها.
ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى أنَّهُ يَنْصُرُ رُسُلَهُ ويُظْفِرُهم بِأعْدائِهِمْ، كَما فَعَلَ بِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - حَيْثُ أهْلَكَ عَدُوَّهُ فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ، وفِيهِ تَبْشِيرٌ لِلرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِنَصْرِهِ عَلى قَوْمِهِ، (في الحَياةِ الدُّنْيا)، العاقِبَةُ الحَسَنَةُ لَهم، ﴿ويَوْمَ يَقُومُ الأشْهادُ﴾: وهو يَوْمُ القِيامَةِ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَنْصُرُهم بِالغَلَبَةِ، وفي الآخِرَةِ بِالعَذابِ. وقالَ السُّدِّيُّ: بِالِانْتِقامِ مِن أعْدائِهِمْ. وقالَ أبُو العالِيَةِ: بِإفْلاحِ حُجَّتِهِمْ. وقالَ السُّدِّيُّ أيْضًا: ما قَتَلَ قَوْمٌ قَطُّ نَبِيًّا أوْ قَوْمًا مِن دُعاةِ الحَقِّ إلّا بَعَثَ اللَّهُ مَن يَنْتَقِمُ لَهم، فَصارُوا مَنصُورِينَ فِيها وإنْ قُتِلُوا. انْتَهى.
ألا تَرى إلى قَتَلَةِ الحُسَيْنِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كَيْفَ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ المُخْتارَ بْنَ عُبَيْدٍ يَتْبَعُهم واحِدًا واحِدًا حَتّى قَتَلَهم ؟ وبُخْتُنَصَّرُ تَتَبَعَ اليَهُودَ حِينَ قَتَلُوا يَحْيى بْنَ زَكَرِيّا، عَلَيْهِما السَّلامُ ؟ وقِيلَ: والنَّصْرُ خاصٌّ بِمَن أظْهَرَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى أُمَّتِهِ، كَنُوحٍ ومُوسى ومُحَمَّدٍ عَلَيْهِمُ السَّلامُ؛ لِأنّا نَجِدُ مِنَ الأنْبِياءِ مَن قَتَلَهُ قَوْمُهُ، كَيَحْيى، ومَن لَمْ يُنْصَرْ عَلَيْهِمْ. وقالَ السُّدِّيُّ: الخَبَرُ عامٌّ، وذَلِكَ أنَّ نُصْرَةَ الرُّسُلِ والأنْبِياءِ واقِعَةٌ ولا بُدَّ إمّا في حَياةِ الرَّسُولِ المَنصُورِ، كَنُوحٍ ومُوسى - عَلَيْهِما السَّلامُ - وإمّا بَعْدَ مَوْتِهِ. ألا تَرى إلى ما صَنَعَ اللَّهُ تَعالى بِبَنِي إسْرائِيلَ بَعْدَ قَتْلِهِمْ يَحْيى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن تَسْلِيطِ بُخْتُنَصَّرَ حَتّى انْتَصَرَ لِيَحْيى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ؟ وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يَقُومُ) بِالياءِ؛ وابْنُ هُرْمُزَ، وإسْماعِيلُ، والمِنقَرِيُّ عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِتاءِ التَّأْنِيثِ. الجَماعَةُ. والأشْهادُ، جَمْعُ شَهِيدٍ، كَشَرِيفٍ وأشْرافٍ، أوْ جَمْعُ شاهِدٍ، كَصاحِبٍ وأصْحابٍ، كَما قالَ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ [النساء: ٤١] . وقالَ: ﴿لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ ويَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكم شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣]، والظّاهِرُ أنَّهُ مِنَ الشَّهادَةِ. وقِيلَ: مِنَ المُشاهَدَةِ، بِمَعْنى الحُضُورِ.
﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ﴾: بَدَلٌ مِن (يَوْمَ) (يَقُومُ) . وقُرِئَ: (تَنْفَعُ) بِالتّاءِ وبِالياءِ، وتَقَدَّمَ ذِكْرُ الخِلافِ في ذَلِكَ في آخِرِ الرُّومِ، ويُحْتَمَلُ أنَّهم يَعْتَذِرُونَ ولا تُقْبَلُ مَعْذِرَتُهم، أوْ أنَّهم لا مَعْذِرَةَ لَهم فَتُقْبَلُ.
﴿ولَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ والإبْعادُ مِنَ اللَّهِ.
﴿ولَهم سُوءُ الدّارِ﴾: سُوءُ عاقِبَةِ الدّارِ.
