Al-Bahr Al-Muhit — الشورى 42:44 – الزخرف 43:9
المحتويات
الشورى 42:44
(p-٥٢٠)﴿ومِن آياتِهِ الجَوارِي في البَحْرِ كالأعْلامِ﴾ ﴿إنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ ﴿أوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا ويَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾ ﴿ويَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِنا ما لَهم مِن مَحِيصٍ﴾ ﴿فَما أُوتِيتُمْ مِن شَيْءٍ فَمَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا وما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وأبْقى لِلَّذِينَ آمَنُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الإثْمِ والفَواحِشَ وإذا ما غَضِبُوا هم يَغْفِرُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ وأقامُوا الصَّلاةَ وأمْرُهم شُورى بَيْنَهم ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ إذا أصابَهُمُ البَغْيُ هم يَنْتَصِرُونَ﴾ ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها فَمَن عَفا وأصْلَحَ فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ إنَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ ﴿ولَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِن سَبِيلٍ﴾ ﴿إنَّما السَّبِيلُ عَلى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النّاسَ ويَبْغُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿ولَمَن صَبَرَ وغَفَرَ إنَّ ذَلِكَ لَمِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن ولِيٍّ مِن بَعْدِهِ وتَرى الظّالِمِينَ لَمّا رَأوُا العَذابَ يَقُولُونَ هَلْ إلى مَرَدٍّ مِن سَبِيلٍ﴾ ﴿وتَراهم يُعْرَضُونَ عَلَيْها خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ [الشورى: ٤٥] .
لَمّا ذَكَرَ تَعالى مِن دَلائِلِ وحْدانِيَّتِهِ أنْواعًا، ذَكَرَ بَعْدَها العالَمَ الأكْبَرَ، وهو السَّماواتُ والأرْضُ؛ ثُمَّ العالَمَ الأصْغَرَ، وهو الحَيَوانُ. ثُمَّ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ المَعادِ، أتْبَعَهُ بِذِكْرِ السُّفُنِ الجارِيَةِ في البَحْرِ، لِما فِيها مِن عَظِيمِ دَلائِلِ القُدْرَةِ، مِن جِهَةِ أنَّ الماءَ جِسْمٌ لَطِيفٌ شَفّافٌ يَغُوصُ فِيهِ الثَّقِيلُ، والسُّفُنُ تَشْخَصُ بِالأجْسامِ الثَّقِيلَةِ الكَثِيفَةِ، ومَعَ ذَلِكَ جَعَلَ تَعالى لِلْماءِ قُوَّةً يَحْمِلُها بِها ويَمْنَعُ مِنَ الغَوْصِ، ثُمَّ جَعَلَ الرِّياحَ سَبَبًا لِسَيْرِها، فَإذا أرادَ أنْ تَرْسُوَ، أسْكَنَ الرِّيحَ، فَلا تَبْرَحُ عَنْ مَكانِها. و﴿الجَوارِي﴾ جَمْعُ جارِيَةٍ، وأصْلُهُ السُّفُنُ الجَوارِي، حُذِفَ المَوْصُوفُ وقامَتْ صِفَتُهُ مَقامَهُ، وحَسَّنَ ذَلِكَ قَوْلُهُ: (في البَحْرِ)، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّها صِفَةٌ لِلسُّفُنِ، وإلّا فَهي صِفَةٌ غَيْرُ مُخْتَصَّةٍ، فَكانَ القِياسُ أنْ لا يُحْذَفَ المَوْصُوفُ ويَقُومَ مَقامَهُ. ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّها صِفَةٌ غالِبَةٌ، كالأبْطَحِ، فَجازَ أنْ تَلِيَ العَوامِلَ بِغَيْرِ ذِكْرِ المَوْصُوفِ. وقُرِئَ (الجَوارِي) بِالياءِ ودُونِها، وسُمِعَ مِنَ العَرَبِ الإعْرابُ في الرّاءِ، و(في البَحْرِ) مُتَعَلِّقٌ بِالجَوارِي، و﴿كالأعْلامِ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، والأعْلامُ: الجِبالُ، ومِنهُ قَوْلُ الخَنْساءِ أُخْتِ صَخْرٍ ومُعاوِيَةَ:
؎وإنَّ صَخْرًا لَتَأْتَمُّ الهُداةُ بِهِ كَأنَّهُ عَلَمٌ في رَأْسِهِ نارُ
ومِنهُ:
؎إذا قَطَعْنَ عَلَمًا بَدا عَلَمُ
وقَرَأ جُمْهُورُ السَّبْعَةِ: (الرِّيحَ) إفْرادًا، ونافِعٌ: جَمْعًا، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (فَيَظْلَلْنَ) بِفَتْحِ اللّامِ، وقَرَأ قَتادَةُ: بِكَسْرِها، والقِياسُ الفَتْحُ؛ لِأنَّ الماضِيَ بِكَسْرِ العَيْنِ، فالكَسْرُ في المُضارِعِ شاذٌّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مِن ظَلَّ يَظَلُّ ويَظِلُّ، نَحْوَ ضَلَّ يَضَلُّ ويَضِلُّ. انْتَهى.
ولَيْسَ كَما ذُكِرَ؛ لِأنَّ يَضَلُّ بِفَتْحِ العَيْنِ مِن ضَلِلْتُ بِكَسْرِها في الماضِي، ويَضِلُّ بِكَسْرِها مِن ضَلَلْتُ بِفَتْحِها في الماضِي، وكِلاهُما مَقِيسٌ.
﴿لِكُلِّ صَبّارٍ﴾ عَلى بَلائِهِ، (شَكُورٍ) لِنَعْمائِهِ.
﴿أوْ يُوبِقْهُنَّ﴾: يُهْلِكْهُنَّ، أيِ: الجَوارِي، وهو عَطْفٌ عَلى (يُسْكِنِ)، والضَّمِيرُ في (كَسَبُوا) عائِدٌ عَلى رُكّابِ السُّفُنِ، أيْ: بِذُنُوبِهِمْ. وقَرَأ الأعْمَشُ (ويَعْفُو) بِالواوِ، وعَنْ أهْلِ المَدِينَةِ: بِنَصْبِ الواوِ، والجُمْهُورُ (ويَعْفُ) مَجْزُومًا عَطْفًا عَلى (يُوبِقْهُنَّ) . فَأمّا قِراءَةُ الأعْمَشِ، فَإنَّهُ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ يَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ، أيْ: لا يُؤاخِذُ بِجَمِيعِ ما اكْتَسَبَ الإنْسانُ. وأمّا النَّصْبُ، فَبِإضْمارِ أنْ بَعْدَ الواوِ، وكالنَّصْبِ بَعْدَ الفاءِ في قِراءَةِ مَن قَرَأ ﴿يُحاسِبْكم بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ﴾ [البقرة: ٢٨٤] وبَعْدَ الواوِ في قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎فَإنْ يَهْلَكْ أبُو قابُوسِ يَهْلَكْ ∗∗∗ رَبِيعُ النّاسِ والشَّهْرُ الحَرامُ
؎ونَأْخُذُ بَعْدَهُ بِذِنابِ عَيْشٍ ∗∗∗ أجَبَّ الظَّهْرِ لَيْسَ لَهُ سَنامُ
رُوِيَ بِنَصْبِ (ونَأْخُذُ) ورَفْعِهِ وجَزْمِهِ.
وفِي هَذِهِ القِراءَةِ يَكُونُ العَطْفُ عَلى مَصْدَرٍ مُتَوَهَّمٍ، أيْ: يَقَعُ إيباقٌ وعَفْوٌ عَنْ كَثِيرٍ. وأمّا الجَزْمُ فَإنَّهُ داخِلٌ في حُكْمِ جَوابِ الشَّرْطِ؛ إذْ هو مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ، وهو راجِعٌ في المَعْنى إلى قِراءَةِ النَّصْبِ، لَكِنَّ هَذا عَطْفُ فِعْلٍ عَلى فِعْلٍ، وفي النَّصْبِ عَطْفُ مَصْدَرٍ مُقَدَّرٍ عَلى مَصْدَرٍ مُتَوَهَّمٍ.
وقالَ القُشَيْرِيُّ: وقُرِئَ: (ويَعْفُ) بِالجَزْمِ، وفِيها إشْكالٌ؛ لِأنَّ المَعْنى: إنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ، فَتَبْقى (p-٥٢١)تِلْكَ السُّفُنُ رَواكِدُ، أوْ يُهْلِكَها بِذُنُوبِ أهْلِها، فَلا يَحْسُنُ عَطْفُ (ويَعْفُ) عَلى هَذِهِ؛ لِأنَّ المَعْنى يَصِيرُ إنْ يَشَأْ يَعْفُ، ولَيْسَ المَعْنى ذَلِكَ، بَلِ المَعْنى: الإخْبارُ عَنِ الغُيُوبِ عَنْ شَرْطِ المَشِيئَةِ، فَهو إذَنْ عُطِفَ عَلى المَجْزُومِ مِن حَيْثُ اللَّفْظِ، لا مِن حَيْثُ المَعْنى.
وقَدْ قَرَأ قَوْمٌ (ويَعْفُو) بِالرَّفْعِ، وهي جَيِّدَةٌ في المَعْنى. انْتَهى، وما قالَهُ لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ إذْ لَمْ يَفْهَمْ مَدْلُولَ التَّرْكِيبِ. والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى إنْ يَشَأْ أهْلَكَ ناسًا وأنْجى ناسًا عَلى طَرِيقِ العَفْوِ عَنْهم.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): عَلامَ عُطِفَ يُوبِقْهُنَّ ؟ (قُلْتُ): عَلى (يُسْكِنِ) لِأنَّ المَعْنى: إنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَرْكُدْنَ، أوْ يَعْصِفْها فَيَغْرَقْنَ بِعَصْفِها. انْتَهى.
ولا يَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: أوْ يَعْصِفُها فَيَغْرَقْنَ؛ لِأنَّ إهْلاكَ السُّفُنِ لا يَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ بِعَصْفِ الرِّيحِ، بَلْ قَدْ يُهْلِكُها تَعالى بِسَبَبٍ غَيْرِ الرِّيحِ، كَنُزُولِ سَطْحِها بِكَثْرَةِ الثِّقَلِ، أوِ انْكِسارِ اللَّوْحِ يَكُونُ سَبَبًا لِإهْلاكِها، أوْ يَعْرِضُ عَدُوٌّ يُهْلِكُ أهْلَها. وقَرَأ الأعْرَجُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (ويَعْلَمُ) بِالرَّفْعِ عَلى القَطْعِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (ويَعْلَمَ) بِالنَّصْبِ؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: وحَسُنَ النَّصْبُ إذا كانَ قَبْلَهُ شَرْطٌ وجَزاءٌ، وكُلُّ واحِدٍ مِنهُما غَيْرُ واجِبٍ.
وقالَ الزَّجّاجُ: عَلى إضْمارِ أنْ؛ لِأنَّ قَبْلَها جَزاءً. تَقُولُ: ما تَصْنَعُ أصْنَعُ مِثْلَهُ، وأُكْرِمَكَ، وإنْ شِئْتَ: وأكْرِمُكَ، عَلى: وأنا أُكْرِمُكَ، وإنْ شِئْتَ: وأُكْرِمْكَ جَزْمًا.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فِيهِ نَظَرٌ، لِما أوْرَدَهُ سِيبَوَيْهِ في كِتابِهِ قالَ: واعْلَمْ أنَّ النَّصْبَ بِالفاءِ والواوِ في قَوْلِهِ: إنْ تَأْتِنِي آتِكَ وأُعْطِيكَ ضَعِيفٌ، وهو نَحْوٌ مِن قَوْلِهِ:
؎وألْحَقُ بِالحِجازِ فَأسْتَرِيحا
فَهَذا لا يَجُوزُ، ولَيْسَ بِحَدِّ الكَلامِ ولا وجْهِهِ، إلّا أنَّهُ في الجَزاءِ صارَ أقْوى قَلِيلًا؛ لِأنَّهُ لَيْسَ بِواجِبٍ أنَّهُ يَفْعَلُ إلّا أنْ يَكُونَ مِنَ الأوَّلِ فِعْلٌ.
فَلَمّا ضارَعَ الَّذِي لا يُوجِبُهُ، كالِاسْتِفْهامِ ونَحْوِهِ، أجازُوا فِيهِ هَذا عَلى ضَعْفِهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولا يَجُوزُ أنْ تُحْمَلَ القِراءَةُ المُسْتَفِيضَةُ عَلى وجْهٍ ضَعِيفٍ لَيْسَ بِحَدِّ الكَلامِ ولا وجْهِهِ، ولَوْ كانَتْ مِن هَذا البابِ، لَما أخْلى سِيبَوَيْهِ مِنها كِتابَهُ، وقَدْ ذَكَرَ نَظائِرَها مِنَ الآياتِ المُشْكَلَةِ. انْتَهى.
وخَرَّجَ الزَّمَخْشَرِيُّ النَّصْبَ عَلى أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى تَعْلِيلٍ مَحْذُوفٍ، قالَ: تَقْدِيرُهُ: لِيَنْتَقِمَ مِنهم ويَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ، يُكْرَهُ في العَطْفِ عَلى التَّعْلِيلِ المَحْذُوفِ غَيْرُ عَزِيزٍ في القُرْآنِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنّاسِ﴾ [البقرة: ٢٥٩]، وقَوْلُهُ: ﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ﴾ [العنكبوت: ٤٤]، ﴿ولِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ [الجاثية: ٢٢] . انْتَهى.
ويَبْعُدُ تَقْدِيرُهُ لِيَنْتَقِمَ مِنها؛ لِأنَّهُ تَرَتَّبَ عَلى الشَّرْطِ إهْلاكُ قَوْمٍ، فَلا يَحْسُنُ لِيَنْتَقِمَ مِنهم. وأمّا الآيَتانِ فَيُمْكِنُ أنْ تَكُونَ اللّامُ مُتَعَلِّقَةً بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: ﴿ولِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنّاسِ﴾ [مريم: ٢١]، ﴿ولِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ [الجاثية: ٢٢] . فَعَلْنا ذَلِكَ، وكَثِيرًا ما يُقَدَّرُ هَذا الفِعْلُ مَحْذُوفًا قَبْلَ لامِ العِلَّةِ، إذا لَمْ يَكُنْ فِعْلٌ ظاهِرٌ يَتَعَلَّقُ بِهِ.
وذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: (ويَعْلَمَ) قُرِئَ بِالجَزْمِ، (فَإنْ قُلْتَ): فَكَيْفَ يَصِحُّ المَعْنى عَلى جَزْمِ (ويَعْلَمَ) ؟ (قُلْتُ): كَأنَّهُ قالَ: أوْ إنْ يَشَأْ يَجْمَعُ بَيْنَ ثَلاثَةِ أُمُورٍ: هَلاكِ قَوْمٍ، ونَجاةِ قَوْمٍ، وتَحْذِيرِ آخَرِينَ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ويَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِنا ما لَهم مِن مَحِيصٍ﴾ يَتَضَمَّنُ تَحْذِيرَهم مِن عِقابِ اللَّهِ، و﴿ما لَهم مِن مَحِيصٍ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ؛ لِأنَّ (يَعْلَمَ) مُعَلَّقَةٌ، كَقَوْلِكَ: عَلِمْتُ ما زَيْدٌ قائِمٌ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ في قِراءَةِ النَّصْبِ: وهَذِهِ الواوُ ونَحْوُها الَّتِي تُسَمِّيها الكُوفِيُّونَ واوَ الصَّرْفِ؛ لِأنَّ حَقِيقَةَ واوِ الصَّرْفِ الَّتِي يُرِيدُونَها عَطْفُ فِعْلٍ عَلى اسْمٍ مُقَدَّرٍ، فَيُقَدَّرُ أنْ لِيَكُونَ مَعَ الفِعْلِ بِتَأْوِيلِ المَصْدَرِ، فَيَحْسُنُ عَطْفُهُ عَلى الِاسْمِ. انْتَهى.
ولَيْسَ قَوْلُهُ تَعْلِيلًا لِقَوْلِهِمْ: واوُ الصَّرْفِ، إنَّما هو تَقْرِيرٌ لِمَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ. وأمّا الكُوفِيُّونَ فَإنَّ واوَ الصَّرْفِ ناصِبَةٌ بِنَفْسِها، لا بِإضْمارِ أنْ بَعْدَها.
وقالَ أبُو عُبَيْدٍ عَلى الصَّرْفِ كالَّذِي في آلِ عِمْرانَ: ﴿ولَمّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنكم ويَعْلَمَ الصّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٢]، ومَعْنى الصَّرْفِ أنَّهُ كانَ عَلى جِهَةٍ فَصُرِفَ إلى غَيْرِها، فَتَغَيَّرَ الإعْرابُ لِأجْلِ الصَّرْفِ. والعَطْفُ لا يُعَيِّنُ الِاقْتِرانَ في الوُجُودِ، كالعَطْفِ في الِاسْمِ، نَحْوُ: جاءَ زَيْدٌ وعَمْرٌو. ولَوْ نُصِبَ (وعَمْرُو) اقْتَضى الِاقْتِرانَ؛ (p-٥٢٢)وكَذَلِكَ واوُ الصَّرْفِ، لِيُفِيدَ مَعْنى الِاقْتِرانِ ويُعَيِّنَ مَعْنى الِاجْتِماعِ، ولِذَلِكَ أُجْمِعَ عَلى النَّصْبِ في قَوْلِهِ: ﴿ويَعْلَمَ الصّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٢]، أيْ: ويَعْلَمَ المُجاهِدِينَ والصّابِرِينَ مَعًا.
عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - اجْتَمَعَ لِأبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مالٌ، فَتَصَدَّقَ بِهِ كُلِّهِ في سَبِيلِ اللَّهِ والخَيْرِ، فَلامَهُ المُسْلِمُونَ وخَطَّأهُ الكافِرُونَ، فَنَزَلَتْ: ﴿فَما أُوتِيتُمْ مِن شَيْءٍ﴾، والظّاهِرُ أنَّهُ خِطابٌ لِلنّاسِ.
وقِيلَ: لِلْمُشْرِكِينَ، وما شَرْطِيَّةٌ مَفْعُولٌ ثانٍ لِـ (أُوتِيتُمْ)، و(مِن شَيْءٍ) بَيانٌ لِما، والمَعْنى: مِن شَيْءٍ مِن رِياشِ الدُّنْيا ومالِها والسَّعَةِ فِيها، والفاءُ جَوابُ الشَّرْطِ، أيْ: فَهو مَتاعٌ، أيْ: يُسْتَمْتَعُ في الحَياةِ.
(وما عِنْدَ اللَّهِ) أيْ: مِن ثَوابِهِ وما أعَدَّ لِأوْلِيائِهِ، ﴿خَيْرٌ وأبْقى﴾ مِمّا أُوتِيتُمْ؛ لِأنَّهُ لا انْقِطاعَ لَهُ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في الكَبائِرِ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ [النساء: ٣١]، في النِّساءِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (كَبائِرَ) جَمْعًا هُنا، وفي النَّجْمِ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: بِالإفْرادِ.
﴿والَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ﴾: عُطِفَ عَلى (الَّذِينَ آمَنُوا)، وكَذَلِكَ ما بَعْدَهُ. ووَقَعَ لِأبِي البَقاءِ وهْمٌ في التِّلاوَةِ، اعْتَقَدَ أنَّها الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ بِغَيْرِ واوٍ، فَبَنى عَلَيْهِ الإعْرابَ فَقالَ: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ﴾ [النجم: ٣٢] في مَوْضِعِ جَرٍّ بَدَلًا مِنَ (الَّذِينَ آمَنُوا) ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِإضْمارٍ، أعْنِي: وفي مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى تَقْدِيرِ هم. انْتَهى.
والعامِلُ في (إذا) ﴿يَغْفِرُونَ﴾ وهي جُمْلَةٌ مِن مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ مَعْطُوفَةٌ عَلى (يَجْتَنِبُونَ) ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (هم) تَوْكِيدًا لِلْفاعِلِ في ﴿غَضِبُوا﴾ .
وقالَ أبُو البَقاءِ (هم) مُبْتَدَأٌ، و(يَغْفِرُونَ) الخَبَرُ، والجُمْلَةُ جَوابُ (إذا) . انْتَهى، وهَذا لا يَجُوزُ؛ لِأنَّ الجُمْلَةَ لَوْ كانَتْ جَوابَ (إذا) لَكانَتْ بِالفاءِ، تَقُولُ: إذا جاءَ زَيْدٌ فَعَمْرٌو مُنْطَلِقٌ، ولا يَجُوزُ حَذْفُ الفاءِ إلّا إنْ ورَدَ في شِعْرٍ. وقِيلَ: (هم) مَرْفُوعٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يُفَسِّرُهُ (يَغْفِرُونَ) ولَمّا حُذِفَ انْفَصَلَ الضَّمِيرُ، وهَذا القَوْلُ فِيهِ نَظَرٌ، وهو أنَّ جَوابَ (إذا) يُفَسَّرُ كَما يُفَسَّرُ فِعْلُ الشَّرْطِ بَعْدَها، نَحْوُ: ﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ [الإنشقاق: ١]، ولا يَبْعُدُ جَوازُ ذَلِكَ عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ، إذْ جاءَ ذَلِكَ في أداةِ الشَّرْطِ الجازِمَةِ، نَحْوُ: إنْ يَنْطَلِقْ زَيْدٌ يَنْطَلِقُ، فَزِيدٌ عِنْدَهُ فاعِلٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يُفَسِّرُهُ الجَوابُ، أيْ: يَنْطَلِقُ زَيْدٌ، مَنَعَ ذَلِكَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هم يَغْفِرُونَ، أيْ: هُمُ الأخِصّاءُ بِالغُفْرانِ، في حالِ الغَضَبِ لا يَغُولُ الغَضَبُ أحْلامَهم، كَما يَغُولُ حُلُومَ النّاسِ. والمَجِيءُ لَهم وإيقاعُهُ مُبْتَدَأٌ، وإسْنادُ (يَغْفِرُونَ) إلَيْهِ لِهَذِهِ الفائِدَةِ. انْتَهى، وفِيهِ حَضٌّ عَلى كَسْرِ الغَضَبِ.
وفِي الحَدِيثِ: «أوْصِنِي، قالَ: لا تَغْضَبْ، قالَ: زِدْنِي، قالَ: لا تَغْضَبْ، قالَ: زِدْنِي، قالَ: لا تَغْضَبْ» .
﴿والَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ﴾، قِيلَ: نَزَلَتْ في الأنْصارِ، دَعاهُمُ اللَّهُ لِلْإيمانِ بِهِ وطاعَتِهِ فاسْتَجابُوا لَهُ. وكانُوا قَبْلَ الإسْلامِ، وقَبْلَ أنْ يُقْدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المَدِينَةَ، إذا نابَهم أمْرٌ تَشاوَرُوا، فَأثْنى اللَّهُ عَلَيْهِمْ، لا يَنْفَرِدُونَ بِأمْرٍ حَتّى يَجْتَمِعُوا عَلَيْهِ.
وعَنِ الحَسَنِ: ما تَشاوَرَ قَوْمٌ إلّا هُدُوا لِأرْشَدِ أمْرِهِمْ. انْتَهى.
وفِي الشُّورى اجْتِماعُ الكَلِمَةِ والتَّحابُّ والتَّعاضُدُ عَلى الخَيْرِ. وقَدْ شاوَرَ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فِيما يَتَعَلَّقُ بِمَصالِحَ الحُرُوبِ، والصَّحابَةُ بَعْدَهُ في ذَلِكَ، كَمُشاوَرَةِ عُمَرُ لِلْهُرْمُزِ. وفي الأحْكامِ، كَقِتالِ أهْلِ الرِّدَّةِ، ومِيراثِ الحَرْبِيِّ، وعَدَدِ مُدْمِنِي الخَمْرِ، وغَيْرِ ذَلِكَ.
والشُّورى مَصْدَرٌ كالفُتْيا بِمَعْنى التَّشاوُرِ، عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: وأمْرُهم ذُو شُورى بَيْنِهِمْ. و﴿هم يَنْتَصِرُونَ﴾: صِلَةٌ لِلَّذِينِ، وإذا مَعْمُولَةٌ لِـ (يَنْتَصِرُونَ)، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿هم يَنْتَصِرُونَ﴾ جَوابًا لـ (إذا) والجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ وجَوابُها صِلَةٌ لِما ذَكَرْناهُ مِن لُزُومِ الفاءِ، ويَجُوزُ هُنا أنْ يَكُونَ (هم) فاعِلًا بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ عَلى ذَلِكَ القَوْلِ الَّذِي قِيلَ في ﴿هم يَغْفِرُونَ﴾ . وقالَ الحَوْفِيُّ: وإنْ شِئْتَ جَعَلْتَ (هم) تَوْكِيدًا لِلْهاءِ والمِيمِ، يَعْنِي في (أصابَهم) وهو ضَمِيرُ رَفْعٍ، وفي هَذا نَظَرٌ، وفِيهِ الفَصْلُ بَيْنَ المُؤَكَّدِ والتَّوْكِيدِ بِالفاعِلِ، وهو فِعْلٌ، الظّاهِرُ أنَّهُ لا يَمْتَنِعُ، والِانْتِصارُ: أنْ يَقْتَصِرَ عَلى ما حَدَّهُ اللَّهُ لَهُ ولا يَعْتَدِي.
وقالَ النَّخَعِيُّ: كانُوا يَكْرَهُونَ أنْ يُذِلُّوا أنْفَسَهم، فَتَجْتَرِئُ عَلَيْهِمُ الفُسّاقُ، ومَنِ انْتَصَرَ غَيْرُ مُتَعَدٍّ فَهو مُطِيعٌ مَحْمُودٌ. وقالَ مُقاتِلٌ، وهِشامٌ عَنْ عُرْوَةَ: الآيَةُ في المَجْرُوحِ يَنْتَصِفُ مِنَ الجارِحِ بِالقِصاصِ. وقالَ (p-٥٢٣)ابْنُ عَبّاسٍ: تَعَدّى المُشْرِكُونَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وعَلى أصْحابِهِ، وأخْرَجُوهم مِن مَكَّةَ، فَأذِنَ اللَّهُ لَهم بِالخُرُوجِ في الأرْضِ، ونَصَرَهم عَلى مَن بَغى عَلَيْهِمْ.
وقالَ الكِيا الطَّبَرِيُّ: ظاهِرُهُ أنَّ الِانْتِصارَ في هَذا المَوْضِعِ أفْضَلُ، ألا تَرى أنَّهُ قَرَنَهُ إلى ذِكْرِ الِاسْتِجابَةِ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ وإقامَةِ الصَّلاةِ ؟ فَهَذا عَلى ما ذَكَرَهُ النَّخَعِيُّ، وهَذا فِيمَن تَعَدّى وأصَرَّ، والمَأْمُورُ فِيهِ بِالعَفْوِ إذا كانَ الجانِي نادِمًا مُقْلِعًا. وقَدْ قالَ عَقِيبَ هَذِهِ الآيَةِ ﴿ولَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ﴾ الآيَةَ، فَيَقْتَضِي إباحَةَ الِانْتِصارِ. وقَدْ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَمَن صَبَرَ وغَفَرَ﴾، وهَذا مَحْمُولٌ، عَلى القُرْآنِ عِنْدَ غَيْرِ المُصِرِّ. فَأمّا المُصِرُّ عَلى البَغْيِ، فالأفْضَلُ الِانْتِصارُ مِنهُ بِدَلِيلِ الآيَةِ قَبْلَها. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: المَعْنى تَناصَرُوا عَلَيْهِ فَأزالُوهُ عَنْهم.
وقالَ أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ نَحْوًا مِن قَوْلِ الكِيا.
قالَ الجُمْهُورُ: إذا بَغى مُؤْمِنٌ عَلى مُؤْمِنٍ فَلا يَجُوزُ لَهُ أنْ يَنْتَصِرَ مِنهُ بِنَفْسِهِ، بَلْ يَرْفَعُ ذَلِكَ إلى الإمامِ أوْ نائِبِهِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: لَهُ ذَلِكَ.
﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾: هَذا بَيانٌ لِلِانْتِصارِ، أيْ: لا يَتَعَدّى فِيما يُجازِي بِهِ مَن بَغى عَلَيْهِ.
قالَ ابْنُ أبِي نَجِيحٍ، والسُّدِّيُّ: إذا شُتِمَ فَلَهُ أنْ يَرُدَّ مِثْلَ ما شُتِمَ بِهِ دُونَ أنْ يَتَعَدّى، وسُمِّيَ القِصاصُ سَيِّئَةً عَلى سَبِيلِ المُقابَلَةِ، أوْ لِأنَّها تَسُوءُ مَنِ اقْتُصَّ مِنهُ، كَما ساءَتِ الحَيْضُ. وظاهِرُ قَوْلِهِ: (مِثْلُها) المُماثَلَةُ مُطْلَقًا في كُلِّ الأحْوالِ، لا فِيما خَصَّهُ الدَّلِيلُ. والفُقَهاءُ أدْخَلُوا التَّخْصِيصَ في صُوَرٍ كَثِيرَةٍ بِناءً عَلى القِياسِ.
قالَ مُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ: إذا قالَ لَهُ: أخْزاكَ اللَّهُ، فَلْيَقُلْ: أخْزاكَ اللَّهُ، وإذا قَذَفَهُ قَذْفًا يُوجِبُ الحَدَّ، بَلِ الحَدُّ الَّذِي أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ.
﴿فَمَن عَفا وأصْلَحَ﴾ أيْ: بَيْنَهُ وبَيْنَ خَصْمِهِ بِالعَفْوِ، ﴿فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ﴾: عِدَةٌ مُبْهَمَةٌ لا يُقاسُ عِظَمُها؛ إذْ هي عَلى اللَّهِ.
﴿إنَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ أيِ: الخائِنِينَ، وإذا كانَ لا يُحِبُّهُ وقَدْ نُدِبَ إلى العَفْوِ عَنْهُ، فالعَفْوُ الَّذِي يُحِبُّهُ اللَّهُ أوْلى أنْ يَعْفِيَ عَنْهُ، أوْ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ مَن تَجاوَزَ واعْتَدى مِنَ المَجْنِيِّ عَلَيْهِمْ، إذا انْتَصَرُوا خُصُوصًا في حالَةِ الحَرْبِ والتِهابِ الحَمِيَّةِ، فَرُبَّما يَظْلِمُ وهو لا يَشْعُرُ.
وفِي الحَدِيثِ: «إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ نادى مُنادٍ: مَن كانَ لَهُ أجْرٌ عَلى اللَّهِ فَلْيَقُمْ، قالَ: فَيَقُومُ خَلْقٌ، فَيُقالُ لَهم: ما أجْرُكم عَلى اللَّهِ ؟ فَيَقُولُونَ: نَحْنُ عَفَوْنا عَمَّنْ ظَلَمَنا، فَيُقالُ لَهُمُ: ادْخُلُوا الجَنَّةَ بِإذْنِ اللَّهِ» .
واللّامُ في ﴿ولَمَنِ انْتَصَرَ﴾ لامُ تَوْكِيدٍ. قالَ الحَوْفِيُّ: وفِيها مَعْنى القَسَمِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لامُ التِقاءِ القَسَمِ، يَعْنِيانِ أنَّها اللّامُ الَّتِي يُتَلَقّى بِها القَسَمُ، فالقَسَمُ قَبْلَها مَحْذُوفٌ، ومَن شُرْطِيَّةٌ، وحُمِلَ ﴿انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ﴾ عَلى لَفْظِ (مَن) و(فَأُولَئِكَ) عَلى مَعْنى (مَن) والفاءُ جَوابُ الشَّرْطِ، و(ظُلْمِهِ) مَصْدَرٌ مُضافٌ إلى المَفْعُولِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويُفَسِّرُهُ قِراءَةُ مَن قَرَأ (بَعْدَ ما ظُلِمَ) .
﴿ما عَلَيْهِمْ مِن سَبِيلٍ﴾، قِيلَ أيْ: مِن طَرِيقٍ إلى الحَرَجِ؛ وقِيلَ: مِن سَبِيلٍ لِلْمُعاقِبِ، ولا المُعاتِبِ والعاتِبِ، وهَذِهِ مُبالَغَةٌ في إباحَةِ الِانْتِصارِ.
﴿إنَّما السَّبِيلُ﴾ أيْ: سَبِيلُ الإثْمِ والحَرَجِ، ﴿عَلى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ﴾ أيْ: يَبْتَذِلُونَ بِالظُّلْمِ، ﴿ويَبْغُونَ في الأرْضِ﴾ أيْ: يَتَكَبَّرُونَ فِيها ويَعْلُونَ ويُفْسِدُونَ. وقِيلَ: (ويَظْلِمُونَ النّاسَ) أيْ: يَضَعُونَ الأشْياءَ غَيْرَ مَواضِعِها مِنَ القَتْلِ وأخْذِ المالِ والأذى بِاليَدِ واللِّسانِ.
والبَغْيُ بِغَيْرِ الحَقِّ، فَهو نَوْعٌ مِن أنْواعِ الظُّلْمِ، خَصَّهُ بِالذِّكْرِ تَنْبِيهًا عَلى شِدَّتِهِ وسُوءِ حالِ صاحِبِهِ. انْتَهى.
﴿ولَمَن صَبَرَ﴾ أيْ: عَلى الظُّلْمِ والأذى، (وغَفَرَ)، ولَمْ يَنْتَصِرْ. واللّامُ في (ولَمَن) يَجُوزُ أنْ تَكُونَ اللّامَ المُوَطِّئَةَ القَسَمَ المَحْذُوفَ، ومَن شَرْطِيَّةٌ، وجَوابُ القَسَمِ قَوْلُهُ: (إنَّ ذَلِكَ)، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ جَوابِ القَسَمِ عَلَيْهِ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ اللّامُ لامَ الِابْتِداءِ، ومَن مَوْصُولَةً مُبْتَدَأً، والجُمْلَةُ المُؤَكَّدَةُ بِإنَّ في مَوْضِعِ الخَبَرِ.
وقالَ الحَوْفِيُّ: (مَن) رُفِعَ بِالِابْتِداءِ وأُضْمِرَ الخَبَرُ، وجَوابُ الشَّرْطِ إنَّ وما تَعَلَّقَتْ بِهِ عَلى حَذْفِ الفاءِ، كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎مِن يَفْعَلُ الحَسَناتِ اللَّهُ يَشْكُرُها
أيْ: فاللَّهُ يَشْكُرُها. انْتَهى، وهَذا لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّ حَذْفَ الفاءِ مَخْصُوصٌ بِالشِّعْرِ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ. والإشارَةُ بِذَلِكَ إلى ما يُفْهَمُ مِن مَصْدَرِ صَبَرَ وغَفَرَ، والعائِدُ عَلى المَوْصُولِ المُبْتَدَأِ مِنَ الخَبَرِ مَحْذُوفٌ، أيْ: إنَّ ذَلِكَ مِنهُ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ: ﴿لَمِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾، إنْ كانَ ذَلِكَ (p-٥٢٤)إشارَةً إلى المَصْدَرِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولَمَن صَبَرَ وغَفَرَ﴾، لَمْ يَكُنْ في ﴿عَزْمِ الأُمُورِ﴾ حَذْفٌ، وإنْ كانَ ذَلِكَ إشارَةً إلى المُبْتَدَأِ، كانَ هو الرّابِطُ، ولا يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرٍ مِنهُ، وكانَ في ﴿عَزْمِ الأُمُورِ﴾، أيْ: إنَّهُ لَمِن ذَوِي عَزْمِ الأُمُورِ.
وسَبَّ رَجُلٌ آخَرَ في مَجْلِسِ الحَسَنِ، فَكانَ المَسْبُوبُ يَكْظِمُ ويَعْرَقُ ويَمْسَحُ العَرَقَ، ثُمَّ قامَ فَتَلا الآيَةَ، فَقالَ الحَسَنُ: عَقَلَها واللَّهِ وفَهِمَها لِمَ هَذِهِ ضَيَّعَها الجاهِلُونَ.
والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: (إنَّما السَّبِيلُ) اعْتِراضٌ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿ولَمَنِ انْتَصَرَ﴾، وقَوْلِهِ: ﴿ولَمَن صَبَرَ﴾ .
﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن ولِيٍّ مِن بَعْدِهِ﴾ أيْ: مِن ناصِرٍ يَتَوَلّاهُ (مِن بَعْدِهِ) أيْ: مِن بَعْدِ إضْلالِهِ، وهَذا تَحْقِيرٌ لِأمْرِ الكَفَرَةِ.
﴿وتَرى الظّالِمِينَ﴾: الخِطابُ لِلرَّسُولِ، والمَعْنى: وتَرى حالَهم وما هم فِيهِ مِنَ الحَيْرَةِ، ﴿لَمّا رَأوُا العَذابَ﴾، يَقُولُونَ: ﴿هَلْ إلى مَرَدٍّ مِن سَبِيلٍ﴾: هَلْ سَبِيلٌ إلى الرَّدِّ لِلدُّنْيا ؟ وذَلِكَ مِن فَظِيعِ ما اطَّلَعُوا عَلَيْهِ، وسُوءِ ما يَحِلُّ بِهِمْ.
﴿وتَراهم يُعْرَضُونَ عَلَيْها﴾ [الشورى: ٤٥] أيْ: عَلى النّارِ، دَلَّ عَلَيْها ذِكْرُ العَذابِ، (خاشِعِينَ) مُتَضائِلِينَ صاغِرِينَ مِمّا يَلْحَقُهم، (مِنَ الذُّلِّ) .
وقَرَأ طَلْحَةُ: (مِنَ الذِّلِّ)، بِكَسْرِ الذّالِ؛ والجُمْهُورُ: بِالضَّمِّ، والخُشُوعُ: الِاسْتِكانَةُ، وهو مَحْمُودٌ. وإنَّما أخْرَجَهُ إلى الذَّمِّ اقْتِرانُهُ بِالعَذابِ. وقِيلَ: (مِنَ الذُّلِّ) مُتَعَلِّقٌ بِـ ﴿يَنْظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ [الشورى: ٤٥] .
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ذَلِيلٍ. انْتَهى.
قِيلَ: ووُصِفَ بِالخَفاءِ؛ لِأنَّ نَظَرَهم ضَعِيفٌ ولَحْظُهم نِهايَةٌ، قالَ الشّاعِرُ:
؎فَغُضَّ الطَّرْفَ إنَّكَ مِن نُمَيْرٍ
وقِيلَ: يُحْشَرُونَ عُمْيًا. ولَمّا كانَ نَظَرُهم بِعُيُونِ قُلُوبِهِمْ، جَعَلَهُ طَرَفًا خَفِيًّا، أيْ: لا يَبْدُو نَظَرُهم، وهَذا التَّأْوِيلُ فِيهِ تُكَلُّفٌ.
وقالَ السُّدِّيُّ، وقَتادَةُ: المَعْنى يُسارِقُونَ النَّظَرَ لِما كانُوا فِيهِ مِنَ الهَمِّ وسُوءِ الحالِ، لا يَسْتَطِيعُونَ النَّظَرَ بِجَمِيعِ العَيْنِ، وإنَّما يَنْظُرُونَ مِن بَعْضِها، فَيَجُوزُ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ أنْ يَكُونَ الطَّرْفُ مَصْدَرًا، أيْ: مِن نَظَرٍ خَفِيٍّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ [الشورى: ٤٥]، أيْ: يَبْتَدِئُ نَظَرُهم مِن تَحْرِيكٍ لِأجْفانِهِمْ ضَعِيفٍ خَفِيٍّ بِمُسارَقَةٍ، كَما تَرى المُصَوِّرَ يَنْظُرُ إلى السَّيْفِ، وهَكَذا نَظَرُ النّاظِرِ إلى المَكارِهِ، ولا يَقْدِرُ أنْ يَفْتَحَ أجْفانَهُ عَلَيْها ويَمْلَأ عَيْنَهُ مِنها، كَما يَفْعَلُ في نَظَرِهِ إلى المُتَحابِّ.
الشورى 42:45
﴿وقالَ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ الخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ ألا إنَّ الظّالِمِينَ في عَذابٍ مُقِيمٍ﴾ ﴿وما كانَ لَهم مِن أوْلِياءَ يَنْصُرُونَهم مِن دُونِ اللَّهِ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن سَبِيلٍ﴾ ﴿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكم مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ ما لَكم مِن مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وما لَكم مِن نَكِيرٍ﴾ ﴿فَإنْ أعْرَضُوا فَما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إنْ عَلَيْكَ إلّا البَلاغُ وإنّا إذا أذَقْنا الإنْسانَ مِنّا رَحْمَةً فَرِحَ بِها وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ فَإنَّ الإنْسانَ كَفُورٌ﴾ ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ يَخْلُقُ ما يَشاءُ يَهَبُ لِمَن يَشاءُ إناثًا ويَهَبُ لِمَن يَشاءُ الذُّكُورَ﴾ ﴿أوْ يُزَوِّجُهم ذُكْرانًا وإناثًا ويَجْعَلُ مَن يَشاءُ عَقِيمًا إنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ ﴿وما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلّا وحْيًا أوْ مِن وراءِ حِجابٍ أوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإذْنِهِ ما يَشاءُ إنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ ﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ ولا الإيمانُ ولَكِنْ جَعَلْناهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَن نَشاءُ مِن عِبادِنا وإنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿صِراطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ ألا إلى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ﴾ .
(p-٥٢٥)الظّاهِرُ أنَّ (وقالَ) ماضٍ لَفْظًا ومَعْنًى، أيْ: ﴿وقالَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ في الحَياةِ الدُّنْيا، ويَكُونُ (يَوْمَ القِيامَةِ) مَعْمُولًا لِـ (خَسِرُوا)، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْنى (وقالَ): ويَقُولُ، و(يَوْمَ القِيامَةِ) مَعْمُولُ لَوْ يَقُولُوا، أيْ: ويَقُولُوا في ذَلِكَ اليَوْمِ لَمّا عايَنُوا ما حَلَّ بِالكُفّارِ وأهْلِيهِمْ.
الظّاهِرُ أنَّهُمُ الَّذِينَ كانُوا أهْلِيهِمْ في الدُّنْيا، فَإنْ كانُوا مَعَهم في النّارِ فَقَدْ خَسِرُوهم، أيْ: لا يَنْتَفِعُونَ بِهِمْ؛ وإنْ كانُوا في الجَنَّةِ لِكَوْنِهِمْ كانُوا مُؤْمِنِينَ، كَآسِيَةَ امْرَأةِ فِرْعَوْنَ، فَهم لا يَنْتَفِعُونَ بِهِمْ أيْضًا. وقِيلَ: أهْلُوهم ما كانَ أُعِدَّ لَهم مِنَ الحُورِ لَوْ كانُوا آمَنُوا، والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ألا إنَّ الظّالِمِينَ في عَذابٍ مُقِيمٍ﴾ مِن كَلامِ المُؤْمِنِينَ؛ وقِيلَ: اسْتِئْنافُ إخْبارٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى.
﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ﴾، قِيلَ: هو يَوْمُ وُرُودِ المَوْتِ، والظّاهِرُ أنَّهُ يَوْمُ القِيامَةِ. و(مِنَ اللَّهِ) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما مَرَّ، أيْ: لا يَرِدُ ذَلِكَ اليَوْمَ مِن ما حَكَمَ اللَّهُ بِهِ فِيهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (مِنَ اللَّهِ): مِن صِلَةُ (لا مَرَدَّ) . انْتَهى.
ولَيْسَ الجَيِّدُ، إذْ لَوْ كانَ مِن صِلَتِهِ لَكانَ مَعْمُولًا لَهُ، فَكانَ يَكُونُ مُعْرَبًا مُنَوَّنًا. وقِيلَ: (مِنَ اللَّهِ) يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ: (يَأْتِيَ)، مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ مِنَ اللَّهِ يَوْمٌ لا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى رَدِّهِ.
(ما لَكم مِن مَلْجَإٍ) تَلْجَأُونَ إلَيْهِ، فَتَتَخَلَّصُونَ مِنَ العَذابِ، وما لَكم مِن إنْكارِ شَيْءٍ مِن أعْمالِكُمُ الَّتِي تُورِدُكُمُ النّارَ، والنَّكِيرُ مَصْدَرُ أنْكَرَ عَلى غَيْرِ قِياسٍ.
قِيلَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْمَ فاعِلٍ لِلْمُبالَغَةِ، وفِيهِ بُعْدٌ؛ لِأنَّ نَكَرَ مَعْناهُ لَمْ يُمَيِّزْ.
(فَإنْ أعْرَضُوا) الآيَةَ: تَسْلِيَةٌ لِلرَّسُولِ وتَأْنِيسٌ لَهُ، وإزالَةٌ لِهَمِّهِ بِهِمْ. والإنْسانُ: يُرادُ بِهِ الجِنْسُ، ولِذَلِكَ جاءَ: ﴿وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ﴾ . وجاءَ جَوابُ الشَّرْطِ ﴿فَإنَّ الإنْسانَ﴾ ولَمْ يَأْتِ فَإنَّهُ، ولا فَإنَّهم، لِيَدُلَّ عَلى أنَّ هَذا الجِنْسَ مَوْسُومٌ بِكُفْرانِ النِّعَمِ، كَما قالَ: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَظَلُومٌ كَفّارٌ﴾ [إبراهيم: ٣٤]، ﴿إنَّ الإنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ [العاديات: ٦] .
ولَمّا ذَكَرَ أنَّهُ يَكْفُرُ النِّعَمَ، أتْبَعَ ذَلِكَ بِأنَّ لَهُ مُلْكَ العالَمِ العُلْوِيِّ والسُّفْلِيِّ، وأنَّهُ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ، ونَبَّهَ عَلى عَظِيمِ قُدْرَتِهِ، وأنَّ الكائِناتِ ناشِئَةٌ عَنْ إرادَتِهِ، فَذَكَرَ أنَّهُ يَهَبُ لِبَعْضٍ إناثًا، ولِبَعْضٍ ذُكُورًا، ولِبَعْضٍ الصِّنْفَيْنِ، ويَعْقِمُ بَعْضًا فَلا يُولَدُ لَهُ.
وقالَ إسْحاقُ بْنُ بِشْرٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في الأنْبِياءِ، ثُمَّ عَمَّتْ. فَلُوطٌ أبُو بَناتٍ لَمْ يُولَدْ لَهُ ذُكُورٌ، وإبْراهِيمُ ضِدُّهُ، ومُحَمَّدٌ ﷺ وعَلَيْهِما - وُلِدَ لَهُ الصِّنْفانِ، ويَحْيى عَقِيمٌ. انْتَهى.
وذُكِرَ أيْضًا مَعَ لُوطٍ شُعَيْبٌ، ومَعَ يَحْيى عِيسى، وقَدَّمَ تَعالى هِبَةَ البَناتِ تَأْنِيسًا لَهُنَّ وتَشْرِيفًا لَهُنَّ، لِيُهْتَمَّ بِصَوْنِهِنَّ والإحْسانِ إلَيْهِنَّ.
وفِي الحَدِيثِ: «مَنِ ابْتُلِيَ بِشَيْءٍ مِن هَذِهِ البَناتِ فَأحْسَنَ إلَيْهِنَّ كُنَّ لَهُ سِتْرًا مِنَ النّارِ» .
وقالَ واثِلَةُ بْنُ الأسْقَعِ: مِن يُمْنِ المَرْأةِ تَبْكِيرُها بِالأُنْثى قَبْلَ الذَّكَرِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى بَدَأ بِالإناثِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): لِمَ قَدَّمَ الإناثَ عَلى الذُّكُورِ مَعَ تَقَدُّمِهِمْ عَلَيْهِنَّ، ثُمَّ رَجَعَ فَقَدَّمَهم ؟ ولِمَ عَرَّفَ الذُّكُورَ بَعْدَما نَكَّرَ الإناثَ ؟ (قُلْتُ): لِأنَّهُ ذَكَرَ البَلاءَ في آخِرِ الآيَةِ الأُولى. وكُفْرانُ الإنْسانِ: نِسْيانُهُ الرَّحْمَةَ السّابِقَةَ عِنْدَهُ.
ثُمَّ ذَكَّرَهُ بِذِكْرِ مُلْكِهِ ومَشِيئَتِهِ، وذِكْرِ قِسْمَةِ الأوْلادِ، فَقَدَّمَ الإناثَ؛ لِأنَّ سِياقَ الكَلامِ أنَّهُ فاعِلٌ ما يَشاؤُهُ، لا ما يَشاءُ الإنْسانُ، فَكانَ ذِكْرُ الإناثِ اللّائِي مِن جُمْلَةِ ما لا يَشاؤُهُ الإنْسانُ أهَمَّ، والأهَمُّ أوْجَبَ التَّقْدِيمَ.
والبَلاءُ: الجِنْسُ الَّذِي كانَتِ العَرَبُ تَعُدُّهُ بَلاءً، ذَكَرَ البَلاءَ وأخَّرَ الذُّكُورَ. فَلَمّا أخَّرَهم لِذَلِكَ تَدارَكَ تَأْخِيرَهُ، وهم أحَقُّ بِالتَّقْدِيمِ بِتَعْرِيفِهِمْ؛ لِأنَّ التَّعْرِيفَ تَنْوِيهٌ وتَشْهِيرٌ، كَأنَّهُ قالَ: ويَهَبُ لِمَن يَشاءُ الفَرِيقَيْنِ، الأعْلامُ المَذْكُورِينَ الَّذِينَ لا يَخْفَوْنَ عَلَيْكم. ثُمَّ أعْطى بَعْدَ ذَلِكَ كِلا الجِنْسَيْنِ حَظَّهُ مِنَ التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، وعِرْفانُ تَقْدِيمِهِنَّ لَمْ يَكُنْ لِتَقَدُّمِهِنَّ، ولَكِنْ لِمُقْتَضًى آخَرَ فَقالَ: ﴿ذُكْرانًا وإناثًا﴾، كَما قالَ: ﴿إنّا خَلَقْناكم مِن ذَكَرٍ وأُنْثى﴾ [الحجرات: ١٣]، ﴿فَجَعَلَ مِنهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ [القيامة: ٣٩] . انْتَهى.
وقِيلَ: بَدَأ بِالأُنْثى ثُمَّ ثَنّى بِالذَّكَرِ، لِتَنْقِلَهُ مِنَ الغَمِّ إلى الفَرَحِ. وقِيلَ: لِيَعْلَمَ أنَّهُ لا اعْتِراضَ عَلى اللَّهِ فَيَرْضى. (p-٥٢٦)فَإذا وهَبَ لَهُ الذَّكَرَ، عَلِمَ أنَّهُ زِيادَةٌ وفَضْلٌ مِنَ اللَّهِ وإحْسانٌ إلَيْهِ.
وقِيلَ: قَدَّمَها تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ إذا كانَ العَجْزُ والحاجَةُ لَهم، كانَتْ عِنايَةُ اللَّهِ أكْثَرَ.
وقالَ مُجاهِدٌ: هو أنْ تَلِدَ المَرْأةُ غُلامًا، ثُمَّ تَلِدُ جارِيَةً. وقالَ مُحَمَّدُ ابْنُ الحَنَفِيَّةِ: أنْ تَلِدَ تَوْأمًا، غُلامًا وجارِيَةً. وقالَ أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ: أوْ يُزَوِّجُهم ذُكْرانًا وإناثًا. قالَ عُلَماؤُنا: يَعْنِي آدَمَ، كانَتْ حَوّاءُ تَلِدُ لَهُ في كُلِّ بَطْنٍ تَوْأمَيْنِ، ذَكَرًا وأُنْثى؛ تُزَوِّجُ ذَكَرَ هَذا البَطْنِ أُنْثى البَطْنِ الآخَرِ. انْتَهى.
ولَمّا ذَكَرَ الهِبَةَ في الإناثِ، والهِبَةَ في الذُّكُورِ، اكْتَفى عَنْ ذِكْرِها في قَوْلِهِ: ﴿أوْ يُزَوِّجُهم ذُكْرانًا وإناثًا﴾ . ولَمّا كانَ العُقْمُ لَيْسَ بِمَحْمُودٍ قالَ: ﴿ويَجْعَلُ مَن يَشاءُ عَقِيمًا﴾، وهو قَسِيمٌ لِمَن يُولَدُ لَهُ. ولَمّا كانَتِ الخُنْثى مِمّا يُحْزَنُ بِوُجُودِهِ، لَمْ يَذْكُرْهُ تَعالى. قالُوا: وكانَتِ الخِلْقَةُ مُسْتَمِرَّةً، ذَكَرًا وأُنْثى، إلى أنْ وقَعَ في الجاهِلِيَّةِ الأُولى الخُنْثى، فَسُئِلَ فارِضُ العَرَبِ ومُعَمَّرُها عامِرُ بْنُ الظَّرِبِ عَنْ مِيراثِهِ، فَلَمْ يَدْرِ ما يَقُولُهُ وأرْجَأهم.
فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ، جَعَلَ يَتَقَلَّبُ وتَذْهَبُ بِهِ الأفْكارُ، وأنْكَرَتْ خادِمَتُهُ حالَهُ فَسَألَتْهُ، فَقالَ: بُهِرْتُ لِأمْرٍ لا أدْرِي ما أقُولُ فِيهِ، فَقالَتْ لَهُ: ما هو ؟ فَقالَ: شَخْصٌ لَهُ ذَكَرٌ وفَرْجٌ، كَيْفَ يَكُونُ حالُهُ في المِيراثِ ؟ قالَتْ لَهُ الأمَةُ: ورِّثْهُ مِن حَيْثُ يَبُولُ، فَعَقَلَها وأصْبَحَ فَعَرَضَها عَلَيْهِمْ، فَرَضُوا بِها.
وجاءَ الإسْلامُ عَلى ذَلِكَ، وقَضى بِذَلِكَ عَلِيٌّ، كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ، إنَّهُ عَلِيمٌ بِمَصالِحِ العِبادِ، قَدِيرٌ عَلى تَكْوِينِ ما يَشاءُ.
كانَ مِنَ الكُفّارِ خَوْضٌ في مَعْنى تَكْلِيمِ اللَّهِ مُوسى، فَذَهَبَتْ قُرَيْشٌ واليَهُودُ في ذَلِكَ إلى التَّجْسِيمِ، فَنَزَلَتْ. وقِيلَ: كانَتْ قُرَيْشُ تَقُولُ: ألا تُكَلِّمُ اللَّهَ وتَنْظُرُ إلَيْهِ إنْ كُنْتَ نَبِيًّا صادِقًا، كَما كَلَّمَهُ مُوسى ونَظَرَ إلَيْهِ ؟ فَقالَ لَهُمُ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: «لَمْ يَنْظُرْ مُوسى إلى اللَّهِ»، فَنَزَلَتْ: ﴿وما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ﴾، بَيانًا لِصُورَةِ تَكْلِيمِ اللَّهِ عِبادَهُ أيْ: ما يَنْبَغِي ولا يُمْكِنُ لِبَشَرٍ إلّا يُوحى إلَيْهِ أحَدُ وُجُوهِ الوَحْيِ مِنَ الإلْهامِ.
قالَ مُجاهِدٌ: أوِ النَّفْثُ في القَلْبِ. وقالَ النَّقّاشُ: أوْ وحْيٌ في المَنامِ. وقالَ النَّخَعِيُّ: كانَ في الأنْبِياءِ مَن يُخَطُّ لَهُ في الأرْضِ، أوْ بِأنْ يُسْمِعَهُ كَلامَهُ دُونَ أنْ يَعْرِفَ هو لِلْمُتَكَلِّمِ جِهَةً ولا حَيِّزًا، كَمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وهَذا مَعْنى ﴿مِن وراءِ حِجابٍ﴾ أيْ: مِن خَفاءٍ عَنِ المُتَكَلِّمِ، لا يَحُدُّهُ ولا يَتَصَوَّرُ بِذِهْنِهِ عَلَيْهِ، ولَيْسَ كالحِجابِ في المُشاهَدِ، أوْ بِأنْ يُرْسِلَ إلَيْهِ مَلَكًا يُشافِهُهُ بِوَحْيِ اللَّهِ تَعالى، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وما صَحَّ لِأحَدٍ مِنَ البَشَرِ أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلّا عَلى ثَلاثَةِ أوْجُهٍ:
إمّا عَلى طَرِيقِ الوَحْيِ، وهو الإلْهامُ والقَذْفُ في القَلْبِ والمَنامِ، كَما أوْحى إلى أُمِّ مُوسى وإلى إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في ذَبْحِ ولَدِهِ.
وعَنْ مُجاهِدٍ: أوْحى اللَّهُ الزَّبُورَ إلى داوُدَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في صَدْرِهِ، قالَ عَبِيدُ بْنُ الأبْرَصِ:
؎وأوْحى إلَيَّ اللَّهُ أنْ قَدْ تَأمَّرُوا بِابْنِ أبِي أوْفى فَقُمْتُ عَلى رَجْلِ
أيْ: ألْهَمَنِي وقَذَفَ في قَلْبِي. وإمّا عَلى أنْ يُسْمِعَهُ كَلامَهُ الَّذِي يَخْلُقُهُ في بَعْضِ الأجْرامِ مِن غَيْرِ أنْ يُبْصِرَ السّامِعُ مَن يُكَلِّمُهُ؛ لِأنَّهُ في ذاتِهِ غَيْرُ مَرْئِيٍّ.
وقَوْلُهُ: ﴿مِن وراءِ حِجابٍ﴾ مَثَلٌ، أيْ: كَما يُكَلِّمُ المَلِكُ المُحْتَجِبُ بَعْضَ خَواصِّهِ، وهو مِن وراءِ حِجابٍ، فَيَسْمَعُ صَوْتَهُ ولا يَرى شَخْصَهُ، وذَلِكَ كَما كَلَّمَ اللَّهُ مُوسى ويُكَلِّمُ المَلائِكَةَ. وإمّا عَلى أنْ يُرْسِلَ إلَيْهِ رَسُولًا مِنَ المَلائِكَةِ فَيُوحِي المَلَكُ إلَيْهِ، كَما كَلَّمَ الأنْبِياءَ غَيْرَ مُوسى. انْتَهى.
وهُوَ عَلى طَرِيقِ المُعْتَزِلَةِ في اسْتِحالَةِ رُؤْيَةِ اللَّهِ تَعالى ونَفْيِ الكَلامِ الحَقِيقِيِّ عَنِ اللَّهِ.
وكُلُّ هَذِهِ الأقْسامِ الثَّلاثَةِ يَصْدُقُ عَلَيْها أنَّها وحَيٌّ، وخُصَّ الأوَّلُ بِاسْمِ الوَحْيِ هُنا؛ لِأنَّ ما يَقَعُ في القَلْبِ عَلى سَبِيلِ الإلْهامِ يَقَعُ دَفْعَةً واحِدَةً، فَكانَ تَخْصِيصُ لَفْظِ الوَحْيِ بِهِ أوْلى.
وقِيلَ: (وحْيًا) كَما أوْحى إلى الرُّسُلِ بِواسِطَةِ المَلائِكَةِ ﴿أوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾ أيْ: نَبِيًّا، كَما كَلَّمَ أُمَمَ الأنْبِياءِ عَلى ألْسِنَتِهِمْ، حَكاهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وتَرَكَ تَفْسِيرَ ﴿أوْ مِن وراءِ حِجابٍ﴾، ومَعْناهُ في هَذا القَوْلِ: كَما كَلَّمَ مُحَمَّدًا ومُوسى ﷺ .
(p-٥٢٧)وقَرَأ الجُمْهُورُ: (حِجابٍ)، مُفْرَدًا؛ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: حُجُبٍ جَمْعًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِنَصْبِ الفِعْلَيْنِ، عَطَفَ (أوْ يُرْسِلَ) عَلى المُضْمَرِ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ ﴿مِن وراءِ حِجابٍ﴾ تَقْدِيرُهُ: أوْ يُكَلِّمَهُ مِن وراءِ حِجابٍ، وهَذا المُضْمَرُ مَعْطُوفٌ عَلى (وحْيًا) والمَعْنى: إلّا بِوَحْيٍ أوْ سَماعٍ مِن وراءِ حِجابٍ، أوْ إرْسالِ رَسُولٍ فَيُوحِي ذَلِكَ الرَّسُولُ إلى النَّبِيِّ الَّذِي أُرْسِلَ عَنْهُ بِإذْنِ اللَّهِ ما يَشاءُ، ولا يَجُوزُ أنْ يُعْطَفَ (أوْ يُرْسِلَ) عَلى ﴿أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ﴾ لِفَسادِ المَعْنى.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: و(وحْيًا) و(أنْ يُرْسِلَ) مَصْدَرانِ واقِعانِ مَوْقِعَ الحالِ؛ لِأنَّ أنْ يُرْسِلَ في مَعْنى إرْسالًا، و﴿مِن وراءِ حِجابٍ﴾ ظَرْفٌ واقِعٌ مَوْقِعَ الحالِ أيْضًا، كَقَوْلِهِ: ﴿وعَلى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٩١]، والتَّقْدِيرُ: وما صَحَّ أنْ يُكَلِّمَ أحَدًا إلّا مُوحِيًا أوْ مُسْمِعًا مِن وراءِ حِجابٍ، أوْ مُرْسِلًا. انْتَهى.
أمّا وُقُوعُ المَصْدَرِ مَوْقِعَ الحالِ، فَلا يَنْقاسُ، وإنَّما قالَتْهُ العَرَبُ. وكَذَلِكَ لا يَجُوزُ: جاءَ زَيْدٌ بُكاءً، تُرِيدُ باكِيًا، وقاسَ مِنهُ المُبَرِّدُ ما كانَ مِنهُ نَوْعًا لِلْفِعْلِ، نَحْوُ: جاءَ زَيْدٌ مَشْيًا أوْ سُرْعَةً، ومَنَعَ سِيبَوَيْهِ أنْ يَقَعَ أنْ والفِعْلُ المُقَدَّرُ بِالمَصْدَرِ مَوْقِعَ الحالِ، فَلا يَجُوزُ، نَحْوُ: جاءَ زَيْدٌ أنْ يَضْحَكَ في مَعْنى ضَحِكًا الواقِعِ مَوْقِعَ ضاحِكًا، فَجَعْلُهُ وحْيًا مَصْدَرًا في مَوْضِعِ الحالِ مِمّا لا يَنْقاسُ، وأنَّ (يُرْسِلَ) في مَعْنى إرْسالًا الواقِعِ مَوْقِعَ مُرْسِلًا مَمْنُوعٌ بِنَصِّ سِيبَوَيْهِ. وقَرَأ نافِعٌ وأهْلُ المَدِينَةِ ﴿أوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ﴾ بِالرَّفْعِ فِيهِما، فَخَرَجَ عَلى إضْمارِ هو يُرْسِلُ، أوْ عَلى ما يَتَعَلَّقُ بِهِ (مِن وراءِ) إذْ تَقْدِيرُهُ: أوْ يَسْمَعُ مِن وراءِ حِجابٍ، (ووَحْيًا) مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ، عُطِفَ عَلَيْهِ ذَلِكَ المُقَدَّرُ المَعْطُوفُ عَلَيْهِ، (أوْ يُرْسِلَ) والتَّقْدِيرُ: إلّا مُوحِيًا أوْ مُسْمِعًا مِن وراءِ حِجابٍ، أوْ مُرْسِلًا، وإسْنادُ التَّكَلُّمِ إلى اللَّهِ بِكَوْنِهِ أرْسَلَ رَسُولًا مَجازٌ، كَما تَقُولُ: نادى المَلِكُ في النّاسِ بِكَذا، وإنَّما نادى الرِّيحُ، الدّائِرُ في الأسْواقِ، نَزَّلَ ما كانَ بِواسِطَةٍ مَنزِلَةَ ما كانَ بِغَيْرِ واسِطَةٍ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وفي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الرِّسالَةَ مِن أنْواعِ التَّكَلُّمِ، وأنَّ الحالِفَ الرُّسُلُ، كانَتْ إذا حَلَفَ أنْ لا يُكَلِّمَ إنْسانًا فَأرْسَلَ إلَيْهِ، وهو لَمْ يَنْوِ المُشافَهَةَ وقْتَ يَمِينِهِ. انْتَهى.
(إنَّهُ عَلِيٌّ) أيْ: عَلِيٌّ عَنْ صِفاتِ المَخْلُوقِينَ، (حَكِيمٌ): تَجْرِي أفْعالُهُ عَلى ما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ، يُكَلِّمُ بِواسِطَةٍ وبِغَيْرِ واسِطَةٍ.
﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا﴾ أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ الإيحاءِ الفَصْلِ أوْحَيْنا إلَيْكَ، إذْ كانَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ اجْتَمَعَتْ لَهُ الطُّرُقُ الثَّلاثُ: النَّفْثُ في الرَّوْعِ والمَنامِ، وتَكْلِيمُ اللَّهِ لَهُ حَقِيقَةً لَيْلَةَ الإسْراءِ، وإرْسالُ رَسُولٍ إلَيْهِ، وهو جِبْرِيلُ. وقِيلَ: كَما أوْحَيْنا إلى الأنْبِياءِ قَبْلَكَ، ﴿أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا﴾ . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: النُّبُوَّةَ. وقالَ السُّدِّيُّ: الوَحْيَ؛ وقالَ قَتادَةُ: رَحْمَةً؛ وقالَ الكَلْبِيُّ: كِتابًا؛ وقالَ الرَّبِيعُ: جِبْرِيلَ؛ وقِيلَ: القُرْآنُ؛ وسَمّى ما أوْحى إلَيْهِ رُوحًا؛ لِأنَّ بِهِ الحَياةَ مِنَ الجَهْلِ.
وقالَ مالِكُ بْنُ دِينارٍ: يا أهْلَ القُرْآنِ، ماذا زَرَعَ القُرْآنُ في قُلُوبِكم ؟ فَإنَّ القُرْآنَ رَبِيعُ القُلُوبِ، كَما أنَّ العُشْبَ رَبِيعُ الأرْضِ.
﴿ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ ولا الإيمانُ﴾: تَوْقِيفٌ عَلى عِظَمِ المِنَّةِ، وهو ﷺ أعْلَمُ النّاسِ بِها، وعَطَفَ ﴿ولا الإيمانُ﴾ عَلى ﴿ما الكِتابُ﴾، وإنَّما مَعْناهُ: الإيمانُ الَّذِي يُدْرِكُهُ السَّمْعُ؛ لِأنَّ لَنا أشْياءَ مِنَ الإيمانِ لا تُعْلَمُ إلّا بِالوَحْيِ.
أمّا تَوْحِيدُ اللَّهِ وبَراءَتُهُ عَنِ النَّقائِصِ، ومَعْرِفَةُ صِفاتِهِ العُلا، فَجَمِيعُ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - عالِمُونَ ذَلِكَ، مَعْصُومُونَ أنْ يَقَعَ مِنهم زَلَلٌ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ، سابِقٌ لَهم عِلْمُ ذَلِكَ قَبْلَ أنْ يُوحِيَ إلَيْهِمْ. وقَدْ أطْلَقَ الإيمانَ عَلى الصَّلاةِ في قَوْلِهِ: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣]، إذْ هي بَعْضُ ما يَتَناوَلُهُ الإيمانُ.
ومَن طالَعَ سِيَرَ الأنْبِياءِ مِن (p-٥٢٨)نَشْأتِهِمْ إلى مَبْعَثِهِمْ، تَحَقَّقَ عِنْدَهُ أنَّهم مَعْصُومُونَ مِن كُلِّ نَقِيصَةٍ، مُوَحِّدُونَ لِلَّهِ مُنْذُ نَشَئُوا.
قالَ اللَّهُ تَعالى في حَقِّ يَحْيى - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿وآتَيْناهُ الحُكْمَ صَبِيًّا﴾ [مريم: ١٢] . قالَ مَعْمَرٌ: كانَ ابْنَ سَنَتَيْنِ أوْ ثَلاثٍ.
وعَنْ أبِي العالِيَةِ: ما كُنْتَ تَدْرِي قَبْلَ الوَحْيِ أنْ تَقْرَأ القُرْآنَ، ولا كَيْفَ تَدْعُو الخَلْقَ إلى الإيمانِ.
وقالَ القاضِي: ﴿ولا الإيمانُ﴾: الفَرائِضُ والأحْكامُ. قالَ: وكانَ قَبْلُ مُؤْمِنًا بِتَوْحِيدِ اللَّهِ، ثُمَّ نَزَلَتِ الفَرائِضُ الَّتِي لَمْ يَكُنْ يَدْرِيها قَبْلُ، فَزادَ بِالتَّكْلِيفِ إيمانًا.
وقالَ القُشَيْرِيُّ: يَجُوزُ إطْلاقُ الإيمانِ عَلى تَفاصِيلِ الشَّرْعِ. وقالَ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ: هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: ولا أهْلُ الإيمانِ مِنَ الَّذِي يُؤْمِنُ أبُو طالِبٍ أوِ العَبّاسُ أوْ غَيْرُهُما. وقالَ عَلِيُّ بْنُ عِيسى: إذْ كُنْتَ في المَهْدِ.
وقِيلَ: ما الكِتابُ لَوْلا إنْعامُنا عَلَيْكَ، ولا الإيمانُ لَوْلا هِدايَتُنا لَكَ. وقِيلَ: أيْ كُنْتَ مِن قَوْمٍ أُمِّيِّينَ لا يَعْرِفُونَ الإيمانَ ولا الكِتابَ، فَتَكُونُ أخَذْتَ ما جِئْتَهم بِهِ عَمَّنْ كانَ يَعْلَمُ ذَلِكَ مِنهم.
﴿ما الكِتابُ﴾ جُمْلَةٌ اسْتِفْهامِيَّةٌ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، وهي في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ (تَدْرِي) وهي مُعَلَّقَةٌ.
﴿ولَكِنْ جَعَلْناهُ نُورًا﴾: يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ إلى قَوْلِهِ: (رُوحًا)، وإلى (كِتابُ)، وإلى (الإيمانُ)، وهو أقْرَبُ مَذْكُورٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: عائِدٌ عَلى الكِتابِ. انْتَهى.
وقِيلَ: يَعُودُ إلى الكِتابِ والإيمانِ مَعًا؛ لِأنَّ مَقْصِدَهُما واحِدٌ، فَهو نَظِيرُ: ﴿واللَّهُ ورَسُولُهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢] . وقَرَأ الجُمْهُورُ: (لَتَهْدِي)، مُضارِعُ هَدى مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ؛ وحَوْشَبٌ: مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، إجابَةَ سُؤالِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦] . وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْقَعِ (لَتُهْدِي) بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ الدّالِ؛ وعَنِ الجَحْدَرِيِّ مِثْلُها، ومِثْلُ قِراءَةِ حَوْشَبٍ.
(صِراطٍ مُّسْتَقِيمٍ)، قالَ عَلِيٌّ: هو القُرْآنُ؛ وقِيلَ: الإسْلامُ.
﴿ألا إلى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ﴾: أخْبَرَ بِالمُضارِعِ، والمُرادُ بِهِ الدَّيْمُومَةُ، كَقَوْلِهِ: زَيْدٌ يُعْطِي ويَمْنَعُ، أيْ: مِن شَأْنِهِ ذَلِكَ، ولا يُرادُ بِهِ حَقِيقَةُ المُسْتَقْبَلِ، أيْ: تُرَدُّ جَمِيعُ أُمُورِ الخَلْقِ إلَيْهِ تَعالى يَوْمَ القِيامَةِ فَيَقْضِي بَيْنَهم بِالعَدْلِ، وخُصَّ ذَلِكَ بِيَوْمِ القِيامَةِ؛ لِأنَّهُ لا يُمْكِنُ لِأحَدٍ أنْ يَدَّعِيَ فِيهِ لِنَفْسِهِ شَيْئًا، قالَهُ الفَرّاءُ.
الشورى 42:46
﴿وقالَ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ الخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ ألا إنَّ الظّالِمِينَ في عَذابٍ مُقِيمٍ﴾ ﴿وما كانَ لَهم مِن أوْلِياءَ يَنْصُرُونَهم مِن دُونِ اللَّهِ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن سَبِيلٍ﴾ ﴿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكم مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ ما لَكم مِن مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وما لَكم مِن نَكِيرٍ﴾ ﴿فَإنْ أعْرَضُوا فَما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إنْ عَلَيْكَ إلّا البَلاغُ وإنّا إذا أذَقْنا الإنْسانَ مِنّا رَحْمَةً فَرِحَ بِها وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ فَإنَّ الإنْسانَ كَفُورٌ﴾ ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ يَخْلُقُ ما يَشاءُ يَهَبُ لِمَن يَشاءُ إناثًا ويَهَبُ لِمَن يَشاءُ الذُّكُورَ﴾ ﴿أوْ يُزَوِّجُهم ذُكْرانًا وإناثًا ويَجْعَلُ مَن يَشاءُ عَقِيمًا إنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ ﴿وما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلّا وحْيًا أوْ مِن وراءِ حِجابٍ أوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإذْنِهِ ما يَشاءُ إنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ ﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ ولا الإيمانُ ولَكِنْ جَعَلْناهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَن نَشاءُ مِن عِبادِنا وإنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿صِراطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ ألا إلى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ﴾ .
(p-٥٢٥)الظّاهِرُ أنَّ (وقالَ) ماضٍ لَفْظًا ومَعْنًى، أيْ: ﴿وقالَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ في الحَياةِ الدُّنْيا، ويَكُونُ (يَوْمَ القِيامَةِ) مَعْمُولًا لِـ (خَسِرُوا)، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْنى (وقالَ): ويَقُولُ، و(يَوْمَ القِيامَةِ) مَعْمُولُ لَوْ يَقُولُوا، أيْ: ويَقُولُوا في ذَلِكَ اليَوْمِ لَمّا عايَنُوا ما حَلَّ بِالكُفّارِ وأهْلِيهِمْ.
الظّاهِرُ أنَّهُمُ الَّذِينَ كانُوا أهْلِيهِمْ في الدُّنْيا، فَإنْ كانُوا مَعَهم في النّارِ فَقَدْ خَسِرُوهم، أيْ: لا يَنْتَفِعُونَ بِهِمْ؛ وإنْ كانُوا في الجَنَّةِ لِكَوْنِهِمْ كانُوا مُؤْمِنِينَ، كَآسِيَةَ امْرَأةِ فِرْعَوْنَ، فَهم لا يَنْتَفِعُونَ بِهِمْ أيْضًا. وقِيلَ: أهْلُوهم ما كانَ أُعِدَّ لَهم مِنَ الحُورِ لَوْ كانُوا آمَنُوا، والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ألا إنَّ الظّالِمِينَ في عَذابٍ مُقِيمٍ﴾ مِن كَلامِ المُؤْمِنِينَ؛ وقِيلَ: اسْتِئْنافُ إخْبارٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى.
﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ﴾، قِيلَ: هو يَوْمُ وُرُودِ المَوْتِ، والظّاهِرُ أنَّهُ يَوْمُ القِيامَةِ. و(مِنَ اللَّهِ) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما مَرَّ، أيْ: لا يَرِدُ ذَلِكَ اليَوْمَ مِن ما حَكَمَ اللَّهُ بِهِ فِيهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (مِنَ اللَّهِ): مِن صِلَةُ (لا مَرَدَّ) . انْتَهى.
ولَيْسَ الجَيِّدُ، إذْ لَوْ كانَ مِن صِلَتِهِ لَكانَ مَعْمُولًا لَهُ، فَكانَ يَكُونُ مُعْرَبًا مُنَوَّنًا. وقِيلَ: (مِنَ اللَّهِ) يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ: (يَأْتِيَ)، مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ مِنَ اللَّهِ يَوْمٌ لا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى رَدِّهِ.
(ما لَكم مِن مَلْجَإٍ) تَلْجَأُونَ إلَيْهِ، فَتَتَخَلَّصُونَ مِنَ العَذابِ، وما لَكم مِن إنْكارِ شَيْءٍ مِن أعْمالِكُمُ الَّتِي تُورِدُكُمُ النّارَ، والنَّكِيرُ مَصْدَرُ أنْكَرَ عَلى غَيْرِ قِياسٍ.
قِيلَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْمَ فاعِلٍ لِلْمُبالَغَةِ، وفِيهِ بُعْدٌ؛ لِأنَّ نَكَرَ مَعْناهُ لَمْ يُمَيِّزْ.
(فَإنْ أعْرَضُوا) الآيَةَ: تَسْلِيَةٌ لِلرَّسُولِ وتَأْنِيسٌ لَهُ، وإزالَةٌ لِهَمِّهِ بِهِمْ. والإنْسانُ: يُرادُ بِهِ الجِنْسُ، ولِذَلِكَ جاءَ: ﴿وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ﴾ . وجاءَ جَوابُ الشَّرْطِ ﴿فَإنَّ الإنْسانَ﴾ ولَمْ يَأْتِ فَإنَّهُ، ولا فَإنَّهم، لِيَدُلَّ عَلى أنَّ هَذا الجِنْسَ مَوْسُومٌ بِكُفْرانِ النِّعَمِ، كَما قالَ: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَظَلُومٌ كَفّارٌ﴾ [إبراهيم: ٣٤]، ﴿إنَّ الإنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ [العاديات: ٦] .
ولَمّا ذَكَرَ أنَّهُ يَكْفُرُ النِّعَمَ، أتْبَعَ ذَلِكَ بِأنَّ لَهُ مُلْكَ العالَمِ العُلْوِيِّ والسُّفْلِيِّ، وأنَّهُ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ، ونَبَّهَ عَلى عَظِيمِ قُدْرَتِهِ، وأنَّ الكائِناتِ ناشِئَةٌ عَنْ إرادَتِهِ، فَذَكَرَ أنَّهُ يَهَبُ لِبَعْضٍ إناثًا، ولِبَعْضٍ ذُكُورًا، ولِبَعْضٍ الصِّنْفَيْنِ، ويَعْقِمُ بَعْضًا فَلا يُولَدُ لَهُ.
وقالَ إسْحاقُ بْنُ بِشْرٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في الأنْبِياءِ، ثُمَّ عَمَّتْ. فَلُوطٌ أبُو بَناتٍ لَمْ يُولَدْ لَهُ ذُكُورٌ، وإبْراهِيمُ ضِدُّهُ، ومُحَمَّدٌ ﷺ وعَلَيْهِما - وُلِدَ لَهُ الصِّنْفانِ، ويَحْيى عَقِيمٌ. انْتَهى.
وذُكِرَ أيْضًا مَعَ لُوطٍ شُعَيْبٌ، ومَعَ يَحْيى عِيسى، وقَدَّمَ تَعالى هِبَةَ البَناتِ تَأْنِيسًا لَهُنَّ وتَشْرِيفًا لَهُنَّ، لِيُهْتَمَّ بِصَوْنِهِنَّ والإحْسانِ إلَيْهِنَّ.
وفِي الحَدِيثِ: «مَنِ ابْتُلِيَ بِشَيْءٍ مِن هَذِهِ البَناتِ فَأحْسَنَ إلَيْهِنَّ كُنَّ لَهُ سِتْرًا مِنَ النّارِ» .
وقالَ واثِلَةُ بْنُ الأسْقَعِ: مِن يُمْنِ المَرْأةِ تَبْكِيرُها بِالأُنْثى قَبْلَ الذَّكَرِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى بَدَأ بِالإناثِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): لِمَ قَدَّمَ الإناثَ عَلى الذُّكُورِ مَعَ تَقَدُّمِهِمْ عَلَيْهِنَّ، ثُمَّ رَجَعَ فَقَدَّمَهم ؟ ولِمَ عَرَّفَ الذُّكُورَ بَعْدَما نَكَّرَ الإناثَ ؟ (قُلْتُ): لِأنَّهُ ذَكَرَ البَلاءَ في آخِرِ الآيَةِ الأُولى. وكُفْرانُ الإنْسانِ: نِسْيانُهُ الرَّحْمَةَ السّابِقَةَ عِنْدَهُ.
ثُمَّ ذَكَّرَهُ بِذِكْرِ مُلْكِهِ ومَشِيئَتِهِ، وذِكْرِ قِسْمَةِ الأوْلادِ، فَقَدَّمَ الإناثَ؛ لِأنَّ سِياقَ الكَلامِ أنَّهُ فاعِلٌ ما يَشاؤُهُ، لا ما يَشاءُ الإنْسانُ، فَكانَ ذِكْرُ الإناثِ اللّائِي مِن جُمْلَةِ ما لا يَشاؤُهُ الإنْسانُ أهَمَّ، والأهَمُّ أوْجَبَ التَّقْدِيمَ.
والبَلاءُ: الجِنْسُ الَّذِي كانَتِ العَرَبُ تَعُدُّهُ بَلاءً، ذَكَرَ البَلاءَ وأخَّرَ الذُّكُورَ. فَلَمّا أخَّرَهم لِذَلِكَ تَدارَكَ تَأْخِيرَهُ، وهم أحَقُّ بِالتَّقْدِيمِ بِتَعْرِيفِهِمْ؛ لِأنَّ التَّعْرِيفَ تَنْوِيهٌ وتَشْهِيرٌ، كَأنَّهُ قالَ: ويَهَبُ لِمَن يَشاءُ الفَرِيقَيْنِ، الأعْلامُ المَذْكُورِينَ الَّذِينَ لا يَخْفَوْنَ عَلَيْكم. ثُمَّ أعْطى بَعْدَ ذَلِكَ كِلا الجِنْسَيْنِ حَظَّهُ مِنَ التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، وعِرْفانُ تَقْدِيمِهِنَّ لَمْ يَكُنْ لِتَقَدُّمِهِنَّ، ولَكِنْ لِمُقْتَضًى آخَرَ فَقالَ: ﴿ذُكْرانًا وإناثًا﴾، كَما قالَ: ﴿إنّا خَلَقْناكم مِن ذَكَرٍ وأُنْثى﴾ [الحجرات: ١٣]، ﴿فَجَعَلَ مِنهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ [القيامة: ٣٩] . انْتَهى.
وقِيلَ: بَدَأ بِالأُنْثى ثُمَّ ثَنّى بِالذَّكَرِ، لِتَنْقِلَهُ مِنَ الغَمِّ إلى الفَرَحِ. وقِيلَ: لِيَعْلَمَ أنَّهُ لا اعْتِراضَ عَلى اللَّهِ فَيَرْضى. (p-٥٢٦)فَإذا وهَبَ لَهُ الذَّكَرَ، عَلِمَ أنَّهُ زِيادَةٌ وفَضْلٌ مِنَ اللَّهِ وإحْسانٌ إلَيْهِ.
وقِيلَ: قَدَّمَها تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ إذا كانَ العَجْزُ والحاجَةُ لَهم، كانَتْ عِنايَةُ اللَّهِ أكْثَرَ.
وقالَ مُجاهِدٌ: هو أنْ تَلِدَ المَرْأةُ غُلامًا، ثُمَّ تَلِدُ جارِيَةً. وقالَ مُحَمَّدُ ابْنُ الحَنَفِيَّةِ: أنْ تَلِدَ تَوْأمًا، غُلامًا وجارِيَةً. وقالَ أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ: أوْ يُزَوِّجُهم ذُكْرانًا وإناثًا. قالَ عُلَماؤُنا: يَعْنِي آدَمَ، كانَتْ حَوّاءُ تَلِدُ لَهُ في كُلِّ بَطْنٍ تَوْأمَيْنِ، ذَكَرًا وأُنْثى؛ تُزَوِّجُ ذَكَرَ هَذا البَطْنِ أُنْثى البَطْنِ الآخَرِ. انْتَهى.
ولَمّا ذَكَرَ الهِبَةَ في الإناثِ، والهِبَةَ في الذُّكُورِ، اكْتَفى عَنْ ذِكْرِها في قَوْلِهِ: ﴿أوْ يُزَوِّجُهم ذُكْرانًا وإناثًا﴾ . ولَمّا كانَ العُقْمُ لَيْسَ بِمَحْمُودٍ قالَ: ﴿ويَجْعَلُ مَن يَشاءُ عَقِيمًا﴾، وهو قَسِيمٌ لِمَن يُولَدُ لَهُ. ولَمّا كانَتِ الخُنْثى مِمّا يُحْزَنُ بِوُجُودِهِ، لَمْ يَذْكُرْهُ تَعالى. قالُوا: وكانَتِ الخِلْقَةُ مُسْتَمِرَّةً، ذَكَرًا وأُنْثى، إلى أنْ وقَعَ في الجاهِلِيَّةِ الأُولى الخُنْثى، فَسُئِلَ فارِضُ العَرَبِ ومُعَمَّرُها عامِرُ بْنُ الظَّرِبِ عَنْ مِيراثِهِ، فَلَمْ يَدْرِ ما يَقُولُهُ وأرْجَأهم.
فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ، جَعَلَ يَتَقَلَّبُ وتَذْهَبُ بِهِ الأفْكارُ، وأنْكَرَتْ خادِمَتُهُ حالَهُ فَسَألَتْهُ، فَقالَ: بُهِرْتُ لِأمْرٍ لا أدْرِي ما أقُولُ فِيهِ، فَقالَتْ لَهُ: ما هو ؟ فَقالَ: شَخْصٌ لَهُ ذَكَرٌ وفَرْجٌ، كَيْفَ يَكُونُ حالُهُ في المِيراثِ ؟ قالَتْ لَهُ الأمَةُ: ورِّثْهُ مِن حَيْثُ يَبُولُ، فَعَقَلَها وأصْبَحَ فَعَرَضَها عَلَيْهِمْ، فَرَضُوا بِها.
وجاءَ الإسْلامُ عَلى ذَلِكَ، وقَضى بِذَلِكَ عَلِيٌّ، كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ، إنَّهُ عَلِيمٌ بِمَصالِحِ العِبادِ، قَدِيرٌ عَلى تَكْوِينِ ما يَشاءُ.
كانَ مِنَ الكُفّارِ خَوْضٌ في مَعْنى تَكْلِيمِ اللَّهِ مُوسى، فَذَهَبَتْ قُرَيْشٌ واليَهُودُ في ذَلِكَ إلى التَّجْسِيمِ، فَنَزَلَتْ. وقِيلَ: كانَتْ قُرَيْشُ تَقُولُ: ألا تُكَلِّمُ اللَّهَ وتَنْظُرُ إلَيْهِ إنْ كُنْتَ نَبِيًّا صادِقًا، كَما كَلَّمَهُ مُوسى ونَظَرَ إلَيْهِ ؟ فَقالَ لَهُمُ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: «لَمْ يَنْظُرْ مُوسى إلى اللَّهِ»، فَنَزَلَتْ: ﴿وما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ﴾، بَيانًا لِصُورَةِ تَكْلِيمِ اللَّهِ عِبادَهُ أيْ: ما يَنْبَغِي ولا يُمْكِنُ لِبَشَرٍ إلّا يُوحى إلَيْهِ أحَدُ وُجُوهِ الوَحْيِ مِنَ الإلْهامِ.
قالَ مُجاهِدٌ: أوِ النَّفْثُ في القَلْبِ. وقالَ النَّقّاشُ: أوْ وحْيٌ في المَنامِ. وقالَ النَّخَعِيُّ: كانَ في الأنْبِياءِ مَن يُخَطُّ لَهُ في الأرْضِ، أوْ بِأنْ يُسْمِعَهُ كَلامَهُ دُونَ أنْ يَعْرِفَ هو لِلْمُتَكَلِّمِ جِهَةً ولا حَيِّزًا، كَمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وهَذا مَعْنى ﴿مِن وراءِ حِجابٍ﴾ أيْ: مِن خَفاءٍ عَنِ المُتَكَلِّمِ، لا يَحُدُّهُ ولا يَتَصَوَّرُ بِذِهْنِهِ عَلَيْهِ، ولَيْسَ كالحِجابِ في المُشاهَدِ، أوْ بِأنْ يُرْسِلَ إلَيْهِ مَلَكًا يُشافِهُهُ بِوَحْيِ اللَّهِ تَعالى، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وما صَحَّ لِأحَدٍ مِنَ البَشَرِ أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلّا عَلى ثَلاثَةِ أوْجُهٍ:
إمّا عَلى طَرِيقِ الوَحْيِ، وهو الإلْهامُ والقَذْفُ في القَلْبِ والمَنامِ، كَما أوْحى إلى أُمِّ مُوسى وإلى إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في ذَبْحِ ولَدِهِ.
وعَنْ مُجاهِدٍ: أوْحى اللَّهُ الزَّبُورَ إلى داوُدَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في صَدْرِهِ، قالَ عَبِيدُ بْنُ الأبْرَصِ:
؎وأوْحى إلَيَّ اللَّهُ أنْ قَدْ تَأمَّرُوا بِابْنِ أبِي أوْفى فَقُمْتُ عَلى رَجْلِ
أيْ: ألْهَمَنِي وقَذَفَ في قَلْبِي. وإمّا عَلى أنْ يُسْمِعَهُ كَلامَهُ الَّذِي يَخْلُقُهُ في بَعْضِ الأجْرامِ مِن غَيْرِ أنْ يُبْصِرَ السّامِعُ مَن يُكَلِّمُهُ؛ لِأنَّهُ في ذاتِهِ غَيْرُ مَرْئِيٍّ.
وقَوْلُهُ: ﴿مِن وراءِ حِجابٍ﴾ مَثَلٌ، أيْ: كَما يُكَلِّمُ المَلِكُ المُحْتَجِبُ بَعْضَ خَواصِّهِ، وهو مِن وراءِ حِجابٍ، فَيَسْمَعُ صَوْتَهُ ولا يَرى شَخْصَهُ، وذَلِكَ كَما كَلَّمَ اللَّهُ مُوسى ويُكَلِّمُ المَلائِكَةَ. وإمّا عَلى أنْ يُرْسِلَ إلَيْهِ رَسُولًا مِنَ المَلائِكَةِ فَيُوحِي المَلَكُ إلَيْهِ، كَما كَلَّمَ الأنْبِياءَ غَيْرَ مُوسى. انْتَهى.
وهُوَ عَلى طَرِيقِ المُعْتَزِلَةِ في اسْتِحالَةِ رُؤْيَةِ اللَّهِ تَعالى ونَفْيِ الكَلامِ الحَقِيقِيِّ عَنِ اللَّهِ.
وكُلُّ هَذِهِ الأقْسامِ الثَّلاثَةِ يَصْدُقُ عَلَيْها أنَّها وحَيٌّ، وخُصَّ الأوَّلُ بِاسْمِ الوَحْيِ هُنا؛ لِأنَّ ما يَقَعُ في القَلْبِ عَلى سَبِيلِ الإلْهامِ يَقَعُ دَفْعَةً واحِدَةً، فَكانَ تَخْصِيصُ لَفْظِ الوَحْيِ بِهِ أوْلى.
وقِيلَ: (وحْيًا) كَما أوْحى إلى الرُّسُلِ بِواسِطَةِ المَلائِكَةِ ﴿أوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾ أيْ: نَبِيًّا، كَما كَلَّمَ أُمَمَ الأنْبِياءِ عَلى ألْسِنَتِهِمْ، حَكاهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وتَرَكَ تَفْسِيرَ ﴿أوْ مِن وراءِ حِجابٍ﴾، ومَعْناهُ في هَذا القَوْلِ: كَما كَلَّمَ مُحَمَّدًا ومُوسى ﷺ .
(p-٥٢٧)وقَرَأ الجُمْهُورُ: (حِجابٍ)، مُفْرَدًا؛ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: حُجُبٍ جَمْعًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِنَصْبِ الفِعْلَيْنِ، عَطَفَ (أوْ يُرْسِلَ) عَلى المُضْمَرِ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ ﴿مِن وراءِ حِجابٍ﴾ تَقْدِيرُهُ: أوْ يُكَلِّمَهُ مِن وراءِ حِجابٍ، وهَذا المُضْمَرُ مَعْطُوفٌ عَلى (وحْيًا) والمَعْنى: إلّا بِوَحْيٍ أوْ سَماعٍ مِن وراءِ حِجابٍ، أوْ إرْسالِ رَسُولٍ فَيُوحِي ذَلِكَ الرَّسُولُ إلى النَّبِيِّ الَّذِي أُرْسِلَ عَنْهُ بِإذْنِ اللَّهِ ما يَشاءُ، ولا يَجُوزُ أنْ يُعْطَفَ (أوْ يُرْسِلَ) عَلى ﴿أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ﴾ لِفَسادِ المَعْنى.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: و(وحْيًا) و(أنْ يُرْسِلَ) مَصْدَرانِ واقِعانِ مَوْقِعَ الحالِ؛ لِأنَّ أنْ يُرْسِلَ في مَعْنى إرْسالًا، و﴿مِن وراءِ حِجابٍ﴾ ظَرْفٌ واقِعٌ مَوْقِعَ الحالِ أيْضًا، كَقَوْلِهِ: ﴿وعَلى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٩١]، والتَّقْدِيرُ: وما صَحَّ أنْ يُكَلِّمَ أحَدًا إلّا مُوحِيًا أوْ مُسْمِعًا مِن وراءِ حِجابٍ، أوْ مُرْسِلًا. انْتَهى.
أمّا وُقُوعُ المَصْدَرِ مَوْقِعَ الحالِ، فَلا يَنْقاسُ، وإنَّما قالَتْهُ العَرَبُ. وكَذَلِكَ لا يَجُوزُ: جاءَ زَيْدٌ بُكاءً، تُرِيدُ باكِيًا، وقاسَ مِنهُ المُبَرِّدُ ما كانَ مِنهُ نَوْعًا لِلْفِعْلِ، نَحْوُ: جاءَ زَيْدٌ مَشْيًا أوْ سُرْعَةً، ومَنَعَ سِيبَوَيْهِ أنْ يَقَعَ أنْ والفِعْلُ المُقَدَّرُ بِالمَصْدَرِ مَوْقِعَ الحالِ، فَلا يَجُوزُ، نَحْوُ: جاءَ زَيْدٌ أنْ يَضْحَكَ في مَعْنى ضَحِكًا الواقِعِ مَوْقِعَ ضاحِكًا، فَجَعْلُهُ وحْيًا مَصْدَرًا في مَوْضِعِ الحالِ مِمّا لا يَنْقاسُ، وأنَّ (يُرْسِلَ) في مَعْنى إرْسالًا الواقِعِ مَوْقِعَ مُرْسِلًا مَمْنُوعٌ بِنَصِّ سِيبَوَيْهِ. وقَرَأ نافِعٌ وأهْلُ المَدِينَةِ ﴿أوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ﴾ بِالرَّفْعِ فِيهِما، فَخَرَجَ عَلى إضْمارِ هو يُرْسِلُ، أوْ عَلى ما يَتَعَلَّقُ بِهِ (مِن وراءِ) إذْ تَقْدِيرُهُ: أوْ يَسْمَعُ مِن وراءِ حِجابٍ، (ووَحْيًا) مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ، عُطِفَ عَلَيْهِ ذَلِكَ المُقَدَّرُ المَعْطُوفُ عَلَيْهِ، (أوْ يُرْسِلَ) والتَّقْدِيرُ: إلّا مُوحِيًا أوْ مُسْمِعًا مِن وراءِ حِجابٍ، أوْ مُرْسِلًا، وإسْنادُ التَّكَلُّمِ إلى اللَّهِ بِكَوْنِهِ أرْسَلَ رَسُولًا مَجازٌ، كَما تَقُولُ: نادى المَلِكُ في النّاسِ بِكَذا، وإنَّما نادى الرِّيحُ، الدّائِرُ في الأسْواقِ، نَزَّلَ ما كانَ بِواسِطَةٍ مَنزِلَةَ ما كانَ بِغَيْرِ واسِطَةٍ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وفي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الرِّسالَةَ مِن أنْواعِ التَّكَلُّمِ، وأنَّ الحالِفَ الرُّسُلُ، كانَتْ إذا حَلَفَ أنْ لا يُكَلِّمَ إنْسانًا فَأرْسَلَ إلَيْهِ، وهو لَمْ يَنْوِ المُشافَهَةَ وقْتَ يَمِينِهِ. انْتَهى.
