Lafzullah

Al-Bahr Al-Muhit — الجاثية 45:24 – الأحقاف 46:12

المؤلف / المصدر: Al-Bahr Al-Muhit

المحتويات
  1. الجاثية 45:24
  2. الجاثية 45:25
  3. الجاثية 45:26
  4. الجاثية 45:27
  5. الجاثية 45:28
  6. الجاثية 45:29
  7. الجاثية 45:30
  8. الجاثية 45:31
  9. الجاثية 45:32
  10. الجاثية 45:33
  11. الجاثية 45:34
  12. الجاثية 45:35
  13. الجاثية 45:36
  14. الجاثية 45:37
  15. الأحقاف 46:1
  16. الأحقاف 46:2
  17. الأحقاف 46:3
  18. الأحقاف 46:4
  19. الأحقاف 46:5
  20. الأحقاف 46:6
  21. الأحقاف 46:7
  22. الأحقاف 46:8
  23. الأحقاف 46:9
  24. الأحقاف 46:10
  25. الأحقاف 46:11
  26. الأحقاف 46:12

الجاثية 45:24

(p-٤٦)﴿ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الأمْرِ فاتَّبِعْها ولا تَتَّبِعْ أهْواءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿إنَّهم لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وإنَّ الظّالِمِينَ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ واللَّهُ ولِيُّ المُتَّقِينَ﴾ ﴿هَذا بَصائِرُ لِلنّاسِ وهُدًى ورَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ ﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أنْ نَجْعَلَهم كالَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَواءً مَحْياهم ومَماتُهم ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ ﴿وخَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ ولِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ وأضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ وخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وقَلْبِهِ وجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿وقالُوا ما هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا نَمُوتُ ونَحْيا وما يُهْلِكُنا إلّا الدَّهْرُ وما لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ إنْ هم إلّا يَظُنُّونَ﴾ ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ ما كانَ حُجَّتَهم إلّا أنْ قالُوا ائْتُوا بِآبائِنا إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يَجْمَعُكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ . لَمّا ذَكَرَ تَعالى إنْعامَهُ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ واخْتِلافَهم بَعْدَ ذَلِكَ، ذَكَرَ حالَ نَبِيِّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وما مَنَّ بِهِ عَلَيْهِ مِنِ اصْطِفائِهِ فَقالَ: ﴿ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الأمْرِ فاتَّبِعْها ولا تَتَّبِعْ أهْواءَ﴾ . قالَ قَتادَةُ: الشَّرِيعَةُ: الأمْرُ، والنَّهْيُ، والحُدُودُ، والفَرائِضُ. وقالَ مُقاتِلٌ: البَيِّنَةُ، لِأنَّها طَرِيقٌ إلى الحَقِّ. وقالَ الكَلْبِيُّ: السُّنَّةُ، لِأنَّهُ كانَ يَسْتَنُّ بِطَرِيقَةِ مَن قَبْلَهُ مِنَ الأنْبِياءِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الدِّينُ، لِأنَّهُ طَرِيقٌ إلى النَّجاةِ. والشَّرِيعَةُ في كَلامِ العَرَبِ: المَوْضِعُ الَّذِي يَرِدُ فِيهِ النّاسُ في الأنْهارِ والمِياهِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وفِي الشَّرائِعِ مِن جِيلانَ مُقْتَنِصٌ رَثُّ الثِّيابِ خَفِيُّ الشَّخْصِ مُنْسَرِبُ فَشَرِيعَةُ الدِّينِ مِن ذَلِكَ، مِن حَيْثُ يُرِدِ النّاسُ أمْرَ اللَّهِ ورَحْمَتَهُ والقُرْبَ مِنهُ، مِنَ الأُمُورِ الَّتِي مِن دِينِ اللَّهِ الَّذِي بَعَثَهُ في عِبادِهِ في الزَّمانِ السّالِفِ، أوْ يَكُونُ مَصْدَرَ أمْرٍ، أيْ مِنَ الأمْرِ والنَّهْيِ، وسُمِّيَ النَّهْيُ أمْرًا. ﴿أهْواءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾، قِيلَ: جُهّالُ قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ. وقِيلَ: رُؤَساءُ قُرَيْشٍ، حِينَ قالُوا: رَجَعَ إلى دِينِ آبائِكَ. ﴿هَذا بَصائِرُ﴾: أيْ هَذا القُرْآنُ - جَعَلَ ما نافِيَةً - مِن مَعالِمِ الدِّينِ، بَصائِرُ لِلْقُلُوبِ، كَما جُعِلَ رُوحًا وحَياةً. وقُرِئَ: هَذِي، أيْ هَذِهِ الآياتُ. ﴿أمْ حَسِبَ﴾: أمْ مُنْقَطِعَةٌ تَتَقَدَّرُ بِبَلْ والهَمْزَةِ، وهو اسْتِفْهامُ (p-٤٧)إنْكارٍ. وقالَ الكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ في عَلِيٍّ، وحَمْزَةَ، وعُبَيْدَةَ بْنِ الحارِثِ، وفي عُتْبَةَ، وشَيْبَةَ، والوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ. قالُوا لِلْمُؤْمِنِينَ: واللَّهِ ما أنْتُمْ عَلى شَيْءٍ، ولَئِنْ كانَ ما تَقُولُونَ حَقًّا، لَحالُنا أفْضَلُ مِن حالِكم في الآخِرَةِ، كَما هو أفْضَلُ في الدُّنْيا. واجْتَرَحُوا: اكْتَسَبُوا، والسَّيِّئاتُ: هُنا سَيِّئاتُ الكُفْرِ، ونَجْعَلُهم: نُصَيِّرُهم، والمَفْعُولُ الثّانِي هو كالَّذِينَ، وبِهِ تَمامُ المَعْنى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: سَواءٌ بِالرَّفْعِ، ومَماتُهم بِالرَّفْعِ أيْضًا، وأعْرَبُوا (سَواءٌ): مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ ما بَعْدَهُ، ولا مُسَوِّغَ لِجَوازِ الِابْتِداءِ بِهِ، بَلْ هو خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، وما بَعْدَهُ المُبْتَدَأُ. والجُمْلَةُ خَبَرٌ مُسْتَأْنَفٌ، واحْتَمَلَ الضَّمِيرُ في ﴿مَحْياهم ومَماتُهُمْ﴾ أنْ يَعُودَ عَلى ﴿الَّذِينَ اجْتَرَحُوا﴾، أخْبَرَ أنَّ حالَهم في الزَّمانَيْنِ سَواءٌ، وأنْ يَعُودَ عَلى المُجْتَرِحِينَ والصّالِحِينَ بِمَعْنى: أنَّ مَحْيا المُؤْمِنِينَ ومَماتَهم سَواءٌ في إهانَتِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ وعَدَمِ كَرامَتِهِمْ عَلَيْهِ، ويَكُونُ اللَّفْظُ قَدْ لَفَّ هَذا المَعْنى، وذِهْنُ السّامِعِ يُفَرِّقُهُ، إذْ قَدْ تَقَدَّمَ إبْعادُ اللَّهِ أنْ يَجْعَلَ هَؤُلاءِ كَهَؤُلاءِ. قالَ أبُو الدَّرْداءِ: يُبْعَثُ النّاسُ عَلى ما ماتُوا عَلَيْهِ. وقالَ مُجاهِدٌ: المُؤْمِنُ يَمُوتُ مُؤْمِنًا ويُبْعَثُ مُؤْمِنًا، والكافِرُ يَمُوتُ كافِرًا ويُبْعَثُ كافِرًا. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مُقْتَضى هَذا الكَلامِ أنَّهُ لَفْظُ الآيَةِ، ويَظْهَرُ لِي أنَّ قَوْلَهُ: ﴿سَواءً مَحْياهم ومَماتُهُمْ﴾ داخِلٌ في المُحْسِنَةِ المُنْكِرَةِ السَّيِّئَةَ، وهَذا احْتِمالٌ حَسَنٌ، والأوَّلُ أيْضًا أجْوَدُ. انْتَهى. ولَمْ يُبَيِّنْ كَيْفِيَّةَ تَشَبُّثِ الجُمْلَةِ بِما قَبْلَها حَتّى يَدْخُلَ في المُحْسِنَةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والجُمْلَةُ الَّتِي هي: سَواءً مَحْياهم ومَماتُهم، بَدَلٌ مِنَ الكافِ، لِأنَّ الجُمْلَةَ تَقَعُ مَفْعُولًا ثانِيًا، فَكانَتْ في حُكْمِ المُفْرَدِ. ألا تَراكَ لَوْ قُلْتَ: أنْ نَجْعَلَهم سَواءً مَحْياهم ومَماتُهم كانَ سَدِيدًا ؟ كَما تَقُولُ: ظَنَنْتُ زَيْدًا أبُوهُ مُنْطَلِقٌ. انْتَهى. وهَذا الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ، مِن إبْدالِ الجُمْلَةِ مِنَ المُفْرَدِ، قَدْ أجازَهُ أبُو الفَتْحِ، واخْتارَهُ ابْنُ مالِكٍ، وأوْرَدَ عَلى ذَلِكَ شَواهِدَ عَلى زَعْمِهِ، ولا يَتَعَيَّنُ فِيها البَدَلُ. وقالَ بَعْضُ أصْحابِنا، وهو الإمامُ العالِمُ ضِياءُ الدِّينِ أبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الإشْبِيلِيُّ، ويُعْرَفُ بِابْنِ العِلْجِ، وكانَ مِمَّنْ أقامَ بِاليَمَنِ وصَنَّفَ بِها، قالَ في كِتابِهِ البَسِيطِ في النَّحْوِ: ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ جُمْلَةً مَعْمُولَةً لِلْأوَّلِ في مَوْضِعِ البَدَلِ، كَما كانَ في النَّعْتِ، لِأنَّها تُقَدِّرُ تَقْدِيرَ المُشْتَقِّ تَقْدِيرَ الجامِدِ، فَيَكُونُ بَدَلًا، فَيَجْتَمِعُ فِيهِ تَجَوُّزُ أنْ، ولِأنَّ البَدَلَ يَعْمَلُ فِيهِ العامِلُ الأوَّلُ، فَيَصِحُّ أنْ يَكُونَ فاعِلًا، والجُمْلَةُ لا تَكُونُ في مَوْضِعِ الفاعِلِ بِغَيْرِ سائِغٍ، لِأنَّها لا تُضْمَرُ، فَإنْ كانَتْ غَيْرَ مَعْمُولَةٍ، فَهَلْ تَكُونُ جُمْلَةً ؟ لا يَبْعُدُ عِنْدِي جَوازُها، كَما يُتْبَعُ في العَطْفِ الجُمْلَةُ لِلْجُمْلَةِ، ولِتَأْكِيدِ الجُمْلَةِ التَّأْكِيدُ اللَّفْظِيُّ. انْتَهى. وتَبَيَّنَ مِن كَلامِ هَذا الإمامِ، أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ بَدَلًا مِنَ المُفْرَدِ، وأمّا تَجْوِيزُ الزَّمَخْشَرِيِّ أنْ نَجْعَلَهم سَواءً مَحْياهم ومَماتُهم، فَيَظْهَرُ لِي أنَّهُ لا يَجُوزُ؛ لِأنَّها بِمَعْنى التَّصْيِيرِ. لا يَجُوزُ صَيَّرْتُ زَيْدًا أبُوهُ قائِمٌ، ولا صَيَّرْتُ زَيْدًا غُلامُهُ مُنْطَلِقٌ، لِأنَّ التَّصْيِيرَ انْتِقالٌ مِن ذاتٍ إلى ذاتٍ، أوْ مِن وصْفٍ في الذّاتِ إلى وصْفٍ فِيها. وتِلْكَ الجُمْلَةُ الواقِعَةُ بَعْدَ مَفْعُولٍ صَيَّرَتِ المُقَدَّرَةَ مَفْعُولًا ثانِيًا، لَيْسَ فِيها انْتِقالٌ مِمّا ذَكَرْنا، فَلا يَجُوزُ والَّذِي يَظْهَرُ لِي أنَّهُ إذا قُلْنا بِتَشَبُّثِ الجُمْلَةِ بِما قَبْلَها، أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ، والتَّقْدِيرُ: أمْ حَسِبَ الكُفّارُ أنْ نُصَيِّرَهم مِثْلَ المُؤْمِنِينَ في حالِ اسْتِواءِ مَحْياهم ومَماتُهم ؟ لَيْسُوا كَذَلِكَ، بَلْ هم مُفْتَرِقُونَ، أيِ افْتِراقٌ في الحالَتَيْنِ، وتَكُونُ هَذِهِ الحالُ مُبَيِّنَةً ما انْبَهَمَ في المِثْلِيَّةِ الدّالِّ عَلَيْها الكافُ، الَّتِي هي في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ: سَواءً بِالنَّصْبِ، وما بَعْدَهُ مَرْفُوعٌ عَلى الفاعِلِيَّةِ، أجْرى سَواءً مُجْرى مُسْتَوِيًا، كَما قالُوا: مَرَرْتُ بِرَجُلٍ سَواءً هو والعَدَمُ. وجَوَّزَ في انْتِصابِ ”سَواءً“ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى الحالِ، و”كالَّذِينَ“ المَفْعُولَ الثّانِيَ، والعَكْسُ. وقَرَأ الأعْمَشُ: سَواءً. بِالنَّصْبِ، مَحْياهم ومَماتَهم. بِالنَّصْبِ أيْضًا، وخَرَجَ عَلى أنْ يَكُونَ ”مَحْياهم ومَماتَهم“ ظَرْفَيْ زَمانٍ، والعامِلُ إمّا ”﴿أنْ نَجْعَلَهُمْ﴾“ وإمّا ”سَواءً“، وانْتَصَبَ عَلى البَدَلِ مِن مَفْعُولِ ”﴿نَجْعَلَهُمْ﴾“، والمَفْعُولُ الثّانِي ”سَواءً“، (p-٤٨)أيْ أنْ يَجْعَلَ مَحْياهم ومَماتَهم سَواءً. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومَن قَرَأ ”ومَماتَهم“ بِالنَّصْبِ، جَعَلَ مَحْياهم ومَماتَهم ظَرْفَيْنِ، كَمَقْدِمِ الحاجِّ وخَفُوقِ النَّجْمِ، أيْ: سَواءً في مَحْياهم وفي مَماتِهِمْ، والمَعْنى: إنْكارُ أنْ يَسْتَوِيَ المُسِيئُونَ والمُحْسِنُونَ مَحْيًا، وأنْ يَسْتَوُوا مَماتًا، لِافْتِراقِ أحْوالِهِمْ. وتَمْثِيلُهُ بِقَوْلِهِ: وخَفُوقِ النَّجْمِ. لَيْسَ بِجَيِّدٍ، لِأنَّ خَفُوقَ مَصْدَرٌ لَيْسَ عَلى مَفْعَلٍ، فَهو في الحَقِيقَةِ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ وقْتَ خَفُوقِ النَّجْمِ، بِخِلافِ مَحْيا ومَماتٍ ومَقْدِمٍ، فَإنَّها تُسْتَعْمَلُ بِالوَضْعِ مَصْدَرًا واسْمَ زَمانٍ واسْمَ مَكانٍ، فَإذا اسْتُعْمِلَتِ اسْمَ مَكانٍ أوِ اسْمَ زَمانٍ، لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ قامَتْ هَذِهِ مَقامَهُ، لِأنَّها مَوْضُوعَةٌ لِلزَّمانِ ولِلْمَكانِ، كَما وُضِعَتْ لِلْمَصْدَرِ، فَهي مُشْتَرِكَةٌ بَيْنَ هَذِهِ المَدْلُولاتِ الثَّلاثَةِ، بِخِلافِ خَفُوقِ النَّجْمِ، فَإنَّهُ وُضِعَ لِلْمَصْدَرِ فَقَطْ. وقَدْ خَلَطَ ابْنُ عَطِيَّةَ في نَقْلِ القُرْآنِ، ولَهُ بَعْضُ عُذْرٍ. فَإنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُعْرِبًا، فَقالَ: وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، وعِيسى بِخِلافٍ عَنْهُ: سَواءً. بِالنَّصْبِ، مَحْياهم ومَماتُهم. بِالرَّفْعِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفَصٌ، والأعْمَشُ: سَواءً. بِالنَّصْبِ، ”مَحْياهم ومَماتَهم“ بِالنَّصْبِ، ووَجَّهَ كُلًّا مِنَ القِراءَتَيْنِ عَلى ما تَقْتَضِيهِ صَنْعَةُ الإعْرابِ، وتَبِعَهُ عَلى هَذا الوَهْمِ صاحِبُ التَّحْرِيرِ، وهو مَعْذُورٌ، لِأنَّهُ ناسِخٌ مِن كِتابٍ إلى كِتابٍ، والصَّوابُ ما اسْتَبَنّاهُ مِنَ القِراءاتِ لِمَن ذَكَرْنا. ويُسْتَنْبَطُ مِن هَذِهِ الآيَةِ تَبايُنُ حالِ المُؤْمِنِ العاصِي مِن حالِ الطّائِعِ، وإنْ كانَتْ في الكُفّارِ، وتُسَمّى مَبْكاةُ العابِدِينَ. وعَنْ تَمِيمٍ الدّارِيِّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أنَّهُ كانَ يُصَلِّي ذاتَ لَيْلَةٍ عِنْدَ المَقامِ، فَبَلَغَ هَذِهِ الآيَةَ، فَجَعَلَ يَبْكِي ويُرَدِّدُ إلى الصَّباحِ: ﴿ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ . وعَنِ الرَّبِيعِ بْنِ خُثَيْمٍ، أنَّهُ كانَ يُرَدِّدُها لَيْلَةَ أجْمَعَ، وكَذَلِكَ الفُضَيْلُ بْنُ عِياضٍ، كانَ يَقُولُ لِنَفْسِهِ: لَيْتَ شِعْرِي مِن أيِّ الفَرِيقَيْنِ أنْتِ ؟ وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وأمّا لَفْظُها فَيُعْطِي أنَّهُ اجْتِراحُ الكُفْرِ، بِدَلِيلِ مُعادَلَتِهِ بِالإيمانِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ المُعادَلَةُ هي بِالِاجْتِراحِ وعَمَلِ الصّالِحاتِ، ويَكُونُ الإيمانُ في الفَرِيقَيْنِ، ولِهَذا بَكى الخائِفُونَ. ﴿ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾: هو كَقَوْلِهِ: ﴿بِئْسَما اشْتَرَوْا﴾ [البقرة: ٩٠]، وتَقَدَّمَ إعْرابُهُ في البَقَرَةِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هُنا ما مَصْدَرِيَّةٌ، والتَّقْدِيرُ: ساءَ الحُكْمُ حُكْمُهم. (بِالحَقِّ): بِأنَّ خَلْقَها حَقٌّ واجِبٌ لِما فِيهِ مِن فَيْضِ الخَيْراتِ، ولِيَدُلَّ عَلَيْهِ دَلالَةَ الصَّنْعَةِ عَلى الصّانِعِ. ﴿ولِتُجْزى﴾: هي لامُ كَيْ مَعْطُوفَةٌ عَلى بِالحَقِّ، لِأنَّ كُلًّا مِنَ التّاءِ واللّامِ يَكُونانِ لِلتَّعْلِيلِ، فَكانَ الخَلْقُ مُعَلَّلًا بِالجَزاءِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ عَلى مُعَلِّلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: لِيَدُلَّ بِها عَلى قُدْرَتِهِ، ﴿ولِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ﴾ . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لامَ الصَّيْرُورَةِ، أيْ فَصارَ الأمْرُ مِنها مِن حَيْثُ اهْتَدى بِها قَوْمٌ وضَلَّ عَنْها آخَرُونَ، لِأنْ يُجازى كُلُّ واحِدٍ بِعَمَلِهِ، وبِما اكْتَسَبَ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ. انْتَهى. (أفَرَأيْتَ) الآيَةَ، قالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في الحارِثِ بْنِ قَيْسٍ السَّهْمِيِّ، وأفَرَأيْتَ: هو بِمَعْنى أخْبِرْنِي، والمَفْعُولُ الأوَّلُ هو: (مَنِ اتَّخَذَ)، والثّانِي مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ بَعْدَ الصَّلاةِ الَّتِي لِمَنِ اهْتَدى، يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدُ: ﴿فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ﴾، أيْ لا أحَدَ يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ إضْلالِ اللَّهِ إيّاهُ. ﴿مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ﴾: أيْ هو مِطْواعٌ لِهَوى نَفْسِهِ، يَتَّبِعُ ما تَدْعُوهُ إلَيْهِ، فَكَأنَّهُ يَعْبُدُهُ، كَما يَعْبُدُ الرَّجُلُ إلَهَهُ. قالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: إشارَةٌ إلى الأصْنامِ، إذْ كانُوا يَعْبُدُونَ ما يَهْوَوْنَ مِنَ الحِجارَةِ. وقالَ قَتادَةُ: لا يَهْوى شَيْئًا إلّا رَكِبَهُ، لا يَخافُ اللَّهَ، فَلِهَذا يُقالُ: الهَوى إلَهٌ مَعْبُودٌ. وقَرَأ الأعْرَجُ، وأبُو جَعْفَرٍ: إلَهَةَ، بِتاءِ التَّأْنِيثِ، بَدَلٌ مِن هاءِ الضَّمِيرِ. وعَنِ الأعْرَجِ أنَّهُ قَرَأ: آلِهَةَ عَلى الجَمْعِ. قالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: ومَعْناهُ أنَّ أحَدَهم كانَ يَهْوى الحَجَرَ فَيَعْبُدُهُ، ثُمَّ يَرى غَيْرَهُ فَيَهْواهُ، فَيُلْقِي الأوَّلَ، فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿إلَهَهُ هَواهُ﴾ الآيَةَ. وإنْ نَزَلَتْ في هَوى الكُفْرِ، فَهي مُتَناوِلَةٌ جَمِيعَ هَوى النَّفْسِ الأمّارَةِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ما ذَكَرَ اللَّهُ هَوًى إلّا ذَمَّهُ. وقالَ وهْبٌ: إذا شَكَكْتَ في خَيْرِ أمْرَيْنِ، فانْظُرْ أبْعَدَهُما مِن هَواكَ فَأْتِهِ. وقالَ سَهْلٌ التُّسْتَرِيُّ: هَواكَ داؤُكَ، فَإنْ خالَفْتَهُ فَدَواؤُكَ. وفي الحَدِيثِ: «والعاجِزُ مَن أتْبَعَ نَفْسَهُ هَواها وتَمَنّى عَلى اللَّهِ الأمانِيَّ» . ومِن حِكْمَةِ الشِّعْرِ قَوْلُ عَنْتَرَةَ، وهو جاهِلِيٌّ:(p-٤٩) ؎إنِّي امْرُؤٌ سَمْحُ الخَلِيقَةِ ماجِدٌ ∗∗∗ لا أُتْبِعُ النَّفْسَ اللَّجُوجَ هَواها وقالَ أبُو عِمْرانَ مُوسى بْنُ عِمْرانَ الإشْبِيلِيُّ الزّاهِدُ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: ؎فَخالِفْ هَواها واعْصِها إنَّ مَن يُطِعْ ∗∗∗ هَوى نَفْسِهِ يَنْزِعُ بِهِ شَرَّ مَنزَعِ ومَن يُطِعِ النَّفْسَ اللَّجُوجَ تَرُدُّهُ وتَرْمِ بِهِ في مَصْرَعٍ أيِّ مَصْرَعِ ﴿وأضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ﴾: أيْ مِنَ اللَّهِ تَعالى سابِقٍ، أوْ عَلى عِلْمٍ مِن هَذا الضّالِّ بِأنَّ الحَقَّ هو الدِّينُ، ويُعْرِضُ عَنْهُ عِنادًا، فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ: ﴿وجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهُمْ﴾ [النمل: ١٤] . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: صَرَفَهُ عَنِ الهِدايَةِ واللُّطْفِ، وخَذَلَهُ عَنْ عِلْمٍ، عالِمًا بِأنَّ ذَلِكَ لا يُجْدِي عَلَيْهِ، وأنَّهُ مِمَّنْ لا لُطْفَ بِهِ، أوْ مَعَ عِلْمِهِ بِوُجُوهِ الهِدايَةِ وإحاطَتِهِ بِأنْواعِ الألْطافِ المُحَصَّلَةِ والمُقَرَّبَةِ. انْتَهى، وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (غِشاوَةً): بِكَسْرِ الغَيْنِ. وعَبْدُ اللَّهِ، والأعْمَشُ: بِفَتْحِها، وهي لُغَةُ رَبِيعَةَ. والحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ، وعَبْدُ اللَّهِ أيْضًا: بِضَمِّها، وهي لُغَةُ عُكْلِيَّةَ. والأعْمَشُ، وطَلْحَةُ، وأبُو حَنِيفَةَ، ومَسْعُودُ بْنُ صالِحٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: غَشْوَةً، بِفَتْحِ الغَيْنِ وسُكُونِ الشِّينِ. وابْنُ مُصَرِّفٍ، والأعْمَشُ أيْضًا: كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُما كَسَرا الغَيْنَ، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الجُمْلَتَيْنِ في أوَّلِ البَقَرَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (تَذَّكَّرُونَ)، بِشَدِّ الذّالِ. والجَحْدَرِيُّ يُخَفِّفُها، والأعْمَشُ: بِتاءَيْنِ. ﴿وقالُوا إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا﴾ [الأنعام: ٢٩]: هي مَقالَةُ بَعْضِ قُرَيْشٍ إنْكارًا لِلْبَعْثِ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهم: (نَمُوتُ ونَحْيا) حُكْمٌ عَلى النَّوْعِ بِجُمْلَتِهِ مِن غَيْرِ اعْتِبارِ تَقْدِيمٍ وتَأْخِيرٍ، أيْ تَمُوتُ طائِفَةٌ وتَحْيا طائِفَةٌ. وأنَّ المُرادَ بِالمَوْتِ مُفارَقَةُ الرُّوحِ لِلْجَسَدِ. وقِيلَ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، أيْ نَحْيا ونَمُوتُ. وقِيلَ: نَمُوتُ عِبارَةٌ عَنْ كَوْنِهِمْ لَمْ يُوجَدُوا، ونَحْيا: أيْ في وقْتِ وُجُودِنا، وهَذا قَرِيبٌ مِنَ الأوَّلِ قَبْلَهُ، ولا ذِكْرَ لِلْمَوْتِ الَّذِي هو مُفارَقَةُ الرُّوحِ في هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ. وقِيلَ: تَمُوتُ الآباءُ وتَحْيا الأبْناءُ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: ونَحْيا، بِضَمِّ النُّونِ. ﴿وما يُهْلِكُنا إلّا الدَّهْرُ﴾: أيْ طُولُ الزَّمانِ، لِأنَّ الآفاتِ تَسْتَوِي فِيهِ كَمالاتُها هَذا إنْ كانَ قائِلُو هَذا مُعْتَرِفِينَ بِاللَّهِ، فَنَسَبُوا الآفاتِ إلى الدَّهْرِ بِجَهْلِهِمْ أنَّها مُقَدَّرَةٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وإنْ كانُوا لا يَعْرِفُونَ اللَّهَ ولا يُقِرُّونَ بِهِ، وهُمُ الدَّهْرِيَّةُ، فَنَسَبُوا ذَلِكَ إلى الدَّهْرِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: إلّا دَهْرٌ، وتَأْوِيلُهُ: إلّا دَهْرٌ يَمُرُّ. كانُوا يُضِيفُونَ كُلَّ حادِثَةٍ إلى الدَّهْرِ، وأشْعارُهم ناطِقَةٌ بِشَكْوى الدَّهْرِ، حَتّى يُوجَدَ ذَلِكَ في أشْعارِ المُسْلِمِينَ. قالَ ابْنُ دُرَيْدٍ في مَقْصُورَتِهِ: ؎يا دَهْرُ إنْ لَمْ تَكُ عُتْبى فاتَّئِدْ ∗∗∗ فَإنَّ إرْوادَكَ والعُتْبى سَوا و﴿ما كانَ حُجَّتَهُمْ﴾، لَيْسَتْ حُجَّةً حَقِيقَةً، أيْ حُجَّتَهم عِنْدَهم، أوْ لِأنَّهم أدْلَوْا بِها، كَما يُدْلِي المُحْتَجُّ بِحُجَّتِهِ، وساقُوها مَساقَها، فَسُمِّيَتْ حُجَّةً عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ، أوْ لِأنَّهُ في نَحْوِ قَوْلِهِمْ: ؎تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وجِيعُ أيْ: ما كانَ حُجَّتَهم إلّا ما لَيْسَ بِحُجَّةٍ، والمُرادُ نَفْيُ أنْ يَكُونَ لَهم حُجَّةٌ ألْبَتَّةَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: حُجَّتَهم. بِالنَّصْبِ، والحَسَنُ، وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، وابْنُ عامِرٍ، فِيما رَوى عَنْهُ عَبْدُ الحَمِيدِ، وعاصِمٌ، فِيما رَوى هارُونُ وحُسَيْنُ، عَنْ أبِي بَكْرٍ عَنْهُ: (حُجَّتُهم)، أيْ ما تَكُونُ حُجَّتَهم، لِأنَّ إذا لِلِاسْتِقْبالِ، وخالَفَتْ أدَواتَ الشَّرْطِ بِأنَّ جَوابَها إذا كانَ مَنفِيًّا بِما، لَمْ تَدْخُلِ الفاءُ، بِخِلافِ أدَواتِ الشَّرْطِ، فَلا بُدَّ مِنَ الفاءِ. تَقُولُ: إنْ تَزُرْنا فَما جَفَوْتَنا، أيْ فَما تَجْفُونا. وفي كَوْنِ الجَوابِ مَنفِيًّا بِما، دَلِيلٌ عَلى ما اخْتَرْناهُ مِن أنَّ جَوابَ إذا لا يَعْمَلُ فِيها، لِأنَّ ما بَعْدَ ما النّافِيَةِ لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَها. (ائْتُوا): يَظْهَرُ أنَّهُ خِطابٌ لِلرَّسُولِ والمُؤْمِنِينَ، إذْ هم قائِلُونَ بِمَقالَتِهِ، أوْ هو خِطابٌ لَهُ ولِمَن جاءَ بِالبَعْثِ، وهُمُ الأنْبِياءُ، وغَلَبَ الخِطابُ عَلى الغَيْبَةِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ائْتُوا، مِن حَيْثُ المُخاطَبَةُ لَهُ. والمُرادُ: هو وإلَهُهُ والمَلَكُ الوَسِيطُ الَّذِي ذَكَرَهُ هو لَهم، فَجاءَ مِن ذَلِكَ جُمْلَةُ قِيلَ لَها ائْتُوا وإنْ كُنْتُمْ. انْتَهى. ولَمّا اعْتَرَفُوا بِأنَّهم ما يُهْلِكُهم إلّا الدَّهْرُ، وأنَّهُمُ اسْتَدَلُّوا (p-٥٠)عَلى إنْكارِ البَعْثِ بِما لا دَلِيلَ لَهم فِيهِ مِن سُؤالِ إحْياءِ آبائِهِمْ، رَدَّ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ بِأنَّهُ تَعالى هو المُحْيِي، وهو المُمِيتُ لا الدَّهْرُ، وضَمَّ إلى ذَلِكَ آيَةً جامِعَةً لِلْحِسابِ يَوْمَ البَعْثِ، وهَذا واجِبُ الِاعْتِرافِ بِهِ إنْ أنْصَفُوا، ومَن قَدَرَ عَلى هَذا قَدَرَ عَلى الإتْيانِ بِآبائِهِمْ.

الجاثية 45:25

(p-٤٦)﴿ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الأمْرِ فاتَّبِعْها ولا تَتَّبِعْ أهْواءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿إنَّهم لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وإنَّ الظّالِمِينَ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ واللَّهُ ولِيُّ المُتَّقِينَ﴾ ﴿هَذا بَصائِرُ لِلنّاسِ وهُدًى ورَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ ﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أنْ نَجْعَلَهم كالَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَواءً مَحْياهم ومَماتُهم ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ ﴿وخَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ ولِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ وأضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ وخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وقَلْبِهِ وجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿وقالُوا ما هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا نَمُوتُ ونَحْيا وما يُهْلِكُنا إلّا الدَّهْرُ وما لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ إنْ هم إلّا يَظُنُّونَ﴾ ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ ما كانَ حُجَّتَهم إلّا أنْ قالُوا ائْتُوا بِآبائِنا إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يَجْمَعُكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ . لَمّا ذَكَرَ تَعالى إنْعامَهُ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ واخْتِلافَهم بَعْدَ ذَلِكَ، ذَكَرَ حالَ نَبِيِّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وما مَنَّ بِهِ عَلَيْهِ مِنِ اصْطِفائِهِ فَقالَ: ﴿ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الأمْرِ فاتَّبِعْها ولا تَتَّبِعْ أهْواءَ﴾ . قالَ قَتادَةُ: الشَّرِيعَةُ: الأمْرُ، والنَّهْيُ، والحُدُودُ، والفَرائِضُ. وقالَ مُقاتِلٌ: البَيِّنَةُ، لِأنَّها طَرِيقٌ إلى الحَقِّ. وقالَ الكَلْبِيُّ: السُّنَّةُ، لِأنَّهُ كانَ يَسْتَنُّ بِطَرِيقَةِ مَن قَبْلَهُ مِنَ الأنْبِياءِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الدِّينُ، لِأنَّهُ طَرِيقٌ إلى النَّجاةِ. والشَّرِيعَةُ في كَلامِ العَرَبِ: المَوْضِعُ الَّذِي يَرِدُ فِيهِ النّاسُ في الأنْهارِ والمِياهِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وفِي الشَّرائِعِ مِن جِيلانَ مُقْتَنِصٌ رَثُّ الثِّيابِ خَفِيُّ الشَّخْصِ مُنْسَرِبُ فَشَرِيعَةُ الدِّينِ مِن ذَلِكَ، مِن حَيْثُ يُرِدِ النّاسُ أمْرَ اللَّهِ ورَحْمَتَهُ والقُرْبَ مِنهُ، مِنَ الأُمُورِ الَّتِي مِن دِينِ اللَّهِ الَّذِي بَعَثَهُ في عِبادِهِ في الزَّمانِ السّالِفِ، أوْ يَكُونُ مَصْدَرَ أمْرٍ، أيْ مِنَ الأمْرِ والنَّهْيِ، وسُمِّيَ النَّهْيُ أمْرًا. ﴿أهْواءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾، قِيلَ: جُهّالُ قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ. وقِيلَ: رُؤَساءُ قُرَيْشٍ، حِينَ قالُوا: رَجَعَ إلى دِينِ آبائِكَ. ﴿هَذا بَصائِرُ﴾: أيْ هَذا القُرْآنُ - جَعَلَ ما نافِيَةً - مِن مَعالِمِ الدِّينِ، بَصائِرُ لِلْقُلُوبِ، كَما جُعِلَ رُوحًا وحَياةً. وقُرِئَ: هَذِي، أيْ هَذِهِ الآياتُ. ﴿أمْ حَسِبَ﴾: أمْ مُنْقَطِعَةٌ تَتَقَدَّرُ بِبَلْ والهَمْزَةِ، وهو اسْتِفْهامُ (p-٤٧)إنْكارٍ. وقالَ الكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ في عَلِيٍّ، وحَمْزَةَ، وعُبَيْدَةَ بْنِ الحارِثِ، وفي عُتْبَةَ، وشَيْبَةَ، والوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ. قالُوا لِلْمُؤْمِنِينَ: واللَّهِ ما أنْتُمْ عَلى شَيْءٍ، ولَئِنْ كانَ ما تَقُولُونَ حَقًّا، لَحالُنا أفْضَلُ مِن حالِكم في الآخِرَةِ، كَما هو أفْضَلُ في الدُّنْيا. واجْتَرَحُوا: اكْتَسَبُوا، والسَّيِّئاتُ: هُنا سَيِّئاتُ الكُفْرِ، ونَجْعَلُهم: نُصَيِّرُهم، والمَفْعُولُ الثّانِي هو كالَّذِينَ، وبِهِ تَمامُ المَعْنى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: سَواءٌ بِالرَّفْعِ، ومَماتُهم بِالرَّفْعِ أيْضًا، وأعْرَبُوا (سَواءٌ): مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ ما بَعْدَهُ، ولا مُسَوِّغَ لِجَوازِ الِابْتِداءِ بِهِ، بَلْ هو خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، وما بَعْدَهُ المُبْتَدَأُ. والجُمْلَةُ خَبَرٌ مُسْتَأْنَفٌ، واحْتَمَلَ الضَّمِيرُ في ﴿مَحْياهم ومَماتُهُمْ﴾ أنْ يَعُودَ عَلى ﴿الَّذِينَ اجْتَرَحُوا﴾، أخْبَرَ أنَّ حالَهم في الزَّمانَيْنِ سَواءٌ، وأنْ يَعُودَ عَلى المُجْتَرِحِينَ والصّالِحِينَ بِمَعْنى: أنَّ مَحْيا المُؤْمِنِينَ ومَماتَهم سَواءٌ في إهانَتِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ وعَدَمِ كَرامَتِهِمْ عَلَيْهِ، ويَكُونُ اللَّفْظُ قَدْ لَفَّ هَذا المَعْنى، وذِهْنُ السّامِعِ يُفَرِّقُهُ، إذْ قَدْ تَقَدَّمَ إبْعادُ اللَّهِ أنْ يَجْعَلَ هَؤُلاءِ كَهَؤُلاءِ. قالَ أبُو الدَّرْداءِ: يُبْعَثُ النّاسُ عَلى ما ماتُوا عَلَيْهِ. وقالَ مُجاهِدٌ: المُؤْمِنُ يَمُوتُ مُؤْمِنًا ويُبْعَثُ مُؤْمِنًا، والكافِرُ يَمُوتُ كافِرًا ويُبْعَثُ كافِرًا. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مُقْتَضى هَذا الكَلامِ أنَّهُ لَفْظُ الآيَةِ، ويَظْهَرُ لِي أنَّ قَوْلَهُ: ﴿سَواءً مَحْياهم ومَماتُهُمْ﴾ داخِلٌ في المُحْسِنَةِ المُنْكِرَةِ السَّيِّئَةَ، وهَذا احْتِمالٌ حَسَنٌ، والأوَّلُ أيْضًا أجْوَدُ. انْتَهى. ولَمْ يُبَيِّنْ كَيْفِيَّةَ تَشَبُّثِ الجُمْلَةِ بِما قَبْلَها حَتّى يَدْخُلَ في المُحْسِنَةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والجُمْلَةُ الَّتِي هي: سَواءً مَحْياهم ومَماتُهم، بَدَلٌ مِنَ الكافِ، لِأنَّ الجُمْلَةَ تَقَعُ مَفْعُولًا ثانِيًا، فَكانَتْ في حُكْمِ المُفْرَدِ. ألا تَراكَ لَوْ قُلْتَ: أنْ نَجْعَلَهم سَواءً مَحْياهم ومَماتُهم كانَ سَدِيدًا ؟ كَما تَقُولُ: ظَنَنْتُ زَيْدًا أبُوهُ مُنْطَلِقٌ. انْتَهى. وهَذا الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ، مِن إبْدالِ الجُمْلَةِ مِنَ المُفْرَدِ، قَدْ أجازَهُ أبُو الفَتْحِ، واخْتارَهُ ابْنُ مالِكٍ، وأوْرَدَ عَلى ذَلِكَ شَواهِدَ عَلى زَعْمِهِ، ولا يَتَعَيَّنُ فِيها البَدَلُ. وقالَ بَعْضُ أصْحابِنا، وهو الإمامُ العالِمُ ضِياءُ الدِّينِ أبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الإشْبِيلِيُّ، ويُعْرَفُ بِابْنِ العِلْجِ، وكانَ مِمَّنْ أقامَ بِاليَمَنِ وصَنَّفَ بِها، قالَ في كِتابِهِ البَسِيطِ في النَّحْوِ: ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ جُمْلَةً مَعْمُولَةً لِلْأوَّلِ في مَوْضِعِ البَدَلِ، كَما كانَ في النَّعْتِ، لِأنَّها تُقَدِّرُ تَقْدِيرَ المُشْتَقِّ تَقْدِيرَ الجامِدِ، فَيَكُونُ بَدَلًا، فَيَجْتَمِعُ فِيهِ تَجَوُّزُ أنْ، ولِأنَّ البَدَلَ يَعْمَلُ فِيهِ العامِلُ الأوَّلُ، فَيَصِحُّ أنْ يَكُونَ فاعِلًا، والجُمْلَةُ لا تَكُونُ في مَوْضِعِ الفاعِلِ بِغَيْرِ سائِغٍ، لِأنَّها لا تُضْمَرُ، فَإنْ كانَتْ غَيْرَ مَعْمُولَةٍ، فَهَلْ تَكُونُ جُمْلَةً ؟ لا يَبْعُدُ عِنْدِي جَوازُها، كَما يُتْبَعُ في العَطْفِ الجُمْلَةُ لِلْجُمْلَةِ، ولِتَأْكِيدِ الجُمْلَةِ التَّأْكِيدُ اللَّفْظِيُّ. انْتَهى. وتَبَيَّنَ مِن كَلامِ هَذا الإمامِ، أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ بَدَلًا مِنَ المُفْرَدِ، وأمّا تَجْوِيزُ الزَّمَخْشَرِيِّ أنْ نَجْعَلَهم سَواءً مَحْياهم ومَماتُهم، فَيَظْهَرُ لِي أنَّهُ لا يَجُوزُ؛ لِأنَّها بِمَعْنى التَّصْيِيرِ. لا يَجُوزُ صَيَّرْتُ زَيْدًا أبُوهُ قائِمٌ، ولا صَيَّرْتُ زَيْدًا غُلامُهُ مُنْطَلِقٌ، لِأنَّ التَّصْيِيرَ انْتِقالٌ مِن ذاتٍ إلى ذاتٍ، أوْ مِن وصْفٍ في الذّاتِ إلى وصْفٍ فِيها. وتِلْكَ الجُمْلَةُ الواقِعَةُ بَعْدَ مَفْعُولٍ صَيَّرَتِ المُقَدَّرَةَ مَفْعُولًا ثانِيًا، لَيْسَ فِيها انْتِقالٌ مِمّا ذَكَرْنا، فَلا يَجُوزُ والَّذِي يَظْهَرُ لِي أنَّهُ إذا قُلْنا بِتَشَبُّثِ الجُمْلَةِ بِما قَبْلَها، أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ، والتَّقْدِيرُ: أمْ حَسِبَ الكُفّارُ أنْ نُصَيِّرَهم مِثْلَ المُؤْمِنِينَ في حالِ اسْتِواءِ مَحْياهم ومَماتُهم ؟ لَيْسُوا كَذَلِكَ، بَلْ هم مُفْتَرِقُونَ، أيِ افْتِراقٌ في الحالَتَيْنِ، وتَكُونُ هَذِهِ الحالُ مُبَيِّنَةً ما انْبَهَمَ في المِثْلِيَّةِ الدّالِّ عَلَيْها الكافُ، الَّتِي هي في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ: سَواءً بِالنَّصْبِ، وما بَعْدَهُ مَرْفُوعٌ عَلى الفاعِلِيَّةِ، أجْرى سَواءً مُجْرى مُسْتَوِيًا، كَما قالُوا: مَرَرْتُ بِرَجُلٍ سَواءً هو والعَدَمُ. وجَوَّزَ في انْتِصابِ ”سَواءً“ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى الحالِ، و”كالَّذِينَ“ المَفْعُولَ الثّانِيَ، والعَكْسُ. وقَرَأ الأعْمَشُ: سَواءً. بِالنَّصْبِ، مَحْياهم ومَماتَهم. بِالنَّصْبِ أيْضًا، وخَرَجَ عَلى أنْ يَكُونَ ”مَحْياهم ومَماتَهم“ ظَرْفَيْ زَمانٍ، والعامِلُ إمّا ”﴿أنْ نَجْعَلَهُمْ﴾“ وإمّا ”سَواءً“، وانْتَصَبَ عَلى البَدَلِ مِن مَفْعُولِ ”﴿نَجْعَلَهُمْ﴾“، والمَفْعُولُ الثّانِي ”سَواءً“، (p-٤٨)أيْ أنْ يَجْعَلَ مَحْياهم ومَماتَهم سَواءً. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومَن قَرَأ ”ومَماتَهم“ بِالنَّصْبِ، جَعَلَ مَحْياهم ومَماتَهم ظَرْفَيْنِ، كَمَقْدِمِ الحاجِّ وخَفُوقِ النَّجْمِ، أيْ: سَواءً في مَحْياهم وفي مَماتِهِمْ، والمَعْنى: إنْكارُ أنْ يَسْتَوِيَ المُسِيئُونَ والمُحْسِنُونَ مَحْيًا، وأنْ يَسْتَوُوا مَماتًا، لِافْتِراقِ أحْوالِهِمْ. وتَمْثِيلُهُ بِقَوْلِهِ: وخَفُوقِ النَّجْمِ. لَيْسَ بِجَيِّدٍ، لِأنَّ خَفُوقَ مَصْدَرٌ لَيْسَ عَلى مَفْعَلٍ، فَهو في الحَقِيقَةِ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ وقْتَ خَفُوقِ النَّجْمِ، بِخِلافِ مَحْيا ومَماتٍ ومَقْدِمٍ، فَإنَّها تُسْتَعْمَلُ بِالوَضْعِ مَصْدَرًا واسْمَ زَمانٍ واسْمَ مَكانٍ، فَإذا اسْتُعْمِلَتِ اسْمَ مَكانٍ أوِ اسْمَ زَمانٍ، لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ قامَتْ هَذِهِ مَقامَهُ، لِأنَّها مَوْضُوعَةٌ لِلزَّمانِ ولِلْمَكانِ، كَما وُضِعَتْ لِلْمَصْدَرِ، فَهي مُشْتَرِكَةٌ بَيْنَ هَذِهِ المَدْلُولاتِ الثَّلاثَةِ، بِخِلافِ خَفُوقِ النَّجْمِ، فَإنَّهُ وُضِعَ لِلْمَصْدَرِ فَقَطْ. وقَدْ خَلَطَ ابْنُ عَطِيَّةَ في نَقْلِ القُرْآنِ، ولَهُ بَعْضُ عُذْرٍ. فَإنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُعْرِبًا، فَقالَ: وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، وعِيسى بِخِلافٍ عَنْهُ: سَواءً. بِالنَّصْبِ، مَحْياهم ومَماتُهم. بِالرَّفْعِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفَصٌ، والأعْمَشُ: سَواءً. بِالنَّصْبِ، ”مَحْياهم ومَماتَهم“ بِالنَّصْبِ، ووَجَّهَ كُلًّا مِنَ القِراءَتَيْنِ عَلى ما تَقْتَضِيهِ صَنْعَةُ الإعْرابِ، وتَبِعَهُ عَلى هَذا الوَهْمِ صاحِبُ التَّحْرِيرِ، وهو مَعْذُورٌ، لِأنَّهُ ناسِخٌ مِن كِتابٍ إلى كِتابٍ، والصَّوابُ ما اسْتَبَنّاهُ مِنَ القِراءاتِ لِمَن ذَكَرْنا. ويُسْتَنْبَطُ مِن هَذِهِ الآيَةِ تَبايُنُ حالِ المُؤْمِنِ العاصِي مِن حالِ الطّائِعِ، وإنْ كانَتْ في الكُفّارِ، وتُسَمّى مَبْكاةُ العابِدِينَ. وعَنْ تَمِيمٍ الدّارِيِّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أنَّهُ كانَ يُصَلِّي ذاتَ لَيْلَةٍ عِنْدَ المَقامِ، فَبَلَغَ هَذِهِ الآيَةَ، فَجَعَلَ يَبْكِي ويُرَدِّدُ إلى الصَّباحِ: ﴿ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ . وعَنِ الرَّبِيعِ بْنِ خُثَيْمٍ، أنَّهُ كانَ يُرَدِّدُها لَيْلَةَ أجْمَعَ، وكَذَلِكَ الفُضَيْلُ بْنُ عِياضٍ، كانَ يَقُولُ لِنَفْسِهِ: لَيْتَ شِعْرِي مِن أيِّ الفَرِيقَيْنِ أنْتِ ؟ وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وأمّا لَفْظُها فَيُعْطِي أنَّهُ اجْتِراحُ الكُفْرِ، بِدَلِيلِ مُعادَلَتِهِ بِالإيمانِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ المُعادَلَةُ هي بِالِاجْتِراحِ وعَمَلِ الصّالِحاتِ، ويَكُونُ الإيمانُ في الفَرِيقَيْنِ، ولِهَذا بَكى الخائِفُونَ. ﴿ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾: هو كَقَوْلِهِ: ﴿بِئْسَما اشْتَرَوْا﴾ [البقرة: ٩٠]، وتَقَدَّمَ إعْرابُهُ في البَقَرَةِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هُنا ما مَصْدَرِيَّةٌ، والتَّقْدِيرُ: ساءَ الحُكْمُ حُكْمُهم. (بِالحَقِّ): بِأنَّ خَلْقَها حَقٌّ واجِبٌ لِما فِيهِ مِن فَيْضِ الخَيْراتِ، ولِيَدُلَّ عَلَيْهِ دَلالَةَ الصَّنْعَةِ عَلى الصّانِعِ. ﴿ولِتُجْزى﴾: هي لامُ كَيْ مَعْطُوفَةٌ عَلى بِالحَقِّ، لِأنَّ كُلًّا مِنَ التّاءِ واللّامِ يَكُونانِ لِلتَّعْلِيلِ، فَكانَ الخَلْقُ مُعَلَّلًا بِالجَزاءِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ عَلى مُعَلِّلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: لِيَدُلَّ بِها عَلى قُدْرَتِهِ، ﴿ولِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ﴾ . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لامَ الصَّيْرُورَةِ، أيْ فَصارَ الأمْرُ مِنها مِن حَيْثُ اهْتَدى بِها قَوْمٌ وضَلَّ عَنْها آخَرُونَ، لِأنْ يُجازى كُلُّ واحِدٍ بِعَمَلِهِ، وبِما اكْتَسَبَ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ. انْتَهى. (أفَرَأيْتَ) الآيَةَ، قالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في الحارِثِ بْنِ قَيْسٍ السَّهْمِيِّ، وأفَرَأيْتَ: هو بِمَعْنى أخْبِرْنِي، والمَفْعُولُ الأوَّلُ هو: (مَنِ اتَّخَذَ)، والثّانِي مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ بَعْدَ الصَّلاةِ الَّتِي لِمَنِ اهْتَدى، يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدُ: ﴿فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ﴾، أيْ لا أحَدَ يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ إضْلالِ اللَّهِ إيّاهُ. ﴿مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ﴾: أيْ هو مِطْواعٌ لِهَوى نَفْسِهِ، يَتَّبِعُ ما تَدْعُوهُ إلَيْهِ، فَكَأنَّهُ يَعْبُدُهُ، كَما يَعْبُدُ الرَّجُلُ إلَهَهُ. قالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: إشارَةٌ إلى الأصْنامِ، إذْ كانُوا يَعْبُدُونَ ما يَهْوَوْنَ مِنَ الحِجارَةِ. وقالَ قَتادَةُ: لا يَهْوى شَيْئًا إلّا رَكِبَهُ، لا يَخافُ اللَّهَ، فَلِهَذا يُقالُ: الهَوى إلَهٌ مَعْبُودٌ. وقَرَأ الأعْرَجُ، وأبُو جَعْفَرٍ: إلَهَةَ، بِتاءِ التَّأْنِيثِ، بَدَلٌ مِن هاءِ الضَّمِيرِ. وعَنِ الأعْرَجِ أنَّهُ قَرَأ: آلِهَةَ عَلى الجَمْعِ. قالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: ومَعْناهُ أنَّ أحَدَهم كانَ يَهْوى الحَجَرَ فَيَعْبُدُهُ، ثُمَّ يَرى غَيْرَهُ فَيَهْواهُ، فَيُلْقِي الأوَّلَ، فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿إلَهَهُ هَواهُ﴾ الآيَةَ. وإنْ نَزَلَتْ في هَوى الكُفْرِ، فَهي مُتَناوِلَةٌ جَمِيعَ هَوى النَّفْسِ الأمّارَةِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ما ذَكَرَ اللَّهُ هَوًى إلّا ذَمَّهُ. وقالَ وهْبٌ: إذا شَكَكْتَ في خَيْرِ أمْرَيْنِ، فانْظُرْ أبْعَدَهُما مِن هَواكَ فَأْتِهِ. وقالَ سَهْلٌ التُّسْتَرِيُّ: هَواكَ داؤُكَ، فَإنْ خالَفْتَهُ فَدَواؤُكَ. وفي الحَدِيثِ: «والعاجِزُ مَن أتْبَعَ نَفْسَهُ هَواها وتَمَنّى عَلى اللَّهِ الأمانِيَّ» . ومِن حِكْمَةِ الشِّعْرِ قَوْلُ عَنْتَرَةَ، وهو جاهِلِيٌّ:(p-٤٩) ؎إنِّي امْرُؤٌ سَمْحُ الخَلِيقَةِ ماجِدٌ ∗∗∗ لا أُتْبِعُ النَّفْسَ اللَّجُوجَ هَواها وقالَ أبُو عِمْرانَ مُوسى بْنُ عِمْرانَ الإشْبِيلِيُّ الزّاهِدُ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: ؎فَخالِفْ هَواها واعْصِها إنَّ مَن يُطِعْ ∗∗∗ هَوى نَفْسِهِ يَنْزِعُ بِهِ شَرَّ مَنزَعِ ومَن يُطِعِ النَّفْسَ اللَّجُوجَ تَرُدُّهُ وتَرْمِ بِهِ في مَصْرَعٍ أيِّ مَصْرَعِ ﴿وأضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ﴾: أيْ مِنَ اللَّهِ تَعالى سابِقٍ، أوْ عَلى عِلْمٍ مِن هَذا الضّالِّ بِأنَّ الحَقَّ هو الدِّينُ، ويُعْرِضُ عَنْهُ عِنادًا، فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ: ﴿وجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهُمْ﴾ [النمل: ١٤] . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: صَرَفَهُ عَنِ الهِدايَةِ واللُّطْفِ، وخَذَلَهُ عَنْ عِلْمٍ، عالِمًا بِأنَّ ذَلِكَ لا يُجْدِي عَلَيْهِ، وأنَّهُ مِمَّنْ لا لُطْفَ بِهِ، أوْ مَعَ عِلْمِهِ بِوُجُوهِ الهِدايَةِ وإحاطَتِهِ بِأنْواعِ الألْطافِ المُحَصَّلَةِ والمُقَرَّبَةِ. انْتَهى، وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (غِشاوَةً): بِكَسْرِ الغَيْنِ. وعَبْدُ اللَّهِ، والأعْمَشُ: بِفَتْحِها، وهي لُغَةُ رَبِيعَةَ. والحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ، وعَبْدُ اللَّهِ أيْضًا: بِضَمِّها، وهي لُغَةُ عُكْلِيَّةَ. والأعْمَشُ، وطَلْحَةُ، وأبُو حَنِيفَةَ، ومَسْعُودُ بْنُ صالِحٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: غَشْوَةً، بِفَتْحِ الغَيْنِ وسُكُونِ الشِّينِ. وابْنُ مُصَرِّفٍ، والأعْمَشُ أيْضًا: كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُما كَسَرا الغَيْنَ، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الجُمْلَتَيْنِ في أوَّلِ البَقَرَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (تَذَّكَّرُونَ)، بِشَدِّ الذّالِ. والجَحْدَرِيُّ يُخَفِّفُها، والأعْمَشُ: بِتاءَيْنِ. ﴿وقالُوا إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا﴾ [الأنعام: ٢٩]: هي مَقالَةُ بَعْضِ قُرَيْشٍ إنْكارًا لِلْبَعْثِ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهم: (نَمُوتُ ونَحْيا) حُكْمٌ عَلى النَّوْعِ بِجُمْلَتِهِ مِن غَيْرِ اعْتِبارِ تَقْدِيمٍ وتَأْخِيرٍ، أيْ تَمُوتُ طائِفَةٌ وتَحْيا طائِفَةٌ. وأنَّ المُرادَ بِالمَوْتِ مُفارَقَةُ الرُّوحِ لِلْجَسَدِ. وقِيلَ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، أيْ نَحْيا ونَمُوتُ. وقِيلَ: نَمُوتُ عِبارَةٌ عَنْ كَوْنِهِمْ لَمْ يُوجَدُوا، ونَحْيا: أيْ في وقْتِ وُجُودِنا، وهَذا قَرِيبٌ مِنَ الأوَّلِ قَبْلَهُ، ولا ذِكْرَ لِلْمَوْتِ الَّذِي هو مُفارَقَةُ الرُّوحِ في هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ. وقِيلَ: تَمُوتُ الآباءُ وتَحْيا الأبْناءُ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: ونَحْيا، بِضَمِّ النُّونِ. ﴿وما يُهْلِكُنا إلّا الدَّهْرُ﴾: أيْ طُولُ الزَّمانِ، لِأنَّ الآفاتِ تَسْتَوِي فِيهِ كَمالاتُها هَذا إنْ كانَ قائِلُو هَذا مُعْتَرِفِينَ بِاللَّهِ، فَنَسَبُوا الآفاتِ إلى الدَّهْرِ بِجَهْلِهِمْ أنَّها مُقَدَّرَةٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وإنْ كانُوا لا يَعْرِفُونَ اللَّهَ ولا يُقِرُّونَ بِهِ، وهُمُ الدَّهْرِيَّةُ، فَنَسَبُوا ذَلِكَ إلى الدَّهْرِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: إلّا دَهْرٌ، وتَأْوِيلُهُ: إلّا دَهْرٌ يَمُرُّ. كانُوا يُضِيفُونَ كُلَّ حادِثَةٍ إلى الدَّهْرِ، وأشْعارُهم ناطِقَةٌ بِشَكْوى الدَّهْرِ، حَتّى يُوجَدَ ذَلِكَ في أشْعارِ المُسْلِمِينَ. قالَ ابْنُ دُرَيْدٍ في مَقْصُورَتِهِ: ؎يا دَهْرُ إنْ لَمْ تَكُ عُتْبى فاتَّئِدْ ∗∗∗ فَإنَّ إرْوادَكَ والعُتْبى سَوا و﴿ما كانَ حُجَّتَهُمْ﴾، لَيْسَتْ حُجَّةً حَقِيقَةً، أيْ حُجَّتَهم عِنْدَهم، أوْ لِأنَّهم أدْلَوْا بِها، كَما يُدْلِي المُحْتَجُّ بِحُجَّتِهِ، وساقُوها مَساقَها، فَسُمِّيَتْ حُجَّةً عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ، أوْ لِأنَّهُ في نَحْوِ قَوْلِهِمْ: ؎تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وجِيعُ أيْ: ما كانَ حُجَّتَهم إلّا ما لَيْسَ بِحُجَّةٍ، والمُرادُ نَفْيُ أنْ يَكُونَ لَهم حُجَّةٌ ألْبَتَّةَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: حُجَّتَهم. بِالنَّصْبِ، والحَسَنُ، وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، وابْنُ عامِرٍ، فِيما رَوى عَنْهُ عَبْدُ الحَمِيدِ، وعاصِمٌ، فِيما رَوى هارُونُ وحُسَيْنُ، عَنْ أبِي بَكْرٍ عَنْهُ: (حُجَّتُهم)، أيْ ما تَكُونُ حُجَّتَهم، لِأنَّ إذا لِلِاسْتِقْبالِ، وخالَفَتْ أدَواتَ الشَّرْطِ بِأنَّ جَوابَها إذا كانَ مَنفِيًّا بِما، لَمْ تَدْخُلِ الفاءُ، بِخِلافِ أدَواتِ الشَّرْطِ، فَلا بُدَّ مِنَ الفاءِ. تَقُولُ: إنْ تَزُرْنا فَما جَفَوْتَنا، أيْ فَما تَجْفُونا. وفي كَوْنِ الجَوابِ مَنفِيًّا بِما، دَلِيلٌ عَلى ما اخْتَرْناهُ مِن أنَّ جَوابَ إذا لا يَعْمَلُ فِيها، لِأنَّ ما بَعْدَ ما النّافِيَةِ لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَها. (ائْتُوا): يَظْهَرُ أنَّهُ خِطابٌ لِلرَّسُولِ والمُؤْمِنِينَ، إذْ هم قائِلُونَ بِمَقالَتِهِ، أوْ هو خِطابٌ لَهُ ولِمَن جاءَ بِالبَعْثِ، وهُمُ الأنْبِياءُ، وغَلَبَ الخِطابُ عَلى الغَيْبَةِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ائْتُوا، مِن حَيْثُ المُخاطَبَةُ لَهُ. والمُرادُ: هو وإلَهُهُ والمَلَكُ الوَسِيطُ الَّذِي ذَكَرَهُ هو لَهم، فَجاءَ مِن ذَلِكَ جُمْلَةُ قِيلَ لَها ائْتُوا وإنْ كُنْتُمْ. انْتَهى. ولَمّا اعْتَرَفُوا بِأنَّهم ما يُهْلِكُهم إلّا الدَّهْرُ، وأنَّهُمُ اسْتَدَلُّوا (p-٥٠)عَلى إنْكارِ البَعْثِ بِما لا دَلِيلَ لَهم فِيهِ مِن سُؤالِ إحْياءِ آبائِهِمْ، رَدَّ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ بِأنَّهُ تَعالى هو المُحْيِي، وهو المُمِيتُ لا الدَّهْرُ، وضَمَّ إلى ذَلِكَ آيَةً جامِعَةً لِلْحِسابِ يَوْمَ البَعْثِ، وهَذا واجِبُ الِاعْتِرافِ بِهِ إنْ أنْصَفُوا، ومَن قَدَرَ عَلى هَذا قَدَرَ عَلى الإتْيانِ بِآبائِهِمْ.

الجاثية 45:26

(p-٤٦)﴿ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الأمْرِ فاتَّبِعْها ولا تَتَّبِعْ أهْواءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿إنَّهم لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وإنَّ الظّالِمِينَ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ واللَّهُ ولِيُّ المُتَّقِينَ﴾ ﴿هَذا بَصائِرُ لِلنّاسِ وهُدًى ورَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ ﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أنْ نَجْعَلَهم كالَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَواءً مَحْياهم ومَماتُهم ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ ﴿وخَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ ولِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ وأضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ وخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وقَلْبِهِ وجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿وقالُوا ما هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا نَمُوتُ ونَحْيا وما يُهْلِكُنا إلّا الدَّهْرُ وما لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ إنْ هم إلّا يَظُنُّونَ﴾ ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ ما كانَ حُجَّتَهم إلّا أنْ قالُوا ائْتُوا بِآبائِنا إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يَجْمَعُكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ . لَمّا ذَكَرَ تَعالى إنْعامَهُ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ واخْتِلافَهم بَعْدَ ذَلِكَ، ذَكَرَ حالَ نَبِيِّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وما مَنَّ بِهِ عَلَيْهِ مِنِ اصْطِفائِهِ فَقالَ: ﴿ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الأمْرِ فاتَّبِعْها ولا تَتَّبِعْ أهْواءَ﴾ . قالَ قَتادَةُ: الشَّرِيعَةُ: الأمْرُ، والنَّهْيُ، والحُدُودُ، والفَرائِضُ. وقالَ مُقاتِلٌ: البَيِّنَةُ، لِأنَّها طَرِيقٌ إلى الحَقِّ. وقالَ الكَلْبِيُّ: السُّنَّةُ، لِأنَّهُ كانَ يَسْتَنُّ بِطَرِيقَةِ مَن قَبْلَهُ مِنَ الأنْبِياءِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الدِّينُ، لِأنَّهُ طَرِيقٌ إلى النَّجاةِ. والشَّرِيعَةُ في كَلامِ العَرَبِ: المَوْضِعُ الَّذِي يَرِدُ فِيهِ النّاسُ في الأنْهارِ والمِياهِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وفِي الشَّرائِعِ مِن جِيلانَ مُقْتَنِصٌ رَثُّ الثِّيابِ خَفِيُّ الشَّخْصِ مُنْسَرِبُ فَشَرِيعَةُ الدِّينِ مِن ذَلِكَ، مِن حَيْثُ يُرِدِ النّاسُ أمْرَ اللَّهِ ورَحْمَتَهُ والقُرْبَ مِنهُ، مِنَ الأُمُورِ الَّتِي مِن دِينِ اللَّهِ الَّذِي بَعَثَهُ في عِبادِهِ في الزَّمانِ السّالِفِ، أوْ يَكُونُ مَصْدَرَ أمْرٍ، أيْ مِنَ الأمْرِ والنَّهْيِ، وسُمِّيَ النَّهْيُ أمْرًا. ﴿أهْواءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾، قِيلَ: جُهّالُ قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ. وقِيلَ: رُؤَساءُ قُرَيْشٍ، حِينَ قالُوا: رَجَعَ إلى دِينِ آبائِكَ. ﴿هَذا بَصائِرُ﴾: أيْ هَذا القُرْآنُ - جَعَلَ ما نافِيَةً - مِن مَعالِمِ الدِّينِ، بَصائِرُ لِلْقُلُوبِ، كَما جُعِلَ رُوحًا وحَياةً. وقُرِئَ: هَذِي، أيْ هَذِهِ الآياتُ. ﴿أمْ حَسِبَ﴾: أمْ مُنْقَطِعَةٌ تَتَقَدَّرُ بِبَلْ والهَمْزَةِ، وهو اسْتِفْهامُ (p-٤٧)إنْكارٍ. وقالَ الكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ في عَلِيٍّ، وحَمْزَةَ، وعُبَيْدَةَ بْنِ الحارِثِ، وفي عُتْبَةَ، وشَيْبَةَ، والوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ. قالُوا لِلْمُؤْمِنِينَ: واللَّهِ ما أنْتُمْ عَلى شَيْءٍ، ولَئِنْ كانَ ما تَقُولُونَ حَقًّا، لَحالُنا أفْضَلُ مِن حالِكم في الآخِرَةِ، كَما هو أفْضَلُ في الدُّنْيا. واجْتَرَحُوا: اكْتَسَبُوا، والسَّيِّئاتُ: هُنا سَيِّئاتُ الكُفْرِ، ونَجْعَلُهم: نُصَيِّرُهم، والمَفْعُولُ الثّانِي هو كالَّذِينَ، وبِهِ تَمامُ المَعْنى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: سَواءٌ بِالرَّفْعِ، ومَماتُهم بِالرَّفْعِ أيْضًا، وأعْرَبُوا (سَواءٌ): مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ ما بَعْدَهُ، ولا مُسَوِّغَ لِجَوازِ الِابْتِداءِ بِهِ، بَلْ هو خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، وما بَعْدَهُ المُبْتَدَأُ. والجُمْلَةُ خَبَرٌ مُسْتَأْنَفٌ، واحْتَمَلَ الضَّمِيرُ في ﴿مَحْياهم ومَماتُهُمْ﴾ أنْ يَعُودَ عَلى ﴿الَّذِينَ اجْتَرَحُوا﴾، أخْبَرَ أنَّ حالَهم في الزَّمانَيْنِ سَواءٌ، وأنْ يَعُودَ عَلى المُجْتَرِحِينَ والصّالِحِينَ بِمَعْنى: أنَّ مَحْيا المُؤْمِنِينَ ومَماتَهم سَواءٌ في إهانَتِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ وعَدَمِ كَرامَتِهِمْ عَلَيْهِ، ويَكُونُ اللَّفْظُ قَدْ لَفَّ هَذا المَعْنى، وذِهْنُ السّامِعِ يُفَرِّقُهُ، إذْ قَدْ تَقَدَّمَ إبْعادُ اللَّهِ أنْ يَجْعَلَ هَؤُلاءِ كَهَؤُلاءِ. قالَ أبُو الدَّرْداءِ: يُبْعَثُ النّاسُ عَلى ما ماتُوا عَلَيْهِ. وقالَ مُجاهِدٌ: المُؤْمِنُ يَمُوتُ مُؤْمِنًا ويُبْعَثُ مُؤْمِنًا، والكافِرُ يَمُوتُ كافِرًا ويُبْعَثُ كافِرًا. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مُقْتَضى هَذا الكَلامِ أنَّهُ لَفْظُ الآيَةِ، ويَظْهَرُ لِي أنَّ قَوْلَهُ: ﴿سَواءً مَحْياهم ومَماتُهُمْ﴾ داخِلٌ في المُحْسِنَةِ المُنْكِرَةِ السَّيِّئَةَ، وهَذا احْتِمالٌ حَسَنٌ، والأوَّلُ أيْضًا أجْوَدُ. انْتَهى. ولَمْ يُبَيِّنْ كَيْفِيَّةَ تَشَبُّثِ الجُمْلَةِ بِما قَبْلَها حَتّى يَدْخُلَ في المُحْسِنَةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والجُمْلَةُ الَّتِي هي: سَواءً مَحْياهم ومَماتُهم، بَدَلٌ مِنَ الكافِ، لِأنَّ الجُمْلَةَ تَقَعُ مَفْعُولًا ثانِيًا، فَكانَتْ في حُكْمِ المُفْرَدِ. ألا تَراكَ لَوْ قُلْتَ: أنْ نَجْعَلَهم سَواءً مَحْياهم ومَماتُهم كانَ سَدِيدًا ؟ كَما تَقُولُ: ظَنَنْتُ زَيْدًا أبُوهُ مُنْطَلِقٌ. انْتَهى. وهَذا الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ، مِن إبْدالِ الجُمْلَةِ مِنَ المُفْرَدِ، قَدْ أجازَهُ أبُو الفَتْحِ، واخْتارَهُ ابْنُ مالِكٍ، وأوْرَدَ عَلى ذَلِكَ شَواهِدَ عَلى زَعْمِهِ، ولا يَتَعَيَّنُ فِيها البَدَلُ. وقالَ بَعْضُ أصْحابِنا، وهو الإمامُ العالِمُ ضِياءُ الدِّينِ أبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الإشْبِيلِيُّ، ويُعْرَفُ بِابْنِ العِلْجِ، وكانَ مِمَّنْ أقامَ بِاليَمَنِ وصَنَّفَ بِها، قالَ في كِتابِهِ البَسِيطِ في النَّحْوِ: ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ جُمْلَةً مَعْمُولَةً لِلْأوَّلِ في مَوْضِعِ البَدَلِ، كَما كانَ في النَّعْتِ، لِأنَّها تُقَدِّرُ تَقْدِيرَ المُشْتَقِّ تَقْدِيرَ الجامِدِ، فَيَكُونُ بَدَلًا، فَيَجْتَمِعُ فِيهِ تَجَوُّزُ أنْ، ولِأنَّ البَدَلَ يَعْمَلُ فِيهِ العامِلُ الأوَّلُ، فَيَصِحُّ أنْ يَكُونَ فاعِلًا، والجُمْلَةُ لا تَكُونُ في مَوْضِعِ الفاعِلِ بِغَيْرِ سائِغٍ، لِأنَّها لا تُضْمَرُ، فَإنْ كانَتْ غَيْرَ مَعْمُولَةٍ، فَهَلْ تَكُونُ جُمْلَةً ؟ لا يَبْعُدُ عِنْدِي جَوازُها، كَما يُتْبَعُ في العَطْفِ الجُمْلَةُ لِلْجُمْلَةِ، ولِتَأْكِيدِ الجُمْلَةِ التَّأْكِيدُ اللَّفْظِيُّ. انْتَهى. وتَبَيَّنَ مِن كَلامِ هَذا الإمامِ، أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ بَدَلًا مِنَ المُفْرَدِ، وأمّا تَجْوِيزُ الزَّمَخْشَرِيِّ أنْ نَجْعَلَهم سَواءً مَحْياهم ومَماتُهم، فَيَظْهَرُ لِي أنَّهُ لا يَجُوزُ؛ لِأنَّها بِمَعْنى التَّصْيِيرِ. لا يَجُوزُ صَيَّرْتُ زَيْدًا أبُوهُ قائِمٌ، ولا صَيَّرْتُ زَيْدًا غُلامُهُ مُنْطَلِقٌ، لِأنَّ التَّصْيِيرَ انْتِقالٌ مِن ذاتٍ إلى ذاتٍ، أوْ مِن وصْفٍ في الذّاتِ إلى وصْفٍ فِيها. وتِلْكَ الجُمْلَةُ الواقِعَةُ بَعْدَ مَفْعُولٍ صَيَّرَتِ المُقَدَّرَةَ مَفْعُولًا ثانِيًا، لَيْسَ فِيها انْتِقالٌ مِمّا ذَكَرْنا، فَلا يَجُوزُ والَّذِي يَظْهَرُ لِي أنَّهُ إذا قُلْنا بِتَشَبُّثِ الجُمْلَةِ بِما قَبْلَها، أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ، والتَّقْدِيرُ: أمْ حَسِبَ الكُفّارُ أنْ نُصَيِّرَهم مِثْلَ المُؤْمِنِينَ في حالِ اسْتِواءِ مَحْياهم ومَماتُهم ؟ لَيْسُوا كَذَلِكَ، بَلْ هم مُفْتَرِقُونَ، أيِ افْتِراقٌ في الحالَتَيْنِ، وتَكُونُ هَذِهِ الحالُ مُبَيِّنَةً ما انْبَهَمَ في المِثْلِيَّةِ الدّالِّ عَلَيْها الكافُ، الَّتِي هي في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ: سَواءً بِالنَّصْبِ، وما بَعْدَهُ مَرْفُوعٌ عَلى الفاعِلِيَّةِ، أجْرى سَواءً مُجْرى مُسْتَوِيًا، كَما قالُوا: مَرَرْتُ بِرَجُلٍ سَواءً هو والعَدَمُ. وجَوَّزَ في انْتِصابِ ”سَواءً“ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى الحالِ، و”كالَّذِينَ“ المَفْعُولَ الثّانِيَ، والعَكْسُ. وقَرَأ الأعْمَشُ: سَواءً. بِالنَّصْبِ، مَحْياهم ومَماتَهم. بِالنَّصْبِ أيْضًا، وخَرَجَ عَلى أنْ يَكُونَ ”مَحْياهم ومَماتَهم“ ظَرْفَيْ زَمانٍ، والعامِلُ إمّا ”﴿أنْ نَجْعَلَهُمْ﴾“ وإمّا ”سَواءً“، وانْتَصَبَ عَلى البَدَلِ مِن مَفْعُولِ ”﴿نَجْعَلَهُمْ﴾“، والمَفْعُولُ الثّانِي ”سَواءً“، (p-٤٨)أيْ أنْ يَجْعَلَ مَحْياهم ومَماتَهم سَواءً. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومَن قَرَأ ”ومَماتَهم“ بِالنَّصْبِ، جَعَلَ مَحْياهم ومَماتَهم ظَرْفَيْنِ، كَمَقْدِمِ الحاجِّ وخَفُوقِ النَّجْمِ، أيْ: سَواءً في مَحْياهم وفي مَماتِهِمْ، والمَعْنى: إنْكارُ أنْ يَسْتَوِيَ المُسِيئُونَ والمُحْسِنُونَ مَحْيًا، وأنْ يَسْتَوُوا مَماتًا، لِافْتِراقِ أحْوالِهِمْ. وتَمْثِيلُهُ بِقَوْلِهِ: وخَفُوقِ النَّجْمِ. لَيْسَ بِجَيِّدٍ، لِأنَّ خَفُوقَ مَصْدَرٌ لَيْسَ عَلى مَفْعَلٍ، فَهو في الحَقِيقَةِ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ وقْتَ خَفُوقِ النَّجْمِ، بِخِلافِ مَحْيا ومَماتٍ ومَقْدِمٍ، فَإنَّها تُسْتَعْمَلُ بِالوَضْعِ مَصْدَرًا واسْمَ زَمانٍ واسْمَ مَكانٍ، فَإذا اسْتُعْمِلَتِ اسْمَ مَكانٍ أوِ اسْمَ زَمانٍ، لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ قامَتْ هَذِهِ مَقامَهُ، لِأنَّها مَوْضُوعَةٌ لِلزَّمانِ ولِلْمَكانِ، كَما وُضِعَتْ لِلْمَصْدَرِ، فَهي مُشْتَرِكَةٌ بَيْنَ هَذِهِ المَدْلُولاتِ الثَّلاثَةِ، بِخِلافِ خَفُوقِ النَّجْمِ، فَإنَّهُ وُضِعَ لِلْمَصْدَرِ فَقَطْ. وقَدْ خَلَطَ ابْنُ عَطِيَّةَ في نَقْلِ القُرْآنِ، ولَهُ بَعْضُ عُذْرٍ. فَإنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُعْرِبًا، فَقالَ: وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، وعِيسى بِخِلافٍ عَنْهُ: سَواءً. بِالنَّصْبِ، مَحْياهم ومَماتُهم. بِالرَّفْعِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفَصٌ، والأعْمَشُ: سَواءً. بِالنَّصْبِ، ”مَحْياهم ومَماتَهم“ بِالنَّصْبِ، ووَجَّهَ كُلًّا مِنَ القِراءَتَيْنِ عَلى ما تَقْتَضِيهِ صَنْعَةُ الإعْرابِ، وتَبِعَهُ عَلى هَذا الوَهْمِ صاحِبُ التَّحْرِيرِ، وهو مَعْذُورٌ، لِأنَّهُ ناسِخٌ مِن كِتابٍ إلى كِتابٍ، والصَّوابُ ما اسْتَبَنّاهُ مِنَ القِراءاتِ لِمَن ذَكَرْنا. ويُسْتَنْبَطُ مِن هَذِهِ الآيَةِ تَبايُنُ حالِ المُؤْمِنِ العاصِي مِن حالِ الطّائِعِ، وإنْ كانَتْ في الكُفّارِ، وتُسَمّى مَبْكاةُ العابِدِينَ. وعَنْ تَمِيمٍ الدّارِيِّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أنَّهُ كانَ يُصَلِّي ذاتَ لَيْلَةٍ عِنْدَ المَقامِ، فَبَلَغَ هَذِهِ الآيَةَ، فَجَعَلَ يَبْكِي ويُرَدِّدُ إلى الصَّباحِ: ﴿ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ . وعَنِ الرَّبِيعِ بْنِ خُثَيْمٍ، أنَّهُ كانَ يُرَدِّدُها لَيْلَةَ أجْمَعَ، وكَذَلِكَ الفُضَيْلُ بْنُ عِياضٍ، كانَ يَقُولُ لِنَفْسِهِ: لَيْتَ شِعْرِي مِن أيِّ الفَرِيقَيْنِ أنْتِ ؟ وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وأمّا لَفْظُها فَيُعْطِي أنَّهُ اجْتِراحُ الكُفْرِ، بِدَلِيلِ مُعادَلَتِهِ بِالإيمانِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ المُعادَلَةُ هي بِالِاجْتِراحِ وعَمَلِ الصّالِحاتِ، ويَكُونُ الإيمانُ في الفَرِيقَيْنِ، ولِهَذا بَكى الخائِفُونَ. ﴿ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾: هو كَقَوْلِهِ: ﴿بِئْسَما اشْتَرَوْا﴾ [البقرة: ٩٠]، وتَقَدَّمَ إعْرابُهُ في البَقَرَةِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هُنا ما مَصْدَرِيَّةٌ، والتَّقْدِيرُ: ساءَ الحُكْمُ حُكْمُهم. (بِالحَقِّ): بِأنَّ خَلْقَها حَقٌّ واجِبٌ لِما فِيهِ مِن فَيْضِ الخَيْراتِ، ولِيَدُلَّ عَلَيْهِ دَلالَةَ الصَّنْعَةِ عَلى الصّانِعِ. ﴿ولِتُجْزى﴾: هي لامُ كَيْ مَعْطُوفَةٌ عَلى بِالحَقِّ، لِأنَّ كُلًّا مِنَ التّاءِ واللّامِ يَكُونانِ لِلتَّعْلِيلِ، فَكانَ الخَلْقُ مُعَلَّلًا بِالجَزاءِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ عَلى مُعَلِّلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: لِيَدُلَّ بِها عَلى قُدْرَتِهِ، ﴿ولِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ﴾ . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لامَ الصَّيْرُورَةِ، أيْ فَصارَ الأمْرُ مِنها مِن حَيْثُ اهْتَدى بِها قَوْمٌ وضَلَّ عَنْها آخَرُونَ، لِأنْ يُجازى كُلُّ واحِدٍ بِعَمَلِهِ، وبِما اكْتَسَبَ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ. انْتَهى. (أفَرَأيْتَ) الآيَةَ، قالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في الحارِثِ بْنِ قَيْسٍ السَّهْمِيِّ، وأفَرَأيْتَ: هو بِمَعْنى أخْبِرْنِي، والمَفْعُولُ الأوَّلُ هو: (مَنِ اتَّخَذَ)، والثّانِي مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ بَعْدَ الصَّلاةِ الَّتِي لِمَنِ اهْتَدى، يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدُ: ﴿فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ﴾، أيْ لا أحَدَ يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ إضْلالِ اللَّهِ إيّاهُ. ﴿مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ﴾: أيْ هو مِطْواعٌ لِهَوى نَفْسِهِ، يَتَّبِعُ ما تَدْعُوهُ إلَيْهِ، فَكَأنَّهُ يَعْبُدُهُ، كَما يَعْبُدُ الرَّجُلُ إلَهَهُ. قالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: إشارَةٌ إلى الأصْنامِ، إذْ كانُوا يَعْبُدُونَ ما يَهْوَوْنَ مِنَ الحِجارَةِ. وقالَ قَتادَةُ: لا يَهْوى شَيْئًا إلّا رَكِبَهُ، لا يَخافُ اللَّهَ، فَلِهَذا يُقالُ: الهَوى إلَهٌ مَعْبُودٌ. وقَرَأ الأعْرَجُ، وأبُو جَعْفَرٍ: إلَهَةَ، بِتاءِ التَّأْنِيثِ، بَدَلٌ مِن هاءِ الضَّمِيرِ. وعَنِ الأعْرَجِ أنَّهُ قَرَأ: آلِهَةَ عَلى الجَمْعِ. قالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: ومَعْناهُ أنَّ أحَدَهم كانَ يَهْوى الحَجَرَ فَيَعْبُدُهُ، ثُمَّ يَرى غَيْرَهُ فَيَهْواهُ، فَيُلْقِي الأوَّلَ، فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿إلَهَهُ هَواهُ﴾ الآيَةَ. وإنْ نَزَلَتْ في هَوى الكُفْرِ، فَهي مُتَناوِلَةٌ جَمِيعَ هَوى النَّفْسِ الأمّارَةِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ما ذَكَرَ اللَّهُ هَوًى إلّا ذَمَّهُ. وقالَ وهْبٌ: إذا شَكَكْتَ في خَيْرِ أمْرَيْنِ، فانْظُرْ أبْعَدَهُما مِن هَواكَ فَأْتِهِ. وقالَ سَهْلٌ التُّسْتَرِيُّ: هَواكَ داؤُكَ، فَإنْ خالَفْتَهُ فَدَواؤُكَ. وفي الحَدِيثِ: «والعاجِزُ مَن أتْبَعَ نَفْسَهُ هَواها وتَمَنّى عَلى اللَّهِ الأمانِيَّ» . ومِن حِكْمَةِ الشِّعْرِ قَوْلُ عَنْتَرَةَ، وهو جاهِلِيٌّ:(p-٤٩) ؎إنِّي امْرُؤٌ سَمْحُ الخَلِيقَةِ ماجِدٌ ∗∗∗ لا أُتْبِعُ النَّفْسَ اللَّجُوجَ هَواها وقالَ أبُو عِمْرانَ مُوسى بْنُ عِمْرانَ الإشْبِيلِيُّ الزّاهِدُ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: ؎فَخالِفْ هَواها واعْصِها إنَّ مَن يُطِعْ ∗∗∗ هَوى نَفْسِهِ يَنْزِعُ بِهِ شَرَّ مَنزَعِ ومَن يُطِعِ النَّفْسَ اللَّجُوجَ تَرُدُّهُ وتَرْمِ بِهِ في مَصْرَعٍ أيِّ مَصْرَعِ ﴿وأضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ﴾: أيْ مِنَ اللَّهِ تَعالى سابِقٍ، أوْ عَلى عِلْمٍ مِن هَذا الضّالِّ بِأنَّ الحَقَّ هو الدِّينُ، ويُعْرِضُ عَنْهُ عِنادًا، فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ: ﴿وجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهُمْ﴾ [النمل: ١٤] . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: صَرَفَهُ عَنِ الهِدايَةِ واللُّطْفِ، وخَذَلَهُ عَنْ عِلْمٍ، عالِمًا بِأنَّ ذَلِكَ لا يُجْدِي عَلَيْهِ، وأنَّهُ مِمَّنْ لا لُطْفَ بِهِ، أوْ مَعَ عِلْمِهِ بِوُجُوهِ الهِدايَةِ وإحاطَتِهِ بِأنْواعِ الألْطافِ المُحَصَّلَةِ والمُقَرَّبَةِ. انْتَهى، وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (غِشاوَةً): بِكَسْرِ الغَيْنِ. وعَبْدُ اللَّهِ، والأعْمَشُ: بِفَتْحِها، وهي لُغَةُ رَبِيعَةَ. والحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ، وعَبْدُ اللَّهِ أيْضًا: بِضَمِّها، وهي لُغَةُ عُكْلِيَّةَ. والأعْمَشُ، وطَلْحَةُ، وأبُو حَنِيفَةَ، ومَسْعُودُ بْنُ صالِحٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: غَشْوَةً، بِفَتْحِ الغَيْنِ وسُكُونِ الشِّينِ. وابْنُ مُصَرِّفٍ، والأعْمَشُ أيْضًا: كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُما كَسَرا الغَيْنَ، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الجُمْلَتَيْنِ في أوَّلِ البَقَرَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (تَذَّكَّرُونَ)، بِشَدِّ الذّالِ. والجَحْدَرِيُّ يُخَفِّفُها، والأعْمَشُ: بِتاءَيْنِ. ﴿وقالُوا إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا﴾ [الأنعام: ٢٩]: هي مَقالَةُ بَعْضِ قُرَيْشٍ إنْكارًا لِلْبَعْثِ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهم: (نَمُوتُ ونَحْيا) حُكْمٌ عَلى النَّوْعِ بِجُمْلَتِهِ مِن غَيْرِ اعْتِبارِ تَقْدِيمٍ وتَأْخِيرٍ، أيْ تَمُوتُ طائِفَةٌ وتَحْيا طائِفَةٌ. وأنَّ المُرادَ بِالمَوْتِ مُفارَقَةُ الرُّوحِ لِلْجَسَدِ. وقِيلَ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، أيْ نَحْيا ونَمُوتُ. وقِيلَ: نَمُوتُ عِبارَةٌ عَنْ كَوْنِهِمْ لَمْ يُوجَدُوا، ونَحْيا: أيْ في وقْتِ وُجُودِنا، وهَذا قَرِيبٌ مِنَ الأوَّلِ قَبْلَهُ، ولا ذِكْرَ لِلْمَوْتِ الَّذِي هو مُفارَقَةُ الرُّوحِ في هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ. وقِيلَ: تَمُوتُ الآباءُ وتَحْيا الأبْناءُ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: ونَحْيا، بِضَمِّ النُّونِ. ﴿وما يُهْلِكُنا إلّا الدَّهْرُ﴾: أيْ طُولُ الزَّمانِ، لِأنَّ الآفاتِ تَسْتَوِي فِيهِ كَمالاتُها هَذا إنْ كانَ قائِلُو هَذا مُعْتَرِفِينَ بِاللَّهِ، فَنَسَبُوا الآفاتِ إلى الدَّهْرِ بِجَهْلِهِمْ أنَّها مُقَدَّرَةٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وإنْ كانُوا لا يَعْرِفُونَ اللَّهَ ولا يُقِرُّونَ بِهِ، وهُمُ الدَّهْرِيَّةُ، فَنَسَبُوا ذَلِكَ إلى الدَّهْرِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: إلّا دَهْرٌ، وتَأْوِيلُهُ: إلّا دَهْرٌ يَمُرُّ. كانُوا يُضِيفُونَ كُلَّ حادِثَةٍ إلى الدَّهْرِ، وأشْعارُهم ناطِقَةٌ بِشَكْوى الدَّهْرِ، حَتّى يُوجَدَ ذَلِكَ في أشْعارِ المُسْلِمِينَ. قالَ ابْنُ دُرَيْدٍ في مَقْصُورَتِهِ: ؎يا دَهْرُ إنْ لَمْ تَكُ عُتْبى فاتَّئِدْ ∗∗∗ فَإنَّ إرْوادَكَ والعُتْبى سَوا و﴿ما كانَ حُجَّتَهُمْ﴾، لَيْسَتْ حُجَّةً حَقِيقَةً، أيْ حُجَّتَهم عِنْدَهم، أوْ لِأنَّهم أدْلَوْا بِها، كَما يُدْلِي المُحْتَجُّ بِحُجَّتِهِ، وساقُوها مَساقَها، فَسُمِّيَتْ حُجَّةً عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ، أوْ لِأنَّهُ في نَحْوِ قَوْلِهِمْ: ؎تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وجِيعُ أيْ: ما كانَ حُجَّتَهم إلّا ما لَيْسَ بِحُجَّةٍ، والمُرادُ نَفْيُ أنْ يَكُونَ لَهم حُجَّةٌ ألْبَتَّةَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: حُجَّتَهم. بِالنَّصْبِ، والحَسَنُ، وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، وابْنُ عامِرٍ، فِيما رَوى عَنْهُ عَبْدُ الحَمِيدِ، وعاصِمٌ، فِيما رَوى هارُونُ وحُسَيْنُ، عَنْ أبِي بَكْرٍ عَنْهُ: (حُجَّتُهم)، أيْ ما تَكُونُ حُجَّتَهم، لِأنَّ إذا لِلِاسْتِقْبالِ، وخالَفَتْ أدَواتَ الشَّرْطِ بِأنَّ جَوابَها إذا كانَ مَنفِيًّا بِما، لَمْ تَدْخُلِ الفاءُ، بِخِلافِ أدَواتِ الشَّرْطِ، فَلا بُدَّ مِنَ الفاءِ. تَقُولُ: إنْ تَزُرْنا فَما جَفَوْتَنا، أيْ فَما تَجْفُونا. وفي كَوْنِ الجَوابِ مَنفِيًّا بِما، دَلِيلٌ عَلى ما اخْتَرْناهُ مِن أنَّ جَوابَ إذا لا يَعْمَلُ فِيها، لِأنَّ ما بَعْدَ ما النّافِيَةِ لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَها. (ائْتُوا): يَظْهَرُ أنَّهُ خِطابٌ لِلرَّسُولِ والمُؤْمِنِينَ، إذْ هم قائِلُونَ بِمَقالَتِهِ، أوْ هو خِطابٌ لَهُ ولِمَن جاءَ بِالبَعْثِ، وهُمُ الأنْبِياءُ، وغَلَبَ الخِطابُ عَلى الغَيْبَةِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ائْتُوا، مِن حَيْثُ المُخاطَبَةُ لَهُ. والمُرادُ: هو وإلَهُهُ والمَلَكُ الوَسِيطُ الَّذِي ذَكَرَهُ هو لَهم، فَجاءَ مِن ذَلِكَ جُمْلَةُ قِيلَ لَها ائْتُوا وإنْ كُنْتُمْ. انْتَهى. ولَمّا اعْتَرَفُوا بِأنَّهم ما يُهْلِكُهم إلّا الدَّهْرُ، وأنَّهُمُ اسْتَدَلُّوا (p-٥٠)عَلى إنْكارِ البَعْثِ بِما لا دَلِيلَ لَهم فِيهِ مِن سُؤالِ إحْياءِ آبائِهِمْ، رَدَّ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ بِأنَّهُ تَعالى هو المُحْيِي، وهو المُمِيتُ لا الدَّهْرُ، وضَمَّ إلى ذَلِكَ آيَةً جامِعَةً لِلْحِسابِ يَوْمَ البَعْثِ، وهَذا واجِبُ الِاعْتِرافِ بِهِ إنْ أنْصَفُوا، ومَن قَدَرَ عَلى هَذا قَدَرَ عَلى الإتْيانِ بِآبائِهِمْ.

