Al-Bahr Al-Muhit — الأحقاف 46:13 – الأحقاف 46:35
المحتويات
الأحقاف 46:13
﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ وإذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذا إفْكٌ قَدِيمٌ﴾ ﴿ومِن قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إمامًا ورَحْمَةً وهَذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ لِسانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وبُشْرى لِلْمُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿ووَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ إحْسانًا﴾ ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا ووَضَعَتْهُ كُرْهًا وحَمْلُهُ وفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا حَتّى إذا بَلَغَ أشُدَّهُ وبَلَغَ أرْبَعِينَ سَنَةً قالَ رَبِّ أوْزِعْنِي أنْ أشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أنْعَمْتَ عَلَيَّ وعَلى والِدَيَّ وأنْ أعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ وأصْلِحْ لِي في ذُرِّيَّتِي إنِّي تُبْتُ إلَيْكَ وإنِّي مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهم أحْسَنَ ما عَمِلُوا ونَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ في أصْحابِ الجَنَّةِ وعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ﴾ ﴿والَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما أتَعِدانِنِي أنْ أُخْرَجَ وقَدْ خَلَتِ القُرُونُ مِن قَبْلِي وهُما يَسْتَغِيثانِ اللَّهَ ويْلَكَ آمِن إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ ما هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ في أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ إنَّهم كانُوا خاسِرِينَ﴾ ﴿ولِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا ولِيُوَفِّيَهم أعْمالَهم وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ .
(p-٥٩)قالَ قَتادَةُ: هي مَقالَةُ كُفّارِ قُرَيْشٍ لِلَّذِينَ آمَنُوا: أيْ لِأجْلِ الَّذِينَ آمَنُوا: واللّامُ لِلتَّبْلِيغِ. ثُمَّ انْتَقَلُوا إلى الغَيْبَةِ في قَوْلِهِمْ: ﴿ما سَبَقُونا﴾، ولَوْ لَمْ يَنْتَقِلُوا لَكانَ الكَلامُ ما سُبِقْتُمْ إلَيْهِ. ولَمّا سَمِعُوا أنَّ جَماعَةً آمَنُوا خاطَبُوا جَماعَةً مِنَ المُؤْمِنِينَ، أيْ قالُوا: ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ﴾: أُولَئِكَ الَّذِينَ بَلَغَنا إيمانُهم يُرِيدُونَ عَمّارًا وصُهَيْبًا وبِلالًا ونَحْوَهم مِمَّنْ أسْلَمَ وآمَنَ بِالنَّبِيِّ ﷺ . وقالَ الكَلْبِيُّ والزَّجّاجُ: هي مَقالَةُ كِنانَةَ وعامِرٍ وسائِرِ قَبائِلِ العَرَبِ المُجاوِرَةِ. قالَتْ ذَلِكَ حِينَ أسْلَمَتْ غِفارٌ ومُزَيْنَةُ وجُهَيْنَةُ، أيْ لَوْ كانَ هَذا الدِّينُ خَيْرًا، ما سَبَقَنا إلَيْهِ الرُّعاةُ. وقالَ الثَّعْلَبِيُّ: هي مَقالَةُ اليَهُودِ حِينَ أسْلَمَ ابْنُ سَلامٍ وغَيْرُهُ مِنهم. وقالَ أبُو المُتَوَكِّلِ: أسْلَمَ أبُو ذَرٍّ، ثُمَّ أسْلَمَتْ غِفارٌ، فَقالَتْ قُرَيْشٌ ذَلِكَ. وقِيلَ: أسْلَمَتْ أمَةٌ لِعُمَرَ، فَكانَ يَضْرِبُها، حَتّى يَفْتُرَ ويَقُولَ: لَوْلا أنِّي فَتَرْتُ لَزِدْتُكِ ضَرْبًا فَقالَ كُفّارُ قُرَيْشٍ: لَوْ كانَ ما يَدْعُو إلَيْهِ مُحَمَّدٌ حَقًّا، ما سَبَقَتْنا إلَيْهِ فُلانَةُ. والظّاهِرُ أنَّ اسْمَ كانَ هو القُرْآنُ، وعَلَيْهِ يَعُودُ بِهِ ويُؤَيِّدُهُ، ومِن قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى. وقِيلَ: بِهِ عائِدٌ عَلى الرَّسُولِ، والعامِلُ في إذْ مَحْذُوفٌ، أيْ ﴿وإذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ﴾، ظَهَرَ عِنادُهم. وقَوْلُهُ: (فَسَيَقُولُونَ)، مُسَبَّبٌ عَنْ ذَلِكَ الجَوابِ المَحْذُوفِ، لِأنَّ هَذا القَوْلَ هو ناشِئٌ عَنِ العِنادِ، ويَمْتَنِعُ أنْ يَعْمَلَ في إذْ فَسَيَقُولُونَ، لِحَيْلُولَةِ الفاءِ ولِتَعانُدِ زَمانِ إذْ وزَمانِ سَيَقُولُونَ.
﴿إفْكٌ قَدِيمٌ﴾، كَما قالُوا: ﴿أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾، وقِدَمُهُ بِمُرُورِ الأعْصارِ عَلَيْهِ.
ولَمّا طَعَنُوا في صِحَّةِ القُرْآنِ، قِيلَ لَهم: إنَّهُ أنْزَلَ اللَّهُ مِن قَبْلِهِ التَّوْراةَ عَلى مُوسى، وأنْتُمْ لا تُنازَعُونَ في ذَلِكَ، فَلا يُنازَعُ في إنْزالِ القُرْآنِ. (إمامًا) أيْ يُهْتَدى بِهِ، إنَّ فِيهِ البِشارَةَ بِمَبْعَثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وإرْسالِهِ، فَيَلْزَمُ اتِّباعُهُ والإيمانُ بِهِ، وانْتَصَبَ إمامًا عَلى الحالِ، والعامِلُ فِيهِ العامِلُ في: (ومِن قَبْلِهِ)، أيْ وكِتابُ مُوسى كانَ مِن قَبْلِ القُرْآنِ في حالِ كَوْنِهِ إمامًا. وقَرَأ الكَلْبِيُّ: كِتابَ مُوسى، نَصَبَ وفَتَحَ مِيمَ مَن عَلى أنَّها مَوْصُولَةٌ، تَقْدِيرُهُ: وآتَيْنا الَّذِي قَبْلَهُ كِتابَ مُوسى. وقِيلَ: انْتَصَبَ إمامًا بِمَحْذُوفٍ، أيْ أنْزَلْناهُ إمامًا، أيْ قُدْوَةً يُؤْتَمُّ بِهِ، (ورَحْمَةً) لِمَن عَمِلَ بِهِ، وهَذا إشارَةٌ إلى القُرْآنِ.
﴿كِتابٌ مُصَدِّقٌ﴾ لَهُ، أيْ لِكِتابِ مُوسى، وهي التَّوْراةُ الَّتِي تَضَمَّنَتْ خَبَرَهُ وخَبَرَ مَن جاءَ بِهِ، وهو الرَّسُولُ. فَجاءَ هو مُصَدِّقًا لِتِلْكَ الأخْبارِ، أوْ مُصَدِّقًا لِلْكُتُبِ الإلَهِيَّةِ. ولِسانًا: حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في ”مُصَدِّقٌ“، والعامِلُ فِيهِ مُصَدِّقٌ، أوْ مِن ”كِتابٌ“، إذْ قَدْ وصَفَ العامِلُ فِيهِ اسْمَ الإشارَةِ. أوْ لِسانًا: حالُ مَوْطِئِهِ، والحالُ في الحَقِيقَةِ هو ”عَرَبِيًّا“، أوْ عَلى حَذْفٍ، أيْ ذا الشَّأْنِ عَرَبِيٌّ، فَيَكُونُ مَفْعُولًا بِـ ”مُصَدِّقٌ“، أيْ هَذا القُرْآنُ مُصَدِّقٌ مَن جاءَ بِهِ وهو الرَّسُولُ، وذَلِكَ بِإعْجازِهِ وأحْوالِهِ البارِعَةِ. وقِيلَ: انْتَصَبَ عَلى إسْقاطِ الخافِضِ، أيْ بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ، وشَيْبَةُ، والأعْرَجُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وابْنُ عامِرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ: لِتُنْذِرَ، بِتاءِ الخِطابِ لِلرَّسُولِ، والأعْمَشُ، وابْنُ كَثِيرٍ أيْضًا، وباقِي السَّبْعَةِ: بِياءِ الغَيْبَةِ، أيْ لِيُنْذِرَنا القُرْآنُ والَّذِينَ ظَلَمُوا: الكُفّارُ عُبّادُ الأصْنامِ، حَيْثُ وضَعُوا العِبادَةَ في غَيْرِ مَن يَسْتَحِقُّهُ.
﴿وبُشْرى﴾، قِيلَ: مَعْطُوفٌ عَلى ”مُصَدِّقٌ“، فَهو في مَوْضِعِ رَفْعٍ، أوْ عَلى إضْمارِ هو. وقِيلَ: مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ مَعْطُوفٍ عَلى لِيُنْذِرَ، أيْ: ويُبَشِّرَ بُشْرى. وقِيلَ: مَنصُوبٌ عَلى إسْقاطِ الخافِضِ، أيْ ولِبُشْرى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وتَبِعَهُ أبُو البَقاءِ: وبُشْرى في مَحَلِّ النَّصْبِ، مَعْطُوفٌ عَلى مَحَلِّ لِيُنْذِرَ، لِأنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ. انْتَهى. وهَذا لا يَجُوزُ عَلى الصَّحِيحِ مِن مَذْهَبِ النَّحْوِيِّينَ، لِأنَّهم يَشْتَرِطُونَ في الحَمْلِ عَلى المَحَلِّ أنْ يَكُونَ المَحَلُّ بِحَقِّ الأصالَةِ، وأنْ يَكُونَ لِلْمَوْضِعِ مَحْرَزٌ. والمَحَلُّ هُنا لَيْسَ بِحَقِّ الأصالَةِ، لِأنَّ الأصْلَ هو الجَرُّ في المَفْعُولِ (p-٦٠)لَهُ، وإنَّما النَّصْبُ ناشِئٌ عَنْ إسْقاطِ الخافِضِ، لَكِنَّهُ لَمّا كَثُرَ بِالشُّرُوطِ المَذْكُورَةِ في النَّحْوِ، وصَلَ إلَيْهِ الفِعْلُ فَنَصَبَهُ. ولَمّا عَبَّرَ عَنِ الكُفّارِ بِالَّذِينَ ظَلَمُوا، عَبَّرَ عَنِ المُؤْمِنِينَ بِالمُحْسِنِينَ، لِيُقابِلَ بِلَفْظِ الإحْسانِ لَفْظَ الظُّلْمِ.
﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظِيرِ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ فُصِّلَتْ. ولَمّا ذَكَرَ: ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾، قالَ: (ووَصَّيْنا)، إذْ كانَ بِرُّ الوالِدَيْنِ ثانِيًا أفْضَلَ الأعْمالِ، إذْ في الصَّحِيحِ: «أيُّ الأعْمالِ أفْضَلُ ؟ فَقالَ الصَّلاةُ عَلى مِيقاتِها قالَ: ثُمَّ أيُّ ؟ قالَ: ثُمَّ بِرُّ الوالِدَيْنِ»، وإنْ كانَ عُقُوقُهُما ثانِيَ أكْبَرِ الكَبائِرِ، إذْ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «ألا أُنَبِّئُكم ؟ بِأكْبَرِ الكَبائِرِ ؟ الإشْراكُ بِاللَّهِ وعُقُوقُ الوالِدَيْنِ»، والوارِدُ في بَرِّهِما كَثِيرٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: حُسْنًا، بِضَمِّ الحاءِ وإسْكانِ السِّينِ، وعَلِيٌّ، والسُّلَمِيُّ، وعِيسى: بِفَتْحِهِما، وعَنْ عِيسى: بِضَمِّهِما، والكُوفِيُّونَ: إحْسانًا، فَقِيلَ: ضَمَّنَ ووَصَّيْنا مَعْنى ألْزَمْنا، فَيَتَعَدّى لِاثْنَيْنِ، فانْتَصَبَ حُسْنًا وإحْسانًا عَلى المَفْعُولِ الثّانِي لِوَصَّيْنا. وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: إيصاءٌ ذا حُسْنٍ، أوْ ذا إحْسانٍ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حُسْنًا بِمَعْنى إحْسانٍ، فَيَكُونَ مَفْعُولًا لَهُ، أيْ ووَصَّيْناهُ بِهِما لِإحْسانِنا إلَيْهِما، فَيَكُونَ الإحْسانُ مِنَ اللَّهِ تَعالى. وقِيلَ: النَّصْبُ عَلى المَصْدَرِ عَلى تَضْمِينِ وصَّيْنا مَعْنى أحْسَنّا بِالوَصِيَّةِ لِلْإنْسانِ بِوالِدَيْهِ إحْسانًا. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ونَصْبُ هَذا يَعْنِي إحْسانًا عَلى المَصْدَرِ الصَّرِيحِ والمَفْعُولِ الثّانِي في المَجْرُورِ، والباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِوَصَّيْنا، أوْ بِقَوْلِهِ: إحْسانًا. انْتَهى. ولا يَصِحُّ أنْ يَتَعَلَّقَ بِإحْسانًا، لِأنَّهُ مُصَدَّرٌ بِحَرْفٍ مَصْدَرِيٍّ والفِعْلِ، فَلا يَتَقَدَّمُ مَعْمُولُهُ عَلَيْهِ، ولِأنَّ أحْسَنَ لا يَتَعَدّى بِالباءِ، إنَّما يَتَعَدّى بِاللّامِ، تَقُولُ: أحْسَنْتُ لِزَيْدٍ، ولا تَقُولُ: أحْسَنْتُ بِزَيْدٍ، عَلى مَعْنى أنَّ الإحْسانَ يَصِلُ إلَيْهِ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ﴿ووَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ [العنكبوت: ٨] في سُورَةِ العَنْكَبُوتِ، وانْجَرَّ هُنا بِالكَلامِ عَلى ذَلِكَ مَزِيدًا لِلْفائِدَةِ.
﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا﴾: لَيْسَ الكُرْهُ في أوَّلِ عُلُوقِها، بَلْ في ثانِي اسْتِمْرارِ الحَمْلِ، إذْ لا تَدْبِيرَ لَها في حَمْلِهِ ولا تَرْكِهِ. انْتَهى. ولا يَلْحَقُها كُرْهٌ إذْ ذاكَ، فَهَذا احْتِمالٌ بَعِيدٌ. وقالَ مُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ: المَعْنى حَمَلَتْهُ مَشَقَّةً، ووَضَعَتْهُ مَشَقَّةً. وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِضَمِّ الكافِ، وشَيْبَةُ، وأبُو جَعْفَرٍ، والأعْرَجُ، والحَرَمِيّانِ، وأبُو عَمْرٍو: بِالفَتْحِ، وبِهِما مَعًا: أبُو رَجاءٍ، ومُجاهِدٌ، وعِيسى، والضَّمُّ والفَتْحُ لُغَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ، كالعَقْرِ والعُقْرِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: بِالضَّمِّ المَشَقَّةُ، وبِالفَتْحِ الغَلَبَةُ والقَهْرُ، وضَعَّفُوا قِراءَةَ الفَتْحِ. وقالَ بَعْضُهم: لَوْ كانَ بِالفَتْحِ، لَرَمَتْ بِهِ عَنْ نَفْسِها إذْ مَعْناهُ: القَهْرُ والغَلَبَةُ. انْتَهى. وهَذا لَيْسَ بِشَيْءٍ، إذْ قِراءَةُ الفَتْحِ في السَّبْعَةِ المُتَواتِرَةِ. وقالَ أبُو حاتِمٍ: القِراءَةُ بِفَتْحِ الكافِ لا تَحْسُنُ، لِأنَّ الكَرْهَ، بِالفَتْحِ، النَّصَبُ والغَلَبَةُ. انْتَهى. وكانَ أبُو حاتِمٍ يَطْعَنُ في بَعْضِ القُرْآنِ بِما لا عِلْمَ لَهُ بِهِ جَسارَةً مِنهُ، عَفا اللَّهُ عَنْهُ، وانْتِصابُهُما عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ الفاعِلِ، أيْ حَمَلَتْهُ ذاتَ كُرْهٍ، أوْ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ حَمْلًا ذا كُرْهٍ.
﴿وحَمْلُهُ وفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾: أيْ ومُدَّةُ حَمْلِهِ وفِصالِهِ، وهَذا لا يَكُونُ إلّا بِأنْ يَكُونَ أحَدُ الطَّرَفَيْنِ ناقِصًا، إمّا بِأنْ تَلِدَ المَرْأةُ لِسِتَّةِ أشْهُرٍ وتُرْضِعَ عامَيْنِ، وإمّا أنْ تَلِدَ لِتِسْعَةِ أشْهُرٍ عَلى العُرْفِ وتُرْضِعَ عامَيْنِ غَيْرَ رُبْعِ عامٍ. فَإنْ زادَتْ مُدَّةُ الحَمْلِ، نَقَصَتْ مُدَّةُ الرَّضاعِ. فَمُدَّةُ الرَّضاعِ عامٌ وتِسْعَةُ أشْهُرٍ، وإكْمالُ العامَيْنِ لِمَن أرادَ أنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ. وقَدْ كَشَفَتِ التَّجْرِبَةُ أنَّ أقَلَّ مُدَّةِ الحَمْلِ سِتَّةُ أشْهُرٍ، كَنَصِّ القُرْآنِ. وقالَ جالِينُوسُ: كُنْتُ شَدِيدَ الفَحْصِ عَنْ مُقَدَّرِ زَمَنِ الحَمْلِ، فَرَأيْتُ امْرَأةً ولَدَتْ لِمِائَةٍ وأرْبَعٍ وثَمانِينَ لَيْلَةً. وزَعَمَ ابْنُ سِينا أنَّهُ شاهَدَ ذَلِكَ، وأمّا أكْثَرُ الحَمْلِ فَلَيْسَ في القُرْآنِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ. قالَ ابْنُ سِينا في الشِّفاءِ: بَلَغَنِي مِن جِهَةِ مَن أثِقُ بِهِ كُلَّ الثِّقَةِ، أنَّ امْرَأةً وضَعَتْ بَعْدَ الرّابِعِ مِن سِنِي الحَمْلِ، ولَدَتْ ولَدًا نَبَتَتْ أسْنانُهُ. وحُكِيَ عَنْ أرِسْطاطالِيسَ أنَّهُ قالَ: إنَّ مُدَّةَ الحَمْلِ لِكُلِّ الحَيَوانِ مَضْبُوطَةٌ سِوى الإنْسانِ، فَرُبَّما وضَعَتْ لِسَبْعَةِ أشْهُرٍ، ولِثَمانِيَةٍ، وقَلَّ ما يَعِيشُ الوَلَدُ في الثّامِنِ، إلّا في بِلادٍ مُعَيَّنَةٍ مِثْلَ مِصْرَ. انْتَهى. وعَبَّرَ عَنِ الرَّضاعِ بِالفِصالِ، لَمّا كانَ الرَّضاعُ يَلِي الفِصالَ (p-٦١)ويُلابِسُهُ، لِأنَّهُ يَنْتَهِي بِهِ ويَتِمُّ، سُمِّيَ بِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: وفِصالُهُ، وهو مَصْدَرُ فاصَلَ، كَأنَّهُ مِنِ اثْنَيْنِ: فاصَلَ أُمَّهُ وفاصَلَتْهُ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، والجَحْدَرِيُّ: وفَصْلُهُ، قِيلَ: والفَصْلُ والفِصالُ مَصْدَرانِ، كالفَطْمِ والفِطامِ. وهُنا لَطِيفَةٌ: ذَكَرَ تَعالى الأُمَّ في ثَلاثَةِ مَراتِبَ في قَوْلِهِ: بِوالِدَيْهِ. وحَمْلُهُ وإرْضاعُهُ المُعَبَّرُ عَنْهُ بِالفِصالِ، وذَكَرَ الوالِدَ في واحِدَةٍ في قَوْلِهِ: بِوالِدَيْهِ، فَناسَبَ ما قالَ الرَّسُولُ مِن جَعْلِ ثَلاثَةِ أرْباعِ البِرِّ لِلْأُمِّ والرُّبُعِ لِلْأبِ «فِي قَوْلِ الرَّجُلِ: ”يا رَسُولَ اللَّهِ، مَن أبَرُّ ؟ قالَ: أُمَّكَ، قالَ: ثُمَّ مَن ؟ قالَ: أُمَّكَ، قالَ: ثُمَّ مَن ؟ قالَ: أُمَّكَ، قالَ: ثُمَّ مَن ؟ قالَ: أباكَ“» .
﴿حَتّى إذا بَلَغَ أشُدَّهُ﴾ في الكَلامِ حَذْفٌ تَكُونُ: حَتّى غايَةً لَهُ، تَقْدِيرُهُ: فَعاشَ بَعْدَ ذَلِكَ، أوِ اسْتَمَرَّتْ حَياتُهُ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في ﴿بَلَغَ أشُدَّهُ﴾ في سُورَةِ يُوسُفَ. والظّاهِرُ ضَعْفُ قَوْلِ مَن قالَ: بُلُوغُ الأشُدِّ أرْبَعُونَ، لِعَطْفِ ﴿وبَلَغَ أرْبَعِينَ سَنَةً﴾ . والعَطْفُ يَقْتَضِي التَّغايُرَ، إلّا إنِ ادُّعِيَ أنَّ ذَلِكَ تَوْكِيدٌ لِبُلُوغِ الأشُدِّ فَيُمْكِنُ، والتَّأْسِيسُ أوْلى مِنَ التَّأْكِيدِ، وبُلُوغُ الأرْبَعِينَ اكْتِمالُ العَقْلِ لِظُهُورِ الفَلاحِ. قِيلَ: ولَمْ يُبْعَثْ نَبِيٌّ إلّا بَعْدَ الأرْبَعِينَ. وفي الحَدِيثِ: «إنَّ الشَّيْطانَ يَجُرُّ يَدَهُ عَلى وجْهِ مَن زادَ عَلى الأرْبَعِينَ ولَمْ يَتُبْ ويَقُولُ: بِأبِي وجْهٌ لا يُفْلِحُ» .
﴿قالَ رَبِّ أوْزِعْنِي أنْ أشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أنْعَمْتَ عَلَيَّ وعَلى والِدَيَّ وأنْ أعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ﴾: وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذا في سُورَةِ النَّمْلِ.
﴿وأصْلِحْ لِي في ذُرِّيَّتِي﴾: سَألَ أنْ يَجْعَلَ ذُرِّيَّتَهُ مَوْقِعًا لِلصَّلاحِ ومَظِنَّةً لَهُ، كَأنَّهُ قالَ: هَبْ لِيَ الصَّلاحَ في ذُرِّيَّتِي، فَأوْقَعَهُ فِيهِمْ، أوْ ضَمَّنَ: وأصْلِحْ لِي مَعْنى: والطُفْ بِي في ذُرِّيَّتِي، لِأنَّ أصْلِحْ يَقْتَدِي بِنَفْسِهِ لِقَوْلِهِ: ﴿وأصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ﴾ [الأنبياء: ٩٠]، فَلِذَلِكَ احْتِيجَ قَوْلُهُ: ﴿فِي ذُرِّيَّتِي﴾ إلى التَّأْوِيلِ. قِيلَ: نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وتَتَناوَلُ مَن بَعْدَهُ، وهو مُشْكِلٌ، لِأنَّها نَزَلَتْ بِمَكَّةَ، وأبُوهُ أسْلَمَ عامَ الفَتْحِ. ولِقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهم أحْسَنَ ما عَمِلُوا﴾: فَلَمْ يُقْصَدْ بِذَلِكَ أبُو بَكْرٍ ولا غَيْرُهُ. والمُرادُ بِالإنْسانِ الجِنْسُ، ولِذَلِكَ أشارَ بِقَوْلِهِ: (أُولَئِكَ) جَمْعًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”يُتَقَبَّلُ“ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، ”أحْسَنُ“ رَفْعًا، وكَذا ويُتَجاوَزُ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ، وأبُو جَعْفَرٍ، والأعْمَشُ: بِخِلافٍ عَنْهُ. وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ: نَتَقَبَّلُ أحْسَنَ نَصْبًا، ونَتَجاوَزُ بِالنُّونِ فِيهِما، والحَسَنُ، والأعْمَشُ، وعِيسى: بِالياءِ فِيهِما مَفْتُوحَةً ونَصْبِ أحْسَنَ.
﴿فِي أصْحابِ الجَنَّةِ﴾، قِيلَ: في بِمَعْنى مَعَ، وقِيلَ: هو نَحْوُ قَوْلِكَ: أكْرَمَنِي الأمِيرُ في ناسٍ مِن أصْحابِهِ، يُرِيدُ في جُمْلَةِ مَن أكْرَمَ مِنهم، ومَحَلُّهُ النَّصْبُ عَلى الحالِ عَلى مَعْنى كائِنِينَ في أصْحابِ الجَنَّةِ. وانْتَصَبَ ﴿وعْدَ الصِّدْقِ﴾ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ﴾، وعْدٌ مِنهُ تَعالى بِالتَّقَبُّلِ والتَّجاوُزِ، لَمّا ذَكَرَ الإنْسانَ البارَّ بِوالِدَيْهِ وما آلَ إلَيْهِ مِنَ الخَيْرِ، ذَكَرَ العاقَّ بِوالِدَيْهِ وما آلَ إلَيْهِ مِنَ الشَّرِّ. والمُرادُ بِالَّذِي: الجِنْسُ، ولِذَلِكَ جاءَ الخَبَرُ مَجْمُوعًا في قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ﴾ . وقالَ الحَسَنُ: هو الكافِرُ العاقُّ بِوالِدَيْهِ المُنْكِرُ البَعْثَ. وقَوْلُ مَرْوانَ بْنِ الحَكَمِ، واتَّبَعَهُ قَتادَةُ: إنَّها نَزَلَتْ في عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، قَوْلٌ خَطَأٌ ناشِئٌ عَنْ جَوْرٍ، حِينَ دَعا مَرْوانُ، وهو أمِيرُ المَدِينَةِ، إلى مُبايَعَةِ يَزِيدَ، فَقالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: جَعَلْتُمُوها هِرَقْلِيَّةً ؟ كُلَّما ماتَ هِرَقْلُ ولِيَ ابْنُهُ، وكُلَّما ماتَ قَيْصَرُ ولِيَ ابْنُهُ ؟ فَقالَ مَرْوانُ: خُذُوهُ، فَدَخَلَ بَيْتَ أُخْتِهِ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها، وقَدْ أنْكَرَتْ ذَلِكَ عائِشَةُ فَقالَتْ، وهي المَصْدُوقَةُ: لَمْ يَنْزِلْ في آلِ أبِي بَكْرٍ مِنَ القُرْآنِ غَيْرُ بَراءَتِي، وقالَتْ: واللَّهِ ما هو بِهِ، ولَوْ شِئْتُ أنْ أُسَمِّيَهُ لَسَمَّيْتُهُ. وصَدَّتْ مَرْوانَ وقالَتْ: ولَكِنَّ اللَّهَ لَعَنَ أباكَ وأنْتَ في صُلْبِهِ، فَأنْتَ فَضَضٌ مِن لَعْنَةِ اللَّهِ. ويَدُلُّ عَلى فَسادِ هَذا القَوْلِ أنَّهُ قالَ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ﴾، وهَذِهِ صِفاتُ الكُفّارِ أهْلِ النّارِ، وكانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ مِن أفاضِلِ الصَّحابَةِ وسَراتِهِمْ وأبْطالِهِمْ، ومِمَّنْ لَهُ في الإسْلامِ غَناءٌ يَوْمَ اليَمامَةِ وغَيْرِهِ.
﴿أُفٍّ لَكُما﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى أُفٍّ مَدْلُولًا ولُغاتٍ وقِراءَةً في سُورَةِ الإسْراءِ، واللّامُ في لَكُما لِلْبَيانِ، أيْ لَكُما، أعْنِي التَّأْفِيفَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿أتَعِدانِنِي﴾، بِنُونَيْنِ، (p-٦٢)الأُولى مَكْسُورَةٌ، والحَسَنُ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وفي رِوايَةٍ، وهِشامٌ: بِإدْغامِ نُونِ الرَّفْعِ في نُونِ الوِقايَةِ. وقَرَأ نافِعٌ في رِوايَةٍ، وجَماعَةٌ: بِنُونٍ واحِدَةٍ. وقَرَأ الحَسَنُ، وشَيْبَةُ، وأبُو جَعْفَرٍ: بِخِلافٍ عَنْهُ، وعَبْدُ الوارِثِ، عَنْ أبِي عَمْرٍو. وهارُونُ بْنُ مُوسى، عَنِ الجَحْدَرِيِّ، وسامٌ عَنْ هِشامٍ: بِفَتْحِ النُّونِ الأُولى، كَأنَّهم فَرُّوا مِنَ الكَسْرَتَيْنِ والياءِ إلى الفَتْحِ طَلَبًا لِلتَّخْفِيفِ فَفَتَحُوا، كَما فَرَّ مَن أدْغَمَ ومَن حَذَفَ. وقالَ أبُو حاتِمٍ: فَتْحُ النُّونِ باطِلٌ غَلَطٌ. (أنْ أُخْرَجَ): أيْ أُخْرَجَ مِن قَبْرِي لِلْبَعْثِ والحِسابِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: أنْ أُخْرَجَ، مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، والحَسَنُ، وابْنُ يَعْمُرَ، والأعْمَشُ، وابْنُ مُصَرِّفٍ، والضَّحّاكُ: مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ.
﴿وقَدْ خَلَتِ القُرُونُ مِن قَبْلِي﴾: أيْ مَضَتْ، ولَمْ يُخْرَجْ مِنهم أحَدٌ ولا بُعِثَ. وقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: ﴿وقَدْ خَلَتِ القُرُونُ مِن قَبْلِي﴾ مُكَذِّبَةً بِالبَعْثِ.
﴿وهُما يَسْتَغِيثانِ اللَّهَ﴾، يُقالُ: اسْتَغَثْتُ اللَّهَ واسْتَغَثْتُ بِاللَّهِ، والِاسْتِعْمالانِ في لِسانِ العَرَبِ. وقَدْ رَدَدْنا عَلى ابْنِ مالِكٍ إنْكارَ تَعْدِيَتِهِ بِالباءِ، وذَكَرْنا شَواهِدَ عَلى ذَلِكَ في الأنْفالِ، أيْ يَقُولانِ: الغِياثُ بِاللَّهِ مِنكَ ومِن قَوْلِكَ، وهو اسْتِعْظامٌ لِقَوْلِهِ.
﴿ويْلَكَ﴾: دُعاءٌ عَلَيْهِ بِالثُّبُورِ، والمُرادُ بِهِ الحَثُّ والتَّحْرِيضُ عَلى الإيمانِ لا حَقِيقَةُ الهَلاكِ. وقِيلَ: ويْلَكَ لِمَن يُحَقِّرُ ويُحَرِّكُ لِأمْرٍ يَسْتَعْجِلُ إلَيْهِ. وقَرَأ الأعْرَجُ، وعَمْرُو بْنُ فائِدَةَ: (أنَّ وعْدَ اللَّهِ)، بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، أيْ: آمِن بِأنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ، والجُمْهُورُ بِكَسْرِها، ﴿فَيَقُولُ ما هَذا﴾: أيْ ما هَذا الَّذِي يَقُولُ ؟ أيْ مِنَ الوَعْدِ بِالبَعْثِ مِنَ القُبُورِ إلّا شَيْءٌ سَطَّرَهُ الأوَّلُونَ في كُتُبِهِمْ، ولا حَقِيقَةَ لَهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وظاهِرُ ألْفاظِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّها نَزَلَتْ في مُشارٍ إلَيْهِ قالَ وقِيلَ لَهُ، فَنَفى اللَّهُ أقْوالَهُ تَحْذِيرًا مِنَ الوُقُوعِ في مِثْلِها.
وقَوْلُهُ: (أُولَئِكَ)، ظاهِرُهُ أنَّهُ إشارَةٌ إلى جِنْسٍ يَتَضَمَّنُهُ قَوْلُهُ: ﴿والَّذِي قالَ﴾، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الآيَةُ في مُشارٍ إلَيْهِ، ويَكُونُ قَوْلُهُ في أُولَئِكَ بِمَعْنى صِنْفِ هَذا المَذْكُورِ وجِنْسِهِ هم: ﴿الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ﴾ أيْ قَوْلُ اللَّهِ أنَّهُ يُعَذِّبُهم (في أُمَمٍ)، أيْ جُمْلَةِ: ﴿أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ﴾، يَقْتَضِي أنَّ الجِنَّ يَمُوتُونَ قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ كالإنْسِ. وقالَ الحَسَنُ في بَعْضِ مَجالِسِهِ: الجِنُّ لا يَمُوتُونَ، فاعْتَرَضَهُ قَتادَةُ بِهَذِهِ الآيَةِ فَسَكَتَ. وقَرَأ العَبّاسُ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: أنَّهم كانُوا، بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، والجُمْهُورُ بِالكَسْرِ. (ولِكُلٍّ): أيْ مِنَ المُحْسِنِ والمُسِيءِ، (دَرَجاتٌ) غَلَبَ دَرَجاتٌ، إذِ الجَنَّةُ دَرَجاتٌ والنّارُ دَرَكاتٌ، والمَعْنى: مَنازِلُ ومَراتِبُ مِن جَزاءِ ما عَمِلُوا مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ، ومِن أجْلِ ما عَمِلُوا مِنها. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: دَرَجاتُ المُحْسِنِينَ تَذْهَبُ عُلُوًّا، ودَرَجاتُ المُسِيئِينَ تَذْهَبُ سُفْلًا. انْتَهى. والمُعَلِّلُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: ولِيُوَفِّيَهم أعْمالَهم قَدْرَ جَزائِهِمْ، فَجُعِلَ الثَّوابُ دَرَجاتٍ والعِقابُ دَرَكاتٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ولِيُوَفِّيَهم بِالياءِ، أيِ اللَّهُ تَعالى، والأعْمَشُ والأعْرَجُ وشَيْبَةُ وأبُو جَعْفَرٍ والأخَوانِ وابْنُ ذَكْوانَ ونافِعٌ: بِخِلافٍ عَنْهُ بِالنُّونِ، والسُّلَمِيُّ: بِالتّاءِ مِن فَوْقٍ، أيْ ولِنُوَفِّيَهُمُ الدَّرَجاتِ، أسْنَدَ التَّوْفِيَةَ إلَيْها مَجازًا.
الأحقاف 46:14
﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ وإذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذا إفْكٌ قَدِيمٌ﴾ ﴿ومِن قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إمامًا ورَحْمَةً وهَذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ لِسانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وبُشْرى لِلْمُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿ووَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ إحْسانًا﴾ ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا ووَضَعَتْهُ كُرْهًا وحَمْلُهُ وفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا حَتّى إذا بَلَغَ أشُدَّهُ وبَلَغَ أرْبَعِينَ سَنَةً قالَ رَبِّ أوْزِعْنِي أنْ أشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أنْعَمْتَ عَلَيَّ وعَلى والِدَيَّ وأنْ أعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ وأصْلِحْ لِي في ذُرِّيَّتِي إنِّي تُبْتُ إلَيْكَ وإنِّي مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهم أحْسَنَ ما عَمِلُوا ونَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ في أصْحابِ الجَنَّةِ وعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ﴾ ﴿والَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما أتَعِدانِنِي أنْ أُخْرَجَ وقَدْ خَلَتِ القُرُونُ مِن قَبْلِي وهُما يَسْتَغِيثانِ اللَّهَ ويْلَكَ آمِن إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ ما هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ في أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ إنَّهم كانُوا خاسِرِينَ﴾ ﴿ولِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا ولِيُوَفِّيَهم أعْمالَهم وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ .
(p-٥٩)قالَ قَتادَةُ: هي مَقالَةُ كُفّارِ قُرَيْشٍ لِلَّذِينَ آمَنُوا: أيْ لِأجْلِ الَّذِينَ آمَنُوا: واللّامُ لِلتَّبْلِيغِ. ثُمَّ انْتَقَلُوا إلى الغَيْبَةِ في قَوْلِهِمْ: ﴿ما سَبَقُونا﴾، ولَوْ لَمْ يَنْتَقِلُوا لَكانَ الكَلامُ ما سُبِقْتُمْ إلَيْهِ. ولَمّا سَمِعُوا أنَّ جَماعَةً آمَنُوا خاطَبُوا جَماعَةً مِنَ المُؤْمِنِينَ، أيْ قالُوا: ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ﴾: أُولَئِكَ الَّذِينَ بَلَغَنا إيمانُهم يُرِيدُونَ عَمّارًا وصُهَيْبًا وبِلالًا ونَحْوَهم مِمَّنْ أسْلَمَ وآمَنَ بِالنَّبِيِّ ﷺ . وقالَ الكَلْبِيُّ والزَّجّاجُ: هي مَقالَةُ كِنانَةَ وعامِرٍ وسائِرِ قَبائِلِ العَرَبِ المُجاوِرَةِ. قالَتْ ذَلِكَ حِينَ أسْلَمَتْ غِفارٌ ومُزَيْنَةُ وجُهَيْنَةُ، أيْ لَوْ كانَ هَذا الدِّينُ خَيْرًا، ما سَبَقَنا إلَيْهِ الرُّعاةُ. وقالَ الثَّعْلَبِيُّ: هي مَقالَةُ اليَهُودِ حِينَ أسْلَمَ ابْنُ سَلامٍ وغَيْرُهُ مِنهم. وقالَ أبُو المُتَوَكِّلِ: أسْلَمَ أبُو ذَرٍّ، ثُمَّ أسْلَمَتْ غِفارٌ، فَقالَتْ قُرَيْشٌ ذَلِكَ. وقِيلَ: أسْلَمَتْ أمَةٌ لِعُمَرَ، فَكانَ يَضْرِبُها، حَتّى يَفْتُرَ ويَقُولَ: لَوْلا أنِّي فَتَرْتُ لَزِدْتُكِ ضَرْبًا فَقالَ كُفّارُ قُرَيْشٍ: لَوْ كانَ ما يَدْعُو إلَيْهِ مُحَمَّدٌ حَقًّا، ما سَبَقَتْنا إلَيْهِ فُلانَةُ. والظّاهِرُ أنَّ اسْمَ كانَ هو القُرْآنُ، وعَلَيْهِ يَعُودُ بِهِ ويُؤَيِّدُهُ، ومِن قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى. وقِيلَ: بِهِ عائِدٌ عَلى الرَّسُولِ، والعامِلُ في إذْ مَحْذُوفٌ، أيْ ﴿وإذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ﴾، ظَهَرَ عِنادُهم. وقَوْلُهُ: (فَسَيَقُولُونَ)، مُسَبَّبٌ عَنْ ذَلِكَ الجَوابِ المَحْذُوفِ، لِأنَّ هَذا القَوْلَ هو ناشِئٌ عَنِ العِنادِ، ويَمْتَنِعُ أنْ يَعْمَلَ في إذْ فَسَيَقُولُونَ، لِحَيْلُولَةِ الفاءِ ولِتَعانُدِ زَمانِ إذْ وزَمانِ سَيَقُولُونَ.
﴿إفْكٌ قَدِيمٌ﴾، كَما قالُوا: ﴿أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾، وقِدَمُهُ بِمُرُورِ الأعْصارِ عَلَيْهِ.
ولَمّا طَعَنُوا في صِحَّةِ القُرْآنِ، قِيلَ لَهم: إنَّهُ أنْزَلَ اللَّهُ مِن قَبْلِهِ التَّوْراةَ عَلى مُوسى، وأنْتُمْ لا تُنازَعُونَ في ذَلِكَ، فَلا يُنازَعُ في إنْزالِ القُرْآنِ. (إمامًا) أيْ يُهْتَدى بِهِ، إنَّ فِيهِ البِشارَةَ بِمَبْعَثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وإرْسالِهِ، فَيَلْزَمُ اتِّباعُهُ والإيمانُ بِهِ، وانْتَصَبَ إمامًا عَلى الحالِ، والعامِلُ فِيهِ العامِلُ في: (ومِن قَبْلِهِ)، أيْ وكِتابُ مُوسى كانَ مِن قَبْلِ القُرْآنِ في حالِ كَوْنِهِ إمامًا. وقَرَأ الكَلْبِيُّ: كِتابَ مُوسى، نَصَبَ وفَتَحَ مِيمَ مَن عَلى أنَّها مَوْصُولَةٌ، تَقْدِيرُهُ: وآتَيْنا الَّذِي قَبْلَهُ كِتابَ مُوسى. وقِيلَ: انْتَصَبَ إمامًا بِمَحْذُوفٍ، أيْ أنْزَلْناهُ إمامًا، أيْ قُدْوَةً يُؤْتَمُّ بِهِ، (ورَحْمَةً) لِمَن عَمِلَ بِهِ، وهَذا إشارَةٌ إلى القُرْآنِ.
﴿كِتابٌ مُصَدِّقٌ﴾ لَهُ، أيْ لِكِتابِ مُوسى، وهي التَّوْراةُ الَّتِي تَضَمَّنَتْ خَبَرَهُ وخَبَرَ مَن جاءَ بِهِ، وهو الرَّسُولُ. فَجاءَ هو مُصَدِّقًا لِتِلْكَ الأخْبارِ، أوْ مُصَدِّقًا لِلْكُتُبِ الإلَهِيَّةِ. ولِسانًا: حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في ”مُصَدِّقٌ“، والعامِلُ فِيهِ مُصَدِّقٌ، أوْ مِن ”كِتابٌ“، إذْ قَدْ وصَفَ العامِلُ فِيهِ اسْمَ الإشارَةِ. أوْ لِسانًا: حالُ مَوْطِئِهِ، والحالُ في الحَقِيقَةِ هو ”عَرَبِيًّا“، أوْ عَلى حَذْفٍ، أيْ ذا الشَّأْنِ عَرَبِيٌّ، فَيَكُونُ مَفْعُولًا بِـ ”مُصَدِّقٌ“، أيْ هَذا القُرْآنُ مُصَدِّقٌ مَن جاءَ بِهِ وهو الرَّسُولُ، وذَلِكَ بِإعْجازِهِ وأحْوالِهِ البارِعَةِ. وقِيلَ: انْتَصَبَ عَلى إسْقاطِ الخافِضِ، أيْ بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ، وشَيْبَةُ، والأعْرَجُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وابْنُ عامِرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ: لِتُنْذِرَ، بِتاءِ الخِطابِ لِلرَّسُولِ، والأعْمَشُ، وابْنُ كَثِيرٍ أيْضًا، وباقِي السَّبْعَةِ: بِياءِ الغَيْبَةِ، أيْ لِيُنْذِرَنا القُرْآنُ والَّذِينَ ظَلَمُوا: الكُفّارُ عُبّادُ الأصْنامِ، حَيْثُ وضَعُوا العِبادَةَ في غَيْرِ مَن يَسْتَحِقُّهُ.
﴿وبُشْرى﴾، قِيلَ: مَعْطُوفٌ عَلى ”مُصَدِّقٌ“، فَهو في مَوْضِعِ رَفْعٍ، أوْ عَلى إضْمارِ هو. وقِيلَ: مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ مَعْطُوفٍ عَلى لِيُنْذِرَ، أيْ: ويُبَشِّرَ بُشْرى. وقِيلَ: مَنصُوبٌ عَلى إسْقاطِ الخافِضِ، أيْ ولِبُشْرى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وتَبِعَهُ أبُو البَقاءِ: وبُشْرى في مَحَلِّ النَّصْبِ، مَعْطُوفٌ عَلى مَحَلِّ لِيُنْذِرَ، لِأنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ. انْتَهى. وهَذا لا يَجُوزُ عَلى الصَّحِيحِ مِن مَذْهَبِ النَّحْوِيِّينَ، لِأنَّهم يَشْتَرِطُونَ في الحَمْلِ عَلى المَحَلِّ أنْ يَكُونَ المَحَلُّ بِحَقِّ الأصالَةِ، وأنْ يَكُونَ لِلْمَوْضِعِ مَحْرَزٌ. والمَحَلُّ هُنا لَيْسَ بِحَقِّ الأصالَةِ، لِأنَّ الأصْلَ هو الجَرُّ في المَفْعُولِ (p-٦٠)لَهُ، وإنَّما النَّصْبُ ناشِئٌ عَنْ إسْقاطِ الخافِضِ، لَكِنَّهُ لَمّا كَثُرَ بِالشُّرُوطِ المَذْكُورَةِ في النَّحْوِ، وصَلَ إلَيْهِ الفِعْلُ فَنَصَبَهُ. ولَمّا عَبَّرَ عَنِ الكُفّارِ بِالَّذِينَ ظَلَمُوا، عَبَّرَ عَنِ المُؤْمِنِينَ بِالمُحْسِنِينَ، لِيُقابِلَ بِلَفْظِ الإحْسانِ لَفْظَ الظُّلْمِ.
﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظِيرِ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ فُصِّلَتْ. ولَمّا ذَكَرَ: ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾، قالَ: (ووَصَّيْنا)، إذْ كانَ بِرُّ الوالِدَيْنِ ثانِيًا أفْضَلَ الأعْمالِ، إذْ في الصَّحِيحِ: «أيُّ الأعْمالِ أفْضَلُ ؟ فَقالَ الصَّلاةُ عَلى مِيقاتِها قالَ: ثُمَّ أيُّ ؟ قالَ: ثُمَّ بِرُّ الوالِدَيْنِ»، وإنْ كانَ عُقُوقُهُما ثانِيَ أكْبَرِ الكَبائِرِ، إذْ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «ألا أُنَبِّئُكم ؟ بِأكْبَرِ الكَبائِرِ ؟ الإشْراكُ بِاللَّهِ وعُقُوقُ الوالِدَيْنِ»، والوارِدُ في بَرِّهِما كَثِيرٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: حُسْنًا، بِضَمِّ الحاءِ وإسْكانِ السِّينِ، وعَلِيٌّ، والسُّلَمِيُّ، وعِيسى: بِفَتْحِهِما، وعَنْ عِيسى: بِضَمِّهِما، والكُوفِيُّونَ: إحْسانًا، فَقِيلَ: ضَمَّنَ ووَصَّيْنا مَعْنى ألْزَمْنا، فَيَتَعَدّى لِاثْنَيْنِ، فانْتَصَبَ حُسْنًا وإحْسانًا عَلى المَفْعُولِ الثّانِي لِوَصَّيْنا. وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: إيصاءٌ ذا حُسْنٍ، أوْ ذا إحْسانٍ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حُسْنًا بِمَعْنى إحْسانٍ، فَيَكُونَ مَفْعُولًا لَهُ، أيْ ووَصَّيْناهُ بِهِما لِإحْسانِنا إلَيْهِما، فَيَكُونَ الإحْسانُ مِنَ اللَّهِ تَعالى. وقِيلَ: النَّصْبُ عَلى المَصْدَرِ عَلى تَضْمِينِ وصَّيْنا مَعْنى أحْسَنّا بِالوَصِيَّةِ لِلْإنْسانِ بِوالِدَيْهِ إحْسانًا. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ونَصْبُ هَذا يَعْنِي إحْسانًا عَلى المَصْدَرِ الصَّرِيحِ والمَفْعُولِ الثّانِي في المَجْرُورِ، والباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِوَصَّيْنا، أوْ بِقَوْلِهِ: إحْسانًا. انْتَهى. ولا يَصِحُّ أنْ يَتَعَلَّقَ بِإحْسانًا، لِأنَّهُ مُصَدَّرٌ بِحَرْفٍ مَصْدَرِيٍّ والفِعْلِ، فَلا يَتَقَدَّمُ مَعْمُولُهُ عَلَيْهِ، ولِأنَّ أحْسَنَ لا يَتَعَدّى بِالباءِ، إنَّما يَتَعَدّى بِاللّامِ، تَقُولُ: أحْسَنْتُ لِزَيْدٍ، ولا تَقُولُ: أحْسَنْتُ بِزَيْدٍ، عَلى مَعْنى أنَّ الإحْسانَ يَصِلُ إلَيْهِ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ﴿ووَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ [العنكبوت: ٨] في سُورَةِ العَنْكَبُوتِ، وانْجَرَّ هُنا بِالكَلامِ عَلى ذَلِكَ مَزِيدًا لِلْفائِدَةِ.
﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا﴾: لَيْسَ الكُرْهُ في أوَّلِ عُلُوقِها، بَلْ في ثانِي اسْتِمْرارِ الحَمْلِ، إذْ لا تَدْبِيرَ لَها في حَمْلِهِ ولا تَرْكِهِ. انْتَهى. ولا يَلْحَقُها كُرْهٌ إذْ ذاكَ، فَهَذا احْتِمالٌ بَعِيدٌ. وقالَ مُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ: المَعْنى حَمَلَتْهُ مَشَقَّةً، ووَضَعَتْهُ مَشَقَّةً. وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِضَمِّ الكافِ، وشَيْبَةُ، وأبُو جَعْفَرٍ، والأعْرَجُ، والحَرَمِيّانِ، وأبُو عَمْرٍو: بِالفَتْحِ، وبِهِما مَعًا: أبُو رَجاءٍ، ومُجاهِدٌ، وعِيسى، والضَّمُّ والفَتْحُ لُغَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ، كالعَقْرِ والعُقْرِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: بِالضَّمِّ المَشَقَّةُ، وبِالفَتْحِ الغَلَبَةُ والقَهْرُ، وضَعَّفُوا قِراءَةَ الفَتْحِ. وقالَ بَعْضُهم: لَوْ كانَ بِالفَتْحِ، لَرَمَتْ بِهِ عَنْ نَفْسِها إذْ مَعْناهُ: القَهْرُ والغَلَبَةُ. انْتَهى. وهَذا لَيْسَ بِشَيْءٍ، إذْ قِراءَةُ الفَتْحِ في السَّبْعَةِ المُتَواتِرَةِ. وقالَ أبُو حاتِمٍ: القِراءَةُ بِفَتْحِ الكافِ لا تَحْسُنُ، لِأنَّ الكَرْهَ، بِالفَتْحِ، النَّصَبُ والغَلَبَةُ. انْتَهى. وكانَ أبُو حاتِمٍ يَطْعَنُ في بَعْضِ القُرْآنِ بِما لا عِلْمَ لَهُ بِهِ جَسارَةً مِنهُ، عَفا اللَّهُ عَنْهُ، وانْتِصابُهُما عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ الفاعِلِ، أيْ حَمَلَتْهُ ذاتَ كُرْهٍ، أوْ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ حَمْلًا ذا كُرْهٍ.
﴿وحَمْلُهُ وفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾: أيْ ومُدَّةُ حَمْلِهِ وفِصالِهِ، وهَذا لا يَكُونُ إلّا بِأنْ يَكُونَ أحَدُ الطَّرَفَيْنِ ناقِصًا، إمّا بِأنْ تَلِدَ المَرْأةُ لِسِتَّةِ أشْهُرٍ وتُرْضِعَ عامَيْنِ، وإمّا أنْ تَلِدَ لِتِسْعَةِ أشْهُرٍ عَلى العُرْفِ وتُرْضِعَ عامَيْنِ غَيْرَ رُبْعِ عامٍ. فَإنْ زادَتْ مُدَّةُ الحَمْلِ، نَقَصَتْ مُدَّةُ الرَّضاعِ. فَمُدَّةُ الرَّضاعِ عامٌ وتِسْعَةُ أشْهُرٍ، وإكْمالُ العامَيْنِ لِمَن أرادَ أنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ. وقَدْ كَشَفَتِ التَّجْرِبَةُ أنَّ أقَلَّ مُدَّةِ الحَمْلِ سِتَّةُ أشْهُرٍ، كَنَصِّ القُرْآنِ. وقالَ جالِينُوسُ: كُنْتُ شَدِيدَ الفَحْصِ عَنْ مُقَدَّرِ زَمَنِ الحَمْلِ، فَرَأيْتُ امْرَأةً ولَدَتْ لِمِائَةٍ وأرْبَعٍ وثَمانِينَ لَيْلَةً. وزَعَمَ ابْنُ سِينا أنَّهُ شاهَدَ ذَلِكَ، وأمّا أكْثَرُ الحَمْلِ فَلَيْسَ في القُرْآنِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ. قالَ ابْنُ سِينا في الشِّفاءِ: بَلَغَنِي مِن جِهَةِ مَن أثِقُ بِهِ كُلَّ الثِّقَةِ، أنَّ امْرَأةً وضَعَتْ بَعْدَ الرّابِعِ مِن سِنِي الحَمْلِ، ولَدَتْ ولَدًا نَبَتَتْ أسْنانُهُ. وحُكِيَ عَنْ أرِسْطاطالِيسَ أنَّهُ قالَ: إنَّ مُدَّةَ الحَمْلِ لِكُلِّ الحَيَوانِ مَضْبُوطَةٌ سِوى الإنْسانِ، فَرُبَّما وضَعَتْ لِسَبْعَةِ أشْهُرٍ، ولِثَمانِيَةٍ، وقَلَّ ما يَعِيشُ الوَلَدُ في الثّامِنِ، إلّا في بِلادٍ مُعَيَّنَةٍ مِثْلَ مِصْرَ. انْتَهى. وعَبَّرَ عَنِ الرَّضاعِ بِالفِصالِ، لَمّا كانَ الرَّضاعُ يَلِي الفِصالَ (p-٦١)ويُلابِسُهُ، لِأنَّهُ يَنْتَهِي بِهِ ويَتِمُّ، سُمِّيَ بِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: وفِصالُهُ، وهو مَصْدَرُ فاصَلَ، كَأنَّهُ مِنِ اثْنَيْنِ: فاصَلَ أُمَّهُ وفاصَلَتْهُ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، والجَحْدَرِيُّ: وفَصْلُهُ، قِيلَ: والفَصْلُ والفِصالُ مَصْدَرانِ، كالفَطْمِ والفِطامِ. وهُنا لَطِيفَةٌ: ذَكَرَ تَعالى الأُمَّ في ثَلاثَةِ مَراتِبَ في قَوْلِهِ: بِوالِدَيْهِ. وحَمْلُهُ وإرْضاعُهُ المُعَبَّرُ عَنْهُ بِالفِصالِ، وذَكَرَ الوالِدَ في واحِدَةٍ في قَوْلِهِ: بِوالِدَيْهِ، فَناسَبَ ما قالَ الرَّسُولُ مِن جَعْلِ ثَلاثَةِ أرْباعِ البِرِّ لِلْأُمِّ والرُّبُعِ لِلْأبِ «فِي قَوْلِ الرَّجُلِ: ”يا رَسُولَ اللَّهِ، مَن أبَرُّ ؟ قالَ: أُمَّكَ، قالَ: ثُمَّ مَن ؟ قالَ: أُمَّكَ، قالَ: ثُمَّ مَن ؟ قالَ: أُمَّكَ، قالَ: ثُمَّ مَن ؟ قالَ: أباكَ“» .
﴿حَتّى إذا بَلَغَ أشُدَّهُ﴾ في الكَلامِ حَذْفٌ تَكُونُ: حَتّى غايَةً لَهُ، تَقْدِيرُهُ: فَعاشَ بَعْدَ ذَلِكَ، أوِ اسْتَمَرَّتْ حَياتُهُ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في ﴿بَلَغَ أشُدَّهُ﴾ في سُورَةِ يُوسُفَ. والظّاهِرُ ضَعْفُ قَوْلِ مَن قالَ: بُلُوغُ الأشُدِّ أرْبَعُونَ، لِعَطْفِ ﴿وبَلَغَ أرْبَعِينَ سَنَةً﴾ . والعَطْفُ يَقْتَضِي التَّغايُرَ، إلّا إنِ ادُّعِيَ أنَّ ذَلِكَ تَوْكِيدٌ لِبُلُوغِ الأشُدِّ فَيُمْكِنُ، والتَّأْسِيسُ أوْلى مِنَ التَّأْكِيدِ، وبُلُوغُ الأرْبَعِينَ اكْتِمالُ العَقْلِ لِظُهُورِ الفَلاحِ. قِيلَ: ولَمْ يُبْعَثْ نَبِيٌّ إلّا بَعْدَ الأرْبَعِينَ. وفي الحَدِيثِ: «إنَّ الشَّيْطانَ يَجُرُّ يَدَهُ عَلى وجْهِ مَن زادَ عَلى الأرْبَعِينَ ولَمْ يَتُبْ ويَقُولُ: بِأبِي وجْهٌ لا يُفْلِحُ» .
﴿قالَ رَبِّ أوْزِعْنِي أنْ أشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أنْعَمْتَ عَلَيَّ وعَلى والِدَيَّ وأنْ أعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ﴾: وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذا في سُورَةِ النَّمْلِ.
﴿وأصْلِحْ لِي في ذُرِّيَّتِي﴾: سَألَ أنْ يَجْعَلَ ذُرِّيَّتَهُ مَوْقِعًا لِلصَّلاحِ ومَظِنَّةً لَهُ، كَأنَّهُ قالَ: هَبْ لِيَ الصَّلاحَ في ذُرِّيَّتِي، فَأوْقَعَهُ فِيهِمْ، أوْ ضَمَّنَ: وأصْلِحْ لِي مَعْنى: والطُفْ بِي في ذُرِّيَّتِي، لِأنَّ أصْلِحْ يَقْتَدِي بِنَفْسِهِ لِقَوْلِهِ: ﴿وأصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ﴾ [الأنبياء: ٩٠]، فَلِذَلِكَ احْتِيجَ قَوْلُهُ: ﴿فِي ذُرِّيَّتِي﴾ إلى التَّأْوِيلِ. قِيلَ: نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وتَتَناوَلُ مَن بَعْدَهُ، وهو مُشْكِلٌ، لِأنَّها نَزَلَتْ بِمَكَّةَ، وأبُوهُ أسْلَمَ عامَ الفَتْحِ. ولِقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهم أحْسَنَ ما عَمِلُوا﴾: فَلَمْ يُقْصَدْ بِذَلِكَ أبُو بَكْرٍ ولا غَيْرُهُ. والمُرادُ بِالإنْسانِ الجِنْسُ، ولِذَلِكَ أشارَ بِقَوْلِهِ: (أُولَئِكَ) جَمْعًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”يُتَقَبَّلُ“ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، ”أحْسَنُ“ رَفْعًا، وكَذا ويُتَجاوَزُ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ، وأبُو جَعْفَرٍ، والأعْمَشُ: بِخِلافٍ عَنْهُ. وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ: نَتَقَبَّلُ أحْسَنَ نَصْبًا، ونَتَجاوَزُ بِالنُّونِ فِيهِما، والحَسَنُ، والأعْمَشُ، وعِيسى: بِالياءِ فِيهِما مَفْتُوحَةً ونَصْبِ أحْسَنَ.
﴿فِي أصْحابِ الجَنَّةِ﴾، قِيلَ: في بِمَعْنى مَعَ، وقِيلَ: هو نَحْوُ قَوْلِكَ: أكْرَمَنِي الأمِيرُ في ناسٍ مِن أصْحابِهِ، يُرِيدُ في جُمْلَةِ مَن أكْرَمَ مِنهم، ومَحَلُّهُ النَّصْبُ عَلى الحالِ عَلى مَعْنى كائِنِينَ في أصْحابِ الجَنَّةِ. وانْتَصَبَ ﴿وعْدَ الصِّدْقِ﴾ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ﴾، وعْدٌ مِنهُ تَعالى بِالتَّقَبُّلِ والتَّجاوُزِ، لَمّا ذَكَرَ الإنْسانَ البارَّ بِوالِدَيْهِ وما آلَ إلَيْهِ مِنَ الخَيْرِ، ذَكَرَ العاقَّ بِوالِدَيْهِ وما آلَ إلَيْهِ مِنَ الشَّرِّ. والمُرادُ بِالَّذِي: الجِنْسُ، ولِذَلِكَ جاءَ الخَبَرُ مَجْمُوعًا في قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ﴾ . وقالَ الحَسَنُ: هو الكافِرُ العاقُّ بِوالِدَيْهِ المُنْكِرُ البَعْثَ. وقَوْلُ مَرْوانَ بْنِ الحَكَمِ، واتَّبَعَهُ قَتادَةُ: إنَّها نَزَلَتْ في عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، قَوْلٌ خَطَأٌ ناشِئٌ عَنْ جَوْرٍ، حِينَ دَعا مَرْوانُ، وهو أمِيرُ المَدِينَةِ، إلى مُبايَعَةِ يَزِيدَ، فَقالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: جَعَلْتُمُوها هِرَقْلِيَّةً ؟ كُلَّما ماتَ هِرَقْلُ ولِيَ ابْنُهُ، وكُلَّما ماتَ قَيْصَرُ ولِيَ ابْنُهُ ؟ فَقالَ مَرْوانُ: خُذُوهُ، فَدَخَلَ بَيْتَ أُخْتِهِ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها، وقَدْ أنْكَرَتْ ذَلِكَ عائِشَةُ فَقالَتْ، وهي المَصْدُوقَةُ: لَمْ يَنْزِلْ في آلِ أبِي بَكْرٍ مِنَ القُرْآنِ غَيْرُ بَراءَتِي، وقالَتْ: واللَّهِ ما هو بِهِ، ولَوْ شِئْتُ أنْ أُسَمِّيَهُ لَسَمَّيْتُهُ. وصَدَّتْ مَرْوانَ وقالَتْ: ولَكِنَّ اللَّهَ لَعَنَ أباكَ وأنْتَ في صُلْبِهِ، فَأنْتَ فَضَضٌ مِن لَعْنَةِ اللَّهِ. ويَدُلُّ عَلى فَسادِ هَذا القَوْلِ أنَّهُ قالَ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ﴾، وهَذِهِ صِفاتُ الكُفّارِ أهْلِ النّارِ، وكانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ مِن أفاضِلِ الصَّحابَةِ وسَراتِهِمْ وأبْطالِهِمْ، ومِمَّنْ لَهُ في الإسْلامِ غَناءٌ يَوْمَ اليَمامَةِ وغَيْرِهِ.
﴿أُفٍّ لَكُما﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى أُفٍّ مَدْلُولًا ولُغاتٍ وقِراءَةً في سُورَةِ الإسْراءِ، واللّامُ في لَكُما لِلْبَيانِ، أيْ لَكُما، أعْنِي التَّأْفِيفَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿أتَعِدانِنِي﴾، بِنُونَيْنِ، (p-٦٢)الأُولى مَكْسُورَةٌ، والحَسَنُ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وفي رِوايَةٍ، وهِشامٌ: بِإدْغامِ نُونِ الرَّفْعِ في نُونِ الوِقايَةِ. وقَرَأ نافِعٌ في رِوايَةٍ، وجَماعَةٌ: بِنُونٍ واحِدَةٍ. وقَرَأ الحَسَنُ، وشَيْبَةُ، وأبُو جَعْفَرٍ: بِخِلافٍ عَنْهُ، وعَبْدُ الوارِثِ، عَنْ أبِي عَمْرٍو. وهارُونُ بْنُ مُوسى، عَنِ الجَحْدَرِيِّ، وسامٌ عَنْ هِشامٍ: بِفَتْحِ النُّونِ الأُولى، كَأنَّهم فَرُّوا مِنَ الكَسْرَتَيْنِ والياءِ إلى الفَتْحِ طَلَبًا لِلتَّخْفِيفِ فَفَتَحُوا، كَما فَرَّ مَن أدْغَمَ ومَن حَذَفَ. وقالَ أبُو حاتِمٍ: فَتْحُ النُّونِ باطِلٌ غَلَطٌ. (أنْ أُخْرَجَ): أيْ أُخْرَجَ مِن قَبْرِي لِلْبَعْثِ والحِسابِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: أنْ أُخْرَجَ، مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، والحَسَنُ، وابْنُ يَعْمُرَ، والأعْمَشُ، وابْنُ مُصَرِّفٍ، والضَّحّاكُ: مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ.
﴿وقَدْ خَلَتِ القُرُونُ مِن قَبْلِي﴾: أيْ مَضَتْ، ولَمْ يُخْرَجْ مِنهم أحَدٌ ولا بُعِثَ. وقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: ﴿وقَدْ خَلَتِ القُرُونُ مِن قَبْلِي﴾ مُكَذِّبَةً بِالبَعْثِ.
﴿وهُما يَسْتَغِيثانِ اللَّهَ﴾، يُقالُ: اسْتَغَثْتُ اللَّهَ واسْتَغَثْتُ بِاللَّهِ، والِاسْتِعْمالانِ في لِسانِ العَرَبِ. وقَدْ رَدَدْنا عَلى ابْنِ مالِكٍ إنْكارَ تَعْدِيَتِهِ بِالباءِ، وذَكَرْنا شَواهِدَ عَلى ذَلِكَ في الأنْفالِ، أيْ يَقُولانِ: الغِياثُ بِاللَّهِ مِنكَ ومِن قَوْلِكَ، وهو اسْتِعْظامٌ لِقَوْلِهِ.
﴿ويْلَكَ﴾: دُعاءٌ عَلَيْهِ بِالثُّبُورِ، والمُرادُ بِهِ الحَثُّ والتَّحْرِيضُ عَلى الإيمانِ لا حَقِيقَةُ الهَلاكِ. وقِيلَ: ويْلَكَ لِمَن يُحَقِّرُ ويُحَرِّكُ لِأمْرٍ يَسْتَعْجِلُ إلَيْهِ. وقَرَأ الأعْرَجُ، وعَمْرُو بْنُ فائِدَةَ: (أنَّ وعْدَ اللَّهِ)، بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، أيْ: آمِن بِأنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ، والجُمْهُورُ بِكَسْرِها، ﴿فَيَقُولُ ما هَذا﴾: أيْ ما هَذا الَّذِي يَقُولُ ؟ أيْ مِنَ الوَعْدِ بِالبَعْثِ مِنَ القُبُورِ إلّا شَيْءٌ سَطَّرَهُ الأوَّلُونَ في كُتُبِهِمْ، ولا حَقِيقَةَ لَهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وظاهِرُ ألْفاظِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّها نَزَلَتْ في مُشارٍ إلَيْهِ قالَ وقِيلَ لَهُ، فَنَفى اللَّهُ أقْوالَهُ تَحْذِيرًا مِنَ الوُقُوعِ في مِثْلِها.
وقَوْلُهُ: (أُولَئِكَ)، ظاهِرُهُ أنَّهُ إشارَةٌ إلى جِنْسٍ يَتَضَمَّنُهُ قَوْلُهُ: ﴿والَّذِي قالَ﴾، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الآيَةُ في مُشارٍ إلَيْهِ، ويَكُونُ قَوْلُهُ في أُولَئِكَ بِمَعْنى صِنْفِ هَذا المَذْكُورِ وجِنْسِهِ هم: ﴿الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ﴾ أيْ قَوْلُ اللَّهِ أنَّهُ يُعَذِّبُهم (في أُمَمٍ)، أيْ جُمْلَةِ: ﴿أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ﴾، يَقْتَضِي أنَّ الجِنَّ يَمُوتُونَ قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ كالإنْسِ. وقالَ الحَسَنُ في بَعْضِ مَجالِسِهِ: الجِنُّ لا يَمُوتُونَ، فاعْتَرَضَهُ قَتادَةُ بِهَذِهِ الآيَةِ فَسَكَتَ. وقَرَأ العَبّاسُ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: أنَّهم كانُوا، بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، والجُمْهُورُ بِالكَسْرِ. (ولِكُلٍّ): أيْ مِنَ المُحْسِنِ والمُسِيءِ، (دَرَجاتٌ) غَلَبَ دَرَجاتٌ، إذِ الجَنَّةُ دَرَجاتٌ والنّارُ دَرَكاتٌ، والمَعْنى: مَنازِلُ ومَراتِبُ مِن جَزاءِ ما عَمِلُوا مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ، ومِن أجْلِ ما عَمِلُوا مِنها. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: دَرَجاتُ المُحْسِنِينَ تَذْهَبُ عُلُوًّا، ودَرَجاتُ المُسِيئِينَ تَذْهَبُ سُفْلًا. انْتَهى. والمُعَلِّلُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: ولِيُوَفِّيَهم أعْمالَهم قَدْرَ جَزائِهِمْ، فَجُعِلَ الثَّوابُ دَرَجاتٍ والعِقابُ دَرَكاتٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ولِيُوَفِّيَهم بِالياءِ، أيِ اللَّهُ تَعالى، والأعْمَشُ والأعْرَجُ وشَيْبَةُ وأبُو جَعْفَرٍ والأخَوانِ وابْنُ ذَكْوانَ ونافِعٌ: بِخِلافٍ عَنْهُ بِالنُّونِ، والسُّلَمِيُّ: بِالتّاءِ مِن فَوْقٍ، أيْ ولِنُوَفِّيَهُمُ الدَّرَجاتِ، أسْنَدَ التَّوْفِيَةَ إلَيْها مَجازًا.
الأحقاف 46:15
﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ وإذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذا إفْكٌ قَدِيمٌ﴾ ﴿ومِن قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إمامًا ورَحْمَةً وهَذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ لِسانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وبُشْرى لِلْمُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿ووَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ إحْسانًا﴾ ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا ووَضَعَتْهُ كُرْهًا وحَمْلُهُ وفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا حَتّى إذا بَلَغَ أشُدَّهُ وبَلَغَ أرْبَعِينَ سَنَةً قالَ رَبِّ أوْزِعْنِي أنْ أشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أنْعَمْتَ عَلَيَّ وعَلى والِدَيَّ وأنْ أعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ وأصْلِحْ لِي في ذُرِّيَّتِي إنِّي تُبْتُ إلَيْكَ وإنِّي مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهم أحْسَنَ ما عَمِلُوا ونَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ في أصْحابِ الجَنَّةِ وعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ﴾ ﴿والَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما أتَعِدانِنِي أنْ أُخْرَجَ وقَدْ خَلَتِ القُرُونُ مِن قَبْلِي وهُما يَسْتَغِيثانِ اللَّهَ ويْلَكَ آمِن إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ ما هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ في أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ إنَّهم كانُوا خاسِرِينَ﴾ ﴿ولِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا ولِيُوَفِّيَهم أعْمالَهم وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ .
(p-٥٩)قالَ قَتادَةُ: هي مَقالَةُ كُفّارِ قُرَيْشٍ لِلَّذِينَ آمَنُوا: أيْ لِأجْلِ الَّذِينَ آمَنُوا: واللّامُ لِلتَّبْلِيغِ. ثُمَّ انْتَقَلُوا إلى الغَيْبَةِ في قَوْلِهِمْ: ﴿ما سَبَقُونا﴾، ولَوْ لَمْ يَنْتَقِلُوا لَكانَ الكَلامُ ما سُبِقْتُمْ إلَيْهِ. ولَمّا سَمِعُوا أنَّ جَماعَةً آمَنُوا خاطَبُوا جَماعَةً مِنَ المُؤْمِنِينَ، أيْ قالُوا: ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ﴾: أُولَئِكَ الَّذِينَ بَلَغَنا إيمانُهم يُرِيدُونَ عَمّارًا وصُهَيْبًا وبِلالًا ونَحْوَهم مِمَّنْ أسْلَمَ وآمَنَ بِالنَّبِيِّ ﷺ . وقالَ الكَلْبِيُّ والزَّجّاجُ: هي مَقالَةُ كِنانَةَ وعامِرٍ وسائِرِ قَبائِلِ العَرَبِ المُجاوِرَةِ. قالَتْ ذَلِكَ حِينَ أسْلَمَتْ غِفارٌ ومُزَيْنَةُ وجُهَيْنَةُ، أيْ لَوْ كانَ هَذا الدِّينُ خَيْرًا، ما سَبَقَنا إلَيْهِ الرُّعاةُ. وقالَ الثَّعْلَبِيُّ: هي مَقالَةُ اليَهُودِ حِينَ أسْلَمَ ابْنُ سَلامٍ وغَيْرُهُ مِنهم. وقالَ أبُو المُتَوَكِّلِ: أسْلَمَ أبُو ذَرٍّ، ثُمَّ أسْلَمَتْ غِفارٌ، فَقالَتْ قُرَيْشٌ ذَلِكَ. وقِيلَ: أسْلَمَتْ أمَةٌ لِعُمَرَ، فَكانَ يَضْرِبُها، حَتّى يَفْتُرَ ويَقُولَ: لَوْلا أنِّي فَتَرْتُ لَزِدْتُكِ ضَرْبًا فَقالَ كُفّارُ قُرَيْشٍ: لَوْ كانَ ما يَدْعُو إلَيْهِ مُحَمَّدٌ حَقًّا، ما سَبَقَتْنا إلَيْهِ فُلانَةُ. والظّاهِرُ أنَّ اسْمَ كانَ هو القُرْآنُ، وعَلَيْهِ يَعُودُ بِهِ ويُؤَيِّدُهُ، ومِن قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى. وقِيلَ: بِهِ عائِدٌ عَلى الرَّسُولِ، والعامِلُ في إذْ مَحْذُوفٌ، أيْ ﴿وإذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ﴾، ظَهَرَ عِنادُهم. وقَوْلُهُ: (فَسَيَقُولُونَ)، مُسَبَّبٌ عَنْ ذَلِكَ الجَوابِ المَحْذُوفِ، لِأنَّ هَذا القَوْلَ هو ناشِئٌ عَنِ العِنادِ، ويَمْتَنِعُ أنْ يَعْمَلَ في إذْ فَسَيَقُولُونَ، لِحَيْلُولَةِ الفاءِ ولِتَعانُدِ زَمانِ إذْ وزَمانِ سَيَقُولُونَ.
﴿إفْكٌ قَدِيمٌ﴾، كَما قالُوا: ﴿أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾، وقِدَمُهُ بِمُرُورِ الأعْصارِ عَلَيْهِ.
ولَمّا طَعَنُوا في صِحَّةِ القُرْآنِ، قِيلَ لَهم: إنَّهُ أنْزَلَ اللَّهُ مِن قَبْلِهِ التَّوْراةَ عَلى مُوسى، وأنْتُمْ لا تُنازَعُونَ في ذَلِكَ، فَلا يُنازَعُ في إنْزالِ القُرْآنِ. (إمامًا) أيْ يُهْتَدى بِهِ، إنَّ فِيهِ البِشارَةَ بِمَبْعَثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وإرْسالِهِ، فَيَلْزَمُ اتِّباعُهُ والإيمانُ بِهِ، وانْتَصَبَ إمامًا عَلى الحالِ، والعامِلُ فِيهِ العامِلُ في: (ومِن قَبْلِهِ)، أيْ وكِتابُ مُوسى كانَ مِن قَبْلِ القُرْآنِ في حالِ كَوْنِهِ إمامًا. وقَرَأ الكَلْبِيُّ: كِتابَ مُوسى، نَصَبَ وفَتَحَ مِيمَ مَن عَلى أنَّها مَوْصُولَةٌ، تَقْدِيرُهُ: وآتَيْنا الَّذِي قَبْلَهُ كِتابَ مُوسى. وقِيلَ: انْتَصَبَ إمامًا بِمَحْذُوفٍ، أيْ أنْزَلْناهُ إمامًا، أيْ قُدْوَةً يُؤْتَمُّ بِهِ، (ورَحْمَةً) لِمَن عَمِلَ بِهِ، وهَذا إشارَةٌ إلى القُرْآنِ.
﴿كِتابٌ مُصَدِّقٌ﴾ لَهُ، أيْ لِكِتابِ مُوسى، وهي التَّوْراةُ الَّتِي تَضَمَّنَتْ خَبَرَهُ وخَبَرَ مَن جاءَ بِهِ، وهو الرَّسُولُ. فَجاءَ هو مُصَدِّقًا لِتِلْكَ الأخْبارِ، أوْ مُصَدِّقًا لِلْكُتُبِ الإلَهِيَّةِ. ولِسانًا: حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في ”مُصَدِّقٌ“، والعامِلُ فِيهِ مُصَدِّقٌ، أوْ مِن ”كِتابٌ“، إذْ قَدْ وصَفَ العامِلُ فِيهِ اسْمَ الإشارَةِ. أوْ لِسانًا: حالُ مَوْطِئِهِ، والحالُ في الحَقِيقَةِ هو ”عَرَبِيًّا“، أوْ عَلى حَذْفٍ، أيْ ذا الشَّأْنِ عَرَبِيٌّ، فَيَكُونُ مَفْعُولًا بِـ ”مُصَدِّقٌ“، أيْ هَذا القُرْآنُ مُصَدِّقٌ مَن جاءَ بِهِ وهو الرَّسُولُ، وذَلِكَ بِإعْجازِهِ وأحْوالِهِ البارِعَةِ. وقِيلَ: انْتَصَبَ عَلى إسْقاطِ الخافِضِ، أيْ بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ، وشَيْبَةُ، والأعْرَجُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وابْنُ عامِرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ: لِتُنْذِرَ، بِتاءِ الخِطابِ لِلرَّسُولِ، والأعْمَشُ، وابْنُ كَثِيرٍ أيْضًا، وباقِي السَّبْعَةِ: بِياءِ الغَيْبَةِ، أيْ لِيُنْذِرَنا القُرْآنُ والَّذِينَ ظَلَمُوا: الكُفّارُ عُبّادُ الأصْنامِ، حَيْثُ وضَعُوا العِبادَةَ في غَيْرِ مَن يَسْتَحِقُّهُ.
﴿وبُشْرى﴾، قِيلَ: مَعْطُوفٌ عَلى ”مُصَدِّقٌ“، فَهو في مَوْضِعِ رَفْعٍ، أوْ عَلى إضْمارِ هو. وقِيلَ: مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ مَعْطُوفٍ عَلى لِيُنْذِرَ، أيْ: ويُبَشِّرَ بُشْرى. وقِيلَ: مَنصُوبٌ عَلى إسْقاطِ الخافِضِ، أيْ ولِبُشْرى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وتَبِعَهُ أبُو البَقاءِ: وبُشْرى في مَحَلِّ النَّصْبِ، مَعْطُوفٌ عَلى مَحَلِّ لِيُنْذِرَ، لِأنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ. انْتَهى. وهَذا لا يَجُوزُ عَلى الصَّحِيحِ مِن مَذْهَبِ النَّحْوِيِّينَ، لِأنَّهم يَشْتَرِطُونَ في الحَمْلِ عَلى المَحَلِّ أنْ يَكُونَ المَحَلُّ بِحَقِّ الأصالَةِ، وأنْ يَكُونَ لِلْمَوْضِعِ مَحْرَزٌ. والمَحَلُّ هُنا لَيْسَ بِحَقِّ الأصالَةِ، لِأنَّ الأصْلَ هو الجَرُّ في المَفْعُولِ (p-٦٠)لَهُ، وإنَّما النَّصْبُ ناشِئٌ عَنْ إسْقاطِ الخافِضِ، لَكِنَّهُ لَمّا كَثُرَ بِالشُّرُوطِ المَذْكُورَةِ في النَّحْوِ، وصَلَ إلَيْهِ الفِعْلُ فَنَصَبَهُ. ولَمّا عَبَّرَ عَنِ الكُفّارِ بِالَّذِينَ ظَلَمُوا، عَبَّرَ عَنِ المُؤْمِنِينَ بِالمُحْسِنِينَ، لِيُقابِلَ بِلَفْظِ الإحْسانِ لَفْظَ الظُّلْمِ.
﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظِيرِ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ فُصِّلَتْ. ولَمّا ذَكَرَ: ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾، قالَ: (ووَصَّيْنا)، إذْ كانَ بِرُّ الوالِدَيْنِ ثانِيًا أفْضَلَ الأعْمالِ، إذْ في الصَّحِيحِ: «أيُّ الأعْمالِ أفْضَلُ ؟ فَقالَ الصَّلاةُ عَلى مِيقاتِها قالَ: ثُمَّ أيُّ ؟ قالَ: ثُمَّ بِرُّ الوالِدَيْنِ»، وإنْ كانَ عُقُوقُهُما ثانِيَ أكْبَرِ الكَبائِرِ، إذْ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «ألا أُنَبِّئُكم ؟ بِأكْبَرِ الكَبائِرِ ؟ الإشْراكُ بِاللَّهِ وعُقُوقُ الوالِدَيْنِ»، والوارِدُ في بَرِّهِما كَثِيرٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: حُسْنًا، بِضَمِّ الحاءِ وإسْكانِ السِّينِ، وعَلِيٌّ، والسُّلَمِيُّ، وعِيسى: بِفَتْحِهِما، وعَنْ عِيسى: بِضَمِّهِما، والكُوفِيُّونَ: إحْسانًا، فَقِيلَ: ضَمَّنَ ووَصَّيْنا مَعْنى ألْزَمْنا، فَيَتَعَدّى لِاثْنَيْنِ، فانْتَصَبَ حُسْنًا وإحْسانًا عَلى المَفْعُولِ الثّانِي لِوَصَّيْنا. وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: إيصاءٌ ذا حُسْنٍ، أوْ ذا إحْسانٍ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حُسْنًا بِمَعْنى إحْسانٍ، فَيَكُونَ مَفْعُولًا لَهُ، أيْ ووَصَّيْناهُ بِهِما لِإحْسانِنا إلَيْهِما، فَيَكُونَ الإحْسانُ مِنَ اللَّهِ تَعالى. وقِيلَ: النَّصْبُ عَلى المَصْدَرِ عَلى تَضْمِينِ وصَّيْنا مَعْنى أحْسَنّا بِالوَصِيَّةِ لِلْإنْسانِ بِوالِدَيْهِ إحْسانًا. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ونَصْبُ هَذا يَعْنِي إحْسانًا عَلى المَصْدَرِ الصَّرِيحِ والمَفْعُولِ الثّانِي في المَجْرُورِ، والباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِوَصَّيْنا، أوْ بِقَوْلِهِ: إحْسانًا. انْتَهى. ولا يَصِحُّ أنْ يَتَعَلَّقَ بِإحْسانًا، لِأنَّهُ مُصَدَّرٌ بِحَرْفٍ مَصْدَرِيٍّ والفِعْلِ، فَلا يَتَقَدَّمُ مَعْمُولُهُ عَلَيْهِ، ولِأنَّ أحْسَنَ لا يَتَعَدّى بِالباءِ، إنَّما يَتَعَدّى بِاللّامِ، تَقُولُ: أحْسَنْتُ لِزَيْدٍ، ولا تَقُولُ: أحْسَنْتُ بِزَيْدٍ، عَلى مَعْنى أنَّ الإحْسانَ يَصِلُ إلَيْهِ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ﴿ووَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ [العنكبوت: ٨] في سُورَةِ العَنْكَبُوتِ، وانْجَرَّ هُنا بِالكَلامِ عَلى ذَلِكَ مَزِيدًا لِلْفائِدَةِ.
﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا﴾: لَيْسَ الكُرْهُ في أوَّلِ عُلُوقِها، بَلْ في ثانِي اسْتِمْرارِ الحَمْلِ، إذْ لا تَدْبِيرَ لَها في حَمْلِهِ ولا تَرْكِهِ. انْتَهى. ولا يَلْحَقُها كُرْهٌ إذْ ذاكَ، فَهَذا احْتِمالٌ بَعِيدٌ. وقالَ مُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ: المَعْنى حَمَلَتْهُ مَشَقَّةً، ووَضَعَتْهُ مَشَقَّةً. وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِضَمِّ الكافِ، وشَيْبَةُ، وأبُو جَعْفَرٍ، والأعْرَجُ، والحَرَمِيّانِ، وأبُو عَمْرٍو: بِالفَتْحِ، وبِهِما مَعًا: أبُو رَجاءٍ، ومُجاهِدٌ، وعِيسى، والضَّمُّ والفَتْحُ لُغَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ، كالعَقْرِ والعُقْرِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: بِالضَّمِّ المَشَقَّةُ، وبِالفَتْحِ الغَلَبَةُ والقَهْرُ، وضَعَّفُوا قِراءَةَ الفَتْحِ. وقالَ بَعْضُهم: لَوْ كانَ بِالفَتْحِ، لَرَمَتْ بِهِ عَنْ نَفْسِها إذْ مَعْناهُ: القَهْرُ والغَلَبَةُ. انْتَهى. وهَذا لَيْسَ بِشَيْءٍ، إذْ قِراءَةُ الفَتْحِ في السَّبْعَةِ المُتَواتِرَةِ. وقالَ أبُو حاتِمٍ: القِراءَةُ بِفَتْحِ الكافِ لا تَحْسُنُ، لِأنَّ الكَرْهَ، بِالفَتْحِ، النَّصَبُ والغَلَبَةُ. انْتَهى. وكانَ أبُو حاتِمٍ يَطْعَنُ في بَعْضِ القُرْآنِ بِما لا عِلْمَ لَهُ بِهِ جَسارَةً مِنهُ، عَفا اللَّهُ عَنْهُ، وانْتِصابُهُما عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ الفاعِلِ، أيْ حَمَلَتْهُ ذاتَ كُرْهٍ، أوْ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ حَمْلًا ذا كُرْهٍ.
﴿وحَمْلُهُ وفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾: أيْ ومُدَّةُ حَمْلِهِ وفِصالِهِ، وهَذا لا يَكُونُ إلّا بِأنْ يَكُونَ أحَدُ الطَّرَفَيْنِ ناقِصًا، إمّا بِأنْ تَلِدَ المَرْأةُ لِسِتَّةِ أشْهُرٍ وتُرْضِعَ عامَيْنِ، وإمّا أنْ تَلِدَ لِتِسْعَةِ أشْهُرٍ عَلى العُرْفِ وتُرْضِعَ عامَيْنِ غَيْرَ رُبْعِ عامٍ. فَإنْ زادَتْ مُدَّةُ الحَمْلِ، نَقَصَتْ مُدَّةُ الرَّضاعِ. فَمُدَّةُ الرَّضاعِ عامٌ وتِسْعَةُ أشْهُرٍ، وإكْمالُ العامَيْنِ لِمَن أرادَ أنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ. وقَدْ كَشَفَتِ التَّجْرِبَةُ أنَّ أقَلَّ مُدَّةِ الحَمْلِ سِتَّةُ أشْهُرٍ، كَنَصِّ القُرْآنِ. وقالَ جالِينُوسُ: كُنْتُ شَدِيدَ الفَحْصِ عَنْ مُقَدَّرِ زَمَنِ الحَمْلِ، فَرَأيْتُ امْرَأةً ولَدَتْ لِمِائَةٍ وأرْبَعٍ وثَمانِينَ لَيْلَةً. وزَعَمَ ابْنُ سِينا أنَّهُ شاهَدَ ذَلِكَ، وأمّا أكْثَرُ الحَمْلِ فَلَيْسَ في القُرْآنِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ. قالَ ابْنُ سِينا في الشِّفاءِ: بَلَغَنِي مِن جِهَةِ مَن أثِقُ بِهِ كُلَّ الثِّقَةِ، أنَّ امْرَأةً وضَعَتْ بَعْدَ الرّابِعِ مِن سِنِي الحَمْلِ، ولَدَتْ ولَدًا نَبَتَتْ أسْنانُهُ. وحُكِيَ عَنْ أرِسْطاطالِيسَ أنَّهُ قالَ: إنَّ مُدَّةَ الحَمْلِ لِكُلِّ الحَيَوانِ مَضْبُوطَةٌ سِوى الإنْسانِ، فَرُبَّما وضَعَتْ لِسَبْعَةِ أشْهُرٍ، ولِثَمانِيَةٍ، وقَلَّ ما يَعِيشُ الوَلَدُ في الثّامِنِ، إلّا في بِلادٍ مُعَيَّنَةٍ مِثْلَ مِصْرَ. انْتَهى. وعَبَّرَ عَنِ الرَّضاعِ بِالفِصالِ، لَمّا كانَ الرَّضاعُ يَلِي الفِصالَ (p-٦١)ويُلابِسُهُ، لِأنَّهُ يَنْتَهِي بِهِ ويَتِمُّ، سُمِّيَ بِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: وفِصالُهُ، وهو مَصْدَرُ فاصَلَ، كَأنَّهُ مِنِ اثْنَيْنِ: فاصَلَ أُمَّهُ وفاصَلَتْهُ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، والجَحْدَرِيُّ: وفَصْلُهُ، قِيلَ: والفَصْلُ والفِصالُ مَصْدَرانِ، كالفَطْمِ والفِطامِ. وهُنا لَطِيفَةٌ: ذَكَرَ تَعالى الأُمَّ في ثَلاثَةِ مَراتِبَ في قَوْلِهِ: بِوالِدَيْهِ. وحَمْلُهُ وإرْضاعُهُ المُعَبَّرُ عَنْهُ بِالفِصالِ، وذَكَرَ الوالِدَ في واحِدَةٍ في قَوْلِهِ: بِوالِدَيْهِ، فَناسَبَ ما قالَ الرَّسُولُ مِن جَعْلِ ثَلاثَةِ أرْباعِ البِرِّ لِلْأُمِّ والرُّبُعِ لِلْأبِ «فِي قَوْلِ الرَّجُلِ: ”يا رَسُولَ اللَّهِ، مَن أبَرُّ ؟ قالَ: أُمَّكَ، قالَ: ثُمَّ مَن ؟ قالَ: أُمَّكَ، قالَ: ثُمَّ مَن ؟ قالَ: أُمَّكَ، قالَ: ثُمَّ مَن ؟ قالَ: أباكَ“» .
﴿حَتّى إذا بَلَغَ أشُدَّهُ﴾ في الكَلامِ حَذْفٌ تَكُونُ: حَتّى غايَةً لَهُ، تَقْدِيرُهُ: فَعاشَ بَعْدَ ذَلِكَ، أوِ اسْتَمَرَّتْ حَياتُهُ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في ﴿بَلَغَ أشُدَّهُ﴾ في سُورَةِ يُوسُفَ. والظّاهِرُ ضَعْفُ قَوْلِ مَن قالَ: بُلُوغُ الأشُدِّ أرْبَعُونَ، لِعَطْفِ ﴿وبَلَغَ أرْبَعِينَ سَنَةً﴾ . والعَطْفُ يَقْتَضِي التَّغايُرَ، إلّا إنِ ادُّعِيَ أنَّ ذَلِكَ تَوْكِيدٌ لِبُلُوغِ الأشُدِّ فَيُمْكِنُ، والتَّأْسِيسُ أوْلى مِنَ التَّأْكِيدِ، وبُلُوغُ الأرْبَعِينَ اكْتِمالُ العَقْلِ لِظُهُورِ الفَلاحِ. قِيلَ: ولَمْ يُبْعَثْ نَبِيٌّ إلّا بَعْدَ الأرْبَعِينَ. وفي الحَدِيثِ: «إنَّ الشَّيْطانَ يَجُرُّ يَدَهُ عَلى وجْهِ مَن زادَ عَلى الأرْبَعِينَ ولَمْ يَتُبْ ويَقُولُ: بِأبِي وجْهٌ لا يُفْلِحُ» .
﴿قالَ رَبِّ أوْزِعْنِي أنْ أشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أنْعَمْتَ عَلَيَّ وعَلى والِدَيَّ وأنْ أعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ﴾: وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذا في سُورَةِ النَّمْلِ.
﴿وأصْلِحْ لِي في ذُرِّيَّتِي﴾: سَألَ أنْ يَجْعَلَ ذُرِّيَّتَهُ مَوْقِعًا لِلصَّلاحِ ومَظِنَّةً لَهُ، كَأنَّهُ قالَ: هَبْ لِيَ الصَّلاحَ في ذُرِّيَّتِي، فَأوْقَعَهُ فِيهِمْ، أوْ ضَمَّنَ: وأصْلِحْ لِي مَعْنى: والطُفْ بِي في ذُرِّيَّتِي، لِأنَّ أصْلِحْ يَقْتَدِي بِنَفْسِهِ لِقَوْلِهِ: ﴿وأصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ﴾ [الأنبياء: ٩٠]، فَلِذَلِكَ احْتِيجَ قَوْلُهُ: ﴿فِي ذُرِّيَّتِي﴾ إلى التَّأْوِيلِ. قِيلَ: نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وتَتَناوَلُ مَن بَعْدَهُ، وهو مُشْكِلٌ، لِأنَّها نَزَلَتْ بِمَكَّةَ، وأبُوهُ أسْلَمَ عامَ الفَتْحِ. ولِقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهم أحْسَنَ ما عَمِلُوا﴾: فَلَمْ يُقْصَدْ بِذَلِكَ أبُو بَكْرٍ ولا غَيْرُهُ. والمُرادُ بِالإنْسانِ الجِنْسُ، ولِذَلِكَ أشارَ بِقَوْلِهِ: (أُولَئِكَ) جَمْعًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”يُتَقَبَّلُ“ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، ”أحْسَنُ“ رَفْعًا، وكَذا ويُتَجاوَزُ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ، وأبُو جَعْفَرٍ، والأعْمَشُ: بِخِلافٍ عَنْهُ. وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ: نَتَقَبَّلُ أحْسَنَ نَصْبًا، ونَتَجاوَزُ بِالنُّونِ فِيهِما، والحَسَنُ، والأعْمَشُ، وعِيسى: بِالياءِ فِيهِما مَفْتُوحَةً ونَصْبِ أحْسَنَ.
﴿فِي أصْحابِ الجَنَّةِ﴾، قِيلَ: في بِمَعْنى مَعَ، وقِيلَ: هو نَحْوُ قَوْلِكَ: أكْرَمَنِي الأمِيرُ في ناسٍ مِن أصْحابِهِ، يُرِيدُ في جُمْلَةِ مَن أكْرَمَ مِنهم، ومَحَلُّهُ النَّصْبُ عَلى الحالِ عَلى مَعْنى كائِنِينَ في أصْحابِ الجَنَّةِ. وانْتَصَبَ ﴿وعْدَ الصِّدْقِ﴾ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ﴾، وعْدٌ مِنهُ تَعالى بِالتَّقَبُّلِ والتَّجاوُزِ، لَمّا ذَكَرَ الإنْسانَ البارَّ بِوالِدَيْهِ وما آلَ إلَيْهِ مِنَ الخَيْرِ، ذَكَرَ العاقَّ بِوالِدَيْهِ وما آلَ إلَيْهِ مِنَ الشَّرِّ. والمُرادُ بِالَّذِي: الجِنْسُ، ولِذَلِكَ جاءَ الخَبَرُ مَجْمُوعًا في قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ﴾ . وقالَ الحَسَنُ: هو الكافِرُ العاقُّ بِوالِدَيْهِ المُنْكِرُ البَعْثَ. وقَوْلُ مَرْوانَ بْنِ الحَكَمِ، واتَّبَعَهُ قَتادَةُ: إنَّها نَزَلَتْ في عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، قَوْلٌ خَطَأٌ ناشِئٌ عَنْ جَوْرٍ، حِينَ دَعا مَرْوانُ، وهو أمِيرُ المَدِينَةِ، إلى مُبايَعَةِ يَزِيدَ، فَقالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: جَعَلْتُمُوها هِرَقْلِيَّةً ؟ كُلَّما ماتَ هِرَقْلُ ولِيَ ابْنُهُ، وكُلَّما ماتَ قَيْصَرُ ولِيَ ابْنُهُ ؟ فَقالَ مَرْوانُ: خُذُوهُ، فَدَخَلَ بَيْتَ أُخْتِهِ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها، وقَدْ أنْكَرَتْ ذَلِكَ عائِشَةُ فَقالَتْ، وهي المَصْدُوقَةُ: لَمْ يَنْزِلْ في آلِ أبِي بَكْرٍ مِنَ القُرْآنِ غَيْرُ بَراءَتِي، وقالَتْ: واللَّهِ ما هو بِهِ، ولَوْ شِئْتُ أنْ أُسَمِّيَهُ لَسَمَّيْتُهُ. وصَدَّتْ مَرْوانَ وقالَتْ: ولَكِنَّ اللَّهَ لَعَنَ أباكَ وأنْتَ في صُلْبِهِ، فَأنْتَ فَضَضٌ مِن لَعْنَةِ اللَّهِ. ويَدُلُّ عَلى فَسادِ هَذا القَوْلِ أنَّهُ قالَ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ﴾، وهَذِهِ صِفاتُ الكُفّارِ أهْلِ النّارِ، وكانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ مِن أفاضِلِ الصَّحابَةِ وسَراتِهِمْ وأبْطالِهِمْ، ومِمَّنْ لَهُ في الإسْلامِ غَناءٌ يَوْمَ اليَمامَةِ وغَيْرِهِ.
﴿أُفٍّ لَكُما﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى أُفٍّ مَدْلُولًا ولُغاتٍ وقِراءَةً في سُورَةِ الإسْراءِ، واللّامُ في لَكُما لِلْبَيانِ، أيْ لَكُما، أعْنِي التَّأْفِيفَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿أتَعِدانِنِي﴾، بِنُونَيْنِ، (p-٦٢)الأُولى مَكْسُورَةٌ، والحَسَنُ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وفي رِوايَةٍ، وهِشامٌ: بِإدْغامِ نُونِ الرَّفْعِ في نُونِ الوِقايَةِ. وقَرَأ نافِعٌ في رِوايَةٍ، وجَماعَةٌ: بِنُونٍ واحِدَةٍ. وقَرَأ الحَسَنُ، وشَيْبَةُ، وأبُو جَعْفَرٍ: بِخِلافٍ عَنْهُ، وعَبْدُ الوارِثِ، عَنْ أبِي عَمْرٍو. وهارُونُ بْنُ مُوسى، عَنِ الجَحْدَرِيِّ، وسامٌ عَنْ هِشامٍ: بِفَتْحِ النُّونِ الأُولى، كَأنَّهم فَرُّوا مِنَ الكَسْرَتَيْنِ والياءِ إلى الفَتْحِ طَلَبًا لِلتَّخْفِيفِ فَفَتَحُوا، كَما فَرَّ مَن أدْغَمَ ومَن حَذَفَ. وقالَ أبُو حاتِمٍ: فَتْحُ النُّونِ باطِلٌ غَلَطٌ. (أنْ أُخْرَجَ): أيْ أُخْرَجَ مِن قَبْرِي لِلْبَعْثِ والحِسابِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: أنْ أُخْرَجَ، مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، والحَسَنُ، وابْنُ يَعْمُرَ، والأعْمَشُ، وابْنُ مُصَرِّفٍ، والضَّحّاكُ: مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ.
﴿وقَدْ خَلَتِ القُرُونُ مِن قَبْلِي﴾: أيْ مَضَتْ، ولَمْ يُخْرَجْ مِنهم أحَدٌ ولا بُعِثَ. وقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: ﴿وقَدْ خَلَتِ القُرُونُ مِن قَبْلِي﴾ مُكَذِّبَةً بِالبَعْثِ.
﴿وهُما يَسْتَغِيثانِ اللَّهَ﴾، يُقالُ: اسْتَغَثْتُ اللَّهَ واسْتَغَثْتُ بِاللَّهِ، والِاسْتِعْمالانِ في لِسانِ العَرَبِ. وقَدْ رَدَدْنا عَلى ابْنِ مالِكٍ إنْكارَ تَعْدِيَتِهِ بِالباءِ، وذَكَرْنا شَواهِدَ عَلى ذَلِكَ في الأنْفالِ، أيْ يَقُولانِ: الغِياثُ بِاللَّهِ مِنكَ ومِن قَوْلِكَ، وهو اسْتِعْظامٌ لِقَوْلِهِ.
﴿ويْلَكَ﴾: دُعاءٌ عَلَيْهِ بِالثُّبُورِ، والمُرادُ بِهِ الحَثُّ والتَّحْرِيضُ عَلى الإيمانِ لا حَقِيقَةُ الهَلاكِ. وقِيلَ: ويْلَكَ لِمَن يُحَقِّرُ ويُحَرِّكُ لِأمْرٍ يَسْتَعْجِلُ إلَيْهِ. وقَرَأ الأعْرَجُ، وعَمْرُو بْنُ فائِدَةَ: (أنَّ وعْدَ اللَّهِ)، بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، أيْ: آمِن بِأنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ، والجُمْهُورُ بِكَسْرِها، ﴿فَيَقُولُ ما هَذا﴾: أيْ ما هَذا الَّذِي يَقُولُ ؟ أيْ مِنَ الوَعْدِ بِالبَعْثِ مِنَ القُبُورِ إلّا شَيْءٌ سَطَّرَهُ الأوَّلُونَ في كُتُبِهِمْ، ولا حَقِيقَةَ لَهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وظاهِرُ ألْفاظِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّها نَزَلَتْ في مُشارٍ إلَيْهِ قالَ وقِيلَ لَهُ، فَنَفى اللَّهُ أقْوالَهُ تَحْذِيرًا مِنَ الوُقُوعِ في مِثْلِها.
وقَوْلُهُ: (أُولَئِكَ)، ظاهِرُهُ أنَّهُ إشارَةٌ إلى جِنْسٍ يَتَضَمَّنُهُ قَوْلُهُ: ﴿والَّذِي قالَ﴾، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الآيَةُ في مُشارٍ إلَيْهِ، ويَكُونُ قَوْلُهُ في أُولَئِكَ بِمَعْنى صِنْفِ هَذا المَذْكُورِ وجِنْسِهِ هم: ﴿الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ﴾ أيْ قَوْلُ اللَّهِ أنَّهُ يُعَذِّبُهم (في أُمَمٍ)، أيْ جُمْلَةِ: ﴿أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ﴾، يَقْتَضِي أنَّ الجِنَّ يَمُوتُونَ قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ كالإنْسِ. وقالَ الحَسَنُ في بَعْضِ مَجالِسِهِ: الجِنُّ لا يَمُوتُونَ، فاعْتَرَضَهُ قَتادَةُ بِهَذِهِ الآيَةِ فَسَكَتَ. وقَرَأ العَبّاسُ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: أنَّهم كانُوا، بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، والجُمْهُورُ بِالكَسْرِ. (ولِكُلٍّ): أيْ مِنَ المُحْسِنِ والمُسِيءِ، (دَرَجاتٌ) غَلَبَ دَرَجاتٌ، إذِ الجَنَّةُ دَرَجاتٌ والنّارُ دَرَكاتٌ، والمَعْنى: مَنازِلُ ومَراتِبُ مِن جَزاءِ ما عَمِلُوا مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ، ومِن أجْلِ ما عَمِلُوا مِنها. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: دَرَجاتُ المُحْسِنِينَ تَذْهَبُ عُلُوًّا، ودَرَجاتُ المُسِيئِينَ تَذْهَبُ سُفْلًا. انْتَهى. والمُعَلِّلُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: ولِيُوَفِّيَهم أعْمالَهم قَدْرَ جَزائِهِمْ، فَجُعِلَ الثَّوابُ دَرَجاتٍ والعِقابُ دَرَكاتٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ولِيُوَفِّيَهم بِالياءِ، أيِ اللَّهُ تَعالى، والأعْمَشُ والأعْرَجُ وشَيْبَةُ وأبُو جَعْفَرٍ والأخَوانِ وابْنُ ذَكْوانَ ونافِعٌ: بِخِلافٍ عَنْهُ بِالنُّونِ، والسُّلَمِيُّ: بِالتّاءِ مِن فَوْقٍ، أيْ ولِنُوَفِّيَهُمُ الدَّرَجاتِ، أسْنَدَ التَّوْفِيَةَ إلَيْها مَجازًا.
الأحقاف 46:16
﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ وإذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذا إفْكٌ قَدِيمٌ﴾ ﴿ومِن قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إمامًا ورَحْمَةً وهَذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ لِسانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وبُشْرى لِلْمُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿ووَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ إحْسانًا﴾ ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا ووَضَعَتْهُ كُرْهًا وحَمْلُهُ وفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا حَتّى إذا بَلَغَ أشُدَّهُ وبَلَغَ أرْبَعِينَ سَنَةً قالَ رَبِّ أوْزِعْنِي أنْ أشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أنْعَمْتَ عَلَيَّ وعَلى والِدَيَّ وأنْ أعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ وأصْلِحْ لِي في ذُرِّيَّتِي إنِّي تُبْتُ إلَيْكَ وإنِّي مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهم أحْسَنَ ما عَمِلُوا ونَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ في أصْحابِ الجَنَّةِ وعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ﴾ ﴿والَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما أتَعِدانِنِي أنْ أُخْرَجَ وقَدْ خَلَتِ القُرُونُ مِن قَبْلِي وهُما يَسْتَغِيثانِ اللَّهَ ويْلَكَ آمِن إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ ما هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ في أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ إنَّهم كانُوا خاسِرِينَ﴾ ﴿ولِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا ولِيُوَفِّيَهم أعْمالَهم وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ .
(p-٥٩)قالَ قَتادَةُ: هي مَقالَةُ كُفّارِ قُرَيْشٍ لِلَّذِينَ آمَنُوا: أيْ لِأجْلِ الَّذِينَ آمَنُوا: واللّامُ لِلتَّبْلِيغِ. ثُمَّ انْتَقَلُوا إلى الغَيْبَةِ في قَوْلِهِمْ: ﴿ما سَبَقُونا﴾، ولَوْ لَمْ يَنْتَقِلُوا لَكانَ الكَلامُ ما سُبِقْتُمْ إلَيْهِ. ولَمّا سَمِعُوا أنَّ جَماعَةً آمَنُوا خاطَبُوا جَماعَةً مِنَ المُؤْمِنِينَ، أيْ قالُوا: ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ﴾: أُولَئِكَ الَّذِينَ بَلَغَنا إيمانُهم يُرِيدُونَ عَمّارًا وصُهَيْبًا وبِلالًا ونَحْوَهم مِمَّنْ أسْلَمَ وآمَنَ بِالنَّبِيِّ ﷺ . وقالَ الكَلْبِيُّ والزَّجّاجُ: هي مَقالَةُ كِنانَةَ وعامِرٍ وسائِرِ قَبائِلِ العَرَبِ المُجاوِرَةِ. قالَتْ ذَلِكَ حِينَ أسْلَمَتْ غِفارٌ ومُزَيْنَةُ وجُهَيْنَةُ، أيْ لَوْ كانَ هَذا الدِّينُ خَيْرًا، ما سَبَقَنا إلَيْهِ الرُّعاةُ. وقالَ الثَّعْلَبِيُّ: هي مَقالَةُ اليَهُودِ حِينَ أسْلَمَ ابْنُ سَلامٍ وغَيْرُهُ مِنهم. وقالَ أبُو المُتَوَكِّلِ: أسْلَمَ أبُو ذَرٍّ، ثُمَّ أسْلَمَتْ غِفارٌ، فَقالَتْ قُرَيْشٌ ذَلِكَ. وقِيلَ: أسْلَمَتْ أمَةٌ لِعُمَرَ، فَكانَ يَضْرِبُها، حَتّى يَفْتُرَ ويَقُولَ: لَوْلا أنِّي فَتَرْتُ لَزِدْتُكِ ضَرْبًا فَقالَ كُفّارُ قُرَيْشٍ: لَوْ كانَ ما يَدْعُو إلَيْهِ مُحَمَّدٌ حَقًّا، ما سَبَقَتْنا إلَيْهِ فُلانَةُ. والظّاهِرُ أنَّ اسْمَ كانَ هو القُرْآنُ، وعَلَيْهِ يَعُودُ بِهِ ويُؤَيِّدُهُ، ومِن قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى. وقِيلَ: بِهِ عائِدٌ عَلى الرَّسُولِ، والعامِلُ في إذْ مَحْذُوفٌ، أيْ ﴿وإذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ﴾، ظَهَرَ عِنادُهم. وقَوْلُهُ: (فَسَيَقُولُونَ)، مُسَبَّبٌ عَنْ ذَلِكَ الجَوابِ المَحْذُوفِ، لِأنَّ هَذا القَوْلَ هو ناشِئٌ عَنِ العِنادِ، ويَمْتَنِعُ أنْ يَعْمَلَ في إذْ فَسَيَقُولُونَ، لِحَيْلُولَةِ الفاءِ ولِتَعانُدِ زَمانِ إذْ وزَمانِ سَيَقُولُونَ.
﴿إفْكٌ قَدِيمٌ﴾، كَما قالُوا: ﴿أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾، وقِدَمُهُ بِمُرُورِ الأعْصارِ عَلَيْهِ.
ولَمّا طَعَنُوا في صِحَّةِ القُرْآنِ، قِيلَ لَهم: إنَّهُ أنْزَلَ اللَّهُ مِن قَبْلِهِ التَّوْراةَ عَلى مُوسى، وأنْتُمْ لا تُنازَعُونَ في ذَلِكَ، فَلا يُنازَعُ في إنْزالِ القُرْآنِ. (إمامًا) أيْ يُهْتَدى بِهِ، إنَّ فِيهِ البِشارَةَ بِمَبْعَثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وإرْسالِهِ، فَيَلْزَمُ اتِّباعُهُ والإيمانُ بِهِ، وانْتَصَبَ إمامًا عَلى الحالِ، والعامِلُ فِيهِ العامِلُ في: (ومِن قَبْلِهِ)، أيْ وكِتابُ مُوسى كانَ مِن قَبْلِ القُرْآنِ في حالِ كَوْنِهِ إمامًا. وقَرَأ الكَلْبِيُّ: كِتابَ مُوسى، نَصَبَ وفَتَحَ مِيمَ مَن عَلى أنَّها مَوْصُولَةٌ، تَقْدِيرُهُ: وآتَيْنا الَّذِي قَبْلَهُ كِتابَ مُوسى. وقِيلَ: انْتَصَبَ إمامًا بِمَحْذُوفٍ، أيْ أنْزَلْناهُ إمامًا، أيْ قُدْوَةً يُؤْتَمُّ بِهِ، (ورَحْمَةً) لِمَن عَمِلَ بِهِ، وهَذا إشارَةٌ إلى القُرْآنِ.
﴿كِتابٌ مُصَدِّقٌ﴾ لَهُ، أيْ لِكِتابِ مُوسى، وهي التَّوْراةُ الَّتِي تَضَمَّنَتْ خَبَرَهُ وخَبَرَ مَن جاءَ بِهِ، وهو الرَّسُولُ. فَجاءَ هو مُصَدِّقًا لِتِلْكَ الأخْبارِ، أوْ مُصَدِّقًا لِلْكُتُبِ الإلَهِيَّةِ. ولِسانًا: حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في ”مُصَدِّقٌ“، والعامِلُ فِيهِ مُصَدِّقٌ، أوْ مِن ”كِتابٌ“، إذْ قَدْ وصَفَ العامِلُ فِيهِ اسْمَ الإشارَةِ. أوْ لِسانًا: حالُ مَوْطِئِهِ، والحالُ في الحَقِيقَةِ هو ”عَرَبِيًّا“، أوْ عَلى حَذْفٍ، أيْ ذا الشَّأْنِ عَرَبِيٌّ، فَيَكُونُ مَفْعُولًا بِـ ”مُصَدِّقٌ“، أيْ هَذا القُرْآنُ مُصَدِّقٌ مَن جاءَ بِهِ وهو الرَّسُولُ، وذَلِكَ بِإعْجازِهِ وأحْوالِهِ البارِعَةِ. وقِيلَ: انْتَصَبَ عَلى إسْقاطِ الخافِضِ، أيْ بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ، وشَيْبَةُ، والأعْرَجُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وابْنُ عامِرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ: لِتُنْذِرَ، بِتاءِ الخِطابِ لِلرَّسُولِ، والأعْمَشُ، وابْنُ كَثِيرٍ أيْضًا، وباقِي السَّبْعَةِ: بِياءِ الغَيْبَةِ، أيْ لِيُنْذِرَنا القُرْآنُ والَّذِينَ ظَلَمُوا: الكُفّارُ عُبّادُ الأصْنامِ، حَيْثُ وضَعُوا العِبادَةَ في غَيْرِ مَن يَسْتَحِقُّهُ.
﴿وبُشْرى﴾، قِيلَ: مَعْطُوفٌ عَلى ”مُصَدِّقٌ“، فَهو في مَوْضِعِ رَفْعٍ، أوْ عَلى إضْمارِ هو. وقِيلَ: مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ مَعْطُوفٍ عَلى لِيُنْذِرَ، أيْ: ويُبَشِّرَ بُشْرى. وقِيلَ: مَنصُوبٌ عَلى إسْقاطِ الخافِضِ، أيْ ولِبُشْرى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وتَبِعَهُ أبُو البَقاءِ: وبُشْرى في مَحَلِّ النَّصْبِ، مَعْطُوفٌ عَلى مَحَلِّ لِيُنْذِرَ، لِأنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ. انْتَهى. وهَذا لا يَجُوزُ عَلى الصَّحِيحِ مِن مَذْهَبِ النَّحْوِيِّينَ، لِأنَّهم يَشْتَرِطُونَ في الحَمْلِ عَلى المَحَلِّ أنْ يَكُونَ المَحَلُّ بِحَقِّ الأصالَةِ، وأنْ يَكُونَ لِلْمَوْضِعِ مَحْرَزٌ. والمَحَلُّ هُنا لَيْسَ بِحَقِّ الأصالَةِ، لِأنَّ الأصْلَ هو الجَرُّ في المَفْعُولِ (p-٦٠)لَهُ، وإنَّما النَّصْبُ ناشِئٌ عَنْ إسْقاطِ الخافِضِ، لَكِنَّهُ لَمّا كَثُرَ بِالشُّرُوطِ المَذْكُورَةِ في النَّحْوِ، وصَلَ إلَيْهِ الفِعْلُ فَنَصَبَهُ. ولَمّا عَبَّرَ عَنِ الكُفّارِ بِالَّذِينَ ظَلَمُوا، عَبَّرَ عَنِ المُؤْمِنِينَ بِالمُحْسِنِينَ، لِيُقابِلَ بِلَفْظِ الإحْسانِ لَفْظَ الظُّلْمِ.
﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظِيرِ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ فُصِّلَتْ. ولَمّا ذَكَرَ: ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾، قالَ: (ووَصَّيْنا)، إذْ كانَ بِرُّ الوالِدَيْنِ ثانِيًا أفْضَلَ الأعْمالِ، إذْ في الصَّحِيحِ: «أيُّ الأعْمالِ أفْضَلُ ؟ فَقالَ الصَّلاةُ عَلى مِيقاتِها قالَ: ثُمَّ أيُّ ؟ قالَ: ثُمَّ بِرُّ الوالِدَيْنِ»، وإنْ كانَ عُقُوقُهُما ثانِيَ أكْبَرِ الكَبائِرِ، إذْ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «ألا أُنَبِّئُكم ؟ بِأكْبَرِ الكَبائِرِ ؟ الإشْراكُ بِاللَّهِ وعُقُوقُ الوالِدَيْنِ»، والوارِدُ في بَرِّهِما كَثِيرٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: حُسْنًا، بِضَمِّ الحاءِ وإسْكانِ السِّينِ، وعَلِيٌّ، والسُّلَمِيُّ، وعِيسى: بِفَتْحِهِما، وعَنْ عِيسى: بِضَمِّهِما، والكُوفِيُّونَ: إحْسانًا، فَقِيلَ: ضَمَّنَ ووَصَّيْنا مَعْنى ألْزَمْنا، فَيَتَعَدّى لِاثْنَيْنِ، فانْتَصَبَ حُسْنًا وإحْسانًا عَلى المَفْعُولِ الثّانِي لِوَصَّيْنا. وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: إيصاءٌ ذا حُسْنٍ، أوْ ذا إحْسانٍ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حُسْنًا بِمَعْنى إحْسانٍ، فَيَكُونَ مَفْعُولًا لَهُ، أيْ ووَصَّيْناهُ بِهِما لِإحْسانِنا إلَيْهِما، فَيَكُونَ الإحْسانُ مِنَ اللَّهِ تَعالى. وقِيلَ: النَّصْبُ عَلى المَصْدَرِ عَلى تَضْمِينِ وصَّيْنا مَعْنى أحْسَنّا بِالوَصِيَّةِ لِلْإنْسانِ بِوالِدَيْهِ إحْسانًا. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ونَصْبُ هَذا يَعْنِي إحْسانًا عَلى المَصْدَرِ الصَّرِيحِ والمَفْعُولِ الثّانِي في المَجْرُورِ، والباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِوَصَّيْنا، أوْ بِقَوْلِهِ: إحْسانًا. انْتَهى. ولا يَصِحُّ أنْ يَتَعَلَّقَ بِإحْسانًا، لِأنَّهُ مُصَدَّرٌ بِحَرْفٍ مَصْدَرِيٍّ والفِعْلِ، فَلا يَتَقَدَّمُ مَعْمُولُهُ عَلَيْهِ، ولِأنَّ أحْسَنَ لا يَتَعَدّى بِالباءِ، إنَّما يَتَعَدّى بِاللّامِ، تَقُولُ: أحْسَنْتُ لِزَيْدٍ، ولا تَقُولُ: أحْسَنْتُ بِزَيْدٍ، عَلى مَعْنى أنَّ الإحْسانَ يَصِلُ إلَيْهِ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ﴿ووَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ [العنكبوت: ٨] في سُورَةِ العَنْكَبُوتِ، وانْجَرَّ هُنا بِالكَلامِ عَلى ذَلِكَ مَزِيدًا لِلْفائِدَةِ.
﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا﴾: لَيْسَ الكُرْهُ في أوَّلِ عُلُوقِها، بَلْ في ثانِي اسْتِمْرارِ الحَمْلِ، إذْ لا تَدْبِيرَ لَها في حَمْلِهِ ولا تَرْكِهِ. انْتَهى. ولا يَلْحَقُها كُرْهٌ إذْ ذاكَ، فَهَذا احْتِمالٌ بَعِيدٌ. وقالَ مُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ: المَعْنى حَمَلَتْهُ مَشَقَّةً، ووَضَعَتْهُ مَشَقَّةً. وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِضَمِّ الكافِ، وشَيْبَةُ، وأبُو جَعْفَرٍ، والأعْرَجُ، والحَرَمِيّانِ، وأبُو عَمْرٍو: بِالفَتْحِ، وبِهِما مَعًا: أبُو رَجاءٍ، ومُجاهِدٌ، وعِيسى، والضَّمُّ والفَتْحُ لُغَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ، كالعَقْرِ والعُقْرِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: بِالضَّمِّ المَشَقَّةُ، وبِالفَتْحِ الغَلَبَةُ والقَهْرُ، وضَعَّفُوا قِراءَةَ الفَتْحِ. وقالَ بَعْضُهم: لَوْ كانَ بِالفَتْحِ، لَرَمَتْ بِهِ عَنْ نَفْسِها إذْ مَعْناهُ: القَهْرُ والغَلَبَةُ. انْتَهى. وهَذا لَيْسَ بِشَيْءٍ، إذْ قِراءَةُ الفَتْحِ في السَّبْعَةِ المُتَواتِرَةِ. وقالَ أبُو حاتِمٍ: القِراءَةُ بِفَتْحِ الكافِ لا تَحْسُنُ، لِأنَّ الكَرْهَ، بِالفَتْحِ، النَّصَبُ والغَلَبَةُ. انْتَهى. وكانَ أبُو حاتِمٍ يَطْعَنُ في بَعْضِ القُرْآنِ بِما لا عِلْمَ لَهُ بِهِ جَسارَةً مِنهُ، عَفا اللَّهُ عَنْهُ، وانْتِصابُهُما عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ الفاعِلِ، أيْ حَمَلَتْهُ ذاتَ كُرْهٍ، أوْ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ حَمْلًا ذا كُرْهٍ.
﴿وحَمْلُهُ وفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾: أيْ ومُدَّةُ حَمْلِهِ وفِصالِهِ، وهَذا لا يَكُونُ إلّا بِأنْ يَكُونَ أحَدُ الطَّرَفَيْنِ ناقِصًا، إمّا بِأنْ تَلِدَ المَرْأةُ لِسِتَّةِ أشْهُرٍ وتُرْضِعَ عامَيْنِ، وإمّا أنْ تَلِدَ لِتِسْعَةِ أشْهُرٍ عَلى العُرْفِ وتُرْضِعَ عامَيْنِ غَيْرَ رُبْعِ عامٍ. فَإنْ زادَتْ مُدَّةُ الحَمْلِ، نَقَصَتْ مُدَّةُ الرَّضاعِ. فَمُدَّةُ الرَّضاعِ عامٌ وتِسْعَةُ أشْهُرٍ، وإكْمالُ العامَيْنِ لِمَن أرادَ أنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ. وقَدْ كَشَفَتِ التَّجْرِبَةُ أنَّ أقَلَّ مُدَّةِ الحَمْلِ سِتَّةُ أشْهُرٍ، كَنَصِّ القُرْآنِ. وقالَ جالِينُوسُ: كُنْتُ شَدِيدَ الفَحْصِ عَنْ مُقَدَّرِ زَمَنِ الحَمْلِ، فَرَأيْتُ امْرَأةً ولَدَتْ لِمِائَةٍ وأرْبَعٍ وثَمانِينَ لَيْلَةً. وزَعَمَ ابْنُ سِينا أنَّهُ شاهَدَ ذَلِكَ، وأمّا أكْثَرُ الحَمْلِ فَلَيْسَ في القُرْآنِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ. قالَ ابْنُ سِينا في الشِّفاءِ: بَلَغَنِي مِن جِهَةِ مَن أثِقُ بِهِ كُلَّ الثِّقَةِ، أنَّ امْرَأةً وضَعَتْ بَعْدَ الرّابِعِ مِن سِنِي الحَمْلِ، ولَدَتْ ولَدًا نَبَتَتْ أسْنانُهُ. وحُكِيَ عَنْ أرِسْطاطالِيسَ أنَّهُ قالَ: إنَّ مُدَّةَ الحَمْلِ لِكُلِّ الحَيَوانِ مَضْبُوطَةٌ سِوى الإنْسانِ، فَرُبَّما وضَعَتْ لِسَبْعَةِ أشْهُرٍ، ولِثَمانِيَةٍ، وقَلَّ ما يَعِيشُ الوَلَدُ في الثّامِنِ، إلّا في بِلادٍ مُعَيَّنَةٍ مِثْلَ مِصْرَ. انْتَهى. وعَبَّرَ عَنِ الرَّضاعِ بِالفِصالِ، لَمّا كانَ الرَّضاعُ يَلِي الفِصالَ (p-٦١)ويُلابِسُهُ، لِأنَّهُ يَنْتَهِي بِهِ ويَتِمُّ، سُمِّيَ بِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: وفِصالُهُ، وهو مَصْدَرُ فاصَلَ، كَأنَّهُ مِنِ اثْنَيْنِ: فاصَلَ أُمَّهُ وفاصَلَتْهُ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، والجَحْدَرِيُّ: وفَصْلُهُ، قِيلَ: والفَصْلُ والفِصالُ مَصْدَرانِ، كالفَطْمِ والفِطامِ. وهُنا لَطِيفَةٌ: ذَكَرَ تَعالى الأُمَّ في ثَلاثَةِ مَراتِبَ في قَوْلِهِ: بِوالِدَيْهِ. وحَمْلُهُ وإرْضاعُهُ المُعَبَّرُ عَنْهُ بِالفِصالِ، وذَكَرَ الوالِدَ في واحِدَةٍ في قَوْلِهِ: بِوالِدَيْهِ، فَناسَبَ ما قالَ الرَّسُولُ مِن جَعْلِ ثَلاثَةِ أرْباعِ البِرِّ لِلْأُمِّ والرُّبُعِ لِلْأبِ «فِي قَوْلِ الرَّجُلِ: ”يا رَسُولَ اللَّهِ، مَن أبَرُّ ؟ قالَ: أُمَّكَ، قالَ: ثُمَّ مَن ؟ قالَ: أُمَّكَ، قالَ: ثُمَّ مَن ؟ قالَ: أُمَّكَ، قالَ: ثُمَّ مَن ؟ قالَ: أباكَ“» .
﴿حَتّى إذا بَلَغَ أشُدَّهُ﴾ في الكَلامِ حَذْفٌ تَكُونُ: حَتّى غايَةً لَهُ، تَقْدِيرُهُ: فَعاشَ بَعْدَ ذَلِكَ، أوِ اسْتَمَرَّتْ حَياتُهُ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في ﴿بَلَغَ أشُدَّهُ﴾ في سُورَةِ يُوسُفَ. والظّاهِرُ ضَعْفُ قَوْلِ مَن قالَ: بُلُوغُ الأشُدِّ أرْبَعُونَ، لِعَطْفِ ﴿وبَلَغَ أرْبَعِينَ سَنَةً﴾ . والعَطْفُ يَقْتَضِي التَّغايُرَ، إلّا إنِ ادُّعِيَ أنَّ ذَلِكَ تَوْكِيدٌ لِبُلُوغِ الأشُدِّ فَيُمْكِنُ، والتَّأْسِيسُ أوْلى مِنَ التَّأْكِيدِ، وبُلُوغُ الأرْبَعِينَ اكْتِمالُ العَقْلِ لِظُهُورِ الفَلاحِ. قِيلَ: ولَمْ يُبْعَثْ نَبِيٌّ إلّا بَعْدَ الأرْبَعِينَ. وفي الحَدِيثِ: «إنَّ الشَّيْطانَ يَجُرُّ يَدَهُ عَلى وجْهِ مَن زادَ عَلى الأرْبَعِينَ ولَمْ يَتُبْ ويَقُولُ: بِأبِي وجْهٌ لا يُفْلِحُ» .
﴿قالَ رَبِّ أوْزِعْنِي أنْ أشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أنْعَمْتَ عَلَيَّ وعَلى والِدَيَّ وأنْ أعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ﴾: وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذا في سُورَةِ النَّمْلِ.
﴿وأصْلِحْ لِي في ذُرِّيَّتِي﴾: سَألَ أنْ يَجْعَلَ ذُرِّيَّتَهُ مَوْقِعًا لِلصَّلاحِ ومَظِنَّةً لَهُ، كَأنَّهُ قالَ: هَبْ لِيَ الصَّلاحَ في ذُرِّيَّتِي، فَأوْقَعَهُ فِيهِمْ، أوْ ضَمَّنَ: وأصْلِحْ لِي مَعْنى: والطُفْ بِي في ذُرِّيَّتِي، لِأنَّ أصْلِحْ يَقْتَدِي بِنَفْسِهِ لِقَوْلِهِ: ﴿وأصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ﴾ [الأنبياء: ٩٠]، فَلِذَلِكَ احْتِيجَ قَوْلُهُ: ﴿فِي ذُرِّيَّتِي﴾ إلى التَّأْوِيلِ. قِيلَ: نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وتَتَناوَلُ مَن بَعْدَهُ، وهو مُشْكِلٌ، لِأنَّها نَزَلَتْ بِمَكَّةَ، وأبُوهُ أسْلَمَ عامَ الفَتْحِ. ولِقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهم أحْسَنَ ما عَمِلُوا﴾: فَلَمْ يُقْصَدْ بِذَلِكَ أبُو بَكْرٍ ولا غَيْرُهُ. والمُرادُ بِالإنْسانِ الجِنْسُ، ولِذَلِكَ أشارَ بِقَوْلِهِ: (أُولَئِكَ) جَمْعًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”يُتَقَبَّلُ“ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، ”أحْسَنُ“ رَفْعًا، وكَذا ويُتَجاوَزُ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ، وأبُو جَعْفَرٍ، والأعْمَشُ: بِخِلافٍ عَنْهُ. وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ: نَتَقَبَّلُ أحْسَنَ نَصْبًا، ونَتَجاوَزُ بِالنُّونِ فِيهِما، والحَسَنُ، والأعْمَشُ، وعِيسى: بِالياءِ فِيهِما مَفْتُوحَةً ونَصْبِ أحْسَنَ.
﴿فِي أصْحابِ الجَنَّةِ﴾، قِيلَ: في بِمَعْنى مَعَ، وقِيلَ: هو نَحْوُ قَوْلِكَ: أكْرَمَنِي الأمِيرُ في ناسٍ مِن أصْحابِهِ، يُرِيدُ في جُمْلَةِ مَن أكْرَمَ مِنهم، ومَحَلُّهُ النَّصْبُ عَلى الحالِ عَلى مَعْنى كائِنِينَ في أصْحابِ الجَنَّةِ. وانْتَصَبَ ﴿وعْدَ الصِّدْقِ﴾ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ﴾، وعْدٌ مِنهُ تَعالى بِالتَّقَبُّلِ والتَّجاوُزِ، لَمّا ذَكَرَ الإنْسانَ البارَّ بِوالِدَيْهِ وما آلَ إلَيْهِ مِنَ الخَيْرِ، ذَكَرَ العاقَّ بِوالِدَيْهِ وما آلَ إلَيْهِ مِنَ الشَّرِّ. والمُرادُ بِالَّذِي: الجِنْسُ، ولِذَلِكَ جاءَ الخَبَرُ مَجْمُوعًا في قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ﴾ . وقالَ الحَسَنُ: هو الكافِرُ العاقُّ بِوالِدَيْهِ المُنْكِرُ البَعْثَ. وقَوْلُ مَرْوانَ بْنِ الحَكَمِ، واتَّبَعَهُ قَتادَةُ: إنَّها نَزَلَتْ في عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، قَوْلٌ خَطَأٌ ناشِئٌ عَنْ جَوْرٍ، حِينَ دَعا مَرْوانُ، وهو أمِيرُ المَدِينَةِ، إلى مُبايَعَةِ يَزِيدَ، فَقالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: جَعَلْتُمُوها هِرَقْلِيَّةً ؟ كُلَّما ماتَ هِرَقْلُ ولِيَ ابْنُهُ، وكُلَّما ماتَ قَيْصَرُ ولِيَ ابْنُهُ ؟ فَقالَ مَرْوانُ: خُذُوهُ، فَدَخَلَ بَيْتَ أُخْتِهِ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها، وقَدْ أنْكَرَتْ ذَلِكَ عائِشَةُ فَقالَتْ، وهي المَصْدُوقَةُ: لَمْ يَنْزِلْ في آلِ أبِي بَكْرٍ مِنَ القُرْآنِ غَيْرُ بَراءَتِي، وقالَتْ: واللَّهِ ما هو بِهِ، ولَوْ شِئْتُ أنْ أُسَمِّيَهُ لَسَمَّيْتُهُ. وصَدَّتْ مَرْوانَ وقالَتْ: ولَكِنَّ اللَّهَ لَعَنَ أباكَ وأنْتَ في صُلْبِهِ، فَأنْتَ فَضَضٌ مِن لَعْنَةِ اللَّهِ. ويَدُلُّ عَلى فَسادِ هَذا القَوْلِ أنَّهُ قالَ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ﴾، وهَذِهِ صِفاتُ الكُفّارِ أهْلِ النّارِ، وكانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ مِن أفاضِلِ الصَّحابَةِ وسَراتِهِمْ وأبْطالِهِمْ، ومِمَّنْ لَهُ في الإسْلامِ غَناءٌ يَوْمَ اليَمامَةِ وغَيْرِهِ.
﴿أُفٍّ لَكُما﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى أُفٍّ مَدْلُولًا ولُغاتٍ وقِراءَةً في سُورَةِ الإسْراءِ، واللّامُ في لَكُما لِلْبَيانِ، أيْ لَكُما، أعْنِي التَّأْفِيفَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿أتَعِدانِنِي﴾، بِنُونَيْنِ، (p-٦٢)الأُولى مَكْسُورَةٌ، والحَسَنُ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وفي رِوايَةٍ، وهِشامٌ: بِإدْغامِ نُونِ الرَّفْعِ في نُونِ الوِقايَةِ. وقَرَأ نافِعٌ في رِوايَةٍ، وجَماعَةٌ: بِنُونٍ واحِدَةٍ. وقَرَأ الحَسَنُ، وشَيْبَةُ، وأبُو جَعْفَرٍ: بِخِلافٍ عَنْهُ، وعَبْدُ الوارِثِ، عَنْ أبِي عَمْرٍو. وهارُونُ بْنُ مُوسى، عَنِ الجَحْدَرِيِّ، وسامٌ عَنْ هِشامٍ: بِفَتْحِ النُّونِ الأُولى، كَأنَّهم فَرُّوا مِنَ الكَسْرَتَيْنِ والياءِ إلى الفَتْحِ طَلَبًا لِلتَّخْفِيفِ فَفَتَحُوا، كَما فَرَّ مَن أدْغَمَ ومَن حَذَفَ. وقالَ أبُو حاتِمٍ: فَتْحُ النُّونِ باطِلٌ غَلَطٌ. (أنْ أُخْرَجَ): أيْ أُخْرَجَ مِن قَبْرِي لِلْبَعْثِ والحِسابِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: أنْ أُخْرَجَ، مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، والحَسَنُ، وابْنُ يَعْمُرَ، والأعْمَشُ، وابْنُ مُصَرِّفٍ، والضَّحّاكُ: مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ.
﴿وقَدْ خَلَتِ القُرُونُ مِن قَبْلِي﴾: أيْ مَضَتْ، ولَمْ يُخْرَجْ مِنهم أحَدٌ ولا بُعِثَ. وقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: ﴿وقَدْ خَلَتِ القُرُونُ مِن قَبْلِي﴾ مُكَذِّبَةً بِالبَعْثِ.
﴿وهُما يَسْتَغِيثانِ اللَّهَ﴾، يُقالُ: اسْتَغَثْتُ اللَّهَ واسْتَغَثْتُ بِاللَّهِ، والِاسْتِعْمالانِ في لِسانِ العَرَبِ. وقَدْ رَدَدْنا عَلى ابْنِ مالِكٍ إنْكارَ تَعْدِيَتِهِ بِالباءِ، وذَكَرْنا شَواهِدَ عَلى ذَلِكَ في الأنْفالِ، أيْ يَقُولانِ: الغِياثُ بِاللَّهِ مِنكَ ومِن قَوْلِكَ، وهو اسْتِعْظامٌ لِقَوْلِهِ.
﴿ويْلَكَ﴾: دُعاءٌ عَلَيْهِ بِالثُّبُورِ، والمُرادُ بِهِ الحَثُّ والتَّحْرِيضُ عَلى الإيمانِ لا حَقِيقَةُ الهَلاكِ. وقِيلَ: ويْلَكَ لِمَن يُحَقِّرُ ويُحَرِّكُ لِأمْرٍ يَسْتَعْجِلُ إلَيْهِ. وقَرَأ الأعْرَجُ، وعَمْرُو بْنُ فائِدَةَ: (أنَّ وعْدَ اللَّهِ)، بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، أيْ: آمِن بِأنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ، والجُمْهُورُ بِكَسْرِها، ﴿فَيَقُولُ ما هَذا﴾: أيْ ما هَذا الَّذِي يَقُولُ ؟ أيْ مِنَ الوَعْدِ بِالبَعْثِ مِنَ القُبُورِ إلّا شَيْءٌ سَطَّرَهُ الأوَّلُونَ في كُتُبِهِمْ، ولا حَقِيقَةَ لَهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وظاهِرُ ألْفاظِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّها نَزَلَتْ في مُشارٍ إلَيْهِ قالَ وقِيلَ لَهُ، فَنَفى اللَّهُ أقْوالَهُ تَحْذِيرًا مِنَ الوُقُوعِ في مِثْلِها.
وقَوْلُهُ: (أُولَئِكَ)، ظاهِرُهُ أنَّهُ إشارَةٌ إلى جِنْسٍ يَتَضَمَّنُهُ قَوْلُهُ: ﴿والَّذِي قالَ﴾، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الآيَةُ في مُشارٍ إلَيْهِ، ويَكُونُ قَوْلُهُ في أُولَئِكَ بِمَعْنى صِنْفِ هَذا المَذْكُورِ وجِنْسِهِ هم: ﴿الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ﴾ أيْ قَوْلُ اللَّهِ أنَّهُ يُعَذِّبُهم (في أُمَمٍ)، أيْ جُمْلَةِ: ﴿أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ﴾، يَقْتَضِي أنَّ الجِنَّ يَمُوتُونَ قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ كالإنْسِ. وقالَ الحَسَنُ في بَعْضِ مَجالِسِهِ: الجِنُّ لا يَمُوتُونَ، فاعْتَرَضَهُ قَتادَةُ بِهَذِهِ الآيَةِ فَسَكَتَ. وقَرَأ العَبّاسُ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: أنَّهم كانُوا، بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، والجُمْهُورُ بِالكَسْرِ. (ولِكُلٍّ): أيْ مِنَ المُحْسِنِ والمُسِيءِ، (دَرَجاتٌ) غَلَبَ دَرَجاتٌ، إذِ الجَنَّةُ دَرَجاتٌ والنّارُ دَرَكاتٌ، والمَعْنى: مَنازِلُ ومَراتِبُ مِن جَزاءِ ما عَمِلُوا مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ، ومِن أجْلِ ما عَمِلُوا مِنها. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: دَرَجاتُ المُحْسِنِينَ تَذْهَبُ عُلُوًّا، ودَرَجاتُ المُسِيئِينَ تَذْهَبُ سُفْلًا. انْتَهى. والمُعَلِّلُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: ولِيُوَفِّيَهم أعْمالَهم قَدْرَ جَزائِهِمْ، فَجُعِلَ الثَّوابُ دَرَجاتٍ والعِقابُ دَرَكاتٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ولِيُوَفِّيَهم بِالياءِ، أيِ اللَّهُ تَعالى، والأعْمَشُ والأعْرَجُ وشَيْبَةُ وأبُو جَعْفَرٍ والأخَوانِ وابْنُ ذَكْوانَ ونافِعٌ: بِخِلافٍ عَنْهُ بِالنُّونِ، والسُّلَمِيُّ: بِالتّاءِ مِن فَوْقٍ، أيْ ولِنُوَفِّيَهُمُ الدَّرَجاتِ، أسْنَدَ التَّوْفِيَةَ إلَيْها مَجازًا.
الأحقاف 46:17
﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ وإذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذا إفْكٌ قَدِيمٌ﴾ ﴿ومِن قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إمامًا ورَحْمَةً وهَذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ لِسانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وبُشْرى لِلْمُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿ووَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ إحْسانًا﴾ ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا ووَضَعَتْهُ كُرْهًا وحَمْلُهُ وفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا حَتّى إذا بَلَغَ أشُدَّهُ وبَلَغَ أرْبَعِينَ سَنَةً قالَ رَبِّ أوْزِعْنِي أنْ أشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أنْعَمْتَ عَلَيَّ وعَلى والِدَيَّ وأنْ أعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ وأصْلِحْ لِي في ذُرِّيَّتِي إنِّي تُبْتُ إلَيْكَ وإنِّي مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهم أحْسَنَ ما عَمِلُوا ونَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ في أصْحابِ الجَنَّةِ وعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ﴾ ﴿والَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما أتَعِدانِنِي أنْ أُخْرَجَ وقَدْ خَلَتِ القُرُونُ مِن قَبْلِي وهُما يَسْتَغِيثانِ اللَّهَ ويْلَكَ آمِن إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ ما هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ في أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ إنَّهم كانُوا خاسِرِينَ﴾ ﴿ولِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا ولِيُوَفِّيَهم أعْمالَهم وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ .
(p-٥٩)قالَ قَتادَةُ: هي مَقالَةُ كُفّارِ قُرَيْشٍ لِلَّذِينَ آمَنُوا: أيْ لِأجْلِ الَّذِينَ آمَنُوا: واللّامُ لِلتَّبْلِيغِ. ثُمَّ انْتَقَلُوا إلى الغَيْبَةِ في قَوْلِهِمْ: ﴿ما سَبَقُونا﴾، ولَوْ لَمْ يَنْتَقِلُوا لَكانَ الكَلامُ ما سُبِقْتُمْ إلَيْهِ. ولَمّا سَمِعُوا أنَّ جَماعَةً آمَنُوا خاطَبُوا جَماعَةً مِنَ المُؤْمِنِينَ، أيْ قالُوا: ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ﴾: أُولَئِكَ الَّذِينَ بَلَغَنا إيمانُهم يُرِيدُونَ عَمّارًا وصُهَيْبًا وبِلالًا ونَحْوَهم مِمَّنْ أسْلَمَ وآمَنَ بِالنَّبِيِّ ﷺ . وقالَ الكَلْبِيُّ والزَّجّاجُ: هي مَقالَةُ كِنانَةَ وعامِرٍ وسائِرِ قَبائِلِ العَرَبِ المُجاوِرَةِ. قالَتْ ذَلِكَ حِينَ أسْلَمَتْ غِفارٌ ومُزَيْنَةُ وجُهَيْنَةُ، أيْ لَوْ كانَ هَذا الدِّينُ خَيْرًا، ما سَبَقَنا إلَيْهِ الرُّعاةُ. وقالَ الثَّعْلَبِيُّ: هي مَقالَةُ اليَهُودِ حِينَ أسْلَمَ ابْنُ سَلامٍ وغَيْرُهُ مِنهم. وقالَ أبُو المُتَوَكِّلِ: أسْلَمَ أبُو ذَرٍّ، ثُمَّ أسْلَمَتْ غِفارٌ، فَقالَتْ قُرَيْشٌ ذَلِكَ. وقِيلَ: أسْلَمَتْ أمَةٌ لِعُمَرَ، فَكانَ يَضْرِبُها، حَتّى يَفْتُرَ ويَقُولَ: لَوْلا أنِّي فَتَرْتُ لَزِدْتُكِ ضَرْبًا فَقالَ كُفّارُ قُرَيْشٍ: لَوْ كانَ ما يَدْعُو إلَيْهِ مُحَمَّدٌ حَقًّا، ما سَبَقَتْنا إلَيْهِ فُلانَةُ. والظّاهِرُ أنَّ اسْمَ كانَ هو القُرْآنُ، وعَلَيْهِ يَعُودُ بِهِ ويُؤَيِّدُهُ، ومِن قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى. وقِيلَ: بِهِ عائِدٌ عَلى الرَّسُولِ، والعامِلُ في إذْ مَحْذُوفٌ، أيْ ﴿وإذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ﴾، ظَهَرَ عِنادُهم. وقَوْلُهُ: (فَسَيَقُولُونَ)، مُسَبَّبٌ عَنْ ذَلِكَ الجَوابِ المَحْذُوفِ، لِأنَّ هَذا القَوْلَ هو ناشِئٌ عَنِ العِنادِ، ويَمْتَنِعُ أنْ يَعْمَلَ في إذْ فَسَيَقُولُونَ، لِحَيْلُولَةِ الفاءِ ولِتَعانُدِ زَمانِ إذْ وزَمانِ سَيَقُولُونَ.
﴿إفْكٌ قَدِيمٌ﴾، كَما قالُوا: ﴿أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾، وقِدَمُهُ بِمُرُورِ الأعْصارِ عَلَيْهِ.
ولَمّا طَعَنُوا في صِحَّةِ القُرْآنِ، قِيلَ لَهم: إنَّهُ أنْزَلَ اللَّهُ مِن قَبْلِهِ التَّوْراةَ عَلى مُوسى، وأنْتُمْ لا تُنازَعُونَ في ذَلِكَ، فَلا يُنازَعُ في إنْزالِ القُرْآنِ. (إمامًا) أيْ يُهْتَدى بِهِ، إنَّ فِيهِ البِشارَةَ بِمَبْعَثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وإرْسالِهِ، فَيَلْزَمُ اتِّباعُهُ والإيمانُ بِهِ، وانْتَصَبَ إمامًا عَلى الحالِ، والعامِلُ فِيهِ العامِلُ في: (ومِن قَبْلِهِ)، أيْ وكِتابُ مُوسى كانَ مِن قَبْلِ القُرْآنِ في حالِ كَوْنِهِ إمامًا. وقَرَأ الكَلْبِيُّ: كِتابَ مُوسى، نَصَبَ وفَتَحَ مِيمَ مَن عَلى أنَّها مَوْصُولَةٌ، تَقْدِيرُهُ: وآتَيْنا الَّذِي قَبْلَهُ كِتابَ مُوسى. وقِيلَ: انْتَصَبَ إمامًا بِمَحْذُوفٍ، أيْ أنْزَلْناهُ إمامًا، أيْ قُدْوَةً يُؤْتَمُّ بِهِ، (ورَحْمَةً) لِمَن عَمِلَ بِهِ، وهَذا إشارَةٌ إلى القُرْآنِ.
﴿كِتابٌ مُصَدِّقٌ﴾ لَهُ، أيْ لِكِتابِ مُوسى، وهي التَّوْراةُ الَّتِي تَضَمَّنَتْ خَبَرَهُ وخَبَرَ مَن جاءَ بِهِ، وهو الرَّسُولُ. فَجاءَ هو مُصَدِّقًا لِتِلْكَ الأخْبارِ، أوْ مُصَدِّقًا لِلْكُتُبِ الإلَهِيَّةِ. ولِسانًا: حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في ”مُصَدِّقٌ“، والعامِلُ فِيهِ مُصَدِّقٌ، أوْ مِن ”كِتابٌ“، إذْ قَدْ وصَفَ العامِلُ فِيهِ اسْمَ الإشارَةِ. أوْ لِسانًا: حالُ مَوْطِئِهِ، والحالُ في الحَقِيقَةِ هو ”عَرَبِيًّا“، أوْ عَلى حَذْفٍ، أيْ ذا الشَّأْنِ عَرَبِيٌّ، فَيَكُونُ مَفْعُولًا بِـ ”مُصَدِّقٌ“، أيْ هَذا القُرْآنُ مُصَدِّقٌ مَن جاءَ بِهِ وهو الرَّسُولُ، وذَلِكَ بِإعْجازِهِ وأحْوالِهِ البارِعَةِ. وقِيلَ: انْتَصَبَ عَلى إسْقاطِ الخافِضِ، أيْ بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ، وشَيْبَةُ، والأعْرَجُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وابْنُ عامِرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ: لِتُنْذِرَ، بِتاءِ الخِطابِ لِلرَّسُولِ، والأعْمَشُ، وابْنُ كَثِيرٍ أيْضًا، وباقِي السَّبْعَةِ: بِياءِ الغَيْبَةِ، أيْ لِيُنْذِرَنا القُرْآنُ والَّذِينَ ظَلَمُوا: الكُفّارُ عُبّادُ الأصْنامِ، حَيْثُ وضَعُوا العِبادَةَ في غَيْرِ مَن يَسْتَحِقُّهُ.
﴿وبُشْرى﴾، قِيلَ: مَعْطُوفٌ عَلى ”مُصَدِّقٌ“، فَهو في مَوْضِعِ رَفْعٍ، أوْ عَلى إضْمارِ هو. وقِيلَ: مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ مَعْطُوفٍ عَلى لِيُنْذِرَ، أيْ: ويُبَشِّرَ بُشْرى. وقِيلَ: مَنصُوبٌ عَلى إسْقاطِ الخافِضِ، أيْ ولِبُشْرى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وتَبِعَهُ أبُو البَقاءِ: وبُشْرى في مَحَلِّ النَّصْبِ، مَعْطُوفٌ عَلى مَحَلِّ لِيُنْذِرَ، لِأنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ. انْتَهى. وهَذا لا يَجُوزُ عَلى الصَّحِيحِ مِن مَذْهَبِ النَّحْوِيِّينَ، لِأنَّهم يَشْتَرِطُونَ في الحَمْلِ عَلى المَحَلِّ أنْ يَكُونَ المَحَلُّ بِحَقِّ الأصالَةِ، وأنْ يَكُونَ لِلْمَوْضِعِ مَحْرَزٌ. والمَحَلُّ هُنا لَيْسَ بِحَقِّ الأصالَةِ، لِأنَّ الأصْلَ هو الجَرُّ في المَفْعُولِ (p-٦٠)لَهُ، وإنَّما النَّصْبُ ناشِئٌ عَنْ إسْقاطِ الخافِضِ، لَكِنَّهُ لَمّا كَثُرَ بِالشُّرُوطِ المَذْكُورَةِ في النَّحْوِ، وصَلَ إلَيْهِ الفِعْلُ فَنَصَبَهُ. ولَمّا عَبَّرَ عَنِ الكُفّارِ بِالَّذِينَ ظَلَمُوا، عَبَّرَ عَنِ المُؤْمِنِينَ بِالمُحْسِنِينَ، لِيُقابِلَ بِلَفْظِ الإحْسانِ لَفْظَ الظُّلْمِ.
﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظِيرِ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ فُصِّلَتْ. ولَمّا ذَكَرَ: ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾، قالَ: (ووَصَّيْنا)، إذْ كانَ بِرُّ الوالِدَيْنِ ثانِيًا أفْضَلَ الأعْمالِ، إذْ في الصَّحِيحِ: «أيُّ الأعْمالِ أفْضَلُ ؟ فَقالَ الصَّلاةُ عَلى مِيقاتِها قالَ: ثُمَّ أيُّ ؟ قالَ: ثُمَّ بِرُّ الوالِدَيْنِ»، وإنْ كانَ عُقُوقُهُما ثانِيَ أكْبَرِ الكَبائِرِ، إذْ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «ألا أُنَبِّئُكم ؟ بِأكْبَرِ الكَبائِرِ ؟ الإشْراكُ بِاللَّهِ وعُقُوقُ الوالِدَيْنِ»، والوارِدُ في بَرِّهِما كَثِيرٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: حُسْنًا، بِضَمِّ الحاءِ وإسْكانِ السِّينِ، وعَلِيٌّ، والسُّلَمِيُّ، وعِيسى: بِفَتْحِهِما، وعَنْ عِيسى: بِضَمِّهِما، والكُوفِيُّونَ: إحْسانًا، فَقِيلَ: ضَمَّنَ ووَصَّيْنا مَعْنى ألْزَمْنا، فَيَتَعَدّى لِاثْنَيْنِ، فانْتَصَبَ حُسْنًا وإحْسانًا عَلى المَفْعُولِ الثّانِي لِوَصَّيْنا. وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: إيصاءٌ ذا حُسْنٍ، أوْ ذا إحْسانٍ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حُسْنًا بِمَعْنى إحْسانٍ، فَيَكُونَ مَفْعُولًا لَهُ، أيْ ووَصَّيْناهُ بِهِما لِإحْسانِنا إلَيْهِما، فَيَكُونَ الإحْسانُ مِنَ اللَّهِ تَعالى. وقِيلَ: النَّصْبُ عَلى المَصْدَرِ عَلى تَضْمِينِ وصَّيْنا مَعْنى أحْسَنّا بِالوَصِيَّةِ لِلْإنْسانِ بِوالِدَيْهِ إحْسانًا. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ونَصْبُ هَذا يَعْنِي إحْسانًا عَلى المَصْدَرِ الصَّرِيحِ والمَفْعُولِ الثّانِي في المَجْرُورِ، والباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِوَصَّيْنا، أوْ بِقَوْلِهِ: إحْسانًا. انْتَهى. ولا يَصِحُّ أنْ يَتَعَلَّقَ بِإحْسانًا، لِأنَّهُ مُصَدَّرٌ بِحَرْفٍ مَصْدَرِيٍّ والفِعْلِ، فَلا يَتَقَدَّمُ مَعْمُولُهُ عَلَيْهِ، ولِأنَّ أحْسَنَ لا يَتَعَدّى بِالباءِ، إنَّما يَتَعَدّى بِاللّامِ، تَقُولُ: أحْسَنْتُ لِزَيْدٍ، ولا تَقُولُ: أحْسَنْتُ بِزَيْدٍ، عَلى مَعْنى أنَّ الإحْسانَ يَصِلُ إلَيْهِ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ﴿ووَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ [العنكبوت: ٨] في سُورَةِ العَنْكَبُوتِ، وانْجَرَّ هُنا بِالكَلامِ عَلى ذَلِكَ مَزِيدًا لِلْفائِدَةِ.
﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا﴾: لَيْسَ الكُرْهُ في أوَّلِ عُلُوقِها، بَلْ في ثانِي اسْتِمْرارِ الحَمْلِ، إذْ لا تَدْبِيرَ لَها في حَمْلِهِ ولا تَرْكِهِ. انْتَهى. ولا يَلْحَقُها كُرْهٌ إذْ ذاكَ، فَهَذا احْتِمالٌ بَعِيدٌ. وقالَ مُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ: المَعْنى حَمَلَتْهُ مَشَقَّةً، ووَضَعَتْهُ مَشَقَّةً. وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِضَمِّ الكافِ، وشَيْبَةُ، وأبُو جَعْفَرٍ، والأعْرَجُ، والحَرَمِيّانِ، وأبُو عَمْرٍو: بِالفَتْحِ، وبِهِما مَعًا: أبُو رَجاءٍ، ومُجاهِدٌ، وعِيسى، والضَّمُّ والفَتْحُ لُغَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ، كالعَقْرِ والعُقْرِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: بِالضَّمِّ المَشَقَّةُ، وبِالفَتْحِ الغَلَبَةُ والقَهْرُ، وضَعَّفُوا قِراءَةَ الفَتْحِ. وقالَ بَعْضُهم: لَوْ كانَ بِالفَتْحِ، لَرَمَتْ بِهِ عَنْ نَفْسِها إذْ مَعْناهُ: القَهْرُ والغَلَبَةُ. انْتَهى. وهَذا لَيْسَ بِشَيْءٍ، إذْ قِراءَةُ الفَتْحِ في السَّبْعَةِ المُتَواتِرَةِ. وقالَ أبُو حاتِمٍ: القِراءَةُ بِفَتْحِ الكافِ لا تَحْسُنُ، لِأنَّ الكَرْهَ، بِالفَتْحِ، النَّصَبُ والغَلَبَةُ. انْتَهى. وكانَ أبُو حاتِمٍ يَطْعَنُ في بَعْضِ القُرْآنِ بِما لا عِلْمَ لَهُ بِهِ جَسارَةً مِنهُ، عَفا اللَّهُ عَنْهُ، وانْتِصابُهُما عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ الفاعِلِ، أيْ حَمَلَتْهُ ذاتَ كُرْهٍ، أوْ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ حَمْلًا ذا كُرْهٍ.
﴿وحَمْلُهُ وفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾: أيْ ومُدَّةُ حَمْلِهِ وفِصالِهِ، وهَذا لا يَكُونُ إلّا بِأنْ يَكُونَ أحَدُ الطَّرَفَيْنِ ناقِصًا، إمّا بِأنْ تَلِدَ المَرْأةُ لِسِتَّةِ أشْهُرٍ وتُرْضِعَ عامَيْنِ، وإمّا أنْ تَلِدَ لِتِسْعَةِ أشْهُرٍ عَلى العُرْفِ وتُرْضِعَ عامَيْنِ غَيْرَ رُبْعِ عامٍ. فَإنْ زادَتْ مُدَّةُ الحَمْلِ، نَقَصَتْ مُدَّةُ الرَّضاعِ. فَمُدَّةُ الرَّضاعِ عامٌ وتِسْعَةُ أشْهُرٍ، وإكْمالُ العامَيْنِ لِمَن أرادَ أنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ. وقَدْ كَشَفَتِ التَّجْرِبَةُ أنَّ أقَلَّ مُدَّةِ الحَمْلِ سِتَّةُ أشْهُرٍ، كَنَصِّ القُرْآنِ. وقالَ جالِينُوسُ: كُنْتُ شَدِيدَ الفَحْصِ عَنْ مُقَدَّرِ زَمَنِ الحَمْلِ، فَرَأيْتُ امْرَأةً ولَدَتْ لِمِائَةٍ وأرْبَعٍ وثَمانِينَ لَيْلَةً. وزَعَمَ ابْنُ سِينا أنَّهُ شاهَدَ ذَلِكَ، وأمّا أكْثَرُ الحَمْلِ فَلَيْسَ في القُرْآنِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ. قالَ ابْنُ سِينا في الشِّفاءِ: بَلَغَنِي مِن جِهَةِ مَن أثِقُ بِهِ كُلَّ الثِّقَةِ، أنَّ امْرَأةً وضَعَتْ بَعْدَ الرّابِعِ مِن سِنِي الحَمْلِ، ولَدَتْ ولَدًا نَبَتَتْ أسْنانُهُ. وحُكِيَ عَنْ أرِسْطاطالِيسَ أنَّهُ قالَ: إنَّ مُدَّةَ الحَمْلِ لِكُلِّ الحَيَوانِ مَضْبُوطَةٌ سِوى الإنْسانِ، فَرُبَّما وضَعَتْ لِسَبْعَةِ أشْهُرٍ، ولِثَمانِيَةٍ، وقَلَّ ما يَعِيشُ الوَلَدُ في الثّامِنِ، إلّا في بِلادٍ مُعَيَّنَةٍ مِثْلَ مِصْرَ. انْتَهى. وعَبَّرَ عَنِ الرَّضاعِ بِالفِصالِ، لَمّا كانَ الرَّضاعُ يَلِي الفِصالَ (p-٦١)ويُلابِسُهُ، لِأنَّهُ يَنْتَهِي بِهِ ويَتِمُّ، سُمِّيَ بِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: وفِصالُهُ، وهو مَصْدَرُ فاصَلَ، كَأنَّهُ مِنِ اثْنَيْنِ: فاصَلَ أُمَّهُ وفاصَلَتْهُ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، والجَحْدَرِيُّ: وفَصْلُهُ، قِيلَ: والفَصْلُ والفِصالُ مَصْدَرانِ، كالفَطْمِ والفِطامِ. وهُنا لَطِيفَةٌ: ذَكَرَ تَعالى الأُمَّ في ثَلاثَةِ مَراتِبَ في قَوْلِهِ: بِوالِدَيْهِ. وحَمْلُهُ وإرْضاعُهُ المُعَبَّرُ عَنْهُ بِالفِصالِ، وذَكَرَ الوالِدَ في واحِدَةٍ في قَوْلِهِ: بِوالِدَيْهِ، فَناسَبَ ما قالَ الرَّسُولُ مِن جَعْلِ ثَلاثَةِ أرْباعِ البِرِّ لِلْأُمِّ والرُّبُعِ لِلْأبِ «فِي قَوْلِ الرَّجُلِ: ”يا رَسُولَ اللَّهِ، مَن أبَرُّ ؟ قالَ: أُمَّكَ، قالَ: ثُمَّ مَن ؟ قالَ: أُمَّكَ، قالَ: ثُمَّ مَن ؟ قالَ: أُمَّكَ، قالَ: ثُمَّ مَن ؟ قالَ: أباكَ“» .
﴿حَتّى إذا بَلَغَ أشُدَّهُ﴾ في الكَلامِ حَذْفٌ تَكُونُ: حَتّى غايَةً لَهُ، تَقْدِيرُهُ: فَعاشَ بَعْدَ ذَلِكَ، أوِ اسْتَمَرَّتْ حَياتُهُ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في ﴿بَلَغَ أشُدَّهُ﴾ في سُورَةِ يُوسُفَ. والظّاهِرُ ضَعْفُ قَوْلِ مَن قالَ: بُلُوغُ الأشُدِّ أرْبَعُونَ، لِعَطْفِ ﴿وبَلَغَ أرْبَعِينَ سَنَةً﴾ . والعَطْفُ يَقْتَضِي التَّغايُرَ، إلّا إنِ ادُّعِيَ أنَّ ذَلِكَ تَوْكِيدٌ لِبُلُوغِ الأشُدِّ فَيُمْكِنُ، والتَّأْسِيسُ أوْلى مِنَ التَّأْكِيدِ، وبُلُوغُ الأرْبَعِينَ اكْتِمالُ العَقْلِ لِظُهُورِ الفَلاحِ. قِيلَ: ولَمْ يُبْعَثْ نَبِيٌّ إلّا بَعْدَ الأرْبَعِينَ. وفي الحَدِيثِ: «إنَّ الشَّيْطانَ يَجُرُّ يَدَهُ عَلى وجْهِ مَن زادَ عَلى الأرْبَعِينَ ولَمْ يَتُبْ ويَقُولُ: بِأبِي وجْهٌ لا يُفْلِحُ» .
﴿قالَ رَبِّ أوْزِعْنِي أنْ أشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أنْعَمْتَ عَلَيَّ وعَلى والِدَيَّ وأنْ أعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ﴾: وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذا في سُورَةِ النَّمْلِ.
﴿وأصْلِحْ لِي في ذُرِّيَّتِي﴾: سَألَ أنْ يَجْعَلَ ذُرِّيَّتَهُ مَوْقِعًا لِلصَّلاحِ ومَظِنَّةً لَهُ، كَأنَّهُ قالَ: هَبْ لِيَ الصَّلاحَ في ذُرِّيَّتِي، فَأوْقَعَهُ فِيهِمْ، أوْ ضَمَّنَ: وأصْلِحْ لِي مَعْنى: والطُفْ بِي في ذُرِّيَّتِي، لِأنَّ أصْلِحْ يَقْتَدِي بِنَفْسِهِ لِقَوْلِهِ: ﴿وأصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ﴾ [الأنبياء: ٩٠]، فَلِذَلِكَ احْتِيجَ قَوْلُهُ: ﴿فِي ذُرِّيَّتِي﴾ إلى التَّأْوِيلِ. قِيلَ: نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وتَتَناوَلُ مَن بَعْدَهُ، وهو مُشْكِلٌ، لِأنَّها نَزَلَتْ بِمَكَّةَ، وأبُوهُ أسْلَمَ عامَ الفَتْحِ. ولِقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهم أحْسَنَ ما عَمِلُوا﴾: فَلَمْ يُقْصَدْ بِذَلِكَ أبُو بَكْرٍ ولا غَيْرُهُ. والمُرادُ بِالإنْسانِ الجِنْسُ، ولِذَلِكَ أشارَ بِقَوْلِهِ: (أُولَئِكَ) جَمْعًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”يُتَقَبَّلُ“ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، ”أحْسَنُ“ رَفْعًا، وكَذا ويُتَجاوَزُ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ، وأبُو جَعْفَرٍ، والأعْمَشُ: بِخِلافٍ عَنْهُ. وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ: نَتَقَبَّلُ أحْسَنَ نَصْبًا، ونَتَجاوَزُ بِالنُّونِ فِيهِما، والحَسَنُ، والأعْمَشُ، وعِيسى: بِالياءِ فِيهِما مَفْتُوحَةً ونَصْبِ أحْسَنَ.
