Lafzullah

Al-Bahr Al-Muhit — الشورى 42:1 – الشورى 42:23

المؤلف / المصدر: Al-Bahr Al-Muhit

المحتويات
  1. الشورى 42:1
  2. الشورى 42:2
  3. الشورى 42:3
  4. الشورى 42:4
  5. الشورى 42:5
  6. الشورى 42:6
  7. الشورى 42:7
  8. الشورى 42:8
  9. الشورى 42:9
  10. الشورى 42:10
  11. الشورى 42:11
  12. الشورى 42:12
  13. الشورى 42:13
  14. الشورى 42:14
  15. الشورى 42:15
  16. الشورى 42:16
  17. الشورى 42:17
  18. الشورى 42:18
  19. الشورى 42:19
  20. الشورى 42:20
  21. الشورى 42:21
  22. الشورى 42:22
  23. الشورى 42:23

الشورى 42:1

سُورَةُ الشُّورى ثَلاثٌ وخَمْسُونَ آيَةً، مَكِّيَّةٌ ﷽ ﴿حم﴾ ﴿عسق﴾ ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إلَيْكَ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وهو العَلِيُّ العَظِيمُ﴾ ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ والمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ويَسْتَغْفِرُونَ لِمَن في الأرْضِ ألا إنَّ اللَّهَ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أولِياءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ ﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ القُرى ومَن حَوْلَها وتُنْذِرَ يَوْمَ الجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ في الجَنَّةِ وفَرِيقٌ في السَّعِيرِ﴾ ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهم أُمَّةً واحِدَةً ولَكِنْ يُدْخِلُ مَن يَشاءُ في رَحْمَتِهِ والظّالِمُونَ ما لَهم مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ ﴿أمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ فاللَّهُ هو الوَلِيُّ وهو يُحْيِي المَوْتى وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿وما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إلى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وإلَيْهِ أُنِيبُ﴾ ﴿فاطِرُ السَّماواتِ والأرْضِ جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا ومِنَ الأنْعامِ أزْواجًا يَذْرَؤُكم فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وهو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ ﴿لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ والأرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ إنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ﴿شَرَعَ لَكم مِنَ الدِّينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ وما وصَّيْنا بِهِ إبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى أنْ أقِيمُوا الدِّينَ ولا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلى المُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهم إلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إلَيْهِ مَن يَشاءُ ويَهْدِي إلَيْهِ مَن يُنِيبُ﴾ [الشورى: ١٣] ﴿وما تَفَرَّقُوا إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهم ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ إلى أجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهم وإنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الكِتابَ مِن بَعْدِهِمْ لَفي شَكٍّ مِنهُ مُرِيبٍ﴾ [الشورى: ١٤] ﴿فَلِذَلِكَ فادْعُ واسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ ولا تَتَّبِعْ أهْواءَهم وقُلْ آمَنتُ بِما أنْزَلَ اللَّهُ مِن كِتابٍ وأُمِرْتُ لِأعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنا ورَبُّكم لَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكم لا حُجَّةَ بَيْنَنا وبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا وإلَيْهِ المَصِيرُ﴾ [الشورى: ١٥] ﴿والَّذِينَ يُحاجُّونَ في اللَّهِ مِن بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهم داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وعَلَيْهِمْ غَضَبٌ ولَهم عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ [الشورى: ١٦] ﴿اللَّهُ الَّذِي أنْزَلَ الكِتابَ بِالحَقِّ والمِيزانَ وما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ [الشورى: ١٧] ﴿يَسْتَعْجِلُ بِها الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها والَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنها ويَعْلَمُونَ أنَّها الحَقُّ ألا إنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ في السّاعَةِ لَفي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ [الشورى: ١٨] ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ وهو القَوِيُّ العَزِيزُ﴾ [الشورى: ١٩] ﴿مَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ ومَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنها وما لَهُ في الآخِرَةِ مِن نَصِيبٍ﴾ [الشورى: ٢٠] ﴿أمْ لَهم شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهم مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ ولَوْلا كَلِمَةُ الفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهم وإنَّ الظّالِمِينَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [الشورى: ٢١] ﴿تَرى الظّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا كَسَبُوا وهو واقِعٌ بِهِمْ والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ في رَوْضاتِ الجَنّاتِ لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هو الفَضْلُ الكَبِيرُ﴾ [الشورى: ٢٢] ﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى ومَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْنًا إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [الشورى: ٢٣] ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا فَإنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ ويَمْحُ اللَّهُ الباطِلَ ويُحِقُّ الحَقَّ بِكَلِماتِهِ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ [الشورى: ٢٤] ﴿وهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ ويَعْفُو عَنِ السَّيِّئاتِ ويَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ﴾ [الشورى: ٢٥] (p-٥٠٧)﴿ويَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ والكافِرُونَ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ [الشورى: ٢٦] ﴿ولَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا في الأرْضِ ولَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ إنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [الشورى: ٢٧] ﴿وهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الغَيْثَ مِن بَعْدِ ما قَنَطُوا ويَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وهو الوَلِيُّ الحَمِيدُ﴾ [الشورى: ٢٨] ﴿ومِن آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَثَّ فِيهِما مِن دابَّةٍ وهو عَلى جَمْعِهِمْ إذا يَشاءُ قَدِيرٌ﴾ [الشورى: ٢٩] ﴿وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكم ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠] ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ في الأرْضِ وما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ [الشورى: ٣١] ﴿ومِن آياتِهِ الجَوارِي في البَحْرِ كالأعْلامِ﴾ [الشورى: ٣٢] ﴿إنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ [الشورى: ٣٣] . رَكَدَ الشَّيْءُ، ثَبَتَ في مَكانِهِ، وقَدْ قالَ الشّاعِرُ: ؎رُكُودًا يُوارِي الرَّبْرَبَ المُتَفَرِّقَ وقَدْ رَكَدَتْ وسَطَ السَّماءِ نُجُومُها ﴿حم﴾ ﴿عسق﴾ ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إلَيْكَ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وهو العَلِيُّ العَظِيمُ﴾ ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ والمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ويَسْتَغْفِرُونَ لِمَن في الأرْضِ ألا إنَّ اللَّهَ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أولِياءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ ﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ القُرى ومَن حَوْلَها وتُنْذِرَ يَوْمَ الجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ في الجَنَّةِ وفَرِيقٌ في السَّعِيرِ﴾ ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهم أُمَّةً واحِدَةً ولَكِنْ يُدْخِلُ مَن يَشاءُ في رَحْمَتِهِ والظّالِمُونَ ما لَهم مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ ﴿أمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ فاللَّهُ هو الوَلِيُّ وهو يُحْيِي المَوْتى وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿وما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إلى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وإلَيْهِ أُنِيبُ﴾ ﴿فاطِرُ السَّماواتِ والأرْضِ جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا ومِنَ الأنْعامِ أزْواجًا يَذْرَؤُكم فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وهو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ ﴿لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ والأرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ إنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الحَسَنِ وعَطاءٍ وعِكْرِمَةَ وجابِرٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَكِّيَّةٌ إلّا أرْبَعَ آياتٍ مِن قَوْلِهِ: ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ [الشورى: ٢٣] إلى آخِرِ الأرْبَعِ آياتٍ، فَإنَّها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ. وقالَ مُقاتِلٌ: فِيها مَدَنِيٌّ قَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ﴾ [الشورى: ٢٣] إلى (الصُّدُورِ) . ومُناسَبَةُ أوَّلِ السُّورَةِ لِآخِرِ ما قَبْلَها أنَّهُ قالَ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ [فصلت: ٥٢] الآيَةَ، وكانَ في ذَلِكَ الحُكْمُ عَلَيْهِمْ بِالضَّلالِ. لَمّا كَفَرُوا بِهِ قالَ هُنا: (كَذَلِكَ)، أيْ: مِثْلُ الإيحاءِ السّابِقِ في القُرْآنِ الَّذِي كَفَرَ بِهِ هَؤُلاءِ، ﴿يُوحِي إلَيْكَ﴾: أيْ: إنَّ وحْيَهُ تَعالى إلَيْكَ مُتَّصِلٌ غَيْرُ مُنْقَطِعٍ، يَتَعَهَّدُكَ وقْتًا بَعْدَ وقْتٍ. وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ في ﴿حم﴾ ﴿عسق﴾ أقْوالًا مُضْطَرِبَةً لا يَصِحُّ مِنها شَيْءٌ كَعادَتِهِمْ في هَذِهِ الفَواتِحِ، ضَرَبْنا عَنْ ذِكْرِها صَفْحًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يُوحِي) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ؛ وأبُو حَيْوَةَ، والأعْشى عَنْ أبِي بَكْرٍ، وأبانَ (نُوحِي) (p-٥٠٨)بِنُونِ العَظَمَةِ. ومُجاهِدٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وعَبّاسٌ، ومَحْبُوبٌ، كِلاهُما عَنْ أبِي عَمْرٍو: (يُوحى) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ؛ و(اللَّهُ) مَرْفُوعٌ بِمُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ أوْحى، أوْ بِالِابْتِداءِ، التَّقْدِيرُ: اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ المُوحِي. وعَلى قِراءَةِ (نُوحِي) بِالنُّونِ، يَكُونُ ﴿اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ مُبْتَدَأً وخَبَرًا. و(يُوحِي) إمّا في مَعْنى أوْجَبَ حَتّى يَنْتَظِمَ قَوْلُهُ: ﴿وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ﴾، أوْ يُقْرَأُ عَلى مَوْضُوعِهِ، ويُضْمِرُ عامِلٌ يَتَعَلَّقُ بِهِ (إلى الَّذِينَ) تَقْدِيرُهُ: وأوْحى إلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ﴿تَكادُ السَّماواتُ﴾ في سُورَةِ مَرْيَمَ قِراءَةً وتَفْسِيرًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ورَوى يُونُسُ عَنْ أبِي عُمَرَ وقِراءَةٌ عَرَبِيَّةٌ (تَتَفَطَّرْنَ) بِتاءَيْنِ مَعَ النُّونِ، ونَظِيرُها حَرْفٌ نادِرٌ رُوِيَ في نَوادِرِ ابْنِ الأعْرابِيِّ: الإبِلُ تَتَشَمَّمْنَ. انْتَهى. والظّاهِرُ أنَّ هَذا وهْمٌ مِنَ الزَّمَخْشَرِيِّ في النَّقْلِ؛ لِأنَّ ابْنَ خالَوَيْهِ ذَكَرَ في شَواذِّ القِراءاتِ لَهُ ما نَصَبَ (تَفَطَّرْنَ) بِالتّاءِ والنُّونِ، يُونُسُ عَنْ أبِي عَمْرٍو. وقالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: هَذا حَرْفٌ نادِرٌ؛ لِأنَّ العَرَبَ لا تَجْمَعُ بَيْنَ عَلامَتَيِ التَّأْنِيثِ. لا يُقالُ: النِّساءُ تَقُمْنَ، ولَكِنْ يَقُمْنَ، والوالِداتُ يُرْضِعْنَ. قَدْ كانَ أبُو عُمَرَ الزّاهِدُ رَوى في نَوادِرِ ابْنِ الأعْرابِيِّ: الإبِلُ تَتَشَمَّمْنَ، فَأنْكَرْناهُ، فَقَدْ قَوّاهُ؛ لِأنَّ هَذا كَلامُ ابْنِ خالَوَيْهِ. فَإنْ كانَتْ نُسَخُ الزَّمَخْشَرِيِّ مُتَّفِقَةً عَلى قَوْلِهِ بِتاءَيْنِ مَعَ النُّونِ فَهو وهْمٌ، وإنْ كانَ في بَعْضِها بِتاءٍ مَعَ النُّونِ، كانَ مُوافِقًا لِقَوْلِ ابْنِ خالَوَيْهِ، وكانَ بِتاءَيْنِ تَحْرِيفًا مِنَ النُّسّاخِ. وكَذَلِكَ كَتْبُهم تَتَفَطَّرْنَ وتَتَشَمَّمْنَ بِتاءَيْنِ. والظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ في (مِن فَوْقِهِنَّ) عَلى (السَّماواتُ) . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مِن أعْلاهُنَّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَنْفَطِرْنَ مِن عُلُوِّ شَأْنِ اللَّهِ تَعالى وعَظَمَتِهِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ مَجِيئُهُ بَعْدَ ﴿العَلِيُّ العَظِيمُ﴾ . وقِيلَ: مِن دُعائِهِمْ لَهُ ولَدًا، كَقَوْلِهِ: ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنهُ﴾ [مريم: ٩٠] . فَإنْ قُلْتَ: لِمَ قالَ (مِن فَوْقِهِنَّ) ؟ قُلْتُ: لِأنَّ أعْظَمَ الآياتِ وأدَلَّها عَلى الجَلالِ والعَظَمَةِ فَوْقَ السَّماواتِ، وهي العَرَضُ والكُرْسِيُّ وصُفُوفُ المَلائِكَةِ المُرْتَجَّةِ بِالتَّسْبِيحِ والتَّقْدِيسِ حَوْلَ العَرْشِ، وما لا يَعْلَمُ كُنْهَهُ إلّا اللَّهُ مِن آثارِ مَلَكُوتِهِ العُظْمى، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ﴾ أيْ: يَبْتَدِئُ الِانْفِطارُ مِن جِهَتَيْنِ الفَوْقانِيَّةِ. وقالَ جَماعَةٌ، مِنهُمُ الحَوْفِيُّ، قالَ: (مِن فَوْقِهِنَّ)، والهاءُ والنُّونُ كِنايَةٌ عَنِ الأرَضِينَ. انْتَهى. (مِن فَوْقِهِنَّ) مُتَعَلِّقٌ بِـ(يَتَفَطَّرْنَ) ويَدُلُّ عَلى هَذا القَوْلِ ذِكْرُ الأرْضِ قَبْلُ. وقالَ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ الأخْفَشُ: الضَّمِيرُ لِلْكُفّارِ، والمَعْنى: مِن فَوْقِ الفِرَقِ والجَماعاتِ المُلْحِدَةِ، أيْ مِن أجْلِ أقْوالِها. انْتَهى. فَهَذِهِ الآيَةُ كالَّذِي في سُورَةِ مَرْيَمَ، واسْتَبْعَدَ مَكِّيٌّ هَذا القَوْلَ، قالَ: لا يَجُوزُ في الذُّكُورِ مِن بَنِي آدَمَ، يَعْنِي ضَمِيرَ المُؤَنَّثِ والِاسْتِشْعارُ ما ذَكَرَهُ مَكِّيٌّ. قالَ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ: مِن فَوْقِ الفِرَقِ والجَماعاتِ، وظاهِرُ المَلائِكَةِ العُمُومُ. وقالَ مُقاتِلٌ: حَمَلَةُ العَرْشِ والتَّسْبِيحِ، قِيلَ: قَوْلُهم سُبْحانَ اللَّهَ، وقِيلَ: يُهَلِّلُونَ؛ والظّاهِرُ في (يَسْتَغْفِرُونَ) طَلَبُ الغُفْرانِ، ولِأهْلِ الأرْضِ عامٌّ مَخْصُوصٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ويَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر: ٧]، قالَهُ السُّدِّيُّ. وقِيلَ: عامٌّ. ومَعْنى الِاسْتِغْفارِ: طَلَبُ الهِدايَةِ المُؤَدِّيَةِ إلى المَغْفِرَةِ، كَأنَّهم يَقُولُونَ: اللَّهُمَّ اهْدِ أهْلَ الأرْضِ، فاغْفِرْ لَهم. ويَدُلُّ عَلَيْهِ وصْفُهُ بِالغُفْرانِ والرَّحْمَةِ والِاسْتِفْتاحِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَقْصِدُوا بِالِاسْتِغْفارِ لَهم: طَلَبَ الحِلْمِ والغُفْرانِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ والأرْضَ أنْ تَزُولا﴾ [فاطر: ٤١]، إلى أنْ قالَ: ﴿إنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [فاطر: ٤١]، وقَوْلِهِ: ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ﴾ [الرعد: ٦]، والمُرادُ: الحِلْمُ عَنْهم، وأنْ لا يُعاجِلَهم بِالِانْتِقامِ فَيَكُونُ عامًّا. انْتَهى. وتَكَلَّمَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ في قَوْلِهِ: ﴿تَكادُ السَّماواتُ﴾ كَلامًا خارِجًا عَنْ مَناحِي مَفْهُوماتِ العَرَبِ، مُنْتَزَعًا مِن كَلامِ الفَلاسِفَةِ ومَن جَرى مَجْراهم، يُوقَفُ عَلى ذَلِكَ في كِتابِهِ. ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ﴾: أيْ أصْنامًا وأوْثانًا، ﴿اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ﴾: أيْ عَلى أعْمالِهِمْ ومُجازِيهِمْ عَلَيْها، ﴿وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ أيْ: بِمُفَوَّضٍ إلَيْكَ أمْرُهم ولا قائِمٍ. وما في هَذا مِنَ المُوادَعَةِ مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ. (وكَذَلِكَ) أيْ: ومِثْلُ هَذا الإيحاءِ والقَضاءِ، إنَّكَ لَسْتَ بِوَكِيلٍ عَلَيْهِمْ، ﴿أوْحَيْنا إلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ . (p-٥٠٩)والظّاهِرُ أنَّ (قُرْءانًا) مَفْعُولُ (أوْحَيْنا) . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الكافُ مَفْعُولٌ بِهِ، أيْ أوْحَيْناهُ إلَيْكَ، وهو قُرْآنٌ عَرَبِيٌّ لا لَبْسَ فِيهِ عَلَيْكَ، إذْ نَزَلَ بِلِسانِكَ. انْتَهى. فاسْتَعْمَلَ الكافَ اسْمًا في الكَلامِ، وهو مَذْهَبُ الأخْفَشِ. ﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ القُرى﴾: مَكَّةَ، أيْ أهْلَ أُمِّ القُرى، وكَذَلِكَ المَفْعُولُ الأوَّلُ مَحْذُوفٌ، والثّانِي هو: ﴿يَوْمَ الجَمْعِ﴾ أيِ: اجْتِماعِ الخَلائِقِ، والمُنْذَرُ بِهِ هو ما يَقَعُ في يَوْمِ الجَمْعِ مِنَ الجَزاءِ وانْقِسامِ الجَمْعِ إلى الفَرِيقَيْنِ، أوِ اجْتِماعِ الأرْواحِ بِالأجْسادِ، أوْ أهْلِ الأرْضِ بِأهْلِ السَّماءِ، أوِ النّاسِ بِأعْمالِهِمْ، أقْوالٌ أرْبَعَةٌ. (لِيُنْذِرَ) بِياءِ الغَيْبَةِ، أيْ: لِيُنْذِرَ القُرْآنُ. ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ أيْ: لا شَكَّ في وُقُوعِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾: اعْتِراضٌ لا مَحالَةَ. انْتَهى. ولا يَظْهَرُ أنَّهُ اعْتِراضٌ، أعْنِي صِناعِيًّا؛ لِأنَّهُ لَمْ يَقَعْ بَيْنَ طالِبٍ ومَطْلُوبٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (فَرِيقٌ) بِالرَّفْعِ فِيهِما، أيْ: هم فَرِيقٌ أوْ مِنهم فَرِيقٌ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِنَصْبِهِما، أيِ: افْتَرَقُوا، فَرِيقًا في كَذا، وفَرِيقًا في كَذا؛ ويَدُلُّ عَلى الِافْتِراقِ: الِاجْتِماعُ المَفْهُومُ مِن يَوْمِ الجَمْعِ. ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهم أُمَّةً واحِدَةً﴾: يَعْنِي مِن إيمانٍ أوْ كُفْرٍ، قالَ مَعْناهُ الضَّحّاكُ، وهو قَوْلُ أهْلِ السُّنَّةِ، وذَلِكَ تَسْلِيَةٌ لِلرَّسُولِ. كَما كانَ يُقاسِيهِ مَن كُفْرِ قَوْمِهِ، وتَوْقِيفٌ عَلى أنَّ ذَلِكَ راجِعٌ إلى مَشِيئَتِهِ، ولَكِنَّ مَن سَبَقَتْ لَهُ السَّعادَةُ أدْخَلَهُ في رَحْمَتِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿لَجَعَلَهم أُمَّةً واحِدَةً﴾ أيْ: مُؤْمِنِينَ كُلَّهم عَلى القَسْرِ والإكْراهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها﴾ [السجدة: ١٣]، وقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن في الأرْضِ كُلُّهم جَمِيعًا﴾ [يونس: ٩٩] . والدَّلِيلُ عَلى أنَّ المَعْنى هو الإيحاءُ إلى الإيمانِ قَوْلُهُ: ﴿أفَأنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ حَتّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٩٩]، وذَكَرَ ما ظَنَّهُ اسْتِدْلالًا عَلى ذَلِكَ، وهو عَلى طَرِيقِ الِاعْتِزالِ. وقالَ أنَسُ بْنُ مالِكٍ: ﴿فِي رَحْمَتِهِ﴾: في دِينِ الإسْلامِ. ﴿أمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ﴾، أمْ: بِمَعْنى بَلْ، لِلِانْتِقالِ مِن كَلامٍ إلى كَلامٍ، والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ عَلَيْهِمُ اتِّخاذَ أوْلِياءَ مِن دُونِ اللَّهِ. وقِيلَ: أمْ بِمَعْنى الهَمْزَةِ فَقَطْ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مِثْلِ هَذا، حَيْثُ جاءَتْ أمِ المُنْقَطِعَةُ، والمَعْنى: اتَّخَذُوا أوْلِياءَ دُونَ اللَّهِ، ولَيْسُوا بِأوْلِياءَ حَقِيقَةً، فاللَّهُ هو الوَلِيُّ، والَّذِي يَجِبُ أنْ يَتَوَلّى وحْدَهُ، لا ما لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ مِن أوْلِيائِهِمْ. ولَمّا أخْبَرَ أنَّهُ هو الوَلِيُّ، عَطَفَ عَلَيْهِ هَذا الفِعْلَ الغَرِيبَ الَّذِي لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، وهو إحْياءُ المَوْتى. ولَمّا ذَكَرَ هَذا الوَصْفَ، ذَكَرَ قُدْرَتَهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ تَتَعَلَّقُ إرادَتُهُ بِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: في قَوْلِهِ: ﴿فاللَّهُ هو الوَلِيُّ﴾، والفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فاللَّهُ هو الوَلِيُّ﴾ جَوابُ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: بَعْدَ إنْكارِ كُلِّ ولِيٍّ سِواهُ، وإنْ أرادُوا ولَيًّا بِحَقٍّ، فاللَّهُ هو الوَلِيُّ بِالحَقِّ، لا ولِيَّ سِواهُ. انْتَهى. ولا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ، والكَلامُ يَتِمُّ بِدُونِهِ. ﴿وما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ﴾: هَذا حِكايَةٌ لِقَوْلِ الرَّسُولِ، أيْ: ما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ أيُّها النّاسُ مِن تَكْذِيبٍ أوْ تَصْدِيقٍ وإيمانٍ وكُفْرٍ وغَيْرِ ذَلِكَ، فالحُكْمُ فِيهِ والمُجازاةُ عَلَيْهِ لَيْسَ ذَلِكَ إلّا إلى اللَّهِ، لا إلَيَّ، ولَفْظَةُ مِن شَيْءٍ تَدُلُّ عَلى العُمُومِ. وقِيلَ: مِن شَيْءٍ مِنَ الخُصُوماتِ، فَتَحاكَمُوا فِيهِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ولا تُؤْثِرُوا عَلى حُكُومَتِهِ حُكُومَةَ غَيْرِهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ تَنازَعْتُمْ في شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلى اللَّهِ والرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] . وقِيلَ: (مِن شَيْءٍ): مِن تَأْوِيلِ آيَةٍ واشْتَبَهَ عَلَيْكم، فارْجِعُوا في بَيانِهِ إلى آيِ المُحْكَمِ مِن كِتابِ اللَّهِ، والظّاهِرِ مِن سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وقِيلَ: ما وقَعَ مِنكُمُ الخِلافُ فِيهِ مِنَ العُلُومِ الَّتِي لا تَتَّصِلُ بِتَكْلِيفِكم، ولا طَرِيقَ لَكم إلى عِلْمِهِ، فَقُولُوا: اللَّهُ أعْلَمُ، كَمَعْرِفَةِ الرُّوحِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ ما خالَفَكم فِيهِ الكُفّارُ مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ فاخْتَلَفْتُمْ أنْتُمْ وهم فِيهِ مِن أُمُورِ الدِّينِ، فَحُكْمُ ذَلِكَ المُخْتَلَفِ فِيهِ مُفَوَّضٌ إلى اللَّهِ، وهو إثابَةُ المُحِقِّينَ فِيهِ مِنَ المُؤْمِنِينَ ومُعاتِبَةُ المُبْطِلِينَ. (ذَلِكم): الحَكَمُ بَيْنَكم هو ﴿رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ في رَدِّ كَيْدِ أعْداءِ الدِّينِ، وإلَيْهِ أرْجِعُ في كِفايَةِ شَرِّهِمْ. انْتَهى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (فاطِرُ) بِالرَّفْعِ، أيْ: هو فاطِرُ، أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ كَقَوْلِهِ: (ذَلِكم) . وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (فاطِرِ) بِالجَرِّ، صِفَةً لِقَوْلِهِ: (إلى اللَّهِ)، والجُمْلَةُ بَعْدَها اعْتِراضٌ بَيْنَ الصِّفَةِ والمَوْصُوفِ. ﴿جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكُمْ﴾ أيْ: مِن جِنْسِ أنْفُسِكم، أيْ: (p-٥١٠)آدَمَيّاتٍ، (أزْواجًا): إناثًا، أوْ جَعَلَ الخَلْقَ لِأبِينا آدَمَ مِن ضِلْعِهِ حَوّاءَ زَوْجًا لَهُ خَلْقًا لَنا، ﴿ومِنَ الأنْعامِ أزْواجًا﴾ أيْ: أنْواعًا كَثِيرَةً، ذُكُورًا وإناثًا، أوْ أزْواجًا إناثًا. ﴿يَذْرَؤُكم فِيهِ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أيْ يَجْعَلُ لَكم فِيهِ مَعِيشَةً تَعِيشُونَ بِها. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: يَرْزُقُكم فِيهِ، وهو قَرِيبٌ مِنَ القَوْلِ قَبْلَهُ. وقالَ مُجاهِدٌ: يَخْلُقُكم في بُطُونِ الإناثِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ أيْضًا: يَذْرَؤُكم فِيما خَلَقَ مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ. وقالَ الزَّجّاجُ: يُكَثِّرُكم بِهِ، أيْ: فِيهِ، أيْ: يُكَثِّرُكم في خَلْقِكم أزْواجًا. وقالَ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ: يَنْقُلُكم مِن حالٍ إلى حالٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الضَّمِيرُ في فِيهِ لِلْجَعْلِ، أيْ: يَخْلُقُكم ويُكَثِّرُكم في الجَعْلِ، كَما تَقُولُ: كَلَّمْتُ زَيْدًا كَلامًا أكْرَمْتُهُ فِيهِ، قالَ: ولَفْظَةُ ذَرَأ تُزِيدُ عَلى لَفْظَةِ خَلَقَ مَعْنًى آخَرَ لَيْسَ في خَلَقَ، وهو تَوالِي الطَّبَقاتِ عَلى مَرِّ الزَّمانِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (يَذْرَؤُكم): يُكَثِّرُكم، يُقالُ ذَرَأ اللَّهُ الخَلْقَ: بَثَّهم وكَثَّرَهم، والذَّرْءُ والذَّرُوءُ والذَّرْواءُ أخَواتٌ في هَذا التَّدْبِيرِ، وهو أنْ جَعَلَ لِلنّاسِ والأنْعامِ أزْواجًا حَتّى كانَ بَيْنَ ذُكُورِهِمْ وإناثِهِمُ التَّوالُدُ والتَّناسُلُ. والضَّمِيرُ في يَذْرَؤُكم يَرْجِعُ إلى المُخاطَبِينَ، و(الأنْعامِ) مُغَلَّبًا فِيهِ المُخاطَبُونَ العُقَلاءُ عَلى الغَيْرِ مِمّا لا يَعْقِلُ، وهي مِنَ الأحْكامِ ذاتِ العِلَّتَيْنِ. انْتَهى. وقَوْلُهُ: وهي مِنَ الأحْكامِ ذاتِ العِلَّتَيْنِ اصْطِلاحٌ غَرِيبٌ، ويَعْنِي أنَّ الخِطابَ يُغَلَّبُ عَلى الغَيْبَةِ إذا اجْتَمَعا فَتَقُولُ: أنْتَ وزَيْدٌ تَقُومانِ؛ والعاقِلُ يُغَلَّبُ عَلى غَيْرِ العاقِلِ إذا اجْتَمَعا، فَتَقُولُ: الحَيَوانُ وغَيْرُهم يُسَبِّحُونَ خالِقَهم. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ؛ فَإنْ قُلْتَ: ما مَعْنى (يَذْرَؤُكم) في هَذا التَّدْبِيرِ ؟ وهَلّا قِيلَ: يَذْرَؤُكم بِهِ ؟ قُلْتُ: جَعَلَ هَذا التَّدْبِيرَ كالمَنبَعِ والمَعْدِنِ لِلْبَثِّ والتَّكْثِيرِ. ألا تَراكَ تَقُولُ لِلْحَيَوانِ في خَلْقِ الأزْواجِ تَكْثِيرٌ ؟ كَما قالَ تَعالى: ﴿ولَكم في القِصاصِ حَياةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩] انْتَهى. ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، تَقُولُ العَرَبُ: مِثْلُكَ لا يَفْعَلُ كَذا، يُرِيدُونَ بِهِ المُخاطَبَ، كَأنَّهم إذا نَفَوُا الوَصْفَ عَنْ مِثْلِ الشَّخْصِ كانَ نَفْيًا عَنِ الشَّخْصِ، وهو مِن بابِ المُبالَغَةِ، ومِثْلُ الآيَةِ قَوْلُ أوْسِ بْنِ حَجَرٍ: ؎لَيْسَ كَمِثْلِ الفَتى زُهَيْرِ ∗∗∗ خُلُقٌ يُوازِيهِ في الفَضائِلِ وقالَ آخَرُ: ؎وقَتْلى كَمِثْلِ جُذُوعِ النَّخِيلِ ∗∗∗ تَغْشاهم مَسْبَلٌ مُنْهَمِرْ وقالَ آخَرُ: ؎سَعْدُ بْنُ زَيْدٍ إذا أبْصَرْتَ فَضْلَهم ∗∗∗ ما إنَّ مِثْلَهُمُ في النّاسِ مِن أحَدِ فَجَرَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ عَلى نَهْجِ كَلامِ العَرَبِ مِن إطْلاقِ المِثْلِ عَلى نَفْسِ الشَّيْءِ. وما ذَهَبَ إلَيْهِ الطَّبَرِيُّ وغَيْرُهُ مِن أنَّ مِثْلًا زائِدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ كالكافِّ في قَوْلِهِ: ؎فَأصْبَحَتْ مِثْلَ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ وقَوْلِهِ: وصالِياتٍ كَكُما يُؤْثَفِينَ، لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّ مِثْلًا اسْمٌ، والأسْماءُ لا تُزادُ، بِخِلافِ الكافِ، فَإنَّها حَرْفٌ، فَتَصْلُحُ لِلزِّيادَةِ. ونَظِيرُ نِسْبَةِ المِثْلِ إلى مَن لا مِثْلَ لَهُ قَوْلُكَ: فُلانٌ يَدُهُ مَبْسُوطَةٌ، يُرِيدُ أنَّهُ جَوادٌ، ولا نَظِيرَ لَهُ في الحَقِيقَةِ إلى اليَدِ حَتّى تَقُولَ ذَلِكَ لِمَن لا يَدَ لَهُ، كَقَوْلِهِ: ﴿بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ﴾ [المائدة: ٦٤] . فَكَما جَعَلْتَ ذَلِكَ كِنايَةً عَنِ الجَوادِ فِيمَن لا يَدَ لَهُ، فَكَذَلِكَ جَعَلْتَ المِثْلَ كِنايَةً عَنِ الذَّواتِ في مَن لا مِثْلَ لَهُ. ويُحْتَمَلُ أيْضًا أنْ يُرادَ بِالمِثْلِ الصِّفَةُ، وذَلِكَ سائِغٌ، يُطْلَقُ المِثْلُ بِمَعْنى المِثْلِ وهو الصِّفَةُ، فَيَكُونُ المَعْنى: لَيْسَ مِثْلَ صِفَتِهِ تَعالى شَيْءٌ مِنَ الصِّفاتِ الَّتِي لِغَيْرِهِ، وهَذا مَحْمَلٌ سَهْلٌ، والوَجْهُ الأوَّلُ أغْوَصُ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: العَرَبُ تُقِيمُ المِثالَ مَقامَ النَّفْسِ، فَيَقُولُ: مِثْلِي لا يُقالُ لَهُ هَذا، أيْ: أنا لا يُقالُ لِي هَذا. انْتَهى. فَقَدْ صارَ ذَلِكَ كِنايَةً عَنِ الذّاتِ، فَلا فَرْقَ بَيْنَ قَوْلِكِ: لَيْسَ كاللَّهِ شَيْءٌ، أوْ لَيْسَ كَمِثْلِ اللَّهِ شَيْءٌ. وقَدْ أجْمَعَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ الكافَ والمِثْلَ يُرادُ بِهِما مَوْضُوعُهُما الحَقِيقِيُّ مِن أنَّ كُلًّا مِنهُما يُرادُ بِهِ التَّشْبِيهُ، وذَلِكَ مُحالٌ؛ لِأنَّ فِيهِ إثْباتُ مِثْلٍ لِلَّهِ (p-٥١١)تَعالى، وهو مُحالٌ. ﴿وهُوَ السَّمِيعُ﴾ لِأقْوالِ الخَلْقِ، (البَصِيرُ) لِأعْمالِهِمْ. وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ: ﴿لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ في سُورَةِ الزُّمَرِ؛ وقُرِئَ: (ويَقْدِرُ) أيْ: يُضَيِّقُ. ﴿إنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ أيْ: يُوَسِّعُ لِمَن يَشاءُ، ويُضَيِّقُ عَلى مَن يَشاءُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإذا عَلِمَ أنَّ الغِنى خَيْرٌ لِلْعَبْدِ أغْناهُ لا أفْقَرَهُ. انْتَهى، وفِيهِ دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ.

الشورى 42:2

سُورَةُ الشُّورى ثَلاثٌ وخَمْسُونَ آيَةً، مَكِّيَّةٌ ﷽ ﴿حم﴾ ﴿عسق﴾ ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إلَيْكَ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وهو العَلِيُّ العَظِيمُ﴾ ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ والمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ويَسْتَغْفِرُونَ لِمَن في الأرْضِ ألا إنَّ اللَّهَ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أولِياءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ ﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ القُرى ومَن حَوْلَها وتُنْذِرَ يَوْمَ الجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ في الجَنَّةِ وفَرِيقٌ في السَّعِيرِ﴾ ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهم أُمَّةً واحِدَةً ولَكِنْ يُدْخِلُ مَن يَشاءُ في رَحْمَتِهِ والظّالِمُونَ ما لَهم مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ ﴿أمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ فاللَّهُ هو الوَلِيُّ وهو يُحْيِي المَوْتى وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿وما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إلى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وإلَيْهِ أُنِيبُ﴾ ﴿فاطِرُ السَّماواتِ والأرْضِ جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا ومِنَ الأنْعامِ أزْواجًا يَذْرَؤُكم فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وهو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ ﴿لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ والأرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ إنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ﴿شَرَعَ لَكم مِنَ الدِّينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ وما وصَّيْنا بِهِ إبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى أنْ أقِيمُوا الدِّينَ ولا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلى المُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهم إلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إلَيْهِ مَن يَشاءُ ويَهْدِي إلَيْهِ مَن يُنِيبُ﴾ [الشورى: ١٣] ﴿وما تَفَرَّقُوا إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهم ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ إلى أجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهم وإنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الكِتابَ مِن بَعْدِهِمْ لَفي شَكٍّ مِنهُ مُرِيبٍ﴾ [الشورى: ١٤] ﴿فَلِذَلِكَ فادْعُ واسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ ولا تَتَّبِعْ أهْواءَهم وقُلْ آمَنتُ بِما أنْزَلَ اللَّهُ مِن كِتابٍ وأُمِرْتُ لِأعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنا ورَبُّكم لَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكم لا حُجَّةَ بَيْنَنا وبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا وإلَيْهِ المَصِيرُ﴾ [الشورى: ١٥] ﴿والَّذِينَ يُحاجُّونَ في اللَّهِ مِن بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهم داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وعَلَيْهِمْ غَضَبٌ ولَهم عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ [الشورى: ١٦] ﴿اللَّهُ الَّذِي أنْزَلَ الكِتابَ بِالحَقِّ والمِيزانَ وما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ [الشورى: ١٧] ﴿يَسْتَعْجِلُ بِها الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها والَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنها ويَعْلَمُونَ أنَّها الحَقُّ ألا إنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ في السّاعَةِ لَفي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ [الشورى: ١٨] ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ وهو القَوِيُّ العَزِيزُ﴾ [الشورى: ١٩] ﴿مَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ ومَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنها وما لَهُ في الآخِرَةِ مِن نَصِيبٍ﴾ [الشورى: ٢٠] ﴿أمْ لَهم شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهم مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ ولَوْلا كَلِمَةُ الفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهم وإنَّ الظّالِمِينَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [الشورى: ٢١] ﴿تَرى الظّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا كَسَبُوا وهو واقِعٌ بِهِمْ والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ في رَوْضاتِ الجَنّاتِ لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هو الفَضْلُ الكَبِيرُ﴾ [الشورى: ٢٢] ﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى ومَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْنًا إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [الشورى: ٢٣] ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا فَإنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ ويَمْحُ اللَّهُ الباطِلَ ويُحِقُّ الحَقَّ بِكَلِماتِهِ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ [الشورى: ٢٤] ﴿وهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ ويَعْفُو عَنِ السَّيِّئاتِ ويَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ﴾ [الشورى: ٢٥] (p-٥٠٧)﴿ويَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ والكافِرُونَ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ [الشورى: ٢٦] ﴿ولَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا في الأرْضِ ولَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ إنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [الشورى: ٢٧] ﴿وهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الغَيْثَ مِن بَعْدِ ما قَنَطُوا ويَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وهو الوَلِيُّ الحَمِيدُ﴾ [الشورى: ٢٨] ﴿ومِن آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَثَّ فِيهِما مِن دابَّةٍ وهو عَلى جَمْعِهِمْ إذا يَشاءُ قَدِيرٌ﴾ [الشورى: ٢٩] ﴿وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكم ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠] ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ في الأرْضِ وما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ [الشورى: ٣١] ﴿ومِن آياتِهِ الجَوارِي في البَحْرِ كالأعْلامِ﴾ [الشورى: ٣٢] ﴿إنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ [الشورى: ٣٣] . رَكَدَ الشَّيْءُ، ثَبَتَ في مَكانِهِ، وقَدْ قالَ الشّاعِرُ: ؎رُكُودًا يُوارِي الرَّبْرَبَ المُتَفَرِّقَ وقَدْ رَكَدَتْ وسَطَ السَّماءِ نُجُومُها ﴿حم﴾ ﴿عسق﴾ ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إلَيْكَ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وهو العَلِيُّ العَظِيمُ﴾ ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ والمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ويَسْتَغْفِرُونَ لِمَن في الأرْضِ ألا إنَّ اللَّهَ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أولِياءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ ﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ القُرى ومَن حَوْلَها وتُنْذِرَ يَوْمَ الجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ في الجَنَّةِ وفَرِيقٌ في السَّعِيرِ﴾ ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهم أُمَّةً واحِدَةً ولَكِنْ يُدْخِلُ مَن يَشاءُ في رَحْمَتِهِ والظّالِمُونَ ما لَهم مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ ﴿أمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ فاللَّهُ هو الوَلِيُّ وهو يُحْيِي المَوْتى وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿وما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إلى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وإلَيْهِ أُنِيبُ﴾ ﴿فاطِرُ السَّماواتِ والأرْضِ جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا ومِنَ الأنْعامِ أزْواجًا يَذْرَؤُكم فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وهو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ ﴿لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ والأرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ إنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الحَسَنِ وعَطاءٍ وعِكْرِمَةَ وجابِرٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَكِّيَّةٌ إلّا أرْبَعَ آياتٍ مِن قَوْلِهِ: ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ [الشورى: ٢٣] إلى آخِرِ الأرْبَعِ آياتٍ، فَإنَّها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ. وقالَ مُقاتِلٌ: فِيها مَدَنِيٌّ قَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ﴾ [الشورى: ٢٣] إلى (الصُّدُورِ) . ومُناسَبَةُ أوَّلِ السُّورَةِ لِآخِرِ ما قَبْلَها أنَّهُ قالَ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ [فصلت: ٥٢] الآيَةَ، وكانَ في ذَلِكَ الحُكْمُ عَلَيْهِمْ بِالضَّلالِ. لَمّا كَفَرُوا بِهِ قالَ هُنا: (كَذَلِكَ)، أيْ: مِثْلُ الإيحاءِ السّابِقِ في القُرْآنِ الَّذِي كَفَرَ بِهِ هَؤُلاءِ، ﴿يُوحِي إلَيْكَ﴾: أيْ: إنَّ وحْيَهُ تَعالى إلَيْكَ مُتَّصِلٌ غَيْرُ مُنْقَطِعٍ، يَتَعَهَّدُكَ وقْتًا بَعْدَ وقْتٍ. وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ في ﴿حم﴾ ﴿عسق﴾ أقْوالًا مُضْطَرِبَةً لا يَصِحُّ مِنها شَيْءٌ كَعادَتِهِمْ في هَذِهِ الفَواتِحِ، ضَرَبْنا عَنْ ذِكْرِها صَفْحًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يُوحِي) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ؛ وأبُو حَيْوَةَ، والأعْشى عَنْ أبِي بَكْرٍ، وأبانَ (نُوحِي) (p-٥٠٨)بِنُونِ العَظَمَةِ. ومُجاهِدٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وعَبّاسٌ، ومَحْبُوبٌ، كِلاهُما عَنْ أبِي عَمْرٍو: (يُوحى) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ؛ و(اللَّهُ) مَرْفُوعٌ بِمُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ أوْحى، أوْ بِالِابْتِداءِ، التَّقْدِيرُ: اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ المُوحِي. وعَلى قِراءَةِ (نُوحِي) بِالنُّونِ، يَكُونُ ﴿اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ مُبْتَدَأً وخَبَرًا. و(يُوحِي) إمّا في مَعْنى أوْجَبَ حَتّى يَنْتَظِمَ قَوْلُهُ: ﴿وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ﴾، أوْ يُقْرَأُ عَلى مَوْضُوعِهِ، ويُضْمِرُ عامِلٌ يَتَعَلَّقُ بِهِ (إلى الَّذِينَ) تَقْدِيرُهُ: وأوْحى إلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ﴿تَكادُ السَّماواتُ﴾ في سُورَةِ مَرْيَمَ قِراءَةً وتَفْسِيرًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ورَوى يُونُسُ عَنْ أبِي عُمَرَ وقِراءَةٌ عَرَبِيَّةٌ (تَتَفَطَّرْنَ) بِتاءَيْنِ مَعَ النُّونِ، ونَظِيرُها حَرْفٌ نادِرٌ رُوِيَ في نَوادِرِ ابْنِ الأعْرابِيِّ: الإبِلُ تَتَشَمَّمْنَ. انْتَهى. والظّاهِرُ أنَّ هَذا وهْمٌ مِنَ الزَّمَخْشَرِيِّ في النَّقْلِ؛ لِأنَّ ابْنَ خالَوَيْهِ ذَكَرَ في شَواذِّ القِراءاتِ لَهُ ما نَصَبَ (تَفَطَّرْنَ) بِالتّاءِ والنُّونِ، يُونُسُ عَنْ أبِي عَمْرٍو. وقالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: هَذا حَرْفٌ نادِرٌ؛ لِأنَّ العَرَبَ لا تَجْمَعُ بَيْنَ عَلامَتَيِ التَّأْنِيثِ. لا يُقالُ: النِّساءُ تَقُمْنَ، ولَكِنْ يَقُمْنَ، والوالِداتُ يُرْضِعْنَ. قَدْ كانَ أبُو عُمَرَ الزّاهِدُ رَوى في نَوادِرِ ابْنِ الأعْرابِيِّ: الإبِلُ تَتَشَمَّمْنَ، فَأنْكَرْناهُ، فَقَدْ قَوّاهُ؛ لِأنَّ هَذا كَلامُ ابْنِ خالَوَيْهِ. فَإنْ كانَتْ نُسَخُ الزَّمَخْشَرِيِّ مُتَّفِقَةً عَلى قَوْلِهِ بِتاءَيْنِ مَعَ النُّونِ فَهو وهْمٌ، وإنْ كانَ في بَعْضِها بِتاءٍ مَعَ النُّونِ، كانَ مُوافِقًا لِقَوْلِ ابْنِ خالَوَيْهِ، وكانَ بِتاءَيْنِ تَحْرِيفًا مِنَ النُّسّاخِ. وكَذَلِكَ كَتْبُهم تَتَفَطَّرْنَ وتَتَشَمَّمْنَ بِتاءَيْنِ. والظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ في (مِن فَوْقِهِنَّ) عَلى (السَّماواتُ) . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مِن أعْلاهُنَّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَنْفَطِرْنَ مِن عُلُوِّ شَأْنِ اللَّهِ تَعالى وعَظَمَتِهِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ مَجِيئُهُ بَعْدَ ﴿العَلِيُّ العَظِيمُ﴾ . وقِيلَ: مِن دُعائِهِمْ لَهُ ولَدًا، كَقَوْلِهِ: ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنهُ﴾ [مريم: ٩٠] . فَإنْ قُلْتَ: لِمَ قالَ (مِن فَوْقِهِنَّ) ؟ قُلْتُ: لِأنَّ أعْظَمَ الآياتِ وأدَلَّها عَلى الجَلالِ والعَظَمَةِ فَوْقَ السَّماواتِ، وهي العَرَضُ والكُرْسِيُّ وصُفُوفُ المَلائِكَةِ المُرْتَجَّةِ بِالتَّسْبِيحِ والتَّقْدِيسِ حَوْلَ العَرْشِ، وما لا يَعْلَمُ كُنْهَهُ إلّا اللَّهُ مِن آثارِ مَلَكُوتِهِ العُظْمى، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ﴾ أيْ: يَبْتَدِئُ الِانْفِطارُ مِن جِهَتَيْنِ الفَوْقانِيَّةِ. وقالَ جَماعَةٌ، مِنهُمُ الحَوْفِيُّ، قالَ: (مِن فَوْقِهِنَّ)، والهاءُ والنُّونُ كِنايَةٌ عَنِ الأرَضِينَ. انْتَهى. (مِن فَوْقِهِنَّ) مُتَعَلِّقٌ بِـ(يَتَفَطَّرْنَ) ويَدُلُّ عَلى هَذا القَوْلِ ذِكْرُ الأرْضِ قَبْلُ. وقالَ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ الأخْفَشُ: الضَّمِيرُ لِلْكُفّارِ، والمَعْنى: مِن فَوْقِ الفِرَقِ والجَماعاتِ المُلْحِدَةِ، أيْ مِن أجْلِ أقْوالِها. انْتَهى. فَهَذِهِ الآيَةُ كالَّذِي في سُورَةِ مَرْيَمَ، واسْتَبْعَدَ مَكِّيٌّ هَذا القَوْلَ، قالَ: لا يَجُوزُ في الذُّكُورِ مِن بَنِي آدَمَ، يَعْنِي ضَمِيرَ المُؤَنَّثِ والِاسْتِشْعارُ ما ذَكَرَهُ مَكِّيٌّ. قالَ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ: مِن فَوْقِ الفِرَقِ والجَماعاتِ، وظاهِرُ المَلائِكَةِ العُمُومُ. وقالَ مُقاتِلٌ: حَمَلَةُ العَرْشِ والتَّسْبِيحِ، قِيلَ: قَوْلُهم سُبْحانَ اللَّهَ، وقِيلَ: يُهَلِّلُونَ؛ والظّاهِرُ في (يَسْتَغْفِرُونَ) طَلَبُ الغُفْرانِ، ولِأهْلِ الأرْضِ عامٌّ مَخْصُوصٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ويَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر: ٧]، قالَهُ السُّدِّيُّ. وقِيلَ: عامٌّ. ومَعْنى الِاسْتِغْفارِ: طَلَبُ الهِدايَةِ المُؤَدِّيَةِ إلى المَغْفِرَةِ، كَأنَّهم يَقُولُونَ: اللَّهُمَّ اهْدِ أهْلَ الأرْضِ، فاغْفِرْ لَهم. ويَدُلُّ عَلَيْهِ وصْفُهُ بِالغُفْرانِ والرَّحْمَةِ والِاسْتِفْتاحِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَقْصِدُوا بِالِاسْتِغْفارِ لَهم: طَلَبَ الحِلْمِ والغُفْرانِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ والأرْضَ أنْ تَزُولا﴾ [فاطر: ٤١]، إلى أنْ قالَ: ﴿إنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [فاطر: ٤١]، وقَوْلِهِ: ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ﴾ [الرعد: ٦]، والمُرادُ: الحِلْمُ عَنْهم، وأنْ لا يُعاجِلَهم بِالِانْتِقامِ فَيَكُونُ عامًّا. انْتَهى. وتَكَلَّمَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ في قَوْلِهِ: ﴿تَكادُ السَّماواتُ﴾ كَلامًا خارِجًا عَنْ مَناحِي مَفْهُوماتِ العَرَبِ، مُنْتَزَعًا مِن كَلامِ الفَلاسِفَةِ ومَن جَرى مَجْراهم، يُوقَفُ عَلى ذَلِكَ في كِتابِهِ. ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ﴾: أيْ أصْنامًا وأوْثانًا، ﴿اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ﴾: أيْ عَلى أعْمالِهِمْ ومُجازِيهِمْ عَلَيْها، ﴿وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ أيْ: بِمُفَوَّضٍ إلَيْكَ أمْرُهم ولا قائِمٍ. وما في هَذا مِنَ المُوادَعَةِ مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ. (وكَذَلِكَ) أيْ: ومِثْلُ هَذا الإيحاءِ والقَضاءِ، إنَّكَ لَسْتَ بِوَكِيلٍ عَلَيْهِمْ، ﴿أوْحَيْنا إلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ . (p-٥٠٩)والظّاهِرُ أنَّ (قُرْءانًا) مَفْعُولُ (أوْحَيْنا) . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الكافُ مَفْعُولٌ بِهِ، أيْ أوْحَيْناهُ إلَيْكَ، وهو قُرْآنٌ عَرَبِيٌّ لا لَبْسَ فِيهِ عَلَيْكَ، إذْ نَزَلَ بِلِسانِكَ. انْتَهى. فاسْتَعْمَلَ الكافَ اسْمًا في الكَلامِ، وهو مَذْهَبُ الأخْفَشِ. ﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ القُرى﴾: مَكَّةَ، أيْ أهْلَ أُمِّ القُرى، وكَذَلِكَ المَفْعُولُ الأوَّلُ مَحْذُوفٌ، والثّانِي هو: ﴿يَوْمَ الجَمْعِ﴾ أيِ: اجْتِماعِ الخَلائِقِ، والمُنْذَرُ بِهِ هو ما يَقَعُ في يَوْمِ الجَمْعِ مِنَ الجَزاءِ وانْقِسامِ الجَمْعِ إلى الفَرِيقَيْنِ، أوِ اجْتِماعِ الأرْواحِ بِالأجْسادِ، أوْ أهْلِ الأرْضِ بِأهْلِ السَّماءِ، أوِ النّاسِ بِأعْمالِهِمْ، أقْوالٌ أرْبَعَةٌ. (لِيُنْذِرَ) بِياءِ الغَيْبَةِ، أيْ: لِيُنْذِرَ القُرْآنُ. ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ أيْ: لا شَكَّ في وُقُوعِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾: اعْتِراضٌ لا مَحالَةَ. انْتَهى. ولا يَظْهَرُ أنَّهُ اعْتِراضٌ، أعْنِي صِناعِيًّا؛ لِأنَّهُ لَمْ يَقَعْ بَيْنَ طالِبٍ ومَطْلُوبٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (فَرِيقٌ) بِالرَّفْعِ فِيهِما، أيْ: هم فَرِيقٌ أوْ مِنهم فَرِيقٌ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِنَصْبِهِما، أيِ: افْتَرَقُوا، فَرِيقًا في كَذا، وفَرِيقًا في كَذا؛ ويَدُلُّ عَلى الِافْتِراقِ: الِاجْتِماعُ المَفْهُومُ مِن يَوْمِ الجَمْعِ. ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهم أُمَّةً واحِدَةً﴾: يَعْنِي مِن إيمانٍ أوْ كُفْرٍ، قالَ مَعْناهُ الضَّحّاكُ، وهو قَوْلُ أهْلِ السُّنَّةِ، وذَلِكَ تَسْلِيَةٌ لِلرَّسُولِ. كَما كانَ يُقاسِيهِ مَن كُفْرِ قَوْمِهِ، وتَوْقِيفٌ عَلى أنَّ ذَلِكَ راجِعٌ إلى مَشِيئَتِهِ، ولَكِنَّ مَن سَبَقَتْ لَهُ السَّعادَةُ أدْخَلَهُ في رَحْمَتِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿لَجَعَلَهم أُمَّةً واحِدَةً﴾ أيْ: مُؤْمِنِينَ كُلَّهم عَلى القَسْرِ والإكْراهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها﴾ [السجدة: ١٣]، وقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن في الأرْضِ كُلُّهم جَمِيعًا﴾ [يونس: ٩٩] . والدَّلِيلُ عَلى أنَّ المَعْنى هو الإيحاءُ إلى الإيمانِ قَوْلُهُ: ﴿أفَأنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ حَتّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٩٩]، وذَكَرَ ما ظَنَّهُ اسْتِدْلالًا عَلى ذَلِكَ، وهو عَلى طَرِيقِ الِاعْتِزالِ. وقالَ أنَسُ بْنُ مالِكٍ: ﴿فِي رَحْمَتِهِ﴾: في دِينِ الإسْلامِ. ﴿أمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ﴾، أمْ: بِمَعْنى بَلْ، لِلِانْتِقالِ مِن كَلامٍ إلى كَلامٍ، والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ عَلَيْهِمُ اتِّخاذَ أوْلِياءَ مِن دُونِ اللَّهِ. وقِيلَ: أمْ بِمَعْنى الهَمْزَةِ فَقَطْ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مِثْلِ هَذا، حَيْثُ جاءَتْ أمِ المُنْقَطِعَةُ، والمَعْنى: اتَّخَذُوا أوْلِياءَ دُونَ اللَّهِ، ولَيْسُوا بِأوْلِياءَ حَقِيقَةً، فاللَّهُ هو الوَلِيُّ، والَّذِي يَجِبُ أنْ يَتَوَلّى وحْدَهُ، لا ما لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ مِن أوْلِيائِهِمْ. ولَمّا أخْبَرَ أنَّهُ هو الوَلِيُّ، عَطَفَ عَلَيْهِ هَذا الفِعْلَ الغَرِيبَ الَّذِي لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، وهو إحْياءُ المَوْتى. ولَمّا ذَكَرَ هَذا الوَصْفَ، ذَكَرَ قُدْرَتَهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ تَتَعَلَّقُ إرادَتُهُ بِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: في قَوْلِهِ: ﴿فاللَّهُ هو الوَلِيُّ﴾، والفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فاللَّهُ هو الوَلِيُّ﴾ جَوابُ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: بَعْدَ إنْكارِ كُلِّ ولِيٍّ سِواهُ، وإنْ أرادُوا ولَيًّا بِحَقٍّ، فاللَّهُ هو الوَلِيُّ بِالحَقِّ، لا ولِيَّ سِواهُ. انْتَهى. ولا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ، والكَلامُ يَتِمُّ بِدُونِهِ. ﴿وما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ﴾: هَذا حِكايَةٌ لِقَوْلِ الرَّسُولِ، أيْ: ما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ أيُّها النّاسُ مِن تَكْذِيبٍ أوْ تَصْدِيقٍ وإيمانٍ وكُفْرٍ وغَيْرِ ذَلِكَ، فالحُكْمُ فِيهِ والمُجازاةُ عَلَيْهِ لَيْسَ ذَلِكَ إلّا إلى اللَّهِ، لا إلَيَّ، ولَفْظَةُ مِن شَيْءٍ تَدُلُّ عَلى العُمُومِ. وقِيلَ: مِن شَيْءٍ مِنَ الخُصُوماتِ، فَتَحاكَمُوا فِيهِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ولا تُؤْثِرُوا عَلى حُكُومَتِهِ حُكُومَةَ غَيْرِهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ تَنازَعْتُمْ في شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلى اللَّهِ والرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] . وقِيلَ: (مِن شَيْءٍ): مِن تَأْوِيلِ آيَةٍ واشْتَبَهَ عَلَيْكم، فارْجِعُوا في بَيانِهِ إلى آيِ المُحْكَمِ مِن كِتابِ اللَّهِ، والظّاهِرِ مِن سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وقِيلَ: ما وقَعَ مِنكُمُ الخِلافُ فِيهِ مِنَ العُلُومِ الَّتِي لا تَتَّصِلُ بِتَكْلِيفِكم، ولا طَرِيقَ لَكم إلى عِلْمِهِ، فَقُولُوا: اللَّهُ أعْلَمُ، كَمَعْرِفَةِ الرُّوحِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ ما خالَفَكم فِيهِ الكُفّارُ مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ فاخْتَلَفْتُمْ أنْتُمْ وهم فِيهِ مِن أُمُورِ الدِّينِ، فَحُكْمُ ذَلِكَ المُخْتَلَفِ فِيهِ مُفَوَّضٌ إلى اللَّهِ، وهو إثابَةُ المُحِقِّينَ فِيهِ مِنَ المُؤْمِنِينَ ومُعاتِبَةُ المُبْطِلِينَ. (ذَلِكم): الحَكَمُ بَيْنَكم هو ﴿رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ في رَدِّ كَيْدِ أعْداءِ الدِّينِ، وإلَيْهِ أرْجِعُ في كِفايَةِ شَرِّهِمْ. انْتَهى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (فاطِرُ) بِالرَّفْعِ، أيْ: هو فاطِرُ، أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ كَقَوْلِهِ: (ذَلِكم) . وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (فاطِرِ) بِالجَرِّ، صِفَةً لِقَوْلِهِ: (إلى اللَّهِ)، والجُمْلَةُ بَعْدَها اعْتِراضٌ بَيْنَ الصِّفَةِ والمَوْصُوفِ. ﴿جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكُمْ﴾ أيْ: مِن جِنْسِ أنْفُسِكم، أيْ: (p-٥١٠)آدَمَيّاتٍ، (أزْواجًا): إناثًا، أوْ جَعَلَ الخَلْقَ لِأبِينا آدَمَ مِن ضِلْعِهِ حَوّاءَ زَوْجًا لَهُ خَلْقًا لَنا، ﴿ومِنَ الأنْعامِ أزْواجًا﴾ أيْ: أنْواعًا كَثِيرَةً، ذُكُورًا وإناثًا، أوْ أزْواجًا إناثًا. ﴿يَذْرَؤُكم فِيهِ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أيْ يَجْعَلُ لَكم فِيهِ مَعِيشَةً تَعِيشُونَ بِها. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: يَرْزُقُكم فِيهِ، وهو قَرِيبٌ مِنَ القَوْلِ قَبْلَهُ. وقالَ مُجاهِدٌ: يَخْلُقُكم في بُطُونِ الإناثِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ أيْضًا: يَذْرَؤُكم فِيما خَلَقَ مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ. وقالَ الزَّجّاجُ: يُكَثِّرُكم بِهِ، أيْ: فِيهِ، أيْ: يُكَثِّرُكم في خَلْقِكم أزْواجًا. وقالَ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ: يَنْقُلُكم مِن حالٍ إلى حالٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الضَّمِيرُ في فِيهِ لِلْجَعْلِ، أيْ: يَخْلُقُكم ويُكَثِّرُكم في الجَعْلِ، كَما تَقُولُ: كَلَّمْتُ زَيْدًا كَلامًا أكْرَمْتُهُ فِيهِ، قالَ: ولَفْظَةُ ذَرَأ تُزِيدُ عَلى لَفْظَةِ خَلَقَ مَعْنًى آخَرَ لَيْسَ في خَلَقَ، وهو تَوالِي الطَّبَقاتِ عَلى مَرِّ الزَّمانِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (يَذْرَؤُكم): يُكَثِّرُكم، يُقالُ ذَرَأ اللَّهُ الخَلْقَ: بَثَّهم وكَثَّرَهم، والذَّرْءُ والذَّرُوءُ والذَّرْواءُ أخَواتٌ في هَذا التَّدْبِيرِ، وهو أنْ جَعَلَ لِلنّاسِ والأنْعامِ أزْواجًا حَتّى كانَ بَيْنَ ذُكُورِهِمْ وإناثِهِمُ التَّوالُدُ والتَّناسُلُ. والضَّمِيرُ في يَذْرَؤُكم يَرْجِعُ إلى المُخاطَبِينَ، و(الأنْعامِ) مُغَلَّبًا فِيهِ المُخاطَبُونَ العُقَلاءُ عَلى الغَيْرِ مِمّا لا يَعْقِلُ، وهي مِنَ الأحْكامِ ذاتِ العِلَّتَيْنِ. انْتَهى. وقَوْلُهُ: وهي مِنَ الأحْكامِ ذاتِ العِلَّتَيْنِ اصْطِلاحٌ غَرِيبٌ، ويَعْنِي أنَّ الخِطابَ يُغَلَّبُ عَلى الغَيْبَةِ إذا اجْتَمَعا فَتَقُولُ: أنْتَ وزَيْدٌ تَقُومانِ؛ والعاقِلُ يُغَلَّبُ عَلى غَيْرِ العاقِلِ إذا اجْتَمَعا، فَتَقُولُ: الحَيَوانُ وغَيْرُهم يُسَبِّحُونَ خالِقَهم. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ؛ فَإنْ قُلْتَ: ما مَعْنى (يَذْرَؤُكم) في هَذا التَّدْبِيرِ ؟ وهَلّا قِيلَ: يَذْرَؤُكم بِهِ ؟ قُلْتُ: جَعَلَ هَذا التَّدْبِيرَ كالمَنبَعِ والمَعْدِنِ لِلْبَثِّ والتَّكْثِيرِ. ألا تَراكَ تَقُولُ لِلْحَيَوانِ في خَلْقِ الأزْواجِ تَكْثِيرٌ ؟ كَما قالَ تَعالى: ﴿ولَكم في القِصاصِ حَياةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩] انْتَهى. ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، تَقُولُ العَرَبُ: مِثْلُكَ لا يَفْعَلُ كَذا، يُرِيدُونَ بِهِ المُخاطَبَ، كَأنَّهم إذا نَفَوُا الوَصْفَ عَنْ مِثْلِ الشَّخْصِ كانَ نَفْيًا عَنِ الشَّخْصِ، وهو مِن بابِ المُبالَغَةِ، ومِثْلُ الآيَةِ قَوْلُ أوْسِ بْنِ حَجَرٍ: ؎لَيْسَ كَمِثْلِ الفَتى زُهَيْرِ ∗∗∗ خُلُقٌ يُوازِيهِ في الفَضائِلِ وقالَ آخَرُ: ؎وقَتْلى كَمِثْلِ جُذُوعِ النَّخِيلِ ∗∗∗ تَغْشاهم مَسْبَلٌ مُنْهَمِرْ وقالَ آخَرُ: ؎سَعْدُ بْنُ زَيْدٍ إذا أبْصَرْتَ فَضْلَهم ∗∗∗ ما إنَّ مِثْلَهُمُ في النّاسِ مِن أحَدِ فَجَرَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ عَلى نَهْجِ كَلامِ العَرَبِ مِن إطْلاقِ المِثْلِ عَلى نَفْسِ الشَّيْءِ. وما ذَهَبَ إلَيْهِ الطَّبَرِيُّ وغَيْرُهُ مِن أنَّ مِثْلًا زائِدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ كالكافِّ في قَوْلِهِ: ؎فَأصْبَحَتْ مِثْلَ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ وقَوْلِهِ: وصالِياتٍ كَكُما يُؤْثَفِينَ، لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّ مِثْلًا اسْمٌ، والأسْماءُ لا تُزادُ، بِخِلافِ الكافِ، فَإنَّها حَرْفٌ، فَتَصْلُحُ لِلزِّيادَةِ. ونَظِيرُ نِسْبَةِ المِثْلِ إلى مَن لا مِثْلَ لَهُ قَوْلُكَ: فُلانٌ يَدُهُ مَبْسُوطَةٌ، يُرِيدُ أنَّهُ جَوادٌ، ولا نَظِيرَ لَهُ في الحَقِيقَةِ إلى اليَدِ حَتّى تَقُولَ ذَلِكَ لِمَن لا يَدَ لَهُ، كَقَوْلِهِ: ﴿بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ﴾ [المائدة: ٦٤] . فَكَما جَعَلْتَ ذَلِكَ كِنايَةً عَنِ الجَوادِ فِيمَن لا يَدَ لَهُ، فَكَذَلِكَ جَعَلْتَ المِثْلَ كِنايَةً عَنِ الذَّواتِ في مَن لا مِثْلَ لَهُ. ويُحْتَمَلُ أيْضًا أنْ يُرادَ بِالمِثْلِ الصِّفَةُ، وذَلِكَ سائِغٌ، يُطْلَقُ المِثْلُ بِمَعْنى المِثْلِ وهو الصِّفَةُ، فَيَكُونُ المَعْنى: لَيْسَ مِثْلَ صِفَتِهِ تَعالى شَيْءٌ مِنَ الصِّفاتِ الَّتِي لِغَيْرِهِ، وهَذا مَحْمَلٌ سَهْلٌ، والوَجْهُ الأوَّلُ أغْوَصُ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: العَرَبُ تُقِيمُ المِثالَ مَقامَ النَّفْسِ، فَيَقُولُ: مِثْلِي لا يُقالُ لَهُ هَذا، أيْ: أنا لا يُقالُ لِي هَذا. انْتَهى. فَقَدْ صارَ ذَلِكَ كِنايَةً عَنِ الذّاتِ، فَلا فَرْقَ بَيْنَ قَوْلِكِ: لَيْسَ كاللَّهِ شَيْءٌ، أوْ لَيْسَ كَمِثْلِ اللَّهِ شَيْءٌ. وقَدْ أجْمَعَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ الكافَ والمِثْلَ يُرادُ بِهِما مَوْضُوعُهُما الحَقِيقِيُّ مِن أنَّ كُلًّا مِنهُما يُرادُ بِهِ التَّشْبِيهُ، وذَلِكَ مُحالٌ؛ لِأنَّ فِيهِ إثْباتُ مِثْلٍ لِلَّهِ (p-٥١١)تَعالى، وهو مُحالٌ. ﴿وهُوَ السَّمِيعُ﴾ لِأقْوالِ الخَلْقِ، (البَصِيرُ) لِأعْمالِهِمْ. وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ: ﴿لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ في سُورَةِ الزُّمَرِ؛ وقُرِئَ: (ويَقْدِرُ) أيْ: يُضَيِّقُ. ﴿إنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ أيْ: يُوَسِّعُ لِمَن يَشاءُ، ويُضَيِّقُ عَلى مَن يَشاءُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإذا عَلِمَ أنَّ الغِنى خَيْرٌ لِلْعَبْدِ أغْناهُ لا أفْقَرَهُ. انْتَهى، وفِيهِ دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ.

الشورى 42:3

سُورَةُ الشُّورى ثَلاثٌ وخَمْسُونَ آيَةً، مَكِّيَّةٌ ﷽ ﴿حم﴾ ﴿عسق﴾ ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إلَيْكَ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وهو العَلِيُّ العَظِيمُ﴾ ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ والمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ويَسْتَغْفِرُونَ لِمَن في الأرْضِ ألا إنَّ اللَّهَ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أولِياءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ ﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ القُرى ومَن حَوْلَها وتُنْذِرَ يَوْمَ الجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ في الجَنَّةِ وفَرِيقٌ في السَّعِيرِ﴾ ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهم أُمَّةً واحِدَةً ولَكِنْ يُدْخِلُ مَن يَشاءُ في رَحْمَتِهِ والظّالِمُونَ ما لَهم مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ ﴿أمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ فاللَّهُ هو الوَلِيُّ وهو يُحْيِي المَوْتى وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿وما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إلى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وإلَيْهِ أُنِيبُ﴾ ﴿فاطِرُ السَّماواتِ والأرْضِ جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا ومِنَ الأنْعامِ أزْواجًا يَذْرَؤُكم فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وهو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ ﴿لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ والأرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ إنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ﴿شَرَعَ لَكم مِنَ الدِّينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ وما وصَّيْنا بِهِ إبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى أنْ أقِيمُوا الدِّينَ ولا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلى المُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهم إلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إلَيْهِ مَن يَشاءُ ويَهْدِي إلَيْهِ مَن يُنِيبُ﴾ [الشورى: ١٣] ﴿وما تَفَرَّقُوا إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهم ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ إلى أجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهم وإنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الكِتابَ مِن بَعْدِهِمْ لَفي شَكٍّ مِنهُ مُرِيبٍ﴾ [الشورى: ١٤] ﴿فَلِذَلِكَ فادْعُ واسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ ولا تَتَّبِعْ أهْواءَهم وقُلْ آمَنتُ بِما أنْزَلَ اللَّهُ مِن كِتابٍ وأُمِرْتُ لِأعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنا ورَبُّكم لَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكم لا حُجَّةَ بَيْنَنا وبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا وإلَيْهِ المَصِيرُ﴾ [الشورى: ١٥] ﴿والَّذِينَ يُحاجُّونَ في اللَّهِ مِن بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهم داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وعَلَيْهِمْ غَضَبٌ ولَهم عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ [الشورى: ١٦] ﴿اللَّهُ الَّذِي أنْزَلَ الكِتابَ بِالحَقِّ والمِيزانَ وما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ [الشورى: ١٧] ﴿يَسْتَعْجِلُ بِها الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها والَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنها ويَعْلَمُونَ أنَّها الحَقُّ ألا إنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ في السّاعَةِ لَفي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ [الشورى: ١٨] ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ وهو القَوِيُّ العَزِيزُ﴾ [الشورى: ١٩] ﴿مَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ ومَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنها وما لَهُ في الآخِرَةِ مِن نَصِيبٍ﴾ [الشورى: ٢٠] ﴿أمْ لَهم شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهم مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ ولَوْلا كَلِمَةُ الفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهم وإنَّ الظّالِمِينَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [الشورى: ٢١] ﴿تَرى الظّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا كَسَبُوا وهو واقِعٌ بِهِمْ والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ في رَوْضاتِ الجَنّاتِ لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هو الفَضْلُ الكَبِيرُ﴾ [الشورى: ٢٢] ﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى ومَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْنًا إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [الشورى: ٢٣] ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا فَإنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ ويَمْحُ اللَّهُ الباطِلَ ويُحِقُّ الحَقَّ بِكَلِماتِهِ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ [الشورى: ٢٤] ﴿وهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ ويَعْفُو عَنِ السَّيِّئاتِ ويَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ﴾ [الشورى: ٢٥] (p-٥٠٧)﴿ويَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ والكافِرُونَ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ [الشورى: ٢٦] ﴿ولَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا في الأرْضِ ولَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ إنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [الشورى: ٢٧] ﴿وهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الغَيْثَ مِن بَعْدِ ما قَنَطُوا ويَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وهو الوَلِيُّ الحَمِيدُ﴾ [الشورى: ٢٨] ﴿ومِن آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَثَّ فِيهِما مِن دابَّةٍ وهو عَلى جَمْعِهِمْ إذا يَشاءُ قَدِيرٌ﴾ [الشورى: ٢٩] ﴿وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكم ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠] ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ في الأرْضِ وما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ [الشورى: ٣١] ﴿ومِن آياتِهِ الجَوارِي في البَحْرِ كالأعْلامِ﴾ [الشورى: ٣٢] ﴿إنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ [الشورى: ٣٣] . رَكَدَ الشَّيْءُ، ثَبَتَ في مَكانِهِ، وقَدْ قالَ الشّاعِرُ: ؎رُكُودًا يُوارِي الرَّبْرَبَ المُتَفَرِّقَ وقَدْ رَكَدَتْ وسَطَ السَّماءِ نُجُومُها ﴿حم﴾ ﴿عسق﴾ ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إلَيْكَ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وهو العَلِيُّ العَظِيمُ﴾ ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ والمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ويَسْتَغْفِرُونَ لِمَن في الأرْضِ ألا إنَّ اللَّهَ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أولِياءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ ﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ القُرى ومَن حَوْلَها وتُنْذِرَ يَوْمَ الجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ في الجَنَّةِ وفَرِيقٌ في السَّعِيرِ﴾ ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهم أُمَّةً واحِدَةً ولَكِنْ يُدْخِلُ مَن يَشاءُ في رَحْمَتِهِ والظّالِمُونَ ما لَهم مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ ﴿أمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ فاللَّهُ هو الوَلِيُّ وهو يُحْيِي المَوْتى وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿وما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إلى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وإلَيْهِ أُنِيبُ﴾ ﴿فاطِرُ السَّماواتِ والأرْضِ جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا ومِنَ الأنْعامِ أزْواجًا يَذْرَؤُكم فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وهو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ ﴿لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ والأرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ إنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الحَسَنِ وعَطاءٍ وعِكْرِمَةَ وجابِرٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَكِّيَّةٌ إلّا أرْبَعَ آياتٍ مِن قَوْلِهِ: ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ [الشورى: ٢٣] إلى آخِرِ الأرْبَعِ آياتٍ، فَإنَّها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ. وقالَ مُقاتِلٌ: فِيها مَدَنِيٌّ قَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ﴾ [الشورى: ٢٣] إلى (الصُّدُورِ) . ومُناسَبَةُ أوَّلِ السُّورَةِ لِآخِرِ ما قَبْلَها أنَّهُ قالَ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ [فصلت: ٥٢] الآيَةَ، وكانَ في ذَلِكَ الحُكْمُ عَلَيْهِمْ بِالضَّلالِ. لَمّا كَفَرُوا بِهِ قالَ هُنا: (كَذَلِكَ)، أيْ: مِثْلُ الإيحاءِ السّابِقِ في القُرْآنِ الَّذِي كَفَرَ بِهِ هَؤُلاءِ، ﴿يُوحِي إلَيْكَ﴾: أيْ: إنَّ وحْيَهُ تَعالى إلَيْكَ مُتَّصِلٌ غَيْرُ مُنْقَطِعٍ، يَتَعَهَّدُكَ وقْتًا بَعْدَ وقْتٍ. وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ في ﴿حم﴾ ﴿عسق﴾ أقْوالًا مُضْطَرِبَةً لا يَصِحُّ مِنها شَيْءٌ كَعادَتِهِمْ في هَذِهِ الفَواتِحِ، ضَرَبْنا عَنْ ذِكْرِها صَفْحًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يُوحِي) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ؛ وأبُو حَيْوَةَ، والأعْشى عَنْ أبِي بَكْرٍ، وأبانَ (نُوحِي) (p-٥٠٨)بِنُونِ العَظَمَةِ. ومُجاهِدٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وعَبّاسٌ، ومَحْبُوبٌ، كِلاهُما عَنْ أبِي عَمْرٍو: (يُوحى) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ؛ و(اللَّهُ) مَرْفُوعٌ بِمُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ أوْحى، أوْ بِالِابْتِداءِ، التَّقْدِيرُ: اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ المُوحِي. وعَلى قِراءَةِ (نُوحِي) بِالنُّونِ، يَكُونُ ﴿اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ مُبْتَدَأً وخَبَرًا. و(يُوحِي) إمّا في مَعْنى أوْجَبَ حَتّى يَنْتَظِمَ قَوْلُهُ: ﴿وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ﴾، أوْ يُقْرَأُ عَلى مَوْضُوعِهِ، ويُضْمِرُ عامِلٌ يَتَعَلَّقُ بِهِ (إلى الَّذِينَ) تَقْدِيرُهُ: وأوْحى إلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ﴿تَكادُ السَّماواتُ﴾ في سُورَةِ مَرْيَمَ قِراءَةً وتَفْسِيرًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ورَوى يُونُسُ عَنْ أبِي عُمَرَ وقِراءَةٌ عَرَبِيَّةٌ (تَتَفَطَّرْنَ) بِتاءَيْنِ مَعَ النُّونِ، ونَظِيرُها حَرْفٌ نادِرٌ رُوِيَ في نَوادِرِ ابْنِ الأعْرابِيِّ: الإبِلُ تَتَشَمَّمْنَ. انْتَهى. والظّاهِرُ أنَّ هَذا وهْمٌ مِنَ الزَّمَخْشَرِيِّ في النَّقْلِ؛ لِأنَّ ابْنَ خالَوَيْهِ ذَكَرَ في شَواذِّ القِراءاتِ لَهُ ما نَصَبَ (تَفَطَّرْنَ) بِالتّاءِ والنُّونِ، يُونُسُ عَنْ أبِي عَمْرٍو. وقالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: هَذا حَرْفٌ نادِرٌ؛ لِأنَّ العَرَبَ لا تَجْمَعُ بَيْنَ عَلامَتَيِ التَّأْنِيثِ. لا يُقالُ: النِّساءُ تَقُمْنَ، ولَكِنْ يَقُمْنَ، والوالِداتُ يُرْضِعْنَ. قَدْ كانَ أبُو عُمَرَ الزّاهِدُ رَوى في نَوادِرِ ابْنِ الأعْرابِيِّ: الإبِلُ تَتَشَمَّمْنَ، فَأنْكَرْناهُ، فَقَدْ قَوّاهُ؛ لِأنَّ هَذا كَلامُ ابْنِ خالَوَيْهِ. فَإنْ كانَتْ نُسَخُ الزَّمَخْشَرِيِّ مُتَّفِقَةً عَلى قَوْلِهِ بِتاءَيْنِ مَعَ النُّونِ فَهو وهْمٌ، وإنْ كانَ في بَعْضِها بِتاءٍ مَعَ النُّونِ، كانَ مُوافِقًا لِقَوْلِ ابْنِ خالَوَيْهِ، وكانَ بِتاءَيْنِ تَحْرِيفًا مِنَ النُّسّاخِ. وكَذَلِكَ كَتْبُهم تَتَفَطَّرْنَ وتَتَشَمَّمْنَ بِتاءَيْنِ. والظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ في (مِن فَوْقِهِنَّ) عَلى (السَّماواتُ) . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مِن أعْلاهُنَّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَنْفَطِرْنَ مِن عُلُوِّ شَأْنِ اللَّهِ تَعالى وعَظَمَتِهِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ مَجِيئُهُ بَعْدَ ﴿العَلِيُّ العَظِيمُ﴾ . وقِيلَ: مِن دُعائِهِمْ لَهُ ولَدًا، كَقَوْلِهِ: ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنهُ﴾ [مريم: ٩٠] . فَإنْ قُلْتَ: لِمَ قالَ (مِن فَوْقِهِنَّ) ؟ قُلْتُ: لِأنَّ أعْظَمَ الآياتِ وأدَلَّها عَلى الجَلالِ والعَظَمَةِ فَوْقَ السَّماواتِ، وهي العَرَضُ والكُرْسِيُّ وصُفُوفُ المَلائِكَةِ المُرْتَجَّةِ بِالتَّسْبِيحِ والتَّقْدِيسِ حَوْلَ العَرْشِ، وما لا يَعْلَمُ كُنْهَهُ إلّا اللَّهُ مِن آثارِ مَلَكُوتِهِ العُظْمى، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ﴾ أيْ: يَبْتَدِئُ الِانْفِطارُ مِن جِهَتَيْنِ الفَوْقانِيَّةِ. وقالَ جَماعَةٌ، مِنهُمُ الحَوْفِيُّ، قالَ: (مِن فَوْقِهِنَّ)، والهاءُ والنُّونُ كِنايَةٌ عَنِ الأرَضِينَ. انْتَهى. (مِن فَوْقِهِنَّ) مُتَعَلِّقٌ بِـ(يَتَفَطَّرْنَ) ويَدُلُّ عَلى هَذا القَوْلِ ذِكْرُ الأرْضِ قَبْلُ. وقالَ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ الأخْفَشُ: الضَّمِيرُ لِلْكُفّارِ، والمَعْنى: مِن فَوْقِ الفِرَقِ والجَماعاتِ المُلْحِدَةِ، أيْ مِن أجْلِ أقْوالِها. انْتَهى. فَهَذِهِ الآيَةُ كالَّذِي في سُورَةِ مَرْيَمَ، واسْتَبْعَدَ مَكِّيٌّ هَذا القَوْلَ، قالَ: لا يَجُوزُ في الذُّكُورِ مِن بَنِي آدَمَ، يَعْنِي ضَمِيرَ المُؤَنَّثِ والِاسْتِشْعارُ ما ذَكَرَهُ مَكِّيٌّ. قالَ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ: مِن فَوْقِ الفِرَقِ والجَماعاتِ، وظاهِرُ المَلائِكَةِ العُمُومُ. وقالَ مُقاتِلٌ: حَمَلَةُ العَرْشِ والتَّسْبِيحِ، قِيلَ: قَوْلُهم سُبْحانَ اللَّهَ، وقِيلَ: يُهَلِّلُونَ؛ والظّاهِرُ في (يَسْتَغْفِرُونَ) طَلَبُ الغُفْرانِ، ولِأهْلِ الأرْضِ عامٌّ مَخْصُوصٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ويَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر: ٧]، قالَهُ السُّدِّيُّ. وقِيلَ: عامٌّ. ومَعْنى الِاسْتِغْفارِ: طَلَبُ الهِدايَةِ المُؤَدِّيَةِ إلى المَغْفِرَةِ، كَأنَّهم يَقُولُونَ: اللَّهُمَّ اهْدِ أهْلَ الأرْضِ، فاغْفِرْ لَهم. ويَدُلُّ عَلَيْهِ وصْفُهُ بِالغُفْرانِ والرَّحْمَةِ والِاسْتِفْتاحِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَقْصِدُوا بِالِاسْتِغْفارِ لَهم: طَلَبَ الحِلْمِ والغُفْرانِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ والأرْضَ أنْ تَزُولا﴾ [فاطر: ٤١]، إلى أنْ قالَ: ﴿إنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [فاطر: ٤١]، وقَوْلِهِ: ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ﴾ [الرعد: ٦]، والمُرادُ: الحِلْمُ عَنْهم، وأنْ لا يُعاجِلَهم بِالِانْتِقامِ فَيَكُونُ عامًّا. انْتَهى. وتَكَلَّمَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ في قَوْلِهِ: ﴿تَكادُ السَّماواتُ﴾ كَلامًا خارِجًا عَنْ مَناحِي مَفْهُوماتِ العَرَبِ، مُنْتَزَعًا مِن كَلامِ الفَلاسِفَةِ ومَن جَرى مَجْراهم، يُوقَفُ عَلى ذَلِكَ في كِتابِهِ. ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ﴾: أيْ أصْنامًا وأوْثانًا، ﴿اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ﴾: أيْ عَلى أعْمالِهِمْ ومُجازِيهِمْ عَلَيْها، ﴿وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ أيْ: بِمُفَوَّضٍ إلَيْكَ أمْرُهم ولا قائِمٍ. وما في هَذا مِنَ المُوادَعَةِ مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ. (وكَذَلِكَ) أيْ: ومِثْلُ هَذا الإيحاءِ والقَضاءِ، إنَّكَ لَسْتَ بِوَكِيلٍ عَلَيْهِمْ، ﴿أوْحَيْنا إلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ . (p-٥٠٩)والظّاهِرُ أنَّ (قُرْءانًا) مَفْعُولُ (أوْحَيْنا) . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الكافُ مَفْعُولٌ بِهِ، أيْ أوْحَيْناهُ إلَيْكَ، وهو قُرْآنٌ عَرَبِيٌّ لا لَبْسَ فِيهِ عَلَيْكَ، إذْ نَزَلَ بِلِسانِكَ. انْتَهى. فاسْتَعْمَلَ الكافَ اسْمًا في الكَلامِ، وهو مَذْهَبُ الأخْفَشِ. ﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ القُرى﴾: مَكَّةَ، أيْ أهْلَ أُمِّ القُرى، وكَذَلِكَ المَفْعُولُ الأوَّلُ مَحْذُوفٌ، والثّانِي هو: ﴿يَوْمَ الجَمْعِ﴾ أيِ: اجْتِماعِ الخَلائِقِ، والمُنْذَرُ بِهِ هو ما يَقَعُ في يَوْمِ الجَمْعِ مِنَ الجَزاءِ وانْقِسامِ الجَمْعِ إلى الفَرِيقَيْنِ، أوِ اجْتِماعِ الأرْواحِ بِالأجْسادِ، أوْ أهْلِ الأرْضِ بِأهْلِ السَّماءِ، أوِ النّاسِ بِأعْمالِهِمْ، أقْوالٌ أرْبَعَةٌ. (لِيُنْذِرَ) بِياءِ الغَيْبَةِ، أيْ: لِيُنْذِرَ القُرْآنُ. ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ أيْ: لا شَكَّ في وُقُوعِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾: اعْتِراضٌ لا مَحالَةَ. انْتَهى. ولا يَظْهَرُ أنَّهُ اعْتِراضٌ، أعْنِي صِناعِيًّا؛ لِأنَّهُ لَمْ يَقَعْ بَيْنَ طالِبٍ ومَطْلُوبٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (فَرِيقٌ) بِالرَّفْعِ فِيهِما، أيْ: هم فَرِيقٌ أوْ مِنهم فَرِيقٌ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِنَصْبِهِما، أيِ: افْتَرَقُوا، فَرِيقًا في كَذا، وفَرِيقًا في كَذا؛ ويَدُلُّ عَلى الِافْتِراقِ: الِاجْتِماعُ المَفْهُومُ مِن يَوْمِ الجَمْعِ. ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهم أُمَّةً واحِدَةً﴾: يَعْنِي مِن إيمانٍ أوْ كُفْرٍ، قالَ مَعْناهُ الضَّحّاكُ، وهو قَوْلُ أهْلِ السُّنَّةِ، وذَلِكَ تَسْلِيَةٌ لِلرَّسُولِ. كَما كانَ يُقاسِيهِ مَن كُفْرِ قَوْمِهِ، وتَوْقِيفٌ عَلى أنَّ ذَلِكَ راجِعٌ إلى مَشِيئَتِهِ، ولَكِنَّ مَن سَبَقَتْ لَهُ السَّعادَةُ أدْخَلَهُ في رَحْمَتِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿لَجَعَلَهم أُمَّةً واحِدَةً﴾ أيْ: مُؤْمِنِينَ كُلَّهم عَلى القَسْرِ والإكْراهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها﴾ [السجدة: ١٣]، وقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن في الأرْضِ كُلُّهم جَمِيعًا﴾ [يونس: ٩٩] . والدَّلِيلُ عَلى أنَّ المَعْنى هو الإيحاءُ إلى الإيمانِ قَوْلُهُ: ﴿أفَأنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ حَتّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٩٩]، وذَكَرَ ما ظَنَّهُ اسْتِدْلالًا عَلى ذَلِكَ، وهو عَلى طَرِيقِ الِاعْتِزالِ. وقالَ أنَسُ بْنُ مالِكٍ: ﴿فِي رَحْمَتِهِ﴾: في دِينِ الإسْلامِ. ﴿أمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ﴾، أمْ: بِمَعْنى بَلْ، لِلِانْتِقالِ مِن كَلامٍ إلى كَلامٍ، والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ عَلَيْهِمُ اتِّخاذَ أوْلِياءَ مِن دُونِ اللَّهِ. وقِيلَ: أمْ بِمَعْنى الهَمْزَةِ فَقَطْ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مِثْلِ هَذا، حَيْثُ جاءَتْ أمِ المُنْقَطِعَةُ، والمَعْنى: اتَّخَذُوا أوْلِياءَ دُونَ اللَّهِ، ولَيْسُوا بِأوْلِياءَ حَقِيقَةً، فاللَّهُ هو الوَلِيُّ، والَّذِي يَجِبُ أنْ يَتَوَلّى وحْدَهُ، لا ما لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ مِن أوْلِيائِهِمْ. ولَمّا أخْبَرَ أنَّهُ هو الوَلِيُّ، عَطَفَ عَلَيْهِ هَذا الفِعْلَ الغَرِيبَ الَّذِي لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، وهو إحْياءُ المَوْتى. ولَمّا ذَكَرَ هَذا الوَصْفَ، ذَكَرَ قُدْرَتَهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ تَتَعَلَّقُ إرادَتُهُ بِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: في قَوْلِهِ: ﴿فاللَّهُ هو الوَلِيُّ﴾، والفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فاللَّهُ هو الوَلِيُّ﴾ جَوابُ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: بَعْدَ إنْكارِ كُلِّ ولِيٍّ سِواهُ، وإنْ أرادُوا ولَيًّا بِحَقٍّ، فاللَّهُ هو الوَلِيُّ بِالحَقِّ، لا ولِيَّ سِواهُ. انْتَهى. ولا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ، والكَلامُ يَتِمُّ بِدُونِهِ. ﴿وما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ﴾: هَذا حِكايَةٌ لِقَوْلِ الرَّسُولِ، أيْ: ما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ أيُّها النّاسُ مِن تَكْذِيبٍ أوْ تَصْدِيقٍ وإيمانٍ وكُفْرٍ وغَيْرِ ذَلِكَ، فالحُكْمُ فِيهِ والمُجازاةُ عَلَيْهِ لَيْسَ ذَلِكَ إلّا إلى اللَّهِ، لا إلَيَّ، ولَفْظَةُ مِن شَيْءٍ تَدُلُّ عَلى العُمُومِ. وقِيلَ: مِن شَيْءٍ مِنَ الخُصُوماتِ، فَتَحاكَمُوا فِيهِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ولا تُؤْثِرُوا عَلى حُكُومَتِهِ حُكُومَةَ غَيْرِهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ تَنازَعْتُمْ في شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلى اللَّهِ والرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] . وقِيلَ: (مِن شَيْءٍ): مِن تَأْوِيلِ آيَةٍ واشْتَبَهَ عَلَيْكم، فارْجِعُوا في بَيانِهِ إلى آيِ المُحْكَمِ مِن كِتابِ اللَّهِ، والظّاهِرِ مِن سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وقِيلَ: ما وقَعَ مِنكُمُ الخِلافُ فِيهِ مِنَ العُلُومِ الَّتِي لا تَتَّصِلُ بِتَكْلِيفِكم، ولا طَرِيقَ لَكم إلى عِلْمِهِ، فَقُولُوا: اللَّهُ أعْلَمُ، كَمَعْرِفَةِ الرُّوحِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ ما خالَفَكم فِيهِ الكُفّارُ مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ فاخْتَلَفْتُمْ أنْتُمْ وهم فِيهِ مِن أُمُورِ الدِّينِ، فَحُكْمُ ذَلِكَ المُخْتَلَفِ فِيهِ مُفَوَّضٌ إلى اللَّهِ، وهو إثابَةُ المُحِقِّينَ فِيهِ مِنَ المُؤْمِنِينَ ومُعاتِبَةُ المُبْطِلِينَ. (ذَلِكم): الحَكَمُ بَيْنَكم هو ﴿رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ في رَدِّ كَيْدِ أعْداءِ الدِّينِ، وإلَيْهِ أرْجِعُ في كِفايَةِ شَرِّهِمْ. انْتَهى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (فاطِرُ) بِالرَّفْعِ، أيْ: هو فاطِرُ، أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ كَقَوْلِهِ: (ذَلِكم) . وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (فاطِرِ) بِالجَرِّ، صِفَةً لِقَوْلِهِ: (إلى اللَّهِ)، والجُمْلَةُ بَعْدَها اعْتِراضٌ بَيْنَ الصِّفَةِ والمَوْصُوفِ. ﴿جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكُمْ﴾ أيْ: مِن جِنْسِ أنْفُسِكم، أيْ: (p-٥١٠)آدَمَيّاتٍ، (أزْواجًا): إناثًا، أوْ جَعَلَ الخَلْقَ لِأبِينا آدَمَ مِن ضِلْعِهِ حَوّاءَ زَوْجًا لَهُ خَلْقًا لَنا، ﴿ومِنَ الأنْعامِ أزْواجًا﴾ أيْ: أنْواعًا كَثِيرَةً، ذُكُورًا وإناثًا، أوْ أزْواجًا إناثًا. ﴿يَذْرَؤُكم فِيهِ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أيْ يَجْعَلُ لَكم فِيهِ مَعِيشَةً تَعِيشُونَ بِها. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: يَرْزُقُكم فِيهِ، وهو قَرِيبٌ مِنَ القَوْلِ قَبْلَهُ. وقالَ مُجاهِدٌ: يَخْلُقُكم في بُطُونِ الإناثِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ أيْضًا: يَذْرَؤُكم فِيما خَلَقَ مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ. وقالَ الزَّجّاجُ: يُكَثِّرُكم بِهِ، أيْ: فِيهِ، أيْ: يُكَثِّرُكم في خَلْقِكم أزْواجًا. وقالَ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ: يَنْقُلُكم مِن حالٍ إلى حالٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الضَّمِيرُ في فِيهِ لِلْجَعْلِ، أيْ: يَخْلُقُكم ويُكَثِّرُكم في الجَعْلِ، كَما تَقُولُ: كَلَّمْتُ زَيْدًا كَلامًا أكْرَمْتُهُ فِيهِ، قالَ: ولَفْظَةُ ذَرَأ تُزِيدُ عَلى لَفْظَةِ خَلَقَ مَعْنًى آخَرَ لَيْسَ في خَلَقَ، وهو تَوالِي الطَّبَقاتِ عَلى مَرِّ الزَّمانِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (يَذْرَؤُكم): يُكَثِّرُكم، يُقالُ ذَرَأ اللَّهُ الخَلْقَ: بَثَّهم وكَثَّرَهم، والذَّرْءُ والذَّرُوءُ والذَّرْواءُ أخَواتٌ في هَذا التَّدْبِيرِ، وهو أنْ جَعَلَ لِلنّاسِ والأنْعامِ أزْواجًا حَتّى كانَ بَيْنَ ذُكُورِهِمْ وإناثِهِمُ التَّوالُدُ والتَّناسُلُ. والضَّمِيرُ في يَذْرَؤُكم يَرْجِعُ إلى المُخاطَبِينَ، و(الأنْعامِ) مُغَلَّبًا فِيهِ المُخاطَبُونَ العُقَلاءُ عَلى الغَيْرِ مِمّا لا يَعْقِلُ، وهي مِنَ الأحْكامِ ذاتِ العِلَّتَيْنِ. انْتَهى. وقَوْلُهُ: وهي مِنَ الأحْكامِ ذاتِ العِلَّتَيْنِ اصْطِلاحٌ غَرِيبٌ، ويَعْنِي أنَّ الخِطابَ يُغَلَّبُ عَلى الغَيْبَةِ إذا اجْتَمَعا فَتَقُولُ: أنْتَ وزَيْدٌ تَقُومانِ؛ والعاقِلُ يُغَلَّبُ عَلى غَيْرِ العاقِلِ إذا اجْتَمَعا، فَتَقُولُ: الحَيَوانُ وغَيْرُهم يُسَبِّحُونَ خالِقَهم. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ؛ فَإنْ قُلْتَ: ما مَعْنى (يَذْرَؤُكم) في هَذا التَّدْبِيرِ ؟ وهَلّا قِيلَ: يَذْرَؤُكم بِهِ ؟ قُلْتُ: جَعَلَ هَذا التَّدْبِيرَ كالمَنبَعِ والمَعْدِنِ لِلْبَثِّ والتَّكْثِيرِ. ألا تَراكَ تَقُولُ لِلْحَيَوانِ في خَلْقِ الأزْواجِ تَكْثِيرٌ ؟ كَما قالَ تَعالى: ﴿ولَكم في القِصاصِ حَياةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩] انْتَهى. ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، تَقُولُ العَرَبُ: مِثْلُكَ لا يَفْعَلُ كَذا، يُرِيدُونَ بِهِ المُخاطَبَ، كَأنَّهم إذا نَفَوُا الوَصْفَ عَنْ مِثْلِ الشَّخْصِ كانَ نَفْيًا عَنِ الشَّخْصِ، وهو مِن بابِ المُبالَغَةِ، ومِثْلُ الآيَةِ قَوْلُ أوْسِ بْنِ حَجَرٍ: ؎لَيْسَ كَمِثْلِ الفَتى زُهَيْرِ ∗∗∗ خُلُقٌ يُوازِيهِ في الفَضائِلِ وقالَ آخَرُ: ؎وقَتْلى كَمِثْلِ جُذُوعِ النَّخِيلِ ∗∗∗ تَغْشاهم مَسْبَلٌ مُنْهَمِرْ وقالَ آخَرُ: ؎سَعْدُ بْنُ زَيْدٍ إذا أبْصَرْتَ فَضْلَهم ∗∗∗ ما إنَّ مِثْلَهُمُ في النّاسِ مِن أحَدِ فَجَرَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ عَلى نَهْجِ كَلامِ العَرَبِ مِن إطْلاقِ المِثْلِ عَلى نَفْسِ الشَّيْءِ. وما ذَهَبَ إلَيْهِ الطَّبَرِيُّ وغَيْرُهُ مِن أنَّ مِثْلًا زائِدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ كالكافِّ في قَوْلِهِ: ؎فَأصْبَحَتْ مِثْلَ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ وقَوْلِهِ: وصالِياتٍ كَكُما يُؤْثَفِينَ، لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّ مِثْلًا اسْمٌ، والأسْماءُ لا تُزادُ، بِخِلافِ الكافِ، فَإنَّها حَرْفٌ، فَتَصْلُحُ لِلزِّيادَةِ. ونَظِيرُ نِسْبَةِ المِثْلِ إلى مَن لا مِثْلَ لَهُ قَوْلُكَ: فُلانٌ يَدُهُ مَبْسُوطَةٌ، يُرِيدُ أنَّهُ جَوادٌ، ولا نَظِيرَ لَهُ في الحَقِيقَةِ إلى اليَدِ حَتّى تَقُولَ ذَلِكَ لِمَن لا يَدَ لَهُ، كَقَوْلِهِ: ﴿بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ﴾ [المائدة: ٦٤] . فَكَما جَعَلْتَ ذَلِكَ كِنايَةً عَنِ الجَوادِ فِيمَن لا يَدَ لَهُ، فَكَذَلِكَ جَعَلْتَ المِثْلَ كِنايَةً عَنِ الذَّواتِ في مَن لا مِثْلَ لَهُ. ويُحْتَمَلُ أيْضًا أنْ يُرادَ بِالمِثْلِ الصِّفَةُ، وذَلِكَ سائِغٌ، يُطْلَقُ المِثْلُ بِمَعْنى المِثْلِ وهو الصِّفَةُ، فَيَكُونُ المَعْنى: لَيْسَ مِثْلَ صِفَتِهِ تَعالى شَيْءٌ مِنَ الصِّفاتِ الَّتِي لِغَيْرِهِ، وهَذا مَحْمَلٌ سَهْلٌ، والوَجْهُ الأوَّلُ أغْوَصُ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: العَرَبُ تُقِيمُ المِثالَ مَقامَ النَّفْسِ، فَيَقُولُ: مِثْلِي لا يُقالُ لَهُ هَذا، أيْ: أنا لا يُقالُ لِي هَذا. انْتَهى. فَقَدْ صارَ ذَلِكَ كِنايَةً عَنِ الذّاتِ، فَلا فَرْقَ بَيْنَ قَوْلِكِ: لَيْسَ كاللَّهِ شَيْءٌ، أوْ لَيْسَ كَمِثْلِ اللَّهِ شَيْءٌ. وقَدْ أجْمَعَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ الكافَ والمِثْلَ يُرادُ بِهِما مَوْضُوعُهُما الحَقِيقِيُّ مِن أنَّ كُلًّا مِنهُما يُرادُ بِهِ التَّشْبِيهُ، وذَلِكَ مُحالٌ؛ لِأنَّ فِيهِ إثْباتُ مِثْلٍ لِلَّهِ (p-٥١١)تَعالى، وهو مُحالٌ. ﴿وهُوَ السَّمِيعُ﴾ لِأقْوالِ الخَلْقِ، (البَصِيرُ) لِأعْمالِهِمْ. وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ: ﴿لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ في سُورَةِ الزُّمَرِ؛ وقُرِئَ: (ويَقْدِرُ) أيْ: يُضَيِّقُ. ﴿إنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ أيْ: يُوَسِّعُ لِمَن يَشاءُ، ويُضَيِّقُ عَلى مَن يَشاءُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإذا عَلِمَ أنَّ الغِنى خَيْرٌ لِلْعَبْدِ أغْناهُ لا أفْقَرَهُ. انْتَهى، وفِيهِ دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ.

الشورى 42:4

سُورَةُ الشُّورى ثَلاثٌ وخَمْسُونَ آيَةً، مَكِّيَّةٌ ﷽ ﴿حم﴾ ﴿عسق﴾ ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إلَيْكَ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وهو العَلِيُّ العَظِيمُ﴾ ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ والمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ويَسْتَغْفِرُونَ لِمَن في الأرْضِ ألا إنَّ اللَّهَ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أولِياءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ ﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ القُرى ومَن حَوْلَها وتُنْذِرَ يَوْمَ الجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ في الجَنَّةِ وفَرِيقٌ في السَّعِيرِ﴾ ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهم أُمَّةً واحِدَةً ولَكِنْ يُدْخِلُ مَن يَشاءُ في رَحْمَتِهِ والظّالِمُونَ ما لَهم مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ ﴿أمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ فاللَّهُ هو الوَلِيُّ وهو يُحْيِي المَوْتى وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿وما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إلى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وإلَيْهِ أُنِيبُ﴾ ﴿فاطِرُ السَّماواتِ والأرْضِ جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا ومِنَ الأنْعامِ أزْواجًا يَذْرَؤُكم فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وهو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ ﴿لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ والأرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ إنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ﴿شَرَعَ لَكم مِنَ الدِّينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ وما وصَّيْنا بِهِ إبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى أنْ أقِيمُوا الدِّينَ ولا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلى المُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهم إلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إلَيْهِ مَن يَشاءُ ويَهْدِي إلَيْهِ مَن يُنِيبُ﴾ [الشورى: ١٣] ﴿وما تَفَرَّقُوا إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهم ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ إلى أجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهم وإنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الكِتابَ مِن بَعْدِهِمْ لَفي شَكٍّ مِنهُ مُرِيبٍ﴾ [الشورى: ١٤] ﴿فَلِذَلِكَ فادْعُ واسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ ولا تَتَّبِعْ أهْواءَهم وقُلْ آمَنتُ بِما أنْزَلَ اللَّهُ مِن كِتابٍ وأُمِرْتُ لِأعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنا ورَبُّكم لَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكم لا حُجَّةَ بَيْنَنا وبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا وإلَيْهِ المَصِيرُ﴾ [الشورى: ١٥] ﴿والَّذِينَ يُحاجُّونَ في اللَّهِ مِن بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهم داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وعَلَيْهِمْ غَضَبٌ ولَهم عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ [الشورى: ١٦] ﴿اللَّهُ الَّذِي أنْزَلَ الكِتابَ بِالحَقِّ والمِيزانَ وما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ [الشورى: ١٧] ﴿يَسْتَعْجِلُ بِها الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها والَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنها ويَعْلَمُونَ أنَّها الحَقُّ ألا إنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ في السّاعَةِ لَفي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ [الشورى: ١٨] ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ وهو القَوِيُّ العَزِيزُ﴾ [الشورى: ١٩] ﴿مَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ ومَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنها وما لَهُ في الآخِرَةِ مِن نَصِيبٍ﴾ [الشورى: ٢٠] ﴿أمْ لَهم شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهم مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ ولَوْلا كَلِمَةُ الفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهم وإنَّ الظّالِمِينَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [الشورى: ٢١] ﴿تَرى الظّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا كَسَبُوا وهو واقِعٌ بِهِمْ والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ في رَوْضاتِ الجَنّاتِ لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هو الفَضْلُ الكَبِيرُ﴾ [الشورى: ٢٢] ﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى ومَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْنًا إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [الشورى: ٢٣] ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا فَإنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ ويَمْحُ اللَّهُ الباطِلَ ويُحِقُّ الحَقَّ بِكَلِماتِهِ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ [الشورى: ٢٤] ﴿وهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ ويَعْفُو عَنِ السَّيِّئاتِ ويَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ﴾ [الشورى: ٢٥] (p-٥٠٧)﴿ويَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ والكافِرُونَ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ [الشورى: ٢٦] ﴿ولَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا في الأرْضِ ولَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ إنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [الشورى: ٢٧] ﴿وهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الغَيْثَ مِن بَعْدِ ما قَنَطُوا ويَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وهو الوَلِيُّ الحَمِيدُ﴾ [الشورى: ٢٨] ﴿ومِن آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَثَّ فِيهِما مِن دابَّةٍ وهو عَلى جَمْعِهِمْ إذا يَشاءُ قَدِيرٌ﴾ [الشورى: ٢٩] ﴿وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكم ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠] ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ في الأرْضِ وما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ [الشورى: ٣١] ﴿ومِن آياتِهِ الجَوارِي في البَحْرِ كالأعْلامِ﴾ [الشورى: ٣٢] ﴿إنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ [الشورى: ٣٣] . رَكَدَ الشَّيْءُ، ثَبَتَ في مَكانِهِ، وقَدْ قالَ الشّاعِرُ: ؎رُكُودًا يُوارِي الرَّبْرَبَ المُتَفَرِّقَ وقَدْ رَكَدَتْ وسَطَ السَّماءِ نُجُومُها ﴿حم﴾ ﴿عسق﴾ ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إلَيْكَ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وهو العَلِيُّ العَظِيمُ﴾ ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ والمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ويَسْتَغْفِرُونَ لِمَن في الأرْضِ ألا إنَّ اللَّهَ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أولِياءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ ﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ القُرى ومَن حَوْلَها وتُنْذِرَ يَوْمَ الجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ في الجَنَّةِ وفَرِيقٌ في السَّعِيرِ﴾ ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهم أُمَّةً واحِدَةً ولَكِنْ يُدْخِلُ مَن يَشاءُ في رَحْمَتِهِ والظّالِمُونَ ما لَهم مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ ﴿أمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ فاللَّهُ هو الوَلِيُّ وهو يُحْيِي المَوْتى وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿وما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إلى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وإلَيْهِ أُنِيبُ﴾ ﴿فاطِرُ السَّماواتِ والأرْضِ جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا ومِنَ الأنْعامِ أزْواجًا يَذْرَؤُكم فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وهو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ ﴿لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ والأرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ إنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الحَسَنِ وعَطاءٍ وعِكْرِمَةَ وجابِرٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَكِّيَّةٌ إلّا أرْبَعَ آياتٍ مِن قَوْلِهِ: ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ [الشورى: ٢٣] إلى آخِرِ الأرْبَعِ آياتٍ، فَإنَّها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ. وقالَ مُقاتِلٌ: فِيها مَدَنِيٌّ قَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ﴾ [الشورى: ٢٣] إلى (الصُّدُورِ) . ومُناسَبَةُ أوَّلِ السُّورَةِ لِآخِرِ ما قَبْلَها أنَّهُ قالَ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ [فصلت: ٥٢] الآيَةَ، وكانَ في ذَلِكَ الحُكْمُ عَلَيْهِمْ بِالضَّلالِ. لَمّا كَفَرُوا بِهِ قالَ هُنا: (كَذَلِكَ)، أيْ: مِثْلُ الإيحاءِ السّابِقِ في القُرْآنِ الَّذِي كَفَرَ بِهِ هَؤُلاءِ، ﴿يُوحِي إلَيْكَ﴾: أيْ: إنَّ وحْيَهُ تَعالى إلَيْكَ مُتَّصِلٌ غَيْرُ مُنْقَطِعٍ، يَتَعَهَّدُكَ وقْتًا بَعْدَ وقْتٍ. وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ في ﴿حم﴾ ﴿عسق﴾ أقْوالًا مُضْطَرِبَةً لا يَصِحُّ مِنها شَيْءٌ كَعادَتِهِمْ في هَذِهِ الفَواتِحِ، ضَرَبْنا عَنْ ذِكْرِها صَفْحًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يُوحِي) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ؛ وأبُو حَيْوَةَ، والأعْشى عَنْ أبِي بَكْرٍ، وأبانَ (نُوحِي) (p-٥٠٨)بِنُونِ العَظَمَةِ. ومُجاهِدٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وعَبّاسٌ، ومَحْبُوبٌ، كِلاهُما عَنْ أبِي عَمْرٍو: (يُوحى) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ؛ و(اللَّهُ) مَرْفُوعٌ بِمُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ أوْحى، أوْ بِالِابْتِداءِ، التَّقْدِيرُ: اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ المُوحِي. وعَلى قِراءَةِ (نُوحِي) بِالنُّونِ، يَكُونُ ﴿اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ مُبْتَدَأً وخَبَرًا. و(يُوحِي) إمّا في مَعْنى أوْجَبَ حَتّى يَنْتَظِمَ قَوْلُهُ: ﴿وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ﴾، أوْ يُقْرَأُ عَلى مَوْضُوعِهِ، ويُضْمِرُ عامِلٌ يَتَعَلَّقُ بِهِ (إلى الَّذِينَ) تَقْدِيرُهُ: وأوْحى إلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ﴿تَكادُ السَّماواتُ﴾ في سُورَةِ مَرْيَمَ قِراءَةً وتَفْسِيرًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ورَوى يُونُسُ عَنْ أبِي عُمَرَ وقِراءَةٌ عَرَبِيَّةٌ (تَتَفَطَّرْنَ) بِتاءَيْنِ مَعَ النُّونِ، ونَظِيرُها حَرْفٌ نادِرٌ رُوِيَ في نَوادِرِ ابْنِ الأعْرابِيِّ: الإبِلُ تَتَشَمَّمْنَ. انْتَهى. والظّاهِرُ أنَّ هَذا وهْمٌ مِنَ الزَّمَخْشَرِيِّ في النَّقْلِ؛ لِأنَّ ابْنَ خالَوَيْهِ ذَكَرَ في شَواذِّ القِراءاتِ لَهُ ما نَصَبَ (تَفَطَّرْنَ) بِالتّاءِ والنُّونِ، يُونُسُ عَنْ أبِي عَمْرٍو. وقالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: هَذا حَرْفٌ نادِرٌ؛ لِأنَّ العَرَبَ لا تَجْمَعُ بَيْنَ عَلامَتَيِ التَّأْنِيثِ. لا يُقالُ: النِّساءُ تَقُمْنَ، ولَكِنْ يَقُمْنَ، والوالِداتُ يُرْضِعْنَ. قَدْ كانَ أبُو عُمَرَ الزّاهِدُ رَوى في نَوادِرِ ابْنِ الأعْرابِيِّ: الإبِلُ تَتَشَمَّمْنَ، فَأنْكَرْناهُ، فَقَدْ قَوّاهُ؛ لِأنَّ هَذا كَلامُ ابْنِ خالَوَيْهِ. فَإنْ كانَتْ نُسَخُ الزَّمَخْشَرِيِّ مُتَّفِقَةً عَلى قَوْلِهِ بِتاءَيْنِ مَعَ النُّونِ فَهو وهْمٌ، وإنْ كانَ في بَعْضِها بِتاءٍ مَعَ النُّونِ، كانَ مُوافِقًا لِقَوْلِ ابْنِ خالَوَيْهِ، وكانَ بِتاءَيْنِ تَحْرِيفًا مِنَ النُّسّاخِ. وكَذَلِكَ كَتْبُهم تَتَفَطَّرْنَ وتَتَشَمَّمْنَ بِتاءَيْنِ. والظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ في (مِن فَوْقِهِنَّ) عَلى (السَّماواتُ) . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مِن أعْلاهُنَّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَنْفَطِرْنَ مِن عُلُوِّ شَأْنِ اللَّهِ تَعالى وعَظَمَتِهِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ مَجِيئُهُ بَعْدَ ﴿العَلِيُّ العَظِيمُ﴾ . وقِيلَ: مِن دُعائِهِمْ لَهُ ولَدًا، كَقَوْلِهِ: ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنهُ﴾ [مريم: ٩٠] . فَإنْ قُلْتَ: لِمَ قالَ (مِن فَوْقِهِنَّ) ؟ قُلْتُ: لِأنَّ أعْظَمَ الآياتِ وأدَلَّها عَلى الجَلالِ والعَظَمَةِ فَوْقَ السَّماواتِ، وهي العَرَضُ والكُرْسِيُّ وصُفُوفُ المَلائِكَةِ المُرْتَجَّةِ بِالتَّسْبِيحِ والتَّقْدِيسِ حَوْلَ العَرْشِ، وما لا يَعْلَمُ كُنْهَهُ إلّا اللَّهُ مِن آثارِ مَلَكُوتِهِ العُظْمى، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ﴾ أيْ: يَبْتَدِئُ الِانْفِطارُ مِن جِهَتَيْنِ الفَوْقانِيَّةِ. وقالَ جَماعَةٌ، مِنهُمُ الحَوْفِيُّ، قالَ: (مِن فَوْقِهِنَّ)، والهاءُ والنُّونُ كِنايَةٌ عَنِ الأرَضِينَ. انْتَهى. (مِن فَوْقِهِنَّ) مُتَعَلِّقٌ بِـ(يَتَفَطَّرْنَ) ويَدُلُّ عَلى هَذا القَوْلِ ذِكْرُ الأرْضِ قَبْلُ. وقالَ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ الأخْفَشُ: الضَّمِيرُ لِلْكُفّارِ، والمَعْنى: مِن فَوْقِ الفِرَقِ والجَماعاتِ المُلْحِدَةِ، أيْ مِن أجْلِ أقْوالِها. انْتَهى. فَهَذِهِ الآيَةُ كالَّذِي في سُورَةِ مَرْيَمَ، واسْتَبْعَدَ مَكِّيٌّ هَذا القَوْلَ، قالَ: لا يَجُوزُ في الذُّكُورِ مِن بَنِي آدَمَ، يَعْنِي ضَمِيرَ المُؤَنَّثِ والِاسْتِشْعارُ ما ذَكَرَهُ مَكِّيٌّ. قالَ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ: مِن فَوْقِ الفِرَقِ والجَماعاتِ، وظاهِرُ المَلائِكَةِ العُمُومُ. وقالَ مُقاتِلٌ: حَمَلَةُ العَرْشِ والتَّسْبِيحِ، قِيلَ: قَوْلُهم سُبْحانَ اللَّهَ، وقِيلَ: يُهَلِّلُونَ؛ والظّاهِرُ في (يَسْتَغْفِرُونَ) طَلَبُ الغُفْرانِ، ولِأهْلِ الأرْضِ عامٌّ مَخْصُوصٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ويَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر: ٧]، قالَهُ السُّدِّيُّ. وقِيلَ: عامٌّ. ومَعْنى الِاسْتِغْفارِ: طَلَبُ الهِدايَةِ المُؤَدِّيَةِ إلى المَغْفِرَةِ، كَأنَّهم يَقُولُونَ: اللَّهُمَّ اهْدِ أهْلَ الأرْضِ، فاغْفِرْ لَهم. ويَدُلُّ عَلَيْهِ وصْفُهُ بِالغُفْرانِ والرَّحْمَةِ والِاسْتِفْتاحِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَقْصِدُوا بِالِاسْتِغْفارِ لَهم: طَلَبَ الحِلْمِ والغُفْرانِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ والأرْضَ أنْ تَزُولا﴾ [فاطر: ٤١]، إلى أنْ قالَ: ﴿إنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [فاطر: ٤١]، وقَوْلِهِ: ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ﴾ [الرعد: ٦]، والمُرادُ: الحِلْمُ عَنْهم، وأنْ لا يُعاجِلَهم بِالِانْتِقامِ فَيَكُونُ عامًّا. انْتَهى. وتَكَلَّمَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ في قَوْلِهِ: ﴿تَكادُ السَّماواتُ﴾ كَلامًا خارِجًا عَنْ مَناحِي مَفْهُوماتِ العَرَبِ، مُنْتَزَعًا مِن كَلامِ الفَلاسِفَةِ ومَن جَرى مَجْراهم، يُوقَفُ عَلى ذَلِكَ في كِتابِهِ. ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ﴾: أيْ أصْنامًا وأوْثانًا، ﴿اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ﴾: أيْ عَلى أعْمالِهِمْ ومُجازِيهِمْ عَلَيْها، ﴿وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ أيْ: بِمُفَوَّضٍ إلَيْكَ أمْرُهم ولا قائِمٍ. وما في هَذا مِنَ المُوادَعَةِ مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ. (وكَذَلِكَ) أيْ: ومِثْلُ هَذا الإيحاءِ والقَضاءِ، إنَّكَ لَسْتَ بِوَكِيلٍ عَلَيْهِمْ، ﴿أوْحَيْنا إلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ . (p-٥٠٩)والظّاهِرُ أنَّ (قُرْءانًا) مَفْعُولُ (أوْحَيْنا) . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الكافُ مَفْعُولٌ بِهِ، أيْ أوْحَيْناهُ إلَيْكَ، وهو قُرْآنٌ عَرَبِيٌّ لا لَبْسَ فِيهِ عَلَيْكَ، إذْ نَزَلَ بِلِسانِكَ. انْتَهى. فاسْتَعْمَلَ الكافَ اسْمًا في الكَلامِ، وهو مَذْهَبُ الأخْفَشِ. ﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ القُرى﴾: مَكَّةَ، أيْ أهْلَ أُمِّ القُرى، وكَذَلِكَ المَفْعُولُ الأوَّلُ مَحْذُوفٌ، والثّانِي هو: ﴿يَوْمَ الجَمْعِ﴾ أيِ: اجْتِماعِ الخَلائِقِ، والمُنْذَرُ بِهِ هو ما يَقَعُ في يَوْمِ الجَمْعِ مِنَ الجَزاءِ وانْقِسامِ الجَمْعِ إلى الفَرِيقَيْنِ، أوِ اجْتِماعِ الأرْواحِ بِالأجْسادِ، أوْ أهْلِ الأرْضِ بِأهْلِ السَّماءِ، أوِ النّاسِ بِأعْمالِهِمْ، أقْوالٌ أرْبَعَةٌ. (لِيُنْذِرَ) بِياءِ الغَيْبَةِ، أيْ: لِيُنْذِرَ القُرْآنُ. ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ أيْ: لا شَكَّ في وُقُوعِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾: اعْتِراضٌ لا مَحالَةَ. انْتَهى. ولا يَظْهَرُ أنَّهُ اعْتِراضٌ، أعْنِي صِناعِيًّا؛ لِأنَّهُ لَمْ يَقَعْ بَيْنَ طالِبٍ ومَطْلُوبٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (فَرِيقٌ) بِالرَّفْعِ فِيهِما، أيْ: هم فَرِيقٌ أوْ مِنهم فَرِيقٌ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِنَصْبِهِما، أيِ: افْتَرَقُوا، فَرِيقًا في كَذا، وفَرِيقًا في كَذا؛ ويَدُلُّ عَلى الِافْتِراقِ: الِاجْتِماعُ المَفْهُومُ مِن يَوْمِ الجَمْعِ. ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهم أُمَّةً واحِدَةً﴾: يَعْنِي مِن إيمانٍ أوْ كُفْرٍ، قالَ مَعْناهُ الضَّحّاكُ، وهو قَوْلُ أهْلِ السُّنَّةِ، وذَلِكَ تَسْلِيَةٌ لِلرَّسُولِ. كَما كانَ يُقاسِيهِ مَن كُفْرِ قَوْمِهِ، وتَوْقِيفٌ عَلى أنَّ ذَلِكَ راجِعٌ إلى مَشِيئَتِهِ، ولَكِنَّ مَن سَبَقَتْ لَهُ السَّعادَةُ أدْخَلَهُ في رَحْمَتِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿لَجَعَلَهم أُمَّةً واحِدَةً﴾ أيْ: مُؤْمِنِينَ كُلَّهم عَلى القَسْرِ والإكْراهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها﴾ [السجدة: ١٣]، وقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن في الأرْضِ كُلُّهم جَمِيعًا﴾ [يونس: ٩٩] . والدَّلِيلُ عَلى أنَّ المَعْنى هو الإيحاءُ إلى الإيمانِ قَوْلُهُ: ﴿أفَأنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ حَتّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٩٩]، وذَكَرَ ما ظَنَّهُ اسْتِدْلالًا عَلى ذَلِكَ، وهو عَلى طَرِيقِ الِاعْتِزالِ. وقالَ أنَسُ بْنُ مالِكٍ: ﴿فِي رَحْمَتِهِ﴾: في دِينِ الإسْلامِ. ﴿أمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ﴾، أمْ: بِمَعْنى بَلْ، لِلِانْتِقالِ مِن كَلامٍ إلى كَلامٍ، والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ عَلَيْهِمُ اتِّخاذَ أوْلِياءَ مِن دُونِ اللَّهِ. وقِيلَ: أمْ بِمَعْنى الهَمْزَةِ فَقَطْ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مِثْلِ هَذا، حَيْثُ جاءَتْ أمِ المُنْقَطِعَةُ، والمَعْنى: اتَّخَذُوا أوْلِياءَ دُونَ اللَّهِ، ولَيْسُوا بِأوْلِياءَ حَقِيقَةً، فاللَّهُ هو الوَلِيُّ، والَّذِي يَجِبُ أنْ يَتَوَلّى وحْدَهُ، لا ما لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ مِن أوْلِيائِهِمْ. ولَمّا أخْبَرَ أنَّهُ هو الوَلِيُّ، عَطَفَ عَلَيْهِ هَذا الفِعْلَ الغَرِيبَ الَّذِي لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، وهو إحْياءُ المَوْتى. ولَمّا ذَكَرَ هَذا الوَصْفَ، ذَكَرَ قُدْرَتَهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ تَتَعَلَّقُ إرادَتُهُ بِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: في قَوْلِهِ: ﴿فاللَّهُ هو الوَلِيُّ﴾، والفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فاللَّهُ هو الوَلِيُّ﴾ جَوابُ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: بَعْدَ إنْكارِ كُلِّ ولِيٍّ سِواهُ، وإنْ أرادُوا ولَيًّا بِحَقٍّ، فاللَّهُ هو الوَلِيُّ بِالحَقِّ، لا ولِيَّ سِواهُ. انْتَهى. ولا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ، والكَلامُ يَتِمُّ بِدُونِهِ. ﴿وما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ﴾: هَذا حِكايَةٌ لِقَوْلِ الرَّسُولِ، أيْ: ما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ أيُّها النّاسُ مِن تَكْذِيبٍ أوْ تَصْدِيقٍ وإيمانٍ وكُفْرٍ وغَيْرِ ذَلِكَ، فالحُكْمُ فِيهِ والمُجازاةُ عَلَيْهِ لَيْسَ ذَلِكَ إلّا إلى اللَّهِ، لا إلَيَّ، ولَفْظَةُ مِن شَيْءٍ تَدُلُّ عَلى العُمُومِ. وقِيلَ: مِن شَيْءٍ مِنَ الخُصُوماتِ، فَتَحاكَمُوا فِيهِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ولا تُؤْثِرُوا عَلى حُكُومَتِهِ حُكُومَةَ غَيْرِهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ تَنازَعْتُمْ في شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلى اللَّهِ والرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] . وقِيلَ: (مِن شَيْءٍ): مِن تَأْوِيلِ آيَةٍ واشْتَبَهَ عَلَيْكم، فارْجِعُوا في بَيانِهِ إلى آيِ المُحْكَمِ مِن كِتابِ اللَّهِ، والظّاهِرِ مِن سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وقِيلَ: ما وقَعَ مِنكُمُ الخِلافُ فِيهِ مِنَ العُلُومِ الَّتِي لا تَتَّصِلُ بِتَكْلِيفِكم، ولا طَرِيقَ لَكم إلى عِلْمِهِ، فَقُولُوا: اللَّهُ أعْلَمُ، كَمَعْرِفَةِ الرُّوحِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ ما خالَفَكم فِيهِ الكُفّارُ مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ فاخْتَلَفْتُمْ أنْتُمْ وهم فِيهِ مِن أُمُورِ الدِّينِ، فَحُكْمُ ذَلِكَ المُخْتَلَفِ فِيهِ مُفَوَّضٌ إلى اللَّهِ، وهو إثابَةُ المُحِقِّينَ فِيهِ مِنَ المُؤْمِنِينَ ومُعاتِبَةُ المُبْطِلِينَ. (ذَلِكم): الحَكَمُ بَيْنَكم هو ﴿رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ في رَدِّ كَيْدِ أعْداءِ الدِّينِ، وإلَيْهِ أرْجِعُ في كِفايَةِ شَرِّهِمْ. انْتَهى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (فاطِرُ) بِالرَّفْعِ، أيْ: هو فاطِرُ، أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ كَقَوْلِهِ: (ذَلِكم) . وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (فاطِرِ) بِالجَرِّ، صِفَةً لِقَوْلِهِ: (إلى اللَّهِ)، والجُمْلَةُ بَعْدَها اعْتِراضٌ بَيْنَ الصِّفَةِ والمَوْصُوفِ. ﴿جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكُمْ﴾ أيْ: مِن جِنْسِ أنْفُسِكم، أيْ: (p-٥١٠)آدَمَيّاتٍ، (أزْواجًا): إناثًا، أوْ جَعَلَ الخَلْقَ لِأبِينا آدَمَ مِن ضِلْعِهِ حَوّاءَ زَوْجًا لَهُ خَلْقًا لَنا، ﴿ومِنَ الأنْعامِ أزْواجًا﴾ أيْ: أنْواعًا كَثِيرَةً، ذُكُورًا وإناثًا، أوْ أزْواجًا إناثًا. ﴿يَذْرَؤُكم فِيهِ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أيْ يَجْعَلُ لَكم فِيهِ مَعِيشَةً تَعِيشُونَ بِها. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: يَرْزُقُكم فِيهِ، وهو قَرِيبٌ مِنَ القَوْلِ قَبْلَهُ. وقالَ مُجاهِدٌ: يَخْلُقُكم في بُطُونِ الإناثِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ أيْضًا: يَذْرَؤُكم فِيما خَلَقَ مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ. وقالَ الزَّجّاجُ: يُكَثِّرُكم بِهِ، أيْ: فِيهِ، أيْ: يُكَثِّرُكم في خَلْقِكم أزْواجًا. وقالَ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ: يَنْقُلُكم مِن حالٍ إلى حالٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الضَّمِيرُ في فِيهِ لِلْجَعْلِ، أيْ: يَخْلُقُكم ويُكَثِّرُكم في الجَعْلِ، كَما تَقُولُ: كَلَّمْتُ زَيْدًا كَلامًا أكْرَمْتُهُ فِيهِ، قالَ: ولَفْظَةُ ذَرَأ تُزِيدُ عَلى لَفْظَةِ خَلَقَ مَعْنًى آخَرَ لَيْسَ في خَلَقَ، وهو تَوالِي الطَّبَقاتِ عَلى مَرِّ الزَّمانِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (يَذْرَؤُكم): يُكَثِّرُكم، يُقالُ ذَرَأ اللَّهُ الخَلْقَ: بَثَّهم وكَثَّرَهم، والذَّرْءُ والذَّرُوءُ والذَّرْواءُ أخَواتٌ في هَذا التَّدْبِيرِ، وهو أنْ جَعَلَ لِلنّاسِ والأنْعامِ أزْواجًا حَتّى كانَ بَيْنَ ذُكُورِهِمْ وإناثِهِمُ التَّوالُدُ والتَّناسُلُ. والضَّمِيرُ في يَذْرَؤُكم يَرْجِعُ إلى المُخاطَبِينَ، و(الأنْعامِ) مُغَلَّبًا فِيهِ المُخاطَبُونَ العُقَلاءُ عَلى الغَيْرِ مِمّا لا يَعْقِلُ، وهي مِنَ الأحْكامِ ذاتِ العِلَّتَيْنِ. انْتَهى. وقَوْلُهُ: وهي مِنَ الأحْكامِ ذاتِ العِلَّتَيْنِ اصْطِلاحٌ غَرِيبٌ، ويَعْنِي أنَّ الخِطابَ يُغَلَّبُ عَلى الغَيْبَةِ إذا اجْتَمَعا فَتَقُولُ: أنْتَ وزَيْدٌ تَقُومانِ؛ والعاقِلُ يُغَلَّبُ عَلى غَيْرِ العاقِلِ إذا اجْتَمَعا، فَتَقُولُ: الحَيَوانُ وغَيْرُهم يُسَبِّحُونَ خالِقَهم. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ؛ فَإنْ قُلْتَ: ما مَعْنى (يَذْرَؤُكم) في هَذا التَّدْبِيرِ ؟ وهَلّا قِيلَ: يَذْرَؤُكم بِهِ ؟ قُلْتُ: جَعَلَ هَذا التَّدْبِيرَ كالمَنبَعِ والمَعْدِنِ لِلْبَثِّ والتَّكْثِيرِ. ألا تَراكَ تَقُولُ لِلْحَيَوانِ في خَلْقِ الأزْواجِ تَكْثِيرٌ ؟ كَما قالَ تَعالى: ﴿ولَكم في القِصاصِ حَياةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩] انْتَهى. ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، تَقُولُ العَرَبُ: مِثْلُكَ لا يَفْعَلُ كَذا، يُرِيدُونَ بِهِ المُخاطَبَ، كَأنَّهم إذا نَفَوُا الوَصْفَ عَنْ مِثْلِ الشَّخْصِ كانَ نَفْيًا عَنِ الشَّخْصِ، وهو مِن بابِ المُبالَغَةِ، ومِثْلُ الآيَةِ قَوْلُ أوْسِ بْنِ حَجَرٍ: ؎لَيْسَ كَمِثْلِ الفَتى زُهَيْرِ ∗∗∗ خُلُقٌ يُوازِيهِ في الفَضائِلِ وقالَ آخَرُ: ؎وقَتْلى كَمِثْلِ جُذُوعِ النَّخِيلِ ∗∗∗ تَغْشاهم مَسْبَلٌ مُنْهَمِرْ وقالَ آخَرُ: ؎سَعْدُ بْنُ زَيْدٍ إذا أبْصَرْتَ فَضْلَهم ∗∗∗ ما إنَّ مِثْلَهُمُ في النّاسِ مِن أحَدِ فَجَرَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ عَلى نَهْجِ كَلامِ العَرَبِ مِن إطْلاقِ المِثْلِ عَلى نَفْسِ الشَّيْءِ. وما ذَهَبَ إلَيْهِ الطَّبَرِيُّ وغَيْرُهُ مِن أنَّ مِثْلًا زائِدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ كالكافِّ في قَوْلِهِ: ؎فَأصْبَحَتْ مِثْلَ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ وقَوْلِهِ: وصالِياتٍ كَكُما يُؤْثَفِينَ، لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّ مِثْلًا اسْمٌ، والأسْماءُ لا تُزادُ، بِخِلافِ الكافِ، فَإنَّها حَرْفٌ، فَتَصْلُحُ لِلزِّيادَةِ. ونَظِيرُ نِسْبَةِ المِثْلِ إلى مَن لا مِثْلَ لَهُ قَوْلُكَ: فُلانٌ يَدُهُ مَبْسُوطَةٌ، يُرِيدُ أنَّهُ جَوادٌ، ولا نَظِيرَ لَهُ في الحَقِيقَةِ إلى اليَدِ حَتّى تَقُولَ ذَلِكَ لِمَن لا يَدَ لَهُ، كَقَوْلِهِ: ﴿بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ﴾ [المائدة: ٦٤] . فَكَما جَعَلْتَ ذَلِكَ كِنايَةً عَنِ الجَوادِ فِيمَن لا يَدَ لَهُ، فَكَذَلِكَ جَعَلْتَ المِثْلَ كِنايَةً عَنِ الذَّواتِ في مَن لا مِثْلَ لَهُ. ويُحْتَمَلُ أيْضًا أنْ يُرادَ بِالمِثْلِ الصِّفَةُ، وذَلِكَ سائِغٌ، يُطْلَقُ المِثْلُ بِمَعْنى المِثْلِ وهو الصِّفَةُ، فَيَكُونُ المَعْنى: لَيْسَ مِثْلَ صِفَتِهِ تَعالى شَيْءٌ مِنَ الصِّفاتِ الَّتِي لِغَيْرِهِ، وهَذا مَحْمَلٌ سَهْلٌ، والوَجْهُ الأوَّلُ أغْوَصُ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: العَرَبُ تُقِيمُ المِثالَ مَقامَ النَّفْسِ، فَيَقُولُ: مِثْلِي لا يُقالُ لَهُ هَذا، أيْ: أنا لا يُقالُ لِي هَذا. انْتَهى. فَقَدْ صارَ ذَلِكَ كِنايَةً عَنِ الذّاتِ، فَلا فَرْقَ بَيْنَ قَوْلِكِ: لَيْسَ كاللَّهِ شَيْءٌ، أوْ لَيْسَ كَمِثْلِ اللَّهِ شَيْءٌ. وقَدْ أجْمَعَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ الكافَ والمِثْلَ يُرادُ بِهِما مَوْضُوعُهُما الحَقِيقِيُّ مِن أنَّ كُلًّا مِنهُما يُرادُ بِهِ التَّشْبِيهُ، وذَلِكَ مُحالٌ؛ لِأنَّ فِيهِ إثْباتُ مِثْلٍ لِلَّهِ (p-٥١١)تَعالى، وهو مُحالٌ. ﴿وهُوَ السَّمِيعُ﴾ لِأقْوالِ الخَلْقِ، (البَصِيرُ) لِأعْمالِهِمْ. وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ: ﴿لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ في سُورَةِ الزُّمَرِ؛ وقُرِئَ: (ويَقْدِرُ) أيْ: يُضَيِّقُ. ﴿إنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ أيْ: يُوَسِّعُ لِمَن يَشاءُ، ويُضَيِّقُ عَلى مَن يَشاءُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإذا عَلِمَ أنَّ الغِنى خَيْرٌ لِلْعَبْدِ أغْناهُ لا أفْقَرَهُ. انْتَهى، وفِيهِ دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ.

الشورى 42:5

سُورَةُ الشُّورى ثَلاثٌ وخَمْسُونَ آيَةً، مَكِّيَّةٌ ﷽ ﴿حم﴾ ﴿عسق﴾ ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إلَيْكَ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وهو العَلِيُّ العَظِيمُ﴾ ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ والمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ويَسْتَغْفِرُونَ لِمَن في الأرْضِ ألا إنَّ اللَّهَ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أولِياءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ ﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ القُرى ومَن حَوْلَها وتُنْذِرَ يَوْمَ الجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ في الجَنَّةِ وفَرِيقٌ في السَّعِيرِ﴾ ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهم أُمَّةً واحِدَةً ولَكِنْ يُدْخِلُ مَن يَشاءُ في رَحْمَتِهِ والظّالِمُونَ ما لَهم مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ ﴿أمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ فاللَّهُ هو الوَلِيُّ وهو يُحْيِي المَوْتى وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿وما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إلى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وإلَيْهِ أُنِيبُ﴾ ﴿فاطِرُ السَّماواتِ والأرْضِ جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا ومِنَ الأنْعامِ أزْواجًا يَذْرَؤُكم فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وهو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ ﴿لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ والأرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ إنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ﴿شَرَعَ لَكم مِنَ الدِّينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ وما وصَّيْنا بِهِ إبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى أنْ أقِيمُوا الدِّينَ ولا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلى المُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهم إلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إلَيْهِ مَن يَشاءُ ويَهْدِي إلَيْهِ مَن يُنِيبُ﴾ [الشورى: ١٣] ﴿وما تَفَرَّقُوا إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهم ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ إلى أجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهم وإنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الكِتابَ مِن بَعْدِهِمْ لَفي شَكٍّ مِنهُ مُرِيبٍ﴾ [الشورى: ١٤] ﴿فَلِذَلِكَ فادْعُ واسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ ولا تَتَّبِعْ أهْواءَهم وقُلْ آمَنتُ بِما أنْزَلَ اللَّهُ مِن كِتابٍ وأُمِرْتُ لِأعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنا ورَبُّكم لَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكم لا حُجَّةَ بَيْنَنا وبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا وإلَيْهِ المَصِيرُ﴾ [الشورى: ١٥] ﴿والَّذِينَ يُحاجُّونَ في اللَّهِ مِن بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهم داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وعَلَيْهِمْ غَضَبٌ ولَهم عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ [الشورى: ١٦] ﴿اللَّهُ الَّذِي أنْزَلَ الكِتابَ بِالحَقِّ والمِيزانَ وما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ [الشورى: ١٧] ﴿يَسْتَعْجِلُ بِها الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها والَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنها ويَعْلَمُونَ أنَّها الحَقُّ ألا إنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ في السّاعَةِ لَفي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ [الشورى: ١٨] ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ وهو القَوِيُّ العَزِيزُ﴾ [الشورى: ١٩] ﴿مَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ ومَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنها وما لَهُ في الآخِرَةِ مِن نَصِيبٍ﴾ [الشورى: ٢٠] ﴿أمْ لَهم شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهم مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ ولَوْلا كَلِمَةُ الفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهم وإنَّ الظّالِمِينَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [الشورى: ٢١] ﴿تَرى الظّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا كَسَبُوا وهو واقِعٌ بِهِمْ والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ في رَوْضاتِ الجَنّاتِ لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هو الفَضْلُ الكَبِيرُ﴾ [الشورى: ٢٢] ﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى ومَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْنًا إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [الشورى: ٢٣] ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا فَإنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ ويَمْحُ اللَّهُ الباطِلَ ويُحِقُّ الحَقَّ بِكَلِماتِهِ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ [الشورى: ٢٤] ﴿وهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ ويَعْفُو عَنِ السَّيِّئاتِ ويَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ﴾ [الشورى: ٢٥] (p-٥٠٧)﴿ويَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ والكافِرُونَ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ [الشورى: ٢٦] ﴿ولَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا في الأرْضِ ولَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ إنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [الشورى: ٢٧] ﴿وهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الغَيْثَ مِن بَعْدِ ما قَنَطُوا ويَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وهو الوَلِيُّ الحَمِيدُ﴾ [الشورى: ٢٨] ﴿ومِن آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَثَّ فِيهِما مِن دابَّةٍ وهو عَلى جَمْعِهِمْ إذا يَشاءُ قَدِيرٌ﴾ [الشورى: ٢٩] ﴿وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكم ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠] ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ في الأرْضِ وما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ [الشورى: ٣١] ﴿ومِن آياتِهِ الجَوارِي في البَحْرِ كالأعْلامِ﴾ [الشورى: ٣٢] ﴿إنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ [الشورى: ٣٣] . رَكَدَ الشَّيْءُ، ثَبَتَ في مَكانِهِ، وقَدْ قالَ الشّاعِرُ: ؎رُكُودًا يُوارِي الرَّبْرَبَ المُتَفَرِّقَ وقَدْ رَكَدَتْ وسَطَ السَّماءِ نُجُومُها ﴿حم﴾ ﴿عسق﴾ ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إلَيْكَ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وهو العَلِيُّ العَظِيمُ﴾ ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ والمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ويَسْتَغْفِرُونَ لِمَن في الأرْضِ ألا إنَّ اللَّهَ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أولِياءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ ﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ القُرى ومَن حَوْلَها وتُنْذِرَ يَوْمَ الجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ في الجَنَّةِ وفَرِيقٌ في السَّعِيرِ﴾ ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهم أُمَّةً واحِدَةً ولَكِنْ يُدْخِلُ مَن يَشاءُ في رَحْمَتِهِ والظّالِمُونَ ما لَهم مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ ﴿أمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ فاللَّهُ هو الوَلِيُّ وهو يُحْيِي المَوْتى وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿وما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إلى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وإلَيْهِ أُنِيبُ﴾ ﴿فاطِرُ السَّماواتِ والأرْضِ جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا ومِنَ الأنْعامِ أزْواجًا يَذْرَؤُكم فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وهو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ ﴿لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ والأرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ إنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الحَسَنِ وعَطاءٍ وعِكْرِمَةَ وجابِرٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَكِّيَّةٌ إلّا أرْبَعَ آياتٍ مِن قَوْلِهِ: ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ [الشورى: ٢٣] إلى آخِرِ الأرْبَعِ آياتٍ، فَإنَّها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ. وقالَ مُقاتِلٌ: فِيها مَدَنِيٌّ قَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ﴾ [الشورى: ٢٣] إلى (الصُّدُورِ) . ومُناسَبَةُ أوَّلِ السُّورَةِ لِآخِرِ ما قَبْلَها أنَّهُ قالَ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ [فصلت: ٥٢] الآيَةَ، وكانَ في ذَلِكَ الحُكْمُ عَلَيْهِمْ بِالضَّلالِ. لَمّا كَفَرُوا بِهِ قالَ هُنا: (كَذَلِكَ)، أيْ: مِثْلُ الإيحاءِ السّابِقِ في القُرْآنِ الَّذِي كَفَرَ بِهِ هَؤُلاءِ، ﴿يُوحِي إلَيْكَ﴾: أيْ: إنَّ وحْيَهُ تَعالى إلَيْكَ مُتَّصِلٌ غَيْرُ مُنْقَطِعٍ، يَتَعَهَّدُكَ وقْتًا بَعْدَ وقْتٍ. وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ في ﴿حم﴾ ﴿عسق﴾ أقْوالًا مُضْطَرِبَةً لا يَصِحُّ مِنها شَيْءٌ كَعادَتِهِمْ في هَذِهِ الفَواتِحِ، ضَرَبْنا عَنْ ذِكْرِها صَفْحًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يُوحِي) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ؛ وأبُو حَيْوَةَ، والأعْشى عَنْ أبِي بَكْرٍ، وأبانَ (نُوحِي) (p-٥٠٨)بِنُونِ العَظَمَةِ. ومُجاهِدٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وعَبّاسٌ، ومَحْبُوبٌ، كِلاهُما عَنْ أبِي عَمْرٍو: (يُوحى) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ؛ و(اللَّهُ) مَرْفُوعٌ بِمُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ أوْحى، أوْ بِالِابْتِداءِ، التَّقْدِيرُ: اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ المُوحِي. وعَلى قِراءَةِ (نُوحِي) بِالنُّونِ، يَكُونُ ﴿اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ مُبْتَدَأً وخَبَرًا. و(يُوحِي) إمّا في مَعْنى أوْجَبَ حَتّى يَنْتَظِمَ قَوْلُهُ: ﴿وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ﴾، أوْ يُقْرَأُ عَلى مَوْضُوعِهِ، ويُضْمِرُ عامِلٌ يَتَعَلَّقُ بِهِ (إلى الَّذِينَ) تَقْدِيرُهُ: وأوْحى إلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ﴿تَكادُ السَّماواتُ﴾ في سُورَةِ مَرْيَمَ قِراءَةً وتَفْسِيرًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ورَوى يُونُسُ عَنْ أبِي عُمَرَ وقِراءَةٌ عَرَبِيَّةٌ (تَتَفَطَّرْنَ) بِتاءَيْنِ مَعَ النُّونِ، ونَظِيرُها حَرْفٌ نادِرٌ رُوِيَ في نَوادِرِ ابْنِ الأعْرابِيِّ: الإبِلُ تَتَشَمَّمْنَ. انْتَهى. والظّاهِرُ أنَّ هَذا وهْمٌ مِنَ الزَّمَخْشَرِيِّ في النَّقْلِ؛ لِأنَّ ابْنَ خالَوَيْهِ ذَكَرَ في شَواذِّ القِراءاتِ لَهُ ما نَصَبَ (تَفَطَّرْنَ) بِالتّاءِ والنُّونِ، يُونُسُ عَنْ أبِي عَمْرٍو. وقالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: هَذا حَرْفٌ نادِرٌ؛ لِأنَّ العَرَبَ لا تَجْمَعُ بَيْنَ عَلامَتَيِ التَّأْنِيثِ. لا يُقالُ: النِّساءُ تَقُمْنَ، ولَكِنْ يَقُمْنَ، والوالِداتُ يُرْضِعْنَ. قَدْ كانَ أبُو عُمَرَ الزّاهِدُ رَوى في نَوادِرِ ابْنِ الأعْرابِيِّ: الإبِلُ تَتَشَمَّمْنَ، فَأنْكَرْناهُ، فَقَدْ قَوّاهُ؛ لِأنَّ هَذا كَلامُ ابْنِ خالَوَيْهِ. فَإنْ كانَتْ نُسَخُ الزَّمَخْشَرِيِّ مُتَّفِقَةً عَلى قَوْلِهِ بِتاءَيْنِ مَعَ النُّونِ فَهو وهْمٌ، وإنْ كانَ في بَعْضِها بِتاءٍ مَعَ النُّونِ، كانَ مُوافِقًا لِقَوْلِ ابْنِ خالَوَيْهِ، وكانَ بِتاءَيْنِ تَحْرِيفًا مِنَ النُّسّاخِ. وكَذَلِكَ كَتْبُهم تَتَفَطَّرْنَ وتَتَشَمَّمْنَ بِتاءَيْنِ. والظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ في (مِن فَوْقِهِنَّ) عَلى (السَّماواتُ) . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مِن أعْلاهُنَّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَنْفَطِرْنَ مِن عُلُوِّ شَأْنِ اللَّهِ تَعالى وعَظَمَتِهِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ مَجِيئُهُ بَعْدَ ﴿العَلِيُّ العَظِيمُ﴾ . وقِيلَ: مِن دُعائِهِمْ لَهُ ولَدًا، كَقَوْلِهِ: ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنهُ﴾ [مريم: ٩٠] . فَإنْ قُلْتَ: لِمَ قالَ (مِن فَوْقِهِنَّ) ؟ قُلْتُ: لِأنَّ أعْظَمَ الآياتِ وأدَلَّها عَلى الجَلالِ والعَظَمَةِ فَوْقَ السَّماواتِ، وهي العَرَضُ والكُرْسِيُّ وصُفُوفُ المَلائِكَةِ المُرْتَجَّةِ بِالتَّسْبِيحِ والتَّقْدِيسِ حَوْلَ العَرْشِ، وما لا يَعْلَمُ كُنْهَهُ إلّا اللَّهُ مِن آثارِ مَلَكُوتِهِ العُظْمى، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ﴾ أيْ: يَبْتَدِئُ الِانْفِطارُ مِن جِهَتَيْنِ الفَوْقانِيَّةِ. وقالَ جَماعَةٌ، مِنهُمُ الحَوْفِيُّ، قالَ: (مِن فَوْقِهِنَّ)، والهاءُ والنُّونُ كِنايَةٌ عَنِ الأرَضِينَ. انْتَهى. (مِن فَوْقِهِنَّ) مُتَعَلِّقٌ بِـ(يَتَفَطَّرْنَ) ويَدُلُّ عَلى هَذا القَوْلِ ذِكْرُ الأرْضِ قَبْلُ. وقالَ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ الأخْفَشُ: الضَّمِيرُ لِلْكُفّارِ، والمَعْنى: مِن فَوْقِ الفِرَقِ والجَماعاتِ المُلْحِدَةِ، أيْ مِن أجْلِ أقْوالِها. انْتَهى. فَهَذِهِ الآيَةُ كالَّذِي في سُورَةِ مَرْيَمَ، واسْتَبْعَدَ مَكِّيٌّ هَذا القَوْلَ، قالَ: لا يَجُوزُ في الذُّكُورِ مِن بَنِي آدَمَ، يَعْنِي ضَمِيرَ المُؤَنَّثِ والِاسْتِشْعارُ ما ذَكَرَهُ مَكِّيٌّ. قالَ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ: مِن فَوْقِ الفِرَقِ والجَماعاتِ، وظاهِرُ المَلائِكَةِ العُمُومُ. وقالَ مُقاتِلٌ: حَمَلَةُ العَرْشِ والتَّسْبِيحِ، قِيلَ: قَوْلُهم سُبْحانَ اللَّهَ، وقِيلَ: يُهَلِّلُونَ؛ والظّاهِرُ في (يَسْتَغْفِرُونَ) طَلَبُ الغُفْرانِ، ولِأهْلِ الأرْضِ عامٌّ مَخْصُوصٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ويَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر: ٧]، قالَهُ السُّدِّيُّ. وقِيلَ: عامٌّ. ومَعْنى الِاسْتِغْفارِ: طَلَبُ الهِدايَةِ المُؤَدِّيَةِ إلى المَغْفِرَةِ، كَأنَّهم يَقُولُونَ: اللَّهُمَّ اهْدِ أهْلَ الأرْضِ، فاغْفِرْ لَهم. ويَدُلُّ عَلَيْهِ وصْفُهُ بِالغُفْرانِ والرَّحْمَةِ والِاسْتِفْتاحِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَقْصِدُوا بِالِاسْتِغْفارِ لَهم: طَلَبَ الحِلْمِ والغُفْرانِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ والأرْضَ أنْ تَزُولا﴾ [فاطر: ٤١]، إلى أنْ قالَ: ﴿إنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [فاطر: ٤١]، وقَوْلِهِ: ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ﴾ [الرعد: ٦]، والمُرادُ: الحِلْمُ عَنْهم، وأنْ لا يُعاجِلَهم بِالِانْتِقامِ فَيَكُونُ عامًّا. انْتَهى. وتَكَلَّمَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ في قَوْلِهِ: ﴿تَكادُ السَّماواتُ﴾ كَلامًا خارِجًا عَنْ مَناحِي مَفْهُوماتِ العَرَبِ، مُنْتَزَعًا مِن كَلامِ الفَلاسِفَةِ ومَن جَرى مَجْراهم، يُوقَفُ عَلى ذَلِكَ في كِتابِهِ. ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ﴾: أيْ أصْنامًا وأوْثانًا، ﴿اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ﴾: أيْ عَلى أعْمالِهِمْ ومُجازِيهِمْ عَلَيْها، ﴿وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ أيْ: بِمُفَوَّضٍ إلَيْكَ أمْرُهم ولا قائِمٍ. وما في هَذا مِنَ المُوادَعَةِ مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ. (وكَذَلِكَ) أيْ: ومِثْلُ هَذا الإيحاءِ والقَضاءِ، إنَّكَ لَسْتَ بِوَكِيلٍ عَلَيْهِمْ، ﴿أوْحَيْنا إلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ . (p-٥٠٩)والظّاهِرُ أنَّ (قُرْءانًا) مَفْعُولُ (أوْحَيْنا) . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الكافُ مَفْعُولٌ بِهِ، أيْ أوْحَيْناهُ إلَيْكَ، وهو قُرْآنٌ عَرَبِيٌّ لا لَبْسَ فِيهِ عَلَيْكَ، إذْ نَزَلَ بِلِسانِكَ. انْتَهى. فاسْتَعْمَلَ الكافَ اسْمًا في الكَلامِ، وهو مَذْهَبُ الأخْفَشِ. ﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ القُرى﴾: مَكَّةَ، أيْ أهْلَ أُمِّ القُرى، وكَذَلِكَ المَفْعُولُ الأوَّلُ مَحْذُوفٌ، والثّانِي هو: ﴿يَوْمَ الجَمْعِ﴾ أيِ: اجْتِماعِ الخَلائِقِ، والمُنْذَرُ بِهِ هو ما يَقَعُ في يَوْمِ الجَمْعِ مِنَ الجَزاءِ وانْقِسامِ الجَمْعِ إلى الفَرِيقَيْنِ، أوِ اجْتِماعِ الأرْواحِ بِالأجْسادِ، أوْ أهْلِ الأرْضِ بِأهْلِ السَّماءِ، أوِ النّاسِ بِأعْمالِهِمْ، أقْوالٌ أرْبَعَةٌ. (لِيُنْذِرَ) بِياءِ الغَيْبَةِ، أيْ: لِيُنْذِرَ القُرْآنُ. ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ أيْ: لا شَكَّ في وُقُوعِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾: اعْتِراضٌ لا مَحالَةَ. انْتَهى. ولا يَظْهَرُ أنَّهُ اعْتِراضٌ، أعْنِي صِناعِيًّا؛ لِأنَّهُ لَمْ يَقَعْ بَيْنَ طالِبٍ ومَطْلُوبٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (فَرِيقٌ) بِالرَّفْعِ فِيهِما، أيْ: هم فَرِيقٌ أوْ مِنهم فَرِيقٌ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِنَصْبِهِما، أيِ: افْتَرَقُوا، فَرِيقًا في كَذا، وفَرِيقًا في كَذا؛ ويَدُلُّ عَلى الِافْتِراقِ: الِاجْتِماعُ المَفْهُومُ مِن يَوْمِ الجَمْعِ. ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهم أُمَّةً واحِدَةً﴾: يَعْنِي مِن إيمانٍ أوْ كُفْرٍ، قالَ مَعْناهُ الضَّحّاكُ، وهو قَوْلُ أهْلِ السُّنَّةِ، وذَلِكَ تَسْلِيَةٌ لِلرَّسُولِ. كَما كانَ يُقاسِيهِ مَن كُفْرِ قَوْمِهِ، وتَوْقِيفٌ عَلى أنَّ ذَلِكَ راجِعٌ إلى مَشِيئَتِهِ، ولَكِنَّ مَن سَبَقَتْ لَهُ السَّعادَةُ أدْخَلَهُ في رَحْمَتِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿لَجَعَلَهم أُمَّةً واحِدَةً﴾ أيْ: مُؤْمِنِينَ كُلَّهم عَلى القَسْرِ والإكْراهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها﴾ [السجدة: ١٣]، وقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن في الأرْضِ كُلُّهم جَمِيعًا﴾ [يونس: ٩٩] . والدَّلِيلُ عَلى أنَّ المَعْنى هو الإيحاءُ إلى الإيمانِ قَوْلُهُ: ﴿أفَأنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ حَتّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٩٩]، وذَكَرَ ما ظَنَّهُ اسْتِدْلالًا عَلى ذَلِكَ، وهو عَلى طَرِيقِ الِاعْتِزالِ. وقالَ أنَسُ بْنُ مالِكٍ: ﴿فِي رَحْمَتِهِ﴾: في دِينِ الإسْلامِ. ﴿أمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ﴾، أمْ: بِمَعْنى بَلْ، لِلِانْتِقالِ مِن كَلامٍ إلى كَلامٍ، والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ عَلَيْهِمُ اتِّخاذَ أوْلِياءَ مِن دُونِ اللَّهِ. وقِيلَ: أمْ بِمَعْنى الهَمْزَةِ فَقَطْ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مِثْلِ هَذا، حَيْثُ جاءَتْ أمِ المُنْقَطِعَةُ، والمَعْنى: اتَّخَذُوا أوْلِياءَ دُونَ اللَّهِ، ولَيْسُوا بِأوْلِياءَ حَقِيقَةً، فاللَّهُ هو الوَلِيُّ، والَّذِي يَجِبُ أنْ يَتَوَلّى وحْدَهُ، لا ما لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ مِن أوْلِيائِهِمْ. ولَمّا أخْبَرَ أنَّهُ هو الوَلِيُّ، عَطَفَ عَلَيْهِ هَذا الفِعْلَ الغَرِيبَ الَّذِي لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، وهو إحْياءُ المَوْتى. ولَمّا ذَكَرَ هَذا الوَصْفَ، ذَكَرَ قُدْرَتَهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ تَتَعَلَّقُ إرادَتُهُ بِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: في قَوْلِهِ: ﴿فاللَّهُ هو الوَلِيُّ﴾، والفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فاللَّهُ هو الوَلِيُّ﴾ جَوابُ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: بَعْدَ إنْكارِ كُلِّ ولِيٍّ سِواهُ، وإنْ أرادُوا ولَيًّا بِحَقٍّ، فاللَّهُ هو الوَلِيُّ بِالحَقِّ، لا ولِيَّ سِواهُ. انْتَهى. ولا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ، والكَلامُ يَتِمُّ بِدُونِهِ. ﴿وما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ﴾: هَذا حِكايَةٌ لِقَوْلِ الرَّسُولِ، أيْ: ما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ أيُّها النّاسُ مِن تَكْذِيبٍ أوْ تَصْدِيقٍ وإيمانٍ وكُفْرٍ وغَيْرِ ذَلِكَ، فالحُكْمُ فِيهِ والمُجازاةُ عَلَيْهِ لَيْسَ ذَلِكَ إلّا إلى اللَّهِ، لا إلَيَّ، ولَفْظَةُ مِن شَيْءٍ تَدُلُّ عَلى العُمُومِ. وقِيلَ: مِن شَيْءٍ مِنَ الخُصُوماتِ، فَتَحاكَمُوا فِيهِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ولا تُؤْثِرُوا عَلى حُكُومَتِهِ حُكُومَةَ غَيْرِهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ تَنازَعْتُمْ في شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلى اللَّهِ والرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] . وقِيلَ: (مِن شَيْءٍ): مِن تَأْوِيلِ آيَةٍ واشْتَبَهَ عَلَيْكم، فارْجِعُوا في بَيانِهِ إلى آيِ المُحْكَمِ مِن كِتابِ اللَّهِ، والظّاهِرِ مِن سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وقِيلَ: ما وقَعَ مِنكُمُ الخِلافُ فِيهِ مِنَ العُلُومِ الَّتِي لا تَتَّصِلُ بِتَكْلِيفِكم، ولا طَرِيقَ لَكم إلى عِلْمِهِ، فَقُولُوا: اللَّهُ أعْلَمُ، كَمَعْرِفَةِ الرُّوحِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ ما خالَفَكم فِيهِ الكُفّارُ مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ فاخْتَلَفْتُمْ أنْتُمْ وهم فِيهِ مِن أُمُورِ الدِّينِ، فَحُكْمُ ذَلِكَ المُخْتَلَفِ فِيهِ مُفَوَّضٌ إلى اللَّهِ، وهو إثابَةُ المُحِقِّينَ فِيهِ مِنَ المُؤْمِنِينَ ومُعاتِبَةُ المُبْطِلِينَ. (ذَلِكم): الحَكَمُ بَيْنَكم هو ﴿رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ في رَدِّ كَيْدِ أعْداءِ الدِّينِ، وإلَيْهِ أرْجِعُ في كِفايَةِ شَرِّهِمْ. انْتَهى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (فاطِرُ) بِالرَّفْعِ، أيْ: هو فاطِرُ، أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ كَقَوْلِهِ: (ذَلِكم) . وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (فاطِرِ) بِالجَرِّ، صِفَةً لِقَوْلِهِ: (إلى اللَّهِ)، والجُمْلَةُ بَعْدَها اعْتِراضٌ بَيْنَ الصِّفَةِ والمَوْصُوفِ. ﴿جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكُمْ﴾ أيْ: مِن جِنْسِ أنْفُسِكم، أيْ: (p-٥١٠)آدَمَيّاتٍ، (أزْواجًا): إناثًا، أوْ جَعَلَ الخَلْقَ لِأبِينا آدَمَ مِن ضِلْعِهِ حَوّاءَ زَوْجًا لَهُ خَلْقًا لَنا، ﴿ومِنَ الأنْعامِ أزْواجًا﴾ أيْ: أنْواعًا كَثِيرَةً، ذُكُورًا وإناثًا، أوْ أزْواجًا إناثًا. ﴿يَذْرَؤُكم فِيهِ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أيْ يَجْعَلُ لَكم فِيهِ مَعِيشَةً تَعِيشُونَ بِها. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: يَرْزُقُكم فِيهِ، وهو قَرِيبٌ مِنَ القَوْلِ قَبْلَهُ. وقالَ مُجاهِدٌ: يَخْلُقُكم في بُطُونِ الإناثِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ أيْضًا: يَذْرَؤُكم فِيما خَلَقَ مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ. وقالَ الزَّجّاجُ: يُكَثِّرُكم بِهِ، أيْ: فِيهِ، أيْ: يُكَثِّرُكم في خَلْقِكم أزْواجًا. وقالَ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ: يَنْقُلُكم مِن حالٍ إلى حالٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الضَّمِيرُ في فِيهِ لِلْجَعْلِ، أيْ: يَخْلُقُكم ويُكَثِّرُكم في الجَعْلِ، كَما تَقُولُ: كَلَّمْتُ زَيْدًا كَلامًا أكْرَمْتُهُ فِيهِ، قالَ: ولَفْظَةُ ذَرَأ تُزِيدُ عَلى لَفْظَةِ خَلَقَ مَعْنًى آخَرَ لَيْسَ في خَلَقَ، وهو تَوالِي الطَّبَقاتِ عَلى مَرِّ الزَّمانِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (يَذْرَؤُكم): يُكَثِّرُكم، يُقالُ ذَرَأ اللَّهُ الخَلْقَ: بَثَّهم وكَثَّرَهم، والذَّرْءُ والذَّرُوءُ والذَّرْواءُ أخَواتٌ في هَذا التَّدْبِيرِ، وهو أنْ جَعَلَ لِلنّاسِ والأنْعامِ أزْواجًا حَتّى كانَ بَيْنَ ذُكُورِهِمْ وإناثِهِمُ التَّوالُدُ والتَّناسُلُ. والضَّمِيرُ في يَذْرَؤُكم يَرْجِعُ إلى المُخاطَبِينَ، و(الأنْعامِ) مُغَلَّبًا فِيهِ المُخاطَبُونَ العُقَلاءُ عَلى الغَيْرِ مِمّا لا يَعْقِلُ، وهي مِنَ الأحْكامِ ذاتِ العِلَّتَيْنِ. انْتَهى. وقَوْلُهُ: وهي مِنَ الأحْكامِ ذاتِ العِلَّتَيْنِ اصْطِلاحٌ غَرِيبٌ، ويَعْنِي أنَّ الخِطابَ يُغَلَّبُ عَلى الغَيْبَةِ إذا اجْتَمَعا فَتَقُولُ: أنْتَ وزَيْدٌ تَقُومانِ؛ والعاقِلُ يُغَلَّبُ عَلى غَيْرِ العاقِلِ إذا اجْتَمَعا، فَتَقُولُ: الحَيَوانُ وغَيْرُهم يُسَبِّحُونَ خالِقَهم. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ؛ فَإنْ قُلْتَ: ما مَعْنى (يَذْرَؤُكم) في هَذا التَّدْبِيرِ ؟ وهَلّا قِيلَ: يَذْرَؤُكم بِهِ ؟ قُلْتُ: جَعَلَ هَذا التَّدْبِيرَ كالمَنبَعِ والمَعْدِنِ لِلْبَثِّ والتَّكْثِيرِ. ألا تَراكَ تَقُولُ لِلْحَيَوانِ في خَلْقِ الأزْواجِ تَكْثِيرٌ ؟ كَما قالَ تَعالى: ﴿ولَكم في القِصاصِ حَياةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩] انْتَهى. ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، تَقُولُ العَرَبُ: مِثْلُكَ لا يَفْعَلُ كَذا، يُرِيدُونَ بِهِ المُخاطَبَ، كَأنَّهم إذا نَفَوُا الوَصْفَ عَنْ مِثْلِ الشَّخْصِ كانَ نَفْيًا عَنِ الشَّخْصِ، وهو مِن بابِ المُبالَغَةِ، ومِثْلُ الآيَةِ قَوْلُ أوْسِ بْنِ حَجَرٍ: ؎لَيْسَ كَمِثْلِ الفَتى زُهَيْرِ ∗∗∗ خُلُقٌ يُوازِيهِ في الفَضائِلِ وقالَ آخَرُ: ؎وقَتْلى كَمِثْلِ جُذُوعِ النَّخِيلِ ∗∗∗ تَغْشاهم مَسْبَلٌ مُنْهَمِرْ وقالَ آخَرُ: ؎سَعْدُ بْنُ زَيْدٍ إذا أبْصَرْتَ فَضْلَهم ∗∗∗ ما إنَّ مِثْلَهُمُ في النّاسِ مِن أحَدِ فَجَرَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ عَلى نَهْجِ كَلامِ العَرَبِ مِن إطْلاقِ المِثْلِ عَلى نَفْسِ الشَّيْءِ. وما ذَهَبَ إلَيْهِ الطَّبَرِيُّ وغَيْرُهُ مِن أنَّ مِثْلًا زائِدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ كالكافِّ في قَوْلِهِ: ؎فَأصْبَحَتْ مِثْلَ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ وقَوْلِهِ: وصالِياتٍ كَكُما يُؤْثَفِينَ، لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّ مِثْلًا اسْمٌ، والأسْماءُ لا تُزادُ، بِخِلافِ الكافِ، فَإنَّها حَرْفٌ، فَتَصْلُحُ لِلزِّيادَةِ. ونَظِيرُ نِسْبَةِ المِثْلِ إلى مَن لا مِثْلَ لَهُ قَوْلُكَ: فُلانٌ يَدُهُ مَبْسُوطَةٌ، يُرِيدُ أنَّهُ جَوادٌ، ولا نَظِيرَ لَهُ في الحَقِيقَةِ إلى اليَدِ حَتّى تَقُولَ ذَلِكَ لِمَن لا يَدَ لَهُ، كَقَوْلِهِ: ﴿بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ﴾ [المائدة: ٦٤] . فَكَما جَعَلْتَ ذَلِكَ كِنايَةً عَنِ الجَوادِ فِيمَن لا يَدَ لَهُ، فَكَذَلِكَ جَعَلْتَ المِثْلَ كِنايَةً عَنِ الذَّواتِ في مَن لا مِثْلَ لَهُ. ويُحْتَمَلُ أيْضًا أنْ يُرادَ بِالمِثْلِ الصِّفَةُ، وذَلِكَ سائِغٌ، يُطْلَقُ المِثْلُ بِمَعْنى المِثْلِ وهو الصِّفَةُ، فَيَكُونُ المَعْنى: لَيْسَ مِثْلَ صِفَتِهِ تَعالى شَيْءٌ مِنَ الصِّفاتِ الَّتِي لِغَيْرِهِ، وهَذا مَحْمَلٌ سَهْلٌ، والوَجْهُ الأوَّلُ أغْوَصُ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: العَرَبُ تُقِيمُ المِثالَ مَقامَ النَّفْسِ، فَيَقُولُ: مِثْلِي لا يُقالُ لَهُ هَذا، أيْ: أنا لا يُقالُ لِي هَذا. انْتَهى. فَقَدْ صارَ ذَلِكَ كِنايَةً عَنِ الذّاتِ، فَلا فَرْقَ بَيْنَ قَوْلِكِ: لَيْسَ كاللَّهِ شَيْءٌ، أوْ لَيْسَ كَمِثْلِ اللَّهِ شَيْءٌ. وقَدْ أجْمَعَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ الكافَ والمِثْلَ يُرادُ بِهِما مَوْضُوعُهُما الحَقِيقِيُّ مِن أنَّ كُلًّا مِنهُما يُرادُ بِهِ التَّشْبِيهُ، وذَلِكَ مُحالٌ؛ لِأنَّ فِيهِ إثْباتُ مِثْلٍ لِلَّهِ (p-٥١١)تَعالى، وهو مُحالٌ. ﴿وهُوَ السَّمِيعُ﴾ لِأقْوالِ الخَلْقِ، (البَصِيرُ) لِأعْمالِهِمْ. وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ: ﴿لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ في سُورَةِ الزُّمَرِ؛ وقُرِئَ: (ويَقْدِرُ) أيْ: يُضَيِّقُ. ﴿إنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ أيْ: يُوَسِّعُ لِمَن يَشاءُ، ويُضَيِّقُ عَلى مَن يَشاءُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإذا عَلِمَ أنَّ الغِنى خَيْرٌ لِلْعَبْدِ أغْناهُ لا أفْقَرَهُ. انْتَهى، وفِيهِ دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ.

الشورى 42:6

سُورَةُ الشُّورى ثَلاثٌ وخَمْسُونَ آيَةً، مَكِّيَّةٌ ﷽ ﴿حم﴾ ﴿عسق﴾ ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إلَيْكَ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وهو العَلِيُّ العَظِيمُ﴾ ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ والمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ويَسْتَغْفِرُونَ لِمَن في الأرْضِ ألا إنَّ اللَّهَ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أولِياءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ ﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ القُرى ومَن حَوْلَها وتُنْذِرَ يَوْمَ الجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ في الجَنَّةِ وفَرِيقٌ في السَّعِيرِ﴾ ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهم أُمَّةً واحِدَةً ولَكِنْ يُدْخِلُ مَن يَشاءُ في رَحْمَتِهِ والظّالِمُونَ ما لَهم مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ ﴿أمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ فاللَّهُ هو الوَلِيُّ وهو يُحْيِي المَوْتى وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿وما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إلى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وإلَيْهِ أُنِيبُ﴾ ﴿فاطِرُ السَّماواتِ والأرْضِ جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا ومِنَ الأنْعامِ أزْواجًا يَذْرَؤُكم فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وهو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ ﴿لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ والأرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ إنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ﴿شَرَعَ لَكم مِنَ الدِّينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ وما وصَّيْنا بِهِ إبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى أنْ أقِيمُوا الدِّينَ ولا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلى المُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهم إلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إلَيْهِ مَن يَشاءُ ويَهْدِي إلَيْهِ مَن يُنِيبُ﴾ [الشورى: ١٣] ﴿وما تَفَرَّقُوا إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهم ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ إلى أجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهم وإنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الكِتابَ مِن بَعْدِهِمْ لَفي شَكٍّ مِنهُ مُرِيبٍ﴾ [الشورى: ١٤] ﴿فَلِذَلِكَ فادْعُ واسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ ولا تَتَّبِعْ أهْواءَهم وقُلْ آمَنتُ بِما أنْزَلَ اللَّهُ مِن كِتابٍ وأُمِرْتُ لِأعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنا ورَبُّكم لَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكم لا حُجَّةَ بَيْنَنا وبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا وإلَيْهِ المَصِيرُ﴾ [الشورى: ١٥] ﴿والَّذِينَ يُحاجُّونَ في اللَّهِ مِن بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهم داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وعَلَيْهِمْ غَضَبٌ ولَهم عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ [الشورى: ١٦] ﴿اللَّهُ الَّذِي أنْزَلَ الكِتابَ بِالحَقِّ والمِيزانَ وما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ [الشورى: ١٧] ﴿يَسْتَعْجِلُ بِها الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها والَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنها ويَعْلَمُونَ أنَّها الحَقُّ ألا إنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ في السّاعَةِ لَفي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ [الشورى: ١٨] ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ وهو القَوِيُّ العَزِيزُ﴾ [الشورى: ١٩] ﴿مَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ ومَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنها وما لَهُ في الآخِرَةِ مِن نَصِيبٍ﴾ [الشورى: ٢٠] ﴿أمْ لَهم شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهم مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ ولَوْلا كَلِمَةُ الفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهم وإنَّ الظّالِمِينَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [الشورى: ٢١] ﴿تَرى الظّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا كَسَبُوا وهو واقِعٌ بِهِمْ والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ في رَوْضاتِ الجَنّاتِ لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هو الفَضْلُ الكَبِيرُ﴾ [الشورى: ٢٢] ﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى ومَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْنًا إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [الشورى: ٢٣] ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا فَإنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ ويَمْحُ اللَّهُ الباطِلَ ويُحِقُّ الحَقَّ بِكَلِماتِهِ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ [الشورى: ٢٤] ﴿وهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ ويَعْفُو عَنِ السَّيِّئاتِ ويَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ﴾ [الشورى: ٢٥] (p-٥٠٧)﴿ويَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ والكافِرُونَ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ [الشورى: ٢٦] ﴿ولَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا في الأرْضِ ولَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ إنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [الشورى: ٢٧] ﴿وهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الغَيْثَ مِن بَعْدِ ما قَنَطُوا ويَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وهو الوَلِيُّ الحَمِيدُ﴾ [الشورى: ٢٨] ﴿ومِن آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَثَّ فِيهِما مِن دابَّةٍ وهو عَلى جَمْعِهِمْ إذا يَشاءُ قَدِيرٌ﴾ [الشورى: ٢٩] ﴿وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكم ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠] ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ في الأرْضِ وما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ [الشورى: ٣١] ﴿ومِن آياتِهِ الجَوارِي في البَحْرِ كالأعْلامِ﴾ [الشورى: ٣٢] ﴿إنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ [الشورى: ٣٣] . رَكَدَ الشَّيْءُ، ثَبَتَ في مَكانِهِ، وقَدْ قالَ الشّاعِرُ: ؎رُكُودًا يُوارِي الرَّبْرَبَ المُتَفَرِّقَ وقَدْ رَكَدَتْ وسَطَ السَّماءِ نُجُومُها ﴿حم﴾ ﴿عسق﴾ ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إلَيْكَ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وهو العَلِيُّ العَظِيمُ﴾ ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ والمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ويَسْتَغْفِرُونَ لِمَن في الأرْضِ ألا إنَّ اللَّهَ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أولِياءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ ﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ القُرى ومَن حَوْلَها وتُنْذِرَ يَوْمَ الجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ في الجَنَّةِ وفَرِيقٌ في السَّعِيرِ﴾ ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهم أُمَّةً واحِدَةً ولَكِنْ يُدْخِلُ مَن يَشاءُ في رَحْمَتِهِ والظّالِمُونَ ما لَهم مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ ﴿أمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ فاللَّهُ هو الوَلِيُّ وهو يُحْيِي المَوْتى وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿وما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إلى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وإلَيْهِ أُنِيبُ﴾ ﴿فاطِرُ السَّماواتِ والأرْضِ جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا ومِنَ الأنْعامِ أزْواجًا يَذْرَؤُكم فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وهو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ ﴿لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ والأرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ إنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الحَسَنِ وعَطاءٍ وعِكْرِمَةَ وجابِرٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَكِّيَّةٌ إلّا أرْبَعَ آياتٍ مِن قَوْلِهِ: ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ [الشورى: ٢٣] إلى آخِرِ الأرْبَعِ آياتٍ، فَإنَّها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ. وقالَ مُقاتِلٌ: فِيها مَدَنِيٌّ قَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ﴾ [الشورى: ٢٣] إلى (الصُّدُورِ) . ومُناسَبَةُ أوَّلِ السُّورَةِ لِآخِرِ ما قَبْلَها أنَّهُ قالَ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ [فصلت: ٥٢] الآيَةَ، وكانَ في ذَلِكَ الحُكْمُ عَلَيْهِمْ بِالضَّلالِ. لَمّا كَفَرُوا بِهِ قالَ هُنا: (كَذَلِكَ)، أيْ: مِثْلُ الإيحاءِ السّابِقِ في القُرْآنِ الَّذِي كَفَرَ بِهِ هَؤُلاءِ، ﴿يُوحِي إلَيْكَ﴾: أيْ: إنَّ وحْيَهُ تَعالى إلَيْكَ مُتَّصِلٌ غَيْرُ مُنْقَطِعٍ، يَتَعَهَّدُكَ وقْتًا بَعْدَ وقْتٍ. وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ في ﴿حم﴾ ﴿عسق﴾ أقْوالًا مُضْطَرِبَةً لا يَصِحُّ مِنها شَيْءٌ كَعادَتِهِمْ في هَذِهِ الفَواتِحِ، ضَرَبْنا عَنْ ذِكْرِها صَفْحًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يُوحِي) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ؛ وأبُو حَيْوَةَ، والأعْشى عَنْ أبِي بَكْرٍ، وأبانَ (نُوحِي) (p-٥٠٨)بِنُونِ العَظَمَةِ. ومُجاهِدٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وعَبّاسٌ، ومَحْبُوبٌ، كِلاهُما عَنْ أبِي عَمْرٍو: (يُوحى) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ؛ و(اللَّهُ) مَرْفُوعٌ بِمُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ أوْحى، أوْ بِالِابْتِداءِ، التَّقْدِيرُ: اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ المُوحِي. وعَلى قِراءَةِ (نُوحِي) بِالنُّونِ، يَكُونُ ﴿اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ مُبْتَدَأً وخَبَرًا. و(يُوحِي) إمّا في مَعْنى أوْجَبَ حَتّى يَنْتَظِمَ قَوْلُهُ: ﴿وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ﴾، أوْ يُقْرَأُ عَلى مَوْضُوعِهِ، ويُضْمِرُ عامِلٌ يَتَعَلَّقُ بِهِ (إلى الَّذِينَ) تَقْدِيرُهُ: وأوْحى إلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ﴿تَكادُ السَّماواتُ﴾ في سُورَةِ مَرْيَمَ قِراءَةً وتَفْسِيرًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ورَوى يُونُسُ عَنْ أبِي عُمَرَ وقِراءَةٌ عَرَبِيَّةٌ (تَتَفَطَّرْنَ) بِتاءَيْنِ مَعَ النُّونِ، ونَظِيرُها حَرْفٌ نادِرٌ رُوِيَ في نَوادِرِ ابْنِ الأعْرابِيِّ: الإبِلُ تَتَشَمَّمْنَ. انْتَهى. والظّاهِرُ أنَّ هَذا وهْمٌ مِنَ الزَّمَخْشَرِيِّ في النَّقْلِ؛ لِأنَّ ابْنَ خالَوَيْهِ ذَكَرَ في شَواذِّ القِراءاتِ لَهُ ما نَصَبَ (تَفَطَّرْنَ) بِالتّاءِ والنُّونِ، يُونُسُ عَنْ أبِي عَمْرٍو. وقالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: هَذا حَرْفٌ نادِرٌ؛ لِأنَّ العَرَبَ لا تَجْمَعُ بَيْنَ عَلامَتَيِ التَّأْنِيثِ. لا يُقالُ: النِّساءُ تَقُمْنَ، ولَكِنْ يَقُمْنَ، والوالِداتُ يُرْضِعْنَ. قَدْ كانَ أبُو عُمَرَ الزّاهِدُ رَوى في نَوادِرِ ابْنِ الأعْرابِيِّ: الإبِلُ تَتَشَمَّمْنَ، فَأنْكَرْناهُ، فَقَدْ قَوّاهُ؛ لِأنَّ هَذا كَلامُ ابْنِ خالَوَيْهِ. فَإنْ كانَتْ نُسَخُ الزَّمَخْشَرِيِّ مُتَّفِقَةً عَلى قَوْلِهِ بِتاءَيْنِ مَعَ النُّونِ فَهو وهْمٌ، وإنْ كانَ في بَعْضِها بِتاءٍ مَعَ النُّونِ، كانَ مُوافِقًا لِقَوْلِ ابْنِ خالَوَيْهِ، وكانَ بِتاءَيْنِ تَحْرِيفًا مِنَ النُّسّاخِ. وكَذَلِكَ كَتْبُهم تَتَفَطَّرْنَ وتَتَشَمَّمْنَ بِتاءَيْنِ. والظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ في (مِن فَوْقِهِنَّ) عَلى (السَّماواتُ) . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مِن أعْلاهُنَّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَنْفَطِرْنَ مِن عُلُوِّ شَأْنِ اللَّهِ تَعالى وعَظَمَتِهِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ مَجِيئُهُ بَعْدَ ﴿العَلِيُّ العَظِيمُ﴾ . وقِيلَ: مِن دُعائِهِمْ لَهُ ولَدًا، كَقَوْلِهِ: ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنهُ﴾ [مريم: ٩٠] . فَإنْ قُلْتَ: لِمَ قالَ (مِن فَوْقِهِنَّ) ؟ قُلْتُ: لِأنَّ أعْظَمَ الآياتِ وأدَلَّها عَلى الجَلالِ والعَظَمَةِ فَوْقَ السَّماواتِ، وهي العَرَضُ والكُرْسِيُّ وصُفُوفُ المَلائِكَةِ المُرْتَجَّةِ بِالتَّسْبِيحِ والتَّقْدِيسِ حَوْلَ العَرْشِ، وما لا يَعْلَمُ كُنْهَهُ إلّا اللَّهُ مِن آثارِ مَلَكُوتِهِ العُظْمى، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ﴾ أيْ: يَبْتَدِئُ الِانْفِطارُ مِن جِهَتَيْنِ الفَوْقانِيَّةِ. وقالَ جَماعَةٌ، مِنهُمُ الحَوْفِيُّ، قالَ: (مِن فَوْقِهِنَّ)، والهاءُ والنُّونُ كِنايَةٌ عَنِ الأرَضِينَ. انْتَهى. (مِن فَوْقِهِنَّ) مُتَعَلِّقٌ بِـ(يَتَفَطَّرْنَ) ويَدُلُّ عَلى هَذا القَوْلِ ذِكْرُ الأرْضِ قَبْلُ. وقالَ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ الأخْفَشُ: الضَّمِيرُ لِلْكُفّارِ، والمَعْنى: مِن فَوْقِ الفِرَقِ والجَماعاتِ المُلْحِدَةِ، أيْ مِن أجْلِ أقْوالِها. انْتَهى. فَهَذِهِ الآيَةُ كالَّذِي في سُورَةِ مَرْيَمَ، واسْتَبْعَدَ مَكِّيٌّ هَذا القَوْلَ، قالَ: لا يَجُوزُ في الذُّكُورِ مِن بَنِي آدَمَ، يَعْنِي ضَمِيرَ المُؤَنَّثِ والِاسْتِشْعارُ ما ذَكَرَهُ مَكِّيٌّ. قالَ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ: مِن فَوْقِ الفِرَقِ والجَماعاتِ، وظاهِرُ المَلائِكَةِ العُمُومُ. وقالَ مُقاتِلٌ: حَمَلَةُ العَرْشِ والتَّسْبِيحِ، قِيلَ: قَوْلُهم سُبْحانَ اللَّهَ، وقِيلَ: يُهَلِّلُونَ؛ والظّاهِرُ في (يَسْتَغْفِرُونَ) طَلَبُ الغُفْرانِ، ولِأهْلِ الأرْضِ عامٌّ مَخْصُوصٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ويَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر: ٧]، قالَهُ السُّدِّيُّ. وقِيلَ: عامٌّ. ومَعْنى الِاسْتِغْفارِ: طَلَبُ الهِدايَةِ المُؤَدِّيَةِ إلى المَغْفِرَةِ، كَأنَّهم يَقُولُونَ: اللَّهُمَّ اهْدِ أهْلَ الأرْضِ، فاغْفِرْ لَهم. ويَدُلُّ عَلَيْهِ وصْفُهُ بِالغُفْرانِ والرَّحْمَةِ والِاسْتِفْتاحِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَقْصِدُوا بِالِاسْتِغْفارِ لَهم: طَلَبَ الحِلْمِ والغُفْرانِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ والأرْضَ أنْ تَزُولا﴾ [فاطر: ٤١]، إلى أنْ قالَ: ﴿إنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [فاطر: ٤١]، وقَوْلِهِ: ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ﴾ [الرعد: ٦]، والمُرادُ: الحِلْمُ عَنْهم، وأنْ لا يُعاجِلَهم بِالِانْتِقامِ فَيَكُونُ عامًّا. انْتَهى. وتَكَلَّمَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ في قَوْلِهِ: ﴿تَكادُ السَّماواتُ﴾ كَلامًا خارِجًا عَنْ مَناحِي مَفْهُوماتِ العَرَبِ، مُنْتَزَعًا مِن كَلامِ الفَلاسِفَةِ ومَن جَرى مَجْراهم، يُوقَفُ عَلى ذَلِكَ في كِتابِهِ. ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ﴾: أيْ أصْنامًا وأوْثانًا، ﴿اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ﴾: أيْ عَلى أعْمالِهِمْ ومُجازِيهِمْ عَلَيْها، ﴿وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ أيْ: بِمُفَوَّضٍ إلَيْكَ أمْرُهم ولا قائِمٍ. وما في هَذا مِنَ المُوادَعَةِ مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ. (وكَذَلِكَ) أيْ: ومِثْلُ هَذا الإيحاءِ والقَضاءِ، إنَّكَ لَسْتَ بِوَكِيلٍ عَلَيْهِمْ، ﴿أوْحَيْنا إلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ . (p-٥٠٩)والظّاهِرُ أنَّ (قُرْءانًا) مَفْعُولُ (أوْحَيْنا) . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الكافُ مَفْعُولٌ بِهِ، أيْ أوْحَيْناهُ إلَيْكَ، وهو قُرْآنٌ عَرَبِيٌّ لا لَبْسَ فِيهِ عَلَيْكَ، إذْ نَزَلَ بِلِسانِكَ. انْتَهى. فاسْتَعْمَلَ الكافَ اسْمًا في الكَلامِ، وهو مَذْهَبُ الأخْفَشِ. ﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ القُرى﴾: مَكَّةَ، أيْ أهْلَ أُمِّ القُرى، وكَذَلِكَ المَفْعُولُ الأوَّلُ مَحْذُوفٌ، والثّانِي هو: ﴿يَوْمَ الجَمْعِ﴾ أيِ: اجْتِماعِ الخَلائِقِ، والمُنْذَرُ بِهِ هو ما يَقَعُ في يَوْمِ الجَمْعِ مِنَ الجَزاءِ وانْقِسامِ الجَمْعِ إلى الفَرِيقَيْنِ، أوِ اجْتِماعِ الأرْواحِ بِالأجْسادِ، أوْ أهْلِ الأرْضِ بِأهْلِ السَّماءِ، أوِ النّاسِ بِأعْمالِهِمْ، أقْوالٌ أرْبَعَةٌ. (لِيُنْذِرَ) بِياءِ الغَيْبَةِ، أيْ: لِيُنْذِرَ القُرْآنُ. ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ أيْ: لا شَكَّ في وُقُوعِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾: اعْتِراضٌ لا مَحالَةَ. انْتَهى. ولا يَظْهَرُ أنَّهُ اعْتِراضٌ، أعْنِي صِناعِيًّا؛ لِأنَّهُ لَمْ يَقَعْ بَيْنَ طالِبٍ ومَطْلُوبٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (فَرِيقٌ) بِالرَّفْعِ فِيهِما، أيْ: هم فَرِيقٌ أوْ مِنهم فَرِيقٌ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِنَصْبِهِما، أيِ: افْتَرَقُوا، فَرِيقًا في كَذا، وفَرِيقًا في كَذا؛ ويَدُلُّ عَلى الِافْتِراقِ: الِاجْتِماعُ المَفْهُومُ مِن يَوْمِ الجَمْعِ. ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهم أُمَّةً واحِدَةً﴾: يَعْنِي مِن إيمانٍ أوْ كُفْرٍ، قالَ مَعْناهُ الضَّحّاكُ، وهو قَوْلُ أهْلِ السُّنَّةِ، وذَلِكَ تَسْلِيَةٌ لِلرَّسُولِ. كَما كانَ يُقاسِيهِ مَن كُفْرِ قَوْمِهِ، وتَوْقِيفٌ عَلى أنَّ ذَلِكَ راجِعٌ إلى مَشِيئَتِهِ، ولَكِنَّ مَن سَبَقَتْ لَهُ السَّعادَةُ أدْخَلَهُ في رَحْمَتِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿لَجَعَلَهم أُمَّةً واحِدَةً﴾ أيْ: مُؤْمِنِينَ كُلَّهم عَلى القَسْرِ والإكْراهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها﴾ [السجدة: ١٣]، وقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن في الأرْضِ كُلُّهم جَمِيعًا﴾ [يونس: ٩٩] . والدَّلِيلُ عَلى أنَّ المَعْنى هو الإيحاءُ إلى الإيمانِ قَوْلُهُ: ﴿أفَأنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ حَتّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٩٩]، وذَكَرَ ما ظَنَّهُ اسْتِدْلالًا عَلى ذَلِكَ، وهو عَلى طَرِيقِ الِاعْتِزالِ. وقالَ أنَسُ بْنُ مالِكٍ: ﴿فِي رَحْمَتِهِ﴾: في دِينِ الإسْلامِ. ﴿أمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ﴾، أمْ: بِمَعْنى بَلْ، لِلِانْتِقالِ مِن كَلامٍ إلى كَلامٍ، والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ عَلَيْهِمُ اتِّخاذَ أوْلِياءَ مِن دُونِ اللَّهِ. وقِيلَ: أمْ بِمَعْنى الهَمْزَةِ فَقَطْ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مِثْلِ هَذا، حَيْثُ جاءَتْ أمِ المُنْقَطِعَةُ، والمَعْنى: اتَّخَذُوا أوْلِياءَ دُونَ اللَّهِ، ولَيْسُوا بِأوْلِياءَ حَقِيقَةً، فاللَّهُ هو الوَلِيُّ، والَّذِي يَجِبُ أنْ يَتَوَلّى وحْدَهُ، لا ما لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ مِن أوْلِيائِهِمْ. ولَمّا أخْبَرَ أنَّهُ هو الوَلِيُّ، عَطَفَ عَلَيْهِ هَذا الفِعْلَ الغَرِيبَ الَّذِي لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، وهو إحْياءُ المَوْتى. ولَمّا ذَكَرَ هَذا الوَصْفَ، ذَكَرَ قُدْرَتَهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ تَتَعَلَّقُ إرادَتُهُ بِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: في قَوْلِهِ: ﴿فاللَّهُ هو الوَلِيُّ﴾، والفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فاللَّهُ هو الوَلِيُّ﴾ جَوابُ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: بَعْدَ إنْكارِ كُلِّ ولِيٍّ سِواهُ، وإنْ أرادُوا ولَيًّا بِحَقٍّ، فاللَّهُ هو الوَلِيُّ بِالحَقِّ، لا ولِيَّ سِواهُ. انْتَهى. ولا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ، والكَلامُ يَتِمُّ بِدُونِهِ. ﴿وما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ﴾: هَذا حِكايَةٌ لِقَوْلِ الرَّسُولِ، أيْ: ما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ أيُّها النّاسُ مِن تَكْذِيبٍ أوْ تَصْدِيقٍ وإيمانٍ وكُفْرٍ وغَيْرِ ذَلِكَ، فالحُكْمُ فِيهِ والمُجازاةُ عَلَيْهِ لَيْسَ ذَلِكَ إلّا إلى اللَّهِ، لا إلَيَّ، ولَفْظَةُ مِن شَيْءٍ تَدُلُّ عَلى العُمُومِ. وقِيلَ: مِن شَيْءٍ مِنَ الخُصُوماتِ، فَتَحاكَمُوا فِيهِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ولا تُؤْثِرُوا عَلى حُكُومَتِهِ حُكُومَةَ غَيْرِهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ تَنازَعْتُمْ في شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلى اللَّهِ والرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] . وقِيلَ: (مِن شَيْءٍ): مِن تَأْوِيلِ آيَةٍ واشْتَبَهَ عَلَيْكم، فارْجِعُوا في بَيانِهِ إلى آيِ المُحْكَمِ مِن كِتابِ اللَّهِ، والظّاهِرِ مِن سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وقِيلَ: ما وقَعَ مِنكُمُ الخِلافُ فِيهِ مِنَ العُلُومِ الَّتِي لا تَتَّصِلُ بِتَكْلِيفِكم، ولا طَرِيقَ لَكم إلى عِلْمِهِ، فَقُولُوا: اللَّهُ أعْلَمُ، كَمَعْرِفَةِ الرُّوحِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ ما خالَفَكم فِيهِ الكُفّارُ مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ فاخْتَلَفْتُمْ أنْتُمْ وهم فِيهِ مِن أُمُورِ الدِّينِ، فَحُكْمُ ذَلِكَ المُخْتَلَفِ فِيهِ مُفَوَّضٌ إلى اللَّهِ، وهو إثابَةُ المُحِقِّينَ فِيهِ مِنَ المُؤْمِنِينَ ومُعاتِبَةُ المُبْطِلِينَ. (ذَلِكم): الحَكَمُ بَيْنَكم هو ﴿رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ في رَدِّ كَيْدِ أعْداءِ الدِّينِ، وإلَيْهِ أرْجِعُ في كِفايَةِ شَرِّهِمْ. انْتَهى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (فاطِرُ) بِالرَّفْعِ، أيْ: هو فاطِرُ، أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ كَقَوْلِهِ: (ذَلِكم) . وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (فاطِرِ) بِالجَرِّ، صِفَةً لِقَوْلِهِ: (إلى اللَّهِ)، والجُمْلَةُ بَعْدَها اعْتِراضٌ بَيْنَ الصِّفَةِ والمَوْصُوفِ. ﴿جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكُمْ﴾ أيْ: مِن جِنْسِ أنْفُسِكم، أيْ: (p-٥١٠)آدَمَيّاتٍ، (أزْواجًا): إناثًا، أوْ جَعَلَ الخَلْقَ لِأبِينا آدَمَ مِن ضِلْعِهِ حَوّاءَ زَوْجًا لَهُ خَلْقًا لَنا، ﴿ومِنَ الأنْعامِ أزْواجًا﴾ أيْ: أنْواعًا كَثِيرَةً، ذُكُورًا وإناثًا، أوْ أزْواجًا إناثًا. ﴿يَذْرَؤُكم فِيهِ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أيْ يَجْعَلُ لَكم فِيهِ مَعِيشَةً تَعِيشُونَ بِها. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: يَرْزُقُكم فِيهِ، وهو قَرِيبٌ مِنَ القَوْلِ قَبْلَهُ. وقالَ مُجاهِدٌ: يَخْلُقُكم في بُطُونِ الإناثِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ أيْضًا: يَذْرَؤُكم فِيما خَلَقَ مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ. وقالَ الزَّجّاجُ: يُكَثِّرُكم بِهِ، أيْ: فِيهِ، أيْ: يُكَثِّرُكم في خَلْقِكم أزْواجًا. وقالَ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ: يَنْقُلُكم مِن حالٍ إلى حالٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الضَّمِيرُ في فِيهِ لِلْجَعْلِ، أيْ: يَخْلُقُكم ويُكَثِّرُكم في الجَعْلِ، كَما تَقُولُ: كَلَّمْتُ زَيْدًا كَلامًا أكْرَمْتُهُ فِيهِ، قالَ: ولَفْظَةُ ذَرَأ تُزِيدُ عَلى لَفْظَةِ خَلَقَ مَعْنًى آخَرَ لَيْسَ في خَلَقَ، وهو تَوالِي الطَّبَقاتِ عَلى مَرِّ الزَّمانِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (يَذْرَؤُكم): يُكَثِّرُكم، يُقالُ ذَرَأ اللَّهُ الخَلْقَ: بَثَّهم وكَثَّرَهم، والذَّرْءُ والذَّرُوءُ والذَّرْواءُ أخَواتٌ في هَذا التَّدْبِيرِ، وهو أنْ جَعَلَ لِلنّاسِ والأنْعامِ أزْواجًا حَتّى كانَ بَيْنَ ذُكُورِهِمْ وإناثِهِمُ التَّوالُدُ والتَّناسُلُ. والضَّمِيرُ في يَذْرَؤُكم يَرْجِعُ إلى المُخاطَبِينَ، و(الأنْعامِ) مُغَلَّبًا فِيهِ المُخاطَبُونَ العُقَلاءُ عَلى الغَيْرِ مِمّا لا يَعْقِلُ، وهي مِنَ الأحْكامِ ذاتِ العِلَّتَيْنِ. انْتَهى. وقَوْلُهُ: وهي مِنَ الأحْكامِ ذاتِ العِلَّتَيْنِ اصْطِلاحٌ غَرِيبٌ، ويَعْنِي أنَّ الخِطابَ يُغَلَّبُ عَلى الغَيْبَةِ إذا اجْتَمَعا فَتَقُولُ: أنْتَ وزَيْدٌ تَقُومانِ؛ والعاقِلُ يُغَلَّبُ عَلى غَيْرِ العاقِلِ إذا اجْتَمَعا، فَتَقُولُ: الحَيَوانُ وغَيْرُهم يُسَبِّحُونَ خالِقَهم. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ؛ فَإنْ قُلْتَ: ما مَعْنى (يَذْرَؤُكم) في هَذا التَّدْبِيرِ ؟ وهَلّا قِيلَ: يَذْرَؤُكم بِهِ ؟ قُلْتُ: جَعَلَ هَذا التَّدْبِيرَ كالمَنبَعِ والمَعْدِنِ لِلْبَثِّ والتَّكْثِيرِ. ألا تَراكَ تَقُولُ لِلْحَيَوانِ في خَلْقِ الأزْواجِ تَكْثِيرٌ ؟ كَما قالَ تَعالى: ﴿ولَكم في القِصاصِ حَياةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩] انْتَهى. ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، تَقُولُ العَرَبُ: مِثْلُكَ لا يَفْعَلُ كَذا، يُرِيدُونَ بِهِ المُخاطَبَ، كَأنَّهم إذا نَفَوُا الوَصْفَ عَنْ مِثْلِ الشَّخْصِ كانَ نَفْيًا عَنِ الشَّخْصِ، وهو مِن بابِ المُبالَغَةِ، ومِثْلُ الآيَةِ قَوْلُ أوْسِ بْنِ حَجَرٍ: ؎لَيْسَ كَمِثْلِ الفَتى زُهَيْرِ ∗∗∗ خُلُقٌ يُوازِيهِ في الفَضائِلِ وقالَ آخَرُ: ؎وقَتْلى كَمِثْلِ جُذُوعِ النَّخِيلِ ∗∗∗ تَغْشاهم مَسْبَلٌ مُنْهَمِرْ وقالَ آخَرُ: ؎سَعْدُ بْنُ زَيْدٍ إذا أبْصَرْتَ فَضْلَهم ∗∗∗ ما إنَّ مِثْلَهُمُ في النّاسِ مِن أحَدِ فَجَرَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ عَلى نَهْجِ كَلامِ العَرَبِ مِن إطْلاقِ المِثْلِ عَلى نَفْسِ الشَّيْءِ. وما ذَهَبَ إلَيْهِ الطَّبَرِيُّ وغَيْرُهُ مِن أنَّ مِثْلًا زائِدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ كالكافِّ في قَوْلِهِ: ؎فَأصْبَحَتْ مِثْلَ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ وقَوْلِهِ: وصالِياتٍ كَكُما يُؤْثَفِينَ، لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّ مِثْلًا اسْمٌ، والأسْماءُ لا تُزادُ، بِخِلافِ الكافِ، فَإنَّها حَرْفٌ، فَتَصْلُحُ لِلزِّيادَةِ. ونَظِيرُ نِسْبَةِ المِثْلِ إلى مَن لا مِثْلَ لَهُ قَوْلُكَ: فُلانٌ يَدُهُ مَبْسُوطَةٌ، يُرِيدُ أنَّهُ جَوادٌ، ولا نَظِيرَ لَهُ في الحَقِيقَةِ إلى اليَدِ حَتّى تَقُولَ ذَلِكَ لِمَن لا يَدَ لَهُ، كَقَوْلِهِ: ﴿بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ﴾ [المائدة: ٦٤] . فَكَما جَعَلْتَ ذَلِكَ كِنايَةً عَنِ الجَوادِ فِيمَن لا يَدَ لَهُ، فَكَذَلِكَ جَعَلْتَ المِثْلَ كِنايَةً عَنِ الذَّواتِ في مَن لا مِثْلَ لَهُ. ويُحْتَمَلُ أيْضًا أنْ يُرادَ بِالمِثْلِ الصِّفَةُ، وذَلِكَ سائِغٌ، يُطْلَقُ المِثْلُ بِمَعْنى المِثْلِ وهو الصِّفَةُ، فَيَكُونُ المَعْنى: لَيْسَ مِثْلَ صِفَتِهِ تَعالى شَيْءٌ مِنَ الصِّفاتِ الَّتِي لِغَيْرِهِ، وهَذا مَحْمَلٌ سَهْلٌ، والوَجْهُ الأوَّلُ أغْوَصُ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: العَرَبُ تُقِيمُ المِثالَ مَقامَ النَّفْسِ، فَيَقُولُ: مِثْلِي لا يُقالُ لَهُ هَذا، أيْ: أنا لا يُقالُ لِي هَذا. انْتَهى. فَقَدْ صارَ ذَلِكَ كِنايَةً عَنِ الذّاتِ، فَلا فَرْقَ بَيْنَ قَوْلِكِ: لَيْسَ كاللَّهِ شَيْءٌ، أوْ لَيْسَ كَمِثْلِ اللَّهِ شَيْءٌ. وقَدْ أجْمَعَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ الكافَ والمِثْلَ يُرادُ بِهِما مَوْضُوعُهُما الحَقِيقِيُّ مِن أنَّ كُلًّا مِنهُما يُرادُ بِهِ التَّشْبِيهُ، وذَلِكَ مُحالٌ؛ لِأنَّ فِيهِ إثْباتُ مِثْلٍ لِلَّهِ (p-٥١١)تَعالى، وهو مُحالٌ. ﴿وهُوَ السَّمِيعُ﴾ لِأقْوالِ الخَلْقِ، (البَصِيرُ) لِأعْمالِهِمْ. وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ: ﴿لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ في سُورَةِ الزُّمَرِ؛ وقُرِئَ: (ويَقْدِرُ) أيْ: يُضَيِّقُ. ﴿إنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ أيْ: يُوَسِّعُ لِمَن يَشاءُ، ويُضَيِّقُ عَلى مَن يَشاءُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإذا عَلِمَ أنَّ الغِنى خَيْرٌ لِلْعَبْدِ أغْناهُ لا أفْقَرَهُ. انْتَهى، وفِيهِ دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ.

الشورى 42:7

سُورَةُ الشُّورى ثَلاثٌ وخَمْسُونَ آيَةً، مَكِّيَّةٌ ﷽ ﴿حم﴾ ﴿عسق﴾ ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إلَيْكَ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وهو العَلِيُّ العَظِيمُ﴾ ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ والمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ويَسْتَغْفِرُونَ لِمَن في الأرْضِ ألا إنَّ اللَّهَ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أولِياءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ ﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ القُرى ومَن حَوْلَها وتُنْذِرَ يَوْمَ الجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ في الجَنَّةِ وفَرِيقٌ في السَّعِيرِ﴾ ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهم أُمَّةً واحِدَةً ولَكِنْ يُدْخِلُ مَن يَشاءُ في رَحْمَتِهِ والظّالِمُونَ ما لَهم مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ ﴿أمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ فاللَّهُ هو الوَلِيُّ وهو يُحْيِي المَوْتى وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿وما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إلى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وإلَيْهِ أُنِيبُ﴾ ﴿فاطِرُ السَّماواتِ والأرْضِ جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا ومِنَ الأنْعامِ أزْواجًا يَذْرَؤُكم فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وهو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ ﴿لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ والأرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ إنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ﴿شَرَعَ لَكم مِنَ الدِّينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ وما وصَّيْنا بِهِ إبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى أنْ أقِيمُوا الدِّينَ ولا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلى المُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهم إلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إلَيْهِ مَن يَشاءُ ويَهْدِي إلَيْهِ مَن يُنِيبُ﴾ [الشورى: ١٣] ﴿وما تَفَرَّقُوا إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهم ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ إلى أجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهم وإنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الكِتابَ مِن بَعْدِهِمْ لَفي شَكٍّ مِنهُ مُرِيبٍ﴾ [الشورى: ١٤] ﴿فَلِذَلِكَ فادْعُ واسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ ولا تَتَّبِعْ أهْواءَهم وقُلْ آمَنتُ بِما أنْزَلَ اللَّهُ مِن كِتابٍ وأُمِرْتُ لِأعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنا ورَبُّكم لَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكم لا حُجَّةَ بَيْنَنا وبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا وإلَيْهِ المَصِيرُ﴾ [الشورى: ١٥] ﴿والَّذِينَ يُحاجُّونَ في اللَّهِ مِن بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهم داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وعَلَيْهِمْ غَضَبٌ ولَهم عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ [الشورى: ١٦] ﴿اللَّهُ الَّذِي أنْزَلَ الكِتابَ بِالحَقِّ والمِيزانَ وما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ [الشورى: ١٧] ﴿يَسْتَعْجِلُ بِها الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها والَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنها ويَعْلَمُونَ أنَّها الحَقُّ ألا إنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ في السّاعَةِ لَفي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ [الشورى: ١٨] ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ وهو القَوِيُّ العَزِيزُ﴾ [الشورى: ١٩] ﴿مَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ ومَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنها وما لَهُ في الآخِرَةِ مِن نَصِيبٍ﴾ [الشورى: ٢٠] ﴿أمْ لَهم شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهم مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ ولَوْلا كَلِمَةُ الفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهم وإنَّ الظّالِمِينَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [الشورى: ٢١] ﴿تَرى الظّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا كَسَبُوا وهو واقِعٌ بِهِمْ والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ في رَوْضاتِ الجَنّاتِ لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هو الفَضْلُ الكَبِيرُ﴾ [الشورى: ٢٢] ﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى ومَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْنًا إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [الشورى: ٢٣] ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا فَإنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ ويَمْحُ اللَّهُ الباطِلَ ويُحِقُّ الحَقَّ بِكَلِماتِهِ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ [الشورى: ٢٤] ﴿وهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ ويَعْفُو عَنِ السَّيِّئاتِ ويَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ﴾ [الشورى: ٢٥] (p-٥٠٧)﴿ويَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ والكافِرُونَ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ [الشورى: ٢٦] ﴿ولَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا في الأرْضِ ولَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ إنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [الشورى: ٢٧] ﴿وهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الغَيْثَ مِن بَعْدِ ما قَنَطُوا ويَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وهو الوَلِيُّ الحَمِيدُ﴾ [الشورى: ٢٨] ﴿ومِن آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَثَّ فِيهِما مِن دابَّةٍ وهو عَلى جَمْعِهِمْ إذا يَشاءُ قَدِيرٌ﴾ [الشورى: ٢٩] ﴿وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكم ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠] ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ في الأرْضِ وما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ [الشورى: ٣١] ﴿ومِن آياتِهِ الجَوارِي في البَحْرِ كالأعْلامِ﴾ [الشورى: ٣٢] ﴿إنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ [الشورى: ٣٣] . رَكَدَ الشَّيْءُ، ثَبَتَ في مَكانِهِ، وقَدْ قالَ الشّاعِرُ: ؎رُكُودًا يُوارِي الرَّبْرَبَ المُتَفَرِّقَ وقَدْ رَكَدَتْ وسَطَ السَّماءِ نُجُومُها ﴿حم﴾ ﴿عسق﴾ ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إلَيْكَ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وهو العَلِيُّ العَظِيمُ﴾ ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ والمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ويَسْتَغْفِرُونَ لِمَن في الأرْضِ ألا إنَّ اللَّهَ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أولِياءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ ﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ القُرى ومَن حَوْلَها وتُنْذِرَ يَوْمَ الجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ في الجَنَّةِ وفَرِيقٌ في السَّعِيرِ﴾ ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهم أُمَّةً واحِدَةً ولَكِنْ يُدْخِلُ مَن يَشاءُ في رَحْمَتِهِ والظّالِمُونَ ما لَهم مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ ﴿أمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ فاللَّهُ هو الوَلِيُّ وهو يُحْيِي المَوْتى وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿وما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إلى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وإلَيْهِ أُنِيبُ﴾ ﴿فاطِرُ السَّماواتِ والأرْضِ جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا ومِنَ الأنْعامِ أزْواجًا يَذْرَؤُكم فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وهو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ ﴿لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ والأرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ إنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الحَسَنِ وعَطاءٍ وعِكْرِمَةَ وجابِرٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَكِّيَّةٌ إلّا أرْبَعَ آياتٍ مِن قَوْلِهِ: ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ [الشورى: ٢٣] إلى آخِرِ الأرْبَعِ آياتٍ، فَإنَّها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ. وقالَ مُقاتِلٌ: فِيها مَدَنِيٌّ قَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ﴾ [الشورى: ٢٣] إلى (الصُّدُورِ) . ومُناسَبَةُ أوَّلِ السُّورَةِ لِآخِرِ ما قَبْلَها أنَّهُ قالَ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ [فصلت: ٥٢] الآيَةَ، وكانَ في ذَلِكَ الحُكْمُ عَلَيْهِمْ بِالضَّلالِ. لَمّا كَفَرُوا بِهِ قالَ هُنا: (كَذَلِكَ)، أيْ: مِثْلُ الإيحاءِ السّابِقِ في القُرْآنِ الَّذِي كَفَرَ بِهِ هَؤُلاءِ، ﴿يُوحِي إلَيْكَ﴾: أيْ: إنَّ وحْيَهُ تَعالى إلَيْكَ مُتَّصِلٌ غَيْرُ مُنْقَطِعٍ، يَتَعَهَّدُكَ وقْتًا بَعْدَ وقْتٍ. وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ في ﴿حم﴾ ﴿عسق﴾ أقْوالًا مُضْطَرِبَةً لا يَصِحُّ مِنها شَيْءٌ كَعادَتِهِمْ في هَذِهِ الفَواتِحِ، ضَرَبْنا عَنْ ذِكْرِها صَفْحًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يُوحِي) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ؛ وأبُو حَيْوَةَ، والأعْشى عَنْ أبِي بَكْرٍ، وأبانَ (نُوحِي) (p-٥٠٨)بِنُونِ العَظَمَةِ. ومُجاهِدٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وعَبّاسٌ، ومَحْبُوبٌ، كِلاهُما عَنْ أبِي عَمْرٍو: (يُوحى) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ؛ و(اللَّهُ) مَرْفُوعٌ بِمُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ أوْحى، أوْ بِالِابْتِداءِ، التَّقْدِيرُ: اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ المُوحِي. وعَلى قِراءَةِ (نُوحِي) بِالنُّونِ، يَكُونُ ﴿اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ مُبْتَدَأً وخَبَرًا. و(يُوحِي) إمّا في مَعْنى أوْجَبَ حَتّى يَنْتَظِمَ قَوْلُهُ: ﴿وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ﴾، أوْ يُقْرَأُ عَلى مَوْضُوعِهِ، ويُضْمِرُ عامِلٌ يَتَعَلَّقُ بِهِ (إلى الَّذِينَ) تَقْدِيرُهُ: وأوْحى إلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ﴿تَكادُ السَّماواتُ﴾ في سُورَةِ مَرْيَمَ قِراءَةً وتَفْسِيرًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ورَوى يُونُسُ عَنْ أبِي عُمَرَ وقِراءَةٌ عَرَبِيَّةٌ (تَتَفَطَّرْنَ) بِتاءَيْنِ مَعَ النُّونِ، ونَظِيرُها حَرْفٌ نادِرٌ رُوِيَ في نَوادِرِ ابْنِ الأعْرابِيِّ: الإبِلُ تَتَشَمَّمْنَ. انْتَهى. والظّاهِرُ أنَّ هَذا وهْمٌ مِنَ الزَّمَخْشَرِيِّ في النَّقْلِ؛ لِأنَّ ابْنَ خالَوَيْهِ ذَكَرَ في شَواذِّ القِراءاتِ لَهُ ما نَصَبَ (تَفَطَّرْنَ) بِالتّاءِ والنُّونِ، يُونُسُ عَنْ أبِي عَمْرٍو. وقالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: هَذا حَرْفٌ نادِرٌ؛ لِأنَّ العَرَبَ لا تَجْمَعُ بَيْنَ عَلامَتَيِ التَّأْنِيثِ. لا يُقالُ: النِّساءُ تَقُمْنَ، ولَكِنْ يَقُمْنَ، والوالِداتُ يُرْضِعْنَ. قَدْ كانَ أبُو عُمَرَ الزّاهِدُ رَوى في نَوادِرِ ابْنِ الأعْرابِيِّ: الإبِلُ تَتَشَمَّمْنَ، فَأنْكَرْناهُ، فَقَدْ قَوّاهُ؛ لِأنَّ هَذا كَلامُ ابْنِ خالَوَيْهِ. فَإنْ كانَتْ نُسَخُ الزَّمَخْشَرِيِّ مُتَّفِقَةً عَلى قَوْلِهِ بِتاءَيْنِ مَعَ النُّونِ فَهو وهْمٌ، وإنْ كانَ في بَعْضِها بِتاءٍ مَعَ النُّونِ، كانَ مُوافِقًا لِقَوْلِ ابْنِ خالَوَيْهِ، وكانَ بِتاءَيْنِ تَحْرِيفًا مِنَ النُّسّاخِ. وكَذَلِكَ كَتْبُهم تَتَفَطَّرْنَ وتَتَشَمَّمْنَ بِتاءَيْنِ. والظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ في (مِن فَوْقِهِنَّ) عَلى (السَّماواتُ) . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مِن أعْلاهُنَّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَنْفَطِرْنَ مِن عُلُوِّ شَأْنِ اللَّهِ تَعالى وعَظَمَتِهِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ مَجِيئُهُ بَعْدَ ﴿العَلِيُّ العَظِيمُ﴾ . وقِيلَ: مِن دُعائِهِمْ لَهُ ولَدًا، كَقَوْلِهِ: ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنهُ﴾ [مريم: ٩٠] . فَإنْ قُلْتَ: لِمَ قالَ (مِن فَوْقِهِنَّ) ؟ قُلْتُ: لِأنَّ أعْظَمَ الآياتِ وأدَلَّها عَلى الجَلالِ والعَظَمَةِ فَوْقَ السَّماواتِ، وهي العَرَضُ والكُرْسِيُّ وصُفُوفُ المَلائِكَةِ المُرْتَجَّةِ بِالتَّسْبِيحِ والتَّقْدِيسِ حَوْلَ العَرْشِ، وما لا يَعْلَمُ كُنْهَهُ إلّا اللَّهُ مِن آثارِ مَلَكُوتِهِ العُظْمى، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ﴾ أيْ: يَبْتَدِئُ الِانْفِطارُ مِن جِهَتَيْنِ الفَوْقانِيَّةِ. وقالَ جَماعَةٌ، مِنهُمُ الحَوْفِيُّ، قالَ: (مِن فَوْقِهِنَّ)، والهاءُ والنُّونُ كِنايَةٌ عَنِ الأرَضِينَ. انْتَهى. (مِن فَوْقِهِنَّ) مُتَعَلِّقٌ بِـ(يَتَفَطَّرْنَ) ويَدُلُّ عَلى هَذا القَوْلِ ذِكْرُ الأرْضِ قَبْلُ. وقالَ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ الأخْفَشُ: الضَّمِيرُ لِلْكُفّارِ، والمَعْنى: مِن فَوْقِ الفِرَقِ والجَماعاتِ المُلْحِدَةِ، أيْ مِن أجْلِ أقْوالِها. انْتَهى. فَهَذِهِ الآيَةُ كالَّذِي في سُورَةِ مَرْيَمَ، واسْتَبْعَدَ مَكِّيٌّ هَذا القَوْلَ، قالَ: لا يَجُوزُ في الذُّكُورِ مِن بَنِي آدَمَ، يَعْنِي ضَمِيرَ المُؤَنَّثِ والِاسْتِشْعارُ ما ذَكَرَهُ مَكِّيٌّ. قالَ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ: مِن فَوْقِ الفِرَقِ والجَماعاتِ، وظاهِرُ المَلائِكَةِ العُمُومُ. وقالَ مُقاتِلٌ: حَمَلَةُ العَرْشِ والتَّسْبِيحِ، قِيلَ: قَوْلُهم سُبْحانَ اللَّهَ، وقِيلَ: يُهَلِّلُونَ؛ والظّاهِرُ في (يَسْتَغْفِرُونَ) طَلَبُ الغُفْرانِ، ولِأهْلِ الأرْضِ عامٌّ مَخْصُوصٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ويَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر: ٧]، قالَهُ السُّدِّيُّ. وقِيلَ: عامٌّ. ومَعْنى الِاسْتِغْفارِ: طَلَبُ الهِدايَةِ المُؤَدِّيَةِ إلى المَغْفِرَةِ، كَأنَّهم يَقُولُونَ: اللَّهُمَّ اهْدِ أهْلَ الأرْضِ، فاغْفِرْ لَهم. ويَدُلُّ عَلَيْهِ وصْفُهُ بِالغُفْرانِ والرَّحْمَةِ والِاسْتِفْتاحِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَقْصِدُوا بِالِاسْتِغْفارِ لَهم: طَلَبَ الحِلْمِ والغُفْرانِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ والأرْضَ أنْ تَزُولا﴾ [فاطر: ٤١]، إلى أنْ قالَ: ﴿إنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [فاطر: ٤١]، وقَوْلِهِ: ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ﴾ [الرعد: ٦]، والمُرادُ: الحِلْمُ عَنْهم، وأنْ لا يُعاجِلَهم بِالِانْتِقامِ فَيَكُونُ عامًّا. انْتَهى. وتَكَلَّمَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ في قَوْلِهِ: ﴿تَكادُ السَّماواتُ﴾ كَلامًا خارِجًا عَنْ مَناحِي مَفْهُوماتِ العَرَبِ، مُنْتَزَعًا مِن كَلامِ الفَلاسِفَةِ ومَن جَرى مَجْراهم، يُوقَفُ عَلى ذَلِكَ في كِتابِهِ. ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ﴾: أيْ أصْنامًا وأوْثانًا، ﴿اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ﴾: أيْ عَلى أعْمالِهِمْ ومُجازِيهِمْ عَلَيْها، ﴿وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ أيْ: بِمُفَوَّضٍ إلَيْكَ أمْرُهم ولا قائِمٍ. وما في هَذا مِنَ المُوادَعَةِ مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ. (وكَذَلِكَ) أيْ: ومِثْلُ هَذا الإيحاءِ والقَضاءِ، إنَّكَ لَسْتَ بِوَكِيلٍ عَلَيْهِمْ، ﴿أوْحَيْنا إلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ . (p-٥٠٩)والظّاهِرُ أنَّ (قُرْءانًا) مَفْعُولُ (أوْحَيْنا) . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الكافُ مَفْعُولٌ بِهِ، أيْ أوْحَيْناهُ إلَيْكَ، وهو قُرْآنٌ عَرَبِيٌّ لا لَبْسَ فِيهِ عَلَيْكَ، إذْ نَزَلَ بِلِسانِكَ. انْتَهى. فاسْتَعْمَلَ الكافَ اسْمًا في الكَلامِ، وهو مَذْهَبُ الأخْفَشِ. ﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ القُرى﴾: مَكَّةَ، أيْ أهْلَ أُمِّ القُرى، وكَذَلِكَ المَفْعُولُ الأوَّلُ مَحْذُوفٌ، والثّانِي هو: ﴿يَوْمَ الجَمْعِ﴾ أيِ: اجْتِماعِ الخَلائِقِ، والمُنْذَرُ بِهِ هو ما يَقَعُ في يَوْمِ الجَمْعِ مِنَ الجَزاءِ وانْقِسامِ الجَمْعِ إلى الفَرِيقَيْنِ، أوِ اجْتِماعِ الأرْواحِ بِالأجْسادِ، أوْ أهْلِ الأرْضِ بِأهْلِ السَّماءِ، أوِ النّاسِ بِأعْمالِهِمْ، أقْوالٌ أرْبَعَةٌ. (لِيُنْذِرَ) بِياءِ الغَيْبَةِ، أيْ: لِيُنْذِرَ القُرْآنُ. ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ أيْ: لا شَكَّ في وُقُوعِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾: اعْتِراضٌ لا مَحالَةَ. انْتَهى. ولا يَظْهَرُ أنَّهُ اعْتِراضٌ، أعْنِي صِناعِيًّا؛ لِأنَّهُ لَمْ يَقَعْ بَيْنَ طالِبٍ ومَطْلُوبٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (فَرِيقٌ) بِالرَّفْعِ فِيهِما، أيْ: هم فَرِيقٌ أوْ مِنهم فَرِيقٌ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِنَصْبِهِما، أيِ: افْتَرَقُوا، فَرِيقًا في كَذا، وفَرِيقًا في كَذا؛ ويَدُلُّ عَلى الِافْتِراقِ: الِاجْتِماعُ المَفْهُومُ مِن يَوْمِ الجَمْعِ. ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهم أُمَّةً واحِدَةً﴾: يَعْنِي مِن إيمانٍ أوْ كُفْرٍ، قالَ مَعْناهُ الضَّحّاكُ، وهو قَوْلُ أهْلِ السُّنَّةِ، وذَلِكَ تَسْلِيَةٌ لِلرَّسُولِ. كَما كانَ يُقاسِيهِ مَن كُفْرِ قَوْمِهِ، وتَوْقِيفٌ عَلى أنَّ ذَلِكَ راجِعٌ إلى مَشِيئَتِهِ، ولَكِنَّ مَن سَبَقَتْ لَهُ السَّعادَةُ أدْخَلَهُ في رَحْمَتِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿لَجَعَلَهم أُمَّةً واحِدَةً﴾ أيْ: مُؤْمِنِينَ كُلَّهم عَلى القَسْرِ والإكْراهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها﴾ [السجدة: ١٣]، وقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن في الأرْضِ كُلُّهم جَمِيعًا﴾ [يونس: ٩٩] . والدَّلِيلُ عَلى أنَّ المَعْنى هو الإيحاءُ إلى الإيمانِ قَوْلُهُ: ﴿أفَأنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ حَتّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٩٩]، وذَكَرَ ما ظَنَّهُ اسْتِدْلالًا عَلى ذَلِكَ، وهو عَلى طَرِيقِ الِاعْتِزالِ. وقالَ أنَسُ بْنُ مالِكٍ: ﴿فِي رَحْمَتِهِ﴾: في دِينِ الإسْلامِ. ﴿أمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ﴾، أمْ: بِمَعْنى بَلْ، لِلِانْتِقالِ مِن كَلامٍ إلى كَلامٍ، والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ عَلَيْهِمُ اتِّخاذَ أوْلِياءَ مِن دُونِ اللَّهِ. وقِيلَ: أمْ بِمَعْنى الهَمْزَةِ فَقَطْ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مِثْلِ هَذا، حَيْثُ جاءَتْ أمِ المُنْقَطِعَةُ، والمَعْنى: اتَّخَذُوا أوْلِياءَ دُونَ اللَّهِ، ولَيْسُوا بِأوْلِياءَ حَقِيقَةً، فاللَّهُ هو الوَلِيُّ، والَّذِي يَجِبُ أنْ يَتَوَلّى وحْدَهُ، لا ما لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ مِن أوْلِيائِهِمْ. ولَمّا أخْبَرَ أنَّهُ هو الوَلِيُّ، عَطَفَ عَلَيْهِ هَذا الفِعْلَ الغَرِيبَ الَّذِي لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، وهو إحْياءُ المَوْتى. ولَمّا ذَكَرَ هَذا الوَصْفَ، ذَكَرَ قُدْرَتَهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ تَتَعَلَّقُ إرادَتُهُ بِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: في قَوْلِهِ: ﴿فاللَّهُ هو الوَلِيُّ﴾، والفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فاللَّهُ هو الوَلِيُّ﴾ جَوابُ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: بَعْدَ إنْكارِ كُلِّ ولِيٍّ سِواهُ، وإنْ أرادُوا ولَيًّا بِحَقٍّ، فاللَّهُ هو الوَلِيُّ بِالحَقِّ، لا ولِيَّ سِواهُ. انْتَهى. ولا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ، والكَلامُ يَتِمُّ بِدُونِهِ. ﴿وما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ﴾: هَذا حِكايَةٌ لِقَوْلِ الرَّسُولِ، أيْ: ما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ أيُّها النّاسُ مِن تَكْذِيبٍ أوْ تَصْدِيقٍ وإيمانٍ وكُفْرٍ وغَيْرِ ذَلِكَ، فالحُكْمُ فِيهِ والمُجازاةُ عَلَيْهِ لَيْسَ ذَلِكَ إلّا إلى اللَّهِ، لا إلَيَّ، ولَفْظَةُ مِن شَيْءٍ تَدُلُّ عَلى العُمُومِ. وقِيلَ: مِن شَيْءٍ مِنَ الخُصُوماتِ، فَتَحاكَمُوا فِيهِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ولا تُؤْثِرُوا عَلى حُكُومَتِهِ حُكُومَةَ غَيْرِهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ تَنازَعْتُمْ في شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلى اللَّهِ والرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] . وقِيلَ: (مِن شَيْءٍ): مِن تَأْوِيلِ آيَةٍ واشْتَبَهَ عَلَيْكم، فارْجِعُوا في بَيانِهِ إلى آيِ المُحْكَمِ مِن كِتابِ اللَّهِ، والظّاهِرِ مِن سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وقِيلَ: ما وقَعَ مِنكُمُ الخِلافُ فِيهِ مِنَ العُلُومِ الَّتِي لا تَتَّصِلُ بِتَكْلِيفِكم، ولا طَرِيقَ لَكم إلى عِلْمِهِ، فَقُولُوا: اللَّهُ أعْلَمُ، كَمَعْرِفَةِ الرُّوحِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ ما خالَفَكم فِيهِ الكُفّارُ مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ فاخْتَلَفْتُمْ أنْتُمْ وهم فِيهِ مِن أُمُورِ الدِّينِ، فَحُكْمُ ذَلِكَ المُخْتَلَفِ فِيهِ مُفَوَّضٌ إلى اللَّهِ، وهو إثابَةُ المُحِقِّينَ فِيهِ مِنَ المُؤْمِنِينَ ومُعاتِبَةُ المُبْطِلِينَ. (ذَلِكم): الحَكَمُ بَيْنَكم هو ﴿رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ في رَدِّ كَيْدِ أعْداءِ الدِّينِ، وإلَيْهِ أرْجِعُ في كِفايَةِ شَرِّهِمْ. انْتَهى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (فاطِرُ) بِالرَّفْعِ، أيْ: هو فاطِرُ، أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ كَقَوْلِهِ: (ذَلِكم) . وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (فاطِرِ) بِالجَرِّ، صِفَةً لِقَوْلِهِ: (إلى اللَّهِ)، والجُمْلَةُ بَعْدَها اعْتِراضٌ بَيْنَ الصِّفَةِ والمَوْصُوفِ. ﴿جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكُمْ﴾ أيْ: مِن جِنْسِ أنْفُسِكم، أيْ: (p-٥١٠)آدَمَيّاتٍ، (أزْواجًا): إناثًا، أوْ جَعَلَ الخَلْقَ لِأبِينا آدَمَ مِن ضِلْعِهِ حَوّاءَ زَوْجًا لَهُ خَلْقًا لَنا، ﴿ومِنَ الأنْعامِ أزْواجًا﴾ أيْ: أنْواعًا كَثِيرَةً، ذُكُورًا وإناثًا، أوْ أزْواجًا إناثًا. ﴿يَذْرَؤُكم فِيهِ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أيْ يَجْعَلُ لَكم فِيهِ مَعِيشَةً تَعِيشُونَ بِها. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: يَرْزُقُكم فِيهِ، وهو قَرِيبٌ مِنَ القَوْلِ قَبْلَهُ. وقالَ مُجاهِدٌ: يَخْلُقُكم في بُطُونِ الإناثِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ أيْضًا: يَذْرَؤُكم فِيما خَلَقَ مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ. وقالَ الزَّجّاجُ: يُكَثِّرُكم بِهِ، أيْ: فِيهِ، أيْ: يُكَثِّرُكم في خَلْقِكم أزْواجًا. وقالَ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ: يَنْقُلُكم مِن حالٍ إلى حالٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الضَّمِيرُ في فِيهِ لِلْجَعْلِ، أيْ: يَخْلُقُكم ويُكَثِّرُكم في الجَعْلِ، كَما تَقُولُ: كَلَّمْتُ زَيْدًا كَلامًا أكْرَمْتُهُ فِيهِ، قالَ: ولَفْظَةُ ذَرَأ تُزِيدُ عَلى لَفْظَةِ خَلَقَ مَعْنًى آخَرَ لَيْسَ في خَلَقَ، وهو تَوالِي الطَّبَقاتِ عَلى مَرِّ الزَّمانِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (يَذْرَؤُكم): يُكَثِّرُكم، يُقالُ ذَرَأ اللَّهُ الخَلْقَ: بَثَّهم وكَثَّرَهم، والذَّرْءُ والذَّرُوءُ والذَّرْواءُ أخَواتٌ في هَذا التَّدْبِيرِ، وهو أنْ جَعَلَ لِلنّاسِ والأنْعامِ أزْواجًا حَتّى كانَ بَيْنَ ذُكُورِهِمْ وإناثِهِمُ التَّوالُدُ والتَّناسُلُ. والضَّمِيرُ في يَذْرَؤُكم يَرْجِعُ إلى المُخاطَبِينَ، و(الأنْعامِ) مُغَلَّبًا فِيهِ المُخاطَبُونَ العُقَلاءُ عَلى الغَيْرِ مِمّا لا يَعْقِلُ، وهي مِنَ الأحْكامِ ذاتِ العِلَّتَيْنِ. انْتَهى. وقَوْلُهُ: وهي مِنَ الأحْكامِ ذاتِ العِلَّتَيْنِ اصْطِلاحٌ غَرِيبٌ، ويَعْنِي أنَّ الخِطابَ يُغَلَّبُ عَلى الغَيْبَةِ إذا اجْتَمَعا فَتَقُولُ: أنْتَ وزَيْدٌ تَقُومانِ؛ والعاقِلُ يُغَلَّبُ عَلى غَيْرِ العاقِلِ إذا اجْتَمَعا، فَتَقُولُ: الحَيَوانُ وغَيْرُهم يُسَبِّحُونَ خالِقَهم. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ؛ فَإنْ قُلْتَ: ما مَعْنى (يَذْرَؤُكم) في هَذا التَّدْبِيرِ ؟ وهَلّا قِيلَ: يَذْرَؤُكم بِهِ ؟ قُلْتُ: جَعَلَ هَذا التَّدْبِيرَ كالمَنبَعِ والمَعْدِنِ لِلْبَثِّ والتَّكْثِيرِ. ألا تَراكَ تَقُولُ لِلْحَيَوانِ في خَلْقِ الأزْواجِ تَكْثِيرٌ ؟ كَما قالَ تَعالى: ﴿ولَكم في القِصاصِ حَياةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩] انْتَهى. ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، تَقُولُ العَرَبُ: مِثْلُكَ لا يَفْعَلُ كَذا، يُرِيدُونَ بِهِ المُخاطَبَ، كَأنَّهم إذا نَفَوُا الوَصْفَ عَنْ مِثْلِ الشَّخْصِ كانَ نَفْيًا عَنِ الشَّخْصِ، وهو مِن بابِ المُبالَغَةِ، ومِثْلُ الآيَةِ قَوْلُ أوْسِ بْنِ حَجَرٍ: ؎لَيْسَ كَمِثْلِ الفَتى زُهَيْرِ ∗∗∗ خُلُقٌ يُوازِيهِ في الفَضائِلِ وقالَ آخَرُ: ؎وقَتْلى كَمِثْلِ جُذُوعِ النَّخِيلِ ∗∗∗ تَغْشاهم مَسْبَلٌ مُنْهَمِرْ وقالَ آخَرُ: ؎سَعْدُ بْنُ زَيْدٍ إذا أبْصَرْتَ فَضْلَهم ∗∗∗ ما إنَّ مِثْلَهُمُ في النّاسِ مِن أحَدِ فَجَرَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ عَلى نَهْجِ كَلامِ العَرَبِ مِن إطْلاقِ المِثْلِ عَلى نَفْسِ الشَّيْءِ. وما ذَهَبَ إلَيْهِ الطَّبَرِيُّ وغَيْرُهُ مِن أنَّ مِثْلًا زائِدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ كالكافِّ في قَوْلِهِ: ؎فَأصْبَحَتْ مِثْلَ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ وقَوْلِهِ: وصالِياتٍ كَكُما يُؤْثَفِينَ، لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّ مِثْلًا اسْمٌ، والأسْماءُ لا تُزادُ، بِخِلافِ الكافِ، فَإنَّها حَرْفٌ، فَتَصْلُحُ لِلزِّيادَةِ. ونَظِيرُ نِسْبَةِ المِثْلِ إلى مَن لا مِثْلَ لَهُ قَوْلُكَ: فُلانٌ يَدُهُ مَبْسُوطَةٌ، يُرِيدُ أنَّهُ جَوادٌ، ولا نَظِيرَ لَهُ في الحَقِيقَةِ إلى اليَدِ حَتّى تَقُولَ ذَلِكَ لِمَن لا يَدَ لَهُ، كَقَوْلِهِ: ﴿بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ﴾ [المائدة: ٦٤] . فَكَما جَعَلْتَ ذَلِكَ كِنايَةً عَنِ الجَوادِ فِيمَن لا يَدَ لَهُ، فَكَذَلِكَ جَعَلْتَ المِثْلَ كِنايَةً عَنِ الذَّواتِ في مَن لا مِثْلَ لَهُ. ويُحْتَمَلُ أيْضًا أنْ يُرادَ بِالمِثْلِ الصِّفَةُ، وذَلِكَ سائِغٌ، يُطْلَقُ المِثْلُ بِمَعْنى المِثْلِ وهو الصِّفَةُ، فَيَكُونُ المَعْنى: لَيْسَ مِثْلَ صِفَتِهِ تَعالى شَيْءٌ مِنَ الصِّفاتِ الَّتِي لِغَيْرِهِ، وهَذا مَحْمَلٌ سَهْلٌ، والوَجْهُ الأوَّلُ أغْوَصُ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: العَرَبُ تُقِيمُ المِثالَ مَقامَ النَّفْسِ، فَيَقُولُ: مِثْلِي لا يُقالُ لَهُ هَذا، أيْ: أنا لا يُقالُ لِي هَذا. انْتَهى. فَقَدْ صارَ ذَلِكَ كِنايَةً عَنِ الذّاتِ، فَلا فَرْقَ بَيْنَ قَوْلِكِ: لَيْسَ كاللَّهِ شَيْءٌ، أوْ لَيْسَ كَمِثْلِ اللَّهِ شَيْءٌ. وقَدْ أجْمَعَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ الكافَ والمِثْلَ يُرادُ بِهِما مَوْضُوعُهُما الحَقِيقِيُّ مِن أنَّ كُلًّا مِنهُما يُرادُ بِهِ التَّشْبِيهُ، وذَلِكَ مُحالٌ؛ لِأنَّ فِيهِ إثْباتُ مِثْلٍ لِلَّهِ (p-٥١١)تَعالى، وهو مُحالٌ. ﴿وهُوَ السَّمِيعُ﴾ لِأقْوالِ الخَلْقِ، (البَصِيرُ) لِأعْمالِهِمْ. وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ: ﴿لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ في سُورَةِ الزُّمَرِ؛ وقُرِئَ: (ويَقْدِرُ) أيْ: يُضَيِّقُ. ﴿إنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ أيْ: يُوَسِّعُ لِمَن يَشاءُ، ويُضَيِّقُ عَلى مَن يَشاءُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإذا عَلِمَ أنَّ الغِنى خَيْرٌ لِلْعَبْدِ أغْناهُ لا أفْقَرَهُ. انْتَهى، وفِيهِ دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ.

الشورى 42:8

سُورَةُ الشُّورى ثَلاثٌ وخَمْسُونَ آيَةً، مَكِّيَّةٌ ﷽ ﴿حم﴾ ﴿عسق﴾ ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إلَيْكَ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وهو العَلِيُّ العَظِيمُ﴾ ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ والمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ويَسْتَغْفِرُونَ لِمَن في الأرْضِ ألا إنَّ اللَّهَ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أولِياءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ ﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ القُرى ومَن حَوْلَها وتُنْذِرَ يَوْمَ الجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ في الجَنَّةِ وفَرِيقٌ في السَّعِيرِ﴾ ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهم أُمَّةً واحِدَةً ولَكِنْ يُدْخِلُ مَن يَشاءُ في رَحْمَتِهِ والظّالِمُونَ ما لَهم مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ ﴿أمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ فاللَّهُ هو الوَلِيُّ وهو يُحْيِي المَوْتى وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿وما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إلى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وإلَيْهِ أُنِيبُ﴾ ﴿فاطِرُ السَّماواتِ والأرْضِ جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا ومِنَ الأنْعامِ أزْواجًا يَذْرَؤُكم فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وهو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ ﴿لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ والأرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ إنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ﴿شَرَعَ لَكم مِنَ الدِّينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ وما وصَّيْنا بِهِ إبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى أنْ أقِيمُوا الدِّينَ ولا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلى المُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهم إلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إلَيْهِ مَن يَشاءُ ويَهْدِي إلَيْهِ مَن يُنِيبُ﴾ [الشورى: ١٣] ﴿وما تَفَرَّقُوا إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهم ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ إلى أجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهم وإنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الكِتابَ مِن بَعْدِهِمْ لَفي شَكٍّ مِنهُ مُرِيبٍ﴾ [الشورى: ١٤] ﴿فَلِذَلِكَ فادْعُ واسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ ولا تَتَّبِعْ أهْواءَهم وقُلْ آمَنتُ بِما أنْزَلَ اللَّهُ مِن كِتابٍ وأُمِرْتُ لِأعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنا ورَبُّكم لَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكم لا حُجَّةَ بَيْنَنا وبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا وإلَيْهِ المَصِيرُ﴾ [الشورى: ١٥] ﴿والَّذِينَ يُحاجُّونَ في اللَّهِ مِن بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهم داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وعَلَيْهِمْ غَضَبٌ ولَهم عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ [الشورى: ١٦] ﴿اللَّهُ الَّذِي أنْزَلَ الكِتابَ بِالحَقِّ والمِيزانَ وما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ [الشورى: ١٧] ﴿يَسْتَعْجِلُ بِها الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها والَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنها ويَعْلَمُونَ أنَّها الحَقُّ ألا إنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ في السّاعَةِ لَفي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ [الشورى: ١٨] ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ وهو القَوِيُّ العَزِيزُ﴾ [الشورى: ١٩] ﴿مَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ ومَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنها وما لَهُ في الآخِرَةِ مِن نَصِيبٍ﴾ [الشورى: ٢٠] ﴿أمْ لَهم شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهم مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ ولَوْلا كَلِمَةُ الفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهم وإنَّ الظّالِمِينَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [الشورى: ٢١] ﴿تَرى الظّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا كَسَبُوا وهو واقِعٌ بِهِمْ والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ في رَوْضاتِ الجَنّاتِ لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هو الفَضْلُ الكَبِيرُ﴾ [الشورى: ٢٢] ﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى ومَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْنًا إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [الشورى: ٢٣] ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا فَإنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ ويَمْحُ اللَّهُ الباطِلَ ويُحِقُّ الحَقَّ بِكَلِماتِهِ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ [الشورى: ٢٤] ﴿وهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ ويَعْفُو عَنِ السَّيِّئاتِ ويَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ﴾ [الشورى: ٢٥] (p-٥٠٧)﴿ويَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ والكافِرُونَ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ [الشورى: ٢٦] ﴿ولَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا في الأرْضِ ولَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ إنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [الشورى: ٢٧] ﴿وهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الغَيْثَ مِن بَعْدِ ما قَنَطُوا ويَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وهو الوَلِيُّ الحَمِيدُ﴾ [الشورى: ٢٨] ﴿ومِن آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَثَّ فِيهِما مِن دابَّةٍ وهو عَلى جَمْعِهِمْ إذا يَشاءُ قَدِيرٌ﴾ [الشورى: ٢٩] ﴿وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكم ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠] ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ في الأرْضِ وما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ [الشورى: ٣١] ﴿ومِن آياتِهِ الجَوارِي في البَحْرِ كالأعْلامِ﴾ [الشورى: ٣٢] ﴿إنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ [الشورى: ٣٣] . رَكَدَ الشَّيْءُ، ثَبَتَ في مَكانِهِ، وقَدْ قالَ الشّاعِرُ: ؎رُكُودًا يُوارِي الرَّبْرَبَ المُتَفَرِّقَ وقَدْ رَكَدَتْ وسَطَ السَّماءِ نُجُومُها ﴿حم﴾ ﴿عسق﴾ ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إلَيْكَ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وهو العَلِيُّ العَظِيمُ﴾ ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ والمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ويَسْتَغْفِرُونَ لِمَن في الأرْضِ ألا إنَّ اللَّهَ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أولِياءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ ﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ القُرى ومَن حَوْلَها وتُنْذِرَ يَوْمَ الجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ في الجَنَّةِ وفَرِيقٌ في السَّعِيرِ﴾ ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهم أُمَّةً واحِدَةً ولَكِنْ يُدْخِلُ مَن يَشاءُ في رَحْمَتِهِ والظّالِمُونَ ما لَهم مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ ﴿أمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ فاللَّهُ هو الوَلِيُّ وهو يُحْيِي المَوْتى وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿وما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إلى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وإلَيْهِ أُنِيبُ﴾ ﴿فاطِرُ السَّماواتِ والأرْضِ جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا ومِنَ الأنْعامِ أزْواجًا يَذْرَؤُكم فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وهو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ ﴿لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ والأرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ إنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الحَسَنِ وعَطاءٍ وعِكْرِمَةَ وجابِرٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَكِّيَّةٌ إلّا أرْبَعَ آياتٍ مِن قَوْلِهِ: ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ [الشورى: ٢٣] إلى آخِرِ الأرْبَعِ آياتٍ، فَإنَّها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ. وقالَ مُقاتِلٌ: فِيها مَدَنِيٌّ قَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ﴾ [الشورى: ٢٣] إلى (الصُّدُورِ) . ومُناسَبَةُ أوَّلِ السُّورَةِ لِآخِرِ ما قَبْلَها أنَّهُ قالَ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ [فصلت: ٥٢] الآيَةَ، وكانَ في ذَلِكَ الحُكْمُ عَلَيْهِمْ بِالضَّلالِ. لَمّا كَفَرُوا بِهِ قالَ هُنا: (كَذَلِكَ)، أيْ: مِثْلُ الإيحاءِ السّابِقِ في القُرْآنِ الَّذِي كَفَرَ بِهِ هَؤُلاءِ، ﴿يُوحِي إلَيْكَ﴾: أيْ: إنَّ وحْيَهُ تَعالى إلَيْكَ مُتَّصِلٌ غَيْرُ مُنْقَطِعٍ، يَتَعَهَّدُكَ وقْتًا بَعْدَ وقْتٍ. وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ في ﴿حم﴾ ﴿عسق﴾ أقْوالًا مُضْطَرِبَةً لا يَصِحُّ مِنها شَيْءٌ كَعادَتِهِمْ في هَذِهِ الفَواتِحِ، ضَرَبْنا عَنْ ذِكْرِها صَفْحًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يُوحِي) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ؛ وأبُو حَيْوَةَ، والأعْشى عَنْ أبِي بَكْرٍ، وأبانَ (نُوحِي) (p-٥٠٨)بِنُونِ العَظَمَةِ. ومُجاهِدٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وعَبّاسٌ، ومَحْبُوبٌ، كِلاهُما عَنْ أبِي عَمْرٍو: (يُوحى) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ؛ و(اللَّهُ) مَرْفُوعٌ بِمُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ أوْحى، أوْ بِالِابْتِداءِ، التَّقْدِيرُ: اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ المُوحِي. وعَلى قِراءَةِ (نُوحِي) بِالنُّونِ، يَكُونُ ﴿اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ مُبْتَدَأً وخَبَرًا. و(يُوحِي) إمّا في مَعْنى أوْجَبَ حَتّى يَنْتَظِمَ قَوْلُهُ: ﴿وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ﴾، أوْ يُقْرَأُ عَلى مَوْضُوعِهِ، ويُضْمِرُ عامِلٌ يَتَعَلَّقُ بِهِ (إلى الَّذِينَ) تَقْدِيرُهُ: وأوْحى إلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ﴿تَكادُ السَّماواتُ﴾ في سُورَةِ مَرْيَمَ قِراءَةً وتَفْسِيرًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ورَوى يُونُسُ عَنْ أبِي عُمَرَ وقِراءَةٌ عَرَبِيَّةٌ (تَتَفَطَّرْنَ) بِتاءَيْنِ مَعَ النُّونِ، ونَظِيرُها حَرْفٌ نادِرٌ رُوِيَ في نَوادِرِ ابْنِ الأعْرابِيِّ: الإبِلُ تَتَشَمَّمْنَ. انْتَهى. والظّاهِرُ أنَّ هَذا وهْمٌ مِنَ الزَّمَخْشَرِيِّ في النَّقْلِ؛ لِأنَّ ابْنَ خالَوَيْهِ ذَكَرَ في شَواذِّ القِراءاتِ لَهُ ما نَصَبَ (تَفَطَّرْنَ) بِالتّاءِ والنُّونِ، يُونُسُ عَنْ أبِي عَمْرٍو. وقالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: هَذا حَرْفٌ نادِرٌ؛ لِأنَّ العَرَبَ لا تَجْمَعُ بَيْنَ عَلامَتَيِ التَّأْنِيثِ. لا يُقالُ: النِّساءُ تَقُمْنَ، ولَكِنْ يَقُمْنَ، والوالِداتُ يُرْضِعْنَ. قَدْ كانَ أبُو عُمَرَ الزّاهِدُ رَوى في نَوادِرِ ابْنِ الأعْرابِيِّ: الإبِلُ تَتَشَمَّمْنَ، فَأنْكَرْناهُ، فَقَدْ قَوّاهُ؛ لِأنَّ هَذا كَلامُ ابْنِ خالَوَيْهِ. فَإنْ كانَتْ نُسَخُ الزَّمَخْشَرِيِّ مُتَّفِقَةً عَلى قَوْلِهِ بِتاءَيْنِ مَعَ النُّونِ فَهو وهْمٌ، وإنْ كانَ في بَعْضِها بِتاءٍ مَعَ النُّونِ، كانَ مُوافِقًا لِقَوْلِ ابْنِ خالَوَيْهِ، وكانَ بِتاءَيْنِ تَحْرِيفًا مِنَ النُّسّاخِ. وكَذَلِكَ كَتْبُهم تَتَفَطَّرْنَ وتَتَشَمَّمْنَ بِتاءَيْنِ. والظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ في (مِن فَوْقِهِنَّ) عَلى (السَّماواتُ) . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مِن أعْلاهُنَّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَنْفَطِرْنَ مِن عُلُوِّ شَأْنِ اللَّهِ تَعالى وعَظَمَتِهِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ مَجِيئُهُ بَعْدَ ﴿العَلِيُّ العَظِيمُ﴾ . وقِيلَ: مِن دُعائِهِمْ لَهُ ولَدًا، كَقَوْلِهِ: ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنهُ﴾ [مريم: ٩٠] . فَإنْ قُلْتَ: لِمَ قالَ (مِن فَوْقِهِنَّ) ؟ قُلْتُ: لِأنَّ أعْظَمَ الآياتِ وأدَلَّها عَلى الجَلالِ والعَظَمَةِ فَوْقَ السَّماواتِ، وهي العَرَضُ والكُرْسِيُّ وصُفُوفُ المَلائِكَةِ المُرْتَجَّةِ بِالتَّسْبِيحِ والتَّقْدِيسِ حَوْلَ العَرْشِ، وما لا يَعْلَمُ كُنْهَهُ إلّا اللَّهُ مِن آثارِ مَلَكُوتِهِ العُظْمى، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ﴾ أيْ: يَبْتَدِئُ الِانْفِطارُ مِن جِهَتَيْنِ الفَوْقانِيَّةِ. وقالَ جَماعَةٌ، مِنهُمُ الحَوْفِيُّ، قالَ: (مِن فَوْقِهِنَّ)، والهاءُ والنُّونُ كِنايَةٌ عَنِ الأرَضِينَ. انْتَهى. (مِن فَوْقِهِنَّ) مُتَعَلِّقٌ بِـ(يَتَفَطَّرْنَ) ويَدُلُّ عَلى هَذا القَوْلِ ذِكْرُ الأرْضِ قَبْلُ. وقالَ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ الأخْفَشُ: الضَّمِيرُ لِلْكُفّارِ، والمَعْنى: مِن فَوْقِ الفِرَقِ والجَماعاتِ المُلْحِدَةِ، أيْ مِن أجْلِ أقْوالِها. انْتَهى. فَهَذِهِ الآيَةُ كالَّذِي في سُورَةِ مَرْيَمَ، واسْتَبْعَدَ مَكِّيٌّ هَذا القَوْلَ، قالَ: لا يَجُوزُ في الذُّكُورِ مِن بَنِي آدَمَ، يَعْنِي ضَمِيرَ المُؤَنَّثِ والِاسْتِشْعارُ ما ذَكَرَهُ مَكِّيٌّ. قالَ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ: مِن فَوْقِ الفِرَقِ والجَماعاتِ، وظاهِرُ المَلائِكَةِ العُمُومُ. وقالَ مُقاتِلٌ: حَمَلَةُ العَرْشِ والتَّسْبِيحِ، قِيلَ: قَوْلُهم سُبْحانَ اللَّهَ، وقِيلَ: يُهَلِّلُونَ؛ والظّاهِرُ في (يَسْتَغْفِرُونَ) طَلَبُ الغُفْرانِ، ولِأهْلِ الأرْضِ عامٌّ مَخْصُوصٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ويَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر: ٧]، قالَهُ السُّدِّيُّ. وقِيلَ: عامٌّ. ومَعْنى الِاسْتِغْفارِ: طَلَبُ الهِدايَةِ المُؤَدِّيَةِ إلى المَغْفِرَةِ، كَأنَّهم يَقُولُونَ: اللَّهُمَّ اهْدِ أهْلَ الأرْضِ، فاغْفِرْ لَهم. ويَدُلُّ عَلَيْهِ وصْفُهُ بِالغُفْرانِ والرَّحْمَةِ والِاسْتِفْتاحِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَقْصِدُوا بِالِاسْتِغْفارِ لَهم: طَلَبَ الحِلْمِ والغُفْرانِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ والأرْضَ أنْ تَزُولا﴾ [فاطر: ٤١]، إلى أنْ قالَ: ﴿إنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [فاطر: ٤١]، وقَوْلِهِ: ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ﴾ [الرعد: ٦]، والمُرادُ: الحِلْمُ عَنْهم، وأنْ لا يُعاجِلَهم بِالِانْتِقامِ فَيَكُونُ عامًّا. انْتَهى. وتَكَلَّمَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ في قَوْلِهِ: ﴿تَكادُ السَّماواتُ﴾ كَلامًا خارِجًا عَنْ مَناحِي مَفْهُوماتِ العَرَبِ، مُنْتَزَعًا مِن كَلامِ الفَلاسِفَةِ ومَن جَرى مَجْراهم، يُوقَفُ عَلى ذَلِكَ في كِتابِهِ. ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ﴾: أيْ أصْنامًا وأوْثانًا، ﴿اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ﴾: أيْ عَلى أعْمالِهِمْ ومُجازِيهِمْ عَلَيْها، ﴿وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ أيْ: بِمُفَوَّضٍ إلَيْكَ أمْرُهم ولا قائِمٍ. وما في هَذا مِنَ المُوادَعَةِ مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ. (وكَذَلِكَ) أيْ: ومِثْلُ هَذا الإيحاءِ والقَضاءِ، إنَّكَ لَسْتَ بِوَكِيلٍ عَلَيْهِمْ، ﴿أوْحَيْنا إلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ . (p-٥٠٩)والظّاهِرُ أنَّ (قُرْءانًا) مَفْعُولُ (أوْحَيْنا) . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الكافُ مَفْعُولٌ بِهِ، أيْ أوْحَيْناهُ إلَيْكَ، وهو قُرْآنٌ عَرَبِيٌّ لا لَبْسَ فِيهِ عَلَيْكَ، إذْ نَزَلَ بِلِسانِكَ. انْتَهى. فاسْتَعْمَلَ الكافَ اسْمًا في الكَلامِ، وهو مَذْهَبُ الأخْفَشِ. ﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ القُرى﴾: مَكَّةَ، أيْ أهْلَ أُمِّ القُرى، وكَذَلِكَ المَفْعُولُ الأوَّلُ مَحْذُوفٌ، والثّانِي هو: ﴿يَوْمَ الجَمْعِ﴾ أيِ: اجْتِماعِ الخَلائِقِ، والمُنْذَرُ بِهِ هو ما يَقَعُ في يَوْمِ الجَمْعِ مِنَ الجَزاءِ وانْقِسامِ الجَمْعِ إلى الفَرِيقَيْنِ، أوِ اجْتِماعِ الأرْواحِ بِالأجْسادِ، أوْ أهْلِ الأرْضِ بِأهْلِ السَّماءِ، أوِ النّاسِ بِأعْمالِهِمْ، أقْوالٌ أرْبَعَةٌ. (لِيُنْذِرَ) بِياءِ الغَيْبَةِ، أيْ: لِيُنْذِرَ القُرْآنُ. ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ أيْ: لا شَكَّ في وُقُوعِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾: اعْتِراضٌ لا مَحالَةَ. انْتَهى. ولا يَظْهَرُ أنَّهُ اعْتِراضٌ، أعْنِي صِناعِيًّا؛ لِأنَّهُ لَمْ يَقَعْ بَيْنَ طالِبٍ ومَطْلُوبٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (فَرِيقٌ) بِالرَّفْعِ فِيهِما، أيْ: هم فَرِيقٌ أوْ مِنهم فَرِيقٌ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِنَصْبِهِما، أيِ: افْتَرَقُوا، فَرِيقًا في كَذا، وفَرِيقًا في كَذا؛ ويَدُلُّ عَلى الِافْتِراقِ: الِاجْتِماعُ المَفْهُومُ مِن يَوْمِ الجَمْعِ. ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهم أُمَّةً واحِدَةً﴾: يَعْنِي مِن إيمانٍ أوْ كُفْرٍ، قالَ مَعْناهُ الضَّحّاكُ، وهو قَوْلُ أهْلِ السُّنَّةِ، وذَلِكَ تَسْلِيَةٌ لِلرَّسُولِ. كَما كانَ يُقاسِيهِ مَن كُفْرِ قَوْمِهِ، وتَوْقِيفٌ عَلى أنَّ ذَلِكَ راجِعٌ إلى مَشِيئَتِهِ، ولَكِنَّ مَن سَبَقَتْ لَهُ السَّعادَةُ أدْخَلَهُ في رَحْمَتِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿لَجَعَلَهم أُمَّةً واحِدَةً﴾ أيْ: مُؤْمِنِينَ كُلَّهم عَلى القَسْرِ والإكْراهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها﴾ [السجدة: ١٣]، وقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن في الأرْضِ كُلُّهم جَمِيعًا﴾ [يونس: ٩٩] . والدَّلِيلُ عَلى أنَّ المَعْنى هو الإيحاءُ إلى الإيمانِ قَوْلُهُ: ﴿أفَأنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ حَتّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٩٩]، وذَكَرَ ما ظَنَّهُ اسْتِدْلالًا عَلى ذَلِكَ، وهو عَلى طَرِيقِ الِاعْتِزالِ. وقالَ أنَسُ بْنُ مالِكٍ: ﴿فِي رَحْمَتِهِ﴾: في دِينِ الإسْلامِ. ﴿أمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ﴾، أمْ: بِمَعْنى بَلْ، لِلِانْتِقالِ مِن كَلامٍ إلى كَلامٍ، والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ عَلَيْهِمُ اتِّخاذَ أوْلِياءَ مِن دُونِ اللَّهِ. وقِيلَ: أمْ بِمَعْنى الهَمْزَةِ فَقَطْ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مِثْلِ هَذا، حَيْثُ جاءَتْ أمِ المُنْقَطِعَةُ، والمَعْنى: اتَّخَذُوا أوْلِياءَ دُونَ اللَّهِ، ولَيْسُوا بِأوْلِياءَ حَقِيقَةً، فاللَّهُ هو الوَلِيُّ، والَّذِي يَجِبُ أنْ يَتَوَلّى وحْدَهُ، لا ما لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ مِن أوْلِيائِهِمْ. ولَمّا أخْبَرَ أنَّهُ هو الوَلِيُّ، عَطَفَ عَلَيْهِ هَذا الفِعْلَ الغَرِيبَ الَّذِي لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، وهو إحْياءُ المَوْتى. ولَمّا ذَكَرَ هَذا الوَصْفَ، ذَكَرَ قُدْرَتَهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ تَتَعَلَّقُ إرادَتُهُ بِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: في قَوْلِهِ: ﴿فاللَّهُ هو الوَلِيُّ﴾، والفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فاللَّهُ هو الوَلِيُّ﴾ جَوابُ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: بَعْدَ إنْكارِ كُلِّ ولِيٍّ سِواهُ، وإنْ أرادُوا ولَيًّا بِحَقٍّ، فاللَّهُ هو الوَلِيُّ بِالحَقِّ، لا ولِيَّ سِواهُ. انْتَهى. ولا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ، والكَلامُ يَتِمُّ بِدُونِهِ. ﴿وما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ﴾: هَذا حِكايَةٌ لِقَوْلِ الرَّسُولِ، أيْ: ما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ أيُّها النّاسُ مِن تَكْذِيبٍ أوْ تَصْدِيقٍ وإيمانٍ وكُفْرٍ وغَيْرِ ذَلِكَ، فالحُكْمُ فِيهِ والمُجازاةُ عَلَيْهِ لَيْسَ ذَلِكَ إلّا إلى اللَّهِ، لا إلَيَّ، ولَفْظَةُ مِن شَيْءٍ تَدُلُّ عَلى العُمُومِ. وقِيلَ: مِن شَيْءٍ مِنَ الخُصُوماتِ، فَتَحاكَمُوا فِيهِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ولا تُؤْثِرُوا عَلى حُكُومَتِهِ حُكُومَةَ غَيْرِهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ تَنازَعْتُمْ في شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلى اللَّهِ والرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] . وقِيلَ: (مِن شَيْءٍ): مِن تَأْوِيلِ آيَةٍ واشْتَبَهَ عَلَيْكم، فارْجِعُوا في بَيانِهِ إلى آيِ المُحْكَمِ مِن كِتابِ اللَّهِ، والظّاهِرِ مِن سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وقِيلَ: ما وقَعَ مِنكُمُ الخِلافُ فِيهِ مِنَ العُلُومِ الَّتِي لا تَتَّصِلُ بِتَكْلِيفِكم، ولا طَرِيقَ لَكم إلى عِلْمِهِ، فَقُولُوا: اللَّهُ أعْلَمُ، كَمَعْرِفَةِ الرُّوحِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ ما خالَفَكم فِيهِ الكُفّارُ مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ فاخْتَلَفْتُمْ أنْتُمْ وهم فِيهِ مِن أُمُورِ الدِّينِ، فَحُكْمُ ذَلِكَ المُخْتَلَفِ فِيهِ مُفَوَّضٌ إلى اللَّهِ، وهو إثابَةُ المُحِقِّينَ فِيهِ مِنَ المُؤْمِنِينَ ومُعاتِبَةُ المُبْطِلِينَ. (ذَلِكم): الحَكَمُ بَيْنَكم هو ﴿رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ في رَدِّ كَيْدِ أعْداءِ الدِّينِ، وإلَيْهِ أرْجِعُ في كِفايَةِ شَرِّهِمْ. انْتَهى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (فاطِرُ) بِالرَّفْعِ، أيْ: هو فاطِرُ، أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ كَقَوْلِهِ: (ذَلِكم) . وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (فاطِرِ) بِالجَرِّ، صِفَةً لِقَوْلِهِ: (إلى اللَّهِ)، والجُمْلَةُ بَعْدَها اعْتِراضٌ بَيْنَ الصِّفَةِ والمَوْصُوفِ. ﴿جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكُمْ﴾ أيْ: مِن جِنْسِ أنْفُسِكم، أيْ: (p-٥١٠)آدَمَيّاتٍ، (أزْواجًا): إناثًا، أوْ جَعَلَ الخَلْقَ لِأبِينا آدَمَ مِن ضِلْعِهِ حَوّاءَ زَوْجًا لَهُ خَلْقًا لَنا، ﴿ومِنَ الأنْعامِ أزْواجًا﴾ أيْ: أنْواعًا كَثِيرَةً، ذُكُورًا وإناثًا، أوْ أزْواجًا إناثًا. ﴿يَذْرَؤُكم فِيهِ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أيْ يَجْعَلُ لَكم فِيهِ مَعِيشَةً تَعِيشُونَ بِها. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: يَرْزُقُكم فِيهِ، وهو قَرِيبٌ مِنَ القَوْلِ قَبْلَهُ. وقالَ مُجاهِدٌ: يَخْلُقُكم في بُطُونِ الإناثِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ أيْضًا: يَذْرَؤُكم فِيما خَلَقَ مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ. وقالَ الزَّجّاجُ: يُكَثِّرُكم بِهِ، أيْ: فِيهِ، أيْ: يُكَثِّرُكم في خَلْقِكم أزْواجًا. وقالَ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ: يَنْقُلُكم مِن حالٍ إلى حالٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الضَّمِيرُ في فِيهِ لِلْجَعْلِ، أيْ: يَخْلُقُكم ويُكَثِّرُكم في الجَعْلِ، كَما تَقُولُ: كَلَّمْتُ زَيْدًا كَلامًا أكْرَمْتُهُ فِيهِ، قالَ: ولَفْظَةُ ذَرَأ تُزِيدُ عَلى لَفْظَةِ خَلَقَ مَعْنًى آخَرَ لَيْسَ في خَلَقَ، وهو تَوالِي الطَّبَقاتِ عَلى مَرِّ الزَّمانِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (يَذْرَؤُكم): يُكَثِّرُكم، يُقالُ ذَرَأ اللَّهُ الخَلْقَ: بَثَّهم وكَثَّرَهم، والذَّرْءُ والذَّرُوءُ والذَّرْواءُ أخَواتٌ في هَذا التَّدْبِيرِ، وهو أنْ جَعَلَ لِلنّاسِ والأنْعامِ أزْواجًا حَتّى كانَ بَيْنَ ذُكُورِهِمْ وإناثِهِمُ التَّوالُدُ والتَّناسُلُ. والضَّمِيرُ في يَذْرَؤُكم يَرْجِعُ إلى المُخاطَبِينَ، و(الأنْعامِ) مُغَلَّبًا فِيهِ المُخاطَبُونَ العُقَلاءُ عَلى الغَيْرِ مِمّا لا يَعْقِلُ، وهي مِنَ الأحْكامِ ذاتِ العِلَّتَيْنِ. انْتَهى. وقَوْلُهُ: وهي مِنَ الأحْكامِ ذاتِ العِلَّتَيْنِ اصْطِلاحٌ غَرِيبٌ، ويَعْنِي أنَّ الخِطابَ يُغَلَّبُ عَلى الغَيْبَةِ إذا اجْتَمَعا فَتَقُولُ: أنْتَ وزَيْدٌ تَقُومانِ؛ والعاقِلُ يُغَلَّبُ عَلى غَيْرِ العاقِلِ إذا اجْتَمَعا، فَتَقُولُ: الحَيَوانُ وغَيْرُهم يُسَبِّحُونَ خالِقَهم. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ؛ فَإنْ قُلْتَ: ما مَعْنى (يَذْرَؤُكم) في هَذا التَّدْبِيرِ ؟ وهَلّا قِيلَ: يَذْرَؤُكم بِهِ ؟ قُلْتُ: جَعَلَ هَذا التَّدْبِيرَ كالمَنبَعِ والمَعْدِنِ لِلْبَثِّ والتَّكْثِيرِ. ألا تَراكَ تَقُولُ لِلْحَيَوانِ في خَلْقِ الأزْواجِ تَكْثِيرٌ ؟ كَما قالَ تَعالى: ﴿ولَكم في القِصاصِ حَياةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩] انْتَهى. ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، تَقُولُ العَرَبُ: مِثْلُكَ لا يَفْعَلُ كَذا، يُرِيدُونَ بِهِ المُخاطَبَ، كَأنَّهم إذا نَفَوُا الوَصْفَ عَنْ مِثْلِ الشَّخْصِ كانَ نَفْيًا عَنِ الشَّخْصِ، وهو مِن بابِ المُبالَغَةِ، ومِثْلُ الآيَةِ قَوْلُ أوْسِ بْنِ حَجَرٍ: ؎لَيْسَ كَمِثْلِ الفَتى زُهَيْرِ ∗∗∗ خُلُقٌ يُوازِيهِ في الفَضائِلِ وقالَ آخَرُ: ؎وقَتْلى كَمِثْلِ جُذُوعِ النَّخِيلِ ∗∗∗ تَغْشاهم مَسْبَلٌ مُنْهَمِرْ وقالَ آخَرُ: ؎سَعْدُ بْنُ زَيْدٍ إذا أبْصَرْتَ فَضْلَهم ∗∗∗ ما إنَّ مِثْلَهُمُ في النّاسِ مِن أحَدِ فَجَرَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ عَلى نَهْجِ كَلامِ العَرَبِ مِن إطْلاقِ المِثْلِ عَلى نَفْسِ الشَّيْءِ. وما ذَهَبَ إلَيْهِ الطَّبَرِيُّ وغَيْرُهُ مِن أنَّ مِثْلًا زائِدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ كالكافِّ في قَوْلِهِ: ؎فَأصْبَحَتْ مِثْلَ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ وقَوْلِهِ: وصالِياتٍ كَكُما يُؤْثَفِينَ، لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّ مِثْلًا اسْمٌ، والأسْماءُ لا تُزادُ، بِخِلافِ الكافِ، فَإنَّها حَرْفٌ، فَتَصْلُحُ لِلزِّيادَةِ. ونَظِيرُ نِسْبَةِ المِثْلِ إلى مَن لا مِثْلَ لَهُ قَوْلُكَ: فُلانٌ يَدُهُ مَبْسُوطَةٌ، يُرِيدُ أنَّهُ جَوادٌ، ولا نَظِيرَ لَهُ في الحَقِيقَةِ إلى اليَدِ حَتّى تَقُولَ ذَلِكَ لِمَن لا يَدَ لَهُ، كَقَوْلِهِ: ﴿بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ﴾ [المائدة: ٦٤] . فَكَما جَعَلْتَ ذَلِكَ كِنايَةً عَنِ الجَوادِ فِيمَن لا يَدَ لَهُ، فَكَذَلِكَ جَعَلْتَ المِثْلَ كِنايَةً عَنِ الذَّواتِ في مَن لا مِثْلَ لَهُ. ويُحْتَمَلُ أيْضًا أنْ يُرادَ بِالمِثْلِ الصِّفَةُ، وذَلِكَ سائِغٌ، يُطْلَقُ المِثْلُ بِمَعْنى المِثْلِ وهو الصِّفَةُ، فَيَكُونُ المَعْنى: لَيْسَ مِثْلَ صِفَتِهِ تَعالى شَيْءٌ مِنَ الصِّفاتِ الَّتِي لِغَيْرِهِ، وهَذا مَحْمَلٌ سَهْلٌ، والوَجْهُ الأوَّلُ أغْوَصُ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: العَرَبُ تُقِيمُ المِثالَ مَقامَ النَّفْسِ، فَيَقُولُ: مِثْلِي لا يُقالُ لَهُ هَذا، أيْ: أنا لا يُقالُ لِي هَذا. انْتَهى. فَقَدْ صارَ ذَلِكَ كِنايَةً عَنِ الذّاتِ، فَلا فَرْقَ بَيْنَ قَوْلِكِ: لَيْسَ كاللَّهِ شَيْءٌ، أوْ لَيْسَ كَمِثْلِ اللَّهِ شَيْءٌ. وقَدْ أجْمَعَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ الكافَ والمِثْلَ يُرادُ بِهِما مَوْضُوعُهُما الحَقِيقِيُّ مِن أنَّ كُلًّا مِنهُما يُرادُ بِهِ التَّشْبِيهُ، وذَلِكَ مُحالٌ؛ لِأنَّ فِيهِ إثْباتُ مِثْلٍ لِلَّهِ (p-٥١١)تَعالى، وهو مُحالٌ. ﴿وهُوَ السَّمِيعُ﴾ لِأقْوالِ الخَلْقِ، (البَصِيرُ) لِأعْمالِهِمْ. وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ: ﴿لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ في سُورَةِ الزُّمَرِ؛ وقُرِئَ: (ويَقْدِرُ) أيْ: يُضَيِّقُ. ﴿إنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ أيْ: يُوَسِّعُ لِمَن يَشاءُ، ويُضَيِّقُ عَلى مَن يَشاءُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإذا عَلِمَ أنَّ الغِنى خَيْرٌ لِلْعَبْدِ أغْناهُ لا أفْقَرَهُ. انْتَهى، وفِيهِ دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ.

