Al-Bahr Al-Muhit — الرحمن 55:18 – الرحمن 55:40
المحتويات
الرحمن 55:18
ولَمّا ذَكَرَ تَعالى ما أنْعَمَ بِهِ مِن مَنفَعَةِ الشَّمْسِ والقَمَرِ، وكانَ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ العُلْوِيَّةِ، ذَكَرَ في مُقابَلَتِهِما مِنَ الآثارِ السُّفْلِيَّةِ النَّجْمَ والشَّجَرَ، إذْ كانا رِزْقًا لِلْإنْسانِ، وأخْبَرَ أنَّهُما جارِيانِ عَلى ما أرادَ اللَّهُ بِهِما، مِن تَسْخِيرِهِما وكَيْنُونَتِهِما عَلى ما اقْتَضَتْهُ حِكْمَتُهُ تَعالى. ولَمّا ذَكَرَ ما بِهِ حَياةُ الأرْواحِ مِن تَعْلِيمِ القُرْآنِ، ذَكَرَ ما بِهِ حَياةُ الأشْباحِ مِنَ النَّباتِ الَّذِي لَهُ ساقٌ، وكانَ تَقْدِيمُ النَّجْمِ، وهو ما لا ساقَ لَهُ، لِأنَّهُ أصْلُ القُوتِ، والَّذِي لَهُ ساقٌ ثَمَرُهُ يُتَفَكَّهُ بِهِ غالِبًا. والظّاهِرُ أنَّ النَّجْمَ هو الَّذِي شَرَحْناهُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ اقْتِرانُهُ بِالشَّجَرِ. وقالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ والحَسَنُ: النَّجْمُ: اسْمُ الجِنْسِ مِن نُجُومِ السَّماءِ. وسُجُودُهُما، قالَ مُجاهِدٌ والحَسَنُ: ذَلِكَ في النَّجْمِ بِالغُرُوبِ ونَحْوِهِ، وفي الشَّجَرِ بِالظِّلِّ واسْتِدارَتِهِ. وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: والسُّجُودُ تَجَوُّزٌ، وهو عِبارَةٌ عَنِ الخُضُوعِ والتَّذَلُّلِ. والجُمَلُ الأُوَلُ فِيها ضَمِيرٌ يَرْبُطُها بِالمُبْتَدَأِ، وأمّا في هاتَيْنِ الجُمْلَتَيْنِ فاكْتَفى بِالوَصْلِ المَعْنَوِيِّ عَنِ الوَصْلِ اللَّفْظِيِّ، إذْ مَعْلُومٌ أنَّ الحُسْبانَ هو حُسْبانُهُ، وأنَّ السُّجُودَ لَهُ لا لِغَيْرِهِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: بِحُسْبانِهِ ويَسْجُدانِ لَهُ. ولَمّا أُورِدَتْ هَذِهِ الجُمَلُ مَوْرِدَ تَعْدِيدِ النِّعَمِ رُدَّ الكَلامُ إلى العَطْفِ في وصْلِ ما يُناسِبُ وصْلَهُ، والتَّناسُبُ الَّذِي بَيْنَ هاتَيْنِ الجُمْلَتَيْنِ ظاهِرٌ، لِأنَّ الشَّمْسَ والقَمَرَ عُلْوِيّانِ، والنَّجْمُ والشَّجَرُ سُفْلِيّانِ.
﴿والسَّماءَ رَفَعَها﴾: أيْ خَلَقَها مَرْفُوعَةً، حَيْثُ جَعَلَها مَصْدَرَ قَضاياهُ ومَسْكَنَ مَلائِكَتِهِ الَّذِينَ يَنْزِلُونَ بِالوَحْيِ عَلى أنْبِيائِهِ، ونَبَّهَ بِذَلِكَ عَلى عِظَمِ شَأْنِهِ ومِلْكِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (والسَّماءَ)، بِالنَّصْبِ عَلى الِاشْتِغالِ، رُوعِيَ مُشاكَلَةُ الجُمْلَةِ الَّتِي تَلِيهِ وهي ﴿يَسْجُدانِ﴾ [الرحمن: ٦] . وقَرَأ أبُو السَّمّالِ: والسَّماءُ بِالرَّفْعِ، راعى مُشاكَلَةَ الجُمْلَةِ الِابْتِدائِيَّةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ووَضَعَ المِيزانَ﴾، فِعْلًا ماضِيًا ناصِبًا المِيزانَ، أيْ أقَرَّهُ وأثْبَتَهُ. وقَرَأ إبْراهِيمُ: ووَضْعِ المِيزانِ، بِالخَفْضِ وإسْكانِ الضّادِ. والظّاهِرُ أنَّهُ كُلُّ ما يُوزَنُ بِهِ الأشْياءُ وتُعْرَفُ مَقادِيرُها، وإنِ اخْتَلَفَتِ الآلاتُ، قالَ مَعْناهُ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وقَتادَةُ، جَعَلَهُ تَعالى حاكِمًا بِالسَّوِيَّةِ في الأخْذِ والإعْطاءِ. وقالَ مُجاهِدٌ والطَّبَرِيُّ والأكْثَرُونَ: المِيزانُ: العَدْلُ، وتَكُونُ الآلاتُ مِن بَعْضِ ما يَنْدَرِجُ في العَدْلِ. بَدَأ أوَّلًا بِالعِلْمِ، فَذَكَرَ ما فِيهِ أشْرَفُ أنْواعِ العُلُومِ وهو القُرْآنُ؛ ثُمَّ ذَكَرَ ما بِهِ التَّعْدِيلُ في الأُمُورِ، وهو المِيزانُ، كَقَوْلِهِ: ﴿وأنْزَلْنا مَعَهُمُ الكِتابَ والمِيزانَ﴾ [الحديد: ٢٥]، لِيُعَلِّمُوا الكِتابَ ويَفْعَلُوا ما يَأْمُرُهم بِهِ الكِتابُ. (أنْ لا تَطْغَوْا في المِيزانِ): أيْ لِأنْ لا تَطْغَوْا، فَتَطْغَوْا مَنصُوبٌ بِأنْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ هي ”أنِ“ المُفَسِّرَةُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ أنْ مُفَسِّرَةً، فَيَكُونُ تَطْغَوْا جَزْمًا بِالنَّهْيِ. انْتَهى، ولا يَجُوزُ ما قالاهُ مِن أنَّ أنْ مُفَسِّرَةٌ، لِأنَّهُ فاتَ أحَدُ شَرْطَيْها، وهو أنْ يَكُونَ ما قَبْلَها جُمْلَةً فِيها مَعْنى القَوْلِ.
﴿ووَضَعَ المِيزانَ﴾ جُمْلَةٌ لَيْسَ فِيها مَعْنى القَوْلِ. والطُّغْيانُ في المِيزانِ هو أنْ يَكُونَ بِالتَّعَمُّدِ، وأمّا ما لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنَ التَّحْرِيرِ بِالمِيزانِ فَمَعْفُوٌّ عَنْهُ.
ولَمّا كانَتِ التَّسْوِيَةُ مَطْلُوبَةً جِدًّا، أمَرَ اللَّهُ تَعالى فَقالَ: ﴿وأقِيمُوا الوَزْنَ﴾ . وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ولا تُخْسِرُوا﴾، مِن أخْسَرَ: أيْ أفْسَدَ ونَقَصَ، كَقَوْلِهِ: ﴿وإذا كالُوهم أوْ وزَنُوهم يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين: ٣]؛ أيْ يَنْقُصُونَ. وبِلالُ بْنُ أبِي بُرْدَةَ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: تَخْسَرُ بِفَتْحِ التّاءِ، يُقالُ: خَسِرَ يَخْسَرُ، وأخْسَرَ يُخْسِرُ بِمَعْنًى واحِدٍ، كَجَبَرَ وأجْبَرَ. وحَكى ابْنُ جِنِّي وصاحِبُ اللَّوامِحِ، عَنْ بِلالٍ فَتْحَ التّاءِ والسِّينِ مُضارِعُ خَسِرَ بِكَسْرِ السِّينِ، وخَرَّجَها الزَّمَخْشَرِيُّ عَلى أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: في المِيزانِ، فَحَذَفَ الجارَّ ونَصَبَ، ولا يُحْتاجُ إلى هَذا التَّخْرِيجِ. ألا تَرى أنَّ خَسِرَ جاءَ مُتَعَدِّيًا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٢]، و﴿خَسِرَ الدُّنْيا والآخِرَةَ﴾ [الحج: ١١] ؟ وقُرِئَ أيْضًا: تَخْسُرُوا، بِفَتْحِ التّاءِ وضَمِّ السِّينِ. لِما مُنِعَ مِنَ الزِّيادَةِ، وهي الطُّغْيانُ، نَهى عَنِ الخُسْرانِ الَّذِي هو نُقْصانٌ، وكَرَّرَ لَفْظَ المِيزانِ، تَشْدِيدًا لِلتَّوْصِيَةِ بِهِ وتَقْوِيَةً لِلْأمْرِ بِاسْتِعْمالِهِ والحَثِّ عَلَيْهِ.
ولَمّا ذَكَرَ السَّماءَ، ذَكَرَ مُقابِلَتَها فَقالَ: ﴿والأرْضَ وضَعَها لِلْأنامِ﴾: أيْ خَفَضَها (p-١٩٠)مَدْحُوَّةً عَلى الماءِ لِيُنْتَفَعَ بِها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”والأرْضَ“ بِالنَّصْبِ؛ وأبُو السَّمّالِ: بِالرَّفْعِ: ”والأنامُ“، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بَنُو آدَمَ فَقَطْ. وقالَ أيْضًا هو وقَتادَةُ وابْنُ زَيْدٍ والشَّعْبِيُّ: الحَيَوانُ كُلُّهُ. وقالَ الحَسَنُ: الثَّقَلانِ الجِنُّ والإنْسُ.
﴿فِيها فاكِهَةٌ﴾: ضُرُوبٌ مِمّا يُتَفَكَّهُ بِهِ. وبَدَأ بِقَوْلِهِ: ﴿فاكِهَةٌ﴾، إذْ هو مِن بابِ الِابْتِداءِ بِالأدْنى والتَّرَقِّي إلى الأعْلى، ونَكَّرَ لَفْظَها، لِأنَّ الِانْتِفاعَ بِها دُونَ الِانْتِفاعِ بِما يُذْكَرُ بَعْدَها. ثُمَّ ثَنّى بِالنَّخْلِ، فَذَكَرَ الأصْلَ ولَمْ يَذْكُرْ ثَمَرَتَها، وهو الثَّمَرُ لِكَثْرَةِ الِانْتِفاعِ بِها مِن لِيفٍ وسَعَفٍ وجَرِيدٍ وجُذُوعٍ وجُمّارٍ وثَمَرٍ. ثُمَّ أتى ثالِثًا بِالحَبِّ الَّذِي هو قِوامُ عَيْشِ الإنْسانِ في أكْثَرِ الأقالِيمِ، وهو البُرُّ والشَّعِيرُ وكُلُّ ما لَهُ سُنْبُلٌ وأوْراقٌ مُتَشَعِّبَةٌ عَلى ساقِهِ، ووَصَفَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ذُو العَصْفِ﴾ تَنْبِيهًا عَلى إنْعامِهِ عَلَيْهِمْ بِما يَقُوتُهم مِنَ الحَبِّ، ويَقُوتُ بَهائِمَهم مِن ورَقِهِ الَّذِي هو التِّبْنُ. وبَدَأ بِالفاكِهَةِ وخَتَمَ بِالمَشْمُومِ، وبَيْنَهُما النَّخْلُ والحَبُّ، لِيَحْصُلَ ما بِهِ يُتَفَكَّهُ، وما بِهِ يُتَقَوَّتُ، وما بِهِ تَقَعُ اللَّذاذَةُ مِنَ الرّائِحَةِ الطَّيِّبَةِ. وذَكَرَ النَّخْلَ بِاسْمِها والفاكِهَةَ دُونَ شَجَرِها، لِعِظَمِ المَنفَعَةِ بِالنَّخْلِ مِن جِهاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ، وشَجَرَةُ الفاكِهَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى ثَمَرَتِها حَقِيرَةٌ، فَنَصَّ عَلى ما يَعْظُمُ بِهِ الِانْتِفاعُ مِن شَجَرَةِ النَّخْلِ ومِنَ الفاكِهَةِ دُونَ شَجَرَتِها.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿والحَبُّ ذُو العَصْفِ والرَّيْحانُ﴾، بِرَفْعِ الثَّلاثَةِ عَطْفًا عَلى المَرْفُوعِ قَبْلَهُ؛ وابْنُ عامِرٍ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِنَصْبِ الثَّلاثَةِ، أيْ وخَلَقَ الحَبَّ. وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ ﴿والرَّيْحانُ﴾ حالَةَ الرَّفْعِ وحالَةَ النَّصْبِ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ وذُو الرَّيْحانِ حَذَفَ المُضافَ وأقامَ المُضافَ إلَيْهِ مَقامَهُ؛ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ والأصْمَعِيُّ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: والرَّيْحانُ بِالجَرِّ، والمَعْنى: والحَبُّ ذُو العَصْفِ الَّذِي هو عَلَفُ البَهائِمِ، والرَّيْحانُ الَّذِي هو مَطْعَمُ النّاسِ، ويَبْعُدُ دُخُولُ المَشْمُومِ في قِراءَةِ الجَرِّ، ورَيْحانُ مِن ذَواتِ الواوِ. وأجازَ أبُو عَلِيٍّ أنْ يَكُونَ اسْمًا، ووُضِعَ مَوْضِعَ المَصْدَرِ، وأنْ يَكُونَ مَصْدَرًا عَلى وزْنِ فَعْلانَ كاللَّبّانِ. وأُبْدِلَتِ الواوُ ياءً، كَما أبْدَلُوا الياءَ واوًا في أشاوى، أوْ مَصْدَرًا شاذًّا في المُعْتَلِّ، كَما شَذَّ كَبَنُونَةٍ وبَيْنُونَةٍ، فَأصْلُهُ رَيْوِحانُ، قُلِبَتِ الواوُ ياءً وأُدْغِمَتْ في الياءِ فَصارَ رَيِّحانَ، ثُمَّ حُذِفَتْ عَيْنُ الكَلِمَةِ، كَما قالُوا: مَيْتٌ وهَيْنٌ.
ولَمّا عَدَّدَ تَعالى نِعَمَهُ، خاطَبَ الثَّقَلَيْنِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٣٢]، أيْ أنَّ نِعَمَهُ كَثِيرَةٌ لا تُحْصى، فَبِأيِّها تُكَذِّبانِ ؟ أيْ مَن هَذِهِ نِعَمُهُ لا يُمْكِنُ أنْ يُكَذَّبَ بِها. وكانَ هَذا الخِطابُ لِلثَّقَلَيْنِ، لِأنَّهُما داخِلانِ في الأنامِ عَلى أصَحِّ الأقْوالِ. ولِقَوْلِهِ: ﴿خَلَقَ الإنْسانَ﴾، و﴿وخَلَقَ الجانَّ﴾؛ ولِقَوْلِهِ: ﴿سَنَفْرُغُ لَكم أيُّها الثَّقَلانِ﴾ [الرحمن: ٣١]، وقَدْ أبْعَدَ مَن جَعَلَهُ خِطابًا لِلذَّكَرِ والأُنْثى مِن بَنِي آدَمَ. وأبْعَدُ مِن هَذا قَوْلُ مَن قالَ: إنَّهُ خِطابٌ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ: ﴿ألْقِيا في جَهَنَّمَ﴾ [ق: ٢٤]، ويا حَرَسِي اضْرِبا عُنُقَهُ، يَعْنِي أنَّهُ خِطابٌ لِلْواحِدِ بِصُورَةِ الِاثْنَيْنِ، فَبِأيِّ مُنَوَّنًا في جَمِيعِ السُّورَةِ، كَأنَّهُ حُذِفَ مِنهُ المُضافُ إلَيْهِ وأُبْدِلَ مِنهُ (آلاءِ رَبِّكُما) بَدَلَ مَعْرِفَةٍ مِن نَكِرَةٍ، وآلاءُ تَقَدَّمَ في الأعْرافِ أنَّها النِّعَمُ، واحِدُها إلْيٌ وألًا وإلًى وألْيٌ.
﴿خَلَقَ الإنْسانَ﴾: لَمّا ذَكَرَ العالَمَ الأكْبَرَ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ وما أوْجَدَ فِيها مِنَ النِّعَمِ، ذَكَرَ مَبْدَأ مَن خُلِقَتْ لَهُ هَذِهِ النِّعَمُ، والإنْسانُ هو آدَمُ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ. وقِيلَ: لِلْجِنْسِ، وساغَ ذَلِكَ لِأنَّ أباهم مَخْلُوقٌ مِنَ الصَّلْصالِ. وإذا أُرِيدَ بِالإنْسانِ آدَمُ، فَقَدْ جاءَتْ غاياتٌ لَهُ مُخْتَلِفَةٌ، وذَلِكَ بِتَنَقُّلِ أصْلِهِ؛ فَكانَ أوَّلًا تُرابًا، ثُمَّ طِينًا، ثُمَّ حَمَأً مَسْنُونًا، ثُمَّ صَلْصالًا، فَناسَبَ أنْ يُنْسَبَ خَلْقُهُ لِكُلِّ واحِدٍ مِنها. والجانُّ هو أبُو الجِنِّ، وهو إبْلِيسُ، قالَهُ الحَسَنُ. وقالَ مُجاهِدٌ: هو أبُو الجِنِّ، ولَيْسَ بِإبْلِيسَ. وقِيلَ: الجانُّ اسْمُ جِنْسٍ، والمارِجُ: ما اخْتَلَطَ مِن أصْفَرَ وأحْمَرَ وأخْضَرَ، أوِ اللَّهَبُ، أوِ الخالِصُ، أوِ الحُمْرَةُ في طَرَفِ النّارِ، أوِ المُخْتَلِطُ بِسَوادٍ، أوِ المُضْطَرِبُ بِلا دُخانٍ، أقْوالٌ، (ومِن) الأُولى لِابْتِداءِ الغايَةِ، والثّانِيَةُ في (مِن نارٍ) لِلتَّبْعِيضِ. وقِيلَ لِلْبَيانِ، والتَّكْرارُ في هَذِهِ الفَواصِلِ: لِلتَّأْكِيدِ والتَّنْبِيهِ والتَّحْرِيكِ، وهي مَوْجُودَةٌ في مَواضِعَ مِنَ القُرْآنِ. وذَهَبَ قَوْمٌ مِنهُمُ ابْنُ قُتَيْبَةَ إلى أنَّ هَذا التَّكْرارَ إنَّما هو لِاخْتِلافِ النِّعَمِ، فَكَرَّرَ (p-١٩١)التَّوْقِيفَ في كُلِّ واحِدٍ مِنها.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: (رَبُّ)، و(رَبُّ) بِالرَّفْعِ، أيْ هو رَبٌّ؛ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِالخَفْضِ بَدَلًا مِن رَبِّكُما، وثَنّى المُضافَ إلَيْهِ لِأنَّهُما مَشْرِقا الصَّيْفِ والشِّتاءِ ومَغْرِباهُما، قالَهُ مُجاهِدٌ. وقِيلَ: مَشْرِقا الشَّمْسِ والقَمَرِ ومَغْرِباهُما. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: لِلشَّمْسِ مَشْرِقٌ في الصَّيْفِ مُصْعِدٌ، ومَشْرِقٌ في الشِّتاءِ مُنْحَدِرٌ، تَنْتَقِلُ فِيهِما مُصْعِدَةً ومُنْحَدِرَةً. انْتَهى. فالمَشْرِقانِ والمَغْرِبانِ لِلشَّمْسِ. وقِيلَ: المَشْرِقانِ: مَطْلَعُ الفَجْرِ ومَطْلَعُ الشَّمْسِ، والمَغْرِبانِ مَغْرِبُ الشَّفَقِ ومَغْرِبُ الشَّمْسِ. ولِسَهْلٍ التُّسْتَرِيِّ كَلامٌ في المَشْرِقَيْنِ والمَغْرِبَيْنِ شَبِيهٌ بِكَلامِ الباطِنِيَّةِ المُحَرِّفِينَ مَدْلُولَ كَلامِ اللَّهِ، ضَرَبْنا عَنْ ذِكْرِهِ صَفْحًا. وكَذَلِكَ ما وقَفْنا عَلَيْهِ مِن كَلامِ الغُلاةِ الَّذِينَ يُنْسَبُونَ لِلصُّوفِيَّةِ، لِأنّا لا نَسْتَحِلُّ نَقْلَ شَيْءٍ مِنهُ. وقَدْ أوْلَغَ صاحِبُ كِتابِ التَّحْرِيرِ والتَّحْبِيرِ بِحَسْبِ ما قالَهُ هَؤُلاءِ الغُلاةُ في كُلِّ آيَةٍ آيَةٍ، ويُسَمِّي ذَلِكَ الحَقائِقَ، وأرْبابُ القُلُوبِ وما ادَّعَوْا فَهْمَهُ في القُرْآنِ فَأوْغَلُوا فِيهِ لَمْ يَفْهَمْهُ عَرَبِيٌّ قَطُّ، ولا أرادَهُ اللَّهُ تَعالى بِتِلْكَ الألْفاظِ، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِن ذَلِكَ.
﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ذَلِكَ في الفُرْقانِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وذَكَرَ الثَّعْلَبِيُّ في ﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ﴾ ألْغازًا وأقْوالًا باطِنَةً لا يُلْتَفَتُ إلى شَيْءٍ مِنها. انْتَهى، والظّاهِرُ التِقاؤُهُما، أيْ يَتَجاوَرانِ، فَلا فَصْلَ بَيْنَ الماءَيْنِ في رُؤْيَةِ العَيْنِ. وقِيلَ: يَلْتَقِيانِ في كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً. وقِيلَ: مُعَدّانِ لِلِالتِقاءِ، فَحَقُّهُما أنْ يَلْتَقِيا لَوْلا البَرْزَخُ بَيْنَهُما.
﴿بَرْزَخٌ﴾: أيْ حاجِزٌ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، ﴿لا يَبْغِيانِ﴾: لا يَتَجاوَزانِ حَدَّهُما، ولا يَبْغِي أحَدُهُما عَلى الآخَرِ بِالمُمازَجَةِ. وقِيلَ: البَرْزَخُ: أجْرامُ الأرْضِ، قالَهُ قَتادَةُ؛ وقِيلَ: لا يَبْغِيانِ: أيْ عَلى النّاسِ والعُمْرانِ، وعَلى هَذا والَّذِي قَبْلَهُ يَكُونُ مِنَ البَغْيِ. وقِيلَ: هو مِن بَغى، أيْ طَلَبَ، فالمَعْنى: لا يَبْغِيانِ حالًا غَيْرَ الحالِ الَّتِي خُلِقا عَلَيْها وسُخِّرا لَها. وقِيلَ: ماءُ الأنْهارِ لا يَخْتَلِطُ بِالماءِ المِلْحِ، بَلْ هو بِذاتِهِ باقٍ فِيهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والعِيانُ لا يَقْتَضِيهِ. انْتَهى، يَعْنِي أنَّهُ يُشاهِدُ الماءَ العَذْبَ يَخْتَلِطُ بِالمِلْحِ فَيَبْقى كُلُّهُ مِلْحًا، وقَدْ يُقالُ: إنَّهُ بِالِاخْتِلاطِ تَتَغَيَّرُ أجْرامُ العَذْبِ حَتّى لا تَظْهَرَ، فَإذا ذاقَ الإنْسانُ مِنَ المِلْحِ المُنْبَثِّ فِيهِ تِلْكَ الأجْزاءُ الدَّقِيقَةُ لَمْ يُحِسَّ إلّا المُلُوحَةَ، والمَعْقُولُ يَشْهَدُ بِذَلِكَ، لِأنَّ تَداخُلَ الأجْسامِ غَيْرُ مُمْكِنٍ، لَكِنَّ التَّفَرُّقَ والِالتِقاءَ مُمْكِنٌ. وأنْشَدَ القاضِي مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ البَلُّوطِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى:
؎ومَمْزُوجَةُ الأمْواهِ لا العَذْبُ غالِبٌ عَلى المِلْحِ طِيبًا لا ولا المِلْحُ يَعْذُبُ
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿يَخْرُجُ﴾ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ؛ ونافِعٌ وأبُو عَمْرٍو وأهْلُ المَدِينَةِ: مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ؛ والجُعْفِيٌّ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِالياءِ مَضْمُومَةً وكَسْرِ الرّاءِ، أيْ يُخْرِجُ اللَّهُ؛ وعَنْهُ وعَنْ أبِي عَمْرٍو، وعَنِ ابْنِ مِقْسَمٍ: بِالنُّونِ. واللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ نُصِبَ في هاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ. والظّاهِرُ في (مِنهُما) أنَّ ذَلِكَ يَخْرُجُ مِنَ المِلْحِ والعَذْبِ. وقالَ بِذَلِكَ قَوْمٌ، حَكاهُ الأخْفَشُ. ورَدَّ النّاسُ هَذا القَوْلَ، قالُوا: والحِسُّ يُخالِفُهُ، إذْ لا يَخْرُجُ إلّا مِنَ المِلْحِ، وعابُوا قَوْلَ الشّاعِرِ:
؎فَجاءَ بِها ما شِئْتَ مِن لَطِيمَةٍ ∗∗∗ عَلى وجْهِها ماءُ الفُراتِ يَمُوجُ
وقالَ الجُمْهُورُ: إنَّما يَخْرُجُ مِنَ الأُجاجِ في المَواضِعِ الَّتِي تَقَعُ فِيها الأنْهارُ والمِياهُ العَذْبَةُ، فَناسَبَ إسْنادَ ذَلِكَ إلَيْهِما، وهَذا مَشْهُورٌ عِنْدَ الغَوّاصِينَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ: تَكُونُ هَذِهِ الأشْياءُ في البَحْرِ بِنُزُولِ المَطَرِ، لِأنَّ الصَّدَفَ وغَيْرَها تَفْتَحُ أفْواهَها لِلْمَطَرِ، فَلِذَلِكَ قالَ (مِنهُما) . وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: إنَّما يَخْرُجُ مِنَ المِلْحِ، لَكِنَّهُ قالَ (مِنهُما) تَجَوُّزًا. وقالَ الرُّمّانِيُّ: العَذْبُ فِيها كاللِّقاحِ لِلْمِلْحِ، فَهو كَما يُقالُ؛ الوَلَدُ يَخْرُجُ مِنَ الذَّكَرِ والأُنْثى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ، وتَبِعَ الزَّجّاجَ مِن حَيْثُ هُما نَوْعٌ واحِدٌ، فَخُرُوجُ هَذِهِ الأشْياءِ إنَّما هي مِنهُما، وإنْ كانَتْ تَخْتَصُّ عِنْدَ التَّفْصِيلِ المَبالَغِ بِأحَدِهِما، كَما قالَ: ﴿سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا﴾ [نوح: ١٥] ﴿وجَعَلَ القَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾ [نوح: ١٦]، (p-١٩٢)وإنَّما هو في إحْداهُنَّ، وهي الدُّنْيا إلى الأرْضِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ نَحْوًا مِن قَوْلِ ابْنِ عَطِيَّةَ، قالَ: فَإنْ قُلْتَ: لِمَ قالَ (مِنهُما)، وإنَّما يَخْرُجانِ مِنَ المِلْحِ قُلْتُ: لَمّا التَقَيا وصارا كالشَّيْءِ الواحِدِ، جازَ أنْ يُقالَ: يَخْرُجانِ مِنهُما، كَما يُقالُ: يَخْرُجانِ مِنَ البَحْرِ، ولا يَخْرُجانِ مِن جَمِيعِ البَحْرِ، ولَكِنْ مِن بَعْضِهِ. وتَقُولُ: خَرَجْتُ مِنَ البَلَدِ، وإنَّما خَرَجْتَ مِن مَحَلَّةٍ مِن مَحالِّهِ، بَلْ مِن دارٍ واحِدَةٍ مِن دُورِهِ. وقِيلَ: لا يَخْرُجانِ إلّا مِن مُلْتَقى المِلْحِ والعَذْبِ. انْتَهى. وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: هَذا مِن بابِ حَذْفِ المُضافِ، والتَّقْدِيرُ: يَخْرُجُ مِن أحَدِهِما، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١]: أيْ مِن إحْدى القَرْيَتَيْنِ. وقِيلَ: هُما بَحْرانِ، يَخْرُجُ مِن أحَدِهِما اللُّؤْلُؤُ ومِنَ الآخَرِ المَرْجانُ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: كَلامُ اللَّهِ تَعالى أوْلى بِالِاعْتِبارِ مِن كَلامِ بَعْضِ النّاسِ ومَن أعْلَمَ أنَّ اللُّؤْلُؤَ لا يَخْرُجُ مِنَ الماءِ العَذْبِ ؟، وهَبْ أنَّ الغَوّاصِينَ ما أخْرَجُوهُ إلّا مِنَ المالِحِ. ولَكِنْ لِمَ قُلْتُمْ إنَّ الصَّدَفَ لا يَخْرُجُ بِأمْرِ اللَّهِ مِنَ الماءِ العَذْبِ إلى الماءِ المِلْحِ وكَيْفَ يُمْكِنُ الجَزْمُ بِهِ والأُمُورُ الأرْضِيَّةُ الظّاهِرَةُ خَفِيَتْ عَنِ التُّجّارِ الَّذِينَ قَطَعُوا المَفاوِزَ ودارُوا البِلادَ، فَكَيْفَ لا يَخْفى أمْرٌ ما في قَعْرِ البَحْرِ عَلَيْهِمْ ؟ واللُّؤْلُؤُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ وقَتادَةُ: كِبارُ الجَوْهَرِ. والمَرْجانُ صِغارُهُ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا وعَلِيٍّ ومُرَّةَ الهَمْدانِيِّ عَكْسُ هَذا. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ وأبُو مالِكٍ: المَرْجانُ: الحَجَرُ الأحْمَرُ. وقالَ الزَّجّاجُ: حَجَرٌ شَدِيدُ البَياضِ. وحَكى القاضِي أبُو يَعْلى أنَّهُ ضَرْبٌ مِنَ اللُّؤْلُؤِ، كالقُضْبانِ، والمَرْجانُ: اسْمٌ أعْجَمِيٌّ مُعَرَّبٌ. قالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: لَمْ أسْمَعْ فِيهِ نَقْلَ مُتَصَرِّفٍ، وقالَ الأعْشى:
؎مِن كُلِّ مَرْجانَةٍ في البَحْرِ أحْرَزَها ∗∗∗ تَيّارُها ووَقاها طِينَها الصَّدَفُ
قِيلَ: أرادَ اللُّؤْلُؤَةَ الكَبِيرَةَ. وقَرَأ طَلْحَةُ: اللُّؤْلِي بِكَسْرِ اللّامِ الثّالِثَةِ، وهي لُغَةٌ. وعَبَدُ الوَلِيِّ: تُقْلَبُ الهَمْزَةُ المُتَطَرِّفَةُ ياءً ساكِنَةً بَعْدَ كَسْرَةِ ما قَبْلَها، وهي لُغَةٌ، قالَهُ أبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ.
﴿ولَهُ الجَوارِي﴾: خَصَّ تَعالى الجَوارِيَ بِأنَّها لَهُ، وهو تَعالى لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما فِيهِنَّ، لِأنَّهم لَمّا كانُوا هم مُنْشِئِيها، أسْنَدَها تَعالى إلَيْهِ، إذْ كانَ تَمامُ مَنفَعَتِها إنَّما هو مِنهُ تَعالى، فَهو في الحَقِيقَةِ مالِكُها. والجَوارِي: السُّفُنُ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ والحَسَنُ وعَبْدُ الوارِثِ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِضَمِّ الرّاءِ، كَما قالُوا في شاكٍ شاكٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ؛ ﴿المُنْشَآتُ﴾ بِفَتْحِ الشِّينِ، اسْمَ مَفْعُولٍ: أيْ أنْشَأها اللَّهُ، أوِ النّاسُ، أوِ المَرْفُوعاتُ الشِّراعِ. وقالَ مُجاهِدٌ: ما لَهُ شِراعٌ مِنَ المُنْشَآتِ، وما لَمْ يُرْفَعْ لَهُ شِراعٌ، فَلَيْسَ مِنَ المُنْشَآتِ. والشِّراعُ: القَلْعُ. والأعْمَشُ وحَمْزَةُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وطَلْحَةُ وأبُو بَكْرٍ: بِخِلافٍ عَنْهُ، بِكَسْرِ الشِّينِ: أيِ الرّافِعاتُ الشِّراعِ، أوِ اللّاتِي يُنْشِئْنَ الأمْواجَ بِجَرْيِهِنَّ، أوِ الَّتِي تُنْشِئُ السَّفَرَ إقْبالًا وإدْبارًا. وشَدَّدَ الشِّينَ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ والحَسَنُ المُنَشَّأةُ، وحَدَّ الصِّفَةَ، ودَلَّ عَلى الجَمْعِ المَوْصُوفِ، كَقَوْلِهِ: ﴿أزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ [البقرة: ٢٥]، وقَلَبَ الهَمْزَةَ ألِفًا عَلى حَدِّ قَوْلِهِ:
؎إنَّ السِّباعَ لَتَهْدا في مَرابِضِها
يُرِيدُ: لَتَهْدَأُ، التّاءُ لِتَأْنِيثِ الصِّفَةِ، كُتِبَتْ تاءً عَلى لَفْظِها في الوَصْلِ.
﴿كالأعْلامِ﴾: أيْ كالجِبالِ والآكامِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى كِبَرِ السُّفُنِ حَيْثُ شَبَّهَها بِالجِبالِ، وإنْ كانَتِ المُنْشَآتُ تَنْطَلِقُ عَلى السَّفِينَةِ الكَبِيرَةِ والصَّغِيرَةِ. وعَبَّرَ بِمَن في قَوْلِهِ: ﴿كُلُّ مَن عَلَيْها﴾ تَغْلِيبًا لِمَن يَعْقِلُ، والضَّمِيرُ في (عَلَيْها) قَلِيلٌ عائِدٌ عَلى الأرْضِ في قَوْلِهِ: ﴿والأرْضَ وضَعَها لِلْأنامِ﴾، فَعادَ الضَّمِيرُ عَلَيْها، وإنْ كانَ بَعْدَ لَفْظِها. والفَناءُ عِبارَةٌ عَنْ إعْدامِ جَمِيعِ المَوْجُوداتِ مِن حَيَوانٍ وغَيْرِهِ، والوَجْهُ يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ حَقِيقَةِ الشَّيْءِ، والجارِحَةُ مُنْتَفِيَةٌ عَنِ اللَّهِ تَعالى، ونَحْوَ ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا وجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] . وتَقُولُ صَعالِيكُ مَكَّةَ: أيْنَ وجْهُ عَرَبِيٍّ كَرِيمٍ يَجُودُ عَلَيَّ ؟ وقَرَأ الجُمْهُورُ: ذُو بِالواوِ، وصِفَةً لِلْوَجْهِ. وأُبَيُّ وعَبْدُ اللَّهِ: ذِي بِالياءِ، صِفَةً لِلرَّبِّ. والظّاهِرُ أنَّ الخِطابَ في قَوْلِهِ: ﴿وجْهُ رَبِّكَ﴾ لِلرَّسُولِ، وفِيهِ تَشْرِيفٌ عَظِيمٌ لَهُ، ﷺ . وقِيلَ: (p-١٩٣)الخِطابُ لِكُلِّ سامِعٍ. ومَعْنى ﴿ذُو الجَلالِ﴾: الَّذِي يُجِلُّهُ المُوَحِّدُونَ عَنِ التَّشْبِيهِ بِخَلْقِهِ وعَنْ أفْعالِهِمْ، أوِ الَّذِي يُتَعَجَّبُ مِن جَلالِهِ، أوِ الَّذِي عِنْدَهُ الجَلالُ والإكْرامُ لِلْمُخْلِصِينَ مِن عِبادِهِ.
﴿يَسْألُهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾: أيْ حَوائِجَهم، وهو ما يَتَعَلَّقُ بِمَن في السَّماواتِ مِن أمْرِ الدِّينِ وما اسْتُعْبِدُوا بِهِ، ومَن في الأرْضِ مِن أمْرِ دِينِهِمْ ودُنْياهم. وقالَ أبُو صالِحٍ: مَن في السَّماواتِ الرَّحْمَةَ ومَن في الأرْضِ المَغْفِرَةَ والرِّزْقَ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: المَلائِكَةُ الرِّزْقَ لِأهْلِ الأرْضِ والمَغْفِرَةَ، وأهْلُ الأرْضِ يَسْألُونَهُما جَمِيعًا. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: يَسْألُهُ اسْتِئْنافُ إخْبارٍ. وقِيلَ: حالٌ مِنَ الوَجْهِ، والعامِلُ فِيهِ يَبْقى، أيْ هو دائِمٌ في هَذِهِ الحالِ. انْتَهى، وفِيهِ بُعْدٌ. ومَن لا يَسْألُ، فَحالُهُ تَقْتَضِي السُّؤالَ، فَيَصِحُّ إسْنادُ السُّؤالِ إلى الجَمِيعِ بِاعْتِبارِ القَدْرِ المُشْتَرَكِ، وهو الِافْتِقارُ إلَيْهِ تَعالى.
﴿كُلَّ يَوْمٍ﴾: أيْ كُلَّ ساعَةٍ ولَحْظَةٍ، وذَكَرَ اليَوْمَ لِأنَّ السّاعاتِ واللَّحَظاتِ في ضِمْنِهِ.
﴿هُوَ في شَأْنٍ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: في شَأْنٍ يُمْضِيهِ مِنَ الخَلْقِ والرِّزْقِ والإحْياءِ والإماتَةِ. وقالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: يُجِيبُ داعِيًا، ويَفُكُّ عانِيًا، ويَتُوبُ عَلى قَوْمٍ، ويَغْفِرُ لِقَوْمٍ. وقالَ سُوَيْدُ بْنُ غَفْلَةَ: يُعْتِقُ رِقابًا، ويُعْطِي رَغامًا ويُقْحِمُ عِقابًا. وقالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: الدَّهْرُ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمانِ، أحَدُهُما اليَوْمُ الَّذِي هو مُدَّةُ الدُّنْيا، فَشَأْنُهُ فِيهِ الأمْرُ والنَّهْيُ والإماتَةُ والإحْياءُ؛ والثّانِي الَّذِي هو يَوْمُ القِيامَةِ، فَشَأْنُهُ فِيهِ الجَزاءُ والحِسابُ. وعَنْ مُقاتِلٍ: نَزَلَتْ في اليَهُودِ، فَقالُوا: إنَّ اللَّهَ لا يَقْضِي يَوْمَ السَّبْتِ شَيْئًا. وقالَ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ، وقَدْ سَألَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طاهِرٍ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هو في شَأْنٍ﴾: وقَدْ صَحَّ أنَّ القَلَمَ جَفَّ بِما هو كائِنٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ فَقالَ: شُئُونٌ يُبْدِيها، لا شُئُونٌ يَبْتَدِيها. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: هو في يَوْمِ الدُّنْيا في الِابْتِلاءِ، وفي يَوْمِ القِيامَةِ في الجَزاءِ. وانْتَصَبَ ﴿كُلَّ يَوْمٍ﴾ عَلى الظَّرْفِ، والعامِلُ فِيهِ العامِلُ في قَوْلِهِ: ﴿فِي شَأْنٍ﴾، وهو مُسْتَقِرٌّ المَحْذُوفُ، نَحْوَ: يَوْمَ الجُمُعَةِ زَيْدٌ قائِمٌ.
الرحمن 55:19
ولَمّا ذَكَرَ تَعالى ما أنْعَمَ بِهِ مِن مَنفَعَةِ الشَّمْسِ والقَمَرِ، وكانَ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ العُلْوِيَّةِ، ذَكَرَ في مُقابَلَتِهِما مِنَ الآثارِ السُّفْلِيَّةِ النَّجْمَ والشَّجَرَ، إذْ كانا رِزْقًا لِلْإنْسانِ، وأخْبَرَ أنَّهُما جارِيانِ عَلى ما أرادَ اللَّهُ بِهِما، مِن تَسْخِيرِهِما وكَيْنُونَتِهِما عَلى ما اقْتَضَتْهُ حِكْمَتُهُ تَعالى. ولَمّا ذَكَرَ ما بِهِ حَياةُ الأرْواحِ مِن تَعْلِيمِ القُرْآنِ، ذَكَرَ ما بِهِ حَياةُ الأشْباحِ مِنَ النَّباتِ الَّذِي لَهُ ساقٌ، وكانَ تَقْدِيمُ النَّجْمِ، وهو ما لا ساقَ لَهُ، لِأنَّهُ أصْلُ القُوتِ، والَّذِي لَهُ ساقٌ ثَمَرُهُ يُتَفَكَّهُ بِهِ غالِبًا. والظّاهِرُ أنَّ النَّجْمَ هو الَّذِي شَرَحْناهُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ اقْتِرانُهُ بِالشَّجَرِ. وقالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ والحَسَنُ: النَّجْمُ: اسْمُ الجِنْسِ مِن نُجُومِ السَّماءِ. وسُجُودُهُما، قالَ مُجاهِدٌ والحَسَنُ: ذَلِكَ في النَّجْمِ بِالغُرُوبِ ونَحْوِهِ، وفي الشَّجَرِ بِالظِّلِّ واسْتِدارَتِهِ. وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: والسُّجُودُ تَجَوُّزٌ، وهو عِبارَةٌ عَنِ الخُضُوعِ والتَّذَلُّلِ. والجُمَلُ الأُوَلُ فِيها ضَمِيرٌ يَرْبُطُها بِالمُبْتَدَأِ، وأمّا في هاتَيْنِ الجُمْلَتَيْنِ فاكْتَفى بِالوَصْلِ المَعْنَوِيِّ عَنِ الوَصْلِ اللَّفْظِيِّ، إذْ مَعْلُومٌ أنَّ الحُسْبانَ هو حُسْبانُهُ، وأنَّ السُّجُودَ لَهُ لا لِغَيْرِهِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: بِحُسْبانِهِ ويَسْجُدانِ لَهُ. ولَمّا أُورِدَتْ هَذِهِ الجُمَلُ مَوْرِدَ تَعْدِيدِ النِّعَمِ رُدَّ الكَلامُ إلى العَطْفِ في وصْلِ ما يُناسِبُ وصْلَهُ، والتَّناسُبُ الَّذِي بَيْنَ هاتَيْنِ الجُمْلَتَيْنِ ظاهِرٌ، لِأنَّ الشَّمْسَ والقَمَرَ عُلْوِيّانِ، والنَّجْمُ والشَّجَرُ سُفْلِيّانِ.
﴿والسَّماءَ رَفَعَها﴾: أيْ خَلَقَها مَرْفُوعَةً، حَيْثُ جَعَلَها مَصْدَرَ قَضاياهُ ومَسْكَنَ مَلائِكَتِهِ الَّذِينَ يَنْزِلُونَ بِالوَحْيِ عَلى أنْبِيائِهِ، ونَبَّهَ بِذَلِكَ عَلى عِظَمِ شَأْنِهِ ومِلْكِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (والسَّماءَ)، بِالنَّصْبِ عَلى الِاشْتِغالِ، رُوعِيَ مُشاكَلَةُ الجُمْلَةِ الَّتِي تَلِيهِ وهي ﴿يَسْجُدانِ﴾ [الرحمن: ٦] . وقَرَأ أبُو السَّمّالِ: والسَّماءُ بِالرَّفْعِ، راعى مُشاكَلَةَ الجُمْلَةِ الِابْتِدائِيَّةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ووَضَعَ المِيزانَ﴾، فِعْلًا ماضِيًا ناصِبًا المِيزانَ، أيْ أقَرَّهُ وأثْبَتَهُ. وقَرَأ إبْراهِيمُ: ووَضْعِ المِيزانِ، بِالخَفْضِ وإسْكانِ الضّادِ. والظّاهِرُ أنَّهُ كُلُّ ما يُوزَنُ بِهِ الأشْياءُ وتُعْرَفُ مَقادِيرُها، وإنِ اخْتَلَفَتِ الآلاتُ، قالَ مَعْناهُ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وقَتادَةُ، جَعَلَهُ تَعالى حاكِمًا بِالسَّوِيَّةِ في الأخْذِ والإعْطاءِ. وقالَ مُجاهِدٌ والطَّبَرِيُّ والأكْثَرُونَ: المِيزانُ: العَدْلُ، وتَكُونُ الآلاتُ مِن بَعْضِ ما يَنْدَرِجُ في العَدْلِ. بَدَأ أوَّلًا بِالعِلْمِ، فَذَكَرَ ما فِيهِ أشْرَفُ أنْواعِ العُلُومِ وهو القُرْآنُ؛ ثُمَّ ذَكَرَ ما بِهِ التَّعْدِيلُ في الأُمُورِ، وهو المِيزانُ، كَقَوْلِهِ: ﴿وأنْزَلْنا مَعَهُمُ الكِتابَ والمِيزانَ﴾ [الحديد: ٢٥]، لِيُعَلِّمُوا الكِتابَ ويَفْعَلُوا ما يَأْمُرُهم بِهِ الكِتابُ. (أنْ لا تَطْغَوْا في المِيزانِ): أيْ لِأنْ لا تَطْغَوْا، فَتَطْغَوْا مَنصُوبٌ بِأنْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ هي ”أنِ“ المُفَسِّرَةُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ أنْ مُفَسِّرَةً، فَيَكُونُ تَطْغَوْا جَزْمًا بِالنَّهْيِ. انْتَهى، ولا يَجُوزُ ما قالاهُ مِن أنَّ أنْ مُفَسِّرَةٌ، لِأنَّهُ فاتَ أحَدُ شَرْطَيْها، وهو أنْ يَكُونَ ما قَبْلَها جُمْلَةً فِيها مَعْنى القَوْلِ.
﴿ووَضَعَ المِيزانَ﴾ جُمْلَةٌ لَيْسَ فِيها مَعْنى القَوْلِ. والطُّغْيانُ في المِيزانِ هو أنْ يَكُونَ بِالتَّعَمُّدِ، وأمّا ما لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنَ التَّحْرِيرِ بِالمِيزانِ فَمَعْفُوٌّ عَنْهُ.
ولَمّا كانَتِ التَّسْوِيَةُ مَطْلُوبَةً جِدًّا، أمَرَ اللَّهُ تَعالى فَقالَ: ﴿وأقِيمُوا الوَزْنَ﴾ . وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ولا تُخْسِرُوا﴾، مِن أخْسَرَ: أيْ أفْسَدَ ونَقَصَ، كَقَوْلِهِ: ﴿وإذا كالُوهم أوْ وزَنُوهم يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين: ٣]؛ أيْ يَنْقُصُونَ. وبِلالُ بْنُ أبِي بُرْدَةَ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: تَخْسَرُ بِفَتْحِ التّاءِ، يُقالُ: خَسِرَ يَخْسَرُ، وأخْسَرَ يُخْسِرُ بِمَعْنًى واحِدٍ، كَجَبَرَ وأجْبَرَ. وحَكى ابْنُ جِنِّي وصاحِبُ اللَّوامِحِ، عَنْ بِلالٍ فَتْحَ التّاءِ والسِّينِ مُضارِعُ خَسِرَ بِكَسْرِ السِّينِ، وخَرَّجَها الزَّمَخْشَرِيُّ عَلى أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: في المِيزانِ، فَحَذَفَ الجارَّ ونَصَبَ، ولا يُحْتاجُ إلى هَذا التَّخْرِيجِ. ألا تَرى أنَّ خَسِرَ جاءَ مُتَعَدِّيًا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٢]، و﴿خَسِرَ الدُّنْيا والآخِرَةَ﴾ [الحج: ١١] ؟ وقُرِئَ أيْضًا: تَخْسُرُوا، بِفَتْحِ التّاءِ وضَمِّ السِّينِ. لِما مُنِعَ مِنَ الزِّيادَةِ، وهي الطُّغْيانُ، نَهى عَنِ الخُسْرانِ الَّذِي هو نُقْصانٌ، وكَرَّرَ لَفْظَ المِيزانِ، تَشْدِيدًا لِلتَّوْصِيَةِ بِهِ وتَقْوِيَةً لِلْأمْرِ بِاسْتِعْمالِهِ والحَثِّ عَلَيْهِ.
ولَمّا ذَكَرَ السَّماءَ، ذَكَرَ مُقابِلَتَها فَقالَ: ﴿والأرْضَ وضَعَها لِلْأنامِ﴾: أيْ خَفَضَها (p-١٩٠)مَدْحُوَّةً عَلى الماءِ لِيُنْتَفَعَ بِها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”والأرْضَ“ بِالنَّصْبِ؛ وأبُو السَّمّالِ: بِالرَّفْعِ: ”والأنامُ“، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بَنُو آدَمَ فَقَطْ. وقالَ أيْضًا هو وقَتادَةُ وابْنُ زَيْدٍ والشَّعْبِيُّ: الحَيَوانُ كُلُّهُ. وقالَ الحَسَنُ: الثَّقَلانِ الجِنُّ والإنْسُ.
﴿فِيها فاكِهَةٌ﴾: ضُرُوبٌ مِمّا يُتَفَكَّهُ بِهِ. وبَدَأ بِقَوْلِهِ: ﴿فاكِهَةٌ﴾، إذْ هو مِن بابِ الِابْتِداءِ بِالأدْنى والتَّرَقِّي إلى الأعْلى، ونَكَّرَ لَفْظَها، لِأنَّ الِانْتِفاعَ بِها دُونَ الِانْتِفاعِ بِما يُذْكَرُ بَعْدَها. ثُمَّ ثَنّى بِالنَّخْلِ، فَذَكَرَ الأصْلَ ولَمْ يَذْكُرْ ثَمَرَتَها، وهو الثَّمَرُ لِكَثْرَةِ الِانْتِفاعِ بِها مِن لِيفٍ وسَعَفٍ وجَرِيدٍ وجُذُوعٍ وجُمّارٍ وثَمَرٍ. ثُمَّ أتى ثالِثًا بِالحَبِّ الَّذِي هو قِوامُ عَيْشِ الإنْسانِ في أكْثَرِ الأقالِيمِ، وهو البُرُّ والشَّعِيرُ وكُلُّ ما لَهُ سُنْبُلٌ وأوْراقٌ مُتَشَعِّبَةٌ عَلى ساقِهِ، ووَصَفَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ذُو العَصْفِ﴾ تَنْبِيهًا عَلى إنْعامِهِ عَلَيْهِمْ بِما يَقُوتُهم مِنَ الحَبِّ، ويَقُوتُ بَهائِمَهم مِن ورَقِهِ الَّذِي هو التِّبْنُ. وبَدَأ بِالفاكِهَةِ وخَتَمَ بِالمَشْمُومِ، وبَيْنَهُما النَّخْلُ والحَبُّ، لِيَحْصُلَ ما بِهِ يُتَفَكَّهُ، وما بِهِ يُتَقَوَّتُ، وما بِهِ تَقَعُ اللَّذاذَةُ مِنَ الرّائِحَةِ الطَّيِّبَةِ. وذَكَرَ النَّخْلَ بِاسْمِها والفاكِهَةَ دُونَ شَجَرِها، لِعِظَمِ المَنفَعَةِ بِالنَّخْلِ مِن جِهاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ، وشَجَرَةُ الفاكِهَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى ثَمَرَتِها حَقِيرَةٌ، فَنَصَّ عَلى ما يَعْظُمُ بِهِ الِانْتِفاعُ مِن شَجَرَةِ النَّخْلِ ومِنَ الفاكِهَةِ دُونَ شَجَرَتِها.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿والحَبُّ ذُو العَصْفِ والرَّيْحانُ﴾، بِرَفْعِ الثَّلاثَةِ عَطْفًا عَلى المَرْفُوعِ قَبْلَهُ؛ وابْنُ عامِرٍ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِنَصْبِ الثَّلاثَةِ، أيْ وخَلَقَ الحَبَّ. وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ ﴿والرَّيْحانُ﴾ حالَةَ الرَّفْعِ وحالَةَ النَّصْبِ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ وذُو الرَّيْحانِ حَذَفَ المُضافَ وأقامَ المُضافَ إلَيْهِ مَقامَهُ؛ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ والأصْمَعِيُّ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: والرَّيْحانُ بِالجَرِّ، والمَعْنى: والحَبُّ ذُو العَصْفِ الَّذِي هو عَلَفُ البَهائِمِ، والرَّيْحانُ الَّذِي هو مَطْعَمُ النّاسِ، ويَبْعُدُ دُخُولُ المَشْمُومِ في قِراءَةِ الجَرِّ، ورَيْحانُ مِن ذَواتِ الواوِ. وأجازَ أبُو عَلِيٍّ أنْ يَكُونَ اسْمًا، ووُضِعَ مَوْضِعَ المَصْدَرِ، وأنْ يَكُونَ مَصْدَرًا عَلى وزْنِ فَعْلانَ كاللَّبّانِ. وأُبْدِلَتِ الواوُ ياءً، كَما أبْدَلُوا الياءَ واوًا في أشاوى، أوْ مَصْدَرًا شاذًّا في المُعْتَلِّ، كَما شَذَّ كَبَنُونَةٍ وبَيْنُونَةٍ، فَأصْلُهُ رَيْوِحانُ، قُلِبَتِ الواوُ ياءً وأُدْغِمَتْ في الياءِ فَصارَ رَيِّحانَ، ثُمَّ حُذِفَتْ عَيْنُ الكَلِمَةِ، كَما قالُوا: مَيْتٌ وهَيْنٌ.
ولَمّا عَدَّدَ تَعالى نِعَمَهُ، خاطَبَ الثَّقَلَيْنِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٣٢]، أيْ أنَّ نِعَمَهُ كَثِيرَةٌ لا تُحْصى، فَبِأيِّها تُكَذِّبانِ ؟ أيْ مَن هَذِهِ نِعَمُهُ لا يُمْكِنُ أنْ يُكَذَّبَ بِها. وكانَ هَذا الخِطابُ لِلثَّقَلَيْنِ، لِأنَّهُما داخِلانِ في الأنامِ عَلى أصَحِّ الأقْوالِ. ولِقَوْلِهِ: ﴿خَلَقَ الإنْسانَ﴾، و﴿وخَلَقَ الجانَّ﴾؛ ولِقَوْلِهِ: ﴿سَنَفْرُغُ لَكم أيُّها الثَّقَلانِ﴾ [الرحمن: ٣١]، وقَدْ أبْعَدَ مَن جَعَلَهُ خِطابًا لِلذَّكَرِ والأُنْثى مِن بَنِي آدَمَ. وأبْعَدُ مِن هَذا قَوْلُ مَن قالَ: إنَّهُ خِطابٌ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ: ﴿ألْقِيا في جَهَنَّمَ﴾ [ق: ٢٤]، ويا حَرَسِي اضْرِبا عُنُقَهُ، يَعْنِي أنَّهُ خِطابٌ لِلْواحِدِ بِصُورَةِ الِاثْنَيْنِ، فَبِأيِّ مُنَوَّنًا في جَمِيعِ السُّورَةِ، كَأنَّهُ حُذِفَ مِنهُ المُضافُ إلَيْهِ وأُبْدِلَ مِنهُ (آلاءِ رَبِّكُما) بَدَلَ مَعْرِفَةٍ مِن نَكِرَةٍ، وآلاءُ تَقَدَّمَ في الأعْرافِ أنَّها النِّعَمُ، واحِدُها إلْيٌ وألًا وإلًى وألْيٌ.
﴿خَلَقَ الإنْسانَ﴾: لَمّا ذَكَرَ العالَمَ الأكْبَرَ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ وما أوْجَدَ فِيها مِنَ النِّعَمِ، ذَكَرَ مَبْدَأ مَن خُلِقَتْ لَهُ هَذِهِ النِّعَمُ، والإنْسانُ هو آدَمُ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ. وقِيلَ: لِلْجِنْسِ، وساغَ ذَلِكَ لِأنَّ أباهم مَخْلُوقٌ مِنَ الصَّلْصالِ. وإذا أُرِيدَ بِالإنْسانِ آدَمُ، فَقَدْ جاءَتْ غاياتٌ لَهُ مُخْتَلِفَةٌ، وذَلِكَ بِتَنَقُّلِ أصْلِهِ؛ فَكانَ أوَّلًا تُرابًا، ثُمَّ طِينًا، ثُمَّ حَمَأً مَسْنُونًا، ثُمَّ صَلْصالًا، فَناسَبَ أنْ يُنْسَبَ خَلْقُهُ لِكُلِّ واحِدٍ مِنها. والجانُّ هو أبُو الجِنِّ، وهو إبْلِيسُ، قالَهُ الحَسَنُ. وقالَ مُجاهِدٌ: هو أبُو الجِنِّ، ولَيْسَ بِإبْلِيسَ. وقِيلَ: الجانُّ اسْمُ جِنْسٍ، والمارِجُ: ما اخْتَلَطَ مِن أصْفَرَ وأحْمَرَ وأخْضَرَ، أوِ اللَّهَبُ، أوِ الخالِصُ، أوِ الحُمْرَةُ في طَرَفِ النّارِ، أوِ المُخْتَلِطُ بِسَوادٍ، أوِ المُضْطَرِبُ بِلا دُخانٍ، أقْوالٌ، (ومِن) الأُولى لِابْتِداءِ الغايَةِ، والثّانِيَةُ في (مِن نارٍ) لِلتَّبْعِيضِ. وقِيلَ لِلْبَيانِ، والتَّكْرارُ في هَذِهِ الفَواصِلِ: لِلتَّأْكِيدِ والتَّنْبِيهِ والتَّحْرِيكِ، وهي مَوْجُودَةٌ في مَواضِعَ مِنَ القُرْآنِ. وذَهَبَ قَوْمٌ مِنهُمُ ابْنُ قُتَيْبَةَ إلى أنَّ هَذا التَّكْرارَ إنَّما هو لِاخْتِلافِ النِّعَمِ، فَكَرَّرَ (p-١٩١)التَّوْقِيفَ في كُلِّ واحِدٍ مِنها.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: (رَبُّ)، و(رَبُّ) بِالرَّفْعِ، أيْ هو رَبٌّ؛ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِالخَفْضِ بَدَلًا مِن رَبِّكُما، وثَنّى المُضافَ إلَيْهِ لِأنَّهُما مَشْرِقا الصَّيْفِ والشِّتاءِ ومَغْرِباهُما، قالَهُ مُجاهِدٌ. وقِيلَ: مَشْرِقا الشَّمْسِ والقَمَرِ ومَغْرِباهُما. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: لِلشَّمْسِ مَشْرِقٌ في الصَّيْفِ مُصْعِدٌ، ومَشْرِقٌ في الشِّتاءِ مُنْحَدِرٌ، تَنْتَقِلُ فِيهِما مُصْعِدَةً ومُنْحَدِرَةً. انْتَهى. فالمَشْرِقانِ والمَغْرِبانِ لِلشَّمْسِ. وقِيلَ: المَشْرِقانِ: مَطْلَعُ الفَجْرِ ومَطْلَعُ الشَّمْسِ، والمَغْرِبانِ مَغْرِبُ الشَّفَقِ ومَغْرِبُ الشَّمْسِ. ولِسَهْلٍ التُّسْتَرِيِّ كَلامٌ في المَشْرِقَيْنِ والمَغْرِبَيْنِ شَبِيهٌ بِكَلامِ الباطِنِيَّةِ المُحَرِّفِينَ مَدْلُولَ كَلامِ اللَّهِ، ضَرَبْنا عَنْ ذِكْرِهِ صَفْحًا. وكَذَلِكَ ما وقَفْنا عَلَيْهِ مِن كَلامِ الغُلاةِ الَّذِينَ يُنْسَبُونَ لِلصُّوفِيَّةِ، لِأنّا لا نَسْتَحِلُّ نَقْلَ شَيْءٍ مِنهُ. وقَدْ أوْلَغَ صاحِبُ كِتابِ التَّحْرِيرِ والتَّحْبِيرِ بِحَسْبِ ما قالَهُ هَؤُلاءِ الغُلاةُ في كُلِّ آيَةٍ آيَةٍ، ويُسَمِّي ذَلِكَ الحَقائِقَ، وأرْبابُ القُلُوبِ وما ادَّعَوْا فَهْمَهُ في القُرْآنِ فَأوْغَلُوا فِيهِ لَمْ يَفْهَمْهُ عَرَبِيٌّ قَطُّ، ولا أرادَهُ اللَّهُ تَعالى بِتِلْكَ الألْفاظِ، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِن ذَلِكَ.
﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ذَلِكَ في الفُرْقانِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وذَكَرَ الثَّعْلَبِيُّ في ﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ﴾ ألْغازًا وأقْوالًا باطِنَةً لا يُلْتَفَتُ إلى شَيْءٍ مِنها. انْتَهى، والظّاهِرُ التِقاؤُهُما، أيْ يَتَجاوَرانِ، فَلا فَصْلَ بَيْنَ الماءَيْنِ في رُؤْيَةِ العَيْنِ. وقِيلَ: يَلْتَقِيانِ في كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً. وقِيلَ: مُعَدّانِ لِلِالتِقاءِ، فَحَقُّهُما أنْ يَلْتَقِيا لَوْلا البَرْزَخُ بَيْنَهُما.
﴿بَرْزَخٌ﴾: أيْ حاجِزٌ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، ﴿لا يَبْغِيانِ﴾: لا يَتَجاوَزانِ حَدَّهُما، ولا يَبْغِي أحَدُهُما عَلى الآخَرِ بِالمُمازَجَةِ. وقِيلَ: البَرْزَخُ: أجْرامُ الأرْضِ، قالَهُ قَتادَةُ؛ وقِيلَ: لا يَبْغِيانِ: أيْ عَلى النّاسِ والعُمْرانِ، وعَلى هَذا والَّذِي قَبْلَهُ يَكُونُ مِنَ البَغْيِ. وقِيلَ: هو مِن بَغى، أيْ طَلَبَ، فالمَعْنى: لا يَبْغِيانِ حالًا غَيْرَ الحالِ الَّتِي خُلِقا عَلَيْها وسُخِّرا لَها. وقِيلَ: ماءُ الأنْهارِ لا يَخْتَلِطُ بِالماءِ المِلْحِ، بَلْ هو بِذاتِهِ باقٍ فِيهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والعِيانُ لا يَقْتَضِيهِ. انْتَهى، يَعْنِي أنَّهُ يُشاهِدُ الماءَ العَذْبَ يَخْتَلِطُ بِالمِلْحِ فَيَبْقى كُلُّهُ مِلْحًا، وقَدْ يُقالُ: إنَّهُ بِالِاخْتِلاطِ تَتَغَيَّرُ أجْرامُ العَذْبِ حَتّى لا تَظْهَرَ، فَإذا ذاقَ الإنْسانُ مِنَ المِلْحِ المُنْبَثِّ فِيهِ تِلْكَ الأجْزاءُ الدَّقِيقَةُ لَمْ يُحِسَّ إلّا المُلُوحَةَ، والمَعْقُولُ يَشْهَدُ بِذَلِكَ، لِأنَّ تَداخُلَ الأجْسامِ غَيْرُ مُمْكِنٍ، لَكِنَّ التَّفَرُّقَ والِالتِقاءَ مُمْكِنٌ. وأنْشَدَ القاضِي مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ البَلُّوطِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى:
؎ومَمْزُوجَةُ الأمْواهِ لا العَذْبُ غالِبٌ عَلى المِلْحِ طِيبًا لا ولا المِلْحُ يَعْذُبُ
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿يَخْرُجُ﴾ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ؛ ونافِعٌ وأبُو عَمْرٍو وأهْلُ المَدِينَةِ: مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ؛ والجُعْفِيٌّ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِالياءِ مَضْمُومَةً وكَسْرِ الرّاءِ، أيْ يُخْرِجُ اللَّهُ؛ وعَنْهُ وعَنْ أبِي عَمْرٍو، وعَنِ ابْنِ مِقْسَمٍ: بِالنُّونِ. واللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ نُصِبَ في هاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ. والظّاهِرُ في (مِنهُما) أنَّ ذَلِكَ يَخْرُجُ مِنَ المِلْحِ والعَذْبِ. وقالَ بِذَلِكَ قَوْمٌ، حَكاهُ الأخْفَشُ. ورَدَّ النّاسُ هَذا القَوْلَ، قالُوا: والحِسُّ يُخالِفُهُ، إذْ لا يَخْرُجُ إلّا مِنَ المِلْحِ، وعابُوا قَوْلَ الشّاعِرِ:
؎فَجاءَ بِها ما شِئْتَ مِن لَطِيمَةٍ ∗∗∗ عَلى وجْهِها ماءُ الفُراتِ يَمُوجُ
وقالَ الجُمْهُورُ: إنَّما يَخْرُجُ مِنَ الأُجاجِ في المَواضِعِ الَّتِي تَقَعُ فِيها الأنْهارُ والمِياهُ العَذْبَةُ، فَناسَبَ إسْنادَ ذَلِكَ إلَيْهِما، وهَذا مَشْهُورٌ عِنْدَ الغَوّاصِينَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ: تَكُونُ هَذِهِ الأشْياءُ في البَحْرِ بِنُزُولِ المَطَرِ، لِأنَّ الصَّدَفَ وغَيْرَها تَفْتَحُ أفْواهَها لِلْمَطَرِ، فَلِذَلِكَ قالَ (مِنهُما) . وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: إنَّما يَخْرُجُ مِنَ المِلْحِ، لَكِنَّهُ قالَ (مِنهُما) تَجَوُّزًا. وقالَ الرُّمّانِيُّ: العَذْبُ فِيها كاللِّقاحِ لِلْمِلْحِ، فَهو كَما يُقالُ؛ الوَلَدُ يَخْرُجُ مِنَ الذَّكَرِ والأُنْثى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ، وتَبِعَ الزَّجّاجَ مِن حَيْثُ هُما نَوْعٌ واحِدٌ، فَخُرُوجُ هَذِهِ الأشْياءِ إنَّما هي مِنهُما، وإنْ كانَتْ تَخْتَصُّ عِنْدَ التَّفْصِيلِ المَبالَغِ بِأحَدِهِما، كَما قالَ: ﴿سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا﴾ [نوح: ١٥] ﴿وجَعَلَ القَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾ [نوح: ١٦]، (p-١٩٢)وإنَّما هو في إحْداهُنَّ، وهي الدُّنْيا إلى الأرْضِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ نَحْوًا مِن قَوْلِ ابْنِ عَطِيَّةَ، قالَ: فَإنْ قُلْتَ: لِمَ قالَ (مِنهُما)، وإنَّما يَخْرُجانِ مِنَ المِلْحِ قُلْتُ: لَمّا التَقَيا وصارا كالشَّيْءِ الواحِدِ، جازَ أنْ يُقالَ: يَخْرُجانِ مِنهُما، كَما يُقالُ: يَخْرُجانِ مِنَ البَحْرِ، ولا يَخْرُجانِ مِن جَمِيعِ البَحْرِ، ولَكِنْ مِن بَعْضِهِ. وتَقُولُ: خَرَجْتُ مِنَ البَلَدِ، وإنَّما خَرَجْتَ مِن مَحَلَّةٍ مِن مَحالِّهِ، بَلْ مِن دارٍ واحِدَةٍ مِن دُورِهِ. وقِيلَ: لا يَخْرُجانِ إلّا مِن مُلْتَقى المِلْحِ والعَذْبِ. انْتَهى. وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: هَذا مِن بابِ حَذْفِ المُضافِ، والتَّقْدِيرُ: يَخْرُجُ مِن أحَدِهِما، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١]: أيْ مِن إحْدى القَرْيَتَيْنِ. وقِيلَ: هُما بَحْرانِ، يَخْرُجُ مِن أحَدِهِما اللُّؤْلُؤُ ومِنَ الآخَرِ المَرْجانُ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: كَلامُ اللَّهِ تَعالى أوْلى بِالِاعْتِبارِ مِن كَلامِ بَعْضِ النّاسِ ومَن أعْلَمَ أنَّ اللُّؤْلُؤَ لا يَخْرُجُ مِنَ الماءِ العَذْبِ ؟، وهَبْ أنَّ الغَوّاصِينَ ما أخْرَجُوهُ إلّا مِنَ المالِحِ. ولَكِنْ لِمَ قُلْتُمْ إنَّ الصَّدَفَ لا يَخْرُجُ بِأمْرِ اللَّهِ مِنَ الماءِ العَذْبِ إلى الماءِ المِلْحِ وكَيْفَ يُمْكِنُ الجَزْمُ بِهِ والأُمُورُ الأرْضِيَّةُ الظّاهِرَةُ خَفِيَتْ عَنِ التُّجّارِ الَّذِينَ قَطَعُوا المَفاوِزَ ودارُوا البِلادَ، فَكَيْفَ لا يَخْفى أمْرٌ ما في قَعْرِ البَحْرِ عَلَيْهِمْ ؟ واللُّؤْلُؤُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ وقَتادَةُ: كِبارُ الجَوْهَرِ. والمَرْجانُ صِغارُهُ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا وعَلِيٍّ ومُرَّةَ الهَمْدانِيِّ عَكْسُ هَذا. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ وأبُو مالِكٍ: المَرْجانُ: الحَجَرُ الأحْمَرُ. وقالَ الزَّجّاجُ: حَجَرٌ شَدِيدُ البَياضِ. وحَكى القاضِي أبُو يَعْلى أنَّهُ ضَرْبٌ مِنَ اللُّؤْلُؤِ، كالقُضْبانِ، والمَرْجانُ: اسْمٌ أعْجَمِيٌّ مُعَرَّبٌ. قالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: لَمْ أسْمَعْ فِيهِ نَقْلَ مُتَصَرِّفٍ، وقالَ الأعْشى:
؎مِن كُلِّ مَرْجانَةٍ في البَحْرِ أحْرَزَها ∗∗∗ تَيّارُها ووَقاها طِينَها الصَّدَفُ
قِيلَ: أرادَ اللُّؤْلُؤَةَ الكَبِيرَةَ. وقَرَأ طَلْحَةُ: اللُّؤْلِي بِكَسْرِ اللّامِ الثّالِثَةِ، وهي لُغَةٌ. وعَبَدُ الوَلِيِّ: تُقْلَبُ الهَمْزَةُ المُتَطَرِّفَةُ ياءً ساكِنَةً بَعْدَ كَسْرَةِ ما قَبْلَها، وهي لُغَةٌ، قالَهُ أبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ.
﴿ولَهُ الجَوارِي﴾: خَصَّ تَعالى الجَوارِيَ بِأنَّها لَهُ، وهو تَعالى لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما فِيهِنَّ، لِأنَّهم لَمّا كانُوا هم مُنْشِئِيها، أسْنَدَها تَعالى إلَيْهِ، إذْ كانَ تَمامُ مَنفَعَتِها إنَّما هو مِنهُ تَعالى، فَهو في الحَقِيقَةِ مالِكُها. والجَوارِي: السُّفُنُ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ والحَسَنُ وعَبْدُ الوارِثِ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِضَمِّ الرّاءِ، كَما قالُوا في شاكٍ شاكٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ؛ ﴿المُنْشَآتُ﴾ بِفَتْحِ الشِّينِ، اسْمَ مَفْعُولٍ: أيْ أنْشَأها اللَّهُ، أوِ النّاسُ، أوِ المَرْفُوعاتُ الشِّراعِ. وقالَ مُجاهِدٌ: ما لَهُ شِراعٌ مِنَ المُنْشَآتِ، وما لَمْ يُرْفَعْ لَهُ شِراعٌ، فَلَيْسَ مِنَ المُنْشَآتِ. والشِّراعُ: القَلْعُ. والأعْمَشُ وحَمْزَةُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وطَلْحَةُ وأبُو بَكْرٍ: بِخِلافٍ عَنْهُ، بِكَسْرِ الشِّينِ: أيِ الرّافِعاتُ الشِّراعِ، أوِ اللّاتِي يُنْشِئْنَ الأمْواجَ بِجَرْيِهِنَّ، أوِ الَّتِي تُنْشِئُ السَّفَرَ إقْبالًا وإدْبارًا. وشَدَّدَ الشِّينَ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ والحَسَنُ المُنَشَّأةُ، وحَدَّ الصِّفَةَ، ودَلَّ عَلى الجَمْعِ المَوْصُوفِ، كَقَوْلِهِ: ﴿أزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ [البقرة: ٢٥]، وقَلَبَ الهَمْزَةَ ألِفًا عَلى حَدِّ قَوْلِهِ:
؎إنَّ السِّباعَ لَتَهْدا في مَرابِضِها
يُرِيدُ: لَتَهْدَأُ، التّاءُ لِتَأْنِيثِ الصِّفَةِ، كُتِبَتْ تاءً عَلى لَفْظِها في الوَصْلِ.
﴿كالأعْلامِ﴾: أيْ كالجِبالِ والآكامِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى كِبَرِ السُّفُنِ حَيْثُ شَبَّهَها بِالجِبالِ، وإنْ كانَتِ المُنْشَآتُ تَنْطَلِقُ عَلى السَّفِينَةِ الكَبِيرَةِ والصَّغِيرَةِ. وعَبَّرَ بِمَن في قَوْلِهِ: ﴿كُلُّ مَن عَلَيْها﴾ تَغْلِيبًا لِمَن يَعْقِلُ، والضَّمِيرُ في (عَلَيْها) قَلِيلٌ عائِدٌ عَلى الأرْضِ في قَوْلِهِ: ﴿والأرْضَ وضَعَها لِلْأنامِ﴾، فَعادَ الضَّمِيرُ عَلَيْها، وإنْ كانَ بَعْدَ لَفْظِها. والفَناءُ عِبارَةٌ عَنْ إعْدامِ جَمِيعِ المَوْجُوداتِ مِن حَيَوانٍ وغَيْرِهِ، والوَجْهُ يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ حَقِيقَةِ الشَّيْءِ، والجارِحَةُ مُنْتَفِيَةٌ عَنِ اللَّهِ تَعالى، ونَحْوَ ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا وجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] . وتَقُولُ صَعالِيكُ مَكَّةَ: أيْنَ وجْهُ عَرَبِيٍّ كَرِيمٍ يَجُودُ عَلَيَّ ؟ وقَرَأ الجُمْهُورُ: ذُو بِالواوِ، وصِفَةً لِلْوَجْهِ. وأُبَيُّ وعَبْدُ اللَّهِ: ذِي بِالياءِ، صِفَةً لِلرَّبِّ. والظّاهِرُ أنَّ الخِطابَ في قَوْلِهِ: ﴿وجْهُ رَبِّكَ﴾ لِلرَّسُولِ، وفِيهِ تَشْرِيفٌ عَظِيمٌ لَهُ، ﷺ . وقِيلَ: (p-١٩٣)الخِطابُ لِكُلِّ سامِعٍ. ومَعْنى ﴿ذُو الجَلالِ﴾: الَّذِي يُجِلُّهُ المُوَحِّدُونَ عَنِ التَّشْبِيهِ بِخَلْقِهِ وعَنْ أفْعالِهِمْ، أوِ الَّذِي يُتَعَجَّبُ مِن جَلالِهِ، أوِ الَّذِي عِنْدَهُ الجَلالُ والإكْرامُ لِلْمُخْلِصِينَ مِن عِبادِهِ.
﴿يَسْألُهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾: أيْ حَوائِجَهم، وهو ما يَتَعَلَّقُ بِمَن في السَّماواتِ مِن أمْرِ الدِّينِ وما اسْتُعْبِدُوا بِهِ، ومَن في الأرْضِ مِن أمْرِ دِينِهِمْ ودُنْياهم. وقالَ أبُو صالِحٍ: مَن في السَّماواتِ الرَّحْمَةَ ومَن في الأرْضِ المَغْفِرَةَ والرِّزْقَ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: المَلائِكَةُ الرِّزْقَ لِأهْلِ الأرْضِ والمَغْفِرَةَ، وأهْلُ الأرْضِ يَسْألُونَهُما جَمِيعًا. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: يَسْألُهُ اسْتِئْنافُ إخْبارٍ. وقِيلَ: حالٌ مِنَ الوَجْهِ، والعامِلُ فِيهِ يَبْقى، أيْ هو دائِمٌ في هَذِهِ الحالِ. انْتَهى، وفِيهِ بُعْدٌ. ومَن لا يَسْألُ، فَحالُهُ تَقْتَضِي السُّؤالَ، فَيَصِحُّ إسْنادُ السُّؤالِ إلى الجَمِيعِ بِاعْتِبارِ القَدْرِ المُشْتَرَكِ، وهو الِافْتِقارُ إلَيْهِ تَعالى.
﴿كُلَّ يَوْمٍ﴾: أيْ كُلَّ ساعَةٍ ولَحْظَةٍ، وذَكَرَ اليَوْمَ لِأنَّ السّاعاتِ واللَّحَظاتِ في ضِمْنِهِ.
﴿هُوَ في شَأْنٍ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: في شَأْنٍ يُمْضِيهِ مِنَ الخَلْقِ والرِّزْقِ والإحْياءِ والإماتَةِ. وقالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: يُجِيبُ داعِيًا، ويَفُكُّ عانِيًا، ويَتُوبُ عَلى قَوْمٍ، ويَغْفِرُ لِقَوْمٍ. وقالَ سُوَيْدُ بْنُ غَفْلَةَ: يُعْتِقُ رِقابًا، ويُعْطِي رَغامًا ويُقْحِمُ عِقابًا. وقالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: الدَّهْرُ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمانِ، أحَدُهُما اليَوْمُ الَّذِي هو مُدَّةُ الدُّنْيا، فَشَأْنُهُ فِيهِ الأمْرُ والنَّهْيُ والإماتَةُ والإحْياءُ؛ والثّانِي الَّذِي هو يَوْمُ القِيامَةِ، فَشَأْنُهُ فِيهِ الجَزاءُ والحِسابُ. وعَنْ مُقاتِلٍ: نَزَلَتْ في اليَهُودِ، فَقالُوا: إنَّ اللَّهَ لا يَقْضِي يَوْمَ السَّبْتِ شَيْئًا. وقالَ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ، وقَدْ سَألَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طاهِرٍ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هو في شَأْنٍ﴾: وقَدْ صَحَّ أنَّ القَلَمَ جَفَّ بِما هو كائِنٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ فَقالَ: شُئُونٌ يُبْدِيها، لا شُئُونٌ يَبْتَدِيها. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: هو في يَوْمِ الدُّنْيا في الِابْتِلاءِ، وفي يَوْمِ القِيامَةِ في الجَزاءِ. وانْتَصَبَ ﴿كُلَّ يَوْمٍ﴾ عَلى الظَّرْفِ، والعامِلُ فِيهِ العامِلُ في قَوْلِهِ: ﴿فِي شَأْنٍ﴾، وهو مُسْتَقِرٌّ المَحْذُوفُ، نَحْوَ: يَوْمَ الجُمُعَةِ زَيْدٌ قائِمٌ.
الرحمن 55:20
ولَمّا ذَكَرَ تَعالى ما أنْعَمَ بِهِ مِن مَنفَعَةِ الشَّمْسِ والقَمَرِ، وكانَ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ العُلْوِيَّةِ، ذَكَرَ في مُقابَلَتِهِما مِنَ الآثارِ السُّفْلِيَّةِ النَّجْمَ والشَّجَرَ، إذْ كانا رِزْقًا لِلْإنْسانِ، وأخْبَرَ أنَّهُما جارِيانِ عَلى ما أرادَ اللَّهُ بِهِما، مِن تَسْخِيرِهِما وكَيْنُونَتِهِما عَلى ما اقْتَضَتْهُ حِكْمَتُهُ تَعالى. ولَمّا ذَكَرَ ما بِهِ حَياةُ الأرْواحِ مِن تَعْلِيمِ القُرْآنِ، ذَكَرَ ما بِهِ حَياةُ الأشْباحِ مِنَ النَّباتِ الَّذِي لَهُ ساقٌ، وكانَ تَقْدِيمُ النَّجْمِ، وهو ما لا ساقَ لَهُ، لِأنَّهُ أصْلُ القُوتِ، والَّذِي لَهُ ساقٌ ثَمَرُهُ يُتَفَكَّهُ بِهِ غالِبًا. والظّاهِرُ أنَّ النَّجْمَ هو الَّذِي شَرَحْناهُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ اقْتِرانُهُ بِالشَّجَرِ. وقالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ والحَسَنُ: النَّجْمُ: اسْمُ الجِنْسِ مِن نُجُومِ السَّماءِ. وسُجُودُهُما، قالَ مُجاهِدٌ والحَسَنُ: ذَلِكَ في النَّجْمِ بِالغُرُوبِ ونَحْوِهِ، وفي الشَّجَرِ بِالظِّلِّ واسْتِدارَتِهِ. وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: والسُّجُودُ تَجَوُّزٌ، وهو عِبارَةٌ عَنِ الخُضُوعِ والتَّذَلُّلِ. والجُمَلُ الأُوَلُ فِيها ضَمِيرٌ يَرْبُطُها بِالمُبْتَدَأِ، وأمّا في هاتَيْنِ الجُمْلَتَيْنِ فاكْتَفى بِالوَصْلِ المَعْنَوِيِّ عَنِ الوَصْلِ اللَّفْظِيِّ، إذْ مَعْلُومٌ أنَّ الحُسْبانَ هو حُسْبانُهُ، وأنَّ السُّجُودَ لَهُ لا لِغَيْرِهِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: بِحُسْبانِهِ ويَسْجُدانِ لَهُ. ولَمّا أُورِدَتْ هَذِهِ الجُمَلُ مَوْرِدَ تَعْدِيدِ النِّعَمِ رُدَّ الكَلامُ إلى العَطْفِ في وصْلِ ما يُناسِبُ وصْلَهُ، والتَّناسُبُ الَّذِي بَيْنَ هاتَيْنِ الجُمْلَتَيْنِ ظاهِرٌ، لِأنَّ الشَّمْسَ والقَمَرَ عُلْوِيّانِ، والنَّجْمُ والشَّجَرُ سُفْلِيّانِ.
﴿والسَّماءَ رَفَعَها﴾: أيْ خَلَقَها مَرْفُوعَةً، حَيْثُ جَعَلَها مَصْدَرَ قَضاياهُ ومَسْكَنَ مَلائِكَتِهِ الَّذِينَ يَنْزِلُونَ بِالوَحْيِ عَلى أنْبِيائِهِ، ونَبَّهَ بِذَلِكَ عَلى عِظَمِ شَأْنِهِ ومِلْكِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (والسَّماءَ)، بِالنَّصْبِ عَلى الِاشْتِغالِ، رُوعِيَ مُشاكَلَةُ الجُمْلَةِ الَّتِي تَلِيهِ وهي ﴿يَسْجُدانِ﴾ [الرحمن: ٦] . وقَرَأ أبُو السَّمّالِ: والسَّماءُ بِالرَّفْعِ، راعى مُشاكَلَةَ الجُمْلَةِ الِابْتِدائِيَّةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ووَضَعَ المِيزانَ﴾، فِعْلًا ماضِيًا ناصِبًا المِيزانَ، أيْ أقَرَّهُ وأثْبَتَهُ. وقَرَأ إبْراهِيمُ: ووَضْعِ المِيزانِ، بِالخَفْضِ وإسْكانِ الضّادِ. والظّاهِرُ أنَّهُ كُلُّ ما يُوزَنُ بِهِ الأشْياءُ وتُعْرَفُ مَقادِيرُها، وإنِ اخْتَلَفَتِ الآلاتُ، قالَ مَعْناهُ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وقَتادَةُ، جَعَلَهُ تَعالى حاكِمًا بِالسَّوِيَّةِ في الأخْذِ والإعْطاءِ. وقالَ مُجاهِدٌ والطَّبَرِيُّ والأكْثَرُونَ: المِيزانُ: العَدْلُ، وتَكُونُ الآلاتُ مِن بَعْضِ ما يَنْدَرِجُ في العَدْلِ. بَدَأ أوَّلًا بِالعِلْمِ، فَذَكَرَ ما فِيهِ أشْرَفُ أنْواعِ العُلُومِ وهو القُرْآنُ؛ ثُمَّ ذَكَرَ ما بِهِ التَّعْدِيلُ في الأُمُورِ، وهو المِيزانُ، كَقَوْلِهِ: ﴿وأنْزَلْنا مَعَهُمُ الكِتابَ والمِيزانَ﴾ [الحديد: ٢٥]، لِيُعَلِّمُوا الكِتابَ ويَفْعَلُوا ما يَأْمُرُهم بِهِ الكِتابُ. (أنْ لا تَطْغَوْا في المِيزانِ): أيْ لِأنْ لا تَطْغَوْا، فَتَطْغَوْا مَنصُوبٌ بِأنْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ هي ”أنِ“ المُفَسِّرَةُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ أنْ مُفَسِّرَةً، فَيَكُونُ تَطْغَوْا جَزْمًا بِالنَّهْيِ. انْتَهى، ولا يَجُوزُ ما قالاهُ مِن أنَّ أنْ مُفَسِّرَةٌ، لِأنَّهُ فاتَ أحَدُ شَرْطَيْها، وهو أنْ يَكُونَ ما قَبْلَها جُمْلَةً فِيها مَعْنى القَوْلِ.
﴿ووَضَعَ المِيزانَ﴾ جُمْلَةٌ لَيْسَ فِيها مَعْنى القَوْلِ. والطُّغْيانُ في المِيزانِ هو أنْ يَكُونَ بِالتَّعَمُّدِ، وأمّا ما لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنَ التَّحْرِيرِ بِالمِيزانِ فَمَعْفُوٌّ عَنْهُ.
ولَمّا كانَتِ التَّسْوِيَةُ مَطْلُوبَةً جِدًّا، أمَرَ اللَّهُ تَعالى فَقالَ: ﴿وأقِيمُوا الوَزْنَ﴾ . وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ولا تُخْسِرُوا﴾، مِن أخْسَرَ: أيْ أفْسَدَ ونَقَصَ، كَقَوْلِهِ: ﴿وإذا كالُوهم أوْ وزَنُوهم يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين: ٣]؛ أيْ يَنْقُصُونَ. وبِلالُ بْنُ أبِي بُرْدَةَ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: تَخْسَرُ بِفَتْحِ التّاءِ، يُقالُ: خَسِرَ يَخْسَرُ، وأخْسَرَ يُخْسِرُ بِمَعْنًى واحِدٍ، كَجَبَرَ وأجْبَرَ. وحَكى ابْنُ جِنِّي وصاحِبُ اللَّوامِحِ، عَنْ بِلالٍ فَتْحَ التّاءِ والسِّينِ مُضارِعُ خَسِرَ بِكَسْرِ السِّينِ، وخَرَّجَها الزَّمَخْشَرِيُّ عَلى أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: في المِيزانِ، فَحَذَفَ الجارَّ ونَصَبَ، ولا يُحْتاجُ إلى هَذا التَّخْرِيجِ. ألا تَرى أنَّ خَسِرَ جاءَ مُتَعَدِّيًا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٢]، و﴿خَسِرَ الدُّنْيا والآخِرَةَ﴾ [الحج: ١١] ؟ وقُرِئَ أيْضًا: تَخْسُرُوا، بِفَتْحِ التّاءِ وضَمِّ السِّينِ. لِما مُنِعَ مِنَ الزِّيادَةِ، وهي الطُّغْيانُ، نَهى عَنِ الخُسْرانِ الَّذِي هو نُقْصانٌ، وكَرَّرَ لَفْظَ المِيزانِ، تَشْدِيدًا لِلتَّوْصِيَةِ بِهِ وتَقْوِيَةً لِلْأمْرِ بِاسْتِعْمالِهِ والحَثِّ عَلَيْهِ.
ولَمّا ذَكَرَ السَّماءَ، ذَكَرَ مُقابِلَتَها فَقالَ: ﴿والأرْضَ وضَعَها لِلْأنامِ﴾: أيْ خَفَضَها (p-١٩٠)مَدْحُوَّةً عَلى الماءِ لِيُنْتَفَعَ بِها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”والأرْضَ“ بِالنَّصْبِ؛ وأبُو السَّمّالِ: بِالرَّفْعِ: ”والأنامُ“، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بَنُو آدَمَ فَقَطْ. وقالَ أيْضًا هو وقَتادَةُ وابْنُ زَيْدٍ والشَّعْبِيُّ: الحَيَوانُ كُلُّهُ. وقالَ الحَسَنُ: الثَّقَلانِ الجِنُّ والإنْسُ.
﴿فِيها فاكِهَةٌ﴾: ضُرُوبٌ مِمّا يُتَفَكَّهُ بِهِ. وبَدَأ بِقَوْلِهِ: ﴿فاكِهَةٌ﴾، إذْ هو مِن بابِ الِابْتِداءِ بِالأدْنى والتَّرَقِّي إلى الأعْلى، ونَكَّرَ لَفْظَها، لِأنَّ الِانْتِفاعَ بِها دُونَ الِانْتِفاعِ بِما يُذْكَرُ بَعْدَها. ثُمَّ ثَنّى بِالنَّخْلِ، فَذَكَرَ الأصْلَ ولَمْ يَذْكُرْ ثَمَرَتَها، وهو الثَّمَرُ لِكَثْرَةِ الِانْتِفاعِ بِها مِن لِيفٍ وسَعَفٍ وجَرِيدٍ وجُذُوعٍ وجُمّارٍ وثَمَرٍ. ثُمَّ أتى ثالِثًا بِالحَبِّ الَّذِي هو قِوامُ عَيْشِ الإنْسانِ في أكْثَرِ الأقالِيمِ، وهو البُرُّ والشَّعِيرُ وكُلُّ ما لَهُ سُنْبُلٌ وأوْراقٌ مُتَشَعِّبَةٌ عَلى ساقِهِ، ووَصَفَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ذُو العَصْفِ﴾ تَنْبِيهًا عَلى إنْعامِهِ عَلَيْهِمْ بِما يَقُوتُهم مِنَ الحَبِّ، ويَقُوتُ بَهائِمَهم مِن ورَقِهِ الَّذِي هو التِّبْنُ. وبَدَأ بِالفاكِهَةِ وخَتَمَ بِالمَشْمُومِ، وبَيْنَهُما النَّخْلُ والحَبُّ، لِيَحْصُلَ ما بِهِ يُتَفَكَّهُ، وما بِهِ يُتَقَوَّتُ، وما بِهِ تَقَعُ اللَّذاذَةُ مِنَ الرّائِحَةِ الطَّيِّبَةِ. وذَكَرَ النَّخْلَ بِاسْمِها والفاكِهَةَ دُونَ شَجَرِها، لِعِظَمِ المَنفَعَةِ بِالنَّخْلِ مِن جِهاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ، وشَجَرَةُ الفاكِهَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى ثَمَرَتِها حَقِيرَةٌ، فَنَصَّ عَلى ما يَعْظُمُ بِهِ الِانْتِفاعُ مِن شَجَرَةِ النَّخْلِ ومِنَ الفاكِهَةِ دُونَ شَجَرَتِها.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿والحَبُّ ذُو العَصْفِ والرَّيْحانُ﴾، بِرَفْعِ الثَّلاثَةِ عَطْفًا عَلى المَرْفُوعِ قَبْلَهُ؛ وابْنُ عامِرٍ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِنَصْبِ الثَّلاثَةِ، أيْ وخَلَقَ الحَبَّ. وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ ﴿والرَّيْحانُ﴾ حالَةَ الرَّفْعِ وحالَةَ النَّصْبِ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ وذُو الرَّيْحانِ حَذَفَ المُضافَ وأقامَ المُضافَ إلَيْهِ مَقامَهُ؛ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ والأصْمَعِيُّ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: والرَّيْحانُ بِالجَرِّ، والمَعْنى: والحَبُّ ذُو العَصْفِ الَّذِي هو عَلَفُ البَهائِمِ، والرَّيْحانُ الَّذِي هو مَطْعَمُ النّاسِ، ويَبْعُدُ دُخُولُ المَشْمُومِ في قِراءَةِ الجَرِّ، ورَيْحانُ مِن ذَواتِ الواوِ. وأجازَ أبُو عَلِيٍّ أنْ يَكُونَ اسْمًا، ووُضِعَ مَوْضِعَ المَصْدَرِ، وأنْ يَكُونَ مَصْدَرًا عَلى وزْنِ فَعْلانَ كاللَّبّانِ. وأُبْدِلَتِ الواوُ ياءً، كَما أبْدَلُوا الياءَ واوًا في أشاوى، أوْ مَصْدَرًا شاذًّا في المُعْتَلِّ، كَما شَذَّ كَبَنُونَةٍ وبَيْنُونَةٍ، فَأصْلُهُ رَيْوِحانُ، قُلِبَتِ الواوُ ياءً وأُدْغِمَتْ في الياءِ فَصارَ رَيِّحانَ، ثُمَّ حُذِفَتْ عَيْنُ الكَلِمَةِ، كَما قالُوا: مَيْتٌ وهَيْنٌ.
ولَمّا عَدَّدَ تَعالى نِعَمَهُ، خاطَبَ الثَّقَلَيْنِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٣٢]، أيْ أنَّ نِعَمَهُ كَثِيرَةٌ لا تُحْصى، فَبِأيِّها تُكَذِّبانِ ؟ أيْ مَن هَذِهِ نِعَمُهُ لا يُمْكِنُ أنْ يُكَذَّبَ بِها. وكانَ هَذا الخِطابُ لِلثَّقَلَيْنِ، لِأنَّهُما داخِلانِ في الأنامِ عَلى أصَحِّ الأقْوالِ. ولِقَوْلِهِ: ﴿خَلَقَ الإنْسانَ﴾، و﴿وخَلَقَ الجانَّ﴾؛ ولِقَوْلِهِ: ﴿سَنَفْرُغُ لَكم أيُّها الثَّقَلانِ﴾ [الرحمن: ٣١]، وقَدْ أبْعَدَ مَن جَعَلَهُ خِطابًا لِلذَّكَرِ والأُنْثى مِن بَنِي آدَمَ. وأبْعَدُ مِن هَذا قَوْلُ مَن قالَ: إنَّهُ خِطابٌ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ: ﴿ألْقِيا في جَهَنَّمَ﴾ [ق: ٢٤]، ويا حَرَسِي اضْرِبا عُنُقَهُ، يَعْنِي أنَّهُ خِطابٌ لِلْواحِدِ بِصُورَةِ الِاثْنَيْنِ، فَبِأيِّ مُنَوَّنًا في جَمِيعِ السُّورَةِ، كَأنَّهُ حُذِفَ مِنهُ المُضافُ إلَيْهِ وأُبْدِلَ مِنهُ (آلاءِ رَبِّكُما) بَدَلَ مَعْرِفَةٍ مِن نَكِرَةٍ، وآلاءُ تَقَدَّمَ في الأعْرافِ أنَّها النِّعَمُ، واحِدُها إلْيٌ وألًا وإلًى وألْيٌ.
﴿خَلَقَ الإنْسانَ﴾: لَمّا ذَكَرَ العالَمَ الأكْبَرَ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ وما أوْجَدَ فِيها مِنَ النِّعَمِ، ذَكَرَ مَبْدَأ مَن خُلِقَتْ لَهُ هَذِهِ النِّعَمُ، والإنْسانُ هو آدَمُ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ. وقِيلَ: لِلْجِنْسِ، وساغَ ذَلِكَ لِأنَّ أباهم مَخْلُوقٌ مِنَ الصَّلْصالِ. وإذا أُرِيدَ بِالإنْسانِ آدَمُ، فَقَدْ جاءَتْ غاياتٌ لَهُ مُخْتَلِفَةٌ، وذَلِكَ بِتَنَقُّلِ أصْلِهِ؛ فَكانَ أوَّلًا تُرابًا، ثُمَّ طِينًا، ثُمَّ حَمَأً مَسْنُونًا، ثُمَّ صَلْصالًا، فَناسَبَ أنْ يُنْسَبَ خَلْقُهُ لِكُلِّ واحِدٍ مِنها. والجانُّ هو أبُو الجِنِّ، وهو إبْلِيسُ، قالَهُ الحَسَنُ. وقالَ مُجاهِدٌ: هو أبُو الجِنِّ، ولَيْسَ بِإبْلِيسَ. وقِيلَ: الجانُّ اسْمُ جِنْسٍ، والمارِجُ: ما اخْتَلَطَ مِن أصْفَرَ وأحْمَرَ وأخْضَرَ، أوِ اللَّهَبُ، أوِ الخالِصُ، أوِ الحُمْرَةُ في طَرَفِ النّارِ، أوِ المُخْتَلِطُ بِسَوادٍ، أوِ المُضْطَرِبُ بِلا دُخانٍ، أقْوالٌ، (ومِن) الأُولى لِابْتِداءِ الغايَةِ، والثّانِيَةُ في (مِن نارٍ) لِلتَّبْعِيضِ. وقِيلَ لِلْبَيانِ، والتَّكْرارُ في هَذِهِ الفَواصِلِ: لِلتَّأْكِيدِ والتَّنْبِيهِ والتَّحْرِيكِ، وهي مَوْجُودَةٌ في مَواضِعَ مِنَ القُرْآنِ. وذَهَبَ قَوْمٌ مِنهُمُ ابْنُ قُتَيْبَةَ إلى أنَّ هَذا التَّكْرارَ إنَّما هو لِاخْتِلافِ النِّعَمِ، فَكَرَّرَ (p-١٩١)التَّوْقِيفَ في كُلِّ واحِدٍ مِنها.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: (رَبُّ)، و(رَبُّ) بِالرَّفْعِ، أيْ هو رَبٌّ؛ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِالخَفْضِ بَدَلًا مِن رَبِّكُما، وثَنّى المُضافَ إلَيْهِ لِأنَّهُما مَشْرِقا الصَّيْفِ والشِّتاءِ ومَغْرِباهُما، قالَهُ مُجاهِدٌ. وقِيلَ: مَشْرِقا الشَّمْسِ والقَمَرِ ومَغْرِباهُما. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: لِلشَّمْسِ مَشْرِقٌ في الصَّيْفِ مُصْعِدٌ، ومَشْرِقٌ في الشِّتاءِ مُنْحَدِرٌ، تَنْتَقِلُ فِيهِما مُصْعِدَةً ومُنْحَدِرَةً. انْتَهى. فالمَشْرِقانِ والمَغْرِبانِ لِلشَّمْسِ. وقِيلَ: المَشْرِقانِ: مَطْلَعُ الفَجْرِ ومَطْلَعُ الشَّمْسِ، والمَغْرِبانِ مَغْرِبُ الشَّفَقِ ومَغْرِبُ الشَّمْسِ. ولِسَهْلٍ التُّسْتَرِيِّ كَلامٌ في المَشْرِقَيْنِ والمَغْرِبَيْنِ شَبِيهٌ بِكَلامِ الباطِنِيَّةِ المُحَرِّفِينَ مَدْلُولَ كَلامِ اللَّهِ، ضَرَبْنا عَنْ ذِكْرِهِ صَفْحًا. وكَذَلِكَ ما وقَفْنا عَلَيْهِ مِن كَلامِ الغُلاةِ الَّذِينَ يُنْسَبُونَ لِلصُّوفِيَّةِ، لِأنّا لا نَسْتَحِلُّ نَقْلَ شَيْءٍ مِنهُ. وقَدْ أوْلَغَ صاحِبُ كِتابِ التَّحْرِيرِ والتَّحْبِيرِ بِحَسْبِ ما قالَهُ هَؤُلاءِ الغُلاةُ في كُلِّ آيَةٍ آيَةٍ، ويُسَمِّي ذَلِكَ الحَقائِقَ، وأرْبابُ القُلُوبِ وما ادَّعَوْا فَهْمَهُ في القُرْآنِ فَأوْغَلُوا فِيهِ لَمْ يَفْهَمْهُ عَرَبِيٌّ قَطُّ، ولا أرادَهُ اللَّهُ تَعالى بِتِلْكَ الألْفاظِ، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِن ذَلِكَ.
﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ذَلِكَ في الفُرْقانِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وذَكَرَ الثَّعْلَبِيُّ في ﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ﴾ ألْغازًا وأقْوالًا باطِنَةً لا يُلْتَفَتُ إلى شَيْءٍ مِنها. انْتَهى، والظّاهِرُ التِقاؤُهُما، أيْ يَتَجاوَرانِ، فَلا فَصْلَ بَيْنَ الماءَيْنِ في رُؤْيَةِ العَيْنِ. وقِيلَ: يَلْتَقِيانِ في كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً. وقِيلَ: مُعَدّانِ لِلِالتِقاءِ، فَحَقُّهُما أنْ يَلْتَقِيا لَوْلا البَرْزَخُ بَيْنَهُما.
﴿بَرْزَخٌ﴾: أيْ حاجِزٌ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، ﴿لا يَبْغِيانِ﴾: لا يَتَجاوَزانِ حَدَّهُما، ولا يَبْغِي أحَدُهُما عَلى الآخَرِ بِالمُمازَجَةِ. وقِيلَ: البَرْزَخُ: أجْرامُ الأرْضِ، قالَهُ قَتادَةُ؛ وقِيلَ: لا يَبْغِيانِ: أيْ عَلى النّاسِ والعُمْرانِ، وعَلى هَذا والَّذِي قَبْلَهُ يَكُونُ مِنَ البَغْيِ. وقِيلَ: هو مِن بَغى، أيْ طَلَبَ، فالمَعْنى: لا يَبْغِيانِ حالًا غَيْرَ الحالِ الَّتِي خُلِقا عَلَيْها وسُخِّرا لَها. وقِيلَ: ماءُ الأنْهارِ لا يَخْتَلِطُ بِالماءِ المِلْحِ، بَلْ هو بِذاتِهِ باقٍ فِيهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والعِيانُ لا يَقْتَضِيهِ. انْتَهى، يَعْنِي أنَّهُ يُشاهِدُ الماءَ العَذْبَ يَخْتَلِطُ بِالمِلْحِ فَيَبْقى كُلُّهُ مِلْحًا، وقَدْ يُقالُ: إنَّهُ بِالِاخْتِلاطِ تَتَغَيَّرُ أجْرامُ العَذْبِ حَتّى لا تَظْهَرَ، فَإذا ذاقَ الإنْسانُ مِنَ المِلْحِ المُنْبَثِّ فِيهِ تِلْكَ الأجْزاءُ الدَّقِيقَةُ لَمْ يُحِسَّ إلّا المُلُوحَةَ، والمَعْقُولُ يَشْهَدُ بِذَلِكَ، لِأنَّ تَداخُلَ الأجْسامِ غَيْرُ مُمْكِنٍ، لَكِنَّ التَّفَرُّقَ والِالتِقاءَ مُمْكِنٌ. وأنْشَدَ القاضِي مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ البَلُّوطِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى:
؎ومَمْزُوجَةُ الأمْواهِ لا العَذْبُ غالِبٌ عَلى المِلْحِ طِيبًا لا ولا المِلْحُ يَعْذُبُ
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿يَخْرُجُ﴾ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ؛ ونافِعٌ وأبُو عَمْرٍو وأهْلُ المَدِينَةِ: مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ؛ والجُعْفِيٌّ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِالياءِ مَضْمُومَةً وكَسْرِ الرّاءِ، أيْ يُخْرِجُ اللَّهُ؛ وعَنْهُ وعَنْ أبِي عَمْرٍو، وعَنِ ابْنِ مِقْسَمٍ: بِالنُّونِ. واللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ نُصِبَ في هاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ. والظّاهِرُ في (مِنهُما) أنَّ ذَلِكَ يَخْرُجُ مِنَ المِلْحِ والعَذْبِ. وقالَ بِذَلِكَ قَوْمٌ، حَكاهُ الأخْفَشُ. ورَدَّ النّاسُ هَذا القَوْلَ، قالُوا: والحِسُّ يُخالِفُهُ، إذْ لا يَخْرُجُ إلّا مِنَ المِلْحِ، وعابُوا قَوْلَ الشّاعِرِ:
؎فَجاءَ بِها ما شِئْتَ مِن لَطِيمَةٍ ∗∗∗ عَلى وجْهِها ماءُ الفُراتِ يَمُوجُ
وقالَ الجُمْهُورُ: إنَّما يَخْرُجُ مِنَ الأُجاجِ في المَواضِعِ الَّتِي تَقَعُ فِيها الأنْهارُ والمِياهُ العَذْبَةُ، فَناسَبَ إسْنادَ ذَلِكَ إلَيْهِما، وهَذا مَشْهُورٌ عِنْدَ الغَوّاصِينَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ: تَكُونُ هَذِهِ الأشْياءُ في البَحْرِ بِنُزُولِ المَطَرِ، لِأنَّ الصَّدَفَ وغَيْرَها تَفْتَحُ أفْواهَها لِلْمَطَرِ، فَلِذَلِكَ قالَ (مِنهُما) . وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: إنَّما يَخْرُجُ مِنَ المِلْحِ، لَكِنَّهُ قالَ (مِنهُما) تَجَوُّزًا. وقالَ الرُّمّانِيُّ: العَذْبُ فِيها كاللِّقاحِ لِلْمِلْحِ، فَهو كَما يُقالُ؛ الوَلَدُ يَخْرُجُ مِنَ الذَّكَرِ والأُنْثى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ، وتَبِعَ الزَّجّاجَ مِن حَيْثُ هُما نَوْعٌ واحِدٌ، فَخُرُوجُ هَذِهِ الأشْياءِ إنَّما هي مِنهُما، وإنْ كانَتْ تَخْتَصُّ عِنْدَ التَّفْصِيلِ المَبالَغِ بِأحَدِهِما، كَما قالَ: ﴿سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا﴾ [نوح: ١٥] ﴿وجَعَلَ القَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾ [نوح: ١٦]، (p-١٩٢)وإنَّما هو في إحْداهُنَّ، وهي الدُّنْيا إلى الأرْضِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ نَحْوًا مِن قَوْلِ ابْنِ عَطِيَّةَ، قالَ: فَإنْ قُلْتَ: لِمَ قالَ (مِنهُما)، وإنَّما يَخْرُجانِ مِنَ المِلْحِ قُلْتُ: لَمّا التَقَيا وصارا كالشَّيْءِ الواحِدِ، جازَ أنْ يُقالَ: يَخْرُجانِ مِنهُما، كَما يُقالُ: يَخْرُجانِ مِنَ البَحْرِ، ولا يَخْرُجانِ مِن جَمِيعِ البَحْرِ، ولَكِنْ مِن بَعْضِهِ. وتَقُولُ: خَرَجْتُ مِنَ البَلَدِ، وإنَّما خَرَجْتَ مِن مَحَلَّةٍ مِن مَحالِّهِ، بَلْ مِن دارٍ واحِدَةٍ مِن دُورِهِ. وقِيلَ: لا يَخْرُجانِ إلّا مِن مُلْتَقى المِلْحِ والعَذْبِ. انْتَهى. وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: هَذا مِن بابِ حَذْفِ المُضافِ، والتَّقْدِيرُ: يَخْرُجُ مِن أحَدِهِما، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١]: أيْ مِن إحْدى القَرْيَتَيْنِ. وقِيلَ: هُما بَحْرانِ، يَخْرُجُ مِن أحَدِهِما اللُّؤْلُؤُ ومِنَ الآخَرِ المَرْجانُ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: كَلامُ اللَّهِ تَعالى أوْلى بِالِاعْتِبارِ مِن كَلامِ بَعْضِ النّاسِ ومَن أعْلَمَ أنَّ اللُّؤْلُؤَ لا يَخْرُجُ مِنَ الماءِ العَذْبِ ؟، وهَبْ أنَّ الغَوّاصِينَ ما أخْرَجُوهُ إلّا مِنَ المالِحِ. ولَكِنْ لِمَ قُلْتُمْ إنَّ الصَّدَفَ لا يَخْرُجُ بِأمْرِ اللَّهِ مِنَ الماءِ العَذْبِ إلى الماءِ المِلْحِ وكَيْفَ يُمْكِنُ الجَزْمُ بِهِ والأُمُورُ الأرْضِيَّةُ الظّاهِرَةُ خَفِيَتْ عَنِ التُّجّارِ الَّذِينَ قَطَعُوا المَفاوِزَ ودارُوا البِلادَ، فَكَيْفَ لا يَخْفى أمْرٌ ما في قَعْرِ البَحْرِ عَلَيْهِمْ ؟ واللُّؤْلُؤُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ وقَتادَةُ: كِبارُ الجَوْهَرِ. والمَرْجانُ صِغارُهُ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا وعَلِيٍّ ومُرَّةَ الهَمْدانِيِّ عَكْسُ هَذا. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ وأبُو مالِكٍ: المَرْجانُ: الحَجَرُ الأحْمَرُ. وقالَ الزَّجّاجُ: حَجَرٌ شَدِيدُ البَياضِ. وحَكى القاضِي أبُو يَعْلى أنَّهُ ضَرْبٌ مِنَ اللُّؤْلُؤِ، كالقُضْبانِ، والمَرْجانُ: اسْمٌ أعْجَمِيٌّ مُعَرَّبٌ. قالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: لَمْ أسْمَعْ فِيهِ نَقْلَ مُتَصَرِّفٍ، وقالَ الأعْشى:
؎مِن كُلِّ مَرْجانَةٍ في البَحْرِ أحْرَزَها ∗∗∗ تَيّارُها ووَقاها طِينَها الصَّدَفُ
قِيلَ: أرادَ اللُّؤْلُؤَةَ الكَبِيرَةَ. وقَرَأ طَلْحَةُ: اللُّؤْلِي بِكَسْرِ اللّامِ الثّالِثَةِ، وهي لُغَةٌ. وعَبَدُ الوَلِيِّ: تُقْلَبُ الهَمْزَةُ المُتَطَرِّفَةُ ياءً ساكِنَةً بَعْدَ كَسْرَةِ ما قَبْلَها، وهي لُغَةٌ، قالَهُ أبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ.
﴿ولَهُ الجَوارِي﴾: خَصَّ تَعالى الجَوارِيَ بِأنَّها لَهُ، وهو تَعالى لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما فِيهِنَّ، لِأنَّهم لَمّا كانُوا هم مُنْشِئِيها، أسْنَدَها تَعالى إلَيْهِ، إذْ كانَ تَمامُ مَنفَعَتِها إنَّما هو مِنهُ تَعالى، فَهو في الحَقِيقَةِ مالِكُها. والجَوارِي: السُّفُنُ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ والحَسَنُ وعَبْدُ الوارِثِ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِضَمِّ الرّاءِ، كَما قالُوا في شاكٍ شاكٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ؛ ﴿المُنْشَآتُ﴾ بِفَتْحِ الشِّينِ، اسْمَ مَفْعُولٍ: أيْ أنْشَأها اللَّهُ، أوِ النّاسُ، أوِ المَرْفُوعاتُ الشِّراعِ. وقالَ مُجاهِدٌ: ما لَهُ شِراعٌ مِنَ المُنْشَآتِ، وما لَمْ يُرْفَعْ لَهُ شِراعٌ، فَلَيْسَ مِنَ المُنْشَآتِ. والشِّراعُ: القَلْعُ. والأعْمَشُ وحَمْزَةُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وطَلْحَةُ وأبُو بَكْرٍ: بِخِلافٍ عَنْهُ، بِكَسْرِ الشِّينِ: أيِ الرّافِعاتُ الشِّراعِ، أوِ اللّاتِي يُنْشِئْنَ الأمْواجَ بِجَرْيِهِنَّ، أوِ الَّتِي تُنْشِئُ السَّفَرَ إقْبالًا وإدْبارًا. وشَدَّدَ الشِّينَ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ والحَسَنُ المُنَشَّأةُ، وحَدَّ الصِّفَةَ، ودَلَّ عَلى الجَمْعِ المَوْصُوفِ، كَقَوْلِهِ: ﴿أزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ [البقرة: ٢٥]، وقَلَبَ الهَمْزَةَ ألِفًا عَلى حَدِّ قَوْلِهِ:
؎إنَّ السِّباعَ لَتَهْدا في مَرابِضِها
يُرِيدُ: لَتَهْدَأُ، التّاءُ لِتَأْنِيثِ الصِّفَةِ، كُتِبَتْ تاءً عَلى لَفْظِها في الوَصْلِ.
﴿كالأعْلامِ﴾: أيْ كالجِبالِ والآكامِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى كِبَرِ السُّفُنِ حَيْثُ شَبَّهَها بِالجِبالِ، وإنْ كانَتِ المُنْشَآتُ تَنْطَلِقُ عَلى السَّفِينَةِ الكَبِيرَةِ والصَّغِيرَةِ. وعَبَّرَ بِمَن في قَوْلِهِ: ﴿كُلُّ مَن عَلَيْها﴾ تَغْلِيبًا لِمَن يَعْقِلُ، والضَّمِيرُ في (عَلَيْها) قَلِيلٌ عائِدٌ عَلى الأرْضِ في قَوْلِهِ: ﴿والأرْضَ وضَعَها لِلْأنامِ﴾، فَعادَ الضَّمِيرُ عَلَيْها، وإنْ كانَ بَعْدَ لَفْظِها. والفَناءُ عِبارَةٌ عَنْ إعْدامِ جَمِيعِ المَوْجُوداتِ مِن حَيَوانٍ وغَيْرِهِ، والوَجْهُ يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ حَقِيقَةِ الشَّيْءِ، والجارِحَةُ مُنْتَفِيَةٌ عَنِ اللَّهِ تَعالى، ونَحْوَ ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا وجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] . وتَقُولُ صَعالِيكُ مَكَّةَ: أيْنَ وجْهُ عَرَبِيٍّ كَرِيمٍ يَجُودُ عَلَيَّ ؟ وقَرَأ الجُمْهُورُ: ذُو بِالواوِ، وصِفَةً لِلْوَجْهِ. وأُبَيُّ وعَبْدُ اللَّهِ: ذِي بِالياءِ، صِفَةً لِلرَّبِّ. والظّاهِرُ أنَّ الخِطابَ في قَوْلِهِ: ﴿وجْهُ رَبِّكَ﴾ لِلرَّسُولِ، وفِيهِ تَشْرِيفٌ عَظِيمٌ لَهُ، ﷺ . وقِيلَ: (p-١٩٣)الخِطابُ لِكُلِّ سامِعٍ. ومَعْنى ﴿ذُو الجَلالِ﴾: الَّذِي يُجِلُّهُ المُوَحِّدُونَ عَنِ التَّشْبِيهِ بِخَلْقِهِ وعَنْ أفْعالِهِمْ، أوِ الَّذِي يُتَعَجَّبُ مِن جَلالِهِ، أوِ الَّذِي عِنْدَهُ الجَلالُ والإكْرامُ لِلْمُخْلِصِينَ مِن عِبادِهِ.
﴿يَسْألُهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾: أيْ حَوائِجَهم، وهو ما يَتَعَلَّقُ بِمَن في السَّماواتِ مِن أمْرِ الدِّينِ وما اسْتُعْبِدُوا بِهِ، ومَن في الأرْضِ مِن أمْرِ دِينِهِمْ ودُنْياهم. وقالَ أبُو صالِحٍ: مَن في السَّماواتِ الرَّحْمَةَ ومَن في الأرْضِ المَغْفِرَةَ والرِّزْقَ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: المَلائِكَةُ الرِّزْقَ لِأهْلِ الأرْضِ والمَغْفِرَةَ، وأهْلُ الأرْضِ يَسْألُونَهُما جَمِيعًا. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: يَسْألُهُ اسْتِئْنافُ إخْبارٍ. وقِيلَ: حالٌ مِنَ الوَجْهِ، والعامِلُ فِيهِ يَبْقى، أيْ هو دائِمٌ في هَذِهِ الحالِ. انْتَهى، وفِيهِ بُعْدٌ. ومَن لا يَسْألُ، فَحالُهُ تَقْتَضِي السُّؤالَ، فَيَصِحُّ إسْنادُ السُّؤالِ إلى الجَمِيعِ بِاعْتِبارِ القَدْرِ المُشْتَرَكِ، وهو الِافْتِقارُ إلَيْهِ تَعالى.
﴿كُلَّ يَوْمٍ﴾: أيْ كُلَّ ساعَةٍ ولَحْظَةٍ، وذَكَرَ اليَوْمَ لِأنَّ السّاعاتِ واللَّحَظاتِ في ضِمْنِهِ.
﴿هُوَ في شَأْنٍ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: في شَأْنٍ يُمْضِيهِ مِنَ الخَلْقِ والرِّزْقِ والإحْياءِ والإماتَةِ. وقالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: يُجِيبُ داعِيًا، ويَفُكُّ عانِيًا، ويَتُوبُ عَلى قَوْمٍ، ويَغْفِرُ لِقَوْمٍ. وقالَ سُوَيْدُ بْنُ غَفْلَةَ: يُعْتِقُ رِقابًا، ويُعْطِي رَغامًا ويُقْحِمُ عِقابًا. وقالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: الدَّهْرُ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمانِ، أحَدُهُما اليَوْمُ الَّذِي هو مُدَّةُ الدُّنْيا، فَشَأْنُهُ فِيهِ الأمْرُ والنَّهْيُ والإماتَةُ والإحْياءُ؛ والثّانِي الَّذِي هو يَوْمُ القِيامَةِ، فَشَأْنُهُ فِيهِ الجَزاءُ والحِسابُ. وعَنْ مُقاتِلٍ: نَزَلَتْ في اليَهُودِ، فَقالُوا: إنَّ اللَّهَ لا يَقْضِي يَوْمَ السَّبْتِ شَيْئًا. وقالَ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ، وقَدْ سَألَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طاهِرٍ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هو في شَأْنٍ﴾: وقَدْ صَحَّ أنَّ القَلَمَ جَفَّ بِما هو كائِنٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ فَقالَ: شُئُونٌ يُبْدِيها، لا شُئُونٌ يَبْتَدِيها. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: هو في يَوْمِ الدُّنْيا في الِابْتِلاءِ، وفي يَوْمِ القِيامَةِ في الجَزاءِ. وانْتَصَبَ ﴿كُلَّ يَوْمٍ﴾ عَلى الظَّرْفِ، والعامِلُ فِيهِ العامِلُ في قَوْلِهِ: ﴿فِي شَأْنٍ﴾، وهو مُسْتَقِرٌّ المَحْذُوفُ، نَحْوَ: يَوْمَ الجُمُعَةِ زَيْدٌ قائِمٌ.
الرحمن 55:21
ولَمّا ذَكَرَ تَعالى ما أنْعَمَ بِهِ مِن مَنفَعَةِ الشَّمْسِ والقَمَرِ، وكانَ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ العُلْوِيَّةِ، ذَكَرَ في مُقابَلَتِهِما مِنَ الآثارِ السُّفْلِيَّةِ النَّجْمَ والشَّجَرَ، إذْ كانا رِزْقًا لِلْإنْسانِ، وأخْبَرَ أنَّهُما جارِيانِ عَلى ما أرادَ اللَّهُ بِهِما، مِن تَسْخِيرِهِما وكَيْنُونَتِهِما عَلى ما اقْتَضَتْهُ حِكْمَتُهُ تَعالى. ولَمّا ذَكَرَ ما بِهِ حَياةُ الأرْواحِ مِن تَعْلِيمِ القُرْآنِ، ذَكَرَ ما بِهِ حَياةُ الأشْباحِ مِنَ النَّباتِ الَّذِي لَهُ ساقٌ، وكانَ تَقْدِيمُ النَّجْمِ، وهو ما لا ساقَ لَهُ، لِأنَّهُ أصْلُ القُوتِ، والَّذِي لَهُ ساقٌ ثَمَرُهُ يُتَفَكَّهُ بِهِ غالِبًا. والظّاهِرُ أنَّ النَّجْمَ هو الَّذِي شَرَحْناهُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ اقْتِرانُهُ بِالشَّجَرِ. وقالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ والحَسَنُ: النَّجْمُ: اسْمُ الجِنْسِ مِن نُجُومِ السَّماءِ. وسُجُودُهُما، قالَ مُجاهِدٌ والحَسَنُ: ذَلِكَ في النَّجْمِ بِالغُرُوبِ ونَحْوِهِ، وفي الشَّجَرِ بِالظِّلِّ واسْتِدارَتِهِ. وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: والسُّجُودُ تَجَوُّزٌ، وهو عِبارَةٌ عَنِ الخُضُوعِ والتَّذَلُّلِ. والجُمَلُ الأُوَلُ فِيها ضَمِيرٌ يَرْبُطُها بِالمُبْتَدَأِ، وأمّا في هاتَيْنِ الجُمْلَتَيْنِ فاكْتَفى بِالوَصْلِ المَعْنَوِيِّ عَنِ الوَصْلِ اللَّفْظِيِّ، إذْ مَعْلُومٌ أنَّ الحُسْبانَ هو حُسْبانُهُ، وأنَّ السُّجُودَ لَهُ لا لِغَيْرِهِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: بِحُسْبانِهِ ويَسْجُدانِ لَهُ. ولَمّا أُورِدَتْ هَذِهِ الجُمَلُ مَوْرِدَ تَعْدِيدِ النِّعَمِ رُدَّ الكَلامُ إلى العَطْفِ في وصْلِ ما يُناسِبُ وصْلَهُ، والتَّناسُبُ الَّذِي بَيْنَ هاتَيْنِ الجُمْلَتَيْنِ ظاهِرٌ، لِأنَّ الشَّمْسَ والقَمَرَ عُلْوِيّانِ، والنَّجْمُ والشَّجَرُ سُفْلِيّانِ.
﴿والسَّماءَ رَفَعَها﴾: أيْ خَلَقَها مَرْفُوعَةً، حَيْثُ جَعَلَها مَصْدَرَ قَضاياهُ ومَسْكَنَ مَلائِكَتِهِ الَّذِينَ يَنْزِلُونَ بِالوَحْيِ عَلى أنْبِيائِهِ، ونَبَّهَ بِذَلِكَ عَلى عِظَمِ شَأْنِهِ ومِلْكِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (والسَّماءَ)، بِالنَّصْبِ عَلى الِاشْتِغالِ، رُوعِيَ مُشاكَلَةُ الجُمْلَةِ الَّتِي تَلِيهِ وهي ﴿يَسْجُدانِ﴾ [الرحمن: ٦] . وقَرَأ أبُو السَّمّالِ: والسَّماءُ بِالرَّفْعِ، راعى مُشاكَلَةَ الجُمْلَةِ الِابْتِدائِيَّةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ووَضَعَ المِيزانَ﴾، فِعْلًا ماضِيًا ناصِبًا المِيزانَ، أيْ أقَرَّهُ وأثْبَتَهُ. وقَرَأ إبْراهِيمُ: ووَضْعِ المِيزانِ، بِالخَفْضِ وإسْكانِ الضّادِ. والظّاهِرُ أنَّهُ كُلُّ ما يُوزَنُ بِهِ الأشْياءُ وتُعْرَفُ مَقادِيرُها، وإنِ اخْتَلَفَتِ الآلاتُ، قالَ مَعْناهُ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وقَتادَةُ، جَعَلَهُ تَعالى حاكِمًا بِالسَّوِيَّةِ في الأخْذِ والإعْطاءِ. وقالَ مُجاهِدٌ والطَّبَرِيُّ والأكْثَرُونَ: المِيزانُ: العَدْلُ، وتَكُونُ الآلاتُ مِن بَعْضِ ما يَنْدَرِجُ في العَدْلِ. بَدَأ أوَّلًا بِالعِلْمِ، فَذَكَرَ ما فِيهِ أشْرَفُ أنْواعِ العُلُومِ وهو القُرْآنُ؛ ثُمَّ ذَكَرَ ما بِهِ التَّعْدِيلُ في الأُمُورِ، وهو المِيزانُ، كَقَوْلِهِ: ﴿وأنْزَلْنا مَعَهُمُ الكِتابَ والمِيزانَ﴾ [الحديد: ٢٥]، لِيُعَلِّمُوا الكِتابَ ويَفْعَلُوا ما يَأْمُرُهم بِهِ الكِتابُ. (أنْ لا تَطْغَوْا في المِيزانِ): أيْ لِأنْ لا تَطْغَوْا، فَتَطْغَوْا مَنصُوبٌ بِأنْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ هي ”أنِ“ المُفَسِّرَةُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ أنْ مُفَسِّرَةً، فَيَكُونُ تَطْغَوْا جَزْمًا بِالنَّهْيِ. انْتَهى، ولا يَجُوزُ ما قالاهُ مِن أنَّ أنْ مُفَسِّرَةٌ، لِأنَّهُ فاتَ أحَدُ شَرْطَيْها، وهو أنْ يَكُونَ ما قَبْلَها جُمْلَةً فِيها مَعْنى القَوْلِ.
﴿ووَضَعَ المِيزانَ﴾ جُمْلَةٌ لَيْسَ فِيها مَعْنى القَوْلِ. والطُّغْيانُ في المِيزانِ هو أنْ يَكُونَ بِالتَّعَمُّدِ، وأمّا ما لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنَ التَّحْرِيرِ بِالمِيزانِ فَمَعْفُوٌّ عَنْهُ.
ولَمّا كانَتِ التَّسْوِيَةُ مَطْلُوبَةً جِدًّا، أمَرَ اللَّهُ تَعالى فَقالَ: ﴿وأقِيمُوا الوَزْنَ﴾ . وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ولا تُخْسِرُوا﴾، مِن أخْسَرَ: أيْ أفْسَدَ ونَقَصَ، كَقَوْلِهِ: ﴿وإذا كالُوهم أوْ وزَنُوهم يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين: ٣]؛ أيْ يَنْقُصُونَ. وبِلالُ بْنُ أبِي بُرْدَةَ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: تَخْسَرُ بِفَتْحِ التّاءِ، يُقالُ: خَسِرَ يَخْسَرُ، وأخْسَرَ يُخْسِرُ بِمَعْنًى واحِدٍ، كَجَبَرَ وأجْبَرَ. وحَكى ابْنُ جِنِّي وصاحِبُ اللَّوامِحِ، عَنْ بِلالٍ فَتْحَ التّاءِ والسِّينِ مُضارِعُ خَسِرَ بِكَسْرِ السِّينِ، وخَرَّجَها الزَّمَخْشَرِيُّ عَلى أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: في المِيزانِ، فَحَذَفَ الجارَّ ونَصَبَ، ولا يُحْتاجُ إلى هَذا التَّخْرِيجِ. ألا تَرى أنَّ خَسِرَ جاءَ مُتَعَدِّيًا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٢]، و﴿خَسِرَ الدُّنْيا والآخِرَةَ﴾ [الحج: ١١] ؟ وقُرِئَ أيْضًا: تَخْسُرُوا، بِفَتْحِ التّاءِ وضَمِّ السِّينِ. لِما مُنِعَ مِنَ الزِّيادَةِ، وهي الطُّغْيانُ، نَهى عَنِ الخُسْرانِ الَّذِي هو نُقْصانٌ، وكَرَّرَ لَفْظَ المِيزانِ، تَشْدِيدًا لِلتَّوْصِيَةِ بِهِ وتَقْوِيَةً لِلْأمْرِ بِاسْتِعْمالِهِ والحَثِّ عَلَيْهِ.
ولَمّا ذَكَرَ السَّماءَ، ذَكَرَ مُقابِلَتَها فَقالَ: ﴿والأرْضَ وضَعَها لِلْأنامِ﴾: أيْ خَفَضَها (p-١٩٠)مَدْحُوَّةً عَلى الماءِ لِيُنْتَفَعَ بِها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”والأرْضَ“ بِالنَّصْبِ؛ وأبُو السَّمّالِ: بِالرَّفْعِ: ”والأنامُ“، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بَنُو آدَمَ فَقَطْ. وقالَ أيْضًا هو وقَتادَةُ وابْنُ زَيْدٍ والشَّعْبِيُّ: الحَيَوانُ كُلُّهُ. وقالَ الحَسَنُ: الثَّقَلانِ الجِنُّ والإنْسُ.
﴿فِيها فاكِهَةٌ﴾: ضُرُوبٌ مِمّا يُتَفَكَّهُ بِهِ. وبَدَأ بِقَوْلِهِ: ﴿فاكِهَةٌ﴾، إذْ هو مِن بابِ الِابْتِداءِ بِالأدْنى والتَّرَقِّي إلى الأعْلى، ونَكَّرَ لَفْظَها، لِأنَّ الِانْتِفاعَ بِها دُونَ الِانْتِفاعِ بِما يُذْكَرُ بَعْدَها. ثُمَّ ثَنّى بِالنَّخْلِ، فَذَكَرَ الأصْلَ ولَمْ يَذْكُرْ ثَمَرَتَها، وهو الثَّمَرُ لِكَثْرَةِ الِانْتِفاعِ بِها مِن لِيفٍ وسَعَفٍ وجَرِيدٍ وجُذُوعٍ وجُمّارٍ وثَمَرٍ. ثُمَّ أتى ثالِثًا بِالحَبِّ الَّذِي هو قِوامُ عَيْشِ الإنْسانِ في أكْثَرِ الأقالِيمِ، وهو البُرُّ والشَّعِيرُ وكُلُّ ما لَهُ سُنْبُلٌ وأوْراقٌ مُتَشَعِّبَةٌ عَلى ساقِهِ، ووَصَفَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ذُو العَصْفِ﴾ تَنْبِيهًا عَلى إنْعامِهِ عَلَيْهِمْ بِما يَقُوتُهم مِنَ الحَبِّ، ويَقُوتُ بَهائِمَهم مِن ورَقِهِ الَّذِي هو التِّبْنُ. وبَدَأ بِالفاكِهَةِ وخَتَمَ بِالمَشْمُومِ، وبَيْنَهُما النَّخْلُ والحَبُّ، لِيَحْصُلَ ما بِهِ يُتَفَكَّهُ، وما بِهِ يُتَقَوَّتُ، وما بِهِ تَقَعُ اللَّذاذَةُ مِنَ الرّائِحَةِ الطَّيِّبَةِ. وذَكَرَ النَّخْلَ بِاسْمِها والفاكِهَةَ دُونَ شَجَرِها، لِعِظَمِ المَنفَعَةِ بِالنَّخْلِ مِن جِهاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ، وشَجَرَةُ الفاكِهَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى ثَمَرَتِها حَقِيرَةٌ، فَنَصَّ عَلى ما يَعْظُمُ بِهِ الِانْتِفاعُ مِن شَجَرَةِ النَّخْلِ ومِنَ الفاكِهَةِ دُونَ شَجَرَتِها.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿والحَبُّ ذُو العَصْفِ والرَّيْحانُ﴾، بِرَفْعِ الثَّلاثَةِ عَطْفًا عَلى المَرْفُوعِ قَبْلَهُ؛ وابْنُ عامِرٍ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِنَصْبِ الثَّلاثَةِ، أيْ وخَلَقَ الحَبَّ. وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ ﴿والرَّيْحانُ﴾ حالَةَ الرَّفْعِ وحالَةَ النَّصْبِ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ وذُو الرَّيْحانِ حَذَفَ المُضافَ وأقامَ المُضافَ إلَيْهِ مَقامَهُ؛ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ والأصْمَعِيُّ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: والرَّيْحانُ بِالجَرِّ، والمَعْنى: والحَبُّ ذُو العَصْفِ الَّذِي هو عَلَفُ البَهائِمِ، والرَّيْحانُ الَّذِي هو مَطْعَمُ النّاسِ، ويَبْعُدُ دُخُولُ المَشْمُومِ في قِراءَةِ الجَرِّ، ورَيْحانُ مِن ذَواتِ الواوِ. وأجازَ أبُو عَلِيٍّ أنْ يَكُونَ اسْمًا، ووُضِعَ مَوْضِعَ المَصْدَرِ، وأنْ يَكُونَ مَصْدَرًا عَلى وزْنِ فَعْلانَ كاللَّبّانِ. وأُبْدِلَتِ الواوُ ياءً، كَما أبْدَلُوا الياءَ واوًا في أشاوى، أوْ مَصْدَرًا شاذًّا في المُعْتَلِّ، كَما شَذَّ كَبَنُونَةٍ وبَيْنُونَةٍ، فَأصْلُهُ رَيْوِحانُ، قُلِبَتِ الواوُ ياءً وأُدْغِمَتْ في الياءِ فَصارَ رَيِّحانَ، ثُمَّ حُذِفَتْ عَيْنُ الكَلِمَةِ، كَما قالُوا: مَيْتٌ وهَيْنٌ.
ولَمّا عَدَّدَ تَعالى نِعَمَهُ، خاطَبَ الثَّقَلَيْنِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٣٢]، أيْ أنَّ نِعَمَهُ كَثِيرَةٌ لا تُحْصى، فَبِأيِّها تُكَذِّبانِ ؟ أيْ مَن هَذِهِ نِعَمُهُ لا يُمْكِنُ أنْ يُكَذَّبَ بِها. وكانَ هَذا الخِطابُ لِلثَّقَلَيْنِ، لِأنَّهُما داخِلانِ في الأنامِ عَلى أصَحِّ الأقْوالِ. ولِقَوْلِهِ: ﴿خَلَقَ الإنْسانَ﴾، و﴿وخَلَقَ الجانَّ﴾؛ ولِقَوْلِهِ: ﴿سَنَفْرُغُ لَكم أيُّها الثَّقَلانِ﴾ [الرحمن: ٣١]، وقَدْ أبْعَدَ مَن جَعَلَهُ خِطابًا لِلذَّكَرِ والأُنْثى مِن بَنِي آدَمَ. وأبْعَدُ مِن هَذا قَوْلُ مَن قالَ: إنَّهُ خِطابٌ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ: ﴿ألْقِيا في جَهَنَّمَ﴾ [ق: ٢٤]، ويا حَرَسِي اضْرِبا عُنُقَهُ، يَعْنِي أنَّهُ خِطابٌ لِلْواحِدِ بِصُورَةِ الِاثْنَيْنِ، فَبِأيِّ مُنَوَّنًا في جَمِيعِ السُّورَةِ، كَأنَّهُ حُذِفَ مِنهُ المُضافُ إلَيْهِ وأُبْدِلَ مِنهُ (آلاءِ رَبِّكُما) بَدَلَ مَعْرِفَةٍ مِن نَكِرَةٍ، وآلاءُ تَقَدَّمَ في الأعْرافِ أنَّها النِّعَمُ، واحِدُها إلْيٌ وألًا وإلًى وألْيٌ.
﴿خَلَقَ الإنْسانَ﴾: لَمّا ذَكَرَ العالَمَ الأكْبَرَ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ وما أوْجَدَ فِيها مِنَ النِّعَمِ، ذَكَرَ مَبْدَأ مَن خُلِقَتْ لَهُ هَذِهِ النِّعَمُ، والإنْسانُ هو آدَمُ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ. وقِيلَ: لِلْجِنْسِ، وساغَ ذَلِكَ لِأنَّ أباهم مَخْلُوقٌ مِنَ الصَّلْصالِ. وإذا أُرِيدَ بِالإنْسانِ آدَمُ، فَقَدْ جاءَتْ غاياتٌ لَهُ مُخْتَلِفَةٌ، وذَلِكَ بِتَنَقُّلِ أصْلِهِ؛ فَكانَ أوَّلًا تُرابًا، ثُمَّ طِينًا، ثُمَّ حَمَأً مَسْنُونًا، ثُمَّ صَلْصالًا، فَناسَبَ أنْ يُنْسَبَ خَلْقُهُ لِكُلِّ واحِدٍ مِنها. والجانُّ هو أبُو الجِنِّ، وهو إبْلِيسُ، قالَهُ الحَسَنُ. وقالَ مُجاهِدٌ: هو أبُو الجِنِّ، ولَيْسَ بِإبْلِيسَ. وقِيلَ: الجانُّ اسْمُ جِنْسٍ، والمارِجُ: ما اخْتَلَطَ مِن أصْفَرَ وأحْمَرَ وأخْضَرَ، أوِ اللَّهَبُ، أوِ الخالِصُ، أوِ الحُمْرَةُ في طَرَفِ النّارِ، أوِ المُخْتَلِطُ بِسَوادٍ، أوِ المُضْطَرِبُ بِلا دُخانٍ، أقْوالٌ، (ومِن) الأُولى لِابْتِداءِ الغايَةِ، والثّانِيَةُ في (مِن نارٍ) لِلتَّبْعِيضِ. وقِيلَ لِلْبَيانِ، والتَّكْرارُ في هَذِهِ الفَواصِلِ: لِلتَّأْكِيدِ والتَّنْبِيهِ والتَّحْرِيكِ، وهي مَوْجُودَةٌ في مَواضِعَ مِنَ القُرْآنِ. وذَهَبَ قَوْمٌ مِنهُمُ ابْنُ قُتَيْبَةَ إلى أنَّ هَذا التَّكْرارَ إنَّما هو لِاخْتِلافِ النِّعَمِ، فَكَرَّرَ (p-١٩١)التَّوْقِيفَ في كُلِّ واحِدٍ مِنها.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: (رَبُّ)، و(رَبُّ) بِالرَّفْعِ، أيْ هو رَبٌّ؛ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِالخَفْضِ بَدَلًا مِن رَبِّكُما، وثَنّى المُضافَ إلَيْهِ لِأنَّهُما مَشْرِقا الصَّيْفِ والشِّتاءِ ومَغْرِباهُما، قالَهُ مُجاهِدٌ. وقِيلَ: مَشْرِقا الشَّمْسِ والقَمَرِ ومَغْرِباهُما. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: لِلشَّمْسِ مَشْرِقٌ في الصَّيْفِ مُصْعِدٌ، ومَشْرِقٌ في الشِّتاءِ مُنْحَدِرٌ، تَنْتَقِلُ فِيهِما مُصْعِدَةً ومُنْحَدِرَةً. انْتَهى. فالمَشْرِقانِ والمَغْرِبانِ لِلشَّمْسِ. وقِيلَ: المَشْرِقانِ: مَطْلَعُ الفَجْرِ ومَطْلَعُ الشَّمْسِ، والمَغْرِبانِ مَغْرِبُ الشَّفَقِ ومَغْرِبُ الشَّمْسِ. ولِسَهْلٍ التُّسْتَرِيِّ كَلامٌ في المَشْرِقَيْنِ والمَغْرِبَيْنِ شَبِيهٌ بِكَلامِ الباطِنِيَّةِ المُحَرِّفِينَ مَدْلُولَ كَلامِ اللَّهِ، ضَرَبْنا عَنْ ذِكْرِهِ صَفْحًا. وكَذَلِكَ ما وقَفْنا عَلَيْهِ مِن كَلامِ الغُلاةِ الَّذِينَ يُنْسَبُونَ لِلصُّوفِيَّةِ، لِأنّا لا نَسْتَحِلُّ نَقْلَ شَيْءٍ مِنهُ. وقَدْ أوْلَغَ صاحِبُ كِتابِ التَّحْرِيرِ والتَّحْبِيرِ بِحَسْبِ ما قالَهُ هَؤُلاءِ الغُلاةُ في كُلِّ آيَةٍ آيَةٍ، ويُسَمِّي ذَلِكَ الحَقائِقَ، وأرْبابُ القُلُوبِ وما ادَّعَوْا فَهْمَهُ في القُرْآنِ فَأوْغَلُوا فِيهِ لَمْ يَفْهَمْهُ عَرَبِيٌّ قَطُّ، ولا أرادَهُ اللَّهُ تَعالى بِتِلْكَ الألْفاظِ، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِن ذَلِكَ.
﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ذَلِكَ في الفُرْقانِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وذَكَرَ الثَّعْلَبِيُّ في ﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ﴾ ألْغازًا وأقْوالًا باطِنَةً لا يُلْتَفَتُ إلى شَيْءٍ مِنها. انْتَهى، والظّاهِرُ التِقاؤُهُما، أيْ يَتَجاوَرانِ، فَلا فَصْلَ بَيْنَ الماءَيْنِ في رُؤْيَةِ العَيْنِ. وقِيلَ: يَلْتَقِيانِ في كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً. وقِيلَ: مُعَدّانِ لِلِالتِقاءِ، فَحَقُّهُما أنْ يَلْتَقِيا لَوْلا البَرْزَخُ بَيْنَهُما.
﴿بَرْزَخٌ﴾: أيْ حاجِزٌ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، ﴿لا يَبْغِيانِ﴾: لا يَتَجاوَزانِ حَدَّهُما، ولا يَبْغِي أحَدُهُما عَلى الآخَرِ بِالمُمازَجَةِ. وقِيلَ: البَرْزَخُ: أجْرامُ الأرْضِ، قالَهُ قَتادَةُ؛ وقِيلَ: لا يَبْغِيانِ: أيْ عَلى النّاسِ والعُمْرانِ، وعَلى هَذا والَّذِي قَبْلَهُ يَكُونُ مِنَ البَغْيِ. وقِيلَ: هو مِن بَغى، أيْ طَلَبَ، فالمَعْنى: لا يَبْغِيانِ حالًا غَيْرَ الحالِ الَّتِي خُلِقا عَلَيْها وسُخِّرا لَها. وقِيلَ: ماءُ الأنْهارِ لا يَخْتَلِطُ بِالماءِ المِلْحِ، بَلْ هو بِذاتِهِ باقٍ فِيهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والعِيانُ لا يَقْتَضِيهِ. انْتَهى، يَعْنِي أنَّهُ يُشاهِدُ الماءَ العَذْبَ يَخْتَلِطُ بِالمِلْحِ فَيَبْقى كُلُّهُ مِلْحًا، وقَدْ يُقالُ: إنَّهُ بِالِاخْتِلاطِ تَتَغَيَّرُ أجْرامُ العَذْبِ حَتّى لا تَظْهَرَ، فَإذا ذاقَ الإنْسانُ مِنَ المِلْحِ المُنْبَثِّ فِيهِ تِلْكَ الأجْزاءُ الدَّقِيقَةُ لَمْ يُحِسَّ إلّا المُلُوحَةَ، والمَعْقُولُ يَشْهَدُ بِذَلِكَ، لِأنَّ تَداخُلَ الأجْسامِ غَيْرُ مُمْكِنٍ، لَكِنَّ التَّفَرُّقَ والِالتِقاءَ مُمْكِنٌ. وأنْشَدَ القاضِي مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ البَلُّوطِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى:
؎ومَمْزُوجَةُ الأمْواهِ لا العَذْبُ غالِبٌ عَلى المِلْحِ طِيبًا لا ولا المِلْحُ يَعْذُبُ
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿يَخْرُجُ﴾ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ؛ ونافِعٌ وأبُو عَمْرٍو وأهْلُ المَدِينَةِ: مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ؛ والجُعْفِيٌّ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِالياءِ مَضْمُومَةً وكَسْرِ الرّاءِ، أيْ يُخْرِجُ اللَّهُ؛ وعَنْهُ وعَنْ أبِي عَمْرٍو، وعَنِ ابْنِ مِقْسَمٍ: بِالنُّونِ. واللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ نُصِبَ في هاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ. والظّاهِرُ في (مِنهُما) أنَّ ذَلِكَ يَخْرُجُ مِنَ المِلْحِ والعَذْبِ. وقالَ بِذَلِكَ قَوْمٌ، حَكاهُ الأخْفَشُ. ورَدَّ النّاسُ هَذا القَوْلَ، قالُوا: والحِسُّ يُخالِفُهُ، إذْ لا يَخْرُجُ إلّا مِنَ المِلْحِ، وعابُوا قَوْلَ الشّاعِرِ:
؎فَجاءَ بِها ما شِئْتَ مِن لَطِيمَةٍ ∗∗∗ عَلى وجْهِها ماءُ الفُراتِ يَمُوجُ
وقالَ الجُمْهُورُ: إنَّما يَخْرُجُ مِنَ الأُجاجِ في المَواضِعِ الَّتِي تَقَعُ فِيها الأنْهارُ والمِياهُ العَذْبَةُ، فَناسَبَ إسْنادَ ذَلِكَ إلَيْهِما، وهَذا مَشْهُورٌ عِنْدَ الغَوّاصِينَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ: تَكُونُ هَذِهِ الأشْياءُ في البَحْرِ بِنُزُولِ المَطَرِ، لِأنَّ الصَّدَفَ وغَيْرَها تَفْتَحُ أفْواهَها لِلْمَطَرِ، فَلِذَلِكَ قالَ (مِنهُما) . وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: إنَّما يَخْرُجُ مِنَ المِلْحِ، لَكِنَّهُ قالَ (مِنهُما) تَجَوُّزًا. وقالَ الرُّمّانِيُّ: العَذْبُ فِيها كاللِّقاحِ لِلْمِلْحِ، فَهو كَما يُقالُ؛ الوَلَدُ يَخْرُجُ مِنَ الذَّكَرِ والأُنْثى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ، وتَبِعَ الزَّجّاجَ مِن حَيْثُ هُما نَوْعٌ واحِدٌ، فَخُرُوجُ هَذِهِ الأشْياءِ إنَّما هي مِنهُما، وإنْ كانَتْ تَخْتَصُّ عِنْدَ التَّفْصِيلِ المَبالَغِ بِأحَدِهِما، كَما قالَ: ﴿سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا﴾ [نوح: ١٥] ﴿وجَعَلَ القَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾ [نوح: ١٦]، (p-١٩٢)وإنَّما هو في إحْداهُنَّ، وهي الدُّنْيا إلى الأرْضِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ نَحْوًا مِن قَوْلِ ابْنِ عَطِيَّةَ، قالَ: فَإنْ قُلْتَ: لِمَ قالَ (مِنهُما)، وإنَّما يَخْرُجانِ مِنَ المِلْحِ قُلْتُ: لَمّا التَقَيا وصارا كالشَّيْءِ الواحِدِ، جازَ أنْ يُقالَ: يَخْرُجانِ مِنهُما، كَما يُقالُ: يَخْرُجانِ مِنَ البَحْرِ، ولا يَخْرُجانِ مِن جَمِيعِ البَحْرِ، ولَكِنْ مِن بَعْضِهِ. وتَقُولُ: خَرَجْتُ مِنَ البَلَدِ، وإنَّما خَرَجْتَ مِن مَحَلَّةٍ مِن مَحالِّهِ، بَلْ مِن دارٍ واحِدَةٍ مِن دُورِهِ. وقِيلَ: لا يَخْرُجانِ إلّا مِن مُلْتَقى المِلْحِ والعَذْبِ. انْتَهى. وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: هَذا مِن بابِ حَذْفِ المُضافِ، والتَّقْدِيرُ: يَخْرُجُ مِن أحَدِهِما، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١]: أيْ مِن إحْدى القَرْيَتَيْنِ. وقِيلَ: هُما بَحْرانِ، يَخْرُجُ مِن أحَدِهِما اللُّؤْلُؤُ ومِنَ الآخَرِ المَرْجانُ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: كَلامُ اللَّهِ تَعالى أوْلى بِالِاعْتِبارِ مِن كَلامِ بَعْضِ النّاسِ ومَن أعْلَمَ أنَّ اللُّؤْلُؤَ لا يَخْرُجُ مِنَ الماءِ العَذْبِ ؟، وهَبْ أنَّ الغَوّاصِينَ ما أخْرَجُوهُ إلّا مِنَ المالِحِ. ولَكِنْ لِمَ قُلْتُمْ إنَّ الصَّدَفَ لا يَخْرُجُ بِأمْرِ اللَّهِ مِنَ الماءِ العَذْبِ إلى الماءِ المِلْحِ وكَيْفَ يُمْكِنُ الجَزْمُ بِهِ والأُمُورُ الأرْضِيَّةُ الظّاهِرَةُ خَفِيَتْ عَنِ التُّجّارِ الَّذِينَ قَطَعُوا المَفاوِزَ ودارُوا البِلادَ، فَكَيْفَ لا يَخْفى أمْرٌ ما في قَعْرِ البَحْرِ عَلَيْهِمْ ؟ واللُّؤْلُؤُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ وقَتادَةُ: كِبارُ الجَوْهَرِ. والمَرْجانُ صِغارُهُ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا وعَلِيٍّ ومُرَّةَ الهَمْدانِيِّ عَكْسُ هَذا. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ وأبُو مالِكٍ: المَرْجانُ: الحَجَرُ الأحْمَرُ. وقالَ الزَّجّاجُ: حَجَرٌ شَدِيدُ البَياضِ. وحَكى القاضِي أبُو يَعْلى أنَّهُ ضَرْبٌ مِنَ اللُّؤْلُؤِ، كالقُضْبانِ، والمَرْجانُ: اسْمٌ أعْجَمِيٌّ مُعَرَّبٌ. قالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: لَمْ أسْمَعْ فِيهِ نَقْلَ مُتَصَرِّفٍ، وقالَ الأعْشى:
؎مِن كُلِّ مَرْجانَةٍ في البَحْرِ أحْرَزَها ∗∗∗ تَيّارُها ووَقاها طِينَها الصَّدَفُ
قِيلَ: أرادَ اللُّؤْلُؤَةَ الكَبِيرَةَ. وقَرَأ طَلْحَةُ: اللُّؤْلِي بِكَسْرِ اللّامِ الثّالِثَةِ، وهي لُغَةٌ. وعَبَدُ الوَلِيِّ: تُقْلَبُ الهَمْزَةُ المُتَطَرِّفَةُ ياءً ساكِنَةً بَعْدَ كَسْرَةِ ما قَبْلَها، وهي لُغَةٌ، قالَهُ أبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ.
﴿ولَهُ الجَوارِي﴾: خَصَّ تَعالى الجَوارِيَ بِأنَّها لَهُ، وهو تَعالى لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما فِيهِنَّ، لِأنَّهم لَمّا كانُوا هم مُنْشِئِيها، أسْنَدَها تَعالى إلَيْهِ، إذْ كانَ تَمامُ مَنفَعَتِها إنَّما هو مِنهُ تَعالى، فَهو في الحَقِيقَةِ مالِكُها. والجَوارِي: السُّفُنُ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ والحَسَنُ وعَبْدُ الوارِثِ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِضَمِّ الرّاءِ، كَما قالُوا في شاكٍ شاكٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ؛ ﴿المُنْشَآتُ﴾ بِفَتْحِ الشِّينِ، اسْمَ مَفْعُولٍ: أيْ أنْشَأها اللَّهُ، أوِ النّاسُ، أوِ المَرْفُوعاتُ الشِّراعِ. وقالَ مُجاهِدٌ: ما لَهُ شِراعٌ مِنَ المُنْشَآتِ، وما لَمْ يُرْفَعْ لَهُ شِراعٌ، فَلَيْسَ مِنَ المُنْشَآتِ. والشِّراعُ: القَلْعُ. والأعْمَشُ وحَمْزَةُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وطَلْحَةُ وأبُو بَكْرٍ: بِخِلافٍ عَنْهُ، بِكَسْرِ الشِّينِ: أيِ الرّافِعاتُ الشِّراعِ، أوِ اللّاتِي يُنْشِئْنَ الأمْواجَ بِجَرْيِهِنَّ، أوِ الَّتِي تُنْشِئُ السَّفَرَ إقْبالًا وإدْبارًا. وشَدَّدَ الشِّينَ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ والحَسَنُ المُنَشَّأةُ، وحَدَّ الصِّفَةَ، ودَلَّ عَلى الجَمْعِ المَوْصُوفِ، كَقَوْلِهِ: ﴿أزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ [البقرة: ٢٥]، وقَلَبَ الهَمْزَةَ ألِفًا عَلى حَدِّ قَوْلِهِ:
؎إنَّ السِّباعَ لَتَهْدا في مَرابِضِها
يُرِيدُ: لَتَهْدَأُ، التّاءُ لِتَأْنِيثِ الصِّفَةِ، كُتِبَتْ تاءً عَلى لَفْظِها في الوَصْلِ.
﴿كالأعْلامِ﴾: أيْ كالجِبالِ والآكامِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى كِبَرِ السُّفُنِ حَيْثُ شَبَّهَها بِالجِبالِ، وإنْ كانَتِ المُنْشَآتُ تَنْطَلِقُ عَلى السَّفِينَةِ الكَبِيرَةِ والصَّغِيرَةِ. وعَبَّرَ بِمَن في قَوْلِهِ: ﴿كُلُّ مَن عَلَيْها﴾ تَغْلِيبًا لِمَن يَعْقِلُ، والضَّمِيرُ في (عَلَيْها) قَلِيلٌ عائِدٌ عَلى الأرْضِ في قَوْلِهِ: ﴿والأرْضَ وضَعَها لِلْأنامِ﴾، فَعادَ الضَّمِيرُ عَلَيْها، وإنْ كانَ بَعْدَ لَفْظِها. والفَناءُ عِبارَةٌ عَنْ إعْدامِ جَمِيعِ المَوْجُوداتِ مِن حَيَوانٍ وغَيْرِهِ، والوَجْهُ يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ حَقِيقَةِ الشَّيْءِ، والجارِحَةُ مُنْتَفِيَةٌ عَنِ اللَّهِ تَعالى، ونَحْوَ ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا وجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] . وتَقُولُ صَعالِيكُ مَكَّةَ: أيْنَ وجْهُ عَرَبِيٍّ كَرِيمٍ يَجُودُ عَلَيَّ ؟ وقَرَأ الجُمْهُورُ: ذُو بِالواوِ، وصِفَةً لِلْوَجْهِ. وأُبَيُّ وعَبْدُ اللَّهِ: ذِي بِالياءِ، صِفَةً لِلرَّبِّ. والظّاهِرُ أنَّ الخِطابَ في قَوْلِهِ: ﴿وجْهُ رَبِّكَ﴾ لِلرَّسُولِ، وفِيهِ تَشْرِيفٌ عَظِيمٌ لَهُ، ﷺ . وقِيلَ: (p-١٩٣)الخِطابُ لِكُلِّ سامِعٍ. ومَعْنى ﴿ذُو الجَلالِ﴾: الَّذِي يُجِلُّهُ المُوَحِّدُونَ عَنِ التَّشْبِيهِ بِخَلْقِهِ وعَنْ أفْعالِهِمْ، أوِ الَّذِي يُتَعَجَّبُ مِن جَلالِهِ، أوِ الَّذِي عِنْدَهُ الجَلالُ والإكْرامُ لِلْمُخْلِصِينَ مِن عِبادِهِ.
﴿يَسْألُهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾: أيْ حَوائِجَهم، وهو ما يَتَعَلَّقُ بِمَن في السَّماواتِ مِن أمْرِ الدِّينِ وما اسْتُعْبِدُوا بِهِ، ومَن في الأرْضِ مِن أمْرِ دِينِهِمْ ودُنْياهم. وقالَ أبُو صالِحٍ: مَن في السَّماواتِ الرَّحْمَةَ ومَن في الأرْضِ المَغْفِرَةَ والرِّزْقَ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: المَلائِكَةُ الرِّزْقَ لِأهْلِ الأرْضِ والمَغْفِرَةَ، وأهْلُ الأرْضِ يَسْألُونَهُما جَمِيعًا. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: يَسْألُهُ اسْتِئْنافُ إخْبارٍ. وقِيلَ: حالٌ مِنَ الوَجْهِ، والعامِلُ فِيهِ يَبْقى، أيْ هو دائِمٌ في هَذِهِ الحالِ. انْتَهى، وفِيهِ بُعْدٌ. ومَن لا يَسْألُ، فَحالُهُ تَقْتَضِي السُّؤالَ، فَيَصِحُّ إسْنادُ السُّؤالِ إلى الجَمِيعِ بِاعْتِبارِ القَدْرِ المُشْتَرَكِ، وهو الِافْتِقارُ إلَيْهِ تَعالى.
﴿كُلَّ يَوْمٍ﴾: أيْ كُلَّ ساعَةٍ ولَحْظَةٍ، وذَكَرَ اليَوْمَ لِأنَّ السّاعاتِ واللَّحَظاتِ في ضِمْنِهِ.
﴿هُوَ في شَأْنٍ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: في شَأْنٍ يُمْضِيهِ مِنَ الخَلْقِ والرِّزْقِ والإحْياءِ والإماتَةِ. وقالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: يُجِيبُ داعِيًا، ويَفُكُّ عانِيًا، ويَتُوبُ عَلى قَوْمٍ، ويَغْفِرُ لِقَوْمٍ. وقالَ سُوَيْدُ بْنُ غَفْلَةَ: يُعْتِقُ رِقابًا، ويُعْطِي رَغامًا ويُقْحِمُ عِقابًا. وقالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: الدَّهْرُ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمانِ، أحَدُهُما اليَوْمُ الَّذِي هو مُدَّةُ الدُّنْيا، فَشَأْنُهُ فِيهِ الأمْرُ والنَّهْيُ والإماتَةُ والإحْياءُ؛ والثّانِي الَّذِي هو يَوْمُ القِيامَةِ، فَشَأْنُهُ فِيهِ الجَزاءُ والحِسابُ. وعَنْ مُقاتِلٍ: نَزَلَتْ في اليَهُودِ، فَقالُوا: إنَّ اللَّهَ لا يَقْضِي يَوْمَ السَّبْتِ شَيْئًا. وقالَ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ، وقَدْ سَألَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طاهِرٍ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هو في شَأْنٍ﴾: وقَدْ صَحَّ أنَّ القَلَمَ جَفَّ بِما هو كائِنٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ فَقالَ: شُئُونٌ يُبْدِيها، لا شُئُونٌ يَبْتَدِيها. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: هو في يَوْمِ الدُّنْيا في الِابْتِلاءِ، وفي يَوْمِ القِيامَةِ في الجَزاءِ. وانْتَصَبَ ﴿كُلَّ يَوْمٍ﴾ عَلى الظَّرْفِ، والعامِلُ فِيهِ العامِلُ في قَوْلِهِ: ﴿فِي شَأْنٍ﴾، وهو مُسْتَقِرٌّ المَحْذُوفُ، نَحْوَ: يَوْمَ الجُمُعَةِ زَيْدٌ قائِمٌ.
الرحمن 55:22
ولَمّا ذَكَرَ تَعالى ما أنْعَمَ بِهِ مِن مَنفَعَةِ الشَّمْسِ والقَمَرِ، وكانَ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ العُلْوِيَّةِ، ذَكَرَ في مُقابَلَتِهِما مِنَ الآثارِ السُّفْلِيَّةِ النَّجْمَ والشَّجَرَ، إذْ كانا رِزْقًا لِلْإنْسانِ، وأخْبَرَ أنَّهُما جارِيانِ عَلى ما أرادَ اللَّهُ بِهِما، مِن تَسْخِيرِهِما وكَيْنُونَتِهِما عَلى ما اقْتَضَتْهُ حِكْمَتُهُ تَعالى. ولَمّا ذَكَرَ ما بِهِ حَياةُ الأرْواحِ مِن تَعْلِيمِ القُرْآنِ، ذَكَرَ ما بِهِ حَياةُ الأشْباحِ مِنَ النَّباتِ الَّذِي لَهُ ساقٌ، وكانَ تَقْدِيمُ النَّجْمِ، وهو ما لا ساقَ لَهُ، لِأنَّهُ أصْلُ القُوتِ، والَّذِي لَهُ ساقٌ ثَمَرُهُ يُتَفَكَّهُ بِهِ غالِبًا. والظّاهِرُ أنَّ النَّجْمَ هو الَّذِي شَرَحْناهُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ اقْتِرانُهُ بِالشَّجَرِ. وقالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ والحَسَنُ: النَّجْمُ: اسْمُ الجِنْسِ مِن نُجُومِ السَّماءِ. وسُجُودُهُما، قالَ مُجاهِدٌ والحَسَنُ: ذَلِكَ في النَّجْمِ بِالغُرُوبِ ونَحْوِهِ، وفي الشَّجَرِ بِالظِّلِّ واسْتِدارَتِهِ. وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: والسُّجُودُ تَجَوُّزٌ، وهو عِبارَةٌ عَنِ الخُضُوعِ والتَّذَلُّلِ. والجُمَلُ الأُوَلُ فِيها ضَمِيرٌ يَرْبُطُها بِالمُبْتَدَأِ، وأمّا في هاتَيْنِ الجُمْلَتَيْنِ فاكْتَفى بِالوَصْلِ المَعْنَوِيِّ عَنِ الوَصْلِ اللَّفْظِيِّ، إذْ مَعْلُومٌ أنَّ الحُسْبانَ هو حُسْبانُهُ، وأنَّ السُّجُودَ لَهُ لا لِغَيْرِهِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: بِحُسْبانِهِ ويَسْجُدانِ لَهُ. ولَمّا أُورِدَتْ هَذِهِ الجُمَلُ مَوْرِدَ تَعْدِيدِ النِّعَمِ رُدَّ الكَلامُ إلى العَطْفِ في وصْلِ ما يُناسِبُ وصْلَهُ، والتَّناسُبُ الَّذِي بَيْنَ هاتَيْنِ الجُمْلَتَيْنِ ظاهِرٌ، لِأنَّ الشَّمْسَ والقَمَرَ عُلْوِيّانِ، والنَّجْمُ والشَّجَرُ سُفْلِيّانِ.
﴿والسَّماءَ رَفَعَها﴾: أيْ خَلَقَها مَرْفُوعَةً، حَيْثُ جَعَلَها مَصْدَرَ قَضاياهُ ومَسْكَنَ مَلائِكَتِهِ الَّذِينَ يَنْزِلُونَ بِالوَحْيِ عَلى أنْبِيائِهِ، ونَبَّهَ بِذَلِكَ عَلى عِظَمِ شَأْنِهِ ومِلْكِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (والسَّماءَ)، بِالنَّصْبِ عَلى الِاشْتِغالِ، رُوعِيَ مُشاكَلَةُ الجُمْلَةِ الَّتِي تَلِيهِ وهي ﴿يَسْجُدانِ﴾ [الرحمن: ٦] . وقَرَأ أبُو السَّمّالِ: والسَّماءُ بِالرَّفْعِ، راعى مُشاكَلَةَ الجُمْلَةِ الِابْتِدائِيَّةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ووَضَعَ المِيزانَ﴾، فِعْلًا ماضِيًا ناصِبًا المِيزانَ، أيْ أقَرَّهُ وأثْبَتَهُ. وقَرَأ إبْراهِيمُ: ووَضْعِ المِيزانِ، بِالخَفْضِ وإسْكانِ الضّادِ. والظّاهِرُ أنَّهُ كُلُّ ما يُوزَنُ بِهِ الأشْياءُ وتُعْرَفُ مَقادِيرُها، وإنِ اخْتَلَفَتِ الآلاتُ، قالَ مَعْناهُ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وقَتادَةُ، جَعَلَهُ تَعالى حاكِمًا بِالسَّوِيَّةِ في الأخْذِ والإعْطاءِ. وقالَ مُجاهِدٌ والطَّبَرِيُّ والأكْثَرُونَ: المِيزانُ: العَدْلُ، وتَكُونُ الآلاتُ مِن بَعْضِ ما يَنْدَرِجُ في العَدْلِ. بَدَأ أوَّلًا بِالعِلْمِ، فَذَكَرَ ما فِيهِ أشْرَفُ أنْواعِ العُلُومِ وهو القُرْآنُ؛ ثُمَّ ذَكَرَ ما بِهِ التَّعْدِيلُ في الأُمُورِ، وهو المِيزانُ، كَقَوْلِهِ: ﴿وأنْزَلْنا مَعَهُمُ الكِتابَ والمِيزانَ﴾ [الحديد: ٢٥]، لِيُعَلِّمُوا الكِتابَ ويَفْعَلُوا ما يَأْمُرُهم بِهِ الكِتابُ. (أنْ لا تَطْغَوْا في المِيزانِ): أيْ لِأنْ لا تَطْغَوْا، فَتَطْغَوْا مَنصُوبٌ بِأنْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ هي ”أنِ“ المُفَسِّرَةُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ أنْ مُفَسِّرَةً، فَيَكُونُ تَطْغَوْا جَزْمًا بِالنَّهْيِ. انْتَهى، ولا يَجُوزُ ما قالاهُ مِن أنَّ أنْ مُفَسِّرَةٌ، لِأنَّهُ فاتَ أحَدُ شَرْطَيْها، وهو أنْ يَكُونَ ما قَبْلَها جُمْلَةً فِيها مَعْنى القَوْلِ.
﴿ووَضَعَ المِيزانَ﴾ جُمْلَةٌ لَيْسَ فِيها مَعْنى القَوْلِ. والطُّغْيانُ في المِيزانِ هو أنْ يَكُونَ بِالتَّعَمُّدِ، وأمّا ما لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنَ التَّحْرِيرِ بِالمِيزانِ فَمَعْفُوٌّ عَنْهُ.
ولَمّا كانَتِ التَّسْوِيَةُ مَطْلُوبَةً جِدًّا، أمَرَ اللَّهُ تَعالى فَقالَ: ﴿وأقِيمُوا الوَزْنَ﴾ . وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ولا تُخْسِرُوا﴾، مِن أخْسَرَ: أيْ أفْسَدَ ونَقَصَ، كَقَوْلِهِ: ﴿وإذا كالُوهم أوْ وزَنُوهم يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين: ٣]؛ أيْ يَنْقُصُونَ. وبِلالُ بْنُ أبِي بُرْدَةَ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: تَخْسَرُ بِفَتْحِ التّاءِ، يُقالُ: خَسِرَ يَخْسَرُ، وأخْسَرَ يُخْسِرُ بِمَعْنًى واحِدٍ، كَجَبَرَ وأجْبَرَ. وحَكى ابْنُ جِنِّي وصاحِبُ اللَّوامِحِ، عَنْ بِلالٍ فَتْحَ التّاءِ والسِّينِ مُضارِعُ خَسِرَ بِكَسْرِ السِّينِ، وخَرَّجَها الزَّمَخْشَرِيُّ عَلى أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: في المِيزانِ، فَحَذَفَ الجارَّ ونَصَبَ، ولا يُحْتاجُ إلى هَذا التَّخْرِيجِ. ألا تَرى أنَّ خَسِرَ جاءَ مُتَعَدِّيًا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٢]، و﴿خَسِرَ الدُّنْيا والآخِرَةَ﴾ [الحج: ١١] ؟ وقُرِئَ أيْضًا: تَخْسُرُوا، بِفَتْحِ التّاءِ وضَمِّ السِّينِ. لِما مُنِعَ مِنَ الزِّيادَةِ، وهي الطُّغْيانُ، نَهى عَنِ الخُسْرانِ الَّذِي هو نُقْصانٌ، وكَرَّرَ لَفْظَ المِيزانِ، تَشْدِيدًا لِلتَّوْصِيَةِ بِهِ وتَقْوِيَةً لِلْأمْرِ بِاسْتِعْمالِهِ والحَثِّ عَلَيْهِ.
ولَمّا ذَكَرَ السَّماءَ، ذَكَرَ مُقابِلَتَها فَقالَ: ﴿والأرْضَ وضَعَها لِلْأنامِ﴾: أيْ خَفَضَها (p-١٩٠)مَدْحُوَّةً عَلى الماءِ لِيُنْتَفَعَ بِها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”والأرْضَ“ بِالنَّصْبِ؛ وأبُو السَّمّالِ: بِالرَّفْعِ: ”والأنامُ“، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بَنُو آدَمَ فَقَطْ. وقالَ أيْضًا هو وقَتادَةُ وابْنُ زَيْدٍ والشَّعْبِيُّ: الحَيَوانُ كُلُّهُ. وقالَ الحَسَنُ: الثَّقَلانِ الجِنُّ والإنْسُ.
﴿فِيها فاكِهَةٌ﴾: ضُرُوبٌ مِمّا يُتَفَكَّهُ بِهِ. وبَدَأ بِقَوْلِهِ: ﴿فاكِهَةٌ﴾، إذْ هو مِن بابِ الِابْتِداءِ بِالأدْنى والتَّرَقِّي إلى الأعْلى، ونَكَّرَ لَفْظَها، لِأنَّ الِانْتِفاعَ بِها دُونَ الِانْتِفاعِ بِما يُذْكَرُ بَعْدَها. ثُمَّ ثَنّى بِالنَّخْلِ، فَذَكَرَ الأصْلَ ولَمْ يَذْكُرْ ثَمَرَتَها، وهو الثَّمَرُ لِكَثْرَةِ الِانْتِفاعِ بِها مِن لِيفٍ وسَعَفٍ وجَرِيدٍ وجُذُوعٍ وجُمّارٍ وثَمَرٍ. ثُمَّ أتى ثالِثًا بِالحَبِّ الَّذِي هو قِوامُ عَيْشِ الإنْسانِ في أكْثَرِ الأقالِيمِ، وهو البُرُّ والشَّعِيرُ وكُلُّ ما لَهُ سُنْبُلٌ وأوْراقٌ مُتَشَعِّبَةٌ عَلى ساقِهِ، ووَصَفَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ذُو العَصْفِ﴾ تَنْبِيهًا عَلى إنْعامِهِ عَلَيْهِمْ بِما يَقُوتُهم مِنَ الحَبِّ، ويَقُوتُ بَهائِمَهم مِن ورَقِهِ الَّذِي هو التِّبْنُ. وبَدَأ بِالفاكِهَةِ وخَتَمَ بِالمَشْمُومِ، وبَيْنَهُما النَّخْلُ والحَبُّ، لِيَحْصُلَ ما بِهِ يُتَفَكَّهُ، وما بِهِ يُتَقَوَّتُ، وما بِهِ تَقَعُ اللَّذاذَةُ مِنَ الرّائِحَةِ الطَّيِّبَةِ. وذَكَرَ النَّخْلَ بِاسْمِها والفاكِهَةَ دُونَ شَجَرِها، لِعِظَمِ المَنفَعَةِ بِالنَّخْلِ مِن جِهاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ، وشَجَرَةُ الفاكِهَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى ثَمَرَتِها حَقِيرَةٌ، فَنَصَّ عَلى ما يَعْظُمُ بِهِ الِانْتِفاعُ مِن شَجَرَةِ النَّخْلِ ومِنَ الفاكِهَةِ دُونَ شَجَرَتِها.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿والحَبُّ ذُو العَصْفِ والرَّيْحانُ﴾، بِرَفْعِ الثَّلاثَةِ عَطْفًا عَلى المَرْفُوعِ قَبْلَهُ؛ وابْنُ عامِرٍ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِنَصْبِ الثَّلاثَةِ، أيْ وخَلَقَ الحَبَّ. وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ ﴿والرَّيْحانُ﴾ حالَةَ الرَّفْعِ وحالَةَ النَّصْبِ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ وذُو الرَّيْحانِ حَذَفَ المُضافَ وأقامَ المُضافَ إلَيْهِ مَقامَهُ؛ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ والأصْمَعِيُّ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: والرَّيْحانُ بِالجَرِّ، والمَعْنى: والحَبُّ ذُو العَصْفِ الَّذِي هو عَلَفُ البَهائِمِ، والرَّيْحانُ الَّذِي هو مَطْعَمُ النّاسِ، ويَبْعُدُ دُخُولُ المَشْمُومِ في قِراءَةِ الجَرِّ، ورَيْحانُ مِن ذَواتِ الواوِ. وأجازَ أبُو عَلِيٍّ أنْ يَكُونَ اسْمًا، ووُضِعَ مَوْضِعَ المَصْدَرِ، وأنْ يَكُونَ مَصْدَرًا عَلى وزْنِ فَعْلانَ كاللَّبّانِ. وأُبْدِلَتِ الواوُ ياءً، كَما أبْدَلُوا الياءَ واوًا في أشاوى، أوْ مَصْدَرًا شاذًّا في المُعْتَلِّ، كَما شَذَّ كَبَنُونَةٍ وبَيْنُونَةٍ، فَأصْلُهُ رَيْوِحانُ، قُلِبَتِ الواوُ ياءً وأُدْغِمَتْ في الياءِ فَصارَ رَيِّحانَ، ثُمَّ حُذِفَتْ عَيْنُ الكَلِمَةِ، كَما قالُوا: مَيْتٌ وهَيْنٌ.
ولَمّا عَدَّدَ تَعالى نِعَمَهُ، خاطَبَ الثَّقَلَيْنِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٣٢]، أيْ أنَّ نِعَمَهُ كَثِيرَةٌ لا تُحْصى، فَبِأيِّها تُكَذِّبانِ ؟ أيْ مَن هَذِهِ نِعَمُهُ لا يُمْكِنُ أنْ يُكَذَّبَ بِها. وكانَ هَذا الخِطابُ لِلثَّقَلَيْنِ، لِأنَّهُما داخِلانِ في الأنامِ عَلى أصَحِّ الأقْوالِ. ولِقَوْلِهِ: ﴿خَلَقَ الإنْسانَ﴾، و﴿وخَلَقَ الجانَّ﴾؛ ولِقَوْلِهِ: ﴿سَنَفْرُغُ لَكم أيُّها الثَّقَلانِ﴾ [الرحمن: ٣١]، وقَدْ أبْعَدَ مَن جَعَلَهُ خِطابًا لِلذَّكَرِ والأُنْثى مِن بَنِي آدَمَ. وأبْعَدُ مِن هَذا قَوْلُ مَن قالَ: إنَّهُ خِطابٌ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ: ﴿ألْقِيا في جَهَنَّمَ﴾ [ق: ٢٤]، ويا حَرَسِي اضْرِبا عُنُقَهُ، يَعْنِي أنَّهُ خِطابٌ لِلْواحِدِ بِصُورَةِ الِاثْنَيْنِ، فَبِأيِّ مُنَوَّنًا في جَمِيعِ السُّورَةِ، كَأنَّهُ حُذِفَ مِنهُ المُضافُ إلَيْهِ وأُبْدِلَ مِنهُ (آلاءِ رَبِّكُما) بَدَلَ مَعْرِفَةٍ مِن نَكِرَةٍ، وآلاءُ تَقَدَّمَ في الأعْرافِ أنَّها النِّعَمُ، واحِدُها إلْيٌ وألًا وإلًى وألْيٌ.
﴿خَلَقَ الإنْسانَ﴾: لَمّا ذَكَرَ العالَمَ الأكْبَرَ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ وما أوْجَدَ فِيها مِنَ النِّعَمِ، ذَكَرَ مَبْدَأ مَن خُلِقَتْ لَهُ هَذِهِ النِّعَمُ، والإنْسانُ هو آدَمُ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ. وقِيلَ: لِلْجِنْسِ، وساغَ ذَلِكَ لِأنَّ أباهم مَخْلُوقٌ مِنَ الصَّلْصالِ. وإذا أُرِيدَ بِالإنْسانِ آدَمُ، فَقَدْ جاءَتْ غاياتٌ لَهُ مُخْتَلِفَةٌ، وذَلِكَ بِتَنَقُّلِ أصْلِهِ؛ فَكانَ أوَّلًا تُرابًا، ثُمَّ طِينًا، ثُمَّ حَمَأً مَسْنُونًا، ثُمَّ صَلْصالًا، فَناسَبَ أنْ يُنْسَبَ خَلْقُهُ لِكُلِّ واحِدٍ مِنها. والجانُّ هو أبُو الجِنِّ، وهو إبْلِيسُ، قالَهُ الحَسَنُ. وقالَ مُجاهِدٌ: هو أبُو الجِنِّ، ولَيْسَ بِإبْلِيسَ. وقِيلَ: الجانُّ اسْمُ جِنْسٍ، والمارِجُ: ما اخْتَلَطَ مِن أصْفَرَ وأحْمَرَ وأخْضَرَ، أوِ اللَّهَبُ، أوِ الخالِصُ، أوِ الحُمْرَةُ في طَرَفِ النّارِ، أوِ المُخْتَلِطُ بِسَوادٍ، أوِ المُضْطَرِبُ بِلا دُخانٍ، أقْوالٌ، (ومِن) الأُولى لِابْتِداءِ الغايَةِ، والثّانِيَةُ في (مِن نارٍ) لِلتَّبْعِيضِ. وقِيلَ لِلْبَيانِ، والتَّكْرارُ في هَذِهِ الفَواصِلِ: لِلتَّأْكِيدِ والتَّنْبِيهِ والتَّحْرِيكِ، وهي مَوْجُودَةٌ في مَواضِعَ مِنَ القُرْآنِ. وذَهَبَ قَوْمٌ مِنهُمُ ابْنُ قُتَيْبَةَ إلى أنَّ هَذا التَّكْرارَ إنَّما هو لِاخْتِلافِ النِّعَمِ، فَكَرَّرَ (p-١٩١)التَّوْقِيفَ في كُلِّ واحِدٍ مِنها.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: (رَبُّ)، و(رَبُّ) بِالرَّفْعِ، أيْ هو رَبٌّ؛ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِالخَفْضِ بَدَلًا مِن رَبِّكُما، وثَنّى المُضافَ إلَيْهِ لِأنَّهُما مَشْرِقا الصَّيْفِ والشِّتاءِ ومَغْرِباهُما، قالَهُ مُجاهِدٌ. وقِيلَ: مَشْرِقا الشَّمْسِ والقَمَرِ ومَغْرِباهُما. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: لِلشَّمْسِ مَشْرِقٌ في الصَّيْفِ مُصْعِدٌ، ومَشْرِقٌ في الشِّتاءِ مُنْحَدِرٌ، تَنْتَقِلُ فِيهِما مُصْعِدَةً ومُنْحَدِرَةً. انْتَهى. فالمَشْرِقانِ والمَغْرِبانِ لِلشَّمْسِ. وقِيلَ: المَشْرِقانِ: مَطْلَعُ الفَجْرِ ومَطْلَعُ الشَّمْسِ، والمَغْرِبانِ مَغْرِبُ الشَّفَقِ ومَغْرِبُ الشَّمْسِ. ولِسَهْلٍ التُّسْتَرِيِّ كَلامٌ في المَشْرِقَيْنِ والمَغْرِبَيْنِ شَبِيهٌ بِكَلامِ الباطِنِيَّةِ المُحَرِّفِينَ مَدْلُولَ كَلامِ اللَّهِ، ضَرَبْنا عَنْ ذِكْرِهِ صَفْحًا. وكَذَلِكَ ما وقَفْنا عَلَيْهِ مِن كَلامِ الغُلاةِ الَّذِينَ يُنْسَبُونَ لِلصُّوفِيَّةِ، لِأنّا لا نَسْتَحِلُّ نَقْلَ شَيْءٍ مِنهُ. وقَدْ أوْلَغَ صاحِبُ كِتابِ التَّحْرِيرِ والتَّحْبِيرِ بِحَسْبِ ما قالَهُ هَؤُلاءِ الغُلاةُ في كُلِّ آيَةٍ آيَةٍ، ويُسَمِّي ذَلِكَ الحَقائِقَ، وأرْبابُ القُلُوبِ وما ادَّعَوْا فَهْمَهُ في القُرْآنِ فَأوْغَلُوا فِيهِ لَمْ يَفْهَمْهُ عَرَبِيٌّ قَطُّ، ولا أرادَهُ اللَّهُ تَعالى بِتِلْكَ الألْفاظِ، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِن ذَلِكَ.
﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ذَلِكَ في الفُرْقانِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وذَكَرَ الثَّعْلَبِيُّ في ﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ﴾ ألْغازًا وأقْوالًا باطِنَةً لا يُلْتَفَتُ إلى شَيْءٍ مِنها. انْتَهى، والظّاهِرُ التِقاؤُهُما، أيْ يَتَجاوَرانِ، فَلا فَصْلَ بَيْنَ الماءَيْنِ في رُؤْيَةِ العَيْنِ. وقِيلَ: يَلْتَقِيانِ في كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً. وقِيلَ: مُعَدّانِ لِلِالتِقاءِ، فَحَقُّهُما أنْ يَلْتَقِيا لَوْلا البَرْزَخُ بَيْنَهُما.
﴿بَرْزَخٌ﴾: أيْ حاجِزٌ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، ﴿لا يَبْغِيانِ﴾: لا يَتَجاوَزانِ حَدَّهُما، ولا يَبْغِي أحَدُهُما عَلى الآخَرِ بِالمُمازَجَةِ. وقِيلَ: البَرْزَخُ: أجْرامُ الأرْضِ، قالَهُ قَتادَةُ؛ وقِيلَ: لا يَبْغِيانِ: أيْ عَلى النّاسِ والعُمْرانِ، وعَلى هَذا والَّذِي قَبْلَهُ يَكُونُ مِنَ البَغْيِ. وقِيلَ: هو مِن بَغى، أيْ طَلَبَ، فالمَعْنى: لا يَبْغِيانِ حالًا غَيْرَ الحالِ الَّتِي خُلِقا عَلَيْها وسُخِّرا لَها. وقِيلَ: ماءُ الأنْهارِ لا يَخْتَلِطُ بِالماءِ المِلْحِ، بَلْ هو بِذاتِهِ باقٍ فِيهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والعِيانُ لا يَقْتَضِيهِ. انْتَهى، يَعْنِي أنَّهُ يُشاهِدُ الماءَ العَذْبَ يَخْتَلِطُ بِالمِلْحِ فَيَبْقى كُلُّهُ مِلْحًا، وقَدْ يُقالُ: إنَّهُ بِالِاخْتِلاطِ تَتَغَيَّرُ أجْرامُ العَذْبِ حَتّى لا تَظْهَرَ، فَإذا ذاقَ الإنْسانُ مِنَ المِلْحِ المُنْبَثِّ فِيهِ تِلْكَ الأجْزاءُ الدَّقِيقَةُ لَمْ يُحِسَّ إلّا المُلُوحَةَ، والمَعْقُولُ يَشْهَدُ بِذَلِكَ، لِأنَّ تَداخُلَ الأجْسامِ غَيْرُ مُمْكِنٍ، لَكِنَّ التَّفَرُّقَ والِالتِقاءَ مُمْكِنٌ. وأنْشَدَ القاضِي مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ البَلُّوطِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى:
؎ومَمْزُوجَةُ الأمْواهِ لا العَذْبُ غالِبٌ عَلى المِلْحِ طِيبًا لا ولا المِلْحُ يَعْذُبُ
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿يَخْرُجُ﴾ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ؛ ونافِعٌ وأبُو عَمْرٍو وأهْلُ المَدِينَةِ: مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ؛ والجُعْفِيٌّ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِالياءِ مَضْمُومَةً وكَسْرِ الرّاءِ، أيْ يُخْرِجُ اللَّهُ؛ وعَنْهُ وعَنْ أبِي عَمْرٍو، وعَنِ ابْنِ مِقْسَمٍ: بِالنُّونِ. واللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ نُصِبَ في هاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ. والظّاهِرُ في (مِنهُما) أنَّ ذَلِكَ يَخْرُجُ مِنَ المِلْحِ والعَذْبِ. وقالَ بِذَلِكَ قَوْمٌ، حَكاهُ الأخْفَشُ. ورَدَّ النّاسُ هَذا القَوْلَ، قالُوا: والحِسُّ يُخالِفُهُ، إذْ لا يَخْرُجُ إلّا مِنَ المِلْحِ، وعابُوا قَوْلَ الشّاعِرِ:
؎فَجاءَ بِها ما شِئْتَ مِن لَطِيمَةٍ ∗∗∗ عَلى وجْهِها ماءُ الفُراتِ يَمُوجُ
وقالَ الجُمْهُورُ: إنَّما يَخْرُجُ مِنَ الأُجاجِ في المَواضِعِ الَّتِي تَقَعُ فِيها الأنْهارُ والمِياهُ العَذْبَةُ، فَناسَبَ إسْنادَ ذَلِكَ إلَيْهِما، وهَذا مَشْهُورٌ عِنْدَ الغَوّاصِينَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ: تَكُونُ هَذِهِ الأشْياءُ في البَحْرِ بِنُزُولِ المَطَرِ، لِأنَّ الصَّدَفَ وغَيْرَها تَفْتَحُ أفْواهَها لِلْمَطَرِ، فَلِذَلِكَ قالَ (مِنهُما) . وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: إنَّما يَخْرُجُ مِنَ المِلْحِ، لَكِنَّهُ قالَ (مِنهُما) تَجَوُّزًا. وقالَ الرُّمّانِيُّ: العَذْبُ فِيها كاللِّقاحِ لِلْمِلْحِ، فَهو كَما يُقالُ؛ الوَلَدُ يَخْرُجُ مِنَ الذَّكَرِ والأُنْثى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ، وتَبِعَ الزَّجّاجَ مِن حَيْثُ هُما نَوْعٌ واحِدٌ، فَخُرُوجُ هَذِهِ الأشْياءِ إنَّما هي مِنهُما، وإنْ كانَتْ تَخْتَصُّ عِنْدَ التَّفْصِيلِ المَبالَغِ بِأحَدِهِما، كَما قالَ: ﴿سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا﴾ [نوح: ١٥] ﴿وجَعَلَ القَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾ [نوح: ١٦]، (p-١٩٢)وإنَّما هو في إحْداهُنَّ، وهي الدُّنْيا إلى الأرْضِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ نَحْوًا مِن قَوْلِ ابْنِ عَطِيَّةَ، قالَ: فَإنْ قُلْتَ: لِمَ قالَ (مِنهُما)، وإنَّما يَخْرُجانِ مِنَ المِلْحِ قُلْتُ: لَمّا التَقَيا وصارا كالشَّيْءِ الواحِدِ، جازَ أنْ يُقالَ: يَخْرُجانِ مِنهُما، كَما يُقالُ: يَخْرُجانِ مِنَ البَحْرِ، ولا يَخْرُجانِ مِن جَمِيعِ البَحْرِ، ولَكِنْ مِن بَعْضِهِ. وتَقُولُ: خَرَجْتُ مِنَ البَلَدِ، وإنَّما خَرَجْتَ مِن مَحَلَّةٍ مِن مَحالِّهِ، بَلْ مِن دارٍ واحِدَةٍ مِن دُورِهِ. وقِيلَ: لا يَخْرُجانِ إلّا مِن مُلْتَقى المِلْحِ والعَذْبِ. انْتَهى. وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: هَذا مِن بابِ حَذْفِ المُضافِ، والتَّقْدِيرُ: يَخْرُجُ مِن أحَدِهِما، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١]: أيْ مِن إحْدى القَرْيَتَيْنِ. وقِيلَ: هُما بَحْرانِ، يَخْرُجُ مِن أحَدِهِما اللُّؤْلُؤُ ومِنَ الآخَرِ المَرْجانُ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: كَلامُ اللَّهِ تَعالى أوْلى بِالِاعْتِبارِ مِن كَلامِ بَعْضِ النّاسِ ومَن أعْلَمَ أنَّ اللُّؤْلُؤَ لا يَخْرُجُ مِنَ الماءِ العَذْبِ ؟، وهَبْ أنَّ الغَوّاصِينَ ما أخْرَجُوهُ إلّا مِنَ المالِحِ. ولَكِنْ لِمَ قُلْتُمْ إنَّ الصَّدَفَ لا يَخْرُجُ بِأمْرِ اللَّهِ مِنَ الماءِ العَذْبِ إلى الماءِ المِلْحِ وكَيْفَ يُمْكِنُ الجَزْمُ بِهِ والأُمُورُ الأرْضِيَّةُ الظّاهِرَةُ خَفِيَتْ عَنِ التُّجّارِ الَّذِينَ قَطَعُوا المَفاوِزَ ودارُوا البِلادَ، فَكَيْفَ لا يَخْفى أمْرٌ ما في قَعْرِ البَحْرِ عَلَيْهِمْ ؟ واللُّؤْلُؤُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ وقَتادَةُ: كِبارُ الجَوْهَرِ. والمَرْجانُ صِغارُهُ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا وعَلِيٍّ ومُرَّةَ الهَمْدانِيِّ عَكْسُ هَذا. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ وأبُو مالِكٍ: المَرْجانُ: الحَجَرُ الأحْمَرُ. وقالَ الزَّجّاجُ: حَجَرٌ شَدِيدُ البَياضِ. وحَكى القاضِي أبُو يَعْلى أنَّهُ ضَرْبٌ مِنَ اللُّؤْلُؤِ، كالقُضْبانِ، والمَرْجانُ: اسْمٌ أعْجَمِيٌّ مُعَرَّبٌ. قالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: لَمْ أسْمَعْ فِيهِ نَقْلَ مُتَصَرِّفٍ، وقالَ الأعْشى:
؎مِن كُلِّ مَرْجانَةٍ في البَحْرِ أحْرَزَها ∗∗∗ تَيّارُها ووَقاها طِينَها الصَّدَفُ
قِيلَ: أرادَ اللُّؤْلُؤَةَ الكَبِيرَةَ. وقَرَأ طَلْحَةُ: اللُّؤْلِي بِكَسْرِ اللّامِ الثّالِثَةِ، وهي لُغَةٌ. وعَبَدُ الوَلِيِّ: تُقْلَبُ الهَمْزَةُ المُتَطَرِّفَةُ ياءً ساكِنَةً بَعْدَ كَسْرَةِ ما قَبْلَها، وهي لُغَةٌ، قالَهُ أبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ.
﴿ولَهُ الجَوارِي﴾: خَصَّ تَعالى الجَوارِيَ بِأنَّها لَهُ، وهو تَعالى لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما فِيهِنَّ، لِأنَّهم لَمّا كانُوا هم مُنْشِئِيها، أسْنَدَها تَعالى إلَيْهِ، إذْ كانَ تَمامُ مَنفَعَتِها إنَّما هو مِنهُ تَعالى، فَهو في الحَقِيقَةِ مالِكُها. والجَوارِي: السُّفُنُ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ والحَسَنُ وعَبْدُ الوارِثِ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِضَمِّ الرّاءِ، كَما قالُوا في شاكٍ شاكٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ؛ ﴿المُنْشَآتُ﴾ بِفَتْحِ الشِّينِ، اسْمَ مَفْعُولٍ: أيْ أنْشَأها اللَّهُ، أوِ النّاسُ، أوِ المَرْفُوعاتُ الشِّراعِ. وقالَ مُجاهِدٌ: ما لَهُ شِراعٌ مِنَ المُنْشَآتِ، وما لَمْ يُرْفَعْ لَهُ شِراعٌ، فَلَيْسَ مِنَ المُنْشَآتِ. والشِّراعُ: القَلْعُ. والأعْمَشُ وحَمْزَةُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وطَلْحَةُ وأبُو بَكْرٍ: بِخِلافٍ عَنْهُ، بِكَسْرِ الشِّينِ: أيِ الرّافِعاتُ الشِّراعِ، أوِ اللّاتِي يُنْشِئْنَ الأمْواجَ بِجَرْيِهِنَّ، أوِ الَّتِي تُنْشِئُ السَّفَرَ إقْبالًا وإدْبارًا. وشَدَّدَ الشِّينَ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ والحَسَنُ المُنَشَّأةُ، وحَدَّ الصِّفَةَ، ودَلَّ عَلى الجَمْعِ المَوْصُوفِ، كَقَوْلِهِ: ﴿أزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ [البقرة: ٢٥]، وقَلَبَ الهَمْزَةَ ألِفًا عَلى حَدِّ قَوْلِهِ:
؎إنَّ السِّباعَ لَتَهْدا في مَرابِضِها
يُرِيدُ: لَتَهْدَأُ، التّاءُ لِتَأْنِيثِ الصِّفَةِ، كُتِبَتْ تاءً عَلى لَفْظِها في الوَصْلِ.
﴿كالأعْلامِ﴾: أيْ كالجِبالِ والآكامِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى كِبَرِ السُّفُنِ حَيْثُ شَبَّهَها بِالجِبالِ، وإنْ كانَتِ المُنْشَآتُ تَنْطَلِقُ عَلى السَّفِينَةِ الكَبِيرَةِ والصَّغِيرَةِ. وعَبَّرَ بِمَن في قَوْلِهِ: ﴿كُلُّ مَن عَلَيْها﴾ تَغْلِيبًا لِمَن يَعْقِلُ، والضَّمِيرُ في (عَلَيْها) قَلِيلٌ عائِدٌ عَلى الأرْضِ في قَوْلِهِ: ﴿والأرْضَ وضَعَها لِلْأنامِ﴾، فَعادَ الضَّمِيرُ عَلَيْها، وإنْ كانَ بَعْدَ لَفْظِها. والفَناءُ عِبارَةٌ عَنْ إعْدامِ جَمِيعِ المَوْجُوداتِ مِن حَيَوانٍ وغَيْرِهِ، والوَجْهُ يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ حَقِيقَةِ الشَّيْءِ، والجارِحَةُ مُنْتَفِيَةٌ عَنِ اللَّهِ تَعالى، ونَحْوَ ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا وجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] . وتَقُولُ صَعالِيكُ مَكَّةَ: أيْنَ وجْهُ عَرَبِيٍّ كَرِيمٍ يَجُودُ عَلَيَّ ؟ وقَرَأ الجُمْهُورُ: ذُو بِالواوِ، وصِفَةً لِلْوَجْهِ. وأُبَيُّ وعَبْدُ اللَّهِ: ذِي بِالياءِ، صِفَةً لِلرَّبِّ. والظّاهِرُ أنَّ الخِطابَ في قَوْلِهِ: ﴿وجْهُ رَبِّكَ﴾ لِلرَّسُولِ، وفِيهِ تَشْرِيفٌ عَظِيمٌ لَهُ، ﷺ . وقِيلَ: (p-١٩٣)الخِطابُ لِكُلِّ سامِعٍ. ومَعْنى ﴿ذُو الجَلالِ﴾: الَّذِي يُجِلُّهُ المُوَحِّدُونَ عَنِ التَّشْبِيهِ بِخَلْقِهِ وعَنْ أفْعالِهِمْ، أوِ الَّذِي يُتَعَجَّبُ مِن جَلالِهِ، أوِ الَّذِي عِنْدَهُ الجَلالُ والإكْرامُ لِلْمُخْلِصِينَ مِن عِبادِهِ.
﴿يَسْألُهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾: أيْ حَوائِجَهم، وهو ما يَتَعَلَّقُ بِمَن في السَّماواتِ مِن أمْرِ الدِّينِ وما اسْتُعْبِدُوا بِهِ، ومَن في الأرْضِ مِن أمْرِ دِينِهِمْ ودُنْياهم. وقالَ أبُو صالِحٍ: مَن في السَّماواتِ الرَّحْمَةَ ومَن في الأرْضِ المَغْفِرَةَ والرِّزْقَ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: المَلائِكَةُ الرِّزْقَ لِأهْلِ الأرْضِ والمَغْفِرَةَ، وأهْلُ الأرْضِ يَسْألُونَهُما جَمِيعًا. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: يَسْألُهُ اسْتِئْنافُ إخْبارٍ. وقِيلَ: حالٌ مِنَ الوَجْهِ، والعامِلُ فِيهِ يَبْقى، أيْ هو دائِمٌ في هَذِهِ الحالِ. انْتَهى، وفِيهِ بُعْدٌ. ومَن لا يَسْألُ، فَحالُهُ تَقْتَضِي السُّؤالَ، فَيَصِحُّ إسْنادُ السُّؤالِ إلى الجَمِيعِ بِاعْتِبارِ القَدْرِ المُشْتَرَكِ، وهو الِافْتِقارُ إلَيْهِ تَعالى.
﴿كُلَّ يَوْمٍ﴾: أيْ كُلَّ ساعَةٍ ولَحْظَةٍ، وذَكَرَ اليَوْمَ لِأنَّ السّاعاتِ واللَّحَظاتِ في ضِمْنِهِ.
﴿هُوَ في شَأْنٍ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: في شَأْنٍ يُمْضِيهِ مِنَ الخَلْقِ والرِّزْقِ والإحْياءِ والإماتَةِ. وقالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: يُجِيبُ داعِيًا، ويَفُكُّ عانِيًا، ويَتُوبُ عَلى قَوْمٍ، ويَغْفِرُ لِقَوْمٍ. وقالَ سُوَيْدُ بْنُ غَفْلَةَ: يُعْتِقُ رِقابًا، ويُعْطِي رَغامًا ويُقْحِمُ عِقابًا. وقالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: الدَّهْرُ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمانِ، أحَدُهُما اليَوْمُ الَّذِي هو مُدَّةُ الدُّنْيا، فَشَأْنُهُ فِيهِ الأمْرُ والنَّهْيُ والإماتَةُ والإحْياءُ؛ والثّانِي الَّذِي هو يَوْمُ القِيامَةِ، فَشَأْنُهُ فِيهِ الجَزاءُ والحِسابُ. وعَنْ مُقاتِلٍ: نَزَلَتْ في اليَهُودِ، فَقالُوا: إنَّ اللَّهَ لا يَقْضِي يَوْمَ السَّبْتِ شَيْئًا. وقالَ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ، وقَدْ سَألَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طاهِرٍ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هو في شَأْنٍ﴾: وقَدْ صَحَّ أنَّ القَلَمَ جَفَّ بِما هو كائِنٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ فَقالَ: شُئُونٌ يُبْدِيها، لا شُئُونٌ يَبْتَدِيها. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: هو في يَوْمِ الدُّنْيا في الِابْتِلاءِ، وفي يَوْمِ القِيامَةِ في الجَزاءِ. وانْتَصَبَ ﴿كُلَّ يَوْمٍ﴾ عَلى الظَّرْفِ، والعامِلُ فِيهِ العامِلُ في قَوْلِهِ: ﴿فِي شَأْنٍ﴾، وهو مُسْتَقِرٌّ المَحْذُوفُ، نَحْوَ: يَوْمَ الجُمُعَةِ زَيْدٌ قائِمٌ.
الرحمن 55:23
ولَمّا ذَكَرَ تَعالى ما أنْعَمَ بِهِ مِن مَنفَعَةِ الشَّمْسِ والقَمَرِ، وكانَ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ العُلْوِيَّةِ، ذَكَرَ في مُقابَلَتِهِما مِنَ الآثارِ السُّفْلِيَّةِ النَّجْمَ والشَّجَرَ، إذْ كانا رِزْقًا لِلْإنْسانِ، وأخْبَرَ أنَّهُما جارِيانِ عَلى ما أرادَ اللَّهُ بِهِما، مِن تَسْخِيرِهِما وكَيْنُونَتِهِما عَلى ما اقْتَضَتْهُ حِكْمَتُهُ تَعالى. ولَمّا ذَكَرَ ما بِهِ حَياةُ الأرْواحِ مِن تَعْلِيمِ القُرْآنِ، ذَكَرَ ما بِهِ حَياةُ الأشْباحِ مِنَ النَّباتِ الَّذِي لَهُ ساقٌ، وكانَ تَقْدِيمُ النَّجْمِ، وهو ما لا ساقَ لَهُ، لِأنَّهُ أصْلُ القُوتِ، والَّذِي لَهُ ساقٌ ثَمَرُهُ يُتَفَكَّهُ بِهِ غالِبًا. والظّاهِرُ أنَّ النَّجْمَ هو الَّذِي شَرَحْناهُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ اقْتِرانُهُ بِالشَّجَرِ. وقالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ والحَسَنُ: النَّجْمُ: اسْمُ الجِنْسِ مِن نُجُومِ السَّماءِ. وسُجُودُهُما، قالَ مُجاهِدٌ والحَسَنُ: ذَلِكَ في النَّجْمِ بِالغُرُوبِ ونَحْوِهِ، وفي الشَّجَرِ بِالظِّلِّ واسْتِدارَتِهِ. وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: والسُّجُودُ تَجَوُّزٌ، وهو عِبارَةٌ عَنِ الخُضُوعِ والتَّذَلُّلِ. والجُمَلُ الأُوَلُ فِيها ضَمِيرٌ يَرْبُطُها بِالمُبْتَدَأِ، وأمّا في هاتَيْنِ الجُمْلَتَيْنِ فاكْتَفى بِالوَصْلِ المَعْنَوِيِّ عَنِ الوَصْلِ اللَّفْظِيِّ، إذْ مَعْلُومٌ أنَّ الحُسْبانَ هو حُسْبانُهُ، وأنَّ السُّجُودَ لَهُ لا لِغَيْرِهِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: بِحُسْبانِهِ ويَسْجُدانِ لَهُ. ولَمّا أُورِدَتْ هَذِهِ الجُمَلُ مَوْرِدَ تَعْدِيدِ النِّعَمِ رُدَّ الكَلامُ إلى العَطْفِ في وصْلِ ما يُناسِبُ وصْلَهُ، والتَّناسُبُ الَّذِي بَيْنَ هاتَيْنِ الجُمْلَتَيْنِ ظاهِرٌ، لِأنَّ الشَّمْسَ والقَمَرَ عُلْوِيّانِ، والنَّجْمُ والشَّجَرُ سُفْلِيّانِ.
﴿والسَّماءَ رَفَعَها﴾: أيْ خَلَقَها مَرْفُوعَةً، حَيْثُ جَعَلَها مَصْدَرَ قَضاياهُ ومَسْكَنَ مَلائِكَتِهِ الَّذِينَ يَنْزِلُونَ بِالوَحْيِ عَلى أنْبِيائِهِ، ونَبَّهَ بِذَلِكَ عَلى عِظَمِ شَأْنِهِ ومِلْكِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (والسَّماءَ)، بِالنَّصْبِ عَلى الِاشْتِغالِ، رُوعِيَ مُشاكَلَةُ الجُمْلَةِ الَّتِي تَلِيهِ وهي ﴿يَسْجُدانِ﴾ [الرحمن: ٦] . وقَرَأ أبُو السَّمّالِ: والسَّماءُ بِالرَّفْعِ، راعى مُشاكَلَةَ الجُمْلَةِ الِابْتِدائِيَّةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ووَضَعَ المِيزانَ﴾، فِعْلًا ماضِيًا ناصِبًا المِيزانَ، أيْ أقَرَّهُ وأثْبَتَهُ. وقَرَأ إبْراهِيمُ: ووَضْعِ المِيزانِ، بِالخَفْضِ وإسْكانِ الضّادِ. والظّاهِرُ أنَّهُ كُلُّ ما يُوزَنُ بِهِ الأشْياءُ وتُعْرَفُ مَقادِيرُها، وإنِ اخْتَلَفَتِ الآلاتُ، قالَ مَعْناهُ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وقَتادَةُ، جَعَلَهُ تَعالى حاكِمًا بِالسَّوِيَّةِ في الأخْذِ والإعْطاءِ. وقالَ مُجاهِدٌ والطَّبَرِيُّ والأكْثَرُونَ: المِيزانُ: العَدْلُ، وتَكُونُ الآلاتُ مِن بَعْضِ ما يَنْدَرِجُ في العَدْلِ. بَدَأ أوَّلًا بِالعِلْمِ، فَذَكَرَ ما فِيهِ أشْرَفُ أنْواعِ العُلُومِ وهو القُرْآنُ؛ ثُمَّ ذَكَرَ ما بِهِ التَّعْدِيلُ في الأُمُورِ، وهو المِيزانُ، كَقَوْلِهِ: ﴿وأنْزَلْنا مَعَهُمُ الكِتابَ والمِيزانَ﴾ [الحديد: ٢٥]، لِيُعَلِّمُوا الكِتابَ ويَفْعَلُوا ما يَأْمُرُهم بِهِ الكِتابُ. (أنْ لا تَطْغَوْا في المِيزانِ): أيْ لِأنْ لا تَطْغَوْا، فَتَطْغَوْا مَنصُوبٌ بِأنْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ هي ”أنِ“ المُفَسِّرَةُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ أنْ مُفَسِّرَةً، فَيَكُونُ تَطْغَوْا جَزْمًا بِالنَّهْيِ. انْتَهى، ولا يَجُوزُ ما قالاهُ مِن أنَّ أنْ مُفَسِّرَةٌ، لِأنَّهُ فاتَ أحَدُ شَرْطَيْها، وهو أنْ يَكُونَ ما قَبْلَها جُمْلَةً فِيها مَعْنى القَوْلِ.
﴿ووَضَعَ المِيزانَ﴾ جُمْلَةٌ لَيْسَ فِيها مَعْنى القَوْلِ. والطُّغْيانُ في المِيزانِ هو أنْ يَكُونَ بِالتَّعَمُّدِ، وأمّا ما لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنَ التَّحْرِيرِ بِالمِيزانِ فَمَعْفُوٌّ عَنْهُ.
ولَمّا كانَتِ التَّسْوِيَةُ مَطْلُوبَةً جِدًّا، أمَرَ اللَّهُ تَعالى فَقالَ: ﴿وأقِيمُوا الوَزْنَ﴾ . وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ولا تُخْسِرُوا﴾، مِن أخْسَرَ: أيْ أفْسَدَ ونَقَصَ، كَقَوْلِهِ: ﴿وإذا كالُوهم أوْ وزَنُوهم يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين: ٣]؛ أيْ يَنْقُصُونَ. وبِلالُ بْنُ أبِي بُرْدَةَ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: تَخْسَرُ بِفَتْحِ التّاءِ، يُقالُ: خَسِرَ يَخْسَرُ، وأخْسَرَ يُخْسِرُ بِمَعْنًى واحِدٍ، كَجَبَرَ وأجْبَرَ. وحَكى ابْنُ جِنِّي وصاحِبُ اللَّوامِحِ، عَنْ بِلالٍ فَتْحَ التّاءِ والسِّينِ مُضارِعُ خَسِرَ بِكَسْرِ السِّينِ، وخَرَّجَها الزَّمَخْشَرِيُّ عَلى أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: في المِيزانِ، فَحَذَفَ الجارَّ ونَصَبَ، ولا يُحْتاجُ إلى هَذا التَّخْرِيجِ. ألا تَرى أنَّ خَسِرَ جاءَ مُتَعَدِّيًا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٢]، و﴿خَسِرَ الدُّنْيا والآخِرَةَ﴾ [الحج: ١١] ؟ وقُرِئَ أيْضًا: تَخْسُرُوا، بِفَتْحِ التّاءِ وضَمِّ السِّينِ. لِما مُنِعَ مِنَ الزِّيادَةِ، وهي الطُّغْيانُ، نَهى عَنِ الخُسْرانِ الَّذِي هو نُقْصانٌ، وكَرَّرَ لَفْظَ المِيزانِ، تَشْدِيدًا لِلتَّوْصِيَةِ بِهِ وتَقْوِيَةً لِلْأمْرِ بِاسْتِعْمالِهِ والحَثِّ عَلَيْهِ.
ولَمّا ذَكَرَ السَّماءَ، ذَكَرَ مُقابِلَتَها فَقالَ: ﴿والأرْضَ وضَعَها لِلْأنامِ﴾: أيْ خَفَضَها (p-١٩٠)مَدْحُوَّةً عَلى الماءِ لِيُنْتَفَعَ بِها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”والأرْضَ“ بِالنَّصْبِ؛ وأبُو السَّمّالِ: بِالرَّفْعِ: ”والأنامُ“، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بَنُو آدَمَ فَقَطْ. وقالَ أيْضًا هو وقَتادَةُ وابْنُ زَيْدٍ والشَّعْبِيُّ: الحَيَوانُ كُلُّهُ. وقالَ الحَسَنُ: الثَّقَلانِ الجِنُّ والإنْسُ.
﴿فِيها فاكِهَةٌ﴾: ضُرُوبٌ مِمّا يُتَفَكَّهُ بِهِ. وبَدَأ بِقَوْلِهِ: ﴿فاكِهَةٌ﴾، إذْ هو مِن بابِ الِابْتِداءِ بِالأدْنى والتَّرَقِّي إلى الأعْلى، ونَكَّرَ لَفْظَها، لِأنَّ الِانْتِفاعَ بِها دُونَ الِانْتِفاعِ بِما يُذْكَرُ بَعْدَها. ثُمَّ ثَنّى بِالنَّخْلِ، فَذَكَرَ الأصْلَ ولَمْ يَذْكُرْ ثَمَرَتَها، وهو الثَّمَرُ لِكَثْرَةِ الِانْتِفاعِ بِها مِن لِيفٍ وسَعَفٍ وجَرِيدٍ وجُذُوعٍ وجُمّارٍ وثَمَرٍ. ثُمَّ أتى ثالِثًا بِالحَبِّ الَّذِي هو قِوامُ عَيْشِ الإنْسانِ في أكْثَرِ الأقالِيمِ، وهو البُرُّ والشَّعِيرُ وكُلُّ ما لَهُ سُنْبُلٌ وأوْراقٌ مُتَشَعِّبَةٌ عَلى ساقِهِ، ووَصَفَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ذُو العَصْفِ﴾ تَنْبِيهًا عَلى إنْعامِهِ عَلَيْهِمْ بِما يَقُوتُهم مِنَ الحَبِّ، ويَقُوتُ بَهائِمَهم مِن ورَقِهِ الَّذِي هو التِّبْنُ. وبَدَأ بِالفاكِهَةِ وخَتَمَ بِالمَشْمُومِ، وبَيْنَهُما النَّخْلُ والحَبُّ، لِيَحْصُلَ ما بِهِ يُتَفَكَّهُ، وما بِهِ يُتَقَوَّتُ، وما بِهِ تَقَعُ اللَّذاذَةُ مِنَ الرّائِحَةِ الطَّيِّبَةِ. وذَكَرَ النَّخْلَ بِاسْمِها والفاكِهَةَ دُونَ شَجَرِها، لِعِظَمِ المَنفَعَةِ بِالنَّخْلِ مِن جِهاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ، وشَجَرَةُ الفاكِهَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى ثَمَرَتِها حَقِيرَةٌ، فَنَصَّ عَلى ما يَعْظُمُ بِهِ الِانْتِفاعُ مِن شَجَرَةِ النَّخْلِ ومِنَ الفاكِهَةِ دُونَ شَجَرَتِها.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿والحَبُّ ذُو العَصْفِ والرَّيْحانُ﴾، بِرَفْعِ الثَّلاثَةِ عَطْفًا عَلى المَرْفُوعِ قَبْلَهُ؛ وابْنُ عامِرٍ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِنَصْبِ الثَّلاثَةِ، أيْ وخَلَقَ الحَبَّ. وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ ﴿والرَّيْحانُ﴾ حالَةَ الرَّفْعِ وحالَةَ النَّصْبِ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ وذُو الرَّيْحانِ حَذَفَ المُضافَ وأقامَ المُضافَ إلَيْهِ مَقامَهُ؛ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ والأصْمَعِيُّ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: والرَّيْحانُ بِالجَرِّ، والمَعْنى: والحَبُّ ذُو العَصْفِ الَّذِي هو عَلَفُ البَهائِمِ، والرَّيْحانُ الَّذِي هو مَطْعَمُ النّاسِ، ويَبْعُدُ دُخُولُ المَشْمُومِ في قِراءَةِ الجَرِّ، ورَيْحانُ مِن ذَواتِ الواوِ. وأجازَ أبُو عَلِيٍّ أنْ يَكُونَ اسْمًا، ووُضِعَ مَوْضِعَ المَصْدَرِ، وأنْ يَكُونَ مَصْدَرًا عَلى وزْنِ فَعْلانَ كاللَّبّانِ. وأُبْدِلَتِ الواوُ ياءً، كَما أبْدَلُوا الياءَ واوًا في أشاوى، أوْ مَصْدَرًا شاذًّا في المُعْتَلِّ، كَما شَذَّ كَبَنُونَةٍ وبَيْنُونَةٍ، فَأصْلُهُ رَيْوِحانُ، قُلِبَتِ الواوُ ياءً وأُدْغِمَتْ في الياءِ فَصارَ رَيِّحانَ، ثُمَّ حُذِفَتْ عَيْنُ الكَلِمَةِ، كَما قالُوا: مَيْتٌ وهَيْنٌ.
ولَمّا عَدَّدَ تَعالى نِعَمَهُ، خاطَبَ الثَّقَلَيْنِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٣٢]، أيْ أنَّ نِعَمَهُ كَثِيرَةٌ لا تُحْصى، فَبِأيِّها تُكَذِّبانِ ؟ أيْ مَن هَذِهِ نِعَمُهُ لا يُمْكِنُ أنْ يُكَذَّبَ بِها. وكانَ هَذا الخِطابُ لِلثَّقَلَيْنِ، لِأنَّهُما داخِلانِ في الأنامِ عَلى أصَحِّ الأقْوالِ. ولِقَوْلِهِ: ﴿خَلَقَ الإنْسانَ﴾، و﴿وخَلَقَ الجانَّ﴾؛ ولِقَوْلِهِ: ﴿سَنَفْرُغُ لَكم أيُّها الثَّقَلانِ﴾ [الرحمن: ٣١]، وقَدْ أبْعَدَ مَن جَعَلَهُ خِطابًا لِلذَّكَرِ والأُنْثى مِن بَنِي آدَمَ. وأبْعَدُ مِن هَذا قَوْلُ مَن قالَ: إنَّهُ خِطابٌ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ: ﴿ألْقِيا في جَهَنَّمَ﴾ [ق: ٢٤]، ويا حَرَسِي اضْرِبا عُنُقَهُ، يَعْنِي أنَّهُ خِطابٌ لِلْواحِدِ بِصُورَةِ الِاثْنَيْنِ، فَبِأيِّ مُنَوَّنًا في جَمِيعِ السُّورَةِ، كَأنَّهُ حُذِفَ مِنهُ المُضافُ إلَيْهِ وأُبْدِلَ مِنهُ (آلاءِ رَبِّكُما) بَدَلَ مَعْرِفَةٍ مِن نَكِرَةٍ، وآلاءُ تَقَدَّمَ في الأعْرافِ أنَّها النِّعَمُ، واحِدُها إلْيٌ وألًا وإلًى وألْيٌ.
﴿خَلَقَ الإنْسانَ﴾: لَمّا ذَكَرَ العالَمَ الأكْبَرَ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ وما أوْجَدَ فِيها مِنَ النِّعَمِ، ذَكَرَ مَبْدَأ مَن خُلِقَتْ لَهُ هَذِهِ النِّعَمُ، والإنْسانُ هو آدَمُ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ. وقِيلَ: لِلْجِنْسِ، وساغَ ذَلِكَ لِأنَّ أباهم مَخْلُوقٌ مِنَ الصَّلْصالِ. وإذا أُرِيدَ بِالإنْسانِ آدَمُ، فَقَدْ جاءَتْ غاياتٌ لَهُ مُخْتَلِفَةٌ، وذَلِكَ بِتَنَقُّلِ أصْلِهِ؛ فَكانَ أوَّلًا تُرابًا، ثُمَّ طِينًا، ثُمَّ حَمَأً مَسْنُونًا، ثُمَّ صَلْصالًا، فَناسَبَ أنْ يُنْسَبَ خَلْقُهُ لِكُلِّ واحِدٍ مِنها. والجانُّ هو أبُو الجِنِّ، وهو إبْلِيسُ، قالَهُ الحَسَنُ. وقالَ مُجاهِدٌ: هو أبُو الجِنِّ، ولَيْسَ بِإبْلِيسَ. وقِيلَ: الجانُّ اسْمُ جِنْسٍ، والمارِجُ: ما اخْتَلَطَ مِن أصْفَرَ وأحْمَرَ وأخْضَرَ، أوِ اللَّهَبُ، أوِ الخالِصُ، أوِ الحُمْرَةُ في طَرَفِ النّارِ، أوِ المُخْتَلِطُ بِسَوادٍ، أوِ المُضْطَرِبُ بِلا دُخانٍ، أقْوالٌ، (ومِن) الأُولى لِابْتِداءِ الغايَةِ، والثّانِيَةُ في (مِن نارٍ) لِلتَّبْعِيضِ. وقِيلَ لِلْبَيانِ، والتَّكْرارُ في هَذِهِ الفَواصِلِ: لِلتَّأْكِيدِ والتَّنْبِيهِ والتَّحْرِيكِ، وهي مَوْجُودَةٌ في مَواضِعَ مِنَ القُرْآنِ. وذَهَبَ قَوْمٌ مِنهُمُ ابْنُ قُتَيْبَةَ إلى أنَّ هَذا التَّكْرارَ إنَّما هو لِاخْتِلافِ النِّعَمِ، فَكَرَّرَ (p-١٩١)التَّوْقِيفَ في كُلِّ واحِدٍ مِنها.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: (رَبُّ)، و(رَبُّ) بِالرَّفْعِ، أيْ هو رَبٌّ؛ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِالخَفْضِ بَدَلًا مِن رَبِّكُما، وثَنّى المُضافَ إلَيْهِ لِأنَّهُما مَشْرِقا الصَّيْفِ والشِّتاءِ ومَغْرِباهُما، قالَهُ مُجاهِدٌ. وقِيلَ: مَشْرِقا الشَّمْسِ والقَمَرِ ومَغْرِباهُما. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: لِلشَّمْسِ مَشْرِقٌ في الصَّيْفِ مُصْعِدٌ، ومَشْرِقٌ في الشِّتاءِ مُنْحَدِرٌ، تَنْتَقِلُ فِيهِما مُصْعِدَةً ومُنْحَدِرَةً. انْتَهى. فالمَشْرِقانِ والمَغْرِبانِ لِلشَّمْسِ. وقِيلَ: المَشْرِقانِ: مَطْلَعُ الفَجْرِ ومَطْلَعُ الشَّمْسِ، والمَغْرِبانِ مَغْرِبُ الشَّفَقِ ومَغْرِبُ الشَّمْسِ. ولِسَهْلٍ التُّسْتَرِيِّ كَلامٌ في المَشْرِقَيْنِ والمَغْرِبَيْنِ شَبِيهٌ بِكَلامِ الباطِنِيَّةِ المُحَرِّفِينَ مَدْلُولَ كَلامِ اللَّهِ، ضَرَبْنا عَنْ ذِكْرِهِ صَفْحًا. وكَذَلِكَ ما وقَفْنا عَلَيْهِ مِن كَلامِ الغُلاةِ الَّذِينَ يُنْسَبُونَ لِلصُّوفِيَّةِ، لِأنّا لا نَسْتَحِلُّ نَقْلَ شَيْءٍ مِنهُ. وقَدْ أوْلَغَ صاحِبُ كِتابِ التَّحْرِيرِ والتَّحْبِيرِ بِحَسْبِ ما قالَهُ هَؤُلاءِ الغُلاةُ في كُلِّ آيَةٍ آيَةٍ، ويُسَمِّي ذَلِكَ الحَقائِقَ، وأرْبابُ القُلُوبِ وما ادَّعَوْا فَهْمَهُ في القُرْآنِ فَأوْغَلُوا فِيهِ لَمْ يَفْهَمْهُ عَرَبِيٌّ قَطُّ، ولا أرادَهُ اللَّهُ تَعالى بِتِلْكَ الألْفاظِ، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِن ذَلِكَ.
﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ذَلِكَ في الفُرْقانِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وذَكَرَ الثَّعْلَبِيُّ في ﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ﴾ ألْغازًا وأقْوالًا باطِنَةً لا يُلْتَفَتُ إلى شَيْءٍ مِنها. انْتَهى، والظّاهِرُ التِقاؤُهُما، أيْ يَتَجاوَرانِ، فَلا فَصْلَ بَيْنَ الماءَيْنِ في رُؤْيَةِ العَيْنِ. وقِيلَ: يَلْتَقِيانِ في كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً. وقِيلَ: مُعَدّانِ لِلِالتِقاءِ، فَحَقُّهُما أنْ يَلْتَقِيا لَوْلا البَرْزَخُ بَيْنَهُما.
﴿بَرْزَخٌ﴾: أيْ حاجِزٌ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، ﴿لا يَبْغِيانِ﴾: لا يَتَجاوَزانِ حَدَّهُما، ولا يَبْغِي أحَدُهُما عَلى الآخَرِ بِالمُمازَجَةِ. وقِيلَ: البَرْزَخُ: أجْرامُ الأرْضِ، قالَهُ قَتادَةُ؛ وقِيلَ: لا يَبْغِيانِ: أيْ عَلى النّاسِ والعُمْرانِ، وعَلى هَذا والَّذِي قَبْلَهُ يَكُونُ مِنَ البَغْيِ. وقِيلَ: هو مِن بَغى، أيْ طَلَبَ، فالمَعْنى: لا يَبْغِيانِ حالًا غَيْرَ الحالِ الَّتِي خُلِقا عَلَيْها وسُخِّرا لَها. وقِيلَ: ماءُ الأنْهارِ لا يَخْتَلِطُ بِالماءِ المِلْحِ، بَلْ هو بِذاتِهِ باقٍ فِيهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والعِيانُ لا يَقْتَضِيهِ. انْتَهى، يَعْنِي أنَّهُ يُشاهِدُ الماءَ العَذْبَ يَخْتَلِطُ بِالمِلْحِ فَيَبْقى كُلُّهُ مِلْحًا، وقَدْ يُقالُ: إنَّهُ بِالِاخْتِلاطِ تَتَغَيَّرُ أجْرامُ العَذْبِ حَتّى لا تَظْهَرَ، فَإذا ذاقَ الإنْسانُ مِنَ المِلْحِ المُنْبَثِّ فِيهِ تِلْكَ الأجْزاءُ الدَّقِيقَةُ لَمْ يُحِسَّ إلّا المُلُوحَةَ، والمَعْقُولُ يَشْهَدُ بِذَلِكَ، لِأنَّ تَداخُلَ الأجْسامِ غَيْرُ مُمْكِنٍ، لَكِنَّ التَّفَرُّقَ والِالتِقاءَ مُمْكِنٌ. وأنْشَدَ القاضِي مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ البَلُّوطِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى:
؎ومَمْزُوجَةُ الأمْواهِ لا العَذْبُ غالِبٌ عَلى المِلْحِ طِيبًا لا ولا المِلْحُ يَعْذُبُ
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿يَخْرُجُ﴾ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ؛ ونافِعٌ وأبُو عَمْرٍو وأهْلُ المَدِينَةِ: مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ؛ والجُعْفِيٌّ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِالياءِ مَضْمُومَةً وكَسْرِ الرّاءِ، أيْ يُخْرِجُ اللَّهُ؛ وعَنْهُ وعَنْ أبِي عَمْرٍو، وعَنِ ابْنِ مِقْسَمٍ: بِالنُّونِ. واللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ نُصِبَ في هاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ. والظّاهِرُ في (مِنهُما) أنَّ ذَلِكَ يَخْرُجُ مِنَ المِلْحِ والعَذْبِ. وقالَ بِذَلِكَ قَوْمٌ، حَكاهُ الأخْفَشُ. ورَدَّ النّاسُ هَذا القَوْلَ، قالُوا: والحِسُّ يُخالِفُهُ، إذْ لا يَخْرُجُ إلّا مِنَ المِلْحِ، وعابُوا قَوْلَ الشّاعِرِ:
؎فَجاءَ بِها ما شِئْتَ مِن لَطِيمَةٍ ∗∗∗ عَلى وجْهِها ماءُ الفُراتِ يَمُوجُ
وقالَ الجُمْهُورُ: إنَّما يَخْرُجُ مِنَ الأُجاجِ في المَواضِعِ الَّتِي تَقَعُ فِيها الأنْهارُ والمِياهُ العَذْبَةُ، فَناسَبَ إسْنادَ ذَلِكَ إلَيْهِما، وهَذا مَشْهُورٌ عِنْدَ الغَوّاصِينَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ: تَكُونُ هَذِهِ الأشْياءُ في البَحْرِ بِنُزُولِ المَطَرِ، لِأنَّ الصَّدَفَ وغَيْرَها تَفْتَحُ أفْواهَها لِلْمَطَرِ، فَلِذَلِكَ قالَ (مِنهُما) . وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: إنَّما يَخْرُجُ مِنَ المِلْحِ، لَكِنَّهُ قالَ (مِنهُما) تَجَوُّزًا. وقالَ الرُّمّانِيُّ: العَذْبُ فِيها كاللِّقاحِ لِلْمِلْحِ، فَهو كَما يُقالُ؛ الوَلَدُ يَخْرُجُ مِنَ الذَّكَرِ والأُنْثى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ، وتَبِعَ الزَّجّاجَ مِن حَيْثُ هُما نَوْعٌ واحِدٌ، فَخُرُوجُ هَذِهِ الأشْياءِ إنَّما هي مِنهُما، وإنْ كانَتْ تَخْتَصُّ عِنْدَ التَّفْصِيلِ المَبالَغِ بِأحَدِهِما، كَما قالَ: ﴿سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا﴾ [نوح: ١٥] ﴿وجَعَلَ القَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾ [نوح: ١٦]، (p-١٩٢)وإنَّما هو في إحْداهُنَّ، وهي الدُّنْيا إلى الأرْضِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ نَحْوًا مِن قَوْلِ ابْنِ عَطِيَّةَ، قالَ: فَإنْ قُلْتَ: لِمَ قالَ (مِنهُما)، وإنَّما يَخْرُجانِ مِنَ المِلْحِ قُلْتُ: لَمّا التَقَيا وصارا كالشَّيْءِ الواحِدِ، جازَ أنْ يُقالَ: يَخْرُجانِ مِنهُما، كَما يُقالُ: يَخْرُجانِ مِنَ البَحْرِ، ولا يَخْرُجانِ مِن جَمِيعِ البَحْرِ، ولَكِنْ مِن بَعْضِهِ. وتَقُولُ: خَرَجْتُ مِنَ البَلَدِ، وإنَّما خَرَجْتَ مِن مَحَلَّةٍ مِن مَحالِّهِ، بَلْ مِن دارٍ واحِدَةٍ مِن دُورِهِ. وقِيلَ: لا يَخْرُجانِ إلّا مِن مُلْتَقى المِلْحِ والعَذْبِ. انْتَهى. وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: هَذا مِن بابِ حَذْفِ المُضافِ، والتَّقْدِيرُ: يَخْرُجُ مِن أحَدِهِما، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١]: أيْ مِن إحْدى القَرْيَتَيْنِ. وقِيلَ: هُما بَحْرانِ، يَخْرُجُ مِن أحَدِهِما اللُّؤْلُؤُ ومِنَ الآخَرِ المَرْجانُ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: كَلامُ اللَّهِ تَعالى أوْلى بِالِاعْتِبارِ مِن كَلامِ بَعْضِ النّاسِ ومَن أعْلَمَ أنَّ اللُّؤْلُؤَ لا يَخْرُجُ مِنَ الماءِ العَذْبِ ؟، وهَبْ أنَّ الغَوّاصِينَ ما أخْرَجُوهُ إلّا مِنَ المالِحِ. ولَكِنْ لِمَ قُلْتُمْ إنَّ الصَّدَفَ لا يَخْرُجُ بِأمْرِ اللَّهِ مِنَ الماءِ العَذْبِ إلى الماءِ المِلْحِ وكَيْفَ يُمْكِنُ الجَزْمُ بِهِ والأُمُورُ الأرْضِيَّةُ الظّاهِرَةُ خَفِيَتْ عَنِ التُّجّارِ الَّذِينَ قَطَعُوا المَفاوِزَ ودارُوا البِلادَ، فَكَيْفَ لا يَخْفى أمْرٌ ما في قَعْرِ البَحْرِ عَلَيْهِمْ ؟ واللُّؤْلُؤُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ وقَتادَةُ: كِبارُ الجَوْهَرِ. والمَرْجانُ صِغارُهُ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا وعَلِيٍّ ومُرَّةَ الهَمْدانِيِّ عَكْسُ هَذا. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ وأبُو مالِكٍ: المَرْجانُ: الحَجَرُ الأحْمَرُ. وقالَ الزَّجّاجُ: حَجَرٌ شَدِيدُ البَياضِ. وحَكى القاضِي أبُو يَعْلى أنَّهُ ضَرْبٌ مِنَ اللُّؤْلُؤِ، كالقُضْبانِ، والمَرْجانُ: اسْمٌ أعْجَمِيٌّ مُعَرَّبٌ. قالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: لَمْ أسْمَعْ فِيهِ نَقْلَ مُتَصَرِّفٍ، وقالَ الأعْشى:
؎مِن كُلِّ مَرْجانَةٍ في البَحْرِ أحْرَزَها ∗∗∗ تَيّارُها ووَقاها طِينَها الصَّدَفُ
قِيلَ: أرادَ اللُّؤْلُؤَةَ الكَبِيرَةَ. وقَرَأ طَلْحَةُ: اللُّؤْلِي بِكَسْرِ اللّامِ الثّالِثَةِ، وهي لُغَةٌ. وعَبَدُ الوَلِيِّ: تُقْلَبُ الهَمْزَةُ المُتَطَرِّفَةُ ياءً ساكِنَةً بَعْدَ كَسْرَةِ ما قَبْلَها، وهي لُغَةٌ، قالَهُ أبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ.
﴿ولَهُ الجَوارِي﴾: خَصَّ تَعالى الجَوارِيَ بِأنَّها لَهُ، وهو تَعالى لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما فِيهِنَّ، لِأنَّهم لَمّا كانُوا هم مُنْشِئِيها، أسْنَدَها تَعالى إلَيْهِ، إذْ كانَ تَمامُ مَنفَعَتِها إنَّما هو مِنهُ تَعالى، فَهو في الحَقِيقَةِ مالِكُها. والجَوارِي: السُّفُنُ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ والحَسَنُ وعَبْدُ الوارِثِ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِضَمِّ الرّاءِ، كَما قالُوا في شاكٍ شاكٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ؛ ﴿المُنْشَآتُ﴾ بِفَتْحِ الشِّينِ، اسْمَ مَفْعُولٍ: أيْ أنْشَأها اللَّهُ، أوِ النّاسُ، أوِ المَرْفُوعاتُ الشِّراعِ. وقالَ مُجاهِدٌ: ما لَهُ شِراعٌ مِنَ المُنْشَآتِ، وما لَمْ يُرْفَعْ لَهُ شِراعٌ، فَلَيْسَ مِنَ المُنْشَآتِ. والشِّراعُ: القَلْعُ. والأعْمَشُ وحَمْزَةُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وطَلْحَةُ وأبُو بَكْرٍ: بِخِلافٍ عَنْهُ، بِكَسْرِ الشِّينِ: أيِ الرّافِعاتُ الشِّراعِ، أوِ اللّاتِي يُنْشِئْنَ الأمْواجَ بِجَرْيِهِنَّ، أوِ الَّتِي تُنْشِئُ السَّفَرَ إقْبالًا وإدْبارًا. وشَدَّدَ الشِّينَ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ والحَسَنُ المُنَشَّأةُ، وحَدَّ الصِّفَةَ، ودَلَّ عَلى الجَمْعِ المَوْصُوفِ، كَقَوْلِهِ: ﴿أزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ [البقرة: ٢٥]، وقَلَبَ الهَمْزَةَ ألِفًا عَلى حَدِّ قَوْلِهِ:
؎إنَّ السِّباعَ لَتَهْدا في مَرابِضِها
يُرِيدُ: لَتَهْدَأُ، التّاءُ لِتَأْنِيثِ الصِّفَةِ، كُتِبَتْ تاءً عَلى لَفْظِها في الوَصْلِ.
﴿كالأعْلامِ﴾: أيْ كالجِبالِ والآكامِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى كِبَرِ السُّفُنِ حَيْثُ شَبَّهَها بِالجِبالِ، وإنْ كانَتِ المُنْشَآتُ تَنْطَلِقُ عَلى السَّفِينَةِ الكَبِيرَةِ والصَّغِيرَةِ. وعَبَّرَ بِمَن في قَوْلِهِ: ﴿كُلُّ مَن عَلَيْها﴾ تَغْلِيبًا لِمَن يَعْقِلُ، والضَّمِيرُ في (عَلَيْها) قَلِيلٌ عائِدٌ عَلى الأرْضِ في قَوْلِهِ: ﴿والأرْضَ وضَعَها لِلْأنامِ﴾، فَعادَ الضَّمِيرُ عَلَيْها، وإنْ كانَ بَعْدَ لَفْظِها. والفَناءُ عِبارَةٌ عَنْ إعْدامِ جَمِيعِ المَوْجُوداتِ مِن حَيَوانٍ وغَيْرِهِ، والوَجْهُ يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ حَقِيقَةِ الشَّيْءِ، والجارِحَةُ مُنْتَفِيَةٌ عَنِ اللَّهِ تَعالى، ونَحْوَ ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا وجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] . وتَقُولُ صَعالِيكُ مَكَّةَ: أيْنَ وجْهُ عَرَبِيٍّ كَرِيمٍ يَجُودُ عَلَيَّ ؟ وقَرَأ الجُمْهُورُ: ذُو بِالواوِ، وصِفَةً لِلْوَجْهِ. وأُبَيُّ وعَبْدُ اللَّهِ: ذِي بِالياءِ، صِفَةً لِلرَّبِّ. والظّاهِرُ أنَّ الخِطابَ في قَوْلِهِ: ﴿وجْهُ رَبِّكَ﴾ لِلرَّسُولِ، وفِيهِ تَشْرِيفٌ عَظِيمٌ لَهُ، ﷺ . وقِيلَ: (p-١٩٣)الخِطابُ لِكُلِّ سامِعٍ. ومَعْنى ﴿ذُو الجَلالِ﴾: الَّذِي يُجِلُّهُ المُوَحِّدُونَ عَنِ التَّشْبِيهِ بِخَلْقِهِ وعَنْ أفْعالِهِمْ، أوِ الَّذِي يُتَعَجَّبُ مِن جَلالِهِ، أوِ الَّذِي عِنْدَهُ الجَلالُ والإكْرامُ لِلْمُخْلِصِينَ مِن عِبادِهِ.
﴿يَسْألُهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾: أيْ حَوائِجَهم، وهو ما يَتَعَلَّقُ بِمَن في السَّماواتِ مِن أمْرِ الدِّينِ وما اسْتُعْبِدُوا بِهِ، ومَن في الأرْضِ مِن أمْرِ دِينِهِمْ ودُنْياهم. وقالَ أبُو صالِحٍ: مَن في السَّماواتِ الرَّحْمَةَ ومَن في الأرْضِ المَغْفِرَةَ والرِّزْقَ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: المَلائِكَةُ الرِّزْقَ لِأهْلِ الأرْضِ والمَغْفِرَةَ، وأهْلُ الأرْضِ يَسْألُونَهُما جَمِيعًا. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: يَسْألُهُ اسْتِئْنافُ إخْبارٍ. وقِيلَ: حالٌ مِنَ الوَجْهِ، والعامِلُ فِيهِ يَبْقى، أيْ هو دائِمٌ في هَذِهِ الحالِ. انْتَهى، وفِيهِ بُعْدٌ. ومَن لا يَسْألُ، فَحالُهُ تَقْتَضِي السُّؤالَ، فَيَصِحُّ إسْنادُ السُّؤالِ إلى الجَمِيعِ بِاعْتِبارِ القَدْرِ المُشْتَرَكِ، وهو الِافْتِقارُ إلَيْهِ تَعالى.
﴿كُلَّ يَوْمٍ﴾: أيْ كُلَّ ساعَةٍ ولَحْظَةٍ، وذَكَرَ اليَوْمَ لِأنَّ السّاعاتِ واللَّحَظاتِ في ضِمْنِهِ.
﴿هُوَ في شَأْنٍ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: في شَأْنٍ يُمْضِيهِ مِنَ الخَلْقِ والرِّزْقِ والإحْياءِ والإماتَةِ. وقالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: يُجِيبُ داعِيًا، ويَفُكُّ عانِيًا، ويَتُوبُ عَلى قَوْمٍ، ويَغْفِرُ لِقَوْمٍ. وقالَ سُوَيْدُ بْنُ غَفْلَةَ: يُعْتِقُ رِقابًا، ويُعْطِي رَغامًا ويُقْحِمُ عِقابًا. وقالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: الدَّهْرُ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمانِ، أحَدُهُما اليَوْمُ الَّذِي هو مُدَّةُ الدُّنْيا، فَشَأْنُهُ فِيهِ الأمْرُ والنَّهْيُ والإماتَةُ والإحْياءُ؛ والثّانِي الَّذِي هو يَوْمُ القِيامَةِ، فَشَأْنُهُ فِيهِ الجَزاءُ والحِسابُ. وعَنْ مُقاتِلٍ: نَزَلَتْ في اليَهُودِ، فَقالُوا: إنَّ اللَّهَ لا يَقْضِي يَوْمَ السَّبْتِ شَيْئًا. وقالَ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ، وقَدْ سَألَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طاهِرٍ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هو في شَأْنٍ﴾: وقَدْ صَحَّ أنَّ القَلَمَ جَفَّ بِما هو كائِنٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ فَقالَ: شُئُونٌ يُبْدِيها، لا شُئُونٌ يَبْتَدِيها. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: هو في يَوْمِ الدُّنْيا في الِابْتِلاءِ، وفي يَوْمِ القِيامَةِ في الجَزاءِ. وانْتَصَبَ ﴿كُلَّ يَوْمٍ﴾ عَلى الظَّرْفِ، والعامِلُ فِيهِ العامِلُ في قَوْلِهِ: ