Al-Bahr Al-Muhit — الشورى 42:24 – الشورى 42:43
المحتويات
الشورى 42:24
﴿أمْ لَهم شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهم مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ ولَوْلا كَلِمَةُ الفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهم وإنَّ الظّالِمِينَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿تَرى الظّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا كَسَبُوا وهو واقِعٌ بِهِمْ والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ في رَوْضاتِ الجَنّاتِ لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هو الفَضْلُ الكَبِيرُ﴾ ﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى ومَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْنًا إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا فَإنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ ويَمْحُ اللَّهُ الباطِلَ ويُحِقُّ الحَقَّ بِكَلِماتِهِ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ ﴿وهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ ويَعْفُو عَنِ السَّيِّئاتِ ويَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ﴾ ﴿ويَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ والكافِرُونَ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ ﴿ولَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا في الأرْضِ ولَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ إنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ ﴿وهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الغَيْثَ مِن بَعْدِ ما قَنَطُوا ويَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وهو الوَلِيُّ الحَمِيدُ﴾ ﴿ومِن آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَثَّ فِيهِما مِن دابَّةٍ وهو عَلى جَمْعِهِمْ إذا يَشاءُ قَدِيرٌ﴾ ﴿وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكم ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ في الأرْضِ وما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ .
(p-٥٠٧)﴿أمْ لَهم شُرَكاءُ﴾: اسْتِفْهامُ تَقْرِيرٍ وتَوْبِيخٍ. لَمّا ذَكَرَ تَعالى أنَّهُ شَرَعَ لِلنّاسِ ﴿ما وصّى بِهِ نُوحًا﴾ [الشورى: ١٣] الآيَةَ، أخَذَ يُنْكِرُ ما شَرَعَ غَيْرُهُ تَعالى.
والشُّرَكاءُ هُنا يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ شُرَكاؤُهم في الكُفْرِ، كالشَّياطِينِ والمُغْوِينَ مِنَ النّاسِ. والضَّمِيرُ في (شَرَعُوا) عائِدٌ عَلى الشُّرَكاءِ، والضَّمِيرُ في (لَهم) عائِدٌ عَلى الكُفّارِ المُعاصِرِينَ لِلرَّسُولِ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ الأصْنامُ والأوْثانُ وكُلُّ مَن جَعَلُوهُ شَرِيكًا لِلَّهِ.
وأُضِيفَ الشُّرَكاءُ إلَيْهِمْ؛ لِأنَّهم مُتَّخِذُوها شُرَكاءَ لِلَّهِ، فَتارَةً إلَيْهِمْ بِهَذِهِ المُلابَسَةِ، وتارَةً إلى اللَّهِ.
والضَّمِيرُ في (شَرَعُوا) يَحْتَمِلُ أنْ يَعُودَ عَلى الشُّرَكاءِ، و(لَهم) عائِدٌ عَلى الكُفّارِ، لَمّا كانَتْ سَبَبًا لِضَلالِهِمْ وافْتِتانِهِمْ جُعِلَتْ شارِعَةً لِدِينِ الكُفْرِ، كَما قالَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿رَبِّ إنَّهُنَّ أضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ﴾ [إبراهيم: ٣٦] .
واحْتَمَلَ أنْ يَعُودَ عَلى الكُفّارِ، و(لَهم) عائِدٌ عَلى الشُّرَكاءِ، أيْ: شَرَعَ الكُفّارُ لِأصْنامِهِمْ ومَعْبُوداتِهِمْ، أيْ: رَسَمُوا لَهم غَوايَةً وأحْكامًا في المُعْتَقَداتِ، كَقَوْلِهِمْ: إنَّهم آلِهَةٌ، وإنَّ عِبادَتَهم تُقَرِّبُهم إلى اللَّهِ؛ ومِنَ الأحْكامِ: البَحِيرَةُ والوَصِيلَةُ والحامِي وغَيْرُ ذَلِكَ.
﴿ولَوْلا كَلِمَةُ الفَصْلِ﴾ أيِ: العِدَةُ بِأنَّ الفَصْلَ في الآخِرَةِ، أوْ لَوْلا القَضاءُ بِذَلِكَ لَقُضِيَ بَيْنَ المُؤْمِنِ والكافِرِ، أوْ بَيْنَ المُشْرِكِينَ وشُرَكائِهِمْ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: (إنَّ الظّالِمِينَ)، بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى الِاسْتِئْنافِ والإخْبارِ بِما يَنالُهم في الدُّنْيا مِنَ القَتْلِ والأسْرِ والنَّهْبِ، وفي الآخِرَةِ النّارُ. وقَرَأ الأعْرَجُ، ومُسْلِمُ بْنُ جُنْدُبٍ (وأنَّ) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ عَطْفًا عَلى كَلِمَةِ الفَصْلِ، فَهو في مَوْضِعِ رَفْعٍ، أيْ: ولَوْلا كَلِمَةُ الفَصْلِ وكَوْنُ الظّالِمِينَ لَهم عَذابٌ في الآخِرَةِ، لَقُضِيَ بَيْنَهم في الدُّنْيا وفُصِلَ بَيْنَ المُتَعاطِفَيْنِ بِجَوابِ لَوْلا، كَما فُصِلَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ لَكانَ لِزامًا وأجَلٌ مُسَمًّى﴾ [طه: ١٢٩] .
﴿تَرى الظّالِمِينَ﴾ أيْ: تُبْصِرُ الكافِرِينَ لِمُقابَلَتِهِ بِالمُؤْمِنِينَ، (مُشْفِقِينَ): خائِفِينَ الخَوْفَ الشَّدِيدَ، (مِمّا كَسَبُوا) مِنَ السَّيِّئاتِ، (وهو) أيِ: العَذابُ، أوْ يَعُودُ عَلى ما كَسَبُوا عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: وبالٌ كَسَبُوا مِنَ السَّيِّئاتِ، أوْ جَزاؤُهُ حالٌّ بِهِمْ.
﴿وهُوَ واقِعٌ﴾: فَإشْفاقُهم هو في هَذِهِ الحالِ، فَلَيْسُوا كالمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ هم في الدُّنْيا مُشْفِقُونَ مِنَ السّاعَةِ. ولَمّا كانَتِ الرَّوْضاتُ أحْسَنَ ما في الجَنّاتِ وأنْزَهَها وفي أعْلاها، ذَكَرَ أنَّ المُؤْمِنِينَ فِيها.
واللُّغَةُ الكَثِيرَةُ تَسْكِينُ الواوِ في رَوْضاتٍ، ولُغَةُ هُذَيْلِ بْنِ مُدْرِكَةَ فَتْحُ الواوِ إجْراءً لِلْمُعْتَلِّ مَجْرى الصَّحِيحِ نَحْوُ جَفَناتٍ، ولَمْ يَقْرَأْ أحَدٌ مِمَّنْ عَلِمْناهُ بِلُغَتِهِمْ.
و(عِنْدَ) ظَرْفٌ، قالَ الحَوْفِيُّ: مَعْمُولٌ لِـ (يَشاءُونَ) . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَنصُوبٌ بِالظَّرْفِ لا يَشاءُونَ. انْتَهى، وهو الصَّوابُ.
ويَعْنِي بِالظَّرْفِ: الجارُّ والمَجْرُورُ، وهو لَهم في الحَقِيقَةِ غَيْرُ مَعْمُولٍ لِلْعامِلِ في لَهم، والمَعْنى: ما يَشاءُونَ مِنَ النَّعِيمِ والثَّوابِ مُسْتَقِرٌّ لَهم.
(عِنْدَ رَبِّهِمْ): والعِنْدِيَّةُ عِنْدِيَّةُ المَكانَةِ والتَّشْرِيفِ لا عِنْدِيَّةُ المَكانَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يُبَشِّرُ) بِتَشْدِيدِ الشِّينِ، مِن بَشَّرَ؛ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَعْمُرَ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، والجَحْدَرِيُّ، والأعْمَشُ، وطَلْحَةُ في رِوايَةٍ، والكِسائِيُّ، وحَمْزَةُ: (يُبَشِّرُ) ثُلاثِيًّا؛ ومُجاهِدٌ، وحَمِيدُ بْنُ قَيْسٍ: بِضَمِّ الياءِ وتَخْفِيفِ الشِّينِ مِن أبْشَرَ، وهو مُعَدًّى بِالهَمْزَةِ مِن بَشِرَ اللّازِمِ المَكْسُورِ الشِّينِ.
وأمّا بَشَرَ بِفَتْحِها فَتَعَدَّ، وبَشَّرَ بِالتَّشْدِيدِ لِلتَّكْثِيرِ لا لِلتَّعْدِيَةِ؛ لِأنَّ المُتَعَدِّي إلى واحِدٍ، وهو مُخَفَّفٌ لا يُعَدّى بِالتَّضْعِيفِ إلَيْهِ؛ فالتَّضْعِيفُ فِيهِ لِلتَّكْثِيرِ لا لِلتَّعْدِيَةِ.
(ذَلِكَ): إشارَةٌ إلى ما أعَدَّ لَهم مِنَ الكَرامَةِ، وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ المَوْصُولِ، والعائِدُ عَلَيْهِ مَحْذُوفٌ، أيْ: يُبَشِّرُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ ذَلِكَ التَّبْشِيرُ الَّذِي يُبَشِّرُهُ اللَّهُ عِبادَهُ. انْتَهى.
ولا يَظْهَرُ هَذا الوَجْهُ، إذْ (p-٥١٦)لَمْ يَتَقَدَّمْ في هَذِهِ السُّورَةِ لَفْظُ البُشْرى، ولا ما يَدُلُّ عَلَيْها مِن تَبْشِيرٍ أوْ شَبَهِهِ.
ومِنَ النَّحْوِيِّينَ مَن جَعْلَ (الَّذِي) مَصْدَرِيَّةً، حَكاهُ ابْنُ مالِكٍ عَنْ يُونُسَ، وتُأوَّلُ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ، أيْ: ذَلِكَ تَبْشِيرُ اللَّهِ عِبادَهُ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّهُ إثْباتٌ لِلِاشْتِراكِ بَيْنَ مُخْتَلِفِي الحَدِّ بِغَيْرِ دَلِيلٍ.
وقَدْ ثَبَتَتِ اسْمِيَّةُ (الَّذِي) فَلا يُعْدَلُ عَنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ لا تَقُومُ بِهِ دَلِيلٌ ولا شُبْهَةٌ.
﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ . رُوِيَ أنَّهُ اجْتَمَعَ المُشْرِكُونَ في مَجْمَعٍ لَهم، فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: أتَرَوْنَ مُحَمَّدًا يَسْألُ أجْرًا عَلى ما يَتَعاطاهُ ؟ فَنَزَلَتْ. ورُوِيَ أنَّ الأنْصارَ أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِمالٍ جَمَعُوهُ وقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، هَدانا اللَّهُ بِكَ، وأنْتَ ابْنُ أُخْتِنا، وتَعْرُوكَ حُقُوقٌ وما لَكَ سِعَةٌ، فاسْتَعِنْ بِهَذا عَلى ما يَنُوبُكَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ، فَرَدَّهُ.
وقِيلَ: الخِطابُ مُتَوَجِّهٌ إلى قُرَيْشٍ حِينَ جَمَعُوا لَهُ مالًا وأرادُوا أنْ يَرْشُوهُ عَلَيْهِمْ عَلى أنْ يُمْسِكَ عَنْ سَبِّ آلِهَتِهِمْ، فَلَمْ يَفْعَلْ، ونَزَلَتْ.
فالمَعْنى: لا أسْألُكم مالًا ولا رِياسَةً، ولَكِنْ أسْألُكم أنْ تَرْعَوْا حَقَّ قَرابَتِي وتُصَدِّقُونِي فِيما جِئْتُكم بِهِ، وتُمْسِكُوا عَنْ أذِيَّتِي وأذِيَّةِ مَن تَبِعَنِي، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ وأبُو مالِكٍ والشَّعْبِيُّ وغَيْرُهم.
قالَ الشَّعْبِيُّ: أكْثَرَ النّاسُ عَلَيْنا في هَذِهِ الآيَةِ، فَكَتَبْنا إلى ابْنِ عَبّاسٍ نَسْألُهُ عَنْها، فَكَتَبَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ أوْسَطَ النّاسِ في قُرَيْشٍ، لَيْسَ بَطْنٌ مِن بُطُونِهِمْ إلّا وقَدْ ولَدَهُ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى: قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا أنْ تَوَدُّونِي في قَرابَتِي مِنكم، فارْعَوْا ما بَيْنِي وبَيْنَكم وصَدِّقُونِي.
وقالَ عِكْرِمَةُ: وكانَتْ قُرَيْشٌ تَصِلُ أرْحامَها. وقالَ الحَسَنُ: المَعْنى إلّا أنْ تَتَوَدَّدُوا إلى اللَّهِ بِالتَّقَرُّبِ إلَيْهِ.
وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ القاسِمِ: إلّا أنْ يَتَوَدَّدَ بَعْضُكم إلى بَعْضٍ وتَصِلُوا قَراباتِكم.
رُوِيَ أنَّ شَبابًا مِنَ الأنْصارِ فاخَرُوا المُهاجِرِينَ وصالُوا بِالقَوْلِ، فَنَزَلَتْ عَلى مَعْنى: أنْ لا تُؤْذُونِي في قَرابَتِي وتَحْفَظُونِي فِيهِمْ. وقالَ بِهَذا المَعْنى عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، واسْتَشْهَدَ بِالآيَةِ حِينَ سِيقَ إلى الشّامِ أسِيرًا، وهو قَوْلُ ابْنُ جُبَيْرٍ والسُّدِّيُّ وعَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، وعَلى هَذا التَّأْوِيلِ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قِيلَ يا رَسُولَ اللَّهِ: مَن قَرابَتُكَ الَّذِينَ أُمِرْنا بِمَوَدَّتِهِمْ ؟ فَقالَ: عَلِيٌّ وفاطِمَةُ وابْناهُما.
وقِيلَ: هم ولَدُ عَبْدِ المَطَّلِبِ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إلّا المَوَدَّةَ﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ؛ لِأنَّ المَوَدَّةَ لَيْسَتْ أجْرًا.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مُتَّصِلًا، أيْ: لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا هَذا: أنْ تَوَدُّوا أهْلَ قَرابَتِي، ولَمْ يَكُنْ هَذا أجْرًا في الحَقِيقَةِ؛ لِأنَّ قَرابَتَهُ قَرابَتُهم، فَكانَتْ صِلَتُهم لازِمَةً لَهم في المُرُوءَةِ.
وقالَ: فَإنْ قُلْتَ: هَلّا قِيلَ إلّا مَوَدَّةَ القُرْبى، أوْ إلّا المَوَدَّةَ لِلْقُرْبى ؟ قُلْتُ: جَعَلُوا مَكانًا لِلْمَوَدَّةِ ومَقَرًّا لَها، كَقَوْلِكَ: لِي في آلِ فُلانٍ مَوَدَّةٌ، ولِي فِيهِمْ هَوًى وحُبٌّ شَدِيدٌ، تُرِيدُ: أُحِبُّهم وهم مَكانُ حُبِّي ومَحِلُّهُ. ولَيْسَتْ في صِلَةٍ لِلْمَوَدَّةِ كاللّامِ، إذا قُلْتَ إلّا المَوَدَّةَ لِلْقُرْبى، إنَّما هي مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ تَعَلَّقَ الظَّرْفِ بِهِ في قَوْلِكَ: المالُ في الكِيسِ، وتَقْدِيرُهُ: إلّا المَوَدَّةَ ثابِتَةً في القُرْبى ومُتَمَكِّنَةً فِيها. انْتَهى، وهو حَسَنٌ وفِيهِ تَكْثِيرٌ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ (إلّا مَوَدَّةً) والجُمْهُورُ ﴿إلّا المَوَدَّةَ﴾ .
﴿ومَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً﴾ أيْ: يَكْتَسِبْ، والظّاهِرُ عُمُومُ الحَسَنَةِ عُمُومَ البَدَلِ، فَيَنْدَرِجُ فِيها المَوَدَّةُ في القُرْبى وغَيْرُها. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والسُّدِّيِّ، أنَّها المَوَدَّةُ في آلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
وقَرَأ الجُمْهُورُ: (نَزِدْ) بِالنُّونِ؛ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وعَبْدُ الوارِثِ عَنْ أبِي عَمْرٍو، وأحْمَدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ الكِسائِيِّ: (يَزِدْ) بِالياءِ، أيْ: يَزِدِ اللَّهُ.
والجُمْهُورُ: (حُسْنًا) بِالتَّنْوِينِ؛ وعَبْدُ الوارِثِ عَنْ أبِي عَمْرٍو: (حُسْنى) بِغَيْرِ تَنْوِينٍ، عَلى وزْنِ رُجْعى، وزِيادَةُ حُسْنِها: مُضاعَفَةُ أجْرِها.
(أنَّ اللَّهَ غَفُورٌ): ساتِرُ عُيُوبِ عِبادِهِ، (شَكُورٌ): مُجازٍ عَلى الدَّقِيقَةِ، لا يَضِيعُ عِنْدَهُ عَمَلُ العامِلِ.
وقالَ السُّدِّيُّ: غَفُورٌ لِذُنُوبِ آلِ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، شَكُورٌ لِحَسَناتِهِمْ.
﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾: أضْرَبَ عَنِ الكَلامِ المُتَقَدِّمِ مِن غَيْرِ إبْطالٍ، واسْتَفْهَمَ اسْتِفْهامَ إنْكارٍ وتَوْبِيخٍ عَلى هَذِهِ المَقالَةِ، أيْ: مِثْلُهُ لا يُنْسَبُ إلَيْهِ الكَذِبُ (p-٥١٧)عَلى اللَّهِ، مَعَ اعْتِرافِكم لَهُ قَبْلُ بِالصِّدْقِ والأمانَةِ.
﴿فَإنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ﴾، قالَ مُجاهِدٌ: يَرْبِطُ عَلى قَلْبِكَ بِالصَّبْرِ عَلى أذاهم، حَتّى لا يَشُقَّ عَلَيْكَ قَوْلُهم: إنَّكَ مُفْتَرٍ. وقالَ قَتادَةُ وجَماعَةٌ: ﴿يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ﴾: يُنْسِيكَ القُرْآنَ، والمُرادُ الرَّدُّ عَلى مَقالَةِ الكُفّارِ وبَيانُ إبْطالِها، وذَلِكَ كَأنَّهُ يَقُولُ: وكَيْفَ يَصِحُّ أنْ تَكُونَ مُفْتَرِياتٍ وأنْتَ مِنَ اللَّهِ بِمَرْأًى ومَسْمَعٍ وهو قادِرٌ، ولَوْ شاءَ أنْ يَخْتِمَ عَلى قَلْبِكَ فَلا تَعْقِلُ ولا تَنْطِقُ ولا يَسْتَمِرُّ افْتِراؤُكَ، فَقَصَدَ اللَّفْظُ هَذا المَعْنى، وحُذِفَ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ الظّاهِرُ اخْتِصارًا واقْتِصارًا. انْتَهى.
هَكَذا أوْرَدَ هَذا التَّأْوِيلُ عَنْ قَتادَةَ ابْنُ عَطِيَّةَ، وفي ألْفاظِهِ فَظاظَةٌ لا تَلِيقُ أنْ تُنْسَبَ لِلْأنْبِياءِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَنْ قَتادَةَ: يُنْسِيكَ القُرْآنَ ويَنْقَطِعُ عَنْكَ الوَحْيُ، يَعْنِي لَوِ افْتَرى عَلى اللَّهِ الكَذِبَ لَفُعِلَ بِهِ ذَلِكَ. انْتَهى.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ أيْضًا: فَإنْ يَشَأِ اللَّهُ يَجْعَلْكَ مِنَ المَخْتُومِ عَلى قُلُوبِهِمْ حَتّى تَفْتَرِيَ عَلَيْهِ الكَذِبَ، فَإنَّهُ لا يَجْتَرِئُ عَلى افْتِراءِ الكَذِبِ عَلى اللَّهِ إلّا مَن كانَ في مِثْلِ حالِهِمْ، وهَذا الأُسْلُوبُ مُؤَدّاهُ اسْتِبْعادُ الِافْتِراءِ مِن مِثْلِهِ، وأنَّهُ في البُعْدِ مِثْلُ الشِّرْكِ بِاللَّهِ والدُّخُولِ في جُمْلَةِ المَخْتُومِ عَلى قُلُوبِهِمْ.
ومِثالُ هَذا أنْ يَخُونَ بَعْضُ الأُمَناءِ فَيَقُولُ: لَعَلَّ اللَّهَ خَذَلَنِي، لَعَلَّ اللَّهَ أعْمى قَلْبِي، وهو لا يُرِيدُ إثْباتَ الخِذْلانِ وعَمى القَلْبِ، وإنَّما يُرِيدُ اسْتِبْعادَ أنْ يَخُونَ مِثْلُهُ، والتَّنْبِيهُ عَلى أنَّهُ رَكِبَ مِن تَخْوِينِهِ أمْرٌ عَظِيمٌ. ثُمَّ قالَ: ومِن عادَةِ اللَّهِ أنْ يَمْحُوَ الباطِلَ ويُثْبِتَ الحَقَّ بِوَحْيِهِ أوْ بِقَضائِهِ لِقَوْلِهِ: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالحَقِّ عَلى الباطِلِ فَيَدْمَغُهُ﴾ [الأنبياء: ١٨]، يَعْنِي: لَوْ كانَ مُفْتَرِيًا، كَما يَزْعُمُونَ، لَكَشَفَ اللَّهُ افْتِراءَهُ ومَحَقَهُ، وقَذَفَ بِالحَقِّ عَلى الباطِلِ فَدَمَغَهُ. انْتَهى.
وقِيلَ: المَعْنى لَوِ افْتَرَيْتَ عَلى اللَّهِ، لَطَبَعَ عَلى قَلْبِكَ حَتّى لا تَقْدِرَ عَلى حِفْظِ القُرْآنِ. وقِيلَ: لَخَتَمَ عَلى قَلْبِكَ بِالصِّدْقِ واليَقِينِ، وقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ.
وذَكَرَ القُشَيْرِيُّ أنَّ المَعْنى: يَخْتِمُ عَلى قُلُوبِ الكُفّارِ وعَلى ألْسِنَتِهِمْ ويُعاجِلُهم بِالعَذابِ. انْتَهى، فَيَكُونُ التِفاتًا مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ، ومِنَ الجَمْعِ إلى الإفْرادِ، أيْ: يَخْتِمُ عَلى قَلْبِكَ أيُّها القائِلُ أنَّهُ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا.
﴿ويَمْحُو اللَّهُ الباطِلَ﴾: اسْتِئْنافُ إخْبارٍ، أيْ: يَمْحُوهُ إمّا في الدُّنْيا وإمّا في الآخِرَةِ حَيْثُ نازِلُهُ. وكُتِبَ (ويَمْحُ) بِغَيْرِ واوٍ، كَما كَتَبُوا (سَنَدْعُ) بِغَيْرِ واوٍ، اعْتِبارًا بِعَدَمِ ظُهُورِها؛ لِأنَّهُ لا يُوقَفُ عَلَيْها وقْفَ اخْتِيارٍ.
ولَمّا سَقَطَتْ مِنَ اللَّفْظِ سَقَطَتْ مِنَ الخَطِّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ عِدَةً لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِأنَّهُ يَمْحُو الباطِلَ الَّذِي هم عَلَيْهِ مِنَ البُهْتِ والتَّكْذِيبِ، ويُثْبِتُ الحَقَّ الَّذِي أنْتَ عَلَيْهِ بِالقُرْآنِ وبِقَضائِهِ الَّذِي لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ نُصْرَتِكَ عَلَيْهِمْ. إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما في صَدْرِكَ وصُدُورِهِمْ، فَيُجْرِي الأمْرَ عَلى حَسَبِ ذَلِكَ. انْتَهى. قِيلَ: ويُحِقُّ الإسْلامَ بِكَلِماتِهِ، أيْ: بِما أنْزَلَ مِنَ القُرْآنِ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في شَرائِطِ التَّوْبَةِ، يُقالُ: قَبِلْتُ مِنهُ الشَّيْءَ بِمَعْنى: أخَذْتُهُ مِنهُ، لِقَوْلِهِ: ﴿وما مَنَعَهم أنْ تُقْبَلَ مِنهم نَفَقاتُهُمْ﴾ [التوبة: ٥٤] أيْ: تُؤْخَذَ، أيْ: جَعَلْتُهُ مَبْدَأ قَبُولِي ومَنشَأهُ، وقَبِلْتُهُ عَنْهُ: عَزَلْتُهُ عَنْهُ وأبَنْتُهُ، فَمَعْنى (عَنْ عِبادِهِ) أيْ: يُزِيلُ الرُّجُوعَ عَنِ المَعاصِي.
﴿ويَعْفُو عَنِ السَّيِّئاتِ﴾، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَنِ السَّيِّئاتِ إذا تِيبَ عَنْها، وعَنِ الصَّغائِرِ إذا اجْتُنِبَتِ الكَبائِرُ. انْتَهى، وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ.
إنَّ الكَبائِرَ لا يُعْفى عَنْها إلّا بِالتَّوْبَةِ، ﴿ويَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ﴾، فَيُثِيبُ ويُعاقِبُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (ما يَفْعَلُونَ) بِياءِ الغَيْبَةِ؛ وعَبْدُ اللَّهِ، وعَلْقَمَةُ، والأخَوانِ، وحَفْصٌ: بِتاءِ الخِطابِ. والظّاهِرُ أنَّ (الَّذِينَ) فاعِلٌ، (ويَسْتَجِيبُ) أيْ: ويُجِيبُ، (الَّذِينَ آمَنُوا) لِرَبِّهِمْ، كَما قالَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ إذا دَعاكم لِما يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤]، فَيَكُونُ (يَسْتَجِيبُ) بِمَعْنى يُجِيبُ، أوْ يَبْقى عَلى بابِهِ مِنَ الطَّلَبِ، أيْ يَسْتَدْعِي الَّذِينَ آمَنُوا الإجابَةَ مِن رَبِّهِمْ بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هَذا في فِعْلِهِمْ إذا دَعاهم. وعَنْ إبْراهِيمَ بْنِ أدْهَمَ أنَّهُ قِيلَ: ما بالُنا نَدْعُو فَلا نُجابُ ؟ قالَ: لِأنَّهُ دَعاكم فَلَمْ تُجِيبُوهُ، ثُمَّ قَرَأ: ﴿واللَّهُ يَدْعُو إلى دارِ السَّلامِ﴾ [يونس: ٢٥] .
﴿ويَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، قالَ الزَّجّاجُ: (الَّذِينَ) مَفْعُولٌ، واسْتَجابَ وأجابَ بِمَعْنًى واحِدٍ، فالمَعْنى: ويُجِيبُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا، (p-٥١٨)أيْ: لِلَّذِينِ، كَما قالَ:
فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذاكَ مُجِيبٌ أيْ: لَمْ يَجُبْهُ. ورُوِيَ هَذا المَعْنى عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ وابْنِ عَبّاسٍ.
﴿ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ﴾ أيْ: عَلى الثَّوابِ تَفَضُّلًا. وفي الحَدِيثِ: قَبُولُ الشَّفاعاتِ في المُؤْمِنِينَ والرِّضْوانِ. وقالَ خَبّابُ بْنُ الأرَتِّ: نَظَرْنا إلى أمْوالِ بَنِي قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ وبَنِي قَيْنُقاعَ فَتَمَنَّيْناها، فَنَزَلَتْ: ﴿ولَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا في الأرْضِ﴾ . وقالَ عَمْرُو بْنُ حُرَيْثٍ: طَلَبَ قَوْمٌ مِن أهْلِ الصُّفَّةِ مِنَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ ويَبْسُطَ لَهُمُ الأمْوالَ والأرْزاقَ، فَنَزَلَتْ. أعْلَمُ أنَّ الرِّزْقَ لَوْ جاءَ عَلى اقْتِراحِ البَشَرِ، لَكانَ سَبَبَ بَغْيِهِمْ وإفْسادِهِمْ، ولَكِنَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِالمَصْلَحَةِ. فَرُبَّ إنْسانٍ لا يَصْلُحُ ولا يَكْتَفِي شَرُّهُ إلّا بِالفَقْرِ، وآخَرُ بِالغِنى. وفي هَذا المَعْنى والتَّقْسِيمِ حَدِيثٌ رَواهُ أنَسٌ وقالَ: اللَّهُمَّ إنِّي مِن عِبادِكَ الَّذِينَ لا يُصْلِحُهم إلّا الغِنى، فَلا تُفْقِرْنِي. و(لَبَغَوْا) إمّا مِنَ البَذَخِ والكِبْرِ، أيْ: لَتَكَبَّرُوا في الأرْضِ، فَفَعَلُوا ما يَتْبَعُ الكِبْرَ مَعَ الغِنى. ألا تَرى إلى حالِ قارُونَ ؟ وفي الحَدِيثِ: «أخْوَفُ ما يُخافُ عَلى أُمَّتِي زَهْرَةُ الدُّنْيا» وقالَ الشّاعِرُ:
؎وقَدْ جَعَلُوا الوَسْمِيَّ يَنْبُتُ بَيْنَنا وبَيْنَ بَنِي رُومانَ نَبْعًا وشَوْحَطا
يَعْنِي: أنَّهم أحَبُّوا، فَجَذَبُوا أنْفُسَهم بِالبَغْيِ والفِتَنِ.
﴿ولَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ﴾، يُقالُ: قَدْرَ بِالسُّكُونِ وبِالفَتْحِ، أيْ: يُقَدِّرُ لَهم ما هو أصْلَحُ لَهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (قَنَطُوا)، بِفَتْحِ النُّونِ؛ والأعْمَشُ، وابْنُ وثّابٍ: بِكَسْرِها، ﴿ويَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾: يُظْهِرُها مِنَ آثارِ الغَيْثِ مِنَ المَنافِعِ والخَصْبِ، والظّاهِرُ أنَّ رَحْمَتَهُ نَشْرُها أعَمُّ مِمّا في الغَيْثِ. وقالَ السُّدِّيُّ: (رَحْمَتَهُ) الغَيْثُ، وعَدَّدَ النِّعْمَةَ بِعَيْنِها بِلَفْظَيْنِ. وقِيلَ: الرَّحْمَةُ هُنا ظُهُورُ الشَّمْسِ؛ لِأنَّهُ إذا دامَ المَطَرُ سُئِمَ، فَتَجِيءُ الشَّمْسُ بَعْدَهُ عَظِيمَةَ المَوْقِعِ، ذَكَرَهُ المَهْدَوِيُّ.
﴿وهُوَ الوَلِيُّ﴾: الَّذِي يَتَوَلّى عِبادَهُ، (الحَمِيدُ): المَحْمُودُ عَلى ما أسْدى مِن نَعْمائِهِ (وما بَثَّ) الظّاهِرُ أنَّهُ مَجْرُورٌ عَطْفًا عَلى السَّماواتِ والأرْضِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا عَطْفًا عَلى (خَلْقُ) عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: وخَلْقُ ما بَثَّ. وفِيهِما يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِمّا نُسِبَ فِيهِ (دابَّةٍ) إلى المَجْمُوعِ المَذْكُورِ، وإنْ كانَ مُلْتَبِسًا بِبَعْضِهِ. كَما يُقالُ: بَنُو فُلانٍ صَنَعُوا كَذا، وإنَّما صَنْعَهُ واحِدٌ مِنهم، ومِنهُ يَخْرُجُ مِنهُما، وإنَّما يَخْرُجُ مِنَ المِلْحِ، أوْ يَكُونُ مِنَ المَلائِكَةِ. بَعْضٌ يَمْشِي مَعَ الطَّيَرانِ، فَيُوصَفُ بِالدَّبِيبِ كَما يُوصَفُ بِهِ الأناسِيُّ، أوْ يَكُونُ قَدْ خَلَقَ في السَّماواتِ حَيَوانًا يَمْشِي مَعَ مَشْيِ الأناسِيِّ عَلى الأرْضِ، أوْ يُرِيدُ الحَيَوانَ الَّذِي يَكُونُ في السَّحابِ. وقَدْ يَقَعُ أحْيانًا، كالضَّفادِعِ، والسَّحابُ داخِلٌ في اسْمِ السَّماءِ.
وقالَ مُجاهِدٌ: ﴿وما بَثَّ فِيهِما مِن دابَّةٍ﴾: هُمُ النّاسُ والمَلائِكَةُ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ: هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: وما بَثَّ في أحَدِهِما. وقَرَأ الجُمْهُورُ (فِيهِما) بِالفاءِ، وكَذا هي في مُعْظَمِ المَصاحِفِ. واحْتَمَلَ (ما) أنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً، وهو الأظْهَرُ، وأنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً، والفاءُ تَدْخُلُ في خَبَرِ المَوْصُولِ إذا أُجْرِيَ مَجْرى الشَّرْطِ بِشَرائِطَ ذُكِرَتْ في النَّحْوِ، وهي مَوْجُودَةٌ. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ في رِوايَةٍ، وشَيْبَةُ (بِما) بِغَيْرِ فاءٍ، فَـ (ما) مَوْصُولَةٌ، ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً؛ وحُذِفَتِ الفاءُ لِأنَّ ذَلِكَ مِمّا يَخُصُّهُ سِيبَوَيْهِ بِالشِّعْرِ، وأجازَ ذَلِكَ الأخْفَشُ وبَعْضُ نُحاةِ بَغْدادَ وذَلِكَ عَلى إرادَةِ الفاءِ. وتَرَتُّبُ ما أصابَ مِنَ المَصائِبِ عَلى كَسْبِ الأيْدِي مَوْجُودٌ مَعَ الفاءِ ودُونِها هُنا، والمُصِيبَةُ: الرَّزايا والمَصائِبُ في الدُّنْيا، وهي مُجازاةٌ عَلى ذُنُوبِ المَرْءِ وتَمْحِيصٌ لِخَطاياهُ، وأنَّهُ تَعالى يَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ، ولا يُجازِي عَلَيْهِ بِمُصِيبَةٍ. وفي الحَدِيثِ: «لا يُصِيبُ ابْنُ آدَمَ خَدْشُ عَوْدٍ أوْ عَثْرَةُ قَدَمٍ ولا اخْتِلاجُ عِرْقٍ إلّا بِذَنْبٍ وما يَعْفُو عَنْهُ أكْثَرُ» . وسُئِلَ عِمْرانُ بْنُ حُصَيْنٍ عَنْ مَرَضِهِ فَقالَ؛ إنَّ أحَبَّهُ إلَيَّ أحَبُّهُ إلى اللَّهِ، وهَذا مِمّا كَسَبَتْ يَدايَ. ورُؤِيَ عَلى كَفِّ شُرَيْحٍ قُرْحَةٌ، فَقِيلَ: بِمَ هَذا ؟ فَقالَ: بِما كَسَبَتْ يَدايَ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الآيَةُ مَخْصُوصَةٌ بِالمُجْرِمِينَ، ولا يَمْتَنِعُ أنْ يَسْتَوْفِيَ اللَّهُ عِقابَ المُجْرِمِ ويَعْفُوَ عَنْ بَعْضٍ. فَأمّا مَن (p-٥١٩)لا جُرْمَ لَهُ، كالأنْبِياءِ والأطْفالِ والمَجانِينِ، فَهو كَما إذا أصابَهم شَيْءٌ مِن ألَمٍ أوْ غَيْرِهِ، فَلِلْعِوَضِ المُوفِي والمُصْلِحَةِ، وعَنْ عَلِيٍّ هَذِهِ أرْجى آيَةٍ لِلْمُؤْمِنِينَ. وقالَ الحَسَنُ: ﴿مِن مُصِيبَةٍ﴾ أيْ: حَدٍّ مِن حُدُودِ اللَّهِ، وتِلْكَ مَصائِبُ تَنْزِلُ بِشَخْصِ الإنْسانِ ونَفْسِهِ، فَإنَّما هي بِكَسْبِ أيْدِيكم.
(ويَعْفُو) اللَّهُ (عَنْ كَثِيرٍ)، فَيَسْتُرُهُ عَلى العِبادِ حَتّى لا يُحَدَّ عَلَيْهِ.
(وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ) أيْ: أنْتُمْ في قَبْضَةِ القُدْرَةِ. وقِيلَ: لَيْسَتِ المَصائِبُ مِنَ الأسْقامِ والقَحْطِ والغَرَقِ وغَيْرِ ذَلِكَ بِعُقُوباتٍ عَلى الذُّنُوبِ لِقَوْلِهِ: ﴿اليَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ [غافر: ١٧]، ولِاشْتِراكِ الصّالِحِ والطّالِحِ فِيهِما، بَلْ أكْثَرُ ما يُبْتَلى بِهِ الصّالِحُونَ المُتَّقُونَ. وفي الحَدِيثِ: «خُصَّ بِالبَلاءِ الأنْبِياءُ ثُمَّ الأمْثَلُ فالأمْثَلُ» . ولِأنَّ الدُّنْيا دارُ التَّكْلِيفِ، فَلَوْ حَصَلَ الجَزاءُ فِيها لَكانَتْ دارَ الجَزاءِ، ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ. وهَذا القَوْلُ يُؤَخِّرُهُ نُصُوصُ القُرْآنِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكُلًّا أخَذْنا بِذَنْبِهِ فَمِنهم مَن أرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِبًا﴾ [العنكبوت: ٤٠] الآيَةَ.
الشورى 42:25
﴿أمْ لَهم شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهم مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ ولَوْلا كَلِمَةُ الفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهم وإنَّ الظّالِمِينَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿تَرى الظّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا كَسَبُوا وهو واقِعٌ بِهِمْ والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ في رَوْضاتِ الجَنّاتِ لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هو الفَضْلُ الكَبِيرُ﴾ ﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى ومَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْنًا إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا فَإنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ ويَمْحُ اللَّهُ الباطِلَ ويُحِقُّ الحَقَّ بِكَلِماتِهِ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ ﴿وهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ ويَعْفُو عَنِ السَّيِّئاتِ ويَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ﴾ ﴿ويَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ والكافِرُونَ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ ﴿ولَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا في الأرْضِ ولَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ إنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ ﴿وهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الغَيْثَ مِن بَعْدِ ما قَنَطُوا ويَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وهو الوَلِيُّ الحَمِيدُ﴾ ﴿ومِن آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَثَّ فِيهِما مِن دابَّةٍ وهو عَلى جَمْعِهِمْ إذا يَشاءُ قَدِيرٌ﴾ ﴿وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكم ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ في الأرْضِ وما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ .
(p-٥٠٧)﴿أمْ لَهم شُرَكاءُ﴾: اسْتِفْهامُ تَقْرِيرٍ وتَوْبِيخٍ. لَمّا ذَكَرَ تَعالى أنَّهُ شَرَعَ لِلنّاسِ ﴿ما وصّى بِهِ نُوحًا﴾ [الشورى: ١٣] الآيَةَ، أخَذَ يُنْكِرُ ما شَرَعَ غَيْرُهُ تَعالى.
والشُّرَكاءُ هُنا يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ شُرَكاؤُهم في الكُفْرِ، كالشَّياطِينِ والمُغْوِينَ مِنَ النّاسِ. والضَّمِيرُ في (شَرَعُوا) عائِدٌ عَلى الشُّرَكاءِ، والضَّمِيرُ في (لَهم) عائِدٌ عَلى الكُفّارِ المُعاصِرِينَ لِلرَّسُولِ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ الأصْنامُ والأوْثانُ وكُلُّ مَن جَعَلُوهُ شَرِيكًا لِلَّهِ.
وأُضِيفَ الشُّرَكاءُ إلَيْهِمْ؛ لِأنَّهم مُتَّخِذُوها شُرَكاءَ لِلَّهِ، فَتارَةً إلَيْهِمْ بِهَذِهِ المُلابَسَةِ، وتارَةً إلى اللَّهِ.
والضَّمِيرُ في (شَرَعُوا) يَحْتَمِلُ أنْ يَعُودَ عَلى الشُّرَكاءِ، و(لَهم) عائِدٌ عَلى الكُفّارِ، لَمّا كانَتْ سَبَبًا لِضَلالِهِمْ وافْتِتانِهِمْ جُعِلَتْ شارِعَةً لِدِينِ الكُفْرِ، كَما قالَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿رَبِّ إنَّهُنَّ أضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ﴾ [إبراهيم: ٣٦] .
واحْتَمَلَ أنْ يَعُودَ عَلى الكُفّارِ، و(لَهم) عائِدٌ عَلى الشُّرَكاءِ، أيْ: شَرَعَ الكُفّارُ لِأصْنامِهِمْ ومَعْبُوداتِهِمْ، أيْ: رَسَمُوا لَهم غَوايَةً وأحْكامًا في المُعْتَقَداتِ، كَقَوْلِهِمْ: إنَّهم آلِهَةٌ، وإنَّ عِبادَتَهم تُقَرِّبُهم إلى اللَّهِ؛ ومِنَ الأحْكامِ: البَحِيرَةُ والوَصِيلَةُ والحامِي وغَيْرُ ذَلِكَ.
﴿ولَوْلا كَلِمَةُ الفَصْلِ﴾ أيِ: العِدَةُ بِأنَّ الفَصْلَ في الآخِرَةِ، أوْ لَوْلا القَضاءُ بِذَلِكَ لَقُضِيَ بَيْنَ المُؤْمِنِ والكافِرِ، أوْ بَيْنَ المُشْرِكِينَ وشُرَكائِهِمْ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: (إنَّ الظّالِمِينَ)، بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى الِاسْتِئْنافِ والإخْبارِ بِما يَنالُهم في الدُّنْيا مِنَ القَتْلِ والأسْرِ والنَّهْبِ، وفي الآخِرَةِ النّارُ. وقَرَأ الأعْرَجُ، ومُسْلِمُ بْنُ جُنْدُبٍ (وأنَّ) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ عَطْفًا عَلى كَلِمَةِ الفَصْلِ، فَهو في مَوْضِعِ رَفْعٍ، أيْ: ولَوْلا كَلِمَةُ الفَصْلِ وكَوْنُ الظّالِمِينَ لَهم عَذابٌ في الآخِرَةِ، لَقُضِيَ بَيْنَهم في الدُّنْيا وفُصِلَ بَيْنَ المُتَعاطِفَيْنِ بِجَوابِ لَوْلا، كَما فُصِلَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ لَكانَ لِزامًا وأجَلٌ مُسَمًّى﴾ [طه: ١٢٩] .
﴿تَرى الظّالِمِينَ﴾ أيْ: تُبْصِرُ الكافِرِينَ لِمُقابَلَتِهِ بِالمُؤْمِنِينَ، (مُشْفِقِينَ): خائِفِينَ الخَوْفَ الشَّدِيدَ، (مِمّا كَسَبُوا) مِنَ السَّيِّئاتِ، (وهو) أيِ: العَذابُ، أوْ يَعُودُ عَلى ما كَسَبُوا عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: وبالٌ كَسَبُوا مِنَ السَّيِّئاتِ، أوْ جَزاؤُهُ حالٌّ بِهِمْ.
﴿وهُوَ واقِعٌ﴾: فَإشْفاقُهم هو في هَذِهِ الحالِ، فَلَيْسُوا كالمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ هم في الدُّنْيا مُشْفِقُونَ مِنَ السّاعَةِ. ولَمّا كانَتِ الرَّوْضاتُ أحْسَنَ ما في الجَنّاتِ وأنْزَهَها وفي أعْلاها، ذَكَرَ أنَّ المُؤْمِنِينَ فِيها.
واللُّغَةُ الكَثِيرَةُ تَسْكِينُ الواوِ في رَوْضاتٍ، ولُغَةُ هُذَيْلِ بْنِ مُدْرِكَةَ فَتْحُ الواوِ إجْراءً لِلْمُعْتَلِّ مَجْرى الصَّحِيحِ نَحْوُ جَفَناتٍ، ولَمْ يَقْرَأْ أحَدٌ مِمَّنْ عَلِمْناهُ بِلُغَتِهِمْ.
و(عِنْدَ) ظَرْفٌ، قالَ الحَوْفِيُّ: مَعْمُولٌ لِـ (يَشاءُونَ) . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَنصُوبٌ بِالظَّرْفِ لا يَشاءُونَ. انْتَهى، وهو الصَّوابُ.
ويَعْنِي بِالظَّرْفِ: الجارُّ والمَجْرُورُ، وهو لَهم في الحَقِيقَةِ غَيْرُ مَعْمُولٍ لِلْعامِلِ في لَهم، والمَعْنى: ما يَشاءُونَ مِنَ النَّعِيمِ والثَّوابِ مُسْتَقِرٌّ لَهم.
(عِنْدَ رَبِّهِمْ): والعِنْدِيَّةُ عِنْدِيَّةُ المَكانَةِ والتَّشْرِيفِ لا عِنْدِيَّةُ المَكانَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يُبَشِّرُ) بِتَشْدِيدِ الشِّينِ، مِن بَشَّرَ؛ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَعْمُرَ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، والجَحْدَرِيُّ، والأعْمَشُ، وطَلْحَةُ في رِوايَةٍ، والكِسائِيُّ، وحَمْزَةُ: (يُبَشِّرُ) ثُلاثِيًّا؛ ومُجاهِدٌ، وحَمِيدُ بْنُ قَيْسٍ: بِضَمِّ الياءِ وتَخْفِيفِ الشِّينِ مِن أبْشَرَ، وهو مُعَدًّى بِالهَمْزَةِ مِن بَشِرَ اللّازِمِ المَكْسُورِ الشِّينِ.
وأمّا بَشَرَ بِفَتْحِها فَتَعَدَّ، وبَشَّرَ بِالتَّشْدِيدِ لِلتَّكْثِيرِ لا لِلتَّعْدِيَةِ؛ لِأنَّ المُتَعَدِّي إلى واحِدٍ، وهو مُخَفَّفٌ لا يُعَدّى بِالتَّضْعِيفِ إلَيْهِ؛ فالتَّضْعِيفُ فِيهِ لِلتَّكْثِيرِ لا لِلتَّعْدِيَةِ.
(ذَلِكَ): إشارَةٌ إلى ما أعَدَّ لَهم مِنَ الكَرامَةِ، وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ المَوْصُولِ، والعائِدُ عَلَيْهِ مَحْذُوفٌ، أيْ: يُبَشِّرُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ ذَلِكَ التَّبْشِيرُ الَّذِي يُبَشِّرُهُ اللَّهُ عِبادَهُ. انْتَهى.
ولا يَظْهَرُ هَذا الوَجْهُ، إذْ (p-٥١٦)لَمْ يَتَقَدَّمْ في هَذِهِ السُّورَةِ لَفْظُ البُشْرى، ولا ما يَدُلُّ عَلَيْها مِن تَبْشِيرٍ أوْ شَبَهِهِ.
ومِنَ النَّحْوِيِّينَ مَن جَعْلَ (الَّذِي) مَصْدَرِيَّةً، حَكاهُ ابْنُ مالِكٍ عَنْ يُونُسَ، وتُأوَّلُ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ، أيْ: ذَلِكَ تَبْشِيرُ اللَّهِ عِبادَهُ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّهُ إثْباتٌ لِلِاشْتِراكِ بَيْنَ مُخْتَلِفِي الحَدِّ بِغَيْرِ دَلِيلٍ.
وقَدْ ثَبَتَتِ اسْمِيَّةُ (الَّذِي) فَلا يُعْدَلُ عَنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ لا تَقُومُ بِهِ دَلِيلٌ ولا شُبْهَةٌ.
﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ . رُوِيَ أنَّهُ اجْتَمَعَ المُشْرِكُونَ في مَجْمَعٍ لَهم، فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: أتَرَوْنَ مُحَمَّدًا يَسْألُ أجْرًا عَلى ما يَتَعاطاهُ ؟ فَنَزَلَتْ. ورُوِيَ أنَّ الأنْصارَ أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِمالٍ جَمَعُوهُ وقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، هَدانا اللَّهُ بِكَ، وأنْتَ ابْنُ أُخْتِنا، وتَعْرُوكَ حُقُوقٌ وما لَكَ سِعَةٌ، فاسْتَعِنْ بِهَذا عَلى ما يَنُوبُكَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ، فَرَدَّهُ.
وقِيلَ: الخِطابُ مُتَوَجِّهٌ إلى قُرَيْشٍ حِينَ جَمَعُوا لَهُ مالًا وأرادُوا أنْ يَرْشُوهُ عَلَيْهِمْ عَلى أنْ يُمْسِكَ عَنْ سَبِّ آلِهَتِهِمْ، فَلَمْ يَفْعَلْ، ونَزَلَتْ.
فالمَعْنى: لا أسْألُكم مالًا ولا رِياسَةً، ولَكِنْ أسْألُكم أنْ تَرْعَوْا حَقَّ قَرابَتِي وتُصَدِّقُونِي فِيما جِئْتُكم بِهِ، وتُمْسِكُوا عَنْ أذِيَّتِي وأذِيَّةِ مَن تَبِعَنِي، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ وأبُو مالِكٍ والشَّعْبِيُّ وغَيْرُهم.
قالَ الشَّعْبِيُّ: أكْثَرَ النّاسُ عَلَيْنا في هَذِهِ الآيَةِ، فَكَتَبْنا إلى ابْنِ عَبّاسٍ نَسْألُهُ عَنْها، فَكَتَبَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ أوْسَطَ النّاسِ في قُرَيْشٍ، لَيْسَ بَطْنٌ مِن بُطُونِهِمْ إلّا وقَدْ ولَدَهُ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى: قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا أنْ تَوَدُّونِي في قَرابَتِي مِنكم، فارْعَوْا ما بَيْنِي وبَيْنَكم وصَدِّقُونِي.
وقالَ عِكْرِمَةُ: وكانَتْ قُرَيْشٌ تَصِلُ أرْحامَها. وقالَ الحَسَنُ: المَعْنى إلّا أنْ تَتَوَدَّدُوا إلى اللَّهِ بِالتَّقَرُّبِ إلَيْهِ.
وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ القاسِمِ: إلّا أنْ يَتَوَدَّدَ بَعْضُكم إلى بَعْضٍ وتَصِلُوا قَراباتِكم.
رُوِيَ أنَّ شَبابًا مِنَ الأنْصارِ فاخَرُوا المُهاجِرِينَ وصالُوا بِالقَوْلِ، فَنَزَلَتْ عَلى مَعْنى: أنْ لا تُؤْذُونِي في قَرابَتِي وتَحْفَظُونِي فِيهِمْ. وقالَ بِهَذا المَعْنى عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، واسْتَشْهَدَ بِالآيَةِ حِينَ سِيقَ إلى الشّامِ أسِيرًا، وهو قَوْلُ ابْنُ جُبَيْرٍ والسُّدِّيُّ وعَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، وعَلى هَذا التَّأْوِيلِ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قِيلَ يا رَسُولَ اللَّهِ: مَن قَرابَتُكَ الَّذِينَ أُمِرْنا بِمَوَدَّتِهِمْ ؟ فَقالَ: عَلِيٌّ وفاطِمَةُ وابْناهُما.
وقِيلَ: هم ولَدُ عَبْدِ المَطَّلِبِ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إلّا المَوَدَّةَ﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ؛ لِأنَّ المَوَدَّةَ لَيْسَتْ أجْرًا.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مُتَّصِلًا، أيْ: لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا هَذا: أنْ تَوَدُّوا أهْلَ قَرابَتِي، ولَمْ يَكُنْ هَذا أجْرًا في الحَقِيقَةِ؛ لِأنَّ قَرابَتَهُ قَرابَتُهم، فَكانَتْ صِلَتُهم لازِمَةً لَهم في المُرُوءَةِ.
وقالَ: فَإنْ قُلْتَ: هَلّا قِيلَ إلّا مَوَدَّةَ القُرْبى، أوْ إلّا المَوَدَّةَ لِلْقُرْبى ؟ قُلْتُ: جَعَلُوا مَكانًا لِلْمَوَدَّةِ ومَقَرًّا لَها، كَقَوْلِكَ: لِي في آلِ فُلانٍ مَوَدَّةٌ، ولِي فِيهِمْ هَوًى وحُبٌّ شَدِيدٌ، تُرِيدُ: أُحِبُّهم وهم مَكانُ حُبِّي ومَحِلُّهُ. ولَيْسَتْ في صِلَةٍ لِلْمَوَدَّةِ كاللّامِ، إذا قُلْتَ إلّا المَوَدَّةَ لِلْقُرْبى، إنَّما هي مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ تَعَلَّقَ الظَّرْفِ بِهِ في قَوْلِكَ: المالُ في الكِيسِ، وتَقْدِيرُهُ: إلّا المَوَدَّةَ ثابِتَةً في القُرْبى ومُتَمَكِّنَةً فِيها. انْتَهى، وهو حَسَنٌ وفِيهِ تَكْثِيرٌ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ (إلّا مَوَدَّةً) والجُمْهُورُ ﴿إلّا المَوَدَّةَ﴾ .
﴿ومَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً﴾ أيْ: يَكْتَسِبْ، والظّاهِرُ عُمُومُ الحَسَنَةِ عُمُومَ البَدَلِ، فَيَنْدَرِجُ فِيها المَوَدَّةُ في القُرْبى وغَيْرُها. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والسُّدِّيِّ، أنَّها المَوَدَّةُ في آلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
وقَرَأ الجُمْهُورُ: (نَزِدْ) بِالنُّونِ؛ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وعَبْدُ الوارِثِ عَنْ أبِي عَمْرٍو، وأحْمَدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ الكِسائِيِّ: (يَزِدْ) بِالياءِ، أيْ: يَزِدِ اللَّهُ.
والجُمْهُورُ: (حُسْنًا) بِالتَّنْوِينِ؛ وعَبْدُ الوارِثِ عَنْ أبِي عَمْرٍو: (حُسْنى) بِغَيْرِ تَنْوِينٍ، عَلى وزْنِ رُجْعى، وزِيادَةُ حُسْنِها: مُضاعَفَةُ أجْرِها.
(أنَّ اللَّهَ غَفُورٌ): ساتِرُ عُيُوبِ عِبادِهِ، (شَكُورٌ): مُجازٍ عَلى الدَّقِيقَةِ، لا يَضِيعُ عِنْدَهُ عَمَلُ العامِلِ.
وقالَ السُّدِّيُّ: غَفُورٌ لِذُنُوبِ آلِ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، شَكُورٌ لِحَسَناتِهِمْ.
﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾: أضْرَبَ عَنِ الكَلامِ المُتَقَدِّمِ مِن غَيْرِ إبْطالٍ، واسْتَفْهَمَ اسْتِفْهامَ إنْكارٍ وتَوْبِيخٍ عَلى هَذِهِ المَقالَةِ، أيْ: مِثْلُهُ لا يُنْسَبُ إلَيْهِ الكَذِبُ (p-٥١٧)عَلى اللَّهِ، مَعَ اعْتِرافِكم لَهُ قَبْلُ بِالصِّدْقِ والأمانَةِ.
﴿فَإنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ﴾، قالَ مُجاهِدٌ: يَرْبِطُ عَلى قَلْبِكَ بِالصَّبْرِ عَلى أذاهم، حَتّى لا يَشُقَّ عَلَيْكَ قَوْلُهم: إنَّكَ مُفْتَرٍ. وقالَ قَتادَةُ وجَماعَةٌ: ﴿يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ﴾: يُنْسِيكَ القُرْآنَ، والمُرادُ الرَّدُّ عَلى مَقالَةِ الكُفّارِ وبَيانُ إبْطالِها، وذَلِكَ كَأنَّهُ يَقُولُ: وكَيْفَ يَصِحُّ أنْ تَكُونَ مُفْتَرِياتٍ وأنْتَ مِنَ اللَّهِ بِمَرْأًى ومَسْمَعٍ وهو قادِرٌ، ولَوْ شاءَ أنْ يَخْتِمَ عَلى قَلْبِكَ فَلا تَعْقِلُ ولا تَنْطِقُ ولا يَسْتَمِرُّ افْتِراؤُكَ، فَقَصَدَ اللَّفْظُ هَذا المَعْنى، وحُذِفَ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ الظّاهِرُ اخْتِصارًا واقْتِصارًا. انْتَهى.
هَكَذا أوْرَدَ هَذا التَّأْوِيلُ عَنْ قَتادَةَ ابْنُ عَطِيَّةَ، وفي ألْفاظِهِ فَظاظَةٌ لا تَلِيقُ أنْ تُنْسَبَ لِلْأنْبِياءِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَنْ قَتادَةَ: يُنْسِيكَ القُرْآنَ ويَنْقَطِعُ عَنْكَ الوَحْيُ، يَعْنِي لَوِ افْتَرى عَلى اللَّهِ الكَذِبَ لَفُعِلَ بِهِ ذَلِكَ. انْتَهى.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ أيْضًا: فَإنْ يَشَأِ اللَّهُ يَجْعَلْكَ مِنَ المَخْتُومِ عَلى قُلُوبِهِمْ حَتّى تَفْتَرِيَ عَلَيْهِ الكَذِبَ، فَإنَّهُ لا يَجْتَرِئُ عَلى افْتِراءِ الكَذِبِ عَلى اللَّهِ إلّا مَن كانَ في مِثْلِ حالِهِمْ، وهَذا الأُسْلُوبُ مُؤَدّاهُ اسْتِبْعادُ الِافْتِراءِ مِن مِثْلِهِ، وأنَّهُ في البُعْدِ مِثْلُ الشِّرْكِ بِاللَّهِ والدُّخُولِ في جُمْلَةِ المَخْتُومِ عَلى قُلُوبِهِمْ.
ومِثالُ هَذا أنْ يَخُونَ بَعْضُ الأُمَناءِ فَيَقُولُ: لَعَلَّ اللَّهَ خَذَلَنِي، لَعَلَّ اللَّهَ أعْمى قَلْبِي، وهو لا يُرِيدُ إثْباتَ الخِذْلانِ وعَمى القَلْبِ، وإنَّما يُرِيدُ اسْتِبْعادَ أنْ يَخُونَ مِثْلُهُ، والتَّنْبِيهُ عَلى أنَّهُ رَكِبَ مِن تَخْوِينِهِ أمْرٌ عَظِيمٌ. ثُمَّ قالَ: ومِن عادَةِ اللَّهِ أنْ يَمْحُوَ الباطِلَ ويُثْبِتَ الحَقَّ بِوَحْيِهِ أوْ بِقَضائِهِ لِقَوْلِهِ: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالحَقِّ عَلى الباطِلِ فَيَدْمَغُهُ﴾ [الأنبياء: ١٨]، يَعْنِي: لَوْ كانَ مُفْتَرِيًا، كَما يَزْعُمُونَ، لَكَشَفَ اللَّهُ افْتِراءَهُ ومَحَقَهُ، وقَذَفَ بِالحَقِّ عَلى الباطِلِ فَدَمَغَهُ. انْتَهى.
وقِيلَ: المَعْنى لَوِ افْتَرَيْتَ عَلى اللَّهِ، لَطَبَعَ عَلى قَلْبِكَ حَتّى لا تَقْدِرَ عَلى حِفْظِ القُرْآنِ. وقِيلَ: لَخَتَمَ عَلى قَلْبِكَ بِالصِّدْقِ واليَقِينِ، وقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ.
وذَكَرَ القُشَيْرِيُّ أنَّ المَعْنى: يَخْتِمُ عَلى قُلُوبِ الكُفّارِ وعَلى ألْسِنَتِهِمْ ويُعاجِلُهم بِالعَذابِ. انْتَهى، فَيَكُونُ التِفاتًا مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ، ومِنَ الجَمْعِ إلى الإفْرادِ، أيْ: يَخْتِمُ عَلى قَلْبِكَ أيُّها القائِلُ أنَّهُ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا.
﴿ويَمْحُو اللَّهُ الباطِلَ﴾: اسْتِئْنافُ إخْبارٍ، أيْ: يَمْحُوهُ إمّا في الدُّنْيا وإمّا في الآخِرَةِ حَيْثُ نازِلُهُ. وكُتِبَ (ويَمْحُ) بِغَيْرِ واوٍ، كَما كَتَبُوا (سَنَدْعُ) بِغَيْرِ واوٍ، اعْتِبارًا بِعَدَمِ ظُهُورِها؛ لِأنَّهُ لا يُوقَفُ عَلَيْها وقْفَ اخْتِيارٍ.
ولَمّا سَقَطَتْ مِنَ اللَّفْظِ سَقَطَتْ مِنَ الخَطِّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ عِدَةً لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِأنَّهُ يَمْحُو الباطِلَ الَّذِي هم عَلَيْهِ مِنَ البُهْتِ والتَّكْذِيبِ، ويُثْبِتُ الحَقَّ الَّذِي أنْتَ عَلَيْهِ بِالقُرْآنِ وبِقَضائِهِ الَّذِي لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ نُصْرَتِكَ عَلَيْهِمْ. إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما في صَدْرِكَ وصُدُورِهِمْ، فَيُجْرِي الأمْرَ عَلى حَسَبِ ذَلِكَ. انْتَهى. قِيلَ: ويُحِقُّ الإسْلامَ بِكَلِماتِهِ، أيْ: بِما أنْزَلَ مِنَ القُرْآنِ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في شَرائِطِ التَّوْبَةِ، يُقالُ: قَبِلْتُ مِنهُ الشَّيْءَ بِمَعْنى: أخَذْتُهُ مِنهُ، لِقَوْلِهِ: ﴿وما مَنَعَهم أنْ تُقْبَلَ مِنهم نَفَقاتُهُمْ﴾ [التوبة: ٥٤] أيْ: تُؤْخَذَ، أيْ: جَعَلْتُهُ مَبْدَأ قَبُولِي ومَنشَأهُ، وقَبِلْتُهُ عَنْهُ: عَزَلْتُهُ عَنْهُ وأبَنْتُهُ، فَمَعْنى (عَنْ عِبادِهِ) أيْ: يُزِيلُ الرُّجُوعَ عَنِ المَعاصِي.
﴿ويَعْفُو عَنِ السَّيِّئاتِ﴾، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَنِ السَّيِّئاتِ إذا تِيبَ عَنْها، وعَنِ الصَّغائِرِ إذا اجْتُنِبَتِ الكَبائِرُ. انْتَهى، وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ.
إنَّ الكَبائِرَ لا يُعْفى عَنْها إلّا بِالتَّوْبَةِ، ﴿ويَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ﴾، فَيُثِيبُ ويُعاقِبُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (ما يَفْعَلُونَ) بِياءِ الغَيْبَةِ؛ وعَبْدُ اللَّهِ، وعَلْقَمَةُ، والأخَوانِ، وحَفْصٌ: بِتاءِ الخِطابِ. والظّاهِرُ أنَّ (الَّذِينَ) فاعِلٌ، (ويَسْتَجِيبُ) أيْ: ويُجِيبُ، (الَّذِينَ آمَنُوا) لِرَبِّهِمْ، كَما قالَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ إذا دَعاكم لِما يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤]، فَيَكُونُ (يَسْتَجِيبُ) بِمَعْنى يُجِيبُ، أوْ يَبْقى عَلى بابِهِ مِنَ الطَّلَبِ، أيْ يَسْتَدْعِي الَّذِينَ آمَنُوا الإجابَةَ مِن رَبِّهِمْ بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هَذا في فِعْلِهِمْ إذا دَعاهم. وعَنْ إبْراهِيمَ بْنِ أدْهَمَ أنَّهُ قِيلَ: ما بالُنا نَدْعُو فَلا نُجابُ ؟ قالَ: لِأنَّهُ دَعاكم فَلَمْ تُجِيبُوهُ، ثُمَّ قَرَأ: ﴿واللَّهُ يَدْعُو إلى دارِ السَّلامِ﴾ [يونس: ٢٥] .
﴿ويَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، قالَ الزَّجّاجُ: (الَّذِينَ) مَفْعُولٌ، واسْتَجابَ وأجابَ بِمَعْنًى واحِدٍ، فالمَعْنى: ويُجِيبُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا، (p-٥١٨)أيْ: لِلَّذِينِ، كَما قالَ:
فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذاكَ مُجِيبٌ أيْ: لَمْ يَجُبْهُ. ورُوِيَ هَذا المَعْنى عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ وابْنِ عَبّاسٍ.
﴿ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ﴾ أيْ: عَلى الثَّوابِ تَفَضُّلًا. وفي الحَدِيثِ: قَبُولُ الشَّفاعاتِ في المُؤْمِنِينَ والرِّضْوانِ. وقالَ خَبّابُ بْنُ الأرَتِّ: نَظَرْنا إلى أمْوالِ بَنِي قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ وبَنِي قَيْنُقاعَ فَتَمَنَّيْناها، فَنَزَلَتْ: ﴿ولَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا في الأرْضِ﴾ . وقالَ عَمْرُو بْنُ حُرَيْثٍ: طَلَبَ قَوْمٌ مِن أهْلِ الصُّفَّةِ مِنَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ ويَبْسُطَ لَهُمُ الأمْوالَ والأرْزاقَ، فَنَزَلَتْ. أعْلَمُ أنَّ الرِّزْقَ لَوْ جاءَ عَلى اقْتِراحِ البَشَرِ، لَكانَ سَبَبَ بَغْيِهِمْ وإفْسادِهِمْ، ولَكِنَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِالمَصْلَحَةِ. فَرُبَّ إنْسانٍ لا يَصْلُحُ ولا يَكْتَفِي شَرُّهُ إلّا بِالفَقْرِ، وآخَرُ بِالغِنى. وفي هَذا المَعْنى والتَّقْسِيمِ حَدِيثٌ رَواهُ أنَسٌ وقالَ: اللَّهُمَّ إنِّي مِن عِبادِكَ الَّذِينَ لا يُصْلِحُهم إلّا الغِنى، فَلا تُفْقِرْنِي. و(لَبَغَوْا) إمّا مِنَ البَذَخِ والكِبْرِ، أيْ: لَتَكَبَّرُوا في الأرْضِ، فَفَعَلُوا ما يَتْبَعُ الكِبْرَ مَعَ الغِنى. ألا تَرى إلى حالِ قارُونَ ؟ وفي الحَدِيثِ: «أخْوَفُ ما يُخافُ عَلى أُمَّتِي زَهْرَةُ الدُّنْيا» وقالَ الشّاعِرُ:
؎وقَدْ جَعَلُوا الوَسْمِيَّ يَنْبُتُ بَيْنَنا وبَيْنَ بَنِي رُومانَ نَبْعًا وشَوْحَطا
يَعْنِي: أنَّهم أحَبُّوا، فَجَذَبُوا أنْفُسَهم بِالبَغْيِ والفِتَنِ.
﴿ولَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ﴾، يُقالُ: قَدْرَ بِالسُّكُونِ وبِالفَتْحِ، أيْ: يُقَدِّرُ لَهم ما هو أصْلَحُ لَهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (قَنَطُوا)، بِفَتْحِ النُّونِ؛ والأعْمَشُ، وابْنُ وثّابٍ: بِكَسْرِها، ﴿ويَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾: يُظْهِرُها مِنَ آثارِ الغَيْثِ مِنَ المَنافِعِ والخَصْبِ، والظّاهِرُ أنَّ رَحْمَتَهُ نَشْرُها أعَمُّ مِمّا في الغَيْثِ. وقالَ السُّدِّيُّ: (رَحْمَتَهُ) الغَيْثُ، وعَدَّدَ النِّعْمَةَ بِعَيْنِها بِلَفْظَيْنِ. وقِيلَ: الرَّحْمَةُ هُنا ظُهُورُ الشَّمْسِ؛ لِأنَّهُ إذا دامَ المَطَرُ سُئِمَ، فَتَجِيءُ الشَّمْسُ بَعْدَهُ عَظِيمَةَ المَوْقِعِ، ذَكَرَهُ المَهْدَوِيُّ.
﴿وهُوَ الوَلِيُّ﴾: الَّذِي يَتَوَلّى عِبادَهُ، (الحَمِيدُ): المَحْمُودُ عَلى ما أسْدى مِن نَعْمائِهِ (وما بَثَّ) الظّاهِرُ أنَّهُ مَجْرُورٌ عَطْفًا عَلى السَّماواتِ والأرْضِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا عَطْفًا عَلى (خَلْقُ) عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: وخَلْقُ ما بَثَّ. وفِيهِما يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِمّا نُسِبَ فِيهِ (دابَّةٍ) إلى المَجْمُوعِ المَذْكُورِ، وإنْ كانَ مُلْتَبِسًا بِبَعْضِهِ. كَما يُقالُ: بَنُو فُلانٍ صَنَعُوا كَذا، وإنَّما صَنْعَهُ واحِدٌ مِنهم، ومِنهُ يَخْرُجُ مِنهُما، وإنَّما يَخْرُجُ مِنَ المِلْحِ، أوْ يَكُونُ مِنَ المَلائِكَةِ. بَعْضٌ يَمْشِي مَعَ الطَّيَرانِ، فَيُوصَفُ بِالدَّبِيبِ كَما يُوصَفُ بِهِ الأناسِيُّ، أوْ يَكُونُ قَدْ خَلَقَ في السَّماواتِ حَيَوانًا يَمْشِي مَعَ مَشْيِ الأناسِيِّ عَلى الأرْضِ، أوْ يُرِيدُ الحَيَوانَ الَّذِي يَكُونُ في السَّحابِ. وقَدْ يَقَعُ أحْيانًا، كالضَّفادِعِ، والسَّحابُ داخِلٌ في اسْمِ السَّماءِ.
وقالَ مُجاهِدٌ: ﴿وما بَثَّ فِيهِما مِن دابَّةٍ﴾: هُمُ النّاسُ والمَلائِكَةُ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ: هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: وما بَثَّ في أحَدِهِما. وقَرَأ الجُمْهُورُ (فِيهِما) بِالفاءِ، وكَذا هي في مُعْظَمِ المَصاحِفِ. واحْتَمَلَ (ما) أنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً، وهو الأظْهَرُ، وأنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً، والفاءُ تَدْخُلُ في خَبَرِ المَوْصُولِ إذا أُجْرِيَ مَجْرى الشَّرْطِ بِشَرائِطَ ذُكِرَتْ في النَّحْوِ، وهي مَوْجُودَةٌ. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ في رِوايَةٍ، وشَيْبَةُ (بِما) بِغَيْرِ فاءٍ، فَـ (ما) مَوْصُولَةٌ، ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً؛ وحُذِفَتِ الفاءُ لِأنَّ ذَلِكَ مِمّا يَخُصُّهُ سِيبَوَيْهِ بِالشِّعْرِ، وأجازَ ذَلِكَ الأخْفَشُ وبَعْضُ نُحاةِ بَغْدادَ وذَلِكَ عَلى إرادَةِ الفاءِ. وتَرَتُّبُ ما أصابَ مِنَ المَصائِبِ عَلى كَسْبِ الأيْدِي مَوْجُودٌ مَعَ الفاءِ ودُونِها هُنا، والمُصِيبَةُ: الرَّزايا والمَصائِبُ في الدُّنْيا، وهي مُجازاةٌ عَلى ذُنُوبِ المَرْءِ وتَمْحِيصٌ لِخَطاياهُ، وأنَّهُ تَعالى يَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ، ولا يُجازِي عَلَيْهِ بِمُصِيبَةٍ. وفي الحَدِيثِ: «لا يُصِيبُ ابْنُ آدَمَ خَدْشُ عَوْدٍ أوْ عَثْرَةُ قَدَمٍ ولا اخْتِلاجُ عِرْقٍ إلّا بِذَنْبٍ وما يَعْفُو عَنْهُ أكْثَرُ» . وسُئِلَ عِمْرانُ بْنُ حُصَيْنٍ عَنْ مَرَضِهِ فَقالَ؛ إنَّ أحَبَّهُ إلَيَّ أحَبُّهُ إلى اللَّهِ، وهَذا مِمّا كَسَبَتْ يَدايَ. ورُؤِيَ عَلى كَفِّ شُرَيْحٍ قُرْحَةٌ، فَقِيلَ: بِمَ هَذا ؟ فَقالَ: بِما كَسَبَتْ يَدايَ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الآيَةُ مَخْصُوصَةٌ بِالمُجْرِمِينَ، ولا يَمْتَنِعُ أنْ يَسْتَوْفِيَ اللَّهُ عِقابَ المُجْرِمِ ويَعْفُوَ عَنْ بَعْضٍ. فَأمّا مَن (p-٥١٩)لا جُرْمَ لَهُ، كالأنْبِياءِ والأطْفالِ والمَجانِينِ، فَهو كَما إذا أصابَهم شَيْءٌ مِن ألَمٍ أوْ غَيْرِهِ، فَلِلْعِوَضِ المُوفِي والمُصْلِحَةِ، وعَنْ عَلِيٍّ هَذِهِ أرْجى آيَةٍ لِلْمُؤْمِنِينَ. وقالَ الحَسَنُ: ﴿مِن مُصِيبَةٍ﴾ أيْ: حَدٍّ مِن حُدُودِ اللَّهِ، وتِلْكَ مَصائِبُ تَنْزِلُ بِشَخْصِ الإنْسانِ ونَفْسِهِ، فَإنَّما هي بِكَسْبِ أيْدِيكم.
(ويَعْفُو) اللَّهُ (عَنْ كَثِيرٍ)، فَيَسْتُرُهُ عَلى العِبادِ حَتّى لا يُحَدَّ عَلَيْهِ.
(وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ) أيْ: أنْتُمْ في قَبْضَةِ القُدْرَةِ. وقِيلَ: لَيْسَتِ المَصائِبُ مِنَ الأسْقامِ والقَحْطِ والغَرَقِ وغَيْرِ ذَلِكَ بِعُقُوباتٍ عَلى الذُّنُوبِ لِقَوْلِهِ: ﴿اليَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ [غافر: ١٧]، ولِاشْتِراكِ الصّالِحِ والطّالِحِ فِيهِما، بَلْ أكْثَرُ ما يُبْتَلى بِهِ الصّالِحُونَ المُتَّقُونَ. وفي الحَدِيثِ: «خُصَّ بِالبَلاءِ الأنْبِياءُ ثُمَّ الأمْثَلُ فالأمْثَلُ» . ولِأنَّ الدُّنْيا دارُ التَّكْلِيفِ، فَلَوْ حَصَلَ الجَزاءُ فِيها لَكانَتْ دارَ الجَزاءِ، ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ. وهَذا القَوْلُ يُؤَخِّرُهُ نُصُوصُ القُرْآنِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكُلًّا أخَذْنا بِذَنْبِهِ فَمِنهم مَن أرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِبًا﴾ [العنكبوت: ٤٠] الآيَةَ.
الشورى 42:26
﴿أمْ لَهم شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهم مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ ولَوْلا كَلِمَةُ الفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهم وإنَّ الظّالِمِينَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿تَرى الظّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا كَسَبُوا وهو واقِعٌ بِهِمْ والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ في رَوْضاتِ الجَنّاتِ لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هو الفَضْلُ الكَبِيرُ﴾ ﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى ومَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْنًا إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا فَإنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ ويَمْحُ اللَّهُ الباطِلَ ويُحِقُّ الحَقَّ بِكَلِماتِهِ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ ﴿وهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ ويَعْفُو عَنِ السَّيِّئاتِ ويَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ﴾ ﴿ويَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ والكافِرُونَ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ ﴿ولَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا في الأرْضِ ولَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ إنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ ﴿وهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الغَيْثَ مِن بَعْدِ ما قَنَطُوا ويَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وهو الوَلِيُّ الحَمِيدُ﴾ ﴿ومِن آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَثَّ فِيهِما مِن دابَّةٍ وهو عَلى جَمْعِهِمْ إذا يَشاءُ قَدِيرٌ﴾ ﴿وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكم ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ في الأرْضِ وما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ .
(p-٥٠٧)﴿أمْ لَهم شُرَكاءُ﴾: اسْتِفْهامُ تَقْرِيرٍ وتَوْبِيخٍ. لَمّا ذَكَرَ تَعالى أنَّهُ شَرَعَ لِلنّاسِ ﴿ما وصّى بِهِ نُوحًا﴾ [الشورى: ١٣] الآيَةَ، أخَذَ يُنْكِرُ ما شَرَعَ غَيْرُهُ تَعالى.
والشُّرَكاءُ هُنا يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ شُرَكاؤُهم في الكُفْرِ، كالشَّياطِينِ والمُغْوِينَ مِنَ النّاسِ. والضَّمِيرُ في (شَرَعُوا) عائِدٌ عَلى الشُّرَكاءِ، والضَّمِيرُ في (لَهم) عائِدٌ عَلى الكُفّارِ المُعاصِرِينَ لِلرَّسُولِ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ الأصْنامُ والأوْثانُ وكُلُّ مَن جَعَلُوهُ شَرِيكًا لِلَّهِ.
وأُضِيفَ الشُّرَكاءُ إلَيْهِمْ؛ لِأنَّهم مُتَّخِذُوها شُرَكاءَ لِلَّهِ، فَتارَةً إلَيْهِمْ بِهَذِهِ المُلابَسَةِ، وتارَةً إلى اللَّهِ.
والضَّمِيرُ في (شَرَعُوا) يَحْتَمِلُ أنْ يَعُودَ عَلى الشُّرَكاءِ، و(لَهم) عائِدٌ عَلى الكُفّارِ، لَمّا كانَتْ سَبَبًا لِضَلالِهِمْ وافْتِتانِهِمْ جُعِلَتْ شارِعَةً لِدِينِ الكُفْرِ، كَما قالَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿رَبِّ إنَّهُنَّ أضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ﴾ [إبراهيم: ٣٦] .
واحْتَمَلَ أنْ يَعُودَ عَلى الكُفّارِ، و(لَهم) عائِدٌ عَلى الشُّرَكاءِ، أيْ: شَرَعَ الكُفّارُ لِأصْنامِهِمْ ومَعْبُوداتِهِمْ، أيْ: رَسَمُوا لَهم غَوايَةً وأحْكامًا في المُعْتَقَداتِ، كَقَوْلِهِمْ: إنَّهم آلِهَةٌ، وإنَّ عِبادَتَهم تُقَرِّبُهم إلى اللَّهِ؛ ومِنَ الأحْكامِ: البَحِيرَةُ والوَصِيلَةُ والحامِي وغَيْرُ ذَلِكَ.
﴿ولَوْلا كَلِمَةُ الفَصْلِ﴾ أيِ: العِدَةُ بِأنَّ الفَصْلَ في الآخِرَةِ، أوْ لَوْلا القَضاءُ بِذَلِكَ لَقُضِيَ بَيْنَ المُؤْمِنِ والكافِرِ، أوْ بَيْنَ المُشْرِكِينَ وشُرَكائِهِمْ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: (إنَّ الظّالِمِينَ)، بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى الِاسْتِئْنافِ والإخْبارِ بِما يَنالُهم في الدُّنْيا مِنَ القَتْلِ والأسْرِ والنَّهْبِ، وفي الآخِرَةِ النّارُ. وقَرَأ الأعْرَجُ، ومُسْلِمُ بْنُ جُنْدُبٍ (وأنَّ) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ عَطْفًا عَلى كَلِمَةِ الفَصْلِ، فَهو في مَوْضِعِ رَفْعٍ، أيْ: ولَوْلا كَلِمَةُ الفَصْلِ وكَوْنُ الظّالِمِينَ لَهم عَذابٌ في الآخِرَةِ، لَقُضِيَ بَيْنَهم في الدُّنْيا وفُصِلَ بَيْنَ المُتَعاطِفَيْنِ بِجَوابِ لَوْلا، كَما فُصِلَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ لَكانَ لِزامًا وأجَلٌ مُسَمًّى﴾ [طه: ١٢٩] .
﴿تَرى الظّالِمِينَ﴾ أيْ: تُبْصِرُ الكافِرِينَ لِمُقابَلَتِهِ بِالمُؤْمِنِينَ، (مُشْفِقِينَ): خائِفِينَ الخَوْفَ الشَّدِيدَ، (مِمّا كَسَبُوا) مِنَ السَّيِّئاتِ، (وهو) أيِ: العَذابُ، أوْ يَعُودُ عَلى ما كَسَبُوا عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: وبالٌ كَسَبُوا مِنَ السَّيِّئاتِ، أوْ جَزاؤُهُ حالٌّ بِهِمْ.
﴿وهُوَ واقِعٌ﴾: فَإشْفاقُهم هو في هَذِهِ الحالِ، فَلَيْسُوا كالمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ هم في الدُّنْيا مُشْفِقُونَ مِنَ السّاعَةِ. ولَمّا كانَتِ الرَّوْضاتُ أحْسَنَ ما في الجَنّاتِ وأنْزَهَها وفي أعْلاها، ذَكَرَ أنَّ المُؤْمِنِينَ فِيها.
واللُّغَةُ الكَثِيرَةُ تَسْكِينُ الواوِ في رَوْضاتٍ، ولُغَةُ هُذَيْلِ بْنِ مُدْرِكَةَ فَتْحُ الواوِ إجْراءً لِلْمُعْتَلِّ مَجْرى الصَّحِيحِ نَحْوُ جَفَناتٍ، ولَمْ يَقْرَأْ أحَدٌ مِمَّنْ عَلِمْناهُ بِلُغَتِهِمْ.
و(عِنْدَ) ظَرْفٌ، قالَ الحَوْفِيُّ: مَعْمُولٌ لِـ (يَشاءُونَ) . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَنصُوبٌ بِالظَّرْفِ لا يَشاءُونَ. انْتَهى، وهو الصَّوابُ.
ويَعْنِي بِالظَّرْفِ: الجارُّ والمَجْرُورُ، وهو لَهم في الحَقِيقَةِ غَيْرُ مَعْمُولٍ لِلْعامِلِ في لَهم، والمَعْنى: ما يَشاءُونَ مِنَ النَّعِيمِ والثَّوابِ مُسْتَقِرٌّ لَهم.
(عِنْدَ رَبِّهِمْ): والعِنْدِيَّةُ عِنْدِيَّةُ المَكانَةِ والتَّشْرِيفِ لا عِنْدِيَّةُ المَكانَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يُبَشِّرُ) بِتَشْدِيدِ الشِّينِ، مِن بَشَّرَ؛ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَعْمُرَ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، والجَحْدَرِيُّ، والأعْمَشُ، وطَلْحَةُ في رِوايَةٍ، والكِسائِيُّ، وحَمْزَةُ: (يُبَشِّرُ) ثُلاثِيًّا؛ ومُجاهِدٌ، وحَمِيدُ بْنُ قَيْسٍ: بِضَمِّ الياءِ وتَخْفِيفِ الشِّينِ مِن أبْشَرَ، وهو مُعَدًّى بِالهَمْزَةِ مِن بَشِرَ اللّازِمِ المَكْسُورِ الشِّينِ.
وأمّا بَشَرَ بِفَتْحِها فَتَعَدَّ، وبَشَّرَ بِالتَّشْدِيدِ لِلتَّكْثِيرِ لا لِلتَّعْدِيَةِ؛ لِأنَّ المُتَعَدِّي إلى واحِدٍ، وهو مُخَفَّفٌ لا يُعَدّى بِالتَّضْعِيفِ إلَيْهِ؛ فالتَّضْعِيفُ فِيهِ لِلتَّكْثِيرِ لا لِلتَّعْدِيَةِ.
(ذَلِكَ): إشارَةٌ إلى ما أعَدَّ لَهم مِنَ الكَرامَةِ، وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ المَوْصُولِ، والعائِدُ عَلَيْهِ مَحْذُوفٌ، أيْ: يُبَشِّرُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ ذَلِكَ التَّبْشِيرُ الَّذِي يُبَشِّرُهُ اللَّهُ عِبادَهُ. انْتَهى.
ولا يَظْهَرُ هَذا الوَجْهُ، إذْ (p-٥١٦)لَمْ يَتَقَدَّمْ في هَذِهِ السُّورَةِ لَفْظُ البُشْرى، ولا ما يَدُلُّ عَلَيْها مِن تَبْشِيرٍ أوْ شَبَهِهِ.
ومِنَ النَّحْوِيِّينَ مَن جَعْلَ (الَّذِي) مَصْدَرِيَّةً، حَكاهُ ابْنُ مالِكٍ عَنْ يُونُسَ، وتُأوَّلُ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ، أيْ: ذَلِكَ تَبْشِيرُ اللَّهِ عِبادَهُ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّهُ إثْباتٌ لِلِاشْتِراكِ بَيْنَ مُخْتَلِفِي الحَدِّ بِغَيْرِ دَلِيلٍ.
وقَدْ ثَبَتَتِ اسْمِيَّةُ (الَّذِي) فَلا يُعْدَلُ عَنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ لا تَقُومُ بِهِ دَلِيلٌ ولا شُبْهَةٌ.
﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ . رُوِيَ أنَّهُ اجْتَمَعَ المُشْرِكُونَ في مَجْمَعٍ لَهم، فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: أتَرَوْنَ مُحَمَّدًا يَسْألُ أجْرًا عَلى ما يَتَعاطاهُ ؟ فَنَزَلَتْ. ورُوِيَ أنَّ الأنْصارَ أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِمالٍ جَمَعُوهُ وقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، هَدانا اللَّهُ بِكَ، وأنْتَ ابْنُ أُخْتِنا، وتَعْرُوكَ حُقُوقٌ وما لَكَ سِعَةٌ، فاسْتَعِنْ بِهَذا عَلى ما يَنُوبُكَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ، فَرَدَّهُ.
وقِيلَ: الخِطابُ مُتَوَجِّهٌ إلى قُرَيْشٍ حِينَ جَمَعُوا لَهُ مالًا وأرادُوا أنْ يَرْشُوهُ عَلَيْهِمْ عَلى أنْ يُمْسِكَ عَنْ سَبِّ آلِهَتِهِمْ، فَلَمْ يَفْعَلْ، ونَزَلَتْ.
فالمَعْنى: لا أسْألُكم مالًا ولا رِياسَةً، ولَكِنْ أسْألُكم أنْ تَرْعَوْا حَقَّ قَرابَتِي وتُصَدِّقُونِي فِيما جِئْتُكم بِهِ، وتُمْسِكُوا عَنْ أذِيَّتِي وأذِيَّةِ مَن تَبِعَنِي، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ وأبُو مالِكٍ والشَّعْبِيُّ وغَيْرُهم.
قالَ الشَّعْبِيُّ: أكْثَرَ النّاسُ عَلَيْنا في هَذِهِ الآيَةِ، فَكَتَبْنا إلى ابْنِ عَبّاسٍ نَسْألُهُ عَنْها، فَكَتَبَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ أوْسَطَ النّاسِ في قُرَيْشٍ، لَيْسَ بَطْنٌ مِن بُطُونِهِمْ إلّا وقَدْ ولَدَهُ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى: قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا أنْ تَوَدُّونِي في قَرابَتِي مِنكم، فارْعَوْا ما بَيْنِي وبَيْنَكم وصَدِّقُونِي.
وقالَ عِكْرِمَةُ: وكانَتْ قُرَيْشٌ تَصِلُ أرْحامَها. وقالَ الحَسَنُ: المَعْنى إلّا أنْ تَتَوَدَّدُوا إلى اللَّهِ بِالتَّقَرُّبِ إلَيْهِ.
وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ القاسِمِ: إلّا أنْ يَتَوَدَّدَ بَعْضُكم إلى بَعْضٍ وتَصِلُوا قَراباتِكم.
رُوِيَ أنَّ شَبابًا مِنَ الأنْصارِ فاخَرُوا المُهاجِرِينَ وصالُوا بِالقَوْلِ، فَنَزَلَتْ عَلى مَعْنى: أنْ لا تُؤْذُونِي في قَرابَتِي وتَحْفَظُونِي فِيهِمْ. وقالَ بِهَذا المَعْنى عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، واسْتَشْهَدَ بِالآيَةِ حِينَ سِيقَ إلى الشّامِ أسِيرًا، وهو قَوْلُ ابْنُ جُبَيْرٍ والسُّدِّيُّ وعَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، وعَلى هَذا التَّأْوِيلِ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قِيلَ يا رَسُولَ اللَّهِ: مَن قَرابَتُكَ الَّذِينَ أُمِرْنا بِمَوَدَّتِهِمْ ؟ فَقالَ: عَلِيٌّ وفاطِمَةُ وابْناهُما.
وقِيلَ: هم ولَدُ عَبْدِ المَطَّلِبِ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إلّا المَوَدَّةَ﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ؛ لِأنَّ المَوَدَّةَ لَيْسَتْ أجْرًا.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مُتَّصِلًا، أيْ: لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا هَذا: أنْ تَوَدُّوا أهْلَ قَرابَتِي، ولَمْ يَكُنْ هَذا أجْرًا في الحَقِيقَةِ؛ لِأنَّ قَرابَتَهُ قَرابَتُهم، فَكانَتْ صِلَتُهم لازِمَةً لَهم في المُرُوءَةِ.
وقالَ: فَإنْ قُلْتَ: هَلّا قِيلَ إلّا مَوَدَّةَ القُرْبى، أوْ إلّا المَوَدَّةَ لِلْقُرْبى ؟ قُلْتُ: جَعَلُوا مَكانًا لِلْمَوَدَّةِ ومَقَرًّا لَها، كَقَوْلِكَ: لِي في آلِ فُلانٍ مَوَدَّةٌ، ولِي فِيهِمْ هَوًى وحُبٌّ شَدِيدٌ، تُرِيدُ: أُحِبُّهم وهم مَكانُ حُبِّي ومَحِلُّهُ. ولَيْسَتْ في صِلَةٍ لِلْمَوَدَّةِ كاللّامِ، إذا قُلْتَ إلّا المَوَدَّةَ لِلْقُرْبى، إنَّما هي مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ تَعَلَّقَ الظَّرْفِ بِهِ في قَوْلِكَ: المالُ في الكِيسِ، وتَقْدِيرُهُ: إلّا المَوَدَّةَ ثابِتَةً في القُرْبى ومُتَمَكِّنَةً فِيها. انْتَهى، وهو حَسَنٌ وفِيهِ تَكْثِيرٌ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ (إلّا مَوَدَّةً) والجُمْهُورُ ﴿إلّا المَوَدَّةَ﴾ .
﴿ومَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً﴾ أيْ: يَكْتَسِبْ، والظّاهِرُ عُمُومُ الحَسَنَةِ عُمُومَ البَدَلِ، فَيَنْدَرِجُ فِيها المَوَدَّةُ في القُرْبى وغَيْرُها. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والسُّدِّيِّ، أنَّها المَوَدَّةُ في آلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
وقَرَأ الجُمْهُورُ: (نَزِدْ) بِالنُّونِ؛ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وعَبْدُ الوارِثِ عَنْ أبِي عَمْرٍو، وأحْمَدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ الكِسائِيِّ: (يَزِدْ) بِالياءِ، أيْ: يَزِدِ اللَّهُ.
والجُمْهُورُ: (حُسْنًا) بِالتَّنْوِينِ؛ وعَبْدُ الوارِثِ عَنْ أبِي عَمْرٍو: (حُسْنى) بِغَيْرِ تَنْوِينٍ، عَلى وزْنِ رُجْعى، وزِيادَةُ حُسْنِها: مُضاعَفَةُ أجْرِها.
(أنَّ اللَّهَ غَفُورٌ): ساتِرُ عُيُوبِ عِبادِهِ، (شَكُورٌ): مُجازٍ عَلى الدَّقِيقَةِ، لا يَضِيعُ عِنْدَهُ عَمَلُ العامِلِ.
وقالَ السُّدِّيُّ: غَفُورٌ لِذُنُوبِ آلِ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، شَكُورٌ لِحَسَناتِهِمْ.
﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾: أضْرَبَ عَنِ الكَلامِ المُتَقَدِّمِ مِن غَيْرِ إبْطالٍ، واسْتَفْهَمَ اسْتِفْهامَ إنْكارٍ وتَوْبِيخٍ عَلى هَذِهِ المَقالَةِ، أيْ: مِثْلُهُ لا يُنْسَبُ إلَيْهِ الكَذِبُ (p-٥١٧)عَلى اللَّهِ، مَعَ اعْتِرافِكم لَهُ قَبْلُ بِالصِّدْقِ والأمانَةِ.
﴿فَإنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ﴾، قالَ مُجاهِدٌ: يَرْبِطُ عَلى قَلْبِكَ بِالصَّبْرِ عَلى أذاهم، حَتّى لا يَشُقَّ عَلَيْكَ قَوْلُهم: إنَّكَ مُفْتَرٍ. وقالَ قَتادَةُ وجَماعَةٌ: ﴿يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ﴾: يُنْسِيكَ القُرْآنَ، والمُرادُ الرَّدُّ عَلى مَقالَةِ الكُفّارِ وبَيانُ إبْطالِها، وذَلِكَ كَأنَّهُ يَقُولُ: وكَيْفَ يَصِحُّ أنْ تَكُونَ مُفْتَرِياتٍ وأنْتَ مِنَ اللَّهِ بِمَرْأًى ومَسْمَعٍ وهو قادِرٌ، ولَوْ شاءَ أنْ يَخْتِمَ عَلى قَلْبِكَ فَلا تَعْقِلُ ولا تَنْطِقُ ولا يَسْتَمِرُّ افْتِراؤُكَ، فَقَصَدَ اللَّفْظُ هَذا المَعْنى، وحُذِفَ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ الظّاهِرُ اخْتِصارًا واقْتِصارًا. انْتَهى.
هَكَذا أوْرَدَ هَذا التَّأْوِيلُ عَنْ قَتادَةَ ابْنُ عَطِيَّةَ، وفي ألْفاظِهِ فَظاظَةٌ لا تَلِيقُ أنْ تُنْسَبَ لِلْأنْبِياءِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَنْ قَتادَةَ: يُنْسِيكَ القُرْآنَ ويَنْقَطِعُ عَنْكَ الوَحْيُ، يَعْنِي لَوِ افْتَرى عَلى اللَّهِ الكَذِبَ لَفُعِلَ بِهِ ذَلِكَ. انْتَهى.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ أيْضًا: فَإنْ يَشَأِ اللَّهُ يَجْعَلْكَ مِنَ المَخْتُومِ عَلى قُلُوبِهِمْ حَتّى تَفْتَرِيَ عَلَيْهِ الكَذِبَ، فَإنَّهُ لا يَجْتَرِئُ عَلى افْتِراءِ الكَذِبِ عَلى اللَّهِ إلّا مَن كانَ في مِثْلِ حالِهِمْ، وهَذا الأُسْلُوبُ مُؤَدّاهُ اسْتِبْعادُ الِافْتِراءِ مِن مِثْلِهِ، وأنَّهُ في البُعْدِ مِثْلُ الشِّرْكِ بِاللَّهِ والدُّخُولِ في جُمْلَةِ المَخْتُومِ عَلى قُلُوبِهِمْ.
ومِثالُ هَذا أنْ يَخُونَ بَعْضُ الأُمَناءِ فَيَقُولُ: لَعَلَّ اللَّهَ خَذَلَنِي، لَعَلَّ اللَّهَ أعْمى قَلْبِي، وهو لا يُرِيدُ إثْباتَ الخِذْلانِ وعَمى القَلْبِ، وإنَّما يُرِيدُ اسْتِبْعادَ أنْ يَخُونَ مِثْلُهُ، والتَّنْبِيهُ عَلى أنَّهُ رَكِبَ مِن تَخْوِينِهِ أمْرٌ عَظِيمٌ. ثُمَّ قالَ: ومِن عادَةِ اللَّهِ أنْ يَمْحُوَ الباطِلَ ويُثْبِتَ الحَقَّ بِوَحْيِهِ أوْ بِقَضائِهِ لِقَوْلِهِ: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالحَقِّ عَلى الباطِلِ فَيَدْمَغُهُ﴾ [الأنبياء: ١٨]، يَعْنِي: لَوْ كانَ مُفْتَرِيًا، كَما يَزْعُمُونَ، لَكَشَفَ اللَّهُ افْتِراءَهُ ومَحَقَهُ، وقَذَفَ بِالحَقِّ عَلى الباطِلِ فَدَمَغَهُ. انْتَهى.
وقِيلَ: المَعْنى لَوِ افْتَرَيْتَ عَلى اللَّهِ، لَطَبَعَ عَلى قَلْبِكَ حَتّى لا تَقْدِرَ عَلى حِفْظِ القُرْآنِ. وقِيلَ: لَخَتَمَ عَلى قَلْبِكَ بِالصِّدْقِ واليَقِينِ، وقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ.
وذَكَرَ القُشَيْرِيُّ أنَّ المَعْنى: يَخْتِمُ عَلى قُلُوبِ الكُفّارِ وعَلى ألْسِنَتِهِمْ ويُعاجِلُهم بِالعَذابِ. انْتَهى، فَيَكُونُ التِفاتًا مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ، ومِنَ الجَمْعِ إلى الإفْرادِ، أيْ: يَخْتِمُ عَلى قَلْبِكَ أيُّها القائِلُ أنَّهُ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا.
﴿ويَمْحُو اللَّهُ الباطِلَ﴾: اسْتِئْنافُ إخْبارٍ، أيْ: يَمْحُوهُ إمّا في الدُّنْيا وإمّا في الآخِرَةِ حَيْثُ نازِلُهُ. وكُتِبَ (ويَمْحُ) بِغَيْرِ واوٍ، كَما كَتَبُوا (سَنَدْعُ) بِغَيْرِ واوٍ، اعْتِبارًا بِعَدَمِ ظُهُورِها؛ لِأنَّهُ لا يُوقَفُ عَلَيْها وقْفَ اخْتِيارٍ.
ولَمّا سَقَطَتْ مِنَ اللَّفْظِ سَقَطَتْ مِنَ الخَطِّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ عِدَةً لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِأنَّهُ يَمْحُو الباطِلَ الَّذِي هم عَلَيْهِ مِنَ البُهْتِ والتَّكْذِيبِ، ويُثْبِتُ الحَقَّ الَّذِي أنْتَ عَلَيْهِ بِالقُرْآنِ وبِقَضائِهِ الَّذِي لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ نُصْرَتِكَ عَلَيْهِمْ. إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما في صَدْرِكَ وصُدُورِهِمْ، فَيُجْرِي الأمْرَ عَلى حَسَبِ ذَلِكَ. انْتَهى. قِيلَ: ويُحِقُّ الإسْلامَ بِكَلِماتِهِ، أيْ: بِما أنْزَلَ مِنَ القُرْآنِ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في شَرائِطِ التَّوْبَةِ، يُقالُ: قَبِلْتُ مِنهُ الشَّيْءَ بِمَعْنى: أخَذْتُهُ مِنهُ، لِقَوْلِهِ: ﴿وما مَنَعَهم أنْ تُقْبَلَ مِنهم نَفَقاتُهُمْ﴾ [التوبة: ٥٤] أيْ: تُؤْخَذَ، أيْ: جَعَلْتُهُ مَبْدَأ قَبُولِي ومَنشَأهُ، وقَبِلْتُهُ عَنْهُ: عَزَلْتُهُ عَنْهُ وأبَنْتُهُ، فَمَعْنى (عَنْ عِبادِهِ) أيْ: يُزِيلُ الرُّجُوعَ عَنِ المَعاصِي.
﴿ويَعْفُو عَنِ السَّيِّئاتِ﴾، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَنِ السَّيِّئاتِ إذا تِيبَ عَنْها، وعَنِ الصَّغائِرِ إذا اجْتُنِبَتِ الكَبائِرُ. انْتَهى، وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ.
إنَّ الكَبائِرَ لا يُعْفى عَنْها إلّا بِالتَّوْبَةِ، ﴿ويَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ﴾، فَيُثِيبُ ويُعاقِبُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (ما يَفْعَلُونَ) بِياءِ الغَيْبَةِ؛ وعَبْدُ اللَّهِ، وعَلْقَمَةُ، والأخَوانِ، وحَفْصٌ: بِتاءِ الخِطابِ. والظّاهِرُ أنَّ (الَّذِينَ) فاعِلٌ، (ويَسْتَجِيبُ) أيْ: ويُجِيبُ، (الَّذِينَ آمَنُوا) لِرَبِّهِمْ، كَما قالَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ إذا دَعاكم لِما يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤]، فَيَكُونُ (يَسْتَجِيبُ) بِمَعْنى يُجِيبُ، أوْ يَبْقى عَلى بابِهِ مِنَ الطَّلَبِ، أيْ يَسْتَدْعِي الَّذِينَ آمَنُوا الإجابَةَ مِن رَبِّهِمْ بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هَذا في فِعْلِهِمْ إذا دَعاهم. وعَنْ إبْراهِيمَ بْنِ أدْهَمَ أنَّهُ قِيلَ: ما بالُنا نَدْعُو فَلا نُجابُ ؟ قالَ: لِأنَّهُ دَعاكم فَلَمْ تُجِيبُوهُ، ثُمَّ قَرَأ: ﴿واللَّهُ يَدْعُو إلى دارِ السَّلامِ﴾ [يونس: ٢٥] .
﴿ويَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، قالَ الزَّجّاجُ: (الَّذِينَ) مَفْعُولٌ، واسْتَجابَ وأجابَ بِمَعْنًى واحِدٍ، فالمَعْنى: ويُجِيبُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا، (p-٥١٨)أيْ: لِلَّذِينِ، كَما قالَ:
فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذاكَ مُجِيبٌ أيْ: لَمْ يَجُبْهُ. ورُوِيَ هَذا المَعْنى عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ وابْنِ عَبّاسٍ.
﴿ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ﴾ أيْ: عَلى الثَّوابِ تَفَضُّلًا. وفي الحَدِيثِ: قَبُولُ الشَّفاعاتِ في المُؤْمِنِينَ والرِّضْوانِ. وقالَ خَبّابُ بْنُ الأرَتِّ: نَظَرْنا إلى أمْوالِ بَنِي قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ وبَنِي قَيْنُقاعَ فَتَمَنَّيْناها، فَنَزَلَتْ: ﴿ولَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا في الأرْضِ﴾ . وقالَ عَمْرُو بْنُ حُرَيْثٍ: طَلَبَ قَوْمٌ مِن أهْلِ الصُّفَّةِ مِنَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ ويَبْسُطَ لَهُمُ الأمْوالَ والأرْزاقَ، فَنَزَلَتْ. أعْلَمُ أنَّ الرِّزْقَ لَوْ جاءَ عَلى اقْتِراحِ البَشَرِ، لَكانَ سَبَبَ بَغْيِهِمْ وإفْسادِهِمْ، ولَكِنَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِالمَصْلَحَةِ. فَرُبَّ إنْسانٍ لا يَصْلُحُ ولا يَكْتَفِي شَرُّهُ إلّا بِالفَقْرِ، وآخَرُ بِالغِنى. وفي هَذا المَعْنى والتَّقْسِيمِ حَدِيثٌ رَواهُ أنَسٌ وقالَ: اللَّهُمَّ إنِّي مِن عِبادِكَ الَّذِينَ لا يُصْلِحُهم إلّا الغِنى، فَلا تُفْقِرْنِي. و(لَبَغَوْا) إمّا مِنَ البَذَخِ والكِبْرِ، أيْ: لَتَكَبَّرُوا في الأرْضِ، فَفَعَلُوا ما يَتْبَعُ الكِبْرَ مَعَ الغِنى. ألا تَرى إلى حالِ قارُونَ ؟ وفي الحَدِيثِ: «أخْوَفُ ما يُخافُ عَلى أُمَّتِي زَهْرَةُ الدُّنْيا» وقالَ الشّاعِرُ:
؎وقَدْ جَعَلُوا الوَسْمِيَّ يَنْبُتُ بَيْنَنا وبَيْنَ بَنِي رُومانَ نَبْعًا وشَوْحَطا
يَعْنِي: أنَّهم أحَبُّوا، فَجَذَبُوا أنْفُسَهم بِالبَغْيِ والفِتَنِ.
﴿ولَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ﴾، يُقالُ: قَدْرَ بِالسُّكُونِ وبِالفَتْحِ، أيْ: يُقَدِّرُ لَهم ما هو أصْلَحُ لَهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (قَنَطُوا)، بِفَتْحِ النُّونِ؛ والأعْمَشُ، وابْنُ وثّابٍ: بِكَسْرِها، ﴿ويَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾: يُظْهِرُها مِنَ آثارِ الغَيْثِ مِنَ المَنافِعِ والخَصْبِ، والظّاهِرُ أنَّ رَحْمَتَهُ نَشْرُها أعَمُّ مِمّا في الغَيْثِ. وقالَ السُّدِّيُّ: (رَحْمَتَهُ) الغَيْثُ، وعَدَّدَ النِّعْمَةَ بِعَيْنِها بِلَفْظَيْنِ. وقِيلَ: الرَّحْمَةُ هُنا ظُهُورُ الشَّمْسِ؛ لِأنَّهُ إذا دامَ المَطَرُ سُئِمَ، فَتَجِيءُ الشَّمْسُ بَعْدَهُ عَظِيمَةَ المَوْقِعِ، ذَكَرَهُ المَهْدَوِيُّ.
﴿وهُوَ الوَلِيُّ﴾: الَّذِي يَتَوَلّى عِبادَهُ، (الحَمِيدُ): المَحْمُودُ عَلى ما أسْدى مِن نَعْمائِهِ (وما بَثَّ) الظّاهِرُ أنَّهُ مَجْرُورٌ عَطْفًا عَلى السَّماواتِ والأرْضِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا عَطْفًا عَلى (خَلْقُ) عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: وخَلْقُ ما بَثَّ. وفِيهِما يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِمّا نُسِبَ فِيهِ (دابَّةٍ) إلى المَجْمُوعِ المَذْكُورِ، وإنْ كانَ مُلْتَبِسًا بِبَعْضِهِ. كَما يُقالُ: بَنُو فُلانٍ صَنَعُوا كَذا، وإنَّما صَنْعَهُ واحِدٌ مِنهم، ومِنهُ يَخْرُجُ مِنهُما، وإنَّما يَخْرُجُ مِنَ المِلْحِ، أوْ يَكُونُ مِنَ المَلائِكَةِ. بَعْضٌ يَمْشِي مَعَ الطَّيَرانِ، فَيُوصَفُ بِالدَّبِيبِ كَما يُوصَفُ بِهِ الأناسِيُّ، أوْ يَكُونُ قَدْ خَلَقَ في السَّماواتِ حَيَوانًا يَمْشِي مَعَ مَشْيِ الأناسِيِّ عَلى الأرْضِ، أوْ يُرِيدُ الحَيَوانَ الَّذِي يَكُونُ في السَّحابِ. وقَدْ يَقَعُ أحْيانًا، كالضَّفادِعِ، والسَّحابُ داخِلٌ في اسْمِ السَّماءِ.
وقالَ مُجاهِدٌ: ﴿وما بَثَّ فِيهِما مِن دابَّةٍ﴾: هُمُ النّاسُ والمَلائِكَةُ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ: هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: وما بَثَّ في أحَدِهِما. وقَرَأ الجُمْهُورُ (فِيهِما) بِالفاءِ، وكَذا هي في مُعْظَمِ المَصاحِفِ. واحْتَمَلَ (ما) أنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً، وهو الأظْهَرُ، وأنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً، والفاءُ تَدْخُلُ في خَبَرِ المَوْصُولِ إذا أُجْرِيَ مَجْرى الشَّرْطِ بِشَرائِطَ ذُكِرَتْ في النَّحْوِ، وهي مَوْجُودَةٌ. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ في رِوايَةٍ، وشَيْبَةُ (بِما) بِغَيْرِ فاءٍ، فَـ (ما) مَوْصُولَةٌ، ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً؛ وحُذِفَتِ الفاءُ لِأنَّ ذَلِكَ مِمّا يَخُصُّهُ سِيبَوَيْهِ بِالشِّعْرِ، وأجازَ ذَلِكَ الأخْفَشُ وبَعْضُ نُحاةِ بَغْدادَ وذَلِكَ عَلى إرادَةِ الفاءِ. وتَرَتُّبُ ما أصابَ مِنَ المَصائِبِ عَلى كَسْبِ الأيْدِي مَوْجُودٌ مَعَ الفاءِ ودُونِها هُنا، والمُصِيبَةُ: الرَّزايا والمَصائِبُ في الدُّنْيا، وهي مُجازاةٌ عَلى ذُنُوبِ المَرْءِ وتَمْحِيصٌ لِخَطاياهُ، وأنَّهُ تَعالى يَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ، ولا يُجازِي عَلَيْهِ بِمُصِيبَةٍ. وفي الحَدِيثِ: «لا يُصِيبُ ابْنُ آدَمَ خَدْشُ عَوْدٍ أوْ عَثْرَةُ قَدَمٍ ولا اخْتِلاجُ عِرْقٍ إلّا بِذَنْبٍ وما يَعْفُو عَنْهُ أكْثَرُ» . وسُئِلَ عِمْرانُ بْنُ حُصَيْنٍ عَنْ مَرَضِهِ فَقالَ؛ إنَّ أحَبَّهُ إلَيَّ أحَبُّهُ إلى اللَّهِ، وهَذا مِمّا كَسَبَتْ يَدايَ. ورُؤِيَ عَلى كَفِّ شُرَيْحٍ قُرْحَةٌ، فَقِيلَ: بِمَ هَذا ؟ فَقالَ: بِما كَسَبَتْ يَدايَ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الآيَةُ مَخْصُوصَةٌ بِالمُجْرِمِينَ، ولا يَمْتَنِعُ أنْ يَسْتَوْفِيَ اللَّهُ عِقابَ المُجْرِمِ ويَعْفُوَ عَنْ بَعْضٍ. فَأمّا مَن (p-٥١٩)لا جُرْمَ لَهُ، كالأنْبِياءِ والأطْفالِ والمَجانِينِ، فَهو كَما إذا أصابَهم شَيْءٌ مِن ألَمٍ أوْ غَيْرِهِ، فَلِلْعِوَضِ المُوفِي والمُصْلِحَةِ، وعَنْ عَلِيٍّ هَذِهِ أرْجى آيَةٍ لِلْمُؤْمِنِينَ. وقالَ الحَسَنُ: ﴿مِن مُصِيبَةٍ﴾ أيْ: حَدٍّ مِن حُدُودِ اللَّهِ، وتِلْكَ مَصائِبُ تَنْزِلُ بِشَخْصِ الإنْسانِ ونَفْسِهِ، فَإنَّما هي بِكَسْبِ أيْدِيكم.
(ويَعْفُو) اللَّهُ (عَنْ كَثِيرٍ)، فَيَسْتُرُهُ عَلى العِبادِ حَتّى لا يُحَدَّ عَلَيْهِ.
(وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ) أيْ: أنْتُمْ في قَبْضَةِ القُدْرَةِ. وقِيلَ: لَيْسَتِ المَصائِبُ مِنَ الأسْقامِ والقَحْطِ والغَرَقِ وغَيْرِ ذَلِكَ بِعُقُوباتٍ عَلى الذُّنُوبِ لِقَوْلِهِ: ﴿اليَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ [غافر: ١٧]، ولِاشْتِراكِ الصّالِحِ والطّالِحِ فِيهِما، بَلْ أكْثَرُ ما يُبْتَلى بِهِ الصّالِحُونَ المُتَّقُونَ. وفي الحَدِيثِ: «خُصَّ بِالبَلاءِ الأنْبِياءُ ثُمَّ الأمْثَلُ فالأمْثَلُ» . ولِأنَّ الدُّنْيا دارُ التَّكْلِيفِ، فَلَوْ حَصَلَ الجَزاءُ فِيها لَكانَتْ دارَ الجَزاءِ، ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ. وهَذا القَوْلُ يُؤَخِّرُهُ نُصُوصُ القُرْآنِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكُلًّا أخَذْنا بِذَنْبِهِ فَمِنهم مَن أرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِبًا﴾ [العنكبوت: ٤٠] الآيَةَ.
الشورى 42:27
﴿أمْ لَهم شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهم مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ ولَوْلا كَلِمَةُ الفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهم وإنَّ الظّالِمِينَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿تَرى الظّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا كَسَبُوا وهو واقِعٌ بِهِمْ والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ في رَوْضاتِ الجَنّاتِ لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هو الفَضْلُ الكَبِيرُ﴾ ﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى ومَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْنًا إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا فَإنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ ويَمْحُ اللَّهُ الباطِلَ ويُحِقُّ الحَقَّ بِكَلِماتِهِ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ ﴿وهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ ويَعْفُو عَنِ السَّيِّئاتِ ويَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ﴾ ﴿ويَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ والكافِرُونَ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ ﴿ولَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا في الأرْضِ ولَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ إنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ ﴿وهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الغَيْثَ مِن بَعْدِ ما قَنَطُوا ويَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وهو الوَلِيُّ الحَمِيدُ﴾ ﴿ومِن آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَثَّ فِيهِما مِن دابَّةٍ وهو عَلى جَمْعِهِمْ إذا يَشاءُ قَدِيرٌ﴾ ﴿وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكم ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ في الأرْضِ وما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ .
(p-٥٠٧)﴿أمْ لَهم شُرَكاءُ﴾: اسْتِفْهامُ تَقْرِيرٍ وتَوْبِيخٍ. لَمّا ذَكَرَ تَعالى أنَّهُ شَرَعَ لِلنّاسِ ﴿ما وصّى بِهِ نُوحًا﴾ [الشورى: ١٣] الآيَةَ، أخَذَ يُنْكِرُ ما شَرَعَ غَيْرُهُ تَعالى.
والشُّرَكاءُ هُنا يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ شُرَكاؤُهم في الكُفْرِ، كالشَّياطِينِ والمُغْوِينَ مِنَ النّاسِ. والضَّمِيرُ في (شَرَعُوا) عائِدٌ عَلى الشُّرَكاءِ، والضَّمِيرُ في (لَهم) عائِدٌ عَلى الكُفّارِ المُعاصِرِينَ لِلرَّسُولِ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ الأصْنامُ والأوْثانُ وكُلُّ مَن جَعَلُوهُ شَرِيكًا لِلَّهِ.
وأُضِيفَ الشُّرَكاءُ إلَيْهِمْ؛ لِأنَّهم مُتَّخِذُوها شُرَكاءَ لِلَّهِ، فَتارَةً إلَيْهِمْ بِهَذِهِ المُلابَسَةِ، وتارَةً إلى اللَّهِ.
والضَّمِيرُ في (شَرَعُوا) يَحْتَمِلُ أنْ يَعُودَ عَلى الشُّرَكاءِ، و(لَهم) عائِدٌ عَلى الكُفّارِ، لَمّا كانَتْ سَبَبًا لِضَلالِهِمْ وافْتِتانِهِمْ جُعِلَتْ شارِعَةً لِدِينِ الكُفْرِ، كَما قالَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿رَبِّ إنَّهُنَّ أضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ﴾ [إبراهيم: ٣٦] .
واحْتَمَلَ أنْ يَعُودَ عَلى الكُفّارِ، و(لَهم) عائِدٌ عَلى الشُّرَكاءِ، أيْ: شَرَعَ الكُفّارُ لِأصْنامِهِمْ ومَعْبُوداتِهِمْ، أيْ: رَسَمُوا لَهم غَوايَةً وأحْكامًا في المُعْتَقَداتِ، كَقَوْلِهِمْ: إنَّهم آلِهَةٌ، وإنَّ عِبادَتَهم تُقَرِّبُهم إلى اللَّهِ؛ ومِنَ الأحْكامِ: البَحِيرَةُ والوَصِيلَةُ والحامِي وغَيْرُ ذَلِكَ.
﴿ولَوْلا كَلِمَةُ الفَصْلِ﴾ أيِ: العِدَةُ بِأنَّ الفَصْلَ في الآخِرَةِ، أوْ لَوْلا القَضاءُ بِذَلِكَ لَقُضِيَ بَيْنَ المُؤْمِنِ والكافِرِ، أوْ بَيْنَ المُشْرِكِينَ وشُرَكائِهِمْ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: (إنَّ الظّالِمِينَ)، بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى الِاسْتِئْنافِ والإخْبارِ بِما يَنالُهم في الدُّنْيا مِنَ القَتْلِ والأسْرِ والنَّهْبِ، وفي الآخِرَةِ النّارُ. وقَرَأ الأعْرَجُ، ومُسْلِمُ بْنُ جُنْدُبٍ (وأنَّ) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ عَطْفًا عَلى كَلِمَةِ الفَصْلِ، فَهو في مَوْضِعِ رَفْعٍ، أيْ: ولَوْلا كَلِمَةُ الفَصْلِ وكَوْنُ الظّالِمِينَ لَهم عَذابٌ في الآخِرَةِ، لَقُضِيَ بَيْنَهم في الدُّنْيا وفُصِلَ بَيْنَ المُتَعاطِفَيْنِ بِجَوابِ لَوْلا، كَما فُصِلَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ لَكانَ لِزامًا وأجَلٌ مُسَمًّى﴾ [طه: ١٢٩] .
﴿تَرى الظّالِمِينَ﴾ أيْ: تُبْصِرُ الكافِرِينَ لِمُقابَلَتِهِ بِالمُؤْمِنِينَ، (مُشْفِقِينَ): خائِفِينَ الخَوْفَ الشَّدِيدَ، (مِمّا كَسَبُوا) مِنَ السَّيِّئاتِ، (وهو) أيِ: العَذابُ، أوْ يَعُودُ عَلى ما كَسَبُوا عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: وبالٌ كَسَبُوا مِنَ السَّيِّئاتِ، أوْ جَزاؤُهُ حالٌّ بِهِمْ.
﴿وهُوَ واقِعٌ﴾: فَإشْفاقُهم هو في هَذِهِ الحالِ، فَلَيْسُوا كالمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ هم في الدُّنْيا مُشْفِقُونَ مِنَ السّاعَةِ. ولَمّا كانَتِ الرَّوْضاتُ أحْسَنَ ما في الجَنّاتِ وأنْزَهَها وفي أعْلاها، ذَكَرَ أنَّ المُؤْمِنِينَ فِيها.
واللُّغَةُ الكَثِيرَةُ تَسْكِينُ الواوِ في رَوْضاتٍ، ولُغَةُ هُذَيْلِ بْنِ مُدْرِكَةَ فَتْحُ الواوِ إجْراءً لِلْمُعْتَلِّ مَجْرى الصَّحِيحِ نَحْوُ جَفَناتٍ، ولَمْ يَقْرَأْ أحَدٌ مِمَّنْ عَلِمْناهُ بِلُغَتِهِمْ.
و(عِنْدَ) ظَرْفٌ، قالَ الحَوْفِيُّ: مَعْمُولٌ لِـ (يَشاءُونَ) . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَنصُوبٌ بِالظَّرْفِ لا يَشاءُونَ. انْتَهى، وهو الصَّوابُ.
ويَعْنِي بِالظَّرْفِ: الجارُّ والمَجْرُورُ، وهو لَهم في الحَقِيقَةِ غَيْرُ مَعْمُولٍ لِلْعامِلِ في لَهم، والمَعْنى: ما يَشاءُونَ مِنَ النَّعِيمِ والثَّوابِ مُسْتَقِرٌّ لَهم.
(عِنْدَ رَبِّهِمْ): والعِنْدِيَّةُ عِنْدِيَّةُ المَكانَةِ والتَّشْرِيفِ لا عِنْدِيَّةُ المَكانَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يُبَشِّرُ) بِتَشْدِيدِ الشِّينِ، مِن بَشَّرَ؛ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَعْمُرَ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، والجَحْدَرِيُّ، والأعْمَشُ، وطَلْحَةُ في رِوايَةٍ، والكِسائِيُّ، وحَمْزَةُ: (يُبَشِّرُ) ثُلاثِيًّا؛ ومُجاهِدٌ، وحَمِيدُ بْنُ قَيْسٍ: بِضَمِّ الياءِ وتَخْفِيفِ الشِّينِ مِن أبْشَرَ، وهو مُعَدًّى بِالهَمْزَةِ مِن بَشِرَ اللّازِمِ المَكْسُورِ الشِّينِ.
وأمّا بَشَرَ بِفَتْحِها فَتَعَدَّ، وبَشَّرَ بِالتَّشْدِيدِ لِلتَّكْثِيرِ لا لِلتَّعْدِيَةِ؛ لِأنَّ المُتَعَدِّي إلى واحِدٍ، وهو مُخَفَّفٌ لا يُعَدّى بِالتَّضْعِيفِ إلَيْهِ؛ فالتَّضْعِيفُ فِيهِ لِلتَّكْثِيرِ لا لِلتَّعْدِيَةِ.
(ذَلِكَ): إشارَةٌ إلى ما أعَدَّ لَهم مِنَ الكَرامَةِ، وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ المَوْصُولِ، والعائِدُ عَلَيْهِ مَحْذُوفٌ، أيْ: يُبَشِّرُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ ذَلِكَ التَّبْشِيرُ الَّذِي يُبَشِّرُهُ اللَّهُ عِبادَهُ. انْتَهى.
ولا يَظْهَرُ هَذا الوَجْهُ، إذْ (p-٥١٦)لَمْ يَتَقَدَّمْ في هَذِهِ السُّورَةِ لَفْظُ البُشْرى، ولا ما يَدُلُّ عَلَيْها مِن تَبْشِيرٍ أوْ شَبَهِهِ.
ومِنَ النَّحْوِيِّينَ مَن جَعْلَ (الَّذِي) مَصْدَرِيَّةً، حَكاهُ ابْنُ مالِكٍ عَنْ يُونُسَ، وتُأوَّلُ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ، أيْ: ذَلِكَ تَبْشِيرُ اللَّهِ عِبادَهُ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّهُ إثْباتٌ لِلِاشْتِراكِ بَيْنَ مُخْتَلِفِي الحَدِّ بِغَيْرِ دَلِيلٍ.
وقَدْ ثَبَتَتِ اسْمِيَّةُ (الَّذِي) فَلا يُعْدَلُ عَنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ لا تَقُومُ بِهِ دَلِيلٌ ولا شُبْهَةٌ.
﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ . رُوِيَ أنَّهُ اجْتَمَعَ المُشْرِكُونَ في مَجْمَعٍ لَهم، فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: أتَرَوْنَ مُحَمَّدًا يَسْألُ أجْرًا عَلى ما يَتَعاطاهُ ؟ فَنَزَلَتْ. ورُوِيَ أنَّ الأنْصارَ أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِمالٍ جَمَعُوهُ وقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، هَدانا اللَّهُ بِكَ، وأنْتَ ابْنُ أُخْتِنا، وتَعْرُوكَ حُقُوقٌ وما لَكَ سِعَةٌ، فاسْتَعِنْ بِهَذا عَلى ما يَنُوبُكَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ، فَرَدَّهُ.
وقِيلَ: الخِطابُ مُتَوَجِّهٌ إلى قُرَيْشٍ حِينَ جَمَعُوا لَهُ مالًا وأرادُوا أنْ يَرْشُوهُ عَلَيْهِمْ عَلى أنْ يُمْسِكَ عَنْ سَبِّ آلِهَتِهِمْ، فَلَمْ يَفْعَلْ، ونَزَلَتْ.
فالمَعْنى: لا أسْألُكم مالًا ولا رِياسَةً، ولَكِنْ أسْألُكم أنْ تَرْعَوْا حَقَّ قَرابَتِي وتُصَدِّقُونِي فِيما جِئْتُكم بِهِ، وتُمْسِكُوا عَنْ أذِيَّتِي وأذِيَّةِ مَن تَبِعَنِي، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ وأبُو مالِكٍ والشَّعْبِيُّ وغَيْرُهم.
قالَ الشَّعْبِيُّ: أكْثَرَ النّاسُ عَلَيْنا في هَذِهِ الآيَةِ، فَكَتَبْنا إلى ابْنِ عَبّاسٍ نَسْألُهُ عَنْها، فَكَتَبَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ أوْسَطَ النّاسِ في قُرَيْشٍ، لَيْسَ بَطْنٌ مِن بُطُونِهِمْ إلّا وقَدْ ولَدَهُ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى: قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا أنْ تَوَدُّونِي في قَرابَتِي مِنكم، فارْعَوْا ما بَيْنِي وبَيْنَكم وصَدِّقُونِي.
وقالَ عِكْرِمَةُ: وكانَتْ قُرَيْشٌ تَصِلُ أرْحامَها. وقالَ الحَسَنُ: المَعْنى إلّا أنْ تَتَوَدَّدُوا إلى اللَّهِ بِالتَّقَرُّبِ إلَيْهِ.
وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ القاسِمِ: إلّا أنْ يَتَوَدَّدَ بَعْضُكم إلى بَعْضٍ وتَصِلُوا قَراباتِكم.
رُوِيَ أنَّ شَبابًا مِنَ الأنْصارِ فاخَرُوا المُهاجِرِينَ وصالُوا بِالقَوْلِ، فَنَزَلَتْ عَلى مَعْنى: أنْ لا تُؤْذُونِي في قَرابَتِي وتَحْفَظُونِي فِيهِمْ. وقالَ بِهَذا المَعْنى عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، واسْتَشْهَدَ بِالآيَةِ حِينَ سِيقَ إلى الشّامِ أسِيرًا، وهو قَوْلُ ابْنُ جُبَيْرٍ والسُّدِّيُّ وعَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، وعَلى هَذا التَّأْوِيلِ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قِيلَ يا رَسُولَ اللَّهِ: مَن قَرابَتُكَ الَّذِينَ أُمِرْنا بِمَوَدَّتِهِمْ ؟ فَقالَ: عَلِيٌّ وفاطِمَةُ وابْناهُما.
وقِيلَ: هم ولَدُ عَبْدِ المَطَّلِبِ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إلّا المَوَدَّةَ﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ؛ لِأنَّ المَوَدَّةَ لَيْسَتْ أجْرًا.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مُتَّصِلًا، أيْ: لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا هَذا: أنْ تَوَدُّوا أهْلَ قَرابَتِي، ولَمْ يَكُنْ هَذا أجْرًا في الحَقِيقَةِ؛ لِأنَّ قَرابَتَهُ قَرابَتُهم، فَكانَتْ صِلَتُهم لازِمَةً لَهم في المُرُوءَةِ.
وقالَ: فَإنْ قُلْتَ: هَلّا قِيلَ إلّا مَوَدَّةَ القُرْبى، أوْ إلّا المَوَدَّةَ لِلْقُرْبى ؟ قُلْتُ: جَعَلُوا مَكانًا لِلْمَوَدَّةِ ومَقَرًّا لَها، كَقَوْلِكَ: لِي في آلِ فُلانٍ مَوَدَّةٌ، ولِي فِيهِمْ هَوًى وحُبٌّ شَدِيدٌ، تُرِيدُ: أُحِبُّهم وهم مَكانُ حُبِّي ومَحِلُّهُ. ولَيْسَتْ في صِلَةٍ لِلْمَوَدَّةِ كاللّامِ، إذا قُلْتَ إلّا المَوَدَّةَ لِلْقُرْبى، إنَّما هي مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ تَعَلَّقَ الظَّرْفِ بِهِ في قَوْلِكَ: المالُ في الكِيسِ، وتَقْدِيرُهُ: إلّا المَوَدَّةَ ثابِتَةً في القُرْبى ومُتَمَكِّنَةً فِيها. انْتَهى، وهو حَسَنٌ وفِيهِ تَكْثِيرٌ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ (إلّا مَوَدَّةً) والجُمْهُورُ ﴿إلّا المَوَدَّةَ﴾ .
﴿ومَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً﴾ أيْ: يَكْتَسِبْ، والظّاهِرُ عُمُومُ الحَسَنَةِ عُمُومَ البَدَلِ، فَيَنْدَرِجُ فِيها المَوَدَّةُ في القُرْبى وغَيْرُها. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والسُّدِّيِّ، أنَّها المَوَدَّةُ في آلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
وقَرَأ الجُمْهُورُ: (نَزِدْ) بِالنُّونِ؛ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وعَبْدُ الوارِثِ عَنْ أبِي عَمْرٍو، وأحْمَدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ الكِسائِيِّ: (يَزِدْ) بِالياءِ، أيْ: يَزِدِ اللَّهُ.
والجُمْهُورُ: (حُسْنًا) بِالتَّنْوِينِ؛ وعَبْدُ الوارِثِ عَنْ أبِي عَمْرٍو: (حُسْنى) بِغَيْرِ تَنْوِينٍ، عَلى وزْنِ رُجْعى، وزِيادَةُ حُسْنِها: مُضاعَفَةُ أجْرِها.
(أنَّ اللَّهَ غَفُورٌ): ساتِرُ عُيُوبِ عِبادِهِ، (شَكُورٌ): مُجازٍ عَلى الدَّقِيقَةِ، لا يَضِيعُ عِنْدَهُ عَمَلُ العامِلِ.
وقالَ السُّدِّيُّ: غَفُورٌ لِذُنُوبِ آلِ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، شَكُورٌ لِحَسَناتِهِمْ.
﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾: أضْرَبَ عَنِ الكَلامِ المُتَقَدِّمِ مِن غَيْرِ إبْطالٍ، واسْتَفْهَمَ اسْتِفْهامَ إنْكارٍ وتَوْبِيخٍ عَلى هَذِهِ المَقالَةِ، أيْ: مِثْلُهُ لا يُنْسَبُ إلَيْهِ الكَذِبُ (p-٥١٧)عَلى اللَّهِ، مَعَ اعْتِرافِكم لَهُ قَبْلُ بِالصِّدْقِ والأمانَةِ.
﴿فَإنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ﴾، قالَ مُجاهِدٌ: يَرْبِطُ عَلى قَلْبِكَ بِالصَّبْرِ عَلى أذاهم، حَتّى لا يَشُقَّ عَلَيْكَ قَوْلُهم: إنَّكَ مُفْتَرٍ. وقالَ قَتادَةُ وجَماعَةٌ: ﴿يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ﴾: يُنْسِيكَ القُرْآنَ، والمُرادُ الرَّدُّ عَلى مَقالَةِ الكُفّارِ وبَيانُ إبْطالِها، وذَلِكَ كَأنَّهُ يَقُولُ: وكَيْفَ يَصِحُّ أنْ تَكُونَ مُفْتَرِياتٍ وأنْتَ مِنَ اللَّهِ بِمَرْأًى ومَسْمَعٍ وهو قادِرٌ، ولَوْ شاءَ أنْ يَخْتِمَ عَلى قَلْبِكَ فَلا تَعْقِلُ ولا تَنْطِقُ ولا يَسْتَمِرُّ افْتِراؤُكَ، فَقَصَدَ اللَّفْظُ هَذا المَعْنى، وحُذِفَ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ الظّاهِرُ اخْتِصارًا واقْتِصارًا. انْتَهى.
هَكَذا أوْرَدَ هَذا التَّأْوِيلُ عَنْ قَتادَةَ ابْنُ عَطِيَّةَ، وفي ألْفاظِهِ فَظاظَةٌ لا تَلِيقُ أنْ تُنْسَبَ لِلْأنْبِياءِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَنْ قَتادَةَ: يُنْسِيكَ القُرْآنَ ويَنْقَطِعُ عَنْكَ الوَحْيُ، يَعْنِي لَوِ افْتَرى عَلى اللَّهِ الكَذِبَ لَفُعِلَ بِهِ ذَلِكَ. انْتَهى.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ أيْضًا: فَإنْ يَشَأِ اللَّهُ يَجْعَلْكَ مِنَ المَخْتُومِ عَلى قُلُوبِهِمْ حَتّى تَفْتَرِيَ عَلَيْهِ الكَذِبَ، فَإنَّهُ لا يَجْتَرِئُ عَلى افْتِراءِ الكَذِبِ عَلى اللَّهِ إلّا مَن كانَ في مِثْلِ حالِهِمْ، وهَذا الأُسْلُوبُ مُؤَدّاهُ اسْتِبْعادُ الِافْتِراءِ مِن مِثْلِهِ، وأنَّهُ في البُعْدِ مِثْلُ الشِّرْكِ بِاللَّهِ والدُّخُولِ في جُمْلَةِ المَخْتُومِ عَلى قُلُوبِهِمْ.
ومِثالُ هَذا أنْ يَخُونَ بَعْضُ الأُمَناءِ فَيَقُولُ: لَعَلَّ اللَّهَ خَذَلَنِي، لَعَلَّ اللَّهَ أعْمى قَلْبِي، وهو لا يُرِيدُ إثْباتَ الخِذْلانِ وعَمى القَلْبِ، وإنَّما يُرِيدُ اسْتِبْعادَ أنْ يَخُونَ مِثْلُهُ، والتَّنْبِيهُ عَلى أنَّهُ رَكِبَ مِن تَخْوِينِهِ أمْرٌ عَظِيمٌ. ثُمَّ قالَ: ومِن عادَةِ اللَّهِ أنْ يَمْحُوَ الباطِلَ ويُثْبِتَ الحَقَّ بِوَحْيِهِ أوْ بِقَضائِهِ لِقَوْلِهِ: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالحَقِّ عَلى الباطِلِ فَيَدْمَغُهُ﴾ [الأنبياء: ١٨]، يَعْنِي: لَوْ كانَ مُفْتَرِيًا، كَما يَزْعُمُونَ، لَكَشَفَ اللَّهُ افْتِراءَهُ ومَحَقَهُ، وقَذَفَ بِالحَقِّ عَلى الباطِلِ فَدَمَغَهُ. انْتَهى.
وقِيلَ: المَعْنى لَوِ افْتَرَيْتَ عَلى اللَّهِ، لَطَبَعَ عَلى قَلْبِكَ حَتّى لا تَقْدِرَ عَلى حِفْظِ القُرْآنِ. وقِيلَ: لَخَتَمَ عَلى قَلْبِكَ بِالصِّدْقِ واليَقِينِ، وقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ.
وذَكَرَ القُشَيْرِيُّ أنَّ المَعْنى: يَخْتِمُ عَلى قُلُوبِ الكُفّارِ وعَلى ألْسِنَتِهِمْ ويُعاجِلُهم بِالعَذابِ. انْتَهى، فَيَكُونُ التِفاتًا مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ، ومِنَ الجَمْعِ إلى الإفْرادِ، أيْ: يَخْتِمُ عَلى قَلْبِكَ أيُّها القائِلُ أنَّهُ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا.
﴿ويَمْحُو اللَّهُ الباطِلَ﴾: اسْتِئْنافُ إخْبارٍ، أيْ: يَمْحُوهُ إمّا في الدُّنْيا وإمّا في الآخِرَةِ حَيْثُ نازِلُهُ. وكُتِبَ (ويَمْحُ) بِغَيْرِ واوٍ، كَما كَتَبُوا (سَنَدْعُ) بِغَيْرِ واوٍ، اعْتِبارًا بِعَدَمِ ظُهُورِها؛ لِأنَّهُ لا يُوقَفُ عَلَيْها وقْفَ اخْتِيارٍ.
ولَمّا سَقَطَتْ مِنَ اللَّفْظِ سَقَطَتْ مِنَ الخَطِّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ عِدَةً لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِأنَّهُ يَمْحُو الباطِلَ الَّذِي هم عَلَيْهِ مِنَ البُهْتِ والتَّكْذِيبِ، ويُثْبِتُ الحَقَّ الَّذِي أنْتَ عَلَيْهِ بِالقُرْآنِ وبِقَضائِهِ الَّذِي لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ نُصْرَتِكَ عَلَيْهِمْ. إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما في صَدْرِكَ وصُدُورِهِمْ، فَيُجْرِي الأمْرَ عَلى حَسَبِ ذَلِكَ. انْتَهى. قِيلَ: ويُحِقُّ الإسْلامَ بِكَلِماتِهِ، أيْ: بِما أنْزَلَ مِنَ القُرْآنِ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في شَرائِطِ التَّوْبَةِ، يُقالُ: قَبِلْتُ مِنهُ الشَّيْءَ بِمَعْنى: أخَذْتُهُ مِنهُ، لِقَوْلِهِ: ﴿وما مَنَعَهم أنْ تُقْبَلَ مِنهم نَفَقاتُهُمْ﴾ [التوبة: ٥٤] أيْ: تُؤْخَذَ، أيْ: جَعَلْتُهُ مَبْدَأ قَبُولِي ومَنشَأهُ، وقَبِلْتُهُ عَنْهُ: عَزَلْتُهُ عَنْهُ وأبَنْتُهُ، فَمَعْنى (عَنْ عِبادِهِ) أيْ: يُزِيلُ الرُّجُوعَ عَنِ المَعاصِي.
﴿ويَعْفُو عَنِ السَّيِّئاتِ﴾، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَنِ السَّيِّئاتِ إذا تِيبَ عَنْها، وعَنِ الصَّغائِرِ إذا اجْتُنِبَتِ الكَبائِرُ. انْتَهى، وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ.
إنَّ الكَبائِرَ لا يُعْفى عَنْها إلّا بِالتَّوْبَةِ، ﴿ويَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ﴾، فَيُثِيبُ ويُعاقِبُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (ما يَفْعَلُونَ) بِياءِ الغَيْبَةِ؛ وعَبْدُ اللَّهِ، وعَلْقَمَةُ، والأخَوانِ، وحَفْصٌ: بِتاءِ الخِطابِ. والظّاهِرُ أنَّ (الَّذِينَ) فاعِلٌ، (ويَسْتَجِيبُ) أيْ: ويُجِيبُ، (الَّذِينَ آمَنُوا) لِرَبِّهِمْ، كَما قالَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ إذا دَعاكم لِما يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤]، فَيَكُونُ (يَسْتَجِيبُ) بِمَعْنى يُجِيبُ، أوْ يَبْقى عَلى بابِهِ مِنَ الطَّلَبِ، أيْ يَسْتَدْعِي الَّذِينَ آمَنُوا الإجابَةَ مِن رَبِّهِمْ بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هَذا في فِعْلِهِمْ إذا دَعاهم. وعَنْ إبْراهِيمَ بْنِ أدْهَمَ أنَّهُ قِيلَ: ما بالُنا نَدْعُو فَلا نُجابُ ؟ قالَ: لِأنَّهُ دَعاكم فَلَمْ تُجِيبُوهُ، ثُمَّ قَرَأ: ﴿واللَّهُ يَدْعُو إلى دارِ السَّلامِ﴾ [يونس: ٢٥] .
﴿ويَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، قالَ الزَّجّاجُ: (الَّذِينَ) مَفْعُولٌ، واسْتَجابَ وأجابَ بِمَعْنًى واحِدٍ، فالمَعْنى: ويُجِيبُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا، (p-٥١٨)أيْ: لِلَّذِينِ، كَما قالَ:
فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذاكَ مُجِيبٌ أيْ: لَمْ يَجُبْهُ. ورُوِيَ هَذا المَعْنى عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ وابْنِ عَبّاسٍ.
﴿ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ﴾ أيْ: عَلى الثَّوابِ تَفَضُّلًا. وفي الحَدِيثِ: قَبُولُ الشَّفاعاتِ في المُؤْمِنِينَ والرِّضْوانِ. وقالَ خَبّابُ بْنُ الأرَتِّ: نَظَرْنا إلى أمْوالِ بَنِي قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ وبَنِي قَيْنُقاعَ فَتَمَنَّيْناها، فَنَزَلَتْ: ﴿ولَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا في الأرْضِ﴾ . وقالَ عَمْرُو بْنُ حُرَيْثٍ: طَلَبَ قَوْمٌ مِن أهْلِ الصُّفَّةِ مِنَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ ويَبْسُطَ لَهُمُ الأمْوالَ والأرْزاقَ، فَنَزَلَتْ. أعْلَمُ أنَّ الرِّزْقَ لَوْ جاءَ عَلى اقْتِراحِ البَشَرِ، لَكانَ سَبَبَ بَغْيِهِمْ وإفْسادِهِمْ، ولَكِنَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِالمَصْلَحَةِ. فَرُبَّ إنْسانٍ لا يَصْلُحُ ولا يَكْتَفِي شَرُّهُ إلّا بِالفَقْرِ، وآخَرُ بِالغِنى. وفي هَذا المَعْنى والتَّقْسِيمِ حَدِيثٌ رَواهُ أنَسٌ وقالَ: اللَّهُمَّ إنِّي مِن عِبادِكَ الَّذِينَ لا يُصْلِحُهم إلّا الغِنى، فَلا تُفْقِرْنِي. و(لَبَغَوْا) إمّا مِنَ البَذَخِ والكِبْرِ، أيْ: لَتَكَبَّرُوا في الأرْضِ، فَفَعَلُوا ما يَتْبَعُ الكِبْرَ مَعَ الغِنى. ألا تَرى إلى حالِ قارُونَ ؟ وفي الحَدِيثِ: «أخْوَفُ ما يُخافُ عَلى أُمَّتِي زَهْرَةُ الدُّنْيا» وقالَ الشّاعِرُ:
؎وقَدْ جَعَلُوا الوَسْمِيَّ يَنْبُتُ بَيْنَنا وبَيْنَ بَنِي رُومانَ نَبْعًا وشَوْحَطا
يَعْنِي: أنَّهم أحَبُّوا، فَجَذَبُوا أنْفُسَهم بِالبَغْيِ والفِتَنِ.
﴿ولَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ﴾، يُقالُ: قَدْرَ بِالسُّكُونِ وبِالفَتْحِ، أيْ: يُقَدِّرُ لَهم ما هو أصْلَحُ لَهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (قَنَطُوا)، بِفَتْحِ النُّونِ؛ والأعْمَشُ، وابْنُ وثّابٍ: بِكَسْرِها، ﴿ويَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾: يُظْهِرُها مِنَ آثارِ الغَيْثِ مِنَ المَنافِعِ والخَصْبِ، والظّاهِرُ أنَّ رَحْمَتَهُ نَشْرُها أعَمُّ مِمّا في الغَيْثِ. وقالَ السُّدِّيُّ: (رَحْمَتَهُ) الغَيْثُ، وعَدَّدَ النِّعْمَةَ بِعَيْنِها بِلَفْظَيْنِ. وقِيلَ: الرَّحْمَةُ هُنا ظُهُورُ الشَّمْسِ؛ لِأنَّهُ إذا دامَ المَطَرُ سُئِمَ، فَتَجِيءُ الشَّمْسُ بَعْدَهُ عَظِيمَةَ المَوْقِعِ، ذَكَرَهُ المَهْدَوِيُّ.
﴿وهُوَ الوَلِيُّ﴾: الَّذِي يَتَوَلّى عِبادَهُ، (الحَمِيدُ): المَحْمُودُ عَلى ما أسْدى مِن نَعْمائِهِ (وما بَثَّ) الظّاهِرُ أنَّهُ مَجْرُورٌ عَطْفًا عَلى السَّماواتِ والأرْضِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا عَطْفًا عَلى (خَلْقُ) عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: وخَلْقُ ما بَثَّ. وفِيهِما يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِمّا نُسِبَ فِيهِ (دابَّةٍ) إلى المَجْمُوعِ المَذْكُورِ، وإنْ كانَ مُلْتَبِسًا بِبَعْضِهِ. كَما يُقالُ: بَنُو فُلانٍ صَنَعُوا كَذا، وإنَّما صَنْعَهُ واحِدٌ مِنهم، ومِنهُ يَخْرُجُ مِنهُما، وإنَّما يَخْرُجُ مِنَ المِلْحِ، أوْ يَكُونُ مِنَ المَلائِكَةِ. بَعْضٌ يَمْشِي مَعَ الطَّيَرانِ، فَيُوصَفُ بِالدَّبِيبِ كَما يُوصَفُ بِهِ الأناسِيُّ، أوْ يَكُونُ قَدْ خَلَقَ في السَّماواتِ حَيَوانًا يَمْشِي مَعَ مَشْيِ الأناسِيِّ عَلى الأرْضِ، أوْ يُرِيدُ الحَيَوانَ الَّذِي يَكُونُ في السَّحابِ. وقَدْ يَقَعُ أحْيانًا، كالضَّفادِعِ، والسَّحابُ داخِلٌ في اسْمِ السَّماءِ.
وقالَ مُجاهِدٌ: ﴿وما بَثَّ فِيهِما مِن دابَّةٍ﴾: هُمُ النّاسُ والمَلائِكَةُ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ: هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: وما بَثَّ في أحَدِهِما. وقَرَأ الجُمْهُورُ (فِيهِما) بِالفاءِ، وكَذا هي في مُعْظَمِ المَصاحِفِ. واحْتَمَلَ (ما) أنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً، وهو الأظْهَرُ، وأنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً، والفاءُ تَدْخُلُ في خَبَرِ المَوْصُولِ إذا أُجْرِيَ مَجْرى الشَّرْطِ بِشَرائِطَ ذُكِرَتْ في النَّحْوِ، وهي مَوْجُودَةٌ. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ في رِوايَةٍ، وشَيْبَةُ (بِما) بِغَيْرِ فاءٍ، فَـ (ما) مَوْصُولَةٌ، ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً؛ وحُذِفَتِ الفاءُ لِأنَّ ذَلِكَ مِمّا يَخُصُّهُ سِيبَوَيْهِ بِالشِّعْرِ، وأجازَ ذَلِكَ الأخْفَشُ وبَعْضُ نُحاةِ بَغْدادَ وذَلِكَ عَلى إرادَةِ الفاءِ. وتَرَتُّبُ ما أصابَ مِنَ المَصائِبِ عَلى كَسْبِ الأيْدِي مَوْجُودٌ مَعَ الفاءِ ودُونِها هُنا، والمُصِيبَةُ: الرَّزايا والمَصائِبُ في الدُّنْيا، وهي مُجازاةٌ عَلى ذُنُوبِ المَرْءِ وتَمْحِيصٌ لِخَطاياهُ، وأنَّهُ تَعالى يَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ، ولا يُجازِي عَلَيْهِ بِمُصِيبَةٍ. وفي الحَدِيثِ: «لا يُصِيبُ ابْنُ آدَمَ خَدْشُ عَوْدٍ أوْ عَثْرَةُ قَدَمٍ ولا اخْتِلاجُ عِرْقٍ إلّا بِذَنْبٍ وما يَعْفُو عَنْهُ أكْثَرُ» . وسُئِلَ عِمْرانُ بْنُ حُصَيْنٍ عَنْ مَرَضِهِ فَقالَ؛ إنَّ أحَبَّهُ إلَيَّ أحَبُّهُ إلى اللَّهِ، وهَذا مِمّا كَسَبَتْ يَدايَ. ورُؤِيَ عَلى كَفِّ شُرَيْحٍ قُرْحَةٌ، فَقِيلَ: بِمَ هَذا ؟ فَقالَ: بِما كَسَبَتْ يَدايَ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الآيَةُ مَخْصُوصَةٌ بِالمُجْرِمِينَ، ولا يَمْتَنِعُ أنْ يَسْتَوْفِيَ اللَّهُ عِقابَ المُجْرِمِ ويَعْفُوَ عَنْ بَعْضٍ. فَأمّا مَن (p-٥١٩)لا جُرْمَ لَهُ، كالأنْبِياءِ والأطْفالِ والمَجانِينِ، فَهو كَما إذا أصابَهم شَيْءٌ مِن ألَمٍ أوْ غَيْرِهِ، فَلِلْعِوَضِ المُوفِي والمُصْلِحَةِ، وعَنْ عَلِيٍّ هَذِهِ أرْجى آيَةٍ لِلْمُؤْمِنِينَ. وقالَ الحَسَنُ: ﴿مِن مُصِيبَةٍ﴾ أيْ: حَدٍّ مِن حُدُودِ اللَّهِ، وتِلْكَ مَصائِبُ تَنْزِلُ بِشَخْصِ الإنْسانِ ونَفْسِهِ، فَإنَّما هي بِكَسْبِ أيْدِيكم.
(ويَعْفُو) اللَّهُ (عَنْ كَثِيرٍ)، فَيَسْتُرُهُ عَلى العِبادِ حَتّى لا يُحَدَّ عَلَيْهِ.
(وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ) أيْ: أنْتُمْ في قَبْضَةِ القُدْرَةِ. وقِيلَ: لَيْسَتِ المَصائِبُ مِنَ الأسْقامِ والقَحْطِ والغَرَقِ وغَيْرِ ذَلِكَ بِعُقُوباتٍ عَلى الذُّنُوبِ لِقَوْلِهِ: ﴿اليَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ [غافر: ١٧]، ولِاشْتِراكِ الصّالِحِ والطّالِحِ فِيهِما، بَلْ أكْثَرُ ما يُبْتَلى بِهِ الصّالِحُونَ المُتَّقُونَ. وفي الحَدِيثِ: «خُصَّ بِالبَلاءِ الأنْبِياءُ ثُمَّ الأمْثَلُ فالأمْثَلُ» . ولِأنَّ الدُّنْيا دارُ التَّكْلِيفِ، فَلَوْ حَصَلَ الجَزاءُ فِيها لَكانَتْ دارَ الجَزاءِ، ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ. وهَذا القَوْلُ يُؤَخِّرُهُ نُصُوصُ القُرْآنِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكُلًّا أخَذْنا بِذَنْبِهِ فَمِنهم مَن أرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِبًا﴾ [العنكبوت: ٤٠] الآيَةَ.
الشورى 42:28
﴿أمْ لَهم شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهم مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ ولَوْلا كَلِمَةُ الفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهم وإنَّ الظّالِمِينَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿تَرى الظّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا كَسَبُوا وهو واقِعٌ بِهِمْ والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ في رَوْضاتِ الجَنّاتِ لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هو الفَضْلُ الكَبِيرُ﴾ ﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى ومَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْنًا إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا فَإنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ ويَمْحُ اللَّهُ الباطِلَ ويُحِقُّ الحَقَّ بِكَلِماتِهِ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ ﴿وهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ ويَعْفُو عَنِ السَّيِّئاتِ ويَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ﴾ ﴿ويَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ والكافِرُونَ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ ﴿ولَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا في الأرْضِ ولَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ إنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ ﴿وهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الغَيْثَ مِن بَعْدِ ما قَنَطُوا ويَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وهو الوَلِيُّ الحَمِيدُ﴾ ﴿ومِن آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَثَّ فِيهِما مِن دابَّةٍ وهو عَلى جَمْعِهِمْ إذا يَشاءُ قَدِيرٌ﴾ ﴿وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكم ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ في الأرْضِ وما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ .
(p-٥٠٧)﴿أمْ لَهم شُرَكاءُ﴾: اسْتِفْهامُ تَقْرِيرٍ وتَوْبِيخٍ. لَمّا ذَكَرَ تَعالى أنَّهُ شَرَعَ لِلنّاسِ ﴿ما وصّى بِهِ نُوحًا﴾ [الشورى: ١٣] الآيَةَ، أخَذَ يُنْكِرُ ما شَرَعَ غَيْرُهُ تَعالى.
والشُّرَكاءُ هُنا يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ شُرَكاؤُهم في الكُفْرِ، كالشَّياطِينِ والمُغْوِينَ مِنَ النّاسِ. والضَّمِيرُ في (شَرَعُوا) عائِدٌ عَلى الشُّرَكاءِ، والضَّمِيرُ في (لَهم) عائِدٌ عَلى الكُفّارِ المُعاصِرِينَ لِلرَّسُولِ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ الأصْنامُ والأوْثانُ وكُلُّ مَن جَعَلُوهُ شَرِيكًا لِلَّهِ.
وأُضِيفَ الشُّرَكاءُ إلَيْهِمْ؛ لِأنَّهم مُتَّخِذُوها شُرَكاءَ لِلَّهِ، فَتارَةً إلَيْهِمْ بِهَذِهِ المُلابَسَةِ، وتارَةً إلى اللَّهِ.
والضَّمِيرُ في (شَرَعُوا) يَحْتَمِلُ أنْ يَعُودَ عَلى الشُّرَكاءِ، و(لَهم) عائِدٌ عَلى الكُفّارِ، لَمّا كانَتْ سَبَبًا لِضَلالِهِمْ وافْتِتانِهِمْ جُعِلَتْ شارِعَةً لِدِينِ الكُفْرِ، كَما قالَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿رَبِّ إنَّهُنَّ أضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ﴾ [إبراهيم: ٣٦] .
واحْتَمَلَ أنْ يَعُودَ عَلى الكُفّارِ، و(لَهم) عائِدٌ عَلى الشُّرَكاءِ، أيْ: شَرَعَ الكُفّارُ لِأصْنامِهِمْ ومَعْبُوداتِهِمْ، أيْ: رَسَمُوا لَهم غَوايَةً وأحْكامًا في المُعْتَقَداتِ، كَقَوْلِهِمْ: إنَّهم آلِهَةٌ، وإنَّ عِبادَتَهم تُقَرِّبُهم إلى اللَّهِ؛ ومِنَ الأحْكامِ: البَحِيرَةُ والوَصِيلَةُ والحامِي وغَيْرُ ذَلِكَ.
﴿ولَوْلا كَلِمَةُ الفَصْلِ﴾ أيِ: العِدَةُ بِأنَّ الفَصْلَ في الآخِرَةِ، أوْ لَوْلا القَضاءُ بِذَلِكَ لَقُضِيَ بَيْنَ المُؤْمِنِ والكافِرِ، أوْ بَيْنَ المُشْرِكِينَ وشُرَكائِهِمْ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: (إنَّ الظّالِمِينَ)، بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى الِاسْتِئْنافِ والإخْبارِ بِما يَنالُهم في الدُّنْيا مِنَ القَتْلِ والأسْرِ والنَّهْبِ، وفي الآخِرَةِ النّارُ. وقَرَأ الأعْرَجُ، ومُسْلِمُ بْنُ جُنْدُبٍ (وأنَّ) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ عَطْفًا عَلى كَلِمَةِ الفَصْلِ، فَهو في مَوْضِعِ رَفْعٍ، أيْ: ولَوْلا كَلِمَةُ الفَصْلِ وكَوْنُ الظّالِمِينَ لَهم عَذابٌ في الآخِرَةِ، لَقُضِيَ بَيْنَهم في الدُّنْيا وفُصِلَ بَيْنَ المُتَعاطِفَيْنِ بِجَوابِ لَوْلا، كَما فُصِلَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ لَكانَ لِزامًا وأجَلٌ مُسَمًّى﴾ [طه: ١٢٩] .
﴿تَرى الظّالِمِينَ﴾ أيْ: تُبْصِرُ الكافِرِينَ لِمُقابَلَتِهِ بِالمُؤْمِنِينَ، (مُشْفِقِينَ): خائِفِينَ الخَوْفَ الشَّدِيدَ، (مِمّا كَسَبُوا) مِنَ السَّيِّئاتِ، (وهو) أيِ: العَذابُ، أوْ يَعُودُ عَلى ما كَسَبُوا عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: وبالٌ كَسَبُوا مِنَ السَّيِّئاتِ، أوْ جَزاؤُهُ حالٌّ بِهِمْ.
﴿وهُوَ واقِعٌ﴾: فَإشْفاقُهم هو في هَذِهِ الحالِ، فَلَيْسُوا كالمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ هم في الدُّنْيا مُشْفِقُونَ مِنَ السّاعَةِ. ولَمّا كانَتِ الرَّوْضاتُ أحْسَنَ ما في الجَنّاتِ وأنْزَهَها وفي أعْلاها، ذَكَرَ أنَّ المُؤْمِنِينَ فِيها.
واللُّغَةُ الكَثِيرَةُ تَسْكِينُ الواوِ في رَوْضاتٍ، ولُغَةُ هُذَيْلِ بْنِ مُدْرِكَةَ فَتْحُ الواوِ إجْراءً لِلْمُعْتَلِّ مَجْرى الصَّحِيحِ نَحْوُ جَفَناتٍ، ولَمْ يَقْرَأْ أحَدٌ مِمَّنْ عَلِمْناهُ بِلُغَتِهِمْ.
و(عِنْدَ) ظَرْفٌ، قالَ الحَوْفِيُّ: مَعْمُولٌ لِـ (يَشاءُونَ) . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَنصُوبٌ بِالظَّرْفِ لا يَشاءُونَ. انْتَهى، وهو الصَّوابُ.
ويَعْنِي بِالظَّرْفِ: الجارُّ والمَجْرُورُ، وهو لَهم في الحَقِيقَةِ غَيْرُ مَعْمُولٍ لِلْعامِلِ في لَهم، والمَعْنى: ما يَشاءُونَ مِنَ النَّعِيمِ والثَّوابِ مُسْتَقِرٌّ لَهم.
(عِنْدَ رَبِّهِمْ): والعِنْدِيَّةُ عِنْدِيَّةُ المَكانَةِ والتَّشْرِيفِ لا عِنْدِيَّةُ المَكانَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يُبَشِّرُ) بِتَشْدِيدِ الشِّينِ، مِن بَشَّرَ؛ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَعْمُرَ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، والجَحْدَرِيُّ، والأعْمَشُ، وطَلْحَةُ في رِوايَةٍ، والكِسائِيُّ، وحَمْزَةُ: (يُبَشِّرُ) ثُلاثِيًّا؛ ومُجاهِدٌ، وحَمِيدُ بْنُ قَيْسٍ: بِضَمِّ الياءِ وتَخْفِيفِ الشِّينِ مِن أبْشَرَ، وهو مُعَدًّى بِالهَمْزَةِ مِن بَشِرَ اللّازِمِ المَكْسُورِ الشِّينِ.
وأمّا بَشَرَ بِفَتْحِها فَتَعَدَّ، وبَشَّرَ بِالتَّشْدِيدِ لِلتَّكْثِيرِ لا لِلتَّعْدِيَةِ؛ لِأنَّ المُتَعَدِّي إلى واحِدٍ، وهو مُخَفَّفٌ لا يُعَدّى بِالتَّضْعِيفِ إلَيْهِ؛ فالتَّضْعِيفُ فِيهِ لِلتَّكْثِيرِ لا لِلتَّعْدِيَةِ.
(ذَلِكَ): إشارَةٌ إلى ما أعَدَّ لَهم مِنَ الكَرامَةِ، وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ المَوْصُولِ، والعائِدُ عَلَيْهِ مَحْذُوفٌ، أيْ: يُبَشِّرُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ ذَلِكَ التَّبْشِيرُ الَّذِي يُبَشِّرُهُ اللَّهُ عِبادَهُ. انْتَهى.
ولا يَظْهَرُ هَذا الوَجْهُ، إذْ (p-٥١٦)لَمْ يَتَقَدَّمْ في هَذِهِ السُّورَةِ لَفْظُ البُشْرى، ولا ما يَدُلُّ عَلَيْها مِن تَبْشِيرٍ أوْ شَبَهِهِ.
ومِنَ النَّحْوِيِّينَ مَن جَعْلَ (الَّذِي) مَصْدَرِيَّةً، حَكاهُ ابْنُ مالِكٍ عَنْ يُونُسَ، وتُأوَّلُ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ، أيْ: ذَلِكَ تَبْشِيرُ اللَّهِ عِبادَهُ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّهُ إثْباتٌ لِلِاشْتِراكِ بَيْنَ مُخْتَلِفِي الحَدِّ بِغَيْرِ دَلِيلٍ.
وقَدْ ثَبَتَتِ اسْمِيَّةُ (الَّذِي) فَلا يُعْدَلُ عَنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ لا تَقُومُ بِهِ دَلِيلٌ ولا شُبْهَةٌ.
﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ . رُوِيَ أنَّهُ اجْتَمَعَ المُشْرِكُونَ في مَجْمَعٍ لَهم، فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: أتَرَوْنَ مُحَمَّدًا يَسْألُ أجْرًا عَلى ما يَتَعاطاهُ ؟ فَنَزَلَتْ. ورُوِيَ أنَّ الأنْصارَ أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِمالٍ جَمَعُوهُ وقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، هَدانا اللَّهُ بِكَ، وأنْتَ ابْنُ أُخْتِنا، وتَعْرُوكَ حُقُوقٌ وما لَكَ سِعَةٌ، فاسْتَعِنْ بِهَذا عَلى ما يَنُوبُكَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ، فَرَدَّهُ.
وقِيلَ: الخِطابُ مُتَوَجِّهٌ إلى قُرَيْشٍ حِينَ جَمَعُوا لَهُ مالًا وأرادُوا أنْ يَرْشُوهُ عَلَيْهِمْ عَلى أنْ يُمْسِكَ عَنْ سَبِّ آلِهَتِهِمْ، فَلَمْ يَفْعَلْ، ونَزَلَتْ.
فالمَعْنى: لا أسْألُكم مالًا ولا رِياسَةً، ولَكِنْ أسْألُكم أنْ تَرْعَوْا حَقَّ قَرابَتِي وتُصَدِّقُونِي فِيما جِئْتُكم بِهِ، وتُمْسِكُوا عَنْ أذِيَّتِي وأذِيَّةِ مَن تَبِعَنِي، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ وأبُو مالِكٍ والشَّعْبِيُّ وغَيْرُهم.
قالَ الشَّعْبِيُّ: أكْثَرَ النّاسُ عَلَيْنا في هَذِهِ الآيَةِ، فَكَتَبْنا إلى ابْنِ عَبّاسٍ نَسْألُهُ عَنْها، فَكَتَبَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ أوْسَطَ النّاسِ في قُرَيْشٍ، لَيْسَ بَطْنٌ مِن بُطُونِهِمْ إلّا وقَدْ ولَدَهُ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى: قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا أنْ تَوَدُّونِي في قَرابَتِي مِنكم، فارْعَوْا ما بَيْنِي وبَيْنَكم وصَدِّقُونِي.
وقالَ عِكْرِمَةُ: وكانَتْ قُرَيْشٌ تَصِلُ أرْحامَها. وقالَ الحَسَنُ: المَعْنى إلّا أنْ تَتَوَدَّدُوا إلى اللَّهِ بِالتَّقَرُّبِ إلَيْهِ.
وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ القاسِمِ: إلّا أنْ يَتَوَدَّدَ بَعْضُكم إلى بَعْضٍ وتَصِلُوا قَراباتِكم.
رُوِيَ أنَّ شَبابًا مِنَ الأنْصارِ فاخَرُوا المُهاجِرِينَ وصالُوا بِالقَوْلِ، فَنَزَلَتْ عَلى مَعْنى: أنْ لا تُؤْذُونِي في قَرابَتِي وتَحْفَظُونِي فِيهِمْ. وقالَ بِهَذا المَعْنى عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، واسْتَشْهَدَ بِالآيَةِ حِينَ سِيقَ إلى الشّامِ أسِيرًا، وهو قَوْلُ ابْنُ جُبَيْرٍ والسُّدِّيُّ وعَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، وعَلى هَذا التَّأْوِيلِ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قِيلَ يا رَسُولَ اللَّهِ: مَن قَرابَتُكَ الَّذِينَ أُمِرْنا بِمَوَدَّتِهِمْ ؟ فَقالَ: عَلِيٌّ وفاطِمَةُ وابْناهُما.
وقِيلَ: هم ولَدُ عَبْدِ المَطَّلِبِ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إلّا المَوَدَّةَ﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ؛ لِأنَّ المَوَدَّةَ لَيْسَتْ أجْرًا.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مُتَّصِلًا، أيْ: لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا هَذا: أنْ تَوَدُّوا أهْلَ قَرابَتِي، ولَمْ يَكُنْ هَذا أجْرًا في الحَقِيقَةِ؛ لِأنَّ قَرابَتَهُ قَرابَتُهم، فَكانَتْ صِلَتُهم لازِمَةً لَهم في المُرُوءَةِ.
وقالَ: فَإنْ قُلْتَ: هَلّا قِيلَ إلّا مَوَدَّةَ القُرْبى، أوْ إلّا المَوَدَّةَ لِلْقُرْبى ؟ قُلْتُ: جَعَلُوا مَكانًا لِلْمَوَدَّةِ ومَقَرًّا لَها، كَقَوْلِكَ: لِي في آلِ فُلانٍ مَوَدَّةٌ، ولِي فِيهِمْ هَوًى وحُبٌّ شَدِيدٌ، تُرِيدُ: أُحِبُّهم وهم مَكانُ حُبِّي ومَحِلُّهُ. ولَيْسَتْ في صِلَةٍ لِلْمَوَدَّةِ كاللّامِ، إذا قُلْتَ إلّا المَوَدَّةَ لِلْقُرْبى، إنَّما هي مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ تَعَلَّقَ الظَّرْفِ بِهِ في قَوْلِكَ: المالُ في الكِيسِ، وتَقْدِيرُهُ: إلّا المَوَدَّةَ ثابِتَةً في القُرْبى ومُتَمَكِّنَةً فِيها. انْتَهى، وهو حَسَنٌ وفِيهِ تَكْثِيرٌ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ (إلّا مَوَدَّةً) والجُمْهُورُ ﴿إلّا المَوَدَّةَ﴾ .
﴿ومَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً﴾ أيْ: يَكْتَسِبْ، والظّاهِرُ عُمُومُ الحَسَنَةِ عُمُومَ البَدَلِ، فَيَنْدَرِجُ فِيها المَوَدَّةُ في القُرْبى وغَيْرُها. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والسُّدِّيِّ، أنَّها المَوَدَّةُ في آلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
وقَرَأ الجُمْهُورُ: (نَزِدْ) بِالنُّونِ؛ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وعَبْدُ الوارِثِ عَنْ أبِي عَمْرٍو، وأحْمَدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ الكِسائِيِّ: (يَزِدْ) بِالياءِ، أيْ: يَزِدِ اللَّهُ.
والجُمْهُورُ: (حُسْنًا) بِالتَّنْوِينِ؛ وعَبْدُ الوارِثِ عَنْ أبِي عَمْرٍو: (حُسْنى) بِغَيْرِ تَنْوِينٍ، عَلى وزْنِ رُجْعى، وزِيادَةُ حُسْنِها: مُضاعَفَةُ أجْرِها.
(أنَّ اللَّهَ غَفُورٌ): ساتِرُ عُيُوبِ عِبادِهِ، (شَكُورٌ): مُجازٍ عَلى الدَّقِيقَةِ، لا يَضِيعُ عِنْدَهُ عَمَلُ العامِلِ.
وقالَ السُّدِّيُّ: غَفُورٌ لِذُنُوبِ آلِ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، شَكُورٌ لِحَسَناتِهِمْ.
﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾: أضْرَبَ عَنِ الكَلامِ المُتَقَدِّمِ مِن غَيْرِ إبْطالٍ، واسْتَفْهَمَ اسْتِفْهامَ إنْكارٍ وتَوْبِيخٍ عَلى هَذِهِ المَقالَةِ، أيْ: مِثْلُهُ لا يُنْسَبُ إلَيْهِ الكَذِبُ (p-٥١٧)عَلى اللَّهِ، مَعَ اعْتِرافِكم لَهُ قَبْلُ بِالصِّدْقِ والأمانَةِ.
﴿فَإنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ﴾، قالَ مُجاهِدٌ: يَرْبِطُ عَلى قَلْبِكَ بِالصَّبْرِ عَلى أذاهم، حَتّى لا يَشُقَّ عَلَيْكَ قَوْلُهم: إنَّكَ مُفْتَرٍ. وقالَ قَتادَةُ وجَماعَةٌ: ﴿يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ﴾: يُنْسِيكَ القُرْآنَ، والمُرادُ الرَّدُّ عَلى مَقالَةِ الكُفّارِ وبَيانُ إبْطالِها، وذَلِكَ كَأنَّهُ يَقُولُ: وكَيْفَ يَصِحُّ أنْ تَكُونَ مُفْتَرِياتٍ وأنْتَ مِنَ اللَّهِ بِمَرْأًى ومَسْمَعٍ وهو قادِرٌ، ولَوْ شاءَ أنْ يَخْتِمَ عَلى قَلْبِكَ فَلا تَعْقِلُ ولا تَنْطِقُ ولا يَسْتَمِرُّ افْتِراؤُكَ، فَقَصَدَ اللَّفْظُ هَذا المَعْنى، وحُذِفَ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ الظّاهِرُ اخْتِصارًا واقْتِصارًا. انْتَهى.
هَكَذا أوْرَدَ هَذا التَّأْوِيلُ عَنْ قَتادَةَ ابْنُ عَطِيَّةَ، وفي ألْفاظِهِ فَظاظَةٌ لا تَلِيقُ أنْ تُنْسَبَ لِلْأنْبِياءِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَنْ قَتادَةَ: يُنْسِيكَ القُرْآنَ ويَنْقَطِعُ عَنْكَ الوَحْيُ، يَعْنِي لَوِ افْتَرى عَلى اللَّهِ الكَذِبَ لَفُعِلَ بِهِ ذَلِكَ. انْتَهى.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ أيْضًا: فَإنْ يَشَأِ اللَّهُ يَجْعَلْكَ مِنَ المَخْتُومِ عَلى قُلُوبِهِمْ حَتّى تَفْتَرِيَ عَلَيْهِ الكَذِبَ، فَإنَّهُ لا يَجْتَرِئُ عَلى افْتِراءِ الكَذِبِ عَلى اللَّهِ إلّا مَن كانَ في مِثْلِ حالِهِمْ، وهَذا الأُسْلُوبُ مُؤَدّاهُ اسْتِبْعادُ الِافْتِراءِ مِن مِثْلِهِ، وأنَّهُ في البُعْدِ مِثْلُ الشِّرْكِ بِاللَّهِ والدُّخُولِ في جُمْلَةِ المَخْتُومِ عَلى قُلُوبِهِمْ.
ومِثالُ هَذا أنْ يَخُونَ بَعْضُ الأُمَناءِ فَيَقُولُ: لَعَلَّ اللَّهَ خَذَلَنِي، لَعَلَّ اللَّهَ أعْمى قَلْبِي، وهو لا يُرِيدُ إثْباتَ الخِذْلانِ وعَمى القَلْبِ، وإنَّما يُرِيدُ اسْتِبْعادَ أنْ يَخُونَ مِثْلُهُ، والتَّنْبِيهُ عَلى أنَّهُ رَكِبَ مِن تَخْوِينِهِ أمْرٌ عَظِيمٌ. ثُمَّ قالَ: ومِن عادَةِ اللَّهِ أنْ يَمْحُوَ الباطِلَ ويُثْبِتَ الحَقَّ بِوَحْيِهِ أوْ بِقَضائِهِ لِقَوْلِهِ: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالحَقِّ عَلى الباطِلِ فَيَدْمَغُهُ﴾ [الأنبياء: ١٨]، يَعْنِي: لَوْ كانَ مُفْتَرِيًا، كَما يَزْعُمُونَ، لَكَشَفَ اللَّهُ افْتِراءَهُ ومَحَقَهُ، وقَذَفَ بِالحَقِّ عَلى الباطِلِ فَدَمَغَهُ. انْتَهى.
وقِيلَ: المَعْنى لَوِ افْتَرَيْتَ عَلى اللَّهِ، لَطَبَعَ عَلى قَلْبِكَ حَتّى لا تَقْدِرَ عَلى حِفْظِ القُرْآنِ. وقِيلَ: لَخَتَمَ عَلى قَلْبِكَ بِالصِّدْقِ واليَقِينِ، وقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ.
وذَكَرَ القُشَيْرِيُّ أنَّ المَعْنى: يَخْتِمُ عَلى قُلُوبِ الكُفّارِ وعَلى ألْسِنَتِهِمْ ويُعاجِلُهم بِالعَذابِ. انْتَهى، فَيَكُونُ التِفاتًا مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ، ومِنَ الجَمْعِ إلى الإفْرادِ، أيْ: يَخْتِمُ عَلى قَلْبِكَ أيُّها القائِلُ أنَّهُ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا.
﴿ويَمْحُو اللَّهُ الباطِلَ﴾: اسْتِئْنافُ إخْبارٍ، أيْ: يَمْحُوهُ إمّا في الدُّنْيا وإمّا في الآخِرَةِ حَيْثُ نازِلُهُ. وكُتِبَ (ويَمْحُ) بِغَيْرِ واوٍ، كَما كَتَبُوا (سَنَدْعُ) بِغَيْرِ واوٍ، اعْتِبارًا بِعَدَمِ ظُهُورِها؛ لِأنَّهُ لا يُوقَفُ عَلَيْها وقْفَ اخْتِيارٍ.
ولَمّا سَقَطَتْ مِنَ اللَّفْظِ سَقَطَتْ مِنَ الخَطِّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ عِدَةً لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِأنَّهُ يَمْحُو الباطِلَ الَّذِي هم عَلَيْهِ مِنَ البُهْتِ والتَّكْذِيبِ، ويُثْبِتُ الحَقَّ الَّذِي أنْتَ عَلَيْهِ بِالقُرْآنِ وبِقَضائِهِ الَّذِي لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ نُصْرَتِكَ عَلَيْهِمْ. إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما في صَدْرِكَ وصُدُورِهِمْ، فَيُجْرِي الأمْرَ عَلى حَسَبِ ذَلِكَ. انْتَهى. قِيلَ: ويُحِقُّ الإسْلامَ بِكَلِماتِهِ، أيْ: بِما أنْزَلَ مِنَ القُرْآنِ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في شَرائِطِ التَّوْبَةِ، يُقالُ: قَبِلْتُ مِنهُ الشَّيْءَ بِمَعْنى: أخَذْتُهُ مِنهُ، لِقَوْلِهِ: ﴿وما مَنَعَهم أنْ تُقْبَلَ مِنهم نَفَقاتُهُمْ﴾ [التوبة: ٥٤] أيْ: تُؤْخَذَ، أيْ: جَعَلْتُهُ مَبْدَأ قَبُولِي ومَنشَأهُ، وقَبِلْتُهُ عَنْهُ: عَزَلْتُهُ عَنْهُ وأبَنْتُهُ، فَمَعْنى (عَنْ عِبادِهِ) أيْ: يُزِيلُ الرُّجُوعَ عَنِ المَعاصِي.
﴿ويَعْفُو عَنِ السَّيِّئاتِ﴾، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَنِ السَّيِّئاتِ إذا تِيبَ عَنْها، وعَنِ الصَّغائِرِ إذا اجْتُنِبَتِ الكَبائِرُ. انْتَهى، وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ.
إنَّ الكَبائِرَ لا يُعْفى عَنْها إلّا بِالتَّوْبَةِ، ﴿ويَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ﴾، فَيُثِيبُ ويُعاقِبُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (ما يَفْعَلُونَ) بِياءِ الغَيْبَةِ؛ وعَبْدُ اللَّهِ، وعَلْقَمَةُ، والأخَوانِ، وحَفْصٌ: بِتاءِ الخِطابِ. والظّاهِرُ أنَّ (الَّذِينَ) فاعِلٌ، (ويَسْتَجِيبُ) أيْ: ويُجِيبُ، (الَّذِينَ آمَنُوا) لِرَبِّهِمْ، كَما قالَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ إذا دَعاكم لِما يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤]، فَيَكُونُ (يَسْتَجِيبُ) بِمَعْنى يُجِيبُ، أوْ يَبْقى عَلى بابِهِ مِنَ الطَّلَبِ، أيْ يَسْتَدْعِي الَّذِينَ آمَنُوا الإجابَةَ مِن رَبِّهِمْ بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هَذا في فِعْلِهِمْ إذا دَعاهم. وعَنْ إبْراهِيمَ بْنِ أدْهَمَ أنَّهُ قِيلَ: ما بالُنا نَدْعُو فَلا نُجابُ ؟ قالَ: لِأنَّهُ دَعاكم فَلَمْ تُجِيبُوهُ، ثُمَّ قَرَأ: ﴿واللَّهُ يَدْعُو إلى دارِ السَّلامِ﴾ [يونس: ٢٥] .
﴿ويَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، قالَ الزَّجّاجُ: (الَّذِينَ) مَفْعُولٌ، واسْتَجابَ وأجابَ بِمَعْنًى واحِدٍ، فالمَعْنى: ويُجِيبُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا، (p-٥١٨)أيْ: لِلَّذِينِ، كَما قالَ:
فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذاكَ مُجِيبٌ أيْ: لَمْ يَجُبْهُ. ورُوِيَ هَذا المَعْنى عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ وابْنِ عَبّاسٍ.
﴿ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ﴾ أيْ: عَلى الثَّوابِ تَفَضُّلًا. وفي الحَدِيثِ: قَبُولُ الشَّفاعاتِ في المُؤْمِنِينَ والرِّضْوانِ. وقالَ خَبّابُ بْنُ الأرَتِّ: نَظَرْنا إلى أمْوالِ بَنِي قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ وبَنِي قَيْنُقاعَ فَتَمَنَّيْناها، فَنَزَلَتْ: ﴿ولَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا في الأرْضِ﴾ . وقالَ عَمْرُو بْنُ حُرَيْثٍ: طَلَبَ قَوْمٌ مِن أهْلِ الصُّفَّةِ مِنَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ ويَبْسُطَ لَهُمُ الأمْوالَ والأرْزاقَ، فَنَزَلَتْ. أعْلَمُ أنَّ الرِّزْقَ لَوْ جاءَ عَلى اقْتِراحِ البَشَرِ، لَكانَ سَبَبَ بَغْيِهِمْ وإفْسادِهِمْ، ولَكِنَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِالمَصْلَحَةِ. فَرُبَّ إنْسانٍ لا يَصْلُحُ ولا يَكْتَفِي شَرُّهُ إلّا بِالفَقْرِ، وآخَرُ بِالغِنى. وفي هَذا المَعْنى والتَّقْسِيمِ حَدِيثٌ رَواهُ أنَسٌ وقالَ: اللَّهُمَّ إنِّي مِن عِبادِكَ الَّذِينَ لا يُصْلِحُهم إلّا الغِنى، فَلا تُفْقِرْنِي. و(لَبَغَوْا) إمّا مِنَ البَذَخِ والكِبْرِ، أيْ: لَتَكَبَّرُوا في الأرْضِ، فَفَعَلُوا ما يَتْبَعُ الكِبْرَ مَعَ الغِنى. ألا تَرى إلى حالِ قارُونَ ؟ وفي الحَدِيثِ: «أخْوَفُ ما يُخافُ عَلى أُمَّتِي زَهْرَةُ الدُّنْيا» وقالَ الشّاعِرُ:
؎وقَدْ جَعَلُوا الوَسْمِيَّ يَنْبُتُ بَيْنَنا وبَيْنَ بَنِي رُومانَ نَبْعًا وشَوْحَطا
يَعْنِي: أنَّهم أحَبُّوا، فَجَذَبُوا أنْفُسَهم بِالبَغْيِ والفِتَنِ.
﴿ولَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ﴾، يُقالُ: قَدْرَ بِالسُّكُونِ وبِالفَتْحِ، أيْ: يُقَدِّرُ لَهم ما هو أصْلَحُ لَهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (قَنَطُوا)، بِفَتْحِ النُّونِ؛ والأعْمَشُ، وابْنُ وثّابٍ: بِكَسْرِها، ﴿ويَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾: يُظْهِرُها مِنَ آثارِ الغَيْثِ مِنَ المَنافِعِ والخَصْبِ، والظّاهِرُ أنَّ رَحْمَتَهُ نَشْرُها أعَمُّ مِمّا في الغَيْثِ. وقالَ السُّدِّيُّ: (رَحْمَتَهُ) الغَيْثُ، وعَدَّدَ النِّعْمَةَ بِعَيْنِها بِلَفْظَيْنِ. وقِيلَ: الرَّحْمَةُ هُنا ظُهُورُ الشَّمْسِ؛ لِأنَّهُ إذا دامَ المَطَرُ سُئِمَ، فَتَجِيءُ الشَّمْسُ بَعْدَهُ عَظِيمَةَ المَوْقِعِ، ذَكَرَهُ المَهْدَوِيُّ.
﴿وهُوَ الوَلِيُّ﴾: الَّذِي يَتَوَلّى عِبادَهُ، (الحَمِيدُ): المَحْمُودُ عَلى ما أسْدى مِن نَعْمائِهِ (وما بَثَّ) الظّاهِرُ أنَّهُ مَجْرُورٌ عَطْفًا عَلى السَّماواتِ والأرْضِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا عَطْفًا عَلى (خَلْقُ) عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: وخَلْقُ ما بَثَّ. وفِيهِما يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِمّا نُسِبَ فِيهِ (دابَّةٍ) إلى المَجْمُوعِ المَذْكُورِ، وإنْ كانَ مُلْتَبِسًا بِبَعْضِهِ. كَما يُقالُ: بَنُو فُلانٍ صَنَعُوا كَذا، وإنَّما صَنْعَهُ واحِدٌ مِنهم، ومِنهُ يَخْرُجُ مِنهُما، وإنَّما يَخْرُجُ مِنَ المِلْحِ، أوْ يَكُونُ مِنَ المَلائِكَةِ. بَعْضٌ يَمْشِي مَعَ الطَّيَرانِ، فَيُوصَفُ بِالدَّبِيبِ كَما يُوصَفُ بِهِ الأناسِيُّ، أوْ يَكُونُ قَدْ خَلَقَ في السَّماواتِ حَيَوانًا يَمْشِي مَعَ مَشْيِ الأناسِيِّ عَلى الأرْضِ، أوْ يُرِيدُ الحَيَوانَ الَّذِي يَكُونُ في السَّحابِ. وقَدْ يَقَعُ أحْيانًا، كالضَّفادِعِ، والسَّحابُ داخِلٌ في اسْمِ السَّماءِ.
وقالَ مُجاهِدٌ: ﴿وما بَثَّ فِيهِما مِن دابَّةٍ﴾: هُمُ النّاسُ والمَلائِكَةُ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ: هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: وما بَثَّ في أحَدِهِما. وقَرَأ الجُمْهُورُ (فِيهِما) بِالفاءِ، وكَذا هي في مُعْظَمِ المَصاحِفِ. واحْتَمَلَ (ما) أنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً، وهو الأظْهَرُ، وأنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً، والفاءُ تَدْخُلُ في خَبَرِ المَوْصُولِ إذا أُجْرِيَ مَجْرى الشَّرْطِ بِشَرائِطَ ذُكِرَتْ في النَّحْوِ، وهي مَوْجُودَةٌ. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ في رِوايَةٍ، وشَيْبَةُ (بِما) بِغَيْرِ فاءٍ، فَـ (ما) مَوْصُولَةٌ، ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً؛ وحُذِفَتِ الفاءُ لِأنَّ ذَلِكَ مِمّا يَخُصُّهُ سِيبَوَيْهِ بِالشِّعْرِ، وأجازَ ذَلِكَ الأخْفَشُ وبَعْضُ نُحاةِ بَغْدادَ وذَلِكَ عَلى إرادَةِ الفاءِ. وتَرَتُّبُ ما أصابَ مِنَ المَصائِبِ عَلى كَسْبِ الأيْدِي مَوْجُودٌ مَعَ الفاءِ ودُونِها هُنا، والمُصِيبَةُ: الرَّزايا والمَصائِبُ في الدُّنْيا، وهي مُجازاةٌ عَلى ذُنُوبِ المَرْءِ وتَمْحِيصٌ لِخَطاياهُ، وأنَّهُ تَعالى يَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ، ولا يُجازِي عَلَيْهِ بِمُصِيبَةٍ. وفي الحَدِيثِ: «لا يُصِيبُ ابْنُ آدَمَ خَدْشُ عَوْدٍ أوْ عَثْرَةُ قَدَمٍ ولا اخْتِلاجُ عِرْقٍ إلّا بِذَنْبٍ وما يَعْفُو عَنْهُ أكْثَرُ» . وسُئِلَ عِمْرانُ بْنُ حُصَيْنٍ عَنْ مَرَضِهِ فَقالَ؛ إنَّ أحَبَّهُ إلَيَّ أحَبُّهُ إلى اللَّهِ، وهَذا مِمّا كَسَبَتْ يَدايَ. ورُؤِيَ عَلى كَفِّ شُرَيْحٍ قُرْحَةٌ، فَقِيلَ: بِمَ هَذا ؟ فَقالَ: بِما كَسَبَتْ يَدايَ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الآيَةُ مَخْصُوصَةٌ بِالمُجْرِمِينَ، ولا يَمْتَنِعُ أنْ يَسْتَوْفِيَ اللَّهُ عِقابَ المُجْرِمِ ويَعْفُوَ عَنْ بَعْضٍ. فَأمّا مَن (p-٥١٩)لا جُرْمَ لَهُ، كالأنْبِياءِ والأطْفالِ والمَجانِينِ، فَهو كَما إذا أصابَهم شَيْءٌ مِن ألَمٍ أوْ غَيْرِهِ، فَلِلْعِوَضِ المُوفِي والمُصْلِحَةِ، وعَنْ عَلِيٍّ هَذِهِ أرْجى آيَةٍ لِلْمُؤْمِنِينَ. وقالَ الحَسَنُ: ﴿مِن مُصِيبَةٍ﴾ أيْ: حَدٍّ مِن حُدُودِ اللَّهِ، وتِلْكَ مَصائِبُ تَنْزِلُ بِشَخْصِ الإنْسانِ ونَفْسِهِ، فَإنَّما هي بِكَسْبِ أيْدِيكم.
(ويَعْفُو) اللَّهُ (عَنْ كَثِيرٍ)، فَيَسْتُرُهُ عَلى العِبادِ حَتّى لا يُحَدَّ عَلَيْهِ.
(وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ) أيْ: أنْتُمْ في قَبْضَةِ القُدْرَةِ. وقِيلَ: لَيْسَتِ المَصائِبُ مِنَ الأسْقامِ والقَحْطِ والغَرَقِ وغَيْرِ ذَلِكَ بِعُقُوباتٍ عَلى الذُّنُوبِ لِقَوْلِهِ: ﴿اليَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ [غافر: ١٧]، ولِاشْتِراكِ الصّالِحِ والطّالِحِ فِيهِما، بَلْ أكْثَرُ ما يُبْتَلى بِهِ الصّالِحُونَ المُتَّقُونَ. وفي الحَدِيثِ: «خُصَّ بِالبَلاءِ الأنْبِياءُ ثُمَّ الأمْثَلُ فالأمْثَلُ» . ولِأنَّ الدُّنْيا دارُ التَّكْلِيفِ، فَلَوْ حَصَلَ الجَزاءُ فِيها لَكانَتْ دارَ الجَزاءِ، ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ. وهَذا القَوْلُ يُؤَخِّرُهُ نُصُوصُ القُرْآنِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكُلًّا أخَذْنا بِذَنْبِهِ فَمِنهم مَن أرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِبًا﴾ [العنكبوت: ٤٠] الآيَةَ.
الشورى 42:29
﴿أمْ لَهم شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهم مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ ولَوْلا كَلِمَةُ الفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهم وإنَّ الظّالِمِينَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿تَرى الظّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا كَسَبُوا وهو واقِعٌ بِهِمْ والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ في رَوْضاتِ الجَنّاتِ لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هو الفَضْلُ الكَبِيرُ﴾ ﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى ومَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْنًا إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا فَإنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ ويَمْحُ اللَّهُ الباطِلَ ويُحِقُّ الحَقَّ بِكَلِماتِهِ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ ﴿وهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ ويَعْفُو عَنِ السَّيِّئاتِ ويَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ﴾ ﴿ويَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ والكافِرُونَ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ ﴿ولَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا في الأرْضِ ولَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ إنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ ﴿وهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الغَيْثَ مِن بَعْدِ ما قَنَطُوا ويَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وهو الوَلِيُّ الحَمِيدُ﴾ ﴿ومِن آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَثَّ فِيهِما مِن دابَّةٍ وهو عَلى جَمْعِهِمْ إذا يَشاءُ قَدِيرٌ﴾ ﴿وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكم ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ في الأرْضِ وما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ .
(p-٥٠٧)﴿أمْ لَهم شُرَكاءُ﴾: اسْتِفْهامُ تَقْرِيرٍ وتَوْبِيخٍ. لَمّا ذَكَرَ تَعالى أنَّهُ شَرَعَ لِلنّاسِ ﴿ما وصّى بِهِ نُوحًا﴾ [الشورى: ١٣] الآيَةَ، أخَذَ يُنْكِرُ ما شَرَعَ غَيْرُهُ تَعالى.
والشُّرَكاءُ هُنا يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ شُرَكاؤُهم في الكُفْرِ، كالشَّياطِينِ والمُغْوِينَ مِنَ النّاسِ. والضَّمِيرُ في (شَرَعُوا) عائِدٌ عَلى الشُّرَكاءِ، والضَّمِيرُ في (لَهم) عائِدٌ عَلى الكُفّارِ المُعاصِرِينَ لِلرَّسُولِ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ الأصْنامُ والأوْثانُ وكُلُّ مَن جَعَلُوهُ شَرِيكًا لِلَّهِ.
وأُضِيفَ الشُّرَكاءُ إلَيْهِمْ؛ لِأنَّهم مُتَّخِذُوها شُرَكاءَ لِلَّهِ، فَتارَةً إلَيْهِمْ بِهَذِهِ المُلابَسَةِ، وتارَةً إلى اللَّهِ.
والضَّمِيرُ في (شَرَعُوا) يَحْتَمِلُ أنْ يَعُودَ عَلى الشُّرَكاءِ، و(لَهم) عائِدٌ عَلى الكُفّارِ، لَمّا كانَتْ سَبَبًا لِضَلالِهِمْ وافْتِتانِهِمْ جُعِلَتْ شارِعَةً لِدِينِ الكُفْرِ، كَما قالَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿رَبِّ إنَّهُنَّ أضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ﴾ [إبراهيم: ٣٦] .
واحْتَمَلَ أنْ يَعُودَ عَلى الكُفّارِ، و(لَهم) عائِدٌ عَلى الشُّرَكاءِ، أيْ: شَرَعَ الكُفّارُ لِأصْنامِهِمْ ومَعْبُوداتِهِمْ، أيْ: رَسَمُوا لَهم غَوايَةً وأحْكامًا في المُعْتَقَداتِ، كَقَوْلِهِمْ: إنَّهم آلِهَةٌ، وإنَّ عِبادَتَهم تُقَرِّبُهم إلى اللَّهِ؛ ومِنَ الأحْكامِ: البَحِيرَةُ والوَصِيلَةُ والحامِي وغَيْرُ ذَلِكَ.
﴿ولَوْلا كَلِمَةُ الفَصْلِ﴾ أيِ: العِدَةُ بِأنَّ الفَصْلَ في الآخِرَةِ، أوْ لَوْلا القَضاءُ بِذَلِكَ لَقُضِيَ بَيْنَ المُؤْمِنِ والكافِرِ، أوْ بَيْنَ المُشْرِكِينَ وشُرَكائِهِمْ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: (إنَّ الظّالِمِينَ)، بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى الِاسْتِئْنافِ والإخْبارِ بِما يَنالُهم في الدُّنْيا مِنَ القَتْلِ والأسْرِ والنَّهْبِ، وفي الآخِرَةِ النّارُ. وقَرَأ الأعْرَجُ، ومُسْلِمُ بْنُ جُنْدُبٍ (وأنَّ) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ عَطْفًا عَلى كَلِمَةِ الفَصْلِ، فَهو في مَوْضِعِ رَفْعٍ، أيْ: ولَوْلا كَلِمَةُ الفَصْلِ وكَوْنُ الظّالِمِينَ لَهم عَذابٌ في الآخِرَةِ، لَقُضِيَ بَيْنَهم في الدُّنْيا وفُصِلَ بَيْنَ المُتَعاطِفَيْنِ بِجَوابِ لَوْلا، كَما فُصِلَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ لَكانَ لِزامًا وأجَلٌ مُسَمًّى﴾ [طه: ١٢٩] .
﴿تَرى الظّالِمِينَ﴾ أيْ: تُبْصِرُ الكافِرِينَ لِمُقابَلَتِهِ بِالمُؤْمِنِينَ، (مُشْفِقِينَ): خائِفِينَ الخَوْفَ الشَّدِيدَ، (مِمّا كَسَبُوا) مِنَ السَّيِّئاتِ، (وهو) أيِ: العَذابُ، أوْ يَعُودُ عَلى ما كَسَبُوا عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: وبالٌ كَسَبُوا مِنَ السَّيِّئاتِ، أوْ جَزاؤُهُ حالٌّ بِهِمْ.
﴿وهُوَ واقِعٌ﴾: فَإشْفاقُهم هو في هَذِهِ الحالِ، فَلَيْسُوا كالمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ هم في الدُّنْيا مُشْفِقُونَ مِنَ السّاعَةِ. ولَمّا كانَتِ الرَّوْضاتُ أحْسَنَ ما في الجَنّاتِ وأنْزَهَها وفي أعْلاها، ذَكَرَ أنَّ المُؤْمِنِينَ فِيها.
واللُّغَةُ الكَثِيرَةُ تَسْكِينُ الواوِ في رَوْضاتٍ، ولُغَةُ هُذَيْلِ بْنِ مُدْرِكَةَ فَتْحُ الواوِ إجْراءً لِلْمُعْتَلِّ مَجْرى الصَّحِيحِ نَحْوُ جَفَناتٍ، ولَمْ يَقْرَأْ أحَدٌ مِمَّنْ عَلِمْناهُ بِلُغَتِهِمْ.
و(عِنْدَ) ظَرْفٌ، قالَ الحَوْفِيُّ: مَعْمُولٌ لِـ (يَشاءُونَ) . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَنصُوبٌ بِالظَّرْفِ لا يَشاءُونَ. انْتَهى، وهو الصَّوابُ.
ويَعْنِي بِالظَّرْفِ: الجارُّ والمَجْرُورُ، وهو لَهم في الحَقِيقَةِ غَيْرُ مَعْمُولٍ لِلْعامِلِ في لَهم، والمَعْنى: ما يَشاءُونَ مِنَ النَّعِيمِ والثَّوابِ مُسْتَقِرٌّ لَهم.