(إنَّهُ عَلِيٌّ) أيْ: عَلِيٌّ عَنْ صِفاتِ المَخْلُوقِينَ، (حَكِيمٌ): تَجْرِي أفْعالُهُ عَلى ما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ، يُكَلِّمُ بِواسِطَةٍ وبِغَيْرِ واسِطَةٍ.
﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا﴾ أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ الإيحاءِ الفَصْلِ أوْحَيْنا إلَيْكَ، إذْ كانَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ اجْتَمَعَتْ لَهُ الطُّرُقُ الثَّلاثُ: النَّفْثُ في الرَّوْعِ والمَنامِ، وتَكْلِيمُ اللَّهِ لَهُ حَقِيقَةً لَيْلَةَ الإسْراءِ، وإرْسالُ رَسُولٍ إلَيْهِ، وهو جِبْرِيلُ. وقِيلَ: كَما أوْحَيْنا إلى الأنْبِياءِ قَبْلَكَ، ﴿أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا﴾ . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: النُّبُوَّةَ. وقالَ السُّدِّيُّ: الوَحْيَ؛ وقالَ قَتادَةُ: رَحْمَةً؛ وقالَ الكَلْبِيُّ: كِتابًا؛ وقالَ الرَّبِيعُ: جِبْرِيلَ؛ وقِيلَ: القُرْآنُ؛ وسَمّى ما أوْحى إلَيْهِ رُوحًا؛ لِأنَّ بِهِ الحَياةَ مِنَ الجَهْلِ.
وقالَ مالِكُ بْنُ دِينارٍ: يا أهْلَ القُرْآنِ، ماذا زَرَعَ القُرْآنُ في قُلُوبِكم ؟ فَإنَّ القُرْآنَ رَبِيعُ القُلُوبِ، كَما أنَّ العُشْبَ رَبِيعُ الأرْضِ.
﴿ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ ولا الإيمانُ﴾: تَوْقِيفٌ عَلى عِظَمِ المِنَّةِ، وهو ﷺ أعْلَمُ النّاسِ بِها، وعَطَفَ ﴿ولا الإيمانُ﴾ عَلى ﴿ما الكِتابُ﴾، وإنَّما مَعْناهُ: الإيمانُ الَّذِي يُدْرِكُهُ السَّمْعُ؛ لِأنَّ لَنا أشْياءَ مِنَ الإيمانِ لا تُعْلَمُ إلّا بِالوَحْيِ.
أمّا تَوْحِيدُ اللَّهِ وبَراءَتُهُ عَنِ النَّقائِصِ، ومَعْرِفَةُ صِفاتِهِ العُلا، فَجَمِيعُ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - عالِمُونَ ذَلِكَ، مَعْصُومُونَ أنْ يَقَعَ مِنهم زَلَلٌ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ، سابِقٌ لَهم عِلْمُ ذَلِكَ قَبْلَ أنْ يُوحِيَ إلَيْهِمْ. وقَدْ أطْلَقَ الإيمانَ عَلى الصَّلاةِ في قَوْلِهِ: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣]، إذْ هي بَعْضُ ما يَتَناوَلُهُ الإيمانُ.
ومَن طالَعَ سِيَرَ الأنْبِياءِ مِن (p-٥٢٨)نَشْأتِهِمْ إلى مَبْعَثِهِمْ، تَحَقَّقَ عِنْدَهُ أنَّهم مَعْصُومُونَ مِن كُلِّ نَقِيصَةٍ، مُوَحِّدُونَ لِلَّهِ مُنْذُ نَشَئُوا.
قالَ اللَّهُ تَعالى في حَقِّ يَحْيى - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿وآتَيْناهُ الحُكْمَ صَبِيًّا﴾ [مريم: ١٢] . قالَ مَعْمَرٌ: كانَ ابْنَ سَنَتَيْنِ أوْ ثَلاثٍ.
وعَنْ أبِي العالِيَةِ: ما كُنْتَ تَدْرِي قَبْلَ الوَحْيِ أنْ تَقْرَأ القُرْآنَ، ولا كَيْفَ تَدْعُو الخَلْقَ إلى الإيمانِ.
وقالَ القاضِي: ﴿ولا الإيمانُ﴾: الفَرائِضُ والأحْكامُ. قالَ: وكانَ قَبْلُ مُؤْمِنًا بِتَوْحِيدِ اللَّهِ، ثُمَّ نَزَلَتِ الفَرائِضُ الَّتِي لَمْ يَكُنْ يَدْرِيها قَبْلُ، فَزادَ بِالتَّكْلِيفِ إيمانًا.
وقالَ القُشَيْرِيُّ: يَجُوزُ إطْلاقُ الإيمانِ عَلى تَفاصِيلِ الشَّرْعِ. وقالَ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ: هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: ولا أهْلُ الإيمانِ مِنَ الَّذِي يُؤْمِنُ أبُو طالِبٍ أوِ العَبّاسُ أوْ غَيْرُهُما. وقالَ عَلِيُّ بْنُ عِيسى: إذْ كُنْتَ في المَهْدِ.
وقِيلَ: ما الكِتابُ لَوْلا إنْعامُنا عَلَيْكَ، ولا الإيمانُ لَوْلا هِدايَتُنا لَكَ. وقِيلَ: أيْ كُنْتَ مِن قَوْمٍ أُمِّيِّينَ لا يَعْرِفُونَ الإيمانَ ولا الكِتابَ، فَتَكُونُ أخَذْتَ ما جِئْتَهم بِهِ عَمَّنْ كانَ يَعْلَمُ ذَلِكَ مِنهم.
﴿ما الكِتابُ﴾ جُمْلَةٌ اسْتِفْهامِيَّةٌ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، وهي في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ (تَدْرِي) وهي مُعَلَّقَةٌ.
﴿ولَكِنْ جَعَلْناهُ نُورًا﴾: يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ إلى قَوْلِهِ: (رُوحًا)، وإلى (كِتابُ)، وإلى (الإيمانُ)، وهو أقْرَبُ مَذْكُورٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: عائِدٌ عَلى الكِتابِ. انْتَهى.
وقِيلَ: يَعُودُ إلى الكِتابِ والإيمانِ مَعًا؛ لِأنَّ مَقْصِدَهُما واحِدٌ، فَهو نَظِيرُ: ﴿واللَّهُ ورَسُولُهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢] . وقَرَأ الجُمْهُورُ: (لَتَهْدِي)، مُضارِعُ هَدى مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ؛ وحَوْشَبٌ: مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، إجابَةَ سُؤالِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦] . وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْقَعِ (لَتُهْدِي) بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ الدّالِ؛ وعَنِ الجَحْدَرِيِّ مِثْلُها، ومِثْلُ قِراءَةِ حَوْشَبٍ.
(صِراطٍ مُّسْتَقِيمٍ)، قالَ عَلِيٌّ: هو القُرْآنُ؛ وقِيلَ: الإسْلامُ.
﴿ألا إلى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ﴾: أخْبَرَ بِالمُضارِعِ، والمُرادُ بِهِ الدَّيْمُومَةُ، كَقَوْلِهِ: زَيْدٌ يُعْطِي ويَمْنَعُ، أيْ: مِن شَأْنِهِ ذَلِكَ، ولا يُرادُ بِهِ حَقِيقَةُ المُسْتَقْبَلِ، أيْ: تُرَدُّ جَمِيعُ أُمُورِ الخَلْقِ إلَيْهِ تَعالى يَوْمَ القِيامَةِ فَيَقْضِي بَيْنَهم بِالعَدْلِ، وخُصَّ ذَلِكَ بِيَوْمِ القِيامَةِ؛ لِأنَّهُ لا يُمْكِنُ لِأحَدٍ أنْ يَدَّعِيَ فِيهِ لِنَفْسِهِ شَيْئًا، قالَهُ الفَرّاءُ.
الشورى 42:47
﴿وقالَ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ الخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ ألا إنَّ الظّالِمِينَ في عَذابٍ مُقِيمٍ﴾ ﴿وما كانَ لَهم مِن أوْلِياءَ يَنْصُرُونَهم مِن دُونِ اللَّهِ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن سَبِيلٍ﴾ ﴿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكم مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ ما لَكم مِن مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وما لَكم مِن نَكِيرٍ﴾ ﴿فَإنْ أعْرَضُوا فَما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إنْ عَلَيْكَ إلّا البَلاغُ وإنّا إذا أذَقْنا الإنْسانَ مِنّا رَحْمَةً فَرِحَ بِها وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ فَإنَّ الإنْسانَ كَفُورٌ﴾ ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ يَخْلُقُ ما يَشاءُ يَهَبُ لِمَن يَشاءُ إناثًا ويَهَبُ لِمَن يَشاءُ الذُّكُورَ﴾ ﴿أوْ يُزَوِّجُهم ذُكْرانًا وإناثًا ويَجْعَلُ مَن يَشاءُ عَقِيمًا إنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ ﴿وما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلّا وحْيًا أوْ مِن وراءِ حِجابٍ أوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإذْنِهِ ما يَشاءُ إنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ ﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ ولا الإيمانُ ولَكِنْ جَعَلْناهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَن نَشاءُ مِن عِبادِنا وإنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿صِراطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ ألا إلى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ﴾ .
(p-٥٢٥)الظّاهِرُ أنَّ (وقالَ) ماضٍ لَفْظًا ومَعْنًى، أيْ: ﴿وقالَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ في الحَياةِ الدُّنْيا، ويَكُونُ (يَوْمَ القِيامَةِ) مَعْمُولًا لِـ (خَسِرُوا)، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْنى (وقالَ): ويَقُولُ، و(يَوْمَ القِيامَةِ) مَعْمُولُ لَوْ يَقُولُوا، أيْ: ويَقُولُوا في ذَلِكَ اليَوْمِ لَمّا عايَنُوا ما حَلَّ بِالكُفّارِ وأهْلِيهِمْ.
الظّاهِرُ أنَّهُمُ الَّذِينَ كانُوا أهْلِيهِمْ في الدُّنْيا، فَإنْ كانُوا مَعَهم في النّارِ فَقَدْ خَسِرُوهم، أيْ: لا يَنْتَفِعُونَ بِهِمْ؛ وإنْ كانُوا في الجَنَّةِ لِكَوْنِهِمْ كانُوا مُؤْمِنِينَ، كَآسِيَةَ امْرَأةِ فِرْعَوْنَ، فَهم لا يَنْتَفِعُونَ بِهِمْ أيْضًا. وقِيلَ: أهْلُوهم ما كانَ أُعِدَّ لَهم مِنَ الحُورِ لَوْ كانُوا آمَنُوا، والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ألا إنَّ الظّالِمِينَ في عَذابٍ مُقِيمٍ﴾ مِن كَلامِ المُؤْمِنِينَ؛ وقِيلَ: اسْتِئْنافُ إخْبارٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى.
﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ﴾، قِيلَ: هو يَوْمُ وُرُودِ المَوْتِ، والظّاهِرُ أنَّهُ يَوْمُ القِيامَةِ. و(مِنَ اللَّهِ) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما مَرَّ، أيْ: لا يَرِدُ ذَلِكَ اليَوْمَ مِن ما حَكَمَ اللَّهُ بِهِ فِيهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (مِنَ اللَّهِ): مِن صِلَةُ (لا مَرَدَّ) . انْتَهى.
ولَيْسَ الجَيِّدُ، إذْ لَوْ كانَ مِن صِلَتِهِ لَكانَ مَعْمُولًا لَهُ، فَكانَ يَكُونُ مُعْرَبًا مُنَوَّنًا. وقِيلَ: (مِنَ اللَّهِ) يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ: (يَأْتِيَ)، مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ مِنَ اللَّهِ يَوْمٌ لا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى رَدِّهِ.
(ما لَكم مِن مَلْجَإٍ) تَلْجَأُونَ إلَيْهِ، فَتَتَخَلَّصُونَ مِنَ العَذابِ، وما لَكم مِن إنْكارِ شَيْءٍ مِن أعْمالِكُمُ الَّتِي تُورِدُكُمُ النّارَ، والنَّكِيرُ مَصْدَرُ أنْكَرَ عَلى غَيْرِ قِياسٍ.
قِيلَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْمَ فاعِلٍ لِلْمُبالَغَةِ، وفِيهِ بُعْدٌ؛ لِأنَّ نَكَرَ مَعْناهُ لَمْ يُمَيِّزْ.
(فَإنْ أعْرَضُوا) الآيَةَ: تَسْلِيَةٌ لِلرَّسُولِ وتَأْنِيسٌ لَهُ، وإزالَةٌ لِهَمِّهِ بِهِمْ. والإنْسانُ: يُرادُ بِهِ الجِنْسُ، ولِذَلِكَ جاءَ: ﴿وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ﴾ . وجاءَ جَوابُ الشَّرْطِ ﴿فَإنَّ الإنْسانَ﴾ ولَمْ يَأْتِ فَإنَّهُ، ولا فَإنَّهم، لِيَدُلَّ عَلى أنَّ هَذا الجِنْسَ مَوْسُومٌ بِكُفْرانِ النِّعَمِ، كَما قالَ: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَظَلُومٌ كَفّارٌ﴾ [إبراهيم: ٣٤]، ﴿إنَّ الإنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ [العاديات: ٦] .
ولَمّا ذَكَرَ أنَّهُ يَكْفُرُ النِّعَمَ، أتْبَعَ ذَلِكَ بِأنَّ لَهُ مُلْكَ العالَمِ العُلْوِيِّ والسُّفْلِيِّ، وأنَّهُ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ، ونَبَّهَ عَلى عَظِيمِ قُدْرَتِهِ، وأنَّ الكائِناتِ ناشِئَةٌ عَنْ إرادَتِهِ، فَذَكَرَ أنَّهُ يَهَبُ لِبَعْضٍ إناثًا، ولِبَعْضٍ ذُكُورًا، ولِبَعْضٍ الصِّنْفَيْنِ، ويَعْقِمُ بَعْضًا فَلا يُولَدُ لَهُ.
وقالَ إسْحاقُ بْنُ بِشْرٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في الأنْبِياءِ، ثُمَّ عَمَّتْ. فَلُوطٌ أبُو بَناتٍ لَمْ يُولَدْ لَهُ ذُكُورٌ، وإبْراهِيمُ ضِدُّهُ، ومُحَمَّدٌ ﷺ وعَلَيْهِما - وُلِدَ لَهُ الصِّنْفانِ، ويَحْيى عَقِيمٌ. انْتَهى.
وذُكِرَ أيْضًا مَعَ لُوطٍ شُعَيْبٌ، ومَعَ يَحْيى عِيسى، وقَدَّمَ تَعالى هِبَةَ البَناتِ تَأْنِيسًا لَهُنَّ وتَشْرِيفًا لَهُنَّ، لِيُهْتَمَّ بِصَوْنِهِنَّ والإحْسانِ إلَيْهِنَّ.
وفِي الحَدِيثِ: «مَنِ ابْتُلِيَ بِشَيْءٍ مِن هَذِهِ البَناتِ فَأحْسَنَ إلَيْهِنَّ كُنَّ لَهُ سِتْرًا مِنَ النّارِ» .
وقالَ واثِلَةُ بْنُ الأسْقَعِ: مِن يُمْنِ المَرْأةِ تَبْكِيرُها بِالأُنْثى قَبْلَ الذَّكَرِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى بَدَأ بِالإناثِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): لِمَ قَدَّمَ الإناثَ عَلى الذُّكُورِ مَعَ تَقَدُّمِهِمْ عَلَيْهِنَّ، ثُمَّ رَجَعَ فَقَدَّمَهم ؟ ولِمَ عَرَّفَ الذُّكُورَ بَعْدَما نَكَّرَ الإناثَ ؟ (قُلْتُ): لِأنَّهُ ذَكَرَ البَلاءَ في آخِرِ الآيَةِ الأُولى. وكُفْرانُ الإنْسانِ: نِسْيانُهُ الرَّحْمَةَ السّابِقَةَ عِنْدَهُ.
ثُمَّ ذَكَّرَهُ بِذِكْرِ مُلْكِهِ ومَشِيئَتِهِ، وذِكْرِ قِسْمَةِ الأوْلادِ، فَقَدَّمَ الإناثَ؛ لِأنَّ سِياقَ الكَلامِ أنَّهُ فاعِلٌ ما يَشاؤُهُ، لا ما يَشاءُ الإنْسانُ، فَكانَ ذِكْرُ الإناثِ اللّائِي مِن جُمْلَةِ ما لا يَشاؤُهُ الإنْسانُ أهَمَّ، والأهَمُّ أوْجَبَ التَّقْدِيمَ.
والبَلاءُ: الجِنْسُ الَّذِي كانَتِ العَرَبُ تَعُدُّهُ بَلاءً، ذَكَرَ البَلاءَ وأخَّرَ الذُّكُورَ. فَلَمّا أخَّرَهم لِذَلِكَ تَدارَكَ تَأْخِيرَهُ، وهم أحَقُّ بِالتَّقْدِيمِ بِتَعْرِيفِهِمْ؛ لِأنَّ التَّعْرِيفَ تَنْوِيهٌ وتَشْهِيرٌ، كَأنَّهُ قالَ: ويَهَبُ لِمَن يَشاءُ الفَرِيقَيْنِ، الأعْلامُ المَذْكُورِينَ الَّذِينَ لا يَخْفَوْنَ عَلَيْكم. ثُمَّ أعْطى بَعْدَ ذَلِكَ كِلا الجِنْسَيْنِ حَظَّهُ مِنَ التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، وعِرْفانُ تَقْدِيمِهِنَّ لَمْ يَكُنْ لِتَقَدُّمِهِنَّ، ولَكِنْ لِمُقْتَضًى آخَرَ فَقالَ: ﴿ذُكْرانًا وإناثًا﴾، كَما قالَ: ﴿إنّا خَلَقْناكم مِن ذَكَرٍ وأُنْثى﴾ [الحجرات: ١٣]، ﴿فَجَعَلَ مِنهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ [القيامة: ٣٩] . انْتَهى.
وقِيلَ: بَدَأ بِالأُنْثى ثُمَّ ثَنّى بِالذَّكَرِ، لِتَنْقِلَهُ مِنَ الغَمِّ إلى الفَرَحِ. وقِيلَ: لِيَعْلَمَ أنَّهُ لا اعْتِراضَ عَلى اللَّهِ فَيَرْضى. (p-٥٢٦)فَإذا وهَبَ لَهُ الذَّكَرَ، عَلِمَ أنَّهُ زِيادَةٌ وفَضْلٌ مِنَ اللَّهِ وإحْسانٌ إلَيْهِ.
وقِيلَ: قَدَّمَها تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ إذا كانَ العَجْزُ والحاجَةُ لَهم، كانَتْ عِنايَةُ اللَّهِ أكْثَرَ.
وقالَ مُجاهِدٌ: هو أنْ تَلِدَ المَرْأةُ غُلامًا، ثُمَّ تَلِدُ جارِيَةً. وقالَ مُحَمَّدُ ابْنُ الحَنَفِيَّةِ: أنْ تَلِدَ تَوْأمًا، غُلامًا وجارِيَةً. وقالَ أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ: أوْ يُزَوِّجُهم ذُكْرانًا وإناثًا. قالَ عُلَماؤُنا: يَعْنِي آدَمَ، كانَتْ حَوّاءُ تَلِدُ لَهُ في كُلِّ بَطْنٍ تَوْأمَيْنِ، ذَكَرًا وأُنْثى؛ تُزَوِّجُ ذَكَرَ هَذا البَطْنِ أُنْثى البَطْنِ الآخَرِ. انْتَهى.
ولَمّا ذَكَرَ الهِبَةَ في الإناثِ، والهِبَةَ في الذُّكُورِ، اكْتَفى عَنْ ذِكْرِها في قَوْلِهِ: ﴿أوْ يُزَوِّجُهم ذُكْرانًا وإناثًا﴾ . ولَمّا كانَ العُقْمُ لَيْسَ بِمَحْمُودٍ قالَ: ﴿ويَجْعَلُ مَن يَشاءُ عَقِيمًا﴾، وهو قَسِيمٌ لِمَن يُولَدُ لَهُ. ولَمّا كانَتِ الخُنْثى مِمّا يُحْزَنُ بِوُجُودِهِ، لَمْ يَذْكُرْهُ تَعالى. قالُوا: وكانَتِ الخِلْقَةُ مُسْتَمِرَّةً، ذَكَرًا وأُنْثى، إلى أنْ وقَعَ في الجاهِلِيَّةِ الأُولى الخُنْثى، فَسُئِلَ فارِضُ العَرَبِ ومُعَمَّرُها عامِرُ بْنُ الظَّرِبِ عَنْ مِيراثِهِ، فَلَمْ يَدْرِ ما يَقُولُهُ وأرْجَأهم.
فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ، جَعَلَ يَتَقَلَّبُ وتَذْهَبُ بِهِ الأفْكارُ، وأنْكَرَتْ خادِمَتُهُ حالَهُ فَسَألَتْهُ، فَقالَ: بُهِرْتُ لِأمْرٍ لا أدْرِي ما أقُولُ فِيهِ، فَقالَتْ لَهُ: ما هو ؟ فَقالَ: شَخْصٌ لَهُ ذَكَرٌ وفَرْجٌ، كَيْفَ يَكُونُ حالُهُ في المِيراثِ ؟ قالَتْ لَهُ الأمَةُ: ورِّثْهُ مِن حَيْثُ يَبُولُ، فَعَقَلَها وأصْبَحَ فَعَرَضَها عَلَيْهِمْ، فَرَضُوا بِها.
وجاءَ الإسْلامُ عَلى ذَلِكَ، وقَضى بِذَلِكَ عَلِيٌّ، كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ، إنَّهُ عَلِيمٌ بِمَصالِحِ العِبادِ، قَدِيرٌ عَلى تَكْوِينِ ما يَشاءُ.
كانَ مِنَ الكُفّارِ خَوْضٌ في مَعْنى تَكْلِيمِ اللَّهِ مُوسى، فَذَهَبَتْ قُرَيْشٌ واليَهُودُ في ذَلِكَ إلى التَّجْسِيمِ، فَنَزَلَتْ. وقِيلَ: كانَتْ قُرَيْشُ تَقُولُ: ألا تُكَلِّمُ اللَّهَ وتَنْظُرُ إلَيْهِ إنْ كُنْتَ نَبِيًّا صادِقًا، كَما كَلَّمَهُ مُوسى ونَظَرَ إلَيْهِ ؟ فَقالَ لَهُمُ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: «لَمْ يَنْظُرْ مُوسى إلى اللَّهِ»، فَنَزَلَتْ: ﴿وما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ﴾، بَيانًا لِصُورَةِ تَكْلِيمِ اللَّهِ عِبادَهُ أيْ: ما يَنْبَغِي ولا يُمْكِنُ لِبَشَرٍ إلّا يُوحى إلَيْهِ أحَدُ وُجُوهِ الوَحْيِ مِنَ الإلْهامِ.
قالَ مُجاهِدٌ: أوِ النَّفْثُ في القَلْبِ. وقالَ النَّقّاشُ: أوْ وحْيٌ في المَنامِ. وقالَ النَّخَعِيُّ: كانَ في الأنْبِياءِ مَن يُخَطُّ لَهُ في الأرْضِ، أوْ بِأنْ يُسْمِعَهُ كَلامَهُ دُونَ أنْ يَعْرِفَ هو لِلْمُتَكَلِّمِ جِهَةً ولا حَيِّزًا، كَمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وهَذا مَعْنى ﴿مِن وراءِ حِجابٍ﴾ أيْ: مِن خَفاءٍ عَنِ المُتَكَلِّمِ، لا يَحُدُّهُ ولا يَتَصَوَّرُ بِذِهْنِهِ عَلَيْهِ، ولَيْسَ كالحِجابِ في المُشاهَدِ، أوْ بِأنْ يُرْسِلَ إلَيْهِ مَلَكًا يُشافِهُهُ بِوَحْيِ اللَّهِ تَعالى، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وما صَحَّ لِأحَدٍ مِنَ البَشَرِ أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلّا عَلى ثَلاثَةِ أوْجُهٍ:
إمّا عَلى طَرِيقِ الوَحْيِ، وهو الإلْهامُ والقَذْفُ في القَلْبِ والمَنامِ، كَما أوْحى إلى أُمِّ مُوسى وإلى إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في ذَبْحِ ولَدِهِ.
وعَنْ مُجاهِدٍ: أوْحى اللَّهُ الزَّبُورَ إلى داوُدَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في صَدْرِهِ، قالَ عَبِيدُ بْنُ الأبْرَصِ:
؎وأوْحى إلَيَّ اللَّهُ أنْ قَدْ تَأمَّرُوا بِابْنِ أبِي أوْفى فَقُمْتُ عَلى رَجْلِ
أيْ: ألْهَمَنِي وقَذَفَ في قَلْبِي. وإمّا عَلى أنْ يُسْمِعَهُ كَلامَهُ الَّذِي يَخْلُقُهُ في بَعْضِ الأجْرامِ مِن غَيْرِ أنْ يُبْصِرَ السّامِعُ مَن يُكَلِّمُهُ؛ لِأنَّهُ في ذاتِهِ غَيْرُ مَرْئِيٍّ.
وقَوْلُهُ: ﴿مِن وراءِ حِجابٍ﴾ مَثَلٌ، أيْ: كَما يُكَلِّمُ المَلِكُ المُحْتَجِبُ بَعْضَ خَواصِّهِ، وهو مِن وراءِ حِجابٍ، فَيَسْمَعُ صَوْتَهُ ولا يَرى شَخْصَهُ، وذَلِكَ كَما كَلَّمَ اللَّهُ مُوسى ويُكَلِّمُ المَلائِكَةَ. وإمّا عَلى أنْ يُرْسِلَ إلَيْهِ رَسُولًا مِنَ المَلائِكَةِ فَيُوحِي المَلَكُ إلَيْهِ، كَما كَلَّمَ الأنْبِياءَ غَيْرَ مُوسى. انْتَهى.
وهُوَ عَلى طَرِيقِ المُعْتَزِلَةِ في اسْتِحالَةِ رُؤْيَةِ اللَّهِ تَعالى ونَفْيِ الكَلامِ الحَقِيقِيِّ عَنِ اللَّهِ.
وكُلُّ هَذِهِ الأقْسامِ الثَّلاثَةِ يَصْدُقُ عَلَيْها أنَّها وحَيٌّ، وخُصَّ الأوَّلُ بِاسْمِ الوَحْيِ هُنا؛ لِأنَّ ما يَقَعُ في القَلْبِ عَلى سَبِيلِ الإلْهامِ يَقَعُ دَفْعَةً واحِدَةً، فَكانَ تَخْصِيصُ لَفْظِ الوَحْيِ بِهِ أوْلى.
وقِيلَ: (وحْيًا) كَما أوْحى إلى الرُّسُلِ بِواسِطَةِ المَلائِكَةِ ﴿أوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾ أيْ: نَبِيًّا، كَما كَلَّمَ أُمَمَ الأنْبِياءِ عَلى ألْسِنَتِهِمْ، حَكاهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وتَرَكَ تَفْسِيرَ ﴿أوْ مِن وراءِ حِجابٍ﴾، ومَعْناهُ في هَذا القَوْلِ: كَما كَلَّمَ مُحَمَّدًا ومُوسى ﷺ .
(p-٥٢٧)وقَرَأ الجُمْهُورُ: (حِجابٍ)، مُفْرَدًا؛ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: حُجُبٍ جَمْعًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِنَصْبِ الفِعْلَيْنِ، عَطَفَ (أوْ يُرْسِلَ) عَلى المُضْمَرِ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ ﴿مِن وراءِ حِجابٍ﴾ تَقْدِيرُهُ: أوْ يُكَلِّمَهُ مِن وراءِ حِجابٍ، وهَذا المُضْمَرُ مَعْطُوفٌ عَلى (وحْيًا) والمَعْنى: إلّا بِوَحْيٍ أوْ سَماعٍ مِن وراءِ حِجابٍ، أوْ إرْسالِ رَسُولٍ فَيُوحِي ذَلِكَ الرَّسُولُ إلى النَّبِيِّ الَّذِي أُرْسِلَ عَنْهُ بِإذْنِ اللَّهِ ما يَشاءُ، ولا يَجُوزُ أنْ يُعْطَفَ (أوْ يُرْسِلَ) عَلى ﴿أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ﴾ لِفَسادِ المَعْنى.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: و(وحْيًا) و(أنْ يُرْسِلَ) مَصْدَرانِ واقِعانِ مَوْقِعَ الحالِ؛ لِأنَّ أنْ يُرْسِلَ في مَعْنى إرْسالًا، و﴿مِن وراءِ حِجابٍ﴾ ظَرْفٌ واقِعٌ مَوْقِعَ الحالِ أيْضًا، كَقَوْلِهِ: ﴿وعَلى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٩١]، والتَّقْدِيرُ: وما صَحَّ أنْ يُكَلِّمَ أحَدًا إلّا مُوحِيًا أوْ مُسْمِعًا مِن وراءِ حِجابٍ، أوْ مُرْسِلًا. انْتَهى.
أمّا وُقُوعُ المَصْدَرِ مَوْقِعَ الحالِ، فَلا يَنْقاسُ، وإنَّما قالَتْهُ العَرَبُ. وكَذَلِكَ لا يَجُوزُ: جاءَ زَيْدٌ بُكاءً، تُرِيدُ باكِيًا، وقاسَ مِنهُ المُبَرِّدُ ما كانَ مِنهُ نَوْعًا لِلْفِعْلِ، نَحْوُ: جاءَ زَيْدٌ مَشْيًا أوْ سُرْعَةً، ومَنَعَ سِيبَوَيْهِ أنْ يَقَعَ أنْ والفِعْلُ المُقَدَّرُ بِالمَصْدَرِ مَوْقِعَ الحالِ، فَلا يَجُوزُ، نَحْوُ: جاءَ زَيْدٌ أنْ يَضْحَكَ في مَعْنى ضَحِكًا الواقِعِ مَوْقِعَ ضاحِكًا، فَجَعْلُهُ وحْيًا مَصْدَرًا في مَوْضِعِ الحالِ مِمّا لا يَنْقاسُ، وأنَّ (يُرْسِلَ) في مَعْنى إرْسالًا الواقِعِ مَوْقِعَ مُرْسِلًا مَمْنُوعٌ بِنَصِّ سِيبَوَيْهِ. وقَرَأ نافِعٌ وأهْلُ المَدِينَةِ ﴿أوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ﴾ بِالرَّفْعِ فِيهِما، فَخَرَجَ عَلى إضْمارِ هو يُرْسِلُ، أوْ عَلى ما يَتَعَلَّقُ بِهِ (مِن وراءِ) إذْ تَقْدِيرُهُ: أوْ يَسْمَعُ مِن وراءِ حِجابٍ، (ووَحْيًا) مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ، عُطِفَ عَلَيْهِ ذَلِكَ المُقَدَّرُ المَعْطُوفُ عَلَيْهِ، (أوْ يُرْسِلَ) والتَّقْدِيرُ: إلّا مُوحِيًا أوْ مُسْمِعًا مِن وراءِ حِجابٍ، أوْ مُرْسِلًا، وإسْنادُ التَّكَلُّمِ إلى اللَّهِ بِكَوْنِهِ أرْسَلَ رَسُولًا مَجازٌ، كَما تَقُولُ: نادى المَلِكُ في النّاسِ بِكَذا، وإنَّما نادى الرِّيحُ، الدّائِرُ في الأسْواقِ، نَزَّلَ ما كانَ بِواسِطَةٍ مَنزِلَةَ ما كانَ بِغَيْرِ واسِطَةٍ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وفي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الرِّسالَةَ مِن أنْواعِ التَّكَلُّمِ، وأنَّ الحالِفَ الرُّسُلُ، كانَتْ إذا حَلَفَ أنْ لا يُكَلِّمَ إنْسانًا فَأرْسَلَ إلَيْهِ، وهو لَمْ يَنْوِ المُشافَهَةَ وقْتَ يَمِينِهِ. انْتَهى.
(إنَّهُ عَلِيٌّ) أيْ: عَلِيٌّ عَنْ صِفاتِ المَخْلُوقِينَ، (حَكِيمٌ): تَجْرِي أفْعالُهُ عَلى ما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ، يُكَلِّمُ بِواسِطَةٍ وبِغَيْرِ واسِطَةٍ.
﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا﴾ أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ الإيحاءِ الفَصْلِ أوْحَيْنا إلَيْكَ، إذْ كانَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ اجْتَمَعَتْ لَهُ الطُّرُقُ الثَّلاثُ: النَّفْثُ في الرَّوْعِ والمَنامِ، وتَكْلِيمُ اللَّهِ لَهُ حَقِيقَةً لَيْلَةَ الإسْراءِ، وإرْسالُ رَسُولٍ إلَيْهِ، وهو جِبْرِيلُ. وقِيلَ: كَما أوْحَيْنا إلى الأنْبِياءِ قَبْلَكَ، ﴿أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا﴾ . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: النُّبُوَّةَ. وقالَ السُّدِّيُّ: الوَحْيَ؛ وقالَ قَتادَةُ: رَحْمَةً؛ وقالَ الكَلْبِيُّ: كِتابًا؛ وقالَ الرَّبِيعُ: جِبْرِيلَ؛ وقِيلَ: القُرْآنُ؛ وسَمّى ما أوْحى إلَيْهِ رُوحًا؛ لِأنَّ بِهِ الحَياةَ مِنَ الجَهْلِ.
وقالَ مالِكُ بْنُ دِينارٍ: يا أهْلَ القُرْآنِ، ماذا زَرَعَ القُرْآنُ في قُلُوبِكم ؟ فَإنَّ القُرْآنَ رَبِيعُ القُلُوبِ، كَما أنَّ العُشْبَ رَبِيعُ الأرْضِ.
﴿ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ ولا الإيمانُ﴾: تَوْقِيفٌ عَلى عِظَمِ المِنَّةِ، وهو ﷺ أعْلَمُ النّاسِ بِها، وعَطَفَ ﴿ولا الإيمانُ﴾ عَلى ﴿ما الكِتابُ﴾، وإنَّما مَعْناهُ: الإيمانُ الَّذِي يُدْرِكُهُ السَّمْعُ؛ لِأنَّ لَنا أشْياءَ مِنَ الإيمانِ لا تُعْلَمُ إلّا بِالوَحْيِ.
أمّا تَوْحِيدُ اللَّهِ وبَراءَتُهُ عَنِ النَّقائِصِ، ومَعْرِفَةُ صِفاتِهِ العُلا، فَجَمِيعُ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - عالِمُونَ ذَلِكَ، مَعْصُومُونَ أنْ يَقَعَ مِنهم زَلَلٌ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ، سابِقٌ لَهم عِلْمُ ذَلِكَ قَبْلَ أنْ يُوحِيَ إلَيْهِمْ. وقَدْ أطْلَقَ الإيمانَ عَلى الصَّلاةِ في قَوْلِهِ: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣]، إذْ هي بَعْضُ ما يَتَناوَلُهُ الإيمانُ.
ومَن طالَعَ سِيَرَ الأنْبِياءِ مِن (p-٥٢٨)نَشْأتِهِمْ إلى مَبْعَثِهِمْ، تَحَقَّقَ عِنْدَهُ أنَّهم مَعْصُومُونَ مِن كُلِّ نَقِيصَةٍ، مُوَحِّدُونَ لِلَّهِ مُنْذُ نَشَئُوا.
قالَ اللَّهُ تَعالى في حَقِّ يَحْيى - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿وآتَيْناهُ الحُكْمَ صَبِيًّا﴾ [مريم: ١٢] . قالَ مَعْمَرٌ: كانَ ابْنَ سَنَتَيْنِ أوْ ثَلاثٍ.
وعَنْ أبِي العالِيَةِ: ما كُنْتَ تَدْرِي قَبْلَ الوَحْيِ أنْ تَقْرَأ القُرْآنَ، ولا كَيْفَ تَدْعُو الخَلْقَ إلى الإيمانِ.
وقالَ القاضِي: ﴿ولا الإيمانُ﴾: الفَرائِضُ والأحْكامُ. قالَ: وكانَ قَبْلُ مُؤْمِنًا بِتَوْحِيدِ اللَّهِ، ثُمَّ نَزَلَتِ الفَرائِضُ الَّتِي لَمْ يَكُنْ يَدْرِيها قَبْلُ، فَزادَ بِالتَّكْلِيفِ إيمانًا.
وقالَ القُشَيْرِيُّ: يَجُوزُ إطْلاقُ الإيمانِ عَلى تَفاصِيلِ الشَّرْعِ. وقالَ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ: هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: ولا أهْلُ الإيمانِ مِنَ الَّذِي يُؤْمِنُ أبُو طالِبٍ أوِ العَبّاسُ أوْ غَيْرُهُما. وقالَ عَلِيُّ بْنُ عِيسى: إذْ كُنْتَ في المَهْدِ.
وقِيلَ: ما الكِتابُ لَوْلا إنْعامُنا عَلَيْكَ، ولا الإيمانُ لَوْلا هِدايَتُنا لَكَ. وقِيلَ: أيْ كُنْتَ مِن قَوْمٍ أُمِّيِّينَ لا يَعْرِفُونَ الإيمانَ ولا الكِتابَ، فَتَكُونُ أخَذْتَ ما جِئْتَهم بِهِ عَمَّنْ كانَ يَعْلَمُ ذَلِكَ مِنهم.
﴿ما الكِتابُ﴾ جُمْلَةٌ اسْتِفْهامِيَّةٌ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، وهي في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ (تَدْرِي) وهي مُعَلَّقَةٌ.
﴿ولَكِنْ جَعَلْناهُ نُورًا﴾: يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ إلى قَوْلِهِ: (رُوحًا)، وإلى (كِتابُ)، وإلى (الإيمانُ)، وهو أقْرَبُ مَذْكُورٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: عائِدٌ عَلى الكِتابِ. انْتَهى.
وقِيلَ: يَعُودُ إلى الكِتابِ والإيمانِ مَعًا؛ لِأنَّ مَقْصِدَهُما واحِدٌ، فَهو نَظِيرُ: ﴿واللَّهُ ورَسُولُهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢] . وقَرَأ الجُمْهُورُ: (لَتَهْدِي)، مُضارِعُ هَدى مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ؛ وحَوْشَبٌ: مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، إجابَةَ سُؤالِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦] . وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْقَعِ (لَتُهْدِي) بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ الدّالِ؛ وعَنِ الجَحْدَرِيِّ مِثْلُها، ومِثْلُ قِراءَةِ حَوْشَبٍ.
(صِراطٍ مُّسْتَقِيمٍ)، قالَ عَلِيٌّ: هو القُرْآنُ؛ وقِيلَ: الإسْلامُ.
﴿ألا إلى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ﴾: أخْبَرَ بِالمُضارِعِ، والمُرادُ بِهِ الدَّيْمُومَةُ، كَقَوْلِهِ: زَيْدٌ يُعْطِي ويَمْنَعُ، أيْ: مِن شَأْنِهِ ذَلِكَ، ولا يُرادُ بِهِ حَقِيقَةُ المُسْتَقْبَلِ، أيْ: تُرَدُّ جَمِيعُ أُمُورِ الخَلْقِ إلَيْهِ تَعالى يَوْمَ القِيامَةِ فَيَقْضِي بَيْنَهم بِالعَدْلِ، وخُصَّ ذَلِكَ بِيَوْمِ القِيامَةِ؛ لِأنَّهُ لا يُمْكِنُ لِأحَدٍ أنْ يَدَّعِيَ فِيهِ لِنَفْسِهِ شَيْئًا، قالَهُ الفَرّاءُ.
الشورى 42:48
﴿وقالَ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ الخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ ألا إنَّ الظّالِمِينَ في عَذابٍ مُقِيمٍ﴾ ﴿وما كانَ لَهم مِن أوْلِياءَ يَنْصُرُونَهم مِن دُونِ اللَّهِ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن سَبِيلٍ﴾ ﴿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكم مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ ما لَكم مِن مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وما لَكم مِن نَكِيرٍ﴾ ﴿فَإنْ أعْرَضُوا فَما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إنْ عَلَيْكَ إلّا البَلاغُ وإنّا إذا أذَقْنا الإنْسانَ مِنّا رَحْمَةً فَرِحَ بِها وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ فَإنَّ الإنْسانَ كَفُورٌ﴾ ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ يَخْلُقُ ما يَشاءُ يَهَبُ لِمَن يَشاءُ إناثًا ويَهَبُ لِمَن يَشاءُ الذُّكُورَ﴾ ﴿أوْ يُزَوِّجُهم ذُكْرانًا وإناثًا ويَجْعَلُ مَن يَشاءُ عَقِيمًا إنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ ﴿وما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلّا وحْيًا أوْ مِن وراءِ حِجابٍ أوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإذْنِهِ ما يَشاءُ إنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ ﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ ولا الإيمانُ ولَكِنْ جَعَلْناهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَن نَشاءُ مِن عِبادِنا وإنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿صِراطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ ألا إلى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ﴾ .
(p-٥٢٥)الظّاهِرُ أنَّ (وقالَ) ماضٍ لَفْظًا ومَعْنًى، أيْ: ﴿وقالَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ في الحَياةِ الدُّنْيا، ويَكُونُ (يَوْمَ القِيامَةِ) مَعْمُولًا لِـ (خَسِرُوا)، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْنى (وقالَ): ويَقُولُ، و(يَوْمَ القِيامَةِ) مَعْمُولُ لَوْ يَقُولُوا، أيْ: ويَقُولُوا في ذَلِكَ اليَوْمِ لَمّا عايَنُوا ما حَلَّ بِالكُفّارِ وأهْلِيهِمْ.
الظّاهِرُ أنَّهُمُ الَّذِينَ كانُوا أهْلِيهِمْ في الدُّنْيا، فَإنْ كانُوا مَعَهم في النّارِ فَقَدْ خَسِرُوهم، أيْ: لا يَنْتَفِعُونَ بِهِمْ؛ وإنْ كانُوا في الجَنَّةِ لِكَوْنِهِمْ كانُوا مُؤْمِنِينَ، كَآسِيَةَ امْرَأةِ فِرْعَوْنَ، فَهم لا يَنْتَفِعُونَ بِهِمْ أيْضًا. وقِيلَ: أهْلُوهم ما كانَ أُعِدَّ لَهم مِنَ الحُورِ لَوْ كانُوا آمَنُوا، والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ألا إنَّ الظّالِمِينَ في عَذابٍ مُقِيمٍ﴾ مِن كَلامِ المُؤْمِنِينَ؛ وقِيلَ: اسْتِئْنافُ إخْبارٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى.
﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ﴾، قِيلَ: هو يَوْمُ وُرُودِ المَوْتِ، والظّاهِرُ أنَّهُ يَوْمُ القِيامَةِ. و(مِنَ اللَّهِ) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما مَرَّ، أيْ: لا يَرِدُ ذَلِكَ اليَوْمَ مِن ما حَكَمَ اللَّهُ بِهِ فِيهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (مِنَ اللَّهِ): مِن صِلَةُ (لا مَرَدَّ) . انْتَهى.
ولَيْسَ الجَيِّدُ، إذْ لَوْ كانَ مِن صِلَتِهِ لَكانَ مَعْمُولًا لَهُ، فَكانَ يَكُونُ مُعْرَبًا مُنَوَّنًا. وقِيلَ: (مِنَ اللَّهِ) يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ: (يَأْتِيَ)، مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ مِنَ اللَّهِ يَوْمٌ لا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى رَدِّهِ.
(ما لَكم مِن مَلْجَإٍ) تَلْجَأُونَ إلَيْهِ، فَتَتَخَلَّصُونَ مِنَ العَذابِ، وما لَكم مِن إنْكارِ شَيْءٍ مِن أعْمالِكُمُ الَّتِي تُورِدُكُمُ النّارَ، والنَّكِيرُ مَصْدَرُ أنْكَرَ عَلى غَيْرِ قِياسٍ.
قِيلَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْمَ فاعِلٍ لِلْمُبالَغَةِ، وفِيهِ بُعْدٌ؛ لِأنَّ نَكَرَ مَعْناهُ لَمْ يُمَيِّزْ.
(فَإنْ أعْرَضُوا) الآيَةَ: تَسْلِيَةٌ لِلرَّسُولِ وتَأْنِيسٌ لَهُ، وإزالَةٌ لِهَمِّهِ بِهِمْ. والإنْسانُ: يُرادُ بِهِ الجِنْسُ، ولِذَلِكَ جاءَ: ﴿وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ﴾ . وجاءَ جَوابُ الشَّرْطِ ﴿فَإنَّ الإنْسانَ﴾ ولَمْ يَأْتِ فَإنَّهُ، ولا فَإنَّهم، لِيَدُلَّ عَلى أنَّ هَذا الجِنْسَ مَوْسُومٌ بِكُفْرانِ النِّعَمِ، كَما قالَ: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَظَلُومٌ كَفّارٌ﴾ [إبراهيم: ٣٤]، ﴿إنَّ الإنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ [العاديات: ٦] .
ولَمّا ذَكَرَ أنَّهُ يَكْفُرُ النِّعَمَ، أتْبَعَ ذَلِكَ بِأنَّ لَهُ مُلْكَ العالَمِ العُلْوِيِّ والسُّفْلِيِّ، وأنَّهُ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ، ونَبَّهَ عَلى عَظِيمِ قُدْرَتِهِ، وأنَّ الكائِناتِ ناشِئَةٌ عَنْ إرادَتِهِ، فَذَكَرَ أنَّهُ يَهَبُ لِبَعْضٍ إناثًا، ولِبَعْضٍ ذُكُورًا، ولِبَعْضٍ الصِّنْفَيْنِ، ويَعْقِمُ بَعْضًا فَلا يُولَدُ لَهُ.
وقالَ إسْحاقُ بْنُ بِشْرٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في الأنْبِياءِ، ثُمَّ عَمَّتْ. فَلُوطٌ أبُو بَناتٍ لَمْ يُولَدْ لَهُ ذُكُورٌ، وإبْراهِيمُ ضِدُّهُ، ومُحَمَّدٌ ﷺ وعَلَيْهِما - وُلِدَ لَهُ الصِّنْفانِ، ويَحْيى عَقِيمٌ. انْتَهى.
وذُكِرَ أيْضًا مَعَ لُوطٍ شُعَيْبٌ، ومَعَ يَحْيى عِيسى، وقَدَّمَ تَعالى هِبَةَ البَناتِ تَأْنِيسًا لَهُنَّ وتَشْرِيفًا لَهُنَّ، لِيُهْتَمَّ بِصَوْنِهِنَّ والإحْسانِ إلَيْهِنَّ.
وفِي الحَدِيثِ: «مَنِ ابْتُلِيَ بِشَيْءٍ مِن هَذِهِ البَناتِ فَأحْسَنَ إلَيْهِنَّ كُنَّ لَهُ سِتْرًا مِنَ النّارِ» .
وقالَ واثِلَةُ بْنُ الأسْقَعِ: مِن يُمْنِ المَرْأةِ تَبْكِيرُها بِالأُنْثى قَبْلَ الذَّكَرِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى بَدَأ بِالإناثِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): لِمَ قَدَّمَ الإناثَ عَلى الذُّكُورِ مَعَ تَقَدُّمِهِمْ عَلَيْهِنَّ، ثُمَّ رَجَعَ فَقَدَّمَهم ؟ ولِمَ عَرَّفَ الذُّكُورَ بَعْدَما نَكَّرَ الإناثَ ؟ (قُلْتُ): لِأنَّهُ ذَكَرَ البَلاءَ في آخِرِ الآيَةِ الأُولى. وكُفْرانُ الإنْسانِ: نِسْيانُهُ الرَّحْمَةَ السّابِقَةَ عِنْدَهُ.
ثُمَّ ذَكَّرَهُ بِذِكْرِ مُلْكِهِ ومَشِيئَتِهِ، وذِكْرِ قِسْمَةِ الأوْلادِ، فَقَدَّمَ الإناثَ؛ لِأنَّ سِياقَ الكَلامِ أنَّهُ فاعِلٌ ما يَشاؤُهُ، لا ما يَشاءُ الإنْسانُ، فَكانَ ذِكْرُ الإناثِ اللّائِي مِن جُمْلَةِ ما لا يَشاؤُهُ الإنْسانُ أهَمَّ، والأهَمُّ أوْجَبَ التَّقْدِيمَ.
والبَلاءُ: الجِنْسُ الَّذِي كانَتِ العَرَبُ تَعُدُّهُ بَلاءً، ذَكَرَ البَلاءَ وأخَّرَ الذُّكُورَ. فَلَمّا أخَّرَهم لِذَلِكَ تَدارَكَ تَأْخِيرَهُ، وهم أحَقُّ بِالتَّقْدِيمِ بِتَعْرِيفِهِمْ؛ لِأنَّ التَّعْرِيفَ تَنْوِيهٌ وتَشْهِيرٌ، كَأنَّهُ قالَ: ويَهَبُ لِمَن يَشاءُ الفَرِيقَيْنِ، الأعْلامُ المَذْكُورِينَ الَّذِينَ لا يَخْفَوْنَ عَلَيْكم. ثُمَّ أعْطى بَعْدَ ذَلِكَ كِلا الجِنْسَيْنِ حَظَّهُ مِنَ التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، وعِرْفانُ تَقْدِيمِهِنَّ لَمْ يَكُنْ لِتَقَدُّمِهِنَّ، ولَكِنْ لِمُقْتَضًى آخَرَ فَقالَ: ﴿ذُكْرانًا وإناثًا﴾، كَما قالَ: ﴿إنّا خَلَقْناكم مِن ذَكَرٍ وأُنْثى﴾ [الحجرات: ١٣]، ﴿فَجَعَلَ مِنهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ [القيامة: ٣٩] . انْتَهى.
وقِيلَ: بَدَأ بِالأُنْثى ثُمَّ ثَنّى بِالذَّكَرِ، لِتَنْقِلَهُ مِنَ الغَمِّ إلى الفَرَحِ. وقِيلَ: لِيَعْلَمَ أنَّهُ لا اعْتِراضَ عَلى اللَّهِ فَيَرْضى. (p-٥٢٦)فَإذا وهَبَ لَهُ الذَّكَرَ، عَلِمَ أنَّهُ زِيادَةٌ وفَضْلٌ مِنَ اللَّهِ وإحْسانٌ إلَيْهِ.
وقِيلَ: قَدَّمَها تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ إذا كانَ العَجْزُ والحاجَةُ لَهم، كانَتْ عِنايَةُ اللَّهِ أكْثَرَ.
وقالَ مُجاهِدٌ: هو أنْ تَلِدَ المَرْأةُ غُلامًا، ثُمَّ تَلِدُ جارِيَةً. وقالَ مُحَمَّدُ ابْنُ الحَنَفِيَّةِ: أنْ تَلِدَ تَوْأمًا، غُلامًا وجارِيَةً. وقالَ أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ: أوْ يُزَوِّجُهم ذُكْرانًا وإناثًا. قالَ عُلَماؤُنا: يَعْنِي آدَمَ، كانَتْ حَوّاءُ تَلِدُ لَهُ في كُلِّ بَطْنٍ تَوْأمَيْنِ، ذَكَرًا وأُنْثى؛ تُزَوِّجُ ذَكَرَ هَذا البَطْنِ أُنْثى البَطْنِ الآخَرِ. انْتَهى.
ولَمّا ذَكَرَ الهِبَةَ في الإناثِ، والهِبَةَ في الذُّكُورِ، اكْتَفى عَنْ ذِكْرِها في قَوْلِهِ: ﴿أوْ يُزَوِّجُهم ذُكْرانًا وإناثًا﴾ . ولَمّا كانَ العُقْمُ لَيْسَ بِمَحْمُودٍ قالَ: ﴿ويَجْعَلُ مَن يَشاءُ عَقِيمًا﴾، وهو قَسِيمٌ لِمَن يُولَدُ لَهُ. ولَمّا كانَتِ الخُنْثى مِمّا يُحْزَنُ بِوُجُودِهِ، لَمْ يَذْكُرْهُ تَعالى. قالُوا: وكانَتِ الخِلْقَةُ مُسْتَمِرَّةً، ذَكَرًا وأُنْثى، إلى أنْ وقَعَ في الجاهِلِيَّةِ الأُولى الخُنْثى، فَسُئِلَ فارِضُ العَرَبِ ومُعَمَّرُها عامِرُ بْنُ الظَّرِبِ عَنْ مِيراثِهِ، فَلَمْ يَدْرِ ما يَقُولُهُ وأرْجَأهم.
فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ، جَعَلَ يَتَقَلَّبُ وتَذْهَبُ بِهِ الأفْكارُ، وأنْكَرَتْ خادِمَتُهُ حالَهُ فَسَألَتْهُ، فَقالَ: بُهِرْتُ لِأمْرٍ لا أدْرِي ما أقُولُ فِيهِ، فَقالَتْ لَهُ: ما هو ؟ فَقالَ: شَخْصٌ لَهُ ذَكَرٌ وفَرْجٌ، كَيْفَ يَكُونُ حالُهُ في المِيراثِ ؟ قالَتْ لَهُ الأمَةُ: ورِّثْهُ مِن حَيْثُ يَبُولُ، فَعَقَلَها وأصْبَحَ فَعَرَضَها عَلَيْهِمْ، فَرَضُوا بِها.
وجاءَ الإسْلامُ عَلى ذَلِكَ، وقَضى بِذَلِكَ عَلِيٌّ، كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ، إنَّهُ عَلِيمٌ بِمَصالِحِ العِبادِ، قَدِيرٌ عَلى تَكْوِينِ ما يَشاءُ.
كانَ مِنَ الكُفّارِ خَوْضٌ في مَعْنى تَكْلِيمِ اللَّهِ مُوسى، فَذَهَبَتْ قُرَيْشٌ واليَهُودُ في ذَلِكَ إلى التَّجْسِيمِ، فَنَزَلَتْ. وقِيلَ: كانَتْ قُرَيْشُ تَقُولُ: ألا تُكَلِّمُ اللَّهَ وتَنْظُرُ إلَيْهِ إنْ كُنْتَ نَبِيًّا صادِقًا، كَما كَلَّمَهُ مُوسى ونَظَرَ إلَيْهِ ؟ فَقالَ لَهُمُ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: «لَمْ يَنْظُرْ مُوسى إلى اللَّهِ»، فَنَزَلَتْ: ﴿وما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ﴾، بَيانًا لِصُورَةِ تَكْلِيمِ اللَّهِ عِبادَهُ أيْ: ما يَنْبَغِي ولا يُمْكِنُ لِبَشَرٍ إلّا يُوحى إلَيْهِ أحَدُ وُجُوهِ الوَحْيِ مِنَ الإلْهامِ.
قالَ مُجاهِدٌ: أوِ النَّفْثُ في القَلْبِ. وقالَ النَّقّاشُ: أوْ وحْيٌ في المَنامِ. وقالَ النَّخَعِيُّ: كانَ في الأنْبِياءِ مَن يُخَطُّ لَهُ في الأرْضِ، أوْ بِأنْ يُسْمِعَهُ كَلامَهُ دُونَ أنْ يَعْرِفَ هو لِلْمُتَكَلِّمِ جِهَةً ولا حَيِّزًا، كَمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وهَذا مَعْنى ﴿مِن وراءِ حِجابٍ﴾ أيْ: مِن خَفاءٍ عَنِ المُتَكَلِّمِ، لا يَحُدُّهُ ولا يَتَصَوَّرُ بِذِهْنِهِ عَلَيْهِ، ولَيْسَ كالحِجابِ في المُشاهَدِ، أوْ بِأنْ يُرْسِلَ إلَيْهِ مَلَكًا يُشافِهُهُ بِوَحْيِ اللَّهِ تَعالى، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وما صَحَّ لِأحَدٍ مِنَ البَشَرِ أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلّا عَلى ثَلاثَةِ أوْجُهٍ:
إمّا عَلى طَرِيقِ الوَحْيِ، وهو الإلْهامُ والقَذْفُ في القَلْبِ والمَنامِ، كَما أوْحى إلى أُمِّ مُوسى وإلى إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في ذَبْحِ ولَدِهِ.
وعَنْ مُجاهِدٍ: أوْحى اللَّهُ الزَّبُورَ إلى داوُدَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في صَدْرِهِ، قالَ عَبِيدُ بْنُ الأبْرَصِ:
؎وأوْحى إلَيَّ اللَّهُ أنْ قَدْ تَأمَّرُوا بِابْنِ أبِي أوْفى فَقُمْتُ عَلى رَجْلِ
أيْ: ألْهَمَنِي وقَذَفَ في قَلْبِي. وإمّا عَلى أنْ يُسْمِعَهُ كَلامَهُ الَّذِي يَخْلُقُهُ في بَعْضِ الأجْرامِ مِن غَيْرِ أنْ يُبْصِرَ السّامِعُ مَن يُكَلِّمُهُ؛ لِأنَّهُ في ذاتِهِ غَيْرُ مَرْئِيٍّ.
وقَوْلُهُ: ﴿مِن وراءِ حِجابٍ﴾ مَثَلٌ، أيْ: كَما يُكَلِّمُ المَلِكُ المُحْتَجِبُ بَعْضَ خَواصِّهِ، وهو مِن وراءِ حِجابٍ، فَيَسْمَعُ صَوْتَهُ ولا يَرى شَخْصَهُ، وذَلِكَ كَما كَلَّمَ اللَّهُ مُوسى ويُكَلِّمُ المَلائِكَةَ. وإمّا عَلى أنْ يُرْسِلَ إلَيْهِ رَسُولًا مِنَ المَلائِكَةِ فَيُوحِي المَلَكُ إلَيْهِ، كَما كَلَّمَ الأنْبِياءَ غَيْرَ مُوسى. انْتَهى.
وهُوَ عَلى طَرِيقِ المُعْتَزِلَةِ في اسْتِحالَةِ رُؤْيَةِ اللَّهِ تَعالى ونَفْيِ الكَلامِ الحَقِيقِيِّ عَنِ اللَّهِ.
وكُلُّ هَذِهِ الأقْسامِ الثَّلاثَةِ يَصْدُقُ عَلَيْها أنَّها وحَيٌّ، وخُصَّ الأوَّلُ بِاسْمِ الوَحْيِ هُنا؛ لِأنَّ ما يَقَعُ في القَلْبِ عَلى سَبِيلِ الإلْهامِ يَقَعُ دَفْعَةً واحِدَةً، فَكانَ تَخْصِيصُ لَفْظِ الوَحْيِ بِهِ أوْلى.
وقِيلَ: (وحْيًا) كَما أوْحى إلى الرُّسُلِ بِواسِطَةِ المَلائِكَةِ ﴿أوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾ أيْ: نَبِيًّا، كَما كَلَّمَ أُمَمَ الأنْبِياءِ عَلى ألْسِنَتِهِمْ، حَكاهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وتَرَكَ تَفْسِيرَ ﴿أوْ مِن وراءِ حِجابٍ﴾، ومَعْناهُ في هَذا القَوْلِ: كَما كَلَّمَ مُحَمَّدًا ومُوسى ﷺ .
(p-٥٢٧)وقَرَأ الجُمْهُورُ: (حِجابٍ)، مُفْرَدًا؛ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: حُجُبٍ جَمْعًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِنَصْبِ الفِعْلَيْنِ، عَطَفَ (أوْ يُرْسِلَ) عَلى المُضْمَرِ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ ﴿مِن وراءِ حِجابٍ﴾ تَقْدِيرُهُ: أوْ يُكَلِّمَهُ مِن وراءِ حِجابٍ، وهَذا المُضْمَرُ مَعْطُوفٌ عَلى (وحْيًا) والمَعْنى: إلّا بِوَحْيٍ أوْ سَماعٍ مِن وراءِ حِجابٍ، أوْ إرْسالِ رَسُولٍ فَيُوحِي ذَلِكَ الرَّسُولُ إلى النَّبِيِّ الَّذِي أُرْسِلَ عَنْهُ بِإذْنِ اللَّهِ ما يَشاءُ، ولا يَجُوزُ أنْ يُعْطَفَ (أوْ يُرْسِلَ) عَلى ﴿أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ﴾ لِفَسادِ المَعْنى.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: و(وحْيًا) و(أنْ يُرْسِلَ) مَصْدَرانِ واقِعانِ مَوْقِعَ الحالِ؛ لِأنَّ أنْ يُرْسِلَ في مَعْنى إرْسالًا، و﴿مِن وراءِ حِجابٍ﴾ ظَرْفٌ واقِعٌ مَوْقِعَ الحالِ أيْضًا، كَقَوْلِهِ: ﴿وعَلى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٩١]، والتَّقْدِيرُ: وما صَحَّ أنْ يُكَلِّمَ أحَدًا إلّا مُوحِيًا أوْ مُسْمِعًا مِن وراءِ حِجابٍ، أوْ مُرْسِلًا. انْتَهى.
أمّا وُقُوعُ المَصْدَرِ مَوْقِعَ الحالِ، فَلا يَنْقاسُ، وإنَّما قالَتْهُ العَرَبُ. وكَذَلِكَ لا يَجُوزُ: جاءَ زَيْدٌ بُكاءً، تُرِيدُ باكِيًا، وقاسَ مِنهُ المُبَرِّدُ ما كانَ مِنهُ نَوْعًا لِلْفِعْلِ، نَحْوُ: جاءَ زَيْدٌ مَشْيًا أوْ سُرْعَةً، ومَنَعَ سِيبَوَيْهِ أنْ يَقَعَ أنْ والفِعْلُ المُقَدَّرُ بِالمَصْدَرِ مَوْقِعَ الحالِ، فَلا يَجُوزُ، نَحْوُ: جاءَ زَيْدٌ أنْ يَضْحَكَ في مَعْنى ضَحِكًا الواقِعِ مَوْقِعَ ضاحِكًا، فَجَعْلُهُ وحْيًا مَصْدَرًا في مَوْضِعِ الحالِ مِمّا لا يَنْقاسُ، وأنَّ (يُرْسِلَ) في مَعْنى إرْسالًا الواقِعِ مَوْقِعَ مُرْسِلًا مَمْنُوعٌ بِنَصِّ سِيبَوَيْهِ. وقَرَأ نافِعٌ وأهْلُ المَدِينَةِ ﴿أوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ﴾ بِالرَّفْعِ فِيهِما، فَخَرَجَ عَلى إضْمارِ هو يُرْسِلُ، أوْ عَلى ما يَتَعَلَّقُ بِهِ (مِن وراءِ) إذْ تَقْدِيرُهُ: أوْ يَسْمَعُ مِن وراءِ حِجابٍ، (ووَحْيًا) مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ، عُطِفَ عَلَيْهِ ذَلِكَ المُقَدَّرُ المَعْطُوفُ عَلَيْهِ، (أوْ يُرْسِلَ) والتَّقْدِيرُ: إلّا مُوحِيًا أوْ مُسْمِعًا مِن وراءِ حِجابٍ، أوْ مُرْسِلًا، وإسْنادُ التَّكَلُّمِ إلى اللَّهِ بِكَوْنِهِ أرْسَلَ رَسُولًا مَجازٌ، كَما تَقُولُ: نادى المَلِكُ في النّاسِ بِكَذا، وإنَّما نادى الرِّيحُ، الدّائِرُ في الأسْواقِ، نَزَّلَ ما كانَ بِواسِطَةٍ مَنزِلَةَ ما كانَ بِغَيْرِ واسِطَةٍ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وفي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الرِّسالَةَ مِن أنْواعِ التَّكَلُّمِ، وأنَّ الحالِفَ الرُّسُلُ، كانَتْ إذا حَلَفَ أنْ لا يُكَلِّمَ إنْسانًا فَأرْسَلَ إلَيْهِ، وهو لَمْ يَنْوِ المُشافَهَةَ وقْتَ يَمِينِهِ. انْتَهى.
(إنَّهُ عَلِيٌّ) أيْ: عَلِيٌّ عَنْ صِفاتِ المَخْلُوقِينَ، (حَكِيمٌ): تَجْرِي أفْعالُهُ عَلى ما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ، يُكَلِّمُ بِواسِطَةٍ وبِغَيْرِ واسِطَةٍ.
﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا﴾ أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ الإيحاءِ الفَصْلِ أوْحَيْنا إلَيْكَ، إذْ كانَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ اجْتَمَعَتْ لَهُ الطُّرُقُ الثَّلاثُ: النَّفْثُ في الرَّوْعِ والمَنامِ، وتَكْلِيمُ اللَّهِ لَهُ حَقِيقَةً لَيْلَةَ الإسْراءِ، وإرْسالُ رَسُولٍ إلَيْهِ، وهو جِبْرِيلُ. وقِيلَ: كَما أوْحَيْنا إلى الأنْبِياءِ قَبْلَكَ، ﴿أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا﴾ . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: النُّبُوَّةَ. وقالَ السُّدِّيُّ: الوَحْيَ؛ وقالَ قَتادَةُ: رَحْمَةً؛ وقالَ الكَلْبِيُّ: كِتابًا؛ وقالَ الرَّبِيعُ: جِبْرِيلَ؛ وقِيلَ: القُرْآنُ؛ وسَمّى ما أوْحى إلَيْهِ رُوحًا؛ لِأنَّ بِهِ الحَياةَ مِنَ الجَهْلِ.
وقالَ مالِكُ بْنُ دِينارٍ: يا أهْلَ القُرْآنِ، ماذا زَرَعَ القُرْآنُ في قُلُوبِكم ؟ فَإنَّ القُرْآنَ رَبِيعُ القُلُوبِ، كَما أنَّ العُشْبَ رَبِيعُ الأرْضِ.
﴿ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ ولا الإيمانُ﴾: تَوْقِيفٌ عَلى عِظَمِ المِنَّةِ، وهو ﷺ أعْلَمُ النّاسِ بِها، وعَطَفَ ﴿ولا الإيمانُ﴾ عَلى ﴿ما الكِتابُ﴾، وإنَّما مَعْناهُ: الإيمانُ الَّذِي يُدْرِكُهُ السَّمْعُ؛ لِأنَّ لَنا أشْياءَ مِنَ الإيمانِ لا تُعْلَمُ إلّا بِالوَحْيِ.
أمّا تَوْحِيدُ اللَّهِ وبَراءَتُهُ عَنِ النَّقائِصِ، ومَعْرِفَةُ صِفاتِهِ العُلا، فَجَمِيعُ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - عالِمُونَ ذَلِكَ، مَعْصُومُونَ أنْ يَقَعَ مِنهم زَلَلٌ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ، سابِقٌ لَهم عِلْمُ ذَلِكَ قَبْلَ أنْ يُوحِيَ إلَيْهِمْ. وقَدْ أطْلَقَ الإيمانَ عَلى الصَّلاةِ في قَوْلِهِ: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣]، إذْ هي بَعْضُ ما يَتَناوَلُهُ الإيمانُ.
ومَن طالَعَ سِيَرَ الأنْبِياءِ مِن (p-٥٢٨)نَشْأتِهِمْ إلى مَبْعَثِهِمْ، تَحَقَّقَ عِنْدَهُ أنَّهم مَعْصُومُونَ مِن كُلِّ نَقِيصَةٍ، مُوَحِّدُونَ لِلَّهِ مُنْذُ نَشَئُوا.
قالَ اللَّهُ تَعالى في حَقِّ يَحْيى - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿وآتَيْناهُ الحُكْمَ صَبِيًّا﴾ [مريم: ١٢] . قالَ مَعْمَرٌ: كانَ ابْنَ سَنَتَيْنِ أوْ ثَلاثٍ.
وعَنْ أبِي العالِيَةِ: ما كُنْتَ تَدْرِي قَبْلَ الوَحْيِ أنْ تَقْرَأ القُرْآنَ، ولا كَيْفَ تَدْعُو الخَلْقَ إلى الإيمانِ.
وقالَ القاضِي: ﴿ولا الإيمانُ﴾: الفَرائِضُ والأحْكامُ. قالَ: وكانَ قَبْلُ مُؤْمِنًا بِتَوْحِيدِ اللَّهِ، ثُمَّ نَزَلَتِ الفَرائِضُ الَّتِي لَمْ يَكُنْ يَدْرِيها قَبْلُ، فَزادَ بِالتَّكْلِيفِ إيمانًا.
وقالَ القُشَيْرِيُّ: يَجُوزُ إطْلاقُ الإيمانِ عَلى تَفاصِيلِ الشَّرْعِ. وقالَ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ: هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: ولا أهْلُ الإيمانِ مِنَ الَّذِي يُؤْمِنُ أبُو طالِبٍ أوِ العَبّاسُ أوْ غَيْرُهُما. وقالَ عَلِيُّ بْنُ عِيسى: إذْ كُنْتَ في المَهْدِ.
وقِيلَ: ما الكِتابُ لَوْلا إنْعامُنا عَلَيْكَ، ولا الإيمانُ لَوْلا هِدايَتُنا لَكَ. وقِيلَ: أيْ كُنْتَ مِن قَوْمٍ أُمِّيِّينَ لا يَعْرِفُونَ الإيمانَ ولا الكِتابَ، فَتَكُونُ أخَذْتَ ما جِئْتَهم بِهِ عَمَّنْ كانَ يَعْلَمُ ذَلِكَ مِنهم.
﴿ما الكِتابُ﴾ جُمْلَةٌ اسْتِفْهامِيَّةٌ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، وهي في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ (تَدْرِي) وهي مُعَلَّقَةٌ.
﴿ولَكِنْ جَعَلْناهُ نُورًا﴾: يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ إلى قَوْلِهِ: (رُوحًا)، وإلى (كِتابُ)، وإلى (الإيمانُ)، وهو أقْرَبُ مَذْكُورٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: عائِدٌ عَلى الكِتابِ. انْتَهى.
وقِيلَ: يَعُودُ إلى الكِتابِ والإيمانِ مَعًا؛ لِأنَّ مَقْصِدَهُما واحِدٌ، فَهو نَظِيرُ: ﴿واللَّهُ ورَسُولُهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢] . وقَرَأ الجُمْهُورُ: (لَتَهْدِي)، مُضارِعُ هَدى مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ؛ وحَوْشَبٌ: مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، إجابَةَ سُؤالِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦] . وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْقَعِ (لَتُهْدِي) بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ الدّالِ؛ وعَنِ الجَحْدَرِيِّ مِثْلُها، ومِثْلُ قِراءَةِ حَوْشَبٍ.
(صِراطٍ مُّسْتَقِيمٍ)، قالَ عَلِيٌّ: هو القُرْآنُ؛ وقِيلَ: الإسْلامُ.
﴿ألا إلى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ﴾: أخْبَرَ بِالمُضارِعِ، والمُرادُ بِهِ الدَّيْمُومَةُ، كَقَوْلِهِ: زَيْدٌ يُعْطِي ويَمْنَعُ، أيْ: مِن شَأْنِهِ ذَلِكَ، ولا يُرادُ بِهِ حَقِيقَةُ المُسْتَقْبَلِ، أيْ: تُرَدُّ جَمِيعُ أُمُورِ الخَلْقِ إلَيْهِ تَعالى يَوْمَ القِيامَةِ فَيَقْضِي بَيْنَهم بِالعَدْلِ، وخُصَّ ذَلِكَ بِيَوْمِ القِيامَةِ؛ لِأنَّهُ لا يُمْكِنُ لِأحَدٍ أنْ يَدَّعِيَ فِيهِ لِنَفْسِهِ شَيْئًا، قالَهُ الفَرّاءُ.
الشورى 42:49
﴿وقالَ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ الخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ ألا إنَّ الظّالِمِينَ في عَذابٍ مُقِيمٍ﴾ ﴿وما كانَ لَهم مِن أوْلِياءَ يَنْصُرُونَهم مِن دُونِ اللَّهِ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن سَبِيلٍ﴾ ﴿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكم مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ ما لَكم مِن مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وما لَكم مِن نَكِيرٍ﴾ ﴿فَإنْ أعْرَضُوا فَما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إنْ عَلَيْكَ إلّا البَلاغُ وإنّا إذا أذَقْنا الإنْسانَ مِنّا رَحْمَةً فَرِحَ بِها وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ فَإنَّ الإنْسانَ كَفُورٌ﴾ ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ يَخْلُقُ ما يَشاءُ يَهَبُ لِمَن يَشاءُ إناثًا ويَهَبُ لِمَن يَشاءُ الذُّكُورَ﴾ ﴿أوْ يُزَوِّجُهم ذُكْرانًا وإناثًا ويَجْعَلُ مَن يَشاءُ عَقِيمًا إنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ ﴿وما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلّا وحْيًا أوْ مِن وراءِ حِجابٍ أوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإذْنِهِ ما يَشاءُ إنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ ﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ ولا الإيمانُ ولَكِنْ جَعَلْناهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَن نَشاءُ مِن عِبادِنا وإنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿صِراطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ ألا إلى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ﴾ .
(p-٥٢٥)الظّاهِرُ أنَّ (وقالَ) ماضٍ لَفْظًا ومَعْنًى، أيْ: ﴿وقالَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ في الحَياةِ الدُّنْيا، ويَكُونُ (يَوْمَ القِيامَةِ) مَعْمُولًا لِـ (خَسِرُوا)، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْنى (وقالَ): ويَقُولُ، و(يَوْمَ القِيامَةِ) مَعْمُولُ لَوْ يَقُولُوا، أيْ: ويَقُولُوا في ذَلِكَ اليَوْمِ لَمّا عايَنُوا ما حَلَّ بِالكُفّارِ وأهْلِيهِمْ.
الظّاهِرُ أنَّهُمُ الَّذِينَ كانُوا أهْلِيهِمْ في الدُّنْيا، فَإنْ كانُوا مَعَهم في النّارِ فَقَدْ خَسِرُوهم، أيْ: لا يَنْتَفِعُونَ بِهِمْ؛ وإنْ كانُوا في الجَنَّةِ لِكَوْنِهِمْ كانُوا مُؤْمِنِينَ، كَآسِيَةَ امْرَأةِ فِرْعَوْنَ، فَهم لا يَنْتَفِعُونَ بِهِمْ أيْضًا. وقِيلَ: أهْلُوهم ما كانَ أُعِدَّ لَهم مِنَ الحُورِ لَوْ كانُوا آمَنُوا، والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ألا إنَّ الظّالِمِينَ في عَذابٍ مُقِيمٍ﴾ مِن كَلامِ المُؤْمِنِينَ؛ وقِيلَ: اسْتِئْنافُ إخْبارٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى.
﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ﴾، قِيلَ: هو يَوْمُ وُرُودِ المَوْتِ، والظّاهِرُ أنَّهُ يَوْمُ القِيامَةِ. و(مِنَ اللَّهِ) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما مَرَّ، أيْ: لا يَرِدُ ذَلِكَ اليَوْمَ مِن ما حَكَمَ اللَّهُ بِهِ فِيهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (مِنَ اللَّهِ): مِن صِلَةُ (لا مَرَدَّ) . انْتَهى.
ولَيْسَ الجَيِّدُ، إذْ لَوْ كانَ مِن صِلَتِهِ لَكانَ مَعْمُولًا لَهُ، فَكانَ يَكُونُ مُعْرَبًا مُنَوَّنًا. وقِيلَ: (مِنَ اللَّهِ) يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ: (يَأْتِيَ)، مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ مِنَ اللَّهِ يَوْمٌ لا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى رَدِّهِ.
(ما لَكم مِن مَلْجَإٍ) تَلْجَأُونَ إلَيْهِ، فَتَتَخَلَّصُونَ مِنَ العَذابِ، وما لَكم مِن إنْكارِ شَيْءٍ مِن أعْمالِكُمُ الَّتِي تُورِدُكُمُ النّارَ، والنَّكِيرُ مَصْدَرُ أنْكَرَ عَلى غَيْرِ قِياسٍ.
قِيلَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْمَ فاعِلٍ لِلْمُبالَغَةِ، وفِيهِ بُعْدٌ؛ لِأنَّ نَكَرَ مَعْناهُ لَمْ يُمَيِّزْ.
(فَإنْ أعْرَضُوا) الآيَةَ: تَسْلِيَةٌ لِلرَّسُولِ وتَأْنِيسٌ لَهُ، وإزالَةٌ لِهَمِّهِ بِهِمْ. والإنْسانُ: يُرادُ بِهِ الجِنْسُ، ولِذَلِكَ جاءَ: ﴿وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ﴾ . وجاءَ جَوابُ الشَّرْطِ ﴿فَإنَّ الإنْسانَ﴾ ولَمْ يَأْتِ فَإنَّهُ، ولا فَإنَّهم، لِيَدُلَّ عَلى أنَّ هَذا الجِنْسَ مَوْسُومٌ بِكُفْرانِ النِّعَمِ، كَما قالَ: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَظَلُومٌ كَفّارٌ﴾ [إبراهيم: ٣٤]، ﴿إنَّ الإنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ [العاديات: ٦] .
ولَمّا ذَكَرَ أنَّهُ يَكْفُرُ النِّعَمَ، أتْبَعَ ذَلِكَ بِأنَّ لَهُ مُلْكَ العالَمِ العُلْوِيِّ والسُّفْلِيِّ، وأنَّهُ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ، ونَبَّهَ عَلى عَظِيمِ قُدْرَتِهِ، وأنَّ الكائِناتِ ناشِئَةٌ عَنْ إرادَتِهِ، فَذَكَرَ أنَّهُ يَهَبُ لِبَعْضٍ إناثًا، ولِبَعْضٍ ذُكُورًا، ولِبَعْضٍ الصِّنْفَيْنِ، ويَعْقِمُ بَعْضًا فَلا يُولَدُ لَهُ.
وقالَ إسْحاقُ بْنُ بِشْرٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في الأنْبِياءِ، ثُمَّ عَمَّتْ. فَلُوطٌ أبُو بَناتٍ لَمْ يُولَدْ لَهُ ذُكُورٌ، وإبْراهِيمُ ضِدُّهُ، ومُحَمَّدٌ ﷺ وعَلَيْهِما - وُلِدَ لَهُ الصِّنْفانِ، ويَحْيى عَقِيمٌ. انْتَهى.
وذُكِرَ أيْضًا مَعَ لُوطٍ شُعَيْبٌ، ومَعَ يَحْيى عِيسى، وقَدَّمَ تَعالى هِبَةَ البَناتِ تَأْنِيسًا لَهُنَّ وتَشْرِيفًا لَهُنَّ، لِيُهْتَمَّ بِصَوْنِهِنَّ والإحْسانِ إلَيْهِنَّ.
وفِي الحَدِيثِ: «مَنِ ابْتُلِيَ بِشَيْءٍ مِن هَذِهِ البَناتِ فَأحْسَنَ إلَيْهِنَّ كُنَّ لَهُ سِتْرًا مِنَ النّارِ» .
وقالَ واثِلَةُ بْنُ الأسْقَعِ: مِن يُمْنِ المَرْأةِ تَبْكِيرُها بِالأُنْثى قَبْلَ الذَّكَرِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى بَدَأ بِالإناثِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): لِمَ قَدَّمَ الإناثَ عَلى الذُّكُورِ مَعَ تَقَدُّمِهِمْ عَلَيْهِنَّ، ثُمَّ رَجَعَ فَقَدَّمَهم ؟ ولِمَ عَرَّفَ الذُّكُورَ بَعْدَما نَكَّرَ الإناثَ ؟ (قُلْتُ): لِأنَّهُ ذَكَرَ البَلاءَ في آخِرِ الآيَةِ الأُولى. وكُفْرانُ الإنْسانِ: نِسْيانُهُ الرَّحْمَةَ السّابِقَةَ عِنْدَهُ.
ثُمَّ ذَكَّرَهُ بِذِكْرِ مُلْكِهِ ومَشِيئَتِهِ، وذِكْرِ قِسْمَةِ الأوْلادِ، فَقَدَّمَ الإناثَ؛ لِأنَّ سِياقَ الكَلامِ أنَّهُ فاعِلٌ ما يَشاؤُهُ، لا ما يَشاءُ الإنْسانُ، فَكانَ ذِكْرُ الإناثِ اللّائِي مِن جُمْلَةِ ما لا يَشاؤُهُ الإنْسانُ أهَمَّ، والأهَمُّ أوْجَبَ التَّقْدِيمَ.
والبَلاءُ: الجِنْسُ الَّذِي كانَتِ العَرَبُ تَعُدُّهُ بَلاءً، ذَكَرَ البَلاءَ وأخَّرَ الذُّكُورَ. فَلَمّا أخَّرَهم لِذَلِكَ تَدارَكَ تَأْخِيرَهُ، وهم أحَقُّ بِالتَّقْدِيمِ بِتَعْرِيفِهِمْ؛ لِأنَّ التَّعْرِيفَ تَنْوِيهٌ وتَشْهِيرٌ، كَأنَّهُ قالَ: ويَهَبُ لِمَن يَشاءُ الفَرِيقَيْنِ، الأعْلامُ المَذْكُورِينَ الَّذِينَ لا يَخْفَوْنَ عَلَيْكم. ثُمَّ أعْطى بَعْدَ ذَلِكَ كِلا الجِنْسَيْنِ حَظَّهُ مِنَ التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، وعِرْفانُ تَقْدِيمِهِنَّ لَمْ يَكُنْ لِتَقَدُّمِهِنَّ، ولَكِنْ لِمُقْتَضًى آخَرَ فَقالَ: ﴿ذُكْرانًا وإناثًا﴾، كَما قالَ: ﴿إنّا خَلَقْناكم مِن ذَكَرٍ وأُنْثى﴾ [الحجرات: ١٣]، ﴿فَجَعَلَ مِنهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ [القيامة: ٣٩] . انْتَهى.
وقِيلَ: بَدَأ بِالأُنْثى ثُمَّ ثَنّى بِالذَّكَرِ، لِتَنْقِلَهُ مِنَ الغَمِّ إلى الفَرَحِ. وقِيلَ: لِيَعْلَمَ أنَّهُ لا اعْتِراضَ عَلى اللَّهِ فَيَرْضى. (p-٥٢٦)فَإذا وهَبَ لَهُ الذَّكَرَ، عَلِمَ أنَّهُ زِيادَةٌ وفَضْلٌ مِنَ اللَّهِ وإحْسانٌ إلَيْهِ.
وقِيلَ: قَدَّمَها تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ إذا كانَ العَجْزُ والحاجَةُ لَهم، كانَتْ عِنايَةُ اللَّهِ أكْثَرَ.
وقالَ مُجاهِدٌ: هو أنْ تَلِدَ المَرْأةُ غُلامًا، ثُمَّ تَلِدُ جارِيَةً. وقالَ مُحَمَّدُ ابْنُ الحَنَفِيَّةِ: أنْ تَلِدَ تَوْأمًا، غُلامًا وجارِيَةً. وقالَ أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ: أوْ يُزَوِّجُهم ذُكْرانًا وإناثًا. قالَ عُلَماؤُنا: يَعْنِي آدَمَ، كانَتْ حَوّاءُ تَلِدُ لَهُ في كُلِّ بَطْنٍ تَوْأمَيْنِ، ذَكَرًا وأُنْثى؛ تُزَوِّجُ ذَكَرَ هَذا البَطْنِ أُنْثى البَطْنِ الآخَرِ. انْتَهى.
ولَمّا ذَكَرَ الهِبَةَ في الإناثِ، والهِبَةَ في الذُّكُورِ، اكْتَفى عَنْ ذِكْرِها في قَوْلِهِ: ﴿أوْ يُزَوِّجُهم ذُكْرانًا وإناثًا﴾ . ولَمّا كانَ العُقْمُ لَيْسَ بِمَحْمُودٍ قالَ: ﴿ويَجْعَلُ مَن يَشاءُ عَقِيمًا﴾، وهو قَسِيمٌ لِمَن يُولَدُ لَهُ. ولَمّا كانَتِ الخُنْثى مِمّا يُحْزَنُ بِوُجُودِهِ، لَمْ يَذْكُرْهُ تَعالى. قالُوا: وكانَتِ الخِلْقَةُ مُسْتَمِرَّةً، ذَكَرًا وأُنْثى، إلى أنْ وقَعَ في الجاهِلِيَّةِ الأُولى الخُنْثى، فَسُئِلَ فارِضُ العَرَبِ ومُعَمَّرُها عامِرُ بْنُ الظَّرِبِ عَنْ مِيراثِهِ، فَلَمْ يَدْرِ ما يَقُولُهُ وأرْجَأهم.
فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ، جَعَلَ يَتَقَلَّبُ وتَذْهَبُ بِهِ الأفْكارُ، وأنْكَرَتْ خادِمَتُهُ حالَهُ فَسَألَتْهُ، فَقالَ: بُهِرْتُ لِأمْرٍ لا أدْرِي ما أقُولُ فِيهِ، فَقالَتْ لَهُ: ما هو ؟ فَقالَ: شَخْصٌ لَهُ ذَكَرٌ وفَرْجٌ، كَيْفَ يَكُونُ حالُهُ في المِيراثِ ؟ قالَتْ لَهُ الأمَةُ: ورِّثْهُ مِن حَيْثُ يَبُولُ، فَعَقَلَها وأصْبَحَ فَعَرَضَها عَلَيْهِمْ، فَرَضُوا بِها.
وجاءَ الإسْلامُ عَلى ذَلِكَ، وقَضى بِذَلِكَ عَلِيٌّ، كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ، إنَّهُ عَلِيمٌ بِمَصالِحِ العِبادِ، قَدِيرٌ عَلى تَكْوِينِ ما يَشاءُ.
كانَ مِنَ الكُفّارِ خَوْضٌ في مَعْنى تَكْلِيمِ اللَّهِ مُوسى، فَذَهَبَتْ قُرَيْشٌ واليَهُودُ في ذَلِكَ إلى التَّجْسِيمِ، فَنَزَلَتْ. وقِيلَ: كانَتْ قُرَيْشُ تَقُولُ: ألا تُكَلِّمُ اللَّهَ وتَنْظُرُ إلَيْهِ إنْ كُنْتَ نَبِيًّا صادِقًا، كَما كَلَّمَهُ مُوسى ونَظَرَ إلَيْهِ ؟ فَقالَ لَهُمُ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: «لَمْ يَنْظُرْ مُوسى إلى اللَّهِ»، فَنَزَلَتْ: ﴿وما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ﴾، بَيانًا لِصُورَةِ تَكْلِيمِ اللَّهِ عِبادَهُ أيْ: ما يَنْبَغِي ولا يُمْكِنُ لِبَشَرٍ إلّا يُوحى إلَيْهِ أحَدُ وُجُوهِ الوَحْيِ مِنَ الإلْهامِ.
قالَ مُجاهِدٌ: أوِ النَّفْثُ في القَلْبِ. وقالَ النَّقّاشُ: أوْ وحْيٌ في المَنامِ. وقالَ النَّخَعِيُّ: كانَ في الأنْبِياءِ مَن يُخَطُّ لَهُ في الأرْضِ، أوْ بِأنْ يُسْمِعَهُ كَلامَهُ دُونَ أنْ يَعْرِفَ هو لِلْمُتَكَلِّمِ جِهَةً ولا حَيِّزًا، كَمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وهَذا مَعْنى ﴿مِن وراءِ حِجابٍ﴾ أيْ: مِن خَفاءٍ عَنِ المُتَكَلِّمِ، لا يَحُدُّهُ ولا يَتَصَوَّرُ بِذِهْنِهِ عَلَيْهِ، ولَيْسَ كالحِجابِ في المُشاهَدِ، أوْ بِأنْ يُرْسِلَ إلَيْهِ مَلَكًا يُشافِهُهُ بِوَحْيِ اللَّهِ تَعالى، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وما صَحَّ لِأحَدٍ مِنَ البَشَرِ أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلّا عَلى ثَلاثَةِ أوْجُهٍ:
إمّا عَلى طَرِيقِ الوَحْيِ، وهو الإلْهامُ والقَذْفُ في القَلْبِ والمَنامِ، كَما أوْحى إلى أُمِّ مُوسى وإلى إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في ذَبْحِ ولَدِهِ.
وعَنْ مُجاهِدٍ: أوْحى اللَّهُ الزَّبُورَ إلى داوُدَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في صَدْرِهِ، قالَ عَبِيدُ بْنُ الأبْرَصِ:
؎وأوْحى إلَيَّ اللَّهُ أنْ قَدْ تَأمَّرُوا بِابْنِ أبِي أوْفى فَقُمْتُ عَلى رَجْلِ
أيْ: ألْهَمَنِي وقَذَفَ في قَلْبِي. وإمّا عَلى أنْ يُسْمِعَهُ كَلامَهُ الَّذِي يَخْلُقُهُ في بَعْضِ الأجْرامِ مِن غَيْرِ أنْ يُبْصِرَ السّامِعُ مَن يُكَلِّمُهُ؛ لِأنَّهُ في ذاتِهِ غَيْرُ مَرْئِيٍّ.
وقَوْلُهُ: ﴿مِن وراءِ حِجابٍ﴾ مَثَلٌ، أيْ: كَما يُكَلِّمُ المَلِكُ المُحْتَجِبُ بَعْضَ خَواصِّهِ، وهو مِن وراءِ حِجابٍ، فَيَسْمَعُ صَوْتَهُ ولا يَرى شَخْصَهُ، وذَلِكَ كَما كَلَّمَ اللَّهُ مُوسى ويُكَلِّمُ المَلائِكَةَ. وإمّا عَلى أنْ يُرْسِلَ إلَيْهِ رَسُولًا مِنَ المَلائِكَةِ فَيُوحِي المَلَكُ إلَيْهِ، كَما كَلَّمَ الأنْبِياءَ غَيْرَ مُوسى. انْتَهى.
وهُوَ عَلى طَرِيقِ المُعْتَزِلَةِ في اسْتِحالَةِ رُؤْيَةِ اللَّهِ تَعالى ونَفْيِ الكَلامِ الحَقِيقِيِّ عَنِ اللَّهِ.
وكُلُّ هَذِهِ الأقْسامِ الثَّلاثَةِ يَصْدُقُ عَلَيْها أنَّها وحَيٌّ، وخُصَّ الأوَّلُ بِاسْمِ الوَحْيِ هُنا؛ لِأنَّ ما يَقَعُ في القَلْبِ عَلى سَبِيلِ الإلْهامِ يَقَعُ دَفْعَةً واحِدَةً، فَكانَ تَخْصِيصُ لَفْظِ الوَحْيِ بِهِ أوْلى.
وقِيلَ: (وحْيًا) كَما أوْحى إلى الرُّسُلِ بِواسِطَةِ المَلائِكَةِ ﴿أوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾ أيْ: نَبِيًّا، كَما كَلَّمَ أُمَمَ الأنْبِياءِ عَلى ألْسِنَتِهِمْ، حَكاهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وتَرَكَ تَفْسِيرَ ﴿أوْ مِن وراءِ حِجابٍ﴾، ومَعْناهُ في هَذا القَوْلِ: كَما كَلَّمَ مُحَمَّدًا ومُوسى ﷺ .
(p-٥٢٧)وقَرَأ الجُمْهُورُ: (حِجابٍ)، مُفْرَدًا؛ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: حُجُبٍ جَمْعًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِنَصْبِ الفِعْلَيْنِ، عَطَفَ (أوْ يُرْسِلَ) عَلى المُضْمَرِ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ ﴿مِن وراءِ حِجابٍ﴾ تَقْدِيرُهُ: أوْ يُكَلِّمَهُ مِن وراءِ حِجابٍ، وهَذا المُضْمَرُ مَعْطُوفٌ عَلى (وحْيًا) والمَعْنى: إلّا بِوَحْيٍ أوْ سَماعٍ مِن وراءِ حِجابٍ، أوْ إرْسالِ رَسُولٍ فَيُوحِي ذَلِكَ الرَّسُولُ إلى النَّبِيِّ الَّذِي أُرْسِلَ عَنْهُ بِإذْنِ اللَّهِ ما يَشاءُ، ولا يَجُوزُ أنْ يُعْطَفَ (أوْ يُرْسِلَ) عَلى ﴿أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ﴾ لِفَسادِ المَعْنى.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: و(وحْيًا) و(أنْ يُرْسِلَ) مَصْدَرانِ واقِعانِ مَوْقِعَ الحالِ؛ لِأنَّ أنْ يُرْسِلَ في مَعْنى إرْسالًا، و﴿مِن وراءِ حِجابٍ﴾ ظَرْفٌ واقِعٌ مَوْقِعَ الحالِ أيْضًا، كَقَوْلِهِ: ﴿وعَلى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٩١]، والتَّقْدِيرُ: وما صَحَّ أنْ يُكَلِّمَ أحَدًا إلّا مُوحِيًا أوْ مُسْمِعًا مِن وراءِ حِجابٍ، أوْ مُرْسِلًا. انْتَهى.
أمّا وُقُوعُ المَصْدَرِ مَوْقِعَ الحالِ، فَلا يَنْقاسُ، وإنَّما قالَتْهُ العَرَبُ. وكَذَلِكَ لا يَجُوزُ: جاءَ زَيْدٌ بُكاءً، تُرِيدُ باكِيًا، وقاسَ مِنهُ المُبَرِّدُ ما كانَ مِنهُ نَوْعًا لِلْفِعْلِ، نَحْوُ: جاءَ زَيْدٌ مَشْيًا أوْ سُرْعَةً، ومَنَعَ سِيبَوَيْهِ أنْ يَقَعَ أنْ والفِعْلُ المُقَدَّرُ بِالمَصْدَرِ مَوْقِعَ الحالِ، فَلا يَجُوزُ، نَحْوُ: جاءَ زَيْدٌ أنْ يَضْحَكَ في مَعْنى ضَحِكًا الواقِعِ مَوْقِعَ ضاحِكًا، فَجَعْلُهُ وحْيًا مَصْدَرًا في مَوْضِعِ الحالِ مِمّا لا يَنْقاسُ، وأنَّ (يُرْسِلَ) في مَعْنى إرْسالًا الواقِعِ مَوْقِعَ مُرْسِلًا مَمْنُوعٌ بِنَصِّ سِيبَوَيْهِ. وقَرَأ نافِعٌ وأهْلُ المَدِينَةِ ﴿أوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ﴾ بِالرَّفْعِ فِيهِما، فَخَرَجَ عَلى إضْمارِ هو يُرْسِلُ، أوْ عَلى ما يَتَعَلَّقُ بِهِ (مِن وراءِ) إذْ تَقْدِيرُهُ: أوْ يَسْمَعُ مِن وراءِ حِجابٍ، (ووَحْيًا) مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ، عُطِفَ عَلَيْهِ ذَلِكَ المُقَدَّرُ المَعْطُوفُ عَلَيْهِ، (أوْ يُرْسِلَ) والتَّقْدِيرُ: إلّا مُوحِيًا أوْ مُسْمِعًا مِن وراءِ حِجابٍ، أوْ مُرْسِلًا، وإسْنادُ التَّكَلُّمِ إلى اللَّهِ بِكَوْنِهِ أرْسَلَ رَسُولًا مَجازٌ، كَما تَقُولُ: نادى المَلِكُ في النّاسِ بِكَذا، وإنَّما نادى الرِّيحُ، الدّائِرُ في الأسْواقِ، نَزَّلَ ما كانَ بِواسِطَةٍ مَنزِلَةَ ما كانَ بِغَيْرِ واسِطَةٍ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وفي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الرِّسالَةَ مِن أنْواعِ التَّكَلُّمِ، وأنَّ الحالِفَ الرُّسُلُ، كانَتْ إذا حَلَفَ أنْ لا يُكَلِّمَ إنْسانًا فَأرْسَلَ إلَيْهِ، وهو لَمْ يَنْوِ المُشافَهَةَ وقْتَ يَمِينِهِ. انْتَهى.