الجاثية 45:27

﴿ولِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ المُبْطِلُونَ﴾ ﴿وتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إلى كِتابِها اليَوْمَ تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿هَذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكم بِالحَقِّ إنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَيُدْخِلُهم رَبُّهم في رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هو الفَوْزُ المُبِينُ﴾ ﴿وأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا أفَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكم فاسْتَكْبَرْتُمْ وكُنْتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾ ﴿وإذا قِيلَ إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ والسّاعَةُ لا رَيْبَ فِيها قُلْتُمْ ما نَدْرِي ما السّاعَةُ إنْ نَظُنُّ إلّا ظَنًّا وما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ ﴿وبَدا لَهم سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ﴿وقِيلَ اليَوْمَ نَنْساكم كَما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكم هَذا ومَأْواكُمُ النّارُ وما لَكم مِن ناصِرِينَ﴾ ﴿ذَلِكم بِأنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آياتِ اللَّهِ هُزُوًا وغَرَّتْكُمُ الحَياةُ الدُّنْيا فاليَوْمَ لا يُخْرَجُونَ مِنها ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ ﴿فَلِلَّهِ الحَمْدُ رَبِّ السَّماواتِ ورَبِّ الأرْضِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿ولَهُ الكِبْرِياءُ في السَّماواتِ والأرْضِ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ . العامِلُ في (ويَوْمَ تَقُومُ): ﴿يَخْسَرُ﴾، و(يَوْمَئِذٍ): بَدَلٌ مِن يَوْمٍ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وحَكاهُ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ فِرْقَةٍ. والتَّنْوِينُ في يَوْمَئِذٍ تَنْوِينُ العِوَضِ عَنْ جُمْلَةٍ، ولَمْ تَتَقَدَّمْ جُمْلَةٌ إلّا قَوْلُهُ: ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ﴾، فَيَصِيرَ التَّقْدِيرُ: ويَوْمَ تَقُومُ يَوْمَ إذْ تَقُومُ إذْ تَقُومُ السّاعَةُ يَخْسَرُ، ولا مَزِيدَ فائِدَةٍ في قَوْلِهِ: يَوْمَ إذْ تَقُومُ السّاعَةُ، لِأنَّ ذَلِكَ مُسْتَفادٌ مِن ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ. فَإنْ كانَ بَدَلًا تَوْكِيدِيًّا، وهو قَلِيلٌ، جازَ ذَلِكَ، وإلّا فَلا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا. وقالَتْ فِرْقَةٌ العامِلُ في ويَوْمَ تَقُومُ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ المُلْكُ، قالُوا: وذَلِكَ أنَّ يَوْمَ القِيامَةِ حالٌ ثالِثَةٌ لَيْسَتْ بِالسَّماءِ ولا بِالأرْضِ، لِأنَّ ذَلِكَ يَتَبَدَّلُ، فَكَأنَّهُ قالَ: ﴿ولِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾، والمُلْكُ يَوْمَ القِيامَةِ، فَحَذَفَهُ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ، ﴿ويَوْمَئِذٍ﴾ [الروم: ٤] مَنصُوبٌ بِـ ﴿يَخْسَرُ﴾، وهي جُمْلَةٌ فِيها اسْتِئْنافٌ، وإنْ كانَ لَها تَعَلُّقٌ بِما قَبْلَها مِن جِهَةِ تَنْوِينِ العِوَضِ. و(المُبْطِلُونَ): الدّاخِلُونَ في الباطِلِ. ﴿جاثِيَةً﴾: بارِكَةً عَلى الرُّكَبِ مُسْتَوْفِزَةً، وهي هَيْئَةُ المُذْنِبِ الخائِفِ. وقُرِئَ: جاذِيَةً. بِالذّالِ، والجَذْوُ أشَدُّ اسْتِيفازًا مِنَ الجَثْوِ، لِأنَّ الجاذِيَ هو الَّذِي يَجْلِسُ عَلى أطْرافِ أصابِعِهِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ”جاثِيَةً“: مُجْتَمِعَةً. وعَنْ قَتادَةَ: جَماعاتٍ، مِنَ الجُثْوَةِ: وهي الجَماعَةُ، يُجْمَعُ عَلى جُثِيٍّ، قالَ الشّاعِرُ: ؎تَرى جُثْوَتَيْنِ مِن تُرابٍ عَلَيْهِما صَفائِحُ صُمٌّ مِن صَفِيحٍ مُنَضَّدِ (p-٥١)وعَنْ مَوْرِجِ السَّدُوسِيِّ: ”﴿جاثِيَةً﴾“: خاضِعَةً، بِلُغَةِ قُرَيْشٍ. وعَنْ عِكْرِمَةَ: ”﴿جاثِيَةً﴾“: مُتَمَيِّزَةً. وقَرَأ يَعْقُوبُ: ﴿كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى﴾، بِنَصْبِ ”كُلَّ أُمَّةٍ“ عَلى البَدَلِ بَدَلَ النَّكِرَةِ المَوْصُوفَةِ مِنَ النَّكِرَةِ، والظّاهِرُ عُمُومُ كُلِّ أُمَّةٍ مِن مُؤْمِنٍ وكافِرٍ. قالَ الضَّحّاكُ: وذَلِكَ عِنْدَ الحِسابِ. وقالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ: ذَلِكَ خاصٌّ بِالكُفّارِ، تُدْعى إلى كِتابِها المُنَزَّلِ عَلَيْها، فَتُحاكَمُ إلَيْهِ، هَلْ وافَقَتْهُ أوْ خالَفَتْهُ ؟ أوِ الَّذِي كَتَبَتْهُ الحَفَظَةُ، وهو صَحائِفُ أعْمالِها أوِ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، أوِ المَعْنى إلى ما يَسْبِقُ لَها فِيهِ، أيْ إلى حِسابِها، أقْوالٌ. وأفْرَدَ كِتابَها اكْتِفاءً بِاسْمِ الجِنْسِ لِقَوْلِهِ: ﴿ووُضِعَ الكِتابُ﴾ [الكهف: ٤٩]، ﴿اليَوْمَ تُجْزَوْنَ﴾، ﴿هَذا كِتابُنا﴾، هو الَّذِي دُعِيَتْ إلَيْهِ كُلُّ أُمَّةٍ، وصَحَّتْ إضافَتُهُ إلَيْهِ تَعالى لِأنَّهُ مالِكُهُ والآمِرُ بِكَتْبِهِ، وإلَيْهِمْ لِأنَّ أعْمالَهم مُثْبَتَةٌ فِيهِ. والإضافَةُ تَكُونُ بِأدْنى مُلابَسَةٍ، فَلِذَلِكَ صَحَّتْ إضافَتُهُ إلَيْهِمْ وإلَيْهِ تَعالى. ﴿يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ﴾: يَشْهَدُ بِالحَقِّ مِن غَيْرِ زِيادَةٍ ولا نُقْصانٍ. ﴿إنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ﴾: أيِ المَلائِكَةَ، أيْ نَجْعَلُها تَنْسِخُ، أيْ تَكْتُبُ. وحَقِيقَةُ النَّسْخِ نَقْلُ خَطٍّ مِن أصْلٍ يُنَظَمُ فِيهِ، فَأعْمالُ العِبادِ كَأنَّها الأصْلُ. وقالَ الحَسَنُ: هو كَتْبُ الحَفَظَةِ عَلى بَنِي آدَمَ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: يَجْعَلُ اللَّهُ الحَفَظَةَ تَنْسَخُ مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ كُلَّ ما يَفْعَلُ العِبادُ، ثُمَّ يُمْسِكُونَهُ عِنْدَهم، فَتَأْتِي أفْعالُ العِبادِ عَلى نَحْوِ ذَلِكَ. فَبَعِيدٌ أيْضًا، فَذَلِكَ هو الِاسْتِنْساخُ. وكانَ يَقُولُ ابْنُ عَبّاسٍ: ألَسْتُمْ عَرَبًا ؟ وهَلْ يَكُونُ الِاسْتِنْساخُ إلّا مِن أصْلٍ ؟ ثُمَّ بَيَّنَ حالَ المُؤْمِنِ بِأنَّهُ يُدْخِلُهُ في رَحْمَتِهِ، وهو الثَّوابُ الَّذِي أعَدَّ لَهُ، وأنَّ ذَلِكَ هو الظَّفَرُ بِالبُغْيَةِ، وبَيَّنَ الكافِرَ بِأنَّهُ يُوَبَّخُ ويُقالُ لَهُ: ﴿أفَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكم فاسْتَكْبَرْتُمْ﴾ عَنِ اتِّباعِها والإيمانِ بِها وكُنْتُمْ أصْحابَ جَرائِمَ ؟ والفاءُ في: أفَلَمْ يَنْوِي بِها التَّقْدِيمَ، وإنَّما قُدِّمَتِ الهَمْزَةُ لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ لَهُ صَدْرُ الكَلامِ، والتَّقْدِيرُ: فَيُقالُ لَهُ ألَمْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والمَعْنى ألَمْ يَأْتِكم رُسُلِي ؟ فَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكم، فَحُذِفَ المَعْطُوفُ عَلَيْهِ. انْتَهى. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ مَعَهُ في زَعْمِهِ أنَّ بَيْنَ الفاءِ والواوِ إذا تَقَدَّمَها هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ مَعْطُوفًا عَلَيْهِ مَحْذُوفًا، ورَدَدْنا عَلَيْهِ ذَلِكَ. وقَرَأ الأعْرَجُ وعَمْرُو بْنُ فائِدٍ: وإذا قِيلَ أنَّ وعْدَ اللَّهِ. بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، وذَلِكَ عَلى لُغَةِ سَلِيمٍ، والجُمْهُورُ: إنَّ بِكَسْرِها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (والسّاعَةُ) بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ، ومَن زَعَمَ أنَّ لِاسْمِ إنَّ مَوْضِعًا جَوَّزَ العَطْفَ عَلَيْهِ هُنا، أوْ زَعَمَ أنَّ لِـ (إنَّ) واسْمِها مَوْضِعًا جَوَّزَ العَطْفَ عَلَيْهِ، وبِالعَطْفِ عَلى المَوْضِعِ لِـ (إنَّ) واسْمِها هُنا. قالَ أبُو عَلِيٍّ: ذَكَرَهُ في الحُجَّةِ، وتَبِعَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ فَقالَ: وبِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلى مَحَلِّ إنَّ واسْمِها، والصَّحِيحُ المَنعُ. وحَمْزَةُ: بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى اللَّهِ، وهي مَرْوِيَّةٌ عَنِ الأعْمَشِ، وأبِي عَمْرٍو، وعِيسى، وأبِي حَيْوَةَ، والعَبْسِيِّ، والمُفَضَّلِ. ﴿إنْ نَظُنُّ إلّا ظَنًّا﴾، تَقُولُ: ضَرَبْتُ ضَرْبًا، فَإنْ نَفَيْتَ، لَمْ تُدْخِلْ إلّا، إذْ لا يُفَرَّغُ بِالمَصْدَرِ المُؤَكَّدِ، فَلا تَقُولُ: ما ضَرَبْتُ إلّا ضَرْبًا، ولا ما قُمْتُ إلّا قِيامًا. فَأمّا الآيَةُ فَتُؤَوَّلَ عَلى حَذْفِ وصْفِ المَصْدَرِ حَتّى يَصِيرَ مُخْتَصًّا لا مُؤَكَّدًا، وتَقْدِيرُهُ: إلّا ظَنًّا ضَعِيفًا، أوْ عَلى تَضْمِينِ: نَظُنُّ مَعْنًى نَعْتَقِدُ، ويَكُونُ ظَنًّا مَفْعُولًا بِهِ. وقَدْ تَأوَّلَ ذَلِكَ بَعْضُهم عَلى وضْعِ إلّا في غَيْرِ مَوْضِعِها، وقالَ: التَّقْدِيرُ إنْ نَحْنُ إلّا نَظُنُّ ظَنًّا. وحُكِيَ هَذا عَنِ المُبَرِّدِ، ونَظِيرُهُ ما حَكاهُ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ وسِيبَوَيْهِ مِن قَوْلِ العَرَبِ: لَيْسَ الطِّيبُ إلّا المِسْكُ قالَ المُبَرِّدُ: لَيْسَ إلّا الطِّيبُ المِسْكُ. انْتَهى. واحْتاجَ إلى هَذا التَّقْدِيرِ كَوْنُ المِسْكِ مَرْفُوعًا بَعْدَ إلّا وأنْتَ إذا قُلْتَ: ما كانَ زَيْدٌ إلّا فاضِلًا نَصَبْتَ، فَلَمّا وقَعَ بَعْدَ إلّا ما يَظْهَرُ أنَّهُ خَبَرُ لَيْسَ، احْتاجَ أنْ يُزَحْزِحَ إلّا عَنْ مَوْضِعِها، ويَجْعَلَ في لَيْسَ ضَمِيرَ الشَّأْنِ، ويَرْفَعَ إلّا الطِّيبُ المِسْكُ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ، فَيَصِيرَ كالمَلْفُوظِ بِهِ، في نَحْوِ: ما كانَ إلّا زَيْدٌ قائِمٌ. ولَمْ يَعْرِفِ المُبَرِّدُ أنَّ لَيْسَ في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ عامَلَتْها بَنُو تَمِيمٍ مُعامَلَةَ ما، فَلَمْ يُعْمِلُوها إلّا باقِيَةً مَكانَها، ولَيْسَ غَيْرُ عامِلِةٍ. ولَيْسَ في الأرْضِ حِجازِيٌّ إلّا وهو يَنْصِبُ في نَحْوِ لَيْسَ الطِّيبُ إلّا المِسْكَ، ولا تَمِيمِيٌّ إلّا وهو يَرْفَعُ. في ذَلِكَ حِكايَةٌ جَرَتْ بَيْنَ عِيسى بْنِ عُمَرَ وأبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ، ذَكَرْناها فِيما كَتَبْناهُ مِن عِلْمِ النَّحْوِ. ونَظِيرُ ﴿إنْ نَظُنُّ إلّا ظَنًّا﴾ (p-٥٢)قَوْلُ الأعْشى: وجَدَّ بِهِ الشَّيْبُ أثْقالَهُ وما اغْتَرَّهُ الشَّيْبُ إلّا اغْتِرارًا أيِ اغْتِرارًا بَيِّنًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: ما مَعْنى (إنْ نَظُنُّ إلّا ظَنًّا) ؟ قُلْتُ: أصْلُهُ نَظُنُّ ظَنًّا، ومَعْناهُ إثْباتُ الظَّنِّ مَعَ نَفْيِ ما سِواهُ، وزَيْدٌ نَفى ما سِوى الظَّنِّ تَوْكِيدًا بِقَوْلِهِ: (وما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ) . انْتَهى. وهَذا الكَلامُ مِمَّنْ لا شُعُورَ لَهُ بِالقاعِدَةِ النَّحْوِيَّةِ، مِن أنَّ التَّفْرِيغَ يَكُونُ في جَمِيعِ المَعْمُولاتِ مِن فاعِلٍ ومَفْعُولٍ وغَيْرِهِ إلّا المَصْدَرَ المُؤَكَّدَ فَإنَّهُ لا يَكُونُ فِيهِ. وقَدَّرَهُ بَعْضُهم: إنْ نَظُنُّ إلّا أنَّكم تَظُنُّونَ ظَنًّا، قالَ: وإنَّما احْتِيجَ إلى هَذا التَّقْدِيرِ لِأنَّهُ لا يَجُوزُ في الكَلامِ: ما ضَرَبْتُ إلّا ضَرْبًا، فاهْتَدى إلى هَذِهِ القاعِدَةِ النَّحْوِيَّةِ، وأخْطَأ في التَّخْرِيجِ، وهو مَحْكِيٌّ عَنِ المُبَرِّدِ، ولَعَلَّهُ لا يَصِحُّ. وقَوْلُهم: إنْ نَظُنُّ. دَلِيلٌ عَلى أنَّ الكُفّارَ قَدْ أخْبَرُوا بِأنَّهم ظَنُّوا البَعْثَ واقَعًا، ودَلَّ قَوْلُهم قَبْلَ قَوْلِهِ: (إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا)، عَلى أنَّهم مُنْكِرُونَ البَعْثَ، فَهم - واللَّهُ أعْلَمُ - فِرْقَتانِ، أوِ اضْطَرَبُوا، فَتارَةً أنْكَرُوا، وتارَةً ظَنُّوا، وقالُوا: ﴿إنْ نَظُنُّ إلّا ظَنًّا﴾ عَلى سَبِيلِ الهُزْءِ. ﴿وبَدا لَهم سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا﴾: أيْ قَبائِحُ أعْمالِهِمْ، أوْ عُقُوباتُ أعْمالِهِمُ السَّيِّئاتِ، وأطْلَقَ عَلى العُقُوبَةِ سَيِّئَةً، كَما قالَ: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشورى: ٤٠] . ﴿وحاقَ بِهِمْ﴾ أيْ أحاطَ، ولا يُسْتَعْمَلُ حاقَ إلّا في المَكْرُوهِ. ﴿نَنْساكُمْ﴾: نَتْرُكُكم في العَذابِ، أوْ نَجْعَلُكم كالشَّيْءِ المَنسِيِّ المُلْقى غَيْرِ المُبالى بِهِ. ﴿كَما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ﴾: أيْ لِقاءَ جَزاءِ اللَّهِ عَلى أعْمالِكم، ولَمْ تُخْطِرُوهُ عَلى بالٍ بَعْدَ ما ذُكِّرْتُمْ بِهِ وتَقَدَّمَ إلَيْكم بِوُقُوعِهِ. وأضافَ اللِّقاءَ لِلْيَوْمِ تَوَسُّعًا كَقَوْلِهِ: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ [سبإ: ٣٣] . وقَرَأ الجُمْهُورُ: (لا يُخْرَجُونَ)، مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، والحَسَنُ، وابْنُ وثّابٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. (مِنها): أيْ مِنَ النّارِ. ﴿ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ أيْ بِطَلَبِ مُراجَعَةٍ إلى عَمَلٍ صالِحٍ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في الِاسْتِعْتابِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (رَبِّ)، بِالجَرِّ في الثَّلاثَةِ عَلى الصِّفَةِ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: بِالرَّفْعِ فِيهِما عَلى إضْمارِ هو.

الجاثية 45:28

﴿ولِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ المُبْطِلُونَ﴾ ﴿وتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إلى كِتابِها اليَوْمَ تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿هَذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكم بِالحَقِّ إنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَيُدْخِلُهم رَبُّهم في رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هو الفَوْزُ المُبِينُ﴾ ﴿وأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا أفَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكم فاسْتَكْبَرْتُمْ وكُنْتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾ ﴿وإذا قِيلَ إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ والسّاعَةُ لا رَيْبَ فِيها قُلْتُمْ ما نَدْرِي ما السّاعَةُ إنْ نَظُنُّ إلّا ظَنًّا وما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ ﴿وبَدا لَهم سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ﴿وقِيلَ اليَوْمَ نَنْساكم كَما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكم هَذا ومَأْواكُمُ النّارُ وما لَكم مِن ناصِرِينَ﴾ ﴿ذَلِكم بِأنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آياتِ اللَّهِ هُزُوًا وغَرَّتْكُمُ الحَياةُ الدُّنْيا فاليَوْمَ لا يُخْرَجُونَ مِنها ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ ﴿فَلِلَّهِ الحَمْدُ رَبِّ السَّماواتِ ورَبِّ الأرْضِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿ولَهُ الكِبْرِياءُ في السَّماواتِ والأرْضِ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ . العامِلُ في (ويَوْمَ تَقُومُ): ﴿يَخْسَرُ﴾، و(يَوْمَئِذٍ): بَدَلٌ مِن يَوْمٍ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وحَكاهُ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ فِرْقَةٍ. والتَّنْوِينُ في يَوْمَئِذٍ تَنْوِينُ العِوَضِ عَنْ جُمْلَةٍ، ولَمْ تَتَقَدَّمْ جُمْلَةٌ إلّا قَوْلُهُ: ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ﴾، فَيَصِيرَ التَّقْدِيرُ: ويَوْمَ تَقُومُ يَوْمَ إذْ تَقُومُ إذْ تَقُومُ السّاعَةُ يَخْسَرُ، ولا مَزِيدَ فائِدَةٍ في قَوْلِهِ: يَوْمَ إذْ تَقُومُ السّاعَةُ، لِأنَّ ذَلِكَ مُسْتَفادٌ مِن ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ. فَإنْ كانَ بَدَلًا تَوْكِيدِيًّا، وهو قَلِيلٌ، جازَ ذَلِكَ، وإلّا فَلا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا. وقالَتْ فِرْقَةٌ العامِلُ في ويَوْمَ تَقُومُ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ المُلْكُ، قالُوا: وذَلِكَ أنَّ يَوْمَ القِيامَةِ حالٌ ثالِثَةٌ لَيْسَتْ بِالسَّماءِ ولا بِالأرْضِ، لِأنَّ ذَلِكَ يَتَبَدَّلُ، فَكَأنَّهُ قالَ: ﴿ولِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾، والمُلْكُ يَوْمَ القِيامَةِ، فَحَذَفَهُ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ، ﴿ويَوْمَئِذٍ﴾ [الروم: ٤] مَنصُوبٌ بِـ ﴿يَخْسَرُ﴾، وهي جُمْلَةٌ فِيها اسْتِئْنافٌ، وإنْ كانَ لَها تَعَلُّقٌ بِما قَبْلَها مِن جِهَةِ تَنْوِينِ العِوَضِ. و(المُبْطِلُونَ): الدّاخِلُونَ في الباطِلِ. ﴿جاثِيَةً﴾: بارِكَةً عَلى الرُّكَبِ مُسْتَوْفِزَةً، وهي هَيْئَةُ المُذْنِبِ الخائِفِ. وقُرِئَ: جاذِيَةً. بِالذّالِ، والجَذْوُ أشَدُّ اسْتِيفازًا مِنَ الجَثْوِ، لِأنَّ الجاذِيَ هو الَّذِي يَجْلِسُ عَلى أطْرافِ أصابِعِهِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ”جاثِيَةً“: مُجْتَمِعَةً. وعَنْ قَتادَةَ: جَماعاتٍ، مِنَ الجُثْوَةِ: وهي الجَماعَةُ، يُجْمَعُ عَلى جُثِيٍّ، قالَ الشّاعِرُ: ؎تَرى جُثْوَتَيْنِ مِن تُرابٍ عَلَيْهِما صَفائِحُ صُمٌّ مِن صَفِيحٍ مُنَضَّدِ (p-٥١)وعَنْ مَوْرِجِ السَّدُوسِيِّ: ”﴿جاثِيَةً﴾“: خاضِعَةً، بِلُغَةِ قُرَيْشٍ. وعَنْ عِكْرِمَةَ: ”﴿جاثِيَةً﴾“: مُتَمَيِّزَةً. وقَرَأ يَعْقُوبُ: ﴿كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى﴾، بِنَصْبِ ”كُلَّ أُمَّةٍ“ عَلى البَدَلِ بَدَلَ النَّكِرَةِ المَوْصُوفَةِ مِنَ النَّكِرَةِ، والظّاهِرُ عُمُومُ كُلِّ أُمَّةٍ مِن مُؤْمِنٍ وكافِرٍ. قالَ الضَّحّاكُ: وذَلِكَ عِنْدَ الحِسابِ. وقالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ: ذَلِكَ خاصٌّ بِالكُفّارِ، تُدْعى إلى كِتابِها المُنَزَّلِ عَلَيْها، فَتُحاكَمُ إلَيْهِ، هَلْ وافَقَتْهُ أوْ خالَفَتْهُ ؟ أوِ الَّذِي كَتَبَتْهُ الحَفَظَةُ، وهو صَحائِفُ أعْمالِها أوِ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، أوِ المَعْنى إلى ما يَسْبِقُ لَها فِيهِ، أيْ إلى حِسابِها، أقْوالٌ. وأفْرَدَ كِتابَها اكْتِفاءً بِاسْمِ الجِنْسِ لِقَوْلِهِ: ﴿ووُضِعَ الكِتابُ﴾ [الكهف: ٤٩]، ﴿اليَوْمَ تُجْزَوْنَ﴾، ﴿هَذا كِتابُنا﴾، هو الَّذِي دُعِيَتْ إلَيْهِ كُلُّ أُمَّةٍ، وصَحَّتْ إضافَتُهُ إلَيْهِ تَعالى لِأنَّهُ مالِكُهُ والآمِرُ بِكَتْبِهِ، وإلَيْهِمْ لِأنَّ أعْمالَهم مُثْبَتَةٌ فِيهِ. والإضافَةُ تَكُونُ بِأدْنى مُلابَسَةٍ، فَلِذَلِكَ صَحَّتْ إضافَتُهُ إلَيْهِمْ وإلَيْهِ تَعالى. ﴿يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ﴾: يَشْهَدُ بِالحَقِّ مِن غَيْرِ زِيادَةٍ ولا نُقْصانٍ. ﴿إنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ﴾: أيِ المَلائِكَةَ، أيْ نَجْعَلُها تَنْسِخُ، أيْ تَكْتُبُ. وحَقِيقَةُ النَّسْخِ نَقْلُ خَطٍّ مِن أصْلٍ يُنَظَمُ فِيهِ، فَأعْمالُ العِبادِ كَأنَّها الأصْلُ. وقالَ الحَسَنُ: هو كَتْبُ الحَفَظَةِ عَلى بَنِي آدَمَ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: يَجْعَلُ اللَّهُ الحَفَظَةَ تَنْسَخُ مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ كُلَّ ما يَفْعَلُ العِبادُ، ثُمَّ يُمْسِكُونَهُ عِنْدَهم، فَتَأْتِي أفْعالُ العِبادِ عَلى نَحْوِ ذَلِكَ. فَبَعِيدٌ أيْضًا، فَذَلِكَ هو الِاسْتِنْساخُ. وكانَ يَقُولُ ابْنُ عَبّاسٍ: ألَسْتُمْ عَرَبًا ؟ وهَلْ يَكُونُ الِاسْتِنْساخُ إلّا مِن أصْلٍ ؟ ثُمَّ بَيَّنَ حالَ المُؤْمِنِ بِأنَّهُ يُدْخِلُهُ في رَحْمَتِهِ، وهو الثَّوابُ الَّذِي أعَدَّ لَهُ، وأنَّ ذَلِكَ هو الظَّفَرُ بِالبُغْيَةِ، وبَيَّنَ الكافِرَ بِأنَّهُ يُوَبَّخُ ويُقالُ لَهُ: ﴿أفَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكم فاسْتَكْبَرْتُمْ﴾ عَنِ اتِّباعِها والإيمانِ بِها وكُنْتُمْ أصْحابَ جَرائِمَ ؟ والفاءُ في: أفَلَمْ يَنْوِي بِها التَّقْدِيمَ، وإنَّما قُدِّمَتِ الهَمْزَةُ لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ لَهُ صَدْرُ الكَلامِ، والتَّقْدِيرُ: فَيُقالُ لَهُ ألَمْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والمَعْنى ألَمْ يَأْتِكم رُسُلِي ؟ فَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكم، فَحُذِفَ المَعْطُوفُ عَلَيْهِ. انْتَهى. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ مَعَهُ في زَعْمِهِ أنَّ بَيْنَ الفاءِ والواوِ إذا تَقَدَّمَها هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ مَعْطُوفًا عَلَيْهِ مَحْذُوفًا، ورَدَدْنا عَلَيْهِ ذَلِكَ. وقَرَأ الأعْرَجُ وعَمْرُو بْنُ فائِدٍ: وإذا قِيلَ أنَّ وعْدَ اللَّهِ. بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، وذَلِكَ عَلى لُغَةِ سَلِيمٍ، والجُمْهُورُ: إنَّ بِكَسْرِها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (والسّاعَةُ) بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ، ومَن زَعَمَ أنَّ لِاسْمِ إنَّ مَوْضِعًا جَوَّزَ العَطْفَ عَلَيْهِ هُنا، أوْ زَعَمَ أنَّ لِـ (إنَّ) واسْمِها مَوْضِعًا جَوَّزَ العَطْفَ عَلَيْهِ، وبِالعَطْفِ عَلى المَوْضِعِ لِـ (إنَّ) واسْمِها هُنا. قالَ أبُو عَلِيٍّ: ذَكَرَهُ في الحُجَّةِ، وتَبِعَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ فَقالَ: وبِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلى مَحَلِّ إنَّ واسْمِها، والصَّحِيحُ المَنعُ. وحَمْزَةُ: بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى اللَّهِ، وهي مَرْوِيَّةٌ عَنِ الأعْمَشِ، وأبِي عَمْرٍو، وعِيسى، وأبِي حَيْوَةَ، والعَبْسِيِّ، والمُفَضَّلِ. ﴿إنْ نَظُنُّ إلّا ظَنًّا﴾، تَقُولُ: ضَرَبْتُ ضَرْبًا، فَإنْ نَفَيْتَ، لَمْ تُدْخِلْ إلّا، إذْ لا يُفَرَّغُ بِالمَصْدَرِ المُؤَكَّدِ، فَلا تَقُولُ: ما ضَرَبْتُ إلّا ضَرْبًا، ولا ما قُمْتُ إلّا قِيامًا. فَأمّا الآيَةُ فَتُؤَوَّلَ عَلى حَذْفِ وصْفِ المَصْدَرِ حَتّى يَصِيرَ مُخْتَصًّا لا مُؤَكَّدًا، وتَقْدِيرُهُ: إلّا ظَنًّا ضَعِيفًا، أوْ عَلى تَضْمِينِ: نَظُنُّ مَعْنًى نَعْتَقِدُ، ويَكُونُ ظَنًّا مَفْعُولًا بِهِ. وقَدْ تَأوَّلَ ذَلِكَ بَعْضُهم عَلى وضْعِ إلّا في غَيْرِ مَوْضِعِها، وقالَ: التَّقْدِيرُ إنْ نَحْنُ إلّا نَظُنُّ ظَنًّا. وحُكِيَ هَذا عَنِ المُبَرِّدِ، ونَظِيرُهُ ما حَكاهُ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ وسِيبَوَيْهِ مِن قَوْلِ العَرَبِ: لَيْسَ الطِّيبُ إلّا المِسْكُ قالَ المُبَرِّدُ: لَيْسَ إلّا الطِّيبُ المِسْكُ. انْتَهى. واحْتاجَ إلى هَذا التَّقْدِيرِ كَوْنُ المِسْكِ مَرْفُوعًا بَعْدَ إلّا وأنْتَ إذا قُلْتَ: ما كانَ زَيْدٌ إلّا فاضِلًا نَصَبْتَ، فَلَمّا وقَعَ بَعْدَ إلّا ما يَظْهَرُ أنَّهُ خَبَرُ لَيْسَ، احْتاجَ أنْ يُزَحْزِحَ إلّا عَنْ مَوْضِعِها، ويَجْعَلَ في لَيْسَ ضَمِيرَ الشَّأْنِ، ويَرْفَعَ إلّا الطِّيبُ المِسْكُ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ، فَيَصِيرَ كالمَلْفُوظِ بِهِ، في نَحْوِ: ما كانَ إلّا زَيْدٌ قائِمٌ. ولَمْ يَعْرِفِ المُبَرِّدُ أنَّ لَيْسَ في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ عامَلَتْها بَنُو تَمِيمٍ مُعامَلَةَ ما، فَلَمْ يُعْمِلُوها إلّا باقِيَةً مَكانَها، ولَيْسَ غَيْرُ عامِلِةٍ. ولَيْسَ في الأرْضِ حِجازِيٌّ إلّا وهو يَنْصِبُ في نَحْوِ لَيْسَ الطِّيبُ إلّا المِسْكَ، ولا تَمِيمِيٌّ إلّا وهو يَرْفَعُ. في ذَلِكَ حِكايَةٌ جَرَتْ بَيْنَ عِيسى بْنِ عُمَرَ وأبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ، ذَكَرْناها فِيما كَتَبْناهُ مِن عِلْمِ النَّحْوِ. ونَظِيرُ ﴿إنْ نَظُنُّ إلّا ظَنًّا﴾ (p-٥٢)قَوْلُ الأعْشى: وجَدَّ بِهِ الشَّيْبُ أثْقالَهُ وما اغْتَرَّهُ الشَّيْبُ إلّا اغْتِرارًا أيِ اغْتِرارًا بَيِّنًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: ما مَعْنى (إنْ نَظُنُّ إلّا ظَنًّا) ؟ قُلْتُ: أصْلُهُ نَظُنُّ ظَنًّا، ومَعْناهُ إثْباتُ الظَّنِّ مَعَ نَفْيِ ما سِواهُ، وزَيْدٌ نَفى ما سِوى الظَّنِّ تَوْكِيدًا بِقَوْلِهِ: (وما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ) . انْتَهى. وهَذا الكَلامُ مِمَّنْ لا شُعُورَ لَهُ بِالقاعِدَةِ النَّحْوِيَّةِ، مِن أنَّ التَّفْرِيغَ يَكُونُ في جَمِيعِ المَعْمُولاتِ مِن فاعِلٍ ومَفْعُولٍ وغَيْرِهِ إلّا المَصْدَرَ المُؤَكَّدَ فَإنَّهُ لا يَكُونُ فِيهِ. وقَدَّرَهُ بَعْضُهم: إنْ نَظُنُّ إلّا أنَّكم تَظُنُّونَ ظَنًّا، قالَ: وإنَّما احْتِيجَ إلى هَذا التَّقْدِيرِ لِأنَّهُ لا يَجُوزُ في الكَلامِ: ما ضَرَبْتُ إلّا ضَرْبًا، فاهْتَدى إلى هَذِهِ القاعِدَةِ النَّحْوِيَّةِ، وأخْطَأ في التَّخْرِيجِ، وهو مَحْكِيٌّ عَنِ المُبَرِّدِ، ولَعَلَّهُ لا يَصِحُّ. وقَوْلُهم: إنْ نَظُنُّ. دَلِيلٌ عَلى أنَّ الكُفّارَ قَدْ أخْبَرُوا بِأنَّهم ظَنُّوا البَعْثَ واقَعًا، ودَلَّ قَوْلُهم قَبْلَ قَوْلِهِ: (إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا)، عَلى أنَّهم مُنْكِرُونَ البَعْثَ، فَهم - واللَّهُ أعْلَمُ - فِرْقَتانِ، أوِ اضْطَرَبُوا، فَتارَةً أنْكَرُوا، وتارَةً ظَنُّوا، وقالُوا: ﴿إنْ نَظُنُّ إلّا ظَنًّا﴾ عَلى سَبِيلِ الهُزْءِ. ﴿وبَدا لَهم سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا﴾: أيْ قَبائِحُ أعْمالِهِمْ، أوْ عُقُوباتُ أعْمالِهِمُ السَّيِّئاتِ، وأطْلَقَ عَلى العُقُوبَةِ سَيِّئَةً، كَما قالَ: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشورى: ٤٠] . ﴿وحاقَ بِهِمْ﴾ أيْ أحاطَ، ولا يُسْتَعْمَلُ حاقَ إلّا في المَكْرُوهِ. ﴿نَنْساكُمْ﴾: نَتْرُكُكم في العَذابِ، أوْ نَجْعَلُكم كالشَّيْءِ المَنسِيِّ المُلْقى غَيْرِ المُبالى بِهِ. ﴿كَما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ﴾: أيْ لِقاءَ جَزاءِ اللَّهِ عَلى أعْمالِكم، ولَمْ تُخْطِرُوهُ عَلى بالٍ بَعْدَ ما ذُكِّرْتُمْ بِهِ وتَقَدَّمَ إلَيْكم بِوُقُوعِهِ. وأضافَ اللِّقاءَ لِلْيَوْمِ تَوَسُّعًا كَقَوْلِهِ: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ [سبإ: ٣٣] . وقَرَأ الجُمْهُورُ: (لا يُخْرَجُونَ)، مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، والحَسَنُ، وابْنُ وثّابٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. (مِنها): أيْ مِنَ النّارِ. ﴿ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ أيْ بِطَلَبِ مُراجَعَةٍ إلى عَمَلٍ صالِحٍ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في الِاسْتِعْتابِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (رَبِّ)، بِالجَرِّ في الثَّلاثَةِ عَلى الصِّفَةِ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: بِالرَّفْعِ فِيهِما عَلى إضْمارِ هو.

الجاثية 45:29

﴿ولِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ المُبْطِلُونَ﴾ ﴿وتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إلى كِتابِها اليَوْمَ تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿هَذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكم بِالحَقِّ إنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَيُدْخِلُهم رَبُّهم في رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هو الفَوْزُ المُبِينُ﴾ ﴿وأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا أفَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكم فاسْتَكْبَرْتُمْ وكُنْتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾ ﴿وإذا قِيلَ إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ والسّاعَةُ لا رَيْبَ فِيها قُلْتُمْ ما نَدْرِي ما السّاعَةُ إنْ نَظُنُّ إلّا ظَنًّا وما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ ﴿وبَدا لَهم سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ﴿وقِيلَ اليَوْمَ نَنْساكم كَما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكم هَذا ومَأْواكُمُ النّارُ وما لَكم مِن ناصِرِينَ﴾ ﴿ذَلِكم بِأنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آياتِ اللَّهِ هُزُوًا وغَرَّتْكُمُ الحَياةُ الدُّنْيا فاليَوْمَ لا يُخْرَجُونَ مِنها ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ ﴿فَلِلَّهِ الحَمْدُ رَبِّ السَّماواتِ ورَبِّ الأرْضِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿ولَهُ الكِبْرِياءُ في السَّماواتِ والأرْضِ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ . العامِلُ في (ويَوْمَ تَقُومُ): ﴿يَخْسَرُ﴾، و(يَوْمَئِذٍ): بَدَلٌ مِن يَوْمٍ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وحَكاهُ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ فِرْقَةٍ. والتَّنْوِينُ في يَوْمَئِذٍ تَنْوِينُ العِوَضِ عَنْ جُمْلَةٍ، ولَمْ تَتَقَدَّمْ جُمْلَةٌ إلّا قَوْلُهُ: ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ﴾، فَيَصِيرَ التَّقْدِيرُ: ويَوْمَ تَقُومُ يَوْمَ إذْ تَقُومُ إذْ تَقُومُ السّاعَةُ يَخْسَرُ، ولا مَزِيدَ فائِدَةٍ في قَوْلِهِ: يَوْمَ إذْ تَقُومُ السّاعَةُ، لِأنَّ ذَلِكَ مُسْتَفادٌ مِن ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ. فَإنْ كانَ بَدَلًا تَوْكِيدِيًّا، وهو قَلِيلٌ، جازَ ذَلِكَ، وإلّا فَلا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا. وقالَتْ فِرْقَةٌ العامِلُ في ويَوْمَ تَقُومُ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ المُلْكُ، قالُوا: وذَلِكَ أنَّ يَوْمَ القِيامَةِ حالٌ ثالِثَةٌ لَيْسَتْ بِالسَّماءِ ولا بِالأرْضِ، لِأنَّ ذَلِكَ يَتَبَدَّلُ، فَكَأنَّهُ قالَ: ﴿ولِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾، والمُلْكُ يَوْمَ القِيامَةِ، فَحَذَفَهُ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ، ﴿ويَوْمَئِذٍ﴾ [الروم: ٤] مَنصُوبٌ بِـ ﴿يَخْسَرُ﴾، وهي جُمْلَةٌ فِيها اسْتِئْنافٌ، وإنْ كانَ لَها تَعَلُّقٌ بِما قَبْلَها مِن جِهَةِ تَنْوِينِ العِوَضِ. و(المُبْطِلُونَ): الدّاخِلُونَ في الباطِلِ. ﴿جاثِيَةً﴾: بارِكَةً عَلى الرُّكَبِ مُسْتَوْفِزَةً، وهي هَيْئَةُ المُذْنِبِ الخائِفِ. وقُرِئَ: جاذِيَةً. بِالذّالِ، والجَذْوُ أشَدُّ اسْتِيفازًا مِنَ الجَثْوِ، لِأنَّ الجاذِيَ هو الَّذِي يَجْلِسُ عَلى أطْرافِ أصابِعِهِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ”جاثِيَةً“: مُجْتَمِعَةً. وعَنْ قَتادَةَ: جَماعاتٍ، مِنَ الجُثْوَةِ: وهي الجَماعَةُ، يُجْمَعُ عَلى جُثِيٍّ، قالَ الشّاعِرُ: ؎تَرى جُثْوَتَيْنِ مِن تُرابٍ عَلَيْهِما صَفائِحُ صُمٌّ مِن صَفِيحٍ مُنَضَّدِ (p-٥١)وعَنْ مَوْرِجِ السَّدُوسِيِّ: ”﴿جاثِيَةً﴾“: خاضِعَةً، بِلُغَةِ قُرَيْشٍ. وعَنْ عِكْرِمَةَ: ”﴿جاثِيَةً﴾“: مُتَمَيِّزَةً. وقَرَأ يَعْقُوبُ: ﴿كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى﴾، بِنَصْبِ ”كُلَّ أُمَّةٍ“ عَلى البَدَلِ بَدَلَ النَّكِرَةِ المَوْصُوفَةِ مِنَ النَّكِرَةِ، والظّاهِرُ عُمُومُ كُلِّ أُمَّةٍ مِن مُؤْمِنٍ وكافِرٍ. قالَ الضَّحّاكُ: وذَلِكَ عِنْدَ الحِسابِ. وقالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ: ذَلِكَ خاصٌّ بِالكُفّارِ، تُدْعى إلى كِتابِها المُنَزَّلِ عَلَيْها، فَتُحاكَمُ إلَيْهِ، هَلْ وافَقَتْهُ أوْ خالَفَتْهُ ؟ أوِ الَّذِي كَتَبَتْهُ الحَفَظَةُ، وهو صَحائِفُ أعْمالِها أوِ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، أوِ المَعْنى إلى ما يَسْبِقُ لَها فِيهِ، أيْ إلى حِسابِها، أقْوالٌ. وأفْرَدَ كِتابَها اكْتِفاءً بِاسْمِ الجِنْسِ لِقَوْلِهِ: ﴿ووُضِعَ الكِتابُ﴾ [الكهف: ٤٩]، ﴿اليَوْمَ تُجْزَوْنَ﴾، ﴿هَذا كِتابُنا﴾، هو الَّذِي دُعِيَتْ إلَيْهِ كُلُّ أُمَّةٍ، وصَحَّتْ إضافَتُهُ إلَيْهِ تَعالى لِأنَّهُ مالِكُهُ والآمِرُ بِكَتْبِهِ، وإلَيْهِمْ لِأنَّ أعْمالَهم مُثْبَتَةٌ فِيهِ. والإضافَةُ تَكُونُ بِأدْنى مُلابَسَةٍ، فَلِذَلِكَ صَحَّتْ إضافَتُهُ إلَيْهِمْ وإلَيْهِ تَعالى. ﴿يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ﴾: يَشْهَدُ بِالحَقِّ مِن غَيْرِ زِيادَةٍ ولا نُقْصانٍ. ﴿إنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ﴾: أيِ المَلائِكَةَ، أيْ نَجْعَلُها تَنْسِخُ، أيْ تَكْتُبُ. وحَقِيقَةُ النَّسْخِ نَقْلُ خَطٍّ مِن أصْلٍ يُنَظَمُ فِيهِ، فَأعْمالُ العِبادِ كَأنَّها الأصْلُ. وقالَ الحَسَنُ: هو كَتْبُ الحَفَظَةِ عَلى بَنِي آدَمَ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: يَجْعَلُ اللَّهُ الحَفَظَةَ تَنْسَخُ مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ كُلَّ ما يَفْعَلُ العِبادُ، ثُمَّ يُمْسِكُونَهُ عِنْدَهم، فَتَأْتِي أفْعالُ العِبادِ عَلى نَحْوِ ذَلِكَ. فَبَعِيدٌ أيْضًا، فَذَلِكَ هو الِاسْتِنْساخُ. وكانَ يَقُولُ ابْنُ عَبّاسٍ: ألَسْتُمْ عَرَبًا ؟ وهَلْ يَكُونُ الِاسْتِنْساخُ إلّا مِن أصْلٍ ؟ ثُمَّ بَيَّنَ حالَ المُؤْمِنِ بِأنَّهُ يُدْخِلُهُ في رَحْمَتِهِ، وهو الثَّوابُ الَّذِي أعَدَّ لَهُ، وأنَّ ذَلِكَ هو الظَّفَرُ بِالبُغْيَةِ، وبَيَّنَ الكافِرَ بِأنَّهُ يُوَبَّخُ ويُقالُ لَهُ: ﴿أفَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكم فاسْتَكْبَرْتُمْ﴾ عَنِ اتِّباعِها والإيمانِ بِها وكُنْتُمْ أصْحابَ جَرائِمَ ؟ والفاءُ في: أفَلَمْ يَنْوِي بِها التَّقْدِيمَ، وإنَّما قُدِّمَتِ الهَمْزَةُ لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ لَهُ صَدْرُ الكَلامِ، والتَّقْدِيرُ: فَيُقالُ لَهُ ألَمْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والمَعْنى ألَمْ يَأْتِكم رُسُلِي ؟ فَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكم، فَحُذِفَ المَعْطُوفُ عَلَيْهِ. انْتَهى. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ مَعَهُ في زَعْمِهِ أنَّ بَيْنَ الفاءِ والواوِ إذا تَقَدَّمَها هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ مَعْطُوفًا عَلَيْهِ مَحْذُوفًا، ورَدَدْنا عَلَيْهِ ذَلِكَ. وقَرَأ الأعْرَجُ وعَمْرُو بْنُ فائِدٍ: وإذا قِيلَ أنَّ وعْدَ اللَّهِ. بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، وذَلِكَ عَلى لُغَةِ سَلِيمٍ، والجُمْهُورُ: إنَّ بِكَسْرِها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (والسّاعَةُ) بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ، ومَن زَعَمَ أنَّ لِاسْمِ إنَّ مَوْضِعًا جَوَّزَ العَطْفَ عَلَيْهِ هُنا، أوْ زَعَمَ أنَّ لِـ (إنَّ) واسْمِها مَوْضِعًا جَوَّزَ العَطْفَ عَلَيْهِ، وبِالعَطْفِ عَلى المَوْضِعِ لِـ (إنَّ) واسْمِها هُنا. قالَ أبُو عَلِيٍّ: ذَكَرَهُ في الحُجَّةِ، وتَبِعَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ فَقالَ: وبِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلى مَحَلِّ إنَّ واسْمِها، والصَّحِيحُ المَنعُ. وحَمْزَةُ: بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى اللَّهِ، وهي مَرْوِيَّةٌ عَنِ الأعْمَشِ، وأبِي عَمْرٍو، وعِيسى، وأبِي حَيْوَةَ، والعَبْسِيِّ، والمُفَضَّلِ. ﴿إنْ نَظُنُّ إلّا ظَنًّا﴾، تَقُولُ: ضَرَبْتُ ضَرْبًا، فَإنْ نَفَيْتَ، لَمْ تُدْخِلْ إلّا، إذْ لا يُفَرَّغُ بِالمَصْدَرِ المُؤَكَّدِ، فَلا تَقُولُ: ما ضَرَبْتُ إلّا ضَرْبًا، ولا ما قُمْتُ إلّا قِيامًا. فَأمّا الآيَةُ فَتُؤَوَّلَ عَلى حَذْفِ وصْفِ المَصْدَرِ حَتّى يَصِيرَ مُخْتَصًّا لا مُؤَكَّدًا، وتَقْدِيرُهُ: إلّا ظَنًّا ضَعِيفًا، أوْ عَلى تَضْمِينِ: نَظُنُّ مَعْنًى نَعْتَقِدُ، ويَكُونُ ظَنًّا مَفْعُولًا بِهِ. وقَدْ تَأوَّلَ ذَلِكَ بَعْضُهم عَلى وضْعِ إلّا في غَيْرِ مَوْضِعِها، وقالَ: التَّقْدِيرُ إنْ نَحْنُ إلّا نَظُنُّ ظَنًّا. وحُكِيَ هَذا عَنِ المُبَرِّدِ، ونَظِيرُهُ ما حَكاهُ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ وسِيبَوَيْهِ مِن قَوْلِ العَرَبِ: لَيْسَ الطِّيبُ إلّا المِسْكُ قالَ المُبَرِّدُ: لَيْسَ إلّا الطِّيبُ المِسْكُ. انْتَهى. واحْتاجَ إلى هَذا التَّقْدِيرِ كَوْنُ المِسْكِ مَرْفُوعًا بَعْدَ إلّا وأنْتَ إذا قُلْتَ: ما كانَ زَيْدٌ إلّا فاضِلًا نَصَبْتَ، فَلَمّا وقَعَ بَعْدَ إلّا ما يَظْهَرُ أنَّهُ خَبَرُ لَيْسَ، احْتاجَ أنْ يُزَحْزِحَ إلّا عَنْ مَوْضِعِها، ويَجْعَلَ في لَيْسَ ضَمِيرَ الشَّأْنِ، ويَرْفَعَ إلّا الطِّيبُ المِسْكُ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ، فَيَصِيرَ كالمَلْفُوظِ بِهِ، في نَحْوِ: ما كانَ إلّا زَيْدٌ قائِمٌ. ولَمْ يَعْرِفِ المُبَرِّدُ أنَّ لَيْسَ في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ عامَلَتْها بَنُو تَمِيمٍ مُعامَلَةَ ما، فَلَمْ يُعْمِلُوها إلّا باقِيَةً مَكانَها، ولَيْسَ غَيْرُ عامِلِةٍ. ولَيْسَ في الأرْضِ حِجازِيٌّ إلّا وهو يَنْصِبُ في نَحْوِ لَيْسَ الطِّيبُ إلّا المِسْكَ، ولا تَمِيمِيٌّ إلّا وهو يَرْفَعُ. في ذَلِكَ حِكايَةٌ جَرَتْ بَيْنَ عِيسى بْنِ عُمَرَ وأبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ، ذَكَرْناها فِيما كَتَبْناهُ مِن عِلْمِ النَّحْوِ. ونَظِيرُ ﴿إنْ نَظُنُّ إلّا ظَنًّا﴾ (p-٥٢)قَوْلُ الأعْشى: وجَدَّ بِهِ الشَّيْبُ أثْقالَهُ وما اغْتَرَّهُ الشَّيْبُ إلّا اغْتِرارًا أيِ اغْتِرارًا بَيِّنًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: ما مَعْنى (إنْ نَظُنُّ إلّا ظَنًّا) ؟ قُلْتُ: أصْلُهُ نَظُنُّ ظَنًّا، ومَعْناهُ إثْباتُ الظَّنِّ مَعَ نَفْيِ ما سِواهُ، وزَيْدٌ نَفى ما سِوى الظَّنِّ تَوْكِيدًا بِقَوْلِهِ: (وما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ) . انْتَهى. وهَذا الكَلامُ مِمَّنْ لا شُعُورَ لَهُ بِالقاعِدَةِ النَّحْوِيَّةِ، مِن أنَّ التَّفْرِيغَ يَكُونُ في جَمِيعِ المَعْمُولاتِ مِن فاعِلٍ ومَفْعُولٍ وغَيْرِهِ إلّا المَصْدَرَ المُؤَكَّدَ فَإنَّهُ لا يَكُونُ فِيهِ. وقَدَّرَهُ بَعْضُهم: إنْ نَظُنُّ إلّا أنَّكم تَظُنُّونَ ظَنًّا، قالَ: وإنَّما احْتِيجَ إلى هَذا التَّقْدِيرِ لِأنَّهُ لا يَجُوزُ في الكَلامِ: ما ضَرَبْتُ إلّا ضَرْبًا، فاهْتَدى إلى هَذِهِ القاعِدَةِ النَّحْوِيَّةِ، وأخْطَأ في التَّخْرِيجِ، وهو مَحْكِيٌّ عَنِ المُبَرِّدِ، ولَعَلَّهُ لا يَصِحُّ. وقَوْلُهم: إنْ نَظُنُّ. دَلِيلٌ عَلى أنَّ الكُفّارَ قَدْ أخْبَرُوا بِأنَّهم ظَنُّوا البَعْثَ واقَعًا، ودَلَّ قَوْلُهم قَبْلَ قَوْلِهِ: (إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا)، عَلى أنَّهم مُنْكِرُونَ البَعْثَ، فَهم - واللَّهُ أعْلَمُ - فِرْقَتانِ، أوِ اضْطَرَبُوا، فَتارَةً أنْكَرُوا، وتارَةً ظَنُّوا، وقالُوا: ﴿إنْ نَظُنُّ إلّا ظَنًّا﴾ عَلى سَبِيلِ الهُزْءِ. ﴿وبَدا لَهم سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا﴾: أيْ قَبائِحُ أعْمالِهِمْ، أوْ عُقُوباتُ أعْمالِهِمُ السَّيِّئاتِ، وأطْلَقَ عَلى العُقُوبَةِ سَيِّئَةً، كَما قالَ: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشورى: ٤٠] . ﴿وحاقَ بِهِمْ﴾ أيْ أحاطَ، ولا يُسْتَعْمَلُ حاقَ إلّا في المَكْرُوهِ. ﴿نَنْساكُمْ﴾: نَتْرُكُكم في العَذابِ، أوْ نَجْعَلُكم كالشَّيْءِ المَنسِيِّ المُلْقى غَيْرِ المُبالى بِهِ. ﴿كَما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ﴾: أيْ لِقاءَ جَزاءِ اللَّهِ عَلى أعْمالِكم، ولَمْ تُخْطِرُوهُ عَلى بالٍ بَعْدَ ما ذُكِّرْتُمْ بِهِ وتَقَدَّمَ إلَيْكم بِوُقُوعِهِ. وأضافَ اللِّقاءَ لِلْيَوْمِ تَوَسُّعًا كَقَوْلِهِ: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ [سبإ: ٣٣] . وقَرَأ الجُمْهُورُ: (لا يُخْرَجُونَ)، مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، والحَسَنُ، وابْنُ وثّابٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. (مِنها): أيْ مِنَ النّارِ. ﴿ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ أيْ بِطَلَبِ مُراجَعَةٍ إلى عَمَلٍ صالِحٍ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في الِاسْتِعْتابِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (رَبِّ)، بِالجَرِّ في الثَّلاثَةِ عَلى الصِّفَةِ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: بِالرَّفْعِ فِيهِما عَلى إضْمارِ هو.

الجاثية 45:30

﴿ولِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ المُبْطِلُونَ﴾ ﴿وتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إلى كِتابِها اليَوْمَ تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿هَذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكم بِالحَقِّ إنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَيُدْخِلُهم رَبُّهم في رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هو الفَوْزُ المُبِينُ﴾ ﴿وأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا أفَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكم فاسْتَكْبَرْتُمْ وكُنْتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾ ﴿وإذا قِيلَ إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ والسّاعَةُ لا رَيْبَ فِيها قُلْتُمْ ما نَدْرِي ما السّاعَةُ إنْ نَظُنُّ إلّا ظَنًّا وما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ ﴿وبَدا لَهم سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ﴿وقِيلَ اليَوْمَ نَنْساكم كَما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكم هَذا ومَأْواكُمُ النّارُ وما لَكم مِن ناصِرِينَ﴾ ﴿ذَلِكم بِأنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آياتِ اللَّهِ هُزُوًا وغَرَّتْكُمُ الحَياةُ الدُّنْيا فاليَوْمَ لا يُخْرَجُونَ مِنها ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ ﴿فَلِلَّهِ الحَمْدُ رَبِّ السَّماواتِ ورَبِّ الأرْضِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿ولَهُ الكِبْرِياءُ في السَّماواتِ والأرْضِ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ . العامِلُ في (ويَوْمَ تَقُومُ): ﴿يَخْسَرُ﴾، و(يَوْمَئِذٍ): بَدَلٌ مِن يَوْمٍ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وحَكاهُ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ فِرْقَةٍ. والتَّنْوِينُ في يَوْمَئِذٍ تَنْوِينُ العِوَضِ عَنْ جُمْلَةٍ، ولَمْ تَتَقَدَّمْ جُمْلَةٌ إلّا قَوْلُهُ: ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ﴾، فَيَصِيرَ التَّقْدِيرُ: ويَوْمَ تَقُومُ يَوْمَ إذْ تَقُومُ إذْ تَقُومُ السّاعَةُ يَخْسَرُ، ولا مَزِيدَ فائِدَةٍ في قَوْلِهِ: يَوْمَ إذْ تَقُومُ السّاعَةُ، لِأنَّ ذَلِكَ مُسْتَفادٌ مِن ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ. فَإنْ كانَ بَدَلًا تَوْكِيدِيًّا، وهو قَلِيلٌ، جازَ ذَلِكَ، وإلّا فَلا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا. وقالَتْ فِرْقَةٌ العامِلُ في ويَوْمَ تَقُومُ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ المُلْكُ، قالُوا: وذَلِكَ أنَّ يَوْمَ القِيامَةِ حالٌ ثالِثَةٌ لَيْسَتْ بِالسَّماءِ ولا بِالأرْضِ، لِأنَّ ذَلِكَ يَتَبَدَّلُ، فَكَأنَّهُ قالَ: ﴿ولِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾، والمُلْكُ يَوْمَ القِيامَةِ، فَحَذَفَهُ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ، ﴿ويَوْمَئِذٍ﴾ [الروم: ٤] مَنصُوبٌ بِـ ﴿يَخْسَرُ﴾، وهي جُمْلَةٌ فِيها اسْتِئْنافٌ، وإنْ كانَ لَها تَعَلُّقٌ بِما قَبْلَها مِن جِهَةِ تَنْوِينِ العِوَضِ. و(المُبْطِلُونَ): الدّاخِلُونَ في الباطِلِ. ﴿جاثِيَةً﴾: بارِكَةً عَلى الرُّكَبِ مُسْتَوْفِزَةً، وهي هَيْئَةُ المُذْنِبِ الخائِفِ. وقُرِئَ: جاذِيَةً. بِالذّالِ، والجَذْوُ أشَدُّ اسْتِيفازًا مِنَ الجَثْوِ، لِأنَّ الجاذِيَ هو الَّذِي يَجْلِسُ عَلى أطْرافِ أصابِعِهِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ”جاثِيَةً“: مُجْتَمِعَةً. وعَنْ قَتادَةَ: جَماعاتٍ، مِنَ الجُثْوَةِ: وهي الجَماعَةُ، يُجْمَعُ عَلى جُثِيٍّ، قالَ الشّاعِرُ: ؎تَرى جُثْوَتَيْنِ مِن تُرابٍ عَلَيْهِما صَفائِحُ صُمٌّ مِن صَفِيحٍ مُنَضَّدِ (p-٥١)وعَنْ مَوْرِجِ السَّدُوسِيِّ: ”﴿جاثِيَةً﴾“: خاضِعَةً، بِلُغَةِ قُرَيْشٍ. وعَنْ عِكْرِمَةَ: ”﴿جاثِيَةً﴾“: مُتَمَيِّزَةً. وقَرَأ يَعْقُوبُ: ﴿كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى﴾، بِنَصْبِ ”كُلَّ أُمَّةٍ“ عَلى البَدَلِ بَدَلَ النَّكِرَةِ المَوْصُوفَةِ مِنَ النَّكِرَةِ، والظّاهِرُ عُمُومُ كُلِّ أُمَّةٍ مِن مُؤْمِنٍ وكافِرٍ. قالَ الضَّحّاكُ: وذَلِكَ عِنْدَ الحِسابِ. وقالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ: ذَلِكَ خاصٌّ بِالكُفّارِ، تُدْعى إلى كِتابِها المُنَزَّلِ عَلَيْها، فَتُحاكَمُ إلَيْهِ، هَلْ وافَقَتْهُ أوْ خالَفَتْهُ ؟ أوِ الَّذِي كَتَبَتْهُ الحَفَظَةُ، وهو صَحائِفُ أعْمالِها أوِ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، أوِ المَعْنى إلى ما يَسْبِقُ لَها فِيهِ، أيْ إلى حِسابِها، أقْوالٌ. وأفْرَدَ كِتابَها اكْتِفاءً بِاسْمِ الجِنْسِ لِقَوْلِهِ: ﴿ووُضِعَ الكِتابُ﴾ [الكهف: ٤٩]، ﴿اليَوْمَ تُجْزَوْنَ﴾، ﴿هَذا كِتابُنا﴾، هو الَّذِي دُعِيَتْ إلَيْهِ كُلُّ أُمَّةٍ، وصَحَّتْ إضافَتُهُ إلَيْهِ تَعالى لِأنَّهُ مالِكُهُ والآمِرُ بِكَتْبِهِ، وإلَيْهِمْ لِأنَّ أعْمالَهم مُثْبَتَةٌ فِيهِ. والإضافَةُ تَكُونُ بِأدْنى مُلابَسَةٍ، فَلِذَلِكَ صَحَّتْ إضافَتُهُ إلَيْهِمْ وإلَيْهِ تَعالى. ﴿يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ﴾: يَشْهَدُ بِالحَقِّ مِن غَيْرِ زِيادَةٍ ولا نُقْصانٍ. ﴿إنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ﴾: أيِ المَلائِكَةَ، أيْ نَجْعَلُها تَنْسِخُ، أيْ تَكْتُبُ. وحَقِيقَةُ النَّسْخِ نَقْلُ خَطٍّ مِن أصْلٍ يُنَظَمُ فِيهِ، فَأعْمالُ العِبادِ كَأنَّها الأصْلُ. وقالَ الحَسَنُ: هو كَتْبُ الحَفَظَةِ عَلى بَنِي آدَمَ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: يَجْعَلُ اللَّهُ الحَفَظَةَ تَنْسَخُ مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ كُلَّ ما يَفْعَلُ العِبادُ، ثُمَّ يُمْسِكُونَهُ عِنْدَهم، فَتَأْتِي أفْعالُ العِبادِ عَلى نَحْوِ ذَلِكَ. فَبَعِيدٌ أيْضًا، فَذَلِكَ هو الِاسْتِنْساخُ. وكانَ يَقُولُ ابْنُ عَبّاسٍ: ألَسْتُمْ عَرَبًا ؟ وهَلْ يَكُونُ الِاسْتِنْساخُ إلّا مِن أصْلٍ ؟ ثُمَّ بَيَّنَ حالَ المُؤْمِنِ بِأنَّهُ يُدْخِلُهُ في رَحْمَتِهِ، وهو الثَّوابُ الَّذِي أعَدَّ لَهُ، وأنَّ ذَلِكَ هو الظَّفَرُ بِالبُغْيَةِ، وبَيَّنَ الكافِرَ بِأنَّهُ يُوَبَّخُ ويُقالُ لَهُ: ﴿أفَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكم فاسْتَكْبَرْتُمْ﴾ عَنِ اتِّباعِها والإيمانِ بِها وكُنْتُمْ أصْحابَ جَرائِمَ ؟ والفاءُ في: أفَلَمْ يَنْوِي بِها التَّقْدِيمَ، وإنَّما قُدِّمَتِ الهَمْزَةُ لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ لَهُ صَدْرُ الكَلامِ، والتَّقْدِيرُ: فَيُقالُ لَهُ ألَمْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والمَعْنى ألَمْ يَأْتِكم رُسُلِي ؟ فَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكم، فَحُذِفَ المَعْطُوفُ عَلَيْهِ. انْتَهى. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ مَعَهُ في زَعْمِهِ أنَّ بَيْنَ الفاءِ والواوِ إذا تَقَدَّمَها هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ مَعْطُوفًا عَلَيْهِ مَحْذُوفًا، ورَدَدْنا عَلَيْهِ ذَلِكَ. وقَرَأ الأعْرَجُ وعَمْرُو بْنُ فائِدٍ: وإذا قِيلَ أنَّ وعْدَ اللَّهِ. بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، وذَلِكَ عَلى لُغَةِ سَلِيمٍ، والجُمْهُورُ: إنَّ بِكَسْرِها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (والسّاعَةُ) بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ، ومَن زَعَمَ أنَّ لِاسْمِ إنَّ مَوْضِعًا جَوَّزَ العَطْفَ عَلَيْهِ هُنا، أوْ زَعَمَ أنَّ لِـ (إنَّ) واسْمِها مَوْضِعًا جَوَّزَ العَطْفَ عَلَيْهِ، وبِالعَطْفِ عَلى المَوْضِعِ لِـ (إنَّ) واسْمِها هُنا. قالَ أبُو عَلِيٍّ: ذَكَرَهُ في الحُجَّةِ، وتَبِعَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ فَقالَ: وبِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلى مَحَلِّ إنَّ واسْمِها، والصَّحِيحُ المَنعُ. وحَمْزَةُ: بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى اللَّهِ، وهي مَرْوِيَّةٌ عَنِ الأعْمَشِ، وأبِي عَمْرٍو، وعِيسى، وأبِي حَيْوَةَ، والعَبْسِيِّ، والمُفَضَّلِ. ﴿إنْ نَظُنُّ إلّا ظَنًّا﴾، تَقُولُ: ضَرَبْتُ ضَرْبًا، فَإنْ نَفَيْتَ، لَمْ تُدْخِلْ إلّا، إذْ لا يُفَرَّغُ بِالمَصْدَرِ المُؤَكَّدِ، فَلا تَقُولُ: ما ضَرَبْتُ إلّا ضَرْبًا، ولا ما قُمْتُ إلّا قِيامًا. فَأمّا الآيَةُ فَتُؤَوَّلَ عَلى حَذْفِ وصْفِ المَصْدَرِ حَتّى يَصِيرَ مُخْتَصًّا لا مُؤَكَّدًا، وتَقْدِيرُهُ: إلّا ظَنًّا ضَعِيفًا، أوْ عَلى تَضْمِينِ: نَظُنُّ مَعْنًى نَعْتَقِدُ، ويَكُونُ ظَنًّا مَفْعُولًا بِهِ. وقَدْ تَأوَّلَ ذَلِكَ بَعْضُهم عَلى وضْعِ إلّا في غَيْرِ مَوْضِعِها، وقالَ: التَّقْدِيرُ إنْ نَحْنُ إلّا نَظُنُّ ظَنًّا. وحُكِيَ هَذا عَنِ المُبَرِّدِ، ونَظِيرُهُ ما حَكاهُ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ وسِيبَوَيْهِ مِن قَوْلِ العَرَبِ: لَيْسَ الطِّيبُ إلّا المِسْكُ قالَ المُبَرِّدُ: لَيْسَ إلّا الطِّيبُ المِسْكُ. انْتَهى. واحْتاجَ إلى هَذا التَّقْدِيرِ كَوْنُ المِسْكِ مَرْفُوعًا بَعْدَ إلّا وأنْتَ إذا قُلْتَ: ما كانَ زَيْدٌ إلّا فاضِلًا نَصَبْتَ، فَلَمّا وقَعَ بَعْدَ إلّا ما يَظْهَرُ أنَّهُ خَبَرُ لَيْسَ، احْتاجَ أنْ يُزَحْزِحَ إلّا عَنْ مَوْضِعِها، ويَجْعَلَ في لَيْسَ ضَمِيرَ الشَّأْنِ، ويَرْفَعَ إلّا الطِّيبُ المِسْكُ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ، فَيَصِيرَ كالمَلْفُوظِ بِهِ، في نَحْوِ: ما كانَ إلّا زَيْدٌ قائِمٌ. ولَمْ يَعْرِفِ المُبَرِّدُ أنَّ لَيْسَ في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ عامَلَتْها بَنُو تَمِيمٍ مُعامَلَةَ ما، فَلَمْ يُعْمِلُوها إلّا باقِيَةً مَكانَها، ولَيْسَ غَيْرُ عامِلِةٍ. ولَيْسَ في الأرْضِ حِجازِيٌّ إلّا وهو يَنْصِبُ في نَحْوِ لَيْسَ الطِّيبُ إلّا المِسْكَ، ولا تَمِيمِيٌّ إلّا وهو يَرْفَعُ. في ذَلِكَ حِكايَةٌ جَرَتْ بَيْنَ عِيسى بْنِ عُمَرَ وأبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ، ذَكَرْناها فِيما كَتَبْناهُ مِن عِلْمِ النَّحْوِ. ونَظِيرُ ﴿إنْ نَظُنُّ إلّا ظَنًّا﴾ (p-٥٢)قَوْلُ الأعْشى: وجَدَّ بِهِ الشَّيْبُ أثْقالَهُ وما اغْتَرَّهُ الشَّيْبُ إلّا اغْتِرارًا أيِ اغْتِرارًا بَيِّنًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: ما مَعْنى (إنْ نَظُنُّ إلّا ظَنًّا) ؟ قُلْتُ: أصْلُهُ نَظُنُّ ظَنًّا، ومَعْناهُ إثْباتُ الظَّنِّ مَعَ نَفْيِ ما سِواهُ، وزَيْدٌ نَفى ما سِوى الظَّنِّ تَوْكِيدًا بِقَوْلِهِ: (وما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ) . انْتَهى. وهَذا الكَلامُ مِمَّنْ لا شُعُورَ لَهُ بِالقاعِدَةِ النَّحْوِيَّةِ، مِن أنَّ التَّفْرِيغَ يَكُونُ في جَمِيعِ المَعْمُولاتِ مِن فاعِلٍ ومَفْعُولٍ وغَيْرِهِ إلّا المَصْدَرَ المُؤَكَّدَ فَإنَّهُ لا يَكُونُ فِيهِ. وقَدَّرَهُ بَعْضُهم: إنْ نَظُنُّ إلّا أنَّكم تَظُنُّونَ ظَنًّا، قالَ: وإنَّما احْتِيجَ إلى هَذا التَّقْدِيرِ لِأنَّهُ لا يَجُوزُ في الكَلامِ: ما ضَرَبْتُ إلّا ضَرْبًا، فاهْتَدى إلى هَذِهِ القاعِدَةِ النَّحْوِيَّةِ، وأخْطَأ في التَّخْرِيجِ، وهو مَحْكِيٌّ عَنِ المُبَرِّدِ، ولَعَلَّهُ لا يَصِحُّ. وقَوْلُهم: إنْ نَظُنُّ. دَلِيلٌ عَلى أنَّ الكُفّارَ قَدْ أخْبَرُوا بِأنَّهم ظَنُّوا البَعْثَ واقَعًا، ودَلَّ قَوْلُهم قَبْلَ قَوْلِهِ: (إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا)، عَلى أنَّهم مُنْكِرُونَ البَعْثَ، فَهم - واللَّهُ أعْلَمُ - فِرْقَتانِ، أوِ اضْطَرَبُوا، فَتارَةً أنْكَرُوا، وتارَةً ظَنُّوا، وقالُوا: ﴿إنْ نَظُنُّ إلّا ظَنًّا﴾ عَلى سَبِيلِ الهُزْءِ. ﴿وبَدا لَهم سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا﴾: أيْ قَبائِحُ أعْمالِهِمْ، أوْ عُقُوباتُ أعْمالِهِمُ السَّيِّئاتِ، وأطْلَقَ عَلى العُقُوبَةِ سَيِّئَةً، كَما قالَ: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشورى: ٤٠] . ﴿وحاقَ بِهِمْ﴾ أيْ أحاطَ، ولا يُسْتَعْمَلُ حاقَ إلّا في المَكْرُوهِ. ﴿نَنْساكُمْ﴾: نَتْرُكُكم في العَذابِ، أوْ نَجْعَلُكم كالشَّيْءِ المَنسِيِّ المُلْقى غَيْرِ المُبالى بِهِ. ﴿كَما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ﴾: أيْ لِقاءَ جَزاءِ اللَّهِ عَلى أعْمالِكم، ولَمْ تُخْطِرُوهُ عَلى بالٍ بَعْدَ ما ذُكِّرْتُمْ بِهِ وتَقَدَّمَ إلَيْكم بِوُقُوعِهِ. وأضافَ اللِّقاءَ لِلْيَوْمِ تَوَسُّعًا كَقَوْلِهِ: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ [سبإ: ٣٣] . وقَرَأ الجُمْهُورُ: (لا يُخْرَجُونَ)، مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، والحَسَنُ، وابْنُ وثّابٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. (مِنها): أيْ مِنَ النّارِ. ﴿ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ أيْ بِطَلَبِ مُراجَعَةٍ إلى عَمَلٍ صالِحٍ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في الِاسْتِعْتابِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (رَبِّ)، بِالجَرِّ في الثَّلاثَةِ عَلى الصِّفَةِ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: بِالرَّفْعِ فِيهِما عَلى إضْمارِ هو.

الجاثية 45:31

﴿ولِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ المُبْطِلُونَ﴾ ﴿وتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إلى كِتابِها اليَوْمَ تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿هَذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكم بِالحَقِّ إنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَيُدْخِلُهم رَبُّهم في رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هو الفَوْزُ المُبِينُ﴾ ﴿وأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا أفَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكم فاسْتَكْبَرْتُمْ وكُنْتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾ ﴿وإذا قِيلَ إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ والسّاعَةُ لا رَيْبَ فِيها قُلْتُمْ ما نَدْرِي ما السّاعَةُ إنْ نَظُنُّ إلّا ظَنًّا وما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ ﴿وبَدا لَهم سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ﴿وقِيلَ اليَوْمَ نَنْساكم كَما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكم هَذا ومَأْواكُمُ النّارُ وما لَكم مِن ناصِرِينَ﴾ ﴿ذَلِكم بِأنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آياتِ اللَّهِ هُزُوًا وغَرَّتْكُمُ الحَياةُ الدُّنْيا فاليَوْمَ لا يُخْرَجُونَ مِنها ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ ﴿فَلِلَّهِ الحَمْدُ رَبِّ السَّماواتِ ورَبِّ الأرْضِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿ولَهُ الكِبْرِياءُ في السَّماواتِ والأرْضِ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ . العامِلُ في (ويَوْمَ تَقُومُ): ﴿يَخْسَرُ﴾، و(يَوْمَئِذٍ): بَدَلٌ مِن يَوْمٍ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وحَكاهُ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ فِرْقَةٍ. والتَّنْوِينُ في يَوْمَئِذٍ تَنْوِينُ العِوَضِ عَنْ جُمْلَةٍ، ولَمْ تَتَقَدَّمْ جُمْلَةٌ إلّا قَوْلُهُ: ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ﴾، فَيَصِيرَ التَّقْدِيرُ: ويَوْمَ تَقُومُ يَوْمَ إذْ تَقُومُ إذْ تَقُومُ السّاعَةُ يَخْسَرُ، ولا مَزِيدَ فائِدَةٍ في قَوْلِهِ: يَوْمَ إذْ تَقُومُ السّاعَةُ، لِأنَّ ذَلِكَ مُسْتَفادٌ مِن ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ. فَإنْ كانَ بَدَلًا تَوْكِيدِيًّا، وهو قَلِيلٌ، جازَ ذَلِكَ، وإلّا فَلا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا. وقالَتْ فِرْقَةٌ العامِلُ في ويَوْمَ تَقُومُ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ المُلْكُ، قالُوا: وذَلِكَ أنَّ يَوْمَ القِيامَةِ حالٌ ثالِثَةٌ لَيْسَتْ بِالسَّماءِ ولا بِالأرْضِ، لِأنَّ ذَلِكَ يَتَبَدَّلُ، فَكَأنَّهُ قالَ: ﴿ولِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾، والمُلْكُ يَوْمَ القِيامَةِ، فَحَذَفَهُ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ، ﴿ويَوْمَئِذٍ﴾ [الروم: ٤] مَنصُوبٌ بِـ ﴿يَخْسَرُ﴾، وهي جُمْلَةٌ فِيها اسْتِئْنافٌ، وإنْ كانَ لَها تَعَلُّقٌ بِما قَبْلَها مِن جِهَةِ تَنْوِينِ العِوَضِ. و(المُبْطِلُونَ): الدّاخِلُونَ في الباطِلِ. ﴿جاثِيَةً﴾: بارِكَةً عَلى الرُّكَبِ مُسْتَوْفِزَةً، وهي هَيْئَةُ المُذْنِبِ الخائِفِ. وقُرِئَ: جاذِيَةً. بِالذّالِ، والجَذْوُ أشَدُّ اسْتِيفازًا مِنَ الجَثْوِ، لِأنَّ الجاذِيَ هو الَّذِي يَجْلِسُ عَلى أطْرافِ أصابِعِهِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ”جاثِيَةً“: مُجْتَمِعَةً. وعَنْ قَتادَةَ: جَماعاتٍ، مِنَ الجُثْوَةِ: وهي الجَماعَةُ، يُجْمَعُ عَلى جُثِيٍّ، قالَ الشّاعِرُ: ؎تَرى جُثْوَتَيْنِ مِن تُرابٍ عَلَيْهِما صَفائِحُ صُمٌّ مِن صَفِيحٍ مُنَضَّدِ (p-٥١)وعَنْ مَوْرِجِ السَّدُوسِيِّ: ”﴿جاثِيَةً﴾“: خاضِعَةً، بِلُغَةِ قُرَيْشٍ. وعَنْ عِكْرِمَةَ: ”﴿جاثِيَةً﴾“: مُتَمَيِّزَةً. وقَرَأ يَعْقُوبُ: ﴿كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى﴾، بِنَصْبِ ”كُلَّ أُمَّةٍ“ عَلى البَدَلِ بَدَلَ النَّكِرَةِ المَوْصُوفَةِ مِنَ النَّكِرَةِ، والظّاهِرُ عُمُومُ كُلِّ أُمَّةٍ مِن مُؤْمِنٍ وكافِرٍ. قالَ الضَّحّاكُ: وذَلِكَ عِنْدَ الحِسابِ. وقالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ: ذَلِكَ خاصٌّ بِالكُفّارِ، تُدْعى إلى كِتابِها المُنَزَّلِ عَلَيْها، فَتُحاكَمُ إلَيْهِ، هَلْ وافَقَتْهُ أوْ خالَفَتْهُ ؟ أوِ الَّذِي كَتَبَتْهُ الحَفَظَةُ، وهو صَحائِفُ أعْمالِها أوِ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، أوِ المَعْنى إلى ما يَسْبِقُ لَها فِيهِ، أيْ إلى حِسابِها، أقْوالٌ. وأفْرَدَ كِتابَها اكْتِفاءً بِاسْمِ الجِنْسِ لِقَوْلِهِ: ﴿ووُضِعَ الكِتابُ﴾ [الكهف: ٤٩]، ﴿اليَوْمَ تُجْزَوْنَ﴾، ﴿هَذا كِتابُنا﴾، هو الَّذِي دُعِيَتْ إلَيْهِ كُلُّ أُمَّةٍ، وصَحَّتْ إضافَتُهُ إلَيْهِ تَعالى لِأنَّهُ مالِكُهُ والآمِرُ بِكَتْبِهِ، وإلَيْهِمْ لِأنَّ أعْمالَهم مُثْبَتَةٌ فِيهِ. والإضافَةُ تَكُونُ بِأدْنى مُلابَسَةٍ، فَلِذَلِكَ صَحَّتْ إضافَتُهُ إلَيْهِمْ وإلَيْهِ تَعالى. ﴿يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ﴾: يَشْهَدُ بِالحَقِّ مِن غَيْرِ زِيادَةٍ ولا نُقْصانٍ. ﴿إنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ﴾: أيِ المَلائِكَةَ، أيْ نَجْعَلُها تَنْسِخُ، أيْ تَكْتُبُ. وحَقِيقَةُ النَّسْخِ نَقْلُ خَطٍّ مِن أصْلٍ يُنَظَمُ فِيهِ، فَأعْمالُ العِبادِ كَأنَّها الأصْلُ. وقالَ الحَسَنُ: هو كَتْبُ الحَفَظَةِ عَلى بَنِي آدَمَ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: يَجْعَلُ اللَّهُ الحَفَظَةَ تَنْسَخُ مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ كُلَّ ما يَفْعَلُ العِبادُ، ثُمَّ يُمْسِكُونَهُ عِنْدَهم، فَتَأْتِي أفْعالُ العِبادِ عَلى نَحْوِ ذَلِكَ. فَبَعِيدٌ أيْضًا، فَذَلِكَ هو الِاسْتِنْساخُ. وكانَ يَقُولُ ابْنُ عَبّاسٍ: ألَسْتُمْ عَرَبًا ؟ وهَلْ يَكُونُ الِاسْتِنْساخُ إلّا مِن أصْلٍ ؟ ثُمَّ بَيَّنَ حالَ المُؤْمِنِ بِأنَّهُ يُدْخِلُهُ في رَحْمَتِهِ، وهو الثَّوابُ الَّذِي أعَدَّ لَهُ، وأنَّ ذَلِكَ هو الظَّفَرُ بِالبُغْيَةِ، وبَيَّنَ الكافِرَ بِأنَّهُ يُوَبَّخُ ويُقالُ لَهُ: ﴿أفَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكم فاسْتَكْبَرْتُمْ﴾ عَنِ اتِّباعِها والإيمانِ بِها وكُنْتُمْ أصْحابَ جَرائِمَ ؟ والفاءُ في: أفَلَمْ يَنْوِي بِها التَّقْدِيمَ، وإنَّما قُدِّمَتِ الهَمْزَةُ لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ لَهُ صَدْرُ الكَلامِ، والتَّقْدِيرُ: فَيُقالُ لَهُ ألَمْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والمَعْنى ألَمْ يَأْتِكم رُسُلِي ؟ فَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكم، فَحُذِفَ المَعْطُوفُ عَلَيْهِ. انْتَهى. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ مَعَهُ في زَعْمِهِ أنَّ بَيْنَ الفاءِ والواوِ إذا تَقَدَّمَها هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ مَعْطُوفًا عَلَيْهِ مَحْذُوفًا، ورَدَدْنا عَلَيْهِ ذَلِكَ. وقَرَأ الأعْرَجُ وعَمْرُو بْنُ فائِدٍ: وإذا قِيلَ أنَّ وعْدَ اللَّهِ. بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، وذَلِكَ عَلى لُغَةِ سَلِيمٍ، والجُمْهُورُ: إنَّ بِكَسْرِها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (والسّاعَةُ) بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ، ومَن زَعَمَ أنَّ لِاسْمِ إنَّ مَوْضِعًا جَوَّزَ العَطْفَ عَلَيْهِ هُنا، أوْ زَعَمَ أنَّ لِـ (إنَّ) واسْمِها مَوْضِعًا جَوَّزَ العَطْفَ عَلَيْهِ، وبِالعَطْفِ عَلى المَوْضِعِ لِـ (إنَّ) واسْمِها هُنا. قالَ أبُو عَلِيٍّ: ذَكَرَهُ في الحُجَّةِ، وتَبِعَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ فَقالَ: وبِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلى مَحَلِّ إنَّ واسْمِها، والصَّحِيحُ المَنعُ. وحَمْزَةُ: بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى اللَّهِ، وهي مَرْوِيَّةٌ عَنِ الأعْمَشِ، وأبِي عَمْرٍو، وعِيسى، وأبِي حَيْوَةَ، والعَبْسِيِّ، والمُفَضَّلِ. ﴿إنْ نَظُنُّ إلّا ظَنًّا﴾، تَقُولُ: ضَرَبْتُ ضَرْبًا، فَإنْ نَفَيْتَ، لَمْ تُدْخِلْ إلّا، إذْ لا يُفَرَّغُ بِالمَصْدَرِ المُؤَكَّدِ، فَلا تَقُولُ: ما ضَرَبْتُ إلّا ضَرْبًا، ولا ما قُمْتُ إلّا قِيامًا. فَأمّا الآيَةُ فَتُؤَوَّلَ عَلى حَذْفِ وصْفِ المَصْدَرِ حَتّى يَصِيرَ مُخْتَصًّا لا مُؤَكَّدًا، وتَقْدِيرُهُ: إلّا ظَنًّا ضَعِيفًا، أوْ عَلى تَضْمِينِ: نَظُنُّ مَعْنًى نَعْتَقِدُ، ويَكُونُ ظَنًّا مَفْعُولًا بِهِ. وقَدْ تَأوَّلَ ذَلِكَ بَعْضُهم عَلى وضْعِ إلّا في غَيْرِ مَوْضِعِها، وقالَ: التَّقْدِيرُ إنْ نَحْنُ إلّا نَظُنُّ ظَنًّا. وحُكِيَ هَذا عَنِ المُبَرِّدِ، ونَظِيرُهُ ما حَكاهُ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ وسِيبَوَيْهِ مِن قَوْلِ العَرَبِ: لَيْسَ الطِّيبُ إلّا المِسْكُ قالَ المُبَرِّدُ: لَيْسَ إلّا الطِّيبُ المِسْكُ. انْتَهى. واحْتاجَ إلى هَذا التَّقْدِيرِ كَوْنُ المِسْكِ مَرْفُوعًا بَعْدَ إلّا وأنْتَ إذا قُلْتَ: ما كانَ زَيْدٌ إلّا فاضِلًا نَصَبْتَ، فَلَمّا وقَعَ بَعْدَ إلّا ما يَظْهَرُ أنَّهُ خَبَرُ لَيْسَ، احْتاجَ أنْ يُزَحْزِحَ إلّا عَنْ مَوْضِعِها، ويَجْعَلَ في لَيْسَ ضَمِيرَ الشَّأْنِ، ويَرْفَعَ إلّا الطِّيبُ المِسْكُ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ، فَيَصِيرَ كالمَلْفُوظِ بِهِ، في نَحْوِ: ما كانَ إلّا زَيْدٌ قائِمٌ. ولَمْ يَعْرِفِ المُبَرِّدُ أنَّ لَيْسَ في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ عامَلَتْها بَنُو تَمِيمٍ مُعامَلَةَ ما، فَلَمْ يُعْمِلُوها إلّا باقِيَةً مَكانَها، ولَيْسَ غَيْرُ عامِلِةٍ. ولَيْسَ في الأرْضِ حِجازِيٌّ إلّا وهو يَنْصِبُ في نَحْوِ لَيْسَ الطِّيبُ إلّا المِسْكَ، ولا تَمِيمِيٌّ إلّا وهو يَرْفَعُ. في ذَلِكَ حِكايَةٌ جَرَتْ بَيْنَ عِيسى بْنِ عُمَرَ وأبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ، ذَكَرْناها فِيما كَتَبْناهُ مِن عِلْمِ النَّحْوِ. ونَظِيرُ ﴿إنْ نَظُنُّ إلّا ظَنًّا﴾ (p-٥٢)قَوْلُ الأعْشى: وجَدَّ بِهِ الشَّيْبُ أثْقالَهُ وما اغْتَرَّهُ الشَّيْبُ إلّا اغْتِرارًا أيِ اغْتِرارًا بَيِّنًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: ما مَعْنى (إنْ نَظُنُّ إلّا ظَنًّا) ؟ قُلْتُ: أصْلُهُ نَظُنُّ ظَنًّا، ومَعْناهُ إثْباتُ الظَّنِّ مَعَ نَفْيِ ما سِواهُ، وزَيْدٌ نَفى ما سِوى الظَّنِّ تَوْكِيدًا بِقَوْلِهِ: (وما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ) . انْتَهى. وهَذا الكَلامُ مِمَّنْ لا شُعُورَ لَهُ بِالقاعِدَةِ النَّحْوِيَّةِ، مِن أنَّ التَّفْرِيغَ يَكُونُ في جَمِيعِ المَعْمُولاتِ مِن فاعِلٍ ومَفْعُولٍ وغَيْرِهِ إلّا المَصْدَرَ المُؤَكَّدَ فَإنَّهُ لا يَكُونُ فِيهِ. وقَدَّرَهُ بَعْضُهم: إنْ نَظُنُّ إلّا أنَّكم تَظُنُّونَ ظَنًّا، قالَ: وإنَّما احْتِيجَ إلى هَذا التَّقْدِيرِ لِأنَّهُ لا يَجُوزُ في الكَلامِ: ما ضَرَبْتُ إلّا ضَرْبًا، فاهْتَدى إلى هَذِهِ القاعِدَةِ النَّحْوِيَّةِ، وأخْطَأ في التَّخْرِيجِ، وهو مَحْكِيٌّ عَنِ المُبَرِّدِ، ولَعَلَّهُ لا يَصِحُّ. وقَوْلُهم: إنْ نَظُنُّ. دَلِيلٌ عَلى أنَّ الكُفّارَ قَدْ أخْبَرُوا بِأنَّهم ظَنُّوا البَعْثَ واقَعًا، ودَلَّ قَوْلُهم قَبْلَ قَوْلِهِ: (إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا)، عَلى أنَّهم مُنْكِرُونَ البَعْثَ، فَهم - واللَّهُ أعْلَمُ - فِرْقَتانِ، أوِ اضْطَرَبُوا، فَتارَةً أنْكَرُوا، وتارَةً ظَنُّوا، وقالُوا: ﴿إنْ نَظُنُّ إلّا ظَنًّا﴾ عَلى سَبِيلِ الهُزْءِ. ﴿وبَدا لَهم سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا﴾: أيْ قَبائِحُ أعْمالِهِمْ، أوْ عُقُوباتُ أعْمالِهِمُ السَّيِّئاتِ، وأطْلَقَ عَلى العُقُوبَةِ سَيِّئَةً، كَما قالَ: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشورى: ٤٠] . ﴿وحاقَ بِهِمْ﴾ أيْ أحاطَ، ولا يُسْتَعْمَلُ حاقَ إلّا في المَكْرُوهِ. ﴿نَنْساكُمْ﴾: نَتْرُكُكم في العَذابِ، أوْ نَجْعَلُكم كالشَّيْءِ المَنسِيِّ المُلْقى غَيْرِ المُبالى بِهِ. ﴿كَما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ﴾: أيْ لِقاءَ جَزاءِ اللَّهِ عَلى أعْمالِكم، ولَمْ تُخْطِرُوهُ عَلى بالٍ بَعْدَ ما ذُكِّرْتُمْ بِهِ وتَقَدَّمَ إلَيْكم بِوُقُوعِهِ. وأضافَ اللِّقاءَ لِلْيَوْمِ تَوَسُّعًا كَقَوْلِهِ: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ [سبإ: ٣٣] . وقَرَأ الجُمْهُورُ: (لا يُخْرَجُونَ)، مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، والحَسَنُ، وابْنُ وثّابٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. (مِنها): أيْ مِنَ النّارِ. ﴿ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ أيْ بِطَلَبِ مُراجَعَةٍ إلى عَمَلٍ صالِحٍ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في الِاسْتِعْتابِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (رَبِّ)، بِالجَرِّ في الثَّلاثَةِ عَلى الصِّفَةِ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: بِالرَّفْعِ فِيهِما عَلى إضْمارِ هو.