(عِنْدَ رَبِّهِمْ): والعِنْدِيَّةُ عِنْدِيَّةُ المَكانَةِ والتَّشْرِيفِ لا عِنْدِيَّةُ المَكانَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يُبَشِّرُ) بِتَشْدِيدِ الشِّينِ، مِن بَشَّرَ؛ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَعْمُرَ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، والجَحْدَرِيُّ، والأعْمَشُ، وطَلْحَةُ في رِوايَةٍ، والكِسائِيُّ، وحَمْزَةُ: (يُبَشِّرُ) ثُلاثِيًّا؛ ومُجاهِدٌ، وحَمِيدُ بْنُ قَيْسٍ: بِضَمِّ الياءِ وتَخْفِيفِ الشِّينِ مِن أبْشَرَ، وهو مُعَدًّى بِالهَمْزَةِ مِن بَشِرَ اللّازِمِ المَكْسُورِ الشِّينِ.
وأمّا بَشَرَ بِفَتْحِها فَتَعَدَّ، وبَشَّرَ بِالتَّشْدِيدِ لِلتَّكْثِيرِ لا لِلتَّعْدِيَةِ؛ لِأنَّ المُتَعَدِّي إلى واحِدٍ، وهو مُخَفَّفٌ لا يُعَدّى بِالتَّضْعِيفِ إلَيْهِ؛ فالتَّضْعِيفُ فِيهِ لِلتَّكْثِيرِ لا لِلتَّعْدِيَةِ.
(ذَلِكَ): إشارَةٌ إلى ما أعَدَّ لَهم مِنَ الكَرامَةِ، وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ المَوْصُولِ، والعائِدُ عَلَيْهِ مَحْذُوفٌ، أيْ: يُبَشِّرُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ ذَلِكَ التَّبْشِيرُ الَّذِي يُبَشِّرُهُ اللَّهُ عِبادَهُ. انْتَهى.
ولا يَظْهَرُ هَذا الوَجْهُ، إذْ (p-٥١٦)لَمْ يَتَقَدَّمْ في هَذِهِ السُّورَةِ لَفْظُ البُشْرى، ولا ما يَدُلُّ عَلَيْها مِن تَبْشِيرٍ أوْ شَبَهِهِ.
ومِنَ النَّحْوِيِّينَ مَن جَعْلَ (الَّذِي) مَصْدَرِيَّةً، حَكاهُ ابْنُ مالِكٍ عَنْ يُونُسَ، وتُأوَّلُ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ، أيْ: ذَلِكَ تَبْشِيرُ اللَّهِ عِبادَهُ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّهُ إثْباتٌ لِلِاشْتِراكِ بَيْنَ مُخْتَلِفِي الحَدِّ بِغَيْرِ دَلِيلٍ.
وقَدْ ثَبَتَتِ اسْمِيَّةُ (الَّذِي) فَلا يُعْدَلُ عَنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ لا تَقُومُ بِهِ دَلِيلٌ ولا شُبْهَةٌ.
﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ . رُوِيَ أنَّهُ اجْتَمَعَ المُشْرِكُونَ في مَجْمَعٍ لَهم، فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: أتَرَوْنَ مُحَمَّدًا يَسْألُ أجْرًا عَلى ما يَتَعاطاهُ ؟ فَنَزَلَتْ. ورُوِيَ أنَّ الأنْصارَ أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِمالٍ جَمَعُوهُ وقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، هَدانا اللَّهُ بِكَ، وأنْتَ ابْنُ أُخْتِنا، وتَعْرُوكَ حُقُوقٌ وما لَكَ سِعَةٌ، فاسْتَعِنْ بِهَذا عَلى ما يَنُوبُكَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ، فَرَدَّهُ.
وقِيلَ: الخِطابُ مُتَوَجِّهٌ إلى قُرَيْشٍ حِينَ جَمَعُوا لَهُ مالًا وأرادُوا أنْ يَرْشُوهُ عَلَيْهِمْ عَلى أنْ يُمْسِكَ عَنْ سَبِّ آلِهَتِهِمْ، فَلَمْ يَفْعَلْ، ونَزَلَتْ.
فالمَعْنى: لا أسْألُكم مالًا ولا رِياسَةً، ولَكِنْ أسْألُكم أنْ تَرْعَوْا حَقَّ قَرابَتِي وتُصَدِّقُونِي فِيما جِئْتُكم بِهِ، وتُمْسِكُوا عَنْ أذِيَّتِي وأذِيَّةِ مَن تَبِعَنِي، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ وأبُو مالِكٍ والشَّعْبِيُّ وغَيْرُهم.
قالَ الشَّعْبِيُّ: أكْثَرَ النّاسُ عَلَيْنا في هَذِهِ الآيَةِ، فَكَتَبْنا إلى ابْنِ عَبّاسٍ نَسْألُهُ عَنْها، فَكَتَبَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ أوْسَطَ النّاسِ في قُرَيْشٍ، لَيْسَ بَطْنٌ مِن بُطُونِهِمْ إلّا وقَدْ ولَدَهُ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى: قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا أنْ تَوَدُّونِي في قَرابَتِي مِنكم، فارْعَوْا ما بَيْنِي وبَيْنَكم وصَدِّقُونِي.
وقالَ عِكْرِمَةُ: وكانَتْ قُرَيْشٌ تَصِلُ أرْحامَها. وقالَ الحَسَنُ: المَعْنى إلّا أنْ تَتَوَدَّدُوا إلى اللَّهِ بِالتَّقَرُّبِ إلَيْهِ.
وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ القاسِمِ: إلّا أنْ يَتَوَدَّدَ بَعْضُكم إلى بَعْضٍ وتَصِلُوا قَراباتِكم.
رُوِيَ أنَّ شَبابًا مِنَ الأنْصارِ فاخَرُوا المُهاجِرِينَ وصالُوا بِالقَوْلِ، فَنَزَلَتْ عَلى مَعْنى: أنْ لا تُؤْذُونِي في قَرابَتِي وتَحْفَظُونِي فِيهِمْ. وقالَ بِهَذا المَعْنى عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، واسْتَشْهَدَ بِالآيَةِ حِينَ سِيقَ إلى الشّامِ أسِيرًا، وهو قَوْلُ ابْنُ جُبَيْرٍ والسُّدِّيُّ وعَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، وعَلى هَذا التَّأْوِيلِ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قِيلَ يا رَسُولَ اللَّهِ: مَن قَرابَتُكَ الَّذِينَ أُمِرْنا بِمَوَدَّتِهِمْ ؟ فَقالَ: عَلِيٌّ وفاطِمَةُ وابْناهُما.
وقِيلَ: هم ولَدُ عَبْدِ المَطَّلِبِ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إلّا المَوَدَّةَ﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ؛ لِأنَّ المَوَدَّةَ لَيْسَتْ أجْرًا.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مُتَّصِلًا، أيْ: لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا هَذا: أنْ تَوَدُّوا أهْلَ قَرابَتِي، ولَمْ يَكُنْ هَذا أجْرًا في الحَقِيقَةِ؛ لِأنَّ قَرابَتَهُ قَرابَتُهم، فَكانَتْ صِلَتُهم لازِمَةً لَهم في المُرُوءَةِ.
وقالَ: فَإنْ قُلْتَ: هَلّا قِيلَ إلّا مَوَدَّةَ القُرْبى، أوْ إلّا المَوَدَّةَ لِلْقُرْبى ؟ قُلْتُ: جَعَلُوا مَكانًا لِلْمَوَدَّةِ ومَقَرًّا لَها، كَقَوْلِكَ: لِي في آلِ فُلانٍ مَوَدَّةٌ، ولِي فِيهِمْ هَوًى وحُبٌّ شَدِيدٌ، تُرِيدُ: أُحِبُّهم وهم مَكانُ حُبِّي ومَحِلُّهُ. ولَيْسَتْ في صِلَةٍ لِلْمَوَدَّةِ كاللّامِ، إذا قُلْتَ إلّا المَوَدَّةَ لِلْقُرْبى، إنَّما هي مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ تَعَلَّقَ الظَّرْفِ بِهِ في قَوْلِكَ: المالُ في الكِيسِ، وتَقْدِيرُهُ: إلّا المَوَدَّةَ ثابِتَةً في القُرْبى ومُتَمَكِّنَةً فِيها. انْتَهى، وهو حَسَنٌ وفِيهِ تَكْثِيرٌ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ (إلّا مَوَدَّةً) والجُمْهُورُ ﴿إلّا المَوَدَّةَ﴾ .
﴿ومَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً﴾ أيْ: يَكْتَسِبْ، والظّاهِرُ عُمُومُ الحَسَنَةِ عُمُومَ البَدَلِ، فَيَنْدَرِجُ فِيها المَوَدَّةُ في القُرْبى وغَيْرُها. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والسُّدِّيِّ، أنَّها المَوَدَّةُ في آلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
وقَرَأ الجُمْهُورُ: (نَزِدْ) بِالنُّونِ؛ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وعَبْدُ الوارِثِ عَنْ أبِي عَمْرٍو، وأحْمَدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ الكِسائِيِّ: (يَزِدْ) بِالياءِ، أيْ: يَزِدِ اللَّهُ.
والجُمْهُورُ: (حُسْنًا) بِالتَّنْوِينِ؛ وعَبْدُ الوارِثِ عَنْ أبِي عَمْرٍو: (حُسْنى) بِغَيْرِ تَنْوِينٍ، عَلى وزْنِ رُجْعى، وزِيادَةُ حُسْنِها: مُضاعَفَةُ أجْرِها.
(أنَّ اللَّهَ غَفُورٌ): ساتِرُ عُيُوبِ عِبادِهِ، (شَكُورٌ): مُجازٍ عَلى الدَّقِيقَةِ، لا يَضِيعُ عِنْدَهُ عَمَلُ العامِلِ.
وقالَ السُّدِّيُّ: غَفُورٌ لِذُنُوبِ آلِ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، شَكُورٌ لِحَسَناتِهِمْ.
﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾: أضْرَبَ عَنِ الكَلامِ المُتَقَدِّمِ مِن غَيْرِ إبْطالٍ، واسْتَفْهَمَ اسْتِفْهامَ إنْكارٍ وتَوْبِيخٍ عَلى هَذِهِ المَقالَةِ، أيْ: مِثْلُهُ لا يُنْسَبُ إلَيْهِ الكَذِبُ (p-٥١٧)عَلى اللَّهِ، مَعَ اعْتِرافِكم لَهُ قَبْلُ بِالصِّدْقِ والأمانَةِ.
﴿فَإنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ﴾، قالَ مُجاهِدٌ: يَرْبِطُ عَلى قَلْبِكَ بِالصَّبْرِ عَلى أذاهم، حَتّى لا يَشُقَّ عَلَيْكَ قَوْلُهم: إنَّكَ مُفْتَرٍ. وقالَ قَتادَةُ وجَماعَةٌ: ﴿يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ﴾: يُنْسِيكَ القُرْآنَ، والمُرادُ الرَّدُّ عَلى مَقالَةِ الكُفّارِ وبَيانُ إبْطالِها، وذَلِكَ كَأنَّهُ يَقُولُ: وكَيْفَ يَصِحُّ أنْ تَكُونَ مُفْتَرِياتٍ وأنْتَ مِنَ اللَّهِ بِمَرْأًى ومَسْمَعٍ وهو قادِرٌ، ولَوْ شاءَ أنْ يَخْتِمَ عَلى قَلْبِكَ فَلا تَعْقِلُ ولا تَنْطِقُ ولا يَسْتَمِرُّ افْتِراؤُكَ، فَقَصَدَ اللَّفْظُ هَذا المَعْنى، وحُذِفَ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ الظّاهِرُ اخْتِصارًا واقْتِصارًا. انْتَهى.
هَكَذا أوْرَدَ هَذا التَّأْوِيلُ عَنْ قَتادَةَ ابْنُ عَطِيَّةَ، وفي ألْفاظِهِ فَظاظَةٌ لا تَلِيقُ أنْ تُنْسَبَ لِلْأنْبِياءِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَنْ قَتادَةَ: يُنْسِيكَ القُرْآنَ ويَنْقَطِعُ عَنْكَ الوَحْيُ، يَعْنِي لَوِ افْتَرى عَلى اللَّهِ الكَذِبَ لَفُعِلَ بِهِ ذَلِكَ. انْتَهى.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ أيْضًا: فَإنْ يَشَأِ اللَّهُ يَجْعَلْكَ مِنَ المَخْتُومِ عَلى قُلُوبِهِمْ حَتّى تَفْتَرِيَ عَلَيْهِ الكَذِبَ، فَإنَّهُ لا يَجْتَرِئُ عَلى افْتِراءِ الكَذِبِ عَلى اللَّهِ إلّا مَن كانَ في مِثْلِ حالِهِمْ، وهَذا الأُسْلُوبُ مُؤَدّاهُ اسْتِبْعادُ الِافْتِراءِ مِن مِثْلِهِ، وأنَّهُ في البُعْدِ مِثْلُ الشِّرْكِ بِاللَّهِ والدُّخُولِ في جُمْلَةِ المَخْتُومِ عَلى قُلُوبِهِمْ.
ومِثالُ هَذا أنْ يَخُونَ بَعْضُ الأُمَناءِ فَيَقُولُ: لَعَلَّ اللَّهَ خَذَلَنِي، لَعَلَّ اللَّهَ أعْمى قَلْبِي، وهو لا يُرِيدُ إثْباتَ الخِذْلانِ وعَمى القَلْبِ، وإنَّما يُرِيدُ اسْتِبْعادَ أنْ يَخُونَ مِثْلُهُ، والتَّنْبِيهُ عَلى أنَّهُ رَكِبَ مِن تَخْوِينِهِ أمْرٌ عَظِيمٌ. ثُمَّ قالَ: ومِن عادَةِ اللَّهِ أنْ يَمْحُوَ الباطِلَ ويُثْبِتَ الحَقَّ بِوَحْيِهِ أوْ بِقَضائِهِ لِقَوْلِهِ: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالحَقِّ عَلى الباطِلِ فَيَدْمَغُهُ﴾ [الأنبياء: ١٨]، يَعْنِي: لَوْ كانَ مُفْتَرِيًا، كَما يَزْعُمُونَ، لَكَشَفَ اللَّهُ افْتِراءَهُ ومَحَقَهُ، وقَذَفَ بِالحَقِّ عَلى الباطِلِ فَدَمَغَهُ. انْتَهى.
وقِيلَ: المَعْنى لَوِ افْتَرَيْتَ عَلى اللَّهِ، لَطَبَعَ عَلى قَلْبِكَ حَتّى لا تَقْدِرَ عَلى حِفْظِ القُرْآنِ. وقِيلَ: لَخَتَمَ عَلى قَلْبِكَ بِالصِّدْقِ واليَقِينِ، وقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ.
وذَكَرَ القُشَيْرِيُّ أنَّ المَعْنى: يَخْتِمُ عَلى قُلُوبِ الكُفّارِ وعَلى ألْسِنَتِهِمْ ويُعاجِلُهم بِالعَذابِ. انْتَهى، فَيَكُونُ التِفاتًا مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ، ومِنَ الجَمْعِ إلى الإفْرادِ، أيْ: يَخْتِمُ عَلى قَلْبِكَ أيُّها القائِلُ أنَّهُ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا.
﴿ويَمْحُو اللَّهُ الباطِلَ﴾: اسْتِئْنافُ إخْبارٍ، أيْ: يَمْحُوهُ إمّا في الدُّنْيا وإمّا في الآخِرَةِ حَيْثُ نازِلُهُ. وكُتِبَ (ويَمْحُ) بِغَيْرِ واوٍ، كَما كَتَبُوا (سَنَدْعُ) بِغَيْرِ واوٍ، اعْتِبارًا بِعَدَمِ ظُهُورِها؛ لِأنَّهُ لا يُوقَفُ عَلَيْها وقْفَ اخْتِيارٍ.
ولَمّا سَقَطَتْ مِنَ اللَّفْظِ سَقَطَتْ مِنَ الخَطِّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ عِدَةً لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِأنَّهُ يَمْحُو الباطِلَ الَّذِي هم عَلَيْهِ مِنَ البُهْتِ والتَّكْذِيبِ، ويُثْبِتُ الحَقَّ الَّذِي أنْتَ عَلَيْهِ بِالقُرْآنِ وبِقَضائِهِ الَّذِي لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ نُصْرَتِكَ عَلَيْهِمْ. إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما في صَدْرِكَ وصُدُورِهِمْ، فَيُجْرِي الأمْرَ عَلى حَسَبِ ذَلِكَ. انْتَهى. قِيلَ: ويُحِقُّ الإسْلامَ بِكَلِماتِهِ، أيْ: بِما أنْزَلَ مِنَ القُرْآنِ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في شَرائِطِ التَّوْبَةِ، يُقالُ: قَبِلْتُ مِنهُ الشَّيْءَ بِمَعْنى: أخَذْتُهُ مِنهُ، لِقَوْلِهِ: ﴿وما مَنَعَهم أنْ تُقْبَلَ مِنهم نَفَقاتُهُمْ﴾ [التوبة: ٥٤] أيْ: تُؤْخَذَ، أيْ: جَعَلْتُهُ مَبْدَأ قَبُولِي ومَنشَأهُ، وقَبِلْتُهُ عَنْهُ: عَزَلْتُهُ عَنْهُ وأبَنْتُهُ، فَمَعْنى (عَنْ عِبادِهِ) أيْ: يُزِيلُ الرُّجُوعَ عَنِ المَعاصِي.
﴿ويَعْفُو عَنِ السَّيِّئاتِ﴾، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَنِ السَّيِّئاتِ إذا تِيبَ عَنْها، وعَنِ الصَّغائِرِ إذا اجْتُنِبَتِ الكَبائِرُ. انْتَهى، وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ.
إنَّ الكَبائِرَ لا يُعْفى عَنْها إلّا بِالتَّوْبَةِ، ﴿ويَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ﴾، فَيُثِيبُ ويُعاقِبُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (ما يَفْعَلُونَ) بِياءِ الغَيْبَةِ؛ وعَبْدُ اللَّهِ، وعَلْقَمَةُ، والأخَوانِ، وحَفْصٌ: بِتاءِ الخِطابِ. والظّاهِرُ أنَّ (الَّذِينَ) فاعِلٌ، (ويَسْتَجِيبُ) أيْ: ويُجِيبُ، (الَّذِينَ آمَنُوا) لِرَبِّهِمْ، كَما قالَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ إذا دَعاكم لِما يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤]، فَيَكُونُ (يَسْتَجِيبُ) بِمَعْنى يُجِيبُ، أوْ يَبْقى عَلى بابِهِ مِنَ الطَّلَبِ، أيْ يَسْتَدْعِي الَّذِينَ آمَنُوا الإجابَةَ مِن رَبِّهِمْ بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هَذا في فِعْلِهِمْ إذا دَعاهم. وعَنْ إبْراهِيمَ بْنِ أدْهَمَ أنَّهُ قِيلَ: ما بالُنا نَدْعُو فَلا نُجابُ ؟ قالَ: لِأنَّهُ دَعاكم فَلَمْ تُجِيبُوهُ، ثُمَّ قَرَأ: ﴿واللَّهُ يَدْعُو إلى دارِ السَّلامِ﴾ [يونس: ٢٥] .
﴿ويَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، قالَ الزَّجّاجُ: (الَّذِينَ) مَفْعُولٌ، واسْتَجابَ وأجابَ بِمَعْنًى واحِدٍ، فالمَعْنى: ويُجِيبُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا، (p-٥١٨)أيْ: لِلَّذِينِ، كَما قالَ:
فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذاكَ مُجِيبٌ أيْ: لَمْ يَجُبْهُ. ورُوِيَ هَذا المَعْنى عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ وابْنِ عَبّاسٍ.
﴿ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ﴾ أيْ: عَلى الثَّوابِ تَفَضُّلًا. وفي الحَدِيثِ: قَبُولُ الشَّفاعاتِ في المُؤْمِنِينَ والرِّضْوانِ. وقالَ خَبّابُ بْنُ الأرَتِّ: نَظَرْنا إلى أمْوالِ بَنِي قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ وبَنِي قَيْنُقاعَ فَتَمَنَّيْناها، فَنَزَلَتْ: ﴿ولَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا في الأرْضِ﴾ . وقالَ عَمْرُو بْنُ حُرَيْثٍ: طَلَبَ قَوْمٌ مِن أهْلِ الصُّفَّةِ مِنَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ ويَبْسُطَ لَهُمُ الأمْوالَ والأرْزاقَ، فَنَزَلَتْ. أعْلَمُ أنَّ الرِّزْقَ لَوْ جاءَ عَلى اقْتِراحِ البَشَرِ، لَكانَ سَبَبَ بَغْيِهِمْ وإفْسادِهِمْ، ولَكِنَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِالمَصْلَحَةِ. فَرُبَّ إنْسانٍ لا يَصْلُحُ ولا يَكْتَفِي شَرُّهُ إلّا بِالفَقْرِ، وآخَرُ بِالغِنى. وفي هَذا المَعْنى والتَّقْسِيمِ حَدِيثٌ رَواهُ أنَسٌ وقالَ: اللَّهُمَّ إنِّي مِن عِبادِكَ الَّذِينَ لا يُصْلِحُهم إلّا الغِنى، فَلا تُفْقِرْنِي. و(لَبَغَوْا) إمّا مِنَ البَذَخِ والكِبْرِ، أيْ: لَتَكَبَّرُوا في الأرْضِ، فَفَعَلُوا ما يَتْبَعُ الكِبْرَ مَعَ الغِنى. ألا تَرى إلى حالِ قارُونَ ؟ وفي الحَدِيثِ: «أخْوَفُ ما يُخافُ عَلى أُمَّتِي زَهْرَةُ الدُّنْيا» وقالَ الشّاعِرُ:
؎وقَدْ جَعَلُوا الوَسْمِيَّ يَنْبُتُ بَيْنَنا وبَيْنَ بَنِي رُومانَ نَبْعًا وشَوْحَطا
يَعْنِي: أنَّهم أحَبُّوا، فَجَذَبُوا أنْفُسَهم بِالبَغْيِ والفِتَنِ.
﴿ولَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ﴾، يُقالُ: قَدْرَ بِالسُّكُونِ وبِالفَتْحِ، أيْ: يُقَدِّرُ لَهم ما هو أصْلَحُ لَهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (قَنَطُوا)، بِفَتْحِ النُّونِ؛ والأعْمَشُ، وابْنُ وثّابٍ: بِكَسْرِها، ﴿ويَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾: يُظْهِرُها مِنَ آثارِ الغَيْثِ مِنَ المَنافِعِ والخَصْبِ، والظّاهِرُ أنَّ رَحْمَتَهُ نَشْرُها أعَمُّ مِمّا في الغَيْثِ. وقالَ السُّدِّيُّ: (رَحْمَتَهُ) الغَيْثُ، وعَدَّدَ النِّعْمَةَ بِعَيْنِها بِلَفْظَيْنِ. وقِيلَ: الرَّحْمَةُ هُنا ظُهُورُ الشَّمْسِ؛ لِأنَّهُ إذا دامَ المَطَرُ سُئِمَ، فَتَجِيءُ الشَّمْسُ بَعْدَهُ عَظِيمَةَ المَوْقِعِ، ذَكَرَهُ المَهْدَوِيُّ.
﴿وهُوَ الوَلِيُّ﴾: الَّذِي يَتَوَلّى عِبادَهُ، (الحَمِيدُ): المَحْمُودُ عَلى ما أسْدى مِن نَعْمائِهِ (وما بَثَّ) الظّاهِرُ أنَّهُ مَجْرُورٌ عَطْفًا عَلى السَّماواتِ والأرْضِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا عَطْفًا عَلى (خَلْقُ) عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: وخَلْقُ ما بَثَّ. وفِيهِما يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِمّا نُسِبَ فِيهِ (دابَّةٍ) إلى المَجْمُوعِ المَذْكُورِ، وإنْ كانَ مُلْتَبِسًا بِبَعْضِهِ. كَما يُقالُ: بَنُو فُلانٍ صَنَعُوا كَذا، وإنَّما صَنْعَهُ واحِدٌ مِنهم، ومِنهُ يَخْرُجُ مِنهُما، وإنَّما يَخْرُجُ مِنَ المِلْحِ، أوْ يَكُونُ مِنَ المَلائِكَةِ. بَعْضٌ يَمْشِي مَعَ الطَّيَرانِ، فَيُوصَفُ بِالدَّبِيبِ كَما يُوصَفُ بِهِ الأناسِيُّ، أوْ يَكُونُ قَدْ خَلَقَ في السَّماواتِ حَيَوانًا يَمْشِي مَعَ مَشْيِ الأناسِيِّ عَلى الأرْضِ، أوْ يُرِيدُ الحَيَوانَ الَّذِي يَكُونُ في السَّحابِ. وقَدْ يَقَعُ أحْيانًا، كالضَّفادِعِ، والسَّحابُ داخِلٌ في اسْمِ السَّماءِ.
وقالَ مُجاهِدٌ: ﴿وما بَثَّ فِيهِما مِن دابَّةٍ﴾: هُمُ النّاسُ والمَلائِكَةُ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ: هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: وما بَثَّ في أحَدِهِما. وقَرَأ الجُمْهُورُ (فِيهِما) بِالفاءِ، وكَذا هي في مُعْظَمِ المَصاحِفِ. واحْتَمَلَ (ما) أنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً، وهو الأظْهَرُ، وأنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً، والفاءُ تَدْخُلُ في خَبَرِ المَوْصُولِ إذا أُجْرِيَ مَجْرى الشَّرْطِ بِشَرائِطَ ذُكِرَتْ في النَّحْوِ، وهي مَوْجُودَةٌ. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ في رِوايَةٍ، وشَيْبَةُ (بِما) بِغَيْرِ فاءٍ، فَـ (ما) مَوْصُولَةٌ، ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً؛ وحُذِفَتِ الفاءُ لِأنَّ ذَلِكَ مِمّا يَخُصُّهُ سِيبَوَيْهِ بِالشِّعْرِ، وأجازَ ذَلِكَ الأخْفَشُ وبَعْضُ نُحاةِ بَغْدادَ وذَلِكَ عَلى إرادَةِ الفاءِ. وتَرَتُّبُ ما أصابَ مِنَ المَصائِبِ عَلى كَسْبِ الأيْدِي مَوْجُودٌ مَعَ الفاءِ ودُونِها هُنا، والمُصِيبَةُ: الرَّزايا والمَصائِبُ في الدُّنْيا، وهي مُجازاةٌ عَلى ذُنُوبِ المَرْءِ وتَمْحِيصٌ لِخَطاياهُ، وأنَّهُ تَعالى يَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ، ولا يُجازِي عَلَيْهِ بِمُصِيبَةٍ. وفي الحَدِيثِ: «لا يُصِيبُ ابْنُ آدَمَ خَدْشُ عَوْدٍ أوْ عَثْرَةُ قَدَمٍ ولا اخْتِلاجُ عِرْقٍ إلّا بِذَنْبٍ وما يَعْفُو عَنْهُ أكْثَرُ» . وسُئِلَ عِمْرانُ بْنُ حُصَيْنٍ عَنْ مَرَضِهِ فَقالَ؛ إنَّ أحَبَّهُ إلَيَّ أحَبُّهُ إلى اللَّهِ، وهَذا مِمّا كَسَبَتْ يَدايَ. ورُؤِيَ عَلى كَفِّ شُرَيْحٍ قُرْحَةٌ، فَقِيلَ: بِمَ هَذا ؟ فَقالَ: بِما كَسَبَتْ يَدايَ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الآيَةُ مَخْصُوصَةٌ بِالمُجْرِمِينَ، ولا يَمْتَنِعُ أنْ يَسْتَوْفِيَ اللَّهُ عِقابَ المُجْرِمِ ويَعْفُوَ عَنْ بَعْضٍ. فَأمّا مَن (p-٥١٩)لا جُرْمَ لَهُ، كالأنْبِياءِ والأطْفالِ والمَجانِينِ، فَهو كَما إذا أصابَهم شَيْءٌ مِن ألَمٍ أوْ غَيْرِهِ، فَلِلْعِوَضِ المُوفِي والمُصْلِحَةِ، وعَنْ عَلِيٍّ هَذِهِ أرْجى آيَةٍ لِلْمُؤْمِنِينَ. وقالَ الحَسَنُ: ﴿مِن مُصِيبَةٍ﴾ أيْ: حَدٍّ مِن حُدُودِ اللَّهِ، وتِلْكَ مَصائِبُ تَنْزِلُ بِشَخْصِ الإنْسانِ ونَفْسِهِ، فَإنَّما هي بِكَسْبِ أيْدِيكم.
(ويَعْفُو) اللَّهُ (عَنْ كَثِيرٍ)، فَيَسْتُرُهُ عَلى العِبادِ حَتّى لا يُحَدَّ عَلَيْهِ.
(وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ) أيْ: أنْتُمْ في قَبْضَةِ القُدْرَةِ. وقِيلَ: لَيْسَتِ المَصائِبُ مِنَ الأسْقامِ والقَحْطِ والغَرَقِ وغَيْرِ ذَلِكَ بِعُقُوباتٍ عَلى الذُّنُوبِ لِقَوْلِهِ: ﴿اليَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ [غافر: ١٧]، ولِاشْتِراكِ الصّالِحِ والطّالِحِ فِيهِما، بَلْ أكْثَرُ ما يُبْتَلى بِهِ الصّالِحُونَ المُتَّقُونَ. وفي الحَدِيثِ: «خُصَّ بِالبَلاءِ الأنْبِياءُ ثُمَّ الأمْثَلُ فالأمْثَلُ» . ولِأنَّ الدُّنْيا دارُ التَّكْلِيفِ، فَلَوْ حَصَلَ الجَزاءُ فِيها لَكانَتْ دارَ الجَزاءِ، ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ. وهَذا القَوْلُ يُؤَخِّرُهُ نُصُوصُ القُرْآنِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكُلًّا أخَذْنا بِذَنْبِهِ فَمِنهم مَن أرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِبًا﴾ [العنكبوت: ٤٠] الآيَةَ.
الشورى 42:30
﴿أمْ لَهم شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهم مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ ولَوْلا كَلِمَةُ الفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهم وإنَّ الظّالِمِينَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿تَرى الظّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا كَسَبُوا وهو واقِعٌ بِهِمْ والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ في رَوْضاتِ الجَنّاتِ لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هو الفَضْلُ الكَبِيرُ﴾ ﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى ومَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْنًا إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا فَإنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ ويَمْحُ اللَّهُ الباطِلَ ويُحِقُّ الحَقَّ بِكَلِماتِهِ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ ﴿وهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ ويَعْفُو عَنِ السَّيِّئاتِ ويَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ﴾ ﴿ويَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ والكافِرُونَ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ ﴿ولَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا في الأرْضِ ولَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ إنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ ﴿وهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الغَيْثَ مِن بَعْدِ ما قَنَطُوا ويَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وهو الوَلِيُّ الحَمِيدُ﴾ ﴿ومِن آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَثَّ فِيهِما مِن دابَّةٍ وهو عَلى جَمْعِهِمْ إذا يَشاءُ قَدِيرٌ﴾ ﴿وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكم ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ في الأرْضِ وما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ .
(p-٥٠٧)﴿أمْ لَهم شُرَكاءُ﴾: اسْتِفْهامُ تَقْرِيرٍ وتَوْبِيخٍ. لَمّا ذَكَرَ تَعالى أنَّهُ شَرَعَ لِلنّاسِ ﴿ما وصّى بِهِ نُوحًا﴾ [الشورى: ١٣] الآيَةَ، أخَذَ يُنْكِرُ ما شَرَعَ غَيْرُهُ تَعالى.
والشُّرَكاءُ هُنا يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ شُرَكاؤُهم في الكُفْرِ، كالشَّياطِينِ والمُغْوِينَ مِنَ النّاسِ. والضَّمِيرُ في (شَرَعُوا) عائِدٌ عَلى الشُّرَكاءِ، والضَّمِيرُ في (لَهم) عائِدٌ عَلى الكُفّارِ المُعاصِرِينَ لِلرَّسُولِ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ الأصْنامُ والأوْثانُ وكُلُّ مَن جَعَلُوهُ شَرِيكًا لِلَّهِ.
وأُضِيفَ الشُّرَكاءُ إلَيْهِمْ؛ لِأنَّهم مُتَّخِذُوها شُرَكاءَ لِلَّهِ، فَتارَةً إلَيْهِمْ بِهَذِهِ المُلابَسَةِ، وتارَةً إلى اللَّهِ.
والضَّمِيرُ في (شَرَعُوا) يَحْتَمِلُ أنْ يَعُودَ عَلى الشُّرَكاءِ، و(لَهم) عائِدٌ عَلى الكُفّارِ، لَمّا كانَتْ سَبَبًا لِضَلالِهِمْ وافْتِتانِهِمْ جُعِلَتْ شارِعَةً لِدِينِ الكُفْرِ، كَما قالَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿رَبِّ إنَّهُنَّ أضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ﴾ [إبراهيم: ٣٦] .
واحْتَمَلَ أنْ يَعُودَ عَلى الكُفّارِ، و(لَهم) عائِدٌ عَلى الشُّرَكاءِ، أيْ: شَرَعَ الكُفّارُ لِأصْنامِهِمْ ومَعْبُوداتِهِمْ، أيْ: رَسَمُوا لَهم غَوايَةً وأحْكامًا في المُعْتَقَداتِ، كَقَوْلِهِمْ: إنَّهم آلِهَةٌ، وإنَّ عِبادَتَهم تُقَرِّبُهم إلى اللَّهِ؛ ومِنَ الأحْكامِ: البَحِيرَةُ والوَصِيلَةُ والحامِي وغَيْرُ ذَلِكَ.
﴿ولَوْلا كَلِمَةُ الفَصْلِ﴾ أيِ: العِدَةُ بِأنَّ الفَصْلَ في الآخِرَةِ، أوْ لَوْلا القَضاءُ بِذَلِكَ لَقُضِيَ بَيْنَ المُؤْمِنِ والكافِرِ، أوْ بَيْنَ المُشْرِكِينَ وشُرَكائِهِمْ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: (إنَّ الظّالِمِينَ)، بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى الِاسْتِئْنافِ والإخْبارِ بِما يَنالُهم في الدُّنْيا مِنَ القَتْلِ والأسْرِ والنَّهْبِ، وفي الآخِرَةِ النّارُ. وقَرَأ الأعْرَجُ، ومُسْلِمُ بْنُ جُنْدُبٍ (وأنَّ) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ عَطْفًا عَلى كَلِمَةِ الفَصْلِ، فَهو في مَوْضِعِ رَفْعٍ، أيْ: ولَوْلا كَلِمَةُ الفَصْلِ وكَوْنُ الظّالِمِينَ لَهم عَذابٌ في الآخِرَةِ، لَقُضِيَ بَيْنَهم في الدُّنْيا وفُصِلَ بَيْنَ المُتَعاطِفَيْنِ بِجَوابِ لَوْلا، كَما فُصِلَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ لَكانَ لِزامًا وأجَلٌ مُسَمًّى﴾ [طه: ١٢٩] .
﴿تَرى الظّالِمِينَ﴾ أيْ: تُبْصِرُ الكافِرِينَ لِمُقابَلَتِهِ بِالمُؤْمِنِينَ، (مُشْفِقِينَ): خائِفِينَ الخَوْفَ الشَّدِيدَ، (مِمّا كَسَبُوا) مِنَ السَّيِّئاتِ، (وهو) أيِ: العَذابُ، أوْ يَعُودُ عَلى ما كَسَبُوا عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: وبالٌ كَسَبُوا مِنَ السَّيِّئاتِ، أوْ جَزاؤُهُ حالٌّ بِهِمْ.
﴿وهُوَ واقِعٌ﴾: فَإشْفاقُهم هو في هَذِهِ الحالِ، فَلَيْسُوا كالمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ هم في الدُّنْيا مُشْفِقُونَ مِنَ السّاعَةِ. ولَمّا كانَتِ الرَّوْضاتُ أحْسَنَ ما في الجَنّاتِ وأنْزَهَها وفي أعْلاها، ذَكَرَ أنَّ المُؤْمِنِينَ فِيها.
واللُّغَةُ الكَثِيرَةُ تَسْكِينُ الواوِ في رَوْضاتٍ، ولُغَةُ هُذَيْلِ بْنِ مُدْرِكَةَ فَتْحُ الواوِ إجْراءً لِلْمُعْتَلِّ مَجْرى الصَّحِيحِ نَحْوُ جَفَناتٍ، ولَمْ يَقْرَأْ أحَدٌ مِمَّنْ عَلِمْناهُ بِلُغَتِهِمْ.
و(عِنْدَ) ظَرْفٌ، قالَ الحَوْفِيُّ: مَعْمُولٌ لِـ (يَشاءُونَ) . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَنصُوبٌ بِالظَّرْفِ لا يَشاءُونَ. انْتَهى، وهو الصَّوابُ.
ويَعْنِي بِالظَّرْفِ: الجارُّ والمَجْرُورُ، وهو لَهم في الحَقِيقَةِ غَيْرُ مَعْمُولٍ لِلْعامِلِ في لَهم، والمَعْنى: ما يَشاءُونَ مِنَ النَّعِيمِ والثَّوابِ مُسْتَقِرٌّ لَهم.
(عِنْدَ رَبِّهِمْ): والعِنْدِيَّةُ عِنْدِيَّةُ المَكانَةِ والتَّشْرِيفِ لا عِنْدِيَّةُ المَكانَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يُبَشِّرُ) بِتَشْدِيدِ الشِّينِ، مِن بَشَّرَ؛ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَعْمُرَ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، والجَحْدَرِيُّ، والأعْمَشُ، وطَلْحَةُ في رِوايَةٍ، والكِسائِيُّ، وحَمْزَةُ: (يُبَشِّرُ) ثُلاثِيًّا؛ ومُجاهِدٌ، وحَمِيدُ بْنُ قَيْسٍ: بِضَمِّ الياءِ وتَخْفِيفِ الشِّينِ مِن أبْشَرَ، وهو مُعَدًّى بِالهَمْزَةِ مِن بَشِرَ اللّازِمِ المَكْسُورِ الشِّينِ.
وأمّا بَشَرَ بِفَتْحِها فَتَعَدَّ، وبَشَّرَ بِالتَّشْدِيدِ لِلتَّكْثِيرِ لا لِلتَّعْدِيَةِ؛ لِأنَّ المُتَعَدِّي إلى واحِدٍ، وهو مُخَفَّفٌ لا يُعَدّى بِالتَّضْعِيفِ إلَيْهِ؛ فالتَّضْعِيفُ فِيهِ لِلتَّكْثِيرِ لا لِلتَّعْدِيَةِ.
(ذَلِكَ): إشارَةٌ إلى ما أعَدَّ لَهم مِنَ الكَرامَةِ، وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ المَوْصُولِ، والعائِدُ عَلَيْهِ مَحْذُوفٌ، أيْ: يُبَشِّرُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ ذَلِكَ التَّبْشِيرُ الَّذِي يُبَشِّرُهُ اللَّهُ عِبادَهُ. انْتَهى.
ولا يَظْهَرُ هَذا الوَجْهُ، إذْ (p-٥١٦)لَمْ يَتَقَدَّمْ في هَذِهِ السُّورَةِ لَفْظُ البُشْرى، ولا ما يَدُلُّ عَلَيْها مِن تَبْشِيرٍ أوْ شَبَهِهِ.
ومِنَ النَّحْوِيِّينَ مَن جَعْلَ (الَّذِي) مَصْدَرِيَّةً، حَكاهُ ابْنُ مالِكٍ عَنْ يُونُسَ، وتُأوَّلُ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ، أيْ: ذَلِكَ تَبْشِيرُ اللَّهِ عِبادَهُ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّهُ إثْباتٌ لِلِاشْتِراكِ بَيْنَ مُخْتَلِفِي الحَدِّ بِغَيْرِ دَلِيلٍ.
وقَدْ ثَبَتَتِ اسْمِيَّةُ (الَّذِي) فَلا يُعْدَلُ عَنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ لا تَقُومُ بِهِ دَلِيلٌ ولا شُبْهَةٌ.
﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ . رُوِيَ أنَّهُ اجْتَمَعَ المُشْرِكُونَ في مَجْمَعٍ لَهم، فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: أتَرَوْنَ مُحَمَّدًا يَسْألُ أجْرًا عَلى ما يَتَعاطاهُ ؟ فَنَزَلَتْ. ورُوِيَ أنَّ الأنْصارَ أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِمالٍ جَمَعُوهُ وقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، هَدانا اللَّهُ بِكَ، وأنْتَ ابْنُ أُخْتِنا، وتَعْرُوكَ حُقُوقٌ وما لَكَ سِعَةٌ، فاسْتَعِنْ بِهَذا عَلى ما يَنُوبُكَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ، فَرَدَّهُ.
وقِيلَ: الخِطابُ مُتَوَجِّهٌ إلى قُرَيْشٍ حِينَ جَمَعُوا لَهُ مالًا وأرادُوا أنْ يَرْشُوهُ عَلَيْهِمْ عَلى أنْ يُمْسِكَ عَنْ سَبِّ آلِهَتِهِمْ، فَلَمْ يَفْعَلْ، ونَزَلَتْ.
فالمَعْنى: لا أسْألُكم مالًا ولا رِياسَةً، ولَكِنْ أسْألُكم أنْ تَرْعَوْا حَقَّ قَرابَتِي وتُصَدِّقُونِي فِيما جِئْتُكم بِهِ، وتُمْسِكُوا عَنْ أذِيَّتِي وأذِيَّةِ مَن تَبِعَنِي، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ وأبُو مالِكٍ والشَّعْبِيُّ وغَيْرُهم.
قالَ الشَّعْبِيُّ: أكْثَرَ النّاسُ عَلَيْنا في هَذِهِ الآيَةِ، فَكَتَبْنا إلى ابْنِ عَبّاسٍ نَسْألُهُ عَنْها، فَكَتَبَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ أوْسَطَ النّاسِ في قُرَيْشٍ، لَيْسَ بَطْنٌ مِن بُطُونِهِمْ إلّا وقَدْ ولَدَهُ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى: قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا أنْ تَوَدُّونِي في قَرابَتِي مِنكم، فارْعَوْا ما بَيْنِي وبَيْنَكم وصَدِّقُونِي.
وقالَ عِكْرِمَةُ: وكانَتْ قُرَيْشٌ تَصِلُ أرْحامَها. وقالَ الحَسَنُ: المَعْنى إلّا أنْ تَتَوَدَّدُوا إلى اللَّهِ بِالتَّقَرُّبِ إلَيْهِ.
وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ القاسِمِ: إلّا أنْ يَتَوَدَّدَ بَعْضُكم إلى بَعْضٍ وتَصِلُوا قَراباتِكم.
رُوِيَ أنَّ شَبابًا مِنَ الأنْصارِ فاخَرُوا المُهاجِرِينَ وصالُوا بِالقَوْلِ، فَنَزَلَتْ عَلى مَعْنى: أنْ لا تُؤْذُونِي في قَرابَتِي وتَحْفَظُونِي فِيهِمْ. وقالَ بِهَذا المَعْنى عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، واسْتَشْهَدَ بِالآيَةِ حِينَ سِيقَ إلى الشّامِ أسِيرًا، وهو قَوْلُ ابْنُ جُبَيْرٍ والسُّدِّيُّ وعَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، وعَلى هَذا التَّأْوِيلِ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قِيلَ يا رَسُولَ اللَّهِ: مَن قَرابَتُكَ الَّذِينَ أُمِرْنا بِمَوَدَّتِهِمْ ؟ فَقالَ: عَلِيٌّ وفاطِمَةُ وابْناهُما.
وقِيلَ: هم ولَدُ عَبْدِ المَطَّلِبِ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إلّا المَوَدَّةَ﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ؛ لِأنَّ المَوَدَّةَ لَيْسَتْ أجْرًا.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مُتَّصِلًا، أيْ: لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا هَذا: أنْ تَوَدُّوا أهْلَ قَرابَتِي، ولَمْ يَكُنْ هَذا أجْرًا في الحَقِيقَةِ؛ لِأنَّ قَرابَتَهُ قَرابَتُهم، فَكانَتْ صِلَتُهم لازِمَةً لَهم في المُرُوءَةِ.
وقالَ: فَإنْ قُلْتَ: هَلّا قِيلَ إلّا مَوَدَّةَ القُرْبى، أوْ إلّا المَوَدَّةَ لِلْقُرْبى ؟ قُلْتُ: جَعَلُوا مَكانًا لِلْمَوَدَّةِ ومَقَرًّا لَها، كَقَوْلِكَ: لِي في آلِ فُلانٍ مَوَدَّةٌ، ولِي فِيهِمْ هَوًى وحُبٌّ شَدِيدٌ، تُرِيدُ: أُحِبُّهم وهم مَكانُ حُبِّي ومَحِلُّهُ. ولَيْسَتْ في صِلَةٍ لِلْمَوَدَّةِ كاللّامِ، إذا قُلْتَ إلّا المَوَدَّةَ لِلْقُرْبى، إنَّما هي مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ تَعَلَّقَ الظَّرْفِ بِهِ في قَوْلِكَ: المالُ في الكِيسِ، وتَقْدِيرُهُ: إلّا المَوَدَّةَ ثابِتَةً في القُرْبى ومُتَمَكِّنَةً فِيها. انْتَهى، وهو حَسَنٌ وفِيهِ تَكْثِيرٌ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ (إلّا مَوَدَّةً) والجُمْهُورُ ﴿إلّا المَوَدَّةَ﴾ .
﴿ومَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً﴾ أيْ: يَكْتَسِبْ، والظّاهِرُ عُمُومُ الحَسَنَةِ عُمُومَ البَدَلِ، فَيَنْدَرِجُ فِيها المَوَدَّةُ في القُرْبى وغَيْرُها. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والسُّدِّيِّ، أنَّها المَوَدَّةُ في آلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
وقَرَأ الجُمْهُورُ: (نَزِدْ) بِالنُّونِ؛ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وعَبْدُ الوارِثِ عَنْ أبِي عَمْرٍو، وأحْمَدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ الكِسائِيِّ: (يَزِدْ) بِالياءِ، أيْ: يَزِدِ اللَّهُ.
والجُمْهُورُ: (حُسْنًا) بِالتَّنْوِينِ؛ وعَبْدُ الوارِثِ عَنْ أبِي عَمْرٍو: (حُسْنى) بِغَيْرِ تَنْوِينٍ، عَلى وزْنِ رُجْعى، وزِيادَةُ حُسْنِها: مُضاعَفَةُ أجْرِها.
(أنَّ اللَّهَ غَفُورٌ): ساتِرُ عُيُوبِ عِبادِهِ، (شَكُورٌ): مُجازٍ عَلى الدَّقِيقَةِ، لا يَضِيعُ عِنْدَهُ عَمَلُ العامِلِ.
وقالَ السُّدِّيُّ: غَفُورٌ لِذُنُوبِ آلِ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، شَكُورٌ لِحَسَناتِهِمْ.
﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾: أضْرَبَ عَنِ الكَلامِ المُتَقَدِّمِ مِن غَيْرِ إبْطالٍ، واسْتَفْهَمَ اسْتِفْهامَ إنْكارٍ وتَوْبِيخٍ عَلى هَذِهِ المَقالَةِ، أيْ: مِثْلُهُ لا يُنْسَبُ إلَيْهِ الكَذِبُ (p-٥١٧)عَلى اللَّهِ، مَعَ اعْتِرافِكم لَهُ قَبْلُ بِالصِّدْقِ والأمانَةِ.
﴿فَإنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ﴾، قالَ مُجاهِدٌ: يَرْبِطُ عَلى قَلْبِكَ بِالصَّبْرِ عَلى أذاهم، حَتّى لا يَشُقَّ عَلَيْكَ قَوْلُهم: إنَّكَ مُفْتَرٍ. وقالَ قَتادَةُ وجَماعَةٌ: ﴿يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ﴾: يُنْسِيكَ القُرْآنَ، والمُرادُ الرَّدُّ عَلى مَقالَةِ الكُفّارِ وبَيانُ إبْطالِها، وذَلِكَ كَأنَّهُ يَقُولُ: وكَيْفَ يَصِحُّ أنْ تَكُونَ مُفْتَرِياتٍ وأنْتَ مِنَ اللَّهِ بِمَرْأًى ومَسْمَعٍ وهو قادِرٌ، ولَوْ شاءَ أنْ يَخْتِمَ عَلى قَلْبِكَ فَلا تَعْقِلُ ولا تَنْطِقُ ولا يَسْتَمِرُّ افْتِراؤُكَ، فَقَصَدَ اللَّفْظُ هَذا المَعْنى، وحُذِفَ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ الظّاهِرُ اخْتِصارًا واقْتِصارًا. انْتَهى.
هَكَذا أوْرَدَ هَذا التَّأْوِيلُ عَنْ قَتادَةَ ابْنُ عَطِيَّةَ، وفي ألْفاظِهِ فَظاظَةٌ لا تَلِيقُ أنْ تُنْسَبَ لِلْأنْبِياءِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَنْ قَتادَةَ: يُنْسِيكَ القُرْآنَ ويَنْقَطِعُ عَنْكَ الوَحْيُ، يَعْنِي لَوِ افْتَرى عَلى اللَّهِ الكَذِبَ لَفُعِلَ بِهِ ذَلِكَ. انْتَهى.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ أيْضًا: فَإنْ يَشَأِ اللَّهُ يَجْعَلْكَ مِنَ المَخْتُومِ عَلى قُلُوبِهِمْ حَتّى تَفْتَرِيَ عَلَيْهِ الكَذِبَ، فَإنَّهُ لا يَجْتَرِئُ عَلى افْتِراءِ الكَذِبِ عَلى اللَّهِ إلّا مَن كانَ في مِثْلِ حالِهِمْ، وهَذا الأُسْلُوبُ مُؤَدّاهُ اسْتِبْعادُ الِافْتِراءِ مِن مِثْلِهِ، وأنَّهُ في البُعْدِ مِثْلُ الشِّرْكِ بِاللَّهِ والدُّخُولِ في جُمْلَةِ المَخْتُومِ عَلى قُلُوبِهِمْ.
ومِثالُ هَذا أنْ يَخُونَ بَعْضُ الأُمَناءِ فَيَقُولُ: لَعَلَّ اللَّهَ خَذَلَنِي، لَعَلَّ اللَّهَ أعْمى قَلْبِي، وهو لا يُرِيدُ إثْباتَ الخِذْلانِ وعَمى القَلْبِ، وإنَّما يُرِيدُ اسْتِبْعادَ أنْ يَخُونَ مِثْلُهُ، والتَّنْبِيهُ عَلى أنَّهُ رَكِبَ مِن تَخْوِينِهِ أمْرٌ عَظِيمٌ. ثُمَّ قالَ: ومِن عادَةِ اللَّهِ أنْ يَمْحُوَ الباطِلَ ويُثْبِتَ الحَقَّ بِوَحْيِهِ أوْ بِقَضائِهِ لِقَوْلِهِ: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالحَقِّ عَلى الباطِلِ فَيَدْمَغُهُ﴾ [الأنبياء: ١٨]، يَعْنِي: لَوْ كانَ مُفْتَرِيًا، كَما يَزْعُمُونَ، لَكَشَفَ اللَّهُ افْتِراءَهُ ومَحَقَهُ، وقَذَفَ بِالحَقِّ عَلى الباطِلِ فَدَمَغَهُ. انْتَهى.
وقِيلَ: المَعْنى لَوِ افْتَرَيْتَ عَلى اللَّهِ، لَطَبَعَ عَلى قَلْبِكَ حَتّى لا تَقْدِرَ عَلى حِفْظِ القُرْآنِ. وقِيلَ: لَخَتَمَ عَلى قَلْبِكَ بِالصِّدْقِ واليَقِينِ، وقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ.
وذَكَرَ القُشَيْرِيُّ أنَّ المَعْنى: يَخْتِمُ عَلى قُلُوبِ الكُفّارِ وعَلى ألْسِنَتِهِمْ ويُعاجِلُهم بِالعَذابِ. انْتَهى، فَيَكُونُ التِفاتًا مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ، ومِنَ الجَمْعِ إلى الإفْرادِ، أيْ: يَخْتِمُ عَلى قَلْبِكَ أيُّها القائِلُ أنَّهُ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا.
﴿ويَمْحُو اللَّهُ الباطِلَ﴾: اسْتِئْنافُ إخْبارٍ، أيْ: يَمْحُوهُ إمّا في الدُّنْيا وإمّا في الآخِرَةِ حَيْثُ نازِلُهُ. وكُتِبَ (ويَمْحُ) بِغَيْرِ واوٍ، كَما كَتَبُوا (سَنَدْعُ) بِغَيْرِ واوٍ، اعْتِبارًا بِعَدَمِ ظُهُورِها؛ لِأنَّهُ لا يُوقَفُ عَلَيْها وقْفَ اخْتِيارٍ.
ولَمّا سَقَطَتْ مِنَ اللَّفْظِ سَقَطَتْ مِنَ الخَطِّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ عِدَةً لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِأنَّهُ يَمْحُو الباطِلَ الَّذِي هم عَلَيْهِ مِنَ البُهْتِ والتَّكْذِيبِ، ويُثْبِتُ الحَقَّ الَّذِي أنْتَ عَلَيْهِ بِالقُرْآنِ وبِقَضائِهِ الَّذِي لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ نُصْرَتِكَ عَلَيْهِمْ. إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما في صَدْرِكَ وصُدُورِهِمْ، فَيُجْرِي الأمْرَ عَلى حَسَبِ ذَلِكَ. انْتَهى. قِيلَ: ويُحِقُّ الإسْلامَ بِكَلِماتِهِ، أيْ: بِما أنْزَلَ مِنَ القُرْآنِ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في شَرائِطِ التَّوْبَةِ، يُقالُ: قَبِلْتُ مِنهُ الشَّيْءَ بِمَعْنى: أخَذْتُهُ مِنهُ، لِقَوْلِهِ: ﴿وما مَنَعَهم أنْ تُقْبَلَ مِنهم نَفَقاتُهُمْ﴾ [التوبة: ٥٤] أيْ: تُؤْخَذَ، أيْ: جَعَلْتُهُ مَبْدَأ قَبُولِي ومَنشَأهُ، وقَبِلْتُهُ عَنْهُ: عَزَلْتُهُ عَنْهُ وأبَنْتُهُ، فَمَعْنى (عَنْ عِبادِهِ) أيْ: يُزِيلُ الرُّجُوعَ عَنِ المَعاصِي.
﴿ويَعْفُو عَنِ السَّيِّئاتِ﴾، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَنِ السَّيِّئاتِ إذا تِيبَ عَنْها، وعَنِ الصَّغائِرِ إذا اجْتُنِبَتِ الكَبائِرُ. انْتَهى، وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ.
إنَّ الكَبائِرَ لا يُعْفى عَنْها إلّا بِالتَّوْبَةِ، ﴿ويَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ﴾، فَيُثِيبُ ويُعاقِبُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (ما يَفْعَلُونَ) بِياءِ الغَيْبَةِ؛ وعَبْدُ اللَّهِ، وعَلْقَمَةُ، والأخَوانِ، وحَفْصٌ: بِتاءِ الخِطابِ. والظّاهِرُ أنَّ (الَّذِينَ) فاعِلٌ، (ويَسْتَجِيبُ) أيْ: ويُجِيبُ، (الَّذِينَ آمَنُوا) لِرَبِّهِمْ، كَما قالَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ إذا دَعاكم لِما يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤]، فَيَكُونُ (يَسْتَجِيبُ) بِمَعْنى يُجِيبُ، أوْ يَبْقى عَلى بابِهِ مِنَ الطَّلَبِ، أيْ يَسْتَدْعِي الَّذِينَ آمَنُوا الإجابَةَ مِن رَبِّهِمْ بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هَذا في فِعْلِهِمْ إذا دَعاهم. وعَنْ إبْراهِيمَ بْنِ أدْهَمَ أنَّهُ قِيلَ: ما بالُنا نَدْعُو فَلا نُجابُ ؟ قالَ: لِأنَّهُ دَعاكم فَلَمْ تُجِيبُوهُ، ثُمَّ قَرَأ: ﴿واللَّهُ يَدْعُو إلى دارِ السَّلامِ﴾ [يونس: ٢٥] .
﴿ويَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، قالَ الزَّجّاجُ: (الَّذِينَ) مَفْعُولٌ، واسْتَجابَ وأجابَ بِمَعْنًى واحِدٍ، فالمَعْنى: ويُجِيبُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا، (p-٥١٨)أيْ: لِلَّذِينِ، كَما قالَ:
فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذاكَ مُجِيبٌ أيْ: لَمْ يَجُبْهُ. ورُوِيَ هَذا المَعْنى عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ وابْنِ عَبّاسٍ.
﴿ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ﴾ أيْ: عَلى الثَّوابِ تَفَضُّلًا. وفي الحَدِيثِ: قَبُولُ الشَّفاعاتِ في المُؤْمِنِينَ والرِّضْوانِ. وقالَ خَبّابُ بْنُ الأرَتِّ: نَظَرْنا إلى أمْوالِ بَنِي قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ وبَنِي قَيْنُقاعَ فَتَمَنَّيْناها، فَنَزَلَتْ: ﴿ولَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا في الأرْضِ﴾ . وقالَ عَمْرُو بْنُ حُرَيْثٍ: طَلَبَ قَوْمٌ مِن أهْلِ الصُّفَّةِ مِنَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ ويَبْسُطَ لَهُمُ الأمْوالَ والأرْزاقَ، فَنَزَلَتْ. أعْلَمُ أنَّ الرِّزْقَ لَوْ جاءَ عَلى اقْتِراحِ البَشَرِ، لَكانَ سَبَبَ بَغْيِهِمْ وإفْسادِهِمْ، ولَكِنَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِالمَصْلَحَةِ. فَرُبَّ إنْسانٍ لا يَصْلُحُ ولا يَكْتَفِي شَرُّهُ إلّا بِالفَقْرِ، وآخَرُ بِالغِنى. وفي هَذا المَعْنى والتَّقْسِيمِ حَدِيثٌ رَواهُ أنَسٌ وقالَ: اللَّهُمَّ إنِّي مِن عِبادِكَ الَّذِينَ لا يُصْلِحُهم إلّا الغِنى، فَلا تُفْقِرْنِي. و(لَبَغَوْا) إمّا مِنَ البَذَخِ والكِبْرِ، أيْ: لَتَكَبَّرُوا في الأرْضِ، فَفَعَلُوا ما يَتْبَعُ الكِبْرَ مَعَ الغِنى. ألا تَرى إلى حالِ قارُونَ ؟ وفي الحَدِيثِ: «أخْوَفُ ما يُخافُ عَلى أُمَّتِي زَهْرَةُ الدُّنْيا» وقالَ الشّاعِرُ:
؎وقَدْ جَعَلُوا الوَسْمِيَّ يَنْبُتُ بَيْنَنا وبَيْنَ بَنِي رُومانَ نَبْعًا وشَوْحَطا
يَعْنِي: أنَّهم أحَبُّوا، فَجَذَبُوا أنْفُسَهم بِالبَغْيِ والفِتَنِ.
﴿ولَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ﴾، يُقالُ: قَدْرَ بِالسُّكُونِ وبِالفَتْحِ، أيْ: يُقَدِّرُ لَهم ما هو أصْلَحُ لَهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (قَنَطُوا)، بِفَتْحِ النُّونِ؛ والأعْمَشُ، وابْنُ وثّابٍ: بِكَسْرِها، ﴿ويَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾: يُظْهِرُها مِنَ آثارِ الغَيْثِ مِنَ المَنافِعِ والخَصْبِ، والظّاهِرُ أنَّ رَحْمَتَهُ نَشْرُها أعَمُّ مِمّا في الغَيْثِ. وقالَ السُّدِّيُّ: (رَحْمَتَهُ) الغَيْثُ، وعَدَّدَ النِّعْمَةَ بِعَيْنِها بِلَفْظَيْنِ. وقِيلَ: الرَّحْمَةُ هُنا ظُهُورُ الشَّمْسِ؛ لِأنَّهُ إذا دامَ المَطَرُ سُئِمَ، فَتَجِيءُ الشَّمْسُ بَعْدَهُ عَظِيمَةَ المَوْقِعِ، ذَكَرَهُ المَهْدَوِيُّ.
﴿وهُوَ الوَلِيُّ﴾: الَّذِي يَتَوَلّى عِبادَهُ، (الحَمِيدُ): المَحْمُودُ عَلى ما أسْدى مِن نَعْمائِهِ (وما بَثَّ) الظّاهِرُ أنَّهُ مَجْرُورٌ عَطْفًا عَلى السَّماواتِ والأرْضِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا عَطْفًا عَلى (خَلْقُ) عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: وخَلْقُ ما بَثَّ. وفِيهِما يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِمّا نُسِبَ فِيهِ (دابَّةٍ) إلى المَجْمُوعِ المَذْكُورِ، وإنْ كانَ مُلْتَبِسًا بِبَعْضِهِ. كَما يُقالُ: بَنُو فُلانٍ صَنَعُوا كَذا، وإنَّما صَنْعَهُ واحِدٌ مِنهم، ومِنهُ يَخْرُجُ مِنهُما، وإنَّما يَخْرُجُ مِنَ المِلْحِ، أوْ يَكُونُ مِنَ المَلائِكَةِ. بَعْضٌ يَمْشِي مَعَ الطَّيَرانِ، فَيُوصَفُ بِالدَّبِيبِ كَما يُوصَفُ بِهِ الأناسِيُّ، أوْ يَكُونُ قَدْ خَلَقَ في السَّماواتِ حَيَوانًا يَمْشِي مَعَ مَشْيِ الأناسِيِّ عَلى الأرْضِ، أوْ يُرِيدُ الحَيَوانَ الَّذِي يَكُونُ في السَّحابِ. وقَدْ يَقَعُ أحْيانًا، كالضَّفادِعِ، والسَّحابُ داخِلٌ في اسْمِ السَّماءِ.
وقالَ مُجاهِدٌ: ﴿وما بَثَّ فِيهِما مِن دابَّةٍ﴾: هُمُ النّاسُ والمَلائِكَةُ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ: هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: وما بَثَّ في أحَدِهِما. وقَرَأ الجُمْهُورُ (فِيهِما) بِالفاءِ، وكَذا هي في مُعْظَمِ المَصاحِفِ. واحْتَمَلَ (ما) أنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً، وهو الأظْهَرُ، وأنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً، والفاءُ تَدْخُلُ في خَبَرِ المَوْصُولِ إذا أُجْرِيَ مَجْرى الشَّرْطِ بِشَرائِطَ ذُكِرَتْ في النَّحْوِ، وهي مَوْجُودَةٌ. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ في رِوايَةٍ، وشَيْبَةُ (بِما) بِغَيْرِ فاءٍ، فَـ (ما) مَوْصُولَةٌ، ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً؛ وحُذِفَتِ الفاءُ لِأنَّ ذَلِكَ مِمّا يَخُصُّهُ سِيبَوَيْهِ بِالشِّعْرِ، وأجازَ ذَلِكَ الأخْفَشُ وبَعْضُ نُحاةِ بَغْدادَ وذَلِكَ عَلى إرادَةِ الفاءِ. وتَرَتُّبُ ما أصابَ مِنَ المَصائِبِ عَلى كَسْبِ الأيْدِي مَوْجُودٌ مَعَ الفاءِ ودُونِها هُنا، والمُصِيبَةُ: الرَّزايا والمَصائِبُ في الدُّنْيا، وهي مُجازاةٌ عَلى ذُنُوبِ المَرْءِ وتَمْحِيصٌ لِخَطاياهُ، وأنَّهُ تَعالى يَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ، ولا يُجازِي عَلَيْهِ بِمُصِيبَةٍ. وفي الحَدِيثِ: «لا يُصِيبُ ابْنُ آدَمَ خَدْشُ عَوْدٍ أوْ عَثْرَةُ قَدَمٍ ولا اخْتِلاجُ عِرْقٍ إلّا بِذَنْبٍ وما يَعْفُو عَنْهُ أكْثَرُ» . وسُئِلَ عِمْرانُ بْنُ حُصَيْنٍ عَنْ مَرَضِهِ فَقالَ؛ إنَّ أحَبَّهُ إلَيَّ أحَبُّهُ إلى اللَّهِ، وهَذا مِمّا كَسَبَتْ يَدايَ. ورُؤِيَ عَلى كَفِّ شُرَيْحٍ قُرْحَةٌ، فَقِيلَ: بِمَ هَذا ؟ فَقالَ: بِما كَسَبَتْ يَدايَ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الآيَةُ مَخْصُوصَةٌ بِالمُجْرِمِينَ، ولا يَمْتَنِعُ أنْ يَسْتَوْفِيَ اللَّهُ عِقابَ المُجْرِمِ ويَعْفُوَ عَنْ بَعْضٍ. فَأمّا مَن (p-٥١٩)لا جُرْمَ لَهُ، كالأنْبِياءِ والأطْفالِ والمَجانِينِ، فَهو كَما إذا أصابَهم شَيْءٌ مِن ألَمٍ أوْ غَيْرِهِ، فَلِلْعِوَضِ المُوفِي والمُصْلِحَةِ، وعَنْ عَلِيٍّ هَذِهِ أرْجى آيَةٍ لِلْمُؤْمِنِينَ. وقالَ الحَسَنُ: ﴿مِن مُصِيبَةٍ﴾ أيْ: حَدٍّ مِن حُدُودِ اللَّهِ، وتِلْكَ مَصائِبُ تَنْزِلُ بِشَخْصِ الإنْسانِ ونَفْسِهِ، فَإنَّما هي بِكَسْبِ أيْدِيكم.
(ويَعْفُو) اللَّهُ (عَنْ كَثِيرٍ)، فَيَسْتُرُهُ عَلى العِبادِ حَتّى لا يُحَدَّ عَلَيْهِ.
(وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ) أيْ: أنْتُمْ في قَبْضَةِ القُدْرَةِ. وقِيلَ: لَيْسَتِ المَصائِبُ مِنَ الأسْقامِ والقَحْطِ والغَرَقِ وغَيْرِ ذَلِكَ بِعُقُوباتٍ عَلى الذُّنُوبِ لِقَوْلِهِ: ﴿اليَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ [غافر: ١٧]، ولِاشْتِراكِ الصّالِحِ والطّالِحِ فِيهِما، بَلْ أكْثَرُ ما يُبْتَلى بِهِ الصّالِحُونَ المُتَّقُونَ. وفي الحَدِيثِ: «خُصَّ بِالبَلاءِ الأنْبِياءُ ثُمَّ الأمْثَلُ فالأمْثَلُ» . ولِأنَّ الدُّنْيا دارُ التَّكْلِيفِ، فَلَوْ حَصَلَ الجَزاءُ فِيها لَكانَتْ دارَ الجَزاءِ، ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ. وهَذا القَوْلُ يُؤَخِّرُهُ نُصُوصُ القُرْآنِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكُلًّا أخَذْنا بِذَنْبِهِ فَمِنهم مَن أرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِبًا﴾ [العنكبوت: ٤٠] الآيَةَ.
الشورى 42:31
﴿أمْ لَهم شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهم مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ ولَوْلا كَلِمَةُ الفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهم وإنَّ الظّالِمِينَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿تَرى الظّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا كَسَبُوا وهو واقِعٌ بِهِمْ والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ في رَوْضاتِ الجَنّاتِ لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هو الفَضْلُ الكَبِيرُ﴾ ﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى ومَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْنًا إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا فَإنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ ويَمْحُ اللَّهُ الباطِلَ ويُحِقُّ الحَقَّ بِكَلِماتِهِ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ ﴿وهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ ويَعْفُو عَنِ السَّيِّئاتِ ويَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ﴾ ﴿ويَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ والكافِرُونَ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ ﴿ولَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا في الأرْضِ ولَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ إنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ ﴿وهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الغَيْثَ مِن بَعْدِ ما قَنَطُوا ويَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وهو الوَلِيُّ الحَمِيدُ﴾ ﴿ومِن آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَثَّ فِيهِما مِن دابَّةٍ وهو عَلى جَمْعِهِمْ إذا يَشاءُ قَدِيرٌ﴾ ﴿وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكم ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ في الأرْضِ وما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ .
(p-٥٠٧)﴿أمْ لَهم شُرَكاءُ﴾: اسْتِفْهامُ تَقْرِيرٍ وتَوْبِيخٍ. لَمّا ذَكَرَ تَعالى أنَّهُ شَرَعَ لِلنّاسِ ﴿ما وصّى بِهِ نُوحًا﴾ [الشورى: ١٣] الآيَةَ، أخَذَ يُنْكِرُ ما شَرَعَ غَيْرُهُ تَعالى.
والشُّرَكاءُ هُنا يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ شُرَكاؤُهم في الكُفْرِ، كالشَّياطِينِ والمُغْوِينَ مِنَ النّاسِ. والضَّمِيرُ في (شَرَعُوا) عائِدٌ عَلى الشُّرَكاءِ، والضَّمِيرُ في (لَهم) عائِدٌ عَلى الكُفّارِ المُعاصِرِينَ لِلرَّسُولِ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ الأصْنامُ والأوْثانُ وكُلُّ مَن جَعَلُوهُ شَرِيكًا لِلَّهِ.
وأُضِيفَ الشُّرَكاءُ إلَيْهِمْ؛ لِأنَّهم مُتَّخِذُوها شُرَكاءَ لِلَّهِ، فَتارَةً إلَيْهِمْ بِهَذِهِ المُلابَسَةِ، وتارَةً إلى اللَّهِ.
والضَّمِيرُ في (شَرَعُوا) يَحْتَمِلُ أنْ يَعُودَ عَلى الشُّرَكاءِ، و(لَهم) عائِدٌ عَلى الكُفّارِ، لَمّا كانَتْ سَبَبًا لِضَلالِهِمْ وافْتِتانِهِمْ جُعِلَتْ شارِعَةً لِدِينِ الكُفْرِ، كَما قالَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿رَبِّ إنَّهُنَّ أضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ﴾ [إبراهيم: ٣٦] .
واحْتَمَلَ أنْ يَعُودَ عَلى الكُفّارِ، و(لَهم) عائِدٌ عَلى الشُّرَكاءِ، أيْ: شَرَعَ الكُفّارُ لِأصْنامِهِمْ ومَعْبُوداتِهِمْ، أيْ: رَسَمُوا لَهم غَوايَةً وأحْكامًا في المُعْتَقَداتِ، كَقَوْلِهِمْ: إنَّهم آلِهَةٌ، وإنَّ عِبادَتَهم تُقَرِّبُهم إلى اللَّهِ؛ ومِنَ الأحْكامِ: البَحِيرَةُ والوَصِيلَةُ والحامِي وغَيْرُ ذَلِكَ.
﴿ولَوْلا كَلِمَةُ الفَصْلِ﴾ أيِ: العِدَةُ بِأنَّ الفَصْلَ في الآخِرَةِ، أوْ لَوْلا القَضاءُ بِذَلِكَ لَقُضِيَ بَيْنَ المُؤْمِنِ والكافِرِ، أوْ بَيْنَ المُشْرِكِينَ وشُرَكائِهِمْ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: (إنَّ الظّالِمِينَ)، بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى الِاسْتِئْنافِ والإخْبارِ بِما يَنالُهم في الدُّنْيا مِنَ القَتْلِ والأسْرِ والنَّهْبِ، وفي الآخِرَةِ النّارُ. وقَرَأ الأعْرَجُ، ومُسْلِمُ بْنُ جُنْدُبٍ (وأنَّ) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ عَطْفًا عَلى كَلِمَةِ الفَصْلِ، فَهو في مَوْضِعِ رَفْعٍ، أيْ: ولَوْلا كَلِمَةُ الفَصْلِ وكَوْنُ الظّالِمِينَ لَهم عَذابٌ في الآخِرَةِ، لَقُضِيَ بَيْنَهم في الدُّنْيا وفُصِلَ بَيْنَ المُتَعاطِفَيْنِ بِجَوابِ لَوْلا، كَما فُصِلَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ لَكانَ لِزامًا وأجَلٌ مُسَمًّى﴾ [طه: ١٢٩] .
﴿تَرى الظّالِمِينَ﴾ أيْ: تُبْصِرُ الكافِرِينَ لِمُقابَلَتِهِ بِالمُؤْمِنِينَ، (مُشْفِقِينَ): خائِفِينَ الخَوْفَ الشَّدِيدَ، (مِمّا كَسَبُوا) مِنَ السَّيِّئاتِ، (وهو) أيِ: العَذابُ، أوْ يَعُودُ عَلى ما كَسَبُوا عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: وبالٌ كَسَبُوا مِنَ السَّيِّئاتِ، أوْ جَزاؤُهُ حالٌّ بِهِمْ.
﴿وهُوَ واقِعٌ﴾: فَإشْفاقُهم هو في هَذِهِ الحالِ، فَلَيْسُوا كالمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ هم في الدُّنْيا مُشْفِقُونَ مِنَ السّاعَةِ. ولَمّا كانَتِ الرَّوْضاتُ أحْسَنَ ما في الجَنّاتِ وأنْزَهَها وفي أعْلاها، ذَكَرَ أنَّ المُؤْمِنِينَ فِيها.
واللُّغَةُ الكَثِيرَةُ تَسْكِينُ الواوِ في رَوْضاتٍ، ولُغَةُ هُذَيْلِ بْنِ مُدْرِكَةَ فَتْحُ الواوِ إجْراءً لِلْمُعْتَلِّ مَجْرى الصَّحِيحِ نَحْوُ جَفَناتٍ، ولَمْ يَقْرَأْ أحَدٌ مِمَّنْ عَلِمْناهُ بِلُغَتِهِمْ.
و(عِنْدَ) ظَرْفٌ، قالَ الحَوْفِيُّ: مَعْمُولٌ لِـ (يَشاءُونَ) . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَنصُوبٌ بِالظَّرْفِ لا يَشاءُونَ. انْتَهى، وهو الصَّوابُ.
ويَعْنِي بِالظَّرْفِ: الجارُّ والمَجْرُورُ، وهو لَهم في الحَقِيقَةِ غَيْرُ مَعْمُولٍ لِلْعامِلِ في لَهم، والمَعْنى: ما يَشاءُونَ مِنَ النَّعِيمِ والثَّوابِ مُسْتَقِرٌّ لَهم.
(عِنْدَ رَبِّهِمْ): والعِنْدِيَّةُ عِنْدِيَّةُ المَكانَةِ والتَّشْرِيفِ لا عِنْدِيَّةُ المَكانَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يُبَشِّرُ) بِتَشْدِيدِ الشِّينِ، مِن بَشَّرَ؛ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَعْمُرَ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، والجَحْدَرِيُّ، والأعْمَشُ، وطَلْحَةُ في رِوايَةٍ، والكِسائِيُّ، وحَمْزَةُ: (يُبَشِّرُ) ثُلاثِيًّا؛ ومُجاهِدٌ، وحَمِيدُ بْنُ قَيْسٍ: بِضَمِّ الياءِ وتَخْفِيفِ الشِّينِ مِن أبْشَرَ، وهو مُعَدًّى بِالهَمْزَةِ مِن بَشِرَ اللّازِمِ المَكْسُورِ الشِّينِ.
وأمّا بَشَرَ بِفَتْحِها فَتَعَدَّ، وبَشَّرَ بِالتَّشْدِيدِ لِلتَّكْثِيرِ لا لِلتَّعْدِيَةِ؛ لِأنَّ المُتَعَدِّي إلى واحِدٍ، وهو مُخَفَّفٌ لا يُعَدّى بِالتَّضْعِيفِ إلَيْهِ؛ فالتَّضْعِيفُ فِيهِ لِلتَّكْثِيرِ لا لِلتَّعْدِيَةِ.
(ذَلِكَ): إشارَةٌ إلى ما أعَدَّ لَهم مِنَ الكَرامَةِ، وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ المَوْصُولِ، والعائِدُ عَلَيْهِ مَحْذُوفٌ، أيْ: يُبَشِّرُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ ذَلِكَ التَّبْشِيرُ الَّذِي يُبَشِّرُهُ اللَّهُ عِبادَهُ. انْتَهى.
ولا يَظْهَرُ هَذا الوَجْهُ، إذْ (p-٥١٦)لَمْ يَتَقَدَّمْ في هَذِهِ السُّورَةِ لَفْظُ البُشْرى، ولا ما يَدُلُّ عَلَيْها مِن تَبْشِيرٍ أوْ شَبَهِهِ.
ومِنَ النَّحْوِيِّينَ مَن جَعْلَ (الَّذِي) مَصْدَرِيَّةً، حَكاهُ ابْنُ مالِكٍ عَنْ يُونُسَ، وتُأوَّلُ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ، أيْ: ذَلِكَ تَبْشِيرُ اللَّهِ عِبادَهُ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّهُ إثْباتٌ لِلِاشْتِراكِ بَيْنَ مُخْتَلِفِي الحَدِّ بِغَيْرِ دَلِيلٍ.
وقَدْ ثَبَتَتِ اسْمِيَّةُ (الَّذِي) فَلا يُعْدَلُ عَنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ لا تَقُومُ بِهِ دَلِيلٌ ولا شُبْهَةٌ.
﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ . رُوِيَ أنَّهُ اجْتَمَعَ المُشْرِكُونَ في مَجْمَعٍ لَهم، فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: أتَرَوْنَ مُحَمَّدًا يَسْألُ أجْرًا عَلى ما يَتَعاطاهُ ؟ فَنَزَلَتْ. ورُوِيَ أنَّ الأنْصارَ أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِمالٍ جَمَعُوهُ وقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، هَدانا اللَّهُ بِكَ، وأنْتَ ابْنُ أُخْتِنا، وتَعْرُوكَ حُقُوقٌ وما لَكَ سِعَةٌ، فاسْتَعِنْ بِهَذا عَلى ما يَنُوبُكَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ، فَرَدَّهُ.
وقِيلَ: الخِطابُ مُتَوَجِّهٌ إلى قُرَيْشٍ حِينَ جَمَعُوا لَهُ مالًا وأرادُوا أنْ يَرْشُوهُ عَلَيْهِمْ عَلى أنْ يُمْسِكَ عَنْ سَبِّ آلِهَتِهِمْ، فَلَمْ يَفْعَلْ، ونَزَلَتْ.
فالمَعْنى: لا أسْألُكم مالًا ولا رِياسَةً، ولَكِنْ أسْألُكم أنْ تَرْعَوْا حَقَّ قَرابَتِي وتُصَدِّقُونِي فِيما جِئْتُكم بِهِ، وتُمْسِكُوا عَنْ أذِيَّتِي وأذِيَّةِ مَن تَبِعَنِي، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ وأبُو مالِكٍ والشَّعْبِيُّ وغَيْرُهم.
قالَ الشَّعْبِيُّ: أكْثَرَ النّاسُ عَلَيْنا في هَذِهِ الآيَةِ، فَكَتَبْنا إلى ابْنِ عَبّاسٍ نَسْألُهُ عَنْها، فَكَتَبَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ أوْسَطَ النّاسِ في قُرَيْشٍ، لَيْسَ بَطْنٌ مِن بُطُونِهِمْ إلّا وقَدْ ولَدَهُ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى: قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا أنْ تَوَدُّونِي في قَرابَتِي مِنكم، فارْعَوْا ما بَيْنِي وبَيْنَكم وصَدِّقُونِي.
وقالَ عِكْرِمَةُ: وكانَتْ قُرَيْشٌ تَصِلُ أرْحامَها. وقالَ الحَسَنُ: المَعْنى إلّا أنْ تَتَوَدَّدُوا إلى اللَّهِ بِالتَّقَرُّبِ إلَيْهِ.
وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ القاسِمِ: إلّا أنْ يَتَوَدَّدَ بَعْضُكم إلى بَعْضٍ وتَصِلُوا قَراباتِكم.
رُوِيَ أنَّ شَبابًا مِنَ الأنْصارِ فاخَرُوا المُهاجِرِينَ وصالُوا بِالقَوْلِ، فَنَزَلَتْ عَلى مَعْنى: أنْ لا تُؤْذُونِي في قَرابَتِي وتَحْفَظُونِي فِيهِمْ. وقالَ بِهَذا المَعْنى عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، واسْتَشْهَدَ بِالآيَةِ حِينَ سِيقَ إلى الشّامِ أسِيرًا، وهو قَوْلُ ابْنُ جُبَيْرٍ والسُّدِّيُّ وعَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، وعَلى هَذا التَّأْوِيلِ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قِيلَ يا رَسُولَ اللَّهِ: مَن قَرابَتُكَ الَّذِينَ أُمِرْنا بِمَوَدَّتِهِمْ ؟ فَقالَ: عَلِيٌّ وفاطِمَةُ وابْناهُما.
وقِيلَ: هم ولَدُ عَبْدِ المَطَّلِبِ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إلّا المَوَدَّةَ﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ؛ لِأنَّ المَوَدَّةَ لَيْسَتْ أجْرًا.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مُتَّصِلًا، أيْ: لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا هَذا: أنْ تَوَدُّوا أهْلَ قَرابَتِي، ولَمْ يَكُنْ هَذا أجْرًا في الحَقِيقَةِ؛ لِأنَّ قَرابَتَهُ قَرابَتُهم، فَكانَتْ صِلَتُهم لازِمَةً لَهم في المُرُوءَةِ.
وقالَ: فَإنْ قُلْتَ: هَلّا قِيلَ إلّا مَوَدَّةَ القُرْبى، أوْ إلّا المَوَدَّةَ لِلْقُرْبى ؟ قُلْتُ: جَعَلُوا مَكانًا لِلْمَوَدَّةِ ومَقَرًّا لَها، كَقَوْلِكَ: لِي في آلِ فُلانٍ مَوَدَّةٌ، ولِي فِيهِمْ هَوًى وحُبٌّ شَدِيدٌ، تُرِيدُ: أُحِبُّهم وهم مَكانُ حُبِّي ومَحِلُّهُ. ولَيْسَتْ في صِلَةٍ لِلْمَوَدَّةِ كاللّامِ، إذا قُلْتَ إلّا المَوَدَّةَ لِلْقُرْبى، إنَّما هي مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ تَعَلَّقَ الظَّرْفِ بِهِ في قَوْلِكَ: المالُ في الكِيسِ، وتَقْدِيرُهُ: إلّا المَوَدَّةَ ثابِتَةً في القُرْبى ومُتَمَكِّنَةً فِيها. انْتَهى، وهو حَسَنٌ وفِيهِ تَكْثِيرٌ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ (إلّا مَوَدَّةً) والجُمْهُورُ ﴿إلّا المَوَدَّةَ﴾ .
﴿ومَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً﴾ أيْ: يَكْتَسِبْ، والظّاهِرُ عُمُومُ الحَسَنَةِ عُمُومَ البَدَلِ، فَيَنْدَرِجُ فِيها المَوَدَّةُ في القُرْبى وغَيْرُها. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والسُّدِّيِّ، أنَّها المَوَدَّةُ في آلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
وقَرَأ الجُمْهُورُ: (نَزِدْ) بِالنُّونِ؛ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وعَبْدُ الوارِثِ عَنْ أبِي عَمْرٍو، وأحْمَدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ الكِسائِيِّ: (يَزِدْ) بِالياءِ، أيْ: يَزِدِ اللَّهُ.
والجُمْهُورُ: (حُسْنًا) بِالتَّنْوِينِ؛ وعَبْدُ الوارِثِ عَنْ أبِي عَمْرٍو: (حُسْنى) بِغَيْرِ تَنْوِينٍ، عَلى وزْنِ رُجْعى، وزِيادَةُ حُسْنِها: مُضاعَفَةُ أجْرِها.
(أنَّ اللَّهَ غَفُورٌ): ساتِرُ عُيُوبِ عِبادِهِ، (شَكُورٌ): مُجازٍ عَلى الدَّقِيقَةِ، لا يَضِيعُ عِنْدَهُ عَمَلُ العامِلِ.
وقالَ السُّدِّيُّ: غَفُورٌ لِذُنُوبِ آلِ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، شَكُورٌ لِحَسَناتِهِمْ.
﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾: أضْرَبَ عَنِ الكَلامِ المُتَقَدِّمِ مِن غَيْرِ إبْطالٍ، واسْتَفْهَمَ اسْتِفْهامَ إنْكارٍ وتَوْبِيخٍ عَلى هَذِهِ المَقالَةِ، أيْ: مِثْلُهُ لا يُنْسَبُ إلَيْهِ الكَذِبُ (p-٥١٧)عَلى اللَّهِ، مَعَ اعْتِرافِكم لَهُ قَبْلُ بِالصِّدْقِ والأمانَةِ.
﴿فَإنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ﴾، قالَ مُجاهِدٌ: يَرْبِطُ عَلى قَلْبِكَ بِالصَّبْرِ عَلى أذاهم، حَتّى لا يَشُقَّ عَلَيْكَ قَوْلُهم: إنَّكَ مُفْتَرٍ. وقالَ قَتادَةُ وجَماعَةٌ: ﴿يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ﴾: يُنْسِيكَ القُرْآنَ، والمُرادُ الرَّدُّ عَلى مَقالَةِ الكُفّارِ وبَيانُ إبْطالِها، وذَلِكَ كَأنَّهُ يَقُولُ: وكَيْفَ يَصِحُّ أنْ تَكُونَ مُفْتَرِياتٍ وأنْتَ مِنَ اللَّهِ بِمَرْأًى ومَسْمَعٍ وهو قادِرٌ، ولَوْ شاءَ أنْ يَخْتِمَ عَلى قَلْبِكَ فَلا تَعْقِلُ ولا تَنْطِقُ ولا يَسْتَمِرُّ افْتِراؤُكَ، فَقَصَدَ اللَّفْظُ هَذا المَعْنى، وحُذِفَ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ الظّاهِرُ اخْتِصارًا واقْتِصارًا. انْتَهى.
هَكَذا أوْرَدَ هَذا التَّأْوِيلُ عَنْ قَتادَةَ ابْنُ عَطِيَّةَ، وفي ألْفاظِهِ فَظاظَةٌ لا تَلِيقُ أنْ تُنْسَبَ لِلْأنْبِياءِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَنْ قَتادَةَ: يُنْسِيكَ القُرْآنَ ويَنْقَطِعُ عَنْكَ الوَحْيُ، يَعْنِي لَوِ افْتَرى عَلى اللَّهِ الكَذِبَ لَفُعِلَ بِهِ ذَلِكَ. انْتَهى.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ أيْضًا: فَإنْ يَشَأِ اللَّهُ يَجْعَلْكَ مِنَ المَخْتُومِ عَلى قُلُوبِهِمْ حَتّى تَفْتَرِيَ عَلَيْهِ الكَذِبَ، فَإنَّهُ لا يَجْتَرِئُ عَلى افْتِراءِ الكَذِبِ عَلى اللَّهِ إلّا مَن كانَ في مِثْلِ حالِهِمْ، وهَذا الأُسْلُوبُ مُؤَدّاهُ اسْتِبْعادُ الِافْتِراءِ مِن مِثْلِهِ، وأنَّهُ في البُعْدِ مِثْلُ الشِّرْكِ بِاللَّهِ والدُّخُولِ في جُمْلَةِ المَخْتُومِ عَلى قُلُوبِهِمْ.
ومِثالُ هَذا أنْ يَخُونَ بَعْضُ الأُمَناءِ فَيَقُولُ: لَعَلَّ اللَّهَ خَذَلَنِي، لَعَلَّ اللَّهَ أعْمى قَلْبِي، وهو لا يُرِيدُ إثْباتَ الخِذْلانِ وعَمى القَلْبِ، وإنَّما يُرِيدُ اسْتِبْعادَ أنْ يَخُونَ مِثْلُهُ، والتَّنْبِيهُ عَلى أنَّهُ رَكِبَ مِن تَخْوِينِهِ أمْرٌ عَظِيمٌ. ثُمَّ قالَ: ومِن عادَةِ اللَّهِ أنْ يَمْحُوَ الباطِلَ ويُثْبِتَ الحَقَّ بِوَحْيِهِ أوْ بِقَضائِهِ لِقَوْلِهِ: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالحَقِّ عَلى الباطِلِ فَيَدْمَغُهُ﴾ [الأنبياء: ١٨]، يَعْنِي: لَوْ كانَ مُفْتَرِيًا، كَما يَزْعُمُونَ، لَكَشَفَ اللَّهُ افْتِراءَهُ ومَحَقَهُ، وقَذَفَ بِالحَقِّ عَلى الباطِلِ فَدَمَغَهُ. انْتَهى.
وقِيلَ: المَعْنى لَوِ افْتَرَيْتَ عَلى اللَّهِ، لَطَبَعَ عَلى قَلْبِكَ حَتّى لا تَقْدِرَ عَلى حِفْظِ القُرْآنِ. وقِيلَ: لَخَتَمَ عَلى قَلْبِكَ بِالصِّدْقِ واليَقِينِ، وقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ.
وذَكَرَ القُشَيْرِيُّ أنَّ المَعْنى: يَخْتِمُ عَلى قُلُوبِ الكُفّارِ وعَلى ألْسِنَتِهِمْ ويُعاجِلُهم بِالعَذابِ. انْتَهى، فَيَكُونُ التِفاتًا مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ، ومِنَ الجَمْعِ إلى الإفْرادِ، أيْ: يَخْتِمُ عَلى قَلْبِكَ أيُّها القائِلُ أنَّهُ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا.
﴿ويَمْحُو اللَّهُ الباطِلَ﴾: اسْتِئْنافُ إخْبارٍ، أيْ: يَمْحُوهُ إمّا في الدُّنْيا وإمّا في الآخِرَةِ حَيْثُ نازِلُهُ. وكُتِبَ (ويَمْحُ) بِغَيْرِ واوٍ، كَما كَتَبُوا (سَنَدْعُ) بِغَيْرِ واوٍ، اعْتِبارًا بِعَدَمِ ظُهُورِها؛ لِأنَّهُ لا يُوقَفُ عَلَيْها وقْفَ اخْتِيارٍ.
ولَمّا سَقَطَتْ مِنَ اللَّفْظِ سَقَطَتْ مِنَ الخَطِّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ عِدَةً لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِأنَّهُ يَمْحُو الباطِلَ الَّذِي هم عَلَيْهِ مِنَ البُهْتِ والتَّكْذِيبِ، ويُثْبِتُ الحَقَّ الَّذِي أنْتَ عَلَيْهِ بِالقُرْآنِ وبِقَضائِهِ الَّذِي لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ نُصْرَتِكَ عَلَيْهِمْ. إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما في صَدْرِكَ وصُدُورِهِمْ، فَيُجْرِي الأمْرَ عَلى حَسَبِ ذَلِكَ. انْتَهى. قِيلَ: ويُحِقُّ الإسْلامَ بِكَلِماتِهِ، أيْ: بِما أنْزَلَ مِنَ القُرْآنِ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في شَرائِطِ التَّوْبَةِ، يُقالُ: قَبِلْتُ مِنهُ الشَّيْءَ بِمَعْنى: أخَذْتُهُ مِنهُ، لِقَوْلِهِ: ﴿وما مَنَعَهم أنْ تُقْبَلَ مِنهم نَفَقاتُهُمْ﴾ [التوبة: ٥٤] أيْ: تُؤْخَذَ، أيْ: جَعَلْتُهُ مَبْدَأ قَبُولِي ومَنشَأهُ، وقَبِلْتُهُ عَنْهُ: عَزَلْتُهُ عَنْهُ وأبَنْتُهُ، فَمَعْنى (عَنْ عِبادِهِ) أيْ: يُزِيلُ الرُّجُوعَ عَنِ المَعاصِي.
﴿ويَعْفُو عَنِ السَّيِّئاتِ﴾، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَنِ السَّيِّئاتِ إذا تِيبَ عَنْها، وعَنِ الصَّغائِرِ إذا اجْتُنِبَتِ الكَبائِرُ. انْتَهى، وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ.
إنَّ الكَبائِرَ لا يُعْفى عَنْها إلّا بِالتَّوْبَةِ، ﴿ويَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ﴾، فَيُثِيبُ ويُعاقِبُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (ما يَفْعَلُونَ) بِياءِ الغَيْبَةِ؛ وعَبْدُ اللَّهِ، وعَلْقَمَةُ، والأخَوانِ، وحَفْصٌ: بِتاءِ الخِطابِ. والظّاهِرُ أنَّ (الَّذِينَ) فاعِلٌ، (ويَسْتَجِيبُ) أيْ: ويُجِيبُ، (الَّذِينَ آمَنُوا) لِرَبِّهِمْ، كَما قالَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ إذا دَعاكم لِما يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤]، فَيَكُونُ (يَسْتَجِيبُ) بِمَعْنى يُجِيبُ، أوْ يَبْقى عَلى بابِهِ مِنَ الطَّلَبِ، أيْ يَسْتَدْعِي الَّذِينَ آمَنُوا الإجابَةَ مِن رَبِّهِمْ بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هَذا في فِعْلِهِمْ إذا دَعاهم. وعَنْ إبْراهِيمَ بْنِ أدْهَمَ أنَّهُ قِيلَ: ما بالُنا نَدْعُو فَلا نُجابُ ؟ قالَ: لِأنَّهُ دَعاكم فَلَمْ تُجِيبُوهُ، ثُمَّ قَرَأ: ﴿واللَّهُ يَدْعُو إلى دارِ السَّلامِ﴾ [يونس: ٢٥] .
﴿ويَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، قالَ الزَّجّاجُ: (الَّذِينَ) مَفْعُولٌ، واسْتَجابَ وأجابَ بِمَعْنًى واحِدٍ، فالمَعْنى: ويُجِيبُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا، (p-٥١٨)أيْ: لِلَّذِينِ، كَما قالَ:
فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذاكَ مُجِيبٌ أيْ: لَمْ يَجُبْهُ. ورُوِيَ هَذا المَعْنى عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ وابْنِ عَبّاسٍ.
﴿ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ﴾ أيْ: عَلى الثَّوابِ تَفَضُّلًا. وفي الحَدِيثِ: قَبُولُ الشَّفاعاتِ في المُؤْمِنِينَ والرِّضْوانِ. وقالَ خَبّابُ بْنُ الأرَتِّ: نَظَرْنا إلى أمْوالِ بَنِي قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ وبَنِي قَيْنُقاعَ فَتَمَنَّيْناها، فَنَزَلَتْ: ﴿ولَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا في الأرْضِ﴾ . وقالَ عَمْرُو بْنُ حُرَيْثٍ: طَلَبَ قَوْمٌ مِن أهْلِ الصُّفَّةِ مِنَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ ويَبْسُطَ لَهُمُ الأمْوالَ والأرْزاقَ، فَنَزَلَتْ. أعْلَمُ أنَّ الرِّزْقَ لَوْ جاءَ عَلى اقْتِراحِ البَشَرِ، لَكانَ سَبَبَ بَغْيِهِمْ وإفْسادِهِمْ، ولَكِنَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِالمَصْلَحَةِ. فَرُبَّ إنْسانٍ لا يَصْلُحُ ولا يَكْتَفِي شَرُّهُ إلّا بِالفَقْرِ، وآخَرُ بِالغِنى. وفي هَذا المَعْنى والتَّقْسِيمِ حَدِيثٌ رَواهُ أنَسٌ وقالَ: اللَّهُمَّ إنِّي مِن عِبادِكَ الَّذِينَ لا يُصْلِحُهم إلّا الغِنى، فَلا تُفْقِرْنِي. و(لَبَغَوْا) إمّا مِنَ البَذَخِ والكِبْرِ، أيْ: لَتَكَبَّرُوا في الأرْضِ، فَفَعَلُوا ما يَتْبَعُ الكِبْرَ مَعَ الغِنى. ألا تَرى إلى حالِ قارُونَ ؟ وفي الحَدِيثِ: «أخْوَفُ ما يُخافُ عَلى أُمَّتِي زَهْرَةُ الدُّنْيا» وقالَ الشّاعِرُ:
؎وقَدْ جَعَلُوا الوَسْمِيَّ يَنْبُتُ بَيْنَنا وبَيْنَ بَنِي رُومانَ نَبْعًا وشَوْحَطا
يَعْنِي: أنَّهم أحَبُّوا، فَجَذَبُوا أنْفُسَهم بِالبَغْيِ والفِتَنِ.
﴿ولَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ﴾، يُقالُ: قَدْرَ بِالسُّكُونِ وبِالفَتْحِ، أيْ: يُقَدِّرُ لَهم ما هو أصْلَحُ لَهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (قَنَطُوا)، بِفَتْحِ النُّونِ؛ والأعْمَشُ، وابْنُ وثّابٍ: بِكَسْرِها، ﴿ويَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾: يُظْهِرُها مِنَ آثارِ الغَيْثِ مِنَ المَنافِعِ والخَصْبِ، والظّاهِرُ أنَّ رَحْمَتَهُ نَشْرُها أعَمُّ مِمّا في الغَيْثِ. وقالَ السُّدِّيُّ: (رَحْمَتَهُ) الغَيْثُ، وعَدَّدَ النِّعْمَةَ بِعَيْنِها بِلَفْظَيْنِ. وقِيلَ: الرَّحْمَةُ هُنا ظُهُورُ الشَّمْسِ؛ لِأنَّهُ إذا دامَ المَطَرُ سُئِمَ، فَتَجِيءُ الشَّمْسُ بَعْدَهُ عَظِيمَةَ المَوْقِعِ، ذَكَرَهُ المَهْدَوِيُّ.