(إنَّهُ عَلِيٌّ) أيْ: عَلِيٌّ عَنْ صِفاتِ المَخْلُوقِينَ، (حَكِيمٌ): تَجْرِي أفْعالُهُ عَلى ما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ، يُكَلِّمُ بِواسِطَةٍ وبِغَيْرِ واسِطَةٍ.
﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا﴾ أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ الإيحاءِ الفَصْلِ أوْحَيْنا إلَيْكَ، إذْ كانَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ اجْتَمَعَتْ لَهُ الطُّرُقُ الثَّلاثُ: النَّفْثُ في الرَّوْعِ والمَنامِ، وتَكْلِيمُ اللَّهِ لَهُ حَقِيقَةً لَيْلَةَ الإسْراءِ، وإرْسالُ رَسُولٍ إلَيْهِ، وهو جِبْرِيلُ. وقِيلَ: كَما أوْحَيْنا إلى الأنْبِياءِ قَبْلَكَ، ﴿أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا﴾ . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: النُّبُوَّةَ. وقالَ السُّدِّيُّ: الوَحْيَ؛ وقالَ قَتادَةُ: رَحْمَةً؛ وقالَ الكَلْبِيُّ: كِتابًا؛ وقالَ الرَّبِيعُ: جِبْرِيلَ؛ وقِيلَ: القُرْآنُ؛ وسَمّى ما أوْحى إلَيْهِ رُوحًا؛ لِأنَّ بِهِ الحَياةَ مِنَ الجَهْلِ.
وقالَ مالِكُ بْنُ دِينارٍ: يا أهْلَ القُرْآنِ، ماذا زَرَعَ القُرْآنُ في قُلُوبِكم ؟ فَإنَّ القُرْآنَ رَبِيعُ القُلُوبِ، كَما أنَّ العُشْبَ رَبِيعُ الأرْضِ.
﴿ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ ولا الإيمانُ﴾: تَوْقِيفٌ عَلى عِظَمِ المِنَّةِ، وهو ﷺ أعْلَمُ النّاسِ بِها، وعَطَفَ ﴿ولا الإيمانُ﴾ عَلى ﴿ما الكِتابُ﴾، وإنَّما مَعْناهُ: الإيمانُ الَّذِي يُدْرِكُهُ السَّمْعُ؛ لِأنَّ لَنا أشْياءَ مِنَ الإيمانِ لا تُعْلَمُ إلّا بِالوَحْيِ.
أمّا تَوْحِيدُ اللَّهِ وبَراءَتُهُ عَنِ النَّقائِصِ، ومَعْرِفَةُ صِفاتِهِ العُلا، فَجَمِيعُ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - عالِمُونَ ذَلِكَ، مَعْصُومُونَ أنْ يَقَعَ مِنهم زَلَلٌ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ، سابِقٌ لَهم عِلْمُ ذَلِكَ قَبْلَ أنْ يُوحِيَ إلَيْهِمْ. وقَدْ أطْلَقَ الإيمانَ عَلى الصَّلاةِ في قَوْلِهِ: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣]، إذْ هي بَعْضُ ما يَتَناوَلُهُ الإيمانُ.
ومَن طالَعَ سِيَرَ الأنْبِياءِ مِن (p-٥٢٨)نَشْأتِهِمْ إلى مَبْعَثِهِمْ، تَحَقَّقَ عِنْدَهُ أنَّهم مَعْصُومُونَ مِن كُلِّ نَقِيصَةٍ، مُوَحِّدُونَ لِلَّهِ مُنْذُ نَشَئُوا.
قالَ اللَّهُ تَعالى في حَقِّ يَحْيى - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿وآتَيْناهُ الحُكْمَ صَبِيًّا﴾ [مريم: ١٢] . قالَ مَعْمَرٌ: كانَ ابْنَ سَنَتَيْنِ أوْ ثَلاثٍ.
وعَنْ أبِي العالِيَةِ: ما كُنْتَ تَدْرِي قَبْلَ الوَحْيِ أنْ تَقْرَأ القُرْآنَ، ولا كَيْفَ تَدْعُو الخَلْقَ إلى الإيمانِ.
وقالَ القاضِي: ﴿ولا الإيمانُ﴾: الفَرائِضُ والأحْكامُ. قالَ: وكانَ قَبْلُ مُؤْمِنًا بِتَوْحِيدِ اللَّهِ، ثُمَّ نَزَلَتِ الفَرائِضُ الَّتِي لَمْ يَكُنْ يَدْرِيها قَبْلُ، فَزادَ بِالتَّكْلِيفِ إيمانًا.
وقالَ القُشَيْرِيُّ: يَجُوزُ إطْلاقُ الإيمانِ عَلى تَفاصِيلِ الشَّرْعِ. وقالَ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ: هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: ولا أهْلُ الإيمانِ مِنَ الَّذِي يُؤْمِنُ أبُو طالِبٍ أوِ العَبّاسُ أوْ غَيْرُهُما. وقالَ عَلِيُّ بْنُ عِيسى: إذْ كُنْتَ في المَهْدِ.
وقِيلَ: ما الكِتابُ لَوْلا إنْعامُنا عَلَيْكَ، ولا الإيمانُ لَوْلا هِدايَتُنا لَكَ. وقِيلَ: أيْ كُنْتَ مِن قَوْمٍ أُمِّيِّينَ لا يَعْرِفُونَ الإيمانَ ولا الكِتابَ، فَتَكُونُ أخَذْتَ ما جِئْتَهم بِهِ عَمَّنْ كانَ يَعْلَمُ ذَلِكَ مِنهم.
﴿ما الكِتابُ﴾ جُمْلَةٌ اسْتِفْهامِيَّةٌ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، وهي في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ (تَدْرِي) وهي مُعَلَّقَةٌ.
﴿ولَكِنْ جَعَلْناهُ نُورًا﴾: يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ إلى قَوْلِهِ: (رُوحًا)، وإلى (كِتابُ)، وإلى (الإيمانُ)، وهو أقْرَبُ مَذْكُورٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: عائِدٌ عَلى الكِتابِ. انْتَهى.
وقِيلَ: يَعُودُ إلى الكِتابِ والإيمانِ مَعًا؛ لِأنَّ مَقْصِدَهُما واحِدٌ، فَهو نَظِيرُ: ﴿واللَّهُ ورَسُولُهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢] . وقَرَأ الجُمْهُورُ: (لَتَهْدِي)، مُضارِعُ هَدى مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ؛ وحَوْشَبٌ: مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، إجابَةَ سُؤالِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦] . وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْقَعِ (لَتُهْدِي) بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ الدّالِ؛ وعَنِ الجَحْدَرِيِّ مِثْلُها، ومِثْلُ قِراءَةِ حَوْشَبٍ.
(صِراطٍ مُّسْتَقِيمٍ)، قالَ عَلِيٌّ: هو القُرْآنُ؛ وقِيلَ: الإسْلامُ.
﴿ألا إلى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ﴾: أخْبَرَ بِالمُضارِعِ، والمُرادُ بِهِ الدَّيْمُومَةُ، كَقَوْلِهِ: زَيْدٌ يُعْطِي ويَمْنَعُ، أيْ: مِن شَأْنِهِ ذَلِكَ، ولا يُرادُ بِهِ حَقِيقَةُ المُسْتَقْبَلِ، أيْ: تُرَدُّ جَمِيعُ أُمُورِ الخَلْقِ إلَيْهِ تَعالى يَوْمَ القِيامَةِ فَيَقْضِي بَيْنَهم بِالعَدْلِ، وخُصَّ ذَلِكَ بِيَوْمِ القِيامَةِ؛ لِأنَّهُ لا يُمْكِنُ لِأحَدٍ أنْ يَدَّعِيَ فِيهِ لِنَفْسِهِ شَيْئًا، قالَهُ الفَرّاءُ.
الشورى 42:50
﴿وقالَ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ الخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ ألا إنَّ الظّالِمِينَ في عَذابٍ مُقِيمٍ﴾ ﴿وما كانَ لَهم مِن أوْلِياءَ يَنْصُرُونَهم مِن دُونِ اللَّهِ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن سَبِيلٍ﴾ ﴿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكم مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ ما لَكم مِن مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وما لَكم مِن نَكِيرٍ﴾ ﴿فَإنْ أعْرَضُوا فَما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إنْ عَلَيْكَ إلّا البَلاغُ وإنّا إذا أذَقْنا الإنْسانَ مِنّا رَحْمَةً فَرِحَ بِها وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ فَإنَّ الإنْسانَ كَفُورٌ﴾ ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ يَخْلُقُ ما يَشاءُ يَهَبُ لِمَن يَشاءُ إناثًا ويَهَبُ لِمَن يَشاءُ الذُّكُورَ﴾ ﴿أوْ يُزَوِّجُهم ذُكْرانًا وإناثًا ويَجْعَلُ مَن يَشاءُ عَقِيمًا إنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ ﴿وما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلّا وحْيًا أوْ مِن وراءِ حِجابٍ أوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإذْنِهِ ما يَشاءُ إنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ ﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ ولا الإيمانُ ولَكِنْ جَعَلْناهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَن نَشاءُ مِن عِبادِنا وإنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿صِراطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ ألا إلى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ﴾ .
(p-٥٢٥)الظّاهِرُ أنَّ (وقالَ) ماضٍ لَفْظًا ومَعْنًى، أيْ: ﴿وقالَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ في الحَياةِ الدُّنْيا، ويَكُونُ (يَوْمَ القِيامَةِ) مَعْمُولًا لِـ (خَسِرُوا)، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْنى (وقالَ): ويَقُولُ، و(يَوْمَ القِيامَةِ) مَعْمُولُ لَوْ يَقُولُوا، أيْ: ويَقُولُوا في ذَلِكَ اليَوْمِ لَمّا عايَنُوا ما حَلَّ بِالكُفّارِ وأهْلِيهِمْ.
الظّاهِرُ أنَّهُمُ الَّذِينَ كانُوا أهْلِيهِمْ في الدُّنْيا، فَإنْ كانُوا مَعَهم في النّارِ فَقَدْ خَسِرُوهم، أيْ: لا يَنْتَفِعُونَ بِهِمْ؛ وإنْ كانُوا في الجَنَّةِ لِكَوْنِهِمْ كانُوا مُؤْمِنِينَ، كَآسِيَةَ امْرَأةِ فِرْعَوْنَ، فَهم لا يَنْتَفِعُونَ بِهِمْ أيْضًا. وقِيلَ: أهْلُوهم ما كانَ أُعِدَّ لَهم مِنَ الحُورِ لَوْ كانُوا آمَنُوا، والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ألا إنَّ الظّالِمِينَ في عَذابٍ مُقِيمٍ﴾ مِن كَلامِ المُؤْمِنِينَ؛ وقِيلَ: اسْتِئْنافُ إخْبارٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى.
﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ﴾، قِيلَ: هو يَوْمُ وُرُودِ المَوْتِ، والظّاهِرُ أنَّهُ يَوْمُ القِيامَةِ. و(مِنَ اللَّهِ) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما مَرَّ، أيْ: لا يَرِدُ ذَلِكَ اليَوْمَ مِن ما حَكَمَ اللَّهُ بِهِ فِيهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (مِنَ اللَّهِ): مِن صِلَةُ (لا مَرَدَّ) . انْتَهى.
ولَيْسَ الجَيِّدُ، إذْ لَوْ كانَ مِن صِلَتِهِ لَكانَ مَعْمُولًا لَهُ، فَكانَ يَكُونُ مُعْرَبًا مُنَوَّنًا. وقِيلَ: (مِنَ اللَّهِ) يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ: (يَأْتِيَ)، مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ مِنَ اللَّهِ يَوْمٌ لا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى رَدِّهِ.
(ما لَكم مِن مَلْجَإٍ) تَلْجَأُونَ إلَيْهِ، فَتَتَخَلَّصُونَ مِنَ العَذابِ، وما لَكم مِن إنْكارِ شَيْءٍ مِن أعْمالِكُمُ الَّتِي تُورِدُكُمُ النّارَ، والنَّكِيرُ مَصْدَرُ أنْكَرَ عَلى غَيْرِ قِياسٍ.
قِيلَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْمَ فاعِلٍ لِلْمُبالَغَةِ، وفِيهِ بُعْدٌ؛ لِأنَّ نَكَرَ مَعْناهُ لَمْ يُمَيِّزْ.
(فَإنْ أعْرَضُوا) الآيَةَ: تَسْلِيَةٌ لِلرَّسُولِ وتَأْنِيسٌ لَهُ، وإزالَةٌ لِهَمِّهِ بِهِمْ. والإنْسانُ: يُرادُ بِهِ الجِنْسُ، ولِذَلِكَ جاءَ: ﴿وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ﴾ . وجاءَ جَوابُ الشَّرْطِ ﴿فَإنَّ الإنْسانَ﴾ ولَمْ يَأْتِ فَإنَّهُ، ولا فَإنَّهم، لِيَدُلَّ عَلى أنَّ هَذا الجِنْسَ مَوْسُومٌ بِكُفْرانِ النِّعَمِ، كَما قالَ: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَظَلُومٌ كَفّارٌ﴾ [إبراهيم: ٣٤]، ﴿إنَّ الإنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ [العاديات: ٦] .
ولَمّا ذَكَرَ أنَّهُ يَكْفُرُ النِّعَمَ، أتْبَعَ ذَلِكَ بِأنَّ لَهُ مُلْكَ العالَمِ العُلْوِيِّ والسُّفْلِيِّ، وأنَّهُ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ، ونَبَّهَ عَلى عَظِيمِ قُدْرَتِهِ، وأنَّ الكائِناتِ ناشِئَةٌ عَنْ إرادَتِهِ، فَذَكَرَ أنَّهُ يَهَبُ لِبَعْضٍ إناثًا، ولِبَعْضٍ ذُكُورًا، ولِبَعْضٍ الصِّنْفَيْنِ، ويَعْقِمُ بَعْضًا فَلا يُولَدُ لَهُ.
وقالَ إسْحاقُ بْنُ بِشْرٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في الأنْبِياءِ، ثُمَّ عَمَّتْ. فَلُوطٌ أبُو بَناتٍ لَمْ يُولَدْ لَهُ ذُكُورٌ، وإبْراهِيمُ ضِدُّهُ، ومُحَمَّدٌ ﷺ وعَلَيْهِما - وُلِدَ لَهُ الصِّنْفانِ، ويَحْيى عَقِيمٌ. انْتَهى.
وذُكِرَ أيْضًا مَعَ لُوطٍ شُعَيْبٌ، ومَعَ يَحْيى عِيسى، وقَدَّمَ تَعالى هِبَةَ البَناتِ تَأْنِيسًا لَهُنَّ وتَشْرِيفًا لَهُنَّ، لِيُهْتَمَّ بِصَوْنِهِنَّ والإحْسانِ إلَيْهِنَّ.
وفِي الحَدِيثِ: «مَنِ ابْتُلِيَ بِشَيْءٍ مِن هَذِهِ البَناتِ فَأحْسَنَ إلَيْهِنَّ كُنَّ لَهُ سِتْرًا مِنَ النّارِ» .
وقالَ واثِلَةُ بْنُ الأسْقَعِ: مِن يُمْنِ المَرْأةِ تَبْكِيرُها بِالأُنْثى قَبْلَ الذَّكَرِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى بَدَأ بِالإناثِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): لِمَ قَدَّمَ الإناثَ عَلى الذُّكُورِ مَعَ تَقَدُّمِهِمْ عَلَيْهِنَّ، ثُمَّ رَجَعَ فَقَدَّمَهم ؟ ولِمَ عَرَّفَ الذُّكُورَ بَعْدَما نَكَّرَ الإناثَ ؟ (قُلْتُ): لِأنَّهُ ذَكَرَ البَلاءَ في آخِرِ الآيَةِ الأُولى. وكُفْرانُ الإنْسانِ: نِسْيانُهُ الرَّحْمَةَ السّابِقَةَ عِنْدَهُ.
ثُمَّ ذَكَّرَهُ بِذِكْرِ مُلْكِهِ ومَشِيئَتِهِ، وذِكْرِ قِسْمَةِ الأوْلادِ، فَقَدَّمَ الإناثَ؛ لِأنَّ سِياقَ الكَلامِ أنَّهُ فاعِلٌ ما يَشاؤُهُ، لا ما يَشاءُ الإنْسانُ، فَكانَ ذِكْرُ الإناثِ اللّائِي مِن جُمْلَةِ ما لا يَشاؤُهُ الإنْسانُ أهَمَّ، والأهَمُّ أوْجَبَ التَّقْدِيمَ.
والبَلاءُ: الجِنْسُ الَّذِي كانَتِ العَرَبُ تَعُدُّهُ بَلاءً، ذَكَرَ البَلاءَ وأخَّرَ الذُّكُورَ. فَلَمّا أخَّرَهم لِذَلِكَ تَدارَكَ تَأْخِيرَهُ، وهم أحَقُّ بِالتَّقْدِيمِ بِتَعْرِيفِهِمْ؛ لِأنَّ التَّعْرِيفَ تَنْوِيهٌ وتَشْهِيرٌ، كَأنَّهُ قالَ: ويَهَبُ لِمَن يَشاءُ الفَرِيقَيْنِ، الأعْلامُ المَذْكُورِينَ الَّذِينَ لا يَخْفَوْنَ عَلَيْكم. ثُمَّ أعْطى بَعْدَ ذَلِكَ كِلا الجِنْسَيْنِ حَظَّهُ مِنَ التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، وعِرْفانُ تَقْدِيمِهِنَّ لَمْ يَكُنْ لِتَقَدُّمِهِنَّ، ولَكِنْ لِمُقْتَضًى آخَرَ فَقالَ: ﴿ذُكْرانًا وإناثًا﴾، كَما قالَ: ﴿إنّا خَلَقْناكم مِن ذَكَرٍ وأُنْثى﴾ [الحجرات: ١٣]، ﴿فَجَعَلَ مِنهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ [القيامة: ٣٩] . انْتَهى.
وقِيلَ: بَدَأ بِالأُنْثى ثُمَّ ثَنّى بِالذَّكَرِ، لِتَنْقِلَهُ مِنَ الغَمِّ إلى الفَرَحِ. وقِيلَ: لِيَعْلَمَ أنَّهُ لا اعْتِراضَ عَلى اللَّهِ فَيَرْضى. (p-٥٢٦)فَإذا وهَبَ لَهُ الذَّكَرَ، عَلِمَ أنَّهُ زِيادَةٌ وفَضْلٌ مِنَ اللَّهِ وإحْسانٌ إلَيْهِ.
وقِيلَ: قَدَّمَها تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ إذا كانَ العَجْزُ والحاجَةُ لَهم، كانَتْ عِنايَةُ اللَّهِ أكْثَرَ.
وقالَ مُجاهِدٌ: هو أنْ تَلِدَ المَرْأةُ غُلامًا، ثُمَّ تَلِدُ جارِيَةً. وقالَ مُحَمَّدُ ابْنُ الحَنَفِيَّةِ: أنْ تَلِدَ تَوْأمًا، غُلامًا وجارِيَةً. وقالَ أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ: أوْ يُزَوِّجُهم ذُكْرانًا وإناثًا. قالَ عُلَماؤُنا: يَعْنِي آدَمَ، كانَتْ حَوّاءُ تَلِدُ لَهُ في كُلِّ بَطْنٍ تَوْأمَيْنِ، ذَكَرًا وأُنْثى؛ تُزَوِّجُ ذَكَرَ هَذا البَطْنِ أُنْثى البَطْنِ الآخَرِ. انْتَهى.
ولَمّا ذَكَرَ الهِبَةَ في الإناثِ، والهِبَةَ في الذُّكُورِ، اكْتَفى عَنْ ذِكْرِها في قَوْلِهِ: ﴿أوْ يُزَوِّجُهم ذُكْرانًا وإناثًا﴾ . ولَمّا كانَ العُقْمُ لَيْسَ بِمَحْمُودٍ قالَ: ﴿ويَجْعَلُ مَن يَشاءُ عَقِيمًا﴾، وهو قَسِيمٌ لِمَن يُولَدُ لَهُ. ولَمّا كانَتِ الخُنْثى مِمّا يُحْزَنُ بِوُجُودِهِ، لَمْ يَذْكُرْهُ تَعالى. قالُوا: وكانَتِ الخِلْقَةُ مُسْتَمِرَّةً، ذَكَرًا وأُنْثى، إلى أنْ وقَعَ في الجاهِلِيَّةِ الأُولى الخُنْثى، فَسُئِلَ فارِضُ العَرَبِ ومُعَمَّرُها عامِرُ بْنُ الظَّرِبِ عَنْ مِيراثِهِ، فَلَمْ يَدْرِ ما يَقُولُهُ وأرْجَأهم.
فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ، جَعَلَ يَتَقَلَّبُ وتَذْهَبُ بِهِ الأفْكارُ، وأنْكَرَتْ خادِمَتُهُ حالَهُ فَسَألَتْهُ، فَقالَ: بُهِرْتُ لِأمْرٍ لا أدْرِي ما أقُولُ فِيهِ، فَقالَتْ لَهُ: ما هو ؟ فَقالَ: شَخْصٌ لَهُ ذَكَرٌ وفَرْجٌ، كَيْفَ يَكُونُ حالُهُ في المِيراثِ ؟ قالَتْ لَهُ الأمَةُ: ورِّثْهُ مِن حَيْثُ يَبُولُ، فَعَقَلَها وأصْبَحَ فَعَرَضَها عَلَيْهِمْ، فَرَضُوا بِها.
وجاءَ الإسْلامُ عَلى ذَلِكَ، وقَضى بِذَلِكَ عَلِيٌّ، كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ، إنَّهُ عَلِيمٌ بِمَصالِحِ العِبادِ، قَدِيرٌ عَلى تَكْوِينِ ما يَشاءُ.
كانَ مِنَ الكُفّارِ خَوْضٌ في مَعْنى تَكْلِيمِ اللَّهِ مُوسى، فَذَهَبَتْ قُرَيْشٌ واليَهُودُ في ذَلِكَ إلى التَّجْسِيمِ، فَنَزَلَتْ. وقِيلَ: كانَتْ قُرَيْشُ تَقُولُ: ألا تُكَلِّمُ اللَّهَ وتَنْظُرُ إلَيْهِ إنْ كُنْتَ نَبِيًّا صادِقًا، كَما كَلَّمَهُ مُوسى ونَظَرَ إلَيْهِ ؟ فَقالَ لَهُمُ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: «لَمْ يَنْظُرْ مُوسى إلى اللَّهِ»، فَنَزَلَتْ: ﴿وما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ﴾، بَيانًا لِصُورَةِ تَكْلِيمِ اللَّهِ عِبادَهُ أيْ: ما يَنْبَغِي ولا يُمْكِنُ لِبَشَرٍ إلّا يُوحى إلَيْهِ أحَدُ وُجُوهِ الوَحْيِ مِنَ الإلْهامِ.
قالَ مُجاهِدٌ: أوِ النَّفْثُ في القَلْبِ. وقالَ النَّقّاشُ: أوْ وحْيٌ في المَنامِ. وقالَ النَّخَعِيُّ: كانَ في الأنْبِياءِ مَن يُخَطُّ لَهُ في الأرْضِ، أوْ بِأنْ يُسْمِعَهُ كَلامَهُ دُونَ أنْ يَعْرِفَ هو لِلْمُتَكَلِّمِ جِهَةً ولا حَيِّزًا، كَمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وهَذا مَعْنى ﴿مِن وراءِ حِجابٍ﴾ أيْ: مِن خَفاءٍ عَنِ المُتَكَلِّمِ، لا يَحُدُّهُ ولا يَتَصَوَّرُ بِذِهْنِهِ عَلَيْهِ، ولَيْسَ كالحِجابِ في المُشاهَدِ، أوْ بِأنْ يُرْسِلَ إلَيْهِ مَلَكًا يُشافِهُهُ بِوَحْيِ اللَّهِ تَعالى، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وما صَحَّ لِأحَدٍ مِنَ البَشَرِ أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلّا عَلى ثَلاثَةِ أوْجُهٍ:
إمّا عَلى طَرِيقِ الوَحْيِ، وهو الإلْهامُ والقَذْفُ في القَلْبِ والمَنامِ، كَما أوْحى إلى أُمِّ مُوسى وإلى إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في ذَبْحِ ولَدِهِ.
وعَنْ مُجاهِدٍ: أوْحى اللَّهُ الزَّبُورَ إلى داوُدَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في صَدْرِهِ، قالَ عَبِيدُ بْنُ الأبْرَصِ:
؎وأوْحى إلَيَّ اللَّهُ أنْ قَدْ تَأمَّرُوا بِابْنِ أبِي أوْفى فَقُمْتُ عَلى رَجْلِ
أيْ: ألْهَمَنِي وقَذَفَ في قَلْبِي. وإمّا عَلى أنْ يُسْمِعَهُ كَلامَهُ الَّذِي يَخْلُقُهُ في بَعْضِ الأجْرامِ مِن غَيْرِ أنْ يُبْصِرَ السّامِعُ مَن يُكَلِّمُهُ؛ لِأنَّهُ في ذاتِهِ غَيْرُ مَرْئِيٍّ.
وقَوْلُهُ: ﴿مِن وراءِ حِجابٍ﴾ مَثَلٌ، أيْ: كَما يُكَلِّمُ المَلِكُ المُحْتَجِبُ بَعْضَ خَواصِّهِ، وهو مِن وراءِ حِجابٍ، فَيَسْمَعُ صَوْتَهُ ولا يَرى شَخْصَهُ، وذَلِكَ كَما كَلَّمَ اللَّهُ مُوسى ويُكَلِّمُ المَلائِكَةَ. وإمّا عَلى أنْ يُرْسِلَ إلَيْهِ رَسُولًا مِنَ المَلائِكَةِ فَيُوحِي المَلَكُ إلَيْهِ، كَما كَلَّمَ الأنْبِياءَ غَيْرَ مُوسى. انْتَهى.
وهُوَ عَلى طَرِيقِ المُعْتَزِلَةِ في اسْتِحالَةِ رُؤْيَةِ اللَّهِ تَعالى ونَفْيِ الكَلامِ الحَقِيقِيِّ عَنِ اللَّهِ.
وكُلُّ هَذِهِ الأقْسامِ الثَّلاثَةِ يَصْدُقُ عَلَيْها أنَّها وحَيٌّ، وخُصَّ الأوَّلُ بِاسْمِ الوَحْيِ هُنا؛ لِأنَّ ما يَقَعُ في القَلْبِ عَلى سَبِيلِ الإلْهامِ يَقَعُ دَفْعَةً واحِدَةً، فَكانَ تَخْصِيصُ لَفْظِ الوَحْيِ بِهِ أوْلى.
وقِيلَ: (وحْيًا) كَما أوْحى إلى الرُّسُلِ بِواسِطَةِ المَلائِكَةِ ﴿أوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾ أيْ: نَبِيًّا، كَما كَلَّمَ أُمَمَ الأنْبِياءِ عَلى ألْسِنَتِهِمْ، حَكاهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وتَرَكَ تَفْسِيرَ ﴿أوْ مِن وراءِ حِجابٍ﴾، ومَعْناهُ في هَذا القَوْلِ: كَما كَلَّمَ مُحَمَّدًا ومُوسى ﷺ .
(p-٥٢٧)وقَرَأ الجُمْهُورُ: (حِجابٍ)، مُفْرَدًا؛ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: حُجُبٍ جَمْعًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِنَصْبِ الفِعْلَيْنِ، عَطَفَ (أوْ يُرْسِلَ) عَلى المُضْمَرِ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ ﴿مِن وراءِ حِجابٍ﴾ تَقْدِيرُهُ: أوْ يُكَلِّمَهُ مِن وراءِ حِجابٍ، وهَذا المُضْمَرُ مَعْطُوفٌ عَلى (وحْيًا) والمَعْنى: إلّا بِوَحْيٍ أوْ سَماعٍ مِن وراءِ حِجابٍ، أوْ إرْسالِ رَسُولٍ فَيُوحِي ذَلِكَ الرَّسُولُ إلى النَّبِيِّ الَّذِي أُرْسِلَ عَنْهُ بِإذْنِ اللَّهِ ما يَشاءُ، ولا يَجُوزُ أنْ يُعْطَفَ (أوْ يُرْسِلَ) عَلى ﴿أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ﴾ لِفَسادِ المَعْنى.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: و(وحْيًا) و(أنْ يُرْسِلَ) مَصْدَرانِ واقِعانِ مَوْقِعَ الحالِ؛ لِأنَّ أنْ يُرْسِلَ في مَعْنى إرْسالًا، و﴿مِن وراءِ حِجابٍ﴾ ظَرْفٌ واقِعٌ مَوْقِعَ الحالِ أيْضًا، كَقَوْلِهِ: ﴿وعَلى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٩١]، والتَّقْدِيرُ: وما صَحَّ أنْ يُكَلِّمَ أحَدًا إلّا مُوحِيًا أوْ مُسْمِعًا مِن وراءِ حِجابٍ، أوْ مُرْسِلًا. انْتَهى.
أمّا وُقُوعُ المَصْدَرِ مَوْقِعَ الحالِ، فَلا يَنْقاسُ، وإنَّما قالَتْهُ العَرَبُ. وكَذَلِكَ لا يَجُوزُ: جاءَ زَيْدٌ بُكاءً، تُرِيدُ باكِيًا، وقاسَ مِنهُ المُبَرِّدُ ما كانَ مِنهُ نَوْعًا لِلْفِعْلِ، نَحْوُ: جاءَ زَيْدٌ مَشْيًا أوْ سُرْعَةً، ومَنَعَ سِيبَوَيْهِ أنْ يَقَعَ أنْ والفِعْلُ المُقَدَّرُ بِالمَصْدَرِ مَوْقِعَ الحالِ، فَلا يَجُوزُ، نَحْوُ: جاءَ زَيْدٌ أنْ يَضْحَكَ في مَعْنى ضَحِكًا الواقِعِ مَوْقِعَ ضاحِكًا، فَجَعْلُهُ وحْيًا مَصْدَرًا في مَوْضِعِ الحالِ مِمّا لا يَنْقاسُ، وأنَّ (يُرْسِلَ) في مَعْنى إرْسالًا الواقِعِ مَوْقِعَ مُرْسِلًا مَمْنُوعٌ بِنَصِّ سِيبَوَيْهِ. وقَرَأ نافِعٌ وأهْلُ المَدِينَةِ ﴿أوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ﴾ بِالرَّفْعِ فِيهِما، فَخَرَجَ عَلى إضْمارِ هو يُرْسِلُ، أوْ عَلى ما يَتَعَلَّقُ بِهِ (مِن وراءِ) إذْ تَقْدِيرُهُ: أوْ يَسْمَعُ مِن وراءِ حِجابٍ، (ووَحْيًا) مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ، عُطِفَ عَلَيْهِ ذَلِكَ المُقَدَّرُ المَعْطُوفُ عَلَيْهِ، (أوْ يُرْسِلَ) والتَّقْدِيرُ: إلّا مُوحِيًا أوْ مُسْمِعًا مِن وراءِ حِجابٍ، أوْ مُرْسِلًا، وإسْنادُ التَّكَلُّمِ إلى اللَّهِ بِكَوْنِهِ أرْسَلَ رَسُولًا مَجازٌ، كَما تَقُولُ: نادى المَلِكُ في النّاسِ بِكَذا، وإنَّما نادى الرِّيحُ، الدّائِرُ في الأسْواقِ، نَزَّلَ ما كانَ بِواسِطَةٍ مَنزِلَةَ ما كانَ بِغَيْرِ واسِطَةٍ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وفي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الرِّسالَةَ مِن أنْواعِ التَّكَلُّمِ، وأنَّ الحالِفَ الرُّسُلُ، كانَتْ إذا حَلَفَ أنْ لا يُكَلِّمَ إنْسانًا فَأرْسَلَ إلَيْهِ، وهو لَمْ يَنْوِ المُشافَهَةَ وقْتَ يَمِينِهِ. انْتَهى.
(إنَّهُ عَلِيٌّ) أيْ: عَلِيٌّ عَنْ صِفاتِ المَخْلُوقِينَ، (حَكِيمٌ): تَجْرِي أفْعالُهُ عَلى ما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ، يُكَلِّمُ بِواسِطَةٍ وبِغَيْرِ واسِطَةٍ.
﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا﴾ أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ الإيحاءِ الفَصْلِ أوْحَيْنا إلَيْكَ، إذْ كانَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ اجْتَمَعَتْ لَهُ الطُّرُقُ الثَّلاثُ: النَّفْثُ في الرَّوْعِ والمَنامِ، وتَكْلِيمُ اللَّهِ لَهُ حَقِيقَةً لَيْلَةَ الإسْراءِ، وإرْسالُ رَسُولٍ إلَيْهِ، وهو جِبْرِيلُ. وقِيلَ: كَما أوْحَيْنا إلى الأنْبِياءِ قَبْلَكَ، ﴿أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا﴾ . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: النُّبُوَّةَ. وقالَ السُّدِّيُّ: الوَحْيَ؛ وقالَ قَتادَةُ: رَحْمَةً؛ وقالَ الكَلْبِيُّ: كِتابًا؛ وقالَ الرَّبِيعُ: جِبْرِيلَ؛ وقِيلَ: القُرْآنُ؛ وسَمّى ما أوْحى إلَيْهِ رُوحًا؛ لِأنَّ بِهِ الحَياةَ مِنَ الجَهْلِ.
وقالَ مالِكُ بْنُ دِينارٍ: يا أهْلَ القُرْآنِ، ماذا زَرَعَ القُرْآنُ في قُلُوبِكم ؟ فَإنَّ القُرْآنَ رَبِيعُ القُلُوبِ، كَما أنَّ العُشْبَ رَبِيعُ الأرْضِ.
﴿ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ ولا الإيمانُ﴾: تَوْقِيفٌ عَلى عِظَمِ المِنَّةِ، وهو ﷺ أعْلَمُ النّاسِ بِها، وعَطَفَ ﴿ولا الإيمانُ﴾ عَلى ﴿ما الكِتابُ﴾، وإنَّما مَعْناهُ: الإيمانُ الَّذِي يُدْرِكُهُ السَّمْعُ؛ لِأنَّ لَنا أشْياءَ مِنَ الإيمانِ لا تُعْلَمُ إلّا بِالوَحْيِ.
أمّا تَوْحِيدُ اللَّهِ وبَراءَتُهُ عَنِ النَّقائِصِ، ومَعْرِفَةُ صِفاتِهِ العُلا، فَجَمِيعُ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - عالِمُونَ ذَلِكَ، مَعْصُومُونَ أنْ يَقَعَ مِنهم زَلَلٌ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ، سابِقٌ لَهم عِلْمُ ذَلِكَ قَبْلَ أنْ يُوحِيَ إلَيْهِمْ. وقَدْ أطْلَقَ الإيمانَ عَلى الصَّلاةِ في قَوْلِهِ: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣]، إذْ هي بَعْضُ ما يَتَناوَلُهُ الإيمانُ.
ومَن طالَعَ سِيَرَ الأنْبِياءِ مِن (p-٥٢٨)نَشْأتِهِمْ إلى مَبْعَثِهِمْ، تَحَقَّقَ عِنْدَهُ أنَّهم مَعْصُومُونَ مِن كُلِّ نَقِيصَةٍ، مُوَحِّدُونَ لِلَّهِ مُنْذُ نَشَئُوا.
قالَ اللَّهُ تَعالى في حَقِّ يَحْيى - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿وآتَيْناهُ الحُكْمَ صَبِيًّا﴾ [مريم: ١٢] . قالَ مَعْمَرٌ: كانَ ابْنَ سَنَتَيْنِ أوْ ثَلاثٍ.
وعَنْ أبِي العالِيَةِ: ما كُنْتَ تَدْرِي قَبْلَ الوَحْيِ أنْ تَقْرَأ القُرْآنَ، ولا كَيْفَ تَدْعُو الخَلْقَ إلى الإيمانِ.
وقالَ القاضِي: ﴿ولا الإيمانُ﴾: الفَرائِضُ والأحْكامُ. قالَ: وكانَ قَبْلُ مُؤْمِنًا بِتَوْحِيدِ اللَّهِ، ثُمَّ نَزَلَتِ الفَرائِضُ الَّتِي لَمْ يَكُنْ يَدْرِيها قَبْلُ، فَزادَ بِالتَّكْلِيفِ إيمانًا.
وقالَ القُشَيْرِيُّ: يَجُوزُ إطْلاقُ الإيمانِ عَلى تَفاصِيلِ الشَّرْعِ. وقالَ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ: هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: ولا أهْلُ الإيمانِ مِنَ الَّذِي يُؤْمِنُ أبُو طالِبٍ أوِ العَبّاسُ أوْ غَيْرُهُما. وقالَ عَلِيُّ بْنُ عِيسى: إذْ كُنْتَ في المَهْدِ.
وقِيلَ: ما الكِتابُ لَوْلا إنْعامُنا عَلَيْكَ، ولا الإيمانُ لَوْلا هِدايَتُنا لَكَ. وقِيلَ: أيْ كُنْتَ مِن قَوْمٍ أُمِّيِّينَ لا يَعْرِفُونَ الإيمانَ ولا الكِتابَ، فَتَكُونُ أخَذْتَ ما جِئْتَهم بِهِ عَمَّنْ كانَ يَعْلَمُ ذَلِكَ مِنهم.
﴿ما الكِتابُ﴾ جُمْلَةٌ اسْتِفْهامِيَّةٌ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، وهي في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ (تَدْرِي) وهي مُعَلَّقَةٌ.
﴿ولَكِنْ جَعَلْناهُ نُورًا﴾: يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ إلى قَوْلِهِ: (رُوحًا)، وإلى (كِتابُ)، وإلى (الإيمانُ)، وهو أقْرَبُ مَذْكُورٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: عائِدٌ عَلى الكِتابِ. انْتَهى.
وقِيلَ: يَعُودُ إلى الكِتابِ والإيمانِ مَعًا؛ لِأنَّ مَقْصِدَهُما واحِدٌ، فَهو نَظِيرُ: ﴿واللَّهُ ورَسُولُهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢] . وقَرَأ الجُمْهُورُ: (لَتَهْدِي)، مُضارِعُ هَدى مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ؛ وحَوْشَبٌ: مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، إجابَةَ سُؤالِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦] . وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْقَعِ (لَتُهْدِي) بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ الدّالِ؛ وعَنِ الجَحْدَرِيِّ مِثْلُها، ومِثْلُ قِراءَةِ حَوْشَبٍ.
(صِراطٍ مُّسْتَقِيمٍ)، قالَ عَلِيٌّ: هو القُرْآنُ؛ وقِيلَ: الإسْلامُ.
﴿ألا إلى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ﴾: أخْبَرَ بِالمُضارِعِ، والمُرادُ بِهِ الدَّيْمُومَةُ، كَقَوْلِهِ: زَيْدٌ يُعْطِي ويَمْنَعُ، أيْ: مِن شَأْنِهِ ذَلِكَ، ولا يُرادُ بِهِ حَقِيقَةُ المُسْتَقْبَلِ، أيْ: تُرَدُّ جَمِيعُ أُمُورِ الخَلْقِ إلَيْهِ تَعالى يَوْمَ القِيامَةِ فَيَقْضِي بَيْنَهم بِالعَدْلِ، وخُصَّ ذَلِكَ بِيَوْمِ القِيامَةِ؛ لِأنَّهُ لا يُمْكِنُ لِأحَدٍ أنْ يَدَّعِيَ فِيهِ لِنَفْسِهِ شَيْئًا، قالَهُ الفَرّاءُ.
الشورى 42:51
﴿وقالَ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ الخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ ألا إنَّ الظّالِمِينَ في عَذابٍ مُقِيمٍ﴾ ﴿وما كانَ لَهم مِن أوْلِياءَ يَنْصُرُونَهم مِن دُونِ اللَّهِ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن سَبِيلٍ﴾ ﴿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكم مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ ما لَكم مِن مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وما لَكم مِن نَكِيرٍ﴾ ﴿فَإنْ أعْرَضُوا فَما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إنْ عَلَيْكَ إلّا البَلاغُ وإنّا إذا أذَقْنا الإنْسانَ مِنّا رَحْمَةً فَرِحَ بِها وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ فَإنَّ الإنْسانَ كَفُورٌ﴾ ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ يَخْلُقُ ما يَشاءُ يَهَبُ لِمَن يَشاءُ إناثًا ويَهَبُ لِمَن يَشاءُ الذُّكُورَ﴾ ﴿أوْ يُزَوِّجُهم ذُكْرانًا وإناثًا ويَجْعَلُ مَن يَشاءُ عَقِيمًا إنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ ﴿وما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلّا وحْيًا أوْ مِن وراءِ حِجابٍ أوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإذْنِهِ ما يَشاءُ إنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ ﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ ولا الإيمانُ ولَكِنْ جَعَلْناهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَن نَشاءُ مِن عِبادِنا وإنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿صِراطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ ألا إلى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ﴾ .
(p-٥٢٥)الظّاهِرُ أنَّ (وقالَ) ماضٍ لَفْظًا ومَعْنًى، أيْ: ﴿وقالَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ في الحَياةِ الدُّنْيا، ويَكُونُ (يَوْمَ القِيامَةِ) مَعْمُولًا لِـ (خَسِرُوا)، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْنى (وقالَ): ويَقُولُ، و(يَوْمَ القِيامَةِ) مَعْمُولُ لَوْ يَقُولُوا، أيْ: ويَقُولُوا في ذَلِكَ اليَوْمِ لَمّا عايَنُوا ما حَلَّ بِالكُفّارِ وأهْلِيهِمْ.
الظّاهِرُ أنَّهُمُ الَّذِينَ كانُوا أهْلِيهِمْ في الدُّنْيا، فَإنْ كانُوا مَعَهم في النّارِ فَقَدْ خَسِرُوهم، أيْ: لا يَنْتَفِعُونَ بِهِمْ؛ وإنْ كانُوا في الجَنَّةِ لِكَوْنِهِمْ كانُوا مُؤْمِنِينَ، كَآسِيَةَ امْرَأةِ فِرْعَوْنَ، فَهم لا يَنْتَفِعُونَ بِهِمْ أيْضًا. وقِيلَ: أهْلُوهم ما كانَ أُعِدَّ لَهم مِنَ الحُورِ لَوْ كانُوا آمَنُوا، والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ألا إنَّ الظّالِمِينَ في عَذابٍ مُقِيمٍ﴾ مِن كَلامِ المُؤْمِنِينَ؛ وقِيلَ: اسْتِئْنافُ إخْبارٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى.
﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ﴾، قِيلَ: هو يَوْمُ وُرُودِ المَوْتِ، والظّاهِرُ أنَّهُ يَوْمُ القِيامَةِ. و(مِنَ اللَّهِ) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما مَرَّ، أيْ: لا يَرِدُ ذَلِكَ اليَوْمَ مِن ما حَكَمَ اللَّهُ بِهِ فِيهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (مِنَ اللَّهِ): مِن صِلَةُ (لا مَرَدَّ) . انْتَهى.
ولَيْسَ الجَيِّدُ، إذْ لَوْ كانَ مِن صِلَتِهِ لَكانَ مَعْمُولًا لَهُ، فَكانَ يَكُونُ مُعْرَبًا مُنَوَّنًا. وقِيلَ: (مِنَ اللَّهِ) يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ: (يَأْتِيَ)، مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ مِنَ اللَّهِ يَوْمٌ لا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى رَدِّهِ.
(ما لَكم مِن مَلْجَإٍ) تَلْجَأُونَ إلَيْهِ، فَتَتَخَلَّصُونَ مِنَ العَذابِ، وما لَكم مِن إنْكارِ شَيْءٍ مِن أعْمالِكُمُ الَّتِي تُورِدُكُمُ النّارَ، والنَّكِيرُ مَصْدَرُ أنْكَرَ عَلى غَيْرِ قِياسٍ.
قِيلَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْمَ فاعِلٍ لِلْمُبالَغَةِ، وفِيهِ بُعْدٌ؛ لِأنَّ نَكَرَ مَعْناهُ لَمْ يُمَيِّزْ.
(فَإنْ أعْرَضُوا) الآيَةَ: تَسْلِيَةٌ لِلرَّسُولِ وتَأْنِيسٌ لَهُ، وإزالَةٌ لِهَمِّهِ بِهِمْ. والإنْسانُ: يُرادُ بِهِ الجِنْسُ، ولِذَلِكَ جاءَ: ﴿وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ﴾ . وجاءَ جَوابُ الشَّرْطِ ﴿فَإنَّ الإنْسانَ﴾ ولَمْ يَأْتِ فَإنَّهُ، ولا فَإنَّهم، لِيَدُلَّ عَلى أنَّ هَذا الجِنْسَ مَوْسُومٌ بِكُفْرانِ النِّعَمِ، كَما قالَ: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَظَلُومٌ كَفّارٌ﴾ [إبراهيم: ٣٤]، ﴿إنَّ الإنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ [العاديات: ٦] .
ولَمّا ذَكَرَ أنَّهُ يَكْفُرُ النِّعَمَ، أتْبَعَ ذَلِكَ بِأنَّ لَهُ مُلْكَ العالَمِ العُلْوِيِّ والسُّفْلِيِّ، وأنَّهُ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ، ونَبَّهَ عَلى عَظِيمِ قُدْرَتِهِ، وأنَّ الكائِناتِ ناشِئَةٌ عَنْ إرادَتِهِ، فَذَكَرَ أنَّهُ يَهَبُ لِبَعْضٍ إناثًا، ولِبَعْضٍ ذُكُورًا، ولِبَعْضٍ الصِّنْفَيْنِ، ويَعْقِمُ بَعْضًا فَلا يُولَدُ لَهُ.
وقالَ إسْحاقُ بْنُ بِشْرٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في الأنْبِياءِ، ثُمَّ عَمَّتْ. فَلُوطٌ أبُو بَناتٍ لَمْ يُولَدْ لَهُ ذُكُورٌ، وإبْراهِيمُ ضِدُّهُ، ومُحَمَّدٌ ﷺ وعَلَيْهِما - وُلِدَ لَهُ الصِّنْفانِ، ويَحْيى عَقِيمٌ. انْتَهى.
وذُكِرَ أيْضًا مَعَ لُوطٍ شُعَيْبٌ، ومَعَ يَحْيى عِيسى، وقَدَّمَ تَعالى هِبَةَ البَناتِ تَأْنِيسًا لَهُنَّ وتَشْرِيفًا لَهُنَّ، لِيُهْتَمَّ بِصَوْنِهِنَّ والإحْسانِ إلَيْهِنَّ.
وفِي الحَدِيثِ: «مَنِ ابْتُلِيَ بِشَيْءٍ مِن هَذِهِ البَناتِ فَأحْسَنَ إلَيْهِنَّ كُنَّ لَهُ سِتْرًا مِنَ النّارِ» .
وقالَ واثِلَةُ بْنُ الأسْقَعِ: مِن يُمْنِ المَرْأةِ تَبْكِيرُها بِالأُنْثى قَبْلَ الذَّكَرِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى بَدَأ بِالإناثِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): لِمَ قَدَّمَ الإناثَ عَلى الذُّكُورِ مَعَ تَقَدُّمِهِمْ عَلَيْهِنَّ، ثُمَّ رَجَعَ فَقَدَّمَهم ؟ ولِمَ عَرَّفَ الذُّكُورَ بَعْدَما نَكَّرَ الإناثَ ؟ (قُلْتُ): لِأنَّهُ ذَكَرَ البَلاءَ في آخِرِ الآيَةِ الأُولى. وكُفْرانُ الإنْسانِ: نِسْيانُهُ الرَّحْمَةَ السّابِقَةَ عِنْدَهُ.
ثُمَّ ذَكَّرَهُ بِذِكْرِ مُلْكِهِ ومَشِيئَتِهِ، وذِكْرِ قِسْمَةِ الأوْلادِ، فَقَدَّمَ الإناثَ؛ لِأنَّ سِياقَ الكَلامِ أنَّهُ فاعِلٌ ما يَشاؤُهُ، لا ما يَشاءُ الإنْسانُ، فَكانَ ذِكْرُ الإناثِ اللّائِي مِن جُمْلَةِ ما لا يَشاؤُهُ الإنْسانُ أهَمَّ، والأهَمُّ أوْجَبَ التَّقْدِيمَ.
والبَلاءُ: الجِنْسُ الَّذِي كانَتِ العَرَبُ تَعُدُّهُ بَلاءً، ذَكَرَ البَلاءَ وأخَّرَ الذُّكُورَ. فَلَمّا أخَّرَهم لِذَلِكَ تَدارَكَ تَأْخِيرَهُ، وهم أحَقُّ بِالتَّقْدِيمِ بِتَعْرِيفِهِمْ؛ لِأنَّ التَّعْرِيفَ تَنْوِيهٌ وتَشْهِيرٌ، كَأنَّهُ قالَ: ويَهَبُ لِمَن يَشاءُ الفَرِيقَيْنِ، الأعْلامُ المَذْكُورِينَ الَّذِينَ لا يَخْفَوْنَ عَلَيْكم. ثُمَّ أعْطى بَعْدَ ذَلِكَ كِلا الجِنْسَيْنِ حَظَّهُ مِنَ التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، وعِرْفانُ تَقْدِيمِهِنَّ لَمْ يَكُنْ لِتَقَدُّمِهِنَّ، ولَكِنْ لِمُقْتَضًى آخَرَ فَقالَ: ﴿ذُكْرانًا وإناثًا﴾، كَما قالَ: ﴿إنّا خَلَقْناكم مِن ذَكَرٍ وأُنْثى﴾ [الحجرات: ١٣]، ﴿فَجَعَلَ مِنهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ [القيامة: ٣٩] . انْتَهى.
وقِيلَ: بَدَأ بِالأُنْثى ثُمَّ ثَنّى بِالذَّكَرِ، لِتَنْقِلَهُ مِنَ الغَمِّ إلى الفَرَحِ. وقِيلَ: لِيَعْلَمَ أنَّهُ لا اعْتِراضَ عَلى اللَّهِ فَيَرْضى. (p-٥٢٦)فَإذا وهَبَ لَهُ الذَّكَرَ، عَلِمَ أنَّهُ زِيادَةٌ وفَضْلٌ مِنَ اللَّهِ وإحْسانٌ إلَيْهِ.
وقِيلَ: قَدَّمَها تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ إذا كانَ العَجْزُ والحاجَةُ لَهم، كانَتْ عِنايَةُ اللَّهِ أكْثَرَ.
وقالَ مُجاهِدٌ: هو أنْ تَلِدَ المَرْأةُ غُلامًا، ثُمَّ تَلِدُ جارِيَةً. وقالَ مُحَمَّدُ ابْنُ الحَنَفِيَّةِ: أنْ تَلِدَ تَوْأمًا، غُلامًا وجارِيَةً. وقالَ أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ: أوْ يُزَوِّجُهم ذُكْرانًا وإناثًا. قالَ عُلَماؤُنا: يَعْنِي آدَمَ، كانَتْ حَوّاءُ تَلِدُ لَهُ في كُلِّ بَطْنٍ تَوْأمَيْنِ، ذَكَرًا وأُنْثى؛ تُزَوِّجُ ذَكَرَ هَذا البَطْنِ أُنْثى البَطْنِ الآخَرِ. انْتَهى.
ولَمّا ذَكَرَ الهِبَةَ في الإناثِ، والهِبَةَ في الذُّكُورِ، اكْتَفى عَنْ ذِكْرِها في قَوْلِهِ: ﴿أوْ يُزَوِّجُهم ذُكْرانًا وإناثًا﴾ . ولَمّا كانَ العُقْمُ لَيْسَ بِمَحْمُودٍ قالَ: ﴿ويَجْعَلُ مَن يَشاءُ عَقِيمًا﴾، وهو قَسِيمٌ لِمَن يُولَدُ لَهُ. ولَمّا كانَتِ الخُنْثى مِمّا يُحْزَنُ بِوُجُودِهِ، لَمْ يَذْكُرْهُ تَعالى. قالُوا: وكانَتِ الخِلْقَةُ مُسْتَمِرَّةً، ذَكَرًا وأُنْثى، إلى أنْ وقَعَ في الجاهِلِيَّةِ الأُولى الخُنْثى، فَسُئِلَ فارِضُ العَرَبِ ومُعَمَّرُها عامِرُ بْنُ الظَّرِبِ عَنْ مِيراثِهِ، فَلَمْ يَدْرِ ما يَقُولُهُ وأرْجَأهم.
فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ، جَعَلَ يَتَقَلَّبُ وتَذْهَبُ بِهِ الأفْكارُ، وأنْكَرَتْ خادِمَتُهُ حالَهُ فَسَألَتْهُ، فَقالَ: بُهِرْتُ لِأمْرٍ لا أدْرِي ما أقُولُ فِيهِ، فَقالَتْ لَهُ: ما هو ؟ فَقالَ: شَخْصٌ لَهُ ذَكَرٌ وفَرْجٌ، كَيْفَ يَكُونُ حالُهُ في المِيراثِ ؟ قالَتْ لَهُ الأمَةُ: ورِّثْهُ مِن حَيْثُ يَبُولُ، فَعَقَلَها وأصْبَحَ فَعَرَضَها عَلَيْهِمْ، فَرَضُوا بِها.
وجاءَ الإسْلامُ عَلى ذَلِكَ، وقَضى بِذَلِكَ عَلِيٌّ، كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ، إنَّهُ عَلِيمٌ بِمَصالِحِ العِبادِ، قَدِيرٌ عَلى تَكْوِينِ ما يَشاءُ.
كانَ مِنَ الكُفّارِ خَوْضٌ في مَعْنى تَكْلِيمِ اللَّهِ مُوسى، فَذَهَبَتْ قُرَيْشٌ واليَهُودُ في ذَلِكَ إلى التَّجْسِيمِ، فَنَزَلَتْ. وقِيلَ: كانَتْ قُرَيْشُ تَقُولُ: ألا تُكَلِّمُ اللَّهَ وتَنْظُرُ إلَيْهِ إنْ كُنْتَ نَبِيًّا صادِقًا، كَما كَلَّمَهُ مُوسى ونَظَرَ إلَيْهِ ؟ فَقالَ لَهُمُ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: «لَمْ يَنْظُرْ مُوسى إلى اللَّهِ»، فَنَزَلَتْ: ﴿وما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ﴾، بَيانًا لِصُورَةِ تَكْلِيمِ اللَّهِ عِبادَهُ أيْ: ما يَنْبَغِي ولا يُمْكِنُ لِبَشَرٍ إلّا يُوحى إلَيْهِ أحَدُ وُجُوهِ الوَحْيِ مِنَ الإلْهامِ.
قالَ مُجاهِدٌ: أوِ النَّفْثُ في القَلْبِ. وقالَ النَّقّاشُ: أوْ وحْيٌ في المَنامِ. وقالَ النَّخَعِيُّ: كانَ في الأنْبِياءِ مَن يُخَطُّ لَهُ في الأرْضِ، أوْ بِأنْ يُسْمِعَهُ كَلامَهُ دُونَ أنْ يَعْرِفَ هو لِلْمُتَكَلِّمِ جِهَةً ولا حَيِّزًا، كَمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وهَذا مَعْنى ﴿مِن وراءِ حِجابٍ﴾ أيْ: مِن خَفاءٍ عَنِ المُتَكَلِّمِ، لا يَحُدُّهُ ولا يَتَصَوَّرُ بِذِهْنِهِ عَلَيْهِ، ولَيْسَ كالحِجابِ في المُشاهَدِ، أوْ بِأنْ يُرْسِلَ إلَيْهِ مَلَكًا يُشافِهُهُ بِوَحْيِ اللَّهِ تَعالى، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وما صَحَّ لِأحَدٍ مِنَ البَشَرِ أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلّا عَلى ثَلاثَةِ أوْجُهٍ:
إمّا عَلى طَرِيقِ الوَحْيِ، وهو الإلْهامُ والقَذْفُ في القَلْبِ والمَنامِ، كَما أوْحى إلى أُمِّ مُوسى وإلى إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في ذَبْحِ ولَدِهِ.
وعَنْ مُجاهِدٍ: أوْحى اللَّهُ الزَّبُورَ إلى داوُدَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في صَدْرِهِ، قالَ عَبِيدُ بْنُ الأبْرَصِ:
؎وأوْحى إلَيَّ اللَّهُ أنْ قَدْ تَأمَّرُوا بِابْنِ أبِي أوْفى فَقُمْتُ عَلى رَجْلِ
أيْ: ألْهَمَنِي وقَذَفَ في قَلْبِي. وإمّا عَلى أنْ يُسْمِعَهُ كَلامَهُ الَّذِي يَخْلُقُهُ في بَعْضِ الأجْرامِ مِن غَيْرِ أنْ يُبْصِرَ السّامِعُ مَن يُكَلِّمُهُ؛ لِأنَّهُ في ذاتِهِ غَيْرُ مَرْئِيٍّ.
وقَوْلُهُ: ﴿مِن وراءِ حِجابٍ﴾ مَثَلٌ، أيْ: كَما يُكَلِّمُ المَلِكُ المُحْتَجِبُ بَعْضَ خَواصِّهِ، وهو مِن وراءِ حِجابٍ، فَيَسْمَعُ صَوْتَهُ ولا يَرى شَخْصَهُ، وذَلِكَ كَما كَلَّمَ اللَّهُ مُوسى ويُكَلِّمُ المَلائِكَةَ. وإمّا عَلى أنْ يُرْسِلَ إلَيْهِ رَسُولًا مِنَ المَلائِكَةِ فَيُوحِي المَلَكُ إلَيْهِ، كَما كَلَّمَ الأنْبِياءَ غَيْرَ مُوسى. انْتَهى.
وهُوَ عَلى طَرِيقِ المُعْتَزِلَةِ في اسْتِحالَةِ رُؤْيَةِ اللَّهِ تَعالى ونَفْيِ الكَلامِ الحَقِيقِيِّ عَنِ اللَّهِ.
وكُلُّ هَذِهِ الأقْسامِ الثَّلاثَةِ يَصْدُقُ عَلَيْها أنَّها وحَيٌّ، وخُصَّ الأوَّلُ بِاسْمِ الوَحْيِ هُنا؛ لِأنَّ ما يَقَعُ في القَلْبِ عَلى سَبِيلِ الإلْهامِ يَقَعُ دَفْعَةً واحِدَةً، فَكانَ تَخْصِيصُ لَفْظِ الوَحْيِ بِهِ أوْلى.
وقِيلَ: (وحْيًا) كَما أوْحى إلى الرُّسُلِ بِواسِطَةِ المَلائِكَةِ ﴿أوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾ أيْ: نَبِيًّا، كَما كَلَّمَ أُمَمَ الأنْبِياءِ عَلى ألْسِنَتِهِمْ، حَكاهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وتَرَكَ تَفْسِيرَ ﴿أوْ مِن وراءِ حِجابٍ﴾، ومَعْناهُ في هَذا القَوْلِ: كَما كَلَّمَ مُحَمَّدًا ومُوسى ﷺ .
(p-٥٢٧)وقَرَأ الجُمْهُورُ: (حِجابٍ)، مُفْرَدًا؛ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: حُجُبٍ جَمْعًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِنَصْبِ الفِعْلَيْنِ، عَطَفَ (أوْ يُرْسِلَ) عَلى المُضْمَرِ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ ﴿مِن وراءِ حِجابٍ﴾ تَقْدِيرُهُ: أوْ يُكَلِّمَهُ مِن وراءِ حِجابٍ، وهَذا المُضْمَرُ مَعْطُوفٌ عَلى (وحْيًا) والمَعْنى: إلّا بِوَحْيٍ أوْ سَماعٍ مِن وراءِ حِجابٍ، أوْ إرْسالِ رَسُولٍ فَيُوحِي ذَلِكَ الرَّسُولُ إلى النَّبِيِّ الَّذِي أُرْسِلَ عَنْهُ بِإذْنِ اللَّهِ ما يَشاءُ، ولا يَجُوزُ أنْ يُعْطَفَ (أوْ يُرْسِلَ) عَلى ﴿أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ﴾ لِفَسادِ المَعْنى.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: و(وحْيًا) و(أنْ يُرْسِلَ) مَصْدَرانِ واقِعانِ مَوْقِعَ الحالِ؛ لِأنَّ أنْ يُرْسِلَ في مَعْنى إرْسالًا، و﴿مِن وراءِ حِجابٍ﴾ ظَرْفٌ واقِعٌ مَوْقِعَ الحالِ أيْضًا، كَقَوْلِهِ: ﴿وعَلى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٩١]، والتَّقْدِيرُ: وما صَحَّ أنْ يُكَلِّمَ أحَدًا إلّا مُوحِيًا أوْ مُسْمِعًا مِن وراءِ حِجابٍ، أوْ مُرْسِلًا. انْتَهى.
أمّا وُقُوعُ المَصْدَرِ مَوْقِعَ الحالِ، فَلا يَنْقاسُ، وإنَّما قالَتْهُ العَرَبُ. وكَذَلِكَ لا يَجُوزُ: جاءَ زَيْدٌ بُكاءً، تُرِيدُ باكِيًا، وقاسَ مِنهُ المُبَرِّدُ ما كانَ مِنهُ نَوْعًا لِلْفِعْلِ، نَحْوُ: جاءَ زَيْدٌ مَشْيًا أوْ سُرْعَةً، ومَنَعَ سِيبَوَيْهِ أنْ يَقَعَ أنْ والفِعْلُ المُقَدَّرُ بِالمَصْدَرِ مَوْقِعَ الحالِ، فَلا يَجُوزُ، نَحْوُ: جاءَ زَيْدٌ أنْ يَضْحَكَ في مَعْنى ضَحِكًا الواقِعِ مَوْقِعَ ضاحِكًا، فَجَعْلُهُ وحْيًا مَصْدَرًا في مَوْضِعِ الحالِ مِمّا لا يَنْقاسُ، وأنَّ (يُرْسِلَ) في مَعْنى إرْسالًا الواقِعِ مَوْقِعَ مُرْسِلًا مَمْنُوعٌ بِنَصِّ سِيبَوَيْهِ. وقَرَأ نافِعٌ وأهْلُ المَدِينَةِ ﴿أوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ﴾ بِالرَّفْعِ فِيهِما، فَخَرَجَ عَلى إضْمارِ هو يُرْسِلُ، أوْ عَلى ما يَتَعَلَّقُ بِهِ (مِن وراءِ) إذْ تَقْدِيرُهُ: أوْ يَسْمَعُ مِن وراءِ حِجابٍ، (ووَحْيًا) مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ، عُطِفَ عَلَيْهِ ذَلِكَ المُقَدَّرُ المَعْطُوفُ عَلَيْهِ، (أوْ يُرْسِلَ) والتَّقْدِيرُ: إلّا مُوحِيًا أوْ مُسْمِعًا مِن وراءِ حِجابٍ، أوْ مُرْسِلًا، وإسْنادُ التَّكَلُّمِ إلى اللَّهِ بِكَوْنِهِ أرْسَلَ رَسُولًا مَجازٌ، كَما تَقُولُ: نادى المَلِكُ في النّاسِ بِكَذا، وإنَّما نادى الرِّيحُ، الدّائِرُ في الأسْواقِ، نَزَّلَ ما كانَ بِواسِطَةٍ مَنزِلَةَ ما كانَ بِغَيْرِ واسِطَةٍ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وفي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الرِّسالَةَ مِن أنْواعِ التَّكَلُّمِ، وأنَّ الحالِفَ الرُّسُلُ، كانَتْ إذا حَلَفَ أنْ لا يُكَلِّمَ إنْسانًا فَأرْسَلَ إلَيْهِ، وهو لَمْ يَنْوِ المُشافَهَةَ وقْتَ يَمِينِهِ. انْتَهى.
(إنَّهُ عَلِيٌّ) أيْ: عَلِيٌّ عَنْ صِفاتِ المَخْلُوقِينَ، (حَكِيمٌ): تَجْرِي أفْعالُهُ عَلى ما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ، يُكَلِّمُ بِواسِطَةٍ وبِغَيْرِ واسِطَةٍ.
﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا﴾ أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ الإيحاءِ الفَصْلِ أوْحَيْنا إلَيْكَ، إذْ كانَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ اجْتَمَعَتْ لَهُ الطُّرُقُ الثَّلاثُ: النَّفْثُ في الرَّوْعِ والمَنامِ، وتَكْلِيمُ اللَّهِ لَهُ حَقِيقَةً لَيْلَةَ الإسْراءِ، وإرْسالُ رَسُولٍ إلَيْهِ، وهو جِبْرِيلُ. وقِيلَ: كَما أوْحَيْنا إلى الأنْبِياءِ قَبْلَكَ، ﴿أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا﴾ . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: النُّبُوَّةَ. وقالَ السُّدِّيُّ: الوَحْيَ؛ وقالَ قَتادَةُ: رَحْمَةً؛ وقالَ الكَلْبِيُّ: كِتابًا؛ وقالَ الرَّبِيعُ: جِبْرِيلَ؛ وقِيلَ: القُرْآنُ؛ وسَمّى ما أوْحى إلَيْهِ رُوحًا؛ لِأنَّ بِهِ الحَياةَ مِنَ الجَهْلِ.
وقالَ مالِكُ بْنُ دِينارٍ: يا أهْلَ القُرْآنِ، ماذا زَرَعَ القُرْآنُ في قُلُوبِكم ؟ فَإنَّ القُرْآنَ رَبِيعُ القُلُوبِ، كَما أنَّ العُشْبَ رَبِيعُ الأرْضِ.
﴿ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ ولا الإيمانُ﴾: تَوْقِيفٌ عَلى عِظَمِ المِنَّةِ، وهو ﷺ أعْلَمُ النّاسِ بِها، وعَطَفَ ﴿ولا الإيمانُ﴾ عَلى ﴿ما الكِتابُ﴾، وإنَّما مَعْناهُ: الإيمانُ الَّذِي يُدْرِكُهُ السَّمْعُ؛ لِأنَّ لَنا أشْياءَ مِنَ الإيمانِ لا تُعْلَمُ إلّا بِالوَحْيِ.
أمّا تَوْحِيدُ اللَّهِ وبَراءَتُهُ عَنِ النَّقائِصِ، ومَعْرِفَةُ صِفاتِهِ العُلا، فَجَمِيعُ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - عالِمُونَ ذَلِكَ، مَعْصُومُونَ أنْ يَقَعَ مِنهم زَلَلٌ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ، سابِقٌ لَهم عِلْمُ ذَلِكَ قَبْلَ أنْ يُوحِيَ إلَيْهِمْ. وقَدْ أطْلَقَ الإيمانَ عَلى الصَّلاةِ في قَوْلِهِ: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣]، إذْ هي بَعْضُ ما يَتَناوَلُهُ الإيمانُ.
ومَن طالَعَ سِيَرَ الأنْبِياءِ مِن (p-٥٢٨)نَشْأتِهِمْ إلى مَبْعَثِهِمْ، تَحَقَّقَ عِنْدَهُ أنَّهم مَعْصُومُونَ مِن كُلِّ نَقِيصَةٍ، مُوَحِّدُونَ لِلَّهِ مُنْذُ نَشَئُوا.
قالَ اللَّهُ تَعالى في حَقِّ يَحْيى - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿وآتَيْناهُ الحُكْمَ صَبِيًّا﴾ [مريم: ١٢] . قالَ مَعْمَرٌ: كانَ ابْنَ سَنَتَيْنِ أوْ ثَلاثٍ.
وعَنْ أبِي العالِيَةِ: ما كُنْتَ تَدْرِي قَبْلَ الوَحْيِ أنْ تَقْرَأ القُرْآنَ، ولا كَيْفَ تَدْعُو الخَلْقَ إلى الإيمانِ.
وقالَ القاضِي: ﴿ولا الإيمانُ﴾: الفَرائِضُ والأحْكامُ. قالَ: وكانَ قَبْلُ مُؤْمِنًا بِتَوْحِيدِ اللَّهِ، ثُمَّ نَزَلَتِ الفَرائِضُ الَّتِي لَمْ يَكُنْ يَدْرِيها قَبْلُ، فَزادَ بِالتَّكْلِيفِ إيمانًا.
وقالَ القُشَيْرِيُّ: يَجُوزُ إطْلاقُ الإيمانِ عَلى تَفاصِيلِ الشَّرْعِ. وقالَ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ: هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: ولا أهْلُ الإيمانِ مِنَ الَّذِي يُؤْمِنُ أبُو طالِبٍ أوِ العَبّاسُ أوْ غَيْرُهُما. وقالَ عَلِيُّ بْنُ عِيسى: إذْ كُنْتَ في المَهْدِ.
وقِيلَ: ما الكِتابُ لَوْلا إنْعامُنا عَلَيْكَ، ولا الإيمانُ لَوْلا هِدايَتُنا لَكَ. وقِيلَ: أيْ كُنْتَ مِن قَوْمٍ أُمِّيِّينَ لا يَعْرِفُونَ الإيمانَ ولا الكِتابَ، فَتَكُونُ أخَذْتَ ما جِئْتَهم بِهِ عَمَّنْ كانَ يَعْلَمُ ذَلِكَ مِنهم.
﴿ما الكِتابُ﴾ جُمْلَةٌ اسْتِفْهامِيَّةٌ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، وهي في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ (تَدْرِي) وهي مُعَلَّقَةٌ.
﴿ولَكِنْ جَعَلْناهُ نُورًا﴾: يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ إلى قَوْلِهِ: (رُوحًا)، وإلى (كِتابُ)، وإلى (الإيمانُ)، وهو أقْرَبُ مَذْكُورٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: عائِدٌ عَلى الكِتابِ. انْتَهى.
وقِيلَ: يَعُودُ إلى الكِتابِ والإيمانِ مَعًا؛ لِأنَّ مَقْصِدَهُما واحِدٌ، فَهو نَظِيرُ: ﴿واللَّهُ ورَسُولُهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢] . وقَرَأ الجُمْهُورُ: (لَتَهْدِي)، مُضارِعُ هَدى مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ؛ وحَوْشَبٌ: مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، إجابَةَ سُؤالِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦] . وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْقَعِ (لَتُهْدِي) بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ الدّالِ؛ وعَنِ الجَحْدَرِيِّ مِثْلُها، ومِثْلُ قِراءَةِ حَوْشَبٍ.
(صِراطٍ مُّسْتَقِيمٍ)، قالَ عَلِيٌّ: هو القُرْآنُ؛ وقِيلَ: الإسْلامُ.
﴿ألا إلى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ﴾: أخْبَرَ بِالمُضارِعِ، والمُرادُ بِهِ الدَّيْمُومَةُ، كَقَوْلِهِ: زَيْدٌ يُعْطِي ويَمْنَعُ، أيْ: مِن شَأْنِهِ ذَلِكَ، ولا يُرادُ بِهِ حَقِيقَةُ المُسْتَقْبَلِ، أيْ: تُرَدُّ جَمِيعُ أُمُورِ الخَلْقِ إلَيْهِ تَعالى يَوْمَ القِيامَةِ فَيَقْضِي بَيْنَهم بِالعَدْلِ، وخُصَّ ذَلِكَ بِيَوْمِ القِيامَةِ؛ لِأنَّهُ لا يُمْكِنُ لِأحَدٍ أنْ يَدَّعِيَ فِيهِ لِنَفْسِهِ شَيْئًا، قالَهُ الفَرّاءُ.
الشورى 42:52
﴿وقالَ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ الخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ ألا إنَّ الظّالِمِينَ في عَذابٍ مُقِيمٍ﴾ ﴿وما كانَ لَهم مِن أوْلِياءَ يَنْصُرُونَهم مِن دُونِ اللَّهِ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن سَبِيلٍ﴾ ﴿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكم مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ ما لَكم مِن مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وما لَكم مِن نَكِيرٍ﴾ ﴿فَإنْ أعْرَضُوا فَما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إنْ عَلَيْكَ إلّا البَلاغُ وإنّا إذا أذَقْنا الإنْسانَ مِنّا رَحْمَةً فَرِحَ بِها وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ فَإنَّ الإنْسانَ كَفُورٌ﴾ ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ يَخْلُقُ ما يَشاءُ يَهَبُ لِمَن يَشاءُ إناثًا ويَهَبُ لِمَن يَشاءُ الذُّكُورَ﴾ ﴿أوْ يُزَوِّجُهم ذُكْرانًا وإناثًا ويَجْعَلُ مَن يَشاءُ عَقِيمًا إنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ ﴿وما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلّا وحْيًا أوْ مِن وراءِ حِجابٍ أوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإذْنِهِ ما يَشاءُ إنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ ﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ ولا الإيمانُ ولَكِنْ جَعَلْناهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَن نَشاءُ مِن عِبادِنا وإنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿صِراطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ ألا إلى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ﴾ .
(p-٥٢٥)الظّاهِرُ أنَّ (وقالَ) ماضٍ لَفْظًا ومَعْنًى، أيْ: ﴿وقالَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ في الحَياةِ الدُّنْيا، ويَكُونُ (يَوْمَ القِيامَةِ) مَعْمُولًا لِـ (خَسِرُوا)، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْنى (وقالَ): ويَقُولُ، و(يَوْمَ القِيامَةِ) مَعْمُولُ لَوْ يَقُولُوا، أيْ: ويَقُولُوا في ذَلِكَ اليَوْمِ لَمّا عايَنُوا ما حَلَّ بِالكُفّارِ وأهْلِيهِمْ.
الظّاهِرُ أنَّهُمُ الَّذِينَ كانُوا أهْلِيهِمْ في الدُّنْيا، فَإنْ كانُوا مَعَهم في النّارِ فَقَدْ خَسِرُوهم، أيْ: لا يَنْتَفِعُونَ بِهِمْ؛ وإنْ كانُوا في الجَنَّةِ لِكَوْنِهِمْ كانُوا مُؤْمِنِينَ، كَآسِيَةَ امْرَأةِ فِرْعَوْنَ، فَهم لا يَنْتَفِعُونَ بِهِمْ أيْضًا. وقِيلَ: أهْلُوهم ما كانَ أُعِدَّ لَهم مِنَ الحُورِ لَوْ كانُوا آمَنُوا، والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ألا إنَّ الظّالِمِينَ في عَذابٍ مُقِيمٍ﴾ مِن كَلامِ المُؤْمِنِينَ؛ وقِيلَ: اسْتِئْنافُ إخْبارٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى.
﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ﴾، قِيلَ: هو يَوْمُ وُرُودِ المَوْتِ، والظّاهِرُ أنَّهُ يَوْمُ القِيامَةِ. و(مِنَ اللَّهِ) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما مَرَّ، أيْ: لا يَرِدُ ذَلِكَ اليَوْمَ مِن ما حَكَمَ اللَّهُ بِهِ فِيهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (مِنَ اللَّهِ): مِن صِلَةُ (لا مَرَدَّ) . انْتَهى.
ولَيْسَ الجَيِّدُ، إذْ لَوْ كانَ مِن صِلَتِهِ لَكانَ مَعْمُولًا لَهُ، فَكانَ يَكُونُ مُعْرَبًا مُنَوَّنًا. وقِيلَ: (مِنَ اللَّهِ) يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ: (يَأْتِيَ)، مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ مِنَ اللَّهِ يَوْمٌ لا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى رَدِّهِ.
(ما لَكم مِن مَلْجَإٍ) تَلْجَأُونَ إلَيْهِ، فَتَتَخَلَّصُونَ مِنَ العَذابِ، وما لَكم مِن إنْكارِ شَيْءٍ مِن أعْمالِكُمُ الَّتِي تُورِدُكُمُ النّارَ، والنَّكِيرُ مَصْدَرُ أنْكَرَ عَلى غَيْرِ قِياسٍ.
قِيلَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْمَ فاعِلٍ لِلْمُبالَغَةِ، وفِيهِ بُعْدٌ؛ لِأنَّ نَكَرَ مَعْناهُ لَمْ يُمَيِّزْ.
(فَإنْ أعْرَضُوا) الآيَةَ: تَسْلِيَةٌ لِلرَّسُولِ وتَأْنِيسٌ لَهُ، وإزالَةٌ لِهَمِّهِ بِهِمْ. والإنْسانُ: يُرادُ بِهِ الجِنْسُ، ولِذَلِكَ جاءَ: ﴿وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ﴾ . وجاءَ جَوابُ الشَّرْطِ ﴿فَإنَّ الإنْسانَ﴾ ولَمْ يَأْتِ فَإنَّهُ، ولا فَإنَّهم، لِيَدُلَّ عَلى أنَّ هَذا الجِنْسَ مَوْسُومٌ بِكُفْرانِ النِّعَمِ، كَما قالَ: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَظَلُومٌ كَفّارٌ﴾ [إبراهيم: ٣٤]، ﴿إنَّ الإنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ [العاديات: ٦] .
ولَمّا ذَكَرَ أنَّهُ يَكْفُرُ النِّعَمَ، أتْبَعَ ذَلِكَ بِأنَّ لَهُ مُلْكَ العالَمِ العُلْوِيِّ والسُّفْلِيِّ، وأنَّهُ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ، ونَبَّهَ عَلى عَظِيمِ قُدْرَتِهِ، وأنَّ الكائِناتِ ناشِئَةٌ عَنْ إرادَتِهِ، فَذَكَرَ أنَّهُ يَهَبُ لِبَعْضٍ إناثًا، ولِبَعْضٍ ذُكُورًا، ولِبَعْضٍ الصِّنْفَيْنِ، ويَعْقِمُ بَعْضًا فَلا يُولَدُ لَهُ.
وقالَ إسْحاقُ بْنُ بِشْرٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في الأنْبِياءِ، ثُمَّ عَمَّتْ. فَلُوطٌ أبُو بَناتٍ لَمْ يُولَدْ لَهُ ذُكُورٌ، وإبْراهِيمُ ضِدُّهُ، ومُحَمَّدٌ ﷺ وعَلَيْهِما - وُلِدَ لَهُ الصِّنْفانِ، ويَحْيى عَقِيمٌ. انْتَهى.
وذُكِرَ أيْضًا مَعَ لُوطٍ شُعَيْبٌ، ومَعَ يَحْيى عِيسى، وقَدَّمَ تَعالى هِبَةَ البَناتِ تَأْنِيسًا لَهُنَّ وتَشْرِيفًا لَهُنَّ، لِيُهْتَمَّ بِصَوْنِهِنَّ والإحْسانِ إلَيْهِنَّ.
وفِي الحَدِيثِ: «مَنِ ابْتُلِيَ بِشَيْءٍ مِن هَذِهِ البَناتِ فَأحْسَنَ إلَيْهِنَّ كُنَّ لَهُ سِتْرًا مِنَ النّارِ» .
وقالَ واثِلَةُ بْنُ الأسْقَعِ: مِن يُمْنِ المَرْأةِ تَبْكِيرُها بِالأُنْثى قَبْلَ الذَّكَرِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى بَدَأ بِالإناثِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): لِمَ قَدَّمَ الإناثَ عَلى الذُّكُورِ مَعَ تَقَدُّمِهِمْ عَلَيْهِنَّ، ثُمَّ رَجَعَ فَقَدَّمَهم ؟ ولِمَ عَرَّفَ الذُّكُورَ بَعْدَما نَكَّرَ الإناثَ ؟ (قُلْتُ): لِأنَّهُ ذَكَرَ البَلاءَ في آخِرِ الآيَةِ الأُولى. وكُفْرانُ الإنْسانِ: نِسْيانُهُ الرَّحْمَةَ السّابِقَةَ عِنْدَهُ.
ثُمَّ ذَكَّرَهُ بِذِكْرِ مُلْكِهِ ومَشِيئَتِهِ، وذِكْرِ قِسْمَةِ الأوْلادِ، فَقَدَّمَ الإناثَ؛ لِأنَّ سِياقَ الكَلامِ أنَّهُ فاعِلٌ ما يَشاؤُهُ، لا ما يَشاءُ الإنْسانُ، فَكانَ ذِكْرُ الإناثِ اللّائِي مِن جُمْلَةِ ما لا يَشاؤُهُ الإنْسانُ أهَمَّ، والأهَمُّ أوْجَبَ التَّقْدِيمَ.
والبَلاءُ: الجِنْسُ الَّذِي كانَتِ العَرَبُ تَعُدُّهُ بَلاءً، ذَكَرَ البَلاءَ وأخَّرَ الذُّكُورَ. فَلَمّا أخَّرَهم لِذَلِكَ تَدارَكَ تَأْخِيرَهُ، وهم أحَقُّ بِالتَّقْدِيمِ بِتَعْرِيفِهِمْ؛ لِأنَّ التَّعْرِيفَ تَنْوِيهٌ وتَشْهِيرٌ، كَأنَّهُ قالَ: ويَهَبُ لِمَن يَشاءُ الفَرِيقَيْنِ، الأعْلامُ المَذْكُورِينَ الَّذِينَ لا يَخْفَوْنَ عَلَيْكم. ثُمَّ أعْطى بَعْدَ ذَلِكَ كِلا الجِنْسَيْنِ حَظَّهُ مِنَ التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، وعِرْفانُ تَقْدِيمِهِنَّ لَمْ يَكُنْ لِتَقَدُّمِهِنَّ، ولَكِنْ لِمُقْتَضًى آخَرَ فَقالَ: ﴿ذُكْرانًا وإناثًا﴾، كَما قالَ: ﴿إنّا خَلَقْناكم مِن ذَكَرٍ وأُنْثى﴾ [الحجرات: ١٣]، ﴿فَجَعَلَ مِنهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ [القيامة: ٣٩] . انْتَهى.
وقِيلَ: بَدَأ بِالأُنْثى ثُمَّ ثَنّى بِالذَّكَرِ، لِتَنْقِلَهُ مِنَ الغَمِّ إلى الفَرَحِ. وقِيلَ: لِيَعْلَمَ أنَّهُ لا اعْتِراضَ عَلى اللَّهِ فَيَرْضى. (p-٥٢٦)فَإذا وهَبَ لَهُ الذَّكَرَ، عَلِمَ أنَّهُ زِيادَةٌ وفَضْلٌ مِنَ اللَّهِ وإحْسانٌ إلَيْهِ.
وقِيلَ: قَدَّمَها تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ إذا كانَ العَجْزُ والحاجَةُ لَهم، كانَتْ عِنايَةُ اللَّهِ أكْثَرَ.
وقالَ مُجاهِدٌ: هو أنْ تَلِدَ المَرْأةُ غُلامًا، ثُمَّ تَلِدُ جارِيَةً. وقالَ مُحَمَّدُ ابْنُ الحَنَفِيَّةِ: أنْ تَلِدَ تَوْأمًا، غُلامًا وجارِيَةً. وقالَ أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ: أوْ يُزَوِّجُهم ذُكْرانًا وإناثًا. قالَ عُلَماؤُنا: يَعْنِي آدَمَ، كانَتْ حَوّاءُ تَلِدُ لَهُ في كُلِّ بَطْنٍ تَوْأمَيْنِ، ذَكَرًا وأُنْثى؛ تُزَوِّجُ ذَكَرَ هَذا البَطْنِ أُنْثى البَطْنِ الآخَرِ. انْتَهى.
ولَمّا ذَكَرَ الهِبَةَ في الإناثِ، والهِبَةَ في الذُّكُورِ، اكْتَفى عَنْ ذِكْرِها في قَوْلِهِ: ﴿أوْ يُزَوِّجُهم ذُكْرانًا وإناثًا﴾ . ولَمّا كانَ العُقْمُ لَيْسَ بِمَحْمُودٍ قالَ: ﴿ويَجْعَلُ مَن يَشاءُ عَقِيمًا﴾، وهو قَسِيمٌ لِمَن يُولَدُ لَهُ. ولَمّا كانَتِ الخُنْثى مِمّا يُحْزَنُ بِوُجُودِهِ، لَمْ يَذْكُرْهُ تَعالى. قالُوا: وكانَتِ الخِلْقَةُ مُسْتَمِرَّةً، ذَكَرًا وأُنْثى، إلى أنْ وقَعَ في الجاهِلِيَّةِ الأُولى الخُنْثى، فَسُئِلَ فارِضُ العَرَبِ ومُعَمَّرُها عامِرُ بْنُ الظَّرِبِ عَنْ مِيراثِهِ، فَلَمْ يَدْرِ ما يَقُولُهُ وأرْجَأهم.
فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ، جَعَلَ يَتَقَلَّبُ وتَذْهَبُ بِهِ الأفْكارُ، وأنْكَرَتْ خادِمَتُهُ حالَهُ فَسَألَتْهُ، فَقالَ: بُهِرْتُ لِأمْرٍ لا أدْرِي ما أقُولُ فِيهِ، فَقالَتْ لَهُ: ما هو ؟ فَقالَ: شَخْصٌ لَهُ ذَكَرٌ وفَرْجٌ، كَيْفَ يَكُونُ حالُهُ في المِيراثِ ؟ قالَتْ لَهُ الأمَةُ: ورِّثْهُ مِن حَيْثُ يَبُولُ، فَعَقَلَها وأصْبَحَ فَعَرَضَها عَلَيْهِمْ، فَرَضُوا بِها.
وجاءَ الإسْلامُ عَلى ذَلِكَ، وقَضى بِذَلِكَ عَلِيٌّ، كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ، إنَّهُ عَلِيمٌ بِمَصالِحِ العِبادِ، قَدِيرٌ عَلى تَكْوِينِ ما يَشاءُ.
كانَ مِنَ الكُفّارِ خَوْضٌ في مَعْنى تَكْلِيمِ اللَّهِ مُوسى، فَذَهَبَتْ قُرَيْشٌ واليَهُودُ في ذَلِكَ إلى التَّجْسِيمِ، فَنَزَلَتْ. وقِيلَ: كانَتْ قُرَيْشُ تَقُولُ: ألا تُكَلِّمُ اللَّهَ وتَنْظُرُ إلَيْهِ إنْ كُنْتَ نَبِيًّا صادِقًا، كَما كَلَّمَهُ مُوسى ونَظَرَ إلَيْهِ ؟ فَقالَ لَهُمُ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: «لَمْ يَنْظُرْ مُوسى إلى اللَّهِ»، فَنَزَلَتْ: ﴿وما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ﴾، بَيانًا لِصُورَةِ تَكْلِيمِ اللَّهِ عِبادَهُ أيْ: ما يَنْبَغِي ولا يُمْكِنُ لِبَشَرٍ إلّا يُوحى إلَيْهِ أحَدُ وُجُوهِ الوَحْيِ مِنَ الإلْهامِ.
قالَ مُجاهِدٌ: أوِ النَّفْثُ في القَلْبِ. وقالَ النَّقّاشُ: أوْ وحْيٌ في المَنامِ. وقالَ النَّخَعِيُّ: كانَ في الأنْبِياءِ مَن يُخَطُّ لَهُ في الأرْضِ، أوْ بِأنْ يُسْمِعَهُ كَلامَهُ دُونَ أنْ يَعْرِفَ هو لِلْمُتَكَلِّمِ جِهَةً ولا حَيِّزًا، كَمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وهَذا مَعْنى ﴿مِن وراءِ حِجابٍ﴾ أيْ: مِن خَفاءٍ عَنِ المُتَكَلِّمِ، لا يَحُدُّهُ ولا يَتَصَوَّرُ بِذِهْنِهِ عَلَيْهِ، ولَيْسَ كالحِجابِ في المُشاهَدِ، أوْ بِأنْ يُرْسِلَ إلَيْهِ مَلَكًا يُشافِهُهُ بِوَحْيِ اللَّهِ تَعالى، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وما صَحَّ لِأحَدٍ مِنَ البَشَرِ أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلّا عَلى ثَلاثَةِ أوْجُهٍ:
إمّا عَلى طَرِيقِ الوَحْيِ، وهو الإلْهامُ والقَذْفُ في القَلْبِ والمَنامِ، كَما أوْحى إلى أُمِّ مُوسى وإلى إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في ذَبْحِ ولَدِهِ.
وعَنْ مُجاهِدٍ: أوْحى اللَّهُ الزَّبُورَ إلى داوُدَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في صَدْرِهِ، قالَ عَبِيدُ بْنُ الأبْرَصِ:
؎وأوْحى إلَيَّ اللَّهُ أنْ قَدْ تَأمَّرُوا بِابْنِ أبِي أوْفى فَقُمْتُ عَلى رَجْلِ
أيْ: ألْهَمَنِي وقَذَفَ في قَلْبِي. وإمّا عَلى أنْ يُسْمِعَهُ كَلامَهُ الَّذِي يَخْلُقُهُ في بَعْضِ الأجْرامِ مِن غَيْرِ أنْ يُبْصِرَ السّامِعُ مَن يُكَلِّمُهُ؛ لِأنَّهُ في ذاتِهِ غَيْرُ مَرْئِيٍّ.
وقَوْلُهُ: ﴿مِن وراءِ حِجابٍ﴾ مَثَلٌ، أيْ: كَما يُكَلِّمُ المَلِكُ المُحْتَجِبُ بَعْضَ خَواصِّهِ، وهو مِن وراءِ حِجابٍ، فَيَسْمَعُ صَوْتَهُ ولا يَرى شَخْصَهُ، وذَلِكَ كَما كَلَّمَ اللَّهُ مُوسى ويُكَلِّمُ المَلائِكَةَ. وإمّا عَلى أنْ يُرْسِلَ إلَيْهِ رَسُولًا مِنَ المَلائِكَةِ فَيُوحِي المَلَكُ إلَيْهِ، كَما كَلَّمَ الأنْبِياءَ غَيْرَ مُوسى. انْتَهى.
وهُوَ عَلى طَرِيقِ المُعْتَزِلَةِ في اسْتِحالَةِ رُؤْيَةِ اللَّهِ تَعالى ونَفْيِ الكَلامِ الحَقِيقِيِّ عَنِ اللَّهِ.
وكُلُّ هَذِهِ الأقْسامِ الثَّلاثَةِ يَصْدُقُ عَلَيْها أنَّها وحَيٌّ، وخُصَّ الأوَّلُ بِاسْمِ الوَحْيِ هُنا؛ لِأنَّ ما يَقَعُ في القَلْبِ عَلى سَبِيلِ الإلْهامِ يَقَعُ دَفْعَةً واحِدَةً، فَكانَ تَخْصِيصُ لَفْظِ الوَحْيِ بِهِ أوْلى.
وقِيلَ: (وحْيًا) كَما أوْحى إلى الرُّسُلِ بِواسِطَةِ المَلائِكَةِ ﴿أوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾ أيْ: نَبِيًّا، كَما كَلَّمَ أُمَمَ الأنْبِياءِ عَلى ألْسِنَتِهِمْ، حَكاهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وتَرَكَ تَفْسِيرَ ﴿أوْ مِن وراءِ حِجابٍ﴾، ومَعْناهُ في هَذا القَوْلِ: كَما كَلَّمَ مُحَمَّدًا ومُوسى ﷺ .
(p-٥٢٧)وقَرَأ الجُمْهُورُ: (حِجابٍ)، مُفْرَدًا؛ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: حُجُبٍ جَمْعًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِنَصْبِ الفِعْلَيْنِ، عَطَفَ (أوْ يُرْسِلَ) عَلى المُضْمَرِ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ ﴿مِن وراءِ حِجابٍ﴾ تَقْدِيرُهُ: أوْ يُكَلِّمَهُ مِن وراءِ حِجابٍ، وهَذا المُضْمَرُ مَعْطُوفٌ عَلى (وحْيًا) والمَعْنى: إلّا بِوَحْيٍ أوْ سَماعٍ مِن وراءِ حِجابٍ، أوْ إرْسالِ رَسُولٍ فَيُوحِي ذَلِكَ الرَّسُولُ إلى النَّبِيِّ الَّذِي أُرْسِلَ عَنْهُ بِإذْنِ اللَّهِ ما يَشاءُ، ولا يَجُوزُ أنْ يُعْطَفَ (أوْ يُرْسِلَ) عَلى ﴿أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ﴾ لِفَسادِ المَعْنى.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: و(وحْيًا) و(أنْ يُرْسِلَ) مَصْدَرانِ واقِعانِ مَوْقِعَ الحالِ؛ لِأنَّ أنْ يُرْسِلَ في مَعْنى إرْسالًا، و﴿مِن وراءِ حِجابٍ﴾ ظَرْفٌ واقِعٌ مَوْقِعَ الحالِ أيْضًا، كَقَوْلِهِ: ﴿وعَلى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٩١]، والتَّقْدِيرُ: وما صَحَّ أنْ يُكَلِّمَ أحَدًا إلّا مُوحِيًا أوْ مُسْمِعًا مِن وراءِ حِجابٍ، أوْ مُرْسِلًا. انْتَهى.
أمّا وُقُوعُ المَصْدَرِ مَوْقِعَ الحالِ، فَلا يَنْقاسُ، وإنَّما قالَتْهُ العَرَبُ. وكَذَلِكَ لا يَجُوزُ: جاءَ زَيْدٌ بُكاءً، تُرِيدُ باكِيًا، وقاسَ مِنهُ المُبَرِّدُ ما كانَ مِنهُ نَوْعًا لِلْفِعْلِ، نَحْوُ: جاءَ زَيْدٌ مَشْيًا أوْ سُرْعَةً، ومَنَعَ سِيبَوَيْهِ أنْ يَقَعَ أنْ والفِعْلُ المُقَدَّرُ بِالمَصْدَرِ مَوْقِعَ الحالِ، فَلا يَجُوزُ، نَحْوُ: جاءَ زَيْدٌ أنْ يَضْحَكَ في مَعْنى ضَحِكًا الواقِعِ مَوْقِعَ ضاحِكًا، فَجَعْلُهُ وحْيًا مَصْدَرًا في مَوْضِعِ الحالِ مِمّا لا يَنْقاسُ، وأنَّ (يُرْسِلَ) في مَعْنى إرْسالًا الواقِعِ مَوْقِعَ مُرْسِلًا مَمْنُوعٌ بِنَصِّ سِيبَوَيْهِ. وقَرَأ نافِعٌ وأهْلُ المَدِينَةِ ﴿أوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ﴾ بِالرَّفْعِ فِيهِما، فَخَرَجَ عَلى إضْمارِ هو يُرْسِلُ، أوْ عَلى ما يَتَعَلَّقُ بِهِ (مِن وراءِ) إذْ تَقْدِيرُهُ: أوْ يَسْمَعُ مِن وراءِ حِجابٍ، (ووَحْيًا) مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ، عُطِفَ عَلَيْهِ ذَلِكَ المُقَدَّرُ المَعْطُوفُ عَلَيْهِ، (أوْ يُرْسِلَ) والتَّقْدِيرُ: إلّا مُوحِيًا أوْ مُسْمِعًا مِن وراءِ حِجابٍ، أوْ مُرْسِلًا، وإسْنادُ التَّكَلُّمِ إلى اللَّهِ بِكَوْنِهِ أرْسَلَ رَسُولًا مَجازٌ، كَما تَقُولُ: نادى المَلِكُ في النّاسِ بِكَذا، وإنَّما نادى الرِّيحُ، الدّائِرُ في الأسْواقِ، نَزَّلَ ما كانَ بِواسِطَةٍ مَنزِلَةَ ما كانَ بِغَيْرِ واسِطَةٍ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وفي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الرِّسالَةَ مِن أنْواعِ التَّكَلُّمِ، وأنَّ الحالِفَ الرُّسُلُ، كانَتْ إذا حَلَفَ أنْ لا يُكَلِّمَ إنْسانًا فَأرْسَلَ إلَيْهِ، وهو لَمْ يَنْوِ المُشافَهَةَ وقْتَ يَمِينِهِ. انْتَهى.
(إنَّهُ عَلِيٌّ) أيْ: عَلِيٌّ عَنْ صِفاتِ المَخْلُوقِينَ، (حَكِيمٌ): تَجْرِي أفْعالُهُ عَلى ما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ، يُكَلِّمُ بِواسِطَةٍ وبِغَيْرِ واسِطَةٍ.
﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا﴾ أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ الإيحاءِ الفَصْلِ أوْحَيْنا إلَيْكَ، إذْ كانَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ اجْتَمَعَتْ لَهُ الطُّرُقُ الثَّلاثُ: النَّفْثُ في الرَّوْعِ والمَنامِ، وتَكْلِيمُ اللَّهِ لَهُ حَقِيقَةً لَيْلَةَ الإسْراءِ، وإرْسالُ رَسُولٍ إلَيْهِ، وهو جِبْرِيلُ. وقِيلَ: كَما أوْحَيْنا إلى الأنْبِياءِ قَبْلَكَ، ﴿أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا﴾ . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: النُّبُوَّةَ. وقالَ السُّدِّيُّ: الوَحْيَ؛ وقالَ قَتادَةُ: رَحْمَةً؛ وقالَ الكَلْبِيُّ: كِتابًا؛ وقالَ الرَّبِيعُ: جِبْرِيلَ؛ وقِيلَ: القُرْآنُ؛ وسَمّى ما أوْحى إلَيْهِ رُوحًا؛ لِأنَّ بِهِ الحَياةَ مِنَ الجَهْلِ.
وقالَ مالِكُ بْنُ دِينارٍ: يا أهْلَ القُرْآنِ، ماذا زَرَعَ القُرْآنُ في قُلُوبِكم ؟ فَإنَّ القُرْآنَ رَبِيعُ القُلُوبِ، كَما أنَّ العُشْبَ رَبِيعُ الأرْضِ.
﴿ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ ولا الإيمانُ﴾: تَوْقِيفٌ عَلى عِظَمِ المِنَّةِ، وهو ﷺ أعْلَمُ النّاسِ بِها، وعَطَفَ ﴿ولا الإيمانُ﴾ عَلى ﴿ما الكِتابُ﴾، وإنَّما مَعْناهُ: الإيمانُ الَّذِي يُدْرِكُهُ السَّمْعُ؛ لِأنَّ لَنا أشْياءَ مِنَ الإيمانِ لا تُعْلَمُ إلّا بِالوَحْيِ.
أمّا تَوْحِيدُ اللَّهِ وبَراءَتُهُ عَنِ النَّقائِصِ، ومَعْرِفَةُ صِفاتِهِ العُلا، فَجَمِيعُ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - عالِمُونَ ذَلِكَ، مَعْصُومُونَ أنْ يَقَعَ مِنهم زَلَلٌ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ، سابِقٌ لَهم عِلْمُ ذَلِكَ قَبْلَ أنْ يُوحِيَ إلَيْهِمْ. وقَدْ أطْلَقَ الإيمانَ عَلى الصَّلاةِ في قَوْلِهِ: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣]، إذْ هي بَعْضُ ما يَتَناوَلُهُ الإيمانُ.
ومَن طالَعَ سِيَرَ الأنْبِياءِ مِن (p-٥٢٨)نَشْأتِهِمْ إلى مَبْعَثِهِمْ، تَحَقَّقَ عِنْدَهُ أنَّهم مَعْصُومُونَ مِن كُلِّ نَقِيصَةٍ، مُوَحِّدُونَ لِلَّهِ مُنْذُ نَشَئُوا.
قالَ اللَّهُ تَعالى في حَقِّ يَحْيى - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿وآتَيْناهُ الحُكْمَ صَبِيًّا﴾ [مريم: ١٢] . قالَ مَعْمَرٌ: كانَ ابْنَ سَنَتَيْنِ أوْ ثَلاثٍ.
وعَنْ أبِي العالِيَةِ: ما كُنْتَ تَدْرِي قَبْلَ الوَحْيِ أنْ تَقْرَأ القُرْآنَ، ولا كَيْفَ تَدْعُو الخَلْقَ إلى الإيمانِ.
وقالَ القاضِي: ﴿ولا الإيمانُ﴾: الفَرائِضُ والأحْكامُ. قالَ: وكانَ قَبْلُ مُؤْمِنًا بِتَوْحِيدِ اللَّهِ، ثُمَّ نَزَلَتِ الفَرائِضُ الَّتِي لَمْ يَكُنْ يَدْرِيها قَبْلُ، فَزادَ بِالتَّكْلِيفِ إيمانًا.
وقالَ القُشَيْرِيُّ: يَجُوزُ إطْلاقُ الإيمانِ عَلى تَفاصِيلِ الشَّرْعِ. وقالَ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ: هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: ولا أهْلُ الإيمانِ مِنَ الَّذِي يُؤْمِنُ أبُو طالِبٍ أوِ العَبّاسُ أوْ غَيْرُهُما. وقالَ عَلِيُّ بْنُ عِيسى: إذْ كُنْتَ في المَهْدِ.
وقِيلَ: ما الكِتابُ لَوْلا إنْعامُنا عَلَيْكَ، ولا الإيمانُ لَوْلا هِدايَتُنا لَكَ. وقِيلَ: أيْ كُنْتَ مِن قَوْمٍ أُمِّيِّينَ لا يَعْرِفُونَ الإيمانَ ولا الكِتابَ، فَتَكُونُ أخَذْتَ ما جِئْتَهم بِهِ عَمَّنْ كانَ يَعْلَمُ ذَلِكَ مِنهم.
﴿ما الكِتابُ﴾ جُمْلَةٌ اسْتِفْهامِيَّةٌ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، وهي في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ (تَدْرِي) وهي مُعَلَّقَةٌ.
﴿ولَكِنْ جَعَلْناهُ نُورًا﴾: يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ إلى قَوْلِهِ: (رُوحًا)، وإلى (كِتابُ)، وإلى (الإيمانُ)، وهو أقْرَبُ مَذْكُورٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: عائِدٌ عَلى الكِتابِ. انْتَهى.
وقِيلَ: يَعُودُ إلى الكِتابِ والإيمانِ مَعًا؛ لِأنَّ مَقْصِدَهُما واحِدٌ، فَهو نَظِيرُ: ﴿واللَّهُ ورَسُولُهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢] . وقَرَأ الجُمْهُورُ: (لَتَهْدِي)، مُضارِعُ هَدى مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ؛ وحَوْشَبٌ: مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، إجابَةَ سُؤالِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦] . وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْقَعِ (لَتُهْدِي) بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ الدّالِ؛ وعَنِ الجَحْدَرِيِّ مِثْلُها، ومِثْلُ قِراءَةِ حَوْشَبٍ.
(صِراطٍ مُّسْتَقِيمٍ)، قالَ عَلِيٌّ: هو القُرْآنُ؛ وقِيلَ: الإسْلامُ.
﴿ألا إلى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ﴾: أخْبَرَ بِالمُضارِعِ، والمُرادُ بِهِ الدَّيْمُومَةُ، كَقَوْلِهِ: زَيْدٌ يُعْطِي ويَمْنَعُ، أيْ: مِن شَأْنِهِ ذَلِكَ، ولا يُرادُ بِهِ حَقِيقَةُ المُسْتَقْبَلِ، أيْ: تُرَدُّ جَمِيعُ أُمُورِ الخَلْقِ إلَيْهِ تَعالى يَوْمَ القِيامَةِ فَيَقْضِي بَيْنَهم بِالعَدْلِ، وخُصَّ ذَلِكَ بِيَوْمِ القِيامَةِ؛ لِأنَّهُ لا يُمْكِنُ لِأحَدٍ أنْ يَدَّعِيَ فِيهِ لِنَفْسِهِ شَيْئًا، قالَهُ الفَرّاءُ.
الشورى 42:53
﴿وقالَ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ الخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ ألا إنَّ الظّالِمِينَ في عَذابٍ مُقِيمٍ﴾ ﴿وما كانَ لَهم مِن أوْلِياءَ يَنْصُرُونَهم مِن دُونِ اللَّهِ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن سَبِيلٍ﴾ ﴿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكم مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ ما لَكم مِن مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وما لَكم مِن نَكِيرٍ﴾ ﴿فَإنْ أعْرَضُوا فَما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إنْ عَلَيْكَ إلّا البَلاغُ وإنّا إذا أذَقْنا الإنْسانَ مِنّا رَحْمَةً فَرِحَ بِها وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ فَإنَّ الإنْسانَ كَفُورٌ﴾ ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ يَخْلُقُ ما يَشاءُ يَهَبُ لِمَن يَشاءُ إناثًا ويَهَبُ لِمَن يَشاءُ الذُّكُورَ﴾ ﴿أوْ يُزَوِّجُهم ذُكْرانًا وإناثًا ويَجْعَلُ مَن يَشاءُ عَقِيمًا إنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ ﴿وما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلّا وحْيًا أوْ مِن وراءِ حِجابٍ أوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإذْنِهِ ما يَشاءُ إنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ ﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ ولا الإيمانُ ولَكِنْ جَعَلْناهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَن نَشاءُ مِن عِبادِنا وإنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿صِراطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ ألا إلى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ﴾ .
(p-٥٢٥)الظّاهِرُ أنَّ (وقالَ) ماضٍ لَفْظًا ومَعْنًى، أيْ: ﴿وقالَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ في الحَياةِ الدُّنْيا، ويَكُونُ (يَوْمَ القِيامَةِ) مَعْمُولًا لِـ (خَسِرُوا)، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْنى (وقالَ): ويَقُولُ، و(يَوْمَ القِيامَةِ) مَعْمُولُ لَوْ يَقُولُوا، أيْ: ويَقُولُوا في ذَلِكَ اليَوْمِ لَمّا عايَنُوا ما حَلَّ بِالكُفّارِ وأهْلِيهِمْ.
الظّاهِرُ أنَّهُمُ الَّذِينَ كانُوا أهْلِيهِمْ في الدُّنْيا، فَإنْ كانُوا مَعَهم في النّارِ فَقَدْ خَسِرُوهم، أيْ: لا يَنْتَفِعُونَ بِهِمْ؛ وإنْ كانُوا في الجَنَّةِ لِكَوْنِهِمْ كانُوا مُؤْمِنِينَ، كَآسِيَةَ امْرَأةِ فِرْعَوْنَ، فَهم لا يَنْتَفِعُونَ بِهِمْ أيْضًا. وقِيلَ: أهْلُوهم ما كانَ أُعِدَّ لَهم مِنَ الحُورِ لَوْ كانُوا آمَنُوا، والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ألا إنَّ الظّالِمِينَ في عَذابٍ مُقِيمٍ﴾ مِن كَلامِ المُؤْمِنِينَ؛ وقِيلَ: اسْتِئْنافُ إخْبارٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى.
﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ﴾، قِيلَ: هو يَوْمُ وُرُودِ المَوْتِ، والظّاهِرُ أنَّهُ يَوْمُ القِيامَةِ. و(مِنَ اللَّهِ) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما مَرَّ، أيْ: لا يَرِدُ ذَلِكَ اليَوْمَ مِن ما حَكَمَ اللَّهُ بِهِ فِيهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (مِنَ اللَّهِ): مِن صِلَةُ (لا مَرَدَّ) . انْتَهى.
ولَيْسَ الجَيِّدُ، إذْ لَوْ كانَ مِن صِلَتِهِ لَكانَ مَعْمُولًا لَهُ، فَكانَ يَكُونُ مُعْرَبًا مُنَوَّنًا. وقِيلَ: (مِنَ اللَّهِ) يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ: (يَأْتِيَ)، مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ مِنَ اللَّهِ يَوْمٌ لا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى رَدِّهِ.
(ما لَكم مِن مَلْجَإٍ) تَلْجَأُونَ إلَيْهِ، فَتَتَخَلَّصُونَ مِنَ العَذابِ، وما لَكم مِن إنْكارِ شَيْءٍ مِن أعْمالِكُمُ الَّتِي تُورِدُكُمُ النّارَ، والنَّكِيرُ مَصْدَرُ أنْكَرَ عَلى غَيْرِ قِياسٍ.
قِيلَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْمَ فاعِلٍ لِلْمُبالَغَةِ، وفِيهِ بُعْدٌ؛ لِأنَّ نَكَرَ مَعْناهُ لَمْ يُمَيِّزْ.
(فَإنْ أعْرَضُوا) الآيَةَ: تَسْلِيَةٌ لِلرَّسُولِ وتَأْنِيسٌ لَهُ، وإزالَةٌ لِهَمِّهِ بِهِمْ. والإنْسانُ: يُرادُ بِهِ الجِنْسُ، ولِذَلِكَ جاءَ: ﴿وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ﴾ . وجاءَ جَوابُ الشَّرْطِ ﴿فَإنَّ الإنْسانَ﴾ ولَمْ يَأْتِ فَإنَّهُ، ولا فَإنَّهم، لِيَدُلَّ عَلى أنَّ هَذا الجِنْسَ مَوْسُومٌ بِكُفْرانِ النِّعَمِ، كَما قالَ: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَظَلُومٌ كَفّارٌ﴾ [إبراهيم: ٣٤]، ﴿إنَّ الإنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ [العاديات: ٦] .
ولَمّا ذَكَرَ أنَّهُ يَكْفُرُ النِّعَمَ، أتْبَعَ ذَلِكَ بِأنَّ لَهُ مُلْكَ العالَمِ العُلْوِيِّ والسُّفْلِيِّ، وأنَّهُ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ، ونَبَّهَ عَلى عَظِيمِ قُدْرَتِهِ، وأنَّ الكائِناتِ ناشِئَةٌ عَنْ إرادَتِهِ، فَذَكَرَ أنَّهُ يَهَبُ لِبَعْضٍ إناثًا، ولِبَعْضٍ ذُكُورًا، ولِبَعْضٍ الصِّنْفَيْنِ، ويَعْقِمُ بَعْضًا فَلا يُولَدُ لَهُ.
وقالَ إسْحاقُ بْنُ بِشْرٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في الأنْبِياءِ، ثُمَّ عَمَّتْ. فَلُوطٌ أبُو بَناتٍ لَمْ يُولَدْ لَهُ ذُكُورٌ، وإبْراهِيمُ ضِدُّهُ، ومُحَمَّدٌ ﷺ وعَلَيْهِما - وُلِدَ لَهُ الصِّنْفانِ، ويَحْيى عَقِيمٌ. انْتَهى.
وذُكِرَ أيْضًا مَعَ لُوطٍ شُعَيْبٌ، ومَعَ يَحْيى عِيسى، وقَدَّمَ تَعالى هِبَةَ البَناتِ تَأْنِيسًا لَهُنَّ وتَشْرِيفًا لَهُنَّ، لِيُهْتَمَّ بِصَوْنِهِنَّ والإحْسانِ إلَيْهِنَّ.
وفِي الحَدِيثِ: «مَنِ ابْتُلِيَ بِشَيْءٍ مِن هَذِهِ البَناتِ فَأحْسَنَ إلَيْهِنَّ كُنَّ لَهُ سِتْرًا مِنَ النّارِ» .
وقالَ واثِلَةُ بْنُ الأسْقَعِ: مِن يُمْنِ المَرْأةِ تَبْكِيرُها بِالأُنْثى قَبْلَ الذَّكَرِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى بَدَأ بِالإناثِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): لِمَ قَدَّمَ الإناثَ عَلى الذُّكُورِ مَعَ تَقَدُّمِهِمْ عَلَيْهِنَّ، ثُمَّ رَجَعَ فَقَدَّمَهم ؟ ولِمَ عَرَّفَ الذُّكُورَ بَعْدَما نَكَّرَ الإناثَ ؟ (قُلْتُ): لِأنَّهُ ذَكَرَ البَلاءَ في آخِرِ الآيَةِ الأُولى. وكُفْرانُ الإنْسانِ: نِسْيانُهُ الرَّحْمَةَ السّابِقَةَ عِنْدَهُ.
ثُمَّ ذَكَّرَهُ بِذِكْرِ مُلْكِهِ ومَشِيئَتِهِ، وذِكْرِ قِسْمَةِ الأوْلادِ، فَقَدَّمَ الإناثَ؛ لِأنَّ سِياقَ الكَلامِ أنَّهُ فاعِلٌ ما يَشاؤُهُ، لا ما يَشاءُ الإنْسانُ، فَكانَ ذِكْرُ الإناثِ اللّائِي مِن جُمْلَةِ ما لا يَشاؤُهُ الإنْسانُ أهَمَّ، والأهَمُّ أوْجَبَ التَّقْدِيمَ.
والبَلاءُ: الجِنْسُ الَّذِي كانَتِ العَرَبُ تَعُدُّهُ بَلاءً، ذَكَرَ البَلاءَ وأخَّرَ الذُّكُورَ. فَلَمّا أخَّرَهم لِذَلِكَ تَدارَكَ تَأْخِيرَهُ، وهم أحَقُّ بِالتَّقْدِيمِ بِتَعْرِيفِهِمْ؛ لِأنَّ التَّعْرِيفَ تَنْوِيهٌ وتَشْهِيرٌ، كَأنَّهُ قالَ: ويَهَبُ لِمَن يَشاءُ الفَرِيقَيْنِ، الأعْلامُ المَذْكُورِينَ الَّذِينَ لا يَخْفَوْنَ عَلَيْكم. ثُمَّ أعْطى بَعْدَ ذَلِكَ كِلا الجِنْسَيْنِ حَظَّهُ مِنَ التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، وعِرْفانُ تَقْدِيمِهِنَّ لَمْ يَكُنْ لِتَقَدُّمِهِنَّ، ولَكِنْ لِمُقْتَضًى آخَرَ فَقالَ: ﴿ذُكْرانًا وإناثًا﴾، كَما قالَ: ﴿إنّا خَلَقْناكم مِن ذَكَرٍ وأُنْثى﴾ [الحجرات: ١٣]، ﴿فَجَعَلَ مِنهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ [القيامة: ٣٩] . انْتَهى.
وقِيلَ: بَدَأ بِالأُنْثى ثُمَّ ثَنّى بِالذَّكَرِ، لِتَنْقِلَهُ مِنَ الغَمِّ إلى الفَرَحِ. وقِيلَ: لِيَعْلَمَ أنَّهُ لا اعْتِراضَ عَلى اللَّهِ فَيَرْضى. (p-٥٢٦)فَإذا وهَبَ لَهُ الذَّكَرَ، عَلِمَ أنَّهُ زِيادَةٌ وفَضْلٌ مِنَ اللَّهِ وإحْسانٌ إلَيْهِ.
وقِيلَ: قَدَّمَها تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ إذا كانَ العَجْزُ والحاجَةُ لَهم، كانَتْ عِنايَةُ اللَّهِ أكْثَرَ.
وقالَ مُجاهِدٌ: هو أنْ تَلِدَ المَرْأةُ غُلامًا، ثُمَّ تَلِدُ جارِيَةً. وقالَ مُحَمَّدُ ابْنُ الحَنَفِيَّةِ: أنْ تَلِدَ تَوْأمًا، غُلامًا وجارِيَةً. وقالَ أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ: أوْ يُزَوِّجُهم ذُكْرانًا وإناثًا. قالَ عُلَماؤُنا: يَعْنِي آدَمَ، كانَتْ حَوّاءُ تَلِدُ لَهُ في كُلِّ بَطْنٍ تَوْأمَيْنِ، ذَكَرًا وأُنْثى؛ تُزَوِّجُ ذَكَرَ هَذا البَطْنِ أُنْثى البَطْنِ الآخَرِ. انْتَهى.
ولَمّا ذَكَرَ الهِبَةَ في الإناثِ، والهِبَةَ في الذُّكُورِ، اكْتَفى عَنْ ذِكْرِها في قَوْلِهِ: ﴿أوْ يُزَوِّجُهم ذُكْرانًا وإناثًا﴾ . ولَمّا كانَ العُقْمُ لَيْسَ بِمَحْمُودٍ قالَ: ﴿ويَجْعَلُ مَن يَشاءُ عَقِيمًا﴾، وهو قَسِيمٌ لِمَن يُولَدُ لَهُ. ولَمّا كانَتِ الخُنْثى مِمّا يُحْزَنُ بِوُجُودِهِ، لَمْ يَذْكُرْهُ تَعالى. قالُوا: وكانَتِ الخِلْقَةُ مُسْتَمِرَّةً، ذَكَرًا وأُنْثى، إلى أنْ وقَعَ في الجاهِلِيَّةِ الأُولى الخُنْثى، فَسُئِلَ فارِضُ العَرَبِ ومُعَمَّرُها عامِرُ بْنُ الظَّرِبِ عَنْ مِيراثِهِ، فَلَمْ يَدْرِ ما يَقُولُهُ وأرْجَأهم.
فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ، جَعَلَ يَتَقَلَّبُ وتَذْهَبُ بِهِ الأفْكارُ، وأنْكَرَتْ خادِمَتُهُ حالَهُ فَسَألَتْهُ، فَقالَ: بُهِرْتُ لِأمْرٍ لا أدْرِي ما أقُولُ فِيهِ، فَقالَتْ لَهُ: ما هو ؟ فَقالَ: شَخْصٌ لَهُ ذَكَرٌ وفَرْجٌ، كَيْفَ يَكُونُ حالُهُ في المِيراثِ ؟ قالَتْ لَهُ الأمَةُ: ورِّثْهُ مِن حَيْثُ يَبُولُ، فَعَقَلَها وأصْبَحَ فَعَرَضَها عَلَيْهِمْ، فَرَضُوا بِها.
وجاءَ الإسْلامُ عَلى ذَلِكَ، وقَضى بِذَلِكَ عَلِيٌّ، كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ، إنَّهُ عَلِيمٌ بِمَصالِحِ العِبادِ، قَدِيرٌ عَلى تَكْوِينِ ما يَشاءُ.
كانَ مِنَ الكُفّارِ خَوْضٌ في مَعْنى تَكْلِيمِ اللَّهِ مُوسى، فَذَهَبَتْ قُرَيْشٌ واليَهُودُ في ذَلِكَ إلى التَّجْسِيمِ، فَنَزَلَتْ. وقِيلَ: كانَتْ قُرَيْشُ تَقُولُ: ألا تُكَلِّمُ اللَّهَ وتَنْظُرُ إلَيْهِ إنْ كُنْتَ نَبِيًّا صادِقًا، كَما كَلَّمَهُ مُوسى ونَظَرَ إلَيْهِ ؟ فَقالَ لَهُمُ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: «لَمْ يَنْظُرْ مُوسى إلى اللَّهِ»، فَنَزَلَتْ: ﴿وما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ﴾، بَيانًا لِصُورَةِ تَكْلِيمِ اللَّهِ عِبادَهُ أيْ: ما يَنْبَغِي ولا يُمْكِنُ لِبَشَرٍ إلّا يُوحى إلَيْهِ أحَدُ وُجُوهِ الوَحْيِ مِنَ الإلْهامِ.
قالَ مُجاهِدٌ: أوِ النَّفْثُ في القَلْبِ. وقالَ النَّقّاشُ: أوْ وحْيٌ في المَنامِ. وقالَ النَّخَعِيُّ: كانَ في الأنْبِياءِ مَن يُخَطُّ لَهُ في الأرْضِ، أوْ بِأنْ يُسْمِعَهُ كَلامَهُ دُونَ أنْ يَعْرِفَ هو لِلْمُتَكَلِّمِ جِهَةً ولا حَيِّزًا، كَمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وهَذا مَعْنى ﴿مِن وراءِ حِجابٍ﴾ أيْ: مِن خَفاءٍ عَنِ المُتَكَلِّمِ، لا يَحُدُّهُ ولا يَتَصَوَّرُ بِذِهْنِهِ عَلَيْهِ، ولَيْسَ كالحِجابِ في المُشاهَدِ، أوْ بِأنْ يُرْسِلَ إلَيْهِ مَلَكًا يُشافِهُهُ بِوَحْيِ اللَّهِ تَعالى، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وما صَحَّ لِأحَدٍ مِنَ البَشَرِ أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلّا عَلى ثَلاثَةِ أوْجُهٍ:
إمّا عَلى طَرِيقِ الوَحْيِ، وهو الإلْهامُ والقَذْفُ في القَلْبِ والمَنامِ، كَما أوْحى إلى أُمِّ مُوسى وإلى إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في ذَبْحِ ولَدِهِ.
وعَنْ مُجاهِدٍ: أوْحى اللَّهُ الزَّبُورَ إلى داوُدَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في صَدْرِهِ، قالَ عَبِيدُ بْنُ الأبْرَصِ:
؎وأوْحى إلَيَّ اللَّهُ أنْ قَدْ تَأمَّرُوا بِابْنِ أبِي أوْفى فَقُمْتُ عَلى رَجْلِ
أيْ: ألْهَمَنِي وقَذَفَ في قَلْبِي. وإمّا عَلى أنْ يُسْمِعَهُ كَلامَهُ الَّذِي يَخْلُقُهُ في بَعْضِ الأجْرامِ مِن غَيْرِ أنْ يُبْصِرَ السّامِعُ مَن يُكَلِّمُهُ؛ لِأنَّهُ في ذاتِهِ غَيْرُ مَرْئِيٍّ.
وقَوْلُهُ: ﴿مِن وراءِ حِجابٍ﴾ مَثَلٌ، أيْ: كَما يُكَلِّمُ المَلِكُ المُحْتَجِبُ بَعْضَ خَواصِّهِ، وهو مِن وراءِ حِجابٍ، فَيَسْمَعُ صَوْتَهُ ولا يَرى شَخْصَهُ، وذَلِكَ كَما كَلَّمَ اللَّهُ مُوسى ويُكَلِّمُ المَلائِكَةَ. وإمّا عَلى أنْ يُرْسِلَ إلَيْهِ رَسُولًا مِنَ المَلائِكَةِ فَيُوحِي المَلَكُ إلَيْهِ، كَما كَلَّمَ الأنْبِياءَ غَيْرَ مُوسى. انْتَهى.
وهُوَ عَلى طَرِيقِ المُعْتَزِلَةِ في اسْتِحالَةِ رُؤْيَةِ اللَّهِ تَعالى ونَفْيِ الكَلامِ الحَقِيقِيِّ عَنِ اللَّهِ.
وكُلُّ هَذِهِ الأقْسامِ الثَّلاثَةِ يَصْدُقُ عَلَيْها أنَّها وحَيٌّ، وخُصَّ الأوَّلُ بِاسْمِ الوَحْيِ هُنا؛ لِأنَّ ما يَقَعُ في القَلْبِ عَلى سَبِيلِ الإلْهامِ يَقَعُ دَفْعَةً واحِدَةً، فَكانَ تَخْصِيصُ لَفْظِ الوَحْيِ بِهِ أوْلى.
وقِيلَ: (وحْيًا) كَما أوْحى إلى الرُّسُلِ بِواسِطَةِ المَلائِكَةِ ﴿أوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾ أيْ: نَبِيًّا، كَما كَلَّمَ أُمَمَ الأنْبِياءِ عَلى ألْسِنَتِهِمْ، حَكاهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وتَرَكَ تَفْسِيرَ ﴿أوْ مِن وراءِ حِجابٍ﴾، ومَعْناهُ في هَذا القَوْلِ: كَما كَلَّمَ مُحَمَّدًا ومُوسى ﷺ .
(p-٥٢٧)وقَرَأ الجُمْهُورُ: (حِجابٍ)، مُفْرَدًا؛ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: حُجُبٍ جَمْعًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِنَصْبِ الفِعْلَيْنِ، عَطَفَ (أوْ يُرْسِلَ) عَلى المُضْمَرِ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ ﴿مِن وراءِ حِجابٍ﴾ تَقْدِيرُهُ: أوْ يُكَلِّمَهُ مِن وراءِ حِجابٍ، وهَذا المُضْمَرُ مَعْطُوفٌ عَلى (وحْيًا) والمَعْنى: إلّا بِوَحْيٍ أوْ سَماعٍ مِن وراءِ حِجابٍ، أوْ إرْسالِ رَسُولٍ فَيُوحِي ذَلِكَ الرَّسُولُ إلى النَّبِيِّ الَّذِي أُرْسِلَ عَنْهُ بِإذْنِ اللَّهِ ما يَشاءُ، ولا يَجُوزُ أنْ يُعْطَفَ (أوْ يُرْسِلَ) عَلى ﴿أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ﴾ لِفَسادِ المَعْنى.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: و(وحْيًا) و(أنْ يُرْسِلَ) مَصْدَرانِ واقِعانِ مَوْقِعَ الحالِ؛ لِأنَّ أنْ يُرْسِلَ في مَعْنى إرْسالًا، و﴿مِن وراءِ حِجابٍ﴾ ظَرْفٌ واقِعٌ مَوْقِعَ الحالِ أيْضًا، كَقَوْلِهِ: ﴿وعَلى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٩١]، والتَّقْدِيرُ: وما صَحَّ أنْ يُكَلِّمَ أحَدًا إلّا مُوحِيًا أوْ مُسْمِعًا مِن وراءِ حِجابٍ، أوْ مُرْسِلًا. انْتَهى.
أمّا وُقُوعُ المَصْدَرِ مَوْقِعَ الحالِ، فَلا يَنْقاسُ، وإنَّما قالَتْهُ العَرَبُ. وكَذَلِكَ لا يَجُوزُ: جاءَ زَيْدٌ بُكاءً، تُرِيدُ باكِيًا، وقاسَ مِنهُ المُبَرِّدُ ما كانَ مِنهُ نَوْعًا لِلْفِعْلِ، نَحْوُ: جاءَ زَيْدٌ مَشْيًا أوْ سُرْعَةً، ومَنَعَ سِيبَوَيْهِ أنْ يَقَعَ أنْ والفِعْلُ المُقَدَّرُ بِالمَصْدَرِ مَوْقِعَ الحالِ، فَلا يَجُوزُ، نَحْوُ: جاءَ زَيْدٌ أنْ يَضْحَكَ في مَعْنى ضَحِكًا الواقِعِ مَوْقِعَ ضاحِكًا، فَجَعْلُهُ وحْيًا مَصْدَرًا في مَوْضِعِ الحالِ مِمّا لا يَنْقاسُ، وأنَّ (يُرْسِلَ) في مَعْنى إرْسالًا الواقِعِ مَوْقِعَ مُرْسِلًا مَمْنُوعٌ بِنَصِّ سِيبَوَيْهِ. وقَرَأ نافِعٌ وأهْلُ المَدِينَةِ ﴿أوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ﴾ بِالرَّفْعِ فِيهِما، فَخَرَجَ عَلى إضْمارِ هو يُرْسِلُ، أوْ عَلى ما يَتَعَلَّقُ بِهِ (مِن وراءِ) إذْ تَقْدِيرُهُ: أوْ يَسْمَعُ مِن وراءِ حِجابٍ، (ووَحْيًا) مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ، عُطِفَ عَلَيْهِ ذَلِكَ المُقَدَّرُ المَعْطُوفُ عَلَيْهِ، (أوْ يُرْسِلَ) والتَّقْدِيرُ: إلّا مُوحِيًا أوْ مُسْمِعًا مِن وراءِ حِجابٍ، أوْ مُرْسِلًا، وإسْنادُ التَّكَلُّمِ إلى اللَّهِ بِكَوْنِهِ أرْسَلَ رَسُولًا مَجازٌ، كَما تَقُولُ: نادى المَلِكُ في النّاسِ بِكَذا، وإنَّما نادى الرِّيحُ، الدّائِرُ في الأسْواقِ، نَزَّلَ ما كانَ بِواسِطَةٍ مَنزِلَةَ ما كانَ بِغَيْرِ واسِطَةٍ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وفي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الرِّسالَةَ مِن أنْواعِ التَّكَلُّمِ، وأنَّ الحالِفَ الرُّسُلُ، كانَتْ إذا حَلَفَ أنْ لا يُكَلِّمَ إنْسانًا فَأرْسَلَ إلَيْهِ، وهو لَمْ يَنْوِ المُشافَهَةَ وقْتَ يَمِينِهِ. انْتَهى.
(إنَّهُ عَلِيٌّ) أيْ: عَلِيٌّ عَنْ صِفاتِ المَخْلُوقِينَ، (حَكِيمٌ): تَجْرِي أفْعالُهُ عَلى ما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ، يُكَلِّمُ بِواسِطَةٍ وبِغَيْرِ واسِطَةٍ.
﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا﴾ أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ الإيحاءِ الفَصْلِ أوْحَيْنا إلَيْكَ، إذْ كانَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ اجْتَمَعَتْ لَهُ الطُّرُقُ الثَّلاثُ: النَّفْثُ في الرَّوْعِ والمَنامِ، وتَكْلِيمُ اللَّهِ لَهُ حَقِيقَةً لَيْلَةَ الإسْراءِ، وإرْسالُ رَسُولٍ إلَيْهِ، وهو جِبْرِيلُ. وقِيلَ: كَما أوْحَيْنا إلى الأنْبِياءِ قَبْلَكَ، ﴿أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا﴾ . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: النُّبُوَّةَ. وقالَ السُّدِّيُّ: الوَحْيَ؛ وقالَ قَتادَةُ: رَحْمَةً؛ وقالَ الكَلْبِيُّ: كِتابًا؛ وقالَ الرَّبِيعُ: جِبْرِيلَ؛ وقِيلَ: القُرْآنُ؛ وسَمّى ما أوْحى إلَيْهِ رُوحًا؛ لِأنَّ بِهِ الحَياةَ مِنَ الجَهْلِ.
وقالَ مالِكُ بْنُ دِينارٍ: يا أهْلَ القُرْآنِ، ماذا زَرَعَ القُرْآنُ في قُلُوبِكم ؟ فَإنَّ القُرْآنَ رَبِيعُ القُلُوبِ، كَما أنَّ العُشْبَ رَبِيعُ الأرْضِ.
﴿ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ ولا الإيمانُ﴾: تَوْقِيفٌ عَلى عِظَمِ المِنَّةِ، وهو ﷺ أعْلَمُ النّاسِ بِها، وعَطَفَ ﴿ولا الإيمانُ﴾ عَلى ﴿ما الكِتابُ﴾، وإنَّما مَعْناهُ: الإيمانُ الَّذِي يُدْرِكُهُ السَّمْعُ؛ لِأنَّ لَنا أشْياءَ مِنَ الإيمانِ لا تُعْلَمُ إلّا بِالوَحْيِ.
أمّا تَوْحِيدُ اللَّهِ وبَراءَتُهُ عَنِ النَّقائِصِ، ومَعْرِفَةُ صِفاتِهِ العُلا، فَجَمِيعُ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - عالِمُونَ ذَلِكَ، مَعْصُومُونَ أنْ يَقَعَ مِنهم زَلَلٌ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ، سابِقٌ لَهم عِلْمُ ذَلِكَ قَبْلَ أنْ يُوحِيَ إلَيْهِمْ. وقَدْ أطْلَقَ الإيمانَ عَلى الصَّلاةِ في قَوْلِهِ: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣]، إذْ هي بَعْضُ ما يَتَناوَلُهُ الإيمانُ.
ومَن طالَعَ سِيَرَ الأنْبِياءِ مِن (p-٥٢٨)نَشْأتِهِمْ إلى مَبْعَثِهِمْ، تَحَقَّقَ عِنْدَهُ أنَّهم مَعْصُومُونَ مِن كُلِّ نَقِيصَةٍ، مُوَحِّدُونَ لِلَّهِ مُنْذُ نَشَئُوا.
قالَ اللَّهُ تَعالى في حَقِّ يَحْيى - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿وآتَيْناهُ الحُكْمَ صَبِيًّا﴾ [مريم: ١٢] . قالَ مَعْمَرٌ: كانَ ابْنَ سَنَتَيْنِ أوْ ثَلاثٍ.
وعَنْ أبِي العالِيَةِ: ما كُنْتَ تَدْرِي قَبْلَ الوَحْيِ أنْ تَقْرَأ القُرْآنَ، ولا كَيْفَ تَدْعُو الخَلْقَ إلى الإيمانِ.
وقالَ القاضِي: ﴿ولا الإيمانُ﴾: الفَرائِضُ والأحْكامُ. قالَ: وكانَ قَبْلُ مُؤْمِنًا بِتَوْحِيدِ اللَّهِ، ثُمَّ نَزَلَتِ الفَرائِضُ الَّتِي لَمْ يَكُنْ يَدْرِيها قَبْلُ، فَزادَ بِالتَّكْلِيفِ إيمانًا.
وقالَ القُشَيْرِيُّ: يَجُوزُ إطْلاقُ الإيمانِ عَلى تَفاصِيلِ الشَّرْعِ. وقالَ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ: هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: ولا أهْلُ الإيمانِ مِنَ الَّذِي يُؤْمِنُ أبُو طالِبٍ أوِ العَبّاسُ أوْ غَيْرُهُما. وقالَ عَلِيُّ بْنُ عِيسى: إذْ كُنْتَ في المَهْدِ.
وقِيلَ: ما الكِتابُ لَوْلا إنْعامُنا عَلَيْكَ، ولا الإيمانُ لَوْلا هِدايَتُنا لَكَ. وقِيلَ: أيْ كُنْتَ مِن قَوْمٍ أُمِّيِّينَ لا يَعْرِفُونَ الإيمانَ ولا الكِتابَ، فَتَكُونُ أخَذْتَ ما جِئْتَهم بِهِ عَمَّنْ كانَ يَعْلَمُ ذَلِكَ مِنهم.
﴿ما الكِتابُ﴾ جُمْلَةٌ اسْتِفْهامِيَّةٌ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، وهي في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ (تَدْرِي) وهي مُعَلَّقَةٌ.
﴿ولَكِنْ جَعَلْناهُ نُورًا﴾: يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ إلى قَوْلِهِ: (رُوحًا)، وإلى (كِتابُ)، وإلى (الإيمانُ)، وهو أقْرَبُ مَذْكُورٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: عائِدٌ عَلى الكِتابِ. انْتَهى.
وقِيلَ: يَعُودُ إلى الكِتابِ والإيمانِ مَعًا؛ لِأنَّ مَقْصِدَهُما واحِدٌ، فَهو نَظِيرُ: ﴿واللَّهُ ورَسُولُهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢] . وقَرَأ الجُمْهُورُ: (لَتَهْدِي)، مُضارِعُ هَدى مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ؛ وحَوْشَبٌ: مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، إجابَةَ سُؤالِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦] . وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْقَعِ (لَتُهْدِي) بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ الدّالِ؛ وعَنِ الجَحْدَرِيِّ مِثْلُها، ومِثْلُ قِراءَةِ حَوْشَبٍ.
(صِراطٍ مُّسْتَقِيمٍ)، قالَ عَلِيٌّ: هو القُرْآنُ؛ وقِيلَ: الإسْلامُ.
﴿ألا إلى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ﴾: أخْبَرَ بِالمُضارِعِ، والمُرادُ بِهِ الدَّيْمُومَةُ، كَقَوْلِهِ: زَيْدٌ يُعْطِي ويَمْنَعُ، أيْ: مِن شَأْنِهِ ذَلِكَ، ولا يُرادُ بِهِ حَقِيقَةُ المُسْتَقْبَلِ، أيْ: تُرَدُّ جَمِيعُ أُمُورِ الخَلْقِ إلَيْهِ تَعالى يَوْمَ القِيامَةِ فَيَقْضِي بَيْنَهم بِالعَدْلِ، وخُصَّ ذَلِكَ بِيَوْمِ القِيامَةِ؛ لِأنَّهُ لا يُمْكِنُ لِأحَدٍ أنْ يَدَّعِيَ فِيهِ لِنَفْسِهِ شَيْئًا، قالَهُ الفَرّاءُ.
الزخرف 43:1
(p-٢)(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)
(سُورَةُ الزُّخْرُفِ تِسْعٌ وثَمانُونَ آيَةً مَكِّيَّةٌ)
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)
(p-٣)﴿حم﴾ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ ﴿إنّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ ﴿وإنَّهُ في أُمِّ الكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ ﴿أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾ ﴿وكَمْ أرْسَلْنا مِن نَبِيٍّ في الأوَّلِينَ﴾ ﴿وما يَأْتِيهِمْ مِن نَبِيٍّ إلّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ﴿فَأهْلَكْنا أشَدَّ مِنهم بَطْشًا ومَضى مَثَلُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ العَزِيزُ العَلِيمُ﴾ ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا وجَعَلَ لَكم فِيها سُبُلًا لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ ﴿والَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ ﴿والَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ كُلَّها وجَعَلَ لَكم مِنَ الفُلْكِ والأنْعامِ ما تَرْكَبُونَ﴾ ﴿لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكم إذا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا وما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ ﴿وإنّا إلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ ﴿وجَعَلُوا لَهُ مِن عِبادِهِ جُزْءًا إنَّ الإنْسانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾ ﴿أمِ اتَّخَذَ مِمّا يَخْلُقُ بَناتٍ وأصْفاكم بِالبَنِينَ﴾ ﴿وإذا بُشِّرَ أحَدُهم بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وجْهُهُ مُسْوَدًّا وهو كَظِيمٌ﴾ ﴿أوَمَن يُنَشَّأُ في الحِلْيَةِ وهو في الخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ ﴿وجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا أشَهِدُوا خَلْقَهم سَتُكْتَبُ شَهادَتُهم ويُسْألُونَ﴾ [الزخرف: ١٩] ﴿وقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ ما عَبَدْناهم ما لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ إنْ هم إلّا يَخْرُصُونَ﴾ [الزخرف: ٢٠] ﴿أمْ آتَيْناهم كِتابًا مِن قَبْلِهِ فَهم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ﴾ [الزخرف: ٢١] ﴿بَلْ قالُوا إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٢] ﴿وكَذَلِكَ ما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ في قَرْيَةٍ مِن نَذِيرٍ إلّا قالَ مُتْرَفُوها إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٣] ﴿قالَ أوَلَوْ جِئْتُكم بِأهْدى مِمّا وجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكم قالُوا إنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ [الزخرف: ٢٤] ﴿فانْتَقَمْنا مِنهم فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ [الزخرف: ٢٥] ﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ إنَّنِي بَراءٌ مِمّا تَعْبُدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٦] ﴿إلّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ [الزخرف: ٢٧] ﴿وجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً في عَقِبِهِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ [الزخرف: ٢٨] ﴿بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلاءِ وآباءَهم حَتّى جاءَهُمُ الحَقُّ ورَسُولٌ مُبِينٌ﴾ [الزخرف: ٢٩] ﴿ولَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ قالُوا هَذا سِحْرٌ وإنّا بِهِ كافِرُونَ﴾ [الزخرف: ٣٠] ﴿وقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] ﴿أهم يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهم مَعِيشَتَهم في الحَياةِ الدُّنْيا ورَفَعْنا بَعْضَهم فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهم بَعْضًا سُخْرِيًّا ورَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾ [الزخرف: ٣٢] ﴿ولَوْلا أنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِن فَضَّةٍ ومَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ﴾ [الزخرف: ٣٣] ﴿ولِبُيُوتِهِمْ أبْوابًا وسُرُرًا عَلَيْها يَتَّكِئُونَ﴾ [الزخرف: ٣٤] ﴿وزُخْرُفًا وإنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمّا مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا والآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٣٥] ﴿ومَن يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا فَهو لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف: ٣٦] ﴿وإنَّهم لَيَصُدُّونَهم عَنِ السَّبِيلِ ويَحْسَبُونَ أنَّهم مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٣٧] ﴿حَتّى إذا جاءَنا قالَ يا لَيْتَ بَيْنِي وبَيْنَكَ بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ القَرِينُ﴾ [الزخرف: ٣٨] ﴿ولَنْ يَنْفَعَكُمُ اليَوْمَ إذْ ظَلَمْتُمْ أنَّكم في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف: ٣٩] ﴿أفَأنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أوْ تَهْدِي العُمْيَ ومَن كانَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الزخرف: ٤٠] ﴿فَإمّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإنّا مِنهم مُنْتَقِمُونَ﴾ [الزخرف: ٤١] ﴿أوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وعَدْناهم فَإنّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ﴾ [الزخرف: ٤٢] ﴿فاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إلَيْكَ إنَّكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الزخرف: ٤٣] ﴿وإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ وسَوْفَ تُسْألُونَ﴾ [الزخرف: ٤٤] ﴿واسْألْ مَن أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رُسُلِنا أجَعَلْنا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف: ٤٥] ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ فَقالَ إنِّي رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الزخرف: ٤٦] ﴿فَلَمّا جاءَهم بِآياتِنا إذا هم مِنها يَضْحَكُونَ﴾ [الزخرف: ٤٧] ﴿وما نُرِيهِمْ مِن آيَةٍ إلّا هي أكْبَرُ مِن أُخْتِها وأخَذْناهم بِالعَذابِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ [الزخرف: ٤٨] ﴿وقالُوا يا أيُّها السّاحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ إنَّنا لَمُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٤٩] ﴿فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُمُ العَذابَ إذا هم يَنْكُثُونَ﴾ [الزخرف: ٥٠] ﴿ونادى فِرْعَوْنُ في قَوْمِهِ قالَ يا قَوْمِ ألَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وهَذِهِ الأنْهارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الزخرف: ٥١] ﴿أمْ أنا خَيْرٌ مِن هَذا الَّذِي هو مَهِينٌ ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢] ﴿فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أسْوِرَةٌ مِن ذَهَبٍ أوْ جاءَ مَعَهُ المَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾ [الزخرف: ٥٣] ﴿فاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأطاعُوهُ إنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ [الزخرف: ٥٤] ﴿فَلَمّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنهم فَأغْرَقْناهم أجْمَعِينَ﴾ [الزخرف: ٥٥] ﴿فَجَعَلْناهم سَلَفًا ومَثَلًا لِلْآخِرِينَ﴾ [الزخرف: ٥٦] ﴿ولَمّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إذا قَوْمُكَ مِنهُ يَصِدُّونَ﴾ [الزخرف: ٥٧] ﴿وقالُوا أآلِهَتُنا خَيْرٌ أمْ هو ما ضَرَبُوهُ لَكَ إلّا جَدَلًا بَلْ هم قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف: ٥٨] ﴿إنْ هو إلّا عَبْدٌ أنْعَمْنا عَلَيْهِ وجَعَلْناهُ مَثَلًا لِبَنِي إسْرائِيلَ﴾ [الزخرف: ٥٩] ﴿ولَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنكم مَلائِكَةً في الأرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ [الزخرف: ٦٠] ﴿وإنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِها واتَّبِعُونِ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [الزخرف: ٦١] ﴿ولا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطانُ إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [الزخرف: ٦٢] ﴿ولَمّا جاءَ عِيسى بِالبَيِّناتِ قالَ قَدْ جِئْتُكم بِالحِكْمَةِ ولِأُبَيِّنَ لَكم بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ [الزخرف: ٦٣] ﴿إنَّ اللَّهَ هو رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [الزخرف: ٦٤] ﴿فاخْتَلَفَ الأحْزابُ مِن بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِن عَذابِ يَوْمٍ ألِيمٍ﴾ [الزخرف: ٦٥] ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا السّاعَةَ أنْ تَأْتِيَهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ [الزخرف: ٦٦] ﴿الأخِلّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلّا المُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧] ﴿يا عِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ [الزخرف: ٦٨] ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وكانُوا مُسْلِمِينَ﴾ [الزخرف: ٦٩] ﴿ادْخُلُوا الجَنَّةَ أنْتُمْ وأزْواجُكم تُحْبَرُونَ﴾ [الزخرف: ٧٠] ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مِن ذَهَبٍ وأكْوابٍ وفِيها ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وتَلَذُّ الأعْيُنُ وأنْتُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ [الزخرف: ٧١] ﴿وتِلْكَ الجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف: ٧٢] ﴿لَكم فِيها فاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنها تَأْكُلُونَ﴾ [الزخرف: ٧٣] ﴿إنَّ المُجْرِمِينَ في عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ﴾ [الزخرف: ٧٤] ﴿لا يُفَتَّرُ عَنْهم وهم فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ [الزخرف: ٧٥] ﴿وما ظَلَمْناهم ولَكِنْ كانُوا هُمُ الظّالِمِينَ﴾ [الزخرف: ٧٦] ﴿ونادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ قالَ إنَّكم ماكِثُونَ﴾ [الزخرف: ٧٧] ﴿لَقَدْ جِئْناكم بِالحَقِّ ولَكِنَّ أكْثَرَكم لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾ [الزخرف: ٧٨] ﴿أمْ أبْرَمُوا أمْرًا فَإنّا مُبْرِمُونَ﴾ [الزخرف: ٧٩] ﴿أمْ يَحْسَبُونَ أنّا لا نَسْمَعُ سِرَّهم ونَجْواهم بَلى ورُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف: ٨٠] ﴿قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾ [الزخرف: ٨١] ﴿سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ رَبِّ العَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ [الزخرف: ٨٢] ﴿فَذَرْهم يَخُوضُوا ويَلْعَبُوا حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ [الزخرف: ٨٣] ﴿وهُوَ الَّذِي في السَّماءِ إلَهٌ وفي الأرْضِ إلَهٌ وهو الحَكِيمُ العَلِيمُ﴾ [الزخرف: ٨٤] ﴿وتَبارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما وعِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [الزخرف: ٨٥] ﴿ولا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفاعَةَ إلّا مَن شَهِدَ بِالحَقِّ وهم يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦] ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَهم لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأنّى يُؤْفَكُونَ﴾ [الزخرف: ٨٧] ﴿وقِيلِهِ يا رَبِّ إنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الزخرف: ٨٨] ﴿فاصْفَحْ عَنْهم وقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٩] (p-٤)(يَعْشُو): يُعْرِضُ، ويَعْشى: يَعْمى. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لَمْ نَرَ أحَدًا حَكى: عَشَوْتُ عَنِ الشَّيْءِ: أعْرَضْتُ عَنْهُ، وإنَّما يُقالُ: تَعاشَيْتُ عَنْ كَذا وتَعامَيْتُ، إذا تَغافَلْتُ عَنْهُ. وتَقُولُ: عَشَوْتُ إلى النّارِ، إذا اسْتَدْلَلْتُ عَلَيْها بِبَصَرٍ ضَعِيفٍ. وقِيلَ: عَشى يَعْشى، إذا حَصَلَتِ الآفَةُ في بَصَرِهِ. وعَشا يَعْشُو: نَظَرَ المَعْشِيِّ ولا آفَةَ بِهِ، كَما قالَ: عَرَجَ لِمَن بِهِ الآفَةُ، وعَرَجَ لِمَن مَشى مِشْيَةَ العُرْجانِ مِن غَيْرِ عَرَجٍ. قالَ الحُطَيْئَةُ:
؎مَتى تَأْتِهِ تَعْشُو إلى ضَوْءِ نارِهِ تَجِدْ خَيْرَ نارٍ عِنْدَها خَيْرُ مَوْقِدِ
أيْ: تَنْظُرُ إلَيْها نَظَرَ المَعْشِيِّ لِما يَضْعُفُ بَصَرٌ مِن عَظِيمِ الوَقُودِ بِهِ، ومِنهُ قَوْلُ حاتِمٍ:
؎أعْشُو إذا ما جارَتِي بَرَزَتْ ∗∗∗ حَتّى يُوارِيَ جارَتِي الخِدْرُ
الصُّحْفَةُ، قالَ الجَوْهَرِيُّ: هي القَصْعَةُ، وقالَ الكِسائِيُّ: أعْظَمُ القِصاعِ الجَفْنَةُ، ثُمَّ القَصْعَةُ تَلِيها تَسَعُ العَشَرَةَ، ثُمَّ الصَّحْفَةُ تَسَعُ الخَمْسَةَ، ثُمَّ المَكِيلَةُ تَسَعُ الرَّجُلَيْنِ والثَّلاثَةَ. والصَّحِيفَةُ: الكِتابُ، والجَمْعُ: صُحُفٌ وصَحائِفُ. الكُوبُ، قالَ قُطْرُبٌ: الإبْرِيقُ لا عُرْوَةَ لَهُ. وقالَ الأخْفَشُ: الإبْرِيقُ لا خُرْطُومَ لَهُ، وقِيلَ: كالإبْرِيقِ، إلّا أنَّهُ لا أُذُنَ لَهُ ولا مِقْبَضَ. قالَ أبُو مَنصُورٍ الجَوالِيقِيُّ: إنَّما كانَ بِغَيْرِ عُرْوَةٍ لِيَشْرَبَ الشّارِبُ مِن أيْنَ شاءَ، لِأنَّ العُرْوَةَ تَرُدُّ الشّارِبَ مِن بَعْضِ الجِهاتِ. انْتَهى. وقالَ عَدِيٌّ:
؎مُتَّكِئًا تُصَفِّقُ أبْوابُهُ ∗∗∗ يَسْعى عَلَيْهِ العَبْدُ بِالكُوبِ
أبْرَمَ، قالَ الفَرّاءُ: أبْرَمَ الأمْرَ: بالَغَ في إحْكامِهِ، وأبْرَمَ القاتِلُ، إذا أدْهَمَ، وهو القَتْلُ الثّانِي، والأوَّلُ يُقالُ لَهُ سِجِّيلٌ، كَما قالَ زُهَيْرٌ:
؎مِن سِجِّيلٍ وبَرْمِ
انْتَهى. والإبْرامُ: أنْ يَجْمَعَ خَيْطَيْنِ ثُمَّ يَفْتِلَهُما فَتْلًا مُتْقَنًا، والبَرِيمُ: خَيْطٌ فِيهِ لَوْنانِ.
* *
(p-٥)﴿حم﴾ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ ﴿إنّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ ﴿وإنَّهُ في أُمِّ الكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ ﴿أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾ ﴿وكَمْ أرْسَلْنا مِن نَبِيٍّ في الأوَّلِينَ﴾ ﴿وما يَأْتِيهِمْ مِن نَبِيٍّ إلّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ﴿فَأهْلَكْنا أشَدَّ مِنهم بَطْشًا ومَضى مَثَلُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ العَزِيزُ العَلِيمُ﴾ ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا وجَعَلَ لَكم فِيها سُبُلًا لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ ﴿والَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ ﴿والَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ كُلَّها وجَعَلَ لَكم مِنَ الفُلْكِ والأنْعامِ ما تَرْكَبُونَ﴾ ﴿لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكم إذا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا وما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ ﴿وإنّا إلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ ﴿وجَعَلُوا لَهُ مِن عِبادِهِ جُزْءًا إنَّ الإنْسانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾ ﴿أمِ اتَّخَذَ مِمّا يَخْلُقُ بَناتٍ وأصْفاكم بِالبَنِينَ﴾ ﴿وإذا بُشِّرَ أحَدُهم بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وجْهُهُ مُسْوَدًّا وهو كَظِيمٌ﴾ ﴿أوَمَن يُنَشَّأُ في الحِلْيَةِ وهو في الخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ .
هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، وقالَ مُقاتِلٌ: إلّا قَوْلُهُ: ﴿واسْألْ مَن أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رُسُلِنا﴾ [الزخرف: ٤٥] . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: بِإجْماعِ أهْلِ العِلْمِ.
﴿إنّا جَعَلْناهُ﴾، أيْ صَيَّرْناهُ، أوْ سَمَّيْناهُ، وهو جَوابُ القَسَمِ، وهو مِنَ الأقْسامِ الحَسَنَةِ لِتَناسُبِ القَسَمِ والمُقْسَمِ عَلَيْهِ، وكَوْنِهِما مِن وادٍ واحِدٍ، ونَظِيرُهُ قَوْلُ أبِي تَمّامٍ:
؎وثَناياكِ إنَّها إغْرِيضٌ
وقِيلَ: والكِتابُ أُرِيدَ بِهِ الكُتُبُ المُنَزَّلَةُ، والضَّمِيرُ في جَعَلْناهُ يَعُودُ عَلى القُرْآنِ، وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ صَرِيحُ الذِّكْرِ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: جَعَلْناهُ، بِمَعْنى صَيَّرْناهُ، مُعَدًّى إلى مَفْعُولَيْنِ، أوْ بِمَعْنى خَلَقْناهُ مُعَدًّى إلى واحِدٍ، كَقَوْلِهِ: ﴿وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ﴾ [الأنعام: ١] . (وقُرْآنًا عَرَبِيًّا): حالٌ. ولَعَلَّ: مُسْتَعارَةٌ لِمَعْنى الإرادَةِ، لِتُلاحِظَ مَعْناها ومَعْنى التَّرَجِّي، أيْ خَلَقْناهُ عَرَبِيًّا غَيْرَ عَجَمِيٍّ. أرادَ أنْ تَعْقِلَهُ العَرَبُ، ولِئَلّا يَقُولُوا: ﴿لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُ﴾ [فصلت: ٤٤] . انْتَهى، وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ في كَوْنِ القُرْآنِ مَخْلُوقًا. و(أُمِّ الكِتابِ): اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، لِأنَّهُ الأصْلُ الَّذِي أُثْبِتَتْ فِيهِ الكُتُبُ، وهَذا فِيهِ تَشْرِيفٌ لِلْقُرْآنِ وتَرْفِيعٌ بِكَوْنِهِ لَدَيْهِ عَلِيًّا عَلى جَمِيعِ الكُتُبِ، وعالِيًا عَنْ وُجُوهِ الفَسادِ. حَكِيمًا: أيْ حاكِمًا عَلى سائِرِ الكُتُبِ، أوْ مُحْكَمًا بِكَوْنِهِ في غايَةِ البَلاغَةِ والفَصاحَةِ وصِحَّةِ المَعانِي. قالَ قَتادَةُ وعِكْرِمَةُ والسُّدِّيُّ: اللَّوْحُ المَحْفُوظُ: القُرْآنُ فِيهِ بِأجْمَعِهِ مَنسُوخٌ، ومِنهُ كانَ جِبْرِيلُ يَنْزِلُ. وقِيلَ: أُمُّ الكِتابِ: الآياتُ المُحْكَماتُ، لِقَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتابَ مِنهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتابِ﴾ [آل عمران: ٧]، ومَعْناهُ: أنَّ سُورَةَ حم واقِعَةٌ في الآياتِ المُحْكَماتِ الَّتِي هي الأُمُّ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: في أُمِّ، بِضَمِّ الهَمْزَةِ، والأخَوانِ بِكَسْرِها، وعَزاها ابْنُ عَطِيَّةَ يُوسُفُ بْنُ عَمْرٍو إلى العِراقِ، ولَمْ يَعْزُها لِلْأخَوانِ عَقْلَةً مِنهُ. يُقالُ: ضَرَبَ عَنْ كَذا، وأضْرَبَ عَنْهُ، إذا أعْرَضَ عَنْهُ. والذِّكْرَ، قالَ الضَّحّاكُ وأبُو صالِحٍ: القُرْآنُ، أيِ: أفَتَرائى عَنْكُمُ القُرْآنَ. وقَوْلُهم: ضَرَبَ الغَرائِبَ عَنِ الحَوْضِ، إذا أدارَها ونَحّاها، وقالَ الشّاعِرُ:
؎اضْرِبْ عَنْكَ الهُمُومَ طارِقَها ∗∗∗ ضَرْبَكَ بِالسَّيْفِ قَوْنَسَ الفَرَسِ
وقِيلَ: الذِّكْرَ: الدُّعاءُ إلى اللَّهِ والتَّخْوِيفُ مِن عِقابِهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: أنُهْمِلُكم فَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ إنْكارًا لِأنْ يَكُونَ الأمْرُ عَلى خِلافِ ما قُدِّمَ مِن إنْزالِهِ الكِتابَ وخَلْقِهِ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتَعْقِلُوهُ وتَعْمَلُوا بِمُوجَبِهِ. انْتَهى. وتَقَدَّمَ الكَلامُ مَعَهُ في تَقْدِيرِهِ فِعْلًا بَيْنَ الهَمْزَةِ والفاءِ في نَحْوِ: (أفَلَمْ يَسِيرُوا) ؟ (أفَلا تَعْقِلُونَ) ؟ وبَيْنَها وبَيْنَ الواوِ في نَحْوِ: (أوَلَمْ يَسِيرُوا) كَما وأنَّ المَذْهَبَ الصَّحِيحَ قَوْلُ سِيبَوَيْهِ والنَّحْوِيِّينَ أنَّ الفاءَ والواوَ مَنوِيٌّ بِهِما التَّقْدِيمُ لِعَطْفِ ما بَعْدَهُما عَلى ما قَبْلَهُما، وأنَّ الهَمْزَةَ تَقَدَّمَتْ لِكَوْنِ الِاسْتِفْهامِ لَهُ صَدْرُ الكَلامِ، ولا خِلافَ بَيْنَ الهَمْزَةِ والحَرْفِ، وقَدْ رَدَدْنا عَلَيْهِ قَوْلَهُ: وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ: المَعْنى: أفَنَتْرُكُ تَذْكِيرَكم وتَخْوِيفَكم عَفْوًا عَنْكم وعَفْوًا عَنْ إجْرامِكم ؟ أنْ كُنْتُمْ أوْ مِن أجْلِ أنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ ؟ أيْ هَذا لا يَصْلُحُ. ونَحا قَتادَةُ إلى أنَّ المَعْنى صَفْحًا، أيْ مَعْفُوًّا عَنْهُ، أيْ نَتْرُكُهُ. ثُمَّ لا تُؤاخَذُونَ بِقَوْلِهِ ولا بِتَدْبِيرِهِ، ولا تُنَبَّهُونَ عَلَيْهِ. وهَذا المَعْنى نَظِيرُ قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎تَمُرُّ الصَّبا صَفْحًا بِساكِنِ ذِي الفَضا ∗∗∗ ويَصْدَعُ قَلْبِي أنْ يَهُبَّ هُبُوبُها
(p-٦)وقَوْلِ كُثَيِّرٍ:
؎صَفُوحًا فَما تَلْقاكَ إلّا بَخِيلَةً ∗∗∗ فَمَن مَلَّ مِنها ذَلِكَ الوَصْلَ مَلَّتِ
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المَعْنى: أفَحَسِبْتُمْ أنْ نَصْفَحَ عَنْكم ولَمّا تَفْعَلُوا ما أُمِرْتُمْ بِهِ ؟ وقالَ الكَلْبِيُّ: أنْ نَتْرُكَكم هَمَلًا بِلا أمْرٍ ولا نَهْيٍ ؟ وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: أنْ لا نُعاقِبَكم بِالتَّكْذِيبِ ؟ وقِيلَ: أنْ نَتْرُكَ الإنْزالَ لِلْقُرْآنِ مِن أجْلِ تَكْذِيبِكم ؟ وقَرَأ حَسّانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الضُّبَعِيُّ، والسُّمَيْطُ بْنُ عُمَيْرٍ، وشُمَيْلُ بْنُ عُذْرَةَ: بِضَمِّ الصّادِ، والجُمْهُورُ: بِفَتْحِها، وهُما لُغَتانِ، كالسَّدِّ والسُّدِّ. وانْتِصابُ صَفْحًا عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مِن مَعْنى أفَنَضْرِبُ، لِأنَّ مَعْناهُ: أفَنَصْفَحُ ؟ أوْ مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ صافِحِينَ، قالَهُما الحَوْفِيُّ، وتَبِعَهُ أبُو البَقاءِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وصَفْحًا عَلى وجْهَيْنِ: إمّا مَصْدَرٌ مِن صَفَحَ عَنْهُ إذا أعْرَضَ مُنْتَصِبًا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ عَلى مَعْنى: أفَنَعْزِلُ عَنْكم إنْزالَ القُرْآنِ وإلْزامَ الحُجَّةِ بِهِ إعْراضًا عَنْكم ؟ وإمّا بِمَعْنى الجانِبِ مِن قَوْلِهِمْ: نَظَرَ إلَيْهِ بِصَفْحِ وجْهِهِ. وصَفْحُ وجْهِهِ عَلى مَعْنى: أفَنُنَحِّيهِ عَنْكم جانِبًا ؟ فَيُنْصَبُ عَلى الظَّرْفِ، كَما تَقُولُ: ضَعْهُ جانِبًا، وامْشِ جانِبًا. وتُعَضِّدُهُ قِراءَةُ مَن قَرَأ: صُفْحًا بِالضَّمِّ. وفي هَذِهِ القِراءَةِ وجْهٌ آخَرُ، وهو أنْ يَكُونَ تَخْفِيفَ صُفُحٍ جَمْعَ صُفُوحٍ، ويُنْتَصَبُ عَلى الحالِ، أيْ صافِحِينَ مُعْرِضِينَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: صَفْحًا، انْتِصابُهُ كانْتِصابِ (صُنْعَ اللَّهِ) . انْتَهى. يَعْنِي أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ، فَيَكُونُ العامِلُ فِيهِ مَحْذُوفًا، ولا يَظْهَرُ هَذا الَّذِي قالَهُ، فَلَيْسَ انْتِصابُهُ انْتِصابَ ”صُنْعَ اللَّهِ“ . وقَرَأ نافِعٌ والأخَوانِ: بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وإسْرافُهم كانَ مُتَحَقِّقًا. فَكَيْفَ دَخَلَتْ عَلَيْهِ ”إنْ“ الشَّرْطِيَّةُ الَّتِي لا تَدْخُلُ إلّا عَلى غَيْرِ المُتَحَقِّقِ، أوْ عَلى المُتَحَقِّقِ الَّذِي انْبَهَمَ زَمانُهُ ؟ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هو مِنَ الشَّرْطِ الَّذِي ذَكَرْتُ أنَّهُ يَصْدُرُ عَنِ المُدِلِّ بِصِحَّةِ الأمْرِ المُتَحَقِّقِ لِثُبُوتِهِ، كَما يَقُولُ الأجِيرُ: إنْ كُنْتُ عَمِلْتُ لَكَ فَوَفِّنِي حَقِّي، وهو عالِمٌ بِذَلِكَ، ولَكِنَّهُ يُخَيِّلُ في كَلامِهِ أنَّ تَفْرِيطَكَ في الخُرُوجِ عَنِ الحَقِّ فِعْلُ مَن لَهُ شَكٌّ في الِاسْتِحْقاقِ، مَعَ وُضُوحِهِ، اسْتِجْهالًا لَهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: أنْ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، أيْ مِن أجْلِ أنْ كُنْتُمْ. قالَ الشّاعِرُ:
؎أتَجْزَعُ أنْ بانَ الخَلِيطُ المُوَدِّعُ
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: إذْ كُنْتُمْ، بِذالٍ مَكانَ النُّونِ، لَمّا ذَكَرَ خِطابًا لِقُرَيْشٍ، ﴿أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ﴾ ؟ وكانَ هَذا الإنْكارُ دَلِيلًا عَلى تَكْذِيبِهِمْ لِلرَّسُولِ، وإنْكارًا لِما جاءَ بِهِ. آنَسَهُ تَعالى بِأنَّ عادَتَهم عادَةُ الأُمَمِ السّابِقَةِ مِنِ اسْتِهْزائِهِمْ بِالرُّسُلِ، وأنَّهُ تَعالى أهْلَكَ مَن كانَ أشَدَّ بَطْشًا مِن قُرَيْشٍ، أيْ أكْثَرَ عَدَدًا وعُدَدًا وجِلْدًا.
﴿ومَضى مَثَلُ الأوَّلِينَ﴾: أيْ فَلْيَحْذَرْ قُرَيْشٌ أنْ يَحِلَّ بِهِمْ مِثْلُ ما حَلَّ بِالأوَّلِينَ مُكَذِّبِي الرُّسُلِ مِنَ العُقُوبَةِ. قالَ مَعْناهُ قَتادَةُ: وهي العُقُوبَةُ الَّتِي سارَتْ سَيْرَ المَثَلِ، وقِيلَ: مَثَلُ الأوَّلِينَ في الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ، وقُرَيْشٌ سَلَكَتْ مَسْلَكَها، وكانَ مُقْبِلًا عَلَيْهِمْ بِالخِطابِ في قَوْلِهِ: ﴿أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ﴾ ؟ فَأعْرَضَ عَنْهم إلى إخْبارِ الغائِبِ في قَوْلِهِ: ﴿فَأهْلَكْنا أشَدَّ مِنهم بَطْشًا﴾ . (ولَئِنْ سَألْتَهم): احْتِجاجٌ عَلى قُرَيْشٍ بِما يُوجِبُ التَّناقُضَ، وهو إقْرارُهم بِأنَّ مُوجِدَ العالَمِ العُلْوِيِّ والسُّفْلِيِّ هو اللَّهُ، ثُمَّ هم يَتَّخِذُونَ أصْنامًا آلِهَةً مِن دُونِ اللَّهِ يَعْبُدُونَهم ويُعَظِّمُونَهم. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ومُقْتَضى الجَوابِ أنْ يَقُولُوا خَلَقَهُنَّ اللَّهُ، فَلَمّا ذَكَرَ تَعالى المَعْنى، جاءَتِ العِبارَةُ عَنِ اللَّهِ تَعالى بِالعَزِيزِ العَلِيمِ، لِيَكُونَ ذَلِكَ تَوْطِئَةً لِما عَدَّدَ مِن أوْصافِهِ الَّذِي ابْتَدَأ الإخْبارَ بِها، وقَطَعَها مِنَ الكَلامِ الَّذِي حَكى مَعْناهُ عَنْ قُرَيْشٍ. انْتَهى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَيَنْسِبُنَّ خَلْقَها إلى الَّذِي هَذِهِ أوْصافُهُ، ولَيَسْنِدُنَّهُ إلَيْهِ. انْتَهى. والظّاهِرُ أنَّ: ﴿خَلَقَهُنَّ العَزِيزُ العَلِيمُ﴾ نَفْسُ المَحْكِيِّ مِن كَلامِهِمْ، ولا يَدُلُّ كَوْنُهم ذَكَرُوا في مَكانٍ خَلَقَهُنَّ اللَّهُ، أنْ لا يَقُولُوا في سُؤالٍ آخَرَ: ﴿خَلَقَهُنَّ العَزِيزُ العَلِيمُ﴾ .
و(الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ): مِن كَلامِ اللَّهِ، خِطابًا لَهم بِتَذْكِيرِ نِعَمِهِ السّابِقَةِ. وكَرَّرَ الفِعْلَ في الجَوابِ في قَوْلِهِ: ﴿خَلَقَهُنَّ العَزِيزُ العَلِيمُ﴾، مُبالَغَةً في التَّوْكِيدِ. وفي غَيْرِ ما سُؤالٍ، اقْتَصَرُوا عَلى ذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ، إذْ هو العَلَمُ الجامِعُ لِلصِّفاتِ العُلا، وجاءَ الجَوابُ مُطابِقًا لِلسُّؤالِ مِن حَيْثُ (p-٧)المَعْنى، لا مِن حَيْثُ اللَّفْظُ، لِأنَّ مَن مُبْتَدَأٌ. فَلَوْ طابَقَ في اللَّفْظِ، كانَ بِالِاسْمِ مُبْتَدَأً، ولَمْ يَكُنْ بِالفِعْلِ. (لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ): أيْ إلى مَقاصِدِكم في السَّفَرِ، أوْ تَهْتَدُونَ بِالنَّظَرِ والِاعْتِبارِ. بِقَدَرٍ: أيْ بِقَضاءٍ وحَتْمٍ في الأزَلِ، أوْ بِكِفايَةٍ، لا كَثِيرًا فَيُفْسِدُ، ولا قَلِيلًا فَلا يُجْدِي.
﴿فَأنْشَرْنا﴾: أحْيَيْنا بِهِ.
﴿بَلْدَةً مَيْتًا﴾: ذُكِرَ عَلى مَعْنى القَطْرِ، و”بَلْدَةً“ اسْمُ جِنْسٍ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وعِيسى: مَيِّتًا بِالتَّشْدِيدِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: تُخْرَجُونَ: مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وابْنُ وثّابٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ جُبَيْرٍ المُصْبِحِ، وعِيسى، وابْنُ عامِرٍ، والأخَوانِ: مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. و(الأزْواجَ): الأنْواعَ مِن كُلِّ شَيْءٍ. قِيلَ: وكُلُّ ما سِوى اللَّهِ فَهو زَوْجٌ، كَفَوْقَ، وتَحْتَ، ويَمِينٍ، وشِمالٍ، وقُدّامٍ، وخَلْفٍ، وماضٍ، ومُسْتَقْبَلٍ، وذَواتٍ، وصِفاتٍ، وصَيْفٍ، وشِتاءٍ، ورَبِيعٍ، وخَرِيفٍ، وكَوْنُها أزْواجًا تَدُلُّ عَلى أنَّها مُمْكِنَةُ الوُجُودِ، ويَدُلُّ عَلى أنَّ مُحْدِثَها فَرْدٌ، وهو اللَّهُ المُنَزَّهُ عَنِ الضِّدِّ والمُقابِلِ والمُعارِضِ. انْتَهى.
(والأنْعامَ): المَعْهُودُ أنَّهُ لا يُرْكَبُ مِنَ الأنْعامِ إلّا الإبِلُ. ما: مَوْصُولَةٌ والعائِدُ مَحْذُوفٌ، أيْ ما يَرْكَبُونَهُ. ورَكِبَ بِالنِّسْبَةِ لِلْعِلَلِ، ويَتَعَدّى بِنَفْسِهِ عَلى المُتَعَدِّي بِوَساطَةِ في، إذِ التَّقْدِيرُ ما يَرْكَبُونَهُ. واللّامُ في لِتَسْتَوُوا: الظّاهِرُ أنَّها لامُ كَيْ. وقالَ الحَوْفِيُّ: ومَن أثْبَتَ لامَ الصَّيْرُورَةِ جازَ لَهُ أنْ يَقُولَ بِهِ هُنا. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لامُ الأمْرِ، وفِيهِ بُعْدٌ مِن حَيْثُ اسْتِعْمالُ أمْرِ المُخاطَبِ بِتاءِ الخِطابِ، وهو مِنَ القِلَّةِ بِحَيْثُ يَنْبَغِي أنْ لا يُقاسَ عَلَيْهِ. فالفَصِيحُ المُسْتَعْمَلُ: اضْرِبْ، وقِيلَ: لِتَضْرِبْ، بَلْ نَصَّ النَّحْوِيُّونَ عَلى أنَّها لُغَةٌ رَدِيئَةٌ قَلِيلَةٌ، إذْ لا تَكادُ تُحْفَظُ إلّا قِراءَةً شاذَّةً، فَبِذَلِكَ فَلْتَفْرَحُوا بِالتّاءِ لِلْخِطابِ. وما آثَرَ المُحَدِّثُونَ مِن قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «لِتَأْخُذُوا مَصافَّكم»، مَعَ احْتِمالِ أنَّ الرّاوِيَ رَوى بِالمَعْنى، وقَوْلُ الشّاعِرِ:
؎لِتَقُمْ أنْتَ يا ابْنَ خَيْرِ قُرَيْشٍ ∗∗∗ فَتَقْضِي حَوائِجَ المُسْلِمِينا
وزَعَمَ الزَّجّاجُ أنَّها لُغَةٌ جَيِّدَةٌ، وذَلِكَ خِلافُ ما زَعَمَ النَّحْوِيُّونَ. والضَّمِيرُ في ظُهُورِهِ عائِدٌ عَلى ما، كَأنَّهُ قالَ: عَلى ظُهُورِ ما تَرْكَبُونَ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، فَلِذَلِكَ حَسُنَ الجَمْعُ، لِأنَّ مَآلَها لَفْظٌ ومَعْنًى. فَمَن جَمَعَ فَبِاعْتِبارِ المَعْنى، ومَن أفْرَدَ فَبِاعْتِبارِ اللَّفْظِ، ويَعْنِي: ﴿مِنَ الفُلْكِ والأنْعامِ﴾ . وقالَ الفَرّاءُ نَحْوًا مِنهُ، قالَ: أضافَ الظُّهُورَ، ﴿ثُمَّ تَذْكُرُوا﴾، أيْ في قُلُوبِكم، ﴿نِعْمَةَ رَبِّكُمْ﴾، مُعْتَرِفِينَ بِها مُسْتَعْظِمِينَ لَها. لا يُرِيدُ الذِّكْرَ بِاللِّسانِ بَلْ بِالقَلْبِ، ولِذَلِكَ قابَلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا﴾، أيْ تُنَزِّهُوا اللَّهَ بِصَرِيحِ القَوْلِ. وجاءَ في الحَدِيثِ: «”أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ إذا وضَعَ رِجْلَهُ في الرِّكابِ قالَ: بِسْمِ اللَّهِ، فَإذا اسْتَوى عَلى الدّابَّةِ قالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ عَلى كُلِّ حالٍ، سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا، إلى قَوْلِهِ لَمُنْقَلِبُونَ، وكَبَّرَ ثَلاثًا وهَلَّلَ ثَلاثًا»، وقالُوا: إذا رَكِبَ في السَّفِينَةِ قالَ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها ومُرْساها﴾ [هود: ٤١] إلى رَحِيمٍ، ويُقالُ عِنْدَ النُّزُولِ مِنها: اللَّهُمَّ أنْزِلْنا مُنْزَلًا مُبارَكًا وأنْتَ خَيْرُ المُنْزِلِينَ“ . والقَرْنُ: الغالِبُ الضّابِطُ المُطِيقُ لِلشَّيْءِ، يُقالُ: أقْرَنَ الشَّيْءَ، إذا أطاقَهُ. قالَ ابْنُ هَرْمَةَ:
؎وأقْرَنْتِ ما حَمَّلْتِنِي ولَقَلَّما ∗∗∗ يُطاقُ احْتِمالُ الصَّدِّ يا دَعْدُ والهَجْرِ
وحَقِيقَةُ أقْرَنَهُ: وجَدَهُ قَرِينَتَهُ وما يُقْرَنُ بِهِ: لِأنَّ الصَّعْبَ لا يَكُونُ قَرِينَةً لِلضَّعْفِ. قالَ الشّاعِرُ:
؎وابْنُ اللَّبُونِ إذا ما لُزَّ في قَرَنٍ ∗∗∗ لَمْ يَسْتَطِعْ صَوْلَةَ البُزْلِ القَناعِيسِ
والقَرْنُ: الحَبْلُ الَّذِي يُقْرَنُ بِهِ. وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: فُلانٌ مُقْرِنٌ لِفُلانٍ، أيْ ضابِطٌ لَهُ، والمَعْنى: أنَّهُ لَيْسَ لَنا مِنَ القُوَّةِ ما نَضْبُطُ بِهِ الدّابَّةَ والفُلْكَ، وإنَّما اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَها. وأنْشَدَ قُطْرُبٌ لِعَمْرِو بْنِ مَعْدِيكَرِبَ:
؎لَقَدْ عَلِمَ القَبائِلُ ما عَقِيلٌ ∗∗∗ لَنا في النّائِباتِ بِمُقْرِنِينا
وقُرِئَ: لَمُقْتَرِنِينَ، اسْمُ فاعِلٍ مِنِ اقْتَرَنَ.
﴿وإنّا إلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ﴾: أيْ راجِعُونَ، وهو إقْرارٌ بِالرُّجُوعِ إلى اللَّهِ، وبِالبَعْثِ، لِأنَّ الرّاكِبَ في مَظَنَّةِ الهَلاكِ بِالغَرَقِ إذا رَكِبَ الفُلْكَ، وبِعُثُورِ الدّابَّةِ، إذْ رُكُوبُها أمْرٌ (p-٨)فِيهِ خَطَرٌ، ولا تُؤْمَنُ السَّلامَةُ فِيهِ. فَقَوْلُهُ هَذا تَذْكِيرٌ بِأنَّهُ مُسْتَشْعِرٌ الصَّيْرُورَةَ إلى اللَّهِ، ومُسْتَعِدٌّ لِلِقائِهِ، فَهو لا يَتْرُكُ ذَلِكَ مِن قَلْبِهِ ولا لِسانِهِ.
﴿وجَعَلُوا لَهُ﴾: أيْ وجَعَلَ كُفّارُ قُرَيْشٍ والعَرَبُ لَهُ، أيْ لِلَّهِ. مِن عِبادِهِ: أيْ مِمَّنْ هم عَبِيدُ اللَّهِ. جُزْءًا، قالَ مُجاهِدٌ: نَصِيبًا وحَظًّا، وهو قَوْلُ العَرَبِ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ. وقالَ قَتادَةُ: جُزْءًا، أيْ نِدًّا، وذَلِكَ هو الأصْنامُ وفِرْعَوْنُ ومَن عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ. وقِيلَ: الجُزْءُ: الإناثُ. قالَ بَعْضُ اللُّغَوِيِّينَ: يُقالُ أجْزَأتِ المَرْأةُ، إذا ولَدَتْ أُنْثى. قالَ الشّاعِرُ:
؎إنْ أجْزَأتْ حُرَّةٌ يَوْمًا فَلا عَجَبٌ ∗∗∗ قَدْ تُجْزِئُ الحُرَّةُ المِذْكارَ أحْيانًا
قِيلَ: هَذا البَيْتُ مَصْنُوعٌ، وكَذا قَوْلُهُ:
؎زَوَّجَها مِن بَناتِ الأوْسِ مُجْزِئَةً
ولَمّا تَقَدَّمَ أنَّهم مُعْتَرِفُونَ بِأنَّهُ تَعالى هو خالِقُ العالَمِ، أنْكَرَ عَلَيْهِمْ جَعْلَهم لِلَّهِ جُزْءًا، وقَدِ اعْتَرَفُوا بِأنَّهُ هو الخالِقُ، فَكَيْفَ وصَفُوهُ بِصِفَةِ المَخْلُوقِ ؟ ﴿إنَّ الإنْسانَ لَكَفُورٌ﴾ نِعْمَةَ خالِقِهِ. (مُبِينٌ): مُظْهِرٌ لِجُحُودِهِ. والمُرادُ بِالإنْسانِ: مَن جَعَلَ لِلَّهِ جُزْءًا، وغَيْرُهم مِنَ الكَفَرَةِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ومُبِينٌ في هَذا المَوْضِعِ غَيْرُ مُتَعَدٍّ. انْتَهى. ولَيْسَ يَتَعَيَّنُ ما ذَكَرَ، بَلْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ ظاهِرًا لِكُفْرانِ النِّعَمِ ومُظْهِرًا لِجُحُودِهِ، كَما قُلْنا.
﴿أمِ اتَّخَذَ مِمّا يَخْلُقُ بَناتٍ﴾ ؟ اسْتِفْهامُ إنْكارٍ وتَوْبِيخٍ لِقِلَّةِ عُقُولِهِمْ ؟ كَيْفَ زَعَمُوا أنَّهُ تَعالى اتَّخَذَ لِنَفْسِهِ ما أنْتُمْ تَكْرَهُونَهُ حِينَ أنْتُمْ تَسْوَدُّ وُجُوهُكم عِنْدَ التَّبْشِيرِ بِهِنَّ وتَئِدُونَهُنَّ ؟ (وأصْفاكم): جَعَلَ لَكم صَفْوَةَ ما هو مَحْبُوبٌ، وذَلِكَ البَنُونَ. وقَوْلُهُ: (مِمّا يَخْلُقُ)، تَنْبِيهٌ عَلى اسْتِحالَةِ الوَلَدِ، ذَكَرًا كانَ أوْ أُنْثى، وإنْ فُرِضَ اتِّخاذُ الوَلَدِ، فَكَيْفَ يَخْتارُ لَهُ الأدْنى ويَخُصُّكم بِالأعْلى ؟ وقَدَّمَ البَناتِ، لِأنَّهُ المُنْكَرُ عَلَيْهِمْ لِنِسْبَتِهِنَّ إلى اللَّهِ، وعَرَّفَ البَنِينَ دُونَ البَناتِ تَشْرِيفًا لَهم عَلى البَناتِ.
﴿وإذا بُشِّرَ أحَدُهُمْ﴾: تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِها في سُورَةِ النَّحْلِ.
﴿أوَمَن يُنَشَّأُ في الحِلْيَةِ﴾: أيْ يَنْتَقِلُ في عُمُرِهِ حالًا فَحالًا في الحِلْيَةِ، وهو الحُلِيُّ الَّذِي لا يَلِيقُ إلّا بِالإناثِ دُونَ الفُحُولِ، لِتَزَيُّنِهِنَّ بِذَلِكَ لِأزْواجِهِنَّ، وهو إنْ خاصَمَ، لا يُبِينُ لِضَعْفِ العَقْلِ ونَقْصِ التَّدَبُّرِ والتَّأمُّلِ، أظْهَرَ بِهَذا لِحُقُوقِهِنَّ وشُفُوفِ البَنِينَ عَلَيْهِنَّ. وكانَ في ذَلِكَ إشارَةٌ إلى أنَّ الرَّجُلَ لا يُناسِبُ لَهُ التَّزَيُّنُ كالمَرْأةِ، وأنْ يَكُونَ مُخْشَوْشِنًا. والفَحْلُ مِنَ الرِّجالِ أبى أنْ يَكُونَ مُتَّصِفًا بِصِفاتِ النِّساءِ، والظّاهِرُ أنَّهُ أرادَ بِمَن يُنَشَّأُ في الحِلْيَةِ: النِّساءُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ: ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وهُوَ في الخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾: أيْ لا يُظْهِرُ حُجَّةً، ولا يُقِيمُ دَلِيلًا، ولا يَكْشِفُ عَمّا في نَفْسِهِ كَشْفًا واضِحًا. ويُقالُ: قَلَّما تَجِدُ امْرَأةً لا تُفْسِدُ الكَلامَ، وتَخْلِطُ المَعانِيَ، حَتّى ذُكِرَ عَنْ بَعْضِ النّاسِ أنَّهُ قالَ: إذا دَخَلْنا عَلى فُلانَةٍ، لا نَخْرُجُ حَتّى نَعْلَمَ أنَّ عَقْلَها عَقْلُ امْرَأةٍ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: المُرادُ بِمَن يُنَشَّأُ في الحِلْيَةِ: الأصْنامُ، وكانُوا يَتَّخِذُونَ كَثِيرًا مِنها مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ، ويَجْعَلُونَ الحُلِيَّ عَلى كَثِيرٍ مِنها، ويُبْعِدُ هَذا القَوْلَ قَوْلُهُ: ﴿وهُوَ في الخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾، إلّا إنْ أُرِيدَ بِنَفْيِ الإبانَةِ نَفْيُ الخِصامِ أيْ لا يَكُونُ مِنها خِصامٌ فَإنَّهُ كَقَوْلِهِ:
؎عَلى لاحِبٍ لا يَهْتَدِي بِمَنارِهِ
أيْ: لا مَنارَ لَهُ فَيَهْتَدِي بِهِ. ومَن: في مَوْضِعِ نَصْبٍ، أيْ وجَعَلُوا مَن يُنَشَّأُ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ، أيْ مَن يُنَشَّأُ جَعَلُوهُ لِلَّهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: يُنَشَّأُ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، والجَحْدَرِيُّ في قَوْلٍ: مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مُخَفَّفًا، وابْنُ عَبّاسٍ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ والحَسَنُ ومُجاهِدٌ والجَحْدَرِيُّ: في رِوايَةٍ، والأخَوانِ وحَفْصٌ والمُفَضَّلُ وأبانٌ وابْنُ مِقْسَمٍ وهارُونُ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مُشَدَّدًا، والحَسَنُ: في رِوايَةٍ يُناشَأُ عَلى وزْنِ يُفاعَلُ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، والمُناشَأةُ بِمَعْنى الإنْشاءِ، كالمُعالاةِ بِمَعْنى الإعْلاءِ. و﴿فِي الخِصامِ﴾: مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ تَفْسِيرُهُ غَيْرُ مُبِينٍ، أيْ وهو لا يُبِينُ في الخِصامِ. ومَن أجازَ أمّا زَيْدًا غَيْرُ ضارِبٍ بِإعْمالِ المُضافِ إلَيْهِ في ”غَيْرُ“ أجازَ أنْ يَتَعَلَّقَ بِمُبِينٍ، أجْرى ”غَيْرُ“ مُجْرى لا. وبِتَقْدِيمِ مَعْمُولِ أمّا بَعْدَ لا مُخْتَلَفٌ فِيهِ، وقَدْ ذُكِرَ ذَلِكَ في النَّحْوِ.
الزخرف 43:2
(p-٢)(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)
(سُورَةُ الزُّخْرُفِ تِسْعٌ وثَمانُونَ آيَةً مَكِّيَّةٌ)
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)
(p-٣)﴿حم﴾ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ ﴿إنّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ ﴿وإنَّهُ في أُمِّ الكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ ﴿أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾ ﴿وكَمْ أرْسَلْنا مِن نَبِيٍّ في الأوَّلِينَ﴾ ﴿وما يَأْتِيهِمْ مِن نَبِيٍّ إلّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ﴿فَأهْلَكْنا أشَدَّ مِنهم بَطْشًا ومَضى مَثَلُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ العَزِيزُ العَلِيمُ﴾ ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا وجَعَلَ لَكم فِيها سُبُلًا لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ ﴿والَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ ﴿والَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ كُلَّها وجَعَلَ لَكم مِنَ الفُلْكِ والأنْعامِ ما تَرْكَبُونَ﴾ ﴿لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكم إذا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا وما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ ﴿وإنّا إلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ ﴿وجَعَلُوا لَهُ مِن عِبادِهِ جُزْءًا إنَّ الإنْسانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾ ﴿أمِ اتَّخَذَ مِمّا يَخْلُقُ بَناتٍ وأصْفاكم بِالبَنِينَ﴾ ﴿وإذا بُشِّرَ أحَدُهم بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وجْهُهُ مُسْوَدًّا وهو كَظِيمٌ﴾ ﴿أوَمَن يُنَشَّأُ في الحِلْيَةِ وهو في الخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ ﴿وجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا أشَهِدُوا خَلْقَهم سَتُكْتَبُ شَهادَتُهم ويُسْألُونَ﴾ [الزخرف: ١٩] ﴿وقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ ما عَبَدْناهم ما لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ إنْ هم إلّا يَخْرُصُونَ﴾ [الزخرف: ٢٠] ﴿أمْ آتَيْناهم كِتابًا مِن قَبْلِهِ فَهم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ﴾ [الزخرف: ٢١] ﴿بَلْ قالُوا إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٢] ﴿وكَذَلِكَ ما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ في قَرْيَةٍ مِن نَذِيرٍ إلّا قالَ مُتْرَفُوها إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٣] ﴿قالَ أوَلَوْ جِئْتُكم بِأهْدى مِمّا وجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكم قالُوا إنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ [الزخرف: ٢٤] ﴿فانْتَقَمْنا مِنهم فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ [الزخرف: ٢٥] ﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ إنَّنِي بَراءٌ مِمّا تَعْبُدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٦] ﴿إلّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ [الزخرف: ٢٧] ﴿وجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً في عَقِبِهِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ [الزخرف: ٢٨] ﴿بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلاءِ وآباءَهم حَتّى جاءَهُمُ الحَقُّ ورَسُولٌ مُبِينٌ﴾ [الزخرف: ٢٩] ﴿ولَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ قالُوا هَذا سِحْرٌ وإنّا بِهِ كافِرُونَ﴾ [الزخرف: ٣٠] ﴿وقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] ﴿أهم يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهم مَعِيشَتَهم في الحَياةِ الدُّنْيا ورَفَعْنا بَعْضَهم فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهم بَعْضًا سُخْرِيًّا ورَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾ [الزخرف: ٣٢] ﴿ولَوْلا أنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِن فَضَّةٍ ومَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ﴾ [الزخرف: ٣٣] ﴿ولِبُيُوتِهِمْ أبْوابًا وسُرُرًا عَلَيْها يَتَّكِئُونَ﴾ [الزخرف: ٣٤] ﴿وزُخْرُفًا وإنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمّا مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا والآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٣٥] ﴿ومَن يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا فَهو لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف: ٣٦] ﴿وإنَّهم لَيَصُدُّونَهم عَنِ السَّبِيلِ ويَحْسَبُونَ أنَّهم مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٣٧] ﴿حَتّى إذا جاءَنا قالَ يا لَيْتَ بَيْنِي وبَيْنَكَ بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ القَرِينُ﴾ [الزخرف: ٣٨] ﴿ولَنْ يَنْفَعَكُمُ اليَوْمَ إذْ ظَلَمْتُمْ أنَّكم في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف: ٣٩] ﴿أفَأنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أوْ تَهْدِي العُمْيَ ومَن كانَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الزخرف: ٤٠] ﴿فَإمّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإنّا مِنهم مُنْتَقِمُونَ﴾ [الزخرف: ٤١] ﴿أوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وعَدْناهم فَإنّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ﴾ [الزخرف: ٤٢] ﴿فاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إلَيْكَ إنَّكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الزخرف: ٤٣] ﴿وإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ وسَوْفَ تُسْألُونَ﴾ [الزخرف: ٤٤] ﴿واسْألْ مَن أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رُسُلِنا أجَعَلْنا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف: ٤٥] ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ فَقالَ إنِّي رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الزخرف: ٤٦] ﴿فَلَمّا جاءَهم بِآياتِنا إذا هم مِنها يَضْحَكُونَ﴾ [الزخرف: ٤٧] ﴿وما نُرِيهِمْ مِن آيَةٍ إلّا هي أكْبَرُ مِن أُخْتِها وأخَذْناهم بِالعَذابِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ [الزخرف: ٤٨] ﴿وقالُوا يا أيُّها السّاحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ إنَّنا لَمُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٤٩] ﴿فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُمُ العَذابَ إذا هم يَنْكُثُونَ﴾ [الزخرف: ٥٠] ﴿ونادى فِرْعَوْنُ في قَوْمِهِ قالَ يا قَوْمِ ألَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وهَذِهِ الأنْهارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الزخرف: ٥١] ﴿أمْ أنا خَيْرٌ مِن هَذا الَّذِي هو مَهِينٌ ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢] ﴿فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أسْوِرَةٌ مِن ذَهَبٍ أوْ جاءَ مَعَهُ المَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾ [الزخرف: ٥٣] ﴿فاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأطاعُوهُ إنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ [الزخرف: ٥٤] ﴿فَلَمّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنهم فَأغْرَقْناهم أجْمَعِينَ﴾ [الزخرف: ٥٥] ﴿فَجَعَلْناهم سَلَفًا ومَثَلًا لِلْآخِرِينَ﴾ [الزخرف: ٥٦] ﴿ولَمّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إذا قَوْمُكَ مِنهُ يَصِدُّونَ﴾ [الزخرف: ٥٧] ﴿وقالُوا أآلِهَتُنا خَيْرٌ أمْ هو ما ضَرَبُوهُ لَكَ إلّا جَدَلًا بَلْ هم قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف: ٥٨] ﴿إنْ هو إلّا عَبْدٌ أنْعَمْنا عَلَيْهِ وجَعَلْناهُ مَثَلًا لِبَنِي إسْرائِيلَ﴾ [الزخرف: ٥٩] ﴿ولَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنكم مَلائِكَةً في الأرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ [الزخرف: ٦٠] ﴿وإنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِها واتَّبِعُونِ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [الزخرف: ٦١] ﴿ولا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطانُ إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [الزخرف: ٦٢] ﴿ولَمّا جاءَ عِيسى بِالبَيِّناتِ قالَ قَدْ جِئْتُكم بِالحِكْمَةِ ولِأُبَيِّنَ لَكم بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ [الزخرف: ٦٣] ﴿إنَّ اللَّهَ هو رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [الزخرف: ٦٤] ﴿فاخْتَلَفَ الأحْزابُ مِن بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِن عَذابِ يَوْمٍ ألِيمٍ﴾ [الزخرف: ٦٥] ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا السّاعَةَ أنْ تَأْتِيَهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ [الزخرف: ٦٦] ﴿الأخِلّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلّا المُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧] ﴿يا عِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ [الزخرف: ٦٨] ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وكانُوا مُسْلِمِينَ﴾ [الزخرف: ٦٩] ﴿ادْخُلُوا الجَنَّةَ أنْتُمْ وأزْواجُكم تُحْبَرُونَ﴾ [الزخرف: ٧٠] ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مِن ذَهَبٍ وأكْوابٍ وفِيها ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وتَلَذُّ الأعْيُنُ وأنْتُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ [الزخرف: ٧١] ﴿وتِلْكَ الجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف: ٧٢] ﴿لَكم فِيها فاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنها تَأْكُلُونَ﴾ [الزخرف: ٧٣] ﴿إنَّ المُجْرِمِينَ في عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ﴾ [الزخرف: ٧٤] ﴿لا يُفَتَّرُ عَنْهم وهم فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ [الزخرف: ٧٥] ﴿وما ظَلَمْناهم ولَكِنْ كانُوا هُمُ الظّالِمِينَ﴾ [الزخرف: ٧٦] ﴿ونادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ قالَ إنَّكم ماكِثُونَ﴾ [الزخرف: ٧٧] ﴿لَقَدْ جِئْناكم بِالحَقِّ ولَكِنَّ أكْثَرَكم لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾ [الزخرف: ٧٨] ﴿أمْ أبْرَمُوا أمْرًا فَإنّا مُبْرِمُونَ﴾ [الزخرف: ٧٩] ﴿أمْ يَحْسَبُونَ أنّا لا نَسْمَعُ سِرَّهم ونَجْواهم بَلى ورُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف: ٨٠] ﴿قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾ [الزخرف: ٨١] ﴿سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ رَبِّ العَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ [الزخرف: ٨٢] ﴿فَذَرْهم يَخُوضُوا ويَلْعَبُوا حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ [الزخرف: ٨٣] ﴿وهُوَ الَّذِي في السَّماءِ إلَهٌ وفي الأرْضِ إلَهٌ وهو الحَكِيمُ العَلِيمُ﴾ [الزخرف: ٨٤] ﴿وتَبارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما وعِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [الزخرف: ٨٥] ﴿ولا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفاعَةَ إلّا مَن شَهِدَ بِالحَقِّ وهم يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦] ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَهم لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأنّى يُؤْفَكُونَ﴾ [الزخرف: ٨٧] ﴿وقِيلِهِ يا رَبِّ إنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الزخرف: ٨٨] ﴿فاصْفَحْ عَنْهم وقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٩] (p-٤)(يَعْشُو): يُعْرِضُ، ويَعْشى: يَعْمى. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لَمْ نَرَ أحَدًا حَكى: عَشَوْتُ عَنِ الشَّيْءِ: أعْرَضْتُ عَنْهُ، وإنَّما يُقالُ: تَعاشَيْتُ عَنْ كَذا وتَعامَيْتُ، إذا تَغافَلْتُ عَنْهُ. وتَقُولُ: عَشَوْتُ إلى النّارِ، إذا اسْتَدْلَلْتُ عَلَيْها بِبَصَرٍ ضَعِيفٍ. وقِيلَ: عَشى يَعْشى، إذا حَصَلَتِ الآفَةُ في بَصَرِهِ. وعَشا يَعْشُو: نَظَرَ المَعْشِيِّ ولا آفَةَ بِهِ، كَما قالَ: عَرَجَ لِمَن بِهِ الآفَةُ، وعَرَجَ لِمَن مَشى مِشْيَةَ العُرْجانِ مِن غَيْرِ عَرَجٍ. قالَ الحُطَيْئَةُ:
؎مَتى تَأْتِهِ تَعْشُو إلى ضَوْءِ نارِهِ تَجِدْ خَيْرَ نارٍ عِنْدَها خَيْرُ مَوْقِدِ
أيْ: تَنْظُرُ إلَيْها نَظَرَ المَعْشِيِّ لِما يَضْعُفُ بَصَرٌ مِن عَظِيمِ الوَقُودِ بِهِ، ومِنهُ قَوْلُ حاتِمٍ:
؎أعْشُو إذا ما جارَتِي بَرَزَتْ ∗∗∗ حَتّى يُوارِيَ جارَتِي الخِدْرُ
الصُّحْفَةُ، قالَ الجَوْهَرِيُّ: هي القَصْعَةُ، وقالَ الكِسائِيُّ: أعْظَمُ القِصاعِ الجَفْنَةُ، ثُمَّ القَصْعَةُ تَلِيها تَسَعُ العَشَرَةَ، ثُمَّ الصَّحْفَةُ تَسَعُ الخَمْسَةَ، ثُمَّ المَكِيلَةُ تَسَعُ الرَّجُلَيْنِ والثَّلاثَةَ. والصَّحِيفَةُ: الكِتابُ، والجَمْعُ: صُحُفٌ وصَحائِفُ. الكُوبُ، قالَ قُطْرُبٌ: الإبْرِيقُ لا عُرْوَةَ لَهُ. وقالَ الأخْفَشُ: الإبْرِيقُ لا خُرْطُومَ لَهُ، وقِيلَ: كالإبْرِيقِ، إلّا أنَّهُ لا أُذُنَ لَهُ ولا مِقْبَضَ. قالَ أبُو مَنصُورٍ الجَوالِيقِيُّ: إنَّما كانَ بِغَيْرِ عُرْوَةٍ لِيَشْرَبَ الشّارِبُ مِن أيْنَ شاءَ، لِأنَّ العُرْوَةَ تَرُدُّ الشّارِبَ مِن بَعْضِ الجِهاتِ. انْتَهى. وقالَ عَدِيٌّ:
؎مُتَّكِئًا تُصَفِّقُ أبْوابُهُ ∗∗∗ يَسْعى عَلَيْهِ العَبْدُ بِالكُوبِ
أبْرَمَ، قالَ الفَرّاءُ: أبْرَمَ الأمْرَ: بالَغَ في إحْكامِهِ، وأبْرَمَ القاتِلُ، إذا أدْهَمَ، وهو القَتْلُ الثّانِي، والأوَّلُ يُقالُ لَهُ سِجِّيلٌ، كَما قالَ زُهَيْرٌ:
؎مِن سِجِّيلٍ وبَرْمِ
انْتَهى. والإبْرامُ: أنْ يَجْمَعَ خَيْطَيْنِ ثُمَّ يَفْتِلَهُما فَتْلًا مُتْقَنًا، والبَرِيمُ: خَيْطٌ فِيهِ لَوْنانِ.
* *
(p-٥)﴿حم﴾ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ ﴿إنّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ ﴿وإنَّهُ في أُمِّ الكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ ﴿أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾ ﴿وكَمْ أرْسَلْنا مِن نَبِيٍّ في الأوَّلِينَ﴾ ﴿وما يَأْتِيهِمْ مِن نَبِيٍّ إلّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ﴿فَأهْلَكْنا أشَدَّ مِنهم بَطْشًا ومَضى مَثَلُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ العَزِيزُ العَلِيمُ﴾ ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا وجَعَلَ لَكم فِيها سُبُلًا لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ ﴿والَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ ﴿والَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ كُلَّها وجَعَلَ لَكم مِنَ الفُلْكِ والأنْعامِ ما تَرْكَبُونَ﴾ ﴿لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكم إذا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا وما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ ﴿وإنّا إلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ ﴿وجَعَلُوا لَهُ مِن عِبادِهِ جُزْءًا إنَّ الإنْسانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾ ﴿أمِ اتَّخَذَ مِمّا يَخْلُقُ بَناتٍ وأصْفاكم بِالبَنِينَ﴾ ﴿وإذا بُشِّرَ أحَدُهم بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وجْهُهُ مُسْوَدًّا وهو كَظِيمٌ﴾ ﴿أوَمَن يُنَشَّأُ في الحِلْيَةِ وهو في الخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ .
هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، وقالَ مُقاتِلٌ: إلّا قَوْلُهُ: ﴿واسْألْ مَن أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رُسُلِنا﴾ [الزخرف: ٤٥] . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: بِإجْماعِ أهْلِ العِلْمِ.
﴿إنّا جَعَلْناهُ﴾، أيْ صَيَّرْناهُ، أوْ سَمَّيْناهُ، وهو جَوابُ القَسَمِ، وهو مِنَ الأقْسامِ الحَسَنَةِ لِتَناسُبِ القَسَمِ والمُقْسَمِ عَلَيْهِ، وكَوْنِهِما مِن وادٍ واحِدٍ، ونَظِيرُهُ قَوْلُ أبِي تَمّامٍ:
؎وثَناياكِ إنَّها إغْرِيضٌ
وقِيلَ: والكِتابُ أُرِيدَ بِهِ الكُتُبُ المُنَزَّلَةُ، والضَّمِيرُ في جَعَلْناهُ يَعُودُ عَلى القُرْآنِ، وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ صَرِيحُ الذِّكْرِ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: جَعَلْناهُ، بِمَعْنى صَيَّرْناهُ، مُعَدًّى إلى مَفْعُولَيْنِ، أوْ بِمَعْنى خَلَقْناهُ مُعَدًّى إلى واحِدٍ، كَقَوْلِهِ: ﴿وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ﴾ [الأنعام: ١] . (وقُرْآنًا عَرَبِيًّا): حالٌ. ولَعَلَّ: مُسْتَعارَةٌ لِمَعْنى الإرادَةِ، لِتُلاحِظَ مَعْناها ومَعْنى التَّرَجِّي، أيْ خَلَقْناهُ عَرَبِيًّا غَيْرَ عَجَمِيٍّ. أرادَ أنْ تَعْقِلَهُ العَرَبُ، ولِئَلّا يَقُولُوا: ﴿لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُ﴾ [فصلت: ٤٤] . انْتَهى، وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ في كَوْنِ القُرْآنِ مَخْلُوقًا. و(أُمِّ الكِتابِ): اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، لِأنَّهُ الأصْلُ الَّذِي أُثْبِتَتْ فِيهِ الكُتُبُ، وهَذا فِيهِ تَشْرِيفٌ لِلْقُرْآنِ وتَرْفِيعٌ بِكَوْنِهِ لَدَيْهِ عَلِيًّا عَلى جَمِيعِ الكُتُبِ، وعالِيًا عَنْ وُجُوهِ الفَسادِ. حَكِيمًا: أيْ حاكِمًا عَلى سائِرِ الكُتُبِ، أوْ مُحْكَمًا بِكَوْنِهِ في غايَةِ البَلاغَةِ والفَصاحَةِ وصِحَّةِ المَعانِي. قالَ قَتادَةُ وعِكْرِمَةُ والسُّدِّيُّ: اللَّوْحُ المَحْفُوظُ: القُرْآنُ فِيهِ بِأجْمَعِهِ مَنسُوخٌ، ومِنهُ كانَ جِبْرِيلُ يَنْزِلُ. وقِيلَ: أُمُّ الكِتابِ: الآياتُ المُحْكَماتُ، لِقَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتابَ مِنهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتابِ﴾ [آل عمران: ٧]، ومَعْناهُ: أنَّ سُورَةَ حم واقِعَةٌ في الآياتِ المُحْكَماتِ الَّتِي هي الأُمُّ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: في أُمِّ، بِضَمِّ الهَمْزَةِ، والأخَوانِ بِكَسْرِها، وعَزاها ابْنُ عَطِيَّةَ يُوسُفُ بْنُ عَمْرٍو إلى العِراقِ، ولَمْ يَعْزُها لِلْأخَوانِ عَقْلَةً مِنهُ. يُقالُ: ضَرَبَ عَنْ كَذا، وأضْرَبَ عَنْهُ، إذا أعْرَضَ عَنْهُ. والذِّكْرَ، قالَ الضَّحّاكُ وأبُو صالِحٍ: القُرْآنُ، أيِ: أفَتَرائى عَنْكُمُ القُرْآنَ. وقَوْلُهم: ضَرَبَ الغَرائِبَ عَنِ الحَوْضِ، إذا أدارَها ونَحّاها، وقالَ الشّاعِرُ:
؎اضْرِبْ عَنْكَ الهُمُومَ طارِقَها ∗∗∗ ضَرْبَكَ بِالسَّيْفِ قَوْنَسَ الفَرَسِ
وقِيلَ: الذِّكْرَ: الدُّعاءُ إلى اللَّهِ والتَّخْوِيفُ مِن عِقابِهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: أنُهْمِلُكم فَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ إنْكارًا لِأنْ يَكُونَ الأمْرُ عَلى خِلافِ ما قُدِّمَ مِن إنْزالِهِ الكِتابَ وخَلْقِهِ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتَعْقِلُوهُ وتَعْمَلُوا بِمُوجَبِهِ. انْتَهى. وتَقَدَّمَ الكَلامُ مَعَهُ في تَقْدِيرِهِ فِعْلًا بَيْنَ الهَمْزَةِ والفاءِ في نَحْوِ: (أفَلَمْ يَسِيرُوا) ؟ (أفَلا تَعْقِلُونَ) ؟ وبَيْنَها وبَيْنَ الواوِ في نَحْوِ: (أوَلَمْ يَسِيرُوا) كَما وأنَّ المَذْهَبَ الصَّحِيحَ قَوْلُ سِيبَوَيْهِ والنَّحْوِيِّينَ أنَّ الفاءَ والواوَ مَنوِيٌّ بِهِما التَّقْدِيمُ لِعَطْفِ ما بَعْدَهُما عَلى ما قَبْلَهُما، وأنَّ الهَمْزَةَ تَقَدَّمَتْ لِكَوْنِ الِاسْتِفْهامِ لَهُ صَدْرُ الكَلامِ، ولا خِلافَ بَيْنَ الهَمْزَةِ والحَرْفِ، وقَدْ رَدَدْنا عَلَيْهِ قَوْلَهُ: وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ: المَعْنى: أفَنَتْرُكُ تَذْكِيرَكم وتَخْوِيفَكم عَفْوًا عَنْكم وعَفْوًا عَنْ إجْرامِكم ؟ أنْ كُنْتُمْ أوْ مِن أجْلِ أنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ ؟ أيْ هَذا لا يَصْلُحُ. ونَحا قَتادَةُ إلى أنَّ المَعْنى صَفْحًا، أيْ مَعْفُوًّا عَنْهُ، أيْ نَتْرُكُهُ. ثُمَّ لا تُؤاخَذُونَ بِقَوْلِهِ ولا بِتَدْبِيرِهِ، ولا تُنَبَّهُونَ عَلَيْهِ. وهَذا المَعْنى نَظِيرُ قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎تَمُرُّ الصَّبا صَفْحًا بِساكِنِ ذِي الفَضا ∗∗∗ ويَصْدَعُ قَلْبِي أنْ يَهُبَّ هُبُوبُها
(p-٦)وقَوْلِ كُثَيِّرٍ:
؎صَفُوحًا فَما تَلْقاكَ إلّا بَخِيلَةً ∗∗∗ فَمَن مَلَّ مِنها ذَلِكَ الوَصْلَ مَلَّتِ
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المَعْنى: أفَحَسِبْتُمْ أنْ نَصْفَحَ عَنْكم ولَمّا تَفْعَلُوا ما أُمِرْتُمْ بِهِ ؟ وقالَ الكَلْبِيُّ: أنْ نَتْرُكَكم هَمَلًا بِلا أمْرٍ ولا نَهْيٍ ؟ وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: أنْ لا نُعاقِبَكم بِالتَّكْذِيبِ ؟ وقِيلَ: أنْ نَتْرُكَ الإنْزالَ لِلْقُرْآنِ مِن أجْلِ تَكْذِيبِكم ؟ وقَرَأ حَسّانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الضُّبَعِيُّ، والسُّمَيْطُ بْنُ عُمَيْرٍ، وشُمَيْلُ بْنُ عُذْرَةَ: بِضَمِّ الصّادِ، والجُمْهُورُ: بِفَتْحِها، وهُما لُغَتانِ، كالسَّدِّ والسُّدِّ. وانْتِصابُ صَفْحًا عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مِن مَعْنى أفَنَضْرِبُ، لِأنَّ مَعْناهُ: أفَنَصْفَحُ ؟ أوْ مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ صافِحِينَ، قالَهُما الحَوْفِيُّ، وتَبِعَهُ أبُو البَقاءِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وصَفْحًا عَلى وجْهَيْنِ: إمّا مَصْدَرٌ مِن صَفَحَ عَنْهُ إذا أعْرَضَ مُنْتَصِبًا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ عَلى مَعْنى: أفَنَعْزِلُ عَنْكم إنْزالَ القُرْآنِ وإلْزامَ الحُجَّةِ بِهِ إعْراضًا عَنْكم ؟ وإمّا بِمَعْنى الجانِبِ مِن قَوْلِهِمْ: نَظَرَ إلَيْهِ بِصَفْحِ وجْهِهِ. وصَفْحُ وجْهِهِ عَلى مَعْنى: أفَنُنَحِّيهِ عَنْكم جانِبًا ؟ فَيُنْصَبُ عَلى الظَّرْفِ، كَما تَقُولُ: ضَعْهُ جانِبًا، وامْشِ جانِبًا. وتُعَضِّدُهُ قِراءَةُ مَن قَرَأ: صُفْحًا بِالضَّمِّ. وفي هَذِهِ القِراءَةِ وجْهٌ آخَرُ، وهو أنْ يَكُونَ تَخْفِيفَ صُفُحٍ جَمْعَ صُفُوحٍ، ويُنْتَصَبُ عَلى الحالِ، أيْ صافِحِينَ مُعْرِضِينَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: صَفْحًا، انْتِصابُهُ كانْتِصابِ (صُنْعَ اللَّهِ) . انْتَهى. يَعْنِي أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ، فَيَكُونُ العامِلُ فِيهِ مَحْذُوفًا، ولا يَظْهَرُ هَذا الَّذِي قالَهُ، فَلَيْسَ انْتِصابُهُ انْتِصابَ ”صُنْعَ اللَّهِ“ . وقَرَأ نافِعٌ والأخَوانِ: بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وإسْرافُهم كانَ مُتَحَقِّقًا. فَكَيْفَ دَخَلَتْ عَلَيْهِ ”إنْ“ الشَّرْطِيَّةُ الَّتِي لا تَدْخُلُ إلّا عَلى غَيْرِ المُتَحَقِّقِ، أوْ عَلى المُتَحَقِّقِ الَّذِي انْبَهَمَ زَمانُهُ ؟ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هو مِنَ الشَّرْطِ الَّذِي ذَكَرْتُ أنَّهُ يَصْدُرُ عَنِ المُدِلِّ بِصِحَّةِ الأمْرِ المُتَحَقِّقِ لِثُبُوتِهِ، كَما يَقُولُ الأجِيرُ: إنْ كُنْتُ عَمِلْتُ لَكَ فَوَفِّنِي حَقِّي، وهو عالِمٌ بِذَلِكَ، ولَكِنَّهُ يُخَيِّلُ في كَلامِهِ أنَّ تَفْرِيطَكَ في الخُرُوجِ عَنِ الحَقِّ فِعْلُ مَن لَهُ شَكٌّ في الِاسْتِحْقاقِ، مَعَ وُضُوحِهِ، اسْتِجْهالًا لَهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: أنْ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، أيْ مِن أجْلِ أنْ كُنْتُمْ. قالَ الشّاعِرُ:
؎أتَجْزَعُ أنْ بانَ الخَلِيطُ المُوَدِّعُ
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: إذْ كُنْتُمْ، بِذالٍ مَكانَ النُّونِ، لَمّا ذَكَرَ خِطابًا لِقُرَيْشٍ، ﴿أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ﴾ ؟ وكانَ هَذا الإنْكارُ دَلِيلًا عَلى تَكْذِيبِهِمْ لِلرَّسُولِ، وإنْكارًا لِما جاءَ بِهِ. آنَسَهُ تَعالى بِأنَّ عادَتَهم عادَةُ الأُمَمِ السّابِقَةِ مِنِ اسْتِهْزائِهِمْ بِالرُّسُلِ، وأنَّهُ تَعالى أهْلَكَ مَن كانَ أشَدَّ بَطْشًا مِن قُرَيْشٍ، أيْ أكْثَرَ عَدَدًا وعُدَدًا وجِلْدًا.
﴿ومَضى مَثَلُ الأوَّلِينَ﴾: أيْ فَلْيَحْذَرْ قُرَيْشٌ أنْ يَحِلَّ بِهِمْ مِثْلُ ما حَلَّ بِالأوَّلِينَ مُكَذِّبِي الرُّسُلِ مِنَ العُقُوبَةِ. قالَ مَعْناهُ قَتادَةُ: وهي العُقُوبَةُ الَّتِي سارَتْ سَيْرَ المَثَلِ، وقِيلَ: مَثَلُ الأوَّلِينَ في الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ، وقُرَيْشٌ سَلَكَتْ مَسْلَكَها، وكانَ مُقْبِلًا عَلَيْهِمْ بِالخِطابِ في قَوْلِهِ: ﴿أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ﴾ ؟ فَأعْرَضَ عَنْهم إلى إخْبارِ الغائِبِ في قَوْلِهِ: ﴿فَأهْلَكْنا أشَدَّ مِنهم بَطْشًا﴾ . (ولَئِنْ سَألْتَهم): احْتِجاجٌ عَلى قُرَيْشٍ بِما يُوجِبُ التَّناقُضَ، وهو إقْرارُهم بِأنَّ مُوجِدَ العالَمِ العُلْوِيِّ والسُّفْلِيِّ هو اللَّهُ، ثُمَّ هم يَتَّخِذُونَ أصْنامًا آلِهَةً مِن دُونِ اللَّهِ يَعْبُدُونَهم ويُعَظِّمُونَهم. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ومُقْتَضى الجَوابِ أنْ يَقُولُوا خَلَقَهُنَّ اللَّهُ، فَلَمّا ذَكَرَ تَعالى المَعْنى، جاءَتِ العِبارَةُ عَنِ اللَّهِ تَعالى بِالعَزِيزِ العَلِيمِ، لِيَكُونَ ذَلِكَ تَوْطِئَةً لِما عَدَّدَ مِن أوْصافِهِ الَّذِي ابْتَدَأ الإخْبارَ بِها، وقَطَعَها مِنَ الكَلامِ الَّذِي حَكى مَعْناهُ عَنْ قُرَيْشٍ. انْتَهى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَيَنْسِبُنَّ خَلْقَها إلى الَّذِي هَذِهِ أوْصافُهُ، ولَيَسْنِدُنَّهُ إلَيْهِ. انْتَهى. والظّاهِرُ أنَّ: ﴿خَلَقَهُنَّ العَزِيزُ العَلِيمُ﴾ نَفْسُ المَحْكِيِّ مِن كَلامِهِمْ، ولا يَدُلُّ كَوْنُهم ذَكَرُوا في مَكانٍ خَلَقَهُنَّ اللَّهُ، أنْ لا يَقُولُوا في سُؤالٍ آخَرَ: ﴿خَلَقَهُنَّ العَزِيزُ العَلِيمُ﴾ .
و(الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ): مِن كَلامِ اللَّهِ، خِطابًا لَهم بِتَذْكِيرِ نِعَمِهِ السّابِقَةِ. وكَرَّرَ الفِعْلَ في الجَوابِ في قَوْلِهِ: ﴿خَلَقَهُنَّ العَزِيزُ العَلِيمُ﴾، مُبالَغَةً في التَّوْكِيدِ. وفي غَيْرِ ما سُؤالٍ، اقْتَصَرُوا عَلى ذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ، إذْ هو العَلَمُ الجامِعُ لِلصِّفاتِ العُلا، وجاءَ الجَوابُ مُطابِقًا لِلسُّؤالِ مِن حَيْثُ (p-٧)المَعْنى، لا مِن حَيْثُ اللَّفْظُ، لِأنَّ مَن مُبْتَدَأٌ. فَلَوْ طابَقَ في اللَّفْظِ، كانَ بِالِاسْمِ مُبْتَدَأً، ولَمْ يَكُنْ بِالفِعْلِ. (لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ): أيْ إلى مَقاصِدِكم في السَّفَرِ، أوْ تَهْتَدُونَ بِالنَّظَرِ والِاعْتِبارِ. بِقَدَرٍ: أيْ بِقَضاءٍ وحَتْمٍ في الأزَلِ، أوْ بِكِفايَةٍ، لا كَثِيرًا فَيُفْسِدُ، ولا قَلِيلًا فَلا يُجْدِي.
﴿فَأنْشَرْنا﴾: أحْيَيْنا بِهِ.
﴿بَلْدَةً مَيْتًا﴾: ذُكِرَ عَلى مَعْنى القَطْرِ، و”بَلْدَةً“ اسْمُ جِنْسٍ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وعِيسى: مَيِّتًا بِالتَّشْدِيدِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: تُخْرَجُونَ: مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وابْنُ وثّابٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ جُبَيْرٍ المُصْبِحِ، وعِيسى، وابْنُ عامِرٍ، والأخَوانِ: مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. و(الأزْواجَ): الأنْواعَ مِن كُلِّ شَيْءٍ. قِيلَ: وكُلُّ ما سِوى اللَّهِ فَهو زَوْجٌ، كَفَوْقَ، وتَحْتَ، ويَمِينٍ، وشِمالٍ، وقُدّامٍ، وخَلْفٍ، وماضٍ، ومُسْتَقْبَلٍ، وذَواتٍ، وصِفاتٍ، وصَيْفٍ، وشِتاءٍ، ورَبِيعٍ، وخَرِيفٍ، وكَوْنُها أزْواجًا تَدُلُّ عَلى أنَّها مُمْكِنَةُ الوُجُودِ، ويَدُلُّ عَلى أنَّ مُحْدِثَها فَرْدٌ، وهو اللَّهُ المُنَزَّهُ عَنِ الضِّدِّ والمُقابِلِ والمُعارِضِ. انْتَهى.
(والأنْعامَ): المَعْهُودُ أنَّهُ لا يُرْكَبُ مِنَ الأنْعامِ إلّا الإبِلُ. ما: مَوْصُولَةٌ والعائِدُ مَحْذُوفٌ، أيْ ما يَرْكَبُونَهُ. ورَكِبَ بِالنِّسْبَةِ لِلْعِلَلِ، ويَتَعَدّى بِنَفْسِهِ عَلى المُتَعَدِّي بِوَساطَةِ في، إذِ التَّقْدِيرُ ما يَرْكَبُونَهُ. واللّامُ في لِتَسْتَوُوا: الظّاهِرُ أنَّها لامُ كَيْ. وقالَ الحَوْفِيُّ: ومَن أثْبَتَ لامَ الصَّيْرُورَةِ جازَ لَهُ أنْ يَقُولَ بِهِ هُنا. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لامُ الأمْرِ، وفِيهِ بُعْدٌ مِن حَيْثُ اسْتِعْمالُ أمْرِ المُخاطَبِ بِتاءِ الخِطابِ، وهو مِنَ القِلَّةِ بِحَيْثُ يَنْبَغِي أنْ لا يُقاسَ عَلَيْهِ. فالفَصِيحُ المُسْتَعْمَلُ: اضْرِبْ، وقِيلَ: لِتَضْرِبْ، بَلْ نَصَّ النَّحْوِيُّونَ عَلى أنَّها لُغَةٌ رَدِيئَةٌ قَلِيلَةٌ، إذْ لا تَكادُ تُحْفَظُ إلّا قِراءَةً شاذَّةً، فَبِذَلِكَ فَلْتَفْرَحُوا بِالتّاءِ لِلْخِطابِ. وما آثَرَ المُحَدِّثُونَ مِن قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «لِتَأْخُذُوا مَصافَّكم»، مَعَ احْتِمالِ أنَّ الرّاوِيَ رَوى بِالمَعْنى، وقَوْلُ الشّاعِرِ:
؎لِتَقُمْ أنْتَ يا ابْنَ خَيْرِ قُرَيْشٍ ∗∗∗ فَتَقْضِي حَوائِجَ المُسْلِمِينا
وزَعَمَ الزَّجّاجُ أنَّها لُغَةٌ جَيِّدَةٌ، وذَلِكَ خِلافُ ما زَعَمَ النَّحْوِيُّونَ. والضَّمِيرُ في ظُهُورِهِ عائِدٌ عَلى ما، كَأنَّهُ قالَ: عَلى ظُهُورِ ما تَرْكَبُونَ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، فَلِذَلِكَ حَسُنَ الجَمْعُ، لِأنَّ مَآلَها لَفْظٌ ومَعْنًى. فَمَن جَمَعَ فَبِاعْتِبارِ المَعْنى، ومَن أفْرَدَ فَبِاعْتِبارِ اللَّفْظِ، ويَعْنِي: ﴿مِنَ الفُلْكِ والأنْعامِ﴾ . وقالَ الفَرّاءُ نَحْوًا مِنهُ، قالَ: أضافَ الظُّهُورَ، ﴿ثُمَّ تَذْكُرُوا﴾، أيْ في قُلُوبِكم، ﴿نِعْمَةَ رَبِّكُمْ﴾، مُعْتَرِفِينَ بِها مُسْتَعْظِمِينَ لَها. لا يُرِيدُ الذِّكْرَ بِاللِّسانِ بَلْ بِالقَلْبِ، ولِذَلِكَ قابَلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا﴾، أيْ تُنَزِّهُوا اللَّهَ بِصَرِيحِ القَوْلِ. وجاءَ في الحَدِيثِ: «”أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ إذا وضَعَ رِجْلَهُ في الرِّكابِ قالَ: بِسْمِ اللَّهِ، فَإذا اسْتَوى عَلى الدّابَّةِ قالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ عَلى كُلِّ حالٍ، سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا، إلى قَوْلِهِ لَمُنْقَلِبُونَ، وكَبَّرَ ثَلاثًا وهَلَّلَ ثَلاثًا»، وقالُوا: إذا رَكِبَ في السَّفِينَةِ قالَ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها ومُرْساها﴾ [هود: ٤١] إلى رَحِيمٍ، ويُقالُ عِنْدَ النُّزُولِ مِنها: اللَّهُمَّ أنْزِلْنا مُنْزَلًا مُبارَكًا وأنْتَ خَيْرُ المُنْزِلِينَ“ . والقَرْنُ: الغالِبُ الضّابِطُ المُطِيقُ لِلشَّيْءِ، يُقالُ: أقْرَنَ الشَّيْءَ، إذا أطاقَهُ. قالَ ابْنُ هَرْمَةَ:
؎وأقْرَنْتِ ما حَمَّلْتِنِي ولَقَلَّما ∗∗∗ يُطاقُ احْتِمالُ الصَّدِّ يا دَعْدُ والهَجْرِ
وحَقِيقَةُ أقْرَنَهُ: وجَدَهُ قَرِينَتَهُ وما يُقْرَنُ بِهِ: لِأنَّ الصَّعْبَ لا يَكُونُ قَرِينَةً لِلضَّعْفِ. قالَ الشّاعِرُ:
؎وابْنُ اللَّبُونِ إذا ما لُزَّ في قَرَنٍ ∗∗∗ لَمْ يَسْتَطِعْ صَوْلَةَ البُزْلِ القَناعِيسِ
والقَرْنُ: الحَبْلُ الَّذِي يُقْرَنُ بِهِ. وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: فُلانٌ مُقْرِنٌ لِفُلانٍ، أيْ ضابِطٌ لَهُ، والمَعْنى: أنَّهُ لَيْسَ لَنا مِنَ القُوَّةِ ما نَضْبُطُ بِهِ الدّابَّةَ والفُلْكَ، وإنَّما اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَها. وأنْشَدَ قُطْرُبٌ لِعَمْرِو بْنِ مَعْدِيكَرِبَ:
؎لَقَدْ عَلِمَ القَبائِلُ ما عَقِيلٌ ∗∗∗ لَنا في النّائِباتِ بِمُقْرِنِينا
وقُرِئَ: لَمُقْتَرِنِينَ، اسْمُ فاعِلٍ مِنِ اقْتَرَنَ.
﴿وإنّا إلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ﴾: أيْ راجِعُونَ، وهو إقْرارٌ بِالرُّجُوعِ إلى اللَّهِ، وبِالبَعْثِ، لِأنَّ الرّاكِبَ في مَظَنَّةِ الهَلاكِ بِالغَرَقِ إذا رَكِبَ الفُلْكَ، وبِعُثُورِ الدّابَّةِ، إذْ رُكُوبُها أمْرٌ (p-٨)فِيهِ خَطَرٌ، ولا تُؤْمَنُ السَّلامَةُ فِيهِ. فَقَوْلُهُ هَذا تَذْكِيرٌ بِأنَّهُ مُسْتَشْعِرٌ الصَّيْرُورَةَ إلى اللَّهِ، ومُسْتَعِدٌّ لِلِقائِهِ، فَهو لا يَتْرُكُ ذَلِكَ مِن قَلْبِهِ ولا لِسانِهِ.
﴿وجَعَلُوا لَهُ﴾: أيْ وجَعَلَ كُفّارُ قُرَيْشٍ والعَرَبُ لَهُ، أيْ لِلَّهِ. مِن عِبادِهِ: أيْ مِمَّنْ هم عَبِيدُ اللَّهِ. جُزْءًا، قالَ مُجاهِدٌ: نَصِيبًا وحَظًّا، وهو قَوْلُ العَرَبِ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ. وقالَ قَتادَةُ: جُزْءًا، أيْ نِدًّا، وذَلِكَ هو الأصْنامُ وفِرْعَوْنُ ومَن عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ. وقِيلَ: الجُزْءُ: الإناثُ. قالَ بَعْضُ اللُّغَوِيِّينَ: يُقالُ أجْزَأتِ المَرْأةُ، إذا ولَدَتْ أُنْثى. قالَ الشّاعِرُ:
؎إنْ أجْزَأتْ حُرَّةٌ يَوْمًا فَلا عَجَبٌ ∗∗∗ قَدْ تُجْزِئُ الحُرَّةُ المِذْكارَ أحْيانًا
قِيلَ: هَذا البَيْتُ مَصْنُوعٌ، وكَذا قَوْلُهُ:
؎زَوَّجَها مِن بَناتِ الأوْسِ مُجْزِئَةً
ولَمّا تَقَدَّمَ أنَّهم مُعْتَرِفُونَ بِأنَّهُ تَعالى هو خالِقُ العالَمِ، أنْكَرَ عَلَيْهِمْ جَعْلَهم لِلَّهِ جُزْءًا، وقَدِ اعْتَرَفُوا بِأنَّهُ هو الخالِقُ، فَكَيْفَ وصَفُوهُ بِصِفَةِ المَخْلُوقِ ؟ ﴿إنَّ الإنْسانَ لَكَفُورٌ﴾ نِعْمَةَ خالِقِهِ. (مُبِينٌ): مُظْهِرٌ لِجُحُودِهِ. والمُرادُ بِالإنْسانِ: مَن جَعَلَ لِلَّهِ جُزْءًا، وغَيْرُهم مِنَ الكَفَرَةِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ومُبِينٌ في هَذا المَوْضِعِ غَيْرُ مُتَعَدٍّ. انْتَهى. ولَيْسَ يَتَعَيَّنُ ما ذَكَرَ، بَلْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ ظاهِرًا لِكُفْرانِ النِّعَمِ ومُظْهِرًا لِجُحُودِهِ، كَما قُلْنا.
﴿أمِ اتَّخَذَ مِمّا يَخْلُقُ بَناتٍ﴾ ؟ اسْتِفْهامُ إنْكارٍ وتَوْبِيخٍ لِقِلَّةِ عُقُولِهِمْ ؟ كَيْفَ زَعَمُوا أنَّهُ تَعالى اتَّخَذَ لِنَفْسِهِ ما أنْتُمْ تَكْرَهُونَهُ حِينَ أنْتُمْ تَسْوَدُّ وُجُوهُكم عِنْدَ التَّبْشِيرِ بِهِنَّ وتَئِدُونَهُنَّ ؟ (وأصْفاكم): جَعَلَ لَكم صَفْوَةَ ما هو مَحْبُوبٌ، وذَلِكَ البَنُونَ. وقَوْلُهُ: (مِمّا يَخْلُقُ)، تَنْبِيهٌ عَلى اسْتِحالَةِ الوَلَدِ، ذَكَرًا كانَ أوْ أُنْثى، وإنْ فُرِضَ اتِّخاذُ الوَلَدِ، فَكَيْفَ يَخْتارُ لَهُ الأدْنى ويَخُصُّكم بِالأعْلى ؟ وقَدَّمَ البَناتِ، لِأنَّهُ المُنْكَرُ عَلَيْهِمْ لِنِسْبَتِهِنَّ إلى اللَّهِ، وعَرَّفَ البَنِينَ دُونَ البَناتِ تَشْرِيفًا لَهم عَلى البَناتِ.
﴿وإذا بُشِّرَ أحَدُهُمْ﴾: تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِها في سُورَةِ النَّحْلِ.
﴿أوَمَن يُنَشَّأُ في الحِلْيَةِ﴾: أيْ يَنْتَقِلُ في عُمُرِهِ حالًا فَحالًا في الحِلْيَةِ، وهو الحُلِيُّ الَّذِي لا يَلِيقُ إلّا بِالإناثِ دُونَ الفُحُولِ، لِتَزَيُّنِهِنَّ بِذَلِكَ لِأزْواجِهِنَّ، وهو إنْ خاصَمَ، لا يُبِينُ لِضَعْفِ العَقْلِ ونَقْصِ التَّدَبُّرِ والتَّأمُّلِ، أظْهَرَ بِهَذا لِحُقُوقِهِنَّ وشُفُوفِ البَنِينَ عَلَيْهِنَّ. وكانَ في ذَلِكَ إشارَةٌ إلى أنَّ الرَّجُلَ لا يُناسِبُ لَهُ التَّزَيُّنُ كالمَرْأةِ، وأنْ يَكُونَ مُخْشَوْشِنًا. والفَحْلُ مِنَ الرِّجالِ أبى أنْ يَكُونَ مُتَّصِفًا بِصِفاتِ النِّساءِ، والظّاهِرُ أنَّهُ أرادَ بِمَن يُنَشَّأُ في الحِلْيَةِ: النِّساءُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ: ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وهُوَ في الخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾: أيْ لا يُظْهِرُ حُجَّةً، ولا يُقِيمُ دَلِيلًا، ولا يَكْشِفُ عَمّا في نَفْسِهِ كَشْفًا واضِحًا. ويُقالُ: قَلَّما تَجِدُ امْرَأةً لا تُفْسِدُ الكَلامَ، وتَخْلِطُ المَعانِيَ، حَتّى ذُكِرَ عَنْ بَعْضِ النّاسِ أنَّهُ قالَ: إذا دَخَلْنا عَلى فُلانَةٍ، لا نَخْرُجُ حَتّى نَعْلَمَ أنَّ عَقْلَها عَقْلُ امْرَأةٍ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: المُرادُ بِمَن يُنَشَّأُ في الحِلْيَةِ: الأصْنامُ، وكانُوا يَتَّخِذُونَ كَثِيرًا مِنها مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ، ويَجْعَلُونَ الحُلِيَّ عَلى كَثِيرٍ مِنها، ويُبْعِدُ هَذا القَوْلَ قَوْلُهُ: ﴿وهُوَ في الخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾، إلّا إنْ أُرِيدَ بِنَفْيِ الإبانَةِ نَفْيُ الخِصامِ أيْ لا يَكُونُ مِنها خِصامٌ فَإنَّهُ كَقَوْلِهِ:
؎عَلى لاحِبٍ لا يَهْتَدِي بِمَنارِهِ
أيْ: لا مَنارَ لَهُ فَيَهْتَدِي بِهِ. ومَن: في مَوْضِعِ نَصْبٍ، أيْ وجَعَلُوا مَن يُنَشَّأُ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ، أيْ مَن يُنَشَّأُ جَعَلُوهُ لِلَّهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: يُنَشَّأُ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، والجَحْدَرِيُّ في قَوْلٍ: مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مُخَفَّفًا، وابْنُ عَبّاسٍ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ والحَسَنُ ومُجاهِدٌ والجَحْدَرِيُّ: في رِوايَةٍ، والأخَوانِ وحَفْصٌ والمُفَضَّلُ وأبانٌ وابْنُ مِقْسَمٍ وهارُونُ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مُشَدَّدًا، والحَسَنُ: في رِوايَةٍ يُناشَأُ عَلى وزْنِ يُفاعَلُ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، والمُناشَأةُ بِمَعْنى الإنْشاءِ، كالمُعالاةِ بِمَعْنى الإعْلاءِ. و﴿فِي الخِصامِ﴾: مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ تَفْسِيرُهُ غَيْرُ مُبِينٍ، أيْ وهو لا يُبِينُ في الخِصامِ. ومَن أجازَ أمّا زَيْدًا غَيْرُ ضارِبٍ بِإعْمالِ المُضافِ إلَيْهِ في ”غَيْرُ“ أجازَ أنْ يَتَعَلَّقَ بِمُبِينٍ، أجْرى ”غَيْرُ“ مُجْرى لا. وبِتَقْدِيمِ مَعْمُولِ أمّا بَعْدَ لا مُخْتَلَفٌ فِيهِ، وقَدْ ذُكِرَ ذَلِكَ في النَّحْوِ.
الزخرف 43:3
(p-٢)(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)
(سُورَةُ الزُّخْرُفِ تِسْعٌ وثَمانُونَ آيَةً مَكِّيَّةٌ)
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)
(p-٣)﴿حم﴾ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ ﴿إنّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ ﴿وإنَّهُ في أُمِّ الكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ ﴿أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾ ﴿وكَمْ أرْسَلْنا مِن نَبِيٍّ في الأوَّلِينَ﴾ ﴿وما يَأْتِيهِمْ مِن نَبِيٍّ إلّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ﴿فَأهْلَكْنا أشَدَّ مِنهم بَطْشًا ومَضى مَثَلُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ العَزِيزُ العَلِيمُ﴾ ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا وجَعَلَ لَكم فِيها سُبُلًا لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ ﴿والَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ ﴿والَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ كُلَّها وجَعَلَ لَكم مِنَ الفُلْكِ والأنْعامِ ما تَرْكَبُونَ﴾ ﴿لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكم إذا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا وما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ ﴿وإنّا إلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ ﴿وجَعَلُوا لَهُ مِن عِبادِهِ جُزْءًا إنَّ الإنْسانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾ ﴿أمِ اتَّخَذَ مِمّا يَخْلُقُ بَناتٍ وأصْفاكم بِالبَنِينَ﴾ ﴿وإذا بُشِّرَ أحَدُهم بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وجْهُهُ مُسْوَدًّا وهو كَظِيمٌ﴾ ﴿أوَمَن يُنَشَّأُ في الحِلْيَةِ وهو في الخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ ﴿وجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا أشَهِدُوا خَلْقَهم سَتُكْتَبُ شَهادَتُهم ويُسْألُونَ﴾ [الزخرف: ١٩] ﴿وقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ ما عَبَدْناهم ما لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ إنْ هم إلّا يَخْرُصُونَ﴾ [الزخرف: ٢٠] ﴿أمْ آتَيْناهم كِتابًا مِن قَبْلِهِ فَهم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ﴾ [الزخرف: ٢١] ﴿بَلْ قالُوا إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٢] ﴿وكَذَلِكَ ما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ في قَرْيَةٍ مِن نَذِيرٍ إلّا قالَ مُتْرَفُوها إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٣] ﴿قالَ أوَلَوْ جِئْتُكم بِأهْدى مِمّا وجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكم قالُوا إنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ [الزخرف: ٢٤] ﴿فانْتَقَمْنا مِنهم فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ [الزخرف: ٢٥] ﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ إنَّنِي بَراءٌ مِمّا تَعْبُدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٦] ﴿إلّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ [الزخرف: ٢٧] ﴿وجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً في عَقِبِهِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ [الزخرف: ٢٨] ﴿بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلاءِ وآباءَهم حَتّى جاءَهُمُ الحَقُّ ورَسُولٌ مُبِينٌ﴾ [الزخرف: ٢٩] ﴿ولَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ قالُوا هَذا سِحْرٌ وإنّا بِهِ كافِرُونَ﴾ [الزخرف: ٣٠] ﴿وقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] ﴿أهم يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهم مَعِيشَتَهم في الحَياةِ الدُّنْيا ورَفَعْنا بَعْضَهم فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهم بَعْضًا سُخْرِيًّا ورَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾ [الزخرف: ٣٢] ﴿ولَوْلا أنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِن فَضَّةٍ ومَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ﴾ [الزخرف: ٣٣] ﴿ولِبُيُوتِهِمْ أبْوابًا وسُرُرًا عَلَيْها يَتَّكِئُونَ﴾ [الزخرف: ٣٤] ﴿وزُخْرُفًا وإنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمّا مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا والآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٣٥] ﴿ومَن يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا فَهو لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف: ٣٦] ﴿وإنَّهم لَيَصُدُّونَهم عَنِ السَّبِيلِ ويَحْسَبُونَ أنَّهم مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٣٧] ﴿حَتّى إذا جاءَنا قالَ يا لَيْتَ بَيْنِي وبَيْنَكَ بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ القَرِينُ﴾ [الزخرف: ٣٨] ﴿ولَنْ يَنْفَعَكُمُ اليَوْمَ إذْ ظَلَمْتُمْ أنَّكم في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف: ٣٩] ﴿أفَأنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أوْ تَهْدِي العُمْيَ ومَن كانَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الزخرف: ٤٠] ﴿فَإمّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإنّا مِنهم مُنْتَقِمُونَ﴾ [الزخرف: ٤١] ﴿أوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وعَدْناهم فَإنّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ﴾ [الزخرف: ٤٢] ﴿فاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إلَيْكَ إنَّكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الزخرف: ٤٣] ﴿وإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ وسَوْفَ تُسْألُونَ﴾ [الزخرف: ٤٤] ﴿واسْألْ مَن أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رُسُلِنا أجَعَلْنا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف: ٤٥] ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ فَقالَ إنِّي رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الزخرف: ٤٦] ﴿فَلَمّا جاءَهم بِآياتِنا إذا هم مِنها يَضْحَكُونَ﴾ [الزخرف: ٤٧] ﴿وما نُرِيهِمْ مِن آيَةٍ إلّا هي أكْبَرُ مِن أُخْتِها وأخَذْناهم بِالعَذابِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ [الزخرف: ٤٨] ﴿وقالُوا يا أيُّها السّاحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ إنَّنا لَمُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٤٩] ﴿فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُمُ العَذابَ إذا هم يَنْكُثُونَ﴾ [الزخرف: ٥٠] ﴿ونادى فِرْعَوْنُ في قَوْمِهِ قالَ يا قَوْمِ ألَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وهَذِهِ الأنْهارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الزخرف: ٥١] ﴿أمْ أنا خَيْرٌ مِن هَذا الَّذِي هو مَهِينٌ ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢] ﴿فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أسْوِرَةٌ مِن ذَهَبٍ أوْ جاءَ مَعَهُ المَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾ [الزخرف: ٥٣] ﴿فاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأطاعُوهُ إنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ [الزخرف: ٥٤] ﴿فَلَمّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنهم فَأغْرَقْناهم أجْمَعِينَ﴾ [الزخرف: ٥٥] ﴿فَجَعَلْناهم سَلَفًا ومَثَلًا لِلْآخِرِينَ﴾ [الزخرف: ٥٦] ﴿ولَمّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إذا قَوْمُكَ مِنهُ يَصِدُّونَ﴾ [الزخرف: ٥٧] ﴿وقالُوا أآلِهَتُنا خَيْرٌ أمْ هو ما ضَرَبُوهُ لَكَ إلّا جَدَلًا بَلْ هم قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف: ٥٨] ﴿إنْ هو إلّا عَبْدٌ أنْعَمْنا عَلَيْهِ وجَعَلْناهُ مَثَلًا لِبَنِي إسْرائِيلَ﴾ [الزخرف: ٥٩] ﴿ولَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنكم مَلائِكَةً في الأرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ [الزخرف: ٦٠] ﴿وإنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِها واتَّبِعُونِ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [الزخرف: ٦١] ﴿ولا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطانُ إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [الزخرف: ٦٢] ﴿ولَمّا جاءَ عِيسى بِالبَيِّناتِ قالَ قَدْ جِئْتُكم بِالحِكْمَةِ ولِأُبَيِّنَ لَكم بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ [الزخرف: ٦٣] ﴿إنَّ اللَّهَ هو رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [الزخرف: ٦٤] ﴿فاخْتَلَفَ الأحْزابُ مِن بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِن عَذابِ يَوْمٍ ألِيمٍ﴾ [الزخرف: ٦٥] ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا السّاعَةَ أنْ تَأْتِيَهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ [الزخرف: ٦٦] ﴿الأخِلّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلّا المُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧] ﴿يا عِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ [الزخرف: ٦٨] ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وكانُوا مُسْلِمِينَ﴾ [الزخرف: ٦٩] ﴿ادْخُلُوا الجَنَّةَ أنْتُمْ وأزْواجُكم تُحْبَرُونَ﴾ [الزخرف: ٧٠] ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مِن ذَهَبٍ وأكْوابٍ وفِيها ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وتَلَذُّ الأعْيُنُ وأنْتُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ [الزخرف: ٧١] ﴿وتِلْكَ الجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف: ٧٢] ﴿لَكم فِيها فاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنها تَأْكُلُونَ﴾ [الزخرف: ٧٣] ﴿إنَّ المُجْرِمِينَ في عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ﴾ [الزخرف: ٧٤] ﴿لا يُفَتَّرُ عَنْهم وهم فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ [الزخرف: ٧٥] ﴿وما ظَلَمْناهم ولَكِنْ كانُوا هُمُ الظّالِمِينَ﴾ [الزخرف: ٧٦] ﴿ونادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ قالَ إنَّكم ماكِثُونَ﴾ [الزخرف: ٧٧] ﴿لَقَدْ جِئْناكم بِالحَقِّ ولَكِنَّ أكْثَرَكم لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾ [الزخرف: ٧٨] ﴿أمْ أبْرَمُوا أمْرًا فَإنّا مُبْرِمُونَ﴾ [الزخرف: ٧٩] ﴿أمْ يَحْسَبُونَ أنّا لا نَسْمَعُ سِرَّهم ونَجْواهم بَلى ورُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف: ٨٠] ﴿قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾ [الزخرف: ٨١] ﴿سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ رَبِّ العَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ [الزخرف: ٨٢] ﴿فَذَرْهم يَخُوضُوا ويَلْعَبُوا حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ [الزخرف: ٨٣] ﴿وهُوَ الَّذِي في السَّماءِ إلَهٌ وفي الأرْضِ إلَهٌ وهو الحَكِيمُ العَلِيمُ﴾ [الزخرف: ٨٤] ﴿وتَبارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما وعِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [الزخرف: ٨٥] ﴿ولا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفاعَةَ إلّا مَن شَهِدَ بِالحَقِّ وهم يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦] ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَهم لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأنّى يُؤْفَكُونَ﴾ [الزخرف: ٨٧] ﴿وقِيلِهِ يا رَبِّ إنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الزخرف: ٨٨] ﴿فاصْفَحْ عَنْهم وقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٩] (p-٤)(يَعْشُو): يُعْرِضُ، ويَعْشى: يَعْمى. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لَمْ نَرَ أحَدًا حَكى: عَشَوْتُ عَنِ الشَّيْءِ: أعْرَضْتُ عَنْهُ، وإنَّما يُقالُ: تَعاشَيْتُ عَنْ كَذا وتَعامَيْتُ، إذا تَغافَلْتُ عَنْهُ. وتَقُولُ: عَشَوْتُ إلى النّارِ، إذا اسْتَدْلَلْتُ عَلَيْها بِبَصَرٍ ضَعِيفٍ. وقِيلَ: عَشى يَعْشى، إذا حَصَلَتِ الآفَةُ في بَصَرِهِ. وعَشا يَعْشُو: نَظَرَ المَعْشِيِّ ولا آفَةَ بِهِ، كَما قالَ: عَرَجَ لِمَن بِهِ الآفَةُ، وعَرَجَ لِمَن مَشى مِشْيَةَ العُرْجانِ مِن غَيْرِ عَرَجٍ. قالَ الحُطَيْئَةُ:
؎مَتى تَأْتِهِ تَعْشُو إلى ضَوْءِ نارِهِ تَجِدْ خَيْرَ نارٍ عِنْدَها خَيْرُ مَوْقِدِ
أيْ: تَنْظُرُ إلَيْها نَظَرَ المَعْشِيِّ لِما يَضْعُفُ بَصَرٌ مِن عَظِيمِ الوَقُودِ بِهِ، ومِنهُ قَوْلُ حاتِمٍ:
؎أعْشُو إذا ما جارَتِي بَرَزَتْ ∗∗∗ حَتّى يُوارِيَ جارَتِي الخِدْرُ
الصُّحْفَةُ، قالَ الجَوْهَرِيُّ: هي القَصْعَةُ، وقالَ الكِسائِيُّ: أعْظَمُ القِصاعِ الجَفْنَةُ، ثُمَّ القَصْعَةُ تَلِيها تَسَعُ العَشَرَةَ، ثُمَّ الصَّحْفَةُ تَسَعُ الخَمْسَةَ، ثُمَّ المَكِيلَةُ تَسَعُ الرَّجُلَيْنِ والثَّلاثَةَ. والصَّحِيفَةُ: الكِتابُ، والجَمْعُ: صُحُفٌ وصَحائِفُ. الكُوبُ، قالَ قُطْرُبٌ: الإبْرِيقُ لا عُرْوَةَ لَهُ. وقالَ الأخْفَشُ: الإبْرِيقُ لا خُرْطُومَ لَهُ، وقِيلَ: كالإبْرِيقِ، إلّا أنَّهُ لا أُذُنَ لَهُ ولا مِقْبَضَ. قالَ أبُو مَنصُورٍ الجَوالِيقِيُّ: إنَّما كانَ بِغَيْرِ عُرْوَةٍ لِيَشْرَبَ الشّارِبُ مِن أيْنَ شاءَ، لِأنَّ العُرْوَةَ تَرُدُّ الشّارِبَ مِن بَعْضِ الجِهاتِ. انْتَهى. وقالَ عَدِيٌّ:
؎مُتَّكِئًا تُصَفِّقُ أبْوابُهُ ∗∗∗ يَسْعى عَلَيْهِ العَبْدُ بِالكُوبِ
أبْرَمَ، قالَ الفَرّاءُ: أبْرَمَ الأمْرَ: بالَغَ في إحْكامِهِ، وأبْرَمَ القاتِلُ، إذا أدْهَمَ، وهو القَتْلُ الثّانِي، والأوَّلُ يُقالُ لَهُ سِجِّيلٌ، كَما قالَ زُهَيْرٌ:
؎مِن سِجِّيلٍ وبَرْمِ
انْتَهى. والإبْرامُ: أنْ يَجْمَعَ خَيْطَيْنِ ثُمَّ يَفْتِلَهُما فَتْلًا مُتْقَنًا، والبَرِيمُ: خَيْطٌ فِيهِ لَوْنانِ.
* *
(p-٥)﴿حم﴾ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ ﴿إنّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ ﴿وإنَّهُ في أُمِّ الكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ ﴿أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾ ﴿وكَمْ أرْسَلْنا مِن نَبِيٍّ في الأوَّلِينَ﴾ ﴿وما يَأْتِيهِمْ مِن نَبِيٍّ إلّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ﴿فَأهْلَكْنا أشَدَّ مِنهم بَطْشًا ومَضى مَثَلُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ العَزِيزُ العَلِيمُ﴾ ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا وجَعَلَ لَكم فِيها سُبُلًا لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ ﴿والَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ ﴿والَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ كُلَّها وجَعَلَ لَكم مِنَ الفُلْكِ والأنْعامِ ما تَرْكَبُونَ﴾ ﴿لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكم إذا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا وما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ ﴿وإنّا إلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ ﴿وجَعَلُوا لَهُ مِن عِبادِهِ جُزْءًا إنَّ الإنْسانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾ ﴿أمِ اتَّخَذَ مِمّا يَخْلُقُ بَناتٍ وأصْفاكم بِالبَنِينَ﴾ ﴿وإذا بُشِّرَ أحَدُهم بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وجْهُهُ مُسْوَدًّا وهو كَظِيمٌ﴾ ﴿أوَمَن يُنَشَّأُ في الحِلْيَةِ وهو في الخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ .
هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، وقالَ مُقاتِلٌ: إلّا قَوْلُهُ: ﴿واسْألْ مَن أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رُسُلِنا﴾ [الزخرف: ٤٥] . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: بِإجْماعِ أهْلِ العِلْمِ.
﴿إنّا جَعَلْناهُ﴾، أيْ صَيَّرْناهُ، أوْ سَمَّيْناهُ، وهو جَوابُ القَسَمِ، وهو مِنَ الأقْسامِ الحَسَنَةِ لِتَناسُبِ القَسَمِ والمُقْسَمِ عَلَيْهِ، وكَوْنِهِما مِن وادٍ واحِدٍ، ونَظِيرُهُ قَوْلُ أبِي تَمّامٍ:
؎وثَناياكِ إنَّها إغْرِيضٌ
وقِيلَ: والكِتابُ أُرِيدَ بِهِ الكُتُبُ المُنَزَّلَةُ، والضَّمِيرُ في جَعَلْناهُ يَعُودُ عَلى القُرْآنِ، وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ صَرِيحُ الذِّكْرِ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: جَعَلْناهُ، بِمَعْنى صَيَّرْناهُ، مُعَدًّى إلى مَفْعُولَيْنِ، أوْ بِمَعْنى خَلَقْناهُ مُعَدًّى إلى واحِدٍ، كَقَوْلِهِ: ﴿وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ﴾ [الأنعام: ١] . (وقُرْآنًا عَرَبِيًّا): حالٌ. ولَعَلَّ: مُسْتَعارَةٌ لِمَعْنى الإرادَةِ، لِتُلاحِظَ مَعْناها ومَعْنى التَّرَجِّي، أيْ خَلَقْناهُ عَرَبِيًّا غَيْرَ عَجَمِيٍّ. أرادَ أنْ تَعْقِلَهُ العَرَبُ، ولِئَلّا يَقُولُوا: ﴿لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُ﴾ [فصلت: ٤٤] . انْتَهى، وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ في كَوْنِ القُرْآنِ مَخْلُوقًا. و(أُمِّ الكِتابِ): اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، لِأنَّهُ الأصْلُ الَّذِي أُثْبِتَتْ فِيهِ الكُتُبُ، وهَذا فِيهِ تَشْرِيفٌ لِلْقُرْآنِ وتَرْفِيعٌ بِكَوْنِهِ لَدَيْهِ عَلِيًّا عَلى جَمِيعِ الكُتُبِ، وعالِيًا عَنْ وُجُوهِ الفَسادِ. حَكِيمًا: أيْ حاكِمًا عَلى سائِرِ الكُتُبِ، أوْ مُحْكَمًا بِكَوْنِهِ في غايَةِ البَلاغَةِ والفَصاحَةِ وصِحَّةِ المَعانِي. قالَ قَتادَةُ وعِكْرِمَةُ والسُّدِّيُّ: اللَّوْحُ المَحْفُوظُ: القُرْآنُ فِيهِ بِأجْمَعِهِ مَنسُوخٌ، ومِنهُ كانَ جِبْرِيلُ يَنْزِلُ. وقِيلَ: أُمُّ الكِتابِ: الآياتُ المُحْكَماتُ، لِقَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتابَ مِنهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتابِ﴾ [آل عمران: ٧]، ومَعْناهُ: أنَّ سُورَةَ حم واقِعَةٌ في الآياتِ المُحْكَماتِ الَّتِي هي الأُمُّ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: في أُمِّ، بِضَمِّ الهَمْزَةِ، والأخَوانِ بِكَسْرِها، وعَزاها ابْنُ عَطِيَّةَ يُوسُفُ بْنُ عَمْرٍو إلى العِراقِ، ولَمْ يَعْزُها لِلْأخَوانِ عَقْلَةً مِنهُ. يُقالُ: ضَرَبَ عَنْ كَذا، وأضْرَبَ عَنْهُ، إذا أعْرَضَ عَنْهُ. والذِّكْرَ، قالَ الضَّحّاكُ وأبُو صالِحٍ: القُرْآنُ، أيِ: أفَتَرائى عَنْكُمُ القُرْآنَ. وقَوْلُهم: ضَرَبَ الغَرائِبَ عَنِ الحَوْضِ، إذا أدارَها ونَحّاها، وقالَ الشّاعِرُ:
؎اضْرِبْ عَنْكَ الهُمُومَ طارِقَها ∗∗∗ ضَرْبَكَ بِالسَّيْفِ قَوْنَسَ الفَرَسِ
وقِيلَ: الذِّكْرَ: الدُّعاءُ إلى اللَّهِ والتَّخْوِيفُ مِن عِقابِهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: أنُهْمِلُكم فَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ إنْكارًا لِأنْ يَكُونَ الأمْرُ عَلى خِلافِ ما قُدِّمَ مِن إنْزالِهِ الكِتابَ وخَلْقِهِ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتَعْقِلُوهُ وتَعْمَلُوا بِمُوجَبِهِ. انْتَهى. وتَقَدَّمَ الكَلامُ مَعَهُ في تَقْدِيرِهِ فِعْلًا بَيْنَ الهَمْزَةِ والفاءِ في نَحْوِ: (أفَلَمْ يَسِيرُوا) ؟ (أفَلا تَعْقِلُونَ) ؟ وبَيْنَها وبَيْنَ الواوِ في نَحْوِ: (أوَلَمْ يَسِيرُوا) كَما وأنَّ المَذْهَبَ الصَّحِيحَ قَوْلُ سِيبَوَيْهِ والنَّحْوِيِّينَ أنَّ الفاءَ والواوَ مَنوِيٌّ بِهِما التَّقْدِيمُ لِعَطْفِ ما بَعْدَهُما عَلى ما قَبْلَهُما، وأنَّ الهَمْزَةَ تَقَدَّمَتْ لِكَوْنِ الِاسْتِفْهامِ لَهُ صَدْرُ الكَلامِ، ولا خِلافَ بَيْنَ الهَمْزَةِ والحَرْفِ، وقَدْ رَدَدْنا عَلَيْهِ قَوْلَهُ: وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ: المَعْنى: أفَنَتْرُكُ تَذْكِيرَكم وتَخْوِيفَكم عَفْوًا عَنْكم وعَفْوًا عَنْ إجْرامِكم ؟ أنْ كُنْتُمْ أوْ مِن أجْلِ أنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ ؟ أيْ هَذا لا يَصْلُحُ. ونَحا قَتادَةُ إلى أنَّ المَعْنى صَفْحًا، أيْ مَعْفُوًّا عَنْهُ، أيْ نَتْرُكُهُ. ثُمَّ لا تُؤاخَذُونَ بِقَوْلِهِ ولا بِتَدْبِيرِهِ، ولا تُنَبَّهُونَ عَلَيْهِ. وهَذا المَعْنى نَظِيرُ قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎تَمُرُّ الصَّبا صَفْحًا بِساكِنِ ذِي الفَضا ∗∗∗ ويَصْدَعُ قَلْبِي أنْ يَهُبَّ هُبُوبُها
(p-٦)وقَوْلِ كُثَيِّرٍ:
؎صَفُوحًا فَما تَلْقاكَ إلّا بَخِيلَةً ∗∗∗ فَمَن مَلَّ مِنها ذَلِكَ الوَصْلَ مَلَّتِ
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المَعْنى: أفَحَسِبْتُمْ أنْ نَصْفَحَ عَنْكم ولَمّا تَفْعَلُوا ما أُمِرْتُمْ بِهِ ؟ وقالَ الكَلْبِيُّ: أنْ نَتْرُكَكم هَمَلًا بِلا أمْرٍ ولا نَهْيٍ ؟ وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: أنْ لا نُعاقِبَكم بِالتَّكْذِيبِ ؟ وقِيلَ: أنْ نَتْرُكَ الإنْزالَ لِلْقُرْآنِ مِن أجْلِ تَكْذِيبِكم ؟ وقَرَأ حَسّانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الضُّبَعِيُّ، والسُّمَيْطُ بْنُ عُمَيْرٍ، وشُمَيْلُ بْنُ عُذْرَةَ: بِضَمِّ الصّادِ، والجُمْهُورُ: بِفَتْحِها، وهُما لُغَتانِ، كالسَّدِّ والسُّدِّ. وانْتِصابُ صَفْحًا عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مِن مَعْنى أفَنَضْرِبُ، لِأنَّ مَعْناهُ: أفَنَصْفَحُ ؟ أوْ مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ صافِحِينَ، قالَهُما الحَوْفِيُّ، وتَبِعَهُ أبُو البَقاءِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وصَفْحًا عَلى وجْهَيْنِ: إمّا مَصْدَرٌ مِن صَفَحَ عَنْهُ إذا أعْرَضَ مُنْتَصِبًا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ عَلى مَعْنى: أفَنَعْزِلُ عَنْكم إنْزالَ القُرْآنِ وإلْزامَ الحُجَّةِ بِهِ إعْراضًا عَنْكم ؟ وإمّا بِمَعْنى الجانِبِ مِن قَوْلِهِمْ: نَظَرَ إلَيْهِ بِصَفْحِ وجْهِهِ. وصَفْحُ وجْهِهِ عَلى مَعْنى: أفَنُنَحِّيهِ عَنْكم جانِبًا ؟ فَيُنْصَبُ عَلى الظَّرْفِ، كَما تَقُولُ: ضَعْهُ جانِبًا، وامْشِ جانِبًا. وتُعَضِّدُهُ قِراءَةُ مَن قَرَأ: صُفْحًا بِالضَّمِّ. وفي هَذِهِ القِراءَةِ وجْهٌ آخَرُ، وهو أنْ يَكُونَ تَخْفِيفَ صُفُحٍ جَمْعَ صُفُوحٍ، ويُنْتَصَبُ عَلى الحالِ، أيْ صافِحِينَ مُعْرِضِينَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: صَفْحًا، انْتِصابُهُ كانْتِصابِ (صُنْعَ اللَّهِ) . انْتَهى. يَعْنِي أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ، فَيَكُونُ العامِلُ فِيهِ مَحْذُوفًا، ولا يَظْهَرُ هَذا الَّذِي قالَهُ، فَلَيْسَ انْتِصابُهُ انْتِصابَ ”صُنْعَ اللَّهِ“ . وقَرَأ نافِعٌ والأخَوانِ: بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وإسْرافُهم كانَ مُتَحَقِّقًا. فَكَيْفَ دَخَلَتْ عَلَيْهِ ”إنْ“ الشَّرْطِيَّةُ الَّتِي لا تَدْخُلُ إلّا عَلى غَيْرِ المُتَحَقِّقِ، أوْ عَلى المُتَحَقِّقِ الَّذِي انْبَهَمَ زَمانُهُ ؟ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هو مِنَ الشَّرْطِ الَّذِي ذَكَرْتُ أنَّهُ يَصْدُرُ عَنِ المُدِلِّ بِصِحَّةِ الأمْرِ المُتَحَقِّقِ لِثُبُوتِهِ، كَما يَقُولُ الأجِيرُ: إنْ كُنْتُ عَمِلْتُ لَكَ فَوَفِّنِي حَقِّي، وهو عالِمٌ بِذَلِكَ، ولَكِنَّهُ يُخَيِّلُ في كَلامِهِ أنَّ تَفْرِيطَكَ في الخُرُوجِ عَنِ الحَقِّ فِعْلُ مَن لَهُ شَكٌّ في الِاسْتِحْقاقِ، مَعَ وُضُوحِهِ، اسْتِجْهالًا لَهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: أنْ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، أيْ مِن أجْلِ أنْ كُنْتُمْ. قالَ الشّاعِرُ:
؎أتَجْزَعُ أنْ بانَ الخَلِيطُ المُوَدِّعُ
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: إذْ كُنْتُمْ، بِذالٍ مَكانَ النُّونِ، لَمّا ذَكَرَ خِطابًا لِقُرَيْشٍ، ﴿أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ﴾ ؟ وكانَ هَذا الإنْكارُ دَلِيلًا عَلى تَكْذِيبِهِمْ لِلرَّسُولِ، وإنْكارًا لِما جاءَ بِهِ. آنَسَهُ تَعالى بِأنَّ عادَتَهم عادَةُ الأُمَمِ السّابِقَةِ مِنِ اسْتِهْزائِهِمْ بِالرُّسُلِ، وأنَّهُ تَعالى أهْلَكَ مَن كانَ أشَدَّ بَطْشًا مِن قُرَيْشٍ، أيْ أكْثَرَ عَدَدًا وعُدَدًا وجِلْدًا.
﴿ومَضى مَثَلُ الأوَّلِينَ﴾: أيْ فَلْيَحْذَرْ قُرَيْشٌ أنْ يَحِلَّ بِهِمْ مِثْلُ ما حَلَّ بِالأوَّلِينَ مُكَذِّبِي الرُّسُلِ مِنَ العُقُوبَةِ. قالَ مَعْناهُ قَتادَةُ: وهي العُقُوبَةُ الَّتِي سارَتْ سَيْرَ المَثَلِ، وقِيلَ: مَثَلُ الأوَّلِينَ في الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ، وقُرَيْشٌ سَلَكَتْ مَسْلَكَها، وكانَ مُقْبِلًا عَلَيْهِمْ بِالخِطابِ في قَوْلِهِ: ﴿أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ﴾ ؟ فَأعْرَضَ عَنْهم إلى إخْبارِ الغائِبِ في قَوْلِهِ: ﴿فَأهْلَكْنا أشَدَّ مِنهم بَطْشًا﴾ . (ولَئِنْ سَألْتَهم): احْتِجاجٌ عَلى قُرَيْشٍ بِما يُوجِبُ التَّناقُضَ، وهو إقْرارُهم بِأنَّ مُوجِدَ العالَمِ العُلْوِيِّ والسُّفْلِيِّ هو اللَّهُ، ثُمَّ هم يَتَّخِذُونَ أصْنامًا آلِهَةً مِن دُونِ اللَّهِ يَعْبُدُونَهم ويُعَظِّمُونَهم. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ومُقْتَضى الجَوابِ أنْ يَقُولُوا خَلَقَهُنَّ اللَّهُ، فَلَمّا ذَكَرَ تَعالى المَعْنى، جاءَتِ العِبارَةُ عَنِ اللَّهِ تَعالى بِالعَزِيزِ العَلِيمِ، لِيَكُونَ ذَلِكَ تَوْطِئَةً لِما عَدَّدَ مِن أوْصافِهِ الَّذِي ابْتَدَأ الإخْبارَ بِها، وقَطَعَها مِنَ الكَلامِ الَّذِي حَكى مَعْناهُ عَنْ قُرَيْشٍ. انْتَهى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَيَنْسِبُنَّ خَلْقَها إلى الَّذِي هَذِهِ أوْصافُهُ، ولَيَسْنِدُنَّهُ إلَيْهِ. انْتَهى. والظّاهِرُ أنَّ: ﴿خَلَقَهُنَّ العَزِيزُ العَلِيمُ﴾ نَفْسُ المَحْكِيِّ مِن كَلامِهِمْ، ولا يَدُلُّ كَوْنُهم ذَكَرُوا في مَكانٍ خَلَقَهُنَّ اللَّهُ، أنْ لا يَقُولُوا في سُؤالٍ آخَرَ: ﴿خَلَقَهُنَّ العَزِيزُ العَلِيمُ﴾ .
و(الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ): مِن كَلامِ اللَّهِ، خِطابًا لَهم بِتَذْكِيرِ نِعَمِهِ السّابِقَةِ. وكَرَّرَ الفِعْلَ في الجَوابِ في قَوْلِهِ: ﴿خَلَقَهُنَّ العَزِيزُ العَلِيمُ﴾، مُبالَغَةً في التَّوْكِيدِ. وفي غَيْرِ ما سُؤالٍ، اقْتَصَرُوا عَلى ذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ، إذْ هو العَلَمُ الجامِعُ لِلصِّفاتِ العُلا، وجاءَ الجَوابُ مُطابِقًا لِلسُّؤالِ مِن حَيْثُ (p-٧)المَعْنى، لا مِن حَيْثُ اللَّفْظُ، لِأنَّ مَن مُبْتَدَأٌ. فَلَوْ طابَقَ في اللَّفْظِ، كانَ بِالِاسْمِ مُبْتَدَأً، ولَمْ يَكُنْ بِالفِعْلِ. (لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ): أيْ إلى مَقاصِدِكم في السَّفَرِ، أوْ تَهْتَدُونَ بِالنَّظَرِ والِاعْتِبارِ. بِقَدَرٍ: أيْ بِقَضاءٍ وحَتْمٍ في الأزَلِ، أوْ بِكِفايَةٍ، لا كَثِيرًا فَيُفْسِدُ، ولا قَلِيلًا فَلا يُجْدِي.
﴿فَأنْشَرْنا﴾: أحْيَيْنا بِهِ.
﴿بَلْدَةً مَيْتًا﴾: ذُكِرَ عَلى مَعْنى القَطْرِ، و”بَلْدَةً“ اسْمُ جِنْسٍ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وعِيسى: مَيِّتًا بِالتَّشْدِيدِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: تُخْرَجُونَ: مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وابْنُ وثّابٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ جُبَيْرٍ المُصْبِحِ، وعِيسى، وابْنُ عامِرٍ، والأخَوانِ: مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. و(الأزْواجَ): الأنْواعَ مِن كُلِّ شَيْءٍ. قِيلَ: وكُلُّ ما سِوى اللَّهِ فَهو زَوْجٌ، كَفَوْقَ، وتَحْتَ، ويَمِينٍ، وشِمالٍ، وقُدّامٍ، وخَلْفٍ، وماضٍ، ومُسْتَقْبَلٍ، وذَواتٍ، وصِفاتٍ، وصَيْفٍ، وشِتاءٍ، ورَبِيعٍ، وخَرِيفٍ، وكَوْنُها أزْواجًا تَدُلُّ عَلى أنَّها مُمْكِنَةُ الوُجُودِ، ويَدُلُّ عَلى أنَّ مُحْدِثَها فَرْدٌ، وهو اللَّهُ المُنَزَّهُ عَنِ الضِّدِّ والمُقابِلِ والمُعارِضِ. انْتَهى.
(والأنْعامَ): المَعْهُودُ أنَّهُ لا يُرْكَبُ مِنَ الأنْعامِ إلّا الإبِلُ. ما: مَوْصُولَةٌ والعائِدُ مَحْذُوفٌ، أيْ ما يَرْكَبُونَهُ. ورَكِبَ بِالنِّسْبَةِ لِلْعِلَلِ، ويَتَعَدّى بِنَفْسِهِ عَلى المُتَعَدِّي بِوَساطَةِ في، إذِ التَّقْدِيرُ ما يَرْكَبُونَهُ. واللّامُ في لِتَسْتَوُوا: الظّاهِرُ أنَّها لامُ كَيْ. وقالَ الحَوْفِيُّ: ومَن أثْبَتَ لامَ الصَّيْرُورَةِ جازَ لَهُ أنْ يَقُولَ بِهِ هُنا. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لامُ الأمْرِ، وفِيهِ بُعْدٌ مِن حَيْثُ اسْتِعْمالُ أمْرِ المُخاطَبِ بِتاءِ الخِطابِ، وهو مِنَ القِلَّةِ بِحَيْثُ يَنْبَغِي أنْ لا يُقاسَ عَلَيْهِ. فالفَصِيحُ المُسْتَعْمَلُ: اضْرِبْ، وقِيلَ: لِتَضْرِبْ، بَلْ نَصَّ النَّحْوِيُّونَ عَلى أنَّها لُغَةٌ رَدِيئَةٌ قَلِيلَةٌ، إذْ لا تَكادُ تُحْفَظُ إلّا قِراءَةً شاذَّةً، فَبِذَلِكَ فَلْتَفْرَحُوا بِالتّاءِ لِلْخِطابِ. وما آثَرَ المُحَدِّثُونَ مِن قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «لِتَأْخُذُوا مَصافَّكم»، مَعَ احْتِمالِ أنَّ الرّاوِيَ رَوى بِالمَعْنى، وقَوْلُ الشّاعِرِ:
؎لِتَقُمْ أنْتَ يا ابْنَ خَيْرِ قُرَيْشٍ ∗∗∗ فَتَقْضِي حَوائِجَ المُسْلِمِينا
وزَعَمَ الزَّجّاجُ أنَّها لُغَةٌ جَيِّدَةٌ، وذَلِكَ خِلافُ ما زَعَمَ النَّحْوِيُّونَ. والضَّمِيرُ في ظُهُورِهِ عائِدٌ عَلى ما، كَأنَّهُ قالَ: عَلى ظُهُورِ ما تَرْكَبُونَ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، فَلِذَلِكَ حَسُنَ الجَمْعُ، لِأنَّ مَآلَها لَفْظٌ ومَعْنًى. فَمَن جَمَعَ فَبِاعْتِبارِ المَعْنى، ومَن أفْرَدَ فَبِاعْتِبارِ اللَّفْظِ، ويَعْنِي: ﴿مِنَ الفُلْكِ والأنْعامِ﴾ . وقالَ الفَرّاءُ نَحْوًا مِنهُ، قالَ: أضافَ الظُّهُورَ، ﴿ثُمَّ تَذْكُرُوا﴾، أيْ في قُلُوبِكم، ﴿نِعْمَةَ رَبِّكُمْ﴾، مُعْتَرِفِينَ بِها مُسْتَعْظِمِينَ لَها. لا يُرِيدُ الذِّكْرَ بِاللِّسانِ بَلْ بِالقَلْبِ، ولِذَلِكَ قابَلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا﴾، أيْ تُنَزِّهُوا اللَّهَ بِصَرِيحِ القَوْلِ. وجاءَ في الحَدِيثِ: «”أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ إذا وضَعَ رِجْلَهُ في الرِّكابِ قالَ: بِسْمِ اللَّهِ، فَإذا اسْتَوى عَلى الدّابَّةِ قالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ عَلى كُلِّ حالٍ، سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا، إلى قَوْلِهِ لَمُنْقَلِبُونَ، وكَبَّرَ ثَلاثًا وهَلَّلَ ثَلاثًا»، وقالُوا: إذا رَكِبَ في السَّفِينَةِ قالَ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها ومُرْساها﴾ [هود: ٤١] إلى رَحِيمٍ، ويُقالُ عِنْدَ النُّزُولِ مِنها: اللَّهُمَّ أنْزِلْنا مُنْزَلًا مُبارَكًا وأنْتَ خَيْرُ المُنْزِلِينَ“ . والقَرْنُ: الغالِبُ الضّابِطُ المُطِيقُ لِلشَّيْءِ، يُقالُ: أقْرَنَ الشَّيْءَ، إذا أطاقَهُ. قالَ ابْنُ هَرْمَةَ:
؎وأقْرَنْتِ ما حَمَّلْتِنِي ولَقَلَّما ∗∗∗ يُطاقُ احْتِمالُ الصَّدِّ يا دَعْدُ والهَجْرِ
وحَقِيقَةُ أقْرَنَهُ: وجَدَهُ قَرِينَتَهُ وما يُقْرَنُ بِهِ: لِأنَّ الصَّعْبَ لا يَكُونُ قَرِينَةً لِلضَّعْفِ. قالَ الشّاعِرُ:
؎وابْنُ اللَّبُونِ إذا ما لُزَّ في قَرَنٍ ∗∗∗ لَمْ يَسْتَطِعْ صَوْلَةَ البُزْلِ القَناعِيسِ
والقَرْنُ: الحَبْلُ الَّذِي يُقْرَنُ بِهِ. وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: فُلانٌ مُقْرِنٌ لِفُلانٍ، أيْ ضابِطٌ لَهُ، والمَعْنى: أنَّهُ لَيْسَ لَنا مِنَ القُوَّةِ ما نَضْبُطُ بِهِ الدّابَّةَ والفُلْكَ، وإنَّما اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَها. وأنْشَدَ قُطْرُبٌ لِعَمْرِو بْنِ مَعْدِيكَرِبَ:
؎لَقَدْ عَلِمَ القَبائِلُ ما عَقِيلٌ ∗∗∗ لَنا في النّائِباتِ بِمُقْرِنِينا
وقُرِئَ: لَمُقْتَرِنِينَ، اسْمُ فاعِلٍ مِنِ اقْتَرَنَ.
﴿وإنّا إلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ﴾: أيْ راجِعُونَ، وهو إقْرارٌ بِالرُّجُوعِ إلى اللَّهِ، وبِالبَعْثِ، لِأنَّ الرّاكِبَ في مَظَنَّةِ الهَلاكِ بِالغَرَقِ إذا رَكِبَ الفُلْكَ، وبِعُثُورِ الدّابَّةِ، إذْ رُكُوبُها أمْرٌ (p-٨)فِيهِ خَطَرٌ، ولا تُؤْمَنُ السَّلامَةُ فِيهِ. فَقَوْلُهُ هَذا تَذْكِيرٌ بِأنَّهُ مُسْتَشْعِرٌ الصَّيْرُورَةَ إلى اللَّهِ، ومُسْتَعِدٌّ لِلِقائِهِ، فَهو لا يَتْرُكُ ذَلِكَ مِن قَلْبِهِ ولا لِسانِهِ.
﴿وجَعَلُوا لَهُ﴾: أيْ وجَعَلَ كُفّارُ قُرَيْشٍ والعَرَبُ لَهُ، أيْ لِلَّهِ. مِن عِبادِهِ: أيْ مِمَّنْ هم عَبِيدُ اللَّهِ. جُزْءًا، قالَ مُجاهِدٌ: نَصِيبًا وحَظًّا، وهو قَوْلُ العَرَبِ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ. وقالَ قَتادَةُ: جُزْءًا، أيْ نِدًّا، وذَلِكَ هو الأصْنامُ وفِرْعَوْنُ ومَن عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ. وقِيلَ: الجُزْءُ: الإناثُ. قالَ بَعْضُ اللُّغَوِيِّينَ: يُقالُ أجْزَأتِ المَرْأةُ، إذا ولَدَتْ أُنْثى. قالَ الشّاعِرُ:
؎إنْ أجْزَأتْ حُرَّةٌ يَوْمًا فَلا عَجَبٌ ∗∗∗ قَدْ تُجْزِئُ الحُرَّةُ المِذْكارَ أحْيانًا
قِيلَ: هَذا البَيْتُ مَصْنُوعٌ، وكَذا قَوْلُهُ:
؎زَوَّجَها مِن بَناتِ الأوْسِ مُجْزِئَةً
ولَمّا تَقَدَّمَ أنَّهم مُعْتَرِفُونَ بِأنَّهُ تَعالى هو خالِقُ العالَمِ، أنْكَرَ عَلَيْهِمْ جَعْلَهم لِلَّهِ جُزْءًا، وقَدِ اعْتَرَفُوا بِأنَّهُ هو الخالِقُ، فَكَيْفَ وصَفُوهُ بِصِفَةِ المَخْلُوقِ ؟ ﴿إنَّ الإنْسانَ لَكَفُورٌ﴾ نِعْمَةَ خالِقِهِ. (مُبِينٌ): مُظْهِرٌ لِجُحُودِهِ. والمُرادُ بِالإنْسانِ: مَن جَعَلَ لِلَّهِ جُزْءًا، وغَيْرُهم مِنَ الكَفَرَةِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ومُبِينٌ في هَذا المَوْضِعِ غَيْرُ مُتَعَدٍّ. انْتَهى. ولَيْسَ يَتَعَيَّنُ ما ذَكَرَ، بَلْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ ظاهِرًا لِكُفْرانِ النِّعَمِ ومُظْهِرًا لِجُحُودِهِ، كَما قُلْنا.
﴿أمِ اتَّخَذَ مِمّا يَخْلُقُ بَناتٍ﴾ ؟ اسْتِفْهامُ إنْكارٍ وتَوْبِيخٍ لِقِلَّةِ عُقُولِهِمْ ؟ كَيْفَ زَعَمُوا أنَّهُ تَعالى اتَّخَذَ لِنَفْسِهِ ما أنْتُمْ تَكْرَهُونَهُ حِينَ أنْتُمْ تَسْوَدُّ وُجُوهُكم عِنْدَ التَّبْشِيرِ بِهِنَّ وتَئِدُونَهُنَّ ؟ (وأصْفاكم): جَعَلَ لَكم صَفْوَةَ ما هو مَحْبُوبٌ، وذَلِكَ البَنُونَ. وقَوْلُهُ: (مِمّا يَخْلُقُ)، تَنْبِيهٌ عَلى اسْتِحالَةِ الوَلَدِ، ذَكَرًا كانَ أوْ أُنْثى، وإنْ فُرِضَ اتِّخاذُ الوَلَدِ، فَكَيْفَ يَخْتارُ لَهُ الأدْنى ويَخُصُّكم بِالأعْلى ؟ وقَدَّمَ البَناتِ، لِأنَّهُ المُنْكَرُ عَلَيْهِمْ لِنِسْبَتِهِنَّ إلى اللَّهِ، وعَرَّفَ البَنِينَ دُونَ البَناتِ تَشْرِيفًا لَهم عَلى البَناتِ.
﴿وإذا بُشِّرَ أحَدُهُمْ﴾: تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِها في سُورَةِ النَّحْلِ.
﴿أوَمَن يُنَشَّأُ في الحِلْيَةِ﴾: أيْ يَنْتَقِلُ في عُمُرِهِ حالًا فَحالًا في الحِلْيَةِ، وهو الحُلِيُّ الَّذِي لا يَلِيقُ إلّا بِالإناثِ دُونَ الفُحُولِ، لِتَزَيُّنِهِنَّ بِذَلِكَ لِأزْواجِهِنَّ، وهو إنْ خاصَمَ، لا يُبِينُ لِضَعْفِ العَقْلِ ونَقْصِ التَّدَبُّرِ والتَّأمُّلِ، أظْهَرَ بِهَذا لِحُقُوقِهِنَّ وشُفُوفِ البَنِينَ عَلَيْهِنَّ. وكانَ في ذَلِكَ إشارَةٌ إلى أنَّ الرَّجُلَ لا يُناسِبُ لَهُ التَّزَيُّنُ كالمَرْأةِ، وأنْ يَكُونَ مُخْشَوْشِنًا. والفَحْلُ مِنَ الرِّجالِ أبى أنْ يَكُونَ مُتَّصِفًا بِصِفاتِ النِّساءِ، والظّاهِرُ أنَّهُ أرادَ بِمَن يُنَشَّأُ في الحِلْيَةِ: النِّساءُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ: ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وهُوَ في الخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾: أيْ لا يُظْهِرُ حُجَّةً، ولا يُقِيمُ دَلِيلًا، ولا يَكْشِفُ عَمّا في نَفْسِهِ كَشْفًا واضِحًا. ويُقالُ: قَلَّما تَجِدُ امْرَأةً لا تُفْسِدُ الكَلامَ، وتَخْلِطُ المَعانِيَ، حَتّى ذُكِرَ عَنْ بَعْضِ النّاسِ أنَّهُ قالَ: إذا دَخَلْنا عَلى فُلانَةٍ، لا نَخْرُجُ حَتّى نَعْلَمَ أنَّ عَقْلَها عَقْلُ امْرَأةٍ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: المُرادُ بِمَن يُنَشَّأُ في الحِلْيَةِ: الأصْنامُ، وكانُوا يَتَّخِذُونَ كَثِيرًا مِنها مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ، ويَجْعَلُونَ الحُلِيَّ عَلى كَثِيرٍ مِنها، ويُبْعِدُ هَذا القَوْلَ قَوْلُهُ: ﴿وهُوَ في الخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾، إلّا إنْ أُرِيدَ بِنَفْيِ الإبانَةِ نَفْيُ الخِصامِ أيْ لا يَكُونُ مِنها خِصامٌ فَإنَّهُ كَقَوْلِهِ:
؎عَلى لاحِبٍ لا يَهْتَدِي بِمَنارِهِ
أيْ: لا مَنارَ لَهُ فَيَهْتَدِي بِهِ. ومَن: في مَوْضِعِ نَصْبٍ، أيْ وجَعَلُوا مَن يُنَشَّأُ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ، أيْ مَن يُنَشَّأُ جَعَلُوهُ لِلَّهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: يُنَشَّأُ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، والجَحْدَرِيُّ في قَوْلٍ: مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مُخَفَّفًا، وابْنُ عَبّاسٍ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ والحَسَنُ ومُجاهِدٌ والجَحْدَرِيُّ: في رِوايَةٍ، والأخَوانِ وحَفْصٌ والمُفَضَّلُ وأبانٌ وابْنُ مِقْسَمٍ وهارُونُ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مُشَدَّدًا، والحَسَنُ: في رِوايَةٍ يُناشَأُ عَلى وزْنِ يُفاعَلُ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، والمُناشَأةُ بِمَعْنى الإنْشاءِ، كالمُعالاةِ بِمَعْنى الإعْلاءِ. و﴿فِي الخِصامِ﴾: مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ تَفْسِيرُهُ غَيْرُ مُبِينٍ، أيْ وهو لا يُبِينُ في الخِصامِ. ومَن أجازَ أمّا زَيْدًا غَيْرُ ضارِبٍ بِإعْمالِ المُضافِ إلَيْهِ في ”غَيْرُ“ أجازَ أنْ يَتَعَلَّقَ بِمُبِينٍ، أجْرى ”غَيْرُ“ مُجْرى لا. وبِتَقْدِيمِ مَعْمُولِ أمّا بَعْدَ لا مُخْتَلَفٌ فِيهِ، وقَدْ ذُكِرَ ذَلِكَ في النَّحْوِ.