الشورى 42:9

سُورَةُ الشُّورى ثَلاثٌ وخَمْسُونَ آيَةً، مَكِّيَّةٌ ﷽ ﴿حم﴾ ﴿عسق﴾ ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إلَيْكَ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وهو العَلِيُّ العَظِيمُ﴾ ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ والمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ويَسْتَغْفِرُونَ لِمَن في الأرْضِ ألا إنَّ اللَّهَ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أولِياءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ ﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ القُرى ومَن حَوْلَها وتُنْذِرَ يَوْمَ الجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ في الجَنَّةِ وفَرِيقٌ في السَّعِيرِ﴾ ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهم أُمَّةً واحِدَةً ولَكِنْ يُدْخِلُ مَن يَشاءُ في رَحْمَتِهِ والظّالِمُونَ ما لَهم مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ ﴿أمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ فاللَّهُ هو الوَلِيُّ وهو يُحْيِي المَوْتى وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿وما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إلى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وإلَيْهِ أُنِيبُ﴾ ﴿فاطِرُ السَّماواتِ والأرْضِ جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا ومِنَ الأنْعامِ أزْواجًا يَذْرَؤُكم فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وهو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ ﴿لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ والأرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ إنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ﴿شَرَعَ لَكم مِنَ الدِّينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ وما وصَّيْنا بِهِ إبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى أنْ أقِيمُوا الدِّينَ ولا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلى المُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهم إلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إلَيْهِ مَن يَشاءُ ويَهْدِي إلَيْهِ مَن يُنِيبُ﴾ [الشورى: ١٣] ﴿وما تَفَرَّقُوا إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهم ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ إلى أجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهم وإنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الكِتابَ مِن بَعْدِهِمْ لَفي شَكٍّ مِنهُ مُرِيبٍ﴾ [الشورى: ١٤] ﴿فَلِذَلِكَ فادْعُ واسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ ولا تَتَّبِعْ أهْواءَهم وقُلْ آمَنتُ بِما أنْزَلَ اللَّهُ مِن كِتابٍ وأُمِرْتُ لِأعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنا ورَبُّكم لَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكم لا حُجَّةَ بَيْنَنا وبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا وإلَيْهِ المَصِيرُ﴾ [الشورى: ١٥] ﴿والَّذِينَ يُحاجُّونَ في اللَّهِ مِن بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهم داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وعَلَيْهِمْ غَضَبٌ ولَهم عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ [الشورى: ١٦] ﴿اللَّهُ الَّذِي أنْزَلَ الكِتابَ بِالحَقِّ والمِيزانَ وما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ [الشورى: ١٧] ﴿يَسْتَعْجِلُ بِها الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها والَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنها ويَعْلَمُونَ أنَّها الحَقُّ ألا إنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ في السّاعَةِ لَفي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ [الشورى: ١٨] ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ وهو القَوِيُّ العَزِيزُ﴾ [الشورى: ١٩] ﴿مَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ ومَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنها وما لَهُ في الآخِرَةِ مِن نَصِيبٍ﴾ [الشورى: ٢٠] ﴿أمْ لَهم شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهم مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ ولَوْلا كَلِمَةُ الفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهم وإنَّ الظّالِمِينَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [الشورى: ٢١] ﴿تَرى الظّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا كَسَبُوا وهو واقِعٌ بِهِمْ والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ في رَوْضاتِ الجَنّاتِ لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هو الفَضْلُ الكَبِيرُ﴾ [الشورى: ٢٢] ﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى ومَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْنًا إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [الشورى: ٢٣] ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا فَإنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ ويَمْحُ اللَّهُ الباطِلَ ويُحِقُّ الحَقَّ بِكَلِماتِهِ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ [الشورى: ٢٤] ﴿وهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ ويَعْفُو عَنِ السَّيِّئاتِ ويَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ﴾ [الشورى: ٢٥] (p-٥٠٧)﴿ويَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ والكافِرُونَ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ [الشورى: ٢٦] ﴿ولَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا في الأرْضِ ولَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ إنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [الشورى: ٢٧] ﴿وهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الغَيْثَ مِن بَعْدِ ما قَنَطُوا ويَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وهو الوَلِيُّ الحَمِيدُ﴾ [الشورى: ٢٨] ﴿ومِن آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَثَّ فِيهِما مِن دابَّةٍ وهو عَلى جَمْعِهِمْ إذا يَشاءُ قَدِيرٌ﴾ [الشورى: ٢٩] ﴿وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكم ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠] ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ في الأرْضِ وما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ [الشورى: ٣١] ﴿ومِن آياتِهِ الجَوارِي في البَحْرِ كالأعْلامِ﴾ [الشورى: ٣٢] ﴿إنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ [الشورى: ٣٣] . رَكَدَ الشَّيْءُ، ثَبَتَ في مَكانِهِ، وقَدْ قالَ الشّاعِرُ: ؎رُكُودًا يُوارِي الرَّبْرَبَ المُتَفَرِّقَ وقَدْ رَكَدَتْ وسَطَ السَّماءِ نُجُومُها ﴿حم﴾ ﴿عسق﴾ ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إلَيْكَ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وهو العَلِيُّ العَظِيمُ﴾ ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ والمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ويَسْتَغْفِرُونَ لِمَن في الأرْضِ ألا إنَّ اللَّهَ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أولِياءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ ﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ القُرى ومَن حَوْلَها وتُنْذِرَ يَوْمَ الجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ في الجَنَّةِ وفَرِيقٌ في السَّعِيرِ﴾ ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهم أُمَّةً واحِدَةً ولَكِنْ يُدْخِلُ مَن يَشاءُ في رَحْمَتِهِ والظّالِمُونَ ما لَهم مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ ﴿أمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ فاللَّهُ هو الوَلِيُّ وهو يُحْيِي المَوْتى وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿وما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إلى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وإلَيْهِ أُنِيبُ﴾ ﴿فاطِرُ السَّماواتِ والأرْضِ جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا ومِنَ الأنْعامِ أزْواجًا يَذْرَؤُكم فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وهو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ ﴿لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ والأرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ إنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الحَسَنِ وعَطاءٍ وعِكْرِمَةَ وجابِرٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَكِّيَّةٌ إلّا أرْبَعَ آياتٍ مِن قَوْلِهِ: ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ [الشورى: ٢٣] إلى آخِرِ الأرْبَعِ آياتٍ، فَإنَّها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ. وقالَ مُقاتِلٌ: فِيها مَدَنِيٌّ قَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ﴾ [الشورى: ٢٣] إلى (الصُّدُورِ) . ومُناسَبَةُ أوَّلِ السُّورَةِ لِآخِرِ ما قَبْلَها أنَّهُ قالَ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ [فصلت: ٥٢] الآيَةَ، وكانَ في ذَلِكَ الحُكْمُ عَلَيْهِمْ بِالضَّلالِ. لَمّا كَفَرُوا بِهِ قالَ هُنا: (كَذَلِكَ)، أيْ: مِثْلُ الإيحاءِ السّابِقِ في القُرْآنِ الَّذِي كَفَرَ بِهِ هَؤُلاءِ، ﴿يُوحِي إلَيْكَ﴾: أيْ: إنَّ وحْيَهُ تَعالى إلَيْكَ مُتَّصِلٌ غَيْرُ مُنْقَطِعٍ، يَتَعَهَّدُكَ وقْتًا بَعْدَ وقْتٍ. وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ في ﴿حم﴾ ﴿عسق﴾ أقْوالًا مُضْطَرِبَةً لا يَصِحُّ مِنها شَيْءٌ كَعادَتِهِمْ في هَذِهِ الفَواتِحِ، ضَرَبْنا عَنْ ذِكْرِها صَفْحًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يُوحِي) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ؛ وأبُو حَيْوَةَ، والأعْشى عَنْ أبِي بَكْرٍ، وأبانَ (نُوحِي) (p-٥٠٨)بِنُونِ العَظَمَةِ. ومُجاهِدٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وعَبّاسٌ، ومَحْبُوبٌ، كِلاهُما عَنْ أبِي عَمْرٍو: (يُوحى) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ؛ و(اللَّهُ) مَرْفُوعٌ بِمُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ أوْحى، أوْ بِالِابْتِداءِ، التَّقْدِيرُ: اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ المُوحِي. وعَلى قِراءَةِ (نُوحِي) بِالنُّونِ، يَكُونُ ﴿اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ مُبْتَدَأً وخَبَرًا. و(يُوحِي) إمّا في مَعْنى أوْجَبَ حَتّى يَنْتَظِمَ قَوْلُهُ: ﴿وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ﴾، أوْ يُقْرَأُ عَلى مَوْضُوعِهِ، ويُضْمِرُ عامِلٌ يَتَعَلَّقُ بِهِ (إلى الَّذِينَ) تَقْدِيرُهُ: وأوْحى إلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ﴿تَكادُ السَّماواتُ﴾ في سُورَةِ مَرْيَمَ قِراءَةً وتَفْسِيرًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ورَوى يُونُسُ عَنْ أبِي عُمَرَ وقِراءَةٌ عَرَبِيَّةٌ (تَتَفَطَّرْنَ) بِتاءَيْنِ مَعَ النُّونِ، ونَظِيرُها حَرْفٌ نادِرٌ رُوِيَ في نَوادِرِ ابْنِ الأعْرابِيِّ: الإبِلُ تَتَشَمَّمْنَ. انْتَهى. والظّاهِرُ أنَّ هَذا وهْمٌ مِنَ الزَّمَخْشَرِيِّ في النَّقْلِ؛ لِأنَّ ابْنَ خالَوَيْهِ ذَكَرَ في شَواذِّ القِراءاتِ لَهُ ما نَصَبَ (تَفَطَّرْنَ) بِالتّاءِ والنُّونِ، يُونُسُ عَنْ أبِي عَمْرٍو. وقالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: هَذا حَرْفٌ نادِرٌ؛ لِأنَّ العَرَبَ لا تَجْمَعُ بَيْنَ عَلامَتَيِ التَّأْنِيثِ. لا يُقالُ: النِّساءُ تَقُمْنَ، ولَكِنْ يَقُمْنَ، والوالِداتُ يُرْضِعْنَ. قَدْ كانَ أبُو عُمَرَ الزّاهِدُ رَوى في نَوادِرِ ابْنِ الأعْرابِيِّ: الإبِلُ تَتَشَمَّمْنَ، فَأنْكَرْناهُ، فَقَدْ قَوّاهُ؛ لِأنَّ هَذا كَلامُ ابْنِ خالَوَيْهِ. فَإنْ كانَتْ نُسَخُ الزَّمَخْشَرِيِّ مُتَّفِقَةً عَلى قَوْلِهِ بِتاءَيْنِ مَعَ النُّونِ فَهو وهْمٌ، وإنْ كانَ في بَعْضِها بِتاءٍ مَعَ النُّونِ، كانَ مُوافِقًا لِقَوْلِ ابْنِ خالَوَيْهِ، وكانَ بِتاءَيْنِ تَحْرِيفًا مِنَ النُّسّاخِ. وكَذَلِكَ كَتْبُهم تَتَفَطَّرْنَ وتَتَشَمَّمْنَ بِتاءَيْنِ. والظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ في (مِن فَوْقِهِنَّ) عَلى (السَّماواتُ) . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مِن أعْلاهُنَّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَنْفَطِرْنَ مِن عُلُوِّ شَأْنِ اللَّهِ تَعالى وعَظَمَتِهِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ مَجِيئُهُ بَعْدَ ﴿العَلِيُّ العَظِيمُ﴾ . وقِيلَ: مِن دُعائِهِمْ لَهُ ولَدًا، كَقَوْلِهِ: ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنهُ﴾ [مريم: ٩٠] . فَإنْ قُلْتَ: لِمَ قالَ (مِن فَوْقِهِنَّ) ؟ قُلْتُ: لِأنَّ أعْظَمَ الآياتِ وأدَلَّها عَلى الجَلالِ والعَظَمَةِ فَوْقَ السَّماواتِ، وهي العَرَضُ والكُرْسِيُّ وصُفُوفُ المَلائِكَةِ المُرْتَجَّةِ بِالتَّسْبِيحِ والتَّقْدِيسِ حَوْلَ العَرْشِ، وما لا يَعْلَمُ كُنْهَهُ إلّا اللَّهُ مِن آثارِ مَلَكُوتِهِ العُظْمى، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ﴾ أيْ: يَبْتَدِئُ الِانْفِطارُ مِن جِهَتَيْنِ الفَوْقانِيَّةِ. وقالَ جَماعَةٌ، مِنهُمُ الحَوْفِيُّ، قالَ: (مِن فَوْقِهِنَّ)، والهاءُ والنُّونُ كِنايَةٌ عَنِ الأرَضِينَ. انْتَهى. (مِن فَوْقِهِنَّ) مُتَعَلِّقٌ بِـ(يَتَفَطَّرْنَ) ويَدُلُّ عَلى هَذا القَوْلِ ذِكْرُ الأرْضِ قَبْلُ. وقالَ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ الأخْفَشُ: الضَّمِيرُ لِلْكُفّارِ، والمَعْنى: مِن فَوْقِ الفِرَقِ والجَماعاتِ المُلْحِدَةِ، أيْ مِن أجْلِ أقْوالِها. انْتَهى. فَهَذِهِ الآيَةُ كالَّذِي في سُورَةِ مَرْيَمَ، واسْتَبْعَدَ مَكِّيٌّ هَذا القَوْلَ، قالَ: لا يَجُوزُ في الذُّكُورِ مِن بَنِي آدَمَ، يَعْنِي ضَمِيرَ المُؤَنَّثِ والِاسْتِشْعارُ ما ذَكَرَهُ مَكِّيٌّ. قالَ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ: مِن فَوْقِ الفِرَقِ والجَماعاتِ، وظاهِرُ المَلائِكَةِ العُمُومُ. وقالَ مُقاتِلٌ: حَمَلَةُ العَرْشِ والتَّسْبِيحِ، قِيلَ: قَوْلُهم سُبْحانَ اللَّهَ، وقِيلَ: يُهَلِّلُونَ؛ والظّاهِرُ في (يَسْتَغْفِرُونَ) طَلَبُ الغُفْرانِ، ولِأهْلِ الأرْضِ عامٌّ مَخْصُوصٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ويَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر: ٧]، قالَهُ السُّدِّيُّ. وقِيلَ: عامٌّ. ومَعْنى الِاسْتِغْفارِ: طَلَبُ الهِدايَةِ المُؤَدِّيَةِ إلى المَغْفِرَةِ، كَأنَّهم يَقُولُونَ: اللَّهُمَّ اهْدِ أهْلَ الأرْضِ، فاغْفِرْ لَهم. ويَدُلُّ عَلَيْهِ وصْفُهُ بِالغُفْرانِ والرَّحْمَةِ والِاسْتِفْتاحِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَقْصِدُوا بِالِاسْتِغْفارِ لَهم: طَلَبَ الحِلْمِ والغُفْرانِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ والأرْضَ أنْ تَزُولا﴾ [فاطر: ٤١]، إلى أنْ قالَ: ﴿إنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [فاطر: ٤١]، وقَوْلِهِ: ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ﴾ [الرعد: ٦]، والمُرادُ: الحِلْمُ عَنْهم، وأنْ لا يُعاجِلَهم بِالِانْتِقامِ فَيَكُونُ عامًّا. انْتَهى. وتَكَلَّمَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ في قَوْلِهِ: ﴿تَكادُ السَّماواتُ﴾ كَلامًا خارِجًا عَنْ مَناحِي مَفْهُوماتِ العَرَبِ، مُنْتَزَعًا مِن كَلامِ الفَلاسِفَةِ ومَن جَرى مَجْراهم، يُوقَفُ عَلى ذَلِكَ في كِتابِهِ. ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ﴾: أيْ أصْنامًا وأوْثانًا، ﴿اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ﴾: أيْ عَلى أعْمالِهِمْ ومُجازِيهِمْ عَلَيْها، ﴿وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ أيْ: بِمُفَوَّضٍ إلَيْكَ أمْرُهم ولا قائِمٍ. وما في هَذا مِنَ المُوادَعَةِ مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ. (وكَذَلِكَ) أيْ: ومِثْلُ هَذا الإيحاءِ والقَضاءِ، إنَّكَ لَسْتَ بِوَكِيلٍ عَلَيْهِمْ، ﴿أوْحَيْنا إلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ . (p-٥٠٩)والظّاهِرُ أنَّ (قُرْءانًا) مَفْعُولُ (أوْحَيْنا) . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الكافُ مَفْعُولٌ بِهِ، أيْ أوْحَيْناهُ إلَيْكَ، وهو قُرْآنٌ عَرَبِيٌّ لا لَبْسَ فِيهِ عَلَيْكَ، إذْ نَزَلَ بِلِسانِكَ. انْتَهى. فاسْتَعْمَلَ الكافَ اسْمًا في الكَلامِ، وهو مَذْهَبُ الأخْفَشِ. ﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ القُرى﴾: مَكَّةَ، أيْ أهْلَ أُمِّ القُرى، وكَذَلِكَ المَفْعُولُ الأوَّلُ مَحْذُوفٌ، والثّانِي هو: ﴿يَوْمَ الجَمْعِ﴾ أيِ: اجْتِماعِ الخَلائِقِ، والمُنْذَرُ بِهِ هو ما يَقَعُ في يَوْمِ الجَمْعِ مِنَ الجَزاءِ وانْقِسامِ الجَمْعِ إلى الفَرِيقَيْنِ، أوِ اجْتِماعِ الأرْواحِ بِالأجْسادِ، أوْ أهْلِ الأرْضِ بِأهْلِ السَّماءِ، أوِ النّاسِ بِأعْمالِهِمْ، أقْوالٌ أرْبَعَةٌ. (لِيُنْذِرَ) بِياءِ الغَيْبَةِ، أيْ: لِيُنْذِرَ القُرْآنُ. ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ أيْ: لا شَكَّ في وُقُوعِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾: اعْتِراضٌ لا مَحالَةَ. انْتَهى. ولا يَظْهَرُ أنَّهُ اعْتِراضٌ، أعْنِي صِناعِيًّا؛ لِأنَّهُ لَمْ يَقَعْ بَيْنَ طالِبٍ ومَطْلُوبٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (فَرِيقٌ) بِالرَّفْعِ فِيهِما، أيْ: هم فَرِيقٌ أوْ مِنهم فَرِيقٌ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِنَصْبِهِما، أيِ: افْتَرَقُوا، فَرِيقًا في كَذا، وفَرِيقًا في كَذا؛ ويَدُلُّ عَلى الِافْتِراقِ: الِاجْتِماعُ المَفْهُومُ مِن يَوْمِ الجَمْعِ. ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهم أُمَّةً واحِدَةً﴾: يَعْنِي مِن إيمانٍ أوْ كُفْرٍ، قالَ مَعْناهُ الضَّحّاكُ، وهو قَوْلُ أهْلِ السُّنَّةِ، وذَلِكَ تَسْلِيَةٌ لِلرَّسُولِ. كَما كانَ يُقاسِيهِ مَن كُفْرِ قَوْمِهِ، وتَوْقِيفٌ عَلى أنَّ ذَلِكَ راجِعٌ إلى مَشِيئَتِهِ، ولَكِنَّ مَن سَبَقَتْ لَهُ السَّعادَةُ أدْخَلَهُ في رَحْمَتِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿لَجَعَلَهم أُمَّةً واحِدَةً﴾ أيْ: مُؤْمِنِينَ كُلَّهم عَلى القَسْرِ والإكْراهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها﴾ [السجدة: ١٣]، وقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن في الأرْضِ كُلُّهم جَمِيعًا﴾ [يونس: ٩٩] . والدَّلِيلُ عَلى أنَّ المَعْنى هو الإيحاءُ إلى الإيمانِ قَوْلُهُ: ﴿أفَأنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ حَتّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٩٩]، وذَكَرَ ما ظَنَّهُ اسْتِدْلالًا عَلى ذَلِكَ، وهو عَلى طَرِيقِ الِاعْتِزالِ. وقالَ أنَسُ بْنُ مالِكٍ: ﴿فِي رَحْمَتِهِ﴾: في دِينِ الإسْلامِ. ﴿أمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ﴾، أمْ: بِمَعْنى بَلْ، لِلِانْتِقالِ مِن كَلامٍ إلى كَلامٍ، والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ عَلَيْهِمُ اتِّخاذَ أوْلِياءَ مِن دُونِ اللَّهِ. وقِيلَ: أمْ بِمَعْنى الهَمْزَةِ فَقَطْ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مِثْلِ هَذا، حَيْثُ جاءَتْ أمِ المُنْقَطِعَةُ، والمَعْنى: اتَّخَذُوا أوْلِياءَ دُونَ اللَّهِ، ولَيْسُوا بِأوْلِياءَ حَقِيقَةً، فاللَّهُ هو الوَلِيُّ، والَّذِي يَجِبُ أنْ يَتَوَلّى وحْدَهُ، لا ما لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ مِن أوْلِيائِهِمْ. ولَمّا أخْبَرَ أنَّهُ هو الوَلِيُّ، عَطَفَ عَلَيْهِ هَذا الفِعْلَ الغَرِيبَ الَّذِي لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، وهو إحْياءُ المَوْتى. ولَمّا ذَكَرَ هَذا الوَصْفَ، ذَكَرَ قُدْرَتَهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ تَتَعَلَّقُ إرادَتُهُ بِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: في قَوْلِهِ: ﴿فاللَّهُ هو الوَلِيُّ﴾، والفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فاللَّهُ هو الوَلِيُّ﴾ جَوابُ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: بَعْدَ إنْكارِ كُلِّ ولِيٍّ سِواهُ، وإنْ أرادُوا ولَيًّا بِحَقٍّ، فاللَّهُ هو الوَلِيُّ بِالحَقِّ، لا ولِيَّ سِواهُ. انْتَهى. ولا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ، والكَلامُ يَتِمُّ بِدُونِهِ. ﴿وما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ﴾: هَذا حِكايَةٌ لِقَوْلِ الرَّسُولِ، أيْ: ما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ أيُّها النّاسُ مِن تَكْذِيبٍ أوْ تَصْدِيقٍ وإيمانٍ وكُفْرٍ وغَيْرِ ذَلِكَ، فالحُكْمُ فِيهِ والمُجازاةُ عَلَيْهِ لَيْسَ ذَلِكَ إلّا إلى اللَّهِ، لا إلَيَّ، ولَفْظَةُ مِن شَيْءٍ تَدُلُّ عَلى العُمُومِ. وقِيلَ: مِن شَيْءٍ مِنَ الخُصُوماتِ، فَتَحاكَمُوا فِيهِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ولا تُؤْثِرُوا عَلى حُكُومَتِهِ حُكُومَةَ غَيْرِهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ تَنازَعْتُمْ في شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلى اللَّهِ والرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] . وقِيلَ: (مِن شَيْءٍ): مِن تَأْوِيلِ آيَةٍ واشْتَبَهَ عَلَيْكم، فارْجِعُوا في بَيانِهِ إلى آيِ المُحْكَمِ مِن كِتابِ اللَّهِ، والظّاهِرِ مِن سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وقِيلَ: ما وقَعَ مِنكُمُ الخِلافُ فِيهِ مِنَ العُلُومِ الَّتِي لا تَتَّصِلُ بِتَكْلِيفِكم، ولا طَرِيقَ لَكم إلى عِلْمِهِ، فَقُولُوا: اللَّهُ أعْلَمُ، كَمَعْرِفَةِ الرُّوحِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ ما خالَفَكم فِيهِ الكُفّارُ مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ فاخْتَلَفْتُمْ أنْتُمْ وهم فِيهِ مِن أُمُورِ الدِّينِ، فَحُكْمُ ذَلِكَ المُخْتَلَفِ فِيهِ مُفَوَّضٌ إلى اللَّهِ، وهو إثابَةُ المُحِقِّينَ فِيهِ مِنَ المُؤْمِنِينَ ومُعاتِبَةُ المُبْطِلِينَ. (ذَلِكم): الحَكَمُ بَيْنَكم هو ﴿رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ في رَدِّ كَيْدِ أعْداءِ الدِّينِ، وإلَيْهِ أرْجِعُ في كِفايَةِ شَرِّهِمْ. انْتَهى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (فاطِرُ) بِالرَّفْعِ، أيْ: هو فاطِرُ، أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ كَقَوْلِهِ: (ذَلِكم) . وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (فاطِرِ) بِالجَرِّ، صِفَةً لِقَوْلِهِ: (إلى اللَّهِ)، والجُمْلَةُ بَعْدَها اعْتِراضٌ بَيْنَ الصِّفَةِ والمَوْصُوفِ. ﴿جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكُمْ﴾ أيْ: مِن جِنْسِ أنْفُسِكم، أيْ: (p-٥١٠)آدَمَيّاتٍ، (أزْواجًا): إناثًا، أوْ جَعَلَ الخَلْقَ لِأبِينا آدَمَ مِن ضِلْعِهِ حَوّاءَ زَوْجًا لَهُ خَلْقًا لَنا، ﴿ومِنَ الأنْعامِ أزْواجًا﴾ أيْ: أنْواعًا كَثِيرَةً، ذُكُورًا وإناثًا، أوْ أزْواجًا إناثًا. ﴿يَذْرَؤُكم فِيهِ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أيْ يَجْعَلُ لَكم فِيهِ مَعِيشَةً تَعِيشُونَ بِها. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: يَرْزُقُكم فِيهِ، وهو قَرِيبٌ مِنَ القَوْلِ قَبْلَهُ. وقالَ مُجاهِدٌ: يَخْلُقُكم في بُطُونِ الإناثِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ أيْضًا: يَذْرَؤُكم فِيما خَلَقَ مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ. وقالَ الزَّجّاجُ: يُكَثِّرُكم بِهِ، أيْ: فِيهِ، أيْ: يُكَثِّرُكم في خَلْقِكم أزْواجًا. وقالَ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ: يَنْقُلُكم مِن حالٍ إلى حالٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الضَّمِيرُ في فِيهِ لِلْجَعْلِ، أيْ: يَخْلُقُكم ويُكَثِّرُكم في الجَعْلِ، كَما تَقُولُ: كَلَّمْتُ زَيْدًا كَلامًا أكْرَمْتُهُ فِيهِ، قالَ: ولَفْظَةُ ذَرَأ تُزِيدُ عَلى لَفْظَةِ خَلَقَ مَعْنًى آخَرَ لَيْسَ في خَلَقَ، وهو تَوالِي الطَّبَقاتِ عَلى مَرِّ الزَّمانِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (يَذْرَؤُكم): يُكَثِّرُكم، يُقالُ ذَرَأ اللَّهُ الخَلْقَ: بَثَّهم وكَثَّرَهم، والذَّرْءُ والذَّرُوءُ والذَّرْواءُ أخَواتٌ في هَذا التَّدْبِيرِ، وهو أنْ جَعَلَ لِلنّاسِ والأنْعامِ أزْواجًا حَتّى كانَ بَيْنَ ذُكُورِهِمْ وإناثِهِمُ التَّوالُدُ والتَّناسُلُ. والضَّمِيرُ في يَذْرَؤُكم يَرْجِعُ إلى المُخاطَبِينَ، و(الأنْعامِ) مُغَلَّبًا فِيهِ المُخاطَبُونَ العُقَلاءُ عَلى الغَيْرِ مِمّا لا يَعْقِلُ، وهي مِنَ الأحْكامِ ذاتِ العِلَّتَيْنِ. انْتَهى. وقَوْلُهُ: وهي مِنَ الأحْكامِ ذاتِ العِلَّتَيْنِ اصْطِلاحٌ غَرِيبٌ، ويَعْنِي أنَّ الخِطابَ يُغَلَّبُ عَلى الغَيْبَةِ إذا اجْتَمَعا فَتَقُولُ: أنْتَ وزَيْدٌ تَقُومانِ؛ والعاقِلُ يُغَلَّبُ عَلى غَيْرِ العاقِلِ إذا اجْتَمَعا، فَتَقُولُ: الحَيَوانُ وغَيْرُهم يُسَبِّحُونَ خالِقَهم. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ؛ فَإنْ قُلْتَ: ما مَعْنى (يَذْرَؤُكم) في هَذا التَّدْبِيرِ ؟ وهَلّا قِيلَ: يَذْرَؤُكم بِهِ ؟ قُلْتُ: جَعَلَ هَذا التَّدْبِيرَ كالمَنبَعِ والمَعْدِنِ لِلْبَثِّ والتَّكْثِيرِ. ألا تَراكَ تَقُولُ لِلْحَيَوانِ في خَلْقِ الأزْواجِ تَكْثِيرٌ ؟ كَما قالَ تَعالى: ﴿ولَكم في القِصاصِ حَياةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩] انْتَهى. ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، تَقُولُ العَرَبُ: مِثْلُكَ لا يَفْعَلُ كَذا، يُرِيدُونَ بِهِ المُخاطَبَ، كَأنَّهم إذا نَفَوُا الوَصْفَ عَنْ مِثْلِ الشَّخْصِ كانَ نَفْيًا عَنِ الشَّخْصِ، وهو مِن بابِ المُبالَغَةِ، ومِثْلُ الآيَةِ قَوْلُ أوْسِ بْنِ حَجَرٍ: ؎لَيْسَ كَمِثْلِ الفَتى زُهَيْرِ ∗∗∗ خُلُقٌ يُوازِيهِ في الفَضائِلِ وقالَ آخَرُ: ؎وقَتْلى كَمِثْلِ جُذُوعِ النَّخِيلِ ∗∗∗ تَغْشاهم مَسْبَلٌ مُنْهَمِرْ وقالَ آخَرُ: ؎سَعْدُ بْنُ زَيْدٍ إذا أبْصَرْتَ فَضْلَهم ∗∗∗ ما إنَّ مِثْلَهُمُ في النّاسِ مِن أحَدِ فَجَرَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ عَلى نَهْجِ كَلامِ العَرَبِ مِن إطْلاقِ المِثْلِ عَلى نَفْسِ الشَّيْءِ. وما ذَهَبَ إلَيْهِ الطَّبَرِيُّ وغَيْرُهُ مِن أنَّ مِثْلًا زائِدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ كالكافِّ في قَوْلِهِ: ؎فَأصْبَحَتْ مِثْلَ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ وقَوْلِهِ: وصالِياتٍ كَكُما يُؤْثَفِينَ، لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّ مِثْلًا اسْمٌ، والأسْماءُ لا تُزادُ، بِخِلافِ الكافِ، فَإنَّها حَرْفٌ، فَتَصْلُحُ لِلزِّيادَةِ. ونَظِيرُ نِسْبَةِ المِثْلِ إلى مَن لا مِثْلَ لَهُ قَوْلُكَ: فُلانٌ يَدُهُ مَبْسُوطَةٌ، يُرِيدُ أنَّهُ جَوادٌ، ولا نَظِيرَ لَهُ في الحَقِيقَةِ إلى اليَدِ حَتّى تَقُولَ ذَلِكَ لِمَن لا يَدَ لَهُ، كَقَوْلِهِ: ﴿بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ﴾ [المائدة: ٦٤] . فَكَما جَعَلْتَ ذَلِكَ كِنايَةً عَنِ الجَوادِ فِيمَن لا يَدَ لَهُ، فَكَذَلِكَ جَعَلْتَ المِثْلَ كِنايَةً عَنِ الذَّواتِ في مَن لا مِثْلَ لَهُ. ويُحْتَمَلُ أيْضًا أنْ يُرادَ بِالمِثْلِ الصِّفَةُ، وذَلِكَ سائِغٌ، يُطْلَقُ المِثْلُ بِمَعْنى المِثْلِ وهو الصِّفَةُ، فَيَكُونُ المَعْنى: لَيْسَ مِثْلَ صِفَتِهِ تَعالى شَيْءٌ مِنَ الصِّفاتِ الَّتِي لِغَيْرِهِ، وهَذا مَحْمَلٌ سَهْلٌ، والوَجْهُ الأوَّلُ أغْوَصُ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: العَرَبُ تُقِيمُ المِثالَ مَقامَ النَّفْسِ، فَيَقُولُ: مِثْلِي لا يُقالُ لَهُ هَذا، أيْ: أنا لا يُقالُ لِي هَذا. انْتَهى. فَقَدْ صارَ ذَلِكَ كِنايَةً عَنِ الذّاتِ، فَلا فَرْقَ بَيْنَ قَوْلِكِ: لَيْسَ كاللَّهِ شَيْءٌ، أوْ لَيْسَ كَمِثْلِ اللَّهِ شَيْءٌ. وقَدْ أجْمَعَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ الكافَ والمِثْلَ يُرادُ بِهِما مَوْضُوعُهُما الحَقِيقِيُّ مِن أنَّ كُلًّا مِنهُما يُرادُ بِهِ التَّشْبِيهُ، وذَلِكَ مُحالٌ؛ لِأنَّ فِيهِ إثْباتُ مِثْلٍ لِلَّهِ (p-٥١١)تَعالى، وهو مُحالٌ. ﴿وهُوَ السَّمِيعُ﴾ لِأقْوالِ الخَلْقِ، (البَصِيرُ) لِأعْمالِهِمْ. وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ: ﴿لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ في سُورَةِ الزُّمَرِ؛ وقُرِئَ: (ويَقْدِرُ) أيْ: يُضَيِّقُ. ﴿إنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ أيْ: يُوَسِّعُ لِمَن يَشاءُ، ويُضَيِّقُ عَلى مَن يَشاءُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإذا عَلِمَ أنَّ الغِنى خَيْرٌ لِلْعَبْدِ أغْناهُ لا أفْقَرَهُ. انْتَهى، وفِيهِ دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ.

الشورى 42:10

سُورَةُ الشُّورى ثَلاثٌ وخَمْسُونَ آيَةً، مَكِّيَّةٌ ﷽ ﴿حم﴾ ﴿عسق﴾ ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إلَيْكَ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وهو العَلِيُّ العَظِيمُ﴾ ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ والمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ويَسْتَغْفِرُونَ لِمَن في الأرْضِ ألا إنَّ اللَّهَ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أولِياءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ ﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ القُرى ومَن حَوْلَها وتُنْذِرَ يَوْمَ الجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ في الجَنَّةِ وفَرِيقٌ في السَّعِيرِ﴾ ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهم أُمَّةً واحِدَةً ولَكِنْ يُدْخِلُ مَن يَشاءُ في رَحْمَتِهِ والظّالِمُونَ ما لَهم مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ ﴿أمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ فاللَّهُ هو الوَلِيُّ وهو يُحْيِي المَوْتى وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿وما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إلى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وإلَيْهِ أُنِيبُ﴾ ﴿فاطِرُ السَّماواتِ والأرْضِ جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا ومِنَ الأنْعامِ أزْواجًا يَذْرَؤُكم فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وهو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ ﴿لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ والأرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ إنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ﴿شَرَعَ لَكم مِنَ الدِّينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ وما وصَّيْنا بِهِ إبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى أنْ أقِيمُوا الدِّينَ ولا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلى المُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهم إلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إلَيْهِ مَن يَشاءُ ويَهْدِي إلَيْهِ مَن يُنِيبُ﴾ [الشورى: ١٣] ﴿وما تَفَرَّقُوا إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهم ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ إلى أجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهم وإنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الكِتابَ مِن بَعْدِهِمْ لَفي شَكٍّ مِنهُ مُرِيبٍ﴾ [الشورى: ١٤] ﴿فَلِذَلِكَ فادْعُ واسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ ولا تَتَّبِعْ أهْواءَهم وقُلْ آمَنتُ بِما أنْزَلَ اللَّهُ مِن كِتابٍ وأُمِرْتُ لِأعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنا ورَبُّكم لَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكم لا حُجَّةَ بَيْنَنا وبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا وإلَيْهِ المَصِيرُ﴾ [الشورى: ١٥] ﴿والَّذِينَ يُحاجُّونَ في اللَّهِ مِن بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهم داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وعَلَيْهِمْ غَضَبٌ ولَهم عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ [الشورى: ١٦] ﴿اللَّهُ الَّذِي أنْزَلَ الكِتابَ بِالحَقِّ والمِيزانَ وما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ [الشورى: ١٧] ﴿يَسْتَعْجِلُ بِها الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها والَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنها ويَعْلَمُونَ أنَّها الحَقُّ ألا إنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ في السّاعَةِ لَفي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ [الشورى: ١٨] ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ وهو القَوِيُّ العَزِيزُ﴾ [الشورى: ١٩] ﴿مَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ ومَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنها وما لَهُ في الآخِرَةِ مِن نَصِيبٍ﴾ [الشورى: ٢٠] ﴿أمْ لَهم شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهم مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ ولَوْلا كَلِمَةُ الفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهم وإنَّ الظّالِمِينَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [الشورى: ٢١] ﴿تَرى الظّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا كَسَبُوا وهو واقِعٌ بِهِمْ والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ في رَوْضاتِ الجَنّاتِ لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هو الفَضْلُ الكَبِيرُ﴾ [الشورى: ٢٢] ﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى ومَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْنًا إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [الشورى: ٢٣] ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا فَإنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ ويَمْحُ اللَّهُ الباطِلَ ويُحِقُّ الحَقَّ بِكَلِماتِهِ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ [الشورى: ٢٤] ﴿وهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ ويَعْفُو عَنِ السَّيِّئاتِ ويَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ﴾ [الشورى: ٢٥] (p-٥٠٧)﴿ويَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ والكافِرُونَ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ [الشورى: ٢٦] ﴿ولَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا في الأرْضِ ولَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ إنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [الشورى: ٢٧] ﴿وهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الغَيْثَ مِن بَعْدِ ما قَنَطُوا ويَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وهو الوَلِيُّ الحَمِيدُ﴾ [الشورى: ٢٨] ﴿ومِن آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَثَّ فِيهِما مِن دابَّةٍ وهو عَلى جَمْعِهِمْ إذا يَشاءُ قَدِيرٌ﴾ [الشورى: ٢٩] ﴿وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكم ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠] ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ في الأرْضِ وما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ [الشورى: ٣١] ﴿ومِن آياتِهِ الجَوارِي في البَحْرِ كالأعْلامِ﴾ [الشورى: ٣٢] ﴿إنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ [الشورى: ٣٣] . رَكَدَ الشَّيْءُ، ثَبَتَ في مَكانِهِ، وقَدْ قالَ الشّاعِرُ: ؎رُكُودًا يُوارِي الرَّبْرَبَ المُتَفَرِّقَ وقَدْ رَكَدَتْ وسَطَ السَّماءِ نُجُومُها ﴿حم﴾ ﴿عسق﴾ ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إلَيْكَ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وهو العَلِيُّ العَظِيمُ﴾ ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ والمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ويَسْتَغْفِرُونَ لِمَن في الأرْضِ ألا إنَّ اللَّهَ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أولِياءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ ﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ القُرى ومَن حَوْلَها وتُنْذِرَ يَوْمَ الجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ في الجَنَّةِ وفَرِيقٌ في السَّعِيرِ﴾ ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهم أُمَّةً واحِدَةً ولَكِنْ يُدْخِلُ مَن يَشاءُ في رَحْمَتِهِ والظّالِمُونَ ما لَهم مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ ﴿أمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ فاللَّهُ هو الوَلِيُّ وهو يُحْيِي المَوْتى وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿وما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إلى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وإلَيْهِ أُنِيبُ﴾ ﴿فاطِرُ السَّماواتِ والأرْضِ جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا ومِنَ الأنْعامِ أزْواجًا يَذْرَؤُكم فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وهو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ ﴿لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ والأرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ إنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الحَسَنِ وعَطاءٍ وعِكْرِمَةَ وجابِرٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَكِّيَّةٌ إلّا أرْبَعَ آياتٍ مِن قَوْلِهِ: ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ [الشورى: ٢٣] إلى آخِرِ الأرْبَعِ آياتٍ، فَإنَّها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ. وقالَ مُقاتِلٌ: فِيها مَدَنِيٌّ قَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ﴾ [الشورى: ٢٣] إلى (الصُّدُورِ) . ومُناسَبَةُ أوَّلِ السُّورَةِ لِآخِرِ ما قَبْلَها أنَّهُ قالَ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ [فصلت: ٥٢] الآيَةَ، وكانَ في ذَلِكَ الحُكْمُ عَلَيْهِمْ بِالضَّلالِ. لَمّا كَفَرُوا بِهِ قالَ هُنا: (كَذَلِكَ)، أيْ: مِثْلُ الإيحاءِ السّابِقِ في القُرْآنِ الَّذِي كَفَرَ بِهِ هَؤُلاءِ، ﴿يُوحِي إلَيْكَ﴾: أيْ: إنَّ وحْيَهُ تَعالى إلَيْكَ مُتَّصِلٌ غَيْرُ مُنْقَطِعٍ، يَتَعَهَّدُكَ وقْتًا بَعْدَ وقْتٍ. وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ في ﴿حم﴾ ﴿عسق﴾ أقْوالًا مُضْطَرِبَةً لا يَصِحُّ مِنها شَيْءٌ كَعادَتِهِمْ في هَذِهِ الفَواتِحِ، ضَرَبْنا عَنْ ذِكْرِها صَفْحًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يُوحِي) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ؛ وأبُو حَيْوَةَ، والأعْشى عَنْ أبِي بَكْرٍ، وأبانَ (نُوحِي) (p-٥٠٨)بِنُونِ العَظَمَةِ. ومُجاهِدٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وعَبّاسٌ، ومَحْبُوبٌ، كِلاهُما عَنْ أبِي عَمْرٍو: (يُوحى) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ؛ و(اللَّهُ) مَرْفُوعٌ بِمُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ أوْحى، أوْ بِالِابْتِداءِ، التَّقْدِيرُ: اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ المُوحِي. وعَلى قِراءَةِ (نُوحِي) بِالنُّونِ، يَكُونُ ﴿اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ مُبْتَدَأً وخَبَرًا. و(يُوحِي) إمّا في مَعْنى أوْجَبَ حَتّى يَنْتَظِمَ قَوْلُهُ: ﴿وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ﴾، أوْ يُقْرَأُ عَلى مَوْضُوعِهِ، ويُضْمِرُ عامِلٌ يَتَعَلَّقُ بِهِ (إلى الَّذِينَ) تَقْدِيرُهُ: وأوْحى إلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ﴿تَكادُ السَّماواتُ﴾ في سُورَةِ مَرْيَمَ قِراءَةً وتَفْسِيرًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ورَوى يُونُسُ عَنْ أبِي عُمَرَ وقِراءَةٌ عَرَبِيَّةٌ (تَتَفَطَّرْنَ) بِتاءَيْنِ مَعَ النُّونِ، ونَظِيرُها حَرْفٌ نادِرٌ رُوِيَ في نَوادِرِ ابْنِ الأعْرابِيِّ: الإبِلُ تَتَشَمَّمْنَ. انْتَهى. والظّاهِرُ أنَّ هَذا وهْمٌ مِنَ الزَّمَخْشَرِيِّ في النَّقْلِ؛ لِأنَّ ابْنَ خالَوَيْهِ ذَكَرَ في شَواذِّ القِراءاتِ لَهُ ما نَصَبَ (تَفَطَّرْنَ) بِالتّاءِ والنُّونِ، يُونُسُ عَنْ أبِي عَمْرٍو. وقالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: هَذا حَرْفٌ نادِرٌ؛ لِأنَّ العَرَبَ لا تَجْمَعُ بَيْنَ عَلامَتَيِ التَّأْنِيثِ. لا يُقالُ: النِّساءُ تَقُمْنَ، ولَكِنْ يَقُمْنَ، والوالِداتُ يُرْضِعْنَ. قَدْ كانَ أبُو عُمَرَ الزّاهِدُ رَوى في نَوادِرِ ابْنِ الأعْرابِيِّ: الإبِلُ تَتَشَمَّمْنَ، فَأنْكَرْناهُ، فَقَدْ قَوّاهُ؛ لِأنَّ هَذا كَلامُ ابْنِ خالَوَيْهِ. فَإنْ كانَتْ نُسَخُ الزَّمَخْشَرِيِّ مُتَّفِقَةً عَلى قَوْلِهِ بِتاءَيْنِ مَعَ النُّونِ فَهو وهْمٌ، وإنْ كانَ في بَعْضِها بِتاءٍ مَعَ النُّونِ، كانَ مُوافِقًا لِقَوْلِ ابْنِ خالَوَيْهِ، وكانَ بِتاءَيْنِ تَحْرِيفًا مِنَ النُّسّاخِ. وكَذَلِكَ كَتْبُهم تَتَفَطَّرْنَ وتَتَشَمَّمْنَ بِتاءَيْنِ. والظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ في (مِن فَوْقِهِنَّ) عَلى (السَّماواتُ) . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مِن أعْلاهُنَّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَنْفَطِرْنَ مِن عُلُوِّ شَأْنِ اللَّهِ تَعالى وعَظَمَتِهِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ مَجِيئُهُ بَعْدَ ﴿العَلِيُّ العَظِيمُ﴾ . وقِيلَ: مِن دُعائِهِمْ لَهُ ولَدًا، كَقَوْلِهِ: ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنهُ﴾ [مريم: ٩٠] . فَإنْ قُلْتَ: لِمَ قالَ (مِن فَوْقِهِنَّ) ؟ قُلْتُ: لِأنَّ أعْظَمَ الآياتِ وأدَلَّها عَلى الجَلالِ والعَظَمَةِ فَوْقَ السَّماواتِ، وهي العَرَضُ والكُرْسِيُّ وصُفُوفُ المَلائِكَةِ المُرْتَجَّةِ بِالتَّسْبِيحِ والتَّقْدِيسِ حَوْلَ العَرْشِ، وما لا يَعْلَمُ كُنْهَهُ إلّا اللَّهُ مِن آثارِ مَلَكُوتِهِ العُظْمى، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ﴾ أيْ: يَبْتَدِئُ الِانْفِطارُ مِن جِهَتَيْنِ الفَوْقانِيَّةِ. وقالَ جَماعَةٌ، مِنهُمُ الحَوْفِيُّ، قالَ: (مِن فَوْقِهِنَّ)، والهاءُ والنُّونُ كِنايَةٌ عَنِ الأرَضِينَ. انْتَهى. (مِن فَوْقِهِنَّ) مُتَعَلِّقٌ بِـ(يَتَفَطَّرْنَ) ويَدُلُّ عَلى هَذا القَوْلِ ذِكْرُ الأرْضِ قَبْلُ. وقالَ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ الأخْفَشُ: الضَّمِيرُ لِلْكُفّارِ، والمَعْنى: مِن فَوْقِ الفِرَقِ والجَماعاتِ المُلْحِدَةِ، أيْ مِن أجْلِ أقْوالِها. انْتَهى. فَهَذِهِ الآيَةُ كالَّذِي في سُورَةِ مَرْيَمَ، واسْتَبْعَدَ مَكِّيٌّ هَذا القَوْلَ، قالَ: لا يَجُوزُ في الذُّكُورِ مِن بَنِي آدَمَ، يَعْنِي ضَمِيرَ المُؤَنَّثِ والِاسْتِشْعارُ ما ذَكَرَهُ مَكِّيٌّ. قالَ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ: مِن فَوْقِ الفِرَقِ والجَماعاتِ، وظاهِرُ المَلائِكَةِ العُمُومُ. وقالَ مُقاتِلٌ: حَمَلَةُ العَرْشِ والتَّسْبِيحِ، قِيلَ: قَوْلُهم سُبْحانَ اللَّهَ، وقِيلَ: يُهَلِّلُونَ؛ والظّاهِرُ في (يَسْتَغْفِرُونَ) طَلَبُ الغُفْرانِ، ولِأهْلِ الأرْضِ عامٌّ مَخْصُوصٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ويَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر: ٧]، قالَهُ السُّدِّيُّ. وقِيلَ: عامٌّ. ومَعْنى الِاسْتِغْفارِ: طَلَبُ الهِدايَةِ المُؤَدِّيَةِ إلى المَغْفِرَةِ، كَأنَّهم يَقُولُونَ: اللَّهُمَّ اهْدِ أهْلَ الأرْضِ، فاغْفِرْ لَهم. ويَدُلُّ عَلَيْهِ وصْفُهُ بِالغُفْرانِ والرَّحْمَةِ والِاسْتِفْتاحِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَقْصِدُوا بِالِاسْتِغْفارِ لَهم: طَلَبَ الحِلْمِ والغُفْرانِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ والأرْضَ أنْ تَزُولا﴾ [فاطر: ٤١]، إلى أنْ قالَ: ﴿إنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [فاطر: ٤١]، وقَوْلِهِ: ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ﴾ [الرعد: ٦]، والمُرادُ: الحِلْمُ عَنْهم، وأنْ لا يُعاجِلَهم بِالِانْتِقامِ فَيَكُونُ عامًّا. انْتَهى. وتَكَلَّمَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ في قَوْلِهِ: ﴿تَكادُ السَّماواتُ﴾ كَلامًا خارِجًا عَنْ مَناحِي مَفْهُوماتِ العَرَبِ، مُنْتَزَعًا مِن كَلامِ الفَلاسِفَةِ ومَن جَرى مَجْراهم، يُوقَفُ عَلى ذَلِكَ في كِتابِهِ. ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ﴾: أيْ أصْنامًا وأوْثانًا، ﴿اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ﴾: أيْ عَلى أعْمالِهِمْ ومُجازِيهِمْ عَلَيْها، ﴿وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ أيْ: بِمُفَوَّضٍ إلَيْكَ أمْرُهم ولا قائِمٍ. وما في هَذا مِنَ المُوادَعَةِ مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ. (وكَذَلِكَ) أيْ: ومِثْلُ هَذا الإيحاءِ والقَضاءِ، إنَّكَ لَسْتَ بِوَكِيلٍ عَلَيْهِمْ، ﴿أوْحَيْنا إلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ . (p-٥٠٩)والظّاهِرُ أنَّ (قُرْءانًا) مَفْعُولُ (أوْحَيْنا) . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الكافُ مَفْعُولٌ بِهِ، أيْ أوْحَيْناهُ إلَيْكَ، وهو قُرْآنٌ عَرَبِيٌّ لا لَبْسَ فِيهِ عَلَيْكَ، إذْ نَزَلَ بِلِسانِكَ. انْتَهى. فاسْتَعْمَلَ الكافَ اسْمًا في الكَلامِ، وهو مَذْهَبُ الأخْفَشِ. ﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ القُرى﴾: مَكَّةَ، أيْ أهْلَ أُمِّ القُرى، وكَذَلِكَ المَفْعُولُ الأوَّلُ مَحْذُوفٌ، والثّانِي هو: ﴿يَوْمَ الجَمْعِ﴾ أيِ: اجْتِماعِ الخَلائِقِ، والمُنْذَرُ بِهِ هو ما يَقَعُ في يَوْمِ الجَمْعِ مِنَ الجَزاءِ وانْقِسامِ الجَمْعِ إلى الفَرِيقَيْنِ، أوِ اجْتِماعِ الأرْواحِ بِالأجْسادِ، أوْ أهْلِ الأرْضِ بِأهْلِ السَّماءِ، أوِ النّاسِ بِأعْمالِهِمْ، أقْوالٌ أرْبَعَةٌ. (لِيُنْذِرَ) بِياءِ الغَيْبَةِ، أيْ: لِيُنْذِرَ القُرْآنُ. ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ أيْ: لا شَكَّ في وُقُوعِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾: اعْتِراضٌ لا مَحالَةَ. انْتَهى. ولا يَظْهَرُ أنَّهُ اعْتِراضٌ، أعْنِي صِناعِيًّا؛ لِأنَّهُ لَمْ يَقَعْ بَيْنَ طالِبٍ ومَطْلُوبٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (فَرِيقٌ) بِالرَّفْعِ فِيهِما، أيْ: هم فَرِيقٌ أوْ مِنهم فَرِيقٌ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِنَصْبِهِما، أيِ: افْتَرَقُوا، فَرِيقًا في كَذا، وفَرِيقًا في كَذا؛ ويَدُلُّ عَلى الِافْتِراقِ: الِاجْتِماعُ المَفْهُومُ مِن يَوْمِ الجَمْعِ. ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهم أُمَّةً واحِدَةً﴾: يَعْنِي مِن إيمانٍ أوْ كُفْرٍ، قالَ مَعْناهُ الضَّحّاكُ، وهو قَوْلُ أهْلِ السُّنَّةِ، وذَلِكَ تَسْلِيَةٌ لِلرَّسُولِ. كَما كانَ يُقاسِيهِ مَن كُفْرِ قَوْمِهِ، وتَوْقِيفٌ عَلى أنَّ ذَلِكَ راجِعٌ إلى مَشِيئَتِهِ، ولَكِنَّ مَن سَبَقَتْ لَهُ السَّعادَةُ أدْخَلَهُ في رَحْمَتِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿لَجَعَلَهم أُمَّةً واحِدَةً﴾ أيْ: مُؤْمِنِينَ كُلَّهم عَلى القَسْرِ والإكْراهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها﴾ [السجدة: ١٣]، وقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن في الأرْضِ كُلُّهم جَمِيعًا﴾ [يونس: ٩٩] . والدَّلِيلُ عَلى أنَّ المَعْنى هو الإيحاءُ إلى الإيمانِ قَوْلُهُ: ﴿أفَأنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ حَتّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٩٩]، وذَكَرَ ما ظَنَّهُ اسْتِدْلالًا عَلى ذَلِكَ، وهو عَلى طَرِيقِ الِاعْتِزالِ. وقالَ أنَسُ بْنُ مالِكٍ: ﴿فِي رَحْمَتِهِ﴾: في دِينِ الإسْلامِ. ﴿أمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ﴾، أمْ: بِمَعْنى بَلْ، لِلِانْتِقالِ مِن كَلامٍ إلى كَلامٍ، والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ عَلَيْهِمُ اتِّخاذَ أوْلِياءَ مِن دُونِ اللَّهِ. وقِيلَ: أمْ بِمَعْنى الهَمْزَةِ فَقَطْ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مِثْلِ هَذا، حَيْثُ جاءَتْ أمِ المُنْقَطِعَةُ، والمَعْنى: اتَّخَذُوا أوْلِياءَ دُونَ اللَّهِ، ولَيْسُوا بِأوْلِياءَ حَقِيقَةً، فاللَّهُ هو الوَلِيُّ، والَّذِي يَجِبُ أنْ يَتَوَلّى وحْدَهُ، لا ما لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ مِن أوْلِيائِهِمْ. ولَمّا أخْبَرَ أنَّهُ هو الوَلِيُّ، عَطَفَ عَلَيْهِ هَذا الفِعْلَ الغَرِيبَ الَّذِي لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، وهو إحْياءُ المَوْتى. ولَمّا ذَكَرَ هَذا الوَصْفَ، ذَكَرَ قُدْرَتَهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ تَتَعَلَّقُ إرادَتُهُ بِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: في قَوْلِهِ: ﴿فاللَّهُ هو الوَلِيُّ﴾، والفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فاللَّهُ هو الوَلِيُّ﴾ جَوابُ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: بَعْدَ إنْكارِ كُلِّ ولِيٍّ سِواهُ، وإنْ أرادُوا ولَيًّا بِحَقٍّ، فاللَّهُ هو الوَلِيُّ بِالحَقِّ، لا ولِيَّ سِواهُ. انْتَهى. ولا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ، والكَلامُ يَتِمُّ بِدُونِهِ. ﴿وما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ﴾: هَذا حِكايَةٌ لِقَوْلِ الرَّسُولِ، أيْ: ما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ أيُّها النّاسُ مِن تَكْذِيبٍ أوْ تَصْدِيقٍ وإيمانٍ وكُفْرٍ وغَيْرِ ذَلِكَ، فالحُكْمُ فِيهِ والمُجازاةُ عَلَيْهِ لَيْسَ ذَلِكَ إلّا إلى اللَّهِ، لا إلَيَّ، ولَفْظَةُ مِن شَيْءٍ تَدُلُّ عَلى العُمُومِ. وقِيلَ: مِن شَيْءٍ مِنَ الخُصُوماتِ، فَتَحاكَمُوا فِيهِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ولا تُؤْثِرُوا عَلى حُكُومَتِهِ حُكُومَةَ غَيْرِهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ تَنازَعْتُمْ في شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلى اللَّهِ والرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] . وقِيلَ: (مِن شَيْءٍ): مِن تَأْوِيلِ آيَةٍ واشْتَبَهَ عَلَيْكم، فارْجِعُوا في بَيانِهِ إلى آيِ المُحْكَمِ مِن كِتابِ اللَّهِ، والظّاهِرِ مِن سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وقِيلَ: ما وقَعَ مِنكُمُ الخِلافُ فِيهِ مِنَ العُلُومِ الَّتِي لا تَتَّصِلُ بِتَكْلِيفِكم، ولا طَرِيقَ لَكم إلى عِلْمِهِ، فَقُولُوا: اللَّهُ أعْلَمُ، كَمَعْرِفَةِ الرُّوحِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ ما خالَفَكم فِيهِ الكُفّارُ مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ فاخْتَلَفْتُمْ أنْتُمْ وهم فِيهِ مِن أُمُورِ الدِّينِ، فَحُكْمُ ذَلِكَ المُخْتَلَفِ فِيهِ مُفَوَّضٌ إلى اللَّهِ، وهو إثابَةُ المُحِقِّينَ فِيهِ مِنَ المُؤْمِنِينَ ومُعاتِبَةُ المُبْطِلِينَ. (ذَلِكم): الحَكَمُ بَيْنَكم هو ﴿رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ في رَدِّ كَيْدِ أعْداءِ الدِّينِ، وإلَيْهِ أرْجِعُ في كِفايَةِ شَرِّهِمْ. انْتَهى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (فاطِرُ) بِالرَّفْعِ، أيْ: هو فاطِرُ، أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ كَقَوْلِهِ: (ذَلِكم) . وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (فاطِرِ) بِالجَرِّ، صِفَةً لِقَوْلِهِ: (إلى اللَّهِ)، والجُمْلَةُ بَعْدَها اعْتِراضٌ بَيْنَ الصِّفَةِ والمَوْصُوفِ. ﴿جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكُمْ﴾ أيْ: مِن جِنْسِ أنْفُسِكم، أيْ: (p-٥١٠)آدَمَيّاتٍ، (أزْواجًا): إناثًا، أوْ جَعَلَ الخَلْقَ لِأبِينا آدَمَ مِن ضِلْعِهِ حَوّاءَ زَوْجًا لَهُ خَلْقًا لَنا، ﴿ومِنَ الأنْعامِ أزْواجًا﴾ أيْ: أنْواعًا كَثِيرَةً، ذُكُورًا وإناثًا، أوْ أزْواجًا إناثًا. ﴿يَذْرَؤُكم فِيهِ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أيْ يَجْعَلُ لَكم فِيهِ مَعِيشَةً تَعِيشُونَ بِها. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: يَرْزُقُكم فِيهِ، وهو قَرِيبٌ مِنَ القَوْلِ قَبْلَهُ. وقالَ مُجاهِدٌ: يَخْلُقُكم في بُطُونِ الإناثِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ أيْضًا: يَذْرَؤُكم فِيما خَلَقَ مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ. وقالَ الزَّجّاجُ: يُكَثِّرُكم بِهِ، أيْ: فِيهِ، أيْ: يُكَثِّرُكم في خَلْقِكم أزْواجًا. وقالَ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ: يَنْقُلُكم مِن حالٍ إلى حالٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الضَّمِيرُ في فِيهِ لِلْجَعْلِ، أيْ: يَخْلُقُكم ويُكَثِّرُكم في الجَعْلِ، كَما تَقُولُ: كَلَّمْتُ زَيْدًا كَلامًا أكْرَمْتُهُ فِيهِ، قالَ: ولَفْظَةُ ذَرَأ تُزِيدُ عَلى لَفْظَةِ خَلَقَ مَعْنًى آخَرَ لَيْسَ في خَلَقَ، وهو تَوالِي الطَّبَقاتِ عَلى مَرِّ الزَّمانِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (يَذْرَؤُكم): يُكَثِّرُكم، يُقالُ ذَرَأ اللَّهُ الخَلْقَ: بَثَّهم وكَثَّرَهم، والذَّرْءُ والذَّرُوءُ والذَّرْواءُ أخَواتٌ في هَذا التَّدْبِيرِ، وهو أنْ جَعَلَ لِلنّاسِ والأنْعامِ أزْواجًا حَتّى كانَ بَيْنَ ذُكُورِهِمْ وإناثِهِمُ التَّوالُدُ والتَّناسُلُ. والضَّمِيرُ في يَذْرَؤُكم يَرْجِعُ إلى المُخاطَبِينَ، و(الأنْعامِ) مُغَلَّبًا فِيهِ المُخاطَبُونَ العُقَلاءُ عَلى الغَيْرِ مِمّا لا يَعْقِلُ، وهي مِنَ الأحْكامِ ذاتِ العِلَّتَيْنِ. انْتَهى. وقَوْلُهُ: وهي مِنَ الأحْكامِ ذاتِ العِلَّتَيْنِ اصْطِلاحٌ غَرِيبٌ، ويَعْنِي أنَّ الخِطابَ يُغَلَّبُ عَلى الغَيْبَةِ إذا اجْتَمَعا فَتَقُولُ: أنْتَ وزَيْدٌ تَقُومانِ؛ والعاقِلُ يُغَلَّبُ عَلى غَيْرِ العاقِلِ إذا اجْتَمَعا، فَتَقُولُ: الحَيَوانُ وغَيْرُهم يُسَبِّحُونَ خالِقَهم. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ؛ فَإنْ قُلْتَ: ما مَعْنى (يَذْرَؤُكم) في هَذا التَّدْبِيرِ ؟ وهَلّا قِيلَ: يَذْرَؤُكم بِهِ ؟ قُلْتُ: جَعَلَ هَذا التَّدْبِيرَ كالمَنبَعِ والمَعْدِنِ لِلْبَثِّ والتَّكْثِيرِ. ألا تَراكَ تَقُولُ لِلْحَيَوانِ في خَلْقِ الأزْواجِ تَكْثِيرٌ ؟ كَما قالَ تَعالى: ﴿ولَكم في القِصاصِ حَياةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩] انْتَهى. ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، تَقُولُ العَرَبُ: مِثْلُكَ لا يَفْعَلُ كَذا، يُرِيدُونَ بِهِ المُخاطَبَ، كَأنَّهم إذا نَفَوُا الوَصْفَ عَنْ مِثْلِ الشَّخْصِ كانَ نَفْيًا عَنِ الشَّخْصِ، وهو مِن بابِ المُبالَغَةِ، ومِثْلُ الآيَةِ قَوْلُ أوْسِ بْنِ حَجَرٍ: ؎لَيْسَ كَمِثْلِ الفَتى زُهَيْرِ ∗∗∗ خُلُقٌ يُوازِيهِ في الفَضائِلِ وقالَ آخَرُ: ؎وقَتْلى كَمِثْلِ جُذُوعِ النَّخِيلِ ∗∗∗ تَغْشاهم مَسْبَلٌ مُنْهَمِرْ وقالَ آخَرُ: ؎سَعْدُ بْنُ زَيْدٍ إذا أبْصَرْتَ فَضْلَهم ∗∗∗ ما إنَّ مِثْلَهُمُ في النّاسِ مِن أحَدِ فَجَرَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ عَلى نَهْجِ كَلامِ العَرَبِ مِن إطْلاقِ المِثْلِ عَلى نَفْسِ الشَّيْءِ. وما ذَهَبَ إلَيْهِ الطَّبَرِيُّ وغَيْرُهُ مِن أنَّ مِثْلًا زائِدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ كالكافِّ في قَوْلِهِ: ؎فَأصْبَحَتْ مِثْلَ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ وقَوْلِهِ: وصالِياتٍ كَكُما يُؤْثَفِينَ، لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّ مِثْلًا اسْمٌ، والأسْماءُ لا تُزادُ، بِخِلافِ الكافِ، فَإنَّها حَرْفٌ، فَتَصْلُحُ لِلزِّيادَةِ. ونَظِيرُ نِسْبَةِ المِثْلِ إلى مَن لا مِثْلَ لَهُ قَوْلُكَ: فُلانٌ يَدُهُ مَبْسُوطَةٌ، يُرِيدُ أنَّهُ جَوادٌ، ولا نَظِيرَ لَهُ في الحَقِيقَةِ إلى اليَدِ حَتّى تَقُولَ ذَلِكَ لِمَن لا يَدَ لَهُ، كَقَوْلِهِ: ﴿بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ﴾ [المائدة: ٦٤] . فَكَما جَعَلْتَ ذَلِكَ كِنايَةً عَنِ الجَوادِ فِيمَن لا يَدَ لَهُ، فَكَذَلِكَ جَعَلْتَ المِثْلَ كِنايَةً عَنِ الذَّواتِ في مَن لا مِثْلَ لَهُ. ويُحْتَمَلُ أيْضًا أنْ يُرادَ بِالمِثْلِ الصِّفَةُ، وذَلِكَ سائِغٌ، يُطْلَقُ المِثْلُ بِمَعْنى المِثْلِ وهو الصِّفَةُ، فَيَكُونُ المَعْنى: لَيْسَ مِثْلَ صِفَتِهِ تَعالى شَيْءٌ مِنَ الصِّفاتِ الَّتِي لِغَيْرِهِ، وهَذا مَحْمَلٌ سَهْلٌ، والوَجْهُ الأوَّلُ أغْوَصُ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: العَرَبُ تُقِيمُ المِثالَ مَقامَ النَّفْسِ، فَيَقُولُ: مِثْلِي لا يُقالُ لَهُ هَذا، أيْ: أنا لا يُقالُ لِي هَذا. انْتَهى. فَقَدْ صارَ ذَلِكَ كِنايَةً عَنِ الذّاتِ، فَلا فَرْقَ بَيْنَ قَوْلِكِ: لَيْسَ كاللَّهِ شَيْءٌ، أوْ لَيْسَ كَمِثْلِ اللَّهِ شَيْءٌ. وقَدْ أجْمَعَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ الكافَ والمِثْلَ يُرادُ بِهِما مَوْضُوعُهُما الحَقِيقِيُّ مِن أنَّ كُلًّا مِنهُما يُرادُ بِهِ التَّشْبِيهُ، وذَلِكَ مُحالٌ؛ لِأنَّ فِيهِ إثْباتُ مِثْلٍ لِلَّهِ (p-٥١١)تَعالى، وهو مُحالٌ. ﴿وهُوَ السَّمِيعُ﴾ لِأقْوالِ الخَلْقِ، (البَصِيرُ) لِأعْمالِهِمْ. وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ: ﴿لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ في سُورَةِ الزُّمَرِ؛ وقُرِئَ: (ويَقْدِرُ) أيْ: يُضَيِّقُ. ﴿إنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ أيْ: يُوَسِّعُ لِمَن يَشاءُ، ويُضَيِّقُ عَلى مَن يَشاءُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإذا عَلِمَ أنَّ الغِنى خَيْرٌ لِلْعَبْدِ أغْناهُ لا أفْقَرَهُ. انْتَهى، وفِيهِ دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ.