غافر 40:48
(p-٤٦٧)﴿ويا قَوْمِ ما لِي أدْعُوكم إلى النَّجاةِ وتَدْعُونَنِي إلى النّارِ﴾ ﴿تَدْعُونَنِي لِأكْفُرَ بِاللَّهِ وأُشْرِكَ بِهِ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وأنا أدْعُوكم إلى العَزِيزِ الغَفّارِ﴾ ﴿لا جَرَمَ أنَّما تَدْعُونَنِي إلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ وأنَّ مَرَدَّنا إلى اللَّهِ وأنَّ المُسْرِفِينَ هم أصْحابُ النّارِ﴾ ﴿فَسَتَذْكُرُونَ ما أقُولُ لَكم وأُفَوِّضُ أمْرِي إلى اللَّهِ إنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالعِبادِ﴾ ﴿فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا وحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ العَذابِ﴾ ﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وعَشِيًّا ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ أدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذابِ﴾ ﴿وإذْ يَتَحاجُّونَ في النّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إنّا كُنّا لَكم تَبَعًا فَهَلْ أنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا نَصِيبًا مِنَ النّارِ﴾ ﴿قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إنّا كُلٌّ فِيها إنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ العِبادِ﴾ ﴿وقالَ الَّذِينَ في النّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكم يُخَفِّفْ عَنّا يَوْمًا مِنَ العَذابِ﴾ ﴿قالُوا أوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكم رُسُلُكم بِالبَيِّناتِ قالُوا بَلى قالُوا فادْعُوا وما دُعاءُ الكافِرِينَ إلّا في ضَلالٍ﴾ ﴿إنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا والَّذِينَ آمَنُوا في الحَياةِ الدُّنْيا ويَوْمَ يَقُومُ الأشْهادُ﴾ ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظّالِمِينَ مَعْذِرَتُهم ولَهُمُ اللَّعْنَةُ ولَهم سُوءُ الدّارِ﴾
بَدَأ المُؤْمِنُ بِذِكْرِ المُتَسَبَّبِ عَنْ دَعْوَتِهِمْ، وأبْدى التَّفاضُلَ بَيْنَهُما. ولَمّا ذَكَرَ المُسَبِّبَيْنِ، ذَكَرَ سَبَبَهُما، وهو دُعاؤُهم إلى الكُفْرِ والشِّرْكِ، ودُعاؤُهُ إيّاهم إلى الإيمانِ والتَّوْحِيدِ.
وأتى بِصِيغَةِ العَزِيزِ، وهو الَّذِي لا نَظِيرَ لَهُ، والغالِبُ الَّذِي العالَمُ كُلُّهم في قَبْضَتِهِ يَتَصَرَّفُ فِيهِمْ كَما يَشاءُ، الغَفّارُ لِذُنُوبِ مَن رَجَعَ إلَيْهِ وآمَنُ بِهِ، وأوْصَلَ سَبَبَ دُعائِهِمْ بِمُسَبِّبِهِ، وهو الكُفْرُ والنّارُ، وأخَّرَ سَبَبَ مُسَبِّبِهِ لِيَكُونَ افْتِتاحَ كَلامِهِ واخْتِتامِهِ بِما يَدْعُو إلى الخَيْرِ.
وبَدَأ أوَّلًا بِجُمْلَةٍ اسْمِيَّةٍ، وهو الاسْتِفْهامُ المُتَضَمِّنُ التَّعَجُّبَ مِن حالَتِهِمْ، وخَتَمَ أيْضًا بِجُمْلَةٍ اسْمِيَّةٍ لِيَكُونَ أبْلَغَ في تَوْكِيدِ الأخْبارِ. وجاءَ في حَقِّهِمْ ﴿وتَدْعُونَنِي﴾ بِالجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ الَّتِي لا تَقْتَضِي تَوْكِيدًا، إذْ دَعَوْتُهم باطِلَةٌ لا ثُبُوتَ لَها، فَتُؤَكَّدُ. و﴿ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾ هي الأوْثانُ، أيْ: لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ عِلْمِي، إذْ لَيْسَ لَها مَدْخَلٌ في الأُلُوهِيَّةِ ولا لِفِرْعَوْنَ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): لِمَ جاءَ بِالواوِ في النِّداءِ الثّالِثِ دُونَ الثّانِي ؟ .
(قُلْتُ): لِأنَّ الثّانِيَ داخِلٌ في كَلامٍ هو بَيانٌ لِلْمُجْمَلِ وتَفْسِيرٌ لَهُ، فَأعْطى الدّاخِلَ عَلَيْهِ حُكْمَهُ في امْتِناعِ دُخُولِ الواوِ، وأمّا الثّالِثُ فَداخِلٌ عَلى كَلامٍ لَيْسَ بِتِلْكَ المَثابَةِ. انْتَهى.
وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى لا جَرَمَ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ هُنا، ورُوِيَ عَنِ العَرَبِ: لا جُرْمَ أنَّهُ يَفْعَلُ بِضَمِّ الجِيمِ وسُكُونِ الرّاءِ، يُرِيدُ لا بُدَّ، وفَعَلٌ وفُعْلٌ أخَوانِ، كَرَشَدٍ ورُشْدٍ، وعَدَمٍ وعُدْمٍ.
(أنَّما) أيْ: أنَّ الَّذِي ﴿تَدْعُونَنِي إلَيْهِ﴾ أيْ: إلى عِبادَتِهِ، ﴿لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ﴾، أيْ: قَدْرٌ وحَقٌّ يَجِبُ أنْ يُدْعى إلَيْهِ، أوْ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ إلى نَفْسِهِ؛ لِأنَّ الجَمادَ لا يَدْعُو، والمَعْبُودُ بِالحَقِّ يَدْعُو العِبادَ إلى طاعَتِهِ، ثُمَّ يَدْعُو العِبادَ إلَيْها إظْهارًا لِدَعْوَةِ رَبِّهِمْ.
وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى لَيْسَ لَهُ اسْتِجابَةُ دَعْوَةٍ تُوجِبُ الأُلُوهِيَّةَ في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ، أوْ دَعْوَةٌ مُسْتَجابَةٌ، جُعِلَتِ الدَّعْوَةُ الَّتِي لا اسْتِجابَةَ لَها ولا مَنفَعَةَ كَلا دَعْوَةٍ، أوْ سُمِّيَتِ الِاسْتِجابَةُ بِاسْمِ الدَّعْوَةِ، كَما سُمِّيَ الفِعْلُ المُجازى عَلَيْهِ بِاسْمِ الجَزاءِ في قَوْلِهِ: (كَما تَدِينُ تُدانُ) .
وقالَ الكَلْبِيُّ: لَيْسَتْ لَهُ شَفاعَةٌ في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ، وكانَ فِرْعَوْنُ أوَّلًا يَدْعُو النّاسَ إلى عِبادَةِ الأصْنامِ، ثُمَّ دَعاهم إلى عِبادَةِ البَقَرِ، وكانَتْ تُعْبَدُ ما دامَتْ شابَّةً، فَإذا هَزُلَتْ أمَرَ بِذَبْحِها ودَعا بِأُخْرى لِتُعْبَدَ. فَلَمّا طالَ عَلَيْهِ الزَّمانُ قالَ: ﴿أنا رَبُّكُمُ الأعْلى﴾ [النازعات: ٢٤] .
ولَمّا ذَكَرَ انْتِفاءَ دَعْوَةِ ما عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ وذَكَرَ أنَّ مَرَدَّ الجَمِيعِ إلى اللَّهِ، أيْ: إلى جَزائِهِ، ﴿وأنَّ المُسْرِفِينَ﴾: وهُمُ المُشْرِكُونَ (p-٤٦٨)فِي قَوْلِ قَتادَةَ، والسَّفّاكُونَ لِلدِّماءِ بِغَيْرِ حِلِّها في قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ، ومُجاهِدٍ. وقِيلَ: مَن غَلَبَ شَرُّهُ خَيْرَهُ هو المُسْرِفُ. وقالَ عِكْرِمَةُ: هُمُ الجَبّارُونَ المُتَكَبِّرُونَ.
وخَتَمَ المُؤْمِنُ كَلامَهُ بِخاتِمَةٍ لَطِيفَةٍ تُوجِبُ التَّخْوِيفَ والتَّهْدِيدَ وهي قَوْلُهُ: ﴿فَسَتَذْكُرُونَ ما أقُولُ لَكُمْ﴾ أيْ: إذا حَلَّ بِكم عِقابُ اللَّهِ.
﴿وأُفَوِّضُ أمْرِي﴾ إلى قَضاءِ اللَّهِ وقَدَرِهِ، لا إلَيْكم ولا إلى أصْنامِكم، وكانُوا قَدْ تَوَعَّدُوهُ.
ثُمَّ ذَكَرَ ما يُوجِبُ التَّفْوِيضَ، وهو كَوْنُهُ تَعالى بَصِيرًا بِأحْوالِ العِبادِ وبِمَقادِيرِ حاجاتِهِمْ.
قالَ مُقاتِلٌ: لَمّا قالَ هَذِهِ الكَلِماتِ، قَصَدُوا قَتْلَهُ؛ فَهَرَبَ هَذا المُؤْمِنُ إلى الجَبَلِ، فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ.
وقِيلَ: لَمّا أظْهَرَ إيمانَهُ، بَعَثَ فِرْعَوْنُ في طَلَبِهِ ألْفَ رَجُلٍ؛ فَمِنهم مَن أدْرَكَهُ، فَذَبَّ السِّباعُ عَنْهُ وأكَلَتْهُمُ السِّباعُ، ومِنهم مَن ماتَ في الجِبالِ عَطَشًا، ومِنهم مَن رَجَعَ إلى فِرْعَوْنَ خائِبًا، فاتَّهَمَهُ وقَتَلَهُ وصَلَبَهُ. وقِيلَ: نَجا مَعَ مُوسى في البَحْرِ، وفَرَّ في جُمْلَةِ مَن فَرَّ مَعَهُ.
﴿فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا﴾ أيْ: شَدائِدَ مَكْرِهِمُ الَّتِي تَسُوؤُهُ، وما هَمُّوا بِهِ مِن أنْواعِ العَذابِ لِمَن خالَفَهم.
﴿وحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ العَذابِ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو ما حاقَ بِالألْفِ الَّذِينَ بَعَثَهم فِرْعَوْنُ في طَلَبِ المُؤْمِنِ، مِن أكْلِ السِّباعِ، والمَوْتِ بِالعَطَشِ، والقَتْلِ والصَّلْبِ، كَما تَقَدَّمَ.
وقِيلَ: ﴿سُوءُ العَذابِ﴾: هو الغَرَقُ في الدُّنْيا والحَرْقُ في الآخِرَةِ.
(النّارُ) بَدَلٌ مِن ﴿سُوءُ العَذابِ﴾، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما سُوءُ العَذابِ: قِيلَ: النّارُ، أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿يُعْرَضُونَ﴾، ويُقَوِّي هَذا الوَجْهَ قِراءَةُ مَن نَصَبَ، أيْ: تَدْخُلُونَ النّارَ يُعْرَضُونَ عَلَيْها.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُنْصَبَ عَلى الِاخْتِصاصِ.
والظّاهِرُ أنَّ عَرْضَهم عَلى النّارِ مَخْصُوصٌ بِهَذَيْنِ الوَقْتَيْنِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِذِكْرِ الطَّرَفَيْنِ الدَّوامُ في الدُّنْيا، والظّاهِرُ أنَّ العَرْضَ خِلافُ الإحْراقِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَرْضُهم عَلَيْها: إحْراقُهم بِها، يُقالُ: عَرَضَ الإمامُ الأُسارى عَلى السَّيْفِ إذا قَتَلَهم بِهِ. انْتَهى.
والظّاهِرُ أنَّ العَرْضَ هو في الدُّنْيا. ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الهُذَيْلِ بْنِ شُرَحْبِيلَ، وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، والسُّدِّيِّ: أنَّ أرْواحَهم في جَوْفِ طُيُورٍ سُودٍ، تَرُوحُ بِهِمْ وتَغْدُو إلى النّارِ. وقالَ رَجُلٌ لِلْأوْزاعِيِّ: رَأيْتُ طُيُورًا بِيضًا تَغْدُو مِنَ البَحْرِ، ثُمَّ تَرُوحُ بِالعَشِيِّ سُودًا مِثْلُها، فَقالَ الأوْزاعِيُّ: تِلْكَ الَّتِي في حَواصِلِها أرْواحُ آلِ فِرْعَوْنَ، يُحْرَقُ رِياشُها وتَسْوَدُّ بِالعَرْضِ عَلى النّارِ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ وغَيْرُهُ: أرادَ أنَّهم يُعْرَضُونَ في الآخِرَةِ عَلى تَقْدِيرِ ما بَيْنَ الغُدُوِّ والعَشِيِّ، إذْ لا غُدُوَّ ولا عَشِيَّ في الآخِرَةِ، وإنَّما ذَلِكَ عَلى التَّقْدِيرِ بِأيّامِ الدُّنْيا.
وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: تُعْرَضُ أرْواحُ آلِ فِرْعَوْنَ ومَن كانَ مِثْلَهم مِنَ الكُفّارِ عَلى النّارِ بِالغَداةِ والعَشِيِّ، يُقالُ: هَذِهِ دارُكم.
وفِي صَحِيحِ البُخارِيِّ، ومُسْلِمٍ، مِن حَدِيثِ ابْنِ عِمْرانَ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «إنَّ أحَدَكم إذا ماتَ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدَهُ بِالغَداةِ والعَشِيِّ، إنْ كانَ مِن أهْلِ الجَنَّةِ فَمِن أهْلِ الجَنَّةِ، وإنْ كانَ مِن أهْلِ النّارِ فَمِن أهْلِ النّارِ، يُقالُ هَذا مَقْعَدُكَ حَتّى يَبْعَثَكَ اللَّهُ إلَيْهِ يَوْمَ القِيامَةِ» .
واسْتَدَلَّ مُجاهِدٌ ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ وعِكْرِمَةُ ومُقاتِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وعَشِيًّا﴾ أيْ: عِنْدَ مَوْتِهِمْ عَلى عَذابِ القَبْرِ في الدُّنْيا. والظّاهِرُ تَمامُ الجُمْلَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿وعَشِيًّا﴾، وأنَّ يَوْمَ القِيامَةِ مَعْمُولٌ لِمَحْذُوفٍ عَلى إضْمارِ القَوْلِ، أيْ: ويَوْمَ القِيامَةِ يُقالُ لَهم: ادْخُلُوا. وقِيلَ: و(يَوْمَ) مَعْطُوفٌ عَلى ﴿وعَشِيًّا﴾ فالعامِلُ فِيهِ ﴿يُعْرَضُونَ﴾ و﴿أدْخِلُوا﴾ عَلى إضْمارِ الفِعْلِ. وقِيلَ: العامِلُ في (يَوْمَ) ﴿أدْخِلُوا﴾ . وقَرَأ الأعْرَجُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، والأعْمَشُ، وابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ، ونافِعٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ: ﴿أدْخِلُوا﴾، أمْرًا لِلْخَزَنَةِ مِن أدْخَلَ.
وعَلِيٌّ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، وابْنُ كَثِيرٍ، والعَرَبِيّانِ، وأبُو بَكْرٍ: أمْرًا مِن دَخَلَ ﴿آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذابِ﴾ . قِيلَ: وهو الهاوِيَةُ. قالَ الأوْزاعِيُّ: بَلَغَنا أنَّهم ألْفا ألْفٍ وسِتُّمِائَةِ ألْفٍ.
﴿وإذْ يَتَحاجُّونَ في النّارِ﴾: الظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ عَلى فِرْعَوْنَ. وقالَ (p-٤٦٩)ابْنُ عَطِيَّةَ: والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿يَتَحاجُّونَ﴾ لِجَمِيعِ كَفّارِ الأُمَمِ، وهَذا ابْتِداءُ قَصَصٍ لا يَخْتَصُّ بِآلِ فِرْعَوْنَ، والعامِلُ في (إذْ) فِعْلٌ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ واذْكُرُوا.
وقالَ الطَّبَرِيُّ: وإذْ هَذِهِ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿إذِ القُلُوبُ لَدى الحَناجِرِ﴾ [غافر: ١٨]، وهَذا بَعِيدٌ. انْتَهى.
والمُحاجَّةُ: التَّحاوُرُ بِالحُجَّةِ والخُصُومَةِ. والضُّعَفاءُ أيْ: في القَدَرِ والمَنزِلَةِ في الدُّنْيا. والَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا أيْ: عَنِ الإيمانِ واتِّباعِ الرُّسُلِ.
﴿إنّا كُنّا لَكم تَبَعًا﴾ أيْ: ذَوِي تَبَعٍ، فَتَبَعٌ مَصْدَرٌ أوِ اسْمُ جَمْعٍ لِتابِعٍ، كَآيِمٍ وأيَمٍ، وخادِمِ وخَدَمٍ، وغائِبٍ وغَيَبٍ.
﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا﴾ أيْ: حامِلُونَ عَنّا ؟ فَأجابُوهم: ﴿إنّا كُلٌّ فِيها﴾، وأنَّ حُكْمَ اللَّهِ قَدْ نَفَذَ فِينا وفِيكم، إنّا مُسْتَمِرُّونَ في النّارِ.
وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْقَعِ، وعِيسى بْنُ عِمْرانَ: (كُلًّا) بِنَصْبِ (كُلٌّ) . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وابْنُ عَطِيَّةَ: عَلى التَّوْكِيدِ لِاسْمِ إنَّ، وهو مَعْرِفَةٌ، والتَّنْوِينُ عِوَضٌ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ، يُرِيدُ: إنّا كُلُّنا فِيها. انْتَهى.
وخَبَرُ إنَّ هو فِيها، ومَن رَفَعَ (كُلًّا) فَعَلى الِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ فِيها، والجُمْلَةُ خَبَرُ إنَّ. وقالَ ابْنُ مالِكٍ في تَصْنِيفِهِ (تَسْهِيلِ الفَوائِدِ): وقَدْ تَكَلَّمَ عَلى (كُلٌّ) ولا يُسْتَغْنى بِنِيَّةِ إضافَتِهِ، خِلافًا لِلْفَرّاءِ والزَّمَخْشَرِيِّ. انْتَهى، وهَذا المَذْهَبُ مَنقُولٌ عَنِ الكُوفِيِّينَ، وقَدْ رَدَّ ابْنُ مالِكٍ عَلى هَذا المَذْهَبِ بِما قَرَّرَهُ في شَرْحِهِ (التَّسْهِيلِ) .
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): هَلْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ (كُلًّا) حالًا قَدْ عَمِلَ (فِيها) فِيها ؟ (قُلْتُ): لا؛ لِأنَّ الظَّرْفَ لا يَعْمَلُ، والحالُ مُتَقَدِّمَةٌ، كَما يَعْمَلُ في الظَّرْفِ مُتَقَدِّمًا، تَقُولُ: كُلُّ يَوْمٍ لَكَ ثَوْبٌ، ولا تَقُولُ: قائِمًا في الدّارِ زَيْدٌ. انْتَهى.
وهَذا الَّذِي مَنَعَهُ أجازَهُ الأخْفَشُ إذا تَوَسَّطَتِ الحالُ، نَحْوُ: زَيْدٌ قائِمًا في الدّارِ، وزَيْدٌ قائِمًا عِنْدَكَ، والتَّمْثِيلُ الَّذِي ذَكَرَهُ لَيْسَ مُطابِقًا في الآيَةِ؛ لِأنَّ الآيَةَ تَقَدَّمَ فِيها المُسْنَدُ إلَيْهِ الحُكْمُ، وهو اسْمُ إنَّ، وتَوَسَّطَتِ الحالُ إذا قُلْنا إنَّها حالٌ، وتَأخَّرَ العامِلُ فِيها، وأمّا تَمْثِيلُهُ بِقَوْلِهِ: ولا تَقُولُ: قائِمًا في الدّارِ زَيْدٌ، تَأخَّرَ فِيهِ المُسْنَدُ والمُسْنَدُ إلَيْهِ، وقَدْ ذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ المَنعَ في ذَلِكَ إجْماعٌ مِنَ النُّحاةِ.
وقالَ ابْنُ مالِكٍ: والقَوْلُ المَرْضِيُّ عِنْدِي أنَّ كُلًّا في القِراءَةِ المَذْكُورَةِ مَنصُوبٌ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ المَرْفُوعَ المَنَوِيَّ في (فِيها) وفِيها هو العامِلُ، وقَدْ تَقَدَّمَتِ الحالُ عَلَيْهِ مَعَ عَدَمِ تَصَرُّفِهِ، كَما قُدِّمَتْ في قِراءَةِ مَن قَرَأ: ﴿والسَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] . وفي قَوْلِ النّابِغَةِ الذُّبْيانِيِّ:
؎رَهْطُ ابْنِ كُوزٍ مُحْقِبِي أدْراعَهم فِيهِمْ ورَهْطُ رَبِيعَةَ بْنِ حَذارِ
وقالَ بَعْضُ الطّائِيِّينَ:
؎دَعا فَأجَبْنا وهو بادَّيَّ ذِلَّةً ∗∗∗ لَدَيْكم فَكانَ النَّصْرُ غَيْرَ قَرِيبِ
انْتَهى. وهَذا التَّخْرِيجُ هو عَلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ، كَما ذَكَرْناهُ، والَّذِي أخْتارُهُ في تَخْرِيجِ هَذِهِ القِراءَةِ أنَّ (كُلًّا) بَدَلٌ مِنِ اسْمِ إنَّ؛ لِأنَّ (كُلًّا) يَتَصَرَّفُ فِيهِما بِالِابْتِداءِ ونَواسِخِهِ وغَيْرِ ذَلِكَ، فَكَأنَّهُ قالَ: إنَّ كُلًّا بَدَلٌ مِنِ اسْمِ إنَّ؛ لِأنَّ كُلًّا فِيها، وإذا كانُوا قَدْ تَأوَّلُوا حَوْلًا أكْتَعًا ويَوْمًا أجْمَعًا عَلى البَدَلِ، مَعَ أنَّهُما لا يَلِيانِ العَوامِلَ، فَإنْ يُدَّعى في (كُلٌّ) البَدَلُ أوْلى، وأيْضًا فَتَنْكِيرُ (كُلٌّ) ونَصْبُهُ حالًا في غايَةِ الشُّذُوذِ، والمَشْهُورُ (p-٤٧٠)أنَّ كُلًّا مَعْرِفَةٌ إذا قُطِعَتْ عَنِ الإضافَةِ. حُكِيَ: مَرَرْتُ بِكُلٍّ قائِمًا، وبِبَعْضٍ جالِسًا في الفَصِيحِ الكَثِيرِ في كَلامِهِمْ، وقَدْ شَذَّ نَصْبُ كُلٍّ عَلى الحالِ في قَوْلِهِمْ: مَرَرْتُ بِهِمْ كُلًّا، أيْ: جَمِيعًا.