﴿فِي أصْحابِ الجَنَّةِ﴾، قِيلَ: في بِمَعْنى مَعَ، وقِيلَ: هو نَحْوُ قَوْلِكَ: أكْرَمَنِي الأمِيرُ في ناسٍ مِن أصْحابِهِ، يُرِيدُ في جُمْلَةِ مَن أكْرَمَ مِنهم، ومَحَلُّهُ النَّصْبُ عَلى الحالِ عَلى مَعْنى كائِنِينَ في أصْحابِ الجَنَّةِ. وانْتَصَبَ ﴿وعْدَ الصِّدْقِ﴾ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ﴾، وعْدٌ مِنهُ تَعالى بِالتَّقَبُّلِ والتَّجاوُزِ، لَمّا ذَكَرَ الإنْسانَ البارَّ بِوالِدَيْهِ وما آلَ إلَيْهِ مِنَ الخَيْرِ، ذَكَرَ العاقَّ بِوالِدَيْهِ وما آلَ إلَيْهِ مِنَ الشَّرِّ. والمُرادُ بِالَّذِي: الجِنْسُ، ولِذَلِكَ جاءَ الخَبَرُ مَجْمُوعًا في قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ﴾ . وقالَ الحَسَنُ: هو الكافِرُ العاقُّ بِوالِدَيْهِ المُنْكِرُ البَعْثَ. وقَوْلُ مَرْوانَ بْنِ الحَكَمِ، واتَّبَعَهُ قَتادَةُ: إنَّها نَزَلَتْ في عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، قَوْلٌ خَطَأٌ ناشِئٌ عَنْ جَوْرٍ، حِينَ دَعا مَرْوانُ، وهو أمِيرُ المَدِينَةِ، إلى مُبايَعَةِ يَزِيدَ، فَقالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: جَعَلْتُمُوها هِرَقْلِيَّةً ؟ كُلَّما ماتَ هِرَقْلُ ولِيَ ابْنُهُ، وكُلَّما ماتَ قَيْصَرُ ولِيَ ابْنُهُ ؟ فَقالَ مَرْوانُ: خُذُوهُ، فَدَخَلَ بَيْتَ أُخْتِهِ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها، وقَدْ أنْكَرَتْ ذَلِكَ عائِشَةُ فَقالَتْ، وهي المَصْدُوقَةُ: لَمْ يَنْزِلْ في آلِ أبِي بَكْرٍ مِنَ القُرْآنِ غَيْرُ بَراءَتِي، وقالَتْ: واللَّهِ ما هو بِهِ، ولَوْ شِئْتُ أنْ أُسَمِّيَهُ لَسَمَّيْتُهُ. وصَدَّتْ مَرْوانَ وقالَتْ: ولَكِنَّ اللَّهَ لَعَنَ أباكَ وأنْتَ في صُلْبِهِ، فَأنْتَ فَضَضٌ مِن لَعْنَةِ اللَّهِ. ويَدُلُّ عَلى فَسادِ هَذا القَوْلِ أنَّهُ قالَ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ﴾، وهَذِهِ صِفاتُ الكُفّارِ أهْلِ النّارِ، وكانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ مِن أفاضِلِ الصَّحابَةِ وسَراتِهِمْ وأبْطالِهِمْ، ومِمَّنْ لَهُ في الإسْلامِ غَناءٌ يَوْمَ اليَمامَةِ وغَيْرِهِ.
﴿أُفٍّ لَكُما﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى أُفٍّ مَدْلُولًا ولُغاتٍ وقِراءَةً في سُورَةِ الإسْراءِ، واللّامُ في لَكُما لِلْبَيانِ، أيْ لَكُما، أعْنِي التَّأْفِيفَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿أتَعِدانِنِي﴾، بِنُونَيْنِ، (p-٦٢)الأُولى مَكْسُورَةٌ، والحَسَنُ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وفي رِوايَةٍ، وهِشامٌ: بِإدْغامِ نُونِ الرَّفْعِ في نُونِ الوِقايَةِ. وقَرَأ نافِعٌ في رِوايَةٍ، وجَماعَةٌ: بِنُونٍ واحِدَةٍ. وقَرَأ الحَسَنُ، وشَيْبَةُ، وأبُو جَعْفَرٍ: بِخِلافٍ عَنْهُ، وعَبْدُ الوارِثِ، عَنْ أبِي عَمْرٍو. وهارُونُ بْنُ مُوسى، عَنِ الجَحْدَرِيِّ، وسامٌ عَنْ هِشامٍ: بِفَتْحِ النُّونِ الأُولى، كَأنَّهم فَرُّوا مِنَ الكَسْرَتَيْنِ والياءِ إلى الفَتْحِ طَلَبًا لِلتَّخْفِيفِ فَفَتَحُوا، كَما فَرَّ مَن أدْغَمَ ومَن حَذَفَ. وقالَ أبُو حاتِمٍ: فَتْحُ النُّونِ باطِلٌ غَلَطٌ. (أنْ أُخْرَجَ): أيْ أُخْرَجَ مِن قَبْرِي لِلْبَعْثِ والحِسابِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: أنْ أُخْرَجَ، مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، والحَسَنُ، وابْنُ يَعْمُرَ، والأعْمَشُ، وابْنُ مُصَرِّفٍ، والضَّحّاكُ: مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ.
﴿وقَدْ خَلَتِ القُرُونُ مِن قَبْلِي﴾: أيْ مَضَتْ، ولَمْ يُخْرَجْ مِنهم أحَدٌ ولا بُعِثَ. وقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: ﴿وقَدْ خَلَتِ القُرُونُ مِن قَبْلِي﴾ مُكَذِّبَةً بِالبَعْثِ.
﴿وهُما يَسْتَغِيثانِ اللَّهَ﴾، يُقالُ: اسْتَغَثْتُ اللَّهَ واسْتَغَثْتُ بِاللَّهِ، والِاسْتِعْمالانِ في لِسانِ العَرَبِ. وقَدْ رَدَدْنا عَلى ابْنِ مالِكٍ إنْكارَ تَعْدِيَتِهِ بِالباءِ، وذَكَرْنا شَواهِدَ عَلى ذَلِكَ في الأنْفالِ، أيْ يَقُولانِ: الغِياثُ بِاللَّهِ مِنكَ ومِن قَوْلِكَ، وهو اسْتِعْظامٌ لِقَوْلِهِ.
﴿ويْلَكَ﴾: دُعاءٌ عَلَيْهِ بِالثُّبُورِ، والمُرادُ بِهِ الحَثُّ والتَّحْرِيضُ عَلى الإيمانِ لا حَقِيقَةُ الهَلاكِ. وقِيلَ: ويْلَكَ لِمَن يُحَقِّرُ ويُحَرِّكُ لِأمْرٍ يَسْتَعْجِلُ إلَيْهِ. وقَرَأ الأعْرَجُ، وعَمْرُو بْنُ فائِدَةَ: (أنَّ وعْدَ اللَّهِ)، بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، أيْ: آمِن بِأنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ، والجُمْهُورُ بِكَسْرِها، ﴿فَيَقُولُ ما هَذا﴾: أيْ ما هَذا الَّذِي يَقُولُ ؟ أيْ مِنَ الوَعْدِ بِالبَعْثِ مِنَ القُبُورِ إلّا شَيْءٌ سَطَّرَهُ الأوَّلُونَ في كُتُبِهِمْ، ولا حَقِيقَةَ لَهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وظاهِرُ ألْفاظِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّها نَزَلَتْ في مُشارٍ إلَيْهِ قالَ وقِيلَ لَهُ، فَنَفى اللَّهُ أقْوالَهُ تَحْذِيرًا مِنَ الوُقُوعِ في مِثْلِها.
وقَوْلُهُ: (أُولَئِكَ)، ظاهِرُهُ أنَّهُ إشارَةٌ إلى جِنْسٍ يَتَضَمَّنُهُ قَوْلُهُ: ﴿والَّذِي قالَ﴾، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الآيَةُ في مُشارٍ إلَيْهِ، ويَكُونُ قَوْلُهُ في أُولَئِكَ بِمَعْنى صِنْفِ هَذا المَذْكُورِ وجِنْسِهِ هم: ﴿الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ﴾ أيْ قَوْلُ اللَّهِ أنَّهُ يُعَذِّبُهم (في أُمَمٍ)، أيْ جُمْلَةِ: ﴿أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ﴾، يَقْتَضِي أنَّ الجِنَّ يَمُوتُونَ قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ كالإنْسِ. وقالَ الحَسَنُ في بَعْضِ مَجالِسِهِ: الجِنُّ لا يَمُوتُونَ، فاعْتَرَضَهُ قَتادَةُ بِهَذِهِ الآيَةِ فَسَكَتَ. وقَرَأ العَبّاسُ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: أنَّهم كانُوا، بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، والجُمْهُورُ بِالكَسْرِ. (ولِكُلٍّ): أيْ مِنَ المُحْسِنِ والمُسِيءِ، (دَرَجاتٌ) غَلَبَ دَرَجاتٌ، إذِ الجَنَّةُ دَرَجاتٌ والنّارُ دَرَكاتٌ، والمَعْنى: مَنازِلُ ومَراتِبُ مِن جَزاءِ ما عَمِلُوا مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ، ومِن أجْلِ ما عَمِلُوا مِنها. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: دَرَجاتُ المُحْسِنِينَ تَذْهَبُ عُلُوًّا، ودَرَجاتُ المُسِيئِينَ تَذْهَبُ سُفْلًا. انْتَهى. والمُعَلِّلُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: ولِيُوَفِّيَهم أعْمالَهم قَدْرَ جَزائِهِمْ، فَجُعِلَ الثَّوابُ دَرَجاتٍ والعِقابُ دَرَكاتٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ولِيُوَفِّيَهم بِالياءِ، أيِ اللَّهُ تَعالى، والأعْمَشُ والأعْرَجُ وشَيْبَةُ وأبُو جَعْفَرٍ والأخَوانِ وابْنُ ذَكْوانَ ونافِعٌ: بِخِلافٍ عَنْهُ بِالنُّونِ، والسُّلَمِيُّ: بِالتّاءِ مِن فَوْقٍ، أيْ ولِنُوَفِّيَهُمُ الدَّرَجاتِ، أسْنَدَ التَّوْفِيَةَ إلَيْها مَجازًا.
الأحقاف 46:18
﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ وإذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذا إفْكٌ قَدِيمٌ﴾ ﴿ومِن قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إمامًا ورَحْمَةً وهَذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ لِسانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وبُشْرى لِلْمُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿ووَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ إحْسانًا﴾ ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا ووَضَعَتْهُ كُرْهًا وحَمْلُهُ وفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا حَتّى إذا بَلَغَ أشُدَّهُ وبَلَغَ أرْبَعِينَ سَنَةً قالَ رَبِّ أوْزِعْنِي أنْ أشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أنْعَمْتَ عَلَيَّ وعَلى والِدَيَّ وأنْ أعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ وأصْلِحْ لِي في ذُرِّيَّتِي إنِّي تُبْتُ إلَيْكَ وإنِّي مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهم أحْسَنَ ما عَمِلُوا ونَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ في أصْحابِ الجَنَّةِ وعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ﴾ ﴿والَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما أتَعِدانِنِي أنْ أُخْرَجَ وقَدْ خَلَتِ القُرُونُ مِن قَبْلِي وهُما يَسْتَغِيثانِ اللَّهَ ويْلَكَ آمِن إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ ما هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ في أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ إنَّهم كانُوا خاسِرِينَ﴾ ﴿ولِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا ولِيُوَفِّيَهم أعْمالَهم وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ .
(p-٥٩)قالَ قَتادَةُ: هي مَقالَةُ كُفّارِ قُرَيْشٍ لِلَّذِينَ آمَنُوا: أيْ لِأجْلِ الَّذِينَ آمَنُوا: واللّامُ لِلتَّبْلِيغِ. ثُمَّ انْتَقَلُوا إلى الغَيْبَةِ في قَوْلِهِمْ: ﴿ما سَبَقُونا﴾، ولَوْ لَمْ يَنْتَقِلُوا لَكانَ الكَلامُ ما سُبِقْتُمْ إلَيْهِ. ولَمّا سَمِعُوا أنَّ جَماعَةً آمَنُوا خاطَبُوا جَماعَةً مِنَ المُؤْمِنِينَ، أيْ قالُوا: ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ﴾: أُولَئِكَ الَّذِينَ بَلَغَنا إيمانُهم يُرِيدُونَ عَمّارًا وصُهَيْبًا وبِلالًا ونَحْوَهم مِمَّنْ أسْلَمَ وآمَنَ بِالنَّبِيِّ ﷺ . وقالَ الكَلْبِيُّ والزَّجّاجُ: هي مَقالَةُ كِنانَةَ وعامِرٍ وسائِرِ قَبائِلِ العَرَبِ المُجاوِرَةِ. قالَتْ ذَلِكَ حِينَ أسْلَمَتْ غِفارٌ ومُزَيْنَةُ وجُهَيْنَةُ، أيْ لَوْ كانَ هَذا الدِّينُ خَيْرًا، ما سَبَقَنا إلَيْهِ الرُّعاةُ. وقالَ الثَّعْلَبِيُّ: هي مَقالَةُ اليَهُودِ حِينَ أسْلَمَ ابْنُ سَلامٍ وغَيْرُهُ مِنهم. وقالَ أبُو المُتَوَكِّلِ: أسْلَمَ أبُو ذَرٍّ، ثُمَّ أسْلَمَتْ غِفارٌ، فَقالَتْ قُرَيْشٌ ذَلِكَ. وقِيلَ: أسْلَمَتْ أمَةٌ لِعُمَرَ، فَكانَ يَضْرِبُها، حَتّى يَفْتُرَ ويَقُولَ: لَوْلا أنِّي فَتَرْتُ لَزِدْتُكِ ضَرْبًا فَقالَ كُفّارُ قُرَيْشٍ: لَوْ كانَ ما يَدْعُو إلَيْهِ مُحَمَّدٌ حَقًّا، ما سَبَقَتْنا إلَيْهِ فُلانَةُ. والظّاهِرُ أنَّ اسْمَ كانَ هو القُرْآنُ، وعَلَيْهِ يَعُودُ بِهِ ويُؤَيِّدُهُ، ومِن قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى. وقِيلَ: بِهِ عائِدٌ عَلى الرَّسُولِ، والعامِلُ في إذْ مَحْذُوفٌ، أيْ ﴿وإذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ﴾، ظَهَرَ عِنادُهم. وقَوْلُهُ: (فَسَيَقُولُونَ)، مُسَبَّبٌ عَنْ ذَلِكَ الجَوابِ المَحْذُوفِ، لِأنَّ هَذا القَوْلَ هو ناشِئٌ عَنِ العِنادِ، ويَمْتَنِعُ أنْ يَعْمَلَ في إذْ فَسَيَقُولُونَ، لِحَيْلُولَةِ الفاءِ ولِتَعانُدِ زَمانِ إذْ وزَمانِ سَيَقُولُونَ.
﴿إفْكٌ قَدِيمٌ﴾، كَما قالُوا: ﴿أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾، وقِدَمُهُ بِمُرُورِ الأعْصارِ عَلَيْهِ.
ولَمّا طَعَنُوا في صِحَّةِ القُرْآنِ، قِيلَ لَهم: إنَّهُ أنْزَلَ اللَّهُ مِن قَبْلِهِ التَّوْراةَ عَلى مُوسى، وأنْتُمْ لا تُنازَعُونَ في ذَلِكَ، فَلا يُنازَعُ في إنْزالِ القُرْآنِ. (إمامًا) أيْ يُهْتَدى بِهِ، إنَّ فِيهِ البِشارَةَ بِمَبْعَثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وإرْسالِهِ، فَيَلْزَمُ اتِّباعُهُ والإيمانُ بِهِ، وانْتَصَبَ إمامًا عَلى الحالِ، والعامِلُ فِيهِ العامِلُ في: (ومِن قَبْلِهِ)، أيْ وكِتابُ مُوسى كانَ مِن قَبْلِ القُرْآنِ في حالِ كَوْنِهِ إمامًا. وقَرَأ الكَلْبِيُّ: كِتابَ مُوسى، نَصَبَ وفَتَحَ مِيمَ مَن عَلى أنَّها مَوْصُولَةٌ، تَقْدِيرُهُ: وآتَيْنا الَّذِي قَبْلَهُ كِتابَ مُوسى. وقِيلَ: انْتَصَبَ إمامًا بِمَحْذُوفٍ، أيْ أنْزَلْناهُ إمامًا، أيْ قُدْوَةً يُؤْتَمُّ بِهِ، (ورَحْمَةً) لِمَن عَمِلَ بِهِ، وهَذا إشارَةٌ إلى القُرْآنِ.
﴿كِتابٌ مُصَدِّقٌ﴾ لَهُ، أيْ لِكِتابِ مُوسى، وهي التَّوْراةُ الَّتِي تَضَمَّنَتْ خَبَرَهُ وخَبَرَ مَن جاءَ بِهِ، وهو الرَّسُولُ. فَجاءَ هو مُصَدِّقًا لِتِلْكَ الأخْبارِ، أوْ مُصَدِّقًا لِلْكُتُبِ الإلَهِيَّةِ. ولِسانًا: حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في ”مُصَدِّقٌ“، والعامِلُ فِيهِ مُصَدِّقٌ، أوْ مِن ”كِتابٌ“، إذْ قَدْ وصَفَ العامِلُ فِيهِ اسْمَ الإشارَةِ. أوْ لِسانًا: حالُ مَوْطِئِهِ، والحالُ في الحَقِيقَةِ هو ”عَرَبِيًّا“، أوْ عَلى حَذْفٍ، أيْ ذا الشَّأْنِ عَرَبِيٌّ، فَيَكُونُ مَفْعُولًا بِـ ”مُصَدِّقٌ“، أيْ هَذا القُرْآنُ مُصَدِّقٌ مَن جاءَ بِهِ وهو الرَّسُولُ، وذَلِكَ بِإعْجازِهِ وأحْوالِهِ البارِعَةِ. وقِيلَ: انْتَصَبَ عَلى إسْقاطِ الخافِضِ، أيْ بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ، وشَيْبَةُ، والأعْرَجُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وابْنُ عامِرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ: لِتُنْذِرَ، بِتاءِ الخِطابِ لِلرَّسُولِ، والأعْمَشُ، وابْنُ كَثِيرٍ أيْضًا، وباقِي السَّبْعَةِ: بِياءِ الغَيْبَةِ، أيْ لِيُنْذِرَنا القُرْآنُ والَّذِينَ ظَلَمُوا: الكُفّارُ عُبّادُ الأصْنامِ، حَيْثُ وضَعُوا العِبادَةَ في غَيْرِ مَن يَسْتَحِقُّهُ.
﴿وبُشْرى﴾، قِيلَ: مَعْطُوفٌ عَلى ”مُصَدِّقٌ“، فَهو في مَوْضِعِ رَفْعٍ، أوْ عَلى إضْمارِ هو. وقِيلَ: مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ مَعْطُوفٍ عَلى لِيُنْذِرَ، أيْ: ويُبَشِّرَ بُشْرى. وقِيلَ: مَنصُوبٌ عَلى إسْقاطِ الخافِضِ، أيْ ولِبُشْرى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وتَبِعَهُ أبُو البَقاءِ: وبُشْرى في مَحَلِّ النَّصْبِ، مَعْطُوفٌ عَلى مَحَلِّ لِيُنْذِرَ، لِأنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ. انْتَهى. وهَذا لا يَجُوزُ عَلى الصَّحِيحِ مِن مَذْهَبِ النَّحْوِيِّينَ، لِأنَّهم يَشْتَرِطُونَ في الحَمْلِ عَلى المَحَلِّ أنْ يَكُونَ المَحَلُّ بِحَقِّ الأصالَةِ، وأنْ يَكُونَ لِلْمَوْضِعِ مَحْرَزٌ. والمَحَلُّ هُنا لَيْسَ بِحَقِّ الأصالَةِ، لِأنَّ الأصْلَ هو الجَرُّ في المَفْعُولِ (p-٦٠)لَهُ، وإنَّما النَّصْبُ ناشِئٌ عَنْ إسْقاطِ الخافِضِ، لَكِنَّهُ لَمّا كَثُرَ بِالشُّرُوطِ المَذْكُورَةِ في النَّحْوِ، وصَلَ إلَيْهِ الفِعْلُ فَنَصَبَهُ. ولَمّا عَبَّرَ عَنِ الكُفّارِ بِالَّذِينَ ظَلَمُوا، عَبَّرَ عَنِ المُؤْمِنِينَ بِالمُحْسِنِينَ، لِيُقابِلَ بِلَفْظِ الإحْسانِ لَفْظَ الظُّلْمِ.
﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظِيرِ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ فُصِّلَتْ. ولَمّا ذَكَرَ: ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾، قالَ: (ووَصَّيْنا)، إذْ كانَ بِرُّ الوالِدَيْنِ ثانِيًا أفْضَلَ الأعْمالِ، إذْ في الصَّحِيحِ: «أيُّ الأعْمالِ أفْضَلُ ؟ فَقالَ الصَّلاةُ عَلى مِيقاتِها قالَ: ثُمَّ أيُّ ؟ قالَ: ثُمَّ بِرُّ الوالِدَيْنِ»، وإنْ كانَ عُقُوقُهُما ثانِيَ أكْبَرِ الكَبائِرِ، إذْ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «ألا أُنَبِّئُكم ؟ بِأكْبَرِ الكَبائِرِ ؟ الإشْراكُ بِاللَّهِ وعُقُوقُ الوالِدَيْنِ»، والوارِدُ في بَرِّهِما كَثِيرٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: حُسْنًا، بِضَمِّ الحاءِ وإسْكانِ السِّينِ، وعَلِيٌّ، والسُّلَمِيُّ، وعِيسى: بِفَتْحِهِما، وعَنْ عِيسى: بِضَمِّهِما، والكُوفِيُّونَ: إحْسانًا، فَقِيلَ: ضَمَّنَ ووَصَّيْنا مَعْنى ألْزَمْنا، فَيَتَعَدّى لِاثْنَيْنِ، فانْتَصَبَ حُسْنًا وإحْسانًا عَلى المَفْعُولِ الثّانِي لِوَصَّيْنا. وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: إيصاءٌ ذا حُسْنٍ، أوْ ذا إحْسانٍ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حُسْنًا بِمَعْنى إحْسانٍ، فَيَكُونَ مَفْعُولًا لَهُ، أيْ ووَصَّيْناهُ بِهِما لِإحْسانِنا إلَيْهِما، فَيَكُونَ الإحْسانُ مِنَ اللَّهِ تَعالى. وقِيلَ: النَّصْبُ عَلى المَصْدَرِ عَلى تَضْمِينِ وصَّيْنا مَعْنى أحْسَنّا بِالوَصِيَّةِ لِلْإنْسانِ بِوالِدَيْهِ إحْسانًا. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ونَصْبُ هَذا يَعْنِي إحْسانًا عَلى المَصْدَرِ الصَّرِيحِ والمَفْعُولِ الثّانِي في المَجْرُورِ، والباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِوَصَّيْنا، أوْ بِقَوْلِهِ: إحْسانًا. انْتَهى. ولا يَصِحُّ أنْ يَتَعَلَّقَ بِإحْسانًا، لِأنَّهُ مُصَدَّرٌ بِحَرْفٍ مَصْدَرِيٍّ والفِعْلِ، فَلا يَتَقَدَّمُ مَعْمُولُهُ عَلَيْهِ، ولِأنَّ أحْسَنَ لا يَتَعَدّى بِالباءِ، إنَّما يَتَعَدّى بِاللّامِ، تَقُولُ: أحْسَنْتُ لِزَيْدٍ، ولا تَقُولُ: أحْسَنْتُ بِزَيْدٍ، عَلى مَعْنى أنَّ الإحْسانَ يَصِلُ إلَيْهِ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ﴿ووَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ [العنكبوت: ٨] في سُورَةِ العَنْكَبُوتِ، وانْجَرَّ هُنا بِالكَلامِ عَلى ذَلِكَ مَزِيدًا لِلْفائِدَةِ.
﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا﴾: لَيْسَ الكُرْهُ في أوَّلِ عُلُوقِها، بَلْ في ثانِي اسْتِمْرارِ الحَمْلِ، إذْ لا تَدْبِيرَ لَها في حَمْلِهِ ولا تَرْكِهِ. انْتَهى. ولا يَلْحَقُها كُرْهٌ إذْ ذاكَ، فَهَذا احْتِمالٌ بَعِيدٌ. وقالَ مُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ: المَعْنى حَمَلَتْهُ مَشَقَّةً، ووَضَعَتْهُ مَشَقَّةً. وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِضَمِّ الكافِ، وشَيْبَةُ، وأبُو جَعْفَرٍ، والأعْرَجُ، والحَرَمِيّانِ، وأبُو عَمْرٍو: بِالفَتْحِ، وبِهِما مَعًا: أبُو رَجاءٍ، ومُجاهِدٌ، وعِيسى، والضَّمُّ والفَتْحُ لُغَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ، كالعَقْرِ والعُقْرِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: بِالضَّمِّ المَشَقَّةُ، وبِالفَتْحِ الغَلَبَةُ والقَهْرُ، وضَعَّفُوا قِراءَةَ الفَتْحِ. وقالَ بَعْضُهم: لَوْ كانَ بِالفَتْحِ، لَرَمَتْ بِهِ عَنْ نَفْسِها إذْ مَعْناهُ: القَهْرُ والغَلَبَةُ. انْتَهى. وهَذا لَيْسَ بِشَيْءٍ، إذْ قِراءَةُ الفَتْحِ في السَّبْعَةِ المُتَواتِرَةِ. وقالَ أبُو حاتِمٍ: القِراءَةُ بِفَتْحِ الكافِ لا تَحْسُنُ، لِأنَّ الكَرْهَ، بِالفَتْحِ، النَّصَبُ والغَلَبَةُ. انْتَهى. وكانَ أبُو حاتِمٍ يَطْعَنُ في بَعْضِ القُرْآنِ بِما لا عِلْمَ لَهُ بِهِ جَسارَةً مِنهُ، عَفا اللَّهُ عَنْهُ، وانْتِصابُهُما عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ الفاعِلِ، أيْ حَمَلَتْهُ ذاتَ كُرْهٍ، أوْ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ حَمْلًا ذا كُرْهٍ.
﴿وحَمْلُهُ وفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾: أيْ ومُدَّةُ حَمْلِهِ وفِصالِهِ، وهَذا لا يَكُونُ إلّا بِأنْ يَكُونَ أحَدُ الطَّرَفَيْنِ ناقِصًا، إمّا بِأنْ تَلِدَ المَرْأةُ لِسِتَّةِ أشْهُرٍ وتُرْضِعَ عامَيْنِ، وإمّا أنْ تَلِدَ لِتِسْعَةِ أشْهُرٍ عَلى العُرْفِ وتُرْضِعَ عامَيْنِ غَيْرَ رُبْعِ عامٍ. فَإنْ زادَتْ مُدَّةُ الحَمْلِ، نَقَصَتْ مُدَّةُ الرَّضاعِ. فَمُدَّةُ الرَّضاعِ عامٌ وتِسْعَةُ أشْهُرٍ، وإكْمالُ العامَيْنِ لِمَن أرادَ أنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ. وقَدْ كَشَفَتِ التَّجْرِبَةُ أنَّ أقَلَّ مُدَّةِ الحَمْلِ سِتَّةُ أشْهُرٍ، كَنَصِّ القُرْآنِ. وقالَ جالِينُوسُ: كُنْتُ شَدِيدَ الفَحْصِ عَنْ مُقَدَّرِ زَمَنِ الحَمْلِ، فَرَأيْتُ امْرَأةً ولَدَتْ لِمِائَةٍ وأرْبَعٍ وثَمانِينَ لَيْلَةً. وزَعَمَ ابْنُ سِينا أنَّهُ شاهَدَ ذَلِكَ، وأمّا أكْثَرُ الحَمْلِ فَلَيْسَ في القُرْآنِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ. قالَ ابْنُ سِينا في الشِّفاءِ: بَلَغَنِي مِن جِهَةِ مَن أثِقُ بِهِ كُلَّ الثِّقَةِ، أنَّ امْرَأةً وضَعَتْ بَعْدَ الرّابِعِ مِن سِنِي الحَمْلِ، ولَدَتْ ولَدًا نَبَتَتْ أسْنانُهُ. وحُكِيَ عَنْ أرِسْطاطالِيسَ أنَّهُ قالَ: إنَّ مُدَّةَ الحَمْلِ لِكُلِّ الحَيَوانِ مَضْبُوطَةٌ سِوى الإنْسانِ، فَرُبَّما وضَعَتْ لِسَبْعَةِ أشْهُرٍ، ولِثَمانِيَةٍ، وقَلَّ ما يَعِيشُ الوَلَدُ في الثّامِنِ، إلّا في بِلادٍ مُعَيَّنَةٍ مِثْلَ مِصْرَ. انْتَهى. وعَبَّرَ عَنِ الرَّضاعِ بِالفِصالِ، لَمّا كانَ الرَّضاعُ يَلِي الفِصالَ (p-٦١)ويُلابِسُهُ، لِأنَّهُ يَنْتَهِي بِهِ ويَتِمُّ، سُمِّيَ بِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: وفِصالُهُ، وهو مَصْدَرُ فاصَلَ، كَأنَّهُ مِنِ اثْنَيْنِ: فاصَلَ أُمَّهُ وفاصَلَتْهُ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، والجَحْدَرِيُّ: وفَصْلُهُ، قِيلَ: والفَصْلُ والفِصالُ مَصْدَرانِ، كالفَطْمِ والفِطامِ. وهُنا لَطِيفَةٌ: ذَكَرَ تَعالى الأُمَّ في ثَلاثَةِ مَراتِبَ في قَوْلِهِ: بِوالِدَيْهِ. وحَمْلُهُ وإرْضاعُهُ المُعَبَّرُ عَنْهُ بِالفِصالِ، وذَكَرَ الوالِدَ في واحِدَةٍ في قَوْلِهِ: بِوالِدَيْهِ، فَناسَبَ ما قالَ الرَّسُولُ مِن جَعْلِ ثَلاثَةِ أرْباعِ البِرِّ لِلْأُمِّ والرُّبُعِ لِلْأبِ «فِي قَوْلِ الرَّجُلِ: ”يا رَسُولَ اللَّهِ، مَن أبَرُّ ؟ قالَ: أُمَّكَ، قالَ: ثُمَّ مَن ؟ قالَ: أُمَّكَ، قالَ: ثُمَّ مَن ؟ قالَ: أُمَّكَ، قالَ: ثُمَّ مَن ؟ قالَ: أباكَ“» .
﴿حَتّى إذا بَلَغَ أشُدَّهُ﴾ في الكَلامِ حَذْفٌ تَكُونُ: حَتّى غايَةً لَهُ، تَقْدِيرُهُ: فَعاشَ بَعْدَ ذَلِكَ، أوِ اسْتَمَرَّتْ حَياتُهُ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في ﴿بَلَغَ أشُدَّهُ﴾ في سُورَةِ يُوسُفَ. والظّاهِرُ ضَعْفُ قَوْلِ مَن قالَ: بُلُوغُ الأشُدِّ أرْبَعُونَ، لِعَطْفِ ﴿وبَلَغَ أرْبَعِينَ سَنَةً﴾ . والعَطْفُ يَقْتَضِي التَّغايُرَ، إلّا إنِ ادُّعِيَ أنَّ ذَلِكَ تَوْكِيدٌ لِبُلُوغِ الأشُدِّ فَيُمْكِنُ، والتَّأْسِيسُ أوْلى مِنَ التَّأْكِيدِ، وبُلُوغُ الأرْبَعِينَ اكْتِمالُ العَقْلِ لِظُهُورِ الفَلاحِ. قِيلَ: ولَمْ يُبْعَثْ نَبِيٌّ إلّا بَعْدَ الأرْبَعِينَ. وفي الحَدِيثِ: «إنَّ الشَّيْطانَ يَجُرُّ يَدَهُ عَلى وجْهِ مَن زادَ عَلى الأرْبَعِينَ ولَمْ يَتُبْ ويَقُولُ: بِأبِي وجْهٌ لا يُفْلِحُ» .
﴿قالَ رَبِّ أوْزِعْنِي أنْ أشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أنْعَمْتَ عَلَيَّ وعَلى والِدَيَّ وأنْ أعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ﴾: وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذا في سُورَةِ النَّمْلِ.
﴿وأصْلِحْ لِي في ذُرِّيَّتِي﴾: سَألَ أنْ يَجْعَلَ ذُرِّيَّتَهُ مَوْقِعًا لِلصَّلاحِ ومَظِنَّةً لَهُ، كَأنَّهُ قالَ: هَبْ لِيَ الصَّلاحَ في ذُرِّيَّتِي، فَأوْقَعَهُ فِيهِمْ، أوْ ضَمَّنَ: وأصْلِحْ لِي مَعْنى: والطُفْ بِي في ذُرِّيَّتِي، لِأنَّ أصْلِحْ يَقْتَدِي بِنَفْسِهِ لِقَوْلِهِ: ﴿وأصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ﴾ [الأنبياء: ٩٠]، فَلِذَلِكَ احْتِيجَ قَوْلُهُ: ﴿فِي ذُرِّيَّتِي﴾ إلى التَّأْوِيلِ. قِيلَ: نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وتَتَناوَلُ مَن بَعْدَهُ، وهو مُشْكِلٌ، لِأنَّها نَزَلَتْ بِمَكَّةَ، وأبُوهُ أسْلَمَ عامَ الفَتْحِ. ولِقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهم أحْسَنَ ما عَمِلُوا﴾: فَلَمْ يُقْصَدْ بِذَلِكَ أبُو بَكْرٍ ولا غَيْرُهُ. والمُرادُ بِالإنْسانِ الجِنْسُ، ولِذَلِكَ أشارَ بِقَوْلِهِ: (أُولَئِكَ) جَمْعًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”يُتَقَبَّلُ“ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، ”أحْسَنُ“ رَفْعًا، وكَذا ويُتَجاوَزُ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ، وأبُو جَعْفَرٍ، والأعْمَشُ: بِخِلافٍ عَنْهُ. وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ: نَتَقَبَّلُ أحْسَنَ نَصْبًا، ونَتَجاوَزُ بِالنُّونِ فِيهِما، والحَسَنُ، والأعْمَشُ، وعِيسى: بِالياءِ فِيهِما مَفْتُوحَةً ونَصْبِ أحْسَنَ.
﴿فِي أصْحابِ الجَنَّةِ﴾، قِيلَ: في بِمَعْنى مَعَ، وقِيلَ: هو نَحْوُ قَوْلِكَ: أكْرَمَنِي الأمِيرُ في ناسٍ مِن أصْحابِهِ، يُرِيدُ في جُمْلَةِ مَن أكْرَمَ مِنهم، ومَحَلُّهُ النَّصْبُ عَلى الحالِ عَلى مَعْنى كائِنِينَ في أصْحابِ الجَنَّةِ. وانْتَصَبَ ﴿وعْدَ الصِّدْقِ﴾ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ﴾، وعْدٌ مِنهُ تَعالى بِالتَّقَبُّلِ والتَّجاوُزِ، لَمّا ذَكَرَ الإنْسانَ البارَّ بِوالِدَيْهِ وما آلَ إلَيْهِ مِنَ الخَيْرِ، ذَكَرَ العاقَّ بِوالِدَيْهِ وما آلَ إلَيْهِ مِنَ الشَّرِّ. والمُرادُ بِالَّذِي: الجِنْسُ، ولِذَلِكَ جاءَ الخَبَرُ مَجْمُوعًا في قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ﴾ . وقالَ الحَسَنُ: هو الكافِرُ العاقُّ بِوالِدَيْهِ المُنْكِرُ البَعْثَ. وقَوْلُ مَرْوانَ بْنِ الحَكَمِ، واتَّبَعَهُ قَتادَةُ: إنَّها نَزَلَتْ في عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، قَوْلٌ خَطَأٌ ناشِئٌ عَنْ جَوْرٍ، حِينَ دَعا مَرْوانُ، وهو أمِيرُ المَدِينَةِ، إلى مُبايَعَةِ يَزِيدَ، فَقالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: جَعَلْتُمُوها هِرَقْلِيَّةً ؟ كُلَّما ماتَ هِرَقْلُ ولِيَ ابْنُهُ، وكُلَّما ماتَ قَيْصَرُ ولِيَ ابْنُهُ ؟ فَقالَ مَرْوانُ: خُذُوهُ، فَدَخَلَ بَيْتَ أُخْتِهِ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها، وقَدْ أنْكَرَتْ ذَلِكَ عائِشَةُ فَقالَتْ، وهي المَصْدُوقَةُ: لَمْ يَنْزِلْ في آلِ أبِي بَكْرٍ مِنَ القُرْآنِ غَيْرُ بَراءَتِي، وقالَتْ: واللَّهِ ما هو بِهِ، ولَوْ شِئْتُ أنْ أُسَمِّيَهُ لَسَمَّيْتُهُ. وصَدَّتْ مَرْوانَ وقالَتْ: ولَكِنَّ اللَّهَ لَعَنَ أباكَ وأنْتَ في صُلْبِهِ، فَأنْتَ فَضَضٌ مِن لَعْنَةِ اللَّهِ. ويَدُلُّ عَلى فَسادِ هَذا القَوْلِ أنَّهُ قالَ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ﴾، وهَذِهِ صِفاتُ الكُفّارِ أهْلِ النّارِ، وكانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ مِن أفاضِلِ الصَّحابَةِ وسَراتِهِمْ وأبْطالِهِمْ، ومِمَّنْ لَهُ في الإسْلامِ غَناءٌ يَوْمَ اليَمامَةِ وغَيْرِهِ.
﴿أُفٍّ لَكُما﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى أُفٍّ مَدْلُولًا ولُغاتٍ وقِراءَةً في سُورَةِ الإسْراءِ، واللّامُ في لَكُما لِلْبَيانِ، أيْ لَكُما، أعْنِي التَّأْفِيفَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿أتَعِدانِنِي﴾، بِنُونَيْنِ، (p-٦٢)الأُولى مَكْسُورَةٌ، والحَسَنُ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وفي رِوايَةٍ، وهِشامٌ: بِإدْغامِ نُونِ الرَّفْعِ في نُونِ الوِقايَةِ. وقَرَأ نافِعٌ في رِوايَةٍ، وجَماعَةٌ: بِنُونٍ واحِدَةٍ. وقَرَأ الحَسَنُ، وشَيْبَةُ، وأبُو جَعْفَرٍ: بِخِلافٍ عَنْهُ، وعَبْدُ الوارِثِ، عَنْ أبِي عَمْرٍو. وهارُونُ بْنُ مُوسى، عَنِ الجَحْدَرِيِّ، وسامٌ عَنْ هِشامٍ: بِفَتْحِ النُّونِ الأُولى، كَأنَّهم فَرُّوا مِنَ الكَسْرَتَيْنِ والياءِ إلى الفَتْحِ طَلَبًا لِلتَّخْفِيفِ فَفَتَحُوا، كَما فَرَّ مَن أدْغَمَ ومَن حَذَفَ. وقالَ أبُو حاتِمٍ: فَتْحُ النُّونِ باطِلٌ غَلَطٌ. (أنْ أُخْرَجَ): أيْ أُخْرَجَ مِن قَبْرِي لِلْبَعْثِ والحِسابِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: أنْ أُخْرَجَ، مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، والحَسَنُ، وابْنُ يَعْمُرَ، والأعْمَشُ، وابْنُ مُصَرِّفٍ، والضَّحّاكُ: مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ.
﴿وقَدْ خَلَتِ القُرُونُ مِن قَبْلِي﴾: أيْ مَضَتْ، ولَمْ يُخْرَجْ مِنهم أحَدٌ ولا بُعِثَ. وقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: ﴿وقَدْ خَلَتِ القُرُونُ مِن قَبْلِي﴾ مُكَذِّبَةً بِالبَعْثِ.
﴿وهُما يَسْتَغِيثانِ اللَّهَ﴾، يُقالُ: اسْتَغَثْتُ اللَّهَ واسْتَغَثْتُ بِاللَّهِ، والِاسْتِعْمالانِ في لِسانِ العَرَبِ. وقَدْ رَدَدْنا عَلى ابْنِ مالِكٍ إنْكارَ تَعْدِيَتِهِ بِالباءِ، وذَكَرْنا شَواهِدَ عَلى ذَلِكَ في الأنْفالِ، أيْ يَقُولانِ: الغِياثُ بِاللَّهِ مِنكَ ومِن قَوْلِكَ، وهو اسْتِعْظامٌ لِقَوْلِهِ.
﴿ويْلَكَ﴾: دُعاءٌ عَلَيْهِ بِالثُّبُورِ، والمُرادُ بِهِ الحَثُّ والتَّحْرِيضُ عَلى الإيمانِ لا حَقِيقَةُ الهَلاكِ. وقِيلَ: ويْلَكَ لِمَن يُحَقِّرُ ويُحَرِّكُ لِأمْرٍ يَسْتَعْجِلُ إلَيْهِ. وقَرَأ الأعْرَجُ، وعَمْرُو بْنُ فائِدَةَ: (أنَّ وعْدَ اللَّهِ)، بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، أيْ: آمِن بِأنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ، والجُمْهُورُ بِكَسْرِها، ﴿فَيَقُولُ ما هَذا﴾: أيْ ما هَذا الَّذِي يَقُولُ ؟ أيْ مِنَ الوَعْدِ بِالبَعْثِ مِنَ القُبُورِ إلّا شَيْءٌ سَطَّرَهُ الأوَّلُونَ في كُتُبِهِمْ، ولا حَقِيقَةَ لَهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وظاهِرُ ألْفاظِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّها نَزَلَتْ في مُشارٍ إلَيْهِ قالَ وقِيلَ لَهُ، فَنَفى اللَّهُ أقْوالَهُ تَحْذِيرًا مِنَ الوُقُوعِ في مِثْلِها.
وقَوْلُهُ: (أُولَئِكَ)، ظاهِرُهُ أنَّهُ إشارَةٌ إلى جِنْسٍ يَتَضَمَّنُهُ قَوْلُهُ: ﴿والَّذِي قالَ﴾، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الآيَةُ في مُشارٍ إلَيْهِ، ويَكُونُ قَوْلُهُ في أُولَئِكَ بِمَعْنى صِنْفِ هَذا المَذْكُورِ وجِنْسِهِ هم: ﴿الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ﴾ أيْ قَوْلُ اللَّهِ أنَّهُ يُعَذِّبُهم (في أُمَمٍ)، أيْ جُمْلَةِ: ﴿أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ﴾، يَقْتَضِي أنَّ الجِنَّ يَمُوتُونَ قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ كالإنْسِ. وقالَ الحَسَنُ في بَعْضِ مَجالِسِهِ: الجِنُّ لا يَمُوتُونَ، فاعْتَرَضَهُ قَتادَةُ بِهَذِهِ الآيَةِ فَسَكَتَ. وقَرَأ العَبّاسُ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: أنَّهم كانُوا، بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، والجُمْهُورُ بِالكَسْرِ. (ولِكُلٍّ): أيْ مِنَ المُحْسِنِ والمُسِيءِ، (دَرَجاتٌ) غَلَبَ دَرَجاتٌ، إذِ الجَنَّةُ دَرَجاتٌ والنّارُ دَرَكاتٌ، والمَعْنى: مَنازِلُ ومَراتِبُ مِن جَزاءِ ما عَمِلُوا مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ، ومِن أجْلِ ما عَمِلُوا مِنها. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: دَرَجاتُ المُحْسِنِينَ تَذْهَبُ عُلُوًّا، ودَرَجاتُ المُسِيئِينَ تَذْهَبُ سُفْلًا. انْتَهى. والمُعَلِّلُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: ولِيُوَفِّيَهم أعْمالَهم قَدْرَ جَزائِهِمْ، فَجُعِلَ الثَّوابُ دَرَجاتٍ والعِقابُ دَرَكاتٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ولِيُوَفِّيَهم بِالياءِ، أيِ اللَّهُ تَعالى، والأعْمَشُ والأعْرَجُ وشَيْبَةُ وأبُو جَعْفَرٍ والأخَوانِ وابْنُ ذَكْوانَ ونافِعٌ: بِخِلافٍ عَنْهُ بِالنُّونِ، والسُّلَمِيُّ: بِالتّاءِ مِن فَوْقٍ، أيْ ولِنُوَفِّيَهُمُ الدَّرَجاتِ، أسْنَدَ التَّوْفِيَةَ إلَيْها مَجازًا.
الأحقاف 46:19
﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ وإذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذا إفْكٌ قَدِيمٌ﴾ ﴿ومِن قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إمامًا ورَحْمَةً وهَذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ لِسانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وبُشْرى لِلْمُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿ووَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ إحْسانًا﴾ ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا ووَضَعَتْهُ كُرْهًا وحَمْلُهُ وفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا حَتّى إذا بَلَغَ أشُدَّهُ وبَلَغَ أرْبَعِينَ سَنَةً قالَ رَبِّ أوْزِعْنِي أنْ أشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أنْعَمْتَ عَلَيَّ وعَلى والِدَيَّ وأنْ أعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ وأصْلِحْ لِي في ذُرِّيَّتِي إنِّي تُبْتُ إلَيْكَ وإنِّي مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهم أحْسَنَ ما عَمِلُوا ونَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ في أصْحابِ الجَنَّةِ وعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ﴾ ﴿والَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما أتَعِدانِنِي أنْ أُخْرَجَ وقَدْ خَلَتِ القُرُونُ مِن قَبْلِي وهُما يَسْتَغِيثانِ اللَّهَ ويْلَكَ آمِن إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ ما هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ في أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ إنَّهم كانُوا خاسِرِينَ﴾ ﴿ولِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا ولِيُوَفِّيَهم أعْمالَهم وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ .
(p-٥٩)قالَ قَتادَةُ: هي مَقالَةُ كُفّارِ قُرَيْشٍ لِلَّذِينَ آمَنُوا: أيْ لِأجْلِ الَّذِينَ آمَنُوا: واللّامُ لِلتَّبْلِيغِ. ثُمَّ انْتَقَلُوا إلى الغَيْبَةِ في قَوْلِهِمْ: ﴿ما سَبَقُونا﴾، ولَوْ لَمْ يَنْتَقِلُوا لَكانَ الكَلامُ ما سُبِقْتُمْ إلَيْهِ. ولَمّا سَمِعُوا أنَّ جَماعَةً آمَنُوا خاطَبُوا جَماعَةً مِنَ المُؤْمِنِينَ، أيْ قالُوا: ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ﴾: أُولَئِكَ الَّذِينَ بَلَغَنا إيمانُهم يُرِيدُونَ عَمّارًا وصُهَيْبًا وبِلالًا ونَحْوَهم مِمَّنْ أسْلَمَ وآمَنَ بِالنَّبِيِّ ﷺ . وقالَ الكَلْبِيُّ والزَّجّاجُ: هي مَقالَةُ كِنانَةَ وعامِرٍ وسائِرِ قَبائِلِ العَرَبِ المُجاوِرَةِ. قالَتْ ذَلِكَ حِينَ أسْلَمَتْ غِفارٌ ومُزَيْنَةُ وجُهَيْنَةُ، أيْ لَوْ كانَ هَذا الدِّينُ خَيْرًا، ما سَبَقَنا إلَيْهِ الرُّعاةُ. وقالَ الثَّعْلَبِيُّ: هي مَقالَةُ اليَهُودِ حِينَ أسْلَمَ ابْنُ سَلامٍ وغَيْرُهُ مِنهم. وقالَ أبُو المُتَوَكِّلِ: أسْلَمَ أبُو ذَرٍّ، ثُمَّ أسْلَمَتْ غِفارٌ، فَقالَتْ قُرَيْشٌ ذَلِكَ. وقِيلَ: أسْلَمَتْ أمَةٌ لِعُمَرَ، فَكانَ يَضْرِبُها، حَتّى يَفْتُرَ ويَقُولَ: لَوْلا أنِّي فَتَرْتُ لَزِدْتُكِ ضَرْبًا فَقالَ كُفّارُ قُرَيْشٍ: لَوْ كانَ ما يَدْعُو إلَيْهِ مُحَمَّدٌ حَقًّا، ما سَبَقَتْنا إلَيْهِ فُلانَةُ. والظّاهِرُ أنَّ اسْمَ كانَ هو القُرْآنُ، وعَلَيْهِ يَعُودُ بِهِ ويُؤَيِّدُهُ، ومِن قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى. وقِيلَ: بِهِ عائِدٌ عَلى الرَّسُولِ، والعامِلُ في إذْ مَحْذُوفٌ، أيْ ﴿وإذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ﴾، ظَهَرَ عِنادُهم. وقَوْلُهُ: (فَسَيَقُولُونَ)، مُسَبَّبٌ عَنْ ذَلِكَ الجَوابِ المَحْذُوفِ، لِأنَّ هَذا القَوْلَ هو ناشِئٌ عَنِ العِنادِ، ويَمْتَنِعُ أنْ يَعْمَلَ في إذْ فَسَيَقُولُونَ، لِحَيْلُولَةِ الفاءِ ولِتَعانُدِ زَمانِ إذْ وزَمانِ سَيَقُولُونَ.
﴿إفْكٌ قَدِيمٌ﴾، كَما قالُوا: ﴿أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾، وقِدَمُهُ بِمُرُورِ الأعْصارِ عَلَيْهِ.
ولَمّا طَعَنُوا في صِحَّةِ القُرْآنِ، قِيلَ لَهم: إنَّهُ أنْزَلَ اللَّهُ مِن قَبْلِهِ التَّوْراةَ عَلى مُوسى، وأنْتُمْ لا تُنازَعُونَ في ذَلِكَ، فَلا يُنازَعُ في إنْزالِ القُرْآنِ. (إمامًا) أيْ يُهْتَدى بِهِ، إنَّ فِيهِ البِشارَةَ بِمَبْعَثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وإرْسالِهِ، فَيَلْزَمُ اتِّباعُهُ والإيمانُ بِهِ، وانْتَصَبَ إمامًا عَلى الحالِ، والعامِلُ فِيهِ العامِلُ في: (ومِن قَبْلِهِ)، أيْ وكِتابُ مُوسى كانَ مِن قَبْلِ القُرْآنِ في حالِ كَوْنِهِ إمامًا. وقَرَأ الكَلْبِيُّ: كِتابَ مُوسى، نَصَبَ وفَتَحَ مِيمَ مَن عَلى أنَّها مَوْصُولَةٌ، تَقْدِيرُهُ: وآتَيْنا الَّذِي قَبْلَهُ كِتابَ مُوسى. وقِيلَ: انْتَصَبَ إمامًا بِمَحْذُوفٍ، أيْ أنْزَلْناهُ إمامًا، أيْ قُدْوَةً يُؤْتَمُّ بِهِ، (ورَحْمَةً) لِمَن عَمِلَ بِهِ، وهَذا إشارَةٌ إلى القُرْآنِ.
﴿كِتابٌ مُصَدِّقٌ﴾ لَهُ، أيْ لِكِتابِ مُوسى، وهي التَّوْراةُ الَّتِي تَضَمَّنَتْ خَبَرَهُ وخَبَرَ مَن جاءَ بِهِ، وهو الرَّسُولُ. فَجاءَ هو مُصَدِّقًا لِتِلْكَ الأخْبارِ، أوْ مُصَدِّقًا لِلْكُتُبِ الإلَهِيَّةِ. ولِسانًا: حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في ”مُصَدِّقٌ“، والعامِلُ فِيهِ مُصَدِّقٌ، أوْ مِن ”كِتابٌ“، إذْ قَدْ وصَفَ العامِلُ فِيهِ اسْمَ الإشارَةِ. أوْ لِسانًا: حالُ مَوْطِئِهِ، والحالُ في الحَقِيقَةِ هو ”عَرَبِيًّا“، أوْ عَلى حَذْفٍ، أيْ ذا الشَّأْنِ عَرَبِيٌّ، فَيَكُونُ مَفْعُولًا بِـ ”مُصَدِّقٌ“، أيْ هَذا القُرْآنُ مُصَدِّقٌ مَن جاءَ بِهِ وهو الرَّسُولُ، وذَلِكَ بِإعْجازِهِ وأحْوالِهِ البارِعَةِ. وقِيلَ: انْتَصَبَ عَلى إسْقاطِ الخافِضِ، أيْ بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ، وشَيْبَةُ، والأعْرَجُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وابْنُ عامِرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ: لِتُنْذِرَ، بِتاءِ الخِطابِ لِلرَّسُولِ، والأعْمَشُ، وابْنُ كَثِيرٍ أيْضًا، وباقِي السَّبْعَةِ: بِياءِ الغَيْبَةِ، أيْ لِيُنْذِرَنا القُرْآنُ والَّذِينَ ظَلَمُوا: الكُفّارُ عُبّادُ الأصْنامِ، حَيْثُ وضَعُوا العِبادَةَ في غَيْرِ مَن يَسْتَحِقُّهُ.
﴿وبُشْرى﴾، قِيلَ: مَعْطُوفٌ عَلى ”مُصَدِّقٌ“، فَهو في مَوْضِعِ رَفْعٍ، أوْ عَلى إضْمارِ هو. وقِيلَ: مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ مَعْطُوفٍ عَلى لِيُنْذِرَ، أيْ: ويُبَشِّرَ بُشْرى. وقِيلَ: مَنصُوبٌ عَلى إسْقاطِ الخافِضِ، أيْ ولِبُشْرى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وتَبِعَهُ أبُو البَقاءِ: وبُشْرى في مَحَلِّ النَّصْبِ، مَعْطُوفٌ عَلى مَحَلِّ لِيُنْذِرَ، لِأنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ. انْتَهى. وهَذا لا يَجُوزُ عَلى الصَّحِيحِ مِن مَذْهَبِ النَّحْوِيِّينَ، لِأنَّهم يَشْتَرِطُونَ في الحَمْلِ عَلى المَحَلِّ أنْ يَكُونَ المَحَلُّ بِحَقِّ الأصالَةِ، وأنْ يَكُونَ لِلْمَوْضِعِ مَحْرَزٌ. والمَحَلُّ هُنا لَيْسَ بِحَقِّ الأصالَةِ، لِأنَّ الأصْلَ هو الجَرُّ في المَفْعُولِ (p-٦٠)لَهُ، وإنَّما النَّصْبُ ناشِئٌ عَنْ إسْقاطِ الخافِضِ، لَكِنَّهُ لَمّا كَثُرَ بِالشُّرُوطِ المَذْكُورَةِ في النَّحْوِ، وصَلَ إلَيْهِ الفِعْلُ فَنَصَبَهُ. ولَمّا عَبَّرَ عَنِ الكُفّارِ بِالَّذِينَ ظَلَمُوا، عَبَّرَ عَنِ المُؤْمِنِينَ بِالمُحْسِنِينَ، لِيُقابِلَ بِلَفْظِ الإحْسانِ لَفْظَ الظُّلْمِ.
﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظِيرِ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ فُصِّلَتْ. ولَمّا ذَكَرَ: ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾، قالَ: (ووَصَّيْنا)، إذْ كانَ بِرُّ الوالِدَيْنِ ثانِيًا أفْضَلَ الأعْمالِ، إذْ في الصَّحِيحِ: «أيُّ الأعْمالِ أفْضَلُ ؟ فَقالَ الصَّلاةُ عَلى مِيقاتِها قالَ: ثُمَّ أيُّ ؟ قالَ: ثُمَّ بِرُّ الوالِدَيْنِ»، وإنْ كانَ عُقُوقُهُما ثانِيَ أكْبَرِ الكَبائِرِ، إذْ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «ألا أُنَبِّئُكم ؟ بِأكْبَرِ الكَبائِرِ ؟ الإشْراكُ بِاللَّهِ وعُقُوقُ الوالِدَيْنِ»، والوارِدُ في بَرِّهِما كَثِيرٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: حُسْنًا، بِضَمِّ الحاءِ وإسْكانِ السِّينِ، وعَلِيٌّ، والسُّلَمِيُّ، وعِيسى: بِفَتْحِهِما، وعَنْ عِيسى: بِضَمِّهِما، والكُوفِيُّونَ: إحْسانًا، فَقِيلَ: ضَمَّنَ ووَصَّيْنا مَعْنى ألْزَمْنا، فَيَتَعَدّى لِاثْنَيْنِ، فانْتَصَبَ حُسْنًا وإحْسانًا عَلى المَفْعُولِ الثّانِي لِوَصَّيْنا. وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: إيصاءٌ ذا حُسْنٍ، أوْ ذا إحْسانٍ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حُسْنًا بِمَعْنى إحْسانٍ، فَيَكُونَ مَفْعُولًا لَهُ، أيْ ووَصَّيْناهُ بِهِما لِإحْسانِنا إلَيْهِما، فَيَكُونَ الإحْسانُ مِنَ اللَّهِ تَعالى. وقِيلَ: النَّصْبُ عَلى المَصْدَرِ عَلى تَضْمِينِ وصَّيْنا مَعْنى أحْسَنّا بِالوَصِيَّةِ لِلْإنْسانِ بِوالِدَيْهِ إحْسانًا. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ونَصْبُ هَذا يَعْنِي إحْسانًا عَلى المَصْدَرِ الصَّرِيحِ والمَفْعُولِ الثّانِي في المَجْرُورِ، والباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِوَصَّيْنا، أوْ بِقَوْلِهِ: إحْسانًا. انْتَهى. ولا يَصِحُّ أنْ يَتَعَلَّقَ بِإحْسانًا، لِأنَّهُ مُصَدَّرٌ بِحَرْفٍ مَصْدَرِيٍّ والفِعْلِ، فَلا يَتَقَدَّمُ مَعْمُولُهُ عَلَيْهِ، ولِأنَّ أحْسَنَ لا يَتَعَدّى بِالباءِ، إنَّما يَتَعَدّى بِاللّامِ، تَقُولُ: أحْسَنْتُ لِزَيْدٍ، ولا تَقُولُ: أحْسَنْتُ بِزَيْدٍ، عَلى مَعْنى أنَّ الإحْسانَ يَصِلُ إلَيْهِ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ﴿ووَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ [العنكبوت: ٨] في سُورَةِ العَنْكَبُوتِ، وانْجَرَّ هُنا بِالكَلامِ عَلى ذَلِكَ مَزِيدًا لِلْفائِدَةِ.
﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا﴾: لَيْسَ الكُرْهُ في أوَّلِ عُلُوقِها، بَلْ في ثانِي اسْتِمْرارِ الحَمْلِ، إذْ لا تَدْبِيرَ لَها في حَمْلِهِ ولا تَرْكِهِ. انْتَهى. ولا يَلْحَقُها كُرْهٌ إذْ ذاكَ، فَهَذا احْتِمالٌ بَعِيدٌ. وقالَ مُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ: المَعْنى حَمَلَتْهُ مَشَقَّةً، ووَضَعَتْهُ مَشَقَّةً. وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِضَمِّ الكافِ، وشَيْبَةُ، وأبُو جَعْفَرٍ، والأعْرَجُ، والحَرَمِيّانِ، وأبُو عَمْرٍو: بِالفَتْحِ، وبِهِما مَعًا: أبُو رَجاءٍ، ومُجاهِدٌ، وعِيسى، والضَّمُّ والفَتْحُ لُغَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ، كالعَقْرِ والعُقْرِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: بِالضَّمِّ المَشَقَّةُ، وبِالفَتْحِ الغَلَبَةُ والقَهْرُ، وضَعَّفُوا قِراءَةَ الفَتْحِ. وقالَ بَعْضُهم: لَوْ كانَ بِالفَتْحِ، لَرَمَتْ بِهِ عَنْ نَفْسِها إذْ مَعْناهُ: القَهْرُ والغَلَبَةُ. انْتَهى. وهَذا لَيْسَ بِشَيْءٍ، إذْ قِراءَةُ الفَتْحِ في السَّبْعَةِ المُتَواتِرَةِ. وقالَ أبُو حاتِمٍ: القِراءَةُ بِفَتْحِ الكافِ لا تَحْسُنُ، لِأنَّ الكَرْهَ، بِالفَتْحِ، النَّصَبُ والغَلَبَةُ. انْتَهى. وكانَ أبُو حاتِمٍ يَطْعَنُ في بَعْضِ القُرْآنِ بِما لا عِلْمَ لَهُ بِهِ جَسارَةً مِنهُ، عَفا اللَّهُ عَنْهُ، وانْتِصابُهُما عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ الفاعِلِ، أيْ حَمَلَتْهُ ذاتَ كُرْهٍ، أوْ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ حَمْلًا ذا كُرْهٍ.
﴿وحَمْلُهُ وفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾: أيْ ومُدَّةُ حَمْلِهِ وفِصالِهِ، وهَذا لا يَكُونُ إلّا بِأنْ يَكُونَ أحَدُ الطَّرَفَيْنِ ناقِصًا، إمّا بِأنْ تَلِدَ المَرْأةُ لِسِتَّةِ أشْهُرٍ وتُرْضِعَ عامَيْنِ، وإمّا أنْ تَلِدَ لِتِسْعَةِ أشْهُرٍ عَلى العُرْفِ وتُرْضِعَ عامَيْنِ غَيْرَ رُبْعِ عامٍ. فَإنْ زادَتْ مُدَّةُ الحَمْلِ، نَقَصَتْ مُدَّةُ الرَّضاعِ. فَمُدَّةُ الرَّضاعِ عامٌ وتِسْعَةُ أشْهُرٍ، وإكْمالُ العامَيْنِ لِمَن أرادَ أنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ. وقَدْ كَشَفَتِ التَّجْرِبَةُ أنَّ أقَلَّ مُدَّةِ الحَمْلِ سِتَّةُ أشْهُرٍ، كَنَصِّ القُرْآنِ. وقالَ جالِينُوسُ: كُنْتُ شَدِيدَ الفَحْصِ عَنْ مُقَدَّرِ زَمَنِ الحَمْلِ، فَرَأيْتُ امْرَأةً ولَدَتْ لِمِائَةٍ وأرْبَعٍ وثَمانِينَ لَيْلَةً. وزَعَمَ ابْنُ سِينا أنَّهُ شاهَدَ ذَلِكَ، وأمّا أكْثَرُ الحَمْلِ فَلَيْسَ في القُرْآنِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ. قالَ ابْنُ سِينا في الشِّفاءِ: بَلَغَنِي مِن جِهَةِ مَن أثِقُ بِهِ كُلَّ الثِّقَةِ، أنَّ امْرَأةً وضَعَتْ بَعْدَ الرّابِعِ مِن سِنِي الحَمْلِ، ولَدَتْ ولَدًا نَبَتَتْ أسْنانُهُ. وحُكِيَ عَنْ أرِسْطاطالِيسَ أنَّهُ قالَ: إنَّ مُدَّةَ الحَمْلِ لِكُلِّ الحَيَوانِ مَضْبُوطَةٌ سِوى الإنْسانِ، فَرُبَّما وضَعَتْ لِسَبْعَةِ أشْهُرٍ، ولِثَمانِيَةٍ، وقَلَّ ما يَعِيشُ الوَلَدُ في الثّامِنِ، إلّا في بِلادٍ مُعَيَّنَةٍ مِثْلَ مِصْرَ. انْتَهى. وعَبَّرَ عَنِ الرَّضاعِ بِالفِصالِ، لَمّا كانَ الرَّضاعُ يَلِي الفِصالَ (p-٦١)ويُلابِسُهُ، لِأنَّهُ يَنْتَهِي بِهِ ويَتِمُّ، سُمِّيَ بِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: وفِصالُهُ، وهو مَصْدَرُ فاصَلَ، كَأنَّهُ مِنِ اثْنَيْنِ: فاصَلَ أُمَّهُ وفاصَلَتْهُ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، والجَحْدَرِيُّ: وفَصْلُهُ، قِيلَ: والفَصْلُ والفِصالُ مَصْدَرانِ، كالفَطْمِ والفِطامِ. وهُنا لَطِيفَةٌ: ذَكَرَ تَعالى الأُمَّ في ثَلاثَةِ مَراتِبَ في قَوْلِهِ: بِوالِدَيْهِ. وحَمْلُهُ وإرْضاعُهُ المُعَبَّرُ عَنْهُ بِالفِصالِ، وذَكَرَ الوالِدَ في واحِدَةٍ في قَوْلِهِ: بِوالِدَيْهِ، فَناسَبَ ما قالَ الرَّسُولُ مِن جَعْلِ ثَلاثَةِ أرْباعِ البِرِّ لِلْأُمِّ والرُّبُعِ لِلْأبِ «فِي قَوْلِ الرَّجُلِ: ”يا رَسُولَ اللَّهِ، مَن أبَرُّ ؟ قالَ: أُمَّكَ، قالَ: ثُمَّ مَن ؟ قالَ: أُمَّكَ، قالَ: ثُمَّ مَن ؟ قالَ: أُمَّكَ، قالَ: ثُمَّ مَن ؟ قالَ: أباكَ“» .
﴿حَتّى إذا بَلَغَ أشُدَّهُ﴾ في الكَلامِ حَذْفٌ تَكُونُ: حَتّى غايَةً لَهُ، تَقْدِيرُهُ: فَعاشَ بَعْدَ ذَلِكَ، أوِ اسْتَمَرَّتْ حَياتُهُ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في ﴿بَلَغَ أشُدَّهُ﴾ في سُورَةِ يُوسُفَ. والظّاهِرُ ضَعْفُ قَوْلِ مَن قالَ: بُلُوغُ الأشُدِّ أرْبَعُونَ، لِعَطْفِ ﴿وبَلَغَ أرْبَعِينَ سَنَةً﴾ . والعَطْفُ يَقْتَضِي التَّغايُرَ، إلّا إنِ ادُّعِيَ أنَّ ذَلِكَ تَوْكِيدٌ لِبُلُوغِ الأشُدِّ فَيُمْكِنُ، والتَّأْسِيسُ أوْلى مِنَ التَّأْكِيدِ، وبُلُوغُ الأرْبَعِينَ اكْتِمالُ العَقْلِ لِظُهُورِ الفَلاحِ. قِيلَ: ولَمْ يُبْعَثْ نَبِيٌّ إلّا بَعْدَ الأرْبَعِينَ. وفي الحَدِيثِ: «إنَّ الشَّيْطانَ يَجُرُّ يَدَهُ عَلى وجْهِ مَن زادَ عَلى الأرْبَعِينَ ولَمْ يَتُبْ ويَقُولُ: بِأبِي وجْهٌ لا يُفْلِحُ» .
﴿قالَ رَبِّ أوْزِعْنِي أنْ أشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أنْعَمْتَ عَلَيَّ وعَلى والِدَيَّ وأنْ أعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ﴾: وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذا في سُورَةِ النَّمْلِ.
﴿وأصْلِحْ لِي في ذُرِّيَّتِي﴾: سَألَ أنْ يَجْعَلَ ذُرِّيَّتَهُ مَوْقِعًا لِلصَّلاحِ ومَظِنَّةً لَهُ، كَأنَّهُ قالَ: هَبْ لِيَ الصَّلاحَ في ذُرِّيَّتِي، فَأوْقَعَهُ فِيهِمْ، أوْ ضَمَّنَ: وأصْلِحْ لِي مَعْنى: والطُفْ بِي في ذُرِّيَّتِي، لِأنَّ أصْلِحْ يَقْتَدِي بِنَفْسِهِ لِقَوْلِهِ: ﴿وأصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ﴾ [الأنبياء: ٩٠]، فَلِذَلِكَ احْتِيجَ قَوْلُهُ: ﴿فِي ذُرِّيَّتِي﴾ إلى التَّأْوِيلِ. قِيلَ: نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وتَتَناوَلُ مَن بَعْدَهُ، وهو مُشْكِلٌ، لِأنَّها نَزَلَتْ بِمَكَّةَ، وأبُوهُ أسْلَمَ عامَ الفَتْحِ. ولِقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهم أحْسَنَ ما عَمِلُوا﴾: فَلَمْ يُقْصَدْ بِذَلِكَ أبُو بَكْرٍ ولا غَيْرُهُ. والمُرادُ بِالإنْسانِ الجِنْسُ، ولِذَلِكَ أشارَ بِقَوْلِهِ: (أُولَئِكَ) جَمْعًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”يُتَقَبَّلُ“ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، ”أحْسَنُ“ رَفْعًا، وكَذا ويُتَجاوَزُ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ، وأبُو جَعْفَرٍ، والأعْمَشُ: بِخِلافٍ عَنْهُ. وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ: نَتَقَبَّلُ أحْسَنَ نَصْبًا، ونَتَجاوَزُ بِالنُّونِ فِيهِما، والحَسَنُ، والأعْمَشُ، وعِيسى: بِالياءِ فِيهِما مَفْتُوحَةً ونَصْبِ أحْسَنَ.
﴿فِي أصْحابِ الجَنَّةِ﴾، قِيلَ: في بِمَعْنى مَعَ، وقِيلَ: هو نَحْوُ قَوْلِكَ: أكْرَمَنِي الأمِيرُ في ناسٍ مِن أصْحابِهِ، يُرِيدُ في جُمْلَةِ مَن أكْرَمَ مِنهم، ومَحَلُّهُ النَّصْبُ عَلى الحالِ عَلى مَعْنى كائِنِينَ في أصْحابِ الجَنَّةِ. وانْتَصَبَ ﴿وعْدَ الصِّدْقِ﴾ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ﴾، وعْدٌ مِنهُ تَعالى بِالتَّقَبُّلِ والتَّجاوُزِ، لَمّا ذَكَرَ الإنْسانَ البارَّ بِوالِدَيْهِ وما آلَ إلَيْهِ مِنَ الخَيْرِ، ذَكَرَ العاقَّ بِوالِدَيْهِ وما آلَ إلَيْهِ مِنَ الشَّرِّ. والمُرادُ بِالَّذِي: الجِنْسُ، ولِذَلِكَ جاءَ الخَبَرُ مَجْمُوعًا في قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ﴾ . وقالَ الحَسَنُ: هو الكافِرُ العاقُّ بِوالِدَيْهِ المُنْكِرُ البَعْثَ. وقَوْلُ مَرْوانَ بْنِ الحَكَمِ، واتَّبَعَهُ قَتادَةُ: إنَّها نَزَلَتْ في عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، قَوْلٌ خَطَأٌ ناشِئٌ عَنْ جَوْرٍ، حِينَ دَعا مَرْوانُ، وهو أمِيرُ المَدِينَةِ، إلى مُبايَعَةِ يَزِيدَ، فَقالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: جَعَلْتُمُوها هِرَقْلِيَّةً ؟ كُلَّما ماتَ هِرَقْلُ ولِيَ ابْنُهُ، وكُلَّما ماتَ قَيْصَرُ ولِيَ ابْنُهُ ؟ فَقالَ مَرْوانُ: خُذُوهُ، فَدَخَلَ بَيْتَ أُخْتِهِ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها، وقَدْ أنْكَرَتْ ذَلِكَ عائِشَةُ فَقالَتْ، وهي المَصْدُوقَةُ: لَمْ يَنْزِلْ في آلِ أبِي بَكْرٍ مِنَ القُرْآنِ غَيْرُ بَراءَتِي، وقالَتْ: واللَّهِ ما هو بِهِ، ولَوْ شِئْتُ أنْ أُسَمِّيَهُ لَسَمَّيْتُهُ. وصَدَّتْ مَرْوانَ وقالَتْ: ولَكِنَّ اللَّهَ لَعَنَ أباكَ وأنْتَ في صُلْبِهِ، فَأنْتَ فَضَضٌ مِن لَعْنَةِ اللَّهِ. ويَدُلُّ عَلى فَسادِ هَذا القَوْلِ أنَّهُ قالَ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ﴾، وهَذِهِ صِفاتُ الكُفّارِ أهْلِ النّارِ، وكانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ مِن أفاضِلِ الصَّحابَةِ وسَراتِهِمْ وأبْطالِهِمْ، ومِمَّنْ لَهُ في الإسْلامِ غَناءٌ يَوْمَ اليَمامَةِ وغَيْرِهِ.
﴿أُفٍّ لَكُما﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى أُفٍّ مَدْلُولًا ولُغاتٍ وقِراءَةً في سُورَةِ الإسْراءِ، واللّامُ في لَكُما لِلْبَيانِ، أيْ لَكُما، أعْنِي التَّأْفِيفَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿أتَعِدانِنِي﴾، بِنُونَيْنِ، (p-٦٢)الأُولى مَكْسُورَةٌ، والحَسَنُ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وفي رِوايَةٍ، وهِشامٌ: بِإدْغامِ نُونِ الرَّفْعِ في نُونِ الوِقايَةِ. وقَرَأ نافِعٌ في رِوايَةٍ، وجَماعَةٌ: بِنُونٍ واحِدَةٍ. وقَرَأ الحَسَنُ، وشَيْبَةُ، وأبُو جَعْفَرٍ: بِخِلافٍ عَنْهُ، وعَبْدُ الوارِثِ، عَنْ أبِي عَمْرٍو. وهارُونُ بْنُ مُوسى، عَنِ الجَحْدَرِيِّ، وسامٌ عَنْ هِشامٍ: بِفَتْحِ النُّونِ الأُولى، كَأنَّهم فَرُّوا مِنَ الكَسْرَتَيْنِ والياءِ إلى الفَتْحِ طَلَبًا لِلتَّخْفِيفِ فَفَتَحُوا، كَما فَرَّ مَن أدْغَمَ ومَن حَذَفَ. وقالَ أبُو حاتِمٍ: فَتْحُ النُّونِ باطِلٌ غَلَطٌ. (أنْ أُخْرَجَ): أيْ أُخْرَجَ مِن قَبْرِي لِلْبَعْثِ والحِسابِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: أنْ أُخْرَجَ، مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، والحَسَنُ، وابْنُ يَعْمُرَ، والأعْمَشُ، وابْنُ مُصَرِّفٍ، والضَّحّاكُ: مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ.
﴿وقَدْ خَلَتِ القُرُونُ مِن قَبْلِي﴾: أيْ مَضَتْ، ولَمْ يُخْرَجْ مِنهم أحَدٌ ولا بُعِثَ. وقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: ﴿وقَدْ خَلَتِ القُرُونُ مِن قَبْلِي﴾ مُكَذِّبَةً بِالبَعْثِ.
﴿وهُما يَسْتَغِيثانِ اللَّهَ﴾، يُقالُ: اسْتَغَثْتُ اللَّهَ واسْتَغَثْتُ بِاللَّهِ، والِاسْتِعْمالانِ في لِسانِ العَرَبِ. وقَدْ رَدَدْنا عَلى ابْنِ مالِكٍ إنْكارَ تَعْدِيَتِهِ بِالباءِ، وذَكَرْنا شَواهِدَ عَلى ذَلِكَ في الأنْفالِ، أيْ يَقُولانِ: الغِياثُ بِاللَّهِ مِنكَ ومِن قَوْلِكَ، وهو اسْتِعْظامٌ لِقَوْلِهِ.
﴿ويْلَكَ﴾: دُعاءٌ عَلَيْهِ بِالثُّبُورِ، والمُرادُ بِهِ الحَثُّ والتَّحْرِيضُ عَلى الإيمانِ لا حَقِيقَةُ الهَلاكِ. وقِيلَ: ويْلَكَ لِمَن يُحَقِّرُ ويُحَرِّكُ لِأمْرٍ يَسْتَعْجِلُ إلَيْهِ. وقَرَأ الأعْرَجُ، وعَمْرُو بْنُ فائِدَةَ: (أنَّ وعْدَ اللَّهِ)، بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، أيْ: آمِن بِأنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ، والجُمْهُورُ بِكَسْرِها، ﴿فَيَقُولُ ما هَذا﴾: أيْ ما هَذا الَّذِي يَقُولُ ؟ أيْ مِنَ الوَعْدِ بِالبَعْثِ مِنَ القُبُورِ إلّا شَيْءٌ سَطَّرَهُ الأوَّلُونَ في كُتُبِهِمْ، ولا حَقِيقَةَ لَهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وظاهِرُ ألْفاظِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّها نَزَلَتْ في مُشارٍ إلَيْهِ قالَ وقِيلَ لَهُ، فَنَفى اللَّهُ أقْوالَهُ تَحْذِيرًا مِنَ الوُقُوعِ في مِثْلِها.
وقَوْلُهُ: (أُولَئِكَ)، ظاهِرُهُ أنَّهُ إشارَةٌ إلى جِنْسٍ يَتَضَمَّنُهُ قَوْلُهُ: ﴿والَّذِي قالَ﴾، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الآيَةُ في مُشارٍ إلَيْهِ، ويَكُونُ قَوْلُهُ في أُولَئِكَ بِمَعْنى صِنْفِ هَذا المَذْكُورِ وجِنْسِهِ هم: ﴿الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ﴾ أيْ قَوْلُ اللَّهِ أنَّهُ يُعَذِّبُهم (في أُمَمٍ)، أيْ جُمْلَةِ: ﴿أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ﴾، يَقْتَضِي أنَّ الجِنَّ يَمُوتُونَ قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ كالإنْسِ. وقالَ الحَسَنُ في بَعْضِ مَجالِسِهِ: الجِنُّ لا يَمُوتُونَ، فاعْتَرَضَهُ قَتادَةُ بِهَذِهِ الآيَةِ فَسَكَتَ. وقَرَأ العَبّاسُ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: أنَّهم كانُوا، بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، والجُمْهُورُ بِالكَسْرِ. (ولِكُلٍّ): أيْ مِنَ المُحْسِنِ والمُسِيءِ، (دَرَجاتٌ) غَلَبَ دَرَجاتٌ، إذِ الجَنَّةُ دَرَجاتٌ والنّارُ دَرَكاتٌ، والمَعْنى: مَنازِلُ ومَراتِبُ مِن جَزاءِ ما عَمِلُوا مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ، ومِن أجْلِ ما عَمِلُوا مِنها. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: دَرَجاتُ المُحْسِنِينَ تَذْهَبُ عُلُوًّا، ودَرَجاتُ المُسِيئِينَ تَذْهَبُ سُفْلًا. انْتَهى. والمُعَلِّلُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: ولِيُوَفِّيَهم أعْمالَهم قَدْرَ جَزائِهِمْ، فَجُعِلَ الثَّوابُ دَرَجاتٍ والعِقابُ دَرَكاتٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ولِيُوَفِّيَهم بِالياءِ، أيِ اللَّهُ تَعالى، والأعْمَشُ والأعْرَجُ وشَيْبَةُ وأبُو جَعْفَرٍ والأخَوانِ وابْنُ ذَكْوانَ ونافِعٌ: بِخِلافٍ عَنْهُ بِالنُّونِ، والسُّلَمِيُّ: بِالتّاءِ مِن فَوْقٍ، أيْ ولِنُوَفِّيَهُمُ الدَّرَجاتِ، أسْنَدَ التَّوْفِيَةَ إلَيْها مَجازًا.
الأحقاف 46:20
﴿ويَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلى النّارِ أذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكم في حَياتِكُمُ الدُّنْيا واسْتَمْتَعْتُمْ بِها فاليَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الهُونِ بِما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وبِما كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ﴾ ﴿واذْكُرْ أخا عادٍ إذْ أنْذَرَ قَوْمَهُ بِالأحْقافِ وقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ ألّا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿قالُوا أجِئْتَنا لِتَأْفِكَنا عَنْ آلِهَتِنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ إنَّما العِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وأُبَلِّغُكم ما أُرْسِلْتُ بِهِ ولَكِنِّي أراكم قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ ﴿فَلَمّا رَأوْهُ عارِضًا مُسْتَقْبِلَ أوْدِيَتِهِمْ قالُوا هَذا عارِضٌ مُمْطِرُنا بَلْ هو ما اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأمْرِ رَبِّها فَأصْبَحُوا لا يُرى إلّا مَساكِنُهم كَذَلِكَ نَجْزِي القَوْمَ المُجْرِمِينَ﴾ ﴿ولَقَدْ مَكَّنّاهم فِيما إنْ مَكَّنّاكم فِيهِ وجَعَلْنا لَهم سَمْعًا وأبْصارًا وأفْئِدَةً فَما أغْنى عَنْهم سَمْعُهم ولا أبْصارُهم ولا أفْئِدَتُهم مِن شَيْءٍ إذْ كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ .
(p-٦٣)﴿ويَوْمَ يُعْرَضُ﴾ [الأحقاف: ٣٤]: أيْ يُعَذَّبُ بِالنّارِ، كَما يُقالُ: عُرِضَ عَلى السَّيْفِ، إذا قُتِلَ بِهِ. والعَرْضُ: المُباشَرَةُ، كَما تَقُولُ: عَرَضْتُ العُودَ عَلى النّارِ: أيْ باشَرْتُ بِهِ النّارَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُرادَ عَرْضُ النّارِ عَلَيْهِمْ مِن قَوْلِهِمْ: عَرَضْتُ النّاقَةَ عَلى الحَوْضِ، يُرِيدُونَ عَرَضَ الحَوْضَ عَلَيْها، فَقَلَبُوا. ويَدُلُّ عَلَيْهِ تَفْسِيرُ ابْنِ عَبّاسٍ: يُجاءُ بِهِمْ إلَيْها فَيُكْشَفُ لَهم عَنْها. انْتَهى. ولا يَنْبَغِي حَمْلُ القُرْآنِ عَلى القَلْبِ، إذِ الصَّحِيحُ في القَلْبِ أنَّهُ مِمّا يُضْطَرُّ إلَيْهِ في الشِّعْرِ. وإذا كانَ المَعْنى صَحِيحًا واضِحًا مَعَ عَدَمِ القَلْبِ، فَأيُّ ضَرُورَةٍ تَدْعُو إلَيْهِ ؟ ولَيْسَ في قَوْلِهِمْ: عَرَضْتُ النّاقَةَ عَلى الحَوْضِ، ولا في تَفْسِيرِ ابْنِ عَبّاسٍ ما يَدُلُّ عَلى القَلْبِ، لِأنَّ عَرْضَ النّاقَةِ عَلى الحَوْضِ وعَرْضَ الحَوْضِ عَلى النّاقَةِ، كُلٌّ مِنهُما صَحِيحٌ، إذِ العَرْضُ أمْرٌ نِسْبِيٌّ يَصِحُّ إسْنادُهُ لِكُلِّ واحِدٍ مِنَ النّاقَةِ والحَوْضِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: أذْهَبْتُمْ عَلى الخَبَرِ، أيْ فَيُقالُ لَهم: أذْهَبْتُمْ، ولِذَلِكَ حَسُنَتِ الفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فاليَوْمَ تُجْزَوْنَ﴾ . وقَرَأ قَتادَةُ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ وثّابٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، والأعْرَجُ، وابْنُ كَثِيرٍ: بِهَمْزَةٍ بَعْدَها مَدَّةٌ مُطَوَّلَةٌ، وابْنُ عامِرٍ، بِهَمْزَتَيْنِ حَقَّقَهُما ابْنُ ذَكْوانَ، ولَيَّنَ الثّانِيَةَ هِشامٌ، وابْنُ كَثِيرٍ في رِوايَةٍ. وعَنْ هِشامٍ: الفَصْلُ بَيْنَ المُحَقَّقَةِ والمُلَيَّنَةِ بِألِفٍ، وهَذا الِاسْتِفْهامُ هو عَلى مَعْنى التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيرِ، فَهو خَبَرٌ في المَعْنى، فَلِذَلِكَ حَسُنَتِ الفاءُ، ولَوْ كانَ اسْتِفْهامًا مَحْضًا لَمْ تَدْخُلِ الفاءُ. والطَّيِّباتُ هُنا: المُسْتَلَذّاتُ مِنَ المَآكِلِ والمَشارِبِ والمَلابِسِ والمَفارِشِ والمَراكِبِ والمَواطِئِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَتَنَعَّمُ بِهِ أهْلُ الرَّفاهِيَةِ.