الزخرف 43:4
(p-٢)(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)
(سُورَةُ الزُّخْرُفِ تِسْعٌ وثَمانُونَ آيَةً مَكِّيَّةٌ)
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)
(p-٣)﴿حم﴾ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ ﴿إنّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ ﴿وإنَّهُ في أُمِّ الكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ ﴿أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾ ﴿وكَمْ أرْسَلْنا مِن نَبِيٍّ في الأوَّلِينَ﴾ ﴿وما يَأْتِيهِمْ مِن نَبِيٍّ إلّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ﴿فَأهْلَكْنا أشَدَّ مِنهم بَطْشًا ومَضى مَثَلُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ العَزِيزُ العَلِيمُ﴾ ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا وجَعَلَ لَكم فِيها سُبُلًا لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ ﴿والَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ ﴿والَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ كُلَّها وجَعَلَ لَكم مِنَ الفُلْكِ والأنْعامِ ما تَرْكَبُونَ﴾ ﴿لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكم إذا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا وما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ ﴿وإنّا إلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ ﴿وجَعَلُوا لَهُ مِن عِبادِهِ جُزْءًا إنَّ الإنْسانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾ ﴿أمِ اتَّخَذَ مِمّا يَخْلُقُ بَناتٍ وأصْفاكم بِالبَنِينَ﴾ ﴿وإذا بُشِّرَ أحَدُهم بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وجْهُهُ مُسْوَدًّا وهو كَظِيمٌ﴾ ﴿أوَمَن يُنَشَّأُ في الحِلْيَةِ وهو في الخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ ﴿وجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا أشَهِدُوا خَلْقَهم سَتُكْتَبُ شَهادَتُهم ويُسْألُونَ﴾ [الزخرف: ١٩] ﴿وقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ ما عَبَدْناهم ما لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ إنْ هم إلّا يَخْرُصُونَ﴾ [الزخرف: ٢٠] ﴿أمْ آتَيْناهم كِتابًا مِن قَبْلِهِ فَهم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ﴾ [الزخرف: ٢١] ﴿بَلْ قالُوا إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٢] ﴿وكَذَلِكَ ما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ في قَرْيَةٍ مِن نَذِيرٍ إلّا قالَ مُتْرَفُوها إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٣] ﴿قالَ أوَلَوْ جِئْتُكم بِأهْدى مِمّا وجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكم قالُوا إنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ [الزخرف: ٢٤] ﴿فانْتَقَمْنا مِنهم فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ [الزخرف: ٢٥] ﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ إنَّنِي بَراءٌ مِمّا تَعْبُدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٦] ﴿إلّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ [الزخرف: ٢٧] ﴿وجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً في عَقِبِهِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ [الزخرف: ٢٨] ﴿بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلاءِ وآباءَهم حَتّى جاءَهُمُ الحَقُّ ورَسُولٌ مُبِينٌ﴾ [الزخرف: ٢٩] ﴿ولَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ قالُوا هَذا سِحْرٌ وإنّا بِهِ كافِرُونَ﴾ [الزخرف: ٣٠] ﴿وقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] ﴿أهم يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهم مَعِيشَتَهم في الحَياةِ الدُّنْيا ورَفَعْنا بَعْضَهم فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهم بَعْضًا سُخْرِيًّا ورَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾ [الزخرف: ٣٢] ﴿ولَوْلا أنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِن فَضَّةٍ ومَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ﴾ [الزخرف: ٣٣] ﴿ولِبُيُوتِهِمْ أبْوابًا وسُرُرًا عَلَيْها يَتَّكِئُونَ﴾ [الزخرف: ٣٤] ﴿وزُخْرُفًا وإنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمّا مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا والآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٣٥] ﴿ومَن يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا فَهو لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف: ٣٦] ﴿وإنَّهم لَيَصُدُّونَهم عَنِ السَّبِيلِ ويَحْسَبُونَ أنَّهم مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٣٧] ﴿حَتّى إذا جاءَنا قالَ يا لَيْتَ بَيْنِي وبَيْنَكَ بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ القَرِينُ﴾ [الزخرف: ٣٨] ﴿ولَنْ يَنْفَعَكُمُ اليَوْمَ إذْ ظَلَمْتُمْ أنَّكم في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف: ٣٩] ﴿أفَأنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أوْ تَهْدِي العُمْيَ ومَن كانَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الزخرف: ٤٠] ﴿فَإمّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإنّا مِنهم مُنْتَقِمُونَ﴾ [الزخرف: ٤١] ﴿أوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وعَدْناهم فَإنّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ﴾ [الزخرف: ٤٢] ﴿فاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إلَيْكَ إنَّكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الزخرف: ٤٣] ﴿وإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ وسَوْفَ تُسْألُونَ﴾ [الزخرف: ٤٤] ﴿واسْألْ مَن أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رُسُلِنا أجَعَلْنا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف: ٤٥] ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ فَقالَ إنِّي رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الزخرف: ٤٦] ﴿فَلَمّا جاءَهم بِآياتِنا إذا هم مِنها يَضْحَكُونَ﴾ [الزخرف: ٤٧] ﴿وما نُرِيهِمْ مِن آيَةٍ إلّا هي أكْبَرُ مِن أُخْتِها وأخَذْناهم بِالعَذابِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ [الزخرف: ٤٨] ﴿وقالُوا يا أيُّها السّاحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ إنَّنا لَمُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٤٩] ﴿فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُمُ العَذابَ إذا هم يَنْكُثُونَ﴾ [الزخرف: ٥٠] ﴿ونادى فِرْعَوْنُ في قَوْمِهِ قالَ يا قَوْمِ ألَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وهَذِهِ الأنْهارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الزخرف: ٥١] ﴿أمْ أنا خَيْرٌ مِن هَذا الَّذِي هو مَهِينٌ ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢] ﴿فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أسْوِرَةٌ مِن ذَهَبٍ أوْ جاءَ مَعَهُ المَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾ [الزخرف: ٥٣] ﴿فاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأطاعُوهُ إنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ [الزخرف: ٥٤] ﴿فَلَمّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنهم فَأغْرَقْناهم أجْمَعِينَ﴾ [الزخرف: ٥٥] ﴿فَجَعَلْناهم سَلَفًا ومَثَلًا لِلْآخِرِينَ﴾ [الزخرف: ٥٦] ﴿ولَمّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إذا قَوْمُكَ مِنهُ يَصِدُّونَ﴾ [الزخرف: ٥٧] ﴿وقالُوا أآلِهَتُنا خَيْرٌ أمْ هو ما ضَرَبُوهُ لَكَ إلّا جَدَلًا بَلْ هم قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف: ٥٨] ﴿إنْ هو إلّا عَبْدٌ أنْعَمْنا عَلَيْهِ وجَعَلْناهُ مَثَلًا لِبَنِي إسْرائِيلَ﴾ [الزخرف: ٥٩] ﴿ولَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنكم مَلائِكَةً في الأرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ [الزخرف: ٦٠] ﴿وإنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِها واتَّبِعُونِ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [الزخرف: ٦١] ﴿ولا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطانُ إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [الزخرف: ٦٢] ﴿ولَمّا جاءَ عِيسى بِالبَيِّناتِ قالَ قَدْ جِئْتُكم بِالحِكْمَةِ ولِأُبَيِّنَ لَكم بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ [الزخرف: ٦٣] ﴿إنَّ اللَّهَ هو رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [الزخرف: ٦٤] ﴿فاخْتَلَفَ الأحْزابُ مِن بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِن عَذابِ يَوْمٍ ألِيمٍ﴾ [الزخرف: ٦٥] ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا السّاعَةَ أنْ تَأْتِيَهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ [الزخرف: ٦٦] ﴿الأخِلّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلّا المُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧] ﴿يا عِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ [الزخرف: ٦٨] ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وكانُوا مُسْلِمِينَ﴾ [الزخرف: ٦٩] ﴿ادْخُلُوا الجَنَّةَ أنْتُمْ وأزْواجُكم تُحْبَرُونَ﴾ [الزخرف: ٧٠] ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مِن ذَهَبٍ وأكْوابٍ وفِيها ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وتَلَذُّ الأعْيُنُ وأنْتُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ [الزخرف: ٧١] ﴿وتِلْكَ الجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف: ٧٢] ﴿لَكم فِيها فاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنها تَأْكُلُونَ﴾ [الزخرف: ٧٣] ﴿إنَّ المُجْرِمِينَ في عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ﴾ [الزخرف: ٧٤] ﴿لا يُفَتَّرُ عَنْهم وهم فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ [الزخرف: ٧٥] ﴿وما ظَلَمْناهم ولَكِنْ كانُوا هُمُ الظّالِمِينَ﴾ [الزخرف: ٧٦] ﴿ونادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ قالَ إنَّكم ماكِثُونَ﴾ [الزخرف: ٧٧] ﴿لَقَدْ جِئْناكم بِالحَقِّ ولَكِنَّ أكْثَرَكم لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾ [الزخرف: ٧٨] ﴿أمْ أبْرَمُوا أمْرًا فَإنّا مُبْرِمُونَ﴾ [الزخرف: ٧٩] ﴿أمْ يَحْسَبُونَ أنّا لا نَسْمَعُ سِرَّهم ونَجْواهم بَلى ورُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف: ٨٠] ﴿قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾ [الزخرف: ٨١] ﴿سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ رَبِّ العَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ [الزخرف: ٨٢] ﴿فَذَرْهم يَخُوضُوا ويَلْعَبُوا حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ [الزخرف: ٨٣] ﴿وهُوَ الَّذِي في السَّماءِ إلَهٌ وفي الأرْضِ إلَهٌ وهو الحَكِيمُ العَلِيمُ﴾ [الزخرف: ٨٤] ﴿وتَبارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما وعِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [الزخرف: ٨٥] ﴿ولا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفاعَةَ إلّا مَن شَهِدَ بِالحَقِّ وهم يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦] ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَهم لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأنّى يُؤْفَكُونَ﴾ [الزخرف: ٨٧] ﴿وقِيلِهِ يا رَبِّ إنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الزخرف: ٨٨] ﴿فاصْفَحْ عَنْهم وقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٩] (p-٤)(يَعْشُو): يُعْرِضُ، ويَعْشى: يَعْمى. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لَمْ نَرَ أحَدًا حَكى: عَشَوْتُ عَنِ الشَّيْءِ: أعْرَضْتُ عَنْهُ، وإنَّما يُقالُ: تَعاشَيْتُ عَنْ كَذا وتَعامَيْتُ، إذا تَغافَلْتُ عَنْهُ. وتَقُولُ: عَشَوْتُ إلى النّارِ، إذا اسْتَدْلَلْتُ عَلَيْها بِبَصَرٍ ضَعِيفٍ. وقِيلَ: عَشى يَعْشى، إذا حَصَلَتِ الآفَةُ في بَصَرِهِ. وعَشا يَعْشُو: نَظَرَ المَعْشِيِّ ولا آفَةَ بِهِ، كَما قالَ: عَرَجَ لِمَن بِهِ الآفَةُ، وعَرَجَ لِمَن مَشى مِشْيَةَ العُرْجانِ مِن غَيْرِ عَرَجٍ. قالَ الحُطَيْئَةُ:
؎مَتى تَأْتِهِ تَعْشُو إلى ضَوْءِ نارِهِ تَجِدْ خَيْرَ نارٍ عِنْدَها خَيْرُ مَوْقِدِ
أيْ: تَنْظُرُ إلَيْها نَظَرَ المَعْشِيِّ لِما يَضْعُفُ بَصَرٌ مِن عَظِيمِ الوَقُودِ بِهِ، ومِنهُ قَوْلُ حاتِمٍ:
؎أعْشُو إذا ما جارَتِي بَرَزَتْ ∗∗∗ حَتّى يُوارِيَ جارَتِي الخِدْرُ
الصُّحْفَةُ، قالَ الجَوْهَرِيُّ: هي القَصْعَةُ، وقالَ الكِسائِيُّ: أعْظَمُ القِصاعِ الجَفْنَةُ، ثُمَّ القَصْعَةُ تَلِيها تَسَعُ العَشَرَةَ، ثُمَّ الصَّحْفَةُ تَسَعُ الخَمْسَةَ، ثُمَّ المَكِيلَةُ تَسَعُ الرَّجُلَيْنِ والثَّلاثَةَ. والصَّحِيفَةُ: الكِتابُ، والجَمْعُ: صُحُفٌ وصَحائِفُ. الكُوبُ، قالَ قُطْرُبٌ: الإبْرِيقُ لا عُرْوَةَ لَهُ. وقالَ الأخْفَشُ: الإبْرِيقُ لا خُرْطُومَ لَهُ، وقِيلَ: كالإبْرِيقِ، إلّا أنَّهُ لا أُذُنَ لَهُ ولا مِقْبَضَ. قالَ أبُو مَنصُورٍ الجَوالِيقِيُّ: إنَّما كانَ بِغَيْرِ عُرْوَةٍ لِيَشْرَبَ الشّارِبُ مِن أيْنَ شاءَ، لِأنَّ العُرْوَةَ تَرُدُّ الشّارِبَ مِن بَعْضِ الجِهاتِ. انْتَهى. وقالَ عَدِيٌّ:
؎مُتَّكِئًا تُصَفِّقُ أبْوابُهُ ∗∗∗ يَسْعى عَلَيْهِ العَبْدُ بِالكُوبِ
أبْرَمَ، قالَ الفَرّاءُ: أبْرَمَ الأمْرَ: بالَغَ في إحْكامِهِ، وأبْرَمَ القاتِلُ، إذا أدْهَمَ، وهو القَتْلُ الثّانِي، والأوَّلُ يُقالُ لَهُ سِجِّيلٌ، كَما قالَ زُهَيْرٌ:
؎مِن سِجِّيلٍ وبَرْمِ
انْتَهى. والإبْرامُ: أنْ يَجْمَعَ خَيْطَيْنِ ثُمَّ يَفْتِلَهُما فَتْلًا مُتْقَنًا، والبَرِيمُ: خَيْطٌ فِيهِ لَوْنانِ.
* *
(p-٥)﴿حم﴾ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ ﴿إنّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ ﴿وإنَّهُ في أُمِّ الكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ ﴿أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾ ﴿وكَمْ أرْسَلْنا مِن نَبِيٍّ في الأوَّلِينَ﴾ ﴿وما يَأْتِيهِمْ مِن نَبِيٍّ إلّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ﴿فَأهْلَكْنا أشَدَّ مِنهم بَطْشًا ومَضى مَثَلُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ العَزِيزُ العَلِيمُ﴾ ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا وجَعَلَ لَكم فِيها سُبُلًا لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ ﴿والَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ ﴿والَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ كُلَّها وجَعَلَ لَكم مِنَ الفُلْكِ والأنْعامِ ما تَرْكَبُونَ﴾ ﴿لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكم إذا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا وما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ ﴿وإنّا إلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ ﴿وجَعَلُوا لَهُ مِن عِبادِهِ جُزْءًا إنَّ الإنْسانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾ ﴿أمِ اتَّخَذَ مِمّا يَخْلُقُ بَناتٍ وأصْفاكم بِالبَنِينَ﴾ ﴿وإذا بُشِّرَ أحَدُهم بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وجْهُهُ مُسْوَدًّا وهو كَظِيمٌ﴾ ﴿أوَمَن يُنَشَّأُ في الحِلْيَةِ وهو في الخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ .
هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، وقالَ مُقاتِلٌ: إلّا قَوْلُهُ: ﴿واسْألْ مَن أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رُسُلِنا﴾ [الزخرف: ٤٥] . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: بِإجْماعِ أهْلِ العِلْمِ.
﴿إنّا جَعَلْناهُ﴾، أيْ صَيَّرْناهُ، أوْ سَمَّيْناهُ، وهو جَوابُ القَسَمِ، وهو مِنَ الأقْسامِ الحَسَنَةِ لِتَناسُبِ القَسَمِ والمُقْسَمِ عَلَيْهِ، وكَوْنِهِما مِن وادٍ واحِدٍ، ونَظِيرُهُ قَوْلُ أبِي تَمّامٍ:
؎وثَناياكِ إنَّها إغْرِيضٌ
وقِيلَ: والكِتابُ أُرِيدَ بِهِ الكُتُبُ المُنَزَّلَةُ، والضَّمِيرُ في جَعَلْناهُ يَعُودُ عَلى القُرْآنِ، وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ صَرِيحُ الذِّكْرِ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: جَعَلْناهُ، بِمَعْنى صَيَّرْناهُ، مُعَدًّى إلى مَفْعُولَيْنِ، أوْ بِمَعْنى خَلَقْناهُ مُعَدًّى إلى واحِدٍ، كَقَوْلِهِ: ﴿وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ﴾ [الأنعام: ١] . (وقُرْآنًا عَرَبِيًّا): حالٌ. ولَعَلَّ: مُسْتَعارَةٌ لِمَعْنى الإرادَةِ، لِتُلاحِظَ مَعْناها ومَعْنى التَّرَجِّي، أيْ خَلَقْناهُ عَرَبِيًّا غَيْرَ عَجَمِيٍّ. أرادَ أنْ تَعْقِلَهُ العَرَبُ، ولِئَلّا يَقُولُوا: ﴿لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُ﴾ [فصلت: ٤٤] . انْتَهى، وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ في كَوْنِ القُرْآنِ مَخْلُوقًا. و(أُمِّ الكِتابِ): اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، لِأنَّهُ الأصْلُ الَّذِي أُثْبِتَتْ فِيهِ الكُتُبُ، وهَذا فِيهِ تَشْرِيفٌ لِلْقُرْآنِ وتَرْفِيعٌ بِكَوْنِهِ لَدَيْهِ عَلِيًّا عَلى جَمِيعِ الكُتُبِ، وعالِيًا عَنْ وُجُوهِ الفَسادِ. حَكِيمًا: أيْ حاكِمًا عَلى سائِرِ الكُتُبِ، أوْ مُحْكَمًا بِكَوْنِهِ في غايَةِ البَلاغَةِ والفَصاحَةِ وصِحَّةِ المَعانِي. قالَ قَتادَةُ وعِكْرِمَةُ والسُّدِّيُّ: اللَّوْحُ المَحْفُوظُ: القُرْآنُ فِيهِ بِأجْمَعِهِ مَنسُوخٌ، ومِنهُ كانَ جِبْرِيلُ يَنْزِلُ. وقِيلَ: أُمُّ الكِتابِ: الآياتُ المُحْكَماتُ، لِقَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتابَ مِنهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتابِ﴾ [آل عمران: ٧]، ومَعْناهُ: أنَّ سُورَةَ حم واقِعَةٌ في الآياتِ المُحْكَماتِ الَّتِي هي الأُمُّ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: في أُمِّ، بِضَمِّ الهَمْزَةِ، والأخَوانِ بِكَسْرِها، وعَزاها ابْنُ عَطِيَّةَ يُوسُفُ بْنُ عَمْرٍو إلى العِراقِ، ولَمْ يَعْزُها لِلْأخَوانِ عَقْلَةً مِنهُ. يُقالُ: ضَرَبَ عَنْ كَذا، وأضْرَبَ عَنْهُ، إذا أعْرَضَ عَنْهُ. والذِّكْرَ، قالَ الضَّحّاكُ وأبُو صالِحٍ: القُرْآنُ، أيِ: أفَتَرائى عَنْكُمُ القُرْآنَ. وقَوْلُهم: ضَرَبَ الغَرائِبَ عَنِ الحَوْضِ، إذا أدارَها ونَحّاها، وقالَ الشّاعِرُ:
؎اضْرِبْ عَنْكَ الهُمُومَ طارِقَها ∗∗∗ ضَرْبَكَ بِالسَّيْفِ قَوْنَسَ الفَرَسِ
وقِيلَ: الذِّكْرَ: الدُّعاءُ إلى اللَّهِ والتَّخْوِيفُ مِن عِقابِهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: أنُهْمِلُكم فَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ إنْكارًا لِأنْ يَكُونَ الأمْرُ عَلى خِلافِ ما قُدِّمَ مِن إنْزالِهِ الكِتابَ وخَلْقِهِ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتَعْقِلُوهُ وتَعْمَلُوا بِمُوجَبِهِ. انْتَهى. وتَقَدَّمَ الكَلامُ مَعَهُ في تَقْدِيرِهِ فِعْلًا بَيْنَ الهَمْزَةِ والفاءِ في نَحْوِ: (أفَلَمْ يَسِيرُوا) ؟ (أفَلا تَعْقِلُونَ) ؟ وبَيْنَها وبَيْنَ الواوِ في نَحْوِ: (أوَلَمْ يَسِيرُوا) كَما وأنَّ المَذْهَبَ الصَّحِيحَ قَوْلُ سِيبَوَيْهِ والنَّحْوِيِّينَ أنَّ الفاءَ والواوَ مَنوِيٌّ بِهِما التَّقْدِيمُ لِعَطْفِ ما بَعْدَهُما عَلى ما قَبْلَهُما، وأنَّ الهَمْزَةَ تَقَدَّمَتْ لِكَوْنِ الِاسْتِفْهامِ لَهُ صَدْرُ الكَلامِ، ولا خِلافَ بَيْنَ الهَمْزَةِ والحَرْفِ، وقَدْ رَدَدْنا عَلَيْهِ قَوْلَهُ: وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ: المَعْنى: أفَنَتْرُكُ تَذْكِيرَكم وتَخْوِيفَكم عَفْوًا عَنْكم وعَفْوًا عَنْ إجْرامِكم ؟ أنْ كُنْتُمْ أوْ مِن أجْلِ أنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ ؟ أيْ هَذا لا يَصْلُحُ. ونَحا قَتادَةُ إلى أنَّ المَعْنى صَفْحًا، أيْ مَعْفُوًّا عَنْهُ، أيْ نَتْرُكُهُ. ثُمَّ لا تُؤاخَذُونَ بِقَوْلِهِ ولا بِتَدْبِيرِهِ، ولا تُنَبَّهُونَ عَلَيْهِ. وهَذا المَعْنى نَظِيرُ قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎تَمُرُّ الصَّبا صَفْحًا بِساكِنِ ذِي الفَضا ∗∗∗ ويَصْدَعُ قَلْبِي أنْ يَهُبَّ هُبُوبُها
(p-٦)وقَوْلِ كُثَيِّرٍ:
؎صَفُوحًا فَما تَلْقاكَ إلّا بَخِيلَةً ∗∗∗ فَمَن مَلَّ مِنها ذَلِكَ الوَصْلَ مَلَّتِ
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المَعْنى: أفَحَسِبْتُمْ أنْ نَصْفَحَ عَنْكم ولَمّا تَفْعَلُوا ما أُمِرْتُمْ بِهِ ؟ وقالَ الكَلْبِيُّ: أنْ نَتْرُكَكم هَمَلًا بِلا أمْرٍ ولا نَهْيٍ ؟ وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: أنْ لا نُعاقِبَكم بِالتَّكْذِيبِ ؟ وقِيلَ: أنْ نَتْرُكَ الإنْزالَ لِلْقُرْآنِ مِن أجْلِ تَكْذِيبِكم ؟ وقَرَأ حَسّانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الضُّبَعِيُّ، والسُّمَيْطُ بْنُ عُمَيْرٍ، وشُمَيْلُ بْنُ عُذْرَةَ: بِضَمِّ الصّادِ، والجُمْهُورُ: بِفَتْحِها، وهُما لُغَتانِ، كالسَّدِّ والسُّدِّ. وانْتِصابُ صَفْحًا عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مِن مَعْنى أفَنَضْرِبُ، لِأنَّ مَعْناهُ: أفَنَصْفَحُ ؟ أوْ مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ صافِحِينَ، قالَهُما الحَوْفِيُّ، وتَبِعَهُ أبُو البَقاءِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وصَفْحًا عَلى وجْهَيْنِ: إمّا مَصْدَرٌ مِن صَفَحَ عَنْهُ إذا أعْرَضَ مُنْتَصِبًا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ عَلى مَعْنى: أفَنَعْزِلُ عَنْكم إنْزالَ القُرْآنِ وإلْزامَ الحُجَّةِ بِهِ إعْراضًا عَنْكم ؟ وإمّا بِمَعْنى الجانِبِ مِن قَوْلِهِمْ: نَظَرَ إلَيْهِ بِصَفْحِ وجْهِهِ. وصَفْحُ وجْهِهِ عَلى مَعْنى: أفَنُنَحِّيهِ عَنْكم جانِبًا ؟ فَيُنْصَبُ عَلى الظَّرْفِ، كَما تَقُولُ: ضَعْهُ جانِبًا، وامْشِ جانِبًا. وتُعَضِّدُهُ قِراءَةُ مَن قَرَأ: صُفْحًا بِالضَّمِّ. وفي هَذِهِ القِراءَةِ وجْهٌ آخَرُ، وهو أنْ يَكُونَ تَخْفِيفَ صُفُحٍ جَمْعَ صُفُوحٍ، ويُنْتَصَبُ عَلى الحالِ، أيْ صافِحِينَ مُعْرِضِينَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: صَفْحًا، انْتِصابُهُ كانْتِصابِ (صُنْعَ اللَّهِ) . انْتَهى. يَعْنِي أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ، فَيَكُونُ العامِلُ فِيهِ مَحْذُوفًا، ولا يَظْهَرُ هَذا الَّذِي قالَهُ، فَلَيْسَ انْتِصابُهُ انْتِصابَ ”صُنْعَ اللَّهِ“ . وقَرَأ نافِعٌ والأخَوانِ: بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وإسْرافُهم كانَ مُتَحَقِّقًا. فَكَيْفَ دَخَلَتْ عَلَيْهِ ”إنْ“ الشَّرْطِيَّةُ الَّتِي لا تَدْخُلُ إلّا عَلى غَيْرِ المُتَحَقِّقِ، أوْ عَلى المُتَحَقِّقِ الَّذِي انْبَهَمَ زَمانُهُ ؟ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هو مِنَ الشَّرْطِ الَّذِي ذَكَرْتُ أنَّهُ يَصْدُرُ عَنِ المُدِلِّ بِصِحَّةِ الأمْرِ المُتَحَقِّقِ لِثُبُوتِهِ، كَما يَقُولُ الأجِيرُ: إنْ كُنْتُ عَمِلْتُ لَكَ فَوَفِّنِي حَقِّي، وهو عالِمٌ بِذَلِكَ، ولَكِنَّهُ يُخَيِّلُ في كَلامِهِ أنَّ تَفْرِيطَكَ في الخُرُوجِ عَنِ الحَقِّ فِعْلُ مَن لَهُ شَكٌّ في الِاسْتِحْقاقِ، مَعَ وُضُوحِهِ، اسْتِجْهالًا لَهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: أنْ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، أيْ مِن أجْلِ أنْ كُنْتُمْ. قالَ الشّاعِرُ:
؎أتَجْزَعُ أنْ بانَ الخَلِيطُ المُوَدِّعُ
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: إذْ كُنْتُمْ، بِذالٍ مَكانَ النُّونِ، لَمّا ذَكَرَ خِطابًا لِقُرَيْشٍ، ﴿أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ﴾ ؟ وكانَ هَذا الإنْكارُ دَلِيلًا عَلى تَكْذِيبِهِمْ لِلرَّسُولِ، وإنْكارًا لِما جاءَ بِهِ. آنَسَهُ تَعالى بِأنَّ عادَتَهم عادَةُ الأُمَمِ السّابِقَةِ مِنِ اسْتِهْزائِهِمْ بِالرُّسُلِ، وأنَّهُ تَعالى أهْلَكَ مَن كانَ أشَدَّ بَطْشًا مِن قُرَيْشٍ، أيْ أكْثَرَ عَدَدًا وعُدَدًا وجِلْدًا.
﴿ومَضى مَثَلُ الأوَّلِينَ﴾: أيْ فَلْيَحْذَرْ قُرَيْشٌ أنْ يَحِلَّ بِهِمْ مِثْلُ ما حَلَّ بِالأوَّلِينَ مُكَذِّبِي الرُّسُلِ مِنَ العُقُوبَةِ. قالَ مَعْناهُ قَتادَةُ: وهي العُقُوبَةُ الَّتِي سارَتْ سَيْرَ المَثَلِ، وقِيلَ: مَثَلُ الأوَّلِينَ في الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ، وقُرَيْشٌ سَلَكَتْ مَسْلَكَها، وكانَ مُقْبِلًا عَلَيْهِمْ بِالخِطابِ في قَوْلِهِ: ﴿أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ﴾ ؟ فَأعْرَضَ عَنْهم إلى إخْبارِ الغائِبِ في قَوْلِهِ: ﴿فَأهْلَكْنا أشَدَّ مِنهم بَطْشًا﴾ . (ولَئِنْ سَألْتَهم): احْتِجاجٌ عَلى قُرَيْشٍ بِما يُوجِبُ التَّناقُضَ، وهو إقْرارُهم بِأنَّ مُوجِدَ العالَمِ العُلْوِيِّ والسُّفْلِيِّ هو اللَّهُ، ثُمَّ هم يَتَّخِذُونَ أصْنامًا آلِهَةً مِن دُونِ اللَّهِ يَعْبُدُونَهم ويُعَظِّمُونَهم. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ومُقْتَضى الجَوابِ أنْ يَقُولُوا خَلَقَهُنَّ اللَّهُ، فَلَمّا ذَكَرَ تَعالى المَعْنى، جاءَتِ العِبارَةُ عَنِ اللَّهِ تَعالى بِالعَزِيزِ العَلِيمِ، لِيَكُونَ ذَلِكَ تَوْطِئَةً لِما عَدَّدَ مِن أوْصافِهِ الَّذِي ابْتَدَأ الإخْبارَ بِها، وقَطَعَها مِنَ الكَلامِ الَّذِي حَكى مَعْناهُ عَنْ قُرَيْشٍ. انْتَهى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَيَنْسِبُنَّ خَلْقَها إلى الَّذِي هَذِهِ أوْصافُهُ، ولَيَسْنِدُنَّهُ إلَيْهِ. انْتَهى. والظّاهِرُ أنَّ: ﴿خَلَقَهُنَّ العَزِيزُ العَلِيمُ﴾ نَفْسُ المَحْكِيِّ مِن كَلامِهِمْ، ولا يَدُلُّ كَوْنُهم ذَكَرُوا في مَكانٍ خَلَقَهُنَّ اللَّهُ، أنْ لا يَقُولُوا في سُؤالٍ آخَرَ: ﴿خَلَقَهُنَّ العَزِيزُ العَلِيمُ﴾ .
و(الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ): مِن كَلامِ اللَّهِ، خِطابًا لَهم بِتَذْكِيرِ نِعَمِهِ السّابِقَةِ. وكَرَّرَ الفِعْلَ في الجَوابِ في قَوْلِهِ: ﴿خَلَقَهُنَّ العَزِيزُ العَلِيمُ﴾، مُبالَغَةً في التَّوْكِيدِ. وفي غَيْرِ ما سُؤالٍ، اقْتَصَرُوا عَلى ذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ، إذْ هو العَلَمُ الجامِعُ لِلصِّفاتِ العُلا، وجاءَ الجَوابُ مُطابِقًا لِلسُّؤالِ مِن حَيْثُ (p-٧)المَعْنى، لا مِن حَيْثُ اللَّفْظُ، لِأنَّ مَن مُبْتَدَأٌ. فَلَوْ طابَقَ في اللَّفْظِ، كانَ بِالِاسْمِ مُبْتَدَأً، ولَمْ يَكُنْ بِالفِعْلِ. (لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ): أيْ إلى مَقاصِدِكم في السَّفَرِ، أوْ تَهْتَدُونَ بِالنَّظَرِ والِاعْتِبارِ. بِقَدَرٍ: أيْ بِقَضاءٍ وحَتْمٍ في الأزَلِ، أوْ بِكِفايَةٍ، لا كَثِيرًا فَيُفْسِدُ، ولا قَلِيلًا فَلا يُجْدِي.
﴿فَأنْشَرْنا﴾: أحْيَيْنا بِهِ.
﴿بَلْدَةً مَيْتًا﴾: ذُكِرَ عَلى مَعْنى القَطْرِ، و”بَلْدَةً“ اسْمُ جِنْسٍ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وعِيسى: مَيِّتًا بِالتَّشْدِيدِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: تُخْرَجُونَ: مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وابْنُ وثّابٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ جُبَيْرٍ المُصْبِحِ، وعِيسى، وابْنُ عامِرٍ، والأخَوانِ: مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. و(الأزْواجَ): الأنْواعَ مِن كُلِّ شَيْءٍ. قِيلَ: وكُلُّ ما سِوى اللَّهِ فَهو زَوْجٌ، كَفَوْقَ، وتَحْتَ، ويَمِينٍ، وشِمالٍ، وقُدّامٍ، وخَلْفٍ، وماضٍ، ومُسْتَقْبَلٍ، وذَواتٍ، وصِفاتٍ، وصَيْفٍ، وشِتاءٍ، ورَبِيعٍ، وخَرِيفٍ، وكَوْنُها أزْواجًا تَدُلُّ عَلى أنَّها مُمْكِنَةُ الوُجُودِ، ويَدُلُّ عَلى أنَّ مُحْدِثَها فَرْدٌ، وهو اللَّهُ المُنَزَّهُ عَنِ الضِّدِّ والمُقابِلِ والمُعارِضِ. انْتَهى.
(والأنْعامَ): المَعْهُودُ أنَّهُ لا يُرْكَبُ مِنَ الأنْعامِ إلّا الإبِلُ. ما: مَوْصُولَةٌ والعائِدُ مَحْذُوفٌ، أيْ ما يَرْكَبُونَهُ. ورَكِبَ بِالنِّسْبَةِ لِلْعِلَلِ، ويَتَعَدّى بِنَفْسِهِ عَلى المُتَعَدِّي بِوَساطَةِ في، إذِ التَّقْدِيرُ ما يَرْكَبُونَهُ. واللّامُ في لِتَسْتَوُوا: الظّاهِرُ أنَّها لامُ كَيْ. وقالَ الحَوْفِيُّ: ومَن أثْبَتَ لامَ الصَّيْرُورَةِ جازَ لَهُ أنْ يَقُولَ بِهِ هُنا. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لامُ الأمْرِ، وفِيهِ بُعْدٌ مِن حَيْثُ اسْتِعْمالُ أمْرِ المُخاطَبِ بِتاءِ الخِطابِ، وهو مِنَ القِلَّةِ بِحَيْثُ يَنْبَغِي أنْ لا يُقاسَ عَلَيْهِ. فالفَصِيحُ المُسْتَعْمَلُ: اضْرِبْ، وقِيلَ: لِتَضْرِبْ، بَلْ نَصَّ النَّحْوِيُّونَ عَلى أنَّها لُغَةٌ رَدِيئَةٌ قَلِيلَةٌ، إذْ لا تَكادُ تُحْفَظُ إلّا قِراءَةً شاذَّةً، فَبِذَلِكَ فَلْتَفْرَحُوا بِالتّاءِ لِلْخِطابِ. وما آثَرَ المُحَدِّثُونَ مِن قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «لِتَأْخُذُوا مَصافَّكم»، مَعَ احْتِمالِ أنَّ الرّاوِيَ رَوى بِالمَعْنى، وقَوْلُ الشّاعِرِ:
؎لِتَقُمْ أنْتَ يا ابْنَ خَيْرِ قُرَيْشٍ ∗∗∗ فَتَقْضِي حَوائِجَ المُسْلِمِينا
وزَعَمَ الزَّجّاجُ أنَّها لُغَةٌ جَيِّدَةٌ، وذَلِكَ خِلافُ ما زَعَمَ النَّحْوِيُّونَ. والضَّمِيرُ في ظُهُورِهِ عائِدٌ عَلى ما، كَأنَّهُ قالَ: عَلى ظُهُورِ ما تَرْكَبُونَ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، فَلِذَلِكَ حَسُنَ الجَمْعُ، لِأنَّ مَآلَها لَفْظٌ ومَعْنًى. فَمَن جَمَعَ فَبِاعْتِبارِ المَعْنى، ومَن أفْرَدَ فَبِاعْتِبارِ اللَّفْظِ، ويَعْنِي: ﴿مِنَ الفُلْكِ والأنْعامِ﴾ . وقالَ الفَرّاءُ نَحْوًا مِنهُ، قالَ: أضافَ الظُّهُورَ، ﴿ثُمَّ تَذْكُرُوا﴾، أيْ في قُلُوبِكم، ﴿نِعْمَةَ رَبِّكُمْ﴾، مُعْتَرِفِينَ بِها مُسْتَعْظِمِينَ لَها. لا يُرِيدُ الذِّكْرَ بِاللِّسانِ بَلْ بِالقَلْبِ، ولِذَلِكَ قابَلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا﴾، أيْ تُنَزِّهُوا اللَّهَ بِصَرِيحِ القَوْلِ. وجاءَ في الحَدِيثِ: «”أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ إذا وضَعَ رِجْلَهُ في الرِّكابِ قالَ: بِسْمِ اللَّهِ، فَإذا اسْتَوى عَلى الدّابَّةِ قالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ عَلى كُلِّ حالٍ، سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا، إلى قَوْلِهِ لَمُنْقَلِبُونَ، وكَبَّرَ ثَلاثًا وهَلَّلَ ثَلاثًا»، وقالُوا: إذا رَكِبَ في السَّفِينَةِ قالَ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها ومُرْساها﴾ [هود: ٤١] إلى رَحِيمٍ، ويُقالُ عِنْدَ النُّزُولِ مِنها: اللَّهُمَّ أنْزِلْنا مُنْزَلًا مُبارَكًا وأنْتَ خَيْرُ المُنْزِلِينَ“ . والقَرْنُ: الغالِبُ الضّابِطُ المُطِيقُ لِلشَّيْءِ، يُقالُ: أقْرَنَ الشَّيْءَ، إذا أطاقَهُ. قالَ ابْنُ هَرْمَةَ:
؎وأقْرَنْتِ ما حَمَّلْتِنِي ولَقَلَّما ∗∗∗ يُطاقُ احْتِمالُ الصَّدِّ يا دَعْدُ والهَجْرِ
وحَقِيقَةُ أقْرَنَهُ: وجَدَهُ قَرِينَتَهُ وما يُقْرَنُ بِهِ: لِأنَّ الصَّعْبَ لا يَكُونُ قَرِينَةً لِلضَّعْفِ. قالَ الشّاعِرُ:
؎وابْنُ اللَّبُونِ إذا ما لُزَّ في قَرَنٍ ∗∗∗ لَمْ يَسْتَطِعْ صَوْلَةَ البُزْلِ القَناعِيسِ
والقَرْنُ: الحَبْلُ الَّذِي يُقْرَنُ بِهِ. وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: فُلانٌ مُقْرِنٌ لِفُلانٍ، أيْ ضابِطٌ لَهُ، والمَعْنى: أنَّهُ لَيْسَ لَنا مِنَ القُوَّةِ ما نَضْبُطُ بِهِ الدّابَّةَ والفُلْكَ، وإنَّما اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَها. وأنْشَدَ قُطْرُبٌ لِعَمْرِو بْنِ مَعْدِيكَرِبَ:
؎لَقَدْ عَلِمَ القَبائِلُ ما عَقِيلٌ ∗∗∗ لَنا في النّائِباتِ بِمُقْرِنِينا
وقُرِئَ: لَمُقْتَرِنِينَ، اسْمُ فاعِلٍ مِنِ اقْتَرَنَ.
﴿وإنّا إلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ﴾: أيْ راجِعُونَ، وهو إقْرارٌ بِالرُّجُوعِ إلى اللَّهِ، وبِالبَعْثِ، لِأنَّ الرّاكِبَ في مَظَنَّةِ الهَلاكِ بِالغَرَقِ إذا رَكِبَ الفُلْكَ، وبِعُثُورِ الدّابَّةِ، إذْ رُكُوبُها أمْرٌ (p-٨)فِيهِ خَطَرٌ، ولا تُؤْمَنُ السَّلامَةُ فِيهِ. فَقَوْلُهُ هَذا تَذْكِيرٌ بِأنَّهُ مُسْتَشْعِرٌ الصَّيْرُورَةَ إلى اللَّهِ، ومُسْتَعِدٌّ لِلِقائِهِ، فَهو لا يَتْرُكُ ذَلِكَ مِن قَلْبِهِ ولا لِسانِهِ.
﴿وجَعَلُوا لَهُ﴾: أيْ وجَعَلَ كُفّارُ قُرَيْشٍ والعَرَبُ لَهُ، أيْ لِلَّهِ. مِن عِبادِهِ: أيْ مِمَّنْ هم عَبِيدُ اللَّهِ. جُزْءًا، قالَ مُجاهِدٌ: نَصِيبًا وحَظًّا، وهو قَوْلُ العَرَبِ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ. وقالَ قَتادَةُ: جُزْءًا، أيْ نِدًّا، وذَلِكَ هو الأصْنامُ وفِرْعَوْنُ ومَن عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ. وقِيلَ: الجُزْءُ: الإناثُ. قالَ بَعْضُ اللُّغَوِيِّينَ: يُقالُ أجْزَأتِ المَرْأةُ، إذا ولَدَتْ أُنْثى. قالَ الشّاعِرُ:
؎إنْ أجْزَأتْ حُرَّةٌ يَوْمًا فَلا عَجَبٌ ∗∗∗ قَدْ تُجْزِئُ الحُرَّةُ المِذْكارَ أحْيانًا
قِيلَ: هَذا البَيْتُ مَصْنُوعٌ، وكَذا قَوْلُهُ:
؎زَوَّجَها مِن بَناتِ الأوْسِ مُجْزِئَةً
ولَمّا تَقَدَّمَ أنَّهم مُعْتَرِفُونَ بِأنَّهُ تَعالى هو خالِقُ العالَمِ، أنْكَرَ عَلَيْهِمْ جَعْلَهم لِلَّهِ جُزْءًا، وقَدِ اعْتَرَفُوا بِأنَّهُ هو الخالِقُ، فَكَيْفَ وصَفُوهُ بِصِفَةِ المَخْلُوقِ ؟ ﴿إنَّ الإنْسانَ لَكَفُورٌ﴾ نِعْمَةَ خالِقِهِ. (مُبِينٌ): مُظْهِرٌ لِجُحُودِهِ. والمُرادُ بِالإنْسانِ: مَن جَعَلَ لِلَّهِ جُزْءًا، وغَيْرُهم مِنَ الكَفَرَةِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ومُبِينٌ في هَذا المَوْضِعِ غَيْرُ مُتَعَدٍّ. انْتَهى. ولَيْسَ يَتَعَيَّنُ ما ذَكَرَ، بَلْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ ظاهِرًا لِكُفْرانِ النِّعَمِ ومُظْهِرًا لِجُحُودِهِ، كَما قُلْنا.
﴿أمِ اتَّخَذَ مِمّا يَخْلُقُ بَناتٍ﴾ ؟ اسْتِفْهامُ إنْكارٍ وتَوْبِيخٍ لِقِلَّةِ عُقُولِهِمْ ؟ كَيْفَ زَعَمُوا أنَّهُ تَعالى اتَّخَذَ لِنَفْسِهِ ما أنْتُمْ تَكْرَهُونَهُ حِينَ أنْتُمْ تَسْوَدُّ وُجُوهُكم عِنْدَ التَّبْشِيرِ بِهِنَّ وتَئِدُونَهُنَّ ؟ (وأصْفاكم): جَعَلَ لَكم صَفْوَةَ ما هو مَحْبُوبٌ، وذَلِكَ البَنُونَ. وقَوْلُهُ: (مِمّا يَخْلُقُ)، تَنْبِيهٌ عَلى اسْتِحالَةِ الوَلَدِ، ذَكَرًا كانَ أوْ أُنْثى، وإنْ فُرِضَ اتِّخاذُ الوَلَدِ، فَكَيْفَ يَخْتارُ لَهُ الأدْنى ويَخُصُّكم بِالأعْلى ؟ وقَدَّمَ البَناتِ، لِأنَّهُ المُنْكَرُ عَلَيْهِمْ لِنِسْبَتِهِنَّ إلى اللَّهِ، وعَرَّفَ البَنِينَ دُونَ البَناتِ تَشْرِيفًا لَهم عَلى البَناتِ.
﴿وإذا بُشِّرَ أحَدُهُمْ﴾: تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِها في سُورَةِ النَّحْلِ.
﴿أوَمَن يُنَشَّأُ في الحِلْيَةِ﴾: أيْ يَنْتَقِلُ في عُمُرِهِ حالًا فَحالًا في الحِلْيَةِ، وهو الحُلِيُّ الَّذِي لا يَلِيقُ إلّا بِالإناثِ دُونَ الفُحُولِ، لِتَزَيُّنِهِنَّ بِذَلِكَ لِأزْواجِهِنَّ، وهو إنْ خاصَمَ، لا يُبِينُ لِضَعْفِ العَقْلِ ونَقْصِ التَّدَبُّرِ والتَّأمُّلِ، أظْهَرَ بِهَذا لِحُقُوقِهِنَّ وشُفُوفِ البَنِينَ عَلَيْهِنَّ. وكانَ في ذَلِكَ إشارَةٌ إلى أنَّ الرَّجُلَ لا يُناسِبُ لَهُ التَّزَيُّنُ كالمَرْأةِ، وأنْ يَكُونَ مُخْشَوْشِنًا. والفَحْلُ مِنَ الرِّجالِ أبى أنْ يَكُونَ مُتَّصِفًا بِصِفاتِ النِّساءِ، والظّاهِرُ أنَّهُ أرادَ بِمَن يُنَشَّأُ في الحِلْيَةِ: النِّساءُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ: ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وهُوَ في الخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾: أيْ لا يُظْهِرُ حُجَّةً، ولا يُقِيمُ دَلِيلًا، ولا يَكْشِفُ عَمّا في نَفْسِهِ كَشْفًا واضِحًا. ويُقالُ: قَلَّما تَجِدُ امْرَأةً لا تُفْسِدُ الكَلامَ، وتَخْلِطُ المَعانِيَ، حَتّى ذُكِرَ عَنْ بَعْضِ النّاسِ أنَّهُ قالَ: إذا دَخَلْنا عَلى فُلانَةٍ، لا نَخْرُجُ حَتّى نَعْلَمَ أنَّ عَقْلَها عَقْلُ امْرَأةٍ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: المُرادُ بِمَن يُنَشَّأُ في الحِلْيَةِ: الأصْنامُ، وكانُوا يَتَّخِذُونَ كَثِيرًا مِنها مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ، ويَجْعَلُونَ الحُلِيَّ عَلى كَثِيرٍ مِنها، ويُبْعِدُ هَذا القَوْلَ قَوْلُهُ: ﴿وهُوَ في الخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾، إلّا إنْ أُرِيدَ بِنَفْيِ الإبانَةِ نَفْيُ الخِصامِ أيْ لا يَكُونُ مِنها خِصامٌ فَإنَّهُ كَقَوْلِهِ:
؎عَلى لاحِبٍ لا يَهْتَدِي بِمَنارِهِ
أيْ: لا مَنارَ لَهُ فَيَهْتَدِي بِهِ. ومَن: في مَوْضِعِ نَصْبٍ، أيْ وجَعَلُوا مَن يُنَشَّأُ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ، أيْ مَن يُنَشَّأُ جَعَلُوهُ لِلَّهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: يُنَشَّأُ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، والجَحْدَرِيُّ في قَوْلٍ: مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مُخَفَّفًا، وابْنُ عَبّاسٍ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ والحَسَنُ ومُجاهِدٌ والجَحْدَرِيُّ: في رِوايَةٍ، والأخَوانِ وحَفْصٌ والمُفَضَّلُ وأبانٌ وابْنُ مِقْسَمٍ وهارُونُ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مُشَدَّدًا، والحَسَنُ: في رِوايَةٍ يُناشَأُ عَلى وزْنِ يُفاعَلُ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، والمُناشَأةُ بِمَعْنى الإنْشاءِ، كالمُعالاةِ بِمَعْنى الإعْلاءِ. و﴿فِي الخِصامِ﴾: مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ تَفْسِيرُهُ غَيْرُ مُبِينٍ، أيْ وهو لا يُبِينُ في الخِصامِ. ومَن أجازَ أمّا زَيْدًا غَيْرُ ضارِبٍ بِإعْمالِ المُضافِ إلَيْهِ في ”غَيْرُ“ أجازَ أنْ يَتَعَلَّقَ بِمُبِينٍ، أجْرى ”غَيْرُ“ مُجْرى لا. وبِتَقْدِيمِ مَعْمُولِ أمّا بَعْدَ لا مُخْتَلَفٌ فِيهِ، وقَدْ ذُكِرَ ذَلِكَ في النَّحْوِ.
الزخرف 43:5
(p-٢)(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)
(سُورَةُ الزُّخْرُفِ تِسْعٌ وثَمانُونَ آيَةً مَكِّيَّةٌ)
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)
(p-٣)﴿حم﴾ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ ﴿إنّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ ﴿وإنَّهُ في أُمِّ الكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ ﴿أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾ ﴿وكَمْ أرْسَلْنا مِن نَبِيٍّ في الأوَّلِينَ﴾ ﴿وما يَأْتِيهِمْ مِن نَبِيٍّ إلّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ﴿فَأهْلَكْنا أشَدَّ مِنهم بَطْشًا ومَضى مَثَلُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ العَزِيزُ العَلِيمُ﴾ ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا وجَعَلَ لَكم فِيها سُبُلًا لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ ﴿والَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ ﴿والَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ كُلَّها وجَعَلَ لَكم مِنَ الفُلْكِ والأنْعامِ ما تَرْكَبُونَ﴾ ﴿لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكم إذا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا وما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ ﴿وإنّا إلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ ﴿وجَعَلُوا لَهُ مِن عِبادِهِ جُزْءًا إنَّ الإنْسانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾ ﴿أمِ اتَّخَذَ مِمّا يَخْلُقُ بَناتٍ وأصْفاكم بِالبَنِينَ﴾ ﴿وإذا بُشِّرَ أحَدُهم بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وجْهُهُ مُسْوَدًّا وهو كَظِيمٌ﴾ ﴿أوَمَن يُنَشَّأُ في الحِلْيَةِ وهو في الخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ ﴿وجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا أشَهِدُوا خَلْقَهم سَتُكْتَبُ شَهادَتُهم ويُسْألُونَ﴾ [الزخرف: ١٩] ﴿وقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ ما عَبَدْناهم ما لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ إنْ هم إلّا يَخْرُصُونَ﴾ [الزخرف: ٢٠] ﴿أمْ آتَيْناهم كِتابًا مِن قَبْلِهِ فَهم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ﴾ [الزخرف: ٢١] ﴿بَلْ قالُوا إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٢] ﴿وكَذَلِكَ ما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ في قَرْيَةٍ مِن نَذِيرٍ إلّا قالَ مُتْرَفُوها إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٣] ﴿قالَ أوَلَوْ جِئْتُكم بِأهْدى مِمّا وجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكم قالُوا إنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ [الزخرف: ٢٤] ﴿فانْتَقَمْنا مِنهم فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ [الزخرف: ٢٥] ﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ إنَّنِي بَراءٌ مِمّا تَعْبُدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٦] ﴿إلّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ [الزخرف: ٢٧] ﴿وجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً في عَقِبِهِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ [الزخرف: ٢٨] ﴿بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلاءِ وآباءَهم حَتّى جاءَهُمُ الحَقُّ ورَسُولٌ مُبِينٌ﴾ [الزخرف: ٢٩] ﴿ولَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ قالُوا هَذا سِحْرٌ وإنّا بِهِ كافِرُونَ﴾ [الزخرف: ٣٠] ﴿وقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] ﴿أهم يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهم مَعِيشَتَهم في الحَياةِ الدُّنْيا ورَفَعْنا بَعْضَهم فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهم بَعْضًا سُخْرِيًّا ورَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾ [الزخرف: ٣٢] ﴿ولَوْلا أنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِن فَضَّةٍ ومَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ﴾ [الزخرف: ٣٣] ﴿ولِبُيُوتِهِمْ أبْوابًا وسُرُرًا عَلَيْها يَتَّكِئُونَ﴾ [الزخرف: ٣٤] ﴿وزُخْرُفًا وإنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمّا مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا والآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٣٥] ﴿ومَن يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا فَهو لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف: ٣٦] ﴿وإنَّهم لَيَصُدُّونَهم عَنِ السَّبِيلِ ويَحْسَبُونَ أنَّهم مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٣٧] ﴿حَتّى إذا جاءَنا قالَ يا لَيْتَ بَيْنِي وبَيْنَكَ بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ القَرِينُ﴾ [الزخرف: ٣٨] ﴿ولَنْ يَنْفَعَكُمُ اليَوْمَ إذْ ظَلَمْتُمْ أنَّكم في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف: ٣٩] ﴿أفَأنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أوْ تَهْدِي العُمْيَ ومَن كانَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الزخرف: ٤٠] ﴿فَإمّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإنّا مِنهم مُنْتَقِمُونَ﴾ [الزخرف: ٤١] ﴿أوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وعَدْناهم فَإنّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ﴾ [الزخرف: ٤٢] ﴿فاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إلَيْكَ إنَّكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الزخرف: ٤٣] ﴿وإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ وسَوْفَ تُسْألُونَ﴾ [الزخرف: ٤٤] ﴿واسْألْ مَن أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رُسُلِنا أجَعَلْنا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف: ٤٥] ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ فَقالَ إنِّي رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الزخرف: ٤٦] ﴿فَلَمّا جاءَهم بِآياتِنا إذا هم مِنها يَضْحَكُونَ﴾ [الزخرف: ٤٧] ﴿وما نُرِيهِمْ مِن آيَةٍ إلّا هي أكْبَرُ مِن أُخْتِها وأخَذْناهم بِالعَذابِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ [الزخرف: ٤٨] ﴿وقالُوا يا أيُّها السّاحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ إنَّنا لَمُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٤٩] ﴿فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُمُ العَذابَ إذا هم يَنْكُثُونَ﴾ [الزخرف: ٥٠] ﴿ونادى فِرْعَوْنُ في قَوْمِهِ قالَ يا قَوْمِ ألَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وهَذِهِ الأنْهارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الزخرف: ٥١] ﴿أمْ أنا خَيْرٌ مِن هَذا الَّذِي هو مَهِينٌ ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢] ﴿فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أسْوِرَةٌ مِن ذَهَبٍ أوْ جاءَ مَعَهُ المَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾ [الزخرف: ٥٣] ﴿فاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأطاعُوهُ إنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ [الزخرف: ٥٤] ﴿فَلَمّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنهم فَأغْرَقْناهم أجْمَعِينَ﴾ [الزخرف: ٥٥] ﴿فَجَعَلْناهم سَلَفًا ومَثَلًا لِلْآخِرِينَ﴾ [الزخرف: ٥٦] ﴿ولَمّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إذا قَوْمُكَ مِنهُ يَصِدُّونَ﴾ [الزخرف: ٥٧] ﴿وقالُوا أآلِهَتُنا خَيْرٌ أمْ هو ما ضَرَبُوهُ لَكَ إلّا جَدَلًا بَلْ هم قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف: ٥٨] ﴿إنْ هو إلّا عَبْدٌ أنْعَمْنا عَلَيْهِ وجَعَلْناهُ مَثَلًا لِبَنِي إسْرائِيلَ﴾ [الزخرف: ٥٩] ﴿ولَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنكم مَلائِكَةً في الأرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ [الزخرف: ٦٠] ﴿وإنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِها واتَّبِعُونِ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [الزخرف: ٦١] ﴿ولا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطانُ إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [الزخرف: ٦٢] ﴿ولَمّا جاءَ عِيسى بِالبَيِّناتِ قالَ قَدْ جِئْتُكم بِالحِكْمَةِ ولِأُبَيِّنَ لَكم بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ [الزخرف: ٦٣] ﴿إنَّ اللَّهَ هو رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [الزخرف: ٦٤] ﴿فاخْتَلَفَ الأحْزابُ مِن بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِن عَذابِ يَوْمٍ ألِيمٍ﴾ [الزخرف: ٦٥] ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا السّاعَةَ أنْ تَأْتِيَهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ [الزخرف: ٦٦] ﴿الأخِلّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلّا المُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧] ﴿يا عِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ [الزخرف: ٦٨] ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وكانُوا مُسْلِمِينَ﴾ [الزخرف: ٦٩] ﴿ادْخُلُوا الجَنَّةَ أنْتُمْ وأزْواجُكم تُحْبَرُونَ﴾ [الزخرف: ٧٠] ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مِن ذَهَبٍ وأكْوابٍ وفِيها ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وتَلَذُّ الأعْيُنُ وأنْتُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ [الزخرف: ٧١] ﴿وتِلْكَ الجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف: ٧٢] ﴿لَكم فِيها فاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنها تَأْكُلُونَ﴾ [الزخرف: ٧٣] ﴿إنَّ المُجْرِمِينَ في عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ﴾ [الزخرف: ٧٤] ﴿لا يُفَتَّرُ عَنْهم وهم فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ [الزخرف: ٧٥] ﴿وما ظَلَمْناهم ولَكِنْ كانُوا هُمُ الظّالِمِينَ﴾ [الزخرف: ٧٦] ﴿ونادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ قالَ إنَّكم ماكِثُونَ﴾ [الزخرف: ٧٧] ﴿لَقَدْ جِئْناكم بِالحَقِّ ولَكِنَّ أكْثَرَكم لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾ [الزخرف: ٧٨] ﴿أمْ أبْرَمُوا أمْرًا فَإنّا مُبْرِمُونَ﴾ [الزخرف: ٧٩] ﴿أمْ يَحْسَبُونَ أنّا لا نَسْمَعُ سِرَّهم ونَجْواهم بَلى ورُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف: ٨٠] ﴿قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾ [الزخرف: ٨١] ﴿سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ رَبِّ العَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ [الزخرف: ٨٢] ﴿فَذَرْهم يَخُوضُوا ويَلْعَبُوا حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ [الزخرف: ٨٣] ﴿وهُوَ الَّذِي في السَّماءِ إلَهٌ وفي الأرْضِ إلَهٌ وهو الحَكِيمُ العَلِيمُ﴾ [الزخرف: ٨٤] ﴿وتَبارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما وعِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [الزخرف: ٨٥] ﴿ولا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفاعَةَ إلّا مَن شَهِدَ بِالحَقِّ وهم يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦] ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَهم لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأنّى يُؤْفَكُونَ﴾ [الزخرف: ٨٧] ﴿وقِيلِهِ يا رَبِّ إنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الزخرف: ٨٨] ﴿فاصْفَحْ عَنْهم وقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٩] (p-٤)(يَعْشُو): يُعْرِضُ، ويَعْشى: يَعْمى. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لَمْ نَرَ أحَدًا حَكى: عَشَوْتُ عَنِ الشَّيْءِ: أعْرَضْتُ عَنْهُ، وإنَّما يُقالُ: تَعاشَيْتُ عَنْ كَذا وتَعامَيْتُ، إذا تَغافَلْتُ عَنْهُ. وتَقُولُ: عَشَوْتُ إلى النّارِ، إذا اسْتَدْلَلْتُ عَلَيْها بِبَصَرٍ ضَعِيفٍ. وقِيلَ: عَشى يَعْشى، إذا حَصَلَتِ الآفَةُ في بَصَرِهِ. وعَشا يَعْشُو: نَظَرَ المَعْشِيِّ ولا آفَةَ بِهِ، كَما قالَ: عَرَجَ لِمَن بِهِ الآفَةُ، وعَرَجَ لِمَن مَشى مِشْيَةَ العُرْجانِ مِن غَيْرِ عَرَجٍ. قالَ الحُطَيْئَةُ:
؎مَتى تَأْتِهِ تَعْشُو إلى ضَوْءِ نارِهِ تَجِدْ خَيْرَ نارٍ عِنْدَها خَيْرُ مَوْقِدِ
أيْ: تَنْظُرُ إلَيْها نَظَرَ المَعْشِيِّ لِما يَضْعُفُ بَصَرٌ مِن عَظِيمِ الوَقُودِ بِهِ، ومِنهُ قَوْلُ حاتِمٍ:
؎أعْشُو إذا ما جارَتِي بَرَزَتْ ∗∗∗ حَتّى يُوارِيَ جارَتِي الخِدْرُ
الصُّحْفَةُ، قالَ الجَوْهَرِيُّ: هي القَصْعَةُ، وقالَ الكِسائِيُّ: أعْظَمُ القِصاعِ الجَفْنَةُ، ثُمَّ القَصْعَةُ تَلِيها تَسَعُ العَشَرَةَ، ثُمَّ الصَّحْفَةُ تَسَعُ الخَمْسَةَ، ثُمَّ المَكِيلَةُ تَسَعُ الرَّجُلَيْنِ والثَّلاثَةَ. والصَّحِيفَةُ: الكِتابُ، والجَمْعُ: صُحُفٌ وصَحائِفُ. الكُوبُ، قالَ قُطْرُبٌ: الإبْرِيقُ لا عُرْوَةَ لَهُ. وقالَ الأخْفَشُ: الإبْرِيقُ لا خُرْطُومَ لَهُ، وقِيلَ: كالإبْرِيقِ، إلّا أنَّهُ لا أُذُنَ لَهُ ولا مِقْبَضَ. قالَ أبُو مَنصُورٍ الجَوالِيقِيُّ: إنَّما كانَ بِغَيْرِ عُرْوَةٍ لِيَشْرَبَ الشّارِبُ مِن أيْنَ شاءَ، لِأنَّ العُرْوَةَ تَرُدُّ الشّارِبَ مِن بَعْضِ الجِهاتِ. انْتَهى. وقالَ عَدِيٌّ:
؎مُتَّكِئًا تُصَفِّقُ أبْوابُهُ ∗∗∗ يَسْعى عَلَيْهِ العَبْدُ بِالكُوبِ
أبْرَمَ، قالَ الفَرّاءُ: أبْرَمَ الأمْرَ: بالَغَ في إحْكامِهِ، وأبْرَمَ القاتِلُ، إذا أدْهَمَ، وهو القَتْلُ الثّانِي، والأوَّلُ يُقالُ لَهُ سِجِّيلٌ، كَما قالَ زُهَيْرٌ:
؎مِن سِجِّيلٍ وبَرْمِ
انْتَهى. والإبْرامُ: أنْ يَجْمَعَ خَيْطَيْنِ ثُمَّ يَفْتِلَهُما فَتْلًا مُتْقَنًا، والبَرِيمُ: خَيْطٌ فِيهِ لَوْنانِ.
* *
(p-٥)﴿حم﴾ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ ﴿إنّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ ﴿وإنَّهُ في أُمِّ الكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ ﴿أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾ ﴿وكَمْ أرْسَلْنا مِن نَبِيٍّ في الأوَّلِينَ﴾ ﴿وما يَأْتِيهِمْ مِن نَبِيٍّ إلّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ﴿فَأهْلَكْنا أشَدَّ مِنهم بَطْشًا ومَضى مَثَلُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ العَزِيزُ العَلِيمُ﴾ ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا وجَعَلَ لَكم فِيها سُبُلًا لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ ﴿والَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ ﴿والَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ كُلَّها وجَعَلَ لَكم مِنَ الفُلْكِ والأنْعامِ ما تَرْكَبُونَ﴾ ﴿لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكم إذا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا وما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ ﴿وإنّا إلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ ﴿وجَعَلُوا لَهُ مِن عِبادِهِ جُزْءًا إنَّ الإنْسانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾ ﴿أمِ اتَّخَذَ مِمّا يَخْلُقُ بَناتٍ وأصْفاكم بِالبَنِينَ﴾ ﴿وإذا بُشِّرَ أحَدُهم بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وجْهُهُ مُسْوَدًّا وهو كَظِيمٌ﴾ ﴿أوَمَن يُنَشَّأُ في الحِلْيَةِ وهو في الخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ .
هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، وقالَ مُقاتِلٌ: إلّا قَوْلُهُ: ﴿واسْألْ مَن أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رُسُلِنا﴾ [الزخرف: ٤٥] . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: بِإجْماعِ أهْلِ العِلْمِ.
﴿إنّا جَعَلْناهُ﴾، أيْ صَيَّرْناهُ، أوْ سَمَّيْناهُ، وهو جَوابُ القَسَمِ، وهو مِنَ الأقْسامِ الحَسَنَةِ لِتَناسُبِ القَسَمِ والمُقْسَمِ عَلَيْهِ، وكَوْنِهِما مِن وادٍ واحِدٍ، ونَظِيرُهُ قَوْلُ أبِي تَمّامٍ:
؎وثَناياكِ إنَّها إغْرِيضٌ
وقِيلَ: والكِتابُ أُرِيدَ بِهِ الكُتُبُ المُنَزَّلَةُ، والضَّمِيرُ في جَعَلْناهُ يَعُودُ عَلى القُرْآنِ، وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ صَرِيحُ الذِّكْرِ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: جَعَلْناهُ، بِمَعْنى صَيَّرْناهُ، مُعَدًّى إلى مَفْعُولَيْنِ، أوْ بِمَعْنى خَلَقْناهُ مُعَدًّى إلى واحِدٍ، كَقَوْلِهِ: ﴿وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ﴾ [الأنعام: ١] . (وقُرْآنًا عَرَبِيًّا): حالٌ. ولَعَلَّ: مُسْتَعارَةٌ لِمَعْنى الإرادَةِ، لِتُلاحِظَ مَعْناها ومَعْنى التَّرَجِّي، أيْ خَلَقْناهُ عَرَبِيًّا غَيْرَ عَجَمِيٍّ. أرادَ أنْ تَعْقِلَهُ العَرَبُ، ولِئَلّا يَقُولُوا: ﴿لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُ﴾ [فصلت: ٤٤] . انْتَهى، وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ في كَوْنِ القُرْآنِ مَخْلُوقًا. و(أُمِّ الكِتابِ): اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، لِأنَّهُ الأصْلُ الَّذِي أُثْبِتَتْ فِيهِ الكُتُبُ، وهَذا فِيهِ تَشْرِيفٌ لِلْقُرْآنِ وتَرْفِيعٌ بِكَوْنِهِ لَدَيْهِ عَلِيًّا عَلى جَمِيعِ الكُتُبِ، وعالِيًا عَنْ وُجُوهِ الفَسادِ. حَكِيمًا: أيْ حاكِمًا عَلى سائِرِ الكُتُبِ، أوْ مُحْكَمًا بِكَوْنِهِ في غايَةِ البَلاغَةِ والفَصاحَةِ وصِحَّةِ المَعانِي. قالَ قَتادَةُ وعِكْرِمَةُ والسُّدِّيُّ: اللَّوْحُ المَحْفُوظُ: القُرْآنُ فِيهِ بِأجْمَعِهِ مَنسُوخٌ، ومِنهُ كانَ جِبْرِيلُ يَنْزِلُ. وقِيلَ: أُمُّ الكِتابِ: الآياتُ المُحْكَماتُ، لِقَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتابَ مِنهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتابِ﴾ [آل عمران: ٧]، ومَعْناهُ: أنَّ سُورَةَ حم واقِعَةٌ في الآياتِ المُحْكَماتِ الَّتِي هي الأُمُّ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: في أُمِّ، بِضَمِّ الهَمْزَةِ، والأخَوانِ بِكَسْرِها، وعَزاها ابْنُ عَطِيَّةَ يُوسُفُ بْنُ عَمْرٍو إلى العِراقِ، ولَمْ يَعْزُها لِلْأخَوانِ عَقْلَةً مِنهُ. يُقالُ: ضَرَبَ عَنْ كَذا، وأضْرَبَ عَنْهُ، إذا أعْرَضَ عَنْهُ. والذِّكْرَ، قالَ الضَّحّاكُ وأبُو صالِحٍ: القُرْآنُ، أيِ: أفَتَرائى عَنْكُمُ القُرْآنَ. وقَوْلُهم: ضَرَبَ الغَرائِبَ عَنِ الحَوْضِ، إذا أدارَها ونَحّاها، وقالَ الشّاعِرُ:
؎اضْرِبْ عَنْكَ الهُمُومَ طارِقَها ∗∗∗ ضَرْبَكَ بِالسَّيْفِ قَوْنَسَ الفَرَسِ
وقِيلَ: الذِّكْرَ: الدُّعاءُ إلى اللَّهِ والتَّخْوِيفُ مِن عِقابِهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: أنُهْمِلُكم فَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ إنْكارًا لِأنْ يَكُونَ الأمْرُ عَلى خِلافِ ما قُدِّمَ مِن إنْزالِهِ الكِتابَ وخَلْقِهِ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتَعْقِلُوهُ وتَعْمَلُوا بِمُوجَبِهِ. انْتَهى. وتَقَدَّمَ الكَلامُ مَعَهُ في تَقْدِيرِهِ فِعْلًا بَيْنَ الهَمْزَةِ والفاءِ في نَحْوِ: (أفَلَمْ يَسِيرُوا) ؟ (أفَلا تَعْقِلُونَ) ؟ وبَيْنَها وبَيْنَ الواوِ في نَحْوِ: (أوَلَمْ يَسِيرُوا) كَما وأنَّ المَذْهَبَ الصَّحِيحَ قَوْلُ سِيبَوَيْهِ والنَّحْوِيِّينَ أنَّ الفاءَ والواوَ مَنوِيٌّ بِهِما التَّقْدِيمُ لِعَطْفِ ما بَعْدَهُما عَلى ما قَبْلَهُما، وأنَّ الهَمْزَةَ تَقَدَّمَتْ لِكَوْنِ الِاسْتِفْهامِ لَهُ صَدْرُ الكَلامِ، ولا خِلافَ بَيْنَ الهَمْزَةِ والحَرْفِ، وقَدْ رَدَدْنا عَلَيْهِ قَوْلَهُ: وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ: المَعْنى: أفَنَتْرُكُ تَذْكِيرَكم وتَخْوِيفَكم عَفْوًا عَنْكم وعَفْوًا عَنْ إجْرامِكم ؟ أنْ كُنْتُمْ أوْ مِن أجْلِ أنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ ؟ أيْ هَذا لا يَصْلُحُ. ونَحا قَتادَةُ إلى أنَّ المَعْنى صَفْحًا، أيْ مَعْفُوًّا عَنْهُ، أيْ نَتْرُكُهُ. ثُمَّ لا تُؤاخَذُونَ بِقَوْلِهِ ولا بِتَدْبِيرِهِ، ولا تُنَبَّهُونَ عَلَيْهِ. وهَذا المَعْنى نَظِيرُ قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎تَمُرُّ الصَّبا صَفْحًا بِساكِنِ ذِي الفَضا ∗∗∗ ويَصْدَعُ قَلْبِي أنْ يَهُبَّ هُبُوبُها
(p-٦)وقَوْلِ كُثَيِّرٍ:
؎صَفُوحًا فَما تَلْقاكَ إلّا بَخِيلَةً ∗∗∗ فَمَن مَلَّ مِنها ذَلِكَ الوَصْلَ مَلَّتِ
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المَعْنى: أفَحَسِبْتُمْ أنْ نَصْفَحَ عَنْكم ولَمّا تَفْعَلُوا ما أُمِرْتُمْ بِهِ ؟ وقالَ الكَلْبِيُّ: أنْ نَتْرُكَكم هَمَلًا بِلا أمْرٍ ولا نَهْيٍ ؟ وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: أنْ لا نُعاقِبَكم بِالتَّكْذِيبِ ؟ وقِيلَ: أنْ نَتْرُكَ الإنْزالَ لِلْقُرْآنِ مِن أجْلِ تَكْذِيبِكم ؟ وقَرَأ حَسّانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الضُّبَعِيُّ، والسُّمَيْطُ بْنُ عُمَيْرٍ، وشُمَيْلُ بْنُ عُذْرَةَ: بِضَمِّ الصّادِ، والجُمْهُورُ: بِفَتْحِها، وهُما لُغَتانِ، كالسَّدِّ والسُّدِّ. وانْتِصابُ صَفْحًا عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مِن مَعْنى أفَنَضْرِبُ، لِأنَّ مَعْناهُ: أفَنَصْفَحُ ؟ أوْ مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ صافِحِينَ، قالَهُما الحَوْفِيُّ، وتَبِعَهُ أبُو البَقاءِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وصَفْحًا عَلى وجْهَيْنِ: إمّا مَصْدَرٌ مِن صَفَحَ عَنْهُ إذا أعْرَضَ مُنْتَصِبًا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ عَلى مَعْنى: أفَنَعْزِلُ عَنْكم إنْزالَ القُرْآنِ وإلْزامَ الحُجَّةِ بِهِ إعْراضًا عَنْكم ؟ وإمّا بِمَعْنى الجانِبِ مِن قَوْلِهِمْ: نَظَرَ إلَيْهِ بِصَفْحِ وجْهِهِ. وصَفْحُ وجْهِهِ عَلى مَعْنى: أفَنُنَحِّيهِ عَنْكم جانِبًا ؟ فَيُنْصَبُ عَلى الظَّرْفِ، كَما تَقُولُ: ضَعْهُ جانِبًا، وامْشِ جانِبًا. وتُعَضِّدُهُ قِراءَةُ مَن قَرَأ: صُفْحًا بِالضَّمِّ. وفي هَذِهِ القِراءَةِ وجْهٌ آخَرُ، وهو أنْ يَكُونَ تَخْفِيفَ صُفُحٍ جَمْعَ صُفُوحٍ، ويُنْتَصَبُ عَلى الحالِ، أيْ صافِحِينَ مُعْرِضِينَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: صَفْحًا، انْتِصابُهُ كانْتِصابِ (صُنْعَ اللَّهِ) . انْتَهى. يَعْنِي أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ، فَيَكُونُ العامِلُ فِيهِ مَحْذُوفًا، ولا يَظْهَرُ هَذا الَّذِي قالَهُ، فَلَيْسَ انْتِصابُهُ انْتِصابَ ”صُنْعَ اللَّهِ“ . وقَرَأ نافِعٌ والأخَوانِ: بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وإسْرافُهم كانَ مُتَحَقِّقًا. فَكَيْفَ دَخَلَتْ عَلَيْهِ ”إنْ“ الشَّرْطِيَّةُ الَّتِي لا تَدْخُلُ إلّا عَلى غَيْرِ المُتَحَقِّقِ، أوْ عَلى المُتَحَقِّقِ الَّذِي انْبَهَمَ زَمانُهُ ؟ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هو مِنَ الشَّرْطِ الَّذِي ذَكَرْتُ أنَّهُ يَصْدُرُ عَنِ المُدِلِّ بِصِحَّةِ الأمْرِ المُتَحَقِّقِ لِثُبُوتِهِ، كَما يَقُولُ الأجِيرُ: إنْ كُنْتُ عَمِلْتُ لَكَ فَوَفِّنِي حَقِّي، وهو عالِمٌ بِذَلِكَ، ولَكِنَّهُ يُخَيِّلُ في كَلامِهِ أنَّ تَفْرِيطَكَ في الخُرُوجِ عَنِ الحَقِّ فِعْلُ مَن لَهُ شَكٌّ في الِاسْتِحْقاقِ، مَعَ وُضُوحِهِ، اسْتِجْهالًا لَهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: أنْ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، أيْ مِن أجْلِ أنْ كُنْتُمْ. قالَ الشّاعِرُ:
؎أتَجْزَعُ أنْ بانَ الخَلِيطُ المُوَدِّعُ
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: إذْ كُنْتُمْ، بِذالٍ مَكانَ النُّونِ، لَمّا ذَكَرَ خِطابًا لِقُرَيْشٍ، ﴿أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ﴾ ؟ وكانَ هَذا الإنْكارُ دَلِيلًا عَلى تَكْذِيبِهِمْ لِلرَّسُولِ، وإنْكارًا لِما جاءَ بِهِ. آنَسَهُ تَعالى بِأنَّ عادَتَهم عادَةُ الأُمَمِ السّابِقَةِ مِنِ اسْتِهْزائِهِمْ بِالرُّسُلِ، وأنَّهُ تَعالى أهْلَكَ مَن كانَ أشَدَّ بَطْشًا مِن قُرَيْشٍ، أيْ أكْثَرَ عَدَدًا وعُدَدًا وجِلْدًا.
﴿ومَضى مَثَلُ الأوَّلِينَ﴾: أيْ فَلْيَحْذَرْ قُرَيْشٌ أنْ يَحِلَّ بِهِمْ مِثْلُ ما حَلَّ بِالأوَّلِينَ مُكَذِّبِي الرُّسُلِ مِنَ العُقُوبَةِ. قالَ مَعْناهُ قَتادَةُ: وهي العُقُوبَةُ الَّتِي سارَتْ سَيْرَ المَثَلِ، وقِيلَ: مَثَلُ الأوَّلِينَ في الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ، وقُرَيْشٌ سَلَكَتْ مَسْلَكَها، وكانَ مُقْبِلًا عَلَيْهِمْ بِالخِطابِ في قَوْلِهِ: ﴿أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ﴾ ؟ فَأعْرَضَ عَنْهم إلى إخْبارِ الغائِبِ في قَوْلِهِ: ﴿فَأهْلَكْنا أشَدَّ مِنهم بَطْشًا﴾ . (ولَئِنْ سَألْتَهم): احْتِجاجٌ عَلى قُرَيْشٍ بِما يُوجِبُ التَّناقُضَ، وهو إقْرارُهم بِأنَّ مُوجِدَ العالَمِ العُلْوِيِّ والسُّفْلِيِّ هو اللَّهُ، ثُمَّ هم يَتَّخِذُونَ أصْنامًا آلِهَةً مِن دُونِ اللَّهِ يَعْبُدُونَهم ويُعَظِّمُونَهم. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ومُقْتَضى الجَوابِ أنْ يَقُولُوا خَلَقَهُنَّ اللَّهُ، فَلَمّا ذَكَرَ تَعالى المَعْنى، جاءَتِ العِبارَةُ عَنِ اللَّهِ تَعالى بِالعَزِيزِ العَلِيمِ، لِيَكُونَ ذَلِكَ تَوْطِئَةً لِما عَدَّدَ مِن أوْصافِهِ الَّذِي ابْتَدَأ الإخْبارَ بِها، وقَطَعَها مِنَ الكَلامِ الَّذِي حَكى مَعْناهُ عَنْ قُرَيْشٍ. انْتَهى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَيَنْسِبُنَّ خَلْقَها إلى الَّذِي هَذِهِ أوْصافُهُ، ولَيَسْنِدُنَّهُ إلَيْهِ. انْتَهى. والظّاهِرُ أنَّ: ﴿خَلَقَهُنَّ العَزِيزُ العَلِيمُ﴾ نَفْسُ المَحْكِيِّ مِن كَلامِهِمْ، ولا يَدُلُّ كَوْنُهم ذَكَرُوا في مَكانٍ خَلَقَهُنَّ اللَّهُ، أنْ لا يَقُولُوا في سُؤالٍ آخَرَ: ﴿خَلَقَهُنَّ العَزِيزُ العَلِيمُ﴾ .
و(الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ): مِن كَلامِ اللَّهِ، خِطابًا لَهم بِتَذْكِيرِ نِعَمِهِ السّابِقَةِ. وكَرَّرَ الفِعْلَ في الجَوابِ في قَوْلِهِ: ﴿خَلَقَهُنَّ العَزِيزُ العَلِيمُ﴾، مُبالَغَةً في التَّوْكِيدِ. وفي غَيْرِ ما سُؤالٍ، اقْتَصَرُوا عَلى ذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ، إذْ هو العَلَمُ الجامِعُ لِلصِّفاتِ العُلا، وجاءَ الجَوابُ مُطابِقًا لِلسُّؤالِ مِن حَيْثُ (p-٧)المَعْنى، لا مِن حَيْثُ اللَّفْظُ، لِأنَّ مَن مُبْتَدَأٌ. فَلَوْ طابَقَ في اللَّفْظِ، كانَ بِالِاسْمِ مُبْتَدَأً، ولَمْ يَكُنْ بِالفِعْلِ. (لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ): أيْ إلى مَقاصِدِكم في السَّفَرِ، أوْ تَهْتَدُونَ بِالنَّظَرِ والِاعْتِبارِ. بِقَدَرٍ: أيْ بِقَضاءٍ وحَتْمٍ في الأزَلِ، أوْ بِكِفايَةٍ، لا كَثِيرًا فَيُفْسِدُ، ولا قَلِيلًا فَلا يُجْدِي.
﴿فَأنْشَرْنا﴾: أحْيَيْنا بِهِ.
﴿بَلْدَةً مَيْتًا﴾: ذُكِرَ عَلى مَعْنى القَطْرِ، و”بَلْدَةً“ اسْمُ جِنْسٍ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وعِيسى: مَيِّتًا بِالتَّشْدِيدِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: تُخْرَجُونَ: مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وابْنُ وثّابٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ جُبَيْرٍ المُصْبِحِ، وعِيسى، وابْنُ عامِرٍ، والأخَوانِ: مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. و(الأزْواجَ): الأنْواعَ مِن كُلِّ شَيْءٍ. قِيلَ: وكُلُّ ما سِوى اللَّهِ فَهو زَوْجٌ، كَفَوْقَ، وتَحْتَ، ويَمِينٍ، وشِمالٍ، وقُدّامٍ، وخَلْفٍ، وماضٍ، ومُسْتَقْبَلٍ، وذَواتٍ، وصِفاتٍ، وصَيْفٍ، وشِتاءٍ، ورَبِيعٍ، وخَرِيفٍ، وكَوْنُها أزْواجًا تَدُلُّ عَلى أنَّها مُمْكِنَةُ الوُجُودِ، ويَدُلُّ عَلى أنَّ مُحْدِثَها فَرْدٌ، وهو اللَّهُ المُنَزَّهُ عَنِ الضِّدِّ والمُقابِلِ والمُعارِضِ. انْتَهى.
(والأنْعامَ): المَعْهُودُ أنَّهُ لا يُرْكَبُ مِنَ الأنْعامِ إلّا الإبِلُ. ما: مَوْصُولَةٌ والعائِدُ مَحْذُوفٌ، أيْ ما يَرْكَبُونَهُ. ورَكِبَ بِالنِّسْبَةِ لِلْعِلَلِ، ويَتَعَدّى بِنَفْسِهِ عَلى المُتَعَدِّي بِوَساطَةِ في، إذِ التَّقْدِيرُ ما يَرْكَبُونَهُ. واللّامُ في لِتَسْتَوُوا: الظّاهِرُ أنَّها لامُ كَيْ. وقالَ الحَوْفِيُّ: ومَن أثْبَتَ لامَ الصَّيْرُورَةِ جازَ لَهُ أنْ يَقُولَ بِهِ هُنا. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لامُ الأمْرِ، وفِيهِ بُعْدٌ مِن حَيْثُ اسْتِعْمالُ أمْرِ المُخاطَبِ بِتاءِ الخِطابِ، وهو مِنَ القِلَّةِ بِحَيْثُ يَنْبَغِي أنْ لا يُقاسَ عَلَيْهِ. فالفَصِيحُ المُسْتَعْمَلُ: اضْرِبْ، وقِيلَ: لِتَضْرِبْ، بَلْ نَصَّ النَّحْوِيُّونَ عَلى أنَّها لُغَةٌ رَدِيئَةٌ قَلِيلَةٌ، إذْ لا تَكادُ تُحْفَظُ إلّا قِراءَةً شاذَّةً، فَبِذَلِكَ فَلْتَفْرَحُوا بِالتّاءِ لِلْخِطابِ. وما آثَرَ المُحَدِّثُونَ مِن قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «لِتَأْخُذُوا مَصافَّكم»، مَعَ احْتِمالِ أنَّ الرّاوِيَ رَوى بِالمَعْنى، وقَوْلُ الشّاعِرِ:
؎لِتَقُمْ أنْتَ يا ابْنَ خَيْرِ قُرَيْشٍ ∗∗∗ فَتَقْضِي حَوائِجَ المُسْلِمِينا
وزَعَمَ الزَّجّاجُ أنَّها لُغَةٌ جَيِّدَةٌ، وذَلِكَ خِلافُ ما زَعَمَ النَّحْوِيُّونَ. والضَّمِيرُ في ظُهُورِهِ عائِدٌ عَلى ما، كَأنَّهُ قالَ: عَلى ظُهُورِ ما تَرْكَبُونَ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، فَلِذَلِكَ حَسُنَ الجَمْعُ، لِأنَّ مَآلَها لَفْظٌ ومَعْنًى. فَمَن جَمَعَ فَبِاعْتِبارِ المَعْنى، ومَن أفْرَدَ فَبِاعْتِبارِ اللَّفْظِ، ويَعْنِي: ﴿مِنَ الفُلْكِ والأنْعامِ﴾ . وقالَ الفَرّاءُ نَحْوًا مِنهُ، قالَ: أضافَ الظُّهُورَ، ﴿ثُمَّ تَذْكُرُوا﴾، أيْ في قُلُوبِكم، ﴿نِعْمَةَ رَبِّكُمْ﴾، مُعْتَرِفِينَ بِها مُسْتَعْظِمِينَ لَها. لا يُرِيدُ الذِّكْرَ بِاللِّسانِ بَلْ بِالقَلْبِ، ولِذَلِكَ قابَلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا﴾، أيْ تُنَزِّهُوا اللَّهَ بِصَرِيحِ القَوْلِ. وجاءَ في الحَدِيثِ: «”أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ إذا وضَعَ رِجْلَهُ في الرِّكابِ قالَ: بِسْمِ اللَّهِ، فَإذا اسْتَوى عَلى الدّابَّةِ قالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ عَلى كُلِّ حالٍ، سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا، إلى قَوْلِهِ لَمُنْقَلِبُونَ، وكَبَّرَ ثَلاثًا وهَلَّلَ ثَلاثًا»، وقالُوا: إذا رَكِبَ في السَّفِينَةِ قالَ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها ومُرْساها﴾ [هود: ٤١] إلى رَحِيمٍ، ويُقالُ عِنْدَ النُّزُولِ مِنها: اللَّهُمَّ أنْزِلْنا مُنْزَلًا مُبارَكًا وأنْتَ خَيْرُ المُنْزِلِينَ“ . والقَرْنُ: الغالِبُ الضّابِطُ المُطِيقُ لِلشَّيْءِ، يُقالُ: أقْرَنَ الشَّيْءَ، إذا أطاقَهُ. قالَ ابْنُ هَرْمَةَ:
؎وأقْرَنْتِ ما حَمَّلْتِنِي ولَقَلَّما ∗∗∗ يُطاقُ احْتِمالُ الصَّدِّ يا دَعْدُ والهَجْرِ
وحَقِيقَةُ أقْرَنَهُ: وجَدَهُ قَرِينَتَهُ وما يُقْرَنُ بِهِ: لِأنَّ الصَّعْبَ لا يَكُونُ قَرِينَةً لِلضَّعْفِ. قالَ الشّاعِرُ:
؎وابْنُ اللَّبُونِ إذا ما لُزَّ في قَرَنٍ ∗∗∗ لَمْ يَسْتَطِعْ صَوْلَةَ البُزْلِ القَناعِيسِ
والقَرْنُ: الحَبْلُ الَّذِي يُقْرَنُ بِهِ. وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: فُلانٌ مُقْرِنٌ لِفُلانٍ، أيْ ضابِطٌ لَهُ، والمَعْنى: أنَّهُ لَيْسَ لَنا مِنَ القُوَّةِ ما نَضْبُطُ بِهِ الدّابَّةَ والفُلْكَ، وإنَّما اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَها. وأنْشَدَ قُطْرُبٌ لِعَمْرِو بْنِ مَعْدِيكَرِبَ:
؎لَقَدْ عَلِمَ القَبائِلُ ما عَقِيلٌ ∗∗∗ لَنا في النّائِباتِ بِمُقْرِنِينا
وقُرِئَ: لَمُقْتَرِنِينَ، اسْمُ فاعِلٍ مِنِ اقْتَرَنَ.
﴿وإنّا إلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ﴾: أيْ راجِعُونَ، وهو إقْرارٌ بِالرُّجُوعِ إلى اللَّهِ، وبِالبَعْثِ، لِأنَّ الرّاكِبَ في مَظَنَّةِ الهَلاكِ بِالغَرَقِ إذا رَكِبَ الفُلْكَ، وبِعُثُورِ الدّابَّةِ، إذْ رُكُوبُها أمْرٌ (p-٨)فِيهِ خَطَرٌ، ولا تُؤْمَنُ السَّلامَةُ فِيهِ. فَقَوْلُهُ هَذا تَذْكِيرٌ بِأنَّهُ مُسْتَشْعِرٌ الصَّيْرُورَةَ إلى اللَّهِ، ومُسْتَعِدٌّ لِلِقائِهِ، فَهو لا يَتْرُكُ ذَلِكَ مِن قَلْبِهِ ولا لِسانِهِ.
﴿وجَعَلُوا لَهُ﴾: أيْ وجَعَلَ كُفّارُ قُرَيْشٍ والعَرَبُ لَهُ، أيْ لِلَّهِ. مِن عِبادِهِ: أيْ مِمَّنْ هم عَبِيدُ اللَّهِ. جُزْءًا، قالَ مُجاهِدٌ: نَصِيبًا وحَظًّا، وهو قَوْلُ العَرَبِ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ. وقالَ قَتادَةُ: جُزْءًا، أيْ نِدًّا، وذَلِكَ هو الأصْنامُ وفِرْعَوْنُ ومَن عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ. وقِيلَ: الجُزْءُ: الإناثُ. قالَ بَعْضُ اللُّغَوِيِّينَ: يُقالُ أجْزَأتِ المَرْأةُ، إذا ولَدَتْ أُنْثى. قالَ الشّاعِرُ:
؎إنْ أجْزَأتْ حُرَّةٌ يَوْمًا فَلا عَجَبٌ ∗∗∗ قَدْ تُجْزِئُ الحُرَّةُ المِذْكارَ أحْيانًا
قِيلَ: هَذا البَيْتُ مَصْنُوعٌ، وكَذا قَوْلُهُ:
؎زَوَّجَها مِن بَناتِ الأوْسِ مُجْزِئَةً
ولَمّا تَقَدَّمَ أنَّهم مُعْتَرِفُونَ بِأنَّهُ تَعالى هو خالِقُ العالَمِ، أنْكَرَ عَلَيْهِمْ جَعْلَهم لِلَّهِ جُزْءًا، وقَدِ اعْتَرَفُوا بِأنَّهُ هو الخالِقُ، فَكَيْفَ وصَفُوهُ بِصِفَةِ المَخْلُوقِ ؟ ﴿إنَّ الإنْسانَ لَكَفُورٌ﴾ نِعْمَةَ خالِقِهِ. (مُبِينٌ): مُظْهِرٌ لِجُحُودِهِ. والمُرادُ بِالإنْسانِ: مَن جَعَلَ لِلَّهِ جُزْءًا، وغَيْرُهم مِنَ الكَفَرَةِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ومُبِينٌ في هَذا المَوْضِعِ غَيْرُ مُتَعَدٍّ. انْتَهى. ولَيْسَ يَتَعَيَّنُ ما ذَكَرَ، بَلْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ ظاهِرًا لِكُفْرانِ النِّعَمِ ومُظْهِرًا لِجُحُودِهِ، كَما قُلْنا.
﴿أمِ اتَّخَذَ مِمّا يَخْلُقُ بَناتٍ﴾ ؟ اسْتِفْهامُ إنْكارٍ وتَوْبِيخٍ لِقِلَّةِ عُقُولِهِمْ ؟ كَيْفَ زَعَمُوا أنَّهُ تَعالى اتَّخَذَ لِنَفْسِهِ ما أنْتُمْ تَكْرَهُونَهُ حِينَ أنْتُمْ تَسْوَدُّ وُجُوهُكم عِنْدَ التَّبْشِيرِ بِهِنَّ وتَئِدُونَهُنَّ ؟ (وأصْفاكم): جَعَلَ لَكم صَفْوَةَ ما هو مَحْبُوبٌ، وذَلِكَ البَنُونَ. وقَوْلُهُ: (مِمّا يَخْلُقُ)، تَنْبِيهٌ عَلى اسْتِحالَةِ الوَلَدِ، ذَكَرًا كانَ أوْ أُنْثى، وإنْ فُرِضَ اتِّخاذُ الوَلَدِ، فَكَيْفَ يَخْتارُ لَهُ الأدْنى ويَخُصُّكم بِالأعْلى ؟ وقَدَّمَ البَناتِ، لِأنَّهُ المُنْكَرُ عَلَيْهِمْ لِنِسْبَتِهِنَّ إلى اللَّهِ، وعَرَّفَ البَنِينَ دُونَ البَناتِ تَشْرِيفًا لَهم عَلى البَناتِ.
﴿وإذا بُشِّرَ أحَدُهُمْ﴾: تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِها في سُورَةِ النَّحْلِ.
﴿أوَمَن يُنَشَّأُ في الحِلْيَةِ﴾: أيْ يَنْتَقِلُ في عُمُرِهِ حالًا فَحالًا في الحِلْيَةِ، وهو الحُلِيُّ الَّذِي لا يَلِيقُ إلّا بِالإناثِ دُونَ الفُحُولِ، لِتَزَيُّنِهِنَّ بِذَلِكَ لِأزْواجِهِنَّ، وهو إنْ خاصَمَ، لا يُبِينُ لِضَعْفِ العَقْلِ ونَقْصِ التَّدَبُّرِ والتَّأمُّلِ، أظْهَرَ بِهَذا لِحُقُوقِهِنَّ وشُفُوفِ البَنِينَ عَلَيْهِنَّ. وكانَ في ذَلِكَ إشارَةٌ إلى أنَّ الرَّجُلَ لا يُناسِبُ لَهُ التَّزَيُّنُ كالمَرْأةِ، وأنْ يَكُونَ مُخْشَوْشِنًا. والفَحْلُ مِنَ الرِّجالِ أبى أنْ يَكُونَ مُتَّصِفًا بِصِفاتِ النِّساءِ، والظّاهِرُ أنَّهُ أرادَ بِمَن يُنَشَّأُ في الحِلْيَةِ: النِّساءُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ: ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وهُوَ في الخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾: أيْ لا يُظْهِرُ حُجَّةً، ولا يُقِيمُ دَلِيلًا، ولا يَكْشِفُ عَمّا في نَفْسِهِ كَشْفًا واضِحًا. ويُقالُ: قَلَّما تَجِدُ امْرَأةً لا تُفْسِدُ الكَلامَ، وتَخْلِطُ المَعانِيَ، حَتّى ذُكِرَ عَنْ بَعْضِ النّاسِ أنَّهُ قالَ: إذا دَخَلْنا عَلى فُلانَةٍ، لا نَخْرُجُ حَتّى نَعْلَمَ أنَّ عَقْلَها عَقْلُ امْرَأةٍ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: المُرادُ بِمَن يُنَشَّأُ في الحِلْيَةِ: الأصْنامُ، وكانُوا يَتَّخِذُونَ كَثِيرًا مِنها مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ، ويَجْعَلُونَ الحُلِيَّ عَلى كَثِيرٍ مِنها، ويُبْعِدُ هَذا القَوْلَ قَوْلُهُ: ﴿وهُوَ في الخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾، إلّا إنْ أُرِيدَ بِنَفْيِ الإبانَةِ نَفْيُ الخِصامِ أيْ لا يَكُونُ مِنها خِصامٌ فَإنَّهُ كَقَوْلِهِ:
؎عَلى لاحِبٍ لا يَهْتَدِي بِمَنارِهِ
أيْ: لا مَنارَ لَهُ فَيَهْتَدِي بِهِ. ومَن: في مَوْضِعِ نَصْبٍ، أيْ وجَعَلُوا مَن يُنَشَّأُ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ، أيْ مَن يُنَشَّأُ جَعَلُوهُ لِلَّهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: يُنَشَّأُ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، والجَحْدَرِيُّ في قَوْلٍ: مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مُخَفَّفًا، وابْنُ عَبّاسٍ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ والحَسَنُ ومُجاهِدٌ والجَحْدَرِيُّ: في رِوايَةٍ، والأخَوانِ وحَفْصٌ والمُفَضَّلُ وأبانٌ وابْنُ مِقْسَمٍ وهارُونُ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مُشَدَّدًا، والحَسَنُ: في رِوايَةٍ يُناشَأُ عَلى وزْنِ يُفاعَلُ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، والمُناشَأةُ بِمَعْنى الإنْشاءِ، كالمُعالاةِ بِمَعْنى الإعْلاءِ. و﴿فِي الخِصامِ﴾: مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ تَفْسِيرُهُ غَيْرُ مُبِينٍ، أيْ وهو لا يُبِينُ في الخِصامِ. ومَن أجازَ أمّا زَيْدًا غَيْرُ ضارِبٍ بِإعْمالِ المُضافِ إلَيْهِ في ”غَيْرُ“ أجازَ أنْ يَتَعَلَّقَ بِمُبِينٍ، أجْرى ”غَيْرُ“ مُجْرى لا. وبِتَقْدِيمِ مَعْمُولِ أمّا بَعْدَ لا مُخْتَلَفٌ فِيهِ، وقَدْ ذُكِرَ ذَلِكَ في النَّحْوِ.