الجاثية 45:32

﴿ولِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ المُبْطِلُونَ﴾ ﴿وتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إلى كِتابِها اليَوْمَ تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿هَذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكم بِالحَقِّ إنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَيُدْخِلُهم رَبُّهم في رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هو الفَوْزُ المُبِينُ﴾ ﴿وأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا أفَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكم فاسْتَكْبَرْتُمْ وكُنْتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾ ﴿وإذا قِيلَ إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ والسّاعَةُ لا رَيْبَ فِيها قُلْتُمْ ما نَدْرِي ما السّاعَةُ إنْ نَظُنُّ إلّا ظَنًّا وما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ ﴿وبَدا لَهم سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ﴿وقِيلَ اليَوْمَ نَنْساكم كَما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكم هَذا ومَأْواكُمُ النّارُ وما لَكم مِن ناصِرِينَ﴾ ﴿ذَلِكم بِأنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آياتِ اللَّهِ هُزُوًا وغَرَّتْكُمُ الحَياةُ الدُّنْيا فاليَوْمَ لا يُخْرَجُونَ مِنها ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ ﴿فَلِلَّهِ الحَمْدُ رَبِّ السَّماواتِ ورَبِّ الأرْضِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿ولَهُ الكِبْرِياءُ في السَّماواتِ والأرْضِ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ . العامِلُ في (ويَوْمَ تَقُومُ): ﴿يَخْسَرُ﴾، و(يَوْمَئِذٍ): بَدَلٌ مِن يَوْمٍ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وحَكاهُ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ فِرْقَةٍ. والتَّنْوِينُ في يَوْمَئِذٍ تَنْوِينُ العِوَضِ عَنْ جُمْلَةٍ، ولَمْ تَتَقَدَّمْ جُمْلَةٌ إلّا قَوْلُهُ: ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ﴾، فَيَصِيرَ التَّقْدِيرُ: ويَوْمَ تَقُومُ يَوْمَ إذْ تَقُومُ إذْ تَقُومُ السّاعَةُ يَخْسَرُ، ولا مَزِيدَ فائِدَةٍ في قَوْلِهِ: يَوْمَ إذْ تَقُومُ السّاعَةُ، لِأنَّ ذَلِكَ مُسْتَفادٌ مِن ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ. فَإنْ كانَ بَدَلًا تَوْكِيدِيًّا، وهو قَلِيلٌ، جازَ ذَلِكَ، وإلّا فَلا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا. وقالَتْ فِرْقَةٌ العامِلُ في ويَوْمَ تَقُومُ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ المُلْكُ، قالُوا: وذَلِكَ أنَّ يَوْمَ القِيامَةِ حالٌ ثالِثَةٌ لَيْسَتْ بِالسَّماءِ ولا بِالأرْضِ، لِأنَّ ذَلِكَ يَتَبَدَّلُ، فَكَأنَّهُ قالَ: ﴿ولِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾، والمُلْكُ يَوْمَ القِيامَةِ، فَحَذَفَهُ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ، ﴿ويَوْمَئِذٍ﴾ [الروم: ٤] مَنصُوبٌ بِـ ﴿يَخْسَرُ﴾، وهي جُمْلَةٌ فِيها اسْتِئْنافٌ، وإنْ كانَ لَها تَعَلُّقٌ بِما قَبْلَها مِن جِهَةِ تَنْوِينِ العِوَضِ. و(المُبْطِلُونَ): الدّاخِلُونَ في الباطِلِ. ﴿جاثِيَةً﴾: بارِكَةً عَلى الرُّكَبِ مُسْتَوْفِزَةً، وهي هَيْئَةُ المُذْنِبِ الخائِفِ. وقُرِئَ: جاذِيَةً. بِالذّالِ، والجَذْوُ أشَدُّ اسْتِيفازًا مِنَ الجَثْوِ، لِأنَّ الجاذِيَ هو الَّذِي يَجْلِسُ عَلى أطْرافِ أصابِعِهِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ”جاثِيَةً“: مُجْتَمِعَةً. وعَنْ قَتادَةَ: جَماعاتٍ، مِنَ الجُثْوَةِ: وهي الجَماعَةُ، يُجْمَعُ عَلى جُثِيٍّ، قالَ الشّاعِرُ: ؎تَرى جُثْوَتَيْنِ مِن تُرابٍ عَلَيْهِما صَفائِحُ صُمٌّ مِن صَفِيحٍ مُنَضَّدِ (p-٥١)وعَنْ مَوْرِجِ السَّدُوسِيِّ: ”﴿جاثِيَةً﴾“: خاضِعَةً، بِلُغَةِ قُرَيْشٍ. وعَنْ عِكْرِمَةَ: ”﴿جاثِيَةً﴾“: مُتَمَيِّزَةً. وقَرَأ يَعْقُوبُ: ﴿كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى﴾، بِنَصْبِ ”كُلَّ أُمَّةٍ“ عَلى البَدَلِ بَدَلَ النَّكِرَةِ المَوْصُوفَةِ مِنَ النَّكِرَةِ، والظّاهِرُ عُمُومُ كُلِّ أُمَّةٍ مِن مُؤْمِنٍ وكافِرٍ. قالَ الضَّحّاكُ: وذَلِكَ عِنْدَ الحِسابِ. وقالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ: ذَلِكَ خاصٌّ بِالكُفّارِ، تُدْعى إلى كِتابِها المُنَزَّلِ عَلَيْها، فَتُحاكَمُ إلَيْهِ، هَلْ وافَقَتْهُ أوْ خالَفَتْهُ ؟ أوِ الَّذِي كَتَبَتْهُ الحَفَظَةُ، وهو صَحائِفُ أعْمالِها أوِ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، أوِ المَعْنى إلى ما يَسْبِقُ لَها فِيهِ، أيْ إلى حِسابِها، أقْوالٌ. وأفْرَدَ كِتابَها اكْتِفاءً بِاسْمِ الجِنْسِ لِقَوْلِهِ: ﴿ووُضِعَ الكِتابُ﴾ [الكهف: ٤٩]، ﴿اليَوْمَ تُجْزَوْنَ﴾، ﴿هَذا كِتابُنا﴾، هو الَّذِي دُعِيَتْ إلَيْهِ كُلُّ أُمَّةٍ، وصَحَّتْ إضافَتُهُ إلَيْهِ تَعالى لِأنَّهُ مالِكُهُ والآمِرُ بِكَتْبِهِ، وإلَيْهِمْ لِأنَّ أعْمالَهم مُثْبَتَةٌ فِيهِ. والإضافَةُ تَكُونُ بِأدْنى مُلابَسَةٍ، فَلِذَلِكَ صَحَّتْ إضافَتُهُ إلَيْهِمْ وإلَيْهِ تَعالى. ﴿يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ﴾: يَشْهَدُ بِالحَقِّ مِن غَيْرِ زِيادَةٍ ولا نُقْصانٍ. ﴿إنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ﴾: أيِ المَلائِكَةَ، أيْ نَجْعَلُها تَنْسِخُ، أيْ تَكْتُبُ. وحَقِيقَةُ النَّسْخِ نَقْلُ خَطٍّ مِن أصْلٍ يُنَظَمُ فِيهِ، فَأعْمالُ العِبادِ كَأنَّها الأصْلُ. وقالَ الحَسَنُ: هو كَتْبُ الحَفَظَةِ عَلى بَنِي آدَمَ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: يَجْعَلُ اللَّهُ الحَفَظَةَ تَنْسَخُ مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ كُلَّ ما يَفْعَلُ العِبادُ، ثُمَّ يُمْسِكُونَهُ عِنْدَهم، فَتَأْتِي أفْعالُ العِبادِ عَلى نَحْوِ ذَلِكَ. فَبَعِيدٌ أيْضًا، فَذَلِكَ هو الِاسْتِنْساخُ. وكانَ يَقُولُ ابْنُ عَبّاسٍ: ألَسْتُمْ عَرَبًا ؟ وهَلْ يَكُونُ الِاسْتِنْساخُ إلّا مِن أصْلٍ ؟ ثُمَّ بَيَّنَ حالَ المُؤْمِنِ بِأنَّهُ يُدْخِلُهُ في رَحْمَتِهِ، وهو الثَّوابُ الَّذِي أعَدَّ لَهُ، وأنَّ ذَلِكَ هو الظَّفَرُ بِالبُغْيَةِ، وبَيَّنَ الكافِرَ بِأنَّهُ يُوَبَّخُ ويُقالُ لَهُ: ﴿أفَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكم فاسْتَكْبَرْتُمْ﴾ عَنِ اتِّباعِها والإيمانِ بِها وكُنْتُمْ أصْحابَ جَرائِمَ ؟ والفاءُ في: أفَلَمْ يَنْوِي بِها التَّقْدِيمَ، وإنَّما قُدِّمَتِ الهَمْزَةُ لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ لَهُ صَدْرُ الكَلامِ، والتَّقْدِيرُ: فَيُقالُ لَهُ ألَمْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والمَعْنى ألَمْ يَأْتِكم رُسُلِي ؟ فَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكم، فَحُذِفَ المَعْطُوفُ عَلَيْهِ. انْتَهى. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ مَعَهُ في زَعْمِهِ أنَّ بَيْنَ الفاءِ والواوِ إذا تَقَدَّمَها هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ مَعْطُوفًا عَلَيْهِ مَحْذُوفًا، ورَدَدْنا عَلَيْهِ ذَلِكَ. وقَرَأ الأعْرَجُ وعَمْرُو بْنُ فائِدٍ: وإذا قِيلَ أنَّ وعْدَ اللَّهِ. بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، وذَلِكَ عَلى لُغَةِ سَلِيمٍ، والجُمْهُورُ: إنَّ بِكَسْرِها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (والسّاعَةُ) بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ، ومَن زَعَمَ أنَّ لِاسْمِ إنَّ مَوْضِعًا جَوَّزَ العَطْفَ عَلَيْهِ هُنا، أوْ زَعَمَ أنَّ لِـ (إنَّ) واسْمِها مَوْضِعًا جَوَّزَ العَطْفَ عَلَيْهِ، وبِالعَطْفِ عَلى المَوْضِعِ لِـ (إنَّ) واسْمِها هُنا. قالَ أبُو عَلِيٍّ: ذَكَرَهُ في الحُجَّةِ، وتَبِعَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ فَقالَ: وبِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلى مَحَلِّ إنَّ واسْمِها، والصَّحِيحُ المَنعُ. وحَمْزَةُ: بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى اللَّهِ، وهي مَرْوِيَّةٌ عَنِ الأعْمَشِ، وأبِي عَمْرٍو، وعِيسى، وأبِي حَيْوَةَ، والعَبْسِيِّ، والمُفَضَّلِ. ﴿إنْ نَظُنُّ إلّا ظَنًّا﴾، تَقُولُ: ضَرَبْتُ ضَرْبًا، فَإنْ نَفَيْتَ، لَمْ تُدْخِلْ إلّا، إذْ لا يُفَرَّغُ بِالمَصْدَرِ المُؤَكَّدِ، فَلا تَقُولُ: ما ضَرَبْتُ إلّا ضَرْبًا، ولا ما قُمْتُ إلّا قِيامًا. فَأمّا الآيَةُ فَتُؤَوَّلَ عَلى حَذْفِ وصْفِ المَصْدَرِ حَتّى يَصِيرَ مُخْتَصًّا لا مُؤَكَّدًا، وتَقْدِيرُهُ: إلّا ظَنًّا ضَعِيفًا، أوْ عَلى تَضْمِينِ: نَظُنُّ مَعْنًى نَعْتَقِدُ، ويَكُونُ ظَنًّا مَفْعُولًا بِهِ. وقَدْ تَأوَّلَ ذَلِكَ بَعْضُهم عَلى وضْعِ إلّا في غَيْرِ مَوْضِعِها، وقالَ: التَّقْدِيرُ إنْ نَحْنُ إلّا نَظُنُّ ظَنًّا. وحُكِيَ هَذا عَنِ المُبَرِّدِ، ونَظِيرُهُ ما حَكاهُ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ وسِيبَوَيْهِ مِن قَوْلِ العَرَبِ: لَيْسَ الطِّيبُ إلّا المِسْكُ قالَ المُبَرِّدُ: لَيْسَ إلّا الطِّيبُ المِسْكُ. انْتَهى. واحْتاجَ إلى هَذا التَّقْدِيرِ كَوْنُ المِسْكِ مَرْفُوعًا بَعْدَ إلّا وأنْتَ إذا قُلْتَ: ما كانَ زَيْدٌ إلّا فاضِلًا نَصَبْتَ، فَلَمّا وقَعَ بَعْدَ إلّا ما يَظْهَرُ أنَّهُ خَبَرُ لَيْسَ، احْتاجَ أنْ يُزَحْزِحَ إلّا عَنْ مَوْضِعِها، ويَجْعَلَ في لَيْسَ ضَمِيرَ الشَّأْنِ، ويَرْفَعَ إلّا الطِّيبُ المِسْكُ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ، فَيَصِيرَ كالمَلْفُوظِ بِهِ، في نَحْوِ: ما كانَ إلّا زَيْدٌ قائِمٌ. ولَمْ يَعْرِفِ المُبَرِّدُ أنَّ لَيْسَ في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ عامَلَتْها بَنُو تَمِيمٍ مُعامَلَةَ ما، فَلَمْ يُعْمِلُوها إلّا باقِيَةً مَكانَها، ولَيْسَ غَيْرُ عامِلِةٍ. ولَيْسَ في الأرْضِ حِجازِيٌّ إلّا وهو يَنْصِبُ في نَحْوِ لَيْسَ الطِّيبُ إلّا المِسْكَ، ولا تَمِيمِيٌّ إلّا وهو يَرْفَعُ. في ذَلِكَ حِكايَةٌ جَرَتْ بَيْنَ عِيسى بْنِ عُمَرَ وأبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ، ذَكَرْناها فِيما كَتَبْناهُ مِن عِلْمِ النَّحْوِ. ونَظِيرُ ﴿إنْ نَظُنُّ إلّا ظَنًّا﴾ (p-٥٢)قَوْلُ الأعْشى: وجَدَّ بِهِ الشَّيْبُ أثْقالَهُ وما اغْتَرَّهُ الشَّيْبُ إلّا اغْتِرارًا أيِ اغْتِرارًا بَيِّنًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: ما مَعْنى (إنْ نَظُنُّ إلّا ظَنًّا) ؟ قُلْتُ: أصْلُهُ نَظُنُّ ظَنًّا، ومَعْناهُ إثْباتُ الظَّنِّ مَعَ نَفْيِ ما سِواهُ، وزَيْدٌ نَفى ما سِوى الظَّنِّ تَوْكِيدًا بِقَوْلِهِ: (وما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ) . انْتَهى. وهَذا الكَلامُ مِمَّنْ لا شُعُورَ لَهُ بِالقاعِدَةِ النَّحْوِيَّةِ، مِن أنَّ التَّفْرِيغَ يَكُونُ في جَمِيعِ المَعْمُولاتِ مِن فاعِلٍ ومَفْعُولٍ وغَيْرِهِ إلّا المَصْدَرَ المُؤَكَّدَ فَإنَّهُ لا يَكُونُ فِيهِ. وقَدَّرَهُ بَعْضُهم: إنْ نَظُنُّ إلّا أنَّكم تَظُنُّونَ ظَنًّا، قالَ: وإنَّما احْتِيجَ إلى هَذا التَّقْدِيرِ لِأنَّهُ لا يَجُوزُ في الكَلامِ: ما ضَرَبْتُ إلّا ضَرْبًا، فاهْتَدى إلى هَذِهِ القاعِدَةِ النَّحْوِيَّةِ، وأخْطَأ في التَّخْرِيجِ، وهو مَحْكِيٌّ عَنِ المُبَرِّدِ، ولَعَلَّهُ لا يَصِحُّ. وقَوْلُهم: إنْ نَظُنُّ. دَلِيلٌ عَلى أنَّ الكُفّارَ قَدْ أخْبَرُوا بِأنَّهم ظَنُّوا البَعْثَ واقَعًا، ودَلَّ قَوْلُهم قَبْلَ قَوْلِهِ: (إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا)، عَلى أنَّهم مُنْكِرُونَ البَعْثَ، فَهم - واللَّهُ أعْلَمُ - فِرْقَتانِ، أوِ اضْطَرَبُوا، فَتارَةً أنْكَرُوا، وتارَةً ظَنُّوا، وقالُوا: ﴿إنْ نَظُنُّ إلّا ظَنًّا﴾ عَلى سَبِيلِ الهُزْءِ. ﴿وبَدا لَهم سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا﴾: أيْ قَبائِحُ أعْمالِهِمْ، أوْ عُقُوباتُ أعْمالِهِمُ السَّيِّئاتِ، وأطْلَقَ عَلى العُقُوبَةِ سَيِّئَةً، كَما قالَ: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشورى: ٤٠] . ﴿وحاقَ بِهِمْ﴾ أيْ أحاطَ، ولا يُسْتَعْمَلُ حاقَ إلّا في المَكْرُوهِ. ﴿نَنْساكُمْ﴾: نَتْرُكُكم في العَذابِ، أوْ نَجْعَلُكم كالشَّيْءِ المَنسِيِّ المُلْقى غَيْرِ المُبالى بِهِ. ﴿كَما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ﴾: أيْ لِقاءَ جَزاءِ اللَّهِ عَلى أعْمالِكم، ولَمْ تُخْطِرُوهُ عَلى بالٍ بَعْدَ ما ذُكِّرْتُمْ بِهِ وتَقَدَّمَ إلَيْكم بِوُقُوعِهِ. وأضافَ اللِّقاءَ لِلْيَوْمِ تَوَسُّعًا كَقَوْلِهِ: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ [سبإ: ٣٣] . وقَرَأ الجُمْهُورُ: (لا يُخْرَجُونَ)، مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، والحَسَنُ، وابْنُ وثّابٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. (مِنها): أيْ مِنَ النّارِ. ﴿ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ أيْ بِطَلَبِ مُراجَعَةٍ إلى عَمَلٍ صالِحٍ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في الِاسْتِعْتابِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (رَبِّ)، بِالجَرِّ في الثَّلاثَةِ عَلى الصِّفَةِ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: بِالرَّفْعِ فِيهِما عَلى إضْمارِ هو.

الجاثية 45:33

﴿ولِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ المُبْطِلُونَ﴾ ﴿وتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إلى كِتابِها اليَوْمَ تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿هَذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكم بِالحَقِّ إنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَيُدْخِلُهم رَبُّهم في رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هو الفَوْزُ المُبِينُ﴾ ﴿وأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا أفَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكم فاسْتَكْبَرْتُمْ وكُنْتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾ ﴿وإذا قِيلَ إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ والسّاعَةُ لا رَيْبَ فِيها قُلْتُمْ ما نَدْرِي ما السّاعَةُ إنْ نَظُنُّ إلّا ظَنًّا وما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ ﴿وبَدا لَهم سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ﴿وقِيلَ اليَوْمَ نَنْساكم كَما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكم هَذا ومَأْواكُمُ النّارُ وما لَكم مِن ناصِرِينَ﴾ ﴿ذَلِكم بِأنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آياتِ اللَّهِ هُزُوًا وغَرَّتْكُمُ الحَياةُ الدُّنْيا فاليَوْمَ لا يُخْرَجُونَ مِنها ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ ﴿فَلِلَّهِ الحَمْدُ رَبِّ السَّماواتِ ورَبِّ الأرْضِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿ولَهُ الكِبْرِياءُ في السَّماواتِ والأرْضِ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ . العامِلُ في (ويَوْمَ تَقُومُ): ﴿يَخْسَرُ﴾، و(يَوْمَئِذٍ): بَدَلٌ مِن يَوْمٍ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وحَكاهُ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ فِرْقَةٍ. والتَّنْوِينُ في يَوْمَئِذٍ تَنْوِينُ العِوَضِ عَنْ جُمْلَةٍ، ولَمْ تَتَقَدَّمْ جُمْلَةٌ إلّا قَوْلُهُ: ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ﴾، فَيَصِيرَ التَّقْدِيرُ: ويَوْمَ تَقُومُ يَوْمَ إذْ تَقُومُ إذْ تَقُومُ السّاعَةُ يَخْسَرُ، ولا مَزِيدَ فائِدَةٍ في قَوْلِهِ: يَوْمَ إذْ تَقُومُ السّاعَةُ، لِأنَّ ذَلِكَ مُسْتَفادٌ مِن ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ. فَإنْ كانَ بَدَلًا تَوْكِيدِيًّا، وهو قَلِيلٌ، جازَ ذَلِكَ، وإلّا فَلا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا. وقالَتْ فِرْقَةٌ العامِلُ في ويَوْمَ تَقُومُ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ المُلْكُ، قالُوا: وذَلِكَ أنَّ يَوْمَ القِيامَةِ حالٌ ثالِثَةٌ لَيْسَتْ بِالسَّماءِ ولا بِالأرْضِ، لِأنَّ ذَلِكَ يَتَبَدَّلُ، فَكَأنَّهُ قالَ: ﴿ولِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾، والمُلْكُ يَوْمَ القِيامَةِ، فَحَذَفَهُ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ، ﴿ويَوْمَئِذٍ﴾ [الروم: ٤] مَنصُوبٌ بِـ ﴿يَخْسَرُ﴾، وهي جُمْلَةٌ فِيها اسْتِئْنافٌ، وإنْ كانَ لَها تَعَلُّقٌ بِما قَبْلَها مِن جِهَةِ تَنْوِينِ العِوَضِ. و(المُبْطِلُونَ): الدّاخِلُونَ في الباطِلِ. ﴿جاثِيَةً﴾: بارِكَةً عَلى الرُّكَبِ مُسْتَوْفِزَةً، وهي هَيْئَةُ المُذْنِبِ الخائِفِ. وقُرِئَ: جاذِيَةً. بِالذّالِ، والجَذْوُ أشَدُّ اسْتِيفازًا مِنَ الجَثْوِ، لِأنَّ الجاذِيَ هو الَّذِي يَجْلِسُ عَلى أطْرافِ أصابِعِهِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ”جاثِيَةً“: مُجْتَمِعَةً. وعَنْ قَتادَةَ: جَماعاتٍ، مِنَ الجُثْوَةِ: وهي الجَماعَةُ، يُجْمَعُ عَلى جُثِيٍّ، قالَ الشّاعِرُ: ؎تَرى جُثْوَتَيْنِ مِن تُرابٍ عَلَيْهِما صَفائِحُ صُمٌّ مِن صَفِيحٍ مُنَضَّدِ (p-٥١)وعَنْ مَوْرِجِ السَّدُوسِيِّ: ”﴿جاثِيَةً﴾“: خاضِعَةً، بِلُغَةِ قُرَيْشٍ. وعَنْ عِكْرِمَةَ: ”﴿جاثِيَةً﴾“: مُتَمَيِّزَةً. وقَرَأ يَعْقُوبُ: ﴿كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى﴾، بِنَصْبِ ”كُلَّ أُمَّةٍ“ عَلى البَدَلِ بَدَلَ النَّكِرَةِ المَوْصُوفَةِ مِنَ النَّكِرَةِ، والظّاهِرُ عُمُومُ كُلِّ أُمَّةٍ مِن مُؤْمِنٍ وكافِرٍ. قالَ الضَّحّاكُ: وذَلِكَ عِنْدَ الحِسابِ. وقالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ: ذَلِكَ خاصٌّ بِالكُفّارِ، تُدْعى إلى كِتابِها المُنَزَّلِ عَلَيْها، فَتُحاكَمُ إلَيْهِ، هَلْ وافَقَتْهُ أوْ خالَفَتْهُ ؟ أوِ الَّذِي كَتَبَتْهُ الحَفَظَةُ، وهو صَحائِفُ أعْمالِها أوِ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، أوِ المَعْنى إلى ما يَسْبِقُ لَها فِيهِ، أيْ إلى حِسابِها، أقْوالٌ. وأفْرَدَ كِتابَها اكْتِفاءً بِاسْمِ الجِنْسِ لِقَوْلِهِ: ﴿ووُضِعَ الكِتابُ﴾ [الكهف: ٤٩]، ﴿اليَوْمَ تُجْزَوْنَ﴾، ﴿هَذا كِتابُنا﴾، هو الَّذِي دُعِيَتْ إلَيْهِ كُلُّ أُمَّةٍ، وصَحَّتْ إضافَتُهُ إلَيْهِ تَعالى لِأنَّهُ مالِكُهُ والآمِرُ بِكَتْبِهِ، وإلَيْهِمْ لِأنَّ أعْمالَهم مُثْبَتَةٌ فِيهِ. والإضافَةُ تَكُونُ بِأدْنى مُلابَسَةٍ، فَلِذَلِكَ صَحَّتْ إضافَتُهُ إلَيْهِمْ وإلَيْهِ تَعالى. ﴿يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ﴾: يَشْهَدُ بِالحَقِّ مِن غَيْرِ زِيادَةٍ ولا نُقْصانٍ. ﴿إنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ﴾: أيِ المَلائِكَةَ، أيْ نَجْعَلُها تَنْسِخُ، أيْ تَكْتُبُ. وحَقِيقَةُ النَّسْخِ نَقْلُ خَطٍّ مِن أصْلٍ يُنَظَمُ فِيهِ، فَأعْمالُ العِبادِ كَأنَّها الأصْلُ. وقالَ الحَسَنُ: هو كَتْبُ الحَفَظَةِ عَلى بَنِي آدَمَ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: يَجْعَلُ اللَّهُ الحَفَظَةَ تَنْسَخُ مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ كُلَّ ما يَفْعَلُ العِبادُ، ثُمَّ يُمْسِكُونَهُ عِنْدَهم، فَتَأْتِي أفْعالُ العِبادِ عَلى نَحْوِ ذَلِكَ. فَبَعِيدٌ أيْضًا، فَذَلِكَ هو الِاسْتِنْساخُ. وكانَ يَقُولُ ابْنُ عَبّاسٍ: ألَسْتُمْ عَرَبًا ؟ وهَلْ يَكُونُ الِاسْتِنْساخُ إلّا مِن أصْلٍ ؟ ثُمَّ بَيَّنَ حالَ المُؤْمِنِ بِأنَّهُ يُدْخِلُهُ في رَحْمَتِهِ، وهو الثَّوابُ الَّذِي أعَدَّ لَهُ، وأنَّ ذَلِكَ هو الظَّفَرُ بِالبُغْيَةِ، وبَيَّنَ الكافِرَ بِأنَّهُ يُوَبَّخُ ويُقالُ لَهُ: ﴿أفَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكم فاسْتَكْبَرْتُمْ﴾ عَنِ اتِّباعِها والإيمانِ بِها وكُنْتُمْ أصْحابَ جَرائِمَ ؟ والفاءُ في: أفَلَمْ يَنْوِي بِها التَّقْدِيمَ، وإنَّما قُدِّمَتِ الهَمْزَةُ لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ لَهُ صَدْرُ الكَلامِ، والتَّقْدِيرُ: فَيُقالُ لَهُ ألَمْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والمَعْنى ألَمْ يَأْتِكم رُسُلِي ؟ فَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكم، فَحُذِفَ المَعْطُوفُ عَلَيْهِ. انْتَهى. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ مَعَهُ في زَعْمِهِ أنَّ بَيْنَ الفاءِ والواوِ إذا تَقَدَّمَها هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ مَعْطُوفًا عَلَيْهِ مَحْذُوفًا، ورَدَدْنا عَلَيْهِ ذَلِكَ. وقَرَأ الأعْرَجُ وعَمْرُو بْنُ فائِدٍ: وإذا قِيلَ أنَّ وعْدَ اللَّهِ. بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، وذَلِكَ عَلى لُغَةِ سَلِيمٍ، والجُمْهُورُ: إنَّ بِكَسْرِها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (والسّاعَةُ) بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ، ومَن زَعَمَ أنَّ لِاسْمِ إنَّ مَوْضِعًا جَوَّزَ العَطْفَ عَلَيْهِ هُنا، أوْ زَعَمَ أنَّ لِـ (إنَّ) واسْمِها مَوْضِعًا جَوَّزَ العَطْفَ عَلَيْهِ، وبِالعَطْفِ عَلى المَوْضِعِ لِـ (إنَّ) واسْمِها هُنا. قالَ أبُو عَلِيٍّ: ذَكَرَهُ في الحُجَّةِ، وتَبِعَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ فَقالَ: وبِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلى مَحَلِّ إنَّ واسْمِها، والصَّحِيحُ المَنعُ. وحَمْزَةُ: بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى اللَّهِ، وهي مَرْوِيَّةٌ عَنِ الأعْمَشِ، وأبِي عَمْرٍو، وعِيسى، وأبِي حَيْوَةَ، والعَبْسِيِّ، والمُفَضَّلِ. ﴿إنْ نَظُنُّ إلّا ظَنًّا﴾، تَقُولُ: ضَرَبْتُ ضَرْبًا، فَإنْ نَفَيْتَ، لَمْ تُدْخِلْ إلّا، إذْ لا يُفَرَّغُ بِالمَصْدَرِ المُؤَكَّدِ، فَلا تَقُولُ: ما ضَرَبْتُ إلّا ضَرْبًا، ولا ما قُمْتُ إلّا قِيامًا. فَأمّا الآيَةُ فَتُؤَوَّلَ عَلى حَذْفِ وصْفِ المَصْدَرِ حَتّى يَصِيرَ مُخْتَصًّا لا مُؤَكَّدًا، وتَقْدِيرُهُ: إلّا ظَنًّا ضَعِيفًا، أوْ عَلى تَضْمِينِ: نَظُنُّ مَعْنًى نَعْتَقِدُ، ويَكُونُ ظَنًّا مَفْعُولًا بِهِ. وقَدْ تَأوَّلَ ذَلِكَ بَعْضُهم عَلى وضْعِ إلّا في غَيْرِ مَوْضِعِها، وقالَ: التَّقْدِيرُ إنْ نَحْنُ إلّا نَظُنُّ ظَنًّا. وحُكِيَ هَذا عَنِ المُبَرِّدِ، ونَظِيرُهُ ما حَكاهُ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ وسِيبَوَيْهِ مِن قَوْلِ العَرَبِ: لَيْسَ الطِّيبُ إلّا المِسْكُ قالَ المُبَرِّدُ: لَيْسَ إلّا الطِّيبُ المِسْكُ. انْتَهى. واحْتاجَ إلى هَذا التَّقْدِيرِ كَوْنُ المِسْكِ مَرْفُوعًا بَعْدَ إلّا وأنْتَ إذا قُلْتَ: ما كانَ زَيْدٌ إلّا فاضِلًا نَصَبْتَ، فَلَمّا وقَعَ بَعْدَ إلّا ما يَظْهَرُ أنَّهُ خَبَرُ لَيْسَ، احْتاجَ أنْ يُزَحْزِحَ إلّا عَنْ مَوْضِعِها، ويَجْعَلَ في لَيْسَ ضَمِيرَ الشَّأْنِ، ويَرْفَعَ إلّا الطِّيبُ المِسْكُ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ، فَيَصِيرَ كالمَلْفُوظِ بِهِ، في نَحْوِ: ما كانَ إلّا زَيْدٌ قائِمٌ. ولَمْ يَعْرِفِ المُبَرِّدُ أنَّ لَيْسَ في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ عامَلَتْها بَنُو تَمِيمٍ مُعامَلَةَ ما، فَلَمْ يُعْمِلُوها إلّا باقِيَةً مَكانَها، ولَيْسَ غَيْرُ عامِلِةٍ. ولَيْسَ في الأرْضِ حِجازِيٌّ إلّا وهو يَنْصِبُ في نَحْوِ لَيْسَ الطِّيبُ إلّا المِسْكَ، ولا تَمِيمِيٌّ إلّا وهو يَرْفَعُ. في ذَلِكَ حِكايَةٌ جَرَتْ بَيْنَ عِيسى بْنِ عُمَرَ وأبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ، ذَكَرْناها فِيما كَتَبْناهُ مِن عِلْمِ النَّحْوِ. ونَظِيرُ ﴿إنْ نَظُنُّ إلّا ظَنًّا﴾ (p-٥٢)قَوْلُ الأعْشى: وجَدَّ بِهِ الشَّيْبُ أثْقالَهُ وما اغْتَرَّهُ الشَّيْبُ إلّا اغْتِرارًا أيِ اغْتِرارًا بَيِّنًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: ما مَعْنى (إنْ نَظُنُّ إلّا ظَنًّا) ؟ قُلْتُ: أصْلُهُ نَظُنُّ ظَنًّا، ومَعْناهُ إثْباتُ الظَّنِّ مَعَ نَفْيِ ما سِواهُ، وزَيْدٌ نَفى ما سِوى الظَّنِّ تَوْكِيدًا بِقَوْلِهِ: (وما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ) . انْتَهى. وهَذا الكَلامُ مِمَّنْ لا شُعُورَ لَهُ بِالقاعِدَةِ النَّحْوِيَّةِ، مِن أنَّ التَّفْرِيغَ يَكُونُ في جَمِيعِ المَعْمُولاتِ مِن فاعِلٍ ومَفْعُولٍ وغَيْرِهِ إلّا المَصْدَرَ المُؤَكَّدَ فَإنَّهُ لا يَكُونُ فِيهِ. وقَدَّرَهُ بَعْضُهم: إنْ نَظُنُّ إلّا أنَّكم تَظُنُّونَ ظَنًّا، قالَ: وإنَّما احْتِيجَ إلى هَذا التَّقْدِيرِ لِأنَّهُ لا يَجُوزُ في الكَلامِ: ما ضَرَبْتُ إلّا ضَرْبًا، فاهْتَدى إلى هَذِهِ القاعِدَةِ النَّحْوِيَّةِ، وأخْطَأ في التَّخْرِيجِ، وهو مَحْكِيٌّ عَنِ المُبَرِّدِ، ولَعَلَّهُ لا يَصِحُّ. وقَوْلُهم: إنْ نَظُنُّ. دَلِيلٌ عَلى أنَّ الكُفّارَ قَدْ أخْبَرُوا بِأنَّهم ظَنُّوا البَعْثَ واقَعًا، ودَلَّ قَوْلُهم قَبْلَ قَوْلِهِ: (إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا)، عَلى أنَّهم مُنْكِرُونَ البَعْثَ، فَهم - واللَّهُ أعْلَمُ - فِرْقَتانِ، أوِ اضْطَرَبُوا، فَتارَةً أنْكَرُوا، وتارَةً ظَنُّوا، وقالُوا: ﴿إنْ نَظُنُّ إلّا ظَنًّا﴾ عَلى سَبِيلِ الهُزْءِ. ﴿وبَدا لَهم سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا﴾: أيْ قَبائِحُ أعْمالِهِمْ، أوْ عُقُوباتُ أعْمالِهِمُ السَّيِّئاتِ، وأطْلَقَ عَلى العُقُوبَةِ سَيِّئَةً، كَما قالَ: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشورى: ٤٠] . ﴿وحاقَ بِهِمْ﴾ أيْ أحاطَ، ولا يُسْتَعْمَلُ حاقَ إلّا في المَكْرُوهِ. ﴿نَنْساكُمْ﴾: نَتْرُكُكم في العَذابِ، أوْ نَجْعَلُكم كالشَّيْءِ المَنسِيِّ المُلْقى غَيْرِ المُبالى بِهِ. ﴿كَما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ﴾: أيْ لِقاءَ جَزاءِ اللَّهِ عَلى أعْمالِكم، ولَمْ تُخْطِرُوهُ عَلى بالٍ بَعْدَ ما ذُكِّرْتُمْ بِهِ وتَقَدَّمَ إلَيْكم بِوُقُوعِهِ. وأضافَ اللِّقاءَ لِلْيَوْمِ تَوَسُّعًا كَقَوْلِهِ: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ [سبإ: ٣٣] . وقَرَأ الجُمْهُورُ: (لا يُخْرَجُونَ)، مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، والحَسَنُ، وابْنُ وثّابٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. (مِنها): أيْ مِنَ النّارِ. ﴿ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ أيْ بِطَلَبِ مُراجَعَةٍ إلى عَمَلٍ صالِحٍ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في الِاسْتِعْتابِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (رَبِّ)، بِالجَرِّ في الثَّلاثَةِ عَلى الصِّفَةِ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: بِالرَّفْعِ فِيهِما عَلى إضْمارِ هو.

الجاثية 45:34

﴿ولِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ المُبْطِلُونَ﴾ ﴿وتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إلى كِتابِها اليَوْمَ تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿هَذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكم بِالحَقِّ إنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَيُدْخِلُهم رَبُّهم في رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هو الفَوْزُ المُبِينُ﴾ ﴿وأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا أفَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكم فاسْتَكْبَرْتُمْ وكُنْتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾ ﴿وإذا قِيلَ إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ والسّاعَةُ لا رَيْبَ فِيها قُلْتُمْ ما نَدْرِي ما السّاعَةُ إنْ نَظُنُّ إلّا ظَنًّا وما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ ﴿وبَدا لَهم سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ﴿وقِيلَ اليَوْمَ نَنْساكم كَما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكم هَذا ومَأْواكُمُ النّارُ وما لَكم مِن ناصِرِينَ﴾ ﴿ذَلِكم بِأنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آياتِ اللَّهِ هُزُوًا وغَرَّتْكُمُ الحَياةُ الدُّنْيا فاليَوْمَ لا يُخْرَجُونَ مِنها ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ ﴿فَلِلَّهِ الحَمْدُ رَبِّ السَّماواتِ ورَبِّ الأرْضِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿ولَهُ الكِبْرِياءُ في السَّماواتِ والأرْضِ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ . العامِلُ في (ويَوْمَ تَقُومُ): ﴿يَخْسَرُ﴾، و(يَوْمَئِذٍ): بَدَلٌ مِن يَوْمٍ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وحَكاهُ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ فِرْقَةٍ. والتَّنْوِينُ في يَوْمَئِذٍ تَنْوِينُ العِوَضِ عَنْ جُمْلَةٍ، ولَمْ تَتَقَدَّمْ جُمْلَةٌ إلّا قَوْلُهُ: ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ﴾، فَيَصِيرَ التَّقْدِيرُ: ويَوْمَ تَقُومُ يَوْمَ إذْ تَقُومُ إذْ تَقُومُ السّاعَةُ يَخْسَرُ، ولا مَزِيدَ فائِدَةٍ في قَوْلِهِ: يَوْمَ إذْ تَقُومُ السّاعَةُ، لِأنَّ ذَلِكَ مُسْتَفادٌ مِن ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ. فَإنْ كانَ بَدَلًا تَوْكِيدِيًّا، وهو قَلِيلٌ، جازَ ذَلِكَ، وإلّا فَلا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا. وقالَتْ فِرْقَةٌ العامِلُ في ويَوْمَ تَقُومُ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ المُلْكُ، قالُوا: وذَلِكَ أنَّ يَوْمَ القِيامَةِ حالٌ ثالِثَةٌ لَيْسَتْ بِالسَّماءِ ولا بِالأرْضِ، لِأنَّ ذَلِكَ يَتَبَدَّلُ، فَكَأنَّهُ قالَ: ﴿ولِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾، والمُلْكُ يَوْمَ القِيامَةِ، فَحَذَفَهُ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ، ﴿ويَوْمَئِذٍ﴾ [الروم: ٤] مَنصُوبٌ بِـ ﴿يَخْسَرُ﴾، وهي جُمْلَةٌ فِيها اسْتِئْنافٌ، وإنْ كانَ لَها تَعَلُّقٌ بِما قَبْلَها مِن جِهَةِ تَنْوِينِ العِوَضِ. و(المُبْطِلُونَ): الدّاخِلُونَ في الباطِلِ. ﴿جاثِيَةً﴾: بارِكَةً عَلى الرُّكَبِ مُسْتَوْفِزَةً، وهي هَيْئَةُ المُذْنِبِ الخائِفِ. وقُرِئَ: جاذِيَةً. بِالذّالِ، والجَذْوُ أشَدُّ اسْتِيفازًا مِنَ الجَثْوِ، لِأنَّ الجاذِيَ هو الَّذِي يَجْلِسُ عَلى أطْرافِ أصابِعِهِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ”جاثِيَةً“: مُجْتَمِعَةً. وعَنْ قَتادَةَ: جَماعاتٍ، مِنَ الجُثْوَةِ: وهي الجَماعَةُ، يُجْمَعُ عَلى جُثِيٍّ، قالَ الشّاعِرُ: ؎تَرى جُثْوَتَيْنِ مِن تُرابٍ عَلَيْهِما صَفائِحُ صُمٌّ مِن صَفِيحٍ مُنَضَّدِ (p-٥١)وعَنْ مَوْرِجِ السَّدُوسِيِّ: ”﴿جاثِيَةً﴾“: خاضِعَةً، بِلُغَةِ قُرَيْشٍ. وعَنْ عِكْرِمَةَ: ”﴿جاثِيَةً﴾“: مُتَمَيِّزَةً. وقَرَأ يَعْقُوبُ: ﴿كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى﴾، بِنَصْبِ ”كُلَّ أُمَّةٍ“ عَلى البَدَلِ بَدَلَ النَّكِرَةِ المَوْصُوفَةِ مِنَ النَّكِرَةِ، والظّاهِرُ عُمُومُ كُلِّ أُمَّةٍ مِن مُؤْمِنٍ وكافِرٍ. قالَ الضَّحّاكُ: وذَلِكَ عِنْدَ الحِسابِ. وقالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ: ذَلِكَ خاصٌّ بِالكُفّارِ، تُدْعى إلى كِتابِها المُنَزَّلِ عَلَيْها، فَتُحاكَمُ إلَيْهِ، هَلْ وافَقَتْهُ أوْ خالَفَتْهُ ؟ أوِ الَّذِي كَتَبَتْهُ الحَفَظَةُ، وهو صَحائِفُ أعْمالِها أوِ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، أوِ المَعْنى إلى ما يَسْبِقُ لَها فِيهِ، أيْ إلى حِسابِها، أقْوالٌ. وأفْرَدَ كِتابَها اكْتِفاءً بِاسْمِ الجِنْسِ لِقَوْلِهِ: ﴿ووُضِعَ الكِتابُ﴾ [الكهف: ٤٩]، ﴿اليَوْمَ تُجْزَوْنَ﴾، ﴿هَذا كِتابُنا﴾، هو الَّذِي دُعِيَتْ إلَيْهِ كُلُّ أُمَّةٍ، وصَحَّتْ إضافَتُهُ إلَيْهِ تَعالى لِأنَّهُ مالِكُهُ والآمِرُ بِكَتْبِهِ، وإلَيْهِمْ لِأنَّ أعْمالَهم مُثْبَتَةٌ فِيهِ. والإضافَةُ تَكُونُ بِأدْنى مُلابَسَةٍ، فَلِذَلِكَ صَحَّتْ إضافَتُهُ إلَيْهِمْ وإلَيْهِ تَعالى. ﴿يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ﴾: يَشْهَدُ بِالحَقِّ مِن غَيْرِ زِيادَةٍ ولا نُقْصانٍ. ﴿إنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ﴾: أيِ المَلائِكَةَ، أيْ نَجْعَلُها تَنْسِخُ، أيْ تَكْتُبُ. وحَقِيقَةُ النَّسْخِ نَقْلُ خَطٍّ مِن أصْلٍ يُنَظَمُ فِيهِ، فَأعْمالُ العِبادِ كَأنَّها الأصْلُ. وقالَ الحَسَنُ: هو كَتْبُ الحَفَظَةِ عَلى بَنِي آدَمَ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: يَجْعَلُ اللَّهُ الحَفَظَةَ تَنْسَخُ مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ كُلَّ ما يَفْعَلُ العِبادُ، ثُمَّ يُمْسِكُونَهُ عِنْدَهم، فَتَأْتِي أفْعالُ العِبادِ عَلى نَحْوِ ذَلِكَ. فَبَعِيدٌ أيْضًا، فَذَلِكَ هو الِاسْتِنْساخُ. وكانَ يَقُولُ ابْنُ عَبّاسٍ: ألَسْتُمْ عَرَبًا ؟ وهَلْ يَكُونُ الِاسْتِنْساخُ إلّا مِن أصْلٍ ؟ ثُمَّ بَيَّنَ حالَ المُؤْمِنِ بِأنَّهُ يُدْخِلُهُ في رَحْمَتِهِ، وهو الثَّوابُ الَّذِي أعَدَّ لَهُ، وأنَّ ذَلِكَ هو الظَّفَرُ بِالبُغْيَةِ، وبَيَّنَ الكافِرَ بِأنَّهُ يُوَبَّخُ ويُقالُ لَهُ: ﴿أفَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكم فاسْتَكْبَرْتُمْ﴾ عَنِ اتِّباعِها والإيمانِ بِها وكُنْتُمْ أصْحابَ جَرائِمَ ؟ والفاءُ في: أفَلَمْ يَنْوِي بِها التَّقْدِيمَ، وإنَّما قُدِّمَتِ الهَمْزَةُ لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ لَهُ صَدْرُ الكَلامِ، والتَّقْدِيرُ: فَيُقالُ لَهُ ألَمْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والمَعْنى ألَمْ يَأْتِكم رُسُلِي ؟ فَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكم، فَحُذِفَ المَعْطُوفُ عَلَيْهِ. انْتَهى. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ مَعَهُ في زَعْمِهِ أنَّ بَيْنَ الفاءِ والواوِ إذا تَقَدَّمَها هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ مَعْطُوفًا عَلَيْهِ مَحْذُوفًا، ورَدَدْنا عَلَيْهِ ذَلِكَ. وقَرَأ الأعْرَجُ وعَمْرُو بْنُ فائِدٍ: وإذا قِيلَ أنَّ وعْدَ اللَّهِ. بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، وذَلِكَ عَلى لُغَةِ سَلِيمٍ، والجُمْهُورُ: إنَّ بِكَسْرِها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (والسّاعَةُ) بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ، ومَن زَعَمَ أنَّ لِاسْمِ إنَّ مَوْضِعًا جَوَّزَ العَطْفَ عَلَيْهِ هُنا، أوْ زَعَمَ أنَّ لِـ (إنَّ) واسْمِها مَوْضِعًا جَوَّزَ العَطْفَ عَلَيْهِ، وبِالعَطْفِ عَلى المَوْضِعِ لِـ (إنَّ) واسْمِها هُنا. قالَ أبُو عَلِيٍّ: ذَكَرَهُ في الحُجَّةِ، وتَبِعَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ فَقالَ: وبِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلى مَحَلِّ إنَّ واسْمِها، والصَّحِيحُ المَنعُ. وحَمْزَةُ: بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى اللَّهِ، وهي مَرْوِيَّةٌ عَنِ الأعْمَشِ، وأبِي عَمْرٍو، وعِيسى، وأبِي حَيْوَةَ، والعَبْسِيِّ، والمُفَضَّلِ. ﴿إنْ نَظُنُّ إلّا ظَنًّا﴾، تَقُولُ: ضَرَبْتُ ضَرْبًا، فَإنْ نَفَيْتَ، لَمْ تُدْخِلْ إلّا، إذْ لا يُفَرَّغُ بِالمَصْدَرِ المُؤَكَّدِ، فَلا تَقُولُ: ما ضَرَبْتُ إلّا ضَرْبًا، ولا ما قُمْتُ إلّا قِيامًا. فَأمّا الآيَةُ فَتُؤَوَّلَ عَلى حَذْفِ وصْفِ المَصْدَرِ حَتّى يَصِيرَ مُخْتَصًّا لا مُؤَكَّدًا، وتَقْدِيرُهُ: إلّا ظَنًّا ضَعِيفًا، أوْ عَلى تَضْمِينِ: نَظُنُّ مَعْنًى نَعْتَقِدُ، ويَكُونُ ظَنًّا مَفْعُولًا بِهِ. وقَدْ تَأوَّلَ ذَلِكَ بَعْضُهم عَلى وضْعِ إلّا في غَيْرِ مَوْضِعِها، وقالَ: التَّقْدِيرُ إنْ نَحْنُ إلّا نَظُنُّ ظَنًّا. وحُكِيَ هَذا عَنِ المُبَرِّدِ، ونَظِيرُهُ ما حَكاهُ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ وسِيبَوَيْهِ مِن قَوْلِ العَرَبِ: لَيْسَ الطِّيبُ إلّا المِسْكُ قالَ المُبَرِّدُ: لَيْسَ إلّا الطِّيبُ المِسْكُ. انْتَهى. واحْتاجَ إلى هَذا التَّقْدِيرِ كَوْنُ المِسْكِ مَرْفُوعًا بَعْدَ إلّا وأنْتَ إذا قُلْتَ: ما كانَ زَيْدٌ إلّا فاضِلًا نَصَبْتَ، فَلَمّا وقَعَ بَعْدَ إلّا ما يَظْهَرُ أنَّهُ خَبَرُ لَيْسَ، احْتاجَ أنْ يُزَحْزِحَ إلّا عَنْ مَوْضِعِها، ويَجْعَلَ في لَيْسَ ضَمِيرَ الشَّأْنِ، ويَرْفَعَ إلّا الطِّيبُ المِسْكُ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ، فَيَصِيرَ كالمَلْفُوظِ بِهِ، في نَحْوِ: ما كانَ إلّا زَيْدٌ قائِمٌ. ولَمْ يَعْرِفِ المُبَرِّدُ أنَّ لَيْسَ في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ عامَلَتْها بَنُو تَمِيمٍ مُعامَلَةَ ما، فَلَمْ يُعْمِلُوها إلّا باقِيَةً مَكانَها، ولَيْسَ غَيْرُ عامِلِةٍ. ولَيْسَ في الأرْضِ حِجازِيٌّ إلّا وهو يَنْصِبُ في نَحْوِ لَيْسَ الطِّيبُ إلّا المِسْكَ، ولا تَمِيمِيٌّ إلّا وهو يَرْفَعُ. في ذَلِكَ حِكايَةٌ جَرَتْ بَيْنَ عِيسى بْنِ عُمَرَ وأبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ، ذَكَرْناها فِيما كَتَبْناهُ مِن عِلْمِ النَّحْوِ. ونَظِيرُ ﴿إنْ نَظُنُّ إلّا ظَنًّا﴾ (p-٥٢)قَوْلُ الأعْشى: وجَدَّ بِهِ الشَّيْبُ أثْقالَهُ وما اغْتَرَّهُ الشَّيْبُ إلّا اغْتِرارًا أيِ اغْتِرارًا بَيِّنًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: ما مَعْنى (إنْ نَظُنُّ إلّا ظَنًّا) ؟ قُلْتُ: أصْلُهُ نَظُنُّ ظَنًّا، ومَعْناهُ إثْباتُ الظَّنِّ مَعَ نَفْيِ ما سِواهُ، وزَيْدٌ نَفى ما سِوى الظَّنِّ تَوْكِيدًا بِقَوْلِهِ: (وما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ) . انْتَهى. وهَذا الكَلامُ مِمَّنْ لا شُعُورَ لَهُ بِالقاعِدَةِ النَّحْوِيَّةِ، مِن أنَّ التَّفْرِيغَ يَكُونُ في جَمِيعِ المَعْمُولاتِ مِن فاعِلٍ ومَفْعُولٍ وغَيْرِهِ إلّا المَصْدَرَ المُؤَكَّدَ فَإنَّهُ لا يَكُونُ فِيهِ. وقَدَّرَهُ بَعْضُهم: إنْ نَظُنُّ إلّا أنَّكم تَظُنُّونَ ظَنًّا، قالَ: وإنَّما احْتِيجَ إلى هَذا التَّقْدِيرِ لِأنَّهُ لا يَجُوزُ في الكَلامِ: ما ضَرَبْتُ إلّا ضَرْبًا، فاهْتَدى إلى هَذِهِ القاعِدَةِ النَّحْوِيَّةِ، وأخْطَأ في التَّخْرِيجِ، وهو مَحْكِيٌّ عَنِ المُبَرِّدِ، ولَعَلَّهُ لا يَصِحُّ. وقَوْلُهم: إنْ نَظُنُّ. دَلِيلٌ عَلى أنَّ الكُفّارَ قَدْ أخْبَرُوا بِأنَّهم ظَنُّوا البَعْثَ واقَعًا، ودَلَّ قَوْلُهم قَبْلَ قَوْلِهِ: (إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا)، عَلى أنَّهم مُنْكِرُونَ البَعْثَ، فَهم - واللَّهُ أعْلَمُ - فِرْقَتانِ، أوِ اضْطَرَبُوا، فَتارَةً أنْكَرُوا، وتارَةً ظَنُّوا، وقالُوا: ﴿إنْ نَظُنُّ إلّا ظَنًّا﴾ عَلى سَبِيلِ الهُزْءِ. ﴿وبَدا لَهم سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا﴾: أيْ قَبائِحُ أعْمالِهِمْ، أوْ عُقُوباتُ أعْمالِهِمُ السَّيِّئاتِ، وأطْلَقَ عَلى العُقُوبَةِ سَيِّئَةً، كَما قالَ: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشورى: ٤٠] . ﴿وحاقَ بِهِمْ﴾ أيْ أحاطَ، ولا يُسْتَعْمَلُ حاقَ إلّا في المَكْرُوهِ. ﴿نَنْساكُمْ﴾: نَتْرُكُكم في العَذابِ، أوْ نَجْعَلُكم كالشَّيْءِ المَنسِيِّ المُلْقى غَيْرِ المُبالى بِهِ. ﴿كَما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ﴾: أيْ لِقاءَ جَزاءِ اللَّهِ عَلى أعْمالِكم، ولَمْ تُخْطِرُوهُ عَلى بالٍ بَعْدَ ما ذُكِّرْتُمْ بِهِ وتَقَدَّمَ إلَيْكم بِوُقُوعِهِ. وأضافَ اللِّقاءَ لِلْيَوْمِ تَوَسُّعًا كَقَوْلِهِ: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ [سبإ: ٣٣] . وقَرَأ الجُمْهُورُ: (لا يُخْرَجُونَ)، مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، والحَسَنُ، وابْنُ وثّابٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. (مِنها): أيْ مِنَ النّارِ. ﴿ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ أيْ بِطَلَبِ مُراجَعَةٍ إلى عَمَلٍ صالِحٍ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في الِاسْتِعْتابِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (رَبِّ)، بِالجَرِّ في الثَّلاثَةِ عَلى الصِّفَةِ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: بِالرَّفْعِ فِيهِما عَلى إضْمارِ هو.

الجاثية 45:35

﴿ولِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ المُبْطِلُونَ﴾ ﴿وتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إلى كِتابِها اليَوْمَ تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿هَذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكم بِالحَقِّ إنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَيُدْخِلُهم رَبُّهم في رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هو الفَوْزُ المُبِينُ﴾ ﴿وأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا أفَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكم فاسْتَكْبَرْتُمْ وكُنْتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾ ﴿وإذا قِيلَ إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ والسّاعَةُ لا رَيْبَ فِيها قُلْتُمْ ما نَدْرِي ما السّاعَةُ إنْ نَظُنُّ إلّا ظَنًّا وما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ ﴿وبَدا لَهم سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ﴿وقِيلَ اليَوْمَ نَنْساكم كَما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكم هَذا ومَأْواكُمُ النّارُ وما لَكم مِن ناصِرِينَ﴾ ﴿ذَلِكم بِأنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آياتِ اللَّهِ هُزُوًا وغَرَّتْكُمُ الحَياةُ الدُّنْيا فاليَوْمَ لا يُخْرَجُونَ مِنها ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ ﴿فَلِلَّهِ الحَمْدُ رَبِّ السَّماواتِ ورَبِّ الأرْضِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿ولَهُ الكِبْرِياءُ في السَّماواتِ والأرْضِ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ . العامِلُ في (ويَوْمَ تَقُومُ): ﴿يَخْسَرُ﴾، و(يَوْمَئِذٍ): بَدَلٌ مِن يَوْمٍ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وحَكاهُ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ فِرْقَةٍ. والتَّنْوِينُ في يَوْمَئِذٍ تَنْوِينُ العِوَضِ عَنْ جُمْلَةٍ، ولَمْ تَتَقَدَّمْ جُمْلَةٌ إلّا قَوْلُهُ: ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ﴾، فَيَصِيرَ التَّقْدِيرُ: ويَوْمَ تَقُومُ يَوْمَ إذْ تَقُومُ إذْ تَقُومُ السّاعَةُ يَخْسَرُ، ولا مَزِيدَ فائِدَةٍ في قَوْلِهِ: يَوْمَ إذْ تَقُومُ السّاعَةُ، لِأنَّ ذَلِكَ مُسْتَفادٌ مِن ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ. فَإنْ كانَ بَدَلًا تَوْكِيدِيًّا، وهو قَلِيلٌ، جازَ ذَلِكَ، وإلّا فَلا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا. وقالَتْ فِرْقَةٌ العامِلُ في ويَوْمَ تَقُومُ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ المُلْكُ، قالُوا: وذَلِكَ أنَّ يَوْمَ القِيامَةِ حالٌ ثالِثَةٌ لَيْسَتْ بِالسَّماءِ ولا بِالأرْضِ، لِأنَّ ذَلِكَ يَتَبَدَّلُ، فَكَأنَّهُ قالَ: ﴿ولِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾، والمُلْكُ يَوْمَ القِيامَةِ، فَحَذَفَهُ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ، ﴿ويَوْمَئِذٍ﴾ [الروم: ٤] مَنصُوبٌ بِـ ﴿يَخْسَرُ﴾، وهي جُمْلَةٌ فِيها اسْتِئْنافٌ، وإنْ كانَ لَها تَعَلُّقٌ بِما قَبْلَها مِن جِهَةِ تَنْوِينِ العِوَضِ. و(المُبْطِلُونَ): الدّاخِلُونَ في الباطِلِ. ﴿جاثِيَةً﴾: بارِكَةً عَلى الرُّكَبِ مُسْتَوْفِزَةً، وهي هَيْئَةُ المُذْنِبِ الخائِفِ. وقُرِئَ: جاذِيَةً. بِالذّالِ، والجَذْوُ أشَدُّ اسْتِيفازًا مِنَ الجَثْوِ، لِأنَّ الجاذِيَ هو الَّذِي يَجْلِسُ عَلى أطْرافِ أصابِعِهِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ”جاثِيَةً“: مُجْتَمِعَةً. وعَنْ قَتادَةَ: جَماعاتٍ، مِنَ الجُثْوَةِ: وهي الجَماعَةُ، يُجْمَعُ عَلى جُثِيٍّ، قالَ الشّاعِرُ: ؎تَرى جُثْوَتَيْنِ مِن تُرابٍ عَلَيْهِما صَفائِحُ صُمٌّ مِن صَفِيحٍ مُنَضَّدِ (p-٥١)وعَنْ مَوْرِجِ السَّدُوسِيِّ: ”﴿جاثِيَةً﴾“: خاضِعَةً، بِلُغَةِ قُرَيْشٍ. وعَنْ عِكْرِمَةَ: ”﴿جاثِيَةً﴾“: مُتَمَيِّزَةً. وقَرَأ يَعْقُوبُ: ﴿كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى﴾، بِنَصْبِ ”كُلَّ أُمَّةٍ“ عَلى البَدَلِ بَدَلَ النَّكِرَةِ المَوْصُوفَةِ مِنَ النَّكِرَةِ، والظّاهِرُ عُمُومُ كُلِّ أُمَّةٍ مِن مُؤْمِنٍ وكافِرٍ. قالَ الضَّحّاكُ: وذَلِكَ عِنْدَ الحِسابِ. وقالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ: ذَلِكَ خاصٌّ بِالكُفّارِ، تُدْعى إلى كِتابِها المُنَزَّلِ عَلَيْها، فَتُحاكَمُ إلَيْهِ، هَلْ وافَقَتْهُ أوْ خالَفَتْهُ ؟ أوِ الَّذِي كَتَبَتْهُ الحَفَظَةُ، وهو صَحائِفُ أعْمالِها أوِ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، أوِ المَعْنى إلى ما يَسْبِقُ لَها فِيهِ، أيْ إلى حِسابِها، أقْوالٌ. وأفْرَدَ كِتابَها اكْتِفاءً بِاسْمِ الجِنْسِ لِقَوْلِهِ: ﴿ووُضِعَ الكِتابُ﴾ [الكهف: ٤٩]، ﴿اليَوْمَ تُجْزَوْنَ﴾، ﴿هَذا كِتابُنا﴾، هو الَّذِي دُعِيَتْ إلَيْهِ كُلُّ أُمَّةٍ، وصَحَّتْ إضافَتُهُ إلَيْهِ تَعالى لِأنَّهُ مالِكُهُ والآمِرُ بِكَتْبِهِ، وإلَيْهِمْ لِأنَّ أعْمالَهم مُثْبَتَةٌ فِيهِ. والإضافَةُ تَكُونُ بِأدْنى مُلابَسَةٍ، فَلِذَلِكَ صَحَّتْ إضافَتُهُ إلَيْهِمْ وإلَيْهِ تَعالى. ﴿يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ﴾: يَشْهَدُ بِالحَقِّ مِن غَيْرِ زِيادَةٍ ولا نُقْصانٍ. ﴿إنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ﴾: أيِ المَلائِكَةَ، أيْ نَجْعَلُها تَنْسِخُ، أيْ تَكْتُبُ. وحَقِيقَةُ النَّسْخِ نَقْلُ خَطٍّ مِن أصْلٍ يُنَظَمُ فِيهِ، فَأعْمالُ العِبادِ كَأنَّها الأصْلُ. وقالَ الحَسَنُ: هو كَتْبُ الحَفَظَةِ عَلى بَنِي آدَمَ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: يَجْعَلُ اللَّهُ الحَفَظَةَ تَنْسَخُ مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ كُلَّ ما يَفْعَلُ العِبادُ، ثُمَّ يُمْسِكُونَهُ عِنْدَهم، فَتَأْتِي أفْعالُ العِبادِ عَلى نَحْوِ ذَلِكَ. فَبَعِيدٌ أيْضًا، فَذَلِكَ هو الِاسْتِنْساخُ. وكانَ يَقُولُ ابْنُ عَبّاسٍ: ألَسْتُمْ عَرَبًا ؟ وهَلْ يَكُونُ الِاسْتِنْساخُ إلّا مِن أصْلٍ ؟ ثُمَّ بَيَّنَ حالَ المُؤْمِنِ بِأنَّهُ يُدْخِلُهُ في رَحْمَتِهِ، وهو الثَّوابُ الَّذِي أعَدَّ لَهُ، وأنَّ ذَلِكَ هو الظَّفَرُ بِالبُغْيَةِ، وبَيَّنَ الكافِرَ بِأنَّهُ يُوَبَّخُ ويُقالُ لَهُ: ﴿أفَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكم فاسْتَكْبَرْتُمْ﴾ عَنِ اتِّباعِها والإيمانِ بِها وكُنْتُمْ أصْحابَ جَرائِمَ ؟ والفاءُ في: أفَلَمْ يَنْوِي بِها التَّقْدِيمَ، وإنَّما قُدِّمَتِ الهَمْزَةُ لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ لَهُ صَدْرُ الكَلامِ، والتَّقْدِيرُ: فَيُقالُ لَهُ ألَمْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والمَعْنى ألَمْ يَأْتِكم رُسُلِي ؟ فَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكم، فَحُذِفَ المَعْطُوفُ عَلَيْهِ. انْتَهى. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ مَعَهُ في زَعْمِهِ أنَّ بَيْنَ الفاءِ والواوِ إذا تَقَدَّمَها هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ مَعْطُوفًا عَلَيْهِ مَحْذُوفًا، ورَدَدْنا عَلَيْهِ ذَلِكَ. وقَرَأ الأعْرَجُ وعَمْرُو بْنُ فائِدٍ: وإذا قِيلَ أنَّ وعْدَ اللَّهِ. بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، وذَلِكَ عَلى لُغَةِ سَلِيمٍ، والجُمْهُورُ: إنَّ بِكَسْرِها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (والسّاعَةُ) بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ، ومَن زَعَمَ أنَّ لِاسْمِ إنَّ مَوْضِعًا جَوَّزَ العَطْفَ عَلَيْهِ هُنا، أوْ زَعَمَ أنَّ لِـ (إنَّ) واسْمِها مَوْضِعًا جَوَّزَ العَطْفَ عَلَيْهِ، وبِالعَطْفِ عَلى المَوْضِعِ لِـ (إنَّ) واسْمِها هُنا. قالَ أبُو عَلِيٍّ: ذَكَرَهُ في الحُجَّةِ، وتَبِعَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ فَقالَ: وبِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلى مَحَلِّ إنَّ واسْمِها، والصَّحِيحُ المَنعُ. وحَمْزَةُ: بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى اللَّهِ، وهي مَرْوِيَّةٌ عَنِ الأعْمَشِ، وأبِي عَمْرٍو، وعِيسى، وأبِي حَيْوَةَ، والعَبْسِيِّ، والمُفَضَّلِ. ﴿إنْ نَظُنُّ إلّا ظَنًّا﴾، تَقُولُ: ضَرَبْتُ ضَرْبًا، فَإنْ نَفَيْتَ، لَمْ تُدْخِلْ إلّا، إذْ لا يُفَرَّغُ بِالمَصْدَرِ المُؤَكَّدِ، فَلا تَقُولُ: ما ضَرَبْتُ إلّا ضَرْبًا، ولا ما قُمْتُ إلّا قِيامًا. فَأمّا الآيَةُ فَتُؤَوَّلَ عَلى حَذْفِ وصْفِ المَصْدَرِ حَتّى يَصِيرَ مُخْتَصًّا لا مُؤَكَّدًا، وتَقْدِيرُهُ: إلّا ظَنًّا ضَعِيفًا، أوْ عَلى تَضْمِينِ: نَظُنُّ مَعْنًى نَعْتَقِدُ، ويَكُونُ ظَنًّا مَفْعُولًا بِهِ. وقَدْ تَأوَّلَ ذَلِكَ بَعْضُهم عَلى وضْعِ إلّا في غَيْرِ مَوْضِعِها، وقالَ: التَّقْدِيرُ إنْ نَحْنُ إلّا نَظُنُّ ظَنًّا. وحُكِيَ هَذا عَنِ المُبَرِّدِ، ونَظِيرُهُ ما حَكاهُ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ وسِيبَوَيْهِ مِن قَوْلِ العَرَبِ: لَيْسَ الطِّيبُ إلّا المِسْكُ قالَ المُبَرِّدُ: لَيْسَ إلّا الطِّيبُ المِسْكُ. انْتَهى. واحْتاجَ إلى هَذا التَّقْدِيرِ كَوْنُ المِسْكِ مَرْفُوعًا بَعْدَ إلّا وأنْتَ إذا قُلْتَ: ما كانَ زَيْدٌ إلّا فاضِلًا نَصَبْتَ، فَلَمّا وقَعَ بَعْدَ إلّا ما يَظْهَرُ أنَّهُ خَبَرُ لَيْسَ، احْتاجَ أنْ يُزَحْزِحَ إلّا عَنْ مَوْضِعِها، ويَجْعَلَ في لَيْسَ ضَمِيرَ الشَّأْنِ، ويَرْفَعَ إلّا الطِّيبُ المِسْكُ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ، فَيَصِيرَ كالمَلْفُوظِ بِهِ، في نَحْوِ: ما كانَ إلّا زَيْدٌ قائِمٌ. ولَمْ يَعْرِفِ المُبَرِّدُ أنَّ لَيْسَ في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ عامَلَتْها بَنُو تَمِيمٍ مُعامَلَةَ ما، فَلَمْ يُعْمِلُوها إلّا باقِيَةً مَكانَها، ولَيْسَ غَيْرُ عامِلِةٍ. ولَيْسَ في الأرْضِ حِجازِيٌّ إلّا وهو يَنْصِبُ في نَحْوِ لَيْسَ الطِّيبُ إلّا المِسْكَ، ولا تَمِيمِيٌّ إلّا وهو يَرْفَعُ. في ذَلِكَ حِكايَةٌ جَرَتْ بَيْنَ عِيسى بْنِ عُمَرَ وأبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ، ذَكَرْناها فِيما كَتَبْناهُ مِن عِلْمِ النَّحْوِ. ونَظِيرُ ﴿إنْ نَظُنُّ إلّا ظَنًّا﴾ (p-٥٢)قَوْلُ الأعْشى: وجَدَّ بِهِ الشَّيْبُ أثْقالَهُ وما اغْتَرَّهُ الشَّيْبُ إلّا اغْتِرارًا أيِ اغْتِرارًا بَيِّنًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: ما مَعْنى (إنْ نَظُنُّ إلّا ظَنًّا) ؟ قُلْتُ: أصْلُهُ نَظُنُّ ظَنًّا، ومَعْناهُ إثْباتُ الظَّنِّ مَعَ نَفْيِ ما سِواهُ، وزَيْدٌ نَفى ما سِوى الظَّنِّ تَوْكِيدًا بِقَوْلِهِ: (وما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ) . انْتَهى. وهَذا الكَلامُ مِمَّنْ لا شُعُورَ لَهُ بِالقاعِدَةِ النَّحْوِيَّةِ، مِن أنَّ التَّفْرِيغَ يَكُونُ في جَمِيعِ المَعْمُولاتِ مِن فاعِلٍ ومَفْعُولٍ وغَيْرِهِ إلّا المَصْدَرَ المُؤَكَّدَ فَإنَّهُ لا يَكُونُ فِيهِ. وقَدَّرَهُ بَعْضُهم: إنْ نَظُنُّ إلّا أنَّكم تَظُنُّونَ ظَنًّا، قالَ: وإنَّما احْتِيجَ إلى هَذا التَّقْدِيرِ لِأنَّهُ لا يَجُوزُ في الكَلامِ: ما ضَرَبْتُ إلّا ضَرْبًا، فاهْتَدى إلى هَذِهِ القاعِدَةِ النَّحْوِيَّةِ، وأخْطَأ في التَّخْرِيجِ، وهو مَحْكِيٌّ عَنِ المُبَرِّدِ، ولَعَلَّهُ لا يَصِحُّ. وقَوْلُهم: إنْ نَظُنُّ. دَلِيلٌ عَلى أنَّ الكُفّارَ قَدْ أخْبَرُوا بِأنَّهم ظَنُّوا البَعْثَ واقَعًا، ودَلَّ قَوْلُهم قَبْلَ قَوْلِهِ: (إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا)، عَلى أنَّهم مُنْكِرُونَ البَعْثَ، فَهم - واللَّهُ أعْلَمُ - فِرْقَتانِ، أوِ اضْطَرَبُوا، فَتارَةً أنْكَرُوا، وتارَةً ظَنُّوا، وقالُوا: ﴿إنْ نَظُنُّ إلّا ظَنًّا﴾ عَلى سَبِيلِ الهُزْءِ. ﴿وبَدا لَهم سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا﴾: أيْ قَبائِحُ أعْمالِهِمْ، أوْ عُقُوباتُ أعْمالِهِمُ السَّيِّئاتِ، وأطْلَقَ عَلى العُقُوبَةِ سَيِّئَةً، كَما قالَ: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشورى: ٤٠] . ﴿وحاقَ بِهِمْ﴾ أيْ أحاطَ، ولا يُسْتَعْمَلُ حاقَ إلّا في المَكْرُوهِ. ﴿نَنْساكُمْ﴾: نَتْرُكُكم في العَذابِ، أوْ نَجْعَلُكم كالشَّيْءِ المَنسِيِّ المُلْقى غَيْرِ المُبالى بِهِ. ﴿كَما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ﴾: أيْ لِقاءَ جَزاءِ اللَّهِ عَلى أعْمالِكم، ولَمْ تُخْطِرُوهُ عَلى بالٍ بَعْدَ ما ذُكِّرْتُمْ بِهِ وتَقَدَّمَ إلَيْكم بِوُقُوعِهِ. وأضافَ اللِّقاءَ لِلْيَوْمِ تَوَسُّعًا كَقَوْلِهِ: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ [سبإ: ٣٣] . وقَرَأ الجُمْهُورُ: (لا يُخْرَجُونَ)، مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، والحَسَنُ، وابْنُ وثّابٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. (مِنها): أيْ مِنَ النّارِ. ﴿ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ أيْ بِطَلَبِ مُراجَعَةٍ إلى عَمَلٍ صالِحٍ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في الِاسْتِعْتابِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (رَبِّ)، بِالجَرِّ في الثَّلاثَةِ عَلى الصِّفَةِ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: بِالرَّفْعِ فِيهِما عَلى إضْمارِ هو.

الجاثية 45:36

﴿ولِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ المُبْطِلُونَ﴾ ﴿وتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إلى كِتابِها اليَوْمَ تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿هَذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكم بِالحَقِّ إنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَيُدْخِلُهم رَبُّهم في رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هو الفَوْزُ المُبِينُ﴾ ﴿وأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا أفَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكم فاسْتَكْبَرْتُمْ وكُنْتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾ ﴿وإذا قِيلَ إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ والسّاعَةُ لا رَيْبَ فِيها قُلْتُمْ ما نَدْرِي ما السّاعَةُ إنْ نَظُنُّ إلّا ظَنًّا وما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ ﴿وبَدا لَهم سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ﴿وقِيلَ اليَوْمَ نَنْساكم كَما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكم هَذا ومَأْواكُمُ النّارُ وما لَكم مِن ناصِرِينَ﴾ ﴿ذَلِكم بِأنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آياتِ اللَّهِ هُزُوًا وغَرَّتْكُمُ الحَياةُ الدُّنْيا فاليَوْمَ لا يُخْرَجُونَ مِنها ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ ﴿فَلِلَّهِ الحَمْدُ رَبِّ السَّماواتِ ورَبِّ الأرْضِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿ولَهُ الكِبْرِياءُ في السَّماواتِ والأرْضِ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ . العامِلُ في (ويَوْمَ تَقُومُ): ﴿يَخْسَرُ﴾، و(يَوْمَئِذٍ): بَدَلٌ مِن يَوْمٍ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وحَكاهُ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ فِرْقَةٍ. والتَّنْوِينُ في يَوْمَئِذٍ تَنْوِينُ العِوَضِ عَنْ جُمْلَةٍ، ولَمْ تَتَقَدَّمْ جُمْلَةٌ إلّا قَوْلُهُ: ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ﴾، فَيَصِيرَ التَّقْدِيرُ: ويَوْمَ تَقُومُ يَوْمَ إذْ تَقُومُ إذْ تَقُومُ السّاعَةُ يَخْسَرُ، ولا مَزِيدَ فائِدَةٍ في قَوْلِهِ: يَوْمَ إذْ تَقُومُ السّاعَةُ، لِأنَّ ذَلِكَ مُسْتَفادٌ مِن ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ. فَإنْ كانَ بَدَلًا تَوْكِيدِيًّا، وهو قَلِيلٌ، جازَ ذَلِكَ، وإلّا فَلا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا. وقالَتْ فِرْقَةٌ العامِلُ في ويَوْمَ تَقُومُ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ المُلْكُ، قالُوا: وذَلِكَ أنَّ يَوْمَ القِيامَةِ حالٌ ثالِثَةٌ لَيْسَتْ بِالسَّماءِ ولا بِالأرْضِ، لِأنَّ ذَلِكَ يَتَبَدَّلُ، فَكَأنَّهُ قالَ: ﴿ولِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾، والمُلْكُ يَوْمَ القِيامَةِ، فَحَذَفَهُ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ، ﴿ويَوْمَئِذٍ﴾ [الروم: ٤] مَنصُوبٌ بِـ ﴿يَخْسَرُ﴾، وهي جُمْلَةٌ فِيها اسْتِئْنافٌ، وإنْ كانَ لَها تَعَلُّقٌ بِما قَبْلَها مِن جِهَةِ تَنْوِينِ العِوَضِ. و(المُبْطِلُونَ): الدّاخِلُونَ في الباطِلِ. ﴿جاثِيَةً﴾: بارِكَةً عَلى الرُّكَبِ مُسْتَوْفِزَةً، وهي هَيْئَةُ المُذْنِبِ الخائِفِ. وقُرِئَ: جاذِيَةً. بِالذّالِ، والجَذْوُ أشَدُّ اسْتِيفازًا مِنَ الجَثْوِ، لِأنَّ الجاذِيَ هو الَّذِي يَجْلِسُ عَلى أطْرافِ أصابِعِهِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ”جاثِيَةً“: مُجْتَمِعَةً. وعَنْ قَتادَةَ: جَماعاتٍ، مِنَ الجُثْوَةِ: وهي الجَماعَةُ، يُجْمَعُ عَلى جُثِيٍّ، قالَ الشّاعِرُ: ؎تَرى جُثْوَتَيْنِ مِن تُرابٍ عَلَيْهِما صَفائِحُ صُمٌّ مِن صَفِيحٍ مُنَضَّدِ (p-٥١)وعَنْ مَوْرِجِ السَّدُوسِيِّ: ”﴿جاثِيَةً﴾“: خاضِعَةً، بِلُغَةِ قُرَيْشٍ. وعَنْ عِكْرِمَةَ: ”﴿جاثِيَةً﴾“: مُتَمَيِّزَةً. وقَرَأ يَعْقُوبُ: ﴿كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى﴾، بِنَصْبِ ”كُلَّ أُمَّةٍ“ عَلى البَدَلِ بَدَلَ النَّكِرَةِ المَوْصُوفَةِ مِنَ النَّكِرَةِ، والظّاهِرُ عُمُومُ كُلِّ أُمَّةٍ مِن مُؤْمِنٍ وكافِرٍ. قالَ الضَّحّاكُ: وذَلِكَ عِنْدَ الحِسابِ. وقالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ: ذَلِكَ خاصٌّ بِالكُفّارِ، تُدْعى إلى كِتابِها المُنَزَّلِ عَلَيْها، فَتُحاكَمُ إلَيْهِ، هَلْ وافَقَتْهُ أوْ خالَفَتْهُ ؟ أوِ الَّذِي كَتَبَتْهُ الحَفَظَةُ، وهو صَحائِفُ أعْمالِها أوِ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، أوِ المَعْنى إلى ما يَسْبِقُ لَها فِيهِ، أيْ إلى حِسابِها، أقْوالٌ. وأفْرَدَ كِتابَها اكْتِفاءً بِاسْمِ الجِنْسِ لِقَوْلِهِ: ﴿ووُضِعَ الكِتابُ﴾ [الكهف: ٤٩]، ﴿اليَوْمَ تُجْزَوْنَ﴾، ﴿هَذا كِتابُنا﴾، هو الَّذِي دُعِيَتْ إلَيْهِ كُلُّ أُمَّةٍ، وصَحَّتْ إضافَتُهُ إلَيْهِ تَعالى لِأنَّهُ مالِكُهُ والآمِرُ بِكَتْبِهِ، وإلَيْهِمْ لِأنَّ أعْمالَهم مُثْبَتَةٌ فِيهِ. والإضافَةُ تَكُونُ بِأدْنى مُلابَسَةٍ، فَلِذَلِكَ صَحَّتْ إضافَتُهُ إلَيْهِمْ وإلَيْهِ تَعالى. ﴿يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ﴾: يَشْهَدُ بِالحَقِّ مِن غَيْرِ زِيادَةٍ ولا نُقْصانٍ. ﴿إنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ﴾: أيِ المَلائِكَةَ، أيْ نَجْعَلُها تَنْسِخُ، أيْ تَكْتُبُ. وحَقِيقَةُ النَّسْخِ نَقْلُ خَطٍّ مِن أصْلٍ يُنَظَمُ فِيهِ، فَأعْمالُ العِبادِ كَأنَّها الأصْلُ. وقالَ الحَسَنُ: هو كَتْبُ الحَفَظَةِ عَلى بَنِي آدَمَ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: يَجْعَلُ اللَّهُ الحَفَظَةَ تَنْسَخُ مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ كُلَّ ما يَفْعَلُ العِبادُ، ثُمَّ يُمْسِكُونَهُ عِنْدَهم، فَتَأْتِي أفْعالُ العِبادِ عَلى نَحْوِ ذَلِكَ. فَبَعِيدٌ أيْضًا، فَذَلِكَ هو الِاسْتِنْساخُ. وكانَ يَقُولُ ابْنُ عَبّاسٍ: ألَسْتُمْ عَرَبًا ؟ وهَلْ يَكُونُ الِاسْتِنْساخُ إلّا مِن أصْلٍ ؟ ثُمَّ بَيَّنَ حالَ المُؤْمِنِ بِأنَّهُ يُدْخِلُهُ في رَحْمَتِهِ، وهو الثَّوابُ الَّذِي أعَدَّ لَهُ، وأنَّ ذَلِكَ هو الظَّفَرُ بِالبُغْيَةِ، وبَيَّنَ الكافِرَ بِأنَّهُ يُوَبَّخُ ويُقالُ لَهُ: ﴿أفَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكم فاسْتَكْبَرْتُمْ﴾ عَنِ اتِّباعِها والإيمانِ بِها وكُنْتُمْ أصْحابَ جَرائِمَ ؟ والفاءُ في: أفَلَمْ يَنْوِي بِها التَّقْدِيمَ، وإنَّما قُدِّمَتِ الهَمْزَةُ لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ لَهُ صَدْرُ الكَلامِ، والتَّقْدِيرُ: فَيُقالُ لَهُ ألَمْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والمَعْنى ألَمْ يَأْتِكم رُسُلِي ؟ فَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكم، فَحُذِفَ المَعْطُوفُ عَلَيْهِ. انْتَهى. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ مَعَهُ في زَعْمِهِ أنَّ بَيْنَ الفاءِ والواوِ إذا تَقَدَّمَها هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ مَعْطُوفًا عَلَيْهِ مَحْذُوفًا، ورَدَدْنا عَلَيْهِ ذَلِكَ. وقَرَأ الأعْرَجُ وعَمْرُو بْنُ فائِدٍ: وإذا قِيلَ أنَّ وعْدَ اللَّهِ. بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، وذَلِكَ عَلى لُغَةِ سَلِيمٍ، والجُمْهُورُ: إنَّ بِكَسْرِها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (والسّاعَةُ) بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ، ومَن زَعَمَ أنَّ لِاسْمِ إنَّ مَوْضِعًا جَوَّزَ العَطْفَ عَلَيْهِ هُنا، أوْ زَعَمَ أنَّ لِـ (إنَّ) واسْمِها مَوْضِعًا جَوَّزَ العَطْفَ عَلَيْهِ، وبِالعَطْفِ عَلى المَوْضِعِ لِـ (إنَّ) واسْمِها هُنا. قالَ أبُو عَلِيٍّ: ذَكَرَهُ في الحُجَّةِ، وتَبِعَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ فَقالَ: وبِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلى مَحَلِّ إنَّ واسْمِها، والصَّحِيحُ المَنعُ. وحَمْزَةُ: بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى اللَّهِ، وهي مَرْوِيَّةٌ عَنِ الأعْمَشِ، وأبِي عَمْرٍو، وعِيسى، وأبِي حَيْوَةَ، والعَبْسِيِّ، والمُفَضَّلِ. ﴿إنْ نَظُنُّ إلّا ظَنًّا﴾، تَقُولُ: ضَرَبْتُ ضَرْبًا، فَإنْ نَفَيْتَ، لَمْ تُدْخِلْ إلّا، إذْ لا يُفَرَّغُ بِالمَصْدَرِ المُؤَكَّدِ، فَلا تَقُولُ: ما ضَرَبْتُ إلّا ضَرْبًا، ولا ما قُمْتُ إلّا قِيامًا. فَأمّا الآيَةُ فَتُؤَوَّلَ عَلى حَذْفِ وصْفِ المَصْدَرِ حَتّى يَصِيرَ مُخْتَصًّا لا مُؤَكَّدًا، وتَقْدِيرُهُ: إلّا ظَنًّا ضَعِيفًا، أوْ عَلى تَضْمِينِ: نَظُنُّ مَعْنًى نَعْتَقِدُ، ويَكُونُ ظَنًّا مَفْعُولًا بِهِ. وقَدْ تَأوَّلَ ذَلِكَ بَعْضُهم عَلى وضْعِ إلّا في غَيْرِ مَوْضِعِها، وقالَ: التَّقْدِيرُ إنْ نَحْنُ إلّا نَظُنُّ ظَنًّا. وحُكِيَ هَذا عَنِ المُبَرِّدِ، ونَظِيرُهُ ما حَكاهُ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ وسِيبَوَيْهِ مِن قَوْلِ العَرَبِ: لَيْسَ الطِّيبُ إلّا المِسْكُ قالَ المُبَرِّدُ: لَيْسَ إلّا الطِّيبُ المِسْكُ. انْتَهى. واحْتاجَ إلى هَذا التَّقْدِيرِ كَوْنُ المِسْكِ مَرْفُوعًا بَعْدَ إلّا وأنْتَ إذا قُلْتَ: ما كانَ زَيْدٌ إلّا فاضِلًا نَصَبْتَ، فَلَمّا وقَعَ بَعْدَ إلّا ما يَظْهَرُ أنَّهُ خَبَرُ لَيْسَ، احْتاجَ أنْ يُزَحْزِحَ إلّا عَنْ مَوْضِعِها، ويَجْعَلَ في لَيْسَ ضَمِيرَ الشَّأْنِ، ويَرْفَعَ إلّا الطِّيبُ المِسْكُ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ، فَيَصِيرَ كالمَلْفُوظِ بِهِ، في نَحْوِ: ما كانَ إلّا زَيْدٌ قائِمٌ. ولَمْ يَعْرِفِ المُبَرِّدُ أنَّ لَيْسَ في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ عامَلَتْها بَنُو تَمِيمٍ مُعامَلَةَ ما، فَلَمْ يُعْمِلُوها إلّا باقِيَةً مَكانَها، ولَيْسَ غَيْرُ عامِلِةٍ. ولَيْسَ في الأرْضِ حِجازِيٌّ إلّا وهو يَنْصِبُ في نَحْوِ لَيْسَ الطِّيبُ إلّا المِسْكَ، ولا تَمِيمِيٌّ إلّا وهو يَرْفَعُ. في ذَلِكَ حِكايَةٌ جَرَتْ بَيْنَ عِيسى بْنِ عُمَرَ وأبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ، ذَكَرْناها فِيما كَتَبْناهُ مِن عِلْمِ النَّحْوِ. ونَظِيرُ ﴿إنْ نَظُنُّ إلّا ظَنًّا﴾ (p-٥٢)قَوْلُ الأعْشى: وجَدَّ بِهِ الشَّيْبُ أثْقالَهُ وما اغْتَرَّهُ الشَّيْبُ إلّا اغْتِرارًا أيِ اغْتِرارًا بَيِّنًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: ما مَعْنى (إنْ نَظُنُّ إلّا ظَنًّا) ؟ قُلْتُ: أصْلُهُ نَظُنُّ ظَنًّا، ومَعْناهُ إثْباتُ الظَّنِّ مَعَ نَفْيِ ما سِواهُ، وزَيْدٌ نَفى ما سِوى الظَّنِّ تَوْكِيدًا بِقَوْلِهِ: (وما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ) . انْتَهى. وهَذا الكَلامُ مِمَّنْ لا شُعُورَ لَهُ بِالقاعِدَةِ النَّحْوِيَّةِ، مِن أنَّ التَّفْرِيغَ يَكُونُ في جَمِيعِ المَعْمُولاتِ مِن فاعِلٍ ومَفْعُولٍ وغَيْرِهِ إلّا المَصْدَرَ المُؤَكَّدَ فَإنَّهُ لا يَكُونُ فِيهِ. وقَدَّرَهُ بَعْضُهم: إنْ نَظُنُّ إلّا أنَّكم تَظُنُّونَ ظَنًّا، قالَ: وإنَّما احْتِيجَ إلى هَذا التَّقْدِيرِ لِأنَّهُ لا يَجُوزُ في الكَلامِ: ما ضَرَبْتُ إلّا ضَرْبًا، فاهْتَدى إلى هَذِهِ القاعِدَةِ النَّحْوِيَّةِ، وأخْطَأ في التَّخْرِيجِ، وهو مَحْكِيٌّ عَنِ المُبَرِّدِ، ولَعَلَّهُ لا يَصِحُّ. وقَوْلُهم: إنْ نَظُنُّ. دَلِيلٌ عَلى أنَّ الكُفّارَ قَدْ أخْبَرُوا بِأنَّهم ظَنُّوا البَعْثَ واقَعًا، ودَلَّ قَوْلُهم قَبْلَ قَوْلِهِ: (إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا)، عَلى أنَّهم مُنْكِرُونَ البَعْثَ، فَهم - واللَّهُ أعْلَمُ - فِرْقَتانِ، أوِ اضْطَرَبُوا، فَتارَةً أنْكَرُوا، وتارَةً ظَنُّوا، وقالُوا: ﴿إنْ نَظُنُّ إلّا ظَنًّا﴾ عَلى سَبِيلِ الهُزْءِ. ﴿وبَدا لَهم سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا﴾: أيْ قَبائِحُ أعْمالِهِمْ، أوْ عُقُوباتُ أعْمالِهِمُ السَّيِّئاتِ، وأطْلَقَ عَلى العُقُوبَةِ سَيِّئَةً، كَما قالَ: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشورى: ٤٠] . ﴿وحاقَ بِهِمْ﴾ أيْ أحاطَ، ولا يُسْتَعْمَلُ حاقَ إلّا في المَكْرُوهِ. ﴿نَنْساكُمْ﴾: نَتْرُكُكم في العَذابِ، أوْ نَجْعَلُكم كالشَّيْءِ المَنسِيِّ المُلْقى غَيْرِ المُبالى بِهِ. ﴿كَما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ﴾: أيْ لِقاءَ جَزاءِ اللَّهِ عَلى أعْمالِكم، ولَمْ تُخْطِرُوهُ عَلى بالٍ بَعْدَ ما ذُكِّرْتُمْ بِهِ وتَقَدَّمَ إلَيْكم بِوُقُوعِهِ. وأضافَ اللِّقاءَ لِلْيَوْمِ تَوَسُّعًا كَقَوْلِهِ: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ [سبإ: ٣٣] . وقَرَأ الجُمْهُورُ: (لا يُخْرَجُونَ)، مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، والحَسَنُ، وابْنُ وثّابٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. (مِنها): أيْ مِنَ النّارِ. ﴿ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ أيْ بِطَلَبِ مُراجَعَةٍ إلى عَمَلٍ صالِحٍ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في الِاسْتِعْتابِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (رَبِّ)، بِالجَرِّ في الثَّلاثَةِ عَلى الصِّفَةِ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: بِالرَّفْعِ فِيهِما عَلى إضْمارِ هو.

الجاثية 45:37

﴿ولِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ المُبْطِلُونَ﴾ ﴿وتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إلى كِتابِها اليَوْمَ تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿هَذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكم بِالحَقِّ إنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَيُدْخِلُهم رَبُّهم في رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هو الفَوْزُ المُبِينُ﴾ ﴿وأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا أفَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكم فاسْتَكْبَرْتُمْ وكُنْتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾ ﴿وإذا قِيلَ إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ والسّاعَةُ لا رَيْبَ فِيها قُلْتُمْ ما نَدْرِي ما السّاعَةُ إنْ نَظُنُّ إلّا ظَنًّا وما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ ﴿وبَدا لَهم سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ﴿وقِيلَ اليَوْمَ نَنْساكم كَما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكم هَذا ومَأْواكُمُ النّارُ وما لَكم مِن ناصِرِينَ﴾ ﴿ذَلِكم بِأنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آياتِ اللَّهِ هُزُوًا وغَرَّتْكُمُ الحَياةُ الدُّنْيا فاليَوْمَ لا يُخْرَجُونَ مِنها ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ ﴿فَلِلَّهِ الحَمْدُ رَبِّ السَّماواتِ ورَبِّ الأرْضِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿ولَهُ الكِبْرِياءُ في السَّماواتِ والأرْضِ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ . العامِلُ في (ويَوْمَ تَقُومُ): ﴿يَخْسَرُ﴾، و(يَوْمَئِذٍ): بَدَلٌ مِن يَوْمٍ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وحَكاهُ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ فِرْقَةٍ. والتَّنْوِينُ في يَوْمَئِذٍ تَنْوِينُ العِوَضِ عَنْ جُمْلَةٍ، ولَمْ تَتَقَدَّمْ جُمْلَةٌ إلّا قَوْلُهُ: ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ﴾، فَيَصِيرَ التَّقْدِيرُ: ويَوْمَ تَقُومُ يَوْمَ إذْ تَقُومُ إذْ تَقُومُ السّاعَةُ يَخْسَرُ، ولا مَزِيدَ فائِدَةٍ في قَوْلِهِ: يَوْمَ إذْ تَقُومُ السّاعَةُ، لِأنَّ ذَلِكَ مُسْتَفادٌ مِن ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ. فَإنْ كانَ بَدَلًا تَوْكِيدِيًّا، وهو قَلِيلٌ، جازَ ذَلِكَ، وإلّا فَلا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا. وقالَتْ فِرْقَةٌ العامِلُ في ويَوْمَ تَقُومُ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ المُلْكُ، قالُوا: وذَلِكَ أنَّ يَوْمَ القِيامَةِ حالٌ ثالِثَةٌ لَيْسَتْ بِالسَّماءِ ولا بِالأرْضِ، لِأنَّ ذَلِكَ يَتَبَدَّلُ، فَكَأنَّهُ قالَ: ﴿ولِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾، والمُلْكُ يَوْمَ القِيامَةِ، فَحَذَفَهُ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ، ﴿ويَوْمَئِذٍ﴾ [الروم: ٤] مَنصُوبٌ بِـ ﴿يَخْسَرُ﴾، وهي جُمْلَةٌ فِيها اسْتِئْنافٌ، وإنْ كانَ لَها تَعَلُّقٌ بِما قَبْلَها مِن جِهَةِ تَنْوِينِ العِوَضِ. و(المُبْطِلُونَ): الدّاخِلُونَ في الباطِلِ. ﴿جاثِيَةً﴾: بارِكَةً عَلى الرُّكَبِ مُسْتَوْفِزَةً، وهي هَيْئَةُ المُذْنِبِ الخائِفِ. وقُرِئَ: جاذِيَةً. بِالذّالِ، والجَذْوُ أشَدُّ اسْتِيفازًا مِنَ الجَثْوِ، لِأنَّ الجاذِيَ هو الَّذِي يَجْلِسُ عَلى أطْرافِ أصابِعِهِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ”جاثِيَةً“: مُجْتَمِعَةً. وعَنْ قَتادَةَ: جَماعاتٍ، مِنَ الجُثْوَةِ: وهي الجَماعَةُ، يُجْمَعُ عَلى جُثِيٍّ، قالَ الشّاعِرُ: ؎تَرى جُثْوَتَيْنِ مِن تُرابٍ عَلَيْهِما صَفائِحُ صُمٌّ مِن صَفِيحٍ مُنَضَّدِ (p-٥١)وعَنْ مَوْرِجِ السَّدُوسِيِّ: ”﴿جاثِيَةً﴾“: خاضِعَةً، بِلُغَةِ قُرَيْشٍ. وعَنْ عِكْرِمَةَ: ”﴿جاثِيَةً﴾“: مُتَمَيِّزَةً. وقَرَأ يَعْقُوبُ: ﴿كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى﴾، بِنَصْبِ ”كُلَّ أُمَّةٍ“ عَلى البَدَلِ بَدَلَ النَّكِرَةِ المَوْصُوفَةِ مِنَ النَّكِرَةِ، والظّاهِرُ عُمُومُ كُلِّ أُمَّةٍ مِن مُؤْمِنٍ وكافِرٍ. قالَ الضَّحّاكُ: وذَلِكَ عِنْدَ الحِسابِ. وقالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ: ذَلِكَ خاصٌّ بِالكُفّارِ، تُدْعى إلى كِتابِها المُنَزَّلِ عَلَيْها، فَتُحاكَمُ إلَيْهِ، هَلْ وافَقَتْهُ أوْ خالَفَتْهُ ؟ أوِ الَّذِي كَتَبَتْهُ الحَفَظَةُ، وهو صَحائِفُ أعْمالِها أوِ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، أوِ المَعْنى إلى ما يَسْبِقُ لَها فِيهِ، أيْ إلى حِسابِها، أقْوالٌ. وأفْرَدَ كِتابَها اكْتِفاءً بِاسْمِ الجِنْسِ لِقَوْلِهِ: ﴿ووُضِعَ الكِتابُ﴾ [الكهف: ٤٩]، ﴿اليَوْمَ تُجْزَوْنَ﴾، ﴿هَذا كِتابُنا﴾، هو الَّذِي دُعِيَتْ إلَيْهِ كُلُّ أُمَّةٍ، وصَحَّتْ إضافَتُهُ إلَيْهِ تَعالى لِأنَّهُ مالِكُهُ والآمِرُ بِكَتْبِهِ، وإلَيْهِمْ لِأنَّ أعْمالَهم مُثْبَتَةٌ فِيهِ. والإضافَةُ تَكُونُ بِأدْنى مُلابَسَةٍ، فَلِذَلِكَ صَحَّتْ إضافَتُهُ إلَيْهِمْ وإلَيْهِ تَعالى. ﴿يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ﴾: يَشْهَدُ بِالحَقِّ مِن غَيْرِ زِيادَةٍ ولا نُقْصانٍ. ﴿إنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ﴾: أيِ المَلائِكَةَ، أيْ نَجْعَلُها تَنْسِخُ، أيْ تَكْتُبُ. وحَقِيقَةُ النَّسْخِ نَقْلُ خَطٍّ مِن أصْلٍ يُنَظَمُ فِيهِ، فَأعْمالُ العِبادِ كَأنَّها الأصْلُ. وقالَ الحَسَنُ: هو كَتْبُ الحَفَظَةِ عَلى بَنِي آدَمَ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: يَجْعَلُ اللَّهُ الحَفَظَةَ تَنْسَخُ مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ كُلَّ ما يَفْعَلُ العِبادُ، ثُمَّ يُمْسِكُونَهُ عِنْدَهم، فَتَأْتِي أفْعالُ العِبادِ عَلى نَحْوِ ذَلِكَ. فَبَعِيدٌ أيْضًا، فَذَلِكَ هو الِاسْتِنْساخُ. وكانَ يَقُولُ ابْنُ عَبّاسٍ: ألَسْتُمْ عَرَبًا ؟ وهَلْ يَكُونُ الِاسْتِنْساخُ إلّا مِن أصْلٍ ؟ ثُمَّ بَيَّنَ حالَ المُؤْمِنِ بِأنَّهُ يُدْخِلُهُ في رَحْمَتِهِ، وهو الثَّوابُ الَّذِي أعَدَّ لَهُ، وأنَّ ذَلِكَ هو الظَّفَرُ بِالبُغْيَةِ، وبَيَّنَ الكافِرَ بِأنَّهُ يُوَبَّخُ ويُقالُ لَهُ: ﴿أفَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكم فاسْتَكْبَرْتُمْ﴾ عَنِ اتِّباعِها والإيمانِ بِها وكُنْتُمْ أصْحابَ جَرائِمَ ؟ والفاءُ في: أفَلَمْ يَنْوِي بِها التَّقْدِيمَ، وإنَّما قُدِّمَتِ الهَمْزَةُ لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ لَهُ صَدْرُ الكَلامِ، والتَّقْدِيرُ: فَيُقالُ لَهُ ألَمْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والمَعْنى ألَمْ يَأْتِكم رُسُلِي ؟ فَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكم، فَحُذِفَ المَعْطُوفُ عَلَيْهِ. انْتَهى. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ مَعَهُ في زَعْمِهِ أنَّ بَيْنَ الفاءِ والواوِ إذا تَقَدَّمَها هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ مَعْطُوفًا عَلَيْهِ مَحْذُوفًا، ورَدَدْنا عَلَيْهِ ذَلِكَ. وقَرَأ الأعْرَجُ وعَمْرُو بْنُ فائِدٍ: وإذا قِيلَ أنَّ وعْدَ اللَّهِ. بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، وذَلِكَ عَلى لُغَةِ سَلِيمٍ، والجُمْهُورُ: إنَّ بِكَسْرِها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (والسّاعَةُ) بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ، ومَن زَعَمَ أنَّ لِاسْمِ إنَّ مَوْضِعًا جَوَّزَ العَطْفَ عَلَيْهِ هُنا، أوْ زَعَمَ أنَّ لِـ (إنَّ) واسْمِها مَوْضِعًا جَوَّزَ العَطْفَ عَلَيْهِ، وبِالعَطْفِ عَلى المَوْضِعِ لِـ (إنَّ) واسْمِها هُنا. قالَ أبُو عَلِيٍّ: ذَكَرَهُ في الحُجَّةِ، وتَبِعَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ فَقالَ: وبِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلى مَحَلِّ إنَّ واسْمِها، والصَّحِيحُ المَنعُ. وحَمْزَةُ: بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى اللَّهِ، وهي مَرْوِيَّةٌ عَنِ الأعْمَشِ، وأبِي عَمْرٍو، وعِيسى، وأبِي حَيْوَةَ، والعَبْسِيِّ، والمُفَضَّلِ. ﴿إنْ نَظُنُّ إلّا ظَنًّا﴾، تَقُولُ: ضَرَبْتُ ضَرْبًا، فَإنْ نَفَيْتَ، لَمْ تُدْخِلْ إلّا، إذْ لا يُفَرَّغُ بِالمَصْدَرِ المُؤَكَّدِ، فَلا تَقُولُ: ما ضَرَبْتُ إلّا ضَرْبًا، ولا ما قُمْتُ إلّا قِيامًا. فَأمّا الآيَةُ فَتُؤَوَّلَ عَلى حَذْفِ وصْفِ المَصْدَرِ حَتّى يَصِيرَ مُخْتَصًّا لا مُؤَكَّدًا، وتَقْدِيرُهُ: إلّا ظَنًّا ضَعِيفًا، أوْ عَلى تَضْمِينِ: نَظُنُّ مَعْنًى نَعْتَقِدُ، ويَكُونُ ظَنًّا مَفْعُولًا بِهِ. وقَدْ تَأوَّلَ ذَلِكَ بَعْضُهم عَلى وضْعِ إلّا في غَيْرِ مَوْضِعِها، وقالَ: التَّقْدِيرُ إنْ نَحْنُ إلّا نَظُنُّ ظَنًّا. وحُكِيَ هَذا عَنِ المُبَرِّدِ، ونَظِيرُهُ ما حَكاهُ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ وسِيبَوَيْهِ مِن قَوْلِ العَرَبِ: لَيْسَ الطِّيبُ إلّا المِسْكُ قالَ المُبَرِّدُ: لَيْسَ إلّا الطِّيبُ المِسْكُ. انْتَهى. واحْتاجَ إلى هَذا التَّقْدِيرِ كَوْنُ المِسْكِ مَرْفُوعًا بَعْدَ إلّا وأنْتَ إذا قُلْتَ: ما كانَ زَيْدٌ إلّا فاضِلًا نَصَبْتَ، فَلَمّا وقَعَ بَعْدَ إلّا ما يَظْهَرُ أنَّهُ خَبَرُ لَيْسَ، احْتاجَ أنْ يُزَحْزِحَ إلّا عَنْ مَوْضِعِها، ويَجْعَلَ في لَيْسَ ضَمِيرَ الشَّأْنِ، ويَرْفَعَ إلّا الطِّيبُ المِسْكُ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ، فَيَصِيرَ كالمَلْفُوظِ بِهِ، في نَحْوِ: ما كانَ إلّا زَيْدٌ قائِمٌ. ولَمْ يَعْرِفِ المُبَرِّدُ أنَّ لَيْسَ في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ عامَلَتْها بَنُو تَمِيمٍ مُعامَلَةَ ما، فَلَمْ يُعْمِلُوها إلّا باقِيَةً مَكانَها، ولَيْسَ غَيْرُ عامِلِةٍ. ولَيْسَ في الأرْضِ حِجازِيٌّ إلّا وهو يَنْصِبُ في نَحْوِ لَيْسَ الطِّيبُ إلّا المِسْكَ، ولا تَمِيمِيٌّ إلّا وهو يَرْفَعُ. في ذَلِكَ حِكايَةٌ جَرَتْ بَيْنَ عِيسى بْنِ عُمَرَ وأبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ، ذَكَرْناها فِيما كَتَبْناهُ مِن عِلْمِ النَّحْوِ. ونَظِيرُ ﴿إنْ نَظُنُّ إلّا ظَنًّا﴾ (p-٥٢)قَوْلُ الأعْشى: وجَدَّ بِهِ الشَّيْبُ أثْقالَهُ وما اغْتَرَّهُ الشَّيْبُ إلّا اغْتِرارًا أيِ اغْتِرارًا بَيِّنًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: ما مَعْنى (إنْ نَظُنُّ إلّا ظَنًّا) ؟ قُلْتُ: أصْلُهُ نَظُنُّ ظَنًّا، ومَعْناهُ إثْباتُ الظَّنِّ مَعَ نَفْيِ ما سِواهُ، وزَيْدٌ نَفى ما سِوى الظَّنِّ تَوْكِيدًا بِقَوْلِهِ: (وما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ) . انْتَهى. وهَذا الكَلامُ مِمَّنْ لا شُعُورَ لَهُ بِالقاعِدَةِ النَّحْوِيَّةِ، مِن أنَّ التَّفْرِيغَ يَكُونُ في جَمِيعِ المَعْمُولاتِ مِن فاعِلٍ ومَفْعُولٍ وغَيْرِهِ إلّا المَصْدَرَ المُؤَكَّدَ فَإنَّهُ لا يَكُونُ فِيهِ. وقَدَّرَهُ بَعْضُهم: إنْ نَظُنُّ إلّا أنَّكم تَظُنُّونَ ظَنًّا، قالَ: وإنَّما احْتِيجَ إلى هَذا التَّقْدِيرِ لِأنَّهُ لا يَجُوزُ في الكَلامِ: ما ضَرَبْتُ إلّا ضَرْبًا، فاهْتَدى إلى هَذِهِ القاعِدَةِ النَّحْوِيَّةِ، وأخْطَأ في التَّخْرِيجِ، وهو مَحْكِيٌّ عَنِ المُبَرِّدِ، ولَعَلَّهُ لا يَصِحُّ. وقَوْلُهم: إنْ نَظُنُّ. دَلِيلٌ عَلى أنَّ الكُفّارَ قَدْ أخْبَرُوا بِأنَّهم ظَنُّوا البَعْثَ واقَعًا، ودَلَّ قَوْلُهم قَبْلَ قَوْلِهِ: (إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا)، عَلى أنَّهم مُنْكِرُونَ البَعْثَ، فَهم - واللَّهُ أعْلَمُ - فِرْقَتانِ، أوِ اضْطَرَبُوا، فَتارَةً أنْكَرُوا، وتارَةً ظَنُّوا، وقالُوا: ﴿إنْ نَظُنُّ إلّا ظَنًّا﴾ عَلى سَبِيلِ الهُزْءِ. ﴿وبَدا لَهم سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا﴾: أيْ قَبائِحُ أعْمالِهِمْ، أوْ عُقُوباتُ أعْمالِهِمُ السَّيِّئاتِ، وأطْلَقَ عَلى العُقُوبَةِ سَيِّئَةً، كَما قالَ: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشورى: ٤٠] . ﴿وحاقَ بِهِمْ﴾ أيْ أحاطَ، ولا يُسْتَعْمَلُ حاقَ إلّا في المَكْرُوهِ. ﴿نَنْساكُمْ﴾: نَتْرُكُكم في العَذابِ، أوْ نَجْعَلُكم كالشَّيْءِ المَنسِيِّ المُلْقى غَيْرِ المُبالى بِهِ. ﴿كَما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ﴾: أيْ لِقاءَ جَزاءِ اللَّهِ عَلى أعْمالِكم، ولَمْ تُخْطِرُوهُ عَلى بالٍ بَعْدَ ما ذُكِّرْتُمْ بِهِ وتَقَدَّمَ إلَيْكم بِوُقُوعِهِ. وأضافَ اللِّقاءَ لِلْيَوْمِ تَوَسُّعًا كَقَوْلِهِ: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ [سبإ: ٣٣] . وقَرَأ الجُمْهُورُ: (لا يُخْرَجُونَ)، مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، والحَسَنُ، وابْنُ وثّابٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. (مِنها): أيْ مِنَ النّارِ. ﴿ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ أيْ بِطَلَبِ مُراجَعَةٍ إلى عَمَلٍ صالِحٍ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في الِاسْتِعْتابِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (رَبِّ)، بِالجَرِّ في الثَّلاثَةِ عَلى الصِّفَةِ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: بِالرَّفْعِ فِيهِما عَلى إضْمارِ هو.

الأحقاف 46:1

سُورَةُ الأحْقافِ خَمْسٌ وثَلاثُونَ آيَةً مَكِّيَّةٌ (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) (p-٥٣)﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ ﴿ما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلّا بِالحَقِّ وأجَلٍ مُسَمًّى والَّذِينَ كَفَرُوا عَمّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الأرْضِ أمْ لَهم شِرْكٌ في السَّماواتِ اِئْتُونِي بِكِتابٍ مِن قَبْلِ هَذا أوْ أثارَةٍ مِن عِلْمٍ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿ومَن أضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ وهم عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ﴾ ﴿وإذا حُشِرَ النّاسُ كانُوا لَهم أعْداءً وكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ﴾ ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمّا جاءَهم هَذا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ إنِ افْتَرَيْتُهُ فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا هو أعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ كَفى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكم وهو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿قُلْ ما كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكم إنْ أتَّبِعُ إلّا ما يُوحى إلَيَّ وما أنا إلّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ وكَفَرْتُمْ بِهِ وشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ فَآمَنَ واسْتَكْبَرْتُمْ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ وإذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذا إفْكٌ قَدِيمٌ﴾ [الأحقاف: ١١] ﴿ومِن قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إمامًا ورَحْمَةً وهَذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ لِسانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وبُشْرى لِلْمُحْسِنِينَ﴾ [الأحقاف: ١٢] ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ [الأحقاف: ١٣] ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأحقاف: ١٤] ﴿ووَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ إحْسانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا ووَضَعَتْهُ كُرْهًا وحَمْلُهُ وفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا حَتّى إذا بَلَغَ أشُدَّهُ وبَلَغَ أرْبَعِينَ سَنَةً قالَ رَبِّ أوْزِعْنِي أنْ أشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أنْعَمْتَ عَلَيَّ وعَلى والِدَيَّ وأنْ أعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ وأصْلِحْ لِي في ذُرِّيَّتِي إنِّي تُبْتُ إلَيْكَ وإنِّي مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ [الأحقاف: ١٥] ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهم أحْسَنَ ما عَمِلُوا ونَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ في أصْحابِ الجَنَّةِ وعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ﴾ [الأحقاف: ١٦] ﴿والَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما أتَعِدانِنِي أنْ أُخْرَجَ وقَدْ خَلَتِ القُرُونُ مِن قَبْلِي وهُما يَسْتَغِيثانِ اللَّهَ ويْلَكَ آمِن إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ ما هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [الأحقاف: ١٧] ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ في أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ إنَّهم كانُوا خاسِرِينَ﴾ [الأحقاف: ١٨] ﴿ولِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا ولِيُوَفِّيَهم أعْمالَهم وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ [الأحقاف: ١٩] ﴿ويَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلى النّارِ أذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكم في حَياتِكُمُ الدُّنْيا واسْتَمْتَعْتُمْ بِها فاليَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الهُونِ بِما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وبِما كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ﴾ [الأحقاف: ٢٠] ﴿واذْكُرْ أخا عادٍ إذْ أنْذَرَ قَوْمَهُ بِالأحْقافِ وقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ ألّا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الأحقاف: ٢١] ﴿قالُوا أجِئْتَنا لِتَأْفِكَنا عَنْ آلِهَتِنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [الأحقاف: ٢٢] ﴿قالَ إنَّما العِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وأُبَلِّغُكم ما أُرْسِلْتُ بِهِ ولَكِنِّي أراكم قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ [الأحقاف: ٢٣] ﴿فَلَمّا رَأوْهُ عارِضًا مُسْتَقْبِلَ أوْدِيَتِهِمْ قالُوا هَذا عارِضٌ مُمْطِرُنا بَلْ هو ما اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [الأحقاف: ٢٤] ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأمْرِ رَبِّها فَأصْبَحُوا لا يُرى إلّا مَساكِنُهم كَذَلِكَ نَجْزِي القَوْمَ المُجْرِمِينَ﴾ [الأحقاف: ٢٥] ﴿ولَقَدْ مَكَّنّاهم فِيما إنْ مَكَّنّاكم فِيهِ وجَعَلْنا لَهم سَمْعًا وأبْصارًا وأفْئِدَةً فَما أغْنى عَنْهم سَمْعُهم ولا أبْصارُهم ولا أفْئِدَتُهم مِن شَيْءٍ إذْ كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الأحقاف: ٢٦] ﴿ولَقَدْ أهْلَكْنا ما حَوْلَكم مِنَ القُرى وصَرَّفْنا الآياتِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ [الأحقاف: ٢٧] ﴿فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ قُرْبانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهم وذَلِكَ إفْكُهم وما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [الأحقاف: ٢٨] ﴿وإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ فَلَمّا حَضَرُوهُ قالُوا أنْصِتُوا فَلَمّا قُضِيَ ولَّوْا إلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٢٩] ﴿قالُوا يا قَوْمَنا إنّا سَمِعْنا كِتابًا أُنْزِلَ مِن بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إلى الحَقِّ وإلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأحقاف: ٣٠] ﴿يا قَوْمَنا أجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ وآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكم ويُجِرْكم مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الأحقاف: ٣١] ﴿ومَن لا يُجِبْ داعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ في الأرْضِ ولَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أوْلِياءُ أُولَئِكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الأحقاف: ٣٢] ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ ولَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى بَلى إنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأحقاف: ٣٣] ﴿ويَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلى النّارِ ألَيْسَ هَذا بِالحَقِّ قالُوا بَلى ورَبِّنا قالَ فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ [الأحقاف: ٣٤] ﴿فاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُو العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ ولا تَسْتَعْجِلْ لَهم كَأنَّهم يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إلّا ساعَةً مِن نَهارٍ بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إلّا القَوْمُ الفاسِقُونَ﴾ [الأحقاف: ٣٥] الحِقْفُ: رَمْلٌ مُسْتَطِيلٌ مُرْتَفِعٌ فِيهِ اعْوِجاجٌ وانْحِناءٌ، ومِنهُ احْقَوْقَفَ الشَّيْءُ: اعْوَجَّ. قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: ؎فَلَمّا أجَزْنا ساحَةَ الحَيِّ وانْتَحى بِنا بَطْنُ حِقْفٍ ذِي رُكامٍ عَقَنْقَلِ عَيِيَ بِالأمْرِ: إذا لَمْ تَعْرِفْ جِهَتَهُ، ويَجُوزُ فِيهِ الإدْغامُ فَتَقُولُ: عَيَّ، كَما قُلْتَ في حَيِيَ: حَيَّ. قالَ الشّاعِرُ: ؎عَيُّوا بِأمْرِهِمُ كَما ∗∗∗ عَيَّتْ بِبَيْضَتِها الحَمامَهْ (p-٥٤)﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ ﴿ما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلّا بِالحَقِّ وأجَلٍ مُسَمًّى والَّذِينَ كَفَرُوا عَمّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الأرْضِ أمْ لَهم شِرْكٌ في السَّماواتِ اِئْتُونِي بِكِتابٍ مِن قَبْلِ هَذا أوْ أثارَةٍ مِن عِلْمٍ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿ومَن أضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ وهم عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ﴾ ﴿وإذا حُشِرَ النّاسُ كانُوا لَهم أعْداءً وكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ﴾ ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمّا جاءَهم هَذا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ إنِ افْتَرَيْتُهُ فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا هو أعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ كَفى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكم وهو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿قُلْ ما كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكم إنْ أتَّبِعُ إلّا ما يُوحى إلَيَّ وما أنا إلّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ وكَفَرْتُمْ بِهِ وشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ فَآمَنَ واسْتَكْبَرْتُمْ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ . هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ، أنَّ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ . و﴿فاصْبِرْ كَما صَبَرَ﴾ [الأحقاف: ٣٥]، الآيَتَيْنِ مَدَنِيَّتانِ. ومُناسَبَةُ أوَّلِها لِما قَبْلَها، أنَّ في آخِرِ ما قَبْلَها: ﴿ذَلِكم بِأنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آياتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ [الجاثية: ٣٥]، وقُلْتُمْ: إنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ اخْتَلَقَها، فَقالَ تَعالى: ﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ . وهاتانِ الصِّفَتانِ هُما آخَرُ تِلْكَ، وهُما أوَّلُ هَذِهِ. ﴿وأجَلٍ مُسَمًّى﴾: أيْ مَوْعِدٍ لِفَسادِ هَذِهِ البِنْيَةِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو القِيامَةُ، وقالَ غَيْرُهُ: أيْ أجَلِ كُلِّ مَخْلُوقٍ. (عَنْ ما أُنْذِرُوا): يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ ما مَصْدَرِيَّةً، وأنْ تَكُونَ بِمَعْنى الَّذِي. ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ ما تَدْعُونَ﴾: مَعْناهُ أخْبِرُونِي عَنِ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ، وهي الأصْنامُ. ﴿أرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الأرْضِ﴾: اسْتِفْهامُ تَوْبِيخٍ، ومَفْعُولُ ”أرَأيْتُمْ“ الأوَّلُ هو ”ما تَدْعُونَ“ . وماذا خَلَقُوا: جُمْلَةٌ اسْتِفْهامِيَّةٌ يَطْلُبُها أرَأيْتُمْ، لِأنَّ مَفْعُولَها الثّانِيَ يَكُونُ اسْتِفْهامًا، ويَطْلُبُها أرُونِي عَلى سَبِيلِ التَّعْلِيقِ، فَهَذا مِن بابِ الإعْمالِ، أُعْمِلَ الثّانِي وحُذِفَ مَفْعُولُ ”أرَأيْتُمْ“ الثّانِي. ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ أرُونِي تَوْكِيدًا لِـ ”أرَأيْتُمْ“، بِمَعْنى أخْبِرُونِي، وأرُونِي: أخْبِرُونِي، كَأنَّهُما بِمَعْنًى واحِدٍ. (p-٥٥)وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يَحْتَمِلُ أرَأيْتُمْ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ تَكُونَ مُتَعَدِّيَةً، وما مَفْعُولَةً بِها، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ أرَأيْتُمْ مُنَبِّهَةً لا تَتَعَدّى، وتَكُونَ ما اسْتِفْهامًا عَلى مَعْنى التَّوْبِيخِ، وتَدْعُونَ مَعْناهُ: تَعْبُدُونَ. انْتَهى. وكَوْنُ أرَأيْتُمْ لا تَتَعَدّى، وأنَّها مُنَبِّهَةٌ، فِيهِ شَيْءٌ، قالَهُ الأخْفَشُ في قَوْلِهِ: ﴿قالَ أرَأيْتَ إذْ أوَيْنا إلى الصَّخْرَةِ﴾ [الكهف: ٦٣] . والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ ما تَدْعُونَ مَفْعُولُ أرَأيْتُمْ، كَما هو في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ شُرَكاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ﴾ [فاطر: ٤٠] في سُورَةِ فاطِرٍ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظِيرِ هَذِهِ الجُمْلَةِ فِيها. وقَدْ أُمْضِيَ الكَلامُ في أرَأيْتُمْ في سُورَةِ الأنْعامِ، فَيُطالَعُ هُناكَ: و(مِنَ الأرْضِ)، تَفْسِيرٌ لِلْمُبْهَمِ في: (ماذا خَلَقُوا) . والظّاهِرُ أنَّهُ يُرِيدُ مِن أجْزاءِ الأرْضِ، أيْ: خَلْقُ ذَلِكَ إنَّما هو لِلَّهِ، أوْ يَكُونُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ مِنَ العالِي عَلى الأرْضِ، أيْ عَلى وجْهِها مِن حَيَوانٍ أوْ غَيْرِهِ. ثُمَّ وقَفَهم عَلى عِبارَتِهِمْ فَقالَ: (أمْ لَهم): أيْ: بَلْ. ﴿أمْ لَهم شِرْكٌ في السَّماواتِ اِئْتُونِي بِكِتابٍ مِن قَبْلِ هَذا﴾: أيْ مِن قَبْلِ هَذا الكِتابِ، وهو القُرْآنُ، يَعْنِي أنَّ هَذا القُرْآنَ ناطِقٌ بِالتَّوْحِيدِ وبِإبْطالِ الشِّرْكِ وكُلَّ كُتُبِ اللَّهِ المُنَزَّلَةِ ناطِقَةٌ بِذَلِكَ، فَطَلَبَ مِنهم أنْ يَأْتُوا بِكِتابٍ واحِدٍ يَشْهَدُ بِصِحَّةِ ما هم عَلَيْهِ مِن عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ. ﴿أوْ أثارَةٍ مِن عِلْمٍ﴾، أيْ بَقِيَّةٍ مِن عِلْمٍ، أيْ مِن عُلُومِ الأوَّلِينَ، مِن قَوْلِهِمْ: سَمِنَتِ النّاقَةُ عَلى أثارَةٍ مِن شَحْمٍ، أوْ عَلى بَقِيَّةِ شَحْمٍ كانَتْ بِها مِن شَحْمٍ ذاهِبٍ. والأثارَةُ تُسْتَعْمَلُ في بَقِيَّةِ الشَّرَفِ، يُقالُ: لِبَنِي فُلانٍ أثارَةٌ مِن شَرَفٍ، إذا كانَتْ عِنْدَهم شَواهِدُ قَدِيمَةٌ، وفي غَيْرِ ذَلِكَ قالَ الرّاعِي: ؎وذاتُ أثارَةٍ أكَلَتْ عَلَيْنا ∗∗∗ نَباتًا في أكِمَّتِهِ قِفارا أيْ: بَقِيَّةٍ مِن شَحْمٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿أوْ أثارَةٍ﴾، وهو مَصْدَرٌ، كالشَّجاعَةِ والسَّماحَةِ، وهي البَقِيَّةُ مِنَ الشَّيْءِ، كَأنَّها أثَرَةٌ. وقالَ الحَسَنُ: المَعْنى: مِن عِلْمٍ اسْتَخْرَجْتُمُوهُ فَتُثِيرُونَهُ. وقالَ مُجاهِدٌ: المَعْنى: هَلْ مِن أحَدٍ يَأْثِرُ عِلْمًا في ذَلِكَ ؟ وقالَ القُرْطُبِيُّ: هو الإسْنادُ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: ؎إنَّ الَّذِي فِيهِ تَمارَيْتُما ∗∗∗ بُيِّنَ لِلسّامِعِ والآثِرِ أيْ: ولِلْمُسْتَدْعِينَ غَيْرَهُ، ومِنهُ قَوْلُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: فَما خَلَّفْتُ بِهِ ذاكِرًا ولا آثِرًا. وقالَ أبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وقَتادَةُ: المَعْنى: أوْ خاصَّةٍ مِن عِلْمٍ. فاشْتِقاقُها مِنَ الأثَرَةِ، فَكَأنَّها قَدْ آثَرَ اللَّهُ بِها مَن هي عِنْدَهُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المُرادُ بِالأثارَةِ: الخَطُّ في التُّرابِ، وذَلِكَ شَيْءٌ كانَتِ العَرَبُ تَفْعَلُهُ وتَتَكَهَّنُ بِهِ وتَزْجُرُ تَفْسِيرَهُ. الأثارَةُ بِالخَطِّ يَقْتَضِي تَقْوِيَةَ أمْرِ الخَطِّ في التُّرابِ، وأنَّهُ شَيْءٌ لَيْسَ لَهُ وجْهُ إذايَةِ وقْفِ أحَدٍ إلَيْهِ. وقِيلَ: إنْ صَحَّ تَفْسِيرُابْنِ عَبّاسٍ الأثارَةَ بِالخَطِّ في التُّرابِ، كانَ ذَلِكَ مِن بابِ التَّهَكُّمِ بِهِمْ وبِأقْوالِهِمْ ودَلائِلِهِمْ. وقَرَأ عَلِيٌّ، وابْنُ عَبّاسٍ: بِخِلافٍ عَنْهُما، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ، والحَسَنُ، والسُّلَمِيُّ، والأعْمَشُ، وعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ: ”أوْ أثَرَةٍ“ بِغَيْرِ ألِفٍ، وهي واحِدَةٌ، جَمْعُها أُثُرٌ، كَقَتَرَةٍ وقُتُرٍ، وعَلِيٌّ، والسُّلَمِيُّ، وقَتادَةُ أيْضًا: بِإسْكانِ الثّاءِ، وهي الفَعْلَةُ الواحِدَةُ مِمّا يُؤْثَرُ، أيْ قَدْ قَنِعْتُ لَكم بِخَبَرٍ واحِدٍ وأثَرٍ واحِدٍ يَشْهَدُ بِصِحَّةِ قَوْلِكم. وعَنِ الكِسائِيِّ ضَمُّ الهَمْزَةِ وإسْكانُ الثّاءِ. وقالَ ابْنُ خالَوَيْهِ، وقالَ الكِسائِيُّ عَلى لُغَةٍ أُخْرى: إثْرَةٌ وأُثْرَةٌ يَعْنِي بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وضَمِّها. ﴿ومَن أضَلُّ مِمَّنْ﴾ يَعْبُدُ الأصْنامَ، وهي جَمادٌ لا قُدْرَةَ لَها عَلى اسْتِجابَةِ دُعائِهِمْ ما دامَتِ الدُّنْيا، أيْ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهم أبَدًا، ولِذَلِكَ غُيِّيَ انْتِفاءُ اسْتِجابَتِهِمْ بِقَوْلِهِ: (إلى يَوْمِ القِيامَةِ)، ومَعَ ذَلِكَ لا شُعُورَ لَهم بِعِبادَتِهِمْ إيّاهم، وهم في الآخِرَةِ أعْداءٌ لَهم، فَلَيْسَ لَهم في الدُّنْيا بِهِمْ نَفْعٌ، وهم عَلَيْهِمْ في الآخِرَةِ ضَرَرٌ، كَما قالَ تَعالى: ﴿سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ ويَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم: ٨٢] . وجاءَ ﴿مَن لا يَسْتَجِيبُ﴾، لِأنَّهم يُسْنِدُونَ إلَيْهِمْ ما يُسْنَدُ لِأُولِي العِلْمِ مِنَ الِاسْتِجابَةِ والغَفْلَةِ، وكَأنَّ ﴿مَن لا يَسْتَجِيبُ﴾ يُرادُ بِهِ مَن عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ مِن إنْسٍ وجِنٍّ وغَيْرِهِما، وغُلِّبَ مَن يَعْقِلُ، وحُمِلَ أوَّلًا عَلى لَفْظِ مَن لا يَسْتَجِيبُ، ثُمَّ عَلى المَعْنى في: وهم مِن ما بَعْدَهُ. والظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ أوَّلًا عَلى لَفْظِ ﴿مَن لا يَسْتَجِيبُ﴾، ثُمَّ عَلى المَعْنى في: وهم ما بَعْدَهُ والظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ أوَّلًا عَلى لَفْظِ مَن لا يَسْتَجِيبُ ثُمَّ عَلى المَعْنى في: وهم عَلى مَعْنى (p-٥٦)مَن في: ﴿مَن لا يَسْتَجِيبُ﴾، كَما فَسَّرْناهُ. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى مَعْنى مَن في: ﴿ومَن أضَلُّ﴾، أيْ والكُفّارُ عَنْ ضَلالِهِمْ بِأنَّهم يَدْعُونَ مَن لا يَسْتَجِيبُ. (غافِلُونَ): لا يَتَأمَّلُونَ ما عَلَيْهِمْ في دُعائِهِمْ مَن هَذِهِ صِفَتُهُ. ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ﴾: جَمْعُ بَيِّنَةٍ، وهي الحُجَّةُ الواضِحَةُ. واللّامُ في (لِلْحَقِّ)، لامُ العِلَّةِ، أيْ لِأجْلِ الحَقِّ. وأتى بِالظّاهِرَيْنِ بَدَلَ المُضْمَرَيْنِ في ﴿قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ﴾، ولَمْ يَأْتِ التَّرْكِيبُ: قالُوا لَها، تَنْبِيهًا عَلى الوَصْفَيْنِ وصْفِ المَتْلُوِّ عَلَيْهِمْ بِالكُفْرِ، ووَصْفِ المَتْلُوِّ عَلَيْهِمْ بِالحَقِّ، ولَوْ جاءَ بِهِما الوَصْفَيْنِ، لَمْ يَكُنْ في ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى الوَصْفَيْنِ مِن حَيْثُ اللَّفْظُ، وإنْ كانَ مَن سَمّى الآياتِ سِحْرًا هو كافِرٌ، والآياتُ في نَفْسِها حَقٌّ، فَفي ذِكْرِهِما ظاهِرَيْنِ، يَسْتَحِيلُ عَلى القائِلِينَ بِالكُفْرِ، وعَلى المَتْلُوِّ بِالحَقِّ. وفي قَوْلِهِ: (لَمّا جاءَهم) تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهم لَمْ يَتَأمَّلُوا ما يُتْلى عَلَيْهِمْ، بَلْ بادَرُوا أوَّلَ سَماعِهِ إلى نِسْبَتِهِ إلى السِّحْرِ عِنادًا وظُلْمًا، ووَصَفُوهُ بِمُبِينٍ، أيْ ظاهِرٍ، إنَّهُ سِحْرٌ لا شُبْهَةَ فِيهِ. ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾: أيْ بَلْ يَقُولُونَ افْتَراهُ، أيْ بَلْ أيَقُولُونَ اخْتَلَقَهُ ؟ انْتَقَلُوا مِن قَوْلِهِمْ: ﴿هَذا سِحْرٌ﴾ إلى هَذِهِ المَقالَةِ الأُخْرى. والضَّمِيرُ في افْتَراهُ عائِدٌ إلى الحَقِّ، والمُرادُ بِهِ الآياتُ. ﴿قُلْ إنِ افْتَرَيْتُهُ﴾، عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ، فاللَّهُ حَسْبِي في ذَلِكَ، وهو الَّذِي يُعاقِبُنِي عَلى الِافْتِراءِ عَلَيْهِ، ولا يُمْهِلُنِي، فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِن رَدِّ عُقُوبَةِ اللَّهِ بِي شَيْئًا. فَكَيْفَ أفْتَرِيهِ وأتَعَرَّضُ لِعِقابِهِ ؟ يُقالُ: فُلانٌ لا يَمْلِكُ إذا غَضِبَ، ولا يَمْلِكُ عِنانَهُ إذا صُمَّ، ومِثْلُهُ: ﴿فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إنْ أرادَ أنْ يُهْلِكَ المَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ١٧] ؟ ﴿ومَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [المائدة: ٤١] . ومِنهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”لا أمْلِكُ لَكم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا“ . ثُمَّ اسْتَسْلَمَ إلى اللَّهِ واسْتَنْصَرَ بِهِ فَقالَ: ﴿هُوَ أعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ﴾: أيْ تَنْدَفِعُونَ فِيهِ مِنَ الباطِلِ - ومُرادُهُ الحَقُّ - وتَسْمِيَتِهِ تارَةً سِحْرًا وتارَةً فِرْيَةً. والضَّمِيرُ في فِيهِ يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى ما، أوْ عَلى القُرْآنِ، وبِهِ في مَوْضِعِ الفاعِلِ يَكْفِي عَلى أصَحِّ الأقْوالِ. ﴿شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾: شَهِيدًا لِي بِالتَّبْلِيغِ والدُّعاءِ إلَيْهِ، وشَهِيدًا عَلَيْكم بِالتَّكْذِيبِ. (وهو الغَفُورُ الرَّحِيمُ): عِدَةٌ لَهم بِالغُفْرانِ والرَّحْمَةِ إنْ رَجَعُوا عَنِ الكُفْرِ، وإشْعارٌ بِحِلْمِهِ تَعالى عَلَيْهِمْ، إذْ لَمْ يُعاجِلْهم بِالعِقابِ، إذْ كانَ ما تَقَدَّمَ تَهْدِيدًا لَهم في أنْ يُعاجِلَهم عَلى كُفْرِهِمْ. ﴿قُلْ ما كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾: أيْ جاءَ قَبْلِي غَيْرِي، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، والبِدْعُ والبَدِيعُ: مِنَ الأشْياءِ ما لَمْ يُرَ مِثْلُهُ، ومِنهُ قَوْلُ عَدِيِّ بْنِ زَيْدٍ، أنْشَدَهُ قُطْرُبٌ: ؎فَما أنا بِدْعٌ مِن حَوادِثَ تَعْتَرِي ∗∗∗ رِجالًا عَرَتْ مِن بَعْدِ بُؤْسِي فَأسْعَدَ والبِدْعُ والبَدِيعُ: كالخِفِّ والخَفِيفِ، والبِدْعَةُ: ما اخْتُرِعَ مِمّا لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا، وأبْدَعَ الشّاعِرُ: جاءَ بِالبَدِيعِ، وشَيْءٌ بِدْعٌ، بِالكَسْرِ: أيْ مُبْتَدَعٌ، وفُلانٌ بِدْعٌ في هَذا الأمْرِ: أيْ بَدِيعٌ، وقَوْمٌ أبْداعٌ، عَنِ الأخْفَشِ. وقَرَأ عِكْرِمَةُ، وأبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِفَتْحِ الدّالِ، جَمْعُ بِدْعَةٍ، وهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ ذا بِدَعٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِفَةً عَلى فِعَلٍ، كَقَوْلِهِمْ: دِينٌ قِيَمٌ ولَحْمٌ زِيَمٌ. انْتَهى. وهَذا الَّذِي أجازَهُ، إنْ لَمْ يُنْقَلِ اسْتِعْمالُهُ عَنِ العَرَبِ، لَمْ نُجِزْهُ، لِأنَّ فِعَلَ في الصِّفاتِ لَمْ يَحْفَظْ مِنهُ سِيبَوَيْهِ إلّا عِدى. قالَ سِيبَوَيْهِ: ولا نَعْلَمُهُ جاءَ صِفَةً إلّا في حَرْفٍ مُعْتَلٍّ يُوصَفُ بِهِ الجَمْعُ، وهو قَوْمٌ عِدى، وقَدِ اسْتَدْرَكَ، واسْتِدْراكُهُ صَحِيحٌ. وأمّا قِيَمٌ، فَأصْلُهُ قِيامٌ، وقِيَمٌ مَقْصُورٌ مِنهُ، ولِذَلِكَ اعْتَلَّتِ الواوُ فِيهِ، إذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ مَقْصُورًا لَصَحَّتْ، كَما صَحَّتْ في حِوَلٍ وعِوَضٍ. وأمّا قَوْلُ العَرَبِ: مَكانٌ سِوى، وماءٌ رِوى، ورَجُلٌ رِضى، وماءٌ صِرى، وسَبْيٌ طِيَبَةٌ، فَمُتَأوَّلَةٌ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ لا يُثْبِتُونَ بِها فِعَلًا في الصِّفاتِ. وعَنْ مُجاهِدٍ، وأبِي حَيْوَةَ: بَدِعًا، بِفَتْحِ الباءِ وكَسْرِ الدّالِ، كَحَذِرٍ. ﴿وما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكُمْ﴾: أيْ فِيما يُسْتَقْبَلُ مِنَ الزَّمانِ، أيْ لا أعْلَمُ ما لِي بِالغَيْبِ، فَأفْعالُهُ تَعالى، وما يُقَدَّرُ لِي ولَكم مِن قَضاياهُ، لا أعْلَمُها. وعَنِ الحَسَنِ وجَماعَةٍ: وما أدْرِي ما يَصِيرُ إلَيْهِ أمْرِي وأمْرُكم في الدُّنْيا، ومَنِ الغالِبُ مِنّا والمَغْلُوبُ ؟ وعَنِ الكَلْبِيِّ، قالَ لَهُ أصْحابُهُ، (p-٥٧)وقَدْ ضَجِرُوا مِن أذى المُشْرِكِينَ: حَتّى مَتى نَكُونُ عَلى هَذا ؟ فَقالَ: ما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكم أأنْزِلُ بِمَكَّةَ ؟ أمْ أُومَرُ بِالخُرُوجِ إلى أرْضٍ قَدْ رُفِعَتْ ورَأيْتُها، يَعْنِي في مَنامِهِ، ذاتَ نَخْلٍ وشَجَرٍ ؟ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وأنَسُ بْنُ مالِكٍ، وقَتادَةُ، والحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ: مَعْناهُ في الآخِرَةِ، وكانَ هَذا في صَدْرِ الإسْلامِ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ عَرَّفَهُ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ قَدْ غَفَرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ وما تَأخَّرَ، وأنَّ المُؤْمِنِينَ لَهم مِنَ اللَّهِ فَضْلٌ كَبِيرٌ وهو الجَنَّةُ، وبِأنَّ الكافِرِينَ في نارِ جَهَنَّمَ، وهَذا القَوْلُ لَيْسَ بِظاهِرٍ، بَلْ قَدْ أعْلَمَ سُبْحانَهُ مِن أوَّلِ الرِّسالَةِ حالَ الكافِرِ وحالَ المُؤْمِنِ. وقِيلَ: ﴿ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكُمْ﴾ مِنَ الأوامِرِ والنَّواهِي، وما يَلْزَمُ الشَّرِيعَةَ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في أمْرٍ كانَ النَّبِيُّ ﷺ يَنْتَظِرُهُ مِنَ اللَّهِ في غَيْرِ الثَّوابِ والعِقابِ. ﴿إنْ أتَّبِعُ إلّا ما يُوحى إلَيَّ﴾: اسْتِسْلامٌ وتَبَرُّؤٌ مِن عِلْمِ المُغَيَّباتِ، ووُقُوفٌ مَعَ النِّذارَةِ إلّا مِن عَذابِ اللَّهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ما يُفْعَلُ بِضَمِّ الياءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِفَتْحِها. والظّاهِرُ أنَّ ما اسْتِفْهامِيَّةٌ، وأدْرِي مُعَلَّقَةٌ، فَجُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِ مَوْصُولَةٌ مَنصُوبَةٌ. انْتَهى. والفَصِيحُ المَشْهُورُ أنَّ دَرى يَتَعَدّى بِالباءِ، ولِذَلِكَ حِينَ عُدِّيَ بِهَمْزَةِ النَّقْلِ يَتَعَدّى بِالباءِ، نَحْوُ قَوْلِهِ: ﴿ولا أدْراكم بِهِ﴾ [يونس: ١٦]، فَجَعْلُ ما اسْتِفْهامِيَّةً هو الأوْلى والأجْوَدُ، وكَثِيرًا ما عُلِّقَتْ في القُرْآنِ نَحْوُ: ﴿وإنْ أدْرِي أقَرِيبٌ﴾ [الأنبياء: ١٠٩]، و”يُفْعَلُ“ مُثْبَتٌ غَيْرُ مَنفِيٍّ، لَكِنَّهُ قَدِ انْسَحَبَ عَلَيْهِ النَّفْيُ، لِاشْتِمالِهِ عَلى ما و”يُفْعَلُ“ . فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿ولا بِكُمْ﴾ . ولَوْلا اعْتِبارُ النَّفْيِ، لَكانَ التَّرْكِيبُ ﴿ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكُمْ﴾ . ألا تَرى زِيادَةَ مَن في قَوْلِهِ: ﴿أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكم مِن خَيْرٍ﴾ [البقرة: ١٠٥] ؟ لِانْسِحابِ قَوْلِهِ: ﴿ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة: ١٠٥] عَلى يَوَدُّ وعَلى مُتَعَلِّقِ يَوَدُّ، وهو أنْ يُنَزَّلَ، فَإذا انْتَفَتْ وِدادَةُ التَّنْزِيلِ انْتَفى التَّنْزِيلُ. وقَرَأ ابْنُ عُمَيْرٍ: ما يُوحِي. بِكَسْرِ الحاءِ، أيِ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ. (قُلْ أرَأيْتُمْ): مَفْعُولا أرَأيْتُمْ مَحْذُوفانِ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِما، والتَّقْدِيرُ: أرَأيْتُمْ حالَكم إنْ كانَ كَذا ؟ ألَسْتُمْ ظالِمِينَ ؟ فالأوَّلُ حالُكم، والثّانِي ألَسْتُمْ ظالِمِينَ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ، أيْ فَقَدْ ظَلَمْتُمْ، ولِذَلِكَ جاءَ فِعْلُ الشَّرْطِ ماضِيًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: جَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: إنْ كانَ هَذا القُرْآنُ مِن عِنْدِ اللَّهِ وكَفَرْتُمْ بِهِ، ألَسْتُمْ ظالِمِينَ ؟ ويَدُلُّ عَلى هَذا المَحْذُوفِ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ . انْتَهى. وجُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِ لا تَكُونُ جَوابًا لِلشَّرْطِ إلّا بِالفاءِ. فَإنْ كانَتِ الأداةُ الهَمْزَةَ، تَقَدَّمَتِ الفاءُ نَحْوُ: إنْ تَزُرْنا، أفَما نُحْسِنُ إلَيْكَ ؟ أوْ غَيْرَها تَقَدَّمَتِ الفاءُ نَحْوُ: إنْ تَزُرْنا، فَهَلْ تَرى إلّا خَيْرًا ؟ فَقَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ: ألَسْتُمْ ظالِمِينَ ؟ بِغَيْرِ فاءٍ، لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَوابَ الشَّرْطِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وأرَأيْتُمْ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مُنَبِّهَةً، فَهي لَفْظٌ مَوْضُوعٌ لِلسُّؤالِ لا يَقْتَضِي مَفْعُولًا. ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ: كانَ وما عَمِلَتْ فِيهِ، تَسُدُّ مَسَدَّ مَفْعُولَيْها. انْتَهى. وهَذا خِلافُ ما قَرَّرَهُ مُحَقِّقُو النُّحاةِ في أرَأيْتُمْ. وقِيلَ: جَوابُ الشَّرْطِ. ﴿فَآمَنَ واسْتَكْبَرْتُمْ﴾: أيْ فَقَدْ آمَنَ مُحَمَّدٌ بِهِ، أوِ الشّاهِدُ، واسْتَكْبَرْتُمْ أنْتُمْ عَنِ الإيمانِ. وقالَ الحَسَنُ: تَقْدِيرُهُ فَمَن أضَلُّ مِنكم. وقِيلَ: فَمَنِ المُحِقُّ مِنّا ومِنكم، ومَنِ المُبْطِلُ ؟ وقِيلَ: إنَّما تَهْلِكُونَ، والضَّمِيرُ في بِهِ عائِدٌ عَلى ما عادَ عَلَيْهِ اسْمُ كانَ، وهو القُرْآنُ. وقالَ الشَّعْبِيُّ: يَعُودُ عَلى الرَّسُولِ. والشّاهِدُ عَبَدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ، قالَهُ الجُمْهُورُ، وابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ سِيرِينَ، والآيَةُ مَدَنِيَّةٌ. وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ: نَزَلَتْ فِيَّ آياتٌ مِن كِتابِ اللَّهِ، نَزَلَتْ فِيَّ ﴿وشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ فَآمَنَ واسْتَكْبَرْتُمْ﴾ . وقالَ مَسْرُوقٌ: الشّاهِدُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، لا ابْنُ سَلامٍ، (p-٥٨)لِأنَّهُ أسْلَمَ بِالمَدِينَةِ، والسُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، والخِطابُ في ﴿وكَفَرْتُمْ بِهِ﴾ لِقُرَيْشٍ. وقالَ الشَّعْبِيُّ: الشّاهِدُ مَن آمَنَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ بِمُوسى والتَّوْراةِ، لِأنَّ ابْنَ سَلامٍ أسْلَمَ قَبْلَ وفاةِ النَّبِيِّ ﷺ بِعامَيْنِ، والسُّورَةُ مَكِّيَّةٌ. وقالَ سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ، ومُجاهِدٌ، وفِرْقَةٌ: الآيَةُ مَكِّيَّةٌ، والشّاهِدُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ، وهي مِنَ الآياتِ الَّتِي تَضَمَّنَتْ غَيْبًا أبْرَزَهُ الوُجُودُ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ مَذْكُورٌ في الصَّحِيحِ، وفِيهِ بُهْتٌ لِلْيَهُودِ لَعَنَهُمُ اللَّهُ. ومِن كَذِبِ اليَهُودِ وجَهْلِهِمْ بِالتّارِيخِ، ما يَعْتَقِدُونَهُ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ، أنَّهُ ﷺ حِينَ سافَرَ إلى الشّامِ في تِجارَةٍ لِخَدِيجَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها، اجْتَمَعَ بِأحْبارِ اليَهُودِ وقَصَّ عَلَيْهِمْ أحْلامَهُ، فَعَلِمُوا أنَّهُ صاحِبُ دَوْلَةٍ، وعَمُوا، فَأصْحَبُوهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلامٍ، فَقَرَأ عُلُومَ التَّوْراةِ وفِقْهَها مُدَّةً، زَعَمُوا وأفْرَطُوا في كَذِبِهِمْ، إلى أنْ نَسَبُوا الفَصاحَةَ المُعْجِزَةَ الَّتِي في القُرْآنِ إلى تَأْلِيفِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ، وعَبْدُ اللَّهِ هَذا لَمْ تُعْلَمْ لَهُ إقامَةٌ بِمَكَّةَ ولا تَرَدَّدَ إلَيْها. فَما أكْذَبَ اليَهُودَ وأبْهَتَهم لَعَنَهُمُ اللَّهُ. وناهِيكَ مِن طائِفَةٍ ما ذُمَّ في القُرْآنِ طائِفَةٌ مِثْلُها.

الأحقاف 46:2

سُورَةُ الأحْقافِ خَمْسٌ وثَلاثُونَ آيَةً مَكِّيَّةٌ (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) (p-٥٣)﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ ﴿ما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلّا بِالحَقِّ وأجَلٍ مُسَمًّى والَّذِينَ كَفَرُوا عَمّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الأرْضِ أمْ لَهم شِرْكٌ في السَّماواتِ اِئْتُونِي بِكِتابٍ مِن قَبْلِ هَذا أوْ أثارَةٍ مِن عِلْمٍ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿ومَن أضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ وهم عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ﴾ ﴿وإذا حُشِرَ النّاسُ كانُوا لَهم أعْداءً وكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ﴾ ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمّا جاءَهم هَذا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ إنِ افْتَرَيْتُهُ فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا هو أعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ كَفى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكم وهو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿قُلْ ما كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكم إنْ أتَّبِعُ إلّا ما يُوحى إلَيَّ وما أنا إلّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ وكَفَرْتُمْ بِهِ وشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ فَآمَنَ واسْتَكْبَرْتُمْ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ وإذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذا إفْكٌ قَدِيمٌ﴾ [الأحقاف: ١١] ﴿ومِن قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إمامًا ورَحْمَةً وهَذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ لِسانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وبُشْرى لِلْمُحْسِنِينَ﴾ [الأحقاف: ١٢] ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ [الأحقاف: ١٣] ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأحقاف: ١٤] ﴿ووَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ إحْسانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا ووَضَعَتْهُ كُرْهًا وحَمْلُهُ وفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا حَتّى إذا بَلَغَ أشُدَّهُ وبَلَغَ أرْبَعِينَ سَنَةً قالَ رَبِّ أوْزِعْنِي أنْ أشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أنْعَمْتَ عَلَيَّ وعَلى والِدَيَّ وأنْ أعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ وأصْلِحْ لِي في ذُرِّيَّتِي إنِّي تُبْتُ إلَيْكَ وإنِّي مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ [الأحقاف: ١٥] ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهم أحْسَنَ ما عَمِلُوا ونَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ في أصْحابِ الجَنَّةِ وعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ﴾ [الأحقاف: ١٦] ﴿والَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما أتَعِدانِنِي أنْ أُخْرَجَ وقَدْ خَلَتِ القُرُونُ مِن قَبْلِي وهُما يَسْتَغِيثانِ اللَّهَ ويْلَكَ آمِن إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ ما هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [الأحقاف: ١٧] ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ في أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ إنَّهم كانُوا خاسِرِينَ﴾ [الأحقاف: ١٨] ﴿ولِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا ولِيُوَفِّيَهم أعْمالَهم وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ [الأحقاف: ١٩] ﴿ويَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلى النّارِ أذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكم في حَياتِكُمُ الدُّنْيا واسْتَمْتَعْتُمْ بِها فاليَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الهُونِ بِما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وبِما كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ﴾ [الأحقاف: ٢٠] ﴿واذْكُرْ أخا عادٍ إذْ أنْذَرَ قَوْمَهُ بِالأحْقافِ وقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ ألّا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الأحقاف: ٢١] ﴿قالُوا أجِئْتَنا لِتَأْفِكَنا عَنْ آلِهَتِنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [الأحقاف: ٢٢] ﴿قالَ إنَّما العِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وأُبَلِّغُكم ما أُرْسِلْتُ بِهِ ولَكِنِّي أراكم قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ [الأحقاف: ٢٣] ﴿فَلَمّا رَأوْهُ عارِضًا مُسْتَقْبِلَ أوْدِيَتِهِمْ قالُوا هَذا عارِضٌ مُمْطِرُنا بَلْ هو ما اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [الأحقاف: ٢٤] ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأمْرِ رَبِّها فَأصْبَحُوا لا يُرى إلّا مَساكِنُهم كَذَلِكَ نَجْزِي القَوْمَ المُجْرِمِينَ﴾ [الأحقاف: ٢٥] ﴿ولَقَدْ مَكَّنّاهم فِيما إنْ مَكَّنّاكم فِيهِ وجَعَلْنا لَهم سَمْعًا وأبْصارًا وأفْئِدَةً فَما أغْنى عَنْهم سَمْعُهم ولا أبْصارُهم ولا أفْئِدَتُهم مِن شَيْءٍ إذْ كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الأحقاف: ٢٦] ﴿ولَقَدْ أهْلَكْنا ما حَوْلَكم مِنَ القُرى وصَرَّفْنا الآياتِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ [الأحقاف: ٢٧] ﴿فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ قُرْبانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهم وذَلِكَ إفْكُهم وما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [الأحقاف: ٢٨] ﴿وإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ فَلَمّا حَضَرُوهُ قالُوا أنْصِتُوا فَلَمّا قُضِيَ ولَّوْا إلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٢٩] ﴿قالُوا يا قَوْمَنا إنّا سَمِعْنا كِتابًا أُنْزِلَ مِن بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إلى الحَقِّ وإلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأحقاف: ٣٠] ﴿يا قَوْمَنا أجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ وآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكم ويُجِرْكم مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الأحقاف: ٣١] ﴿ومَن لا يُجِبْ داعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ في الأرْضِ ولَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أوْلِياءُ أُولَئِكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الأحقاف: ٣٢] ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ ولَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى بَلى إنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأحقاف: ٣٣] ﴿ويَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلى النّارِ ألَيْسَ هَذا بِالحَقِّ قالُوا بَلى ورَبِّنا قالَ فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ [الأحقاف: ٣٤] ﴿فاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُو العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ ولا تَسْتَعْجِلْ لَهم كَأنَّهم يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إلّا ساعَةً مِن نَهارٍ بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إلّا القَوْمُ الفاسِقُونَ﴾ [الأحقاف: ٣٥] الحِقْفُ: رَمْلٌ مُسْتَطِيلٌ مُرْتَفِعٌ فِيهِ اعْوِجاجٌ وانْحِناءٌ، ومِنهُ احْقَوْقَفَ الشَّيْءُ: اعْوَجَّ. قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: ؎فَلَمّا أجَزْنا ساحَةَ الحَيِّ وانْتَحى بِنا بَطْنُ حِقْفٍ ذِي رُكامٍ عَقَنْقَلِ عَيِيَ بِالأمْرِ: إذا لَمْ تَعْرِفْ جِهَتَهُ، ويَجُوزُ فِيهِ الإدْغامُ فَتَقُولُ: عَيَّ، كَما قُلْتَ في حَيِيَ: حَيَّ. قالَ الشّاعِرُ: ؎عَيُّوا بِأمْرِهِمُ كَما ∗∗∗ عَيَّتْ بِبَيْضَتِها الحَمامَهْ (p-٥٤)﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ ﴿ما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلّا بِالحَقِّ وأجَلٍ مُسَمًّى والَّذِينَ كَفَرُوا عَمّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الأرْضِ أمْ لَهم شِرْكٌ في السَّماواتِ اِئْتُونِي بِكِتابٍ مِن قَبْلِ هَذا أوْ أثارَةٍ مِن عِلْمٍ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿ومَن أضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ وهم عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ﴾ ﴿وإذا حُشِرَ النّاسُ كانُوا لَهم أعْداءً وكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ﴾ ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمّا جاءَهم هَذا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ إنِ افْتَرَيْتُهُ فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا هو أعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ كَفى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكم وهو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿قُلْ ما كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكم إنْ أتَّبِعُ إلّا ما يُوحى إلَيَّ وما أنا إلّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ وكَفَرْتُمْ بِهِ وشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ فَآمَنَ واسْتَكْبَرْتُمْ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ . هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ، أنَّ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ . و﴿فاصْبِرْ كَما صَبَرَ﴾ [الأحقاف: ٣٥]، الآيَتَيْنِ مَدَنِيَّتانِ. ومُناسَبَةُ أوَّلِها لِما قَبْلَها، أنَّ في آخِرِ ما قَبْلَها: ﴿ذَلِكم بِأنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آياتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ [الجاثية: ٣٥]، وقُلْتُمْ: إنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ اخْتَلَقَها، فَقالَ تَعالى: ﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ . وهاتانِ الصِّفَتانِ هُما آخَرُ تِلْكَ، وهُما أوَّلُ هَذِهِ. ﴿وأجَلٍ مُسَمًّى﴾: أيْ مَوْعِدٍ لِفَسادِ هَذِهِ البِنْيَةِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو القِيامَةُ، وقالَ غَيْرُهُ: أيْ أجَلِ كُلِّ مَخْلُوقٍ. (عَنْ ما أُنْذِرُوا): يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ ما مَصْدَرِيَّةً، وأنْ تَكُونَ بِمَعْنى الَّذِي. ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ ما تَدْعُونَ﴾: مَعْناهُ أخْبِرُونِي عَنِ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ، وهي الأصْنامُ. ﴿أرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الأرْضِ﴾: اسْتِفْهامُ تَوْبِيخٍ، ومَفْعُولُ ”أرَأيْتُمْ“ الأوَّلُ هو ”ما تَدْعُونَ“ . وماذا خَلَقُوا: جُمْلَةٌ اسْتِفْهامِيَّةٌ يَطْلُبُها أرَأيْتُمْ، لِأنَّ مَفْعُولَها الثّانِيَ يَكُونُ اسْتِفْهامًا، ويَطْلُبُها أرُونِي عَلى سَبِيلِ التَّعْلِيقِ، فَهَذا مِن بابِ الإعْمالِ، أُعْمِلَ الثّانِي وحُذِفَ مَفْعُولُ ”أرَأيْتُمْ“ الثّانِي. ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ أرُونِي تَوْكِيدًا لِـ ”أرَأيْتُمْ“، بِمَعْنى أخْبِرُونِي، وأرُونِي: أخْبِرُونِي، كَأنَّهُما بِمَعْنًى واحِدٍ. (p-٥٥)وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يَحْتَمِلُ أرَأيْتُمْ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ تَكُونَ مُتَعَدِّيَةً، وما مَفْعُولَةً بِها، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ أرَأيْتُمْ مُنَبِّهَةً لا تَتَعَدّى، وتَكُونَ ما اسْتِفْهامًا عَلى مَعْنى التَّوْبِيخِ، وتَدْعُونَ مَعْناهُ: تَعْبُدُونَ. انْتَهى. وكَوْنُ أرَأيْتُمْ لا تَتَعَدّى، وأنَّها مُنَبِّهَةٌ، فِيهِ شَيْءٌ، قالَهُ الأخْفَشُ في قَوْلِهِ: ﴿قالَ أرَأيْتَ إذْ أوَيْنا إلى الصَّخْرَةِ﴾ [الكهف: ٦٣] . والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ ما تَدْعُونَ مَفْعُولُ أرَأيْتُمْ، كَما هو في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ شُرَكاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ﴾ [فاطر: ٤٠] في سُورَةِ فاطِرٍ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظِيرِ هَذِهِ الجُمْلَةِ فِيها. وقَدْ أُمْضِيَ الكَلامُ في أرَأيْتُمْ في سُورَةِ الأنْعامِ، فَيُطالَعُ هُناكَ: و(مِنَ الأرْضِ)، تَفْسِيرٌ لِلْمُبْهَمِ في: (ماذا خَلَقُوا) . والظّاهِرُ أنَّهُ يُرِيدُ مِن أجْزاءِ الأرْضِ، أيْ: خَلْقُ ذَلِكَ إنَّما هو لِلَّهِ، أوْ يَكُونُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ مِنَ العالِي عَلى الأرْضِ، أيْ عَلى وجْهِها مِن حَيَوانٍ أوْ غَيْرِهِ. ثُمَّ وقَفَهم عَلى عِبارَتِهِمْ فَقالَ: (أمْ لَهم): أيْ: بَلْ. ﴿أمْ لَهم شِرْكٌ في السَّماواتِ اِئْتُونِي بِكِتابٍ مِن قَبْلِ هَذا﴾: أيْ مِن قَبْلِ هَذا الكِتابِ، وهو القُرْآنُ، يَعْنِي أنَّ هَذا القُرْآنَ ناطِقٌ بِالتَّوْحِيدِ وبِإبْطالِ الشِّرْكِ وكُلَّ كُتُبِ اللَّهِ المُنَزَّلَةِ ناطِقَةٌ بِذَلِكَ، فَطَلَبَ مِنهم أنْ يَأْتُوا بِكِتابٍ واحِدٍ يَشْهَدُ بِصِحَّةِ ما هم عَلَيْهِ مِن عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ. ﴿أوْ أثارَةٍ مِن عِلْمٍ﴾، أيْ بَقِيَّةٍ مِن عِلْمٍ، أيْ مِن عُلُومِ الأوَّلِينَ، مِن قَوْلِهِمْ: سَمِنَتِ النّاقَةُ عَلى أثارَةٍ مِن شَحْمٍ، أوْ عَلى بَقِيَّةِ شَحْمٍ كانَتْ بِها مِن شَحْمٍ ذاهِبٍ. والأثارَةُ تُسْتَعْمَلُ في بَقِيَّةِ الشَّرَفِ، يُقالُ: لِبَنِي فُلانٍ أثارَةٌ مِن شَرَفٍ، إذا كانَتْ عِنْدَهم شَواهِدُ قَدِيمَةٌ، وفي غَيْرِ ذَلِكَ قالَ الرّاعِي: ؎وذاتُ أثارَةٍ أكَلَتْ عَلَيْنا ∗∗∗ نَباتًا في أكِمَّتِهِ قِفارا أيْ: بَقِيَّةٍ مِن شَحْمٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿أوْ أثارَةٍ﴾، وهو مَصْدَرٌ، كالشَّجاعَةِ والسَّماحَةِ، وهي البَقِيَّةُ مِنَ الشَّيْءِ، كَأنَّها أثَرَةٌ. وقالَ الحَسَنُ: المَعْنى: مِن عِلْمٍ اسْتَخْرَجْتُمُوهُ فَتُثِيرُونَهُ. وقالَ مُجاهِدٌ: المَعْنى: هَلْ مِن أحَدٍ يَأْثِرُ عِلْمًا في ذَلِكَ ؟ وقالَ القُرْطُبِيُّ: هو الإسْنادُ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: ؎إنَّ الَّذِي فِيهِ تَمارَيْتُما ∗∗∗ بُيِّنَ لِلسّامِعِ والآثِرِ أيْ: ولِلْمُسْتَدْعِينَ غَيْرَهُ، ومِنهُ قَوْلُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: فَما خَلَّفْتُ بِهِ ذاكِرًا ولا آثِرًا. وقالَ أبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وقَتادَةُ: المَعْنى: أوْ خاصَّةٍ مِن عِلْمٍ. فاشْتِقاقُها مِنَ الأثَرَةِ، فَكَأنَّها قَدْ آثَرَ اللَّهُ بِها مَن هي عِنْدَهُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المُرادُ بِالأثارَةِ: الخَطُّ في التُّرابِ، وذَلِكَ شَيْءٌ كانَتِ العَرَبُ تَفْعَلُهُ وتَتَكَهَّنُ بِهِ وتَزْجُرُ تَفْسِيرَهُ. الأثارَةُ بِالخَطِّ يَقْتَضِي تَقْوِيَةَ أمْرِ الخَطِّ في التُّرابِ، وأنَّهُ شَيْءٌ لَيْسَ لَهُ وجْهُ إذايَةِ وقْفِ أحَدٍ إلَيْهِ. وقِيلَ: إنْ صَحَّ تَفْسِيرُابْنِ عَبّاسٍ الأثارَةَ بِالخَطِّ في التُّرابِ، كانَ ذَلِكَ مِن بابِ التَّهَكُّمِ بِهِمْ وبِأقْوالِهِمْ ودَلائِلِهِمْ. وقَرَأ عَلِيٌّ، وابْنُ عَبّاسٍ: بِخِلافٍ عَنْهُما، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ، والحَسَنُ، والسُّلَمِيُّ، والأعْمَشُ، وعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ: ”أوْ أثَرَةٍ“ بِغَيْرِ ألِفٍ، وهي واحِدَةٌ، جَمْعُها أُثُرٌ، كَقَتَرَةٍ وقُتُرٍ، وعَلِيٌّ، والسُّلَمِيُّ، وقَتادَةُ أيْضًا: بِإسْكانِ الثّاءِ، وهي الفَعْلَةُ الواحِدَةُ مِمّا يُؤْثَرُ، أيْ قَدْ قَنِعْتُ لَكم بِخَبَرٍ واحِدٍ وأثَرٍ واحِدٍ يَشْهَدُ بِصِحَّةِ قَوْلِكم. وعَنِ الكِسائِيِّ ضَمُّ الهَمْزَةِ وإسْكانُ الثّاءِ. وقالَ ابْنُ خالَوَيْهِ، وقالَ الكِسائِيُّ عَلى لُغَةٍ أُخْرى: إثْرَةٌ وأُثْرَةٌ يَعْنِي بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وضَمِّها. ﴿ومَن أضَلُّ مِمَّنْ﴾ يَعْبُدُ الأصْنامَ، وهي جَمادٌ لا قُدْرَةَ لَها عَلى اسْتِجابَةِ دُعائِهِمْ ما دامَتِ الدُّنْيا، أيْ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهم أبَدًا، ولِذَلِكَ غُيِّيَ انْتِفاءُ اسْتِجابَتِهِمْ بِقَوْلِهِ: (إلى يَوْمِ القِيامَةِ)، ومَعَ ذَلِكَ لا شُعُورَ لَهم بِعِبادَتِهِمْ إيّاهم، وهم في الآخِرَةِ أعْداءٌ لَهم، فَلَيْسَ لَهم في الدُّنْيا بِهِمْ نَفْعٌ، وهم عَلَيْهِمْ في الآخِرَةِ ضَرَرٌ، كَما قالَ تَعالى: ﴿سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ ويَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم: ٨٢] . وجاءَ ﴿مَن لا يَسْتَجِيبُ﴾، لِأنَّهم يُسْنِدُونَ إلَيْهِمْ ما يُسْنَدُ لِأُولِي العِلْمِ مِنَ الِاسْتِجابَةِ والغَفْلَةِ، وكَأنَّ ﴿مَن لا يَسْتَجِيبُ﴾ يُرادُ بِهِ مَن عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ مِن إنْسٍ وجِنٍّ وغَيْرِهِما، وغُلِّبَ مَن يَعْقِلُ، وحُمِلَ أوَّلًا عَلى لَفْظِ مَن لا يَسْتَجِيبُ، ثُمَّ عَلى المَعْنى في: وهم مِن ما بَعْدَهُ. والظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ أوَّلًا عَلى لَفْظِ ﴿مَن لا يَسْتَجِيبُ﴾، ثُمَّ عَلى المَعْنى في: وهم ما بَعْدَهُ والظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ أوَّلًا عَلى لَفْظِ مَن لا يَسْتَجِيبُ ثُمَّ عَلى المَعْنى في: وهم عَلى مَعْنى (p-٥٦)مَن في: ﴿مَن لا يَسْتَجِيبُ﴾، كَما فَسَّرْناهُ. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى مَعْنى مَن في: ﴿ومَن أضَلُّ﴾، أيْ والكُفّارُ عَنْ ضَلالِهِمْ بِأنَّهم يَدْعُونَ مَن لا يَسْتَجِيبُ. (غافِلُونَ): لا يَتَأمَّلُونَ ما عَلَيْهِمْ في دُعائِهِمْ مَن هَذِهِ صِفَتُهُ. ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ﴾: جَمْعُ بَيِّنَةٍ، وهي الحُجَّةُ الواضِحَةُ. واللّامُ في (لِلْحَقِّ)، لامُ العِلَّةِ، أيْ لِأجْلِ الحَقِّ. وأتى بِالظّاهِرَيْنِ بَدَلَ المُضْمَرَيْنِ في ﴿قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ﴾، ولَمْ يَأْتِ التَّرْكِيبُ: قالُوا لَها، تَنْبِيهًا عَلى الوَصْفَيْنِ وصْفِ المَتْلُوِّ عَلَيْهِمْ بِالكُفْرِ، ووَصْفِ المَتْلُوِّ عَلَيْهِمْ بِالحَقِّ، ولَوْ جاءَ بِهِما الوَصْفَيْنِ، لَمْ يَكُنْ في ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى الوَصْفَيْنِ مِن حَيْثُ اللَّفْظُ، وإنْ كانَ مَن سَمّى الآياتِ سِحْرًا هو كافِرٌ، والآياتُ في نَفْسِها حَقٌّ، فَفي ذِكْرِهِما ظاهِرَيْنِ، يَسْتَحِيلُ عَلى القائِلِينَ بِالكُفْرِ، وعَلى المَتْلُوِّ بِالحَقِّ. وفي قَوْلِهِ: (لَمّا جاءَهم) تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهم لَمْ يَتَأمَّلُوا ما يُتْلى عَلَيْهِمْ، بَلْ بادَرُوا أوَّلَ سَماعِهِ إلى نِسْبَتِهِ إلى السِّحْرِ عِنادًا وظُلْمًا، ووَصَفُوهُ بِمُبِينٍ، أيْ ظاهِرٍ، إنَّهُ سِحْرٌ لا شُبْهَةَ فِيهِ. ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾: أيْ بَلْ يَقُولُونَ افْتَراهُ، أيْ بَلْ أيَقُولُونَ اخْتَلَقَهُ ؟ انْتَقَلُوا مِن قَوْلِهِمْ: ﴿هَذا سِحْرٌ﴾ إلى هَذِهِ المَقالَةِ الأُخْرى. والضَّمِيرُ في افْتَراهُ عائِدٌ إلى الحَقِّ، والمُرادُ بِهِ الآياتُ. ﴿قُلْ إنِ افْتَرَيْتُهُ﴾، عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ، فاللَّهُ حَسْبِي في ذَلِكَ، وهو الَّذِي يُعاقِبُنِي عَلى الِافْتِراءِ عَلَيْهِ، ولا يُمْهِلُنِي، فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِن رَدِّ عُقُوبَةِ اللَّهِ بِي شَيْئًا. فَكَيْفَ أفْتَرِيهِ وأتَعَرَّضُ لِعِقابِهِ ؟ يُقالُ: فُلانٌ لا يَمْلِكُ إذا غَضِبَ، ولا يَمْلِكُ عِنانَهُ إذا صُمَّ، ومِثْلُهُ: ﴿فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إنْ أرادَ أنْ يُهْلِكَ المَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ١٧] ؟ ﴿ومَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [المائدة: ٤١] . ومِنهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”لا أمْلِكُ لَكم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا“ . ثُمَّ اسْتَسْلَمَ إلى اللَّهِ واسْتَنْصَرَ بِهِ فَقالَ: ﴿هُوَ أعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ﴾: أيْ تَنْدَفِعُونَ فِيهِ مِنَ الباطِلِ - ومُرادُهُ الحَقُّ - وتَسْمِيَتِهِ تارَةً سِحْرًا وتارَةً فِرْيَةً. والضَّمِيرُ في فِيهِ يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى ما، أوْ عَلى القُرْآنِ، وبِهِ في مَوْضِعِ الفاعِلِ يَكْفِي عَلى أصَحِّ الأقْوالِ. ﴿شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾: شَهِيدًا لِي بِالتَّبْلِيغِ والدُّعاءِ إلَيْهِ، وشَهِيدًا عَلَيْكم بِالتَّكْذِيبِ. (وهو الغَفُورُ الرَّحِيمُ): عِدَةٌ لَهم بِالغُفْرانِ والرَّحْمَةِ إنْ رَجَعُوا عَنِ الكُفْرِ، وإشْعارٌ بِحِلْمِهِ تَعالى عَلَيْهِمْ، إذْ لَمْ يُعاجِلْهم بِالعِقابِ، إذْ كانَ ما تَقَدَّمَ تَهْدِيدًا لَهم في أنْ يُعاجِلَهم عَلى كُفْرِهِمْ. ﴿قُلْ ما كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾: أيْ جاءَ قَبْلِي غَيْرِي، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، والبِدْعُ والبَدِيعُ: مِنَ الأشْياءِ ما لَمْ يُرَ مِثْلُهُ، ومِنهُ قَوْلُ عَدِيِّ بْنِ زَيْدٍ، أنْشَدَهُ قُطْرُبٌ: ؎فَما أنا بِدْعٌ مِن حَوادِثَ تَعْتَرِي ∗∗∗ رِجالًا عَرَتْ مِن بَعْدِ بُؤْسِي فَأسْعَدَ والبِدْعُ والبَدِيعُ: كالخِفِّ والخَفِيفِ، والبِدْعَةُ: ما اخْتُرِعَ مِمّا لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا، وأبْدَعَ الشّاعِرُ: جاءَ بِالبَدِيعِ، وشَيْءٌ بِدْعٌ، بِالكَسْرِ: أيْ مُبْتَدَعٌ، وفُلانٌ بِدْعٌ في هَذا الأمْرِ: أيْ بَدِيعٌ، وقَوْمٌ أبْداعٌ، عَنِ الأخْفَشِ. وقَرَأ عِكْرِمَةُ، وأبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِفَتْحِ الدّالِ، جَمْعُ بِدْعَةٍ، وهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ ذا بِدَعٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِفَةً عَلى فِعَلٍ، كَقَوْلِهِمْ: دِينٌ قِيَمٌ ولَحْمٌ زِيَمٌ. انْتَهى. وهَذا الَّذِي أجازَهُ، إنْ لَمْ يُنْقَلِ اسْتِعْمالُهُ عَنِ العَرَبِ، لَمْ نُجِزْهُ، لِأنَّ فِعَلَ في الصِّفاتِ لَمْ يَحْفَظْ مِنهُ سِيبَوَيْهِ إلّا عِدى. قالَ سِيبَوَيْهِ: ولا نَعْلَمُهُ جاءَ صِفَةً إلّا في حَرْفٍ مُعْتَلٍّ يُوصَفُ بِهِ الجَمْعُ، وهو قَوْمٌ عِدى، وقَدِ اسْتَدْرَكَ، واسْتِدْراكُهُ صَحِيحٌ. وأمّا قِيَمٌ، فَأصْلُهُ قِيامٌ، وقِيَمٌ مَقْصُورٌ مِنهُ، ولِذَلِكَ اعْتَلَّتِ الواوُ فِيهِ، إذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ مَقْصُورًا لَصَحَّتْ، كَما صَحَّتْ في حِوَلٍ وعِوَضٍ. وأمّا قَوْلُ العَرَبِ: مَكانٌ سِوى، وماءٌ رِوى، ورَجُلٌ رِضى، وماءٌ صِرى، وسَبْيٌ طِيَبَةٌ، فَمُتَأوَّلَةٌ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ لا يُثْبِتُونَ بِها فِعَلًا في الصِّفاتِ. وعَنْ مُجاهِدٍ، وأبِي حَيْوَةَ: بَدِعًا، بِفَتْحِ الباءِ وكَسْرِ الدّالِ، كَحَذِرٍ. ﴿وما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكُمْ﴾: أيْ فِيما يُسْتَقْبَلُ مِنَ الزَّمانِ، أيْ لا أعْلَمُ ما لِي بِالغَيْبِ، فَأفْعالُهُ تَعالى، وما يُقَدَّرُ لِي ولَكم مِن قَضاياهُ، لا أعْلَمُها. وعَنِ الحَسَنِ وجَماعَةٍ: وما أدْرِي ما يَصِيرُ إلَيْهِ أمْرِي وأمْرُكم في الدُّنْيا، ومَنِ الغالِبُ مِنّا والمَغْلُوبُ ؟ وعَنِ الكَلْبِيِّ، قالَ لَهُ أصْحابُهُ، (p-٥٧)وقَدْ ضَجِرُوا مِن أذى المُشْرِكِينَ: حَتّى مَتى نَكُونُ عَلى هَذا ؟ فَقالَ: ما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكم أأنْزِلُ بِمَكَّةَ ؟ أمْ أُومَرُ بِالخُرُوجِ إلى أرْضٍ قَدْ رُفِعَتْ ورَأيْتُها، يَعْنِي في مَنامِهِ، ذاتَ نَخْلٍ وشَجَرٍ ؟ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وأنَسُ بْنُ مالِكٍ، وقَتادَةُ، والحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ: مَعْناهُ في الآخِرَةِ، وكانَ هَذا في صَدْرِ الإسْلامِ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ عَرَّفَهُ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ قَدْ غَفَرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ وما تَأخَّرَ، وأنَّ المُؤْمِنِينَ لَهم مِنَ اللَّهِ فَضْلٌ كَبِيرٌ وهو الجَنَّةُ، وبِأنَّ الكافِرِينَ في نارِ جَهَنَّمَ، وهَذا القَوْلُ لَيْسَ بِظاهِرٍ، بَلْ قَدْ أعْلَمَ سُبْحانَهُ مِن أوَّلِ الرِّسالَةِ حالَ الكافِرِ وحالَ المُؤْمِنِ. وقِيلَ: ﴿ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكُمْ﴾ مِنَ الأوامِرِ والنَّواهِي، وما يَلْزَمُ الشَّرِيعَةَ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في أمْرٍ كانَ النَّبِيُّ ﷺ يَنْتَظِرُهُ مِنَ اللَّهِ في غَيْرِ الثَّوابِ والعِقابِ. ﴿إنْ أتَّبِعُ إلّا ما يُوحى إلَيَّ﴾: اسْتِسْلامٌ وتَبَرُّؤٌ مِن عِلْمِ المُغَيَّباتِ، ووُقُوفٌ مَعَ النِّذارَةِ إلّا مِن عَذابِ اللَّهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ما يُفْعَلُ بِضَمِّ الياءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِفَتْحِها. والظّاهِرُ أنَّ ما اسْتِفْهامِيَّةٌ، وأدْرِي مُعَلَّقَةٌ، فَجُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِ مَوْصُولَةٌ مَنصُوبَةٌ. انْتَهى. والفَصِيحُ المَشْهُورُ أنَّ دَرى يَتَعَدّى بِالباءِ، ولِذَلِكَ حِينَ عُدِّيَ بِهَمْزَةِ النَّقْلِ يَتَعَدّى بِالباءِ، نَحْوُ قَوْلِهِ: ﴿ولا أدْراكم بِهِ﴾ [يونس: ١٦]، فَجَعْلُ ما اسْتِفْهامِيَّةً هو الأوْلى والأجْوَدُ، وكَثِيرًا ما عُلِّقَتْ في القُرْآنِ نَحْوُ: ﴿وإنْ أدْرِي أقَرِيبٌ﴾ [الأنبياء: ١٠٩]، و”يُفْعَلُ“ مُثْبَتٌ غَيْرُ مَنفِيٍّ، لَكِنَّهُ قَدِ انْسَحَبَ عَلَيْهِ النَّفْيُ، لِاشْتِمالِهِ عَلى ما و”يُفْعَلُ“ . فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿ولا بِكُمْ﴾ . ولَوْلا اعْتِبارُ النَّفْيِ، لَكانَ التَّرْكِيبُ ﴿ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكُمْ﴾ . ألا تَرى زِيادَةَ مَن في قَوْلِهِ: ﴿أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكم مِن خَيْرٍ﴾ [البقرة: ١٠٥] ؟ لِانْسِحابِ قَوْلِهِ: ﴿ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة: ١٠٥] عَلى يَوَدُّ وعَلى مُتَعَلِّقِ يَوَدُّ، وهو أنْ يُنَزَّلَ، فَإذا انْتَفَتْ وِدادَةُ التَّنْزِيلِ انْتَفى التَّنْزِيلُ. وقَرَأ ابْنُ عُمَيْرٍ: ما يُوحِي. بِكَسْرِ الحاءِ، أيِ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ. (قُلْ أرَأيْتُمْ): مَفْعُولا أرَأيْتُمْ مَحْذُوفانِ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِما، والتَّقْدِيرُ: أرَأيْتُمْ حالَكم إنْ كانَ كَذا ؟ ألَسْتُمْ ظالِمِينَ ؟ فالأوَّلُ حالُكم، والثّانِي ألَسْتُمْ ظالِمِينَ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ، أيْ فَقَدْ ظَلَمْتُمْ، ولِذَلِكَ جاءَ فِعْلُ الشَّرْطِ ماضِيًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: جَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: إنْ كانَ هَذا القُرْآنُ مِن عِنْدِ اللَّهِ وكَفَرْتُمْ بِهِ، ألَسْتُمْ ظالِمِينَ ؟ ويَدُلُّ عَلى هَذا المَحْذُوفِ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ . انْتَهى. وجُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِ لا تَكُونُ جَوابًا لِلشَّرْطِ إلّا بِالفاءِ. فَإنْ كانَتِ الأداةُ الهَمْزَةَ، تَقَدَّمَتِ الفاءُ نَحْوُ: إنْ تَزُرْنا، أفَما نُحْسِنُ إلَيْكَ ؟ أوْ غَيْرَها تَقَدَّمَتِ الفاءُ نَحْوُ: إنْ تَزُرْنا، فَهَلْ تَرى إلّا خَيْرًا ؟ فَقَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ: ألَسْتُمْ ظالِمِينَ ؟ بِغَيْرِ فاءٍ، لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَوابَ الشَّرْطِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وأرَأيْتُمْ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مُنَبِّهَةً، فَهي لَفْظٌ مَوْضُوعٌ لِلسُّؤالِ لا يَقْتَضِي مَفْعُولًا. ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ: كانَ وما عَمِلَتْ فِيهِ، تَسُدُّ مَسَدَّ مَفْعُولَيْها. انْتَهى. وهَذا خِلافُ ما قَرَّرَهُ مُحَقِّقُو النُّحاةِ في أرَأيْتُمْ. وقِيلَ: جَوابُ الشَّرْطِ. ﴿فَآمَنَ واسْتَكْبَرْتُمْ﴾: أيْ فَقَدْ آمَنَ مُحَمَّدٌ بِهِ، أوِ الشّاهِدُ، واسْتَكْبَرْتُمْ أنْتُمْ عَنِ الإيمانِ. وقالَ الحَسَنُ: تَقْدِيرُهُ فَمَن أضَلُّ مِنكم. وقِيلَ: فَمَنِ المُحِقُّ مِنّا ومِنكم، ومَنِ المُبْطِلُ ؟ وقِيلَ: إنَّما تَهْلِكُونَ، والضَّمِيرُ في بِهِ عائِدٌ عَلى ما عادَ عَلَيْهِ اسْمُ كانَ، وهو القُرْآنُ. وقالَ الشَّعْبِيُّ: يَعُودُ عَلى الرَّسُولِ. والشّاهِدُ عَبَدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ، قالَهُ الجُمْهُورُ، وابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ سِيرِينَ، والآيَةُ مَدَنِيَّةٌ. وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ: نَزَلَتْ فِيَّ آياتٌ مِن كِتابِ اللَّهِ، نَزَلَتْ فِيَّ ﴿وشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ فَآمَنَ واسْتَكْبَرْتُمْ﴾ . وقالَ مَسْرُوقٌ: الشّاهِدُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، لا ابْنُ سَلامٍ، (p-٥٨)لِأنَّهُ أسْلَمَ بِالمَدِينَةِ، والسُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، والخِطابُ في ﴿وكَفَرْتُمْ بِهِ﴾ لِقُرَيْشٍ. وقالَ الشَّعْبِيُّ: الشّاهِدُ مَن آمَنَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ بِمُوسى والتَّوْراةِ، لِأنَّ ابْنَ سَلامٍ أسْلَمَ قَبْلَ وفاةِ النَّبِيِّ ﷺ بِعامَيْنِ، والسُّورَةُ مَكِّيَّةٌ. وقالَ سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ، ومُجاهِدٌ، وفِرْقَةٌ: الآيَةُ مَكِّيَّةٌ، والشّاهِدُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ، وهي مِنَ الآياتِ الَّتِي تَضَمَّنَتْ غَيْبًا أبْرَزَهُ الوُجُودُ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ مَذْكُورٌ في الصَّحِيحِ، وفِيهِ بُهْتٌ لِلْيَهُودِ لَعَنَهُمُ اللَّهُ. ومِن كَذِبِ اليَهُودِ وجَهْلِهِمْ بِالتّارِيخِ، ما يَعْتَقِدُونَهُ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ، أنَّهُ ﷺ حِينَ سافَرَ إلى الشّامِ في تِجارَةٍ لِخَدِيجَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها، اجْتَمَعَ بِأحْبارِ اليَهُودِ وقَصَّ عَلَيْهِمْ أحْلامَهُ، فَعَلِمُوا أنَّهُ صاحِبُ دَوْلَةٍ، وعَمُوا، فَأصْحَبُوهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلامٍ، فَقَرَأ عُلُومَ التَّوْراةِ وفِقْهَها مُدَّةً، زَعَمُوا وأفْرَطُوا في كَذِبِهِمْ، إلى أنْ نَسَبُوا الفَصاحَةَ المُعْجِزَةَ الَّتِي في القُرْآنِ إلى تَأْلِيفِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ، وعَبْدُ اللَّهِ هَذا لَمْ تُعْلَمْ لَهُ إقامَةٌ بِمَكَّةَ ولا تَرَدَّدَ إلَيْها. فَما أكْذَبَ اليَهُودَ وأبْهَتَهم لَعَنَهُمُ اللَّهُ. وناهِيكَ مِن طائِفَةٍ ما ذُمَّ في القُرْآنِ طائِفَةٌ مِثْلُها.

الأحقاف 46:3

سُورَةُ الأحْقافِ خَمْسٌ وثَلاثُونَ آيَةً مَكِّيَّةٌ (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) (p-٥٣)﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ ﴿ما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلّا بِالحَقِّ وأجَلٍ مُسَمًّى والَّذِينَ كَفَرُوا عَمّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الأرْضِ أمْ لَهم شِرْكٌ في السَّماواتِ اِئْتُونِي بِكِتابٍ مِن قَبْلِ هَذا أوْ أثارَةٍ مِن عِلْمٍ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿ومَن أضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ وهم عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ﴾ ﴿وإذا حُشِرَ النّاسُ كانُوا لَهم أعْداءً وكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ﴾ ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمّا جاءَهم هَذا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ إنِ افْتَرَيْتُهُ فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا هو أعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ كَفى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكم وهو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿قُلْ ما كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكم إنْ أتَّبِعُ إلّا ما يُوحى إلَيَّ وما أنا إلّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ وكَفَرْتُمْ بِهِ وشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ فَآمَنَ واسْتَكْبَرْتُمْ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ وإذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذا إفْكٌ قَدِيمٌ﴾ [الأحقاف: ١١] ﴿ومِن قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إمامًا ورَحْمَةً وهَذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ لِسانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وبُشْرى لِلْمُحْسِنِينَ﴾ [الأحقاف: ١٢] ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ [الأحقاف: ١٣] ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأحقاف: ١٤] ﴿ووَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ إحْسانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا ووَضَعَتْهُ كُرْهًا وحَمْلُهُ وفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا حَتّى إذا بَلَغَ أشُدَّهُ وبَلَغَ أرْبَعِينَ سَنَةً قالَ رَبِّ أوْزِعْنِي أنْ أشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أنْعَمْتَ عَلَيَّ وعَلى والِدَيَّ وأنْ أعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ وأصْلِحْ لِي في ذُرِّيَّتِي إنِّي تُبْتُ إلَيْكَ وإنِّي مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ [الأحقاف: ١٥] ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهم أحْسَنَ ما عَمِلُوا ونَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ في أصْحابِ الجَنَّةِ وعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ﴾ [الأحقاف: ١٦] ﴿والَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما أتَعِدانِنِي أنْ أُخْرَجَ وقَدْ خَلَتِ القُرُونُ مِن قَبْلِي وهُما يَسْتَغِيثانِ اللَّهَ ويْلَكَ آمِن إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ ما هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [الأحقاف: ١٧] ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ في أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ إنَّهم كانُوا خاسِرِينَ﴾ [الأحقاف: ١٨] ﴿ولِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا ولِيُوَفِّيَهم أعْمالَهم وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ [الأحقاف: ١٩] ﴿ويَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلى النّارِ أذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكم في حَياتِكُمُ الدُّنْيا واسْتَمْتَعْتُمْ بِها فاليَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الهُونِ بِما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وبِما كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ﴾ [الأحقاف: ٢٠] ﴿واذْكُرْ أخا عادٍ إذْ أنْذَرَ قَوْمَهُ بِالأحْقافِ وقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ ألّا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الأحقاف: ٢١] ﴿قالُوا أجِئْتَنا لِتَأْفِكَنا عَنْ آلِهَتِنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [الأحقاف: ٢٢] ﴿قالَ إنَّما العِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وأُبَلِّغُكم ما أُرْسِلْتُ بِهِ ولَكِنِّي أراكم قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ [الأحقاف: ٢٣] ﴿فَلَمّا رَأوْهُ عارِضًا مُسْتَقْبِلَ أوْدِيَتِهِمْ قالُوا هَذا عارِضٌ مُمْطِرُنا بَلْ هو ما اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [الأحقاف: ٢٤] ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأمْرِ رَبِّها فَأصْبَحُوا لا يُرى إلّا مَساكِنُهم كَذَلِكَ نَجْزِي القَوْمَ المُجْرِمِينَ﴾ [الأحقاف: ٢٥] ﴿ولَقَدْ مَكَّنّاهم فِيما إنْ مَكَّنّاكم فِيهِ وجَعَلْنا لَهم سَمْعًا وأبْصارًا وأفْئِدَةً فَما أغْنى عَنْهم سَمْعُهم ولا أبْصارُهم ولا أفْئِدَتُهم مِن شَيْءٍ إذْ كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الأحقاف: ٢٦] ﴿ولَقَدْ أهْلَكْنا ما حَوْلَكم مِنَ القُرى وصَرَّفْنا الآياتِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ [الأحقاف: ٢٧] ﴿فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ قُرْبانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهم وذَلِكَ إفْكُهم وما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [الأحقاف: ٢٨] ﴿وإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ فَلَمّا حَضَرُوهُ قالُوا أنْصِتُوا فَلَمّا قُضِيَ ولَّوْا إلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٢٩] ﴿قالُوا يا قَوْمَنا إنّا سَمِعْنا كِتابًا أُنْزِلَ مِن بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إلى الحَقِّ وإلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأحقاف: ٣٠] ﴿يا قَوْمَنا أجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ وآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكم ويُجِرْكم مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الأحقاف: ٣١] ﴿ومَن لا يُجِبْ داعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ في الأرْضِ ولَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أوْلِياءُ أُولَئِكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الأحقاف: ٣٢] ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ ولَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى بَلى إنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأحقاف: ٣٣] ﴿ويَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلى النّارِ ألَيْسَ هَذا بِالحَقِّ قالُوا بَلى ورَبِّنا قالَ فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ [الأحقاف: ٣٤] ﴿فاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُو العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ ولا تَسْتَعْجِلْ لَهم كَأنَّهم يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إلّا ساعَةً مِن نَهارٍ بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إلّا القَوْمُ الفاسِقُونَ﴾ [الأحقاف: ٣٥] الحِقْفُ: رَمْلٌ مُسْتَطِيلٌ مُرْتَفِعٌ فِيهِ اعْوِجاجٌ وانْحِناءٌ، ومِنهُ احْقَوْقَفَ الشَّيْءُ: اعْوَجَّ. قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: ؎فَلَمّا أجَزْنا ساحَةَ الحَيِّ وانْتَحى بِنا بَطْنُ حِقْفٍ ذِي رُكامٍ عَقَنْقَلِ عَيِيَ بِالأمْرِ: إذا لَمْ تَعْرِفْ جِهَتَهُ، ويَجُوزُ فِيهِ الإدْغامُ فَتَقُولُ: عَيَّ، كَما قُلْتَ في حَيِيَ: حَيَّ. قالَ الشّاعِرُ: ؎عَيُّوا بِأمْرِهِمُ كَما ∗∗∗ عَيَّتْ بِبَيْضَتِها الحَمامَهْ (p-٥٤)﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ ﴿ما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلّا بِالحَقِّ وأجَلٍ مُسَمًّى والَّذِينَ كَفَرُوا عَمّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الأرْضِ أمْ لَهم شِرْكٌ في السَّماواتِ اِئْتُونِي بِكِتابٍ مِن قَبْلِ هَذا أوْ أثارَةٍ مِن عِلْمٍ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿ومَن أضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ وهم عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ﴾ ﴿وإذا حُشِرَ النّاسُ كانُوا لَهم أعْداءً وكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ﴾ ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمّا جاءَهم هَذا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ إنِ افْتَرَيْتُهُ فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا هو أعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ كَفى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكم وهو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿قُلْ ما كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكم إنْ أتَّبِعُ إلّا ما يُوحى إلَيَّ وما أنا إلّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ وكَفَرْتُمْ بِهِ وشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ فَآمَنَ واسْتَكْبَرْتُمْ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ . هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ، أنَّ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ . و﴿فاصْبِرْ كَما صَبَرَ﴾ [الأحقاف: ٣٥]، الآيَتَيْنِ مَدَنِيَّتانِ. ومُناسَبَةُ أوَّلِها لِما قَبْلَها، أنَّ في آخِرِ ما قَبْلَها: ﴿ذَلِكم بِأنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آياتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ [الجاثية: ٣٥]، وقُلْتُمْ: إنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ اخْتَلَقَها، فَقالَ تَعالى: ﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ . وهاتانِ الصِّفَتانِ هُما آخَرُ تِلْكَ، وهُما أوَّلُ هَذِهِ. ﴿وأجَلٍ مُسَمًّى﴾: أيْ مَوْعِدٍ لِفَسادِ هَذِهِ البِنْيَةِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو القِيامَةُ، وقالَ غَيْرُهُ: أيْ أجَلِ كُلِّ مَخْلُوقٍ. (عَنْ ما أُنْذِرُوا): يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ ما مَصْدَرِيَّةً، وأنْ تَكُونَ بِمَعْنى الَّذِي. ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ ما تَدْعُونَ﴾: مَعْناهُ أخْبِرُونِي عَنِ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ، وهي الأصْنامُ. ﴿أرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الأرْضِ﴾: اسْتِفْهامُ تَوْبِيخٍ، ومَفْعُولُ ”أرَأيْتُمْ“ الأوَّلُ هو ”ما تَدْعُونَ“ . وماذا خَلَقُوا: جُمْلَةٌ اسْتِفْهامِيَّةٌ يَطْلُبُها أرَأيْتُمْ، لِأنَّ مَفْعُولَها الثّانِيَ يَكُونُ اسْتِفْهامًا، ويَطْلُبُها أرُونِي عَلى سَبِيلِ التَّعْلِيقِ، فَهَذا مِن بابِ الإعْمالِ، أُعْمِلَ الثّانِي وحُذِفَ مَفْعُولُ ”أرَأيْتُمْ“ الثّانِي. ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ أرُونِي تَوْكِيدًا لِـ ”أرَأيْتُمْ“، بِمَعْنى أخْبِرُونِي، وأرُونِي: أخْبِرُونِي، كَأنَّهُما بِمَعْنًى واحِدٍ. (p-٥٥)وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يَحْتَمِلُ أرَأيْتُمْ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ تَكُونَ مُتَعَدِّيَةً، وما مَفْعُولَةً بِها، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ أرَأيْتُمْ مُنَبِّهَةً لا تَتَعَدّى، وتَكُونَ ما اسْتِفْهامًا عَلى مَعْنى التَّوْبِيخِ، وتَدْعُونَ مَعْناهُ: تَعْبُدُونَ. انْتَهى. وكَوْنُ أرَأيْتُمْ لا تَتَعَدّى، وأنَّها مُنَبِّهَةٌ، فِيهِ شَيْءٌ، قالَهُ الأخْفَشُ في قَوْلِهِ: ﴿قالَ أرَأيْتَ إذْ أوَيْنا إلى الصَّخْرَةِ﴾ [الكهف: ٦٣] . والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ ما تَدْعُونَ مَفْعُولُ أرَأيْتُمْ، كَما هو في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ شُرَكاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ﴾ [فاطر: ٤٠] في سُورَةِ فاطِرٍ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظِيرِ هَذِهِ الجُمْلَةِ فِيها. وقَدْ أُمْضِيَ الكَلامُ في أرَأيْتُمْ في سُورَةِ الأنْعامِ، فَيُطالَعُ هُناكَ: و(مِنَ الأرْضِ)، تَفْسِيرٌ لِلْمُبْهَمِ في: (ماذا خَلَقُوا) . والظّاهِرُ أنَّهُ يُرِيدُ مِن أجْزاءِ الأرْضِ، أيْ: خَلْقُ ذَلِكَ إنَّما هو لِلَّهِ، أوْ يَكُونُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ مِنَ العالِي عَلى الأرْضِ، أيْ عَلى وجْهِها مِن حَيَوانٍ أوْ غَيْرِهِ. ثُمَّ وقَفَهم عَلى عِبارَتِهِمْ فَقالَ: (أمْ لَهم): أيْ: بَلْ. ﴿أمْ لَهم شِرْكٌ في السَّماواتِ اِئْتُونِي بِكِتابٍ مِن قَبْلِ هَذا﴾: أيْ مِن قَبْلِ هَذا الكِتابِ، وهو القُرْآنُ، يَعْنِي أنَّ هَذا القُرْآنَ ناطِقٌ بِالتَّوْحِيدِ وبِإبْطالِ الشِّرْكِ وكُلَّ كُتُبِ اللَّهِ المُنَزَّلَةِ ناطِقَةٌ بِذَلِكَ، فَطَلَبَ مِنهم أنْ يَأْتُوا بِكِتابٍ واحِدٍ يَشْهَدُ بِصِحَّةِ ما هم عَلَيْهِ مِن عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ. ﴿أوْ أثارَةٍ مِن عِلْمٍ﴾، أيْ بَقِيَّةٍ مِن عِلْمٍ، أيْ مِن عُلُومِ الأوَّلِينَ، مِن قَوْلِهِمْ: سَمِنَتِ النّاقَةُ عَلى أثارَةٍ مِن شَحْمٍ، أوْ عَلى بَقِيَّةِ شَحْمٍ كانَتْ بِها مِن شَحْمٍ ذاهِبٍ. والأثارَةُ تُسْتَعْمَلُ في بَقِيَّةِ الشَّرَفِ، يُقالُ: لِبَنِي فُلانٍ أثارَةٌ مِن شَرَفٍ، إذا كانَتْ عِنْدَهم شَواهِدُ قَدِيمَةٌ، وفي غَيْرِ ذَلِكَ قالَ الرّاعِي: ؎وذاتُ أثارَةٍ أكَلَتْ عَلَيْنا ∗∗∗ نَباتًا في أكِمَّتِهِ قِفارا أيْ: بَقِيَّةٍ مِن شَحْمٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿أوْ أثارَةٍ﴾، وهو مَصْدَرٌ، كالشَّجاعَةِ والسَّماحَةِ، وهي البَقِيَّةُ مِنَ الشَّيْءِ، كَأنَّها أثَرَةٌ. وقالَ الحَسَنُ: المَعْنى: مِن عِلْمٍ اسْتَخْرَجْتُمُوهُ فَتُثِيرُونَهُ. وقالَ مُجاهِدٌ: المَعْنى: هَلْ مِن أحَدٍ يَأْثِرُ عِلْمًا في ذَلِكَ ؟ وقالَ القُرْطُبِيُّ: هو الإسْنادُ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: ؎إنَّ الَّذِي فِيهِ تَمارَيْتُما ∗∗∗ بُيِّنَ لِلسّامِعِ والآثِرِ أيْ: ولِلْمُسْتَدْعِينَ غَيْرَهُ، ومِنهُ قَوْلُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: فَما خَلَّفْتُ بِهِ ذاكِرًا ولا آثِرًا. وقالَ أبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وقَتادَةُ: المَعْنى: أوْ خاصَّةٍ مِن عِلْمٍ. فاشْتِقاقُها مِنَ الأثَرَةِ، فَكَأنَّها قَدْ آثَرَ اللَّهُ بِها مَن هي عِنْدَهُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المُرادُ بِالأثارَةِ: الخَطُّ في التُّرابِ، وذَلِكَ شَيْءٌ كانَتِ العَرَبُ تَفْعَلُهُ وتَتَكَهَّنُ بِهِ وتَزْجُرُ تَفْسِيرَهُ. الأثارَةُ بِالخَطِّ يَقْتَضِي تَقْوِيَةَ أمْرِ الخَطِّ في التُّرابِ، وأنَّهُ شَيْءٌ لَيْسَ لَهُ وجْهُ إذايَةِ وقْفِ أحَدٍ إلَيْهِ. وقِيلَ: إنْ صَحَّ تَفْسِيرُابْنِ عَبّاسٍ الأثارَةَ بِالخَطِّ في التُّرابِ، كانَ ذَلِكَ مِن بابِ التَّهَكُّمِ بِهِمْ وبِأقْوالِهِمْ ودَلائِلِهِمْ. وقَرَأ عَلِيٌّ، وابْنُ عَبّاسٍ: بِخِلافٍ عَنْهُما، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ، والحَسَنُ، والسُّلَمِيُّ، والأعْمَشُ، وعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ: ”أوْ أثَرَةٍ“ بِغَيْرِ ألِفٍ، وهي واحِدَةٌ، جَمْعُها أُثُرٌ، كَقَتَرَةٍ وقُتُرٍ، وعَلِيٌّ، والسُّلَمِيُّ، وقَتادَةُ أيْضًا: بِإسْكانِ الثّاءِ، وهي الفَعْلَةُ الواحِدَةُ مِمّا يُؤْثَرُ، أيْ قَدْ قَنِعْتُ لَكم بِخَبَرٍ واحِدٍ وأثَرٍ واحِدٍ يَشْهَدُ بِصِحَّةِ قَوْلِكم. وعَنِ الكِسائِيِّ ضَمُّ الهَمْزَةِ وإسْكانُ الثّاءِ. وقالَ ابْنُ خالَوَيْهِ، وقالَ الكِسائِيُّ عَلى لُغَةٍ أُخْرى: إثْرَةٌ وأُثْرَةٌ يَعْنِي بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وضَمِّها. ﴿ومَن أضَلُّ مِمَّنْ﴾ يَعْبُدُ الأصْنامَ، وهي جَمادٌ لا قُدْرَةَ لَها عَلى اسْتِجابَةِ دُعائِهِمْ ما دامَتِ الدُّنْيا، أيْ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهم أبَدًا، ولِذَلِكَ غُيِّيَ انْتِفاءُ اسْتِجابَتِهِمْ بِقَوْلِهِ: (إلى يَوْمِ القِيامَةِ)، ومَعَ ذَلِكَ لا شُعُورَ لَهم بِعِبادَتِهِمْ إيّاهم، وهم في الآخِرَةِ أعْداءٌ لَهم، فَلَيْسَ لَهم في الدُّنْيا بِهِمْ نَفْعٌ، وهم عَلَيْهِمْ في الآخِرَةِ ضَرَرٌ، كَما قالَ تَعالى: ﴿سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ ويَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم: ٨٢] . وجاءَ ﴿مَن لا يَسْتَجِيبُ﴾، لِأنَّهم يُسْنِدُونَ إلَيْهِمْ ما يُسْنَدُ لِأُولِي العِلْمِ مِنَ الِاسْتِجابَةِ والغَفْلَةِ، وكَأنَّ ﴿مَن لا يَسْتَجِيبُ﴾ يُرادُ بِهِ مَن عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ مِن إنْسٍ وجِنٍّ وغَيْرِهِما، وغُلِّبَ مَن يَعْقِلُ، وحُمِلَ أوَّلًا عَلى لَفْظِ مَن لا يَسْتَجِيبُ، ثُمَّ عَلى المَعْنى في: وهم مِن ما بَعْدَهُ. والظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ أوَّلًا عَلى لَفْظِ ﴿مَن لا يَسْتَجِيبُ﴾، ثُمَّ عَلى المَعْنى في: وهم ما بَعْدَهُ والظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ أوَّلًا عَلى لَفْظِ مَن لا يَسْتَجِيبُ ثُمَّ عَلى المَعْنى في: وهم عَلى مَعْنى (p-٥٦)مَن في: ﴿مَن لا يَسْتَجِيبُ﴾، كَما فَسَّرْناهُ. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى مَعْنى مَن في: ﴿ومَن أضَلُّ﴾، أيْ والكُفّارُ عَنْ ضَلالِهِمْ بِأنَّهم يَدْعُونَ مَن لا يَسْتَجِيبُ. (غافِلُونَ): لا يَتَأمَّلُونَ ما عَلَيْهِمْ في دُعائِهِمْ مَن هَذِهِ صِفَتُهُ. ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ﴾: جَمْعُ بَيِّنَةٍ، وهي الحُجَّةُ الواضِحَةُ. واللّامُ في (لِلْحَقِّ)، لامُ العِلَّةِ، أيْ لِأجْلِ الحَقِّ. وأتى بِالظّاهِرَيْنِ بَدَلَ المُضْمَرَيْنِ في ﴿قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ﴾، ولَمْ يَأْتِ التَّرْكِيبُ: قالُوا لَها، تَنْبِيهًا عَلى الوَصْفَيْنِ وصْفِ المَتْلُوِّ عَلَيْهِمْ بِالكُفْرِ، ووَصْفِ المَتْلُوِّ عَلَيْهِمْ بِالحَقِّ، ولَوْ جاءَ بِهِما الوَصْفَيْنِ، لَمْ يَكُنْ في ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى الوَصْفَيْنِ مِن حَيْثُ اللَّفْظُ، وإنْ كانَ مَن سَمّى الآياتِ سِحْرًا هو كافِرٌ، والآياتُ في نَفْسِها حَقٌّ، فَفي ذِكْرِهِما ظاهِرَيْنِ، يَسْتَحِيلُ عَلى القائِلِينَ بِالكُفْرِ، وعَلى المَتْلُوِّ بِالحَقِّ. وفي قَوْلِهِ: (لَمّا جاءَهم) تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهم لَمْ يَتَأمَّلُوا ما يُتْلى عَلَيْهِمْ، بَلْ بادَرُوا أوَّلَ سَماعِهِ إلى نِسْبَتِهِ إلى السِّحْرِ عِنادًا وظُلْمًا، ووَصَفُوهُ بِمُبِينٍ، أيْ ظاهِرٍ، إنَّهُ سِحْرٌ لا شُبْهَةَ فِيهِ. ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾: أيْ بَلْ يَقُولُونَ افْتَراهُ، أيْ بَلْ أيَقُولُونَ اخْتَلَقَهُ ؟ انْتَقَلُوا مِن قَوْلِهِمْ: ﴿هَذا سِحْرٌ﴾ إلى هَذِهِ المَقالَةِ الأُخْرى. والضَّمِيرُ في افْتَراهُ عائِدٌ إلى الحَقِّ، والمُرادُ بِهِ الآياتُ. ﴿قُلْ إنِ افْتَرَيْتُهُ﴾، عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ، فاللَّهُ حَسْبِي في ذَلِكَ، وهو الَّذِي يُعاقِبُنِي عَلى الِافْتِراءِ عَلَيْهِ، ولا يُمْهِلُنِي، فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِن رَدِّ عُقُوبَةِ اللَّهِ بِي شَيْئًا. فَكَيْفَ أفْتَرِيهِ وأتَعَرَّضُ لِعِقابِهِ ؟ يُقالُ: فُلانٌ لا يَمْلِكُ إذا غَضِبَ، ولا يَمْلِكُ عِنانَهُ إذا صُمَّ، ومِثْلُهُ: ﴿فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إنْ أرادَ أنْ يُهْلِكَ المَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ١٧] ؟ ﴿ومَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [المائدة: ٤١] . ومِنهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”لا أمْلِكُ لَكم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا“ . ثُمَّ اسْتَسْلَمَ إلى اللَّهِ واسْتَنْصَرَ بِهِ فَقالَ: ﴿هُوَ أعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ﴾: أيْ تَنْدَفِعُونَ فِيهِ مِنَ الباطِلِ - ومُرادُهُ الحَقُّ - وتَسْمِيَتِهِ تارَةً سِحْرًا وتارَةً فِرْيَةً. والضَّمِيرُ في فِيهِ يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى ما، أوْ عَلى القُرْآنِ، وبِهِ في مَوْضِعِ الفاعِلِ يَكْفِي عَلى أصَحِّ الأقْوالِ. ﴿شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾: شَهِيدًا لِي بِالتَّبْلِيغِ والدُّعاءِ إلَيْهِ، وشَهِيدًا عَلَيْكم بِالتَّكْذِيبِ. (وهو الغَفُورُ الرَّحِيمُ): عِدَةٌ لَهم بِالغُفْرانِ والرَّحْمَةِ إنْ رَجَعُوا عَنِ الكُفْرِ، وإشْعارٌ بِحِلْمِهِ تَعالى عَلَيْهِمْ، إذْ لَمْ يُعاجِلْهم بِالعِقابِ، إذْ كانَ ما تَقَدَّمَ تَهْدِيدًا لَهم في أنْ يُعاجِلَهم عَلى كُفْرِهِمْ. ﴿قُلْ ما كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾: أيْ جاءَ قَبْلِي غَيْرِي، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، والبِدْعُ والبَدِيعُ: مِنَ الأشْياءِ ما لَمْ يُرَ مِثْلُهُ، ومِنهُ قَوْلُ عَدِيِّ بْنِ زَيْدٍ، أنْشَدَهُ قُطْرُبٌ: ؎فَما أنا بِدْعٌ مِن حَوادِثَ تَعْتَرِي ∗∗∗ رِجالًا عَرَتْ مِن بَعْدِ بُؤْسِي فَأسْعَدَ والبِدْعُ والبَدِيعُ: كالخِفِّ والخَفِيفِ، والبِدْعَةُ: ما اخْتُرِعَ مِمّا لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا، وأبْدَعَ الشّاعِرُ: جاءَ بِالبَدِيعِ، وشَيْءٌ بِدْعٌ، بِالكَسْرِ: أيْ مُبْتَدَعٌ، وفُلانٌ بِدْعٌ في هَذا الأمْرِ: أيْ بَدِيعٌ، وقَوْمٌ أبْداعٌ، عَنِ الأخْفَشِ. وقَرَأ عِكْرِمَةُ، وأبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِفَتْحِ الدّالِ، جَمْعُ بِدْعَةٍ، وهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ ذا بِدَعٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِفَةً عَلى فِعَلٍ، كَقَوْلِهِمْ: دِينٌ قِيَمٌ ولَحْمٌ زِيَمٌ. انْتَهى. وهَذا الَّذِي أجازَهُ، إنْ لَمْ يُنْقَلِ اسْتِعْمالُهُ عَنِ العَرَبِ، لَمْ نُجِزْهُ، لِأنَّ فِعَلَ في الصِّفاتِ لَمْ يَحْفَظْ مِنهُ سِيبَوَيْهِ إلّا عِدى. قالَ سِيبَوَيْهِ: ولا نَعْلَمُهُ جاءَ صِفَةً إلّا في حَرْفٍ مُعْتَلٍّ يُوصَفُ بِهِ الجَمْعُ، وهو قَوْمٌ عِدى، وقَدِ اسْتَدْرَكَ، واسْتِدْراكُهُ صَحِيحٌ. وأمّا قِيَمٌ، فَأصْلُهُ قِيامٌ، وقِيَمٌ مَقْصُورٌ مِنهُ، ولِذَلِكَ اعْتَلَّتِ الواوُ فِيهِ، إذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ مَقْصُورًا لَصَحَّتْ، كَما صَحَّتْ في حِوَلٍ وعِوَضٍ. وأمّا قَوْلُ العَرَبِ: مَكانٌ سِوى، وماءٌ رِوى، ورَجُلٌ رِضى، وماءٌ صِرى، وسَبْيٌ طِيَبَةٌ، فَمُتَأوَّلَةٌ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ لا يُثْبِتُونَ بِها فِعَلًا في الصِّفاتِ. وعَنْ مُجاهِدٍ، وأبِي حَيْوَةَ: بَدِعًا، بِفَتْحِ الباءِ وكَسْرِ الدّالِ، كَحَذِرٍ. ﴿وما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكُمْ﴾: أيْ فِيما يُسْتَقْبَلُ مِنَ الزَّمانِ، أيْ لا أعْلَمُ ما لِي بِالغَيْبِ، فَأفْعالُهُ تَعالى، وما يُقَدَّرُ لِي ولَكم مِن قَضاياهُ، لا أعْلَمُها. وعَنِ الحَسَنِ وجَماعَةٍ: وما أدْرِي ما يَصِيرُ إلَيْهِ أمْرِي وأمْرُكم في الدُّنْيا، ومَنِ الغالِبُ مِنّا والمَغْلُوبُ ؟ وعَنِ الكَلْبِيِّ، قالَ لَهُ أصْحابُهُ، (p-٥٧)وقَدْ ضَجِرُوا مِن أذى المُشْرِكِينَ: حَتّى مَتى نَكُونُ عَلى هَذا ؟ فَقالَ: ما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكم أأنْزِلُ بِمَكَّةَ ؟ أمْ أُومَرُ بِالخُرُوجِ إلى أرْضٍ قَدْ رُفِعَتْ ورَأيْتُها، يَعْنِي في مَنامِهِ، ذاتَ نَخْلٍ وشَجَرٍ ؟ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وأنَسُ بْنُ مالِكٍ، وقَتادَةُ، والحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ: مَعْناهُ في الآخِرَةِ، وكانَ هَذا في صَدْرِ الإسْلامِ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ عَرَّفَهُ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ قَدْ غَفَرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ وما تَأخَّرَ، وأنَّ المُؤْمِنِينَ لَهم مِنَ اللَّهِ فَضْلٌ كَبِيرٌ وهو الجَنَّةُ، وبِأنَّ الكافِرِينَ في نارِ جَهَنَّمَ، وهَذا القَوْلُ لَيْسَ بِظاهِرٍ، بَلْ قَدْ أعْلَمَ سُبْحانَهُ مِن أوَّلِ الرِّسالَةِ حالَ الكافِرِ وحالَ المُؤْمِنِ. وقِيلَ: ﴿ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكُمْ﴾ مِنَ الأوامِرِ والنَّواهِي، وما يَلْزَمُ الشَّرِيعَةَ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في أمْرٍ كانَ النَّبِيُّ ﷺ يَنْتَظِرُهُ مِنَ اللَّهِ في غَيْرِ الثَّوابِ والعِقابِ. ﴿إنْ أتَّبِعُ إلّا ما يُوحى إلَيَّ﴾: اسْتِسْلامٌ وتَبَرُّؤٌ مِن عِلْمِ المُغَيَّباتِ، ووُقُوفٌ مَعَ النِّذارَةِ إلّا مِن عَذابِ اللَّهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ما يُفْعَلُ بِضَمِّ الياءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِفَتْحِها. والظّاهِرُ أنَّ ما اسْتِفْهامِيَّةٌ، وأدْرِي مُعَلَّقَةٌ، فَجُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِ مَوْصُولَةٌ مَنصُوبَةٌ. انْتَهى. والفَصِيحُ المَشْهُورُ أنَّ دَرى يَتَعَدّى بِالباءِ، ولِذَلِكَ حِينَ عُدِّيَ بِهَمْزَةِ النَّقْلِ يَتَعَدّى بِالباءِ، نَحْوُ قَوْلِهِ: ﴿ولا أدْراكم بِهِ﴾ [يونس: ١٦]، فَجَعْلُ ما اسْتِفْهامِيَّةً هو الأوْلى والأجْوَدُ، وكَثِيرًا ما عُلِّقَتْ في القُرْآنِ نَحْوُ: ﴿وإنْ أدْرِي أقَرِيبٌ﴾ [الأنبياء: ١٠٩]، و”يُفْعَلُ“ مُثْبَتٌ غَيْرُ مَنفِيٍّ، لَكِنَّهُ قَدِ انْسَحَبَ عَلَيْهِ النَّفْيُ، لِاشْتِمالِهِ عَلى ما و”يُفْعَلُ“ . فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿ولا بِكُمْ﴾ . ولَوْلا اعْتِبارُ النَّفْيِ، لَكانَ التَّرْكِيبُ ﴿ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكُمْ﴾ . ألا تَرى زِيادَةَ مَن في قَوْلِهِ: ﴿أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكم مِن خَيْرٍ﴾ [البقرة: ١٠٥] ؟ لِانْسِحابِ قَوْلِهِ: ﴿ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة: ١٠٥] عَلى يَوَدُّ وعَلى مُتَعَلِّقِ يَوَدُّ، وهو أنْ يُنَزَّلَ، فَإذا انْتَفَتْ وِدادَةُ التَّنْزِيلِ انْتَفى التَّنْزِيلُ. وقَرَأ ابْنُ عُمَيْرٍ: ما يُوحِي. بِكَسْرِ الحاءِ، أيِ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ. (قُلْ أرَأيْتُمْ): مَفْعُولا أرَأيْتُمْ مَحْذُوفانِ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِما، والتَّقْدِيرُ: أرَأيْتُمْ حالَكم إنْ كانَ كَذا ؟ ألَسْتُمْ ظالِمِينَ ؟ فالأوَّلُ حالُكم، والثّانِي ألَسْتُمْ ظالِمِينَ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ، أيْ فَقَدْ ظَلَمْتُمْ، ولِذَلِكَ جاءَ فِعْلُ الشَّرْطِ ماضِيًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: جَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: إنْ كانَ هَذا القُرْآنُ مِن عِنْدِ اللَّهِ وكَفَرْتُمْ بِهِ، ألَسْتُمْ ظالِمِينَ ؟ ويَدُلُّ عَلى هَذا المَحْذُوفِ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ . انْتَهى. وجُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِ لا تَكُونُ جَوابًا لِلشَّرْطِ إلّا بِالفاءِ. فَإنْ كانَتِ الأداةُ الهَمْزَةَ، تَقَدَّمَتِ الفاءُ نَحْوُ: إنْ تَزُرْنا، أفَما نُحْسِنُ إلَيْكَ ؟ أوْ غَيْرَها تَقَدَّمَتِ الفاءُ نَحْوُ: إنْ تَزُرْنا، فَهَلْ تَرى إلّا خَيْرًا ؟ فَقَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ: ألَسْتُمْ ظالِمِينَ ؟ بِغَيْرِ فاءٍ، لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَوابَ الشَّرْطِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وأرَأيْتُمْ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مُنَبِّهَةً، فَهي لَفْظٌ مَوْضُوعٌ لِلسُّؤالِ لا يَقْتَضِي مَفْعُولًا. ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ: كانَ وما عَمِلَتْ فِيهِ، تَسُدُّ مَسَدَّ مَفْعُولَيْها. انْتَهى. وهَذا خِلافُ ما قَرَّرَهُ مُحَقِّقُو النُّحاةِ في أرَأيْتُمْ. وقِيلَ: جَوابُ الشَّرْطِ. ﴿فَآمَنَ واسْتَكْبَرْتُمْ﴾: أيْ فَقَدْ آمَنَ مُحَمَّدٌ بِهِ، أوِ الشّاهِدُ، واسْتَكْبَرْتُمْ أنْتُمْ عَنِ الإيمانِ. وقالَ الحَسَنُ: تَقْدِيرُهُ فَمَن أضَلُّ مِنكم. وقِيلَ: فَمَنِ المُحِقُّ مِنّا ومِنكم، ومَنِ المُبْطِلُ ؟ وقِيلَ: إنَّما تَهْلِكُونَ، والضَّمِيرُ في بِهِ عائِدٌ عَلى ما عادَ عَلَيْهِ اسْمُ كانَ، وهو القُرْآنُ. وقالَ الشَّعْبِيُّ: يَعُودُ عَلى الرَّسُولِ. والشّاهِدُ عَبَدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ، قالَهُ الجُمْهُورُ، وابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ سِيرِينَ، والآيَةُ مَدَنِيَّةٌ. وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ: نَزَلَتْ فِيَّ آياتٌ مِن كِتابِ اللَّهِ، نَزَلَتْ فِيَّ ﴿وشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ فَآمَنَ واسْتَكْبَرْتُمْ﴾ . وقالَ مَسْرُوقٌ: الشّاهِدُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، لا ابْنُ سَلامٍ، (p-٥٨)لِأنَّهُ أسْلَمَ بِالمَدِينَةِ، والسُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، والخِطابُ في ﴿وكَفَرْتُمْ بِهِ﴾ لِقُرَيْشٍ. وقالَ الشَّعْبِيُّ: الشّاهِدُ مَن آمَنَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ بِمُوسى والتَّوْراةِ، لِأنَّ ابْنَ سَلامٍ أسْلَمَ قَبْلَ وفاةِ النَّبِيِّ ﷺ بِعامَيْنِ، والسُّورَةُ مَكِّيَّةٌ. وقالَ سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ، ومُجاهِدٌ، وفِرْقَةٌ: الآيَةُ مَكِّيَّةٌ، والشّاهِدُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ، وهي مِنَ الآياتِ الَّتِي تَضَمَّنَتْ غَيْبًا أبْرَزَهُ الوُجُودُ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ مَذْكُورٌ في الصَّحِيحِ، وفِيهِ بُهْتٌ لِلْيَهُودِ لَعَنَهُمُ اللَّهُ. ومِن كَذِبِ اليَهُودِ وجَهْلِهِمْ بِالتّارِيخِ، ما يَعْتَقِدُونَهُ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ، أنَّهُ ﷺ حِينَ سافَرَ إلى الشّامِ في تِجارَةٍ لِخَدِيجَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها، اجْتَمَعَ بِأحْبارِ اليَهُودِ وقَصَّ عَلَيْهِمْ أحْلامَهُ، فَعَلِمُوا أنَّهُ صاحِبُ دَوْلَةٍ، وعَمُوا، فَأصْحَبُوهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلامٍ، فَقَرَأ عُلُومَ التَّوْراةِ وفِقْهَها مُدَّةً، زَعَمُوا وأفْرَطُوا في كَذِبِهِمْ، إلى أنْ نَسَبُوا الفَصاحَةَ المُعْجِزَةَ الَّتِي في القُرْآنِ إلى تَأْلِيفِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ، وعَبْدُ اللَّهِ هَذا لَمْ تُعْلَمْ لَهُ إقامَةٌ بِمَكَّةَ ولا تَرَدَّدَ إلَيْها. فَما أكْذَبَ اليَهُودَ وأبْهَتَهم لَعَنَهُمُ اللَّهُ. وناهِيكَ مِن طائِفَةٍ ما ذُمَّ في القُرْآنِ طائِفَةٌ مِثْلُها.

الأحقاف 46:4

سُورَةُ الأحْقافِ خَمْسٌ وثَلاثُونَ آيَةً مَكِّيَّةٌ (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) (p-٥٣)﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ ﴿ما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلّا بِالحَقِّ وأجَلٍ مُسَمًّى والَّذِينَ كَفَرُوا عَمّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الأرْضِ أمْ لَهم شِرْكٌ في السَّماواتِ اِئْتُونِي بِكِتابٍ مِن قَبْلِ هَذا أوْ أثارَةٍ مِن عِلْمٍ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿ومَن أضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ وهم عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ﴾ ﴿وإذا حُشِرَ النّاسُ كانُوا لَهم أعْداءً وكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ﴾ ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمّا جاءَهم هَذا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ إنِ افْتَرَيْتُهُ فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا هو أعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ كَفى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكم وهو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿قُلْ ما كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكم إنْ أتَّبِعُ إلّا ما يُوحى إلَيَّ وما أنا إلّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ وكَفَرْتُمْ بِهِ وشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ فَآمَنَ واسْتَكْبَرْتُمْ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ وإذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذا إفْكٌ قَدِيمٌ﴾ [الأحقاف: ١١] ﴿ومِن قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إمامًا ورَحْمَةً وهَذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ لِسانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وبُشْرى لِلْمُحْسِنِينَ﴾ [الأحقاف: ١٢] ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ [الأحقاف: ١٣] ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأحقاف: ١٤] ﴿ووَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ إحْسانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا ووَضَعَتْهُ كُرْهًا وحَمْلُهُ وفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا حَتّى إذا بَلَغَ أشُدَّهُ وبَلَغَ أرْبَعِينَ سَنَةً قالَ رَبِّ أوْزِعْنِي أنْ أشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أنْعَمْتَ عَلَيَّ وعَلى والِدَيَّ وأنْ أعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ وأصْلِحْ لِي في ذُرِّيَّتِي إنِّي تُبْتُ إلَيْكَ وإنِّي مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ [الأحقاف: ١٥] ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهم أحْسَنَ ما عَمِلُوا ونَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ في أصْحابِ الجَنَّةِ وعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ﴾ [الأحقاف: ١٦] ﴿والَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما أتَعِدانِنِي أنْ أُخْرَجَ وقَدْ خَلَتِ القُرُونُ مِن قَبْلِي وهُما يَسْتَغِيثانِ اللَّهَ ويْلَكَ آمِن إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ ما هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [الأحقاف: ١٧] ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ في أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ إنَّهم كانُوا خاسِرِينَ﴾ [الأحقاف: ١٨] ﴿ولِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا ولِيُوَفِّيَهم أعْمالَهم وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ [الأحقاف: ١٩] ﴿ويَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلى النّارِ أذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكم في حَياتِكُمُ الدُّنْيا واسْتَمْتَعْتُمْ بِها فاليَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الهُونِ بِما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وبِما كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ﴾ [الأحقاف: ٢٠] ﴿واذْكُرْ أخا عادٍ إذْ أنْذَرَ قَوْمَهُ بِالأحْقافِ وقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ ألّا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الأحقاف: ٢١] ﴿قالُوا أجِئْتَنا لِتَأْفِكَنا عَنْ آلِهَتِنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [الأحقاف: ٢٢] ﴿قالَ إنَّما العِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وأُبَلِّغُكم ما أُرْسِلْتُ بِهِ ولَكِنِّي أراكم قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ [الأحقاف: ٢٣] ﴿فَلَمّا رَأوْهُ عارِضًا مُسْتَقْبِلَ أوْدِيَتِهِمْ قالُوا هَذا عارِضٌ مُمْطِرُنا بَلْ هو ما اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [الأحقاف: ٢٤] ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأمْرِ رَبِّها فَأصْبَحُوا لا يُرى إلّا مَساكِنُهم كَذَلِكَ نَجْزِي القَوْمَ المُجْرِمِينَ﴾ [الأحقاف: ٢٥] ﴿ولَقَدْ مَكَّنّاهم فِيما إنْ مَكَّنّاكم فِيهِ وجَعَلْنا لَهم سَمْعًا وأبْصارًا وأفْئِدَةً فَما أغْنى عَنْهم سَمْعُهم ولا أبْصارُهم ولا أفْئِدَتُهم مِن شَيْءٍ إذْ كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الأحقاف: ٢٦] ﴿ولَقَدْ أهْلَكْنا ما حَوْلَكم مِنَ القُرى وصَرَّفْنا الآياتِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ [الأحقاف: ٢٧] ﴿فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ قُرْبانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهم وذَلِكَ إفْكُهم وما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [الأحقاف: ٢٨] ﴿وإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ فَلَمّا حَضَرُوهُ قالُوا أنْصِتُوا فَلَمّا قُضِيَ ولَّوْا إلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٢٩] ﴿قالُوا يا قَوْمَنا إنّا سَمِعْنا كِتابًا أُنْزِلَ مِن بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إلى الحَقِّ وإلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأحقاف: ٣٠] ﴿يا قَوْمَنا أجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ وآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكم ويُجِرْكم مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الأحقاف: ٣١] ﴿ومَن لا يُجِبْ داعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ في الأرْضِ ولَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أوْلِياءُ أُولَئِكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الأحقاف: ٣٢] ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ ولَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى بَلى إنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأحقاف: ٣٣] ﴿ويَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلى النّارِ ألَيْسَ هَذا بِالحَقِّ قالُوا بَلى ورَبِّنا قالَ فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ [الأحقاف: ٣٤] ﴿فاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُو العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ ولا تَسْتَعْجِلْ لَهم كَأنَّهم يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إلّا ساعَةً مِن نَهارٍ بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إلّا القَوْمُ الفاسِقُونَ﴾ [الأحقاف: ٣٥] الحِقْفُ: رَمْلٌ مُسْتَطِيلٌ مُرْتَفِعٌ فِيهِ اعْوِجاجٌ وانْحِناءٌ، ومِنهُ احْقَوْقَفَ الشَّيْءُ: اعْوَجَّ. قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: ؎فَلَمّا أجَزْنا ساحَةَ الحَيِّ وانْتَحى بِنا بَطْنُ حِقْفٍ ذِي رُكامٍ عَقَنْقَلِ عَيِيَ بِالأمْرِ: إذا لَمْ تَعْرِفْ جِهَتَهُ، ويَجُوزُ فِيهِ الإدْغامُ فَتَقُولُ: عَيَّ، كَما قُلْتَ في حَيِيَ: حَيَّ. قالَ الشّاعِرُ: ؎عَيُّوا بِأمْرِهِمُ كَما ∗∗∗ عَيَّتْ بِبَيْضَتِها الحَمامَهْ (p-٥٤)﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ ﴿ما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلّا بِالحَقِّ وأجَلٍ مُسَمًّى والَّذِينَ كَفَرُوا عَمّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الأرْضِ أمْ لَهم شِرْكٌ في السَّماواتِ اِئْتُونِي بِكِتابٍ مِن قَبْلِ هَذا أوْ أثارَةٍ مِن عِلْمٍ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿ومَن أضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ وهم عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ﴾ ﴿وإذا حُشِرَ النّاسُ كانُوا لَهم أعْداءً وكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ﴾ ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمّا جاءَهم هَذا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ إنِ افْتَرَيْتُهُ فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا هو أعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ كَفى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكم وهو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿قُلْ ما كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكم إنْ أتَّبِعُ إلّا ما يُوحى إلَيَّ وما أنا إلّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ وكَفَرْتُمْ بِهِ وشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ فَآمَنَ واسْتَكْبَرْتُمْ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ . هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ، أنَّ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ . و﴿فاصْبِرْ كَما صَبَرَ﴾ [الأحقاف: ٣٥]، الآيَتَيْنِ مَدَنِيَّتانِ. ومُناسَبَةُ أوَّلِها لِما قَبْلَها، أنَّ في آخِرِ ما قَبْلَها: ﴿ذَلِكم بِأنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آياتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ [الجاثية: ٣٥]، وقُلْتُمْ: إنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ اخْتَلَقَها، فَقالَ تَعالى: ﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ . وهاتانِ الصِّفَتانِ هُما آخَرُ تِلْكَ، وهُما أوَّلُ هَذِهِ. ﴿وأجَلٍ مُسَمًّى﴾: أيْ مَوْعِدٍ لِفَسادِ هَذِهِ البِنْيَةِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو القِيامَةُ، وقالَ غَيْرُهُ: أيْ أجَلِ كُلِّ مَخْلُوقٍ. (عَنْ ما أُنْذِرُوا): يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ ما مَصْدَرِيَّةً، وأنْ تَكُونَ بِمَعْنى الَّذِي. ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ ما تَدْعُونَ﴾: مَعْناهُ أخْبِرُونِي عَنِ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ، وهي الأصْنامُ. ﴿أرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الأرْضِ﴾: اسْتِفْهامُ تَوْبِيخٍ، ومَفْعُولُ ”أرَأيْتُمْ“ الأوَّلُ هو ”ما تَدْعُونَ“ . وماذا خَلَقُوا: جُمْلَةٌ اسْتِفْهامِيَّةٌ يَطْلُبُها أرَأيْتُمْ، لِأنَّ مَفْعُولَها الثّانِيَ يَكُونُ اسْتِفْهامًا، ويَطْلُبُها أرُونِي عَلى سَبِيلِ التَّعْلِيقِ، فَهَذا مِن بابِ الإعْمالِ، أُعْمِلَ الثّانِي وحُذِفَ مَفْعُولُ ”أرَأيْتُمْ“ الثّانِي. ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ أرُونِي تَوْكِيدًا لِـ ”أرَأيْتُمْ“، بِمَعْنى أخْبِرُونِي، وأرُونِي: أخْبِرُونِي، كَأنَّهُما بِمَعْنًى واحِدٍ. (p-٥٥)وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يَحْتَمِلُ أرَأيْتُمْ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ تَكُونَ مُتَعَدِّيَةً، وما مَفْعُولَةً بِها، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ أرَأيْتُمْ مُنَبِّهَةً لا تَتَعَدّى، وتَكُونَ ما اسْتِفْهامًا عَلى مَعْنى التَّوْبِيخِ، وتَدْعُونَ مَعْناهُ: تَعْبُدُونَ. انْتَهى. وكَوْنُ أرَأيْتُمْ لا تَتَعَدّى، وأنَّها مُنَبِّهَةٌ، فِيهِ شَيْءٌ، قالَهُ الأخْفَشُ في قَوْلِهِ: ﴿قالَ أرَأيْتَ إذْ أوَيْنا إلى الصَّخْرَةِ﴾ [الكهف: ٦٣] . والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ ما تَدْعُونَ مَفْعُولُ أرَأيْتُمْ، كَما هو في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ شُرَكاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ﴾ [فاطر: ٤٠] في سُورَةِ فاطِرٍ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظِيرِ هَذِهِ الجُمْلَةِ فِيها. وقَدْ أُمْضِيَ الكَلامُ في أرَأيْتُمْ في سُورَةِ الأنْعامِ، فَيُطالَعُ هُناكَ: و(مِنَ الأرْضِ)، تَفْسِيرٌ لِلْمُبْهَمِ في: (ماذا خَلَقُوا) . والظّاهِرُ أنَّهُ يُرِيدُ مِن أجْزاءِ الأرْضِ، أيْ: خَلْقُ ذَلِكَ إنَّما هو لِلَّهِ، أوْ يَكُونُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ مِنَ العالِي عَلى الأرْضِ، أيْ عَلى وجْهِها مِن حَيَوانٍ أوْ غَيْرِهِ. ثُمَّ وقَفَهم عَلى عِبارَتِهِمْ فَقالَ: (أمْ لَهم): أيْ: بَلْ. ﴿أمْ لَهم شِرْكٌ في السَّماواتِ اِئْتُونِي بِكِتابٍ مِن قَبْلِ هَذا﴾: أيْ مِن قَبْلِ هَذا الكِتابِ، وهو القُرْآنُ، يَعْنِي أنَّ هَذا القُرْآنَ ناطِقٌ بِالتَّوْحِيدِ وبِإبْطالِ الشِّرْكِ وكُلَّ كُتُبِ اللَّهِ المُنَزَّلَةِ ناطِقَةٌ بِذَلِكَ، فَطَلَبَ مِنهم أنْ يَأْتُوا بِكِتابٍ واحِدٍ يَشْهَدُ بِصِحَّةِ ما هم عَلَيْهِ مِن عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ. ﴿أوْ أثارَةٍ مِن عِلْمٍ﴾، أيْ بَقِيَّةٍ مِن عِلْمٍ، أيْ مِن عُلُومِ الأوَّلِينَ، مِن قَوْلِهِمْ: سَمِنَتِ النّاقَةُ عَلى أثارَةٍ مِن شَحْمٍ، أوْ عَلى بَقِيَّةِ شَحْمٍ كانَتْ بِها مِن شَحْمٍ ذاهِبٍ. والأثارَةُ تُسْتَعْمَلُ في بَقِيَّةِ الشَّرَفِ، يُقالُ: لِبَنِي فُلانٍ أثارَةٌ مِن شَرَفٍ، إذا كانَتْ عِنْدَهم شَواهِدُ قَدِيمَةٌ، وفي غَيْرِ ذَلِكَ قالَ الرّاعِي: ؎وذاتُ أثارَةٍ أكَلَتْ عَلَيْنا ∗∗∗ نَباتًا في أكِمَّتِهِ قِفارا أيْ: بَقِيَّةٍ مِن شَحْمٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿أوْ أثارَةٍ﴾، وهو مَصْدَرٌ، كالشَّجاعَةِ والسَّماحَةِ، وهي البَقِيَّةُ مِنَ الشَّيْءِ، كَأنَّها أثَرَةٌ. وقالَ الحَسَنُ: المَعْنى: مِن عِلْمٍ اسْتَخْرَجْتُمُوهُ فَتُثِيرُونَهُ. وقالَ مُجاهِدٌ: المَعْنى: هَلْ مِن أحَدٍ يَأْثِرُ عِلْمًا في ذَلِكَ ؟ وقالَ القُرْطُبِيُّ: هو الإسْنادُ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: ؎إنَّ الَّذِي فِيهِ تَمارَيْتُما ∗∗∗ بُيِّنَ لِلسّامِعِ والآثِرِ أيْ: ولِلْمُسْتَدْعِينَ غَيْرَهُ، ومِنهُ قَوْلُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: فَما خَلَّفْتُ بِهِ ذاكِرًا ولا آثِرًا. وقالَ أبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وقَتادَةُ: المَعْنى: أوْ خاصَّةٍ مِن عِلْمٍ. فاشْتِقاقُها مِنَ الأثَرَةِ، فَكَأنَّها قَدْ آثَرَ اللَّهُ بِها مَن هي عِنْدَهُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المُرادُ بِالأثارَةِ: الخَطُّ في التُّرابِ، وذَلِكَ شَيْءٌ كانَتِ العَرَبُ تَفْعَلُهُ وتَتَكَهَّنُ بِهِ وتَزْجُرُ تَفْسِيرَهُ. الأثارَةُ بِالخَطِّ يَقْتَضِي تَقْوِيَةَ أمْرِ الخَطِّ في التُّرابِ، وأنَّهُ شَيْءٌ لَيْسَ لَهُ وجْهُ إذايَةِ وقْفِ أحَدٍ إلَيْهِ. وقِيلَ: إنْ صَحَّ تَفْسِيرُابْنِ عَبّاسٍ الأثارَةَ بِالخَطِّ في التُّرابِ، كانَ ذَلِكَ مِن بابِ التَّهَكُّمِ بِهِمْ وبِأقْوالِهِمْ ودَلائِلِهِمْ. وقَرَأ عَلِيٌّ، وابْنُ عَبّاسٍ: بِخِلافٍ عَنْهُما، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ، والحَسَنُ، والسُّلَمِيُّ، والأعْمَشُ، وعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ: ”أوْ أثَرَةٍ“ بِغَيْرِ ألِفٍ، وهي واحِدَةٌ، جَمْعُها أُثُرٌ، كَقَتَرَةٍ وقُتُرٍ، وعَلِيٌّ، والسُّلَمِيُّ، وقَتادَةُ أيْضًا: بِإسْكانِ الثّاءِ، وهي الفَعْلَةُ الواحِدَةُ مِمّا يُؤْثَرُ، أيْ قَدْ قَنِعْتُ لَكم بِخَبَرٍ واحِدٍ وأثَرٍ واحِدٍ يَشْهَدُ بِصِحَّةِ قَوْلِكم. وعَنِ الكِسائِيِّ ضَمُّ الهَمْزَةِ وإسْكانُ الثّاءِ. وقالَ ابْنُ خالَوَيْهِ، وقالَ الكِسائِيُّ عَلى لُغَةٍ أُخْرى: إثْرَةٌ وأُثْرَةٌ يَعْنِي بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وضَمِّها. ﴿ومَن أضَلُّ مِمَّنْ﴾ يَعْبُدُ الأصْنامَ، وهي جَمادٌ لا قُدْرَةَ لَها عَلى اسْتِجابَةِ دُعائِهِمْ ما دامَتِ الدُّنْيا، أيْ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهم أبَدًا، ولِذَلِكَ غُيِّيَ انْتِفاءُ اسْتِجابَتِهِمْ بِقَوْلِهِ: (إلى يَوْمِ القِيامَةِ)، ومَعَ ذَلِكَ لا شُعُورَ لَهم بِعِبادَتِهِمْ إيّاهم، وهم في الآخِرَةِ أعْداءٌ لَهم، فَلَيْسَ لَهم في الدُّنْيا بِهِمْ نَفْعٌ، وهم عَلَيْهِمْ في الآخِرَةِ ضَرَرٌ، كَما قالَ تَعالى: ﴿سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ ويَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم: ٨٢] . وجاءَ ﴿مَن لا يَسْتَجِيبُ﴾، لِأنَّهم يُسْنِدُونَ إلَيْهِمْ ما يُسْنَدُ لِأُولِي العِلْمِ مِنَ الِاسْتِجابَةِ والغَفْلَةِ، وكَأنَّ ﴿مَن لا يَسْتَجِيبُ﴾ يُرادُ بِهِ مَن عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ مِن إنْسٍ وجِنٍّ وغَيْرِهِما، وغُلِّبَ مَن يَعْقِلُ، وحُمِلَ أوَّلًا عَلى لَفْظِ مَن لا يَسْتَجِيبُ، ثُمَّ عَلى المَعْنى في: وهم مِن ما بَعْدَهُ. والظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ أوَّلًا عَلى لَفْظِ ﴿مَن لا يَسْتَجِيبُ﴾، ثُمَّ عَلى المَعْنى في: وهم ما بَعْدَهُ والظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ أوَّلًا عَلى لَفْظِ مَن لا يَسْتَجِيبُ ثُمَّ عَلى المَعْنى في: وهم عَلى مَعْنى (p-٥٦)مَن في: ﴿مَن لا يَسْتَجِيبُ﴾، كَما فَسَّرْناهُ. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى مَعْنى مَن في: ﴿ومَن أضَلُّ﴾، أيْ والكُفّارُ عَنْ ضَلالِهِمْ بِأنَّهم يَدْعُونَ مَن لا يَسْتَجِيبُ. (غافِلُونَ): لا يَتَأمَّلُونَ ما عَلَيْهِمْ في دُعائِهِمْ مَن هَذِهِ صِفَتُهُ. ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ﴾: جَمْعُ بَيِّنَةٍ، وهي الحُجَّةُ الواضِحَةُ. واللّامُ في (لِلْحَقِّ)، لامُ العِلَّةِ، أيْ لِأجْلِ الحَقِّ. وأتى بِالظّاهِرَيْنِ بَدَلَ المُضْمَرَيْنِ في ﴿قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ﴾، ولَمْ يَأْتِ التَّرْكِيبُ: قالُوا لَها، تَنْبِيهًا عَلى الوَصْفَيْنِ وصْفِ المَتْلُوِّ عَلَيْهِمْ بِالكُفْرِ، ووَصْفِ المَتْلُوِّ عَلَيْهِمْ بِالحَقِّ، ولَوْ جاءَ بِهِما الوَصْفَيْنِ، لَمْ يَكُنْ في ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى الوَصْفَيْنِ مِن حَيْثُ اللَّفْظُ، وإنْ كانَ مَن سَمّى الآياتِ سِحْرًا هو كافِرٌ، والآياتُ في نَفْسِها حَقٌّ، فَفي ذِكْرِهِما ظاهِرَيْنِ، يَسْتَحِيلُ عَلى القائِلِينَ بِالكُفْرِ، وعَلى المَتْلُوِّ بِالحَقِّ. وفي قَوْلِهِ: (لَمّا جاءَهم) تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهم لَمْ يَتَأمَّلُوا ما يُتْلى عَلَيْهِمْ، بَلْ بادَرُوا أوَّلَ سَماعِهِ إلى نِسْبَتِهِ إلى السِّحْرِ عِنادًا وظُلْمًا، ووَصَفُوهُ بِمُبِينٍ، أيْ ظاهِرٍ، إنَّهُ سِحْرٌ لا شُبْهَةَ فِيهِ. ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾: أيْ بَلْ يَقُولُونَ افْتَراهُ، أيْ بَلْ أيَقُولُونَ اخْتَلَقَهُ ؟ انْتَقَلُوا مِن قَوْلِهِمْ: ﴿هَذا سِحْرٌ﴾ إلى هَذِهِ المَقالَةِ الأُخْرى. والضَّمِيرُ في افْتَراهُ عائِدٌ إلى الحَقِّ، والمُرادُ بِهِ الآياتُ. ﴿قُلْ إنِ افْتَرَيْتُهُ﴾، عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ، فاللَّهُ حَسْبِي في ذَلِكَ، وهو الَّذِي يُعاقِبُنِي عَلى الِافْتِراءِ عَلَيْهِ، ولا يُمْهِلُنِي، فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِن رَدِّ عُقُوبَةِ اللَّهِ بِي شَيْئًا. فَكَيْفَ أفْتَرِيهِ وأتَعَرَّضُ لِعِقابِهِ ؟ يُقالُ: فُلانٌ لا يَمْلِكُ إذا غَضِبَ، ولا يَمْلِكُ عِنانَهُ إذا صُمَّ، ومِثْلُهُ: ﴿فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إنْ أرادَ أنْ يُهْلِكَ المَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ١٧] ؟ ﴿ومَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [المائدة: ٤١] . ومِنهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”لا أمْلِكُ لَكم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا“ . ثُمَّ اسْتَسْلَمَ إلى اللَّهِ واسْتَنْصَرَ بِهِ فَقالَ: ﴿هُوَ أعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ﴾: أيْ تَنْدَفِعُونَ فِيهِ مِنَ الباطِلِ - ومُرادُهُ الحَقُّ - وتَسْمِيَتِهِ تارَةً سِحْرًا وتارَةً فِرْيَةً. والضَّمِيرُ في فِيهِ يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى ما، أوْ عَلى القُرْآنِ، وبِهِ في مَوْضِعِ الفاعِلِ يَكْفِي عَلى أصَحِّ الأقْوالِ. ﴿شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾: شَهِيدًا لِي بِالتَّبْلِيغِ والدُّعاءِ إلَيْهِ، وشَهِيدًا عَلَيْكم بِالتَّكْذِيبِ. (وهو الغَفُورُ الرَّحِيمُ): عِدَةٌ لَهم بِالغُفْرانِ والرَّحْمَةِ إنْ رَجَعُوا عَنِ الكُفْرِ، وإشْعارٌ بِحِلْمِهِ تَعالى عَلَيْهِمْ، إذْ لَمْ يُعاجِلْهم بِالعِقابِ، إذْ كانَ ما تَقَدَّمَ تَهْدِيدًا لَهم في أنْ يُعاجِلَهم عَلى كُفْرِهِمْ. ﴿قُلْ ما كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾: أيْ جاءَ قَبْلِي غَيْرِي، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، والبِدْعُ والبَدِيعُ: مِنَ الأشْياءِ ما لَمْ يُرَ مِثْلُهُ، ومِنهُ قَوْلُ عَدِيِّ بْنِ زَيْدٍ، أنْشَدَهُ قُطْرُبٌ: ؎فَما أنا بِدْعٌ مِن حَوادِثَ تَعْتَرِي ∗∗∗ رِجالًا عَرَتْ مِن بَعْدِ بُؤْسِي فَأسْعَدَ والبِدْعُ والبَدِيعُ: كالخِفِّ والخَفِيفِ، والبِدْعَةُ: ما اخْتُرِعَ مِمّا لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا، وأبْدَعَ الشّاعِرُ: جاءَ بِالبَدِيعِ، وشَيْءٌ بِدْعٌ، بِالكَسْرِ: أيْ مُبْتَدَعٌ، وفُلانٌ بِدْعٌ في هَذا الأمْرِ: أيْ بَدِيعٌ، وقَوْمٌ أبْداعٌ، عَنِ الأخْفَشِ. وقَرَأ عِكْرِمَةُ، وأبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِفَتْحِ الدّالِ، جَمْعُ بِدْعَةٍ، وهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ ذا بِدَعٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِفَةً عَلى فِعَلٍ، كَقَوْلِهِمْ: دِينٌ قِيَمٌ ولَحْمٌ زِيَمٌ. انْتَهى. وهَذا الَّذِي أجازَهُ، إنْ لَمْ يُنْقَلِ اسْتِعْمالُهُ عَنِ العَرَبِ، لَمْ نُجِزْهُ، لِأنَّ فِعَلَ في الصِّفاتِ لَمْ يَحْفَظْ مِنهُ سِيبَوَيْهِ إلّا عِدى. قالَ سِيبَوَيْهِ: ولا نَعْلَمُهُ جاءَ صِفَةً إلّا في حَرْفٍ مُعْتَلٍّ يُوصَفُ بِهِ الجَمْعُ، وهو قَوْمٌ عِدى، وقَدِ اسْتَدْرَكَ، واسْتِدْراكُهُ صَحِيحٌ. وأمّا قِيَمٌ، فَأصْلُهُ قِيامٌ، وقِيَمٌ مَقْصُورٌ مِنهُ، ولِذَلِكَ اعْتَلَّتِ الواوُ فِيهِ، إذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ مَقْصُورًا لَصَحَّتْ، كَما صَحَّتْ في حِوَلٍ وعِوَضٍ. وأمّا قَوْلُ العَرَبِ: مَكانٌ سِوى، وماءٌ رِوى، ورَجُلٌ رِضى، وماءٌ صِرى، وسَبْيٌ طِيَبَةٌ، فَمُتَأوَّلَةٌ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ لا يُثْبِتُونَ بِها فِعَلًا في الصِّفاتِ. وعَنْ مُجاهِدٍ، وأبِي حَيْوَةَ: بَدِعًا، بِفَتْحِ الباءِ وكَسْرِ الدّالِ، كَحَذِرٍ. ﴿وما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكُمْ﴾: أيْ فِيما يُسْتَقْبَلُ مِنَ الزَّمانِ، أيْ لا أعْلَمُ ما لِي بِالغَيْبِ، فَأفْعالُهُ تَعالى، وما يُقَدَّرُ لِي ولَكم مِن قَضاياهُ، لا أعْلَمُها. وعَنِ الحَسَنِ وجَماعَةٍ: وما أدْرِي ما يَصِيرُ إلَيْهِ أمْرِي وأمْرُكم في الدُّنْيا، ومَنِ الغالِبُ مِنّا والمَغْلُوبُ ؟ وعَنِ الكَلْبِيِّ، قالَ لَهُ أصْحابُهُ، (p-٥٧)وقَدْ ضَجِرُوا مِن أذى المُشْرِكِينَ: حَتّى مَتى نَكُونُ عَلى هَذا ؟ فَقالَ: ما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكم أأنْزِلُ بِمَكَّةَ ؟ أمْ أُومَرُ بِالخُرُوجِ إلى أرْضٍ قَدْ رُفِعَتْ ورَأيْتُها، يَعْنِي في مَنامِهِ، ذاتَ نَخْلٍ وشَجَرٍ ؟ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وأنَسُ بْنُ مالِكٍ، وقَتادَةُ، والحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ: مَعْناهُ في الآخِرَةِ، وكانَ هَذا في صَدْرِ الإسْلامِ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ عَرَّفَهُ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ قَدْ غَفَرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ وما تَأخَّرَ، وأنَّ المُؤْمِنِينَ لَهم مِنَ اللَّهِ فَضْلٌ كَبِيرٌ وهو الجَنَّةُ، وبِأنَّ الكافِرِينَ في نارِ جَهَنَّمَ، وهَذا القَوْلُ لَيْسَ بِظاهِرٍ، بَلْ قَدْ أعْلَمَ سُبْحانَهُ مِن أوَّلِ الرِّسالَةِ حالَ الكافِرِ وحالَ المُؤْمِنِ. وقِيلَ: ﴿ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكُمْ﴾ مِنَ الأوامِرِ والنَّواهِي، وما يَلْزَمُ الشَّرِيعَةَ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في أمْرٍ كانَ النَّبِيُّ ﷺ يَنْتَظِرُهُ مِنَ اللَّهِ في غَيْرِ الثَّوابِ والعِقابِ. ﴿إنْ أتَّبِعُ إلّا ما يُوحى إلَيَّ﴾: اسْتِسْلامٌ وتَبَرُّؤٌ مِن عِلْمِ المُغَيَّباتِ، ووُقُوفٌ مَعَ النِّذارَةِ إلّا مِن عَذابِ اللَّهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ما يُفْعَلُ بِضَمِّ الياءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِفَتْحِها. والظّاهِرُ أنَّ ما اسْتِفْهامِيَّةٌ، وأدْرِي مُعَلَّقَةٌ، فَجُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِ مَوْصُولَةٌ مَنصُوبَةٌ. انْتَهى. والفَصِيحُ المَشْهُورُ أنَّ دَرى يَتَعَدّى بِالباءِ، ولِذَلِكَ حِينَ عُدِّيَ بِهَمْزَةِ النَّقْلِ يَتَعَدّى بِالباءِ، نَحْوُ قَوْلِهِ: ﴿ولا أدْراكم بِهِ﴾ [يونس: ١٦]، فَجَعْلُ ما اسْتِفْهامِيَّةً هو الأوْلى والأجْوَدُ، وكَثِيرًا ما عُلِّقَتْ في القُرْآنِ نَحْوُ: ﴿وإنْ أدْرِي أقَرِيبٌ﴾ [الأنبياء: ١٠٩]، و”يُفْعَلُ“ مُثْبَتٌ غَيْرُ مَنفِيٍّ، لَكِنَّهُ قَدِ انْسَحَبَ عَلَيْهِ النَّفْيُ، لِاشْتِمالِهِ عَلى ما و”يُفْعَلُ“ . فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿ولا بِكُمْ﴾ . ولَوْلا اعْتِبارُ النَّفْيِ، لَكانَ التَّرْكِيبُ ﴿ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكُمْ﴾ . ألا تَرى زِيادَةَ مَن في قَوْلِهِ: ﴿أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكم مِن خَيْرٍ﴾ [البقرة: ١٠٥] ؟ لِانْسِحابِ قَوْلِهِ: ﴿ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة: ١٠٥] عَلى يَوَدُّ وعَلى مُتَعَلِّقِ يَوَدُّ، وهو أنْ يُنَزَّلَ، فَإذا انْتَفَتْ وِدادَةُ التَّنْزِيلِ انْتَفى التَّنْزِيلُ. وقَرَأ ابْنُ عُمَيْرٍ: ما يُوحِي. بِكَسْرِ الحاءِ، أيِ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ. (قُلْ أرَأيْتُمْ): مَفْعُولا أرَأيْتُمْ مَحْذُوفانِ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِما، والتَّقْدِيرُ: أرَأيْتُمْ حالَكم إنْ كانَ كَذا ؟ ألَسْتُمْ ظالِمِينَ ؟ فالأوَّلُ حالُكم، والثّانِي ألَسْتُمْ ظالِمِينَ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ، أيْ فَقَدْ ظَلَمْتُمْ، ولِذَلِكَ جاءَ فِعْلُ الشَّرْطِ ماضِيًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: جَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: إنْ كانَ هَذا القُرْآنُ مِن عِنْدِ اللَّهِ وكَفَرْتُمْ بِهِ، ألَسْتُمْ ظالِمِينَ ؟ ويَدُلُّ عَلى هَذا المَحْذُوفِ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ . انْتَهى. وجُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِ لا تَكُونُ جَوابًا لِلشَّرْطِ إلّا بِالفاءِ. فَإنْ كانَتِ الأداةُ الهَمْزَةَ، تَقَدَّمَتِ الفاءُ نَحْوُ: إنْ تَزُرْنا، أفَما نُحْسِنُ إلَيْكَ ؟ أوْ غَيْرَها تَقَدَّمَتِ الفاءُ نَحْوُ: إنْ تَزُرْنا، فَهَلْ تَرى إلّا خَيْرًا ؟ فَقَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ: ألَسْتُمْ ظالِمِينَ ؟ بِغَيْرِ فاءٍ، لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَوابَ الشَّرْطِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وأرَأيْتُمْ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مُنَبِّهَةً، فَهي لَفْظٌ مَوْضُوعٌ لِلسُّؤالِ لا يَقْتَضِي مَفْعُولًا. ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ: كانَ وما عَمِلَتْ فِيهِ، تَسُدُّ مَسَدَّ مَفْعُولَيْها. انْتَهى. وهَذا خِلافُ ما قَرَّرَهُ مُحَقِّقُو النُّحاةِ في أرَأيْتُمْ. وقِيلَ: جَوابُ الشَّرْطِ. ﴿فَآمَنَ واسْتَكْبَرْتُمْ﴾: أيْ فَقَدْ آمَنَ مُحَمَّدٌ بِهِ، أوِ الشّاهِدُ، واسْتَكْبَرْتُمْ أنْتُمْ عَنِ الإيمانِ. وقالَ الحَسَنُ: تَقْدِيرُهُ فَمَن أضَلُّ مِنكم. وقِيلَ: فَمَنِ المُحِقُّ مِنّا ومِنكم، ومَنِ المُبْطِلُ ؟ وقِيلَ: إنَّما تَهْلِكُونَ، والضَّمِيرُ في بِهِ عائِدٌ عَلى ما عادَ عَلَيْهِ اسْمُ كانَ، وهو القُرْآنُ. وقالَ الشَّعْبِيُّ: يَعُودُ عَلى الرَّسُولِ. والشّاهِدُ عَبَدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ، قالَهُ الجُمْهُورُ، وابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ سِيرِينَ، والآيَةُ مَدَنِيَّةٌ. وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ: نَزَلَتْ فِيَّ آياتٌ مِن كِتابِ اللَّهِ، نَزَلَتْ فِيَّ ﴿وشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ فَآمَنَ واسْتَكْبَرْتُمْ﴾ . وقالَ مَسْرُوقٌ: الشّاهِدُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، لا ابْنُ سَلامٍ، (p-٥٨)لِأنَّهُ أسْلَمَ بِالمَدِينَةِ، والسُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، والخِطابُ في ﴿وكَفَرْتُمْ بِهِ﴾ لِقُرَيْشٍ. وقالَ الشَّعْبِيُّ: الشّاهِدُ مَن آمَنَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ بِمُوسى والتَّوْراةِ، لِأنَّ ابْنَ سَلامٍ أسْلَمَ قَبْلَ وفاةِ النَّبِيِّ ﷺ بِعامَيْنِ، والسُّورَةُ مَكِّيَّةٌ. وقالَ سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ، ومُجاهِدٌ، وفِرْقَةٌ: الآيَةُ مَكِّيَّةٌ، والشّاهِدُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ، وهي مِنَ الآياتِ الَّتِي تَضَمَّنَتْ غَيْبًا أبْرَزَهُ الوُجُودُ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ مَذْكُورٌ في الصَّحِيحِ، وفِيهِ بُهْتٌ لِلْيَهُودِ لَعَنَهُمُ اللَّهُ. ومِن كَذِبِ اليَهُودِ وجَهْلِهِمْ بِالتّارِيخِ، ما يَعْتَقِدُونَهُ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ، أنَّهُ ﷺ حِينَ سافَرَ إلى الشّامِ في تِجارَةٍ لِخَدِيجَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها، اجْتَمَعَ بِأحْبارِ اليَهُودِ وقَصَّ عَلَيْهِمْ أحْلامَهُ، فَعَلِمُوا أنَّهُ صاحِبُ دَوْلَةٍ، وعَمُوا، فَأصْحَبُوهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلامٍ، فَقَرَأ عُلُومَ التَّوْراةِ وفِقْهَها مُدَّةً، زَعَمُوا وأفْرَطُوا في كَذِبِهِمْ، إلى أنْ نَسَبُوا الفَصاحَةَ المُعْجِزَةَ الَّتِي في القُرْآنِ إلى تَأْلِيفِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ، وعَبْدُ اللَّهِ هَذا لَمْ تُعْلَمْ لَهُ إقامَةٌ بِمَكَّةَ ولا تَرَدَّدَ إلَيْها. فَما أكْذَبَ اليَهُودَ وأبْهَتَهم لَعَنَهُمُ اللَّهُ. وناهِيكَ مِن طائِفَةٍ ما ذُمَّ في القُرْآنِ طائِفَةٌ مِثْلُها.

الأحقاف 46:5

سُورَةُ الأحْقافِ خَمْسٌ وثَلاثُونَ آيَةً مَكِّيَّةٌ (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) (p-٥٣)﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ ﴿ما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلّا بِالحَقِّ وأجَلٍ مُسَمًّى والَّذِينَ كَفَرُوا عَمّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الأرْضِ أمْ لَهم شِرْكٌ في السَّماواتِ اِئْتُونِي بِكِتابٍ مِن قَبْلِ هَذا أوْ أثارَةٍ مِن عِلْمٍ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿ومَن أضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ وهم عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ﴾ ﴿وإذا حُشِرَ النّاسُ كانُوا لَهم أعْداءً وكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ﴾ ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمّا جاءَهم هَذا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ إنِ افْتَرَيْتُهُ فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا هو أعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ كَفى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكم وهو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿قُلْ ما كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكم إنْ أتَّبِعُ إلّا ما يُوحى إلَيَّ وما أنا إلّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ وكَفَرْتُمْ بِهِ وشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ فَآمَنَ واسْتَكْبَرْتُمْ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ وإذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذا إفْكٌ قَدِيمٌ﴾ [الأحقاف: ١١] ﴿ومِن قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إمامًا ورَحْمَةً وهَذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ لِسانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وبُشْرى لِلْمُحْسِنِينَ﴾ [الأحقاف: ١٢] ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ [الأحقاف: ١٣] ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأحقاف: ١٤] ﴿ووَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ إحْسانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا ووَضَعَتْهُ كُرْهًا وحَمْلُهُ وفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا حَتّى إذا بَلَغَ أشُدَّهُ وبَلَغَ أرْبَعِينَ سَنَةً قالَ رَبِّ أوْزِعْنِي أنْ أشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أنْعَمْتَ عَلَيَّ وعَلى والِدَيَّ وأنْ أعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ وأصْلِحْ لِي في ذُرِّيَّتِي إنِّي تُبْتُ إلَيْكَ وإنِّي مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ [الأحقاف: ١٥] ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهم أحْسَنَ ما عَمِلُوا ونَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ في أصْحابِ الجَنَّةِ وعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ﴾ [الأحقاف: ١٦] ﴿والَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما أتَعِدانِنِي أنْ أُخْرَجَ وقَدْ خَلَتِ القُرُونُ مِن قَبْلِي وهُما يَسْتَغِيثانِ اللَّهَ ويْلَكَ آمِن إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ ما هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [الأحقاف: ١٧] ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ في أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ إنَّهم كانُوا خاسِرِينَ﴾ [الأحقاف: ١٨] ﴿ولِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا ولِيُوَفِّيَهم أعْمالَهم وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ [الأحقاف: ١٩] ﴿ويَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلى النّارِ أذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكم في حَياتِكُمُ الدُّنْيا واسْتَمْتَعْتُمْ بِها فاليَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الهُونِ بِما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وبِما كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ﴾ [الأحقاف: ٢٠] ﴿واذْكُرْ أخا عادٍ إذْ أنْذَرَ قَوْمَهُ بِالأحْقافِ وقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ ألّا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الأحقاف: ٢١] ﴿قالُوا أجِئْتَنا لِتَأْفِكَنا عَنْ آلِهَتِنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [الأحقاف: ٢٢] ﴿قالَ إنَّما العِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وأُبَلِّغُكم ما أُرْسِلْتُ بِهِ ولَكِنِّي أراكم قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ [الأحقاف: ٢٣] ﴿فَلَمّا رَأوْهُ عارِضًا مُسْتَقْبِلَ أوْدِيَتِهِمْ قالُوا هَذا عارِضٌ مُمْطِرُنا بَلْ هو ما اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [الأحقاف: ٢٤] ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأمْرِ رَبِّها فَأصْبَحُوا لا يُرى إلّا مَساكِنُهم كَذَلِكَ نَجْزِي القَوْمَ المُجْرِمِينَ﴾ [الأحقاف: ٢٥] ﴿ولَقَدْ مَكَّنّاهم فِيما إنْ مَكَّنّاكم فِيهِ وجَعَلْنا لَهم سَمْعًا وأبْصارًا وأفْئِدَةً فَما أغْنى عَنْهم سَمْعُهم ولا أبْصارُهم ولا أفْئِدَتُهم مِن شَيْءٍ إذْ كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الأحقاف: ٢٦] ﴿ولَقَدْ أهْلَكْنا ما حَوْلَكم مِنَ القُرى وصَرَّفْنا الآياتِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ [الأحقاف: ٢٧] ﴿فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ قُرْبانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهم وذَلِكَ إفْكُهم وما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [الأحقاف: ٢٨] ﴿وإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ فَلَمّا حَضَرُوهُ قالُوا أنْصِتُوا فَلَمّا قُضِيَ ولَّوْا إلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٢٩] ﴿قالُوا يا قَوْمَنا إنّا سَمِعْنا كِتابًا أُنْزِلَ مِن بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إلى الحَقِّ وإلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأحقاف: ٣٠] ﴿يا قَوْمَنا أجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ وآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكم ويُجِرْكم مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الأحقاف: ٣١] ﴿ومَن لا يُجِبْ داعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ في الأرْضِ ولَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أوْلِياءُ أُولَئِكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الأحقاف: ٣٢] ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ ولَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى بَلى إنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأحقاف: ٣٣] ﴿ويَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلى النّارِ ألَيْسَ هَذا بِالحَقِّ قالُوا بَلى ورَبِّنا قالَ فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ [الأحقاف: ٣٤] ﴿فاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُو العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ ولا تَسْتَعْجِلْ لَهم كَأنَّهم يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إلّا ساعَةً مِن نَهارٍ بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إلّا القَوْمُ الفاسِقُونَ﴾ [الأحقاف: ٣٥] الحِقْفُ: رَمْلٌ مُسْتَطِيلٌ مُرْتَفِعٌ فِيهِ اعْوِجاجٌ وانْحِناءٌ، ومِنهُ احْقَوْقَفَ الشَّيْءُ: اعْوَجَّ. قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: ؎فَلَمّا أجَزْنا ساحَةَ الحَيِّ وانْتَحى بِنا بَطْنُ حِقْفٍ ذِي رُكامٍ عَقَنْقَلِ عَيِيَ بِالأمْرِ: إذا لَمْ تَعْرِفْ جِهَتَهُ، ويَجُوزُ فِيهِ الإدْغامُ فَتَقُولُ: عَيَّ، كَما قُلْتَ في حَيِيَ: حَيَّ. قالَ الشّاعِرُ: ؎عَيُّوا بِأمْرِهِمُ كَما ∗∗∗ عَيَّتْ بِبَيْضَتِها الحَمامَهْ (p-٥٤)﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ ﴿ما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلّا بِالحَقِّ وأجَلٍ مُسَمًّى والَّذِينَ كَفَرُوا عَمّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الأرْضِ أمْ لَهم شِرْكٌ في السَّماواتِ اِئْتُونِي بِكِتابٍ مِن قَبْلِ هَذا أوْ أثارَةٍ مِن عِلْمٍ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿ومَن أضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ وهم عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ﴾ ﴿وإذا حُشِرَ النّاسُ كانُوا لَهم أعْداءً وكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ﴾ ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمّا جاءَهم هَذا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ إنِ افْتَرَيْتُهُ فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا هو أعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ كَفى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكم وهو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿قُلْ ما كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكم إنْ أتَّبِعُ إلّا ما يُوحى إلَيَّ وما أنا إلّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ وكَفَرْتُمْ بِهِ وشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ فَآمَنَ واسْتَكْبَرْتُمْ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ . هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ، أنَّ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ . و﴿فاصْبِرْ كَما صَبَرَ﴾ [الأحقاف: ٣٥]، الآيَتَيْنِ مَدَنِيَّتانِ. ومُناسَبَةُ أوَّلِها لِما قَبْلَها، أنَّ في آخِرِ ما قَبْلَها: ﴿ذَلِكم بِأنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آياتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ [الجاثية: ٣٥]، وقُلْتُمْ: إنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ اخْتَلَقَها، فَقالَ تَعالى: ﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ . وهاتانِ الصِّفَتانِ هُما آخَرُ تِلْكَ، وهُما أوَّلُ هَذِهِ. ﴿وأجَلٍ مُسَمًّى﴾: أيْ مَوْعِدٍ لِفَسادِ هَذِهِ البِنْيَةِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو القِيامَةُ، وقالَ غَيْرُهُ: أيْ أجَلِ كُلِّ مَخْلُوقٍ. (عَنْ ما أُنْذِرُوا): يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ ما مَصْدَرِيَّةً، وأنْ تَكُونَ بِمَعْنى الَّذِي. ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ ما تَدْعُونَ﴾: مَعْناهُ أخْبِرُونِي عَنِ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ، وهي الأصْنامُ. ﴿أرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الأرْضِ﴾: اسْتِفْهامُ تَوْبِيخٍ، ومَفْعُولُ ”أرَأيْتُمْ“ الأوَّلُ هو ”ما تَدْعُونَ“ . وماذا خَلَقُوا: جُمْلَةٌ اسْتِفْهامِيَّةٌ يَطْلُبُها أرَأيْتُمْ، لِأنَّ مَفْعُولَها الثّانِيَ يَكُونُ اسْتِفْهامًا، ويَطْلُبُها أرُونِي عَلى سَبِيلِ التَّعْلِيقِ، فَهَذا مِن بابِ الإعْمالِ، أُعْمِلَ الثّانِي وحُذِفَ مَفْعُولُ ”أرَأيْتُمْ“ الثّانِي. ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ أرُونِي تَوْكِيدًا لِـ ”أرَأيْتُمْ“، بِمَعْنى أخْبِرُونِي، وأرُونِي: أخْبِرُونِي، كَأنَّهُما بِمَعْنًى واحِدٍ. (p-٥٥)وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يَحْتَمِلُ أرَأيْتُمْ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ تَكُونَ مُتَعَدِّيَةً، وما مَفْعُولَةً بِها، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ أرَأيْتُمْ مُنَبِّهَةً لا تَتَعَدّى، وتَكُونَ ما اسْتِفْهامًا عَلى مَعْنى التَّوْبِيخِ، وتَدْعُونَ مَعْناهُ: تَعْبُدُونَ. انْتَهى. وكَوْنُ أرَأيْتُمْ لا تَتَعَدّى، وأنَّها مُنَبِّهَةٌ، فِيهِ شَيْءٌ، قالَهُ الأخْفَشُ في قَوْلِهِ: ﴿قالَ أرَأيْتَ إذْ أوَيْنا إلى الصَّخْرَةِ﴾ [الكهف: ٦٣] . والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ ما تَدْعُونَ مَفْعُولُ أرَأيْتُمْ، كَما هو في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ شُرَكاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ﴾ [فاطر: ٤٠] في سُورَةِ فاطِرٍ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظِيرِ هَذِهِ الجُمْلَةِ فِيها. وقَدْ أُمْضِيَ الكَلامُ في أرَأيْتُمْ في سُورَةِ الأنْعامِ، فَيُطالَعُ هُناكَ: و(مِنَ الأرْضِ)، تَفْسِيرٌ لِلْمُبْهَمِ في: (ماذا خَلَقُوا) . والظّاهِرُ أنَّهُ يُرِيدُ مِن أجْزاءِ الأرْضِ، أيْ: خَلْقُ ذَلِكَ إنَّما هو لِلَّهِ، أوْ يَكُونُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ مِنَ العالِي عَلى الأرْضِ، أيْ عَلى وجْهِها مِن حَيَوانٍ أوْ غَيْرِهِ. ثُمَّ وقَفَهم عَلى عِبارَتِهِمْ فَقالَ: (أمْ لَهم): أيْ: بَلْ. ﴿أمْ لَهم شِرْكٌ في السَّماواتِ اِئْتُونِي بِكِتابٍ مِن قَبْلِ هَذا﴾: أيْ مِن قَبْلِ هَذا الكِتابِ، وهو القُرْآنُ، يَعْنِي أنَّ هَذا القُرْآنَ ناطِقٌ بِالتَّوْحِيدِ وبِإبْطالِ الشِّرْكِ وكُلَّ كُتُبِ اللَّهِ المُنَزَّلَةِ ناطِقَةٌ بِذَلِكَ، فَطَلَبَ مِنهم أنْ يَأْتُوا بِكِتابٍ واحِدٍ يَشْهَدُ بِصِحَّةِ ما هم عَلَيْهِ مِن عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ. ﴿أوْ أثارَةٍ مِن عِلْمٍ﴾، أيْ بَقِيَّةٍ مِن عِلْمٍ، أيْ مِن عُلُومِ الأوَّلِينَ، مِن قَوْلِهِمْ: سَمِنَتِ النّاقَةُ عَلى أثارَةٍ مِن شَحْمٍ، أوْ عَلى بَقِيَّةِ شَحْمٍ كانَتْ بِها مِن شَحْمٍ ذاهِبٍ. والأثارَةُ تُسْتَعْمَلُ في بَقِيَّةِ الشَّرَفِ، يُقالُ: لِبَنِي فُلانٍ أثارَةٌ مِن شَرَفٍ، إذا كانَتْ عِنْدَهم شَواهِدُ قَدِيمَةٌ، وفي غَيْرِ ذَلِكَ قالَ الرّاعِي: ؎وذاتُ أثارَةٍ أكَلَتْ عَلَيْنا ∗∗∗ نَباتًا في أكِمَّتِهِ قِفارا أيْ: بَقِيَّةٍ مِن شَحْمٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿أوْ أثارَةٍ﴾، وهو مَصْدَرٌ، كالشَّجاعَةِ والسَّماحَةِ، وهي البَقِيَّةُ مِنَ الشَّيْءِ، كَأنَّها أثَرَةٌ. وقالَ الحَسَنُ: المَعْنى: مِن عِلْمٍ اسْتَخْرَجْتُمُوهُ فَتُثِيرُونَهُ. وقالَ مُجاهِدٌ: المَعْنى: هَلْ مِن أحَدٍ يَأْثِرُ عِلْمًا في ذَلِكَ ؟ وقالَ القُرْطُبِيُّ: هو الإسْنادُ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: ؎إنَّ الَّذِي فِيهِ تَمارَيْتُما ∗∗∗ بُيِّنَ لِلسّامِعِ والآثِرِ أيْ: ولِلْمُسْتَدْعِينَ غَيْرَهُ، ومِنهُ قَوْلُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: فَما خَلَّفْتُ بِهِ ذاكِرًا ولا آثِرًا. وقالَ أبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وقَتادَةُ: المَعْنى: أوْ خاصَّةٍ مِن عِلْمٍ. فاشْتِقاقُها مِنَ الأثَرَةِ، فَكَأنَّها قَدْ آثَرَ اللَّهُ بِها مَن هي عِنْدَهُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المُرادُ بِالأثارَةِ: الخَطُّ في التُّرابِ، وذَلِكَ شَيْءٌ كانَتِ العَرَبُ تَفْعَلُهُ وتَتَكَهَّنُ بِهِ وتَزْجُرُ تَفْسِيرَهُ. الأثارَةُ بِالخَطِّ يَقْتَضِي تَقْوِيَةَ أمْرِ الخَطِّ في التُّرابِ، وأنَّهُ شَيْءٌ لَيْسَ لَهُ وجْهُ إذايَةِ وقْفِ أحَدٍ إلَيْهِ. وقِيلَ: إنْ صَحَّ تَفْسِيرُابْنِ عَبّاسٍ الأثارَةَ بِالخَطِّ في التُّرابِ، كانَ ذَلِكَ مِن بابِ التَّهَكُّمِ بِهِمْ وبِأقْوالِهِمْ ودَلائِلِهِمْ. وقَرَأ عَلِيٌّ، وابْنُ عَبّاسٍ: بِخِلافٍ عَنْهُما، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ، والحَسَنُ، والسُّلَمِيُّ، والأعْمَشُ، وعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ: ”أوْ أثَرَةٍ“ بِغَيْرِ ألِفٍ، وهي واحِدَةٌ، جَمْعُها أُثُرٌ، كَقَتَرَةٍ وقُتُرٍ، وعَلِيٌّ، والسُّلَمِيُّ، وقَتادَةُ أيْضًا: بِإسْكانِ الثّاءِ، وهي الفَعْلَةُ الواحِدَةُ مِمّا يُؤْثَرُ، أيْ قَدْ قَنِعْتُ لَكم بِخَبَرٍ واحِدٍ وأثَرٍ واحِدٍ يَشْهَدُ بِصِحَّةِ قَوْلِكم. وعَنِ الكِسائِيِّ ضَمُّ الهَمْزَةِ وإسْكانُ الثّاءِ. وقالَ ابْنُ خالَوَيْهِ، وقالَ الكِسائِيُّ عَلى لُغَةٍ أُخْرى: إثْرَةٌ وأُثْرَةٌ يَعْنِي بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وضَمِّها. ﴿ومَن أضَلُّ مِمَّنْ﴾ يَعْبُدُ الأصْنامَ، وهي جَمادٌ لا قُدْرَةَ لَها عَلى اسْتِجابَةِ دُعائِهِمْ ما دامَتِ الدُّنْيا، أيْ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهم أبَدًا، ولِذَلِكَ غُيِّيَ انْتِفاءُ اسْتِجابَتِهِمْ بِقَوْلِهِ: (إلى يَوْمِ القِيامَةِ)، ومَعَ ذَلِكَ لا شُعُورَ لَهم بِعِبادَتِهِمْ إيّاهم، وهم في الآخِرَةِ أعْداءٌ لَهم، فَلَيْسَ لَهم في الدُّنْيا بِهِمْ نَفْعٌ، وهم عَلَيْهِمْ في الآخِرَةِ ضَرَرٌ، كَما قالَ تَعالى: ﴿سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ ويَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم: ٨٢] . وجاءَ ﴿مَن لا يَسْتَجِيبُ﴾، لِأنَّهم يُسْنِدُونَ إلَيْهِمْ ما يُسْنَدُ لِأُولِي العِلْمِ مِنَ الِاسْتِجابَةِ والغَفْلَةِ، وكَأنَّ ﴿مَن لا يَسْتَجِيبُ﴾ يُرادُ بِهِ مَن عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ مِن إنْسٍ وجِنٍّ وغَيْرِهِما، وغُلِّبَ مَن يَعْقِلُ، وحُمِلَ أوَّلًا عَلى لَفْظِ مَن لا يَسْتَجِيبُ، ثُمَّ عَلى المَعْنى في: وهم مِن ما بَعْدَهُ. والظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ أوَّلًا عَلى لَفْظِ ﴿مَن لا يَسْتَجِيبُ﴾، ثُمَّ عَلى المَعْنى في: وهم ما بَعْدَهُ والظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ أوَّلًا عَلى لَفْظِ مَن لا يَسْتَجِيبُ ثُمَّ عَلى المَعْنى في: وهم عَلى مَعْنى (p-٥٦)مَن في: ﴿مَن لا يَسْتَجِيبُ﴾، كَما فَسَّرْناهُ. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى مَعْنى مَن في: ﴿ومَن أضَلُّ﴾، أيْ والكُفّارُ عَنْ ضَلالِهِمْ بِأنَّهم يَدْعُونَ مَن لا يَسْتَجِيبُ. (غافِلُونَ): لا يَتَأمَّلُونَ ما عَلَيْهِمْ في دُعائِهِمْ مَن هَذِهِ صِفَتُهُ. ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ﴾: جَمْعُ بَيِّنَةٍ، وهي الحُجَّةُ الواضِحَةُ. واللّامُ في (لِلْحَقِّ)، لامُ العِلَّةِ، أيْ لِأجْلِ الحَقِّ. وأتى بِالظّاهِرَيْنِ بَدَلَ المُضْمَرَيْنِ في ﴿قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ﴾، ولَمْ يَأْتِ التَّرْكِيبُ: قالُوا لَها، تَنْبِيهًا عَلى الوَصْفَيْنِ وصْفِ المَتْلُوِّ عَلَيْهِمْ بِالكُفْرِ، ووَصْفِ المَتْلُوِّ عَلَيْهِمْ بِالحَقِّ، ولَوْ جاءَ بِهِما الوَصْفَيْنِ، لَمْ يَكُنْ في ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى الوَصْفَيْنِ مِن حَيْثُ اللَّفْظُ، وإنْ كانَ مَن سَمّى الآياتِ سِحْرًا هو كافِرٌ، والآياتُ في نَفْسِها حَقٌّ، فَفي ذِكْرِهِما ظاهِرَيْنِ، يَسْتَحِيلُ عَلى القائِلِينَ بِالكُفْرِ، وعَلى المَتْلُوِّ بِالحَقِّ. وفي قَوْلِهِ: (لَمّا جاءَهم) تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهم لَمْ يَتَأمَّلُوا ما يُتْلى عَلَيْهِمْ، بَلْ بادَرُوا أوَّلَ سَماعِهِ إلى نِسْبَتِهِ إلى السِّحْرِ عِنادًا وظُلْمًا، ووَصَفُوهُ بِمُبِينٍ، أيْ ظاهِرٍ، إنَّهُ سِحْرٌ لا شُبْهَةَ فِيهِ. ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾: أيْ بَلْ يَقُولُونَ افْتَراهُ، أيْ بَلْ أيَقُولُونَ اخْتَلَقَهُ ؟ انْتَقَلُوا مِن قَوْلِهِمْ: ﴿هَذا سِحْرٌ﴾ إلى هَذِهِ المَقالَةِ الأُخْرى. والضَّمِيرُ في افْتَراهُ عائِدٌ إلى الحَقِّ، والمُرادُ بِهِ الآياتُ. ﴿قُلْ إنِ افْتَرَيْتُهُ﴾، عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ، فاللَّهُ حَسْبِي في ذَلِكَ، وهو الَّذِي يُعاقِبُنِي عَلى الِافْتِراءِ عَلَيْهِ، ولا يُمْهِلُنِي، فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِن رَدِّ عُقُوبَةِ اللَّهِ بِي شَيْئًا. فَكَيْفَ أفْتَرِيهِ وأتَعَرَّضُ لِعِقابِهِ ؟ يُقالُ: فُلانٌ لا يَمْلِكُ إذا غَضِبَ، ولا يَمْلِكُ عِنانَهُ إذا صُمَّ، ومِثْلُهُ: ﴿فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إنْ أرادَ أنْ يُهْلِكَ المَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ١٧] ؟ ﴿ومَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [المائدة: ٤١] . ومِنهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”لا أمْلِكُ لَكم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا“ . ثُمَّ اسْتَسْلَمَ إلى اللَّهِ واسْتَنْصَرَ بِهِ فَقالَ: ﴿هُوَ أعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ﴾: أيْ تَنْدَفِعُونَ فِيهِ مِنَ الباطِلِ - ومُرادُهُ الحَقُّ - وتَسْمِيَتِهِ تارَةً سِحْرًا وتارَةً فِرْيَةً. والضَّمِيرُ في فِيهِ يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى ما، أوْ عَلى القُرْآنِ، وبِهِ في مَوْضِعِ الفاعِلِ يَكْفِي عَلى أصَحِّ الأقْوالِ. ﴿شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾: شَهِيدًا لِي بِالتَّبْلِيغِ والدُّعاءِ إلَيْهِ، وشَهِيدًا عَلَيْكم بِالتَّكْذِيبِ. (وهو الغَفُورُ الرَّحِيمُ): عِدَةٌ لَهم بِالغُفْرانِ والرَّحْمَةِ إنْ رَجَعُوا عَنِ الكُفْرِ، وإشْعارٌ بِحِلْمِهِ تَعالى عَلَيْهِمْ، إذْ لَمْ يُعاجِلْهم بِالعِقابِ، إذْ كانَ ما تَقَدَّمَ تَهْدِيدًا لَهم في أنْ يُعاجِلَهم عَلى كُفْرِهِمْ. ﴿قُلْ ما كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾: أيْ جاءَ قَبْلِي غَيْرِي، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، والبِدْعُ والبَدِيعُ: مِنَ الأشْياءِ ما لَمْ يُرَ مِثْلُهُ، ومِنهُ قَوْلُ عَدِيِّ بْنِ زَيْدٍ، أنْشَدَهُ قُطْرُبٌ: ؎فَما أنا بِدْعٌ مِن حَوادِثَ تَعْتَرِي ∗∗∗ رِجالًا عَرَتْ مِن بَعْدِ بُؤْسِي فَأسْعَدَ والبِدْعُ والبَدِيعُ: كالخِفِّ والخَفِيفِ، والبِدْعَةُ: ما اخْتُرِعَ مِمّا لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا، وأبْدَعَ الشّاعِرُ: جاءَ بِالبَدِيعِ، وشَيْءٌ بِدْعٌ، بِالكَسْرِ: أيْ مُبْتَدَعٌ، وفُلانٌ بِدْعٌ في هَذا الأمْرِ: أيْ بَدِيعٌ، وقَوْمٌ أبْداعٌ، عَنِ الأخْفَشِ. وقَرَأ عِكْرِمَةُ، وأبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِفَتْحِ الدّالِ، جَمْعُ بِدْعَةٍ، وهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ ذا بِدَعٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِفَةً عَلى فِعَلٍ، كَقَوْلِهِمْ: دِينٌ قِيَمٌ ولَحْمٌ زِيَمٌ. انْتَهى. وهَذا الَّذِي أجازَهُ، إنْ لَمْ يُنْقَلِ اسْتِعْمالُهُ عَنِ العَرَبِ، لَمْ نُجِزْهُ، لِأنَّ فِعَلَ في الصِّفاتِ لَمْ يَحْفَظْ مِنهُ سِيبَوَيْهِ إلّا عِدى. قالَ سِيبَوَيْهِ: ولا نَعْلَمُهُ جاءَ صِفَةً إلّا في حَرْفٍ مُعْتَلٍّ يُوصَفُ بِهِ الجَمْعُ، وهو قَوْمٌ عِدى، وقَدِ اسْتَدْرَكَ، واسْتِدْراكُهُ صَحِيحٌ. وأمّا قِيَمٌ، فَأصْلُهُ قِيامٌ، وقِيَمٌ مَقْصُورٌ مِنهُ، ولِذَلِكَ اعْتَلَّتِ الواوُ فِيهِ، إذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ مَقْصُورًا لَصَحَّتْ، كَما صَحَّتْ في حِوَلٍ وعِوَضٍ. وأمّا قَوْلُ العَرَبِ: مَكانٌ سِوى، وماءٌ رِوى، ورَجُلٌ رِضى، وماءٌ صِرى، وسَبْيٌ طِيَبَةٌ، فَمُتَأوَّلَةٌ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ لا يُثْبِتُونَ بِها فِعَلًا في الصِّفاتِ. وعَنْ مُجاهِدٍ، وأبِي حَيْوَةَ: بَدِعًا، بِفَتْحِ الباءِ وكَسْرِ الدّالِ، كَحَذِرٍ. ﴿وما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكُمْ﴾: أيْ فِيما يُسْتَقْبَلُ مِنَ الزَّمانِ، أيْ لا أعْلَمُ ما لِي بِالغَيْبِ، فَأفْعالُهُ تَعالى، وما يُقَدَّرُ لِي ولَكم مِن قَضاياهُ، لا أعْلَمُها. وعَنِ الحَسَنِ وجَماعَةٍ: وما أدْرِي ما يَصِيرُ إلَيْهِ أمْرِي وأمْرُكم في الدُّنْيا، ومَنِ الغالِبُ مِنّا والمَغْلُوبُ ؟ وعَنِ الكَلْبِيِّ، قالَ لَهُ أصْحابُهُ، (p-٥٧)وقَدْ ضَجِرُوا مِن أذى المُشْرِكِينَ: حَتّى مَتى نَكُونُ عَلى هَذا ؟ فَقالَ: ما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكم أأنْزِلُ بِمَكَّةَ ؟ أمْ أُومَرُ بِالخُرُوجِ إلى أرْضٍ قَدْ رُفِعَتْ ورَأيْتُها، يَعْنِي في مَنامِهِ، ذاتَ نَخْلٍ وشَجَرٍ ؟ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وأنَسُ بْنُ مالِكٍ، وقَتادَةُ، والحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ: مَعْناهُ في الآخِرَةِ، وكانَ هَذا في صَدْرِ الإسْلامِ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ عَرَّفَهُ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ قَدْ غَفَرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ وما تَأخَّرَ، وأنَّ المُؤْمِنِينَ لَهم مِنَ اللَّهِ فَضْلٌ كَبِيرٌ وهو الجَنَّةُ، وبِأنَّ الكافِرِينَ في نارِ جَهَنَّمَ، وهَذا القَوْلُ لَيْسَ بِظاهِرٍ، بَلْ قَدْ أعْلَمَ سُبْحانَهُ مِن أوَّلِ الرِّسالَةِ حالَ الكافِرِ وحالَ المُؤْمِنِ. وقِيلَ: ﴿ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكُمْ﴾ مِنَ الأوامِرِ والنَّواهِي، وما يَلْزَمُ الشَّرِيعَةَ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في أمْرٍ كانَ النَّبِيُّ ﷺ يَنْتَظِرُهُ مِنَ اللَّهِ في غَيْرِ الثَّوابِ والعِقابِ. ﴿إنْ أتَّبِعُ إلّا ما يُوحى إلَيَّ﴾: اسْتِسْلامٌ وتَبَرُّؤٌ مِن عِلْمِ المُغَيَّباتِ، ووُقُوفٌ مَعَ النِّذارَةِ إلّا مِن عَذابِ اللَّهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ما يُفْعَلُ بِضَمِّ الياءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِفَتْحِها. والظّاهِرُ أنَّ ما اسْتِفْهامِيَّةٌ، وأدْرِي مُعَلَّقَةٌ، فَجُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِ مَوْصُولَةٌ مَنصُوبَةٌ. انْتَهى. والفَصِيحُ المَشْهُورُ أنَّ دَرى يَتَعَدّى بِالباءِ، ولِذَلِكَ حِينَ عُدِّيَ بِهَمْزَةِ النَّقْلِ يَتَعَدّى بِالباءِ، نَحْوُ قَوْلِهِ: ﴿ولا أدْراكم بِهِ﴾ [يونس: ١٦]، فَجَعْلُ ما اسْتِفْهامِيَّةً هو الأوْلى والأجْوَدُ، وكَثِيرًا ما عُلِّقَتْ في القُرْآنِ نَحْوُ: ﴿وإنْ أدْرِي أقَرِيبٌ﴾ [الأنبياء: ١٠٩]، و”يُفْعَلُ“ مُثْبَتٌ غَيْرُ مَنفِيٍّ، لَكِنَّهُ قَدِ انْسَحَبَ عَلَيْهِ النَّفْيُ، لِاشْتِمالِهِ عَلى ما و”يُفْعَلُ“ . فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿ولا بِكُمْ﴾ . ولَوْلا اعْتِبارُ النَّفْيِ، لَكانَ التَّرْكِيبُ ﴿ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكُمْ﴾ . ألا تَرى زِيادَةَ مَن في قَوْلِهِ: ﴿أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكم مِن خَيْرٍ﴾ [البقرة: ١٠٥] ؟ لِانْسِحابِ قَوْلِهِ: ﴿ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة: ١٠٥] عَلى يَوَدُّ وعَلى مُتَعَلِّقِ يَوَدُّ، وهو أنْ يُنَزَّلَ، فَإذا انْتَفَتْ وِدادَةُ التَّنْزِيلِ انْتَفى التَّنْزِيلُ. وقَرَأ ابْنُ عُمَيْرٍ: ما يُوحِي. بِكَسْرِ الحاءِ، أيِ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ. (قُلْ أرَأيْتُمْ): مَفْعُولا أرَأيْتُمْ مَحْذُوفانِ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِما، والتَّقْدِيرُ: أرَأيْتُمْ حالَكم إنْ كانَ كَذا ؟ ألَسْتُمْ ظالِمِينَ ؟ فالأوَّلُ حالُكم، والثّانِي ألَسْتُمْ ظالِمِينَ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ، أيْ فَقَدْ ظَلَمْتُمْ، ولِذَلِكَ جاءَ فِعْلُ الشَّرْطِ ماضِيًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: جَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: إنْ كانَ هَذا القُرْآنُ مِن عِنْدِ اللَّهِ وكَفَرْتُمْ بِهِ، ألَسْتُمْ ظالِمِينَ ؟ ويَدُلُّ عَلى هَذا المَحْذُوفِ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ . انْتَهى. وجُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِ لا تَكُونُ جَوابًا لِلشَّرْطِ إلّا بِالفاءِ. فَإنْ كانَتِ الأداةُ الهَمْزَةَ، تَقَدَّمَتِ الفاءُ نَحْوُ: إنْ تَزُرْنا، أفَما نُحْسِنُ إلَيْكَ ؟ أوْ غَيْرَها تَقَدَّمَتِ الفاءُ نَحْوُ: إنْ تَزُرْنا، فَهَلْ تَرى إلّا خَيْرًا ؟ فَقَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ: ألَسْتُمْ ظالِمِينَ ؟ بِغَيْرِ فاءٍ، لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَوابَ الشَّرْطِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وأرَأيْتُمْ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مُنَبِّهَةً، فَهي لَفْظٌ مَوْضُوعٌ لِلسُّؤالِ لا يَقْتَضِي مَفْعُولًا. ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ: كانَ وما عَمِلَتْ فِيهِ، تَسُدُّ مَسَدَّ مَفْعُولَيْها. انْتَهى. وهَذا خِلافُ ما قَرَّرَهُ مُحَقِّقُو النُّحاةِ في أرَأيْتُمْ. وقِيلَ: جَوابُ الشَّرْطِ. ﴿فَآمَنَ واسْتَكْبَرْتُمْ﴾: أيْ فَقَدْ آمَنَ مُحَمَّدٌ بِهِ، أوِ الشّاهِدُ، واسْتَكْبَرْتُمْ أنْتُمْ عَنِ الإيمانِ. وقالَ الحَسَنُ: تَقْدِيرُهُ فَمَن أضَلُّ مِنكم. وقِيلَ: فَمَنِ المُحِقُّ مِنّا ومِنكم، ومَنِ المُبْطِلُ ؟ وقِيلَ: إنَّما تَهْلِكُونَ، والضَّمِيرُ في بِهِ عائِدٌ عَلى ما عادَ عَلَيْهِ اسْمُ كانَ، وهو القُرْآنُ. وقالَ الشَّعْبِيُّ: يَعُودُ عَلى الرَّسُولِ. والشّاهِدُ عَبَدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ، قالَهُ الجُمْهُورُ، وابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ سِيرِينَ، والآيَةُ مَدَنِيَّةٌ. وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ: نَزَلَتْ فِيَّ آياتٌ مِن كِتابِ اللَّهِ، نَزَلَتْ فِيَّ ﴿وشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ فَآمَنَ واسْتَكْبَرْتُمْ﴾ . وقالَ مَسْرُوقٌ: الشّاهِدُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، لا ابْنُ سَلامٍ، (p-٥٨)لِأنَّهُ أسْلَمَ بِالمَدِينَةِ، والسُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، والخِطابُ في ﴿وكَفَرْتُمْ بِهِ﴾ لِقُرَيْشٍ. وقالَ الشَّعْبِيُّ: الشّاهِدُ مَن آمَنَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ بِمُوسى والتَّوْراةِ، لِأنَّ ابْنَ سَلامٍ أسْلَمَ قَبْلَ وفاةِ النَّبِيِّ ﷺ بِعامَيْنِ، والسُّورَةُ مَكِّيَّةٌ. وقالَ سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ، ومُجاهِدٌ، وفِرْقَةٌ: الآيَةُ مَكِّيَّةٌ، والشّاهِدُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ، وهي مِنَ الآياتِ الَّتِي تَضَمَّنَتْ غَيْبًا أبْرَزَهُ الوُجُودُ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ مَذْكُورٌ في الصَّحِيحِ، وفِيهِ بُهْتٌ لِلْيَهُودِ لَعَنَهُمُ اللَّهُ. ومِن كَذِبِ اليَهُودِ وجَهْلِهِمْ بِالتّارِيخِ، ما يَعْتَقِدُونَهُ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ، أنَّهُ ﷺ حِينَ سافَرَ إلى الشّامِ في تِجارَةٍ لِخَدِيجَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها، اجْتَمَعَ بِأحْبارِ اليَهُودِ وقَصَّ عَلَيْهِمْ أحْلامَهُ، فَعَلِمُوا أنَّهُ صاحِبُ دَوْلَةٍ، وعَمُوا، فَأصْحَبُوهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلامٍ، فَقَرَأ عُلُومَ التَّوْراةِ وفِقْهَها مُدَّةً، زَعَمُوا وأفْرَطُوا في كَذِبِهِمْ، إلى أنْ نَسَبُوا الفَصاحَةَ المُعْجِزَةَ الَّتِي في القُرْآنِ إلى تَأْلِيفِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ، وعَبْدُ اللَّهِ هَذا لَمْ تُعْلَمْ لَهُ إقامَةٌ بِمَكَّةَ ولا تَرَدَّدَ إلَيْها. فَما أكْذَبَ اليَهُودَ وأبْهَتَهم لَعَنَهُمُ اللَّهُ. وناهِيكَ مِن طائِفَةٍ ما ذُمَّ في القُرْآنِ طائِفَةٌ مِثْلُها.

الأحقاف 46:6

سُورَةُ الأحْقافِ خَمْسٌ وثَلاثُونَ آيَةً مَكِّيَّةٌ (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) (p-٥٣)﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ ﴿ما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلّا بِالحَقِّ وأجَلٍ مُسَمًّى والَّذِينَ كَفَرُوا عَمّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الأرْضِ أمْ لَهم شِرْكٌ في السَّماواتِ اِئْتُونِي بِكِتابٍ مِن قَبْلِ هَذا أوْ أثارَةٍ مِن عِلْمٍ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿ومَن أضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ وهم عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ﴾ ﴿وإذا حُشِرَ النّاسُ كانُوا لَهم أعْداءً وكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ﴾ ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمّا جاءَهم هَذا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ إنِ افْتَرَيْتُهُ فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا هو أعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ كَفى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكم وهو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿قُلْ ما كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكم إنْ أتَّبِعُ إلّا ما يُوحى إلَيَّ وما أنا إلّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ وكَفَرْتُمْ بِهِ وشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ فَآمَنَ واسْتَكْبَرْتُمْ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ وإذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذا إفْكٌ قَدِيمٌ﴾ [الأحقاف: ١١] ﴿ومِن قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إمامًا ورَحْمَةً وهَذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ لِسانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وبُشْرى لِلْمُحْسِنِينَ﴾ [الأحقاف: ١٢] ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ [الأحقاف: ١٣] ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأحقاف: ١٤] ﴿ووَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ إحْسانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا ووَضَعَتْهُ كُرْهًا وحَمْلُهُ وفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا حَتّى إذا بَلَغَ أشُدَّهُ وبَلَغَ أرْبَعِينَ سَنَةً قالَ رَبِّ أوْزِعْنِي أنْ أشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أنْعَمْتَ عَلَيَّ وعَلى والِدَيَّ وأنْ أعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ وأصْلِحْ لِي في ذُرِّيَّتِي إنِّي تُبْتُ إلَيْكَ وإنِّي مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ [الأحقاف: ١٥] ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهم أحْسَنَ ما عَمِلُوا ونَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ في أصْحابِ الجَنَّةِ وعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ﴾ [الأحقاف: ١٦] ﴿والَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما أتَعِدانِنِي أنْ أُخْرَجَ وقَدْ خَلَتِ القُرُونُ مِن قَبْلِي وهُما يَسْتَغِيثانِ اللَّهَ ويْلَكَ آمِن إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ ما هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [الأحقاف: ١٧] ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ في أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ إنَّهم كانُوا خاسِرِينَ﴾ [الأحقاف: ١٨] ﴿ولِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا ولِيُوَفِّيَهم أعْمالَهم وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ [الأحقاف: ١٩] ﴿ويَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلى النّارِ أذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكم في حَياتِكُمُ الدُّنْيا واسْتَمْتَعْتُمْ بِها فاليَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الهُونِ بِما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وبِما كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ﴾ [الأحقاف: ٢٠] ﴿واذْكُرْ أخا عادٍ إذْ أنْذَرَ قَوْمَهُ بِالأحْقافِ وقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ ألّا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الأحقاف: ٢١] ﴿قالُوا أجِئْتَنا لِتَأْفِكَنا عَنْ آلِهَتِنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [الأحقاف: ٢٢] ﴿قالَ إنَّما العِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وأُبَلِّغُكم ما أُرْسِلْتُ بِهِ ولَكِنِّي أراكم قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ [الأحقاف: ٢٣] ﴿فَلَمّا رَأوْهُ عارِضًا مُسْتَقْبِلَ أوْدِيَتِهِمْ قالُوا هَذا عارِضٌ مُمْطِرُنا بَلْ هو ما اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [الأحقاف: ٢٤] ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأمْرِ رَبِّها فَأصْبَحُوا لا يُرى إلّا مَساكِنُهم كَذَلِكَ نَجْزِي القَوْمَ المُجْرِمِينَ﴾ [الأحقاف: ٢٥] ﴿ولَقَدْ مَكَّنّاهم فِيما إنْ مَكَّنّاكم فِيهِ وجَعَلْنا لَهم سَمْعًا وأبْصارًا وأفْئِدَةً فَما أغْنى عَنْهم سَمْعُهم ولا أبْصارُهم ولا أفْئِدَتُهم مِن شَيْءٍ إذْ كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الأحقاف: ٢٦] ﴿ولَقَدْ أهْلَكْنا ما حَوْلَكم مِنَ القُرى وصَرَّفْنا الآياتِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ [الأحقاف: ٢٧] ﴿فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ قُرْبانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهم وذَلِكَ إفْكُهم وما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [الأحقاف: ٢٨] ﴿وإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ فَلَمّا حَضَرُوهُ قالُوا أنْصِتُوا فَلَمّا قُضِيَ ولَّوْا إلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٢٩] ﴿قالُوا يا قَوْمَنا إنّا سَمِعْنا كِتابًا أُنْزِلَ مِن بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إلى الحَقِّ وإلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأحقاف: ٣٠] ﴿يا قَوْمَنا أجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ وآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكم ويُجِرْكم مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الأحقاف: ٣١] ﴿ومَن لا يُجِبْ داعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ في الأرْضِ ولَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أوْلِياءُ أُولَئِكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الأحقاف: ٣٢] ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ ولَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى بَلى إنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأحقاف: ٣٣] ﴿ويَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلى النّارِ ألَيْسَ هَذا بِالحَقِّ قالُوا بَلى ورَبِّنا قالَ فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ [الأحقاف: ٣٤] ﴿فاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُو العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ ولا تَسْتَعْجِلْ لَهم كَأنَّهم يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إلّا ساعَةً مِن نَهارٍ بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إلّا القَوْمُ الفاسِقُونَ﴾ [الأحقاف: ٣٥] الحِقْفُ: رَمْلٌ مُسْتَطِيلٌ مُرْتَفِعٌ فِيهِ اعْوِجاجٌ وانْحِناءٌ، ومِنهُ احْقَوْقَفَ الشَّيْءُ: اعْوَجَّ. قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: ؎فَلَمّا أجَزْنا ساحَةَ الحَيِّ وانْتَحى بِنا بَطْنُ حِقْفٍ ذِي رُكامٍ عَقَنْقَلِ عَيِيَ بِالأمْرِ: إذا لَمْ تَعْرِفْ جِهَتَهُ، ويَجُوزُ فِيهِ الإدْغامُ فَتَقُولُ: عَيَّ، كَما قُلْتَ في حَيِيَ: حَيَّ. قالَ الشّاعِرُ: ؎عَيُّوا بِأمْرِهِمُ كَما ∗∗∗ عَيَّتْ بِبَيْضَتِها الحَمامَهْ (p-٥٤)﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ ﴿ما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلّا بِالحَقِّ وأجَلٍ مُسَمًّى والَّذِينَ كَفَرُوا عَمّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الأرْضِ أمْ لَهم شِرْكٌ في السَّماواتِ اِئْتُونِي بِكِتابٍ مِن قَبْلِ هَذا أوْ أثارَةٍ مِن عِلْمٍ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿ومَن أضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ وهم عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ﴾ ﴿وإذا حُشِرَ النّاسُ كانُوا لَهم أعْداءً وكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ﴾ ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمّا جاءَهم هَذا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ إنِ افْتَرَيْتُهُ فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا هو أعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ كَفى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكم وهو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿قُلْ ما كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكم إنْ أتَّبِعُ إلّا ما يُوحى إلَيَّ وما أنا إلّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ وكَفَرْتُمْ بِهِ وشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ فَآمَنَ واسْتَكْبَرْتُمْ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ . هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ، أنَّ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ . و﴿فاصْبِرْ كَما صَبَرَ﴾ [الأحقاف: ٣٥]، الآيَتَيْنِ مَدَنِيَّتانِ. ومُناسَبَةُ أوَّلِها لِما قَبْلَها، أنَّ في آخِرِ ما قَبْلَها: ﴿ذَلِكم بِأنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آياتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ [الجاثية: ٣٥]، وقُلْتُمْ: إنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ اخْتَلَقَها، فَقالَ تَعالى: ﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ . وهاتانِ الصِّفَتانِ هُما آخَرُ تِلْكَ، وهُما أوَّلُ هَذِهِ. ﴿وأجَلٍ مُسَمًّى﴾: أيْ مَوْعِدٍ لِفَسادِ هَذِهِ البِنْيَةِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو القِيامَةُ، وقالَ غَيْرُهُ: أيْ أجَلِ كُلِّ مَخْلُوقٍ. (عَنْ ما أُنْذِرُوا): يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ ما مَصْدَرِيَّةً، وأنْ تَكُونَ بِمَعْنى الَّذِي. ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ ما تَدْعُونَ﴾: مَعْناهُ أخْبِرُونِي عَنِ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ، وهي الأصْنامُ. ﴿أرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الأرْضِ﴾: اسْتِفْهامُ تَوْبِيخٍ، ومَفْعُولُ ”أرَأيْتُمْ“ الأوَّلُ هو ”ما تَدْعُونَ“ . وماذا خَلَقُوا: جُمْلَةٌ اسْتِفْهامِيَّةٌ يَطْلُبُها أرَأيْتُمْ، لِأنَّ مَفْعُولَها الثّانِيَ يَكُونُ اسْتِفْهامًا، ويَطْلُبُها أرُونِي عَلى سَبِيلِ التَّعْلِيقِ، فَهَذا مِن بابِ الإعْمالِ، أُعْمِلَ الثّانِي وحُذِفَ مَفْعُولُ ”أرَأيْتُمْ“ الثّانِي. ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ أرُونِي تَوْكِيدًا لِـ ”أرَأيْتُمْ“، بِمَعْنى أخْبِرُونِي، وأرُونِي: أخْبِرُونِي، كَأنَّهُما بِمَعْنًى واحِدٍ. (p-٥٥)وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يَحْتَمِلُ أرَأيْتُمْ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ تَكُونَ مُتَعَدِّيَةً، وما مَفْعُولَةً بِها، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ أرَأيْتُمْ مُنَبِّهَةً لا تَتَعَدّى، وتَكُونَ ما اسْتِفْهامًا عَلى مَعْنى التَّوْبِيخِ، وتَدْعُونَ مَعْناهُ: تَعْبُدُونَ. انْتَهى. وكَوْنُ أرَأيْتُمْ لا تَتَعَدّى، وأنَّها مُنَبِّهَةٌ، فِيهِ شَيْءٌ، قالَهُ الأخْفَشُ في قَوْلِهِ: ﴿قالَ أرَأيْتَ إذْ أوَيْنا إلى الصَّخْرَةِ﴾ [الكهف: ٦٣] . والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ ما تَدْعُونَ مَفْعُولُ أرَأيْتُمْ، كَما هو في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ شُرَكاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ﴾ [فاطر: ٤٠] في سُورَةِ فاطِرٍ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظِيرِ هَذِهِ الجُمْلَةِ فِيها. وقَدْ أُمْضِيَ الكَلامُ في أرَأيْتُمْ في سُورَةِ الأنْعامِ، فَيُطالَعُ هُناكَ: و(مِنَ الأرْضِ)، تَفْسِيرٌ لِلْمُبْهَمِ في: (ماذا خَلَقُوا) . والظّاهِرُ أنَّهُ يُرِيدُ مِن أجْزاءِ الأرْضِ، أيْ: خَلْقُ ذَلِكَ إنَّما هو لِلَّهِ، أوْ يَكُونُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ مِنَ العالِي عَلى الأرْضِ، أيْ عَلى وجْهِها مِن حَيَوانٍ أوْ غَيْرِهِ. ثُمَّ وقَفَهم عَلى عِبارَتِهِمْ فَقالَ: (أمْ لَهم): أيْ: بَلْ. ﴿أمْ لَهم شِرْكٌ في السَّماواتِ اِئْتُونِي بِكِتابٍ مِن قَبْلِ هَذا﴾: أيْ مِن قَبْلِ هَذا الكِتابِ، وهو القُرْآنُ، يَعْنِي أنَّ هَذا القُرْآنَ ناطِقٌ بِالتَّوْحِيدِ وبِإبْطالِ الشِّرْكِ وكُلَّ كُتُبِ اللَّهِ المُنَزَّلَةِ ناطِقَةٌ بِذَلِكَ، فَطَلَبَ مِنهم أنْ يَأْتُوا بِكِتابٍ واحِدٍ يَشْهَدُ بِصِحَّةِ ما هم عَلَيْهِ مِن عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ. ﴿أوْ أثارَةٍ مِن عِلْمٍ﴾، أيْ بَقِيَّةٍ مِن عِلْمٍ، أيْ مِن عُلُومِ الأوَّلِينَ، مِن قَوْلِهِمْ: سَمِنَتِ النّاقَةُ عَلى أثارَةٍ مِن شَحْمٍ، أوْ عَلى بَقِيَّةِ شَحْمٍ كانَتْ بِها مِن شَحْمٍ ذاهِبٍ. والأثارَةُ تُسْتَعْمَلُ في بَقِيَّةِ الشَّرَفِ، يُقالُ: لِبَنِي فُلانٍ أثارَةٌ مِن شَرَفٍ، إذا كانَتْ عِنْدَهم شَواهِدُ قَدِيمَةٌ، وفي غَيْرِ ذَلِكَ قالَ الرّاعِي: ؎وذاتُ أثارَةٍ أكَلَتْ عَلَيْنا ∗∗∗ نَباتًا في أكِمَّتِهِ قِفارا أيْ: بَقِيَّةٍ مِن شَحْمٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿أوْ أثارَةٍ﴾، وهو مَصْدَرٌ، كالشَّجاعَةِ والسَّماحَةِ، وهي البَقِيَّةُ مِنَ الشَّيْءِ، كَأنَّها أثَرَةٌ. وقالَ الحَسَنُ: المَعْنى: مِن عِلْمٍ اسْتَخْرَجْتُمُوهُ فَتُثِيرُونَهُ. وقالَ مُجاهِدٌ: المَعْنى: هَلْ مِن أحَدٍ يَأْثِرُ عِلْمًا في ذَلِكَ ؟ وقالَ القُرْطُبِيُّ: هو الإسْنادُ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: ؎إنَّ الَّذِي فِيهِ تَمارَيْتُما ∗∗∗ بُيِّنَ لِلسّامِعِ والآثِرِ أيْ: ولِلْمُسْتَدْعِينَ غَيْرَهُ، ومِنهُ قَوْلُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: فَما خَلَّفْتُ بِهِ ذاكِرًا ولا آثِرًا. وقالَ أبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وقَتادَةُ: المَعْنى: أوْ خاصَّةٍ مِن عِلْمٍ. فاشْتِقاقُها مِنَ الأثَرَةِ، فَكَأنَّها قَدْ آثَرَ اللَّهُ بِها مَن هي عِنْدَهُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المُرادُ بِالأثارَةِ: الخَطُّ في التُّرابِ، وذَلِكَ شَيْءٌ كانَتِ العَرَبُ تَفْعَلُهُ وتَتَكَهَّنُ بِهِ وتَزْجُرُ تَفْسِيرَهُ. الأثارَةُ بِالخَطِّ يَقْتَضِي تَقْوِيَةَ أمْرِ الخَطِّ في التُّرابِ، وأنَّهُ شَيْءٌ لَيْسَ لَهُ وجْهُ إذايَةِ وقْفِ أحَدٍ إلَيْهِ. وقِيلَ: إنْ صَحَّ تَفْسِيرُابْنِ عَبّاسٍ الأثارَةَ بِالخَطِّ في التُّرابِ، كانَ ذَلِكَ مِن بابِ التَّهَكُّمِ بِهِمْ وبِأقْوالِهِمْ ودَلائِلِهِمْ. وقَرَأ عَلِيٌّ، وابْنُ عَبّاسٍ: بِخِلافٍ عَنْهُما، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ، والحَسَنُ، والسُّلَمِيُّ، والأعْمَشُ، وعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ: ”أوْ أثَرَةٍ“ بِغَيْرِ ألِفٍ، وهي واحِدَةٌ، جَمْعُها أُثُرٌ، كَقَتَرَةٍ وقُتُرٍ، وعَلِيٌّ، والسُّلَمِيُّ، وقَتادَةُ أيْضًا: بِإسْكانِ الثّاءِ، وهي الفَعْلَةُ الواحِدَةُ مِمّا يُؤْثَرُ، أيْ قَدْ قَنِعْتُ لَكم بِخَبَرٍ واحِدٍ وأثَرٍ واحِدٍ يَشْهَدُ بِصِحَّةِ قَوْلِكم. وعَنِ الكِسائِيِّ ضَمُّ الهَمْزَةِ وإسْكانُ الثّاءِ. وقالَ ابْنُ خالَوَيْهِ، وقالَ الكِسائِيُّ عَلى لُغَةٍ أُخْرى: إثْرَةٌ وأُثْرَةٌ يَعْنِي بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وضَمِّها. ﴿ومَن أضَلُّ مِمَّنْ﴾ يَعْبُدُ الأصْنامَ، وهي جَمادٌ لا قُدْرَةَ لَها عَلى اسْتِجابَةِ دُعائِهِمْ ما دامَتِ الدُّنْيا، أيْ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهم أبَدًا، ولِذَلِكَ غُيِّيَ انْتِفاءُ اسْتِجابَتِهِمْ بِقَوْلِهِ: (إلى يَوْمِ القِيامَةِ)، ومَعَ ذَلِكَ لا شُعُورَ لَهم بِعِبادَتِهِمْ إيّاهم، وهم في الآخِرَةِ أعْداءٌ لَهم، فَلَيْسَ لَهم في الدُّنْيا بِهِمْ نَفْعٌ، وهم عَلَيْهِمْ في الآخِرَةِ ضَرَرٌ، كَما قالَ تَعالى: ﴿سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ ويَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم: ٨٢] . وجاءَ ﴿مَن لا يَسْتَجِيبُ﴾، لِأنَّهم يُسْنِدُونَ إلَيْهِمْ ما يُسْنَدُ لِأُولِي العِلْمِ مِنَ الِاسْتِجابَةِ والغَفْلَةِ، وكَأنَّ ﴿مَن لا يَسْتَجِيبُ﴾ يُرادُ بِهِ مَن عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ مِن إنْسٍ وجِنٍّ وغَيْرِهِما، وغُلِّبَ مَن يَعْقِلُ، وحُمِلَ أوَّلًا عَلى لَفْظِ مَن لا يَسْتَجِيبُ، ثُمَّ عَلى المَعْنى في: وهم مِن ما بَعْدَهُ. والظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ أوَّلًا عَلى لَفْظِ ﴿مَن لا يَسْتَجِيبُ﴾، ثُمَّ عَلى المَعْنى في: وهم ما بَعْدَهُ والظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ أوَّلًا عَلى لَفْظِ مَن لا يَسْتَجِيبُ ثُمَّ عَلى المَعْنى في: وهم عَلى مَعْنى (p-٥٦)مَن في: ﴿مَن لا يَسْتَجِيبُ﴾، كَما فَسَّرْناهُ. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى مَعْنى مَن في: ﴿ومَن أضَلُّ﴾، أيْ والكُفّارُ عَنْ ضَلالِهِمْ بِأنَّهم يَدْعُونَ مَن لا يَسْتَجِيبُ. (غافِلُونَ): لا يَتَأمَّلُونَ ما عَلَيْهِمْ في دُعائِهِمْ مَن هَذِهِ صِفَتُهُ. ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ﴾: جَمْعُ بَيِّنَةٍ، وهي الحُجَّةُ الواضِحَةُ. واللّامُ في (لِلْحَقِّ)، لامُ العِلَّةِ، أيْ لِأجْلِ الحَقِّ. وأتى بِالظّاهِرَيْنِ بَدَلَ المُضْمَرَيْنِ في ﴿قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ﴾، ولَمْ يَأْتِ التَّرْكِيبُ: قالُوا لَها، تَنْبِيهًا عَلى الوَصْفَيْنِ وصْفِ المَتْلُوِّ عَلَيْهِمْ بِالكُفْرِ، ووَصْفِ المَتْلُوِّ عَلَيْهِمْ بِالحَقِّ، ولَوْ جاءَ بِهِما الوَصْفَيْنِ، لَمْ يَكُنْ في ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى الوَصْفَيْنِ مِن حَيْثُ اللَّفْظُ، وإنْ كانَ مَن سَمّى الآياتِ سِحْرًا هو كافِرٌ، والآياتُ في نَفْسِها حَقٌّ، فَفي ذِكْرِهِما ظاهِرَيْنِ، يَسْتَحِيلُ عَلى القائِلِينَ بِالكُفْرِ، وعَلى المَتْلُوِّ بِالحَقِّ. وفي قَوْلِهِ: (لَمّا جاءَهم) تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهم لَمْ يَتَأمَّلُوا ما يُتْلى عَلَيْهِمْ، بَلْ بادَرُوا أوَّلَ سَماعِهِ إلى نِسْبَتِهِ إلى السِّحْرِ عِنادًا وظُلْمًا، ووَصَفُوهُ بِمُبِينٍ، أيْ ظاهِرٍ، إنَّهُ سِحْرٌ لا شُبْهَةَ فِيهِ. ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾: أيْ بَلْ يَقُولُونَ افْتَراهُ، أيْ بَلْ أيَقُولُونَ اخْتَلَقَهُ ؟ انْتَقَلُوا مِن قَوْلِهِمْ: ﴿هَذا سِحْرٌ﴾ إلى هَذِهِ المَقالَةِ الأُخْرى. والضَّمِيرُ في افْتَراهُ عائِدٌ إلى الحَقِّ، والمُرادُ بِهِ الآياتُ. ﴿قُلْ إنِ افْتَرَيْتُهُ﴾، عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ، فاللَّهُ حَسْبِي في ذَلِكَ، وهو الَّذِي يُعاقِبُنِي عَلى الِافْتِراءِ عَلَيْهِ، ولا يُمْهِلُنِي، فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِن رَدِّ عُقُوبَةِ اللَّهِ بِي شَيْئًا. فَكَيْفَ أفْتَرِيهِ وأتَعَرَّضُ لِعِقابِهِ ؟ يُقالُ: فُلانٌ لا يَمْلِكُ إذا غَضِبَ، ولا يَمْلِكُ عِنانَهُ إذا صُمَّ، ومِثْلُهُ: ﴿فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إنْ أرادَ أنْ يُهْلِكَ المَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ١٧] ؟ ﴿ومَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [المائدة: ٤١] . ومِنهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”لا أمْلِكُ لَكم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا“ . ثُمَّ اسْتَسْلَمَ إلى اللَّهِ واسْتَنْصَرَ بِهِ فَقالَ: ﴿هُوَ أعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ﴾: أيْ تَنْدَفِعُونَ فِيهِ مِنَ الباطِلِ - ومُرادُهُ الحَقُّ - وتَسْمِيَتِهِ تارَةً سِحْرًا وتارَةً فِرْيَةً. والضَّمِيرُ في فِيهِ يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى ما، أوْ عَلى القُرْآنِ، وبِهِ في مَوْضِعِ الفاعِلِ يَكْفِي عَلى أصَحِّ الأقْوالِ. ﴿شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾: شَهِيدًا لِي بِالتَّبْلِيغِ والدُّعاءِ إلَيْهِ، وشَهِيدًا عَلَيْكم بِالتَّكْذِيبِ. (وهو الغَفُورُ الرَّحِيمُ): عِدَةٌ لَهم بِالغُفْرانِ والرَّحْمَةِ إنْ رَجَعُوا عَنِ الكُفْرِ، وإشْعارٌ بِحِلْمِهِ تَعالى عَلَيْهِمْ، إذْ لَمْ يُعاجِلْهم بِالعِقابِ، إذْ كانَ ما تَقَدَّمَ تَهْدِيدًا لَهم في أنْ يُعاجِلَهم عَلى كُفْرِهِمْ. ﴿قُلْ ما كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾: أيْ جاءَ قَبْلِي غَيْرِي، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، والبِدْعُ والبَدِيعُ: مِنَ الأشْياءِ ما لَمْ يُرَ مِثْلُهُ، ومِنهُ قَوْلُ عَدِيِّ بْنِ زَيْدٍ، أنْشَدَهُ قُطْرُبٌ: ؎فَما أنا بِدْعٌ مِن حَوادِثَ تَعْتَرِي ∗∗∗ رِجالًا عَرَتْ مِن بَعْدِ بُؤْسِي فَأسْعَدَ والبِدْعُ والبَدِيعُ: كالخِفِّ والخَفِيفِ، والبِدْعَةُ: ما اخْتُرِعَ مِمّا لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا، وأبْدَعَ الشّاعِرُ: جاءَ بِالبَدِيعِ، وشَيْءٌ بِدْعٌ، بِالكَسْرِ: أيْ مُبْتَدَعٌ، وفُلانٌ بِدْعٌ في هَذا الأمْرِ: أيْ بَدِيعٌ، وقَوْمٌ أبْداعٌ، عَنِ الأخْفَشِ. وقَرَأ عِكْرِمَةُ، وأبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِفَتْحِ الدّالِ، جَمْعُ بِدْعَةٍ، وهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ ذا بِدَعٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِفَةً عَلى فِعَلٍ، كَقَوْلِهِمْ: دِينٌ قِيَمٌ ولَحْمٌ زِيَمٌ. انْتَهى. وهَذا الَّذِي أجازَهُ، إنْ لَمْ يُنْقَلِ اسْتِعْمالُهُ عَنِ العَرَبِ، لَمْ نُجِزْهُ، لِأنَّ فِعَلَ في الصِّفاتِ لَمْ يَحْفَظْ مِنهُ سِيبَوَيْهِ إلّا عِدى. قالَ سِيبَوَيْهِ: ولا نَعْلَمُهُ جاءَ صِفَةً إلّا في حَرْفٍ مُعْتَلٍّ يُوصَفُ بِهِ الجَمْعُ، وهو قَوْمٌ عِدى، وقَدِ اسْتَدْرَكَ، واسْتِدْراكُهُ صَحِيحٌ. وأمّا قِيَمٌ، فَأصْلُهُ قِيامٌ، وقِيَمٌ مَقْصُورٌ مِنهُ، ولِذَلِكَ اعْتَلَّتِ الواوُ فِيهِ، إذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ مَقْصُورًا لَصَحَّتْ، كَما صَحَّتْ في حِوَلٍ وعِوَضٍ. وأمّا قَوْلُ العَرَبِ: مَكانٌ سِوى، وماءٌ رِوى، ورَجُلٌ رِضى، وماءٌ صِرى، وسَبْيٌ طِيَبَةٌ، فَمُتَأوَّلَةٌ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ لا يُثْبِتُونَ بِها فِعَلًا في الصِّفاتِ. وعَنْ مُجاهِدٍ، وأبِي حَيْوَةَ: بَدِعًا، بِفَتْحِ الباءِ وكَسْرِ الدّالِ، كَحَذِرٍ. ﴿وما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكُمْ﴾: أيْ فِيما يُسْتَقْبَلُ مِنَ الزَّمانِ، أيْ لا أعْلَمُ ما لِي بِالغَيْبِ، فَأفْعالُهُ تَعالى، وما يُقَدَّرُ لِي ولَكم مِن قَضاياهُ، لا أعْلَمُها. وعَنِ الحَسَنِ وجَماعَةٍ: وما أدْرِي ما يَصِيرُ إلَيْهِ أمْرِي وأمْرُكم في الدُّنْيا، ومَنِ الغالِبُ مِنّا والمَغْلُوبُ ؟ وعَنِ الكَلْبِيِّ، قالَ لَهُ أصْحابُهُ، (p-٥٧)وقَدْ ضَجِرُوا مِن أذى المُشْرِكِينَ: حَتّى مَتى نَكُونُ عَلى هَذا ؟ فَقالَ: ما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكم أأنْزِلُ بِمَكَّةَ ؟ أمْ أُومَرُ بِالخُرُوجِ إلى أرْضٍ قَدْ رُفِعَتْ ورَأيْتُها، يَعْنِي في مَنامِهِ، ذاتَ نَخْلٍ وشَجَرٍ ؟ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وأنَسُ بْنُ مالِكٍ، وقَتادَةُ، والحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ: مَعْناهُ في الآخِرَةِ، وكانَ هَذا في صَدْرِ الإسْلامِ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ عَرَّفَهُ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ قَدْ غَفَرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ وما تَأخَّرَ، وأنَّ المُؤْمِنِينَ لَهم مِنَ اللَّهِ فَضْلٌ كَبِيرٌ وهو الجَنَّةُ، وبِأنَّ الكافِرِينَ في نارِ جَهَنَّمَ، وهَذا القَوْلُ لَيْسَ بِظاهِرٍ، بَلْ قَدْ أعْلَمَ سُبْحانَهُ مِن أوَّلِ الرِّسالَةِ حالَ الكافِرِ وحالَ المُؤْمِنِ. وقِيلَ: ﴿ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكُمْ﴾ مِنَ الأوامِرِ والنَّواهِي، وما يَلْزَمُ الشَّرِيعَةَ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في أمْرٍ كانَ النَّبِيُّ ﷺ يَنْتَظِرُهُ مِنَ اللَّهِ في غَيْرِ الثَّوابِ والعِقابِ. ﴿إنْ أتَّبِعُ إلّا ما يُوحى إلَيَّ﴾: اسْتِسْلامٌ وتَبَرُّؤٌ مِن عِلْمِ المُغَيَّباتِ، ووُقُوفٌ مَعَ النِّذارَةِ إلّا مِن عَذابِ اللَّهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ما يُفْعَلُ بِضَمِّ الياءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِفَتْحِها. والظّاهِرُ أنَّ ما اسْتِفْهامِيَّةٌ، وأدْرِي مُعَلَّقَةٌ، فَجُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِ مَوْصُولَةٌ مَنصُوبَةٌ. انْتَهى. والفَصِيحُ المَشْهُورُ أنَّ دَرى يَتَعَدّى بِالباءِ، ولِذَلِكَ حِينَ عُدِّيَ بِهَمْزَةِ النَّقْلِ يَتَعَدّى بِالباءِ، نَحْوُ قَوْلِهِ: ﴿ولا أدْراكم بِهِ﴾ [يونس: ١٦]، فَجَعْلُ ما اسْتِفْهامِيَّةً هو الأوْلى والأجْوَدُ، وكَثِيرًا ما عُلِّقَتْ في القُرْآنِ نَحْوُ: ﴿وإنْ أدْرِي أقَرِيبٌ﴾ [الأنبياء: ١٠٩]، و”يُفْعَلُ“ مُثْبَتٌ غَيْرُ مَنفِيٍّ، لَكِنَّهُ قَدِ انْسَحَبَ عَلَيْهِ النَّفْيُ، لِاشْتِمالِهِ عَلى ما و”يُفْعَلُ“ . فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿ولا بِكُمْ﴾ . ولَوْلا اعْتِبارُ النَّفْيِ، لَكانَ التَّرْكِيبُ ﴿ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكُمْ﴾ . ألا تَرى زِيادَةَ مَن في قَوْلِهِ: ﴿أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكم مِن خَيْرٍ﴾ [البقرة: ١٠٥] ؟ لِانْسِحابِ قَوْلِهِ: ﴿ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة: ١٠٥] عَلى يَوَدُّ وعَلى مُتَعَلِّقِ يَوَدُّ، وهو أنْ يُنَزَّلَ، فَإذا انْتَفَتْ وِدادَةُ التَّنْزِيلِ انْتَفى التَّنْزِيلُ. وقَرَأ ابْنُ عُمَيْرٍ: ما يُوحِي. بِكَسْرِ الحاءِ، أيِ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ. (قُلْ أرَأيْتُمْ): مَفْعُولا أرَأيْتُمْ مَحْذُوفانِ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِما، والتَّقْدِيرُ: أرَأيْتُمْ حالَكم إنْ كانَ كَذا ؟ ألَسْتُمْ ظالِمِينَ ؟ فالأوَّلُ حالُكم، والثّانِي ألَسْتُمْ ظالِمِينَ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ، أيْ فَقَدْ ظَلَمْتُمْ، ولِذَلِكَ جاءَ فِعْلُ الشَّرْطِ ماضِيًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: جَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: إنْ كانَ هَذا القُرْآنُ مِن عِنْدِ اللَّهِ وكَفَرْتُمْ بِهِ، ألَسْتُمْ ظالِمِينَ ؟ ويَدُلُّ عَلى هَذا المَحْذُوفِ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ . انْتَهى. وجُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِ لا تَكُونُ جَوابًا لِلشَّرْطِ إلّا بِالفاءِ. فَإنْ كانَتِ الأداةُ الهَمْزَةَ، تَقَدَّمَتِ الفاءُ نَحْوُ: إنْ تَزُرْنا، أفَما نُحْسِنُ إلَيْكَ ؟ أوْ غَيْرَها تَقَدَّمَتِ الفاءُ نَحْوُ: إنْ تَزُرْنا، فَهَلْ تَرى إلّا خَيْرًا ؟ فَقَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ: ألَسْتُمْ ظالِمِينَ ؟ بِغَيْرِ فاءٍ، لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَوابَ الشَّرْطِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وأرَأيْتُمْ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مُنَبِّهَةً، فَهي لَفْظٌ مَوْضُوعٌ لِلسُّؤالِ لا يَقْتَضِي مَفْعُولًا. ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ: كانَ وما عَمِلَتْ فِيهِ، تَسُدُّ مَسَدَّ مَفْعُولَيْها. انْتَهى. وهَذا خِلافُ ما قَرَّرَهُ مُحَقِّقُو النُّحاةِ في أرَأيْتُمْ. وقِيلَ: جَوابُ الشَّرْطِ. ﴿فَآمَنَ واسْتَكْبَرْتُمْ﴾: أيْ فَقَدْ آمَنَ مُحَمَّدٌ بِهِ، أوِ الشّاهِدُ، واسْتَكْبَرْتُمْ أنْتُمْ عَنِ الإيمانِ. وقالَ الحَسَنُ: تَقْدِيرُهُ فَمَن أضَلُّ مِنكم. وقِيلَ: فَمَنِ المُحِقُّ مِنّا ومِنكم، ومَنِ المُبْطِلُ ؟ وقِيلَ: إنَّما تَهْلِكُونَ، والضَّمِيرُ في بِهِ عائِدٌ عَلى ما عادَ عَلَيْهِ اسْمُ كانَ، وهو القُرْآنُ. وقالَ الشَّعْبِيُّ: يَعُودُ عَلى الرَّسُولِ. والشّاهِدُ عَبَدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ، قالَهُ الجُمْهُورُ، وابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ سِيرِينَ، والآيَةُ مَدَنِيَّةٌ. وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ: نَزَلَتْ فِيَّ آياتٌ مِن كِتابِ اللَّهِ، نَزَلَتْ فِيَّ ﴿وشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ فَآمَنَ واسْتَكْبَرْتُمْ﴾ . وقالَ مَسْرُوقٌ: الشّاهِدُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، لا ابْنُ سَلامٍ، (p-٥٨)لِأنَّهُ أسْلَمَ بِالمَدِينَةِ، والسُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، والخِطابُ في ﴿وكَفَرْتُمْ بِهِ﴾ لِقُرَيْشٍ. وقالَ الشَّعْبِيُّ: الشّاهِدُ مَن آمَنَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ بِمُوسى والتَّوْراةِ، لِأنَّ ابْنَ سَلامٍ أسْلَمَ قَبْلَ وفاةِ النَّبِيِّ ﷺ بِعامَيْنِ، والسُّورَةُ مَكِّيَّةٌ. وقالَ سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ، ومُجاهِدٌ، وفِرْقَةٌ: الآيَةُ مَكِّيَّةٌ، والشّاهِدُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ، وهي مِنَ الآياتِ الَّتِي تَضَمَّنَتْ غَيْبًا أبْرَزَهُ الوُجُودُ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ مَذْكُورٌ في الصَّحِيحِ، وفِيهِ بُهْتٌ لِلْيَهُودِ لَعَنَهُمُ اللَّهُ. ومِن كَذِبِ اليَهُودِ وجَهْلِهِمْ بِالتّارِيخِ، ما يَعْتَقِدُونَهُ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ، أنَّهُ ﷺ حِينَ سافَرَ إلى الشّامِ في تِجارَةٍ لِخَدِيجَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها، اجْتَمَعَ بِأحْبارِ اليَهُودِ وقَصَّ عَلَيْهِمْ أحْلامَهُ، فَعَلِمُوا أنَّهُ صاحِبُ دَوْلَةٍ، وعَمُوا، فَأصْحَبُوهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلامٍ، فَقَرَأ عُلُومَ التَّوْراةِ وفِقْهَها مُدَّةً، زَعَمُوا وأفْرَطُوا في كَذِبِهِمْ، إلى أنْ نَسَبُوا الفَصاحَةَ المُعْجِزَةَ الَّتِي في القُرْآنِ إلى تَأْلِيفِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ، وعَبْدُ اللَّهِ هَذا لَمْ تُعْلَمْ لَهُ إقامَةٌ بِمَكَّةَ ولا تَرَدَّدَ إلَيْها. فَما أكْذَبَ اليَهُودَ وأبْهَتَهم لَعَنَهُمُ اللَّهُ. وناهِيكَ مِن طائِفَةٍ ما ذُمَّ في القُرْآنِ طائِفَةٌ مِثْلُها.

الأحقاف 46:7

سُورَةُ الأحْقافِ خَمْسٌ وثَلاثُونَ آيَةً مَكِّيَّةٌ (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) (p-٥٣)﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ ﴿ما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلّا بِالحَقِّ وأجَلٍ مُسَمًّى والَّذِينَ كَفَرُوا عَمّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الأرْضِ أمْ لَهم شِرْكٌ في السَّماواتِ اِئْتُونِي بِكِتابٍ مِن قَبْلِ هَذا أوْ أثارَةٍ مِن عِلْمٍ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿ومَن أضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ وهم عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ﴾ ﴿وإذا حُشِرَ النّاسُ كانُوا لَهم أعْداءً وكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ﴾ ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمّا جاءَهم هَذا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ إنِ افْتَرَيْتُهُ فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا هو أعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ كَفى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكم وهو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿قُلْ ما كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكم إنْ أتَّبِعُ إلّا ما يُوحى إلَيَّ وما أنا إلّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ وكَفَرْتُمْ بِهِ وشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ فَآمَنَ واسْتَكْبَرْتُمْ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ وإذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذا إفْكٌ قَدِيمٌ﴾ [الأحقاف: ١١] ﴿ومِن قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إمامًا ورَحْمَةً وهَذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ لِسانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وبُشْرى لِلْمُحْسِنِينَ﴾ [الأحقاف: ١٢] ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ [الأحقاف: ١٣] ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأحقاف: ١٤] ﴿ووَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ إحْسانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا ووَضَعَتْهُ كُرْهًا وحَمْلُهُ وفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا حَتّى إذا بَلَغَ أشُدَّهُ وبَلَغَ أرْبَعِينَ سَنَةً قالَ رَبِّ أوْزِعْنِي أنْ أشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أنْعَمْتَ عَلَيَّ وعَلى والِدَيَّ وأنْ أعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ وأصْلِحْ لِي في ذُرِّيَّتِي إنِّي تُبْتُ إلَيْكَ وإنِّي مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ [الأحقاف: ١٥] ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهم أحْسَنَ ما عَمِلُوا ونَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ في أصْحابِ الجَنَّةِ وعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ﴾ [الأحقاف: ١٦] ﴿والَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما أتَعِدانِنِي أنْ أُخْرَجَ وقَدْ خَلَتِ القُرُونُ مِن قَبْلِي وهُما يَسْتَغِيثانِ اللَّهَ ويْلَكَ آمِن إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ ما هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [الأحقاف: ١٧] ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ في أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ إنَّهم كانُوا خاسِرِينَ﴾ [الأحقاف: ١٨] ﴿ولِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا ولِيُوَفِّيَهم أعْمالَهم وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ [الأحقاف: ١٩] ﴿ويَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلى النّارِ أذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكم في حَياتِكُمُ الدُّنْيا واسْتَمْتَعْتُمْ بِها فاليَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الهُونِ بِما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وبِما كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ﴾ [الأحقاف: ٢٠] ﴿واذْكُرْ أخا عادٍ إذْ أنْذَرَ قَوْمَهُ بِالأحْقافِ وقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ ألّا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الأحقاف: ٢١] ﴿قالُوا أجِئْتَنا لِتَأْفِكَنا عَنْ آلِهَتِنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [الأحقاف: ٢٢] ﴿قالَ إنَّما العِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وأُبَلِّغُكم ما أُرْسِلْتُ بِهِ ولَكِنِّي أراكم قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ [الأحقاف: ٢٣] ﴿فَلَمّا رَأوْهُ عارِضًا مُسْتَقْبِلَ أوْدِيَتِهِمْ قالُوا هَذا عارِضٌ مُمْطِرُنا بَلْ هو ما اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [الأحقاف: ٢٤] ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأمْرِ رَبِّها فَأصْبَحُوا لا يُرى إلّا مَساكِنُهم كَذَلِكَ نَجْزِي القَوْمَ المُجْرِمِينَ﴾ [الأحقاف: ٢٥] ﴿ولَقَدْ مَكَّنّاهم فِيما إنْ مَكَّنّاكم فِيهِ وجَعَلْنا لَهم سَمْعًا وأبْصارًا وأفْئِدَةً فَما أغْنى عَنْهم سَمْعُهم ولا أبْصارُهم ولا أفْئِدَتُهم مِن شَيْءٍ إذْ كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الأحقاف: ٢٦] ﴿ولَقَدْ أهْلَكْنا ما حَوْلَكم مِنَ القُرى وصَرَّفْنا الآياتِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ [الأحقاف: ٢٧] ﴿فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ قُرْبانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهم وذَلِكَ إفْكُهم وما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [الأحقاف: ٢٨] ﴿وإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ فَلَمّا حَضَرُوهُ قالُوا أنْصِتُوا فَلَمّا قُضِيَ ولَّوْا إلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٢٩] ﴿قالُوا يا قَوْمَنا إنّا سَمِعْنا كِتابًا أُنْزِلَ مِن بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إلى الحَقِّ وإلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأحقاف: ٣٠] ﴿يا قَوْمَنا أجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ وآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكم ويُجِرْكم مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الأحقاف: ٣١] ﴿ومَن لا يُجِبْ داعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ في الأرْضِ ولَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أوْلِياءُ أُولَئِكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الأحقاف: ٣٢] ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ ولَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى بَلى إنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأحقاف: ٣٣] ﴿ويَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلى النّارِ ألَيْسَ هَذا بِالحَقِّ قالُوا بَلى ورَبِّنا قالَ فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ [الأحقاف: ٣٤] ﴿فاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُو العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ ولا تَسْتَعْجِلْ لَهم كَأنَّهم يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إلّا ساعَةً مِن نَهارٍ بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إلّا القَوْمُ الفاسِقُونَ﴾ [الأحقاف: ٣٥] الحِقْفُ: رَمْلٌ مُسْتَطِيلٌ مُرْتَفِعٌ فِيهِ اعْوِجاجٌ وانْحِناءٌ، ومِنهُ احْقَوْقَفَ الشَّيْءُ: اعْوَجَّ. قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: ؎فَلَمّا أجَزْنا ساحَةَ الحَيِّ وانْتَحى بِنا بَطْنُ حِقْفٍ ذِي رُكامٍ عَقَنْقَلِ عَيِيَ بِالأمْرِ: إذا لَمْ تَعْرِفْ جِهَتَهُ، ويَجُوزُ فِيهِ الإدْغامُ فَتَقُولُ: عَيَّ، كَما قُلْتَ في حَيِيَ: حَيَّ. قالَ الشّاعِرُ: ؎عَيُّوا بِأمْرِهِمُ كَما ∗∗∗ عَيَّتْ بِبَيْضَتِها الحَمامَهْ (p-٥٤)﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ ﴿ما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلّا بِالحَقِّ وأجَلٍ مُسَمًّى والَّذِينَ كَفَرُوا عَمّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الأرْضِ أمْ لَهم شِرْكٌ في السَّماواتِ اِئْتُونِي بِكِتابٍ مِن قَبْلِ هَذا أوْ أثارَةٍ مِن عِلْمٍ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿ومَن أضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ وهم عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ﴾ ﴿وإذا حُشِرَ النّاسُ كانُوا لَهم أعْداءً وكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ﴾ ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمّا جاءَهم هَذا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ إنِ افْتَرَيْتُهُ فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا هو أعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ كَفى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكم وهو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿قُلْ ما كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكم إنْ أتَّبِعُ إلّا ما يُوحى إلَيَّ وما أنا إلّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ وكَفَرْتُمْ بِهِ وشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ فَآمَنَ واسْتَكْبَرْتُمْ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ . هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ، أنَّ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ . و﴿فاصْبِرْ كَما صَبَرَ﴾ [الأحقاف: ٣٥]، الآيَتَيْنِ مَدَنِيَّتانِ. ومُناسَبَةُ أوَّلِها لِما قَبْلَها، أنَّ في آخِرِ ما قَبْلَها: ﴿ذَلِكم بِأنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آياتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ [الجاثية: ٣٥]، وقُلْتُمْ: إنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ اخْتَلَقَها، فَقالَ تَعالى: ﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ . وهاتانِ الصِّفَتانِ هُما آخَرُ تِلْكَ، وهُما أوَّلُ هَذِهِ. ﴿وأجَلٍ مُسَمًّى﴾: أيْ مَوْعِدٍ لِفَسادِ هَذِهِ البِنْيَةِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو القِيامَةُ، وقالَ غَيْرُهُ: أيْ أجَلِ كُلِّ مَخْلُوقٍ. (عَنْ ما أُنْذِرُوا): يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ ما مَصْدَرِيَّةً، وأنْ تَكُونَ بِمَعْنى الَّذِي. ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ ما تَدْعُونَ﴾: مَعْناهُ أخْبِرُونِي عَنِ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ، وهي الأصْنامُ. ﴿أرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الأرْضِ﴾: اسْتِفْهامُ تَوْبِيخٍ، ومَفْعُولُ ”أرَأيْتُمْ“ الأوَّلُ هو ”ما تَدْعُونَ“ . وماذا خَلَقُوا: جُمْلَةٌ اسْتِفْهامِيَّةٌ يَطْلُبُها أرَأيْتُمْ، لِأنَّ مَفْعُولَها الثّانِيَ يَكُونُ اسْتِفْهامًا، ويَطْلُبُها أرُونِي عَلى سَبِيلِ التَّعْلِيقِ، فَهَذا مِن بابِ الإعْمالِ، أُعْمِلَ الثّانِي وحُذِفَ مَفْعُولُ ”أرَأيْتُمْ“ الثّانِي. ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ أرُونِي تَوْكِيدًا لِـ ”أرَأيْتُمْ“، بِمَعْنى أخْبِرُونِي، وأرُونِي: أخْبِرُونِي، كَأنَّهُما بِمَعْنًى واحِدٍ. (p-٥٥)وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يَحْتَمِلُ أرَأيْتُمْ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ تَكُونَ مُتَعَدِّيَةً، وما مَفْعُولَةً بِها، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ أرَأيْتُمْ مُنَبِّهَةً لا تَتَعَدّى، وتَكُونَ ما اسْتِفْهامًا عَلى مَعْنى التَّوْبِيخِ، وتَدْعُونَ مَعْناهُ: تَعْبُدُونَ. انْتَهى. وكَوْنُ أرَأيْتُمْ لا تَتَعَدّى، وأنَّها مُنَبِّهَةٌ، فِيهِ شَيْءٌ، قالَهُ الأخْفَشُ في قَوْلِهِ: ﴿قالَ أرَأيْتَ إذْ أوَيْنا إلى الصَّخْرَةِ﴾ [الكهف: ٦٣] . والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ ما تَدْعُونَ مَفْعُولُ أرَأيْتُمْ، كَما هو في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ شُرَكاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ﴾ [فاطر: ٤٠] في سُورَةِ فاطِرٍ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظِيرِ هَذِهِ الجُمْلَةِ فِيها. وقَدْ أُمْضِيَ الكَلامُ في أرَأيْتُمْ في سُورَةِ الأنْعامِ، فَيُطالَعُ هُناكَ: و(مِنَ الأرْضِ)، تَفْسِيرٌ لِلْمُبْهَمِ في: (ماذا خَلَقُوا) . والظّاهِرُ أنَّهُ يُرِيدُ مِن أجْزاءِ الأرْضِ، أيْ: خَلْقُ ذَلِكَ إنَّما هو لِلَّهِ، أوْ يَكُونُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ مِنَ العالِي عَلى الأرْضِ، أيْ عَلى وجْهِها مِن حَيَوانٍ أوْ غَيْرِهِ. ثُمَّ وقَفَهم عَلى عِبارَتِهِمْ فَقالَ: (أمْ لَهم): أيْ: بَلْ. ﴿أمْ لَهم شِرْكٌ في السَّماواتِ اِئْتُونِي بِكِتابٍ مِن قَبْلِ هَذا﴾: أيْ مِن قَبْلِ هَذا الكِتابِ، وهو القُرْآنُ، يَعْنِي أنَّ هَذا القُرْآنَ ناطِقٌ بِالتَّوْحِيدِ وبِإبْطالِ الشِّرْكِ وكُلَّ كُتُبِ اللَّهِ المُنَزَّلَةِ ناطِقَةٌ بِذَلِكَ، فَطَلَبَ مِنهم أنْ يَأْتُوا بِكِتابٍ واحِدٍ يَشْهَدُ بِصِحَّةِ ما هم عَلَيْهِ مِن عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ. ﴿أوْ أثارَةٍ مِن عِلْمٍ﴾، أيْ بَقِيَّةٍ مِن عِلْمٍ، أيْ مِن عُلُومِ الأوَّلِينَ، مِن قَوْلِهِمْ: سَمِنَتِ النّاقَةُ عَلى أثارَةٍ مِن شَحْمٍ، أوْ عَلى بَقِيَّةِ شَحْمٍ كانَتْ بِها مِن شَحْمٍ ذاهِبٍ. والأثارَةُ تُسْتَعْمَلُ في بَقِيَّةِ الشَّرَفِ، يُقالُ: لِبَنِي فُلانٍ أثارَةٌ مِن شَرَفٍ، إذا كانَتْ عِنْدَهم شَواهِدُ قَدِيمَةٌ، وفي غَيْرِ ذَلِكَ قالَ الرّاعِي: ؎وذاتُ أثارَةٍ أكَلَتْ عَلَيْنا ∗∗∗ نَباتًا في أكِمَّتِهِ قِفارا أيْ: بَقِيَّةٍ مِن شَحْمٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿أوْ أثارَةٍ﴾، وهو مَصْدَرٌ، كالشَّجاعَةِ والسَّماحَةِ، وهي البَقِيَّةُ مِنَ الشَّيْءِ، كَأنَّها أثَرَةٌ. وقالَ الحَسَنُ: المَعْنى: مِن عِلْمٍ اسْتَخْرَجْتُمُوهُ فَتُثِيرُونَهُ. وقالَ مُجاهِدٌ: المَعْنى: هَلْ مِن أحَدٍ يَأْثِرُ عِلْمًا في ذَلِكَ ؟ وقالَ القُرْطُبِيُّ: هو الإسْنادُ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: ؎إنَّ الَّذِي فِيهِ تَمارَيْتُما ∗∗∗ بُيِّنَ لِلسّامِعِ والآثِرِ أيْ: ولِلْمُسْتَدْعِينَ غَيْرَهُ، ومِنهُ قَوْلُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: فَما خَلَّفْتُ بِهِ ذاكِرًا ولا آثِرًا. وقالَ أبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وقَتادَةُ: المَعْنى: أوْ خاصَّةٍ مِن عِلْمٍ. فاشْتِقاقُها مِنَ الأثَرَةِ، فَكَأنَّها قَدْ آثَرَ اللَّهُ بِها مَن هي عِنْدَهُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المُرادُ بِالأثارَةِ: الخَطُّ في التُّرابِ، وذَلِكَ شَيْءٌ كانَتِ العَرَبُ تَفْعَلُهُ وتَتَكَهَّنُ بِهِ وتَزْجُرُ تَفْسِيرَهُ. الأثارَةُ بِالخَطِّ يَقْتَضِي تَقْوِيَةَ أمْرِ الخَطِّ في التُّرابِ، وأنَّهُ شَيْءٌ لَيْسَ لَهُ وجْهُ إذايَةِ وقْفِ أحَدٍ إلَيْهِ. وقِيلَ: إنْ صَحَّ تَفْسِيرُابْنِ عَبّاسٍ الأثارَةَ بِالخَطِّ في التُّرابِ، كانَ ذَلِكَ مِن بابِ التَّهَكُّمِ بِهِمْ وبِأقْوالِهِمْ ودَلائِلِهِمْ. وقَرَأ عَلِيٌّ، وابْنُ عَبّاسٍ: بِخِلافٍ عَنْهُما، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ، والحَسَنُ، والسُّلَمِيُّ، والأعْمَشُ، وعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ: ”أوْ أثَرَةٍ“ بِغَيْرِ ألِفٍ، وهي واحِدَةٌ، جَمْعُها أُثُرٌ، كَقَتَرَةٍ وقُتُرٍ، وعَلِيٌّ، والسُّلَمِيُّ، وقَتادَةُ أيْضًا: بِإسْكانِ الثّاءِ، وهي الفَعْلَةُ الواحِدَةُ مِمّا يُؤْثَرُ، أيْ قَدْ قَنِعْتُ لَكم بِخَبَرٍ واحِدٍ وأثَرٍ واحِدٍ يَشْهَدُ بِصِحَّةِ قَوْلِكم. وعَنِ الكِسائِيِّ ضَمُّ الهَمْزَةِ وإسْكانُ الثّاءِ. وقالَ ابْنُ خالَوَيْهِ، وقالَ الكِسائِيُّ عَلى لُغَةٍ أُخْرى: إثْرَةٌ وأُثْرَةٌ يَعْنِي بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وضَمِّها. ﴿ومَن أضَلُّ مِمَّنْ﴾ يَعْبُدُ الأصْنامَ، وهي جَمادٌ لا قُدْرَةَ لَها عَلى اسْتِجابَةِ دُعائِهِمْ ما دامَتِ الدُّنْيا، أيْ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهم أبَدًا، ولِذَلِكَ غُيِّيَ انْتِفاءُ اسْتِجابَتِهِمْ بِقَوْلِهِ: (إلى يَوْمِ القِيامَةِ)، ومَعَ ذَلِكَ لا شُعُورَ لَهم بِعِبادَتِهِمْ إيّاهم، وهم في الآخِرَةِ أعْداءٌ لَهم، فَلَيْسَ لَهم في الدُّنْيا بِهِمْ نَفْعٌ، وهم عَلَيْهِمْ في الآخِرَةِ ضَرَرٌ، كَما قالَ تَعالى: ﴿سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ ويَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم: ٨٢] . وجاءَ ﴿مَن لا يَسْتَجِيبُ﴾، لِأنَّهم يُسْنِدُونَ إلَيْهِمْ ما يُسْنَدُ لِأُولِي العِلْمِ مِنَ الِاسْتِجابَةِ والغَفْلَةِ، وكَأنَّ ﴿مَن لا يَسْتَجِيبُ﴾ يُرادُ بِهِ مَن عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ مِن إنْسٍ وجِنٍّ وغَيْرِهِما، وغُلِّبَ مَن يَعْقِلُ، وحُمِلَ أوَّلًا عَلى لَفْظِ مَن لا يَسْتَجِيبُ، ثُمَّ عَلى المَعْنى في: وهم مِن ما بَعْدَهُ. والظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ أوَّلًا عَلى لَفْظِ ﴿مَن لا يَسْتَجِيبُ﴾، ثُمَّ عَلى المَعْنى في: وهم ما بَعْدَهُ والظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ أوَّلًا عَلى لَفْظِ مَن لا يَسْتَجِيبُ ثُمَّ عَلى المَعْنى في: وهم عَلى مَعْنى (p-٥٦)مَن في: ﴿مَن لا يَسْتَجِيبُ﴾، كَما فَسَّرْناهُ. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى مَعْنى مَن في: ﴿ومَن أضَلُّ﴾، أيْ والكُفّارُ عَنْ ضَلالِهِمْ بِأنَّهم يَدْعُونَ مَن لا يَسْتَجِيبُ. (غافِلُونَ): لا يَتَأمَّلُونَ ما عَلَيْهِمْ في دُعائِهِمْ مَن هَذِهِ صِفَتُهُ. ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ﴾: جَمْعُ بَيِّنَةٍ، وهي الحُجَّةُ الواضِحَةُ. واللّامُ في (لِلْحَقِّ)، لامُ العِلَّةِ، أيْ لِأجْلِ الحَقِّ. وأتى بِالظّاهِرَيْنِ بَدَلَ المُضْمَرَيْنِ في ﴿قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ﴾، ولَمْ يَأْتِ التَّرْكِيبُ: قالُوا لَها، تَنْبِيهًا عَلى الوَصْفَيْنِ وصْفِ المَتْلُوِّ عَلَيْهِمْ بِالكُفْرِ، ووَصْفِ المَتْلُوِّ عَلَيْهِمْ بِالحَقِّ، ولَوْ جاءَ بِهِما الوَصْفَيْنِ، لَمْ يَكُنْ في ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى الوَصْفَيْنِ مِن حَيْثُ اللَّفْظُ، وإنْ كانَ مَن سَمّى الآياتِ سِحْرًا هو كافِرٌ، والآياتُ في نَفْسِها حَقٌّ، فَفي ذِكْرِهِما ظاهِرَيْنِ، يَسْتَحِيلُ عَلى القائِلِينَ بِالكُفْرِ، وعَلى المَتْلُوِّ بِالحَقِّ. وفي قَوْلِهِ: (لَمّا جاءَهم) تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهم لَمْ يَتَأمَّلُوا ما يُتْلى عَلَيْهِمْ، بَلْ بادَرُوا أوَّلَ سَماعِهِ إلى نِسْبَتِهِ إلى السِّحْرِ عِنادًا وظُلْمًا، ووَصَفُوهُ بِمُبِينٍ، أيْ ظاهِرٍ، إنَّهُ سِحْرٌ لا شُبْهَةَ فِيهِ. ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾: أيْ بَلْ يَقُولُونَ افْتَراهُ، أيْ بَلْ أيَقُولُونَ اخْتَلَقَهُ ؟ انْتَقَلُوا مِن قَوْلِهِمْ: ﴿هَذا سِحْرٌ﴾ إلى هَذِهِ المَقالَةِ الأُخْرى. والضَّمِيرُ في افْتَراهُ عائِدٌ إلى الحَقِّ، والمُرادُ بِهِ الآياتُ. ﴿قُلْ إنِ افْتَرَيْتُهُ﴾، عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ، فاللَّهُ حَسْبِي في ذَلِكَ، وهو الَّذِي يُعاقِبُنِي عَلى الِافْتِراءِ عَلَيْهِ، ولا يُمْهِلُنِي، فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِن رَدِّ عُقُوبَةِ اللَّهِ بِي شَيْئًا. فَكَيْفَ أفْتَرِيهِ وأتَعَرَّضُ لِعِقابِهِ ؟ يُقالُ: فُلانٌ لا يَمْلِكُ إذا غَضِبَ، ولا يَمْلِكُ عِنانَهُ إذا صُمَّ، ومِثْلُهُ: ﴿فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إنْ أرادَ أنْ يُهْلِكَ المَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ١٧] ؟ ﴿ومَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [المائدة: ٤١] . ومِنهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”لا أمْلِكُ لَكم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا“ . ثُمَّ اسْتَسْلَمَ إلى اللَّهِ واسْتَنْصَرَ بِهِ فَقالَ: ﴿هُوَ أعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ﴾: أيْ تَنْدَفِعُونَ فِيهِ مِنَ الباطِلِ - ومُرادُهُ الحَقُّ - وتَسْمِيَتِهِ تارَةً سِحْرًا وتارَةً فِرْيَةً. والضَّمِيرُ في فِيهِ يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى ما، أوْ عَلى القُرْآنِ، وبِهِ في مَوْضِعِ الفاعِلِ يَكْفِي عَلى أصَحِّ الأقْوالِ. ﴿شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾: شَهِيدًا لِي بِالتَّبْلِيغِ والدُّعاءِ إلَيْهِ، وشَهِيدًا عَلَيْكم بِالتَّكْذِيبِ. (وهو الغَفُورُ الرَّحِيمُ): عِدَةٌ لَهم بِالغُفْرانِ والرَّحْمَةِ إنْ رَجَعُوا عَنِ الكُفْرِ، وإشْعارٌ بِحِلْمِهِ تَعالى عَلَيْهِمْ، إذْ لَمْ يُعاجِلْهم بِالعِقابِ، إذْ كانَ ما تَقَدَّمَ تَهْدِيدًا لَهم في أنْ يُعاجِلَهم عَلى كُفْرِهِمْ. ﴿قُلْ ما كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾: أيْ جاءَ قَبْلِي غَيْرِي، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، والبِدْعُ والبَدِيعُ: مِنَ الأشْياءِ ما لَمْ يُرَ مِثْلُهُ، ومِنهُ قَوْلُ عَدِيِّ بْنِ زَيْدٍ، أنْشَدَهُ قُطْرُبٌ: ؎فَما أنا بِدْعٌ مِن حَوادِثَ تَعْتَرِي ∗∗∗ رِجالًا عَرَتْ مِن بَعْدِ بُؤْسِي فَأسْعَدَ والبِدْعُ والبَدِيعُ: كالخِفِّ والخَفِيفِ، والبِدْعَةُ: ما اخْتُرِعَ مِمّا لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا، وأبْدَعَ الشّاعِرُ: جاءَ بِالبَدِيعِ، وشَيْءٌ بِدْعٌ، بِالكَسْرِ: أيْ مُبْتَدَعٌ، وفُلانٌ بِدْعٌ في هَذا الأمْرِ: أيْ بَدِيعٌ، وقَوْمٌ أبْداعٌ، عَنِ الأخْفَشِ. وقَرَأ عِكْرِمَةُ، وأبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِفَتْحِ الدّالِ، جَمْعُ بِدْعَةٍ، وهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ ذا بِدَعٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِفَةً عَلى فِعَلٍ، كَقَوْلِهِمْ: دِينٌ قِيَمٌ ولَحْمٌ زِيَمٌ. انْتَهى. وهَذا الَّذِي أجازَهُ، إنْ لَمْ يُنْقَلِ اسْتِعْمالُهُ عَنِ العَرَبِ، لَمْ نُجِزْهُ، لِأنَّ فِعَلَ في الصِّفاتِ لَمْ يَحْفَظْ مِنهُ سِيبَوَيْهِ إلّا عِدى. قالَ سِيبَوَيْهِ: ولا نَعْلَمُهُ جاءَ صِفَةً إلّا في حَرْفٍ مُعْتَلٍّ يُوصَفُ بِهِ الجَمْعُ، وهو قَوْمٌ عِدى، وقَدِ اسْتَدْرَكَ، واسْتِدْراكُهُ صَحِيحٌ. وأمّا قِيَمٌ، فَأصْلُهُ قِيامٌ، وقِيَمٌ مَقْصُورٌ مِنهُ، ولِذَلِكَ اعْتَلَّتِ الواوُ فِيهِ، إذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ مَقْصُورًا لَصَحَّتْ، كَما صَحَّتْ في حِوَلٍ وعِوَضٍ. وأمّا قَوْلُ العَرَبِ: مَكانٌ سِوى، وماءٌ رِوى، ورَجُلٌ رِضى، وماءٌ صِرى، وسَبْيٌ طِيَبَةٌ، فَمُتَأوَّلَةٌ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ لا يُثْبِتُونَ بِها فِعَلًا في الصِّفاتِ. وعَنْ مُجاهِدٍ، وأبِي حَيْوَةَ: بَدِعًا، بِفَتْحِ الباءِ وكَسْرِ الدّالِ، كَحَذِرٍ. ﴿وما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكُمْ﴾: أيْ فِيما يُسْتَقْبَلُ مِنَ الزَّمانِ، أيْ لا أعْلَمُ ما لِي بِالغَيْبِ، فَأفْعالُهُ تَعالى، وما يُقَدَّرُ لِي ولَكم مِن قَضاياهُ، لا أعْلَمُها. وعَنِ الحَسَنِ وجَماعَةٍ: وما أدْرِي ما يَصِيرُ إلَيْهِ أمْرِي وأمْرُكم في الدُّنْيا، ومَنِ الغالِبُ مِنّا والمَغْلُوبُ ؟ وعَنِ الكَلْبِيِّ، قالَ لَهُ أصْحابُهُ، (p-٥٧)وقَدْ ضَجِرُوا مِن أذى المُشْرِكِينَ: حَتّى مَتى نَكُونُ عَلى هَذا ؟ فَقالَ: ما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكم أأنْزِلُ بِمَكَّةَ ؟ أمْ أُومَرُ بِالخُرُوجِ إلى أرْضٍ قَدْ رُفِعَتْ ورَأيْتُها، يَعْنِي في مَنامِهِ، ذاتَ نَخْلٍ وشَجَرٍ ؟ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وأنَسُ بْنُ مالِكٍ، وقَتادَةُ، والحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ: مَعْناهُ في الآخِرَةِ، وكانَ هَذا في صَدْرِ الإسْلامِ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ عَرَّفَهُ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ قَدْ غَفَرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ وما تَأخَّرَ، وأنَّ المُؤْمِنِينَ لَهم مِنَ اللَّهِ فَضْلٌ كَبِيرٌ وهو الجَنَّةُ، وبِأنَّ الكافِرِينَ في نارِ جَهَنَّمَ، وهَذا القَوْلُ لَيْسَ بِظاهِرٍ، بَلْ قَدْ أعْلَمَ سُبْحانَهُ مِن أوَّلِ الرِّسالَةِ حالَ الكافِرِ وحالَ المُؤْمِنِ. وقِيلَ: ﴿ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكُمْ﴾ مِنَ الأوامِرِ والنَّواهِي، وما يَلْزَمُ الشَّرِيعَةَ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في أمْرٍ كانَ النَّبِيُّ ﷺ يَنْتَظِرُهُ مِنَ اللَّهِ في غَيْرِ الثَّوابِ والعِقابِ. ﴿إنْ أتَّبِعُ إلّا ما يُوحى إلَيَّ﴾: اسْتِسْلامٌ وتَبَرُّؤٌ مِن عِلْمِ المُغَيَّباتِ، ووُقُوفٌ مَعَ النِّذارَةِ إلّا مِن عَذابِ اللَّهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ما يُفْعَلُ بِضَمِّ الياءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِفَتْحِها. والظّاهِرُ أنَّ ما اسْتِفْهامِيَّةٌ، وأدْرِي مُعَلَّقَةٌ، فَجُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِ مَوْصُولَةٌ مَنصُوبَةٌ. انْتَهى. والفَصِيحُ المَشْهُورُ أنَّ دَرى يَتَعَدّى بِالباءِ، ولِذَلِكَ حِينَ عُدِّيَ بِهَمْزَةِ النَّقْلِ يَتَعَدّى بِالباءِ، نَحْوُ قَوْلِهِ: ﴿ولا أدْراكم بِهِ﴾ [يونس: ١٦]، فَجَعْلُ ما اسْتِفْهامِيَّةً هو الأوْلى والأجْوَدُ، وكَثِيرًا ما عُلِّقَتْ في القُرْآنِ نَحْوُ: ﴿وإنْ أدْرِي أقَرِيبٌ﴾ [الأنبياء: ١٠٩]، و”يُفْعَلُ“ مُثْبَتٌ غَيْرُ مَنفِيٍّ، لَكِنَّهُ قَدِ انْسَحَبَ عَلَيْهِ النَّفْيُ، لِاشْتِمالِهِ عَلى ما و”يُفْعَلُ“ . فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿ولا بِكُمْ﴾ . ولَوْلا اعْتِبارُ النَّفْيِ، لَكانَ التَّرْكِيبُ ﴿ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكُمْ﴾ . ألا تَرى زِيادَةَ مَن في قَوْلِهِ: ﴿أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكم مِن خَيْرٍ﴾ [البقرة: ١٠٥] ؟ لِانْسِحابِ قَوْلِهِ: ﴿ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة: ١٠٥] عَلى يَوَدُّ وعَلى مُتَعَلِّقِ يَوَدُّ، وهو أنْ يُنَزَّلَ، فَإذا انْتَفَتْ وِدادَةُ التَّنْزِيلِ انْتَفى التَّنْزِيلُ. وقَرَأ ابْنُ عُمَيْرٍ: ما يُوحِي. بِكَسْرِ الحاءِ، أيِ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ. (قُلْ أرَأيْتُمْ): مَفْعُولا أرَأيْتُمْ مَحْذُوفانِ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِما، والتَّقْدِيرُ: أرَأيْتُمْ حالَكم إنْ كانَ كَذا ؟ ألَسْتُمْ ظالِمِينَ ؟ فالأوَّلُ حالُكم، والثّانِي ألَسْتُمْ ظالِمِينَ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ، أيْ فَقَدْ ظَلَمْتُمْ، ولِذَلِكَ جاءَ فِعْلُ الشَّرْطِ ماضِيًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: جَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: إنْ كانَ هَذا القُرْآنُ مِن عِنْدِ اللَّهِ وكَفَرْتُمْ بِهِ، ألَسْتُمْ ظالِمِينَ ؟ ويَدُلُّ عَلى هَذا المَحْذُوفِ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ . انْتَهى. وجُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِ لا تَكُونُ جَوابًا لِلشَّرْطِ إلّا بِالفاءِ. فَإنْ كانَتِ الأداةُ الهَمْزَةَ، تَقَدَّمَتِ الفاءُ نَحْوُ: إنْ تَزُرْنا، أفَما نُحْسِنُ إلَيْكَ ؟ أوْ غَيْرَها تَقَدَّمَتِ الفاءُ نَحْوُ: إنْ تَزُرْنا، فَهَلْ تَرى إلّا خَيْرًا ؟ فَقَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ: ألَسْتُمْ ظالِمِينَ ؟ بِغَيْرِ فاءٍ، لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَوابَ الشَّرْطِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وأرَأيْتُمْ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مُنَبِّهَةً، فَهي لَفْظٌ مَوْضُوعٌ لِلسُّؤالِ لا يَقْتَضِي مَفْعُولًا. ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ: كانَ وما عَمِلَتْ فِيهِ، تَسُدُّ مَسَدَّ مَفْعُولَيْها. انْتَهى. وهَذا خِلافُ ما قَرَّرَهُ مُحَقِّقُو النُّحاةِ في أرَأيْتُمْ. وقِيلَ: جَوابُ الشَّرْطِ. ﴿فَآمَنَ واسْتَكْبَرْتُمْ﴾: أيْ فَقَدْ آمَنَ مُحَمَّدٌ بِهِ، أوِ الشّاهِدُ، واسْتَكْبَرْتُمْ أنْتُمْ عَنِ الإيمانِ. وقالَ الحَسَنُ: تَقْدِيرُهُ فَمَن أضَلُّ مِنكم. وقِيلَ: فَمَنِ المُحِقُّ مِنّا ومِنكم، ومَنِ المُبْطِلُ ؟ وقِيلَ: إنَّما تَهْلِكُونَ، والضَّمِيرُ في بِهِ عائِدٌ عَلى ما عادَ عَلَيْهِ اسْمُ كانَ، وهو القُرْآنُ. وقالَ الشَّعْبِيُّ: يَعُودُ عَلى الرَّسُولِ. والشّاهِدُ عَبَدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ، قالَهُ الجُمْهُورُ، وابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ سِيرِينَ، والآيَةُ مَدَنِيَّةٌ. وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ: نَزَلَتْ فِيَّ آياتٌ مِن كِتابِ اللَّهِ، نَزَلَتْ فِيَّ ﴿وشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ فَآمَنَ واسْتَكْبَرْتُمْ﴾ . وقالَ مَسْرُوقٌ: الشّاهِدُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، لا ابْنُ سَلامٍ، (p-٥٨)لِأنَّهُ أسْلَمَ بِالمَدِينَةِ، والسُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، والخِطابُ في ﴿وكَفَرْتُمْ بِهِ﴾ لِقُرَيْشٍ. وقالَ الشَّعْبِيُّ: الشّاهِدُ مَن آمَنَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ بِمُوسى والتَّوْراةِ، لِأنَّ ابْنَ سَلامٍ أسْلَمَ قَبْلَ وفاةِ النَّبِيِّ ﷺ بِعامَيْنِ، والسُّورَةُ مَكِّيَّةٌ. وقالَ سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ، ومُجاهِدٌ، وفِرْقَةٌ: الآيَةُ مَكِّيَّةٌ، والشّاهِدُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ، وهي مِنَ الآياتِ الَّتِي تَضَمَّنَتْ غَيْبًا أبْرَزَهُ الوُجُودُ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ مَذْكُورٌ في الصَّحِيحِ، وفِيهِ بُهْتٌ لِلْيَهُودِ لَعَنَهُمُ اللَّهُ. ومِن كَذِبِ اليَهُودِ وجَهْلِهِمْ بِالتّارِيخِ، ما يَعْتَقِدُونَهُ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ، أنَّهُ ﷺ حِينَ سافَرَ إلى الشّامِ في تِجارَةٍ لِخَدِيجَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها، اجْتَمَعَ بِأحْبارِ اليَهُودِ وقَصَّ عَلَيْهِمْ أحْلامَهُ، فَعَلِمُوا أنَّهُ صاحِبُ دَوْلَةٍ، وعَمُوا، فَأصْحَبُوهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلامٍ، فَقَرَأ عُلُومَ التَّوْراةِ وفِقْهَها مُدَّةً، زَعَمُوا وأفْرَطُوا في كَذِبِهِمْ، إلى أنْ نَسَبُوا الفَصاحَةَ المُعْجِزَةَ الَّتِي في القُرْآنِ إلى تَأْلِيفِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ، وعَبْدُ اللَّهِ هَذا لَمْ تُعْلَمْ لَهُ إقامَةٌ بِمَكَّةَ ولا تَرَدَّدَ إلَيْها. فَما أكْذَبَ اليَهُودَ وأبْهَتَهم لَعَنَهُمُ اللَّهُ. وناهِيكَ مِن طائِفَةٍ ما ذُمَّ في القُرْآنِ طائِفَةٌ مِثْلُها.