(فَإنْ قُلْتَ): كَيْفَ يَجْعَلُهُ بَدَلًا، وهو بَدَلُ كُلٍّ مِن كُلٍّ مِن ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ، وهو لا يَجُوزُ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ ؟ .
(قُلْتُ): مَذْهَبُ الأخْفَشِ والكُوفِيِّينَ جَوازُهُ، وهو الصَّحِيحُ، عَلى أنَّ هَذا لَيْسَ مِمّا وقَعَ فِيهِ الخِلافُ، بَلْ إذا كانَ البَدَلُ يُفِيدُ الإحاطَةَ، جازَ أنْ يُبْدَلَ مِن ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ وضَمِيرِ المُخاطَبِ، لا نَعْلَمُ خِلافًا في ذَلِكَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَكُونُ لَنا عِيدًا لِأوَّلِنا وآخِرِنا﴾ [المائدة: ١١٤]، وكَقَوْلِكِ: مَرَرْتُ بِكم صَغِيرِكم وكَبِيرِكم، مَعْناهُ: مَرَرْتُ بِكم كُلِّكم، وتَكُونُ لَنا عِيدًا كُلِّنا. فَإذا جازَ ذَلِكَ فِيما هو بِمَعْنى الإحاطَةِ، فَجَوازُهُ فِيما دَلَّ عَلى الإحاطَةِ، وهو (كُلٌّ) أوْلى، ولا التِفاتَ لِمَنعِ المُبَرِّدِ البَدَلَ فِيهِ؛ لِأنَّهُ بَدَلٌ مِن ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَتَحَقَّقْ مَناطُ الخِلافِ.
ولَمّا أجابَ الضُّعَفاءُ المُسْتَكْبِرُونَ قالُوا جَمِيعًا: ﴿لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ﴾، وأبْرَزَ ما أُضِيفَ إلَيْهِ الخَزَنَةُ، ولَمْ يَأْتِ ضَمِيرًا، فَكانَ يَكُونُ التَّرْكِيبُ لِخَزَنَتِها، لِما في ذِكْرِ جَهَنَّمَ مِنَ التَّهْوِيلِ، وفِيها أطْغى الكُفّارِ وأعْتاهم. ولَعَلَّ الكُفّارَ تَوَهَّمُوا أنَّ مَلائِكَةَ جَهَنَّمَ المُوَكَّلِينَ بِعَذابِ تِلْكَ الطُّغاةِ هم أقْرَبُ مَنزِلَةً عِنْدَ اللَّهِ مِن غَيْرِهِمْ مِنَ المَلائِكَةِ المُوَكَّلِينَ بِبَقِيَّةِ دَرَكاتِ النّارِ، فَرَجَوْا أنْ يُجِيبُوهم ويَدْعُوا لَهم بِالتَّخْفِيفِ، فَراجَعَتْهُمُ الخَزَنَةُ عَلى سَبِيلِ التَّوْبِيخِ لَهم والتَّقْرِيرِ: ﴿أوْلَمَ تَكُ تَأْتِيكم رُسُلُكم بِالبَيِّناتِ﴾، فَأجابُوا بِأنَّهم أتَتْهم، ﴿قالُوا﴾ أيِ: الخَزَنَةُ، ﴿فادْعُوا﴾ أنْتُمْ عَلى مَعْنى الهُزْءِ بِهِمْ، أوْ فادْعُوا أنْتُمْ، فَإنّا لا نَجْتَرِئُ عَلى ذَلِكَ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما دُعاءُ الكافِرِينَ إلّا في ضَلالٍ﴾ مِن كَلامِ الخَزَنَةِ أيْ: دُعاؤُكم لا يَنْفَعُ ولا يُجْدِي. وقِيلَ: هو مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى إخْبارًا مِنهُ لِمُحَمَّدٍ ﷺ .
وجاءَتْ هَذِهِ الأخْبارُ مُعَبَّرًا عَنْها بِلَفْظِ الماضِي الواقِعِ لِتَيَقُّنِ وُقُوعِها.
ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى أنَّهُ يَنْصُرُ رُسُلَهُ ويُظْفِرُهم بِأعْدائِهِمْ، كَما فَعَلَ بِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - حَيْثُ أهْلَكَ عَدُوَّهُ فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ، وفِيهِ تَبْشِيرٌ لِلرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِنَصْرِهِ عَلى قَوْمِهِ، (في الحَياةِ الدُّنْيا)، العاقِبَةُ الحَسَنَةُ لَهم، ﴿ويَوْمَ يَقُومُ الأشْهادُ﴾: وهو يَوْمُ القِيامَةِ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَنْصُرُهم بِالغَلَبَةِ، وفي الآخِرَةِ بِالعَذابِ. وقالَ السُّدِّيُّ: بِالِانْتِقامِ مِن أعْدائِهِمْ. وقالَ أبُو العالِيَةِ: بِإفْلاحِ حُجَّتِهِمْ. وقالَ السُّدِّيُّ أيْضًا: ما قَتَلَ قَوْمٌ قَطُّ نَبِيًّا أوْ قَوْمًا مِن دُعاةِ الحَقِّ إلّا بَعَثَ اللَّهُ مَن يَنْتَقِمُ لَهم، فَصارُوا مَنصُورِينَ فِيها وإنْ قُتِلُوا. انْتَهى.
ألا تَرى إلى قَتَلَةِ الحُسَيْنِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كَيْفَ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ المُخْتارَ بْنَ عُبَيْدٍ يَتْبَعُهم واحِدًا واحِدًا حَتّى قَتَلَهم ؟ وبُخْتُنَصَّرُ تَتَبَعَ اليَهُودَ حِينَ قَتَلُوا يَحْيى بْنَ زَكَرِيّا، عَلَيْهِما السَّلامُ ؟ وقِيلَ: والنَّصْرُ خاصٌّ بِمَن أظْهَرَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى أُمَّتِهِ، كَنُوحٍ ومُوسى ومُحَمَّدٍ عَلَيْهِمُ السَّلامُ؛ لِأنّا نَجِدُ مِنَ الأنْبِياءِ مَن قَتَلَهُ قَوْمُهُ، كَيَحْيى، ومَن لَمْ يُنْصَرْ عَلَيْهِمْ. وقالَ السُّدِّيُّ: الخَبَرُ عامٌّ، وذَلِكَ أنَّ نُصْرَةَ الرُّسُلِ والأنْبِياءِ واقِعَةٌ ولا بُدَّ إمّا في حَياةِ الرَّسُولِ المَنصُورِ، كَنُوحٍ ومُوسى - عَلَيْهِما السَّلامُ - وإمّا بَعْدَ مَوْتِهِ. ألا تَرى إلى ما صَنَعَ اللَّهُ تَعالى بِبَنِي إسْرائِيلَ بَعْدَ قَتْلِهِمْ يَحْيى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن تَسْلِيطِ بُخْتُنَصَّرَ حَتّى انْتَصَرَ لِيَحْيى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ؟ وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يَقُومُ) بِالياءِ؛ وابْنُ هُرْمُزَ، وإسْماعِيلُ، والمِنقَرِيُّ عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِتاءِ التَّأْنِيثِ. الجَماعَةُ. والأشْهادُ، جَمْعُ شَهِيدٍ، كَشَرِيفٍ وأشْرافٍ، أوْ جَمْعُ شاهِدٍ، كَصاحِبٍ وأصْحابٍ، كَما قالَ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ [النساء: ٤١] . وقالَ: ﴿لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ ويَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكم شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣]، والظّاهِرُ أنَّهُ مِنَ الشَّهادَةِ. وقِيلَ: مِنَ المُشاهَدَةِ، بِمَعْنى الحُضُورِ.
﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ﴾: بَدَلٌ مِن (يَوْمَ) (يَقُومُ) . وقُرِئَ: (تَنْفَعُ) بِالتّاءِ وبِالياءِ، وتَقَدَّمَ ذِكْرُ الخِلافِ في ذَلِكَ في آخِرِ الرُّومِ، ويُحْتَمَلُ أنَّهم يَعْتَذِرُونَ ولا تُقْبَلُ مَعْذِرَتُهم، أوْ أنَّهم لا مَعْذِرَةَ لَهم فَتُقْبَلُ.
﴿ولَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ والإبْعادُ مِنَ اللَّهِ.
﴿ولَهم سُوءُ الدّارِ﴾: سُوءُ عاقِبَةِ الدّارِ.