الزخرف 43:6
(p-٢)(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)
(سُورَةُ الزُّخْرُفِ تِسْعٌ وثَمانُونَ آيَةً مَكِّيَّةٌ)
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)
(p-٣)﴿حم﴾ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ ﴿إنّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ ﴿وإنَّهُ في أُمِّ الكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ ﴿أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾ ﴿وكَمْ أرْسَلْنا مِن نَبِيٍّ في الأوَّلِينَ﴾ ﴿وما يَأْتِيهِمْ مِن نَبِيٍّ إلّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ﴿فَأهْلَكْنا أشَدَّ مِنهم بَطْشًا ومَضى مَثَلُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ العَزِيزُ العَلِيمُ﴾ ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا وجَعَلَ لَكم فِيها سُبُلًا لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ ﴿والَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ ﴿والَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ كُلَّها وجَعَلَ لَكم مِنَ الفُلْكِ والأنْعامِ ما تَرْكَبُونَ﴾ ﴿لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكم إذا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا وما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ ﴿وإنّا إلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ ﴿وجَعَلُوا لَهُ مِن عِبادِهِ جُزْءًا إنَّ الإنْسانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾ ﴿أمِ اتَّخَذَ مِمّا يَخْلُقُ بَناتٍ وأصْفاكم بِالبَنِينَ﴾ ﴿وإذا بُشِّرَ أحَدُهم بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وجْهُهُ مُسْوَدًّا وهو كَظِيمٌ﴾ ﴿أوَمَن يُنَشَّأُ في الحِلْيَةِ وهو في الخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ ﴿وجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا أشَهِدُوا خَلْقَهم سَتُكْتَبُ شَهادَتُهم ويُسْألُونَ﴾ [الزخرف: ١٩] ﴿وقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ ما عَبَدْناهم ما لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ إنْ هم إلّا يَخْرُصُونَ﴾ [الزخرف: ٢٠] ﴿أمْ آتَيْناهم كِتابًا مِن قَبْلِهِ فَهم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ﴾ [الزخرف: ٢١] ﴿بَلْ قالُوا إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٢] ﴿وكَذَلِكَ ما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ في قَرْيَةٍ مِن نَذِيرٍ إلّا قالَ مُتْرَفُوها إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٣] ﴿قالَ أوَلَوْ جِئْتُكم بِأهْدى مِمّا وجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكم قالُوا إنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ [الزخرف: ٢٤] ﴿فانْتَقَمْنا مِنهم فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ [الزخرف: ٢٥] ﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ إنَّنِي بَراءٌ مِمّا تَعْبُدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٦] ﴿إلّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ [الزخرف: ٢٧] ﴿وجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً في عَقِبِهِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ [الزخرف: ٢٨] ﴿بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلاءِ وآباءَهم حَتّى جاءَهُمُ الحَقُّ ورَسُولٌ مُبِينٌ﴾ [الزخرف: ٢٩] ﴿ولَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ قالُوا هَذا سِحْرٌ وإنّا بِهِ كافِرُونَ﴾ [الزخرف: ٣٠] ﴿وقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] ﴿أهم يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهم مَعِيشَتَهم في الحَياةِ الدُّنْيا ورَفَعْنا بَعْضَهم فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهم بَعْضًا سُخْرِيًّا ورَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾ [الزخرف: ٣٢] ﴿ولَوْلا أنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِن فَضَّةٍ ومَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ﴾ [الزخرف: ٣٣] ﴿ولِبُيُوتِهِمْ أبْوابًا وسُرُرًا عَلَيْها يَتَّكِئُونَ﴾ [الزخرف: ٣٤] ﴿وزُخْرُفًا وإنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمّا مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا والآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٣٥] ﴿ومَن يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا فَهو لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف: ٣٦] ﴿وإنَّهم لَيَصُدُّونَهم عَنِ السَّبِيلِ ويَحْسَبُونَ أنَّهم مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٣٧] ﴿حَتّى إذا جاءَنا قالَ يا لَيْتَ بَيْنِي وبَيْنَكَ بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ القَرِينُ﴾ [الزخرف: ٣٨] ﴿ولَنْ يَنْفَعَكُمُ اليَوْمَ إذْ ظَلَمْتُمْ أنَّكم في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف: ٣٩] ﴿أفَأنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أوْ تَهْدِي العُمْيَ ومَن كانَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الزخرف: ٤٠] ﴿فَإمّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإنّا مِنهم مُنْتَقِمُونَ﴾ [الزخرف: ٤١] ﴿أوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وعَدْناهم فَإنّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ﴾ [الزخرف: ٤٢] ﴿فاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إلَيْكَ إنَّكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الزخرف: ٤٣] ﴿وإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ وسَوْفَ تُسْألُونَ﴾ [الزخرف: ٤٤] ﴿واسْألْ مَن أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رُسُلِنا أجَعَلْنا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف: ٤٥] ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ فَقالَ إنِّي رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الزخرف: ٤٦] ﴿فَلَمّا جاءَهم بِآياتِنا إذا هم مِنها يَضْحَكُونَ﴾ [الزخرف: ٤٧] ﴿وما نُرِيهِمْ مِن آيَةٍ إلّا هي أكْبَرُ مِن أُخْتِها وأخَذْناهم بِالعَذابِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ [الزخرف: ٤٨] ﴿وقالُوا يا أيُّها السّاحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ إنَّنا لَمُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٤٩] ﴿فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُمُ العَذابَ إذا هم يَنْكُثُونَ﴾ [الزخرف: ٥٠] ﴿ونادى فِرْعَوْنُ في قَوْمِهِ قالَ يا قَوْمِ ألَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وهَذِهِ الأنْهارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الزخرف: ٥١] ﴿أمْ أنا خَيْرٌ مِن هَذا الَّذِي هو مَهِينٌ ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢] ﴿فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أسْوِرَةٌ مِن ذَهَبٍ أوْ جاءَ مَعَهُ المَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾ [الزخرف: ٥٣] ﴿فاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأطاعُوهُ إنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ [الزخرف: ٥٤] ﴿فَلَمّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنهم فَأغْرَقْناهم أجْمَعِينَ﴾ [الزخرف: ٥٥] ﴿فَجَعَلْناهم سَلَفًا ومَثَلًا لِلْآخِرِينَ﴾ [الزخرف: ٥٦] ﴿ولَمّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إذا قَوْمُكَ مِنهُ يَصِدُّونَ﴾ [الزخرف: ٥٧] ﴿وقالُوا أآلِهَتُنا خَيْرٌ أمْ هو ما ضَرَبُوهُ لَكَ إلّا جَدَلًا بَلْ هم قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف: ٥٨] ﴿إنْ هو إلّا عَبْدٌ أنْعَمْنا عَلَيْهِ وجَعَلْناهُ مَثَلًا لِبَنِي إسْرائِيلَ﴾ [الزخرف: ٥٩] ﴿ولَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنكم مَلائِكَةً في الأرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ [الزخرف: ٦٠] ﴿وإنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِها واتَّبِعُونِ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [الزخرف: ٦١] ﴿ولا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطانُ إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [الزخرف: ٦٢] ﴿ولَمّا جاءَ عِيسى بِالبَيِّناتِ قالَ قَدْ جِئْتُكم بِالحِكْمَةِ ولِأُبَيِّنَ لَكم بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ [الزخرف: ٦٣] ﴿إنَّ اللَّهَ هو رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [الزخرف: ٦٤] ﴿فاخْتَلَفَ الأحْزابُ مِن بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِن عَذابِ يَوْمٍ ألِيمٍ﴾ [الزخرف: ٦٥] ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا السّاعَةَ أنْ تَأْتِيَهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ [الزخرف: ٦٦] ﴿الأخِلّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلّا المُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧] ﴿يا عِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ [الزخرف: ٦٨] ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وكانُوا مُسْلِمِينَ﴾ [الزخرف: ٦٩] ﴿ادْخُلُوا الجَنَّةَ أنْتُمْ وأزْواجُكم تُحْبَرُونَ﴾ [الزخرف: ٧٠] ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مِن ذَهَبٍ وأكْوابٍ وفِيها ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وتَلَذُّ الأعْيُنُ وأنْتُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ [الزخرف: ٧١] ﴿وتِلْكَ الجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف: ٧٢] ﴿لَكم فِيها فاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنها تَأْكُلُونَ﴾ [الزخرف: ٧٣] ﴿إنَّ المُجْرِمِينَ في عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ﴾ [الزخرف: ٧٤] ﴿لا يُفَتَّرُ عَنْهم وهم فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ [الزخرف: ٧٥] ﴿وما ظَلَمْناهم ولَكِنْ كانُوا هُمُ الظّالِمِينَ﴾ [الزخرف: ٧٦] ﴿ونادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ قالَ إنَّكم ماكِثُونَ﴾ [الزخرف: ٧٧] ﴿لَقَدْ جِئْناكم بِالحَقِّ ولَكِنَّ أكْثَرَكم لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾ [الزخرف: ٧٨] ﴿أمْ أبْرَمُوا أمْرًا فَإنّا مُبْرِمُونَ﴾ [الزخرف: ٧٩] ﴿أمْ يَحْسَبُونَ أنّا لا نَسْمَعُ سِرَّهم ونَجْواهم بَلى ورُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف: ٨٠] ﴿قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾ [الزخرف: ٨١] ﴿سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ رَبِّ العَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ [الزخرف: ٨٢] ﴿فَذَرْهم يَخُوضُوا ويَلْعَبُوا حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ [الزخرف: ٨٣] ﴿وهُوَ الَّذِي في السَّماءِ إلَهٌ وفي الأرْضِ إلَهٌ وهو الحَكِيمُ العَلِيمُ﴾ [الزخرف: ٨٤] ﴿وتَبارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما وعِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [الزخرف: ٨٥] ﴿ولا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفاعَةَ إلّا مَن شَهِدَ بِالحَقِّ وهم يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦] ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَهم لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأنّى يُؤْفَكُونَ﴾ [الزخرف: ٨٧] ﴿وقِيلِهِ يا رَبِّ إنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الزخرف: ٨٨] ﴿فاصْفَحْ عَنْهم وقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٩] (p-٤)(يَعْشُو): يُعْرِضُ، ويَعْشى: يَعْمى. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لَمْ نَرَ أحَدًا حَكى: عَشَوْتُ عَنِ الشَّيْءِ: أعْرَضْتُ عَنْهُ، وإنَّما يُقالُ: تَعاشَيْتُ عَنْ كَذا وتَعامَيْتُ، إذا تَغافَلْتُ عَنْهُ. وتَقُولُ: عَشَوْتُ إلى النّارِ، إذا اسْتَدْلَلْتُ عَلَيْها بِبَصَرٍ ضَعِيفٍ. وقِيلَ: عَشى يَعْشى، إذا حَصَلَتِ الآفَةُ في بَصَرِهِ. وعَشا يَعْشُو: نَظَرَ المَعْشِيِّ ولا آفَةَ بِهِ، كَما قالَ: عَرَجَ لِمَن بِهِ الآفَةُ، وعَرَجَ لِمَن مَشى مِشْيَةَ العُرْجانِ مِن غَيْرِ عَرَجٍ. قالَ الحُطَيْئَةُ:
؎مَتى تَأْتِهِ تَعْشُو إلى ضَوْءِ نارِهِ تَجِدْ خَيْرَ نارٍ عِنْدَها خَيْرُ مَوْقِدِ
أيْ: تَنْظُرُ إلَيْها نَظَرَ المَعْشِيِّ لِما يَضْعُفُ بَصَرٌ مِن عَظِيمِ الوَقُودِ بِهِ، ومِنهُ قَوْلُ حاتِمٍ:
؎أعْشُو إذا ما جارَتِي بَرَزَتْ ∗∗∗ حَتّى يُوارِيَ جارَتِي الخِدْرُ
الصُّحْفَةُ، قالَ الجَوْهَرِيُّ: هي القَصْعَةُ، وقالَ الكِسائِيُّ: أعْظَمُ القِصاعِ الجَفْنَةُ، ثُمَّ القَصْعَةُ تَلِيها تَسَعُ العَشَرَةَ، ثُمَّ الصَّحْفَةُ تَسَعُ الخَمْسَةَ، ثُمَّ المَكِيلَةُ تَسَعُ الرَّجُلَيْنِ والثَّلاثَةَ. والصَّحِيفَةُ: الكِتابُ، والجَمْعُ: صُحُفٌ وصَحائِفُ. الكُوبُ، قالَ قُطْرُبٌ: الإبْرِيقُ لا عُرْوَةَ لَهُ. وقالَ الأخْفَشُ: الإبْرِيقُ لا خُرْطُومَ لَهُ، وقِيلَ: كالإبْرِيقِ، إلّا أنَّهُ لا أُذُنَ لَهُ ولا مِقْبَضَ. قالَ أبُو مَنصُورٍ الجَوالِيقِيُّ: إنَّما كانَ بِغَيْرِ عُرْوَةٍ لِيَشْرَبَ الشّارِبُ مِن أيْنَ شاءَ، لِأنَّ العُرْوَةَ تَرُدُّ الشّارِبَ مِن بَعْضِ الجِهاتِ. انْتَهى. وقالَ عَدِيٌّ:
؎مُتَّكِئًا تُصَفِّقُ أبْوابُهُ ∗∗∗ يَسْعى عَلَيْهِ العَبْدُ بِالكُوبِ
أبْرَمَ، قالَ الفَرّاءُ: أبْرَمَ الأمْرَ: بالَغَ في إحْكامِهِ، وأبْرَمَ القاتِلُ، إذا أدْهَمَ، وهو القَتْلُ الثّانِي، والأوَّلُ يُقالُ لَهُ سِجِّيلٌ، كَما قالَ زُهَيْرٌ:
؎مِن سِجِّيلٍ وبَرْمِ
انْتَهى. والإبْرامُ: أنْ يَجْمَعَ خَيْطَيْنِ ثُمَّ يَفْتِلَهُما فَتْلًا مُتْقَنًا، والبَرِيمُ: خَيْطٌ فِيهِ لَوْنانِ.
* *
(p-٥)﴿حم﴾ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ ﴿إنّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ ﴿وإنَّهُ في أُمِّ الكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ ﴿أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾ ﴿وكَمْ أرْسَلْنا مِن نَبِيٍّ في الأوَّلِينَ﴾ ﴿وما يَأْتِيهِمْ مِن نَبِيٍّ إلّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ﴿فَأهْلَكْنا أشَدَّ مِنهم بَطْشًا ومَضى مَثَلُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ العَزِيزُ العَلِيمُ﴾ ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا وجَعَلَ لَكم فِيها سُبُلًا لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ ﴿والَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ ﴿والَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ كُلَّها وجَعَلَ لَكم مِنَ الفُلْكِ والأنْعامِ ما تَرْكَبُونَ﴾ ﴿لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكم إذا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا وما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ ﴿وإنّا إلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ ﴿وجَعَلُوا لَهُ مِن عِبادِهِ جُزْءًا إنَّ الإنْسانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾ ﴿أمِ اتَّخَذَ مِمّا يَخْلُقُ بَناتٍ وأصْفاكم بِالبَنِينَ﴾ ﴿وإذا بُشِّرَ أحَدُهم بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وجْهُهُ مُسْوَدًّا وهو كَظِيمٌ﴾ ﴿أوَمَن يُنَشَّأُ في الحِلْيَةِ وهو في الخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ .
هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، وقالَ مُقاتِلٌ: إلّا قَوْلُهُ: ﴿واسْألْ مَن أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رُسُلِنا﴾ [الزخرف: ٤٥] . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: بِإجْماعِ أهْلِ العِلْمِ.
﴿إنّا جَعَلْناهُ﴾، أيْ صَيَّرْناهُ، أوْ سَمَّيْناهُ، وهو جَوابُ القَسَمِ، وهو مِنَ الأقْسامِ الحَسَنَةِ لِتَناسُبِ القَسَمِ والمُقْسَمِ عَلَيْهِ، وكَوْنِهِما مِن وادٍ واحِدٍ، ونَظِيرُهُ قَوْلُ أبِي تَمّامٍ:
؎وثَناياكِ إنَّها إغْرِيضٌ
وقِيلَ: والكِتابُ أُرِيدَ بِهِ الكُتُبُ المُنَزَّلَةُ، والضَّمِيرُ في جَعَلْناهُ يَعُودُ عَلى القُرْآنِ، وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ صَرِيحُ الذِّكْرِ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: جَعَلْناهُ، بِمَعْنى صَيَّرْناهُ، مُعَدًّى إلى مَفْعُولَيْنِ، أوْ بِمَعْنى خَلَقْناهُ مُعَدًّى إلى واحِدٍ، كَقَوْلِهِ: ﴿وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ﴾ [الأنعام: ١] . (وقُرْآنًا عَرَبِيًّا): حالٌ. ولَعَلَّ: مُسْتَعارَةٌ لِمَعْنى الإرادَةِ، لِتُلاحِظَ مَعْناها ومَعْنى التَّرَجِّي، أيْ خَلَقْناهُ عَرَبِيًّا غَيْرَ عَجَمِيٍّ. أرادَ أنْ تَعْقِلَهُ العَرَبُ، ولِئَلّا يَقُولُوا: ﴿لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُ﴾ [فصلت: ٤٤] . انْتَهى، وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ في كَوْنِ القُرْآنِ مَخْلُوقًا. و(أُمِّ الكِتابِ): اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، لِأنَّهُ الأصْلُ الَّذِي أُثْبِتَتْ فِيهِ الكُتُبُ، وهَذا فِيهِ تَشْرِيفٌ لِلْقُرْآنِ وتَرْفِيعٌ بِكَوْنِهِ لَدَيْهِ عَلِيًّا عَلى جَمِيعِ الكُتُبِ، وعالِيًا عَنْ وُجُوهِ الفَسادِ. حَكِيمًا: أيْ حاكِمًا عَلى سائِرِ الكُتُبِ، أوْ مُحْكَمًا بِكَوْنِهِ في غايَةِ البَلاغَةِ والفَصاحَةِ وصِحَّةِ المَعانِي. قالَ قَتادَةُ وعِكْرِمَةُ والسُّدِّيُّ: اللَّوْحُ المَحْفُوظُ: القُرْآنُ فِيهِ بِأجْمَعِهِ مَنسُوخٌ، ومِنهُ كانَ جِبْرِيلُ يَنْزِلُ. وقِيلَ: أُمُّ الكِتابِ: الآياتُ المُحْكَماتُ، لِقَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتابَ مِنهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتابِ﴾ [آل عمران: ٧]، ومَعْناهُ: أنَّ سُورَةَ حم واقِعَةٌ في الآياتِ المُحْكَماتِ الَّتِي هي الأُمُّ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: في أُمِّ، بِضَمِّ الهَمْزَةِ، والأخَوانِ بِكَسْرِها، وعَزاها ابْنُ عَطِيَّةَ يُوسُفُ بْنُ عَمْرٍو إلى العِراقِ، ولَمْ يَعْزُها لِلْأخَوانِ عَقْلَةً مِنهُ. يُقالُ: ضَرَبَ عَنْ كَذا، وأضْرَبَ عَنْهُ، إذا أعْرَضَ عَنْهُ. والذِّكْرَ، قالَ الضَّحّاكُ وأبُو صالِحٍ: القُرْآنُ، أيِ: أفَتَرائى عَنْكُمُ القُرْآنَ. وقَوْلُهم: ضَرَبَ الغَرائِبَ عَنِ الحَوْضِ، إذا أدارَها ونَحّاها، وقالَ الشّاعِرُ:
؎اضْرِبْ عَنْكَ الهُمُومَ طارِقَها ∗∗∗ ضَرْبَكَ بِالسَّيْفِ قَوْنَسَ الفَرَسِ
وقِيلَ: الذِّكْرَ: الدُّعاءُ إلى اللَّهِ والتَّخْوِيفُ مِن عِقابِهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: أنُهْمِلُكم فَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ إنْكارًا لِأنْ يَكُونَ الأمْرُ عَلى خِلافِ ما قُدِّمَ مِن إنْزالِهِ الكِتابَ وخَلْقِهِ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتَعْقِلُوهُ وتَعْمَلُوا بِمُوجَبِهِ. انْتَهى. وتَقَدَّمَ الكَلامُ مَعَهُ في تَقْدِيرِهِ فِعْلًا بَيْنَ الهَمْزَةِ والفاءِ في نَحْوِ: (أفَلَمْ يَسِيرُوا) ؟ (أفَلا تَعْقِلُونَ) ؟ وبَيْنَها وبَيْنَ الواوِ في نَحْوِ: (أوَلَمْ يَسِيرُوا) كَما وأنَّ المَذْهَبَ الصَّحِيحَ قَوْلُ سِيبَوَيْهِ والنَّحْوِيِّينَ أنَّ الفاءَ والواوَ مَنوِيٌّ بِهِما التَّقْدِيمُ لِعَطْفِ ما بَعْدَهُما عَلى ما قَبْلَهُما، وأنَّ الهَمْزَةَ تَقَدَّمَتْ لِكَوْنِ الِاسْتِفْهامِ لَهُ صَدْرُ الكَلامِ، ولا خِلافَ بَيْنَ الهَمْزَةِ والحَرْفِ، وقَدْ رَدَدْنا عَلَيْهِ قَوْلَهُ: وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ: المَعْنى: أفَنَتْرُكُ تَذْكِيرَكم وتَخْوِيفَكم عَفْوًا عَنْكم وعَفْوًا عَنْ إجْرامِكم ؟ أنْ كُنْتُمْ أوْ مِن أجْلِ أنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ ؟ أيْ هَذا لا يَصْلُحُ. ونَحا قَتادَةُ إلى أنَّ المَعْنى صَفْحًا، أيْ مَعْفُوًّا عَنْهُ، أيْ نَتْرُكُهُ. ثُمَّ لا تُؤاخَذُونَ بِقَوْلِهِ ولا بِتَدْبِيرِهِ، ولا تُنَبَّهُونَ عَلَيْهِ. وهَذا المَعْنى نَظِيرُ قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎تَمُرُّ الصَّبا صَفْحًا بِساكِنِ ذِي الفَضا ∗∗∗ ويَصْدَعُ قَلْبِي أنْ يَهُبَّ هُبُوبُها
(p-٦)وقَوْلِ كُثَيِّرٍ:
؎صَفُوحًا فَما تَلْقاكَ إلّا بَخِيلَةً ∗∗∗ فَمَن مَلَّ مِنها ذَلِكَ الوَصْلَ مَلَّتِ
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المَعْنى: أفَحَسِبْتُمْ أنْ نَصْفَحَ عَنْكم ولَمّا تَفْعَلُوا ما أُمِرْتُمْ بِهِ ؟ وقالَ الكَلْبِيُّ: أنْ نَتْرُكَكم هَمَلًا بِلا أمْرٍ ولا نَهْيٍ ؟ وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: أنْ لا نُعاقِبَكم بِالتَّكْذِيبِ ؟ وقِيلَ: أنْ نَتْرُكَ الإنْزالَ لِلْقُرْآنِ مِن أجْلِ تَكْذِيبِكم ؟ وقَرَأ حَسّانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الضُّبَعِيُّ، والسُّمَيْطُ بْنُ عُمَيْرٍ، وشُمَيْلُ بْنُ عُذْرَةَ: بِضَمِّ الصّادِ، والجُمْهُورُ: بِفَتْحِها، وهُما لُغَتانِ، كالسَّدِّ والسُّدِّ. وانْتِصابُ صَفْحًا عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مِن مَعْنى أفَنَضْرِبُ، لِأنَّ مَعْناهُ: أفَنَصْفَحُ ؟ أوْ مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ صافِحِينَ، قالَهُما الحَوْفِيُّ، وتَبِعَهُ أبُو البَقاءِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وصَفْحًا عَلى وجْهَيْنِ: إمّا مَصْدَرٌ مِن صَفَحَ عَنْهُ إذا أعْرَضَ مُنْتَصِبًا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ عَلى مَعْنى: أفَنَعْزِلُ عَنْكم إنْزالَ القُرْآنِ وإلْزامَ الحُجَّةِ بِهِ إعْراضًا عَنْكم ؟ وإمّا بِمَعْنى الجانِبِ مِن قَوْلِهِمْ: نَظَرَ إلَيْهِ بِصَفْحِ وجْهِهِ. وصَفْحُ وجْهِهِ عَلى مَعْنى: أفَنُنَحِّيهِ عَنْكم جانِبًا ؟ فَيُنْصَبُ عَلى الظَّرْفِ، كَما تَقُولُ: ضَعْهُ جانِبًا، وامْشِ جانِبًا. وتُعَضِّدُهُ قِراءَةُ مَن قَرَأ: صُفْحًا بِالضَّمِّ. وفي هَذِهِ القِراءَةِ وجْهٌ آخَرُ، وهو أنْ يَكُونَ تَخْفِيفَ صُفُحٍ جَمْعَ صُفُوحٍ، ويُنْتَصَبُ عَلى الحالِ، أيْ صافِحِينَ مُعْرِضِينَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: صَفْحًا، انْتِصابُهُ كانْتِصابِ (صُنْعَ اللَّهِ) . انْتَهى. يَعْنِي أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ، فَيَكُونُ العامِلُ فِيهِ مَحْذُوفًا، ولا يَظْهَرُ هَذا الَّذِي قالَهُ، فَلَيْسَ انْتِصابُهُ انْتِصابَ ”صُنْعَ اللَّهِ“ . وقَرَأ نافِعٌ والأخَوانِ: بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وإسْرافُهم كانَ مُتَحَقِّقًا. فَكَيْفَ دَخَلَتْ عَلَيْهِ ”إنْ“ الشَّرْطِيَّةُ الَّتِي لا تَدْخُلُ إلّا عَلى غَيْرِ المُتَحَقِّقِ، أوْ عَلى المُتَحَقِّقِ الَّذِي انْبَهَمَ زَمانُهُ ؟ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هو مِنَ الشَّرْطِ الَّذِي ذَكَرْتُ أنَّهُ يَصْدُرُ عَنِ المُدِلِّ بِصِحَّةِ الأمْرِ المُتَحَقِّقِ لِثُبُوتِهِ، كَما يَقُولُ الأجِيرُ: إنْ كُنْتُ عَمِلْتُ لَكَ فَوَفِّنِي حَقِّي، وهو عالِمٌ بِذَلِكَ، ولَكِنَّهُ يُخَيِّلُ في كَلامِهِ أنَّ تَفْرِيطَكَ في الخُرُوجِ عَنِ الحَقِّ فِعْلُ مَن لَهُ شَكٌّ في الِاسْتِحْقاقِ، مَعَ وُضُوحِهِ، اسْتِجْهالًا لَهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: أنْ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، أيْ مِن أجْلِ أنْ كُنْتُمْ. قالَ الشّاعِرُ:
؎أتَجْزَعُ أنْ بانَ الخَلِيطُ المُوَدِّعُ
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: إذْ كُنْتُمْ، بِذالٍ مَكانَ النُّونِ، لَمّا ذَكَرَ خِطابًا لِقُرَيْشٍ، ﴿أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ﴾ ؟ وكانَ هَذا الإنْكارُ دَلِيلًا عَلى تَكْذِيبِهِمْ لِلرَّسُولِ، وإنْكارًا لِما جاءَ بِهِ. آنَسَهُ تَعالى بِأنَّ عادَتَهم عادَةُ الأُمَمِ السّابِقَةِ مِنِ اسْتِهْزائِهِمْ بِالرُّسُلِ، وأنَّهُ تَعالى أهْلَكَ مَن كانَ أشَدَّ بَطْشًا مِن قُرَيْشٍ، أيْ أكْثَرَ عَدَدًا وعُدَدًا وجِلْدًا.
﴿ومَضى مَثَلُ الأوَّلِينَ﴾: أيْ فَلْيَحْذَرْ قُرَيْشٌ أنْ يَحِلَّ بِهِمْ مِثْلُ ما حَلَّ بِالأوَّلِينَ مُكَذِّبِي الرُّسُلِ مِنَ العُقُوبَةِ. قالَ مَعْناهُ قَتادَةُ: وهي العُقُوبَةُ الَّتِي سارَتْ سَيْرَ المَثَلِ، وقِيلَ: مَثَلُ الأوَّلِينَ في الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ، وقُرَيْشٌ سَلَكَتْ مَسْلَكَها، وكانَ مُقْبِلًا عَلَيْهِمْ بِالخِطابِ في قَوْلِهِ: ﴿أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ﴾ ؟ فَأعْرَضَ عَنْهم إلى إخْبارِ الغائِبِ في قَوْلِهِ: ﴿فَأهْلَكْنا أشَدَّ مِنهم بَطْشًا﴾ . (ولَئِنْ سَألْتَهم): احْتِجاجٌ عَلى قُرَيْشٍ بِما يُوجِبُ التَّناقُضَ، وهو إقْرارُهم بِأنَّ مُوجِدَ العالَمِ العُلْوِيِّ والسُّفْلِيِّ هو اللَّهُ، ثُمَّ هم يَتَّخِذُونَ أصْنامًا آلِهَةً مِن دُونِ اللَّهِ يَعْبُدُونَهم ويُعَظِّمُونَهم. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ومُقْتَضى الجَوابِ أنْ يَقُولُوا خَلَقَهُنَّ اللَّهُ، فَلَمّا ذَكَرَ تَعالى المَعْنى، جاءَتِ العِبارَةُ عَنِ اللَّهِ تَعالى بِالعَزِيزِ العَلِيمِ، لِيَكُونَ ذَلِكَ تَوْطِئَةً لِما عَدَّدَ مِن أوْصافِهِ الَّذِي ابْتَدَأ الإخْبارَ بِها، وقَطَعَها مِنَ الكَلامِ الَّذِي حَكى مَعْناهُ عَنْ قُرَيْشٍ. انْتَهى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَيَنْسِبُنَّ خَلْقَها إلى الَّذِي هَذِهِ أوْصافُهُ، ولَيَسْنِدُنَّهُ إلَيْهِ. انْتَهى. والظّاهِرُ أنَّ: ﴿خَلَقَهُنَّ العَزِيزُ العَلِيمُ﴾ نَفْسُ المَحْكِيِّ مِن كَلامِهِمْ، ولا يَدُلُّ كَوْنُهم ذَكَرُوا في مَكانٍ خَلَقَهُنَّ اللَّهُ، أنْ لا يَقُولُوا في سُؤالٍ آخَرَ: ﴿خَلَقَهُنَّ العَزِيزُ العَلِيمُ﴾ .
و(الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ): مِن كَلامِ اللَّهِ، خِطابًا لَهم بِتَذْكِيرِ نِعَمِهِ السّابِقَةِ. وكَرَّرَ الفِعْلَ في الجَوابِ في قَوْلِهِ: ﴿خَلَقَهُنَّ العَزِيزُ العَلِيمُ﴾، مُبالَغَةً في التَّوْكِيدِ. وفي غَيْرِ ما سُؤالٍ، اقْتَصَرُوا عَلى ذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ، إذْ هو العَلَمُ الجامِعُ لِلصِّفاتِ العُلا، وجاءَ الجَوابُ مُطابِقًا لِلسُّؤالِ مِن حَيْثُ (p-٧)المَعْنى، لا مِن حَيْثُ اللَّفْظُ، لِأنَّ مَن مُبْتَدَأٌ. فَلَوْ طابَقَ في اللَّفْظِ، كانَ بِالِاسْمِ مُبْتَدَأً، ولَمْ يَكُنْ بِالفِعْلِ. (لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ): أيْ إلى مَقاصِدِكم في السَّفَرِ، أوْ تَهْتَدُونَ بِالنَّظَرِ والِاعْتِبارِ. بِقَدَرٍ: أيْ بِقَضاءٍ وحَتْمٍ في الأزَلِ، أوْ بِكِفايَةٍ، لا كَثِيرًا فَيُفْسِدُ، ولا قَلِيلًا فَلا يُجْدِي.
﴿فَأنْشَرْنا﴾: أحْيَيْنا بِهِ.
﴿بَلْدَةً مَيْتًا﴾: ذُكِرَ عَلى مَعْنى القَطْرِ، و”بَلْدَةً“ اسْمُ جِنْسٍ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وعِيسى: مَيِّتًا بِالتَّشْدِيدِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: تُخْرَجُونَ: مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وابْنُ وثّابٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ جُبَيْرٍ المُصْبِحِ، وعِيسى، وابْنُ عامِرٍ، والأخَوانِ: مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. و(الأزْواجَ): الأنْواعَ مِن كُلِّ شَيْءٍ. قِيلَ: وكُلُّ ما سِوى اللَّهِ فَهو زَوْجٌ، كَفَوْقَ، وتَحْتَ، ويَمِينٍ، وشِمالٍ، وقُدّامٍ، وخَلْفٍ، وماضٍ، ومُسْتَقْبَلٍ، وذَواتٍ، وصِفاتٍ، وصَيْفٍ، وشِتاءٍ، ورَبِيعٍ، وخَرِيفٍ، وكَوْنُها أزْواجًا تَدُلُّ عَلى أنَّها مُمْكِنَةُ الوُجُودِ، ويَدُلُّ عَلى أنَّ مُحْدِثَها فَرْدٌ، وهو اللَّهُ المُنَزَّهُ عَنِ الضِّدِّ والمُقابِلِ والمُعارِضِ. انْتَهى.
(والأنْعامَ): المَعْهُودُ أنَّهُ لا يُرْكَبُ مِنَ الأنْعامِ إلّا الإبِلُ. ما: مَوْصُولَةٌ والعائِدُ مَحْذُوفٌ، أيْ ما يَرْكَبُونَهُ. ورَكِبَ بِالنِّسْبَةِ لِلْعِلَلِ، ويَتَعَدّى بِنَفْسِهِ عَلى المُتَعَدِّي بِوَساطَةِ في، إذِ التَّقْدِيرُ ما يَرْكَبُونَهُ. واللّامُ في لِتَسْتَوُوا: الظّاهِرُ أنَّها لامُ كَيْ. وقالَ الحَوْفِيُّ: ومَن أثْبَتَ لامَ الصَّيْرُورَةِ جازَ لَهُ أنْ يَقُولَ بِهِ هُنا. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لامُ الأمْرِ، وفِيهِ بُعْدٌ مِن حَيْثُ اسْتِعْمالُ أمْرِ المُخاطَبِ بِتاءِ الخِطابِ، وهو مِنَ القِلَّةِ بِحَيْثُ يَنْبَغِي أنْ لا يُقاسَ عَلَيْهِ. فالفَصِيحُ المُسْتَعْمَلُ: اضْرِبْ، وقِيلَ: لِتَضْرِبْ، بَلْ نَصَّ النَّحْوِيُّونَ عَلى أنَّها لُغَةٌ رَدِيئَةٌ قَلِيلَةٌ، إذْ لا تَكادُ تُحْفَظُ إلّا قِراءَةً شاذَّةً، فَبِذَلِكَ فَلْتَفْرَحُوا بِالتّاءِ لِلْخِطابِ. وما آثَرَ المُحَدِّثُونَ مِن قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «لِتَأْخُذُوا مَصافَّكم»، مَعَ احْتِمالِ أنَّ الرّاوِيَ رَوى بِالمَعْنى، وقَوْلُ الشّاعِرِ:
؎لِتَقُمْ أنْتَ يا ابْنَ خَيْرِ قُرَيْشٍ ∗∗∗ فَتَقْضِي حَوائِجَ المُسْلِمِينا
وزَعَمَ الزَّجّاجُ أنَّها لُغَةٌ جَيِّدَةٌ، وذَلِكَ خِلافُ ما زَعَمَ النَّحْوِيُّونَ. والضَّمِيرُ في ظُهُورِهِ عائِدٌ عَلى ما، كَأنَّهُ قالَ: عَلى ظُهُورِ ما تَرْكَبُونَ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، فَلِذَلِكَ حَسُنَ الجَمْعُ، لِأنَّ مَآلَها لَفْظٌ ومَعْنًى. فَمَن جَمَعَ فَبِاعْتِبارِ المَعْنى، ومَن أفْرَدَ فَبِاعْتِبارِ اللَّفْظِ، ويَعْنِي: ﴿مِنَ الفُلْكِ والأنْعامِ﴾ . وقالَ الفَرّاءُ نَحْوًا مِنهُ، قالَ: أضافَ الظُّهُورَ، ﴿ثُمَّ تَذْكُرُوا﴾، أيْ في قُلُوبِكم، ﴿نِعْمَةَ رَبِّكُمْ﴾، مُعْتَرِفِينَ بِها مُسْتَعْظِمِينَ لَها. لا يُرِيدُ الذِّكْرَ بِاللِّسانِ بَلْ بِالقَلْبِ، ولِذَلِكَ قابَلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا﴾، أيْ تُنَزِّهُوا اللَّهَ بِصَرِيحِ القَوْلِ. وجاءَ في الحَدِيثِ: «”أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ إذا وضَعَ رِجْلَهُ في الرِّكابِ قالَ: بِسْمِ اللَّهِ، فَإذا اسْتَوى عَلى الدّابَّةِ قالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ عَلى كُلِّ حالٍ، سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا، إلى قَوْلِهِ لَمُنْقَلِبُونَ، وكَبَّرَ ثَلاثًا وهَلَّلَ ثَلاثًا»، وقالُوا: إذا رَكِبَ في السَّفِينَةِ قالَ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها ومُرْساها﴾ [هود: ٤١] إلى رَحِيمٍ، ويُقالُ عِنْدَ النُّزُولِ مِنها: اللَّهُمَّ أنْزِلْنا مُنْزَلًا مُبارَكًا وأنْتَ خَيْرُ المُنْزِلِينَ“ . والقَرْنُ: الغالِبُ الضّابِطُ المُطِيقُ لِلشَّيْءِ، يُقالُ: أقْرَنَ الشَّيْءَ، إذا أطاقَهُ. قالَ ابْنُ هَرْمَةَ:
؎وأقْرَنْتِ ما حَمَّلْتِنِي ولَقَلَّما ∗∗∗ يُطاقُ احْتِمالُ الصَّدِّ يا دَعْدُ والهَجْرِ
وحَقِيقَةُ أقْرَنَهُ: وجَدَهُ قَرِينَتَهُ وما يُقْرَنُ بِهِ: لِأنَّ الصَّعْبَ لا يَكُونُ قَرِينَةً لِلضَّعْفِ. قالَ الشّاعِرُ:
؎وابْنُ اللَّبُونِ إذا ما لُزَّ في قَرَنٍ ∗∗∗ لَمْ يَسْتَطِعْ صَوْلَةَ البُزْلِ القَناعِيسِ
والقَرْنُ: الحَبْلُ الَّذِي يُقْرَنُ بِهِ. وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: فُلانٌ مُقْرِنٌ لِفُلانٍ، أيْ ضابِطٌ لَهُ، والمَعْنى: أنَّهُ لَيْسَ لَنا مِنَ القُوَّةِ ما نَضْبُطُ بِهِ الدّابَّةَ والفُلْكَ، وإنَّما اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَها. وأنْشَدَ قُطْرُبٌ لِعَمْرِو بْنِ مَعْدِيكَرِبَ:
؎لَقَدْ عَلِمَ القَبائِلُ ما عَقِيلٌ ∗∗∗ لَنا في النّائِباتِ بِمُقْرِنِينا
وقُرِئَ: لَمُقْتَرِنِينَ، اسْمُ فاعِلٍ مِنِ اقْتَرَنَ.
﴿وإنّا إلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ﴾: أيْ راجِعُونَ، وهو إقْرارٌ بِالرُّجُوعِ إلى اللَّهِ، وبِالبَعْثِ، لِأنَّ الرّاكِبَ في مَظَنَّةِ الهَلاكِ بِالغَرَقِ إذا رَكِبَ الفُلْكَ، وبِعُثُورِ الدّابَّةِ، إذْ رُكُوبُها أمْرٌ (p-٨)فِيهِ خَطَرٌ، ولا تُؤْمَنُ السَّلامَةُ فِيهِ. فَقَوْلُهُ هَذا تَذْكِيرٌ بِأنَّهُ مُسْتَشْعِرٌ الصَّيْرُورَةَ إلى اللَّهِ، ومُسْتَعِدٌّ لِلِقائِهِ، فَهو لا يَتْرُكُ ذَلِكَ مِن قَلْبِهِ ولا لِسانِهِ.
﴿وجَعَلُوا لَهُ﴾: أيْ وجَعَلَ كُفّارُ قُرَيْشٍ والعَرَبُ لَهُ، أيْ لِلَّهِ. مِن عِبادِهِ: أيْ مِمَّنْ هم عَبِيدُ اللَّهِ. جُزْءًا، قالَ مُجاهِدٌ: نَصِيبًا وحَظًّا، وهو قَوْلُ العَرَبِ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ. وقالَ قَتادَةُ: جُزْءًا، أيْ نِدًّا، وذَلِكَ هو الأصْنامُ وفِرْعَوْنُ ومَن عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ. وقِيلَ: الجُزْءُ: الإناثُ. قالَ بَعْضُ اللُّغَوِيِّينَ: يُقالُ أجْزَأتِ المَرْأةُ، إذا ولَدَتْ أُنْثى. قالَ الشّاعِرُ:
؎إنْ أجْزَأتْ حُرَّةٌ يَوْمًا فَلا عَجَبٌ ∗∗∗ قَدْ تُجْزِئُ الحُرَّةُ المِذْكارَ أحْيانًا
قِيلَ: هَذا البَيْتُ مَصْنُوعٌ، وكَذا قَوْلُهُ:
؎زَوَّجَها مِن بَناتِ الأوْسِ مُجْزِئَةً
ولَمّا تَقَدَّمَ أنَّهم مُعْتَرِفُونَ بِأنَّهُ تَعالى هو خالِقُ العالَمِ، أنْكَرَ عَلَيْهِمْ جَعْلَهم لِلَّهِ جُزْءًا، وقَدِ اعْتَرَفُوا بِأنَّهُ هو الخالِقُ، فَكَيْفَ وصَفُوهُ بِصِفَةِ المَخْلُوقِ ؟ ﴿إنَّ الإنْسانَ لَكَفُورٌ﴾ نِعْمَةَ خالِقِهِ. (مُبِينٌ): مُظْهِرٌ لِجُحُودِهِ. والمُرادُ بِالإنْسانِ: مَن جَعَلَ لِلَّهِ جُزْءًا، وغَيْرُهم مِنَ الكَفَرَةِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ومُبِينٌ في هَذا المَوْضِعِ غَيْرُ مُتَعَدٍّ. انْتَهى. ولَيْسَ يَتَعَيَّنُ ما ذَكَرَ، بَلْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ ظاهِرًا لِكُفْرانِ النِّعَمِ ومُظْهِرًا لِجُحُودِهِ، كَما قُلْنا.
﴿أمِ اتَّخَذَ مِمّا يَخْلُقُ بَناتٍ﴾ ؟ اسْتِفْهامُ إنْكارٍ وتَوْبِيخٍ لِقِلَّةِ عُقُولِهِمْ ؟ كَيْفَ زَعَمُوا أنَّهُ تَعالى اتَّخَذَ لِنَفْسِهِ ما أنْتُمْ تَكْرَهُونَهُ حِينَ أنْتُمْ تَسْوَدُّ وُجُوهُكم عِنْدَ التَّبْشِيرِ بِهِنَّ وتَئِدُونَهُنَّ ؟ (وأصْفاكم): جَعَلَ لَكم صَفْوَةَ ما هو مَحْبُوبٌ، وذَلِكَ البَنُونَ. وقَوْلُهُ: (مِمّا يَخْلُقُ)، تَنْبِيهٌ عَلى اسْتِحالَةِ الوَلَدِ، ذَكَرًا كانَ أوْ أُنْثى، وإنْ فُرِضَ اتِّخاذُ الوَلَدِ، فَكَيْفَ يَخْتارُ لَهُ الأدْنى ويَخُصُّكم بِالأعْلى ؟ وقَدَّمَ البَناتِ، لِأنَّهُ المُنْكَرُ عَلَيْهِمْ لِنِسْبَتِهِنَّ إلى اللَّهِ، وعَرَّفَ البَنِينَ دُونَ البَناتِ تَشْرِيفًا لَهم عَلى البَناتِ.
﴿وإذا بُشِّرَ أحَدُهُمْ﴾: تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِها في سُورَةِ النَّحْلِ.
﴿أوَمَن يُنَشَّأُ في الحِلْيَةِ﴾: أيْ يَنْتَقِلُ في عُمُرِهِ حالًا فَحالًا في الحِلْيَةِ، وهو الحُلِيُّ الَّذِي لا يَلِيقُ إلّا بِالإناثِ دُونَ الفُحُولِ، لِتَزَيُّنِهِنَّ بِذَلِكَ لِأزْواجِهِنَّ، وهو إنْ خاصَمَ، لا يُبِينُ لِضَعْفِ العَقْلِ ونَقْصِ التَّدَبُّرِ والتَّأمُّلِ، أظْهَرَ بِهَذا لِحُقُوقِهِنَّ وشُفُوفِ البَنِينَ عَلَيْهِنَّ. وكانَ في ذَلِكَ إشارَةٌ إلى أنَّ الرَّجُلَ لا يُناسِبُ لَهُ التَّزَيُّنُ كالمَرْأةِ، وأنْ يَكُونَ مُخْشَوْشِنًا. والفَحْلُ مِنَ الرِّجالِ أبى أنْ يَكُونَ مُتَّصِفًا بِصِفاتِ النِّساءِ، والظّاهِرُ أنَّهُ أرادَ بِمَن يُنَشَّأُ في الحِلْيَةِ: النِّساءُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ: ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وهُوَ في الخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾: أيْ لا يُظْهِرُ حُجَّةً، ولا يُقِيمُ دَلِيلًا، ولا يَكْشِفُ عَمّا في نَفْسِهِ كَشْفًا واضِحًا. ويُقالُ: قَلَّما تَجِدُ امْرَأةً لا تُفْسِدُ الكَلامَ، وتَخْلِطُ المَعانِيَ، حَتّى ذُكِرَ عَنْ بَعْضِ النّاسِ أنَّهُ قالَ: إذا دَخَلْنا عَلى فُلانَةٍ، لا نَخْرُجُ حَتّى نَعْلَمَ أنَّ عَقْلَها عَقْلُ امْرَأةٍ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: المُرادُ بِمَن يُنَشَّأُ في الحِلْيَةِ: الأصْنامُ، وكانُوا يَتَّخِذُونَ كَثِيرًا مِنها مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ، ويَجْعَلُونَ الحُلِيَّ عَلى كَثِيرٍ مِنها، ويُبْعِدُ هَذا القَوْلَ قَوْلُهُ: ﴿وهُوَ في الخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾، إلّا إنْ أُرِيدَ بِنَفْيِ الإبانَةِ نَفْيُ الخِصامِ أيْ لا يَكُونُ مِنها خِصامٌ فَإنَّهُ كَقَوْلِهِ:
؎عَلى لاحِبٍ لا يَهْتَدِي بِمَنارِهِ
أيْ: لا مَنارَ لَهُ فَيَهْتَدِي بِهِ. ومَن: في مَوْضِعِ نَصْبٍ، أيْ وجَعَلُوا مَن يُنَشَّأُ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ، أيْ مَن يُنَشَّأُ جَعَلُوهُ لِلَّهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: يُنَشَّأُ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، والجَحْدَرِيُّ في قَوْلٍ: مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مُخَفَّفًا، وابْنُ عَبّاسٍ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ والحَسَنُ ومُجاهِدٌ والجَحْدَرِيُّ: في رِوايَةٍ، والأخَوانِ وحَفْصٌ والمُفَضَّلُ وأبانٌ وابْنُ مِقْسَمٍ وهارُونُ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مُشَدَّدًا، والحَسَنُ: في رِوايَةٍ يُناشَأُ عَلى وزْنِ يُفاعَلُ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، والمُناشَأةُ بِمَعْنى الإنْشاءِ، كالمُعالاةِ بِمَعْنى الإعْلاءِ. و﴿فِي الخِصامِ﴾: مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ تَفْسِيرُهُ غَيْرُ مُبِينٍ، أيْ وهو لا يُبِينُ في الخِصامِ. ومَن أجازَ أمّا زَيْدًا غَيْرُ ضارِبٍ بِإعْمالِ المُضافِ إلَيْهِ في ”غَيْرُ“ أجازَ أنْ يَتَعَلَّقَ بِمُبِينٍ، أجْرى ”غَيْرُ“ مُجْرى لا. وبِتَقْدِيمِ مَعْمُولِ أمّا بَعْدَ لا مُخْتَلَفٌ فِيهِ، وقَدْ ذُكِرَ ذَلِكَ في النَّحْوِ.
الزخرف 43:7
(p-٢)(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)
(سُورَةُ الزُّخْرُفِ تِسْعٌ وثَمانُونَ آيَةً مَكِّيَّةٌ)
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)
(p-٣)﴿حم﴾ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ ﴿إنّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ ﴿وإنَّهُ في أُمِّ الكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ ﴿أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾ ﴿وكَمْ أرْسَلْنا مِن نَبِيٍّ في الأوَّلِينَ﴾ ﴿وما يَأْتِيهِمْ مِن نَبِيٍّ إلّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ﴿فَأهْلَكْنا أشَدَّ مِنهم بَطْشًا ومَضى مَثَلُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ العَزِيزُ العَلِيمُ﴾ ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا وجَعَلَ لَكم فِيها سُبُلًا لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ ﴿والَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ ﴿والَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ كُلَّها وجَعَلَ لَكم مِنَ الفُلْكِ والأنْعامِ ما تَرْكَبُونَ﴾ ﴿لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكم إذا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا وما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ ﴿وإنّا إلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ ﴿وجَعَلُوا لَهُ مِن عِبادِهِ جُزْءًا إنَّ الإنْسانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾ ﴿أمِ اتَّخَذَ مِمّا يَخْلُقُ بَناتٍ وأصْفاكم بِالبَنِينَ﴾ ﴿وإذا بُشِّرَ أحَدُهم بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وجْهُهُ مُسْوَدًّا وهو كَظِيمٌ﴾ ﴿أوَمَن يُنَشَّأُ في الحِلْيَةِ وهو في الخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ ﴿وجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا أشَهِدُوا خَلْقَهم سَتُكْتَبُ شَهادَتُهم ويُسْألُونَ﴾ [الزخرف: ١٩] ﴿وقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ ما عَبَدْناهم ما لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ إنْ هم إلّا يَخْرُصُونَ﴾ [الزخرف: ٢٠] ﴿أمْ آتَيْناهم كِتابًا مِن قَبْلِهِ فَهم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ﴾ [الزخرف: ٢١] ﴿بَلْ قالُوا إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٢] ﴿وكَذَلِكَ ما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ في قَرْيَةٍ مِن نَذِيرٍ إلّا قالَ مُتْرَفُوها إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٣] ﴿قالَ أوَلَوْ جِئْتُكم بِأهْدى مِمّا وجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكم قالُوا إنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ [الزخرف: ٢٤] ﴿فانْتَقَمْنا مِنهم فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ [الزخرف: ٢٥] ﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ إنَّنِي بَراءٌ مِمّا تَعْبُدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٦] ﴿إلّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ [الزخرف: ٢٧] ﴿وجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً في عَقِبِهِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ [الزخرف: ٢٨] ﴿بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلاءِ وآباءَهم حَتّى جاءَهُمُ الحَقُّ ورَسُولٌ مُبِينٌ﴾ [الزخرف: ٢٩] ﴿ولَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ قالُوا هَذا سِحْرٌ وإنّا بِهِ كافِرُونَ﴾ [الزخرف: ٣٠] ﴿وقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] ﴿أهم يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهم مَعِيشَتَهم في الحَياةِ الدُّنْيا ورَفَعْنا بَعْضَهم فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهم بَعْضًا سُخْرِيًّا ورَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾ [الزخرف: ٣٢] ﴿ولَوْلا أنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِن فَضَّةٍ ومَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ﴾ [الزخرف: ٣٣] ﴿ولِبُيُوتِهِمْ أبْوابًا وسُرُرًا عَلَيْها يَتَّكِئُونَ﴾ [الزخرف: ٣٤] ﴿وزُخْرُفًا وإنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمّا مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا والآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٣٥] ﴿ومَن يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا فَهو لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف: ٣٦] ﴿وإنَّهم لَيَصُدُّونَهم عَنِ السَّبِيلِ ويَحْسَبُونَ أنَّهم مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٣٧] ﴿حَتّى إذا جاءَنا قالَ يا لَيْتَ بَيْنِي وبَيْنَكَ بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ القَرِينُ﴾ [الزخرف: ٣٨] ﴿ولَنْ يَنْفَعَكُمُ اليَوْمَ إذْ ظَلَمْتُمْ أنَّكم في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف: ٣٩] ﴿أفَأنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أوْ تَهْدِي العُمْيَ ومَن كانَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الزخرف: ٤٠] ﴿فَإمّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإنّا مِنهم مُنْتَقِمُونَ﴾ [الزخرف: ٤١] ﴿أوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وعَدْناهم فَإنّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ﴾ [الزخرف: ٤٢] ﴿فاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إلَيْكَ إنَّكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الزخرف: ٤٣] ﴿وإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ وسَوْفَ تُسْألُونَ﴾ [الزخرف: ٤٤] ﴿واسْألْ مَن أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رُسُلِنا أجَعَلْنا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف: ٤٥] ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ فَقالَ إنِّي رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الزخرف: ٤٦] ﴿فَلَمّا جاءَهم بِآياتِنا إذا هم مِنها يَضْحَكُونَ﴾ [الزخرف: ٤٧] ﴿وما نُرِيهِمْ مِن آيَةٍ إلّا هي أكْبَرُ مِن أُخْتِها وأخَذْناهم بِالعَذابِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ [الزخرف: ٤٨] ﴿وقالُوا يا أيُّها السّاحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ إنَّنا لَمُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٤٩] ﴿فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُمُ العَذابَ إذا هم يَنْكُثُونَ﴾ [الزخرف: ٥٠] ﴿ونادى فِرْعَوْنُ في قَوْمِهِ قالَ يا قَوْمِ ألَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وهَذِهِ الأنْهارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الزخرف: ٥١] ﴿أمْ أنا خَيْرٌ مِن هَذا الَّذِي هو مَهِينٌ ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢] ﴿فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أسْوِرَةٌ مِن ذَهَبٍ أوْ جاءَ مَعَهُ المَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾ [الزخرف: ٥٣] ﴿فاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأطاعُوهُ إنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ [الزخرف: ٥٤] ﴿فَلَمّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنهم فَأغْرَقْناهم أجْمَعِينَ﴾ [الزخرف: ٥٥] ﴿فَجَعَلْناهم سَلَفًا ومَثَلًا لِلْآخِرِينَ﴾ [الزخرف: ٥٦] ﴿ولَمّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إذا قَوْمُكَ مِنهُ يَصِدُّونَ﴾ [الزخرف: ٥٧] ﴿وقالُوا أآلِهَتُنا خَيْرٌ أمْ هو ما ضَرَبُوهُ لَكَ إلّا جَدَلًا بَلْ هم قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف: ٥٨] ﴿إنْ هو إلّا عَبْدٌ أنْعَمْنا عَلَيْهِ وجَعَلْناهُ مَثَلًا لِبَنِي إسْرائِيلَ﴾ [الزخرف: ٥٩] ﴿ولَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنكم مَلائِكَةً في الأرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ [الزخرف: ٦٠] ﴿وإنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِها واتَّبِعُونِ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [الزخرف: ٦١] ﴿ولا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطانُ إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [الزخرف: ٦٢] ﴿ولَمّا جاءَ عِيسى بِالبَيِّناتِ قالَ قَدْ جِئْتُكم بِالحِكْمَةِ ولِأُبَيِّنَ لَكم بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ [الزخرف: ٦٣] ﴿إنَّ اللَّهَ هو رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [الزخرف: ٦٤] ﴿فاخْتَلَفَ الأحْزابُ مِن بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِن عَذابِ يَوْمٍ ألِيمٍ﴾ [الزخرف: ٦٥] ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا السّاعَةَ أنْ تَأْتِيَهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ [الزخرف: ٦٦] ﴿الأخِلّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلّا المُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧] ﴿يا عِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ [الزخرف: ٦٨] ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وكانُوا مُسْلِمِينَ﴾ [الزخرف: ٦٩] ﴿ادْخُلُوا الجَنَّةَ أنْتُمْ وأزْواجُكم تُحْبَرُونَ﴾ [الزخرف: ٧٠] ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مِن ذَهَبٍ وأكْوابٍ وفِيها ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وتَلَذُّ الأعْيُنُ وأنْتُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ [الزخرف: ٧١] ﴿وتِلْكَ الجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف: ٧٢] ﴿لَكم فِيها فاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنها تَأْكُلُونَ﴾ [الزخرف: ٧٣] ﴿إنَّ المُجْرِمِينَ في عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ﴾ [الزخرف: ٧٤] ﴿لا يُفَتَّرُ عَنْهم وهم فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ [الزخرف: ٧٥] ﴿وما ظَلَمْناهم ولَكِنْ كانُوا هُمُ الظّالِمِينَ﴾ [الزخرف: ٧٦] ﴿ونادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ قالَ إنَّكم ماكِثُونَ﴾ [الزخرف: ٧٧] ﴿لَقَدْ جِئْناكم بِالحَقِّ ولَكِنَّ أكْثَرَكم لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾ [الزخرف: ٧٨] ﴿أمْ أبْرَمُوا أمْرًا فَإنّا مُبْرِمُونَ﴾ [الزخرف: ٧٩] ﴿أمْ يَحْسَبُونَ أنّا لا نَسْمَعُ سِرَّهم ونَجْواهم بَلى ورُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف: ٨٠] ﴿قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾ [الزخرف: ٨١] ﴿سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ رَبِّ العَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ [الزخرف: ٨٢] ﴿فَذَرْهم يَخُوضُوا ويَلْعَبُوا حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ [الزخرف: ٨٣] ﴿وهُوَ الَّذِي في السَّماءِ إلَهٌ وفي الأرْضِ إلَهٌ وهو الحَكِيمُ العَلِيمُ﴾ [الزخرف: ٨٤] ﴿وتَبارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما وعِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [الزخرف: ٨٥] ﴿ولا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفاعَةَ إلّا مَن شَهِدَ بِالحَقِّ وهم يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦] ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَهم لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأنّى يُؤْفَكُونَ﴾ [الزخرف: ٨٧] ﴿وقِيلِهِ يا رَبِّ إنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الزخرف: ٨٨] ﴿فاصْفَحْ عَنْهم وقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٩] (p-٤)(يَعْشُو): يُعْرِضُ، ويَعْشى: يَعْمى. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لَمْ نَرَ أحَدًا حَكى: عَشَوْتُ عَنِ الشَّيْءِ: أعْرَضْتُ عَنْهُ، وإنَّما يُقالُ: تَعاشَيْتُ عَنْ كَذا وتَعامَيْتُ، إذا تَغافَلْتُ عَنْهُ. وتَقُولُ: عَشَوْتُ إلى النّارِ، إذا اسْتَدْلَلْتُ عَلَيْها بِبَصَرٍ ضَعِيفٍ. وقِيلَ: عَشى يَعْشى، إذا حَصَلَتِ الآفَةُ في بَصَرِهِ. وعَشا يَعْشُو: نَظَرَ المَعْشِيِّ ولا آفَةَ بِهِ، كَما قالَ: عَرَجَ لِمَن بِهِ الآفَةُ، وعَرَجَ لِمَن مَشى مِشْيَةَ العُرْجانِ مِن غَيْرِ عَرَجٍ. قالَ الحُطَيْئَةُ:
؎مَتى تَأْتِهِ تَعْشُو إلى ضَوْءِ نارِهِ تَجِدْ خَيْرَ نارٍ عِنْدَها خَيْرُ مَوْقِدِ
أيْ: تَنْظُرُ إلَيْها نَظَرَ المَعْشِيِّ لِما يَضْعُفُ بَصَرٌ مِن عَظِيمِ الوَقُودِ بِهِ، ومِنهُ قَوْلُ حاتِمٍ:
؎أعْشُو إذا ما جارَتِي بَرَزَتْ ∗∗∗ حَتّى يُوارِيَ جارَتِي الخِدْرُ
الصُّحْفَةُ، قالَ الجَوْهَرِيُّ: هي القَصْعَةُ، وقالَ الكِسائِيُّ: أعْظَمُ القِصاعِ الجَفْنَةُ، ثُمَّ القَصْعَةُ تَلِيها تَسَعُ العَشَرَةَ، ثُمَّ الصَّحْفَةُ تَسَعُ الخَمْسَةَ، ثُمَّ المَكِيلَةُ تَسَعُ الرَّجُلَيْنِ والثَّلاثَةَ. والصَّحِيفَةُ: الكِتابُ، والجَمْعُ: صُحُفٌ وصَحائِفُ. الكُوبُ، قالَ قُطْرُبٌ: الإبْرِيقُ لا عُرْوَةَ لَهُ. وقالَ الأخْفَشُ: الإبْرِيقُ لا خُرْطُومَ لَهُ، وقِيلَ: كالإبْرِيقِ، إلّا أنَّهُ لا أُذُنَ لَهُ ولا مِقْبَضَ. قالَ أبُو مَنصُورٍ الجَوالِيقِيُّ: إنَّما كانَ بِغَيْرِ عُرْوَةٍ لِيَشْرَبَ الشّارِبُ مِن أيْنَ شاءَ، لِأنَّ العُرْوَةَ تَرُدُّ الشّارِبَ مِن بَعْضِ الجِهاتِ. انْتَهى. وقالَ عَدِيٌّ:
؎مُتَّكِئًا تُصَفِّقُ أبْوابُهُ ∗∗∗ يَسْعى عَلَيْهِ العَبْدُ بِالكُوبِ
أبْرَمَ، قالَ الفَرّاءُ: أبْرَمَ الأمْرَ: بالَغَ في إحْكامِهِ، وأبْرَمَ القاتِلُ، إذا أدْهَمَ، وهو القَتْلُ الثّانِي، والأوَّلُ يُقالُ لَهُ سِجِّيلٌ، كَما قالَ زُهَيْرٌ:
؎مِن سِجِّيلٍ وبَرْمِ
انْتَهى. والإبْرامُ: أنْ يَجْمَعَ خَيْطَيْنِ ثُمَّ يَفْتِلَهُما فَتْلًا مُتْقَنًا، والبَرِيمُ: خَيْطٌ فِيهِ لَوْنانِ.
* *
(p-٥)﴿حم﴾ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ ﴿إنّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ ﴿وإنَّهُ في أُمِّ الكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ ﴿أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾ ﴿وكَمْ أرْسَلْنا مِن نَبِيٍّ في الأوَّلِينَ﴾ ﴿وما يَأْتِيهِمْ مِن نَبِيٍّ إلّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ﴿فَأهْلَكْنا أشَدَّ مِنهم بَطْشًا ومَضى مَثَلُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ العَزِيزُ العَلِيمُ﴾ ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا وجَعَلَ لَكم فِيها سُبُلًا لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ ﴿والَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ ﴿والَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ كُلَّها وجَعَلَ لَكم مِنَ الفُلْكِ والأنْعامِ ما تَرْكَبُونَ﴾ ﴿لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكم إذا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا وما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ ﴿وإنّا إلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ ﴿وجَعَلُوا لَهُ مِن عِبادِهِ جُزْءًا إنَّ الإنْسانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾ ﴿أمِ اتَّخَذَ مِمّا يَخْلُقُ بَناتٍ وأصْفاكم بِالبَنِينَ﴾ ﴿وإذا بُشِّرَ أحَدُهم بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وجْهُهُ مُسْوَدًّا وهو كَظِيمٌ﴾ ﴿أوَمَن يُنَشَّأُ في الحِلْيَةِ وهو في الخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ .
هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، وقالَ مُقاتِلٌ: إلّا قَوْلُهُ: ﴿واسْألْ مَن أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رُسُلِنا﴾ [الزخرف: ٤٥] . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: بِإجْماعِ أهْلِ العِلْمِ.
﴿إنّا جَعَلْناهُ﴾، أيْ صَيَّرْناهُ، أوْ سَمَّيْناهُ، وهو جَوابُ القَسَمِ، وهو مِنَ الأقْسامِ الحَسَنَةِ لِتَناسُبِ القَسَمِ والمُقْسَمِ عَلَيْهِ، وكَوْنِهِما مِن وادٍ واحِدٍ، ونَظِيرُهُ قَوْلُ أبِي تَمّامٍ:
؎وثَناياكِ إنَّها إغْرِيضٌ
وقِيلَ: والكِتابُ أُرِيدَ بِهِ الكُتُبُ المُنَزَّلَةُ، والضَّمِيرُ في جَعَلْناهُ يَعُودُ عَلى القُرْآنِ، وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ صَرِيحُ الذِّكْرِ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: جَعَلْناهُ، بِمَعْنى صَيَّرْناهُ، مُعَدًّى إلى مَفْعُولَيْنِ، أوْ بِمَعْنى خَلَقْناهُ مُعَدًّى إلى واحِدٍ، كَقَوْلِهِ: ﴿وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ﴾ [الأنعام: ١] . (وقُرْآنًا عَرَبِيًّا): حالٌ. ولَعَلَّ: مُسْتَعارَةٌ لِمَعْنى الإرادَةِ، لِتُلاحِظَ مَعْناها ومَعْنى التَّرَجِّي، أيْ خَلَقْناهُ عَرَبِيًّا غَيْرَ عَجَمِيٍّ. أرادَ أنْ تَعْقِلَهُ العَرَبُ، ولِئَلّا يَقُولُوا: ﴿لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُ﴾ [فصلت: ٤٤] . انْتَهى، وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ في كَوْنِ القُرْآنِ مَخْلُوقًا. و(أُمِّ الكِتابِ): اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، لِأنَّهُ الأصْلُ الَّذِي أُثْبِتَتْ فِيهِ الكُتُبُ، وهَذا فِيهِ تَشْرِيفٌ لِلْقُرْآنِ وتَرْفِيعٌ بِكَوْنِهِ لَدَيْهِ عَلِيًّا عَلى جَمِيعِ الكُتُبِ، وعالِيًا عَنْ وُجُوهِ الفَسادِ. حَكِيمًا: أيْ حاكِمًا عَلى سائِرِ الكُتُبِ، أوْ مُحْكَمًا بِكَوْنِهِ في غايَةِ البَلاغَةِ والفَصاحَةِ وصِحَّةِ المَعانِي. قالَ قَتادَةُ وعِكْرِمَةُ والسُّدِّيُّ: اللَّوْحُ المَحْفُوظُ: القُرْآنُ فِيهِ بِأجْمَعِهِ مَنسُوخٌ، ومِنهُ كانَ جِبْرِيلُ يَنْزِلُ. وقِيلَ: أُمُّ الكِتابِ: الآياتُ المُحْكَماتُ، لِقَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتابَ مِنهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتابِ﴾ [آل عمران: ٧]، ومَعْناهُ: أنَّ سُورَةَ حم واقِعَةٌ في الآياتِ المُحْكَماتِ الَّتِي هي الأُمُّ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: في أُمِّ، بِضَمِّ الهَمْزَةِ، والأخَوانِ بِكَسْرِها، وعَزاها ابْنُ عَطِيَّةَ يُوسُفُ بْنُ عَمْرٍو إلى العِراقِ، ولَمْ يَعْزُها لِلْأخَوانِ عَقْلَةً مِنهُ. يُقالُ: ضَرَبَ عَنْ كَذا، وأضْرَبَ عَنْهُ، إذا أعْرَضَ عَنْهُ. والذِّكْرَ، قالَ الضَّحّاكُ وأبُو صالِحٍ: القُرْآنُ، أيِ: أفَتَرائى عَنْكُمُ القُرْآنَ. وقَوْلُهم: ضَرَبَ الغَرائِبَ عَنِ الحَوْضِ، إذا أدارَها ونَحّاها، وقالَ الشّاعِرُ:
؎اضْرِبْ عَنْكَ الهُمُومَ طارِقَها ∗∗∗ ضَرْبَكَ بِالسَّيْفِ قَوْنَسَ الفَرَسِ
وقِيلَ: الذِّكْرَ: الدُّعاءُ إلى اللَّهِ والتَّخْوِيفُ مِن عِقابِهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: أنُهْمِلُكم فَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ إنْكارًا لِأنْ يَكُونَ الأمْرُ عَلى خِلافِ ما قُدِّمَ مِن إنْزالِهِ الكِتابَ وخَلْقِهِ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتَعْقِلُوهُ وتَعْمَلُوا بِمُوجَبِهِ. انْتَهى. وتَقَدَّمَ الكَلامُ مَعَهُ في تَقْدِيرِهِ فِعْلًا بَيْنَ الهَمْزَةِ والفاءِ في نَحْوِ: (أفَلَمْ يَسِيرُوا) ؟ (أفَلا تَعْقِلُونَ) ؟ وبَيْنَها وبَيْنَ الواوِ في نَحْوِ: (أوَلَمْ يَسِيرُوا) كَما وأنَّ المَذْهَبَ الصَّحِيحَ قَوْلُ سِيبَوَيْهِ والنَّحْوِيِّينَ أنَّ الفاءَ والواوَ مَنوِيٌّ بِهِما التَّقْدِيمُ لِعَطْفِ ما بَعْدَهُما عَلى ما قَبْلَهُما، وأنَّ الهَمْزَةَ تَقَدَّمَتْ لِكَوْنِ الِاسْتِفْهامِ لَهُ صَدْرُ الكَلامِ، ولا خِلافَ بَيْنَ الهَمْزَةِ والحَرْفِ، وقَدْ رَدَدْنا عَلَيْهِ قَوْلَهُ: وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ: المَعْنى: أفَنَتْرُكُ تَذْكِيرَكم وتَخْوِيفَكم عَفْوًا عَنْكم وعَفْوًا عَنْ إجْرامِكم ؟ أنْ كُنْتُمْ أوْ مِن أجْلِ أنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ ؟ أيْ هَذا لا يَصْلُحُ. ونَحا قَتادَةُ إلى أنَّ المَعْنى صَفْحًا، أيْ مَعْفُوًّا عَنْهُ، أيْ نَتْرُكُهُ. ثُمَّ لا تُؤاخَذُونَ بِقَوْلِهِ ولا بِتَدْبِيرِهِ، ولا تُنَبَّهُونَ عَلَيْهِ. وهَذا المَعْنى نَظِيرُ قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎تَمُرُّ الصَّبا صَفْحًا بِساكِنِ ذِي الفَضا ∗∗∗ ويَصْدَعُ قَلْبِي أنْ يَهُبَّ هُبُوبُها
(p-٦)وقَوْلِ كُثَيِّرٍ:
؎صَفُوحًا فَما تَلْقاكَ إلّا بَخِيلَةً ∗∗∗ فَمَن مَلَّ مِنها ذَلِكَ الوَصْلَ مَلَّتِ
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المَعْنى: أفَحَسِبْتُمْ أنْ نَصْفَحَ عَنْكم ولَمّا تَفْعَلُوا ما أُمِرْتُمْ بِهِ ؟ وقالَ الكَلْبِيُّ: أنْ نَتْرُكَكم هَمَلًا بِلا أمْرٍ ولا نَهْيٍ ؟ وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: أنْ لا نُعاقِبَكم بِالتَّكْذِيبِ ؟ وقِيلَ: أنْ نَتْرُكَ الإنْزالَ لِلْقُرْآنِ مِن أجْلِ تَكْذِيبِكم ؟ وقَرَأ حَسّانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الضُّبَعِيُّ، والسُّمَيْطُ بْنُ عُمَيْرٍ، وشُمَيْلُ بْنُ عُذْرَةَ: بِضَمِّ الصّادِ، والجُمْهُورُ: بِفَتْحِها، وهُما لُغَتانِ، كالسَّدِّ والسُّدِّ. وانْتِصابُ صَفْحًا عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مِن مَعْنى أفَنَضْرِبُ، لِأنَّ مَعْناهُ: أفَنَصْفَحُ ؟ أوْ مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ صافِحِينَ، قالَهُما الحَوْفِيُّ، وتَبِعَهُ أبُو البَقاءِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وصَفْحًا عَلى وجْهَيْنِ: إمّا مَصْدَرٌ مِن صَفَحَ عَنْهُ إذا أعْرَضَ مُنْتَصِبًا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ عَلى مَعْنى: أفَنَعْزِلُ عَنْكم إنْزالَ القُرْآنِ وإلْزامَ الحُجَّةِ بِهِ إعْراضًا عَنْكم ؟ وإمّا بِمَعْنى الجانِبِ مِن قَوْلِهِمْ: نَظَرَ إلَيْهِ بِصَفْحِ وجْهِهِ. وصَفْحُ وجْهِهِ عَلى مَعْنى: أفَنُنَحِّيهِ عَنْكم جانِبًا ؟ فَيُنْصَبُ عَلى الظَّرْفِ، كَما تَقُولُ: ضَعْهُ جانِبًا، وامْشِ جانِبًا. وتُعَضِّدُهُ قِراءَةُ مَن قَرَأ: صُفْحًا بِالضَّمِّ. وفي هَذِهِ القِراءَةِ وجْهٌ آخَرُ، وهو أنْ يَكُونَ تَخْفِيفَ صُفُحٍ جَمْعَ صُفُوحٍ، ويُنْتَصَبُ عَلى الحالِ، أيْ صافِحِينَ مُعْرِضِينَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: صَفْحًا، انْتِصابُهُ كانْتِصابِ (صُنْعَ اللَّهِ) . انْتَهى. يَعْنِي أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ، فَيَكُونُ العامِلُ فِيهِ مَحْذُوفًا، ولا يَظْهَرُ هَذا الَّذِي قالَهُ، فَلَيْسَ انْتِصابُهُ انْتِصابَ ”صُنْعَ اللَّهِ“ . وقَرَأ نافِعٌ والأخَوانِ: بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وإسْرافُهم كانَ مُتَحَقِّقًا. فَكَيْفَ دَخَلَتْ عَلَيْهِ ”إنْ“ الشَّرْطِيَّةُ الَّتِي لا تَدْخُلُ إلّا عَلى غَيْرِ المُتَحَقِّقِ، أوْ عَلى المُتَحَقِّقِ الَّذِي انْبَهَمَ زَمانُهُ ؟ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هو مِنَ الشَّرْطِ الَّذِي ذَكَرْتُ أنَّهُ يَصْدُرُ عَنِ المُدِلِّ بِصِحَّةِ الأمْرِ المُتَحَقِّقِ لِثُبُوتِهِ، كَما يَقُولُ الأجِيرُ: إنْ كُنْتُ عَمِلْتُ لَكَ فَوَفِّنِي حَقِّي، وهو عالِمٌ بِذَلِكَ، ولَكِنَّهُ يُخَيِّلُ في كَلامِهِ أنَّ تَفْرِيطَكَ في الخُرُوجِ عَنِ الحَقِّ فِعْلُ مَن لَهُ شَكٌّ في الِاسْتِحْقاقِ، مَعَ وُضُوحِهِ، اسْتِجْهالًا لَهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: أنْ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، أيْ مِن أجْلِ أنْ كُنْتُمْ. قالَ الشّاعِرُ:
؎أتَجْزَعُ أنْ بانَ الخَلِيطُ المُوَدِّعُ
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: إذْ كُنْتُمْ، بِذالٍ مَكانَ النُّونِ، لَمّا ذَكَرَ خِطابًا لِقُرَيْشٍ، ﴿أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ﴾ ؟ وكانَ هَذا الإنْكارُ دَلِيلًا عَلى تَكْذِيبِهِمْ لِلرَّسُولِ، وإنْكارًا لِما جاءَ بِهِ. آنَسَهُ تَعالى بِأنَّ عادَتَهم عادَةُ الأُمَمِ السّابِقَةِ مِنِ اسْتِهْزائِهِمْ بِالرُّسُلِ، وأنَّهُ تَعالى أهْلَكَ مَن كانَ أشَدَّ بَطْشًا مِن قُرَيْشٍ، أيْ أكْثَرَ عَدَدًا وعُدَدًا وجِلْدًا.
﴿ومَضى مَثَلُ الأوَّلِينَ﴾: أيْ فَلْيَحْذَرْ قُرَيْشٌ أنْ يَحِلَّ بِهِمْ مِثْلُ ما حَلَّ بِالأوَّلِينَ مُكَذِّبِي الرُّسُلِ مِنَ العُقُوبَةِ. قالَ مَعْناهُ قَتادَةُ: وهي العُقُوبَةُ الَّتِي سارَتْ سَيْرَ المَثَلِ، وقِيلَ: مَثَلُ الأوَّلِينَ في الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ، وقُرَيْشٌ سَلَكَتْ مَسْلَكَها، وكانَ مُقْبِلًا عَلَيْهِمْ بِالخِطابِ في قَوْلِهِ: ﴿أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ﴾ ؟ فَأعْرَضَ عَنْهم إلى إخْبارِ الغائِبِ في قَوْلِهِ: ﴿فَأهْلَكْنا أشَدَّ مِنهم بَطْشًا﴾ . (ولَئِنْ سَألْتَهم): احْتِجاجٌ عَلى قُرَيْشٍ بِما يُوجِبُ التَّناقُضَ، وهو إقْرارُهم بِأنَّ مُوجِدَ العالَمِ العُلْوِيِّ والسُّفْلِيِّ هو اللَّهُ، ثُمَّ هم يَتَّخِذُونَ أصْنامًا آلِهَةً مِن دُونِ اللَّهِ يَعْبُدُونَهم ويُعَظِّمُونَهم. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ومُقْتَضى الجَوابِ أنْ يَقُولُوا خَلَقَهُنَّ اللَّهُ، فَلَمّا ذَكَرَ تَعالى المَعْنى، جاءَتِ العِبارَةُ عَنِ اللَّهِ تَعالى بِالعَزِيزِ العَلِيمِ، لِيَكُونَ ذَلِكَ تَوْطِئَةً لِما عَدَّدَ مِن أوْصافِهِ الَّذِي ابْتَدَأ الإخْبارَ بِها، وقَطَعَها مِنَ الكَلامِ الَّذِي حَكى مَعْناهُ عَنْ قُرَيْشٍ. انْتَهى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَيَنْسِبُنَّ خَلْقَها إلى الَّذِي هَذِهِ أوْصافُهُ، ولَيَسْنِدُنَّهُ إلَيْهِ. انْتَهى. والظّاهِرُ أنَّ: ﴿خَلَقَهُنَّ العَزِيزُ العَلِيمُ﴾ نَفْسُ المَحْكِيِّ مِن كَلامِهِمْ، ولا يَدُلُّ كَوْنُهم ذَكَرُوا في مَكانٍ خَلَقَهُنَّ اللَّهُ، أنْ لا يَقُولُوا في سُؤالٍ آخَرَ: ﴿خَلَقَهُنَّ العَزِيزُ العَلِيمُ﴾ .
و(الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ): مِن كَلامِ اللَّهِ، خِطابًا لَهم بِتَذْكِيرِ نِعَمِهِ السّابِقَةِ. وكَرَّرَ الفِعْلَ في الجَوابِ في قَوْلِهِ: ﴿خَلَقَهُنَّ العَزِيزُ العَلِيمُ﴾، مُبالَغَةً في التَّوْكِيدِ. وفي غَيْرِ ما سُؤالٍ، اقْتَصَرُوا عَلى ذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ، إذْ هو العَلَمُ الجامِعُ لِلصِّفاتِ العُلا، وجاءَ الجَوابُ مُطابِقًا لِلسُّؤالِ مِن حَيْثُ (p-٧)المَعْنى، لا مِن حَيْثُ اللَّفْظُ، لِأنَّ مَن مُبْتَدَأٌ. فَلَوْ طابَقَ في اللَّفْظِ، كانَ بِالِاسْمِ مُبْتَدَأً، ولَمْ يَكُنْ بِالفِعْلِ. (لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ): أيْ إلى مَقاصِدِكم في السَّفَرِ، أوْ تَهْتَدُونَ بِالنَّظَرِ والِاعْتِبارِ. بِقَدَرٍ: أيْ بِقَضاءٍ وحَتْمٍ في الأزَلِ، أوْ بِكِفايَةٍ، لا كَثِيرًا فَيُفْسِدُ، ولا قَلِيلًا فَلا يُجْدِي.
﴿فَأنْشَرْنا﴾: أحْيَيْنا بِهِ.
﴿بَلْدَةً مَيْتًا﴾: ذُكِرَ عَلى مَعْنى القَطْرِ، و”بَلْدَةً“ اسْمُ جِنْسٍ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وعِيسى: مَيِّتًا بِالتَّشْدِيدِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: تُخْرَجُونَ: مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وابْنُ وثّابٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ جُبَيْرٍ المُصْبِحِ، وعِيسى، وابْنُ عامِرٍ، والأخَوانِ: مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. و(الأزْواجَ): الأنْواعَ مِن كُلِّ شَيْءٍ. قِيلَ: وكُلُّ ما سِوى اللَّهِ فَهو زَوْجٌ، كَفَوْقَ، وتَحْتَ، ويَمِينٍ، وشِمالٍ، وقُدّامٍ، وخَلْفٍ، وماضٍ، ومُسْتَقْبَلٍ، وذَواتٍ، وصِفاتٍ، وصَيْفٍ، وشِتاءٍ، ورَبِيعٍ، وخَرِيفٍ، وكَوْنُها أزْواجًا تَدُلُّ عَلى أنَّها مُمْكِنَةُ الوُجُودِ، ويَدُلُّ عَلى أنَّ مُحْدِثَها فَرْدٌ، وهو اللَّهُ المُنَزَّهُ عَنِ الضِّدِّ والمُقابِلِ والمُعارِضِ. انْتَهى.
(والأنْعامَ): المَعْهُودُ أنَّهُ لا يُرْكَبُ مِنَ الأنْعامِ إلّا الإبِلُ. ما: مَوْصُولَةٌ والعائِدُ مَحْذُوفٌ، أيْ ما يَرْكَبُونَهُ. ورَكِبَ بِالنِّسْبَةِ لِلْعِلَلِ، ويَتَعَدّى بِنَفْسِهِ عَلى المُتَعَدِّي بِوَساطَةِ في، إذِ التَّقْدِيرُ ما يَرْكَبُونَهُ. واللّامُ في لِتَسْتَوُوا: الظّاهِرُ أنَّها لامُ كَيْ. وقالَ الحَوْفِيُّ: ومَن أثْبَتَ لامَ الصَّيْرُورَةِ جازَ لَهُ أنْ يَقُولَ بِهِ هُنا. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لامُ الأمْرِ، وفِيهِ بُعْدٌ مِن حَيْثُ اسْتِعْمالُ أمْرِ المُخاطَبِ بِتاءِ الخِطابِ، وهو مِنَ القِلَّةِ بِحَيْثُ يَنْبَغِي أنْ لا يُقاسَ عَلَيْهِ. فالفَصِيحُ المُسْتَعْمَلُ: اضْرِبْ، وقِيلَ: لِتَضْرِبْ، بَلْ نَصَّ النَّحْوِيُّونَ عَلى أنَّها لُغَةٌ رَدِيئَةٌ قَلِيلَةٌ، إذْ لا تَكادُ تُحْفَظُ إلّا قِراءَةً شاذَّةً، فَبِذَلِكَ فَلْتَفْرَحُوا بِالتّاءِ لِلْخِطابِ. وما آثَرَ المُحَدِّثُونَ مِن قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «لِتَأْخُذُوا مَصافَّكم»، مَعَ احْتِمالِ أنَّ الرّاوِيَ رَوى بِالمَعْنى، وقَوْلُ الشّاعِرِ:
؎لِتَقُمْ أنْتَ يا ابْنَ خَيْرِ قُرَيْشٍ ∗∗∗ فَتَقْضِي حَوائِجَ المُسْلِمِينا
وزَعَمَ الزَّجّاجُ أنَّها لُغَةٌ جَيِّدَةٌ، وذَلِكَ خِلافُ ما زَعَمَ النَّحْوِيُّونَ. والضَّمِيرُ في ظُهُورِهِ عائِدٌ عَلى ما، كَأنَّهُ قالَ: عَلى ظُهُورِ ما تَرْكَبُونَ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، فَلِذَلِكَ حَسُنَ الجَمْعُ، لِأنَّ مَآلَها لَفْظٌ ومَعْنًى. فَمَن جَمَعَ فَبِاعْتِبارِ المَعْنى، ومَن أفْرَدَ فَبِاعْتِبارِ اللَّفْظِ، ويَعْنِي: ﴿مِنَ الفُلْكِ والأنْعامِ﴾ . وقالَ الفَرّاءُ نَحْوًا مِنهُ، قالَ: أضافَ الظُّهُورَ، ﴿ثُمَّ تَذْكُرُوا﴾، أيْ في قُلُوبِكم، ﴿نِعْمَةَ رَبِّكُمْ﴾، مُعْتَرِفِينَ بِها مُسْتَعْظِمِينَ لَها. لا يُرِيدُ الذِّكْرَ بِاللِّسانِ بَلْ بِالقَلْبِ، ولِذَلِكَ قابَلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا﴾، أيْ تُنَزِّهُوا اللَّهَ بِصَرِيحِ القَوْلِ. وجاءَ في الحَدِيثِ: «”أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ إذا وضَعَ رِجْلَهُ في الرِّكابِ قالَ: بِسْمِ اللَّهِ، فَإذا اسْتَوى عَلى الدّابَّةِ قالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ عَلى كُلِّ حالٍ، سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا، إلى قَوْلِهِ لَمُنْقَلِبُونَ، وكَبَّرَ ثَلاثًا وهَلَّلَ ثَلاثًا»، وقالُوا: إذا رَكِبَ في السَّفِينَةِ قالَ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها ومُرْساها﴾ [هود: ٤١] إلى رَحِيمٍ، ويُقالُ عِنْدَ النُّزُولِ مِنها: اللَّهُمَّ أنْزِلْنا مُنْزَلًا مُبارَكًا وأنْتَ خَيْرُ المُنْزِلِينَ“ . والقَرْنُ: الغالِبُ الضّابِطُ المُطِيقُ لِلشَّيْءِ، يُقالُ: أقْرَنَ الشَّيْءَ، إذا أطاقَهُ. قالَ ابْنُ هَرْمَةَ:
؎وأقْرَنْتِ ما حَمَّلْتِنِي ولَقَلَّما ∗∗∗ يُطاقُ احْتِمالُ الصَّدِّ يا دَعْدُ والهَجْرِ
وحَقِيقَةُ أقْرَنَهُ: وجَدَهُ قَرِينَتَهُ وما يُقْرَنُ بِهِ: لِأنَّ الصَّعْبَ لا يَكُونُ قَرِينَةً لِلضَّعْفِ. قالَ الشّاعِرُ:
؎وابْنُ اللَّبُونِ إذا ما لُزَّ في قَرَنٍ ∗∗∗ لَمْ يَسْتَطِعْ صَوْلَةَ البُزْلِ القَناعِيسِ
والقَرْنُ: الحَبْلُ الَّذِي يُقْرَنُ بِهِ. وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: فُلانٌ مُقْرِنٌ لِفُلانٍ، أيْ ضابِطٌ لَهُ، والمَعْنى: أنَّهُ لَيْسَ لَنا مِنَ القُوَّةِ ما نَضْبُطُ بِهِ الدّابَّةَ والفُلْكَ، وإنَّما اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَها. وأنْشَدَ قُطْرُبٌ لِعَمْرِو بْنِ مَعْدِيكَرِبَ:
؎لَقَدْ عَلِمَ القَبائِلُ ما عَقِيلٌ ∗∗∗ لَنا في النّائِباتِ بِمُقْرِنِينا
وقُرِئَ: لَمُقْتَرِنِينَ، اسْمُ فاعِلٍ مِنِ اقْتَرَنَ.
﴿وإنّا إلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ﴾: أيْ راجِعُونَ، وهو إقْرارٌ بِالرُّجُوعِ إلى اللَّهِ، وبِالبَعْثِ، لِأنَّ الرّاكِبَ في مَظَنَّةِ الهَلاكِ بِالغَرَقِ إذا رَكِبَ الفُلْكَ، وبِعُثُورِ الدّابَّةِ، إذْ رُكُوبُها أمْرٌ (p-٨)فِيهِ خَطَرٌ، ولا تُؤْمَنُ السَّلامَةُ فِيهِ. فَقَوْلُهُ هَذا تَذْكِيرٌ بِأنَّهُ مُسْتَشْعِرٌ الصَّيْرُورَةَ إلى اللَّهِ، ومُسْتَعِدٌّ لِلِقائِهِ، فَهو لا يَتْرُكُ ذَلِكَ مِن قَلْبِهِ ولا لِسانِهِ.
﴿وجَعَلُوا لَهُ﴾: أيْ وجَعَلَ كُفّارُ قُرَيْشٍ والعَرَبُ لَهُ، أيْ لِلَّهِ. مِن عِبادِهِ: أيْ مِمَّنْ هم عَبِيدُ اللَّهِ. جُزْءًا، قالَ مُجاهِدٌ: نَصِيبًا وحَظًّا، وهو قَوْلُ العَرَبِ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ. وقالَ قَتادَةُ: جُزْءًا، أيْ نِدًّا، وذَلِكَ هو الأصْنامُ وفِرْعَوْنُ ومَن عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ. وقِيلَ: الجُزْءُ: الإناثُ. قالَ بَعْضُ اللُّغَوِيِّينَ: يُقالُ أجْزَأتِ المَرْأةُ، إذا ولَدَتْ أُنْثى. قالَ الشّاعِرُ:
؎إنْ أجْزَأتْ حُرَّةٌ يَوْمًا فَلا عَجَبٌ ∗∗∗ قَدْ تُجْزِئُ الحُرَّةُ المِذْكارَ أحْيانًا
قِيلَ: هَذا البَيْتُ مَصْنُوعٌ، وكَذا قَوْلُهُ:
؎زَوَّجَها مِن بَناتِ الأوْسِ مُجْزِئَةً
ولَمّا تَقَدَّمَ أنَّهم مُعْتَرِفُونَ بِأنَّهُ تَعالى هو خالِقُ العالَمِ، أنْكَرَ عَلَيْهِمْ جَعْلَهم لِلَّهِ جُزْءًا، وقَدِ اعْتَرَفُوا بِأنَّهُ هو الخالِقُ، فَكَيْفَ وصَفُوهُ بِصِفَةِ المَخْلُوقِ ؟ ﴿إنَّ الإنْسانَ لَكَفُورٌ﴾ نِعْمَةَ خالِقِهِ. (مُبِينٌ): مُظْهِرٌ لِجُحُودِهِ. والمُرادُ بِالإنْسانِ: مَن جَعَلَ لِلَّهِ جُزْءًا، وغَيْرُهم مِنَ الكَفَرَةِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ومُبِينٌ في هَذا المَوْضِعِ غَيْرُ مُتَعَدٍّ. انْتَهى. ولَيْسَ يَتَعَيَّنُ ما ذَكَرَ، بَلْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ ظاهِرًا لِكُفْرانِ النِّعَمِ ومُظْهِرًا لِجُحُودِهِ، كَما قُلْنا.
﴿أمِ اتَّخَذَ مِمّا يَخْلُقُ بَناتٍ﴾ ؟ اسْتِفْهامُ إنْكارٍ وتَوْبِيخٍ لِقِلَّةِ عُقُولِهِمْ ؟ كَيْفَ زَعَمُوا أنَّهُ تَعالى اتَّخَذَ لِنَفْسِهِ ما أنْتُمْ تَكْرَهُونَهُ حِينَ أنْتُمْ تَسْوَدُّ وُجُوهُكم عِنْدَ التَّبْشِيرِ بِهِنَّ وتَئِدُونَهُنَّ ؟ (وأصْفاكم): جَعَلَ لَكم صَفْوَةَ ما هو مَحْبُوبٌ، وذَلِكَ البَنُونَ. وقَوْلُهُ: (مِمّا يَخْلُقُ)، تَنْبِيهٌ عَلى اسْتِحالَةِ الوَلَدِ، ذَكَرًا كانَ أوْ أُنْثى، وإنْ فُرِضَ اتِّخاذُ الوَلَدِ، فَكَيْفَ يَخْتارُ لَهُ الأدْنى ويَخُصُّكم بِالأعْلى ؟ وقَدَّمَ البَناتِ، لِأنَّهُ المُنْكَرُ عَلَيْهِمْ لِنِسْبَتِهِنَّ إلى اللَّهِ، وعَرَّفَ البَنِينَ دُونَ البَناتِ تَشْرِيفًا لَهم عَلى البَناتِ.
﴿وإذا بُشِّرَ أحَدُهُمْ﴾: تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِها في سُورَةِ النَّحْلِ.
﴿أوَمَن يُنَشَّأُ في الحِلْيَةِ﴾: أيْ يَنْتَقِلُ في عُمُرِهِ حالًا فَحالًا في الحِلْيَةِ، وهو الحُلِيُّ الَّذِي لا يَلِيقُ إلّا بِالإناثِ دُونَ الفُحُولِ، لِتَزَيُّنِهِنَّ بِذَلِكَ لِأزْواجِهِنَّ، وهو إنْ خاصَمَ، لا يُبِينُ لِضَعْفِ العَقْلِ ونَقْصِ التَّدَبُّرِ والتَّأمُّلِ، أظْهَرَ بِهَذا لِحُقُوقِهِنَّ وشُفُوفِ البَنِينَ عَلَيْهِنَّ. وكانَ في ذَلِكَ إشارَةٌ إلى أنَّ الرَّجُلَ لا يُناسِبُ لَهُ التَّزَيُّنُ كالمَرْأةِ، وأنْ يَكُونَ مُخْشَوْشِنًا. والفَحْلُ مِنَ الرِّجالِ أبى أنْ يَكُونَ مُتَّصِفًا بِصِفاتِ النِّساءِ، والظّاهِرُ أنَّهُ أرادَ بِمَن يُنَشَّأُ في الحِلْيَةِ: النِّساءُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ: ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وهُوَ في الخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾: أيْ لا يُظْهِرُ حُجَّةً، ولا يُقِيمُ دَلِيلًا، ولا يَكْشِفُ عَمّا في نَفْسِهِ كَشْفًا واضِحًا. ويُقالُ: قَلَّما تَجِدُ امْرَأةً لا تُفْسِدُ الكَلامَ، وتَخْلِطُ المَعانِيَ، حَتّى ذُكِرَ عَنْ بَعْضِ النّاسِ أنَّهُ قالَ: إذا دَخَلْنا عَلى فُلانَةٍ، لا نَخْرُجُ حَتّى نَعْلَمَ أنَّ عَقْلَها عَقْلُ امْرَأةٍ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: المُرادُ بِمَن يُنَشَّأُ في الحِلْيَةِ: الأصْنامُ، وكانُوا يَتَّخِذُونَ كَثِيرًا مِنها مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ، ويَجْعَلُونَ الحُلِيَّ عَلى كَثِيرٍ مِنها، ويُبْعِدُ هَذا القَوْلَ قَوْلُهُ: ﴿وهُوَ في الخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾، إلّا إنْ أُرِيدَ بِنَفْيِ الإبانَةِ نَفْيُ الخِصامِ أيْ لا يَكُونُ مِنها خِصامٌ فَإنَّهُ كَقَوْلِهِ:
؎عَلى لاحِبٍ لا يَهْتَدِي بِمَنارِهِ
أيْ: لا مَنارَ لَهُ فَيَهْتَدِي بِهِ. ومَن: في مَوْضِعِ نَصْبٍ، أيْ وجَعَلُوا مَن يُنَشَّأُ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ، أيْ مَن يُنَشَّأُ جَعَلُوهُ لِلَّهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: يُنَشَّأُ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، والجَحْدَرِيُّ في قَوْلٍ: مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مُخَفَّفًا، وابْنُ عَبّاسٍ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ والحَسَنُ ومُجاهِدٌ والجَحْدَرِيُّ: في رِوايَةٍ، والأخَوانِ وحَفْصٌ والمُفَضَّلُ وأبانٌ وابْنُ مِقْسَمٍ وهارُونُ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مُشَدَّدًا، والحَسَنُ: في رِوايَةٍ يُناشَأُ عَلى وزْنِ يُفاعَلُ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، والمُناشَأةُ بِمَعْنى الإنْشاءِ، كالمُعالاةِ بِمَعْنى الإعْلاءِ. و﴿فِي الخِصامِ﴾: مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ تَفْسِيرُهُ غَيْرُ مُبِينٍ، أيْ وهو لا يُبِينُ في الخِصامِ. ومَن أجازَ أمّا زَيْدًا غَيْرُ ضارِبٍ بِإعْمالِ المُضافِ إلَيْهِ في ”غَيْرُ“ أجازَ أنْ يَتَعَلَّقَ بِمُبِينٍ، أجْرى ”غَيْرُ“ مُجْرى لا. وبِتَقْدِيمِ مَعْمُولِ أمّا بَعْدَ لا مُخْتَلَفٌ فِيهِ، وقَدْ ذُكِرَ ذَلِكَ في النَّحْوِ.