الشورى 42:11

سُورَةُ الشُّورى ثَلاثٌ وخَمْسُونَ آيَةً، مَكِّيَّةٌ ﷽ ﴿حم﴾ ﴿عسق﴾ ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إلَيْكَ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وهو العَلِيُّ العَظِيمُ﴾ ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ والمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ويَسْتَغْفِرُونَ لِمَن في الأرْضِ ألا إنَّ اللَّهَ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أولِياءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ ﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ القُرى ومَن حَوْلَها وتُنْذِرَ يَوْمَ الجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ في الجَنَّةِ وفَرِيقٌ في السَّعِيرِ﴾ ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهم أُمَّةً واحِدَةً ولَكِنْ يُدْخِلُ مَن يَشاءُ في رَحْمَتِهِ والظّالِمُونَ ما لَهم مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ ﴿أمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ فاللَّهُ هو الوَلِيُّ وهو يُحْيِي المَوْتى وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿وما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إلى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وإلَيْهِ أُنِيبُ﴾ ﴿فاطِرُ السَّماواتِ والأرْضِ جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا ومِنَ الأنْعامِ أزْواجًا يَذْرَؤُكم فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وهو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ ﴿لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ والأرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ إنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ﴿شَرَعَ لَكم مِنَ الدِّينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ وما وصَّيْنا بِهِ إبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى أنْ أقِيمُوا الدِّينَ ولا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلى المُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهم إلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إلَيْهِ مَن يَشاءُ ويَهْدِي إلَيْهِ مَن يُنِيبُ﴾ [الشورى: ١٣] ﴿وما تَفَرَّقُوا إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهم ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ إلى أجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهم وإنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الكِتابَ مِن بَعْدِهِمْ لَفي شَكٍّ مِنهُ مُرِيبٍ﴾ [الشورى: ١٤] ﴿فَلِذَلِكَ فادْعُ واسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ ولا تَتَّبِعْ أهْواءَهم وقُلْ آمَنتُ بِما أنْزَلَ اللَّهُ مِن كِتابٍ وأُمِرْتُ لِأعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنا ورَبُّكم لَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكم لا حُجَّةَ بَيْنَنا وبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا وإلَيْهِ المَصِيرُ﴾ [الشورى: ١٥] ﴿والَّذِينَ يُحاجُّونَ في اللَّهِ مِن بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهم داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وعَلَيْهِمْ غَضَبٌ ولَهم عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ [الشورى: ١٦] ﴿اللَّهُ الَّذِي أنْزَلَ الكِتابَ بِالحَقِّ والمِيزانَ وما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ [الشورى: ١٧] ﴿يَسْتَعْجِلُ بِها الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها والَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنها ويَعْلَمُونَ أنَّها الحَقُّ ألا إنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ في السّاعَةِ لَفي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ [الشورى: ١٨] ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ وهو القَوِيُّ العَزِيزُ﴾ [الشورى: ١٩] ﴿مَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ ومَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنها وما لَهُ في الآخِرَةِ مِن نَصِيبٍ﴾ [الشورى: ٢٠] ﴿أمْ لَهم شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهم مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ ولَوْلا كَلِمَةُ الفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهم وإنَّ الظّالِمِينَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [الشورى: ٢١] ﴿تَرى الظّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا كَسَبُوا وهو واقِعٌ بِهِمْ والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ في رَوْضاتِ الجَنّاتِ لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هو الفَضْلُ الكَبِيرُ﴾ [الشورى: ٢٢] ﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى ومَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْنًا إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [الشورى: ٢٣] ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا فَإنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ ويَمْحُ اللَّهُ الباطِلَ ويُحِقُّ الحَقَّ بِكَلِماتِهِ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ [الشورى: ٢٤] ﴿وهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ ويَعْفُو عَنِ السَّيِّئاتِ ويَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ﴾ [الشورى: ٢٥] (p-٥٠٧)﴿ويَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ والكافِرُونَ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ [الشورى: ٢٦] ﴿ولَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا في الأرْضِ ولَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ إنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [الشورى: ٢٧] ﴿وهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الغَيْثَ مِن بَعْدِ ما قَنَطُوا ويَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وهو الوَلِيُّ الحَمِيدُ﴾ [الشورى: ٢٨] ﴿ومِن آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَثَّ فِيهِما مِن دابَّةٍ وهو عَلى جَمْعِهِمْ إذا يَشاءُ قَدِيرٌ﴾ [الشورى: ٢٩] ﴿وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكم ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠] ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ في الأرْضِ وما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ [الشورى: ٣١] ﴿ومِن آياتِهِ الجَوارِي في البَحْرِ كالأعْلامِ﴾ [الشورى: ٣٢] ﴿إنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ [الشورى: ٣٣] . رَكَدَ الشَّيْءُ، ثَبَتَ في مَكانِهِ، وقَدْ قالَ الشّاعِرُ: ؎رُكُودًا يُوارِي الرَّبْرَبَ المُتَفَرِّقَ وقَدْ رَكَدَتْ وسَطَ السَّماءِ نُجُومُها ﴿حم﴾ ﴿عسق﴾ ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إلَيْكَ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وهو العَلِيُّ العَظِيمُ﴾ ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ والمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ويَسْتَغْفِرُونَ لِمَن في الأرْضِ ألا إنَّ اللَّهَ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أولِياءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ ﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ القُرى ومَن حَوْلَها وتُنْذِرَ يَوْمَ الجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ في الجَنَّةِ وفَرِيقٌ في السَّعِيرِ﴾ ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهم أُمَّةً واحِدَةً ولَكِنْ يُدْخِلُ مَن يَشاءُ في رَحْمَتِهِ والظّالِمُونَ ما لَهم مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ ﴿أمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ فاللَّهُ هو الوَلِيُّ وهو يُحْيِي المَوْتى وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿وما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إلى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وإلَيْهِ أُنِيبُ﴾ ﴿فاطِرُ السَّماواتِ والأرْضِ جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا ومِنَ الأنْعامِ أزْواجًا يَذْرَؤُكم فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وهو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ ﴿لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ والأرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ إنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الحَسَنِ وعَطاءٍ وعِكْرِمَةَ وجابِرٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَكِّيَّةٌ إلّا أرْبَعَ آياتٍ مِن قَوْلِهِ: ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ [الشورى: ٢٣] إلى آخِرِ الأرْبَعِ آياتٍ، فَإنَّها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ. وقالَ مُقاتِلٌ: فِيها مَدَنِيٌّ قَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ﴾ [الشورى: ٢٣] إلى (الصُّدُورِ) . ومُناسَبَةُ أوَّلِ السُّورَةِ لِآخِرِ ما قَبْلَها أنَّهُ قالَ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ [فصلت: ٥٢] الآيَةَ، وكانَ في ذَلِكَ الحُكْمُ عَلَيْهِمْ بِالضَّلالِ. لَمّا كَفَرُوا بِهِ قالَ هُنا: (كَذَلِكَ)، أيْ: مِثْلُ الإيحاءِ السّابِقِ في القُرْآنِ الَّذِي كَفَرَ بِهِ هَؤُلاءِ، ﴿يُوحِي إلَيْكَ﴾: أيْ: إنَّ وحْيَهُ تَعالى إلَيْكَ مُتَّصِلٌ غَيْرُ مُنْقَطِعٍ، يَتَعَهَّدُكَ وقْتًا بَعْدَ وقْتٍ. وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ في ﴿حم﴾ ﴿عسق﴾ أقْوالًا مُضْطَرِبَةً لا يَصِحُّ مِنها شَيْءٌ كَعادَتِهِمْ في هَذِهِ الفَواتِحِ، ضَرَبْنا عَنْ ذِكْرِها صَفْحًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يُوحِي) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ؛ وأبُو حَيْوَةَ، والأعْشى عَنْ أبِي بَكْرٍ، وأبانَ (نُوحِي) (p-٥٠٨)بِنُونِ العَظَمَةِ. ومُجاهِدٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وعَبّاسٌ، ومَحْبُوبٌ، كِلاهُما عَنْ أبِي عَمْرٍو: (يُوحى) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ؛ و(اللَّهُ) مَرْفُوعٌ بِمُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ أوْحى، أوْ بِالِابْتِداءِ، التَّقْدِيرُ: اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ المُوحِي. وعَلى قِراءَةِ (نُوحِي) بِالنُّونِ، يَكُونُ ﴿اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ مُبْتَدَأً وخَبَرًا. و(يُوحِي) إمّا في مَعْنى أوْجَبَ حَتّى يَنْتَظِمَ قَوْلُهُ: ﴿وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ﴾، أوْ يُقْرَأُ عَلى مَوْضُوعِهِ، ويُضْمِرُ عامِلٌ يَتَعَلَّقُ بِهِ (إلى الَّذِينَ) تَقْدِيرُهُ: وأوْحى إلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ﴿تَكادُ السَّماواتُ﴾ في سُورَةِ مَرْيَمَ قِراءَةً وتَفْسِيرًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ورَوى يُونُسُ عَنْ أبِي عُمَرَ وقِراءَةٌ عَرَبِيَّةٌ (تَتَفَطَّرْنَ) بِتاءَيْنِ مَعَ النُّونِ، ونَظِيرُها حَرْفٌ نادِرٌ رُوِيَ في نَوادِرِ ابْنِ الأعْرابِيِّ: الإبِلُ تَتَشَمَّمْنَ. انْتَهى. والظّاهِرُ أنَّ هَذا وهْمٌ مِنَ الزَّمَخْشَرِيِّ في النَّقْلِ؛ لِأنَّ ابْنَ خالَوَيْهِ ذَكَرَ في شَواذِّ القِراءاتِ لَهُ ما نَصَبَ (تَفَطَّرْنَ) بِالتّاءِ والنُّونِ، يُونُسُ عَنْ أبِي عَمْرٍو. وقالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: هَذا حَرْفٌ نادِرٌ؛ لِأنَّ العَرَبَ لا تَجْمَعُ بَيْنَ عَلامَتَيِ التَّأْنِيثِ. لا يُقالُ: النِّساءُ تَقُمْنَ، ولَكِنْ يَقُمْنَ، والوالِداتُ يُرْضِعْنَ. قَدْ كانَ أبُو عُمَرَ الزّاهِدُ رَوى في نَوادِرِ ابْنِ الأعْرابِيِّ: الإبِلُ تَتَشَمَّمْنَ، فَأنْكَرْناهُ، فَقَدْ قَوّاهُ؛ لِأنَّ هَذا كَلامُ ابْنِ خالَوَيْهِ. فَإنْ كانَتْ نُسَخُ الزَّمَخْشَرِيِّ مُتَّفِقَةً عَلى قَوْلِهِ بِتاءَيْنِ مَعَ النُّونِ فَهو وهْمٌ، وإنْ كانَ في بَعْضِها بِتاءٍ مَعَ النُّونِ، كانَ مُوافِقًا لِقَوْلِ ابْنِ خالَوَيْهِ، وكانَ بِتاءَيْنِ تَحْرِيفًا مِنَ النُّسّاخِ. وكَذَلِكَ كَتْبُهم تَتَفَطَّرْنَ وتَتَشَمَّمْنَ بِتاءَيْنِ. والظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ في (مِن فَوْقِهِنَّ) عَلى (السَّماواتُ) . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مِن أعْلاهُنَّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَنْفَطِرْنَ مِن عُلُوِّ شَأْنِ اللَّهِ تَعالى وعَظَمَتِهِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ مَجِيئُهُ بَعْدَ ﴿العَلِيُّ العَظِيمُ﴾ . وقِيلَ: مِن دُعائِهِمْ لَهُ ولَدًا، كَقَوْلِهِ: ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنهُ﴾ [مريم: ٩٠] . فَإنْ قُلْتَ: لِمَ قالَ (مِن فَوْقِهِنَّ) ؟ قُلْتُ: لِأنَّ أعْظَمَ الآياتِ وأدَلَّها عَلى الجَلالِ والعَظَمَةِ فَوْقَ السَّماواتِ، وهي العَرَضُ والكُرْسِيُّ وصُفُوفُ المَلائِكَةِ المُرْتَجَّةِ بِالتَّسْبِيحِ والتَّقْدِيسِ حَوْلَ العَرْشِ، وما لا يَعْلَمُ كُنْهَهُ إلّا اللَّهُ مِن آثارِ مَلَكُوتِهِ العُظْمى، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ﴾ أيْ: يَبْتَدِئُ الِانْفِطارُ مِن جِهَتَيْنِ الفَوْقانِيَّةِ. وقالَ جَماعَةٌ، مِنهُمُ الحَوْفِيُّ، قالَ: (مِن فَوْقِهِنَّ)، والهاءُ والنُّونُ كِنايَةٌ عَنِ الأرَضِينَ. انْتَهى. (مِن فَوْقِهِنَّ) مُتَعَلِّقٌ بِـ(يَتَفَطَّرْنَ) ويَدُلُّ عَلى هَذا القَوْلِ ذِكْرُ الأرْضِ قَبْلُ. وقالَ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ الأخْفَشُ: الضَّمِيرُ لِلْكُفّارِ، والمَعْنى: مِن فَوْقِ الفِرَقِ والجَماعاتِ المُلْحِدَةِ، أيْ مِن أجْلِ أقْوالِها. انْتَهى. فَهَذِهِ الآيَةُ كالَّذِي في سُورَةِ مَرْيَمَ، واسْتَبْعَدَ مَكِّيٌّ هَذا القَوْلَ، قالَ: لا يَجُوزُ في الذُّكُورِ مِن بَنِي آدَمَ، يَعْنِي ضَمِيرَ المُؤَنَّثِ والِاسْتِشْعارُ ما ذَكَرَهُ مَكِّيٌّ. قالَ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ: مِن فَوْقِ الفِرَقِ والجَماعاتِ، وظاهِرُ المَلائِكَةِ العُمُومُ. وقالَ مُقاتِلٌ: حَمَلَةُ العَرْشِ والتَّسْبِيحِ، قِيلَ: قَوْلُهم سُبْحانَ اللَّهَ، وقِيلَ: يُهَلِّلُونَ؛ والظّاهِرُ في (يَسْتَغْفِرُونَ) طَلَبُ الغُفْرانِ، ولِأهْلِ الأرْضِ عامٌّ مَخْصُوصٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ويَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر: ٧]، قالَهُ السُّدِّيُّ. وقِيلَ: عامٌّ. ومَعْنى الِاسْتِغْفارِ: طَلَبُ الهِدايَةِ المُؤَدِّيَةِ إلى المَغْفِرَةِ، كَأنَّهم يَقُولُونَ: اللَّهُمَّ اهْدِ أهْلَ الأرْضِ، فاغْفِرْ لَهم. ويَدُلُّ عَلَيْهِ وصْفُهُ بِالغُفْرانِ والرَّحْمَةِ والِاسْتِفْتاحِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَقْصِدُوا بِالِاسْتِغْفارِ لَهم: طَلَبَ الحِلْمِ والغُفْرانِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ والأرْضَ أنْ تَزُولا﴾ [فاطر: ٤١]، إلى أنْ قالَ: ﴿إنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [فاطر: ٤١]، وقَوْلِهِ: ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ﴾ [الرعد: ٦]، والمُرادُ: الحِلْمُ عَنْهم، وأنْ لا يُعاجِلَهم بِالِانْتِقامِ فَيَكُونُ عامًّا. انْتَهى. وتَكَلَّمَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ في قَوْلِهِ: ﴿تَكادُ السَّماواتُ﴾ كَلامًا خارِجًا عَنْ مَناحِي مَفْهُوماتِ العَرَبِ، مُنْتَزَعًا مِن كَلامِ الفَلاسِفَةِ ومَن جَرى مَجْراهم، يُوقَفُ عَلى ذَلِكَ في كِتابِهِ. ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ﴾: أيْ أصْنامًا وأوْثانًا، ﴿اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ﴾: أيْ عَلى أعْمالِهِمْ ومُجازِيهِمْ عَلَيْها، ﴿وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ أيْ: بِمُفَوَّضٍ إلَيْكَ أمْرُهم ولا قائِمٍ. وما في هَذا مِنَ المُوادَعَةِ مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ. (وكَذَلِكَ) أيْ: ومِثْلُ هَذا الإيحاءِ والقَضاءِ، إنَّكَ لَسْتَ بِوَكِيلٍ عَلَيْهِمْ، ﴿أوْحَيْنا إلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ . (p-٥٠٩)والظّاهِرُ أنَّ (قُرْءانًا) مَفْعُولُ (أوْحَيْنا) . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الكافُ مَفْعُولٌ بِهِ، أيْ أوْحَيْناهُ إلَيْكَ، وهو قُرْآنٌ عَرَبِيٌّ لا لَبْسَ فِيهِ عَلَيْكَ، إذْ نَزَلَ بِلِسانِكَ. انْتَهى. فاسْتَعْمَلَ الكافَ اسْمًا في الكَلامِ، وهو مَذْهَبُ الأخْفَشِ. ﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ القُرى﴾: مَكَّةَ، أيْ أهْلَ أُمِّ القُرى، وكَذَلِكَ المَفْعُولُ الأوَّلُ مَحْذُوفٌ، والثّانِي هو: ﴿يَوْمَ الجَمْعِ﴾ أيِ: اجْتِماعِ الخَلائِقِ، والمُنْذَرُ بِهِ هو ما يَقَعُ في يَوْمِ الجَمْعِ مِنَ الجَزاءِ وانْقِسامِ الجَمْعِ إلى الفَرِيقَيْنِ، أوِ اجْتِماعِ الأرْواحِ بِالأجْسادِ، أوْ أهْلِ الأرْضِ بِأهْلِ السَّماءِ، أوِ النّاسِ بِأعْمالِهِمْ، أقْوالٌ أرْبَعَةٌ. (لِيُنْذِرَ) بِياءِ الغَيْبَةِ، أيْ: لِيُنْذِرَ القُرْآنُ. ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ أيْ: لا شَكَّ في وُقُوعِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾: اعْتِراضٌ لا مَحالَةَ. انْتَهى. ولا يَظْهَرُ أنَّهُ اعْتِراضٌ، أعْنِي صِناعِيًّا؛ لِأنَّهُ لَمْ يَقَعْ بَيْنَ طالِبٍ ومَطْلُوبٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (فَرِيقٌ) بِالرَّفْعِ فِيهِما، أيْ: هم فَرِيقٌ أوْ مِنهم فَرِيقٌ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِنَصْبِهِما، أيِ: افْتَرَقُوا، فَرِيقًا في كَذا، وفَرِيقًا في كَذا؛ ويَدُلُّ عَلى الِافْتِراقِ: الِاجْتِماعُ المَفْهُومُ مِن يَوْمِ الجَمْعِ. ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهم أُمَّةً واحِدَةً﴾: يَعْنِي مِن إيمانٍ أوْ كُفْرٍ، قالَ مَعْناهُ الضَّحّاكُ، وهو قَوْلُ أهْلِ السُّنَّةِ، وذَلِكَ تَسْلِيَةٌ لِلرَّسُولِ. كَما كانَ يُقاسِيهِ مَن كُفْرِ قَوْمِهِ، وتَوْقِيفٌ عَلى أنَّ ذَلِكَ راجِعٌ إلى مَشِيئَتِهِ، ولَكِنَّ مَن سَبَقَتْ لَهُ السَّعادَةُ أدْخَلَهُ في رَحْمَتِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿لَجَعَلَهم أُمَّةً واحِدَةً﴾ أيْ: مُؤْمِنِينَ كُلَّهم عَلى القَسْرِ والإكْراهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها﴾ [السجدة: ١٣]، وقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن في الأرْضِ كُلُّهم جَمِيعًا﴾ [يونس: ٩٩] . والدَّلِيلُ عَلى أنَّ المَعْنى هو الإيحاءُ إلى الإيمانِ قَوْلُهُ: ﴿أفَأنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ حَتّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٩٩]، وذَكَرَ ما ظَنَّهُ اسْتِدْلالًا عَلى ذَلِكَ، وهو عَلى طَرِيقِ الِاعْتِزالِ. وقالَ أنَسُ بْنُ مالِكٍ: ﴿فِي رَحْمَتِهِ﴾: في دِينِ الإسْلامِ. ﴿أمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ﴾، أمْ: بِمَعْنى بَلْ، لِلِانْتِقالِ مِن كَلامٍ إلى كَلامٍ، والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ عَلَيْهِمُ اتِّخاذَ أوْلِياءَ مِن دُونِ اللَّهِ. وقِيلَ: أمْ بِمَعْنى الهَمْزَةِ فَقَطْ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مِثْلِ هَذا، حَيْثُ جاءَتْ أمِ المُنْقَطِعَةُ، والمَعْنى: اتَّخَذُوا أوْلِياءَ دُونَ اللَّهِ، ولَيْسُوا بِأوْلِياءَ حَقِيقَةً، فاللَّهُ هو الوَلِيُّ، والَّذِي يَجِبُ أنْ يَتَوَلّى وحْدَهُ، لا ما لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ مِن أوْلِيائِهِمْ. ولَمّا أخْبَرَ أنَّهُ هو الوَلِيُّ، عَطَفَ عَلَيْهِ هَذا الفِعْلَ الغَرِيبَ الَّذِي لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، وهو إحْياءُ المَوْتى. ولَمّا ذَكَرَ هَذا الوَصْفَ، ذَكَرَ قُدْرَتَهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ تَتَعَلَّقُ إرادَتُهُ بِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: في قَوْلِهِ: ﴿فاللَّهُ هو الوَلِيُّ﴾، والفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فاللَّهُ هو الوَلِيُّ﴾ جَوابُ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: بَعْدَ إنْكارِ كُلِّ ولِيٍّ سِواهُ، وإنْ أرادُوا ولَيًّا بِحَقٍّ، فاللَّهُ هو الوَلِيُّ بِالحَقِّ، لا ولِيَّ سِواهُ. انْتَهى. ولا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ، والكَلامُ يَتِمُّ بِدُونِهِ. ﴿وما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ﴾: هَذا حِكايَةٌ لِقَوْلِ الرَّسُولِ، أيْ: ما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ أيُّها النّاسُ مِن تَكْذِيبٍ أوْ تَصْدِيقٍ وإيمانٍ وكُفْرٍ وغَيْرِ ذَلِكَ، فالحُكْمُ فِيهِ والمُجازاةُ عَلَيْهِ لَيْسَ ذَلِكَ إلّا إلى اللَّهِ، لا إلَيَّ، ولَفْظَةُ مِن شَيْءٍ تَدُلُّ عَلى العُمُومِ. وقِيلَ: مِن شَيْءٍ مِنَ الخُصُوماتِ، فَتَحاكَمُوا فِيهِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ولا تُؤْثِرُوا عَلى حُكُومَتِهِ حُكُومَةَ غَيْرِهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ تَنازَعْتُمْ في شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلى اللَّهِ والرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] . وقِيلَ: (مِن شَيْءٍ): مِن تَأْوِيلِ آيَةٍ واشْتَبَهَ عَلَيْكم، فارْجِعُوا في بَيانِهِ إلى آيِ المُحْكَمِ مِن كِتابِ اللَّهِ، والظّاهِرِ مِن سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وقِيلَ: ما وقَعَ مِنكُمُ الخِلافُ فِيهِ مِنَ العُلُومِ الَّتِي لا تَتَّصِلُ بِتَكْلِيفِكم، ولا طَرِيقَ لَكم إلى عِلْمِهِ، فَقُولُوا: اللَّهُ أعْلَمُ، كَمَعْرِفَةِ الرُّوحِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ ما خالَفَكم فِيهِ الكُفّارُ مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ فاخْتَلَفْتُمْ أنْتُمْ وهم فِيهِ مِن أُمُورِ الدِّينِ، فَحُكْمُ ذَلِكَ المُخْتَلَفِ فِيهِ مُفَوَّضٌ إلى اللَّهِ، وهو إثابَةُ المُحِقِّينَ فِيهِ مِنَ المُؤْمِنِينَ ومُعاتِبَةُ المُبْطِلِينَ. (ذَلِكم): الحَكَمُ بَيْنَكم هو ﴿رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ في رَدِّ كَيْدِ أعْداءِ الدِّينِ، وإلَيْهِ أرْجِعُ في كِفايَةِ شَرِّهِمْ. انْتَهى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (فاطِرُ) بِالرَّفْعِ، أيْ: هو فاطِرُ، أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ كَقَوْلِهِ: (ذَلِكم) . وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (فاطِرِ) بِالجَرِّ، صِفَةً لِقَوْلِهِ: (إلى اللَّهِ)، والجُمْلَةُ بَعْدَها اعْتِراضٌ بَيْنَ الصِّفَةِ والمَوْصُوفِ. ﴿جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكُمْ﴾ أيْ: مِن جِنْسِ أنْفُسِكم، أيْ: (p-٥١٠)آدَمَيّاتٍ، (أزْواجًا): إناثًا، أوْ جَعَلَ الخَلْقَ لِأبِينا آدَمَ مِن ضِلْعِهِ حَوّاءَ زَوْجًا لَهُ خَلْقًا لَنا، ﴿ومِنَ الأنْعامِ أزْواجًا﴾ أيْ: أنْواعًا كَثِيرَةً، ذُكُورًا وإناثًا، أوْ أزْواجًا إناثًا. ﴿يَذْرَؤُكم فِيهِ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أيْ يَجْعَلُ لَكم فِيهِ مَعِيشَةً تَعِيشُونَ بِها. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: يَرْزُقُكم فِيهِ، وهو قَرِيبٌ مِنَ القَوْلِ قَبْلَهُ. وقالَ مُجاهِدٌ: يَخْلُقُكم في بُطُونِ الإناثِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ أيْضًا: يَذْرَؤُكم فِيما خَلَقَ مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ. وقالَ الزَّجّاجُ: يُكَثِّرُكم بِهِ، أيْ: فِيهِ، أيْ: يُكَثِّرُكم في خَلْقِكم أزْواجًا. وقالَ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ: يَنْقُلُكم مِن حالٍ إلى حالٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الضَّمِيرُ في فِيهِ لِلْجَعْلِ، أيْ: يَخْلُقُكم ويُكَثِّرُكم في الجَعْلِ، كَما تَقُولُ: كَلَّمْتُ زَيْدًا كَلامًا أكْرَمْتُهُ فِيهِ، قالَ: ولَفْظَةُ ذَرَأ تُزِيدُ عَلى لَفْظَةِ خَلَقَ مَعْنًى آخَرَ لَيْسَ في خَلَقَ، وهو تَوالِي الطَّبَقاتِ عَلى مَرِّ الزَّمانِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (يَذْرَؤُكم): يُكَثِّرُكم، يُقالُ ذَرَأ اللَّهُ الخَلْقَ: بَثَّهم وكَثَّرَهم، والذَّرْءُ والذَّرُوءُ والذَّرْواءُ أخَواتٌ في هَذا التَّدْبِيرِ، وهو أنْ جَعَلَ لِلنّاسِ والأنْعامِ أزْواجًا حَتّى كانَ بَيْنَ ذُكُورِهِمْ وإناثِهِمُ التَّوالُدُ والتَّناسُلُ. والضَّمِيرُ في يَذْرَؤُكم يَرْجِعُ إلى المُخاطَبِينَ، و(الأنْعامِ) مُغَلَّبًا فِيهِ المُخاطَبُونَ العُقَلاءُ عَلى الغَيْرِ مِمّا لا يَعْقِلُ، وهي مِنَ الأحْكامِ ذاتِ العِلَّتَيْنِ. انْتَهى. وقَوْلُهُ: وهي مِنَ الأحْكامِ ذاتِ العِلَّتَيْنِ اصْطِلاحٌ غَرِيبٌ، ويَعْنِي أنَّ الخِطابَ يُغَلَّبُ عَلى الغَيْبَةِ إذا اجْتَمَعا فَتَقُولُ: أنْتَ وزَيْدٌ تَقُومانِ؛ والعاقِلُ يُغَلَّبُ عَلى غَيْرِ العاقِلِ إذا اجْتَمَعا، فَتَقُولُ: الحَيَوانُ وغَيْرُهم يُسَبِّحُونَ خالِقَهم. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ؛ فَإنْ قُلْتَ: ما مَعْنى (يَذْرَؤُكم) في هَذا التَّدْبِيرِ ؟ وهَلّا قِيلَ: يَذْرَؤُكم بِهِ ؟ قُلْتُ: جَعَلَ هَذا التَّدْبِيرَ كالمَنبَعِ والمَعْدِنِ لِلْبَثِّ والتَّكْثِيرِ. ألا تَراكَ تَقُولُ لِلْحَيَوانِ في خَلْقِ الأزْواجِ تَكْثِيرٌ ؟ كَما قالَ تَعالى: ﴿ولَكم في القِصاصِ حَياةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩] انْتَهى. ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، تَقُولُ العَرَبُ: مِثْلُكَ لا يَفْعَلُ كَذا، يُرِيدُونَ بِهِ المُخاطَبَ، كَأنَّهم إذا نَفَوُا الوَصْفَ عَنْ مِثْلِ الشَّخْصِ كانَ نَفْيًا عَنِ الشَّخْصِ، وهو مِن بابِ المُبالَغَةِ، ومِثْلُ الآيَةِ قَوْلُ أوْسِ بْنِ حَجَرٍ: ؎لَيْسَ كَمِثْلِ الفَتى زُهَيْرِ ∗∗∗ خُلُقٌ يُوازِيهِ في الفَضائِلِ وقالَ آخَرُ: ؎وقَتْلى كَمِثْلِ جُذُوعِ النَّخِيلِ ∗∗∗ تَغْشاهم مَسْبَلٌ مُنْهَمِرْ وقالَ آخَرُ: ؎سَعْدُ بْنُ زَيْدٍ إذا أبْصَرْتَ فَضْلَهم ∗∗∗ ما إنَّ مِثْلَهُمُ في النّاسِ مِن أحَدِ فَجَرَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ عَلى نَهْجِ كَلامِ العَرَبِ مِن إطْلاقِ المِثْلِ عَلى نَفْسِ الشَّيْءِ. وما ذَهَبَ إلَيْهِ الطَّبَرِيُّ وغَيْرُهُ مِن أنَّ مِثْلًا زائِدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ كالكافِّ في قَوْلِهِ: ؎فَأصْبَحَتْ مِثْلَ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ وقَوْلِهِ: وصالِياتٍ كَكُما يُؤْثَفِينَ، لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّ مِثْلًا اسْمٌ، والأسْماءُ لا تُزادُ، بِخِلافِ الكافِ، فَإنَّها حَرْفٌ، فَتَصْلُحُ لِلزِّيادَةِ. ونَظِيرُ نِسْبَةِ المِثْلِ إلى مَن لا مِثْلَ لَهُ قَوْلُكَ: فُلانٌ يَدُهُ مَبْسُوطَةٌ، يُرِيدُ أنَّهُ جَوادٌ، ولا نَظِيرَ لَهُ في الحَقِيقَةِ إلى اليَدِ حَتّى تَقُولَ ذَلِكَ لِمَن لا يَدَ لَهُ، كَقَوْلِهِ: ﴿بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ﴾ [المائدة: ٦٤] . فَكَما جَعَلْتَ ذَلِكَ كِنايَةً عَنِ الجَوادِ فِيمَن لا يَدَ لَهُ، فَكَذَلِكَ جَعَلْتَ المِثْلَ كِنايَةً عَنِ الذَّواتِ في مَن لا مِثْلَ لَهُ. ويُحْتَمَلُ أيْضًا أنْ يُرادَ بِالمِثْلِ الصِّفَةُ، وذَلِكَ سائِغٌ، يُطْلَقُ المِثْلُ بِمَعْنى المِثْلِ وهو الصِّفَةُ، فَيَكُونُ المَعْنى: لَيْسَ مِثْلَ صِفَتِهِ تَعالى شَيْءٌ مِنَ الصِّفاتِ الَّتِي لِغَيْرِهِ، وهَذا مَحْمَلٌ سَهْلٌ، والوَجْهُ الأوَّلُ أغْوَصُ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: العَرَبُ تُقِيمُ المِثالَ مَقامَ النَّفْسِ، فَيَقُولُ: مِثْلِي لا يُقالُ لَهُ هَذا، أيْ: أنا لا يُقالُ لِي هَذا. انْتَهى. فَقَدْ صارَ ذَلِكَ كِنايَةً عَنِ الذّاتِ، فَلا فَرْقَ بَيْنَ قَوْلِكِ: لَيْسَ كاللَّهِ شَيْءٌ، أوْ لَيْسَ كَمِثْلِ اللَّهِ شَيْءٌ. وقَدْ أجْمَعَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ الكافَ والمِثْلَ يُرادُ بِهِما مَوْضُوعُهُما الحَقِيقِيُّ مِن أنَّ كُلًّا مِنهُما يُرادُ بِهِ التَّشْبِيهُ، وذَلِكَ مُحالٌ؛ لِأنَّ فِيهِ إثْباتُ مِثْلٍ لِلَّهِ (p-٥١١)تَعالى، وهو مُحالٌ. ﴿وهُوَ السَّمِيعُ﴾ لِأقْوالِ الخَلْقِ، (البَصِيرُ) لِأعْمالِهِمْ. وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ: ﴿لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ في سُورَةِ الزُّمَرِ؛ وقُرِئَ: (ويَقْدِرُ) أيْ: يُضَيِّقُ. ﴿إنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ أيْ: يُوَسِّعُ لِمَن يَشاءُ، ويُضَيِّقُ عَلى مَن يَشاءُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإذا عَلِمَ أنَّ الغِنى خَيْرٌ لِلْعَبْدِ أغْناهُ لا أفْقَرَهُ. انْتَهى، وفِيهِ دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ.

الشورى 42:12

سُورَةُ الشُّورى ثَلاثٌ وخَمْسُونَ آيَةً، مَكِّيَّةٌ ﷽ ﴿حم﴾ ﴿عسق﴾ ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إلَيْكَ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وهو العَلِيُّ العَظِيمُ﴾ ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ والمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ويَسْتَغْفِرُونَ لِمَن في الأرْضِ ألا إنَّ اللَّهَ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أولِياءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ ﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ القُرى ومَن حَوْلَها وتُنْذِرَ يَوْمَ الجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ في الجَنَّةِ وفَرِيقٌ في السَّعِيرِ﴾ ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهم أُمَّةً واحِدَةً ولَكِنْ يُدْخِلُ مَن يَشاءُ في رَحْمَتِهِ والظّالِمُونَ ما لَهم مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ ﴿أمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ فاللَّهُ هو الوَلِيُّ وهو يُحْيِي المَوْتى وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿وما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إلى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وإلَيْهِ أُنِيبُ﴾ ﴿فاطِرُ السَّماواتِ والأرْضِ جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا ومِنَ الأنْعامِ أزْواجًا يَذْرَؤُكم فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وهو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ ﴿لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ والأرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ إنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ﴿شَرَعَ لَكم مِنَ الدِّينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ وما وصَّيْنا بِهِ إبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى أنْ أقِيمُوا الدِّينَ ولا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلى المُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهم إلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إلَيْهِ مَن يَشاءُ ويَهْدِي إلَيْهِ مَن يُنِيبُ﴾ [الشورى: ١٣] ﴿وما تَفَرَّقُوا إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهم ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ إلى أجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهم وإنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الكِتابَ مِن بَعْدِهِمْ لَفي شَكٍّ مِنهُ مُرِيبٍ﴾ [الشورى: ١٤] ﴿فَلِذَلِكَ فادْعُ واسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ ولا تَتَّبِعْ أهْواءَهم وقُلْ آمَنتُ بِما أنْزَلَ اللَّهُ مِن كِتابٍ وأُمِرْتُ لِأعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنا ورَبُّكم لَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكم لا حُجَّةَ بَيْنَنا وبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا وإلَيْهِ المَصِيرُ﴾ [الشورى: ١٥] ﴿والَّذِينَ يُحاجُّونَ في اللَّهِ مِن بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهم داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وعَلَيْهِمْ غَضَبٌ ولَهم عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ [الشورى: ١٦] ﴿اللَّهُ الَّذِي أنْزَلَ الكِتابَ بِالحَقِّ والمِيزانَ وما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ [الشورى: ١٧] ﴿يَسْتَعْجِلُ بِها الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها والَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنها ويَعْلَمُونَ أنَّها الحَقُّ ألا إنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ في السّاعَةِ لَفي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ [الشورى: ١٨] ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ وهو القَوِيُّ العَزِيزُ﴾ [الشورى: ١٩] ﴿مَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ ومَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنها وما لَهُ في الآخِرَةِ مِن نَصِيبٍ﴾ [الشورى: ٢٠] ﴿أمْ لَهم شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهم مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ ولَوْلا كَلِمَةُ الفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهم وإنَّ الظّالِمِينَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [الشورى: ٢١] ﴿تَرى الظّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا كَسَبُوا وهو واقِعٌ بِهِمْ والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ في رَوْضاتِ الجَنّاتِ لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هو الفَضْلُ الكَبِيرُ﴾ [الشورى: ٢٢] ﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى ومَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْنًا إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [الشورى: ٢٣] ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا فَإنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ ويَمْحُ اللَّهُ الباطِلَ ويُحِقُّ الحَقَّ بِكَلِماتِهِ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ [الشورى: ٢٤] ﴿وهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ ويَعْفُو عَنِ السَّيِّئاتِ ويَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ﴾ [الشورى: ٢٥] (p-٥٠٧)﴿ويَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ والكافِرُونَ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ [الشورى: ٢٦] ﴿ولَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا في الأرْضِ ولَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ إنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [الشورى: ٢٧] ﴿وهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الغَيْثَ مِن بَعْدِ ما قَنَطُوا ويَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وهو الوَلِيُّ الحَمِيدُ﴾ [الشورى: ٢٨] ﴿ومِن آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَثَّ فِيهِما مِن دابَّةٍ وهو عَلى جَمْعِهِمْ إذا يَشاءُ قَدِيرٌ﴾ [الشورى: ٢٩] ﴿وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكم ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠] ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ في الأرْضِ وما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ [الشورى: ٣١] ﴿ومِن آياتِهِ الجَوارِي في البَحْرِ كالأعْلامِ﴾ [الشورى: ٣٢] ﴿إنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ [الشورى: ٣٣] . رَكَدَ الشَّيْءُ، ثَبَتَ في مَكانِهِ، وقَدْ قالَ الشّاعِرُ: ؎رُكُودًا يُوارِي الرَّبْرَبَ المُتَفَرِّقَ وقَدْ رَكَدَتْ وسَطَ السَّماءِ نُجُومُها ﴿حم﴾ ﴿عسق﴾ ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إلَيْكَ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وهو العَلِيُّ العَظِيمُ﴾ ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ والمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ويَسْتَغْفِرُونَ لِمَن في الأرْضِ ألا إنَّ اللَّهَ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أولِياءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ ﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ القُرى ومَن حَوْلَها وتُنْذِرَ يَوْمَ الجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ في الجَنَّةِ وفَرِيقٌ في السَّعِيرِ﴾ ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهم أُمَّةً واحِدَةً ولَكِنْ يُدْخِلُ مَن يَشاءُ في رَحْمَتِهِ والظّالِمُونَ ما لَهم مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ ﴿أمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ فاللَّهُ هو الوَلِيُّ وهو يُحْيِي المَوْتى وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿وما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إلى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وإلَيْهِ أُنِيبُ﴾ ﴿فاطِرُ السَّماواتِ والأرْضِ جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا ومِنَ الأنْعامِ أزْواجًا يَذْرَؤُكم فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وهو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ ﴿لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ والأرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ إنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الحَسَنِ وعَطاءٍ وعِكْرِمَةَ وجابِرٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَكِّيَّةٌ إلّا أرْبَعَ آياتٍ مِن قَوْلِهِ: ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ [الشورى: ٢٣] إلى آخِرِ الأرْبَعِ آياتٍ، فَإنَّها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ. وقالَ مُقاتِلٌ: فِيها مَدَنِيٌّ قَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ﴾ [الشورى: ٢٣] إلى (الصُّدُورِ) . ومُناسَبَةُ أوَّلِ السُّورَةِ لِآخِرِ ما قَبْلَها أنَّهُ قالَ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ [فصلت: ٥٢] الآيَةَ، وكانَ في ذَلِكَ الحُكْمُ عَلَيْهِمْ بِالضَّلالِ. لَمّا كَفَرُوا بِهِ قالَ هُنا: (كَذَلِكَ)، أيْ: مِثْلُ الإيحاءِ السّابِقِ في القُرْآنِ الَّذِي كَفَرَ بِهِ هَؤُلاءِ، ﴿يُوحِي إلَيْكَ﴾: أيْ: إنَّ وحْيَهُ تَعالى إلَيْكَ مُتَّصِلٌ غَيْرُ مُنْقَطِعٍ، يَتَعَهَّدُكَ وقْتًا بَعْدَ وقْتٍ. وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ في ﴿حم﴾ ﴿عسق﴾ أقْوالًا مُضْطَرِبَةً لا يَصِحُّ مِنها شَيْءٌ كَعادَتِهِمْ في هَذِهِ الفَواتِحِ، ضَرَبْنا عَنْ ذِكْرِها صَفْحًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يُوحِي) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ؛ وأبُو حَيْوَةَ، والأعْشى عَنْ أبِي بَكْرٍ، وأبانَ (نُوحِي) (p-٥٠٨)بِنُونِ العَظَمَةِ. ومُجاهِدٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وعَبّاسٌ، ومَحْبُوبٌ، كِلاهُما عَنْ أبِي عَمْرٍو: (يُوحى) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ؛ و(اللَّهُ) مَرْفُوعٌ بِمُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ أوْحى، أوْ بِالِابْتِداءِ، التَّقْدِيرُ: اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ المُوحِي. وعَلى قِراءَةِ (نُوحِي) بِالنُّونِ، يَكُونُ ﴿اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ مُبْتَدَأً وخَبَرًا. و(يُوحِي) إمّا في مَعْنى أوْجَبَ حَتّى يَنْتَظِمَ قَوْلُهُ: ﴿وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ﴾، أوْ يُقْرَأُ عَلى مَوْضُوعِهِ، ويُضْمِرُ عامِلٌ يَتَعَلَّقُ بِهِ (إلى الَّذِينَ) تَقْدِيرُهُ: وأوْحى إلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ﴿تَكادُ السَّماواتُ﴾ في سُورَةِ مَرْيَمَ قِراءَةً وتَفْسِيرًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ورَوى يُونُسُ عَنْ أبِي عُمَرَ وقِراءَةٌ عَرَبِيَّةٌ (تَتَفَطَّرْنَ) بِتاءَيْنِ مَعَ النُّونِ، ونَظِيرُها حَرْفٌ نادِرٌ رُوِيَ في نَوادِرِ ابْنِ الأعْرابِيِّ: الإبِلُ تَتَشَمَّمْنَ. انْتَهى. والظّاهِرُ أنَّ هَذا وهْمٌ مِنَ الزَّمَخْشَرِيِّ في النَّقْلِ؛ لِأنَّ ابْنَ خالَوَيْهِ ذَكَرَ في شَواذِّ القِراءاتِ لَهُ ما نَصَبَ (تَفَطَّرْنَ) بِالتّاءِ والنُّونِ، يُونُسُ عَنْ أبِي عَمْرٍو. وقالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: هَذا حَرْفٌ نادِرٌ؛ لِأنَّ العَرَبَ لا تَجْمَعُ بَيْنَ عَلامَتَيِ التَّأْنِيثِ. لا يُقالُ: النِّساءُ تَقُمْنَ، ولَكِنْ يَقُمْنَ، والوالِداتُ يُرْضِعْنَ. قَدْ كانَ أبُو عُمَرَ الزّاهِدُ رَوى في نَوادِرِ ابْنِ الأعْرابِيِّ: الإبِلُ تَتَشَمَّمْنَ، فَأنْكَرْناهُ، فَقَدْ قَوّاهُ؛ لِأنَّ هَذا كَلامُ ابْنِ خالَوَيْهِ. فَإنْ كانَتْ نُسَخُ الزَّمَخْشَرِيِّ مُتَّفِقَةً عَلى قَوْلِهِ بِتاءَيْنِ مَعَ النُّونِ فَهو وهْمٌ، وإنْ كانَ في بَعْضِها بِتاءٍ مَعَ النُّونِ، كانَ مُوافِقًا لِقَوْلِ ابْنِ خالَوَيْهِ، وكانَ بِتاءَيْنِ تَحْرِيفًا مِنَ النُّسّاخِ. وكَذَلِكَ كَتْبُهم تَتَفَطَّرْنَ وتَتَشَمَّمْنَ بِتاءَيْنِ. والظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ في (مِن فَوْقِهِنَّ) عَلى (السَّماواتُ) . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مِن أعْلاهُنَّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَنْفَطِرْنَ مِن عُلُوِّ شَأْنِ اللَّهِ تَعالى وعَظَمَتِهِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ مَجِيئُهُ بَعْدَ ﴿العَلِيُّ العَظِيمُ﴾ . وقِيلَ: مِن دُعائِهِمْ لَهُ ولَدًا، كَقَوْلِهِ: ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنهُ﴾ [مريم: ٩٠] . فَإنْ قُلْتَ: لِمَ قالَ (مِن فَوْقِهِنَّ) ؟ قُلْتُ: لِأنَّ أعْظَمَ الآياتِ وأدَلَّها عَلى الجَلالِ والعَظَمَةِ فَوْقَ السَّماواتِ، وهي العَرَضُ والكُرْسِيُّ وصُفُوفُ المَلائِكَةِ المُرْتَجَّةِ بِالتَّسْبِيحِ والتَّقْدِيسِ حَوْلَ العَرْشِ، وما لا يَعْلَمُ كُنْهَهُ إلّا اللَّهُ مِن آثارِ مَلَكُوتِهِ العُظْمى، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ﴾ أيْ: يَبْتَدِئُ الِانْفِطارُ مِن جِهَتَيْنِ الفَوْقانِيَّةِ. وقالَ جَماعَةٌ، مِنهُمُ الحَوْفِيُّ، قالَ: (مِن فَوْقِهِنَّ)، والهاءُ والنُّونُ كِنايَةٌ عَنِ الأرَضِينَ. انْتَهى. (مِن فَوْقِهِنَّ) مُتَعَلِّقٌ بِـ(يَتَفَطَّرْنَ) ويَدُلُّ عَلى هَذا القَوْلِ ذِكْرُ الأرْضِ قَبْلُ. وقالَ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ الأخْفَشُ: الضَّمِيرُ لِلْكُفّارِ، والمَعْنى: مِن فَوْقِ الفِرَقِ والجَماعاتِ المُلْحِدَةِ، أيْ مِن أجْلِ أقْوالِها. انْتَهى. فَهَذِهِ الآيَةُ كالَّذِي في سُورَةِ مَرْيَمَ، واسْتَبْعَدَ مَكِّيٌّ هَذا القَوْلَ، قالَ: لا يَجُوزُ في الذُّكُورِ مِن بَنِي آدَمَ، يَعْنِي ضَمِيرَ المُؤَنَّثِ والِاسْتِشْعارُ ما ذَكَرَهُ مَكِّيٌّ. قالَ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ: مِن فَوْقِ الفِرَقِ والجَماعاتِ، وظاهِرُ المَلائِكَةِ العُمُومُ. وقالَ مُقاتِلٌ: حَمَلَةُ العَرْشِ والتَّسْبِيحِ، قِيلَ: قَوْلُهم سُبْحانَ اللَّهَ، وقِيلَ: يُهَلِّلُونَ؛ والظّاهِرُ في (يَسْتَغْفِرُونَ) طَلَبُ الغُفْرانِ، ولِأهْلِ الأرْضِ عامٌّ مَخْصُوصٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ويَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر: ٧]، قالَهُ السُّدِّيُّ. وقِيلَ: عامٌّ. ومَعْنى الِاسْتِغْفارِ: طَلَبُ الهِدايَةِ المُؤَدِّيَةِ إلى المَغْفِرَةِ، كَأنَّهم يَقُولُونَ: اللَّهُمَّ اهْدِ أهْلَ الأرْضِ، فاغْفِرْ لَهم. ويَدُلُّ عَلَيْهِ وصْفُهُ بِالغُفْرانِ والرَّحْمَةِ والِاسْتِفْتاحِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَقْصِدُوا بِالِاسْتِغْفارِ لَهم: طَلَبَ الحِلْمِ والغُفْرانِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ والأرْضَ أنْ تَزُولا﴾ [فاطر: ٤١]، إلى أنْ قالَ: ﴿إنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [فاطر: ٤١]، وقَوْلِهِ: ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ﴾ [الرعد: ٦]، والمُرادُ: الحِلْمُ عَنْهم، وأنْ لا يُعاجِلَهم بِالِانْتِقامِ فَيَكُونُ عامًّا. انْتَهى. وتَكَلَّمَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ في قَوْلِهِ: ﴿تَكادُ السَّماواتُ﴾ كَلامًا خارِجًا عَنْ مَناحِي مَفْهُوماتِ العَرَبِ، مُنْتَزَعًا مِن كَلامِ الفَلاسِفَةِ ومَن جَرى مَجْراهم، يُوقَفُ عَلى ذَلِكَ في كِتابِهِ. ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ﴾: أيْ أصْنامًا وأوْثانًا، ﴿اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ﴾: أيْ عَلى أعْمالِهِمْ ومُجازِيهِمْ عَلَيْها، ﴿وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ أيْ: بِمُفَوَّضٍ إلَيْكَ أمْرُهم ولا قائِمٍ. وما في هَذا مِنَ المُوادَعَةِ مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ. (وكَذَلِكَ) أيْ: ومِثْلُ هَذا الإيحاءِ والقَضاءِ، إنَّكَ لَسْتَ بِوَكِيلٍ عَلَيْهِمْ، ﴿أوْحَيْنا إلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ . (p-٥٠٩)والظّاهِرُ أنَّ (قُرْءانًا) مَفْعُولُ (أوْحَيْنا) . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الكافُ مَفْعُولٌ بِهِ، أيْ أوْحَيْناهُ إلَيْكَ، وهو قُرْآنٌ عَرَبِيٌّ لا لَبْسَ فِيهِ عَلَيْكَ، إذْ نَزَلَ بِلِسانِكَ. انْتَهى. فاسْتَعْمَلَ الكافَ اسْمًا في الكَلامِ، وهو مَذْهَبُ الأخْفَشِ. ﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ القُرى﴾: مَكَّةَ، أيْ أهْلَ أُمِّ القُرى، وكَذَلِكَ المَفْعُولُ الأوَّلُ مَحْذُوفٌ، والثّانِي هو: ﴿يَوْمَ الجَمْعِ﴾ أيِ: اجْتِماعِ الخَلائِقِ، والمُنْذَرُ بِهِ هو ما يَقَعُ في يَوْمِ الجَمْعِ مِنَ الجَزاءِ وانْقِسامِ الجَمْعِ إلى الفَرِيقَيْنِ، أوِ اجْتِماعِ الأرْواحِ بِالأجْسادِ، أوْ أهْلِ الأرْضِ بِأهْلِ السَّماءِ، أوِ النّاسِ بِأعْمالِهِمْ، أقْوالٌ أرْبَعَةٌ. (لِيُنْذِرَ) بِياءِ الغَيْبَةِ، أيْ: لِيُنْذِرَ القُرْآنُ. ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ أيْ: لا شَكَّ في وُقُوعِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾: اعْتِراضٌ لا مَحالَةَ. انْتَهى. ولا يَظْهَرُ أنَّهُ اعْتِراضٌ، أعْنِي صِناعِيًّا؛ لِأنَّهُ لَمْ يَقَعْ بَيْنَ طالِبٍ ومَطْلُوبٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (فَرِيقٌ) بِالرَّفْعِ فِيهِما، أيْ: هم فَرِيقٌ أوْ مِنهم فَرِيقٌ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِنَصْبِهِما، أيِ: افْتَرَقُوا، فَرِيقًا في كَذا، وفَرِيقًا في كَذا؛ ويَدُلُّ عَلى الِافْتِراقِ: الِاجْتِماعُ المَفْهُومُ مِن يَوْمِ الجَمْعِ. ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهم أُمَّةً واحِدَةً﴾: يَعْنِي مِن إيمانٍ أوْ كُفْرٍ، قالَ مَعْناهُ الضَّحّاكُ، وهو قَوْلُ أهْلِ السُّنَّةِ، وذَلِكَ تَسْلِيَةٌ لِلرَّسُولِ. كَما كانَ يُقاسِيهِ مَن كُفْرِ قَوْمِهِ، وتَوْقِيفٌ عَلى أنَّ ذَلِكَ راجِعٌ إلى مَشِيئَتِهِ، ولَكِنَّ مَن سَبَقَتْ لَهُ السَّعادَةُ أدْخَلَهُ في رَحْمَتِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿لَجَعَلَهم أُمَّةً واحِدَةً﴾ أيْ: مُؤْمِنِينَ كُلَّهم عَلى القَسْرِ والإكْراهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها﴾ [السجدة: ١٣]، وقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن في الأرْضِ كُلُّهم جَمِيعًا﴾ [يونس: ٩٩] . والدَّلِيلُ عَلى أنَّ المَعْنى هو الإيحاءُ إلى الإيمانِ قَوْلُهُ: ﴿أفَأنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ حَتّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٩٩]، وذَكَرَ ما ظَنَّهُ اسْتِدْلالًا عَلى ذَلِكَ، وهو عَلى طَرِيقِ الِاعْتِزالِ. وقالَ أنَسُ بْنُ مالِكٍ: ﴿فِي رَحْمَتِهِ﴾: في دِينِ الإسْلامِ. ﴿أمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ﴾، أمْ: بِمَعْنى بَلْ، لِلِانْتِقالِ مِن كَلامٍ إلى كَلامٍ، والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ عَلَيْهِمُ اتِّخاذَ أوْلِياءَ مِن دُونِ اللَّهِ. وقِيلَ: أمْ بِمَعْنى الهَمْزَةِ فَقَطْ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مِثْلِ هَذا، حَيْثُ جاءَتْ أمِ المُنْقَطِعَةُ، والمَعْنى: اتَّخَذُوا أوْلِياءَ دُونَ اللَّهِ، ولَيْسُوا بِأوْلِياءَ حَقِيقَةً، فاللَّهُ هو الوَلِيُّ، والَّذِي يَجِبُ أنْ يَتَوَلّى وحْدَهُ، لا ما لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ مِن أوْلِيائِهِمْ. ولَمّا أخْبَرَ أنَّهُ هو الوَلِيُّ، عَطَفَ عَلَيْهِ هَذا الفِعْلَ الغَرِيبَ الَّذِي لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، وهو إحْياءُ المَوْتى. ولَمّا ذَكَرَ هَذا الوَصْفَ، ذَكَرَ قُدْرَتَهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ تَتَعَلَّقُ إرادَتُهُ بِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: في قَوْلِهِ: ﴿فاللَّهُ هو الوَلِيُّ﴾، والفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فاللَّهُ هو الوَلِيُّ﴾ جَوابُ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: بَعْدَ إنْكارِ كُلِّ ولِيٍّ سِواهُ، وإنْ أرادُوا ولَيًّا بِحَقٍّ، فاللَّهُ هو الوَلِيُّ بِالحَقِّ، لا ولِيَّ سِواهُ. انْتَهى. ولا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ، والكَلامُ يَتِمُّ بِدُونِهِ. ﴿وما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ﴾: هَذا حِكايَةٌ لِقَوْلِ الرَّسُولِ، أيْ: ما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ أيُّها النّاسُ مِن تَكْذِيبٍ أوْ تَصْدِيقٍ وإيمانٍ وكُفْرٍ وغَيْرِ ذَلِكَ، فالحُكْمُ فِيهِ والمُجازاةُ عَلَيْهِ لَيْسَ ذَلِكَ إلّا إلى اللَّهِ، لا إلَيَّ، ولَفْظَةُ مِن شَيْءٍ تَدُلُّ عَلى العُمُومِ. وقِيلَ: مِن شَيْءٍ مِنَ الخُصُوماتِ، فَتَحاكَمُوا فِيهِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ولا تُؤْثِرُوا عَلى حُكُومَتِهِ حُكُومَةَ غَيْرِهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ تَنازَعْتُمْ في شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلى اللَّهِ والرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] . وقِيلَ: (مِن شَيْءٍ): مِن تَأْوِيلِ آيَةٍ واشْتَبَهَ عَلَيْكم، فارْجِعُوا في بَيانِهِ إلى آيِ المُحْكَمِ مِن كِتابِ اللَّهِ، والظّاهِرِ مِن سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وقِيلَ: ما وقَعَ مِنكُمُ الخِلافُ فِيهِ مِنَ العُلُومِ الَّتِي لا تَتَّصِلُ بِتَكْلِيفِكم، ولا طَرِيقَ لَكم إلى عِلْمِهِ، فَقُولُوا: اللَّهُ أعْلَمُ، كَمَعْرِفَةِ الرُّوحِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ ما خالَفَكم فِيهِ الكُفّارُ مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ فاخْتَلَفْتُمْ أنْتُمْ وهم فِيهِ مِن أُمُورِ الدِّينِ، فَحُكْمُ ذَلِكَ المُخْتَلَفِ فِيهِ مُفَوَّضٌ إلى اللَّهِ، وهو إثابَةُ المُحِقِّينَ فِيهِ مِنَ المُؤْمِنِينَ ومُعاتِبَةُ المُبْطِلِينَ. (ذَلِكم): الحَكَمُ بَيْنَكم هو ﴿رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ في رَدِّ كَيْدِ أعْداءِ الدِّينِ، وإلَيْهِ أرْجِعُ في كِفايَةِ شَرِّهِمْ. انْتَهى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (فاطِرُ) بِالرَّفْعِ، أيْ: هو فاطِرُ، أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ كَقَوْلِهِ: (ذَلِكم) . وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (فاطِرِ) بِالجَرِّ، صِفَةً لِقَوْلِهِ: (إلى اللَّهِ)، والجُمْلَةُ بَعْدَها اعْتِراضٌ بَيْنَ الصِّفَةِ والمَوْصُوفِ. ﴿جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكُمْ﴾ أيْ: مِن جِنْسِ أنْفُسِكم، أيْ: (p-٥١٠)آدَمَيّاتٍ، (أزْواجًا): إناثًا، أوْ جَعَلَ الخَلْقَ لِأبِينا آدَمَ مِن ضِلْعِهِ حَوّاءَ زَوْجًا لَهُ خَلْقًا لَنا، ﴿ومِنَ الأنْعامِ أزْواجًا﴾ أيْ: أنْواعًا كَثِيرَةً، ذُكُورًا وإناثًا، أوْ أزْواجًا إناثًا. ﴿يَذْرَؤُكم فِيهِ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أيْ يَجْعَلُ لَكم فِيهِ مَعِيشَةً تَعِيشُونَ بِها. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: يَرْزُقُكم فِيهِ، وهو قَرِيبٌ مِنَ القَوْلِ قَبْلَهُ. وقالَ مُجاهِدٌ: يَخْلُقُكم في بُطُونِ الإناثِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ أيْضًا: يَذْرَؤُكم فِيما خَلَقَ مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ. وقالَ الزَّجّاجُ: يُكَثِّرُكم بِهِ، أيْ: فِيهِ، أيْ: يُكَثِّرُكم في خَلْقِكم أزْواجًا. وقالَ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ: يَنْقُلُكم مِن حالٍ إلى حالٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الضَّمِيرُ في فِيهِ لِلْجَعْلِ، أيْ: يَخْلُقُكم ويُكَثِّرُكم في الجَعْلِ، كَما تَقُولُ: كَلَّمْتُ زَيْدًا كَلامًا أكْرَمْتُهُ فِيهِ، قالَ: ولَفْظَةُ ذَرَأ تُزِيدُ عَلى لَفْظَةِ خَلَقَ مَعْنًى آخَرَ لَيْسَ في خَلَقَ، وهو تَوالِي الطَّبَقاتِ عَلى مَرِّ الزَّمانِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (يَذْرَؤُكم): يُكَثِّرُكم، يُقالُ ذَرَأ اللَّهُ الخَلْقَ: بَثَّهم وكَثَّرَهم، والذَّرْءُ والذَّرُوءُ والذَّرْواءُ أخَواتٌ في هَذا التَّدْبِيرِ، وهو أنْ جَعَلَ لِلنّاسِ والأنْعامِ أزْواجًا حَتّى كانَ بَيْنَ ذُكُورِهِمْ وإناثِهِمُ التَّوالُدُ والتَّناسُلُ. والضَّمِيرُ في يَذْرَؤُكم يَرْجِعُ إلى المُخاطَبِينَ، و(الأنْعامِ) مُغَلَّبًا فِيهِ المُخاطَبُونَ العُقَلاءُ عَلى الغَيْرِ مِمّا لا يَعْقِلُ، وهي مِنَ الأحْكامِ ذاتِ العِلَّتَيْنِ. انْتَهى. وقَوْلُهُ: وهي مِنَ الأحْكامِ ذاتِ العِلَّتَيْنِ اصْطِلاحٌ غَرِيبٌ، ويَعْنِي أنَّ الخِطابَ يُغَلَّبُ عَلى الغَيْبَةِ إذا اجْتَمَعا فَتَقُولُ: أنْتَ وزَيْدٌ تَقُومانِ؛ والعاقِلُ يُغَلَّبُ عَلى غَيْرِ العاقِلِ إذا اجْتَمَعا، فَتَقُولُ: الحَيَوانُ وغَيْرُهم يُسَبِّحُونَ خالِقَهم. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ؛ فَإنْ قُلْتَ: ما مَعْنى (يَذْرَؤُكم) في هَذا التَّدْبِيرِ ؟ وهَلّا قِيلَ: يَذْرَؤُكم بِهِ ؟ قُلْتُ: جَعَلَ هَذا التَّدْبِيرَ كالمَنبَعِ والمَعْدِنِ لِلْبَثِّ والتَّكْثِيرِ. ألا تَراكَ تَقُولُ لِلْحَيَوانِ في خَلْقِ الأزْواجِ تَكْثِيرٌ ؟ كَما قالَ تَعالى: ﴿ولَكم في القِصاصِ حَياةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩] انْتَهى. ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، تَقُولُ العَرَبُ: مِثْلُكَ لا يَفْعَلُ كَذا، يُرِيدُونَ بِهِ المُخاطَبَ، كَأنَّهم إذا نَفَوُا الوَصْفَ عَنْ مِثْلِ الشَّخْصِ كانَ نَفْيًا عَنِ الشَّخْصِ، وهو مِن بابِ المُبالَغَةِ، ومِثْلُ الآيَةِ قَوْلُ أوْسِ بْنِ حَجَرٍ: ؎لَيْسَ كَمِثْلِ الفَتى زُهَيْرِ ∗∗∗ خُلُقٌ يُوازِيهِ في الفَضائِلِ وقالَ آخَرُ: ؎وقَتْلى كَمِثْلِ جُذُوعِ النَّخِيلِ ∗∗∗ تَغْشاهم مَسْبَلٌ مُنْهَمِرْ وقالَ آخَرُ: ؎سَعْدُ بْنُ زَيْدٍ إذا أبْصَرْتَ فَضْلَهم ∗∗∗ ما إنَّ مِثْلَهُمُ في النّاسِ مِن أحَدِ فَجَرَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ عَلى نَهْجِ كَلامِ العَرَبِ مِن إطْلاقِ المِثْلِ عَلى نَفْسِ الشَّيْءِ. وما ذَهَبَ إلَيْهِ الطَّبَرِيُّ وغَيْرُهُ مِن أنَّ مِثْلًا زائِدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ كالكافِّ في قَوْلِهِ: ؎فَأصْبَحَتْ مِثْلَ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ وقَوْلِهِ: وصالِياتٍ كَكُما يُؤْثَفِينَ، لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّ مِثْلًا اسْمٌ، والأسْماءُ لا تُزادُ، بِخِلافِ الكافِ، فَإنَّها حَرْفٌ، فَتَصْلُحُ لِلزِّيادَةِ. ونَظِيرُ نِسْبَةِ المِثْلِ إلى مَن لا مِثْلَ لَهُ قَوْلُكَ: فُلانٌ يَدُهُ مَبْسُوطَةٌ، يُرِيدُ أنَّهُ جَوادٌ، ولا نَظِيرَ لَهُ في الحَقِيقَةِ إلى اليَدِ حَتّى تَقُولَ ذَلِكَ لِمَن لا يَدَ لَهُ، كَقَوْلِهِ: ﴿بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ﴾ [المائدة: ٦٤] . فَكَما جَعَلْتَ ذَلِكَ كِنايَةً عَنِ الجَوادِ فِيمَن لا يَدَ لَهُ، فَكَذَلِكَ جَعَلْتَ المِثْلَ كِنايَةً عَنِ الذَّواتِ في مَن لا مِثْلَ لَهُ. ويُحْتَمَلُ أيْضًا أنْ يُرادَ بِالمِثْلِ الصِّفَةُ، وذَلِكَ سائِغٌ، يُطْلَقُ المِثْلُ بِمَعْنى المِثْلِ وهو الصِّفَةُ، فَيَكُونُ المَعْنى: لَيْسَ مِثْلَ صِفَتِهِ تَعالى شَيْءٌ مِنَ الصِّفاتِ الَّتِي لِغَيْرِهِ، وهَذا مَحْمَلٌ سَهْلٌ، والوَجْهُ الأوَّلُ أغْوَصُ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: العَرَبُ تُقِيمُ المِثالَ مَقامَ النَّفْسِ، فَيَقُولُ: مِثْلِي لا يُقالُ لَهُ هَذا، أيْ: أنا لا يُقالُ لِي هَذا. انْتَهى. فَقَدْ صارَ ذَلِكَ كِنايَةً عَنِ الذّاتِ، فَلا فَرْقَ بَيْنَ قَوْلِكِ: لَيْسَ كاللَّهِ شَيْءٌ، أوْ لَيْسَ كَمِثْلِ اللَّهِ شَيْءٌ. وقَدْ أجْمَعَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ الكافَ والمِثْلَ يُرادُ بِهِما مَوْضُوعُهُما الحَقِيقِيُّ مِن أنَّ كُلًّا مِنهُما يُرادُ بِهِ التَّشْبِيهُ، وذَلِكَ مُحالٌ؛ لِأنَّ فِيهِ إثْباتُ مِثْلٍ لِلَّهِ (p-٥١١)تَعالى، وهو مُحالٌ. ﴿وهُوَ السَّمِيعُ﴾ لِأقْوالِ الخَلْقِ، (البَصِيرُ) لِأعْمالِهِمْ. وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ: ﴿لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ في سُورَةِ الزُّمَرِ؛ وقُرِئَ: (ويَقْدِرُ) أيْ: يُضَيِّقُ. ﴿إنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ أيْ: يُوَسِّعُ لِمَن يَشاءُ، ويُضَيِّقُ عَلى مَن يَشاءُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإذا عَلِمَ أنَّ الغِنى خَيْرٌ لِلْعَبْدِ أغْناهُ لا أفْقَرَهُ. انْتَهى، وفِيهِ دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ.

الشورى 42:13

﴿شَرَعَ لَكم مِنَ الدِّينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ وما وصَّيْنا بِهِ إبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى أنْ أقِيمُوا الدِّينَ ولا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلى المُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهم إلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إلَيْهِ مَن يَشاءُ ويَهْدِي إلَيْهِ مَن يُنِيبُ﴾ ﴿وما تَفَرَّقُوا إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهم ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ إلى أجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهم وإنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الكِتابَ مِن بَعْدِهِمْ لَفي شَكٍّ مِنهُ مُرِيبٍ﴾ ﴿فَلِذَلِكَ فادْعُ واسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ ولا تَتَّبِعْ أهْواءَهم وقُلْ آمَنتُ بِما أنْزَلَ اللَّهُ مِن كِتابٍ وأُمِرْتُ لِأعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنا ورَبُّكم لَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكم لا حُجَّةَ بَيْنَنا وبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا وإلَيْهِ المَصِيرُ﴾ ﴿والَّذِينَ يُحاجُّونَ في اللَّهِ مِن بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهم داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وعَلَيْهِمْ غَضَبٌ ولَهم عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ ﴿اللَّهُ الَّذِي أنْزَلَ الكِتابَ بِالحَقِّ والمِيزانَ وما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ ﴿يَسْتَعْجِلُ بِها الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها والَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنها ويَعْلَمُونَ أنَّها الحَقُّ ألا إنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ في السّاعَةِ لَفي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ وهو القَوِيُّ العَزِيزُ﴾ ﴿مَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ ومَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنها وما لَهُ في الآخِرَةِ مِن نَصِيبٍ﴾ . لَمّا عَدَّدَ تَعالى نِعَمَهُ عَلَيْهِمْ (p-٥١٢)الخاصَّةَ، أتْبَعَهُ بِذِكْرِ نِعَمِهِ العامَّةِ، وهو ما شَرَعَ لَهم مِنَ العَقائِدِ المُتَّفَقِ عَلَيْها، مِن تَوْحِيدِ اللَّهِ وطاعَتِهِ، والإيمانِ بِرُسُلِهِ وبِكُتُبِهِ وبِاليَوْمِ الآخِرِ، والجَزاءِ فِيهِ. ولَمّا كانَ أوَّلَ الرُّسُلِ نُوحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وآخِرَهم مُحَمَّدٌ ﷺ، قالَ: ﴿ما وصّى بِهِ نُوحًا والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾، ثُمَّ أتْبَعَ ذَلِكَ ما وصّى بِهِ إبْراهِيمَ، إذْ كانَ أبا العَرَبِ، فَفي ذَلِكَ هَزْلُهم وبَعْثٌ عَلى اتِّباعِ طَرِيقَتِهِ، ومُوسى وعِيسى - صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ -؛ لِأنَّهُما هُما اللَّذانِ كانَ أتْباعُهُما مَوْجُودِينَ زَمانَ بِعْثَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . والشَّرائِعُ مُتَّفِقَةٌ فِيما ذَكَرْنا مِنَ العَقائِدِ، وفي كَثِيرٍ مِنَ الأحْكامِ، كَتَحْرِيمِ الزِّنا والقَتْلِ بِغَيْرِ حَقٍّ. والشَّرائِعُ مُشْتَمِلَةٌ عَلى عَقائِدَ وأحْكامٍ؛ ويُقالُ: إنَّ نُوحًا أوَّلُ مَن أتى بِتَحْرِيمِ البَناتِ والأُمَّهاتِ وذَواتِ المَحارِمِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: اخْتارَ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ (أنْ) مُفَسِّرَةً؛ لِأنَّ قَبْلَها ما هو بِمَعْنى القَوْلِ، فَلا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ. وأنْ تَكُونَ أنْ المَصْدَرِيَّةَ، فَتَكُونُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى البَدَلِ مِن ما؛ وما عُطِفَ عَلَيْها، أوْ في مَوْضِعِ رَفْعٍ، أيْ: ذَلِكَ، أوْ هو إقامَةُ الدِّينِ، وهو تَوْحِيدُ اللَّهِ وما يَتْبَعُهُ مِمّا لا بُدَّ مِنِ اعْتِقادِهِ. ثُمَّ نَهى عَنِ التَّفْرِقَةِ فِيهِ؛ لِأنَّ التَّفَرُّقَ سَبَبٌ لِلْهَلاكِ، والِاجْتِماعَ والأُلْفَةَ سَبَبٌ لِلنَّجاةِ. ﴿كَبُرَ عَلى المُشْرِكِينَ﴾ أيْ: عَظُمَ وشَقَّ، ﴿ما تَدْعُوهُمْ﴾ مِن تَوْحِيدِ اللَّهِ وتَرْكِ عِبادَةِ الأصْنامِ وإقامَةِ الدِّينِ. ﴿إلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي﴾: يَجْتَلِبُ ويَجْمَعُ، ﴿إلَيْهِ مَن يَشاءُ﴾ هِدايَتَهُ، وهَذا تَسْلِيَةٌ لِلرَّسُولِ. وقِيلَ: يَجْتَبِي، فَيَجْعَلُهُ رَسُولًا إلى عِبادِهِ، ﴿ويَهْدِي إلَيْهِ مَن يُنِيبُ﴾: يَرْجِعُ إلى طاعَتِهِ عَنْ كُفْرِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (مَن يَشاءُ): مَن يَنْفَعُ فِيهِمْ تَوْفِيقُهُ ويَجْرِي عَلَيْهِمْ لُطْفُهُ. انْتَهى، وفِيهِ دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ. وقالَ الحافِظُ أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ: لَمْ يَكُنْ مَعَ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلّا بَنُوهُ، ولَمْ تُفْرَضْ لَهُ الفَرائِضُ، ولا شُرِعَتْ لَهُ المَحارِمُ، وإنَّما كانَ مُنَبَّهًا عَلى بَعْضِ الأُمُورِ، مُقْتَصِرًا عَلى ضَرُوراتِ المَعاشِ. واسْتَمَرَّ الهُدى إلى نُوحٍ، فَبَعَثَهُ اللَّهُ بِتَحْرِيمِ الأُمَّهاتِ والبَناتِ، ووَظَّفَ عَلَيْهِ الواجِباتِ، وأوْضَحَ لَهُ الأدَبَ في الدِّياناتِ. ولَمْ يَزَلْ ذَلِكَ يَتَأكَّدُ بِالرُّسُلِ ويَتَناصَرُ بِالأنْبِياءِ واحِدًا بَعْدَ واحِدٍ وشَرِيعَةً إثْرَ شَرِيعَةٍ، حَتّى خَتَمَهُ اللَّهُ بِخَيْرِ المِلَلِ عَلى لِسانِ أكْرَمِ الرُّسُلِ، فَكانَ المَعْنى: أوْصَيْناكَ يا مُحَمَّدُ ونُوحًا دِينًا واحِدًا في الأُصُولِ الَّتِي لا تَخْتَلِفُ فِيها الشَّرائِعُ، وهي التَّوْحِيدُ والصَّلاةُ والزَّكاةُ والحَجُّ والتَّقْرِيبُ بِصالِحِ الأعْمالِ، والصِّدْقُ والوَفاءُ بِالعَهْدِ، وأداءُ الأمانَةِ وصِلَةُ الرَّحِمِ، وتَحْرِيمُ الكِبْرِ والزِّنا والإذايَةِ لِلْخَلْقِ كَيْفَما تَصَرَّفَتْ، والِاعْتِداءِ عَلى الحَيَوانِ، واقْتِحامِ الدَّناءاتِ وما يَعُودُ بِخَرْمِ المُرُوءاتِ؛ فَهَذا كُلُّهُ مَشْرُوعٌ، دِينًا واحِدًا، أوْ مِلَّةً مُتَّحِدَةً، لَمْ يَخْتَلِفْ عَلى ألْسِنَةِ الأنْبِياءِ، وإنِ اخْتَلَفَتْ أعْدادُهم، وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿أنْ أقِيمُوا الدِّينَ ولا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ أيِ: اجْعَلُوهُ قائِمًا، يُرِيدُ دائِمًا مُسْتَمِرًّا مَحْفُوظًا مُسْتَقِرًّا مِن غَيْرِ خِلافٍ فِيهِ ولا اضْطِرابٍ. انْتَهى. وقالَ مُجاهِدٌ: لَمْ يُبْعَثْ نَبِيٌّ إلّا أُمِرَ بِإقامَةِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ والإقْرارِ بِاللَّهِ وطاعَتِهِ، فَهو إقامَةُ الدِّينِ. وقالَ أبُو العالِيَةِ: إقامَةُ الدِّينِ: الإخْلاصُ لِلَّهِ وعِبادَتُهُ، ﴿ولا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾، قالَ أبُو العالِيَةِ: لا تَتَعادَوْا فِيهِ. وقالَ مُقاتِلٌ: مَعْناهُ لا تَخْتَلِفُوا، فَإنَّ كُلَّ نَبِيٍّ مُصَدَّقٌ. وقِيلَ: لا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ، فَتُؤْمِنُوا بِبَعْضِ الرُّسُلِ وتَكْفُرُوا بِبَعْضٍ. ﴿وما تَفَرَّقُوا﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَعْنِي قُرَيْشًا، و(العِلْمُ) مُحَمَّدٌ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وكانُوا يَتَمَنُّونَ أنْ يُبْعَثَ إلَيْهِمْ نَبِيٌّ، كَما قالَ: ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهم نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٤٢]، يُرِيدُونَ نَبِيًّا. وقِيلَ: الضَّمِيرُ يَعُودُ عَلى أُمَمِ الأنْبِياءِ، جاءَهُمُ العِلْمُ، فَطالَ عَلَيْهِمُ الأمَدُ، فَآمَنَ قَوْمٌ وكَفَرَ قَوْمٌ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: عائِدٌ عَلى أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ، دَلِيلُهُ: ﴿وما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ﴾ [البينة: ٤]، قالَ المُشْرِكُونَ: لِمَ خُصَّ بِالنُّبُوَّةِ ؟ واليَهُودُ والنَّصارى حَسَدُوهُ. ﴿ولَوْلا كَلِمَةٌ﴾ أيْ: عِدَّةُ التَّأخُّرِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، فَحِينَئِذٍ يَقَعُ الجَزاءُ، ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾: لَجُوزُوا بِأعْمالِهِمْ في الدُّنْيا؛ لَكِنَّهُ قَضى أنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا في الآخِرَةِ. وقالَ الزَّجّاجُ: الكَلِمَةُ قَوْلُهُ: ﴿بَلِ السّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ﴾ [القمر: ٤٦] . (p-٥١٣)﴿وإنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الكِتابَ مِن بَعْدِهِمْ﴾ هم بَقِيَّةُ أهْلِ الكِتابِ الَّذِينَ عاصَرُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، (مِن بَعْدِهِمْ) أيْ: مِن بَعْدِ أسْلافِهِمْ، أوْ هُمُ المُشْرِكُونَ، أُورِثُوا الكِتابَ مِن بَعْدِ ما أُورِثَ أهْلُ الكِتابِ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (وُرِّثُوا) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مُشَدَّدَ الرّاءِ، ﴿لَفِي شَكٍّ مِنهُ﴾ أيْ: مِن كِتابِهِمْ، أوْ مِنَ القُرْآنِ، أوْ مِمّا جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ أوْ مِنَ الدِّينِ الَّذِي وصّى بِهِ نُوحًا. ولَمّا تَقَدَّمَ شَيْئانِ: الأمْرُ بِإقامَةِ الدِّينِ، وتَفَرُّقُ الَّذِينَ جاءَهُمُ العِلْمُ واخْتِلافُهم وكَوْنُهم في شَكٍّ، احْتَمَلَ قَوْلُهُ. (فَلِذَلِكَ)، أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى إقامَةِ الدِّينِ، أيْ: فادْعُ لِدِينِ اللَّهِ وإقامَتِهِ، لا تَحْتاجُ إلى تَقْدِيرِ اللّامِ بِمَعْنى لِأجْلِ؛ لِأنَّ دَعا يَتَعَدّى بِاللّامِ، قالَ الشّاعِرُ: ؎دَعَوْتُ لِما نابَنِي مِسْوَرًا فَلَبّى فَلَبّى يَدَيْ مِسْوَرا واحْتَمَلَ أنْ تَكُونَ اللّامُ لِلْعِلَّةِ، أيْ: فَلِأجْلِ ذَلِكَ التَّفَرُّقِ، ولِما حَدَثَ بِسَبَبِهِ مِن تَشَعُّبِ الكُفْرِ شُعُبًا، (فادْعُ) إلى الِاتِّفاقِ والِائْتِلافِ عَلى المِلَّةِ الحَنِيفِيَّةِ، (واسْتَقِمْ) أيْ: دُمْ عَلى الِاسْتِقامَةِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ﴿فاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ﴾ [هود: ١١٢]، وكَيْفِيَّةِ هَذا التَّشْبِيهِ في أواخِرِ هُودٍ. ﴿ولا تَتَّبِعْ أهْواءَهُمْ﴾ المُخْتَلِفَةَ الباطِلَةَ، وأمَرَهُ بِأنْ يُصَرِّحَ أنَّهُ آمَنَ بِكُلِّ كِتابٍ أنْزَلَهُ اللَّهُ؛ لِأنَّ الَّذِينَ تَفَرَّقُوا آمَنُوا بِبَعْضٍ. ﴿وأُمِرْتُ لِأعْدِلَ بَيْنَكُمْ﴾، قِيلَ: إنَّ المَعْنى: وأُمِرْتُ بِما أُمِرْتُ بِهِ لِأعْدِلَ بَيْنَكم في إيصالِ ما أُمِرْتُ بِهِ إلَيْكم، لا أخَصُّ شَخْصًا بِشَيْءٍ دُونَ شَخْصٍ، فالشَّرِيعَةُ واحِدَةٌ، والأحْكامُ مُشْتَرَكٌ فِيها. وقِيلَ: ﴿لِأعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾ في الحُكْمِ إذا تَخاصَمْتُمْ فَتَحاكَمْتُمْ. ﴿لا حُجَّةَ بَيْنَنا وبَيْنَكُمُ﴾ أيْ: قَدْ وضَحَتِ الحُجَجُ وقامَتِ البَراهِينُ وأنْتُمْ مَحْجُوجُونَ، فَلا حاجَةَ إلى إظْهارِ حُجَّةٍ بَعْدَ ذَلِكَ. ﴿اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا﴾ وبَيْنَكم، أيْ: يَوْمَ القِيامَةِ، فَيَفْصِلُ بَيْنَنا. وما يَظْهَرُ في هَذِهِ الآيَةِ مِنَ المُوادَعَةِ مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ. ﴿والَّذِينَ يُحاجُّونَ في اللَّهِ﴾ أيْ: يُخاصِمُونَ في دِينِهِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ: نَزَلَتْ في طائِفَةٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ هَمَّتْ بِرَدِّ النّاسِ عَنِ الإسْلامِ وإضْلالِهِمْ ومُحاجَّتِهِمْ، بَلْ قالُوا: كِتابُنا قَبْلَ كِتابِكم، ونَبِيُّنا قَبْلَ نَبِيِّكم؛ فَدِينُنا أفْضَلُ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في قُرَيْشٍ، كانُوا يُجادِلُونَ في هَذا المَعْنى، ويَطْمَعُونَ في رَدِّ المُؤْمِنِينَ إلى الجاهِلِيَّةِ. و(اسْتُجِيبَ) مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ، فَقِيلَ: المَعْنى مِن بَعْدِ ما اسْتَجابَ النّاسُ لِلَّهِ، أيْ: لِدِينِهِ ودَخَلُوا فِيهِ. وقِيلَ: مِن بَعْدِ ما اسْتَجابَ اللَّهُ لَهُ، أيْ: لِرَسُولِهِ ودِينِهِ، بِأنْ نَصَرَهُ يَوْمَ بَدْرٍ وظَهَرَ دِينُهُ. ﴿حُجَّتُهم داحِضَةٌ﴾ أيْ: باطِلَةٌ لا ثُبُوتَ لَها. ولَمّا ذَكَرَ مَن يَحاجُّ في دِينِ الإسْلامِ، صَرَّحَ بِأنَّهُ تَعالى هو الَّذِي أنْزَلَ الكِتابَ، والكِتابُ جِنْسٌ يُرادُ بِهِ الكُتُبُ الإلَهِيَّةُ. (والمِيزانَ)، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ وغَيْرُهم: هو المُعَدَّلُ؛ وعَنِ ابْنِ مُجاهِدٍ: هو هُنا المِيزانُ الَّذِي بِأيْدِي النّاسِ، وهَذا مُنْدَرِجٌ في العَدْلِ. ﴿وما يُدْرِيكَ﴾ أيُّها المُخاطَبُ، ﴿لَعَلَّ السّاعَةَ قَرِيبٌ﴾، ذُكِرَ عَلى مَعْنى البَعْثِ أوْ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ: لَعَلَّ مَجِيءَ السّاعَةِ؛ و﴿لَعَلَّ السّاعَةَ﴾ في مَوْضِعِ مَعْمُولِ ﴿وما يُدْرِيكَ﴾، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مِثْلِ هَذا في قَوْلِهِ في آخِرِ الأنْبِياءِ: ﴿وإنْ أدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ﴾ [الأنبياء: ١١١] . وتَوافَقَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ مَعَ قَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ الَّذِي أنْزَلَ الكِتابَ بِالحَقِّ والمِيزانَ﴾ . السّاعَةُ: يَوْمُ الحِسابِ ووَضْعِ الِمَوازِينِ القِسْطِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: أمَرَكُمُ اللَّهُ بِالعَدْلِ والتَّسْوِيَةِ قَبْلَ أنْ يُفاجِئَكُمُ اليَوْمُ الَّذِي يُحاسِبُكم فِيهِ ويَزِنُ أعْمالَكم. ﴿يَسْتَعْجِلُ بِها الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها﴾ (بِها) بِطَلَبِ وُقُوعِها عاجِلَةً؛ لِأنَّهم لَيْسُوا مُوقِنِينَ بِوُقُوعِها، لِيُبَيِّنَ عَجْزَ مَن يُؤْمِنُ بِها عِنْدَهم، أيْ: هي مِمّا لا يَقَعُ عِنْدَهم. ﴿ألا إنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ﴾ ويُلِحُّونَ في أمْرِ السّاعَةِ، ﴿لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ عَنِ الحَقِّ؛ لِأنَّ البَعْثَ غَيْرُ مُسْتَبْعَدٍ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ، ودَلَّ عَلَيْهِ الكِتابُ المُعْجِزُ، فَوَجَبَ الإيمانُ بِهِ. ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ﴾ أيْ: بَرٌّ بِعِبادِهِ المُؤْمِنِينَ، ومَن سَبَقَ لَهُ الخُلُودُ في الدُّنْيا، وما يُرى مِنَ النِّعَمِ عَلى الكافِرِ فَلَيْسَ بِلُطْفٍ، إنَّما هو إمْلاءٌ، ولا لُطْفَ إلّا ما آلَ إلى الرَّحْمَةِ والوَفاةِ عَلى (p-٥١٤)الإسْلامِ. وقالَ مُقاتِلٌ: لَطِيفٌ بِالبَرِّ والفاجِرِ حَيْثُ لَمْ يَقْتُلْهم جُوعًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يُوصِلُ بِرَّهُ إلى جَمِيعِهِمْ، ﴿يَرْزُقُ مَن يَشاءُ﴾ أيْ: مَن يَشاءُ يَرْزُقُهُ شَيْئًا خاصًّا، ويَحْرِمُ مَن يَشاءُ مِن ذَلِكَ الشَّيْءِ الخاصِّ، وكُلٌّ مِنهم مَرْزُوقٌ، وإنِ اخْتَلَفَ الرِّزْقُ، ﴿وهُوَ القَوِيُّ﴾ أيِ: البالِغُ القُوَّةِ، وهي القُدْرَةُ (العَزِيزُ): الغالِبُ الَّذِي لا يُغْلَبُ. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى الرِّزْقَ، ذَكَرَ حَدِيثَ الكَسْبِ. ولَمّا كانَ الحَرْثُ في الأرْضِ أصْلًا مِن أصُولِ المَكاسِبِ، اسْتُعِيرَ لِكُلِّ مَكْسَبٍ أُرِيدَ بِهِ النَّماءُ والفائِدَةُ، أيْ: مَن كانَ يُرِيدُ عَمَلَ الآخِرَةِ، وسَعى لَها سَعْيَها، ﴿نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ﴾ أيْ: في جَزاءِ حَرْثِهِ مِن تَضْعِيفِ الحَسَناتِ، ﴿ومَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنها﴾ أيِ: العَمَلَ لَها لا لِآخِرَتِهِ، ﴿نُؤْتِهِ مِنها﴾ أيْ: نُعْطِهِ شَيْئًا مِنها، وما لَهُ في الآخِرَةِ مِن نَصِيبٍ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ شَيْئًا لِلْآخِرَةِ. والجُمْلَةُ الأُولى وعْدٌ مُنْجَزٌ، والثّانِيَةُ مُقَيَّدَةٌ بِمَشِيئَتِهِ تَعالى، فَلا يَنالُهُ إلّا رِزْقُهُ الَّذِي فَرَغَ مِنهُ، وكُلُّ ما يُرِيدُهُ هو. واقْتَصَرَ في عامِلِ الآخِرَةِ عَلى ذِكْرِ حَظِّهِ في الآخِرَةِ، كَأنَّهُ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ، فَلا يُناسِبُ ذِكْرَ مَعَ ما أعَدَّ اللَّهُ لَهُ في الآخِرَةِ لِمَن يَشاءُ ما يَشاءُ. وجَعَلَ فِعْلَ الشَّرْطِ ماضِيًا، والجَوابُ مَجْزُومٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها نُوَفِّ إلَيْهِمْ أعْمالَهم فِيها﴾ [هود: ١٥]، ولا نَعْلَمُ خِلافًا في جَوازِ الجَزْمِ، فَإنَّهُ فَصِيحٌ مُخْتارٌ، إلّا ما ذَكَرَهُ صاحِبُ كِتابِ الإعْرابِ، وهو أبُو الحَكَمِ بْنُ عُذْرَةَ، عَنْ بَعْضِ النَّحْوِيِّينَ، أنَّهُ لا يَجِيءُ في الكَلامِ الفَصِيحِ، وإنَّما يَجِيءُ مَعَ كَأنَّ؛ لِأنَّها أصْلُ الأفْعالِ، ولا يَجِيءُ مَعَ غَيْرِها مِنَ الأفْعالِ. ونَصُّ كَلامِ سِيبَوَيْهِ والجَماعَةِ أنَّهُ لا يَخْتَصُّ ذَلِكَ بَـ (كانَ) بَلْ سائِرُ الأفْعالِ في ذَلِكَ مِثْلُها، وأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ لِلْفَرَزْدَقِ: ؎دَسَّتْ رَسُولًا بِأنَّ القَوْمَ إنْ قَدَرُوا ∗∗∗ عَلَيْكَ يَشْفُوا صُدُورًا ذاتَ تَوْغِيرِ وقالَ آخَرُ: ؎تَعالَ فَإنْ عاهَدْتَنِي لا تَخُونُنِي ∗∗∗ نَكُنْ مِثْلَ مَن يا ذِئْبُ يَصْطَحِبانِ وقَرَأ الجُمْهُورُ (نَزِدْ) و(نُؤْتِهِ) بِالنُّونِ فِيهِما: وابْنُ مِقْسَمٍ، والزَّعْفَرانِيُّ، ومَحْبُوبٌ، والمِنقَرِيُّ، كِلاهُما عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِالياءِ فِيهِما. وقَرَأ سَلامٌ (نُؤْتِهُ) مِنها بِرَفْعِ الهاءِ، وهي لُغَةُ الحِجازِ.

الشورى 42:14

﴿شَرَعَ لَكم مِنَ الدِّينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ وما وصَّيْنا بِهِ إبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى أنْ أقِيمُوا الدِّينَ ولا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلى المُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهم إلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إلَيْهِ مَن يَشاءُ ويَهْدِي إلَيْهِ مَن يُنِيبُ﴾ ﴿وما تَفَرَّقُوا إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهم ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ إلى أجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهم وإنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الكِتابَ مِن بَعْدِهِمْ لَفي شَكٍّ مِنهُ مُرِيبٍ﴾ ﴿فَلِذَلِكَ فادْعُ واسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ ولا تَتَّبِعْ أهْواءَهم وقُلْ آمَنتُ بِما أنْزَلَ اللَّهُ مِن كِتابٍ وأُمِرْتُ لِأعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنا ورَبُّكم لَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكم لا حُجَّةَ بَيْنَنا وبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا وإلَيْهِ المَصِيرُ﴾ ﴿والَّذِينَ يُحاجُّونَ في اللَّهِ مِن بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهم داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وعَلَيْهِمْ غَضَبٌ ولَهم عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ ﴿اللَّهُ الَّذِي أنْزَلَ الكِتابَ بِالحَقِّ والمِيزانَ وما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ ﴿يَسْتَعْجِلُ بِها الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها والَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنها ويَعْلَمُونَ أنَّها الحَقُّ ألا إنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ في السّاعَةِ لَفي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ وهو القَوِيُّ العَزِيزُ﴾ ﴿مَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ ومَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنها وما لَهُ في الآخِرَةِ مِن نَصِيبٍ﴾ . لَمّا عَدَّدَ تَعالى نِعَمَهُ عَلَيْهِمْ (p-٥١٢)الخاصَّةَ، أتْبَعَهُ بِذِكْرِ نِعَمِهِ العامَّةِ، وهو ما شَرَعَ لَهم مِنَ العَقائِدِ المُتَّفَقِ عَلَيْها، مِن تَوْحِيدِ اللَّهِ وطاعَتِهِ، والإيمانِ بِرُسُلِهِ وبِكُتُبِهِ وبِاليَوْمِ الآخِرِ، والجَزاءِ فِيهِ. ولَمّا كانَ أوَّلَ الرُّسُلِ نُوحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وآخِرَهم مُحَمَّدٌ ﷺ، قالَ: ﴿ما وصّى بِهِ نُوحًا والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾، ثُمَّ أتْبَعَ ذَلِكَ ما وصّى بِهِ إبْراهِيمَ، إذْ كانَ أبا العَرَبِ، فَفي ذَلِكَ هَزْلُهم وبَعْثٌ عَلى اتِّباعِ طَرِيقَتِهِ، ومُوسى وعِيسى - صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ -؛ لِأنَّهُما هُما اللَّذانِ كانَ أتْباعُهُما مَوْجُودِينَ زَمانَ بِعْثَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . والشَّرائِعُ مُتَّفِقَةٌ فِيما ذَكَرْنا مِنَ العَقائِدِ، وفي كَثِيرٍ مِنَ الأحْكامِ، كَتَحْرِيمِ الزِّنا والقَتْلِ بِغَيْرِ حَقٍّ. والشَّرائِعُ مُشْتَمِلَةٌ عَلى عَقائِدَ وأحْكامٍ؛ ويُقالُ: إنَّ نُوحًا أوَّلُ مَن أتى بِتَحْرِيمِ البَناتِ والأُمَّهاتِ وذَواتِ المَحارِمِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: اخْتارَ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ (أنْ) مُفَسِّرَةً؛ لِأنَّ قَبْلَها ما هو بِمَعْنى القَوْلِ، فَلا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ. وأنْ تَكُونَ أنْ المَصْدَرِيَّةَ، فَتَكُونُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى البَدَلِ مِن ما؛ وما عُطِفَ عَلَيْها، أوْ في مَوْضِعِ رَفْعٍ، أيْ: ذَلِكَ، أوْ هو إقامَةُ الدِّينِ، وهو تَوْحِيدُ اللَّهِ وما يَتْبَعُهُ مِمّا لا بُدَّ مِنِ اعْتِقادِهِ. ثُمَّ نَهى عَنِ التَّفْرِقَةِ فِيهِ؛ لِأنَّ التَّفَرُّقَ سَبَبٌ لِلْهَلاكِ، والِاجْتِماعَ والأُلْفَةَ سَبَبٌ لِلنَّجاةِ. ﴿كَبُرَ عَلى المُشْرِكِينَ﴾ أيْ: عَظُمَ وشَقَّ، ﴿ما تَدْعُوهُمْ﴾ مِن تَوْحِيدِ اللَّهِ وتَرْكِ عِبادَةِ الأصْنامِ وإقامَةِ الدِّينِ. ﴿إلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي﴾: يَجْتَلِبُ ويَجْمَعُ، ﴿إلَيْهِ مَن يَشاءُ﴾ هِدايَتَهُ، وهَذا تَسْلِيَةٌ لِلرَّسُولِ. وقِيلَ: يَجْتَبِي، فَيَجْعَلُهُ رَسُولًا إلى عِبادِهِ، ﴿ويَهْدِي إلَيْهِ مَن يُنِيبُ﴾: يَرْجِعُ إلى طاعَتِهِ عَنْ كُفْرِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (مَن يَشاءُ): مَن يَنْفَعُ فِيهِمْ تَوْفِيقُهُ ويَجْرِي عَلَيْهِمْ لُطْفُهُ. انْتَهى، وفِيهِ دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ. وقالَ الحافِظُ أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ: لَمْ يَكُنْ مَعَ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلّا بَنُوهُ، ولَمْ تُفْرَضْ لَهُ الفَرائِضُ، ولا شُرِعَتْ لَهُ المَحارِمُ، وإنَّما كانَ مُنَبَّهًا عَلى بَعْضِ الأُمُورِ، مُقْتَصِرًا عَلى ضَرُوراتِ المَعاشِ. واسْتَمَرَّ الهُدى إلى نُوحٍ، فَبَعَثَهُ اللَّهُ بِتَحْرِيمِ الأُمَّهاتِ والبَناتِ، ووَظَّفَ عَلَيْهِ الواجِباتِ، وأوْضَحَ لَهُ الأدَبَ في الدِّياناتِ. ولَمْ يَزَلْ ذَلِكَ يَتَأكَّدُ بِالرُّسُلِ ويَتَناصَرُ بِالأنْبِياءِ واحِدًا بَعْدَ واحِدٍ وشَرِيعَةً إثْرَ شَرِيعَةٍ، حَتّى خَتَمَهُ اللَّهُ بِخَيْرِ المِلَلِ عَلى لِسانِ أكْرَمِ الرُّسُلِ، فَكانَ المَعْنى: أوْصَيْناكَ يا مُحَمَّدُ ونُوحًا دِينًا واحِدًا في الأُصُولِ الَّتِي لا تَخْتَلِفُ فِيها الشَّرائِعُ، وهي التَّوْحِيدُ والصَّلاةُ والزَّكاةُ والحَجُّ والتَّقْرِيبُ بِصالِحِ الأعْمالِ، والصِّدْقُ والوَفاءُ بِالعَهْدِ، وأداءُ الأمانَةِ وصِلَةُ الرَّحِمِ، وتَحْرِيمُ الكِبْرِ والزِّنا والإذايَةِ لِلْخَلْقِ كَيْفَما تَصَرَّفَتْ، والِاعْتِداءِ عَلى الحَيَوانِ، واقْتِحامِ الدَّناءاتِ وما يَعُودُ بِخَرْمِ المُرُوءاتِ؛ فَهَذا كُلُّهُ مَشْرُوعٌ، دِينًا واحِدًا، أوْ مِلَّةً مُتَّحِدَةً، لَمْ يَخْتَلِفْ عَلى ألْسِنَةِ الأنْبِياءِ، وإنِ اخْتَلَفَتْ أعْدادُهم، وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿أنْ أقِيمُوا الدِّينَ ولا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ أيِ: اجْعَلُوهُ قائِمًا، يُرِيدُ دائِمًا مُسْتَمِرًّا مَحْفُوظًا مُسْتَقِرًّا مِن غَيْرِ خِلافٍ فِيهِ ولا اضْطِرابٍ. انْتَهى. وقالَ مُجاهِدٌ: لَمْ يُبْعَثْ نَبِيٌّ إلّا أُمِرَ بِإقامَةِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ والإقْرارِ بِاللَّهِ وطاعَتِهِ، فَهو إقامَةُ الدِّينِ. وقالَ أبُو العالِيَةِ: إقامَةُ الدِّينِ: الإخْلاصُ لِلَّهِ وعِبادَتُهُ، ﴿ولا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾، قالَ أبُو العالِيَةِ: لا تَتَعادَوْا فِيهِ. وقالَ مُقاتِلٌ: مَعْناهُ لا تَخْتَلِفُوا، فَإنَّ كُلَّ نَبِيٍّ مُصَدَّقٌ. وقِيلَ: لا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ، فَتُؤْمِنُوا بِبَعْضِ الرُّسُلِ وتَكْفُرُوا بِبَعْضٍ. ﴿وما تَفَرَّقُوا﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَعْنِي قُرَيْشًا، و(العِلْمُ) مُحَمَّدٌ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وكانُوا يَتَمَنُّونَ أنْ يُبْعَثَ إلَيْهِمْ نَبِيٌّ، كَما قالَ: ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهم نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٤٢]، يُرِيدُونَ نَبِيًّا. وقِيلَ: الضَّمِيرُ يَعُودُ عَلى أُمَمِ الأنْبِياءِ، جاءَهُمُ العِلْمُ، فَطالَ عَلَيْهِمُ الأمَدُ، فَآمَنَ قَوْمٌ وكَفَرَ قَوْمٌ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: عائِدٌ عَلى أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ، دَلِيلُهُ: ﴿وما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ﴾ [البينة: ٤]، قالَ المُشْرِكُونَ: لِمَ خُصَّ بِالنُّبُوَّةِ ؟ واليَهُودُ والنَّصارى حَسَدُوهُ. ﴿ولَوْلا كَلِمَةٌ﴾ أيْ: عِدَّةُ التَّأخُّرِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، فَحِينَئِذٍ يَقَعُ الجَزاءُ، ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾: لَجُوزُوا بِأعْمالِهِمْ في الدُّنْيا؛ لَكِنَّهُ قَضى أنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا في الآخِرَةِ. وقالَ الزَّجّاجُ: الكَلِمَةُ قَوْلُهُ: ﴿بَلِ السّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ﴾ [القمر: ٤٦] . (p-٥١٣)﴿وإنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الكِتابَ مِن بَعْدِهِمْ﴾ هم بَقِيَّةُ أهْلِ الكِتابِ الَّذِينَ عاصَرُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، (مِن بَعْدِهِمْ) أيْ: مِن بَعْدِ أسْلافِهِمْ، أوْ هُمُ المُشْرِكُونَ، أُورِثُوا الكِتابَ مِن بَعْدِ ما أُورِثَ أهْلُ الكِتابِ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (وُرِّثُوا) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مُشَدَّدَ الرّاءِ، ﴿لَفِي شَكٍّ مِنهُ﴾ أيْ: مِن كِتابِهِمْ، أوْ مِنَ القُرْآنِ، أوْ مِمّا جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ أوْ مِنَ الدِّينِ الَّذِي وصّى بِهِ نُوحًا. ولَمّا تَقَدَّمَ شَيْئانِ: الأمْرُ بِإقامَةِ الدِّينِ، وتَفَرُّقُ الَّذِينَ جاءَهُمُ العِلْمُ واخْتِلافُهم وكَوْنُهم في شَكٍّ، احْتَمَلَ قَوْلُهُ. (فَلِذَلِكَ)، أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى إقامَةِ الدِّينِ، أيْ: فادْعُ لِدِينِ اللَّهِ وإقامَتِهِ، لا تَحْتاجُ إلى تَقْدِيرِ اللّامِ بِمَعْنى لِأجْلِ؛ لِأنَّ دَعا يَتَعَدّى بِاللّامِ، قالَ الشّاعِرُ: ؎دَعَوْتُ لِما نابَنِي مِسْوَرًا فَلَبّى فَلَبّى يَدَيْ مِسْوَرا واحْتَمَلَ أنْ تَكُونَ اللّامُ لِلْعِلَّةِ، أيْ: فَلِأجْلِ ذَلِكَ التَّفَرُّقِ، ولِما حَدَثَ بِسَبَبِهِ مِن تَشَعُّبِ الكُفْرِ شُعُبًا، (فادْعُ) إلى الِاتِّفاقِ والِائْتِلافِ عَلى المِلَّةِ الحَنِيفِيَّةِ، (واسْتَقِمْ) أيْ: دُمْ عَلى الِاسْتِقامَةِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ﴿فاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ﴾ [هود: ١١٢]، وكَيْفِيَّةِ هَذا التَّشْبِيهِ في أواخِرِ هُودٍ. ﴿ولا تَتَّبِعْ أهْواءَهُمْ﴾ المُخْتَلِفَةَ الباطِلَةَ، وأمَرَهُ بِأنْ يُصَرِّحَ أنَّهُ آمَنَ بِكُلِّ كِتابٍ أنْزَلَهُ اللَّهُ؛ لِأنَّ الَّذِينَ تَفَرَّقُوا آمَنُوا بِبَعْضٍ. ﴿وأُمِرْتُ لِأعْدِلَ بَيْنَكُمْ﴾، قِيلَ: إنَّ المَعْنى: وأُمِرْتُ بِما أُمِرْتُ بِهِ لِأعْدِلَ بَيْنَكم في إيصالِ ما أُمِرْتُ بِهِ إلَيْكم، لا أخَصُّ شَخْصًا بِشَيْءٍ دُونَ شَخْصٍ، فالشَّرِيعَةُ واحِدَةٌ، والأحْكامُ مُشْتَرَكٌ فِيها. وقِيلَ: ﴿لِأعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾ في الحُكْمِ إذا تَخاصَمْتُمْ فَتَحاكَمْتُمْ. ﴿لا حُجَّةَ بَيْنَنا وبَيْنَكُمُ﴾ أيْ: قَدْ وضَحَتِ الحُجَجُ وقامَتِ البَراهِينُ وأنْتُمْ مَحْجُوجُونَ، فَلا حاجَةَ إلى إظْهارِ حُجَّةٍ بَعْدَ ذَلِكَ. ﴿اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا﴾ وبَيْنَكم، أيْ: يَوْمَ القِيامَةِ، فَيَفْصِلُ بَيْنَنا. وما يَظْهَرُ في هَذِهِ الآيَةِ مِنَ المُوادَعَةِ مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ. ﴿والَّذِينَ يُحاجُّونَ في اللَّهِ﴾ أيْ: يُخاصِمُونَ في دِينِهِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ: نَزَلَتْ في طائِفَةٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ هَمَّتْ بِرَدِّ النّاسِ عَنِ الإسْلامِ وإضْلالِهِمْ ومُحاجَّتِهِمْ، بَلْ قالُوا: كِتابُنا قَبْلَ كِتابِكم، ونَبِيُّنا قَبْلَ نَبِيِّكم؛ فَدِينُنا أفْضَلُ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في قُرَيْشٍ، كانُوا يُجادِلُونَ في هَذا المَعْنى، ويَطْمَعُونَ في رَدِّ المُؤْمِنِينَ إلى الجاهِلِيَّةِ. و(اسْتُجِيبَ) مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ، فَقِيلَ: المَعْنى مِن بَعْدِ ما اسْتَجابَ النّاسُ لِلَّهِ، أيْ: لِدِينِهِ ودَخَلُوا فِيهِ. وقِيلَ: مِن بَعْدِ ما اسْتَجابَ اللَّهُ لَهُ، أيْ: لِرَسُولِهِ ودِينِهِ، بِأنْ نَصَرَهُ يَوْمَ بَدْرٍ وظَهَرَ دِينُهُ. ﴿حُجَّتُهم داحِضَةٌ﴾ أيْ: باطِلَةٌ لا ثُبُوتَ لَها. ولَمّا ذَكَرَ مَن يَحاجُّ في دِينِ الإسْلامِ، صَرَّحَ بِأنَّهُ تَعالى هو الَّذِي أنْزَلَ الكِتابَ، والكِتابُ جِنْسٌ يُرادُ بِهِ الكُتُبُ الإلَهِيَّةُ. (والمِيزانَ)، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ وغَيْرُهم: هو المُعَدَّلُ؛ وعَنِ ابْنِ مُجاهِدٍ: هو هُنا المِيزانُ الَّذِي بِأيْدِي النّاسِ، وهَذا مُنْدَرِجٌ في العَدْلِ. ﴿وما يُدْرِيكَ﴾ أيُّها المُخاطَبُ، ﴿لَعَلَّ السّاعَةَ قَرِيبٌ﴾، ذُكِرَ عَلى مَعْنى البَعْثِ أوْ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ: لَعَلَّ مَجِيءَ السّاعَةِ؛ و﴿لَعَلَّ السّاعَةَ﴾ في مَوْضِعِ مَعْمُولِ ﴿وما يُدْرِيكَ﴾، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مِثْلِ هَذا في قَوْلِهِ في آخِرِ الأنْبِياءِ: ﴿وإنْ أدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ﴾ [الأنبياء: ١١١] . وتَوافَقَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ مَعَ قَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ الَّذِي أنْزَلَ الكِتابَ بِالحَقِّ والمِيزانَ﴾ . السّاعَةُ: يَوْمُ الحِسابِ ووَضْعِ الِمَوازِينِ القِسْطِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: أمَرَكُمُ اللَّهُ بِالعَدْلِ والتَّسْوِيَةِ قَبْلَ أنْ يُفاجِئَكُمُ اليَوْمُ الَّذِي يُحاسِبُكم فِيهِ ويَزِنُ أعْمالَكم. ﴿يَسْتَعْجِلُ بِها الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها﴾ (بِها) بِطَلَبِ وُقُوعِها عاجِلَةً؛ لِأنَّهم لَيْسُوا مُوقِنِينَ بِوُقُوعِها، لِيُبَيِّنَ عَجْزَ مَن يُؤْمِنُ بِها عِنْدَهم، أيْ: هي مِمّا لا يَقَعُ عِنْدَهم. ﴿ألا إنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ﴾ ويُلِحُّونَ في أمْرِ السّاعَةِ، ﴿لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ عَنِ الحَقِّ؛ لِأنَّ البَعْثَ غَيْرُ مُسْتَبْعَدٍ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ، ودَلَّ عَلَيْهِ الكِتابُ المُعْجِزُ، فَوَجَبَ الإيمانُ بِهِ. ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ﴾ أيْ: بَرٌّ بِعِبادِهِ المُؤْمِنِينَ، ومَن سَبَقَ لَهُ الخُلُودُ في الدُّنْيا، وما يُرى مِنَ النِّعَمِ عَلى الكافِرِ فَلَيْسَ بِلُطْفٍ، إنَّما هو إمْلاءٌ، ولا لُطْفَ إلّا ما آلَ إلى الرَّحْمَةِ والوَفاةِ عَلى (p-٥١٤)الإسْلامِ. وقالَ مُقاتِلٌ: لَطِيفٌ بِالبَرِّ والفاجِرِ حَيْثُ لَمْ يَقْتُلْهم جُوعًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يُوصِلُ بِرَّهُ إلى جَمِيعِهِمْ، ﴿يَرْزُقُ مَن يَشاءُ﴾ أيْ: مَن يَشاءُ يَرْزُقُهُ شَيْئًا خاصًّا، ويَحْرِمُ مَن يَشاءُ مِن ذَلِكَ الشَّيْءِ الخاصِّ، وكُلٌّ مِنهم مَرْزُوقٌ، وإنِ اخْتَلَفَ الرِّزْقُ، ﴿وهُوَ القَوِيُّ﴾ أيِ: البالِغُ القُوَّةِ، وهي القُدْرَةُ (العَزِيزُ): الغالِبُ الَّذِي لا يُغْلَبُ. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى الرِّزْقَ، ذَكَرَ حَدِيثَ الكَسْبِ. ولَمّا كانَ الحَرْثُ في الأرْضِ أصْلًا مِن أصُولِ المَكاسِبِ، اسْتُعِيرَ لِكُلِّ مَكْسَبٍ أُرِيدَ بِهِ النَّماءُ والفائِدَةُ، أيْ: مَن كانَ يُرِيدُ عَمَلَ الآخِرَةِ، وسَعى لَها سَعْيَها، ﴿نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ﴾ أيْ: في جَزاءِ حَرْثِهِ مِن تَضْعِيفِ الحَسَناتِ، ﴿ومَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنها﴾ أيِ: العَمَلَ لَها لا لِآخِرَتِهِ، ﴿نُؤْتِهِ مِنها﴾ أيْ: نُعْطِهِ شَيْئًا مِنها، وما لَهُ في الآخِرَةِ مِن نَصِيبٍ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ شَيْئًا لِلْآخِرَةِ. والجُمْلَةُ الأُولى وعْدٌ مُنْجَزٌ، والثّانِيَةُ مُقَيَّدَةٌ بِمَشِيئَتِهِ تَعالى، فَلا يَنالُهُ إلّا رِزْقُهُ الَّذِي فَرَغَ مِنهُ، وكُلُّ ما يُرِيدُهُ هو. واقْتَصَرَ في عامِلِ الآخِرَةِ عَلى ذِكْرِ حَظِّهِ في الآخِرَةِ، كَأنَّهُ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ، فَلا يُناسِبُ ذِكْرَ مَعَ ما أعَدَّ اللَّهُ لَهُ في الآخِرَةِ لِمَن يَشاءُ ما يَشاءُ. وجَعَلَ فِعْلَ الشَّرْطِ ماضِيًا، والجَوابُ مَجْزُومٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها نُوَفِّ إلَيْهِمْ أعْمالَهم فِيها﴾ [هود: ١٥]، ولا نَعْلَمُ خِلافًا في جَوازِ الجَزْمِ، فَإنَّهُ فَصِيحٌ مُخْتارٌ، إلّا ما ذَكَرَهُ صاحِبُ كِتابِ الإعْرابِ، وهو أبُو الحَكَمِ بْنُ عُذْرَةَ، عَنْ بَعْضِ النَّحْوِيِّينَ، أنَّهُ لا يَجِيءُ في الكَلامِ الفَصِيحِ، وإنَّما يَجِيءُ مَعَ كَأنَّ؛ لِأنَّها أصْلُ الأفْعالِ، ولا يَجِيءُ مَعَ غَيْرِها مِنَ الأفْعالِ. ونَصُّ كَلامِ سِيبَوَيْهِ والجَماعَةِ أنَّهُ لا يَخْتَصُّ ذَلِكَ بَـ (كانَ) بَلْ سائِرُ الأفْعالِ في ذَلِكَ مِثْلُها، وأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ لِلْفَرَزْدَقِ: ؎دَسَّتْ رَسُولًا بِأنَّ القَوْمَ إنْ قَدَرُوا ∗∗∗ عَلَيْكَ يَشْفُوا صُدُورًا ذاتَ تَوْغِيرِ وقالَ آخَرُ: ؎تَعالَ فَإنْ عاهَدْتَنِي لا تَخُونُنِي ∗∗∗ نَكُنْ مِثْلَ مَن يا ذِئْبُ يَصْطَحِبانِ وقَرَأ الجُمْهُورُ (نَزِدْ) و(نُؤْتِهِ) بِالنُّونِ فِيهِما: وابْنُ مِقْسَمٍ، والزَّعْفَرانِيُّ، ومَحْبُوبٌ، والمِنقَرِيُّ، كِلاهُما عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِالياءِ فِيهِما. وقَرَأ سَلامٌ (نُؤْتِهُ) مِنها بِرَفْعِ الهاءِ، وهي لُغَةُ الحِجازِ.