﴿وهُوَ الوَلِيُّ﴾: الَّذِي يَتَوَلّى عِبادَهُ، (الحَمِيدُ): المَحْمُودُ عَلى ما أسْدى مِن نَعْمائِهِ (وما بَثَّ) الظّاهِرُ أنَّهُ مَجْرُورٌ عَطْفًا عَلى السَّماواتِ والأرْضِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا عَطْفًا عَلى (خَلْقُ) عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: وخَلْقُ ما بَثَّ. وفِيهِما يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِمّا نُسِبَ فِيهِ (دابَّةٍ) إلى المَجْمُوعِ المَذْكُورِ، وإنْ كانَ مُلْتَبِسًا بِبَعْضِهِ. كَما يُقالُ: بَنُو فُلانٍ صَنَعُوا كَذا، وإنَّما صَنْعَهُ واحِدٌ مِنهم، ومِنهُ يَخْرُجُ مِنهُما، وإنَّما يَخْرُجُ مِنَ المِلْحِ، أوْ يَكُونُ مِنَ المَلائِكَةِ. بَعْضٌ يَمْشِي مَعَ الطَّيَرانِ، فَيُوصَفُ بِالدَّبِيبِ كَما يُوصَفُ بِهِ الأناسِيُّ، أوْ يَكُونُ قَدْ خَلَقَ في السَّماواتِ حَيَوانًا يَمْشِي مَعَ مَشْيِ الأناسِيِّ عَلى الأرْضِ، أوْ يُرِيدُ الحَيَوانَ الَّذِي يَكُونُ في السَّحابِ. وقَدْ يَقَعُ أحْيانًا، كالضَّفادِعِ، والسَّحابُ داخِلٌ في اسْمِ السَّماءِ.
وقالَ مُجاهِدٌ: ﴿وما بَثَّ فِيهِما مِن دابَّةٍ﴾: هُمُ النّاسُ والمَلائِكَةُ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ: هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: وما بَثَّ في أحَدِهِما. وقَرَأ الجُمْهُورُ (فِيهِما) بِالفاءِ، وكَذا هي في مُعْظَمِ المَصاحِفِ. واحْتَمَلَ (ما) أنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً، وهو الأظْهَرُ، وأنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً، والفاءُ تَدْخُلُ في خَبَرِ المَوْصُولِ إذا أُجْرِيَ مَجْرى الشَّرْطِ بِشَرائِطَ ذُكِرَتْ في النَّحْوِ، وهي مَوْجُودَةٌ. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ في رِوايَةٍ، وشَيْبَةُ (بِما) بِغَيْرِ فاءٍ، فَـ (ما) مَوْصُولَةٌ، ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً؛ وحُذِفَتِ الفاءُ لِأنَّ ذَلِكَ مِمّا يَخُصُّهُ سِيبَوَيْهِ بِالشِّعْرِ، وأجازَ ذَلِكَ الأخْفَشُ وبَعْضُ نُحاةِ بَغْدادَ وذَلِكَ عَلى إرادَةِ الفاءِ. وتَرَتُّبُ ما أصابَ مِنَ المَصائِبِ عَلى كَسْبِ الأيْدِي مَوْجُودٌ مَعَ الفاءِ ودُونِها هُنا، والمُصِيبَةُ: الرَّزايا والمَصائِبُ في الدُّنْيا، وهي مُجازاةٌ عَلى ذُنُوبِ المَرْءِ وتَمْحِيصٌ لِخَطاياهُ، وأنَّهُ تَعالى يَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ، ولا يُجازِي عَلَيْهِ بِمُصِيبَةٍ. وفي الحَدِيثِ: «لا يُصِيبُ ابْنُ آدَمَ خَدْشُ عَوْدٍ أوْ عَثْرَةُ قَدَمٍ ولا اخْتِلاجُ عِرْقٍ إلّا بِذَنْبٍ وما يَعْفُو عَنْهُ أكْثَرُ» . وسُئِلَ عِمْرانُ بْنُ حُصَيْنٍ عَنْ مَرَضِهِ فَقالَ؛ إنَّ أحَبَّهُ إلَيَّ أحَبُّهُ إلى اللَّهِ، وهَذا مِمّا كَسَبَتْ يَدايَ. ورُؤِيَ عَلى كَفِّ شُرَيْحٍ قُرْحَةٌ، فَقِيلَ: بِمَ هَذا ؟ فَقالَ: بِما كَسَبَتْ يَدايَ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الآيَةُ مَخْصُوصَةٌ بِالمُجْرِمِينَ، ولا يَمْتَنِعُ أنْ يَسْتَوْفِيَ اللَّهُ عِقابَ المُجْرِمِ ويَعْفُوَ عَنْ بَعْضٍ. فَأمّا مَن (p-٥١٩)لا جُرْمَ لَهُ، كالأنْبِياءِ والأطْفالِ والمَجانِينِ، فَهو كَما إذا أصابَهم شَيْءٌ مِن ألَمٍ أوْ غَيْرِهِ، فَلِلْعِوَضِ المُوفِي والمُصْلِحَةِ، وعَنْ عَلِيٍّ هَذِهِ أرْجى آيَةٍ لِلْمُؤْمِنِينَ. وقالَ الحَسَنُ: ﴿مِن مُصِيبَةٍ﴾ أيْ: حَدٍّ مِن حُدُودِ اللَّهِ، وتِلْكَ مَصائِبُ تَنْزِلُ بِشَخْصِ الإنْسانِ ونَفْسِهِ، فَإنَّما هي بِكَسْبِ أيْدِيكم.
(ويَعْفُو) اللَّهُ (عَنْ كَثِيرٍ)، فَيَسْتُرُهُ عَلى العِبادِ حَتّى لا يُحَدَّ عَلَيْهِ.
(وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ) أيْ: أنْتُمْ في قَبْضَةِ القُدْرَةِ. وقِيلَ: لَيْسَتِ المَصائِبُ مِنَ الأسْقامِ والقَحْطِ والغَرَقِ وغَيْرِ ذَلِكَ بِعُقُوباتٍ عَلى الذُّنُوبِ لِقَوْلِهِ: ﴿اليَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ [غافر: ١٧]، ولِاشْتِراكِ الصّالِحِ والطّالِحِ فِيهِما، بَلْ أكْثَرُ ما يُبْتَلى بِهِ الصّالِحُونَ المُتَّقُونَ. وفي الحَدِيثِ: «خُصَّ بِالبَلاءِ الأنْبِياءُ ثُمَّ الأمْثَلُ فالأمْثَلُ» . ولِأنَّ الدُّنْيا دارُ التَّكْلِيفِ، فَلَوْ حَصَلَ الجَزاءُ فِيها لَكانَتْ دارَ الجَزاءِ، ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ. وهَذا القَوْلُ يُؤَخِّرُهُ نُصُوصُ القُرْآنِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكُلًّا أخَذْنا بِذَنْبِهِ فَمِنهم مَن أرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِبًا﴾ [العنكبوت: ٤٠] الآيَةَ.
الشورى 42:32
(p-٥٢٠)﴿ومِن آياتِهِ الجَوارِي في البَحْرِ كالأعْلامِ﴾ ﴿إنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ ﴿أوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا ويَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾ ﴿ويَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِنا ما لَهم مِن مَحِيصٍ﴾ ﴿فَما أُوتِيتُمْ مِن شَيْءٍ فَمَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا وما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وأبْقى لِلَّذِينَ آمَنُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الإثْمِ والفَواحِشَ وإذا ما غَضِبُوا هم يَغْفِرُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ وأقامُوا الصَّلاةَ وأمْرُهم شُورى بَيْنَهم ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ إذا أصابَهُمُ البَغْيُ هم يَنْتَصِرُونَ﴾ ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها فَمَن عَفا وأصْلَحَ فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ إنَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ ﴿ولَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِن سَبِيلٍ﴾ ﴿إنَّما السَّبِيلُ عَلى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النّاسَ ويَبْغُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿ولَمَن صَبَرَ وغَفَرَ إنَّ ذَلِكَ لَمِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن ولِيٍّ مِن بَعْدِهِ وتَرى الظّالِمِينَ لَمّا رَأوُا العَذابَ يَقُولُونَ هَلْ إلى مَرَدٍّ مِن سَبِيلٍ﴾ ﴿وتَراهم يُعْرَضُونَ عَلَيْها خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ [الشورى: ٤٥] .
لَمّا ذَكَرَ تَعالى مِن دَلائِلِ وحْدانِيَّتِهِ أنْواعًا، ذَكَرَ بَعْدَها العالَمَ الأكْبَرَ، وهو السَّماواتُ والأرْضُ؛ ثُمَّ العالَمَ الأصْغَرَ، وهو الحَيَوانُ. ثُمَّ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ المَعادِ، أتْبَعَهُ بِذِكْرِ السُّفُنِ الجارِيَةِ في البَحْرِ، لِما فِيها مِن عَظِيمِ دَلائِلِ القُدْرَةِ، مِن جِهَةِ أنَّ الماءَ جِسْمٌ لَطِيفٌ شَفّافٌ يَغُوصُ فِيهِ الثَّقِيلُ، والسُّفُنُ تَشْخَصُ بِالأجْسامِ الثَّقِيلَةِ الكَثِيفَةِ، ومَعَ ذَلِكَ جَعَلَ تَعالى لِلْماءِ قُوَّةً يَحْمِلُها بِها ويَمْنَعُ مِنَ الغَوْصِ، ثُمَّ جَعَلَ الرِّياحَ سَبَبًا لِسَيْرِها، فَإذا أرادَ أنْ تَرْسُوَ، أسْكَنَ الرِّيحَ، فَلا تَبْرَحُ عَنْ مَكانِها. و﴿الجَوارِي﴾ جَمْعُ جارِيَةٍ، وأصْلُهُ السُّفُنُ الجَوارِي، حُذِفَ المَوْصُوفُ وقامَتْ صِفَتُهُ مَقامَهُ، وحَسَّنَ ذَلِكَ قَوْلُهُ: (في البَحْرِ)، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّها صِفَةٌ لِلسُّفُنِ، وإلّا فَهي صِفَةٌ غَيْرُ مُخْتَصَّةٍ، فَكانَ القِياسُ أنْ لا يُحْذَفَ المَوْصُوفُ ويَقُومَ مَقامَهُ. ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّها صِفَةٌ غالِبَةٌ، كالأبْطَحِ، فَجازَ أنْ تَلِيَ العَوامِلَ بِغَيْرِ ذِكْرِ المَوْصُوفِ. وقُرِئَ (الجَوارِي) بِالياءِ ودُونِها، وسُمِعَ مِنَ العَرَبِ الإعْرابُ في الرّاءِ، و(في البَحْرِ) مُتَعَلِّقٌ بِالجَوارِي، و﴿كالأعْلامِ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، والأعْلامُ: الجِبالُ، ومِنهُ قَوْلُ الخَنْساءِ أُخْتِ صَخْرٍ ومُعاوِيَةَ:
؎وإنَّ صَخْرًا لَتَأْتَمُّ الهُداةُ بِهِ كَأنَّهُ عَلَمٌ في رَأْسِهِ نارُ
ومِنهُ:
؎إذا قَطَعْنَ عَلَمًا بَدا عَلَمُ
وقَرَأ جُمْهُورُ السَّبْعَةِ: (الرِّيحَ) إفْرادًا، ونافِعٌ: جَمْعًا، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (فَيَظْلَلْنَ) بِفَتْحِ اللّامِ، وقَرَأ قَتادَةُ: بِكَسْرِها، والقِياسُ الفَتْحُ؛ لِأنَّ الماضِيَ بِكَسْرِ العَيْنِ، فالكَسْرُ في المُضارِعِ شاذٌّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مِن ظَلَّ يَظَلُّ ويَظِلُّ، نَحْوَ ضَلَّ يَضَلُّ ويَضِلُّ. انْتَهى.
ولَيْسَ كَما ذُكِرَ؛ لِأنَّ يَضَلُّ بِفَتْحِ العَيْنِ مِن ضَلِلْتُ بِكَسْرِها في الماضِي، ويَضِلُّ بِكَسْرِها مِن ضَلَلْتُ بِفَتْحِها في الماضِي، وكِلاهُما مَقِيسٌ.
﴿لِكُلِّ صَبّارٍ﴾ عَلى بَلائِهِ، (شَكُورٍ) لِنَعْمائِهِ.
﴿أوْ يُوبِقْهُنَّ﴾: يُهْلِكْهُنَّ، أيِ: الجَوارِي، وهو عَطْفٌ عَلى (يُسْكِنِ)، والضَّمِيرُ في (كَسَبُوا) عائِدٌ عَلى رُكّابِ السُّفُنِ، أيْ: بِذُنُوبِهِمْ. وقَرَأ الأعْمَشُ (ويَعْفُو) بِالواوِ، وعَنْ أهْلِ المَدِينَةِ: بِنَصْبِ الواوِ، والجُمْهُورُ (ويَعْفُ) مَجْزُومًا عَطْفًا عَلى (يُوبِقْهُنَّ) . فَأمّا قِراءَةُ الأعْمَشِ، فَإنَّهُ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ يَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ، أيْ: لا يُؤاخِذُ بِجَمِيعِ ما اكْتَسَبَ الإنْسانُ. وأمّا النَّصْبُ، فَبِإضْمارِ أنْ بَعْدَ الواوِ، وكالنَّصْبِ بَعْدَ الفاءِ في قِراءَةِ مَن قَرَأ ﴿يُحاسِبْكم بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ﴾ [البقرة: ٢٨٤] وبَعْدَ الواوِ في قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎فَإنْ يَهْلَكْ أبُو قابُوسِ يَهْلَكْ ∗∗∗ رَبِيعُ النّاسِ والشَّهْرُ الحَرامُ
؎ونَأْخُذُ بَعْدَهُ بِذِنابِ عَيْشٍ ∗∗∗ أجَبَّ الظَّهْرِ لَيْسَ لَهُ سَنامُ
رُوِيَ بِنَصْبِ (ونَأْخُذُ) ورَفْعِهِ وجَزْمِهِ.
وفِي هَذِهِ القِراءَةِ يَكُونُ العَطْفُ عَلى مَصْدَرٍ مُتَوَهَّمٍ، أيْ: يَقَعُ إيباقٌ وعَفْوٌ عَنْ كَثِيرٍ. وأمّا الجَزْمُ فَإنَّهُ داخِلٌ في حُكْمِ جَوابِ الشَّرْطِ؛ إذْ هو مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ، وهو راجِعٌ في المَعْنى إلى قِراءَةِ النَّصْبِ، لَكِنَّ هَذا عَطْفُ فِعْلٍ عَلى فِعْلٍ، وفي النَّصْبِ عَطْفُ مَصْدَرٍ مُقَدَّرٍ عَلى مَصْدَرٍ مُتَوَهَّمٍ.
وقالَ القُشَيْرِيُّ: وقُرِئَ: (ويَعْفُ) بِالجَزْمِ، وفِيها إشْكالٌ؛ لِأنَّ المَعْنى: إنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ، فَتَبْقى (p-٥٢١)تِلْكَ السُّفُنُ رَواكِدُ، أوْ يُهْلِكَها بِذُنُوبِ أهْلِها، فَلا يَحْسُنُ عَطْفُ (ويَعْفُ) عَلى هَذِهِ؛ لِأنَّ المَعْنى يَصِيرُ إنْ يَشَأْ يَعْفُ، ولَيْسَ المَعْنى ذَلِكَ، بَلِ المَعْنى: الإخْبارُ عَنِ الغُيُوبِ عَنْ شَرْطِ المَشِيئَةِ، فَهو إذَنْ عُطِفَ عَلى المَجْزُومِ مِن حَيْثُ اللَّفْظِ، لا مِن حَيْثُ المَعْنى.
وقَدْ قَرَأ قَوْمٌ (ويَعْفُو) بِالرَّفْعِ، وهي جَيِّدَةٌ في المَعْنى. انْتَهى، وما قالَهُ لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ إذْ لَمْ يَفْهَمْ مَدْلُولَ التَّرْكِيبِ. والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى إنْ يَشَأْ أهْلَكَ ناسًا وأنْجى ناسًا عَلى طَرِيقِ العَفْوِ عَنْهم.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): عَلامَ عُطِفَ يُوبِقْهُنَّ ؟ (قُلْتُ): عَلى (يُسْكِنِ) لِأنَّ المَعْنى: إنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَرْكُدْنَ، أوْ يَعْصِفْها فَيَغْرَقْنَ بِعَصْفِها. انْتَهى.
ولا يَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: أوْ يَعْصِفُها فَيَغْرَقْنَ؛ لِأنَّ إهْلاكَ السُّفُنِ لا يَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ بِعَصْفِ الرِّيحِ، بَلْ قَدْ يُهْلِكُها تَعالى بِسَبَبٍ غَيْرِ الرِّيحِ، كَنُزُولِ سَطْحِها بِكَثْرَةِ الثِّقَلِ، أوِ انْكِسارِ اللَّوْحِ يَكُونُ سَبَبًا لِإهْلاكِها، أوْ يَعْرِضُ عَدُوٌّ يُهْلِكُ أهْلَها. وقَرَأ الأعْرَجُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (ويَعْلَمُ) بِالرَّفْعِ عَلى القَطْعِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (ويَعْلَمَ) بِالنَّصْبِ؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: وحَسُنَ النَّصْبُ إذا كانَ قَبْلَهُ شَرْطٌ وجَزاءٌ، وكُلُّ واحِدٍ مِنهُما غَيْرُ واجِبٍ.
وقالَ الزَّجّاجُ: عَلى إضْمارِ أنْ؛ لِأنَّ قَبْلَها جَزاءً. تَقُولُ: ما تَصْنَعُ أصْنَعُ مِثْلَهُ، وأُكْرِمَكَ، وإنْ شِئْتَ: وأكْرِمُكَ، عَلى: وأنا أُكْرِمُكَ، وإنْ شِئْتَ: وأُكْرِمْكَ جَزْمًا.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فِيهِ نَظَرٌ، لِما أوْرَدَهُ سِيبَوَيْهِ في كِتابِهِ قالَ: واعْلَمْ أنَّ النَّصْبَ بِالفاءِ والواوِ في قَوْلِهِ: إنْ تَأْتِنِي آتِكَ وأُعْطِيكَ ضَعِيفٌ، وهو نَحْوٌ مِن قَوْلِهِ:
؎وألْحَقُ بِالحِجازِ فَأسْتَرِيحا
فَهَذا لا يَجُوزُ، ولَيْسَ بِحَدِّ الكَلامِ ولا وجْهِهِ، إلّا أنَّهُ في الجَزاءِ صارَ أقْوى قَلِيلًا؛ لِأنَّهُ لَيْسَ بِواجِبٍ أنَّهُ يَفْعَلُ إلّا أنْ يَكُونَ مِنَ الأوَّلِ فِعْلٌ.
فَلَمّا ضارَعَ الَّذِي لا يُوجِبُهُ، كالِاسْتِفْهامِ ونَحْوِهِ، أجازُوا فِيهِ هَذا عَلى ضَعْفِهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولا يَجُوزُ أنْ تُحْمَلَ القِراءَةُ المُسْتَفِيضَةُ عَلى وجْهٍ ضَعِيفٍ لَيْسَ بِحَدِّ الكَلامِ ولا وجْهِهِ، ولَوْ كانَتْ مِن هَذا البابِ، لَما أخْلى سِيبَوَيْهِ مِنها كِتابَهُ، وقَدْ ذَكَرَ نَظائِرَها مِنَ الآياتِ المُشْكَلَةِ. انْتَهى.
وخَرَّجَ الزَّمَخْشَرِيُّ النَّصْبَ عَلى أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى تَعْلِيلٍ مَحْذُوفٍ، قالَ: تَقْدِيرُهُ: لِيَنْتَقِمَ مِنهم ويَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ، يُكْرَهُ في العَطْفِ عَلى التَّعْلِيلِ المَحْذُوفِ غَيْرُ عَزِيزٍ في القُرْآنِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنّاسِ﴾ [البقرة: ٢٥٩]، وقَوْلُهُ: ﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ﴾ [العنكبوت: ٤٤]، ﴿ولِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ [الجاثية: ٢٢] . انْتَهى.
ويَبْعُدُ تَقْدِيرُهُ لِيَنْتَقِمَ مِنها؛ لِأنَّهُ تَرَتَّبَ عَلى الشَّرْطِ إهْلاكُ قَوْمٍ، فَلا يَحْسُنُ لِيَنْتَقِمَ مِنهم. وأمّا الآيَتانِ فَيُمْكِنُ أنْ تَكُونَ اللّامُ مُتَعَلِّقَةً بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: ﴿ولِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنّاسِ﴾ [مريم: ٢١]، ﴿ولِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ [الجاثية: ٢٢] . فَعَلْنا ذَلِكَ، وكَثِيرًا ما يُقَدَّرُ هَذا الفِعْلُ مَحْذُوفًا قَبْلَ لامِ العِلَّةِ، إذا لَمْ يَكُنْ فِعْلٌ ظاهِرٌ يَتَعَلَّقُ بِهِ.
وذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: (ويَعْلَمَ) قُرِئَ بِالجَزْمِ، (فَإنْ قُلْتَ): فَكَيْفَ يَصِحُّ المَعْنى عَلى جَزْمِ (ويَعْلَمَ) ؟ (قُلْتُ): كَأنَّهُ قالَ: أوْ إنْ يَشَأْ يَجْمَعُ بَيْنَ ثَلاثَةِ أُمُورٍ: هَلاكِ قَوْمٍ، ونَجاةِ قَوْمٍ، وتَحْذِيرِ آخَرِينَ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ويَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِنا ما لَهم مِن مَحِيصٍ﴾ يَتَضَمَّنُ تَحْذِيرَهم مِن عِقابِ اللَّهِ، و﴿ما لَهم مِن مَحِيصٍ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ؛ لِأنَّ (يَعْلَمَ) مُعَلَّقَةٌ، كَقَوْلِكَ: عَلِمْتُ ما زَيْدٌ قائِمٌ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ في قِراءَةِ النَّصْبِ: وهَذِهِ الواوُ ونَحْوُها الَّتِي تُسَمِّيها الكُوفِيُّونَ واوَ الصَّرْفِ؛ لِأنَّ حَقِيقَةَ واوِ الصَّرْفِ الَّتِي يُرِيدُونَها عَطْفُ فِعْلٍ عَلى اسْمٍ مُقَدَّرٍ، فَيُقَدَّرُ أنْ لِيَكُونَ مَعَ الفِعْلِ بِتَأْوِيلِ المَصْدَرِ، فَيَحْسُنُ عَطْفُهُ عَلى الِاسْمِ. انْتَهى.
ولَيْسَ قَوْلُهُ تَعْلِيلًا لِقَوْلِهِمْ: واوُ الصَّرْفِ، إنَّما هو تَقْرِيرٌ لِمَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ. وأمّا الكُوفِيُّونَ فَإنَّ واوَ الصَّرْفِ ناصِبَةٌ بِنَفْسِها، لا بِإضْمارِ أنْ بَعْدَها.
وقالَ أبُو عُبَيْدٍ عَلى الصَّرْفِ كالَّذِي في آلِ عِمْرانَ: ﴿ولَمّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنكم ويَعْلَمَ الصّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٢]، ومَعْنى الصَّرْفِ أنَّهُ كانَ عَلى جِهَةٍ فَصُرِفَ إلى غَيْرِها، فَتَغَيَّرَ الإعْرابُ لِأجْلِ الصَّرْفِ. والعَطْفُ لا يُعَيِّنُ الِاقْتِرانَ في الوُجُودِ، كالعَطْفِ في الِاسْمِ، نَحْوُ: جاءَ زَيْدٌ وعَمْرٌو. ولَوْ نُصِبَ (وعَمْرُو) اقْتَضى الِاقْتِرانَ؛ (p-٥٢٢)وكَذَلِكَ واوُ الصَّرْفِ، لِيُفِيدَ مَعْنى الِاقْتِرانِ ويُعَيِّنَ مَعْنى الِاجْتِماعِ، ولِذَلِكَ أُجْمِعَ عَلى النَّصْبِ في قَوْلِهِ: ﴿ويَعْلَمَ الصّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٢]، أيْ: ويَعْلَمَ المُجاهِدِينَ والصّابِرِينَ مَعًا.
عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - اجْتَمَعَ لِأبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مالٌ، فَتَصَدَّقَ بِهِ كُلِّهِ في سَبِيلِ اللَّهِ والخَيْرِ، فَلامَهُ المُسْلِمُونَ وخَطَّأهُ الكافِرُونَ، فَنَزَلَتْ: ﴿فَما أُوتِيتُمْ مِن شَيْءٍ﴾، والظّاهِرُ أنَّهُ خِطابٌ لِلنّاسِ.
وقِيلَ: لِلْمُشْرِكِينَ، وما شَرْطِيَّةٌ مَفْعُولٌ ثانٍ لِـ (أُوتِيتُمْ)، و(مِن شَيْءٍ) بَيانٌ لِما، والمَعْنى: مِن شَيْءٍ مِن رِياشِ الدُّنْيا ومالِها والسَّعَةِ فِيها، والفاءُ جَوابُ الشَّرْطِ، أيْ: فَهو مَتاعٌ، أيْ: يُسْتَمْتَعُ في الحَياةِ.
(وما عِنْدَ اللَّهِ) أيْ: مِن ثَوابِهِ وما أعَدَّ لِأوْلِيائِهِ، ﴿خَيْرٌ وأبْقى﴾ مِمّا أُوتِيتُمْ؛ لِأنَّهُ لا انْقِطاعَ لَهُ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في الكَبائِرِ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ [النساء: ٣١]، في النِّساءِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (كَبائِرَ) جَمْعًا هُنا، وفي النَّجْمِ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: بِالإفْرادِ.
﴿والَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ﴾: عُطِفَ عَلى (الَّذِينَ آمَنُوا)، وكَذَلِكَ ما بَعْدَهُ. ووَقَعَ لِأبِي البَقاءِ وهْمٌ في التِّلاوَةِ، اعْتَقَدَ أنَّها الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ بِغَيْرِ واوٍ، فَبَنى عَلَيْهِ الإعْرابَ فَقالَ: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ﴾ [النجم: ٣٢] في مَوْضِعِ جَرٍّ بَدَلًا مِنَ (الَّذِينَ آمَنُوا) ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِإضْمارٍ، أعْنِي: وفي مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى تَقْدِيرِ هم. انْتَهى.
والعامِلُ في (إذا) ﴿يَغْفِرُونَ﴾ وهي جُمْلَةٌ مِن مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ مَعْطُوفَةٌ عَلى (يَجْتَنِبُونَ) ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (هم) تَوْكِيدًا لِلْفاعِلِ في ﴿غَضِبُوا﴾ .
وقالَ أبُو البَقاءِ (هم) مُبْتَدَأٌ، و(يَغْفِرُونَ) الخَبَرُ، والجُمْلَةُ جَوابُ (إذا) . انْتَهى، وهَذا لا يَجُوزُ؛ لِأنَّ الجُمْلَةَ لَوْ كانَتْ جَوابَ (إذا) لَكانَتْ بِالفاءِ، تَقُولُ: إذا جاءَ زَيْدٌ فَعَمْرٌو مُنْطَلِقٌ، ولا يَجُوزُ حَذْفُ الفاءِ إلّا إنْ ورَدَ في شِعْرٍ. وقِيلَ: (هم) مَرْفُوعٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يُفَسِّرُهُ (يَغْفِرُونَ) ولَمّا حُذِفَ انْفَصَلَ الضَّمِيرُ، وهَذا القَوْلُ فِيهِ نَظَرٌ، وهو أنَّ جَوابَ (إذا) يُفَسَّرُ كَما يُفَسَّرُ فِعْلُ الشَّرْطِ بَعْدَها، نَحْوُ: ﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ [الإنشقاق: ١]، ولا يَبْعُدُ جَوازُ ذَلِكَ عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ، إذْ جاءَ ذَلِكَ في أداةِ الشَّرْطِ الجازِمَةِ، نَحْوُ: إنْ يَنْطَلِقْ زَيْدٌ يَنْطَلِقُ، فَزِيدٌ عِنْدَهُ فاعِلٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يُفَسِّرُهُ الجَوابُ، أيْ: يَنْطَلِقُ زَيْدٌ، مَنَعَ ذَلِكَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هم يَغْفِرُونَ، أيْ: هُمُ الأخِصّاءُ بِالغُفْرانِ، في حالِ الغَضَبِ لا يَغُولُ الغَضَبُ أحْلامَهم، كَما يَغُولُ حُلُومَ النّاسِ. والمَجِيءُ لَهم وإيقاعُهُ مُبْتَدَأٌ، وإسْنادُ (يَغْفِرُونَ) إلَيْهِ لِهَذِهِ الفائِدَةِ. انْتَهى، وفِيهِ حَضٌّ عَلى كَسْرِ الغَضَبِ.
وفِي الحَدِيثِ: «أوْصِنِي، قالَ: لا تَغْضَبْ، قالَ: زِدْنِي، قالَ: لا تَغْضَبْ، قالَ: زِدْنِي، قالَ: لا تَغْضَبْ» .
﴿والَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ﴾، قِيلَ: نَزَلَتْ في الأنْصارِ، دَعاهُمُ اللَّهُ لِلْإيمانِ بِهِ وطاعَتِهِ فاسْتَجابُوا لَهُ. وكانُوا قَبْلَ الإسْلامِ، وقَبْلَ أنْ يُقْدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المَدِينَةَ، إذا نابَهم أمْرٌ تَشاوَرُوا، فَأثْنى اللَّهُ عَلَيْهِمْ، لا يَنْفَرِدُونَ بِأمْرٍ حَتّى يَجْتَمِعُوا عَلَيْهِ.
وعَنِ الحَسَنِ: ما تَشاوَرَ قَوْمٌ إلّا هُدُوا لِأرْشَدِ أمْرِهِمْ. انْتَهى.
وفِي الشُّورى اجْتِماعُ الكَلِمَةِ والتَّحابُّ والتَّعاضُدُ عَلى الخَيْرِ. وقَدْ شاوَرَ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فِيما يَتَعَلَّقُ بِمَصالِحَ الحُرُوبِ، والصَّحابَةُ بَعْدَهُ في ذَلِكَ، كَمُشاوَرَةِ عُمَرُ لِلْهُرْمُزِ. وفي الأحْكامِ، كَقِتالِ أهْلِ الرِّدَّةِ، ومِيراثِ الحَرْبِيِّ، وعَدَدِ مُدْمِنِي الخَمْرِ، وغَيْرِ ذَلِكَ.
والشُّورى مَصْدَرٌ كالفُتْيا بِمَعْنى التَّشاوُرِ، عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: وأمْرُهم ذُو شُورى بَيْنِهِمْ. و﴿هم يَنْتَصِرُونَ﴾: صِلَةٌ لِلَّذِينِ، وإذا مَعْمُولَةٌ لِـ (يَنْتَصِرُونَ)، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿هم يَنْتَصِرُونَ﴾ جَوابًا لـ (إذا) والجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ وجَوابُها صِلَةٌ لِما ذَكَرْناهُ مِن لُزُومِ الفاءِ، ويَجُوزُ هُنا أنْ يَكُونَ (هم) فاعِلًا بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ عَلى ذَلِكَ القَوْلِ الَّذِي قِيلَ في ﴿هم يَغْفِرُونَ﴾ . وقالَ الحَوْفِيُّ: وإنْ شِئْتَ جَعَلْتَ (هم) تَوْكِيدًا لِلْهاءِ والمِيمِ، يَعْنِي في (أصابَهم) وهو ضَمِيرُ رَفْعٍ، وفي هَذا نَظَرٌ، وفِيهِ الفَصْلُ بَيْنَ المُؤَكَّدِ والتَّوْكِيدِ بِالفاعِلِ، وهو فِعْلٌ، الظّاهِرُ أنَّهُ لا يَمْتَنِعُ، والِانْتِصارُ: أنْ يَقْتَصِرَ عَلى ما حَدَّهُ اللَّهُ لَهُ ولا يَعْتَدِي.
وقالَ النَّخَعِيُّ: كانُوا يَكْرَهُونَ أنْ يُذِلُّوا أنْفَسَهم، فَتَجْتَرِئُ عَلَيْهِمُ الفُسّاقُ، ومَنِ انْتَصَرَ غَيْرُ مُتَعَدٍّ فَهو مُطِيعٌ مَحْمُودٌ. وقالَ مُقاتِلٌ، وهِشامٌ عَنْ عُرْوَةَ: الآيَةُ في المَجْرُوحِ يَنْتَصِفُ مِنَ الجارِحِ بِالقِصاصِ. وقالَ (p-٥٢٣)ابْنُ عَبّاسٍ: تَعَدّى المُشْرِكُونَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وعَلى أصْحابِهِ، وأخْرَجُوهم مِن مَكَّةَ، فَأذِنَ اللَّهُ لَهم بِالخُرُوجِ في الأرْضِ، ونَصَرَهم عَلى مَن بَغى عَلَيْهِمْ.
وقالَ الكِيا الطَّبَرِيُّ: ظاهِرُهُ أنَّ الِانْتِصارَ في هَذا المَوْضِعِ أفْضَلُ، ألا تَرى أنَّهُ قَرَنَهُ إلى ذِكْرِ الِاسْتِجابَةِ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ وإقامَةِ الصَّلاةِ ؟ فَهَذا عَلى ما ذَكَرَهُ النَّخَعِيُّ، وهَذا فِيمَن تَعَدّى وأصَرَّ، والمَأْمُورُ فِيهِ بِالعَفْوِ إذا كانَ الجانِي نادِمًا مُقْلِعًا. وقَدْ قالَ عَقِيبَ هَذِهِ الآيَةِ ﴿ولَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ﴾ الآيَةَ، فَيَقْتَضِي إباحَةَ الِانْتِصارِ. وقَدْ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَمَن صَبَرَ وغَفَرَ﴾، وهَذا مَحْمُولٌ، عَلى القُرْآنِ عِنْدَ غَيْرِ المُصِرِّ. فَأمّا المُصِرُّ عَلى البَغْيِ، فالأفْضَلُ الِانْتِصارُ مِنهُ بِدَلِيلِ الآيَةِ قَبْلَها. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: المَعْنى تَناصَرُوا عَلَيْهِ فَأزالُوهُ عَنْهم.
وقالَ أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ نَحْوًا مِن قَوْلِ الكِيا.
قالَ الجُمْهُورُ: إذا بَغى مُؤْمِنٌ عَلى مُؤْمِنٍ فَلا يَجُوزُ لَهُ أنْ يَنْتَصِرَ مِنهُ بِنَفْسِهِ، بَلْ يَرْفَعُ ذَلِكَ إلى الإمامِ أوْ نائِبِهِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: لَهُ ذَلِكَ.
﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾: هَذا بَيانٌ لِلِانْتِصارِ، أيْ: لا يَتَعَدّى فِيما يُجازِي بِهِ مَن بَغى عَلَيْهِ.
قالَ ابْنُ أبِي نَجِيحٍ، والسُّدِّيُّ: إذا شُتِمَ فَلَهُ أنْ يَرُدَّ مِثْلَ ما شُتِمَ بِهِ دُونَ أنْ يَتَعَدّى، وسُمِّيَ القِصاصُ سَيِّئَةً عَلى سَبِيلِ المُقابَلَةِ، أوْ لِأنَّها تَسُوءُ مَنِ اقْتُصَّ مِنهُ، كَما ساءَتِ الحَيْضُ. وظاهِرُ قَوْلِهِ: (مِثْلُها) المُماثَلَةُ مُطْلَقًا في كُلِّ الأحْوالِ، لا فِيما خَصَّهُ الدَّلِيلُ. والفُقَهاءُ أدْخَلُوا التَّخْصِيصَ في صُوَرٍ كَثِيرَةٍ بِناءً عَلى القِياسِ.
قالَ مُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ: إذا قالَ لَهُ: أخْزاكَ اللَّهُ، فَلْيَقُلْ: أخْزاكَ اللَّهُ، وإذا قَذَفَهُ قَذْفًا يُوجِبُ الحَدَّ، بَلِ الحَدُّ الَّذِي أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ.
﴿فَمَن عَفا وأصْلَحَ﴾ أيْ: بَيْنَهُ وبَيْنَ خَصْمِهِ بِالعَفْوِ، ﴿فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ﴾: عِدَةٌ مُبْهَمَةٌ لا يُقاسُ عِظَمُها؛ إذْ هي عَلى اللَّهِ.
﴿إنَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ أيِ: الخائِنِينَ، وإذا كانَ لا يُحِبُّهُ وقَدْ نُدِبَ إلى العَفْوِ عَنْهُ، فالعَفْوُ الَّذِي يُحِبُّهُ اللَّهُ أوْلى أنْ يَعْفِيَ عَنْهُ، أوْ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ مَن تَجاوَزَ واعْتَدى مِنَ المَجْنِيِّ عَلَيْهِمْ، إذا انْتَصَرُوا خُصُوصًا في حالَةِ الحَرْبِ والتِهابِ الحَمِيَّةِ، فَرُبَّما يَظْلِمُ وهو لا يَشْعُرُ.
وفِي الحَدِيثِ: «إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ نادى مُنادٍ: مَن كانَ لَهُ أجْرٌ عَلى اللَّهِ فَلْيَقُمْ، قالَ: فَيَقُومُ خَلْقٌ، فَيُقالُ لَهم: ما أجْرُكم عَلى اللَّهِ ؟ فَيَقُولُونَ: نَحْنُ عَفَوْنا عَمَّنْ ظَلَمَنا، فَيُقالُ لَهُمُ: ادْخُلُوا الجَنَّةَ بِإذْنِ اللَّهِ» .
واللّامُ في ﴿ولَمَنِ انْتَصَرَ﴾ لامُ تَوْكِيدٍ. قالَ الحَوْفِيُّ: وفِيها مَعْنى القَسَمِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لامُ التِقاءِ القَسَمِ، يَعْنِيانِ أنَّها اللّامُ الَّتِي يُتَلَقّى بِها القَسَمُ، فالقَسَمُ قَبْلَها مَحْذُوفٌ، ومَن شُرْطِيَّةٌ، وحُمِلَ ﴿انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ﴾ عَلى لَفْظِ (مَن) و(فَأُولَئِكَ) عَلى مَعْنى (مَن) والفاءُ جَوابُ الشَّرْطِ، و(ظُلْمِهِ) مَصْدَرٌ مُضافٌ إلى المَفْعُولِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويُفَسِّرُهُ قِراءَةُ مَن قَرَأ (بَعْدَ ما ظُلِمَ) .
﴿ما عَلَيْهِمْ مِن سَبِيلٍ﴾، قِيلَ أيْ: مِن طَرِيقٍ إلى الحَرَجِ؛ وقِيلَ: مِن سَبِيلٍ لِلْمُعاقِبِ، ولا المُعاتِبِ والعاتِبِ، وهَذِهِ مُبالَغَةٌ في إباحَةِ الِانْتِصارِ.
﴿إنَّما السَّبِيلُ﴾ أيْ: سَبِيلُ الإثْمِ والحَرَجِ، ﴿عَلى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ﴾ أيْ: يَبْتَذِلُونَ بِالظُّلْمِ، ﴿ويَبْغُونَ في الأرْضِ﴾ أيْ: يَتَكَبَّرُونَ فِيها ويَعْلُونَ ويُفْسِدُونَ. وقِيلَ: (ويَظْلِمُونَ النّاسَ) أيْ: يَضَعُونَ الأشْياءَ غَيْرَ مَواضِعِها مِنَ القَتْلِ وأخْذِ المالِ والأذى بِاليَدِ واللِّسانِ.
والبَغْيُ بِغَيْرِ الحَقِّ، فَهو نَوْعٌ مِن أنْواعِ الظُّلْمِ، خَصَّهُ بِالذِّكْرِ تَنْبِيهًا عَلى شِدَّتِهِ وسُوءِ حالِ صاحِبِهِ. انْتَهى.
﴿ولَمَن صَبَرَ﴾ أيْ: عَلى الظُّلْمِ والأذى، (وغَفَرَ)، ولَمْ يَنْتَصِرْ. واللّامُ في (ولَمَن) يَجُوزُ أنْ تَكُونَ اللّامَ المُوَطِّئَةَ القَسَمَ المَحْذُوفَ، ومَن شَرْطِيَّةٌ، وجَوابُ القَسَمِ قَوْلُهُ: (إنَّ ذَلِكَ)، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ جَوابِ القَسَمِ عَلَيْهِ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ اللّامُ لامَ الِابْتِداءِ، ومَن مَوْصُولَةً مُبْتَدَأً، والجُمْلَةُ المُؤَكَّدَةُ بِإنَّ في مَوْضِعِ الخَبَرِ.
وقالَ الحَوْفِيُّ: (مَن) رُفِعَ بِالِابْتِداءِ وأُضْمِرَ الخَبَرُ، وجَوابُ الشَّرْطِ إنَّ وما تَعَلَّقَتْ بِهِ عَلى حَذْفِ الفاءِ، كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎مِن يَفْعَلُ الحَسَناتِ اللَّهُ يَشْكُرُها
أيْ: فاللَّهُ يَشْكُرُها. انْتَهى، وهَذا لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّ حَذْفَ الفاءِ مَخْصُوصٌ بِالشِّعْرِ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ. والإشارَةُ بِذَلِكَ إلى ما يُفْهَمُ مِن مَصْدَرِ صَبَرَ وغَفَرَ، والعائِدُ عَلى المَوْصُولِ المُبْتَدَأِ مِنَ الخَبَرِ مَحْذُوفٌ، أيْ: إنَّ ذَلِكَ مِنهُ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ: ﴿لَمِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾، إنْ كانَ ذَلِكَ (p-٥٢٤)إشارَةً إلى المَصْدَرِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولَمَن صَبَرَ وغَفَرَ﴾، لَمْ يَكُنْ في ﴿عَزْمِ الأُمُورِ﴾ حَذْفٌ، وإنْ كانَ ذَلِكَ إشارَةً إلى المُبْتَدَأِ، كانَ هو الرّابِطُ، ولا يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرٍ مِنهُ، وكانَ في ﴿عَزْمِ الأُمُورِ﴾، أيْ: إنَّهُ لَمِن ذَوِي عَزْمِ الأُمُورِ.
وسَبَّ رَجُلٌ آخَرَ في مَجْلِسِ الحَسَنِ، فَكانَ المَسْبُوبُ يَكْظِمُ ويَعْرَقُ ويَمْسَحُ العَرَقَ، ثُمَّ قامَ فَتَلا الآيَةَ، فَقالَ الحَسَنُ: عَقَلَها واللَّهِ وفَهِمَها لِمَ هَذِهِ ضَيَّعَها الجاهِلُونَ.
والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: (إنَّما السَّبِيلُ) اعْتِراضٌ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿ولَمَنِ انْتَصَرَ﴾، وقَوْلِهِ: ﴿ولَمَن صَبَرَ﴾ .
﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن ولِيٍّ مِن بَعْدِهِ﴾ أيْ: مِن ناصِرٍ يَتَوَلّاهُ (مِن بَعْدِهِ) أيْ: مِن بَعْدِ إضْلالِهِ، وهَذا تَحْقِيرٌ لِأمْرِ الكَفَرَةِ.
﴿وتَرى الظّالِمِينَ﴾: الخِطابُ لِلرَّسُولِ، والمَعْنى: وتَرى حالَهم وما هم فِيهِ مِنَ الحَيْرَةِ، ﴿لَمّا رَأوُا العَذابَ﴾، يَقُولُونَ: ﴿هَلْ إلى مَرَدٍّ مِن سَبِيلٍ﴾: هَلْ سَبِيلٌ إلى الرَّدِّ لِلدُّنْيا ؟ وذَلِكَ مِن فَظِيعِ ما اطَّلَعُوا عَلَيْهِ، وسُوءِ ما يَحِلُّ بِهِمْ.
﴿وتَراهم يُعْرَضُونَ عَلَيْها﴾ [الشورى: ٤٥] أيْ: عَلى النّارِ، دَلَّ عَلَيْها ذِكْرُ العَذابِ، (خاشِعِينَ) مُتَضائِلِينَ صاغِرِينَ مِمّا يَلْحَقُهم، (مِنَ الذُّلِّ) .
وقَرَأ طَلْحَةُ: (مِنَ الذِّلِّ)، بِكَسْرِ الذّالِ؛ والجُمْهُورُ: بِالضَّمِّ، والخُشُوعُ: الِاسْتِكانَةُ، وهو مَحْمُودٌ. وإنَّما أخْرَجَهُ إلى الذَّمِّ اقْتِرانُهُ بِالعَذابِ. وقِيلَ: (مِنَ الذُّلِّ) مُتَعَلِّقٌ بِـ ﴿يَنْظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ [الشورى: ٤٥] .
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ذَلِيلٍ. انْتَهى.
قِيلَ: ووُصِفَ بِالخَفاءِ؛ لِأنَّ نَظَرَهم ضَعِيفٌ ولَحْظُهم نِهايَةٌ، قالَ الشّاعِرُ:
؎فَغُضَّ الطَّرْفَ إنَّكَ مِن نُمَيْرٍ
وقِيلَ: يُحْشَرُونَ عُمْيًا. ولَمّا كانَ نَظَرُهم بِعُيُونِ قُلُوبِهِمْ، جَعَلَهُ طَرَفًا خَفِيًّا، أيْ: لا يَبْدُو نَظَرُهم، وهَذا التَّأْوِيلُ فِيهِ تُكَلُّفٌ.
وقالَ السُّدِّيُّ، وقَتادَةُ: المَعْنى يُسارِقُونَ النَّظَرَ لِما كانُوا فِيهِ مِنَ الهَمِّ وسُوءِ الحالِ، لا يَسْتَطِيعُونَ النَّظَرَ بِجَمِيعِ العَيْنِ، وإنَّما يَنْظُرُونَ مِن بَعْضِها، فَيَجُوزُ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ أنْ يَكُونَ الطَّرْفُ مَصْدَرًا، أيْ: مِن نَظَرٍ خَفِيٍّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ [الشورى: ٤٥]، أيْ: يَبْتَدِئُ نَظَرُهم مِن تَحْرِيكٍ لِأجْفانِهِمْ ضَعِيفٍ خَفِيٍّ بِمُسارَقَةٍ، كَما تَرى المُصَوِّرَ يَنْظُرُ إلى السَّيْفِ، وهَكَذا نَظَرُ النّاظِرِ إلى المَكارِهِ، ولا يَقْدِرُ أنْ يَفْتَحَ أجْفانَهُ عَلَيْها ويَمْلَأ عَيْنَهُ مِنها، كَما يَفْعَلُ في نَظَرِهِ إلى المُتَحابِّ.
الشورى 42:33
(p-٥٢٠)﴿ومِن آياتِهِ الجَوارِي في البَحْرِ كالأعْلامِ﴾ ﴿إنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ ﴿أوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا ويَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾ ﴿ويَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِنا ما لَهم مِن مَحِيصٍ﴾ ﴿فَما أُوتِيتُمْ مِن شَيْءٍ فَمَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا وما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وأبْقى لِلَّذِينَ آمَنُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الإثْمِ والفَواحِشَ وإذا ما غَضِبُوا هم يَغْفِرُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ وأقامُوا الصَّلاةَ وأمْرُهم شُورى بَيْنَهم ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ إذا أصابَهُمُ البَغْيُ هم يَنْتَصِرُونَ﴾ ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها فَمَن عَفا وأصْلَحَ فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ إنَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ ﴿ولَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِن سَبِيلٍ﴾ ﴿إنَّما السَّبِيلُ عَلى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النّاسَ ويَبْغُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿ولَمَن صَبَرَ وغَفَرَ إنَّ ذَلِكَ لَمِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن ولِيٍّ مِن بَعْدِهِ وتَرى الظّالِمِينَ لَمّا رَأوُا العَذابَ يَقُولُونَ هَلْ إلى مَرَدٍّ مِن سَبِيلٍ﴾ ﴿وتَراهم يُعْرَضُونَ عَلَيْها خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ [الشورى: ٤٥] .
لَمّا ذَكَرَ تَعالى مِن دَلائِلِ وحْدانِيَّتِهِ أنْواعًا، ذَكَرَ بَعْدَها العالَمَ الأكْبَرَ، وهو السَّماواتُ والأرْضُ؛ ثُمَّ العالَمَ الأصْغَرَ، وهو الحَيَوانُ. ثُمَّ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ المَعادِ، أتْبَعَهُ بِذِكْرِ السُّفُنِ الجارِيَةِ في البَحْرِ، لِما فِيها مِن عَظِيمِ دَلائِلِ القُدْرَةِ، مِن جِهَةِ أنَّ الماءَ جِسْمٌ لَطِيفٌ شَفّافٌ يَغُوصُ فِيهِ الثَّقِيلُ، والسُّفُنُ تَشْخَصُ بِالأجْسامِ الثَّقِيلَةِ الكَثِيفَةِ، ومَعَ ذَلِكَ جَعَلَ تَعالى لِلْماءِ قُوَّةً يَحْمِلُها بِها ويَمْنَعُ مِنَ الغَوْصِ، ثُمَّ جَعَلَ الرِّياحَ سَبَبًا لِسَيْرِها، فَإذا أرادَ أنْ تَرْسُوَ، أسْكَنَ الرِّيحَ، فَلا تَبْرَحُ عَنْ مَكانِها. و﴿الجَوارِي﴾ جَمْعُ جارِيَةٍ، وأصْلُهُ السُّفُنُ الجَوارِي، حُذِفَ المَوْصُوفُ وقامَتْ صِفَتُهُ مَقامَهُ، وحَسَّنَ ذَلِكَ قَوْلُهُ: (في البَحْرِ)، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّها صِفَةٌ لِلسُّفُنِ، وإلّا فَهي صِفَةٌ غَيْرُ مُخْتَصَّةٍ، فَكانَ القِياسُ أنْ لا يُحْذَفَ المَوْصُوفُ ويَقُومَ مَقامَهُ. ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّها صِفَةٌ غالِبَةٌ، كالأبْطَحِ، فَجازَ أنْ تَلِيَ العَوامِلَ بِغَيْرِ ذِكْرِ المَوْصُوفِ. وقُرِئَ (الجَوارِي) بِالياءِ ودُونِها، وسُمِعَ مِنَ العَرَبِ الإعْرابُ في الرّاءِ، و(في البَحْرِ) مُتَعَلِّقٌ بِالجَوارِي، و﴿كالأعْلامِ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، والأعْلامُ: الجِبالُ، ومِنهُ قَوْلُ الخَنْساءِ أُخْتِ صَخْرٍ ومُعاوِيَةَ:
؎وإنَّ صَخْرًا لَتَأْتَمُّ الهُداةُ بِهِ كَأنَّهُ عَلَمٌ في رَأْسِهِ نارُ
ومِنهُ:
؎إذا قَطَعْنَ عَلَمًا بَدا عَلَمُ
وقَرَأ جُمْهُورُ السَّبْعَةِ: (الرِّيحَ) إفْرادًا، ونافِعٌ: جَمْعًا، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (فَيَظْلَلْنَ) بِفَتْحِ اللّامِ، وقَرَأ قَتادَةُ: بِكَسْرِها، والقِياسُ الفَتْحُ؛ لِأنَّ الماضِيَ بِكَسْرِ العَيْنِ، فالكَسْرُ في المُضارِعِ شاذٌّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مِن ظَلَّ يَظَلُّ ويَظِلُّ، نَحْوَ ضَلَّ يَضَلُّ ويَضِلُّ. انْتَهى.
ولَيْسَ كَما ذُكِرَ؛ لِأنَّ يَضَلُّ بِفَتْحِ العَيْنِ مِن ضَلِلْتُ بِكَسْرِها في الماضِي، ويَضِلُّ بِكَسْرِها مِن ضَلَلْتُ بِفَتْحِها في الماضِي، وكِلاهُما مَقِيسٌ.
﴿لِكُلِّ صَبّارٍ﴾ عَلى بَلائِهِ، (شَكُورٍ) لِنَعْمائِهِ.
﴿أوْ يُوبِقْهُنَّ﴾: يُهْلِكْهُنَّ، أيِ: الجَوارِي، وهو عَطْفٌ عَلى (يُسْكِنِ)، والضَّمِيرُ في (كَسَبُوا) عائِدٌ عَلى رُكّابِ السُّفُنِ، أيْ: بِذُنُوبِهِمْ. وقَرَأ الأعْمَشُ (ويَعْفُو) بِالواوِ، وعَنْ أهْلِ المَدِينَةِ: بِنَصْبِ الواوِ، والجُمْهُورُ (ويَعْفُ) مَجْزُومًا عَطْفًا عَلى (يُوبِقْهُنَّ) . فَأمّا قِراءَةُ الأعْمَشِ، فَإنَّهُ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ يَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ، أيْ: لا يُؤاخِذُ بِجَمِيعِ ما اكْتَسَبَ الإنْسانُ. وأمّا النَّصْبُ، فَبِإضْمارِ أنْ بَعْدَ الواوِ، وكالنَّصْبِ بَعْدَ الفاءِ في قِراءَةِ مَن قَرَأ ﴿يُحاسِبْكم بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ﴾ [البقرة: ٢٨٤] وبَعْدَ الواوِ في قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎فَإنْ يَهْلَكْ أبُو قابُوسِ يَهْلَكْ ∗∗∗ رَبِيعُ النّاسِ والشَّهْرُ الحَرامُ
؎ونَأْخُذُ بَعْدَهُ بِذِنابِ عَيْشٍ ∗∗∗ أجَبَّ الظَّهْرِ لَيْسَ لَهُ سَنامُ
رُوِيَ بِنَصْبِ (ونَأْخُذُ) ورَفْعِهِ وجَزْمِهِ.
وفِي هَذِهِ القِراءَةِ يَكُونُ العَطْفُ عَلى مَصْدَرٍ مُتَوَهَّمٍ، أيْ: يَقَعُ إيباقٌ وعَفْوٌ عَنْ كَثِيرٍ. وأمّا الجَزْمُ فَإنَّهُ داخِلٌ في حُكْمِ جَوابِ الشَّرْطِ؛ إذْ هو مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ، وهو راجِعٌ في المَعْنى إلى قِراءَةِ النَّصْبِ، لَكِنَّ هَذا عَطْفُ فِعْلٍ عَلى فِعْلٍ، وفي النَّصْبِ عَطْفُ مَصْدَرٍ مُقَدَّرٍ عَلى مَصْدَرٍ مُتَوَهَّمٍ.
وقالَ القُشَيْرِيُّ: وقُرِئَ: (ويَعْفُ) بِالجَزْمِ، وفِيها إشْكالٌ؛ لِأنَّ المَعْنى: إنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ، فَتَبْقى (p-٥٢١)تِلْكَ السُّفُنُ رَواكِدُ، أوْ يُهْلِكَها بِذُنُوبِ أهْلِها، فَلا يَحْسُنُ عَطْفُ (ويَعْفُ) عَلى هَذِهِ؛ لِأنَّ المَعْنى يَصِيرُ إنْ يَشَأْ يَعْفُ، ولَيْسَ المَعْنى ذَلِكَ، بَلِ المَعْنى: الإخْبارُ عَنِ الغُيُوبِ عَنْ شَرْطِ المَشِيئَةِ، فَهو إذَنْ عُطِفَ عَلى المَجْزُومِ مِن حَيْثُ اللَّفْظِ، لا مِن حَيْثُ المَعْنى.
وقَدْ قَرَأ قَوْمٌ (ويَعْفُو) بِالرَّفْعِ، وهي جَيِّدَةٌ في المَعْنى. انْتَهى، وما قالَهُ لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ إذْ لَمْ يَفْهَمْ مَدْلُولَ التَّرْكِيبِ. والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى إنْ يَشَأْ أهْلَكَ ناسًا وأنْجى ناسًا عَلى طَرِيقِ العَفْوِ عَنْهم.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): عَلامَ عُطِفَ يُوبِقْهُنَّ ؟ (قُلْتُ): عَلى (يُسْكِنِ) لِأنَّ المَعْنى: إنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَرْكُدْنَ، أوْ يَعْصِفْها فَيَغْرَقْنَ بِعَصْفِها. انْتَهى.
ولا يَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: أوْ يَعْصِفُها فَيَغْرَقْنَ؛ لِأنَّ إهْلاكَ السُّفُنِ لا يَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ بِعَصْفِ الرِّيحِ، بَلْ قَدْ يُهْلِكُها تَعالى بِسَبَبٍ غَيْرِ الرِّيحِ، كَنُزُولِ سَطْحِها بِكَثْرَةِ الثِّقَلِ، أوِ انْكِسارِ اللَّوْحِ يَكُونُ سَبَبًا لِإهْلاكِها، أوْ يَعْرِضُ عَدُوٌّ يُهْلِكُ أهْلَها. وقَرَأ الأعْرَجُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (ويَعْلَمُ) بِالرَّفْعِ عَلى القَطْعِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (ويَعْلَمَ) بِالنَّصْبِ؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: وحَسُنَ النَّصْبُ إذا كانَ قَبْلَهُ شَرْطٌ وجَزاءٌ، وكُلُّ واحِدٍ مِنهُما غَيْرُ واجِبٍ.
وقالَ الزَّجّاجُ: عَلى إضْمارِ أنْ؛ لِأنَّ قَبْلَها جَزاءً. تَقُولُ: ما تَصْنَعُ أصْنَعُ مِثْلَهُ، وأُكْرِمَكَ، وإنْ شِئْتَ: وأكْرِمُكَ، عَلى: وأنا أُكْرِمُكَ، وإنْ شِئْتَ: وأُكْرِمْكَ جَزْمًا.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فِيهِ نَظَرٌ، لِما أوْرَدَهُ سِيبَوَيْهِ في كِتابِهِ قالَ: واعْلَمْ أنَّ النَّصْبَ بِالفاءِ والواوِ في قَوْلِهِ: إنْ تَأْتِنِي آتِكَ وأُعْطِيكَ ضَعِيفٌ، وهو نَحْوٌ مِن قَوْلِهِ:
؎وألْحَقُ بِالحِجازِ فَأسْتَرِيحا
فَهَذا لا يَجُوزُ، ولَيْسَ بِحَدِّ الكَلامِ ولا وجْهِهِ، إلّا أنَّهُ في الجَزاءِ صارَ أقْوى قَلِيلًا؛ لِأنَّهُ لَيْسَ بِواجِبٍ أنَّهُ يَفْعَلُ إلّا أنْ يَكُونَ مِنَ الأوَّلِ فِعْلٌ.
فَلَمّا ضارَعَ الَّذِي لا يُوجِبُهُ، كالِاسْتِفْهامِ ونَحْوِهِ، أجازُوا فِيهِ هَذا عَلى ضَعْفِهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولا يَجُوزُ أنْ تُحْمَلَ القِراءَةُ المُسْتَفِيضَةُ عَلى وجْهٍ ضَعِيفٍ لَيْسَ بِحَدِّ الكَلامِ ولا وجْهِهِ، ولَوْ كانَتْ مِن هَذا البابِ، لَما أخْلى سِيبَوَيْهِ مِنها كِتابَهُ، وقَدْ ذَكَرَ نَظائِرَها مِنَ الآياتِ المُشْكَلَةِ. انْتَهى.
وخَرَّجَ الزَّمَخْشَرِيُّ النَّصْبَ عَلى أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى تَعْلِيلٍ مَحْذُوفٍ، قالَ: تَقْدِيرُهُ: لِيَنْتَقِمَ مِنهم ويَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ، يُكْرَهُ في العَطْفِ عَلى التَّعْلِيلِ المَحْذُوفِ غَيْرُ عَزِيزٍ في القُرْآنِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنّاسِ﴾ [البقرة: ٢٥٩]، وقَوْلُهُ: ﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ﴾ [العنكبوت: ٤٤]، ﴿ولِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ [الجاثية: ٢٢] . انْتَهى.
ويَبْعُدُ تَقْدِيرُهُ لِيَنْتَقِمَ مِنها؛ لِأنَّهُ تَرَتَّبَ عَلى الشَّرْطِ إهْلاكُ قَوْمٍ، فَلا يَحْسُنُ لِيَنْتَقِمَ مِنهم. وأمّا الآيَتانِ فَيُمْكِنُ أنْ تَكُونَ اللّامُ مُتَعَلِّقَةً بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: ﴿ولِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنّاسِ﴾ [مريم: ٢١]، ﴿ولِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ [الجاثية: ٢٢] . فَعَلْنا ذَلِكَ، وكَثِيرًا ما يُقَدَّرُ هَذا الفِعْلُ مَحْذُوفًا قَبْلَ لامِ العِلَّةِ، إذا لَمْ يَكُنْ فِعْلٌ ظاهِرٌ يَتَعَلَّقُ بِهِ.
وذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: (ويَعْلَمَ) قُرِئَ بِالجَزْمِ، (فَإنْ قُلْتَ): فَكَيْفَ يَصِحُّ المَعْنى عَلى جَزْمِ (ويَعْلَمَ) ؟ (قُلْتُ): كَأنَّهُ قالَ: أوْ إنْ يَشَأْ يَجْمَعُ بَيْنَ ثَلاثَةِ أُمُورٍ: هَلاكِ قَوْمٍ، ونَجاةِ قَوْمٍ، وتَحْذِيرِ آخَرِينَ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ويَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِنا ما لَهم مِن مَحِيصٍ﴾ يَتَضَمَّنُ تَحْذِيرَهم مِن عِقابِ اللَّهِ، و﴿ما لَهم مِن مَحِيصٍ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ؛ لِأنَّ (يَعْلَمَ) مُعَلَّقَةٌ، كَقَوْلِكَ: عَلِمْتُ ما زَيْدٌ قائِمٌ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ في قِراءَةِ النَّصْبِ: وهَذِهِ الواوُ ونَحْوُها الَّتِي تُسَمِّيها الكُوفِيُّونَ واوَ الصَّرْفِ؛ لِأنَّ حَقِيقَةَ واوِ الصَّرْفِ الَّتِي يُرِيدُونَها عَطْفُ فِعْلٍ عَلى اسْمٍ مُقَدَّرٍ، فَيُقَدَّرُ أنْ لِيَكُونَ مَعَ الفِعْلِ بِتَأْوِيلِ المَصْدَرِ، فَيَحْسُنُ عَطْفُهُ عَلى الِاسْمِ. انْتَهى.
ولَيْسَ قَوْلُهُ تَعْلِيلًا لِقَوْلِهِمْ: واوُ الصَّرْفِ، إنَّما هو تَقْرِيرٌ لِمَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ. وأمّا الكُوفِيُّونَ فَإنَّ واوَ الصَّرْفِ ناصِبَةٌ بِنَفْسِها، لا بِإضْمارِ أنْ بَعْدَها.
وقالَ أبُو عُبَيْدٍ عَلى الصَّرْفِ كالَّذِي في آلِ عِمْرانَ: ﴿ولَمّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنكم ويَعْلَمَ الصّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٢]، ومَعْنى الصَّرْفِ أنَّهُ كانَ عَلى جِهَةٍ فَصُرِفَ إلى غَيْرِها، فَتَغَيَّرَ الإعْرابُ لِأجْلِ الصَّرْفِ. والعَطْفُ لا يُعَيِّنُ الِاقْتِرانَ في الوُجُودِ، كالعَطْفِ في الِاسْمِ، نَحْوُ: جاءَ زَيْدٌ وعَمْرٌو. ولَوْ نُصِبَ (وعَمْرُو) اقْتَضى الِاقْتِرانَ؛ (p-٥٢٢)وكَذَلِكَ واوُ الصَّرْفِ، لِيُفِيدَ مَعْنى الِاقْتِرانِ ويُعَيِّنَ مَعْنى الِاجْتِماعِ، ولِذَلِكَ أُجْمِعَ عَلى النَّصْبِ في قَوْلِهِ: ﴿ويَعْلَمَ الصّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٢]، أيْ: ويَعْلَمَ المُجاهِدِينَ والصّابِرِينَ مَعًا.
عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - اجْتَمَعَ لِأبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مالٌ، فَتَصَدَّقَ بِهِ كُلِّهِ في سَبِيلِ اللَّهِ والخَيْرِ، فَلامَهُ المُسْلِمُونَ وخَطَّأهُ الكافِرُونَ، فَنَزَلَتْ: ﴿فَما أُوتِيتُمْ مِن شَيْءٍ﴾، والظّاهِرُ أنَّهُ خِطابٌ لِلنّاسِ.
وقِيلَ: لِلْمُشْرِكِينَ، وما شَرْطِيَّةٌ مَفْعُولٌ ثانٍ لِـ (أُوتِيتُمْ)، و(مِن شَيْءٍ) بَيانٌ لِما، والمَعْنى: مِن شَيْءٍ مِن رِياشِ الدُّنْيا ومالِها والسَّعَةِ فِيها، والفاءُ جَوابُ الشَّرْطِ، أيْ: فَهو مَتاعٌ، أيْ: يُسْتَمْتَعُ في الحَياةِ.
(وما عِنْدَ اللَّهِ) أيْ: مِن ثَوابِهِ وما أعَدَّ لِأوْلِيائِهِ، ﴿خَيْرٌ وأبْقى﴾ مِمّا أُوتِيتُمْ؛ لِأنَّهُ لا انْقِطاعَ لَهُ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في الكَبائِرِ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ [النساء: ٣١]، في النِّساءِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (كَبائِرَ) جَمْعًا هُنا، وفي النَّجْمِ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: بِالإفْرادِ.
﴿والَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ﴾: عُطِفَ عَلى (الَّذِينَ آمَنُوا)، وكَذَلِكَ ما بَعْدَهُ. ووَقَعَ لِأبِي البَقاءِ وهْمٌ في التِّلاوَةِ، اعْتَقَدَ أنَّها الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ بِغَيْرِ واوٍ، فَبَنى عَلَيْهِ الإعْرابَ فَقالَ: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ﴾ [النجم: ٣٢] في مَوْضِعِ جَرٍّ بَدَلًا مِنَ (الَّذِينَ آمَنُوا) ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِإضْمارٍ، أعْنِي: وفي مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى تَقْدِيرِ هم. انْتَهى.
والعامِلُ في (إذا) ﴿يَغْفِرُونَ﴾ وهي جُمْلَةٌ مِن مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ مَعْطُوفَةٌ عَلى (يَجْتَنِبُونَ) ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (هم) تَوْكِيدًا لِلْفاعِلِ في ﴿غَضِبُوا﴾ .
وقالَ أبُو البَقاءِ (هم) مُبْتَدَأٌ، و(يَغْفِرُونَ) الخَبَرُ، والجُمْلَةُ جَوابُ (إذا) . انْتَهى، وهَذا لا يَجُوزُ؛ لِأنَّ الجُمْلَةَ لَوْ كانَتْ جَوابَ (إذا) لَكانَتْ بِالفاءِ، تَقُولُ: إذا جاءَ زَيْدٌ فَعَمْرٌو مُنْطَلِقٌ، ولا يَجُوزُ حَذْفُ الفاءِ إلّا إنْ ورَدَ في شِعْرٍ. وقِيلَ: (هم) مَرْفُوعٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يُفَسِّرُهُ (يَغْفِرُونَ) ولَمّا حُذِفَ انْفَصَلَ الضَّمِيرُ، وهَذا القَوْلُ فِيهِ نَظَرٌ، وهو أنَّ جَوابَ (إذا) يُفَسَّرُ كَما يُفَسَّرُ فِعْلُ الشَّرْطِ بَعْدَها، نَحْوُ: ﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ [الإنشقاق: ١]، ولا يَبْعُدُ جَوازُ ذَلِكَ عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ، إذْ جاءَ ذَلِكَ في أداةِ الشَّرْطِ الجازِمَةِ، نَحْوُ: إنْ يَنْطَلِقْ زَيْدٌ يَنْطَلِقُ، فَزِيدٌ عِنْدَهُ فاعِلٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يُفَسِّرُهُ الجَوابُ، أيْ: يَنْطَلِقُ زَيْدٌ، مَنَعَ ذَلِكَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هم يَغْفِرُونَ، أيْ: هُمُ الأخِصّاءُ بِالغُفْرانِ، في حالِ الغَضَبِ لا يَغُولُ الغَضَبُ أحْلامَهم، كَما يَغُولُ حُلُومَ النّاسِ. والمَجِيءُ لَهم وإيقاعُهُ مُبْتَدَأٌ، وإسْنادُ (يَغْفِرُونَ) إلَيْهِ لِهَذِهِ الفائِدَةِ. انْتَهى، وفِيهِ حَضٌّ عَلى كَسْرِ الغَضَبِ.
وفِي الحَدِيثِ: «أوْصِنِي، قالَ: لا تَغْضَبْ، قالَ: زِدْنِي، قالَ: لا تَغْضَبْ، قالَ: زِدْنِي، قالَ: لا تَغْضَبْ» .
﴿والَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ﴾، قِيلَ: نَزَلَتْ في الأنْصارِ، دَعاهُمُ اللَّهُ لِلْإيمانِ بِهِ وطاعَتِهِ فاسْتَجابُوا لَهُ. وكانُوا قَبْلَ الإسْلامِ، وقَبْلَ أنْ يُقْدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المَدِينَةَ، إذا نابَهم أمْرٌ تَشاوَرُوا، فَأثْنى اللَّهُ عَلَيْهِمْ، لا يَنْفَرِدُونَ بِأمْرٍ حَتّى يَجْتَمِعُوا عَلَيْهِ.
وعَنِ الحَسَنِ: ما تَشاوَرَ قَوْمٌ إلّا هُدُوا لِأرْشَدِ أمْرِهِمْ. انْتَهى.
وفِي الشُّورى اجْتِماعُ الكَلِمَةِ والتَّحابُّ والتَّعاضُدُ عَلى الخَيْرِ. وقَدْ شاوَرَ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فِيما يَتَعَلَّقُ بِمَصالِحَ الحُرُوبِ، والصَّحابَةُ بَعْدَهُ في ذَلِكَ، كَمُشاوَرَةِ عُمَرُ لِلْهُرْمُزِ. وفي الأحْكامِ، كَقِتالِ أهْلِ الرِّدَّةِ، ومِيراثِ الحَرْبِيِّ، وعَدَدِ مُدْمِنِي الخَمْرِ، وغَيْرِ ذَلِكَ.
والشُّورى مَصْدَرٌ كالفُتْيا بِمَعْنى التَّشاوُرِ، عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: وأمْرُهم ذُو شُورى بَيْنِهِمْ. و﴿هم يَنْتَصِرُونَ﴾: صِلَةٌ لِلَّذِينِ، وإذا مَعْمُولَةٌ لِـ (يَنْتَصِرُونَ)، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿هم يَنْتَصِرُونَ﴾ جَوابًا لـ (إذا) والجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ وجَوابُها صِلَةٌ لِما ذَكَرْناهُ مِن لُزُومِ الفاءِ، ويَجُوزُ هُنا أنْ يَكُونَ (هم) فاعِلًا بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ عَلى ذَلِكَ القَوْلِ الَّذِي قِيلَ في ﴿هم يَغْفِرُونَ﴾ . وقالَ الحَوْفِيُّ: وإنْ شِئْتَ جَعَلْتَ (هم) تَوْكِيدًا لِلْهاءِ والمِيمِ، يَعْنِي في (أصابَهم) وهو ضَمِيرُ رَفْعٍ، وفي هَذا نَظَرٌ، وفِيهِ الفَصْلُ بَيْنَ المُؤَكَّدِ والتَّوْكِيدِ بِالفاعِلِ، وهو فِعْلٌ، الظّاهِرُ أنَّهُ لا يَمْتَنِعُ، والِانْتِصارُ: أنْ يَقْتَصِرَ عَلى ما حَدَّهُ اللَّهُ لَهُ ولا يَعْتَدِي.
وقالَ النَّخَعِيُّ: كانُوا يَكْرَهُونَ أنْ يُذِلُّوا أنْفَسَهم، فَتَجْتَرِئُ عَلَيْهِمُ الفُسّاقُ، ومَنِ انْتَصَرَ غَيْرُ مُتَعَدٍّ فَهو مُطِيعٌ مَحْمُودٌ. وقالَ مُقاتِلٌ، وهِشامٌ عَنْ عُرْوَةَ: الآيَةُ في المَجْرُوحِ يَنْتَصِفُ مِنَ الجارِحِ بِالقِصاصِ. وقالَ (p-٥٢٣)ابْنُ عَبّاسٍ: تَعَدّى المُشْرِكُونَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وعَلى أصْحابِهِ، وأخْرَجُوهم مِن مَكَّةَ، فَأذِنَ اللَّهُ لَهم بِالخُرُوجِ في الأرْضِ، ونَصَرَهم عَلى مَن بَغى عَلَيْهِمْ.
وقالَ الكِيا الطَّبَرِيُّ: ظاهِرُهُ أنَّ الِانْتِصارَ في هَذا المَوْضِعِ أفْضَلُ، ألا تَرى أنَّهُ قَرَنَهُ إلى ذِكْرِ الِاسْتِجابَةِ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ وإقامَةِ الصَّلاةِ ؟ فَهَذا عَلى ما ذَكَرَهُ النَّخَعِيُّ، وهَذا فِيمَن تَعَدّى وأصَرَّ، والمَأْمُورُ فِيهِ بِالعَفْوِ إذا كانَ الجانِي نادِمًا مُقْلِعًا. وقَدْ قالَ عَقِيبَ هَذِهِ الآيَةِ ﴿ولَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ﴾ الآيَةَ، فَيَقْتَضِي إباحَةَ الِانْتِصارِ. وقَدْ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَمَن صَبَرَ وغَفَرَ﴾، وهَذا مَحْمُولٌ، عَلى القُرْآنِ عِنْدَ غَيْرِ المُصِرِّ. فَأمّا المُصِرُّ عَلى البَغْيِ، فالأفْضَلُ الِانْتِصارُ مِنهُ بِدَلِيلِ الآيَةِ قَبْلَها. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: المَعْنى تَناصَرُوا عَلَيْهِ فَأزالُوهُ عَنْهم.
وقالَ أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ نَحْوًا مِن قَوْلِ الكِيا.
قالَ الجُمْهُورُ: إذا بَغى مُؤْمِنٌ عَلى مُؤْمِنٍ فَلا يَجُوزُ لَهُ أنْ يَنْتَصِرَ مِنهُ بِنَفْسِهِ، بَلْ يَرْفَعُ ذَلِكَ إلى الإمامِ أوْ نائِبِهِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: لَهُ ذَلِكَ.
﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾: هَذا بَيانٌ لِلِانْتِصارِ، أيْ: لا يَتَعَدّى فِيما يُجازِي بِهِ مَن بَغى عَلَيْهِ.
قالَ ابْنُ أبِي نَجِيحٍ، والسُّدِّيُّ: إذا شُتِمَ فَلَهُ أنْ يَرُدَّ مِثْلَ ما شُتِمَ بِهِ دُونَ أنْ يَتَعَدّى، وسُمِّيَ القِصاصُ سَيِّئَةً عَلى سَبِيلِ المُقابَلَةِ، أوْ لِأنَّها تَسُوءُ مَنِ اقْتُصَّ مِنهُ، كَما ساءَتِ الحَيْضُ. وظاهِرُ قَوْلِهِ: (مِثْلُها) المُماثَلَةُ مُطْلَقًا في كُلِّ الأحْوالِ، لا فِيما خَصَّهُ الدَّلِيلُ. والفُقَهاءُ أدْخَلُوا التَّخْصِيصَ في صُوَرٍ كَثِيرَةٍ بِناءً عَلى القِياسِ.
قالَ مُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ: إذا قالَ لَهُ: أخْزاكَ اللَّهُ، فَلْيَقُلْ: أخْزاكَ اللَّهُ، وإذا قَذَفَهُ قَذْفًا يُوجِبُ الحَدَّ، بَلِ الحَدُّ الَّذِي أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ.
﴿فَمَن عَفا وأصْلَحَ﴾ أيْ: بَيْنَهُ وبَيْنَ خَصْمِهِ بِالعَفْوِ، ﴿فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ﴾: عِدَةٌ مُبْهَمَةٌ لا يُقاسُ عِظَمُها؛ إذْ هي عَلى اللَّهِ.
﴿إنَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ أيِ: الخائِنِينَ، وإذا كانَ لا يُحِبُّهُ وقَدْ نُدِبَ إلى العَفْوِ عَنْهُ، فالعَفْوُ الَّذِي يُحِبُّهُ اللَّهُ أوْلى أنْ يَعْفِيَ عَنْهُ، أوْ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ مَن تَجاوَزَ واعْتَدى مِنَ المَجْنِيِّ عَلَيْهِمْ، إذا انْتَصَرُوا خُصُوصًا في حالَةِ الحَرْبِ والتِهابِ الحَمِيَّةِ، فَرُبَّما يَظْلِمُ وهو لا يَشْعُرُ.
وفِي الحَدِيثِ: «إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ نادى مُنادٍ: مَن كانَ لَهُ أجْرٌ عَلى اللَّهِ فَلْيَقُمْ، قالَ: فَيَقُومُ خَلْقٌ، فَيُقالُ لَهم: ما أجْرُكم عَلى اللَّهِ ؟ فَيَقُولُونَ: نَحْنُ عَفَوْنا عَمَّنْ ظَلَمَنا، فَيُقالُ لَهُمُ: ادْخُلُوا الجَنَّةَ بِإذْنِ اللَّهِ» .
واللّامُ في ﴿ولَمَنِ انْتَصَرَ﴾ لامُ تَوْكِيدٍ. قالَ الحَوْفِيُّ: وفِيها مَعْنى القَسَمِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لامُ التِقاءِ القَسَمِ، يَعْنِيانِ أنَّها اللّامُ الَّتِي يُتَلَقّى بِها القَسَمُ، فالقَسَمُ قَبْلَها مَحْذُوفٌ، ومَن شُرْطِيَّةٌ، وحُمِلَ ﴿انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ﴾ عَلى لَفْظِ (مَن) و(فَأُولَئِكَ) عَلى مَعْنى (مَن) والفاءُ جَوابُ الشَّرْطِ، و(ظُلْمِهِ) مَصْدَرٌ مُضافٌ إلى المَفْعُولِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويُفَسِّرُهُ قِراءَةُ مَن قَرَأ (بَعْدَ ما ظُلِمَ) .
﴿ما عَلَيْهِمْ مِن سَبِيلٍ﴾، قِيلَ أيْ: مِن طَرِيقٍ إلى الحَرَجِ؛ وقِيلَ: مِن سَبِيلٍ لِلْمُعاقِبِ، ولا المُعاتِبِ والعاتِبِ، وهَذِهِ مُبالَغَةٌ في إباحَةِ الِانْتِصارِ.
﴿إنَّما السَّبِيلُ﴾ أيْ: سَبِيلُ الإثْمِ والحَرَجِ، ﴿عَلى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ﴾ أيْ: يَبْتَذِلُونَ بِالظُّلْمِ، ﴿ويَبْغُونَ في الأرْضِ﴾ أيْ: يَتَكَبَّرُونَ فِيها ويَعْلُونَ ويُفْسِدُونَ. وقِيلَ: (ويَظْلِمُونَ النّاسَ) أيْ: يَضَعُونَ الأشْياءَ غَيْرَ مَواضِعِها مِنَ القَتْلِ وأخْذِ المالِ والأذى بِاليَدِ واللِّسانِ.
والبَغْيُ بِغَيْرِ الحَقِّ، فَهو نَوْعٌ مِن أنْواعِ الظُّلْمِ، خَصَّهُ بِالذِّكْرِ تَنْبِيهًا عَلى شِدَّتِهِ وسُوءِ حالِ صاحِبِهِ. انْتَهى.
﴿ولَمَن صَبَرَ﴾ أيْ: عَلى الظُّلْمِ والأذى، (وغَفَرَ)، ولَمْ يَنْتَصِرْ. واللّامُ في (ولَمَن) يَجُوزُ أنْ تَكُونَ اللّامَ المُوَطِّئَةَ القَسَمَ المَحْذُوفَ، ومَن شَرْطِيَّةٌ، وجَوابُ القَسَمِ قَوْلُهُ: (إنَّ ذَلِكَ)، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ جَوابِ القَسَمِ عَلَيْهِ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ اللّامُ لامَ الِابْتِداءِ، ومَن مَوْصُولَةً مُبْتَدَأً، والجُمْلَةُ المُؤَكَّدَةُ بِإنَّ في مَوْضِعِ الخَبَرِ.
وقالَ الحَوْفِيُّ: (مَن) رُفِعَ بِالِابْتِداءِ وأُضْمِرَ الخَبَرُ، وجَوابُ الشَّرْطِ إنَّ وما تَعَلَّقَتْ بِهِ عَلى حَذْفِ الفاءِ، كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎مِن يَفْعَلُ الحَسَناتِ اللَّهُ يَشْكُرُها
أيْ: فاللَّهُ يَشْكُرُها. انْتَهى، وهَذا لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّ حَذْفَ الفاءِ مَخْصُوصٌ بِالشِّعْرِ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ. والإشارَةُ بِذَلِكَ إلى ما يُفْهَمُ مِن مَصْدَرِ صَبَرَ وغَفَرَ، والعائِدُ عَلى المَوْصُولِ المُبْتَدَأِ مِنَ الخَبَرِ مَحْذُوفٌ، أيْ: إنَّ ذَلِكَ مِنهُ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ: ﴿لَمِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾، إنْ كانَ ذَلِكَ (p-٥٢٤)إشارَةً إلى المَصْدَرِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولَمَن صَبَرَ وغَفَرَ﴾، لَمْ يَكُنْ في ﴿عَزْمِ الأُمُورِ﴾ حَذْفٌ، وإنْ كانَ ذَلِكَ إشارَةً إلى المُبْتَدَأِ، كانَ هو الرّابِطُ، ولا يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرٍ مِنهُ، وكانَ في ﴿عَزْمِ الأُمُورِ﴾، أيْ: إنَّهُ لَمِن ذَوِي عَزْمِ الأُمُورِ.
وسَبَّ رَجُلٌ آخَرَ في مَجْلِسِ الحَسَنِ، فَكانَ المَسْبُوبُ يَكْظِمُ ويَعْرَقُ ويَمْسَحُ العَرَقَ، ثُمَّ قامَ فَتَلا الآيَةَ، فَقالَ الحَسَنُ: عَقَلَها واللَّهِ وفَهِمَها لِمَ هَذِهِ ضَيَّعَها الجاهِلُونَ.
والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: (إنَّما السَّبِيلُ) اعْتِراضٌ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿ولَمَنِ انْتَصَرَ﴾، وقَوْلِهِ: ﴿ولَمَن صَبَرَ﴾ .
﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن ولِيٍّ مِن بَعْدِهِ﴾ أيْ: مِن ناصِرٍ يَتَوَلّاهُ (مِن بَعْدِهِ) أيْ: مِن بَعْدِ إضْلالِهِ، وهَذا تَحْقِيرٌ لِأمْرِ الكَفَرَةِ.
﴿وتَرى الظّالِمِينَ﴾: الخِطابُ لِلرَّسُولِ، والمَعْنى: وتَرى حالَهم وما هم فِيهِ مِنَ الحَيْرَةِ، ﴿لَمّا رَأوُا العَذابَ﴾، يَقُولُونَ: ﴿هَلْ إلى مَرَدٍّ مِن سَبِيلٍ﴾: هَلْ سَبِيلٌ إلى الرَّدِّ لِلدُّنْيا ؟ وذَلِكَ مِن فَظِيعِ ما اطَّلَعُوا عَلَيْهِ، وسُوءِ ما يَحِلُّ بِهِمْ.
﴿وتَراهم يُعْرَضُونَ عَلَيْها﴾ [الشورى: ٤٥] أيْ: عَلى النّارِ، دَلَّ عَلَيْها ذِكْرُ العَذابِ، (خاشِعِينَ) مُتَضائِلِينَ صاغِرِينَ مِمّا يَلْحَقُهم، (مِنَ الذُّلِّ) .
وقَرَأ طَلْحَةُ: (مِنَ الذِّلِّ)، بِكَسْرِ الذّالِ؛ والجُمْهُورُ: بِالضَّمِّ، والخُشُوعُ: الِاسْتِكانَةُ، وهو مَحْمُودٌ. وإنَّما أخْرَجَهُ إلى الذَّمِّ اقْتِرانُهُ بِالعَذابِ. وقِيلَ: (مِنَ الذُّلِّ) مُتَعَلِّقٌ بِـ ﴿يَنْظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ [الشورى: ٤٥] .
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ذَلِيلٍ. انْتَهى.
قِيلَ: ووُصِفَ بِالخَفاءِ؛ لِأنَّ نَظَرَهم ضَعِيفٌ ولَحْظُهم نِهايَةٌ، قالَ الشّاعِرُ:
؎فَغُضَّ الطَّرْفَ إنَّكَ مِن نُمَيْرٍ
وقِيلَ: يُحْشَرُونَ عُمْيًا. ولَمّا كانَ نَظَرُهم بِعُيُونِ قُلُوبِهِمْ، جَعَلَهُ طَرَفًا خَفِيًّا، أيْ: لا يَبْدُو نَظَرُهم، وهَذا التَّأْوِيلُ فِيهِ تُكَلُّفٌ.
وقالَ السُّدِّيُّ، وقَتادَةُ: المَعْنى يُسارِقُونَ النَّظَرَ لِما كانُوا فِيهِ مِنَ الهَمِّ وسُوءِ الحالِ، لا يَسْتَطِيعُونَ النَّظَرَ بِجَمِيعِ العَيْنِ، وإنَّما يَنْظُرُونَ مِن بَعْضِها، فَيَجُوزُ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ أنْ يَكُونَ الطَّرْفُ مَصْدَرًا، أيْ: مِن نَظَرٍ خَفِيٍّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ [الشورى: ٤٥]، أيْ: يَبْتَدِئُ نَظَرُهم مِن تَحْرِيكٍ لِأجْفانِهِمْ ضَعِيفٍ خَفِيٍّ بِمُسارَقَةٍ، كَما تَرى المُصَوِّرَ يَنْظُرُ إلى السَّيْفِ، وهَكَذا نَظَرُ النّاظِرِ إلى المَكارِهِ، ولا يَقْدِرُ أنْ يَفْتَحَ أجْفانَهُ عَلَيْها ويَمْلَأ عَيْنَهُ مِنها، كَما يَفْعَلُ في نَظَرِهِ إلى المُتَحابِّ.
الشورى 42:34
(p-٥٢٠)﴿ومِن آياتِهِ الجَوارِي في البَحْرِ كالأعْلامِ﴾ ﴿إنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ ﴿أوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا ويَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾ ﴿ويَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِنا ما لَهم مِن مَحِيصٍ﴾ ﴿فَما أُوتِيتُمْ مِن شَيْءٍ فَمَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا وما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وأبْقى لِلَّذِينَ آمَنُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الإثْمِ والفَواحِشَ وإذا ما غَضِبُوا هم يَغْفِرُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ وأقامُوا الصَّلاةَ وأمْرُهم شُورى بَيْنَهم ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ إذا أصابَهُمُ البَغْيُ هم يَنْتَصِرُونَ﴾ ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها فَمَن عَفا وأصْلَحَ فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ إنَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ ﴿ولَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِن سَبِيلٍ﴾ ﴿إنَّما السَّبِيلُ عَلى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النّاسَ ويَبْغُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿ولَمَن صَبَرَ وغَفَرَ إنَّ ذَلِكَ لَمِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن ولِيٍّ مِن بَعْدِهِ وتَرى الظّالِمِينَ لَمّا رَأوُا العَذابَ يَقُولُونَ هَلْ إلى مَرَدٍّ مِن سَبِيلٍ﴾ ﴿وتَراهم يُعْرَضُونَ عَلَيْها خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ [الشورى: ٤٥] .
لَمّا ذَكَرَ تَعالى مِن دَلائِلِ وحْدانِيَّتِهِ أنْواعًا، ذَكَرَ بَعْدَها العالَمَ الأكْبَرَ، وهو السَّماواتُ والأرْضُ؛ ثُمَّ العالَمَ الأصْغَرَ، وهو الحَيَوانُ. ثُمَّ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ المَعادِ، أتْبَعَهُ بِذِكْرِ السُّفُنِ الجارِيَةِ في البَحْرِ، لِما فِيها مِن عَظِيمِ دَلائِلِ القُدْرَةِ، مِن جِهَةِ أنَّ الماءَ جِسْمٌ لَطِيفٌ شَفّافٌ يَغُوصُ فِيهِ الثَّقِيلُ، والسُّفُنُ تَشْخَصُ بِالأجْسامِ الثَّقِيلَةِ الكَثِيفَةِ، ومَعَ ذَلِكَ جَعَلَ تَعالى لِلْماءِ قُوَّةً يَحْمِلُها بِها ويَمْنَعُ مِنَ الغَوْصِ، ثُمَّ جَعَلَ الرِّياحَ سَبَبًا لِسَيْرِها، فَإذا أرادَ أنْ تَرْسُوَ، أسْكَنَ الرِّيحَ، فَلا تَبْرَحُ عَنْ مَكانِها. و﴿الجَوارِي﴾ جَمْعُ جارِيَةٍ، وأصْلُهُ السُّفُنُ الجَوارِي، حُذِفَ المَوْصُوفُ وقامَتْ صِفَتُهُ مَقامَهُ، وحَسَّنَ ذَلِكَ قَوْلُهُ: (في البَحْرِ)، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّها صِفَةٌ لِلسُّفُنِ، وإلّا فَهي صِفَةٌ غَيْرُ مُخْتَصَّةٍ، فَكانَ القِياسُ أنْ لا يُحْذَفَ المَوْصُوفُ ويَقُومَ مَقامَهُ. ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّها صِفَةٌ غالِبَةٌ، كالأبْطَحِ، فَجازَ أنْ تَلِيَ العَوامِلَ بِغَيْرِ ذِكْرِ المَوْصُوفِ. وقُرِئَ (الجَوارِي) بِالياءِ ودُونِها، وسُمِعَ مِنَ العَرَبِ الإعْرابُ في الرّاءِ، و(في البَحْرِ) مُتَعَلِّقٌ بِالجَوارِي، و﴿كالأعْلامِ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، والأعْلامُ: الجِبالُ، ومِنهُ قَوْلُ الخَنْساءِ أُخْتِ صَخْرٍ ومُعاوِيَةَ:
؎وإنَّ صَخْرًا لَتَأْتَمُّ الهُداةُ بِهِ كَأنَّهُ عَلَمٌ في رَأْسِهِ نارُ
ومِنهُ:
؎إذا قَطَعْنَ عَلَمًا بَدا عَلَمُ
وقَرَأ جُمْهُورُ السَّبْعَةِ: (الرِّيحَ) إفْرادًا، ونافِعٌ: جَمْعًا، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (فَيَظْلَلْنَ) بِفَتْحِ اللّامِ، وقَرَأ قَتادَةُ: بِكَسْرِها، والقِياسُ الفَتْحُ؛ لِأنَّ الماضِيَ بِكَسْرِ العَيْنِ، فالكَسْرُ في المُضارِعِ شاذٌّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مِن ظَلَّ يَظَلُّ ويَظِلُّ، نَحْوَ ضَلَّ يَضَلُّ ويَضِلُّ. انْتَهى.
ولَيْسَ كَما ذُكِرَ؛ لِأنَّ يَضَلُّ بِفَتْحِ العَيْنِ مِن ضَلِلْتُ بِكَسْرِها في الماضِي، ويَضِلُّ بِكَسْرِها مِن ضَلَلْتُ بِفَتْحِها في الماضِي، وكِلاهُما مَقِيسٌ.
﴿لِكُلِّ صَبّارٍ﴾ عَلى بَلائِهِ، (شَكُورٍ) لِنَعْمائِهِ.
﴿أوْ يُوبِقْهُنَّ﴾: يُهْلِكْهُنَّ، أيِ: الجَوارِي، وهو عَطْفٌ عَلى (يُسْكِنِ)، والضَّمِيرُ في (كَسَبُوا) عائِدٌ عَلى رُكّابِ السُّفُنِ، أيْ: بِذُنُوبِهِمْ. وقَرَأ الأعْمَشُ (ويَعْفُو) بِالواوِ، وعَنْ أهْلِ المَدِينَةِ: بِنَصْبِ الواوِ، والجُمْهُورُ (ويَعْفُ) مَجْزُومًا عَطْفًا عَلى (يُوبِقْهُنَّ) . فَأمّا قِراءَةُ الأعْمَشِ، فَإنَّهُ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ يَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ، أيْ: لا يُؤاخِذُ بِجَمِيعِ ما اكْتَسَبَ الإنْسانُ. وأمّا النَّصْبُ، فَبِإضْمارِ أنْ بَعْدَ الواوِ، وكالنَّصْبِ بَعْدَ الفاءِ في قِراءَةِ مَن قَرَأ ﴿يُحاسِبْكم بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ﴾ [البقرة: ٢٨٤] وبَعْدَ الواوِ في قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎فَإنْ يَهْلَكْ أبُو قابُوسِ يَهْلَكْ ∗∗∗ رَبِيعُ النّاسِ والشَّهْرُ الحَرامُ
؎ونَأْخُذُ بَعْدَهُ بِذِنابِ عَيْشٍ ∗∗∗ أجَبَّ الظَّهْرِ لَيْسَ لَهُ سَنامُ
رُوِيَ بِنَصْبِ (ونَأْخُذُ) ورَفْعِهِ وجَزْمِهِ.
وفِي هَذِهِ القِراءَةِ يَكُونُ العَطْفُ عَلى مَصْدَرٍ مُتَوَهَّمٍ، أيْ: يَقَعُ إيباقٌ وعَفْوٌ عَنْ كَثِيرٍ. وأمّا الجَزْمُ فَإنَّهُ داخِلٌ في حُكْمِ جَوابِ الشَّرْطِ؛ إذْ هو مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ، وهو راجِعٌ في المَعْنى إلى قِراءَةِ النَّصْبِ، لَكِنَّ هَذا عَطْفُ فِعْلٍ عَلى فِعْلٍ، وفي النَّصْبِ عَطْفُ مَصْدَرٍ مُقَدَّرٍ عَلى مَصْدَرٍ مُتَوَهَّمٍ.
وقالَ القُشَيْرِيُّ: وقُرِئَ: (ويَعْفُ) بِالجَزْمِ، وفِيها إشْكالٌ؛ لِأنَّ المَعْنى: إنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ، فَتَبْقى (p-٥٢١)تِلْكَ السُّفُنُ رَواكِدُ، أوْ يُهْلِكَها بِذُنُوبِ أهْلِها، فَلا يَحْسُنُ عَطْفُ (ويَعْفُ) عَلى هَذِهِ؛ لِأنَّ المَعْنى يَصِيرُ إنْ يَشَأْ يَعْفُ، ولَيْسَ المَعْنى ذَلِكَ، بَلِ المَعْنى: الإخْبارُ عَنِ الغُيُوبِ عَنْ شَرْطِ المَشِيئَةِ، فَهو إذَنْ عُطِفَ عَلى المَجْزُومِ مِن حَيْثُ اللَّفْظِ، لا مِن حَيْثُ المَعْنى.
وقَدْ قَرَأ قَوْمٌ (ويَعْفُو) بِالرَّفْعِ، وهي جَيِّدَةٌ في المَعْنى. انْتَهى، وما قالَهُ لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ إذْ لَمْ يَفْهَمْ مَدْلُولَ التَّرْكِيبِ. والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى إنْ يَشَأْ أهْلَكَ ناسًا وأنْجى ناسًا عَلى طَرِيقِ العَفْوِ عَنْهم.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): عَلامَ عُطِفَ يُوبِقْهُنَّ ؟ (قُلْتُ): عَلى (يُسْكِنِ) لِأنَّ المَعْنى: إنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَرْكُدْنَ، أوْ يَعْصِفْها فَيَغْرَقْنَ بِعَصْفِها. انْتَهى.
ولا يَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: أوْ يَعْصِفُها فَيَغْرَقْنَ؛ لِأنَّ إهْلاكَ السُّفُنِ لا يَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ بِعَصْفِ الرِّيحِ، بَلْ قَدْ يُهْلِكُها تَعالى بِسَبَبٍ غَيْرِ الرِّيحِ، كَنُزُولِ سَطْحِها بِكَثْرَةِ الثِّقَلِ، أوِ انْكِسارِ اللَّوْحِ يَكُونُ سَبَبًا لِإهْلاكِها، أوْ يَعْرِضُ عَدُوٌّ يُهْلِكُ أهْلَها. وقَرَأ الأعْرَجُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (ويَعْلَمُ) بِالرَّفْعِ عَلى القَطْعِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (ويَعْلَمَ) بِالنَّصْبِ؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: وحَسُنَ النَّصْبُ إذا كانَ قَبْلَهُ شَرْطٌ وجَزاءٌ، وكُلُّ واحِدٍ مِنهُما غَيْرُ واجِبٍ.