الزخرف 43:8
(p-٢)(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)
(سُورَةُ الزُّخْرُفِ تِسْعٌ وثَمانُونَ آيَةً مَكِّيَّةٌ)
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)
(p-٣)﴿حم﴾ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ ﴿إنّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ ﴿وإنَّهُ في أُمِّ الكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ ﴿أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾ ﴿وكَمْ أرْسَلْنا مِن نَبِيٍّ في الأوَّلِينَ﴾ ﴿وما يَأْتِيهِمْ مِن نَبِيٍّ إلّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ﴿فَأهْلَكْنا أشَدَّ مِنهم بَطْشًا ومَضى مَثَلُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ العَزِيزُ العَلِيمُ﴾ ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا وجَعَلَ لَكم فِيها سُبُلًا لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ ﴿والَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ ﴿والَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ كُلَّها وجَعَلَ لَكم مِنَ الفُلْكِ والأنْعامِ ما تَرْكَبُونَ﴾ ﴿لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكم إذا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا وما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ ﴿وإنّا إلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ ﴿وجَعَلُوا لَهُ مِن عِبادِهِ جُزْءًا إنَّ الإنْسانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾ ﴿أمِ اتَّخَذَ مِمّا يَخْلُقُ بَناتٍ وأصْفاكم بِالبَنِينَ﴾ ﴿وإذا بُشِّرَ أحَدُهم بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وجْهُهُ مُسْوَدًّا وهو كَظِيمٌ﴾ ﴿أوَمَن يُنَشَّأُ في الحِلْيَةِ وهو في الخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ ﴿وجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا أشَهِدُوا خَلْقَهم سَتُكْتَبُ شَهادَتُهم ويُسْألُونَ﴾ [الزخرف: ١٩] ﴿وقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ ما عَبَدْناهم ما لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ إنْ هم إلّا يَخْرُصُونَ﴾ [الزخرف: ٢٠] ﴿أمْ آتَيْناهم كِتابًا مِن قَبْلِهِ فَهم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ﴾ [الزخرف: ٢١] ﴿بَلْ قالُوا إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٢] ﴿وكَذَلِكَ ما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ في قَرْيَةٍ مِن نَذِيرٍ إلّا قالَ مُتْرَفُوها إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٣] ﴿قالَ أوَلَوْ جِئْتُكم بِأهْدى مِمّا وجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكم قالُوا إنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ [الزخرف: ٢٤] ﴿فانْتَقَمْنا مِنهم فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ [الزخرف: ٢٥] ﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ إنَّنِي بَراءٌ مِمّا تَعْبُدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٦] ﴿إلّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ [الزخرف: ٢٧] ﴿وجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً في عَقِبِهِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ [الزخرف: ٢٨] ﴿بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلاءِ وآباءَهم حَتّى جاءَهُمُ الحَقُّ ورَسُولٌ مُبِينٌ﴾ [الزخرف: ٢٩] ﴿ولَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ قالُوا هَذا سِحْرٌ وإنّا بِهِ كافِرُونَ﴾ [الزخرف: ٣٠] ﴿وقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] ﴿أهم يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهم مَعِيشَتَهم في الحَياةِ الدُّنْيا ورَفَعْنا بَعْضَهم فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهم بَعْضًا سُخْرِيًّا ورَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾ [الزخرف: ٣٢] ﴿ولَوْلا أنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِن فَضَّةٍ ومَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ﴾ [الزخرف: ٣٣] ﴿ولِبُيُوتِهِمْ أبْوابًا وسُرُرًا عَلَيْها يَتَّكِئُونَ﴾ [الزخرف: ٣٤] ﴿وزُخْرُفًا وإنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمّا مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا والآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٣٥] ﴿ومَن يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا فَهو لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف: ٣٦] ﴿وإنَّهم لَيَصُدُّونَهم عَنِ السَّبِيلِ ويَحْسَبُونَ أنَّهم مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٣٧] ﴿حَتّى إذا جاءَنا قالَ يا لَيْتَ بَيْنِي وبَيْنَكَ بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ القَرِينُ﴾ [الزخرف: ٣٨] ﴿ولَنْ يَنْفَعَكُمُ اليَوْمَ إذْ ظَلَمْتُمْ أنَّكم في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف: ٣٩] ﴿أفَأنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أوْ تَهْدِي العُمْيَ ومَن كانَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الزخرف: ٤٠] ﴿فَإمّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإنّا مِنهم مُنْتَقِمُونَ﴾ [الزخرف: ٤١] ﴿أوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وعَدْناهم فَإنّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ﴾ [الزخرف: ٤٢] ﴿فاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إلَيْكَ إنَّكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الزخرف: ٤٣] ﴿وإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ وسَوْفَ تُسْألُونَ﴾ [الزخرف: ٤٤] ﴿واسْألْ مَن أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رُسُلِنا أجَعَلْنا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف: ٤٥] ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ فَقالَ إنِّي رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الزخرف: ٤٦] ﴿فَلَمّا جاءَهم بِآياتِنا إذا هم مِنها يَضْحَكُونَ﴾ [الزخرف: ٤٧] ﴿وما نُرِيهِمْ مِن آيَةٍ إلّا هي أكْبَرُ مِن أُخْتِها وأخَذْناهم بِالعَذابِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ [الزخرف: ٤٨] ﴿وقالُوا يا أيُّها السّاحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ إنَّنا لَمُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٤٩] ﴿فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُمُ العَذابَ إذا هم يَنْكُثُونَ﴾ [الزخرف: ٥٠] ﴿ونادى فِرْعَوْنُ في قَوْمِهِ قالَ يا قَوْمِ ألَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وهَذِهِ الأنْهارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الزخرف: ٥١] ﴿أمْ أنا خَيْرٌ مِن هَذا الَّذِي هو مَهِينٌ ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢] ﴿فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أسْوِرَةٌ مِن ذَهَبٍ أوْ جاءَ مَعَهُ المَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾ [الزخرف: ٥٣] ﴿فاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأطاعُوهُ إنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ [الزخرف: ٥٤] ﴿فَلَمّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنهم فَأغْرَقْناهم أجْمَعِينَ﴾ [الزخرف: ٥٥] ﴿فَجَعَلْناهم سَلَفًا ومَثَلًا لِلْآخِرِينَ﴾ [الزخرف: ٥٦] ﴿ولَمّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إذا قَوْمُكَ مِنهُ يَصِدُّونَ﴾ [الزخرف: ٥٧] ﴿وقالُوا أآلِهَتُنا خَيْرٌ أمْ هو ما ضَرَبُوهُ لَكَ إلّا جَدَلًا بَلْ هم قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف: ٥٨] ﴿إنْ هو إلّا عَبْدٌ أنْعَمْنا عَلَيْهِ وجَعَلْناهُ مَثَلًا لِبَنِي إسْرائِيلَ﴾ [الزخرف: ٥٩] ﴿ولَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنكم مَلائِكَةً في الأرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ [الزخرف: ٦٠] ﴿وإنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِها واتَّبِعُونِ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [الزخرف: ٦١] ﴿ولا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطانُ إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [الزخرف: ٦٢] ﴿ولَمّا جاءَ عِيسى بِالبَيِّناتِ قالَ قَدْ جِئْتُكم بِالحِكْمَةِ ولِأُبَيِّنَ لَكم بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ [الزخرف: ٦٣] ﴿إنَّ اللَّهَ هو رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [الزخرف: ٦٤] ﴿فاخْتَلَفَ الأحْزابُ مِن بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِن عَذابِ يَوْمٍ ألِيمٍ﴾ [الزخرف: ٦٥] ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا السّاعَةَ أنْ تَأْتِيَهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ [الزخرف: ٦٦] ﴿الأخِلّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلّا المُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧] ﴿يا عِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ [الزخرف: ٦٨] ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وكانُوا مُسْلِمِينَ﴾ [الزخرف: ٦٩] ﴿ادْخُلُوا الجَنَّةَ أنْتُمْ وأزْواجُكم تُحْبَرُونَ﴾ [الزخرف: ٧٠] ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مِن ذَهَبٍ وأكْوابٍ وفِيها ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وتَلَذُّ الأعْيُنُ وأنْتُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ [الزخرف: ٧١] ﴿وتِلْكَ الجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف: ٧٢] ﴿لَكم فِيها فاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنها تَأْكُلُونَ﴾ [الزخرف: ٧٣] ﴿إنَّ المُجْرِمِينَ في عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ﴾ [الزخرف: ٧٤] ﴿لا يُفَتَّرُ عَنْهم وهم فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ [الزخرف: ٧٥] ﴿وما ظَلَمْناهم ولَكِنْ كانُوا هُمُ الظّالِمِينَ﴾ [الزخرف: ٧٦] ﴿ونادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ قالَ إنَّكم ماكِثُونَ﴾ [الزخرف: ٧٧] ﴿لَقَدْ جِئْناكم بِالحَقِّ ولَكِنَّ أكْثَرَكم لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾ [الزخرف: ٧٨] ﴿أمْ أبْرَمُوا أمْرًا فَإنّا مُبْرِمُونَ﴾ [الزخرف: ٧٩] ﴿أمْ يَحْسَبُونَ أنّا لا نَسْمَعُ سِرَّهم ونَجْواهم بَلى ورُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف: ٨٠] ﴿قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾ [الزخرف: ٨١] ﴿سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ رَبِّ العَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ [الزخرف: ٨٢] ﴿فَذَرْهم يَخُوضُوا ويَلْعَبُوا حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ [الزخرف: ٨٣] ﴿وهُوَ الَّذِي في السَّماءِ إلَهٌ وفي الأرْضِ إلَهٌ وهو الحَكِيمُ العَلِيمُ﴾ [الزخرف: ٨٤] ﴿وتَبارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما وعِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [الزخرف: ٨٥] ﴿ولا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفاعَةَ إلّا مَن شَهِدَ بِالحَقِّ وهم يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦] ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَهم لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأنّى يُؤْفَكُونَ﴾ [الزخرف: ٨٧] ﴿وقِيلِهِ يا رَبِّ إنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الزخرف: ٨٨] ﴿فاصْفَحْ عَنْهم وقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٩] (p-٤)(يَعْشُو): يُعْرِضُ، ويَعْشى: يَعْمى. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لَمْ نَرَ أحَدًا حَكى: عَشَوْتُ عَنِ الشَّيْءِ: أعْرَضْتُ عَنْهُ، وإنَّما يُقالُ: تَعاشَيْتُ عَنْ كَذا وتَعامَيْتُ، إذا تَغافَلْتُ عَنْهُ. وتَقُولُ: عَشَوْتُ إلى النّارِ، إذا اسْتَدْلَلْتُ عَلَيْها بِبَصَرٍ ضَعِيفٍ. وقِيلَ: عَشى يَعْشى، إذا حَصَلَتِ الآفَةُ في بَصَرِهِ. وعَشا يَعْشُو: نَظَرَ المَعْشِيِّ ولا آفَةَ بِهِ، كَما قالَ: عَرَجَ لِمَن بِهِ الآفَةُ، وعَرَجَ لِمَن مَشى مِشْيَةَ العُرْجانِ مِن غَيْرِ عَرَجٍ. قالَ الحُطَيْئَةُ:
؎مَتى تَأْتِهِ تَعْشُو إلى ضَوْءِ نارِهِ تَجِدْ خَيْرَ نارٍ عِنْدَها خَيْرُ مَوْقِدِ
أيْ: تَنْظُرُ إلَيْها نَظَرَ المَعْشِيِّ لِما يَضْعُفُ بَصَرٌ مِن عَظِيمِ الوَقُودِ بِهِ، ومِنهُ قَوْلُ حاتِمٍ:
؎أعْشُو إذا ما جارَتِي بَرَزَتْ ∗∗∗ حَتّى يُوارِيَ جارَتِي الخِدْرُ
الصُّحْفَةُ، قالَ الجَوْهَرِيُّ: هي القَصْعَةُ، وقالَ الكِسائِيُّ: أعْظَمُ القِصاعِ الجَفْنَةُ، ثُمَّ القَصْعَةُ تَلِيها تَسَعُ العَشَرَةَ، ثُمَّ الصَّحْفَةُ تَسَعُ الخَمْسَةَ، ثُمَّ المَكِيلَةُ تَسَعُ الرَّجُلَيْنِ والثَّلاثَةَ. والصَّحِيفَةُ: الكِتابُ، والجَمْعُ: صُحُفٌ وصَحائِفُ. الكُوبُ، قالَ قُطْرُبٌ: الإبْرِيقُ لا عُرْوَةَ لَهُ. وقالَ الأخْفَشُ: الإبْرِيقُ لا خُرْطُومَ لَهُ، وقِيلَ: كالإبْرِيقِ، إلّا أنَّهُ لا أُذُنَ لَهُ ولا مِقْبَضَ. قالَ أبُو مَنصُورٍ الجَوالِيقِيُّ: إنَّما كانَ بِغَيْرِ عُرْوَةٍ لِيَشْرَبَ الشّارِبُ مِن أيْنَ شاءَ، لِأنَّ العُرْوَةَ تَرُدُّ الشّارِبَ مِن بَعْضِ الجِهاتِ. انْتَهى. وقالَ عَدِيٌّ:
؎مُتَّكِئًا تُصَفِّقُ أبْوابُهُ ∗∗∗ يَسْعى عَلَيْهِ العَبْدُ بِالكُوبِ
أبْرَمَ، قالَ الفَرّاءُ: أبْرَمَ الأمْرَ: بالَغَ في إحْكامِهِ، وأبْرَمَ القاتِلُ، إذا أدْهَمَ، وهو القَتْلُ الثّانِي، والأوَّلُ يُقالُ لَهُ سِجِّيلٌ، كَما قالَ زُهَيْرٌ:
؎مِن سِجِّيلٍ وبَرْمِ
انْتَهى. والإبْرامُ: أنْ يَجْمَعَ خَيْطَيْنِ ثُمَّ يَفْتِلَهُما فَتْلًا مُتْقَنًا، والبَرِيمُ: خَيْطٌ فِيهِ لَوْنانِ.
* *
(p-٥)﴿حم﴾ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ ﴿إنّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ ﴿وإنَّهُ في أُمِّ الكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ ﴿أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾ ﴿وكَمْ أرْسَلْنا مِن نَبِيٍّ في الأوَّلِينَ﴾ ﴿وما يَأْتِيهِمْ مِن نَبِيٍّ إلّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ﴿فَأهْلَكْنا أشَدَّ مِنهم بَطْشًا ومَضى مَثَلُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ العَزِيزُ العَلِيمُ﴾ ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا وجَعَلَ لَكم فِيها سُبُلًا لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ ﴿والَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ ﴿والَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ كُلَّها وجَعَلَ لَكم مِنَ الفُلْكِ والأنْعامِ ما تَرْكَبُونَ﴾ ﴿لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكم إذا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا وما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ ﴿وإنّا إلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ ﴿وجَعَلُوا لَهُ مِن عِبادِهِ جُزْءًا إنَّ الإنْسانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾ ﴿أمِ اتَّخَذَ مِمّا يَخْلُقُ بَناتٍ وأصْفاكم بِالبَنِينَ﴾ ﴿وإذا بُشِّرَ أحَدُهم بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وجْهُهُ مُسْوَدًّا وهو كَظِيمٌ﴾ ﴿أوَمَن يُنَشَّأُ في الحِلْيَةِ وهو في الخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ .
هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، وقالَ مُقاتِلٌ: إلّا قَوْلُهُ: ﴿واسْألْ مَن أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رُسُلِنا﴾ [الزخرف: ٤٥] . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: بِإجْماعِ أهْلِ العِلْمِ.
﴿إنّا جَعَلْناهُ﴾، أيْ صَيَّرْناهُ، أوْ سَمَّيْناهُ، وهو جَوابُ القَسَمِ، وهو مِنَ الأقْسامِ الحَسَنَةِ لِتَناسُبِ القَسَمِ والمُقْسَمِ عَلَيْهِ، وكَوْنِهِما مِن وادٍ واحِدٍ، ونَظِيرُهُ قَوْلُ أبِي تَمّامٍ:
؎وثَناياكِ إنَّها إغْرِيضٌ
وقِيلَ: والكِتابُ أُرِيدَ بِهِ الكُتُبُ المُنَزَّلَةُ، والضَّمِيرُ في جَعَلْناهُ يَعُودُ عَلى القُرْآنِ، وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ صَرِيحُ الذِّكْرِ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: جَعَلْناهُ، بِمَعْنى صَيَّرْناهُ، مُعَدًّى إلى مَفْعُولَيْنِ، أوْ بِمَعْنى خَلَقْناهُ مُعَدًّى إلى واحِدٍ، كَقَوْلِهِ: ﴿وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ﴾ [الأنعام: ١] . (وقُرْآنًا عَرَبِيًّا): حالٌ. ولَعَلَّ: مُسْتَعارَةٌ لِمَعْنى الإرادَةِ، لِتُلاحِظَ مَعْناها ومَعْنى التَّرَجِّي، أيْ خَلَقْناهُ عَرَبِيًّا غَيْرَ عَجَمِيٍّ. أرادَ أنْ تَعْقِلَهُ العَرَبُ، ولِئَلّا يَقُولُوا: ﴿لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُ﴾ [فصلت: ٤٤] . انْتَهى، وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ في كَوْنِ القُرْآنِ مَخْلُوقًا. و(أُمِّ الكِتابِ): اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، لِأنَّهُ الأصْلُ الَّذِي أُثْبِتَتْ فِيهِ الكُتُبُ، وهَذا فِيهِ تَشْرِيفٌ لِلْقُرْآنِ وتَرْفِيعٌ بِكَوْنِهِ لَدَيْهِ عَلِيًّا عَلى جَمِيعِ الكُتُبِ، وعالِيًا عَنْ وُجُوهِ الفَسادِ. حَكِيمًا: أيْ حاكِمًا عَلى سائِرِ الكُتُبِ، أوْ مُحْكَمًا بِكَوْنِهِ في غايَةِ البَلاغَةِ والفَصاحَةِ وصِحَّةِ المَعانِي. قالَ قَتادَةُ وعِكْرِمَةُ والسُّدِّيُّ: اللَّوْحُ المَحْفُوظُ: القُرْآنُ فِيهِ بِأجْمَعِهِ مَنسُوخٌ، ومِنهُ كانَ جِبْرِيلُ يَنْزِلُ. وقِيلَ: أُمُّ الكِتابِ: الآياتُ المُحْكَماتُ، لِقَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتابَ مِنهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتابِ﴾ [آل عمران: ٧]، ومَعْناهُ: أنَّ سُورَةَ حم واقِعَةٌ في الآياتِ المُحْكَماتِ الَّتِي هي الأُمُّ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: في أُمِّ، بِضَمِّ الهَمْزَةِ، والأخَوانِ بِكَسْرِها، وعَزاها ابْنُ عَطِيَّةَ يُوسُفُ بْنُ عَمْرٍو إلى العِراقِ، ولَمْ يَعْزُها لِلْأخَوانِ عَقْلَةً مِنهُ. يُقالُ: ضَرَبَ عَنْ كَذا، وأضْرَبَ عَنْهُ، إذا أعْرَضَ عَنْهُ. والذِّكْرَ، قالَ الضَّحّاكُ وأبُو صالِحٍ: القُرْآنُ، أيِ: أفَتَرائى عَنْكُمُ القُرْآنَ. وقَوْلُهم: ضَرَبَ الغَرائِبَ عَنِ الحَوْضِ، إذا أدارَها ونَحّاها، وقالَ الشّاعِرُ:
؎اضْرِبْ عَنْكَ الهُمُومَ طارِقَها ∗∗∗ ضَرْبَكَ بِالسَّيْفِ قَوْنَسَ الفَرَسِ
وقِيلَ: الذِّكْرَ: الدُّعاءُ إلى اللَّهِ والتَّخْوِيفُ مِن عِقابِهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: أنُهْمِلُكم فَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ إنْكارًا لِأنْ يَكُونَ الأمْرُ عَلى خِلافِ ما قُدِّمَ مِن إنْزالِهِ الكِتابَ وخَلْقِهِ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتَعْقِلُوهُ وتَعْمَلُوا بِمُوجَبِهِ. انْتَهى. وتَقَدَّمَ الكَلامُ مَعَهُ في تَقْدِيرِهِ فِعْلًا بَيْنَ الهَمْزَةِ والفاءِ في نَحْوِ: (أفَلَمْ يَسِيرُوا) ؟ (أفَلا تَعْقِلُونَ) ؟ وبَيْنَها وبَيْنَ الواوِ في نَحْوِ: (أوَلَمْ يَسِيرُوا) كَما وأنَّ المَذْهَبَ الصَّحِيحَ قَوْلُ سِيبَوَيْهِ والنَّحْوِيِّينَ أنَّ الفاءَ والواوَ مَنوِيٌّ بِهِما التَّقْدِيمُ لِعَطْفِ ما بَعْدَهُما عَلى ما قَبْلَهُما، وأنَّ الهَمْزَةَ تَقَدَّمَتْ لِكَوْنِ الِاسْتِفْهامِ لَهُ صَدْرُ الكَلامِ، ولا خِلافَ بَيْنَ الهَمْزَةِ والحَرْفِ، وقَدْ رَدَدْنا عَلَيْهِ قَوْلَهُ: وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ: المَعْنى: أفَنَتْرُكُ تَذْكِيرَكم وتَخْوِيفَكم عَفْوًا عَنْكم وعَفْوًا عَنْ إجْرامِكم ؟ أنْ كُنْتُمْ أوْ مِن أجْلِ أنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ ؟ أيْ هَذا لا يَصْلُحُ. ونَحا قَتادَةُ إلى أنَّ المَعْنى صَفْحًا، أيْ مَعْفُوًّا عَنْهُ، أيْ نَتْرُكُهُ. ثُمَّ لا تُؤاخَذُونَ بِقَوْلِهِ ولا بِتَدْبِيرِهِ، ولا تُنَبَّهُونَ عَلَيْهِ. وهَذا المَعْنى نَظِيرُ قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎تَمُرُّ الصَّبا صَفْحًا بِساكِنِ ذِي الفَضا ∗∗∗ ويَصْدَعُ قَلْبِي أنْ يَهُبَّ هُبُوبُها
(p-٦)وقَوْلِ كُثَيِّرٍ:
؎صَفُوحًا فَما تَلْقاكَ إلّا بَخِيلَةً ∗∗∗ فَمَن مَلَّ مِنها ذَلِكَ الوَصْلَ مَلَّتِ
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المَعْنى: أفَحَسِبْتُمْ أنْ نَصْفَحَ عَنْكم ولَمّا تَفْعَلُوا ما أُمِرْتُمْ بِهِ ؟ وقالَ الكَلْبِيُّ: أنْ نَتْرُكَكم هَمَلًا بِلا أمْرٍ ولا نَهْيٍ ؟ وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: أنْ لا نُعاقِبَكم بِالتَّكْذِيبِ ؟ وقِيلَ: أنْ نَتْرُكَ الإنْزالَ لِلْقُرْآنِ مِن أجْلِ تَكْذِيبِكم ؟ وقَرَأ حَسّانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الضُّبَعِيُّ، والسُّمَيْطُ بْنُ عُمَيْرٍ، وشُمَيْلُ بْنُ عُذْرَةَ: بِضَمِّ الصّادِ، والجُمْهُورُ: بِفَتْحِها، وهُما لُغَتانِ، كالسَّدِّ والسُّدِّ. وانْتِصابُ صَفْحًا عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مِن مَعْنى أفَنَضْرِبُ، لِأنَّ مَعْناهُ: أفَنَصْفَحُ ؟ أوْ مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ صافِحِينَ، قالَهُما الحَوْفِيُّ، وتَبِعَهُ أبُو البَقاءِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وصَفْحًا عَلى وجْهَيْنِ: إمّا مَصْدَرٌ مِن صَفَحَ عَنْهُ إذا أعْرَضَ مُنْتَصِبًا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ عَلى مَعْنى: أفَنَعْزِلُ عَنْكم إنْزالَ القُرْآنِ وإلْزامَ الحُجَّةِ بِهِ إعْراضًا عَنْكم ؟ وإمّا بِمَعْنى الجانِبِ مِن قَوْلِهِمْ: نَظَرَ إلَيْهِ بِصَفْحِ وجْهِهِ. وصَفْحُ وجْهِهِ عَلى مَعْنى: أفَنُنَحِّيهِ عَنْكم جانِبًا ؟ فَيُنْصَبُ عَلى الظَّرْفِ، كَما تَقُولُ: ضَعْهُ جانِبًا، وامْشِ جانِبًا. وتُعَضِّدُهُ قِراءَةُ مَن قَرَأ: صُفْحًا بِالضَّمِّ. وفي هَذِهِ القِراءَةِ وجْهٌ آخَرُ، وهو أنْ يَكُونَ تَخْفِيفَ صُفُحٍ جَمْعَ صُفُوحٍ، ويُنْتَصَبُ عَلى الحالِ، أيْ صافِحِينَ مُعْرِضِينَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: صَفْحًا، انْتِصابُهُ كانْتِصابِ (صُنْعَ اللَّهِ) . انْتَهى. يَعْنِي أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ، فَيَكُونُ العامِلُ فِيهِ مَحْذُوفًا، ولا يَظْهَرُ هَذا الَّذِي قالَهُ، فَلَيْسَ انْتِصابُهُ انْتِصابَ ”صُنْعَ اللَّهِ“ . وقَرَأ نافِعٌ والأخَوانِ: بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وإسْرافُهم كانَ مُتَحَقِّقًا. فَكَيْفَ دَخَلَتْ عَلَيْهِ ”إنْ“ الشَّرْطِيَّةُ الَّتِي لا تَدْخُلُ إلّا عَلى غَيْرِ المُتَحَقِّقِ، أوْ عَلى المُتَحَقِّقِ الَّذِي انْبَهَمَ زَمانُهُ ؟ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هو مِنَ الشَّرْطِ الَّذِي ذَكَرْتُ أنَّهُ يَصْدُرُ عَنِ المُدِلِّ بِصِحَّةِ الأمْرِ المُتَحَقِّقِ لِثُبُوتِهِ، كَما يَقُولُ الأجِيرُ: إنْ كُنْتُ عَمِلْتُ لَكَ فَوَفِّنِي حَقِّي، وهو عالِمٌ بِذَلِكَ، ولَكِنَّهُ يُخَيِّلُ في كَلامِهِ أنَّ تَفْرِيطَكَ في الخُرُوجِ عَنِ الحَقِّ فِعْلُ مَن لَهُ شَكٌّ في الِاسْتِحْقاقِ، مَعَ وُضُوحِهِ، اسْتِجْهالًا لَهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: أنْ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، أيْ مِن أجْلِ أنْ كُنْتُمْ. قالَ الشّاعِرُ:
؎أتَجْزَعُ أنْ بانَ الخَلِيطُ المُوَدِّعُ
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: إذْ كُنْتُمْ، بِذالٍ مَكانَ النُّونِ، لَمّا ذَكَرَ خِطابًا لِقُرَيْشٍ، ﴿أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ﴾ ؟ وكانَ هَذا الإنْكارُ دَلِيلًا عَلى تَكْذِيبِهِمْ لِلرَّسُولِ، وإنْكارًا لِما جاءَ بِهِ. آنَسَهُ تَعالى بِأنَّ عادَتَهم عادَةُ الأُمَمِ السّابِقَةِ مِنِ اسْتِهْزائِهِمْ بِالرُّسُلِ، وأنَّهُ تَعالى أهْلَكَ مَن كانَ أشَدَّ بَطْشًا مِن قُرَيْشٍ، أيْ أكْثَرَ عَدَدًا وعُدَدًا وجِلْدًا.
﴿ومَضى مَثَلُ الأوَّلِينَ﴾: أيْ فَلْيَحْذَرْ قُرَيْشٌ أنْ يَحِلَّ بِهِمْ مِثْلُ ما حَلَّ بِالأوَّلِينَ مُكَذِّبِي الرُّسُلِ مِنَ العُقُوبَةِ. قالَ مَعْناهُ قَتادَةُ: وهي العُقُوبَةُ الَّتِي سارَتْ سَيْرَ المَثَلِ، وقِيلَ: مَثَلُ الأوَّلِينَ في الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ، وقُرَيْشٌ سَلَكَتْ مَسْلَكَها، وكانَ مُقْبِلًا عَلَيْهِمْ بِالخِطابِ في قَوْلِهِ: ﴿أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ﴾ ؟ فَأعْرَضَ عَنْهم إلى إخْبارِ الغائِبِ في قَوْلِهِ: ﴿فَأهْلَكْنا أشَدَّ مِنهم بَطْشًا﴾ . (ولَئِنْ سَألْتَهم): احْتِجاجٌ عَلى قُرَيْشٍ بِما يُوجِبُ التَّناقُضَ، وهو إقْرارُهم بِأنَّ مُوجِدَ العالَمِ العُلْوِيِّ والسُّفْلِيِّ هو اللَّهُ، ثُمَّ هم يَتَّخِذُونَ أصْنامًا آلِهَةً مِن دُونِ اللَّهِ يَعْبُدُونَهم ويُعَظِّمُونَهم. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ومُقْتَضى الجَوابِ أنْ يَقُولُوا خَلَقَهُنَّ اللَّهُ، فَلَمّا ذَكَرَ تَعالى المَعْنى، جاءَتِ العِبارَةُ عَنِ اللَّهِ تَعالى بِالعَزِيزِ العَلِيمِ، لِيَكُونَ ذَلِكَ تَوْطِئَةً لِما عَدَّدَ مِن أوْصافِهِ الَّذِي ابْتَدَأ الإخْبارَ بِها، وقَطَعَها مِنَ الكَلامِ الَّذِي حَكى مَعْناهُ عَنْ قُرَيْشٍ. انْتَهى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَيَنْسِبُنَّ خَلْقَها إلى الَّذِي هَذِهِ أوْصافُهُ، ولَيَسْنِدُنَّهُ إلَيْهِ. انْتَهى. والظّاهِرُ أنَّ: ﴿خَلَقَهُنَّ العَزِيزُ العَلِيمُ﴾ نَفْسُ المَحْكِيِّ مِن كَلامِهِمْ، ولا يَدُلُّ كَوْنُهم ذَكَرُوا في مَكانٍ خَلَقَهُنَّ اللَّهُ، أنْ لا يَقُولُوا في سُؤالٍ آخَرَ: ﴿خَلَقَهُنَّ العَزِيزُ العَلِيمُ﴾ .
و(الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ): مِن كَلامِ اللَّهِ، خِطابًا لَهم بِتَذْكِيرِ نِعَمِهِ السّابِقَةِ. وكَرَّرَ الفِعْلَ في الجَوابِ في قَوْلِهِ: ﴿خَلَقَهُنَّ العَزِيزُ العَلِيمُ﴾، مُبالَغَةً في التَّوْكِيدِ. وفي غَيْرِ ما سُؤالٍ، اقْتَصَرُوا عَلى ذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ، إذْ هو العَلَمُ الجامِعُ لِلصِّفاتِ العُلا، وجاءَ الجَوابُ مُطابِقًا لِلسُّؤالِ مِن حَيْثُ (p-٧)المَعْنى، لا مِن حَيْثُ اللَّفْظُ، لِأنَّ مَن مُبْتَدَأٌ. فَلَوْ طابَقَ في اللَّفْظِ، كانَ بِالِاسْمِ مُبْتَدَأً، ولَمْ يَكُنْ بِالفِعْلِ. (لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ): أيْ إلى مَقاصِدِكم في السَّفَرِ، أوْ تَهْتَدُونَ بِالنَّظَرِ والِاعْتِبارِ. بِقَدَرٍ: أيْ بِقَضاءٍ وحَتْمٍ في الأزَلِ، أوْ بِكِفايَةٍ، لا كَثِيرًا فَيُفْسِدُ، ولا قَلِيلًا فَلا يُجْدِي.
﴿فَأنْشَرْنا﴾: أحْيَيْنا بِهِ.
﴿بَلْدَةً مَيْتًا﴾: ذُكِرَ عَلى مَعْنى القَطْرِ، و”بَلْدَةً“ اسْمُ جِنْسٍ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وعِيسى: مَيِّتًا بِالتَّشْدِيدِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: تُخْرَجُونَ: مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وابْنُ وثّابٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ جُبَيْرٍ المُصْبِحِ، وعِيسى، وابْنُ عامِرٍ، والأخَوانِ: مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. و(الأزْواجَ): الأنْواعَ مِن كُلِّ شَيْءٍ. قِيلَ: وكُلُّ ما سِوى اللَّهِ فَهو زَوْجٌ، كَفَوْقَ، وتَحْتَ، ويَمِينٍ، وشِمالٍ، وقُدّامٍ، وخَلْفٍ، وماضٍ، ومُسْتَقْبَلٍ، وذَواتٍ، وصِفاتٍ، وصَيْفٍ، وشِتاءٍ، ورَبِيعٍ، وخَرِيفٍ، وكَوْنُها أزْواجًا تَدُلُّ عَلى أنَّها مُمْكِنَةُ الوُجُودِ، ويَدُلُّ عَلى أنَّ مُحْدِثَها فَرْدٌ، وهو اللَّهُ المُنَزَّهُ عَنِ الضِّدِّ والمُقابِلِ والمُعارِضِ. انْتَهى.
(والأنْعامَ): المَعْهُودُ أنَّهُ لا يُرْكَبُ مِنَ الأنْعامِ إلّا الإبِلُ. ما: مَوْصُولَةٌ والعائِدُ مَحْذُوفٌ، أيْ ما يَرْكَبُونَهُ. ورَكِبَ بِالنِّسْبَةِ لِلْعِلَلِ، ويَتَعَدّى بِنَفْسِهِ عَلى المُتَعَدِّي بِوَساطَةِ في، إذِ التَّقْدِيرُ ما يَرْكَبُونَهُ. واللّامُ في لِتَسْتَوُوا: الظّاهِرُ أنَّها لامُ كَيْ. وقالَ الحَوْفِيُّ: ومَن أثْبَتَ لامَ الصَّيْرُورَةِ جازَ لَهُ أنْ يَقُولَ بِهِ هُنا. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لامُ الأمْرِ، وفِيهِ بُعْدٌ مِن حَيْثُ اسْتِعْمالُ أمْرِ المُخاطَبِ بِتاءِ الخِطابِ، وهو مِنَ القِلَّةِ بِحَيْثُ يَنْبَغِي أنْ لا يُقاسَ عَلَيْهِ. فالفَصِيحُ المُسْتَعْمَلُ: اضْرِبْ، وقِيلَ: لِتَضْرِبْ، بَلْ نَصَّ النَّحْوِيُّونَ عَلى أنَّها لُغَةٌ رَدِيئَةٌ قَلِيلَةٌ، إذْ لا تَكادُ تُحْفَظُ إلّا قِراءَةً شاذَّةً، فَبِذَلِكَ فَلْتَفْرَحُوا بِالتّاءِ لِلْخِطابِ. وما آثَرَ المُحَدِّثُونَ مِن قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «لِتَأْخُذُوا مَصافَّكم»، مَعَ احْتِمالِ أنَّ الرّاوِيَ رَوى بِالمَعْنى، وقَوْلُ الشّاعِرِ:
؎لِتَقُمْ أنْتَ يا ابْنَ خَيْرِ قُرَيْشٍ ∗∗∗ فَتَقْضِي حَوائِجَ المُسْلِمِينا
وزَعَمَ الزَّجّاجُ أنَّها لُغَةٌ جَيِّدَةٌ، وذَلِكَ خِلافُ ما زَعَمَ النَّحْوِيُّونَ. والضَّمِيرُ في ظُهُورِهِ عائِدٌ عَلى ما، كَأنَّهُ قالَ: عَلى ظُهُورِ ما تَرْكَبُونَ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، فَلِذَلِكَ حَسُنَ الجَمْعُ، لِأنَّ مَآلَها لَفْظٌ ومَعْنًى. فَمَن جَمَعَ فَبِاعْتِبارِ المَعْنى، ومَن أفْرَدَ فَبِاعْتِبارِ اللَّفْظِ، ويَعْنِي: ﴿مِنَ الفُلْكِ والأنْعامِ﴾ . وقالَ الفَرّاءُ نَحْوًا مِنهُ، قالَ: أضافَ الظُّهُورَ، ﴿ثُمَّ تَذْكُرُوا﴾، أيْ في قُلُوبِكم، ﴿نِعْمَةَ رَبِّكُمْ﴾، مُعْتَرِفِينَ بِها مُسْتَعْظِمِينَ لَها. لا يُرِيدُ الذِّكْرَ بِاللِّسانِ بَلْ بِالقَلْبِ، ولِذَلِكَ قابَلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا﴾، أيْ تُنَزِّهُوا اللَّهَ بِصَرِيحِ القَوْلِ. وجاءَ في الحَدِيثِ: «”أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ إذا وضَعَ رِجْلَهُ في الرِّكابِ قالَ: بِسْمِ اللَّهِ، فَإذا اسْتَوى عَلى الدّابَّةِ قالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ عَلى كُلِّ حالٍ، سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا، إلى قَوْلِهِ لَمُنْقَلِبُونَ، وكَبَّرَ ثَلاثًا وهَلَّلَ ثَلاثًا»، وقالُوا: إذا رَكِبَ في السَّفِينَةِ قالَ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها ومُرْساها﴾ [هود: ٤١] إلى رَحِيمٍ، ويُقالُ عِنْدَ النُّزُولِ مِنها: اللَّهُمَّ أنْزِلْنا مُنْزَلًا مُبارَكًا وأنْتَ خَيْرُ المُنْزِلِينَ“ . والقَرْنُ: الغالِبُ الضّابِطُ المُطِيقُ لِلشَّيْءِ، يُقالُ: أقْرَنَ الشَّيْءَ، إذا أطاقَهُ. قالَ ابْنُ هَرْمَةَ:
؎وأقْرَنْتِ ما حَمَّلْتِنِي ولَقَلَّما ∗∗∗ يُطاقُ احْتِمالُ الصَّدِّ يا دَعْدُ والهَجْرِ
وحَقِيقَةُ أقْرَنَهُ: وجَدَهُ قَرِينَتَهُ وما يُقْرَنُ بِهِ: لِأنَّ الصَّعْبَ لا يَكُونُ قَرِينَةً لِلضَّعْفِ. قالَ الشّاعِرُ:
؎وابْنُ اللَّبُونِ إذا ما لُزَّ في قَرَنٍ ∗∗∗ لَمْ يَسْتَطِعْ صَوْلَةَ البُزْلِ القَناعِيسِ
والقَرْنُ: الحَبْلُ الَّذِي يُقْرَنُ بِهِ. وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: فُلانٌ مُقْرِنٌ لِفُلانٍ، أيْ ضابِطٌ لَهُ، والمَعْنى: أنَّهُ لَيْسَ لَنا مِنَ القُوَّةِ ما نَضْبُطُ بِهِ الدّابَّةَ والفُلْكَ، وإنَّما اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَها. وأنْشَدَ قُطْرُبٌ لِعَمْرِو بْنِ مَعْدِيكَرِبَ:
؎لَقَدْ عَلِمَ القَبائِلُ ما عَقِيلٌ ∗∗∗ لَنا في النّائِباتِ بِمُقْرِنِينا
وقُرِئَ: لَمُقْتَرِنِينَ، اسْمُ فاعِلٍ مِنِ اقْتَرَنَ.
﴿وإنّا إلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ﴾: أيْ راجِعُونَ، وهو إقْرارٌ بِالرُّجُوعِ إلى اللَّهِ، وبِالبَعْثِ، لِأنَّ الرّاكِبَ في مَظَنَّةِ الهَلاكِ بِالغَرَقِ إذا رَكِبَ الفُلْكَ، وبِعُثُورِ الدّابَّةِ، إذْ رُكُوبُها أمْرٌ (p-٨)فِيهِ خَطَرٌ، ولا تُؤْمَنُ السَّلامَةُ فِيهِ. فَقَوْلُهُ هَذا تَذْكِيرٌ بِأنَّهُ مُسْتَشْعِرٌ الصَّيْرُورَةَ إلى اللَّهِ، ومُسْتَعِدٌّ لِلِقائِهِ، فَهو لا يَتْرُكُ ذَلِكَ مِن قَلْبِهِ ولا لِسانِهِ.
﴿وجَعَلُوا لَهُ﴾: أيْ وجَعَلَ كُفّارُ قُرَيْشٍ والعَرَبُ لَهُ، أيْ لِلَّهِ. مِن عِبادِهِ: أيْ مِمَّنْ هم عَبِيدُ اللَّهِ. جُزْءًا، قالَ مُجاهِدٌ: نَصِيبًا وحَظًّا، وهو قَوْلُ العَرَبِ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ. وقالَ قَتادَةُ: جُزْءًا، أيْ نِدًّا، وذَلِكَ هو الأصْنامُ وفِرْعَوْنُ ومَن عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ. وقِيلَ: الجُزْءُ: الإناثُ. قالَ بَعْضُ اللُّغَوِيِّينَ: يُقالُ أجْزَأتِ المَرْأةُ، إذا ولَدَتْ أُنْثى. قالَ الشّاعِرُ:
؎إنْ أجْزَأتْ حُرَّةٌ يَوْمًا فَلا عَجَبٌ ∗∗∗ قَدْ تُجْزِئُ الحُرَّةُ المِذْكارَ أحْيانًا
قِيلَ: هَذا البَيْتُ مَصْنُوعٌ، وكَذا قَوْلُهُ:
؎زَوَّجَها مِن بَناتِ الأوْسِ مُجْزِئَةً
ولَمّا تَقَدَّمَ أنَّهم مُعْتَرِفُونَ بِأنَّهُ تَعالى هو خالِقُ العالَمِ، أنْكَرَ عَلَيْهِمْ جَعْلَهم لِلَّهِ جُزْءًا، وقَدِ اعْتَرَفُوا بِأنَّهُ هو الخالِقُ، فَكَيْفَ وصَفُوهُ بِصِفَةِ المَخْلُوقِ ؟ ﴿إنَّ الإنْسانَ لَكَفُورٌ﴾ نِعْمَةَ خالِقِهِ. (مُبِينٌ): مُظْهِرٌ لِجُحُودِهِ. والمُرادُ بِالإنْسانِ: مَن جَعَلَ لِلَّهِ جُزْءًا، وغَيْرُهم مِنَ الكَفَرَةِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ومُبِينٌ في هَذا المَوْضِعِ غَيْرُ مُتَعَدٍّ. انْتَهى. ولَيْسَ يَتَعَيَّنُ ما ذَكَرَ، بَلْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ ظاهِرًا لِكُفْرانِ النِّعَمِ ومُظْهِرًا لِجُحُودِهِ، كَما قُلْنا.
﴿أمِ اتَّخَذَ مِمّا يَخْلُقُ بَناتٍ﴾ ؟ اسْتِفْهامُ إنْكارٍ وتَوْبِيخٍ لِقِلَّةِ عُقُولِهِمْ ؟ كَيْفَ زَعَمُوا أنَّهُ تَعالى اتَّخَذَ لِنَفْسِهِ ما أنْتُمْ تَكْرَهُونَهُ حِينَ أنْتُمْ تَسْوَدُّ وُجُوهُكم عِنْدَ التَّبْشِيرِ بِهِنَّ وتَئِدُونَهُنَّ ؟ (وأصْفاكم): جَعَلَ لَكم صَفْوَةَ ما هو مَحْبُوبٌ، وذَلِكَ البَنُونَ. وقَوْلُهُ: (مِمّا يَخْلُقُ)، تَنْبِيهٌ عَلى اسْتِحالَةِ الوَلَدِ، ذَكَرًا كانَ أوْ أُنْثى، وإنْ فُرِضَ اتِّخاذُ الوَلَدِ، فَكَيْفَ يَخْتارُ لَهُ الأدْنى ويَخُصُّكم بِالأعْلى ؟ وقَدَّمَ البَناتِ، لِأنَّهُ المُنْكَرُ عَلَيْهِمْ لِنِسْبَتِهِنَّ إلى اللَّهِ، وعَرَّفَ البَنِينَ دُونَ البَناتِ تَشْرِيفًا لَهم عَلى البَناتِ.
﴿وإذا بُشِّرَ أحَدُهُمْ﴾: تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِها في سُورَةِ النَّحْلِ.
﴿أوَمَن يُنَشَّأُ في الحِلْيَةِ﴾: أيْ يَنْتَقِلُ في عُمُرِهِ حالًا فَحالًا في الحِلْيَةِ، وهو الحُلِيُّ الَّذِي لا يَلِيقُ إلّا بِالإناثِ دُونَ الفُحُولِ، لِتَزَيُّنِهِنَّ بِذَلِكَ لِأزْواجِهِنَّ، وهو إنْ خاصَمَ، لا يُبِينُ لِضَعْفِ العَقْلِ ونَقْصِ التَّدَبُّرِ والتَّأمُّلِ، أظْهَرَ بِهَذا لِحُقُوقِهِنَّ وشُفُوفِ البَنِينَ عَلَيْهِنَّ. وكانَ في ذَلِكَ إشارَةٌ إلى أنَّ الرَّجُلَ لا يُناسِبُ لَهُ التَّزَيُّنُ كالمَرْأةِ، وأنْ يَكُونَ مُخْشَوْشِنًا. والفَحْلُ مِنَ الرِّجالِ أبى أنْ يَكُونَ مُتَّصِفًا بِصِفاتِ النِّساءِ، والظّاهِرُ أنَّهُ أرادَ بِمَن يُنَشَّأُ في الحِلْيَةِ: النِّساءُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ: ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وهُوَ في الخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾: أيْ لا يُظْهِرُ حُجَّةً، ولا يُقِيمُ دَلِيلًا، ولا يَكْشِفُ عَمّا في نَفْسِهِ كَشْفًا واضِحًا. ويُقالُ: قَلَّما تَجِدُ امْرَأةً لا تُفْسِدُ الكَلامَ، وتَخْلِطُ المَعانِيَ، حَتّى ذُكِرَ عَنْ بَعْضِ النّاسِ أنَّهُ قالَ: إذا دَخَلْنا عَلى فُلانَةٍ، لا نَخْرُجُ حَتّى نَعْلَمَ أنَّ عَقْلَها عَقْلُ امْرَأةٍ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: المُرادُ بِمَن يُنَشَّأُ في الحِلْيَةِ: الأصْنامُ، وكانُوا يَتَّخِذُونَ كَثِيرًا مِنها مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ، ويَجْعَلُونَ الحُلِيَّ عَلى كَثِيرٍ مِنها، ويُبْعِدُ هَذا القَوْلَ قَوْلُهُ: ﴿وهُوَ في الخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾، إلّا إنْ أُرِيدَ بِنَفْيِ الإبانَةِ نَفْيُ الخِصامِ أيْ لا يَكُونُ مِنها خِصامٌ فَإنَّهُ كَقَوْلِهِ:
؎عَلى لاحِبٍ لا يَهْتَدِي بِمَنارِهِ
أيْ: لا مَنارَ لَهُ فَيَهْتَدِي بِهِ. ومَن: في مَوْضِعِ نَصْبٍ، أيْ وجَعَلُوا مَن يُنَشَّأُ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ، أيْ مَن يُنَشَّأُ جَعَلُوهُ لِلَّهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: يُنَشَّأُ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، والجَحْدَرِيُّ في قَوْلٍ: مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مُخَفَّفًا، وابْنُ عَبّاسٍ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ والحَسَنُ ومُجاهِدٌ والجَحْدَرِيُّ: في رِوايَةٍ، والأخَوانِ وحَفْصٌ والمُفَضَّلُ وأبانٌ وابْنُ مِقْسَمٍ وهارُونُ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مُشَدَّدًا، والحَسَنُ: في رِوايَةٍ يُناشَأُ عَلى وزْنِ يُفاعَلُ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، والمُناشَأةُ بِمَعْنى الإنْشاءِ، كالمُعالاةِ بِمَعْنى الإعْلاءِ. و﴿فِي الخِصامِ﴾: مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ تَفْسِيرُهُ غَيْرُ مُبِينٍ، أيْ وهو لا يُبِينُ في الخِصامِ. ومَن أجازَ أمّا زَيْدًا غَيْرُ ضارِبٍ بِإعْمالِ المُضافِ إلَيْهِ في ”غَيْرُ“ أجازَ أنْ يَتَعَلَّقَ بِمُبِينٍ، أجْرى ”غَيْرُ“ مُجْرى لا. وبِتَقْدِيمِ مَعْمُولِ أمّا بَعْدَ لا مُخْتَلَفٌ فِيهِ، وقَدْ ذُكِرَ ذَلِكَ في النَّحْوِ.
الزخرف 43:9
(p-٢)(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)
(سُورَةُ الزُّخْرُفِ تِسْعٌ وثَمانُونَ آيَةً مَكِّيَّةٌ)
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)
(p-٣)﴿حم﴾ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ ﴿إنّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ ﴿وإنَّهُ في أُمِّ الكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ ﴿أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾ ﴿وكَمْ أرْسَلْنا مِن نَبِيٍّ في الأوَّلِينَ﴾ ﴿وما يَأْتِيهِمْ مِن نَبِيٍّ إلّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ﴿فَأهْلَكْنا أشَدَّ مِنهم بَطْشًا ومَضى مَثَلُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ العَزِيزُ العَلِيمُ﴾ ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا وجَعَلَ لَكم فِيها سُبُلًا لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ ﴿والَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ ﴿والَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ كُلَّها وجَعَلَ لَكم مِنَ الفُلْكِ والأنْعامِ ما تَرْكَبُونَ﴾ ﴿لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكم إذا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا وما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ ﴿وإنّا إلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ ﴿وجَعَلُوا لَهُ مِن عِبادِهِ جُزْءًا إنَّ الإنْسانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾ ﴿أمِ اتَّخَذَ مِمّا يَخْلُقُ بَناتٍ وأصْفاكم بِالبَنِينَ﴾ ﴿وإذا بُشِّرَ أحَدُهم بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وجْهُهُ مُسْوَدًّا وهو كَظِيمٌ﴾ ﴿أوَمَن يُنَشَّأُ في الحِلْيَةِ وهو في الخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ ﴿وجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا أشَهِدُوا خَلْقَهم سَتُكْتَبُ شَهادَتُهم ويُسْألُونَ﴾ [الزخرف: ١٩] ﴿وقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ ما عَبَدْناهم ما لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ إنْ هم إلّا يَخْرُصُونَ﴾ [الزخرف: ٢٠] ﴿أمْ آتَيْناهم كِتابًا مِن قَبْلِهِ فَهم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ﴾ [الزخرف: ٢١] ﴿بَلْ قالُوا إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٢] ﴿وكَذَلِكَ ما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ في قَرْيَةٍ مِن نَذِيرٍ إلّا قالَ مُتْرَفُوها إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٣] ﴿قالَ أوَلَوْ جِئْتُكم بِأهْدى مِمّا وجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكم قالُوا إنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ [الزخرف: ٢٤] ﴿فانْتَقَمْنا مِنهم فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ [الزخرف: ٢٥] ﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ إنَّنِي بَراءٌ مِمّا تَعْبُدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٦] ﴿إلّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ [الزخرف: ٢٧] ﴿وجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً في عَقِبِهِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ [الزخرف: ٢٨] ﴿بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلاءِ وآباءَهم حَتّى جاءَهُمُ الحَقُّ ورَسُولٌ مُبِينٌ﴾ [الزخرف: ٢٩] ﴿ولَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ قالُوا هَذا سِحْرٌ وإنّا بِهِ كافِرُونَ﴾ [الزخرف: ٣٠] ﴿وقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] ﴿أهم يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهم مَعِيشَتَهم في الحَياةِ الدُّنْيا ورَفَعْنا بَعْضَهم فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهم بَعْضًا سُخْرِيًّا ورَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾ [الزخرف: ٣٢] ﴿ولَوْلا أنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِن فَضَّةٍ ومَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ﴾ [الزخرف: ٣٣] ﴿ولِبُيُوتِهِمْ أبْوابًا وسُرُرًا عَلَيْها يَتَّكِئُونَ﴾ [الزخرف: ٣٤] ﴿وزُخْرُفًا وإنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمّا مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا والآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٣٥] ﴿ومَن يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا فَهو لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف: ٣٦] ﴿وإنَّهم لَيَصُدُّونَهم عَنِ السَّبِيلِ ويَحْسَبُونَ أنَّهم مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٣٧] ﴿حَتّى إذا جاءَنا قالَ يا لَيْتَ بَيْنِي وبَيْنَكَ بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ القَرِينُ﴾ [الزخرف: ٣٨] ﴿ولَنْ يَنْفَعَكُمُ اليَوْمَ إذْ ظَلَمْتُمْ أنَّكم في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف: ٣٩] ﴿أفَأنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أوْ تَهْدِي العُمْيَ ومَن كانَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الزخرف: ٤٠] ﴿فَإمّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإنّا مِنهم مُنْتَقِمُونَ﴾ [الزخرف: ٤١] ﴿أوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وعَدْناهم فَإنّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ﴾ [الزخرف: ٤٢] ﴿فاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إلَيْكَ إنَّكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الزخرف: ٤٣] ﴿وإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ وسَوْفَ تُسْألُونَ﴾ [الزخرف: ٤٤] ﴿واسْألْ مَن أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رُسُلِنا أجَعَلْنا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف: ٤٥] ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ فَقالَ إنِّي رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الزخرف: ٤٦] ﴿فَلَمّا جاءَهم بِآياتِنا إذا هم مِنها يَضْحَكُونَ﴾ [الزخرف: ٤٧] ﴿وما نُرِيهِمْ مِن آيَةٍ إلّا هي أكْبَرُ مِن أُخْتِها وأخَذْناهم بِالعَذابِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ [الزخرف: ٤٨] ﴿وقالُوا يا أيُّها السّاحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ إنَّنا لَمُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٤٩] ﴿فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُمُ العَذابَ إذا هم يَنْكُثُونَ﴾ [الزخرف: ٥٠] ﴿ونادى فِرْعَوْنُ في قَوْمِهِ قالَ يا قَوْمِ ألَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وهَذِهِ الأنْهارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الزخرف: ٥١] ﴿أمْ أنا خَيْرٌ مِن هَذا الَّذِي هو مَهِينٌ ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢] ﴿فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أسْوِرَةٌ مِن ذَهَبٍ أوْ جاءَ مَعَهُ المَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾ [الزخرف: ٥٣] ﴿فاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأطاعُوهُ إنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ [الزخرف: ٥٤] ﴿فَلَمّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنهم فَأغْرَقْناهم أجْمَعِينَ﴾ [الزخرف: ٥٥] ﴿فَجَعَلْناهم سَلَفًا ومَثَلًا لِلْآخِرِينَ﴾ [الزخرف: ٥٦] ﴿ولَمّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إذا قَوْمُكَ مِنهُ يَصِدُّونَ﴾ [الزخرف: ٥٧] ﴿وقالُوا أآلِهَتُنا خَيْرٌ أمْ هو ما ضَرَبُوهُ لَكَ إلّا جَدَلًا بَلْ هم قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف: ٥٨] ﴿إنْ هو إلّا عَبْدٌ أنْعَمْنا عَلَيْهِ وجَعَلْناهُ مَثَلًا لِبَنِي إسْرائِيلَ﴾ [الزخرف: ٥٩] ﴿ولَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنكم مَلائِكَةً في الأرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ [الزخرف: ٦٠] ﴿وإنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِها واتَّبِعُونِ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [الزخرف: ٦١] ﴿ولا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطانُ إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [الزخرف: ٦٢] ﴿ولَمّا جاءَ عِيسى بِالبَيِّناتِ قالَ قَدْ جِئْتُكم بِالحِكْمَةِ ولِأُبَيِّنَ لَكم بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ [الزخرف: ٦٣] ﴿إنَّ اللَّهَ هو رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [الزخرف: ٦٤] ﴿فاخْتَلَفَ الأحْزابُ مِن بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِن عَذابِ يَوْمٍ ألِيمٍ﴾ [الزخرف: ٦٥] ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا السّاعَةَ أنْ تَأْتِيَهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ [الزخرف: ٦٦] ﴿الأخِلّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلّا المُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧] ﴿يا عِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ [الزخرف: ٦٨] ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وكانُوا مُسْلِمِينَ﴾ [الزخرف: ٦٩] ﴿ادْخُلُوا الجَنَّةَ أنْتُمْ وأزْواجُكم تُحْبَرُونَ﴾ [الزخرف: ٧٠] ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مِن ذَهَبٍ وأكْوابٍ وفِيها ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وتَلَذُّ الأعْيُنُ وأنْتُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ [الزخرف: ٧١] ﴿وتِلْكَ الجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف: ٧٢] ﴿لَكم فِيها فاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنها تَأْكُلُونَ﴾ [الزخرف: ٧٣] ﴿إنَّ المُجْرِمِينَ في عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ﴾ [الزخرف: ٧٤] ﴿لا يُفَتَّرُ عَنْهم وهم فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ [الزخرف: ٧٥] ﴿وما ظَلَمْناهم ولَكِنْ كانُوا هُمُ الظّالِمِينَ﴾ [الزخرف: ٧٦] ﴿ونادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ قالَ إنَّكم ماكِثُونَ﴾ [الزخرف: ٧٧] ﴿لَقَدْ جِئْناكم بِالحَقِّ ولَكِنَّ أكْثَرَكم لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾ [الزخرف: ٧٨] ﴿أمْ أبْرَمُوا أمْرًا فَإنّا مُبْرِمُونَ﴾ [الزخرف: ٧٩] ﴿أمْ يَحْسَبُونَ أنّا لا نَسْمَعُ سِرَّهم ونَجْواهم بَلى ورُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف: ٨٠] ﴿قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾ [الزخرف: ٨١] ﴿سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ رَبِّ العَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ [الزخرف: ٨٢] ﴿فَذَرْهم يَخُوضُوا ويَلْعَبُوا حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ [الزخرف: ٨٣] ﴿وهُوَ الَّذِي في السَّماءِ إلَهٌ وفي الأرْضِ إلَهٌ وهو الحَكِيمُ العَلِيمُ﴾ [الزخرف: ٨٤] ﴿وتَبارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما وعِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [الزخرف: ٨٥] ﴿ولا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفاعَةَ إلّا مَن شَهِدَ بِالحَقِّ وهم يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦] ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَهم لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأنّى يُؤْفَكُونَ﴾ [الزخرف: ٨٧] ﴿وقِيلِهِ يا رَبِّ إنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الزخرف: ٨٨] ﴿فاصْفَحْ عَنْهم وقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٩] (p-٤)(يَعْشُو): يُعْرِضُ، ويَعْشى: يَعْمى. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لَمْ نَرَ أحَدًا حَكى: عَشَوْتُ عَنِ الشَّيْءِ: أعْرَضْتُ عَنْهُ، وإنَّما يُقالُ: تَعاشَيْتُ عَنْ كَذا وتَعامَيْتُ، إذا تَغافَلْتُ عَنْهُ. وتَقُولُ: عَشَوْتُ إلى النّارِ، إذا اسْتَدْلَلْتُ عَلَيْها بِبَصَرٍ ضَعِيفٍ. وقِيلَ: عَشى يَعْشى، إذا حَصَلَتِ الآفَةُ في بَصَرِهِ. وعَشا يَعْشُو: نَظَرَ المَعْشِيِّ ولا آفَةَ بِهِ، كَما قالَ: عَرَجَ لِمَن بِهِ الآفَةُ، وعَرَجَ لِمَن مَشى مِشْيَةَ العُرْجانِ مِن غَيْرِ عَرَجٍ. قالَ الحُطَيْئَةُ:
؎مَتى تَأْتِهِ تَعْشُو إلى ضَوْءِ نارِهِ تَجِدْ خَيْرَ نارٍ عِنْدَها خَيْرُ مَوْقِدِ
أيْ: تَنْظُرُ إلَيْها نَظَرَ المَعْشِيِّ لِما يَضْعُفُ بَصَرٌ مِن عَظِيمِ الوَقُودِ بِهِ، ومِنهُ قَوْلُ حاتِمٍ:
؎أعْشُو إذا ما جارَتِي بَرَزَتْ ∗∗∗ حَتّى يُوارِيَ جارَتِي الخِدْرُ
الصُّحْفَةُ، قالَ الجَوْهَرِيُّ: هي القَصْعَةُ، وقالَ الكِسائِيُّ: أعْظَمُ القِصاعِ الجَفْنَةُ، ثُمَّ القَصْعَةُ تَلِيها تَسَعُ العَشَرَةَ، ثُمَّ الصَّحْفَةُ تَسَعُ الخَمْسَةَ، ثُمَّ المَكِيلَةُ تَسَعُ الرَّجُلَيْنِ والثَّلاثَةَ. والصَّحِيفَةُ: الكِتابُ، والجَمْعُ: صُحُفٌ وصَحائِفُ. الكُوبُ، قالَ قُطْرُبٌ: الإبْرِيقُ لا عُرْوَةَ لَهُ. وقالَ الأخْفَشُ: الإبْرِيقُ لا خُرْطُومَ لَهُ، وقِيلَ: كالإبْرِيقِ، إلّا أنَّهُ لا أُذُنَ لَهُ ولا مِقْبَضَ. قالَ أبُو مَنصُورٍ الجَوالِيقِيُّ: إنَّما كانَ بِغَيْرِ عُرْوَةٍ لِيَشْرَبَ الشّارِبُ مِن أيْنَ شاءَ، لِأنَّ العُرْوَةَ تَرُدُّ الشّارِبَ مِن بَعْضِ الجِهاتِ. انْتَهى. وقالَ عَدِيٌّ:
؎مُتَّكِئًا تُصَفِّقُ أبْوابُهُ ∗∗∗ يَسْعى عَلَيْهِ العَبْدُ بِالكُوبِ
أبْرَمَ، قالَ الفَرّاءُ: أبْرَمَ الأمْرَ: بالَغَ في إحْكامِهِ، وأبْرَمَ القاتِلُ، إذا أدْهَمَ، وهو القَتْلُ الثّانِي، والأوَّلُ يُقالُ لَهُ سِجِّيلٌ، كَما قالَ زُهَيْرٌ:
؎مِن سِجِّيلٍ وبَرْمِ
انْتَهى. والإبْرامُ: أنْ يَجْمَعَ خَيْطَيْنِ ثُمَّ يَفْتِلَهُما فَتْلًا مُتْقَنًا، والبَرِيمُ: خَيْطٌ فِيهِ لَوْنانِ.
* *
(p-٥)﴿حم﴾ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ ﴿إنّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ ﴿وإنَّهُ في أُمِّ الكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ ﴿أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾ ﴿وكَمْ أرْسَلْنا مِن نَبِيٍّ في الأوَّلِينَ﴾ ﴿وما يَأْتِيهِمْ مِن نَبِيٍّ إلّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ﴿فَأهْلَكْنا أشَدَّ مِنهم بَطْشًا ومَضى مَثَلُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ العَزِيزُ العَلِيمُ﴾ ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا وجَعَلَ لَكم فِيها سُبُلًا لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ ﴿والَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ ﴿والَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ كُلَّها وجَعَلَ لَكم مِنَ الفُلْكِ والأنْعامِ ما تَرْكَبُونَ﴾ ﴿لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكم إذا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا وما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ ﴿وإنّا إلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ ﴿وجَعَلُوا لَهُ مِن عِبادِهِ جُزْءًا إنَّ الإنْسانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾ ﴿أمِ اتَّخَذَ مِمّا يَخْلُقُ بَناتٍ وأصْفاكم بِالبَنِينَ﴾ ﴿وإذا بُشِّرَ أحَدُهم بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وجْهُهُ مُسْوَدًّا وهو كَظِيمٌ﴾ ﴿أوَمَن يُنَشَّأُ في الحِلْيَةِ وهو في الخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ .
هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، وقالَ مُقاتِلٌ: إلّا قَوْلُهُ: ﴿واسْألْ مَن أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رُسُلِنا﴾ [الزخرف: ٤٥] . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: بِإجْماعِ أهْلِ العِلْمِ.
﴿إنّا جَعَلْناهُ﴾، أيْ صَيَّرْناهُ، أوْ سَمَّيْناهُ، وهو جَوابُ القَسَمِ، وهو مِنَ الأقْسامِ الحَسَنَةِ لِتَناسُبِ القَسَمِ والمُقْسَمِ عَلَيْهِ، وكَوْنِهِما مِن وادٍ واحِدٍ، ونَظِيرُهُ قَوْلُ أبِي تَمّامٍ:
؎وثَناياكِ إنَّها إغْرِيضٌ
وقِيلَ: والكِتابُ أُرِيدَ بِهِ الكُتُبُ المُنَزَّلَةُ، والضَّمِيرُ في جَعَلْناهُ يَعُودُ عَلى القُرْآنِ، وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ صَرِيحُ الذِّكْرِ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: جَعَلْناهُ، بِمَعْنى صَيَّرْناهُ، مُعَدًّى إلى مَفْعُولَيْنِ، أوْ بِمَعْنى خَلَقْناهُ مُعَدًّى إلى واحِدٍ، كَقَوْلِهِ: ﴿وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ﴾ [الأنعام: ١] . (وقُرْآنًا عَرَبِيًّا): حالٌ. ولَعَلَّ: مُسْتَعارَةٌ لِمَعْنى الإرادَةِ، لِتُلاحِظَ مَعْناها ومَعْنى التَّرَجِّي، أيْ خَلَقْناهُ عَرَبِيًّا غَيْرَ عَجَمِيٍّ. أرادَ أنْ تَعْقِلَهُ العَرَبُ، ولِئَلّا يَقُولُوا: ﴿لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُ﴾ [فصلت: ٤٤] . انْتَهى، وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ في كَوْنِ القُرْآنِ مَخْلُوقًا. و(أُمِّ الكِتابِ): اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، لِأنَّهُ الأصْلُ الَّذِي أُثْبِتَتْ فِيهِ الكُتُبُ، وهَذا فِيهِ تَشْرِيفٌ لِلْقُرْآنِ وتَرْفِيعٌ بِكَوْنِهِ لَدَيْهِ عَلِيًّا عَلى جَمِيعِ الكُتُبِ، وعالِيًا عَنْ وُجُوهِ الفَسادِ. حَكِيمًا: أيْ حاكِمًا عَلى سائِرِ الكُتُبِ، أوْ مُحْكَمًا بِكَوْنِهِ في غايَةِ البَلاغَةِ والفَصاحَةِ وصِحَّةِ المَعانِي. قالَ قَتادَةُ وعِكْرِمَةُ والسُّدِّيُّ: اللَّوْحُ المَحْفُوظُ: القُرْآنُ فِيهِ بِأجْمَعِهِ مَنسُوخٌ، ومِنهُ كانَ جِبْرِيلُ يَنْزِلُ. وقِيلَ: أُمُّ الكِتابِ: الآياتُ المُحْكَماتُ، لِقَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتابَ مِنهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتابِ﴾ [آل عمران: ٧]، ومَعْناهُ: أنَّ سُورَةَ حم واقِعَةٌ في الآياتِ المُحْكَماتِ الَّتِي هي الأُمُّ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: في أُمِّ، بِضَمِّ الهَمْزَةِ، والأخَوانِ بِكَسْرِها، وعَزاها ابْنُ عَطِيَّةَ يُوسُفُ بْنُ عَمْرٍو إلى العِراقِ، ولَمْ يَعْزُها لِلْأخَوانِ عَقْلَةً مِنهُ. يُقالُ: ضَرَبَ عَنْ كَذا، وأضْرَبَ عَنْهُ، إذا أعْرَضَ عَنْهُ. والذِّكْرَ، قالَ الضَّحّاكُ وأبُو صالِحٍ: القُرْآنُ، أيِ: أفَتَرائى عَنْكُمُ القُرْآنَ. وقَوْلُهم: ضَرَبَ الغَرائِبَ عَنِ الحَوْضِ، إذا أدارَها ونَحّاها، وقالَ الشّاعِرُ:
؎اضْرِبْ عَنْكَ الهُمُومَ طارِقَها ∗∗∗ ضَرْبَكَ بِالسَّيْفِ قَوْنَسَ الفَرَسِ
وقِيلَ: الذِّكْرَ: الدُّعاءُ إلى اللَّهِ والتَّخْوِيفُ مِن عِقابِهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: أنُهْمِلُكم فَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ إنْكارًا لِأنْ يَكُونَ الأمْرُ عَلى خِلافِ ما قُدِّمَ مِن إنْزالِهِ الكِتابَ وخَلْقِهِ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتَعْقِلُوهُ وتَعْمَلُوا بِمُوجَبِهِ. انْتَهى. وتَقَدَّمَ الكَلامُ مَعَهُ في تَقْدِيرِهِ فِعْلًا بَيْنَ الهَمْزَةِ والفاءِ في نَحْوِ: (أفَلَمْ يَسِيرُوا) ؟ (أفَلا تَعْقِلُونَ) ؟ وبَيْنَها وبَيْنَ الواوِ في نَحْوِ: (أوَلَمْ يَسِيرُوا) كَما وأنَّ المَذْهَبَ الصَّحِيحَ قَوْلُ سِيبَوَيْهِ والنَّحْوِيِّينَ أنَّ الفاءَ والواوَ مَنوِيٌّ بِهِما التَّقْدِيمُ لِعَطْفِ ما بَعْدَهُما عَلى ما قَبْلَهُما، وأنَّ الهَمْزَةَ تَقَدَّمَتْ لِكَوْنِ الِاسْتِفْهامِ لَهُ صَدْرُ الكَلامِ، ولا خِلافَ بَيْنَ الهَمْزَةِ والحَرْفِ، وقَدْ رَدَدْنا عَلَيْهِ قَوْلَهُ: وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ: المَعْنى: أفَنَتْرُكُ تَذْكِيرَكم وتَخْوِيفَكم عَفْوًا عَنْكم وعَفْوًا عَنْ إجْرامِكم ؟ أنْ كُنْتُمْ أوْ مِن أجْلِ أنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ ؟ أيْ هَذا لا يَصْلُحُ. ونَحا قَتادَةُ إلى أنَّ المَعْنى صَفْحًا، أيْ مَعْفُوًّا عَنْهُ، أيْ نَتْرُكُهُ. ثُمَّ لا تُؤاخَذُونَ بِقَوْلِهِ ولا بِتَدْبِيرِهِ، ولا تُنَبَّهُونَ عَلَيْهِ. وهَذا المَعْنى نَظِيرُ قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎تَمُرُّ الصَّبا صَفْحًا بِساكِنِ ذِي الفَضا ∗∗∗ ويَصْدَعُ قَلْبِي أنْ يَهُبَّ هُبُوبُها
(p-٦)وقَوْلِ كُثَيِّرٍ:
؎صَفُوحًا فَما تَلْقاكَ إلّا بَخِيلَةً ∗∗∗ فَمَن مَلَّ مِنها ذَلِكَ الوَصْلَ مَلَّتِ
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المَعْنى: أفَحَسِبْتُمْ أنْ نَصْفَحَ عَنْكم ولَمّا تَفْعَلُوا ما أُمِرْتُمْ بِهِ ؟ وقالَ الكَلْبِيُّ: أنْ نَتْرُكَكم هَمَلًا بِلا أمْرٍ ولا نَهْيٍ ؟ وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: أنْ لا نُعاقِبَكم بِالتَّكْذِيبِ ؟ وقِيلَ: أنْ نَتْرُكَ الإنْزالَ لِلْقُرْآنِ مِن أجْلِ تَكْذِيبِكم ؟ وقَرَأ حَسّانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الضُّبَعِيُّ، والسُّمَيْطُ بْنُ عُمَيْرٍ، وشُمَيْلُ بْنُ عُذْرَةَ: بِضَمِّ الصّادِ، والجُمْهُورُ: بِفَتْحِها، وهُما لُغَتانِ، كالسَّدِّ والسُّدِّ. وانْتِصابُ صَفْحًا عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مِن مَعْنى أفَنَضْرِبُ، لِأنَّ مَعْناهُ: أفَنَصْفَحُ ؟ أوْ مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ صافِحِينَ، قالَهُما الحَوْفِيُّ، وتَبِعَهُ أبُو البَقاءِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وصَفْحًا عَلى وجْهَيْنِ: إمّا مَصْدَرٌ مِن صَفَحَ عَنْهُ إذا أعْرَضَ مُنْتَصِبًا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ عَلى مَعْنى: أفَنَعْزِلُ عَنْكم إنْزالَ القُرْآنِ وإلْزامَ الحُجَّةِ بِهِ إعْراضًا عَنْكم ؟ وإمّا بِمَعْنى الجانِبِ مِن قَوْلِهِمْ: نَظَرَ إلَيْهِ بِصَفْحِ وجْهِهِ. وصَفْحُ وجْهِهِ عَلى مَعْنى: أفَنُنَحِّيهِ عَنْكم جانِبًا ؟ فَيُنْصَبُ عَلى الظَّرْفِ، كَما تَقُولُ: ضَعْهُ جانِبًا، وامْشِ جانِبًا. وتُعَضِّدُهُ قِراءَةُ مَن قَرَأ: صُفْحًا بِالضَّمِّ. وفي هَذِهِ القِراءَةِ وجْهٌ آخَرُ، وهو أنْ يَكُونَ تَخْفِيفَ صُفُحٍ جَمْعَ صُفُوحٍ، ويُنْتَصَبُ عَلى الحالِ، أيْ صافِحِينَ مُعْرِضِينَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: صَفْحًا، انْتِصابُهُ كانْتِصابِ (صُنْعَ اللَّهِ) . انْتَهى. يَعْنِي أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ، فَيَكُونُ العامِلُ فِيهِ مَحْذُوفًا، ولا يَظْهَرُ هَذا الَّذِي قالَهُ، فَلَيْسَ انْتِصابُهُ انْتِصابَ ”صُنْعَ اللَّهِ“ . وقَرَأ نافِعٌ والأخَوانِ: بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وإسْرافُهم كانَ مُتَحَقِّقًا. فَكَيْفَ دَخَلَتْ عَلَيْهِ ”إنْ“ الشَّرْطِيَّةُ الَّتِي لا تَدْخُلُ إلّا عَلى غَيْرِ المُتَحَقِّقِ، أوْ عَلى المُتَحَقِّقِ الَّذِي انْبَهَمَ زَمانُهُ ؟ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هو مِنَ الشَّرْطِ الَّذِي ذَكَرْتُ أنَّهُ يَصْدُرُ عَنِ المُدِلِّ بِصِحَّةِ الأمْرِ المُتَحَقِّقِ لِثُبُوتِهِ، كَما يَقُولُ الأجِيرُ: إنْ كُنْتُ عَمِلْتُ لَكَ فَوَفِّنِي حَقِّي، وهو عالِمٌ بِذَلِكَ، ولَكِنَّهُ يُخَيِّلُ في كَلامِهِ أنَّ تَفْرِيطَكَ في الخُرُوجِ عَنِ الحَقِّ فِعْلُ مَن لَهُ شَكٌّ في الِاسْتِحْقاقِ، مَعَ وُضُوحِهِ، اسْتِجْهالًا لَهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: أنْ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، أيْ مِن أجْلِ أنْ كُنْتُمْ. قالَ الشّاعِرُ:
؎أتَجْزَعُ أنْ بانَ الخَلِيطُ المُوَدِّعُ
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: إذْ كُنْتُمْ، بِذالٍ مَكانَ النُّونِ، لَمّا ذَكَرَ خِطابًا لِقُرَيْشٍ، ﴿أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ﴾ ؟ وكانَ هَذا الإنْكارُ دَلِيلًا عَلى تَكْذِيبِهِمْ لِلرَّسُولِ، وإنْكارًا لِما جاءَ بِهِ. آنَسَهُ تَعالى بِأنَّ عادَتَهم عادَةُ الأُمَمِ السّابِقَةِ مِنِ اسْتِهْزائِهِمْ بِالرُّسُلِ، وأنَّهُ تَعالى أهْلَكَ مَن كانَ أشَدَّ بَطْشًا مِن قُرَيْشٍ، أيْ أكْثَرَ عَدَدًا وعُدَدًا وجِلْدًا.
﴿ومَضى مَثَلُ الأوَّلِينَ﴾: أيْ فَلْيَحْذَرْ قُرَيْشٌ أنْ يَحِلَّ بِهِمْ مِثْلُ ما حَلَّ بِالأوَّلِينَ مُكَذِّبِي الرُّسُلِ مِنَ العُقُوبَةِ. قالَ مَعْناهُ قَتادَةُ: وهي العُقُوبَةُ الَّتِي سارَتْ سَيْرَ المَثَلِ، وقِيلَ: مَثَلُ الأوَّلِينَ في الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ، وقُرَيْشٌ سَلَكَتْ مَسْلَكَها، وكانَ مُقْبِلًا عَلَيْهِمْ بِالخِطابِ في قَوْلِهِ: ﴿أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ﴾ ؟ فَأعْرَضَ عَنْهم إلى إخْبارِ الغائِبِ في قَوْلِهِ: ﴿فَأهْلَكْنا أشَدَّ مِنهم بَطْشًا﴾ . (ولَئِنْ سَألْتَهم): احْتِجاجٌ عَلى قُرَيْشٍ بِما يُوجِبُ التَّناقُضَ، وهو إقْرارُهم بِأنَّ مُوجِدَ العالَمِ العُلْوِيِّ والسُّفْلِيِّ هو اللَّهُ، ثُمَّ هم يَتَّخِذُونَ أصْنامًا آلِهَةً مِن دُونِ اللَّهِ يَعْبُدُونَهم ويُعَظِّمُونَهم. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ومُقْتَضى الجَوابِ أنْ يَقُولُوا خَلَقَهُنَّ اللَّهُ، فَلَمّا ذَكَرَ تَعالى المَعْنى، جاءَتِ العِبارَةُ عَنِ اللَّهِ تَعالى بِالعَزِيزِ العَلِيمِ، لِيَكُونَ ذَلِكَ تَوْطِئَةً لِما عَدَّدَ مِن أوْصافِهِ الَّذِي ابْتَدَأ الإخْبارَ بِها، وقَطَعَها مِنَ الكَلامِ الَّذِي حَكى مَعْناهُ عَنْ قُرَيْشٍ. انْتَهى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَيَنْسِبُنَّ خَلْقَها إلى الَّذِي هَذِهِ أوْصافُهُ، ولَيَسْنِدُنَّهُ إلَيْهِ. انْتَهى. والظّاهِرُ أنَّ: ﴿خَلَقَهُنَّ العَزِيزُ العَلِيمُ﴾ نَفْسُ المَحْكِيِّ مِن كَلامِهِمْ، ولا يَدُلُّ كَوْنُهم ذَكَرُوا في مَكانٍ خَلَقَهُنَّ اللَّهُ، أنْ لا يَقُولُوا في سُؤالٍ آخَرَ: ﴿خَلَقَهُنَّ العَزِيزُ العَلِيمُ﴾ .
و(الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ): مِن كَلامِ اللَّهِ، خِطابًا لَهم بِتَذْكِيرِ نِعَمِهِ السّابِقَةِ. وكَرَّرَ الفِعْلَ في الجَوابِ في قَوْلِهِ: ﴿خَلَقَهُنَّ العَزِيزُ العَلِيمُ﴾، مُبالَغَةً في التَّوْكِيدِ. وفي غَيْرِ ما سُؤالٍ، اقْتَصَرُوا عَلى ذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ، إذْ هو العَلَمُ الجامِعُ لِلصِّفاتِ العُلا، وجاءَ الجَوابُ مُطابِقًا لِلسُّؤالِ مِن حَيْثُ (p-٧)المَعْنى، لا مِن حَيْثُ اللَّفْظُ، لِأنَّ مَن مُبْتَدَأٌ. فَلَوْ طابَقَ في اللَّفْظِ، كانَ بِالِاسْمِ مُبْتَدَأً، ولَمْ يَكُنْ بِالفِعْلِ. (لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ): أيْ إلى مَقاصِدِكم في السَّفَرِ، أوْ تَهْتَدُونَ بِالنَّظَرِ والِاعْتِبارِ. بِقَدَرٍ: أيْ بِقَضاءٍ وحَتْمٍ في الأزَلِ، أوْ بِكِفايَةٍ، لا كَثِيرًا فَيُفْسِدُ، ولا قَلِيلًا فَلا يُجْدِي.
﴿فَأنْشَرْنا﴾: أحْيَيْنا بِهِ.
﴿بَلْدَةً مَيْتًا﴾: ذُكِرَ عَلى مَعْنى القَطْرِ، و”بَلْدَةً“ اسْمُ جِنْسٍ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وعِيسى: مَيِّتًا بِالتَّشْدِيدِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: تُخْرَجُونَ: مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وابْنُ وثّابٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ جُبَيْرٍ المُصْبِحِ، وعِيسى، وابْنُ عامِرٍ، والأخَوانِ: مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. و(الأزْواجَ): الأنْواعَ مِن كُلِّ شَيْءٍ. قِيلَ: وكُلُّ ما سِوى اللَّهِ فَهو زَوْجٌ، كَفَوْقَ، وتَحْتَ، ويَمِينٍ، وشِمالٍ، وقُدّامٍ، وخَلْفٍ، وماضٍ، ومُسْتَقْبَلٍ، وذَواتٍ، وصِفاتٍ، وصَيْفٍ، وشِتاءٍ، ورَبِيعٍ، وخَرِيفٍ، وكَوْنُها أزْواجًا تَدُلُّ عَلى أنَّها مُمْكِنَةُ الوُجُودِ، ويَدُلُّ عَلى أنَّ مُحْدِثَها فَرْدٌ، وهو اللَّهُ المُنَزَّهُ عَنِ الضِّدِّ والمُقابِلِ والمُعارِضِ. انْتَهى.
(والأنْعامَ): المَعْهُودُ أنَّهُ لا يُرْكَبُ مِنَ الأنْعامِ إلّا الإبِلُ. ما: مَوْصُولَةٌ والعائِدُ مَحْذُوفٌ، أيْ ما يَرْكَبُونَهُ. ورَكِبَ بِالنِّسْبَةِ لِلْعِلَلِ، ويَتَعَدّى بِنَفْسِهِ عَلى المُتَعَدِّي بِوَساطَةِ في، إذِ التَّقْدِيرُ ما يَرْكَبُونَهُ. واللّامُ في لِتَسْتَوُوا: الظّاهِرُ أنَّها لامُ كَيْ. وقالَ الحَوْفِيُّ: ومَن أثْبَتَ لامَ الصَّيْرُورَةِ جازَ لَهُ أنْ يَقُولَ بِهِ هُنا. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لامُ الأمْرِ، وفِيهِ بُعْدٌ مِن حَيْثُ اسْتِعْمالُ أمْرِ المُخاطَبِ بِتاءِ الخِطابِ، وهو مِنَ القِلَّةِ بِحَيْثُ يَنْبَغِي أنْ لا يُقاسَ عَلَيْهِ. فالفَصِيحُ المُسْتَعْمَلُ: اضْرِبْ، وقِيلَ: لِتَضْرِبْ، بَلْ نَصَّ النَّحْوِيُّونَ عَلى أنَّها لُغَةٌ رَدِيئَةٌ قَلِيلَةٌ، إذْ لا تَكادُ تُحْفَظُ إلّا قِراءَةً شاذَّةً، فَبِذَلِكَ فَلْتَفْرَحُوا بِالتّاءِ لِلْخِطابِ. وما آثَرَ المُحَدِّثُونَ مِن قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «لِتَأْخُذُوا مَصافَّكم»، مَعَ احْتِمالِ أنَّ الرّاوِيَ رَوى بِالمَعْنى، وقَوْلُ الشّاعِرِ:
؎لِتَقُمْ أنْتَ يا ابْنَ خَيْرِ قُرَيْشٍ ∗∗∗ فَتَقْضِي حَوائِجَ المُسْلِمِينا
وزَعَمَ الزَّجّاجُ أنَّها لُغَةٌ جَيِّدَةٌ، وذَلِكَ خِلافُ ما زَعَمَ النَّحْوِيُّونَ. والضَّمِيرُ في ظُهُورِهِ عائِدٌ عَلى ما، كَأنَّهُ قالَ: عَلى ظُهُورِ ما تَرْكَبُونَ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، فَلِذَلِكَ حَسُنَ الجَمْعُ، لِأنَّ مَآلَها لَفْظٌ ومَعْنًى. فَمَن جَمَعَ فَبِاعْتِبارِ المَعْنى، ومَن أفْرَدَ فَبِاعْتِبارِ اللَّفْظِ، ويَعْنِي: ﴿مِنَ الفُلْكِ والأنْعامِ﴾ . وقالَ الفَرّاءُ نَحْوًا مِنهُ، قالَ: أضافَ الظُّهُورَ، ﴿ثُمَّ تَذْكُرُوا﴾، أيْ في قُلُوبِكم، ﴿نِعْمَةَ رَبِّكُمْ﴾، مُعْتَرِفِينَ بِها مُسْتَعْظِمِينَ لَها. لا يُرِيدُ الذِّكْرَ بِاللِّسانِ بَلْ بِالقَلْبِ، ولِذَلِكَ قابَلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا﴾، أيْ تُنَزِّهُوا اللَّهَ بِصَرِيحِ القَوْلِ. وجاءَ في الحَدِيثِ: «”أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ إذا وضَعَ رِجْلَهُ في الرِّكابِ قالَ: بِسْمِ اللَّهِ، فَإذا اسْتَوى عَلى الدّابَّةِ قالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ عَلى كُلِّ حالٍ، سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا، إلى قَوْلِهِ لَمُنْقَلِبُونَ، وكَبَّرَ ثَلاثًا وهَلَّلَ ثَلاثًا»، وقالُوا: إذا رَكِبَ في السَّفِينَةِ قالَ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها ومُرْساها﴾ [هود: ٤١] إلى رَحِيمٍ، ويُقالُ عِنْدَ النُّزُولِ مِنها: اللَّهُمَّ أنْزِلْنا مُنْزَلًا مُبارَكًا وأنْتَ خَيْرُ المُنْزِلِينَ“ . والقَرْنُ: الغالِبُ الضّابِطُ المُطِيقُ لِلشَّيْءِ، يُقالُ: أقْرَنَ الشَّيْءَ، إذا أطاقَهُ. قالَ ابْنُ هَرْمَةَ:
؎وأقْرَنْتِ ما حَمَّلْتِنِي ولَقَلَّما ∗∗∗ يُطاقُ احْتِمالُ الصَّدِّ يا دَعْدُ والهَجْرِ
وحَقِيقَةُ أقْرَنَهُ: وجَدَهُ قَرِينَتَهُ وما يُقْرَنُ بِهِ: لِأنَّ الصَّعْبَ لا يَكُونُ قَرِينَةً لِلضَّعْفِ. قالَ الشّاعِرُ:
؎وابْنُ اللَّبُونِ إذا ما لُزَّ في قَرَنٍ ∗∗∗ لَمْ يَسْتَطِعْ صَوْلَةَ البُزْلِ القَناعِيسِ
والقَرْنُ: الحَبْلُ الَّذِي يُقْرَنُ بِهِ. وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: فُلانٌ مُقْرِنٌ لِفُلانٍ، أيْ ضابِطٌ لَهُ، والمَعْنى: أنَّهُ لَيْسَ لَنا مِنَ القُوَّةِ ما نَضْبُطُ بِهِ الدّابَّةَ والفُلْكَ، وإنَّما اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَها. وأنْشَدَ قُطْرُبٌ لِعَمْرِو بْنِ مَعْدِيكَرِبَ:
؎لَقَدْ عَلِمَ القَبائِلُ ما عَقِيلٌ ∗∗∗ لَنا في النّائِباتِ بِمُقْرِنِينا
وقُرِئَ: لَمُقْتَرِنِينَ، اسْمُ فاعِلٍ مِنِ اقْتَرَنَ.
﴿وإنّا إلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ﴾: أيْ راجِعُونَ، وهو إقْرارٌ بِالرُّجُوعِ إلى اللَّهِ، وبِالبَعْثِ، لِأنَّ الرّاكِبَ في مَظَنَّةِ الهَلاكِ بِالغَرَقِ إذا رَكِبَ الفُلْكَ، وبِعُثُورِ الدّابَّةِ، إذْ رُكُوبُها أمْرٌ (p-٨)فِيهِ خَطَرٌ، ولا تُؤْمَنُ السَّلامَةُ فِيهِ. فَقَوْلُهُ هَذا تَذْكِيرٌ بِأنَّهُ مُسْتَشْعِرٌ الصَّيْرُورَةَ إلى اللَّهِ، ومُسْتَعِدٌّ لِلِقائِهِ، فَهو لا يَتْرُكُ ذَلِكَ مِن قَلْبِهِ ولا لِسانِهِ.
﴿وجَعَلُوا لَهُ﴾: أيْ وجَعَلَ كُفّارُ قُرَيْشٍ والعَرَبُ لَهُ، أيْ لِلَّهِ. مِن عِبادِهِ: أيْ مِمَّنْ هم عَبِيدُ اللَّهِ. جُزْءًا، قالَ مُجاهِدٌ: نَصِيبًا وحَظًّا، وهو قَوْلُ العَرَبِ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ. وقالَ قَتادَةُ: جُزْءًا، أيْ نِدًّا، وذَلِكَ هو الأصْنامُ وفِرْعَوْنُ ومَن عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ. وقِيلَ: الجُزْءُ: الإناثُ. قالَ بَعْضُ اللُّغَوِيِّينَ: يُقالُ أجْزَأتِ المَرْأةُ، إذا ولَدَتْ أُنْثى. قالَ الشّاعِرُ:
؎إنْ أجْزَأتْ حُرَّةٌ يَوْمًا فَلا عَجَبٌ ∗∗∗ قَدْ تُجْزِئُ الحُرَّةُ المِذْكارَ أحْيانًا
قِيلَ: هَذا البَيْتُ مَصْنُوعٌ، وكَذا قَوْلُهُ:
؎زَوَّجَها مِن بَناتِ الأوْسِ مُجْزِئَةً
ولَمّا تَقَدَّمَ أنَّهم مُعْتَرِفُونَ بِأنَّهُ تَعالى هو خالِقُ العالَمِ، أنْكَرَ عَلَيْهِمْ جَعْلَهم لِلَّهِ جُزْءًا، وقَدِ اعْتَرَفُوا بِأنَّهُ هو الخالِقُ، فَكَيْفَ وصَفُوهُ بِصِفَةِ المَخْلُوقِ ؟ ﴿إنَّ الإنْسانَ لَكَفُورٌ﴾ نِعْمَةَ خالِقِهِ. (مُبِينٌ): مُظْهِرٌ لِجُحُودِهِ. والمُرادُ بِالإنْسانِ: مَن جَعَلَ لِلَّهِ جُزْءًا، وغَيْرُهم مِنَ الكَفَرَةِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ومُبِينٌ في هَذا المَوْضِعِ غَيْرُ مُتَعَدٍّ. انْتَهى. ولَيْسَ يَتَعَيَّنُ ما ذَكَرَ، بَلْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ ظاهِرًا لِكُفْرانِ النِّعَمِ ومُظْهِرًا لِجُحُودِهِ، كَما قُلْنا.
﴿أمِ اتَّخَذَ مِمّا يَخْلُقُ بَناتٍ﴾ ؟ اسْتِفْهامُ إنْكارٍ وتَوْبِيخٍ لِقِلَّةِ عُقُولِهِمْ ؟ كَيْفَ زَعَمُوا أنَّهُ تَعالى اتَّخَذَ لِنَفْسِهِ ما أنْتُمْ تَكْرَهُونَهُ حِينَ أنْتُمْ تَسْوَدُّ وُجُوهُكم عِنْدَ التَّبْشِيرِ بِهِنَّ وتَئِدُونَهُنَّ ؟ (وأصْفاكم): جَعَلَ لَكم صَفْوَةَ ما هو مَحْبُوبٌ، وذَلِكَ البَنُونَ. وقَوْلُهُ: (مِمّا يَخْلُقُ)، تَنْبِيهٌ عَلى اسْتِحالَةِ الوَلَدِ، ذَكَرًا كانَ أوْ أُنْثى، وإنْ فُرِضَ اتِّخاذُ الوَلَدِ، فَكَيْفَ يَخْتارُ لَهُ الأدْنى ويَخُصُّكم بِالأعْلى ؟ وقَدَّمَ البَناتِ، لِأنَّهُ المُنْكَرُ عَلَيْهِمْ لِنِسْبَتِهِنَّ إلى اللَّهِ، وعَرَّفَ البَنِينَ دُونَ البَناتِ تَشْرِيفًا لَهم عَلى البَناتِ.
﴿وإذا بُشِّرَ أحَدُهُمْ﴾: تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِها في سُورَةِ النَّحْلِ.
﴿أوَمَن يُنَشَّأُ في الحِلْيَةِ﴾: أيْ يَنْتَقِلُ في عُمُرِهِ حالًا فَحالًا في الحِلْيَةِ، وهو الحُلِيُّ الَّذِي لا يَلِيقُ إلّا بِالإناثِ دُونَ الفُحُولِ، لِتَزَيُّنِهِنَّ بِذَلِكَ لِأزْواجِهِنَّ، وهو إنْ خاصَمَ، لا يُبِينُ لِضَعْفِ العَقْلِ ونَقْصِ التَّدَبُّرِ والتَّأمُّلِ، أظْهَرَ بِهَذا لِحُقُوقِهِنَّ وشُفُوفِ البَنِينَ عَلَيْهِنَّ. وكانَ في ذَلِكَ إشارَةٌ إلى أنَّ الرَّجُلَ لا يُناسِبُ لَهُ التَّزَيُّنُ كالمَرْأةِ، وأنْ يَكُونَ مُخْشَوْشِنًا. والفَحْلُ مِنَ الرِّجالِ أبى أنْ يَكُونَ مُتَّصِفًا بِصِفاتِ النِّساءِ، والظّاهِرُ أنَّهُ أرادَ بِمَن يُنَشَّأُ في الحِلْيَةِ: النِّساءُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ: ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وهُوَ في الخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾: أيْ لا يُظْهِرُ حُجَّةً، ولا يُقِيمُ دَلِيلًا، ولا يَكْشِفُ عَمّا في نَفْسِهِ كَشْفًا واضِحًا. ويُقالُ: قَلَّما تَجِدُ امْرَأةً لا تُفْسِدُ الكَلامَ، وتَخْلِطُ المَعانِيَ، حَتّى ذُكِرَ عَنْ بَعْضِ النّاسِ أنَّهُ قالَ: إذا دَخَلْنا عَلى فُلانَةٍ، لا نَخْرُجُ حَتّى نَعْلَمَ أنَّ عَقْلَها عَقْلُ امْرَأةٍ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: المُرادُ بِمَن يُنَشَّأُ في الحِلْيَةِ: الأصْنامُ، وكانُوا يَتَّخِذُونَ كَثِيرًا مِنها مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ، ويَجْعَلُونَ الحُلِيَّ عَلى كَثِيرٍ مِنها، ويُبْعِدُ هَذا القَوْلَ قَوْلُهُ: ﴿وهُوَ في الخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾، إلّا إنْ أُرِيدَ بِنَفْيِ الإبانَةِ نَفْيُ الخِصامِ أيْ لا يَكُونُ مِنها خِصامٌ فَإنَّهُ كَقَوْلِهِ:
؎عَلى لاحِبٍ لا يَهْتَدِي بِمَنارِهِ
أيْ: لا مَنارَ لَهُ فَيَهْتَدِي بِهِ. ومَن: في مَوْضِعِ نَصْبٍ، أيْ وجَعَلُوا مَن يُنَشَّأُ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ، أيْ مَن يُنَشَّأُ جَعَلُوهُ لِلَّهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: يُنَشَّأُ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، والجَحْدَرِيُّ في قَوْلٍ: مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مُخَفَّفًا، وابْنُ عَبّاسٍ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ والحَسَنُ ومُجاهِدٌ والجَحْدَرِيُّ: في رِوايَةٍ، والأخَوانِ وحَفْصٌ والمُفَضَّلُ وأبانٌ وابْنُ مِقْسَمٍ وهارُونُ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مُشَدَّدًا، والحَسَنُ: في رِوايَةٍ يُناشَأُ عَلى وزْنِ يُفاعَلُ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، والمُناشَأةُ بِمَعْنى الإنْشاءِ، كالمُعالاةِ بِمَعْنى الإعْلاءِ. و﴿فِي الخِصامِ﴾: مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ تَفْسِيرُهُ غَيْرُ مُبِينٍ، أيْ وهو لا يُبِينُ في الخِصامِ. ومَن أجازَ أمّا زَيْدًا غَيْرُ ضارِبٍ بِإعْمالِ المُضافِ إلَيْهِ في ”غَيْرُ“ أجازَ أنْ يَتَعَلَّقَ بِمُبِينٍ، أجْرى ”غَيْرُ“ مُجْرى لا. وبِتَقْدِيمِ مَعْمُولِ أمّا بَعْدَ لا مُخْتَلَفٌ فِيهِ، وقَدْ ذُكِرَ ذَلِكَ في النَّحْوِ.