الشورى 42:15

﴿شَرَعَ لَكم مِنَ الدِّينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ وما وصَّيْنا بِهِ إبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى أنْ أقِيمُوا الدِّينَ ولا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلى المُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهم إلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إلَيْهِ مَن يَشاءُ ويَهْدِي إلَيْهِ مَن يُنِيبُ﴾ ﴿وما تَفَرَّقُوا إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهم ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ إلى أجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهم وإنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الكِتابَ مِن بَعْدِهِمْ لَفي شَكٍّ مِنهُ مُرِيبٍ﴾ ﴿فَلِذَلِكَ فادْعُ واسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ ولا تَتَّبِعْ أهْواءَهم وقُلْ آمَنتُ بِما أنْزَلَ اللَّهُ مِن كِتابٍ وأُمِرْتُ لِأعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنا ورَبُّكم لَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكم لا حُجَّةَ بَيْنَنا وبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا وإلَيْهِ المَصِيرُ﴾ ﴿والَّذِينَ يُحاجُّونَ في اللَّهِ مِن بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهم داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وعَلَيْهِمْ غَضَبٌ ولَهم عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ ﴿اللَّهُ الَّذِي أنْزَلَ الكِتابَ بِالحَقِّ والمِيزانَ وما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ ﴿يَسْتَعْجِلُ بِها الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها والَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنها ويَعْلَمُونَ أنَّها الحَقُّ ألا إنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ في السّاعَةِ لَفي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ وهو القَوِيُّ العَزِيزُ﴾ ﴿مَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ ومَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنها وما لَهُ في الآخِرَةِ مِن نَصِيبٍ﴾ . لَمّا عَدَّدَ تَعالى نِعَمَهُ عَلَيْهِمْ (p-٥١٢)الخاصَّةَ، أتْبَعَهُ بِذِكْرِ نِعَمِهِ العامَّةِ، وهو ما شَرَعَ لَهم مِنَ العَقائِدِ المُتَّفَقِ عَلَيْها، مِن تَوْحِيدِ اللَّهِ وطاعَتِهِ، والإيمانِ بِرُسُلِهِ وبِكُتُبِهِ وبِاليَوْمِ الآخِرِ، والجَزاءِ فِيهِ. ولَمّا كانَ أوَّلَ الرُّسُلِ نُوحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وآخِرَهم مُحَمَّدٌ ﷺ، قالَ: ﴿ما وصّى بِهِ نُوحًا والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾، ثُمَّ أتْبَعَ ذَلِكَ ما وصّى بِهِ إبْراهِيمَ، إذْ كانَ أبا العَرَبِ، فَفي ذَلِكَ هَزْلُهم وبَعْثٌ عَلى اتِّباعِ طَرِيقَتِهِ، ومُوسى وعِيسى - صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ -؛ لِأنَّهُما هُما اللَّذانِ كانَ أتْباعُهُما مَوْجُودِينَ زَمانَ بِعْثَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . والشَّرائِعُ مُتَّفِقَةٌ فِيما ذَكَرْنا مِنَ العَقائِدِ، وفي كَثِيرٍ مِنَ الأحْكامِ، كَتَحْرِيمِ الزِّنا والقَتْلِ بِغَيْرِ حَقٍّ. والشَّرائِعُ مُشْتَمِلَةٌ عَلى عَقائِدَ وأحْكامٍ؛ ويُقالُ: إنَّ نُوحًا أوَّلُ مَن أتى بِتَحْرِيمِ البَناتِ والأُمَّهاتِ وذَواتِ المَحارِمِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: اخْتارَ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ (أنْ) مُفَسِّرَةً؛ لِأنَّ قَبْلَها ما هو بِمَعْنى القَوْلِ، فَلا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ. وأنْ تَكُونَ أنْ المَصْدَرِيَّةَ، فَتَكُونُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى البَدَلِ مِن ما؛ وما عُطِفَ عَلَيْها، أوْ في مَوْضِعِ رَفْعٍ، أيْ: ذَلِكَ، أوْ هو إقامَةُ الدِّينِ، وهو تَوْحِيدُ اللَّهِ وما يَتْبَعُهُ مِمّا لا بُدَّ مِنِ اعْتِقادِهِ. ثُمَّ نَهى عَنِ التَّفْرِقَةِ فِيهِ؛ لِأنَّ التَّفَرُّقَ سَبَبٌ لِلْهَلاكِ، والِاجْتِماعَ والأُلْفَةَ سَبَبٌ لِلنَّجاةِ. ﴿كَبُرَ عَلى المُشْرِكِينَ﴾ أيْ: عَظُمَ وشَقَّ، ﴿ما تَدْعُوهُمْ﴾ مِن تَوْحِيدِ اللَّهِ وتَرْكِ عِبادَةِ الأصْنامِ وإقامَةِ الدِّينِ. ﴿إلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي﴾: يَجْتَلِبُ ويَجْمَعُ، ﴿إلَيْهِ مَن يَشاءُ﴾ هِدايَتَهُ، وهَذا تَسْلِيَةٌ لِلرَّسُولِ. وقِيلَ: يَجْتَبِي، فَيَجْعَلُهُ رَسُولًا إلى عِبادِهِ، ﴿ويَهْدِي إلَيْهِ مَن يُنِيبُ﴾: يَرْجِعُ إلى طاعَتِهِ عَنْ كُفْرِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (مَن يَشاءُ): مَن يَنْفَعُ فِيهِمْ تَوْفِيقُهُ ويَجْرِي عَلَيْهِمْ لُطْفُهُ. انْتَهى، وفِيهِ دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ. وقالَ الحافِظُ أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ: لَمْ يَكُنْ مَعَ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلّا بَنُوهُ، ولَمْ تُفْرَضْ لَهُ الفَرائِضُ، ولا شُرِعَتْ لَهُ المَحارِمُ، وإنَّما كانَ مُنَبَّهًا عَلى بَعْضِ الأُمُورِ، مُقْتَصِرًا عَلى ضَرُوراتِ المَعاشِ. واسْتَمَرَّ الهُدى إلى نُوحٍ، فَبَعَثَهُ اللَّهُ بِتَحْرِيمِ الأُمَّهاتِ والبَناتِ، ووَظَّفَ عَلَيْهِ الواجِباتِ، وأوْضَحَ لَهُ الأدَبَ في الدِّياناتِ. ولَمْ يَزَلْ ذَلِكَ يَتَأكَّدُ بِالرُّسُلِ ويَتَناصَرُ بِالأنْبِياءِ واحِدًا بَعْدَ واحِدٍ وشَرِيعَةً إثْرَ شَرِيعَةٍ، حَتّى خَتَمَهُ اللَّهُ بِخَيْرِ المِلَلِ عَلى لِسانِ أكْرَمِ الرُّسُلِ، فَكانَ المَعْنى: أوْصَيْناكَ يا مُحَمَّدُ ونُوحًا دِينًا واحِدًا في الأُصُولِ الَّتِي لا تَخْتَلِفُ فِيها الشَّرائِعُ، وهي التَّوْحِيدُ والصَّلاةُ والزَّكاةُ والحَجُّ والتَّقْرِيبُ بِصالِحِ الأعْمالِ، والصِّدْقُ والوَفاءُ بِالعَهْدِ، وأداءُ الأمانَةِ وصِلَةُ الرَّحِمِ، وتَحْرِيمُ الكِبْرِ والزِّنا والإذايَةِ لِلْخَلْقِ كَيْفَما تَصَرَّفَتْ، والِاعْتِداءِ عَلى الحَيَوانِ، واقْتِحامِ الدَّناءاتِ وما يَعُودُ بِخَرْمِ المُرُوءاتِ؛ فَهَذا كُلُّهُ مَشْرُوعٌ، دِينًا واحِدًا، أوْ مِلَّةً مُتَّحِدَةً، لَمْ يَخْتَلِفْ عَلى ألْسِنَةِ الأنْبِياءِ، وإنِ اخْتَلَفَتْ أعْدادُهم، وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿أنْ أقِيمُوا الدِّينَ ولا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ أيِ: اجْعَلُوهُ قائِمًا، يُرِيدُ دائِمًا مُسْتَمِرًّا مَحْفُوظًا مُسْتَقِرًّا مِن غَيْرِ خِلافٍ فِيهِ ولا اضْطِرابٍ. انْتَهى. وقالَ مُجاهِدٌ: لَمْ يُبْعَثْ نَبِيٌّ إلّا أُمِرَ بِإقامَةِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ والإقْرارِ بِاللَّهِ وطاعَتِهِ، فَهو إقامَةُ الدِّينِ. وقالَ أبُو العالِيَةِ: إقامَةُ الدِّينِ: الإخْلاصُ لِلَّهِ وعِبادَتُهُ، ﴿ولا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾، قالَ أبُو العالِيَةِ: لا تَتَعادَوْا فِيهِ. وقالَ مُقاتِلٌ: مَعْناهُ لا تَخْتَلِفُوا، فَإنَّ كُلَّ نَبِيٍّ مُصَدَّقٌ. وقِيلَ: لا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ، فَتُؤْمِنُوا بِبَعْضِ الرُّسُلِ وتَكْفُرُوا بِبَعْضٍ. ﴿وما تَفَرَّقُوا﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَعْنِي قُرَيْشًا، و(العِلْمُ) مُحَمَّدٌ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وكانُوا يَتَمَنُّونَ أنْ يُبْعَثَ إلَيْهِمْ نَبِيٌّ، كَما قالَ: ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهم نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٤٢]، يُرِيدُونَ نَبِيًّا. وقِيلَ: الضَّمِيرُ يَعُودُ عَلى أُمَمِ الأنْبِياءِ، جاءَهُمُ العِلْمُ، فَطالَ عَلَيْهِمُ الأمَدُ، فَآمَنَ قَوْمٌ وكَفَرَ قَوْمٌ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: عائِدٌ عَلى أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ، دَلِيلُهُ: ﴿وما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ﴾ [البينة: ٤]، قالَ المُشْرِكُونَ: لِمَ خُصَّ بِالنُّبُوَّةِ ؟ واليَهُودُ والنَّصارى حَسَدُوهُ. ﴿ولَوْلا كَلِمَةٌ﴾ أيْ: عِدَّةُ التَّأخُّرِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، فَحِينَئِذٍ يَقَعُ الجَزاءُ، ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾: لَجُوزُوا بِأعْمالِهِمْ في الدُّنْيا؛ لَكِنَّهُ قَضى أنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا في الآخِرَةِ. وقالَ الزَّجّاجُ: الكَلِمَةُ قَوْلُهُ: ﴿بَلِ السّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ﴾ [القمر: ٤٦] . (p-٥١٣)﴿وإنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الكِتابَ مِن بَعْدِهِمْ﴾ هم بَقِيَّةُ أهْلِ الكِتابِ الَّذِينَ عاصَرُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، (مِن بَعْدِهِمْ) أيْ: مِن بَعْدِ أسْلافِهِمْ، أوْ هُمُ المُشْرِكُونَ، أُورِثُوا الكِتابَ مِن بَعْدِ ما أُورِثَ أهْلُ الكِتابِ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (وُرِّثُوا) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مُشَدَّدَ الرّاءِ، ﴿لَفِي شَكٍّ مِنهُ﴾ أيْ: مِن كِتابِهِمْ، أوْ مِنَ القُرْآنِ، أوْ مِمّا جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ أوْ مِنَ الدِّينِ الَّذِي وصّى بِهِ نُوحًا. ولَمّا تَقَدَّمَ شَيْئانِ: الأمْرُ بِإقامَةِ الدِّينِ، وتَفَرُّقُ الَّذِينَ جاءَهُمُ العِلْمُ واخْتِلافُهم وكَوْنُهم في شَكٍّ، احْتَمَلَ قَوْلُهُ. (فَلِذَلِكَ)، أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى إقامَةِ الدِّينِ، أيْ: فادْعُ لِدِينِ اللَّهِ وإقامَتِهِ، لا تَحْتاجُ إلى تَقْدِيرِ اللّامِ بِمَعْنى لِأجْلِ؛ لِأنَّ دَعا يَتَعَدّى بِاللّامِ، قالَ الشّاعِرُ: ؎دَعَوْتُ لِما نابَنِي مِسْوَرًا فَلَبّى فَلَبّى يَدَيْ مِسْوَرا واحْتَمَلَ أنْ تَكُونَ اللّامُ لِلْعِلَّةِ، أيْ: فَلِأجْلِ ذَلِكَ التَّفَرُّقِ، ولِما حَدَثَ بِسَبَبِهِ مِن تَشَعُّبِ الكُفْرِ شُعُبًا، (فادْعُ) إلى الِاتِّفاقِ والِائْتِلافِ عَلى المِلَّةِ الحَنِيفِيَّةِ، (واسْتَقِمْ) أيْ: دُمْ عَلى الِاسْتِقامَةِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ﴿فاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ﴾ [هود: ١١٢]، وكَيْفِيَّةِ هَذا التَّشْبِيهِ في أواخِرِ هُودٍ. ﴿ولا تَتَّبِعْ أهْواءَهُمْ﴾ المُخْتَلِفَةَ الباطِلَةَ، وأمَرَهُ بِأنْ يُصَرِّحَ أنَّهُ آمَنَ بِكُلِّ كِتابٍ أنْزَلَهُ اللَّهُ؛ لِأنَّ الَّذِينَ تَفَرَّقُوا آمَنُوا بِبَعْضٍ. ﴿وأُمِرْتُ لِأعْدِلَ بَيْنَكُمْ﴾، قِيلَ: إنَّ المَعْنى: وأُمِرْتُ بِما أُمِرْتُ بِهِ لِأعْدِلَ بَيْنَكم في إيصالِ ما أُمِرْتُ بِهِ إلَيْكم، لا أخَصُّ شَخْصًا بِشَيْءٍ دُونَ شَخْصٍ، فالشَّرِيعَةُ واحِدَةٌ، والأحْكامُ مُشْتَرَكٌ فِيها. وقِيلَ: ﴿لِأعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾ في الحُكْمِ إذا تَخاصَمْتُمْ فَتَحاكَمْتُمْ. ﴿لا حُجَّةَ بَيْنَنا وبَيْنَكُمُ﴾ أيْ: قَدْ وضَحَتِ الحُجَجُ وقامَتِ البَراهِينُ وأنْتُمْ مَحْجُوجُونَ، فَلا حاجَةَ إلى إظْهارِ حُجَّةٍ بَعْدَ ذَلِكَ. ﴿اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا﴾ وبَيْنَكم، أيْ: يَوْمَ القِيامَةِ، فَيَفْصِلُ بَيْنَنا. وما يَظْهَرُ في هَذِهِ الآيَةِ مِنَ المُوادَعَةِ مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ. ﴿والَّذِينَ يُحاجُّونَ في اللَّهِ﴾ أيْ: يُخاصِمُونَ في دِينِهِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ: نَزَلَتْ في طائِفَةٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ هَمَّتْ بِرَدِّ النّاسِ عَنِ الإسْلامِ وإضْلالِهِمْ ومُحاجَّتِهِمْ، بَلْ قالُوا: كِتابُنا قَبْلَ كِتابِكم، ونَبِيُّنا قَبْلَ نَبِيِّكم؛ فَدِينُنا أفْضَلُ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في قُرَيْشٍ، كانُوا يُجادِلُونَ في هَذا المَعْنى، ويَطْمَعُونَ في رَدِّ المُؤْمِنِينَ إلى الجاهِلِيَّةِ. و(اسْتُجِيبَ) مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ، فَقِيلَ: المَعْنى مِن بَعْدِ ما اسْتَجابَ النّاسُ لِلَّهِ، أيْ: لِدِينِهِ ودَخَلُوا فِيهِ. وقِيلَ: مِن بَعْدِ ما اسْتَجابَ اللَّهُ لَهُ، أيْ: لِرَسُولِهِ ودِينِهِ، بِأنْ نَصَرَهُ يَوْمَ بَدْرٍ وظَهَرَ دِينُهُ. ﴿حُجَّتُهم داحِضَةٌ﴾ أيْ: باطِلَةٌ لا ثُبُوتَ لَها. ولَمّا ذَكَرَ مَن يَحاجُّ في دِينِ الإسْلامِ، صَرَّحَ بِأنَّهُ تَعالى هو الَّذِي أنْزَلَ الكِتابَ، والكِتابُ جِنْسٌ يُرادُ بِهِ الكُتُبُ الإلَهِيَّةُ. (والمِيزانَ)، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ وغَيْرُهم: هو المُعَدَّلُ؛ وعَنِ ابْنِ مُجاهِدٍ: هو هُنا المِيزانُ الَّذِي بِأيْدِي النّاسِ، وهَذا مُنْدَرِجٌ في العَدْلِ. ﴿وما يُدْرِيكَ﴾ أيُّها المُخاطَبُ، ﴿لَعَلَّ السّاعَةَ قَرِيبٌ﴾، ذُكِرَ عَلى مَعْنى البَعْثِ أوْ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ: لَعَلَّ مَجِيءَ السّاعَةِ؛ و﴿لَعَلَّ السّاعَةَ﴾ في مَوْضِعِ مَعْمُولِ ﴿وما يُدْرِيكَ﴾، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مِثْلِ هَذا في قَوْلِهِ في آخِرِ الأنْبِياءِ: ﴿وإنْ أدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ﴾ [الأنبياء: ١١١] . وتَوافَقَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ مَعَ قَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ الَّذِي أنْزَلَ الكِتابَ بِالحَقِّ والمِيزانَ﴾ . السّاعَةُ: يَوْمُ الحِسابِ ووَضْعِ الِمَوازِينِ القِسْطِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: أمَرَكُمُ اللَّهُ بِالعَدْلِ والتَّسْوِيَةِ قَبْلَ أنْ يُفاجِئَكُمُ اليَوْمُ الَّذِي يُحاسِبُكم فِيهِ ويَزِنُ أعْمالَكم. ﴿يَسْتَعْجِلُ بِها الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها﴾ (بِها) بِطَلَبِ وُقُوعِها عاجِلَةً؛ لِأنَّهم لَيْسُوا مُوقِنِينَ بِوُقُوعِها، لِيُبَيِّنَ عَجْزَ مَن يُؤْمِنُ بِها عِنْدَهم، أيْ: هي مِمّا لا يَقَعُ عِنْدَهم. ﴿ألا إنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ﴾ ويُلِحُّونَ في أمْرِ السّاعَةِ، ﴿لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ عَنِ الحَقِّ؛ لِأنَّ البَعْثَ غَيْرُ مُسْتَبْعَدٍ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ، ودَلَّ عَلَيْهِ الكِتابُ المُعْجِزُ، فَوَجَبَ الإيمانُ بِهِ. ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ﴾ أيْ: بَرٌّ بِعِبادِهِ المُؤْمِنِينَ، ومَن سَبَقَ لَهُ الخُلُودُ في الدُّنْيا، وما يُرى مِنَ النِّعَمِ عَلى الكافِرِ فَلَيْسَ بِلُطْفٍ، إنَّما هو إمْلاءٌ، ولا لُطْفَ إلّا ما آلَ إلى الرَّحْمَةِ والوَفاةِ عَلى (p-٥١٤)الإسْلامِ. وقالَ مُقاتِلٌ: لَطِيفٌ بِالبَرِّ والفاجِرِ حَيْثُ لَمْ يَقْتُلْهم جُوعًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يُوصِلُ بِرَّهُ إلى جَمِيعِهِمْ، ﴿يَرْزُقُ مَن يَشاءُ﴾ أيْ: مَن يَشاءُ يَرْزُقُهُ شَيْئًا خاصًّا، ويَحْرِمُ مَن يَشاءُ مِن ذَلِكَ الشَّيْءِ الخاصِّ، وكُلٌّ مِنهم مَرْزُوقٌ، وإنِ اخْتَلَفَ الرِّزْقُ، ﴿وهُوَ القَوِيُّ﴾ أيِ: البالِغُ القُوَّةِ، وهي القُدْرَةُ (العَزِيزُ): الغالِبُ الَّذِي لا يُغْلَبُ. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى الرِّزْقَ، ذَكَرَ حَدِيثَ الكَسْبِ. ولَمّا كانَ الحَرْثُ في الأرْضِ أصْلًا مِن أصُولِ المَكاسِبِ، اسْتُعِيرَ لِكُلِّ مَكْسَبٍ أُرِيدَ بِهِ النَّماءُ والفائِدَةُ، أيْ: مَن كانَ يُرِيدُ عَمَلَ الآخِرَةِ، وسَعى لَها سَعْيَها، ﴿نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ﴾ أيْ: في جَزاءِ حَرْثِهِ مِن تَضْعِيفِ الحَسَناتِ، ﴿ومَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنها﴾ أيِ: العَمَلَ لَها لا لِآخِرَتِهِ، ﴿نُؤْتِهِ مِنها﴾ أيْ: نُعْطِهِ شَيْئًا مِنها، وما لَهُ في الآخِرَةِ مِن نَصِيبٍ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ شَيْئًا لِلْآخِرَةِ. والجُمْلَةُ الأُولى وعْدٌ مُنْجَزٌ، والثّانِيَةُ مُقَيَّدَةٌ بِمَشِيئَتِهِ تَعالى، فَلا يَنالُهُ إلّا رِزْقُهُ الَّذِي فَرَغَ مِنهُ، وكُلُّ ما يُرِيدُهُ هو. واقْتَصَرَ في عامِلِ الآخِرَةِ عَلى ذِكْرِ حَظِّهِ في الآخِرَةِ، كَأنَّهُ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ، فَلا يُناسِبُ ذِكْرَ مَعَ ما أعَدَّ اللَّهُ لَهُ في الآخِرَةِ لِمَن يَشاءُ ما يَشاءُ. وجَعَلَ فِعْلَ الشَّرْطِ ماضِيًا، والجَوابُ مَجْزُومٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها نُوَفِّ إلَيْهِمْ أعْمالَهم فِيها﴾ [هود: ١٥]، ولا نَعْلَمُ خِلافًا في جَوازِ الجَزْمِ، فَإنَّهُ فَصِيحٌ مُخْتارٌ، إلّا ما ذَكَرَهُ صاحِبُ كِتابِ الإعْرابِ، وهو أبُو الحَكَمِ بْنُ عُذْرَةَ، عَنْ بَعْضِ النَّحْوِيِّينَ، أنَّهُ لا يَجِيءُ في الكَلامِ الفَصِيحِ، وإنَّما يَجِيءُ مَعَ كَأنَّ؛ لِأنَّها أصْلُ الأفْعالِ، ولا يَجِيءُ مَعَ غَيْرِها مِنَ الأفْعالِ. ونَصُّ كَلامِ سِيبَوَيْهِ والجَماعَةِ أنَّهُ لا يَخْتَصُّ ذَلِكَ بَـ (كانَ) بَلْ سائِرُ الأفْعالِ في ذَلِكَ مِثْلُها، وأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ لِلْفَرَزْدَقِ: ؎دَسَّتْ رَسُولًا بِأنَّ القَوْمَ إنْ قَدَرُوا ∗∗∗ عَلَيْكَ يَشْفُوا صُدُورًا ذاتَ تَوْغِيرِ وقالَ آخَرُ: ؎تَعالَ فَإنْ عاهَدْتَنِي لا تَخُونُنِي ∗∗∗ نَكُنْ مِثْلَ مَن يا ذِئْبُ يَصْطَحِبانِ وقَرَأ الجُمْهُورُ (نَزِدْ) و(نُؤْتِهِ) بِالنُّونِ فِيهِما: وابْنُ مِقْسَمٍ، والزَّعْفَرانِيُّ، ومَحْبُوبٌ، والمِنقَرِيُّ، كِلاهُما عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِالياءِ فِيهِما. وقَرَأ سَلامٌ (نُؤْتِهُ) مِنها بِرَفْعِ الهاءِ، وهي لُغَةُ الحِجازِ.

الشورى 42:16

﴿شَرَعَ لَكم مِنَ الدِّينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ وما وصَّيْنا بِهِ إبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى أنْ أقِيمُوا الدِّينَ ولا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلى المُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهم إلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إلَيْهِ مَن يَشاءُ ويَهْدِي إلَيْهِ مَن يُنِيبُ﴾ ﴿وما تَفَرَّقُوا إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهم ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ إلى أجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهم وإنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الكِتابَ مِن بَعْدِهِمْ لَفي شَكٍّ مِنهُ مُرِيبٍ﴾ ﴿فَلِذَلِكَ فادْعُ واسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ ولا تَتَّبِعْ أهْواءَهم وقُلْ آمَنتُ بِما أنْزَلَ اللَّهُ مِن كِتابٍ وأُمِرْتُ لِأعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنا ورَبُّكم لَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكم لا حُجَّةَ بَيْنَنا وبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا وإلَيْهِ المَصِيرُ﴾ ﴿والَّذِينَ يُحاجُّونَ في اللَّهِ مِن بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهم داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وعَلَيْهِمْ غَضَبٌ ولَهم عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ ﴿اللَّهُ الَّذِي أنْزَلَ الكِتابَ بِالحَقِّ والمِيزانَ وما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ ﴿يَسْتَعْجِلُ بِها الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها والَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنها ويَعْلَمُونَ أنَّها الحَقُّ ألا إنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ في السّاعَةِ لَفي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ وهو القَوِيُّ العَزِيزُ﴾ ﴿مَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ ومَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنها وما لَهُ في الآخِرَةِ مِن نَصِيبٍ﴾ . لَمّا عَدَّدَ تَعالى نِعَمَهُ عَلَيْهِمْ (p-٥١٢)الخاصَّةَ، أتْبَعَهُ بِذِكْرِ نِعَمِهِ العامَّةِ، وهو ما شَرَعَ لَهم مِنَ العَقائِدِ المُتَّفَقِ عَلَيْها، مِن تَوْحِيدِ اللَّهِ وطاعَتِهِ، والإيمانِ بِرُسُلِهِ وبِكُتُبِهِ وبِاليَوْمِ الآخِرِ، والجَزاءِ فِيهِ. ولَمّا كانَ أوَّلَ الرُّسُلِ نُوحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وآخِرَهم مُحَمَّدٌ ﷺ، قالَ: ﴿ما وصّى بِهِ نُوحًا والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾، ثُمَّ أتْبَعَ ذَلِكَ ما وصّى بِهِ إبْراهِيمَ، إذْ كانَ أبا العَرَبِ، فَفي ذَلِكَ هَزْلُهم وبَعْثٌ عَلى اتِّباعِ طَرِيقَتِهِ، ومُوسى وعِيسى - صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ -؛ لِأنَّهُما هُما اللَّذانِ كانَ أتْباعُهُما مَوْجُودِينَ زَمانَ بِعْثَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . والشَّرائِعُ مُتَّفِقَةٌ فِيما ذَكَرْنا مِنَ العَقائِدِ، وفي كَثِيرٍ مِنَ الأحْكامِ، كَتَحْرِيمِ الزِّنا والقَتْلِ بِغَيْرِ حَقٍّ. والشَّرائِعُ مُشْتَمِلَةٌ عَلى عَقائِدَ وأحْكامٍ؛ ويُقالُ: إنَّ نُوحًا أوَّلُ مَن أتى بِتَحْرِيمِ البَناتِ والأُمَّهاتِ وذَواتِ المَحارِمِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: اخْتارَ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ (أنْ) مُفَسِّرَةً؛ لِأنَّ قَبْلَها ما هو بِمَعْنى القَوْلِ، فَلا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ. وأنْ تَكُونَ أنْ المَصْدَرِيَّةَ، فَتَكُونُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى البَدَلِ مِن ما؛ وما عُطِفَ عَلَيْها، أوْ في مَوْضِعِ رَفْعٍ، أيْ: ذَلِكَ، أوْ هو إقامَةُ الدِّينِ، وهو تَوْحِيدُ اللَّهِ وما يَتْبَعُهُ مِمّا لا بُدَّ مِنِ اعْتِقادِهِ. ثُمَّ نَهى عَنِ التَّفْرِقَةِ فِيهِ؛ لِأنَّ التَّفَرُّقَ سَبَبٌ لِلْهَلاكِ، والِاجْتِماعَ والأُلْفَةَ سَبَبٌ لِلنَّجاةِ. ﴿كَبُرَ عَلى المُشْرِكِينَ﴾ أيْ: عَظُمَ وشَقَّ، ﴿ما تَدْعُوهُمْ﴾ مِن تَوْحِيدِ اللَّهِ وتَرْكِ عِبادَةِ الأصْنامِ وإقامَةِ الدِّينِ. ﴿إلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي﴾: يَجْتَلِبُ ويَجْمَعُ، ﴿إلَيْهِ مَن يَشاءُ﴾ هِدايَتَهُ، وهَذا تَسْلِيَةٌ لِلرَّسُولِ. وقِيلَ: يَجْتَبِي، فَيَجْعَلُهُ رَسُولًا إلى عِبادِهِ، ﴿ويَهْدِي إلَيْهِ مَن يُنِيبُ﴾: يَرْجِعُ إلى طاعَتِهِ عَنْ كُفْرِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (مَن يَشاءُ): مَن يَنْفَعُ فِيهِمْ تَوْفِيقُهُ ويَجْرِي عَلَيْهِمْ لُطْفُهُ. انْتَهى، وفِيهِ دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ. وقالَ الحافِظُ أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ: لَمْ يَكُنْ مَعَ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلّا بَنُوهُ، ولَمْ تُفْرَضْ لَهُ الفَرائِضُ، ولا شُرِعَتْ لَهُ المَحارِمُ، وإنَّما كانَ مُنَبَّهًا عَلى بَعْضِ الأُمُورِ، مُقْتَصِرًا عَلى ضَرُوراتِ المَعاشِ. واسْتَمَرَّ الهُدى إلى نُوحٍ، فَبَعَثَهُ اللَّهُ بِتَحْرِيمِ الأُمَّهاتِ والبَناتِ، ووَظَّفَ عَلَيْهِ الواجِباتِ، وأوْضَحَ لَهُ الأدَبَ في الدِّياناتِ. ولَمْ يَزَلْ ذَلِكَ يَتَأكَّدُ بِالرُّسُلِ ويَتَناصَرُ بِالأنْبِياءِ واحِدًا بَعْدَ واحِدٍ وشَرِيعَةً إثْرَ شَرِيعَةٍ، حَتّى خَتَمَهُ اللَّهُ بِخَيْرِ المِلَلِ عَلى لِسانِ أكْرَمِ الرُّسُلِ، فَكانَ المَعْنى: أوْصَيْناكَ يا مُحَمَّدُ ونُوحًا دِينًا واحِدًا في الأُصُولِ الَّتِي لا تَخْتَلِفُ فِيها الشَّرائِعُ، وهي التَّوْحِيدُ والصَّلاةُ والزَّكاةُ والحَجُّ والتَّقْرِيبُ بِصالِحِ الأعْمالِ، والصِّدْقُ والوَفاءُ بِالعَهْدِ، وأداءُ الأمانَةِ وصِلَةُ الرَّحِمِ، وتَحْرِيمُ الكِبْرِ والزِّنا والإذايَةِ لِلْخَلْقِ كَيْفَما تَصَرَّفَتْ، والِاعْتِداءِ عَلى الحَيَوانِ، واقْتِحامِ الدَّناءاتِ وما يَعُودُ بِخَرْمِ المُرُوءاتِ؛ فَهَذا كُلُّهُ مَشْرُوعٌ، دِينًا واحِدًا، أوْ مِلَّةً مُتَّحِدَةً، لَمْ يَخْتَلِفْ عَلى ألْسِنَةِ الأنْبِياءِ، وإنِ اخْتَلَفَتْ أعْدادُهم، وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿أنْ أقِيمُوا الدِّينَ ولا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ أيِ: اجْعَلُوهُ قائِمًا، يُرِيدُ دائِمًا مُسْتَمِرًّا مَحْفُوظًا مُسْتَقِرًّا مِن غَيْرِ خِلافٍ فِيهِ ولا اضْطِرابٍ. انْتَهى. وقالَ مُجاهِدٌ: لَمْ يُبْعَثْ نَبِيٌّ إلّا أُمِرَ بِإقامَةِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ والإقْرارِ بِاللَّهِ وطاعَتِهِ، فَهو إقامَةُ الدِّينِ. وقالَ أبُو العالِيَةِ: إقامَةُ الدِّينِ: الإخْلاصُ لِلَّهِ وعِبادَتُهُ، ﴿ولا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾، قالَ أبُو العالِيَةِ: لا تَتَعادَوْا فِيهِ. وقالَ مُقاتِلٌ: مَعْناهُ لا تَخْتَلِفُوا، فَإنَّ كُلَّ نَبِيٍّ مُصَدَّقٌ. وقِيلَ: لا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ، فَتُؤْمِنُوا بِبَعْضِ الرُّسُلِ وتَكْفُرُوا بِبَعْضٍ. ﴿وما تَفَرَّقُوا﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَعْنِي قُرَيْشًا، و(العِلْمُ) مُحَمَّدٌ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وكانُوا يَتَمَنُّونَ أنْ يُبْعَثَ إلَيْهِمْ نَبِيٌّ، كَما قالَ: ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهم نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٤٢]، يُرِيدُونَ نَبِيًّا. وقِيلَ: الضَّمِيرُ يَعُودُ عَلى أُمَمِ الأنْبِياءِ، جاءَهُمُ العِلْمُ، فَطالَ عَلَيْهِمُ الأمَدُ، فَآمَنَ قَوْمٌ وكَفَرَ قَوْمٌ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: عائِدٌ عَلى أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ، دَلِيلُهُ: ﴿وما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ﴾ [البينة: ٤]، قالَ المُشْرِكُونَ: لِمَ خُصَّ بِالنُّبُوَّةِ ؟ واليَهُودُ والنَّصارى حَسَدُوهُ. ﴿ولَوْلا كَلِمَةٌ﴾ أيْ: عِدَّةُ التَّأخُّرِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، فَحِينَئِذٍ يَقَعُ الجَزاءُ، ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾: لَجُوزُوا بِأعْمالِهِمْ في الدُّنْيا؛ لَكِنَّهُ قَضى أنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا في الآخِرَةِ. وقالَ الزَّجّاجُ: الكَلِمَةُ قَوْلُهُ: ﴿بَلِ السّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ﴾ [القمر: ٤٦] . (p-٥١٣)﴿وإنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الكِتابَ مِن بَعْدِهِمْ﴾ هم بَقِيَّةُ أهْلِ الكِتابِ الَّذِينَ عاصَرُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، (مِن بَعْدِهِمْ) أيْ: مِن بَعْدِ أسْلافِهِمْ، أوْ هُمُ المُشْرِكُونَ، أُورِثُوا الكِتابَ مِن بَعْدِ ما أُورِثَ أهْلُ الكِتابِ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (وُرِّثُوا) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مُشَدَّدَ الرّاءِ، ﴿لَفِي شَكٍّ مِنهُ﴾ أيْ: مِن كِتابِهِمْ، أوْ مِنَ القُرْآنِ، أوْ مِمّا جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ أوْ مِنَ الدِّينِ الَّذِي وصّى بِهِ نُوحًا. ولَمّا تَقَدَّمَ شَيْئانِ: الأمْرُ بِإقامَةِ الدِّينِ، وتَفَرُّقُ الَّذِينَ جاءَهُمُ العِلْمُ واخْتِلافُهم وكَوْنُهم في شَكٍّ، احْتَمَلَ قَوْلُهُ. (فَلِذَلِكَ)، أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى إقامَةِ الدِّينِ، أيْ: فادْعُ لِدِينِ اللَّهِ وإقامَتِهِ، لا تَحْتاجُ إلى تَقْدِيرِ اللّامِ بِمَعْنى لِأجْلِ؛ لِأنَّ دَعا يَتَعَدّى بِاللّامِ، قالَ الشّاعِرُ: ؎دَعَوْتُ لِما نابَنِي مِسْوَرًا فَلَبّى فَلَبّى يَدَيْ مِسْوَرا واحْتَمَلَ أنْ تَكُونَ اللّامُ لِلْعِلَّةِ، أيْ: فَلِأجْلِ ذَلِكَ التَّفَرُّقِ، ولِما حَدَثَ بِسَبَبِهِ مِن تَشَعُّبِ الكُفْرِ شُعُبًا، (فادْعُ) إلى الِاتِّفاقِ والِائْتِلافِ عَلى المِلَّةِ الحَنِيفِيَّةِ، (واسْتَقِمْ) أيْ: دُمْ عَلى الِاسْتِقامَةِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ﴿فاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ﴾ [هود: ١١٢]، وكَيْفِيَّةِ هَذا التَّشْبِيهِ في أواخِرِ هُودٍ. ﴿ولا تَتَّبِعْ أهْواءَهُمْ﴾ المُخْتَلِفَةَ الباطِلَةَ، وأمَرَهُ بِأنْ يُصَرِّحَ أنَّهُ آمَنَ بِكُلِّ كِتابٍ أنْزَلَهُ اللَّهُ؛ لِأنَّ الَّذِينَ تَفَرَّقُوا آمَنُوا بِبَعْضٍ. ﴿وأُمِرْتُ لِأعْدِلَ بَيْنَكُمْ﴾، قِيلَ: إنَّ المَعْنى: وأُمِرْتُ بِما أُمِرْتُ بِهِ لِأعْدِلَ بَيْنَكم في إيصالِ ما أُمِرْتُ بِهِ إلَيْكم، لا أخَصُّ شَخْصًا بِشَيْءٍ دُونَ شَخْصٍ، فالشَّرِيعَةُ واحِدَةٌ، والأحْكامُ مُشْتَرَكٌ فِيها. وقِيلَ: ﴿لِأعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾ في الحُكْمِ إذا تَخاصَمْتُمْ فَتَحاكَمْتُمْ. ﴿لا حُجَّةَ بَيْنَنا وبَيْنَكُمُ﴾ أيْ: قَدْ وضَحَتِ الحُجَجُ وقامَتِ البَراهِينُ وأنْتُمْ مَحْجُوجُونَ، فَلا حاجَةَ إلى إظْهارِ حُجَّةٍ بَعْدَ ذَلِكَ. ﴿اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا﴾ وبَيْنَكم، أيْ: يَوْمَ القِيامَةِ، فَيَفْصِلُ بَيْنَنا. وما يَظْهَرُ في هَذِهِ الآيَةِ مِنَ المُوادَعَةِ مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ. ﴿والَّذِينَ يُحاجُّونَ في اللَّهِ﴾ أيْ: يُخاصِمُونَ في دِينِهِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ: نَزَلَتْ في طائِفَةٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ هَمَّتْ بِرَدِّ النّاسِ عَنِ الإسْلامِ وإضْلالِهِمْ ومُحاجَّتِهِمْ، بَلْ قالُوا: كِتابُنا قَبْلَ كِتابِكم، ونَبِيُّنا قَبْلَ نَبِيِّكم؛ فَدِينُنا أفْضَلُ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في قُرَيْشٍ، كانُوا يُجادِلُونَ في هَذا المَعْنى، ويَطْمَعُونَ في رَدِّ المُؤْمِنِينَ إلى الجاهِلِيَّةِ. و(اسْتُجِيبَ) مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ، فَقِيلَ: المَعْنى مِن بَعْدِ ما اسْتَجابَ النّاسُ لِلَّهِ، أيْ: لِدِينِهِ ودَخَلُوا فِيهِ. وقِيلَ: مِن بَعْدِ ما اسْتَجابَ اللَّهُ لَهُ، أيْ: لِرَسُولِهِ ودِينِهِ، بِأنْ نَصَرَهُ يَوْمَ بَدْرٍ وظَهَرَ دِينُهُ. ﴿حُجَّتُهم داحِضَةٌ﴾ أيْ: باطِلَةٌ لا ثُبُوتَ لَها. ولَمّا ذَكَرَ مَن يَحاجُّ في دِينِ الإسْلامِ، صَرَّحَ بِأنَّهُ تَعالى هو الَّذِي أنْزَلَ الكِتابَ، والكِتابُ جِنْسٌ يُرادُ بِهِ الكُتُبُ الإلَهِيَّةُ. (والمِيزانَ)، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ وغَيْرُهم: هو المُعَدَّلُ؛ وعَنِ ابْنِ مُجاهِدٍ: هو هُنا المِيزانُ الَّذِي بِأيْدِي النّاسِ، وهَذا مُنْدَرِجٌ في العَدْلِ. ﴿وما يُدْرِيكَ﴾ أيُّها المُخاطَبُ، ﴿لَعَلَّ السّاعَةَ قَرِيبٌ﴾، ذُكِرَ عَلى مَعْنى البَعْثِ أوْ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ: لَعَلَّ مَجِيءَ السّاعَةِ؛ و﴿لَعَلَّ السّاعَةَ﴾ في مَوْضِعِ مَعْمُولِ ﴿وما يُدْرِيكَ﴾، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مِثْلِ هَذا في قَوْلِهِ في آخِرِ الأنْبِياءِ: ﴿وإنْ أدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ﴾ [الأنبياء: ١١١] . وتَوافَقَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ مَعَ قَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ الَّذِي أنْزَلَ الكِتابَ بِالحَقِّ والمِيزانَ﴾ . السّاعَةُ: يَوْمُ الحِسابِ ووَضْعِ الِمَوازِينِ القِسْطِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: أمَرَكُمُ اللَّهُ بِالعَدْلِ والتَّسْوِيَةِ قَبْلَ أنْ يُفاجِئَكُمُ اليَوْمُ الَّذِي يُحاسِبُكم فِيهِ ويَزِنُ أعْمالَكم. ﴿يَسْتَعْجِلُ بِها الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها﴾ (بِها) بِطَلَبِ وُقُوعِها عاجِلَةً؛ لِأنَّهم لَيْسُوا مُوقِنِينَ بِوُقُوعِها، لِيُبَيِّنَ عَجْزَ مَن يُؤْمِنُ بِها عِنْدَهم، أيْ: هي مِمّا لا يَقَعُ عِنْدَهم. ﴿ألا إنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ﴾ ويُلِحُّونَ في أمْرِ السّاعَةِ، ﴿لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ عَنِ الحَقِّ؛ لِأنَّ البَعْثَ غَيْرُ مُسْتَبْعَدٍ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ، ودَلَّ عَلَيْهِ الكِتابُ المُعْجِزُ، فَوَجَبَ الإيمانُ بِهِ. ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ﴾ أيْ: بَرٌّ بِعِبادِهِ المُؤْمِنِينَ، ومَن سَبَقَ لَهُ الخُلُودُ في الدُّنْيا، وما يُرى مِنَ النِّعَمِ عَلى الكافِرِ فَلَيْسَ بِلُطْفٍ، إنَّما هو إمْلاءٌ، ولا لُطْفَ إلّا ما آلَ إلى الرَّحْمَةِ والوَفاةِ عَلى (p-٥١٤)الإسْلامِ. وقالَ مُقاتِلٌ: لَطِيفٌ بِالبَرِّ والفاجِرِ حَيْثُ لَمْ يَقْتُلْهم جُوعًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يُوصِلُ بِرَّهُ إلى جَمِيعِهِمْ، ﴿يَرْزُقُ مَن يَشاءُ﴾ أيْ: مَن يَشاءُ يَرْزُقُهُ شَيْئًا خاصًّا، ويَحْرِمُ مَن يَشاءُ مِن ذَلِكَ الشَّيْءِ الخاصِّ، وكُلٌّ مِنهم مَرْزُوقٌ، وإنِ اخْتَلَفَ الرِّزْقُ، ﴿وهُوَ القَوِيُّ﴾ أيِ: البالِغُ القُوَّةِ، وهي القُدْرَةُ (العَزِيزُ): الغالِبُ الَّذِي لا يُغْلَبُ. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى الرِّزْقَ، ذَكَرَ حَدِيثَ الكَسْبِ. ولَمّا كانَ الحَرْثُ في الأرْضِ أصْلًا مِن أصُولِ المَكاسِبِ، اسْتُعِيرَ لِكُلِّ مَكْسَبٍ أُرِيدَ بِهِ النَّماءُ والفائِدَةُ، أيْ: مَن كانَ يُرِيدُ عَمَلَ الآخِرَةِ، وسَعى لَها سَعْيَها، ﴿نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ﴾ أيْ: في جَزاءِ حَرْثِهِ مِن تَضْعِيفِ الحَسَناتِ، ﴿ومَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنها﴾ أيِ: العَمَلَ لَها لا لِآخِرَتِهِ، ﴿نُؤْتِهِ مِنها﴾ أيْ: نُعْطِهِ شَيْئًا مِنها، وما لَهُ في الآخِرَةِ مِن نَصِيبٍ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ شَيْئًا لِلْآخِرَةِ. والجُمْلَةُ الأُولى وعْدٌ مُنْجَزٌ، والثّانِيَةُ مُقَيَّدَةٌ بِمَشِيئَتِهِ تَعالى، فَلا يَنالُهُ إلّا رِزْقُهُ الَّذِي فَرَغَ مِنهُ، وكُلُّ ما يُرِيدُهُ هو. واقْتَصَرَ في عامِلِ الآخِرَةِ عَلى ذِكْرِ حَظِّهِ في الآخِرَةِ، كَأنَّهُ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ، فَلا يُناسِبُ ذِكْرَ مَعَ ما أعَدَّ اللَّهُ لَهُ في الآخِرَةِ لِمَن يَشاءُ ما يَشاءُ. وجَعَلَ فِعْلَ الشَّرْطِ ماضِيًا، والجَوابُ مَجْزُومٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها نُوَفِّ إلَيْهِمْ أعْمالَهم فِيها﴾ [هود: ١٥]، ولا نَعْلَمُ خِلافًا في جَوازِ الجَزْمِ، فَإنَّهُ فَصِيحٌ مُخْتارٌ، إلّا ما ذَكَرَهُ صاحِبُ كِتابِ الإعْرابِ، وهو أبُو الحَكَمِ بْنُ عُذْرَةَ، عَنْ بَعْضِ النَّحْوِيِّينَ، أنَّهُ لا يَجِيءُ في الكَلامِ الفَصِيحِ، وإنَّما يَجِيءُ مَعَ كَأنَّ؛ لِأنَّها أصْلُ الأفْعالِ، ولا يَجِيءُ مَعَ غَيْرِها مِنَ الأفْعالِ. ونَصُّ كَلامِ سِيبَوَيْهِ والجَماعَةِ أنَّهُ لا يَخْتَصُّ ذَلِكَ بَـ (كانَ) بَلْ سائِرُ الأفْعالِ في ذَلِكَ مِثْلُها، وأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ لِلْفَرَزْدَقِ: ؎دَسَّتْ رَسُولًا بِأنَّ القَوْمَ إنْ قَدَرُوا ∗∗∗ عَلَيْكَ يَشْفُوا صُدُورًا ذاتَ تَوْغِيرِ وقالَ آخَرُ: ؎تَعالَ فَإنْ عاهَدْتَنِي لا تَخُونُنِي ∗∗∗ نَكُنْ مِثْلَ مَن يا ذِئْبُ يَصْطَحِبانِ وقَرَأ الجُمْهُورُ (نَزِدْ) و(نُؤْتِهِ) بِالنُّونِ فِيهِما: وابْنُ مِقْسَمٍ، والزَّعْفَرانِيُّ، ومَحْبُوبٌ، والمِنقَرِيُّ، كِلاهُما عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِالياءِ فِيهِما. وقَرَأ سَلامٌ (نُؤْتِهُ) مِنها بِرَفْعِ الهاءِ، وهي لُغَةُ الحِجازِ.

الشورى 42:17

﴿شَرَعَ لَكم مِنَ الدِّينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ وما وصَّيْنا بِهِ إبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى أنْ أقِيمُوا الدِّينَ ولا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلى المُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهم إلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إلَيْهِ مَن يَشاءُ ويَهْدِي إلَيْهِ مَن يُنِيبُ﴾ ﴿وما تَفَرَّقُوا إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهم ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ إلى أجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهم وإنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الكِتابَ مِن بَعْدِهِمْ لَفي شَكٍّ مِنهُ مُرِيبٍ﴾ ﴿فَلِذَلِكَ فادْعُ واسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ ولا تَتَّبِعْ أهْواءَهم وقُلْ آمَنتُ بِما أنْزَلَ اللَّهُ مِن كِتابٍ وأُمِرْتُ لِأعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنا ورَبُّكم لَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكم لا حُجَّةَ بَيْنَنا وبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا وإلَيْهِ المَصِيرُ﴾ ﴿والَّذِينَ يُحاجُّونَ في اللَّهِ مِن بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهم داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وعَلَيْهِمْ غَضَبٌ ولَهم عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ ﴿اللَّهُ الَّذِي أنْزَلَ الكِتابَ بِالحَقِّ والمِيزانَ وما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ ﴿يَسْتَعْجِلُ بِها الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها والَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنها ويَعْلَمُونَ أنَّها الحَقُّ ألا إنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ في السّاعَةِ لَفي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ وهو القَوِيُّ العَزِيزُ﴾ ﴿مَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ ومَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنها وما لَهُ في الآخِرَةِ مِن نَصِيبٍ﴾ . لَمّا عَدَّدَ تَعالى نِعَمَهُ عَلَيْهِمْ (p-٥١٢)الخاصَّةَ، أتْبَعَهُ بِذِكْرِ نِعَمِهِ العامَّةِ، وهو ما شَرَعَ لَهم مِنَ العَقائِدِ المُتَّفَقِ عَلَيْها، مِن تَوْحِيدِ اللَّهِ وطاعَتِهِ، والإيمانِ بِرُسُلِهِ وبِكُتُبِهِ وبِاليَوْمِ الآخِرِ، والجَزاءِ فِيهِ. ولَمّا كانَ أوَّلَ الرُّسُلِ نُوحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وآخِرَهم مُحَمَّدٌ ﷺ، قالَ: ﴿ما وصّى بِهِ نُوحًا والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾، ثُمَّ أتْبَعَ ذَلِكَ ما وصّى بِهِ إبْراهِيمَ، إذْ كانَ أبا العَرَبِ، فَفي ذَلِكَ هَزْلُهم وبَعْثٌ عَلى اتِّباعِ طَرِيقَتِهِ، ومُوسى وعِيسى - صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ -؛ لِأنَّهُما هُما اللَّذانِ كانَ أتْباعُهُما مَوْجُودِينَ زَمانَ بِعْثَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . والشَّرائِعُ مُتَّفِقَةٌ فِيما ذَكَرْنا مِنَ العَقائِدِ، وفي كَثِيرٍ مِنَ الأحْكامِ، كَتَحْرِيمِ الزِّنا والقَتْلِ بِغَيْرِ حَقٍّ. والشَّرائِعُ مُشْتَمِلَةٌ عَلى عَقائِدَ وأحْكامٍ؛ ويُقالُ: إنَّ نُوحًا أوَّلُ مَن أتى بِتَحْرِيمِ البَناتِ والأُمَّهاتِ وذَواتِ المَحارِمِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: اخْتارَ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ (أنْ) مُفَسِّرَةً؛ لِأنَّ قَبْلَها ما هو بِمَعْنى القَوْلِ، فَلا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ. وأنْ تَكُونَ أنْ المَصْدَرِيَّةَ، فَتَكُونُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى البَدَلِ مِن ما؛ وما عُطِفَ عَلَيْها، أوْ في مَوْضِعِ رَفْعٍ، أيْ: ذَلِكَ، أوْ هو إقامَةُ الدِّينِ، وهو تَوْحِيدُ اللَّهِ وما يَتْبَعُهُ مِمّا لا بُدَّ مِنِ اعْتِقادِهِ. ثُمَّ نَهى عَنِ التَّفْرِقَةِ فِيهِ؛ لِأنَّ التَّفَرُّقَ سَبَبٌ لِلْهَلاكِ، والِاجْتِماعَ والأُلْفَةَ سَبَبٌ لِلنَّجاةِ. ﴿كَبُرَ عَلى المُشْرِكِينَ﴾ أيْ: عَظُمَ وشَقَّ، ﴿ما تَدْعُوهُمْ﴾ مِن تَوْحِيدِ اللَّهِ وتَرْكِ عِبادَةِ الأصْنامِ وإقامَةِ الدِّينِ. ﴿إلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي﴾: يَجْتَلِبُ ويَجْمَعُ، ﴿إلَيْهِ مَن يَشاءُ﴾ هِدايَتَهُ، وهَذا تَسْلِيَةٌ لِلرَّسُولِ. وقِيلَ: يَجْتَبِي، فَيَجْعَلُهُ رَسُولًا إلى عِبادِهِ، ﴿ويَهْدِي إلَيْهِ مَن يُنِيبُ﴾: يَرْجِعُ إلى طاعَتِهِ عَنْ كُفْرِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (مَن يَشاءُ): مَن يَنْفَعُ فِيهِمْ تَوْفِيقُهُ ويَجْرِي عَلَيْهِمْ لُطْفُهُ. انْتَهى، وفِيهِ دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ. وقالَ الحافِظُ أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ: لَمْ يَكُنْ مَعَ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلّا بَنُوهُ، ولَمْ تُفْرَضْ لَهُ الفَرائِضُ، ولا شُرِعَتْ لَهُ المَحارِمُ، وإنَّما كانَ مُنَبَّهًا عَلى بَعْضِ الأُمُورِ، مُقْتَصِرًا عَلى ضَرُوراتِ المَعاشِ. واسْتَمَرَّ الهُدى إلى نُوحٍ، فَبَعَثَهُ اللَّهُ بِتَحْرِيمِ الأُمَّهاتِ والبَناتِ، ووَظَّفَ عَلَيْهِ الواجِباتِ، وأوْضَحَ لَهُ الأدَبَ في الدِّياناتِ. ولَمْ يَزَلْ ذَلِكَ يَتَأكَّدُ بِالرُّسُلِ ويَتَناصَرُ بِالأنْبِياءِ واحِدًا بَعْدَ واحِدٍ وشَرِيعَةً إثْرَ شَرِيعَةٍ، حَتّى خَتَمَهُ اللَّهُ بِخَيْرِ المِلَلِ عَلى لِسانِ أكْرَمِ الرُّسُلِ، فَكانَ المَعْنى: أوْصَيْناكَ يا مُحَمَّدُ ونُوحًا دِينًا واحِدًا في الأُصُولِ الَّتِي لا تَخْتَلِفُ فِيها الشَّرائِعُ، وهي التَّوْحِيدُ والصَّلاةُ والزَّكاةُ والحَجُّ والتَّقْرِيبُ بِصالِحِ الأعْمالِ، والصِّدْقُ والوَفاءُ بِالعَهْدِ، وأداءُ الأمانَةِ وصِلَةُ الرَّحِمِ، وتَحْرِيمُ الكِبْرِ والزِّنا والإذايَةِ لِلْخَلْقِ كَيْفَما تَصَرَّفَتْ، والِاعْتِداءِ عَلى الحَيَوانِ، واقْتِحامِ الدَّناءاتِ وما يَعُودُ بِخَرْمِ المُرُوءاتِ؛ فَهَذا كُلُّهُ مَشْرُوعٌ، دِينًا واحِدًا، أوْ مِلَّةً مُتَّحِدَةً، لَمْ يَخْتَلِفْ عَلى ألْسِنَةِ الأنْبِياءِ، وإنِ اخْتَلَفَتْ أعْدادُهم، وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿أنْ أقِيمُوا الدِّينَ ولا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ أيِ: اجْعَلُوهُ قائِمًا، يُرِيدُ دائِمًا مُسْتَمِرًّا مَحْفُوظًا مُسْتَقِرًّا مِن غَيْرِ خِلافٍ فِيهِ ولا اضْطِرابٍ. انْتَهى. وقالَ مُجاهِدٌ: لَمْ يُبْعَثْ نَبِيٌّ إلّا أُمِرَ بِإقامَةِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ والإقْرارِ بِاللَّهِ وطاعَتِهِ، فَهو إقامَةُ الدِّينِ. وقالَ أبُو العالِيَةِ: إقامَةُ الدِّينِ: الإخْلاصُ لِلَّهِ وعِبادَتُهُ، ﴿ولا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾، قالَ أبُو العالِيَةِ: لا تَتَعادَوْا فِيهِ. وقالَ مُقاتِلٌ: مَعْناهُ لا تَخْتَلِفُوا، فَإنَّ كُلَّ نَبِيٍّ مُصَدَّقٌ. وقِيلَ: لا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ، فَتُؤْمِنُوا بِبَعْضِ الرُّسُلِ وتَكْفُرُوا بِبَعْضٍ. ﴿وما تَفَرَّقُوا﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَعْنِي قُرَيْشًا، و(العِلْمُ) مُحَمَّدٌ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وكانُوا يَتَمَنُّونَ أنْ يُبْعَثَ إلَيْهِمْ نَبِيٌّ، كَما قالَ: ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهم نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٤٢]، يُرِيدُونَ نَبِيًّا. وقِيلَ: الضَّمِيرُ يَعُودُ عَلى أُمَمِ الأنْبِياءِ، جاءَهُمُ العِلْمُ، فَطالَ عَلَيْهِمُ الأمَدُ، فَآمَنَ قَوْمٌ وكَفَرَ قَوْمٌ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: عائِدٌ عَلى أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ، دَلِيلُهُ: ﴿وما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ﴾ [البينة: ٤]، قالَ المُشْرِكُونَ: لِمَ خُصَّ بِالنُّبُوَّةِ ؟ واليَهُودُ والنَّصارى حَسَدُوهُ. ﴿ولَوْلا كَلِمَةٌ﴾ أيْ: عِدَّةُ التَّأخُّرِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، فَحِينَئِذٍ يَقَعُ الجَزاءُ، ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾: لَجُوزُوا بِأعْمالِهِمْ في الدُّنْيا؛ لَكِنَّهُ قَضى أنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا في الآخِرَةِ. وقالَ الزَّجّاجُ: الكَلِمَةُ قَوْلُهُ: ﴿بَلِ السّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ﴾ [القمر: ٤٦] . (p-٥١٣)﴿وإنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الكِتابَ مِن بَعْدِهِمْ﴾ هم بَقِيَّةُ أهْلِ الكِتابِ الَّذِينَ عاصَرُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، (مِن بَعْدِهِمْ) أيْ: مِن بَعْدِ أسْلافِهِمْ، أوْ هُمُ المُشْرِكُونَ، أُورِثُوا الكِتابَ مِن بَعْدِ ما أُورِثَ أهْلُ الكِتابِ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (وُرِّثُوا) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مُشَدَّدَ الرّاءِ، ﴿لَفِي شَكٍّ مِنهُ﴾ أيْ: مِن كِتابِهِمْ، أوْ مِنَ القُرْآنِ، أوْ مِمّا جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ أوْ مِنَ الدِّينِ الَّذِي وصّى بِهِ نُوحًا. ولَمّا تَقَدَّمَ شَيْئانِ: الأمْرُ بِإقامَةِ الدِّينِ، وتَفَرُّقُ الَّذِينَ جاءَهُمُ العِلْمُ واخْتِلافُهم وكَوْنُهم في شَكٍّ، احْتَمَلَ قَوْلُهُ. (فَلِذَلِكَ)، أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى إقامَةِ الدِّينِ، أيْ: فادْعُ لِدِينِ اللَّهِ وإقامَتِهِ، لا تَحْتاجُ إلى تَقْدِيرِ اللّامِ بِمَعْنى لِأجْلِ؛ لِأنَّ دَعا يَتَعَدّى بِاللّامِ، قالَ الشّاعِرُ: ؎دَعَوْتُ لِما نابَنِي مِسْوَرًا فَلَبّى فَلَبّى يَدَيْ مِسْوَرا واحْتَمَلَ أنْ تَكُونَ اللّامُ لِلْعِلَّةِ، أيْ: فَلِأجْلِ ذَلِكَ التَّفَرُّقِ، ولِما حَدَثَ بِسَبَبِهِ مِن تَشَعُّبِ الكُفْرِ شُعُبًا، (فادْعُ) إلى الِاتِّفاقِ والِائْتِلافِ عَلى المِلَّةِ الحَنِيفِيَّةِ، (واسْتَقِمْ) أيْ: دُمْ عَلى الِاسْتِقامَةِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ﴿فاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ﴾ [هود: ١١٢]، وكَيْفِيَّةِ هَذا التَّشْبِيهِ في أواخِرِ هُودٍ. ﴿ولا تَتَّبِعْ أهْواءَهُمْ﴾ المُخْتَلِفَةَ الباطِلَةَ، وأمَرَهُ بِأنْ يُصَرِّحَ أنَّهُ آمَنَ بِكُلِّ كِتابٍ أنْزَلَهُ اللَّهُ؛ لِأنَّ الَّذِينَ تَفَرَّقُوا آمَنُوا بِبَعْضٍ. ﴿وأُمِرْتُ لِأعْدِلَ بَيْنَكُمْ﴾، قِيلَ: إنَّ المَعْنى: وأُمِرْتُ بِما أُمِرْتُ بِهِ لِأعْدِلَ بَيْنَكم في إيصالِ ما أُمِرْتُ بِهِ إلَيْكم، لا أخَصُّ شَخْصًا بِشَيْءٍ دُونَ شَخْصٍ، فالشَّرِيعَةُ واحِدَةٌ، والأحْكامُ مُشْتَرَكٌ فِيها. وقِيلَ: ﴿لِأعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾ في الحُكْمِ إذا تَخاصَمْتُمْ فَتَحاكَمْتُمْ. ﴿لا حُجَّةَ بَيْنَنا وبَيْنَكُمُ﴾ أيْ: قَدْ وضَحَتِ الحُجَجُ وقامَتِ البَراهِينُ وأنْتُمْ مَحْجُوجُونَ، فَلا حاجَةَ إلى إظْهارِ حُجَّةٍ بَعْدَ ذَلِكَ. ﴿اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا﴾ وبَيْنَكم، أيْ: يَوْمَ القِيامَةِ، فَيَفْصِلُ بَيْنَنا. وما يَظْهَرُ في هَذِهِ الآيَةِ مِنَ المُوادَعَةِ مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ. ﴿والَّذِينَ يُحاجُّونَ في اللَّهِ﴾ أيْ: يُخاصِمُونَ في دِينِهِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ: نَزَلَتْ في طائِفَةٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ هَمَّتْ بِرَدِّ النّاسِ عَنِ الإسْلامِ وإضْلالِهِمْ ومُحاجَّتِهِمْ، بَلْ قالُوا: كِتابُنا قَبْلَ كِتابِكم، ونَبِيُّنا قَبْلَ نَبِيِّكم؛ فَدِينُنا أفْضَلُ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في قُرَيْشٍ، كانُوا يُجادِلُونَ في هَذا المَعْنى، ويَطْمَعُونَ في رَدِّ المُؤْمِنِينَ إلى الجاهِلِيَّةِ. و(اسْتُجِيبَ) مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ، فَقِيلَ: المَعْنى مِن بَعْدِ ما اسْتَجابَ النّاسُ لِلَّهِ، أيْ: لِدِينِهِ ودَخَلُوا فِيهِ. وقِيلَ: مِن بَعْدِ ما اسْتَجابَ اللَّهُ لَهُ، أيْ: لِرَسُولِهِ ودِينِهِ، بِأنْ نَصَرَهُ يَوْمَ بَدْرٍ وظَهَرَ دِينُهُ. ﴿حُجَّتُهم داحِضَةٌ﴾ أيْ: باطِلَةٌ لا ثُبُوتَ لَها. ولَمّا ذَكَرَ مَن يَحاجُّ في دِينِ الإسْلامِ، صَرَّحَ بِأنَّهُ تَعالى هو الَّذِي أنْزَلَ الكِتابَ، والكِتابُ جِنْسٌ يُرادُ بِهِ الكُتُبُ الإلَهِيَّةُ. (والمِيزانَ)، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ وغَيْرُهم: هو المُعَدَّلُ؛ وعَنِ ابْنِ مُجاهِدٍ: هو هُنا المِيزانُ الَّذِي بِأيْدِي النّاسِ، وهَذا مُنْدَرِجٌ في العَدْلِ. ﴿وما يُدْرِيكَ﴾ أيُّها المُخاطَبُ، ﴿لَعَلَّ السّاعَةَ قَرِيبٌ﴾، ذُكِرَ عَلى مَعْنى البَعْثِ أوْ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ: لَعَلَّ مَجِيءَ السّاعَةِ؛ و﴿لَعَلَّ السّاعَةَ﴾ في مَوْضِعِ مَعْمُولِ ﴿وما يُدْرِيكَ﴾، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مِثْلِ هَذا في قَوْلِهِ في آخِرِ الأنْبِياءِ: ﴿وإنْ أدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ﴾ [الأنبياء: ١١١] . وتَوافَقَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ مَعَ قَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ الَّذِي أنْزَلَ الكِتابَ بِالحَقِّ والمِيزانَ﴾ . السّاعَةُ: يَوْمُ الحِسابِ ووَضْعِ الِمَوازِينِ القِسْطِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: أمَرَكُمُ اللَّهُ بِالعَدْلِ والتَّسْوِيَةِ قَبْلَ أنْ يُفاجِئَكُمُ اليَوْمُ الَّذِي يُحاسِبُكم فِيهِ ويَزِنُ أعْمالَكم. ﴿يَسْتَعْجِلُ بِها الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها﴾ (بِها) بِطَلَبِ وُقُوعِها عاجِلَةً؛ لِأنَّهم لَيْسُوا مُوقِنِينَ بِوُقُوعِها، لِيُبَيِّنَ عَجْزَ مَن يُؤْمِنُ بِها عِنْدَهم، أيْ: هي مِمّا لا يَقَعُ عِنْدَهم. ﴿ألا إنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ﴾ ويُلِحُّونَ في أمْرِ السّاعَةِ، ﴿لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ عَنِ الحَقِّ؛ لِأنَّ البَعْثَ غَيْرُ مُسْتَبْعَدٍ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ، ودَلَّ عَلَيْهِ الكِتابُ المُعْجِزُ، فَوَجَبَ الإيمانُ بِهِ. ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ﴾ أيْ: بَرٌّ بِعِبادِهِ المُؤْمِنِينَ، ومَن سَبَقَ لَهُ الخُلُودُ في الدُّنْيا، وما يُرى مِنَ النِّعَمِ عَلى الكافِرِ فَلَيْسَ بِلُطْفٍ، إنَّما هو إمْلاءٌ، ولا لُطْفَ إلّا ما آلَ إلى الرَّحْمَةِ والوَفاةِ عَلى (p-٥١٤)الإسْلامِ. وقالَ مُقاتِلٌ: لَطِيفٌ بِالبَرِّ والفاجِرِ حَيْثُ لَمْ يَقْتُلْهم جُوعًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يُوصِلُ بِرَّهُ إلى جَمِيعِهِمْ، ﴿يَرْزُقُ مَن يَشاءُ﴾ أيْ: مَن يَشاءُ يَرْزُقُهُ شَيْئًا خاصًّا، ويَحْرِمُ مَن يَشاءُ مِن ذَلِكَ الشَّيْءِ الخاصِّ، وكُلٌّ مِنهم مَرْزُوقٌ، وإنِ اخْتَلَفَ الرِّزْقُ، ﴿وهُوَ القَوِيُّ﴾ أيِ: البالِغُ القُوَّةِ، وهي القُدْرَةُ (العَزِيزُ): الغالِبُ الَّذِي لا يُغْلَبُ. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى الرِّزْقَ، ذَكَرَ حَدِيثَ الكَسْبِ. ولَمّا كانَ الحَرْثُ في الأرْضِ أصْلًا مِن أصُولِ المَكاسِبِ، اسْتُعِيرَ لِكُلِّ مَكْسَبٍ أُرِيدَ بِهِ النَّماءُ والفائِدَةُ، أيْ: مَن كانَ يُرِيدُ عَمَلَ الآخِرَةِ، وسَعى لَها سَعْيَها، ﴿نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ﴾ أيْ: في جَزاءِ حَرْثِهِ مِن تَضْعِيفِ الحَسَناتِ، ﴿ومَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنها﴾ أيِ: العَمَلَ لَها لا لِآخِرَتِهِ، ﴿نُؤْتِهِ مِنها﴾ أيْ: نُعْطِهِ شَيْئًا مِنها، وما لَهُ في الآخِرَةِ مِن نَصِيبٍ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ شَيْئًا لِلْآخِرَةِ. والجُمْلَةُ الأُولى وعْدٌ مُنْجَزٌ، والثّانِيَةُ مُقَيَّدَةٌ بِمَشِيئَتِهِ تَعالى، فَلا يَنالُهُ إلّا رِزْقُهُ الَّذِي فَرَغَ مِنهُ، وكُلُّ ما يُرِيدُهُ هو. واقْتَصَرَ في عامِلِ الآخِرَةِ عَلى ذِكْرِ حَظِّهِ في الآخِرَةِ، كَأنَّهُ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ، فَلا يُناسِبُ ذِكْرَ مَعَ ما أعَدَّ اللَّهُ لَهُ في الآخِرَةِ لِمَن يَشاءُ ما يَشاءُ. وجَعَلَ فِعْلَ الشَّرْطِ ماضِيًا، والجَوابُ مَجْزُومٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها نُوَفِّ إلَيْهِمْ أعْمالَهم فِيها﴾ [هود: ١٥]، ولا نَعْلَمُ خِلافًا في جَوازِ الجَزْمِ، فَإنَّهُ فَصِيحٌ مُخْتارٌ، إلّا ما ذَكَرَهُ صاحِبُ كِتابِ الإعْرابِ، وهو أبُو الحَكَمِ بْنُ عُذْرَةَ، عَنْ بَعْضِ النَّحْوِيِّينَ، أنَّهُ لا يَجِيءُ في الكَلامِ الفَصِيحِ، وإنَّما يَجِيءُ مَعَ كَأنَّ؛ لِأنَّها أصْلُ الأفْعالِ، ولا يَجِيءُ مَعَ غَيْرِها مِنَ الأفْعالِ. ونَصُّ كَلامِ سِيبَوَيْهِ والجَماعَةِ أنَّهُ لا يَخْتَصُّ ذَلِكَ بَـ (كانَ) بَلْ سائِرُ الأفْعالِ في ذَلِكَ مِثْلُها، وأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ لِلْفَرَزْدَقِ: ؎دَسَّتْ رَسُولًا بِأنَّ القَوْمَ إنْ قَدَرُوا ∗∗∗ عَلَيْكَ يَشْفُوا صُدُورًا ذاتَ تَوْغِيرِ وقالَ آخَرُ: ؎تَعالَ فَإنْ عاهَدْتَنِي لا تَخُونُنِي ∗∗∗ نَكُنْ مِثْلَ مَن يا ذِئْبُ يَصْطَحِبانِ وقَرَأ الجُمْهُورُ (نَزِدْ) و(نُؤْتِهِ) بِالنُّونِ فِيهِما: وابْنُ مِقْسَمٍ، والزَّعْفَرانِيُّ، ومَحْبُوبٌ، والمِنقَرِيُّ، كِلاهُما عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِالياءِ فِيهِما. وقَرَأ سَلامٌ (نُؤْتِهُ) مِنها بِرَفْعِ الهاءِ، وهي لُغَةُ الحِجازِ.