وقالَ الزَّجّاجُ: عَلى إضْمارِ أنْ؛ لِأنَّ قَبْلَها جَزاءً. تَقُولُ: ما تَصْنَعُ أصْنَعُ مِثْلَهُ، وأُكْرِمَكَ، وإنْ شِئْتَ: وأكْرِمُكَ، عَلى: وأنا أُكْرِمُكَ، وإنْ شِئْتَ: وأُكْرِمْكَ جَزْمًا.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فِيهِ نَظَرٌ، لِما أوْرَدَهُ سِيبَوَيْهِ في كِتابِهِ قالَ: واعْلَمْ أنَّ النَّصْبَ بِالفاءِ والواوِ في قَوْلِهِ: إنْ تَأْتِنِي آتِكَ وأُعْطِيكَ ضَعِيفٌ، وهو نَحْوٌ مِن قَوْلِهِ:
؎وألْحَقُ بِالحِجازِ فَأسْتَرِيحا
فَهَذا لا يَجُوزُ، ولَيْسَ بِحَدِّ الكَلامِ ولا وجْهِهِ، إلّا أنَّهُ في الجَزاءِ صارَ أقْوى قَلِيلًا؛ لِأنَّهُ لَيْسَ بِواجِبٍ أنَّهُ يَفْعَلُ إلّا أنْ يَكُونَ مِنَ الأوَّلِ فِعْلٌ.
فَلَمّا ضارَعَ الَّذِي لا يُوجِبُهُ، كالِاسْتِفْهامِ ونَحْوِهِ، أجازُوا فِيهِ هَذا عَلى ضَعْفِهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولا يَجُوزُ أنْ تُحْمَلَ القِراءَةُ المُسْتَفِيضَةُ عَلى وجْهٍ ضَعِيفٍ لَيْسَ بِحَدِّ الكَلامِ ولا وجْهِهِ، ولَوْ كانَتْ مِن هَذا البابِ، لَما أخْلى سِيبَوَيْهِ مِنها كِتابَهُ، وقَدْ ذَكَرَ نَظائِرَها مِنَ الآياتِ المُشْكَلَةِ. انْتَهى.
وخَرَّجَ الزَّمَخْشَرِيُّ النَّصْبَ عَلى أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى تَعْلِيلٍ مَحْذُوفٍ، قالَ: تَقْدِيرُهُ: لِيَنْتَقِمَ مِنهم ويَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ، يُكْرَهُ في العَطْفِ عَلى التَّعْلِيلِ المَحْذُوفِ غَيْرُ عَزِيزٍ في القُرْآنِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنّاسِ﴾ [البقرة: ٢٥٩]، وقَوْلُهُ: ﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ﴾ [العنكبوت: ٤٤]، ﴿ولِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ [الجاثية: ٢٢] . انْتَهى.
ويَبْعُدُ تَقْدِيرُهُ لِيَنْتَقِمَ مِنها؛ لِأنَّهُ تَرَتَّبَ عَلى الشَّرْطِ إهْلاكُ قَوْمٍ، فَلا يَحْسُنُ لِيَنْتَقِمَ مِنهم. وأمّا الآيَتانِ فَيُمْكِنُ أنْ تَكُونَ اللّامُ مُتَعَلِّقَةً بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: ﴿ولِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنّاسِ﴾ [مريم: ٢١]، ﴿ولِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ [الجاثية: ٢٢] . فَعَلْنا ذَلِكَ، وكَثِيرًا ما يُقَدَّرُ هَذا الفِعْلُ مَحْذُوفًا قَبْلَ لامِ العِلَّةِ، إذا لَمْ يَكُنْ فِعْلٌ ظاهِرٌ يَتَعَلَّقُ بِهِ.
وذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: (ويَعْلَمَ) قُرِئَ بِالجَزْمِ، (فَإنْ قُلْتَ): فَكَيْفَ يَصِحُّ المَعْنى عَلى جَزْمِ (ويَعْلَمَ) ؟ (قُلْتُ): كَأنَّهُ قالَ: أوْ إنْ يَشَأْ يَجْمَعُ بَيْنَ ثَلاثَةِ أُمُورٍ: هَلاكِ قَوْمٍ، ونَجاةِ قَوْمٍ، وتَحْذِيرِ آخَرِينَ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ويَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِنا ما لَهم مِن مَحِيصٍ﴾ يَتَضَمَّنُ تَحْذِيرَهم مِن عِقابِ اللَّهِ، و﴿ما لَهم مِن مَحِيصٍ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ؛ لِأنَّ (يَعْلَمَ) مُعَلَّقَةٌ، كَقَوْلِكَ: عَلِمْتُ ما زَيْدٌ قائِمٌ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ في قِراءَةِ النَّصْبِ: وهَذِهِ الواوُ ونَحْوُها الَّتِي تُسَمِّيها الكُوفِيُّونَ واوَ الصَّرْفِ؛ لِأنَّ حَقِيقَةَ واوِ الصَّرْفِ الَّتِي يُرِيدُونَها عَطْفُ فِعْلٍ عَلى اسْمٍ مُقَدَّرٍ، فَيُقَدَّرُ أنْ لِيَكُونَ مَعَ الفِعْلِ بِتَأْوِيلِ المَصْدَرِ، فَيَحْسُنُ عَطْفُهُ عَلى الِاسْمِ. انْتَهى.
ولَيْسَ قَوْلُهُ تَعْلِيلًا لِقَوْلِهِمْ: واوُ الصَّرْفِ، إنَّما هو تَقْرِيرٌ لِمَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ. وأمّا الكُوفِيُّونَ فَإنَّ واوَ الصَّرْفِ ناصِبَةٌ بِنَفْسِها، لا بِإضْمارِ أنْ بَعْدَها.
وقالَ أبُو عُبَيْدٍ عَلى الصَّرْفِ كالَّذِي في آلِ عِمْرانَ: ﴿ولَمّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنكم ويَعْلَمَ الصّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٢]، ومَعْنى الصَّرْفِ أنَّهُ كانَ عَلى جِهَةٍ فَصُرِفَ إلى غَيْرِها، فَتَغَيَّرَ الإعْرابُ لِأجْلِ الصَّرْفِ. والعَطْفُ لا يُعَيِّنُ الِاقْتِرانَ في الوُجُودِ، كالعَطْفِ في الِاسْمِ، نَحْوُ: جاءَ زَيْدٌ وعَمْرٌو. ولَوْ نُصِبَ (وعَمْرُو) اقْتَضى الِاقْتِرانَ؛ (p-٥٢٢)وكَذَلِكَ واوُ الصَّرْفِ، لِيُفِيدَ مَعْنى الِاقْتِرانِ ويُعَيِّنَ مَعْنى الِاجْتِماعِ، ولِذَلِكَ أُجْمِعَ عَلى النَّصْبِ في قَوْلِهِ: ﴿ويَعْلَمَ الصّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٢]، أيْ: ويَعْلَمَ المُجاهِدِينَ والصّابِرِينَ مَعًا.
عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - اجْتَمَعَ لِأبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مالٌ، فَتَصَدَّقَ بِهِ كُلِّهِ في سَبِيلِ اللَّهِ والخَيْرِ، فَلامَهُ المُسْلِمُونَ وخَطَّأهُ الكافِرُونَ، فَنَزَلَتْ: ﴿فَما أُوتِيتُمْ مِن شَيْءٍ﴾، والظّاهِرُ أنَّهُ خِطابٌ لِلنّاسِ.
وقِيلَ: لِلْمُشْرِكِينَ، وما شَرْطِيَّةٌ مَفْعُولٌ ثانٍ لِـ (أُوتِيتُمْ)، و(مِن شَيْءٍ) بَيانٌ لِما، والمَعْنى: مِن شَيْءٍ مِن رِياشِ الدُّنْيا ومالِها والسَّعَةِ فِيها، والفاءُ جَوابُ الشَّرْطِ، أيْ: فَهو مَتاعٌ، أيْ: يُسْتَمْتَعُ في الحَياةِ.
(وما عِنْدَ اللَّهِ) أيْ: مِن ثَوابِهِ وما أعَدَّ لِأوْلِيائِهِ، ﴿خَيْرٌ وأبْقى﴾ مِمّا أُوتِيتُمْ؛ لِأنَّهُ لا انْقِطاعَ لَهُ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في الكَبائِرِ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ [النساء: ٣١]، في النِّساءِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (كَبائِرَ) جَمْعًا هُنا، وفي النَّجْمِ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: بِالإفْرادِ.
﴿والَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ﴾: عُطِفَ عَلى (الَّذِينَ آمَنُوا)، وكَذَلِكَ ما بَعْدَهُ. ووَقَعَ لِأبِي البَقاءِ وهْمٌ في التِّلاوَةِ، اعْتَقَدَ أنَّها الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ بِغَيْرِ واوٍ، فَبَنى عَلَيْهِ الإعْرابَ فَقالَ: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ﴾ [النجم: ٣٢] في مَوْضِعِ جَرٍّ بَدَلًا مِنَ (الَّذِينَ آمَنُوا) ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِإضْمارٍ، أعْنِي: وفي مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى تَقْدِيرِ هم. انْتَهى.
والعامِلُ في (إذا) ﴿يَغْفِرُونَ﴾ وهي جُمْلَةٌ مِن مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ مَعْطُوفَةٌ عَلى (يَجْتَنِبُونَ) ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (هم) تَوْكِيدًا لِلْفاعِلِ في ﴿غَضِبُوا﴾ .
وقالَ أبُو البَقاءِ (هم) مُبْتَدَأٌ، و(يَغْفِرُونَ) الخَبَرُ، والجُمْلَةُ جَوابُ (إذا) . انْتَهى، وهَذا لا يَجُوزُ؛ لِأنَّ الجُمْلَةَ لَوْ كانَتْ جَوابَ (إذا) لَكانَتْ بِالفاءِ، تَقُولُ: إذا جاءَ زَيْدٌ فَعَمْرٌو مُنْطَلِقٌ، ولا يَجُوزُ حَذْفُ الفاءِ إلّا إنْ ورَدَ في شِعْرٍ. وقِيلَ: (هم) مَرْفُوعٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يُفَسِّرُهُ (يَغْفِرُونَ) ولَمّا حُذِفَ انْفَصَلَ الضَّمِيرُ، وهَذا القَوْلُ فِيهِ نَظَرٌ، وهو أنَّ جَوابَ (إذا) يُفَسَّرُ كَما يُفَسَّرُ فِعْلُ الشَّرْطِ بَعْدَها، نَحْوُ: ﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ [الإنشقاق: ١]، ولا يَبْعُدُ جَوازُ ذَلِكَ عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ، إذْ جاءَ ذَلِكَ في أداةِ الشَّرْطِ الجازِمَةِ، نَحْوُ: إنْ يَنْطَلِقْ زَيْدٌ يَنْطَلِقُ، فَزِيدٌ عِنْدَهُ فاعِلٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يُفَسِّرُهُ الجَوابُ، أيْ: يَنْطَلِقُ زَيْدٌ، مَنَعَ ذَلِكَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هم يَغْفِرُونَ، أيْ: هُمُ الأخِصّاءُ بِالغُفْرانِ، في حالِ الغَضَبِ لا يَغُولُ الغَضَبُ أحْلامَهم، كَما يَغُولُ حُلُومَ النّاسِ. والمَجِيءُ لَهم وإيقاعُهُ مُبْتَدَأٌ، وإسْنادُ (يَغْفِرُونَ) إلَيْهِ لِهَذِهِ الفائِدَةِ. انْتَهى، وفِيهِ حَضٌّ عَلى كَسْرِ الغَضَبِ.
وفِي الحَدِيثِ: «أوْصِنِي، قالَ: لا تَغْضَبْ، قالَ: زِدْنِي، قالَ: لا تَغْضَبْ، قالَ: زِدْنِي، قالَ: لا تَغْضَبْ» .
﴿والَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ﴾، قِيلَ: نَزَلَتْ في الأنْصارِ، دَعاهُمُ اللَّهُ لِلْإيمانِ بِهِ وطاعَتِهِ فاسْتَجابُوا لَهُ. وكانُوا قَبْلَ الإسْلامِ، وقَبْلَ أنْ يُقْدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المَدِينَةَ، إذا نابَهم أمْرٌ تَشاوَرُوا، فَأثْنى اللَّهُ عَلَيْهِمْ، لا يَنْفَرِدُونَ بِأمْرٍ حَتّى يَجْتَمِعُوا عَلَيْهِ.
وعَنِ الحَسَنِ: ما تَشاوَرَ قَوْمٌ إلّا هُدُوا لِأرْشَدِ أمْرِهِمْ. انْتَهى.
وفِي الشُّورى اجْتِماعُ الكَلِمَةِ والتَّحابُّ والتَّعاضُدُ عَلى الخَيْرِ. وقَدْ شاوَرَ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فِيما يَتَعَلَّقُ بِمَصالِحَ الحُرُوبِ، والصَّحابَةُ بَعْدَهُ في ذَلِكَ، كَمُشاوَرَةِ عُمَرُ لِلْهُرْمُزِ. وفي الأحْكامِ، كَقِتالِ أهْلِ الرِّدَّةِ، ومِيراثِ الحَرْبِيِّ، وعَدَدِ مُدْمِنِي الخَمْرِ، وغَيْرِ ذَلِكَ.
والشُّورى مَصْدَرٌ كالفُتْيا بِمَعْنى التَّشاوُرِ، عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: وأمْرُهم ذُو شُورى بَيْنِهِمْ. و﴿هم يَنْتَصِرُونَ﴾: صِلَةٌ لِلَّذِينِ، وإذا مَعْمُولَةٌ لِـ (يَنْتَصِرُونَ)، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿هم يَنْتَصِرُونَ﴾ جَوابًا لـ (إذا) والجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ وجَوابُها صِلَةٌ لِما ذَكَرْناهُ مِن لُزُومِ الفاءِ، ويَجُوزُ هُنا أنْ يَكُونَ (هم) فاعِلًا بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ عَلى ذَلِكَ القَوْلِ الَّذِي قِيلَ في ﴿هم يَغْفِرُونَ﴾ . وقالَ الحَوْفِيُّ: وإنْ شِئْتَ جَعَلْتَ (هم) تَوْكِيدًا لِلْهاءِ والمِيمِ، يَعْنِي في (أصابَهم) وهو ضَمِيرُ رَفْعٍ، وفي هَذا نَظَرٌ، وفِيهِ الفَصْلُ بَيْنَ المُؤَكَّدِ والتَّوْكِيدِ بِالفاعِلِ، وهو فِعْلٌ، الظّاهِرُ أنَّهُ لا يَمْتَنِعُ، والِانْتِصارُ: أنْ يَقْتَصِرَ عَلى ما حَدَّهُ اللَّهُ لَهُ ولا يَعْتَدِي.
وقالَ النَّخَعِيُّ: كانُوا يَكْرَهُونَ أنْ يُذِلُّوا أنْفَسَهم، فَتَجْتَرِئُ عَلَيْهِمُ الفُسّاقُ، ومَنِ انْتَصَرَ غَيْرُ مُتَعَدٍّ فَهو مُطِيعٌ مَحْمُودٌ. وقالَ مُقاتِلٌ، وهِشامٌ عَنْ عُرْوَةَ: الآيَةُ في المَجْرُوحِ يَنْتَصِفُ مِنَ الجارِحِ بِالقِصاصِ. وقالَ (p-٥٢٣)ابْنُ عَبّاسٍ: تَعَدّى المُشْرِكُونَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وعَلى أصْحابِهِ، وأخْرَجُوهم مِن مَكَّةَ، فَأذِنَ اللَّهُ لَهم بِالخُرُوجِ في الأرْضِ، ونَصَرَهم عَلى مَن بَغى عَلَيْهِمْ.
وقالَ الكِيا الطَّبَرِيُّ: ظاهِرُهُ أنَّ الِانْتِصارَ في هَذا المَوْضِعِ أفْضَلُ، ألا تَرى أنَّهُ قَرَنَهُ إلى ذِكْرِ الِاسْتِجابَةِ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ وإقامَةِ الصَّلاةِ ؟ فَهَذا عَلى ما ذَكَرَهُ النَّخَعِيُّ، وهَذا فِيمَن تَعَدّى وأصَرَّ، والمَأْمُورُ فِيهِ بِالعَفْوِ إذا كانَ الجانِي نادِمًا مُقْلِعًا. وقَدْ قالَ عَقِيبَ هَذِهِ الآيَةِ ﴿ولَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ﴾ الآيَةَ، فَيَقْتَضِي إباحَةَ الِانْتِصارِ. وقَدْ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَمَن صَبَرَ وغَفَرَ﴾، وهَذا مَحْمُولٌ، عَلى القُرْآنِ عِنْدَ غَيْرِ المُصِرِّ. فَأمّا المُصِرُّ عَلى البَغْيِ، فالأفْضَلُ الِانْتِصارُ مِنهُ بِدَلِيلِ الآيَةِ قَبْلَها. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: المَعْنى تَناصَرُوا عَلَيْهِ فَأزالُوهُ عَنْهم.
وقالَ أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ نَحْوًا مِن قَوْلِ الكِيا.
قالَ الجُمْهُورُ: إذا بَغى مُؤْمِنٌ عَلى مُؤْمِنٍ فَلا يَجُوزُ لَهُ أنْ يَنْتَصِرَ مِنهُ بِنَفْسِهِ، بَلْ يَرْفَعُ ذَلِكَ إلى الإمامِ أوْ نائِبِهِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: لَهُ ذَلِكَ.
﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾: هَذا بَيانٌ لِلِانْتِصارِ، أيْ: لا يَتَعَدّى فِيما يُجازِي بِهِ مَن بَغى عَلَيْهِ.
قالَ ابْنُ أبِي نَجِيحٍ، والسُّدِّيُّ: إذا شُتِمَ فَلَهُ أنْ يَرُدَّ مِثْلَ ما شُتِمَ بِهِ دُونَ أنْ يَتَعَدّى، وسُمِّيَ القِصاصُ سَيِّئَةً عَلى سَبِيلِ المُقابَلَةِ، أوْ لِأنَّها تَسُوءُ مَنِ اقْتُصَّ مِنهُ، كَما ساءَتِ الحَيْضُ. وظاهِرُ قَوْلِهِ: (مِثْلُها) المُماثَلَةُ مُطْلَقًا في كُلِّ الأحْوالِ، لا فِيما خَصَّهُ الدَّلِيلُ. والفُقَهاءُ أدْخَلُوا التَّخْصِيصَ في صُوَرٍ كَثِيرَةٍ بِناءً عَلى القِياسِ.
قالَ مُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ: إذا قالَ لَهُ: أخْزاكَ اللَّهُ، فَلْيَقُلْ: أخْزاكَ اللَّهُ، وإذا قَذَفَهُ قَذْفًا يُوجِبُ الحَدَّ، بَلِ الحَدُّ الَّذِي أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ.
﴿فَمَن عَفا وأصْلَحَ﴾ أيْ: بَيْنَهُ وبَيْنَ خَصْمِهِ بِالعَفْوِ، ﴿فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ﴾: عِدَةٌ مُبْهَمَةٌ لا يُقاسُ عِظَمُها؛ إذْ هي عَلى اللَّهِ.
﴿إنَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ أيِ: الخائِنِينَ، وإذا كانَ لا يُحِبُّهُ وقَدْ نُدِبَ إلى العَفْوِ عَنْهُ، فالعَفْوُ الَّذِي يُحِبُّهُ اللَّهُ أوْلى أنْ يَعْفِيَ عَنْهُ، أوْ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ مَن تَجاوَزَ واعْتَدى مِنَ المَجْنِيِّ عَلَيْهِمْ، إذا انْتَصَرُوا خُصُوصًا في حالَةِ الحَرْبِ والتِهابِ الحَمِيَّةِ، فَرُبَّما يَظْلِمُ وهو لا يَشْعُرُ.
وفِي الحَدِيثِ: «إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ نادى مُنادٍ: مَن كانَ لَهُ أجْرٌ عَلى اللَّهِ فَلْيَقُمْ، قالَ: فَيَقُومُ خَلْقٌ، فَيُقالُ لَهم: ما أجْرُكم عَلى اللَّهِ ؟ فَيَقُولُونَ: نَحْنُ عَفَوْنا عَمَّنْ ظَلَمَنا، فَيُقالُ لَهُمُ: ادْخُلُوا الجَنَّةَ بِإذْنِ اللَّهِ» .
واللّامُ في ﴿ولَمَنِ انْتَصَرَ﴾ لامُ تَوْكِيدٍ. قالَ الحَوْفِيُّ: وفِيها مَعْنى القَسَمِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لامُ التِقاءِ القَسَمِ، يَعْنِيانِ أنَّها اللّامُ الَّتِي يُتَلَقّى بِها القَسَمُ، فالقَسَمُ قَبْلَها مَحْذُوفٌ، ومَن شُرْطِيَّةٌ، وحُمِلَ ﴿انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ﴾ عَلى لَفْظِ (مَن) و(فَأُولَئِكَ) عَلى مَعْنى (مَن) والفاءُ جَوابُ الشَّرْطِ، و(ظُلْمِهِ) مَصْدَرٌ مُضافٌ إلى المَفْعُولِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويُفَسِّرُهُ قِراءَةُ مَن قَرَأ (بَعْدَ ما ظُلِمَ) .
﴿ما عَلَيْهِمْ مِن سَبِيلٍ﴾، قِيلَ أيْ: مِن طَرِيقٍ إلى الحَرَجِ؛ وقِيلَ: مِن سَبِيلٍ لِلْمُعاقِبِ، ولا المُعاتِبِ والعاتِبِ، وهَذِهِ مُبالَغَةٌ في إباحَةِ الِانْتِصارِ.
﴿إنَّما السَّبِيلُ﴾ أيْ: سَبِيلُ الإثْمِ والحَرَجِ، ﴿عَلى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ﴾ أيْ: يَبْتَذِلُونَ بِالظُّلْمِ، ﴿ويَبْغُونَ في الأرْضِ﴾ أيْ: يَتَكَبَّرُونَ فِيها ويَعْلُونَ ويُفْسِدُونَ. وقِيلَ: (ويَظْلِمُونَ النّاسَ) أيْ: يَضَعُونَ الأشْياءَ غَيْرَ مَواضِعِها مِنَ القَتْلِ وأخْذِ المالِ والأذى بِاليَدِ واللِّسانِ.
والبَغْيُ بِغَيْرِ الحَقِّ، فَهو نَوْعٌ مِن أنْواعِ الظُّلْمِ، خَصَّهُ بِالذِّكْرِ تَنْبِيهًا عَلى شِدَّتِهِ وسُوءِ حالِ صاحِبِهِ. انْتَهى.
﴿ولَمَن صَبَرَ﴾ أيْ: عَلى الظُّلْمِ والأذى، (وغَفَرَ)، ولَمْ يَنْتَصِرْ. واللّامُ في (ولَمَن) يَجُوزُ أنْ تَكُونَ اللّامَ المُوَطِّئَةَ القَسَمَ المَحْذُوفَ، ومَن شَرْطِيَّةٌ، وجَوابُ القَسَمِ قَوْلُهُ: (إنَّ ذَلِكَ)، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ جَوابِ القَسَمِ عَلَيْهِ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ اللّامُ لامَ الِابْتِداءِ، ومَن مَوْصُولَةً مُبْتَدَأً، والجُمْلَةُ المُؤَكَّدَةُ بِإنَّ في مَوْضِعِ الخَبَرِ.
وقالَ الحَوْفِيُّ: (مَن) رُفِعَ بِالِابْتِداءِ وأُضْمِرَ الخَبَرُ، وجَوابُ الشَّرْطِ إنَّ وما تَعَلَّقَتْ بِهِ عَلى حَذْفِ الفاءِ، كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎مِن يَفْعَلُ الحَسَناتِ اللَّهُ يَشْكُرُها
أيْ: فاللَّهُ يَشْكُرُها. انْتَهى، وهَذا لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّ حَذْفَ الفاءِ مَخْصُوصٌ بِالشِّعْرِ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ. والإشارَةُ بِذَلِكَ إلى ما يُفْهَمُ مِن مَصْدَرِ صَبَرَ وغَفَرَ، والعائِدُ عَلى المَوْصُولِ المُبْتَدَأِ مِنَ الخَبَرِ مَحْذُوفٌ، أيْ: إنَّ ذَلِكَ مِنهُ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ: ﴿لَمِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾، إنْ كانَ ذَلِكَ (p-٥٢٤)إشارَةً إلى المَصْدَرِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولَمَن صَبَرَ وغَفَرَ﴾، لَمْ يَكُنْ في ﴿عَزْمِ الأُمُورِ﴾ حَذْفٌ، وإنْ كانَ ذَلِكَ إشارَةً إلى المُبْتَدَأِ، كانَ هو الرّابِطُ، ولا يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرٍ مِنهُ، وكانَ في ﴿عَزْمِ الأُمُورِ﴾، أيْ: إنَّهُ لَمِن ذَوِي عَزْمِ الأُمُورِ.
وسَبَّ رَجُلٌ آخَرَ في مَجْلِسِ الحَسَنِ، فَكانَ المَسْبُوبُ يَكْظِمُ ويَعْرَقُ ويَمْسَحُ العَرَقَ، ثُمَّ قامَ فَتَلا الآيَةَ، فَقالَ الحَسَنُ: عَقَلَها واللَّهِ وفَهِمَها لِمَ هَذِهِ ضَيَّعَها الجاهِلُونَ.
والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: (إنَّما السَّبِيلُ) اعْتِراضٌ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿ولَمَنِ انْتَصَرَ﴾، وقَوْلِهِ: ﴿ولَمَن صَبَرَ﴾ .
﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن ولِيٍّ مِن بَعْدِهِ﴾ أيْ: مِن ناصِرٍ يَتَوَلّاهُ (مِن بَعْدِهِ) أيْ: مِن بَعْدِ إضْلالِهِ، وهَذا تَحْقِيرٌ لِأمْرِ الكَفَرَةِ.
﴿وتَرى الظّالِمِينَ﴾: الخِطابُ لِلرَّسُولِ، والمَعْنى: وتَرى حالَهم وما هم فِيهِ مِنَ الحَيْرَةِ، ﴿لَمّا رَأوُا العَذابَ﴾، يَقُولُونَ: ﴿هَلْ إلى مَرَدٍّ مِن سَبِيلٍ﴾: هَلْ سَبِيلٌ إلى الرَّدِّ لِلدُّنْيا ؟ وذَلِكَ مِن فَظِيعِ ما اطَّلَعُوا عَلَيْهِ، وسُوءِ ما يَحِلُّ بِهِمْ.
﴿وتَراهم يُعْرَضُونَ عَلَيْها﴾ [الشورى: ٤٥] أيْ: عَلى النّارِ، دَلَّ عَلَيْها ذِكْرُ العَذابِ، (خاشِعِينَ) مُتَضائِلِينَ صاغِرِينَ مِمّا يَلْحَقُهم، (مِنَ الذُّلِّ) .
وقَرَأ طَلْحَةُ: (مِنَ الذِّلِّ)، بِكَسْرِ الذّالِ؛ والجُمْهُورُ: بِالضَّمِّ، والخُشُوعُ: الِاسْتِكانَةُ، وهو مَحْمُودٌ. وإنَّما أخْرَجَهُ إلى الذَّمِّ اقْتِرانُهُ بِالعَذابِ. وقِيلَ: (مِنَ الذُّلِّ) مُتَعَلِّقٌ بِـ ﴿يَنْظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ [الشورى: ٤٥] .
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ذَلِيلٍ. انْتَهى.
قِيلَ: ووُصِفَ بِالخَفاءِ؛ لِأنَّ نَظَرَهم ضَعِيفٌ ولَحْظُهم نِهايَةٌ، قالَ الشّاعِرُ:
؎فَغُضَّ الطَّرْفَ إنَّكَ مِن نُمَيْرٍ
وقِيلَ: يُحْشَرُونَ عُمْيًا. ولَمّا كانَ نَظَرُهم بِعُيُونِ قُلُوبِهِمْ، جَعَلَهُ طَرَفًا خَفِيًّا، أيْ: لا يَبْدُو نَظَرُهم، وهَذا التَّأْوِيلُ فِيهِ تُكَلُّفٌ.
وقالَ السُّدِّيُّ، وقَتادَةُ: المَعْنى يُسارِقُونَ النَّظَرَ لِما كانُوا فِيهِ مِنَ الهَمِّ وسُوءِ الحالِ، لا يَسْتَطِيعُونَ النَّظَرَ بِجَمِيعِ العَيْنِ، وإنَّما يَنْظُرُونَ مِن بَعْضِها، فَيَجُوزُ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ أنْ يَكُونَ الطَّرْفُ مَصْدَرًا، أيْ: مِن نَظَرٍ خَفِيٍّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ [الشورى: ٤٥]، أيْ: يَبْتَدِئُ نَظَرُهم مِن تَحْرِيكٍ لِأجْفانِهِمْ ضَعِيفٍ خَفِيٍّ بِمُسارَقَةٍ، كَما تَرى المُصَوِّرَ يَنْظُرُ إلى السَّيْفِ، وهَكَذا نَظَرُ النّاظِرِ إلى المَكارِهِ، ولا يَقْدِرُ أنْ يَفْتَحَ أجْفانَهُ عَلَيْها ويَمْلَأ عَيْنَهُ مِنها، كَما يَفْعَلُ في نَظَرِهِ إلى المُتَحابِّ.
الشورى 42:35
(p-٥٢٠)﴿ومِن آياتِهِ الجَوارِي في البَحْرِ كالأعْلامِ﴾ ﴿إنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ ﴿أوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا ويَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾ ﴿ويَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِنا ما لَهم مِن مَحِيصٍ﴾ ﴿فَما أُوتِيتُمْ مِن شَيْءٍ فَمَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا وما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وأبْقى لِلَّذِينَ آمَنُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الإثْمِ والفَواحِشَ وإذا ما غَضِبُوا هم يَغْفِرُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ وأقامُوا الصَّلاةَ وأمْرُهم شُورى بَيْنَهم ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ إذا أصابَهُمُ البَغْيُ هم يَنْتَصِرُونَ﴾ ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها فَمَن عَفا وأصْلَحَ فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ إنَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ ﴿ولَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِن سَبِيلٍ﴾ ﴿إنَّما السَّبِيلُ عَلى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النّاسَ ويَبْغُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿ولَمَن صَبَرَ وغَفَرَ إنَّ ذَلِكَ لَمِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن ولِيٍّ مِن بَعْدِهِ وتَرى الظّالِمِينَ لَمّا رَأوُا العَذابَ يَقُولُونَ هَلْ إلى مَرَدٍّ مِن سَبِيلٍ﴾ ﴿وتَراهم يُعْرَضُونَ عَلَيْها خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ [الشورى: ٤٥] .
لَمّا ذَكَرَ تَعالى مِن دَلائِلِ وحْدانِيَّتِهِ أنْواعًا، ذَكَرَ بَعْدَها العالَمَ الأكْبَرَ، وهو السَّماواتُ والأرْضُ؛ ثُمَّ العالَمَ الأصْغَرَ، وهو الحَيَوانُ. ثُمَّ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ المَعادِ، أتْبَعَهُ بِذِكْرِ السُّفُنِ الجارِيَةِ في البَحْرِ، لِما فِيها مِن عَظِيمِ دَلائِلِ القُدْرَةِ، مِن جِهَةِ أنَّ الماءَ جِسْمٌ لَطِيفٌ شَفّافٌ يَغُوصُ فِيهِ الثَّقِيلُ، والسُّفُنُ تَشْخَصُ بِالأجْسامِ الثَّقِيلَةِ الكَثِيفَةِ، ومَعَ ذَلِكَ جَعَلَ تَعالى لِلْماءِ قُوَّةً يَحْمِلُها بِها ويَمْنَعُ مِنَ الغَوْصِ، ثُمَّ جَعَلَ الرِّياحَ سَبَبًا لِسَيْرِها، فَإذا أرادَ أنْ تَرْسُوَ، أسْكَنَ الرِّيحَ، فَلا تَبْرَحُ عَنْ مَكانِها. و﴿الجَوارِي﴾ جَمْعُ جارِيَةٍ، وأصْلُهُ السُّفُنُ الجَوارِي، حُذِفَ المَوْصُوفُ وقامَتْ صِفَتُهُ مَقامَهُ، وحَسَّنَ ذَلِكَ قَوْلُهُ: (في البَحْرِ)، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّها صِفَةٌ لِلسُّفُنِ، وإلّا فَهي صِفَةٌ غَيْرُ مُخْتَصَّةٍ، فَكانَ القِياسُ أنْ لا يُحْذَفَ المَوْصُوفُ ويَقُومَ مَقامَهُ. ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّها صِفَةٌ غالِبَةٌ، كالأبْطَحِ، فَجازَ أنْ تَلِيَ العَوامِلَ بِغَيْرِ ذِكْرِ المَوْصُوفِ. وقُرِئَ (الجَوارِي) بِالياءِ ودُونِها، وسُمِعَ مِنَ العَرَبِ الإعْرابُ في الرّاءِ، و(في البَحْرِ) مُتَعَلِّقٌ بِالجَوارِي، و﴿كالأعْلامِ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، والأعْلامُ: الجِبالُ، ومِنهُ قَوْلُ الخَنْساءِ أُخْتِ صَخْرٍ ومُعاوِيَةَ:
؎وإنَّ صَخْرًا لَتَأْتَمُّ الهُداةُ بِهِ كَأنَّهُ عَلَمٌ في رَأْسِهِ نارُ
ومِنهُ:
؎إذا قَطَعْنَ عَلَمًا بَدا عَلَمُ
وقَرَأ جُمْهُورُ السَّبْعَةِ: (الرِّيحَ) إفْرادًا، ونافِعٌ: جَمْعًا، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (فَيَظْلَلْنَ) بِفَتْحِ اللّامِ، وقَرَأ قَتادَةُ: بِكَسْرِها، والقِياسُ الفَتْحُ؛ لِأنَّ الماضِيَ بِكَسْرِ العَيْنِ، فالكَسْرُ في المُضارِعِ شاذٌّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مِن ظَلَّ يَظَلُّ ويَظِلُّ، نَحْوَ ضَلَّ يَضَلُّ ويَضِلُّ. انْتَهى.
ولَيْسَ كَما ذُكِرَ؛ لِأنَّ يَضَلُّ بِفَتْحِ العَيْنِ مِن ضَلِلْتُ بِكَسْرِها في الماضِي، ويَضِلُّ بِكَسْرِها مِن ضَلَلْتُ بِفَتْحِها في الماضِي، وكِلاهُما مَقِيسٌ.
﴿لِكُلِّ صَبّارٍ﴾ عَلى بَلائِهِ، (شَكُورٍ) لِنَعْمائِهِ.
﴿أوْ يُوبِقْهُنَّ﴾: يُهْلِكْهُنَّ، أيِ: الجَوارِي، وهو عَطْفٌ عَلى (يُسْكِنِ)، والضَّمِيرُ في (كَسَبُوا) عائِدٌ عَلى رُكّابِ السُّفُنِ، أيْ: بِذُنُوبِهِمْ. وقَرَأ الأعْمَشُ (ويَعْفُو) بِالواوِ، وعَنْ أهْلِ المَدِينَةِ: بِنَصْبِ الواوِ، والجُمْهُورُ (ويَعْفُ) مَجْزُومًا عَطْفًا عَلى (يُوبِقْهُنَّ) . فَأمّا قِراءَةُ الأعْمَشِ، فَإنَّهُ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ يَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ، أيْ: لا يُؤاخِذُ بِجَمِيعِ ما اكْتَسَبَ الإنْسانُ. وأمّا النَّصْبُ، فَبِإضْمارِ أنْ بَعْدَ الواوِ، وكالنَّصْبِ بَعْدَ الفاءِ في قِراءَةِ مَن قَرَأ ﴿يُحاسِبْكم بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ﴾ [البقرة: ٢٨٤] وبَعْدَ الواوِ في قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎فَإنْ يَهْلَكْ أبُو قابُوسِ يَهْلَكْ ∗∗∗ رَبِيعُ النّاسِ والشَّهْرُ الحَرامُ
؎ونَأْخُذُ بَعْدَهُ بِذِنابِ عَيْشٍ ∗∗∗ أجَبَّ الظَّهْرِ لَيْسَ لَهُ سَنامُ
رُوِيَ بِنَصْبِ (ونَأْخُذُ) ورَفْعِهِ وجَزْمِهِ.
وفِي هَذِهِ القِراءَةِ يَكُونُ العَطْفُ عَلى مَصْدَرٍ مُتَوَهَّمٍ، أيْ: يَقَعُ إيباقٌ وعَفْوٌ عَنْ كَثِيرٍ. وأمّا الجَزْمُ فَإنَّهُ داخِلٌ في حُكْمِ جَوابِ الشَّرْطِ؛ إذْ هو مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ، وهو راجِعٌ في المَعْنى إلى قِراءَةِ النَّصْبِ، لَكِنَّ هَذا عَطْفُ فِعْلٍ عَلى فِعْلٍ، وفي النَّصْبِ عَطْفُ مَصْدَرٍ مُقَدَّرٍ عَلى مَصْدَرٍ مُتَوَهَّمٍ.
وقالَ القُشَيْرِيُّ: وقُرِئَ: (ويَعْفُ) بِالجَزْمِ، وفِيها إشْكالٌ؛ لِأنَّ المَعْنى: إنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ، فَتَبْقى (p-٥٢١)تِلْكَ السُّفُنُ رَواكِدُ، أوْ يُهْلِكَها بِذُنُوبِ أهْلِها، فَلا يَحْسُنُ عَطْفُ (ويَعْفُ) عَلى هَذِهِ؛ لِأنَّ المَعْنى يَصِيرُ إنْ يَشَأْ يَعْفُ، ولَيْسَ المَعْنى ذَلِكَ، بَلِ المَعْنى: الإخْبارُ عَنِ الغُيُوبِ عَنْ شَرْطِ المَشِيئَةِ، فَهو إذَنْ عُطِفَ عَلى المَجْزُومِ مِن حَيْثُ اللَّفْظِ، لا مِن حَيْثُ المَعْنى.
وقَدْ قَرَأ قَوْمٌ (ويَعْفُو) بِالرَّفْعِ، وهي جَيِّدَةٌ في المَعْنى. انْتَهى، وما قالَهُ لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ إذْ لَمْ يَفْهَمْ مَدْلُولَ التَّرْكِيبِ. والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى إنْ يَشَأْ أهْلَكَ ناسًا وأنْجى ناسًا عَلى طَرِيقِ العَفْوِ عَنْهم.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): عَلامَ عُطِفَ يُوبِقْهُنَّ ؟ (قُلْتُ): عَلى (يُسْكِنِ) لِأنَّ المَعْنى: إنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَرْكُدْنَ، أوْ يَعْصِفْها فَيَغْرَقْنَ بِعَصْفِها. انْتَهى.
ولا يَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: أوْ يَعْصِفُها فَيَغْرَقْنَ؛ لِأنَّ إهْلاكَ السُّفُنِ لا يَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ بِعَصْفِ الرِّيحِ، بَلْ قَدْ يُهْلِكُها تَعالى بِسَبَبٍ غَيْرِ الرِّيحِ، كَنُزُولِ سَطْحِها بِكَثْرَةِ الثِّقَلِ، أوِ انْكِسارِ اللَّوْحِ يَكُونُ سَبَبًا لِإهْلاكِها، أوْ يَعْرِضُ عَدُوٌّ يُهْلِكُ أهْلَها. وقَرَأ الأعْرَجُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (ويَعْلَمُ) بِالرَّفْعِ عَلى القَطْعِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (ويَعْلَمَ) بِالنَّصْبِ؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: وحَسُنَ النَّصْبُ إذا كانَ قَبْلَهُ شَرْطٌ وجَزاءٌ، وكُلُّ واحِدٍ مِنهُما غَيْرُ واجِبٍ.
وقالَ الزَّجّاجُ: عَلى إضْمارِ أنْ؛ لِأنَّ قَبْلَها جَزاءً. تَقُولُ: ما تَصْنَعُ أصْنَعُ مِثْلَهُ، وأُكْرِمَكَ، وإنْ شِئْتَ: وأكْرِمُكَ، عَلى: وأنا أُكْرِمُكَ، وإنْ شِئْتَ: وأُكْرِمْكَ جَزْمًا.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فِيهِ نَظَرٌ، لِما أوْرَدَهُ سِيبَوَيْهِ في كِتابِهِ قالَ: واعْلَمْ أنَّ النَّصْبَ بِالفاءِ والواوِ في قَوْلِهِ: إنْ تَأْتِنِي آتِكَ وأُعْطِيكَ ضَعِيفٌ، وهو نَحْوٌ مِن قَوْلِهِ:
؎وألْحَقُ بِالحِجازِ فَأسْتَرِيحا
فَهَذا لا يَجُوزُ، ولَيْسَ بِحَدِّ الكَلامِ ولا وجْهِهِ، إلّا أنَّهُ في الجَزاءِ صارَ أقْوى قَلِيلًا؛ لِأنَّهُ لَيْسَ بِواجِبٍ أنَّهُ يَفْعَلُ إلّا أنْ يَكُونَ مِنَ الأوَّلِ فِعْلٌ.
فَلَمّا ضارَعَ الَّذِي لا يُوجِبُهُ، كالِاسْتِفْهامِ ونَحْوِهِ، أجازُوا فِيهِ هَذا عَلى ضَعْفِهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولا يَجُوزُ أنْ تُحْمَلَ القِراءَةُ المُسْتَفِيضَةُ عَلى وجْهٍ ضَعِيفٍ لَيْسَ بِحَدِّ الكَلامِ ولا وجْهِهِ، ولَوْ كانَتْ مِن هَذا البابِ، لَما أخْلى سِيبَوَيْهِ مِنها كِتابَهُ، وقَدْ ذَكَرَ نَظائِرَها مِنَ الآياتِ المُشْكَلَةِ. انْتَهى.
وخَرَّجَ الزَّمَخْشَرِيُّ النَّصْبَ عَلى أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى تَعْلِيلٍ مَحْذُوفٍ، قالَ: تَقْدِيرُهُ: لِيَنْتَقِمَ مِنهم ويَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ، يُكْرَهُ في العَطْفِ عَلى التَّعْلِيلِ المَحْذُوفِ غَيْرُ عَزِيزٍ في القُرْآنِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنّاسِ﴾ [البقرة: ٢٥٩]، وقَوْلُهُ: ﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ﴾ [العنكبوت: ٤٤]، ﴿ولِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ [الجاثية: ٢٢] . انْتَهى.
ويَبْعُدُ تَقْدِيرُهُ لِيَنْتَقِمَ مِنها؛ لِأنَّهُ تَرَتَّبَ عَلى الشَّرْطِ إهْلاكُ قَوْمٍ، فَلا يَحْسُنُ لِيَنْتَقِمَ مِنهم. وأمّا الآيَتانِ فَيُمْكِنُ أنْ تَكُونَ اللّامُ مُتَعَلِّقَةً بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: ﴿ولِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنّاسِ﴾ [مريم: ٢١]، ﴿ولِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ [الجاثية: ٢٢] . فَعَلْنا ذَلِكَ، وكَثِيرًا ما يُقَدَّرُ هَذا الفِعْلُ مَحْذُوفًا قَبْلَ لامِ العِلَّةِ، إذا لَمْ يَكُنْ فِعْلٌ ظاهِرٌ يَتَعَلَّقُ بِهِ.
وذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: (ويَعْلَمَ) قُرِئَ بِالجَزْمِ، (فَإنْ قُلْتَ): فَكَيْفَ يَصِحُّ المَعْنى عَلى جَزْمِ (ويَعْلَمَ) ؟ (قُلْتُ): كَأنَّهُ قالَ: أوْ إنْ يَشَأْ يَجْمَعُ بَيْنَ ثَلاثَةِ أُمُورٍ: هَلاكِ قَوْمٍ، ونَجاةِ قَوْمٍ، وتَحْذِيرِ آخَرِينَ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ويَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِنا ما لَهم مِن مَحِيصٍ﴾ يَتَضَمَّنُ تَحْذِيرَهم مِن عِقابِ اللَّهِ، و﴿ما لَهم مِن مَحِيصٍ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ؛ لِأنَّ (يَعْلَمَ) مُعَلَّقَةٌ، كَقَوْلِكَ: عَلِمْتُ ما زَيْدٌ قائِمٌ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ في قِراءَةِ النَّصْبِ: وهَذِهِ الواوُ ونَحْوُها الَّتِي تُسَمِّيها الكُوفِيُّونَ واوَ الصَّرْفِ؛ لِأنَّ حَقِيقَةَ واوِ الصَّرْفِ الَّتِي يُرِيدُونَها عَطْفُ فِعْلٍ عَلى اسْمٍ مُقَدَّرٍ، فَيُقَدَّرُ أنْ لِيَكُونَ مَعَ الفِعْلِ بِتَأْوِيلِ المَصْدَرِ، فَيَحْسُنُ عَطْفُهُ عَلى الِاسْمِ. انْتَهى.
ولَيْسَ قَوْلُهُ تَعْلِيلًا لِقَوْلِهِمْ: واوُ الصَّرْفِ، إنَّما هو تَقْرِيرٌ لِمَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ. وأمّا الكُوفِيُّونَ فَإنَّ واوَ الصَّرْفِ ناصِبَةٌ بِنَفْسِها، لا بِإضْمارِ أنْ بَعْدَها.
وقالَ أبُو عُبَيْدٍ عَلى الصَّرْفِ كالَّذِي في آلِ عِمْرانَ: ﴿ولَمّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنكم ويَعْلَمَ الصّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٢]، ومَعْنى الصَّرْفِ أنَّهُ كانَ عَلى جِهَةٍ فَصُرِفَ إلى غَيْرِها، فَتَغَيَّرَ الإعْرابُ لِأجْلِ الصَّرْفِ. والعَطْفُ لا يُعَيِّنُ الِاقْتِرانَ في الوُجُودِ، كالعَطْفِ في الِاسْمِ، نَحْوُ: جاءَ زَيْدٌ وعَمْرٌو. ولَوْ نُصِبَ (وعَمْرُو) اقْتَضى الِاقْتِرانَ؛ (p-٥٢٢)وكَذَلِكَ واوُ الصَّرْفِ، لِيُفِيدَ مَعْنى الِاقْتِرانِ ويُعَيِّنَ مَعْنى الِاجْتِماعِ، ولِذَلِكَ أُجْمِعَ عَلى النَّصْبِ في قَوْلِهِ: ﴿ويَعْلَمَ الصّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٢]، أيْ: ويَعْلَمَ المُجاهِدِينَ والصّابِرِينَ مَعًا.
عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - اجْتَمَعَ لِأبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مالٌ، فَتَصَدَّقَ بِهِ كُلِّهِ في سَبِيلِ اللَّهِ والخَيْرِ، فَلامَهُ المُسْلِمُونَ وخَطَّأهُ الكافِرُونَ، فَنَزَلَتْ: ﴿فَما أُوتِيتُمْ مِن شَيْءٍ﴾، والظّاهِرُ أنَّهُ خِطابٌ لِلنّاسِ.
وقِيلَ: لِلْمُشْرِكِينَ، وما شَرْطِيَّةٌ مَفْعُولٌ ثانٍ لِـ (أُوتِيتُمْ)، و(مِن شَيْءٍ) بَيانٌ لِما، والمَعْنى: مِن شَيْءٍ مِن رِياشِ الدُّنْيا ومالِها والسَّعَةِ فِيها، والفاءُ جَوابُ الشَّرْطِ، أيْ: فَهو مَتاعٌ، أيْ: يُسْتَمْتَعُ في الحَياةِ.
(وما عِنْدَ اللَّهِ) أيْ: مِن ثَوابِهِ وما أعَدَّ لِأوْلِيائِهِ، ﴿خَيْرٌ وأبْقى﴾ مِمّا أُوتِيتُمْ؛ لِأنَّهُ لا انْقِطاعَ لَهُ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في الكَبائِرِ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ [النساء: ٣١]، في النِّساءِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (كَبائِرَ) جَمْعًا هُنا، وفي النَّجْمِ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: بِالإفْرادِ.
﴿والَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ﴾: عُطِفَ عَلى (الَّذِينَ آمَنُوا)، وكَذَلِكَ ما بَعْدَهُ. ووَقَعَ لِأبِي البَقاءِ وهْمٌ في التِّلاوَةِ، اعْتَقَدَ أنَّها الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ بِغَيْرِ واوٍ، فَبَنى عَلَيْهِ الإعْرابَ فَقالَ: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ﴾ [النجم: ٣٢] في مَوْضِعِ جَرٍّ بَدَلًا مِنَ (الَّذِينَ آمَنُوا) ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِإضْمارٍ، أعْنِي: وفي مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى تَقْدِيرِ هم. انْتَهى.
والعامِلُ في (إذا) ﴿يَغْفِرُونَ﴾ وهي جُمْلَةٌ مِن مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ مَعْطُوفَةٌ عَلى (يَجْتَنِبُونَ) ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (هم) تَوْكِيدًا لِلْفاعِلِ في ﴿غَضِبُوا﴾ .
وقالَ أبُو البَقاءِ (هم) مُبْتَدَأٌ، و(يَغْفِرُونَ) الخَبَرُ، والجُمْلَةُ جَوابُ (إذا) . انْتَهى، وهَذا لا يَجُوزُ؛ لِأنَّ الجُمْلَةَ لَوْ كانَتْ جَوابَ (إذا) لَكانَتْ بِالفاءِ، تَقُولُ: إذا جاءَ زَيْدٌ فَعَمْرٌو مُنْطَلِقٌ، ولا يَجُوزُ حَذْفُ الفاءِ إلّا إنْ ورَدَ في شِعْرٍ. وقِيلَ: (هم) مَرْفُوعٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يُفَسِّرُهُ (يَغْفِرُونَ) ولَمّا حُذِفَ انْفَصَلَ الضَّمِيرُ، وهَذا القَوْلُ فِيهِ نَظَرٌ، وهو أنَّ جَوابَ (إذا) يُفَسَّرُ كَما يُفَسَّرُ فِعْلُ الشَّرْطِ بَعْدَها، نَحْوُ: ﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ [الإنشقاق: ١]، ولا يَبْعُدُ جَوازُ ذَلِكَ عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ، إذْ جاءَ ذَلِكَ في أداةِ الشَّرْطِ الجازِمَةِ، نَحْوُ: إنْ يَنْطَلِقْ زَيْدٌ يَنْطَلِقُ، فَزِيدٌ عِنْدَهُ فاعِلٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يُفَسِّرُهُ الجَوابُ، أيْ: يَنْطَلِقُ زَيْدٌ، مَنَعَ ذَلِكَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هم يَغْفِرُونَ، أيْ: هُمُ الأخِصّاءُ بِالغُفْرانِ، في حالِ الغَضَبِ لا يَغُولُ الغَضَبُ أحْلامَهم، كَما يَغُولُ حُلُومَ النّاسِ. والمَجِيءُ لَهم وإيقاعُهُ مُبْتَدَأٌ، وإسْنادُ (يَغْفِرُونَ) إلَيْهِ لِهَذِهِ الفائِدَةِ. انْتَهى، وفِيهِ حَضٌّ عَلى كَسْرِ الغَضَبِ.
وفِي الحَدِيثِ: «أوْصِنِي، قالَ: لا تَغْضَبْ، قالَ: زِدْنِي، قالَ: لا تَغْضَبْ، قالَ: زِدْنِي، قالَ: لا تَغْضَبْ» .
﴿والَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ﴾، قِيلَ: نَزَلَتْ في الأنْصارِ، دَعاهُمُ اللَّهُ لِلْإيمانِ بِهِ وطاعَتِهِ فاسْتَجابُوا لَهُ. وكانُوا قَبْلَ الإسْلامِ، وقَبْلَ أنْ يُقْدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المَدِينَةَ، إذا نابَهم أمْرٌ تَشاوَرُوا، فَأثْنى اللَّهُ عَلَيْهِمْ، لا يَنْفَرِدُونَ بِأمْرٍ حَتّى يَجْتَمِعُوا عَلَيْهِ.
وعَنِ الحَسَنِ: ما تَشاوَرَ قَوْمٌ إلّا هُدُوا لِأرْشَدِ أمْرِهِمْ. انْتَهى.
وفِي الشُّورى اجْتِماعُ الكَلِمَةِ والتَّحابُّ والتَّعاضُدُ عَلى الخَيْرِ. وقَدْ شاوَرَ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فِيما يَتَعَلَّقُ بِمَصالِحَ الحُرُوبِ، والصَّحابَةُ بَعْدَهُ في ذَلِكَ، كَمُشاوَرَةِ عُمَرُ لِلْهُرْمُزِ. وفي الأحْكامِ، كَقِتالِ أهْلِ الرِّدَّةِ، ومِيراثِ الحَرْبِيِّ، وعَدَدِ مُدْمِنِي الخَمْرِ، وغَيْرِ ذَلِكَ.
والشُّورى مَصْدَرٌ كالفُتْيا بِمَعْنى التَّشاوُرِ، عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: وأمْرُهم ذُو شُورى بَيْنِهِمْ. و﴿هم يَنْتَصِرُونَ﴾: صِلَةٌ لِلَّذِينِ، وإذا مَعْمُولَةٌ لِـ (يَنْتَصِرُونَ)، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿هم يَنْتَصِرُونَ﴾ جَوابًا لـ (إذا) والجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ وجَوابُها صِلَةٌ لِما ذَكَرْناهُ مِن لُزُومِ الفاءِ، ويَجُوزُ هُنا أنْ يَكُونَ (هم) فاعِلًا بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ عَلى ذَلِكَ القَوْلِ الَّذِي قِيلَ في ﴿هم يَغْفِرُونَ﴾ . وقالَ الحَوْفِيُّ: وإنْ شِئْتَ جَعَلْتَ (هم) تَوْكِيدًا لِلْهاءِ والمِيمِ، يَعْنِي في (أصابَهم) وهو ضَمِيرُ رَفْعٍ، وفي هَذا نَظَرٌ، وفِيهِ الفَصْلُ بَيْنَ المُؤَكَّدِ والتَّوْكِيدِ بِالفاعِلِ، وهو فِعْلٌ، الظّاهِرُ أنَّهُ لا يَمْتَنِعُ، والِانْتِصارُ: أنْ يَقْتَصِرَ عَلى ما حَدَّهُ اللَّهُ لَهُ ولا يَعْتَدِي.
وقالَ النَّخَعِيُّ: كانُوا يَكْرَهُونَ أنْ يُذِلُّوا أنْفَسَهم، فَتَجْتَرِئُ عَلَيْهِمُ الفُسّاقُ، ومَنِ انْتَصَرَ غَيْرُ مُتَعَدٍّ فَهو مُطِيعٌ مَحْمُودٌ. وقالَ مُقاتِلٌ، وهِشامٌ عَنْ عُرْوَةَ: الآيَةُ في المَجْرُوحِ يَنْتَصِفُ مِنَ الجارِحِ بِالقِصاصِ. وقالَ (p-٥٢٣)ابْنُ عَبّاسٍ: تَعَدّى المُشْرِكُونَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وعَلى أصْحابِهِ، وأخْرَجُوهم مِن مَكَّةَ، فَأذِنَ اللَّهُ لَهم بِالخُرُوجِ في الأرْضِ، ونَصَرَهم عَلى مَن بَغى عَلَيْهِمْ.
وقالَ الكِيا الطَّبَرِيُّ: ظاهِرُهُ أنَّ الِانْتِصارَ في هَذا المَوْضِعِ أفْضَلُ، ألا تَرى أنَّهُ قَرَنَهُ إلى ذِكْرِ الِاسْتِجابَةِ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ وإقامَةِ الصَّلاةِ ؟ فَهَذا عَلى ما ذَكَرَهُ النَّخَعِيُّ، وهَذا فِيمَن تَعَدّى وأصَرَّ، والمَأْمُورُ فِيهِ بِالعَفْوِ إذا كانَ الجانِي نادِمًا مُقْلِعًا. وقَدْ قالَ عَقِيبَ هَذِهِ الآيَةِ ﴿ولَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ﴾ الآيَةَ، فَيَقْتَضِي إباحَةَ الِانْتِصارِ. وقَدْ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَمَن صَبَرَ وغَفَرَ﴾، وهَذا مَحْمُولٌ، عَلى القُرْآنِ عِنْدَ غَيْرِ المُصِرِّ. فَأمّا المُصِرُّ عَلى البَغْيِ، فالأفْضَلُ الِانْتِصارُ مِنهُ بِدَلِيلِ الآيَةِ قَبْلَها. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: المَعْنى تَناصَرُوا عَلَيْهِ فَأزالُوهُ عَنْهم.
وقالَ أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ نَحْوًا مِن قَوْلِ الكِيا.
قالَ الجُمْهُورُ: إذا بَغى مُؤْمِنٌ عَلى مُؤْمِنٍ فَلا يَجُوزُ لَهُ أنْ يَنْتَصِرَ مِنهُ بِنَفْسِهِ، بَلْ يَرْفَعُ ذَلِكَ إلى الإمامِ أوْ نائِبِهِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: لَهُ ذَلِكَ.
﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾: هَذا بَيانٌ لِلِانْتِصارِ، أيْ: لا يَتَعَدّى فِيما يُجازِي بِهِ مَن بَغى عَلَيْهِ.
قالَ ابْنُ أبِي نَجِيحٍ، والسُّدِّيُّ: إذا شُتِمَ فَلَهُ أنْ يَرُدَّ مِثْلَ ما شُتِمَ بِهِ دُونَ أنْ يَتَعَدّى، وسُمِّيَ القِصاصُ سَيِّئَةً عَلى سَبِيلِ المُقابَلَةِ، أوْ لِأنَّها تَسُوءُ مَنِ اقْتُصَّ مِنهُ، كَما ساءَتِ الحَيْضُ. وظاهِرُ قَوْلِهِ: (مِثْلُها) المُماثَلَةُ مُطْلَقًا في كُلِّ الأحْوالِ، لا فِيما خَصَّهُ الدَّلِيلُ. والفُقَهاءُ أدْخَلُوا التَّخْصِيصَ في صُوَرٍ كَثِيرَةٍ بِناءً عَلى القِياسِ.
قالَ مُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ: إذا قالَ لَهُ: أخْزاكَ اللَّهُ، فَلْيَقُلْ: أخْزاكَ اللَّهُ، وإذا قَذَفَهُ قَذْفًا يُوجِبُ الحَدَّ، بَلِ الحَدُّ الَّذِي أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ.
﴿فَمَن عَفا وأصْلَحَ﴾ أيْ: بَيْنَهُ وبَيْنَ خَصْمِهِ بِالعَفْوِ، ﴿فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ﴾: عِدَةٌ مُبْهَمَةٌ لا يُقاسُ عِظَمُها؛ إذْ هي عَلى اللَّهِ.
﴿إنَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ أيِ: الخائِنِينَ، وإذا كانَ لا يُحِبُّهُ وقَدْ نُدِبَ إلى العَفْوِ عَنْهُ، فالعَفْوُ الَّذِي يُحِبُّهُ اللَّهُ أوْلى أنْ يَعْفِيَ عَنْهُ، أوْ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ مَن تَجاوَزَ واعْتَدى مِنَ المَجْنِيِّ عَلَيْهِمْ، إذا انْتَصَرُوا خُصُوصًا في حالَةِ الحَرْبِ والتِهابِ الحَمِيَّةِ، فَرُبَّما يَظْلِمُ وهو لا يَشْعُرُ.
وفِي الحَدِيثِ: «إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ نادى مُنادٍ: مَن كانَ لَهُ أجْرٌ عَلى اللَّهِ فَلْيَقُمْ، قالَ: فَيَقُومُ خَلْقٌ، فَيُقالُ لَهم: ما أجْرُكم عَلى اللَّهِ ؟ فَيَقُولُونَ: نَحْنُ عَفَوْنا عَمَّنْ ظَلَمَنا، فَيُقالُ لَهُمُ: ادْخُلُوا الجَنَّةَ بِإذْنِ اللَّهِ» .
واللّامُ في ﴿ولَمَنِ انْتَصَرَ﴾ لامُ تَوْكِيدٍ. قالَ الحَوْفِيُّ: وفِيها مَعْنى القَسَمِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لامُ التِقاءِ القَسَمِ، يَعْنِيانِ أنَّها اللّامُ الَّتِي يُتَلَقّى بِها القَسَمُ، فالقَسَمُ قَبْلَها مَحْذُوفٌ، ومَن شُرْطِيَّةٌ، وحُمِلَ ﴿انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ﴾ عَلى لَفْظِ (مَن) و(فَأُولَئِكَ) عَلى مَعْنى (مَن) والفاءُ جَوابُ الشَّرْطِ، و(ظُلْمِهِ) مَصْدَرٌ مُضافٌ إلى المَفْعُولِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويُفَسِّرُهُ قِراءَةُ مَن قَرَأ (بَعْدَ ما ظُلِمَ) .
﴿ما عَلَيْهِمْ مِن سَبِيلٍ﴾، قِيلَ أيْ: مِن طَرِيقٍ إلى الحَرَجِ؛ وقِيلَ: مِن سَبِيلٍ لِلْمُعاقِبِ، ولا المُعاتِبِ والعاتِبِ، وهَذِهِ مُبالَغَةٌ في إباحَةِ الِانْتِصارِ.
﴿إنَّما السَّبِيلُ﴾ أيْ: سَبِيلُ الإثْمِ والحَرَجِ، ﴿عَلى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ﴾ أيْ: يَبْتَذِلُونَ بِالظُّلْمِ، ﴿ويَبْغُونَ في الأرْضِ﴾ أيْ: يَتَكَبَّرُونَ فِيها ويَعْلُونَ ويُفْسِدُونَ. وقِيلَ: (ويَظْلِمُونَ النّاسَ) أيْ: يَضَعُونَ الأشْياءَ غَيْرَ مَواضِعِها مِنَ القَتْلِ وأخْذِ المالِ والأذى بِاليَدِ واللِّسانِ.
والبَغْيُ بِغَيْرِ الحَقِّ، فَهو نَوْعٌ مِن أنْواعِ الظُّلْمِ، خَصَّهُ بِالذِّكْرِ تَنْبِيهًا عَلى شِدَّتِهِ وسُوءِ حالِ صاحِبِهِ. انْتَهى.
﴿ولَمَن صَبَرَ﴾ أيْ: عَلى الظُّلْمِ والأذى، (وغَفَرَ)، ولَمْ يَنْتَصِرْ. واللّامُ في (ولَمَن) يَجُوزُ أنْ تَكُونَ اللّامَ المُوَطِّئَةَ القَسَمَ المَحْذُوفَ، ومَن شَرْطِيَّةٌ، وجَوابُ القَسَمِ قَوْلُهُ: (إنَّ ذَلِكَ)، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ جَوابِ القَسَمِ عَلَيْهِ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ اللّامُ لامَ الِابْتِداءِ، ومَن مَوْصُولَةً مُبْتَدَأً، والجُمْلَةُ المُؤَكَّدَةُ بِإنَّ في مَوْضِعِ الخَبَرِ.
وقالَ الحَوْفِيُّ: (مَن) رُفِعَ بِالِابْتِداءِ وأُضْمِرَ الخَبَرُ، وجَوابُ الشَّرْطِ إنَّ وما تَعَلَّقَتْ بِهِ عَلى حَذْفِ الفاءِ، كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎مِن يَفْعَلُ الحَسَناتِ اللَّهُ يَشْكُرُها
أيْ: فاللَّهُ يَشْكُرُها. انْتَهى، وهَذا لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّ حَذْفَ الفاءِ مَخْصُوصٌ بِالشِّعْرِ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ. والإشارَةُ بِذَلِكَ إلى ما يُفْهَمُ مِن مَصْدَرِ صَبَرَ وغَفَرَ، والعائِدُ عَلى المَوْصُولِ المُبْتَدَأِ مِنَ الخَبَرِ مَحْذُوفٌ، أيْ: إنَّ ذَلِكَ مِنهُ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ: ﴿لَمِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾، إنْ كانَ ذَلِكَ (p-٥٢٤)إشارَةً إلى المَصْدَرِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولَمَن صَبَرَ وغَفَرَ﴾، لَمْ يَكُنْ في ﴿عَزْمِ الأُمُورِ﴾ حَذْفٌ، وإنْ كانَ ذَلِكَ إشارَةً إلى المُبْتَدَأِ، كانَ هو الرّابِطُ، ولا يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرٍ مِنهُ، وكانَ في ﴿عَزْمِ الأُمُورِ﴾، أيْ: إنَّهُ لَمِن ذَوِي عَزْمِ الأُمُورِ.
وسَبَّ رَجُلٌ آخَرَ في مَجْلِسِ الحَسَنِ، فَكانَ المَسْبُوبُ يَكْظِمُ ويَعْرَقُ ويَمْسَحُ العَرَقَ، ثُمَّ قامَ فَتَلا الآيَةَ، فَقالَ الحَسَنُ: عَقَلَها واللَّهِ وفَهِمَها لِمَ هَذِهِ ضَيَّعَها الجاهِلُونَ.
والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: (إنَّما السَّبِيلُ) اعْتِراضٌ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿ولَمَنِ انْتَصَرَ﴾، وقَوْلِهِ: ﴿ولَمَن صَبَرَ﴾ .
﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن ولِيٍّ مِن بَعْدِهِ﴾ أيْ: مِن ناصِرٍ يَتَوَلّاهُ (مِن بَعْدِهِ) أيْ: مِن بَعْدِ إضْلالِهِ، وهَذا تَحْقِيرٌ لِأمْرِ الكَفَرَةِ.
﴿وتَرى الظّالِمِينَ﴾: الخِطابُ لِلرَّسُولِ، والمَعْنى: وتَرى حالَهم وما هم فِيهِ مِنَ الحَيْرَةِ، ﴿لَمّا رَأوُا العَذابَ﴾، يَقُولُونَ: ﴿هَلْ إلى مَرَدٍّ مِن سَبِيلٍ﴾: هَلْ سَبِيلٌ إلى الرَّدِّ لِلدُّنْيا ؟ وذَلِكَ مِن فَظِيعِ ما اطَّلَعُوا عَلَيْهِ، وسُوءِ ما يَحِلُّ بِهِمْ.
﴿وتَراهم يُعْرَضُونَ عَلَيْها﴾ [الشورى: ٤٥] أيْ: عَلى النّارِ، دَلَّ عَلَيْها ذِكْرُ العَذابِ، (خاشِعِينَ) مُتَضائِلِينَ صاغِرِينَ مِمّا يَلْحَقُهم، (مِنَ الذُّلِّ) .
وقَرَأ طَلْحَةُ: (مِنَ الذِّلِّ)، بِكَسْرِ الذّالِ؛ والجُمْهُورُ: بِالضَّمِّ، والخُشُوعُ: الِاسْتِكانَةُ، وهو مَحْمُودٌ. وإنَّما أخْرَجَهُ إلى الذَّمِّ اقْتِرانُهُ بِالعَذابِ. وقِيلَ: (مِنَ الذُّلِّ) مُتَعَلِّقٌ بِـ ﴿يَنْظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ [الشورى: ٤٥] .
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ذَلِيلٍ. انْتَهى.
قِيلَ: ووُصِفَ بِالخَفاءِ؛ لِأنَّ نَظَرَهم ضَعِيفٌ ولَحْظُهم نِهايَةٌ، قالَ الشّاعِرُ:
؎فَغُضَّ الطَّرْفَ إنَّكَ مِن نُمَيْرٍ
وقِيلَ: يُحْشَرُونَ عُمْيًا. ولَمّا كانَ نَظَرُهم بِعُيُونِ قُلُوبِهِمْ، جَعَلَهُ طَرَفًا خَفِيًّا، أيْ: لا يَبْدُو نَظَرُهم، وهَذا التَّأْوِيلُ فِيهِ تُكَلُّفٌ.
وقالَ السُّدِّيُّ، وقَتادَةُ: المَعْنى يُسارِقُونَ النَّظَرَ لِما كانُوا فِيهِ مِنَ الهَمِّ وسُوءِ الحالِ، لا يَسْتَطِيعُونَ النَّظَرَ بِجَمِيعِ العَيْنِ، وإنَّما يَنْظُرُونَ مِن بَعْضِها، فَيَجُوزُ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ أنْ يَكُونَ الطَّرْفُ مَصْدَرًا، أيْ: مِن نَظَرٍ خَفِيٍّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ [الشورى: ٤٥]، أيْ: يَبْتَدِئُ نَظَرُهم مِن تَحْرِيكٍ لِأجْفانِهِمْ ضَعِيفٍ خَفِيٍّ بِمُسارَقَةٍ، كَما تَرى المُصَوِّرَ يَنْظُرُ إلى السَّيْفِ، وهَكَذا نَظَرُ النّاظِرِ إلى المَكارِهِ، ولا يَقْدِرُ أنْ يَفْتَحَ أجْفانَهُ عَلَيْها ويَمْلَأ عَيْنَهُ مِنها، كَما يَفْعَلُ في نَظَرِهِ إلى المُتَحابِّ.
الشورى 42:36
(p-٥٢٠)﴿ومِن آياتِهِ الجَوارِي في البَحْرِ كالأعْلامِ﴾ ﴿إنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ ﴿أوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا ويَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾ ﴿ويَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِنا ما لَهم مِن مَحِيصٍ﴾ ﴿فَما أُوتِيتُمْ مِن شَيْءٍ فَمَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا وما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وأبْقى لِلَّذِينَ آمَنُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الإثْمِ والفَواحِشَ وإذا ما غَضِبُوا هم يَغْفِرُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ وأقامُوا الصَّلاةَ وأمْرُهم شُورى بَيْنَهم ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ إذا أصابَهُمُ البَغْيُ هم يَنْتَصِرُونَ﴾ ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها فَمَن عَفا وأصْلَحَ فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ إنَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ ﴿ولَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِن سَبِيلٍ﴾ ﴿إنَّما السَّبِيلُ عَلى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النّاسَ ويَبْغُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿ولَمَن صَبَرَ وغَفَرَ إنَّ ذَلِكَ لَمِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن ولِيٍّ مِن بَعْدِهِ وتَرى الظّالِمِينَ لَمّا رَأوُا العَذابَ يَقُولُونَ هَلْ إلى مَرَدٍّ مِن سَبِيلٍ﴾ ﴿وتَراهم يُعْرَضُونَ عَلَيْها خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ [الشورى: ٤٥] .
لَمّا ذَكَرَ تَعالى مِن دَلائِلِ وحْدانِيَّتِهِ أنْواعًا، ذَكَرَ بَعْدَها العالَمَ الأكْبَرَ، وهو السَّماواتُ والأرْضُ؛ ثُمَّ العالَمَ الأصْغَرَ، وهو الحَيَوانُ. ثُمَّ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ المَعادِ، أتْبَعَهُ بِذِكْرِ السُّفُنِ الجارِيَةِ في البَحْرِ، لِما فِيها مِن عَظِيمِ دَلائِلِ القُدْرَةِ، مِن جِهَةِ أنَّ الماءَ جِسْمٌ لَطِيفٌ شَفّافٌ يَغُوصُ فِيهِ الثَّقِيلُ، والسُّفُنُ تَشْخَصُ بِالأجْسامِ الثَّقِيلَةِ الكَثِيفَةِ، ومَعَ ذَلِكَ جَعَلَ تَعالى لِلْماءِ قُوَّةً يَحْمِلُها بِها ويَمْنَعُ مِنَ الغَوْصِ، ثُمَّ جَعَلَ الرِّياحَ سَبَبًا لِسَيْرِها، فَإذا أرادَ أنْ تَرْسُوَ، أسْكَنَ الرِّيحَ، فَلا تَبْرَحُ عَنْ مَكانِها. و﴿الجَوارِي﴾ جَمْعُ جارِيَةٍ، وأصْلُهُ السُّفُنُ الجَوارِي، حُذِفَ المَوْصُوفُ وقامَتْ صِفَتُهُ مَقامَهُ، وحَسَّنَ ذَلِكَ قَوْلُهُ: (في البَحْرِ)، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّها صِفَةٌ لِلسُّفُنِ، وإلّا فَهي صِفَةٌ غَيْرُ مُخْتَصَّةٍ، فَكانَ القِياسُ أنْ لا يُحْذَفَ المَوْصُوفُ ويَقُومَ مَقامَهُ. ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّها صِفَةٌ غالِبَةٌ، كالأبْطَحِ، فَجازَ أنْ تَلِيَ العَوامِلَ بِغَيْرِ ذِكْرِ المَوْصُوفِ. وقُرِئَ (الجَوارِي) بِالياءِ ودُونِها، وسُمِعَ مِنَ العَرَبِ الإعْرابُ في الرّاءِ، و(في البَحْرِ) مُتَعَلِّقٌ بِالجَوارِي، و﴿كالأعْلامِ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، والأعْلامُ: الجِبالُ، ومِنهُ قَوْلُ الخَنْساءِ أُخْتِ صَخْرٍ ومُعاوِيَةَ:
؎وإنَّ صَخْرًا لَتَأْتَمُّ الهُداةُ بِهِ كَأنَّهُ عَلَمٌ في رَأْسِهِ نارُ
ومِنهُ:
؎إذا قَطَعْنَ عَلَمًا بَدا عَلَمُ
وقَرَأ جُمْهُورُ السَّبْعَةِ: (الرِّيحَ) إفْرادًا، ونافِعٌ: جَمْعًا، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (فَيَظْلَلْنَ) بِفَتْحِ اللّامِ، وقَرَأ قَتادَةُ: بِكَسْرِها، والقِياسُ الفَتْحُ؛ لِأنَّ الماضِيَ بِكَسْرِ العَيْنِ، فالكَسْرُ في المُضارِعِ شاذٌّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مِن ظَلَّ يَظَلُّ ويَظِلُّ، نَحْوَ ضَلَّ يَضَلُّ ويَضِلُّ. انْتَهى.
ولَيْسَ كَما ذُكِرَ؛ لِأنَّ يَضَلُّ بِفَتْحِ العَيْنِ مِن ضَلِلْتُ بِكَسْرِها في الماضِي، ويَضِلُّ بِكَسْرِها مِن ضَلَلْتُ بِفَتْحِها في الماضِي، وكِلاهُما مَقِيسٌ.
﴿لِكُلِّ صَبّارٍ﴾ عَلى بَلائِهِ، (شَكُورٍ) لِنَعْمائِهِ.
﴿أوْ يُوبِقْهُنَّ﴾: يُهْلِكْهُنَّ، أيِ: الجَوارِي، وهو عَطْفٌ عَلى (يُسْكِنِ)، والضَّمِيرُ في (كَسَبُوا) عائِدٌ عَلى رُكّابِ السُّفُنِ، أيْ: بِذُنُوبِهِمْ. وقَرَأ الأعْمَشُ (ويَعْفُو) بِالواوِ، وعَنْ أهْلِ المَدِينَةِ: بِنَصْبِ الواوِ، والجُمْهُورُ (ويَعْفُ) مَجْزُومًا عَطْفًا عَلى (يُوبِقْهُنَّ) . فَأمّا قِراءَةُ الأعْمَشِ، فَإنَّهُ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ يَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ، أيْ: لا يُؤاخِذُ بِجَمِيعِ ما اكْتَسَبَ الإنْسانُ. وأمّا النَّصْبُ، فَبِإضْمارِ أنْ بَعْدَ الواوِ، وكالنَّصْبِ بَعْدَ الفاءِ في قِراءَةِ مَن قَرَأ ﴿يُحاسِبْكم بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ﴾ [البقرة: ٢٨٤] وبَعْدَ الواوِ في قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎فَإنْ يَهْلَكْ أبُو قابُوسِ يَهْلَكْ ∗∗∗ رَبِيعُ النّاسِ والشَّهْرُ الحَرامُ
؎ونَأْخُذُ بَعْدَهُ بِذِنابِ عَيْشٍ ∗∗∗ أجَبَّ الظَّهْرِ لَيْسَ لَهُ سَنامُ
رُوِيَ بِنَصْبِ (ونَأْخُذُ) ورَفْعِهِ وجَزْمِهِ.
وفِي هَذِهِ القِراءَةِ يَكُونُ العَطْفُ عَلى مَصْدَرٍ مُتَوَهَّمٍ، أيْ: يَقَعُ إيباقٌ وعَفْوٌ عَنْ كَثِيرٍ. وأمّا الجَزْمُ فَإنَّهُ داخِلٌ في حُكْمِ جَوابِ الشَّرْطِ؛ إذْ هو مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ، وهو راجِعٌ في المَعْنى إلى قِراءَةِ النَّصْبِ، لَكِنَّ هَذا عَطْفُ فِعْلٍ عَلى فِعْلٍ، وفي النَّصْبِ عَطْفُ مَصْدَرٍ مُقَدَّرٍ عَلى مَصْدَرٍ مُتَوَهَّمٍ.
وقالَ القُشَيْرِيُّ: وقُرِئَ: (ويَعْفُ) بِالجَزْمِ، وفِيها إشْكالٌ؛ لِأنَّ المَعْنى: إنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ، فَتَبْقى (p-٥٢١)تِلْكَ السُّفُنُ رَواكِدُ، أوْ يُهْلِكَها بِذُنُوبِ أهْلِها، فَلا يَحْسُنُ عَطْفُ (ويَعْفُ) عَلى هَذِهِ؛ لِأنَّ المَعْنى يَصِيرُ إنْ يَشَأْ يَعْفُ، ولَيْسَ المَعْنى ذَلِكَ، بَلِ المَعْنى: الإخْبارُ عَنِ الغُيُوبِ عَنْ شَرْطِ المَشِيئَةِ، فَهو إذَنْ عُطِفَ عَلى المَجْزُومِ مِن حَيْثُ اللَّفْظِ، لا مِن حَيْثُ المَعْنى.
وقَدْ قَرَأ قَوْمٌ (ويَعْفُو) بِالرَّفْعِ، وهي جَيِّدَةٌ في المَعْنى. انْتَهى، وما قالَهُ لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ إذْ لَمْ يَفْهَمْ مَدْلُولَ التَّرْكِيبِ. والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى إنْ يَشَأْ أهْلَكَ ناسًا وأنْجى ناسًا عَلى طَرِيقِ العَفْوِ عَنْهم.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): عَلامَ عُطِفَ يُوبِقْهُنَّ ؟ (قُلْتُ): عَلى (يُسْكِنِ) لِأنَّ المَعْنى: إنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَرْكُدْنَ، أوْ يَعْصِفْها فَيَغْرَقْنَ بِعَصْفِها. انْتَهى.
ولا يَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: أوْ يَعْصِفُها فَيَغْرَقْنَ؛ لِأنَّ إهْلاكَ السُّفُنِ لا يَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ بِعَصْفِ الرِّيحِ، بَلْ قَدْ يُهْلِكُها تَعالى بِسَبَبٍ غَيْرِ الرِّيحِ، كَنُزُولِ سَطْحِها بِكَثْرَةِ الثِّقَلِ، أوِ انْكِسارِ اللَّوْحِ يَكُونُ سَبَبًا لِإهْلاكِها، أوْ يَعْرِضُ عَدُوٌّ يُهْلِكُ أهْلَها. وقَرَأ الأعْرَجُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (ويَعْلَمُ) بِالرَّفْعِ عَلى القَطْعِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (ويَعْلَمَ) بِالنَّصْبِ؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: وحَسُنَ النَّصْبُ إذا كانَ قَبْلَهُ شَرْطٌ وجَزاءٌ، وكُلُّ واحِدٍ مِنهُما غَيْرُ واجِبٍ.
وقالَ الزَّجّاجُ: عَلى إضْمارِ أنْ؛ لِأنَّ قَبْلَها جَزاءً. تَقُولُ: ما تَصْنَعُ أصْنَعُ مِثْلَهُ، وأُكْرِمَكَ، وإنْ شِئْتَ: وأكْرِمُكَ، عَلى: وأنا أُكْرِمُكَ، وإنْ شِئْتَ: وأُكْرِمْكَ جَزْمًا.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فِيهِ نَظَرٌ، لِما أوْرَدَهُ سِيبَوَيْهِ في كِتابِهِ قالَ: واعْلَمْ أنَّ النَّصْبَ بِالفاءِ والواوِ في قَوْلِهِ: إنْ تَأْتِنِي آتِكَ وأُعْطِيكَ ضَعِيفٌ، وهو نَحْوٌ مِن قَوْلِهِ:
؎وألْحَقُ بِالحِجازِ فَأسْتَرِيحا
فَهَذا لا يَجُوزُ، ولَيْسَ بِحَدِّ الكَلامِ ولا وجْهِهِ، إلّا أنَّهُ في الجَزاءِ صارَ أقْوى قَلِيلًا؛ لِأنَّهُ لَيْسَ بِواجِبٍ أنَّهُ يَفْعَلُ إلّا أنْ يَكُونَ مِنَ الأوَّلِ فِعْلٌ.
فَلَمّا ضارَعَ الَّذِي لا يُوجِبُهُ، كالِاسْتِفْهامِ ونَحْوِهِ، أجازُوا فِيهِ هَذا عَلى ضَعْفِهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولا يَجُوزُ أنْ تُحْمَلَ القِراءَةُ المُسْتَفِيضَةُ عَلى وجْهٍ ضَعِيفٍ لَيْسَ بِحَدِّ الكَلامِ ولا وجْهِهِ، ولَوْ كانَتْ مِن هَذا البابِ، لَما أخْلى سِيبَوَيْهِ مِنها كِتابَهُ، وقَدْ ذَكَرَ نَظائِرَها مِنَ الآياتِ المُشْكَلَةِ. انْتَهى.
وخَرَّجَ الزَّمَخْشَرِيُّ النَّصْبَ عَلى أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى تَعْلِيلٍ مَحْذُوفٍ، قالَ: تَقْدِيرُهُ: لِيَنْتَقِمَ مِنهم ويَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ، يُكْرَهُ في العَطْفِ عَلى التَّعْلِيلِ المَحْذُوفِ غَيْرُ عَزِيزٍ في القُرْآنِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنّاسِ﴾ [البقرة: ٢٥٩]، وقَوْلُهُ: ﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ﴾ [العنكبوت: ٤٤]، ﴿ولِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ [الجاثية: ٢٢] . انْتَهى.
ويَبْعُدُ تَقْدِيرُهُ لِيَنْتَقِمَ مِنها؛ لِأنَّهُ تَرَتَّبَ عَلى الشَّرْطِ إهْلاكُ قَوْمٍ، فَلا يَحْسُنُ لِيَنْتَقِمَ مِنهم. وأمّا الآيَتانِ فَيُمْكِنُ أنْ تَكُونَ اللّامُ مُتَعَلِّقَةً بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: ﴿ولِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنّاسِ﴾ [مريم: ٢١]، ﴿ولِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ [الجاثية: ٢٢] . فَعَلْنا ذَلِكَ، وكَثِيرًا ما يُقَدَّرُ هَذا الفِعْلُ مَحْذُوفًا قَبْلَ لامِ العِلَّةِ، إذا لَمْ يَكُنْ فِعْلٌ ظاهِرٌ يَتَعَلَّقُ بِهِ.
وذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: (ويَعْلَمَ) قُرِئَ بِالجَزْمِ، (فَإنْ قُلْتَ): فَكَيْفَ يَصِحُّ المَعْنى عَلى جَزْمِ (ويَعْلَمَ) ؟ (قُلْتُ): كَأنَّهُ قالَ: أوْ إنْ يَشَأْ يَجْمَعُ بَيْنَ ثَلاثَةِ أُمُورٍ: هَلاكِ قَوْمٍ، ونَجاةِ قَوْمٍ، وتَحْذِيرِ آخَرِينَ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ويَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِنا ما لَهم مِن مَحِيصٍ﴾ يَتَضَمَّنُ تَحْذِيرَهم مِن عِقابِ اللَّهِ، و﴿ما لَهم مِن مَحِيصٍ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ؛ لِأنَّ (يَعْلَمَ) مُعَلَّقَةٌ، كَقَوْلِكَ: عَلِمْتُ ما زَيْدٌ قائِمٌ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ في قِراءَةِ النَّصْبِ: وهَذِهِ الواوُ ونَحْوُها الَّتِي تُسَمِّيها الكُوفِيُّونَ واوَ الصَّرْفِ؛ لِأنَّ حَقِيقَةَ واوِ الصَّرْفِ الَّتِي يُرِيدُونَها عَطْفُ فِعْلٍ عَلى اسْمٍ مُقَدَّرٍ، فَيُقَدَّرُ أنْ لِيَكُونَ مَعَ الفِعْلِ بِتَأْوِيلِ المَصْدَرِ، فَيَحْسُنُ عَطْفُهُ عَلى الِاسْمِ. انْتَهى.
ولَيْسَ قَوْلُهُ تَعْلِيلًا لِقَوْلِهِمْ: واوُ الصَّرْفِ، إنَّما هو تَقْرِيرٌ لِمَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ. وأمّا الكُوفِيُّونَ فَإنَّ واوَ الصَّرْفِ ناصِبَةٌ بِنَفْسِها، لا بِإضْمارِ أنْ بَعْدَها.
وقالَ أبُو عُبَيْدٍ عَلى الصَّرْفِ كالَّذِي في آلِ عِمْرانَ: ﴿ولَمّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنكم ويَعْلَمَ الصّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٢]، ومَعْنى الصَّرْفِ أنَّهُ كانَ عَلى جِهَةٍ فَصُرِفَ إلى غَيْرِها، فَتَغَيَّرَ الإعْرابُ لِأجْلِ الصَّرْفِ. والعَطْفُ لا يُعَيِّنُ الِاقْتِرانَ في الوُجُودِ، كالعَطْفِ في الِاسْمِ، نَحْوُ: جاءَ زَيْدٌ وعَمْرٌو. ولَوْ نُصِبَ (وعَمْرُو) اقْتَضى الِاقْتِرانَ؛ (p-٥٢٢)وكَذَلِكَ واوُ الصَّرْفِ، لِيُفِيدَ مَعْنى الِاقْتِرانِ ويُعَيِّنَ مَعْنى الِاجْتِماعِ، ولِذَلِكَ أُجْمِعَ عَلى النَّصْبِ في قَوْلِهِ: ﴿ويَعْلَمَ الصّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٢]، أيْ: ويَعْلَمَ المُجاهِدِينَ والصّابِرِينَ مَعًا.
عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - اجْتَمَعَ لِأبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مالٌ، فَتَصَدَّقَ بِهِ كُلِّهِ في سَبِيلِ اللَّهِ والخَيْرِ، فَلامَهُ المُسْلِمُونَ وخَطَّأهُ الكافِرُونَ، فَنَزَلَتْ: ﴿فَما أُوتِيتُمْ مِن شَيْءٍ﴾، والظّاهِرُ أنَّهُ خِطابٌ لِلنّاسِ.
وقِيلَ: لِلْمُشْرِكِينَ، وما شَرْطِيَّةٌ مَفْعُولٌ ثانٍ لِـ (أُوتِيتُمْ)، و(مِن شَيْءٍ) بَيانٌ لِما، والمَعْنى: مِن شَيْءٍ مِن رِياشِ الدُّنْيا ومالِها والسَّعَةِ فِيها، والفاءُ جَوابُ الشَّرْطِ، أيْ: فَهو مَتاعٌ، أيْ: يُسْتَمْتَعُ في الحَياةِ.
(وما عِنْدَ اللَّهِ) أيْ: مِن ثَوابِهِ وما أعَدَّ لِأوْلِيائِهِ، ﴿خَيْرٌ وأبْقى﴾ مِمّا أُوتِيتُمْ؛ لِأنَّهُ لا انْقِطاعَ لَهُ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في الكَبائِرِ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ [النساء: ٣١]، في النِّساءِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (كَبائِرَ) جَمْعًا هُنا، وفي النَّجْمِ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: بِالإفْرادِ.
﴿والَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ﴾: عُطِفَ عَلى (الَّذِينَ آمَنُوا)، وكَذَلِكَ ما بَعْدَهُ. ووَقَعَ لِأبِي البَقاءِ وهْمٌ في التِّلاوَةِ، اعْتَقَدَ أنَّها الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ بِغَيْرِ واوٍ، فَبَنى عَلَيْهِ الإعْرابَ فَقالَ: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ﴾ [النجم: ٣٢] في مَوْضِعِ جَرٍّ بَدَلًا مِنَ (الَّذِينَ آمَنُوا) ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِإضْمارٍ، أعْنِي: وفي مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى تَقْدِيرِ هم. انْتَهى.
والعامِلُ في (إذا) ﴿يَغْفِرُونَ﴾ وهي جُمْلَةٌ مِن مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ مَعْطُوفَةٌ عَلى (يَجْتَنِبُونَ) ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (هم) تَوْكِيدًا لِلْفاعِلِ في ﴿غَضِبُوا﴾ .
وقالَ أبُو البَقاءِ (هم) مُبْتَدَأٌ، و(يَغْفِرُونَ) الخَبَرُ، والجُمْلَةُ جَوابُ (إذا) . انْتَهى، وهَذا لا يَجُوزُ؛ لِأنَّ الجُمْلَةَ لَوْ كانَتْ جَوابَ (إذا) لَكانَتْ بِالفاءِ، تَقُولُ: إذا جاءَ زَيْدٌ فَعَمْرٌو مُنْطَلِقٌ، ولا يَجُوزُ حَذْفُ الفاءِ إلّا إنْ ورَدَ في شِعْرٍ. وقِيلَ: (هم) مَرْفُوعٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يُفَسِّرُهُ (يَغْفِرُونَ) ولَمّا حُذِفَ انْفَصَلَ الضَّمِيرُ، وهَذا القَوْلُ فِيهِ نَظَرٌ، وهو أنَّ جَوابَ (إذا) يُفَسَّرُ كَما يُفَسَّرُ فِعْلُ الشَّرْطِ بَعْدَها، نَحْوُ: ﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ [الإنشقاق: ١]، ولا يَبْعُدُ جَوازُ ذَلِكَ عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ، إذْ جاءَ ذَلِكَ في أداةِ الشَّرْطِ الجازِمَةِ، نَحْوُ: إنْ يَنْطَلِقْ زَيْدٌ يَنْطَلِقُ، فَزِيدٌ عِنْدَهُ فاعِلٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يُفَسِّرُهُ الجَوابُ، أيْ: يَنْطَلِقُ زَيْدٌ، مَنَعَ ذَلِكَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هم يَغْفِرُونَ، أيْ: هُمُ الأخِصّاءُ بِالغُفْرانِ، في حالِ الغَضَبِ لا يَغُولُ الغَضَبُ أحْلامَهم، كَما يَغُولُ حُلُومَ النّاسِ. والمَجِيءُ لَهم وإيقاعُهُ مُبْتَدَأٌ، وإسْنادُ (يَغْفِرُونَ) إلَيْهِ لِهَذِهِ الفائِدَةِ. انْتَهى، وفِيهِ حَضٌّ عَلى كَسْرِ الغَضَبِ.
وفِي الحَدِيثِ: «أوْصِنِي، قالَ: لا تَغْضَبْ، قالَ: زِدْنِي، قالَ: لا تَغْضَبْ، قالَ: زِدْنِي، قالَ: لا تَغْضَبْ» .
﴿والَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ﴾، قِيلَ: نَزَلَتْ في الأنْصارِ، دَعاهُمُ اللَّهُ لِلْإيمانِ بِهِ وطاعَتِهِ فاسْتَجابُوا لَهُ. وكانُوا قَبْلَ الإسْلامِ، وقَبْلَ أنْ يُقْدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المَدِينَةَ، إذا نابَهم أمْرٌ تَشاوَرُوا، فَأثْنى اللَّهُ عَلَيْهِمْ، لا يَنْفَرِدُونَ بِأمْرٍ حَتّى يَجْتَمِعُوا عَلَيْهِ.
وعَنِ الحَسَنِ: ما تَشاوَرَ قَوْمٌ إلّا هُدُوا لِأرْشَدِ أمْرِهِمْ. انْتَهى.
وفِي الشُّورى اجْتِماعُ الكَلِمَةِ والتَّحابُّ والتَّعاضُدُ عَلى الخَيْرِ. وقَدْ شاوَرَ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فِيما يَتَعَلَّقُ بِمَصالِحَ الحُرُوبِ، والصَّحابَةُ بَعْدَهُ في ذَلِكَ، كَمُشاوَرَةِ عُمَرُ لِلْهُرْمُزِ. وفي الأحْكامِ، كَقِتالِ أهْلِ الرِّدَّةِ، ومِيراثِ الحَرْبِيِّ، وعَدَدِ مُدْمِنِي الخَمْرِ، وغَيْرِ ذَلِكَ.
والشُّورى مَصْدَرٌ كالفُتْيا بِمَعْنى التَّشاوُرِ، عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: وأمْرُهم ذُو شُورى بَيْنِهِمْ. و﴿هم يَنْتَصِرُونَ﴾: صِلَةٌ لِلَّذِينِ، وإذا مَعْمُولَةٌ لِـ (يَنْتَصِرُونَ)، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿هم يَنْتَصِرُونَ﴾ جَوابًا لـ (إذا) والجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ وجَوابُها صِلَةٌ لِما ذَكَرْناهُ مِن لُزُومِ الفاءِ، ويَجُوزُ هُنا أنْ يَكُونَ (هم) فاعِلًا بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ عَلى ذَلِكَ القَوْلِ الَّذِي قِيلَ في ﴿هم يَغْفِرُونَ﴾ . وقالَ الحَوْفِيُّ: وإنْ شِئْتَ جَعَلْتَ (هم) تَوْكِيدًا لِلْهاءِ والمِيمِ، يَعْنِي في (أصابَهم) وهو ضَمِيرُ رَفْعٍ، وفي هَذا نَظَرٌ، وفِيهِ الفَصْلُ بَيْنَ المُؤَكَّدِ والتَّوْكِيدِ بِالفاعِلِ، وهو فِعْلٌ، الظّاهِرُ أنَّهُ لا يَمْتَنِعُ، والِانْتِصارُ: أنْ يَقْتَصِرَ عَلى ما حَدَّهُ اللَّهُ لَهُ ولا يَعْتَدِي.
وقالَ النَّخَعِيُّ: كانُوا يَكْرَهُونَ أنْ يُذِلُّوا أنْفَسَهم، فَتَجْتَرِئُ عَلَيْهِمُ الفُسّاقُ، ومَنِ انْتَصَرَ غَيْرُ مُتَعَدٍّ فَهو مُطِيعٌ مَحْمُودٌ. وقالَ مُقاتِلٌ، وهِشامٌ عَنْ عُرْوَةَ: الآيَةُ في المَجْرُوحِ يَنْتَصِفُ مِنَ الجارِحِ بِالقِصاصِ. وقالَ (p-٥٢٣)ابْنُ عَبّاسٍ: تَعَدّى المُشْرِكُونَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وعَلى أصْحابِهِ، وأخْرَجُوهم مِن مَكَّةَ، فَأذِنَ اللَّهُ لَهم بِالخُرُوجِ في الأرْضِ، ونَصَرَهم عَلى مَن بَغى عَلَيْهِمْ.
وقالَ الكِيا الطَّبَرِيُّ: ظاهِرُهُ أنَّ الِانْتِصارَ في هَذا المَوْضِعِ أفْضَلُ، ألا تَرى أنَّهُ قَرَنَهُ إلى ذِكْرِ الِاسْتِجابَةِ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ وإقامَةِ الصَّلاةِ ؟ فَهَذا عَلى ما ذَكَرَهُ النَّخَعِيُّ، وهَذا فِيمَن تَعَدّى وأصَرَّ، والمَأْمُورُ فِيهِ بِالعَفْوِ إذا كانَ الجانِي نادِمًا مُقْلِعًا. وقَدْ قالَ عَقِيبَ هَذِهِ الآيَةِ ﴿ولَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ﴾ الآيَةَ، فَيَقْتَضِي إباحَةَ الِانْتِصارِ. وقَدْ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَمَن صَبَرَ وغَفَرَ﴾، وهَذا مَحْمُولٌ، عَلى القُرْآنِ عِنْدَ غَيْرِ المُصِرِّ. فَأمّا المُصِرُّ عَلى البَغْيِ، فالأفْضَلُ الِانْتِصارُ مِنهُ بِدَلِيلِ الآيَةِ قَبْلَها. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: المَعْنى تَناصَرُوا عَلَيْهِ فَأزالُوهُ عَنْهم.
وقالَ أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ نَحْوًا مِن قَوْلِ الكِيا.
قالَ الجُمْهُورُ: إذا بَغى مُؤْمِنٌ عَلى مُؤْمِنٍ فَلا يَجُوزُ لَهُ أنْ يَنْتَصِرَ مِنهُ بِنَفْسِهِ، بَلْ يَرْفَعُ ذَلِكَ إلى الإمامِ أوْ نائِبِهِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: لَهُ ذَلِكَ.
﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾: هَذا بَيانٌ لِلِانْتِصارِ، أيْ: لا يَتَعَدّى فِيما يُجازِي بِهِ مَن بَغى عَلَيْهِ.
قالَ ابْنُ أبِي نَجِيحٍ، والسُّدِّيُّ: إذا شُتِمَ فَلَهُ أنْ يَرُدَّ مِثْلَ ما شُتِمَ بِهِ دُونَ أنْ يَتَعَدّى، وسُمِّيَ القِصاصُ سَيِّئَةً عَلى سَبِيلِ المُقابَلَةِ، أوْ لِأنَّها تَسُوءُ مَنِ اقْتُصَّ مِنهُ، كَما ساءَتِ الحَيْضُ. وظاهِرُ قَوْلِهِ: (مِثْلُها) المُماثَلَةُ مُطْلَقًا في كُلِّ الأحْوالِ، لا فِيما خَصَّهُ الدَّلِيلُ. والفُقَهاءُ أدْخَلُوا التَّخْصِيصَ في صُوَرٍ كَثِيرَةٍ بِناءً عَلى القِياسِ.
قالَ مُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ: إذا قالَ لَهُ: أخْزاكَ اللَّهُ، فَلْيَقُلْ: أخْزاكَ اللَّهُ، وإذا قَذَفَهُ قَذْفًا يُوجِبُ الحَدَّ، بَلِ الحَدُّ الَّذِي أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ.
﴿فَمَن عَفا وأصْلَحَ﴾ أيْ: بَيْنَهُ وبَيْنَ خَصْمِهِ بِالعَفْوِ، ﴿فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ﴾: عِدَةٌ مُبْهَمَةٌ لا يُقاسُ عِظَمُها؛ إذْ هي عَلى اللَّهِ.
﴿إنَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ أيِ: الخائِنِينَ، وإذا كانَ لا يُحِبُّهُ وقَدْ نُدِبَ إلى العَفْوِ عَنْهُ، فالعَفْوُ الَّذِي يُحِبُّهُ اللَّهُ أوْلى أنْ يَعْفِيَ عَنْهُ، أوْ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ مَن تَجاوَزَ واعْتَدى مِنَ المَجْنِيِّ عَلَيْهِمْ، إذا انْتَصَرُوا خُصُوصًا في حالَةِ الحَرْبِ والتِهابِ الحَمِيَّةِ، فَرُبَّما يَظْلِمُ وهو لا يَشْعُرُ.
وفِي الحَدِيثِ: «إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ نادى مُنادٍ: مَن كانَ لَهُ أجْرٌ عَلى اللَّهِ فَلْيَقُمْ، قالَ: فَيَقُومُ خَلْقٌ، فَيُقالُ لَهم: ما أجْرُكم عَلى اللَّهِ ؟ فَيَقُولُونَ: نَحْنُ عَفَوْنا عَمَّنْ ظَلَمَنا، فَيُقالُ لَهُمُ: ادْخُلُوا الجَنَّةَ بِإذْنِ اللَّهِ» .
واللّامُ في ﴿ولَمَنِ انْتَصَرَ﴾ لامُ تَوْكِيدٍ. قالَ الحَوْفِيُّ: وفِيها مَعْنى القَسَمِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لامُ التِقاءِ القَسَمِ، يَعْنِيانِ أنَّها اللّامُ الَّتِي يُتَلَقّى بِها القَسَمُ، فالقَسَمُ قَبْلَها مَحْذُوفٌ، ومَن شُرْطِيَّةٌ، وحُمِلَ ﴿انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ﴾ عَلى لَفْظِ (مَن) و(فَأُولَئِكَ) عَلى مَعْنى (مَن) والفاءُ جَوابُ الشَّرْطِ، و(ظُلْمِهِ) مَصْدَرٌ مُضافٌ إلى المَفْعُولِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويُفَسِّرُهُ قِراءَةُ مَن قَرَأ (بَعْدَ ما ظُلِمَ) .
﴿ما عَلَيْهِمْ مِن سَبِيلٍ﴾، قِيلَ أيْ: مِن طَرِيقٍ إلى الحَرَجِ؛ وقِيلَ: مِن سَبِيلٍ لِلْمُعاقِبِ، ولا المُعاتِبِ والعاتِبِ، وهَذِهِ مُبالَغَةٌ في إباحَةِ الِانْتِصارِ.
﴿إنَّما السَّبِيلُ﴾ أيْ: سَبِيلُ الإثْمِ والحَرَجِ، ﴿عَلى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ﴾ أيْ: يَبْتَذِلُونَ بِالظُّلْمِ، ﴿ويَبْغُونَ في الأرْضِ﴾ أيْ: يَتَكَبَّرُونَ فِيها ويَعْلُونَ ويُفْسِدُونَ. وقِيلَ: (ويَظْلِمُونَ النّاسَ) أيْ: يَضَعُونَ الأشْياءَ غَيْرَ مَواضِعِها مِنَ القَتْلِ وأخْذِ المالِ والأذى بِاليَدِ واللِّسانِ.
والبَغْيُ بِغَيْرِ الحَقِّ، فَهو نَوْعٌ مِن أنْواعِ الظُّلْمِ، خَصَّهُ بِالذِّكْرِ تَنْبِيهًا عَلى شِدَّتِهِ وسُوءِ حالِ صاحِبِهِ. انْتَهى.
﴿ولَمَن صَبَرَ﴾ أيْ: عَلى الظُّلْمِ والأذى، (وغَفَرَ)، ولَمْ يَنْتَصِرْ. واللّامُ في (ولَمَن) يَجُوزُ أنْ تَكُونَ اللّامَ المُوَطِّئَةَ القَسَمَ المَحْذُوفَ، ومَن شَرْطِيَّةٌ، وجَوابُ القَسَمِ قَوْلُهُ: (إنَّ ذَلِكَ)، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ جَوابِ القَسَمِ عَلَيْهِ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ اللّامُ لامَ الِابْتِداءِ، ومَن مَوْصُولَةً مُبْتَدَأً، والجُمْلَةُ المُؤَكَّدَةُ بِإنَّ في مَوْضِعِ الخَبَرِ.
وقالَ الحَوْفِيُّ: (مَن) رُفِعَ بِالِابْتِداءِ وأُضْمِرَ الخَبَرُ، وجَوابُ الشَّرْطِ إنَّ وما تَعَلَّقَتْ بِهِ عَلى حَذْفِ الفاءِ، كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎مِن يَفْعَلُ الحَسَناتِ اللَّهُ يَشْكُرُها
أيْ: فاللَّهُ يَشْكُرُها. انْتَهى، وهَذا لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّ حَذْفَ الفاءِ مَخْصُوصٌ بِالشِّعْرِ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ. والإشارَةُ بِذَلِكَ إلى ما يُفْهَمُ مِن مَصْدَرِ صَبَرَ وغَفَرَ، والعائِدُ عَلى المَوْصُولِ المُبْتَدَأِ مِنَ الخَبَرِ مَحْذُوفٌ، أيْ: إنَّ ذَلِكَ مِنهُ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ: ﴿لَمِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾، إنْ كانَ ذَلِكَ (p-٥٢٤)إشارَةً إلى المَصْدَرِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولَمَن صَبَرَ وغَفَرَ﴾، لَمْ يَكُنْ في ﴿عَزْمِ الأُمُورِ﴾ حَذْفٌ، وإنْ كانَ ذَلِكَ إشارَةً إلى المُبْتَدَأِ، كانَ هو الرّابِطُ، ولا يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرٍ مِنهُ، وكانَ في ﴿عَزْمِ الأُمُورِ﴾، أيْ: إنَّهُ لَمِن ذَوِي عَزْمِ الأُمُورِ.
وسَبَّ رَجُلٌ آخَرَ في مَجْلِسِ الحَسَنِ، فَكانَ المَسْبُوبُ يَكْظِمُ ويَعْرَقُ ويَمْسَحُ العَرَقَ، ثُمَّ قامَ فَتَلا الآيَةَ، فَقالَ الحَسَنُ: عَقَلَها واللَّهِ وفَهِمَها لِمَ هَذِهِ ضَيَّعَها الجاهِلُونَ.
والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: (إنَّما السَّبِيلُ) اعْتِراضٌ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿ولَمَنِ انْتَصَرَ﴾، وقَوْلِهِ: ﴿ولَمَن صَبَرَ﴾ .
﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن ولِيٍّ مِن بَعْدِهِ﴾ أيْ: مِن ناصِرٍ يَتَوَلّاهُ (مِن بَعْدِهِ) أيْ: مِن بَعْدِ إضْلالِهِ، وهَذا تَحْقِيرٌ لِأمْرِ الكَفَرَةِ.
﴿وتَرى الظّالِمِينَ﴾: الخِطابُ لِلرَّسُولِ، والمَعْنى: وتَرى حالَهم وما هم فِيهِ مِنَ الحَيْرَةِ، ﴿لَمّا رَأوُا العَذابَ﴾، يَقُولُونَ: ﴿هَلْ إلى مَرَدٍّ مِن سَبِيلٍ﴾: هَلْ سَبِيلٌ إلى الرَّدِّ لِلدُّنْيا ؟ وذَلِكَ مِن فَظِيعِ ما اطَّلَعُوا عَلَيْهِ، وسُوءِ ما يَحِلُّ بِهِمْ.
﴿وتَراهم يُعْرَضُونَ عَلَيْها﴾ [الشورى: ٤٥] أيْ: عَلى النّارِ، دَلَّ عَلَيْها ذِكْرُ العَذابِ، (خاشِعِينَ) مُتَضائِلِينَ صاغِرِينَ مِمّا يَلْحَقُهم، (مِنَ الذُّلِّ) .
وقَرَأ طَلْحَةُ: (مِنَ الذِّلِّ)، بِكَسْرِ الذّالِ؛ والجُمْهُورُ: بِالضَّمِّ، والخُشُوعُ: الِاسْتِكانَةُ، وهو مَحْمُودٌ. وإنَّما أخْرَجَهُ إلى الذَّمِّ اقْتِرانُهُ بِالعَذابِ. وقِيلَ: (مِنَ الذُّلِّ) مُتَعَلِّقٌ بِـ ﴿يَنْظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ [الشورى: ٤٥] .
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ذَلِيلٍ. انْتَهى.
قِيلَ: ووُصِفَ بِالخَفاءِ؛ لِأنَّ نَظَرَهم ضَعِيفٌ ولَحْظُهم نِهايَةٌ، قالَ الشّاعِرُ:
؎فَغُضَّ الطَّرْفَ إنَّكَ مِن نُمَيْرٍ
وقِيلَ: يُحْشَرُونَ عُمْيًا. ولَمّا كانَ نَظَرُهم بِعُيُونِ قُلُوبِهِمْ، جَعَلَهُ طَرَفًا خَفِيًّا، أيْ: لا يَبْدُو نَظَرُهم، وهَذا التَّأْوِيلُ فِيهِ تُكَلُّفٌ.
وقالَ السُّدِّيُّ، وقَتادَةُ: المَعْنى يُسارِقُونَ النَّظَرَ لِما كانُوا فِيهِ مِنَ الهَمِّ وسُوءِ الحالِ، لا يَسْتَطِيعُونَ النَّظَرَ بِجَمِيعِ العَيْنِ، وإنَّما يَنْظُرُونَ مِن بَعْضِها، فَيَجُوزُ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ أنْ يَكُونَ الطَّرْفُ مَصْدَرًا، أيْ: مِن نَظَرٍ خَفِيٍّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ [الشورى: ٤٥]، أيْ: يَبْتَدِئُ نَظَرُهم مِن تَحْرِيكٍ لِأجْفانِهِمْ ضَعِيفٍ خَفِيٍّ بِمُسارَقَةٍ، كَما تَرى المُصَوِّرَ يَنْظُرُ إلى السَّيْفِ، وهَكَذا نَظَرُ النّاظِرِ إلى المَكارِهِ، ولا يَقْدِرُ أنْ يَفْتَحَ أجْفانَهُ عَلَيْها ويَمْلَأ عَيْنَهُ مِنها، كَما يَفْعَلُ في نَظَرِهِ إلى المُتَحابِّ.
الشورى 42:37
(p-٥٢٠)﴿ومِن آياتِهِ الجَوارِي في البَحْرِ كالأعْلامِ﴾ ﴿إنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ ﴿أوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا ويَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾ ﴿ويَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِنا ما لَهم مِن مَحِيصٍ﴾ ﴿فَما أُوتِيتُمْ مِن شَيْءٍ فَمَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا وما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وأبْقى لِلَّذِينَ آمَنُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الإثْمِ والفَواحِشَ وإذا ما غَضِبُوا هم يَغْفِرُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ وأقامُوا الصَّلاةَ وأمْرُهم شُورى بَيْنَهم ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ إذا أصابَهُمُ البَغْيُ هم يَنْتَصِرُونَ﴾ ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها فَمَن عَفا وأصْلَحَ فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ إنَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ ﴿ولَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِن سَبِيلٍ﴾ ﴿إنَّما السَّبِيلُ عَلى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النّاسَ ويَبْغُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿ولَمَن صَبَرَ وغَفَرَ إنَّ ذَلِكَ لَمِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن ولِيٍّ مِن بَعْدِهِ وتَرى الظّالِمِينَ لَمّا رَأوُا العَذابَ يَقُولُونَ هَلْ إلى مَرَدٍّ مِن سَبِيلٍ﴾ ﴿وتَراهم يُعْرَضُونَ عَلَيْها خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ [الشورى: ٤٥] .
لَمّا ذَكَرَ تَعالى مِن دَلائِلِ وحْدانِيَّتِهِ أنْواعًا، ذَكَرَ بَعْدَها العالَمَ الأكْبَرَ، وهو السَّماواتُ والأرْضُ؛ ثُمَّ العالَمَ الأصْغَرَ، وهو الحَيَوانُ. ثُمَّ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ المَعادِ، أتْبَعَهُ بِذِكْرِ السُّفُنِ الجارِيَةِ في البَحْرِ، لِما فِيها مِن عَظِيمِ دَلائِلِ القُدْرَةِ، مِن جِهَةِ أنَّ الماءَ جِسْمٌ لَطِيفٌ شَفّافٌ يَغُوصُ فِيهِ الثَّقِيلُ، والسُّفُنُ تَشْخَصُ بِالأجْسامِ الثَّقِيلَةِ الكَثِيفَةِ، ومَعَ ذَلِكَ جَعَلَ تَعالى لِلْماءِ قُوَّةً يَحْمِلُها بِها ويَمْنَعُ مِنَ الغَوْصِ، ثُمَّ جَعَلَ الرِّياحَ سَبَبًا لِسَيْرِها، فَإذا أرادَ أنْ تَرْسُوَ، أسْكَنَ الرِّيحَ، فَلا تَبْرَحُ عَنْ مَكانِها. و﴿الجَوارِي﴾ جَمْعُ جارِيَةٍ، وأصْلُهُ السُّفُنُ الجَوارِي، حُذِفَ المَوْصُوفُ وقامَتْ صِفَتُهُ مَقامَهُ، وحَسَّنَ ذَلِكَ قَوْلُهُ: (في البَحْرِ)، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّها صِفَةٌ لِلسُّفُنِ، وإلّا فَهي صِفَةٌ غَيْرُ مُخْتَصَّةٍ، فَكانَ القِياسُ أنْ لا يُحْذَفَ المَوْصُوفُ ويَقُومَ مَقامَهُ. ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّها صِفَةٌ غالِبَةٌ، كالأبْطَحِ، فَجازَ أنْ تَلِيَ العَوامِلَ بِغَيْرِ ذِكْرِ المَوْصُوفِ. وقُرِئَ (الجَوارِي) بِالياءِ ودُونِها، وسُمِعَ مِنَ العَرَبِ الإعْرابُ في الرّاءِ، و(في البَحْرِ) مُتَعَلِّقٌ بِالجَوارِي، و﴿كالأعْلامِ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، والأعْلامُ: الجِبالُ، ومِنهُ قَوْلُ الخَنْساءِ أُخْتِ صَخْرٍ ومُعاوِيَةَ:
؎وإنَّ صَخْرًا لَتَأْتَمُّ الهُداةُ بِهِ كَأنَّهُ عَلَمٌ في رَأْسِهِ نارُ
ومِنهُ:
؎إذا قَطَعْنَ عَلَمًا بَدا عَلَمُ
وقَرَأ جُمْهُورُ السَّبْعَةِ: (الرِّيحَ) إفْرادًا، ونافِعٌ: جَمْعًا، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (فَيَظْلَلْنَ) بِفَتْحِ اللّامِ، وقَرَأ قَتادَةُ: بِكَسْرِها، والقِياسُ الفَتْحُ؛ لِأنَّ الماضِيَ بِكَسْرِ العَيْنِ، فالكَسْرُ في المُضارِعِ شاذٌّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مِن ظَلَّ يَظَلُّ ويَظِلُّ، نَحْوَ ضَلَّ يَضَلُّ ويَضِلُّ. انْتَهى.
ولَيْسَ كَما ذُكِرَ؛ لِأنَّ يَضَلُّ بِفَتْحِ العَيْنِ مِن ضَلِلْتُ بِكَسْرِها في الماضِي، ويَضِلُّ بِكَسْرِها مِن ضَلَلْتُ بِفَتْحِها في الماضِي، وكِلاهُما مَقِيسٌ.
﴿لِكُلِّ صَبّارٍ﴾ عَلى بَلائِهِ، (شَكُورٍ) لِنَعْمائِهِ.
﴿أوْ يُوبِقْهُنَّ﴾: يُهْلِكْهُنَّ، أيِ: الجَوارِي، وهو عَطْفٌ عَلى (يُسْكِنِ)، والضَّمِيرُ في (كَسَبُوا) عائِدٌ عَلى رُكّابِ السُّفُنِ، أيْ: بِذُنُوبِهِمْ. وقَرَأ الأعْمَشُ (ويَعْفُو) بِالواوِ، وعَنْ أهْلِ المَدِينَةِ: بِنَصْبِ الواوِ، والجُمْهُورُ (ويَعْفُ) مَجْزُومًا عَطْفًا عَلى (يُوبِقْهُنَّ) . فَأمّا قِراءَةُ الأعْمَشِ، فَإنَّهُ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ يَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ، أيْ: لا يُؤاخِذُ بِجَمِيعِ ما اكْتَسَبَ الإنْسانُ. وأمّا النَّصْبُ، فَبِإضْمارِ أنْ بَعْدَ الواوِ، وكالنَّصْبِ بَعْدَ الفاءِ في قِراءَةِ مَن قَرَأ ﴿يُحاسِبْكم بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ﴾ [البقرة: ٢٨٤] وبَعْدَ الواوِ في قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎فَإنْ يَهْلَكْ أبُو قابُوسِ يَهْلَكْ ∗∗∗ رَبِيعُ النّاسِ والشَّهْرُ الحَرامُ
؎ونَأْخُذُ بَعْدَهُ بِذِنابِ عَيْشٍ ∗∗∗ أجَبَّ الظَّهْرِ لَيْسَ لَهُ سَنامُ
رُوِيَ بِنَصْبِ (ونَأْخُذُ) ورَفْعِهِ وجَزْمِهِ.
وفِي هَذِهِ القِراءَةِ يَكُونُ العَطْفُ عَلى مَصْدَرٍ مُتَوَهَّمٍ، أيْ: يَقَعُ إيباقٌ وعَفْوٌ عَنْ كَثِيرٍ. وأمّا الجَزْمُ فَإنَّهُ داخِلٌ في حُكْمِ جَوابِ الشَّرْطِ؛ إذْ هو مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ، وهو راجِعٌ في المَعْنى إلى قِراءَةِ النَّصْبِ، لَكِنَّ هَذا عَطْفُ فِعْلٍ عَلى فِعْلٍ، وفي النَّصْبِ عَطْفُ مَصْدَرٍ مُقَدَّرٍ عَلى مَصْدَرٍ مُتَوَهَّمٍ.
وقالَ القُشَيْرِيُّ: وقُرِئَ: (ويَعْفُ) بِالجَزْمِ، وفِيها إشْكالٌ؛ لِأنَّ المَعْنى: إنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ، فَتَبْقى (p-٥٢١)تِلْكَ السُّفُنُ رَواكِدُ، أوْ يُهْلِكَها بِذُنُوبِ أهْلِها، فَلا يَحْسُنُ عَطْفُ (ويَعْفُ) عَلى هَذِهِ؛ لِأنَّ المَعْنى يَصِيرُ إنْ يَشَأْ يَعْفُ، ولَيْسَ المَعْنى ذَلِكَ، بَلِ المَعْنى: الإخْبارُ عَنِ الغُيُوبِ عَنْ شَرْطِ المَشِيئَةِ، فَهو إذَنْ عُطِفَ عَلى المَجْزُومِ مِن حَيْثُ اللَّفْظِ، لا مِن حَيْثُ المَعْنى.
وقَدْ قَرَأ قَوْمٌ (ويَعْفُو) بِالرَّفْعِ، وهي جَيِّدَةٌ في المَعْنى. انْتَهى، وما قالَهُ لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ إذْ لَمْ يَفْهَمْ مَدْلُولَ التَّرْكِيبِ. والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى إنْ يَشَأْ أهْلَكَ ناسًا وأنْجى ناسًا عَلى طَرِيقِ العَفْوِ عَنْهم.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): عَلامَ عُطِفَ يُوبِقْهُنَّ ؟ (قُلْتُ): عَلى (يُسْكِنِ) لِأنَّ المَعْنى: إنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَرْكُدْنَ، أوْ يَعْصِفْها فَيَغْرَقْنَ بِعَصْفِها. انْتَهى.
ولا يَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: أوْ يَعْصِفُها فَيَغْرَقْنَ؛ لِأنَّ إهْلاكَ السُّفُنِ لا يَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ بِعَصْفِ الرِّيحِ، بَلْ قَدْ يُهْلِكُها تَعالى بِسَبَبٍ غَيْرِ الرِّيحِ، كَنُزُولِ سَطْحِها بِكَثْرَةِ الثِّقَلِ، أوِ انْكِسارِ اللَّوْحِ يَكُونُ سَبَبًا لِإهْلاكِها، أوْ يَعْرِضُ عَدُوٌّ يُهْلِكُ أهْلَها. وقَرَأ الأعْرَجُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (ويَعْلَمُ) بِالرَّفْعِ عَلى القَطْعِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (ويَعْلَمَ) بِالنَّصْبِ؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: وحَسُنَ النَّصْبُ إذا كانَ قَبْلَهُ شَرْطٌ وجَزاءٌ، وكُلُّ واحِدٍ مِنهُما غَيْرُ واجِبٍ.
وقالَ الزَّجّاجُ: عَلى إضْمارِ أنْ؛ لِأنَّ قَبْلَها جَزاءً. تَقُولُ: ما تَصْنَعُ أصْنَعُ مِثْلَهُ، وأُكْرِمَكَ، وإنْ شِئْتَ: وأكْرِمُكَ، عَلى: وأنا أُكْرِمُكَ، وإنْ شِئْتَ: وأُكْرِمْكَ جَزْمًا.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فِيهِ نَظَرٌ، لِما أوْرَدَهُ سِيبَوَيْهِ في كِتابِهِ قالَ: واعْلَمْ أنَّ النَّصْبَ بِالفاءِ والواوِ في قَوْلِهِ: إنْ تَأْتِنِي آتِكَ وأُعْطِيكَ ضَعِيفٌ، وهو نَحْوٌ مِن قَوْلِهِ:
؎وألْحَقُ بِالحِجازِ فَأسْتَرِيحا
فَهَذا لا يَجُوزُ، ولَيْسَ بِحَدِّ الكَلامِ ولا وجْهِهِ، إلّا أنَّهُ في الجَزاءِ صارَ أقْوى قَلِيلًا؛ لِأنَّهُ لَيْسَ بِواجِبٍ أنَّهُ يَفْعَلُ إلّا أنْ يَكُونَ مِنَ الأوَّلِ فِعْلٌ.
فَلَمّا ضارَعَ الَّذِي لا يُوجِبُهُ، كالِاسْتِفْهامِ ونَحْوِهِ، أجازُوا فِيهِ هَذا عَلى ضَعْفِهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولا يَجُوزُ أنْ تُحْمَلَ القِراءَةُ المُسْتَفِيضَةُ عَلى وجْهٍ ضَعِيفٍ لَيْسَ بِحَدِّ الكَلامِ ولا وجْهِهِ، ولَوْ كانَتْ مِن هَذا البابِ، لَما أخْلى سِيبَوَيْهِ مِنها كِتابَهُ، وقَدْ ذَكَرَ نَظائِرَها مِنَ الآياتِ المُشْكَلَةِ. انْتَهى.
وخَرَّجَ الزَّمَخْشَرِيُّ النَّصْبَ عَلى أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى تَعْلِيلٍ مَحْذُوفٍ، قالَ: تَقْدِيرُهُ: لِيَنْتَقِمَ مِنهم ويَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ، يُكْرَهُ في العَطْفِ عَلى التَّعْلِيلِ المَحْذُوفِ غَيْرُ عَزِيزٍ في القُرْآنِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنّاسِ﴾ [البقرة: ٢٥٩]، وقَوْلُهُ: ﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ﴾ [العنكبوت: ٤٤]، ﴿ولِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ [الجاثية: ٢٢] . انْتَهى.
ويَبْعُدُ تَقْدِيرُهُ لِيَنْتَقِمَ مِنها؛ لِأنَّهُ تَرَتَّبَ عَلى الشَّرْطِ إهْلاكُ قَوْمٍ، فَلا يَحْسُنُ لِيَنْتَقِمَ مِنهم. وأمّا الآيَتانِ فَيُمْكِنُ أنْ تَكُونَ اللّامُ مُتَعَلِّقَةً بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: ﴿ولِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنّاسِ﴾ [مريم: ٢١]، ﴿ولِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ [الجاثية: ٢٢] . فَعَلْنا ذَلِكَ، وكَثِيرًا ما يُقَدَّرُ هَذا الفِعْلُ مَحْذُوفًا قَبْلَ لامِ العِلَّةِ، إذا لَمْ يَكُنْ فِعْلٌ ظاهِرٌ يَتَعَلَّقُ بِهِ.
وذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: (ويَعْلَمَ) قُرِئَ بِالجَزْمِ، (فَإنْ قُلْتَ): فَكَيْفَ يَصِحُّ المَعْنى عَلى جَزْمِ (ويَعْلَمَ) ؟ (قُلْتُ): كَأنَّهُ قالَ: أوْ إنْ يَشَأْ يَجْمَعُ بَيْنَ ثَلاثَةِ أُمُورٍ: هَلاكِ قَوْمٍ، ونَجاةِ قَوْمٍ، وتَحْذِيرِ آخَرِينَ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ويَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِنا ما لَهم مِن مَحِيصٍ﴾ يَتَضَمَّنُ تَحْذِيرَهم مِن عِقابِ اللَّهِ، و﴿ما لَهم مِن مَحِيصٍ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ؛ لِأنَّ (يَعْلَمَ) مُعَلَّقَةٌ، كَقَوْلِكَ: عَلِمْتُ ما زَيْدٌ قائِمٌ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ في قِراءَةِ النَّصْبِ: وهَذِهِ الواوُ ونَحْوُها الَّتِي تُسَمِّيها الكُوفِيُّونَ واوَ الصَّرْفِ؛ لِأنَّ حَقِيقَةَ واوِ الصَّرْفِ الَّتِي يُرِيدُونَها عَطْفُ فِعْلٍ عَلى اسْمٍ مُقَدَّرٍ، فَيُقَدَّرُ أنْ لِيَكُونَ مَعَ الفِعْلِ بِتَأْوِيلِ المَصْدَرِ، فَيَحْسُنُ عَطْفُهُ عَلى الِاسْمِ. انْتَهى.
ولَيْسَ قَوْلُهُ تَعْلِيلًا لِقَوْلِهِمْ: واوُ الصَّرْفِ، إنَّما هو تَقْرِيرٌ لِمَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ. وأمّا الكُوفِيُّونَ فَإنَّ واوَ الصَّرْفِ ناصِبَةٌ بِنَفْسِها، لا بِإضْمارِ أنْ بَعْدَها.
وقالَ أبُو عُبَيْدٍ عَلى الصَّرْفِ كالَّذِي في آلِ عِمْرانَ: ﴿ولَمّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنكم ويَعْلَمَ الصّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٢]، ومَعْنى الصَّرْفِ أنَّهُ كانَ عَلى جِهَةٍ فَصُرِفَ إلى غَيْرِها، فَتَغَيَّرَ الإعْرابُ لِأجْلِ الصَّرْفِ. والعَطْفُ لا يُعَيِّنُ الِاقْتِرانَ في الوُجُودِ، كالعَطْفِ في الِاسْمِ، نَحْوُ: جاءَ زَيْدٌ وعَمْرٌو. ولَوْ نُصِبَ (وعَمْرُو) اقْتَضى الِاقْتِرانَ؛ (p-٥٢٢)وكَذَلِكَ واوُ الصَّرْفِ، لِيُفِيدَ مَعْنى الِاقْتِرانِ ويُعَيِّنَ مَعْنى الِاجْتِماعِ، ولِذَلِكَ أُجْمِعَ عَلى النَّصْبِ في قَوْلِهِ: ﴿ويَعْلَمَ الصّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٢]، أيْ: ويَعْلَمَ المُجاهِدِينَ والصّابِرِينَ مَعًا.
عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - اجْتَمَعَ لِأبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مالٌ، فَتَصَدَّقَ بِهِ كُلِّهِ في سَبِيلِ اللَّهِ والخَيْرِ، فَلامَهُ المُسْلِمُونَ وخَطَّأهُ الكافِرُونَ، فَنَزَلَتْ: ﴿فَما أُوتِيتُمْ مِن شَيْءٍ﴾، والظّاهِرُ أنَّهُ خِطابٌ لِلنّاسِ.
وقِيلَ: لِلْمُشْرِكِينَ، وما شَرْطِيَّةٌ مَفْعُولٌ ثانٍ لِـ (أُوتِيتُمْ)، و(مِن شَيْءٍ) بَيانٌ لِما، والمَعْنى: مِن شَيْءٍ مِن رِياشِ الدُّنْيا ومالِها والسَّعَةِ فِيها، والفاءُ جَوابُ الشَّرْطِ، أيْ: فَهو مَتاعٌ، أيْ: يُسْتَمْتَعُ في الحَياةِ.
(وما عِنْدَ اللَّهِ) أيْ: مِن ثَوابِهِ وما أعَدَّ لِأوْلِيائِهِ، ﴿خَيْرٌ وأبْقى﴾ مِمّا أُوتِيتُمْ؛ لِأنَّهُ لا انْقِطاعَ لَهُ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في الكَبائِرِ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ [النساء: ٣١]، في النِّساءِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (كَبائِرَ) جَمْعًا هُنا، وفي النَّجْمِ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: بِالإفْرادِ.
﴿والَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ﴾: عُطِفَ عَلى (الَّذِينَ آمَنُوا)، وكَذَلِكَ ما بَعْدَهُ. ووَقَعَ لِأبِي البَقاءِ وهْمٌ في التِّلاوَةِ، اعْتَقَدَ أنَّها الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ بِغَيْرِ واوٍ، فَبَنى عَلَيْهِ الإعْرابَ فَقالَ: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ﴾ [النجم: ٣٢] في مَوْضِعِ جَرٍّ بَدَلًا مِنَ (الَّذِينَ آمَنُوا) ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِإضْمارٍ، أعْنِي: وفي مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى تَقْدِيرِ هم. انْتَهى.
والعامِلُ في (إذا) ﴿يَغْفِرُونَ﴾ وهي جُمْلَةٌ مِن مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ مَعْطُوفَةٌ عَلى (يَجْتَنِبُونَ) ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (هم) تَوْكِيدًا لِلْفاعِلِ في ﴿غَضِبُوا﴾ .
وقالَ أبُو البَقاءِ (هم) مُبْتَدَأٌ، و(يَغْفِرُونَ) الخَبَرُ، والجُمْلَةُ جَوابُ (إذا) . انْتَهى، وهَذا لا يَجُوزُ؛ لِأنَّ الجُمْلَةَ لَوْ كانَتْ جَوابَ (إذا) لَكانَتْ بِالفاءِ، تَقُولُ: إذا جاءَ زَيْدٌ فَعَمْرٌو مُنْطَلِقٌ، ولا يَجُوزُ حَذْفُ الفاءِ إلّا إنْ ورَدَ في شِعْرٍ. وقِيلَ: (هم) مَرْفُوعٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يُفَسِّرُهُ (يَغْفِرُونَ) ولَمّا حُذِفَ انْفَصَلَ الضَّمِيرُ، وهَذا القَوْلُ فِيهِ نَظَرٌ، وهو أنَّ جَوابَ (إذا) يُفَسَّرُ كَما يُفَسَّرُ فِعْلُ الشَّرْطِ بَعْدَها، نَحْوُ: ﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ [الإنشقاق: ١]، ولا يَبْعُدُ جَوازُ ذَلِكَ عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ، إذْ جاءَ ذَلِكَ في أداةِ الشَّرْطِ الجازِمَةِ، نَحْوُ: إنْ يَنْطَلِقْ زَيْدٌ يَنْطَلِقُ، فَزِيدٌ عِنْدَهُ فاعِلٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يُفَسِّرُهُ الجَوابُ، أيْ: يَنْطَلِقُ زَيْدٌ، مَنَعَ ذَلِكَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هم يَغْفِرُونَ، أيْ: هُمُ الأخِصّاءُ بِالغُفْرانِ، في حالِ الغَضَبِ لا يَغُولُ الغَضَبُ أحْلامَهم، كَما يَغُولُ حُلُومَ النّاسِ. والمَجِيءُ لَهم وإيقاعُهُ مُبْتَدَأٌ، وإسْنادُ (يَغْفِرُونَ) إلَيْهِ لِهَذِهِ الفائِدَةِ. انْتَهى، وفِيهِ حَضٌّ عَلى كَسْرِ الغَضَبِ.
وفِي الحَدِيثِ: «أوْصِنِي، قالَ: لا تَغْضَبْ، قالَ: زِدْنِي، قالَ: لا تَغْضَبْ، قالَ: زِدْنِي، قالَ: لا تَغْضَبْ» .
﴿والَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ﴾، قِيلَ: نَزَلَتْ في الأنْصارِ، دَعاهُمُ اللَّهُ لِلْإيمانِ بِهِ وطاعَتِهِ فاسْتَجابُوا لَهُ. وكانُوا قَبْلَ الإسْلامِ، وقَبْلَ أنْ يُقْدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المَدِينَةَ، إذا نابَهم أمْرٌ تَشاوَرُوا، فَأثْنى اللَّهُ عَلَيْهِمْ، لا يَنْفَرِدُونَ بِأمْرٍ حَتّى يَجْتَمِعُوا عَلَيْهِ.
وعَنِ الحَسَنِ: ما تَشاوَرَ قَوْمٌ إلّا هُدُوا لِأرْشَدِ أمْرِهِمْ. انْتَهى.
وفِي الشُّورى اجْتِماعُ الكَلِمَةِ والتَّحابُّ والتَّعاضُدُ عَلى الخَيْرِ. وقَدْ شاوَرَ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فِيما يَتَعَلَّقُ بِمَصالِحَ الحُرُوبِ، والصَّحابَةُ بَعْدَهُ في ذَلِكَ، كَمُشاوَرَةِ عُمَرُ لِلْهُرْمُزِ. وفي الأحْكامِ، كَقِتالِ أهْلِ الرِّدَّةِ، ومِيراثِ الحَرْبِيِّ، وعَدَدِ مُدْمِنِي الخَمْرِ، وغَيْرِ ذَلِكَ.
والشُّورى مَصْدَرٌ كالفُتْيا بِمَعْنى التَّشاوُرِ، عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: وأمْرُهم ذُو شُورى بَيْنِهِمْ. و﴿هم يَنْتَصِرُونَ﴾: صِلَةٌ لِلَّذِينِ، وإذا مَعْمُولَةٌ لِـ (يَنْتَصِرُونَ)، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿هم يَنْتَصِرُونَ﴾ جَوابًا لـ (إذا) والجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ وجَوابُها صِلَةٌ لِما ذَكَرْناهُ مِن لُزُومِ الفاءِ، ويَجُوزُ هُنا أنْ يَكُونَ (هم) فاعِلًا بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ عَلى ذَلِكَ القَوْلِ الَّذِي قِيلَ في ﴿هم يَغْفِرُونَ﴾ . وقالَ الحَوْفِيُّ: وإنْ شِئْتَ جَعَلْتَ (هم) تَوْكِيدًا لِلْهاءِ والمِيمِ، يَعْنِي في (أصابَهم) وهو ضَمِيرُ رَفْعٍ، وفي هَذا نَظَرٌ، وفِيهِ الفَصْلُ بَيْنَ المُؤَكَّدِ والتَّوْكِيدِ بِالفاعِلِ، وهو فِعْلٌ، الظّاهِرُ أنَّهُ لا يَمْتَنِعُ، والِانْتِصارُ: أنْ يَقْتَصِرَ عَلى ما حَدَّهُ اللَّهُ لَهُ ولا يَعْتَدِي.
وقالَ النَّخَعِيُّ: كانُوا يَكْرَهُونَ أنْ يُذِلُّوا أنْفَسَهم، فَتَجْتَرِئُ عَلَيْهِمُ الفُسّاقُ، ومَنِ انْتَصَرَ غَيْرُ مُتَعَدٍّ فَهو مُطِيعٌ مَحْمُودٌ. وقالَ مُقاتِلٌ، وهِشامٌ عَنْ عُرْوَةَ: الآيَةُ في المَجْرُوحِ يَنْتَصِفُ مِنَ الجارِحِ بِالقِصاصِ. وقالَ (p-٥٢٣)ابْنُ عَبّاسٍ: تَعَدّى المُشْرِكُونَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وعَلى أصْحابِهِ، وأخْرَجُوهم مِن مَكَّةَ، فَأذِنَ اللَّهُ لَهم بِالخُرُوجِ في الأرْضِ، ونَصَرَهم عَلى مَن بَغى عَلَيْهِمْ.
وقالَ الكِيا الطَّبَرِيُّ: ظاهِرُهُ أنَّ الِانْتِصارَ في هَذا المَوْضِعِ أفْضَلُ، ألا تَرى أنَّهُ قَرَنَهُ إلى ذِكْرِ الِاسْتِجابَةِ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ وإقامَةِ الصَّلاةِ ؟ فَهَذا عَلى ما ذَكَرَهُ النَّخَعِيُّ، وهَذا فِيمَن تَعَدّى وأصَرَّ، والمَأْمُورُ فِيهِ بِالعَفْوِ إذا كانَ الجانِي نادِمًا مُقْلِعًا. وقَدْ قالَ عَقِيبَ هَذِهِ الآيَةِ ﴿ولَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ﴾ الآيَةَ، فَيَقْتَضِي إباحَةَ الِانْتِصارِ. وقَدْ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَمَن صَبَرَ وغَفَرَ﴾، وهَذا مَحْمُولٌ، عَلى القُرْآنِ عِنْدَ غَيْرِ المُصِرِّ. فَأمّا المُصِرُّ عَلى البَغْيِ، فالأفْضَلُ الِانْتِصارُ مِنهُ بِدَلِيلِ الآيَةِ قَبْلَها. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: المَعْنى تَناصَرُوا عَلَيْهِ فَأزالُوهُ عَنْهم.
وقالَ أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ نَحْوًا مِن قَوْلِ الكِيا.
قالَ الجُمْهُورُ: إذا بَغى مُؤْمِنٌ عَلى مُؤْمِنٍ فَلا يَجُوزُ لَهُ أنْ يَنْتَصِرَ مِنهُ بِنَفْسِهِ، بَلْ يَرْفَعُ ذَلِكَ إلى الإمامِ أوْ نائِبِهِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: لَهُ ذَلِكَ.
﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾: هَذا بَيانٌ لِلِانْتِصارِ، أيْ: لا يَتَعَدّى فِيما يُجازِي بِهِ مَن بَغى عَلَيْهِ.
قالَ ابْنُ أبِي نَجِيحٍ، والسُّدِّيُّ: إذا شُتِمَ فَلَهُ أنْ يَرُدَّ مِثْلَ ما شُتِمَ بِهِ دُونَ أنْ يَتَعَدّى، وسُمِّيَ القِصاصُ سَيِّئَةً عَلى سَبِيلِ المُقابَلَةِ، أوْ لِأنَّها تَسُوءُ مَنِ اقْتُصَّ مِنهُ، كَما ساءَتِ الحَيْضُ. وظاهِرُ قَوْلِهِ: (مِثْلُها) المُماثَلَةُ مُطْلَقًا في كُلِّ الأحْوالِ، لا فِيما خَصَّهُ الدَّلِيلُ. والفُقَهاءُ أدْخَلُوا التَّخْصِيصَ في صُوَرٍ كَثِيرَةٍ بِناءً عَلى القِياسِ.
قالَ مُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ: إذا قالَ لَهُ: أخْزاكَ اللَّهُ، فَلْيَقُلْ: أخْزاكَ اللَّهُ، وإذا قَذَفَهُ قَذْفًا يُوجِبُ الحَدَّ، بَلِ الحَدُّ الَّذِي أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ.
﴿فَمَن عَفا وأصْلَحَ﴾ أيْ: بَيْنَهُ وبَيْنَ خَصْمِهِ بِالعَفْوِ، ﴿فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ﴾: عِدَةٌ مُبْهَمَةٌ لا يُقاسُ عِظَمُها؛ إذْ هي عَلى اللَّهِ.
﴿إنَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ أيِ: الخائِنِينَ، وإذا كانَ لا يُحِبُّهُ وقَدْ نُدِبَ إلى العَفْوِ عَنْهُ، فالعَفْوُ الَّذِي يُحِبُّهُ اللَّهُ أوْلى أنْ يَعْفِيَ عَنْهُ، أوْ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ مَن تَجاوَزَ واعْتَدى مِنَ المَجْنِيِّ عَلَيْهِمْ، إذا انْتَصَرُوا خُصُوصًا في حالَةِ الحَرْبِ والتِهابِ الحَمِيَّةِ، فَرُبَّما يَظْلِمُ وهو لا يَشْعُرُ.
وفِي الحَدِيثِ: «إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ نادى مُنادٍ: مَن كانَ لَهُ أجْرٌ عَلى اللَّهِ فَلْيَقُمْ، قالَ: فَيَقُومُ خَلْقٌ، فَيُقالُ لَهم: ما أجْرُكم عَلى اللَّهِ ؟ فَيَقُولُونَ: نَحْنُ عَفَوْنا عَمَّنْ ظَلَمَنا، فَيُقالُ لَهُمُ: ادْخُلُوا الجَنَّةَ بِإذْنِ اللَّهِ» .
واللّامُ في ﴿ولَمَنِ انْتَصَرَ﴾ لامُ تَوْكِيدٍ. قالَ الحَوْفِيُّ: وفِيها مَعْنى القَسَمِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لامُ التِقاءِ القَسَمِ، يَعْنِيانِ أنَّها اللّامُ الَّتِي يُتَلَقّى بِها القَسَمُ، فالقَسَمُ قَبْلَها مَحْذُوفٌ، ومَن شُرْطِيَّةٌ، وحُمِلَ ﴿انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ﴾ عَلى لَفْظِ (مَن) و(فَأُولَئِكَ) عَلى مَعْنى (مَن) والفاءُ جَوابُ الشَّرْطِ، و(ظُلْمِهِ) مَصْدَرٌ مُضافٌ إلى المَفْعُولِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويُفَسِّرُهُ قِراءَةُ مَن قَرَأ (بَعْدَ ما ظُلِمَ) .
﴿ما عَلَيْهِمْ مِن سَبِيلٍ﴾، قِيلَ أيْ: مِن طَرِيقٍ إلى الحَرَجِ؛ وقِيلَ: مِن سَبِيلٍ لِلْمُعاقِبِ، ولا المُعاتِبِ والعاتِبِ، وهَذِهِ مُبالَغَةٌ في إباحَةِ الِانْتِصارِ.
﴿إنَّما السَّبِيلُ﴾ أيْ: سَبِيلُ الإثْمِ والحَرَجِ، ﴿عَلى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ﴾ أيْ: يَبْتَذِلُونَ بِالظُّلْمِ، ﴿ويَبْغُونَ في الأرْضِ﴾ أيْ: يَتَكَبَّرُونَ فِيها ويَعْلُونَ ويُفْسِدُونَ. وقِيلَ: (ويَظْلِمُونَ النّاسَ) أيْ: يَضَعُونَ الأشْياءَ غَيْرَ مَواضِعِها مِنَ القَتْلِ وأخْذِ المالِ والأذى بِاليَدِ واللِّسانِ.
والبَغْيُ بِغَيْرِ الحَقِّ، فَهو نَوْعٌ مِن أنْواعِ الظُّلْمِ، خَصَّهُ بِالذِّكْرِ تَنْبِيهًا عَلى شِدَّتِهِ وسُوءِ حالِ صاحِبِهِ. انْتَهى.
﴿ولَمَن صَبَرَ﴾ أيْ: عَلى الظُّلْمِ والأذى، (وغَفَرَ)، ولَمْ يَنْتَصِرْ. واللّامُ في (ولَمَن) يَجُوزُ أنْ تَكُونَ اللّامَ المُوَطِّئَةَ القَسَمَ المَحْذُوفَ، ومَن شَرْطِيَّةٌ، وجَوابُ القَسَمِ قَوْلُهُ: (إنَّ ذَلِكَ)، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ جَوابِ القَسَمِ عَلَيْهِ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ اللّامُ لامَ الِابْتِداءِ، ومَن مَوْصُولَةً مُبْتَدَأً، والجُمْلَةُ المُؤَكَّدَةُ بِإنَّ في مَوْضِعِ الخَبَرِ.
وقالَ الحَوْفِيُّ: (مَن) رُفِعَ بِالِابْتِداءِ وأُضْمِرَ الخَبَرُ، وجَوابُ الشَّرْطِ إنَّ وما تَعَلَّقَتْ بِهِ عَلى حَذْفِ الفاءِ، كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎مِن يَفْعَلُ الحَسَناتِ اللَّهُ يَشْكُرُها
أيْ: فاللَّهُ يَشْكُرُها. انْتَهى، وهَذا لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّ حَذْفَ الفاءِ مَخْصُوصٌ بِالشِّعْرِ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ. والإشارَةُ بِذَلِكَ إلى ما يُفْهَمُ مِن مَصْدَرِ صَبَرَ وغَفَرَ، والعائِدُ عَلى المَوْصُولِ المُبْتَدَأِ مِنَ الخَبَرِ مَحْذُوفٌ، أيْ: إنَّ ذَلِكَ مِنهُ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ: ﴿لَمِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾، إنْ كانَ ذَلِكَ (p-٥٢٤)إشارَةً إلى المَصْدَرِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولَمَن صَبَرَ وغَفَرَ﴾، لَمْ يَكُنْ في ﴿عَزْمِ الأُمُورِ﴾ حَذْفٌ، وإنْ كانَ ذَلِكَ إشارَةً إلى المُبْتَدَأِ، كانَ هو الرّابِطُ، ولا يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرٍ مِنهُ، وكانَ في ﴿عَزْمِ الأُمُورِ﴾، أيْ: إنَّهُ لَمِن ذَوِي عَزْمِ الأُمُورِ.
وسَبَّ رَجُلٌ آخَرَ في مَجْلِسِ الحَسَنِ، فَكانَ المَسْبُوبُ يَكْظِمُ ويَعْرَقُ ويَمْسَحُ العَرَقَ، ثُمَّ قامَ فَتَلا الآيَةَ، فَقالَ الحَسَنُ: عَقَلَها واللَّهِ وفَهِمَها لِمَ هَذِهِ ضَيَّعَها الجاهِلُونَ.
والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: (إنَّما السَّبِيلُ) اعْتِراضٌ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿ولَمَنِ انْتَصَرَ﴾، وقَوْلِهِ: ﴿ولَمَن صَبَرَ﴾ .
﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن ولِيٍّ مِن بَعْدِهِ﴾ أيْ: مِن ناصِرٍ يَتَوَلّاهُ (مِن بَعْدِهِ) أيْ: مِن بَعْدِ إضْلالِهِ، وهَذا تَحْقِيرٌ لِأمْرِ الكَفَرَةِ.
﴿وتَرى الظّالِمِينَ﴾: الخِطابُ لِلرَّسُولِ، والمَعْنى: وتَرى حالَهم وما هم فِيهِ مِنَ الحَيْرَةِ، ﴿لَمّا رَأوُا العَذابَ﴾، يَقُولُونَ: ﴿هَلْ إلى مَرَدٍّ مِن سَبِيلٍ﴾: هَلْ سَبِيلٌ إلى الرَّدِّ لِلدُّنْيا ؟ وذَلِكَ مِن فَظِيعِ ما اطَّلَعُوا عَلَيْهِ، وسُوءِ ما يَحِلُّ بِهِمْ.
﴿وتَراهم يُعْرَضُونَ عَلَيْها﴾ [الشورى: ٤٥] أيْ: عَلى النّارِ، دَلَّ عَلَيْها ذِكْرُ العَذابِ، (خاشِعِينَ) مُتَضائِلِينَ صاغِرِينَ مِمّا يَلْحَقُهم، (مِنَ الذُّلِّ) .
وقَرَأ طَلْحَةُ: (مِنَ الذِّلِّ)، بِكَسْرِ الذّالِ؛ والجُمْهُورُ: بِالضَّمِّ، والخُشُوعُ: الِاسْتِكانَةُ، وهو مَحْمُودٌ. وإنَّما أخْرَجَهُ إلى الذَّمِّ اقْتِرانُهُ بِالعَذابِ. وقِيلَ: (مِنَ الذُّلِّ) مُتَعَلِّقٌ بِـ ﴿يَنْظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ [الشورى: ٤٥] .
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ذَلِيلٍ. انْتَهى.
قِيلَ: ووُصِفَ بِالخَفاءِ؛ لِأنَّ نَظَرَهم ضَعِيفٌ ولَحْظُهم نِهايَةٌ، قالَ الشّاعِرُ:
؎فَغُضَّ الطَّرْفَ إنَّكَ مِن نُمَيْرٍ
وقِيلَ: يُحْشَرُونَ عُمْيًا. ولَمّا كانَ نَظَرُهم بِعُيُونِ قُلُوبِهِمْ، جَعَلَهُ طَرَفًا خَفِيًّا، أيْ: لا يَبْدُو نَظَرُهم، وهَذا التَّأْوِيلُ فِيهِ تُكَلُّفٌ.
وقالَ السُّدِّيُّ، وقَتادَةُ: المَعْنى يُسارِقُونَ النَّظَرَ لِما كانُوا فِيهِ مِنَ الهَمِّ وسُوءِ الحالِ، لا يَسْتَطِيعُونَ النَّظَرَ بِجَمِيعِ العَيْنِ، وإنَّما يَنْظُرُونَ مِن بَعْضِها، فَيَجُوزُ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ أنْ يَكُونَ الطَّرْفُ مَصْدَرًا، أيْ: مِن نَظَرٍ خَفِيٍّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ [الشورى: ٤٥]، أيْ: يَبْتَدِئُ نَظَرُهم مِن تَحْرِيكٍ لِأجْفانِهِمْ ضَعِيفٍ خَفِيٍّ بِمُسارَقَةٍ، كَما تَرى المُصَوِّرَ يَنْظُرُ إلى السَّيْفِ، وهَكَذا نَظَرُ النّاظِرِ إلى المَكارِهِ، ولا يَقْدِرُ أنْ يَفْتَحَ أجْفانَهُ عَلَيْها ويَمْلَأ عَيْنَهُ مِنها، كَما يَفْعَلُ في نَظَرِهِ إلى المُتَحابِّ.
الشورى 42:38
(p-٥٢٠)﴿ومِن آياتِهِ الجَوارِي في البَحْرِ كالأعْلامِ﴾ ﴿إنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ ﴿أوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا ويَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾ ﴿ويَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِنا ما لَهم مِن مَحِيصٍ﴾ ﴿فَما أُوتِيتُمْ مِن شَيْءٍ فَمَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا وما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وأبْقى لِلَّذِينَ آمَنُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الإثْمِ والفَواحِشَ وإذا ما غَضِبُوا هم يَغْفِرُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ وأقامُوا الصَّلاةَ وأمْرُهم شُورى بَيْنَهم ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ إذا أصابَهُمُ البَغْيُ هم يَنْتَصِرُونَ﴾ ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها فَمَن عَفا وأصْلَحَ فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ إنَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ ﴿ولَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِن سَبِيلٍ﴾ ﴿إنَّما السَّبِيلُ عَلى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النّاسَ ويَبْغُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿ولَمَن صَبَرَ وغَفَرَ إنَّ ذَلِكَ لَمِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن ولِيٍّ مِن بَعْدِهِ وتَرى الظّالِمِينَ لَمّا رَأوُا العَذابَ يَقُولُونَ هَلْ إلى مَرَدٍّ مِن سَبِيلٍ﴾ ﴿وتَراهم يُعْرَضُونَ عَلَيْها خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ [الشورى: ٤٥] .
لَمّا ذَكَرَ تَعالى مِن دَلائِلِ وحْدانِيَّتِهِ أنْواعًا، ذَكَرَ بَعْدَها العالَمَ الأكْبَرَ، وهو السَّماواتُ والأرْضُ؛ ثُمَّ العالَمَ الأصْغَرَ، وهو الحَيَوانُ. ثُمَّ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ المَعادِ، أتْبَعَهُ بِذِكْرِ السُّفُنِ الجارِيَةِ في البَحْرِ، لِما فِيها مِن عَظِيمِ دَلائِلِ القُدْرَةِ، مِن جِهَةِ أنَّ الماءَ جِسْمٌ لَطِيفٌ شَفّافٌ يَغُوصُ فِيهِ الثَّقِيلُ، والسُّفُنُ تَشْخَصُ بِالأجْسامِ الثَّقِيلَةِ الكَثِيفَةِ، ومَعَ ذَلِكَ جَعَلَ تَعالى لِلْماءِ قُوَّةً يَحْمِلُها بِها ويَمْنَعُ مِنَ الغَوْصِ، ثُمَّ جَعَلَ الرِّياحَ سَبَبًا لِسَيْرِها، فَإذا أرادَ أنْ تَرْسُوَ، أسْكَنَ الرِّيحَ، فَلا تَبْرَحُ عَنْ مَكانِها. و﴿الجَوارِي﴾ جَمْعُ جارِيَةٍ، وأصْلُهُ السُّفُنُ الجَوارِي، حُذِفَ المَوْصُوفُ وقامَتْ صِفَتُهُ مَقامَهُ، وحَسَّنَ ذَلِكَ قَوْلُهُ: (في البَحْرِ)، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّها صِفَةٌ لِلسُّفُنِ، وإلّا فَهي صِفَةٌ غَيْرُ مُخْتَصَّةٍ، فَكانَ القِياسُ أنْ لا يُحْذَفَ المَوْصُوفُ ويَقُومَ مَقامَهُ. ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّها صِفَةٌ غالِبَةٌ، كالأبْطَحِ، فَجازَ أنْ تَلِيَ العَوامِلَ بِغَيْرِ ذِكْرِ المَوْصُوفِ. وقُرِئَ (الجَوارِي) بِالياءِ ودُونِها، وسُمِعَ مِنَ العَرَبِ الإعْرابُ في الرّاءِ، و(في البَحْرِ) مُتَعَلِّقٌ بِالجَوارِي، و﴿كالأعْلامِ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، والأعْلامُ: الجِبالُ، ومِنهُ قَوْلُ الخَنْساءِ أُخْتِ صَخْرٍ ومُعاوِيَةَ:
؎وإنَّ صَخْرًا لَتَأْتَمُّ الهُداةُ بِهِ كَأنَّهُ عَلَمٌ في رَأْسِهِ نارُ
ومِنهُ:
؎إذا قَطَعْنَ عَلَمًا بَدا عَلَمُ
وقَرَأ جُمْهُورُ السَّبْعَةِ: (الرِّيحَ) إفْرادًا، ونافِعٌ: جَمْعًا، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (فَيَظْلَلْنَ) بِفَتْحِ اللّامِ، وقَرَأ قَتادَةُ: بِكَسْرِها، والقِياسُ الفَتْحُ؛ لِأنَّ الماضِيَ بِكَسْرِ العَيْنِ، فالكَسْرُ في المُضارِعِ شاذٌّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مِن ظَلَّ يَظَلُّ ويَظِلُّ، نَحْوَ ضَلَّ يَضَلُّ ويَضِلُّ. انْتَهى.
ولَيْسَ كَما ذُكِرَ؛ لِأنَّ يَضَلُّ بِفَتْحِ العَيْنِ مِن ضَلِلْتُ بِكَسْرِها في الماضِي، ويَضِلُّ بِكَسْرِها مِن ضَلَلْتُ بِفَتْحِها في الماضِي، وكِلاهُما مَقِيسٌ.
﴿لِكُلِّ صَبّارٍ﴾ عَلى بَلائِهِ، (شَكُورٍ) لِنَعْمائِهِ.
﴿أوْ يُوبِقْهُنَّ﴾: يُهْلِكْهُنَّ، أيِ: الجَوارِي، وهو عَطْفٌ عَلى (يُسْكِنِ)، والضَّمِيرُ في (كَسَبُوا) عائِدٌ عَلى رُكّابِ السُّفُنِ، أيْ: بِذُنُوبِهِمْ. وقَرَأ الأعْمَشُ (ويَعْفُو) بِالواوِ، وعَنْ أهْلِ المَدِينَةِ: بِنَصْبِ الواوِ، والجُمْهُورُ (ويَعْفُ) مَجْزُومًا عَطْفًا عَلى (يُوبِقْهُنَّ) . فَأمّا قِراءَةُ الأعْمَشِ، فَإنَّهُ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ يَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ، أيْ: لا يُؤاخِذُ بِجَمِيعِ ما اكْتَسَبَ الإنْسانُ. وأمّا النَّصْبُ، فَبِإضْمارِ أنْ بَعْدَ الواوِ، وكالنَّصْبِ بَعْدَ الفاءِ في قِراءَةِ مَن قَرَأ ﴿يُحاسِبْكم بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ﴾ [البقرة: ٢٨٤] وبَعْدَ الواوِ في قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎فَإنْ يَهْلَكْ أبُو قابُوسِ يَهْلَكْ ∗∗∗ رَبِيعُ النّاسِ والشَّهْرُ الحَرامُ
؎ونَأْخُذُ بَعْدَهُ بِذِنابِ عَيْشٍ ∗∗∗ أجَبَّ الظَّهْرِ لَيْسَ لَهُ سَنامُ
رُوِيَ بِنَصْبِ (ونَأْخُذُ) ورَفْعِهِ وجَزْمِهِ.
وفِي هَذِهِ القِراءَةِ يَكُونُ العَطْفُ عَلى مَصْدَرٍ مُتَوَهَّمٍ، أيْ: يَقَعُ إيباقٌ وعَفْوٌ عَنْ كَثِيرٍ. وأمّا الجَزْمُ فَإنَّهُ داخِلٌ في حُكْمِ جَوابِ الشَّرْطِ؛ إذْ هو مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ، وهو راجِعٌ في المَعْنى إلى قِراءَةِ النَّصْبِ، لَكِنَّ هَذا عَطْفُ فِعْلٍ عَلى فِعْلٍ، وفي النَّصْبِ عَطْفُ مَصْدَرٍ مُقَدَّرٍ عَلى مَصْدَرٍ مُتَوَهَّمٍ.
وقالَ القُشَيْرِيُّ: وقُرِئَ: (ويَعْفُ) بِالجَزْمِ، وفِيها إشْكالٌ؛ لِأنَّ المَعْنى: إنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ، فَتَبْقى (p-٥٢١)تِلْكَ السُّفُنُ رَواكِدُ، أوْ يُهْلِكَها بِذُنُوبِ أهْلِها، فَلا يَحْسُنُ عَطْفُ (ويَعْفُ) عَلى هَذِهِ؛ لِأنَّ المَعْنى يَصِيرُ إنْ يَشَأْ يَعْفُ، ولَيْسَ المَعْنى ذَلِكَ، بَلِ المَعْنى: الإخْبارُ عَنِ الغُيُوبِ عَنْ شَرْطِ المَشِيئَةِ، فَهو إذَنْ عُطِفَ عَلى المَجْزُومِ مِن حَيْثُ اللَّفْظِ، لا مِن حَيْثُ المَعْنى.
وقَدْ قَرَأ قَوْمٌ (ويَعْفُو) بِالرَّفْعِ، وهي جَيِّدَةٌ في المَعْنى. انْتَهى، وما قالَهُ لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ إذْ لَمْ يَفْهَمْ مَدْلُولَ التَّرْكِيبِ. والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى إنْ يَشَأْ أهْلَكَ ناسًا وأنْجى ناسًا عَلى طَرِيقِ العَفْوِ عَنْهم.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): عَلامَ عُطِفَ يُوبِقْهُنَّ ؟ (قُلْتُ): عَلى (يُسْكِنِ) لِأنَّ المَعْنى: إنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَرْكُدْنَ، أوْ يَعْصِفْها فَيَغْرَقْنَ بِعَصْفِها. انْتَهى.
ولا يَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: أوْ يَعْصِفُها فَيَغْرَقْنَ؛ لِأنَّ إهْلاكَ السُّفُنِ لا يَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ بِعَصْفِ الرِّيحِ، بَلْ قَدْ يُهْلِكُها تَعالى بِسَبَبٍ غَيْرِ الرِّيحِ، كَنُزُولِ سَطْحِها بِكَثْرَةِ الثِّقَلِ، أوِ انْكِسارِ اللَّوْحِ يَكُونُ سَبَبًا لِإهْلاكِها، أوْ يَعْرِضُ عَدُوٌّ يُهْلِكُ أهْلَها. وقَرَأ الأعْرَجُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (ويَعْلَمُ) بِالرَّفْعِ عَلى القَطْعِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (ويَعْلَمَ) بِالنَّصْبِ؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: وحَسُنَ النَّصْبُ إذا كانَ قَبْلَهُ شَرْطٌ وجَزاءٌ، وكُلُّ واحِدٍ مِنهُما غَيْرُ واجِبٍ.
وقالَ الزَّجّاجُ: عَلى إضْمارِ أنْ؛ لِأنَّ قَبْلَها جَزاءً. تَقُولُ: ما تَصْنَعُ أصْنَعُ مِثْلَهُ، وأُكْرِمَكَ، وإنْ شِئْتَ: وأكْرِمُكَ، عَلى: وأنا أُكْرِمُكَ، وإنْ شِئْتَ: وأُكْرِمْكَ جَزْمًا.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فِيهِ نَظَرٌ، لِما أوْرَدَهُ سِيبَوَيْهِ في كِتابِهِ قالَ: واعْلَمْ أنَّ النَّصْبَ بِالفاءِ والواوِ في قَوْلِهِ: إنْ تَأْتِنِي آتِكَ وأُعْطِيكَ ضَعِيفٌ، وهو نَحْوٌ مِن قَوْلِهِ:
؎وألْحَقُ بِالحِجازِ فَأسْتَرِيحا
فَهَذا لا يَجُوزُ، ولَيْسَ بِحَدِّ الكَلامِ ولا وجْهِهِ، إلّا أنَّهُ في الجَزاءِ صارَ أقْوى قَلِيلًا؛ لِأنَّهُ لَيْسَ بِواجِبٍ أنَّهُ يَفْعَلُ إلّا أنْ يَكُونَ مِنَ الأوَّلِ فِعْلٌ.
فَلَمّا ضارَعَ الَّذِي لا يُوجِبُهُ، كالِاسْتِفْهامِ ونَحْوِهِ، أجازُوا فِيهِ هَذا عَلى ضَعْفِهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولا يَجُوزُ أنْ تُحْمَلَ القِراءَةُ المُسْتَفِيضَةُ عَلى وجْهٍ ضَعِيفٍ لَيْسَ بِحَدِّ الكَلامِ ولا وجْهِهِ، ولَوْ كانَتْ مِن هَذا البابِ، لَما أخْلى سِيبَوَيْهِ مِنها كِتابَهُ، وقَدْ ذَكَرَ نَظائِرَها مِنَ الآياتِ المُشْكَلَةِ. انْتَهى.
وخَرَّجَ الزَّمَخْشَرِيُّ النَّصْبَ عَلى أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى تَعْلِيلٍ مَحْذُوفٍ، قالَ: تَقْدِيرُهُ: لِيَنْتَقِمَ مِنهم ويَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ، يُكْرَهُ في العَطْفِ عَلى التَّعْلِيلِ المَحْذُوفِ غَيْرُ عَزِيزٍ في القُرْآنِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنّاسِ﴾ [البقرة: ٢٥٩]، وقَوْلُهُ: ﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ﴾ [العنكبوت: ٤٤]، ﴿ولِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ [الجاثية: ٢٢] . انْتَهى.
ويَبْعُدُ تَقْدِيرُهُ لِيَنْتَقِمَ مِنها؛ لِأنَّهُ تَرَتَّبَ عَلى الشَّرْطِ إهْلاكُ قَوْمٍ، فَلا يَحْسُنُ لِيَنْتَقِمَ مِنهم. وأمّا الآيَتانِ فَيُمْكِنُ أنْ تَكُونَ اللّامُ مُتَعَلِّقَةً بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: ﴿ولِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنّاسِ﴾ [مريم: ٢١]، ﴿ولِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ [الجاثية: ٢٢] . فَعَلْنا ذَلِكَ، وكَثِيرًا ما يُقَدَّرُ هَذا الفِعْلُ مَحْذُوفًا قَبْلَ لامِ العِلَّةِ، إذا لَمْ يَكُنْ فِعْلٌ ظاهِرٌ يَتَعَلَّقُ بِهِ.
وذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: (ويَعْلَمَ) قُرِئَ بِالجَزْمِ، (فَإنْ قُلْتَ): فَكَيْفَ يَصِحُّ المَعْنى عَلى جَزْمِ (ويَعْلَمَ) ؟ (قُلْتُ): كَأنَّهُ قالَ: أوْ إنْ يَشَأْ يَجْمَعُ بَيْنَ ثَلاثَةِ أُمُورٍ: هَلاكِ قَوْمٍ، ونَجاةِ قَوْمٍ، وتَحْذِيرِ آخَرِينَ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ويَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِنا ما لَهم مِن مَحِيصٍ﴾ يَتَضَمَّنُ تَحْذِيرَهم مِن عِقابِ اللَّهِ، و﴿ما لَهم مِن مَحِيصٍ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ؛ لِأنَّ (يَعْلَمَ) مُعَلَّقَةٌ، كَقَوْلِكَ: عَلِمْتُ ما زَيْدٌ قائِمٌ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ في قِراءَةِ النَّصْبِ: وهَذِهِ الواوُ ونَحْوُها الَّتِي تُسَمِّيها الكُوفِيُّونَ واوَ الصَّرْفِ؛ لِأنَّ حَقِيقَةَ واوِ الصَّرْفِ الَّتِي يُرِيدُونَها عَطْفُ فِعْلٍ عَلى اسْمٍ مُقَدَّرٍ، فَيُقَدَّرُ أنْ لِيَكُونَ مَعَ الفِعْلِ بِتَأْوِيلِ المَصْدَرِ، فَيَحْسُنُ عَطْفُهُ عَلى الِاسْمِ. انْتَهى.
ولَيْسَ قَوْلُهُ تَعْلِيلًا لِقَوْلِهِمْ: واوُ الصَّرْفِ، إنَّما هو تَقْرِيرٌ لِمَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ. وأمّا الكُوفِيُّونَ فَإنَّ واوَ الصَّرْفِ ناصِبَةٌ بِنَفْسِها، لا بِإضْمارِ أنْ بَعْدَها.
وقالَ أبُو عُبَيْدٍ عَلى الصَّرْفِ كالَّذِي في آلِ عِمْرانَ: ﴿ولَمّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنكم ويَعْلَمَ الصّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٢]، ومَعْنى الصَّرْفِ أنَّهُ كانَ عَلى جِهَةٍ فَصُرِفَ إلى غَيْرِها، فَتَغَيَّرَ الإعْرابُ لِأجْلِ الصَّرْفِ. والعَطْفُ لا يُعَيِّنُ الِاقْتِرانَ في الوُجُودِ، كالعَطْفِ في الِاسْمِ، نَحْوُ: جاءَ زَيْدٌ وعَمْرٌو. ولَوْ نُصِبَ (وعَمْرُو) اقْتَضى الِاقْتِرانَ؛ (p-٥٢٢)وكَذَلِكَ واوُ الصَّرْفِ، لِيُفِيدَ مَعْنى الِاقْتِرانِ ويُعَيِّنَ مَعْنى الِاجْتِماعِ، ولِذَلِكَ أُجْمِعَ عَلى النَّصْبِ في قَوْلِهِ: ﴿ويَعْلَمَ الصّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٢]، أيْ: ويَعْلَمَ المُجاهِدِينَ والصّابِرِينَ مَعًا.
عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - اجْتَمَعَ لِأبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مالٌ، فَتَصَدَّقَ بِهِ كُلِّهِ في سَبِيلِ اللَّهِ والخَيْرِ، فَلامَهُ المُسْلِمُونَ وخَطَّأهُ الكافِرُونَ، فَنَزَلَتْ: ﴿فَما أُوتِيتُمْ مِن شَيْءٍ﴾، والظّاهِرُ أنَّهُ خِطابٌ لِلنّاسِ.
وقِيلَ: لِلْمُشْرِكِينَ، وما شَرْطِيَّةٌ مَفْعُولٌ ثانٍ لِـ (أُوتِيتُمْ)، و(مِن شَيْءٍ) بَيانٌ لِما، والمَعْنى: مِن شَيْءٍ مِن رِياشِ الدُّنْيا ومالِها والسَّعَةِ فِيها، والفاءُ جَوابُ الشَّرْطِ، أيْ: فَهو مَتاعٌ، أيْ: يُسْتَمْتَعُ في الحَياةِ.
(وما عِنْدَ اللَّهِ) أيْ: مِن ثَوابِهِ وما أعَدَّ لِأوْلِيائِهِ، ﴿خَيْرٌ وأبْقى﴾ مِمّا أُوتِيتُمْ؛ لِأنَّهُ لا انْقِطاعَ لَهُ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في الكَبائِرِ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ [النساء: ٣١]، في النِّساءِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (كَبائِرَ) جَمْعًا هُنا، وفي النَّجْمِ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: بِالإفْرادِ.
﴿والَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ﴾: عُطِفَ عَلى (الَّذِينَ آمَنُوا)، وكَذَلِكَ ما بَعْدَهُ. ووَقَعَ لِأبِي البَقاءِ وهْمٌ في التِّلاوَةِ، اعْتَقَدَ أنَّها الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ بِغَيْرِ واوٍ، فَبَنى عَلَيْهِ الإعْرابَ فَقالَ: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ﴾ [النجم: ٣٢] في مَوْضِعِ جَرٍّ بَدَلًا مِنَ (الَّذِينَ آمَنُوا) ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِإضْمارٍ، أعْنِي: وفي مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى تَقْدِيرِ هم. انْتَهى.
والعامِلُ في (إذا) ﴿يَغْفِرُونَ﴾ وهي جُمْلَةٌ مِن مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ مَعْطُوفَةٌ عَلى (يَجْتَنِبُونَ) ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (هم) تَوْكِيدًا لِلْفاعِلِ في ﴿غَضِبُوا﴾ .
وقالَ أبُو البَقاءِ (هم) مُبْتَدَأٌ، و(يَغْفِرُونَ) الخَبَرُ، والجُمْلَةُ جَوابُ (إذا) . انْتَهى، وهَذا لا يَجُوزُ؛ لِأنَّ الجُمْلَةَ لَوْ كانَتْ جَوابَ (إذا) لَكانَتْ بِالفاءِ، تَقُولُ: إذا جاءَ زَيْدٌ فَعَمْرٌو مُنْطَلِقٌ، ولا يَجُوزُ حَذْفُ الفاءِ إلّا إنْ ورَدَ في شِعْرٍ. وقِيلَ: (هم) مَرْفُوعٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يُفَسِّرُهُ (يَغْفِرُونَ) ولَمّا حُذِفَ انْفَصَلَ الضَّمِيرُ، وهَذا القَوْلُ فِيهِ نَظَرٌ، وهو أنَّ جَوابَ (إذا) يُفَسَّرُ كَما يُفَسَّرُ فِعْلُ الشَّرْطِ بَعْدَها، نَحْوُ: ﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ [الإنشقاق: ١]، ولا يَبْعُدُ جَوازُ ذَلِكَ عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ، إذْ جاءَ ذَلِكَ في أداةِ الشَّرْطِ الجازِمَةِ، نَحْوُ: إنْ يَنْطَلِقْ زَيْدٌ يَنْطَلِقُ، فَزِيدٌ عِنْدَهُ فاعِلٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يُفَسِّرُهُ الجَوابُ، أيْ: يَنْطَلِقُ زَيْدٌ، مَنَعَ ذَلِكَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هم يَغْفِرُونَ، أيْ: هُمُ الأخِصّاءُ بِالغُفْرانِ، في حالِ الغَضَبِ لا يَغُولُ الغَضَبُ أحْلامَهم، كَما يَغُولُ حُلُومَ النّاسِ. والمَجِيءُ لَهم وإيقاعُهُ مُبْتَدَأٌ، وإسْنادُ (يَغْفِرُونَ) إلَيْهِ لِهَذِهِ الفائِدَةِ. انْتَهى، وفِيهِ حَضٌّ عَلى كَسْرِ الغَضَبِ.
وفِي الحَدِيثِ: «أوْصِنِي، قالَ: لا تَغْضَبْ، قالَ: زِدْنِي، قالَ: لا تَغْضَبْ، قالَ: زِدْنِي، قالَ: لا تَغْضَبْ» .
﴿والَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ﴾، قِيلَ: نَزَلَتْ في الأنْصارِ، دَعاهُمُ اللَّهُ لِلْإيمانِ بِهِ وطاعَتِهِ فاسْتَجابُوا لَهُ. وكانُوا قَبْلَ الإسْلامِ، وقَبْلَ أنْ يُقْدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المَدِينَةَ، إذا نابَهم أمْرٌ تَشاوَرُوا، فَأثْنى اللَّهُ عَلَيْهِمْ، لا يَنْفَرِدُونَ بِأمْرٍ حَتّى يَجْتَمِعُوا عَلَيْهِ.
وعَنِ الحَسَنِ: ما تَشاوَرَ قَوْمٌ إلّا هُدُوا لِأرْشَدِ أمْرِهِمْ. انْتَهى.
وفِي الشُّورى اجْتِماعُ الكَلِمَةِ والتَّحابُّ والتَّعاضُدُ عَلى الخَيْرِ. وقَدْ شاوَرَ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فِيما يَتَعَلَّقُ بِمَصالِحَ الحُرُوبِ، والصَّحابَةُ بَعْدَهُ في ذَلِكَ، كَمُشاوَرَةِ عُمَرُ لِلْهُرْمُزِ. وفي الأحْكامِ، كَقِتالِ أهْلِ الرِّدَّةِ، ومِيراثِ الحَرْبِيِّ، وعَدَدِ مُدْمِنِي الخَمْرِ، وغَيْرِ ذَلِكَ.
والشُّورى مَصْدَرٌ كالفُتْيا بِمَعْنى التَّشاوُرِ، عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: وأمْرُهم ذُو شُورى بَيْنِهِمْ. و﴿هم يَنْتَصِرُونَ﴾: صِلَةٌ لِلَّذِينِ، وإذا مَعْمُولَةٌ لِـ (يَنْتَصِرُونَ)، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿هم يَنْتَصِرُونَ﴾ جَوابًا لـ (إذا) والجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ وجَوابُها صِلَةٌ لِما ذَكَرْناهُ مِن لُزُومِ الفاءِ، ويَجُوزُ هُنا أنْ يَكُونَ (هم) فاعِلًا بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ عَلى ذَلِكَ القَوْلِ الَّذِي قِيلَ في ﴿هم يَغْفِرُونَ﴾ . وقالَ الحَوْفِيُّ: وإنْ شِئْتَ جَعَلْتَ (هم) تَوْكِيدًا لِلْهاءِ والمِيمِ، يَعْنِي في (أصابَهم) وهو ضَمِيرُ رَفْعٍ، وفي هَذا نَظَرٌ، وفِيهِ الفَصْلُ بَيْنَ المُؤَكَّدِ والتَّوْكِيدِ بِالفاعِلِ، وهو فِعْلٌ، الظّاهِرُ أنَّهُ لا يَمْتَنِعُ، والِانْتِصارُ: أنْ يَقْتَصِرَ عَلى ما حَدَّهُ اللَّهُ لَهُ ولا يَعْتَدِي.
وقالَ النَّخَعِيُّ: كانُوا يَكْرَهُونَ أنْ يُذِلُّوا أنْفَسَهم، فَتَجْتَرِئُ عَلَيْهِمُ الفُسّاقُ، ومَنِ انْتَصَرَ غَيْرُ مُتَعَدٍّ فَهو مُطِيعٌ مَحْمُودٌ. وقالَ مُقاتِلٌ، وهِشامٌ عَنْ عُرْوَةَ: الآيَةُ في المَجْرُوحِ يَنْتَصِفُ مِنَ الجارِحِ بِالقِصاصِ. وقالَ (p-٥٢٣)ابْنُ عَبّاسٍ: تَعَدّى المُشْرِكُونَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وعَلى أصْحابِهِ، وأخْرَجُوهم مِن مَكَّةَ، فَأذِنَ اللَّهُ لَهم بِالخُرُوجِ في الأرْضِ، ونَصَرَهم عَلى مَن بَغى عَلَيْهِمْ.
وقالَ الكِيا الطَّبَرِيُّ: ظاهِرُهُ أنَّ الِانْتِصارَ في هَذا المَوْضِعِ أفْضَلُ، ألا تَرى أنَّهُ قَرَنَهُ إلى ذِكْرِ الِاسْتِجابَةِ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ وإقامَةِ الصَّلاةِ ؟ فَهَذا عَلى ما ذَكَرَهُ النَّخَعِيُّ، وهَذا فِيمَن تَعَدّى وأصَرَّ، والمَأْمُورُ فِيهِ بِالعَفْوِ إذا كانَ الجانِي نادِمًا مُقْلِعًا. وقَدْ قالَ عَقِيبَ هَذِهِ الآيَةِ ﴿ولَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ﴾ الآيَةَ، فَيَقْتَضِي إباحَةَ الِانْتِصارِ. وقَدْ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَمَن صَبَرَ وغَفَرَ﴾، وهَذا مَحْمُولٌ، عَلى القُرْآنِ عِنْدَ غَيْرِ المُصِرِّ. فَأمّا المُصِرُّ عَلى البَغْيِ، فالأفْضَلُ الِانْتِصارُ مِنهُ بِدَلِيلِ الآيَةِ قَبْلَها. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: المَعْنى تَناصَرُوا عَلَيْهِ فَأزالُوهُ عَنْهم.
وقالَ أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ نَحْوًا مِن قَوْلِ الكِيا.
قالَ الجُمْهُورُ: إذا بَغى مُؤْمِنٌ عَلى مُؤْمِنٍ فَلا يَجُوزُ لَهُ أنْ يَنْتَصِرَ مِنهُ بِنَفْسِهِ، بَلْ يَرْفَعُ ذَلِكَ إلى الإمامِ أوْ نائِبِهِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: لَهُ ذَلِكَ.
﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾: هَذا بَيانٌ لِلِانْتِصارِ، أيْ: لا يَتَعَدّى فِيما يُجازِي بِهِ مَن بَغى عَلَيْهِ.
قالَ ابْنُ أبِي نَجِيحٍ، والسُّدِّيُّ: إذا شُتِمَ فَلَهُ أنْ يَرُدَّ مِثْلَ ما شُتِمَ بِهِ دُونَ أنْ يَتَعَدّى، وسُمِّيَ القِصاصُ سَيِّئَةً عَلى سَبِيلِ المُقابَلَةِ، أوْ لِأنَّها تَسُوءُ مَنِ اقْتُصَّ مِنهُ، كَما ساءَتِ الحَيْضُ. وظاهِرُ قَوْلِهِ: (مِثْلُها) المُماثَلَةُ مُطْلَقًا في كُلِّ الأحْوالِ، لا فِيما خَصَّهُ الدَّلِيلُ. والفُقَهاءُ أدْخَلُوا التَّخْصِيصَ في صُوَرٍ كَثِيرَةٍ بِناءً عَلى القِياسِ.
قالَ مُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ: إذا قالَ لَهُ: أخْزاكَ اللَّهُ، فَلْيَقُلْ: أخْزاكَ اللَّهُ، وإذا قَذَفَهُ قَذْفًا يُوجِبُ الحَدَّ، بَلِ الحَدُّ الَّذِي أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ.
﴿فَمَن عَفا وأصْلَحَ﴾ أيْ: بَيْنَهُ وبَيْنَ خَصْمِهِ بِالعَفْوِ، ﴿فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ﴾: عِدَةٌ مُبْهَمَةٌ لا يُقاسُ عِظَمُها؛ إذْ هي عَلى اللَّهِ.
﴿إنَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ أيِ: الخائِنِينَ، وإذا كانَ لا يُحِبُّهُ وقَدْ نُدِبَ إلى العَفْوِ عَنْهُ، فالعَفْوُ الَّذِي يُحِبُّهُ اللَّهُ أوْلى أنْ يَعْفِيَ عَنْهُ، أوْ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ مَن تَجاوَزَ واعْتَدى مِنَ المَجْنِيِّ عَلَيْهِمْ، إذا انْتَصَرُوا خُصُوصًا في حالَةِ الحَرْبِ والتِهابِ الحَمِيَّةِ، فَرُبَّما يَظْلِمُ وهو لا يَشْعُرُ.
وفِي الحَدِيثِ: «إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ نادى مُنادٍ: مَن كانَ لَهُ أجْرٌ عَلى اللَّهِ فَلْيَقُمْ، قالَ: فَيَقُومُ خَلْقٌ، فَيُقالُ لَهم: ما أجْرُكم عَلى اللَّهِ ؟ فَيَقُولُونَ: نَحْنُ عَفَوْنا عَمَّنْ ظَلَمَنا، فَيُقالُ لَهُمُ: ادْخُلُوا الجَنَّةَ بِإذْنِ اللَّهِ» .
واللّامُ في ﴿ولَمَنِ انْتَصَرَ﴾ لامُ تَوْكِيدٍ. قالَ الحَوْفِيُّ: وفِيها مَعْنى القَسَمِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لامُ التِقاءِ القَسَمِ، يَعْنِيانِ أنَّها اللّامُ الَّتِي يُتَلَقّى بِها القَسَمُ، فالقَسَمُ قَبْلَها مَحْذُوفٌ، ومَن شُرْطِيَّةٌ، وحُمِلَ ﴿انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ﴾ عَلى لَفْظِ (مَن) و(فَأُولَئِكَ) عَلى مَعْنى (مَن) والفاءُ جَوابُ الشَّرْطِ، و(ظُلْمِهِ) مَصْدَرٌ مُضافٌ إلى المَفْعُولِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويُفَسِّرُهُ قِراءَةُ مَن قَرَأ (بَعْدَ ما ظُلِمَ) .
﴿ما عَلَيْهِمْ مِن سَبِيلٍ﴾، قِيلَ أيْ: مِن طَرِيقٍ إلى الحَرَجِ؛ وقِيلَ: مِن سَبِيلٍ لِلْمُعاقِبِ، ولا المُعاتِبِ والعاتِبِ، وهَذِهِ مُبالَغَةٌ في إباحَةِ الِانْتِصارِ.
﴿إنَّما السَّبِيلُ﴾ أيْ: سَبِيلُ الإثْمِ والحَرَجِ، ﴿عَلى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ﴾ أيْ: يَبْتَذِلُونَ بِالظُّلْمِ، ﴿ويَبْغُونَ في الأرْضِ﴾ أيْ: يَتَكَبَّرُونَ فِيها ويَعْلُونَ ويُفْسِدُونَ. وقِيلَ: (ويَظْلِمُونَ النّاسَ) أيْ: يَضَعُونَ الأشْياءَ غَيْرَ مَواضِعِها مِنَ القَتْلِ وأخْذِ المالِ والأذى بِاليَدِ واللِّسانِ.
والبَغْيُ بِغَيْرِ الحَقِّ، فَهو نَوْعٌ مِن أنْواعِ الظُّلْمِ، خَصَّهُ بِالذِّكْرِ تَنْبِيهًا عَلى شِدَّتِهِ وسُوءِ حالِ صاحِبِهِ. انْتَهى.
﴿ولَمَن صَبَرَ﴾ أيْ: عَلى الظُّلْمِ والأذى، (وغَفَرَ)، ولَمْ يَنْتَصِرْ. واللّامُ في (ولَمَن) يَجُوزُ أنْ تَكُونَ اللّامَ المُوَطِّئَةَ القَسَمَ المَحْذُوفَ، ومَن شَرْطِيَّةٌ، وجَوابُ القَسَمِ قَوْلُهُ: (إنَّ ذَلِكَ)، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ جَوابِ القَسَمِ عَلَيْهِ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ اللّامُ لامَ الِابْتِداءِ، ومَن مَوْصُولَةً مُبْتَدَأً، والجُمْلَةُ المُؤَكَّدَةُ بِإنَّ في مَوْضِعِ الخَبَرِ.
وقالَ الحَوْفِيُّ: (مَن) رُفِعَ بِالِابْتِداءِ وأُضْمِرَ الخَبَرُ، وجَوابُ الشَّرْطِ إنَّ وما تَعَلَّقَتْ بِهِ عَلى حَذْفِ الفاءِ، كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎مِن يَفْعَلُ الحَسَناتِ اللَّهُ يَشْكُرُها
أيْ: فاللَّهُ يَشْكُرُها. انْتَهى، وهَذا لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّ حَذْفَ الفاءِ مَخْصُوصٌ بِالشِّعْرِ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ. والإشارَةُ بِذَلِكَ إلى ما يُفْهَمُ مِن مَصْدَرِ صَبَرَ وغَفَرَ، والعائِدُ عَلى المَوْصُولِ المُبْتَدَأِ مِنَ الخَبَرِ مَحْذُوفٌ، أيْ: إنَّ ذَلِكَ مِنهُ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ: ﴿لَمِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾، إنْ كانَ ذَلِكَ (p-٥٢٤)إشارَةً إلى المَصْدَرِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولَمَن صَبَرَ وغَفَرَ﴾، لَمْ يَكُنْ في ﴿عَزْمِ الأُمُورِ﴾ حَذْفٌ، وإنْ كانَ ذَلِكَ إشارَةً إلى المُبْتَدَأِ، كانَ هو الرّابِطُ، ولا يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرٍ مِنهُ، وكانَ في ﴿عَزْمِ الأُمُورِ﴾، أيْ: إنَّهُ لَمِن ذَوِي عَزْمِ الأُمُورِ.
وسَبَّ رَجُلٌ آخَرَ في مَجْلِسِ الحَسَنِ، فَكانَ المَسْبُوبُ يَكْظِمُ ويَعْرَقُ ويَمْسَحُ العَرَقَ، ثُمَّ قامَ فَتَلا الآيَةَ، فَقالَ الحَسَنُ: عَقَلَها واللَّهِ وفَهِمَها لِمَ هَذِهِ ضَيَّعَها الجاهِلُونَ.
والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: (إنَّما السَّبِيلُ) اعْتِراضٌ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿ولَمَنِ انْتَصَرَ﴾، وقَوْلِهِ: ﴿ولَمَن صَبَرَ﴾ .
﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن ولِيٍّ مِن بَعْدِهِ﴾ أيْ: مِن ناصِرٍ يَتَوَلّاهُ (مِن بَعْدِهِ) أيْ: مِن بَعْدِ إضْلالِهِ، وهَذا تَحْقِيرٌ لِأمْرِ الكَفَرَةِ.
﴿وتَرى الظّالِمِينَ﴾: الخِطابُ لِلرَّسُولِ، والمَعْنى: وتَرى حالَهم وما هم فِيهِ مِنَ الحَيْرَةِ، ﴿لَمّا رَأوُا العَذابَ﴾، يَقُولُونَ: ﴿هَلْ إلى مَرَدٍّ مِن سَبِيلٍ﴾: هَلْ سَبِيلٌ إلى الرَّدِّ لِلدُّنْيا ؟ وذَلِكَ مِن فَظِيعِ ما اطَّلَعُوا عَلَيْهِ، وسُوءِ ما يَحِلُّ بِهِمْ.
﴿وتَراهم يُعْرَضُونَ عَلَيْها﴾ [الشورى: ٤٥] أيْ: عَلى النّارِ، دَلَّ عَلَيْها ذِكْرُ العَذابِ، (خاشِعِينَ) مُتَضائِلِينَ صاغِرِينَ مِمّا يَلْحَقُهم، (مِنَ الذُّلِّ) .
وقَرَأ طَلْحَةُ: (مِنَ الذِّلِّ)، بِكَسْرِ الذّالِ؛ والجُمْهُورُ: بِالضَّمِّ، والخُشُوعُ: الِاسْتِكانَةُ، وهو مَحْمُودٌ. وإنَّما أخْرَجَهُ إلى الذَّمِّ اقْتِرانُهُ بِالعَذابِ. وقِيلَ: (مِنَ الذُّلِّ) مُتَعَلِّقٌ بِـ ﴿يَنْظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ [الشورى: ٤٥] .
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ذَلِيلٍ. انْتَهى.
قِيلَ: ووُصِفَ بِالخَفاءِ؛ لِأنَّ نَظَرَهم ضَعِيفٌ ولَحْظُهم نِهايَةٌ، قالَ الشّاعِرُ:
؎فَغُضَّ الطَّرْفَ إنَّكَ مِن نُمَيْرٍ
وقِيلَ: يُحْشَرُونَ عُمْيًا. ولَمّا كانَ نَظَرُهم بِعُيُونِ قُلُوبِهِمْ، جَعَلَهُ طَرَفًا خَفِيًّا، أيْ: لا يَبْدُو نَظَرُهم، وهَذا التَّأْوِيلُ فِيهِ تُكَلُّفٌ.
وقالَ السُّدِّيُّ، وقَتادَةُ: المَعْنى يُسارِقُونَ النَّظَرَ لِما كانُوا فِيهِ مِنَ الهَمِّ وسُوءِ الحالِ، لا يَسْتَطِيعُونَ النَّظَرَ بِجَمِيعِ العَيْنِ، وإنَّما يَنْظُرُونَ مِن بَعْضِها، فَيَجُوزُ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ أنْ يَكُونَ الطَّرْفُ مَصْدَرًا، أيْ: مِن نَظَرٍ خَفِيٍّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ [الشورى: ٤٥]، أيْ: يَبْتَدِئُ نَظَرُهم مِن تَحْرِيكٍ لِأجْفانِهِمْ ضَعِيفٍ خَفِيٍّ بِمُسارَقَةٍ، كَما تَرى المُصَوِّرَ يَنْظُرُ إلى السَّيْفِ، وهَكَذا نَظَرُ النّاظِرِ إلى المَكارِهِ، ولا يَقْدِرُ أنْ يَفْتَحَ أجْفانَهُ عَلَيْها ويَمْلَأ عَيْنَهُ مِنها، كَما يَفْعَلُ في نَظَرِهِ إلى المُتَحابِّ.
الشورى 42:39
(p-٥٢٠)﴿ومِن آياتِهِ الجَوارِي في البَحْرِ كالأعْلامِ﴾ ﴿إنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ ﴿أوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا ويَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾ ﴿ويَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِنا ما لَهم مِن مَحِيصٍ﴾ ﴿فَما أُوتِيتُمْ مِن شَيْءٍ فَمَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا وما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وأبْقى لِلَّذِينَ آمَنُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الإثْمِ والفَواحِشَ وإذا ما غَضِبُوا هم يَغْفِرُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ وأقامُوا الصَّلاةَ وأمْرُهم شُورى بَيْنَهم ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ إذا أصابَهُمُ البَغْيُ هم يَنْتَصِرُونَ﴾ ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها فَمَن عَفا وأصْلَحَ فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ إنَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ ﴿ولَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِن سَبِيلٍ﴾ ﴿إنَّما السَّبِيلُ عَلى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النّاسَ ويَبْغُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿ولَمَن صَبَرَ وغَفَرَ إنَّ ذَلِكَ لَمِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن ولِيٍّ مِن بَعْدِهِ وتَرى الظّالِمِينَ لَمّا رَأوُا العَذابَ يَقُولُونَ هَلْ إلى مَرَدٍّ مِن سَبِيلٍ﴾ ﴿وتَراهم يُعْرَضُونَ عَلَيْها خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ [الشورى: ٤٥] .
لَمّا ذَكَرَ تَعالى مِن دَلائِلِ وحْدانِيَّتِهِ أنْواعًا، ذَكَرَ بَعْدَها العالَمَ الأكْبَرَ، وهو السَّماواتُ والأرْضُ؛ ثُمَّ العالَمَ الأصْغَرَ، وهو الحَيَوانُ. ثُمَّ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ المَعادِ، أتْبَعَهُ بِذِكْرِ السُّفُنِ الجارِيَةِ في البَحْرِ، لِما فِيها مِن عَظِيمِ دَلائِلِ القُدْرَةِ، مِن جِهَةِ أنَّ الماءَ جِسْمٌ لَطِيفٌ شَفّافٌ يَغُوصُ فِيهِ الثَّقِيلُ، والسُّفُنُ تَشْخَصُ بِالأجْسامِ الثَّقِيلَةِ الكَثِيفَةِ، ومَعَ ذَلِكَ جَعَلَ تَعالى لِلْماءِ قُوَّةً يَحْمِلُها بِها ويَمْنَعُ مِنَ الغَوْصِ، ثُمَّ جَعَلَ الرِّياحَ سَبَبًا لِسَيْرِها، فَإذا أرادَ أنْ تَرْسُوَ، أسْكَنَ الرِّيحَ، فَلا تَبْرَحُ عَنْ مَكانِها. و﴿الجَوارِي﴾ جَمْعُ جارِيَةٍ، وأصْلُهُ السُّفُنُ الجَوارِي، حُذِفَ المَوْصُوفُ وقامَتْ صِفَتُهُ مَقامَهُ، وحَسَّنَ ذَلِكَ قَوْلُهُ: (في البَحْرِ)، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّها صِفَةٌ لِلسُّفُنِ، وإلّا فَهي صِفَةٌ غَيْرُ مُخْتَصَّةٍ، فَكانَ القِياسُ أنْ لا يُحْذَفَ المَوْصُوفُ ويَقُومَ مَقامَهُ. ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّها صِفَةٌ غالِبَةٌ، كالأبْطَحِ، فَجازَ أنْ تَلِيَ العَوامِلَ بِغَيْرِ ذِكْرِ المَوْصُوفِ. وقُرِئَ (الجَوارِي) بِالياءِ ودُونِها، وسُمِعَ مِنَ العَرَبِ الإعْرابُ في الرّاءِ، و(في البَحْرِ) مُتَعَلِّقٌ بِالجَوارِي، و﴿كالأعْلامِ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، والأعْلامُ: الجِبالُ، ومِنهُ قَوْلُ الخَنْساءِ أُخْتِ صَخْرٍ ومُعاوِيَةَ:
؎وإنَّ صَخْرًا لَتَأْتَمُّ الهُداةُ بِهِ كَأنَّهُ عَلَمٌ في رَأْسِهِ نارُ
ومِنهُ:
؎إذا قَطَعْنَ عَلَمًا بَدا عَلَمُ
وقَرَأ جُمْهُورُ السَّبْعَةِ: (الرِّيحَ) إفْرادًا، ونافِعٌ: جَمْعًا، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (فَيَظْلَلْنَ) بِفَتْحِ اللّامِ، وقَرَأ قَتادَةُ: بِكَسْرِها، والقِياسُ الفَتْحُ؛ لِأنَّ الماضِيَ بِكَسْرِ العَيْنِ، فالكَسْرُ في المُضارِعِ شاذٌّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مِن ظَلَّ يَظَلُّ ويَظِلُّ، نَحْوَ ضَلَّ يَضَلُّ ويَضِلُّ. انْتَهى.
ولَيْسَ كَما ذُكِرَ؛ لِأنَّ يَضَلُّ بِفَتْحِ العَيْنِ مِن ضَلِلْتُ بِكَسْرِها في الماضِي، ويَضِلُّ بِكَسْرِها مِن ضَلَلْتُ بِفَتْحِها في الماضِي، وكِلاهُما مَقِيسٌ.
﴿لِكُلِّ صَبّارٍ﴾ عَلى بَلائِهِ، (شَكُورٍ) لِنَعْمائِهِ.
﴿أوْ يُوبِقْهُنَّ﴾: يُهْلِكْهُنَّ، أيِ: الجَوارِي، وهو عَطْفٌ عَلى (يُسْكِنِ)، والضَّمِيرُ في (كَسَبُوا) عائِدٌ عَلى رُكّابِ السُّفُنِ، أيْ: بِذُنُوبِهِمْ. وقَرَأ الأعْمَشُ (ويَعْفُو) بِالواوِ، وعَنْ أهْلِ المَدِينَةِ: بِنَصْبِ الواوِ، والجُمْهُورُ (ويَعْفُ) مَجْزُومًا عَطْفًا عَلى (يُوبِقْهُنَّ) . فَأمّا قِراءَةُ الأعْمَشِ، فَإنَّهُ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ يَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ، أيْ: لا يُؤاخِذُ بِجَمِيعِ ما اكْتَسَبَ الإنْسانُ. وأمّا النَّصْبُ، فَبِإضْمارِ أنْ بَعْدَ الواوِ، وكالنَّصْبِ بَعْدَ الفاءِ في قِراءَةِ مَن قَرَأ ﴿يُحاسِبْكم بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ﴾ [البقرة: ٢٨٤] وبَعْدَ الواوِ في قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎فَإنْ يَهْلَكْ أبُو قابُوسِ يَهْلَكْ ∗∗∗ رَبِيعُ النّاسِ والشَّهْرُ الحَرامُ
؎ونَأْخُذُ بَعْدَهُ بِذِنابِ عَيْشٍ ∗∗∗ أجَبَّ الظَّهْرِ لَيْسَ لَهُ سَنامُ
رُوِيَ بِنَصْبِ (ونَأْخُذُ) ورَفْعِهِ وجَزْمِهِ.
وفِي هَذِهِ القِراءَةِ يَكُونُ العَطْفُ عَلى مَصْدَرٍ مُتَوَهَّمٍ، أيْ: يَقَعُ إيباقٌ وعَفْوٌ عَنْ كَثِيرٍ. وأمّا الجَزْمُ فَإنَّهُ داخِلٌ في حُكْمِ جَوابِ الشَّرْطِ؛ إذْ هو مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ، وهو راجِعٌ في المَعْنى إلى قِراءَةِ النَّصْبِ، لَكِنَّ هَذا عَطْفُ فِعْلٍ عَلى فِعْلٍ، وفي النَّصْبِ عَطْفُ مَصْدَرٍ مُقَدَّرٍ عَلى مَصْدَرٍ مُتَوَهَّمٍ.
وقالَ القُشَيْرِيُّ: وقُرِئَ: (ويَعْفُ) بِالجَزْمِ، وفِيها إشْكالٌ؛ لِأنَّ المَعْنى: إنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ، فَتَبْقى (p-٥٢١)تِلْكَ السُّفُنُ رَواكِدُ، أوْ يُهْلِكَها بِذُنُوبِ أهْلِها، فَلا يَحْسُنُ عَطْفُ (ويَعْفُ) عَلى هَذِهِ؛ لِأنَّ المَعْنى يَصِيرُ إنْ يَشَأْ يَعْفُ، ولَيْسَ المَعْنى ذَلِكَ، بَلِ المَعْنى: الإخْبارُ عَنِ الغُيُوبِ عَنْ شَرْطِ المَشِيئَةِ، فَهو إذَنْ عُطِفَ عَلى المَجْزُومِ مِن حَيْثُ اللَّفْظِ، لا مِن حَيْثُ المَعْنى.
وقَدْ قَرَأ قَوْمٌ (ويَعْفُو) بِالرَّفْعِ، وهي جَيِّدَةٌ في المَعْنى. انْتَهى، وما قالَهُ لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ إذْ لَمْ يَفْهَمْ مَدْلُولَ التَّرْكِيبِ. والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى إنْ يَشَأْ أهْلَكَ ناسًا وأنْجى ناسًا عَلى طَرِيقِ العَفْوِ عَنْهم.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): عَلامَ عُطِفَ يُوبِقْهُنَّ ؟ (قُلْتُ): عَلى (يُسْكِنِ) لِأنَّ المَعْنى: إنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَرْكُدْنَ، أوْ يَعْصِفْها فَيَغْرَقْنَ بِعَصْفِها. انْتَهى.
ولا يَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: أوْ يَعْصِفُها فَيَغْرَقْنَ؛ لِأنَّ إهْلاكَ السُّفُنِ لا يَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ بِعَصْفِ الرِّيحِ، بَلْ قَدْ يُهْلِكُها تَعالى بِسَبَبٍ غَيْرِ الرِّيحِ، كَنُزُولِ سَطْحِها بِكَثْرَةِ الثِّقَلِ، أوِ انْكِسارِ اللَّوْحِ يَكُونُ سَبَبًا لِإهْلاكِها، أوْ يَعْرِضُ عَدُوٌّ يُهْلِكُ أهْلَها. وقَرَأ الأعْرَجُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (ويَعْلَمُ) بِالرَّفْعِ عَلى القَطْعِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (ويَعْلَمَ) بِالنَّصْبِ؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: وحَسُنَ النَّصْبُ إذا كانَ قَبْلَهُ شَرْطٌ وجَزاءٌ، وكُلُّ واحِدٍ مِنهُما غَيْرُ واجِبٍ.
وقالَ الزَّجّاجُ: عَلى إضْمارِ أنْ؛ لِأنَّ قَبْلَها جَزاءً. تَقُولُ: ما تَصْنَعُ أصْنَعُ مِثْلَهُ، وأُكْرِمَكَ، وإنْ شِئْتَ: وأكْرِمُكَ، عَلى: وأنا أُكْرِمُكَ، وإنْ شِئْتَ: وأُكْرِمْكَ جَزْمًا.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فِيهِ نَظَرٌ، لِما أوْرَدَهُ سِيبَوَيْهِ في كِتابِهِ قالَ: واعْلَمْ أنَّ النَّصْبَ بِالفاءِ والواوِ في قَوْلِهِ: إنْ تَأْتِنِي آتِكَ وأُعْطِيكَ ضَعِيفٌ، وهو نَحْوٌ مِن قَوْلِهِ:
؎وألْحَقُ بِالحِجازِ فَأسْتَرِيحا
فَهَذا لا يَجُوزُ، ولَيْسَ بِحَدِّ الكَلامِ ولا وجْهِهِ، إلّا أنَّهُ في الجَزاءِ صارَ أقْوى قَلِيلًا؛ لِأنَّهُ لَيْسَ بِواجِبٍ أنَّهُ يَفْعَلُ إلّا أنْ يَكُونَ مِنَ الأوَّلِ فِعْلٌ.
فَلَمّا ضارَعَ الَّذِي لا يُوجِبُهُ، كالِاسْتِفْهامِ ونَحْوِهِ، أجازُوا فِيهِ هَذا عَلى ضَعْفِهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولا يَجُوزُ أنْ تُحْمَلَ القِراءَةُ المُسْتَفِيضَةُ عَلى وجْهٍ ضَعِيفٍ لَيْسَ بِحَدِّ الكَلامِ ولا وجْهِهِ، ولَوْ كانَتْ مِن هَذا البابِ، لَما أخْلى سِيبَوَيْهِ مِنها كِتابَهُ، وقَدْ ذَكَرَ نَظائِرَها مِنَ الآياتِ المُشْكَلَةِ. انْتَهى.
وخَرَّجَ الزَّمَخْشَرِيُّ النَّصْبَ عَلى أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى تَعْلِيلٍ مَحْذُوفٍ، قالَ: تَقْدِيرُهُ: لِيَنْتَقِمَ مِنهم ويَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ، يُكْرَهُ في العَطْفِ عَلى التَّعْلِيلِ المَحْذُوفِ غَيْرُ عَزِيزٍ في القُرْآنِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنّاسِ﴾ [البقرة: ٢٥٩]، وقَوْلُهُ: ﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ﴾ [العنكبوت: ٤٤]، ﴿ولِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ [الجاثية: ٢٢] . انْتَهى.
ويَبْعُدُ تَقْدِيرُهُ لِيَنْتَقِمَ مِنها؛ لِأنَّهُ تَرَتَّبَ عَلى الشَّرْطِ إهْلاكُ قَوْمٍ، فَلا يَحْسُنُ لِيَنْتَقِمَ مِنهم. وأمّا الآيَتانِ فَيُمْكِنُ أنْ تَكُونَ اللّامُ مُتَعَلِّقَةً بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: ﴿ولِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنّاسِ﴾ [مريم: ٢١]، ﴿ولِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ [الجاثية: ٢٢] . فَعَلْنا ذَلِكَ، وكَثِيرًا ما يُقَدَّرُ هَذا الفِعْلُ مَحْذُوفًا قَبْلَ لامِ العِلَّةِ، إذا لَمْ يَكُنْ فِعْلٌ ظاهِرٌ يَتَعَلَّقُ بِهِ.
وذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: (ويَعْلَمَ) قُرِئَ بِالجَزْمِ، (فَإنْ قُلْتَ): فَكَيْفَ يَصِحُّ المَعْنى عَلى جَزْمِ (ويَعْلَمَ) ؟ (قُلْتُ): كَأنَّهُ قالَ: أوْ إنْ يَشَأْ يَجْمَعُ بَيْنَ ثَلاثَةِ أُمُورٍ: هَلاكِ قَوْمٍ، ونَجاةِ قَوْمٍ، وتَحْذِيرِ آخَرِينَ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ويَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِنا ما لَهم مِن مَحِيصٍ﴾ يَتَضَمَّنُ تَحْذِيرَهم مِن عِقابِ اللَّهِ، و﴿ما لَهم مِن مَحِيصٍ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ؛ لِأنَّ (يَعْلَمَ) مُعَلَّقَةٌ، كَقَوْلِكَ: عَلِمْتُ ما زَيْدٌ قائِمٌ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ في قِراءَةِ النَّصْبِ: وهَذِهِ الواوُ ونَحْوُها الَّتِي تُسَمِّيها الكُوفِيُّونَ واوَ الصَّرْفِ؛ لِأنَّ حَقِيقَةَ واوِ الصَّرْفِ الَّتِي يُرِيدُونَها عَطْفُ فِعْلٍ عَلى اسْمٍ مُقَدَّرٍ، فَيُقَدَّرُ أنْ لِيَكُونَ مَعَ الفِعْلِ بِتَأْوِيلِ المَصْدَرِ، فَيَحْسُنُ عَطْفُهُ عَلى الِاسْمِ. انْتَهى.
ولَيْسَ قَوْلُهُ تَعْلِيلًا لِقَوْلِهِمْ: واوُ الصَّرْفِ، إنَّما هو تَقْرِيرٌ لِمَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ. وأمّا الكُوفِيُّونَ فَإنَّ واوَ الصَّرْفِ ناصِبَةٌ بِنَفْسِها، لا بِإضْمارِ أنْ بَعْدَها.
وقالَ أبُو عُبَيْدٍ عَلى الصَّرْفِ كالَّذِي في آلِ عِمْرانَ: ﴿ولَمّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنكم ويَعْلَمَ الصّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٢]، ومَعْنى الصَّرْفِ أنَّهُ كانَ عَلى جِهَةٍ فَصُرِفَ إلى غَيْرِها، فَتَغَيَّرَ الإعْرابُ لِأجْلِ الصَّرْفِ. والعَطْفُ لا يُعَيِّنُ الِاقْتِرانَ في الوُجُودِ، كالعَطْفِ في الِاسْمِ، نَحْوُ: جاءَ زَيْدٌ وعَمْرٌو. ولَوْ نُصِبَ (وعَمْرُو) اقْتَضى الِاقْتِرانَ؛ (p-٥٢٢)وكَذَلِكَ واوُ الصَّرْفِ، لِيُفِيدَ مَعْنى الِاقْتِرانِ ويُعَيِّنَ مَعْنى الِاجْتِماعِ، ولِذَلِكَ أُجْمِعَ عَلى النَّصْبِ في قَوْلِهِ: ﴿ويَعْلَمَ الصّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٢]، أيْ: ويَعْلَمَ المُجاهِدِينَ والصّابِرِينَ مَعًا.
عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - اجْتَمَعَ لِأبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مالٌ، فَتَصَدَّقَ بِهِ كُلِّهِ في سَبِيلِ اللَّهِ والخَيْرِ، فَلامَهُ المُسْلِمُونَ وخَطَّأهُ الكافِرُونَ، فَنَزَلَتْ: ﴿فَما أُوتِيتُمْ مِن شَيْءٍ﴾، والظّاهِرُ أنَّهُ خِطابٌ لِلنّاسِ.
وقِيلَ: لِلْمُشْرِكِينَ، وما شَرْطِيَّةٌ مَفْعُولٌ ثانٍ لِـ (أُوتِيتُمْ)، و(مِن شَيْءٍ) بَيانٌ لِما، والمَعْنى: مِن شَيْءٍ مِن رِياشِ الدُّنْيا ومالِها والسَّعَةِ فِيها، والفاءُ جَوابُ الشَّرْطِ، أيْ: فَهو مَتاعٌ، أيْ: يُسْتَمْتَعُ في الحَياةِ.
(وما عِنْدَ اللَّهِ) أيْ: مِن ثَوابِهِ وما أعَدَّ لِأوْلِيائِهِ، ﴿خَيْرٌ وأبْقى﴾ مِمّا أُوتِيتُمْ؛ لِأنَّهُ لا انْقِطاعَ لَهُ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في الكَبائِرِ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ [النساء: ٣١]، في النِّساءِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (كَبائِرَ) جَمْعًا هُنا، وفي النَّجْمِ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: بِالإفْرادِ.
﴿والَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ﴾: عُطِفَ عَلى (الَّذِينَ آمَنُوا)، وكَذَلِكَ ما بَعْدَهُ. ووَقَعَ لِأبِي البَقاءِ وهْمٌ في التِّلاوَةِ، اعْتَقَدَ أنَّها الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ بِغَيْرِ واوٍ، فَبَنى عَلَيْهِ الإعْرابَ فَقالَ: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ﴾ [النجم: ٣٢] في مَوْضِعِ جَرٍّ بَدَلًا مِنَ (الَّذِينَ آمَنُوا) ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِإضْمارٍ، أعْنِي: وفي مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى تَقْدِيرِ هم. انْتَهى.
والعامِلُ في (إذا) ﴿يَغْفِرُونَ﴾ وهي جُمْلَةٌ مِن مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ مَعْطُوفَةٌ عَلى (يَجْتَنِبُونَ) ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (هم) تَوْكِيدًا لِلْفاعِلِ في ﴿غَضِبُوا﴾ .
وقالَ أبُو البَقاءِ (هم) مُبْتَدَأٌ، و(يَغْفِرُونَ) الخَبَرُ، والجُمْلَةُ جَوابُ (إذا) . انْتَهى، وهَذا لا يَجُوزُ؛ لِأنَّ الجُمْلَةَ لَوْ كانَتْ جَوابَ (إذا) لَكانَتْ بِالفاءِ، تَقُولُ: إذا جاءَ زَيْدٌ فَعَمْرٌو مُنْطَلِقٌ، ولا يَجُوزُ حَذْفُ الفاءِ إلّا إنْ ورَدَ في شِعْرٍ. وقِيلَ: (هم) مَرْفُوعٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يُفَسِّرُهُ (يَغْفِرُونَ) ولَمّا حُذِفَ انْفَصَلَ الضَّمِيرُ، وهَذا القَوْلُ فِيهِ نَظَرٌ، وهو أنَّ جَوابَ (إذا) يُفَسَّرُ كَما يُفَسَّرُ فِعْلُ الشَّرْطِ بَعْدَها، نَحْوُ: ﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ [الإنشقاق: ١]، ولا يَبْعُدُ جَوازُ ذَلِكَ عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ، إذْ جاءَ ذَلِكَ في أداةِ الشَّرْطِ الجازِمَةِ، نَحْوُ: إنْ يَنْطَلِقْ زَيْدٌ يَنْطَلِقُ، فَزِيدٌ عِنْدَهُ فاعِلٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يُفَسِّرُهُ الجَوابُ، أيْ: يَنْطَلِقُ زَيْدٌ، مَنَعَ ذَلِكَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هم يَغْفِرُونَ، أيْ: هُمُ الأخِصّاءُ بِالغُفْرانِ، في حالِ الغَضَبِ لا يَغُولُ الغَضَبُ أحْلامَهم، كَما يَغُولُ حُلُومَ النّاسِ. والمَجِيءُ لَهم وإيقاعُهُ مُبْتَدَأٌ، وإسْنادُ (يَغْفِرُونَ) إلَيْهِ لِهَذِهِ الفائِدَةِ. انْتَهى، وفِيهِ حَضٌّ عَلى كَسْرِ الغَضَبِ.
وفِي الحَدِيثِ: «أوْصِنِي، قالَ: لا تَغْضَبْ، قالَ: زِدْنِي، قالَ: لا تَغْضَبْ، قالَ: زِدْنِي، قالَ: لا تَغْضَبْ» .
﴿والَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ﴾، قِيلَ: نَزَلَتْ في الأنْصارِ، دَعاهُمُ اللَّهُ لِلْإيمانِ بِهِ وطاعَتِهِ فاسْتَجابُوا لَهُ. وكانُوا قَبْلَ الإسْلامِ، وقَبْلَ أنْ يُقْدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المَدِينَةَ، إذا نابَهم أمْرٌ تَشاوَرُوا، فَأثْنى اللَّهُ عَلَيْهِمْ، لا يَنْفَرِدُونَ بِأمْرٍ حَتّى يَجْتَمِعُوا عَلَيْهِ.
وعَنِ الحَسَنِ: ما تَشاوَرَ قَوْمٌ إلّا هُدُوا لِأرْشَدِ أمْرِهِمْ. انْتَهى.
وفِي الشُّورى اجْتِماعُ الكَلِمَةِ والتَّحابُّ والتَّعاضُدُ عَلى الخَيْرِ. وقَدْ شاوَرَ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فِيما يَتَعَلَّقُ بِمَصالِحَ الحُرُوبِ، والصَّحابَةُ بَعْدَهُ في ذَلِكَ، كَمُشاوَرَةِ عُمَرُ لِلْهُرْمُزِ. وفي الأحْكامِ، كَقِتالِ أهْلِ الرِّدَّةِ، ومِيراثِ الحَرْبِيِّ، وعَدَدِ مُدْمِنِي الخَمْرِ، وغَيْرِ ذَلِكَ.
والشُّورى مَصْدَرٌ كالفُتْيا بِمَعْنى التَّشاوُرِ، عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: وأمْرُهم ذُو شُورى بَيْنِهِمْ. و﴿هم يَنْتَصِرُونَ﴾: صِلَةٌ لِلَّذِينِ، وإذا مَعْمُولَةٌ لِـ (يَنْتَصِرُونَ)، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿هم يَنْتَصِرُونَ﴾ جَوابًا لـ (إذا) والجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ وجَوابُها صِلَةٌ لِما ذَكَرْناهُ مِن لُزُومِ الفاءِ، ويَجُوزُ هُنا أنْ يَكُونَ (هم) فاعِلًا بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ عَلى ذَلِكَ القَوْلِ الَّذِي قِيلَ في ﴿هم يَغْفِرُونَ﴾ . وقالَ الحَوْفِيُّ: وإنْ شِئْتَ جَعَلْتَ (هم) تَوْكِيدًا لِلْهاءِ والمِيمِ، يَعْنِي في (أصابَهم) وهو ضَمِيرُ رَفْعٍ، وفي هَذا نَظَرٌ، وفِيهِ الفَصْلُ بَيْنَ المُؤَكَّدِ والتَّوْكِيدِ بِالفاعِلِ، وهو فِعْلٌ، الظّاهِرُ أنَّهُ لا يَمْتَنِعُ، والِانْتِصارُ: أنْ يَقْتَصِرَ عَلى ما حَدَّهُ اللَّهُ لَهُ ولا يَعْتَدِي.
وقالَ النَّخَعِيُّ: كانُوا يَكْرَهُونَ أنْ يُذِلُّوا أنْفَسَهم، فَتَجْتَرِئُ عَلَيْهِمُ الفُسّاقُ، ومَنِ انْتَصَرَ غَيْرُ مُتَعَدٍّ فَهو مُطِيعٌ مَحْمُودٌ. وقالَ مُقاتِلٌ، وهِشامٌ عَنْ عُرْوَةَ: الآيَةُ في المَجْرُوحِ يَنْتَصِفُ مِنَ الجارِحِ بِالقِصاصِ. وقالَ (p-٥٢٣)ابْنُ عَبّاسٍ: تَعَدّى المُشْرِكُونَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وعَلى أصْحابِهِ، وأخْرَجُوهم مِن مَكَّةَ، فَأذِنَ اللَّهُ لَهم بِالخُرُوجِ في الأرْضِ، ونَصَرَهم عَلى مَن بَغى عَلَيْهِمْ.
وقالَ الكِيا الطَّبَرِيُّ: ظاهِرُهُ أنَّ الِانْتِصارَ في هَذا المَوْضِعِ أفْضَلُ، ألا تَرى أنَّهُ قَرَنَهُ إلى ذِكْرِ الِاسْتِجابَةِ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ وإقامَةِ الصَّلاةِ ؟ فَهَذا عَلى ما ذَكَرَهُ النَّخَعِيُّ، وهَذا فِيمَن تَعَدّى وأصَرَّ، والمَأْمُورُ فِيهِ بِالعَفْوِ إذا كانَ الجانِي نادِمًا مُقْلِعًا. وقَدْ قالَ عَقِيبَ هَذِهِ الآيَةِ ﴿ولَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ﴾ الآيَةَ، فَيَقْتَضِي إباحَةَ الِانْتِصارِ. وقَدْ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَمَن صَبَرَ وغَفَرَ﴾، وهَذا مَحْمُولٌ، عَلى القُرْآنِ عِنْدَ غَيْرِ المُصِرِّ. فَأمّا المُصِرُّ عَلى البَغْيِ، فالأفْضَلُ الِانْتِصارُ مِنهُ بِدَلِيلِ الآيَةِ قَبْلَها. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: المَعْنى تَناصَرُوا عَلَيْهِ فَأزالُوهُ عَنْهم.
وقالَ أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ نَحْوًا مِن قَوْلِ الكِيا.
قالَ الجُمْهُورُ: إذا بَغى مُؤْمِنٌ عَلى مُؤْمِنٍ فَلا يَجُوزُ لَهُ أنْ يَنْتَصِرَ مِنهُ بِنَفْسِهِ، بَلْ يَرْفَعُ ذَلِكَ إلى الإمامِ أوْ نائِبِهِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: لَهُ ذَلِكَ.
﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾: هَذا بَيانٌ لِلِانْتِصارِ، أيْ: لا يَتَعَدّى فِيما يُجازِي بِهِ مَن بَغى عَلَيْهِ.
قالَ ابْنُ أبِي نَجِيحٍ، والسُّدِّيُّ: إذا شُتِمَ فَلَهُ أنْ يَرُدَّ مِثْلَ ما شُتِمَ بِهِ دُونَ أنْ يَتَعَدّى، وسُمِّيَ القِصاصُ سَيِّئَةً عَلى سَبِيلِ المُقابَلَةِ، أوْ لِأنَّها تَسُوءُ مَنِ اقْتُصَّ مِنهُ، كَما ساءَتِ الحَيْضُ. وظاهِرُ قَوْلِهِ: (مِثْلُها) المُماثَلَةُ مُطْلَقًا في كُلِّ الأحْوالِ، لا فِيما خَصَّهُ الدَّلِيلُ. والفُقَهاءُ أدْخَلُوا التَّخْصِيصَ في صُوَرٍ كَثِيرَةٍ بِناءً عَلى القِياسِ.
قالَ مُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ: إذا قالَ لَهُ: أخْزاكَ اللَّهُ، فَلْيَقُلْ: أخْزاكَ اللَّهُ، وإذا قَذَفَهُ قَذْفًا يُوجِبُ الحَدَّ، بَلِ الحَدُّ الَّذِي أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ.
﴿فَمَن عَفا وأصْلَحَ﴾ أيْ: بَيْنَهُ وبَيْنَ خَصْمِهِ بِالعَفْوِ، ﴿فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ﴾: عِدَةٌ مُبْهَمَةٌ لا يُقاسُ عِظَمُها؛ إذْ هي عَلى اللَّهِ.
﴿إنَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ أيِ: الخائِنِينَ، وإذا كانَ لا يُحِبُّهُ وقَدْ نُدِبَ إلى العَفْوِ عَنْهُ، فالعَفْوُ الَّذِي يُحِبُّهُ اللَّهُ أوْلى أنْ يَعْفِيَ عَنْهُ، أوْ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ مَن تَجاوَزَ واعْتَدى مِنَ المَجْنِيِّ عَلَيْهِمْ، إذا انْتَصَرُوا خُصُوصًا في حالَةِ الحَرْبِ والتِهابِ الحَمِيَّةِ، فَرُبَّما يَظْلِمُ وهو لا يَشْعُرُ.
وفِي الحَدِيثِ: «إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ نادى مُنادٍ: مَن كانَ لَهُ أجْرٌ عَلى اللَّهِ فَلْيَقُمْ، قالَ: فَيَقُومُ خَلْقٌ، فَيُقالُ لَهم: ما أجْرُكم عَلى اللَّهِ ؟ فَيَقُولُونَ: نَحْنُ عَفَوْنا عَمَّنْ ظَلَمَنا، فَيُقالُ لَهُمُ: ادْخُلُوا الجَنَّةَ بِإذْنِ اللَّهِ» .
واللّامُ في ﴿ولَمَنِ انْتَصَرَ﴾ لامُ تَوْكِيدٍ. قالَ الحَوْفِيُّ: وفِيها مَعْنى القَسَمِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لامُ التِقاءِ القَسَمِ، يَعْنِيانِ أنَّها اللّامُ الَّتِي يُتَلَقّى بِها القَسَمُ، فالقَسَمُ قَبْلَها مَحْذُوفٌ، ومَن شُرْطِيَّةٌ، وحُمِلَ ﴿انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ﴾ عَلى لَفْظِ (مَن) و(فَأُولَئِكَ) عَلى مَعْنى (مَن) والفاءُ جَوابُ الشَّرْطِ، و(ظُلْمِهِ) مَصْدَرٌ مُضافٌ إلى المَفْعُولِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويُفَسِّرُهُ قِراءَةُ مَن قَرَأ (بَعْدَ ما ظُلِمَ) .
﴿ما عَلَيْهِمْ مِن سَبِيلٍ﴾، قِيلَ أيْ: مِن طَرِيقٍ إلى الحَرَجِ؛ وقِيلَ: مِن سَبِيلٍ لِلْمُعاقِبِ، ولا المُعاتِبِ والعاتِبِ، وهَذِهِ مُبالَغَةٌ في إباحَةِ الِانْتِصارِ.
﴿إنَّما السَّبِيلُ﴾ أيْ: سَبِيلُ الإثْمِ والحَرَجِ، ﴿عَلى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ﴾ أيْ: يَبْتَذِلُونَ بِالظُّلْمِ، ﴿ويَبْغُونَ في الأرْضِ﴾ أيْ: يَتَكَبَّرُونَ فِيها ويَعْلُونَ ويُفْسِدُونَ. وقِيلَ: (ويَظْلِمُونَ النّاسَ) أيْ: يَضَعُونَ الأشْياءَ غَيْرَ مَواضِعِها مِنَ القَتْلِ وأخْذِ المالِ والأذى بِاليَدِ واللِّسانِ.
والبَغْيُ بِغَيْرِ الحَقِّ، فَهو نَوْعٌ مِن أنْواعِ الظُّلْمِ، خَصَّهُ بِالذِّكْرِ تَنْبِيهًا عَلى شِدَّتِهِ وسُوءِ حالِ صاحِبِهِ. انْتَهى.
﴿ولَمَن صَبَرَ﴾ أيْ: عَلى الظُّلْمِ والأذى، (وغَفَرَ)، ولَمْ يَنْتَصِرْ. واللّامُ في (ولَمَن) يَجُوزُ أنْ تَكُونَ اللّامَ المُوَطِّئَةَ القَسَمَ المَحْذُوفَ، ومَن شَرْطِيَّةٌ، وجَوابُ القَسَمِ قَوْلُهُ: (إنَّ ذَلِكَ)، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ جَوابِ القَسَمِ عَلَيْهِ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ اللّامُ لامَ الِابْتِداءِ، ومَن مَوْصُولَةً مُبْتَدَأً، والجُمْلَةُ المُؤَكَّدَةُ بِإنَّ في مَوْضِعِ الخَبَرِ.
وقالَ الحَوْفِيُّ: (مَن) رُفِعَ بِالِابْتِداءِ وأُضْمِرَ الخَبَرُ، وجَوابُ الشَّرْطِ إنَّ وما تَعَلَّقَتْ بِهِ عَلى حَذْفِ الفاءِ، كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎مِن يَفْعَلُ الحَسَناتِ اللَّهُ يَشْكُرُها
أيْ: فاللَّهُ يَشْكُرُها. انْتَهى، وهَذا لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّ حَذْفَ الفاءِ مَخْصُوصٌ بِالشِّعْرِ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ. والإشارَةُ بِذَلِكَ إلى ما يُفْهَمُ مِن مَصْدَرِ صَبَرَ وغَفَرَ، والعائِدُ عَلى المَوْصُولِ المُبْتَدَأِ مِنَ الخَبَرِ مَحْذُوفٌ، أيْ: إنَّ ذَلِكَ مِنهُ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ: ﴿لَمِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾، إنْ كانَ ذَلِكَ (p-٥٢٤)إشارَةً إلى المَصْدَرِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولَمَن صَبَرَ وغَفَرَ﴾، لَمْ يَكُنْ في ﴿عَزْمِ الأُمُورِ﴾ حَذْفٌ، وإنْ كانَ ذَلِكَ إشارَةً إلى المُبْتَدَأِ، كانَ هو الرّابِطُ، ولا يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرٍ مِنهُ، وكانَ في ﴿عَزْمِ الأُمُورِ﴾، أيْ: إنَّهُ لَمِن ذَوِي عَزْمِ الأُمُورِ.
وسَبَّ رَجُلٌ آخَرَ في مَجْلِسِ الحَسَنِ، فَكانَ المَسْبُوبُ يَكْظِمُ ويَعْرَقُ ويَمْسَحُ العَرَقَ، ثُمَّ قامَ فَتَلا الآيَةَ، فَقالَ الحَسَنُ: عَقَلَها واللَّهِ وفَهِمَها لِمَ هَذِهِ ضَيَّعَها الجاهِلُونَ.
والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: (إنَّما السَّبِيلُ) اعْتِراضٌ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿ولَمَنِ انْتَصَرَ﴾، وقَوْلِهِ: ﴿ولَمَن صَبَرَ﴾ .
﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن ولِيٍّ مِن بَعْدِهِ﴾ أيْ: مِن ناصِرٍ يَتَوَلّاهُ (مِن بَعْدِهِ) أيْ: مِن بَعْدِ إضْلالِهِ، وهَذا تَحْقِيرٌ لِأمْرِ الكَفَرَةِ.
﴿وتَرى الظّالِمِينَ﴾: الخِطابُ لِلرَّسُولِ، والمَعْنى: وتَرى حالَهم وما هم فِيهِ مِنَ الحَيْرَةِ، ﴿لَمّا رَأوُا العَذابَ﴾، يَقُولُونَ: ﴿هَلْ إلى مَرَدٍّ مِن سَبِيلٍ﴾: هَلْ سَبِيلٌ إلى الرَّدِّ لِلدُّنْيا ؟ وذَلِكَ مِن فَظِيعِ ما اطَّلَعُوا عَلَيْهِ، وسُوءِ ما يَحِلُّ بِهِمْ.
﴿وتَراهم يُعْرَضُونَ عَلَيْها﴾ [الشورى: ٤٥] أيْ: عَلى النّارِ، دَلَّ عَلَيْها ذِكْرُ العَذابِ، (خاشِعِينَ) مُتَضائِلِينَ صاغِرِينَ مِمّا يَلْحَقُهم، (مِنَ الذُّلِّ) .
وقَرَأ طَلْحَةُ: (مِنَ الذِّلِّ)، بِكَسْرِ الذّالِ؛ والجُمْهُورُ: بِالضَّمِّ، والخُشُوعُ: الِاسْتِكانَةُ، وهو مَحْمُودٌ. وإنَّما أخْرَجَهُ إلى الذَّمِّ اقْتِرانُهُ بِالعَذابِ. وقِيلَ: (مِنَ الذُّلِّ) مُتَعَلِّقٌ بِـ ﴿يَنْظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ [الشورى: ٤٥] .
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ذَلِيلٍ. انْتَهى.
قِيلَ: ووُصِفَ بِالخَفاءِ؛ لِأنَّ نَظَرَهم ضَعِيفٌ ولَحْظُهم نِهايَةٌ، قالَ الشّاعِرُ:
؎فَغُضَّ الطَّرْفَ إنَّكَ مِن نُمَيْرٍ
وقِيلَ: يُحْشَرُونَ عُمْيًا. ولَمّا كانَ نَظَرُهم بِعُيُونِ قُلُوبِهِمْ، جَعَلَهُ طَرَفًا خَفِيًّا، أيْ: لا يَبْدُو نَظَرُهم، وهَذا التَّأْوِيلُ فِيهِ تُكَلُّفٌ.
وقالَ السُّدِّيُّ، وقَتادَةُ: المَعْنى يُسارِقُونَ النَّظَرَ لِما كانُوا فِيهِ مِنَ الهَمِّ وسُوءِ الحالِ، لا يَسْتَطِيعُونَ النَّظَرَ بِجَمِيعِ العَيْنِ، وإنَّما يَنْظُرُونَ مِن بَعْضِها، فَيَجُوزُ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ أنْ يَكُونَ الطَّرْفُ مَصْدَرًا، أيْ: مِن نَظَرٍ خَفِيٍّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ [الشورى: ٤٥]، أيْ: يَبْتَدِئُ نَظَرُهم مِن تَحْرِيكٍ لِأجْفانِهِمْ ضَعِيفٍ خَفِيٍّ بِمُسارَقَةٍ، كَما تَرى المُصَوِّرَ يَنْظُرُ إلى السَّيْفِ، وهَكَذا نَظَرُ النّاظِرِ إلى المَكارِهِ، ولا يَقْدِرُ أنْ يَفْتَحَ أجْفانَهُ عَلَيْها ويَمْلَأ عَيْنَهُ مِنها، كَما يَفْعَلُ في نَظَرِهِ إلى المُتَحابِّ.
الشورى 42:40
(p-٥٢٠)﴿ومِن آياتِهِ الجَوارِي في البَحْرِ كالأعْلامِ﴾ ﴿إنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ ﴿أوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا ويَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾ ﴿ويَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِنا ما لَهم مِن مَحِيصٍ﴾ ﴿فَما أُوتِيتُمْ مِن شَيْءٍ فَمَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا وما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وأبْقى لِلَّذِينَ آمَنُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الإثْمِ والفَواحِشَ وإذا ما غَضِبُوا هم يَغْفِرُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ وأقامُوا الصَّلاةَ وأمْرُهم شُورى بَيْنَهم ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ إذا أصابَهُمُ البَغْيُ هم يَنْتَصِرُونَ﴾ ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها فَمَن عَفا وأصْلَحَ فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ إنَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ ﴿ولَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِن سَبِيلٍ﴾ ﴿إنَّما السَّبِيلُ عَلى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النّاسَ ويَبْغُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿ولَمَن صَبَرَ وغَفَرَ إنَّ ذَلِكَ لَمِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن ولِيٍّ مِن بَعْدِهِ وتَرى الظّالِمِينَ لَمّا رَأوُا العَذابَ يَقُولُونَ هَلْ إلى مَرَدٍّ مِن سَبِيلٍ﴾ ﴿وتَراهم يُعْرَضُونَ عَلَيْها خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ [الشورى: ٤٥] .
لَمّا ذَكَرَ تَعالى مِن دَلائِلِ وحْدانِيَّتِهِ أنْواعًا، ذَكَرَ بَعْدَها العالَمَ الأكْبَرَ، وهو السَّماواتُ والأرْضُ؛ ثُمَّ العالَمَ الأصْغَرَ، وهو الحَيَوانُ. ثُمَّ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ المَعادِ، أتْبَعَهُ بِذِكْرِ السُّفُنِ الجارِيَةِ في البَحْرِ، لِما فِيها مِن عَظِيمِ دَلائِلِ القُدْرَةِ، مِن جِهَةِ أنَّ الماءَ جِسْمٌ لَطِيفٌ شَفّافٌ يَغُوصُ فِيهِ الثَّقِيلُ، والسُّفُنُ تَشْخَصُ بِالأجْسامِ الثَّقِيلَةِ الكَثِيفَةِ، ومَعَ ذَلِكَ جَعَلَ تَعالى لِلْماءِ قُوَّةً يَحْمِلُها بِها ويَمْنَعُ مِنَ الغَوْصِ، ثُمَّ جَعَلَ الرِّياحَ سَبَبًا لِسَيْرِها، فَإذا أرادَ أنْ تَرْسُوَ، أسْكَنَ الرِّيحَ، فَلا تَبْرَحُ عَنْ مَكانِها. و﴿الجَوارِي﴾ جَمْعُ جارِيَةٍ، وأصْلُهُ السُّفُنُ الجَوارِي، حُذِفَ المَوْصُوفُ وقامَتْ صِفَتُهُ مَقامَهُ، وحَسَّنَ ذَلِكَ قَوْلُهُ: (في البَحْرِ)، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّها صِفَةٌ لِلسُّفُنِ، وإلّا فَهي صِفَةٌ غَيْرُ مُخْتَصَّةٍ، فَكانَ القِياسُ أنْ لا يُحْذَفَ المَوْصُوفُ ويَقُومَ مَقامَهُ. ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّها صِفَةٌ غالِبَةٌ، كالأبْطَحِ، فَجازَ أنْ تَلِيَ العَوامِلَ بِغَيْرِ ذِكْرِ المَوْصُوفِ. وقُرِئَ (الجَوارِي) بِالياءِ ودُونِها، وسُمِعَ مِنَ العَرَبِ الإعْرابُ في الرّاءِ، و(في البَحْرِ) مُتَعَلِّقٌ بِالجَوارِي، و﴿كالأعْلامِ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، والأعْلامُ: الجِبالُ، ومِنهُ قَوْلُ الخَنْساءِ أُخْتِ صَخْرٍ ومُعاوِيَةَ:
؎وإنَّ صَخْرًا لَتَأْتَمُّ الهُداةُ بِهِ كَأنَّهُ عَلَمٌ في رَأْسِهِ نارُ
ومِنهُ:
؎إذا قَطَعْنَ عَلَمًا بَدا عَلَمُ
وقَرَأ جُمْهُورُ السَّبْعَةِ: (الرِّيحَ) إفْرادًا، ونافِعٌ: جَمْعًا، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (فَيَظْلَلْنَ) بِفَتْحِ اللّامِ، وقَرَأ قَتادَةُ: بِكَسْرِها، والقِياسُ الفَتْحُ؛ لِأنَّ الماضِيَ بِكَسْرِ العَيْنِ، فالكَسْرُ في المُضارِعِ شاذٌّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مِن ظَلَّ يَظَلُّ ويَظِلُّ، نَحْوَ ضَلَّ يَضَلُّ ويَضِلُّ. انْتَهى.
ولَيْسَ كَما ذُكِرَ؛ لِأنَّ يَضَلُّ بِفَتْحِ العَيْنِ مِن ضَلِلْتُ بِكَسْرِها في الماضِي، ويَضِلُّ بِكَسْرِها مِن ضَلَلْتُ بِفَتْحِها في الماضِي، وكِلاهُما مَقِيسٌ.
﴿لِكُلِّ صَبّارٍ﴾ عَلى بَلائِهِ، (شَكُورٍ) لِنَعْمائِهِ.
﴿أوْ يُوبِقْهُنَّ﴾: يُهْلِكْهُنَّ، أيِ: الجَوارِي، وهو عَطْفٌ عَلى (يُسْكِنِ)، والضَّمِيرُ في (كَسَبُوا) عائِدٌ عَلى رُكّابِ السُّفُنِ، أيْ: بِذُنُوبِهِمْ. وقَرَأ الأعْمَشُ (ويَعْفُو) بِالواوِ، وعَنْ أهْلِ المَدِينَةِ: بِنَصْبِ الواوِ، والجُمْهُورُ (ويَعْفُ) مَجْزُومًا عَطْفًا عَلى (يُوبِقْهُنَّ) . فَأمّا قِراءَةُ الأعْمَشِ، فَإنَّهُ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ يَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ، أيْ: لا يُؤاخِذُ بِجَمِيعِ ما اكْتَسَبَ الإنْسانُ. وأمّا النَّصْبُ، فَبِإضْمارِ أنْ بَعْدَ الواوِ، وكالنَّصْبِ بَعْدَ الفاءِ في قِراءَةِ مَن قَرَأ ﴿يُحاسِبْكم بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ﴾ [البقرة: ٢٨٤] وبَعْدَ الواوِ في قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎فَإنْ يَهْلَكْ أبُو قابُوسِ يَهْلَكْ ∗∗∗ رَبِيعُ النّاسِ والشَّهْرُ الحَرامُ
؎ونَأْخُذُ بَعْدَهُ بِذِنابِ عَيْشٍ ∗∗∗ أجَبَّ الظَّهْرِ لَيْسَ لَهُ سَنامُ
رُوِيَ بِنَصْبِ (ونَأْخُذُ) ورَفْعِهِ وجَزْمِهِ.
وفِي هَذِهِ القِراءَةِ يَكُونُ العَطْفُ عَلى مَصْدَرٍ مُتَوَهَّمٍ، أيْ: يَقَعُ إيباقٌ وعَفْوٌ عَنْ كَثِيرٍ. وأمّا الجَزْمُ فَإنَّهُ داخِلٌ في حُكْمِ جَوابِ الشَّرْطِ؛ إذْ هو مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ، وهو راجِعٌ في المَعْنى إلى قِراءَةِ النَّصْبِ، لَكِنَّ هَذا عَطْفُ فِعْلٍ عَلى فِعْلٍ، وفي النَّصْبِ عَطْفُ مَصْدَرٍ مُقَدَّرٍ عَلى مَصْدَرٍ مُتَوَهَّمٍ.
وقالَ القُشَيْرِيُّ: وقُرِئَ: (ويَعْفُ) بِالجَزْمِ، وفِيها إشْكالٌ؛ لِأنَّ المَعْنى: إنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ، فَتَبْقى (p-٥٢١)تِلْكَ السُّفُنُ رَواكِدُ، أوْ يُهْلِكَها بِذُنُوبِ أهْلِها، فَلا يَحْسُنُ عَطْفُ (ويَعْفُ) عَلى هَذِهِ؛ لِأنَّ المَعْنى يَصِيرُ إنْ يَشَأْ يَعْفُ، ولَيْسَ المَعْنى ذَلِكَ، بَلِ المَعْنى: الإخْبارُ عَنِ الغُيُوبِ عَنْ شَرْطِ المَشِيئَةِ، فَهو إذَنْ عُطِفَ عَلى المَجْزُومِ مِن حَيْثُ اللَّفْظِ، لا مِن حَيْثُ المَعْنى.
وقَدْ قَرَأ قَوْمٌ (ويَعْفُو) بِالرَّفْعِ، وهي جَيِّدَةٌ في المَعْنى. انْتَهى، وما قالَهُ لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ إذْ لَمْ يَفْهَمْ مَدْلُولَ التَّرْكِيبِ. والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى إنْ يَشَأْ أهْلَكَ ناسًا وأنْجى ناسًا عَلى طَرِيقِ العَفْوِ عَنْهم.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): عَلامَ عُطِفَ يُوبِقْهُنَّ ؟ (قُلْتُ): عَلى (يُسْكِنِ) لِأنَّ المَعْنى: إنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَرْكُدْنَ، أوْ يَعْصِفْها فَيَغْرَقْنَ بِعَصْفِها. انْتَهى.
ولا يَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: أوْ يَعْصِفُها فَيَغْرَقْنَ؛ لِأنَّ إهْلاكَ السُّفُنِ لا يَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ بِعَصْفِ الرِّيحِ، بَلْ قَدْ يُهْلِكُها تَعالى بِسَبَبٍ غَيْرِ الرِّيحِ، كَنُزُولِ سَطْحِها بِكَثْرَةِ الثِّقَلِ، أوِ انْكِسارِ اللَّوْحِ يَكُونُ سَبَبًا لِإهْلاكِها، أوْ يَعْرِضُ عَدُوٌّ يُهْلِكُ أهْلَها. وقَرَأ الأعْرَجُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (ويَعْلَمُ) بِالرَّفْعِ عَلى القَطْعِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (ويَعْلَمَ) بِالنَّصْبِ؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: وحَسُنَ النَّصْبُ إذا كانَ قَبْلَهُ شَرْطٌ وجَزاءٌ، وكُلُّ واحِدٍ مِنهُما غَيْرُ واجِبٍ.
وقالَ الزَّجّاجُ: عَلى إضْمارِ أنْ؛ لِأنَّ قَبْلَها جَزاءً. تَقُولُ: ما تَصْنَعُ أصْنَعُ مِثْلَهُ، وأُكْرِمَكَ، وإنْ شِئْتَ: وأكْرِمُكَ، عَلى: وأنا أُكْرِمُكَ، وإنْ شِئْتَ: وأُكْرِمْكَ جَزْمًا.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فِيهِ نَظَرٌ، لِما أوْرَدَهُ سِيبَوَيْهِ في كِتابِهِ قالَ: واعْلَمْ أنَّ النَّصْبَ بِالفاءِ والواوِ في قَوْلِهِ: إنْ تَأْتِنِي آتِكَ وأُعْطِيكَ ضَعِيفٌ، وهو نَحْوٌ مِن قَوْلِهِ:
؎وألْحَقُ بِالحِجازِ فَأسْتَرِيحا
فَهَذا لا يَجُوزُ، ولَيْسَ بِحَدِّ الكَلامِ ولا وجْهِهِ، إلّا أنَّهُ في الجَزاءِ صارَ أقْوى قَلِيلًا؛ لِأنَّهُ لَيْسَ بِواجِبٍ أنَّهُ يَفْعَلُ إلّا أنْ يَكُونَ مِنَ الأوَّلِ فِعْلٌ.
فَلَمّا ضارَعَ الَّذِي لا يُوجِبُهُ، كالِاسْتِفْهامِ ونَحْوِهِ، أجازُوا فِيهِ هَذا عَلى ضَعْفِهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولا يَجُوزُ أنْ تُحْمَلَ القِراءَةُ المُسْتَفِيضَةُ عَلى وجْهٍ ضَعِيفٍ لَيْسَ بِحَدِّ الكَلامِ ولا وجْهِهِ، ولَوْ كانَتْ مِن هَذا البابِ، لَما أخْلى سِيبَوَيْهِ مِنها كِتابَهُ، وقَدْ ذَكَرَ نَظائِرَها مِنَ الآياتِ المُشْكَلَةِ. انْتَهى.
وخَرَّجَ الزَّمَخْشَرِيُّ النَّصْبَ عَلى أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى تَعْلِيلٍ مَحْذُوفٍ، قالَ: تَقْدِيرُهُ: لِيَنْتَقِمَ مِنهم ويَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ، يُكْرَهُ في العَطْفِ عَلى التَّعْلِيلِ المَحْذُوفِ غَيْرُ عَزِيزٍ في القُرْآنِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنّاسِ﴾ [البقرة: ٢٥٩]، وقَوْلُهُ: ﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ﴾ [العنكبوت: ٤٤]، ﴿ولِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ [الجاثية: ٢٢] . انْتَهى.
ويَبْعُدُ تَقْدِيرُهُ لِيَنْتَقِمَ مِنها؛ لِأنَّهُ تَرَتَّبَ عَلى الشَّرْطِ إهْلاكُ قَوْمٍ، فَلا يَحْسُنُ لِيَنْتَقِمَ مِنهم. وأمّا الآيَتانِ فَيُمْكِنُ أنْ تَكُونَ اللّامُ مُتَعَلِّقَةً بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: ﴿ولِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنّاسِ﴾ [مريم: ٢١]، ﴿ولِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ [الجاثية: ٢٢] . فَعَلْنا ذَلِكَ، وكَثِيرًا ما يُقَدَّرُ هَذا الفِعْلُ مَحْذُوفًا قَبْلَ لامِ العِلَّةِ، إذا لَمْ يَكُنْ فِعْلٌ ظاهِرٌ يَتَعَلَّقُ بِهِ.
وذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: (ويَعْلَمَ) قُرِئَ بِالجَزْمِ، (فَإنْ قُلْتَ): فَكَيْفَ يَصِحُّ المَعْنى عَلى جَزْمِ (ويَعْلَمَ) ؟ (قُلْتُ): كَأنَّهُ قالَ: أوْ إنْ يَشَأْ يَجْمَعُ بَيْنَ ثَلاثَةِ أُمُورٍ: هَلاكِ قَوْمٍ، ونَجاةِ قَوْمٍ، وتَحْذِيرِ آخَرِينَ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ويَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِنا ما لَهم مِن مَحِيصٍ﴾ يَتَضَمَّنُ تَحْذِيرَهم مِن عِقابِ اللَّهِ، و﴿ما لَهم مِن مَحِيصٍ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ؛ لِأنَّ (يَعْلَمَ) مُعَلَّقَةٌ، كَقَوْلِكَ: عَلِمْتُ ما زَيْدٌ قائِمٌ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ في قِراءَةِ النَّصْبِ: وهَذِهِ الواوُ ونَحْوُها الَّتِي تُسَمِّيها الكُوفِيُّونَ واوَ الصَّرْفِ؛ لِأنَّ حَقِيقَةَ واوِ الصَّرْفِ الَّتِي يُرِيدُونَها عَطْفُ فِعْلٍ عَلى اسْمٍ مُقَدَّرٍ، فَيُقَدَّرُ أنْ لِيَكُونَ مَعَ الفِعْلِ بِتَأْوِيلِ المَصْدَرِ، فَيَحْسُنُ عَطْفُهُ عَلى الِاسْمِ. انْتَهى.
ولَيْسَ قَوْلُهُ تَعْلِيلًا لِقَوْلِهِمْ: واوُ الصَّرْفِ، إنَّما هو تَقْرِيرٌ لِمَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ. وأمّا الكُوفِيُّونَ فَإنَّ واوَ الصَّرْفِ ناصِبَةٌ بِنَفْسِها، لا بِإضْمارِ أنْ بَعْدَها.
وقالَ أبُو عُبَيْدٍ عَلى الصَّرْفِ كالَّذِي في آلِ عِمْرانَ: ﴿ولَمّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنكم ويَعْلَمَ الصّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٢]، ومَعْنى الصَّرْفِ أنَّهُ كانَ عَلى جِهَةٍ فَصُرِفَ إلى غَيْرِها، فَتَغَيَّرَ الإعْرابُ لِأجْلِ الصَّرْفِ. والعَطْفُ لا يُعَيِّنُ الِاقْتِرانَ في الوُجُودِ، كالعَطْفِ في الِاسْمِ، نَحْوُ: جاءَ زَيْدٌ وعَمْرٌو. ولَوْ نُصِبَ (وعَمْرُو) اقْتَضى الِاقْتِرانَ؛ (p-٥٢٢)وكَذَلِكَ واوُ الصَّرْفِ، لِيُفِيدَ مَعْنى الِاقْتِرانِ ويُعَيِّنَ مَعْنى الِاجْتِماعِ، ولِذَلِكَ أُجْمِعَ عَلى النَّصْبِ في قَوْلِهِ: ﴿ويَعْلَمَ الصّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٢]، أيْ: ويَعْلَمَ المُجاهِدِينَ والصّابِرِينَ مَعًا.
عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - اجْتَمَعَ لِأبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مالٌ، فَتَصَدَّقَ بِهِ كُلِّهِ في سَبِيلِ اللَّهِ والخَيْرِ، فَلامَهُ المُسْلِمُونَ وخَطَّأهُ الكافِرُونَ، فَنَزَلَتْ: ﴿فَما أُوتِيتُمْ مِن شَيْءٍ﴾، والظّاهِرُ أنَّهُ خِطابٌ لِلنّاسِ.
وقِيلَ: لِلْمُشْرِكِينَ، وما شَرْطِيَّةٌ مَفْعُولٌ ثانٍ لِـ (أُوتِيتُمْ)، و(مِن شَيْءٍ) بَيانٌ لِما، والمَعْنى: مِن شَيْءٍ مِن رِياشِ الدُّنْيا ومالِها والسَّعَةِ فِيها، والفاءُ جَوابُ الشَّرْطِ، أيْ: فَهو مَتاعٌ، أيْ: يُسْتَمْتَعُ في الحَياةِ.
(وما عِنْدَ اللَّهِ) أيْ: مِن ثَوابِهِ وما أعَدَّ لِأوْلِيائِهِ، ﴿خَيْرٌ وأبْقى﴾ مِمّا أُوتِيتُمْ؛ لِأنَّهُ لا انْقِطاعَ لَهُ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في الكَبائِرِ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ [النساء: ٣١]، في النِّساءِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (كَبائِرَ) جَمْعًا هُنا، وفي النَّجْمِ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: بِالإفْرادِ.
﴿والَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ﴾: عُطِفَ عَلى (الَّذِينَ آمَنُوا)، وكَذَلِكَ ما بَعْدَهُ. ووَقَعَ لِأبِي البَقاءِ وهْمٌ في التِّلاوَةِ، اعْتَقَدَ أنَّها الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ بِغَيْرِ واوٍ، فَبَنى عَلَيْهِ الإعْرابَ فَقالَ: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ﴾ [النجم: ٣٢] في مَوْضِعِ جَرٍّ بَدَلًا مِنَ (الَّذِينَ آمَنُوا) ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِإضْمارٍ، أعْنِي: وفي مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى تَقْدِيرِ هم. انْتَهى.
والعامِلُ في (إذا) ﴿يَغْفِرُونَ﴾ وهي جُمْلَةٌ مِن مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ مَعْطُوفَةٌ عَلى (يَجْتَنِبُونَ) ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (هم) تَوْكِيدًا لِلْفاعِلِ في ﴿غَضِبُوا﴾ .
وقالَ أبُو البَقاءِ (هم) مُبْتَدَأٌ، و(يَغْفِرُونَ) الخَبَرُ، والجُمْلَةُ جَوابُ (إذا) . انْتَهى، وهَذا لا يَجُوزُ؛ لِأنَّ الجُمْلَةَ لَوْ كانَتْ جَوابَ (إذا) لَكانَتْ بِالفاءِ، تَقُولُ: إذا جاءَ زَيْدٌ فَعَمْرٌو مُنْطَلِقٌ، ولا يَجُوزُ حَذْفُ الفاءِ إلّا إنْ ورَدَ في شِعْرٍ. وقِيلَ: (هم) مَرْفُوعٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يُفَسِّرُهُ (يَغْفِرُونَ) ولَمّا حُذِفَ انْفَصَلَ الضَّمِيرُ، وهَذا القَوْلُ فِيهِ نَظَرٌ، وهو أنَّ جَوابَ (إذا) يُفَسَّرُ كَما يُفَسَّرُ فِعْلُ الشَّرْطِ بَعْدَها، نَحْوُ: ﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ [الإنشقاق: ١]، ولا يَبْعُدُ جَوازُ ذَلِكَ عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ، إذْ جاءَ ذَلِكَ في أداةِ الشَّرْطِ الجازِمَةِ، نَحْوُ: إنْ يَنْطَلِقْ زَيْدٌ يَنْطَلِقُ، فَزِيدٌ عِنْدَهُ فاعِلٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يُفَسِّرُهُ الجَوابُ، أيْ: يَنْطَلِقُ زَيْدٌ، مَنَعَ ذَلِكَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هم يَغْفِرُونَ، أيْ: هُمُ الأخِصّاءُ بِالغُفْرانِ، في حالِ الغَضَبِ لا يَغُولُ الغَضَبُ أحْلامَهم، كَما يَغُولُ حُلُومَ النّاسِ. والمَجِيءُ لَهم وإيقاعُهُ مُبْتَدَأٌ، وإسْنادُ (يَغْفِرُونَ) إلَيْهِ لِهَذِهِ الفائِدَةِ. انْتَهى، وفِيهِ حَضٌّ عَلى كَسْرِ الغَضَبِ.
وفِي الحَدِيثِ: «أوْصِنِي، قالَ: لا تَغْضَبْ، قالَ: زِدْنِي، قالَ: لا تَغْضَبْ، قالَ: زِدْنِي، قالَ: لا تَغْضَبْ» .
﴿والَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ﴾، قِيلَ: نَزَلَتْ في الأنْصارِ، دَعاهُمُ اللَّهُ لِلْإيمانِ بِهِ وطاعَتِهِ فاسْتَجابُوا لَهُ. وكانُوا قَبْلَ الإسْلامِ، وقَبْلَ أنْ يُقْدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المَدِينَةَ، إذا نابَهم أمْرٌ تَشاوَرُوا، فَأثْنى اللَّهُ عَلَيْهِمْ، لا يَنْفَرِدُونَ بِأمْرٍ حَتّى يَجْتَمِعُوا عَلَيْهِ.
وعَنِ الحَسَنِ: ما تَشاوَرَ قَوْمٌ إلّا هُدُوا لِأرْشَدِ أمْرِهِمْ. انْتَهى.
وفِي الشُّورى اجْتِماعُ الكَلِمَةِ والتَّحابُّ والتَّعاضُدُ عَلى الخَيْرِ. وقَدْ شاوَرَ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فِيما يَتَعَلَّقُ بِمَصالِحَ الحُرُوبِ، والصَّحابَةُ بَعْدَهُ في ذَلِكَ، كَمُشاوَرَةِ عُمَرُ لِلْهُرْمُزِ. وفي الأحْكامِ، كَقِتالِ أهْلِ الرِّدَّةِ، ومِيراثِ الحَرْبِيِّ، وعَدَدِ مُدْمِنِي الخَمْرِ، وغَيْرِ ذَلِكَ.
والشُّورى مَصْدَرٌ كالفُتْيا بِمَعْنى التَّشاوُرِ، عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: وأمْرُهم ذُو شُورى بَيْنِهِمْ. و﴿هم يَنْتَصِرُونَ﴾: صِلَةٌ لِلَّذِينِ، وإذا مَعْمُولَةٌ لِـ (يَنْتَصِرُونَ)، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿هم يَنْتَصِرُونَ﴾ جَوابًا لـ (إذا) والجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ وجَوابُها صِلَةٌ لِما ذَكَرْناهُ مِن لُزُومِ الفاءِ، ويَجُوزُ هُنا أنْ يَكُونَ (هم) فاعِلًا بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ عَلى ذَلِكَ القَوْلِ الَّذِي قِيلَ في ﴿هم يَغْفِرُونَ﴾ . وقالَ الحَوْفِيُّ: وإنْ شِئْتَ جَعَلْتَ (هم) تَوْكِيدًا لِلْهاءِ والمِيمِ، يَعْنِي في (أصابَهم) وهو ضَمِيرُ رَفْعٍ، وفي هَذا نَظَرٌ، وفِيهِ الفَصْلُ بَيْنَ المُؤَكَّدِ والتَّوْكِيدِ بِالفاعِلِ، وهو فِعْلٌ، الظّاهِرُ أنَّهُ لا يَمْتَنِعُ، والِانْتِصارُ: أنْ يَقْتَصِرَ عَلى ما حَدَّهُ اللَّهُ لَهُ ولا يَعْتَدِي.
وقالَ النَّخَعِيُّ: كانُوا يَكْرَهُونَ أنْ يُذِلُّوا أنْفَسَهم، فَتَجْتَرِئُ عَلَيْهِمُ الفُسّاقُ، ومَنِ انْتَصَرَ غَيْرُ مُتَعَدٍّ فَهو مُطِيعٌ مَحْمُودٌ. وقالَ مُقاتِلٌ، وهِشامٌ عَنْ عُرْوَةَ: الآيَةُ في المَجْرُوحِ يَنْتَصِفُ مِنَ الجارِحِ بِالقِصاصِ. وقالَ (p-٥٢٣)ابْنُ عَبّاسٍ: تَعَدّى المُشْرِكُونَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وعَلى أصْحابِهِ، وأخْرَجُوهم مِن مَكَّةَ، فَأذِنَ اللَّهُ لَهم بِالخُرُوجِ في الأرْضِ، ونَصَرَهم عَلى مَن بَغى عَلَيْهِمْ.
وقالَ الكِيا الطَّبَرِيُّ: ظاهِرُهُ أنَّ الِانْتِصارَ في هَذا المَوْضِعِ أفْضَلُ، ألا تَرى أنَّهُ قَرَنَهُ إلى ذِكْرِ الِاسْتِجابَةِ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ وإقامَةِ الصَّلاةِ ؟ فَهَذا عَلى ما ذَكَرَهُ النَّخَعِيُّ، وهَذا فِيمَن تَعَدّى وأصَرَّ، والمَأْمُورُ فِيهِ بِالعَفْوِ إذا كانَ الجانِي نادِمًا مُقْلِعًا. وقَدْ قالَ عَقِيبَ هَذِهِ الآيَةِ ﴿ولَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ﴾ الآيَةَ، فَيَقْتَضِي إباحَةَ الِانْتِصارِ. وقَدْ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَمَن صَبَرَ وغَفَرَ﴾، وهَذا مَحْمُولٌ، عَلى القُرْآنِ عِنْدَ غَيْرِ المُصِرِّ. فَأمّا المُصِرُّ عَلى البَغْيِ، فالأفْضَلُ الِانْتِصارُ مِنهُ بِدَلِيلِ الآيَةِ قَبْلَها. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: المَعْنى تَناصَرُوا عَلَيْهِ فَأزالُوهُ عَنْهم.
وقالَ أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ نَحْوًا مِن قَوْلِ الكِيا.
قالَ الجُمْهُورُ: إذا بَغى مُؤْمِنٌ عَلى مُؤْمِنٍ فَلا يَجُوزُ لَهُ أنْ يَنْتَصِرَ مِنهُ بِنَفْسِهِ، بَلْ يَرْفَعُ ذَلِكَ إلى الإمامِ أوْ نائِبِهِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: لَهُ ذَلِكَ.
﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾: هَذا بَيانٌ لِلِانْتِصارِ، أيْ: لا يَتَعَدّى فِيما يُجازِي بِهِ مَن بَغى عَلَيْهِ.
قالَ ابْنُ أبِي نَجِيحٍ، والسُّدِّيُّ: إذا شُتِمَ فَلَهُ أنْ يَرُدَّ مِثْلَ ما شُتِمَ بِهِ دُونَ أنْ يَتَعَدّى، وسُمِّيَ القِصاصُ سَيِّئَةً عَلى سَبِيلِ المُقابَلَةِ، أوْ لِأنَّها تَسُوءُ مَنِ اقْتُصَّ مِنهُ، كَما ساءَتِ الحَيْضُ. وظاهِرُ قَوْلِهِ: (مِثْلُها) المُماثَلَةُ مُطْلَقًا في كُلِّ الأحْوالِ، لا فِيما خَصَّهُ الدَّلِيلُ. والفُقَهاءُ أدْخَلُوا التَّخْصِيصَ في صُوَرٍ كَثِيرَةٍ بِناءً عَلى القِياسِ.
قالَ مُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ: إذا قالَ لَهُ: أخْزاكَ اللَّهُ، فَلْيَقُلْ: أخْزاكَ اللَّهُ، وإذا قَذَفَهُ قَذْفًا يُوجِبُ الحَدَّ، بَلِ الحَدُّ الَّذِي أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ.
﴿فَمَن عَفا وأصْلَحَ﴾ أيْ: بَيْنَهُ وبَيْنَ خَصْمِهِ بِالعَفْوِ، ﴿فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ﴾: عِدَةٌ مُبْهَمَةٌ لا يُقاسُ عِظَمُها؛ إذْ هي عَلى اللَّهِ.
﴿إنَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ أيِ: الخائِنِينَ، وإذا كانَ لا يُحِبُّهُ وقَدْ نُدِبَ إلى العَفْوِ عَنْهُ، فالعَفْوُ الَّذِي يُحِبُّهُ اللَّهُ أوْلى أنْ يَعْفِيَ عَنْهُ، أوْ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ مَن تَجاوَزَ واعْتَدى مِنَ المَجْنِيِّ عَلَيْهِمْ، إذا انْتَصَرُوا خُصُوصًا في حالَةِ الحَرْبِ والتِهابِ الحَمِيَّةِ، فَرُبَّما يَظْلِمُ وهو لا يَشْعُرُ.
وفِي الحَدِيثِ: «إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ نادى مُنادٍ: مَن كانَ لَهُ أجْرٌ عَلى اللَّهِ فَلْيَقُمْ، قالَ: فَيَقُومُ خَلْقٌ، فَيُقالُ لَهم: ما أجْرُكم عَلى اللَّهِ ؟ فَيَقُولُونَ: نَحْنُ عَفَوْنا عَمَّنْ ظَلَمَنا، فَيُقالُ لَهُمُ: ادْخُلُوا الجَنَّةَ بِإذْنِ اللَّهِ» .
واللّامُ في ﴿ولَمَنِ انْتَصَرَ﴾ لامُ تَوْكِيدٍ. قالَ الحَوْفِيُّ: وفِيها مَعْنى القَسَمِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لامُ التِقاءِ القَسَمِ، يَعْنِيانِ أنَّها اللّامُ الَّتِي يُتَلَقّى بِها القَسَمُ، فالقَسَمُ قَبْلَها مَحْذُوفٌ، ومَن شُرْطِيَّةٌ، وحُمِلَ ﴿انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ﴾ عَلى لَفْظِ (مَن) و(فَأُولَئِكَ) عَلى مَعْنى (مَن) والفاءُ جَوابُ الشَّرْطِ، و(ظُلْمِهِ) مَصْدَرٌ مُضافٌ إلى المَفْعُولِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويُفَسِّرُهُ قِراءَةُ مَن قَرَأ (بَعْدَ ما ظُلِمَ) .
﴿ما عَلَيْهِمْ مِن سَبِيلٍ﴾، قِيلَ أيْ: مِن طَرِيقٍ إلى الحَرَجِ؛ وقِيلَ: مِن سَبِيلٍ لِلْمُعاقِبِ، ولا المُعاتِبِ والعاتِبِ، وهَذِهِ مُبالَغَةٌ في إباحَةِ الِانْتِصارِ.
﴿إنَّما السَّبِيلُ﴾ أيْ: سَبِيلُ الإثْمِ والحَرَجِ، ﴿عَلى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ﴾ أيْ: يَبْتَذِلُونَ بِالظُّلْمِ، ﴿ويَبْغُونَ في الأرْضِ﴾ أيْ: يَتَكَبَّرُونَ فِيها ويَعْلُونَ ويُفْسِدُونَ. وقِيلَ: (ويَظْلِمُونَ النّاسَ) أيْ: يَضَعُونَ الأشْياءَ غَيْرَ مَواضِعِها مِنَ القَتْلِ وأخْذِ المالِ والأذى بِاليَدِ واللِّسانِ.
والبَغْيُ بِغَيْرِ الحَقِّ، فَهو نَوْعٌ مِن أنْواعِ الظُّلْمِ، خَصَّهُ بِالذِّكْرِ تَنْبِيهًا عَلى شِدَّتِهِ وسُوءِ حالِ صاحِبِهِ. انْتَهى.
﴿ولَمَن صَبَرَ﴾ أيْ: عَلى الظُّلْمِ والأذى، (وغَفَرَ)، ولَمْ يَنْتَصِرْ. واللّامُ في (ولَمَن) يَجُوزُ أنْ تَكُونَ اللّامَ المُوَطِّئَةَ القَسَمَ المَحْذُوفَ، ومَن شَرْطِيَّةٌ، وجَوابُ القَسَمِ قَوْلُهُ: (إنَّ ذَلِكَ)، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ جَوابِ القَسَمِ عَلَيْهِ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ اللّامُ لامَ الِابْتِداءِ، ومَن مَوْصُولَةً مُبْتَدَأً، والجُمْلَةُ المُؤَكَّدَةُ بِإنَّ في مَوْضِعِ الخَبَرِ.
وقالَ الحَوْفِيُّ: (مَن) رُفِعَ بِالِابْتِداءِ وأُضْمِرَ الخَبَرُ، وجَوابُ الشَّرْطِ إنَّ وما تَعَلَّقَتْ بِهِ عَلى حَذْفِ الفاءِ، كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎مِن يَفْعَلُ الحَسَناتِ اللَّهُ يَشْكُرُها
أيْ: فاللَّهُ يَشْكُرُها. انْتَهى، وهَذا لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّ حَذْفَ الفاءِ مَخْصُوصٌ بِالشِّعْرِ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ. والإشارَةُ بِذَلِكَ إلى ما يُفْهَمُ مِن مَصْدَرِ صَبَرَ وغَفَرَ، والعائِدُ عَلى المَوْصُولِ المُبْتَدَأِ مِنَ الخَبَرِ مَحْذُوفٌ، أيْ: إنَّ ذَلِكَ مِنهُ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ: ﴿لَمِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾، إنْ كانَ ذَلِكَ (p-٥٢٤)إشارَةً إلى المَصْدَرِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولَمَن صَبَرَ وغَفَرَ﴾، لَمْ يَكُنْ في ﴿عَزْمِ الأُمُورِ﴾ حَذْفٌ، وإنْ كانَ ذَلِكَ إشارَةً إلى المُبْتَدَأِ، كانَ هو الرّابِطُ، ولا يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرٍ مِنهُ، وكانَ في ﴿عَزْمِ الأُمُورِ﴾، أيْ: إنَّهُ لَمِن ذَوِي عَزْمِ الأُمُورِ.
وسَبَّ رَجُلٌ آخَرَ في مَجْلِسِ الحَسَنِ، فَكانَ المَسْبُوبُ يَكْظِمُ ويَعْرَقُ ويَمْسَحُ العَرَقَ، ثُمَّ قامَ فَتَلا الآيَةَ، فَقالَ الحَسَنُ: عَقَلَها واللَّهِ وفَهِمَها لِمَ هَذِهِ ضَيَّعَها الجاهِلُونَ.
والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: (إنَّما السَّبِيلُ) اعْتِراضٌ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿ولَمَنِ انْتَصَرَ﴾، وقَوْلِهِ: ﴿ولَمَن صَبَرَ﴾ .
﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن ولِيٍّ مِن بَعْدِهِ﴾ أيْ: مِن ناصِرٍ يَتَوَلّاهُ (مِن بَعْدِهِ) أيْ: مِن بَعْدِ إضْلالِهِ، وهَذا تَحْقِيرٌ لِأمْرِ الكَفَرَةِ.
﴿وتَرى الظّالِمِينَ﴾: الخِطابُ لِلرَّسُولِ، والمَعْنى: وتَرى حالَهم وما هم فِيهِ مِنَ الحَيْرَةِ، ﴿لَمّا رَأوُا العَذابَ﴾، يَقُولُونَ: ﴿هَلْ إلى مَرَدٍّ مِن سَبِيلٍ﴾: هَلْ سَبِيلٌ إلى الرَّدِّ لِلدُّنْيا ؟ وذَلِكَ مِن فَظِيعِ ما اطَّلَعُوا عَلَيْهِ، وسُوءِ ما يَحِلُّ بِهِمْ.
﴿وتَراهم يُعْرَضُونَ عَلَيْها﴾ [الشورى: ٤٥] أيْ: عَلى النّارِ، دَلَّ عَلَيْها ذِكْرُ العَذابِ، (خاشِعِينَ) مُتَضائِلِينَ صاغِرِينَ مِمّا يَلْحَقُهم، (مِنَ الذُّلِّ) .
وقَرَأ طَلْحَةُ: (مِنَ الذِّلِّ)، بِكَسْرِ الذّالِ؛ والجُمْهُورُ: بِالضَّمِّ، والخُشُوعُ: الِاسْتِكانَةُ، وهو مَحْمُودٌ. وإنَّما أخْرَجَهُ إلى الذَّمِّ اقْتِرانُهُ بِالعَذابِ. وقِيلَ: (مِنَ الذُّلِّ) مُتَعَلِّقٌ بِـ ﴿يَنْظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ [الشورى: ٤٥] .
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ذَلِيلٍ. انْتَهى.
قِيلَ: ووُصِفَ بِالخَفاءِ؛ لِأنَّ نَظَرَهم ضَعِيفٌ ولَحْظُهم نِهايَةٌ، قالَ الشّاعِرُ:
؎فَغُضَّ الطَّرْفَ إنَّكَ مِن نُمَيْرٍ
وقِيلَ: يُحْشَرُونَ عُمْيًا. ولَمّا كانَ نَظَرُهم بِعُيُونِ قُلُوبِهِمْ، جَعَلَهُ طَرَفًا خَفِيًّا، أيْ: لا يَبْدُو نَظَرُهم، وهَذا التَّأْوِيلُ فِيهِ تُكَلُّفٌ.
وقالَ السُّدِّيُّ، وقَتادَةُ: المَعْنى يُسارِقُونَ النَّظَرَ لِما كانُوا فِيهِ مِنَ الهَمِّ وسُوءِ الحالِ، لا يَسْتَطِيعُونَ النَّظَرَ بِجَمِيعِ العَيْنِ، وإنَّما يَنْظُرُونَ مِن بَعْضِها، فَيَجُوزُ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ أنْ يَكُونَ الطَّرْفُ مَصْدَرًا، أيْ: مِن نَظَرٍ خَفِيٍّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ [الشورى: ٤٥]، أيْ: يَبْتَدِئُ نَظَرُهم مِن تَحْرِيكٍ لِأجْفانِهِمْ ضَعِيفٍ خَفِيٍّ بِمُسارَقَةٍ، كَما تَرى المُصَوِّرَ يَنْظُرُ إلى السَّيْفِ، وهَكَذا نَظَرُ النّاظِرِ إلى المَكارِهِ، ولا يَقْدِرُ أنْ يَفْتَحَ أجْفانَهُ عَلَيْها ويَمْلَأ عَيْنَهُ مِنها، كَما يَفْعَلُ في نَظَرِهِ إلى المُتَحابِّ.
الشورى 42:41
(p-٥٢٠)﴿ومِن آياتِهِ الجَوارِي في البَحْرِ كالأعْلامِ﴾ ﴿إنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ ﴿أوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا ويَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾ ﴿ويَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِنا ما لَهم مِن مَحِيصٍ﴾ ﴿فَما أُوتِيتُمْ مِن شَيْءٍ فَمَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا وما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وأبْقى لِلَّذِينَ آمَنُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الإثْمِ والفَواحِشَ وإذا ما غَضِبُوا هم يَغْفِرُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ وأقامُوا الصَّلاةَ وأمْرُهم شُورى بَيْنَهم ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ إذا أصابَهُمُ البَغْيُ هم يَنْتَصِرُونَ﴾ ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها فَمَن عَفا وأصْلَحَ فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ إنَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ ﴿ولَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِن سَبِيلٍ﴾ ﴿إنَّما السَّبِيلُ عَلى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النّاسَ ويَبْغُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿ولَمَن صَبَرَ وغَفَرَ إنَّ ذَلِكَ لَمِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن ولِيٍّ مِن بَعْدِهِ وتَرى الظّالِمِينَ لَمّا رَأوُا العَذابَ يَقُولُونَ هَلْ إلى مَرَدٍّ مِن سَبِيلٍ﴾ ﴿وتَراهم يُعْرَضُونَ عَلَيْها خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ [الشورى: ٤٥] .
لَمّا ذَكَرَ تَعالى مِن دَلائِلِ وحْدانِيَّتِهِ أنْواعًا، ذَكَرَ بَعْدَها العالَمَ الأكْبَرَ، وهو السَّماواتُ والأرْضُ؛ ثُمَّ العالَمَ الأصْغَرَ، وهو الحَيَوانُ. ثُمَّ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ المَعادِ، أتْبَعَهُ بِذِكْرِ السُّفُنِ الجارِيَةِ في البَحْرِ، لِما فِيها مِن عَظِيمِ دَلائِلِ القُدْرَةِ، مِن جِهَةِ أنَّ الماءَ جِسْمٌ لَطِيفٌ شَفّافٌ يَغُوصُ فِيهِ الثَّقِيلُ، والسُّفُنُ تَشْخَصُ بِالأجْسامِ الثَّقِيلَةِ الكَثِيفَةِ، ومَعَ ذَلِكَ جَعَلَ تَعالى لِلْماءِ قُوَّةً يَحْمِلُها بِها ويَمْنَعُ مِنَ الغَوْصِ، ثُمَّ جَعَلَ الرِّياحَ سَبَبًا لِسَيْرِها، فَإذا أرادَ أنْ تَرْسُوَ، أسْكَنَ الرِّيحَ، فَلا تَبْرَحُ عَنْ مَكانِها. و﴿الجَوارِي﴾ جَمْعُ جارِيَةٍ، وأصْلُهُ السُّفُنُ الجَوارِي، حُذِفَ المَوْصُوفُ وقامَتْ صِفَتُهُ مَقامَهُ، وحَسَّنَ ذَلِكَ قَوْلُهُ: (في البَحْرِ)، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّها صِفَةٌ لِلسُّفُنِ، وإلّا فَهي صِفَةٌ غَيْرُ مُخْتَصَّةٍ، فَكانَ القِياسُ أنْ لا يُحْذَفَ المَوْصُوفُ ويَقُومَ مَقامَهُ. ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّها صِفَةٌ غالِبَةٌ، كالأبْطَحِ، فَجازَ أنْ تَلِيَ العَوامِلَ بِغَيْرِ ذِكْرِ المَوْصُوفِ. وقُرِئَ (الجَوارِي) بِالياءِ ودُونِها، وسُمِعَ مِنَ العَرَبِ الإعْرابُ في الرّاءِ، و(في البَحْرِ) مُتَعَلِّقٌ بِالجَوارِي، و﴿كالأعْلامِ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، والأعْلامُ: الجِبالُ، ومِنهُ قَوْلُ الخَنْساءِ أُخْتِ صَخْرٍ ومُعاوِيَةَ:
؎وإنَّ صَخْرًا لَتَأْتَمُّ الهُداةُ بِهِ كَأنَّهُ عَلَمٌ في رَأْسِهِ نارُ
ومِنهُ:
؎إذا قَطَعْنَ عَلَمًا بَدا عَلَمُ
وقَرَأ جُمْهُورُ السَّبْعَةِ: (الرِّيحَ) إفْرادًا، ونافِعٌ: جَمْعًا، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (فَيَظْلَلْنَ) بِفَتْحِ اللّامِ، وقَرَأ قَتادَةُ: بِكَسْرِها، والقِياسُ الفَتْحُ؛ لِأنَّ الماضِيَ بِكَسْرِ العَيْنِ، فالكَسْرُ في المُضارِعِ شاذٌّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مِن ظَلَّ يَظَلُّ ويَظِلُّ، نَحْوَ ضَلَّ يَضَلُّ ويَضِلُّ. انْتَهى.
ولَيْسَ كَما ذُكِرَ؛ لِأنَّ يَضَلُّ بِفَتْحِ العَيْنِ مِن ضَلِلْتُ بِكَسْرِها في الماضِي، ويَضِلُّ بِكَسْرِها مِن ضَلَلْتُ بِفَتْحِها في الماضِي، وكِلاهُما مَقِيسٌ.
﴿لِكُلِّ صَبّارٍ﴾ عَلى بَلائِهِ، (شَكُورٍ) لِنَعْمائِهِ.
﴿أوْ يُوبِقْهُنَّ﴾: يُهْلِكْهُنَّ، أيِ: الجَوارِي، وهو عَطْفٌ عَلى (يُسْكِنِ)، والضَّمِيرُ في (كَسَبُوا) عائِدٌ عَلى رُكّابِ السُّفُنِ، أيْ: بِذُنُوبِهِمْ. وقَرَأ الأعْمَشُ (ويَعْفُو) بِالواوِ، وعَنْ أهْلِ المَدِينَةِ: بِنَصْبِ الواوِ، والجُمْهُورُ (ويَعْفُ) مَجْزُومًا عَطْفًا عَلى (يُوبِقْهُنَّ) . فَأمّا قِراءَةُ الأعْمَشِ، فَإنَّهُ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ يَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ، أيْ: لا يُؤاخِذُ بِجَمِيعِ ما اكْتَسَبَ الإنْسانُ. وأمّا النَّصْبُ، فَبِإضْمارِ أنْ بَعْدَ الواوِ، وكالنَّصْبِ بَعْدَ الفاءِ في قِراءَةِ مَن قَرَأ ﴿يُحاسِبْكم بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ﴾ [البقرة: ٢٨٤] وبَعْدَ الواوِ في قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎فَإنْ يَهْلَكْ أبُو قابُوسِ يَهْلَكْ ∗∗∗ رَبِيعُ النّاسِ والشَّهْرُ الحَرامُ
؎ونَأْخُذُ بَعْدَهُ بِذِنابِ عَيْشٍ ∗∗∗ أجَبَّ الظَّهْرِ لَيْسَ لَهُ سَنامُ
رُوِيَ بِنَصْبِ (ونَأْخُذُ) ورَفْعِهِ وجَزْمِهِ.
وفِي هَذِهِ القِراءَةِ يَكُونُ العَطْفُ عَلى مَصْدَرٍ مُتَوَهَّمٍ، أيْ: يَقَعُ إيباقٌ وعَفْوٌ عَنْ كَثِيرٍ. وأمّا الجَزْمُ فَإنَّهُ داخِلٌ في حُكْمِ جَوابِ الشَّرْطِ؛ إذْ هو مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ، وهو راجِعٌ في المَعْنى إلى قِراءَةِ النَّصْبِ، لَكِنَّ هَذا عَطْفُ فِعْلٍ عَلى فِعْلٍ، وفي النَّصْبِ عَطْفُ مَصْدَرٍ مُقَدَّرٍ عَلى مَصْدَرٍ مُتَوَهَّمٍ.
وقالَ القُشَيْرِيُّ: وقُرِئَ: (ويَعْفُ) بِالجَزْمِ، وفِيها إشْكالٌ؛ لِأنَّ المَعْنى: إنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ، فَتَبْقى (p-٥٢١)تِلْكَ السُّفُنُ رَواكِدُ، أوْ يُهْلِكَها بِذُنُوبِ أهْلِها، فَلا يَحْسُنُ عَطْفُ (ويَعْفُ) عَلى هَذِهِ؛ لِأنَّ المَعْنى يَصِيرُ إنْ يَشَأْ يَعْفُ، ولَيْسَ المَعْنى ذَلِكَ، بَلِ المَعْنى: الإخْبارُ عَنِ الغُيُوبِ عَنْ شَرْطِ المَشِيئَةِ، فَهو إذَنْ عُطِفَ عَلى المَجْزُومِ مِن حَيْثُ اللَّفْظِ، لا مِن حَيْثُ المَعْنى.
وقَدْ قَرَأ قَوْمٌ (ويَعْفُو) بِالرَّفْعِ، وهي جَيِّدَةٌ في المَعْنى. انْتَهى، وما قالَهُ لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ إذْ لَمْ يَفْهَمْ مَدْلُولَ التَّرْكِيبِ. والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى إنْ يَشَأْ أهْلَكَ ناسًا وأنْجى ناسًا عَلى طَرِيقِ العَفْوِ عَنْهم.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): عَلامَ عُطِفَ يُوبِقْهُنَّ ؟ (قُلْتُ): عَلى (يُسْكِنِ) لِأنَّ المَعْنى: إنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَرْكُدْنَ، أوْ يَعْصِفْها فَيَغْرَقْنَ بِعَصْفِها. انْتَهى.
ولا يَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: أوْ يَعْصِفُها فَيَغْرَقْنَ؛ لِأنَّ إهْلاكَ السُّفُنِ لا يَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ بِعَصْفِ الرِّيحِ، بَلْ قَدْ يُهْلِكُها تَعالى بِسَبَبٍ غَيْرِ الرِّيحِ، كَنُزُولِ سَطْحِها بِكَثْرَةِ الثِّقَلِ، أوِ انْكِسارِ اللَّوْحِ يَكُونُ سَبَبًا لِإهْلاكِها، أوْ يَعْرِضُ عَدُوٌّ يُهْلِكُ أهْلَها. وقَرَأ الأعْرَجُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (ويَعْلَمُ) بِالرَّفْعِ عَلى القَطْعِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (ويَعْلَمَ) بِالنَّصْبِ؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: وحَسُنَ النَّصْبُ إذا كانَ قَبْلَهُ شَرْطٌ وجَزاءٌ، وكُلُّ واحِدٍ مِنهُما غَيْرُ واجِبٍ.
وقالَ الزَّجّاجُ: عَلى إضْمارِ أنْ؛ لِأنَّ قَبْلَها جَزاءً. تَقُولُ: ما تَصْنَعُ أصْنَعُ مِثْلَهُ، وأُكْرِمَكَ، وإنْ شِئْتَ: وأكْرِمُكَ، عَلى: وأنا أُكْرِمُكَ، وإنْ شِئْتَ: وأُكْرِمْكَ جَزْمًا.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فِيهِ نَظَرٌ، لِما أوْرَدَهُ سِيبَوَيْهِ في كِتابِهِ قالَ: واعْلَمْ أنَّ النَّصْبَ بِالفاءِ والواوِ في قَوْلِهِ: إنْ تَأْتِنِي آتِكَ وأُعْطِيكَ ضَعِيفٌ، وهو نَحْوٌ مِن قَوْلِهِ:
؎وألْحَقُ بِالحِجازِ فَأسْتَرِيحا
فَهَذا لا يَجُوزُ، ولَيْسَ بِحَدِّ الكَلامِ ولا وجْهِهِ، إلّا أنَّهُ في الجَزاءِ صارَ أقْوى قَلِيلًا؛ لِأنَّهُ لَيْسَ بِواجِبٍ أنَّهُ يَفْعَلُ إلّا أنْ يَكُونَ مِنَ الأوَّلِ فِعْلٌ.
فَلَمّا ضارَعَ الَّذِي لا يُوجِبُهُ، كالِاسْتِفْهامِ ونَحْوِهِ، أجازُوا فِيهِ هَذا عَلى ضَعْفِهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولا يَجُوزُ أنْ تُحْمَلَ القِراءَةُ المُسْتَفِيضَةُ عَلى وجْهٍ ضَعِيفٍ لَيْسَ بِحَدِّ الكَلامِ ولا وجْهِهِ، ولَوْ كانَتْ مِن هَذا البابِ، لَما أخْلى سِيبَوَيْهِ مِنها كِتابَهُ، وقَدْ ذَكَرَ نَظائِرَها مِنَ الآياتِ المُشْكَلَةِ. انْتَهى.
وخَرَّجَ الزَّمَخْشَرِيُّ النَّصْبَ عَلى أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى تَعْلِيلٍ مَحْذُوفٍ، قالَ: تَقْدِيرُهُ: لِيَنْتَقِمَ مِنهم ويَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ، يُكْرَهُ في العَطْفِ عَلى التَّعْلِيلِ المَحْذُوفِ غَيْرُ عَزِيزٍ في القُرْآنِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنّاسِ﴾ [البقرة: ٢٥٩]، وقَوْلُهُ: ﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ﴾ [العنكبوت: ٤٤]، ﴿ولِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ [الجاثية: ٢٢] . انْتَهى.
ويَبْعُدُ تَقْدِيرُهُ لِيَنْتَقِمَ مِنها؛ لِأنَّهُ تَرَتَّبَ عَلى الشَّرْطِ إهْلاكُ قَوْمٍ، فَلا يَحْسُنُ لِيَنْتَقِمَ مِنهم. وأمّا الآيَتانِ فَيُمْكِنُ أنْ تَكُونَ اللّامُ مُتَعَلِّقَةً بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: ﴿ولِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنّاسِ﴾ [مريم: ٢١]، ﴿ولِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ [الجاثية: ٢٢] . فَعَلْنا ذَلِكَ، وكَثِيرًا ما يُقَدَّرُ هَذا الفِعْلُ مَحْذُوفًا قَبْلَ لامِ العِلَّةِ، إذا لَمْ يَكُنْ فِعْلٌ ظاهِرٌ يَتَعَلَّقُ بِهِ.
وذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: (ويَعْلَمَ) قُرِئَ بِالجَزْمِ، (فَإنْ قُلْتَ): فَكَيْفَ يَصِحُّ المَعْنى عَلى جَزْمِ (ويَعْلَمَ) ؟ (قُلْتُ): كَأنَّهُ قالَ: أوْ إنْ يَشَأْ يَجْمَعُ بَيْنَ ثَلاثَةِ أُمُورٍ: هَلاكِ قَوْمٍ، ونَجاةِ قَوْمٍ، وتَحْذِيرِ آخَرِينَ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ويَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِنا ما لَهم مِن مَحِيصٍ﴾ يَتَضَمَّنُ تَحْذِيرَهم مِن عِقابِ اللَّهِ، و﴿ما لَهم مِن مَحِيصٍ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ؛ لِأنَّ (يَعْلَمَ) مُعَلَّقَةٌ، كَقَوْلِكَ: عَلِمْتُ ما زَيْدٌ قائِمٌ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ في قِراءَةِ النَّصْبِ: وهَذِهِ الواوُ ونَحْوُها الَّتِي تُسَمِّيها الكُوفِيُّونَ واوَ الصَّرْفِ؛ لِأنَّ حَقِيقَةَ واوِ الصَّرْفِ الَّتِي يُرِيدُونَها عَطْفُ فِعْلٍ عَلى اسْمٍ مُقَدَّرٍ، فَيُقَدَّرُ أنْ لِيَكُونَ مَعَ الفِعْلِ بِتَأْوِيلِ المَصْدَرِ، فَيَحْسُنُ عَطْفُهُ عَلى الِاسْمِ. انْتَهى.
ولَيْسَ قَوْلُهُ تَعْلِيلًا لِقَوْلِهِمْ: واوُ الصَّرْفِ، إنَّما هو تَقْرِيرٌ لِمَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ. وأمّا الكُوفِيُّونَ فَإنَّ واوَ الصَّرْفِ ناصِبَةٌ بِنَفْسِها، لا بِإضْمارِ أنْ بَعْدَها.
وقالَ أبُو عُبَيْدٍ عَلى الصَّرْفِ كالَّذِي في آلِ عِمْرانَ: ﴿ولَمّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنكم ويَعْلَمَ الصّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٢]، ومَعْنى الصَّرْفِ أنَّهُ كانَ عَلى جِهَةٍ فَصُرِفَ إلى غَيْرِها، فَتَغَيَّرَ الإعْرابُ لِأجْلِ الصَّرْفِ. والعَطْفُ لا يُعَيِّنُ الِاقْتِرانَ في الوُجُودِ، كالعَطْفِ في الِاسْمِ، نَحْوُ: جاءَ زَيْدٌ وعَمْرٌو. ولَوْ نُصِبَ (وعَمْرُو) اقْتَضى الِاقْتِرانَ؛ (p-٥٢٢)وكَذَلِكَ واوُ الصَّرْفِ، لِيُفِيدَ مَعْنى الِاقْتِرانِ ويُعَيِّنَ مَعْنى الِاجْتِماعِ، ولِذَلِكَ أُجْمِعَ عَلى النَّصْبِ في قَوْلِهِ: ﴿ويَعْلَمَ الصّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٢]، أيْ: ويَعْلَمَ المُجاهِدِينَ والصّابِرِينَ مَعًا.
عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - اجْتَمَعَ لِأبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مالٌ، فَتَصَدَّقَ بِهِ كُلِّهِ في سَبِيلِ اللَّهِ والخَيْرِ، فَلامَهُ المُسْلِمُونَ وخَطَّأهُ الكافِرُونَ، فَنَزَلَتْ: ﴿فَما أُوتِيتُمْ مِن شَيْءٍ﴾، والظّاهِرُ أنَّهُ خِطابٌ لِلنّاسِ.
وقِيلَ: لِلْمُشْرِكِينَ، وما شَرْطِيَّةٌ مَفْعُولٌ ثانٍ لِـ (أُوتِيتُمْ)، و(مِن شَيْءٍ) بَيانٌ لِما، والمَعْنى: مِن شَيْءٍ مِن رِياشِ الدُّنْيا ومالِها والسَّعَةِ فِيها، والفاءُ جَوابُ الشَّرْطِ، أيْ: فَهو مَتاعٌ، أيْ: يُسْتَمْتَعُ في الحَياةِ.
(وما عِنْدَ اللَّهِ) أيْ: مِن ثَوابِهِ وما أعَدَّ لِأوْلِيائِهِ، ﴿خَيْرٌ وأبْقى﴾ مِمّا أُوتِيتُمْ؛ لِأنَّهُ لا انْقِطاعَ لَهُ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في الكَبائِرِ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ [النساء: ٣١]، في النِّساءِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (كَبائِرَ) جَمْعًا هُنا، وفي النَّجْمِ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: بِالإفْرادِ.
﴿والَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ﴾: عُطِفَ عَلى (الَّذِينَ آمَنُوا)، وكَذَلِكَ ما بَعْدَهُ. ووَقَعَ لِأبِي البَقاءِ وهْمٌ في التِّلاوَةِ، اعْتَقَدَ أنَّها الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ بِغَيْرِ واوٍ، فَبَنى عَلَيْهِ الإعْرابَ فَقالَ: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ﴾ [النجم: ٣٢] في مَوْضِعِ جَرٍّ بَدَلًا مِنَ (الَّذِينَ آمَنُوا) ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِإضْمارٍ، أعْنِي: وفي مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى تَقْدِيرِ هم. انْتَهى.
والعامِلُ في (إذا) ﴿يَغْفِرُونَ﴾ وهي جُمْلَةٌ مِن مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ مَعْطُوفَةٌ عَلى (يَجْتَنِبُونَ) ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (هم) تَوْكِيدًا لِلْفاعِلِ في ﴿غَضِبُوا﴾ .
وقالَ أبُو البَقاءِ (هم) مُبْتَدَأٌ، و(يَغْفِرُونَ) الخَبَرُ، والجُمْلَةُ جَوابُ (إذا) . انْتَهى، وهَذا لا يَجُوزُ؛ لِأنَّ الجُمْلَةَ لَوْ كانَتْ جَوابَ (إذا) لَكانَتْ بِالفاءِ، تَقُولُ: إذا جاءَ زَيْدٌ فَعَمْرٌو مُنْطَلِقٌ، ولا يَجُوزُ حَذْفُ الفاءِ إلّا إنْ ورَدَ في شِعْرٍ. وقِيلَ: (هم) مَرْفُوعٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يُفَسِّرُهُ (يَغْفِرُونَ) ولَمّا حُذِفَ انْفَصَلَ الضَّمِيرُ، وهَذا القَوْلُ فِيهِ نَظَرٌ، وهو أنَّ جَوابَ (إذا) يُفَسَّرُ كَما يُفَسَّرُ فِعْلُ الشَّرْطِ بَعْدَها، نَحْوُ: ﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ [الإنشقاق: ١]، ولا يَبْعُدُ جَوازُ ذَلِكَ عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ، إذْ جاءَ ذَلِكَ في أداةِ الشَّرْطِ الجازِمَةِ، نَحْوُ: إنْ يَنْطَلِقْ زَيْدٌ يَنْطَلِقُ، فَزِيدٌ عِنْدَهُ فاعِلٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يُفَسِّرُهُ الجَوابُ، أيْ: يَنْطَلِقُ زَيْدٌ، مَنَعَ ذَلِكَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هم يَغْفِرُونَ، أيْ: هُمُ الأخِصّاءُ بِالغُفْرانِ، في حالِ الغَضَبِ لا يَغُولُ الغَضَبُ أحْلامَهم، كَما يَغُولُ حُلُومَ النّاسِ. والمَجِيءُ لَهم وإيقاعُهُ مُبْتَدَأٌ، وإسْنادُ (يَغْفِرُونَ) إلَيْهِ لِهَذِهِ الفائِدَةِ. انْتَهى، وفِيهِ حَضٌّ عَلى كَسْرِ الغَضَبِ.
وفِي الحَدِيثِ: «أوْصِنِي، قالَ: لا تَغْضَبْ، قالَ: زِدْنِي، قالَ: لا تَغْضَبْ، قالَ: زِدْنِي، قالَ: لا تَغْضَبْ» .
﴿والَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ﴾، قِيلَ: نَزَلَتْ في الأنْصارِ، دَعاهُمُ اللَّهُ لِلْإيمانِ بِهِ وطاعَتِهِ فاسْتَجابُوا لَهُ. وكانُوا قَبْلَ الإسْلامِ، وقَبْلَ أنْ يُقْدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المَدِينَةَ، إذا نابَهم أمْرٌ تَشاوَرُوا، فَأثْنى اللَّهُ عَلَيْهِمْ، لا يَنْفَرِدُونَ بِأمْرٍ حَتّى يَجْتَمِعُوا عَلَيْهِ.
وعَنِ الحَسَنِ: ما تَشاوَرَ قَوْمٌ إلّا هُدُوا لِأرْشَدِ أمْرِهِمْ. انْتَهى.
وفِي الشُّورى اجْتِماعُ الكَلِمَةِ والتَّحابُّ والتَّعاضُدُ عَلى الخَيْرِ. وقَدْ شاوَرَ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فِيما يَتَعَلَّقُ بِمَصالِحَ الحُرُوبِ، والصَّحابَةُ بَعْدَهُ في ذَلِكَ، كَمُشاوَرَةِ عُمَرُ لِلْهُرْمُزِ. وفي الأحْكامِ، كَقِتالِ أهْلِ الرِّدَّةِ، ومِيراثِ الحَرْبِيِّ، وعَدَدِ مُدْمِنِي الخَمْرِ، وغَيْرِ ذَلِكَ.
والشُّورى مَصْدَرٌ كالفُتْيا بِمَعْنى التَّشاوُرِ، عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: وأمْرُهم ذُو شُورى بَيْنِهِمْ. و﴿هم يَنْتَصِرُونَ﴾: صِلَةٌ لِلَّذِينِ، وإذا مَعْمُولَةٌ لِـ (يَنْتَصِرُونَ)، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿هم يَنْتَصِرُونَ﴾ جَوابًا لـ (إذا) والجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ وجَوابُها صِلَةٌ لِما ذَكَرْناهُ مِن لُزُومِ الفاءِ، ويَجُوزُ هُنا أنْ يَكُونَ (هم) فاعِلًا بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ عَلى ذَلِكَ القَوْلِ الَّذِي قِيلَ في ﴿هم يَغْفِرُونَ﴾ . وقالَ الحَوْفِيُّ: وإنْ شِئْتَ جَعَلْتَ (هم) تَوْكِيدًا لِلْهاءِ والمِيمِ، يَعْنِي في (أصابَهم) وهو ضَمِيرُ رَفْعٍ، وفي هَذا نَظَرٌ، وفِيهِ الفَصْلُ بَيْنَ المُؤَكَّدِ والتَّوْكِيدِ بِالفاعِلِ، وهو فِعْلٌ، الظّاهِرُ أنَّهُ لا يَمْتَنِعُ، والِانْتِصارُ: أنْ يَقْتَصِرَ عَلى ما حَدَّهُ اللَّهُ لَهُ ولا يَعْتَدِي.
وقالَ النَّخَعِيُّ: كانُوا يَكْرَهُونَ أنْ يُذِلُّوا أنْفَسَهم، فَتَجْتَرِئُ عَلَيْهِمُ الفُسّاقُ، ومَنِ انْتَصَرَ غَيْرُ مُتَعَدٍّ فَهو مُطِيعٌ مَحْمُودٌ. وقالَ مُقاتِلٌ، وهِشامٌ عَنْ عُرْوَةَ: الآيَةُ في المَجْرُوحِ يَنْتَصِفُ مِنَ الجارِحِ بِالقِصاصِ. وقالَ (p-٥٢٣)ابْنُ عَبّاسٍ: تَعَدّى المُشْرِكُونَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وعَلى أصْحابِهِ، وأخْرَجُوهم مِن مَكَّةَ، فَأذِنَ اللَّهُ لَهم بِالخُرُوجِ في الأرْضِ، ونَصَرَهم عَلى مَن بَغى عَلَيْهِمْ.
وقالَ الكِيا الطَّبَرِيُّ: ظاهِرُهُ أنَّ الِانْتِصارَ في هَذا المَوْضِعِ أفْضَلُ، ألا تَرى أنَّهُ قَرَنَهُ إلى ذِكْرِ الِاسْتِجابَةِ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ وإقامَةِ الصَّلاةِ ؟ فَهَذا عَلى ما ذَكَرَهُ النَّخَعِيُّ، وهَذا فِيمَن تَعَدّى وأصَرَّ، والمَأْمُورُ فِيهِ بِالعَفْوِ إذا كانَ الجانِي نادِمًا مُقْلِعًا. وقَدْ قالَ عَقِيبَ هَذِهِ الآيَةِ ﴿ولَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ﴾ الآيَةَ، فَيَقْتَضِي إباحَةَ الِانْتِصارِ. وقَدْ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَمَن صَبَرَ وغَفَرَ﴾، وهَذا مَحْمُولٌ، عَلى القُرْآنِ عِنْدَ غَيْرِ المُصِرِّ. فَأمّا المُصِرُّ عَلى البَغْيِ، فالأفْضَلُ الِانْتِصارُ مِنهُ بِدَلِيلِ الآيَةِ قَبْلَها. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: المَعْنى تَناصَرُوا عَلَيْهِ فَأزالُوهُ عَنْهم.
وقالَ أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ نَحْوًا مِن قَوْلِ الكِيا.
قالَ الجُمْهُورُ: إذا بَغى مُؤْمِنٌ عَلى مُؤْمِنٍ فَلا يَجُوزُ لَهُ أنْ يَنْتَصِرَ مِنهُ بِنَفْسِهِ، بَلْ يَرْفَعُ ذَلِكَ إلى الإمامِ أوْ نائِبِهِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: لَهُ ذَلِكَ.
﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾: هَذا بَيانٌ لِلِانْتِصارِ، أيْ: لا يَتَعَدّى فِيما يُجازِي بِهِ مَن بَغى عَلَيْهِ.
قالَ ابْنُ أبِي نَجِيحٍ، والسُّدِّيُّ: إذا شُتِمَ فَلَهُ أنْ يَرُدَّ مِثْلَ ما شُتِمَ بِهِ دُونَ أنْ يَتَعَدّى، وسُمِّيَ القِصاصُ سَيِّئَةً عَلى سَبِيلِ المُقابَلَةِ، أوْ لِأنَّها تَسُوءُ مَنِ اقْتُصَّ مِنهُ، كَما ساءَتِ الحَيْضُ. وظاهِرُ قَوْلِهِ: (مِثْلُها) المُماثَلَةُ مُطْلَقًا في كُلِّ الأحْوالِ، لا فِيما خَصَّهُ الدَّلِيلُ. والفُقَهاءُ أدْخَلُوا التَّخْصِيصَ في صُوَرٍ كَثِيرَةٍ بِناءً عَلى القِياسِ.
قالَ مُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ: إذا قالَ لَهُ: أخْزاكَ اللَّهُ، فَلْيَقُلْ: أخْزاكَ اللَّهُ، وإذا قَذَفَهُ قَذْفًا يُوجِبُ الحَدَّ، بَلِ الحَدُّ الَّذِي أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ.
﴿فَمَن عَفا وأصْلَحَ﴾ أيْ: بَيْنَهُ وبَيْنَ خَصْمِهِ بِالعَفْوِ، ﴿فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ﴾: عِدَةٌ مُبْهَمَةٌ لا يُقاسُ عِظَمُها؛ إذْ هي عَلى اللَّهِ.
﴿إنَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ أيِ: الخائِنِينَ، وإذا كانَ لا يُحِبُّهُ وقَدْ نُدِبَ إلى العَفْوِ عَنْهُ، فالعَفْوُ الَّذِي يُحِبُّهُ اللَّهُ أوْلى أنْ يَعْفِيَ عَنْهُ، أوْ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ مَن تَجاوَزَ واعْتَدى مِنَ المَجْنِيِّ عَلَيْهِمْ، إذا انْتَصَرُوا خُصُوصًا في حالَةِ الحَرْبِ والتِهابِ الحَمِيَّةِ، فَرُبَّما يَظْلِمُ وهو لا يَشْعُرُ.
وفِي الحَدِيثِ: «إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ نادى مُنادٍ: مَن كانَ لَهُ أجْرٌ عَلى اللَّهِ فَلْيَقُمْ، قالَ: فَيَقُومُ خَلْقٌ، فَيُقالُ لَهم: ما أجْرُكم عَلى اللَّهِ ؟ فَيَقُولُونَ: نَحْنُ عَفَوْنا عَمَّنْ ظَلَمَنا، فَيُقالُ لَهُمُ: ادْخُلُوا الجَنَّةَ بِإذْنِ اللَّهِ» .
واللّامُ في ﴿ولَمَنِ انْتَصَرَ﴾ لامُ تَوْكِيدٍ. قالَ الحَوْفِيُّ: وفِيها مَعْنى القَسَمِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لامُ التِقاءِ القَسَمِ، يَعْنِيانِ أنَّها اللّامُ الَّتِي يُتَلَقّى بِها القَسَمُ، فالقَسَمُ قَبْلَها مَحْذُوفٌ، ومَن شُرْطِيَّةٌ، وحُمِلَ ﴿انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ﴾ عَلى لَفْظِ (مَن) و(فَأُولَئِكَ) عَلى مَعْنى (مَن) والفاءُ جَوابُ الشَّرْطِ، و(ظُلْمِهِ) مَصْدَرٌ مُضافٌ إلى المَفْعُولِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويُفَسِّرُهُ قِراءَةُ مَن قَرَأ (بَعْدَ ما ظُلِمَ) .
﴿ما عَلَيْهِمْ مِن سَبِيلٍ﴾، قِيلَ أيْ: مِن طَرِيقٍ إلى الحَرَجِ؛ وقِيلَ: مِن سَبِيلٍ لِلْمُعاقِبِ، ولا المُعاتِبِ والعاتِبِ، وهَذِهِ مُبالَغَةٌ في إباحَةِ الِانْتِصارِ.
﴿إنَّما السَّبِيلُ﴾ أيْ: سَبِيلُ الإثْمِ والحَرَجِ، ﴿عَلى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ﴾ أيْ: يَبْتَذِلُونَ بِالظُّلْمِ، ﴿ويَبْغُونَ في الأرْضِ﴾ أيْ: يَتَكَبَّرُونَ فِيها ويَعْلُونَ ويُفْسِدُونَ. وقِيلَ: (ويَظْلِمُونَ النّاسَ) أيْ: يَضَعُونَ الأشْياءَ غَيْرَ مَواضِعِها مِنَ القَتْلِ وأخْذِ المالِ والأذى بِاليَدِ واللِّسانِ.
والبَغْيُ بِغَيْرِ الحَقِّ، فَهو نَوْعٌ مِن أنْواعِ الظُّلْمِ، خَصَّهُ بِالذِّكْرِ تَنْبِيهًا عَلى شِدَّتِهِ وسُوءِ حالِ صاحِبِهِ. انْتَهى.
﴿ولَمَن صَبَرَ﴾ أيْ: عَلى الظُّلْمِ والأذى، (وغَفَرَ)، ولَمْ يَنْتَصِرْ. واللّامُ في (ولَمَن) يَجُوزُ أنْ تَكُونَ اللّامَ المُوَطِّئَةَ القَسَمَ المَحْذُوفَ، ومَن شَرْطِيَّةٌ، وجَوابُ القَسَمِ قَوْلُهُ: (إنَّ ذَلِكَ)، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ جَوابِ القَسَمِ عَلَيْهِ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ اللّامُ لامَ الِابْتِداءِ، ومَن مَوْصُولَةً مُبْتَدَأً، والجُمْلَةُ المُؤَكَّدَةُ بِإنَّ في مَوْضِعِ الخَبَرِ.
وقالَ الحَوْفِيُّ: (مَن) رُفِعَ بِالِابْتِداءِ وأُضْمِرَ الخَبَرُ، وجَوابُ الشَّرْطِ إنَّ وما تَعَلَّقَتْ بِهِ عَلى حَذْفِ الفاءِ، كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎مِن يَفْعَلُ الحَسَناتِ اللَّهُ يَشْكُرُها
أيْ: فاللَّهُ يَشْكُرُها. انْتَهى، وهَذا لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّ حَذْفَ الفاءِ مَخْصُوصٌ بِالشِّعْرِ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ. والإشارَةُ بِذَلِكَ إلى ما يُفْهَمُ مِن مَصْدَرِ صَبَرَ وغَفَرَ، والعائِدُ عَلى المَوْصُولِ المُبْتَدَأِ مِنَ الخَبَرِ مَحْذُوفٌ، أيْ: إنَّ ذَلِكَ مِنهُ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ: ﴿لَمِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾، إنْ كانَ ذَلِكَ (p-٥٢٤)إشارَةً إلى المَصْدَرِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولَمَن صَبَرَ وغَفَرَ﴾، لَمْ يَكُنْ في ﴿عَزْمِ الأُمُورِ﴾ حَذْفٌ، وإنْ كانَ ذَلِكَ إشارَةً إلى المُبْتَدَأِ، كانَ هو الرّابِطُ، ولا يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرٍ مِنهُ، وكانَ في ﴿عَزْمِ الأُمُورِ﴾، أيْ: إنَّهُ لَمِن ذَوِي عَزْمِ الأُمُورِ.
وسَبَّ رَجُلٌ آخَرَ في مَجْلِسِ الحَسَنِ، فَكانَ المَسْبُوبُ يَكْظِمُ ويَعْرَقُ ويَمْسَحُ العَرَقَ، ثُمَّ قامَ فَتَلا الآيَةَ، فَقالَ الحَسَنُ: عَقَلَها واللَّهِ وفَهِمَها لِمَ هَذِهِ ضَيَّعَها الجاهِلُونَ.
والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: (إنَّما السَّبِيلُ) اعْتِراضٌ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿ولَمَنِ انْتَصَرَ﴾، وقَوْلِهِ: ﴿ولَمَن صَبَرَ﴾ .
﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن ولِيٍّ مِن بَعْدِهِ﴾ أيْ: مِن ناصِرٍ يَتَوَلّاهُ (مِن بَعْدِهِ) أيْ: مِن بَعْدِ إضْلالِهِ، وهَذا تَحْقِيرٌ لِأمْرِ الكَفَرَةِ.
﴿وتَرى الظّالِمِينَ﴾: الخِطابُ لِلرَّسُولِ، والمَعْنى: وتَرى حالَهم وما هم فِيهِ مِنَ الحَيْرَةِ، ﴿لَمّا رَأوُا العَذابَ﴾، يَقُولُونَ: ﴿هَلْ إلى مَرَدٍّ مِن سَبِيلٍ﴾: هَلْ سَبِيلٌ إلى الرَّدِّ لِلدُّنْيا ؟ وذَلِكَ مِن فَظِيعِ ما اطَّلَعُوا عَلَيْهِ، وسُوءِ ما يَحِلُّ بِهِمْ.
﴿وتَراهم يُعْرَضُونَ عَلَيْها﴾ [الشورى: ٤٥] أيْ: عَلى النّارِ، دَلَّ عَلَيْها ذِكْرُ العَذابِ، (خاشِعِينَ) مُتَضائِلِينَ صاغِرِينَ مِمّا يَلْحَقُهم، (مِنَ الذُّلِّ) .
وقَرَأ طَلْحَةُ: (مِنَ الذِّلِّ)، بِكَسْرِ الذّالِ؛ والجُمْهُورُ: بِالضَّمِّ، والخُشُوعُ: الِاسْتِكانَةُ، وهو مَحْمُودٌ. وإنَّما أخْرَجَهُ إلى الذَّمِّ اقْتِرانُهُ بِالعَذابِ. وقِيلَ: (مِنَ الذُّلِّ) مُتَعَلِّقٌ بِـ ﴿يَنْظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ [الشورى: ٤٥] .
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ذَلِيلٍ. انْتَهى.
قِيلَ: ووُصِفَ بِالخَفاءِ؛ لِأنَّ نَظَرَهم ضَعِيفٌ ولَحْظُهم نِهايَةٌ، قالَ الشّاعِرُ:
؎فَغُضَّ الطَّرْفَ إنَّكَ مِن نُمَيْرٍ
وقِيلَ: يُحْشَرُونَ عُمْيًا. ولَمّا كانَ نَظَرُهم بِعُيُونِ قُلُوبِهِمْ، جَعَلَهُ طَرَفًا خَفِيًّا، أيْ: لا يَبْدُو نَظَرُهم، وهَذا التَّأْوِيلُ فِيهِ تُكَلُّفٌ.
وقالَ السُّدِّيُّ، وقَتادَةُ: المَعْنى يُسارِقُونَ النَّظَرَ لِما كانُوا فِيهِ مِنَ الهَمِّ وسُوءِ الحالِ، لا يَسْتَطِيعُونَ النَّظَرَ بِجَمِيعِ العَيْنِ، وإنَّما يَنْظُرُونَ مِن بَعْضِها، فَيَجُوزُ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ أنْ يَكُونَ الطَّرْفُ مَصْدَرًا، أيْ: مِن نَظَرٍ خَفِيٍّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ [الشورى: ٤٥]، أيْ: يَبْتَدِئُ نَظَرُهم مِن تَحْرِيكٍ لِأجْفانِهِمْ ضَعِيفٍ خَفِيٍّ بِمُسارَقَةٍ، كَما تَرى المُصَوِّرَ يَنْظُرُ إلى السَّيْفِ، وهَكَذا نَظَرُ النّاظِرِ إلى المَكارِهِ، ولا يَقْدِرُ أنْ يَفْتَحَ أجْفانَهُ عَلَيْها ويَمْلَأ عَيْنَهُ مِنها، كَما يَفْعَلُ في نَظَرِهِ إلى المُتَحابِّ.
الشورى 42:42
(p-٥٢٠)﴿ومِن آياتِهِ الجَوارِي في البَحْرِ كالأعْلامِ﴾ ﴿إنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ ﴿أوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا ويَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾ ﴿ويَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِنا ما لَهم مِن مَحِيصٍ﴾ ﴿فَما أُوتِيتُمْ مِن شَيْءٍ فَمَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا وما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وأبْقى لِلَّذِينَ آمَنُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الإثْمِ والفَواحِشَ وإذا ما غَضِبُوا هم يَغْفِرُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ وأقامُوا الصَّلاةَ وأمْرُهم شُورى بَيْنَهم ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ إذا أصابَهُمُ البَغْيُ هم يَنْتَصِرُونَ﴾ ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها فَمَن عَفا وأصْلَحَ فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ إنَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ ﴿ولَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِن سَبِيلٍ﴾ ﴿إنَّما السَّبِيلُ عَلى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النّاسَ ويَبْغُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿ولَمَن صَبَرَ وغَفَرَ إنَّ ذَلِكَ لَمِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن ولِيٍّ مِن بَعْدِهِ وتَرى الظّالِمِينَ لَمّا رَأوُا العَذابَ يَقُولُونَ هَلْ إلى مَرَدٍّ مِن سَبِيلٍ﴾ ﴿وتَراهم يُعْرَضُونَ عَلَيْها خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ [الشورى: ٤٥] .
لَمّا ذَكَرَ تَعالى مِن دَلائِلِ وحْدانِيَّتِهِ أنْواعًا، ذَكَرَ بَعْدَها العالَمَ الأكْبَرَ، وهو السَّماواتُ والأرْضُ؛ ثُمَّ العالَمَ الأصْغَرَ، وهو الحَيَوانُ. ثُمَّ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ المَعادِ، أتْبَعَهُ بِذِكْرِ السُّفُنِ الجارِيَةِ في البَحْرِ، لِما فِيها مِن عَظِيمِ دَلائِلِ القُدْرَةِ، مِن جِهَةِ أنَّ الماءَ جِسْمٌ لَطِيفٌ شَفّافٌ يَغُوصُ فِيهِ الثَّقِيلُ، والسُّفُنُ تَشْخَصُ بِالأجْسامِ الثَّقِيلَةِ الكَثِيفَةِ، ومَعَ ذَلِكَ جَعَلَ تَعالى لِلْماءِ قُوَّةً يَحْمِلُها بِها ويَمْنَعُ مِنَ الغَوْصِ، ثُمَّ جَعَلَ الرِّياحَ سَبَبًا لِسَيْرِها، فَإذا أرادَ أنْ تَرْسُوَ، أسْكَنَ الرِّيحَ، فَلا تَبْرَحُ عَنْ مَكانِها. و﴿الجَوارِي﴾ جَمْعُ جارِيَةٍ، وأصْلُهُ السُّفُنُ الجَوارِي، حُذِفَ المَوْصُوفُ وقامَتْ صِفَتُهُ مَقامَهُ، وحَسَّنَ ذَلِكَ قَوْلُهُ: (في البَحْرِ)، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّها صِفَةٌ لِلسُّفُنِ، وإلّا فَهي صِفَةٌ غَيْرُ مُخْتَصَّةٍ، فَكانَ القِياسُ أنْ لا يُحْذَفَ المَوْصُوفُ ويَقُومَ مَقامَهُ. ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّها صِفَةٌ غالِبَةٌ، كالأبْطَحِ، فَجازَ أنْ تَلِيَ العَوامِلَ بِغَيْرِ ذِكْرِ المَوْصُوفِ. وقُرِئَ (الجَوارِي) بِالياءِ ودُونِها، وسُمِعَ مِنَ العَرَبِ الإعْرابُ في الرّاءِ، و(في البَحْرِ) مُتَعَلِّقٌ بِالجَوارِي، و﴿كالأعْلامِ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، والأعْلامُ: الجِبالُ، ومِنهُ قَوْلُ الخَنْساءِ أُخْتِ صَخْرٍ ومُعاوِيَةَ:
؎وإنَّ صَخْرًا لَتَأْتَمُّ الهُداةُ بِهِ كَأنَّهُ عَلَمٌ في رَأْسِهِ نارُ
ومِنهُ:
؎إذا قَطَعْنَ عَلَمًا بَدا عَلَمُ
وقَرَأ جُمْهُورُ السَّبْعَةِ: (الرِّيحَ) إفْرادًا، ونافِعٌ: جَمْعًا، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (فَيَظْلَلْنَ) بِفَتْحِ اللّامِ، وقَرَأ قَتادَةُ: بِكَسْرِها، والقِياسُ الفَتْحُ؛ لِأنَّ الماضِيَ بِكَسْرِ العَيْنِ، فالكَسْرُ في المُضارِعِ شاذٌّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مِن ظَلَّ يَظَلُّ ويَظِلُّ، نَحْوَ ضَلَّ يَضَلُّ ويَضِلُّ. انْتَهى.
ولَيْسَ كَما ذُكِرَ؛ لِأنَّ يَضَلُّ بِفَتْحِ العَيْنِ مِن ضَلِلْتُ بِكَسْرِها في الماضِي، ويَضِلُّ بِكَسْرِها مِن ضَلَلْتُ بِفَتْحِها في الماضِي، وكِلاهُما مَقِيسٌ.
﴿لِكُلِّ صَبّارٍ﴾ عَلى بَلائِهِ، (شَكُورٍ) لِنَعْمائِهِ.
﴿أوْ يُوبِقْهُنَّ﴾: يُهْلِكْهُنَّ، أيِ: الجَوارِي، وهو عَطْفٌ عَلى (يُسْكِنِ)، والضَّمِيرُ في (كَسَبُوا) عائِدٌ عَلى رُكّابِ السُّفُنِ، أيْ: بِذُنُوبِهِمْ. وقَرَأ الأعْمَشُ (ويَعْفُو) بِالواوِ، وعَنْ أهْلِ المَدِينَةِ: بِنَصْبِ الواوِ، والجُمْهُورُ (ويَعْفُ) مَجْزُومًا عَطْفًا عَلى (يُوبِقْهُنَّ) . فَأمّا قِراءَةُ الأعْمَشِ، فَإنَّهُ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ يَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ، أيْ: لا يُؤاخِذُ بِجَمِيعِ ما اكْتَسَبَ الإنْسانُ. وأمّا النَّصْبُ، فَبِإضْمارِ أنْ بَعْدَ الواوِ، وكالنَّصْبِ بَعْدَ الفاءِ في قِراءَةِ مَن قَرَأ ﴿يُحاسِبْكم بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ﴾ [البقرة: ٢٨٤] وبَعْدَ الواوِ في قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎فَإنْ يَهْلَكْ أبُو قابُوسِ يَهْلَكْ ∗∗∗ رَبِيعُ النّاسِ والشَّهْرُ الحَرامُ
؎ونَأْخُذُ بَعْدَهُ بِذِنابِ عَيْشٍ ∗∗∗ أجَبَّ الظَّهْرِ لَيْسَ لَهُ سَنامُ
رُوِيَ بِنَصْبِ (ونَأْخُذُ) ورَفْعِهِ وجَزْمِهِ.
وفِي هَذِهِ القِراءَةِ يَكُونُ العَطْفُ عَلى مَصْدَرٍ مُتَوَهَّمٍ، أيْ: يَقَعُ إيباقٌ وعَفْوٌ عَنْ كَثِيرٍ. وأمّا الجَزْمُ فَإنَّهُ داخِلٌ في حُكْمِ جَوابِ الشَّرْطِ؛ إذْ هو مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ، وهو راجِعٌ في المَعْنى إلى قِراءَةِ النَّصْبِ، لَكِنَّ هَذا عَطْفُ فِعْلٍ عَلى فِعْلٍ، وفي النَّصْبِ عَطْفُ مَصْدَرٍ مُقَدَّرٍ عَلى مَصْدَرٍ مُتَوَهَّمٍ.
وقالَ القُشَيْرِيُّ: وقُرِئَ: (ويَعْفُ) بِالجَزْمِ، وفِيها إشْكالٌ؛ لِأنَّ المَعْنى: إنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ، فَتَبْقى (p-٥٢١)تِلْكَ السُّفُنُ رَواكِدُ، أوْ يُهْلِكَها بِذُنُوبِ أهْلِها، فَلا يَحْسُنُ عَطْفُ (ويَعْفُ) عَلى هَذِهِ؛ لِأنَّ المَعْنى يَصِيرُ إنْ يَشَأْ يَعْفُ، ولَيْسَ المَعْنى ذَلِكَ، بَلِ المَعْنى: الإخْبارُ عَنِ الغُيُوبِ عَنْ شَرْطِ المَشِيئَةِ، فَهو إذَنْ عُطِفَ عَلى المَجْزُومِ مِن حَيْثُ اللَّفْظِ، لا مِن حَيْثُ المَعْنى.
وقَدْ قَرَأ قَوْمٌ (ويَعْفُو) بِالرَّفْعِ، وهي جَيِّدَةٌ في المَعْنى. انْتَهى، وما قالَهُ لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ إذْ لَمْ يَفْهَمْ مَدْلُولَ التَّرْكِيبِ. والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى إنْ يَشَأْ أهْلَكَ ناسًا وأنْجى ناسًا عَلى طَرِيقِ العَفْوِ عَنْهم.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): عَلامَ عُطِفَ يُوبِقْهُنَّ ؟ (قُلْتُ): عَلى (يُسْكِنِ) لِأنَّ المَعْنى: إنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَرْكُدْنَ، أوْ يَعْصِفْها فَيَغْرَقْنَ بِعَصْفِها. انْتَهى.
ولا يَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: أوْ يَعْصِفُها فَيَغْرَقْنَ؛ لِأنَّ إهْلاكَ السُّفُنِ لا يَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ بِعَصْفِ الرِّيحِ، بَلْ قَدْ يُهْلِكُها تَعالى بِسَبَبٍ غَيْرِ الرِّيحِ، كَنُزُولِ سَطْحِها بِكَثْرَةِ الثِّقَلِ، أوِ انْكِسارِ اللَّوْحِ يَكُونُ سَبَبًا لِإهْلاكِها، أوْ يَعْرِضُ عَدُوٌّ يُهْلِكُ أهْلَها. وقَرَأ الأعْرَجُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (ويَعْلَمُ) بِالرَّفْعِ عَلى القَطْعِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (ويَعْلَمَ) بِالنَّصْبِ؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: وحَسُنَ النَّصْبُ إذا كانَ قَبْلَهُ شَرْطٌ وجَزاءٌ، وكُلُّ واحِدٍ مِنهُما غَيْرُ واجِبٍ.
وقالَ الزَّجّاجُ: عَلى إضْمارِ أنْ؛ لِأنَّ قَبْلَها جَزاءً. تَقُولُ: ما تَصْنَعُ أصْنَعُ مِثْلَهُ، وأُكْرِمَكَ، وإنْ شِئْتَ: وأكْرِمُكَ، عَلى: وأنا أُكْرِمُكَ، وإنْ شِئْتَ: وأُكْرِمْكَ جَزْمًا.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فِيهِ نَظَرٌ، لِما أوْرَدَهُ سِيبَوَيْهِ في كِتابِهِ قالَ: واعْلَمْ أنَّ النَّصْبَ بِالفاءِ والواوِ في قَوْلِهِ: إنْ تَأْتِنِي آتِكَ وأُعْطِيكَ ضَعِيفٌ، وهو نَحْوٌ مِن قَوْلِهِ:
؎وألْحَقُ بِالحِجازِ فَأسْتَرِيحا
فَهَذا لا يَجُوزُ، ولَيْسَ بِحَدِّ الكَلامِ ولا وجْهِهِ، إلّا أنَّهُ في الجَزاءِ صارَ أقْوى قَلِيلًا؛ لِأنَّهُ لَيْسَ بِواجِبٍ أنَّهُ يَفْعَلُ إلّا أنْ يَكُونَ مِنَ الأوَّلِ فِعْلٌ.
فَلَمّا ضارَعَ الَّذِي لا يُوجِبُهُ، كالِاسْتِفْهامِ ونَحْوِهِ، أجازُوا فِيهِ هَذا عَلى ضَعْفِهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولا يَجُوزُ أنْ تُحْمَلَ القِراءَةُ المُسْتَفِيضَةُ عَلى وجْهٍ ضَعِيفٍ لَيْسَ بِحَدِّ الكَلامِ ولا وجْهِهِ، ولَوْ كانَتْ مِن هَذا البابِ، لَما أخْلى سِيبَوَيْهِ مِنها كِتابَهُ، وقَدْ ذَكَرَ نَظائِرَها مِنَ الآياتِ المُشْكَلَةِ. انْتَهى.
وخَرَّجَ الزَّمَخْشَرِيُّ النَّصْبَ عَلى أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى تَعْلِيلٍ مَحْذُوفٍ، قالَ: تَقْدِيرُهُ: لِيَنْتَقِمَ مِنهم ويَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ، يُكْرَهُ في العَطْفِ عَلى التَّعْلِيلِ المَحْذُوفِ غَيْرُ عَزِيزٍ في القُرْآنِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنّاسِ﴾ [البقرة: ٢٥٩]، وقَوْلُهُ: ﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ﴾ [العنكبوت: ٤٤]، ﴿ولِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ [الجاثية: ٢٢] . انْتَهى.
ويَبْعُدُ تَقْدِيرُهُ لِيَنْتَقِمَ مِنها؛ لِأنَّهُ تَرَتَّبَ عَلى الشَّرْطِ إهْلاكُ قَوْمٍ، فَلا يَحْسُنُ لِيَنْتَقِمَ مِنهم. وأمّا الآيَتانِ فَيُمْكِنُ أنْ تَكُونَ اللّامُ مُتَعَلِّقَةً بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: ﴿ولِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنّاسِ﴾ [مريم: ٢١]، ﴿ولِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ [الجاثية: ٢٢] . فَعَلْنا ذَلِكَ، وكَثِيرًا ما يُقَدَّرُ هَذا الفِعْلُ مَحْذُوفًا قَبْلَ لامِ العِلَّةِ، إذا لَمْ يَكُنْ فِعْلٌ ظاهِرٌ يَتَعَلَّقُ بِهِ.
وذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: (ويَعْلَمَ) قُرِئَ بِالجَزْمِ، (فَإنْ قُلْتَ): فَكَيْفَ يَصِحُّ المَعْنى عَلى جَزْمِ (ويَعْلَمَ) ؟ (قُلْتُ): كَأنَّهُ قالَ: أوْ إنْ يَشَأْ يَجْمَعُ بَيْنَ ثَلاثَةِ أُمُورٍ: هَلاكِ قَوْمٍ، ونَجاةِ قَوْمٍ، وتَحْذِيرِ آخَرِينَ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ويَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِنا ما لَهم مِن مَحِيصٍ﴾ يَتَضَمَّنُ تَحْذِيرَهم مِن عِقابِ اللَّهِ، و﴿ما لَهم مِن مَحِيصٍ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ؛ لِأنَّ (يَعْلَمَ) مُعَلَّقَةٌ، كَقَوْلِكَ: عَلِمْتُ ما زَيْدٌ قائِمٌ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ في قِراءَةِ النَّصْبِ: وهَذِهِ الواوُ ونَحْوُها الَّتِي تُسَمِّيها الكُوفِيُّونَ واوَ الصَّرْفِ؛ لِأنَّ حَقِيقَةَ واوِ الصَّرْفِ الَّتِي يُرِيدُونَها عَطْفُ فِعْلٍ عَلى اسْمٍ مُقَدَّرٍ، فَيُقَدَّرُ أنْ لِيَكُونَ مَعَ الفِعْلِ بِتَأْوِيلِ المَصْدَرِ، فَيَحْسُنُ عَطْفُهُ عَلى الِاسْمِ. انْتَهى.
ولَيْسَ قَوْلُهُ تَعْلِيلًا لِقَوْلِهِمْ: واوُ الصَّرْفِ، إنَّما هو تَقْرِيرٌ لِمَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ. وأمّا الكُوفِيُّونَ فَإنَّ واوَ الصَّرْفِ ناصِبَةٌ بِنَفْسِها، لا بِإضْمارِ أنْ بَعْدَها.
وقالَ أبُو عُبَيْدٍ عَلى الصَّرْفِ كالَّذِي في آلِ عِمْرانَ: ﴿ولَمّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنكم ويَعْلَمَ الصّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٢]، ومَعْنى الصَّرْفِ أنَّهُ كانَ عَلى جِهَةٍ فَصُرِفَ إلى غَيْرِها، فَتَغَيَّرَ الإعْرابُ لِأجْلِ الصَّرْفِ. والعَطْفُ لا يُعَيِّنُ الِاقْتِرانَ في الوُجُودِ، كالعَطْفِ في الِاسْمِ، نَحْوُ: جاءَ زَيْدٌ وعَمْرٌو. ولَوْ نُصِبَ (وعَمْرُو) اقْتَضى الِاقْتِرانَ؛ (p-٥٢٢)وكَذَلِكَ واوُ الصَّرْفِ، لِيُفِيدَ مَعْنى الِاقْتِرانِ ويُعَيِّنَ مَعْنى الِاجْتِماعِ، ولِذَلِكَ أُجْمِعَ عَلى النَّصْبِ في قَوْلِهِ: ﴿ويَعْلَمَ الصّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٢]، أيْ: ويَعْلَمَ المُجاهِدِينَ والصّابِرِينَ مَعًا.
عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - اجْتَمَعَ لِأبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مالٌ، فَتَصَدَّقَ بِهِ كُلِّهِ في سَبِيلِ اللَّهِ والخَيْرِ، فَلامَهُ المُسْلِمُونَ وخَطَّأهُ الكافِرُونَ، فَنَزَلَتْ: ﴿فَما أُوتِيتُمْ مِن شَيْءٍ﴾، والظّاهِرُ أنَّهُ خِطابٌ لِلنّاسِ.
وقِيلَ: لِلْمُشْرِكِينَ، وما شَرْطِيَّةٌ مَفْعُولٌ ثانٍ لِـ (أُوتِيتُمْ)، و(مِن شَيْءٍ) بَيانٌ لِما، والمَعْنى: مِن شَيْءٍ مِن رِياشِ الدُّنْيا ومالِها والسَّعَةِ فِيها، والفاءُ جَوابُ الشَّرْطِ، أيْ: فَهو مَتاعٌ، أيْ: يُسْتَمْتَعُ في الحَياةِ.
(وما عِنْدَ اللَّهِ) أيْ: مِن ثَوابِهِ وما أعَدَّ لِأوْلِيائِهِ، ﴿خَيْرٌ وأبْقى﴾ مِمّا أُوتِيتُمْ؛ لِأنَّهُ لا انْقِطاعَ لَهُ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في الكَبائِرِ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ [النساء: ٣١]، في النِّساءِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (كَبائِرَ) جَمْعًا هُنا، وفي النَّجْمِ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: بِالإفْرادِ.
﴿والَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ﴾: عُطِفَ عَلى (الَّذِينَ آمَنُوا)، وكَذَلِكَ ما بَعْدَهُ. ووَقَعَ لِأبِي البَقاءِ وهْمٌ في التِّلاوَةِ، اعْتَقَدَ أنَّها الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ بِغَيْرِ واوٍ، فَبَنى عَلَيْهِ الإعْرابَ فَقالَ: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ﴾ [النجم: ٣٢] في مَوْضِعِ جَرٍّ بَدَلًا مِنَ (الَّذِينَ آمَنُوا) ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِإضْمارٍ، أعْنِي: وفي مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى تَقْدِيرِ هم. انْتَهى.
والعامِلُ في (إذا) ﴿يَغْفِرُونَ﴾ وهي جُمْلَةٌ مِن مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ مَعْطُوفَةٌ عَلى (يَجْتَنِبُونَ) ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (هم) تَوْكِيدًا لِلْفاعِلِ في ﴿غَضِبُوا﴾ .
وقالَ أبُو البَقاءِ (هم) مُبْتَدَأٌ، و(يَغْفِرُونَ) الخَبَرُ، والجُمْلَةُ جَوابُ (إذا) . انْتَهى، وهَذا لا يَجُوزُ؛ لِأنَّ الجُمْلَةَ لَوْ كانَتْ جَوابَ (إذا) لَكانَتْ بِالفاءِ، تَقُولُ: إذا جاءَ زَيْدٌ فَعَمْرٌو مُنْطَلِقٌ، ولا يَجُوزُ حَذْفُ الفاءِ إلّا إنْ ورَدَ في شِعْرٍ. وقِيلَ: (هم) مَرْفُوعٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يُفَسِّرُهُ (يَغْفِرُونَ) ولَمّا حُذِفَ انْفَصَلَ الضَّمِيرُ، وهَذا القَوْلُ فِيهِ نَظَرٌ، وهو أنَّ جَوابَ (إذا) يُفَسَّرُ كَما يُفَسَّرُ فِعْلُ الشَّرْطِ بَعْدَها، نَحْوُ: ﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ [الإنشقاق: ١]، ولا يَبْعُدُ جَوازُ ذَلِكَ عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ، إذْ جاءَ ذَلِكَ في أداةِ الشَّرْطِ الجازِمَةِ، نَحْوُ: إنْ يَنْطَلِقْ زَيْدٌ يَنْطَلِقُ، فَزِيدٌ عِنْدَهُ فاعِلٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يُفَسِّرُهُ الجَوابُ، أيْ: يَنْطَلِقُ زَيْدٌ، مَنَعَ ذَلِكَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هم يَغْفِرُونَ، أيْ: هُمُ الأخِصّاءُ بِالغُفْرانِ، في حالِ الغَضَبِ لا يَغُولُ الغَضَبُ أحْلامَهم، كَما يَغُولُ حُلُومَ النّاسِ. والمَجِيءُ لَهم وإيقاعُهُ مُبْتَدَأٌ، وإسْنادُ (يَغْفِرُونَ) إلَيْهِ لِهَذِهِ الفائِدَةِ. انْتَهى، وفِيهِ حَضٌّ عَلى كَسْرِ الغَضَبِ.
وفِي الحَدِيثِ: «أوْصِنِي، قالَ: لا تَغْضَبْ، قالَ: زِدْنِي، قالَ: لا تَغْضَبْ، قالَ: زِدْنِي، قالَ: لا تَغْضَبْ» .
﴿والَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ﴾، قِيلَ: نَزَلَتْ في الأنْصارِ، دَعاهُمُ اللَّهُ لِلْإيمانِ بِهِ وطاعَتِهِ فاسْتَجابُوا لَهُ. وكانُوا قَبْلَ الإسْلامِ، وقَبْلَ أنْ يُقْدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المَدِينَةَ، إذا نابَهم أمْرٌ تَشاوَرُوا، فَأثْنى اللَّهُ عَلَيْهِمْ، لا يَنْفَرِدُونَ بِأمْرٍ حَتّى يَجْتَمِعُوا عَلَيْهِ.
وعَنِ الحَسَنِ: ما تَشاوَرَ قَوْمٌ إلّا هُدُوا لِأرْشَدِ أمْرِهِمْ. انْتَهى.
وفِي الشُّورى اجْتِماعُ الكَلِمَةِ والتَّحابُّ والتَّعاضُدُ عَلى الخَيْرِ. وقَدْ شاوَرَ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فِيما يَتَعَلَّقُ بِمَصالِحَ الحُرُوبِ، والصَّحابَةُ بَعْدَهُ في ذَلِكَ، كَمُشاوَرَةِ عُمَرُ لِلْهُرْمُزِ. وفي الأحْكامِ، كَقِتالِ أهْلِ الرِّدَّةِ، ومِيراثِ الحَرْبِيِّ، وعَدَدِ مُدْمِنِي الخَمْرِ، وغَيْرِ ذَلِكَ.
والشُّورى مَصْدَرٌ كالفُتْيا بِمَعْنى التَّشاوُرِ، عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: وأمْرُهم ذُو شُورى بَيْنِهِمْ. و﴿هم يَنْتَصِرُونَ﴾: صِلَةٌ لِلَّذِينِ، وإذا مَعْمُولَةٌ لِـ (يَنْتَصِرُونَ)، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿هم يَنْتَصِرُونَ﴾ جَوابًا لـ (إذا) والجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ وجَوابُها صِلَةٌ لِما ذَكَرْناهُ مِن لُزُومِ الفاءِ، ويَجُوزُ هُنا أنْ يَكُونَ (هم) فاعِلًا بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ عَلى ذَلِكَ القَوْلِ الَّذِي قِيلَ في ﴿هم يَغْفِرُونَ﴾ . وقالَ الحَوْفِيُّ: وإنْ شِئْتَ جَعَلْتَ (هم) تَوْكِيدًا لِلْهاءِ والمِيمِ، يَعْنِي في (أصابَهم) وهو ضَمِيرُ رَفْعٍ، وفي هَذا نَظَرٌ، وفِيهِ الفَصْلُ بَيْنَ المُؤَكَّدِ والتَّوْكِيدِ بِالفاعِلِ، وهو فِعْلٌ، الظّاهِرُ أنَّهُ لا يَمْتَنِعُ، والِانْتِصارُ: أنْ يَقْتَصِرَ عَلى ما حَدَّهُ اللَّهُ لَهُ ولا يَعْتَدِي.
وقالَ النَّخَعِيُّ: كانُوا يَكْرَهُونَ أنْ يُذِلُّوا أنْفَسَهم، فَتَجْتَرِئُ عَلَيْهِمُ الفُسّاقُ، ومَنِ انْتَصَرَ غَيْرُ مُتَعَدٍّ فَهو مُطِيعٌ مَحْمُودٌ. وقالَ مُقاتِلٌ، وهِشامٌ عَنْ عُرْوَةَ: الآيَةُ في المَجْرُوحِ يَنْتَصِفُ مِنَ الجارِحِ بِالقِصاصِ. وقالَ (p-٥٢٣)ابْنُ عَبّاسٍ: تَعَدّى المُشْرِكُونَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وعَلى أصْحابِهِ، وأخْرَجُوهم مِن مَكَّةَ، فَأذِنَ اللَّهُ لَهم بِالخُرُوجِ في الأرْضِ، ونَصَرَهم عَلى مَن بَغى عَلَيْهِمْ.
وقالَ الكِيا الطَّبَرِيُّ: ظاهِرُهُ أنَّ الِانْتِصارَ في هَذا المَوْضِعِ أفْضَلُ، ألا تَرى أنَّهُ قَرَنَهُ إلى ذِكْرِ الِاسْتِجابَةِ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ وإقامَةِ الصَّلاةِ ؟ فَهَذا عَلى ما ذَكَرَهُ النَّخَعِيُّ، وهَذا فِيمَن تَعَدّى وأصَرَّ، والمَأْمُورُ فِيهِ بِالعَفْوِ إذا كانَ الجانِي نادِمًا مُقْلِعًا. وقَدْ قالَ عَقِيبَ هَذِهِ الآيَةِ ﴿ولَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ﴾ الآيَةَ، فَيَقْتَضِي إباحَةَ الِانْتِصارِ. وقَدْ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَمَن صَبَرَ وغَفَرَ﴾، وهَذا مَحْمُولٌ، عَلى القُرْآنِ عِنْدَ غَيْرِ المُصِرِّ. فَأمّا المُصِرُّ عَلى البَغْيِ، فالأفْضَلُ الِانْتِصارُ مِنهُ بِدَلِيلِ الآيَةِ قَبْلَها. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: المَعْنى تَناصَرُوا عَلَيْهِ فَأزالُوهُ عَنْهم.
وقالَ أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ نَحْوًا مِن قَوْلِ الكِيا.
قالَ الجُمْهُورُ: إذا بَغى مُؤْمِنٌ عَلى مُؤْمِنٍ فَلا يَجُوزُ لَهُ أنْ يَنْتَصِرَ مِنهُ بِنَفْسِهِ، بَلْ يَرْفَعُ ذَلِكَ إلى الإمامِ أوْ نائِبِهِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: لَهُ ذَلِكَ.
﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾: هَذا بَيانٌ لِلِانْتِصارِ، أيْ: لا يَتَعَدّى فِيما يُجازِي بِهِ مَن بَغى عَلَيْهِ.
قالَ ابْنُ أبِي نَجِيحٍ، والسُّدِّيُّ: إذا شُتِمَ فَلَهُ أنْ يَرُدَّ مِثْلَ ما شُتِمَ بِهِ دُونَ أنْ يَتَعَدّى، وسُمِّيَ القِصاصُ سَيِّئَةً عَلى سَبِيلِ المُقابَلَةِ، أوْ لِأنَّها تَسُوءُ مَنِ اقْتُصَّ مِنهُ، كَما ساءَتِ الحَيْضُ. وظاهِرُ قَوْلِهِ: (مِثْلُها) المُماثَلَةُ مُطْلَقًا في كُلِّ الأحْوالِ، لا فِيما خَصَّهُ الدَّلِيلُ. والفُقَهاءُ أدْخَلُوا التَّخْصِيصَ في صُوَرٍ كَثِيرَةٍ بِناءً عَلى القِياسِ.
قالَ مُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ: إذا قالَ لَهُ: أخْزاكَ اللَّهُ، فَلْيَقُلْ: أخْزاكَ اللَّهُ، وإذا قَذَفَهُ قَذْفًا يُوجِبُ الحَدَّ، بَلِ الحَدُّ الَّذِي أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ.
﴿فَمَن عَفا وأصْلَحَ﴾ أيْ: بَيْنَهُ وبَيْنَ خَصْمِهِ بِالعَفْوِ، ﴿فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ﴾: عِدَةٌ مُبْهَمَةٌ لا يُقاسُ عِظَمُها؛ إذْ هي عَلى اللَّهِ.
﴿إنَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ أيِ: الخائِنِينَ، وإذا كانَ لا يُحِبُّهُ وقَدْ نُدِبَ إلى العَفْوِ عَنْهُ، فالعَفْوُ الَّذِي يُحِبُّهُ اللَّهُ أوْلى أنْ يَعْفِيَ عَنْهُ، أوْ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ مَن تَجاوَزَ واعْتَدى مِنَ المَجْنِيِّ عَلَيْهِمْ، إذا انْتَصَرُوا خُصُوصًا في حالَةِ الحَرْبِ والتِهابِ الحَمِيَّةِ، فَرُبَّما يَظْلِمُ وهو لا يَشْعُرُ.
وفِي الحَدِيثِ: «إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ نادى مُنادٍ: مَن كانَ لَهُ أجْرٌ عَلى اللَّهِ فَلْيَقُمْ، قالَ: فَيَقُومُ خَلْقٌ، فَيُقالُ لَهم: ما أجْرُكم عَلى اللَّهِ ؟ فَيَقُولُونَ: نَحْنُ عَفَوْنا عَمَّنْ ظَلَمَنا، فَيُقالُ لَهُمُ: ادْخُلُوا الجَنَّةَ بِإذْنِ اللَّهِ» .
واللّامُ في ﴿ولَمَنِ انْتَصَرَ﴾ لامُ تَوْكِيدٍ. قالَ الحَوْفِيُّ: وفِيها مَعْنى القَسَمِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لامُ التِقاءِ القَسَمِ، يَعْنِيانِ أنَّها اللّامُ الَّتِي يُتَلَقّى بِها القَسَمُ، فالقَسَمُ قَبْلَها مَحْذُوفٌ، ومَن شُرْطِيَّةٌ، وحُمِلَ ﴿انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ﴾ عَلى لَفْظِ (مَن) و(فَأُولَئِكَ) عَلى مَعْنى (مَن) والفاءُ جَوابُ الشَّرْطِ، و(ظُلْمِهِ) مَصْدَرٌ مُضافٌ إلى المَفْعُولِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويُفَسِّرُهُ قِراءَةُ مَن قَرَأ (بَعْدَ ما ظُلِمَ) .
﴿ما عَلَيْهِمْ مِن سَبِيلٍ﴾، قِيلَ أيْ: مِن طَرِيقٍ إلى الحَرَجِ؛ وقِيلَ: مِن سَبِيلٍ لِلْمُعاقِبِ، ولا المُعاتِبِ والعاتِبِ، وهَذِهِ مُبالَغَةٌ في إباحَةِ الِانْتِصارِ.
﴿إنَّما السَّبِيلُ﴾ أيْ: سَبِيلُ الإثْمِ والحَرَجِ، ﴿عَلى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ﴾ أيْ: يَبْتَذِلُونَ بِالظُّلْمِ، ﴿ويَبْغُونَ في الأرْضِ﴾ أيْ: يَتَكَبَّرُونَ فِيها ويَعْلُونَ ويُفْسِدُونَ. وقِيلَ: (ويَظْلِمُونَ النّاسَ) أيْ: يَضَعُونَ الأشْياءَ غَيْرَ مَواضِعِها مِنَ القَتْلِ وأخْذِ المالِ والأذى بِاليَدِ واللِّسانِ.
والبَغْيُ بِغَيْرِ الحَقِّ، فَهو نَوْعٌ مِن أنْواعِ الظُّلْمِ، خَصَّهُ بِالذِّكْرِ تَنْبِيهًا عَلى شِدَّتِهِ وسُوءِ حالِ صاحِبِهِ. انْتَهى.
﴿ولَمَن صَبَرَ﴾ أيْ: عَلى الظُّلْمِ والأذى، (وغَفَرَ)، ولَمْ يَنْتَصِرْ. واللّامُ في (ولَمَن) يَجُوزُ أنْ تَكُونَ اللّامَ المُوَطِّئَةَ القَسَمَ المَحْذُوفَ، ومَن شَرْطِيَّةٌ، وجَوابُ القَسَمِ قَوْلُهُ: (إنَّ ذَلِكَ)، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ جَوابِ القَسَمِ عَلَيْهِ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ اللّامُ لامَ الِابْتِداءِ، ومَن مَوْصُولَةً مُبْتَدَأً، والجُمْلَةُ المُؤَكَّدَةُ بِإنَّ في مَوْضِعِ الخَبَرِ.
وقالَ الحَوْفِيُّ: (مَن) رُفِعَ بِالِابْتِداءِ وأُضْمِرَ الخَبَرُ، وجَوابُ الشَّرْطِ إنَّ وما تَعَلَّقَتْ بِهِ عَلى حَذْفِ الفاءِ، كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎مِن يَفْعَلُ الحَسَناتِ اللَّهُ يَشْكُرُها
أيْ: فاللَّهُ يَشْكُرُها. انْتَهى، وهَذا لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّ حَذْفَ الفاءِ مَخْصُوصٌ بِالشِّعْرِ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ. والإشارَةُ بِذَلِكَ إلى ما يُفْهَمُ مِن مَصْدَرِ صَبَرَ وغَفَرَ، والعائِدُ عَلى المَوْصُولِ المُبْتَدَأِ مِنَ الخَبَرِ مَحْذُوفٌ، أيْ: إنَّ ذَلِكَ مِنهُ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ: ﴿لَمِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾، إنْ كانَ ذَلِكَ (p-٥٢٤)إشارَةً إلى المَصْدَرِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولَمَن صَبَرَ وغَفَرَ﴾، لَمْ يَكُنْ في ﴿عَزْمِ الأُمُورِ﴾ حَذْفٌ، وإنْ كانَ ذَلِكَ إشارَةً إلى المُبْتَدَأِ، كانَ هو الرّابِطُ، ولا يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرٍ مِنهُ، وكانَ في ﴿عَزْمِ الأُمُورِ﴾، أيْ: إنَّهُ لَمِن ذَوِي عَزْمِ الأُمُورِ.
وسَبَّ رَجُلٌ آخَرَ في مَجْلِسِ الحَسَنِ، فَكانَ المَسْبُوبُ يَكْظِمُ ويَعْرَقُ ويَمْسَحُ العَرَقَ، ثُمَّ قامَ فَتَلا الآيَةَ، فَقالَ الحَسَنُ: عَقَلَها واللَّهِ وفَهِمَها لِمَ هَذِهِ ضَيَّعَها الجاهِلُونَ.
والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: (إنَّما السَّبِيلُ) اعْتِراضٌ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿ولَمَنِ انْتَصَرَ﴾، وقَوْلِهِ: ﴿ولَمَن صَبَرَ﴾ .
﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن ولِيٍّ مِن بَعْدِهِ﴾ أيْ: مِن ناصِرٍ يَتَوَلّاهُ (مِن بَعْدِهِ) أيْ: مِن بَعْدِ إضْلالِهِ، وهَذا تَحْقِيرٌ لِأمْرِ الكَفَرَةِ.
﴿وتَرى الظّالِمِينَ﴾: الخِطابُ لِلرَّسُولِ، والمَعْنى: وتَرى حالَهم وما هم فِيهِ مِنَ الحَيْرَةِ، ﴿لَمّا رَأوُا العَذابَ﴾، يَقُولُونَ: ﴿هَلْ إلى مَرَدٍّ مِن سَبِيلٍ﴾: هَلْ سَبِيلٌ إلى الرَّدِّ لِلدُّنْيا ؟ وذَلِكَ مِن فَظِيعِ ما اطَّلَعُوا عَلَيْهِ، وسُوءِ ما يَحِلُّ بِهِمْ.
﴿وتَراهم يُعْرَضُونَ عَلَيْها﴾ [الشورى: ٤٥] أيْ: عَلى النّارِ، دَلَّ عَلَيْها ذِكْرُ العَذابِ، (خاشِعِينَ) مُتَضائِلِينَ صاغِرِينَ مِمّا يَلْحَقُهم، (مِنَ الذُّلِّ) .
وقَرَأ طَلْحَةُ: (مِنَ الذِّلِّ)، بِكَسْرِ الذّالِ؛ والجُمْهُورُ: بِالضَّمِّ، والخُشُوعُ: الِاسْتِكانَةُ، وهو مَحْمُودٌ. وإنَّما أخْرَجَهُ إلى الذَّمِّ اقْتِرانُهُ بِالعَذابِ. وقِيلَ: (مِنَ الذُّلِّ) مُتَعَلِّقٌ بِـ ﴿يَنْظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ [الشورى: ٤٥] .
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ذَلِيلٍ. انْتَهى.
قِيلَ: ووُصِفَ بِالخَفاءِ؛ لِأنَّ نَظَرَهم ضَعِيفٌ ولَحْظُهم نِهايَةٌ، قالَ الشّاعِرُ:
؎فَغُضَّ الطَّرْفَ إنَّكَ مِن نُمَيْرٍ
وقِيلَ: يُحْشَرُونَ عُمْيًا. ولَمّا كانَ نَظَرُهم بِعُيُونِ قُلُوبِهِمْ، جَعَلَهُ طَرَفًا خَفِيًّا، أيْ: لا يَبْدُو نَظَرُهم، وهَذا التَّأْوِيلُ فِيهِ تُكَلُّفٌ.
وقالَ السُّدِّيُّ، وقَتادَةُ: المَعْنى يُسارِقُونَ النَّظَرَ لِما كانُوا فِيهِ مِنَ الهَمِّ وسُوءِ الحالِ، لا يَسْتَطِيعُونَ النَّظَرَ بِجَمِيعِ العَيْنِ، وإنَّما يَنْظُرُونَ مِن بَعْضِها، فَيَجُوزُ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ أنْ يَكُونَ الطَّرْفُ مَصْدَرًا، أيْ: مِن نَظَرٍ خَفِيٍّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ [الشورى: ٤٥]، أيْ: يَبْتَدِئُ نَظَرُهم مِن تَحْرِيكٍ لِأجْفانِهِمْ ضَعِيفٍ خَفِيٍّ بِمُسارَقَةٍ، كَما تَرى المُصَوِّرَ يَنْظُرُ إلى السَّيْفِ، وهَكَذا نَظَرُ النّاظِرِ إلى المَكارِهِ، ولا يَقْدِرُ أنْ يَفْتَحَ أجْفانَهُ عَلَيْها ويَمْلَأ عَيْنَهُ مِنها، كَما يَفْعَلُ في نَظَرِهِ إلى المُتَحابِّ.
الشورى 42:43
(p-٥٢٠)﴿ومِن آياتِهِ الجَوارِي في البَحْرِ كالأعْلامِ﴾ ﴿إنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ ﴿أوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا ويَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾ ﴿ويَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِنا ما لَهم مِن مَحِيصٍ﴾ ﴿فَما أُوتِيتُمْ مِن شَيْءٍ فَمَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا وما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وأبْقى لِلَّذِينَ آمَنُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الإثْمِ والفَواحِشَ وإذا ما غَضِبُوا هم يَغْفِرُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ وأقامُوا الصَّلاةَ وأمْرُهم شُورى بَيْنَهم ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ إذا أصابَهُمُ البَغْيُ هم يَنْتَصِرُونَ﴾ ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها فَمَن عَفا وأصْلَحَ فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ إنَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ ﴿ولَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِن سَبِيلٍ﴾ ﴿إنَّما السَّبِيلُ عَلى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النّاسَ ويَبْغُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿ولَمَن صَبَرَ وغَفَرَ إنَّ ذَلِكَ لَمِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن ولِيٍّ مِن بَعْدِهِ وتَرى الظّالِمِينَ لَمّا رَأوُا العَذابَ يَقُولُونَ هَلْ إلى مَرَدٍّ مِن سَبِيلٍ﴾ ﴿وتَراهم يُعْرَضُونَ عَلَيْها خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ [الشورى: ٤٥] .
لَمّا ذَكَرَ تَعالى مِن دَلائِلِ وحْدانِيَّتِهِ أنْواعًا، ذَكَرَ بَعْدَها العالَمَ الأكْبَرَ، وهو السَّماواتُ والأرْضُ؛ ثُمَّ العالَمَ الأصْغَرَ، وهو الحَيَوانُ. ثُمَّ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ المَعادِ، أتْبَعَهُ بِذِكْرِ السُّفُنِ الجارِيَةِ في البَحْرِ، لِما فِيها مِن عَظِيمِ دَلائِلِ القُدْرَةِ، مِن جِهَةِ أنَّ الماءَ جِسْمٌ لَطِيفٌ شَفّافٌ يَغُوصُ فِيهِ الثَّقِيلُ، والسُّفُنُ تَشْخَصُ بِالأجْسامِ الثَّقِيلَةِ الكَثِيفَةِ، ومَعَ ذَلِكَ جَعَلَ تَعالى لِلْماءِ قُوَّةً يَحْمِلُها بِها ويَمْنَعُ مِنَ الغَوْصِ، ثُمَّ جَعَلَ الرِّياحَ سَبَبًا لِسَيْرِها، فَإذا أرادَ أنْ تَرْسُوَ، أسْكَنَ الرِّيحَ، فَلا تَبْرَحُ عَنْ مَكانِها. و﴿الجَوارِي﴾ جَمْعُ جارِيَةٍ، وأصْلُهُ السُّفُنُ الجَوارِي، حُذِفَ المَوْصُوفُ وقامَتْ صِفَتُهُ مَقامَهُ، وحَسَّنَ ذَلِكَ قَوْلُهُ: (في البَحْرِ)، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّها صِفَةٌ لِلسُّفُنِ، وإلّا فَهي صِفَةٌ غَيْرُ مُخْتَصَّةٍ، فَكانَ القِياسُ أنْ لا يُحْذَفَ المَوْصُوفُ ويَقُومَ مَقامَهُ. ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّها صِفَةٌ غالِبَةٌ، كالأبْطَحِ، فَجازَ أنْ تَلِيَ العَوامِلَ بِغَيْرِ ذِكْرِ المَوْصُوفِ. وقُرِئَ (الجَوارِي) بِالياءِ ودُونِها، وسُمِعَ مِنَ العَرَبِ الإعْرابُ في الرّاءِ، و(في البَحْرِ) مُتَعَلِّقٌ بِالجَوارِي، و﴿كالأعْلامِ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، والأعْلامُ: الجِبالُ، ومِنهُ قَوْلُ الخَنْساءِ أُخْتِ صَخْرٍ ومُعاوِيَةَ:
؎وإنَّ صَخْرًا لَتَأْتَمُّ الهُداةُ بِهِ كَأنَّهُ عَلَمٌ في رَأْسِهِ نارُ
ومِنهُ:
؎إذا قَطَعْنَ عَلَمًا بَدا عَلَمُ
وقَرَأ جُمْهُورُ السَّبْعَةِ: (الرِّيحَ) إفْرادًا، ونافِعٌ: جَمْعًا، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (فَيَظْلَلْنَ) بِفَتْحِ اللّامِ، وقَرَأ قَتادَةُ: بِكَسْرِها، والقِياسُ الفَتْحُ؛ لِأنَّ الماضِيَ بِكَسْرِ العَيْنِ، فالكَسْرُ في المُضارِعِ شاذٌّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مِن ظَلَّ يَظَلُّ ويَظِلُّ، نَحْوَ ضَلَّ يَضَلُّ ويَضِلُّ. انْتَهى.
ولَيْسَ كَما ذُكِرَ؛ لِأنَّ يَضَلُّ بِفَتْحِ العَيْنِ مِن ضَلِلْتُ بِكَسْرِها في الماضِي، ويَضِلُّ بِكَسْرِها مِن ضَلَلْتُ بِفَتْحِها في الماضِي، وكِلاهُما مَقِيسٌ.
﴿لِكُلِّ صَبّارٍ﴾ عَلى بَلائِهِ، (شَكُورٍ) لِنَعْمائِهِ.
﴿أوْ يُوبِقْهُنَّ﴾: يُهْلِكْهُنَّ، أيِ: الجَوارِي، وهو عَطْفٌ عَلى (يُسْكِنِ)، والضَّمِيرُ في (كَسَبُوا) عائِدٌ عَلى رُكّابِ السُّفُنِ، أيْ: بِذُنُوبِهِمْ. وقَرَأ الأعْمَشُ (ويَعْفُو) بِالواوِ، وعَنْ أهْلِ المَدِينَةِ: بِنَصْبِ الواوِ، والجُمْهُورُ (ويَعْفُ) مَجْزُومًا عَطْفًا عَلى (يُوبِقْهُنَّ) . فَأمّا قِراءَةُ الأعْمَشِ، فَإنَّهُ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ يَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ، أيْ: لا يُؤاخِذُ بِجَمِيعِ ما اكْتَسَبَ الإنْسانُ. وأمّا النَّصْبُ، فَبِإضْمارِ أنْ بَعْدَ الواوِ، وكالنَّصْبِ بَعْدَ الفاءِ في قِراءَةِ مَن قَرَأ ﴿يُحاسِبْكم بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ﴾ [البقرة: ٢٨٤] وبَعْدَ الواوِ في قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎فَإنْ يَهْلَكْ أبُو قابُوسِ يَهْلَكْ ∗∗∗ رَبِيعُ النّاسِ والشَّهْرُ الحَرامُ
؎ونَأْخُذُ بَعْدَهُ بِذِنابِ عَيْشٍ ∗∗∗ أجَبَّ الظَّهْرِ لَيْسَ لَهُ سَنامُ
رُوِيَ بِنَصْبِ (ونَأْخُذُ) ورَفْعِهِ وجَزْمِهِ.
وفِي هَذِهِ القِراءَةِ يَكُونُ العَطْفُ عَلى مَصْدَرٍ مُتَوَهَّمٍ، أيْ: يَقَعُ إيباقٌ وعَفْوٌ عَنْ كَثِيرٍ. وأمّا الجَزْمُ فَإنَّهُ داخِلٌ في حُكْمِ جَوابِ الشَّرْطِ؛ إذْ هو مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ، وهو راجِعٌ في المَعْنى إلى قِراءَةِ النَّصْبِ، لَكِنَّ هَذا عَطْفُ فِعْلٍ عَلى فِعْلٍ، وفي النَّصْبِ عَطْفُ مَصْدَرٍ مُقَدَّرٍ عَلى مَصْدَرٍ مُتَوَهَّمٍ.
وقالَ القُشَيْرِيُّ: وقُرِئَ: (ويَعْفُ) بِالجَزْمِ، وفِيها إشْكالٌ؛ لِأنَّ المَعْنى: إنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ، فَتَبْقى (p-٥٢١)تِلْكَ السُّفُنُ رَواكِدُ، أوْ يُهْلِكَها بِذُنُوبِ أهْلِها، فَلا يَحْسُنُ عَطْفُ (ويَعْفُ) عَلى هَذِهِ؛ لِأنَّ المَعْنى يَصِيرُ إنْ يَشَأْ يَعْفُ، ولَيْسَ المَعْنى ذَلِكَ، بَلِ المَعْنى: الإخْبارُ عَنِ الغُيُوبِ عَنْ شَرْطِ المَشِيئَةِ، فَهو إذَنْ عُطِفَ عَلى المَجْزُومِ مِن حَيْثُ اللَّفْظِ، لا مِن حَيْثُ المَعْنى.
وقَدْ قَرَأ قَوْمٌ (ويَعْفُو) بِالرَّفْعِ، وهي جَيِّدَةٌ في المَعْنى. انْتَهى، وما قالَهُ لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ إذْ لَمْ يَفْهَمْ مَدْلُولَ التَّرْكِيبِ. والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى إنْ يَشَأْ أهْلَكَ ناسًا وأنْجى ناسًا عَلى طَرِيقِ العَفْوِ عَنْهم.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): عَلامَ عُطِفَ يُوبِقْهُنَّ ؟ (قُلْتُ): عَلى (يُسْكِنِ) لِأنَّ المَعْنى: إنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَرْكُدْنَ، أوْ يَعْصِفْها فَيَغْرَقْنَ بِعَصْفِها. انْتَهى.
ولا يَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: أوْ يَعْصِفُها فَيَغْرَقْنَ؛ لِأنَّ إهْلاكَ السُّفُنِ لا يَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ بِعَصْفِ الرِّيحِ، بَلْ قَدْ يُهْلِكُها تَعالى بِسَبَبٍ غَيْرِ الرِّيحِ، كَنُزُولِ سَطْحِها بِكَثْرَةِ الثِّقَلِ، أوِ انْكِسارِ اللَّوْحِ يَكُونُ سَبَبًا لِإهْلاكِها، أوْ يَعْرِضُ عَدُوٌّ يُهْلِكُ أهْلَها. وقَرَأ الأعْرَجُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (ويَعْلَمُ) بِالرَّفْعِ عَلى القَطْعِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (ويَعْلَمَ) بِالنَّصْبِ؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: وحَسُنَ النَّصْبُ إذا كانَ قَبْلَهُ شَرْطٌ وجَزاءٌ، وكُلُّ واحِدٍ مِنهُما غَيْرُ واجِبٍ.
وقالَ الزَّجّاجُ: عَلى إضْمارِ أنْ؛ لِأنَّ قَبْلَها جَزاءً. تَقُولُ: ما تَصْنَعُ أصْنَعُ مِثْلَهُ، وأُكْرِمَكَ، وإنْ شِئْتَ: وأكْرِمُكَ، عَلى: وأنا أُكْرِمُكَ، وإنْ شِئْتَ: وأُكْرِمْكَ جَزْمًا.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فِيهِ نَظَرٌ، لِما أوْرَدَهُ سِيبَوَيْهِ في كِتابِهِ قالَ: واعْلَمْ أنَّ النَّصْبَ بِالفاءِ والواوِ في قَوْلِهِ: إنْ تَأْتِنِي آتِكَ وأُعْطِيكَ ضَعِيفٌ، وهو نَحْوٌ مِن قَوْلِهِ:
؎وألْحَقُ بِالحِجازِ فَأسْتَرِيحا
فَهَذا لا يَجُوزُ، ولَيْسَ بِحَدِّ الكَلامِ ولا وجْهِهِ، إلّا أنَّهُ في الجَزاءِ صارَ أقْوى قَلِيلًا؛ لِأنَّهُ لَيْسَ بِواجِبٍ أنَّهُ يَفْعَلُ إلّا أنْ يَكُونَ مِنَ الأوَّلِ فِعْلٌ.
فَلَمّا ضارَعَ الَّذِي لا يُوجِبُهُ، كالِاسْتِفْهامِ ونَحْوِهِ، أجازُوا فِيهِ هَذا عَلى ضَعْفِهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولا يَجُوزُ أنْ تُحْمَلَ القِراءَةُ المُسْتَفِيضَةُ عَلى وجْهٍ ضَعِيفٍ لَيْسَ بِحَدِّ الكَلامِ ولا وجْهِهِ، ولَوْ كانَتْ مِن هَذا البابِ، لَما أخْلى سِيبَوَيْهِ مِنها كِتابَهُ، وقَدْ ذَكَرَ نَظائِرَها مِنَ الآياتِ المُشْكَلَةِ. انْتَهى.
وخَرَّجَ الزَّمَخْشَرِيُّ النَّصْبَ عَلى أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى تَعْلِيلٍ مَحْذُوفٍ، قالَ: تَقْدِيرُهُ: لِيَنْتَقِمَ مِنهم ويَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ، يُكْرَهُ في العَطْفِ عَلى التَّعْلِيلِ المَحْذُوفِ غَيْرُ عَزِيزٍ في القُرْآنِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنّاسِ﴾ [البقرة: ٢٥٩]، وقَوْلُهُ: ﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ﴾ [العنكبوت: ٤٤]، ﴿ولِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ [الجاثية: ٢٢] . انْتَهى.
ويَبْعُدُ تَقْدِيرُهُ لِيَنْتَقِمَ مِنها؛ لِأنَّهُ تَرَتَّبَ عَلى الشَّرْطِ إهْلاكُ قَوْمٍ، فَلا يَحْسُنُ لِيَنْتَقِمَ مِنهم. وأمّا الآيَتانِ فَيُمْكِنُ أنْ تَكُونَ اللّامُ مُتَعَلِّقَةً بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: ﴿ولِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنّاسِ﴾ [مريم: ٢١]، ﴿ولِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ [الجاثية: ٢٢] . فَعَلْنا ذَلِكَ، وكَثِيرًا ما يُقَدَّرُ هَذا الفِعْلُ مَحْذُوفًا قَبْلَ لامِ العِلَّةِ، إذا لَمْ يَكُنْ فِعْلٌ ظاهِرٌ يَتَعَلَّقُ بِهِ.
وذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: (ويَعْلَمَ) قُرِئَ بِالجَزْمِ، (فَإنْ قُلْتَ): فَكَيْفَ يَصِحُّ المَعْنى عَلى جَزْمِ (ويَعْلَمَ) ؟ (قُلْتُ): كَأنَّهُ قالَ: أوْ إنْ يَشَأْ يَجْمَعُ بَيْنَ ثَلاثَةِ أُمُورٍ: هَلاكِ قَوْمٍ، ونَجاةِ قَوْمٍ، وتَحْذِيرِ آخَرِينَ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ويَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِنا ما لَهم مِن مَحِيصٍ﴾ يَتَضَمَّنُ تَحْذِيرَهم مِن عِقابِ اللَّهِ، و﴿ما لَهم مِن مَحِيصٍ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ؛ لِأنَّ (يَعْلَمَ) مُعَلَّقَةٌ، كَقَوْلِكَ: عَلِمْتُ ما زَيْدٌ قائِمٌ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ في قِراءَةِ النَّصْبِ: وهَذِهِ الواوُ ونَحْوُها الَّتِي تُسَمِّيها الكُوفِيُّونَ واوَ الصَّرْفِ؛ لِأنَّ حَقِيقَةَ واوِ الصَّرْفِ الَّتِي يُرِيدُونَها عَطْفُ فِعْلٍ عَلى اسْمٍ مُقَدَّرٍ، فَيُقَدَّرُ أنْ لِيَكُونَ مَعَ الفِعْلِ بِتَأْوِيلِ المَصْدَرِ، فَيَحْسُنُ عَطْفُهُ عَلى الِاسْمِ. انْتَهى.
ولَيْسَ قَوْلُهُ تَعْلِيلًا لِقَوْلِهِمْ: واوُ الصَّرْفِ، إنَّما هو تَقْرِيرٌ لِمَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ. وأمّا الكُوفِيُّونَ فَإنَّ واوَ الصَّرْفِ ناصِبَةٌ بِنَفْسِها، لا بِإضْمارِ أنْ بَعْدَها.
وقالَ أبُو عُبَيْدٍ عَلى الصَّرْفِ كالَّذِي في آلِ عِمْرانَ: ﴿ولَمّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنكم ويَعْلَمَ الصّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٢]، ومَعْنى الصَّرْفِ أنَّهُ كانَ عَلى جِهَةٍ فَصُرِفَ إلى غَيْرِها، فَتَغَيَّرَ الإعْرابُ لِأجْلِ الصَّرْفِ. والعَطْفُ لا يُعَيِّنُ الِاقْتِرانَ في الوُجُودِ، كالعَطْفِ في الِاسْمِ، نَحْوُ: جاءَ زَيْدٌ وعَمْرٌو. ولَوْ نُصِبَ (وعَمْرُو) اقْتَضى الِاقْتِرانَ؛ (p-٥٢٢)وكَذَلِكَ واوُ الصَّرْفِ، لِيُفِيدَ مَعْنى الِاقْتِرانِ ويُعَيِّنَ مَعْنى الِاجْتِماعِ، ولِذَلِكَ أُجْمِعَ عَلى النَّصْبِ في قَوْلِهِ: ﴿ويَعْلَمَ الصّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٢]، أيْ: ويَعْلَمَ المُجاهِدِينَ والصّابِرِينَ مَعًا.
عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - اجْتَمَعَ لِأبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مالٌ، فَتَصَدَّقَ بِهِ كُلِّهِ في سَبِيلِ اللَّهِ والخَيْرِ، فَلامَهُ المُسْلِمُونَ وخَطَّأهُ الكافِرُونَ، فَنَزَلَتْ: ﴿فَما أُوتِيتُمْ مِن شَيْءٍ﴾، والظّاهِرُ أنَّهُ خِطابٌ لِلنّاسِ.
وقِيلَ: لِلْمُشْرِكِينَ، وما شَرْطِيَّةٌ مَفْعُولٌ ثانٍ لِـ (أُوتِيتُمْ)، و(مِن شَيْءٍ) بَيانٌ لِما، والمَعْنى: مِن شَيْءٍ مِن رِياشِ الدُّنْيا ومالِها والسَّعَةِ فِيها، والفاءُ جَوابُ الشَّرْطِ، أيْ: فَهو مَتاعٌ، أيْ: يُسْتَمْتَعُ في الحَياةِ.
(وما عِنْدَ اللَّهِ) أيْ: مِن ثَوابِهِ وما أعَدَّ لِأوْلِيائِهِ، ﴿خَيْرٌ وأبْقى﴾ مِمّا أُوتِيتُمْ؛ لِأنَّهُ لا انْقِطاعَ لَهُ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في الكَبائِرِ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ [النساء: ٣١]، في النِّساءِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (كَبائِرَ) جَمْعًا هُنا، وفي النَّجْمِ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: بِالإفْرادِ.
﴿والَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ﴾: عُطِفَ عَلى (الَّذِينَ آمَنُوا)، وكَذَلِكَ ما بَعْدَهُ. ووَقَعَ لِأبِي البَقاءِ وهْمٌ في التِّلاوَةِ، اعْتَقَدَ أنَّها الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ بِغَيْرِ واوٍ، فَبَنى عَلَيْهِ الإعْرابَ فَقالَ: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ﴾ [النجم: ٣٢] في مَوْضِعِ جَرٍّ بَدَلًا مِنَ (الَّذِينَ آمَنُوا) ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِإضْمارٍ، أعْنِي: وفي مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى تَقْدِيرِ هم. انْتَهى.
والعامِلُ في (إذا) ﴿يَغْفِرُونَ﴾ وهي جُمْلَةٌ مِن مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ مَعْطُوفَةٌ عَلى (يَجْتَنِبُونَ) ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (هم) تَوْكِيدًا لِلْفاعِلِ في ﴿غَضِبُوا﴾ .
وقالَ أبُو البَقاءِ (هم) مُبْتَدَأٌ، و(يَغْفِرُونَ) الخَبَرُ، والجُمْلَةُ جَوابُ (إذا) . انْتَهى، وهَذا لا يَجُوزُ؛ لِأنَّ الجُمْلَةَ لَوْ كانَتْ جَوابَ (إذا) لَكانَتْ بِالفاءِ، تَقُولُ: إذا جاءَ زَيْدٌ فَعَمْرٌو مُنْطَلِقٌ، ولا يَجُوزُ حَذْفُ الفاءِ إلّا إنْ ورَدَ في شِعْرٍ. وقِيلَ: (هم) مَرْفُوعٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يُفَسِّرُهُ (يَغْفِرُونَ) ولَمّا حُذِفَ انْفَصَلَ الضَّمِيرُ، وهَذا القَوْلُ فِيهِ نَظَرٌ، وهو أنَّ جَوابَ (إذا) يُفَسَّرُ كَما يُفَسَّرُ فِعْلُ الشَّرْطِ بَعْدَها، نَحْوُ: ﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ [الإنشقاق: ١]، ولا يَبْعُدُ جَوازُ ذَلِكَ عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ، إذْ جاءَ ذَلِكَ في أداةِ الشَّرْطِ الجازِمَةِ، نَحْوُ: إنْ يَنْطَلِقْ زَيْدٌ يَنْطَلِقُ، فَزِيدٌ عِنْدَهُ فاعِلٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يُفَسِّرُهُ الجَوابُ، أيْ: يَنْطَلِقُ زَيْدٌ، مَنَعَ ذَلِكَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هم يَغْفِرُونَ، أيْ: هُمُ الأخِصّاءُ بِالغُفْرانِ، في حالِ الغَضَبِ لا يَغُولُ الغَضَبُ أحْلامَهم، كَما يَغُولُ حُلُومَ النّاسِ. والمَجِيءُ لَهم وإيقاعُهُ مُبْتَدَأٌ، وإسْنادُ (يَغْفِرُونَ) إلَيْهِ لِهَذِهِ الفائِدَةِ. انْتَهى، وفِيهِ حَضٌّ عَلى كَسْرِ الغَضَبِ.
وفِي الحَدِيثِ: «أوْصِنِي، قالَ: لا تَغْضَبْ، قالَ: زِدْنِي، قالَ: لا تَغْضَبْ، قالَ: زِدْنِي، قالَ: لا تَغْضَبْ» .
﴿والَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ﴾، قِيلَ: نَزَلَتْ في الأنْصارِ، دَعاهُمُ اللَّهُ لِلْإيمانِ بِهِ وطاعَتِهِ فاسْتَجابُوا لَهُ. وكانُوا قَبْلَ الإسْلامِ، وقَبْلَ أنْ يُقْدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المَدِينَةَ، إذا نابَهم أمْرٌ تَشاوَرُوا، فَأثْنى اللَّهُ عَلَيْهِمْ، لا يَنْفَرِدُونَ بِأمْرٍ حَتّى يَجْتَمِعُوا عَلَيْهِ.
وعَنِ الحَسَنِ: ما تَشاوَرَ قَوْمٌ إلّا هُدُوا لِأرْشَدِ أمْرِهِمْ. انْتَهى.
وفِي الشُّورى اجْتِماعُ الكَلِمَةِ والتَّحابُّ والتَّعاضُدُ عَلى الخَيْرِ. وقَدْ شاوَرَ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فِيما يَتَعَلَّقُ بِمَصالِحَ الحُرُوبِ، والصَّحابَةُ بَعْدَهُ في ذَلِكَ، كَمُشاوَرَةِ عُمَرُ لِلْهُرْمُزِ. وفي الأحْكامِ، كَقِتالِ أهْلِ الرِّدَّةِ، ومِيراثِ الحَرْبِيِّ، وعَدَدِ مُدْمِنِي الخَمْرِ، وغَيْرِ ذَلِكَ.
والشُّورى مَصْدَرٌ كالفُتْيا بِمَعْنى التَّشاوُرِ، عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: وأمْرُهم ذُو شُورى بَيْنِهِمْ. و﴿هم يَنْتَصِرُونَ﴾: صِلَةٌ لِلَّذِينِ، وإذا مَعْمُولَةٌ لِـ (يَنْتَصِرُونَ)، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿هم يَنْتَصِرُونَ﴾ جَوابًا لـ (إذا) والجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ وجَوابُها صِلَةٌ لِما ذَكَرْناهُ مِن لُزُومِ الفاءِ، ويَجُوزُ هُنا أنْ يَكُونَ (هم) فاعِلًا بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ عَلى ذَلِكَ القَوْلِ الَّذِي قِيلَ في ﴿هم يَغْفِرُونَ﴾ . وقالَ الحَوْفِيُّ: وإنْ شِئْتَ جَعَلْتَ (هم) تَوْكِيدًا لِلْهاءِ والمِيمِ، يَعْنِي في (أصابَهم) وهو ضَمِيرُ رَفْعٍ، وفي هَذا نَظَرٌ، وفِيهِ الفَصْلُ بَيْنَ المُؤَكَّدِ والتَّوْكِيدِ بِالفاعِلِ، وهو فِعْلٌ، الظّاهِرُ أنَّهُ لا يَمْتَنِعُ، والِانْتِصارُ: أنْ يَقْتَصِرَ عَلى ما حَدَّهُ اللَّهُ لَهُ ولا يَعْتَدِي.
وقالَ النَّخَعِيُّ: كانُوا يَكْرَهُونَ أنْ يُذِلُّوا أنْفَسَهم، فَتَجْتَرِئُ عَلَيْهِمُ الفُسّاقُ، ومَنِ انْتَصَرَ غَيْرُ مُتَعَدٍّ فَهو مُطِيعٌ مَحْمُودٌ. وقالَ مُقاتِلٌ، وهِشامٌ عَنْ عُرْوَةَ: الآيَةُ في المَجْرُوحِ يَنْتَصِفُ مِنَ الجارِحِ بِالقِصاصِ. وقالَ (p-٥٢٣)ابْنُ عَبّاسٍ: تَعَدّى المُشْرِكُونَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وعَلى أصْحابِهِ، وأخْرَجُوهم مِن مَكَّةَ، فَأذِنَ اللَّهُ لَهم بِالخُرُوجِ في الأرْضِ، ونَصَرَهم عَلى مَن بَغى عَلَيْهِمْ.
وقالَ الكِيا الطَّبَرِيُّ: ظاهِرُهُ أنَّ الِانْتِصارَ في هَذا المَوْضِعِ أفْضَلُ، ألا تَرى أنَّهُ قَرَنَهُ إلى ذِكْرِ الِاسْتِجابَةِ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ وإقامَةِ الصَّلاةِ ؟ فَهَذا عَلى ما ذَكَرَهُ النَّخَعِيُّ، وهَذا فِيمَن تَعَدّى وأصَرَّ، والمَأْمُورُ فِيهِ بِالعَفْوِ إذا كانَ الجانِي نادِمًا مُقْلِعًا. وقَدْ قالَ عَقِيبَ هَذِهِ الآيَةِ ﴿ولَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ﴾ الآيَةَ، فَيَقْتَضِي إباحَةَ الِانْتِصارِ. وقَدْ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَمَن صَبَرَ وغَفَرَ﴾، وهَذا مَحْمُولٌ، عَلى القُرْآنِ عِنْدَ غَيْرِ المُصِرِّ. فَأمّا المُصِرُّ عَلى البَغْيِ، فالأفْضَلُ الِانْتِصارُ مِنهُ بِدَلِيلِ الآيَةِ قَبْلَها. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: المَعْنى تَناصَرُوا عَلَيْهِ فَأزالُوهُ عَنْهم.
وقالَ أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ نَحْوًا مِن قَوْلِ الكِيا.
قالَ الجُمْهُورُ: إذا بَغى مُؤْمِنٌ عَلى مُؤْمِنٍ فَلا يَجُوزُ لَهُ أنْ يَنْتَصِرَ مِنهُ بِنَفْسِهِ، بَلْ يَرْفَعُ ذَلِكَ إلى الإمامِ أوْ نائِبِهِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: لَهُ ذَلِكَ.
﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾: هَذا بَيانٌ لِلِانْتِصارِ، أيْ: لا يَتَعَدّى فِيما يُجازِي بِهِ مَن بَغى عَلَيْهِ.
قالَ ابْنُ أبِي نَجِيحٍ، والسُّدِّيُّ: إذا شُتِمَ فَلَهُ أنْ يَرُدَّ مِثْلَ ما شُتِمَ بِهِ دُونَ أنْ يَتَعَدّى، وسُمِّيَ القِصاصُ سَيِّئَةً عَلى سَبِيلِ المُقابَلَةِ، أوْ لِأنَّها تَسُوءُ مَنِ اقْتُصَّ مِنهُ، كَما ساءَتِ الحَيْضُ. وظاهِرُ قَوْلِهِ: (مِثْلُها) المُماثَلَةُ مُطْلَقًا في كُلِّ الأحْوالِ، لا فِيما خَصَّهُ الدَّلِيلُ. والفُقَهاءُ أدْخَلُوا التَّخْصِيصَ في صُوَرٍ كَثِيرَةٍ بِناءً عَلى القِياسِ.
قالَ مُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ: إذا قالَ لَهُ: أخْزاكَ اللَّهُ، فَلْيَقُلْ: أخْزاكَ اللَّهُ، وإذا قَذَفَهُ قَذْفًا يُوجِبُ الحَدَّ، بَلِ الحَدُّ الَّذِي أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ.
﴿فَمَن عَفا وأصْلَحَ﴾ أيْ: بَيْنَهُ وبَيْنَ خَصْمِهِ بِالعَفْوِ، ﴿فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ﴾: عِدَةٌ مُبْهَمَةٌ لا يُقاسُ عِظَمُها؛ إذْ هي عَلى اللَّهِ.
﴿إنَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ أيِ: الخائِنِينَ، وإذا كانَ لا يُحِبُّهُ وقَدْ نُدِبَ إلى العَفْوِ عَنْهُ، فالعَفْوُ الَّذِي يُحِبُّهُ اللَّهُ أوْلى أنْ يَعْفِيَ عَنْهُ، أوْ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ مَن تَجاوَزَ واعْتَدى مِنَ المَجْنِيِّ عَلَيْهِمْ، إذا انْتَصَرُوا خُصُوصًا في حالَةِ الحَرْبِ والتِهابِ الحَمِيَّةِ، فَرُبَّما يَظْلِمُ وهو لا يَشْعُرُ.
وفِي الحَدِيثِ: «إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ نادى مُنادٍ: مَن كانَ لَهُ أجْرٌ عَلى اللَّهِ فَلْيَقُمْ، قالَ: فَيَقُومُ خَلْقٌ، فَيُقالُ لَهم: ما أجْرُكم عَلى اللَّهِ ؟ فَيَقُولُونَ: نَحْنُ عَفَوْنا عَمَّنْ ظَلَمَنا، فَيُقالُ لَهُمُ: ادْخُلُوا الجَنَّةَ بِإذْنِ اللَّهِ» .
واللّامُ في ﴿ولَمَنِ انْتَصَرَ﴾ لامُ تَوْكِيدٍ. قالَ الحَوْفِيُّ: وفِيها مَعْنى القَسَمِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لامُ التِقاءِ القَسَمِ، يَعْنِيانِ أنَّها اللّامُ الَّتِي يُتَلَقّى بِها القَسَمُ، فالقَسَمُ قَبْلَها مَحْذُوفٌ، ومَن شُرْطِيَّةٌ، وحُمِلَ ﴿انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ﴾ عَلى لَفْظِ (مَن) و(فَأُولَئِكَ) عَلى مَعْنى (مَن) والفاءُ جَوابُ الشَّرْطِ، و(ظُلْمِهِ) مَصْدَرٌ مُضافٌ إلى المَفْعُولِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويُفَسِّرُهُ قِراءَةُ مَن قَرَأ (بَعْدَ ما ظُلِمَ) .
﴿ما عَلَيْهِمْ مِن سَبِيلٍ﴾، قِيلَ أيْ: مِن طَرِيقٍ إلى الحَرَجِ؛ وقِيلَ: مِن سَبِيلٍ لِلْمُعاقِبِ، ولا المُعاتِبِ والعاتِبِ، وهَذِهِ مُبالَغَةٌ في إباحَةِ الِانْتِصارِ.
﴿إنَّما السَّبِيلُ﴾ أيْ: سَبِيلُ الإثْمِ والحَرَجِ، ﴿عَلى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ﴾ أيْ: يَبْتَذِلُونَ بِالظُّلْمِ، ﴿ويَبْغُونَ في الأرْضِ﴾ أيْ: يَتَكَبَّرُونَ فِيها ويَعْلُونَ ويُفْسِدُونَ. وقِيلَ: (ويَظْلِمُونَ النّاسَ) أيْ: يَضَعُونَ الأشْياءَ غَيْرَ مَواضِعِها مِنَ القَتْلِ وأخْذِ المالِ والأذى بِاليَدِ واللِّسانِ.
والبَغْيُ بِغَيْرِ الحَقِّ، فَهو نَوْعٌ مِن أنْواعِ الظُّلْمِ، خَصَّهُ بِالذِّكْرِ تَنْبِيهًا عَلى شِدَّتِهِ وسُوءِ حالِ صاحِبِهِ. انْتَهى.
﴿ولَمَن صَبَرَ﴾ أيْ: عَلى الظُّلْمِ والأذى، (وغَفَرَ)، ولَمْ يَنْتَصِرْ. واللّامُ في (ولَمَن) يَجُوزُ أنْ تَكُونَ اللّامَ المُوَطِّئَةَ القَسَمَ المَحْذُوفَ، ومَن شَرْطِيَّةٌ، وجَوابُ القَسَمِ قَوْلُهُ: (إنَّ ذَلِكَ)، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ جَوابِ القَسَمِ عَلَيْهِ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ اللّامُ لامَ الِابْتِداءِ، ومَن مَوْصُولَةً مُبْتَدَأً، والجُمْلَةُ المُؤَكَّدَةُ بِإنَّ في مَوْضِعِ الخَبَرِ.
وقالَ الحَوْفِيُّ: (مَن) رُفِعَ بِالِابْتِداءِ وأُضْمِرَ الخَبَرُ، وجَوابُ الشَّرْطِ إنَّ وما تَعَلَّقَتْ بِهِ عَلى حَذْفِ الفاءِ، كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎مِن يَفْعَلُ الحَسَناتِ اللَّهُ يَشْكُرُها
أيْ: فاللَّهُ يَشْكُرُها. انْتَهى، وهَذا لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّ حَذْفَ الفاءِ مَخْصُوصٌ بِالشِّعْرِ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ. والإشارَةُ بِذَلِكَ إلى ما يُفْهَمُ مِن مَصْدَرِ صَبَرَ وغَفَرَ، والعائِدُ عَلى المَوْصُولِ المُبْتَدَأِ مِنَ الخَبَرِ مَحْذُوفٌ، أيْ: إنَّ ذَلِكَ مِنهُ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ: ﴿لَمِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾، إنْ كانَ ذَلِكَ (p-٥٢٤)إشارَةً إلى المَصْدَرِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولَمَن صَبَرَ وغَفَرَ﴾، لَمْ يَكُنْ في ﴿عَزْمِ الأُمُورِ﴾ حَذْفٌ، وإنْ كانَ ذَلِكَ إشارَةً إلى المُبْتَدَأِ، كانَ هو الرّابِطُ، ولا يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرٍ مِنهُ، وكانَ في ﴿عَزْمِ الأُمُورِ﴾، أيْ: إنَّهُ لَمِن ذَوِي عَزْمِ الأُمُورِ.
وسَبَّ رَجُلٌ آخَرَ في مَجْلِسِ الحَسَنِ، فَكانَ المَسْبُوبُ يَكْظِمُ ويَعْرَقُ ويَمْسَحُ العَرَقَ، ثُمَّ قامَ فَتَلا الآيَةَ، فَقالَ الحَسَنُ: عَقَلَها واللَّهِ وفَهِمَها لِمَ هَذِهِ ضَيَّعَها الجاهِلُونَ.
والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: (إنَّما السَّبِيلُ) اعْتِراضٌ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿ولَمَنِ انْتَصَرَ﴾، وقَوْلِهِ: ﴿ولَمَن صَبَرَ﴾ .
﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن ولِيٍّ مِن بَعْدِهِ﴾ أيْ: مِن ناصِرٍ يَتَوَلّاهُ (مِن بَعْدِهِ) أيْ: مِن بَعْدِ إضْلالِهِ، وهَذا تَحْقِيرٌ لِأمْرِ الكَفَرَةِ.
﴿وتَرى الظّالِمِينَ﴾: الخِطابُ لِلرَّسُولِ، والمَعْنى: وتَرى حالَهم وما هم فِيهِ مِنَ الحَيْرَةِ، ﴿لَمّا رَأوُا العَذابَ﴾، يَقُولُونَ: ﴿هَلْ إلى مَرَدٍّ مِن سَبِيلٍ﴾: هَلْ سَبِيلٌ إلى الرَّدِّ لِلدُّنْيا ؟ وذَلِكَ مِن فَظِيعِ ما اطَّلَعُوا عَلَيْهِ، وسُوءِ ما يَحِلُّ بِهِمْ.
﴿وتَراهم يُعْرَضُونَ عَلَيْها﴾ [الشورى: ٤٥] أيْ: عَلى النّارِ، دَلَّ عَلَيْها ذِكْرُ العَذابِ، (خاشِعِينَ) مُتَضائِلِينَ صاغِرِينَ مِمّا يَلْحَقُهم، (مِنَ الذُّلِّ) .
وقَرَأ طَلْحَةُ: (مِنَ الذِّلِّ)، بِكَسْرِ الذّالِ؛ والجُمْهُورُ: بِالضَّمِّ، والخُشُوعُ: الِاسْتِكانَةُ، وهو مَحْمُودٌ. وإنَّما أخْرَجَهُ إلى الذَّمِّ اقْتِرانُهُ بِالعَذابِ. وقِيلَ: (مِنَ الذُّلِّ) مُتَعَلِّقٌ بِـ ﴿يَنْظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ [الشورى: ٤٥] .
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ذَلِيلٍ. انْتَهى.
قِيلَ: ووُصِفَ بِالخَفاءِ؛ لِأنَّ نَظَرَهم ضَعِيفٌ ولَحْظُهم نِهايَةٌ، قالَ الشّاعِرُ:
؎فَغُضَّ الطَّرْفَ إنَّكَ مِن نُمَيْرٍ
وقِيلَ: يُحْشَرُونَ عُمْيًا. ولَمّا كانَ نَظَرُهم بِعُيُونِ قُلُوبِهِمْ، جَعَلَهُ طَرَفًا خَفِيًّا، أيْ: لا يَبْدُو نَظَرُهم، وهَذا التَّأْوِيلُ فِيهِ تُكَلُّفٌ.
وقالَ السُّدِّيُّ، وقَتادَةُ: المَعْنى يُسارِقُونَ النَّظَرَ لِما كانُوا فِيهِ مِنَ الهَمِّ وسُوءِ الحالِ، لا يَسْتَطِيعُونَ النَّظَرَ بِجَمِيعِ العَيْنِ، وإنَّما يَنْظُرُونَ مِن بَعْضِها، فَيَجُوزُ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ أنْ يَكُونَ الطَّرْفُ مَصْدَرًا، أيْ: مِن نَظَرٍ خَفِيٍّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ [الشورى: ٤٥]، أيْ: يَبْتَدِئُ نَظَرُهم مِن تَحْرِيكٍ لِأجْفانِهِمْ ضَعِيفٍ خَفِيٍّ بِمُسارَقَةٍ، كَما تَرى المُصَوِّرَ يَنْظُرُ إلى السَّيْفِ، وهَكَذا نَظَرُ النّاظِرِ إلى المَكارِهِ، ولا يَقْدِرُ أنْ يَفْتَحَ أجْفانَهُ عَلَيْها ويَمْلَأ عَيْنَهُ مِنها، كَما يَفْعَلُ في نَظَرِهِ إلى المُتَحابِّ.