وهَذِهِ الآيَةُ مُحَرِّضَةٌ عَلى التَّقَلُّلِ مِنَ الدُّنْيا، وتَرْكِ التَّنَعُّمِ فِيها والأخْذِ بِالتَّقَشُّفِ وما يُجْتَزَئُ بِهِ رَمَقُ الحَياةِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ في ذَلِكَ ما يَقْتَضِي التَّأسِّيَ بِهِ. وعَنْ عُمَرَ في ذَلِكَ أخْبارٌ تَدُلُّ عَلى مَعْرِفَتِهِ بِأنْواعِ المَلاذِّ وعِزَّةِ نَفْسِهِ الفاضِلَةِ عَنْها: أتَظُنُّونَ أنّا لا نَعْرِفُ خَفْضَ العَيْشِ ؟ ولَوْ شِئْتُ لَجَعَلْتُ أكْبادًا وصَلاءً وصَلائِقَ، ولَكِنْ أسْتَبْقِي حَسَناتِي، فَإنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ وصَفَ أقْوامًا فَقالَ: ﴿أذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكم في حَياتِكُمُ الدُّنْيا واسْتَمْتَعْتُمْ﴾ . والصِّلاءُ الشِّواءُ، والصِّفارُ المُتَّخَذُ مِنَ الخَرْدَلِ والزَّبِيبِ، والصَّلائِقُ: الخُبْزُ الرِّقاقُ العَرِيضُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وهَذا مِن بابِ الزُّهْدِ، وإلّا فالآيَةُ نَزَلَتْ في كُفّارِ قُرَيْشٍ، والمَعْنى: أنَّهُ كانَتْ تَكُونُ لَكم طَيِّباتُ الآخِرَةِ لَوْ آمَنتُمْ، لَكِنَّكم لَمْ تُؤْمِنُوا، فاسْتَعْجَلْتُمْ طَيِّباتِكم في الحَياةِ الدُّنْيا. فَهَذِهِ كِنايَةٌ عَنْ عَدَمِ الإيمانِ، ولِذَلِكَ نَزَلَتْ عَلَيْهِ: ﴿فاليَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الهُونِ﴾، ولَوْ أُرِيدَ الظّاهِرُ، ولَمْ يَكُنْ كِنايَةً عَنْ ما ذَكَرْنا، لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهِ الجَزاءُ بِالعَذابِ. وقُرِئَ: الهَوانُ، وهو والهُونُ بِمَعْنًى واحِدٍ ثُمَّ بَيَّنَ تِلْكَ الكِنايَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿بِما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾: أيْ تَتَرَفَّعُونَ عَنِ الإيمانِ، ﴿وبِما كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ﴾: أيْ بِمَعاصِي الجَوارِحِ، وقَدَّمَ ذَنْبَ القَلْبِ وهو الِاسْتِكْبارُ عَلى ذَنْبِ الجَوارِحِ، إذْ أعْمالُ الجَوارِحِ ناشِئَةٌ عَنْ مُرادِ القَلْبِ.
ولَمّا كانَ أهْلُ مَكَّةَ مُسْتَغْرِقِينَ في لَذّاتِ الدُّنْيا، مُعْرِضِينَ عَنِ الإيمانِ وما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ، ذَكَّرَهم بِما جَرى لِلْعَرَبِ الأُولى، وهم قَوْمُ عادٍ، وكانُوا أكْثَرَ أمْوالًا وأشَدَّ قُوَّةً وأعْظَمَ جاهًا فِيهِمْ، فَسَلَّطَ عَلَيْهِمُ العَذابَ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ، وضَرَبَ الأمْثالَ، وقَصَصُ مَن تَقَدَّمَ تُعْرَفُ بِقُبْحِ الشَّيْءِ وتَحْسِينِهِ، فَقالَ لِرَسُولِهِ: واذْكُرْ لِقَوْمِكَ أهْلِ مَكَّةَ، هُودًا عَلَيْهِ السَّلامُ، ﴿إذْ أنْذَرَ قَوْمَهُ﴾ عادًا عَذَّبَهُمُ اللَّهُ ﴿بِالأحْقافِ﴾ . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وادٍ بَيْنَ عُمانَ ومَهْرَةَ. وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: مِن عُمانَ إلى (p-٦٤)حَضْرَمَوْتَ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: رِمالٌ مُشْرِقَةٌ بِالشِّحْرِ مِنَ اليَمَنِ. وقِيلَ: بَيْنَ مَهْرَةَ وعَدَنَ. وقالَ قَتادَةُ: هي بِلادُ الشِّحْرِ المُواصِلَةِ لِلْبَحْرِ اليَمانِيِّ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي جَبَلٌ بِالشّامِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والصَّحِيحُ أنَّ بِلادَ عادٍ كانَتْ بِاليَمَنِ، ولَهم كانَتْ ﴿إرَمَ ذاتِ العِمادِ﴾ [الفجر: ٧]، وفي ذِكْرِ هَذِهِ القِصَّةِ اعْتِبارٌ لِقُرَيْشٍ وتَسْلِيَةٌ لِلرَّسُولِ، إذْ كَذَّبَهُ قَوْمُهُ، كَما كَذَّبَتْ عادٌ هُودًا عَلَيْهِ السَّلامُ. والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ﴾: وهو جَمْعُ نَذِيرٍ، ﴿مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ﴾، يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ حالًا مِنَ الفاعِلِ في: ﴿النُّذُرُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ﴾، وهُمُ الرُّسُلُ الَّذِينَ تَقَدَّمُوا زَمانَهُ، ومِن خَلْفِهِ الرُّسُلُ الَّذِينَ كانُوا في زَمانِهِ، ويَكُونُ عَلى هَذا مَعْنى (ومِن خَلْفِهِ): أيْ مِن بَعْدِ إنْذارِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اعْتِراضًا بَيْنَ إنْذارِ قَوْمِهِ وأنْ لا تَعْبُدُوا. والمَعْنى: وقَدْ أنْذَرَ مَن تَقَدَّمَهُ مِنَ الرُّسُلِ، ومَن تَأخَّرَ عَنْهُ مِثْلَ ذَلِكَ، فاذْكُرْهم.
﴿قالُوا أجِئْتَنا﴾: اسْتِفْهامُ تَقْرِيرٍ وتَوْبِيخٍ وتَعْجِيزٍ لَهُ فِيما أنْذَرَهُ إيّاهم مِنَ العَذابِ العَظِيمِ عَلى تَرْكِ إفْرادِ اللَّهِ بِالعِبادَةِ.
﴿لِتَأْفِكَنا﴾: لِتَصْرِفَنا، قالَهُ الضَّحّاكُ، أوْ لِتُزِيلَنا عَنْ آلِهَتِنا بِالإفْكِ، وهو الكَذِبُ، أيْ عَنْ عِبادَةِ آلِهَتِنا، ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا﴾: اسْتِعْجالٌ مِنهم بِحُلُولِ ما وعَدَهم بِهِ مِنَ العَذابِ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿بَلْ هو ما اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ﴾ ؟ ﴿قالَ إنَّما العِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ﴾: أيْ عِلْمُ وقْتِ حُلُولِهِ، ولَيْسَ تَعْيِينُ وقْتِهِ إلَيَّ، وإنَّما أنا مُبَلِّغٌ ما أرْسَلَنِي بِهِ اللَّهُ إلَيْكم. ولَمّا تَحَقَّقَ عِنْدَهُ وعْدُ اللَّهِ، وأنَّهُ حالٌّ بِهِمْ وهم في غَفْلَةٍ مِن ذَلِكَ وتَكْذِيبٍ، قالَ: ﴿ولَكِنِّي أراكم قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾: أيْ عاقِبَةَ أمْرِكم لا شُعُورَ لَكم بِها، وذَلِكَ واقِعٌ لا مَحالَةَ. وكانَتْ عادٌ قَدْ حَبَسَ اللَّهُ عَنْها المَطَرَ أيّامًا، فَساقَ اللَّهُ إلَيْهِمْ سَحابَةً سَوْداءَ خَرَجَتْ عَلَيْهِمْ مِن وادٍ يُقالُ لَهُ المُغِيثُ، فاسْتَبْشَرُوا. والضَّمِيرُ في (رَأوْهُ) الظّاهِرُ أنَّهُ عائِدٌ عَلى ما في قَوْلِهِ: (بِما تَعِدُنا)، وهو العَذابُ، وانْتَصَبَ عارِضًا عَلى الحالِ مِنَ المَفْعُولِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى الشَّيْءِ المَرْئِيِّ الطّالِعِ عَلَيْهِمُ الَّذِي فَسَّرَهُ قَوْلُهُ: ﴿عارِضًا﴾ .
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَلَمّا رَأوْهُ)، في الضَّمِيرِ وجْهانِ: أنْ يَرْجِعَ إلى ما تَعِدُنا، وأنْ يَكُونَ مُبْهَمًا، قَدْ وضَحَ أمْرُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿عارِضًا﴾، إمّا تَمْيِيزٌ وإمّا حالٌ، وهَذا الوَجْهُ أعْرَبُ وأفْصَحُ. انْتَهى. وهَذا الَّذِي ذَكَرَ أنَّهُ أعْرَبُ وأفْصَحُ لَيْسَ جارِيًا عَلى ما ذَكَرَهُ النُّحاةُ، لِأنَّ المُبْهَمَ الَّذِي يُفَسِّرُهُ ويُوَضِّحُهُ التَّمْيِيزُ لا يَكُونُ إلّا في بابِ رُبَّ، نَحْوُ: رُبَّ رَجُلًا لَقِيتُهُ، وفي بابِ نِعْمَ وبِئْسَ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ، نَحْوُ: نِعْمَ رَجُلًا زَيْدٌ، وبِئْسَ غُلامًا عَمْرٌو. وأمّا أنَّ الحالَ يُوَضِّحُ المُبْهَمَ ويُفَسِّرُهُ، فَلا نَعْلَمُ أحَدًا ذَهَبَ إلَيْهِ، وقَدْ حَصَرَ النُّحاةُ المُضْمَرَ الَّذِي يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ، فَلَمْ يَذْكُرُوا فِيهِ مَفْعُولَ رَأى إذا كانَ ضَمِيرًا، ولا أنَّ الحالَ يُفَسِّرُ الضَّمِيرَ ويُوَضِّحُهُ. والعارِضُ: المُعْتَرِضُ في الجَوِّ مِنَ السَّحابِ المُمْطِرِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎يا مَن رَأى عارِضًا أرِقْتَ لَهُ بَيْنَ ذِراعَيْ وجَبْهَةِ الأسَدِ
وقالَ الأعْشى:
؎يا مَن رَأى عارِضًا قَدْ بِتُّ أرْمُقُهُ ∗∗∗ كَأنَّها البَرْقُ في حافاتِها الشُّعَلُ
﴿مُسْتَقْبِلَ أوْدِيَتِهِمْ﴾: هو جَمْعُ وادٍ، وأفْعِلَةٌ في جَمْعِ فاعِلٍ. الِاسْمُ شاذٌّ نَحْوُ: نادٍ وأنْدِيَةٍ، وجائِزٍ وأجْوِزَةٍ. والجائِزُ: الخَشَبَةُ المُمْتَدَّةُ في أعْلى السَّقْفِ، وإضافَةُ ”مُسْتَقْبِلَ“ و”مُمْطِرُ“ إضافَةٌ لا تُعَرِّفُ، فَلِذَلِكَ نُعِتَ بِهِما النَّكِرَةُ.
﴿بَلْ هو ما اسْتَعْجَلْتُمْ﴾: أيْ قالَ لَهم هو ذَلِكَ، أيْ بَلْ هو العَذابُ الَّذِي اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ، أضْرَبَ عَنْ قَوْلِهِمْ: ﴿عارِضٌ مُمْطِرُنا﴾، وأخْبَرَ بِأنَّ العَذابَ فاجَأهم، ثُمَّ قالَ: (رِيحٌ): أيْ هي رِيحٌ بَدَلٌ مِن هو. وقَرَأ: ما اسْتَعْجَلْتُمْ، بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ الجِيمِ، وتَقَدَّمَتْ قِصَصٌ في الرِّيحِ، فَأغْنى عَنْ ذِكْرِها هُنا.
﴿تُدَمِّرُ﴾: أيْ تُهْلِكُ، والدَّمارُ: الهَلاكُ، وتَقَدَّمَ ذِكْرُهُ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: تَدْمُرُ. بِفَتْحِ التّاءِ وسُكُونِ الدّالِ وضَمِّ المِيمِ. وقُرِئَ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ بِالياءِ ورَفْعِ ”كُلُّ“ . أيْ يَهْلِكُ كُلُّ شَيْءٍ، وكُلُّ شَيْءٍ عامٌّ مَخْصُوصٌ، أيْ مِن نُفُوسِهِمْ وأمْوالِهِمْ، أوْ مَن أُمِرَتْ بِتَدْمِيرِهِ. (p-٦٥)وإضافَةُ الرَّبِّ إلى الرِّيحِ دَلالَةٌ عَلى أنَّها وتَصْرِيفَها مِمّا يَشْهَدُ بِباهِرِ قُدْرَتِهِ تَعالى، لِأنَّها مِن أعاجِيبِ خَلْقِهِ وأكابِرِ جُنُودِهِ. وذَكَرَ الأمْرَ لِكَوْنِها مَأْمُورَةً مِن جِهَتِهِ تَعالى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: لا تَرى بِتاءِ الخِطابِ، إلّا مَساكِنَهم، بِالنَّصْبِ، وعَبْدُ اللَّهِ، ومُجاهِدٌ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وقَتادَةُ، وأبُو حَيْوَةَ، وطَلْحَةُ، وعِيسى، والحَسَنُ، وعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ: بِخِلافٍ عَنْهُما، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ: لا يُرى بِالياءِ مِن تَحْتٍ مَضْمُومَةٍ إلّا مَساكِنُهم بِالرَّفْعِ. وأبُو رَجاءٍ، ومالِكُ بْنُ دِينارٍ: بِخِلافٍ عَنْهُما. والجَحْدَرِيُّ، والأعْمَشُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، والسُّلَمِيُّ: بِالتّاءِ مِن فَوْقٍ مَضْمُومَةٍ مَساكِنُهم بِالرَّفْعِ وهَذا لا يُجِيزُهُ أصْحابُنا إلّا في الشِّعْرِ، وبَعْضُهم يُجِيزُهُ في الكَلامِ. وقالَ ذُو الرُّمَّةِ:
؎كَأنَّهُ جَمَلٌ هَمٌّ وما بَقِيَتْ ∗∗∗ إلّا النَّحِيزَةُ والألْواحُ والعَصَبُ
وقالَ آخَرُ:
؎فَما بَقِيَتْ إلّا الضُّلُوعُ الجَراشِعُ
وقَرَأ عِيسى الهَمْدانِيُّ: لا يُرى بِضَمِّ الياءِ إلّا مَسْكَنُهم بِالتَّوْحِيدِ. ورُوِيَ هَذا عَنِ الأعْمَشِ، ونَصْرِ بْنِ عاصِمٍ. وقُرِئَ: لا تَرى، بِتاءٍ مَفْتُوحَةٍ لِلْخِطابِ، إلّا مَسْكَنَهم بِالتَّوْحِيدِ مُفْرَدًا مَنصُوبًا، واجْتُزِئَ بِالمُفْرَدِ عَنِ الجَمْعِ تَصْغِيرًا لِشَأْنِهِمْ، وأنَّهم لَمّا هَلَكُوا في وقْتٍ واحِدٍ، فَكَأنَّهم كانُوا في مَسْكَنٍ واحِدٍ. ولَمّا أخْبَرَ بِهَلاكِ قَوْمِ عادٍ، خاطَبَ قُرَيْشًا عَلى سَبِيلِ المَوْعِظَةِ فَقالَ: ﴿ولَقَدْ مَكَّنّاهُمْ﴾، وإنْ: نافِيَةٌ، أيْ في الَّذِي ما مَكَّنّاهم فِيهِ مِنَ القُوَّةِ والغِنى والبَسْطِ في الأجْسامِ والأمْوالِ، ولَمْ يَكُنِ النَّفْيُ بِلَفْظِ ما كَراهَةً لِتَكْرِيرِ اللَّفْظِ، وإنِ اخْتَلَفَ المَعْنى. وقِيلَ: إنْ شَرْطِيَّةٌ مَحْذُوفَةُ الجَوابِ، والتَّقْدِيرُ: إنْ مَكَّنّاكم فِيهِ طَغَيْتُمْ. وقِيلَ: إنْ زائِدَةٌ بَعْدَ ما المَوْصُولَةِ تَشْبِيهًا بِما النّافِيَةِ وما التَّوْقِيتِيَّةِ، فَهي في الآيَةِ كَهي في قَوْلِهِ:
؎يَرْجى المَرْءُ ما إنْ لا يَراهُ ∗∗∗ وتَعْرِضُ دُونَ أدْناهُ الخُطُوبُ
أيْ مَكَّنّاهم في مِثْلِ الَّذِي مَكَّنّاكم فِيهِ، وكَوْنُها نافِيَةً هو الوَجْهُ، لِأنَّ القُرْآنَ يَدُلُّ عَلَيْهِ في مَواضِعَ كَقَوْلِهِ: ﴿كانُوا أكْثَرَ مِنهم وأشَدَّ قُوَّةً وآثارًا﴾ [غافر: ٨٢]، وقَوْلِهِ: ﴿هم أحْسَنُ أثاثًا ورِئْيًا﴾ [مريم: ٧٤]، وهو أبْلَغُ في التَّوْبِيخِ وأدْخَلُ في الحَثِّ في الِاعْتِبارِ. ثُمَّ عَدَّدَ نِعَمَهُ عَلَيْهِمْ، وأنَّها لَمْ تُغْنِ عَنْهم شَيْئًا، حَيْثُ لَمْ يَسْتَعْمِلُوا السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ فِيما يَجِبُ أنْ يُسْتَعْمَلَ. وقِيلَ: ما اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى التَّقْرِيرِ، وهو بَعِيدٌ كَقَوْلِهِ: (مِن شَيْءٍ)، إذْ يَصِيرُ التَّقْدِيرُ: أيُّ شَيْءٍ مِمّا ذَكَرَ أغْنى عَنْهم مِن شَيْءٍ، فَتَكُونُ مِن زِيدَتْ في المُوجَبِ، وهو لا يَجُوزُ عَلى الصَّحِيحِ، والعامِلُ في إذْ أغْنى. ويَظْهَرُ فِيها مَعْنى التَّعْلِيلِ لَوْ قُلْتَ: أكْرَمْتُ زَيْدًا لِإحْسانِهِ إلَيَّ، أوْ إذْ أحْسَنَ إلَيَّ. اسْتَوَيا في الوَقْتِ، وفُهِمَ مِن إذْ ما فُهِمَ مِن لامِ التَّعْلِيلِ، وإنَّ إكْرامَكَ إيّاهُ في وقْتِ إحْسانِهِ إلَيْكَ، إنَّما كانَ لِوُجُودِ إحْسانِهِ لَكَ فِيهِ.
الأحقاف 46:21
﴿ويَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلى النّارِ أذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكم في حَياتِكُمُ الدُّنْيا واسْتَمْتَعْتُمْ بِها فاليَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الهُونِ بِما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وبِما كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ﴾ ﴿واذْكُرْ أخا عادٍ إذْ أنْذَرَ قَوْمَهُ بِالأحْقافِ وقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ ألّا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿قالُوا أجِئْتَنا لِتَأْفِكَنا عَنْ آلِهَتِنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ إنَّما العِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وأُبَلِّغُكم ما أُرْسِلْتُ بِهِ ولَكِنِّي أراكم قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ ﴿فَلَمّا رَأوْهُ عارِضًا مُسْتَقْبِلَ أوْدِيَتِهِمْ قالُوا هَذا عارِضٌ مُمْطِرُنا بَلْ هو ما اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأمْرِ رَبِّها فَأصْبَحُوا لا يُرى إلّا مَساكِنُهم كَذَلِكَ نَجْزِي القَوْمَ المُجْرِمِينَ﴾ ﴿ولَقَدْ مَكَّنّاهم فِيما إنْ مَكَّنّاكم فِيهِ وجَعَلْنا لَهم سَمْعًا وأبْصارًا وأفْئِدَةً فَما أغْنى عَنْهم سَمْعُهم ولا أبْصارُهم ولا أفْئِدَتُهم مِن شَيْءٍ إذْ كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ .
(p-٦٣)﴿ويَوْمَ يُعْرَضُ﴾ [الأحقاف: ٣٤]: أيْ يُعَذَّبُ بِالنّارِ، كَما يُقالُ: عُرِضَ عَلى السَّيْفِ، إذا قُتِلَ بِهِ. والعَرْضُ: المُباشَرَةُ، كَما تَقُولُ: عَرَضْتُ العُودَ عَلى النّارِ: أيْ باشَرْتُ بِهِ النّارَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُرادَ عَرْضُ النّارِ عَلَيْهِمْ مِن قَوْلِهِمْ: عَرَضْتُ النّاقَةَ عَلى الحَوْضِ، يُرِيدُونَ عَرَضَ الحَوْضَ عَلَيْها، فَقَلَبُوا. ويَدُلُّ عَلَيْهِ تَفْسِيرُ ابْنِ عَبّاسٍ: يُجاءُ بِهِمْ إلَيْها فَيُكْشَفُ لَهم عَنْها. انْتَهى. ولا يَنْبَغِي حَمْلُ القُرْآنِ عَلى القَلْبِ، إذِ الصَّحِيحُ في القَلْبِ أنَّهُ مِمّا يُضْطَرُّ إلَيْهِ في الشِّعْرِ. وإذا كانَ المَعْنى صَحِيحًا واضِحًا مَعَ عَدَمِ القَلْبِ، فَأيُّ ضَرُورَةٍ تَدْعُو إلَيْهِ ؟ ولَيْسَ في قَوْلِهِمْ: عَرَضْتُ النّاقَةَ عَلى الحَوْضِ، ولا في تَفْسِيرِ ابْنِ عَبّاسٍ ما يَدُلُّ عَلى القَلْبِ، لِأنَّ عَرْضَ النّاقَةِ عَلى الحَوْضِ وعَرْضَ الحَوْضِ عَلى النّاقَةِ، كُلٌّ مِنهُما صَحِيحٌ، إذِ العَرْضُ أمْرٌ نِسْبِيٌّ يَصِحُّ إسْنادُهُ لِكُلِّ واحِدٍ مِنَ النّاقَةِ والحَوْضِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: أذْهَبْتُمْ عَلى الخَبَرِ، أيْ فَيُقالُ لَهم: أذْهَبْتُمْ، ولِذَلِكَ حَسُنَتِ الفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فاليَوْمَ تُجْزَوْنَ﴾ . وقَرَأ قَتادَةُ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ وثّابٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، والأعْرَجُ، وابْنُ كَثِيرٍ: بِهَمْزَةٍ بَعْدَها مَدَّةٌ مُطَوَّلَةٌ، وابْنُ عامِرٍ، بِهَمْزَتَيْنِ حَقَّقَهُما ابْنُ ذَكْوانَ، ولَيَّنَ الثّانِيَةَ هِشامٌ، وابْنُ كَثِيرٍ في رِوايَةٍ. وعَنْ هِشامٍ: الفَصْلُ بَيْنَ المُحَقَّقَةِ والمُلَيَّنَةِ بِألِفٍ، وهَذا الِاسْتِفْهامُ هو عَلى مَعْنى التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيرِ، فَهو خَبَرٌ في المَعْنى، فَلِذَلِكَ حَسُنَتِ الفاءُ، ولَوْ كانَ اسْتِفْهامًا مَحْضًا لَمْ تَدْخُلِ الفاءُ. والطَّيِّباتُ هُنا: المُسْتَلَذّاتُ مِنَ المَآكِلِ والمَشارِبِ والمَلابِسِ والمَفارِشِ والمَراكِبِ والمَواطِئِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَتَنَعَّمُ بِهِ أهْلُ الرَّفاهِيَةِ.
وهَذِهِ الآيَةُ مُحَرِّضَةٌ عَلى التَّقَلُّلِ مِنَ الدُّنْيا، وتَرْكِ التَّنَعُّمِ فِيها والأخْذِ بِالتَّقَشُّفِ وما يُجْتَزَئُ بِهِ رَمَقُ الحَياةِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ في ذَلِكَ ما يَقْتَضِي التَّأسِّيَ بِهِ. وعَنْ عُمَرَ في ذَلِكَ أخْبارٌ تَدُلُّ عَلى مَعْرِفَتِهِ بِأنْواعِ المَلاذِّ وعِزَّةِ نَفْسِهِ الفاضِلَةِ عَنْها: أتَظُنُّونَ أنّا لا نَعْرِفُ خَفْضَ العَيْشِ ؟ ولَوْ شِئْتُ لَجَعَلْتُ أكْبادًا وصَلاءً وصَلائِقَ، ولَكِنْ أسْتَبْقِي حَسَناتِي، فَإنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ وصَفَ أقْوامًا فَقالَ: ﴿أذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكم في حَياتِكُمُ الدُّنْيا واسْتَمْتَعْتُمْ﴾ . والصِّلاءُ الشِّواءُ، والصِّفارُ المُتَّخَذُ مِنَ الخَرْدَلِ والزَّبِيبِ، والصَّلائِقُ: الخُبْزُ الرِّقاقُ العَرِيضُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وهَذا مِن بابِ الزُّهْدِ، وإلّا فالآيَةُ نَزَلَتْ في كُفّارِ قُرَيْشٍ، والمَعْنى: أنَّهُ كانَتْ تَكُونُ لَكم طَيِّباتُ الآخِرَةِ لَوْ آمَنتُمْ، لَكِنَّكم لَمْ تُؤْمِنُوا، فاسْتَعْجَلْتُمْ طَيِّباتِكم في الحَياةِ الدُّنْيا. فَهَذِهِ كِنايَةٌ عَنْ عَدَمِ الإيمانِ، ولِذَلِكَ نَزَلَتْ عَلَيْهِ: ﴿فاليَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الهُونِ﴾، ولَوْ أُرِيدَ الظّاهِرُ، ولَمْ يَكُنْ كِنايَةً عَنْ ما ذَكَرْنا، لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهِ الجَزاءُ بِالعَذابِ. وقُرِئَ: الهَوانُ، وهو والهُونُ بِمَعْنًى واحِدٍ ثُمَّ بَيَّنَ تِلْكَ الكِنايَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿بِما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾: أيْ تَتَرَفَّعُونَ عَنِ الإيمانِ، ﴿وبِما كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ﴾: أيْ بِمَعاصِي الجَوارِحِ، وقَدَّمَ ذَنْبَ القَلْبِ وهو الِاسْتِكْبارُ عَلى ذَنْبِ الجَوارِحِ، إذْ أعْمالُ الجَوارِحِ ناشِئَةٌ عَنْ مُرادِ القَلْبِ.
ولَمّا كانَ أهْلُ مَكَّةَ مُسْتَغْرِقِينَ في لَذّاتِ الدُّنْيا، مُعْرِضِينَ عَنِ الإيمانِ وما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ، ذَكَّرَهم بِما جَرى لِلْعَرَبِ الأُولى، وهم قَوْمُ عادٍ، وكانُوا أكْثَرَ أمْوالًا وأشَدَّ قُوَّةً وأعْظَمَ جاهًا فِيهِمْ، فَسَلَّطَ عَلَيْهِمُ العَذابَ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ، وضَرَبَ الأمْثالَ، وقَصَصُ مَن تَقَدَّمَ تُعْرَفُ بِقُبْحِ الشَّيْءِ وتَحْسِينِهِ، فَقالَ لِرَسُولِهِ: واذْكُرْ لِقَوْمِكَ أهْلِ مَكَّةَ، هُودًا عَلَيْهِ السَّلامُ، ﴿إذْ أنْذَرَ قَوْمَهُ﴾ عادًا عَذَّبَهُمُ اللَّهُ ﴿بِالأحْقافِ﴾ . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وادٍ بَيْنَ عُمانَ ومَهْرَةَ. وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: مِن عُمانَ إلى (p-٦٤)حَضْرَمَوْتَ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: رِمالٌ مُشْرِقَةٌ بِالشِّحْرِ مِنَ اليَمَنِ. وقِيلَ: بَيْنَ مَهْرَةَ وعَدَنَ. وقالَ قَتادَةُ: هي بِلادُ الشِّحْرِ المُواصِلَةِ لِلْبَحْرِ اليَمانِيِّ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي جَبَلٌ بِالشّامِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والصَّحِيحُ أنَّ بِلادَ عادٍ كانَتْ بِاليَمَنِ، ولَهم كانَتْ ﴿إرَمَ ذاتِ العِمادِ﴾ [الفجر: ٧]، وفي ذِكْرِ هَذِهِ القِصَّةِ اعْتِبارٌ لِقُرَيْشٍ وتَسْلِيَةٌ لِلرَّسُولِ، إذْ كَذَّبَهُ قَوْمُهُ، كَما كَذَّبَتْ عادٌ هُودًا عَلَيْهِ السَّلامُ. والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ﴾: وهو جَمْعُ نَذِيرٍ، ﴿مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ﴾، يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ حالًا مِنَ الفاعِلِ في: ﴿النُّذُرُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ﴾، وهُمُ الرُّسُلُ الَّذِينَ تَقَدَّمُوا زَمانَهُ، ومِن خَلْفِهِ الرُّسُلُ الَّذِينَ كانُوا في زَمانِهِ، ويَكُونُ عَلى هَذا مَعْنى (ومِن خَلْفِهِ): أيْ مِن بَعْدِ إنْذارِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اعْتِراضًا بَيْنَ إنْذارِ قَوْمِهِ وأنْ لا تَعْبُدُوا. والمَعْنى: وقَدْ أنْذَرَ مَن تَقَدَّمَهُ مِنَ الرُّسُلِ، ومَن تَأخَّرَ عَنْهُ مِثْلَ ذَلِكَ، فاذْكُرْهم.
﴿قالُوا أجِئْتَنا﴾: اسْتِفْهامُ تَقْرِيرٍ وتَوْبِيخٍ وتَعْجِيزٍ لَهُ فِيما أنْذَرَهُ إيّاهم مِنَ العَذابِ العَظِيمِ عَلى تَرْكِ إفْرادِ اللَّهِ بِالعِبادَةِ.
﴿لِتَأْفِكَنا﴾: لِتَصْرِفَنا، قالَهُ الضَّحّاكُ، أوْ لِتُزِيلَنا عَنْ آلِهَتِنا بِالإفْكِ، وهو الكَذِبُ، أيْ عَنْ عِبادَةِ آلِهَتِنا، ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا﴾: اسْتِعْجالٌ مِنهم بِحُلُولِ ما وعَدَهم بِهِ مِنَ العَذابِ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿بَلْ هو ما اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ﴾ ؟ ﴿قالَ إنَّما العِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ﴾: أيْ عِلْمُ وقْتِ حُلُولِهِ، ولَيْسَ تَعْيِينُ وقْتِهِ إلَيَّ، وإنَّما أنا مُبَلِّغٌ ما أرْسَلَنِي بِهِ اللَّهُ إلَيْكم. ولَمّا تَحَقَّقَ عِنْدَهُ وعْدُ اللَّهِ، وأنَّهُ حالٌّ بِهِمْ وهم في غَفْلَةٍ مِن ذَلِكَ وتَكْذِيبٍ، قالَ: ﴿ولَكِنِّي أراكم قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾: أيْ عاقِبَةَ أمْرِكم لا شُعُورَ لَكم بِها، وذَلِكَ واقِعٌ لا مَحالَةَ. وكانَتْ عادٌ قَدْ حَبَسَ اللَّهُ عَنْها المَطَرَ أيّامًا، فَساقَ اللَّهُ إلَيْهِمْ سَحابَةً سَوْداءَ خَرَجَتْ عَلَيْهِمْ مِن وادٍ يُقالُ لَهُ المُغِيثُ، فاسْتَبْشَرُوا. والضَّمِيرُ في (رَأوْهُ) الظّاهِرُ أنَّهُ عائِدٌ عَلى ما في قَوْلِهِ: (بِما تَعِدُنا)، وهو العَذابُ، وانْتَصَبَ عارِضًا عَلى الحالِ مِنَ المَفْعُولِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى الشَّيْءِ المَرْئِيِّ الطّالِعِ عَلَيْهِمُ الَّذِي فَسَّرَهُ قَوْلُهُ: ﴿عارِضًا﴾ .
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَلَمّا رَأوْهُ)، في الضَّمِيرِ وجْهانِ: أنْ يَرْجِعَ إلى ما تَعِدُنا، وأنْ يَكُونَ مُبْهَمًا، قَدْ وضَحَ أمْرُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿عارِضًا﴾، إمّا تَمْيِيزٌ وإمّا حالٌ، وهَذا الوَجْهُ أعْرَبُ وأفْصَحُ. انْتَهى. وهَذا الَّذِي ذَكَرَ أنَّهُ أعْرَبُ وأفْصَحُ لَيْسَ جارِيًا عَلى ما ذَكَرَهُ النُّحاةُ، لِأنَّ المُبْهَمَ الَّذِي يُفَسِّرُهُ ويُوَضِّحُهُ التَّمْيِيزُ لا يَكُونُ إلّا في بابِ رُبَّ، نَحْوُ: رُبَّ رَجُلًا لَقِيتُهُ، وفي بابِ نِعْمَ وبِئْسَ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ، نَحْوُ: نِعْمَ رَجُلًا زَيْدٌ، وبِئْسَ غُلامًا عَمْرٌو. وأمّا أنَّ الحالَ يُوَضِّحُ المُبْهَمَ ويُفَسِّرُهُ، فَلا نَعْلَمُ أحَدًا ذَهَبَ إلَيْهِ، وقَدْ حَصَرَ النُّحاةُ المُضْمَرَ الَّذِي يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ، فَلَمْ يَذْكُرُوا فِيهِ مَفْعُولَ رَأى إذا كانَ ضَمِيرًا، ولا أنَّ الحالَ يُفَسِّرُ الضَّمِيرَ ويُوَضِّحُهُ. والعارِضُ: المُعْتَرِضُ في الجَوِّ مِنَ السَّحابِ المُمْطِرِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎يا مَن رَأى عارِضًا أرِقْتَ لَهُ بَيْنَ ذِراعَيْ وجَبْهَةِ الأسَدِ
وقالَ الأعْشى:
؎يا مَن رَأى عارِضًا قَدْ بِتُّ أرْمُقُهُ ∗∗∗ كَأنَّها البَرْقُ في حافاتِها الشُّعَلُ
﴿مُسْتَقْبِلَ أوْدِيَتِهِمْ﴾: هو جَمْعُ وادٍ، وأفْعِلَةٌ في جَمْعِ فاعِلٍ. الِاسْمُ شاذٌّ نَحْوُ: نادٍ وأنْدِيَةٍ، وجائِزٍ وأجْوِزَةٍ. والجائِزُ: الخَشَبَةُ المُمْتَدَّةُ في أعْلى السَّقْفِ، وإضافَةُ ”مُسْتَقْبِلَ“ و”مُمْطِرُ“ إضافَةٌ لا تُعَرِّفُ، فَلِذَلِكَ نُعِتَ بِهِما النَّكِرَةُ.
﴿بَلْ هو ما اسْتَعْجَلْتُمْ﴾: أيْ قالَ لَهم هو ذَلِكَ، أيْ بَلْ هو العَذابُ الَّذِي اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ، أضْرَبَ عَنْ قَوْلِهِمْ: ﴿عارِضٌ مُمْطِرُنا﴾، وأخْبَرَ بِأنَّ العَذابَ فاجَأهم، ثُمَّ قالَ: (رِيحٌ): أيْ هي رِيحٌ بَدَلٌ مِن هو. وقَرَأ: ما اسْتَعْجَلْتُمْ، بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ الجِيمِ، وتَقَدَّمَتْ قِصَصٌ في الرِّيحِ، فَأغْنى عَنْ ذِكْرِها هُنا.
﴿تُدَمِّرُ﴾: أيْ تُهْلِكُ، والدَّمارُ: الهَلاكُ، وتَقَدَّمَ ذِكْرُهُ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: تَدْمُرُ. بِفَتْحِ التّاءِ وسُكُونِ الدّالِ وضَمِّ المِيمِ. وقُرِئَ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ بِالياءِ ورَفْعِ ”كُلُّ“ . أيْ يَهْلِكُ كُلُّ شَيْءٍ، وكُلُّ شَيْءٍ عامٌّ مَخْصُوصٌ، أيْ مِن نُفُوسِهِمْ وأمْوالِهِمْ، أوْ مَن أُمِرَتْ بِتَدْمِيرِهِ. (p-٦٥)وإضافَةُ الرَّبِّ إلى الرِّيحِ دَلالَةٌ عَلى أنَّها وتَصْرِيفَها مِمّا يَشْهَدُ بِباهِرِ قُدْرَتِهِ تَعالى، لِأنَّها مِن أعاجِيبِ خَلْقِهِ وأكابِرِ جُنُودِهِ. وذَكَرَ الأمْرَ لِكَوْنِها مَأْمُورَةً مِن جِهَتِهِ تَعالى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: لا تَرى بِتاءِ الخِطابِ، إلّا مَساكِنَهم، بِالنَّصْبِ، وعَبْدُ اللَّهِ، ومُجاهِدٌ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وقَتادَةُ، وأبُو حَيْوَةَ، وطَلْحَةُ، وعِيسى، والحَسَنُ، وعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ: بِخِلافٍ عَنْهُما، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ: لا يُرى بِالياءِ مِن تَحْتٍ مَضْمُومَةٍ إلّا مَساكِنُهم بِالرَّفْعِ. وأبُو رَجاءٍ، ومالِكُ بْنُ دِينارٍ: بِخِلافٍ عَنْهُما. والجَحْدَرِيُّ، والأعْمَشُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، والسُّلَمِيُّ: بِالتّاءِ مِن فَوْقٍ مَضْمُومَةٍ مَساكِنُهم بِالرَّفْعِ وهَذا لا يُجِيزُهُ أصْحابُنا إلّا في الشِّعْرِ، وبَعْضُهم يُجِيزُهُ في الكَلامِ. وقالَ ذُو الرُّمَّةِ:
؎كَأنَّهُ جَمَلٌ هَمٌّ وما بَقِيَتْ ∗∗∗ إلّا النَّحِيزَةُ والألْواحُ والعَصَبُ
وقالَ آخَرُ:
؎فَما بَقِيَتْ إلّا الضُّلُوعُ الجَراشِعُ
وقَرَأ عِيسى الهَمْدانِيُّ: لا يُرى بِضَمِّ الياءِ إلّا مَسْكَنُهم بِالتَّوْحِيدِ. ورُوِيَ هَذا عَنِ الأعْمَشِ، ونَصْرِ بْنِ عاصِمٍ. وقُرِئَ: لا تَرى، بِتاءٍ مَفْتُوحَةٍ لِلْخِطابِ، إلّا مَسْكَنَهم بِالتَّوْحِيدِ مُفْرَدًا مَنصُوبًا، واجْتُزِئَ بِالمُفْرَدِ عَنِ الجَمْعِ تَصْغِيرًا لِشَأْنِهِمْ، وأنَّهم لَمّا هَلَكُوا في وقْتٍ واحِدٍ، فَكَأنَّهم كانُوا في مَسْكَنٍ واحِدٍ. ولَمّا أخْبَرَ بِهَلاكِ قَوْمِ عادٍ، خاطَبَ قُرَيْشًا عَلى سَبِيلِ المَوْعِظَةِ فَقالَ: ﴿ولَقَدْ مَكَّنّاهُمْ﴾، وإنْ: نافِيَةٌ، أيْ في الَّذِي ما مَكَّنّاهم فِيهِ مِنَ القُوَّةِ والغِنى والبَسْطِ في الأجْسامِ والأمْوالِ، ولَمْ يَكُنِ النَّفْيُ بِلَفْظِ ما كَراهَةً لِتَكْرِيرِ اللَّفْظِ، وإنِ اخْتَلَفَ المَعْنى. وقِيلَ: إنْ شَرْطِيَّةٌ مَحْذُوفَةُ الجَوابِ، والتَّقْدِيرُ: إنْ مَكَّنّاكم فِيهِ طَغَيْتُمْ. وقِيلَ: إنْ زائِدَةٌ بَعْدَ ما المَوْصُولَةِ تَشْبِيهًا بِما النّافِيَةِ وما التَّوْقِيتِيَّةِ، فَهي في الآيَةِ كَهي في قَوْلِهِ:
؎يَرْجى المَرْءُ ما إنْ لا يَراهُ ∗∗∗ وتَعْرِضُ دُونَ أدْناهُ الخُطُوبُ
أيْ مَكَّنّاهم في مِثْلِ الَّذِي مَكَّنّاكم فِيهِ، وكَوْنُها نافِيَةً هو الوَجْهُ، لِأنَّ القُرْآنَ يَدُلُّ عَلَيْهِ في مَواضِعَ كَقَوْلِهِ: ﴿كانُوا أكْثَرَ مِنهم وأشَدَّ قُوَّةً وآثارًا﴾ [غافر: ٨٢]، وقَوْلِهِ: ﴿هم أحْسَنُ أثاثًا ورِئْيًا﴾ [مريم: ٧٤]، وهو أبْلَغُ في التَّوْبِيخِ وأدْخَلُ في الحَثِّ في الِاعْتِبارِ. ثُمَّ عَدَّدَ نِعَمَهُ عَلَيْهِمْ، وأنَّها لَمْ تُغْنِ عَنْهم شَيْئًا، حَيْثُ لَمْ يَسْتَعْمِلُوا السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ فِيما يَجِبُ أنْ يُسْتَعْمَلَ. وقِيلَ: ما اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى التَّقْرِيرِ، وهو بَعِيدٌ كَقَوْلِهِ: (مِن شَيْءٍ)، إذْ يَصِيرُ التَّقْدِيرُ: أيُّ شَيْءٍ مِمّا ذَكَرَ أغْنى عَنْهم مِن شَيْءٍ، فَتَكُونُ مِن زِيدَتْ في المُوجَبِ، وهو لا يَجُوزُ عَلى الصَّحِيحِ، والعامِلُ في إذْ أغْنى. ويَظْهَرُ فِيها مَعْنى التَّعْلِيلِ لَوْ قُلْتَ: أكْرَمْتُ زَيْدًا لِإحْسانِهِ إلَيَّ، أوْ إذْ أحْسَنَ إلَيَّ. اسْتَوَيا في الوَقْتِ، وفُهِمَ مِن إذْ ما فُهِمَ مِن لامِ التَّعْلِيلِ، وإنَّ إكْرامَكَ إيّاهُ في وقْتِ إحْسانِهِ إلَيْكَ، إنَّما كانَ لِوُجُودِ إحْسانِهِ لَكَ فِيهِ.
الأحقاف 46:22
﴿ويَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلى النّارِ أذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكم في حَياتِكُمُ الدُّنْيا واسْتَمْتَعْتُمْ بِها فاليَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الهُونِ بِما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وبِما كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ﴾ ﴿واذْكُرْ أخا عادٍ إذْ أنْذَرَ قَوْمَهُ بِالأحْقافِ وقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ ألّا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿قالُوا أجِئْتَنا لِتَأْفِكَنا عَنْ آلِهَتِنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ إنَّما العِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وأُبَلِّغُكم ما أُرْسِلْتُ بِهِ ولَكِنِّي أراكم قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ ﴿فَلَمّا رَأوْهُ عارِضًا مُسْتَقْبِلَ أوْدِيَتِهِمْ قالُوا هَذا عارِضٌ مُمْطِرُنا بَلْ هو ما اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأمْرِ رَبِّها فَأصْبَحُوا لا يُرى إلّا مَساكِنُهم كَذَلِكَ نَجْزِي القَوْمَ المُجْرِمِينَ﴾ ﴿ولَقَدْ مَكَّنّاهم فِيما إنْ مَكَّنّاكم فِيهِ وجَعَلْنا لَهم سَمْعًا وأبْصارًا وأفْئِدَةً فَما أغْنى عَنْهم سَمْعُهم ولا أبْصارُهم ولا أفْئِدَتُهم مِن شَيْءٍ إذْ كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ .
(p-٦٣)﴿ويَوْمَ يُعْرَضُ﴾ [الأحقاف: ٣٤]: أيْ يُعَذَّبُ بِالنّارِ، كَما يُقالُ: عُرِضَ عَلى السَّيْفِ، إذا قُتِلَ بِهِ. والعَرْضُ: المُباشَرَةُ، كَما تَقُولُ: عَرَضْتُ العُودَ عَلى النّارِ: أيْ باشَرْتُ بِهِ النّارَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُرادَ عَرْضُ النّارِ عَلَيْهِمْ مِن قَوْلِهِمْ: عَرَضْتُ النّاقَةَ عَلى الحَوْضِ، يُرِيدُونَ عَرَضَ الحَوْضَ عَلَيْها، فَقَلَبُوا. ويَدُلُّ عَلَيْهِ تَفْسِيرُ ابْنِ عَبّاسٍ: يُجاءُ بِهِمْ إلَيْها فَيُكْشَفُ لَهم عَنْها. انْتَهى. ولا يَنْبَغِي حَمْلُ القُرْآنِ عَلى القَلْبِ، إذِ الصَّحِيحُ في القَلْبِ أنَّهُ مِمّا يُضْطَرُّ إلَيْهِ في الشِّعْرِ. وإذا كانَ المَعْنى صَحِيحًا واضِحًا مَعَ عَدَمِ القَلْبِ، فَأيُّ ضَرُورَةٍ تَدْعُو إلَيْهِ ؟ ولَيْسَ في قَوْلِهِمْ: عَرَضْتُ النّاقَةَ عَلى الحَوْضِ، ولا في تَفْسِيرِ ابْنِ عَبّاسٍ ما يَدُلُّ عَلى القَلْبِ، لِأنَّ عَرْضَ النّاقَةِ عَلى الحَوْضِ وعَرْضَ الحَوْضِ عَلى النّاقَةِ، كُلٌّ مِنهُما صَحِيحٌ، إذِ العَرْضُ أمْرٌ نِسْبِيٌّ يَصِحُّ إسْنادُهُ لِكُلِّ واحِدٍ مِنَ النّاقَةِ والحَوْضِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: أذْهَبْتُمْ عَلى الخَبَرِ، أيْ فَيُقالُ لَهم: أذْهَبْتُمْ، ولِذَلِكَ حَسُنَتِ الفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فاليَوْمَ تُجْزَوْنَ﴾ . وقَرَأ قَتادَةُ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ وثّابٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، والأعْرَجُ، وابْنُ كَثِيرٍ: بِهَمْزَةٍ بَعْدَها مَدَّةٌ مُطَوَّلَةٌ، وابْنُ عامِرٍ، بِهَمْزَتَيْنِ حَقَّقَهُما ابْنُ ذَكْوانَ، ولَيَّنَ الثّانِيَةَ هِشامٌ، وابْنُ كَثِيرٍ في رِوايَةٍ. وعَنْ هِشامٍ: الفَصْلُ بَيْنَ المُحَقَّقَةِ والمُلَيَّنَةِ بِألِفٍ، وهَذا الِاسْتِفْهامُ هو عَلى مَعْنى التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيرِ، فَهو خَبَرٌ في المَعْنى، فَلِذَلِكَ حَسُنَتِ الفاءُ، ولَوْ كانَ اسْتِفْهامًا مَحْضًا لَمْ تَدْخُلِ الفاءُ. والطَّيِّباتُ هُنا: المُسْتَلَذّاتُ مِنَ المَآكِلِ والمَشارِبِ والمَلابِسِ والمَفارِشِ والمَراكِبِ والمَواطِئِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَتَنَعَّمُ بِهِ أهْلُ الرَّفاهِيَةِ.
وهَذِهِ الآيَةُ مُحَرِّضَةٌ عَلى التَّقَلُّلِ مِنَ الدُّنْيا، وتَرْكِ التَّنَعُّمِ فِيها والأخْذِ بِالتَّقَشُّفِ وما يُجْتَزَئُ بِهِ رَمَقُ الحَياةِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ في ذَلِكَ ما يَقْتَضِي التَّأسِّيَ بِهِ. وعَنْ عُمَرَ في ذَلِكَ أخْبارٌ تَدُلُّ عَلى مَعْرِفَتِهِ بِأنْواعِ المَلاذِّ وعِزَّةِ نَفْسِهِ الفاضِلَةِ عَنْها: أتَظُنُّونَ أنّا لا نَعْرِفُ خَفْضَ العَيْشِ ؟ ولَوْ شِئْتُ لَجَعَلْتُ أكْبادًا وصَلاءً وصَلائِقَ، ولَكِنْ أسْتَبْقِي حَسَناتِي، فَإنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ وصَفَ أقْوامًا فَقالَ: ﴿أذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكم في حَياتِكُمُ الدُّنْيا واسْتَمْتَعْتُمْ﴾ . والصِّلاءُ الشِّواءُ، والصِّفارُ المُتَّخَذُ مِنَ الخَرْدَلِ والزَّبِيبِ، والصَّلائِقُ: الخُبْزُ الرِّقاقُ العَرِيضُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وهَذا مِن بابِ الزُّهْدِ، وإلّا فالآيَةُ نَزَلَتْ في كُفّارِ قُرَيْشٍ، والمَعْنى: أنَّهُ كانَتْ تَكُونُ لَكم طَيِّباتُ الآخِرَةِ لَوْ آمَنتُمْ، لَكِنَّكم لَمْ تُؤْمِنُوا، فاسْتَعْجَلْتُمْ طَيِّباتِكم في الحَياةِ الدُّنْيا. فَهَذِهِ كِنايَةٌ عَنْ عَدَمِ الإيمانِ، ولِذَلِكَ نَزَلَتْ عَلَيْهِ: ﴿فاليَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الهُونِ﴾، ولَوْ أُرِيدَ الظّاهِرُ، ولَمْ يَكُنْ كِنايَةً عَنْ ما ذَكَرْنا، لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهِ الجَزاءُ بِالعَذابِ. وقُرِئَ: الهَوانُ، وهو والهُونُ بِمَعْنًى واحِدٍ ثُمَّ بَيَّنَ تِلْكَ الكِنايَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿بِما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾: أيْ تَتَرَفَّعُونَ عَنِ الإيمانِ، ﴿وبِما كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ﴾: أيْ بِمَعاصِي الجَوارِحِ، وقَدَّمَ ذَنْبَ القَلْبِ وهو الِاسْتِكْبارُ عَلى ذَنْبِ الجَوارِحِ، إذْ أعْمالُ الجَوارِحِ ناشِئَةٌ عَنْ مُرادِ القَلْبِ.
ولَمّا كانَ أهْلُ مَكَّةَ مُسْتَغْرِقِينَ في لَذّاتِ الدُّنْيا، مُعْرِضِينَ عَنِ الإيمانِ وما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ، ذَكَّرَهم بِما جَرى لِلْعَرَبِ الأُولى، وهم قَوْمُ عادٍ، وكانُوا أكْثَرَ أمْوالًا وأشَدَّ قُوَّةً وأعْظَمَ جاهًا فِيهِمْ، فَسَلَّطَ عَلَيْهِمُ العَذابَ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ، وضَرَبَ الأمْثالَ، وقَصَصُ مَن تَقَدَّمَ تُعْرَفُ بِقُبْحِ الشَّيْءِ وتَحْسِينِهِ، فَقالَ لِرَسُولِهِ: واذْكُرْ لِقَوْمِكَ أهْلِ مَكَّةَ، هُودًا عَلَيْهِ السَّلامُ، ﴿إذْ أنْذَرَ قَوْمَهُ﴾ عادًا عَذَّبَهُمُ اللَّهُ ﴿بِالأحْقافِ﴾ . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وادٍ بَيْنَ عُمانَ ومَهْرَةَ. وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: مِن عُمانَ إلى (p-٦٤)حَضْرَمَوْتَ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: رِمالٌ مُشْرِقَةٌ بِالشِّحْرِ مِنَ اليَمَنِ. وقِيلَ: بَيْنَ مَهْرَةَ وعَدَنَ. وقالَ قَتادَةُ: هي بِلادُ الشِّحْرِ المُواصِلَةِ لِلْبَحْرِ اليَمانِيِّ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي جَبَلٌ بِالشّامِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والصَّحِيحُ أنَّ بِلادَ عادٍ كانَتْ بِاليَمَنِ، ولَهم كانَتْ ﴿إرَمَ ذاتِ العِمادِ﴾ [الفجر: ٧]، وفي ذِكْرِ هَذِهِ القِصَّةِ اعْتِبارٌ لِقُرَيْشٍ وتَسْلِيَةٌ لِلرَّسُولِ، إذْ كَذَّبَهُ قَوْمُهُ، كَما كَذَّبَتْ عادٌ هُودًا عَلَيْهِ السَّلامُ. والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ﴾: وهو جَمْعُ نَذِيرٍ، ﴿مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ﴾، يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ حالًا مِنَ الفاعِلِ في: ﴿النُّذُرُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ﴾، وهُمُ الرُّسُلُ الَّذِينَ تَقَدَّمُوا زَمانَهُ، ومِن خَلْفِهِ الرُّسُلُ الَّذِينَ كانُوا في زَمانِهِ، ويَكُونُ عَلى هَذا مَعْنى (ومِن خَلْفِهِ): أيْ مِن بَعْدِ إنْذارِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اعْتِراضًا بَيْنَ إنْذارِ قَوْمِهِ وأنْ لا تَعْبُدُوا. والمَعْنى: وقَدْ أنْذَرَ مَن تَقَدَّمَهُ مِنَ الرُّسُلِ، ومَن تَأخَّرَ عَنْهُ مِثْلَ ذَلِكَ، فاذْكُرْهم.
﴿قالُوا أجِئْتَنا﴾: اسْتِفْهامُ تَقْرِيرٍ وتَوْبِيخٍ وتَعْجِيزٍ لَهُ فِيما أنْذَرَهُ إيّاهم مِنَ العَذابِ العَظِيمِ عَلى تَرْكِ إفْرادِ اللَّهِ بِالعِبادَةِ.
﴿لِتَأْفِكَنا﴾: لِتَصْرِفَنا، قالَهُ الضَّحّاكُ، أوْ لِتُزِيلَنا عَنْ آلِهَتِنا بِالإفْكِ، وهو الكَذِبُ، أيْ عَنْ عِبادَةِ آلِهَتِنا، ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا﴾: اسْتِعْجالٌ مِنهم بِحُلُولِ ما وعَدَهم بِهِ مِنَ العَذابِ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿بَلْ هو ما اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ﴾ ؟ ﴿قالَ إنَّما العِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ﴾: أيْ عِلْمُ وقْتِ حُلُولِهِ، ولَيْسَ تَعْيِينُ وقْتِهِ إلَيَّ، وإنَّما أنا مُبَلِّغٌ ما أرْسَلَنِي بِهِ اللَّهُ إلَيْكم. ولَمّا تَحَقَّقَ عِنْدَهُ وعْدُ اللَّهِ، وأنَّهُ حالٌّ بِهِمْ وهم في غَفْلَةٍ مِن ذَلِكَ وتَكْذِيبٍ، قالَ: ﴿ولَكِنِّي أراكم قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾: أيْ عاقِبَةَ أمْرِكم لا شُعُورَ لَكم بِها، وذَلِكَ واقِعٌ لا مَحالَةَ. وكانَتْ عادٌ قَدْ حَبَسَ اللَّهُ عَنْها المَطَرَ أيّامًا، فَساقَ اللَّهُ إلَيْهِمْ سَحابَةً سَوْداءَ خَرَجَتْ عَلَيْهِمْ مِن وادٍ يُقالُ لَهُ المُغِيثُ، فاسْتَبْشَرُوا. والضَّمِيرُ في (رَأوْهُ) الظّاهِرُ أنَّهُ عائِدٌ عَلى ما في قَوْلِهِ: (بِما تَعِدُنا)، وهو العَذابُ، وانْتَصَبَ عارِضًا عَلى الحالِ مِنَ المَفْعُولِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى الشَّيْءِ المَرْئِيِّ الطّالِعِ عَلَيْهِمُ الَّذِي فَسَّرَهُ قَوْلُهُ: ﴿عارِضًا﴾ .
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَلَمّا رَأوْهُ)، في الضَّمِيرِ وجْهانِ: أنْ يَرْجِعَ إلى ما تَعِدُنا، وأنْ يَكُونَ مُبْهَمًا، قَدْ وضَحَ أمْرُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿عارِضًا﴾، إمّا تَمْيِيزٌ وإمّا حالٌ، وهَذا الوَجْهُ أعْرَبُ وأفْصَحُ. انْتَهى. وهَذا الَّذِي ذَكَرَ أنَّهُ أعْرَبُ وأفْصَحُ لَيْسَ جارِيًا عَلى ما ذَكَرَهُ النُّحاةُ، لِأنَّ المُبْهَمَ الَّذِي يُفَسِّرُهُ ويُوَضِّحُهُ التَّمْيِيزُ لا يَكُونُ إلّا في بابِ رُبَّ، نَحْوُ: رُبَّ رَجُلًا لَقِيتُهُ، وفي بابِ نِعْمَ وبِئْسَ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ، نَحْوُ: نِعْمَ رَجُلًا زَيْدٌ، وبِئْسَ غُلامًا عَمْرٌو. وأمّا أنَّ الحالَ يُوَضِّحُ المُبْهَمَ ويُفَسِّرُهُ، فَلا نَعْلَمُ أحَدًا ذَهَبَ إلَيْهِ، وقَدْ حَصَرَ النُّحاةُ المُضْمَرَ الَّذِي يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ، فَلَمْ يَذْكُرُوا فِيهِ مَفْعُولَ رَأى إذا كانَ ضَمِيرًا، ولا أنَّ الحالَ يُفَسِّرُ الضَّمِيرَ ويُوَضِّحُهُ. والعارِضُ: المُعْتَرِضُ في الجَوِّ مِنَ السَّحابِ المُمْطِرِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎يا مَن رَأى عارِضًا أرِقْتَ لَهُ بَيْنَ ذِراعَيْ وجَبْهَةِ الأسَدِ
وقالَ الأعْشى:
؎يا مَن رَأى عارِضًا قَدْ بِتُّ أرْمُقُهُ ∗∗∗ كَأنَّها البَرْقُ في حافاتِها الشُّعَلُ
﴿مُسْتَقْبِلَ أوْدِيَتِهِمْ﴾: هو جَمْعُ وادٍ، وأفْعِلَةٌ في جَمْعِ فاعِلٍ. الِاسْمُ شاذٌّ نَحْوُ: نادٍ وأنْدِيَةٍ، وجائِزٍ وأجْوِزَةٍ. والجائِزُ: الخَشَبَةُ المُمْتَدَّةُ في أعْلى السَّقْفِ، وإضافَةُ ”مُسْتَقْبِلَ“ و”مُمْطِرُ“ إضافَةٌ لا تُعَرِّفُ، فَلِذَلِكَ نُعِتَ بِهِما النَّكِرَةُ.
﴿بَلْ هو ما اسْتَعْجَلْتُمْ﴾: أيْ قالَ لَهم هو ذَلِكَ، أيْ بَلْ هو العَذابُ الَّذِي اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ، أضْرَبَ عَنْ قَوْلِهِمْ: ﴿عارِضٌ مُمْطِرُنا﴾، وأخْبَرَ بِأنَّ العَذابَ فاجَأهم، ثُمَّ قالَ: (رِيحٌ): أيْ هي رِيحٌ بَدَلٌ مِن هو. وقَرَأ: ما اسْتَعْجَلْتُمْ، بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ الجِيمِ، وتَقَدَّمَتْ قِصَصٌ في الرِّيحِ، فَأغْنى عَنْ ذِكْرِها هُنا.
﴿تُدَمِّرُ﴾: أيْ تُهْلِكُ، والدَّمارُ: الهَلاكُ، وتَقَدَّمَ ذِكْرُهُ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: تَدْمُرُ. بِفَتْحِ التّاءِ وسُكُونِ الدّالِ وضَمِّ المِيمِ. وقُرِئَ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ بِالياءِ ورَفْعِ ”كُلُّ“ . أيْ يَهْلِكُ كُلُّ شَيْءٍ، وكُلُّ شَيْءٍ عامٌّ مَخْصُوصٌ، أيْ مِن نُفُوسِهِمْ وأمْوالِهِمْ، أوْ مَن أُمِرَتْ بِتَدْمِيرِهِ. (p-٦٥)وإضافَةُ الرَّبِّ إلى الرِّيحِ دَلالَةٌ عَلى أنَّها وتَصْرِيفَها مِمّا يَشْهَدُ بِباهِرِ قُدْرَتِهِ تَعالى، لِأنَّها مِن أعاجِيبِ خَلْقِهِ وأكابِرِ جُنُودِهِ. وذَكَرَ الأمْرَ لِكَوْنِها مَأْمُورَةً مِن جِهَتِهِ تَعالى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: لا تَرى بِتاءِ الخِطابِ، إلّا مَساكِنَهم، بِالنَّصْبِ، وعَبْدُ اللَّهِ، ومُجاهِدٌ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وقَتادَةُ، وأبُو حَيْوَةَ، وطَلْحَةُ، وعِيسى، والحَسَنُ، وعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ: بِخِلافٍ عَنْهُما، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ: لا يُرى بِالياءِ مِن تَحْتٍ مَضْمُومَةٍ إلّا مَساكِنُهم بِالرَّفْعِ. وأبُو رَجاءٍ، ومالِكُ بْنُ دِينارٍ: بِخِلافٍ عَنْهُما. والجَحْدَرِيُّ، والأعْمَشُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، والسُّلَمِيُّ: بِالتّاءِ مِن فَوْقٍ مَضْمُومَةٍ مَساكِنُهم بِالرَّفْعِ وهَذا لا يُجِيزُهُ أصْحابُنا إلّا في الشِّعْرِ، وبَعْضُهم يُجِيزُهُ في الكَلامِ. وقالَ ذُو الرُّمَّةِ:
؎كَأنَّهُ جَمَلٌ هَمٌّ وما بَقِيَتْ ∗∗∗ إلّا النَّحِيزَةُ والألْواحُ والعَصَبُ
وقالَ آخَرُ:
؎فَما بَقِيَتْ إلّا الضُّلُوعُ الجَراشِعُ
وقَرَأ عِيسى الهَمْدانِيُّ: لا يُرى بِضَمِّ الياءِ إلّا مَسْكَنُهم بِالتَّوْحِيدِ. ورُوِيَ هَذا عَنِ الأعْمَشِ، ونَصْرِ بْنِ عاصِمٍ. وقُرِئَ: لا تَرى، بِتاءٍ مَفْتُوحَةٍ لِلْخِطابِ، إلّا مَسْكَنَهم بِالتَّوْحِيدِ مُفْرَدًا مَنصُوبًا، واجْتُزِئَ بِالمُفْرَدِ عَنِ الجَمْعِ تَصْغِيرًا لِشَأْنِهِمْ، وأنَّهم لَمّا هَلَكُوا في وقْتٍ واحِدٍ، فَكَأنَّهم كانُوا في مَسْكَنٍ واحِدٍ. ولَمّا أخْبَرَ بِهَلاكِ قَوْمِ عادٍ، خاطَبَ قُرَيْشًا عَلى سَبِيلِ المَوْعِظَةِ فَقالَ: ﴿ولَقَدْ مَكَّنّاهُمْ﴾، وإنْ: نافِيَةٌ، أيْ في الَّذِي ما مَكَّنّاهم فِيهِ مِنَ القُوَّةِ والغِنى والبَسْطِ في الأجْسامِ والأمْوالِ، ولَمْ يَكُنِ النَّفْيُ بِلَفْظِ ما كَراهَةً لِتَكْرِيرِ اللَّفْظِ، وإنِ اخْتَلَفَ المَعْنى. وقِيلَ: إنْ شَرْطِيَّةٌ مَحْذُوفَةُ الجَوابِ، والتَّقْدِيرُ: إنْ مَكَّنّاكم فِيهِ طَغَيْتُمْ. وقِيلَ: إنْ زائِدَةٌ بَعْدَ ما المَوْصُولَةِ تَشْبِيهًا بِما النّافِيَةِ وما التَّوْقِيتِيَّةِ، فَهي في الآيَةِ كَهي في قَوْلِهِ:
؎يَرْجى المَرْءُ ما إنْ لا يَراهُ ∗∗∗ وتَعْرِضُ دُونَ أدْناهُ الخُطُوبُ
أيْ مَكَّنّاهم في مِثْلِ الَّذِي مَكَّنّاكم فِيهِ، وكَوْنُها نافِيَةً هو الوَجْهُ، لِأنَّ القُرْآنَ يَدُلُّ عَلَيْهِ في مَواضِعَ كَقَوْلِهِ: ﴿كانُوا أكْثَرَ مِنهم وأشَدَّ قُوَّةً وآثارًا﴾ [غافر: ٨٢]، وقَوْلِهِ: ﴿هم أحْسَنُ أثاثًا ورِئْيًا﴾ [مريم: ٧٤]، وهو أبْلَغُ في التَّوْبِيخِ وأدْخَلُ في الحَثِّ في الِاعْتِبارِ. ثُمَّ عَدَّدَ نِعَمَهُ عَلَيْهِمْ، وأنَّها لَمْ تُغْنِ عَنْهم شَيْئًا، حَيْثُ لَمْ يَسْتَعْمِلُوا السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ فِيما يَجِبُ أنْ يُسْتَعْمَلَ. وقِيلَ: ما اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى التَّقْرِيرِ، وهو بَعِيدٌ كَقَوْلِهِ: (مِن شَيْءٍ)، إذْ يَصِيرُ التَّقْدِيرُ: أيُّ شَيْءٍ مِمّا ذَكَرَ أغْنى عَنْهم مِن شَيْءٍ، فَتَكُونُ مِن زِيدَتْ في المُوجَبِ، وهو لا يَجُوزُ عَلى الصَّحِيحِ، والعامِلُ في إذْ أغْنى. ويَظْهَرُ فِيها مَعْنى التَّعْلِيلِ لَوْ قُلْتَ: أكْرَمْتُ زَيْدًا لِإحْسانِهِ إلَيَّ، أوْ إذْ أحْسَنَ إلَيَّ. اسْتَوَيا في الوَقْتِ، وفُهِمَ مِن إذْ ما فُهِمَ مِن لامِ التَّعْلِيلِ، وإنَّ إكْرامَكَ إيّاهُ في وقْتِ إحْسانِهِ إلَيْكَ، إنَّما كانَ لِوُجُودِ إحْسانِهِ لَكَ فِيهِ.
الأحقاف 46:23
﴿ويَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلى النّارِ أذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكم في حَياتِكُمُ الدُّنْيا واسْتَمْتَعْتُمْ بِها فاليَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الهُونِ بِما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وبِما كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ﴾ ﴿واذْكُرْ أخا عادٍ إذْ أنْذَرَ قَوْمَهُ بِالأحْقافِ وقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ ألّا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿قالُوا أجِئْتَنا لِتَأْفِكَنا عَنْ آلِهَتِنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ إنَّما العِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وأُبَلِّغُكم ما أُرْسِلْتُ بِهِ ولَكِنِّي أراكم قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ ﴿فَلَمّا رَأوْهُ عارِضًا مُسْتَقْبِلَ أوْدِيَتِهِمْ قالُوا هَذا عارِضٌ مُمْطِرُنا بَلْ هو ما اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأمْرِ رَبِّها فَأصْبَحُوا لا يُرى إلّا مَساكِنُهم كَذَلِكَ نَجْزِي القَوْمَ المُجْرِمِينَ﴾ ﴿ولَقَدْ مَكَّنّاهم فِيما إنْ مَكَّنّاكم فِيهِ وجَعَلْنا لَهم سَمْعًا وأبْصارًا وأفْئِدَةً فَما أغْنى عَنْهم سَمْعُهم ولا أبْصارُهم ولا أفْئِدَتُهم مِن شَيْءٍ إذْ كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ .
(p-٦٣)﴿ويَوْمَ يُعْرَضُ﴾ [الأحقاف: ٣٤]: أيْ يُعَذَّبُ بِالنّارِ، كَما يُقالُ: عُرِضَ عَلى السَّيْفِ، إذا قُتِلَ بِهِ. والعَرْضُ: المُباشَرَةُ، كَما تَقُولُ: عَرَضْتُ العُودَ عَلى النّارِ: أيْ باشَرْتُ بِهِ النّارَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُرادَ عَرْضُ النّارِ عَلَيْهِمْ مِن قَوْلِهِمْ: عَرَضْتُ النّاقَةَ عَلى الحَوْضِ، يُرِيدُونَ عَرَضَ الحَوْضَ عَلَيْها، فَقَلَبُوا. ويَدُلُّ عَلَيْهِ تَفْسِيرُ ابْنِ عَبّاسٍ: يُجاءُ بِهِمْ إلَيْها فَيُكْشَفُ لَهم عَنْها. انْتَهى. ولا يَنْبَغِي حَمْلُ القُرْآنِ عَلى القَلْبِ، إذِ الصَّحِيحُ في القَلْبِ أنَّهُ مِمّا يُضْطَرُّ إلَيْهِ في الشِّعْرِ. وإذا كانَ المَعْنى صَحِيحًا واضِحًا مَعَ عَدَمِ القَلْبِ، فَأيُّ ضَرُورَةٍ تَدْعُو إلَيْهِ ؟ ولَيْسَ في قَوْلِهِمْ: عَرَضْتُ النّاقَةَ عَلى الحَوْضِ، ولا في تَفْسِيرِ ابْنِ عَبّاسٍ ما يَدُلُّ عَلى القَلْبِ، لِأنَّ عَرْضَ النّاقَةِ عَلى الحَوْضِ وعَرْضَ الحَوْضِ عَلى النّاقَةِ، كُلٌّ مِنهُما صَحِيحٌ، إذِ العَرْضُ أمْرٌ نِسْبِيٌّ يَصِحُّ إسْنادُهُ لِكُلِّ واحِدٍ مِنَ النّاقَةِ والحَوْضِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: أذْهَبْتُمْ عَلى الخَبَرِ، أيْ فَيُقالُ لَهم: أذْهَبْتُمْ، ولِذَلِكَ حَسُنَتِ الفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فاليَوْمَ تُجْزَوْنَ﴾ . وقَرَأ قَتادَةُ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ وثّابٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، والأعْرَجُ، وابْنُ كَثِيرٍ: بِهَمْزَةٍ بَعْدَها مَدَّةٌ مُطَوَّلَةٌ، وابْنُ عامِرٍ، بِهَمْزَتَيْنِ حَقَّقَهُما ابْنُ ذَكْوانَ، ولَيَّنَ الثّانِيَةَ هِشامٌ، وابْنُ كَثِيرٍ في رِوايَةٍ. وعَنْ هِشامٍ: الفَصْلُ بَيْنَ المُحَقَّقَةِ والمُلَيَّنَةِ بِألِفٍ، وهَذا الِاسْتِفْهامُ هو عَلى مَعْنى التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيرِ، فَهو خَبَرٌ في المَعْنى، فَلِذَلِكَ حَسُنَتِ الفاءُ، ولَوْ كانَ اسْتِفْهامًا مَحْضًا لَمْ تَدْخُلِ الفاءُ. والطَّيِّباتُ هُنا: المُسْتَلَذّاتُ مِنَ المَآكِلِ والمَشارِبِ والمَلابِسِ والمَفارِشِ والمَراكِبِ والمَواطِئِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَتَنَعَّمُ بِهِ أهْلُ الرَّفاهِيَةِ.
وهَذِهِ الآيَةُ مُحَرِّضَةٌ عَلى التَّقَلُّلِ مِنَ الدُّنْيا، وتَرْكِ التَّنَعُّمِ فِيها والأخْذِ بِالتَّقَشُّفِ وما يُجْتَزَئُ بِهِ رَمَقُ الحَياةِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ في ذَلِكَ ما يَقْتَضِي التَّأسِّيَ بِهِ. وعَنْ عُمَرَ في ذَلِكَ أخْبارٌ تَدُلُّ عَلى مَعْرِفَتِهِ بِأنْواعِ المَلاذِّ وعِزَّةِ نَفْسِهِ الفاضِلَةِ عَنْها: أتَظُنُّونَ أنّا لا نَعْرِفُ خَفْضَ العَيْشِ ؟ ولَوْ شِئْتُ لَجَعَلْتُ أكْبادًا وصَلاءً وصَلائِقَ، ولَكِنْ أسْتَبْقِي حَسَناتِي، فَإنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ وصَفَ أقْوامًا فَقالَ: ﴿أذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكم في حَياتِكُمُ الدُّنْيا واسْتَمْتَعْتُمْ﴾ . والصِّلاءُ الشِّواءُ، والصِّفارُ المُتَّخَذُ مِنَ الخَرْدَلِ والزَّبِيبِ، والصَّلائِقُ: الخُبْزُ الرِّقاقُ العَرِيضُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وهَذا مِن بابِ الزُّهْدِ، وإلّا فالآيَةُ نَزَلَتْ في كُفّارِ قُرَيْشٍ، والمَعْنى: أنَّهُ كانَتْ تَكُونُ لَكم طَيِّباتُ الآخِرَةِ لَوْ آمَنتُمْ، لَكِنَّكم لَمْ تُؤْمِنُوا، فاسْتَعْجَلْتُمْ طَيِّباتِكم في الحَياةِ الدُّنْيا. فَهَذِهِ كِنايَةٌ عَنْ عَدَمِ الإيمانِ، ولِذَلِكَ نَزَلَتْ عَلَيْهِ: ﴿فاليَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الهُونِ﴾، ولَوْ أُرِيدَ الظّاهِرُ، ولَمْ يَكُنْ كِنايَةً عَنْ ما ذَكَرْنا، لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهِ الجَزاءُ بِالعَذابِ. وقُرِئَ: الهَوانُ، وهو والهُونُ بِمَعْنًى واحِدٍ ثُمَّ بَيَّنَ تِلْكَ الكِنايَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿بِما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾: أيْ تَتَرَفَّعُونَ عَنِ الإيمانِ، ﴿وبِما كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ﴾: أيْ بِمَعاصِي الجَوارِحِ، وقَدَّمَ ذَنْبَ القَلْبِ وهو الِاسْتِكْبارُ عَلى ذَنْبِ الجَوارِحِ، إذْ أعْمالُ الجَوارِحِ ناشِئَةٌ عَنْ مُرادِ القَلْبِ.
ولَمّا كانَ أهْلُ مَكَّةَ مُسْتَغْرِقِينَ في لَذّاتِ الدُّنْيا، مُعْرِضِينَ عَنِ الإيمانِ وما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ، ذَكَّرَهم بِما جَرى لِلْعَرَبِ الأُولى، وهم قَوْمُ عادٍ، وكانُوا أكْثَرَ أمْوالًا وأشَدَّ قُوَّةً وأعْظَمَ جاهًا فِيهِمْ، فَسَلَّطَ عَلَيْهِمُ العَذابَ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ، وضَرَبَ الأمْثالَ، وقَصَصُ مَن تَقَدَّمَ تُعْرَفُ بِقُبْحِ الشَّيْءِ وتَحْسِينِهِ، فَقالَ لِرَسُولِهِ: واذْكُرْ لِقَوْمِكَ أهْلِ مَكَّةَ، هُودًا عَلَيْهِ السَّلامُ، ﴿إذْ أنْذَرَ قَوْمَهُ﴾ عادًا عَذَّبَهُمُ اللَّهُ ﴿بِالأحْقافِ﴾ . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وادٍ بَيْنَ عُمانَ ومَهْرَةَ. وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: مِن عُمانَ إلى (p-٦٤)حَضْرَمَوْتَ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: رِمالٌ مُشْرِقَةٌ بِالشِّحْرِ مِنَ اليَمَنِ. وقِيلَ: بَيْنَ مَهْرَةَ وعَدَنَ. وقالَ قَتادَةُ: هي بِلادُ الشِّحْرِ المُواصِلَةِ لِلْبَحْرِ اليَمانِيِّ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي جَبَلٌ بِالشّامِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والصَّحِيحُ أنَّ بِلادَ عادٍ كانَتْ بِاليَمَنِ، ولَهم كانَتْ ﴿إرَمَ ذاتِ العِمادِ﴾ [الفجر: ٧]، وفي ذِكْرِ هَذِهِ القِصَّةِ اعْتِبارٌ لِقُرَيْشٍ وتَسْلِيَةٌ لِلرَّسُولِ، إذْ كَذَّبَهُ قَوْمُهُ، كَما كَذَّبَتْ عادٌ هُودًا عَلَيْهِ السَّلامُ. والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ﴾: وهو جَمْعُ نَذِيرٍ، ﴿مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ﴾، يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ حالًا مِنَ الفاعِلِ في: ﴿النُّذُرُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ﴾، وهُمُ الرُّسُلُ الَّذِينَ تَقَدَّمُوا زَمانَهُ، ومِن خَلْفِهِ الرُّسُلُ الَّذِينَ كانُوا في زَمانِهِ، ويَكُونُ عَلى هَذا مَعْنى (ومِن خَلْفِهِ): أيْ مِن بَعْدِ إنْذارِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اعْتِراضًا بَيْنَ إنْذارِ قَوْمِهِ وأنْ لا تَعْبُدُوا. والمَعْنى: وقَدْ أنْذَرَ مَن تَقَدَّمَهُ مِنَ الرُّسُلِ، ومَن تَأخَّرَ عَنْهُ مِثْلَ ذَلِكَ، فاذْكُرْهم.
﴿قالُوا أجِئْتَنا﴾: اسْتِفْهامُ تَقْرِيرٍ وتَوْبِيخٍ وتَعْجِيزٍ لَهُ فِيما أنْذَرَهُ إيّاهم مِنَ العَذابِ العَظِيمِ عَلى تَرْكِ إفْرادِ اللَّهِ بِالعِبادَةِ.
﴿لِتَأْفِكَنا﴾: لِتَصْرِفَنا، قالَهُ الضَّحّاكُ، أوْ لِتُزِيلَنا عَنْ آلِهَتِنا بِالإفْكِ، وهو الكَذِبُ، أيْ عَنْ عِبادَةِ آلِهَتِنا، ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا﴾: اسْتِعْجالٌ مِنهم بِحُلُولِ ما وعَدَهم بِهِ مِنَ العَذابِ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿بَلْ هو ما اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ﴾ ؟ ﴿قالَ إنَّما العِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ﴾: أيْ عِلْمُ وقْتِ حُلُولِهِ، ولَيْسَ تَعْيِينُ وقْتِهِ إلَيَّ، وإنَّما أنا مُبَلِّغٌ ما أرْسَلَنِي بِهِ اللَّهُ إلَيْكم. ولَمّا تَحَقَّقَ عِنْدَهُ وعْدُ اللَّهِ، وأنَّهُ حالٌّ بِهِمْ وهم في غَفْلَةٍ مِن ذَلِكَ وتَكْذِيبٍ، قالَ: ﴿ولَكِنِّي أراكم قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾: أيْ عاقِبَةَ أمْرِكم لا شُعُورَ لَكم بِها، وذَلِكَ واقِعٌ لا مَحالَةَ. وكانَتْ عادٌ قَدْ حَبَسَ اللَّهُ عَنْها المَطَرَ أيّامًا، فَساقَ اللَّهُ إلَيْهِمْ سَحابَةً سَوْداءَ خَرَجَتْ عَلَيْهِمْ مِن وادٍ يُقالُ لَهُ المُغِيثُ، فاسْتَبْشَرُوا. والضَّمِيرُ في (رَأوْهُ) الظّاهِرُ أنَّهُ عائِدٌ عَلى ما في قَوْلِهِ: (بِما تَعِدُنا)، وهو العَذابُ، وانْتَصَبَ عارِضًا عَلى الحالِ مِنَ المَفْعُولِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى الشَّيْءِ المَرْئِيِّ الطّالِعِ عَلَيْهِمُ الَّذِي فَسَّرَهُ قَوْلُهُ: ﴿عارِضًا﴾ .