الشورى 42:18

﴿شَرَعَ لَكم مِنَ الدِّينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ وما وصَّيْنا بِهِ إبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى أنْ أقِيمُوا الدِّينَ ولا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلى المُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهم إلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إلَيْهِ مَن يَشاءُ ويَهْدِي إلَيْهِ مَن يُنِيبُ﴾ ﴿وما تَفَرَّقُوا إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهم ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ إلى أجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهم وإنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الكِتابَ مِن بَعْدِهِمْ لَفي شَكٍّ مِنهُ مُرِيبٍ﴾ ﴿فَلِذَلِكَ فادْعُ واسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ ولا تَتَّبِعْ أهْواءَهم وقُلْ آمَنتُ بِما أنْزَلَ اللَّهُ مِن كِتابٍ وأُمِرْتُ لِأعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنا ورَبُّكم لَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكم لا حُجَّةَ بَيْنَنا وبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا وإلَيْهِ المَصِيرُ﴾ ﴿والَّذِينَ يُحاجُّونَ في اللَّهِ مِن بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهم داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وعَلَيْهِمْ غَضَبٌ ولَهم عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ ﴿اللَّهُ الَّذِي أنْزَلَ الكِتابَ بِالحَقِّ والمِيزانَ وما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ ﴿يَسْتَعْجِلُ بِها الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها والَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنها ويَعْلَمُونَ أنَّها الحَقُّ ألا إنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ في السّاعَةِ لَفي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ وهو القَوِيُّ العَزِيزُ﴾ ﴿مَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ ومَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنها وما لَهُ في الآخِرَةِ مِن نَصِيبٍ﴾ . لَمّا عَدَّدَ تَعالى نِعَمَهُ عَلَيْهِمْ (p-٥١٢)الخاصَّةَ، أتْبَعَهُ بِذِكْرِ نِعَمِهِ العامَّةِ، وهو ما شَرَعَ لَهم مِنَ العَقائِدِ المُتَّفَقِ عَلَيْها، مِن تَوْحِيدِ اللَّهِ وطاعَتِهِ، والإيمانِ بِرُسُلِهِ وبِكُتُبِهِ وبِاليَوْمِ الآخِرِ، والجَزاءِ فِيهِ. ولَمّا كانَ أوَّلَ الرُّسُلِ نُوحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وآخِرَهم مُحَمَّدٌ ﷺ، قالَ: ﴿ما وصّى بِهِ نُوحًا والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾، ثُمَّ أتْبَعَ ذَلِكَ ما وصّى بِهِ إبْراهِيمَ، إذْ كانَ أبا العَرَبِ، فَفي ذَلِكَ هَزْلُهم وبَعْثٌ عَلى اتِّباعِ طَرِيقَتِهِ، ومُوسى وعِيسى - صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ -؛ لِأنَّهُما هُما اللَّذانِ كانَ أتْباعُهُما مَوْجُودِينَ زَمانَ بِعْثَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . والشَّرائِعُ مُتَّفِقَةٌ فِيما ذَكَرْنا مِنَ العَقائِدِ، وفي كَثِيرٍ مِنَ الأحْكامِ، كَتَحْرِيمِ الزِّنا والقَتْلِ بِغَيْرِ حَقٍّ. والشَّرائِعُ مُشْتَمِلَةٌ عَلى عَقائِدَ وأحْكامٍ؛ ويُقالُ: إنَّ نُوحًا أوَّلُ مَن أتى بِتَحْرِيمِ البَناتِ والأُمَّهاتِ وذَواتِ المَحارِمِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: اخْتارَ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ (أنْ) مُفَسِّرَةً؛ لِأنَّ قَبْلَها ما هو بِمَعْنى القَوْلِ، فَلا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ. وأنْ تَكُونَ أنْ المَصْدَرِيَّةَ، فَتَكُونُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى البَدَلِ مِن ما؛ وما عُطِفَ عَلَيْها، أوْ في مَوْضِعِ رَفْعٍ، أيْ: ذَلِكَ، أوْ هو إقامَةُ الدِّينِ، وهو تَوْحِيدُ اللَّهِ وما يَتْبَعُهُ مِمّا لا بُدَّ مِنِ اعْتِقادِهِ. ثُمَّ نَهى عَنِ التَّفْرِقَةِ فِيهِ؛ لِأنَّ التَّفَرُّقَ سَبَبٌ لِلْهَلاكِ، والِاجْتِماعَ والأُلْفَةَ سَبَبٌ لِلنَّجاةِ. ﴿كَبُرَ عَلى المُشْرِكِينَ﴾ أيْ: عَظُمَ وشَقَّ، ﴿ما تَدْعُوهُمْ﴾ مِن تَوْحِيدِ اللَّهِ وتَرْكِ عِبادَةِ الأصْنامِ وإقامَةِ الدِّينِ. ﴿إلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي﴾: يَجْتَلِبُ ويَجْمَعُ، ﴿إلَيْهِ مَن يَشاءُ﴾ هِدايَتَهُ، وهَذا تَسْلِيَةٌ لِلرَّسُولِ. وقِيلَ: يَجْتَبِي، فَيَجْعَلُهُ رَسُولًا إلى عِبادِهِ، ﴿ويَهْدِي إلَيْهِ مَن يُنِيبُ﴾: يَرْجِعُ إلى طاعَتِهِ عَنْ كُفْرِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (مَن يَشاءُ): مَن يَنْفَعُ فِيهِمْ تَوْفِيقُهُ ويَجْرِي عَلَيْهِمْ لُطْفُهُ. انْتَهى، وفِيهِ دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ. وقالَ الحافِظُ أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ: لَمْ يَكُنْ مَعَ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلّا بَنُوهُ، ولَمْ تُفْرَضْ لَهُ الفَرائِضُ، ولا شُرِعَتْ لَهُ المَحارِمُ، وإنَّما كانَ مُنَبَّهًا عَلى بَعْضِ الأُمُورِ، مُقْتَصِرًا عَلى ضَرُوراتِ المَعاشِ. واسْتَمَرَّ الهُدى إلى نُوحٍ، فَبَعَثَهُ اللَّهُ بِتَحْرِيمِ الأُمَّهاتِ والبَناتِ، ووَظَّفَ عَلَيْهِ الواجِباتِ، وأوْضَحَ لَهُ الأدَبَ في الدِّياناتِ. ولَمْ يَزَلْ ذَلِكَ يَتَأكَّدُ بِالرُّسُلِ ويَتَناصَرُ بِالأنْبِياءِ واحِدًا بَعْدَ واحِدٍ وشَرِيعَةً إثْرَ شَرِيعَةٍ، حَتّى خَتَمَهُ اللَّهُ بِخَيْرِ المِلَلِ عَلى لِسانِ أكْرَمِ الرُّسُلِ، فَكانَ المَعْنى: أوْصَيْناكَ يا مُحَمَّدُ ونُوحًا دِينًا واحِدًا في الأُصُولِ الَّتِي لا تَخْتَلِفُ فِيها الشَّرائِعُ، وهي التَّوْحِيدُ والصَّلاةُ والزَّكاةُ والحَجُّ والتَّقْرِيبُ بِصالِحِ الأعْمالِ، والصِّدْقُ والوَفاءُ بِالعَهْدِ، وأداءُ الأمانَةِ وصِلَةُ الرَّحِمِ، وتَحْرِيمُ الكِبْرِ والزِّنا والإذايَةِ لِلْخَلْقِ كَيْفَما تَصَرَّفَتْ، والِاعْتِداءِ عَلى الحَيَوانِ، واقْتِحامِ الدَّناءاتِ وما يَعُودُ بِخَرْمِ المُرُوءاتِ؛ فَهَذا كُلُّهُ مَشْرُوعٌ، دِينًا واحِدًا، أوْ مِلَّةً مُتَّحِدَةً، لَمْ يَخْتَلِفْ عَلى ألْسِنَةِ الأنْبِياءِ، وإنِ اخْتَلَفَتْ أعْدادُهم، وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿أنْ أقِيمُوا الدِّينَ ولا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ أيِ: اجْعَلُوهُ قائِمًا، يُرِيدُ دائِمًا مُسْتَمِرًّا مَحْفُوظًا مُسْتَقِرًّا مِن غَيْرِ خِلافٍ فِيهِ ولا اضْطِرابٍ. انْتَهى. وقالَ مُجاهِدٌ: لَمْ يُبْعَثْ نَبِيٌّ إلّا أُمِرَ بِإقامَةِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ والإقْرارِ بِاللَّهِ وطاعَتِهِ، فَهو إقامَةُ الدِّينِ. وقالَ أبُو العالِيَةِ: إقامَةُ الدِّينِ: الإخْلاصُ لِلَّهِ وعِبادَتُهُ، ﴿ولا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾، قالَ أبُو العالِيَةِ: لا تَتَعادَوْا فِيهِ. وقالَ مُقاتِلٌ: مَعْناهُ لا تَخْتَلِفُوا، فَإنَّ كُلَّ نَبِيٍّ مُصَدَّقٌ. وقِيلَ: لا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ، فَتُؤْمِنُوا بِبَعْضِ الرُّسُلِ وتَكْفُرُوا بِبَعْضٍ. ﴿وما تَفَرَّقُوا﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَعْنِي قُرَيْشًا، و(العِلْمُ) مُحَمَّدٌ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وكانُوا يَتَمَنُّونَ أنْ يُبْعَثَ إلَيْهِمْ نَبِيٌّ، كَما قالَ: ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهم نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٤٢]، يُرِيدُونَ نَبِيًّا. وقِيلَ: الضَّمِيرُ يَعُودُ عَلى أُمَمِ الأنْبِياءِ، جاءَهُمُ العِلْمُ، فَطالَ عَلَيْهِمُ الأمَدُ، فَآمَنَ قَوْمٌ وكَفَرَ قَوْمٌ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: عائِدٌ عَلى أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ، دَلِيلُهُ: ﴿وما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ﴾ [البينة: ٤]، قالَ المُشْرِكُونَ: لِمَ خُصَّ بِالنُّبُوَّةِ ؟ واليَهُودُ والنَّصارى حَسَدُوهُ. ﴿ولَوْلا كَلِمَةٌ﴾ أيْ: عِدَّةُ التَّأخُّرِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، فَحِينَئِذٍ يَقَعُ الجَزاءُ، ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾: لَجُوزُوا بِأعْمالِهِمْ في الدُّنْيا؛ لَكِنَّهُ قَضى أنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا في الآخِرَةِ. وقالَ الزَّجّاجُ: الكَلِمَةُ قَوْلُهُ: ﴿بَلِ السّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ﴾ [القمر: ٤٦] . (p-٥١٣)﴿وإنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الكِتابَ مِن بَعْدِهِمْ﴾ هم بَقِيَّةُ أهْلِ الكِتابِ الَّذِينَ عاصَرُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، (مِن بَعْدِهِمْ) أيْ: مِن بَعْدِ أسْلافِهِمْ، أوْ هُمُ المُشْرِكُونَ، أُورِثُوا الكِتابَ مِن بَعْدِ ما أُورِثَ أهْلُ الكِتابِ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (وُرِّثُوا) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مُشَدَّدَ الرّاءِ، ﴿لَفِي شَكٍّ مِنهُ﴾ أيْ: مِن كِتابِهِمْ، أوْ مِنَ القُرْآنِ، أوْ مِمّا جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ أوْ مِنَ الدِّينِ الَّذِي وصّى بِهِ نُوحًا. ولَمّا تَقَدَّمَ شَيْئانِ: الأمْرُ بِإقامَةِ الدِّينِ، وتَفَرُّقُ الَّذِينَ جاءَهُمُ العِلْمُ واخْتِلافُهم وكَوْنُهم في شَكٍّ، احْتَمَلَ قَوْلُهُ. (فَلِذَلِكَ)، أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى إقامَةِ الدِّينِ، أيْ: فادْعُ لِدِينِ اللَّهِ وإقامَتِهِ، لا تَحْتاجُ إلى تَقْدِيرِ اللّامِ بِمَعْنى لِأجْلِ؛ لِأنَّ دَعا يَتَعَدّى بِاللّامِ، قالَ الشّاعِرُ: ؎دَعَوْتُ لِما نابَنِي مِسْوَرًا فَلَبّى فَلَبّى يَدَيْ مِسْوَرا واحْتَمَلَ أنْ تَكُونَ اللّامُ لِلْعِلَّةِ، أيْ: فَلِأجْلِ ذَلِكَ التَّفَرُّقِ، ولِما حَدَثَ بِسَبَبِهِ مِن تَشَعُّبِ الكُفْرِ شُعُبًا، (فادْعُ) إلى الِاتِّفاقِ والِائْتِلافِ عَلى المِلَّةِ الحَنِيفِيَّةِ، (واسْتَقِمْ) أيْ: دُمْ عَلى الِاسْتِقامَةِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ﴿فاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ﴾ [هود: ١١٢]، وكَيْفِيَّةِ هَذا التَّشْبِيهِ في أواخِرِ هُودٍ. ﴿ولا تَتَّبِعْ أهْواءَهُمْ﴾ المُخْتَلِفَةَ الباطِلَةَ، وأمَرَهُ بِأنْ يُصَرِّحَ أنَّهُ آمَنَ بِكُلِّ كِتابٍ أنْزَلَهُ اللَّهُ؛ لِأنَّ الَّذِينَ تَفَرَّقُوا آمَنُوا بِبَعْضٍ. ﴿وأُمِرْتُ لِأعْدِلَ بَيْنَكُمْ﴾، قِيلَ: إنَّ المَعْنى: وأُمِرْتُ بِما أُمِرْتُ بِهِ لِأعْدِلَ بَيْنَكم في إيصالِ ما أُمِرْتُ بِهِ إلَيْكم، لا أخَصُّ شَخْصًا بِشَيْءٍ دُونَ شَخْصٍ، فالشَّرِيعَةُ واحِدَةٌ، والأحْكامُ مُشْتَرَكٌ فِيها. وقِيلَ: ﴿لِأعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾ في الحُكْمِ إذا تَخاصَمْتُمْ فَتَحاكَمْتُمْ. ﴿لا حُجَّةَ بَيْنَنا وبَيْنَكُمُ﴾ أيْ: قَدْ وضَحَتِ الحُجَجُ وقامَتِ البَراهِينُ وأنْتُمْ مَحْجُوجُونَ، فَلا حاجَةَ إلى إظْهارِ حُجَّةٍ بَعْدَ ذَلِكَ. ﴿اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا﴾ وبَيْنَكم، أيْ: يَوْمَ القِيامَةِ، فَيَفْصِلُ بَيْنَنا. وما يَظْهَرُ في هَذِهِ الآيَةِ مِنَ المُوادَعَةِ مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ. ﴿والَّذِينَ يُحاجُّونَ في اللَّهِ﴾ أيْ: يُخاصِمُونَ في دِينِهِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ: نَزَلَتْ في طائِفَةٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ هَمَّتْ بِرَدِّ النّاسِ عَنِ الإسْلامِ وإضْلالِهِمْ ومُحاجَّتِهِمْ، بَلْ قالُوا: كِتابُنا قَبْلَ كِتابِكم، ونَبِيُّنا قَبْلَ نَبِيِّكم؛ فَدِينُنا أفْضَلُ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في قُرَيْشٍ، كانُوا يُجادِلُونَ في هَذا المَعْنى، ويَطْمَعُونَ في رَدِّ المُؤْمِنِينَ إلى الجاهِلِيَّةِ. و(اسْتُجِيبَ) مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ، فَقِيلَ: المَعْنى مِن بَعْدِ ما اسْتَجابَ النّاسُ لِلَّهِ، أيْ: لِدِينِهِ ودَخَلُوا فِيهِ. وقِيلَ: مِن بَعْدِ ما اسْتَجابَ اللَّهُ لَهُ، أيْ: لِرَسُولِهِ ودِينِهِ، بِأنْ نَصَرَهُ يَوْمَ بَدْرٍ وظَهَرَ دِينُهُ. ﴿حُجَّتُهم داحِضَةٌ﴾ أيْ: باطِلَةٌ لا ثُبُوتَ لَها. ولَمّا ذَكَرَ مَن يَحاجُّ في دِينِ الإسْلامِ، صَرَّحَ بِأنَّهُ تَعالى هو الَّذِي أنْزَلَ الكِتابَ، والكِتابُ جِنْسٌ يُرادُ بِهِ الكُتُبُ الإلَهِيَّةُ. (والمِيزانَ)، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ وغَيْرُهم: هو المُعَدَّلُ؛ وعَنِ ابْنِ مُجاهِدٍ: هو هُنا المِيزانُ الَّذِي بِأيْدِي النّاسِ، وهَذا مُنْدَرِجٌ في العَدْلِ. ﴿وما يُدْرِيكَ﴾ أيُّها المُخاطَبُ، ﴿لَعَلَّ السّاعَةَ قَرِيبٌ﴾، ذُكِرَ عَلى مَعْنى البَعْثِ أوْ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ: لَعَلَّ مَجِيءَ السّاعَةِ؛ و﴿لَعَلَّ السّاعَةَ﴾ في مَوْضِعِ مَعْمُولِ ﴿وما يُدْرِيكَ﴾، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مِثْلِ هَذا في قَوْلِهِ في آخِرِ الأنْبِياءِ: ﴿وإنْ أدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ﴾ [الأنبياء: ١١١] . وتَوافَقَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ مَعَ قَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ الَّذِي أنْزَلَ الكِتابَ بِالحَقِّ والمِيزانَ﴾ . السّاعَةُ: يَوْمُ الحِسابِ ووَضْعِ الِمَوازِينِ القِسْطِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: أمَرَكُمُ اللَّهُ بِالعَدْلِ والتَّسْوِيَةِ قَبْلَ أنْ يُفاجِئَكُمُ اليَوْمُ الَّذِي يُحاسِبُكم فِيهِ ويَزِنُ أعْمالَكم. ﴿يَسْتَعْجِلُ بِها الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها﴾ (بِها) بِطَلَبِ وُقُوعِها عاجِلَةً؛ لِأنَّهم لَيْسُوا مُوقِنِينَ بِوُقُوعِها، لِيُبَيِّنَ عَجْزَ مَن يُؤْمِنُ بِها عِنْدَهم، أيْ: هي مِمّا لا يَقَعُ عِنْدَهم. ﴿ألا إنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ﴾ ويُلِحُّونَ في أمْرِ السّاعَةِ، ﴿لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ عَنِ الحَقِّ؛ لِأنَّ البَعْثَ غَيْرُ مُسْتَبْعَدٍ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ، ودَلَّ عَلَيْهِ الكِتابُ المُعْجِزُ، فَوَجَبَ الإيمانُ بِهِ. ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ﴾ أيْ: بَرٌّ بِعِبادِهِ المُؤْمِنِينَ، ومَن سَبَقَ لَهُ الخُلُودُ في الدُّنْيا، وما يُرى مِنَ النِّعَمِ عَلى الكافِرِ فَلَيْسَ بِلُطْفٍ، إنَّما هو إمْلاءٌ، ولا لُطْفَ إلّا ما آلَ إلى الرَّحْمَةِ والوَفاةِ عَلى (p-٥١٤)الإسْلامِ. وقالَ مُقاتِلٌ: لَطِيفٌ بِالبَرِّ والفاجِرِ حَيْثُ لَمْ يَقْتُلْهم جُوعًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يُوصِلُ بِرَّهُ إلى جَمِيعِهِمْ، ﴿يَرْزُقُ مَن يَشاءُ﴾ أيْ: مَن يَشاءُ يَرْزُقُهُ شَيْئًا خاصًّا، ويَحْرِمُ مَن يَشاءُ مِن ذَلِكَ الشَّيْءِ الخاصِّ، وكُلٌّ مِنهم مَرْزُوقٌ، وإنِ اخْتَلَفَ الرِّزْقُ، ﴿وهُوَ القَوِيُّ﴾ أيِ: البالِغُ القُوَّةِ، وهي القُدْرَةُ (العَزِيزُ): الغالِبُ الَّذِي لا يُغْلَبُ. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى الرِّزْقَ، ذَكَرَ حَدِيثَ الكَسْبِ. ولَمّا كانَ الحَرْثُ في الأرْضِ أصْلًا مِن أصُولِ المَكاسِبِ، اسْتُعِيرَ لِكُلِّ مَكْسَبٍ أُرِيدَ بِهِ النَّماءُ والفائِدَةُ، أيْ: مَن كانَ يُرِيدُ عَمَلَ الآخِرَةِ، وسَعى لَها سَعْيَها، ﴿نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ﴾ أيْ: في جَزاءِ حَرْثِهِ مِن تَضْعِيفِ الحَسَناتِ، ﴿ومَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنها﴾ أيِ: العَمَلَ لَها لا لِآخِرَتِهِ، ﴿نُؤْتِهِ مِنها﴾ أيْ: نُعْطِهِ شَيْئًا مِنها، وما لَهُ في الآخِرَةِ مِن نَصِيبٍ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ شَيْئًا لِلْآخِرَةِ. والجُمْلَةُ الأُولى وعْدٌ مُنْجَزٌ، والثّانِيَةُ مُقَيَّدَةٌ بِمَشِيئَتِهِ تَعالى، فَلا يَنالُهُ إلّا رِزْقُهُ الَّذِي فَرَغَ مِنهُ، وكُلُّ ما يُرِيدُهُ هو. واقْتَصَرَ في عامِلِ الآخِرَةِ عَلى ذِكْرِ حَظِّهِ في الآخِرَةِ، كَأنَّهُ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ، فَلا يُناسِبُ ذِكْرَ مَعَ ما أعَدَّ اللَّهُ لَهُ في الآخِرَةِ لِمَن يَشاءُ ما يَشاءُ. وجَعَلَ فِعْلَ الشَّرْطِ ماضِيًا، والجَوابُ مَجْزُومٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها نُوَفِّ إلَيْهِمْ أعْمالَهم فِيها﴾ [هود: ١٥]، ولا نَعْلَمُ خِلافًا في جَوازِ الجَزْمِ، فَإنَّهُ فَصِيحٌ مُخْتارٌ، إلّا ما ذَكَرَهُ صاحِبُ كِتابِ الإعْرابِ، وهو أبُو الحَكَمِ بْنُ عُذْرَةَ، عَنْ بَعْضِ النَّحْوِيِّينَ، أنَّهُ لا يَجِيءُ في الكَلامِ الفَصِيحِ، وإنَّما يَجِيءُ مَعَ كَأنَّ؛ لِأنَّها أصْلُ الأفْعالِ، ولا يَجِيءُ مَعَ غَيْرِها مِنَ الأفْعالِ. ونَصُّ كَلامِ سِيبَوَيْهِ والجَماعَةِ أنَّهُ لا يَخْتَصُّ ذَلِكَ بَـ (كانَ) بَلْ سائِرُ الأفْعالِ في ذَلِكَ مِثْلُها، وأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ لِلْفَرَزْدَقِ: ؎دَسَّتْ رَسُولًا بِأنَّ القَوْمَ إنْ قَدَرُوا ∗∗∗ عَلَيْكَ يَشْفُوا صُدُورًا ذاتَ تَوْغِيرِ وقالَ آخَرُ: ؎تَعالَ فَإنْ عاهَدْتَنِي لا تَخُونُنِي ∗∗∗ نَكُنْ مِثْلَ مَن يا ذِئْبُ يَصْطَحِبانِ وقَرَأ الجُمْهُورُ (نَزِدْ) و(نُؤْتِهِ) بِالنُّونِ فِيهِما: وابْنُ مِقْسَمٍ، والزَّعْفَرانِيُّ، ومَحْبُوبٌ، والمِنقَرِيُّ، كِلاهُما عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِالياءِ فِيهِما. وقَرَأ سَلامٌ (نُؤْتِهُ) مِنها بِرَفْعِ الهاءِ، وهي لُغَةُ الحِجازِ.

الشورى 42:19

﴿شَرَعَ لَكم مِنَ الدِّينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ وما وصَّيْنا بِهِ إبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى أنْ أقِيمُوا الدِّينَ ولا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلى المُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهم إلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إلَيْهِ مَن يَشاءُ ويَهْدِي إلَيْهِ مَن يُنِيبُ﴾ ﴿وما تَفَرَّقُوا إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهم ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ إلى أجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهم وإنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الكِتابَ مِن بَعْدِهِمْ لَفي شَكٍّ مِنهُ مُرِيبٍ﴾ ﴿فَلِذَلِكَ فادْعُ واسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ ولا تَتَّبِعْ أهْواءَهم وقُلْ آمَنتُ بِما أنْزَلَ اللَّهُ مِن كِتابٍ وأُمِرْتُ لِأعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنا ورَبُّكم لَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكم لا حُجَّةَ بَيْنَنا وبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا وإلَيْهِ المَصِيرُ﴾ ﴿والَّذِينَ يُحاجُّونَ في اللَّهِ مِن بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهم داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وعَلَيْهِمْ غَضَبٌ ولَهم عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ ﴿اللَّهُ الَّذِي أنْزَلَ الكِتابَ بِالحَقِّ والمِيزانَ وما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ ﴿يَسْتَعْجِلُ بِها الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها والَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنها ويَعْلَمُونَ أنَّها الحَقُّ ألا إنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ في السّاعَةِ لَفي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ وهو القَوِيُّ العَزِيزُ﴾ ﴿مَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ ومَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنها وما لَهُ في الآخِرَةِ مِن نَصِيبٍ﴾ . لَمّا عَدَّدَ تَعالى نِعَمَهُ عَلَيْهِمْ (p-٥١٢)الخاصَّةَ، أتْبَعَهُ بِذِكْرِ نِعَمِهِ العامَّةِ، وهو ما شَرَعَ لَهم مِنَ العَقائِدِ المُتَّفَقِ عَلَيْها، مِن تَوْحِيدِ اللَّهِ وطاعَتِهِ، والإيمانِ بِرُسُلِهِ وبِكُتُبِهِ وبِاليَوْمِ الآخِرِ، والجَزاءِ فِيهِ. ولَمّا كانَ أوَّلَ الرُّسُلِ نُوحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وآخِرَهم مُحَمَّدٌ ﷺ، قالَ: ﴿ما وصّى بِهِ نُوحًا والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾، ثُمَّ أتْبَعَ ذَلِكَ ما وصّى بِهِ إبْراهِيمَ، إذْ كانَ أبا العَرَبِ، فَفي ذَلِكَ هَزْلُهم وبَعْثٌ عَلى اتِّباعِ طَرِيقَتِهِ، ومُوسى وعِيسى - صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ -؛ لِأنَّهُما هُما اللَّذانِ كانَ أتْباعُهُما مَوْجُودِينَ زَمانَ بِعْثَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . والشَّرائِعُ مُتَّفِقَةٌ فِيما ذَكَرْنا مِنَ العَقائِدِ، وفي كَثِيرٍ مِنَ الأحْكامِ، كَتَحْرِيمِ الزِّنا والقَتْلِ بِغَيْرِ حَقٍّ. والشَّرائِعُ مُشْتَمِلَةٌ عَلى عَقائِدَ وأحْكامٍ؛ ويُقالُ: إنَّ نُوحًا أوَّلُ مَن أتى بِتَحْرِيمِ البَناتِ والأُمَّهاتِ وذَواتِ المَحارِمِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: اخْتارَ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ (أنْ) مُفَسِّرَةً؛ لِأنَّ قَبْلَها ما هو بِمَعْنى القَوْلِ، فَلا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ. وأنْ تَكُونَ أنْ المَصْدَرِيَّةَ، فَتَكُونُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى البَدَلِ مِن ما؛ وما عُطِفَ عَلَيْها، أوْ في مَوْضِعِ رَفْعٍ، أيْ: ذَلِكَ، أوْ هو إقامَةُ الدِّينِ، وهو تَوْحِيدُ اللَّهِ وما يَتْبَعُهُ مِمّا لا بُدَّ مِنِ اعْتِقادِهِ. ثُمَّ نَهى عَنِ التَّفْرِقَةِ فِيهِ؛ لِأنَّ التَّفَرُّقَ سَبَبٌ لِلْهَلاكِ، والِاجْتِماعَ والأُلْفَةَ سَبَبٌ لِلنَّجاةِ. ﴿كَبُرَ عَلى المُشْرِكِينَ﴾ أيْ: عَظُمَ وشَقَّ، ﴿ما تَدْعُوهُمْ﴾ مِن تَوْحِيدِ اللَّهِ وتَرْكِ عِبادَةِ الأصْنامِ وإقامَةِ الدِّينِ. ﴿إلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي﴾: يَجْتَلِبُ ويَجْمَعُ، ﴿إلَيْهِ مَن يَشاءُ﴾ هِدايَتَهُ، وهَذا تَسْلِيَةٌ لِلرَّسُولِ. وقِيلَ: يَجْتَبِي، فَيَجْعَلُهُ رَسُولًا إلى عِبادِهِ، ﴿ويَهْدِي إلَيْهِ مَن يُنِيبُ﴾: يَرْجِعُ إلى طاعَتِهِ عَنْ كُفْرِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (مَن يَشاءُ): مَن يَنْفَعُ فِيهِمْ تَوْفِيقُهُ ويَجْرِي عَلَيْهِمْ لُطْفُهُ. انْتَهى، وفِيهِ دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ. وقالَ الحافِظُ أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ: لَمْ يَكُنْ مَعَ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلّا بَنُوهُ، ولَمْ تُفْرَضْ لَهُ الفَرائِضُ، ولا شُرِعَتْ لَهُ المَحارِمُ، وإنَّما كانَ مُنَبَّهًا عَلى بَعْضِ الأُمُورِ، مُقْتَصِرًا عَلى ضَرُوراتِ المَعاشِ. واسْتَمَرَّ الهُدى إلى نُوحٍ، فَبَعَثَهُ اللَّهُ بِتَحْرِيمِ الأُمَّهاتِ والبَناتِ، ووَظَّفَ عَلَيْهِ الواجِباتِ، وأوْضَحَ لَهُ الأدَبَ في الدِّياناتِ. ولَمْ يَزَلْ ذَلِكَ يَتَأكَّدُ بِالرُّسُلِ ويَتَناصَرُ بِالأنْبِياءِ واحِدًا بَعْدَ واحِدٍ وشَرِيعَةً إثْرَ شَرِيعَةٍ، حَتّى خَتَمَهُ اللَّهُ بِخَيْرِ المِلَلِ عَلى لِسانِ أكْرَمِ الرُّسُلِ، فَكانَ المَعْنى: أوْصَيْناكَ يا مُحَمَّدُ ونُوحًا دِينًا واحِدًا في الأُصُولِ الَّتِي لا تَخْتَلِفُ فِيها الشَّرائِعُ، وهي التَّوْحِيدُ والصَّلاةُ والزَّكاةُ والحَجُّ والتَّقْرِيبُ بِصالِحِ الأعْمالِ، والصِّدْقُ والوَفاءُ بِالعَهْدِ، وأداءُ الأمانَةِ وصِلَةُ الرَّحِمِ، وتَحْرِيمُ الكِبْرِ والزِّنا والإذايَةِ لِلْخَلْقِ كَيْفَما تَصَرَّفَتْ، والِاعْتِداءِ عَلى الحَيَوانِ، واقْتِحامِ الدَّناءاتِ وما يَعُودُ بِخَرْمِ المُرُوءاتِ؛ فَهَذا كُلُّهُ مَشْرُوعٌ، دِينًا واحِدًا، أوْ مِلَّةً مُتَّحِدَةً، لَمْ يَخْتَلِفْ عَلى ألْسِنَةِ الأنْبِياءِ، وإنِ اخْتَلَفَتْ أعْدادُهم، وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿أنْ أقِيمُوا الدِّينَ ولا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ أيِ: اجْعَلُوهُ قائِمًا، يُرِيدُ دائِمًا مُسْتَمِرًّا مَحْفُوظًا مُسْتَقِرًّا مِن غَيْرِ خِلافٍ فِيهِ ولا اضْطِرابٍ. انْتَهى. وقالَ مُجاهِدٌ: لَمْ يُبْعَثْ نَبِيٌّ إلّا أُمِرَ بِإقامَةِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ والإقْرارِ بِاللَّهِ وطاعَتِهِ، فَهو إقامَةُ الدِّينِ. وقالَ أبُو العالِيَةِ: إقامَةُ الدِّينِ: الإخْلاصُ لِلَّهِ وعِبادَتُهُ، ﴿ولا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾، قالَ أبُو العالِيَةِ: لا تَتَعادَوْا فِيهِ. وقالَ مُقاتِلٌ: مَعْناهُ لا تَخْتَلِفُوا، فَإنَّ كُلَّ نَبِيٍّ مُصَدَّقٌ. وقِيلَ: لا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ، فَتُؤْمِنُوا بِبَعْضِ الرُّسُلِ وتَكْفُرُوا بِبَعْضٍ. ﴿وما تَفَرَّقُوا﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَعْنِي قُرَيْشًا، و(العِلْمُ) مُحَمَّدٌ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وكانُوا يَتَمَنُّونَ أنْ يُبْعَثَ إلَيْهِمْ نَبِيٌّ، كَما قالَ: ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهم نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٤٢]، يُرِيدُونَ نَبِيًّا. وقِيلَ: الضَّمِيرُ يَعُودُ عَلى أُمَمِ الأنْبِياءِ، جاءَهُمُ العِلْمُ، فَطالَ عَلَيْهِمُ الأمَدُ، فَآمَنَ قَوْمٌ وكَفَرَ قَوْمٌ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: عائِدٌ عَلى أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ، دَلِيلُهُ: ﴿وما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ﴾ [البينة: ٤]، قالَ المُشْرِكُونَ: لِمَ خُصَّ بِالنُّبُوَّةِ ؟ واليَهُودُ والنَّصارى حَسَدُوهُ. ﴿ولَوْلا كَلِمَةٌ﴾ أيْ: عِدَّةُ التَّأخُّرِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، فَحِينَئِذٍ يَقَعُ الجَزاءُ، ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾: لَجُوزُوا بِأعْمالِهِمْ في الدُّنْيا؛ لَكِنَّهُ قَضى أنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا في الآخِرَةِ. وقالَ الزَّجّاجُ: الكَلِمَةُ قَوْلُهُ: ﴿بَلِ السّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ﴾ [القمر: ٤٦] . (p-٥١٣)﴿وإنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الكِتابَ مِن بَعْدِهِمْ﴾ هم بَقِيَّةُ أهْلِ الكِتابِ الَّذِينَ عاصَرُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، (مِن بَعْدِهِمْ) أيْ: مِن بَعْدِ أسْلافِهِمْ، أوْ هُمُ المُشْرِكُونَ، أُورِثُوا الكِتابَ مِن بَعْدِ ما أُورِثَ أهْلُ الكِتابِ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (وُرِّثُوا) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مُشَدَّدَ الرّاءِ، ﴿لَفِي شَكٍّ مِنهُ﴾ أيْ: مِن كِتابِهِمْ، أوْ مِنَ القُرْآنِ، أوْ مِمّا جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ أوْ مِنَ الدِّينِ الَّذِي وصّى بِهِ نُوحًا. ولَمّا تَقَدَّمَ شَيْئانِ: الأمْرُ بِإقامَةِ الدِّينِ، وتَفَرُّقُ الَّذِينَ جاءَهُمُ العِلْمُ واخْتِلافُهم وكَوْنُهم في شَكٍّ، احْتَمَلَ قَوْلُهُ. (فَلِذَلِكَ)، أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى إقامَةِ الدِّينِ، أيْ: فادْعُ لِدِينِ اللَّهِ وإقامَتِهِ، لا تَحْتاجُ إلى تَقْدِيرِ اللّامِ بِمَعْنى لِأجْلِ؛ لِأنَّ دَعا يَتَعَدّى بِاللّامِ، قالَ الشّاعِرُ: ؎دَعَوْتُ لِما نابَنِي مِسْوَرًا فَلَبّى فَلَبّى يَدَيْ مِسْوَرا واحْتَمَلَ أنْ تَكُونَ اللّامُ لِلْعِلَّةِ، أيْ: فَلِأجْلِ ذَلِكَ التَّفَرُّقِ، ولِما حَدَثَ بِسَبَبِهِ مِن تَشَعُّبِ الكُفْرِ شُعُبًا، (فادْعُ) إلى الِاتِّفاقِ والِائْتِلافِ عَلى المِلَّةِ الحَنِيفِيَّةِ، (واسْتَقِمْ) أيْ: دُمْ عَلى الِاسْتِقامَةِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ﴿فاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ﴾ [هود: ١١٢]، وكَيْفِيَّةِ هَذا التَّشْبِيهِ في أواخِرِ هُودٍ. ﴿ولا تَتَّبِعْ أهْواءَهُمْ﴾ المُخْتَلِفَةَ الباطِلَةَ، وأمَرَهُ بِأنْ يُصَرِّحَ أنَّهُ آمَنَ بِكُلِّ كِتابٍ أنْزَلَهُ اللَّهُ؛ لِأنَّ الَّذِينَ تَفَرَّقُوا آمَنُوا بِبَعْضٍ. ﴿وأُمِرْتُ لِأعْدِلَ بَيْنَكُمْ﴾، قِيلَ: إنَّ المَعْنى: وأُمِرْتُ بِما أُمِرْتُ بِهِ لِأعْدِلَ بَيْنَكم في إيصالِ ما أُمِرْتُ بِهِ إلَيْكم، لا أخَصُّ شَخْصًا بِشَيْءٍ دُونَ شَخْصٍ، فالشَّرِيعَةُ واحِدَةٌ، والأحْكامُ مُشْتَرَكٌ فِيها. وقِيلَ: ﴿لِأعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾ في الحُكْمِ إذا تَخاصَمْتُمْ فَتَحاكَمْتُمْ. ﴿لا حُجَّةَ بَيْنَنا وبَيْنَكُمُ﴾ أيْ: قَدْ وضَحَتِ الحُجَجُ وقامَتِ البَراهِينُ وأنْتُمْ مَحْجُوجُونَ، فَلا حاجَةَ إلى إظْهارِ حُجَّةٍ بَعْدَ ذَلِكَ. ﴿اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا﴾ وبَيْنَكم، أيْ: يَوْمَ القِيامَةِ، فَيَفْصِلُ بَيْنَنا. وما يَظْهَرُ في هَذِهِ الآيَةِ مِنَ المُوادَعَةِ مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ. ﴿والَّذِينَ يُحاجُّونَ في اللَّهِ﴾ أيْ: يُخاصِمُونَ في دِينِهِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ: نَزَلَتْ في طائِفَةٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ هَمَّتْ بِرَدِّ النّاسِ عَنِ الإسْلامِ وإضْلالِهِمْ ومُحاجَّتِهِمْ، بَلْ قالُوا: كِتابُنا قَبْلَ كِتابِكم، ونَبِيُّنا قَبْلَ نَبِيِّكم؛ فَدِينُنا أفْضَلُ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في قُرَيْشٍ، كانُوا يُجادِلُونَ في هَذا المَعْنى، ويَطْمَعُونَ في رَدِّ المُؤْمِنِينَ إلى الجاهِلِيَّةِ. و(اسْتُجِيبَ) مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ، فَقِيلَ: المَعْنى مِن بَعْدِ ما اسْتَجابَ النّاسُ لِلَّهِ، أيْ: لِدِينِهِ ودَخَلُوا فِيهِ. وقِيلَ: مِن بَعْدِ ما اسْتَجابَ اللَّهُ لَهُ، أيْ: لِرَسُولِهِ ودِينِهِ، بِأنْ نَصَرَهُ يَوْمَ بَدْرٍ وظَهَرَ دِينُهُ. ﴿حُجَّتُهم داحِضَةٌ﴾ أيْ: باطِلَةٌ لا ثُبُوتَ لَها. ولَمّا ذَكَرَ مَن يَحاجُّ في دِينِ الإسْلامِ، صَرَّحَ بِأنَّهُ تَعالى هو الَّذِي أنْزَلَ الكِتابَ، والكِتابُ جِنْسٌ يُرادُ بِهِ الكُتُبُ الإلَهِيَّةُ. (والمِيزانَ)، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ وغَيْرُهم: هو المُعَدَّلُ؛ وعَنِ ابْنِ مُجاهِدٍ: هو هُنا المِيزانُ الَّذِي بِأيْدِي النّاسِ، وهَذا مُنْدَرِجٌ في العَدْلِ. ﴿وما يُدْرِيكَ﴾ أيُّها المُخاطَبُ، ﴿لَعَلَّ السّاعَةَ قَرِيبٌ﴾، ذُكِرَ عَلى مَعْنى البَعْثِ أوْ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ: لَعَلَّ مَجِيءَ السّاعَةِ؛ و﴿لَعَلَّ السّاعَةَ﴾ في مَوْضِعِ مَعْمُولِ ﴿وما يُدْرِيكَ﴾، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مِثْلِ هَذا في قَوْلِهِ في آخِرِ الأنْبِياءِ: ﴿وإنْ أدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ﴾ [الأنبياء: ١١١] . وتَوافَقَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ مَعَ قَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ الَّذِي أنْزَلَ الكِتابَ بِالحَقِّ والمِيزانَ﴾ . السّاعَةُ: يَوْمُ الحِسابِ ووَضْعِ الِمَوازِينِ القِسْطِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: أمَرَكُمُ اللَّهُ بِالعَدْلِ والتَّسْوِيَةِ قَبْلَ أنْ يُفاجِئَكُمُ اليَوْمُ الَّذِي يُحاسِبُكم فِيهِ ويَزِنُ أعْمالَكم. ﴿يَسْتَعْجِلُ بِها الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها﴾ (بِها) بِطَلَبِ وُقُوعِها عاجِلَةً؛ لِأنَّهم لَيْسُوا مُوقِنِينَ بِوُقُوعِها، لِيُبَيِّنَ عَجْزَ مَن يُؤْمِنُ بِها عِنْدَهم، أيْ: هي مِمّا لا يَقَعُ عِنْدَهم. ﴿ألا إنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ﴾ ويُلِحُّونَ في أمْرِ السّاعَةِ، ﴿لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ عَنِ الحَقِّ؛ لِأنَّ البَعْثَ غَيْرُ مُسْتَبْعَدٍ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ، ودَلَّ عَلَيْهِ الكِتابُ المُعْجِزُ، فَوَجَبَ الإيمانُ بِهِ. ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ﴾ أيْ: بَرٌّ بِعِبادِهِ المُؤْمِنِينَ، ومَن سَبَقَ لَهُ الخُلُودُ في الدُّنْيا، وما يُرى مِنَ النِّعَمِ عَلى الكافِرِ فَلَيْسَ بِلُطْفٍ، إنَّما هو إمْلاءٌ، ولا لُطْفَ إلّا ما آلَ إلى الرَّحْمَةِ والوَفاةِ عَلى (p-٥١٤)الإسْلامِ. وقالَ مُقاتِلٌ: لَطِيفٌ بِالبَرِّ والفاجِرِ حَيْثُ لَمْ يَقْتُلْهم جُوعًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يُوصِلُ بِرَّهُ إلى جَمِيعِهِمْ، ﴿يَرْزُقُ مَن يَشاءُ﴾ أيْ: مَن يَشاءُ يَرْزُقُهُ شَيْئًا خاصًّا، ويَحْرِمُ مَن يَشاءُ مِن ذَلِكَ الشَّيْءِ الخاصِّ، وكُلٌّ مِنهم مَرْزُوقٌ، وإنِ اخْتَلَفَ الرِّزْقُ، ﴿وهُوَ القَوِيُّ﴾ أيِ: البالِغُ القُوَّةِ، وهي القُدْرَةُ (العَزِيزُ): الغالِبُ الَّذِي لا يُغْلَبُ. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى الرِّزْقَ، ذَكَرَ حَدِيثَ الكَسْبِ. ولَمّا كانَ الحَرْثُ في الأرْضِ أصْلًا مِن أصُولِ المَكاسِبِ، اسْتُعِيرَ لِكُلِّ مَكْسَبٍ أُرِيدَ بِهِ النَّماءُ والفائِدَةُ، أيْ: مَن كانَ يُرِيدُ عَمَلَ الآخِرَةِ، وسَعى لَها سَعْيَها، ﴿نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ﴾ أيْ: في جَزاءِ حَرْثِهِ مِن تَضْعِيفِ الحَسَناتِ، ﴿ومَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنها﴾ أيِ: العَمَلَ لَها لا لِآخِرَتِهِ، ﴿نُؤْتِهِ مِنها﴾ أيْ: نُعْطِهِ شَيْئًا مِنها، وما لَهُ في الآخِرَةِ مِن نَصِيبٍ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ شَيْئًا لِلْآخِرَةِ. والجُمْلَةُ الأُولى وعْدٌ مُنْجَزٌ، والثّانِيَةُ مُقَيَّدَةٌ بِمَشِيئَتِهِ تَعالى، فَلا يَنالُهُ إلّا رِزْقُهُ الَّذِي فَرَغَ مِنهُ، وكُلُّ ما يُرِيدُهُ هو. واقْتَصَرَ في عامِلِ الآخِرَةِ عَلى ذِكْرِ حَظِّهِ في الآخِرَةِ، كَأنَّهُ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ، فَلا يُناسِبُ ذِكْرَ مَعَ ما أعَدَّ اللَّهُ لَهُ في الآخِرَةِ لِمَن يَشاءُ ما يَشاءُ. وجَعَلَ فِعْلَ الشَّرْطِ ماضِيًا، والجَوابُ مَجْزُومٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها نُوَفِّ إلَيْهِمْ أعْمالَهم فِيها﴾ [هود: ١٥]، ولا نَعْلَمُ خِلافًا في جَوازِ الجَزْمِ، فَإنَّهُ فَصِيحٌ مُخْتارٌ، إلّا ما ذَكَرَهُ صاحِبُ كِتابِ الإعْرابِ، وهو أبُو الحَكَمِ بْنُ عُذْرَةَ، عَنْ بَعْضِ النَّحْوِيِّينَ، أنَّهُ لا يَجِيءُ في الكَلامِ الفَصِيحِ، وإنَّما يَجِيءُ مَعَ كَأنَّ؛ لِأنَّها أصْلُ الأفْعالِ، ولا يَجِيءُ مَعَ غَيْرِها مِنَ الأفْعالِ. ونَصُّ كَلامِ سِيبَوَيْهِ والجَماعَةِ أنَّهُ لا يَخْتَصُّ ذَلِكَ بَـ (كانَ) بَلْ سائِرُ الأفْعالِ في ذَلِكَ مِثْلُها، وأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ لِلْفَرَزْدَقِ: ؎دَسَّتْ رَسُولًا بِأنَّ القَوْمَ إنْ قَدَرُوا ∗∗∗ عَلَيْكَ يَشْفُوا صُدُورًا ذاتَ تَوْغِيرِ وقالَ آخَرُ: ؎تَعالَ فَإنْ عاهَدْتَنِي لا تَخُونُنِي ∗∗∗ نَكُنْ مِثْلَ مَن يا ذِئْبُ يَصْطَحِبانِ وقَرَأ الجُمْهُورُ (نَزِدْ) و(نُؤْتِهِ) بِالنُّونِ فِيهِما: وابْنُ مِقْسَمٍ، والزَّعْفَرانِيُّ، ومَحْبُوبٌ، والمِنقَرِيُّ، كِلاهُما عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِالياءِ فِيهِما. وقَرَأ سَلامٌ (نُؤْتِهُ) مِنها بِرَفْعِ الهاءِ، وهي لُغَةُ الحِجازِ.

الشورى 42:20

﴿شَرَعَ لَكم مِنَ الدِّينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ وما وصَّيْنا بِهِ إبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى أنْ أقِيمُوا الدِّينَ ولا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلى المُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهم إلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إلَيْهِ مَن يَشاءُ ويَهْدِي إلَيْهِ مَن يُنِيبُ﴾ ﴿وما تَفَرَّقُوا إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهم ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ إلى أجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهم وإنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الكِتابَ مِن بَعْدِهِمْ لَفي شَكٍّ مِنهُ مُرِيبٍ﴾ ﴿فَلِذَلِكَ فادْعُ واسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ ولا تَتَّبِعْ أهْواءَهم وقُلْ آمَنتُ بِما أنْزَلَ اللَّهُ مِن كِتابٍ وأُمِرْتُ لِأعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنا ورَبُّكم لَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكم لا حُجَّةَ بَيْنَنا وبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا وإلَيْهِ المَصِيرُ﴾ ﴿والَّذِينَ يُحاجُّونَ في اللَّهِ مِن بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهم داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وعَلَيْهِمْ غَضَبٌ ولَهم عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ ﴿اللَّهُ الَّذِي أنْزَلَ الكِتابَ بِالحَقِّ والمِيزانَ وما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ ﴿يَسْتَعْجِلُ بِها الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها والَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنها ويَعْلَمُونَ أنَّها الحَقُّ ألا إنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ في السّاعَةِ لَفي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ وهو القَوِيُّ العَزِيزُ﴾ ﴿مَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ ومَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنها وما لَهُ في الآخِرَةِ مِن نَصِيبٍ﴾ . لَمّا عَدَّدَ تَعالى نِعَمَهُ عَلَيْهِمْ (p-٥١٢)الخاصَّةَ، أتْبَعَهُ بِذِكْرِ نِعَمِهِ العامَّةِ، وهو ما شَرَعَ لَهم مِنَ العَقائِدِ المُتَّفَقِ عَلَيْها، مِن تَوْحِيدِ اللَّهِ وطاعَتِهِ، والإيمانِ بِرُسُلِهِ وبِكُتُبِهِ وبِاليَوْمِ الآخِرِ، والجَزاءِ فِيهِ. ولَمّا كانَ أوَّلَ الرُّسُلِ نُوحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وآخِرَهم مُحَمَّدٌ ﷺ، قالَ: ﴿ما وصّى بِهِ نُوحًا والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾، ثُمَّ أتْبَعَ ذَلِكَ ما وصّى بِهِ إبْراهِيمَ، إذْ كانَ أبا العَرَبِ، فَفي ذَلِكَ هَزْلُهم وبَعْثٌ عَلى اتِّباعِ طَرِيقَتِهِ، ومُوسى وعِيسى - صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ -؛ لِأنَّهُما هُما اللَّذانِ كانَ أتْباعُهُما مَوْجُودِينَ زَمانَ بِعْثَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . والشَّرائِعُ مُتَّفِقَةٌ فِيما ذَكَرْنا مِنَ العَقائِدِ، وفي كَثِيرٍ مِنَ الأحْكامِ، كَتَحْرِيمِ الزِّنا والقَتْلِ بِغَيْرِ حَقٍّ. والشَّرائِعُ مُشْتَمِلَةٌ عَلى عَقائِدَ وأحْكامٍ؛ ويُقالُ: إنَّ نُوحًا أوَّلُ مَن أتى بِتَحْرِيمِ البَناتِ والأُمَّهاتِ وذَواتِ المَحارِمِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: اخْتارَ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ (أنْ) مُفَسِّرَةً؛ لِأنَّ قَبْلَها ما هو بِمَعْنى القَوْلِ، فَلا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ. وأنْ تَكُونَ أنْ المَصْدَرِيَّةَ، فَتَكُونُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى البَدَلِ مِن ما؛ وما عُطِفَ عَلَيْها، أوْ في مَوْضِعِ رَفْعٍ، أيْ: ذَلِكَ، أوْ هو إقامَةُ الدِّينِ، وهو تَوْحِيدُ اللَّهِ وما يَتْبَعُهُ مِمّا لا بُدَّ مِنِ اعْتِقادِهِ. ثُمَّ نَهى عَنِ التَّفْرِقَةِ فِيهِ؛ لِأنَّ التَّفَرُّقَ سَبَبٌ لِلْهَلاكِ، والِاجْتِماعَ والأُلْفَةَ سَبَبٌ لِلنَّجاةِ. ﴿كَبُرَ عَلى المُشْرِكِينَ﴾ أيْ: عَظُمَ وشَقَّ، ﴿ما تَدْعُوهُمْ﴾ مِن تَوْحِيدِ اللَّهِ وتَرْكِ عِبادَةِ الأصْنامِ وإقامَةِ الدِّينِ. ﴿إلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي﴾: يَجْتَلِبُ ويَجْمَعُ، ﴿إلَيْهِ مَن يَشاءُ﴾ هِدايَتَهُ، وهَذا تَسْلِيَةٌ لِلرَّسُولِ. وقِيلَ: يَجْتَبِي، فَيَجْعَلُهُ رَسُولًا إلى عِبادِهِ، ﴿ويَهْدِي إلَيْهِ مَن يُنِيبُ﴾: يَرْجِعُ إلى طاعَتِهِ عَنْ كُفْرِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (مَن يَشاءُ): مَن يَنْفَعُ فِيهِمْ تَوْفِيقُهُ ويَجْرِي عَلَيْهِمْ لُطْفُهُ. انْتَهى، وفِيهِ دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ. وقالَ الحافِظُ أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ: لَمْ يَكُنْ مَعَ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلّا بَنُوهُ، ولَمْ تُفْرَضْ لَهُ الفَرائِضُ، ولا شُرِعَتْ لَهُ المَحارِمُ، وإنَّما كانَ مُنَبَّهًا عَلى بَعْضِ الأُمُورِ، مُقْتَصِرًا عَلى ضَرُوراتِ المَعاشِ. واسْتَمَرَّ الهُدى إلى نُوحٍ، فَبَعَثَهُ اللَّهُ بِتَحْرِيمِ الأُمَّهاتِ والبَناتِ، ووَظَّفَ عَلَيْهِ الواجِباتِ، وأوْضَحَ لَهُ الأدَبَ في الدِّياناتِ. ولَمْ يَزَلْ ذَلِكَ يَتَأكَّدُ بِالرُّسُلِ ويَتَناصَرُ بِالأنْبِياءِ واحِدًا بَعْدَ واحِدٍ وشَرِيعَةً إثْرَ شَرِيعَةٍ، حَتّى خَتَمَهُ اللَّهُ بِخَيْرِ المِلَلِ عَلى لِسانِ أكْرَمِ الرُّسُلِ، فَكانَ المَعْنى: أوْصَيْناكَ يا مُحَمَّدُ ونُوحًا دِينًا واحِدًا في الأُصُولِ الَّتِي لا تَخْتَلِفُ فِيها الشَّرائِعُ، وهي التَّوْحِيدُ والصَّلاةُ والزَّكاةُ والحَجُّ والتَّقْرِيبُ بِصالِحِ الأعْمالِ، والصِّدْقُ والوَفاءُ بِالعَهْدِ، وأداءُ الأمانَةِ وصِلَةُ الرَّحِمِ، وتَحْرِيمُ الكِبْرِ والزِّنا والإذايَةِ لِلْخَلْقِ كَيْفَما تَصَرَّفَتْ، والِاعْتِداءِ عَلى الحَيَوانِ، واقْتِحامِ الدَّناءاتِ وما يَعُودُ بِخَرْمِ المُرُوءاتِ؛ فَهَذا كُلُّهُ مَشْرُوعٌ، دِينًا واحِدًا، أوْ مِلَّةً مُتَّحِدَةً، لَمْ يَخْتَلِفْ عَلى ألْسِنَةِ الأنْبِياءِ، وإنِ اخْتَلَفَتْ أعْدادُهم، وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿أنْ أقِيمُوا الدِّينَ ولا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ أيِ: اجْعَلُوهُ قائِمًا، يُرِيدُ دائِمًا مُسْتَمِرًّا مَحْفُوظًا مُسْتَقِرًّا مِن غَيْرِ خِلافٍ فِيهِ ولا اضْطِرابٍ. انْتَهى. وقالَ مُجاهِدٌ: لَمْ يُبْعَثْ نَبِيٌّ إلّا أُمِرَ بِإقامَةِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ والإقْرارِ بِاللَّهِ وطاعَتِهِ، فَهو إقامَةُ الدِّينِ. وقالَ أبُو العالِيَةِ: إقامَةُ الدِّينِ: الإخْلاصُ لِلَّهِ وعِبادَتُهُ، ﴿ولا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾، قالَ أبُو العالِيَةِ: لا تَتَعادَوْا فِيهِ. وقالَ مُقاتِلٌ: مَعْناهُ لا تَخْتَلِفُوا، فَإنَّ كُلَّ نَبِيٍّ مُصَدَّقٌ. وقِيلَ: لا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ، فَتُؤْمِنُوا بِبَعْضِ الرُّسُلِ وتَكْفُرُوا بِبَعْضٍ. ﴿وما تَفَرَّقُوا﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَعْنِي قُرَيْشًا، و(العِلْمُ) مُحَمَّدٌ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وكانُوا يَتَمَنُّونَ أنْ يُبْعَثَ إلَيْهِمْ نَبِيٌّ، كَما قالَ: ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهم نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٤٢]، يُرِيدُونَ نَبِيًّا. وقِيلَ: الضَّمِيرُ يَعُودُ عَلى أُمَمِ الأنْبِياءِ، جاءَهُمُ العِلْمُ، فَطالَ عَلَيْهِمُ الأمَدُ، فَآمَنَ قَوْمٌ وكَفَرَ قَوْمٌ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: عائِدٌ عَلى أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ، دَلِيلُهُ: ﴿وما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ﴾ [البينة: ٤]، قالَ المُشْرِكُونَ: لِمَ خُصَّ بِالنُّبُوَّةِ ؟ واليَهُودُ والنَّصارى حَسَدُوهُ. ﴿ولَوْلا كَلِمَةٌ﴾ أيْ: عِدَّةُ التَّأخُّرِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، فَحِينَئِذٍ يَقَعُ الجَزاءُ، ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾: لَجُوزُوا بِأعْمالِهِمْ في الدُّنْيا؛ لَكِنَّهُ قَضى أنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا في الآخِرَةِ. وقالَ الزَّجّاجُ: الكَلِمَةُ قَوْلُهُ: ﴿بَلِ السّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ﴾ [القمر: ٤٦] . (p-٥١٣)﴿وإنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الكِتابَ مِن بَعْدِهِمْ﴾ هم بَقِيَّةُ أهْلِ الكِتابِ الَّذِينَ عاصَرُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، (مِن بَعْدِهِمْ) أيْ: مِن بَعْدِ أسْلافِهِمْ، أوْ هُمُ المُشْرِكُونَ، أُورِثُوا الكِتابَ مِن بَعْدِ ما أُورِثَ أهْلُ الكِتابِ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (وُرِّثُوا) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مُشَدَّدَ الرّاءِ، ﴿لَفِي شَكٍّ مِنهُ﴾ أيْ: مِن كِتابِهِمْ، أوْ مِنَ القُرْآنِ، أوْ مِمّا جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ أوْ مِنَ الدِّينِ الَّذِي وصّى بِهِ نُوحًا. ولَمّا تَقَدَّمَ شَيْئانِ: الأمْرُ بِإقامَةِ الدِّينِ، وتَفَرُّقُ الَّذِينَ جاءَهُمُ العِلْمُ واخْتِلافُهم وكَوْنُهم في شَكٍّ، احْتَمَلَ قَوْلُهُ. (فَلِذَلِكَ)، أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى إقامَةِ الدِّينِ، أيْ: فادْعُ لِدِينِ اللَّهِ وإقامَتِهِ، لا تَحْتاجُ إلى تَقْدِيرِ اللّامِ بِمَعْنى لِأجْلِ؛ لِأنَّ دَعا يَتَعَدّى بِاللّامِ، قالَ الشّاعِرُ: ؎دَعَوْتُ لِما نابَنِي مِسْوَرًا فَلَبّى فَلَبّى يَدَيْ مِسْوَرا واحْتَمَلَ أنْ تَكُونَ اللّامُ لِلْعِلَّةِ، أيْ: فَلِأجْلِ ذَلِكَ التَّفَرُّقِ، ولِما حَدَثَ بِسَبَبِهِ مِن تَشَعُّبِ الكُفْرِ شُعُبًا، (فادْعُ) إلى الِاتِّفاقِ والِائْتِلافِ عَلى المِلَّةِ الحَنِيفِيَّةِ، (واسْتَقِمْ) أيْ: دُمْ عَلى الِاسْتِقامَةِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ﴿فاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ﴾ [هود: ١١٢]، وكَيْفِيَّةِ هَذا التَّشْبِيهِ في أواخِرِ هُودٍ. ﴿ولا تَتَّبِعْ أهْواءَهُمْ﴾ المُخْتَلِفَةَ الباطِلَةَ، وأمَرَهُ بِأنْ يُصَرِّحَ أنَّهُ آمَنَ بِكُلِّ كِتابٍ أنْزَلَهُ اللَّهُ؛ لِأنَّ الَّذِينَ تَفَرَّقُوا آمَنُوا بِبَعْضٍ. ﴿وأُمِرْتُ لِأعْدِلَ بَيْنَكُمْ﴾، قِيلَ: إنَّ المَعْنى: وأُمِرْتُ بِما أُمِرْتُ بِهِ لِأعْدِلَ بَيْنَكم في إيصالِ ما أُمِرْتُ بِهِ إلَيْكم، لا أخَصُّ شَخْصًا بِشَيْءٍ دُونَ شَخْصٍ، فالشَّرِيعَةُ واحِدَةٌ، والأحْكامُ مُشْتَرَكٌ فِيها. وقِيلَ: ﴿لِأعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾ في الحُكْمِ إذا تَخاصَمْتُمْ فَتَحاكَمْتُمْ. ﴿لا حُجَّةَ بَيْنَنا وبَيْنَكُمُ﴾ أيْ: قَدْ وضَحَتِ الحُجَجُ وقامَتِ البَراهِينُ وأنْتُمْ مَحْجُوجُونَ، فَلا حاجَةَ إلى إظْهارِ حُجَّةٍ بَعْدَ ذَلِكَ. ﴿اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا﴾ وبَيْنَكم، أيْ: يَوْمَ القِيامَةِ، فَيَفْصِلُ بَيْنَنا. وما يَظْهَرُ في هَذِهِ الآيَةِ مِنَ المُوادَعَةِ مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ. ﴿والَّذِينَ يُحاجُّونَ في اللَّهِ﴾ أيْ: يُخاصِمُونَ في دِينِهِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ: نَزَلَتْ في طائِفَةٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ هَمَّتْ بِرَدِّ النّاسِ عَنِ الإسْلامِ وإضْلالِهِمْ ومُحاجَّتِهِمْ، بَلْ قالُوا: كِتابُنا قَبْلَ كِتابِكم، ونَبِيُّنا قَبْلَ نَبِيِّكم؛ فَدِينُنا أفْضَلُ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في قُرَيْشٍ، كانُوا يُجادِلُونَ في هَذا المَعْنى، ويَطْمَعُونَ في رَدِّ المُؤْمِنِينَ إلى الجاهِلِيَّةِ. و(اسْتُجِيبَ) مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ، فَقِيلَ: المَعْنى مِن بَعْدِ ما اسْتَجابَ النّاسُ لِلَّهِ، أيْ: لِدِينِهِ ودَخَلُوا فِيهِ. وقِيلَ: مِن بَعْدِ ما اسْتَجابَ اللَّهُ لَهُ، أيْ: لِرَسُولِهِ ودِينِهِ، بِأنْ نَصَرَهُ يَوْمَ بَدْرٍ وظَهَرَ دِينُهُ. ﴿حُجَّتُهم داحِضَةٌ﴾ أيْ: باطِلَةٌ لا ثُبُوتَ لَها. ولَمّا ذَكَرَ مَن يَحاجُّ في دِينِ الإسْلامِ، صَرَّحَ بِأنَّهُ تَعالى هو الَّذِي أنْزَلَ الكِتابَ، والكِتابُ جِنْسٌ يُرادُ بِهِ الكُتُبُ الإلَهِيَّةُ. (والمِيزانَ)، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ وغَيْرُهم: هو المُعَدَّلُ؛ وعَنِ ابْنِ مُجاهِدٍ: هو هُنا المِيزانُ الَّذِي بِأيْدِي النّاسِ، وهَذا مُنْدَرِجٌ في العَدْلِ. ﴿وما يُدْرِيكَ﴾ أيُّها المُخاطَبُ، ﴿لَعَلَّ السّاعَةَ قَرِيبٌ﴾، ذُكِرَ عَلى مَعْنى البَعْثِ أوْ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ: لَعَلَّ مَجِيءَ السّاعَةِ؛ و﴿لَعَلَّ السّاعَةَ﴾ في مَوْضِعِ مَعْمُولِ ﴿وما يُدْرِيكَ﴾، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مِثْلِ هَذا في قَوْلِهِ في آخِرِ الأنْبِياءِ: ﴿وإنْ أدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ﴾ [الأنبياء: ١١١] . وتَوافَقَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ مَعَ قَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ الَّذِي أنْزَلَ الكِتابَ بِالحَقِّ والمِيزانَ﴾ . السّاعَةُ: يَوْمُ الحِسابِ ووَضْعِ الِمَوازِينِ القِسْطِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: أمَرَكُمُ اللَّهُ بِالعَدْلِ والتَّسْوِيَةِ قَبْلَ أنْ يُفاجِئَكُمُ اليَوْمُ الَّذِي يُحاسِبُكم فِيهِ ويَزِنُ أعْمالَكم. ﴿يَسْتَعْجِلُ بِها الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها﴾ (بِها) بِطَلَبِ وُقُوعِها عاجِلَةً؛ لِأنَّهم لَيْسُوا مُوقِنِينَ بِوُقُوعِها، لِيُبَيِّنَ عَجْزَ مَن يُؤْمِنُ بِها عِنْدَهم، أيْ: هي مِمّا لا يَقَعُ عِنْدَهم. ﴿ألا إنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ﴾ ويُلِحُّونَ في أمْرِ السّاعَةِ، ﴿لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ عَنِ الحَقِّ؛ لِأنَّ البَعْثَ غَيْرُ مُسْتَبْعَدٍ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ، ودَلَّ عَلَيْهِ الكِتابُ المُعْجِزُ، فَوَجَبَ الإيمانُ بِهِ. ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ﴾ أيْ: بَرٌّ بِعِبادِهِ المُؤْمِنِينَ، ومَن سَبَقَ لَهُ الخُلُودُ في الدُّنْيا، وما يُرى مِنَ النِّعَمِ عَلى الكافِرِ فَلَيْسَ بِلُطْفٍ، إنَّما هو إمْلاءٌ، ولا لُطْفَ إلّا ما آلَ إلى الرَّحْمَةِ والوَفاةِ عَلى (p-٥١٤)الإسْلامِ. وقالَ مُقاتِلٌ: لَطِيفٌ بِالبَرِّ والفاجِرِ حَيْثُ لَمْ يَقْتُلْهم جُوعًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يُوصِلُ بِرَّهُ إلى جَمِيعِهِمْ، ﴿يَرْزُقُ مَن يَشاءُ﴾ أيْ: مَن يَشاءُ يَرْزُقُهُ شَيْئًا خاصًّا، ويَحْرِمُ مَن يَشاءُ مِن ذَلِكَ الشَّيْءِ الخاصِّ، وكُلٌّ مِنهم مَرْزُوقٌ، وإنِ اخْتَلَفَ الرِّزْقُ، ﴿وهُوَ القَوِيُّ﴾ أيِ: البالِغُ القُوَّةِ، وهي القُدْرَةُ (العَزِيزُ): الغالِبُ الَّذِي لا يُغْلَبُ. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى الرِّزْقَ، ذَكَرَ حَدِيثَ الكَسْبِ. ولَمّا كانَ الحَرْثُ في الأرْضِ أصْلًا مِن أصُولِ المَكاسِبِ، اسْتُعِيرَ لِكُلِّ مَكْسَبٍ أُرِيدَ بِهِ النَّماءُ والفائِدَةُ، أيْ: مَن كانَ يُرِيدُ عَمَلَ الآخِرَةِ، وسَعى لَها سَعْيَها، ﴿نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ﴾ أيْ: في جَزاءِ حَرْثِهِ مِن تَضْعِيفِ الحَسَناتِ، ﴿ومَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنها﴾ أيِ: العَمَلَ لَها لا لِآخِرَتِهِ، ﴿نُؤْتِهِ مِنها﴾ أيْ: نُعْطِهِ شَيْئًا مِنها، وما لَهُ في الآخِرَةِ مِن نَصِيبٍ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ شَيْئًا لِلْآخِرَةِ. والجُمْلَةُ الأُولى وعْدٌ مُنْجَزٌ، والثّانِيَةُ مُقَيَّدَةٌ بِمَشِيئَتِهِ تَعالى، فَلا يَنالُهُ إلّا رِزْقُهُ الَّذِي فَرَغَ مِنهُ، وكُلُّ ما يُرِيدُهُ هو. واقْتَصَرَ في عامِلِ الآخِرَةِ عَلى ذِكْرِ حَظِّهِ في الآخِرَةِ، كَأنَّهُ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ، فَلا يُناسِبُ ذِكْرَ مَعَ ما أعَدَّ اللَّهُ لَهُ في الآخِرَةِ لِمَن يَشاءُ ما يَشاءُ. وجَعَلَ فِعْلَ الشَّرْطِ ماضِيًا، والجَوابُ مَجْزُومٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها نُوَفِّ إلَيْهِمْ أعْمالَهم فِيها﴾ [هود: ١٥]، ولا نَعْلَمُ خِلافًا في جَوازِ الجَزْمِ، فَإنَّهُ فَصِيحٌ مُخْتارٌ، إلّا ما ذَكَرَهُ صاحِبُ كِتابِ الإعْرابِ، وهو أبُو الحَكَمِ بْنُ عُذْرَةَ، عَنْ بَعْضِ النَّحْوِيِّينَ، أنَّهُ لا يَجِيءُ في الكَلامِ الفَصِيحِ، وإنَّما يَجِيءُ مَعَ كَأنَّ؛ لِأنَّها أصْلُ الأفْعالِ، ولا يَجِيءُ مَعَ غَيْرِها مِنَ الأفْعالِ. ونَصُّ كَلامِ سِيبَوَيْهِ والجَماعَةِ أنَّهُ لا يَخْتَصُّ ذَلِكَ بَـ (كانَ) بَلْ سائِرُ الأفْعالِ في ذَلِكَ مِثْلُها، وأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ لِلْفَرَزْدَقِ: ؎دَسَّتْ رَسُولًا بِأنَّ القَوْمَ إنْ قَدَرُوا ∗∗∗ عَلَيْكَ يَشْفُوا صُدُورًا ذاتَ تَوْغِيرِ وقالَ آخَرُ: ؎تَعالَ فَإنْ عاهَدْتَنِي لا تَخُونُنِي ∗∗∗ نَكُنْ مِثْلَ مَن يا ذِئْبُ يَصْطَحِبانِ وقَرَأ الجُمْهُورُ (نَزِدْ) و(نُؤْتِهِ) بِالنُّونِ فِيهِما: وابْنُ مِقْسَمٍ، والزَّعْفَرانِيُّ، ومَحْبُوبٌ، والمِنقَرِيُّ، كِلاهُما عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِالياءِ فِيهِما. وقَرَأ سَلامٌ (نُؤْتِهُ) مِنها بِرَفْعِ الهاءِ، وهي لُغَةُ الحِجازِ.

الشورى 42:21

﴿أمْ لَهم شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهم مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ ولَوْلا كَلِمَةُ الفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهم وإنَّ الظّالِمِينَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿تَرى الظّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا كَسَبُوا وهو واقِعٌ بِهِمْ والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ في رَوْضاتِ الجَنّاتِ لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هو الفَضْلُ الكَبِيرُ﴾ ﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى ومَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْنًا إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا فَإنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ ويَمْحُ اللَّهُ الباطِلَ ويُحِقُّ الحَقَّ بِكَلِماتِهِ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ ﴿وهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ ويَعْفُو عَنِ السَّيِّئاتِ ويَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ﴾ ﴿ويَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ والكافِرُونَ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ ﴿ولَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا في الأرْضِ ولَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ إنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ ﴿وهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الغَيْثَ مِن بَعْدِ ما قَنَطُوا ويَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وهو الوَلِيُّ الحَمِيدُ﴾ ﴿ومِن آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَثَّ فِيهِما مِن دابَّةٍ وهو عَلى جَمْعِهِمْ إذا يَشاءُ قَدِيرٌ﴾ ﴿وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكم ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ في الأرْضِ وما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ . (p-٥٠٧)﴿أمْ لَهم شُرَكاءُ﴾: اسْتِفْهامُ تَقْرِيرٍ وتَوْبِيخٍ. لَمّا ذَكَرَ تَعالى أنَّهُ شَرَعَ لِلنّاسِ ﴿ما وصّى بِهِ نُوحًا﴾ [الشورى: ١٣] الآيَةَ، أخَذَ يُنْكِرُ ما شَرَعَ غَيْرُهُ تَعالى. والشُّرَكاءُ هُنا يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ شُرَكاؤُهم في الكُفْرِ، كالشَّياطِينِ والمُغْوِينَ مِنَ النّاسِ. والضَّمِيرُ في (شَرَعُوا) عائِدٌ عَلى الشُّرَكاءِ، والضَّمِيرُ في (لَهم) عائِدٌ عَلى الكُفّارِ المُعاصِرِينَ لِلرَّسُولِ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ الأصْنامُ والأوْثانُ وكُلُّ مَن جَعَلُوهُ شَرِيكًا لِلَّهِ. وأُضِيفَ الشُّرَكاءُ إلَيْهِمْ؛ لِأنَّهم مُتَّخِذُوها شُرَكاءَ لِلَّهِ، فَتارَةً إلَيْهِمْ بِهَذِهِ المُلابَسَةِ، وتارَةً إلى اللَّهِ. والضَّمِيرُ في (شَرَعُوا) يَحْتَمِلُ أنْ يَعُودَ عَلى الشُّرَكاءِ، و(لَهم) عائِدٌ عَلى الكُفّارِ، لَمّا كانَتْ سَبَبًا لِضَلالِهِمْ وافْتِتانِهِمْ جُعِلَتْ شارِعَةً لِدِينِ الكُفْرِ، كَما قالَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿رَبِّ إنَّهُنَّ أضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ﴾ [إبراهيم: ٣٦] . واحْتَمَلَ أنْ يَعُودَ عَلى الكُفّارِ، و(لَهم) عائِدٌ عَلى الشُّرَكاءِ، أيْ: شَرَعَ الكُفّارُ لِأصْنامِهِمْ ومَعْبُوداتِهِمْ، أيْ: رَسَمُوا لَهم غَوايَةً وأحْكامًا في المُعْتَقَداتِ، كَقَوْلِهِمْ: إنَّهم آلِهَةٌ، وإنَّ عِبادَتَهم تُقَرِّبُهم إلى اللَّهِ؛ ومِنَ الأحْكامِ: البَحِيرَةُ والوَصِيلَةُ والحامِي وغَيْرُ ذَلِكَ. ﴿ولَوْلا كَلِمَةُ الفَصْلِ﴾ أيِ: العِدَةُ بِأنَّ الفَصْلَ في الآخِرَةِ، أوْ لَوْلا القَضاءُ بِذَلِكَ لَقُضِيَ بَيْنَ المُؤْمِنِ والكافِرِ، أوْ بَيْنَ المُشْرِكِينَ وشُرَكائِهِمْ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (إنَّ الظّالِمِينَ)، بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى الِاسْتِئْنافِ والإخْبارِ بِما يَنالُهم في الدُّنْيا مِنَ القَتْلِ والأسْرِ والنَّهْبِ، وفي الآخِرَةِ النّارُ. وقَرَأ الأعْرَجُ، ومُسْلِمُ بْنُ جُنْدُبٍ (وأنَّ) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ عَطْفًا عَلى كَلِمَةِ الفَصْلِ، فَهو في مَوْضِعِ رَفْعٍ، أيْ: ولَوْلا كَلِمَةُ الفَصْلِ وكَوْنُ الظّالِمِينَ لَهم عَذابٌ في الآخِرَةِ، لَقُضِيَ بَيْنَهم في الدُّنْيا وفُصِلَ بَيْنَ المُتَعاطِفَيْنِ بِجَوابِ لَوْلا، كَما فُصِلَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ لَكانَ لِزامًا وأجَلٌ مُسَمًّى﴾ [طه: ١٢٩] . ﴿تَرى الظّالِمِينَ﴾ أيْ: تُبْصِرُ الكافِرِينَ لِمُقابَلَتِهِ بِالمُؤْمِنِينَ، (مُشْفِقِينَ): خائِفِينَ الخَوْفَ الشَّدِيدَ، (مِمّا كَسَبُوا) مِنَ السَّيِّئاتِ، (وهو) أيِ: العَذابُ، أوْ يَعُودُ عَلى ما كَسَبُوا عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: وبالٌ كَسَبُوا مِنَ السَّيِّئاتِ، أوْ جَزاؤُهُ حالٌّ بِهِمْ. ﴿وهُوَ واقِعٌ﴾: فَإشْفاقُهم هو في هَذِهِ الحالِ، فَلَيْسُوا كالمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ هم في الدُّنْيا مُشْفِقُونَ مِنَ السّاعَةِ. ولَمّا كانَتِ الرَّوْضاتُ أحْسَنَ ما في الجَنّاتِ وأنْزَهَها وفي أعْلاها، ذَكَرَ أنَّ المُؤْمِنِينَ فِيها. واللُّغَةُ الكَثِيرَةُ تَسْكِينُ الواوِ في رَوْضاتٍ، ولُغَةُ هُذَيْلِ بْنِ مُدْرِكَةَ فَتْحُ الواوِ إجْراءً لِلْمُعْتَلِّ مَجْرى الصَّحِيحِ نَحْوُ جَفَناتٍ، ولَمْ يَقْرَأْ أحَدٌ مِمَّنْ عَلِمْناهُ بِلُغَتِهِمْ. و(عِنْدَ) ظَرْفٌ، قالَ الحَوْفِيُّ: مَعْمُولٌ لِـ (يَشاءُونَ) . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَنصُوبٌ بِالظَّرْفِ لا يَشاءُونَ. انْتَهى، وهو الصَّوابُ. ويَعْنِي بِالظَّرْفِ: الجارُّ والمَجْرُورُ، وهو لَهم في الحَقِيقَةِ غَيْرُ مَعْمُولٍ لِلْعامِلِ في لَهم، والمَعْنى: ما يَشاءُونَ مِنَ النَّعِيمِ والثَّوابِ مُسْتَقِرٌّ لَهم. (عِنْدَ رَبِّهِمْ): والعِنْدِيَّةُ عِنْدِيَّةُ المَكانَةِ والتَّشْرِيفِ لا عِنْدِيَّةُ المَكانَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يُبَشِّرُ) بِتَشْدِيدِ الشِّينِ، مِن بَشَّرَ؛ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَعْمُرَ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، والجَحْدَرِيُّ، والأعْمَشُ، وطَلْحَةُ في رِوايَةٍ، والكِسائِيُّ، وحَمْزَةُ: (يُبَشِّرُ) ثُلاثِيًّا؛ ومُجاهِدٌ، وحَمِيدُ بْنُ قَيْسٍ: بِضَمِّ الياءِ وتَخْفِيفِ الشِّينِ مِن أبْشَرَ، وهو مُعَدًّى بِالهَمْزَةِ مِن بَشِرَ اللّازِمِ المَكْسُورِ الشِّينِ. وأمّا بَشَرَ بِفَتْحِها فَتَعَدَّ، وبَشَّرَ بِالتَّشْدِيدِ لِلتَّكْثِيرِ لا لِلتَّعْدِيَةِ؛ لِأنَّ المُتَعَدِّي إلى واحِدٍ، وهو مُخَفَّفٌ لا يُعَدّى بِالتَّضْعِيفِ إلَيْهِ؛ فالتَّضْعِيفُ فِيهِ لِلتَّكْثِيرِ لا لِلتَّعْدِيَةِ. (ذَلِكَ): إشارَةٌ إلى ما أعَدَّ لَهم مِنَ الكَرامَةِ، وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ المَوْصُولِ، والعائِدُ عَلَيْهِ مَحْذُوفٌ، أيْ: يُبَشِّرُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ ذَلِكَ التَّبْشِيرُ الَّذِي يُبَشِّرُهُ اللَّهُ عِبادَهُ. انْتَهى. ولا يَظْهَرُ هَذا الوَجْهُ، إذْ (p-٥١٦)لَمْ يَتَقَدَّمْ في هَذِهِ السُّورَةِ لَفْظُ البُشْرى، ولا ما يَدُلُّ عَلَيْها مِن تَبْشِيرٍ أوْ شَبَهِهِ. ومِنَ النَّحْوِيِّينَ مَن جَعْلَ (الَّذِي) مَصْدَرِيَّةً، حَكاهُ ابْنُ مالِكٍ عَنْ يُونُسَ، وتُأوَّلُ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ، أيْ: ذَلِكَ تَبْشِيرُ اللَّهِ عِبادَهُ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّهُ إثْباتٌ لِلِاشْتِراكِ بَيْنَ مُخْتَلِفِي الحَدِّ بِغَيْرِ دَلِيلٍ. وقَدْ ثَبَتَتِ اسْمِيَّةُ (الَّذِي) فَلا يُعْدَلُ عَنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ لا تَقُومُ بِهِ دَلِيلٌ ولا شُبْهَةٌ. ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ . رُوِيَ أنَّهُ اجْتَمَعَ المُشْرِكُونَ في مَجْمَعٍ لَهم، فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: أتَرَوْنَ مُحَمَّدًا يَسْألُ أجْرًا عَلى ما يَتَعاطاهُ ؟ فَنَزَلَتْ. ورُوِيَ أنَّ الأنْصارَ أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِمالٍ جَمَعُوهُ وقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، هَدانا اللَّهُ بِكَ، وأنْتَ ابْنُ أُخْتِنا، وتَعْرُوكَ حُقُوقٌ وما لَكَ سِعَةٌ، فاسْتَعِنْ بِهَذا عَلى ما يَنُوبُكَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ، فَرَدَّهُ. وقِيلَ: الخِطابُ مُتَوَجِّهٌ إلى قُرَيْشٍ حِينَ جَمَعُوا لَهُ مالًا وأرادُوا أنْ يَرْشُوهُ عَلَيْهِمْ عَلى أنْ يُمْسِكَ عَنْ سَبِّ آلِهَتِهِمْ، فَلَمْ يَفْعَلْ، ونَزَلَتْ. فالمَعْنى: لا أسْألُكم مالًا ولا رِياسَةً، ولَكِنْ أسْألُكم أنْ تَرْعَوْا حَقَّ قَرابَتِي وتُصَدِّقُونِي فِيما جِئْتُكم بِهِ، وتُمْسِكُوا عَنْ أذِيَّتِي وأذِيَّةِ مَن تَبِعَنِي، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ وأبُو مالِكٍ والشَّعْبِيُّ وغَيْرُهم. قالَ الشَّعْبِيُّ: أكْثَرَ النّاسُ عَلَيْنا في هَذِهِ الآيَةِ، فَكَتَبْنا إلى ابْنِ عَبّاسٍ نَسْألُهُ عَنْها، فَكَتَبَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ أوْسَطَ النّاسِ في قُرَيْشٍ، لَيْسَ بَطْنٌ مِن بُطُونِهِمْ إلّا وقَدْ ولَدَهُ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى: قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا أنْ تَوَدُّونِي في قَرابَتِي مِنكم، فارْعَوْا ما بَيْنِي وبَيْنَكم وصَدِّقُونِي. وقالَ عِكْرِمَةُ: وكانَتْ قُرَيْشٌ تَصِلُ أرْحامَها. وقالَ الحَسَنُ: المَعْنى إلّا أنْ تَتَوَدَّدُوا إلى اللَّهِ بِالتَّقَرُّبِ إلَيْهِ. وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ القاسِمِ: إلّا أنْ يَتَوَدَّدَ بَعْضُكم إلى بَعْضٍ وتَصِلُوا قَراباتِكم. رُوِيَ أنَّ شَبابًا مِنَ الأنْصارِ فاخَرُوا المُهاجِرِينَ وصالُوا بِالقَوْلِ، فَنَزَلَتْ عَلى مَعْنى: أنْ لا تُؤْذُونِي في قَرابَتِي وتَحْفَظُونِي فِيهِمْ. وقالَ بِهَذا المَعْنى عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، واسْتَشْهَدَ بِالآيَةِ حِينَ سِيقَ إلى الشّامِ أسِيرًا، وهو قَوْلُ ابْنُ جُبَيْرٍ والسُّدِّيُّ وعَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، وعَلى هَذا التَّأْوِيلِ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قِيلَ يا رَسُولَ اللَّهِ: مَن قَرابَتُكَ الَّذِينَ أُمِرْنا بِمَوَدَّتِهِمْ ؟ فَقالَ: عَلِيٌّ وفاطِمَةُ وابْناهُما. وقِيلَ: هم ولَدُ عَبْدِ المَطَّلِبِ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إلّا المَوَدَّةَ﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ؛ لِأنَّ المَوَدَّةَ لَيْسَتْ أجْرًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مُتَّصِلًا، أيْ: لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا هَذا: أنْ تَوَدُّوا أهْلَ قَرابَتِي، ولَمْ يَكُنْ هَذا أجْرًا في الحَقِيقَةِ؛ لِأنَّ قَرابَتَهُ قَرابَتُهم، فَكانَتْ صِلَتُهم لازِمَةً لَهم في المُرُوءَةِ. وقالَ: فَإنْ قُلْتَ: هَلّا قِيلَ إلّا مَوَدَّةَ القُرْبى، أوْ إلّا المَوَدَّةَ لِلْقُرْبى ؟ قُلْتُ: جَعَلُوا مَكانًا لِلْمَوَدَّةِ ومَقَرًّا لَها، كَقَوْلِكَ: لِي في آلِ فُلانٍ مَوَدَّةٌ، ولِي فِيهِمْ هَوًى وحُبٌّ شَدِيدٌ، تُرِيدُ: أُحِبُّهم وهم مَكانُ حُبِّي ومَحِلُّهُ. ولَيْسَتْ في صِلَةٍ لِلْمَوَدَّةِ كاللّامِ، إذا قُلْتَ إلّا المَوَدَّةَ لِلْقُرْبى، إنَّما هي مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ تَعَلَّقَ الظَّرْفِ بِهِ في قَوْلِكَ: المالُ في الكِيسِ، وتَقْدِيرُهُ: إلّا المَوَدَّةَ ثابِتَةً في القُرْبى ومُتَمَكِّنَةً فِيها. انْتَهى، وهو حَسَنٌ وفِيهِ تَكْثِيرٌ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ (إلّا مَوَدَّةً) والجُمْهُورُ ﴿إلّا المَوَدَّةَ﴾ . ﴿ومَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً﴾ أيْ: يَكْتَسِبْ، والظّاهِرُ عُمُومُ الحَسَنَةِ عُمُومَ البَدَلِ، فَيَنْدَرِجُ فِيها المَوَدَّةُ في القُرْبى وغَيْرُها. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والسُّدِّيِّ، أنَّها المَوَدَّةُ في آلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وقَرَأ الجُمْهُورُ: (نَزِدْ) بِالنُّونِ؛ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وعَبْدُ الوارِثِ عَنْ أبِي عَمْرٍو، وأحْمَدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ الكِسائِيِّ: (يَزِدْ) بِالياءِ، أيْ: يَزِدِ اللَّهُ. والجُمْهُورُ: (حُسْنًا) بِالتَّنْوِينِ؛ وعَبْدُ الوارِثِ عَنْ أبِي عَمْرٍو: (حُسْنى) بِغَيْرِ تَنْوِينٍ، عَلى وزْنِ رُجْعى، وزِيادَةُ حُسْنِها: مُضاعَفَةُ أجْرِها. (أنَّ اللَّهَ غَفُورٌ): ساتِرُ عُيُوبِ عِبادِهِ، (شَكُورٌ): مُجازٍ عَلى الدَّقِيقَةِ، لا يَضِيعُ عِنْدَهُ عَمَلُ العامِلِ. وقالَ السُّدِّيُّ: غَفُورٌ لِذُنُوبِ آلِ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، شَكُورٌ لِحَسَناتِهِمْ. ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾: أضْرَبَ عَنِ الكَلامِ المُتَقَدِّمِ مِن غَيْرِ إبْطالٍ، واسْتَفْهَمَ اسْتِفْهامَ إنْكارٍ وتَوْبِيخٍ عَلى هَذِهِ المَقالَةِ، أيْ: مِثْلُهُ لا يُنْسَبُ إلَيْهِ الكَذِبُ (p-٥١٧)عَلى اللَّهِ، مَعَ اعْتِرافِكم لَهُ قَبْلُ بِالصِّدْقِ والأمانَةِ. ﴿فَإنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ﴾، قالَ مُجاهِدٌ: يَرْبِطُ عَلى قَلْبِكَ بِالصَّبْرِ عَلى أذاهم، حَتّى لا يَشُقَّ عَلَيْكَ قَوْلُهم: إنَّكَ مُفْتَرٍ. وقالَ قَتادَةُ وجَماعَةٌ: ﴿يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ﴾: يُنْسِيكَ القُرْآنَ، والمُرادُ الرَّدُّ عَلى مَقالَةِ الكُفّارِ وبَيانُ إبْطالِها، وذَلِكَ كَأنَّهُ يَقُولُ: وكَيْفَ يَصِحُّ أنْ تَكُونَ مُفْتَرِياتٍ وأنْتَ مِنَ اللَّهِ بِمَرْأًى ومَسْمَعٍ وهو قادِرٌ، ولَوْ شاءَ أنْ يَخْتِمَ عَلى قَلْبِكَ فَلا تَعْقِلُ ولا تَنْطِقُ ولا يَسْتَمِرُّ افْتِراؤُكَ، فَقَصَدَ اللَّفْظُ هَذا المَعْنى، وحُذِفَ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ الظّاهِرُ اخْتِصارًا واقْتِصارًا. انْتَهى. هَكَذا أوْرَدَ هَذا التَّأْوِيلُ عَنْ قَتادَةَ ابْنُ عَطِيَّةَ، وفي ألْفاظِهِ فَظاظَةٌ لا تَلِيقُ أنْ تُنْسَبَ لِلْأنْبِياءِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَنْ قَتادَةَ: يُنْسِيكَ القُرْآنَ ويَنْقَطِعُ عَنْكَ الوَحْيُ، يَعْنِي لَوِ افْتَرى عَلى اللَّهِ الكَذِبَ لَفُعِلَ بِهِ ذَلِكَ. انْتَهى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ أيْضًا: فَإنْ يَشَأِ اللَّهُ يَجْعَلْكَ مِنَ المَخْتُومِ عَلى قُلُوبِهِمْ حَتّى تَفْتَرِيَ عَلَيْهِ الكَذِبَ، فَإنَّهُ لا يَجْتَرِئُ عَلى افْتِراءِ الكَذِبِ عَلى اللَّهِ إلّا مَن كانَ في مِثْلِ حالِهِمْ، وهَذا الأُسْلُوبُ مُؤَدّاهُ اسْتِبْعادُ الِافْتِراءِ مِن مِثْلِهِ، وأنَّهُ في البُعْدِ مِثْلُ الشِّرْكِ بِاللَّهِ والدُّخُولِ في جُمْلَةِ المَخْتُومِ عَلى قُلُوبِهِمْ. ومِثالُ هَذا أنْ يَخُونَ بَعْضُ الأُمَناءِ فَيَقُولُ: لَعَلَّ اللَّهَ خَذَلَنِي، لَعَلَّ اللَّهَ أعْمى قَلْبِي، وهو لا يُرِيدُ إثْباتَ الخِذْلانِ وعَمى القَلْبِ، وإنَّما يُرِيدُ اسْتِبْعادَ أنْ يَخُونَ مِثْلُهُ، والتَّنْبِيهُ عَلى أنَّهُ رَكِبَ مِن تَخْوِينِهِ أمْرٌ عَظِيمٌ. ثُمَّ قالَ: ومِن عادَةِ اللَّهِ أنْ يَمْحُوَ الباطِلَ ويُثْبِتَ الحَقَّ بِوَحْيِهِ أوْ بِقَضائِهِ لِقَوْلِهِ: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالحَقِّ عَلى الباطِلِ فَيَدْمَغُهُ﴾ [الأنبياء: ١٨]، يَعْنِي: لَوْ كانَ مُفْتَرِيًا، كَما يَزْعُمُونَ، لَكَشَفَ اللَّهُ افْتِراءَهُ ومَحَقَهُ، وقَذَفَ بِالحَقِّ عَلى الباطِلِ فَدَمَغَهُ. انْتَهى. وقِيلَ: المَعْنى لَوِ افْتَرَيْتَ عَلى اللَّهِ، لَطَبَعَ عَلى قَلْبِكَ حَتّى لا تَقْدِرَ عَلى حِفْظِ القُرْآنِ. وقِيلَ: لَخَتَمَ عَلى قَلْبِكَ بِالصِّدْقِ واليَقِينِ، وقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ. وذَكَرَ القُشَيْرِيُّ أنَّ المَعْنى: يَخْتِمُ عَلى قُلُوبِ الكُفّارِ وعَلى ألْسِنَتِهِمْ ويُعاجِلُهم بِالعَذابِ. انْتَهى، فَيَكُونُ التِفاتًا مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ، ومِنَ الجَمْعِ إلى الإفْرادِ، أيْ: يَخْتِمُ عَلى قَلْبِكَ أيُّها القائِلُ أنَّهُ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا. ﴿ويَمْحُو اللَّهُ الباطِلَ﴾: اسْتِئْنافُ إخْبارٍ، أيْ: يَمْحُوهُ إمّا في الدُّنْيا وإمّا في الآخِرَةِ حَيْثُ نازِلُهُ. وكُتِبَ (ويَمْحُ) بِغَيْرِ واوٍ، كَما كَتَبُوا (سَنَدْعُ) بِغَيْرِ واوٍ، اعْتِبارًا بِعَدَمِ ظُهُورِها؛ لِأنَّهُ لا يُوقَفُ عَلَيْها وقْفَ اخْتِيارٍ. ولَمّا سَقَطَتْ مِنَ اللَّفْظِ سَقَطَتْ مِنَ الخَطِّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ عِدَةً لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِأنَّهُ يَمْحُو الباطِلَ الَّذِي هم عَلَيْهِ مِنَ البُهْتِ والتَّكْذِيبِ، ويُثْبِتُ الحَقَّ الَّذِي أنْتَ عَلَيْهِ بِالقُرْآنِ وبِقَضائِهِ الَّذِي لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ نُصْرَتِكَ عَلَيْهِمْ. إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما في صَدْرِكَ وصُدُورِهِمْ، فَيُجْرِي الأمْرَ عَلى حَسَبِ ذَلِكَ. انْتَهى. قِيلَ: ويُحِقُّ الإسْلامَ بِكَلِماتِهِ، أيْ: بِما أنْزَلَ مِنَ القُرْآنِ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في شَرائِطِ التَّوْبَةِ، يُقالُ: قَبِلْتُ مِنهُ الشَّيْءَ بِمَعْنى: أخَذْتُهُ مِنهُ، لِقَوْلِهِ: ﴿وما مَنَعَهم أنْ تُقْبَلَ مِنهم نَفَقاتُهُمْ﴾ [التوبة: ٥٤] أيْ: تُؤْخَذَ، أيْ: جَعَلْتُهُ مَبْدَأ قَبُولِي ومَنشَأهُ، وقَبِلْتُهُ عَنْهُ: عَزَلْتُهُ عَنْهُ وأبَنْتُهُ، فَمَعْنى (عَنْ عِبادِهِ) أيْ: يُزِيلُ الرُّجُوعَ عَنِ المَعاصِي. ﴿ويَعْفُو عَنِ السَّيِّئاتِ﴾، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَنِ السَّيِّئاتِ إذا تِيبَ عَنْها، وعَنِ الصَّغائِرِ إذا اجْتُنِبَتِ الكَبائِرُ. انْتَهى، وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ. إنَّ الكَبائِرَ لا يُعْفى عَنْها إلّا بِالتَّوْبَةِ، ﴿ويَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ﴾، فَيُثِيبُ ويُعاقِبُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (ما يَفْعَلُونَ) بِياءِ الغَيْبَةِ؛ وعَبْدُ اللَّهِ، وعَلْقَمَةُ، والأخَوانِ، وحَفْصٌ: بِتاءِ الخِطابِ. والظّاهِرُ أنَّ (الَّذِينَ) فاعِلٌ، (ويَسْتَجِيبُ) أيْ: ويُجِيبُ، (الَّذِينَ آمَنُوا) لِرَبِّهِمْ، كَما قالَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ إذا دَعاكم لِما يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤]، فَيَكُونُ (يَسْتَجِيبُ) بِمَعْنى يُجِيبُ، أوْ يَبْقى عَلى بابِهِ مِنَ الطَّلَبِ، أيْ يَسْتَدْعِي الَّذِينَ آمَنُوا الإجابَةَ مِن رَبِّهِمْ بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هَذا في فِعْلِهِمْ إذا دَعاهم. وعَنْ إبْراهِيمَ بْنِ أدْهَمَ أنَّهُ قِيلَ: ما بالُنا نَدْعُو فَلا نُجابُ ؟ قالَ: لِأنَّهُ دَعاكم فَلَمْ تُجِيبُوهُ، ثُمَّ قَرَأ: ﴿واللَّهُ يَدْعُو إلى دارِ السَّلامِ﴾ [يونس: ٢٥] . ﴿ويَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، قالَ الزَّجّاجُ: (الَّذِينَ) مَفْعُولٌ، واسْتَجابَ وأجابَ بِمَعْنًى واحِدٍ، فالمَعْنى: ويُجِيبُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا، (p-٥١٨)أيْ: لِلَّذِينِ، كَما قالَ: فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذاكَ مُجِيبٌ أيْ: لَمْ يَجُبْهُ. ورُوِيَ هَذا المَعْنى عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ وابْنِ عَبّاسٍ. ﴿ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ﴾ أيْ: عَلى الثَّوابِ تَفَضُّلًا. وفي الحَدِيثِ: قَبُولُ الشَّفاعاتِ في المُؤْمِنِينَ والرِّضْوانِ. وقالَ خَبّابُ بْنُ الأرَتِّ: نَظَرْنا إلى أمْوالِ بَنِي قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ وبَنِي قَيْنُقاعَ فَتَمَنَّيْناها، فَنَزَلَتْ: ﴿ولَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا في الأرْضِ﴾ . وقالَ عَمْرُو بْنُ حُرَيْثٍ: طَلَبَ قَوْمٌ مِن أهْلِ الصُّفَّةِ مِنَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ ويَبْسُطَ لَهُمُ الأمْوالَ والأرْزاقَ، فَنَزَلَتْ. أعْلَمُ أنَّ الرِّزْقَ لَوْ جاءَ عَلى اقْتِراحِ البَشَرِ، لَكانَ سَبَبَ بَغْيِهِمْ وإفْسادِهِمْ، ولَكِنَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِالمَصْلَحَةِ. فَرُبَّ إنْسانٍ لا يَصْلُحُ ولا يَكْتَفِي شَرُّهُ إلّا بِالفَقْرِ، وآخَرُ بِالغِنى. وفي هَذا المَعْنى والتَّقْسِيمِ حَدِيثٌ رَواهُ أنَسٌ وقالَ: اللَّهُمَّ إنِّي مِن عِبادِكَ الَّذِينَ لا يُصْلِحُهم إلّا الغِنى، فَلا تُفْقِرْنِي. و(لَبَغَوْا) إمّا مِنَ البَذَخِ والكِبْرِ، أيْ: لَتَكَبَّرُوا في الأرْضِ، فَفَعَلُوا ما يَتْبَعُ الكِبْرَ مَعَ الغِنى. ألا تَرى إلى حالِ قارُونَ ؟ وفي الحَدِيثِ: «أخْوَفُ ما يُخافُ عَلى أُمَّتِي زَهْرَةُ الدُّنْيا» وقالَ الشّاعِرُ: ؎وقَدْ جَعَلُوا الوَسْمِيَّ يَنْبُتُ بَيْنَنا وبَيْنَ بَنِي رُومانَ نَبْعًا وشَوْحَطا يَعْنِي: أنَّهم أحَبُّوا، فَجَذَبُوا أنْفُسَهم بِالبَغْيِ والفِتَنِ. ﴿ولَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ﴾، يُقالُ: قَدْرَ بِالسُّكُونِ وبِالفَتْحِ، أيْ: يُقَدِّرُ لَهم ما هو أصْلَحُ لَهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (قَنَطُوا)، بِفَتْحِ النُّونِ؛ والأعْمَشُ، وابْنُ وثّابٍ: بِكَسْرِها، ﴿ويَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾: يُظْهِرُها مِنَ آثارِ الغَيْثِ مِنَ المَنافِعِ والخَصْبِ، والظّاهِرُ أنَّ رَحْمَتَهُ نَشْرُها أعَمُّ مِمّا في الغَيْثِ. وقالَ السُّدِّيُّ: (رَحْمَتَهُ) الغَيْثُ، وعَدَّدَ النِّعْمَةَ بِعَيْنِها بِلَفْظَيْنِ. وقِيلَ: الرَّحْمَةُ هُنا ظُهُورُ الشَّمْسِ؛ لِأنَّهُ إذا دامَ المَطَرُ سُئِمَ، فَتَجِيءُ الشَّمْسُ بَعْدَهُ عَظِيمَةَ المَوْقِعِ، ذَكَرَهُ المَهْدَوِيُّ. ﴿وهُوَ الوَلِيُّ﴾: الَّذِي يَتَوَلّى عِبادَهُ، (الحَمِيدُ): المَحْمُودُ عَلى ما أسْدى مِن نَعْمائِهِ (وما بَثَّ) الظّاهِرُ أنَّهُ مَجْرُورٌ عَطْفًا عَلى السَّماواتِ والأرْضِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا عَطْفًا عَلى (خَلْقُ) عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: وخَلْقُ ما بَثَّ. وفِيهِما يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِمّا نُسِبَ فِيهِ (دابَّةٍ) إلى المَجْمُوعِ المَذْكُورِ، وإنْ كانَ مُلْتَبِسًا بِبَعْضِهِ. كَما يُقالُ: بَنُو فُلانٍ صَنَعُوا كَذا، وإنَّما صَنْعَهُ واحِدٌ مِنهم، ومِنهُ يَخْرُجُ مِنهُما، وإنَّما يَخْرُجُ مِنَ المِلْحِ، أوْ يَكُونُ مِنَ المَلائِكَةِ. بَعْضٌ يَمْشِي مَعَ الطَّيَرانِ، فَيُوصَفُ بِالدَّبِيبِ كَما يُوصَفُ بِهِ الأناسِيُّ، أوْ يَكُونُ قَدْ خَلَقَ في السَّماواتِ حَيَوانًا يَمْشِي مَعَ مَشْيِ الأناسِيِّ عَلى الأرْضِ، أوْ يُرِيدُ الحَيَوانَ الَّذِي يَكُونُ في السَّحابِ. وقَدْ يَقَعُ أحْيانًا، كالضَّفادِعِ، والسَّحابُ داخِلٌ في اسْمِ السَّماءِ. وقالَ مُجاهِدٌ: ﴿وما بَثَّ فِيهِما مِن دابَّةٍ﴾: هُمُ النّاسُ والمَلائِكَةُ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ: هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: وما بَثَّ في أحَدِهِما. وقَرَأ الجُمْهُورُ (فِيهِما) بِالفاءِ، وكَذا هي في مُعْظَمِ المَصاحِفِ. واحْتَمَلَ (ما) أنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً، وهو الأظْهَرُ، وأنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً، والفاءُ تَدْخُلُ في خَبَرِ المَوْصُولِ إذا أُجْرِيَ مَجْرى الشَّرْطِ بِشَرائِطَ ذُكِرَتْ في النَّحْوِ، وهي مَوْجُودَةٌ. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ في رِوايَةٍ، وشَيْبَةُ (بِما) بِغَيْرِ فاءٍ، فَـ (ما) مَوْصُولَةٌ، ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً؛ وحُذِفَتِ الفاءُ لِأنَّ ذَلِكَ مِمّا يَخُصُّهُ سِيبَوَيْهِ بِالشِّعْرِ، وأجازَ ذَلِكَ الأخْفَشُ وبَعْضُ نُحاةِ بَغْدادَ وذَلِكَ عَلى إرادَةِ الفاءِ. وتَرَتُّبُ ما أصابَ مِنَ المَصائِبِ عَلى كَسْبِ الأيْدِي مَوْجُودٌ مَعَ الفاءِ ودُونِها هُنا، والمُصِيبَةُ: الرَّزايا والمَصائِبُ في الدُّنْيا، وهي مُجازاةٌ عَلى ذُنُوبِ المَرْءِ وتَمْحِيصٌ لِخَطاياهُ، وأنَّهُ تَعالى يَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ، ولا يُجازِي عَلَيْهِ بِمُصِيبَةٍ. وفي الحَدِيثِ: «لا يُصِيبُ ابْنُ آدَمَ خَدْشُ عَوْدٍ أوْ عَثْرَةُ قَدَمٍ ولا اخْتِلاجُ عِرْقٍ إلّا بِذَنْبٍ وما يَعْفُو عَنْهُ أكْثَرُ» . وسُئِلَ عِمْرانُ بْنُ حُصَيْنٍ عَنْ مَرَضِهِ فَقالَ؛ إنَّ أحَبَّهُ إلَيَّ أحَبُّهُ إلى اللَّهِ، وهَذا مِمّا كَسَبَتْ يَدايَ. ورُؤِيَ عَلى كَفِّ شُرَيْحٍ قُرْحَةٌ، فَقِيلَ: بِمَ هَذا ؟ فَقالَ: بِما كَسَبَتْ يَدايَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الآيَةُ مَخْصُوصَةٌ بِالمُجْرِمِينَ، ولا يَمْتَنِعُ أنْ يَسْتَوْفِيَ اللَّهُ عِقابَ المُجْرِمِ ويَعْفُوَ عَنْ بَعْضٍ. فَأمّا مَن (p-٥١٩)لا جُرْمَ لَهُ، كالأنْبِياءِ والأطْفالِ والمَجانِينِ، فَهو كَما إذا أصابَهم شَيْءٌ مِن ألَمٍ أوْ غَيْرِهِ، فَلِلْعِوَضِ المُوفِي والمُصْلِحَةِ، وعَنْ عَلِيٍّ هَذِهِ أرْجى آيَةٍ لِلْمُؤْمِنِينَ. وقالَ الحَسَنُ: ﴿مِن مُصِيبَةٍ﴾ أيْ: حَدٍّ مِن حُدُودِ اللَّهِ، وتِلْكَ مَصائِبُ تَنْزِلُ بِشَخْصِ الإنْسانِ ونَفْسِهِ، فَإنَّما هي بِكَسْبِ أيْدِيكم. (ويَعْفُو) اللَّهُ (عَنْ كَثِيرٍ)، فَيَسْتُرُهُ عَلى العِبادِ حَتّى لا يُحَدَّ عَلَيْهِ. (وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ) أيْ: أنْتُمْ في قَبْضَةِ القُدْرَةِ. وقِيلَ: لَيْسَتِ المَصائِبُ مِنَ الأسْقامِ والقَحْطِ والغَرَقِ وغَيْرِ ذَلِكَ بِعُقُوباتٍ عَلى الذُّنُوبِ لِقَوْلِهِ: ﴿اليَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ [غافر: ١٧]، ولِاشْتِراكِ الصّالِحِ والطّالِحِ فِيهِما، بَلْ أكْثَرُ ما يُبْتَلى بِهِ الصّالِحُونَ المُتَّقُونَ. وفي الحَدِيثِ: «خُصَّ بِالبَلاءِ الأنْبِياءُ ثُمَّ الأمْثَلُ فالأمْثَلُ» . ولِأنَّ الدُّنْيا دارُ التَّكْلِيفِ، فَلَوْ حَصَلَ الجَزاءُ فِيها لَكانَتْ دارَ الجَزاءِ، ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ. وهَذا القَوْلُ يُؤَخِّرُهُ نُصُوصُ القُرْآنِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكُلًّا أخَذْنا بِذَنْبِهِ فَمِنهم مَن أرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِبًا﴾ [العنكبوت: ٤٠] الآيَةَ.

الشورى 42:22

﴿أمْ لَهم شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهم مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ ولَوْلا كَلِمَةُ الفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهم وإنَّ الظّالِمِينَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿تَرى الظّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا كَسَبُوا وهو واقِعٌ بِهِمْ والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ في رَوْضاتِ الجَنّاتِ لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هو الفَضْلُ الكَبِيرُ﴾ ﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى ومَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْنًا إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا فَإنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ ويَمْحُ اللَّهُ الباطِلَ ويُحِقُّ الحَقَّ بِكَلِماتِهِ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ ﴿وهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ ويَعْفُو عَنِ السَّيِّئاتِ ويَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ﴾ ﴿ويَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ والكافِرُونَ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ ﴿ولَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا في الأرْضِ ولَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ إنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ ﴿وهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الغَيْثَ مِن بَعْدِ ما قَنَطُوا ويَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وهو الوَلِيُّ الحَمِيدُ﴾ ﴿ومِن آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَثَّ فِيهِما مِن دابَّةٍ وهو عَلى جَمْعِهِمْ إذا يَشاءُ قَدِيرٌ﴾ ﴿وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكم ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ في الأرْضِ وما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ . (p-٥٠٧)﴿أمْ لَهم شُرَكاءُ﴾: اسْتِفْهامُ تَقْرِيرٍ وتَوْبِيخٍ. لَمّا ذَكَرَ تَعالى أنَّهُ شَرَعَ لِلنّاسِ ﴿ما وصّى بِهِ نُوحًا﴾ [الشورى: ١٣] الآيَةَ، أخَذَ يُنْكِرُ ما شَرَعَ غَيْرُهُ تَعالى. والشُّرَكاءُ هُنا يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ شُرَكاؤُهم في الكُفْرِ، كالشَّياطِينِ والمُغْوِينَ مِنَ النّاسِ. والضَّمِيرُ في (شَرَعُوا) عائِدٌ عَلى الشُّرَكاءِ، والضَّمِيرُ في (لَهم) عائِدٌ عَلى الكُفّارِ المُعاصِرِينَ لِلرَّسُولِ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ الأصْنامُ والأوْثانُ وكُلُّ مَن جَعَلُوهُ شَرِيكًا لِلَّهِ. وأُضِيفَ الشُّرَكاءُ إلَيْهِمْ؛ لِأنَّهم مُتَّخِذُوها شُرَكاءَ لِلَّهِ، فَتارَةً إلَيْهِمْ بِهَذِهِ المُلابَسَةِ، وتارَةً إلى اللَّهِ. والضَّمِيرُ في (شَرَعُوا) يَحْتَمِلُ أنْ يَعُودَ عَلى الشُّرَكاءِ، و(لَهم) عائِدٌ عَلى الكُفّارِ، لَمّا كانَتْ سَبَبًا لِضَلالِهِمْ وافْتِتانِهِمْ جُعِلَتْ شارِعَةً لِدِينِ الكُفْرِ، كَما قالَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿رَبِّ إنَّهُنَّ أضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ﴾ [إبراهيم: ٣٦] . واحْتَمَلَ أنْ يَعُودَ عَلى الكُفّارِ، و(لَهم) عائِدٌ عَلى الشُّرَكاءِ، أيْ: شَرَعَ الكُفّارُ لِأصْنامِهِمْ ومَعْبُوداتِهِمْ، أيْ: رَسَمُوا لَهم غَوايَةً وأحْكامًا في المُعْتَقَداتِ، كَقَوْلِهِمْ: إنَّهم آلِهَةٌ، وإنَّ عِبادَتَهم تُقَرِّبُهم إلى اللَّهِ؛ ومِنَ الأحْكامِ: البَحِيرَةُ والوَصِيلَةُ والحامِي وغَيْرُ ذَلِكَ. ﴿ولَوْلا كَلِمَةُ الفَصْلِ﴾ أيِ: العِدَةُ بِأنَّ الفَصْلَ في الآخِرَةِ، أوْ لَوْلا القَضاءُ بِذَلِكَ لَقُضِيَ بَيْنَ المُؤْمِنِ والكافِرِ، أوْ بَيْنَ المُشْرِكِينَ وشُرَكائِهِمْ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (إنَّ الظّالِمِينَ)، بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى الِاسْتِئْنافِ والإخْبارِ بِما يَنالُهم في الدُّنْيا مِنَ القَتْلِ والأسْرِ والنَّهْبِ، وفي الآخِرَةِ النّارُ. وقَرَأ الأعْرَجُ، ومُسْلِمُ بْنُ جُنْدُبٍ (وأنَّ) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ عَطْفًا عَلى كَلِمَةِ الفَصْلِ، فَهو في مَوْضِعِ رَفْعٍ، أيْ: ولَوْلا كَلِمَةُ الفَصْلِ وكَوْنُ الظّالِمِينَ لَهم عَذابٌ في الآخِرَةِ، لَقُضِيَ بَيْنَهم في الدُّنْيا وفُصِلَ بَيْنَ المُتَعاطِفَيْنِ بِجَوابِ لَوْلا، كَما فُصِلَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ لَكانَ لِزامًا وأجَلٌ مُسَمًّى﴾ [طه: ١٢٩] . ﴿تَرى الظّالِمِينَ﴾ أيْ: تُبْصِرُ الكافِرِينَ لِمُقابَلَتِهِ بِالمُؤْمِنِينَ، (مُشْفِقِينَ): خائِفِينَ الخَوْفَ الشَّدِيدَ، (مِمّا كَسَبُوا) مِنَ السَّيِّئاتِ، (وهو) أيِ: العَذابُ، أوْ يَعُودُ عَلى ما كَسَبُوا عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: وبالٌ كَسَبُوا مِنَ السَّيِّئاتِ، أوْ جَزاؤُهُ حالٌّ بِهِمْ. ﴿وهُوَ واقِعٌ﴾: فَإشْفاقُهم هو في هَذِهِ الحالِ، فَلَيْسُوا كالمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ هم في الدُّنْيا مُشْفِقُونَ مِنَ السّاعَةِ. ولَمّا كانَتِ الرَّوْضاتُ أحْسَنَ ما في الجَنّاتِ وأنْزَهَها وفي أعْلاها، ذَكَرَ أنَّ المُؤْمِنِينَ فِيها. واللُّغَةُ الكَثِيرَةُ تَسْكِينُ الواوِ في رَوْضاتٍ، ولُغَةُ هُذَيْلِ بْنِ مُدْرِكَةَ فَتْحُ الواوِ إجْراءً لِلْمُعْتَلِّ مَجْرى الصَّحِيحِ نَحْوُ جَفَناتٍ، ولَمْ يَقْرَأْ أحَدٌ مِمَّنْ عَلِمْناهُ بِلُغَتِهِمْ. و(عِنْدَ) ظَرْفٌ، قالَ الحَوْفِيُّ: مَعْمُولٌ لِـ (يَشاءُونَ) . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَنصُوبٌ بِالظَّرْفِ لا يَشاءُونَ. انْتَهى، وهو الصَّوابُ. ويَعْنِي بِالظَّرْفِ: الجارُّ والمَجْرُورُ، وهو لَهم في الحَقِيقَةِ غَيْرُ مَعْمُولٍ لِلْعامِلِ في لَهم، والمَعْنى: ما يَشاءُونَ مِنَ النَّعِيمِ والثَّوابِ مُسْتَقِرٌّ لَهم. (عِنْدَ رَبِّهِمْ): والعِنْدِيَّةُ عِنْدِيَّةُ المَكانَةِ والتَّشْرِيفِ لا عِنْدِيَّةُ المَكانَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يُبَشِّرُ) بِتَشْدِيدِ الشِّينِ، مِن بَشَّرَ؛ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَعْمُرَ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، والجَحْدَرِيُّ، والأعْمَشُ، وطَلْحَةُ في رِوايَةٍ، والكِسائِيُّ، وحَمْزَةُ: (يُبَشِّرُ) ثُلاثِيًّا؛ ومُجاهِدٌ، وحَمِيدُ بْنُ قَيْسٍ: بِضَمِّ الياءِ وتَخْفِيفِ الشِّينِ مِن أبْشَرَ، وهو مُعَدًّى بِالهَمْزَةِ مِن بَشِرَ اللّازِمِ المَكْسُورِ الشِّينِ. وأمّا بَشَرَ بِفَتْحِها فَتَعَدَّ، وبَشَّرَ بِالتَّشْدِيدِ لِلتَّكْثِيرِ لا لِلتَّعْدِيَةِ؛ لِأنَّ المُتَعَدِّي إلى واحِدٍ، وهو مُخَفَّفٌ لا يُعَدّى بِالتَّضْعِيفِ إلَيْهِ؛ فالتَّضْعِيفُ فِيهِ لِلتَّكْثِيرِ لا لِلتَّعْدِيَةِ. (ذَلِكَ): إشارَةٌ إلى ما أعَدَّ لَهم مِنَ الكَرامَةِ، وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ المَوْصُولِ، والعائِدُ عَلَيْهِ مَحْذُوفٌ، أيْ: يُبَشِّرُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ ذَلِكَ التَّبْشِيرُ الَّذِي يُبَشِّرُهُ اللَّهُ عِبادَهُ. انْتَهى. ولا يَظْهَرُ هَذا الوَجْهُ، إذْ (p-٥١٦)لَمْ يَتَقَدَّمْ في هَذِهِ السُّورَةِ لَفْظُ البُشْرى، ولا ما يَدُلُّ عَلَيْها مِن تَبْشِيرٍ أوْ شَبَهِهِ. ومِنَ النَّحْوِيِّينَ مَن جَعْلَ (الَّذِي) مَصْدَرِيَّةً، حَكاهُ ابْنُ مالِكٍ عَنْ يُونُسَ، وتُأوَّلُ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ، أيْ: ذَلِكَ تَبْشِيرُ اللَّهِ عِبادَهُ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّهُ إثْباتٌ لِلِاشْتِراكِ بَيْنَ مُخْتَلِفِي الحَدِّ بِغَيْرِ دَلِيلٍ. وقَدْ ثَبَتَتِ اسْمِيَّةُ (الَّذِي) فَلا يُعْدَلُ عَنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ لا تَقُومُ بِهِ دَلِيلٌ ولا شُبْهَةٌ. ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ . رُوِيَ أنَّهُ اجْتَمَعَ المُشْرِكُونَ في مَجْمَعٍ لَهم، فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: أتَرَوْنَ مُحَمَّدًا يَسْألُ أجْرًا عَلى ما يَتَعاطاهُ ؟ فَنَزَلَتْ. ورُوِيَ أنَّ الأنْصارَ أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِمالٍ جَمَعُوهُ وقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، هَدانا اللَّهُ بِكَ، وأنْتَ ابْنُ أُخْتِنا، وتَعْرُوكَ حُقُوقٌ وما لَكَ سِعَةٌ، فاسْتَعِنْ بِهَذا عَلى ما يَنُوبُكَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ، فَرَدَّهُ. وقِيلَ: الخِطابُ مُتَوَجِّهٌ إلى قُرَيْشٍ حِينَ جَمَعُوا لَهُ مالًا وأرادُوا أنْ يَرْشُوهُ عَلَيْهِمْ عَلى أنْ يُمْسِكَ عَنْ سَبِّ آلِهَتِهِمْ، فَلَمْ يَفْعَلْ، ونَزَلَتْ. فالمَعْنى: لا أسْألُكم مالًا ولا رِياسَةً، ولَكِنْ أسْألُكم أنْ تَرْعَوْا حَقَّ قَرابَتِي وتُصَدِّقُونِي فِيما جِئْتُكم بِهِ، وتُمْسِكُوا عَنْ أذِيَّتِي وأذِيَّةِ مَن تَبِعَنِي، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ وأبُو مالِكٍ والشَّعْبِيُّ وغَيْرُهم. قالَ الشَّعْبِيُّ: أكْثَرَ النّاسُ عَلَيْنا في هَذِهِ الآيَةِ، فَكَتَبْنا إلى ابْنِ عَبّاسٍ نَسْألُهُ عَنْها، فَكَتَبَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ أوْسَطَ النّاسِ في قُرَيْشٍ، لَيْسَ بَطْنٌ مِن بُطُونِهِمْ إلّا وقَدْ ولَدَهُ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى: قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا أنْ تَوَدُّونِي في قَرابَتِي مِنكم، فارْعَوْا ما بَيْنِي وبَيْنَكم وصَدِّقُونِي. وقالَ عِكْرِمَةُ: وكانَتْ قُرَيْشٌ تَصِلُ أرْحامَها. وقالَ الحَسَنُ: المَعْنى إلّا أنْ تَتَوَدَّدُوا إلى اللَّهِ بِالتَّقَرُّبِ إلَيْهِ. وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ القاسِمِ: إلّا أنْ يَتَوَدَّدَ بَعْضُكم إلى بَعْضٍ وتَصِلُوا قَراباتِكم. رُوِيَ أنَّ شَبابًا مِنَ الأنْصارِ فاخَرُوا المُهاجِرِينَ وصالُوا بِالقَوْلِ، فَنَزَلَتْ عَلى مَعْنى: أنْ لا تُؤْذُونِي في قَرابَتِي وتَحْفَظُونِي فِيهِمْ. وقالَ بِهَذا المَعْنى عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، واسْتَشْهَدَ بِالآيَةِ حِينَ سِيقَ إلى الشّامِ أسِيرًا، وهو قَوْلُ ابْنُ جُبَيْرٍ والسُّدِّيُّ وعَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، وعَلى هَذا التَّأْوِيلِ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قِيلَ يا رَسُولَ اللَّهِ: مَن قَرابَتُكَ الَّذِينَ أُمِرْنا بِمَوَدَّتِهِمْ ؟ فَقالَ: عَلِيٌّ وفاطِمَةُ وابْناهُما. وقِيلَ: هم ولَدُ عَبْدِ المَطَّلِبِ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إلّا المَوَدَّةَ﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ؛ لِأنَّ المَوَدَّةَ لَيْسَتْ أجْرًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مُتَّصِلًا، أيْ: لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا هَذا: أنْ تَوَدُّوا أهْلَ قَرابَتِي، ولَمْ يَكُنْ هَذا أجْرًا في الحَقِيقَةِ؛ لِأنَّ قَرابَتَهُ قَرابَتُهم، فَكانَتْ صِلَتُهم لازِمَةً لَهم في المُرُوءَةِ. وقالَ: فَإنْ قُلْتَ: هَلّا قِيلَ إلّا مَوَدَّةَ القُرْبى، أوْ إلّا المَوَدَّةَ لِلْقُرْبى ؟ قُلْتُ: جَعَلُوا مَكانًا لِلْمَوَدَّةِ ومَقَرًّا لَها، كَقَوْلِكَ: لِي في آلِ فُلانٍ مَوَدَّةٌ، ولِي فِيهِمْ هَوًى وحُبٌّ شَدِيدٌ، تُرِيدُ: أُحِبُّهم وهم مَكانُ حُبِّي ومَحِلُّهُ. ولَيْسَتْ في صِلَةٍ لِلْمَوَدَّةِ كاللّامِ، إذا قُلْتَ إلّا المَوَدَّةَ لِلْقُرْبى، إنَّما هي مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ تَعَلَّقَ الظَّرْفِ بِهِ في قَوْلِكَ: المالُ في الكِيسِ، وتَقْدِيرُهُ: إلّا المَوَدَّةَ ثابِتَةً في القُرْبى ومُتَمَكِّنَةً فِيها. انْتَهى، وهو حَسَنٌ وفِيهِ تَكْثِيرٌ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ (إلّا مَوَدَّةً) والجُمْهُورُ ﴿إلّا المَوَدَّةَ﴾ . ﴿ومَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً﴾ أيْ: يَكْتَسِبْ، والظّاهِرُ عُمُومُ الحَسَنَةِ عُمُومَ البَدَلِ، فَيَنْدَرِجُ فِيها المَوَدَّةُ في القُرْبى وغَيْرُها. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والسُّدِّيِّ، أنَّها المَوَدَّةُ في آلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وقَرَأ الجُمْهُورُ: (نَزِدْ) بِالنُّونِ؛ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وعَبْدُ الوارِثِ عَنْ أبِي عَمْرٍو، وأحْمَدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ الكِسائِيِّ: (يَزِدْ) بِالياءِ، أيْ: يَزِدِ اللَّهُ. والجُمْهُورُ: (حُسْنًا) بِالتَّنْوِينِ؛ وعَبْدُ الوارِثِ عَنْ أبِي عَمْرٍو: (حُسْنى) بِغَيْرِ تَنْوِينٍ، عَلى وزْنِ رُجْعى، وزِيادَةُ حُسْنِها: مُضاعَفَةُ أجْرِها. (أنَّ اللَّهَ غَفُورٌ): ساتِرُ عُيُوبِ عِبادِهِ، (شَكُورٌ): مُجازٍ عَلى الدَّقِيقَةِ، لا يَضِيعُ عِنْدَهُ عَمَلُ العامِلِ. وقالَ السُّدِّيُّ: غَفُورٌ لِذُنُوبِ آلِ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، شَكُورٌ لِحَسَناتِهِمْ. ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾: أضْرَبَ عَنِ الكَلامِ المُتَقَدِّمِ مِن غَيْرِ إبْطالٍ، واسْتَفْهَمَ اسْتِفْهامَ إنْكارٍ وتَوْبِيخٍ عَلى هَذِهِ المَقالَةِ، أيْ: مِثْلُهُ لا يُنْسَبُ إلَيْهِ الكَذِبُ (p-٥١٧)عَلى اللَّهِ، مَعَ اعْتِرافِكم لَهُ قَبْلُ بِالصِّدْقِ والأمانَةِ. ﴿فَإنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ﴾، قالَ مُجاهِدٌ: يَرْبِطُ عَلى قَلْبِكَ بِالصَّبْرِ عَلى أذاهم، حَتّى لا يَشُقَّ عَلَيْكَ قَوْلُهم: إنَّكَ مُفْتَرٍ. وقالَ قَتادَةُ وجَماعَةٌ: ﴿يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ﴾: يُنْسِيكَ القُرْآنَ، والمُرادُ الرَّدُّ عَلى مَقالَةِ الكُفّارِ وبَيانُ إبْطالِها، وذَلِكَ كَأنَّهُ يَقُولُ: وكَيْفَ يَصِحُّ أنْ تَكُونَ مُفْتَرِياتٍ وأنْتَ مِنَ اللَّهِ بِمَرْأًى ومَسْمَعٍ وهو قادِرٌ، ولَوْ شاءَ أنْ يَخْتِمَ عَلى قَلْبِكَ فَلا تَعْقِلُ ولا تَنْطِقُ ولا يَسْتَمِرُّ افْتِراؤُكَ، فَقَصَدَ اللَّفْظُ هَذا المَعْنى، وحُذِفَ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ الظّاهِرُ اخْتِصارًا واقْتِصارًا. انْتَهى. هَكَذا أوْرَدَ هَذا التَّأْوِيلُ عَنْ قَتادَةَ ابْنُ عَطِيَّةَ، وفي ألْفاظِهِ فَظاظَةٌ لا تَلِيقُ أنْ تُنْسَبَ لِلْأنْبِياءِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَنْ قَتادَةَ: يُنْسِيكَ القُرْآنَ ويَنْقَطِعُ عَنْكَ الوَحْيُ، يَعْنِي لَوِ افْتَرى عَلى اللَّهِ الكَذِبَ لَفُعِلَ بِهِ ذَلِكَ. انْتَهى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ أيْضًا: فَإنْ يَشَأِ اللَّهُ يَجْعَلْكَ مِنَ المَخْتُومِ عَلى قُلُوبِهِمْ حَتّى تَفْتَرِيَ عَلَيْهِ الكَذِبَ، فَإنَّهُ لا يَجْتَرِئُ عَلى افْتِراءِ الكَذِبِ عَلى اللَّهِ إلّا مَن كانَ في مِثْلِ حالِهِمْ، وهَذا الأُسْلُوبُ مُؤَدّاهُ اسْتِبْعادُ الِافْتِراءِ مِن مِثْلِهِ، وأنَّهُ في البُعْدِ مِثْلُ الشِّرْكِ بِاللَّهِ والدُّخُولِ في جُمْلَةِ المَخْتُومِ عَلى قُلُوبِهِمْ. ومِثالُ هَذا أنْ يَخُونَ بَعْضُ الأُمَناءِ فَيَقُولُ: لَعَلَّ اللَّهَ خَذَلَنِي، لَعَلَّ اللَّهَ أعْمى قَلْبِي، وهو لا يُرِيدُ إثْباتَ الخِذْلانِ وعَمى القَلْبِ، وإنَّما يُرِيدُ اسْتِبْعادَ أنْ يَخُونَ مِثْلُهُ، والتَّنْبِيهُ عَلى أنَّهُ رَكِبَ مِن تَخْوِينِهِ أمْرٌ عَظِيمٌ. ثُمَّ قالَ: ومِن عادَةِ اللَّهِ أنْ يَمْحُوَ الباطِلَ ويُثْبِتَ الحَقَّ بِوَحْيِهِ أوْ بِقَضائِهِ لِقَوْلِهِ: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالحَقِّ عَلى الباطِلِ فَيَدْمَغُهُ﴾ [الأنبياء: ١٨]، يَعْنِي: لَوْ كانَ مُفْتَرِيًا، كَما يَزْعُمُونَ، لَكَشَفَ اللَّهُ افْتِراءَهُ ومَحَقَهُ، وقَذَفَ بِالحَقِّ عَلى الباطِلِ فَدَمَغَهُ. انْتَهى. وقِيلَ: المَعْنى لَوِ افْتَرَيْتَ عَلى اللَّهِ، لَطَبَعَ عَلى قَلْبِكَ حَتّى لا تَقْدِرَ عَلى حِفْظِ القُرْآنِ. وقِيلَ: لَخَتَمَ عَلى قَلْبِكَ بِالصِّدْقِ واليَقِينِ، وقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ. وذَكَرَ القُشَيْرِيُّ أنَّ المَعْنى: يَخْتِمُ عَلى قُلُوبِ الكُفّارِ وعَلى ألْسِنَتِهِمْ ويُعاجِلُهم بِالعَذابِ. انْتَهى، فَيَكُونُ التِفاتًا مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ، ومِنَ الجَمْعِ إلى الإفْرادِ، أيْ: يَخْتِمُ عَلى قَلْبِكَ أيُّها القائِلُ أنَّهُ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا. ﴿ويَمْحُو اللَّهُ الباطِلَ﴾: اسْتِئْنافُ إخْبارٍ، أيْ: يَمْحُوهُ إمّا في الدُّنْيا وإمّا في الآخِرَةِ حَيْثُ نازِلُهُ. وكُتِبَ (ويَمْحُ) بِغَيْرِ واوٍ، كَما كَتَبُوا (سَنَدْعُ) بِغَيْرِ واوٍ، اعْتِبارًا بِعَدَمِ ظُهُورِها؛ لِأنَّهُ لا يُوقَفُ عَلَيْها وقْفَ اخْتِيارٍ. ولَمّا سَقَطَتْ مِنَ اللَّفْظِ سَقَطَتْ مِنَ الخَطِّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ عِدَةً لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِأنَّهُ يَمْحُو الباطِلَ الَّذِي هم عَلَيْهِ مِنَ البُهْتِ والتَّكْذِيبِ، ويُثْبِتُ الحَقَّ الَّذِي أنْتَ عَلَيْهِ بِالقُرْآنِ وبِقَضائِهِ الَّذِي لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ نُصْرَتِكَ عَلَيْهِمْ. إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما في صَدْرِكَ وصُدُورِهِمْ، فَيُجْرِي الأمْرَ عَلى حَسَبِ ذَلِكَ. انْتَهى. قِيلَ: ويُحِقُّ الإسْلامَ بِكَلِماتِهِ، أيْ: بِما أنْزَلَ مِنَ القُرْآنِ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في شَرائِطِ التَّوْبَةِ، يُقالُ: قَبِلْتُ مِنهُ الشَّيْءَ بِمَعْنى: أخَذْتُهُ مِنهُ، لِقَوْلِهِ: ﴿وما مَنَعَهم أنْ تُقْبَلَ مِنهم نَفَقاتُهُمْ﴾ [التوبة: ٥٤] أيْ: تُؤْخَذَ، أيْ: جَعَلْتُهُ مَبْدَأ قَبُولِي ومَنشَأهُ، وقَبِلْتُهُ عَنْهُ: عَزَلْتُهُ عَنْهُ وأبَنْتُهُ، فَمَعْنى (عَنْ عِبادِهِ) أيْ: يُزِيلُ الرُّجُوعَ عَنِ المَعاصِي. ﴿ويَعْفُو عَنِ السَّيِّئاتِ﴾، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَنِ السَّيِّئاتِ إذا تِيبَ عَنْها، وعَنِ الصَّغائِرِ إذا اجْتُنِبَتِ الكَبائِرُ. انْتَهى، وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ. إنَّ الكَبائِرَ لا يُعْفى عَنْها إلّا بِالتَّوْبَةِ، ﴿ويَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ﴾، فَيُثِيبُ ويُعاقِبُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (ما يَفْعَلُونَ) بِياءِ الغَيْبَةِ؛ وعَبْدُ اللَّهِ، وعَلْقَمَةُ، والأخَوانِ، وحَفْصٌ: بِتاءِ الخِطابِ. والظّاهِرُ أنَّ (الَّذِينَ) فاعِلٌ، (ويَسْتَجِيبُ) أيْ: ويُجِيبُ، (الَّذِينَ آمَنُوا) لِرَبِّهِمْ، كَما قالَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ إذا دَعاكم لِما يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤]، فَيَكُونُ (يَسْتَجِيبُ) بِمَعْنى يُجِيبُ، أوْ يَبْقى عَلى بابِهِ مِنَ الطَّلَبِ، أيْ يَسْتَدْعِي الَّذِينَ آمَنُوا الإجابَةَ مِن رَبِّهِمْ بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هَذا في فِعْلِهِمْ إذا دَعاهم. وعَنْ إبْراهِيمَ بْنِ أدْهَمَ أنَّهُ قِيلَ: ما بالُنا نَدْعُو فَلا نُجابُ ؟ قالَ: لِأنَّهُ دَعاكم فَلَمْ تُجِيبُوهُ، ثُمَّ قَرَأ: ﴿واللَّهُ يَدْعُو إلى دارِ السَّلامِ﴾ [يونس: ٢٥] . ﴿ويَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، قالَ الزَّجّاجُ: (الَّذِينَ) مَفْعُولٌ، واسْتَجابَ وأجابَ بِمَعْنًى واحِدٍ، فالمَعْنى: ويُجِيبُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا، (p-٥١٨)أيْ: لِلَّذِينِ، كَما قالَ: فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذاكَ مُجِيبٌ أيْ: لَمْ يَجُبْهُ. ورُوِيَ هَذا المَعْنى عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ وابْنِ عَبّاسٍ. ﴿ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ﴾ أيْ: عَلى الثَّوابِ تَفَضُّلًا. وفي الحَدِيثِ: قَبُولُ الشَّفاعاتِ في المُؤْمِنِينَ والرِّضْوانِ. وقالَ خَبّابُ بْنُ الأرَتِّ: نَظَرْنا إلى أمْوالِ بَنِي قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ وبَنِي قَيْنُقاعَ فَتَمَنَّيْناها، فَنَزَلَتْ: ﴿ولَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا في الأرْضِ﴾ . وقالَ عَمْرُو بْنُ حُرَيْثٍ: طَلَبَ قَوْمٌ مِن أهْلِ الصُّفَّةِ مِنَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ ويَبْسُطَ لَهُمُ الأمْوالَ والأرْزاقَ، فَنَزَلَتْ. أعْلَمُ أنَّ الرِّزْقَ لَوْ جاءَ عَلى اقْتِراحِ البَشَرِ، لَكانَ سَبَبَ بَغْيِهِمْ وإفْسادِهِمْ، ولَكِنَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِالمَصْلَحَةِ. فَرُبَّ إنْسانٍ لا يَصْلُحُ ولا يَكْتَفِي شَرُّهُ إلّا بِالفَقْرِ، وآخَرُ بِالغِنى. وفي هَذا المَعْنى والتَّقْسِيمِ حَدِيثٌ رَواهُ أنَسٌ وقالَ: اللَّهُمَّ إنِّي مِن عِبادِكَ الَّذِينَ لا يُصْلِحُهم إلّا الغِنى، فَلا تُفْقِرْنِي. و(لَبَغَوْا) إمّا مِنَ البَذَخِ والكِبْرِ، أيْ: لَتَكَبَّرُوا في الأرْضِ، فَفَعَلُوا ما يَتْبَعُ الكِبْرَ مَعَ الغِنى. ألا تَرى إلى حالِ قارُونَ ؟ وفي الحَدِيثِ: «أخْوَفُ ما يُخافُ عَلى أُمَّتِي زَهْرَةُ الدُّنْيا» وقالَ الشّاعِرُ: ؎وقَدْ جَعَلُوا الوَسْمِيَّ يَنْبُتُ بَيْنَنا وبَيْنَ بَنِي رُومانَ نَبْعًا وشَوْحَطا يَعْنِي: أنَّهم أحَبُّوا، فَجَذَبُوا أنْفُسَهم بِالبَغْيِ والفِتَنِ. ﴿ولَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ﴾، يُقالُ: قَدْرَ بِالسُّكُونِ وبِالفَتْحِ، أيْ: يُقَدِّرُ لَهم ما هو أصْلَحُ لَهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (قَنَطُوا)، بِفَتْحِ النُّونِ؛ والأعْمَشُ، وابْنُ وثّابٍ: بِكَسْرِها، ﴿ويَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾: يُظْهِرُها مِنَ آثارِ الغَيْثِ مِنَ المَنافِعِ والخَصْبِ، والظّاهِرُ أنَّ رَحْمَتَهُ نَشْرُها أعَمُّ مِمّا في الغَيْثِ. وقالَ السُّدِّيُّ: (رَحْمَتَهُ) الغَيْثُ، وعَدَّدَ النِّعْمَةَ بِعَيْنِها بِلَفْظَيْنِ. وقِيلَ: الرَّحْمَةُ هُنا ظُهُورُ الشَّمْسِ؛ لِأنَّهُ إذا دامَ المَطَرُ سُئِمَ، فَتَجِيءُ الشَّمْسُ بَعْدَهُ عَظِيمَةَ المَوْقِعِ، ذَكَرَهُ المَهْدَوِيُّ. ﴿وهُوَ الوَلِيُّ﴾: الَّذِي يَتَوَلّى عِبادَهُ، (الحَمِيدُ): المَحْمُودُ عَلى ما أسْدى مِن نَعْمائِهِ (وما بَثَّ) الظّاهِرُ أنَّهُ مَجْرُورٌ عَطْفًا عَلى السَّماواتِ والأرْضِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا عَطْفًا عَلى (خَلْقُ) عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: وخَلْقُ ما بَثَّ. وفِيهِما يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِمّا نُسِبَ فِيهِ (دابَّةٍ) إلى المَجْمُوعِ المَذْكُورِ، وإنْ كانَ مُلْتَبِسًا بِبَعْضِهِ. كَما يُقالُ: بَنُو فُلانٍ صَنَعُوا كَذا، وإنَّما صَنْعَهُ واحِدٌ مِنهم، ومِنهُ يَخْرُجُ مِنهُما، وإنَّما يَخْرُجُ مِنَ المِلْحِ، أوْ يَكُونُ مِنَ المَلائِكَةِ. بَعْضٌ يَمْشِي مَعَ الطَّيَرانِ، فَيُوصَفُ بِالدَّبِيبِ كَما يُوصَفُ بِهِ الأناسِيُّ، أوْ يَكُونُ قَدْ خَلَقَ في السَّماواتِ حَيَوانًا يَمْشِي مَعَ مَشْيِ الأناسِيِّ عَلى الأرْضِ، أوْ يُرِيدُ الحَيَوانَ الَّذِي يَكُونُ في السَّحابِ. وقَدْ يَقَعُ أحْيانًا، كالضَّفادِعِ، والسَّحابُ داخِلٌ في اسْمِ السَّماءِ. وقالَ مُجاهِدٌ: ﴿وما بَثَّ فِيهِما مِن دابَّةٍ﴾: هُمُ النّاسُ والمَلائِكَةُ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ: هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: وما بَثَّ في أحَدِهِما. وقَرَأ الجُمْهُورُ (فِيهِما) بِالفاءِ، وكَذا هي في مُعْظَمِ المَصاحِفِ. واحْتَمَلَ (ما) أنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً، وهو الأظْهَرُ، وأنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً، والفاءُ تَدْخُلُ في خَبَرِ المَوْصُولِ إذا أُجْرِيَ مَجْرى الشَّرْطِ بِشَرائِطَ ذُكِرَتْ في النَّحْوِ، وهي مَوْجُودَةٌ. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ في رِوايَةٍ، وشَيْبَةُ (بِما) بِغَيْرِ فاءٍ، فَـ (ما) مَوْصُولَةٌ، ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً؛ وحُذِفَتِ الفاءُ لِأنَّ ذَلِكَ مِمّا يَخُصُّهُ سِيبَوَيْهِ بِالشِّعْرِ، وأجازَ ذَلِكَ الأخْفَشُ وبَعْضُ نُحاةِ بَغْدادَ وذَلِكَ عَلى إرادَةِ الفاءِ. وتَرَتُّبُ ما أصابَ مِنَ المَصائِبِ عَلى كَسْبِ الأيْدِي مَوْجُودٌ مَعَ الفاءِ ودُونِها هُنا، والمُصِيبَةُ: الرَّزايا والمَصائِبُ في الدُّنْيا، وهي مُجازاةٌ عَلى ذُنُوبِ المَرْءِ وتَمْحِيصٌ لِخَطاياهُ، وأنَّهُ تَعالى يَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ، ولا يُجازِي عَلَيْهِ بِمُصِيبَةٍ. وفي الحَدِيثِ: «لا يُصِيبُ ابْنُ آدَمَ خَدْشُ عَوْدٍ أوْ عَثْرَةُ قَدَمٍ ولا اخْتِلاجُ عِرْقٍ إلّا بِذَنْبٍ وما يَعْفُو عَنْهُ أكْثَرُ» . وسُئِلَ عِمْرانُ بْنُ حُصَيْنٍ عَنْ مَرَضِهِ فَقالَ؛ إنَّ أحَبَّهُ إلَيَّ أحَبُّهُ إلى اللَّهِ، وهَذا مِمّا كَسَبَتْ يَدايَ. ورُؤِيَ عَلى كَفِّ شُرَيْحٍ قُرْحَةٌ، فَقِيلَ: بِمَ هَذا ؟ فَقالَ: بِما كَسَبَتْ يَدايَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الآيَةُ مَخْصُوصَةٌ بِالمُجْرِمِينَ، ولا يَمْتَنِعُ أنْ يَسْتَوْفِيَ اللَّهُ عِقابَ المُجْرِمِ ويَعْفُوَ عَنْ بَعْضٍ. فَأمّا مَن (p-٥١٩)لا جُرْمَ لَهُ، كالأنْبِياءِ والأطْفالِ والمَجانِينِ، فَهو كَما إذا أصابَهم شَيْءٌ مِن ألَمٍ أوْ غَيْرِهِ، فَلِلْعِوَضِ المُوفِي والمُصْلِحَةِ، وعَنْ عَلِيٍّ هَذِهِ أرْجى آيَةٍ لِلْمُؤْمِنِينَ. وقالَ الحَسَنُ: ﴿مِن مُصِيبَةٍ﴾ أيْ: حَدٍّ مِن حُدُودِ اللَّهِ، وتِلْكَ مَصائِبُ تَنْزِلُ بِشَخْصِ الإنْسانِ ونَفْسِهِ، فَإنَّما هي بِكَسْبِ أيْدِيكم. (ويَعْفُو) اللَّهُ (عَنْ كَثِيرٍ)، فَيَسْتُرُهُ عَلى العِبادِ حَتّى لا يُحَدَّ عَلَيْهِ. (وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ) أيْ: أنْتُمْ في قَبْضَةِ القُدْرَةِ. وقِيلَ: لَيْسَتِ المَصائِبُ مِنَ الأسْقامِ والقَحْطِ والغَرَقِ وغَيْرِ ذَلِكَ بِعُقُوباتٍ عَلى الذُّنُوبِ لِقَوْلِهِ: ﴿اليَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ [غافر: ١٧]، ولِاشْتِراكِ الصّالِحِ والطّالِحِ فِيهِما، بَلْ أكْثَرُ ما يُبْتَلى بِهِ الصّالِحُونَ المُتَّقُونَ. وفي الحَدِيثِ: «خُصَّ بِالبَلاءِ الأنْبِياءُ ثُمَّ الأمْثَلُ فالأمْثَلُ» . ولِأنَّ الدُّنْيا دارُ التَّكْلِيفِ، فَلَوْ حَصَلَ الجَزاءُ فِيها لَكانَتْ دارَ الجَزاءِ، ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ. وهَذا القَوْلُ يُؤَخِّرُهُ نُصُوصُ القُرْآنِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكُلًّا أخَذْنا بِذَنْبِهِ فَمِنهم مَن أرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِبًا﴾ [العنكبوت: ٤٠] الآيَةَ.

الشورى 42:23

﴿أمْ لَهم شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهم مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ ولَوْلا كَلِمَةُ الفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهم وإنَّ الظّالِمِينَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿تَرى الظّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا كَسَبُوا وهو واقِعٌ بِهِمْ والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ في رَوْضاتِ الجَنّاتِ لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هو الفَضْلُ الكَبِيرُ﴾ ﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى ومَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْنًا إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا فَإنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ ويَمْحُ اللَّهُ الباطِلَ ويُحِقُّ الحَقَّ بِكَلِماتِهِ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ ﴿وهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ ويَعْفُو عَنِ السَّيِّئاتِ ويَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ﴾ ﴿ويَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ والكافِرُونَ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ ﴿ولَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا في الأرْضِ ولَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ إنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ ﴿وهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الغَيْثَ مِن بَعْدِ ما قَنَطُوا ويَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وهو الوَلِيُّ الحَمِيدُ﴾ ﴿ومِن آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَثَّ فِيهِما مِن دابَّةٍ وهو عَلى جَمْعِهِمْ إذا يَشاءُ قَدِيرٌ﴾ ﴿وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكم ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ في الأرْضِ وما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ . (p-٥٠٧)﴿أمْ لَهم شُرَكاءُ﴾: اسْتِفْهامُ تَقْرِيرٍ وتَوْبِيخٍ. لَمّا ذَكَرَ تَعالى أنَّهُ شَرَعَ لِلنّاسِ ﴿ما وصّى بِهِ نُوحًا﴾ [الشورى: ١٣] الآيَةَ، أخَذَ يُنْكِرُ ما شَرَعَ غَيْرُهُ تَعالى. والشُّرَكاءُ هُنا يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ شُرَكاؤُهم في الكُفْرِ، كالشَّياطِينِ والمُغْوِينَ مِنَ النّاسِ. والضَّمِيرُ في (شَرَعُوا) عائِدٌ عَلى الشُّرَكاءِ، والضَّمِيرُ في (لَهم) عائِدٌ عَلى الكُفّارِ المُعاصِرِينَ لِلرَّسُولِ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ الأصْنامُ والأوْثانُ وكُلُّ مَن جَعَلُوهُ شَرِيكًا لِلَّهِ. وأُضِيفَ الشُّرَكاءُ إلَيْهِمْ؛ لِأنَّهم مُتَّخِذُوها شُرَكاءَ لِلَّهِ، فَتارَةً إلَيْهِمْ بِهَذِهِ المُلابَسَةِ، وتارَةً إلى اللَّهِ. والضَّمِيرُ في (شَرَعُوا) يَحْتَمِلُ أنْ يَعُودَ عَلى الشُّرَكاءِ، و(لَهم) عائِدٌ عَلى الكُفّارِ، لَمّا كانَتْ سَبَبًا لِضَلالِهِمْ وافْتِتانِهِمْ جُعِلَتْ شارِعَةً لِدِينِ الكُفْرِ، كَما قالَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿رَبِّ إنَّهُنَّ أضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ﴾ [إبراهيم: ٣٦] . واحْتَمَلَ أنْ يَعُودَ عَلى الكُفّارِ، و(لَهم) عائِدٌ عَلى الشُّرَكاءِ، أيْ: شَرَعَ الكُفّارُ لِأصْنامِهِمْ ومَعْبُوداتِهِمْ، أيْ: رَسَمُوا لَهم غَوايَةً وأحْكامًا في المُعْتَقَداتِ، كَقَوْلِهِمْ: إنَّهم آلِهَةٌ، وإنَّ عِبادَتَهم تُقَرِّبُهم إلى اللَّهِ؛ ومِنَ الأحْكامِ: البَحِيرَةُ والوَصِيلَةُ والحامِي وغَيْرُ ذَلِكَ. ﴿ولَوْلا كَلِمَةُ الفَصْلِ﴾ أيِ: العِدَةُ بِأنَّ الفَصْلَ في الآخِرَةِ، أوْ لَوْلا القَضاءُ بِذَلِكَ لَقُضِيَ بَيْنَ المُؤْمِنِ والكافِرِ، أوْ بَيْنَ المُشْرِكِينَ وشُرَكائِهِمْ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (إنَّ الظّالِمِينَ)، بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى الِاسْتِئْنافِ والإخْبارِ بِما يَنالُهم في الدُّنْيا مِنَ القَتْلِ والأسْرِ والنَّهْبِ، وفي الآخِرَةِ النّارُ. وقَرَأ الأعْرَجُ، ومُسْلِمُ بْنُ جُنْدُبٍ (وأنَّ) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ عَطْفًا عَلى كَلِمَةِ الفَصْلِ، فَهو في مَوْضِعِ رَفْعٍ، أيْ: ولَوْلا كَلِمَةُ الفَصْلِ وكَوْنُ الظّالِمِينَ لَهم عَذابٌ في الآخِرَةِ، لَقُضِيَ بَيْنَهم في الدُّنْيا وفُصِلَ بَيْنَ المُتَعاطِفَيْنِ بِجَوابِ لَوْلا، كَما فُصِلَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ لَكانَ لِزامًا وأجَلٌ مُسَمًّى﴾ [طه: ١٢٩] . ﴿تَرى الظّالِمِينَ﴾ أيْ: تُبْصِرُ الكافِرِينَ لِمُقابَلَتِهِ بِالمُؤْمِنِينَ، (مُشْفِقِينَ): خائِفِينَ الخَوْفَ الشَّدِيدَ، (مِمّا كَسَبُوا) مِنَ السَّيِّئاتِ، (وهو) أيِ: العَذابُ، أوْ يَعُودُ عَلى ما كَسَبُوا عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: وبالٌ كَسَبُوا مِنَ السَّيِّئاتِ، أوْ جَزاؤُهُ حالٌّ بِهِمْ. ﴿وهُوَ واقِعٌ﴾: فَإشْفاقُهم هو في هَذِهِ الحالِ، فَلَيْسُوا كالمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ هم في الدُّنْيا مُشْفِقُونَ مِنَ السّاعَةِ. ولَمّا كانَتِ الرَّوْضاتُ أحْسَنَ ما في الجَنّاتِ وأنْزَهَها وفي أعْلاها، ذَكَرَ أنَّ المُؤْمِنِينَ فِيها. واللُّغَةُ الكَثِيرَةُ تَسْكِينُ الواوِ في رَوْضاتٍ، ولُغَةُ هُذَيْلِ بْنِ مُدْرِكَةَ فَتْحُ الواوِ إجْراءً لِلْمُعْتَلِّ مَجْرى الصَّحِيحِ نَحْوُ جَفَناتٍ، ولَمْ يَقْرَأْ أحَدٌ مِمَّنْ عَلِمْناهُ بِلُغَتِهِمْ. و(عِنْدَ) ظَرْفٌ، قالَ الحَوْفِيُّ: مَعْمُولٌ لِـ (يَشاءُونَ) . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَنصُوبٌ بِالظَّرْفِ لا يَشاءُونَ. انْتَهى، وهو الصَّوابُ. ويَعْنِي بِالظَّرْفِ: الجارُّ والمَجْرُورُ، وهو لَهم في الحَقِيقَةِ غَيْرُ مَعْمُولٍ لِلْعامِلِ في لَهم، والمَعْنى: ما يَشاءُونَ مِنَ النَّعِيمِ والثَّوابِ مُسْتَقِرٌّ لَهم. (عِنْدَ رَبِّهِمْ): والعِنْدِيَّةُ عِنْدِيَّةُ المَكانَةِ والتَّشْرِيفِ لا عِنْدِيَّةُ المَكانَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يُبَشِّرُ) بِتَشْدِيدِ الشِّينِ، مِن بَشَّرَ؛ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَعْمُرَ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، والجَحْدَرِيُّ، والأعْمَشُ، وطَلْحَةُ في رِوايَةٍ، والكِسائِيُّ، وحَمْزَةُ: (يُبَشِّرُ) ثُلاثِيًّا؛ ومُجاهِدٌ، وحَمِيدُ بْنُ قَيْسٍ: بِضَمِّ الياءِ وتَخْفِيفِ الشِّينِ مِن أبْشَرَ، وهو مُعَدًّى بِالهَمْزَةِ مِن بَشِرَ اللّازِمِ المَكْسُورِ الشِّينِ. وأمّا بَشَرَ بِفَتْحِها فَتَعَدَّ، وبَشَّرَ بِالتَّشْدِيدِ لِلتَّكْثِيرِ لا لِلتَّعْدِيَةِ؛ لِأنَّ المُتَعَدِّي إلى واحِدٍ، وهو مُخَفَّفٌ لا يُعَدّى بِالتَّضْعِيفِ إلَيْهِ؛ فالتَّضْعِيفُ فِيهِ لِلتَّكْثِيرِ لا لِلتَّعْدِيَةِ. (ذَلِكَ): إشارَةٌ إلى ما أعَدَّ لَهم مِنَ الكَرامَةِ، وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ المَوْصُولِ، والعائِدُ عَلَيْهِ مَحْذُوفٌ، أيْ: يُبَشِّرُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ ذَلِكَ التَّبْشِيرُ الَّذِي يُبَشِّرُهُ اللَّهُ عِبادَهُ. انْتَهى. ولا يَظْهَرُ هَذا الوَجْهُ، إذْ (p-٥١٦)لَمْ يَتَقَدَّمْ في هَذِهِ السُّورَةِ لَفْظُ البُشْرى، ولا ما يَدُلُّ عَلَيْها مِن تَبْشِيرٍ أوْ شَبَهِهِ. ومِنَ النَّحْوِيِّينَ مَن جَعْلَ (الَّذِي) مَصْدَرِيَّةً، حَكاهُ ابْنُ مالِكٍ عَنْ يُونُسَ، وتُأوَّلُ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ، أيْ: ذَلِكَ تَبْشِيرُ اللَّهِ عِبادَهُ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّهُ إثْباتٌ لِلِاشْتِراكِ بَيْنَ مُخْتَلِفِي الحَدِّ بِغَيْرِ دَلِيلٍ. وقَدْ ثَبَتَتِ اسْمِيَّةُ (الَّذِي) فَلا يُعْدَلُ عَنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ لا تَقُومُ بِهِ دَلِيلٌ ولا شُبْهَةٌ. ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ . رُوِيَ أنَّهُ اجْتَمَعَ المُشْرِكُونَ في مَجْمَعٍ لَهم، فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: أتَرَوْنَ مُحَمَّدًا يَسْألُ أجْرًا عَلى ما يَتَعاطاهُ ؟ فَنَزَلَتْ. ورُوِيَ أنَّ الأنْصارَ أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِمالٍ جَمَعُوهُ وقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، هَدانا اللَّهُ بِكَ، وأنْتَ ابْنُ أُخْتِنا، وتَعْرُوكَ حُقُوقٌ وما لَكَ سِعَةٌ، فاسْتَعِنْ بِهَذا عَلى ما يَنُوبُكَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ، فَرَدَّهُ. وقِيلَ: الخِطابُ مُتَوَجِّهٌ إلى قُرَيْشٍ حِينَ جَمَعُوا لَهُ مالًا وأرادُوا أنْ يَرْشُوهُ عَلَيْهِمْ عَلى أنْ يُمْسِكَ عَنْ سَبِّ آلِهَتِهِمْ، فَلَمْ يَفْعَلْ، ونَزَلَتْ. فالمَعْنى: لا أسْألُكم مالًا ولا رِياسَةً، ولَكِنْ أسْألُكم أنْ تَرْعَوْا حَقَّ قَرابَتِي وتُصَدِّقُونِي فِيما جِئْتُكم بِهِ، وتُمْسِكُوا عَنْ أذِيَّتِي وأذِيَّةِ مَن تَبِعَنِي، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ وأبُو مالِكٍ والشَّعْبِيُّ وغَيْرُهم. قالَ الشَّعْبِيُّ: أكْثَرَ النّاسُ عَلَيْنا في هَذِهِ الآيَةِ، فَكَتَبْنا إلى ابْنِ عَبّاسٍ نَسْألُهُ عَنْها، فَكَتَبَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ أوْسَطَ النّاسِ في قُرَيْشٍ، لَيْسَ بَطْنٌ مِن بُطُونِهِمْ إلّا وقَدْ ولَدَهُ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى: قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا أنْ تَوَدُّونِي في قَرابَتِي مِنكم، فارْعَوْا ما بَيْنِي وبَيْنَكم وصَدِّقُونِي. وقالَ عِكْرِمَةُ: وكانَتْ قُرَيْشٌ تَصِلُ أرْحامَها. وقالَ الحَسَنُ: المَعْنى إلّا أنْ تَتَوَدَّدُوا إلى اللَّهِ بِالتَّقَرُّبِ إلَيْهِ. وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ القاسِمِ: إلّا أنْ يَتَوَدَّدَ بَعْضُكم إلى بَعْضٍ وتَصِلُوا قَراباتِكم. رُوِيَ أنَّ شَبابًا مِنَ الأنْصارِ فاخَرُوا المُهاجِرِينَ وصالُوا بِالقَوْلِ، فَنَزَلَتْ عَلى مَعْنى: أنْ لا تُؤْذُونِي في قَرابَتِي وتَحْفَظُونِي فِيهِمْ. وقالَ بِهَذا المَعْنى عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، واسْتَشْهَدَ بِالآيَةِ حِينَ سِيقَ إلى الشّامِ أسِيرًا، وهو قَوْلُ ابْنُ جُبَيْرٍ والسُّدِّيُّ وعَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، وعَلى هَذا التَّأْوِيلِ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قِيلَ يا رَسُولَ اللَّهِ: مَن قَرابَتُكَ الَّذِينَ أُمِرْنا بِمَوَدَّتِهِمْ ؟ فَقالَ: عَلِيٌّ وفاطِمَةُ وابْناهُما. وقِيلَ: هم ولَدُ عَبْدِ المَطَّلِبِ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إلّا المَوَدَّةَ﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ؛ لِأنَّ المَوَدَّةَ لَيْسَتْ أجْرًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مُتَّصِلًا، أيْ: لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا هَذا: أنْ تَوَدُّوا أهْلَ قَرابَتِي، ولَمْ يَكُنْ هَذا أجْرًا في الحَقِيقَةِ؛ لِأنَّ قَرابَتَهُ قَرابَتُهم، فَكانَتْ صِلَتُهم لازِمَةً لَهم في المُرُوءَةِ. وقالَ: فَإنْ قُلْتَ: هَلّا قِيلَ إلّا مَوَدَّةَ القُرْبى، أوْ إلّا المَوَدَّةَ لِلْقُرْبى ؟ قُلْتُ: جَعَلُوا مَكانًا لِلْمَوَدَّةِ ومَقَرًّا لَها، كَقَوْلِكَ: لِي في آلِ فُلانٍ مَوَدَّةٌ، ولِي فِيهِمْ هَوًى وحُبٌّ شَدِيدٌ، تُرِيدُ: أُحِبُّهم وهم مَكانُ حُبِّي ومَحِلُّهُ. ولَيْسَتْ في صِلَةٍ لِلْمَوَدَّةِ كاللّامِ، إذا قُلْتَ إلّا المَوَدَّةَ لِلْقُرْبى، إنَّما هي مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ تَعَلَّقَ الظَّرْفِ بِهِ في قَوْلِكَ: المالُ في الكِيسِ، وتَقْدِيرُهُ: إلّا المَوَدَّةَ ثابِتَةً في القُرْبى ومُتَمَكِّنَةً فِيها. انْتَهى، وهو حَسَنٌ وفِيهِ تَكْثِيرٌ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ (إلّا مَوَدَّةً) والجُمْهُورُ ﴿إلّا المَوَدَّةَ﴾ . ﴿ومَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً﴾ أيْ: يَكْتَسِبْ، والظّاهِرُ عُمُومُ الحَسَنَةِ عُمُومَ البَدَلِ، فَيَنْدَرِجُ فِيها المَوَدَّةُ في القُرْبى وغَيْرُها. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والسُّدِّيِّ، أنَّها المَوَدَّةُ في آلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وقَرَأ الجُمْهُورُ: (نَزِدْ) بِالنُّونِ؛ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وعَبْدُ الوارِثِ عَنْ أبِي عَمْرٍو، وأحْمَدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ الكِسائِيِّ: (يَزِدْ) بِالياءِ، أيْ: يَزِدِ اللَّهُ. والجُمْهُورُ: (حُسْنًا) بِالتَّنْوِينِ؛ وعَبْدُ الوارِثِ عَنْ أبِي عَمْرٍو: (حُسْنى) بِغَيْرِ تَنْوِينٍ، عَلى وزْنِ رُجْعى، وزِيادَةُ حُسْنِها: مُضاعَفَةُ أجْرِها. (أنَّ اللَّهَ غَفُورٌ): ساتِرُ عُيُوبِ عِبادِهِ، (شَكُورٌ): مُجازٍ عَلى الدَّقِيقَةِ، لا يَضِيعُ عِنْدَهُ عَمَلُ العامِلِ. وقالَ السُّدِّيُّ: غَفُورٌ لِذُنُوبِ آلِ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، شَكُورٌ لِحَسَناتِهِمْ. ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾: أضْرَبَ عَنِ الكَلامِ المُتَقَدِّمِ مِن غَيْرِ إبْطالٍ، واسْتَفْهَمَ اسْتِفْهامَ إنْكارٍ وتَوْبِيخٍ عَلى هَذِهِ المَقالَةِ، أيْ: مِثْلُهُ لا يُنْسَبُ إلَيْهِ الكَذِبُ (p-٥١٧)عَلى اللَّهِ، مَعَ اعْتِرافِكم لَهُ قَبْلُ بِالصِّدْقِ والأمانَةِ. ﴿فَإنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ﴾، قالَ مُجاهِدٌ: يَرْبِطُ عَلى قَلْبِكَ بِالصَّبْرِ عَلى أذاهم، حَتّى لا يَشُقَّ عَلَيْكَ قَوْلُهم: إنَّكَ مُفْتَرٍ. وقالَ قَتادَةُ وجَماعَةٌ: ﴿يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ﴾: يُنْسِيكَ القُرْآنَ، والمُرادُ الرَّدُّ عَلى مَقالَةِ الكُفّارِ وبَيانُ إبْطالِها، وذَلِكَ كَأنَّهُ يَقُولُ: وكَيْفَ يَصِحُّ أنْ تَكُونَ مُفْتَرِياتٍ وأنْتَ مِنَ اللَّهِ بِمَرْأًى ومَسْمَعٍ وهو قادِرٌ، ولَوْ شاءَ أنْ يَخْتِمَ عَلى قَلْبِكَ فَلا تَعْقِلُ ولا تَنْطِقُ ولا يَسْتَمِرُّ افْتِراؤُكَ، فَقَصَدَ اللَّفْظُ هَذا المَعْنى، وحُذِفَ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ الظّاهِرُ اخْتِصارًا واقْتِصارًا. انْتَهى. هَكَذا أوْرَدَ هَذا التَّأْوِيلُ عَنْ قَتادَةَ ابْنُ عَطِيَّةَ، وفي ألْفاظِهِ فَظاظَةٌ لا تَلِيقُ أنْ تُنْسَبَ لِلْأنْبِياءِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَنْ قَتادَةَ: يُنْسِيكَ القُرْآنَ ويَنْقَطِعُ عَنْكَ الوَحْيُ، يَعْنِي لَوِ افْتَرى عَلى اللَّهِ الكَذِبَ لَفُعِلَ بِهِ ذَلِكَ. انْتَهى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ أيْضًا: فَإنْ يَشَأِ اللَّهُ يَجْعَلْكَ مِنَ المَخْتُومِ عَلى قُلُوبِهِمْ حَتّى تَفْتَرِيَ عَلَيْهِ الكَذِبَ، فَإنَّهُ لا يَجْتَرِئُ عَلى افْتِراءِ الكَذِبِ عَلى اللَّهِ إلّا مَن كانَ في مِثْلِ حالِهِمْ، وهَذا الأُسْلُوبُ مُؤَدّاهُ اسْتِبْعادُ الِافْتِراءِ مِن مِثْلِهِ، وأنَّهُ في البُعْدِ مِثْلُ الشِّرْكِ بِاللَّهِ والدُّخُولِ في جُمْلَةِ المَخْتُومِ عَلى قُلُوبِهِمْ. ومِثالُ هَذا أنْ يَخُونَ بَعْضُ الأُمَناءِ فَيَقُولُ: لَعَلَّ اللَّهَ خَذَلَنِي، لَعَلَّ اللَّهَ أعْمى قَلْبِي، وهو لا يُرِيدُ إثْباتَ الخِذْلانِ وعَمى القَلْبِ، وإنَّما يُرِيدُ اسْتِبْعادَ أنْ يَخُونَ مِثْلُهُ، والتَّنْبِيهُ عَلى أنَّهُ رَكِبَ مِن تَخْوِينِهِ أمْرٌ عَظِيمٌ. ثُمَّ قالَ: ومِن عادَةِ اللَّهِ أنْ يَمْحُوَ الباطِلَ ويُثْبِتَ الحَقَّ بِوَحْيِهِ أوْ بِقَضائِهِ لِقَوْلِهِ: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالحَقِّ عَلى الباطِلِ فَيَدْمَغُهُ﴾ [الأنبياء: ١٨]، يَعْنِي: لَوْ كانَ مُفْتَرِيًا، كَما يَزْعُمُونَ، لَكَشَفَ اللَّهُ افْتِراءَهُ ومَحَقَهُ، وقَذَفَ بِالحَقِّ عَلى الباطِلِ فَدَمَغَهُ. انْتَهى. وقِيلَ: المَعْنى لَوِ افْتَرَيْتَ عَلى اللَّهِ، لَطَبَعَ عَلى قَلْبِكَ حَتّى لا تَقْدِرَ عَلى حِفْظِ القُرْآنِ. وقِيلَ: لَخَتَمَ عَلى قَلْبِكَ بِالصِّدْقِ واليَقِينِ، وقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ. وذَكَرَ القُشَيْرِيُّ أنَّ المَعْنى: يَخْتِمُ عَلى قُلُوبِ الكُفّارِ وعَلى ألْسِنَتِهِمْ ويُعاجِلُهم بِالعَذابِ. انْتَهى، فَيَكُونُ التِفاتًا مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ، ومِنَ الجَمْعِ إلى الإفْرادِ، أيْ: يَخْتِمُ عَلى قَلْبِكَ أيُّها القائِلُ أنَّهُ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا. ﴿ويَمْحُو اللَّهُ الباطِلَ﴾: اسْتِئْنافُ إخْبارٍ، أيْ: يَمْحُوهُ إمّا في الدُّنْيا وإمّا في الآخِرَةِ حَيْثُ نازِلُهُ. وكُتِبَ (ويَمْحُ) بِغَيْرِ واوٍ، كَما كَتَبُوا (سَنَدْعُ) بِغَيْرِ واوٍ، اعْتِبارًا بِعَدَمِ ظُهُورِها؛ لِأنَّهُ لا يُوقَفُ عَلَيْها وقْفَ اخْتِيارٍ. ولَمّا سَقَطَتْ مِنَ اللَّفْظِ سَقَطَتْ مِنَ الخَطِّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ عِدَةً لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِأنَّهُ يَمْحُو الباطِلَ الَّذِي هم عَلَيْهِ مِنَ البُهْتِ والتَّكْذِيبِ، ويُثْبِتُ الحَقَّ الَّذِي أنْتَ عَلَيْهِ بِالقُرْآنِ وبِقَضائِهِ الَّذِي لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ نُصْرَتِكَ عَلَيْهِمْ. إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما في صَدْرِكَ وصُدُورِهِمْ، فَيُجْرِي الأمْرَ عَلى حَسَبِ ذَلِكَ. انْتَهى. قِيلَ: ويُحِقُّ الإسْلامَ بِكَلِماتِهِ، أيْ: بِما أنْزَلَ مِنَ القُرْآنِ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في شَرائِطِ التَّوْبَةِ، يُقالُ: قَبِلْتُ مِنهُ الشَّيْءَ بِمَعْنى: أخَذْتُهُ مِنهُ، لِقَوْلِهِ: ﴿وما مَنَعَهم أنْ تُقْبَلَ مِنهم نَفَقاتُهُمْ﴾ [التوبة: ٥٤] أيْ: تُؤْخَذَ، أيْ: جَعَلْتُهُ مَبْدَأ قَبُولِي ومَنشَأهُ، وقَبِلْتُهُ عَنْهُ: عَزَلْتُهُ عَنْهُ وأبَنْتُهُ، فَمَعْنى (عَنْ عِبادِهِ) أيْ: يُزِيلُ الرُّجُوعَ عَنِ المَعاصِي. ﴿ويَعْفُو عَنِ السَّيِّئاتِ﴾، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَنِ السَّيِّئاتِ إذا تِيبَ عَنْها، وعَنِ الصَّغائِرِ إذا اجْتُنِبَتِ الكَبائِرُ. انْتَهى، وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ. إنَّ الكَبائِرَ لا يُعْفى عَنْها إلّا بِالتَّوْبَةِ، ﴿ويَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ﴾، فَيُثِيبُ ويُعاقِبُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (ما يَفْعَلُونَ) بِياءِ الغَيْبَةِ؛ وعَبْدُ اللَّهِ، وعَلْقَمَةُ، والأخَوانِ، وحَفْصٌ: بِتاءِ الخِطابِ. والظّاهِرُ أنَّ (الَّذِينَ) فاعِلٌ، (ويَسْتَجِيبُ) أيْ: ويُجِيبُ، (الَّذِينَ آمَنُوا) لِرَبِّهِمْ، كَما قالَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ إذا دَعاكم لِما يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤]، فَيَكُونُ (يَسْتَجِيبُ) بِمَعْنى يُجِيبُ، أوْ يَبْقى عَلى بابِهِ مِنَ الطَّلَبِ، أيْ يَسْتَدْعِي الَّذِينَ آمَنُوا الإجابَةَ مِن رَبِّهِمْ بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هَذا في فِعْلِهِمْ إذا دَعاهم. وعَنْ إبْراهِيمَ بْنِ أدْهَمَ أنَّهُ قِيلَ: ما بالُنا نَدْعُو فَلا نُجابُ ؟ قالَ: لِأنَّهُ دَعاكم فَلَمْ تُجِيبُوهُ، ثُمَّ قَرَأ: ﴿واللَّهُ يَدْعُو إلى دارِ السَّلامِ﴾ [يونس: ٢٥] . ﴿ويَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، قالَ الزَّجّاجُ: (الَّذِينَ) مَفْعُولٌ، واسْتَجابَ وأجابَ بِمَعْنًى واحِدٍ، فالمَعْنى: ويُجِيبُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا، (p-٥١٨)أيْ: لِلَّذِينِ، كَما قالَ: فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذاكَ مُجِيبٌ أيْ: لَمْ يَجُبْهُ. ورُوِيَ هَذا المَعْنى عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ وابْنِ عَبّاسٍ. ﴿ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ﴾ أيْ: عَلى الثَّوابِ تَفَضُّلًا. وفي الحَدِيثِ: قَبُولُ الشَّفاعاتِ في المُؤْمِنِينَ والرِّضْوانِ. وقالَ خَبّابُ بْنُ الأرَتِّ: نَظَرْنا إلى أمْوالِ بَنِي قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ وبَنِي قَيْنُقاعَ فَتَمَنَّيْناها، فَنَزَلَتْ: ﴿ولَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا في الأرْضِ﴾ . وقالَ عَمْرُو بْنُ حُرَيْثٍ: طَلَبَ قَوْمٌ مِن أهْلِ الصُّفَّةِ مِنَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ ويَبْسُطَ لَهُمُ الأمْوالَ والأرْزاقَ، فَنَزَلَتْ. أعْلَمُ أنَّ الرِّزْقَ لَوْ جاءَ عَلى اقْتِراحِ البَشَرِ، لَكانَ سَبَبَ بَغْيِهِمْ وإفْسادِهِمْ، ولَكِنَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِالمَصْلَحَةِ. فَرُبَّ إنْسانٍ لا يَصْلُحُ ولا يَكْتَفِي شَرُّهُ إلّا بِالفَقْرِ، وآخَرُ بِالغِنى. وفي هَذا المَعْنى والتَّقْسِيمِ حَدِيثٌ رَواهُ أنَسٌ وقالَ: اللَّهُمَّ إنِّي مِن عِبادِكَ الَّذِينَ لا يُصْلِحُهم إلّا الغِنى، فَلا تُفْقِرْنِي. و(لَبَغَوْا) إمّا مِنَ البَذَخِ والكِبْرِ، أيْ: لَتَكَبَّرُوا في الأرْضِ، فَفَعَلُوا ما يَتْبَعُ الكِبْرَ مَعَ الغِنى. ألا تَرى إلى حالِ قارُونَ ؟ وفي الحَدِيثِ: «أخْوَفُ ما يُخافُ عَلى أُمَّتِي زَهْرَةُ الدُّنْيا» وقالَ الشّاعِرُ: ؎وقَدْ جَعَلُوا الوَسْمِيَّ يَنْبُتُ بَيْنَنا وبَيْنَ بَنِي رُومانَ نَبْعًا وشَوْحَطا يَعْنِي: أنَّهم أحَبُّوا، فَجَذَبُوا أنْفُسَهم بِالبَغْيِ والفِتَنِ. ﴿ولَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ﴾، يُقالُ: قَدْرَ بِالسُّكُونِ وبِالفَتْحِ، أيْ: يُقَدِّرُ لَهم ما هو أصْلَحُ لَهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (قَنَطُوا)، بِفَتْحِ النُّونِ؛ والأعْمَشُ، وابْنُ وثّابٍ: بِكَسْرِها، ﴿ويَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾: يُظْهِرُها مِنَ آثارِ الغَيْثِ مِنَ المَنافِعِ والخَصْبِ، والظّاهِرُ أنَّ رَحْمَتَهُ نَشْرُها أعَمُّ مِمّا في الغَيْثِ. وقالَ السُّدِّيُّ: (رَحْمَتَهُ) الغَيْثُ، وعَدَّدَ النِّعْمَةَ بِعَيْنِها بِلَفْظَيْنِ. وقِيلَ: الرَّحْمَةُ هُنا ظُهُورُ الشَّمْسِ؛ لِأنَّهُ إذا دامَ المَطَرُ سُئِمَ، فَتَجِيءُ الشَّمْسُ بَعْدَهُ عَظِيمَةَ المَوْقِعِ، ذَكَرَهُ المَهْدَوِيُّ. ﴿وهُوَ الوَلِيُّ﴾: الَّذِي يَتَوَلّى عِبادَهُ، (الحَمِيدُ): المَحْمُودُ عَلى ما أسْدى مِن نَعْمائِهِ (وما بَثَّ) الظّاهِرُ أنَّهُ مَجْرُورٌ عَطْفًا عَلى السَّماواتِ والأرْضِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا عَطْفًا عَلى (خَلْقُ) عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: وخَلْقُ ما بَثَّ. وفِيهِما يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِمّا نُسِبَ فِيهِ (دابَّةٍ) إلى المَجْمُوعِ المَذْكُورِ، وإنْ كانَ مُلْتَبِسًا بِبَعْضِهِ. كَما يُقالُ: بَنُو فُلانٍ صَنَعُوا كَذا، وإنَّما صَنْعَهُ واحِدٌ مِنهم، ومِنهُ يَخْرُجُ مِنهُما، وإنَّما يَخْرُجُ مِنَ المِلْحِ، أوْ يَكُونُ مِنَ المَلائِكَةِ. بَعْضٌ يَمْشِي مَعَ الطَّيَرانِ، فَيُوصَفُ بِالدَّبِيبِ كَما يُوصَفُ بِهِ الأناسِيُّ، أوْ يَكُونُ قَدْ خَلَقَ في السَّماواتِ حَيَوانًا يَمْشِي مَعَ مَشْيِ الأناسِيِّ عَلى الأرْضِ، أوْ يُرِيدُ الحَيَوانَ الَّذِي يَكُونُ في السَّحابِ. وقَدْ يَقَعُ أحْيانًا، كالضَّفادِعِ، والسَّحابُ داخِلٌ في اسْمِ السَّماءِ. وقالَ مُجاهِدٌ: ﴿وما بَثَّ فِيهِما مِن دابَّةٍ﴾: هُمُ النّاسُ والمَلائِكَةُ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ: هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: وما بَثَّ في أحَدِهِما. وقَرَأ الجُمْهُورُ (فِيهِما) بِالفاءِ، وكَذا هي في مُعْظَمِ المَصاحِفِ. واحْتَمَلَ (ما) أنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً، وهو الأظْهَرُ، وأنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً، والفاءُ تَدْخُلُ في خَبَرِ المَوْصُولِ إذا أُجْرِيَ مَجْرى الشَّرْطِ بِشَرائِطَ ذُكِرَتْ في النَّحْوِ، وهي مَوْجُودَةٌ. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ في رِوايَةٍ، وشَيْبَةُ (بِما) بِغَيْرِ فاءٍ، فَـ (ما) مَوْصُولَةٌ، ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً؛ وحُذِفَتِ الفاءُ لِأنَّ ذَلِكَ مِمّا يَخُصُّهُ سِيبَوَيْهِ بِالشِّعْرِ، وأجازَ ذَلِكَ الأخْفَشُ وبَعْضُ نُحاةِ بَغْدادَ وذَلِكَ عَلى إرادَةِ الفاءِ. وتَرَتُّبُ ما أصابَ مِنَ المَصائِبِ عَلى كَسْبِ الأيْدِي مَوْجُودٌ مَعَ الفاءِ ودُونِها هُنا، والمُصِيبَةُ: الرَّزايا والمَصائِبُ في الدُّنْيا، وهي مُجازاةٌ عَلى ذُنُوبِ المَرْءِ وتَمْحِيصٌ لِخَطاياهُ، وأنَّهُ تَعالى يَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ، ولا يُجازِي عَلَيْهِ بِمُصِيبَةٍ. وفي الحَدِيثِ: «لا يُصِيبُ ابْنُ آدَمَ خَدْشُ عَوْدٍ أوْ عَثْرَةُ قَدَمٍ ولا اخْتِلاجُ عِرْقٍ إلّا بِذَنْبٍ وما يَعْفُو عَنْهُ أكْثَرُ» . وسُئِلَ عِمْرانُ بْنُ حُصَيْنٍ عَنْ مَرَضِهِ فَقالَ؛ إنَّ أحَبَّهُ إلَيَّ أحَبُّهُ إلى اللَّهِ، وهَذا مِمّا كَسَبَتْ يَدايَ. ورُؤِيَ عَلى كَفِّ شُرَيْحٍ قُرْحَةٌ، فَقِيلَ: بِمَ هَذا ؟ فَقالَ: بِما كَسَبَتْ يَدايَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الآيَةُ مَخْصُوصَةٌ بِالمُجْرِمِينَ، ولا يَمْتَنِعُ أنْ يَسْتَوْفِيَ اللَّهُ عِقابَ المُجْرِمِ ويَعْفُوَ عَنْ بَعْضٍ. فَأمّا مَن (p-٥١٩)لا جُرْمَ لَهُ، كالأنْبِياءِ والأطْفالِ والمَجانِينِ، فَهو كَما إذا أصابَهم شَيْءٌ مِن ألَمٍ أوْ غَيْرِهِ، فَلِلْعِوَضِ المُوفِي والمُصْلِحَةِ، وعَنْ عَلِيٍّ هَذِهِ أرْجى آيَةٍ لِلْمُؤْمِنِينَ. وقالَ الحَسَنُ: ﴿مِن مُصِيبَةٍ﴾ أيْ: حَدٍّ مِن حُدُودِ اللَّهِ، وتِلْكَ مَصائِبُ تَنْزِلُ بِشَخْصِ الإنْسانِ ونَفْسِهِ، فَإنَّما هي بِكَسْبِ أيْدِيكم. (ويَعْفُو) اللَّهُ (عَنْ كَثِيرٍ)، فَيَسْتُرُهُ عَلى العِبادِ حَتّى لا يُحَدَّ عَلَيْهِ. (وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ) أيْ: أنْتُمْ في قَبْضَةِ القُدْرَةِ. وقِيلَ: لَيْسَتِ المَصائِبُ مِنَ الأسْقامِ والقَحْطِ والغَرَقِ وغَيْرِ ذَلِكَ بِعُقُوباتٍ عَلى الذُّنُوبِ لِقَوْلِهِ: ﴿اليَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ [غافر: ١٧]، ولِاشْتِراكِ الصّالِحِ والطّالِحِ فِيهِما، بَلْ أكْثَرُ ما يُبْتَلى بِهِ الصّالِحُونَ المُتَّقُونَ. وفي الحَدِيثِ: «خُصَّ بِالبَلاءِ الأنْبِياءُ ثُمَّ الأمْثَلُ فالأمْثَلُ» . ولِأنَّ الدُّنْيا دارُ التَّكْلِيفِ، فَلَوْ حَصَلَ الجَزاءُ فِيها لَكانَتْ دارَ الجَزاءِ، ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ. وهَذا القَوْلُ يُؤَخِّرُهُ نُصُوصُ القُرْآنِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكُلًّا أخَذْنا بِذَنْبِهِ فَمِنهم مَن أرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِبًا﴾ [العنكبوت: ٤٠] الآيَةَ.