الأحقاف 46:8

سُورَةُ الأحْقافِ خَمْسٌ وثَلاثُونَ آيَةً مَكِّيَّةٌ (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) (p-٥٣)﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ ﴿ما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلّا بِالحَقِّ وأجَلٍ مُسَمًّى والَّذِينَ كَفَرُوا عَمّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الأرْضِ أمْ لَهم شِرْكٌ في السَّماواتِ اِئْتُونِي بِكِتابٍ مِن قَبْلِ هَذا أوْ أثارَةٍ مِن عِلْمٍ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿ومَن أضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ وهم عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ﴾ ﴿وإذا حُشِرَ النّاسُ كانُوا لَهم أعْداءً وكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ﴾ ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمّا جاءَهم هَذا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ إنِ افْتَرَيْتُهُ فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا هو أعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ كَفى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكم وهو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿قُلْ ما كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكم إنْ أتَّبِعُ إلّا ما يُوحى إلَيَّ وما أنا إلّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ وكَفَرْتُمْ بِهِ وشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ فَآمَنَ واسْتَكْبَرْتُمْ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ وإذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذا إفْكٌ قَدِيمٌ﴾ [الأحقاف: ١١] ﴿ومِن قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إمامًا ورَحْمَةً وهَذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ لِسانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وبُشْرى لِلْمُحْسِنِينَ﴾ [الأحقاف: ١٢] ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ [الأحقاف: ١٣] ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأحقاف: ١٤] ﴿ووَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ إحْسانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا ووَضَعَتْهُ كُرْهًا وحَمْلُهُ وفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا حَتّى إذا بَلَغَ أشُدَّهُ وبَلَغَ أرْبَعِينَ سَنَةً قالَ رَبِّ أوْزِعْنِي أنْ أشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أنْعَمْتَ عَلَيَّ وعَلى والِدَيَّ وأنْ أعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ وأصْلِحْ لِي في ذُرِّيَّتِي إنِّي تُبْتُ إلَيْكَ وإنِّي مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ [الأحقاف: ١٥] ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهم أحْسَنَ ما عَمِلُوا ونَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ في أصْحابِ الجَنَّةِ وعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ﴾ [الأحقاف: ١٦] ﴿والَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما أتَعِدانِنِي أنْ أُخْرَجَ وقَدْ خَلَتِ القُرُونُ مِن قَبْلِي وهُما يَسْتَغِيثانِ اللَّهَ ويْلَكَ آمِن إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ ما هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [الأحقاف: ١٧] ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ في أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ إنَّهم كانُوا خاسِرِينَ﴾ [الأحقاف: ١٨] ﴿ولِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا ولِيُوَفِّيَهم أعْمالَهم وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ [الأحقاف: ١٩] ﴿ويَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلى النّارِ أذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكم في حَياتِكُمُ الدُّنْيا واسْتَمْتَعْتُمْ بِها فاليَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الهُونِ بِما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وبِما كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ﴾ [الأحقاف: ٢٠] ﴿واذْكُرْ أخا عادٍ إذْ أنْذَرَ قَوْمَهُ بِالأحْقافِ وقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ ألّا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الأحقاف: ٢١] ﴿قالُوا أجِئْتَنا لِتَأْفِكَنا عَنْ آلِهَتِنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [الأحقاف: ٢٢] ﴿قالَ إنَّما العِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وأُبَلِّغُكم ما أُرْسِلْتُ بِهِ ولَكِنِّي أراكم قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ [الأحقاف: ٢٣] ﴿فَلَمّا رَأوْهُ عارِضًا مُسْتَقْبِلَ أوْدِيَتِهِمْ قالُوا هَذا عارِضٌ مُمْطِرُنا بَلْ هو ما اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [الأحقاف: ٢٤] ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأمْرِ رَبِّها فَأصْبَحُوا لا يُرى إلّا مَساكِنُهم كَذَلِكَ نَجْزِي القَوْمَ المُجْرِمِينَ﴾ [الأحقاف: ٢٥] ﴿ولَقَدْ مَكَّنّاهم فِيما إنْ مَكَّنّاكم فِيهِ وجَعَلْنا لَهم سَمْعًا وأبْصارًا وأفْئِدَةً فَما أغْنى عَنْهم سَمْعُهم ولا أبْصارُهم ولا أفْئِدَتُهم مِن شَيْءٍ إذْ كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الأحقاف: ٢٦] ﴿ولَقَدْ أهْلَكْنا ما حَوْلَكم مِنَ القُرى وصَرَّفْنا الآياتِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ [الأحقاف: ٢٧] ﴿فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ قُرْبانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهم وذَلِكَ إفْكُهم وما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [الأحقاف: ٢٨] ﴿وإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ فَلَمّا حَضَرُوهُ قالُوا أنْصِتُوا فَلَمّا قُضِيَ ولَّوْا إلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٢٩] ﴿قالُوا يا قَوْمَنا إنّا سَمِعْنا كِتابًا أُنْزِلَ مِن بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إلى الحَقِّ وإلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأحقاف: ٣٠] ﴿يا قَوْمَنا أجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ وآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكم ويُجِرْكم مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الأحقاف: ٣١] ﴿ومَن لا يُجِبْ داعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ في الأرْضِ ولَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أوْلِياءُ أُولَئِكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الأحقاف: ٣٢] ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ ولَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى بَلى إنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأحقاف: ٣٣] ﴿ويَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلى النّارِ ألَيْسَ هَذا بِالحَقِّ قالُوا بَلى ورَبِّنا قالَ فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ [الأحقاف: ٣٤] ﴿فاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُو العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ ولا تَسْتَعْجِلْ لَهم كَأنَّهم يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إلّا ساعَةً مِن نَهارٍ بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إلّا القَوْمُ الفاسِقُونَ﴾ [الأحقاف: ٣٥] الحِقْفُ: رَمْلٌ مُسْتَطِيلٌ مُرْتَفِعٌ فِيهِ اعْوِجاجٌ وانْحِناءٌ، ومِنهُ احْقَوْقَفَ الشَّيْءُ: اعْوَجَّ. قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: ؎فَلَمّا أجَزْنا ساحَةَ الحَيِّ وانْتَحى بِنا بَطْنُ حِقْفٍ ذِي رُكامٍ عَقَنْقَلِ عَيِيَ بِالأمْرِ: إذا لَمْ تَعْرِفْ جِهَتَهُ، ويَجُوزُ فِيهِ الإدْغامُ فَتَقُولُ: عَيَّ، كَما قُلْتَ في حَيِيَ: حَيَّ. قالَ الشّاعِرُ: ؎عَيُّوا بِأمْرِهِمُ كَما ∗∗∗ عَيَّتْ بِبَيْضَتِها الحَمامَهْ (p-٥٤)﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ ﴿ما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلّا بِالحَقِّ وأجَلٍ مُسَمًّى والَّذِينَ كَفَرُوا عَمّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الأرْضِ أمْ لَهم شِرْكٌ في السَّماواتِ اِئْتُونِي بِكِتابٍ مِن قَبْلِ هَذا أوْ أثارَةٍ مِن عِلْمٍ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿ومَن أضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ وهم عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ﴾ ﴿وإذا حُشِرَ النّاسُ كانُوا لَهم أعْداءً وكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ﴾ ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمّا جاءَهم هَذا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ إنِ افْتَرَيْتُهُ فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا هو أعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ كَفى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكم وهو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿قُلْ ما كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكم إنْ أتَّبِعُ إلّا ما يُوحى إلَيَّ وما أنا إلّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ وكَفَرْتُمْ بِهِ وشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ فَآمَنَ واسْتَكْبَرْتُمْ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ . هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ، أنَّ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ . و﴿فاصْبِرْ كَما صَبَرَ﴾ [الأحقاف: ٣٥]، الآيَتَيْنِ مَدَنِيَّتانِ. ومُناسَبَةُ أوَّلِها لِما قَبْلَها، أنَّ في آخِرِ ما قَبْلَها: ﴿ذَلِكم بِأنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آياتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ [الجاثية: ٣٥]، وقُلْتُمْ: إنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ اخْتَلَقَها، فَقالَ تَعالى: ﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ . وهاتانِ الصِّفَتانِ هُما آخَرُ تِلْكَ، وهُما أوَّلُ هَذِهِ. ﴿وأجَلٍ مُسَمًّى﴾: أيْ مَوْعِدٍ لِفَسادِ هَذِهِ البِنْيَةِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو القِيامَةُ، وقالَ غَيْرُهُ: أيْ أجَلِ كُلِّ مَخْلُوقٍ. (عَنْ ما أُنْذِرُوا): يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ ما مَصْدَرِيَّةً، وأنْ تَكُونَ بِمَعْنى الَّذِي. ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ ما تَدْعُونَ﴾: مَعْناهُ أخْبِرُونِي عَنِ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ، وهي الأصْنامُ. ﴿أرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الأرْضِ﴾: اسْتِفْهامُ تَوْبِيخٍ، ومَفْعُولُ ”أرَأيْتُمْ“ الأوَّلُ هو ”ما تَدْعُونَ“ . وماذا خَلَقُوا: جُمْلَةٌ اسْتِفْهامِيَّةٌ يَطْلُبُها أرَأيْتُمْ، لِأنَّ مَفْعُولَها الثّانِيَ يَكُونُ اسْتِفْهامًا، ويَطْلُبُها أرُونِي عَلى سَبِيلِ التَّعْلِيقِ، فَهَذا مِن بابِ الإعْمالِ، أُعْمِلَ الثّانِي وحُذِفَ مَفْعُولُ ”أرَأيْتُمْ“ الثّانِي. ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ أرُونِي تَوْكِيدًا لِـ ”أرَأيْتُمْ“، بِمَعْنى أخْبِرُونِي، وأرُونِي: أخْبِرُونِي، كَأنَّهُما بِمَعْنًى واحِدٍ. (p-٥٥)وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يَحْتَمِلُ أرَأيْتُمْ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ تَكُونَ مُتَعَدِّيَةً، وما مَفْعُولَةً بِها، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ أرَأيْتُمْ مُنَبِّهَةً لا تَتَعَدّى، وتَكُونَ ما اسْتِفْهامًا عَلى مَعْنى التَّوْبِيخِ، وتَدْعُونَ مَعْناهُ: تَعْبُدُونَ. انْتَهى. وكَوْنُ أرَأيْتُمْ لا تَتَعَدّى، وأنَّها مُنَبِّهَةٌ، فِيهِ شَيْءٌ، قالَهُ الأخْفَشُ في قَوْلِهِ: ﴿قالَ أرَأيْتَ إذْ أوَيْنا إلى الصَّخْرَةِ﴾ [الكهف: ٦٣] . والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ ما تَدْعُونَ مَفْعُولُ أرَأيْتُمْ، كَما هو في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ شُرَكاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ﴾ [فاطر: ٤٠] في سُورَةِ فاطِرٍ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظِيرِ هَذِهِ الجُمْلَةِ فِيها. وقَدْ أُمْضِيَ الكَلامُ في أرَأيْتُمْ في سُورَةِ الأنْعامِ، فَيُطالَعُ هُناكَ: و(مِنَ الأرْضِ)، تَفْسِيرٌ لِلْمُبْهَمِ في: (ماذا خَلَقُوا) . والظّاهِرُ أنَّهُ يُرِيدُ مِن أجْزاءِ الأرْضِ، أيْ: خَلْقُ ذَلِكَ إنَّما هو لِلَّهِ، أوْ يَكُونُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ مِنَ العالِي عَلى الأرْضِ، أيْ عَلى وجْهِها مِن حَيَوانٍ أوْ غَيْرِهِ. ثُمَّ وقَفَهم عَلى عِبارَتِهِمْ فَقالَ: (أمْ لَهم): أيْ: بَلْ. ﴿أمْ لَهم شِرْكٌ في السَّماواتِ اِئْتُونِي بِكِتابٍ مِن قَبْلِ هَذا﴾: أيْ مِن قَبْلِ هَذا الكِتابِ، وهو القُرْآنُ، يَعْنِي أنَّ هَذا القُرْآنَ ناطِقٌ بِالتَّوْحِيدِ وبِإبْطالِ الشِّرْكِ وكُلَّ كُتُبِ اللَّهِ المُنَزَّلَةِ ناطِقَةٌ بِذَلِكَ، فَطَلَبَ مِنهم أنْ يَأْتُوا بِكِتابٍ واحِدٍ يَشْهَدُ بِصِحَّةِ ما هم عَلَيْهِ مِن عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ. ﴿أوْ أثارَةٍ مِن عِلْمٍ﴾، أيْ بَقِيَّةٍ مِن عِلْمٍ، أيْ مِن عُلُومِ الأوَّلِينَ، مِن قَوْلِهِمْ: سَمِنَتِ النّاقَةُ عَلى أثارَةٍ مِن شَحْمٍ، أوْ عَلى بَقِيَّةِ شَحْمٍ كانَتْ بِها مِن شَحْمٍ ذاهِبٍ. والأثارَةُ تُسْتَعْمَلُ في بَقِيَّةِ الشَّرَفِ، يُقالُ: لِبَنِي فُلانٍ أثارَةٌ مِن شَرَفٍ، إذا كانَتْ عِنْدَهم شَواهِدُ قَدِيمَةٌ، وفي غَيْرِ ذَلِكَ قالَ الرّاعِي: ؎وذاتُ أثارَةٍ أكَلَتْ عَلَيْنا ∗∗∗ نَباتًا في أكِمَّتِهِ قِفارا أيْ: بَقِيَّةٍ مِن شَحْمٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿أوْ أثارَةٍ﴾، وهو مَصْدَرٌ، كالشَّجاعَةِ والسَّماحَةِ، وهي البَقِيَّةُ مِنَ الشَّيْءِ، كَأنَّها أثَرَةٌ. وقالَ الحَسَنُ: المَعْنى: مِن عِلْمٍ اسْتَخْرَجْتُمُوهُ فَتُثِيرُونَهُ. وقالَ مُجاهِدٌ: المَعْنى: هَلْ مِن أحَدٍ يَأْثِرُ عِلْمًا في ذَلِكَ ؟ وقالَ القُرْطُبِيُّ: هو الإسْنادُ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: ؎إنَّ الَّذِي فِيهِ تَمارَيْتُما ∗∗∗ بُيِّنَ لِلسّامِعِ والآثِرِ أيْ: ولِلْمُسْتَدْعِينَ غَيْرَهُ، ومِنهُ قَوْلُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: فَما خَلَّفْتُ بِهِ ذاكِرًا ولا آثِرًا. وقالَ أبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وقَتادَةُ: المَعْنى: أوْ خاصَّةٍ مِن عِلْمٍ. فاشْتِقاقُها مِنَ الأثَرَةِ، فَكَأنَّها قَدْ آثَرَ اللَّهُ بِها مَن هي عِنْدَهُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المُرادُ بِالأثارَةِ: الخَطُّ في التُّرابِ، وذَلِكَ شَيْءٌ كانَتِ العَرَبُ تَفْعَلُهُ وتَتَكَهَّنُ بِهِ وتَزْجُرُ تَفْسِيرَهُ. الأثارَةُ بِالخَطِّ يَقْتَضِي تَقْوِيَةَ أمْرِ الخَطِّ في التُّرابِ، وأنَّهُ شَيْءٌ لَيْسَ لَهُ وجْهُ إذايَةِ وقْفِ أحَدٍ إلَيْهِ. وقِيلَ: إنْ صَحَّ تَفْسِيرُابْنِ عَبّاسٍ الأثارَةَ بِالخَطِّ في التُّرابِ، كانَ ذَلِكَ مِن بابِ التَّهَكُّمِ بِهِمْ وبِأقْوالِهِمْ ودَلائِلِهِمْ. وقَرَأ عَلِيٌّ، وابْنُ عَبّاسٍ: بِخِلافٍ عَنْهُما، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ، والحَسَنُ، والسُّلَمِيُّ، والأعْمَشُ، وعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ: ”أوْ أثَرَةٍ“ بِغَيْرِ ألِفٍ، وهي واحِدَةٌ، جَمْعُها أُثُرٌ، كَقَتَرَةٍ وقُتُرٍ، وعَلِيٌّ، والسُّلَمِيُّ، وقَتادَةُ أيْضًا: بِإسْكانِ الثّاءِ، وهي الفَعْلَةُ الواحِدَةُ مِمّا يُؤْثَرُ، أيْ قَدْ قَنِعْتُ لَكم بِخَبَرٍ واحِدٍ وأثَرٍ واحِدٍ يَشْهَدُ بِصِحَّةِ قَوْلِكم. وعَنِ الكِسائِيِّ ضَمُّ الهَمْزَةِ وإسْكانُ الثّاءِ. وقالَ ابْنُ خالَوَيْهِ، وقالَ الكِسائِيُّ عَلى لُغَةٍ أُخْرى: إثْرَةٌ وأُثْرَةٌ يَعْنِي بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وضَمِّها. ﴿ومَن أضَلُّ مِمَّنْ﴾ يَعْبُدُ الأصْنامَ، وهي جَمادٌ لا قُدْرَةَ لَها عَلى اسْتِجابَةِ دُعائِهِمْ ما دامَتِ الدُّنْيا، أيْ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهم أبَدًا، ولِذَلِكَ غُيِّيَ انْتِفاءُ اسْتِجابَتِهِمْ بِقَوْلِهِ: (إلى يَوْمِ القِيامَةِ)، ومَعَ ذَلِكَ لا شُعُورَ لَهم بِعِبادَتِهِمْ إيّاهم، وهم في الآخِرَةِ أعْداءٌ لَهم، فَلَيْسَ لَهم في الدُّنْيا بِهِمْ نَفْعٌ، وهم عَلَيْهِمْ في الآخِرَةِ ضَرَرٌ، كَما قالَ تَعالى: ﴿سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ ويَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم: ٨٢] . وجاءَ ﴿مَن لا يَسْتَجِيبُ﴾، لِأنَّهم يُسْنِدُونَ إلَيْهِمْ ما يُسْنَدُ لِأُولِي العِلْمِ مِنَ الِاسْتِجابَةِ والغَفْلَةِ، وكَأنَّ ﴿مَن لا يَسْتَجِيبُ﴾ يُرادُ بِهِ مَن عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ مِن إنْسٍ وجِنٍّ وغَيْرِهِما، وغُلِّبَ مَن يَعْقِلُ، وحُمِلَ أوَّلًا عَلى لَفْظِ مَن لا يَسْتَجِيبُ، ثُمَّ عَلى المَعْنى في: وهم مِن ما بَعْدَهُ. والظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ أوَّلًا عَلى لَفْظِ ﴿مَن لا يَسْتَجِيبُ﴾، ثُمَّ عَلى المَعْنى في: وهم ما بَعْدَهُ والظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ أوَّلًا عَلى لَفْظِ مَن لا يَسْتَجِيبُ ثُمَّ عَلى المَعْنى في: وهم عَلى مَعْنى (p-٥٦)مَن في: ﴿مَن لا يَسْتَجِيبُ﴾، كَما فَسَّرْناهُ. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى مَعْنى مَن في: ﴿ومَن أضَلُّ﴾، أيْ والكُفّارُ عَنْ ضَلالِهِمْ بِأنَّهم يَدْعُونَ مَن لا يَسْتَجِيبُ. (غافِلُونَ): لا يَتَأمَّلُونَ ما عَلَيْهِمْ في دُعائِهِمْ مَن هَذِهِ صِفَتُهُ. ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ﴾: جَمْعُ بَيِّنَةٍ، وهي الحُجَّةُ الواضِحَةُ. واللّامُ في (لِلْحَقِّ)، لامُ العِلَّةِ، أيْ لِأجْلِ الحَقِّ. وأتى بِالظّاهِرَيْنِ بَدَلَ المُضْمَرَيْنِ في ﴿قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ﴾، ولَمْ يَأْتِ التَّرْكِيبُ: قالُوا لَها، تَنْبِيهًا عَلى الوَصْفَيْنِ وصْفِ المَتْلُوِّ عَلَيْهِمْ بِالكُفْرِ، ووَصْفِ المَتْلُوِّ عَلَيْهِمْ بِالحَقِّ، ولَوْ جاءَ بِهِما الوَصْفَيْنِ، لَمْ يَكُنْ في ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى الوَصْفَيْنِ مِن حَيْثُ اللَّفْظُ، وإنْ كانَ مَن سَمّى الآياتِ سِحْرًا هو كافِرٌ، والآياتُ في نَفْسِها حَقٌّ، فَفي ذِكْرِهِما ظاهِرَيْنِ، يَسْتَحِيلُ عَلى القائِلِينَ بِالكُفْرِ، وعَلى المَتْلُوِّ بِالحَقِّ. وفي قَوْلِهِ: (لَمّا جاءَهم) تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهم لَمْ يَتَأمَّلُوا ما يُتْلى عَلَيْهِمْ، بَلْ بادَرُوا أوَّلَ سَماعِهِ إلى نِسْبَتِهِ إلى السِّحْرِ عِنادًا وظُلْمًا، ووَصَفُوهُ بِمُبِينٍ، أيْ ظاهِرٍ، إنَّهُ سِحْرٌ لا شُبْهَةَ فِيهِ. ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾: أيْ بَلْ يَقُولُونَ افْتَراهُ، أيْ بَلْ أيَقُولُونَ اخْتَلَقَهُ ؟ انْتَقَلُوا مِن قَوْلِهِمْ: ﴿هَذا سِحْرٌ﴾ إلى هَذِهِ المَقالَةِ الأُخْرى. والضَّمِيرُ في افْتَراهُ عائِدٌ إلى الحَقِّ، والمُرادُ بِهِ الآياتُ. ﴿قُلْ إنِ افْتَرَيْتُهُ﴾، عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ، فاللَّهُ حَسْبِي في ذَلِكَ، وهو الَّذِي يُعاقِبُنِي عَلى الِافْتِراءِ عَلَيْهِ، ولا يُمْهِلُنِي، فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِن رَدِّ عُقُوبَةِ اللَّهِ بِي شَيْئًا. فَكَيْفَ أفْتَرِيهِ وأتَعَرَّضُ لِعِقابِهِ ؟ يُقالُ: فُلانٌ لا يَمْلِكُ إذا غَضِبَ، ولا يَمْلِكُ عِنانَهُ إذا صُمَّ، ومِثْلُهُ: ﴿فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إنْ أرادَ أنْ يُهْلِكَ المَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ١٧] ؟ ﴿ومَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [المائدة: ٤١] . ومِنهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”لا أمْلِكُ لَكم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا“ . ثُمَّ اسْتَسْلَمَ إلى اللَّهِ واسْتَنْصَرَ بِهِ فَقالَ: ﴿هُوَ أعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ﴾: أيْ تَنْدَفِعُونَ فِيهِ مِنَ الباطِلِ - ومُرادُهُ الحَقُّ - وتَسْمِيَتِهِ تارَةً سِحْرًا وتارَةً فِرْيَةً. والضَّمِيرُ في فِيهِ يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى ما، أوْ عَلى القُرْآنِ، وبِهِ في مَوْضِعِ الفاعِلِ يَكْفِي عَلى أصَحِّ الأقْوالِ. ﴿شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾: شَهِيدًا لِي بِالتَّبْلِيغِ والدُّعاءِ إلَيْهِ، وشَهِيدًا عَلَيْكم بِالتَّكْذِيبِ. (وهو الغَفُورُ الرَّحِيمُ): عِدَةٌ لَهم بِالغُفْرانِ والرَّحْمَةِ إنْ رَجَعُوا عَنِ الكُفْرِ، وإشْعارٌ بِحِلْمِهِ تَعالى عَلَيْهِمْ، إذْ لَمْ يُعاجِلْهم بِالعِقابِ، إذْ كانَ ما تَقَدَّمَ تَهْدِيدًا لَهم في أنْ يُعاجِلَهم عَلى كُفْرِهِمْ. ﴿قُلْ ما كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾: أيْ جاءَ قَبْلِي غَيْرِي، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، والبِدْعُ والبَدِيعُ: مِنَ الأشْياءِ ما لَمْ يُرَ مِثْلُهُ، ومِنهُ قَوْلُ عَدِيِّ بْنِ زَيْدٍ، أنْشَدَهُ قُطْرُبٌ: ؎فَما أنا بِدْعٌ مِن حَوادِثَ تَعْتَرِي ∗∗∗ رِجالًا عَرَتْ مِن بَعْدِ بُؤْسِي فَأسْعَدَ والبِدْعُ والبَدِيعُ: كالخِفِّ والخَفِيفِ، والبِدْعَةُ: ما اخْتُرِعَ مِمّا لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا، وأبْدَعَ الشّاعِرُ: جاءَ بِالبَدِيعِ، وشَيْءٌ بِدْعٌ، بِالكَسْرِ: أيْ مُبْتَدَعٌ، وفُلانٌ بِدْعٌ في هَذا الأمْرِ: أيْ بَدِيعٌ، وقَوْمٌ أبْداعٌ، عَنِ الأخْفَشِ. وقَرَأ عِكْرِمَةُ، وأبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِفَتْحِ الدّالِ، جَمْعُ بِدْعَةٍ، وهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ ذا بِدَعٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِفَةً عَلى فِعَلٍ، كَقَوْلِهِمْ: دِينٌ قِيَمٌ ولَحْمٌ زِيَمٌ. انْتَهى. وهَذا الَّذِي أجازَهُ، إنْ لَمْ يُنْقَلِ اسْتِعْمالُهُ عَنِ العَرَبِ، لَمْ نُجِزْهُ، لِأنَّ فِعَلَ في الصِّفاتِ لَمْ يَحْفَظْ مِنهُ سِيبَوَيْهِ إلّا عِدى. قالَ سِيبَوَيْهِ: ولا نَعْلَمُهُ جاءَ صِفَةً إلّا في حَرْفٍ مُعْتَلٍّ يُوصَفُ بِهِ الجَمْعُ، وهو قَوْمٌ عِدى، وقَدِ اسْتَدْرَكَ، واسْتِدْراكُهُ صَحِيحٌ. وأمّا قِيَمٌ، فَأصْلُهُ قِيامٌ، وقِيَمٌ مَقْصُورٌ مِنهُ، ولِذَلِكَ اعْتَلَّتِ الواوُ فِيهِ، إذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ مَقْصُورًا لَصَحَّتْ، كَما صَحَّتْ في حِوَلٍ وعِوَضٍ. وأمّا قَوْلُ العَرَبِ: مَكانٌ سِوى، وماءٌ رِوى، ورَجُلٌ رِضى، وماءٌ صِرى، وسَبْيٌ طِيَبَةٌ، فَمُتَأوَّلَةٌ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ لا يُثْبِتُونَ بِها فِعَلًا في الصِّفاتِ. وعَنْ مُجاهِدٍ، وأبِي حَيْوَةَ: بَدِعًا، بِفَتْحِ الباءِ وكَسْرِ الدّالِ، كَحَذِرٍ. ﴿وما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكُمْ﴾: أيْ فِيما يُسْتَقْبَلُ مِنَ الزَّمانِ، أيْ لا أعْلَمُ ما لِي بِالغَيْبِ، فَأفْعالُهُ تَعالى، وما يُقَدَّرُ لِي ولَكم مِن قَضاياهُ، لا أعْلَمُها. وعَنِ الحَسَنِ وجَماعَةٍ: وما أدْرِي ما يَصِيرُ إلَيْهِ أمْرِي وأمْرُكم في الدُّنْيا، ومَنِ الغالِبُ مِنّا والمَغْلُوبُ ؟ وعَنِ الكَلْبِيِّ، قالَ لَهُ أصْحابُهُ، (p-٥٧)وقَدْ ضَجِرُوا مِن أذى المُشْرِكِينَ: حَتّى مَتى نَكُونُ عَلى هَذا ؟ فَقالَ: ما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكم أأنْزِلُ بِمَكَّةَ ؟ أمْ أُومَرُ بِالخُرُوجِ إلى أرْضٍ قَدْ رُفِعَتْ ورَأيْتُها، يَعْنِي في مَنامِهِ، ذاتَ نَخْلٍ وشَجَرٍ ؟ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وأنَسُ بْنُ مالِكٍ، وقَتادَةُ، والحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ: مَعْناهُ في الآخِرَةِ، وكانَ هَذا في صَدْرِ الإسْلامِ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ عَرَّفَهُ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ قَدْ غَفَرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ وما تَأخَّرَ، وأنَّ المُؤْمِنِينَ لَهم مِنَ اللَّهِ فَضْلٌ كَبِيرٌ وهو الجَنَّةُ، وبِأنَّ الكافِرِينَ في نارِ جَهَنَّمَ، وهَذا القَوْلُ لَيْسَ بِظاهِرٍ، بَلْ قَدْ أعْلَمَ سُبْحانَهُ مِن أوَّلِ الرِّسالَةِ حالَ الكافِرِ وحالَ المُؤْمِنِ. وقِيلَ: ﴿ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكُمْ﴾ مِنَ الأوامِرِ والنَّواهِي، وما يَلْزَمُ الشَّرِيعَةَ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في أمْرٍ كانَ النَّبِيُّ ﷺ يَنْتَظِرُهُ مِنَ اللَّهِ في غَيْرِ الثَّوابِ والعِقابِ. ﴿إنْ أتَّبِعُ إلّا ما يُوحى إلَيَّ﴾: اسْتِسْلامٌ وتَبَرُّؤٌ مِن عِلْمِ المُغَيَّباتِ، ووُقُوفٌ مَعَ النِّذارَةِ إلّا مِن عَذابِ اللَّهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ما يُفْعَلُ بِضَمِّ الياءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِفَتْحِها. والظّاهِرُ أنَّ ما اسْتِفْهامِيَّةٌ، وأدْرِي مُعَلَّقَةٌ، فَجُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِ مَوْصُولَةٌ مَنصُوبَةٌ. انْتَهى. والفَصِيحُ المَشْهُورُ أنَّ دَرى يَتَعَدّى بِالباءِ، ولِذَلِكَ حِينَ عُدِّيَ بِهَمْزَةِ النَّقْلِ يَتَعَدّى بِالباءِ، نَحْوُ قَوْلِهِ: ﴿ولا أدْراكم بِهِ﴾ [يونس: ١٦]، فَجَعْلُ ما اسْتِفْهامِيَّةً هو الأوْلى والأجْوَدُ، وكَثِيرًا ما عُلِّقَتْ في القُرْآنِ نَحْوُ: ﴿وإنْ أدْرِي أقَرِيبٌ﴾ [الأنبياء: ١٠٩]، و”يُفْعَلُ“ مُثْبَتٌ غَيْرُ مَنفِيٍّ، لَكِنَّهُ قَدِ انْسَحَبَ عَلَيْهِ النَّفْيُ، لِاشْتِمالِهِ عَلى ما و”يُفْعَلُ“ . فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿ولا بِكُمْ﴾ . ولَوْلا اعْتِبارُ النَّفْيِ، لَكانَ التَّرْكِيبُ ﴿ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكُمْ﴾ . ألا تَرى زِيادَةَ مَن في قَوْلِهِ: ﴿أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكم مِن خَيْرٍ﴾ [البقرة: ١٠٥] ؟ لِانْسِحابِ قَوْلِهِ: ﴿ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة: ١٠٥] عَلى يَوَدُّ وعَلى مُتَعَلِّقِ يَوَدُّ، وهو أنْ يُنَزَّلَ، فَإذا انْتَفَتْ وِدادَةُ التَّنْزِيلِ انْتَفى التَّنْزِيلُ. وقَرَأ ابْنُ عُمَيْرٍ: ما يُوحِي. بِكَسْرِ الحاءِ، أيِ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ. (قُلْ أرَأيْتُمْ): مَفْعُولا أرَأيْتُمْ مَحْذُوفانِ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِما، والتَّقْدِيرُ: أرَأيْتُمْ حالَكم إنْ كانَ كَذا ؟ ألَسْتُمْ ظالِمِينَ ؟ فالأوَّلُ حالُكم، والثّانِي ألَسْتُمْ ظالِمِينَ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ، أيْ فَقَدْ ظَلَمْتُمْ، ولِذَلِكَ جاءَ فِعْلُ الشَّرْطِ ماضِيًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: جَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: إنْ كانَ هَذا القُرْآنُ مِن عِنْدِ اللَّهِ وكَفَرْتُمْ بِهِ، ألَسْتُمْ ظالِمِينَ ؟ ويَدُلُّ عَلى هَذا المَحْذُوفِ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ . انْتَهى. وجُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِ لا تَكُونُ جَوابًا لِلشَّرْطِ إلّا بِالفاءِ. فَإنْ كانَتِ الأداةُ الهَمْزَةَ، تَقَدَّمَتِ الفاءُ نَحْوُ: إنْ تَزُرْنا، أفَما نُحْسِنُ إلَيْكَ ؟ أوْ غَيْرَها تَقَدَّمَتِ الفاءُ نَحْوُ: إنْ تَزُرْنا، فَهَلْ تَرى إلّا خَيْرًا ؟ فَقَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ: ألَسْتُمْ ظالِمِينَ ؟ بِغَيْرِ فاءٍ، لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَوابَ الشَّرْطِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وأرَأيْتُمْ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مُنَبِّهَةً، فَهي لَفْظٌ مَوْضُوعٌ لِلسُّؤالِ لا يَقْتَضِي مَفْعُولًا. ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ: كانَ وما عَمِلَتْ فِيهِ، تَسُدُّ مَسَدَّ مَفْعُولَيْها. انْتَهى. وهَذا خِلافُ ما قَرَّرَهُ مُحَقِّقُو النُّحاةِ في أرَأيْتُمْ. وقِيلَ: جَوابُ الشَّرْطِ. ﴿فَآمَنَ واسْتَكْبَرْتُمْ﴾: أيْ فَقَدْ آمَنَ مُحَمَّدٌ بِهِ، أوِ الشّاهِدُ، واسْتَكْبَرْتُمْ أنْتُمْ عَنِ الإيمانِ. وقالَ الحَسَنُ: تَقْدِيرُهُ فَمَن أضَلُّ مِنكم. وقِيلَ: فَمَنِ المُحِقُّ مِنّا ومِنكم، ومَنِ المُبْطِلُ ؟ وقِيلَ: إنَّما تَهْلِكُونَ، والضَّمِيرُ في بِهِ عائِدٌ عَلى ما عادَ عَلَيْهِ اسْمُ كانَ، وهو القُرْآنُ. وقالَ الشَّعْبِيُّ: يَعُودُ عَلى الرَّسُولِ. والشّاهِدُ عَبَدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ، قالَهُ الجُمْهُورُ، وابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ سِيرِينَ، والآيَةُ مَدَنِيَّةٌ. وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ: نَزَلَتْ فِيَّ آياتٌ مِن كِتابِ اللَّهِ، نَزَلَتْ فِيَّ ﴿وشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ فَآمَنَ واسْتَكْبَرْتُمْ﴾ . وقالَ مَسْرُوقٌ: الشّاهِدُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، لا ابْنُ سَلامٍ، (p-٥٨)لِأنَّهُ أسْلَمَ بِالمَدِينَةِ، والسُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، والخِطابُ في ﴿وكَفَرْتُمْ بِهِ﴾ لِقُرَيْشٍ. وقالَ الشَّعْبِيُّ: الشّاهِدُ مَن آمَنَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ بِمُوسى والتَّوْراةِ، لِأنَّ ابْنَ سَلامٍ أسْلَمَ قَبْلَ وفاةِ النَّبِيِّ ﷺ بِعامَيْنِ، والسُّورَةُ مَكِّيَّةٌ. وقالَ سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ، ومُجاهِدٌ، وفِرْقَةٌ: الآيَةُ مَكِّيَّةٌ، والشّاهِدُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ، وهي مِنَ الآياتِ الَّتِي تَضَمَّنَتْ غَيْبًا أبْرَزَهُ الوُجُودُ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ مَذْكُورٌ في الصَّحِيحِ، وفِيهِ بُهْتٌ لِلْيَهُودِ لَعَنَهُمُ اللَّهُ. ومِن كَذِبِ اليَهُودِ وجَهْلِهِمْ بِالتّارِيخِ، ما يَعْتَقِدُونَهُ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ، أنَّهُ ﷺ حِينَ سافَرَ إلى الشّامِ في تِجارَةٍ لِخَدِيجَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها، اجْتَمَعَ بِأحْبارِ اليَهُودِ وقَصَّ عَلَيْهِمْ أحْلامَهُ، فَعَلِمُوا أنَّهُ صاحِبُ دَوْلَةٍ، وعَمُوا، فَأصْحَبُوهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلامٍ، فَقَرَأ عُلُومَ التَّوْراةِ وفِقْهَها مُدَّةً، زَعَمُوا وأفْرَطُوا في كَذِبِهِمْ، إلى أنْ نَسَبُوا الفَصاحَةَ المُعْجِزَةَ الَّتِي في القُرْآنِ إلى تَأْلِيفِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ، وعَبْدُ اللَّهِ هَذا لَمْ تُعْلَمْ لَهُ إقامَةٌ بِمَكَّةَ ولا تَرَدَّدَ إلَيْها. فَما أكْذَبَ اليَهُودَ وأبْهَتَهم لَعَنَهُمُ اللَّهُ. وناهِيكَ مِن طائِفَةٍ ما ذُمَّ في القُرْآنِ طائِفَةٌ مِثْلُها.

الأحقاف 46:9

سُورَةُ الأحْقافِ خَمْسٌ وثَلاثُونَ آيَةً مَكِّيَّةٌ (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) (p-٥٣)﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ ﴿ما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلّا بِالحَقِّ وأجَلٍ مُسَمًّى والَّذِينَ كَفَرُوا عَمّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الأرْضِ أمْ لَهم شِرْكٌ في السَّماواتِ اِئْتُونِي بِكِتابٍ مِن قَبْلِ هَذا أوْ أثارَةٍ مِن عِلْمٍ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿ومَن أضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ وهم عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ﴾ ﴿وإذا حُشِرَ النّاسُ كانُوا لَهم أعْداءً وكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ﴾ ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمّا جاءَهم هَذا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ إنِ افْتَرَيْتُهُ فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا هو أعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ كَفى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكم وهو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿قُلْ ما كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكم إنْ أتَّبِعُ إلّا ما يُوحى إلَيَّ وما أنا إلّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ وكَفَرْتُمْ بِهِ وشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ فَآمَنَ واسْتَكْبَرْتُمْ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ وإذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذا إفْكٌ قَدِيمٌ﴾ [الأحقاف: ١١] ﴿ومِن قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إمامًا ورَحْمَةً وهَذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ لِسانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وبُشْرى لِلْمُحْسِنِينَ﴾ [الأحقاف: ١٢] ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ [الأحقاف: ١٣] ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأحقاف: ١٤] ﴿ووَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ إحْسانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا ووَضَعَتْهُ كُرْهًا وحَمْلُهُ وفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا حَتّى إذا بَلَغَ أشُدَّهُ وبَلَغَ أرْبَعِينَ سَنَةً قالَ رَبِّ أوْزِعْنِي أنْ أشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أنْعَمْتَ عَلَيَّ وعَلى والِدَيَّ وأنْ أعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ وأصْلِحْ لِي في ذُرِّيَّتِي إنِّي تُبْتُ إلَيْكَ وإنِّي مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ [الأحقاف: ١٥] ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهم أحْسَنَ ما عَمِلُوا ونَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ في أصْحابِ الجَنَّةِ وعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ﴾ [الأحقاف: ١٦] ﴿والَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما أتَعِدانِنِي أنْ أُخْرَجَ وقَدْ خَلَتِ القُرُونُ مِن قَبْلِي وهُما يَسْتَغِيثانِ اللَّهَ ويْلَكَ آمِن إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ ما هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [الأحقاف: ١٧] ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ في أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ إنَّهم كانُوا خاسِرِينَ﴾ [الأحقاف: ١٨] ﴿ولِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا ولِيُوَفِّيَهم أعْمالَهم وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ [الأحقاف: ١٩] ﴿ويَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلى النّارِ أذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكم في حَياتِكُمُ الدُّنْيا واسْتَمْتَعْتُمْ بِها فاليَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الهُونِ بِما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وبِما كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ﴾ [الأحقاف: ٢٠] ﴿واذْكُرْ أخا عادٍ إذْ أنْذَرَ قَوْمَهُ بِالأحْقافِ وقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ ألّا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الأحقاف: ٢١] ﴿قالُوا أجِئْتَنا لِتَأْفِكَنا عَنْ آلِهَتِنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [الأحقاف: ٢٢] ﴿قالَ إنَّما العِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وأُبَلِّغُكم ما أُرْسِلْتُ بِهِ ولَكِنِّي أراكم قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ [الأحقاف: ٢٣] ﴿فَلَمّا رَأوْهُ عارِضًا مُسْتَقْبِلَ أوْدِيَتِهِمْ قالُوا هَذا عارِضٌ مُمْطِرُنا بَلْ هو ما اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [الأحقاف: ٢٤] ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأمْرِ رَبِّها فَأصْبَحُوا لا يُرى إلّا مَساكِنُهم كَذَلِكَ نَجْزِي القَوْمَ المُجْرِمِينَ﴾ [الأحقاف: ٢٥] ﴿ولَقَدْ مَكَّنّاهم فِيما إنْ مَكَّنّاكم فِيهِ وجَعَلْنا لَهم سَمْعًا وأبْصارًا وأفْئِدَةً فَما أغْنى عَنْهم سَمْعُهم ولا أبْصارُهم ولا أفْئِدَتُهم مِن شَيْءٍ إذْ كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الأحقاف: ٢٦] ﴿ولَقَدْ أهْلَكْنا ما حَوْلَكم مِنَ القُرى وصَرَّفْنا الآياتِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ [الأحقاف: ٢٧] ﴿فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ قُرْبانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهم وذَلِكَ إفْكُهم وما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [الأحقاف: ٢٨] ﴿وإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ فَلَمّا حَضَرُوهُ قالُوا أنْصِتُوا فَلَمّا قُضِيَ ولَّوْا إلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٢٩] ﴿قالُوا يا قَوْمَنا إنّا سَمِعْنا كِتابًا أُنْزِلَ مِن بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إلى الحَقِّ وإلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأحقاف: ٣٠] ﴿يا قَوْمَنا أجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ وآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكم ويُجِرْكم مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الأحقاف: ٣١] ﴿ومَن لا يُجِبْ داعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ في الأرْضِ ولَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أوْلِياءُ أُولَئِكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الأحقاف: ٣٢] ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ ولَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى بَلى إنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأحقاف: ٣٣] ﴿ويَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلى النّارِ ألَيْسَ هَذا بِالحَقِّ قالُوا بَلى ورَبِّنا قالَ فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ [الأحقاف: ٣٤] ﴿فاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُو العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ ولا تَسْتَعْجِلْ لَهم كَأنَّهم يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إلّا ساعَةً مِن نَهارٍ بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إلّا القَوْمُ الفاسِقُونَ﴾ [الأحقاف: ٣٥] الحِقْفُ: رَمْلٌ مُسْتَطِيلٌ مُرْتَفِعٌ فِيهِ اعْوِجاجٌ وانْحِناءٌ، ومِنهُ احْقَوْقَفَ الشَّيْءُ: اعْوَجَّ. قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: ؎فَلَمّا أجَزْنا ساحَةَ الحَيِّ وانْتَحى بِنا بَطْنُ حِقْفٍ ذِي رُكامٍ عَقَنْقَلِ عَيِيَ بِالأمْرِ: إذا لَمْ تَعْرِفْ جِهَتَهُ، ويَجُوزُ فِيهِ الإدْغامُ فَتَقُولُ: عَيَّ، كَما قُلْتَ في حَيِيَ: حَيَّ. قالَ الشّاعِرُ: ؎عَيُّوا بِأمْرِهِمُ كَما ∗∗∗ عَيَّتْ بِبَيْضَتِها الحَمامَهْ (p-٥٤)﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ ﴿ما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلّا بِالحَقِّ وأجَلٍ مُسَمًّى والَّذِينَ كَفَرُوا عَمّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الأرْضِ أمْ لَهم شِرْكٌ في السَّماواتِ اِئْتُونِي بِكِتابٍ مِن قَبْلِ هَذا أوْ أثارَةٍ مِن عِلْمٍ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿ومَن أضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ وهم عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ﴾ ﴿وإذا حُشِرَ النّاسُ كانُوا لَهم أعْداءً وكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ﴾ ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمّا جاءَهم هَذا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ إنِ افْتَرَيْتُهُ فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا هو أعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ كَفى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكم وهو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿قُلْ ما كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكم إنْ أتَّبِعُ إلّا ما يُوحى إلَيَّ وما أنا إلّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ وكَفَرْتُمْ بِهِ وشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ فَآمَنَ واسْتَكْبَرْتُمْ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ . هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ، أنَّ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ . و﴿فاصْبِرْ كَما صَبَرَ﴾ [الأحقاف: ٣٥]، الآيَتَيْنِ مَدَنِيَّتانِ. ومُناسَبَةُ أوَّلِها لِما قَبْلَها، أنَّ في آخِرِ ما قَبْلَها: ﴿ذَلِكم بِأنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آياتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ [الجاثية: ٣٥]، وقُلْتُمْ: إنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ اخْتَلَقَها، فَقالَ تَعالى: ﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ . وهاتانِ الصِّفَتانِ هُما آخَرُ تِلْكَ، وهُما أوَّلُ هَذِهِ. ﴿وأجَلٍ مُسَمًّى﴾: أيْ مَوْعِدٍ لِفَسادِ هَذِهِ البِنْيَةِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو القِيامَةُ، وقالَ غَيْرُهُ: أيْ أجَلِ كُلِّ مَخْلُوقٍ. (عَنْ ما أُنْذِرُوا): يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ ما مَصْدَرِيَّةً، وأنْ تَكُونَ بِمَعْنى الَّذِي. ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ ما تَدْعُونَ﴾: مَعْناهُ أخْبِرُونِي عَنِ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ، وهي الأصْنامُ. ﴿أرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الأرْضِ﴾: اسْتِفْهامُ تَوْبِيخٍ، ومَفْعُولُ ”أرَأيْتُمْ“ الأوَّلُ هو ”ما تَدْعُونَ“ . وماذا خَلَقُوا: جُمْلَةٌ اسْتِفْهامِيَّةٌ يَطْلُبُها أرَأيْتُمْ، لِأنَّ مَفْعُولَها الثّانِيَ يَكُونُ اسْتِفْهامًا، ويَطْلُبُها أرُونِي عَلى سَبِيلِ التَّعْلِيقِ، فَهَذا مِن بابِ الإعْمالِ، أُعْمِلَ الثّانِي وحُذِفَ مَفْعُولُ ”أرَأيْتُمْ“ الثّانِي. ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ أرُونِي تَوْكِيدًا لِـ ”أرَأيْتُمْ“، بِمَعْنى أخْبِرُونِي، وأرُونِي: أخْبِرُونِي، كَأنَّهُما بِمَعْنًى واحِدٍ. (p-٥٥)وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يَحْتَمِلُ أرَأيْتُمْ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ تَكُونَ مُتَعَدِّيَةً، وما مَفْعُولَةً بِها، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ أرَأيْتُمْ مُنَبِّهَةً لا تَتَعَدّى، وتَكُونَ ما اسْتِفْهامًا عَلى مَعْنى التَّوْبِيخِ، وتَدْعُونَ مَعْناهُ: تَعْبُدُونَ. انْتَهى. وكَوْنُ أرَأيْتُمْ لا تَتَعَدّى، وأنَّها مُنَبِّهَةٌ، فِيهِ شَيْءٌ، قالَهُ الأخْفَشُ في قَوْلِهِ: ﴿قالَ أرَأيْتَ إذْ أوَيْنا إلى الصَّخْرَةِ﴾ [الكهف: ٦٣] . والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ ما تَدْعُونَ مَفْعُولُ أرَأيْتُمْ، كَما هو في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ شُرَكاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ﴾ [فاطر: ٤٠] في سُورَةِ فاطِرٍ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظِيرِ هَذِهِ الجُمْلَةِ فِيها. وقَدْ أُمْضِيَ الكَلامُ في أرَأيْتُمْ في سُورَةِ الأنْعامِ، فَيُطالَعُ هُناكَ: و(مِنَ الأرْضِ)، تَفْسِيرٌ لِلْمُبْهَمِ في: (ماذا خَلَقُوا) . والظّاهِرُ أنَّهُ يُرِيدُ مِن أجْزاءِ الأرْضِ، أيْ: خَلْقُ ذَلِكَ إنَّما هو لِلَّهِ، أوْ يَكُونُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ مِنَ العالِي عَلى الأرْضِ، أيْ عَلى وجْهِها مِن حَيَوانٍ أوْ غَيْرِهِ. ثُمَّ وقَفَهم عَلى عِبارَتِهِمْ فَقالَ: (أمْ لَهم): أيْ: بَلْ. ﴿أمْ لَهم شِرْكٌ في السَّماواتِ اِئْتُونِي بِكِتابٍ مِن قَبْلِ هَذا﴾: أيْ مِن قَبْلِ هَذا الكِتابِ، وهو القُرْآنُ، يَعْنِي أنَّ هَذا القُرْآنَ ناطِقٌ بِالتَّوْحِيدِ وبِإبْطالِ الشِّرْكِ وكُلَّ كُتُبِ اللَّهِ المُنَزَّلَةِ ناطِقَةٌ بِذَلِكَ، فَطَلَبَ مِنهم أنْ يَأْتُوا بِكِتابٍ واحِدٍ يَشْهَدُ بِصِحَّةِ ما هم عَلَيْهِ مِن عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ. ﴿أوْ أثارَةٍ مِن عِلْمٍ﴾، أيْ بَقِيَّةٍ مِن عِلْمٍ، أيْ مِن عُلُومِ الأوَّلِينَ، مِن قَوْلِهِمْ: سَمِنَتِ النّاقَةُ عَلى أثارَةٍ مِن شَحْمٍ، أوْ عَلى بَقِيَّةِ شَحْمٍ كانَتْ بِها مِن شَحْمٍ ذاهِبٍ. والأثارَةُ تُسْتَعْمَلُ في بَقِيَّةِ الشَّرَفِ، يُقالُ: لِبَنِي فُلانٍ أثارَةٌ مِن شَرَفٍ، إذا كانَتْ عِنْدَهم شَواهِدُ قَدِيمَةٌ، وفي غَيْرِ ذَلِكَ قالَ الرّاعِي: ؎وذاتُ أثارَةٍ أكَلَتْ عَلَيْنا ∗∗∗ نَباتًا في أكِمَّتِهِ قِفارا أيْ: بَقِيَّةٍ مِن شَحْمٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿أوْ أثارَةٍ﴾، وهو مَصْدَرٌ، كالشَّجاعَةِ والسَّماحَةِ، وهي البَقِيَّةُ مِنَ الشَّيْءِ، كَأنَّها أثَرَةٌ. وقالَ الحَسَنُ: المَعْنى: مِن عِلْمٍ اسْتَخْرَجْتُمُوهُ فَتُثِيرُونَهُ. وقالَ مُجاهِدٌ: المَعْنى: هَلْ مِن أحَدٍ يَأْثِرُ عِلْمًا في ذَلِكَ ؟ وقالَ القُرْطُبِيُّ: هو الإسْنادُ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: ؎إنَّ الَّذِي فِيهِ تَمارَيْتُما ∗∗∗ بُيِّنَ لِلسّامِعِ والآثِرِ أيْ: ولِلْمُسْتَدْعِينَ غَيْرَهُ، ومِنهُ قَوْلُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: فَما خَلَّفْتُ بِهِ ذاكِرًا ولا آثِرًا. وقالَ أبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وقَتادَةُ: المَعْنى: أوْ خاصَّةٍ مِن عِلْمٍ. فاشْتِقاقُها مِنَ الأثَرَةِ، فَكَأنَّها قَدْ آثَرَ اللَّهُ بِها مَن هي عِنْدَهُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المُرادُ بِالأثارَةِ: الخَطُّ في التُّرابِ، وذَلِكَ شَيْءٌ كانَتِ العَرَبُ تَفْعَلُهُ وتَتَكَهَّنُ بِهِ وتَزْجُرُ تَفْسِيرَهُ. الأثارَةُ بِالخَطِّ يَقْتَضِي تَقْوِيَةَ أمْرِ الخَطِّ في التُّرابِ، وأنَّهُ شَيْءٌ لَيْسَ لَهُ وجْهُ إذايَةِ وقْفِ أحَدٍ إلَيْهِ. وقِيلَ: إنْ صَحَّ تَفْسِيرُابْنِ عَبّاسٍ الأثارَةَ بِالخَطِّ في التُّرابِ، كانَ ذَلِكَ مِن بابِ التَّهَكُّمِ بِهِمْ وبِأقْوالِهِمْ ودَلائِلِهِمْ. وقَرَأ عَلِيٌّ، وابْنُ عَبّاسٍ: بِخِلافٍ عَنْهُما، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ، والحَسَنُ، والسُّلَمِيُّ، والأعْمَشُ، وعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ: ”أوْ أثَرَةٍ“ بِغَيْرِ ألِفٍ، وهي واحِدَةٌ، جَمْعُها أُثُرٌ، كَقَتَرَةٍ وقُتُرٍ، وعَلِيٌّ، والسُّلَمِيُّ، وقَتادَةُ أيْضًا: بِإسْكانِ الثّاءِ، وهي الفَعْلَةُ الواحِدَةُ مِمّا يُؤْثَرُ، أيْ قَدْ قَنِعْتُ لَكم بِخَبَرٍ واحِدٍ وأثَرٍ واحِدٍ يَشْهَدُ بِصِحَّةِ قَوْلِكم. وعَنِ الكِسائِيِّ ضَمُّ الهَمْزَةِ وإسْكانُ الثّاءِ. وقالَ ابْنُ خالَوَيْهِ، وقالَ الكِسائِيُّ عَلى لُغَةٍ أُخْرى: إثْرَةٌ وأُثْرَةٌ يَعْنِي بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وضَمِّها. ﴿ومَن أضَلُّ مِمَّنْ﴾ يَعْبُدُ الأصْنامَ، وهي جَمادٌ لا قُدْرَةَ لَها عَلى اسْتِجابَةِ دُعائِهِمْ ما دامَتِ الدُّنْيا، أيْ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهم أبَدًا، ولِذَلِكَ غُيِّيَ انْتِفاءُ اسْتِجابَتِهِمْ بِقَوْلِهِ: (إلى يَوْمِ القِيامَةِ)، ومَعَ ذَلِكَ لا شُعُورَ لَهم بِعِبادَتِهِمْ إيّاهم، وهم في الآخِرَةِ أعْداءٌ لَهم، فَلَيْسَ لَهم في الدُّنْيا بِهِمْ نَفْعٌ، وهم عَلَيْهِمْ في الآخِرَةِ ضَرَرٌ، كَما قالَ تَعالى: ﴿سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ ويَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم: ٨٢] . وجاءَ ﴿مَن لا يَسْتَجِيبُ﴾، لِأنَّهم يُسْنِدُونَ إلَيْهِمْ ما يُسْنَدُ لِأُولِي العِلْمِ مِنَ الِاسْتِجابَةِ والغَفْلَةِ، وكَأنَّ ﴿مَن لا يَسْتَجِيبُ﴾ يُرادُ بِهِ مَن عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ مِن إنْسٍ وجِنٍّ وغَيْرِهِما، وغُلِّبَ مَن يَعْقِلُ، وحُمِلَ أوَّلًا عَلى لَفْظِ مَن لا يَسْتَجِيبُ، ثُمَّ عَلى المَعْنى في: وهم مِن ما بَعْدَهُ. والظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ أوَّلًا عَلى لَفْظِ ﴿مَن لا يَسْتَجِيبُ﴾، ثُمَّ عَلى المَعْنى في: وهم ما بَعْدَهُ والظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ أوَّلًا عَلى لَفْظِ مَن لا يَسْتَجِيبُ ثُمَّ عَلى المَعْنى في: وهم عَلى مَعْنى (p-٥٦)مَن في: ﴿مَن لا يَسْتَجِيبُ﴾، كَما فَسَّرْناهُ. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى مَعْنى مَن في: ﴿ومَن أضَلُّ﴾، أيْ والكُفّارُ عَنْ ضَلالِهِمْ بِأنَّهم يَدْعُونَ مَن لا يَسْتَجِيبُ. (غافِلُونَ): لا يَتَأمَّلُونَ ما عَلَيْهِمْ في دُعائِهِمْ مَن هَذِهِ صِفَتُهُ. ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ﴾: جَمْعُ بَيِّنَةٍ، وهي الحُجَّةُ الواضِحَةُ. واللّامُ في (لِلْحَقِّ)، لامُ العِلَّةِ، أيْ لِأجْلِ الحَقِّ. وأتى بِالظّاهِرَيْنِ بَدَلَ المُضْمَرَيْنِ في ﴿قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ﴾، ولَمْ يَأْتِ التَّرْكِيبُ: قالُوا لَها، تَنْبِيهًا عَلى الوَصْفَيْنِ وصْفِ المَتْلُوِّ عَلَيْهِمْ بِالكُفْرِ، ووَصْفِ المَتْلُوِّ عَلَيْهِمْ بِالحَقِّ، ولَوْ جاءَ بِهِما الوَصْفَيْنِ، لَمْ يَكُنْ في ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى الوَصْفَيْنِ مِن حَيْثُ اللَّفْظُ، وإنْ كانَ مَن سَمّى الآياتِ سِحْرًا هو كافِرٌ، والآياتُ في نَفْسِها حَقٌّ، فَفي ذِكْرِهِما ظاهِرَيْنِ، يَسْتَحِيلُ عَلى القائِلِينَ بِالكُفْرِ، وعَلى المَتْلُوِّ بِالحَقِّ. وفي قَوْلِهِ: (لَمّا جاءَهم) تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهم لَمْ يَتَأمَّلُوا ما يُتْلى عَلَيْهِمْ، بَلْ بادَرُوا أوَّلَ سَماعِهِ إلى نِسْبَتِهِ إلى السِّحْرِ عِنادًا وظُلْمًا، ووَصَفُوهُ بِمُبِينٍ، أيْ ظاهِرٍ، إنَّهُ سِحْرٌ لا شُبْهَةَ فِيهِ. ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾: أيْ بَلْ يَقُولُونَ افْتَراهُ، أيْ بَلْ أيَقُولُونَ اخْتَلَقَهُ ؟ انْتَقَلُوا مِن قَوْلِهِمْ: ﴿هَذا سِحْرٌ﴾ إلى هَذِهِ المَقالَةِ الأُخْرى. والضَّمِيرُ في افْتَراهُ عائِدٌ إلى الحَقِّ، والمُرادُ بِهِ الآياتُ. ﴿قُلْ إنِ افْتَرَيْتُهُ﴾، عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ، فاللَّهُ حَسْبِي في ذَلِكَ، وهو الَّذِي يُعاقِبُنِي عَلى الِافْتِراءِ عَلَيْهِ، ولا يُمْهِلُنِي، فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِن رَدِّ عُقُوبَةِ اللَّهِ بِي شَيْئًا. فَكَيْفَ أفْتَرِيهِ وأتَعَرَّضُ لِعِقابِهِ ؟ يُقالُ: فُلانٌ لا يَمْلِكُ إذا غَضِبَ، ولا يَمْلِكُ عِنانَهُ إذا صُمَّ، ومِثْلُهُ: ﴿فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إنْ أرادَ أنْ يُهْلِكَ المَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ١٧] ؟ ﴿ومَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [المائدة: ٤١] . ومِنهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”لا أمْلِكُ لَكم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا“ . ثُمَّ اسْتَسْلَمَ إلى اللَّهِ واسْتَنْصَرَ بِهِ فَقالَ: ﴿هُوَ أعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ﴾: أيْ تَنْدَفِعُونَ فِيهِ مِنَ الباطِلِ - ومُرادُهُ الحَقُّ - وتَسْمِيَتِهِ تارَةً سِحْرًا وتارَةً فِرْيَةً. والضَّمِيرُ في فِيهِ يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى ما، أوْ عَلى القُرْآنِ، وبِهِ في مَوْضِعِ الفاعِلِ يَكْفِي عَلى أصَحِّ الأقْوالِ. ﴿شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾: شَهِيدًا لِي بِالتَّبْلِيغِ والدُّعاءِ إلَيْهِ، وشَهِيدًا عَلَيْكم بِالتَّكْذِيبِ. (وهو الغَفُورُ الرَّحِيمُ): عِدَةٌ لَهم بِالغُفْرانِ والرَّحْمَةِ إنْ رَجَعُوا عَنِ الكُفْرِ، وإشْعارٌ بِحِلْمِهِ تَعالى عَلَيْهِمْ، إذْ لَمْ يُعاجِلْهم بِالعِقابِ، إذْ كانَ ما تَقَدَّمَ تَهْدِيدًا لَهم في أنْ يُعاجِلَهم عَلى كُفْرِهِمْ. ﴿قُلْ ما كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾: أيْ جاءَ قَبْلِي غَيْرِي، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، والبِدْعُ والبَدِيعُ: مِنَ الأشْياءِ ما لَمْ يُرَ مِثْلُهُ، ومِنهُ قَوْلُ عَدِيِّ بْنِ زَيْدٍ، أنْشَدَهُ قُطْرُبٌ: ؎فَما أنا بِدْعٌ مِن حَوادِثَ تَعْتَرِي ∗∗∗ رِجالًا عَرَتْ مِن بَعْدِ بُؤْسِي فَأسْعَدَ والبِدْعُ والبَدِيعُ: كالخِفِّ والخَفِيفِ، والبِدْعَةُ: ما اخْتُرِعَ مِمّا لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا، وأبْدَعَ الشّاعِرُ: جاءَ بِالبَدِيعِ، وشَيْءٌ بِدْعٌ، بِالكَسْرِ: أيْ مُبْتَدَعٌ، وفُلانٌ بِدْعٌ في هَذا الأمْرِ: أيْ بَدِيعٌ، وقَوْمٌ أبْداعٌ، عَنِ الأخْفَشِ. وقَرَأ عِكْرِمَةُ، وأبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِفَتْحِ الدّالِ، جَمْعُ بِدْعَةٍ، وهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ ذا بِدَعٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِفَةً عَلى فِعَلٍ، كَقَوْلِهِمْ: دِينٌ قِيَمٌ ولَحْمٌ زِيَمٌ. انْتَهى. وهَذا الَّذِي أجازَهُ، إنْ لَمْ يُنْقَلِ اسْتِعْمالُهُ عَنِ العَرَبِ، لَمْ نُجِزْهُ، لِأنَّ فِعَلَ في الصِّفاتِ لَمْ يَحْفَظْ مِنهُ سِيبَوَيْهِ إلّا عِدى. قالَ سِيبَوَيْهِ: ولا نَعْلَمُهُ جاءَ صِفَةً إلّا في حَرْفٍ مُعْتَلٍّ يُوصَفُ بِهِ الجَمْعُ، وهو قَوْمٌ عِدى، وقَدِ اسْتَدْرَكَ، واسْتِدْراكُهُ صَحِيحٌ. وأمّا قِيَمٌ، فَأصْلُهُ قِيامٌ، وقِيَمٌ مَقْصُورٌ مِنهُ، ولِذَلِكَ اعْتَلَّتِ الواوُ فِيهِ، إذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ مَقْصُورًا لَصَحَّتْ، كَما صَحَّتْ في حِوَلٍ وعِوَضٍ. وأمّا قَوْلُ العَرَبِ: مَكانٌ سِوى، وماءٌ رِوى، ورَجُلٌ رِضى، وماءٌ صِرى، وسَبْيٌ طِيَبَةٌ، فَمُتَأوَّلَةٌ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ لا يُثْبِتُونَ بِها فِعَلًا في الصِّفاتِ. وعَنْ مُجاهِدٍ، وأبِي حَيْوَةَ: بَدِعًا، بِفَتْحِ الباءِ وكَسْرِ الدّالِ، كَحَذِرٍ. ﴿وما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكُمْ﴾: أيْ فِيما يُسْتَقْبَلُ مِنَ الزَّمانِ، أيْ لا أعْلَمُ ما لِي بِالغَيْبِ، فَأفْعالُهُ تَعالى، وما يُقَدَّرُ لِي ولَكم مِن قَضاياهُ، لا أعْلَمُها. وعَنِ الحَسَنِ وجَماعَةٍ: وما أدْرِي ما يَصِيرُ إلَيْهِ أمْرِي وأمْرُكم في الدُّنْيا، ومَنِ الغالِبُ مِنّا والمَغْلُوبُ ؟ وعَنِ الكَلْبِيِّ، قالَ لَهُ أصْحابُهُ، (p-٥٧)وقَدْ ضَجِرُوا مِن أذى المُشْرِكِينَ: حَتّى مَتى نَكُونُ عَلى هَذا ؟ فَقالَ: ما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكم أأنْزِلُ بِمَكَّةَ ؟ أمْ أُومَرُ بِالخُرُوجِ إلى أرْضٍ قَدْ رُفِعَتْ ورَأيْتُها، يَعْنِي في مَنامِهِ، ذاتَ نَخْلٍ وشَجَرٍ ؟ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وأنَسُ بْنُ مالِكٍ، وقَتادَةُ، والحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ: مَعْناهُ في الآخِرَةِ، وكانَ هَذا في صَدْرِ الإسْلامِ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ عَرَّفَهُ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ قَدْ غَفَرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ وما تَأخَّرَ، وأنَّ المُؤْمِنِينَ لَهم مِنَ اللَّهِ فَضْلٌ كَبِيرٌ وهو الجَنَّةُ، وبِأنَّ الكافِرِينَ في نارِ جَهَنَّمَ، وهَذا القَوْلُ لَيْسَ بِظاهِرٍ، بَلْ قَدْ أعْلَمَ سُبْحانَهُ مِن أوَّلِ الرِّسالَةِ حالَ الكافِرِ وحالَ المُؤْمِنِ. وقِيلَ: ﴿ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكُمْ﴾ مِنَ الأوامِرِ والنَّواهِي، وما يَلْزَمُ الشَّرِيعَةَ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في أمْرٍ كانَ النَّبِيُّ ﷺ يَنْتَظِرُهُ مِنَ اللَّهِ في غَيْرِ الثَّوابِ والعِقابِ. ﴿إنْ أتَّبِعُ إلّا ما يُوحى إلَيَّ﴾: اسْتِسْلامٌ وتَبَرُّؤٌ مِن عِلْمِ المُغَيَّباتِ، ووُقُوفٌ مَعَ النِّذارَةِ إلّا مِن عَذابِ اللَّهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ما يُفْعَلُ بِضَمِّ الياءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِفَتْحِها. والظّاهِرُ أنَّ ما اسْتِفْهامِيَّةٌ، وأدْرِي مُعَلَّقَةٌ، فَجُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِ مَوْصُولَةٌ مَنصُوبَةٌ. انْتَهى. والفَصِيحُ المَشْهُورُ أنَّ دَرى يَتَعَدّى بِالباءِ، ولِذَلِكَ حِينَ عُدِّيَ بِهَمْزَةِ النَّقْلِ يَتَعَدّى بِالباءِ، نَحْوُ قَوْلِهِ: ﴿ولا أدْراكم بِهِ﴾ [يونس: ١٦]، فَجَعْلُ ما اسْتِفْهامِيَّةً هو الأوْلى والأجْوَدُ، وكَثِيرًا ما عُلِّقَتْ في القُرْآنِ نَحْوُ: ﴿وإنْ أدْرِي أقَرِيبٌ﴾ [الأنبياء: ١٠٩]، و”يُفْعَلُ“ مُثْبَتٌ غَيْرُ مَنفِيٍّ، لَكِنَّهُ قَدِ انْسَحَبَ عَلَيْهِ النَّفْيُ، لِاشْتِمالِهِ عَلى ما و”يُفْعَلُ“ . فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿ولا بِكُمْ﴾ . ولَوْلا اعْتِبارُ النَّفْيِ، لَكانَ التَّرْكِيبُ ﴿ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكُمْ﴾ . ألا تَرى زِيادَةَ مَن في قَوْلِهِ: ﴿أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكم مِن خَيْرٍ﴾ [البقرة: ١٠٥] ؟ لِانْسِحابِ قَوْلِهِ: ﴿ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة: ١٠٥] عَلى يَوَدُّ وعَلى مُتَعَلِّقِ يَوَدُّ، وهو أنْ يُنَزَّلَ، فَإذا انْتَفَتْ وِدادَةُ التَّنْزِيلِ انْتَفى التَّنْزِيلُ. وقَرَأ ابْنُ عُمَيْرٍ: ما يُوحِي. بِكَسْرِ الحاءِ، أيِ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ. (قُلْ أرَأيْتُمْ): مَفْعُولا أرَأيْتُمْ مَحْذُوفانِ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِما، والتَّقْدِيرُ: أرَأيْتُمْ حالَكم إنْ كانَ كَذا ؟ ألَسْتُمْ ظالِمِينَ ؟ فالأوَّلُ حالُكم، والثّانِي ألَسْتُمْ ظالِمِينَ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ، أيْ فَقَدْ ظَلَمْتُمْ، ولِذَلِكَ جاءَ فِعْلُ الشَّرْطِ ماضِيًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: جَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: إنْ كانَ هَذا القُرْآنُ مِن عِنْدِ اللَّهِ وكَفَرْتُمْ بِهِ، ألَسْتُمْ ظالِمِينَ ؟ ويَدُلُّ عَلى هَذا المَحْذُوفِ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ . انْتَهى. وجُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِ لا تَكُونُ جَوابًا لِلشَّرْطِ إلّا بِالفاءِ. فَإنْ كانَتِ الأداةُ الهَمْزَةَ، تَقَدَّمَتِ الفاءُ نَحْوُ: إنْ تَزُرْنا، أفَما نُحْسِنُ إلَيْكَ ؟ أوْ غَيْرَها تَقَدَّمَتِ الفاءُ نَحْوُ: إنْ تَزُرْنا، فَهَلْ تَرى إلّا خَيْرًا ؟ فَقَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ: ألَسْتُمْ ظالِمِينَ ؟ بِغَيْرِ فاءٍ، لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَوابَ الشَّرْطِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وأرَأيْتُمْ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مُنَبِّهَةً، فَهي لَفْظٌ مَوْضُوعٌ لِلسُّؤالِ لا يَقْتَضِي مَفْعُولًا. ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ: كانَ وما عَمِلَتْ فِيهِ، تَسُدُّ مَسَدَّ مَفْعُولَيْها. انْتَهى. وهَذا خِلافُ ما قَرَّرَهُ مُحَقِّقُو النُّحاةِ في أرَأيْتُمْ. وقِيلَ: جَوابُ الشَّرْطِ. ﴿فَآمَنَ واسْتَكْبَرْتُمْ﴾: أيْ فَقَدْ آمَنَ مُحَمَّدٌ بِهِ، أوِ الشّاهِدُ، واسْتَكْبَرْتُمْ أنْتُمْ عَنِ الإيمانِ. وقالَ الحَسَنُ: تَقْدِيرُهُ فَمَن أضَلُّ مِنكم. وقِيلَ: فَمَنِ المُحِقُّ مِنّا ومِنكم، ومَنِ المُبْطِلُ ؟ وقِيلَ: إنَّما تَهْلِكُونَ، والضَّمِيرُ في بِهِ عائِدٌ عَلى ما عادَ عَلَيْهِ اسْمُ كانَ، وهو القُرْآنُ. وقالَ الشَّعْبِيُّ: يَعُودُ عَلى الرَّسُولِ. والشّاهِدُ عَبَدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ، قالَهُ الجُمْهُورُ، وابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ سِيرِينَ، والآيَةُ مَدَنِيَّةٌ. وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ: نَزَلَتْ فِيَّ آياتٌ مِن كِتابِ اللَّهِ، نَزَلَتْ فِيَّ ﴿وشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ فَآمَنَ واسْتَكْبَرْتُمْ﴾ . وقالَ مَسْرُوقٌ: الشّاهِدُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، لا ابْنُ سَلامٍ، (p-٥٨)لِأنَّهُ أسْلَمَ بِالمَدِينَةِ، والسُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، والخِطابُ في ﴿وكَفَرْتُمْ بِهِ﴾ لِقُرَيْشٍ. وقالَ الشَّعْبِيُّ: الشّاهِدُ مَن آمَنَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ بِمُوسى والتَّوْراةِ، لِأنَّ ابْنَ سَلامٍ أسْلَمَ قَبْلَ وفاةِ النَّبِيِّ ﷺ بِعامَيْنِ، والسُّورَةُ مَكِّيَّةٌ. وقالَ سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ، ومُجاهِدٌ، وفِرْقَةٌ: الآيَةُ مَكِّيَّةٌ، والشّاهِدُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ، وهي مِنَ الآياتِ الَّتِي تَضَمَّنَتْ غَيْبًا أبْرَزَهُ الوُجُودُ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ مَذْكُورٌ في الصَّحِيحِ، وفِيهِ بُهْتٌ لِلْيَهُودِ لَعَنَهُمُ اللَّهُ. ومِن كَذِبِ اليَهُودِ وجَهْلِهِمْ بِالتّارِيخِ، ما يَعْتَقِدُونَهُ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ، أنَّهُ ﷺ حِينَ سافَرَ إلى الشّامِ في تِجارَةٍ لِخَدِيجَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها، اجْتَمَعَ بِأحْبارِ اليَهُودِ وقَصَّ عَلَيْهِمْ أحْلامَهُ، فَعَلِمُوا أنَّهُ صاحِبُ دَوْلَةٍ، وعَمُوا، فَأصْحَبُوهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلامٍ، فَقَرَأ عُلُومَ التَّوْراةِ وفِقْهَها مُدَّةً، زَعَمُوا وأفْرَطُوا في كَذِبِهِمْ، إلى أنْ نَسَبُوا الفَصاحَةَ المُعْجِزَةَ الَّتِي في القُرْآنِ إلى تَأْلِيفِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ، وعَبْدُ اللَّهِ هَذا لَمْ تُعْلَمْ لَهُ إقامَةٌ بِمَكَّةَ ولا تَرَدَّدَ إلَيْها. فَما أكْذَبَ اليَهُودَ وأبْهَتَهم لَعَنَهُمُ اللَّهُ. وناهِيكَ مِن طائِفَةٍ ما ذُمَّ في القُرْآنِ طائِفَةٌ مِثْلُها.

الأحقاف 46:10

سُورَةُ الأحْقافِ خَمْسٌ وثَلاثُونَ آيَةً مَكِّيَّةٌ (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) (p-٥٣)﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ ﴿ما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلّا بِالحَقِّ وأجَلٍ مُسَمًّى والَّذِينَ كَفَرُوا عَمّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الأرْضِ أمْ لَهم شِرْكٌ في السَّماواتِ اِئْتُونِي بِكِتابٍ مِن قَبْلِ هَذا أوْ أثارَةٍ مِن عِلْمٍ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿ومَن أضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ وهم عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ﴾ ﴿وإذا حُشِرَ النّاسُ كانُوا لَهم أعْداءً وكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ﴾ ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمّا جاءَهم هَذا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ إنِ افْتَرَيْتُهُ فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا هو أعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ كَفى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكم وهو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿قُلْ ما كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكم إنْ أتَّبِعُ إلّا ما يُوحى إلَيَّ وما أنا إلّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ وكَفَرْتُمْ بِهِ وشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ فَآمَنَ واسْتَكْبَرْتُمْ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ وإذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذا إفْكٌ قَدِيمٌ﴾ [الأحقاف: ١١] ﴿ومِن قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إمامًا ورَحْمَةً وهَذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ لِسانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وبُشْرى لِلْمُحْسِنِينَ﴾ [الأحقاف: ١٢] ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ [الأحقاف: ١٣] ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأحقاف: ١٤] ﴿ووَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ إحْسانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا ووَضَعَتْهُ كُرْهًا وحَمْلُهُ وفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا حَتّى إذا بَلَغَ أشُدَّهُ وبَلَغَ أرْبَعِينَ سَنَةً قالَ رَبِّ أوْزِعْنِي أنْ أشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أنْعَمْتَ عَلَيَّ وعَلى والِدَيَّ وأنْ أعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ وأصْلِحْ لِي في ذُرِّيَّتِي إنِّي تُبْتُ إلَيْكَ وإنِّي مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ [الأحقاف: ١٥] ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهم أحْسَنَ ما عَمِلُوا ونَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ في أصْحابِ الجَنَّةِ وعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ﴾ [الأحقاف: ١٦] ﴿والَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما أتَعِدانِنِي أنْ أُخْرَجَ وقَدْ خَلَتِ القُرُونُ مِن قَبْلِي وهُما يَسْتَغِيثانِ اللَّهَ ويْلَكَ آمِن إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ ما هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [الأحقاف: ١٧] ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ في أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ إنَّهم كانُوا خاسِرِينَ﴾ [الأحقاف: ١٨] ﴿ولِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا ولِيُوَفِّيَهم أعْمالَهم وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ [الأحقاف: ١٩] ﴿ويَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلى النّارِ أذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكم في حَياتِكُمُ الدُّنْيا واسْتَمْتَعْتُمْ بِها فاليَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الهُونِ بِما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وبِما كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ﴾ [الأحقاف: ٢٠] ﴿واذْكُرْ أخا عادٍ إذْ أنْذَرَ قَوْمَهُ بِالأحْقافِ وقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ ألّا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الأحقاف: ٢١] ﴿قالُوا أجِئْتَنا لِتَأْفِكَنا عَنْ آلِهَتِنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [الأحقاف: ٢٢] ﴿قالَ إنَّما العِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وأُبَلِّغُكم ما أُرْسِلْتُ بِهِ ولَكِنِّي أراكم قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ [الأحقاف: ٢٣] ﴿فَلَمّا رَأوْهُ عارِضًا مُسْتَقْبِلَ أوْدِيَتِهِمْ قالُوا هَذا عارِضٌ مُمْطِرُنا بَلْ هو ما اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [الأحقاف: ٢٤] ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأمْرِ رَبِّها فَأصْبَحُوا لا يُرى إلّا مَساكِنُهم كَذَلِكَ نَجْزِي القَوْمَ المُجْرِمِينَ﴾ [الأحقاف: ٢٥] ﴿ولَقَدْ مَكَّنّاهم فِيما إنْ مَكَّنّاكم فِيهِ وجَعَلْنا لَهم سَمْعًا وأبْصارًا وأفْئِدَةً فَما أغْنى عَنْهم سَمْعُهم ولا أبْصارُهم ولا أفْئِدَتُهم مِن شَيْءٍ إذْ كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الأحقاف: ٢٦] ﴿ولَقَدْ أهْلَكْنا ما حَوْلَكم مِنَ القُرى وصَرَّفْنا الآياتِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ [الأحقاف: ٢٧] ﴿فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ قُرْبانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهم وذَلِكَ إفْكُهم وما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [الأحقاف: ٢٨] ﴿وإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ فَلَمّا حَضَرُوهُ قالُوا أنْصِتُوا فَلَمّا قُضِيَ ولَّوْا إلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٢٩] ﴿قالُوا يا قَوْمَنا إنّا سَمِعْنا كِتابًا أُنْزِلَ مِن بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إلى الحَقِّ وإلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأحقاف: ٣٠] ﴿يا قَوْمَنا أجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ وآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكم ويُجِرْكم مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الأحقاف: ٣١] ﴿ومَن لا يُجِبْ داعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ في الأرْضِ ولَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أوْلِياءُ أُولَئِكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الأحقاف: ٣٢] ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ ولَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى بَلى إنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأحقاف: ٣٣] ﴿ويَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلى النّارِ ألَيْسَ هَذا بِالحَقِّ قالُوا بَلى ورَبِّنا قالَ فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ [الأحقاف: ٣٤] ﴿فاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُو العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ ولا تَسْتَعْجِلْ لَهم كَأنَّهم يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إلّا ساعَةً مِن نَهارٍ بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إلّا القَوْمُ الفاسِقُونَ﴾ [الأحقاف: ٣٥] الحِقْفُ: رَمْلٌ مُسْتَطِيلٌ مُرْتَفِعٌ فِيهِ اعْوِجاجٌ وانْحِناءٌ، ومِنهُ احْقَوْقَفَ الشَّيْءُ: اعْوَجَّ. قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: ؎فَلَمّا أجَزْنا ساحَةَ الحَيِّ وانْتَحى بِنا بَطْنُ حِقْفٍ ذِي رُكامٍ عَقَنْقَلِ عَيِيَ بِالأمْرِ: إذا لَمْ تَعْرِفْ جِهَتَهُ، ويَجُوزُ فِيهِ الإدْغامُ فَتَقُولُ: عَيَّ، كَما قُلْتَ في حَيِيَ: حَيَّ. قالَ الشّاعِرُ: ؎عَيُّوا بِأمْرِهِمُ كَما ∗∗∗ عَيَّتْ بِبَيْضَتِها الحَمامَهْ (p-٥٤)﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ ﴿ما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلّا بِالحَقِّ وأجَلٍ مُسَمًّى والَّذِينَ كَفَرُوا عَمّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الأرْضِ أمْ لَهم شِرْكٌ في السَّماواتِ اِئْتُونِي بِكِتابٍ مِن قَبْلِ هَذا أوْ أثارَةٍ مِن عِلْمٍ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿ومَن أضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ وهم عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ﴾ ﴿وإذا حُشِرَ النّاسُ كانُوا لَهم أعْداءً وكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ﴾ ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمّا جاءَهم هَذا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ إنِ افْتَرَيْتُهُ فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا هو أعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ كَفى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكم وهو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿قُلْ ما كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكم إنْ أتَّبِعُ إلّا ما يُوحى إلَيَّ وما أنا إلّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ وكَفَرْتُمْ بِهِ وشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ فَآمَنَ واسْتَكْبَرْتُمْ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ . هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ، أنَّ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ . و﴿فاصْبِرْ كَما صَبَرَ﴾ [الأحقاف: ٣٥]، الآيَتَيْنِ مَدَنِيَّتانِ. ومُناسَبَةُ أوَّلِها لِما قَبْلَها، أنَّ في آخِرِ ما قَبْلَها: ﴿ذَلِكم بِأنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آياتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ [الجاثية: ٣٥]، وقُلْتُمْ: إنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ اخْتَلَقَها، فَقالَ تَعالى: ﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ . وهاتانِ الصِّفَتانِ هُما آخَرُ تِلْكَ، وهُما أوَّلُ هَذِهِ. ﴿وأجَلٍ مُسَمًّى﴾: أيْ مَوْعِدٍ لِفَسادِ هَذِهِ البِنْيَةِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو القِيامَةُ، وقالَ غَيْرُهُ: أيْ أجَلِ كُلِّ مَخْلُوقٍ. (عَنْ ما أُنْذِرُوا): يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ ما مَصْدَرِيَّةً، وأنْ تَكُونَ بِمَعْنى الَّذِي. ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ ما تَدْعُونَ﴾: مَعْناهُ أخْبِرُونِي عَنِ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ، وهي الأصْنامُ. ﴿أرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الأرْضِ﴾: اسْتِفْهامُ تَوْبِيخٍ، ومَفْعُولُ ”أرَأيْتُمْ“ الأوَّلُ هو ”ما تَدْعُونَ“ . وماذا خَلَقُوا: جُمْلَةٌ اسْتِفْهامِيَّةٌ يَطْلُبُها أرَأيْتُمْ، لِأنَّ مَفْعُولَها الثّانِيَ يَكُونُ اسْتِفْهامًا، ويَطْلُبُها أرُونِي عَلى سَبِيلِ التَّعْلِيقِ، فَهَذا مِن بابِ الإعْمالِ، أُعْمِلَ الثّانِي وحُذِفَ مَفْعُولُ ”أرَأيْتُمْ“ الثّانِي. ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ أرُونِي تَوْكِيدًا لِـ ”أرَأيْتُمْ“، بِمَعْنى أخْبِرُونِي، وأرُونِي: أخْبِرُونِي، كَأنَّهُما بِمَعْنًى واحِدٍ. (p-٥٥)وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يَحْتَمِلُ أرَأيْتُمْ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ تَكُونَ مُتَعَدِّيَةً، وما مَفْعُولَةً بِها، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ أرَأيْتُمْ مُنَبِّهَةً لا تَتَعَدّى، وتَكُونَ ما اسْتِفْهامًا عَلى مَعْنى التَّوْبِيخِ، وتَدْعُونَ مَعْناهُ: تَعْبُدُونَ. انْتَهى. وكَوْنُ أرَأيْتُمْ لا تَتَعَدّى، وأنَّها مُنَبِّهَةٌ، فِيهِ شَيْءٌ، قالَهُ الأخْفَشُ في قَوْلِهِ: ﴿قالَ أرَأيْتَ إذْ أوَيْنا إلى الصَّخْرَةِ﴾ [الكهف: ٦٣] . والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ ما تَدْعُونَ مَفْعُولُ أرَأيْتُمْ، كَما هو في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ شُرَكاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ﴾ [فاطر: ٤٠] في سُورَةِ فاطِرٍ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظِيرِ هَذِهِ الجُمْلَةِ فِيها. وقَدْ أُمْضِيَ الكَلامُ في أرَأيْتُمْ في سُورَةِ الأنْعامِ، فَيُطالَعُ هُناكَ: و(مِنَ الأرْضِ)، تَفْسِيرٌ لِلْمُبْهَمِ في: (ماذا خَلَقُوا) . والظّاهِرُ أنَّهُ يُرِيدُ مِن أجْزاءِ الأرْضِ، أيْ: خَلْقُ ذَلِكَ إنَّما هو لِلَّهِ، أوْ يَكُونُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ مِنَ العالِي عَلى الأرْضِ، أيْ عَلى وجْهِها مِن حَيَوانٍ أوْ غَيْرِهِ. ثُمَّ وقَفَهم عَلى عِبارَتِهِمْ فَقالَ: (أمْ لَهم): أيْ: بَلْ. ﴿أمْ لَهم شِرْكٌ في السَّماواتِ اِئْتُونِي بِكِتابٍ مِن قَبْلِ هَذا﴾: أيْ مِن قَبْلِ هَذا الكِتابِ، وهو القُرْآنُ، يَعْنِي أنَّ هَذا القُرْآنَ ناطِقٌ بِالتَّوْحِيدِ وبِإبْطالِ الشِّرْكِ وكُلَّ كُتُبِ اللَّهِ المُنَزَّلَةِ ناطِقَةٌ بِذَلِكَ، فَطَلَبَ مِنهم أنْ يَأْتُوا بِكِتابٍ واحِدٍ يَشْهَدُ بِصِحَّةِ ما هم عَلَيْهِ مِن عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ. ﴿أوْ أثارَةٍ مِن عِلْمٍ﴾، أيْ بَقِيَّةٍ مِن عِلْمٍ، أيْ مِن عُلُومِ الأوَّلِينَ، مِن قَوْلِهِمْ: سَمِنَتِ النّاقَةُ عَلى أثارَةٍ مِن شَحْمٍ، أوْ عَلى بَقِيَّةِ شَحْمٍ كانَتْ بِها مِن شَحْمٍ ذاهِبٍ. والأثارَةُ تُسْتَعْمَلُ في بَقِيَّةِ الشَّرَفِ، يُقالُ: لِبَنِي فُلانٍ أثارَةٌ مِن شَرَفٍ، إذا كانَتْ عِنْدَهم شَواهِدُ قَدِيمَةٌ، وفي غَيْرِ ذَلِكَ قالَ الرّاعِي: ؎وذاتُ أثارَةٍ أكَلَتْ عَلَيْنا ∗∗∗ نَباتًا في أكِمَّتِهِ قِفارا أيْ: بَقِيَّةٍ مِن شَحْمٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿أوْ أثارَةٍ﴾، وهو مَصْدَرٌ، كالشَّجاعَةِ والسَّماحَةِ، وهي البَقِيَّةُ مِنَ الشَّيْءِ، كَأنَّها أثَرَةٌ. وقالَ الحَسَنُ: المَعْنى: مِن عِلْمٍ اسْتَخْرَجْتُمُوهُ فَتُثِيرُونَهُ. وقالَ مُجاهِدٌ: المَعْنى: هَلْ مِن أحَدٍ يَأْثِرُ عِلْمًا في ذَلِكَ ؟ وقالَ القُرْطُبِيُّ: هو الإسْنادُ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: ؎إنَّ الَّذِي فِيهِ تَمارَيْتُما ∗∗∗ بُيِّنَ لِلسّامِعِ والآثِرِ أيْ: ولِلْمُسْتَدْعِينَ غَيْرَهُ، ومِنهُ قَوْلُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: فَما خَلَّفْتُ بِهِ ذاكِرًا ولا آثِرًا. وقالَ أبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وقَتادَةُ: المَعْنى: أوْ خاصَّةٍ مِن عِلْمٍ. فاشْتِقاقُها مِنَ الأثَرَةِ، فَكَأنَّها قَدْ آثَرَ اللَّهُ بِها مَن هي عِنْدَهُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المُرادُ بِالأثارَةِ: الخَطُّ في التُّرابِ، وذَلِكَ شَيْءٌ كانَتِ العَرَبُ تَفْعَلُهُ وتَتَكَهَّنُ بِهِ وتَزْجُرُ تَفْسِيرَهُ. الأثارَةُ بِالخَطِّ يَقْتَضِي تَقْوِيَةَ أمْرِ الخَطِّ في التُّرابِ، وأنَّهُ شَيْءٌ لَيْسَ لَهُ وجْهُ إذايَةِ وقْفِ أحَدٍ إلَيْهِ. وقِيلَ: إنْ صَحَّ تَفْسِيرُابْنِ عَبّاسٍ الأثارَةَ بِالخَطِّ في التُّرابِ، كانَ ذَلِكَ مِن بابِ التَّهَكُّمِ بِهِمْ وبِأقْوالِهِمْ ودَلائِلِهِمْ. وقَرَأ عَلِيٌّ، وابْنُ عَبّاسٍ: بِخِلافٍ عَنْهُما، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ، والحَسَنُ، والسُّلَمِيُّ، والأعْمَشُ، وعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ: ”أوْ أثَرَةٍ“ بِغَيْرِ ألِفٍ، وهي واحِدَةٌ، جَمْعُها أُثُرٌ، كَقَتَرَةٍ وقُتُرٍ، وعَلِيٌّ، والسُّلَمِيُّ، وقَتادَةُ أيْضًا: بِإسْكانِ الثّاءِ، وهي الفَعْلَةُ الواحِدَةُ مِمّا يُؤْثَرُ، أيْ قَدْ قَنِعْتُ لَكم بِخَبَرٍ واحِدٍ وأثَرٍ واحِدٍ يَشْهَدُ بِصِحَّةِ قَوْلِكم. وعَنِ الكِسائِيِّ ضَمُّ الهَمْزَةِ وإسْكانُ الثّاءِ. وقالَ ابْنُ خالَوَيْهِ، وقالَ الكِسائِيُّ عَلى لُغَةٍ أُخْرى: إثْرَةٌ وأُثْرَةٌ يَعْنِي بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وضَمِّها. ﴿ومَن أضَلُّ مِمَّنْ﴾ يَعْبُدُ الأصْنامَ، وهي جَمادٌ لا قُدْرَةَ لَها عَلى اسْتِجابَةِ دُعائِهِمْ ما دامَتِ الدُّنْيا، أيْ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهم أبَدًا، ولِذَلِكَ غُيِّيَ انْتِفاءُ اسْتِجابَتِهِمْ بِقَوْلِهِ: (إلى يَوْمِ القِيامَةِ)، ومَعَ ذَلِكَ لا شُعُورَ لَهم بِعِبادَتِهِمْ إيّاهم، وهم في الآخِرَةِ أعْداءٌ لَهم، فَلَيْسَ لَهم في الدُّنْيا بِهِمْ نَفْعٌ، وهم عَلَيْهِمْ في الآخِرَةِ ضَرَرٌ، كَما قالَ تَعالى: ﴿سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ ويَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم: ٨٢] . وجاءَ ﴿مَن لا يَسْتَجِيبُ﴾، لِأنَّهم يُسْنِدُونَ إلَيْهِمْ ما يُسْنَدُ لِأُولِي العِلْمِ مِنَ الِاسْتِجابَةِ والغَفْلَةِ، وكَأنَّ ﴿مَن لا يَسْتَجِيبُ﴾ يُرادُ بِهِ مَن عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ مِن إنْسٍ وجِنٍّ وغَيْرِهِما، وغُلِّبَ مَن يَعْقِلُ، وحُمِلَ أوَّلًا عَلى لَفْظِ مَن لا يَسْتَجِيبُ، ثُمَّ عَلى المَعْنى في: وهم مِن ما بَعْدَهُ. والظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ أوَّلًا عَلى لَفْظِ ﴿مَن لا يَسْتَجِيبُ﴾، ثُمَّ عَلى المَعْنى في: وهم ما بَعْدَهُ والظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ أوَّلًا عَلى لَفْظِ مَن لا يَسْتَجِيبُ ثُمَّ عَلى المَعْنى في: وهم عَلى مَعْنى (p-٥٦)مَن في: ﴿مَن لا يَسْتَجِيبُ﴾، كَما فَسَّرْناهُ. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى مَعْنى مَن في: ﴿ومَن أضَلُّ﴾، أيْ والكُفّارُ عَنْ ضَلالِهِمْ بِأنَّهم يَدْعُونَ مَن لا يَسْتَجِيبُ. (غافِلُونَ): لا يَتَأمَّلُونَ ما عَلَيْهِمْ في دُعائِهِمْ مَن هَذِهِ صِفَتُهُ. ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ﴾: جَمْعُ بَيِّنَةٍ، وهي الحُجَّةُ الواضِحَةُ. واللّامُ في (لِلْحَقِّ)، لامُ العِلَّةِ، أيْ لِأجْلِ الحَقِّ. وأتى بِالظّاهِرَيْنِ بَدَلَ المُضْمَرَيْنِ في ﴿قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ﴾، ولَمْ يَأْتِ التَّرْكِيبُ: قالُوا لَها، تَنْبِيهًا عَلى الوَصْفَيْنِ وصْفِ المَتْلُوِّ عَلَيْهِمْ بِالكُفْرِ، ووَصْفِ المَتْلُوِّ عَلَيْهِمْ بِالحَقِّ، ولَوْ جاءَ بِهِما الوَصْفَيْنِ، لَمْ يَكُنْ في ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى الوَصْفَيْنِ مِن حَيْثُ اللَّفْظُ، وإنْ كانَ مَن سَمّى الآياتِ سِحْرًا هو كافِرٌ، والآياتُ في نَفْسِها حَقٌّ، فَفي ذِكْرِهِما ظاهِرَيْنِ، يَسْتَحِيلُ عَلى القائِلِينَ بِالكُفْرِ، وعَلى المَتْلُوِّ بِالحَقِّ. وفي قَوْلِهِ: (لَمّا جاءَهم) تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهم لَمْ يَتَأمَّلُوا ما يُتْلى عَلَيْهِمْ، بَلْ بادَرُوا أوَّلَ سَماعِهِ إلى نِسْبَتِهِ إلى السِّحْرِ عِنادًا وظُلْمًا، ووَصَفُوهُ بِمُبِينٍ، أيْ ظاهِرٍ، إنَّهُ سِحْرٌ لا شُبْهَةَ فِيهِ. ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾: أيْ بَلْ يَقُولُونَ افْتَراهُ، أيْ بَلْ أيَقُولُونَ اخْتَلَقَهُ ؟ انْتَقَلُوا مِن قَوْلِهِمْ: ﴿هَذا سِحْرٌ﴾ إلى هَذِهِ المَقالَةِ الأُخْرى. والضَّمِيرُ في افْتَراهُ عائِدٌ إلى الحَقِّ، والمُرادُ بِهِ الآياتُ. ﴿قُلْ إنِ افْتَرَيْتُهُ﴾، عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ، فاللَّهُ حَسْبِي في ذَلِكَ، وهو الَّذِي يُعاقِبُنِي عَلى الِافْتِراءِ عَلَيْهِ، ولا يُمْهِلُنِي، فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِن رَدِّ عُقُوبَةِ اللَّهِ بِي شَيْئًا. فَكَيْفَ أفْتَرِيهِ وأتَعَرَّضُ لِعِقابِهِ ؟ يُقالُ: فُلانٌ لا يَمْلِكُ إذا غَضِبَ، ولا يَمْلِكُ عِنانَهُ إذا صُمَّ، ومِثْلُهُ: ﴿فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إنْ أرادَ أنْ يُهْلِكَ المَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ١٧] ؟ ﴿ومَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [المائدة: ٤١] . ومِنهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”لا أمْلِكُ لَكم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا“ . ثُمَّ اسْتَسْلَمَ إلى اللَّهِ واسْتَنْصَرَ بِهِ فَقالَ: ﴿هُوَ أعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ﴾: أيْ تَنْدَفِعُونَ فِيهِ مِنَ الباطِلِ - ومُرادُهُ الحَقُّ - وتَسْمِيَتِهِ تارَةً سِحْرًا وتارَةً فِرْيَةً. والضَّمِيرُ في فِيهِ يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى ما، أوْ عَلى القُرْآنِ، وبِهِ في مَوْضِعِ الفاعِلِ يَكْفِي عَلى أصَحِّ الأقْوالِ. ﴿شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾: شَهِيدًا لِي بِالتَّبْلِيغِ والدُّعاءِ إلَيْهِ، وشَهِيدًا عَلَيْكم بِالتَّكْذِيبِ. (وهو الغَفُورُ الرَّحِيمُ): عِدَةٌ لَهم بِالغُفْرانِ والرَّحْمَةِ إنْ رَجَعُوا عَنِ الكُفْرِ، وإشْعارٌ بِحِلْمِهِ تَعالى عَلَيْهِمْ، إذْ لَمْ يُعاجِلْهم بِالعِقابِ، إذْ كانَ ما تَقَدَّمَ تَهْدِيدًا لَهم في أنْ يُعاجِلَهم عَلى كُفْرِهِمْ. ﴿قُلْ ما كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾: أيْ جاءَ قَبْلِي غَيْرِي، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، والبِدْعُ والبَدِيعُ: مِنَ الأشْياءِ ما لَمْ يُرَ مِثْلُهُ، ومِنهُ قَوْلُ عَدِيِّ بْنِ زَيْدٍ، أنْشَدَهُ قُطْرُبٌ: ؎فَما أنا بِدْعٌ مِن حَوادِثَ تَعْتَرِي ∗∗∗ رِجالًا عَرَتْ مِن بَعْدِ بُؤْسِي فَأسْعَدَ والبِدْعُ والبَدِيعُ: كالخِفِّ والخَفِيفِ، والبِدْعَةُ: ما اخْتُرِعَ مِمّا لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا، وأبْدَعَ الشّاعِرُ: جاءَ بِالبَدِيعِ، وشَيْءٌ بِدْعٌ، بِالكَسْرِ: أيْ مُبْتَدَعٌ، وفُلانٌ بِدْعٌ في هَذا الأمْرِ: أيْ بَدِيعٌ، وقَوْمٌ أبْداعٌ، عَنِ الأخْفَشِ. وقَرَأ عِكْرِمَةُ، وأبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِفَتْحِ الدّالِ، جَمْعُ بِدْعَةٍ، وهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ ذا بِدَعٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِفَةً عَلى فِعَلٍ، كَقَوْلِهِمْ: دِينٌ قِيَمٌ ولَحْمٌ زِيَمٌ. انْتَهى. وهَذا الَّذِي أجازَهُ، إنْ لَمْ يُنْقَلِ اسْتِعْمالُهُ عَنِ العَرَبِ، لَمْ نُجِزْهُ، لِأنَّ فِعَلَ في الصِّفاتِ لَمْ يَحْفَظْ مِنهُ سِيبَوَيْهِ إلّا عِدى. قالَ سِيبَوَيْهِ: ولا نَعْلَمُهُ جاءَ صِفَةً إلّا في حَرْفٍ مُعْتَلٍّ يُوصَفُ بِهِ الجَمْعُ، وهو قَوْمٌ عِدى، وقَدِ اسْتَدْرَكَ، واسْتِدْراكُهُ صَحِيحٌ. وأمّا قِيَمٌ، فَأصْلُهُ قِيامٌ، وقِيَمٌ مَقْصُورٌ مِنهُ، ولِذَلِكَ اعْتَلَّتِ الواوُ فِيهِ، إذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ مَقْصُورًا لَصَحَّتْ، كَما صَحَّتْ في حِوَلٍ وعِوَضٍ. وأمّا قَوْلُ العَرَبِ: مَكانٌ سِوى، وماءٌ رِوى، ورَجُلٌ رِضى، وماءٌ صِرى، وسَبْيٌ طِيَبَةٌ، فَمُتَأوَّلَةٌ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ لا يُثْبِتُونَ بِها فِعَلًا في الصِّفاتِ. وعَنْ مُجاهِدٍ، وأبِي حَيْوَةَ: بَدِعًا، بِفَتْحِ الباءِ وكَسْرِ الدّالِ، كَحَذِرٍ. ﴿وما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكُمْ﴾: أيْ فِيما يُسْتَقْبَلُ مِنَ الزَّمانِ، أيْ لا أعْلَمُ ما لِي بِالغَيْبِ، فَأفْعالُهُ تَعالى، وما يُقَدَّرُ لِي ولَكم مِن قَضاياهُ، لا أعْلَمُها. وعَنِ الحَسَنِ وجَماعَةٍ: وما أدْرِي ما يَصِيرُ إلَيْهِ أمْرِي وأمْرُكم في الدُّنْيا، ومَنِ الغالِبُ مِنّا والمَغْلُوبُ ؟ وعَنِ الكَلْبِيِّ، قالَ لَهُ أصْحابُهُ، (p-٥٧)وقَدْ ضَجِرُوا مِن أذى المُشْرِكِينَ: حَتّى مَتى نَكُونُ عَلى هَذا ؟ فَقالَ: ما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكم أأنْزِلُ بِمَكَّةَ ؟ أمْ أُومَرُ بِالخُرُوجِ إلى أرْضٍ قَدْ رُفِعَتْ ورَأيْتُها، يَعْنِي في مَنامِهِ، ذاتَ نَخْلٍ وشَجَرٍ ؟ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وأنَسُ بْنُ مالِكٍ، وقَتادَةُ، والحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ: مَعْناهُ في الآخِرَةِ، وكانَ هَذا في صَدْرِ الإسْلامِ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ عَرَّفَهُ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ قَدْ غَفَرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ وما تَأخَّرَ، وأنَّ المُؤْمِنِينَ لَهم مِنَ اللَّهِ فَضْلٌ كَبِيرٌ وهو الجَنَّةُ، وبِأنَّ الكافِرِينَ في نارِ جَهَنَّمَ، وهَذا القَوْلُ لَيْسَ بِظاهِرٍ، بَلْ قَدْ أعْلَمَ سُبْحانَهُ مِن أوَّلِ الرِّسالَةِ حالَ الكافِرِ وحالَ المُؤْمِنِ. وقِيلَ: ﴿ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكُمْ﴾ مِنَ الأوامِرِ والنَّواهِي، وما يَلْزَمُ الشَّرِيعَةَ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في أمْرٍ كانَ النَّبِيُّ ﷺ يَنْتَظِرُهُ مِنَ اللَّهِ في غَيْرِ الثَّوابِ والعِقابِ. ﴿إنْ أتَّبِعُ إلّا ما يُوحى إلَيَّ﴾: اسْتِسْلامٌ وتَبَرُّؤٌ مِن عِلْمِ المُغَيَّباتِ، ووُقُوفٌ مَعَ النِّذارَةِ إلّا مِن عَذابِ اللَّهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ما يُفْعَلُ بِضَمِّ الياءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِفَتْحِها. والظّاهِرُ أنَّ ما اسْتِفْهامِيَّةٌ، وأدْرِي مُعَلَّقَةٌ، فَجُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِ مَوْصُولَةٌ مَنصُوبَةٌ. انْتَهى. والفَصِيحُ المَشْهُورُ أنَّ دَرى يَتَعَدّى بِالباءِ، ولِذَلِكَ حِينَ عُدِّيَ بِهَمْزَةِ النَّقْلِ يَتَعَدّى بِالباءِ، نَحْوُ قَوْلِهِ: ﴿ولا أدْراكم بِهِ﴾ [يونس: ١٦]، فَجَعْلُ ما اسْتِفْهامِيَّةً هو الأوْلى والأجْوَدُ، وكَثِيرًا ما عُلِّقَتْ في القُرْآنِ نَحْوُ: ﴿وإنْ أدْرِي أقَرِيبٌ﴾ [الأنبياء: ١٠٩]، و”يُفْعَلُ“ مُثْبَتٌ غَيْرُ مَنفِيٍّ، لَكِنَّهُ قَدِ انْسَحَبَ عَلَيْهِ النَّفْيُ، لِاشْتِمالِهِ عَلى ما و”يُفْعَلُ“ . فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿ولا بِكُمْ﴾ . ولَوْلا اعْتِبارُ النَّفْيِ، لَكانَ التَّرْكِيبُ ﴿ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكُمْ﴾ . ألا تَرى زِيادَةَ مَن في قَوْلِهِ: ﴿أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكم مِن خَيْرٍ﴾ [البقرة: ١٠٥] ؟ لِانْسِحابِ قَوْلِهِ: ﴿ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة: ١٠٥] عَلى يَوَدُّ وعَلى مُتَعَلِّقِ يَوَدُّ، وهو أنْ يُنَزَّلَ، فَإذا انْتَفَتْ وِدادَةُ التَّنْزِيلِ انْتَفى التَّنْزِيلُ. وقَرَأ ابْنُ عُمَيْرٍ: ما يُوحِي. بِكَسْرِ الحاءِ، أيِ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ. (قُلْ أرَأيْتُمْ): مَفْعُولا أرَأيْتُمْ مَحْذُوفانِ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِما، والتَّقْدِيرُ: أرَأيْتُمْ حالَكم إنْ كانَ كَذا ؟ ألَسْتُمْ ظالِمِينَ ؟ فالأوَّلُ حالُكم، والثّانِي ألَسْتُمْ ظالِمِينَ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ، أيْ فَقَدْ ظَلَمْتُمْ، ولِذَلِكَ جاءَ فِعْلُ الشَّرْطِ ماضِيًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: جَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: إنْ كانَ هَذا القُرْآنُ مِن عِنْدِ اللَّهِ وكَفَرْتُمْ بِهِ، ألَسْتُمْ ظالِمِينَ ؟ ويَدُلُّ عَلى هَذا المَحْذُوفِ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ . انْتَهى. وجُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِ لا تَكُونُ جَوابًا لِلشَّرْطِ إلّا بِالفاءِ. فَإنْ كانَتِ الأداةُ الهَمْزَةَ، تَقَدَّمَتِ الفاءُ نَحْوُ: إنْ تَزُرْنا، أفَما نُحْسِنُ إلَيْكَ ؟ أوْ غَيْرَها تَقَدَّمَتِ الفاءُ نَحْوُ: إنْ تَزُرْنا، فَهَلْ تَرى إلّا خَيْرًا ؟ فَقَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ: ألَسْتُمْ ظالِمِينَ ؟ بِغَيْرِ فاءٍ، لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَوابَ الشَّرْطِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وأرَأيْتُمْ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مُنَبِّهَةً، فَهي لَفْظٌ مَوْضُوعٌ لِلسُّؤالِ لا يَقْتَضِي مَفْعُولًا. ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ: كانَ وما عَمِلَتْ فِيهِ، تَسُدُّ مَسَدَّ مَفْعُولَيْها. انْتَهى. وهَذا خِلافُ ما قَرَّرَهُ مُحَقِّقُو النُّحاةِ في أرَأيْتُمْ. وقِيلَ: جَوابُ الشَّرْطِ. ﴿فَآمَنَ واسْتَكْبَرْتُمْ﴾: أيْ فَقَدْ آمَنَ مُحَمَّدٌ بِهِ، أوِ الشّاهِدُ، واسْتَكْبَرْتُمْ أنْتُمْ عَنِ الإيمانِ. وقالَ الحَسَنُ: تَقْدِيرُهُ فَمَن أضَلُّ مِنكم. وقِيلَ: فَمَنِ المُحِقُّ مِنّا ومِنكم، ومَنِ المُبْطِلُ ؟ وقِيلَ: إنَّما تَهْلِكُونَ، والضَّمِيرُ في بِهِ عائِدٌ عَلى ما عادَ عَلَيْهِ اسْمُ كانَ، وهو القُرْآنُ. وقالَ الشَّعْبِيُّ: يَعُودُ عَلى الرَّسُولِ. والشّاهِدُ عَبَدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ، قالَهُ الجُمْهُورُ، وابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ سِيرِينَ، والآيَةُ مَدَنِيَّةٌ. وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ: نَزَلَتْ فِيَّ آياتٌ مِن كِتابِ اللَّهِ، نَزَلَتْ فِيَّ ﴿وشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ فَآمَنَ واسْتَكْبَرْتُمْ﴾ . وقالَ مَسْرُوقٌ: الشّاهِدُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، لا ابْنُ سَلامٍ، (p-٥٨)لِأنَّهُ أسْلَمَ بِالمَدِينَةِ، والسُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، والخِطابُ في ﴿وكَفَرْتُمْ بِهِ﴾ لِقُرَيْشٍ. وقالَ الشَّعْبِيُّ: الشّاهِدُ مَن آمَنَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ بِمُوسى والتَّوْراةِ، لِأنَّ ابْنَ سَلامٍ أسْلَمَ قَبْلَ وفاةِ النَّبِيِّ ﷺ بِعامَيْنِ، والسُّورَةُ مَكِّيَّةٌ. وقالَ سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ، ومُجاهِدٌ، وفِرْقَةٌ: الآيَةُ مَكِّيَّةٌ، والشّاهِدُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ، وهي مِنَ الآياتِ الَّتِي تَضَمَّنَتْ غَيْبًا أبْرَزَهُ الوُجُودُ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ مَذْكُورٌ في الصَّحِيحِ، وفِيهِ بُهْتٌ لِلْيَهُودِ لَعَنَهُمُ اللَّهُ. ومِن كَذِبِ اليَهُودِ وجَهْلِهِمْ بِالتّارِيخِ، ما يَعْتَقِدُونَهُ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ، أنَّهُ ﷺ حِينَ سافَرَ إلى الشّامِ في تِجارَةٍ لِخَدِيجَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها، اجْتَمَعَ بِأحْبارِ اليَهُودِ وقَصَّ عَلَيْهِمْ أحْلامَهُ، فَعَلِمُوا أنَّهُ صاحِبُ دَوْلَةٍ، وعَمُوا، فَأصْحَبُوهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلامٍ، فَقَرَأ عُلُومَ التَّوْراةِ وفِقْهَها مُدَّةً، زَعَمُوا وأفْرَطُوا في كَذِبِهِمْ، إلى أنْ نَسَبُوا الفَصاحَةَ المُعْجِزَةَ الَّتِي في القُرْآنِ إلى تَأْلِيفِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ، وعَبْدُ اللَّهِ هَذا لَمْ تُعْلَمْ لَهُ إقامَةٌ بِمَكَّةَ ولا تَرَدَّدَ إلَيْها. فَما أكْذَبَ اليَهُودَ وأبْهَتَهم لَعَنَهُمُ اللَّهُ. وناهِيكَ مِن طائِفَةٍ ما ذُمَّ في القُرْآنِ طائِفَةٌ مِثْلُها.

الأحقاف 46:11

﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ وإذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذا إفْكٌ قَدِيمٌ﴾ ﴿ومِن قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إمامًا ورَحْمَةً وهَذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ لِسانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وبُشْرى لِلْمُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿ووَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ إحْسانًا﴾ ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا ووَضَعَتْهُ كُرْهًا وحَمْلُهُ وفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا حَتّى إذا بَلَغَ أشُدَّهُ وبَلَغَ أرْبَعِينَ سَنَةً قالَ رَبِّ أوْزِعْنِي أنْ أشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أنْعَمْتَ عَلَيَّ وعَلى والِدَيَّ وأنْ أعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ وأصْلِحْ لِي في ذُرِّيَّتِي إنِّي تُبْتُ إلَيْكَ وإنِّي مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهم أحْسَنَ ما عَمِلُوا ونَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ في أصْحابِ الجَنَّةِ وعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ﴾ ﴿والَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما أتَعِدانِنِي أنْ أُخْرَجَ وقَدْ خَلَتِ القُرُونُ مِن قَبْلِي وهُما يَسْتَغِيثانِ اللَّهَ ويْلَكَ آمِن إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ ما هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ في أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ إنَّهم كانُوا خاسِرِينَ﴾ ﴿ولِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا ولِيُوَفِّيَهم أعْمالَهم وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ . (p-٥٩)قالَ قَتادَةُ: هي مَقالَةُ كُفّارِ قُرَيْشٍ لِلَّذِينَ آمَنُوا: أيْ لِأجْلِ الَّذِينَ آمَنُوا: واللّامُ لِلتَّبْلِيغِ. ثُمَّ انْتَقَلُوا إلى الغَيْبَةِ في قَوْلِهِمْ: ﴿ما سَبَقُونا﴾، ولَوْ لَمْ يَنْتَقِلُوا لَكانَ الكَلامُ ما سُبِقْتُمْ إلَيْهِ. ولَمّا سَمِعُوا أنَّ جَماعَةً آمَنُوا خاطَبُوا جَماعَةً مِنَ المُؤْمِنِينَ، أيْ قالُوا: ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ﴾: أُولَئِكَ الَّذِينَ بَلَغَنا إيمانُهم يُرِيدُونَ عَمّارًا وصُهَيْبًا وبِلالًا ونَحْوَهم مِمَّنْ أسْلَمَ وآمَنَ بِالنَّبِيِّ ﷺ . وقالَ الكَلْبِيُّ والزَّجّاجُ: هي مَقالَةُ كِنانَةَ وعامِرٍ وسائِرِ قَبائِلِ العَرَبِ المُجاوِرَةِ. قالَتْ ذَلِكَ حِينَ أسْلَمَتْ غِفارٌ ومُزَيْنَةُ وجُهَيْنَةُ، أيْ لَوْ كانَ هَذا الدِّينُ خَيْرًا، ما سَبَقَنا إلَيْهِ الرُّعاةُ. وقالَ الثَّعْلَبِيُّ: هي مَقالَةُ اليَهُودِ حِينَ أسْلَمَ ابْنُ سَلامٍ وغَيْرُهُ مِنهم. وقالَ أبُو المُتَوَكِّلِ: أسْلَمَ أبُو ذَرٍّ، ثُمَّ أسْلَمَتْ غِفارٌ، فَقالَتْ قُرَيْشٌ ذَلِكَ. وقِيلَ: أسْلَمَتْ أمَةٌ لِعُمَرَ، فَكانَ يَضْرِبُها، حَتّى يَفْتُرَ ويَقُولَ: لَوْلا أنِّي فَتَرْتُ لَزِدْتُكِ ضَرْبًا فَقالَ كُفّارُ قُرَيْشٍ: لَوْ كانَ ما يَدْعُو إلَيْهِ مُحَمَّدٌ حَقًّا، ما سَبَقَتْنا إلَيْهِ فُلانَةُ. والظّاهِرُ أنَّ اسْمَ كانَ هو القُرْآنُ، وعَلَيْهِ يَعُودُ بِهِ ويُؤَيِّدُهُ، ومِن قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى. وقِيلَ: بِهِ عائِدٌ عَلى الرَّسُولِ، والعامِلُ في إذْ مَحْذُوفٌ، أيْ ﴿وإذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ﴾، ظَهَرَ عِنادُهم. وقَوْلُهُ: (فَسَيَقُولُونَ)، مُسَبَّبٌ عَنْ ذَلِكَ الجَوابِ المَحْذُوفِ، لِأنَّ هَذا القَوْلَ هو ناشِئٌ عَنِ العِنادِ، ويَمْتَنِعُ أنْ يَعْمَلَ في إذْ فَسَيَقُولُونَ، لِحَيْلُولَةِ الفاءِ ولِتَعانُدِ زَمانِ إذْ وزَمانِ سَيَقُولُونَ. ﴿إفْكٌ قَدِيمٌ﴾، كَما قالُوا: ﴿أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾، وقِدَمُهُ بِمُرُورِ الأعْصارِ عَلَيْهِ. ولَمّا طَعَنُوا في صِحَّةِ القُرْآنِ، قِيلَ لَهم: إنَّهُ أنْزَلَ اللَّهُ مِن قَبْلِهِ التَّوْراةَ عَلى مُوسى، وأنْتُمْ لا تُنازَعُونَ في ذَلِكَ، فَلا يُنازَعُ في إنْزالِ القُرْآنِ. (إمامًا) أيْ يُهْتَدى بِهِ، إنَّ فِيهِ البِشارَةَ بِمَبْعَثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وإرْسالِهِ، فَيَلْزَمُ اتِّباعُهُ والإيمانُ بِهِ، وانْتَصَبَ إمامًا عَلى الحالِ، والعامِلُ فِيهِ العامِلُ في: (ومِن قَبْلِهِ)، أيْ وكِتابُ مُوسى كانَ مِن قَبْلِ القُرْآنِ في حالِ كَوْنِهِ إمامًا. وقَرَأ الكَلْبِيُّ: كِتابَ مُوسى، نَصَبَ وفَتَحَ مِيمَ مَن عَلى أنَّها مَوْصُولَةٌ، تَقْدِيرُهُ: وآتَيْنا الَّذِي قَبْلَهُ كِتابَ مُوسى. وقِيلَ: انْتَصَبَ إمامًا بِمَحْذُوفٍ، أيْ أنْزَلْناهُ إمامًا، أيْ قُدْوَةً يُؤْتَمُّ بِهِ، (ورَحْمَةً) لِمَن عَمِلَ بِهِ، وهَذا إشارَةٌ إلى القُرْآنِ. ﴿كِتابٌ مُصَدِّقٌ﴾ لَهُ، أيْ لِكِتابِ مُوسى، وهي التَّوْراةُ الَّتِي تَضَمَّنَتْ خَبَرَهُ وخَبَرَ مَن جاءَ بِهِ، وهو الرَّسُولُ. فَجاءَ هو مُصَدِّقًا لِتِلْكَ الأخْبارِ، أوْ مُصَدِّقًا لِلْكُتُبِ الإلَهِيَّةِ. ولِسانًا: حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في ”مُصَدِّقٌ“، والعامِلُ فِيهِ مُصَدِّقٌ، أوْ مِن ”كِتابٌ“، إذْ قَدْ وصَفَ العامِلُ فِيهِ اسْمَ الإشارَةِ. أوْ لِسانًا: حالُ مَوْطِئِهِ، والحالُ في الحَقِيقَةِ هو ”عَرَبِيًّا“، أوْ عَلى حَذْفٍ، أيْ ذا الشَّأْنِ عَرَبِيٌّ، فَيَكُونُ مَفْعُولًا بِـ ”مُصَدِّقٌ“، أيْ هَذا القُرْآنُ مُصَدِّقٌ مَن جاءَ بِهِ وهو الرَّسُولُ، وذَلِكَ بِإعْجازِهِ وأحْوالِهِ البارِعَةِ. وقِيلَ: انْتَصَبَ عَلى إسْقاطِ الخافِضِ، أيْ بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ، وشَيْبَةُ، والأعْرَجُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وابْنُ عامِرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ: لِتُنْذِرَ، بِتاءِ الخِطابِ لِلرَّسُولِ، والأعْمَشُ، وابْنُ كَثِيرٍ أيْضًا، وباقِي السَّبْعَةِ: بِياءِ الغَيْبَةِ، أيْ لِيُنْذِرَنا القُرْآنُ والَّذِينَ ظَلَمُوا: الكُفّارُ عُبّادُ الأصْنامِ، حَيْثُ وضَعُوا العِبادَةَ في غَيْرِ مَن يَسْتَحِقُّهُ. ﴿وبُشْرى﴾، قِيلَ: مَعْطُوفٌ عَلى ”مُصَدِّقٌ“، فَهو في مَوْضِعِ رَفْعٍ، أوْ عَلى إضْمارِ هو. وقِيلَ: مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ مَعْطُوفٍ عَلى لِيُنْذِرَ، أيْ: ويُبَشِّرَ بُشْرى. وقِيلَ: مَنصُوبٌ عَلى إسْقاطِ الخافِضِ، أيْ ولِبُشْرى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وتَبِعَهُ أبُو البَقاءِ: وبُشْرى في مَحَلِّ النَّصْبِ، مَعْطُوفٌ عَلى مَحَلِّ لِيُنْذِرَ، لِأنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ. انْتَهى. وهَذا لا يَجُوزُ عَلى الصَّحِيحِ مِن مَذْهَبِ النَّحْوِيِّينَ، لِأنَّهم يَشْتَرِطُونَ في الحَمْلِ عَلى المَحَلِّ أنْ يَكُونَ المَحَلُّ بِحَقِّ الأصالَةِ، وأنْ يَكُونَ لِلْمَوْضِعِ مَحْرَزٌ. والمَحَلُّ هُنا لَيْسَ بِحَقِّ الأصالَةِ، لِأنَّ الأصْلَ هو الجَرُّ في المَفْعُولِ (p-٦٠)لَهُ، وإنَّما النَّصْبُ ناشِئٌ عَنْ إسْقاطِ الخافِضِ، لَكِنَّهُ لَمّا كَثُرَ بِالشُّرُوطِ المَذْكُورَةِ في النَّحْوِ، وصَلَ إلَيْهِ الفِعْلُ فَنَصَبَهُ. ولَمّا عَبَّرَ عَنِ الكُفّارِ بِالَّذِينَ ظَلَمُوا، عَبَّرَ عَنِ المُؤْمِنِينَ بِالمُحْسِنِينَ، لِيُقابِلَ بِلَفْظِ الإحْسانِ لَفْظَ الظُّلْمِ. ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظِيرِ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ فُصِّلَتْ. ولَمّا ذَكَرَ: ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾، قالَ: (ووَصَّيْنا)، إذْ كانَ بِرُّ الوالِدَيْنِ ثانِيًا أفْضَلَ الأعْمالِ، إذْ في الصَّحِيحِ: «أيُّ الأعْمالِ أفْضَلُ ؟ فَقالَ الصَّلاةُ عَلى مِيقاتِها قالَ: ثُمَّ أيُّ ؟ قالَ: ثُمَّ بِرُّ الوالِدَيْنِ»، وإنْ كانَ عُقُوقُهُما ثانِيَ أكْبَرِ الكَبائِرِ، إذْ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «ألا أُنَبِّئُكم ؟ بِأكْبَرِ الكَبائِرِ ؟ الإشْراكُ بِاللَّهِ وعُقُوقُ الوالِدَيْنِ»، والوارِدُ في بَرِّهِما كَثِيرٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: حُسْنًا، بِضَمِّ الحاءِ وإسْكانِ السِّينِ، وعَلِيٌّ، والسُّلَمِيُّ، وعِيسى: بِفَتْحِهِما، وعَنْ عِيسى: بِضَمِّهِما، والكُوفِيُّونَ: إحْسانًا، فَقِيلَ: ضَمَّنَ ووَصَّيْنا مَعْنى ألْزَمْنا، فَيَتَعَدّى لِاثْنَيْنِ، فانْتَصَبَ حُسْنًا وإحْسانًا عَلى المَفْعُولِ الثّانِي لِوَصَّيْنا. وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: إيصاءٌ ذا حُسْنٍ، أوْ ذا إحْسانٍ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حُسْنًا بِمَعْنى إحْسانٍ، فَيَكُونَ مَفْعُولًا لَهُ، أيْ ووَصَّيْناهُ بِهِما لِإحْسانِنا إلَيْهِما، فَيَكُونَ الإحْسانُ مِنَ اللَّهِ تَعالى. وقِيلَ: النَّصْبُ عَلى المَصْدَرِ عَلى تَضْمِينِ وصَّيْنا مَعْنى أحْسَنّا بِالوَصِيَّةِ لِلْإنْسانِ بِوالِدَيْهِ إحْسانًا. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ونَصْبُ هَذا يَعْنِي إحْسانًا عَلى المَصْدَرِ الصَّرِيحِ والمَفْعُولِ الثّانِي في المَجْرُورِ، والباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِوَصَّيْنا، أوْ بِقَوْلِهِ: إحْسانًا. انْتَهى. ولا يَصِحُّ أنْ يَتَعَلَّقَ بِإحْسانًا، لِأنَّهُ مُصَدَّرٌ بِحَرْفٍ مَصْدَرِيٍّ والفِعْلِ، فَلا يَتَقَدَّمُ مَعْمُولُهُ عَلَيْهِ، ولِأنَّ أحْسَنَ لا يَتَعَدّى بِالباءِ، إنَّما يَتَعَدّى بِاللّامِ، تَقُولُ: أحْسَنْتُ لِزَيْدٍ، ولا تَقُولُ: أحْسَنْتُ بِزَيْدٍ، عَلى مَعْنى أنَّ الإحْسانَ يَصِلُ إلَيْهِ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ﴿ووَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ [العنكبوت: ٨] في سُورَةِ العَنْكَبُوتِ، وانْجَرَّ هُنا بِالكَلامِ عَلى ذَلِكَ مَزِيدًا لِلْفائِدَةِ. ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا﴾: لَيْسَ الكُرْهُ في أوَّلِ عُلُوقِها، بَلْ في ثانِي اسْتِمْرارِ الحَمْلِ، إذْ لا تَدْبِيرَ لَها في حَمْلِهِ ولا تَرْكِهِ. انْتَهى. ولا يَلْحَقُها كُرْهٌ إذْ ذاكَ، فَهَذا احْتِمالٌ بَعِيدٌ. وقالَ مُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ: المَعْنى حَمَلَتْهُ مَشَقَّةً، ووَضَعَتْهُ مَشَقَّةً. وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِضَمِّ الكافِ، وشَيْبَةُ، وأبُو جَعْفَرٍ، والأعْرَجُ، والحَرَمِيّانِ، وأبُو عَمْرٍو: بِالفَتْحِ، وبِهِما مَعًا: أبُو رَجاءٍ، ومُجاهِدٌ، وعِيسى، والضَّمُّ والفَتْحُ لُغَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ، كالعَقْرِ والعُقْرِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: بِالضَّمِّ المَشَقَّةُ، وبِالفَتْحِ الغَلَبَةُ والقَهْرُ، وضَعَّفُوا قِراءَةَ الفَتْحِ. وقالَ بَعْضُهم: لَوْ كانَ بِالفَتْحِ، لَرَمَتْ بِهِ عَنْ نَفْسِها إذْ مَعْناهُ: القَهْرُ والغَلَبَةُ. انْتَهى. وهَذا لَيْسَ بِشَيْءٍ، إذْ قِراءَةُ الفَتْحِ في السَّبْعَةِ المُتَواتِرَةِ. وقالَ أبُو حاتِمٍ: القِراءَةُ بِفَتْحِ الكافِ لا تَحْسُنُ، لِأنَّ الكَرْهَ، بِالفَتْحِ، النَّصَبُ والغَلَبَةُ. انْتَهى. وكانَ أبُو حاتِمٍ يَطْعَنُ في بَعْضِ القُرْآنِ بِما لا عِلْمَ لَهُ بِهِ جَسارَةً مِنهُ، عَفا اللَّهُ عَنْهُ، وانْتِصابُهُما عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ الفاعِلِ، أيْ حَمَلَتْهُ ذاتَ كُرْهٍ، أوْ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ حَمْلًا ذا كُرْهٍ. ﴿وحَمْلُهُ وفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾: أيْ ومُدَّةُ حَمْلِهِ وفِصالِهِ، وهَذا لا يَكُونُ إلّا بِأنْ يَكُونَ أحَدُ الطَّرَفَيْنِ ناقِصًا، إمّا بِأنْ تَلِدَ المَرْأةُ لِسِتَّةِ أشْهُرٍ وتُرْضِعَ عامَيْنِ، وإمّا أنْ تَلِدَ لِتِسْعَةِ أشْهُرٍ عَلى العُرْفِ وتُرْضِعَ عامَيْنِ غَيْرَ رُبْعِ عامٍ. فَإنْ زادَتْ مُدَّةُ الحَمْلِ، نَقَصَتْ مُدَّةُ الرَّضاعِ. فَمُدَّةُ الرَّضاعِ عامٌ وتِسْعَةُ أشْهُرٍ، وإكْمالُ العامَيْنِ لِمَن أرادَ أنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ. وقَدْ كَشَفَتِ التَّجْرِبَةُ أنَّ أقَلَّ مُدَّةِ الحَمْلِ سِتَّةُ أشْهُرٍ، كَنَصِّ القُرْآنِ. وقالَ جالِينُوسُ: كُنْتُ شَدِيدَ الفَحْصِ عَنْ مُقَدَّرِ زَمَنِ الحَمْلِ، فَرَأيْتُ امْرَأةً ولَدَتْ لِمِائَةٍ وأرْبَعٍ وثَمانِينَ لَيْلَةً. وزَعَمَ ابْنُ سِينا أنَّهُ شاهَدَ ذَلِكَ، وأمّا أكْثَرُ الحَمْلِ فَلَيْسَ في القُرْآنِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ. قالَ ابْنُ سِينا في الشِّفاءِ: بَلَغَنِي مِن جِهَةِ مَن أثِقُ بِهِ كُلَّ الثِّقَةِ، أنَّ امْرَأةً وضَعَتْ بَعْدَ الرّابِعِ مِن سِنِي الحَمْلِ، ولَدَتْ ولَدًا نَبَتَتْ أسْنانُهُ. وحُكِيَ عَنْ أرِسْطاطالِيسَ أنَّهُ قالَ: إنَّ مُدَّةَ الحَمْلِ لِكُلِّ الحَيَوانِ مَضْبُوطَةٌ سِوى الإنْسانِ، فَرُبَّما وضَعَتْ لِسَبْعَةِ أشْهُرٍ، ولِثَمانِيَةٍ، وقَلَّ ما يَعِيشُ الوَلَدُ في الثّامِنِ، إلّا في بِلادٍ مُعَيَّنَةٍ مِثْلَ مِصْرَ. انْتَهى. وعَبَّرَ عَنِ الرَّضاعِ بِالفِصالِ، لَمّا كانَ الرَّضاعُ يَلِي الفِصالَ (p-٦١)ويُلابِسُهُ، لِأنَّهُ يَنْتَهِي بِهِ ويَتِمُّ، سُمِّيَ بِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: وفِصالُهُ، وهو مَصْدَرُ فاصَلَ، كَأنَّهُ مِنِ اثْنَيْنِ: فاصَلَ أُمَّهُ وفاصَلَتْهُ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، والجَحْدَرِيُّ: وفَصْلُهُ، قِيلَ: والفَصْلُ والفِصالُ مَصْدَرانِ، كالفَطْمِ والفِطامِ. وهُنا لَطِيفَةٌ: ذَكَرَ تَعالى الأُمَّ في ثَلاثَةِ مَراتِبَ في قَوْلِهِ: بِوالِدَيْهِ. وحَمْلُهُ وإرْضاعُهُ المُعَبَّرُ عَنْهُ بِالفِصالِ، وذَكَرَ الوالِدَ في واحِدَةٍ في قَوْلِهِ: بِوالِدَيْهِ، فَناسَبَ ما قالَ الرَّسُولُ مِن جَعْلِ ثَلاثَةِ أرْباعِ البِرِّ لِلْأُمِّ والرُّبُعِ لِلْأبِ «فِي قَوْلِ الرَّجُلِ: ”يا رَسُولَ اللَّهِ، مَن أبَرُّ ؟ قالَ: أُمَّكَ، قالَ: ثُمَّ مَن ؟ قالَ: أُمَّكَ، قالَ: ثُمَّ مَن ؟ قالَ: أُمَّكَ، قالَ: ثُمَّ مَن ؟ قالَ: أباكَ“» . ﴿حَتّى إذا بَلَغَ أشُدَّهُ﴾ في الكَلامِ حَذْفٌ تَكُونُ: حَتّى غايَةً لَهُ، تَقْدِيرُهُ: فَعاشَ بَعْدَ ذَلِكَ، أوِ اسْتَمَرَّتْ حَياتُهُ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في ﴿بَلَغَ أشُدَّهُ﴾ في سُورَةِ يُوسُفَ. والظّاهِرُ ضَعْفُ قَوْلِ مَن قالَ: بُلُوغُ الأشُدِّ أرْبَعُونَ، لِعَطْفِ ﴿وبَلَغَ أرْبَعِينَ سَنَةً﴾ . والعَطْفُ يَقْتَضِي التَّغايُرَ، إلّا إنِ ادُّعِيَ أنَّ ذَلِكَ تَوْكِيدٌ لِبُلُوغِ الأشُدِّ فَيُمْكِنُ، والتَّأْسِيسُ أوْلى مِنَ التَّأْكِيدِ، وبُلُوغُ الأرْبَعِينَ اكْتِمالُ العَقْلِ لِظُهُورِ الفَلاحِ. قِيلَ: ولَمْ يُبْعَثْ نَبِيٌّ إلّا بَعْدَ الأرْبَعِينَ. وفي الحَدِيثِ: «إنَّ الشَّيْطانَ يَجُرُّ يَدَهُ عَلى وجْهِ مَن زادَ عَلى الأرْبَعِينَ ولَمْ يَتُبْ ويَقُولُ: بِأبِي وجْهٌ لا يُفْلِحُ» . ﴿قالَ رَبِّ أوْزِعْنِي أنْ أشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أنْعَمْتَ عَلَيَّ وعَلى والِدَيَّ وأنْ أعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ﴾: وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذا في سُورَةِ النَّمْلِ. ﴿وأصْلِحْ لِي في ذُرِّيَّتِي﴾: سَألَ أنْ يَجْعَلَ ذُرِّيَّتَهُ مَوْقِعًا لِلصَّلاحِ ومَظِنَّةً لَهُ، كَأنَّهُ قالَ: هَبْ لِيَ الصَّلاحَ في ذُرِّيَّتِي، فَأوْقَعَهُ فِيهِمْ، أوْ ضَمَّنَ: وأصْلِحْ لِي مَعْنى: والطُفْ بِي في ذُرِّيَّتِي، لِأنَّ أصْلِحْ يَقْتَدِي بِنَفْسِهِ لِقَوْلِهِ: ﴿وأصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ﴾ [الأنبياء: ٩٠]، فَلِذَلِكَ احْتِيجَ قَوْلُهُ: ﴿فِي ذُرِّيَّتِي﴾ إلى التَّأْوِيلِ. قِيلَ: نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وتَتَناوَلُ مَن بَعْدَهُ، وهو مُشْكِلٌ، لِأنَّها نَزَلَتْ بِمَكَّةَ، وأبُوهُ أسْلَمَ عامَ الفَتْحِ. ولِقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهم أحْسَنَ ما عَمِلُوا﴾: فَلَمْ يُقْصَدْ بِذَلِكَ أبُو بَكْرٍ ولا غَيْرُهُ. والمُرادُ بِالإنْسانِ الجِنْسُ، ولِذَلِكَ أشارَ بِقَوْلِهِ: (أُولَئِكَ) جَمْعًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”يُتَقَبَّلُ“ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، ”أحْسَنُ“ رَفْعًا، وكَذا ويُتَجاوَزُ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ، وأبُو جَعْفَرٍ، والأعْمَشُ: بِخِلافٍ عَنْهُ. وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ: نَتَقَبَّلُ أحْسَنَ نَصْبًا، ونَتَجاوَزُ بِالنُّونِ فِيهِما، والحَسَنُ، والأعْمَشُ، وعِيسى: بِالياءِ فِيهِما مَفْتُوحَةً ونَصْبِ أحْسَنَ. ﴿فِي أصْحابِ الجَنَّةِ﴾، قِيلَ: في بِمَعْنى مَعَ، وقِيلَ: هو نَحْوُ قَوْلِكَ: أكْرَمَنِي الأمِيرُ في ناسٍ مِن أصْحابِهِ، يُرِيدُ في جُمْلَةِ مَن أكْرَمَ مِنهم، ومَحَلُّهُ النَّصْبُ عَلى الحالِ عَلى مَعْنى كائِنِينَ في أصْحابِ الجَنَّةِ. وانْتَصَبَ ﴿وعْدَ الصِّدْقِ﴾ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ﴾، وعْدٌ مِنهُ تَعالى بِالتَّقَبُّلِ والتَّجاوُزِ، لَمّا ذَكَرَ الإنْسانَ البارَّ بِوالِدَيْهِ وما آلَ إلَيْهِ مِنَ الخَيْرِ، ذَكَرَ العاقَّ بِوالِدَيْهِ وما آلَ إلَيْهِ مِنَ الشَّرِّ. والمُرادُ بِالَّذِي: الجِنْسُ، ولِذَلِكَ جاءَ الخَبَرُ مَجْمُوعًا في قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ﴾ . وقالَ الحَسَنُ: هو الكافِرُ العاقُّ بِوالِدَيْهِ المُنْكِرُ البَعْثَ. وقَوْلُ مَرْوانَ بْنِ الحَكَمِ، واتَّبَعَهُ قَتادَةُ: إنَّها نَزَلَتْ في عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، قَوْلٌ خَطَأٌ ناشِئٌ عَنْ جَوْرٍ، حِينَ دَعا مَرْوانُ، وهو أمِيرُ المَدِينَةِ، إلى مُبايَعَةِ يَزِيدَ، فَقالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: جَعَلْتُمُوها هِرَقْلِيَّةً ؟ كُلَّما ماتَ هِرَقْلُ ولِيَ ابْنُهُ، وكُلَّما ماتَ قَيْصَرُ ولِيَ ابْنُهُ ؟ فَقالَ مَرْوانُ: خُذُوهُ، فَدَخَلَ بَيْتَ أُخْتِهِ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها، وقَدْ أنْكَرَتْ ذَلِكَ عائِشَةُ فَقالَتْ، وهي المَصْدُوقَةُ: لَمْ يَنْزِلْ في آلِ أبِي بَكْرٍ مِنَ القُرْآنِ غَيْرُ بَراءَتِي، وقالَتْ: واللَّهِ ما هو بِهِ، ولَوْ شِئْتُ أنْ أُسَمِّيَهُ لَسَمَّيْتُهُ. وصَدَّتْ مَرْوانَ وقالَتْ: ولَكِنَّ اللَّهَ لَعَنَ أباكَ وأنْتَ في صُلْبِهِ، فَأنْتَ فَضَضٌ مِن لَعْنَةِ اللَّهِ. ويَدُلُّ عَلى فَسادِ هَذا القَوْلِ أنَّهُ قالَ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ﴾، وهَذِهِ صِفاتُ الكُفّارِ أهْلِ النّارِ، وكانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ مِن أفاضِلِ الصَّحابَةِ وسَراتِهِمْ وأبْطالِهِمْ، ومِمَّنْ لَهُ في الإسْلامِ غَناءٌ يَوْمَ اليَمامَةِ وغَيْرِهِ. ﴿أُفٍّ لَكُما﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى أُفٍّ مَدْلُولًا ولُغاتٍ وقِراءَةً في سُورَةِ الإسْراءِ، واللّامُ في لَكُما لِلْبَيانِ، أيْ لَكُما، أعْنِي التَّأْفِيفَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿أتَعِدانِنِي﴾، بِنُونَيْنِ، (p-٦٢)الأُولى مَكْسُورَةٌ، والحَسَنُ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وفي رِوايَةٍ، وهِشامٌ: بِإدْغامِ نُونِ الرَّفْعِ في نُونِ الوِقايَةِ. وقَرَأ نافِعٌ في رِوايَةٍ، وجَماعَةٌ: بِنُونٍ واحِدَةٍ. وقَرَأ الحَسَنُ، وشَيْبَةُ، وأبُو جَعْفَرٍ: بِخِلافٍ عَنْهُ، وعَبْدُ الوارِثِ، عَنْ أبِي عَمْرٍو. وهارُونُ بْنُ مُوسى، عَنِ الجَحْدَرِيِّ، وسامٌ عَنْ هِشامٍ: بِفَتْحِ النُّونِ الأُولى، كَأنَّهم فَرُّوا مِنَ الكَسْرَتَيْنِ والياءِ إلى الفَتْحِ طَلَبًا لِلتَّخْفِيفِ فَفَتَحُوا، كَما فَرَّ مَن أدْغَمَ ومَن حَذَفَ. وقالَ أبُو حاتِمٍ: فَتْحُ النُّونِ باطِلٌ غَلَطٌ. (أنْ أُخْرَجَ): أيْ أُخْرَجَ مِن قَبْرِي لِلْبَعْثِ والحِسابِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: أنْ أُخْرَجَ، مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، والحَسَنُ، وابْنُ يَعْمُرَ، والأعْمَشُ، وابْنُ مُصَرِّفٍ، والضَّحّاكُ: مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. ﴿وقَدْ خَلَتِ القُرُونُ مِن قَبْلِي﴾: أيْ مَضَتْ، ولَمْ يُخْرَجْ مِنهم أحَدٌ ولا بُعِثَ. وقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: ﴿وقَدْ خَلَتِ القُرُونُ مِن قَبْلِي﴾ مُكَذِّبَةً بِالبَعْثِ. ﴿وهُما يَسْتَغِيثانِ اللَّهَ﴾، يُقالُ: اسْتَغَثْتُ اللَّهَ واسْتَغَثْتُ بِاللَّهِ، والِاسْتِعْمالانِ في لِسانِ العَرَبِ. وقَدْ رَدَدْنا عَلى ابْنِ مالِكٍ إنْكارَ تَعْدِيَتِهِ بِالباءِ، وذَكَرْنا شَواهِدَ عَلى ذَلِكَ في الأنْفالِ، أيْ يَقُولانِ: الغِياثُ بِاللَّهِ مِنكَ ومِن قَوْلِكَ، وهو اسْتِعْظامٌ لِقَوْلِهِ. ﴿ويْلَكَ﴾: دُعاءٌ عَلَيْهِ بِالثُّبُورِ، والمُرادُ بِهِ الحَثُّ والتَّحْرِيضُ عَلى الإيمانِ لا حَقِيقَةُ الهَلاكِ. وقِيلَ: ويْلَكَ لِمَن يُحَقِّرُ ويُحَرِّكُ لِأمْرٍ يَسْتَعْجِلُ إلَيْهِ. وقَرَأ الأعْرَجُ، وعَمْرُو بْنُ فائِدَةَ: (أنَّ وعْدَ اللَّهِ)، بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، أيْ: آمِن بِأنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ، والجُمْهُورُ بِكَسْرِها، ﴿فَيَقُولُ ما هَذا﴾: أيْ ما هَذا الَّذِي يَقُولُ ؟ أيْ مِنَ الوَعْدِ بِالبَعْثِ مِنَ القُبُورِ إلّا شَيْءٌ سَطَّرَهُ الأوَّلُونَ في كُتُبِهِمْ، ولا حَقِيقَةَ لَهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وظاهِرُ ألْفاظِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّها نَزَلَتْ في مُشارٍ إلَيْهِ قالَ وقِيلَ لَهُ، فَنَفى اللَّهُ أقْوالَهُ تَحْذِيرًا مِنَ الوُقُوعِ في مِثْلِها. وقَوْلُهُ: (أُولَئِكَ)، ظاهِرُهُ أنَّهُ إشارَةٌ إلى جِنْسٍ يَتَضَمَّنُهُ قَوْلُهُ: ﴿والَّذِي قالَ﴾، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الآيَةُ في مُشارٍ إلَيْهِ، ويَكُونُ قَوْلُهُ في أُولَئِكَ بِمَعْنى صِنْفِ هَذا المَذْكُورِ وجِنْسِهِ هم: ﴿الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ﴾ أيْ قَوْلُ اللَّهِ أنَّهُ يُعَذِّبُهم (في أُمَمٍ)، أيْ جُمْلَةِ: ﴿أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ﴾، يَقْتَضِي أنَّ الجِنَّ يَمُوتُونَ قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ كالإنْسِ. وقالَ الحَسَنُ في بَعْضِ مَجالِسِهِ: الجِنُّ لا يَمُوتُونَ، فاعْتَرَضَهُ قَتادَةُ بِهَذِهِ الآيَةِ فَسَكَتَ. وقَرَأ العَبّاسُ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: أنَّهم كانُوا، بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، والجُمْهُورُ بِالكَسْرِ. (ولِكُلٍّ): أيْ مِنَ المُحْسِنِ والمُسِيءِ، (دَرَجاتٌ) غَلَبَ دَرَجاتٌ، إذِ الجَنَّةُ دَرَجاتٌ والنّارُ دَرَكاتٌ، والمَعْنى: مَنازِلُ ومَراتِبُ مِن جَزاءِ ما عَمِلُوا مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ، ومِن أجْلِ ما عَمِلُوا مِنها. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: دَرَجاتُ المُحْسِنِينَ تَذْهَبُ عُلُوًّا، ودَرَجاتُ المُسِيئِينَ تَذْهَبُ سُفْلًا. انْتَهى. والمُعَلِّلُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: ولِيُوَفِّيَهم أعْمالَهم قَدْرَ جَزائِهِمْ، فَجُعِلَ الثَّوابُ دَرَجاتٍ والعِقابُ دَرَكاتٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ولِيُوَفِّيَهم بِالياءِ، أيِ اللَّهُ تَعالى، والأعْمَشُ والأعْرَجُ وشَيْبَةُ وأبُو جَعْفَرٍ والأخَوانِ وابْنُ ذَكْوانَ ونافِعٌ: بِخِلافٍ عَنْهُ بِالنُّونِ، والسُّلَمِيُّ: بِالتّاءِ مِن فَوْقٍ، أيْ ولِنُوَفِّيَهُمُ الدَّرَجاتِ، أسْنَدَ التَّوْفِيَةَ إلَيْها مَجازًا.

الأحقاف 46:12

﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ وإذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذا إفْكٌ قَدِيمٌ﴾ ﴿ومِن قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إمامًا ورَحْمَةً وهَذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ لِسانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وبُشْرى لِلْمُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿ووَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ إحْسانًا﴾ ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا ووَضَعَتْهُ كُرْهًا وحَمْلُهُ وفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا حَتّى إذا بَلَغَ أشُدَّهُ وبَلَغَ أرْبَعِينَ سَنَةً قالَ رَبِّ أوْزِعْنِي أنْ أشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أنْعَمْتَ عَلَيَّ وعَلى والِدَيَّ وأنْ أعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ وأصْلِحْ لِي في ذُرِّيَّتِي إنِّي تُبْتُ إلَيْكَ وإنِّي مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهم أحْسَنَ ما عَمِلُوا ونَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ في أصْحابِ الجَنَّةِ وعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ﴾ ﴿والَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما أتَعِدانِنِي أنْ أُخْرَجَ وقَدْ خَلَتِ القُرُونُ مِن قَبْلِي وهُما يَسْتَغِيثانِ اللَّهَ ويْلَكَ آمِن إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ ما هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ في أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ إنَّهم كانُوا خاسِرِينَ﴾ ﴿ولِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا ولِيُوَفِّيَهم أعْمالَهم وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ . (p-٥٩)قالَ قَتادَةُ: هي مَقالَةُ كُفّارِ قُرَيْشٍ لِلَّذِينَ آمَنُوا: أيْ لِأجْلِ الَّذِينَ آمَنُوا: واللّامُ لِلتَّبْلِيغِ. ثُمَّ انْتَقَلُوا إلى الغَيْبَةِ في قَوْلِهِمْ: ﴿ما سَبَقُونا﴾، ولَوْ لَمْ يَنْتَقِلُوا لَكانَ الكَلامُ ما سُبِقْتُمْ إلَيْهِ. ولَمّا سَمِعُوا أنَّ جَماعَةً آمَنُوا خاطَبُوا جَماعَةً مِنَ المُؤْمِنِينَ، أيْ قالُوا: ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ﴾: أُولَئِكَ الَّذِينَ بَلَغَنا إيمانُهم يُرِيدُونَ عَمّارًا وصُهَيْبًا وبِلالًا ونَحْوَهم مِمَّنْ أسْلَمَ وآمَنَ بِالنَّبِيِّ ﷺ . وقالَ الكَلْبِيُّ والزَّجّاجُ: هي مَقالَةُ كِنانَةَ وعامِرٍ وسائِرِ قَبائِلِ العَرَبِ المُجاوِرَةِ. قالَتْ ذَلِكَ حِينَ أسْلَمَتْ غِفارٌ ومُزَيْنَةُ وجُهَيْنَةُ، أيْ لَوْ كانَ هَذا الدِّينُ خَيْرًا، ما سَبَقَنا إلَيْهِ الرُّعاةُ. وقالَ الثَّعْلَبِيُّ: هي مَقالَةُ اليَهُودِ حِينَ أسْلَمَ ابْنُ سَلامٍ وغَيْرُهُ مِنهم. وقالَ أبُو المُتَوَكِّلِ: أسْلَمَ أبُو ذَرٍّ، ثُمَّ أسْلَمَتْ غِفارٌ، فَقالَتْ قُرَيْشٌ ذَلِكَ. وقِيلَ: أسْلَمَتْ أمَةٌ لِعُمَرَ، فَكانَ يَضْرِبُها، حَتّى يَفْتُرَ ويَقُولَ: لَوْلا أنِّي فَتَرْتُ لَزِدْتُكِ ضَرْبًا فَقالَ كُفّارُ قُرَيْشٍ: لَوْ كانَ ما يَدْعُو إلَيْهِ مُحَمَّدٌ حَقًّا، ما سَبَقَتْنا إلَيْهِ فُلانَةُ. والظّاهِرُ أنَّ اسْمَ كانَ هو القُرْآنُ، وعَلَيْهِ يَعُودُ بِهِ ويُؤَيِّدُهُ، ومِن قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى. وقِيلَ: بِهِ عائِدٌ عَلى الرَّسُولِ، والعامِلُ في إذْ مَحْذُوفٌ، أيْ ﴿وإذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ﴾، ظَهَرَ عِنادُهم. وقَوْلُهُ: (فَسَيَقُولُونَ)، مُسَبَّبٌ عَنْ ذَلِكَ الجَوابِ المَحْذُوفِ، لِأنَّ هَذا القَوْلَ هو ناشِئٌ عَنِ العِنادِ، ويَمْتَنِعُ أنْ يَعْمَلَ في إذْ فَسَيَقُولُونَ، لِحَيْلُولَةِ الفاءِ ولِتَعانُدِ زَمانِ إذْ وزَمانِ سَيَقُولُونَ. ﴿إفْكٌ قَدِيمٌ﴾، كَما قالُوا: ﴿أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾، وقِدَمُهُ بِمُرُورِ الأعْصارِ عَلَيْهِ. ولَمّا طَعَنُوا في صِحَّةِ القُرْآنِ، قِيلَ لَهم: إنَّهُ أنْزَلَ اللَّهُ مِن قَبْلِهِ التَّوْراةَ عَلى مُوسى، وأنْتُمْ لا تُنازَعُونَ في ذَلِكَ، فَلا يُنازَعُ في إنْزالِ القُرْآنِ. (إمامًا) أيْ يُهْتَدى بِهِ، إنَّ فِيهِ البِشارَةَ بِمَبْعَثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وإرْسالِهِ، فَيَلْزَمُ اتِّباعُهُ والإيمانُ بِهِ، وانْتَصَبَ إمامًا عَلى الحالِ، والعامِلُ فِيهِ العامِلُ في: (ومِن قَبْلِهِ)، أيْ وكِتابُ مُوسى كانَ مِن قَبْلِ القُرْآنِ في حالِ كَوْنِهِ إمامًا. وقَرَأ الكَلْبِيُّ: كِتابَ مُوسى، نَصَبَ وفَتَحَ مِيمَ مَن عَلى أنَّها مَوْصُولَةٌ، تَقْدِيرُهُ: وآتَيْنا الَّذِي قَبْلَهُ كِتابَ مُوسى. وقِيلَ: انْتَصَبَ إمامًا بِمَحْذُوفٍ، أيْ أنْزَلْناهُ إمامًا، أيْ قُدْوَةً يُؤْتَمُّ بِهِ، (ورَحْمَةً) لِمَن عَمِلَ بِهِ، وهَذا إشارَةٌ إلى القُرْآنِ. ﴿كِتابٌ مُصَدِّقٌ﴾ لَهُ، أيْ لِكِتابِ مُوسى، وهي التَّوْراةُ الَّتِي تَضَمَّنَتْ خَبَرَهُ وخَبَرَ مَن جاءَ بِهِ، وهو الرَّسُولُ. فَجاءَ هو مُصَدِّقًا لِتِلْكَ الأخْبارِ، أوْ مُصَدِّقًا لِلْكُتُبِ الإلَهِيَّةِ. ولِسانًا: حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في ”مُصَدِّقٌ“، والعامِلُ فِيهِ مُصَدِّقٌ، أوْ مِن ”كِتابٌ“، إذْ قَدْ وصَفَ العامِلُ فِيهِ اسْمَ الإشارَةِ. أوْ لِسانًا: حالُ مَوْطِئِهِ، والحالُ في الحَقِيقَةِ هو ”عَرَبِيًّا“، أوْ عَلى حَذْفٍ، أيْ ذا الشَّأْنِ عَرَبِيٌّ، فَيَكُونُ مَفْعُولًا بِـ ”مُصَدِّقٌ“، أيْ هَذا القُرْآنُ مُصَدِّقٌ مَن جاءَ بِهِ وهو الرَّسُولُ، وذَلِكَ بِإعْجازِهِ وأحْوالِهِ البارِعَةِ. وقِيلَ: انْتَصَبَ عَلى إسْقاطِ الخافِضِ، أيْ بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ، وشَيْبَةُ، والأعْرَجُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وابْنُ عامِرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ: لِتُنْذِرَ، بِتاءِ الخِطابِ لِلرَّسُولِ، والأعْمَشُ، وابْنُ كَثِيرٍ أيْضًا، وباقِي السَّبْعَةِ: بِياءِ الغَيْبَةِ، أيْ لِيُنْذِرَنا القُرْآنُ والَّذِينَ ظَلَمُوا: الكُفّارُ عُبّادُ الأصْنامِ، حَيْثُ وضَعُوا العِبادَةَ في غَيْرِ مَن يَسْتَحِقُّهُ. ﴿وبُشْرى﴾، قِيلَ: مَعْطُوفٌ عَلى ”مُصَدِّقٌ“، فَهو في مَوْضِعِ رَفْعٍ، أوْ عَلى إضْمارِ هو. وقِيلَ: مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ مَعْطُوفٍ عَلى لِيُنْذِرَ، أيْ: ويُبَشِّرَ بُشْرى. وقِيلَ: مَنصُوبٌ عَلى إسْقاطِ الخافِضِ، أيْ ولِبُشْرى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وتَبِعَهُ أبُو البَقاءِ: وبُشْرى في مَحَلِّ النَّصْبِ، مَعْطُوفٌ عَلى مَحَلِّ لِيُنْذِرَ، لِأنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ. انْتَهى. وهَذا لا يَجُوزُ عَلى الصَّحِيحِ مِن مَذْهَبِ النَّحْوِيِّينَ، لِأنَّهم يَشْتَرِطُونَ في الحَمْلِ عَلى المَحَلِّ أنْ يَكُونَ المَحَلُّ بِحَقِّ الأصالَةِ، وأنْ يَكُونَ لِلْمَوْضِعِ مَحْرَزٌ. والمَحَلُّ هُنا لَيْسَ بِحَقِّ الأصالَةِ، لِأنَّ الأصْلَ هو الجَرُّ في المَفْعُولِ (p-٦٠)لَهُ، وإنَّما النَّصْبُ ناشِئٌ عَنْ إسْقاطِ الخافِضِ، لَكِنَّهُ لَمّا كَثُرَ بِالشُّرُوطِ المَذْكُورَةِ في النَّحْوِ، وصَلَ إلَيْهِ الفِعْلُ فَنَصَبَهُ. ولَمّا عَبَّرَ عَنِ الكُفّارِ بِالَّذِينَ ظَلَمُوا، عَبَّرَ عَنِ المُؤْمِنِينَ بِالمُحْسِنِينَ، لِيُقابِلَ بِلَفْظِ الإحْسانِ لَفْظَ الظُّلْمِ. ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظِيرِ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ فُصِّلَتْ. ولَمّا ذَكَرَ: ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾، قالَ: (ووَصَّيْنا)، إذْ كانَ بِرُّ الوالِدَيْنِ ثانِيًا أفْضَلَ الأعْمالِ، إذْ في الصَّحِيحِ: «أيُّ الأعْمالِ أفْضَلُ ؟ فَقالَ الصَّلاةُ عَلى مِيقاتِها قالَ: ثُمَّ أيُّ ؟ قالَ: ثُمَّ بِرُّ الوالِدَيْنِ»، وإنْ كانَ عُقُوقُهُما ثانِيَ أكْبَرِ الكَبائِرِ، إذْ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «ألا أُنَبِّئُكم ؟ بِأكْبَرِ الكَبائِرِ ؟ الإشْراكُ بِاللَّهِ وعُقُوقُ الوالِدَيْنِ»، والوارِدُ في بَرِّهِما كَثِيرٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: حُسْنًا، بِضَمِّ الحاءِ وإسْكانِ السِّينِ، وعَلِيٌّ، والسُّلَمِيُّ، وعِيسى: بِفَتْحِهِما، وعَنْ عِيسى: بِضَمِّهِما، والكُوفِيُّونَ: إحْسانًا، فَقِيلَ: ضَمَّنَ ووَصَّيْنا مَعْنى ألْزَمْنا، فَيَتَعَدّى لِاثْنَيْنِ، فانْتَصَبَ حُسْنًا وإحْسانًا عَلى المَفْعُولِ الثّانِي لِوَصَّيْنا. وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: إيصاءٌ ذا حُسْنٍ، أوْ ذا إحْسانٍ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حُسْنًا بِمَعْنى إحْسانٍ، فَيَكُونَ مَفْعُولًا لَهُ، أيْ ووَصَّيْناهُ بِهِما لِإحْسانِنا إلَيْهِما، فَيَكُونَ الإحْسانُ مِنَ اللَّهِ تَعالى. وقِيلَ: النَّصْبُ عَلى المَصْدَرِ عَلى تَضْمِينِ وصَّيْنا مَعْنى أحْسَنّا بِالوَصِيَّةِ لِلْإنْسانِ بِوالِدَيْهِ إحْسانًا. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ونَصْبُ هَذا يَعْنِي إحْسانًا عَلى المَصْدَرِ الصَّرِيحِ والمَفْعُولِ الثّانِي في المَجْرُورِ، والباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِوَصَّيْنا، أوْ بِقَوْلِهِ: إحْسانًا. انْتَهى. ولا يَصِحُّ أنْ يَتَعَلَّقَ بِإحْسانًا، لِأنَّهُ مُصَدَّرٌ بِحَرْفٍ مَصْدَرِيٍّ والفِعْلِ، فَلا يَتَقَدَّمُ مَعْمُولُهُ عَلَيْهِ، ولِأنَّ أحْسَنَ لا يَتَعَدّى بِالباءِ، إنَّما يَتَعَدّى بِاللّامِ، تَقُولُ: أحْسَنْتُ لِزَيْدٍ، ولا تَقُولُ: أحْسَنْتُ بِزَيْدٍ، عَلى مَعْنى أنَّ الإحْسانَ يَصِلُ إلَيْهِ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ﴿ووَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ [العنكبوت: ٨] في سُورَةِ العَنْكَبُوتِ، وانْجَرَّ هُنا بِالكَلامِ عَلى ذَلِكَ مَزِيدًا لِلْفائِدَةِ. ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا﴾: لَيْسَ الكُرْهُ في أوَّلِ عُلُوقِها، بَلْ في ثانِي اسْتِمْرارِ الحَمْلِ، إذْ لا تَدْبِيرَ لَها في حَمْلِهِ ولا تَرْكِهِ. انْتَهى. ولا يَلْحَقُها كُرْهٌ إذْ ذاكَ، فَهَذا احْتِمالٌ بَعِيدٌ. وقالَ مُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ: المَعْنى حَمَلَتْهُ مَشَقَّةً، ووَضَعَتْهُ مَشَقَّةً. وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِضَمِّ الكافِ، وشَيْبَةُ، وأبُو جَعْفَرٍ، والأعْرَجُ، والحَرَمِيّانِ، وأبُو عَمْرٍو: بِالفَتْحِ، وبِهِما مَعًا: أبُو رَجاءٍ، ومُجاهِدٌ، وعِيسى، والضَّمُّ والفَتْحُ لُغَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ، كالعَقْرِ والعُقْرِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: بِالضَّمِّ المَشَقَّةُ، وبِالفَتْحِ الغَلَبَةُ والقَهْرُ، وضَعَّفُوا قِراءَةَ الفَتْحِ. وقالَ بَعْضُهم: لَوْ كانَ بِالفَتْحِ، لَرَمَتْ بِهِ عَنْ نَفْسِها إذْ مَعْناهُ: القَهْرُ والغَلَبَةُ. انْتَهى. وهَذا لَيْسَ بِشَيْءٍ، إذْ قِراءَةُ الفَتْحِ في السَّبْعَةِ المُتَواتِرَةِ. وقالَ أبُو حاتِمٍ: القِراءَةُ بِفَتْحِ الكافِ لا تَحْسُنُ، لِأنَّ الكَرْهَ، بِالفَتْحِ، النَّصَبُ والغَلَبَةُ. انْتَهى. وكانَ أبُو حاتِمٍ يَطْعَنُ في بَعْضِ القُرْآنِ بِما لا عِلْمَ لَهُ بِهِ جَسارَةً مِنهُ، عَفا اللَّهُ عَنْهُ، وانْتِصابُهُما عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ الفاعِلِ، أيْ حَمَلَتْهُ ذاتَ كُرْهٍ، أوْ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ حَمْلًا ذا كُرْهٍ. ﴿وحَمْلُهُ وفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾: أيْ ومُدَّةُ حَمْلِهِ وفِصالِهِ، وهَذا لا يَكُونُ إلّا بِأنْ يَكُونَ أحَدُ الطَّرَفَيْنِ ناقِصًا، إمّا بِأنْ تَلِدَ المَرْأةُ لِسِتَّةِ أشْهُرٍ وتُرْضِعَ عامَيْنِ، وإمّا أنْ تَلِدَ لِتِسْعَةِ أشْهُرٍ عَلى العُرْفِ وتُرْضِعَ عامَيْنِ غَيْرَ رُبْعِ عامٍ. فَإنْ زادَتْ مُدَّةُ الحَمْلِ، نَقَصَتْ مُدَّةُ الرَّضاعِ. فَمُدَّةُ الرَّضاعِ عامٌ وتِسْعَةُ أشْهُرٍ، وإكْمالُ العامَيْنِ لِمَن أرادَ أنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ. وقَدْ كَشَفَتِ التَّجْرِبَةُ أنَّ أقَلَّ مُدَّةِ الحَمْلِ سِتَّةُ أشْهُرٍ، كَنَصِّ القُرْآنِ. وقالَ جالِينُوسُ: كُنْتُ شَدِيدَ الفَحْصِ عَنْ مُقَدَّرِ زَمَنِ الحَمْلِ، فَرَأيْتُ امْرَأةً ولَدَتْ لِمِائَةٍ وأرْبَعٍ وثَمانِينَ لَيْلَةً. وزَعَمَ ابْنُ سِينا أنَّهُ شاهَدَ ذَلِكَ، وأمّا أكْثَرُ الحَمْلِ فَلَيْسَ في القُرْآنِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ. قالَ ابْنُ سِينا في الشِّفاءِ: بَلَغَنِي مِن جِهَةِ مَن أثِقُ بِهِ كُلَّ الثِّقَةِ، أنَّ امْرَأةً وضَعَتْ بَعْدَ الرّابِعِ مِن سِنِي الحَمْلِ، ولَدَتْ ولَدًا نَبَتَتْ أسْنانُهُ. وحُكِيَ عَنْ أرِسْطاطالِيسَ أنَّهُ قالَ: إنَّ مُدَّةَ الحَمْلِ لِكُلِّ الحَيَوانِ مَضْبُوطَةٌ سِوى الإنْسانِ، فَرُبَّما وضَعَتْ لِسَبْعَةِ أشْهُرٍ، ولِثَمانِيَةٍ، وقَلَّ ما يَعِيشُ الوَلَدُ في الثّامِنِ، إلّا في بِلادٍ مُعَيَّنَةٍ مِثْلَ مِصْرَ. انْتَهى. وعَبَّرَ عَنِ الرَّضاعِ بِالفِصالِ، لَمّا كانَ الرَّضاعُ يَلِي الفِصالَ (p-٦١)ويُلابِسُهُ، لِأنَّهُ يَنْتَهِي بِهِ ويَتِمُّ، سُمِّيَ بِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: وفِصالُهُ، وهو مَصْدَرُ فاصَلَ، كَأنَّهُ مِنِ اثْنَيْنِ: فاصَلَ أُمَّهُ وفاصَلَتْهُ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، والجَحْدَرِيُّ: وفَصْلُهُ، قِيلَ: والفَصْلُ والفِصالُ مَصْدَرانِ، كالفَطْمِ والفِطامِ. وهُنا لَطِيفَةٌ: ذَكَرَ تَعالى الأُمَّ في ثَلاثَةِ مَراتِبَ في قَوْلِهِ: بِوالِدَيْهِ. وحَمْلُهُ وإرْضاعُهُ المُعَبَّرُ عَنْهُ بِالفِصالِ، وذَكَرَ الوالِدَ في واحِدَةٍ في قَوْلِهِ: بِوالِدَيْهِ، فَناسَبَ ما قالَ الرَّسُولُ مِن جَعْلِ ثَلاثَةِ أرْباعِ البِرِّ لِلْأُمِّ والرُّبُعِ لِلْأبِ «فِي قَوْلِ الرَّجُلِ: ”يا رَسُولَ اللَّهِ، مَن أبَرُّ ؟ قالَ: أُمَّكَ، قالَ: ثُمَّ مَن ؟ قالَ: أُمَّكَ، قالَ: ثُمَّ مَن ؟ قالَ: أُمَّكَ، قالَ: ثُمَّ مَن ؟ قالَ: أباكَ“» . ﴿حَتّى إذا بَلَغَ أشُدَّهُ﴾ في الكَلامِ حَذْفٌ تَكُونُ: حَتّى غايَةً لَهُ، تَقْدِيرُهُ: فَعاشَ بَعْدَ ذَلِكَ، أوِ اسْتَمَرَّتْ حَياتُهُ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في ﴿بَلَغَ أشُدَّهُ﴾ في سُورَةِ يُوسُفَ. والظّاهِرُ ضَعْفُ قَوْلِ مَن قالَ: بُلُوغُ الأشُدِّ أرْبَعُونَ، لِعَطْفِ ﴿وبَلَغَ أرْبَعِينَ سَنَةً﴾ . والعَطْفُ يَقْتَضِي التَّغايُرَ، إلّا إنِ ادُّعِيَ أنَّ ذَلِكَ تَوْكِيدٌ لِبُلُوغِ الأشُدِّ فَيُمْكِنُ، والتَّأْسِيسُ أوْلى مِنَ التَّأْكِيدِ، وبُلُوغُ الأرْبَعِينَ اكْتِمالُ العَقْلِ لِظُهُورِ الفَلاحِ. قِيلَ: ولَمْ يُبْعَثْ نَبِيٌّ إلّا بَعْدَ الأرْبَعِينَ. وفي الحَدِيثِ: «إنَّ الشَّيْطانَ يَجُرُّ يَدَهُ عَلى وجْهِ مَن زادَ عَلى الأرْبَعِينَ ولَمْ يَتُبْ ويَقُولُ: بِأبِي وجْهٌ لا يُفْلِحُ» . ﴿قالَ رَبِّ أوْزِعْنِي أنْ أشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أنْعَمْتَ عَلَيَّ وعَلى والِدَيَّ وأنْ أعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ﴾: وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذا في سُورَةِ النَّمْلِ. ﴿وأصْلِحْ لِي في ذُرِّيَّتِي﴾: سَألَ أنْ يَجْعَلَ ذُرِّيَّتَهُ مَوْقِعًا لِلصَّلاحِ ومَظِنَّةً لَهُ، كَأنَّهُ قالَ: هَبْ لِيَ الصَّلاحَ في ذُرِّيَّتِي، فَأوْقَعَهُ فِيهِمْ، أوْ ضَمَّنَ: وأصْلِحْ لِي مَعْنى: والطُفْ بِي في ذُرِّيَّتِي، لِأنَّ أصْلِحْ يَقْتَدِي بِنَفْسِهِ لِقَوْلِهِ: ﴿وأصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ﴾ [الأنبياء: ٩٠]، فَلِذَلِكَ احْتِيجَ قَوْلُهُ: ﴿فِي ذُرِّيَّتِي﴾ إلى التَّأْوِيلِ. قِيلَ: نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وتَتَناوَلُ مَن بَعْدَهُ، وهو مُشْكِلٌ، لِأنَّها نَزَلَتْ بِمَكَّةَ، وأبُوهُ أسْلَمَ عامَ الفَتْحِ. ولِقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهم أحْسَنَ ما عَمِلُوا﴾: فَلَمْ يُقْصَدْ بِذَلِكَ أبُو بَكْرٍ ولا غَيْرُهُ. والمُرادُ بِالإنْسانِ الجِنْسُ، ولِذَلِكَ أشارَ بِقَوْلِهِ: (أُولَئِكَ) جَمْعًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”يُتَقَبَّلُ“ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، ”أحْسَنُ“ رَفْعًا، وكَذا ويُتَجاوَزُ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ، وأبُو جَعْفَرٍ، والأعْمَشُ: بِخِلافٍ عَنْهُ. وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ: نَتَقَبَّلُ أحْسَنَ نَصْبًا، ونَتَجاوَزُ بِالنُّونِ فِيهِما، والحَسَنُ، والأعْمَشُ، وعِيسى: بِالياءِ فِيهِما مَفْتُوحَةً ونَصْبِ أحْسَنَ. ﴿فِي أصْحابِ الجَنَّةِ﴾، قِيلَ: في بِمَعْنى مَعَ، وقِيلَ: هو نَحْوُ قَوْلِكَ: أكْرَمَنِي الأمِيرُ في ناسٍ مِن أصْحابِهِ، يُرِيدُ في جُمْلَةِ مَن أكْرَمَ مِنهم، ومَحَلُّهُ النَّصْبُ عَلى الحالِ عَلى مَعْنى كائِنِينَ في أصْحابِ الجَنَّةِ. وانْتَصَبَ ﴿وعْدَ الصِّدْقِ﴾ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ﴾، وعْدٌ مِنهُ تَعالى بِالتَّقَبُّلِ والتَّجاوُزِ، لَمّا ذَكَرَ الإنْسانَ البارَّ بِوالِدَيْهِ وما آلَ إلَيْهِ مِنَ الخَيْرِ، ذَكَرَ العاقَّ بِوالِدَيْهِ وما آلَ إلَيْهِ مِنَ الشَّرِّ. والمُرادُ بِالَّذِي: الجِنْسُ، ولِذَلِكَ جاءَ الخَبَرُ مَجْمُوعًا في قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ﴾ . وقالَ الحَسَنُ: هو الكافِرُ العاقُّ بِوالِدَيْهِ المُنْكِرُ البَعْثَ. وقَوْلُ مَرْوانَ بْنِ الحَكَمِ، واتَّبَعَهُ قَتادَةُ: إنَّها نَزَلَتْ في عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، قَوْلٌ خَطَأٌ ناشِئٌ عَنْ جَوْرٍ، حِينَ دَعا مَرْوانُ، وهو أمِيرُ المَدِينَةِ، إلى مُبايَعَةِ يَزِيدَ، فَقالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: جَعَلْتُمُوها هِرَقْلِيَّةً ؟ كُلَّما ماتَ هِرَقْلُ ولِيَ ابْنُهُ، وكُلَّما ماتَ قَيْصَرُ ولِيَ ابْنُهُ ؟ فَقالَ مَرْوانُ: خُذُوهُ، فَدَخَلَ بَيْتَ أُخْتِهِ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها، وقَدْ أنْكَرَتْ ذَلِكَ عائِشَةُ فَقالَتْ، وهي المَصْدُوقَةُ: لَمْ يَنْزِلْ في آلِ أبِي بَكْرٍ مِنَ القُرْآنِ غَيْرُ بَراءَتِي، وقالَتْ: واللَّهِ ما هو بِهِ، ولَوْ شِئْتُ أنْ أُسَمِّيَهُ لَسَمَّيْتُهُ. وصَدَّتْ مَرْوانَ وقالَتْ: ولَكِنَّ اللَّهَ لَعَنَ أباكَ وأنْتَ في صُلْبِهِ، فَأنْتَ فَضَضٌ مِن لَعْنَةِ اللَّهِ. ويَدُلُّ عَلى فَسادِ هَذا القَوْلِ أنَّهُ قالَ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ﴾، وهَذِهِ صِفاتُ الكُفّارِ أهْلِ النّارِ، وكانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ مِن أفاضِلِ الصَّحابَةِ وسَراتِهِمْ وأبْطالِهِمْ، ومِمَّنْ لَهُ في الإسْلامِ غَناءٌ يَوْمَ اليَمامَةِ وغَيْرِهِ. ﴿أُفٍّ لَكُما﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى أُفٍّ مَدْلُولًا ولُغاتٍ وقِراءَةً في سُورَةِ الإسْراءِ، واللّامُ في لَكُما لِلْبَيانِ، أيْ لَكُما، أعْنِي التَّأْفِيفَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿أتَعِدانِنِي﴾، بِنُونَيْنِ، (p-٦٢)الأُولى مَكْسُورَةٌ، والحَسَنُ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وفي رِوايَةٍ، وهِشامٌ: بِإدْغامِ نُونِ الرَّفْعِ في نُونِ الوِقايَةِ. وقَرَأ نافِعٌ في رِوايَةٍ، وجَماعَةٌ: بِنُونٍ واحِدَةٍ. وقَرَأ الحَسَنُ، وشَيْبَةُ، وأبُو جَعْفَرٍ: بِخِلافٍ عَنْهُ، وعَبْدُ الوارِثِ، عَنْ أبِي عَمْرٍو. وهارُونُ بْنُ مُوسى، عَنِ الجَحْدَرِيِّ، وسامٌ عَنْ هِشامٍ: بِفَتْحِ النُّونِ الأُولى، كَأنَّهم فَرُّوا مِنَ الكَسْرَتَيْنِ والياءِ إلى الفَتْحِ طَلَبًا لِلتَّخْفِيفِ فَفَتَحُوا، كَما فَرَّ مَن أدْغَمَ ومَن حَذَفَ. وقالَ أبُو حاتِمٍ: فَتْحُ النُّونِ باطِلٌ غَلَطٌ. (أنْ أُخْرَجَ): أيْ أُخْرَجَ مِن قَبْرِي لِلْبَعْثِ والحِسابِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: أنْ أُخْرَجَ، مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، والحَسَنُ، وابْنُ يَعْمُرَ، والأعْمَشُ، وابْنُ مُصَرِّفٍ، والضَّحّاكُ: مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. ﴿وقَدْ خَلَتِ القُرُونُ مِن قَبْلِي﴾: أيْ مَضَتْ، ولَمْ يُخْرَجْ مِنهم أحَدٌ ولا بُعِثَ. وقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: ﴿وقَدْ خَلَتِ القُرُونُ مِن قَبْلِي﴾ مُكَذِّبَةً بِالبَعْثِ. ﴿وهُما يَسْتَغِيثانِ اللَّهَ﴾، يُقالُ: اسْتَغَثْتُ اللَّهَ واسْتَغَثْتُ بِاللَّهِ، والِاسْتِعْمالانِ في لِسانِ العَرَبِ. وقَدْ رَدَدْنا عَلى ابْنِ مالِكٍ إنْكارَ تَعْدِيَتِهِ بِالباءِ، وذَكَرْنا شَواهِدَ عَلى ذَلِكَ في الأنْفالِ، أيْ يَقُولانِ: الغِياثُ بِاللَّهِ مِنكَ ومِن قَوْلِكَ، وهو اسْتِعْظامٌ لِقَوْلِهِ. ﴿ويْلَكَ﴾: دُعاءٌ عَلَيْهِ بِالثُّبُورِ، والمُرادُ بِهِ الحَثُّ والتَّحْرِيضُ عَلى الإيمانِ لا حَقِيقَةُ الهَلاكِ. وقِيلَ: ويْلَكَ لِمَن يُحَقِّرُ ويُحَرِّكُ لِأمْرٍ يَسْتَعْجِلُ إلَيْهِ. وقَرَأ الأعْرَجُ، وعَمْرُو بْنُ فائِدَةَ: (أنَّ وعْدَ اللَّهِ)، بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، أيْ: آمِن بِأنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ، والجُمْهُورُ بِكَسْرِها، ﴿فَيَقُولُ ما هَذا﴾: أيْ ما هَذا الَّذِي يَقُولُ ؟ أيْ مِنَ الوَعْدِ بِالبَعْثِ مِنَ القُبُورِ إلّا شَيْءٌ سَطَّرَهُ الأوَّلُونَ في كُتُبِهِمْ، ولا حَقِيقَةَ لَهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وظاهِرُ ألْفاظِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّها نَزَلَتْ في مُشارٍ إلَيْهِ قالَ وقِيلَ لَهُ، فَنَفى اللَّهُ أقْوالَهُ تَحْذِيرًا مِنَ الوُقُوعِ في مِثْلِها. وقَوْلُهُ: (أُولَئِكَ)، ظاهِرُهُ أنَّهُ إشارَةٌ إلى جِنْسٍ يَتَضَمَّنُهُ قَوْلُهُ: ﴿والَّذِي قالَ﴾، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الآيَةُ في مُشارٍ إلَيْهِ، ويَكُونُ قَوْلُهُ في أُولَئِكَ بِمَعْنى صِنْفِ هَذا المَذْكُورِ وجِنْسِهِ هم: ﴿الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ﴾ أيْ قَوْلُ اللَّهِ أنَّهُ يُعَذِّبُهم (في أُمَمٍ)، أيْ جُمْلَةِ: ﴿أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ﴾، يَقْتَضِي أنَّ الجِنَّ يَمُوتُونَ قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ كالإنْسِ. وقالَ الحَسَنُ في بَعْضِ مَجالِسِهِ: الجِنُّ لا يَمُوتُونَ، فاعْتَرَضَهُ قَتادَةُ بِهَذِهِ الآيَةِ فَسَكَتَ. وقَرَأ العَبّاسُ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: أنَّهم كانُوا، بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، والجُمْهُورُ بِالكَسْرِ. (ولِكُلٍّ): أيْ مِنَ المُحْسِنِ والمُسِيءِ، (دَرَجاتٌ) غَلَبَ دَرَجاتٌ، إذِ الجَنَّةُ دَرَجاتٌ والنّارُ دَرَكاتٌ، والمَعْنى: مَنازِلُ ومَراتِبُ مِن جَزاءِ ما عَمِلُوا مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ، ومِن أجْلِ ما عَمِلُوا مِنها. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: دَرَجاتُ المُحْسِنِينَ تَذْهَبُ عُلُوًّا، ودَرَجاتُ المُسِيئِينَ تَذْهَبُ سُفْلًا. انْتَهى. والمُعَلِّلُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: ولِيُوَفِّيَهم أعْمالَهم قَدْرَ جَزائِهِمْ، فَجُعِلَ الثَّوابُ دَرَجاتٍ والعِقابُ دَرَكاتٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ولِيُوَفِّيَهم بِالياءِ، أيِ اللَّهُ تَعالى، والأعْمَشُ والأعْرَجُ وشَيْبَةُ وأبُو جَعْفَرٍ والأخَوانِ وابْنُ ذَكْوانَ ونافِعٌ: بِخِلافٍ عَنْهُ بِالنُّونِ، والسُّلَمِيُّ: بِالتّاءِ مِن فَوْقٍ، أيْ ولِنُوَفِّيَهُمُ الدَّرَجاتِ، أسْنَدَ التَّوْفِيَةَ إلَيْها مَجازًا.