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَلَمّا رَأوْهُ)، في الضَّمِيرِ وجْهانِ: أنْ يَرْجِعَ إلى ما تَعِدُنا، وأنْ يَكُونَ مُبْهَمًا، قَدْ وضَحَ أمْرُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿عارِضًا﴾، إمّا تَمْيِيزٌ وإمّا حالٌ، وهَذا الوَجْهُ أعْرَبُ وأفْصَحُ. انْتَهى. وهَذا الَّذِي ذَكَرَ أنَّهُ أعْرَبُ وأفْصَحُ لَيْسَ جارِيًا عَلى ما ذَكَرَهُ النُّحاةُ، لِأنَّ المُبْهَمَ الَّذِي يُفَسِّرُهُ ويُوَضِّحُهُ التَّمْيِيزُ لا يَكُونُ إلّا في بابِ رُبَّ، نَحْوُ: رُبَّ رَجُلًا لَقِيتُهُ، وفي بابِ نِعْمَ وبِئْسَ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ، نَحْوُ: نِعْمَ رَجُلًا زَيْدٌ، وبِئْسَ غُلامًا عَمْرٌو. وأمّا أنَّ الحالَ يُوَضِّحُ المُبْهَمَ ويُفَسِّرُهُ، فَلا نَعْلَمُ أحَدًا ذَهَبَ إلَيْهِ، وقَدْ حَصَرَ النُّحاةُ المُضْمَرَ الَّذِي يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ، فَلَمْ يَذْكُرُوا فِيهِ مَفْعُولَ رَأى إذا كانَ ضَمِيرًا، ولا أنَّ الحالَ يُفَسِّرُ الضَّمِيرَ ويُوَضِّحُهُ. والعارِضُ: المُعْتَرِضُ في الجَوِّ مِنَ السَّحابِ المُمْطِرِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎يا مَن رَأى عارِضًا أرِقْتَ لَهُ بَيْنَ ذِراعَيْ وجَبْهَةِ الأسَدِ
وقالَ الأعْشى:
؎يا مَن رَأى عارِضًا قَدْ بِتُّ أرْمُقُهُ ∗∗∗ كَأنَّها البَرْقُ في حافاتِها الشُّعَلُ
﴿مُسْتَقْبِلَ أوْدِيَتِهِمْ﴾: هو جَمْعُ وادٍ، وأفْعِلَةٌ في جَمْعِ فاعِلٍ. الِاسْمُ شاذٌّ نَحْوُ: نادٍ وأنْدِيَةٍ، وجائِزٍ وأجْوِزَةٍ. والجائِزُ: الخَشَبَةُ المُمْتَدَّةُ في أعْلى السَّقْفِ، وإضافَةُ ”مُسْتَقْبِلَ“ و”مُمْطِرُ“ إضافَةٌ لا تُعَرِّفُ، فَلِذَلِكَ نُعِتَ بِهِما النَّكِرَةُ.
﴿بَلْ هو ما اسْتَعْجَلْتُمْ﴾: أيْ قالَ لَهم هو ذَلِكَ، أيْ بَلْ هو العَذابُ الَّذِي اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ، أضْرَبَ عَنْ قَوْلِهِمْ: ﴿عارِضٌ مُمْطِرُنا﴾، وأخْبَرَ بِأنَّ العَذابَ فاجَأهم، ثُمَّ قالَ: (رِيحٌ): أيْ هي رِيحٌ بَدَلٌ مِن هو. وقَرَأ: ما اسْتَعْجَلْتُمْ، بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ الجِيمِ، وتَقَدَّمَتْ قِصَصٌ في الرِّيحِ، فَأغْنى عَنْ ذِكْرِها هُنا.
﴿تُدَمِّرُ﴾: أيْ تُهْلِكُ، والدَّمارُ: الهَلاكُ، وتَقَدَّمَ ذِكْرُهُ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: تَدْمُرُ. بِفَتْحِ التّاءِ وسُكُونِ الدّالِ وضَمِّ المِيمِ. وقُرِئَ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ بِالياءِ ورَفْعِ ”كُلُّ“ . أيْ يَهْلِكُ كُلُّ شَيْءٍ، وكُلُّ شَيْءٍ عامٌّ مَخْصُوصٌ، أيْ مِن نُفُوسِهِمْ وأمْوالِهِمْ، أوْ مَن أُمِرَتْ بِتَدْمِيرِهِ. (p-٦٥)وإضافَةُ الرَّبِّ إلى الرِّيحِ دَلالَةٌ عَلى أنَّها وتَصْرِيفَها مِمّا يَشْهَدُ بِباهِرِ قُدْرَتِهِ تَعالى، لِأنَّها مِن أعاجِيبِ خَلْقِهِ وأكابِرِ جُنُودِهِ. وذَكَرَ الأمْرَ لِكَوْنِها مَأْمُورَةً مِن جِهَتِهِ تَعالى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: لا تَرى بِتاءِ الخِطابِ، إلّا مَساكِنَهم، بِالنَّصْبِ، وعَبْدُ اللَّهِ، ومُجاهِدٌ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وقَتادَةُ، وأبُو حَيْوَةَ، وطَلْحَةُ، وعِيسى، والحَسَنُ، وعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ: بِخِلافٍ عَنْهُما، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ: لا يُرى بِالياءِ مِن تَحْتٍ مَضْمُومَةٍ إلّا مَساكِنُهم بِالرَّفْعِ. وأبُو رَجاءٍ، ومالِكُ بْنُ دِينارٍ: بِخِلافٍ عَنْهُما. والجَحْدَرِيُّ، والأعْمَشُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، والسُّلَمِيُّ: بِالتّاءِ مِن فَوْقٍ مَضْمُومَةٍ مَساكِنُهم بِالرَّفْعِ وهَذا لا يُجِيزُهُ أصْحابُنا إلّا في الشِّعْرِ، وبَعْضُهم يُجِيزُهُ في الكَلامِ. وقالَ ذُو الرُّمَّةِ:
؎كَأنَّهُ جَمَلٌ هَمٌّ وما بَقِيَتْ ∗∗∗ إلّا النَّحِيزَةُ والألْواحُ والعَصَبُ
وقالَ آخَرُ:
؎فَما بَقِيَتْ إلّا الضُّلُوعُ الجَراشِعُ
وقَرَأ عِيسى الهَمْدانِيُّ: لا يُرى بِضَمِّ الياءِ إلّا مَسْكَنُهم بِالتَّوْحِيدِ. ورُوِيَ هَذا عَنِ الأعْمَشِ، ونَصْرِ بْنِ عاصِمٍ. وقُرِئَ: لا تَرى، بِتاءٍ مَفْتُوحَةٍ لِلْخِطابِ، إلّا مَسْكَنَهم بِالتَّوْحِيدِ مُفْرَدًا مَنصُوبًا، واجْتُزِئَ بِالمُفْرَدِ عَنِ الجَمْعِ تَصْغِيرًا لِشَأْنِهِمْ، وأنَّهم لَمّا هَلَكُوا في وقْتٍ واحِدٍ، فَكَأنَّهم كانُوا في مَسْكَنٍ واحِدٍ. ولَمّا أخْبَرَ بِهَلاكِ قَوْمِ عادٍ، خاطَبَ قُرَيْشًا عَلى سَبِيلِ المَوْعِظَةِ فَقالَ: ﴿ولَقَدْ مَكَّنّاهُمْ﴾، وإنْ: نافِيَةٌ، أيْ في الَّذِي ما مَكَّنّاهم فِيهِ مِنَ القُوَّةِ والغِنى والبَسْطِ في الأجْسامِ والأمْوالِ، ولَمْ يَكُنِ النَّفْيُ بِلَفْظِ ما كَراهَةً لِتَكْرِيرِ اللَّفْظِ، وإنِ اخْتَلَفَ المَعْنى. وقِيلَ: إنْ شَرْطِيَّةٌ مَحْذُوفَةُ الجَوابِ، والتَّقْدِيرُ: إنْ مَكَّنّاكم فِيهِ طَغَيْتُمْ. وقِيلَ: إنْ زائِدَةٌ بَعْدَ ما المَوْصُولَةِ تَشْبِيهًا بِما النّافِيَةِ وما التَّوْقِيتِيَّةِ، فَهي في الآيَةِ كَهي في قَوْلِهِ:
؎يَرْجى المَرْءُ ما إنْ لا يَراهُ ∗∗∗ وتَعْرِضُ دُونَ أدْناهُ الخُطُوبُ
أيْ مَكَّنّاهم في مِثْلِ الَّذِي مَكَّنّاكم فِيهِ، وكَوْنُها نافِيَةً هو الوَجْهُ، لِأنَّ القُرْآنَ يَدُلُّ عَلَيْهِ في مَواضِعَ كَقَوْلِهِ: ﴿كانُوا أكْثَرَ مِنهم وأشَدَّ قُوَّةً وآثارًا﴾ [غافر: ٨٢]، وقَوْلِهِ: ﴿هم أحْسَنُ أثاثًا ورِئْيًا﴾ [مريم: ٧٤]، وهو أبْلَغُ في التَّوْبِيخِ وأدْخَلُ في الحَثِّ في الِاعْتِبارِ. ثُمَّ عَدَّدَ نِعَمَهُ عَلَيْهِمْ، وأنَّها لَمْ تُغْنِ عَنْهم شَيْئًا، حَيْثُ لَمْ يَسْتَعْمِلُوا السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ فِيما يَجِبُ أنْ يُسْتَعْمَلَ. وقِيلَ: ما اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى التَّقْرِيرِ، وهو بَعِيدٌ كَقَوْلِهِ: (مِن شَيْءٍ)، إذْ يَصِيرُ التَّقْدِيرُ: أيُّ شَيْءٍ مِمّا ذَكَرَ أغْنى عَنْهم مِن شَيْءٍ، فَتَكُونُ مِن زِيدَتْ في المُوجَبِ، وهو لا يَجُوزُ عَلى الصَّحِيحِ، والعامِلُ في إذْ أغْنى. ويَظْهَرُ فِيها مَعْنى التَّعْلِيلِ لَوْ قُلْتَ: أكْرَمْتُ زَيْدًا لِإحْسانِهِ إلَيَّ، أوْ إذْ أحْسَنَ إلَيَّ. اسْتَوَيا في الوَقْتِ، وفُهِمَ مِن إذْ ما فُهِمَ مِن لامِ التَّعْلِيلِ، وإنَّ إكْرامَكَ إيّاهُ في وقْتِ إحْسانِهِ إلَيْكَ، إنَّما كانَ لِوُجُودِ إحْسانِهِ لَكَ فِيهِ.
الأحقاف 46:24
﴿ويَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلى النّارِ أذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكم في حَياتِكُمُ الدُّنْيا واسْتَمْتَعْتُمْ بِها فاليَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الهُونِ بِما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وبِما كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ﴾ ﴿واذْكُرْ أخا عادٍ إذْ أنْذَرَ قَوْمَهُ بِالأحْقافِ وقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ ألّا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿قالُوا أجِئْتَنا لِتَأْفِكَنا عَنْ آلِهَتِنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ إنَّما العِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وأُبَلِّغُكم ما أُرْسِلْتُ بِهِ ولَكِنِّي أراكم قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ ﴿فَلَمّا رَأوْهُ عارِضًا مُسْتَقْبِلَ أوْدِيَتِهِمْ قالُوا هَذا عارِضٌ مُمْطِرُنا بَلْ هو ما اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأمْرِ رَبِّها فَأصْبَحُوا لا يُرى إلّا مَساكِنُهم كَذَلِكَ نَجْزِي القَوْمَ المُجْرِمِينَ﴾ ﴿ولَقَدْ مَكَّنّاهم فِيما إنْ مَكَّنّاكم فِيهِ وجَعَلْنا لَهم سَمْعًا وأبْصارًا وأفْئِدَةً فَما أغْنى عَنْهم سَمْعُهم ولا أبْصارُهم ولا أفْئِدَتُهم مِن شَيْءٍ إذْ كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ .
(p-٦٣)﴿ويَوْمَ يُعْرَضُ﴾ [الأحقاف: ٣٤]: أيْ يُعَذَّبُ بِالنّارِ، كَما يُقالُ: عُرِضَ عَلى السَّيْفِ، إذا قُتِلَ بِهِ. والعَرْضُ: المُباشَرَةُ، كَما تَقُولُ: عَرَضْتُ العُودَ عَلى النّارِ: أيْ باشَرْتُ بِهِ النّارَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُرادَ عَرْضُ النّارِ عَلَيْهِمْ مِن قَوْلِهِمْ: عَرَضْتُ النّاقَةَ عَلى الحَوْضِ، يُرِيدُونَ عَرَضَ الحَوْضَ عَلَيْها، فَقَلَبُوا. ويَدُلُّ عَلَيْهِ تَفْسِيرُ ابْنِ عَبّاسٍ: يُجاءُ بِهِمْ إلَيْها فَيُكْشَفُ لَهم عَنْها. انْتَهى. ولا يَنْبَغِي حَمْلُ القُرْآنِ عَلى القَلْبِ، إذِ الصَّحِيحُ في القَلْبِ أنَّهُ مِمّا يُضْطَرُّ إلَيْهِ في الشِّعْرِ. وإذا كانَ المَعْنى صَحِيحًا واضِحًا مَعَ عَدَمِ القَلْبِ، فَأيُّ ضَرُورَةٍ تَدْعُو إلَيْهِ ؟ ولَيْسَ في قَوْلِهِمْ: عَرَضْتُ النّاقَةَ عَلى الحَوْضِ، ولا في تَفْسِيرِ ابْنِ عَبّاسٍ ما يَدُلُّ عَلى القَلْبِ، لِأنَّ عَرْضَ النّاقَةِ عَلى الحَوْضِ وعَرْضَ الحَوْضِ عَلى النّاقَةِ، كُلٌّ مِنهُما صَحِيحٌ، إذِ العَرْضُ أمْرٌ نِسْبِيٌّ يَصِحُّ إسْنادُهُ لِكُلِّ واحِدٍ مِنَ النّاقَةِ والحَوْضِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: أذْهَبْتُمْ عَلى الخَبَرِ، أيْ فَيُقالُ لَهم: أذْهَبْتُمْ، ولِذَلِكَ حَسُنَتِ الفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فاليَوْمَ تُجْزَوْنَ﴾ . وقَرَأ قَتادَةُ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ وثّابٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، والأعْرَجُ، وابْنُ كَثِيرٍ: بِهَمْزَةٍ بَعْدَها مَدَّةٌ مُطَوَّلَةٌ، وابْنُ عامِرٍ، بِهَمْزَتَيْنِ حَقَّقَهُما ابْنُ ذَكْوانَ، ولَيَّنَ الثّانِيَةَ هِشامٌ، وابْنُ كَثِيرٍ في رِوايَةٍ. وعَنْ هِشامٍ: الفَصْلُ بَيْنَ المُحَقَّقَةِ والمُلَيَّنَةِ بِألِفٍ، وهَذا الِاسْتِفْهامُ هو عَلى مَعْنى التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيرِ، فَهو خَبَرٌ في المَعْنى، فَلِذَلِكَ حَسُنَتِ الفاءُ، ولَوْ كانَ اسْتِفْهامًا مَحْضًا لَمْ تَدْخُلِ الفاءُ. والطَّيِّباتُ هُنا: المُسْتَلَذّاتُ مِنَ المَآكِلِ والمَشارِبِ والمَلابِسِ والمَفارِشِ والمَراكِبِ والمَواطِئِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَتَنَعَّمُ بِهِ أهْلُ الرَّفاهِيَةِ.
وهَذِهِ الآيَةُ مُحَرِّضَةٌ عَلى التَّقَلُّلِ مِنَ الدُّنْيا، وتَرْكِ التَّنَعُّمِ فِيها والأخْذِ بِالتَّقَشُّفِ وما يُجْتَزَئُ بِهِ رَمَقُ الحَياةِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ في ذَلِكَ ما يَقْتَضِي التَّأسِّيَ بِهِ. وعَنْ عُمَرَ في ذَلِكَ أخْبارٌ تَدُلُّ عَلى مَعْرِفَتِهِ بِأنْواعِ المَلاذِّ وعِزَّةِ نَفْسِهِ الفاضِلَةِ عَنْها: أتَظُنُّونَ أنّا لا نَعْرِفُ خَفْضَ العَيْشِ ؟ ولَوْ شِئْتُ لَجَعَلْتُ أكْبادًا وصَلاءً وصَلائِقَ، ولَكِنْ أسْتَبْقِي حَسَناتِي، فَإنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ وصَفَ أقْوامًا فَقالَ: ﴿أذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكم في حَياتِكُمُ الدُّنْيا واسْتَمْتَعْتُمْ﴾ . والصِّلاءُ الشِّواءُ، والصِّفارُ المُتَّخَذُ مِنَ الخَرْدَلِ والزَّبِيبِ، والصَّلائِقُ: الخُبْزُ الرِّقاقُ العَرِيضُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وهَذا مِن بابِ الزُّهْدِ، وإلّا فالآيَةُ نَزَلَتْ في كُفّارِ قُرَيْشٍ، والمَعْنى: أنَّهُ كانَتْ تَكُونُ لَكم طَيِّباتُ الآخِرَةِ لَوْ آمَنتُمْ، لَكِنَّكم لَمْ تُؤْمِنُوا، فاسْتَعْجَلْتُمْ طَيِّباتِكم في الحَياةِ الدُّنْيا. فَهَذِهِ كِنايَةٌ عَنْ عَدَمِ الإيمانِ، ولِذَلِكَ نَزَلَتْ عَلَيْهِ: ﴿فاليَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الهُونِ﴾، ولَوْ أُرِيدَ الظّاهِرُ، ولَمْ يَكُنْ كِنايَةً عَنْ ما ذَكَرْنا، لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهِ الجَزاءُ بِالعَذابِ. وقُرِئَ: الهَوانُ، وهو والهُونُ بِمَعْنًى واحِدٍ ثُمَّ بَيَّنَ تِلْكَ الكِنايَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿بِما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾: أيْ تَتَرَفَّعُونَ عَنِ الإيمانِ، ﴿وبِما كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ﴾: أيْ بِمَعاصِي الجَوارِحِ، وقَدَّمَ ذَنْبَ القَلْبِ وهو الِاسْتِكْبارُ عَلى ذَنْبِ الجَوارِحِ، إذْ أعْمالُ الجَوارِحِ ناشِئَةٌ عَنْ مُرادِ القَلْبِ.
ولَمّا كانَ أهْلُ مَكَّةَ مُسْتَغْرِقِينَ في لَذّاتِ الدُّنْيا، مُعْرِضِينَ عَنِ الإيمانِ وما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ، ذَكَّرَهم بِما جَرى لِلْعَرَبِ الأُولى، وهم قَوْمُ عادٍ، وكانُوا أكْثَرَ أمْوالًا وأشَدَّ قُوَّةً وأعْظَمَ جاهًا فِيهِمْ، فَسَلَّطَ عَلَيْهِمُ العَذابَ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ، وضَرَبَ الأمْثالَ، وقَصَصُ مَن تَقَدَّمَ تُعْرَفُ بِقُبْحِ الشَّيْءِ وتَحْسِينِهِ، فَقالَ لِرَسُولِهِ: واذْكُرْ لِقَوْمِكَ أهْلِ مَكَّةَ، هُودًا عَلَيْهِ السَّلامُ، ﴿إذْ أنْذَرَ قَوْمَهُ﴾ عادًا عَذَّبَهُمُ اللَّهُ ﴿بِالأحْقافِ﴾ . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وادٍ بَيْنَ عُمانَ ومَهْرَةَ. وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: مِن عُمانَ إلى (p-٦٤)حَضْرَمَوْتَ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: رِمالٌ مُشْرِقَةٌ بِالشِّحْرِ مِنَ اليَمَنِ. وقِيلَ: بَيْنَ مَهْرَةَ وعَدَنَ. وقالَ قَتادَةُ: هي بِلادُ الشِّحْرِ المُواصِلَةِ لِلْبَحْرِ اليَمانِيِّ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي جَبَلٌ بِالشّامِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والصَّحِيحُ أنَّ بِلادَ عادٍ كانَتْ بِاليَمَنِ، ولَهم كانَتْ ﴿إرَمَ ذاتِ العِمادِ﴾ [الفجر: ٧]، وفي ذِكْرِ هَذِهِ القِصَّةِ اعْتِبارٌ لِقُرَيْشٍ وتَسْلِيَةٌ لِلرَّسُولِ، إذْ كَذَّبَهُ قَوْمُهُ، كَما كَذَّبَتْ عادٌ هُودًا عَلَيْهِ السَّلامُ. والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ﴾: وهو جَمْعُ نَذِيرٍ، ﴿مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ﴾، يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ حالًا مِنَ الفاعِلِ في: ﴿النُّذُرُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ﴾، وهُمُ الرُّسُلُ الَّذِينَ تَقَدَّمُوا زَمانَهُ، ومِن خَلْفِهِ الرُّسُلُ الَّذِينَ كانُوا في زَمانِهِ، ويَكُونُ عَلى هَذا مَعْنى (ومِن خَلْفِهِ): أيْ مِن بَعْدِ إنْذارِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اعْتِراضًا بَيْنَ إنْذارِ قَوْمِهِ وأنْ لا تَعْبُدُوا. والمَعْنى: وقَدْ أنْذَرَ مَن تَقَدَّمَهُ مِنَ الرُّسُلِ، ومَن تَأخَّرَ عَنْهُ مِثْلَ ذَلِكَ، فاذْكُرْهم.
﴿قالُوا أجِئْتَنا﴾: اسْتِفْهامُ تَقْرِيرٍ وتَوْبِيخٍ وتَعْجِيزٍ لَهُ فِيما أنْذَرَهُ إيّاهم مِنَ العَذابِ العَظِيمِ عَلى تَرْكِ إفْرادِ اللَّهِ بِالعِبادَةِ.
﴿لِتَأْفِكَنا﴾: لِتَصْرِفَنا، قالَهُ الضَّحّاكُ، أوْ لِتُزِيلَنا عَنْ آلِهَتِنا بِالإفْكِ، وهو الكَذِبُ، أيْ عَنْ عِبادَةِ آلِهَتِنا، ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا﴾: اسْتِعْجالٌ مِنهم بِحُلُولِ ما وعَدَهم بِهِ مِنَ العَذابِ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿بَلْ هو ما اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ﴾ ؟ ﴿قالَ إنَّما العِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ﴾: أيْ عِلْمُ وقْتِ حُلُولِهِ، ولَيْسَ تَعْيِينُ وقْتِهِ إلَيَّ، وإنَّما أنا مُبَلِّغٌ ما أرْسَلَنِي بِهِ اللَّهُ إلَيْكم. ولَمّا تَحَقَّقَ عِنْدَهُ وعْدُ اللَّهِ، وأنَّهُ حالٌّ بِهِمْ وهم في غَفْلَةٍ مِن ذَلِكَ وتَكْذِيبٍ، قالَ: ﴿ولَكِنِّي أراكم قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾: أيْ عاقِبَةَ أمْرِكم لا شُعُورَ لَكم بِها، وذَلِكَ واقِعٌ لا مَحالَةَ. وكانَتْ عادٌ قَدْ حَبَسَ اللَّهُ عَنْها المَطَرَ أيّامًا، فَساقَ اللَّهُ إلَيْهِمْ سَحابَةً سَوْداءَ خَرَجَتْ عَلَيْهِمْ مِن وادٍ يُقالُ لَهُ المُغِيثُ، فاسْتَبْشَرُوا. والضَّمِيرُ في (رَأوْهُ) الظّاهِرُ أنَّهُ عائِدٌ عَلى ما في قَوْلِهِ: (بِما تَعِدُنا)، وهو العَذابُ، وانْتَصَبَ عارِضًا عَلى الحالِ مِنَ المَفْعُولِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى الشَّيْءِ المَرْئِيِّ الطّالِعِ عَلَيْهِمُ الَّذِي فَسَّرَهُ قَوْلُهُ: ﴿عارِضًا﴾ .
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَلَمّا رَأوْهُ)، في الضَّمِيرِ وجْهانِ: أنْ يَرْجِعَ إلى ما تَعِدُنا، وأنْ يَكُونَ مُبْهَمًا، قَدْ وضَحَ أمْرُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿عارِضًا﴾، إمّا تَمْيِيزٌ وإمّا حالٌ، وهَذا الوَجْهُ أعْرَبُ وأفْصَحُ. انْتَهى. وهَذا الَّذِي ذَكَرَ أنَّهُ أعْرَبُ وأفْصَحُ لَيْسَ جارِيًا عَلى ما ذَكَرَهُ النُّحاةُ، لِأنَّ المُبْهَمَ الَّذِي يُفَسِّرُهُ ويُوَضِّحُهُ التَّمْيِيزُ لا يَكُونُ إلّا في بابِ رُبَّ، نَحْوُ: رُبَّ رَجُلًا لَقِيتُهُ، وفي بابِ نِعْمَ وبِئْسَ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ، نَحْوُ: نِعْمَ رَجُلًا زَيْدٌ، وبِئْسَ غُلامًا عَمْرٌو. وأمّا أنَّ الحالَ يُوَضِّحُ المُبْهَمَ ويُفَسِّرُهُ، فَلا نَعْلَمُ أحَدًا ذَهَبَ إلَيْهِ، وقَدْ حَصَرَ النُّحاةُ المُضْمَرَ الَّذِي يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ، فَلَمْ يَذْكُرُوا فِيهِ مَفْعُولَ رَأى إذا كانَ ضَمِيرًا، ولا أنَّ الحالَ يُفَسِّرُ الضَّمِيرَ ويُوَضِّحُهُ. والعارِضُ: المُعْتَرِضُ في الجَوِّ مِنَ السَّحابِ المُمْطِرِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎يا مَن رَأى عارِضًا أرِقْتَ لَهُ بَيْنَ ذِراعَيْ وجَبْهَةِ الأسَدِ
وقالَ الأعْشى:
؎يا مَن رَأى عارِضًا قَدْ بِتُّ أرْمُقُهُ ∗∗∗ كَأنَّها البَرْقُ في حافاتِها الشُّعَلُ
﴿مُسْتَقْبِلَ أوْدِيَتِهِمْ﴾: هو جَمْعُ وادٍ، وأفْعِلَةٌ في جَمْعِ فاعِلٍ. الِاسْمُ شاذٌّ نَحْوُ: نادٍ وأنْدِيَةٍ، وجائِزٍ وأجْوِزَةٍ. والجائِزُ: الخَشَبَةُ المُمْتَدَّةُ في أعْلى السَّقْفِ، وإضافَةُ ”مُسْتَقْبِلَ“ و”مُمْطِرُ“ إضافَةٌ لا تُعَرِّفُ، فَلِذَلِكَ نُعِتَ بِهِما النَّكِرَةُ.
﴿بَلْ هو ما اسْتَعْجَلْتُمْ﴾: أيْ قالَ لَهم هو ذَلِكَ، أيْ بَلْ هو العَذابُ الَّذِي اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ، أضْرَبَ عَنْ قَوْلِهِمْ: ﴿عارِضٌ مُمْطِرُنا﴾، وأخْبَرَ بِأنَّ العَذابَ فاجَأهم، ثُمَّ قالَ: (رِيحٌ): أيْ هي رِيحٌ بَدَلٌ مِن هو. وقَرَأ: ما اسْتَعْجَلْتُمْ، بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ الجِيمِ، وتَقَدَّمَتْ قِصَصٌ في الرِّيحِ، فَأغْنى عَنْ ذِكْرِها هُنا.
﴿تُدَمِّرُ﴾: أيْ تُهْلِكُ، والدَّمارُ: الهَلاكُ، وتَقَدَّمَ ذِكْرُهُ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: تَدْمُرُ. بِفَتْحِ التّاءِ وسُكُونِ الدّالِ وضَمِّ المِيمِ. وقُرِئَ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ بِالياءِ ورَفْعِ ”كُلُّ“ . أيْ يَهْلِكُ كُلُّ شَيْءٍ، وكُلُّ شَيْءٍ عامٌّ مَخْصُوصٌ، أيْ مِن نُفُوسِهِمْ وأمْوالِهِمْ، أوْ مَن أُمِرَتْ بِتَدْمِيرِهِ. (p-٦٥)وإضافَةُ الرَّبِّ إلى الرِّيحِ دَلالَةٌ عَلى أنَّها وتَصْرِيفَها مِمّا يَشْهَدُ بِباهِرِ قُدْرَتِهِ تَعالى، لِأنَّها مِن أعاجِيبِ خَلْقِهِ وأكابِرِ جُنُودِهِ. وذَكَرَ الأمْرَ لِكَوْنِها مَأْمُورَةً مِن جِهَتِهِ تَعالى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: لا تَرى بِتاءِ الخِطابِ، إلّا مَساكِنَهم، بِالنَّصْبِ، وعَبْدُ اللَّهِ، ومُجاهِدٌ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وقَتادَةُ، وأبُو حَيْوَةَ، وطَلْحَةُ، وعِيسى، والحَسَنُ، وعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ: بِخِلافٍ عَنْهُما، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ: لا يُرى بِالياءِ مِن تَحْتٍ مَضْمُومَةٍ إلّا مَساكِنُهم بِالرَّفْعِ. وأبُو رَجاءٍ، ومالِكُ بْنُ دِينارٍ: بِخِلافٍ عَنْهُما. والجَحْدَرِيُّ، والأعْمَشُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، والسُّلَمِيُّ: بِالتّاءِ مِن فَوْقٍ مَضْمُومَةٍ مَساكِنُهم بِالرَّفْعِ وهَذا لا يُجِيزُهُ أصْحابُنا إلّا في الشِّعْرِ، وبَعْضُهم يُجِيزُهُ في الكَلامِ. وقالَ ذُو الرُّمَّةِ:
؎كَأنَّهُ جَمَلٌ هَمٌّ وما بَقِيَتْ ∗∗∗ إلّا النَّحِيزَةُ والألْواحُ والعَصَبُ
وقالَ آخَرُ:
؎فَما بَقِيَتْ إلّا الضُّلُوعُ الجَراشِعُ
وقَرَأ عِيسى الهَمْدانِيُّ: لا يُرى بِضَمِّ الياءِ إلّا مَسْكَنُهم بِالتَّوْحِيدِ. ورُوِيَ هَذا عَنِ الأعْمَشِ، ونَصْرِ بْنِ عاصِمٍ. وقُرِئَ: لا تَرى، بِتاءٍ مَفْتُوحَةٍ لِلْخِطابِ، إلّا مَسْكَنَهم بِالتَّوْحِيدِ مُفْرَدًا مَنصُوبًا، واجْتُزِئَ بِالمُفْرَدِ عَنِ الجَمْعِ تَصْغِيرًا لِشَأْنِهِمْ، وأنَّهم لَمّا هَلَكُوا في وقْتٍ واحِدٍ، فَكَأنَّهم كانُوا في مَسْكَنٍ واحِدٍ. ولَمّا أخْبَرَ بِهَلاكِ قَوْمِ عادٍ، خاطَبَ قُرَيْشًا عَلى سَبِيلِ المَوْعِظَةِ فَقالَ: ﴿ولَقَدْ مَكَّنّاهُمْ﴾، وإنْ: نافِيَةٌ، أيْ في الَّذِي ما مَكَّنّاهم فِيهِ مِنَ القُوَّةِ والغِنى والبَسْطِ في الأجْسامِ والأمْوالِ، ولَمْ يَكُنِ النَّفْيُ بِلَفْظِ ما كَراهَةً لِتَكْرِيرِ اللَّفْظِ، وإنِ اخْتَلَفَ المَعْنى. وقِيلَ: إنْ شَرْطِيَّةٌ مَحْذُوفَةُ الجَوابِ، والتَّقْدِيرُ: إنْ مَكَّنّاكم فِيهِ طَغَيْتُمْ. وقِيلَ: إنْ زائِدَةٌ بَعْدَ ما المَوْصُولَةِ تَشْبِيهًا بِما النّافِيَةِ وما التَّوْقِيتِيَّةِ، فَهي في الآيَةِ كَهي في قَوْلِهِ:
؎يَرْجى المَرْءُ ما إنْ لا يَراهُ ∗∗∗ وتَعْرِضُ دُونَ أدْناهُ الخُطُوبُ
أيْ مَكَّنّاهم في مِثْلِ الَّذِي مَكَّنّاكم فِيهِ، وكَوْنُها نافِيَةً هو الوَجْهُ، لِأنَّ القُرْآنَ يَدُلُّ عَلَيْهِ في مَواضِعَ كَقَوْلِهِ: ﴿كانُوا أكْثَرَ مِنهم وأشَدَّ قُوَّةً وآثارًا﴾ [غافر: ٨٢]، وقَوْلِهِ: ﴿هم أحْسَنُ أثاثًا ورِئْيًا﴾ [مريم: ٧٤]، وهو أبْلَغُ في التَّوْبِيخِ وأدْخَلُ في الحَثِّ في الِاعْتِبارِ. ثُمَّ عَدَّدَ نِعَمَهُ عَلَيْهِمْ، وأنَّها لَمْ تُغْنِ عَنْهم شَيْئًا، حَيْثُ لَمْ يَسْتَعْمِلُوا السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ فِيما يَجِبُ أنْ يُسْتَعْمَلَ. وقِيلَ: ما اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى التَّقْرِيرِ، وهو بَعِيدٌ كَقَوْلِهِ: (مِن شَيْءٍ)، إذْ يَصِيرُ التَّقْدِيرُ: أيُّ شَيْءٍ مِمّا ذَكَرَ أغْنى عَنْهم مِن شَيْءٍ، فَتَكُونُ مِن زِيدَتْ في المُوجَبِ، وهو لا يَجُوزُ عَلى الصَّحِيحِ، والعامِلُ في إذْ أغْنى. ويَظْهَرُ فِيها مَعْنى التَّعْلِيلِ لَوْ قُلْتَ: أكْرَمْتُ زَيْدًا لِإحْسانِهِ إلَيَّ، أوْ إذْ أحْسَنَ إلَيَّ. اسْتَوَيا في الوَقْتِ، وفُهِمَ مِن إذْ ما فُهِمَ مِن لامِ التَّعْلِيلِ، وإنَّ إكْرامَكَ إيّاهُ في وقْتِ إحْسانِهِ إلَيْكَ، إنَّما كانَ لِوُجُودِ إحْسانِهِ لَكَ فِيهِ.
الأحقاف 46:25
﴿ويَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلى النّارِ أذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكم في حَياتِكُمُ الدُّنْيا واسْتَمْتَعْتُمْ بِها فاليَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الهُونِ بِما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وبِما كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ﴾ ﴿واذْكُرْ أخا عادٍ إذْ أنْذَرَ قَوْمَهُ بِالأحْقافِ وقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ ألّا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿قالُوا أجِئْتَنا لِتَأْفِكَنا عَنْ آلِهَتِنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ إنَّما العِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وأُبَلِّغُكم ما أُرْسِلْتُ بِهِ ولَكِنِّي أراكم قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ ﴿فَلَمّا رَأوْهُ عارِضًا مُسْتَقْبِلَ أوْدِيَتِهِمْ قالُوا هَذا عارِضٌ مُمْطِرُنا بَلْ هو ما اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأمْرِ رَبِّها فَأصْبَحُوا لا يُرى إلّا مَساكِنُهم كَذَلِكَ نَجْزِي القَوْمَ المُجْرِمِينَ﴾ ﴿ولَقَدْ مَكَّنّاهم فِيما إنْ مَكَّنّاكم فِيهِ وجَعَلْنا لَهم سَمْعًا وأبْصارًا وأفْئِدَةً فَما أغْنى عَنْهم سَمْعُهم ولا أبْصارُهم ولا أفْئِدَتُهم مِن شَيْءٍ إذْ كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ .
(p-٦٣)﴿ويَوْمَ يُعْرَضُ﴾ [الأحقاف: ٣٤]: أيْ يُعَذَّبُ بِالنّارِ، كَما يُقالُ: عُرِضَ عَلى السَّيْفِ، إذا قُتِلَ بِهِ. والعَرْضُ: المُباشَرَةُ، كَما تَقُولُ: عَرَضْتُ العُودَ عَلى النّارِ: أيْ باشَرْتُ بِهِ النّارَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُرادَ عَرْضُ النّارِ عَلَيْهِمْ مِن قَوْلِهِمْ: عَرَضْتُ النّاقَةَ عَلى الحَوْضِ، يُرِيدُونَ عَرَضَ الحَوْضَ عَلَيْها، فَقَلَبُوا. ويَدُلُّ عَلَيْهِ تَفْسِيرُ ابْنِ عَبّاسٍ: يُجاءُ بِهِمْ إلَيْها فَيُكْشَفُ لَهم عَنْها. انْتَهى. ولا يَنْبَغِي حَمْلُ القُرْآنِ عَلى القَلْبِ، إذِ الصَّحِيحُ في القَلْبِ أنَّهُ مِمّا يُضْطَرُّ إلَيْهِ في الشِّعْرِ. وإذا كانَ المَعْنى صَحِيحًا واضِحًا مَعَ عَدَمِ القَلْبِ، فَأيُّ ضَرُورَةٍ تَدْعُو إلَيْهِ ؟ ولَيْسَ في قَوْلِهِمْ: عَرَضْتُ النّاقَةَ عَلى الحَوْضِ، ولا في تَفْسِيرِ ابْنِ عَبّاسٍ ما يَدُلُّ عَلى القَلْبِ، لِأنَّ عَرْضَ النّاقَةِ عَلى الحَوْضِ وعَرْضَ الحَوْضِ عَلى النّاقَةِ، كُلٌّ مِنهُما صَحِيحٌ، إذِ العَرْضُ أمْرٌ نِسْبِيٌّ يَصِحُّ إسْنادُهُ لِكُلِّ واحِدٍ مِنَ النّاقَةِ والحَوْضِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: أذْهَبْتُمْ عَلى الخَبَرِ، أيْ فَيُقالُ لَهم: أذْهَبْتُمْ، ولِذَلِكَ حَسُنَتِ الفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فاليَوْمَ تُجْزَوْنَ﴾ . وقَرَأ قَتادَةُ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ وثّابٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، والأعْرَجُ، وابْنُ كَثِيرٍ: بِهَمْزَةٍ بَعْدَها مَدَّةٌ مُطَوَّلَةٌ، وابْنُ عامِرٍ، بِهَمْزَتَيْنِ حَقَّقَهُما ابْنُ ذَكْوانَ، ولَيَّنَ الثّانِيَةَ هِشامٌ، وابْنُ كَثِيرٍ في رِوايَةٍ. وعَنْ هِشامٍ: الفَصْلُ بَيْنَ المُحَقَّقَةِ والمُلَيَّنَةِ بِألِفٍ، وهَذا الِاسْتِفْهامُ هو عَلى مَعْنى التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيرِ، فَهو خَبَرٌ في المَعْنى، فَلِذَلِكَ حَسُنَتِ الفاءُ، ولَوْ كانَ اسْتِفْهامًا مَحْضًا لَمْ تَدْخُلِ الفاءُ. والطَّيِّباتُ هُنا: المُسْتَلَذّاتُ مِنَ المَآكِلِ والمَشارِبِ والمَلابِسِ والمَفارِشِ والمَراكِبِ والمَواطِئِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَتَنَعَّمُ بِهِ أهْلُ الرَّفاهِيَةِ.
وهَذِهِ الآيَةُ مُحَرِّضَةٌ عَلى التَّقَلُّلِ مِنَ الدُّنْيا، وتَرْكِ التَّنَعُّمِ فِيها والأخْذِ بِالتَّقَشُّفِ وما يُجْتَزَئُ بِهِ رَمَقُ الحَياةِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ في ذَلِكَ ما يَقْتَضِي التَّأسِّيَ بِهِ. وعَنْ عُمَرَ في ذَلِكَ أخْبارٌ تَدُلُّ عَلى مَعْرِفَتِهِ بِأنْواعِ المَلاذِّ وعِزَّةِ نَفْسِهِ الفاضِلَةِ عَنْها: أتَظُنُّونَ أنّا لا نَعْرِفُ خَفْضَ العَيْشِ ؟ ولَوْ شِئْتُ لَجَعَلْتُ أكْبادًا وصَلاءً وصَلائِقَ، ولَكِنْ أسْتَبْقِي حَسَناتِي، فَإنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ وصَفَ أقْوامًا فَقالَ: ﴿أذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكم في حَياتِكُمُ الدُّنْيا واسْتَمْتَعْتُمْ﴾ . والصِّلاءُ الشِّواءُ، والصِّفارُ المُتَّخَذُ مِنَ الخَرْدَلِ والزَّبِيبِ، والصَّلائِقُ: الخُبْزُ الرِّقاقُ العَرِيضُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وهَذا مِن بابِ الزُّهْدِ، وإلّا فالآيَةُ نَزَلَتْ في كُفّارِ قُرَيْشٍ، والمَعْنى: أنَّهُ كانَتْ تَكُونُ لَكم طَيِّباتُ الآخِرَةِ لَوْ آمَنتُمْ، لَكِنَّكم لَمْ تُؤْمِنُوا، فاسْتَعْجَلْتُمْ طَيِّباتِكم في الحَياةِ الدُّنْيا. فَهَذِهِ كِنايَةٌ عَنْ عَدَمِ الإيمانِ، ولِذَلِكَ نَزَلَتْ عَلَيْهِ: ﴿فاليَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الهُونِ﴾، ولَوْ أُرِيدَ الظّاهِرُ، ولَمْ يَكُنْ كِنايَةً عَنْ ما ذَكَرْنا، لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهِ الجَزاءُ بِالعَذابِ. وقُرِئَ: الهَوانُ، وهو والهُونُ بِمَعْنًى واحِدٍ ثُمَّ بَيَّنَ تِلْكَ الكِنايَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿بِما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾: أيْ تَتَرَفَّعُونَ عَنِ الإيمانِ، ﴿وبِما كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ﴾: أيْ بِمَعاصِي الجَوارِحِ، وقَدَّمَ ذَنْبَ القَلْبِ وهو الِاسْتِكْبارُ عَلى ذَنْبِ الجَوارِحِ، إذْ أعْمالُ الجَوارِحِ ناشِئَةٌ عَنْ مُرادِ القَلْبِ.
ولَمّا كانَ أهْلُ مَكَّةَ مُسْتَغْرِقِينَ في لَذّاتِ الدُّنْيا، مُعْرِضِينَ عَنِ الإيمانِ وما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ، ذَكَّرَهم بِما جَرى لِلْعَرَبِ الأُولى، وهم قَوْمُ عادٍ، وكانُوا أكْثَرَ أمْوالًا وأشَدَّ قُوَّةً وأعْظَمَ جاهًا فِيهِمْ، فَسَلَّطَ عَلَيْهِمُ العَذابَ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ، وضَرَبَ الأمْثالَ، وقَصَصُ مَن تَقَدَّمَ تُعْرَفُ بِقُبْحِ الشَّيْءِ وتَحْسِينِهِ، فَقالَ لِرَسُولِهِ: واذْكُرْ لِقَوْمِكَ أهْلِ مَكَّةَ، هُودًا عَلَيْهِ السَّلامُ، ﴿إذْ أنْذَرَ قَوْمَهُ﴾ عادًا عَذَّبَهُمُ اللَّهُ ﴿بِالأحْقافِ﴾ . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وادٍ بَيْنَ عُمانَ ومَهْرَةَ. وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: مِن عُمانَ إلى (p-٦٤)حَضْرَمَوْتَ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: رِمالٌ مُشْرِقَةٌ بِالشِّحْرِ مِنَ اليَمَنِ. وقِيلَ: بَيْنَ مَهْرَةَ وعَدَنَ. وقالَ قَتادَةُ: هي بِلادُ الشِّحْرِ المُواصِلَةِ لِلْبَحْرِ اليَمانِيِّ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي جَبَلٌ بِالشّامِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والصَّحِيحُ أنَّ بِلادَ عادٍ كانَتْ بِاليَمَنِ، ولَهم كانَتْ ﴿إرَمَ ذاتِ العِمادِ﴾ [الفجر: ٧]، وفي ذِكْرِ هَذِهِ القِصَّةِ اعْتِبارٌ لِقُرَيْشٍ وتَسْلِيَةٌ لِلرَّسُولِ، إذْ كَذَّبَهُ قَوْمُهُ، كَما كَذَّبَتْ عادٌ هُودًا عَلَيْهِ السَّلامُ. والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ﴾: وهو جَمْعُ نَذِيرٍ، ﴿مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ﴾، يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ حالًا مِنَ الفاعِلِ في: ﴿النُّذُرُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ﴾، وهُمُ الرُّسُلُ الَّذِينَ تَقَدَّمُوا زَمانَهُ، ومِن خَلْفِهِ الرُّسُلُ الَّذِينَ كانُوا في زَمانِهِ، ويَكُونُ عَلى هَذا مَعْنى (ومِن خَلْفِهِ): أيْ مِن بَعْدِ إنْذارِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اعْتِراضًا بَيْنَ إنْذارِ قَوْمِهِ وأنْ لا تَعْبُدُوا. والمَعْنى: وقَدْ أنْذَرَ مَن تَقَدَّمَهُ مِنَ الرُّسُلِ، ومَن تَأخَّرَ عَنْهُ مِثْلَ ذَلِكَ، فاذْكُرْهم.
﴿قالُوا أجِئْتَنا﴾: اسْتِفْهامُ تَقْرِيرٍ وتَوْبِيخٍ وتَعْجِيزٍ لَهُ فِيما أنْذَرَهُ إيّاهم مِنَ العَذابِ العَظِيمِ عَلى تَرْكِ إفْرادِ اللَّهِ بِالعِبادَةِ.
﴿لِتَأْفِكَنا﴾: لِتَصْرِفَنا، قالَهُ الضَّحّاكُ، أوْ لِتُزِيلَنا عَنْ آلِهَتِنا بِالإفْكِ، وهو الكَذِبُ، أيْ عَنْ عِبادَةِ آلِهَتِنا، ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا﴾: اسْتِعْجالٌ مِنهم بِحُلُولِ ما وعَدَهم بِهِ مِنَ العَذابِ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿بَلْ هو ما اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ﴾ ؟ ﴿قالَ إنَّما العِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ﴾: أيْ عِلْمُ وقْتِ حُلُولِهِ، ولَيْسَ تَعْيِينُ وقْتِهِ إلَيَّ، وإنَّما أنا مُبَلِّغٌ ما أرْسَلَنِي بِهِ اللَّهُ إلَيْكم. ولَمّا تَحَقَّقَ عِنْدَهُ وعْدُ اللَّهِ، وأنَّهُ حالٌّ بِهِمْ وهم في غَفْلَةٍ مِن ذَلِكَ وتَكْذِيبٍ، قالَ: ﴿ولَكِنِّي أراكم قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾: أيْ عاقِبَةَ أمْرِكم لا شُعُورَ لَكم بِها، وذَلِكَ واقِعٌ لا مَحالَةَ. وكانَتْ عادٌ قَدْ حَبَسَ اللَّهُ عَنْها المَطَرَ أيّامًا، فَساقَ اللَّهُ إلَيْهِمْ سَحابَةً سَوْداءَ خَرَجَتْ عَلَيْهِمْ مِن وادٍ يُقالُ لَهُ المُغِيثُ، فاسْتَبْشَرُوا. والضَّمِيرُ في (رَأوْهُ) الظّاهِرُ أنَّهُ عائِدٌ عَلى ما في قَوْلِهِ: (بِما تَعِدُنا)، وهو العَذابُ، وانْتَصَبَ عارِضًا عَلى الحالِ مِنَ المَفْعُولِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى الشَّيْءِ المَرْئِيِّ الطّالِعِ عَلَيْهِمُ الَّذِي فَسَّرَهُ قَوْلُهُ: ﴿عارِضًا﴾ .
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَلَمّا رَأوْهُ)، في الضَّمِيرِ وجْهانِ: أنْ يَرْجِعَ إلى ما تَعِدُنا، وأنْ يَكُونَ مُبْهَمًا، قَدْ وضَحَ أمْرُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿عارِضًا﴾، إمّا تَمْيِيزٌ وإمّا حالٌ، وهَذا الوَجْهُ أعْرَبُ وأفْصَحُ. انْتَهى. وهَذا الَّذِي ذَكَرَ أنَّهُ أعْرَبُ وأفْصَحُ لَيْسَ جارِيًا عَلى ما ذَكَرَهُ النُّحاةُ، لِأنَّ المُبْهَمَ الَّذِي يُفَسِّرُهُ ويُوَضِّحُهُ التَّمْيِيزُ لا يَكُونُ إلّا في بابِ رُبَّ، نَحْوُ: رُبَّ رَجُلًا لَقِيتُهُ، وفي بابِ نِعْمَ وبِئْسَ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ، نَحْوُ: نِعْمَ رَجُلًا زَيْدٌ، وبِئْسَ غُلامًا عَمْرٌو. وأمّا أنَّ الحالَ يُوَضِّحُ المُبْهَمَ ويُفَسِّرُهُ، فَلا نَعْلَمُ أحَدًا ذَهَبَ إلَيْهِ، وقَدْ حَصَرَ النُّحاةُ المُضْمَرَ الَّذِي يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ، فَلَمْ يَذْكُرُوا فِيهِ مَفْعُولَ رَأى إذا كانَ ضَمِيرًا، ولا أنَّ الحالَ يُفَسِّرُ الضَّمِيرَ ويُوَضِّحُهُ. والعارِضُ: المُعْتَرِضُ في الجَوِّ مِنَ السَّحابِ المُمْطِرِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎يا مَن رَأى عارِضًا أرِقْتَ لَهُ بَيْنَ ذِراعَيْ وجَبْهَةِ الأسَدِ
وقالَ الأعْشى:
؎يا مَن رَأى عارِضًا قَدْ بِتُّ أرْمُقُهُ ∗∗∗ كَأنَّها البَرْقُ في حافاتِها الشُّعَلُ
﴿مُسْتَقْبِلَ أوْدِيَتِهِمْ﴾: هو جَمْعُ وادٍ، وأفْعِلَةٌ في جَمْعِ فاعِلٍ. الِاسْمُ شاذٌّ نَحْوُ: نادٍ وأنْدِيَةٍ، وجائِزٍ وأجْوِزَةٍ. والجائِزُ: الخَشَبَةُ المُمْتَدَّةُ في أعْلى السَّقْفِ، وإضافَةُ ”مُسْتَقْبِلَ“ و”مُمْطِرُ“ إضافَةٌ لا تُعَرِّفُ، فَلِذَلِكَ نُعِتَ بِهِما النَّكِرَةُ.
﴿بَلْ هو ما اسْتَعْجَلْتُمْ﴾: أيْ قالَ لَهم هو ذَلِكَ، أيْ بَلْ هو العَذابُ الَّذِي اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ، أضْرَبَ عَنْ قَوْلِهِمْ: ﴿عارِضٌ مُمْطِرُنا﴾، وأخْبَرَ بِأنَّ العَذابَ فاجَأهم، ثُمَّ قالَ: (رِيحٌ): أيْ هي رِيحٌ بَدَلٌ مِن هو. وقَرَأ: ما اسْتَعْجَلْتُمْ، بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ الجِيمِ، وتَقَدَّمَتْ قِصَصٌ في الرِّيحِ، فَأغْنى عَنْ ذِكْرِها هُنا.
﴿تُدَمِّرُ﴾: أيْ تُهْلِكُ، والدَّمارُ: الهَلاكُ، وتَقَدَّمَ ذِكْرُهُ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: تَدْمُرُ. بِفَتْحِ التّاءِ وسُكُونِ الدّالِ وضَمِّ المِيمِ. وقُرِئَ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ بِالياءِ ورَفْعِ ”كُلُّ“ . أيْ يَهْلِكُ كُلُّ شَيْءٍ، وكُلُّ شَيْءٍ عامٌّ مَخْصُوصٌ، أيْ مِن نُفُوسِهِمْ وأمْوالِهِمْ، أوْ مَن أُمِرَتْ بِتَدْمِيرِهِ. (p-٦٥)وإضافَةُ الرَّبِّ إلى الرِّيحِ دَلالَةٌ عَلى أنَّها وتَصْرِيفَها مِمّا يَشْهَدُ بِباهِرِ قُدْرَتِهِ تَعالى، لِأنَّها مِن أعاجِيبِ خَلْقِهِ وأكابِرِ جُنُودِهِ. وذَكَرَ الأمْرَ لِكَوْنِها مَأْمُورَةً مِن جِهَتِهِ تَعالى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: لا تَرى بِتاءِ الخِطابِ، إلّا مَساكِنَهم، بِالنَّصْبِ، وعَبْدُ اللَّهِ، ومُجاهِدٌ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وقَتادَةُ، وأبُو حَيْوَةَ، وطَلْحَةُ، وعِيسى، والحَسَنُ، وعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ: بِخِلافٍ عَنْهُما، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ: لا يُرى بِالياءِ مِن تَحْتٍ مَضْمُومَةٍ إلّا مَساكِنُهم بِالرَّفْعِ. وأبُو رَجاءٍ، ومالِكُ بْنُ دِينارٍ: بِخِلافٍ عَنْهُما. والجَحْدَرِيُّ، والأعْمَشُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، والسُّلَمِيُّ: بِالتّاءِ مِن فَوْقٍ مَضْمُومَةٍ مَساكِنُهم بِالرَّفْعِ وهَذا لا يُجِيزُهُ أصْحابُنا إلّا في الشِّعْرِ، وبَعْضُهم يُجِيزُهُ في الكَلامِ. وقالَ ذُو الرُّمَّةِ:
؎كَأنَّهُ جَمَلٌ هَمٌّ وما بَقِيَتْ ∗∗∗ إلّا النَّحِيزَةُ والألْواحُ والعَصَبُ
وقالَ آخَرُ:
؎فَما بَقِيَتْ إلّا الضُّلُوعُ الجَراشِعُ
وقَرَأ عِيسى الهَمْدانِيُّ: لا يُرى بِضَمِّ الياءِ إلّا مَسْكَنُهم بِالتَّوْحِيدِ. ورُوِيَ هَذا عَنِ الأعْمَشِ، ونَصْرِ بْنِ عاصِمٍ. وقُرِئَ: لا تَرى، بِتاءٍ مَفْتُوحَةٍ لِلْخِطابِ، إلّا مَسْكَنَهم بِالتَّوْحِيدِ مُفْرَدًا مَنصُوبًا، واجْتُزِئَ بِالمُفْرَدِ عَنِ الجَمْعِ تَصْغِيرًا لِشَأْنِهِمْ، وأنَّهم لَمّا هَلَكُوا في وقْتٍ واحِدٍ، فَكَأنَّهم كانُوا في مَسْكَنٍ واحِدٍ. ولَمّا أخْبَرَ بِهَلاكِ قَوْمِ عادٍ، خاطَبَ قُرَيْشًا عَلى سَبِيلِ المَوْعِظَةِ فَقالَ: ﴿ولَقَدْ مَكَّنّاهُمْ﴾، وإنْ: نافِيَةٌ، أيْ في الَّذِي ما مَكَّنّاهم فِيهِ مِنَ القُوَّةِ والغِنى والبَسْطِ في الأجْسامِ والأمْوالِ، ولَمْ يَكُنِ النَّفْيُ بِلَفْظِ ما كَراهَةً لِتَكْرِيرِ اللَّفْظِ، وإنِ اخْتَلَفَ المَعْنى. وقِيلَ: إنْ شَرْطِيَّةٌ مَحْذُوفَةُ الجَوابِ، والتَّقْدِيرُ: إنْ مَكَّنّاكم فِيهِ طَغَيْتُمْ. وقِيلَ: إنْ زائِدَةٌ بَعْدَ ما المَوْصُولَةِ تَشْبِيهًا بِما النّافِيَةِ وما التَّوْقِيتِيَّةِ، فَهي في الآيَةِ كَهي في قَوْلِهِ:
؎يَرْجى المَرْءُ ما إنْ لا يَراهُ ∗∗∗ وتَعْرِضُ دُونَ أدْناهُ الخُطُوبُ
أيْ مَكَّنّاهم في مِثْلِ الَّذِي مَكَّنّاكم فِيهِ، وكَوْنُها نافِيَةً هو الوَجْهُ، لِأنَّ القُرْآنَ يَدُلُّ عَلَيْهِ في مَواضِعَ كَقَوْلِهِ: ﴿كانُوا أكْثَرَ مِنهم وأشَدَّ قُوَّةً وآثارًا﴾ [غافر: ٨٢]، وقَوْلِهِ: ﴿هم أحْسَنُ أثاثًا ورِئْيًا﴾ [مريم: ٧٤]، وهو أبْلَغُ في التَّوْبِيخِ وأدْخَلُ في الحَثِّ في الِاعْتِبارِ. ثُمَّ عَدَّدَ نِعَمَهُ عَلَيْهِمْ، وأنَّها لَمْ تُغْنِ عَنْهم شَيْئًا، حَيْثُ لَمْ يَسْتَعْمِلُوا السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ فِيما يَجِبُ أنْ يُسْتَعْمَلَ. وقِيلَ: ما اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى التَّقْرِيرِ، وهو بَعِيدٌ كَقَوْلِهِ: (مِن شَيْءٍ)، إذْ يَصِيرُ التَّقْدِيرُ: أيُّ شَيْءٍ مِمّا ذَكَرَ أغْنى عَنْهم مِن شَيْءٍ، فَتَكُونُ مِن زِيدَتْ في المُوجَبِ، وهو لا يَجُوزُ عَلى الصَّحِيحِ، والعامِلُ في إذْ أغْنى. ويَظْهَرُ فِيها مَعْنى التَّعْلِيلِ لَوْ قُلْتَ: أكْرَمْتُ زَيْدًا لِإحْسانِهِ إلَيَّ، أوْ إذْ أحْسَنَ إلَيَّ. اسْتَوَيا في الوَقْتِ، وفُهِمَ مِن إذْ ما فُهِمَ مِن لامِ التَّعْلِيلِ، وإنَّ إكْرامَكَ إيّاهُ في وقْتِ إحْسانِهِ إلَيْكَ، إنَّما كانَ لِوُجُودِ إحْسانِهِ لَكَ فِيهِ.
الأحقاف 46:26
﴿ويَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلى النّارِ أذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكم في حَياتِكُمُ الدُّنْيا واسْتَمْتَعْتُمْ بِها فاليَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الهُونِ بِما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وبِما كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ﴾ ﴿واذْكُرْ أخا عادٍ إذْ أنْذَرَ قَوْمَهُ بِالأحْقافِ وقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ ألّا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿قالُوا أجِئْتَنا لِتَأْفِكَنا عَنْ آلِهَتِنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ إنَّما العِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وأُبَلِّغُكم ما أُرْسِلْتُ بِهِ ولَكِنِّي أراكم قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ ﴿فَلَمّا رَأوْهُ عارِضًا مُسْتَقْبِلَ أوْدِيَتِهِمْ قالُوا هَذا عارِضٌ مُمْطِرُنا بَلْ هو ما اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأمْرِ رَبِّها فَأصْبَحُوا لا يُرى إلّا مَساكِنُهم كَذَلِكَ نَجْزِي القَوْمَ المُجْرِمِينَ﴾ ﴿ولَقَدْ مَكَّنّاهم فِيما إنْ مَكَّنّاكم فِيهِ وجَعَلْنا لَهم سَمْعًا وأبْصارًا وأفْئِدَةً فَما أغْنى عَنْهم سَمْعُهم ولا أبْصارُهم ولا أفْئِدَتُهم مِن شَيْءٍ إذْ كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ .
(p-٦٣)﴿ويَوْمَ يُعْرَضُ﴾ [الأحقاف: ٣٤]: أيْ يُعَذَّبُ بِالنّارِ، كَما يُقالُ: عُرِضَ عَلى السَّيْفِ، إذا قُتِلَ بِهِ. والعَرْضُ: المُباشَرَةُ، كَما تَقُولُ: عَرَضْتُ العُودَ عَلى النّارِ: أيْ باشَرْتُ بِهِ النّارَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُرادَ عَرْضُ النّارِ عَلَيْهِمْ مِن قَوْلِهِمْ: عَرَضْتُ النّاقَةَ عَلى الحَوْضِ، يُرِيدُونَ عَرَضَ الحَوْضَ عَلَيْها، فَقَلَبُوا. ويَدُلُّ عَلَيْهِ تَفْسِيرُ ابْنِ عَبّاسٍ: يُجاءُ بِهِمْ إلَيْها فَيُكْشَفُ لَهم عَنْها. انْتَهى. ولا يَنْبَغِي حَمْلُ القُرْآنِ عَلى القَلْبِ، إذِ الصَّحِيحُ في القَلْبِ أنَّهُ مِمّا يُضْطَرُّ إلَيْهِ في الشِّعْرِ. وإذا كانَ المَعْنى صَحِيحًا واضِحًا مَعَ عَدَمِ القَلْبِ، فَأيُّ ضَرُورَةٍ تَدْعُو إلَيْهِ ؟ ولَيْسَ في قَوْلِهِمْ: عَرَضْتُ النّاقَةَ عَلى الحَوْضِ، ولا في تَفْسِيرِ ابْنِ عَبّاسٍ ما يَدُلُّ عَلى القَلْبِ، لِأنَّ عَرْضَ النّاقَةِ عَلى الحَوْضِ وعَرْضَ الحَوْضِ عَلى النّاقَةِ، كُلٌّ مِنهُما صَحِيحٌ، إذِ العَرْضُ أمْرٌ نِسْبِيٌّ يَصِحُّ إسْنادُهُ لِكُلِّ واحِدٍ مِنَ النّاقَةِ والحَوْضِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: أذْهَبْتُمْ عَلى الخَبَرِ، أيْ فَيُقالُ لَهم: أذْهَبْتُمْ، ولِذَلِكَ حَسُنَتِ الفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فاليَوْمَ تُجْزَوْنَ﴾ . وقَرَأ قَتادَةُ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ وثّابٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، والأعْرَجُ، وابْنُ كَثِيرٍ: بِهَمْزَةٍ بَعْدَها مَدَّةٌ مُطَوَّلَةٌ، وابْنُ عامِرٍ، بِهَمْزَتَيْنِ حَقَّقَهُما ابْنُ ذَكْوانَ، ولَيَّنَ الثّانِيَةَ هِشامٌ، وابْنُ كَثِيرٍ في رِوايَةٍ. وعَنْ هِشامٍ: الفَصْلُ بَيْنَ المُحَقَّقَةِ والمُلَيَّنَةِ بِألِفٍ، وهَذا الِاسْتِفْهامُ هو عَلى مَعْنى التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيرِ، فَهو خَبَرٌ في المَعْنى، فَلِذَلِكَ حَسُنَتِ الفاءُ، ولَوْ كانَ اسْتِفْهامًا مَحْضًا لَمْ تَدْخُلِ الفاءُ. والطَّيِّباتُ هُنا: المُسْتَلَذّاتُ مِنَ المَآكِلِ والمَشارِبِ والمَلابِسِ والمَفارِشِ والمَراكِبِ والمَواطِئِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَتَنَعَّمُ بِهِ أهْلُ الرَّفاهِيَةِ.
وهَذِهِ الآيَةُ مُحَرِّضَةٌ عَلى التَّقَلُّلِ مِنَ الدُّنْيا، وتَرْكِ التَّنَعُّمِ فِيها والأخْذِ بِالتَّقَشُّفِ وما يُجْتَزَئُ بِهِ رَمَقُ الحَياةِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ في ذَلِكَ ما يَقْتَضِي التَّأسِّيَ بِهِ. وعَنْ عُمَرَ في ذَلِكَ أخْبارٌ تَدُلُّ عَلى مَعْرِفَتِهِ بِأنْواعِ المَلاذِّ وعِزَّةِ نَفْسِهِ الفاضِلَةِ عَنْها: أتَظُنُّونَ أنّا لا نَعْرِفُ خَفْضَ العَيْشِ ؟ ولَوْ شِئْتُ لَجَعَلْتُ أكْبادًا وصَلاءً وصَلائِقَ، ولَكِنْ أسْتَبْقِي حَسَناتِي، فَإنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ وصَفَ أقْوامًا فَقالَ: ﴿أذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكم في حَياتِكُمُ الدُّنْيا واسْتَمْتَعْتُمْ﴾ . والصِّلاءُ الشِّواءُ، والصِّفارُ المُتَّخَذُ مِنَ الخَرْدَلِ والزَّبِيبِ، والصَّلائِقُ: الخُبْزُ الرِّقاقُ العَرِيضُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وهَذا مِن بابِ الزُّهْدِ، وإلّا فالآيَةُ نَزَلَتْ في كُفّارِ قُرَيْشٍ، والمَعْنى: أنَّهُ كانَتْ تَكُونُ لَكم طَيِّباتُ الآخِرَةِ لَوْ آمَنتُمْ، لَكِنَّكم لَمْ تُؤْمِنُوا، فاسْتَعْجَلْتُمْ طَيِّباتِكم في الحَياةِ الدُّنْيا. فَهَذِهِ كِنايَةٌ عَنْ عَدَمِ الإيمانِ، ولِذَلِكَ نَزَلَتْ عَلَيْهِ: ﴿فاليَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الهُونِ﴾، ولَوْ أُرِيدَ الظّاهِرُ، ولَمْ يَكُنْ كِنايَةً عَنْ ما ذَكَرْنا، لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهِ الجَزاءُ بِالعَذابِ. وقُرِئَ: الهَوانُ، وهو والهُونُ بِمَعْنًى واحِدٍ ثُمَّ بَيَّنَ تِلْكَ الكِنايَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿بِما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾: أيْ تَتَرَفَّعُونَ عَنِ الإيمانِ، ﴿وبِما كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ﴾: أيْ بِمَعاصِي الجَوارِحِ، وقَدَّمَ ذَنْبَ القَلْبِ وهو الِاسْتِكْبارُ عَلى ذَنْبِ الجَوارِحِ، إذْ أعْمالُ الجَوارِحِ ناشِئَةٌ عَنْ مُرادِ القَلْبِ.
ولَمّا كانَ أهْلُ مَكَّةَ مُسْتَغْرِقِينَ في لَذّاتِ الدُّنْيا، مُعْرِضِينَ عَنِ الإيمانِ وما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ، ذَكَّرَهم بِما جَرى لِلْعَرَبِ الأُولى، وهم قَوْمُ عادٍ، وكانُوا أكْثَرَ أمْوالًا وأشَدَّ قُوَّةً وأعْظَمَ جاهًا فِيهِمْ، فَسَلَّطَ عَلَيْهِمُ العَذابَ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ، وضَرَبَ الأمْثالَ، وقَصَصُ مَن تَقَدَّمَ تُعْرَفُ بِقُبْحِ الشَّيْءِ وتَحْسِينِهِ، فَقالَ لِرَسُولِهِ: واذْكُرْ لِقَوْمِكَ أهْلِ مَكَّةَ، هُودًا عَلَيْهِ السَّلامُ، ﴿إذْ أنْذَرَ قَوْمَهُ﴾ عادًا عَذَّبَهُمُ اللَّهُ ﴿بِالأحْقافِ﴾ . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وادٍ بَيْنَ عُمانَ ومَهْرَةَ. وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: مِن عُمانَ إلى (p-٦٤)حَضْرَمَوْتَ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: رِمالٌ مُشْرِقَةٌ بِالشِّحْرِ مِنَ اليَمَنِ. وقِيلَ: بَيْنَ مَهْرَةَ وعَدَنَ. وقالَ قَتادَةُ: هي بِلادُ الشِّحْرِ المُواصِلَةِ لِلْبَحْرِ اليَمانِيِّ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي جَبَلٌ بِالشّامِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والصَّحِيحُ أنَّ بِلادَ عادٍ كانَتْ بِاليَمَنِ، ولَهم كانَتْ ﴿إرَمَ ذاتِ العِمادِ﴾ [الفجر: ٧]، وفي ذِكْرِ هَذِهِ القِصَّةِ اعْتِبارٌ لِقُرَيْشٍ وتَسْلِيَةٌ لِلرَّسُولِ، إذْ كَذَّبَهُ قَوْمُهُ، كَما كَذَّبَتْ عادٌ هُودًا عَلَيْهِ السَّلامُ. والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ﴾: وهو جَمْعُ نَذِيرٍ، ﴿مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ﴾، يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ حالًا مِنَ الفاعِلِ في: ﴿النُّذُرُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ﴾، وهُمُ الرُّسُلُ الَّذِينَ تَقَدَّمُوا زَمانَهُ، ومِن خَلْفِهِ الرُّسُلُ الَّذِينَ كانُوا في زَمانِهِ، ويَكُونُ عَلى هَذا مَعْنى (ومِن خَلْفِهِ): أيْ مِن بَعْدِ إنْذارِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اعْتِراضًا بَيْنَ إنْذارِ قَوْمِهِ وأنْ لا تَعْبُدُوا. والمَعْنى: وقَدْ أنْذَرَ مَن تَقَدَّمَهُ مِنَ الرُّسُلِ، ومَن تَأخَّرَ عَنْهُ مِثْلَ ذَلِكَ، فاذْكُرْهم.
﴿قالُوا أجِئْتَنا﴾: اسْتِفْهامُ تَقْرِيرٍ وتَوْبِيخٍ وتَعْجِيزٍ لَهُ فِيما أنْذَرَهُ إيّاهم مِنَ العَذابِ العَظِيمِ عَلى تَرْكِ إفْرادِ اللَّهِ بِالعِبادَةِ.
﴿لِتَأْفِكَنا﴾: لِتَصْرِفَنا، قالَهُ الضَّحّاكُ، أوْ لِتُزِيلَنا عَنْ آلِهَتِنا بِالإفْكِ، وهو الكَذِبُ، أيْ عَنْ عِبادَةِ آلِهَتِنا، ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا﴾: اسْتِعْجالٌ مِنهم بِحُلُولِ ما وعَدَهم بِهِ مِنَ العَذابِ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿بَلْ هو ما اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ﴾ ؟ ﴿قالَ إنَّما العِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ﴾: أيْ عِلْمُ وقْتِ حُلُولِهِ، ولَيْسَ تَعْيِينُ وقْتِهِ إلَيَّ، وإنَّما أنا مُبَلِّغٌ ما أرْسَلَنِي بِهِ اللَّهُ إلَيْكم. ولَمّا تَحَقَّقَ عِنْدَهُ وعْدُ اللَّهِ، وأنَّهُ حالٌّ بِهِمْ وهم في غَفْلَةٍ مِن ذَلِكَ وتَكْذِيبٍ، قالَ: ﴿ولَكِنِّي أراكم قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾: أيْ عاقِبَةَ أمْرِكم لا شُعُورَ لَكم بِها، وذَلِكَ واقِعٌ لا مَحالَةَ. وكانَتْ عادٌ قَدْ حَبَسَ اللَّهُ عَنْها المَطَرَ أيّامًا، فَساقَ اللَّهُ إلَيْهِمْ سَحابَةً سَوْداءَ خَرَجَتْ عَلَيْهِمْ مِن وادٍ يُقالُ لَهُ المُغِيثُ، فاسْتَبْشَرُوا. والضَّمِيرُ في (رَأوْهُ) الظّاهِرُ أنَّهُ عائِدٌ عَلى ما في قَوْلِهِ: (بِما تَعِدُنا)، وهو العَذابُ، وانْتَصَبَ عارِضًا عَلى الحالِ مِنَ المَفْعُولِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى الشَّيْءِ المَرْئِيِّ الطّالِعِ عَلَيْهِمُ الَّذِي فَسَّرَهُ قَوْلُهُ: ﴿عارِضًا﴾ .
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَلَمّا رَأوْهُ)، في الضَّمِيرِ وجْهانِ: أنْ يَرْجِعَ إلى ما تَعِدُنا، وأنْ يَكُونَ مُبْهَمًا، قَدْ وضَحَ أمْرُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿عارِضًا﴾، إمّا تَمْيِيزٌ وإمّا حالٌ، وهَذا الوَجْهُ أعْرَبُ وأفْصَحُ. انْتَهى. وهَذا الَّذِي ذَكَرَ أنَّهُ أعْرَبُ وأفْصَحُ لَيْسَ جارِيًا عَلى ما ذَكَرَهُ النُّحاةُ، لِأنَّ المُبْهَمَ الَّذِي يُفَسِّرُهُ ويُوَضِّحُهُ التَّمْيِيزُ لا يَكُونُ إلّا في بابِ رُبَّ، نَحْوُ: رُبَّ رَجُلًا لَقِيتُهُ، وفي بابِ نِعْمَ وبِئْسَ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ، نَحْوُ: نِعْمَ رَجُلًا زَيْدٌ، وبِئْسَ غُلامًا عَمْرٌو. وأمّا أنَّ الحالَ يُوَضِّحُ المُبْهَمَ ويُفَسِّرُهُ، فَلا نَعْلَمُ أحَدًا ذَهَبَ إلَيْهِ، وقَدْ حَصَرَ النُّحاةُ المُضْمَرَ الَّذِي يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ، فَلَمْ يَذْكُرُوا فِيهِ مَفْعُولَ رَأى إذا كانَ ضَمِيرًا، ولا أنَّ الحالَ يُفَسِّرُ الضَّمِيرَ ويُوَضِّحُهُ. والعارِضُ: المُعْتَرِضُ في الجَوِّ مِنَ السَّحابِ المُمْطِرِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎يا مَن رَأى عارِضًا أرِقْتَ لَهُ بَيْنَ ذِراعَيْ وجَبْهَةِ الأسَدِ
وقالَ الأعْشى:
؎يا مَن رَأى عارِضًا قَدْ بِتُّ أرْمُقُهُ ∗∗∗ كَأنَّها البَرْقُ في حافاتِها الشُّعَلُ
﴿مُسْتَقْبِلَ أوْدِيَتِهِمْ﴾: هو جَمْعُ وادٍ، وأفْعِلَةٌ في جَمْعِ فاعِلٍ. الِاسْمُ شاذٌّ نَحْوُ: نادٍ وأنْدِيَةٍ، وجائِزٍ وأجْوِزَةٍ. والجائِزُ: الخَشَبَةُ المُمْتَدَّةُ في أعْلى السَّقْفِ، وإضافَةُ ”مُسْتَقْبِلَ“ و”مُمْطِرُ“ إضافَةٌ لا تُعَرِّفُ، فَلِذَلِكَ نُعِتَ بِهِما النَّكِرَةُ.
﴿بَلْ هو ما اسْتَعْجَلْتُمْ﴾: أيْ قالَ لَهم هو ذَلِكَ، أيْ بَلْ هو العَذابُ الَّذِي اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ، أضْرَبَ عَنْ قَوْلِهِمْ: ﴿عارِضٌ مُمْطِرُنا﴾، وأخْبَرَ بِأنَّ العَذابَ فاجَأهم، ثُمَّ قالَ: (رِيحٌ): أيْ هي رِيحٌ بَدَلٌ مِن هو. وقَرَأ: ما اسْتَعْجَلْتُمْ، بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ الجِيمِ، وتَقَدَّمَتْ قِصَصٌ في الرِّيحِ، فَأغْنى عَنْ ذِكْرِها هُنا.
﴿تُدَمِّرُ﴾: أيْ تُهْلِكُ، والدَّمارُ: الهَلاكُ، وتَقَدَّمَ ذِكْرُهُ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: تَدْمُرُ. بِفَتْحِ التّاءِ وسُكُونِ الدّالِ وضَمِّ المِيمِ. وقُرِئَ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ بِالياءِ ورَفْعِ ”كُلُّ“ . أيْ يَهْلِكُ كُلُّ شَيْءٍ، وكُلُّ شَيْءٍ عامٌّ مَخْصُوصٌ، أيْ مِن نُفُوسِهِمْ وأمْوالِهِمْ، أوْ مَن أُمِرَتْ بِتَدْمِيرِهِ. (p-٦٥)وإضافَةُ الرَّبِّ إلى الرِّيحِ دَلالَةٌ عَلى أنَّها وتَصْرِيفَها مِمّا يَشْهَدُ بِباهِرِ قُدْرَتِهِ تَعالى، لِأنَّها مِن أعاجِيبِ خَلْقِهِ وأكابِرِ جُنُودِهِ. وذَكَرَ الأمْرَ لِكَوْنِها مَأْمُورَةً مِن جِهَتِهِ تَعالى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: لا تَرى بِتاءِ الخِطابِ، إلّا مَساكِنَهم، بِالنَّصْبِ، وعَبْدُ اللَّهِ، ومُجاهِدٌ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وقَتادَةُ، وأبُو حَيْوَةَ، وطَلْحَةُ، وعِيسى، والحَسَنُ، وعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ: بِخِلافٍ عَنْهُما، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ: لا يُرى بِالياءِ مِن تَحْتٍ مَضْمُومَةٍ إلّا مَساكِنُهم بِالرَّفْعِ. وأبُو رَجاءٍ، ومالِكُ بْنُ دِينارٍ: بِخِلافٍ عَنْهُما. والجَحْدَرِيُّ، والأعْمَشُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، والسُّلَمِيُّ: بِالتّاءِ مِن فَوْقٍ مَضْمُومَةٍ مَساكِنُهم بِالرَّفْعِ وهَذا لا يُجِيزُهُ أصْحابُنا إلّا في الشِّعْرِ، وبَعْضُهم يُجِيزُهُ في الكَلامِ. وقالَ ذُو الرُّمَّةِ:
؎كَأنَّهُ جَمَلٌ هَمٌّ وما بَقِيَتْ ∗∗∗ إلّا النَّحِيزَةُ والألْواحُ والعَصَبُ
وقالَ آخَرُ:
؎فَما بَقِيَتْ إلّا الضُّلُوعُ الجَراشِعُ
وقَرَأ عِيسى الهَمْدانِيُّ: لا يُرى بِضَمِّ الياءِ إلّا مَسْكَنُهم بِالتَّوْحِيدِ. ورُوِيَ هَذا عَنِ الأعْمَشِ، ونَصْرِ بْنِ عاصِمٍ. وقُرِئَ: لا تَرى، بِتاءٍ مَفْتُوحَةٍ لِلْخِطابِ، إلّا مَسْكَنَهم بِالتَّوْحِيدِ مُفْرَدًا مَنصُوبًا، واجْتُزِئَ بِالمُفْرَدِ عَنِ الجَمْعِ تَصْغِيرًا لِشَأْنِهِمْ، وأنَّهم لَمّا هَلَكُوا في وقْتٍ واحِدٍ، فَكَأنَّهم كانُوا في مَسْكَنٍ واحِدٍ. ولَمّا أخْبَرَ بِهَلاكِ قَوْمِ عادٍ، خاطَبَ قُرَيْشًا عَلى سَبِيلِ المَوْعِظَةِ فَقالَ: ﴿ولَقَدْ مَكَّنّاهُمْ﴾، وإنْ: نافِيَةٌ، أيْ في الَّذِي ما مَكَّنّاهم فِيهِ مِنَ القُوَّةِ والغِنى والبَسْطِ في الأجْسامِ والأمْوالِ، ولَمْ يَكُنِ النَّفْيُ بِلَفْظِ ما كَراهَةً لِتَكْرِيرِ اللَّفْظِ، وإنِ اخْتَلَفَ المَعْنى. وقِيلَ: إنْ شَرْطِيَّةٌ مَحْذُوفَةُ الجَوابِ، والتَّقْدِيرُ: إنْ مَكَّنّاكم فِيهِ طَغَيْتُمْ. وقِيلَ: إنْ زائِدَةٌ بَعْدَ ما المَوْصُولَةِ تَشْبِيهًا بِما النّافِيَةِ وما التَّوْقِيتِيَّةِ، فَهي في الآيَةِ كَهي في قَوْلِهِ:
؎يَرْجى المَرْءُ ما إنْ لا يَراهُ ∗∗∗ وتَعْرِضُ دُونَ أدْناهُ الخُطُوبُ
أيْ مَكَّنّاهم في مِثْلِ الَّذِي مَكَّنّاكم فِيهِ، وكَوْنُها نافِيَةً هو الوَجْهُ، لِأنَّ القُرْآنَ يَدُلُّ عَلَيْهِ في مَواضِعَ كَقَوْلِهِ: ﴿كانُوا أكْثَرَ مِنهم وأشَدَّ قُوَّةً وآثارًا﴾ [غافر: ٨٢]، وقَوْلِهِ: ﴿هم أحْسَنُ أثاثًا ورِئْيًا﴾ [مريم: ٧٤]، وهو أبْلَغُ في التَّوْبِيخِ وأدْخَلُ في الحَثِّ في الِاعْتِبارِ. ثُمَّ عَدَّدَ نِعَمَهُ عَلَيْهِمْ، وأنَّها لَمْ تُغْنِ عَنْهم شَيْئًا، حَيْثُ لَمْ يَسْتَعْمِلُوا السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ فِيما يَجِبُ أنْ يُسْتَعْمَلَ. وقِيلَ: ما اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى التَّقْرِيرِ، وهو بَعِيدٌ كَقَوْلِهِ: (مِن شَيْءٍ)، إذْ يَصِيرُ التَّقْدِيرُ: أيُّ شَيْءٍ مِمّا ذَكَرَ أغْنى عَنْهم مِن شَيْءٍ، فَتَكُونُ مِن زِيدَتْ في المُوجَبِ، وهو لا يَجُوزُ عَلى الصَّحِيحِ، والعامِلُ في إذْ أغْنى. ويَظْهَرُ فِيها مَعْنى التَّعْلِيلِ لَوْ قُلْتَ: أكْرَمْتُ زَيْدًا لِإحْسانِهِ إلَيَّ، أوْ إذْ أحْسَنَ إلَيَّ. اسْتَوَيا في الوَقْتِ، وفُهِمَ مِن إذْ ما فُهِمَ مِن لامِ التَّعْلِيلِ، وإنَّ إكْرامَكَ إيّاهُ في وقْتِ إحْسانِهِ إلَيْكَ، إنَّما كانَ لِوُجُودِ إحْسانِهِ لَكَ فِيهِ.
الأحقاف 46:27
(p-٦٦)﴿ولَقَدْ أهْلَكْنا ما حَوْلَكم مِنَ القُرى وصَرَّفْنا الآياتِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ ﴿فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ قُرْبانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهم وذَلِكَ إفْكُهم وما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ ﴿وإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ فَلَمّا حَضَرُوهُ قالُوا أنْصِتُوا فَلَمّا قُضِيَ ولَّوْا إلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ ﴿قالُوا ياقَوْمَنا إنّا سَمِعْنا كِتابًا أُنْزِلَ مِن بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إلى الحَقِّ وإلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿ياقَوْمَنا أجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ وآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكم ويُجِرْكم مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ ﴿ومَن لا يُجِبْ داعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ في الأرْضِ ولَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أولِياءُ أُولَئِكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ ولَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى بَلى إنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿ويَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلى النّارِ ألَيْسَ هَذا بِالحَقِّ قالُوا بَلى ورَبِّنا قالَ فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ ﴿فاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُو العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ ولا تَسْتَعْجِلْ لَهم كَأنَّهم يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إلّا ساعَةً مِن نَهارٍ بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إلّا القَوْمُ الفاسِقُونَ﴾ .
﴿ولَقَدْ أهْلَكْنا ما حَوْلَكم مِنَ القُرى﴾: خِطابٌ لِقُرَيْشٍ عَلى جِهَةِ التَّمْثِيلِ لَهم، والَّذِي حَوْلَهم مِنَ القُرى: مَأْرِبُ، وحِجْرُ، ثَمُودُ، وسَدُومُ. ويُرِيدُ مِن أهْلِ القُرى: ﴿وصَرَّفْنا الآياتِ﴾، أيِ الحُجَجَ والدَّلائِلَ والعِظاةَ لِأهْلِ تِلْكَ القُرى، (لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ) عَنْ ما هم فِيهِ مِنَ الكُفْرِ إلى الإيمانِ، فَلَمْ يَرْجِعُوا.
﴿فَلَوْلا نَصَرَهُمُ﴾: أيْ فَهَلّا نَصَرَهم حِينَ جاءَهُمُ الهَلاكُ ؟ (الَّذِينَ اتَّخَذُوا): أيِ اتَّخَذُوهم، ﴿مِن دُونِ اللَّهِ قُرْبانًا﴾: أيْ في حالِ التَّقَرُّبِ وجَعْلِهِمْ شُفَعاءَ. (آلِهَةً): وهو المَفْعُولُ الثّانِي لِاتَّخَذُوا، والأوَّلُ الضَّمِيرُ المَحْذُوفُ العائِدُ عَلى المَوْصُولِ. وأجازَ الحَوْفِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ وأبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ قُرْبانًا مَفْعُولًا ثانِيًا لِاتَّخَذُوا آلِهَةً بَدَلًا مِنهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقُرْبانًا حالٌ، ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ قُرْبانًا مَفْعُولًا ثانِيًا وآلِهَةً بَدَلًا مِنهُ، لِفَسادِ المَعْنى. انْتَهى. ولَمْ يُبَيِّنِ الزَّمَخْشَرِيُّ كَيْفَ يَفْسُدُ المَعْنى، ويَظْهَرُ أنَّ المَعْنى صَحِيحٌ عَلى ذَلِكَ الإعْرابِ. وأجازَ الحَوْفِيُّ أيْضًا أنْ يَكُونَ قُرْبانًا مَفْعُولًا مِن أجْلِهِ.
﴿بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ﴾: أيْ غابُوا عَنْ نُصْرَتِهِمْ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: إفْكُهم، بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وإسْكانِ الفاءِ وضَمِّ الكافِ، وابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةٍ: بِفَتْحِ الهَمْزَةِ. والإفْكُ مَصْدَرٌ آنِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، وابْنُ الزُّبَيْرِ، والصَّبّاحُ بْنُ العَلاءِ الأنْصارِيُّ، وأبُو عِياضٍ، وعِكْرِمَةُ، وحَنْظَلَةُ بْنُ النُّعْمانِ بْنِ مُرَّةَ، ومُجاهِدٌ: أفَكَهم، بِثَلاثِ فَتَحاتٍ: أيْ صَرَفَهم، وأبُو عِياضٍ، وعِكْرِمَةُ أيْضًا: كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُما شَدَّدا الفاءَ لِلتَّكْثِيرِ، وابْنُ الزُّبَيْرِ أيْضًا، وابْنُ عَبّاسٍ، فِيما ذَكَرَ ابْنُ خالَوَيْهِ: آفَكَهم بِالمَدِّ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ فاعَلَ. فالهَمْزَةُ أصْلِيَّةٌ، وأنْ يَكُونَ أفْعَلَ، فالهَمْزَةُ لِلتَّعْدِيَةِ، أيْ جَعَلَهم يَأْفِكُونَ، ويَكُونُ أفْعَلُ بِمَعْنى المُجَرَّدِ. وعَنِ الفَرّاءِ أنَّهُ قُرِئَ: أفَكُهم بِفَتْحِ الهَمْزَةِ والفاءِ وضَمِّ الكافِ، وهي لُغَةٌ في الإفْكِ، وابْنُ عَبّاسٍ، فِيما رَوى قُطْرُبٌ، وأبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ: آفِكُهُمُ اسْمُ فاعِلٍ مِن أفَكَ، أيْ صارَفَهم، والإشارَةُ بِذَلِكَ عَلى مَن قَرَأ: (p-٦٧)إفْكُهم مَصْدَرًا إلى اتِّخاذِ الأصْنامِ آلِهَةً، أيْ ذَلِكَ كَذِبُهم وافْتِراؤُهم. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وذَلِكَ إشارَةٌ إلى امْتِناعِ نُصْرَةِ آلِهَتِهِمْ لَهم وضَلالِهِمْ عَنْهم، أيْ وذَلِكَ أثَرُ إفْكِهِمُ الَّذِي هو اتِّخاذُهم إيّاها آلِهَةً، وثَمَرَةُ شِرْكِهِمْ وافْتِرائِهِمْ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ مِن كَوْنِهِ ذا شُرَكاءَ. انْتَهى. وعَلى قِراءَةِ مَن جَعَلَهُ فِعْلًا مَعْناهُ: وذَلِكَ الِاتِّخاذُ صَرَفَهم عَنِ الحَقِّ، وكَذَلِكَ قِراءَةُ اسْمِ الفاعِلِ، أيْ صارَفَهم عَنِ الحَقِّ. ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ ما مَصْدَرِيَّةً، أيْ وافْتِراؤُهم، وأنْ تَكُونَ بِمَعْنى الَّذِي والعائِدُ مَحْذُوفٌ، أيْ يَفْتَرُونَهُ.
﴿وإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ﴾: ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها: أنَّهُ لَمّا بَيَّنَ أنَّ الإنْسِيَّ مُؤْمِنٌ وكافِرٌ، وذَكَرَ أنَّ الجِنَّ فِيهِمْ مُؤْمِنٌ وكافِرٌ، وكانَ ذَلِكَ بِأثَرِ قِصَّةِ هُودٍ وقَوْمِهِ، لِما كانَ عَلَيْهِ قَوْمُهُ مِنَ الشِّدَّةِ والقُوَّةِ. والجِنُّ تُوصَفُ أيْضًا بِذَلِكَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿قالَ عِفْريتٌ مِنَ الجِنِّ أنا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ تَقُومَ مِن مَقامِكَ وإنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أمِينٌ﴾ [النمل: ٣٩] . وإنَّ ما أُهْلِكَ بِهِ قَوْمُ هُودٍ هو الرِّيحُ، وهو مِنَ العالَمِ الَّذِي لا يُشاهَدُ، وإنَّما يُحَسُّ بِهُبُوبِهِ. والجِنُّ أيْضًا مِنَ العالَمِ الَّذِي لا يُشاهَدُ. وإنَّهُودًا عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مِنَ العَرَبِ، ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ العَرَبِ، فَهَذِهِ تَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُناسَبَةً لِهَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها. وفِيها أيْضًا تَوْبِيخٌ لِقُرَيْشٍ وكُفّارِ العَرَبِ، حَيْثُ أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ هَذا الكِتابُ المُعْجِزُ، فَكَفَرُوا بِهِ، وهم مِن أهْلِ اللِّسانِ الَّذِي أُنْزِلَ بِهِ القُرْآنُ، ومِن جِنْسِ الرَّسُولِ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْهِمْ. وهَؤُلاءِ جِنٌّ، فَلَيْسُوا مِن جِنْسِهِ، وقَدْ أثَّرَ فِيهِمْ سَماعُ القُرْآنِ وآمَنُوا بِهِ وبِمَن أُنْزِلَ عَلَيْهِ، وعَلِمُوا أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ، بِخِلافِ قُرَيْشٍ وأمْثالِها، فَهم مُصِرُّونَ عَلى الكُفْرِ بِهِ.
﴿وإذْ صَرَفْنا﴾: وجَّهْنا إلَيْكَ. وقَرَأ: صَرَّفْنا، بِتَشْدِيدِ الرّاءِ، لِأنَّهم كانُوا جَماعَةً، فالتَّكْثِيرُ بِحَسْبِ الحالِ.
﴿نَفَرًا مِنَ الجِنِّ﴾، والنَّفَرُ دُونَ العَشَرَةِ، ويُجْمَعُ عَلى أنْفارٍ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانُوا سَبْعَةً، مِنهم زَوْبَعَةُ. والَّذِي يَجْمَعُ اخْتِلافَ الرِّواياتِ أنَّ قِصَّةَ الجِنِّ كانَتْ مَرَّتَيْنِ.
إحْداهُما: حِينَ انْصَرَفَ مِنَ الطّائِفِ، وكانَ خَرَجَ إلَيْهِمْ يَسْتَنْصِرُهم في قِصَّةٍ ذَكَرَها أصْحابُ السِّيَرِ. فَرُوِيَ أنَّ الجِنَّ كانَتْ تَسْتَرِقُ السَّمْعَ، فَلَمّا بُعِثَ الرَّسُولُ، حُرِسَتِ السَّماءُ، ورُمِيَ الجِنُّ بِالشُّهُبِ، قالُوا: ما هَذا إلّا أمْرٌ حَدَثَ. وطافُوا الأرْضَ، فَوافَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِوادِي نَخْلَةَ، وهو قائِمٌ يُصَلِّي، فاسْتَمَعُوا لِقِراءَتِهِ، وهو لا يَشْعُرُ، فَأنْبَأهُ اللَّهُ بِاسْتِماعِهِمْ.
والمَرَّةُ الأُخْرى أنَّ اللَّهَ أمَرَهُ أنْ يُنْذِرَ الجِنَّ ويَقْرَأ عَلَيْهِمْ فَقالَ: «إنِّي أُمِرْتُ أنْ أقْرَأ عَلى الجِنِّ فَمَن يَتْبَعُنِي ”، قالَها ثَلاثًا، فَأطْرَقُوا إلّا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ، قالَ: لَمْ يَحْضُرْهُ أحَدٌ لَيْلَةَ الجِنِّ غَيْرِي. فانْطَلَقْنا حَتّى إذا كُنّا في شِعْبِ الحَجُونِ، خَطَّ لِي خَطًّا وقالَ:“ لا تَخْرُجْ مِنهُ حَتّى أعُودَ إلَيْكَ ”، ثُمَّ افْتَتَحَ القُرْآنَ. وسَمِعْتُ لَغَطًا شَدِيدًا حَتّى خِفْتُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وغَشِيَتْهُ أسْوِدَةٌ كَثِيرَةٌ حالَتْ بَيْنِي وبَيْنَهُ حَتّى ما أسْمَعَ صَوْتَهُ، ثُمَّ تَقَطَّعُوا تَقَطُّعَ السَّحابِ، فَقالَ لِي:“ هَلْ رَأيْتَ شَيْئًا ”؟ قُلْتُ: نَعَمْ، رِجالًا سُودًا مُسْتَثْفِرِي ثِيابٍ بِيضٍ، فَقالَ:“ أُولَئِكَ جِنُّ نَصِيبِينَ ”. وكانُوا اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا، والسُّورَةُ الَّتِي قَرَأها عَلَيْهِمْ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١] . وفي آخِرِ هَذا الحَدِيثِ قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، سَمِعْتُ لَهم لَغَطًا، فَقالَ:“ إنَّهم تَدّارَءُوا في قَتِيلٍ لَهم فَحَكَمْتُ بِالحَقِّ» . وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ «لَمْ يَحْضُرْ أحَدٌ لَيْلَةَ الجِنِّ»، واللَّهُ أعْلَمُ بِصِحَّةِ ذَلِكَ.
﴿فَلَمّا حَضَرُوهُ﴾: أيِ القُرْآنَ، أيْ كانُوا بِمَسْمَعٍ مِنهُ، وقِيلَ: حَضَرُوا الرَّسُولَ، وهو التِفاتٌ مِن إلَيْكَ إلى ضَمِيرِ الغَيْبِ.
﴿قالُوا أنْصِتُوا﴾: أيِ اسْكُتُوا لِلِاسْتِماعِ، وفِيهِ تَأْدِيبٌ مَعَ العِلْمِ وكَيْفَ يَتَعَلَّمُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (فَلَمّا قُضِيَ): مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وأبُو مِجْلَزٍ، وحَبِيبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ: قَضى، مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، أيْ قَضى مُحَمَّدٌ ما قَرَأ، أيْ أتَمَّهُ وفَرَغَ مِنهُ. وقالَ ابْنُ عُمَرَ، وجابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: قَرَأ عَلَيْهِمْ سُورَةَ الرَّحْمَنِ، فَكانَ إذا قالَ: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ١٦]، قالُوا: لا شَيْءَ مِن آياتِ رَبِّنا نُكَذِّبُ رَبَّنا لَكَ الحَمْدُ.
﴿ولَّوْا إلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾: تَفَرَّقُوا عَلى البِلادِ يُنْذِرُونَ الجِنَّ. قالَ قَتادَةُ: ما أسْرَعَ ما عَقَلَ القَوْمُ. انْتَهى. وعِنْدَ ذَلِكَ وقَعَتْ قِصَّةُ سَوادِ بْنِ (p-٦٨)قارِبٍ، وخُنافِرَ وأمْثالُهُما، حِينَ جاءَهُما رَيّاهُما مِنَ الجِنِّ، وكانَ سَبَبُ إسْلامِهِما.
﴿مِن بَعْدِ مُوسى﴾: أيْ مِن بَعْدِ كِتابِ مُوسى. قالَ عَطاءٌ: كانُوا عَلى مِلَّةِ اليَهُودِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: لَمْ تَسْمَعِ الجِنُّ بِأمْرِ عِيسى، وهَذا لا يَصِحُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. كَيْفَ لا تَسْمَعُ بِأمْرِ عِيسى ولَهُ أُمَّةٌ عَظِيمَةٌ لا تَنْحَصِرُ عَلى مِلَّتِهِ ؟ فَيَبْعُدُ عَنِ الجِنِّ كَوْنُهم لَمْ يَسْمَعُوا بِهِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونُوا قالُوا: ﴿مِن بَعْدِ مُوسى﴾ تَنْبِيهًا لِقَوْمِهِمْ عَلى اتِّباعِ الرَّسُولِ، إذْ كانَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَدْ بَشَّرَ بِهِ مُوسى، فَقالُوا: ذَلِكَ مِن حَيْثُ إنَّ هَذا الأمْرَ مَذْكُورٌ في التَّوْراةِ، ﴿مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ مِنَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ والكُتُبِ الإلَهِيَّةِ، إذْ كانَتْ كُلُّها مُشْتَمِلَةً عَلى التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ والمَعادِ، والأمْرُ بِتَطْهِيرِ الأخْلاقِ.
﴿يَهْدِي إلى الحَقِّ﴾: أيْ إلى ما هو حَقٌّ في نَفْسِهِ صِدْقٌ، يُعْلَمُ ذَلِكَ بِصَرِيحِ العَقْلِ. (وإلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ): غايَرَ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ، والمَعْنى مُتَقارِبٌ، ورُبَّما اسْتُعْمِلَ أحَدُهُما في مَوْضِعٍ لا يُسْتَعْمَلُ الآخَرُ فِيهِ، فَجَمَعَ هُنا بَيْنَهُما وحَسُنَ التَّكْرارُ.
﴿أجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ﴾: هو الرَّسُولُ، والواسِطَةُ المُبَلِّغَةُ عَنْهُ، ﴿ياقَوْمَنا أجِيبُوا﴾: يَعُودُ عَلى اللَّهِ.
﴿يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكُمْ﴾: مِن لِلتَّبْعِيضِ، لِأنَّهُ لا يَغْفِرُ بِالإيمانِ ذُنُوبَ المَظالِمِ، قالَ مَعْناهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقِيلَ: مِن زائِدَةٌ، لِأنَّ الإسْلامَ يَجُبُّ ما قَبْلَهُ، فَلا يَبْقى مَعَهُ تَبِعَةٌ.
﴿ويُجِرْكم مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾: وهَذا كُلُّهُ وظَواهِرُ القُرْآنِ تَدُلُّ عَلى الثَّوابِ، وكَذا قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَهم ثَوابٌ وعَلَيْهِمْ عِقابٌ، يَلْتَقُونَ في الجَنَّةِ ويَزْدَحِمُونَ عَلى أبْوابِها. وقِيلَ: لا ثَوابَ لَها إلّا النَّجاةُ مِنَ النّارِ، وإلَيْهِ كانَ يَذْهَبُ أبُو حَنِيفَةَ.
﴿فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ في الأرْضِ﴾: أيْ بِفائِتٍ مِن عِقابِهِ، إذْ لا مَنجا مِنهُ، ولا مَهْرَبَ، كَقَوْلِهِ: ﴿وأنّا ظَنَنّا أنْ لَنْ نُعجِزَ اللَّهَ في الأرْضِ ولَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا﴾ [الجن: ١٢] . ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عامِرٍ: ولَيْسَ لَهم بِزِيادَةِ مِيمٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ولَمْ يَعْيَ﴾، مُضارِعَ عَيِيَ، عَلى وزْنِ فَعِلَ، بِكَسْرِ العَيْنِ، والحَسَنُ: ولَمْ يَعِي، بِكَسْرِ العَيْنِ وسُكُونِ الياءِ، ووَجْهُهُ أنَّهُ في الماضِي فُتِحَ عَيْنُ الكَلِمَةِ، كَما قالُوا في بَقِيَ: بَقا، وهي لُغَةٌ لِطَيِّيءٍ. ولَمّا بُنِيَ الماضِي عَلى فِعَلٍ بِفَتْحِ العَيْنِ، بُنِيَ مُضارِعُهُ عَلى يَفْعِلُ بِكَسْرِ العَيْنِ، فَجاءَ يَعْيى. فَلَمّا دَخَلَ الجازِمُ، حَذَفَ الياءَ، فَبَقِيَ يَعْيَ بِنَقْلِ حَرَكَةِ الياءِ إلى العَيْنِ، فَسَكَنَتِ الياءُ وبَقِيَ يَعِي. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (بِقادِرٍ): اسْمَ فاعِلٍ، والباءُ زائِدَةٌ في خَبَرِ أنَّ، وحَسَّنَ زِيادَتِها كَوْنُ ما قَبْلَها في حَيِّزِ النَّفْيِ. وقَدْ أجازَ الزَّجّاجُ: ما ظَنَنْتُ أنَّ أحَدًا بِقائِمٍ، قِياسًا عَلى هَذا، والصَّحِيحُ قَصْرُ ذَلِكَ عَلى السَّماعِ، فَكَأنَّهُ في الآيَةِ قالَ: ألَيْسَ اللَّهُ بِقادِرٍ ؟ ألا تَرى كَيْفَ جاءَ بِبَلى مُقَرِّرًا لِإحْياءِ المَوْتى لا لِرُؤْيَتِهِمْ ؟ وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ، وعِيسى، والأعْرَجُ: بِخِلافٍ عَنْهُ، ويَعْقُوبُ: يُقَدِّرُ مُضارِعًا.
﴿ألَيْسَ هَذا بِالحَقِّ﴾: أيْ يُقالُ لَهم، والإشارَةُ بِهَذا إلى العَذابِ. أيْ كُنْتُمْ تُكَذِّبُونَ بِأنَّكم تُعَذَّبُونَ، والمَعْنى: تَوْبِيخُهم عَلى اسْتِهْزائِهِمْ بِوَعْدِ اللَّهِ ووَعِيدِهِ وقَوْلِهِمْ: ﴿وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٨] .
﴿قالُوا بَلى ورَبِّنا﴾، تَصْدِيقٌ حَيْثُ لا يَنْفَعُ. وقالَ الحَسَنُ: إنَّهم لَيُعَذَّبُونَ في النّارِ وهم راضُونَ بِذَلِكَ لِأنْفُسِهِمْ، يَعْتَرِفُونَ أنَّهُ العَدْلُ، فَيَقُولُ لَهُمُ المُجاوِبُ مِنَ المَلائِكَةِ عِنْدَ ذَلِكَ: (فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ فاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ): الفاءُ عاطِفَةٌ هَذِهِ الجُمْلَةَ عَلى الجُمْلَةِ مِن أخْبارِ الكُفّارِ في الآخِرَةِ، والمَعْنى بَيْنَهُما مُرْتَبِطٌ: أيْ هَذِهِ حالُهم مَعَ اللَّهِ. فَلا تَسْتَعْجِلْ أنْتَ واصْبِرْ، ولا تَخَفْ إلّا اللَّهَ. وأُولُو العَزْمِ: أيْ أُولُو الجِدِّ مِنَ الرُّسُلِ، وهم مَن حُفِظَ لَهُ شِدَّةٌ مَعَ قَوْمِهِ ومُجاهَدَةٌ. فَتَكُونُ مِن لِلتَّبْعِيضِ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلْبَيانِ، أيِ الَّذِينَ هُمُ الرُّسُلُ، ويَكُونُ الرُّسُلُ كُلُّهم أُولِي العَزْمِ، وأُولُو العَزْمِ عَلى التَّبْعِيضِ يَقْتَضِي أنَّهم رُسُلٌ وغَيْرُ رُسُلٍ، وعَلى البَيانِ يَقْتَضِي أنَّهُمُ الرُّسُلُ، وكَوْنُها لِلتَّبْعِيضِ قَوْلُ عَطاءٍ الخُراسانِيِّ والكَلْبِيِّ، ولِلْبَيانِ قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ. وقالَ الحَسَنُ بْنُ الفَضْلِ: هُمُ الثَّمانِيَةَ عَشَرَ المَذْكُورَةُ في سُورَةِ الأنْعامِ، لِأنَّهُ قالَ عَقِبَ ذِكْرِهِمْ: (فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ) . وقالَ مُقاتِلٌ: هم سِتَّةٌ: نُوحٌ صَبَرَ عَلى أذى قَوْمِهِ طَوِيلًا، وإبْراهِيمُ صَبَرَ عَلى النّارِ، وإسْحاقُ صَبَرَ نَفْسَهُ عَلى الذَّبْحِ، ويَعْقُوبُ صَبَرَ عَلى الفَقْدِ لِوَلَدِهِ وعَمى (p-٦٩)بَصَرِهِ، وقالَ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ، ويُوسُفُ صَبَرَ عَلى السِّجْنِ والبِئْرِ، وأيُّوبُ عَلى البَلاءِ. وزادَ غَيْرُهُ: ومُوسى قالَ قَوْمُهُ: ﴿إنّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء: ٦١] ﴿قالَ كَلّا إنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٦٢]، وداوُدُ بَكى عَلى خَطِيئَتِهِ أرْبَعِينَ سَنَةً، وعِيسى لَمْ يَضَعْ لَبِنَةً عَلى لَبِنَةٍ وقالَ: إنَّها مَعْبَرٌ، فاعْبُرُوها ولا تَعْمَرُوها.
﴿ولا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ﴾: أيْ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ بِالعَذابِ، أيْ لا تَدْعُ لَهم بِتَعْجِيلِهِ، فَإنَّهُ نازِلٌ بِهِمْ لا مَحالَةَ وإنْ تَأخَّرَ، وإنَّهم مُسْتَقْصِرُونَ حِينَئِذٍ مُدَّةَ لَبْثِهِمْ في الدُّنْيا، كَأنَّهم ﴿لَمْ يَلْبَثُوا إلّا ساعَةً﴾ . وقَرَأ أُبَيٌّ: مِنَ النَّهارِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: مِن نَهارٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: بَلاغٌ، بِالرَّفْعِ، والظّاهِرُ رُجُوعُهُ إلى المُدَّةِ الَّتِي لَبِثُوا فِيها، كَأنَّهُ قِيلَ: تِلْكَ السّاعَةُ بَلاغُهم، كَما قالَ تَعالى: (مَتاعٌ قَلِيلٌ)، فَبَلاغٌ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. قِيلَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بَلاغٌ يَعْنِي بِهِ القُرْآنَ والشَّرْعَ، أيْ هَذا بَلاغٌ، أيْ تَبْلِيغٌ وإنْذارٌ. وقالَ أبُو مِجْلَزٍ: بَلاغٌ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ لَهم، ويَقِفُ عَلى فَلا تَسْتَعْجِلْ، وهَذا لَيْسَ بِجَيِّدٍ، لِأنَّ فِيهِ تَفْكِيكَ الكَلامِ بَعْضِهِ مِن بَعْضٍ، إذْ ظاهِرُ قَوْلِهِ: لَهم، أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: فَلا تَسْتَعْجِلْ لَهم، والحَيْلُولَةُ الجُمْلَةُ التَّشْبِيهِيَّةُ بَيْنَ الخَبَرِ والمُبْتَدَأِ. وقَرَأ الحَسَنُ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وعِيسى: بَلاغًا. بِالنَّصْبِ، فاحْتَمَلَ أنْ يُرادَ: بَلاغًا في القُرْآنِ، أيْ بُلِّغُوا بَلاغًا، أوْ بَلَّغْنا بَلاغًا. وقَرَأ الحَسَنُ أيْضًا: بَلاغٍ. بِالجَرِّ، نَعْتًا لِنَهارٍ. وقَرَأ أبُو مِجْلَزٍ، وأبُو سَراحٍ الهُذَلِيُّ: بَلَّغَ عَلِيٌّ الأمْرَ لِلنَّبِيِّ ﷺ، وهَذا يُؤَيِّدُ حَمْلَ ”بَلاغٌ“ رَفْعًا ونَصْبًا عَلى أنَّهُ يَعْنِي بِهِ تَبْلِيغَ القُرْآنِ والشَّرْعِ. وعَنْ أبِي مِجْلَزٍ أيْضًا: بَلَّغَ فِعْلًا ماضِيًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: يُهْلَكُ، بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ اللّامِ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، فِيما حَكى عَنْهُ ابْنُ خالَوَيْهِ: بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ اللّامِ، وعَنْهُ أيْضًا: بِفَتْحِ الياءِ واللّامِ، وماضِيهِ هَلِكَ بِكَسْرِ اللّامِ، وهي لُغَةٌ. وقالَ أبُو الفَتْحِ: هي مَرْغُوبٌ عَنْها. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ: يُهْلِكُ، بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ اللّامِ.
﴿إلّا القَوْمُ الفاسِقُونَ﴾: بِالنَّصْبِ، وفي هَذِهِ الآيَةِ وعِيدٌ وإنْذارٌ.
الأحقاف 46:28
(p-٦٦)﴿ولَقَدْ أهْلَكْنا ما حَوْلَكم مِنَ القُرى وصَرَّفْنا الآياتِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ ﴿فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ قُرْبانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهم وذَلِكَ إفْكُهم وما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ ﴿وإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ فَلَمّا حَضَرُوهُ قالُوا أنْصِتُوا فَلَمّا قُضِيَ ولَّوْا إلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ ﴿قالُوا ياقَوْمَنا إنّا سَمِعْنا كِتابًا أُنْزِلَ مِن بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إلى الحَقِّ وإلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿ياقَوْمَنا أجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ وآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكم ويُجِرْكم مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ ﴿ومَن لا يُجِبْ داعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ في الأرْضِ ولَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أولِياءُ أُولَئِكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ ولَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى بَلى إنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿ويَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلى النّارِ ألَيْسَ هَذا بِالحَقِّ قالُوا بَلى ورَبِّنا قالَ فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ ﴿فاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُو العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ ولا تَسْتَعْجِلْ لَهم كَأنَّهم يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إلّا ساعَةً مِن نَهارٍ بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إلّا القَوْمُ الفاسِقُونَ﴾ .
﴿ولَقَدْ أهْلَكْنا ما حَوْلَكم مِنَ القُرى﴾: خِطابٌ لِقُرَيْشٍ عَلى جِهَةِ التَّمْثِيلِ لَهم، والَّذِي حَوْلَهم مِنَ القُرى: مَأْرِبُ، وحِجْرُ، ثَمُودُ، وسَدُومُ. ويُرِيدُ مِن أهْلِ القُرى: ﴿وصَرَّفْنا الآياتِ﴾، أيِ الحُجَجَ والدَّلائِلَ والعِظاةَ لِأهْلِ تِلْكَ القُرى، (لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ) عَنْ ما هم فِيهِ مِنَ الكُفْرِ إلى الإيمانِ، فَلَمْ يَرْجِعُوا.
﴿فَلَوْلا نَصَرَهُمُ﴾: أيْ فَهَلّا نَصَرَهم حِينَ جاءَهُمُ الهَلاكُ ؟ (الَّذِينَ اتَّخَذُوا): أيِ اتَّخَذُوهم، ﴿مِن دُونِ اللَّهِ قُرْبانًا﴾: أيْ في حالِ التَّقَرُّبِ وجَعْلِهِمْ شُفَعاءَ. (آلِهَةً): وهو المَفْعُولُ الثّانِي لِاتَّخَذُوا، والأوَّلُ الضَّمِيرُ المَحْذُوفُ العائِدُ عَلى المَوْصُولِ. وأجازَ الحَوْفِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ وأبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ قُرْبانًا مَفْعُولًا ثانِيًا لِاتَّخَذُوا آلِهَةً بَدَلًا مِنهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقُرْبانًا حالٌ، ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ قُرْبانًا مَفْعُولًا ثانِيًا وآلِهَةً بَدَلًا مِنهُ، لِفَسادِ المَعْنى. انْتَهى. ولَمْ يُبَيِّنِ الزَّمَخْشَرِيُّ كَيْفَ يَفْسُدُ المَعْنى، ويَظْهَرُ أنَّ المَعْنى صَحِيحٌ عَلى ذَلِكَ الإعْرابِ. وأجازَ الحَوْفِيُّ أيْضًا أنْ يَكُونَ قُرْبانًا مَفْعُولًا مِن أجْلِهِ.
﴿بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ﴾: أيْ غابُوا عَنْ نُصْرَتِهِمْ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: إفْكُهم، بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وإسْكانِ الفاءِ وضَمِّ الكافِ، وابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةٍ: بِفَتْحِ الهَمْزَةِ. والإفْكُ مَصْدَرٌ آنِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، وابْنُ الزُّبَيْرِ، والصَّبّاحُ بْنُ العَلاءِ الأنْصارِيُّ، وأبُو عِياضٍ، وعِكْرِمَةُ، وحَنْظَلَةُ بْنُ النُّعْمانِ بْنِ مُرَّةَ، ومُجاهِدٌ: أفَكَهم، بِثَلاثِ فَتَحاتٍ: أيْ صَرَفَهم، وأبُو عِياضٍ، وعِكْرِمَةُ أيْضًا: كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُما شَدَّدا الفاءَ لِلتَّكْثِيرِ، وابْنُ الزُّبَيْرِ أيْضًا، وابْنُ عَبّاسٍ، فِيما ذَكَرَ ابْنُ خالَوَيْهِ: آفَكَهم بِالمَدِّ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ فاعَلَ. فالهَمْزَةُ أصْلِيَّةٌ، وأنْ يَكُونَ أفْعَلَ، فالهَمْزَةُ لِلتَّعْدِيَةِ، أيْ جَعَلَهم يَأْفِكُونَ، ويَكُونُ أفْعَلُ بِمَعْنى المُجَرَّدِ. وعَنِ الفَرّاءِ أنَّهُ قُرِئَ: أفَكُهم بِفَتْحِ الهَمْزَةِ والفاءِ وضَمِّ الكافِ، وهي لُغَةٌ في الإفْكِ، وابْنُ عَبّاسٍ، فِيما رَوى قُطْرُبٌ، وأبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ: آفِكُهُمُ اسْمُ فاعِلٍ مِن أفَكَ، أيْ صارَفَهم، والإشارَةُ بِذَلِكَ عَلى مَن قَرَأ: (p-٦٧)إفْكُهم مَصْدَرًا إلى اتِّخاذِ الأصْنامِ آلِهَةً، أيْ ذَلِكَ كَذِبُهم وافْتِراؤُهم. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وذَلِكَ إشارَةٌ إلى امْتِناعِ نُصْرَةِ آلِهَتِهِمْ لَهم وضَلالِهِمْ عَنْهم، أيْ وذَلِكَ أثَرُ إفْكِهِمُ الَّذِي هو اتِّخاذُهم إيّاها آلِهَةً، وثَمَرَةُ شِرْكِهِمْ وافْتِرائِهِمْ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ مِن كَوْنِهِ ذا شُرَكاءَ. انْتَهى. وعَلى قِراءَةِ مَن جَعَلَهُ فِعْلًا مَعْناهُ: وذَلِكَ الِاتِّخاذُ صَرَفَهم عَنِ الحَقِّ، وكَذَلِكَ قِراءَةُ اسْمِ الفاعِلِ، أيْ صارَفَهم عَنِ الحَقِّ. ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ ما مَصْدَرِيَّةً، أيْ وافْتِراؤُهم، وأنْ تَكُونَ بِمَعْنى الَّذِي والعائِدُ مَحْذُوفٌ، أيْ يَفْتَرُونَهُ.
﴿وإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ﴾: ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها: أنَّهُ لَمّا بَيَّنَ أنَّ الإنْسِيَّ مُؤْمِنٌ وكافِرٌ، وذَكَرَ أنَّ الجِنَّ فِيهِمْ مُؤْمِنٌ وكافِرٌ، وكانَ ذَلِكَ بِأثَرِ قِصَّةِ هُودٍ وقَوْمِهِ، لِما كانَ عَلَيْهِ قَوْمُهُ مِنَ الشِّدَّةِ والقُوَّةِ. والجِنُّ تُوصَفُ أيْضًا بِذَلِكَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿قالَ عِفْريتٌ مِنَ الجِنِّ أنا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ تَقُومَ مِن مَقامِكَ وإنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أمِينٌ﴾ [النمل: ٣٩] . وإنَّ ما أُهْلِكَ بِهِ قَوْمُ هُودٍ هو الرِّيحُ، وهو مِنَ العالَمِ الَّذِي لا يُشاهَدُ، وإنَّما يُحَسُّ بِهُبُوبِهِ. والجِنُّ أيْضًا مِنَ العالَمِ الَّذِي لا يُشاهَدُ. وإنَّهُودًا عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مِنَ العَرَبِ، ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ العَرَبِ، فَهَذِهِ تَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُناسَبَةً لِهَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها. وفِيها أيْضًا تَوْبِيخٌ لِقُرَيْشٍ وكُفّارِ العَرَبِ، حَيْثُ أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ هَذا الكِتابُ المُعْجِزُ، فَكَفَرُوا بِهِ، وهم مِن أهْلِ اللِّسانِ الَّذِي أُنْزِلَ بِهِ القُرْآنُ، ومِن جِنْسِ الرَّسُولِ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْهِمْ. وهَؤُلاءِ جِنٌّ، فَلَيْسُوا مِن جِنْسِهِ، وقَدْ أثَّرَ فِيهِمْ سَماعُ القُرْآنِ وآمَنُوا بِهِ وبِمَن أُنْزِلَ عَلَيْهِ، وعَلِمُوا أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ، بِخِلافِ قُرَيْشٍ وأمْثالِها، فَهم مُصِرُّونَ عَلى الكُفْرِ بِهِ.
﴿وإذْ صَرَفْنا﴾: وجَّهْنا إلَيْكَ. وقَرَأ: صَرَّفْنا، بِتَشْدِيدِ الرّاءِ، لِأنَّهم كانُوا جَماعَةً، فالتَّكْثِيرُ بِحَسْبِ الحالِ.
﴿نَفَرًا مِنَ الجِنِّ﴾، والنَّفَرُ دُونَ العَشَرَةِ، ويُجْمَعُ عَلى أنْفارٍ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانُوا سَبْعَةً، مِنهم زَوْبَعَةُ. والَّذِي يَجْمَعُ اخْتِلافَ الرِّواياتِ أنَّ قِصَّةَ الجِنِّ كانَتْ مَرَّتَيْنِ.
إحْداهُما: حِينَ انْصَرَفَ مِنَ الطّائِفِ، وكانَ خَرَجَ إلَيْهِمْ يَسْتَنْصِرُهم في قِصَّةٍ ذَكَرَها أصْحابُ السِّيَرِ. فَرُوِيَ أنَّ الجِنَّ كانَتْ تَسْتَرِقُ السَّمْعَ، فَلَمّا بُعِثَ الرَّسُولُ، حُرِسَتِ السَّماءُ، ورُمِيَ الجِنُّ بِالشُّهُبِ، قالُوا: ما هَذا إلّا أمْرٌ حَدَثَ. وطافُوا الأرْضَ، فَوافَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِوادِي نَخْلَةَ، وهو قائِمٌ يُصَلِّي، فاسْتَمَعُوا لِقِراءَتِهِ، وهو لا يَشْعُرُ، فَأنْبَأهُ اللَّهُ بِاسْتِماعِهِمْ.
والمَرَّةُ الأُخْرى أنَّ اللَّهَ أمَرَهُ أنْ يُنْذِرَ الجِنَّ ويَقْرَأ عَلَيْهِمْ فَقالَ: «إنِّي أُمِرْتُ أنْ أقْرَأ عَلى الجِنِّ فَمَن يَتْبَعُنِي ”، قالَها ثَلاثًا، فَأطْرَقُوا إلّا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ، قالَ: لَمْ يَحْضُرْهُ أحَدٌ لَيْلَةَ الجِنِّ غَيْرِي. فانْطَلَقْنا حَتّى إذا كُنّا في شِعْبِ الحَجُونِ، خَطَّ لِي خَطًّا وقالَ:“ لا تَخْرُجْ مِنهُ حَتّى أعُودَ إلَيْكَ ”، ثُمَّ افْتَتَحَ القُرْآنَ. وسَمِعْتُ لَغَطًا شَدِيدًا حَتّى خِفْتُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وغَشِيَتْهُ أسْوِدَةٌ كَثِيرَةٌ حالَتْ بَيْنِي وبَيْنَهُ حَتّى ما أسْمَعَ صَوْتَهُ، ثُمَّ تَقَطَّعُوا تَقَطُّعَ السَّحابِ، فَقالَ لِي:“ هَلْ رَأيْتَ شَيْئًا ”؟ قُلْتُ: نَعَمْ، رِجالًا سُودًا مُسْتَثْفِرِي ثِيابٍ بِيضٍ، فَقالَ:“ أُولَئِكَ جِنُّ نَصِيبِينَ ”. وكانُوا اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا، والسُّورَةُ الَّتِي قَرَأها عَلَيْهِمْ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١] . وفي آخِرِ هَذا الحَدِيثِ قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، سَمِعْتُ لَهم لَغَطًا، فَقالَ:“ إنَّهم تَدّارَءُوا في قَتِيلٍ لَهم فَحَكَمْتُ بِالحَقِّ» . وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ «لَمْ يَحْضُرْ أحَدٌ لَيْلَةَ الجِنِّ»، واللَّهُ أعْلَمُ بِصِحَّةِ ذَلِكَ.
﴿فَلَمّا حَضَرُوهُ﴾: أيِ القُرْآنَ، أيْ كانُوا بِمَسْمَعٍ مِنهُ، وقِيلَ: حَضَرُوا الرَّسُولَ، وهو التِفاتٌ مِن إلَيْكَ إلى ضَمِيرِ الغَيْبِ.
﴿قالُوا أنْصِتُوا﴾: أيِ اسْكُتُوا لِلِاسْتِماعِ، وفِيهِ تَأْدِيبٌ مَعَ العِلْمِ وكَيْفَ يَتَعَلَّمُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (فَلَمّا قُضِيَ): مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وأبُو مِجْلَزٍ، وحَبِيبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ: قَضى، مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، أيْ قَضى مُحَمَّدٌ ما قَرَأ، أيْ أتَمَّهُ وفَرَغَ مِنهُ. وقالَ ابْنُ عُمَرَ، وجابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: قَرَأ عَلَيْهِمْ سُورَةَ الرَّحْمَنِ، فَكانَ إذا قالَ: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ١٦]، قالُوا: لا شَيْءَ مِن آياتِ رَبِّنا نُكَذِّبُ رَبَّنا لَكَ الحَمْدُ.
﴿ولَّوْا إلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾: تَفَرَّقُوا عَلى البِلادِ يُنْذِرُونَ الجِنَّ. قالَ قَتادَةُ: ما أسْرَعَ ما عَقَلَ القَوْمُ. انْتَهى. وعِنْدَ ذَلِكَ وقَعَتْ قِصَّةُ سَوادِ بْنِ (p-٦٨)قارِبٍ، وخُنافِرَ وأمْثالُهُما، حِينَ جاءَهُما رَيّاهُما مِنَ الجِنِّ، وكانَ سَبَبُ إسْلامِهِما.
﴿مِن بَعْدِ مُوسى﴾: أيْ مِن بَعْدِ كِتابِ مُوسى. قالَ عَطاءٌ: كانُوا عَلى مِلَّةِ اليَهُودِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: لَمْ تَسْمَعِ الجِنُّ بِأمْرِ عِيسى، وهَذا لا يَصِحُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. كَيْفَ لا تَسْمَعُ بِأمْرِ عِيسى ولَهُ أُمَّةٌ عَظِيمَةٌ لا تَنْحَصِرُ عَلى مِلَّتِهِ ؟ فَيَبْعُدُ عَنِ الجِنِّ كَوْنُهم لَمْ يَسْمَعُوا بِهِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونُوا قالُوا: ﴿مِن بَعْدِ مُوسى﴾ تَنْبِيهًا لِقَوْمِهِمْ عَلى اتِّباعِ الرَّسُولِ، إذْ كانَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَدْ بَشَّرَ بِهِ مُوسى، فَقالُوا: ذَلِكَ مِن حَيْثُ إنَّ هَذا الأمْرَ مَذْكُورٌ في التَّوْراةِ، ﴿مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ مِنَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ والكُتُبِ الإلَهِيَّةِ، إذْ كانَتْ كُلُّها مُشْتَمِلَةً عَلى التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ والمَعادِ، والأمْرُ بِتَطْهِيرِ الأخْلاقِ.
﴿يَهْدِي إلى الحَقِّ﴾: أيْ إلى ما هو حَقٌّ في نَفْسِهِ صِدْقٌ، يُعْلَمُ ذَلِكَ بِصَرِيحِ العَقْلِ. (وإلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ): غايَرَ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ، والمَعْنى مُتَقارِبٌ، ورُبَّما اسْتُعْمِلَ أحَدُهُما في مَوْضِعٍ لا يُسْتَعْمَلُ الآخَرُ فِيهِ، فَجَمَعَ هُنا بَيْنَهُما وحَسُنَ التَّكْرارُ.
﴿أجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ﴾: هو الرَّسُولُ، والواسِطَةُ المُبَلِّغَةُ عَنْهُ، ﴿ياقَوْمَنا أجِيبُوا﴾: يَعُودُ عَلى اللَّهِ.
﴿يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكُمْ﴾: مِن لِلتَّبْعِيضِ، لِأنَّهُ لا يَغْفِرُ بِالإيمانِ ذُنُوبَ المَظالِمِ، قالَ مَعْناهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقِيلَ: مِن زائِدَةٌ، لِأنَّ الإسْلامَ يَجُبُّ ما قَبْلَهُ، فَلا يَبْقى مَعَهُ تَبِعَةٌ.
﴿ويُجِرْكم مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾: وهَذا كُلُّهُ وظَواهِرُ القُرْآنِ تَدُلُّ عَلى الثَّوابِ، وكَذا قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَهم ثَوابٌ وعَلَيْهِمْ عِقابٌ، يَلْتَقُونَ في الجَنَّةِ ويَزْدَحِمُونَ عَلى أبْوابِها. وقِيلَ: لا ثَوابَ لَها إلّا النَّجاةُ مِنَ النّارِ، وإلَيْهِ كانَ يَذْهَبُ أبُو حَنِيفَةَ.
﴿فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ في الأرْضِ﴾: أيْ بِفائِتٍ مِن عِقابِهِ، إذْ لا مَنجا مِنهُ، ولا مَهْرَبَ، كَقَوْلِهِ: ﴿وأنّا ظَنَنّا أنْ لَنْ نُعجِزَ اللَّهَ في الأرْضِ ولَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا﴾ [الجن: ١٢] . ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عامِرٍ: ولَيْسَ لَهم بِزِيادَةِ مِيمٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ولَمْ يَعْيَ﴾، مُضارِعَ عَيِيَ، عَلى وزْنِ فَعِلَ، بِكَسْرِ العَيْنِ، والحَسَنُ: ولَمْ يَعِي، بِكَسْرِ العَيْنِ وسُكُونِ الياءِ، ووَجْهُهُ أنَّهُ في الماضِي فُتِحَ عَيْنُ الكَلِمَةِ، كَما قالُوا في بَقِيَ: بَقا، وهي لُغَةٌ لِطَيِّيءٍ. ولَمّا بُنِيَ الماضِي عَلى فِعَلٍ بِفَتْحِ العَيْنِ، بُنِيَ مُضارِعُهُ عَلى يَفْعِلُ بِكَسْرِ العَيْنِ، فَجاءَ يَعْيى. فَلَمّا دَخَلَ الجازِمُ، حَذَفَ الياءَ، فَبَقِيَ يَعْيَ بِنَقْلِ حَرَكَةِ الياءِ إلى العَيْنِ، فَسَكَنَتِ الياءُ وبَقِيَ يَعِي. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (بِقادِرٍ): اسْمَ فاعِلٍ، والباءُ زائِدَةٌ في خَبَرِ أنَّ، وحَسَّنَ زِيادَتِها كَوْنُ ما قَبْلَها في حَيِّزِ النَّفْيِ. وقَدْ أجازَ الزَّجّاجُ: ما ظَنَنْتُ أنَّ أحَدًا بِقائِمٍ، قِياسًا عَلى هَذا، والصَّحِيحُ قَصْرُ ذَلِكَ عَلى السَّماعِ، فَكَأنَّهُ في الآيَةِ قالَ: ألَيْسَ اللَّهُ بِقادِرٍ ؟ ألا تَرى كَيْفَ جاءَ بِبَلى مُقَرِّرًا لِإحْياءِ المَوْتى لا لِرُؤْيَتِهِمْ ؟ وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ، وعِيسى، والأعْرَجُ: بِخِلافٍ عَنْهُ، ويَعْقُوبُ: يُقَدِّرُ مُضارِعًا.
﴿ألَيْسَ هَذا بِالحَقِّ﴾: أيْ يُقالُ لَهم، والإشارَةُ بِهَذا إلى العَذابِ. أيْ كُنْتُمْ تُكَذِّبُونَ بِأنَّكم تُعَذَّبُونَ، والمَعْنى: تَوْبِيخُهم عَلى اسْتِهْزائِهِمْ بِوَعْدِ اللَّهِ ووَعِيدِهِ وقَوْلِهِمْ: ﴿وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٨] .
﴿قالُوا بَلى ورَبِّنا﴾، تَصْدِيقٌ حَيْثُ لا يَنْفَعُ. وقالَ الحَسَنُ: إنَّهم لَيُعَذَّبُونَ في النّارِ وهم راضُونَ بِذَلِكَ لِأنْفُسِهِمْ، يَعْتَرِفُونَ أنَّهُ العَدْلُ، فَيَقُولُ لَهُمُ المُجاوِبُ مِنَ المَلائِكَةِ عِنْدَ ذَلِكَ: (فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ فاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ): الفاءُ عاطِفَةٌ هَذِهِ الجُمْلَةَ عَلى الجُمْلَةِ مِن أخْبارِ الكُفّارِ في الآخِرَةِ، والمَعْنى بَيْنَهُما مُرْتَبِطٌ: أيْ هَذِهِ حالُهم مَعَ اللَّهِ. فَلا تَسْتَعْجِلْ أنْتَ واصْبِرْ، ولا تَخَفْ إلّا اللَّهَ. وأُولُو العَزْمِ: أيْ أُولُو الجِدِّ مِنَ الرُّسُلِ، وهم مَن حُفِظَ لَهُ شِدَّةٌ مَعَ قَوْمِهِ ومُجاهَدَةٌ. فَتَكُونُ مِن لِلتَّبْعِيضِ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلْبَيانِ، أيِ الَّذِينَ هُمُ الرُّسُلُ، ويَكُونُ الرُّسُلُ كُلُّهم أُولِي العَزْمِ، وأُولُو العَزْمِ عَلى التَّبْعِيضِ يَقْتَضِي أنَّهم رُسُلٌ وغَيْرُ رُسُلٍ، وعَلى البَيانِ يَقْتَضِي أنَّهُمُ الرُّسُلُ، وكَوْنُها لِلتَّبْعِيضِ قَوْلُ عَطاءٍ الخُراسانِيِّ والكَلْبِيِّ، ولِلْبَيانِ قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ. وقالَ الحَسَنُ بْنُ الفَضْلِ: هُمُ الثَّمانِيَةَ عَشَرَ المَذْكُورَةُ في سُورَةِ الأنْعامِ، لِأنَّهُ قالَ عَقِبَ ذِكْرِهِمْ: (فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ) . وقالَ مُقاتِلٌ: هم سِتَّةٌ: نُوحٌ صَبَرَ عَلى أذى قَوْمِهِ طَوِيلًا، وإبْراهِيمُ صَبَرَ عَلى النّارِ، وإسْحاقُ صَبَرَ نَفْسَهُ عَلى الذَّبْحِ، ويَعْقُوبُ صَبَرَ عَلى الفَقْدِ لِوَلَدِهِ وعَمى (p-٦٩)بَصَرِهِ، وقالَ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ، ويُوسُفُ صَبَرَ عَلى السِّجْنِ والبِئْرِ، وأيُّوبُ عَلى البَلاءِ. وزادَ غَيْرُهُ: ومُوسى قالَ قَوْمُهُ: ﴿إنّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء: ٦١] ﴿قالَ كَلّا إنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٦٢]، وداوُدُ بَكى عَلى خَطِيئَتِهِ أرْبَعِينَ سَنَةً، وعِيسى لَمْ يَضَعْ لَبِنَةً عَلى لَبِنَةٍ وقالَ: إنَّها مَعْبَرٌ، فاعْبُرُوها ولا تَعْمَرُوها.
﴿ولا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ﴾: أيْ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ بِالعَذابِ، أيْ لا تَدْعُ لَهم بِتَعْجِيلِهِ، فَإنَّهُ نازِلٌ بِهِمْ لا مَحالَةَ وإنْ تَأخَّرَ، وإنَّهم مُسْتَقْصِرُونَ حِينَئِذٍ مُدَّةَ لَبْثِهِمْ في الدُّنْيا، كَأنَّهم ﴿لَمْ يَلْبَثُوا إلّا ساعَةً﴾ . وقَرَأ أُبَيٌّ: مِنَ النَّهارِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: مِن نَهارٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: بَلاغٌ، بِالرَّفْعِ، والظّاهِرُ رُجُوعُهُ إلى المُدَّةِ الَّتِي لَبِثُوا فِيها، كَأنَّهُ قِيلَ: تِلْكَ السّاعَةُ بَلاغُهم، كَما قالَ تَعالى: (مَتاعٌ قَلِيلٌ)، فَبَلاغٌ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. قِيلَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بَلاغٌ يَعْنِي بِهِ القُرْآنَ والشَّرْعَ، أيْ هَذا بَلاغٌ، أيْ تَبْلِيغٌ وإنْذارٌ. وقالَ أبُو مِجْلَزٍ: بَلاغٌ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ لَهم، ويَقِفُ عَلى فَلا تَسْتَعْجِلْ، وهَذا لَيْسَ بِجَيِّدٍ، لِأنَّ فِيهِ تَفْكِيكَ الكَلامِ بَعْضِهِ مِن بَعْضٍ، إذْ ظاهِرُ قَوْلِهِ: لَهم، أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: فَلا تَسْتَعْجِلْ لَهم، والحَيْلُولَةُ الجُمْلَةُ التَّشْبِيهِيَّةُ بَيْنَ الخَبَرِ والمُبْتَدَأِ. وقَرَأ الحَسَنُ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وعِيسى: بَلاغًا. بِالنَّصْبِ، فاحْتَمَلَ أنْ يُرادَ: بَلاغًا في القُرْآنِ، أيْ بُلِّغُوا بَلاغًا، أوْ بَلَّغْنا بَلاغًا. وقَرَأ الحَسَنُ أيْضًا: بَلاغٍ. بِالجَرِّ، نَعْتًا لِنَهارٍ. وقَرَأ أبُو مِجْلَزٍ، وأبُو سَراحٍ الهُذَلِيُّ: بَلَّغَ عَلِيٌّ الأمْرَ لِلنَّبِيِّ ﷺ، وهَذا يُؤَيِّدُ حَمْلَ ”بَلاغٌ“ رَفْعًا ونَصْبًا عَلى أنَّهُ يَعْنِي بِهِ تَبْلِيغَ القُرْآنِ والشَّرْعِ. وعَنْ أبِي مِجْلَزٍ أيْضًا: بَلَّغَ فِعْلًا ماضِيًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: يُهْلَكُ، بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ اللّامِ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، فِيما حَكى عَنْهُ ابْنُ خالَوَيْهِ: بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ اللّامِ، وعَنْهُ أيْضًا: بِفَتْحِ الياءِ واللّامِ، وماضِيهِ هَلِكَ بِكَسْرِ اللّامِ، وهي لُغَةٌ. وقالَ أبُو الفَتْحِ: هي مَرْغُوبٌ عَنْها. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ: يُهْلِكُ، بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ اللّامِ.
﴿إلّا القَوْمُ الفاسِقُونَ﴾: بِالنَّصْبِ، وفي هَذِهِ الآيَةِ وعِيدٌ وإنْذارٌ.
الأحقاف 46:29
(p-٦٦)﴿ولَقَدْ أهْلَكْنا ما حَوْلَكم مِنَ القُرى وصَرَّفْنا الآياتِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ ﴿فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ قُرْبانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهم وذَلِكَ إفْكُهم وما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ ﴿وإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ فَلَمّا حَضَرُوهُ قالُوا أنْصِتُوا فَلَمّا قُضِيَ ولَّوْا إلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ ﴿قالُوا ياقَوْمَنا إنّا سَمِعْنا كِتابًا أُنْزِلَ مِن بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إلى الحَقِّ وإلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿ياقَوْمَنا أجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ وآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكم ويُجِرْكم مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ ﴿ومَن لا يُجِبْ داعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ في الأرْضِ ولَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أولِياءُ أُولَئِكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ ولَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى بَلى إنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿ويَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلى النّارِ ألَيْسَ هَذا بِالحَقِّ قالُوا بَلى ورَبِّنا قالَ فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ ﴿فاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُو العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ ولا تَسْتَعْجِلْ لَهم كَأنَّهم يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إلّا ساعَةً مِن نَهارٍ بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إلّا القَوْمُ الفاسِقُونَ﴾ .
﴿ولَقَدْ أهْلَكْنا ما حَوْلَكم مِنَ القُرى﴾: خِطابٌ لِقُرَيْشٍ عَلى جِهَةِ التَّمْثِيلِ لَهم، والَّذِي حَوْلَهم مِنَ القُرى: مَأْرِبُ، وحِجْرُ، ثَمُودُ، وسَدُومُ. ويُرِيدُ مِن أهْلِ القُرى: ﴿وصَرَّفْنا الآياتِ﴾، أيِ الحُجَجَ والدَّلائِلَ والعِظاةَ لِأهْلِ تِلْكَ القُرى، (لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ) عَنْ ما هم فِيهِ مِنَ الكُفْرِ إلى الإيمانِ، فَلَمْ يَرْجِعُوا.
﴿فَلَوْلا نَصَرَهُمُ﴾: أيْ فَهَلّا نَصَرَهم حِينَ جاءَهُمُ الهَلاكُ ؟ (الَّذِينَ اتَّخَذُوا): أيِ اتَّخَذُوهم، ﴿مِن دُونِ اللَّهِ قُرْبانًا﴾: أيْ في حالِ التَّقَرُّبِ وجَعْلِهِمْ شُفَعاءَ. (آلِهَةً): وهو المَفْعُولُ الثّانِي لِاتَّخَذُوا، والأوَّلُ الضَّمِيرُ المَحْذُوفُ العائِدُ عَلى المَوْصُولِ. وأجازَ الحَوْفِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ وأبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ قُرْبانًا مَفْعُولًا ثانِيًا لِاتَّخَذُوا آلِهَةً بَدَلًا مِنهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقُرْبانًا حالٌ، ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ قُرْبانًا مَفْعُولًا ثانِيًا وآلِهَةً بَدَلًا مِنهُ، لِفَسادِ المَعْنى. انْتَهى. ولَمْ يُبَيِّنِ الزَّمَخْشَرِيُّ كَيْفَ يَفْسُدُ المَعْنى، ويَظْهَرُ أنَّ المَعْنى صَحِيحٌ عَلى ذَلِكَ الإعْرابِ. وأجازَ الحَوْفِيُّ أيْضًا أنْ يَكُونَ قُرْبانًا مَفْعُولًا مِن أجْلِهِ.
﴿بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ﴾: أيْ غابُوا عَنْ نُصْرَتِهِمْ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: إفْكُهم، بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وإسْكانِ الفاءِ وضَمِّ الكافِ، وابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةٍ: بِفَتْحِ الهَمْزَةِ. والإفْكُ مَصْدَرٌ آنِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، وابْنُ الزُّبَيْرِ، والصَّبّاحُ بْنُ العَلاءِ الأنْصارِيُّ، وأبُو عِياضٍ، وعِكْرِمَةُ، وحَنْظَلَةُ بْنُ النُّعْمانِ بْنِ مُرَّةَ، ومُجاهِدٌ: أفَكَهم، بِثَلاثِ فَتَحاتٍ: أيْ صَرَفَهم، وأبُو عِياضٍ، وعِكْرِمَةُ أيْضًا: كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُما شَدَّدا الفاءَ لِلتَّكْثِيرِ، وابْنُ الزُّبَيْرِ أيْضًا، وابْنُ عَبّاسٍ، فِيما ذَكَرَ ابْنُ خالَوَيْهِ: آفَكَهم بِالمَدِّ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ فاعَلَ. فالهَمْزَةُ أصْلِيَّةٌ، وأنْ يَكُونَ أفْعَلَ، فالهَمْزَةُ لِلتَّعْدِيَةِ، أيْ جَعَلَهم يَأْفِكُونَ، ويَكُونُ أفْعَلُ بِمَعْنى المُجَرَّدِ. وعَنِ الفَرّاءِ أنَّهُ قُرِئَ: أفَكُهم بِفَتْحِ الهَمْزَةِ والفاءِ وضَمِّ الكافِ، وهي لُغَةٌ في الإفْكِ، وابْنُ عَبّاسٍ، فِيما رَوى قُطْرُبٌ، وأبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ: آفِكُهُمُ اسْمُ فاعِلٍ مِن أفَكَ، أيْ صارَفَهم، والإشارَةُ بِذَلِكَ عَلى مَن قَرَأ: (p-٦٧)إفْكُهم مَصْدَرًا إلى اتِّخاذِ الأصْنامِ آلِهَةً، أيْ ذَلِكَ كَذِبُهم وافْتِراؤُهم. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وذَلِكَ إشارَةٌ إلى امْتِناعِ نُصْرَةِ آلِهَتِهِمْ لَهم وضَلالِهِمْ عَنْهم، أيْ وذَلِكَ أثَرُ إفْكِهِمُ الَّذِي هو اتِّخاذُهم إيّاها آلِهَةً، وثَمَرَةُ شِرْكِهِمْ وافْتِرائِهِمْ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ مِن كَوْنِهِ ذا شُرَكاءَ. انْتَهى. وعَلى قِراءَةِ مَن جَعَلَهُ فِعْلًا مَعْناهُ: وذَلِكَ الِاتِّخاذُ صَرَفَهم عَنِ الحَقِّ، وكَذَلِكَ قِراءَةُ اسْمِ الفاعِلِ، أيْ صارَفَهم عَنِ الحَقِّ. ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ ما مَصْدَرِيَّةً، أيْ وافْتِراؤُهم، وأنْ تَكُونَ بِمَعْنى الَّذِي والعائِدُ مَحْذُوفٌ، أيْ يَفْتَرُونَهُ.
﴿وإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ﴾: ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها: أنَّهُ لَمّا بَيَّنَ أنَّ الإنْسِيَّ مُؤْمِنٌ وكافِرٌ، وذَكَرَ أنَّ الجِنَّ فِيهِمْ مُؤْمِنٌ وكافِرٌ، وكانَ ذَلِكَ بِأثَرِ قِصَّةِ هُودٍ وقَوْمِهِ، لِما كانَ عَلَيْهِ قَوْمُهُ مِنَ الشِّدَّةِ والقُوَّةِ. والجِنُّ تُوصَفُ أيْضًا بِذَلِكَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿قالَ عِفْريتٌ مِنَ الجِنِّ أنا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ تَقُومَ مِن مَقامِكَ وإنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أمِينٌ﴾ [النمل: ٣٩] . وإنَّ ما أُهْلِكَ بِهِ قَوْمُ هُودٍ هو الرِّيحُ، وهو مِنَ العالَمِ الَّذِي لا يُشاهَدُ، وإنَّما يُحَسُّ بِهُبُوبِهِ. والجِنُّ أيْضًا مِنَ العالَمِ الَّذِي لا يُشاهَدُ. وإنَّهُودًا عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مِنَ العَرَبِ، ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ العَرَبِ، فَهَذِهِ تَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُناسَبَةً لِهَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها. وفِيها أيْضًا تَوْبِيخٌ لِقُرَيْشٍ وكُفّارِ العَرَبِ، حَيْثُ أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ هَذا الكِتابُ المُعْجِزُ، فَكَفَرُوا بِهِ، وهم مِن أهْلِ اللِّسانِ الَّذِي أُنْزِلَ بِهِ القُرْآنُ، ومِن جِنْسِ الرَّسُولِ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْهِمْ. وهَؤُلاءِ جِنٌّ، فَلَيْسُوا مِن جِنْسِهِ، وقَدْ أثَّرَ فِيهِمْ سَماعُ القُرْآنِ وآمَنُوا بِهِ وبِمَن أُنْزِلَ عَلَيْهِ، وعَلِمُوا أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ، بِخِلافِ قُرَيْشٍ وأمْثالِها، فَهم مُصِرُّونَ عَلى الكُفْرِ بِهِ.
﴿وإذْ صَرَفْنا﴾: وجَّهْنا إلَيْكَ. وقَرَأ: صَرَّفْنا، بِتَشْدِيدِ الرّاءِ، لِأنَّهم كانُوا جَماعَةً، فالتَّكْثِيرُ بِحَسْبِ الحالِ.
﴿نَفَرًا مِنَ الجِنِّ﴾، والنَّفَرُ دُونَ العَشَرَةِ، ويُجْمَعُ عَلى أنْفارٍ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانُوا سَبْعَةً، مِنهم زَوْبَعَةُ. والَّذِي يَجْمَعُ اخْتِلافَ الرِّواياتِ أنَّ قِصَّةَ الجِنِّ كانَتْ مَرَّتَيْنِ.
إحْداهُما: حِينَ انْصَرَفَ مِنَ الطّائِفِ، وكانَ خَرَجَ إلَيْهِمْ يَسْتَنْصِرُهم في قِصَّةٍ ذَكَرَها أصْحابُ السِّيَرِ. فَرُوِيَ أنَّ الجِنَّ كانَتْ تَسْتَرِقُ السَّمْعَ، فَلَمّا بُعِثَ الرَّسُولُ، حُرِسَتِ السَّماءُ، ورُمِيَ الجِنُّ بِالشُّهُبِ، قالُوا: ما هَذا إلّا أمْرٌ حَدَثَ. وطافُوا الأرْضَ، فَوافَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِوادِي نَخْلَةَ، وهو قائِمٌ يُصَلِّي، فاسْتَمَعُوا لِقِراءَتِهِ، وهو لا يَشْعُرُ، فَأنْبَأهُ اللَّهُ بِاسْتِماعِهِمْ.
والمَرَّةُ الأُخْرى أنَّ اللَّهَ أمَرَهُ أنْ يُنْذِرَ الجِنَّ ويَقْرَأ عَلَيْهِمْ فَقالَ: «إنِّي أُمِرْتُ أنْ أقْرَأ عَلى الجِنِّ فَمَن يَتْبَعُنِي ”، قالَها ثَلاثًا، فَأطْرَقُوا إلّا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ، قالَ: لَمْ يَحْضُرْهُ أحَدٌ لَيْلَةَ الجِنِّ غَيْرِي. فانْطَلَقْنا حَتّى إذا كُنّا في شِعْبِ الحَجُونِ، خَطَّ لِي خَطًّا وقالَ:“ لا تَخْرُجْ مِنهُ حَتّى أعُودَ إلَيْكَ ”، ثُمَّ افْتَتَحَ القُرْآنَ. وسَمِعْتُ لَغَطًا شَدِيدًا حَتّى خِفْتُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وغَشِيَتْهُ أسْوِدَةٌ كَثِيرَةٌ حالَتْ بَيْنِي وبَيْنَهُ حَتّى ما أسْمَعَ صَوْتَهُ، ثُمَّ تَقَطَّعُوا تَقَطُّعَ السَّحابِ، فَقالَ لِي:“ هَلْ رَأيْتَ شَيْئًا ”؟ قُلْتُ: نَعَمْ، رِجالًا سُودًا مُسْتَثْفِرِي ثِيابٍ بِيضٍ، فَقالَ:“ أُولَئِكَ جِنُّ نَصِيبِينَ ”. وكانُوا اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا، والسُّورَةُ الَّتِي قَرَأها عَلَيْهِمْ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١] . وفي آخِرِ هَذا الحَدِيثِ قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، سَمِعْتُ لَهم لَغَطًا، فَقالَ:“ إنَّهم تَدّارَءُوا في قَتِيلٍ لَهم فَحَكَمْتُ بِالحَقِّ» . وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ «لَمْ يَحْضُرْ أحَدٌ لَيْلَةَ الجِنِّ»، واللَّهُ أعْلَمُ بِصِحَّةِ ذَلِكَ.
﴿فَلَمّا حَضَرُوهُ﴾: أيِ القُرْآنَ، أيْ كانُوا بِمَسْمَعٍ مِنهُ، وقِيلَ: حَضَرُوا الرَّسُولَ، وهو التِفاتٌ مِن إلَيْكَ إلى ضَمِيرِ الغَيْبِ.
﴿قالُوا أنْصِتُوا﴾: أيِ اسْكُتُوا لِلِاسْتِماعِ، وفِيهِ تَأْدِيبٌ مَعَ العِلْمِ وكَيْفَ يَتَعَلَّمُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (فَلَمّا قُضِيَ): مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وأبُو مِجْلَزٍ، وحَبِيبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ: قَضى، مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، أيْ قَضى مُحَمَّدٌ ما قَرَأ، أيْ أتَمَّهُ وفَرَغَ مِنهُ. وقالَ ابْنُ عُمَرَ، وجابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: قَرَأ عَلَيْهِمْ سُورَةَ الرَّحْمَنِ، فَكانَ إذا قالَ: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ١٦]، قالُوا: لا شَيْءَ مِن آياتِ رَبِّنا نُكَذِّبُ رَبَّنا لَكَ الحَمْدُ.
﴿ولَّوْا إلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾: تَفَرَّقُوا عَلى البِلادِ يُنْذِرُونَ الجِنَّ. قالَ قَتادَةُ: ما أسْرَعَ ما عَقَلَ القَوْمُ. انْتَهى. وعِنْدَ ذَلِكَ وقَعَتْ قِصَّةُ سَوادِ بْنِ (p-٦٨)قارِبٍ، وخُنافِرَ وأمْثالُهُما، حِينَ جاءَهُما رَيّاهُما مِنَ الجِنِّ، وكانَ سَبَبُ إسْلامِهِما.
﴿مِن بَعْدِ مُوسى﴾: أيْ مِن بَعْدِ كِتابِ مُوسى. قالَ عَطاءٌ: كانُوا عَلى مِلَّةِ اليَهُودِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: لَمْ تَسْمَعِ الجِنُّ بِأمْرِ عِيسى، وهَذا لا يَصِحُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. كَيْفَ لا تَسْمَعُ بِأمْرِ عِيسى ولَهُ أُمَّةٌ عَظِيمَةٌ لا تَنْحَصِرُ عَلى مِلَّتِهِ ؟ فَيَبْعُدُ عَنِ الجِنِّ كَوْنُهم لَمْ يَسْمَعُوا بِهِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونُوا قالُوا: ﴿مِن بَعْدِ مُوسى﴾ تَنْبِيهًا لِقَوْمِهِمْ عَلى اتِّباعِ الرَّسُولِ، إذْ كانَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَدْ بَشَّرَ بِهِ مُوسى، فَقالُوا: ذَلِكَ مِن حَيْثُ إنَّ هَذا الأمْرَ مَذْكُورٌ في التَّوْراةِ، ﴿مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ مِنَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ والكُتُبِ الإلَهِيَّةِ، إذْ كانَتْ كُلُّها مُشْتَمِلَةً عَلى التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ والمَعادِ، والأمْرُ بِتَطْهِيرِ الأخْلاقِ.
﴿يَهْدِي إلى الحَقِّ﴾: أيْ إلى ما هو حَقٌّ في نَفْسِهِ صِدْقٌ، يُعْلَمُ ذَلِكَ بِصَرِيحِ العَقْلِ. (وإلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ): غايَرَ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ، والمَعْنى مُتَقارِبٌ، ورُبَّما اسْتُعْمِلَ أحَدُهُما في مَوْضِعٍ لا يُسْتَعْمَلُ الآخَرُ فِيهِ، فَجَمَعَ هُنا بَيْنَهُما وحَسُنَ التَّكْرارُ.
﴿أجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ﴾: هو الرَّسُولُ، والواسِطَةُ المُبَلِّغَةُ عَنْهُ، ﴿ياقَوْمَنا أجِيبُوا﴾: يَعُودُ عَلى اللَّهِ.
﴿يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكُمْ﴾: مِن لِلتَّبْعِيضِ، لِأنَّهُ لا يَغْفِرُ بِالإيمانِ ذُنُوبَ المَظالِمِ، قالَ مَعْناهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقِيلَ: مِن زائِدَةٌ، لِأنَّ الإسْلامَ يَجُبُّ ما قَبْلَهُ، فَلا يَبْقى مَعَهُ تَبِعَةٌ.
﴿ويُجِرْكم مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾: وهَذا كُلُّهُ وظَواهِرُ القُرْآنِ تَدُلُّ عَلى الثَّوابِ، وكَذا قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَهم ثَوابٌ وعَلَيْهِمْ عِقابٌ، يَلْتَقُونَ في الجَنَّةِ ويَزْدَحِمُونَ عَلى أبْوابِها. وقِيلَ: لا ثَوابَ لَها إلّا النَّجاةُ مِنَ النّارِ، وإلَيْهِ كانَ يَذْهَبُ أبُو حَنِيفَةَ.
﴿فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ في الأرْضِ﴾: أيْ بِفائِتٍ مِن عِقابِهِ، إذْ لا مَنجا مِنهُ، ولا مَهْرَبَ، كَقَوْلِهِ: ﴿وأنّا ظَنَنّا أنْ لَنْ نُعجِزَ اللَّهَ في الأرْضِ ولَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا﴾ [الجن: ١٢] . ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عامِرٍ: ولَيْسَ لَهم بِزِيادَةِ مِيمٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ولَمْ يَعْيَ﴾، مُضارِعَ عَيِيَ، عَلى وزْنِ فَعِلَ، بِكَسْرِ العَيْنِ، والحَسَنُ: ولَمْ يَعِي، بِكَسْرِ العَيْنِ وسُكُونِ الياءِ، ووَجْهُهُ أنَّهُ في الماضِي فُتِحَ عَيْنُ الكَلِمَةِ، كَما قالُوا في بَقِيَ: بَقا، وهي لُغَةٌ لِطَيِّيءٍ. ولَمّا بُنِيَ الماضِي عَلى فِعَلٍ بِفَتْحِ العَيْنِ، بُنِيَ مُضارِعُهُ عَلى يَفْعِلُ بِكَسْرِ العَيْنِ، فَجاءَ يَعْيى. فَلَمّا دَخَلَ الجازِمُ، حَذَفَ الياءَ، فَبَقِيَ يَعْيَ بِنَقْلِ حَرَكَةِ الياءِ إلى العَيْنِ، فَسَكَنَتِ الياءُ وبَقِيَ يَعِي. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (بِقادِرٍ): اسْمَ فاعِلٍ، والباءُ زائِدَةٌ في خَبَرِ أنَّ، وحَسَّنَ زِيادَتِها كَوْنُ ما قَبْلَها في حَيِّزِ النَّفْيِ. وقَدْ أجازَ الزَّجّاجُ: ما ظَنَنْتُ أنَّ أحَدًا بِقائِمٍ، قِياسًا عَلى هَذا، والصَّحِيحُ قَصْرُ ذَلِكَ عَلى السَّماعِ، فَكَأنَّهُ في الآيَةِ قالَ: ألَيْسَ اللَّهُ بِقادِرٍ ؟ ألا تَرى كَيْفَ جاءَ بِبَلى مُقَرِّرًا لِإحْياءِ المَوْتى لا لِرُؤْيَتِهِمْ ؟ وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ، وعِيسى، والأعْرَجُ: بِخِلافٍ عَنْهُ، ويَعْقُوبُ: يُقَدِّرُ مُضارِعًا.
﴿ألَيْسَ هَذا بِالحَقِّ﴾: أيْ يُقالُ لَهم، والإشارَةُ بِهَذا إلى العَذابِ. أيْ كُنْتُمْ تُكَذِّبُونَ بِأنَّكم تُعَذَّبُونَ، والمَعْنى: تَوْبِيخُهم عَلى اسْتِهْزائِهِمْ بِوَعْدِ اللَّهِ ووَعِيدِهِ وقَوْلِهِمْ: ﴿وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٨] .
﴿قالُوا بَلى ورَبِّنا﴾، تَصْدِيقٌ حَيْثُ لا يَنْفَعُ. وقالَ الحَسَنُ: إنَّهم لَيُعَذَّبُونَ في النّارِ وهم راضُونَ بِذَلِكَ لِأنْفُسِهِمْ، يَعْتَرِفُونَ أنَّهُ العَدْلُ، فَيَقُولُ لَهُمُ المُجاوِبُ مِنَ المَلائِكَةِ عِنْدَ ذَلِكَ: (فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ فاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ): الفاءُ عاطِفَةٌ هَذِهِ الجُمْلَةَ عَلى الجُمْلَةِ مِن أخْبارِ الكُفّارِ في الآخِرَةِ، والمَعْنى بَيْنَهُما مُرْتَبِطٌ: أيْ هَذِهِ حالُهم مَعَ اللَّهِ. فَلا تَسْتَعْجِلْ أنْتَ واصْبِرْ، ولا تَخَفْ إلّا اللَّهَ. وأُولُو العَزْمِ: أيْ أُولُو الجِدِّ مِنَ الرُّسُلِ، وهم مَن حُفِظَ لَهُ شِدَّةٌ مَعَ قَوْمِهِ ومُجاهَدَةٌ. فَتَكُونُ مِن لِلتَّبْعِيضِ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلْبَيانِ، أيِ الَّذِينَ هُمُ الرُّسُلُ، ويَكُونُ الرُّسُلُ كُلُّهم أُولِي العَزْمِ، وأُولُو العَزْمِ عَلى التَّبْعِيضِ يَقْتَضِي أنَّهم رُسُلٌ وغَيْرُ رُسُلٍ، وعَلى البَيانِ يَقْتَضِي أنَّهُمُ الرُّسُلُ، وكَوْنُها لِلتَّبْعِيضِ قَوْلُ عَطاءٍ الخُراسانِيِّ والكَلْبِيِّ، ولِلْبَيانِ قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ. وقالَ الحَسَنُ بْنُ الفَضْلِ: هُمُ الثَّمانِيَةَ عَشَرَ المَذْكُورَةُ في سُورَةِ الأنْعامِ، لِأنَّهُ قالَ عَقِبَ ذِكْرِهِمْ: (فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ) . وقالَ مُقاتِلٌ: هم سِتَّةٌ: نُوحٌ صَبَرَ عَلى أذى قَوْمِهِ طَوِيلًا، وإبْراهِيمُ صَبَرَ عَلى النّارِ، وإسْحاقُ صَبَرَ نَفْسَهُ عَلى الذَّبْحِ، ويَعْقُوبُ صَبَرَ عَلى الفَقْدِ لِوَلَدِهِ وعَمى (p-٦٩)بَصَرِهِ، وقالَ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ، ويُوسُفُ صَبَرَ عَلى السِّجْنِ والبِئْرِ، وأيُّوبُ عَلى البَلاءِ. وزادَ غَيْرُهُ: ومُوسى قالَ قَوْمُهُ: ﴿إنّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء: ٦١] ﴿قالَ كَلّا إنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٦٢]، وداوُدُ بَكى عَلى خَطِيئَتِهِ أرْبَعِينَ سَنَةً، وعِيسى لَمْ يَضَعْ لَبِنَةً عَلى لَبِنَةٍ وقالَ: إنَّها مَعْبَرٌ، فاعْبُرُوها ولا تَعْمَرُوها.
﴿ولا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ﴾: أيْ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ بِالعَذابِ، أيْ لا تَدْعُ لَهم بِتَعْجِيلِهِ، فَإنَّهُ نازِلٌ بِهِمْ لا مَحالَةَ وإنْ تَأخَّرَ، وإنَّهم مُسْتَقْصِرُونَ حِينَئِذٍ مُدَّةَ لَبْثِهِمْ في الدُّنْيا، كَأنَّهم ﴿لَمْ يَلْبَثُوا إلّا ساعَةً﴾ . وقَرَأ أُبَيٌّ: مِنَ النَّهارِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: مِن نَهارٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: بَلاغٌ، بِالرَّفْعِ، والظّاهِرُ رُجُوعُهُ إلى المُدَّةِ الَّتِي لَبِثُوا فِيها، كَأنَّهُ قِيلَ: تِلْكَ السّاعَةُ بَلاغُهم، كَما قالَ تَعالى: (مَتاعٌ قَلِيلٌ)، فَبَلاغٌ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. قِيلَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بَلاغٌ يَعْنِي بِهِ القُرْآنَ والشَّرْعَ، أيْ هَذا بَلاغٌ، أيْ تَبْلِيغٌ وإنْذارٌ. وقالَ أبُو مِجْلَزٍ: بَلاغٌ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ لَهم، ويَقِفُ عَلى فَلا تَسْتَعْجِلْ، وهَذا لَيْسَ بِجَيِّدٍ، لِأنَّ فِيهِ تَفْكِيكَ الكَلامِ بَعْضِهِ مِن بَعْضٍ، إذْ ظاهِرُ قَوْلِهِ: لَهم، أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: فَلا تَسْتَعْجِلْ لَهم، والحَيْلُولَةُ الجُمْلَةُ التَّشْبِيهِيَّةُ بَيْنَ الخَبَرِ والمُبْتَدَأِ. وقَرَأ الحَسَنُ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وعِيسى: بَلاغًا. بِالنَّصْبِ، فاحْتَمَلَ أنْ يُرادَ: بَلاغًا في القُرْآنِ، أيْ بُلِّغُوا بَلاغًا، أوْ بَلَّغْنا بَلاغًا. وقَرَأ الحَسَنُ أيْضًا: بَلاغٍ. بِالجَرِّ، نَعْتًا لِنَهارٍ. وقَرَأ أبُو مِجْلَزٍ، وأبُو سَراحٍ الهُذَلِيُّ: بَلَّغَ عَلِيٌّ الأمْرَ لِلنَّبِيِّ ﷺ، وهَذا يُؤَيِّدُ حَمْلَ ”بَلاغٌ“ رَفْعًا ونَصْبًا عَلى أنَّهُ يَعْنِي بِهِ تَبْلِيغَ القُرْآنِ والشَّرْعِ. وعَنْ أبِي مِجْلَزٍ أيْضًا: بَلَّغَ فِعْلًا ماضِيًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: يُهْلَكُ، بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ اللّامِ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، فِيما حَكى عَنْهُ ابْنُ خالَوَيْهِ: بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ اللّامِ، وعَنْهُ أيْضًا: بِفَتْحِ الياءِ واللّامِ، وماضِيهِ هَلِكَ بِكَسْرِ اللّامِ، وهي لُغَةٌ. وقالَ أبُو الفَتْحِ: هي مَرْغُوبٌ عَنْها. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ: يُهْلِكُ، بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ اللّامِ.
﴿إلّا القَوْمُ الفاسِقُونَ﴾: بِالنَّصْبِ، وفي هَذِهِ الآيَةِ وعِيدٌ وإنْذارٌ.
الأحقاف 46:30
(p-٦٦)﴿ولَقَدْ أهْلَكْنا ما حَوْلَكم مِنَ القُرى وصَرَّفْنا الآياتِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ ﴿فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ قُرْبانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهم وذَلِكَ إفْكُهم وما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ ﴿وإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ فَلَمّا حَضَرُوهُ قالُوا أنْصِتُوا فَلَمّا قُضِيَ ولَّوْا إلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ ﴿قالُوا ياقَوْمَنا إنّا سَمِعْنا كِتابًا أُنْزِلَ مِن بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إلى الحَقِّ وإلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿ياقَوْمَنا أجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ وآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكم ويُجِرْكم مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ ﴿ومَن لا يُجِبْ داعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ في الأرْضِ ولَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أولِياءُ أُولَئِكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ ولَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى بَلى إنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿ويَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلى النّارِ ألَيْسَ هَذا بِالحَقِّ قالُوا بَلى ورَبِّنا قالَ فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ ﴿فاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُو العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ ولا تَسْتَعْجِلْ لَهم كَأنَّهم يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إلّا ساعَةً مِن نَهارٍ بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إلّا القَوْمُ الفاسِقُونَ﴾ .
﴿ولَقَدْ أهْلَكْنا ما حَوْلَكم مِنَ القُرى﴾: خِطابٌ لِقُرَيْشٍ عَلى جِهَةِ التَّمْثِيلِ لَهم، والَّذِي حَوْلَهم مِنَ القُرى: مَأْرِبُ، وحِجْرُ، ثَمُودُ، وسَدُومُ. ويُرِيدُ مِن أهْلِ القُرى: ﴿وصَرَّفْنا الآياتِ﴾، أيِ الحُجَجَ والدَّلائِلَ والعِظاةَ لِأهْلِ تِلْكَ القُرى، (لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ) عَنْ ما هم فِيهِ مِنَ الكُفْرِ إلى الإيمانِ، فَلَمْ يَرْجِعُوا.
﴿فَلَوْلا نَصَرَهُمُ﴾: أيْ فَهَلّا نَصَرَهم حِينَ جاءَهُمُ الهَلاكُ ؟ (الَّذِينَ اتَّخَذُوا): أيِ اتَّخَذُوهم، ﴿مِن دُونِ اللَّهِ قُرْبانًا﴾: أيْ في حالِ التَّقَرُّبِ وجَعْلِهِمْ شُفَعاءَ. (آلِهَةً): وهو المَفْعُولُ الثّانِي لِاتَّخَذُوا، والأوَّلُ الضَّمِيرُ المَحْذُوفُ العائِدُ عَلى المَوْصُولِ. وأجازَ الحَوْفِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ وأبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ قُرْبانًا مَفْعُولًا ثانِيًا لِاتَّخَذُوا آلِهَةً بَدَلًا مِنهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقُرْبانًا حالٌ، ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ قُرْبانًا مَفْعُولًا ثانِيًا وآلِهَةً بَدَلًا مِنهُ، لِفَسادِ المَعْنى. انْتَهى. ولَمْ يُبَيِّنِ الزَّمَخْشَرِيُّ كَيْفَ يَفْسُدُ المَعْنى، ويَظْهَرُ أنَّ المَعْنى صَحِيحٌ عَلى ذَلِكَ الإعْرابِ. وأجازَ الحَوْفِيُّ أيْضًا أنْ يَكُونَ قُرْبانًا مَفْعُولًا مِن أجْلِهِ.
﴿بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ﴾: أيْ غابُوا عَنْ نُصْرَتِهِمْ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: إفْكُهم، بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وإسْكانِ الفاءِ وضَمِّ الكافِ، وابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةٍ: بِفَتْحِ الهَمْزَةِ. والإفْكُ مَصْدَرٌ آنِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، وابْنُ الزُّبَيْرِ، والصَّبّاحُ بْنُ العَلاءِ الأنْصارِيُّ، وأبُو عِياضٍ، وعِكْرِمَةُ، وحَنْظَلَةُ بْنُ النُّعْمانِ بْنِ مُرَّةَ، ومُجاهِدٌ: أفَكَهم، بِثَلاثِ فَتَحاتٍ: أيْ صَرَفَهم، وأبُو عِياضٍ، وعِكْرِمَةُ أيْضًا: كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُما شَدَّدا الفاءَ لِلتَّكْثِيرِ، وابْنُ الزُّبَيْرِ أيْضًا، وابْنُ عَبّاسٍ، فِيما ذَكَرَ ابْنُ خالَوَيْهِ: آفَكَهم بِالمَدِّ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ فاعَلَ. فالهَمْزَةُ أصْلِيَّةٌ، وأنْ يَكُونَ أفْعَلَ، فالهَمْزَةُ لِلتَّعْدِيَةِ، أيْ جَعَلَهم يَأْفِكُونَ، ويَكُونُ أفْعَلُ بِمَعْنى المُجَرَّدِ. وعَنِ الفَرّاءِ أنَّهُ قُرِئَ: أفَكُهم بِفَتْحِ الهَمْزَةِ والفاءِ وضَمِّ الكافِ، وهي لُغَةٌ في الإفْكِ، وابْنُ عَبّاسٍ، فِيما رَوى قُطْرُبٌ، وأبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ: آفِكُهُمُ اسْمُ فاعِلٍ مِن أفَكَ، أيْ صارَفَهم، والإشارَةُ بِذَلِكَ عَلى مَن قَرَأ: (p-٦٧)إفْكُهم مَصْدَرًا إلى اتِّخاذِ الأصْنامِ آلِهَةً، أيْ ذَلِكَ كَذِبُهم وافْتِراؤُهم. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وذَلِكَ إشارَةٌ إلى امْتِناعِ نُصْرَةِ آلِهَتِهِمْ لَهم وضَلالِهِمْ عَنْهم، أيْ وذَلِكَ أثَرُ إفْكِهِمُ الَّذِي هو اتِّخاذُهم إيّاها آلِهَةً، وثَمَرَةُ شِرْكِهِمْ وافْتِرائِهِمْ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ مِن كَوْنِهِ ذا شُرَكاءَ. انْتَهى. وعَلى قِراءَةِ مَن جَعَلَهُ فِعْلًا مَعْناهُ: وذَلِكَ الِاتِّخاذُ صَرَفَهم عَنِ الحَقِّ، وكَذَلِكَ قِراءَةُ اسْمِ الفاعِلِ، أيْ صارَفَهم عَنِ الحَقِّ. ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ ما مَصْدَرِيَّةً، أيْ وافْتِراؤُهم، وأنْ تَكُونَ بِمَعْنى الَّذِي والعائِدُ مَحْذُوفٌ، أيْ يَفْتَرُونَهُ.
﴿وإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ﴾: ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها: أنَّهُ لَمّا بَيَّنَ أنَّ الإنْسِيَّ مُؤْمِنٌ وكافِرٌ، وذَكَرَ أنَّ الجِنَّ فِيهِمْ مُؤْمِنٌ وكافِرٌ، وكانَ ذَلِكَ بِأثَرِ قِصَّةِ هُودٍ وقَوْمِهِ، لِما كانَ عَلَيْهِ قَوْمُهُ مِنَ الشِّدَّةِ والقُوَّةِ. والجِنُّ تُوصَفُ أيْضًا بِذَلِكَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿قالَ عِفْريتٌ مِنَ الجِنِّ أنا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ تَقُومَ مِن مَقامِكَ وإنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أمِينٌ﴾ [النمل: ٣٩] . وإنَّ ما أُهْلِكَ بِهِ قَوْمُ هُودٍ هو الرِّيحُ، وهو مِنَ العالَمِ الَّذِي لا يُشاهَدُ، وإنَّما يُحَسُّ بِهُبُوبِهِ. والجِنُّ أيْضًا مِنَ العالَمِ الَّذِي لا يُشاهَدُ. وإنَّهُودًا عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مِنَ العَرَبِ، ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ العَرَبِ، فَهَذِهِ تَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُناسَبَةً لِهَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها. وفِيها أيْضًا تَوْبِيخٌ لِقُرَيْشٍ وكُفّارِ العَرَبِ، حَيْثُ أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ هَذا الكِتابُ المُعْجِزُ، فَكَفَرُوا بِهِ، وهم مِن أهْلِ اللِّسانِ الَّذِي أُنْزِلَ بِهِ القُرْآنُ، ومِن جِنْسِ الرَّسُولِ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْهِمْ. وهَؤُلاءِ جِنٌّ، فَلَيْسُوا مِن جِنْسِهِ، وقَدْ أثَّرَ فِيهِمْ سَماعُ القُرْآنِ وآمَنُوا بِهِ وبِمَن أُنْزِلَ عَلَيْهِ، وعَلِمُوا أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ، بِخِلافِ قُرَيْشٍ وأمْثالِها، فَهم مُصِرُّونَ عَلى الكُفْرِ بِهِ.
﴿وإذْ صَرَفْنا﴾: وجَّهْنا إلَيْكَ. وقَرَأ: صَرَّفْنا، بِتَشْدِيدِ الرّاءِ، لِأنَّهم كانُوا جَماعَةً، فالتَّكْثِيرُ بِحَسْبِ الحالِ.
﴿نَفَرًا مِنَ الجِنِّ﴾، والنَّفَرُ دُونَ العَشَرَةِ، ويُجْمَعُ عَلى أنْفارٍ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانُوا سَبْعَةً، مِنهم زَوْبَعَةُ. والَّذِي يَجْمَعُ اخْتِلافَ الرِّواياتِ أنَّ قِصَّةَ الجِنِّ كانَتْ مَرَّتَيْنِ.
إحْداهُما: حِينَ انْصَرَفَ مِنَ الطّائِفِ، وكانَ خَرَجَ إلَيْهِمْ يَسْتَنْصِرُهم في قِصَّةٍ ذَكَرَها أصْحابُ السِّيَرِ. فَرُوِيَ أنَّ الجِنَّ كانَتْ تَسْتَرِقُ السَّمْعَ، فَلَمّا بُعِثَ الرَّسُولُ، حُرِسَتِ السَّماءُ، ورُمِيَ الجِنُّ بِالشُّهُبِ، قالُوا: ما هَذا إلّا أمْرٌ حَدَثَ. وطافُوا الأرْضَ، فَوافَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِوادِي نَخْلَةَ، وهو قائِمٌ يُصَلِّي، فاسْتَمَعُوا لِقِراءَتِهِ، وهو لا يَشْعُرُ، فَأنْبَأهُ اللَّهُ بِاسْتِماعِهِمْ.
والمَرَّةُ الأُخْرى أنَّ اللَّهَ أمَرَهُ أنْ يُنْذِرَ الجِنَّ ويَقْرَأ عَلَيْهِمْ فَقالَ: «إنِّي أُمِرْتُ أنْ أقْرَأ عَلى الجِنِّ فَمَن يَتْبَعُنِي ”، قالَها ثَلاثًا، فَأطْرَقُوا إلّا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ، قالَ: لَمْ يَحْضُرْهُ أحَدٌ لَيْلَةَ الجِنِّ غَيْرِي. فانْطَلَقْنا حَتّى إذا كُنّا في شِعْبِ الحَجُونِ، خَطَّ لِي خَطًّا وقالَ:“ لا تَخْرُجْ مِنهُ حَتّى أعُودَ إلَيْكَ ”، ثُمَّ افْتَتَحَ القُرْآنَ. وسَمِعْتُ لَغَطًا شَدِيدًا حَتّى خِفْتُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وغَشِيَتْهُ أسْوِدَةٌ كَثِيرَةٌ حالَتْ بَيْنِي وبَيْنَهُ حَتّى ما أسْمَعَ صَوْتَهُ، ثُمَّ تَقَطَّعُوا تَقَطُّعَ السَّحابِ، فَقالَ لِي:“ هَلْ رَأيْتَ شَيْئًا ”؟ قُلْتُ: نَعَمْ، رِجالًا سُودًا مُسْتَثْفِرِي ثِيابٍ بِيضٍ، فَقالَ:“ أُولَئِكَ جِنُّ نَصِيبِينَ ”. وكانُوا اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا، والسُّورَةُ الَّتِي قَرَأها عَلَيْهِمْ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١] . وفي آخِرِ هَذا الحَدِيثِ قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، سَمِعْتُ لَهم لَغَطًا، فَقالَ:“ إنَّهم تَدّارَءُوا في قَتِيلٍ لَهم فَحَكَمْتُ بِالحَقِّ» . وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ «لَمْ يَحْضُرْ أحَدٌ لَيْلَةَ الجِنِّ»، واللَّهُ أعْلَمُ بِصِحَّةِ ذَلِكَ.
﴿فَلَمّا حَضَرُوهُ﴾: أيِ القُرْآنَ، أيْ كانُوا بِمَسْمَعٍ مِنهُ، وقِيلَ: حَضَرُوا الرَّسُولَ، وهو التِفاتٌ مِن إلَيْكَ إلى ضَمِيرِ الغَيْبِ.
﴿قالُوا أنْصِتُوا﴾: أيِ اسْكُتُوا لِلِاسْتِماعِ، وفِيهِ تَأْدِيبٌ مَعَ العِلْمِ وكَيْفَ يَتَعَلَّمُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (فَلَمّا قُضِيَ): مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وأبُو مِجْلَزٍ، وحَبِيبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ: قَضى، مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، أيْ قَضى مُحَمَّدٌ ما قَرَأ، أيْ أتَمَّهُ وفَرَغَ مِنهُ. وقالَ ابْنُ عُمَرَ، وجابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: قَرَأ عَلَيْهِمْ سُورَةَ الرَّحْمَنِ، فَكانَ إذا قالَ: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ١٦]، قالُوا: لا شَيْءَ مِن آياتِ رَبِّنا نُكَذِّبُ رَبَّنا لَكَ الحَمْدُ.
﴿ولَّوْا إلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾: تَفَرَّقُوا عَلى البِلادِ يُنْذِرُونَ الجِنَّ. قالَ قَتادَةُ: ما أسْرَعَ ما عَقَلَ القَوْمُ. انْتَهى. وعِنْدَ ذَلِكَ وقَعَتْ قِصَّةُ سَوادِ بْنِ (p-٦٨)قارِبٍ، وخُنافِرَ وأمْثالُهُما، حِينَ جاءَهُما رَيّاهُما مِنَ الجِنِّ، وكانَ سَبَبُ إسْلامِهِما.
﴿مِن بَعْدِ مُوسى﴾: أيْ مِن بَعْدِ كِتابِ مُوسى. قالَ عَطاءٌ: كانُوا عَلى مِلَّةِ اليَهُودِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: لَمْ تَسْمَعِ الجِنُّ بِأمْرِ عِيسى، وهَذا لا يَصِحُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. كَيْفَ لا تَسْمَعُ بِأمْرِ عِيسى ولَهُ أُمَّةٌ عَظِيمَةٌ لا تَنْحَصِرُ عَلى مِلَّتِهِ ؟ فَيَبْعُدُ عَنِ الجِنِّ كَوْنُهم لَمْ يَسْمَعُوا بِهِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونُوا قالُوا: ﴿مِن بَعْدِ مُوسى﴾ تَنْبِيهًا لِقَوْمِهِمْ عَلى اتِّباعِ الرَّسُولِ، إذْ كانَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَدْ بَشَّرَ بِهِ مُوسى، فَقالُوا: ذَلِكَ مِن حَيْثُ إنَّ هَذا الأمْرَ مَذْكُورٌ في التَّوْراةِ، ﴿مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ مِنَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ والكُتُبِ الإلَهِيَّةِ، إذْ كانَتْ كُلُّها مُشْتَمِلَةً عَلى التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ والمَعادِ، والأمْرُ بِتَطْهِيرِ الأخْلاقِ.
﴿يَهْدِي إلى الحَقِّ﴾: أيْ إلى ما هو حَقٌّ في نَفْسِهِ صِدْقٌ، يُعْلَمُ ذَلِكَ بِصَرِيحِ العَقْلِ. (وإلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ): غايَرَ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ، والمَعْنى مُتَقارِبٌ، ورُبَّما اسْتُعْمِلَ أحَدُهُما في مَوْضِعٍ لا يُسْتَعْمَلُ الآخَرُ فِيهِ، فَجَمَعَ هُنا بَيْنَهُما وحَسُنَ التَّكْرارُ.
﴿أجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ﴾: هو الرَّسُولُ، والواسِطَةُ المُبَلِّغَةُ عَنْهُ، ﴿ياقَوْمَنا أجِيبُوا﴾: يَعُودُ عَلى اللَّهِ.
﴿يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكُمْ﴾: مِن لِلتَّبْعِيضِ، لِأنَّهُ لا يَغْفِرُ بِالإيمانِ ذُنُوبَ المَظالِمِ، قالَ مَعْناهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقِيلَ: مِن زائِدَةٌ، لِأنَّ الإسْلامَ يَجُبُّ ما قَبْلَهُ، فَلا يَبْقى مَعَهُ تَبِعَةٌ.
﴿ويُجِرْكم مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾: وهَذا كُلُّهُ وظَواهِرُ القُرْآنِ تَدُلُّ عَلى الثَّوابِ، وكَذا قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَهم ثَوابٌ وعَلَيْهِمْ عِقابٌ، يَلْتَقُونَ في الجَنَّةِ ويَزْدَحِمُونَ عَلى أبْوابِها. وقِيلَ: لا ثَوابَ لَها إلّا النَّجاةُ مِنَ النّارِ، وإلَيْهِ كانَ يَذْهَبُ أبُو حَنِيفَةَ.
﴿فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ في الأرْضِ﴾: أيْ بِفائِتٍ مِن عِقابِهِ، إذْ لا مَنجا مِنهُ، ولا مَهْرَبَ، كَقَوْلِهِ: ﴿وأنّا ظَنَنّا أنْ لَنْ نُعجِزَ اللَّهَ في الأرْضِ ولَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا﴾ [الجن: ١٢] . ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عامِرٍ: ولَيْسَ لَهم بِزِيادَةِ مِيمٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ولَمْ يَعْيَ﴾، مُضارِعَ عَيِيَ، عَلى وزْنِ فَعِلَ، بِكَسْرِ العَيْنِ، والحَسَنُ: ولَمْ يَعِي، بِكَسْرِ العَيْنِ وسُكُونِ الياءِ، ووَجْهُهُ أنَّهُ في الماضِي فُتِحَ عَيْنُ الكَلِمَةِ، كَما قالُوا في بَقِيَ: بَقا، وهي لُغَةٌ لِطَيِّيءٍ. ولَمّا بُنِيَ الماضِي عَلى فِعَلٍ بِفَتْحِ العَيْنِ، بُنِيَ مُضارِعُهُ عَلى يَفْعِلُ بِكَسْرِ العَيْنِ، فَجاءَ يَعْيى. فَلَمّا دَخَلَ الجازِمُ، حَذَفَ الياءَ، فَبَقِيَ يَعْيَ بِنَقْلِ حَرَكَةِ الياءِ إلى العَيْنِ، فَسَكَنَتِ الياءُ وبَقِيَ يَعِي. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (بِقادِرٍ): اسْمَ فاعِلٍ، والباءُ زائِدَةٌ في خَبَرِ أنَّ، وحَسَّنَ زِيادَتِها كَوْنُ ما قَبْلَها في حَيِّزِ النَّفْيِ. وقَدْ أجازَ الزَّجّاجُ: ما ظَنَنْتُ أنَّ أحَدًا بِقائِمٍ، قِياسًا عَلى هَذا، والصَّحِيحُ قَصْرُ ذَلِكَ عَلى السَّماعِ، فَكَأنَّهُ في الآيَةِ قالَ: ألَيْسَ اللَّهُ بِقادِرٍ ؟ ألا تَرى كَيْفَ جاءَ بِبَلى مُقَرِّرًا لِإحْياءِ المَوْتى لا لِرُؤْيَتِهِمْ ؟ وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ، وعِيسى، والأعْرَجُ: بِخِلافٍ عَنْهُ، ويَعْقُوبُ: يُقَدِّرُ مُضارِعًا.
﴿ألَيْسَ هَذا بِالحَقِّ﴾: أيْ يُقالُ لَهم، والإشارَةُ بِهَذا إلى العَذابِ. أيْ كُنْتُمْ تُكَذِّبُونَ بِأنَّكم تُعَذَّبُونَ، والمَعْنى: تَوْبِيخُهم عَلى اسْتِهْزائِهِمْ بِوَعْدِ اللَّهِ ووَعِيدِهِ وقَوْلِهِمْ: ﴿وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٨] .
﴿قالُوا بَلى ورَبِّنا﴾، تَصْدِيقٌ حَيْثُ لا يَنْفَعُ. وقالَ الحَسَنُ: إنَّهم لَيُعَذَّبُونَ في النّارِ وهم راضُونَ بِذَلِكَ لِأنْفُسِهِمْ، يَعْتَرِفُونَ أنَّهُ العَدْلُ، فَيَقُولُ لَهُمُ المُجاوِبُ مِنَ المَلائِكَةِ عِنْدَ ذَلِكَ: (فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ فاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ): الفاءُ عاطِفَةٌ هَذِهِ الجُمْلَةَ عَلى الجُمْلَةِ مِن أخْبارِ الكُفّارِ في الآخِرَةِ، والمَعْنى بَيْنَهُما مُرْتَبِطٌ: أيْ هَذِهِ حالُهم مَعَ اللَّهِ. فَلا تَسْتَعْجِلْ أنْتَ واصْبِرْ، ولا تَخَفْ إلّا اللَّهَ. وأُولُو العَزْمِ: أيْ أُولُو الجِدِّ مِنَ الرُّسُلِ، وهم مَن حُفِظَ لَهُ شِدَّةٌ مَعَ قَوْمِهِ ومُجاهَدَةٌ. فَتَكُونُ مِن لِلتَّبْعِيضِ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلْبَيانِ، أيِ الَّذِينَ هُمُ الرُّسُلُ، ويَكُونُ الرُّسُلُ كُلُّهم أُولِي العَزْمِ، وأُولُو العَزْمِ عَلى التَّبْعِيضِ يَقْتَضِي أنَّهم رُسُلٌ وغَيْرُ رُسُلٍ، وعَلى البَيانِ يَقْتَضِي أنَّهُمُ الرُّسُلُ، وكَوْنُها لِلتَّبْعِيضِ قَوْلُ عَطاءٍ الخُراسانِيِّ والكَلْبِيِّ، ولِلْبَيانِ قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ. وقالَ الحَسَنُ بْنُ الفَضْلِ: هُمُ الثَّمانِيَةَ عَشَرَ المَذْكُورَةُ في سُورَةِ الأنْعامِ، لِأنَّهُ قالَ عَقِبَ ذِكْرِهِمْ: (فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ) . وقالَ مُقاتِلٌ: هم سِتَّةٌ: نُوحٌ صَبَرَ عَلى أذى قَوْمِهِ طَوِيلًا، وإبْراهِيمُ صَبَرَ عَلى النّارِ، وإسْحاقُ صَبَرَ نَفْسَهُ عَلى الذَّبْحِ، ويَعْقُوبُ صَبَرَ عَلى الفَقْدِ لِوَلَدِهِ وعَمى (p-٦٩)بَصَرِهِ، وقالَ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ، ويُوسُفُ صَبَرَ عَلى السِّجْنِ والبِئْرِ، وأيُّوبُ عَلى البَلاءِ. وزادَ غَيْرُهُ: ومُوسى قالَ قَوْمُهُ: ﴿إنّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء: ٦١] ﴿قالَ كَلّا إنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٦٢]، وداوُدُ بَكى عَلى خَطِيئَتِهِ أرْبَعِينَ سَنَةً، وعِيسى لَمْ يَضَعْ لَبِنَةً عَلى لَبِنَةٍ وقالَ: إنَّها مَعْبَرٌ، فاعْبُرُوها ولا تَعْمَرُوها.
﴿ولا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ﴾: أيْ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ بِالعَذابِ، أيْ لا تَدْعُ لَهم بِتَعْجِيلِهِ، فَإنَّهُ نازِلٌ بِهِمْ لا مَحالَةَ وإنْ تَأخَّرَ، وإنَّهم مُسْتَقْصِرُونَ حِينَئِذٍ مُدَّةَ لَبْثِهِمْ في الدُّنْيا، كَأنَّهم ﴿لَمْ يَلْبَثُوا إلّا ساعَةً﴾ . وقَرَأ أُبَيٌّ: مِنَ النَّهارِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: مِن نَهارٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: بَلاغٌ، بِالرَّفْعِ، والظّاهِرُ رُجُوعُهُ إلى المُدَّةِ الَّتِي لَبِثُوا فِيها، كَأنَّهُ قِيلَ: تِلْكَ السّاعَةُ بَلاغُهم، كَما قالَ تَعالى: (مَتاعٌ قَلِيلٌ)، فَبَلاغٌ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. قِيلَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بَلاغٌ يَعْنِي بِهِ القُرْآنَ والشَّرْعَ، أيْ هَذا بَلاغٌ، أيْ تَبْلِيغٌ وإنْذارٌ. وقالَ أبُو مِجْلَزٍ: بَلاغٌ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ لَهم، ويَقِفُ عَلى فَلا تَسْتَعْجِلْ، وهَذا لَيْسَ بِجَيِّدٍ، لِأنَّ فِيهِ تَفْكِيكَ الكَلامِ بَعْضِهِ مِن بَعْضٍ، إذْ ظاهِرُ قَوْلِهِ: لَهم، أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: فَلا تَسْتَعْجِلْ لَهم، والحَيْلُولَةُ الجُمْلَةُ التَّشْبِيهِيَّةُ بَيْنَ الخَبَرِ والمُبْتَدَأِ. وقَرَأ الحَسَنُ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وعِيسى: بَلاغًا. بِالنَّصْبِ، فاحْتَمَلَ أنْ يُرادَ: بَلاغًا في القُرْآنِ، أيْ بُلِّغُوا بَلاغًا، أوْ بَلَّغْنا بَلاغًا. وقَرَأ الحَسَنُ أيْضًا: بَلاغٍ. بِالجَرِّ، نَعْتًا لِنَهارٍ. وقَرَأ أبُو مِجْلَزٍ، وأبُو سَراحٍ الهُذَلِيُّ: بَلَّغَ عَلِيٌّ الأمْرَ لِلنَّبِيِّ ﷺ، وهَذا يُؤَيِّدُ حَمْلَ ”بَلاغٌ“ رَفْعًا ونَصْبًا عَلى أنَّهُ يَعْنِي بِهِ تَبْلِيغَ القُرْآنِ والشَّرْعِ. وعَنْ أبِي مِجْلَزٍ أيْضًا: بَلَّغَ فِعْلًا ماضِيًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: يُهْلَكُ، بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ اللّامِ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، فِيما حَكى عَنْهُ ابْنُ خالَوَيْهِ: بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ اللّامِ، وعَنْهُ أيْضًا: بِفَتْحِ الياءِ واللّامِ، وماضِيهِ هَلِكَ بِكَسْرِ اللّامِ، وهي لُغَةٌ. وقالَ أبُو الفَتْحِ: هي مَرْغُوبٌ عَنْها. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ: يُهْلِكُ، بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ اللّامِ.
﴿إلّا القَوْمُ الفاسِقُونَ﴾: بِالنَّصْبِ، وفي هَذِهِ الآيَةِ وعِيدٌ وإنْذارٌ.
الأحقاف 46:31
(p-٦٦)﴿ولَقَدْ أهْلَكْنا ما حَوْلَكم مِنَ القُرى وصَرَّفْنا الآياتِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ ﴿فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ قُرْبانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهم وذَلِكَ إفْكُهم وما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ ﴿وإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ فَلَمّا حَضَرُوهُ قالُوا أنْصِتُوا فَلَمّا قُضِيَ ولَّوْا إلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ ﴿قالُوا ياقَوْمَنا إنّا سَمِعْنا كِتابًا أُنْزِلَ مِن بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إلى الحَقِّ وإلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿ياقَوْمَنا أجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ وآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكم ويُجِرْكم مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ ﴿ومَن لا يُجِبْ داعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ في الأرْضِ ولَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أولِياءُ أُولَئِكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ ولَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى بَلى إنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿ويَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلى النّارِ ألَيْسَ هَذا بِالحَقِّ قالُوا بَلى ورَبِّنا قالَ فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ ﴿فاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُو العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ ولا تَسْتَعْجِلْ لَهم كَأنَّهم يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إلّا ساعَةً مِن نَهارٍ بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إلّا القَوْمُ الفاسِقُونَ﴾ .
﴿ولَقَدْ أهْلَكْنا ما حَوْلَكم مِنَ القُرى﴾: خِطابٌ لِقُرَيْشٍ عَلى جِهَةِ التَّمْثِيلِ لَهم، والَّذِي حَوْلَهم مِنَ القُرى: مَأْرِبُ، وحِجْرُ، ثَمُودُ، وسَدُومُ. ويُرِيدُ مِن أهْلِ القُرى: ﴿وصَرَّفْنا الآياتِ﴾، أيِ الحُجَجَ والدَّلائِلَ والعِظاةَ لِأهْلِ تِلْكَ القُرى، (لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ) عَنْ ما هم فِيهِ مِنَ الكُفْرِ إلى الإيمانِ، فَلَمْ يَرْجِعُوا.
﴿فَلَوْلا نَصَرَهُمُ﴾: أيْ فَهَلّا نَصَرَهم حِينَ جاءَهُمُ الهَلاكُ ؟ (الَّذِينَ اتَّخَذُوا): أيِ اتَّخَذُوهم، ﴿مِن دُونِ اللَّهِ قُرْبانًا﴾: أيْ في حالِ التَّقَرُّبِ وجَعْلِهِمْ شُفَعاءَ. (آلِهَةً): وهو المَفْعُولُ الثّانِي لِاتَّخَذُوا، والأوَّلُ الضَّمِيرُ المَحْذُوفُ العائِدُ عَلى المَوْصُولِ. وأجازَ الحَوْفِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ وأبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ قُرْبانًا مَفْعُولًا ثانِيًا لِاتَّخَذُوا آلِهَةً بَدَلًا مِنهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقُرْبانًا حالٌ، ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ قُرْبانًا مَفْعُولًا ثانِيًا وآلِهَةً بَدَلًا مِنهُ، لِفَسادِ المَعْنى. انْتَهى. ولَمْ يُبَيِّنِ الزَّمَخْشَرِيُّ كَيْفَ يَفْسُدُ المَعْنى، ويَظْهَرُ أنَّ المَعْنى صَحِيحٌ عَلى ذَلِكَ الإعْرابِ. وأجازَ الحَوْفِيُّ أيْضًا أنْ يَكُونَ قُرْبانًا مَفْعُولًا مِن أجْلِهِ.
﴿بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ﴾: أيْ غابُوا عَنْ نُصْرَتِهِمْ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: إفْكُهم، بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وإسْكانِ الفاءِ وضَمِّ الكافِ، وابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةٍ: بِفَتْحِ الهَمْزَةِ. والإفْكُ مَصْدَرٌ آنِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، وابْنُ الزُّبَيْرِ، والصَّبّاحُ بْنُ العَلاءِ الأنْصارِيُّ، وأبُو عِياضٍ، وعِكْرِمَةُ، وحَنْظَلَةُ بْنُ النُّعْمانِ بْنِ مُرَّةَ، ومُجاهِدٌ: أفَكَهم، بِثَلاثِ فَتَحاتٍ: أيْ صَرَفَهم، وأبُو عِياضٍ، وعِكْرِمَةُ أيْضًا: كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُما شَدَّدا الفاءَ لِلتَّكْثِيرِ، وابْنُ الزُّبَيْرِ أيْضًا، وابْنُ عَبّاسٍ، فِيما ذَكَرَ ابْنُ خالَوَيْهِ: آفَكَهم بِالمَدِّ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ فاعَلَ. فالهَمْزَةُ أصْلِيَّةٌ، وأنْ يَكُونَ أفْعَلَ، فالهَمْزَةُ لِلتَّعْدِيَةِ، أيْ جَعَلَهم يَأْفِكُونَ، ويَكُونُ أفْعَلُ بِمَعْنى المُجَرَّدِ. وعَنِ الفَرّاءِ أنَّهُ قُرِئَ: أفَكُهم بِفَتْحِ الهَمْزَةِ والفاءِ وضَمِّ الكافِ، وهي لُغَةٌ في الإفْكِ، وابْنُ عَبّاسٍ، فِيما رَوى قُطْرُبٌ، وأبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ: آفِكُهُمُ اسْمُ فاعِلٍ مِن أفَكَ، أيْ صارَفَهم، والإشارَةُ بِذَلِكَ عَلى مَن قَرَأ: (p-٦٧)إفْكُهم مَصْدَرًا إلى اتِّخاذِ الأصْنامِ آلِهَةً، أيْ ذَلِكَ كَذِبُهم وافْتِراؤُهم. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وذَلِكَ إشارَةٌ إلى امْتِناعِ نُصْرَةِ آلِهَتِهِمْ لَهم وضَلالِهِمْ عَنْهم، أيْ وذَلِكَ أثَرُ إفْكِهِمُ الَّذِي هو اتِّخاذُهم إيّاها آلِهَةً، وثَمَرَةُ شِرْكِهِمْ وافْتِرائِهِمْ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ مِن كَوْنِهِ ذا شُرَكاءَ. انْتَهى. وعَلى قِراءَةِ مَن جَعَلَهُ فِعْلًا مَعْناهُ: وذَلِكَ الِاتِّخاذُ صَرَفَهم عَنِ الحَقِّ، وكَذَلِكَ قِراءَةُ اسْمِ الفاعِلِ، أيْ صارَفَهم عَنِ الحَقِّ. ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ ما مَصْدَرِيَّةً، أيْ وافْتِراؤُهم، وأنْ تَكُونَ بِمَعْنى الَّذِي والعائِدُ مَحْذُوفٌ، أيْ يَفْتَرُونَهُ.
﴿وإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ﴾: ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها: أنَّهُ لَمّا بَيَّنَ أنَّ الإنْسِيَّ مُؤْمِنٌ وكافِرٌ، وذَكَرَ أنَّ الجِنَّ فِيهِمْ مُؤْمِنٌ وكافِرٌ، وكانَ ذَلِكَ بِأثَرِ قِصَّةِ هُودٍ وقَوْمِهِ، لِما كانَ عَلَيْهِ قَوْمُهُ مِنَ الشِّدَّةِ والقُوَّةِ. والجِنُّ تُوصَفُ أيْضًا بِذَلِكَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿قالَ عِفْريتٌ مِنَ الجِنِّ أنا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ تَقُومَ مِن مَقامِكَ وإنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أمِينٌ﴾ [النمل: ٣٩] . وإنَّ ما أُهْلِكَ بِهِ قَوْمُ هُودٍ هو الرِّيحُ، وهو مِنَ العالَمِ الَّذِي لا يُشاهَدُ، وإنَّما يُحَسُّ بِهُبُوبِهِ. والجِنُّ أيْضًا مِنَ العالَمِ الَّذِي لا يُشاهَدُ. وإنَّهُودًا عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مِنَ العَرَبِ، ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ العَرَبِ، فَهَذِهِ تَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُناسَبَةً لِهَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها. وفِيها أيْضًا تَوْبِيخٌ لِقُرَيْشٍ وكُفّارِ العَرَبِ، حَيْثُ أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ هَذا الكِتابُ المُعْجِزُ، فَكَفَرُوا بِهِ، وهم مِن أهْلِ اللِّسانِ الَّذِي أُنْزِلَ بِهِ القُرْآنُ، ومِن جِنْسِ الرَّسُولِ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْهِمْ. وهَؤُلاءِ جِنٌّ، فَلَيْسُوا مِن جِنْسِهِ، وقَدْ أثَّرَ فِيهِمْ سَماعُ القُرْآنِ وآمَنُوا بِهِ وبِمَن أُنْزِلَ عَلَيْهِ، وعَلِمُوا أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ، بِخِلافِ قُرَيْشٍ وأمْثالِها، فَهم مُصِرُّونَ عَلى الكُفْرِ بِهِ.
﴿وإذْ صَرَفْنا﴾: وجَّهْنا إلَيْكَ. وقَرَأ: صَرَّفْنا، بِتَشْدِيدِ الرّاءِ، لِأنَّهم كانُوا جَماعَةً، فالتَّكْثِيرُ بِحَسْبِ الحالِ.
﴿نَفَرًا مِنَ الجِنِّ﴾، والنَّفَرُ دُونَ العَشَرَةِ، ويُجْمَعُ عَلى أنْفارٍ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانُوا سَبْعَةً، مِنهم زَوْبَعَةُ. والَّذِي يَجْمَعُ اخْتِلافَ الرِّواياتِ أنَّ قِصَّةَ الجِنِّ كانَتْ مَرَّتَيْنِ.
إحْداهُما: حِينَ انْصَرَفَ مِنَ الطّائِفِ، وكانَ خَرَجَ إلَيْهِمْ يَسْتَنْصِرُهم في قِصَّةٍ ذَكَرَها أصْحابُ السِّيَرِ. فَرُوِيَ أنَّ الجِنَّ كانَتْ تَسْتَرِقُ السَّمْعَ، فَلَمّا بُعِثَ الرَّسُولُ، حُرِسَتِ السَّماءُ، ورُمِيَ الجِنُّ بِالشُّهُبِ، قالُوا: ما هَذا إلّا أمْرٌ حَدَثَ. وطافُوا الأرْضَ، فَوافَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِوادِي نَخْلَةَ، وهو قائِمٌ يُصَلِّي، فاسْتَمَعُوا لِقِراءَتِهِ، وهو لا يَشْعُرُ، فَأنْبَأهُ اللَّهُ بِاسْتِماعِهِمْ.
والمَرَّةُ الأُخْرى أنَّ اللَّهَ أمَرَهُ أنْ يُنْذِرَ الجِنَّ ويَقْرَأ عَلَيْهِمْ فَقالَ: «إنِّي أُمِرْتُ أنْ أقْرَأ عَلى الجِنِّ فَمَن يَتْبَعُنِي ”، قالَها ثَلاثًا، فَأطْرَقُوا إلّا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ، قالَ: لَمْ يَحْضُرْهُ أحَدٌ لَيْلَةَ الجِنِّ غَيْرِي. فانْطَلَقْنا حَتّى إذا كُنّا في شِعْبِ الحَجُونِ، خَطَّ لِي خَطًّا وقالَ:“ لا تَخْرُجْ مِنهُ حَتّى أعُودَ إلَيْكَ ”، ثُمَّ افْتَتَحَ القُرْآنَ. وسَمِعْتُ لَغَطًا شَدِيدًا حَتّى خِفْتُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وغَشِيَتْهُ أسْوِدَةٌ كَثِيرَةٌ حالَتْ بَيْنِي وبَيْنَهُ حَتّى ما أسْمَعَ صَوْتَهُ، ثُمَّ تَقَطَّعُوا تَقَطُّعَ السَّحابِ، فَقالَ لِي:“ هَلْ رَأيْتَ شَيْئًا ”؟ قُلْتُ: نَعَمْ، رِجالًا سُودًا مُسْتَثْفِرِي ثِيابٍ بِيضٍ، فَقالَ:“ أُولَئِكَ جِنُّ نَصِيبِينَ ”. وكانُوا اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا، والسُّورَةُ الَّتِي قَرَأها عَلَيْهِمْ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١] . وفي آخِرِ هَذا الحَدِيثِ قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، سَمِعْتُ لَهم لَغَطًا، فَقالَ:“ إنَّهم تَدّارَءُوا في قَتِيلٍ لَهم فَحَكَمْتُ بِالحَقِّ» . وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ «لَمْ يَحْضُرْ أحَدٌ لَيْلَةَ الجِنِّ»، واللَّهُ أعْلَمُ بِصِحَّةِ ذَلِكَ.
﴿فَلَمّا حَضَرُوهُ﴾: أيِ القُرْآنَ، أيْ كانُوا بِمَسْمَعٍ مِنهُ، وقِيلَ: حَضَرُوا الرَّسُولَ، وهو التِفاتٌ مِن إلَيْكَ إلى ضَمِيرِ الغَيْبِ.
﴿قالُوا أنْصِتُوا﴾: أيِ اسْكُتُوا لِلِاسْتِماعِ، وفِيهِ تَأْدِيبٌ مَعَ العِلْمِ وكَيْفَ يَتَعَلَّمُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (فَلَمّا قُضِيَ): مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وأبُو مِجْلَزٍ، وحَبِيبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ: قَضى، مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، أيْ قَضى مُحَمَّدٌ ما قَرَأ، أيْ أتَمَّهُ وفَرَغَ مِنهُ. وقالَ ابْنُ عُمَرَ، وجابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: قَرَأ عَلَيْهِمْ سُورَةَ الرَّحْمَنِ، فَكانَ إذا قالَ: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ١٦]، قالُوا: لا شَيْءَ مِن آياتِ رَبِّنا نُكَذِّبُ رَبَّنا لَكَ الحَمْدُ.
﴿ولَّوْا إلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾: تَفَرَّقُوا عَلى البِلادِ يُنْذِرُونَ الجِنَّ. قالَ قَتادَةُ: ما أسْرَعَ ما عَقَلَ القَوْمُ. انْتَهى. وعِنْدَ ذَلِكَ وقَعَتْ قِصَّةُ سَوادِ بْنِ (p-٦٨)قارِبٍ، وخُنافِرَ وأمْثالُهُما، حِينَ جاءَهُما رَيّاهُما مِنَ الجِنِّ، وكانَ سَبَبُ إسْلامِهِما.
﴿مِن بَعْدِ مُوسى﴾: أيْ مِن بَعْدِ كِتابِ مُوسى. قالَ عَطاءٌ: كانُوا عَلى مِلَّةِ اليَهُودِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: لَمْ تَسْمَعِ الجِنُّ بِأمْرِ عِيسى، وهَذا لا يَصِحُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. كَيْفَ لا تَسْمَعُ بِأمْرِ عِيسى ولَهُ أُمَّةٌ عَظِيمَةٌ لا تَنْحَصِرُ عَلى مِلَّتِهِ ؟ فَيَبْعُدُ عَنِ الجِنِّ كَوْنُهم لَمْ يَسْمَعُوا بِهِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونُوا قالُوا: ﴿مِن بَعْدِ مُوسى﴾ تَنْبِيهًا لِقَوْمِهِمْ عَلى اتِّباعِ الرَّسُولِ، إذْ كانَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَدْ بَشَّرَ بِهِ مُوسى، فَقالُوا: ذَلِكَ مِن حَيْثُ إنَّ هَذا الأمْرَ مَذْكُورٌ في التَّوْراةِ، ﴿مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ مِنَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ والكُتُبِ الإلَهِيَّةِ، إذْ كانَتْ كُلُّها مُشْتَمِلَةً عَلى التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ والمَعادِ، والأمْرُ بِتَطْهِيرِ الأخْلاقِ.
﴿يَهْدِي إلى الحَقِّ﴾: أيْ إلى ما هو حَقٌّ في نَفْسِهِ صِدْقٌ، يُعْلَمُ ذَلِكَ بِصَرِيحِ العَقْلِ. (وإلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ): غايَرَ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ، والمَعْنى مُتَقارِبٌ، ورُبَّما اسْتُعْمِلَ أحَدُهُما في مَوْضِعٍ لا يُسْتَعْمَلُ الآخَرُ فِيهِ، فَجَمَعَ هُنا بَيْنَهُما وحَسُنَ التَّكْرارُ.
﴿أجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ﴾: هو الرَّسُولُ، والواسِطَةُ المُبَلِّغَةُ عَنْهُ، ﴿ياقَوْمَنا أجِيبُوا﴾: يَعُودُ عَلى اللَّهِ.
﴿يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكُمْ﴾: مِن لِلتَّبْعِيضِ، لِأنَّهُ لا يَغْفِرُ بِالإيمانِ ذُنُوبَ المَظالِمِ، قالَ مَعْناهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقِيلَ: مِن زائِدَةٌ، لِأنَّ الإسْلامَ يَجُبُّ ما قَبْلَهُ، فَلا يَبْقى مَعَهُ تَبِعَةٌ.
﴿ويُجِرْكم مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾: وهَذا كُلُّهُ وظَواهِرُ القُرْآنِ تَدُلُّ عَلى الثَّوابِ، وكَذا قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَهم ثَوابٌ وعَلَيْهِمْ عِقابٌ، يَلْتَقُونَ في الجَنَّةِ ويَزْدَحِمُونَ عَلى أبْوابِها. وقِيلَ: لا ثَوابَ لَها إلّا النَّجاةُ مِنَ النّارِ، وإلَيْهِ كانَ يَذْهَبُ أبُو حَنِيفَةَ.
﴿فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ في الأرْضِ﴾: أيْ بِفائِتٍ مِن عِقابِهِ، إذْ لا مَنجا مِنهُ، ولا مَهْرَبَ، كَقَوْلِهِ: ﴿وأنّا ظَنَنّا أنْ لَنْ نُعجِزَ اللَّهَ في الأرْضِ ولَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا﴾ [الجن: ١٢] . ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عامِرٍ: ولَيْسَ لَهم بِزِيادَةِ مِيمٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ولَمْ يَعْيَ﴾، مُضارِعَ عَيِيَ، عَلى وزْنِ فَعِلَ، بِكَسْرِ العَيْنِ، والحَسَنُ: ولَمْ يَعِي، بِكَسْرِ العَيْنِ وسُكُونِ الياءِ، ووَجْهُهُ أنَّهُ في الماضِي فُتِحَ عَيْنُ الكَلِمَةِ، كَما قالُوا في بَقِيَ: بَقا، وهي لُغَةٌ لِطَيِّيءٍ. ولَمّا بُنِيَ الماضِي عَلى فِعَلٍ بِفَتْحِ العَيْنِ، بُنِيَ مُضارِعُهُ عَلى يَفْعِلُ بِكَسْرِ العَيْنِ، فَجاءَ يَعْيى. فَلَمّا دَخَلَ الجازِمُ، حَذَفَ الياءَ، فَبَقِيَ يَعْيَ بِنَقْلِ حَرَكَةِ الياءِ إلى العَيْنِ، فَسَكَنَتِ الياءُ وبَقِيَ يَعِي. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (بِقادِرٍ): اسْمَ فاعِلٍ، والباءُ زائِدَةٌ في خَبَرِ أنَّ، وحَسَّنَ زِيادَتِها كَوْنُ ما قَبْلَها في حَيِّزِ النَّفْيِ. وقَدْ أجازَ الزَّجّاجُ: ما ظَنَنْتُ أنَّ أحَدًا بِقائِمٍ، قِياسًا عَلى هَذا، والصَّحِيحُ قَصْرُ ذَلِكَ عَلى السَّماعِ، فَكَأنَّهُ في الآيَةِ قالَ: ألَيْسَ اللَّهُ بِقادِرٍ ؟ ألا تَرى كَيْفَ جاءَ بِبَلى مُقَرِّرًا لِإحْياءِ المَوْتى لا لِرُؤْيَتِهِمْ ؟ وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ، وعِيسى، والأعْرَجُ: بِخِلافٍ عَنْهُ، ويَعْقُوبُ: يُقَدِّرُ مُضارِعًا.
﴿ألَيْسَ هَذا بِالحَقِّ﴾: أيْ يُقالُ لَهم، والإشارَةُ بِهَذا إلى العَذابِ. أيْ كُنْتُمْ تُكَذِّبُونَ بِأنَّكم تُعَذَّبُونَ، والمَعْنى: تَوْبِيخُهم عَلى اسْتِهْزائِهِمْ بِوَعْدِ اللَّهِ ووَعِيدِهِ وقَوْلِهِمْ: ﴿وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٨] .
﴿قالُوا بَلى ورَبِّنا﴾، تَصْدِيقٌ حَيْثُ لا يَنْفَعُ. وقالَ الحَسَنُ: إنَّهم لَيُعَذَّبُونَ في النّارِ وهم راضُونَ بِذَلِكَ لِأنْفُسِهِمْ، يَعْتَرِفُونَ أنَّهُ العَدْلُ، فَيَقُولُ لَهُمُ المُجاوِبُ مِنَ المَلائِكَةِ عِنْدَ ذَلِكَ: (فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ فاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ): الفاءُ عاطِفَةٌ هَذِهِ الجُمْلَةَ عَلى الجُمْلَةِ مِن أخْبارِ الكُفّارِ في الآخِرَةِ، والمَعْنى بَيْنَهُما مُرْتَبِطٌ: أيْ هَذِهِ حالُهم مَعَ اللَّهِ. فَلا تَسْتَعْجِلْ أنْتَ واصْبِرْ، ولا تَخَفْ إلّا اللَّهَ. وأُولُو العَزْمِ: أيْ أُولُو الجِدِّ مِنَ الرُّسُلِ، وهم مَن حُفِظَ لَهُ شِدَّةٌ مَعَ قَوْمِهِ ومُجاهَدَةٌ. فَتَكُونُ مِن لِلتَّبْعِيضِ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلْبَيانِ، أيِ الَّذِينَ هُمُ الرُّسُلُ، ويَكُونُ الرُّسُلُ كُلُّهم أُولِي العَزْمِ، وأُولُو العَزْمِ عَلى التَّبْعِيضِ يَقْتَضِي أنَّهم رُسُلٌ وغَيْرُ رُسُلٍ، وعَلى البَيانِ يَقْتَضِي أنَّهُمُ الرُّسُلُ، وكَوْنُها لِلتَّبْعِيضِ قَوْلُ عَطاءٍ الخُراسانِيِّ والكَلْبِيِّ، ولِلْبَيانِ قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ. وقالَ الحَسَنُ بْنُ الفَضْلِ: هُمُ الثَّمانِيَةَ عَشَرَ المَذْكُورَةُ في سُورَةِ الأنْعامِ، لِأنَّهُ قالَ عَقِبَ ذِكْرِهِمْ: (فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ) . وقالَ مُقاتِلٌ: هم سِتَّةٌ: نُوحٌ صَبَرَ عَلى أذى قَوْمِهِ طَوِيلًا، وإبْراهِيمُ صَبَرَ عَلى النّارِ، وإسْحاقُ صَبَرَ نَفْسَهُ عَلى الذَّبْحِ، ويَعْقُوبُ صَبَرَ عَلى الفَقْدِ لِوَلَدِهِ وعَمى (p-٦٩)بَصَرِهِ، وقالَ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ، ويُوسُفُ صَبَرَ عَلى السِّجْنِ والبِئْرِ، وأيُّوبُ عَلى البَلاءِ. وزادَ غَيْرُهُ: ومُوسى قالَ قَوْمُهُ: ﴿إنّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء: ٦١] ﴿قالَ كَلّا إنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٦٢]، وداوُدُ بَكى عَلى خَطِيئَتِهِ أرْبَعِينَ سَنَةً، وعِيسى لَمْ يَضَعْ لَبِنَةً عَلى لَبِنَةٍ وقالَ: إنَّها مَعْبَرٌ، فاعْبُرُوها ولا تَعْمَرُوها.
﴿ولا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ﴾: أيْ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ بِالعَذابِ، أيْ لا تَدْعُ لَهم بِتَعْجِيلِهِ، فَإنَّهُ نازِلٌ بِهِمْ لا مَحالَةَ وإنْ تَأخَّرَ، وإنَّهم مُسْتَقْصِرُونَ حِينَئِذٍ مُدَّةَ لَبْثِهِمْ في الدُّنْيا، كَأنَّهم ﴿لَمْ يَلْبَثُوا إلّا ساعَةً﴾ . وقَرَأ أُبَيٌّ: مِنَ النَّهارِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: مِن نَهارٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: بَلاغٌ، بِالرَّفْعِ، والظّاهِرُ رُجُوعُهُ إلى المُدَّةِ الَّتِي لَبِثُوا فِيها، كَأنَّهُ قِيلَ: تِلْكَ السّاعَةُ بَلاغُهم، كَما قالَ تَعالى: (مَتاعٌ قَلِيلٌ)، فَبَلاغٌ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. قِيلَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بَلاغٌ يَعْنِي بِهِ القُرْآنَ والشَّرْعَ، أيْ هَذا بَلاغٌ، أيْ تَبْلِيغٌ وإنْذارٌ. وقالَ أبُو مِجْلَزٍ: بَلاغٌ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ لَهم، ويَقِفُ عَلى فَلا تَسْتَعْجِلْ، وهَذا لَيْسَ بِجَيِّدٍ، لِأنَّ فِيهِ تَفْكِيكَ الكَلامِ بَعْضِهِ مِن بَعْضٍ، إذْ ظاهِرُ قَوْلِهِ: لَهم، أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: فَلا تَسْتَعْجِلْ لَهم، والحَيْلُولَةُ الجُمْلَةُ التَّشْبِيهِيَّةُ بَيْنَ الخَبَرِ والمُبْتَدَأِ. وقَرَأ الحَسَنُ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وعِيسى: بَلاغًا. بِالنَّصْبِ، فاحْتَمَلَ أنْ يُرادَ: بَلاغًا في القُرْآنِ، أيْ بُلِّغُوا بَلاغًا، أوْ بَلَّغْنا بَلاغًا. وقَرَأ الحَسَنُ أيْضًا: بَلاغٍ. بِالجَرِّ، نَعْتًا لِنَهارٍ. وقَرَأ أبُو مِجْلَزٍ، وأبُو سَراحٍ الهُذَلِيُّ: بَلَّغَ عَلِيٌّ الأمْرَ لِلنَّبِيِّ ﷺ، وهَذا يُؤَيِّدُ حَمْلَ ”بَلاغٌ“ رَفْعًا ونَصْبًا عَلى أنَّهُ يَعْنِي بِهِ تَبْلِيغَ القُرْآنِ والشَّرْعِ. وعَنْ أبِي مِجْلَزٍ أيْضًا: بَلَّغَ فِعْلًا ماضِيًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: يُهْلَكُ، بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ اللّامِ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، فِيما حَكى عَنْهُ ابْنُ خالَوَيْهِ: بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ اللّامِ، وعَنْهُ أيْضًا: بِفَتْحِ الياءِ واللّامِ، وماضِيهِ هَلِكَ بِكَسْرِ اللّامِ، وهي لُغَةٌ. وقالَ أبُو الفَتْحِ: هي مَرْغُوبٌ عَنْها. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ: يُهْلِكُ، بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ اللّامِ.
﴿إلّا القَوْمُ الفاسِقُونَ﴾: بِالنَّصْبِ، وفي هَذِهِ الآيَةِ وعِيدٌ وإنْذارٌ.
الأحقاف 46:32
(p-٦٦)﴿ولَقَدْ أهْلَكْنا ما حَوْلَكم مِنَ القُرى وصَرَّفْنا الآياتِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ ﴿فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ قُرْبانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهم وذَلِكَ إفْكُهم وما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ ﴿وإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ فَلَمّا حَضَرُوهُ قالُوا أنْصِتُوا فَلَمّا قُضِيَ ولَّوْا إلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ ﴿قالُوا ياقَوْمَنا إنّا سَمِعْنا كِتابًا أُنْزِلَ مِن بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إلى الحَقِّ وإلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿ياقَوْمَنا أجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ وآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكم ويُجِرْكم مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ ﴿ومَن لا يُجِبْ داعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ في الأرْضِ ولَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أولِياءُ أُولَئِكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ ولَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى بَلى إنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿ويَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلى النّارِ ألَيْسَ هَذا بِالحَقِّ قالُوا بَلى ورَبِّنا قالَ فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ ﴿فاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُو العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ ولا تَسْتَعْجِلْ لَهم كَأنَّهم يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إلّا ساعَةً مِن نَهارٍ بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إلّا القَوْمُ الفاسِقُونَ﴾ .
﴿ولَقَدْ أهْلَكْنا ما حَوْلَكم مِنَ القُرى﴾: خِطابٌ لِقُرَيْشٍ عَلى جِهَةِ التَّمْثِيلِ لَهم، والَّذِي حَوْلَهم مِنَ القُرى: مَأْرِبُ، وحِجْرُ، ثَمُودُ، وسَدُومُ. ويُرِيدُ مِن أهْلِ القُرى: ﴿وصَرَّفْنا الآياتِ﴾، أيِ الحُجَجَ والدَّلائِلَ والعِظاةَ لِأهْلِ تِلْكَ القُرى، (لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ) عَنْ ما هم فِيهِ مِنَ الكُفْرِ إلى الإيمانِ، فَلَمْ يَرْجِعُوا.
﴿فَلَوْلا نَصَرَهُمُ﴾: أيْ فَهَلّا نَصَرَهم حِينَ جاءَهُمُ الهَلاكُ ؟ (الَّذِينَ اتَّخَذُوا): أيِ اتَّخَذُوهم، ﴿مِن دُونِ اللَّهِ قُرْبانًا﴾: أيْ في حالِ التَّقَرُّبِ وجَعْلِهِمْ شُفَعاءَ. (آلِهَةً): وهو المَفْعُولُ الثّانِي لِاتَّخَذُوا، والأوَّلُ الضَّمِيرُ المَحْذُوفُ العائِدُ عَلى المَوْصُولِ. وأجازَ الحَوْفِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ وأبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ قُرْبانًا مَفْعُولًا ثانِيًا لِاتَّخَذُوا آلِهَةً بَدَلًا مِنهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقُرْبانًا حالٌ، ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ قُرْبانًا مَفْعُولًا ثانِيًا وآلِهَةً بَدَلًا مِنهُ، لِفَسادِ المَعْنى. انْتَهى. ولَمْ يُبَيِّنِ الزَّمَخْشَرِيُّ كَيْفَ يَفْسُدُ المَعْنى، ويَظْهَرُ أنَّ المَعْنى صَحِيحٌ عَلى ذَلِكَ الإعْرابِ. وأجازَ الحَوْفِيُّ أيْضًا أنْ يَكُونَ قُرْبانًا مَفْعُولًا مِن أجْلِهِ.
﴿بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ﴾: أيْ غابُوا عَنْ نُصْرَتِهِمْ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: إفْكُهم، بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وإسْكانِ الفاءِ وضَمِّ الكافِ، وابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةٍ: بِفَتْحِ الهَمْزَةِ. والإفْكُ مَصْدَرٌ آنِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، وابْنُ الزُّبَيْرِ، والصَّبّاحُ بْنُ العَلاءِ الأنْصارِيُّ، وأبُو عِياضٍ، وعِكْرِمَةُ، وحَنْظَلَةُ بْنُ النُّعْمانِ بْنِ مُرَّةَ، ومُجاهِدٌ: أفَكَهم، بِثَلاثِ فَتَحاتٍ: أيْ صَرَفَهم، وأبُو عِياضٍ، وعِكْرِمَةُ أيْضًا: كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُما شَدَّدا الفاءَ لِلتَّكْثِيرِ، وابْنُ الزُّبَيْرِ أيْضًا، وابْنُ عَبّاسٍ، فِيما ذَكَرَ ابْنُ خالَوَيْهِ: آفَكَهم بِالمَدِّ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ فاعَلَ. فالهَمْزَةُ أصْلِيَّةٌ، وأنْ يَكُونَ أفْعَلَ، فالهَمْزَةُ لِلتَّعْدِيَةِ، أيْ جَعَلَهم يَأْفِكُونَ، ويَكُونُ أفْعَلُ بِمَعْنى المُجَرَّدِ. وعَنِ الفَرّاءِ أنَّهُ قُرِئَ: أفَكُهم بِفَتْحِ الهَمْزَةِ والفاءِ وضَمِّ الكافِ، وهي لُغَةٌ في الإفْكِ، وابْنُ عَبّاسٍ، فِيما رَوى قُطْرُبٌ، وأبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ: آفِكُهُمُ اسْمُ فاعِلٍ مِن أفَكَ، أيْ صارَفَهم، والإشارَةُ بِذَلِكَ عَلى مَن قَرَأ: (p-٦٧)إفْكُهم مَصْدَرًا إلى اتِّخاذِ الأصْنامِ آلِهَةً، أيْ ذَلِكَ كَذِبُهم وافْتِراؤُهم. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وذَلِكَ إشارَةٌ إلى امْتِناعِ نُصْرَةِ آلِهَتِهِمْ لَهم وضَلالِهِمْ عَنْهم، أيْ وذَلِكَ أثَرُ إفْكِهِمُ الَّذِي هو اتِّخاذُهم إيّاها آلِهَةً، وثَمَرَةُ شِرْكِهِمْ وافْتِرائِهِمْ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ مِن كَوْنِهِ ذا شُرَكاءَ. انْتَهى. وعَلى قِراءَةِ مَن جَعَلَهُ فِعْلًا مَعْناهُ: وذَلِكَ الِاتِّخاذُ صَرَفَهم عَنِ الحَقِّ، وكَذَلِكَ قِراءَةُ اسْمِ الفاعِلِ، أيْ صارَفَهم عَنِ الحَقِّ. ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ ما مَصْدَرِيَّةً، أيْ وافْتِراؤُهم، وأنْ تَكُونَ بِمَعْنى الَّذِي والعائِدُ مَحْذُوفٌ، أيْ يَفْتَرُونَهُ.
﴿وإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ﴾: ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها: أنَّهُ لَمّا بَيَّنَ أنَّ الإنْسِيَّ مُؤْمِنٌ وكافِرٌ، وذَكَرَ أنَّ الجِنَّ فِيهِمْ مُؤْمِنٌ وكافِرٌ، وكانَ ذَلِكَ بِأثَرِ قِصَّةِ هُودٍ وقَوْمِهِ، لِما كانَ عَلَيْهِ قَوْمُهُ مِنَ الشِّدَّةِ والقُوَّةِ. والجِنُّ تُوصَفُ أيْضًا بِذَلِكَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿قالَ عِفْريتٌ مِنَ الجِنِّ أنا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ تَقُومَ مِن مَقامِكَ وإنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أمِينٌ﴾ [النمل: ٣٩] . وإنَّ ما أُهْلِكَ بِهِ قَوْمُ هُودٍ هو الرِّيحُ، وهو مِنَ العالَمِ الَّذِي لا يُشاهَدُ، وإنَّما يُحَسُّ بِهُبُوبِهِ. والجِنُّ أيْضًا مِنَ العالَمِ الَّذِي لا يُشاهَدُ. وإنَّهُودًا عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مِنَ العَرَبِ، ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ العَرَبِ، فَهَذِهِ تَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُناسَبَةً لِهَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها. وفِيها أيْضًا تَوْبِيخٌ لِقُرَيْشٍ وكُفّارِ العَرَبِ، حَيْثُ أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ هَذا الكِتابُ المُعْجِزُ، فَكَفَرُوا بِهِ، وهم مِن أهْلِ اللِّسانِ الَّذِي أُنْزِلَ بِهِ القُرْآنُ، ومِن جِنْسِ الرَّسُولِ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْهِمْ. وهَؤُلاءِ جِنٌّ، فَلَيْسُوا مِن جِنْسِهِ، وقَدْ أثَّرَ فِيهِمْ سَماعُ القُرْآنِ وآمَنُوا بِهِ وبِمَن أُنْزِلَ عَلَيْهِ، وعَلِمُوا أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ، بِخِلافِ قُرَيْشٍ وأمْثالِها، فَهم مُصِرُّونَ عَلى الكُفْرِ بِهِ.
﴿وإذْ صَرَفْنا﴾: وجَّهْنا إلَيْكَ. وقَرَأ: صَرَّفْنا، بِتَشْدِيدِ الرّاءِ، لِأنَّهم كانُوا جَماعَةً، فالتَّكْثِيرُ بِحَسْبِ الحالِ.
﴿نَفَرًا مِنَ الجِنِّ﴾، والنَّفَرُ دُونَ العَشَرَةِ، ويُجْمَعُ عَلى أنْفارٍ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانُوا سَبْعَةً، مِنهم زَوْبَعَةُ. والَّذِي يَجْمَعُ اخْتِلافَ الرِّواياتِ أنَّ قِصَّةَ الجِنِّ كانَتْ مَرَّتَيْنِ.
إحْداهُما: حِينَ انْصَرَفَ مِنَ الطّائِفِ، وكانَ خَرَجَ إلَيْهِمْ يَسْتَنْصِرُهم في قِصَّةٍ ذَكَرَها أصْحابُ السِّيَرِ. فَرُوِيَ أنَّ الجِنَّ كانَتْ تَسْتَرِقُ السَّمْعَ، فَلَمّا بُعِثَ الرَّسُولُ، حُرِسَتِ السَّماءُ، ورُمِيَ الجِنُّ بِالشُّهُبِ، قالُوا: ما هَذا إلّا أمْرٌ حَدَثَ. وطافُوا الأرْضَ، فَوافَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِوادِي نَخْلَةَ، وهو قائِمٌ يُصَلِّي، فاسْتَمَعُوا لِقِراءَتِهِ، وهو لا يَشْعُرُ، فَأنْبَأهُ اللَّهُ بِاسْتِماعِهِمْ.
والمَرَّةُ الأُخْرى أنَّ اللَّهَ أمَرَهُ أنْ يُنْذِرَ الجِنَّ ويَقْرَأ عَلَيْهِمْ فَقالَ: «إنِّي أُمِرْتُ أنْ أقْرَأ عَلى الجِنِّ فَمَن يَتْبَعُنِي ”، قالَها ثَلاثًا، فَأطْرَقُوا إلّا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ، قالَ: لَمْ يَحْضُرْهُ أحَدٌ لَيْلَةَ الجِنِّ غَيْرِي. فانْطَلَقْنا حَتّى إذا كُنّا في شِعْبِ الحَجُونِ، خَطَّ لِي خَطًّا وقالَ:“ لا تَخْرُجْ مِنهُ حَتّى أعُودَ إلَيْكَ ”، ثُمَّ افْتَتَحَ القُرْآنَ. وسَمِعْتُ لَغَطًا شَدِيدًا حَتّى خِفْتُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وغَشِيَتْهُ أسْوِدَةٌ كَثِيرَةٌ حالَتْ بَيْنِي وبَيْنَهُ حَتّى ما أسْمَعَ صَوْتَهُ، ثُمَّ تَقَطَّعُوا تَقَطُّعَ السَّحابِ، فَقالَ لِي:“ هَلْ رَأيْتَ شَيْئًا ”؟ قُلْتُ: نَعَمْ، رِجالًا سُودًا مُسْتَثْفِرِي ثِيابٍ بِيضٍ، فَقالَ:“ أُولَئِكَ جِنُّ نَصِيبِينَ ”. وكانُوا اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا، والسُّورَةُ الَّتِي قَرَأها عَلَيْهِمْ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١] . وفي آخِرِ هَذا الحَدِيثِ قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، سَمِعْتُ لَهم لَغَطًا، فَقالَ:“ إنَّهم تَدّارَءُوا في قَتِيلٍ لَهم فَحَكَمْتُ بِالحَقِّ» . وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ «لَمْ يَحْضُرْ أحَدٌ لَيْلَةَ الجِنِّ»، واللَّهُ أعْلَمُ بِصِحَّةِ ذَلِكَ.
﴿فَلَمّا حَضَرُوهُ﴾: أيِ القُرْآنَ، أيْ كانُوا بِمَسْمَعٍ مِنهُ، وقِيلَ: حَضَرُوا الرَّسُولَ، وهو التِفاتٌ مِن إلَيْكَ إلى ضَمِيرِ الغَيْبِ.
﴿قالُوا أنْصِتُوا﴾: أيِ اسْكُتُوا لِلِاسْتِماعِ، وفِيهِ تَأْدِيبٌ مَعَ العِلْمِ وكَيْفَ يَتَعَلَّمُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (فَلَمّا قُضِيَ): مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وأبُو مِجْلَزٍ، وحَبِيبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ: قَضى، مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، أيْ قَضى مُحَمَّدٌ ما قَرَأ، أيْ أتَمَّهُ وفَرَغَ مِنهُ. وقالَ ابْنُ عُمَرَ، وجابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: قَرَأ عَلَيْهِمْ سُورَةَ الرَّحْمَنِ، فَكانَ إذا قالَ: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ١٦]، قالُوا: لا شَيْءَ مِن آياتِ رَبِّنا نُكَذِّبُ رَبَّنا لَكَ الحَمْدُ.
﴿ولَّوْا إلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾: تَفَرَّقُوا عَلى البِلادِ يُنْذِرُونَ الجِنَّ. قالَ قَتادَةُ: ما أسْرَعَ ما عَقَلَ القَوْمُ. انْتَهى. وعِنْدَ ذَلِكَ وقَعَتْ قِصَّةُ سَوادِ بْنِ (p-٦٨)قارِبٍ، وخُنافِرَ وأمْثالُهُما، حِينَ جاءَهُما رَيّاهُما مِنَ الجِنِّ، وكانَ سَبَبُ إسْلامِهِما.
﴿مِن بَعْدِ مُوسى﴾: أيْ مِن بَعْدِ كِتابِ مُوسى. قالَ عَطاءٌ: كانُوا عَلى مِلَّةِ اليَهُودِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: لَمْ تَسْمَعِ الجِنُّ بِأمْرِ عِيسى، وهَذا لا يَصِحُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. كَيْفَ لا تَسْمَعُ بِأمْرِ عِيسى ولَهُ أُمَّةٌ عَظِيمَةٌ لا تَنْحَصِرُ عَلى مِلَّتِهِ ؟ فَيَبْعُدُ عَنِ الجِنِّ كَوْنُهم لَمْ يَسْمَعُوا بِهِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونُوا قالُوا: ﴿مِن بَعْدِ مُوسى﴾ تَنْبِيهًا لِقَوْمِهِمْ عَلى اتِّباعِ الرَّسُولِ، إذْ كانَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَدْ بَشَّرَ بِهِ مُوسى، فَقالُوا: ذَلِكَ مِن حَيْثُ إنَّ هَذا الأمْرَ مَذْكُورٌ في التَّوْراةِ، ﴿مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ مِنَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ والكُتُبِ الإلَهِيَّةِ، إذْ كانَتْ كُلُّها مُشْتَمِلَةً عَلى التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ والمَعادِ، والأمْرُ بِتَطْهِيرِ الأخْلاقِ.
﴿يَهْدِي إلى الحَقِّ﴾: أيْ إلى ما هو حَقٌّ في نَفْسِهِ صِدْقٌ، يُعْلَمُ ذَلِكَ بِصَرِيحِ العَقْلِ. (وإلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ): غايَرَ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ، والمَعْنى مُتَقارِبٌ، ورُبَّما اسْتُعْمِلَ أحَدُهُما في مَوْضِعٍ لا يُسْتَعْمَلُ الآخَرُ فِيهِ، فَجَمَعَ هُنا بَيْنَهُما وحَسُنَ التَّكْرارُ.
﴿أجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ﴾: هو الرَّسُولُ، والواسِطَةُ المُبَلِّغَةُ عَنْهُ، ﴿ياقَوْمَنا أجِيبُوا﴾: يَعُودُ عَلى اللَّهِ.
﴿يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكُمْ﴾: مِن لِلتَّبْعِيضِ، لِأنَّهُ لا يَغْفِرُ بِالإيمانِ ذُنُوبَ المَظالِمِ، قالَ مَعْناهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقِيلَ: مِن زائِدَةٌ، لِأنَّ الإسْلامَ يَجُبُّ ما قَبْلَهُ، فَلا يَبْقى مَعَهُ تَبِعَةٌ.
﴿ويُجِرْكم مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾: وهَذا كُلُّهُ وظَواهِرُ القُرْآنِ تَدُلُّ عَلى الثَّوابِ، وكَذا قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَهم ثَوابٌ وعَلَيْهِمْ عِقابٌ، يَلْتَقُونَ في الجَنَّةِ ويَزْدَحِمُونَ عَلى أبْوابِها. وقِيلَ: لا ثَوابَ لَها إلّا النَّجاةُ مِنَ النّارِ، وإلَيْهِ كانَ يَذْهَبُ أبُو حَنِيفَةَ.
﴿فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ في الأرْضِ﴾: أيْ بِفائِتٍ مِن عِقابِهِ، إذْ لا مَنجا مِنهُ، ولا مَهْرَبَ، كَقَوْلِهِ: ﴿وأنّا ظَنَنّا أنْ لَنْ نُعجِزَ اللَّهَ في الأرْضِ ولَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا﴾ [الجن: ١٢] . ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عامِرٍ: ولَيْسَ لَهم بِزِيادَةِ مِيمٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ولَمْ يَعْيَ﴾، مُضارِعَ عَيِيَ، عَلى وزْنِ فَعِلَ، بِكَسْرِ العَيْنِ، والحَسَنُ: ولَمْ يَعِي، بِكَسْرِ العَيْنِ وسُكُونِ الياءِ، ووَجْهُهُ أنَّهُ في الماضِي فُتِحَ عَيْنُ الكَلِمَةِ، كَما قالُوا في بَقِيَ: بَقا، وهي لُغَةٌ لِطَيِّيءٍ. ولَمّا بُنِيَ الماضِي عَلى فِعَلٍ بِفَتْحِ العَيْنِ، بُنِيَ مُضارِعُهُ عَلى يَفْعِلُ بِكَسْرِ العَيْنِ، فَجاءَ يَعْيى. فَلَمّا دَخَلَ الجازِمُ، حَذَفَ الياءَ، فَبَقِيَ يَعْيَ بِنَقْلِ حَرَكَةِ الياءِ إلى العَيْنِ، فَسَكَنَتِ الياءُ وبَقِيَ يَعِي. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (بِقادِرٍ): اسْمَ فاعِلٍ، والباءُ زائِدَةٌ في خَبَرِ أنَّ، وحَسَّنَ زِيادَتِها كَوْنُ ما قَبْلَها في حَيِّزِ النَّفْيِ. وقَدْ أجازَ الزَّجّاجُ: ما ظَنَنْتُ أنَّ أحَدًا بِقائِمٍ، قِياسًا عَلى هَذا، والصَّحِيحُ قَصْرُ ذَلِكَ عَلى السَّماعِ، فَكَأنَّهُ في الآيَةِ قالَ: ألَيْسَ اللَّهُ بِقادِرٍ ؟ ألا تَرى كَيْفَ جاءَ بِبَلى مُقَرِّرًا لِإحْياءِ المَوْتى لا لِرُؤْيَتِهِمْ ؟ وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ، وعِيسى، والأعْرَجُ: بِخِلافٍ عَنْهُ، ويَعْقُوبُ: يُقَدِّرُ مُضارِعًا.
﴿ألَيْسَ هَذا بِالحَقِّ﴾: أيْ يُقالُ لَهم، والإشارَةُ بِهَذا إلى العَذابِ. أيْ كُنْتُمْ تُكَذِّبُونَ بِأنَّكم تُعَذَّبُونَ، والمَعْنى: تَوْبِيخُهم عَلى اسْتِهْزائِهِمْ بِوَعْدِ اللَّهِ ووَعِيدِهِ وقَوْلِهِمْ: ﴿وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٨] .
﴿قالُوا بَلى ورَبِّنا﴾، تَصْدِيقٌ حَيْثُ لا يَنْفَعُ. وقالَ الحَسَنُ: إنَّهم لَيُعَذَّبُونَ في النّارِ وهم راضُونَ بِذَلِكَ لِأنْفُسِهِمْ، يَعْتَرِفُونَ أنَّهُ العَدْلُ، فَيَقُولُ لَهُمُ المُجاوِبُ مِنَ المَلائِكَةِ عِنْدَ ذَلِكَ: (فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ فاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ): الفاءُ عاطِفَةٌ هَذِهِ الجُمْلَةَ عَلى الجُمْلَةِ مِن أخْبارِ الكُفّارِ في الآخِرَةِ، والمَعْنى بَيْنَهُما مُرْتَبِطٌ: أيْ هَذِهِ حالُهم مَعَ اللَّهِ. فَلا تَسْتَعْجِلْ أنْتَ واصْبِرْ، ولا تَخَفْ إلّا اللَّهَ. وأُولُو العَزْمِ: أيْ أُولُو الجِدِّ مِنَ الرُّسُلِ، وهم مَن حُفِظَ لَهُ شِدَّةٌ مَعَ قَوْمِهِ ومُجاهَدَةٌ. فَتَكُونُ مِن لِلتَّبْعِيضِ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلْبَيانِ، أيِ الَّذِينَ هُمُ الرُّسُلُ، ويَكُونُ الرُّسُلُ كُلُّهم أُولِي العَزْمِ، وأُولُو العَزْمِ عَلى التَّبْعِيضِ يَقْتَضِي أنَّهم رُسُلٌ وغَيْرُ رُسُلٍ، وعَلى البَيانِ يَقْتَضِي أنَّهُمُ الرُّسُلُ، وكَوْنُها لِلتَّبْعِيضِ قَوْلُ عَطاءٍ الخُراسانِيِّ والكَلْبِيِّ، ولِلْبَيانِ قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ. وقالَ الحَسَنُ بْنُ الفَضْلِ: هُمُ الثَّمانِيَةَ عَشَرَ المَذْكُورَةُ في سُورَةِ الأنْعامِ، لِأنَّهُ قالَ عَقِبَ ذِكْرِهِمْ: (فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ) . وقالَ مُقاتِلٌ: هم سِتَّةٌ: نُوحٌ صَبَرَ عَلى أذى قَوْمِهِ طَوِيلًا، وإبْراهِيمُ صَبَرَ عَلى النّارِ، وإسْحاقُ صَبَرَ نَفْسَهُ عَلى الذَّبْحِ، ويَعْقُوبُ صَبَرَ عَلى الفَقْدِ لِوَلَدِهِ وعَمى (p-٦٩)بَصَرِهِ، وقالَ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ، ويُوسُفُ صَبَرَ عَلى السِّجْنِ والبِئْرِ، وأيُّوبُ عَلى البَلاءِ. وزادَ غَيْرُهُ: ومُوسى قالَ قَوْمُهُ: ﴿إنّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء: ٦١] ﴿قالَ كَلّا إنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٦٢]، وداوُدُ بَكى عَلى خَطِيئَتِهِ أرْبَعِينَ سَنَةً، وعِيسى لَمْ يَضَعْ لَبِنَةً عَلى لَبِنَةٍ وقالَ: إنَّها مَعْبَرٌ، فاعْبُرُوها ولا تَعْمَرُوها.
﴿ولا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ﴾: أيْ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ بِالعَذابِ، أيْ لا تَدْعُ لَهم بِتَعْجِيلِهِ، فَإنَّهُ نازِلٌ بِهِمْ لا مَحالَةَ وإنْ تَأخَّرَ، وإنَّهم مُسْتَقْصِرُونَ حِينَئِذٍ مُدَّةَ لَبْثِهِمْ في الدُّنْيا، كَأنَّهم ﴿لَمْ يَلْبَثُوا إلّا ساعَةً﴾ . وقَرَأ أُبَيٌّ: مِنَ النَّهارِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: مِن نَهارٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: بَلاغٌ، بِالرَّفْعِ، والظّاهِرُ رُجُوعُهُ إلى المُدَّةِ الَّتِي لَبِثُوا فِيها، كَأنَّهُ قِيلَ: تِلْكَ السّاعَةُ بَلاغُهم، كَما قالَ تَعالى: (مَتاعٌ قَلِيلٌ)، فَبَلاغٌ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. قِيلَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بَلاغٌ يَعْنِي بِهِ القُرْآنَ والشَّرْعَ، أيْ هَذا بَلاغٌ، أيْ تَبْلِيغٌ وإنْذارٌ. وقالَ أبُو مِجْلَزٍ: بَلاغٌ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ لَهم، ويَقِفُ عَلى فَلا تَسْتَعْجِلْ، وهَذا لَيْسَ بِجَيِّدٍ، لِأنَّ فِيهِ تَفْكِيكَ الكَلامِ بَعْضِهِ مِن بَعْضٍ، إذْ ظاهِرُ قَوْلِهِ: لَهم، أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: فَلا تَسْتَعْجِلْ لَهم، والحَيْلُولَةُ الجُمْلَةُ التَّشْبِيهِيَّةُ بَيْنَ الخَبَرِ والمُبْتَدَأِ. وقَرَأ الحَسَنُ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وعِيسى: بَلاغًا. بِالنَّصْبِ، فاحْتَمَلَ أنْ يُرادَ: بَلاغًا في القُرْآنِ، أيْ بُلِّغُوا بَلاغًا، أوْ بَلَّغْنا بَلاغًا. وقَرَأ الحَسَنُ أيْضًا: بَلاغٍ. بِالجَرِّ، نَعْتًا لِنَهارٍ. وقَرَأ أبُو مِجْلَزٍ، وأبُو سَراحٍ الهُذَلِيُّ: بَلَّغَ عَلِيٌّ الأمْرَ لِلنَّبِيِّ ﷺ، وهَذا يُؤَيِّدُ حَمْلَ ”بَلاغٌ“ رَفْعًا ونَصْبًا عَلى أنَّهُ يَعْنِي بِهِ تَبْلِيغَ القُرْآنِ والشَّرْعِ. وعَنْ أبِي مِجْلَزٍ أيْضًا: بَلَّغَ فِعْلًا ماضِيًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: يُهْلَكُ، بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ اللّامِ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، فِيما حَكى عَنْهُ ابْنُ خالَوَيْهِ: بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ اللّامِ، وعَنْهُ أيْضًا: بِفَتْحِ الياءِ واللّامِ، وماضِيهِ هَلِكَ بِكَسْرِ اللّامِ، وهي لُغَةٌ. وقالَ أبُو الفَتْحِ: هي مَرْغُوبٌ عَنْها. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ: يُهْلِكُ، بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ اللّامِ.
﴿إلّا القَوْمُ الفاسِقُونَ﴾: بِالنَّصْبِ، وفي هَذِهِ الآيَةِ وعِيدٌ وإنْذارٌ.
الأحقاف 46:33
(p-٦٦)﴿ولَقَدْ أهْلَكْنا ما حَوْلَكم مِنَ القُرى وصَرَّفْنا الآياتِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ ﴿فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ قُرْبانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهم وذَلِكَ إفْكُهم وما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ ﴿وإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ فَلَمّا حَضَرُوهُ قالُوا أنْصِتُوا فَلَمّا قُضِيَ ولَّوْا إلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ ﴿قالُوا ياقَوْمَنا إنّا سَمِعْنا كِتابًا أُنْزِلَ مِن بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إلى الحَقِّ وإلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿ياقَوْمَنا أجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ وآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكم ويُجِرْكم مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ ﴿ومَن لا يُجِبْ داعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ في الأرْضِ ولَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أولِياءُ أُولَئِكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ ولَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى بَلى إنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿ويَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلى النّارِ ألَيْسَ هَذا بِالحَقِّ قالُوا بَلى ورَبِّنا قالَ فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ ﴿فاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُو العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ ولا تَسْتَعْجِلْ لَهم كَأنَّهم يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إلّا ساعَةً مِن نَهارٍ بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إلّا القَوْمُ الفاسِقُونَ﴾ .
﴿ولَقَدْ أهْلَكْنا ما حَوْلَكم مِنَ القُرى﴾: خِطابٌ لِقُرَيْشٍ عَلى جِهَةِ التَّمْثِيلِ لَهم، والَّذِي حَوْلَهم مِنَ القُرى: مَأْرِبُ، وحِجْرُ، ثَمُودُ، وسَدُومُ. ويُرِيدُ مِن أهْلِ القُرى: ﴿وصَرَّفْنا الآياتِ﴾، أيِ الحُجَجَ والدَّلائِلَ والعِظاةَ لِأهْلِ تِلْكَ القُرى، (لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ) عَنْ ما هم فِيهِ مِنَ الكُفْرِ إلى الإيمانِ، فَلَمْ يَرْجِعُوا.
﴿فَلَوْلا نَصَرَهُمُ﴾: أيْ فَهَلّا نَصَرَهم حِينَ جاءَهُمُ الهَلاكُ ؟ (الَّذِينَ اتَّخَذُوا): أيِ اتَّخَذُوهم، ﴿مِن دُونِ اللَّهِ قُرْبانًا﴾: أيْ في حالِ التَّقَرُّبِ وجَعْلِهِمْ شُفَعاءَ. (آلِهَةً): وهو المَفْعُولُ الثّانِي لِاتَّخَذُوا، والأوَّلُ الضَّمِيرُ المَحْذُوفُ العائِدُ عَلى المَوْصُولِ. وأجازَ الحَوْفِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ وأبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ قُرْبانًا مَفْعُولًا ثانِيًا لِاتَّخَذُوا آلِهَةً بَدَلًا مِنهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقُرْبانًا حالٌ، ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ قُرْبانًا مَفْعُولًا ثانِيًا وآلِهَةً بَدَلًا مِنهُ، لِفَسادِ المَعْنى. انْتَهى. ولَمْ يُبَيِّنِ الزَّمَخْشَرِيُّ كَيْفَ يَفْسُدُ المَعْنى، ويَظْهَرُ أنَّ المَعْنى صَحِيحٌ عَلى ذَلِكَ الإعْرابِ. وأجازَ الحَوْفِيُّ أيْضًا أنْ يَكُونَ قُرْبانًا مَفْعُولًا مِن أجْلِهِ.
﴿بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ﴾: أيْ غابُوا عَنْ نُصْرَتِهِمْ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: إفْكُهم، بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وإسْكانِ الفاءِ وضَمِّ الكافِ، وابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةٍ: بِفَتْحِ الهَمْزَةِ. والإفْكُ مَصْدَرٌ آنِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، وابْنُ الزُّبَيْرِ، والصَّبّاحُ بْنُ العَلاءِ الأنْصارِيُّ، وأبُو عِياضٍ، وعِكْرِمَةُ، وحَنْظَلَةُ بْنُ النُّعْمانِ بْنِ مُرَّةَ، ومُجاهِدٌ: أفَكَهم، بِثَلاثِ فَتَحاتٍ: أيْ صَرَفَهم، وأبُو عِياضٍ، وعِكْرِمَةُ أيْضًا: كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُما شَدَّدا الفاءَ لِلتَّكْثِيرِ، وابْنُ الزُّبَيْرِ أيْضًا، وابْنُ عَبّاسٍ، فِيما ذَكَرَ ابْنُ خالَوَيْهِ: آفَكَهم بِالمَدِّ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ فاعَلَ. فالهَمْزَةُ أصْلِيَّةٌ، وأنْ يَكُونَ أفْعَلَ، فالهَمْزَةُ لِلتَّعْدِيَةِ، أيْ جَعَلَهم يَأْفِكُونَ، ويَكُونُ أفْعَلُ بِمَعْنى المُجَرَّدِ. وعَنِ الفَرّاءِ أنَّهُ قُرِئَ: أفَكُهم بِفَتْحِ الهَمْزَةِ والفاءِ وضَمِّ الكافِ، وهي لُغَةٌ في الإفْكِ، وابْنُ عَبّاسٍ، فِيما رَوى قُطْرُبٌ، وأبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ: آفِكُهُمُ اسْمُ فاعِلٍ مِن أفَكَ، أيْ صارَفَهم، والإشارَةُ بِذَلِكَ عَلى مَن قَرَأ: (p-٦٧)إفْكُهم مَصْدَرًا إلى اتِّخاذِ الأصْنامِ آلِهَةً، أيْ ذَلِكَ كَذِبُهم وافْتِراؤُهم. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وذَلِكَ إشارَةٌ إلى امْتِناعِ نُصْرَةِ آلِهَتِهِمْ لَهم وضَلالِهِمْ عَنْهم، أيْ وذَلِكَ أثَرُ إفْكِهِمُ الَّذِي هو اتِّخاذُهم إيّاها آلِهَةً، وثَمَرَةُ شِرْكِهِمْ وافْتِرائِهِمْ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ مِن كَوْنِهِ ذا شُرَكاءَ. انْتَهى. وعَلى قِراءَةِ مَن جَعَلَهُ فِعْلًا مَعْناهُ: وذَلِكَ الِاتِّخاذُ صَرَفَهم عَنِ الحَقِّ، وكَذَلِكَ قِراءَةُ اسْمِ الفاعِلِ، أيْ صارَفَهم عَنِ الحَقِّ. ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ ما مَصْدَرِيَّةً، أيْ وافْتِراؤُهم، وأنْ تَكُونَ بِمَعْنى الَّذِي والعائِدُ مَحْذُوفٌ، أيْ يَفْتَرُونَهُ.
﴿وإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ﴾: ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها: أنَّهُ لَمّا بَيَّنَ أنَّ الإنْسِيَّ مُؤْمِنٌ وكافِرٌ، وذَكَرَ أنَّ الجِنَّ فِيهِمْ مُؤْمِنٌ وكافِرٌ، وكانَ ذَلِكَ بِأثَرِ قِصَّةِ هُودٍ وقَوْمِهِ، لِما كانَ عَلَيْهِ قَوْمُهُ مِنَ الشِّدَّةِ والقُوَّةِ. والجِنُّ تُوصَفُ أيْضًا بِذَلِكَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿قالَ عِفْريتٌ مِنَ الجِنِّ أنا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ تَقُومَ مِن مَقامِكَ وإنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أمِينٌ﴾ [النمل: ٣٩] . وإنَّ ما أُهْلِكَ بِهِ قَوْمُ هُودٍ هو الرِّيحُ، وهو مِنَ العالَمِ الَّذِي لا يُشاهَدُ، وإنَّما يُحَسُّ بِهُبُوبِهِ. والجِنُّ أيْضًا مِنَ العالَمِ الَّذِي لا يُشاهَدُ. وإنَّهُودًا عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مِنَ العَرَبِ، ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ العَرَبِ، فَهَذِهِ تَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُناسَبَةً لِهَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها. وفِيها أيْضًا تَوْبِيخٌ لِقُرَيْشٍ وكُفّارِ العَرَبِ، حَيْثُ أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ هَذا الكِتابُ المُعْجِزُ، فَكَفَرُوا بِهِ، وهم مِن أهْلِ اللِّسانِ الَّذِي أُنْزِلَ بِهِ القُرْآنُ، ومِن جِنْسِ الرَّسُولِ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْهِمْ. وهَؤُلاءِ جِنٌّ، فَلَيْسُوا مِن جِنْسِهِ، وقَدْ أثَّرَ فِيهِمْ سَماعُ القُرْآنِ وآمَنُوا بِهِ وبِمَن أُنْزِلَ عَلَيْهِ، وعَلِمُوا أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ، بِخِلافِ قُرَيْشٍ وأمْثالِها، فَهم مُصِرُّونَ عَلى الكُفْرِ بِهِ.
﴿وإذْ صَرَفْنا﴾: وجَّهْنا إلَيْكَ. وقَرَأ: صَرَّفْنا، بِتَشْدِيدِ الرّاءِ، لِأنَّهم كانُوا جَماعَةً، فالتَّكْثِيرُ بِحَسْبِ الحالِ.
﴿نَفَرًا مِنَ الجِنِّ﴾، والنَّفَرُ دُونَ العَشَرَةِ، ويُجْمَعُ عَلى أنْفارٍ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانُوا سَبْعَةً، مِنهم زَوْبَعَةُ. والَّذِي يَجْمَعُ اخْتِلافَ الرِّواياتِ أنَّ قِصَّةَ الجِنِّ كانَتْ مَرَّتَيْنِ.
إحْداهُما: حِينَ انْصَرَفَ مِنَ الطّائِفِ، وكانَ خَرَجَ إلَيْهِمْ يَسْتَنْصِرُهم في قِصَّةٍ ذَكَرَها أصْحابُ السِّيَرِ. فَرُوِيَ أنَّ الجِنَّ كانَتْ تَسْتَرِقُ السَّمْعَ، فَلَمّا بُعِثَ الرَّسُولُ، حُرِسَتِ السَّماءُ، ورُمِيَ الجِنُّ بِالشُّهُبِ، قالُوا: ما هَذا إلّا أمْرٌ حَدَثَ. وطافُوا الأرْضَ، فَوافَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِوادِي نَخْلَةَ، وهو قائِمٌ يُصَلِّي، فاسْتَمَعُوا لِقِراءَتِهِ، وهو لا يَشْعُرُ، فَأنْبَأهُ اللَّهُ بِاسْتِماعِهِمْ.
والمَرَّةُ الأُخْرى أنَّ اللَّهَ أمَرَهُ أنْ يُنْذِرَ الجِنَّ ويَقْرَأ عَلَيْهِمْ فَقالَ: «إنِّي أُمِرْتُ أنْ أقْرَأ عَلى الجِنِّ فَمَن يَتْبَعُنِي ”، قالَها ثَلاثًا، فَأطْرَقُوا إلّا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ، قالَ: لَمْ يَحْضُرْهُ أحَدٌ لَيْلَةَ الجِنِّ غَيْرِي. فانْطَلَقْنا حَتّى إذا كُنّا في شِعْبِ الحَجُونِ، خَطَّ لِي خَطًّا وقالَ:“ لا تَخْرُجْ مِنهُ حَتّى أعُودَ إلَيْكَ ”، ثُمَّ افْتَتَحَ القُرْآنَ. وسَمِعْتُ لَغَطًا شَدِيدًا حَتّى خِفْتُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وغَشِيَتْهُ أسْوِدَةٌ كَثِيرَةٌ حالَتْ بَيْنِي وبَيْنَهُ حَتّى ما أسْمَعَ صَوْتَهُ، ثُمَّ تَقَطَّعُوا تَقَطُّعَ السَّحابِ، فَقالَ لِي:“ هَلْ رَأيْتَ شَيْئًا ”؟ قُلْتُ: نَعَمْ، رِجالًا سُودًا مُسْتَثْفِرِي ثِيابٍ بِيضٍ، فَقالَ:“ أُولَئِكَ جِنُّ نَصِيبِينَ ”. وكانُوا اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا، والسُّورَةُ الَّتِي قَرَأها عَلَيْهِمْ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١] . وفي آخِرِ هَذا الحَدِيثِ قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، سَمِعْتُ لَهم لَغَطًا، فَقالَ:“ إنَّهم تَدّارَءُوا في قَتِيلٍ لَهم فَحَكَمْتُ بِالحَقِّ» . وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ «لَمْ يَحْضُرْ أحَدٌ لَيْلَةَ الجِنِّ»، واللَّهُ أعْلَمُ بِصِحَّةِ ذَلِكَ.
﴿فَلَمّا حَضَرُوهُ﴾: أيِ القُرْآنَ، أيْ كانُوا بِمَسْمَعٍ مِنهُ، وقِيلَ: حَضَرُوا الرَّسُولَ، وهو التِفاتٌ مِن إلَيْكَ إلى ضَمِيرِ الغَيْبِ.
﴿قالُوا أنْصِتُوا﴾: أيِ اسْكُتُوا لِلِاسْتِماعِ، وفِيهِ تَأْدِيبٌ مَعَ العِلْمِ وكَيْفَ يَتَعَلَّمُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (فَلَمّا قُضِيَ): مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وأبُو مِجْلَزٍ، وحَبِيبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ: قَضى، مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، أيْ قَضى مُحَمَّدٌ ما قَرَأ، أيْ أتَمَّهُ وفَرَغَ مِنهُ. وقالَ ابْنُ عُمَرَ، وجابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: قَرَأ عَلَيْهِمْ سُورَةَ الرَّحْمَنِ، فَكانَ إذا قالَ: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ١٦]، قالُوا: لا شَيْءَ مِن آياتِ رَبِّنا نُكَذِّبُ رَبَّنا لَكَ الحَمْدُ.
﴿ولَّوْا إلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾: تَفَرَّقُوا عَلى البِلادِ يُنْذِرُونَ الجِنَّ. قالَ قَتادَةُ: ما أسْرَعَ ما عَقَلَ القَوْمُ. انْتَهى. وعِنْدَ ذَلِكَ وقَعَتْ قِصَّةُ سَوادِ بْنِ (p-٦٨)قارِبٍ، وخُنافِرَ وأمْثالُهُما، حِينَ جاءَهُما رَيّاهُما مِنَ الجِنِّ، وكانَ سَبَبُ إسْلامِهِما.
﴿مِن بَعْدِ مُوسى﴾: أيْ مِن بَعْدِ كِتابِ مُوسى. قالَ عَطاءٌ: كانُوا عَلى مِلَّةِ اليَهُودِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: لَمْ تَسْمَعِ الجِنُّ بِأمْرِ عِيسى، وهَذا لا يَصِحُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. كَيْفَ لا تَسْمَعُ بِأمْرِ عِيسى ولَهُ أُمَّةٌ عَظِيمَةٌ لا تَنْحَصِرُ عَلى مِلَّتِهِ ؟ فَيَبْعُدُ عَنِ الجِنِّ كَوْنُهم لَمْ يَسْمَعُوا بِهِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونُوا قالُوا: ﴿مِن بَعْدِ مُوسى﴾ تَنْبِيهًا لِقَوْمِهِمْ عَلى اتِّباعِ الرَّسُولِ، إذْ كانَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَدْ بَشَّرَ بِهِ مُوسى، فَقالُوا: ذَلِكَ مِن حَيْثُ إنَّ هَذا الأمْرَ مَذْكُورٌ في التَّوْراةِ، ﴿مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ مِنَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ والكُتُبِ الإلَهِيَّةِ، إذْ كانَتْ كُلُّها مُشْتَمِلَةً عَلى التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ والمَعادِ، والأمْرُ بِتَطْهِيرِ الأخْلاقِ.
﴿يَهْدِي إلى الحَقِّ﴾: أيْ إلى ما هو حَقٌّ في نَفْسِهِ صِدْقٌ، يُعْلَمُ ذَلِكَ بِصَرِيحِ العَقْلِ. (وإلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ): غايَرَ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ، والمَعْنى مُتَقارِبٌ، ورُبَّما اسْتُعْمِلَ أحَدُهُما في مَوْضِعٍ لا يُسْتَعْمَلُ الآخَرُ فِيهِ، فَجَمَعَ هُنا بَيْنَهُما وحَسُنَ التَّكْرارُ.
﴿أجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ﴾: هو الرَّسُولُ، والواسِطَةُ المُبَلِّغَةُ عَنْهُ، ﴿ياقَوْمَنا أجِيبُوا﴾: يَعُودُ عَلى اللَّهِ.
﴿يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكُمْ﴾: مِن لِلتَّبْعِيضِ، لِأنَّهُ لا يَغْفِرُ بِالإيمانِ ذُنُوبَ المَظالِمِ، قالَ مَعْناهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقِيلَ: مِن زائِدَةٌ، لِأنَّ الإسْلامَ يَجُبُّ ما قَبْلَهُ، فَلا يَبْقى مَعَهُ تَبِعَةٌ.
﴿ويُجِرْكم مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾: وهَذا كُلُّهُ وظَواهِرُ القُرْآنِ تَدُلُّ عَلى الثَّوابِ، وكَذا قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَهم ثَوابٌ وعَلَيْهِمْ عِقابٌ، يَلْتَقُونَ في الجَنَّةِ ويَزْدَحِمُونَ عَلى أبْوابِها. وقِيلَ: لا ثَوابَ لَها إلّا النَّجاةُ مِنَ النّارِ، وإلَيْهِ كانَ يَذْهَبُ أبُو حَنِيفَةَ.
﴿فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ في الأرْضِ﴾: أيْ بِفائِتٍ مِن عِقابِهِ، إذْ لا مَنجا مِنهُ، ولا مَهْرَبَ، كَقَوْلِهِ: ﴿وأنّا ظَنَنّا أنْ لَنْ نُعجِزَ اللَّهَ في الأرْضِ ولَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا﴾ [الجن: ١٢] . ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عامِرٍ: ولَيْسَ لَهم بِزِيادَةِ مِيمٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ولَمْ يَعْيَ﴾، مُضارِعَ عَيِيَ، عَلى وزْنِ فَعِلَ، بِكَسْرِ العَيْنِ، والحَسَنُ: ولَمْ يَعِي، بِكَسْرِ العَيْنِ وسُكُونِ الياءِ، ووَجْهُهُ أنَّهُ في الماضِي فُتِحَ عَيْنُ الكَلِمَةِ، كَما قالُوا في بَقِيَ: بَقا، وهي لُغَةٌ لِطَيِّيءٍ. ولَمّا بُنِيَ الماضِي عَلى فِعَلٍ بِفَتْحِ العَيْنِ، بُنِيَ مُضارِعُهُ عَلى يَفْعِلُ بِكَسْرِ العَيْنِ، فَجاءَ يَعْيى. فَلَمّا دَخَلَ الجازِمُ، حَذَفَ الياءَ، فَبَقِيَ يَعْيَ بِنَقْلِ حَرَكَةِ الياءِ إلى العَيْنِ، فَسَكَنَتِ الياءُ وبَقِيَ يَعِي. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (بِقادِرٍ): اسْمَ فاعِلٍ، والباءُ زائِدَةٌ في خَبَرِ أنَّ، وحَسَّنَ زِيادَتِها كَوْنُ ما قَبْلَها في حَيِّزِ النَّفْيِ. وقَدْ أجازَ الزَّجّاجُ: ما ظَنَنْتُ أنَّ أحَدًا بِقائِمٍ، قِياسًا عَلى هَذا، والصَّحِيحُ قَصْرُ ذَلِكَ عَلى السَّماعِ، فَكَأنَّهُ في الآيَةِ قالَ: ألَيْسَ اللَّهُ بِقادِرٍ ؟ ألا تَرى كَيْفَ جاءَ بِبَلى مُقَرِّرًا لِإحْياءِ المَوْتى لا لِرُؤْيَتِهِمْ ؟ وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ، وعِيسى، والأعْرَجُ: بِخِلافٍ عَنْهُ، ويَعْقُوبُ: يُقَدِّرُ مُضارِعًا.
﴿ألَيْسَ هَذا بِالحَقِّ﴾: أيْ يُقالُ لَهم، والإشارَةُ بِهَذا إلى العَذابِ. أيْ كُنْتُمْ تُكَذِّبُونَ بِأنَّكم تُعَذَّبُونَ، والمَعْنى: تَوْبِيخُهم عَلى اسْتِهْزائِهِمْ بِوَعْدِ اللَّهِ ووَعِيدِهِ وقَوْلِهِمْ: ﴿وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٨] .
﴿قالُوا بَلى ورَبِّنا﴾، تَصْدِيقٌ حَيْثُ لا يَنْفَعُ. وقالَ الحَسَنُ: إنَّهم لَيُعَذَّبُونَ في النّارِ وهم راضُونَ بِذَلِكَ لِأنْفُسِهِمْ، يَعْتَرِفُونَ أنَّهُ العَدْلُ، فَيَقُولُ لَهُمُ المُجاوِبُ مِنَ المَلائِكَةِ عِنْدَ ذَلِكَ: (فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ فاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ): الفاءُ عاطِفَةٌ هَذِهِ الجُمْلَةَ عَلى الجُمْلَةِ مِن أخْبارِ الكُفّارِ في الآخِرَةِ، والمَعْنى بَيْنَهُما مُرْتَبِطٌ: أيْ هَذِهِ حالُهم مَعَ اللَّهِ. فَلا تَسْتَعْجِلْ أنْتَ واصْبِرْ، ولا تَخَفْ إلّا اللَّهَ. وأُولُو العَزْمِ: أيْ أُولُو الجِدِّ مِنَ الرُّسُلِ، وهم مَن حُفِظَ لَهُ شِدَّةٌ مَعَ قَوْمِهِ ومُجاهَدَةٌ. فَتَكُونُ مِن لِلتَّبْعِيضِ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلْبَيانِ، أيِ الَّذِينَ هُمُ الرُّسُلُ، ويَكُونُ الرُّسُلُ كُلُّهم أُولِي العَزْمِ، وأُولُو العَزْمِ عَلى التَّبْعِيضِ يَقْتَضِي أنَّهم رُسُلٌ وغَيْرُ رُسُلٍ، وعَلى البَيانِ يَقْتَضِي أنَّهُمُ الرُّسُلُ، وكَوْنُها لِلتَّبْعِيضِ قَوْلُ عَطاءٍ الخُراسانِيِّ والكَلْبِيِّ، ولِلْبَيانِ قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ. وقالَ الحَسَنُ بْنُ الفَضْلِ: هُمُ الثَّمانِيَةَ عَشَرَ المَذْكُورَةُ في سُورَةِ الأنْعامِ، لِأنَّهُ قالَ عَقِبَ ذِكْرِهِمْ: (فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ) . وقالَ مُقاتِلٌ: هم سِتَّةٌ: نُوحٌ صَبَرَ عَلى أذى قَوْمِهِ طَوِيلًا، وإبْراهِيمُ صَبَرَ عَلى النّارِ، وإسْحاقُ صَبَرَ نَفْسَهُ عَلى الذَّبْحِ، ويَعْقُوبُ صَبَرَ عَلى الفَقْدِ لِوَلَدِهِ وعَمى (p-٦٩)بَصَرِهِ، وقالَ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ، ويُوسُفُ صَبَرَ عَلى السِّجْنِ والبِئْرِ، وأيُّوبُ عَلى البَلاءِ. وزادَ غَيْرُهُ: ومُوسى قالَ قَوْمُهُ: ﴿إنّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء: ٦١] ﴿قالَ كَلّا إنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٦٢]، وداوُدُ بَكى عَلى خَطِيئَتِهِ أرْبَعِينَ سَنَةً، وعِيسى لَمْ يَضَعْ لَبِنَةً عَلى لَبِنَةٍ وقالَ: إنَّها مَعْبَرٌ، فاعْبُرُوها ولا تَعْمَرُوها.
﴿ولا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ﴾: أيْ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ بِالعَذابِ، أيْ لا تَدْعُ لَهم بِتَعْجِيلِهِ، فَإنَّهُ نازِلٌ بِهِمْ لا مَحالَةَ وإنْ تَأخَّرَ، وإنَّهم مُسْتَقْصِرُونَ حِينَئِذٍ مُدَّةَ لَبْثِهِمْ في الدُّنْيا، كَأنَّهم ﴿لَمْ يَلْبَثُوا إلّا ساعَةً﴾ . وقَرَأ أُبَيٌّ: مِنَ النَّهارِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: مِن نَهارٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: بَلاغٌ، بِالرَّفْعِ، والظّاهِرُ رُجُوعُهُ إلى المُدَّةِ الَّتِي لَبِثُوا فِيها، كَأنَّهُ قِيلَ: تِلْكَ السّاعَةُ بَلاغُهم، كَما قالَ تَعالى: (مَتاعٌ قَلِيلٌ)، فَبَلاغٌ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. قِيلَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بَلاغٌ يَعْنِي بِهِ القُرْآنَ والشَّرْعَ، أيْ هَذا بَلاغٌ، أيْ تَبْلِيغٌ وإنْذارٌ. وقالَ أبُو مِجْلَزٍ: بَلاغٌ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ لَهم، ويَقِفُ عَلى فَلا تَسْتَعْجِلْ، وهَذا لَيْسَ بِجَيِّدٍ، لِأنَّ فِيهِ تَفْكِيكَ الكَلامِ بَعْضِهِ مِن بَعْضٍ، إذْ ظاهِرُ قَوْلِهِ: لَهم، أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: فَلا تَسْتَعْجِلْ لَهم، والحَيْلُولَةُ الجُمْلَةُ التَّشْبِيهِيَّةُ بَيْنَ الخَبَرِ والمُبْتَدَأِ. وقَرَأ الحَسَنُ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وعِيسى: بَلاغًا. بِالنَّصْبِ، فاحْتَمَلَ أنْ يُرادَ: بَلاغًا في القُرْآنِ، أيْ بُلِّغُوا بَلاغًا، أوْ بَلَّغْنا بَلاغًا. وقَرَأ الحَسَنُ أيْضًا: بَلاغٍ. بِالجَرِّ، نَعْتًا لِنَهارٍ. وقَرَأ أبُو مِجْلَزٍ، وأبُو سَراحٍ الهُذَلِيُّ: بَلَّغَ عَلِيٌّ الأمْرَ لِلنَّبِيِّ ﷺ، وهَذا يُؤَيِّدُ حَمْلَ ”بَلاغٌ“ رَفْعًا ونَصْبًا عَلى أنَّهُ يَعْنِي بِهِ تَبْلِيغَ القُرْآنِ والشَّرْعِ. وعَنْ أبِي مِجْلَزٍ أيْضًا: بَلَّغَ فِعْلًا ماضِيًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: يُهْلَكُ، بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ اللّامِ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، فِيما حَكى عَنْهُ ابْنُ خالَوَيْهِ: بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ اللّامِ، وعَنْهُ أيْضًا: بِفَتْحِ الياءِ واللّامِ، وماضِيهِ هَلِكَ بِكَسْرِ اللّامِ، وهي لُغَةٌ. وقالَ أبُو الفَتْحِ: هي مَرْغُوبٌ عَنْها. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ: يُهْلِكُ، بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ اللّامِ.
﴿إلّا القَوْمُ الفاسِقُونَ﴾: بِالنَّصْبِ، وفي هَذِهِ الآيَةِ وعِيدٌ وإنْذارٌ.
الأحقاف 46:34
(p-٦٦)﴿ولَقَدْ أهْلَكْنا ما حَوْلَكم مِنَ القُرى وصَرَّفْنا الآياتِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ ﴿فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ قُرْبانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهم وذَلِكَ إفْكُهم وما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ ﴿وإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ فَلَمّا حَضَرُوهُ قالُوا أنْصِتُوا فَلَمّا قُضِيَ ولَّوْا إلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ ﴿قالُوا ياقَوْمَنا إنّا سَمِعْنا كِتابًا أُنْزِلَ مِن بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إلى الحَقِّ وإلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿ياقَوْمَنا أجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ وآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكم ويُجِرْكم مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ ﴿ومَن لا يُجِبْ داعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ في الأرْضِ ولَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أولِياءُ أُولَئِكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ ولَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى بَلى إنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿ويَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلى النّارِ ألَيْسَ هَذا بِالحَقِّ قالُوا بَلى ورَبِّنا قالَ فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ ﴿فاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُو العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ ولا تَسْتَعْجِلْ لَهم كَأنَّهم يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إلّا ساعَةً مِن نَهارٍ بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إلّا القَوْمُ الفاسِقُونَ﴾ .
﴿ولَقَدْ أهْلَكْنا ما حَوْلَكم مِنَ القُرى﴾: خِطابٌ لِقُرَيْشٍ عَلى جِهَةِ التَّمْثِيلِ لَهم، والَّذِي حَوْلَهم مِنَ القُرى: مَأْرِبُ، وحِجْرُ، ثَمُودُ، وسَدُومُ. ويُرِيدُ مِن أهْلِ القُرى: ﴿وصَرَّفْنا الآياتِ﴾، أيِ الحُجَجَ والدَّلائِلَ والعِظاةَ لِأهْلِ تِلْكَ القُرى، (لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ) عَنْ ما هم فِيهِ مِنَ الكُفْرِ إلى الإيمانِ، فَلَمْ يَرْجِعُوا.
﴿فَلَوْلا نَصَرَهُمُ﴾: أيْ فَهَلّا نَصَرَهم حِينَ جاءَهُمُ الهَلاكُ ؟ (الَّذِينَ اتَّخَذُوا): أيِ اتَّخَذُوهم، ﴿مِن دُونِ اللَّهِ قُرْبانًا﴾: أيْ في حالِ التَّقَرُّبِ وجَعْلِهِمْ شُفَعاءَ. (آلِهَةً): وهو المَفْعُولُ الثّانِي لِاتَّخَذُوا، والأوَّلُ الضَّمِيرُ المَحْذُوفُ العائِدُ عَلى المَوْصُولِ. وأجازَ الحَوْفِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ وأبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ قُرْبانًا مَفْعُولًا ثانِيًا لِاتَّخَذُوا آلِهَةً بَدَلًا مِنهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقُرْبانًا حالٌ، ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ قُرْبانًا مَفْعُولًا ثانِيًا وآلِهَةً بَدَلًا مِنهُ، لِفَسادِ المَعْنى. انْتَهى. ولَمْ يُبَيِّنِ الزَّمَخْشَرِيُّ كَيْفَ يَفْسُدُ المَعْنى، ويَظْهَرُ أنَّ المَعْنى صَحِيحٌ عَلى ذَلِكَ الإعْرابِ. وأجازَ الحَوْفِيُّ أيْضًا أنْ يَكُونَ قُرْبانًا مَفْعُولًا مِن أجْلِهِ.
﴿بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ﴾: أيْ غابُوا عَنْ نُصْرَتِهِمْ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: إفْكُهم، بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وإسْكانِ الفاءِ وضَمِّ الكافِ، وابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةٍ: بِفَتْحِ الهَمْزَةِ. والإفْكُ مَصْدَرٌ آنِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، وابْنُ الزُّبَيْرِ، والصَّبّاحُ بْنُ العَلاءِ الأنْصارِيُّ، وأبُو عِياضٍ، وعِكْرِمَةُ، وحَنْظَلَةُ بْنُ النُّعْمانِ بْنِ مُرَّةَ، ومُجاهِدٌ: أفَكَهم، بِثَلاثِ فَتَحاتٍ: أيْ صَرَفَهم، وأبُو عِياضٍ، وعِكْرِمَةُ أيْضًا: كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُما شَدَّدا الفاءَ لِلتَّكْثِيرِ، وابْنُ الزُّبَيْرِ أيْضًا، وابْنُ عَبّاسٍ، فِيما ذَكَرَ ابْنُ خالَوَيْهِ: آفَكَهم بِالمَدِّ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ فاعَلَ. فالهَمْزَةُ أصْلِيَّةٌ، وأنْ يَكُونَ أفْعَلَ، فالهَمْزَةُ لِلتَّعْدِيَةِ، أيْ جَعَلَهم يَأْفِكُونَ، ويَكُونُ أفْعَلُ بِمَعْنى المُجَرَّدِ. وعَنِ الفَرّاءِ أنَّهُ قُرِئَ: أفَكُهم بِفَتْحِ الهَمْزَةِ والفاءِ وضَمِّ الكافِ، وهي لُغَةٌ في الإفْكِ، وابْنُ عَبّاسٍ، فِيما رَوى قُطْرُبٌ، وأبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ: آفِكُهُمُ اسْمُ فاعِلٍ مِن أفَكَ، أيْ صارَفَهم، والإشارَةُ بِذَلِكَ عَلى مَن قَرَأ: (p-٦٧)إفْكُهم مَصْدَرًا إلى اتِّخاذِ الأصْنامِ آلِهَةً، أيْ ذَلِكَ كَذِبُهم وافْتِراؤُهم. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وذَلِكَ إشارَةٌ إلى امْتِناعِ نُصْرَةِ آلِهَتِهِمْ لَهم وضَلالِهِمْ عَنْهم، أيْ وذَلِكَ أثَرُ إفْكِهِمُ الَّذِي هو اتِّخاذُهم إيّاها آلِهَةً، وثَمَرَةُ شِرْكِهِمْ وافْتِرائِهِمْ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ مِن كَوْنِهِ ذا شُرَكاءَ. انْتَهى. وعَلى قِراءَةِ مَن جَعَلَهُ فِعْلًا مَعْناهُ: وذَلِكَ الِاتِّخاذُ صَرَفَهم عَنِ الحَقِّ، وكَذَلِكَ قِراءَةُ اسْمِ الفاعِلِ، أيْ صارَفَهم عَنِ الحَقِّ. ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ ما مَصْدَرِيَّةً، أيْ وافْتِراؤُهم، وأنْ تَكُونَ بِمَعْنى الَّذِي والعائِدُ مَحْذُوفٌ، أيْ يَفْتَرُونَهُ.
﴿وإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ﴾: ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها: أنَّهُ لَمّا بَيَّنَ أنَّ الإنْسِيَّ مُؤْمِنٌ وكافِرٌ، وذَكَرَ أنَّ الجِنَّ فِيهِمْ مُؤْمِنٌ وكافِرٌ، وكانَ ذَلِكَ بِأثَرِ قِصَّةِ هُودٍ وقَوْمِهِ، لِما كانَ عَلَيْهِ قَوْمُهُ مِنَ الشِّدَّةِ والقُوَّةِ. والجِنُّ تُوصَفُ أيْضًا بِذَلِكَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿قالَ عِفْريتٌ مِنَ الجِنِّ أنا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ تَقُومَ مِن مَقامِكَ وإنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أمِينٌ﴾ [النمل: ٣٩] . وإنَّ ما أُهْلِكَ بِهِ قَوْمُ هُودٍ هو الرِّيحُ، وهو مِنَ العالَمِ الَّذِي لا يُشاهَدُ، وإنَّما يُحَسُّ بِهُبُوبِهِ. والجِنُّ أيْضًا مِنَ العالَمِ الَّذِي لا يُشاهَدُ. وإنَّهُودًا عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مِنَ العَرَبِ، ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ العَرَبِ، فَهَذِهِ تَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُناسَبَةً لِهَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها. وفِيها أيْضًا تَوْبِيخٌ لِقُرَيْشٍ وكُفّارِ العَرَبِ، حَيْثُ أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ هَذا الكِتابُ المُعْجِزُ، فَكَفَرُوا بِهِ، وهم مِن أهْلِ اللِّسانِ الَّذِي أُنْزِلَ بِهِ القُرْآنُ، ومِن جِنْسِ الرَّسُولِ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْهِمْ. وهَؤُلاءِ جِنٌّ، فَلَيْسُوا مِن جِنْسِهِ، وقَدْ أثَّرَ فِيهِمْ سَماعُ القُرْآنِ وآمَنُوا بِهِ وبِمَن أُنْزِلَ عَلَيْهِ، وعَلِمُوا أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ، بِخِلافِ قُرَيْشٍ وأمْثالِها، فَهم مُصِرُّونَ عَلى الكُفْرِ بِهِ.
﴿وإذْ صَرَفْنا﴾: وجَّهْنا إلَيْكَ. وقَرَأ: صَرَّفْنا، بِتَشْدِيدِ الرّاءِ، لِأنَّهم كانُوا جَماعَةً، فالتَّكْثِيرُ بِحَسْبِ الحالِ.
﴿نَفَرًا مِنَ الجِنِّ﴾، والنَّفَرُ دُونَ العَشَرَةِ، ويُجْمَعُ عَلى أنْفارٍ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانُوا سَبْعَةً، مِنهم زَوْبَعَةُ. والَّذِي يَجْمَعُ اخْتِلافَ الرِّواياتِ أنَّ قِصَّةَ الجِنِّ كانَتْ مَرَّتَيْنِ.
إحْداهُما: حِينَ انْصَرَفَ مِنَ الطّائِفِ، وكانَ خَرَجَ إلَيْهِمْ يَسْتَنْصِرُهم في قِصَّةٍ ذَكَرَها أصْحابُ السِّيَرِ. فَرُوِيَ أنَّ الجِنَّ كانَتْ تَسْتَرِقُ السَّمْعَ، فَلَمّا بُعِثَ الرَّسُولُ، حُرِسَتِ السَّماءُ، ورُمِيَ الجِنُّ بِالشُّهُبِ، قالُوا: ما هَذا إلّا أمْرٌ حَدَثَ. وطافُوا الأرْضَ، فَوافَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِوادِي نَخْلَةَ، وهو قائِمٌ يُصَلِّي، فاسْتَمَعُوا لِقِراءَتِهِ، وهو لا يَشْعُرُ، فَأنْبَأهُ اللَّهُ بِاسْتِماعِهِمْ.
والمَرَّةُ الأُخْرى أنَّ اللَّهَ أمَرَهُ أنْ يُنْذِرَ الجِنَّ ويَقْرَأ عَلَيْهِمْ فَقالَ: «إنِّي أُمِرْتُ أنْ أقْرَأ عَلى الجِنِّ فَمَن يَتْبَعُنِي ”، قالَها ثَلاثًا، فَأطْرَقُوا إلّا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ، قالَ: لَمْ يَحْضُرْهُ أحَدٌ لَيْلَةَ الجِنِّ غَيْرِي. فانْطَلَقْنا حَتّى إذا كُنّا في شِعْبِ الحَجُونِ، خَطَّ لِي خَطًّا وقالَ:“ لا تَخْرُجْ مِنهُ حَتّى أعُودَ إلَيْكَ ”، ثُمَّ افْتَتَحَ القُرْآنَ. وسَمِعْتُ لَغَطًا شَدِيدًا حَتّى خِفْتُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وغَشِيَتْهُ أسْوِدَةٌ كَثِيرَةٌ حالَتْ بَيْنِي وبَيْنَهُ حَتّى ما أسْمَعَ صَوْتَهُ، ثُمَّ تَقَطَّعُوا تَقَطُّعَ السَّحابِ، فَقالَ لِي:“ هَلْ رَأيْتَ شَيْئًا ”؟ قُلْتُ: نَعَمْ، رِجالًا سُودًا مُسْتَثْفِرِي ثِيابٍ بِيضٍ، فَقالَ:“ أُولَئِكَ جِنُّ نَصِيبِينَ ”. وكانُوا اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا، والسُّورَةُ الَّتِي قَرَأها عَلَيْهِمْ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١] . وفي آخِرِ هَذا الحَدِيثِ قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، سَمِعْتُ لَهم لَغَطًا، فَقالَ:“ إنَّهم تَدّارَءُوا في قَتِيلٍ لَهم فَحَكَمْتُ بِالحَقِّ» . وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ «لَمْ يَحْضُرْ أحَدٌ لَيْلَةَ الجِنِّ»، واللَّهُ أعْلَمُ بِصِحَّةِ ذَلِكَ.
﴿فَلَمّا حَضَرُوهُ﴾: أيِ القُرْآنَ، أيْ كانُوا بِمَسْمَعٍ مِنهُ، وقِيلَ: حَضَرُوا الرَّسُولَ، وهو التِفاتٌ مِن إلَيْكَ إلى ضَمِيرِ الغَيْبِ.
﴿قالُوا أنْصِتُوا﴾: أيِ اسْكُتُوا لِلِاسْتِماعِ، وفِيهِ تَأْدِيبٌ مَعَ العِلْمِ وكَيْفَ يَتَعَلَّمُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (فَلَمّا قُضِيَ): مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وأبُو مِجْلَزٍ، وحَبِيبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ: قَضى، مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، أيْ قَضى مُحَمَّدٌ ما قَرَأ، أيْ أتَمَّهُ وفَرَغَ مِنهُ. وقالَ ابْنُ عُمَرَ، وجابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: قَرَأ عَلَيْهِمْ سُورَةَ الرَّحْمَنِ، فَكانَ إذا قالَ: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ١٦]، قالُوا: لا شَيْءَ مِن آياتِ رَبِّنا نُكَذِّبُ رَبَّنا لَكَ الحَمْدُ.
﴿ولَّوْا إلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾: تَفَرَّقُوا عَلى البِلادِ يُنْذِرُونَ الجِنَّ. قالَ قَتادَةُ: ما أسْرَعَ ما عَقَلَ القَوْمُ. انْتَهى. وعِنْدَ ذَلِكَ وقَعَتْ قِصَّةُ سَوادِ بْنِ (p-٦٨)قارِبٍ، وخُنافِرَ وأمْثالُهُما، حِينَ جاءَهُما رَيّاهُما مِنَ الجِنِّ، وكانَ سَبَبُ إسْلامِهِما.
﴿مِن بَعْدِ مُوسى﴾: أيْ مِن بَعْدِ كِتابِ مُوسى. قالَ عَطاءٌ: كانُوا عَلى مِلَّةِ اليَهُودِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: لَمْ تَسْمَعِ الجِنُّ بِأمْرِ عِيسى، وهَذا لا يَصِحُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. كَيْفَ لا تَسْمَعُ بِأمْرِ عِيسى ولَهُ أُمَّةٌ عَظِيمَةٌ لا تَنْحَصِرُ عَلى مِلَّتِهِ ؟ فَيَبْعُدُ عَنِ الجِنِّ كَوْنُهم لَمْ يَسْمَعُوا بِهِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونُوا قالُوا: ﴿مِن بَعْدِ مُوسى﴾ تَنْبِيهًا لِقَوْمِهِمْ عَلى اتِّباعِ الرَّسُولِ، إذْ كانَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَدْ بَشَّرَ بِهِ مُوسى، فَقالُوا: ذَلِكَ مِن حَيْثُ إنَّ هَذا الأمْرَ مَذْكُورٌ في التَّوْراةِ، ﴿مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ مِنَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ والكُتُبِ الإلَهِيَّةِ، إذْ كانَتْ كُلُّها مُشْتَمِلَةً عَلى التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ والمَعادِ، والأمْرُ بِتَطْهِيرِ الأخْلاقِ.
﴿يَهْدِي إلى الحَقِّ﴾: أيْ إلى ما هو حَقٌّ في نَفْسِهِ صِدْقٌ، يُعْلَمُ ذَلِكَ بِصَرِيحِ العَقْلِ. (وإلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ): غايَرَ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ، والمَعْنى مُتَقارِبٌ، ورُبَّما اسْتُعْمِلَ أحَدُهُما في مَوْضِعٍ لا يُسْتَعْمَلُ الآخَرُ فِيهِ، فَجَمَعَ هُنا بَيْنَهُما وحَسُنَ التَّكْرارُ.
﴿أجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ﴾: هو الرَّسُولُ، والواسِطَةُ المُبَلِّغَةُ عَنْهُ، ﴿ياقَوْمَنا أجِيبُوا﴾: يَعُودُ عَلى اللَّهِ.
﴿يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكُمْ﴾: مِن لِلتَّبْعِيضِ، لِأنَّهُ لا يَغْفِرُ بِالإيمانِ ذُنُوبَ المَظالِمِ، قالَ مَعْناهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقِيلَ: مِن زائِدَةٌ، لِأنَّ الإسْلامَ يَجُبُّ ما قَبْلَهُ، فَلا يَبْقى مَعَهُ تَبِعَةٌ.
﴿ويُجِرْكم مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾: وهَذا كُلُّهُ وظَواهِرُ القُرْآنِ تَدُلُّ عَلى الثَّوابِ، وكَذا قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَهم ثَوابٌ وعَلَيْهِمْ عِقابٌ، يَلْتَقُونَ في الجَنَّةِ ويَزْدَحِمُونَ عَلى أبْوابِها. وقِيلَ: لا ثَوابَ لَها إلّا النَّجاةُ مِنَ النّارِ، وإلَيْهِ كانَ يَذْهَبُ أبُو حَنِيفَةَ.
﴿فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ في الأرْضِ﴾: أيْ بِفائِتٍ مِن عِقابِهِ، إذْ لا مَنجا مِنهُ، ولا مَهْرَبَ، كَقَوْلِهِ: ﴿وأنّا ظَنَنّا أنْ لَنْ نُعجِزَ اللَّهَ في الأرْضِ ولَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا﴾ [الجن: ١٢] . ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عامِرٍ: ولَيْسَ لَهم بِزِيادَةِ مِيمٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ولَمْ يَعْيَ﴾، مُضارِعَ عَيِيَ، عَلى وزْنِ فَعِلَ، بِكَسْرِ العَيْنِ، والحَسَنُ: ولَمْ يَعِي، بِكَسْرِ العَيْنِ وسُكُونِ الياءِ، ووَجْهُهُ أنَّهُ في الماضِي فُتِحَ عَيْنُ الكَلِمَةِ، كَما قالُوا في بَقِيَ: بَقا، وهي لُغَةٌ لِطَيِّيءٍ. ولَمّا بُنِيَ الماضِي عَلى فِعَلٍ بِفَتْحِ العَيْنِ، بُنِيَ مُضارِعُهُ عَلى يَفْعِلُ بِكَسْرِ العَيْنِ، فَجاءَ يَعْيى. فَلَمّا دَخَلَ الجازِمُ، حَذَفَ الياءَ، فَبَقِيَ يَعْيَ بِنَقْلِ حَرَكَةِ الياءِ إلى العَيْنِ، فَسَكَنَتِ الياءُ وبَقِيَ يَعِي. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (بِقادِرٍ): اسْمَ فاعِلٍ، والباءُ زائِدَةٌ في خَبَرِ أنَّ، وحَسَّنَ زِيادَتِها كَوْنُ ما قَبْلَها في حَيِّزِ النَّفْيِ. وقَدْ أجازَ الزَّجّاجُ: ما ظَنَنْتُ أنَّ أحَدًا بِقائِمٍ، قِياسًا عَلى هَذا، والصَّحِيحُ قَصْرُ ذَلِكَ عَلى السَّماعِ، فَكَأنَّهُ في الآيَةِ قالَ: ألَيْسَ اللَّهُ بِقادِرٍ ؟ ألا تَرى كَيْفَ جاءَ بِبَلى مُقَرِّرًا لِإحْياءِ المَوْتى لا لِرُؤْيَتِهِمْ ؟ وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ، وعِيسى، والأعْرَجُ: بِخِلافٍ عَنْهُ، ويَعْقُوبُ: يُقَدِّرُ مُضارِعًا.
﴿ألَيْسَ هَذا بِالحَقِّ﴾: أيْ يُقالُ لَهم، والإشارَةُ بِهَذا إلى العَذابِ. أيْ كُنْتُمْ تُكَذِّبُونَ بِأنَّكم تُعَذَّبُونَ، والمَعْنى: تَوْبِيخُهم عَلى اسْتِهْزائِهِمْ بِوَعْدِ اللَّهِ ووَعِيدِهِ وقَوْلِهِمْ: ﴿وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٨] .
﴿قالُوا بَلى ورَبِّنا﴾، تَصْدِيقٌ حَيْثُ لا يَنْفَعُ. وقالَ الحَسَنُ: إنَّهم لَيُعَذَّبُونَ في النّارِ وهم راضُونَ بِذَلِكَ لِأنْفُسِهِمْ، يَعْتَرِفُونَ أنَّهُ العَدْلُ، فَيَقُولُ لَهُمُ المُجاوِبُ مِنَ المَلائِكَةِ عِنْدَ ذَلِكَ: (فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ فاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ): الفاءُ عاطِفَةٌ هَذِهِ الجُمْلَةَ عَلى الجُمْلَةِ مِن أخْبارِ الكُفّارِ في الآخِرَةِ، والمَعْنى بَيْنَهُما مُرْتَبِطٌ: أيْ هَذِهِ حالُهم مَعَ اللَّهِ. فَلا تَسْتَعْجِلْ أنْتَ واصْبِرْ، ولا تَخَفْ إلّا اللَّهَ. وأُولُو العَزْمِ: أيْ أُولُو الجِدِّ مِنَ الرُّسُلِ، وهم مَن حُفِظَ لَهُ شِدَّةٌ مَعَ قَوْمِهِ ومُجاهَدَةٌ. فَتَكُونُ مِن لِلتَّبْعِيضِ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلْبَيانِ، أيِ الَّذِينَ هُمُ الرُّسُلُ، ويَكُونُ الرُّسُلُ كُلُّهم أُولِي العَزْمِ، وأُولُو العَزْمِ عَلى التَّبْعِيضِ يَقْتَضِي أنَّهم رُسُلٌ وغَيْرُ رُسُلٍ، وعَلى البَيانِ يَقْتَضِي أنَّهُمُ الرُّسُلُ، وكَوْنُها لِلتَّبْعِيضِ قَوْلُ عَطاءٍ الخُراسانِيِّ والكَلْبِيِّ، ولِلْبَيانِ قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ. وقالَ الحَسَنُ بْنُ الفَضْلِ: هُمُ الثَّمانِيَةَ عَشَرَ المَذْكُورَةُ في سُورَةِ الأنْعامِ، لِأنَّهُ قالَ عَقِبَ ذِكْرِهِمْ: (فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ) . وقالَ مُقاتِلٌ: هم سِتَّةٌ: نُوحٌ صَبَرَ عَلى أذى قَوْمِهِ طَوِيلًا، وإبْراهِيمُ صَبَرَ عَلى النّارِ، وإسْحاقُ صَبَرَ نَفْسَهُ عَلى الذَّبْحِ، ويَعْقُوبُ صَبَرَ عَلى الفَقْدِ لِوَلَدِهِ وعَمى (p-٦٩)بَصَرِهِ، وقالَ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ، ويُوسُفُ صَبَرَ عَلى السِّجْنِ والبِئْرِ، وأيُّوبُ عَلى البَلاءِ. وزادَ غَيْرُهُ: ومُوسى قالَ قَوْمُهُ: ﴿إنّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء: ٦١] ﴿قالَ كَلّا إنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٦٢]، وداوُدُ بَكى عَلى خَطِيئَتِهِ أرْبَعِينَ سَنَةً، وعِيسى لَمْ يَضَعْ لَبِنَةً عَلى لَبِنَةٍ وقالَ: إنَّها مَعْبَرٌ، فاعْبُرُوها ولا تَعْمَرُوها.
﴿ولا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ﴾: أيْ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ بِالعَذابِ، أيْ لا تَدْعُ لَهم بِتَعْجِيلِهِ، فَإنَّهُ نازِلٌ بِهِمْ لا مَحالَةَ وإنْ تَأخَّرَ، وإنَّهم مُسْتَقْصِرُونَ حِينَئِذٍ مُدَّةَ لَبْثِهِمْ في الدُّنْيا، كَأنَّهم ﴿لَمْ يَلْبَثُوا إلّا ساعَةً﴾ . وقَرَأ أُبَيٌّ: مِنَ النَّهارِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: مِن نَهارٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: بَلاغٌ، بِالرَّفْعِ، والظّاهِرُ رُجُوعُهُ إلى المُدَّةِ الَّتِي لَبِثُوا فِيها، كَأنَّهُ قِيلَ: تِلْكَ السّاعَةُ بَلاغُهم، كَما قالَ تَعالى: (مَتاعٌ قَلِيلٌ)، فَبَلاغٌ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. قِيلَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بَلاغٌ يَعْنِي بِهِ القُرْآنَ والشَّرْعَ، أيْ هَذا بَلاغٌ، أيْ تَبْلِيغٌ وإنْذارٌ. وقالَ أبُو مِجْلَزٍ: بَلاغٌ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ لَهم، ويَقِفُ عَلى فَلا تَسْتَعْجِلْ، وهَذا لَيْسَ بِجَيِّدٍ، لِأنَّ فِيهِ تَفْكِيكَ الكَلامِ بَعْضِهِ مِن بَعْضٍ، إذْ ظاهِرُ قَوْلِهِ: لَهم، أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: فَلا تَسْتَعْجِلْ لَهم، والحَيْلُولَةُ الجُمْلَةُ التَّشْبِيهِيَّةُ بَيْنَ الخَبَرِ والمُبْتَدَأِ. وقَرَأ الحَسَنُ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وعِيسى: بَلاغًا. بِالنَّصْبِ، فاحْتَمَلَ أنْ يُرادَ: بَلاغًا في القُرْآنِ، أيْ بُلِّغُوا بَلاغًا، أوْ بَلَّغْنا بَلاغًا. وقَرَأ الحَسَنُ أيْضًا: بَلاغٍ. بِالجَرِّ، نَعْتًا لِنَهارٍ. وقَرَأ أبُو مِجْلَزٍ، وأبُو سَراحٍ الهُذَلِيُّ: بَلَّغَ عَلِيٌّ الأمْرَ لِلنَّبِيِّ ﷺ، وهَذا يُؤَيِّدُ حَمْلَ ”بَلاغٌ“ رَفْعًا ونَصْبًا عَلى أنَّهُ يَعْنِي بِهِ تَبْلِيغَ القُرْآنِ والشَّرْعِ. وعَنْ أبِي مِجْلَزٍ أيْضًا: بَلَّغَ فِعْلًا ماضِيًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: يُهْلَكُ، بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ اللّامِ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، فِيما حَكى عَنْهُ ابْنُ خالَوَيْهِ: بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ اللّامِ، وعَنْهُ أيْضًا: بِفَتْحِ الياءِ واللّامِ، وماضِيهِ هَلِكَ بِكَسْرِ اللّامِ، وهي لُغَةٌ. وقالَ أبُو الفَتْحِ: هي مَرْغُوبٌ عَنْها. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ: يُهْلِكُ، بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ اللّامِ.
﴿إلّا القَوْمُ الفاسِقُونَ﴾: بِالنَّصْبِ، وفي هَذِهِ الآيَةِ وعِيدٌ وإنْذارٌ.
الأحقاف 46:35
(p-٦٦)﴿ولَقَدْ أهْلَكْنا ما حَوْلَكم مِنَ القُرى وصَرَّفْنا الآياتِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ ﴿فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ قُرْبانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهم وذَلِكَ إفْكُهم وما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ ﴿وإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ فَلَمّا حَضَرُوهُ قالُوا أنْصِتُوا فَلَمّا قُضِيَ ولَّوْا إلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ ﴿قالُوا ياقَوْمَنا إنّا سَمِعْنا كِتابًا أُنْزِلَ مِن بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إلى الحَقِّ وإلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿ياقَوْمَنا أجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ وآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكم ويُجِرْكم مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ ﴿ومَن لا يُجِبْ داعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ في الأرْضِ ولَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أولِياءُ أُولَئِكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ ولَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى بَلى إنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿ويَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلى النّارِ ألَيْسَ هَذا بِالحَقِّ قالُوا بَلى ورَبِّنا قالَ فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ ﴿فاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُو العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ ولا تَسْتَعْجِلْ لَهم كَأنَّهم يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إلّا ساعَةً مِن نَهارٍ بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إلّا القَوْمُ الفاسِقُونَ﴾ .
﴿ولَقَدْ أهْلَكْنا ما حَوْلَكم مِنَ القُرى﴾: خِطابٌ لِقُرَيْشٍ عَلى جِهَةِ التَّمْثِيلِ لَهم، والَّذِي حَوْلَهم مِنَ القُرى: مَأْرِبُ، وحِجْرُ، ثَمُودُ، وسَدُومُ. ويُرِيدُ مِن أهْلِ القُرى: ﴿وصَرَّفْنا الآياتِ﴾، أيِ الحُجَجَ والدَّلائِلَ والعِظاةَ لِأهْلِ تِلْكَ القُرى، (لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ) عَنْ ما هم فِيهِ مِنَ الكُفْرِ إلى الإيمانِ، فَلَمْ يَرْجِعُوا.
﴿فَلَوْلا نَصَرَهُمُ﴾: أيْ فَهَلّا نَصَرَهم حِينَ جاءَهُمُ الهَلاكُ ؟ (الَّذِينَ اتَّخَذُوا): أيِ اتَّخَذُوهم، ﴿مِن دُونِ اللَّهِ قُرْبانًا﴾: أيْ في حالِ التَّقَرُّبِ وجَعْلِهِمْ شُفَعاءَ. (آلِهَةً): وهو المَفْعُولُ الثّانِي لِاتَّخَذُوا، والأوَّلُ الضَّمِيرُ المَحْذُوفُ العائِدُ عَلى المَوْصُولِ. وأجازَ الحَوْفِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ وأبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ قُرْبانًا مَفْعُولًا ثانِيًا لِاتَّخَذُوا آلِهَةً بَدَلًا مِنهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقُرْبانًا حالٌ، ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ قُرْبانًا مَفْعُولًا ثانِيًا وآلِهَةً بَدَلًا مِنهُ، لِفَسادِ المَعْنى. انْتَهى. ولَمْ يُبَيِّنِ الزَّمَخْشَرِيُّ كَيْفَ يَفْسُدُ المَعْنى، ويَظْهَرُ أنَّ المَعْنى صَحِيحٌ عَلى ذَلِكَ الإعْرابِ. وأجازَ الحَوْفِيُّ أيْضًا أنْ يَكُونَ قُرْبانًا مَفْعُولًا مِن أجْلِهِ.
﴿بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ﴾: أيْ غابُوا عَنْ نُصْرَتِهِمْ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: إفْكُهم، بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وإسْكانِ الفاءِ وضَمِّ الكافِ، وابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةٍ: بِفَتْحِ الهَمْزَةِ. والإفْكُ مَصْدَرٌ آنِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، وابْنُ الزُّبَيْرِ، والصَّبّاحُ بْنُ العَلاءِ الأنْصارِيُّ، وأبُو عِياضٍ، وعِكْرِمَةُ، وحَنْظَلَةُ بْنُ النُّعْمانِ بْنِ مُرَّةَ، ومُجاهِدٌ: أفَكَهم، بِثَلاثِ فَتَحاتٍ: أيْ صَرَفَهم، وأبُو عِياضٍ، وعِكْرِمَةُ أيْضًا: كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُما شَدَّدا الفاءَ لِلتَّكْثِيرِ، وابْنُ الزُّبَيْرِ أيْضًا، وابْنُ عَبّاسٍ، فِيما ذَكَرَ ابْنُ خالَوَيْهِ: آفَكَهم بِالمَدِّ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ فاعَلَ. فالهَمْزَةُ أصْلِيَّةٌ، وأنْ يَكُونَ أفْعَلَ، فالهَمْزَةُ لِلتَّعْدِيَةِ، أيْ جَعَلَهم يَأْفِكُونَ، ويَكُونُ أفْعَلُ بِمَعْنى المُجَرَّدِ. وعَنِ الفَرّاءِ أنَّهُ قُرِئَ: أفَكُهم بِفَتْحِ الهَمْزَةِ والفاءِ وضَمِّ الكافِ، وهي لُغَةٌ في الإفْكِ، وابْنُ عَبّاسٍ، فِيما رَوى قُطْرُبٌ، وأبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ: آفِكُهُمُ اسْمُ فاعِلٍ مِن أفَكَ، أيْ صارَفَهم، والإشارَةُ بِذَلِكَ عَلى مَن قَرَأ: (p-٦٧)إفْكُهم مَصْدَرًا إلى اتِّخاذِ الأصْنامِ آلِهَةً، أيْ ذَلِكَ كَذِبُهم وافْتِراؤُهم. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وذَلِكَ إشارَةٌ إلى امْتِناعِ نُصْرَةِ آلِهَتِهِمْ لَهم وضَلالِهِمْ عَنْهم، أيْ وذَلِكَ أثَرُ إفْكِهِمُ الَّذِي هو اتِّخاذُهم إيّاها آلِهَةً، وثَمَرَةُ شِرْكِهِمْ وافْتِرائِهِمْ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ مِن كَوْنِهِ ذا شُرَكاءَ. انْتَهى. وعَلى قِراءَةِ مَن جَعَلَهُ فِعْلًا مَعْناهُ: وذَلِكَ الِاتِّخاذُ صَرَفَهم عَنِ الحَقِّ، وكَذَلِكَ قِراءَةُ اسْمِ الفاعِلِ، أيْ صارَفَهم عَنِ الحَقِّ. ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ ما مَصْدَرِيَّةً، أيْ وافْتِراؤُهم، وأنْ تَكُونَ بِمَعْنى الَّذِي والعائِدُ مَحْذُوفٌ، أيْ يَفْتَرُونَهُ.
﴿وإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ﴾: ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها: أنَّهُ لَمّا بَيَّنَ أنَّ الإنْسِيَّ مُؤْمِنٌ وكافِرٌ، وذَكَرَ أنَّ الجِنَّ فِيهِمْ مُؤْمِنٌ وكافِرٌ، وكانَ ذَلِكَ بِأثَرِ قِصَّةِ هُودٍ وقَوْمِهِ، لِما كانَ عَلَيْهِ قَوْمُهُ مِنَ الشِّدَّةِ والقُوَّةِ. والجِنُّ تُوصَفُ أيْضًا بِذَلِكَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿قالَ عِفْريتٌ مِنَ الجِنِّ أنا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ تَقُومَ مِن مَقامِكَ وإنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أمِينٌ﴾ [النمل: ٣٩] . وإنَّ ما أُهْلِكَ بِهِ قَوْمُ هُودٍ هو الرِّيحُ، وهو مِنَ العالَمِ الَّذِي لا يُشاهَدُ، وإنَّما يُحَسُّ بِهُبُوبِهِ. والجِنُّ أيْضًا مِنَ العالَمِ الَّذِي لا يُشاهَدُ. وإنَّهُودًا عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مِنَ العَرَبِ، ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ العَرَبِ، فَهَذِهِ تَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُناسَبَةً لِهَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها. وفِيها أيْضًا تَوْبِيخٌ لِقُرَيْشٍ وكُفّارِ العَرَبِ، حَيْثُ أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ هَذا الكِتابُ المُعْجِزُ، فَكَفَرُوا بِهِ، وهم مِن أهْلِ اللِّسانِ الَّذِي أُنْزِلَ بِهِ القُرْآنُ، ومِن جِنْسِ الرَّسُولِ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْهِمْ. وهَؤُلاءِ جِنٌّ، فَلَيْسُوا مِن جِنْسِهِ، وقَدْ أثَّرَ فِيهِمْ سَماعُ القُرْآنِ وآمَنُوا بِهِ وبِمَن أُنْزِلَ عَلَيْهِ، وعَلِمُوا أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ، بِخِلافِ قُرَيْشٍ وأمْثالِها، فَهم مُصِرُّونَ عَلى الكُفْرِ بِهِ.
﴿وإذْ صَرَفْنا﴾: وجَّهْنا إلَيْكَ. وقَرَأ: صَرَّفْنا، بِتَشْدِيدِ الرّاءِ، لِأنَّهم كانُوا جَماعَةً، فالتَّكْثِيرُ بِحَسْبِ الحالِ.
﴿نَفَرًا مِنَ الجِنِّ﴾، والنَّفَرُ دُونَ العَشَرَةِ، ويُجْمَعُ عَلى أنْفارٍ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانُوا سَبْعَةً، مِنهم زَوْبَعَةُ. والَّذِي يَجْمَعُ اخْتِلافَ الرِّواياتِ أنَّ قِصَّةَ الجِنِّ كانَتْ مَرَّتَيْنِ.
إحْداهُما: حِينَ انْصَرَفَ مِنَ الطّائِفِ، وكانَ خَرَجَ إلَيْهِمْ يَسْتَنْصِرُهم في قِصَّةٍ ذَكَرَها أصْحابُ السِّيَرِ. فَرُوِيَ أنَّ الجِنَّ كانَتْ تَسْتَرِقُ السَّمْعَ، فَلَمّا بُعِثَ الرَّسُولُ، حُرِسَتِ السَّماءُ، ورُمِيَ الجِنُّ بِالشُّهُبِ، قالُوا: ما هَذا إلّا أمْرٌ حَدَثَ. وطافُوا الأرْضَ، فَوافَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِوادِي نَخْلَةَ، وهو قائِمٌ يُصَلِّي، فاسْتَمَعُوا لِقِراءَتِهِ، وهو لا يَشْعُرُ، فَأنْبَأهُ اللَّهُ بِاسْتِماعِهِمْ.
والمَرَّةُ الأُخْرى أنَّ اللَّهَ أمَرَهُ أنْ يُنْذِرَ الجِنَّ ويَقْرَأ عَلَيْهِمْ فَقالَ: «إنِّي أُمِرْتُ أنْ أقْرَأ عَلى الجِنِّ فَمَن يَتْبَعُنِي ”، قالَها ثَلاثًا، فَأطْرَقُوا إلّا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ، قالَ: لَمْ يَحْضُرْهُ أحَدٌ لَيْلَةَ الجِنِّ غَيْرِي. فانْطَلَقْنا حَتّى إذا كُنّا في شِعْبِ الحَجُونِ، خَطَّ لِي خَطًّا وقالَ:“ لا تَخْرُجْ مِنهُ حَتّى أعُودَ إلَيْكَ ”، ثُمَّ افْتَتَحَ القُرْآنَ. وسَمِعْتُ لَغَطًا شَدِيدًا حَتّى خِفْتُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وغَشِيَتْهُ أسْوِدَةٌ كَثِيرَةٌ حالَتْ بَيْنِي وبَيْنَهُ حَتّى ما أسْمَعَ صَوْتَهُ، ثُمَّ تَقَطَّعُوا تَقَطُّعَ السَّحابِ، فَقالَ لِي:“ هَلْ رَأيْتَ شَيْئًا ”؟ قُلْتُ: نَعَمْ، رِجالًا سُودًا مُسْتَثْفِرِي ثِيابٍ بِيضٍ، فَقالَ:“ أُولَئِكَ جِنُّ نَصِيبِينَ ”. وكانُوا اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا، والسُّورَةُ الَّتِي قَرَأها عَلَيْهِمْ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١] . وفي آخِرِ هَذا الحَدِيثِ قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، سَمِعْتُ لَهم لَغَطًا، فَقالَ:“ إنَّهم تَدّارَءُوا في قَتِيلٍ لَهم فَحَكَمْتُ بِالحَقِّ» . وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ «لَمْ يَحْضُرْ أحَدٌ لَيْلَةَ الجِنِّ»، واللَّهُ أعْلَمُ بِصِحَّةِ ذَلِكَ.
﴿فَلَمّا حَضَرُوهُ﴾: أيِ القُرْآنَ، أيْ كانُوا بِمَسْمَعٍ مِنهُ، وقِيلَ: حَضَرُوا الرَّسُولَ، وهو التِفاتٌ مِن إلَيْكَ إلى ضَمِيرِ الغَيْبِ.
﴿قالُوا أنْصِتُوا﴾: أيِ اسْكُتُوا لِلِاسْتِماعِ، وفِيهِ تَأْدِيبٌ مَعَ العِلْمِ وكَيْفَ يَتَعَلَّمُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (فَلَمّا قُضِيَ): مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وأبُو مِجْلَزٍ، وحَبِيبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ: قَضى، مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، أيْ قَضى مُحَمَّدٌ ما قَرَأ، أيْ أتَمَّهُ وفَرَغَ مِنهُ. وقالَ ابْنُ عُمَرَ، وجابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: قَرَأ عَلَيْهِمْ سُورَةَ الرَّحْمَنِ، فَكانَ إذا قالَ: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ١٦]، قالُوا: لا شَيْءَ مِن آياتِ رَبِّنا نُكَذِّبُ رَبَّنا لَكَ الحَمْدُ.
﴿ولَّوْا إلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾: تَفَرَّقُوا عَلى البِلادِ يُنْذِرُونَ الجِنَّ. قالَ قَتادَةُ: ما أسْرَعَ ما عَقَلَ القَوْمُ. انْتَهى. وعِنْدَ ذَلِكَ وقَعَتْ قِصَّةُ سَوادِ بْنِ (p-٦٨)قارِبٍ، وخُنافِرَ وأمْثالُهُما، حِينَ جاءَهُما رَيّاهُما مِنَ الجِنِّ، وكانَ سَبَبُ إسْلامِهِما.
﴿مِن بَعْدِ مُوسى﴾: أيْ مِن بَعْدِ كِتابِ مُوسى. قالَ عَطاءٌ: كانُوا عَلى مِلَّةِ اليَهُودِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: لَمْ تَسْمَعِ الجِنُّ بِأمْرِ عِيسى، وهَذا لا يَصِحُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. كَيْفَ لا تَسْمَعُ بِأمْرِ عِيسى ولَهُ أُمَّةٌ عَظِيمَةٌ لا تَنْحَصِرُ عَلى مِلَّتِهِ ؟ فَيَبْعُدُ عَنِ الجِنِّ كَوْنُهم لَمْ يَسْمَعُوا بِهِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونُوا قالُوا: ﴿مِن بَعْدِ مُوسى﴾ تَنْبِيهًا لِقَوْمِهِمْ عَلى اتِّباعِ الرَّسُولِ، إذْ كانَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَدْ بَشَّرَ بِهِ مُوسى، فَقالُوا: ذَلِكَ مِن حَيْثُ إنَّ هَذا الأمْرَ مَذْكُورٌ في التَّوْراةِ، ﴿مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ مِنَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ والكُتُبِ الإلَهِيَّةِ، إذْ كانَتْ كُلُّها مُشْتَمِلَةً عَلى التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ والمَعادِ، والأمْرُ بِتَطْهِيرِ الأخْلاقِ.
﴿يَهْدِي إلى الحَقِّ﴾: أيْ إلى ما هو حَقٌّ في نَفْسِهِ صِدْقٌ، يُعْلَمُ ذَلِكَ بِصَرِيحِ العَقْلِ. (وإلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ): غايَرَ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ، والمَعْنى مُتَقارِبٌ، ورُبَّما اسْتُعْمِلَ أحَدُهُما في مَوْضِعٍ لا يُسْتَعْمَلُ الآخَرُ فِيهِ، فَجَمَعَ هُنا بَيْنَهُما وحَسُنَ التَّكْرارُ.
﴿أجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ﴾: هو الرَّسُولُ، والواسِطَةُ المُبَلِّغَةُ عَنْهُ، ﴿ياقَوْمَنا أجِيبُوا﴾: يَعُودُ عَلى اللَّهِ.
﴿يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكُمْ﴾: مِن لِلتَّبْعِيضِ، لِأنَّهُ لا يَغْفِرُ بِالإيمانِ ذُنُوبَ المَظالِمِ، قالَ مَعْناهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقِيلَ: مِن زائِدَةٌ، لِأنَّ الإسْلامَ يَجُبُّ ما قَبْلَهُ، فَلا يَبْقى مَعَهُ تَبِعَةٌ.
﴿ويُجِرْكم مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾: وهَذا كُلُّهُ وظَواهِرُ القُرْآنِ تَدُلُّ عَلى الثَّوابِ، وكَذا قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَهم ثَوابٌ وعَلَيْهِمْ عِقابٌ، يَلْتَقُونَ في الجَنَّةِ ويَزْدَحِمُونَ عَلى أبْوابِها. وقِيلَ: لا ثَوابَ لَها إلّا النَّجاةُ مِنَ النّارِ، وإلَيْهِ كانَ يَذْهَبُ أبُو حَنِيفَةَ.
﴿فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ في الأرْضِ﴾: أيْ بِفائِتٍ مِن عِقابِهِ، إذْ لا مَنجا مِنهُ، ولا مَهْرَبَ، كَقَوْلِهِ: ﴿وأنّا ظَنَنّا أنْ لَنْ نُعجِزَ اللَّهَ في الأرْضِ ولَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا﴾ [الجن: ١٢] . ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عامِرٍ: ولَيْسَ لَهم بِزِيادَةِ مِيمٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ولَمْ يَعْيَ﴾، مُضارِعَ عَيِيَ، عَلى وزْنِ فَعِلَ، بِكَسْرِ العَيْنِ، والحَسَنُ: ولَمْ يَعِي، بِكَسْرِ العَيْنِ وسُكُونِ الياءِ، ووَجْهُهُ أنَّهُ في الماضِي فُتِحَ عَيْنُ الكَلِمَةِ، كَما قالُوا في بَقِيَ: بَقا، وهي لُغَةٌ لِطَيِّيءٍ. ولَمّا بُنِيَ الماضِي عَلى فِعَلٍ بِفَتْحِ العَيْنِ، بُنِيَ مُضارِعُهُ عَلى يَفْعِلُ بِكَسْرِ العَيْنِ، فَجاءَ يَعْيى. فَلَمّا دَخَلَ الجازِمُ، حَذَفَ الياءَ، فَبَقِيَ يَعْيَ بِنَقْلِ حَرَكَةِ الياءِ إلى العَيْنِ، فَسَكَنَتِ الياءُ وبَقِيَ يَعِي. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (بِقادِرٍ): اسْمَ فاعِلٍ، والباءُ زائِدَةٌ في خَبَرِ أنَّ، وحَسَّنَ زِيادَتِها كَوْنُ ما قَبْلَها في حَيِّزِ النَّفْيِ. وقَدْ أجازَ الزَّجّاجُ: ما ظَنَنْتُ أنَّ أحَدًا بِقائِمٍ، قِياسًا عَلى هَذا، والصَّحِيحُ قَصْرُ ذَلِكَ عَلى السَّماعِ، فَكَأنَّهُ في الآيَةِ قالَ: ألَيْسَ اللَّهُ بِقادِرٍ ؟ ألا تَرى كَيْفَ جاءَ بِبَلى مُقَرِّرًا لِإحْياءِ المَوْتى لا لِرُؤْيَتِهِمْ ؟ وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ، وعِيسى، والأعْرَجُ: بِخِلافٍ عَنْهُ، ويَعْقُوبُ: يُقَدِّرُ مُضارِعًا.
﴿ألَيْسَ هَذا بِالحَقِّ﴾: أيْ يُقالُ لَهم، والإشارَةُ بِهَذا إلى العَذابِ. أيْ كُنْتُمْ تُكَذِّبُونَ بِأنَّكم تُعَذَّبُونَ، والمَعْنى: تَوْبِيخُهم عَلى اسْتِهْزائِهِمْ بِوَعْدِ اللَّهِ ووَعِيدِهِ وقَوْلِهِمْ: ﴿وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٨] .
﴿قالُوا بَلى ورَبِّنا﴾، تَصْدِيقٌ حَيْثُ لا يَنْفَعُ. وقالَ الحَسَنُ: إنَّهم لَيُعَذَّبُونَ في النّارِ وهم راضُونَ بِذَلِكَ لِأنْفُسِهِمْ، يَعْتَرِفُونَ أنَّهُ العَدْلُ، فَيَقُولُ لَهُمُ المُجاوِبُ مِنَ المَلائِكَةِ عِنْدَ ذَلِكَ: (فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ فاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ): الفاءُ عاطِفَةٌ هَذِهِ الجُمْلَةَ عَلى الجُمْلَةِ مِن أخْبارِ الكُفّارِ في الآخِرَةِ، والمَعْنى بَيْنَهُما مُرْتَبِطٌ: أيْ هَذِهِ حالُهم مَعَ اللَّهِ. فَلا تَسْتَعْجِلْ أنْتَ واصْبِرْ، ولا تَخَفْ إلّا اللَّهَ. وأُولُو العَزْمِ: أيْ أُولُو الجِدِّ مِنَ الرُّسُلِ، وهم مَن حُفِظَ لَهُ شِدَّةٌ مَعَ قَوْمِهِ ومُجاهَدَةٌ. فَتَكُونُ مِن لِلتَّبْعِيضِ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلْبَيانِ، أيِ الَّذِينَ هُمُ الرُّسُلُ، ويَكُونُ الرُّسُلُ كُلُّهم أُولِي العَزْمِ، وأُولُو العَزْمِ عَلى التَّبْعِيضِ يَقْتَضِي أنَّهم رُسُلٌ وغَيْرُ رُسُلٍ، وعَلى البَيانِ يَقْتَضِي أنَّهُمُ الرُّسُلُ، وكَوْنُها لِلتَّبْعِيضِ قَوْلُ عَطاءٍ الخُراسانِيِّ والكَلْبِيِّ، ولِلْبَيانِ قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ. وقالَ الحَسَنُ بْنُ الفَضْلِ: هُمُ الثَّمانِيَةَ عَشَرَ المَذْكُورَةُ في سُورَةِ الأنْعامِ، لِأنَّهُ قالَ عَقِبَ ذِكْرِهِمْ: (فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ) . وقالَ مُقاتِلٌ: هم سِتَّةٌ: نُوحٌ صَبَرَ عَلى أذى قَوْمِهِ طَوِيلًا، وإبْراهِيمُ صَبَرَ عَلى النّارِ، وإسْحاقُ صَبَرَ نَفْسَهُ عَلى الذَّبْحِ، ويَعْقُوبُ صَبَرَ عَلى الفَقْدِ لِوَلَدِهِ وعَمى (p-٦٩)بَصَرِهِ، وقالَ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ، ويُوسُفُ صَبَرَ عَلى السِّجْنِ والبِئْرِ، وأيُّوبُ عَلى البَلاءِ. وزادَ غَيْرُهُ: ومُوسى قالَ قَوْمُهُ: ﴿إنّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء: ٦١] ﴿قالَ كَلّا إنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٦٢]، وداوُدُ بَكى عَلى خَطِيئَتِهِ أرْبَعِينَ سَنَةً، وعِيسى لَمْ يَضَعْ لَبِنَةً عَلى لَبِنَةٍ وقالَ: إنَّها مَعْبَرٌ، فاعْبُرُوها ولا تَعْمَرُوها.
﴿ولا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ﴾: أيْ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ بِالعَذابِ، أيْ لا تَدْعُ لَهم بِتَعْجِيلِهِ، فَإنَّهُ نازِلٌ بِهِمْ لا مَحالَةَ وإنْ تَأخَّرَ، وإنَّهم مُسْتَقْصِرُونَ حِينَئِذٍ مُدَّةَ لَبْثِهِمْ في الدُّنْيا، كَأنَّهم ﴿لَمْ يَلْبَثُوا إلّا ساعَةً﴾ . وقَرَأ أُبَيٌّ: مِنَ النَّهارِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: مِن نَهارٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: بَلاغٌ، بِالرَّفْعِ، والظّاهِرُ رُجُوعُهُ إلى المُدَّةِ الَّتِي لَبِثُوا فِيها، كَأنَّهُ قِيلَ: تِلْكَ السّاعَةُ بَلاغُهم، كَما قالَ تَعالى: (مَتاعٌ قَلِيلٌ)، فَبَلاغٌ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. قِيلَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بَلاغٌ يَعْنِي بِهِ القُرْآنَ والشَّرْعَ، أيْ هَذا بَلاغٌ، أيْ تَبْلِيغٌ وإنْذارٌ. وقالَ أبُو مِجْلَزٍ: بَلاغٌ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ لَهم، ويَقِفُ عَلى فَلا تَسْتَعْجِلْ، وهَذا لَيْسَ بِجَيِّدٍ، لِأنَّ فِيهِ تَفْكِيكَ الكَلامِ بَعْضِهِ مِن بَعْضٍ، إذْ ظاهِرُ قَوْلِهِ: لَهم، أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: فَلا تَسْتَعْجِلْ لَهم، والحَيْلُولَةُ الجُمْلَةُ التَّشْبِيهِيَّةُ بَيْنَ الخَبَرِ والمُبْتَدَأِ. وقَرَأ الحَسَنُ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وعِيسى: بَلاغًا. بِالنَّصْبِ، فاحْتَمَلَ أنْ يُرادَ: بَلاغًا في القُرْآنِ، أيْ بُلِّغُوا بَلاغًا، أوْ بَلَّغْنا بَلاغًا. وقَرَأ الحَسَنُ أيْضًا: بَلاغٍ. بِالجَرِّ، نَعْتًا لِنَهارٍ. وقَرَأ أبُو مِجْلَزٍ، وأبُو سَراحٍ الهُذَلِيُّ: بَلَّغَ عَلِيٌّ الأمْرَ لِلنَّبِيِّ ﷺ، وهَذا يُؤَيِّدُ حَمْلَ ”بَلاغٌ“ رَفْعًا ونَصْبًا عَلى أنَّهُ يَعْنِي بِهِ تَبْلِيغَ القُرْآنِ والشَّرْعِ. وعَنْ أبِي مِجْلَزٍ أيْضًا: بَلَّغَ فِعْلًا ماضِيًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: يُهْلَكُ، بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ اللّامِ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، فِيما حَكى عَنْهُ ابْنُ خالَوَيْهِ: بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ اللّامِ، وعَنْهُ أيْضًا: بِفَتْحِ الياءِ واللّامِ، وماضِيهِ هَلِكَ بِكَسْرِ اللّامِ، وهي لُغَةٌ. وقالَ أبُو الفَتْحِ: هي مَرْغُوبٌ عَنْها. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ: يُهْلِكُ، بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ اللّامِ.
﴿إلّا القَوْمُ الفاسِقُونَ﴾: بِالنَّصْبِ، وفي هَذِهِ الآيَةِ وعِيدٌ وإنْذارٌ.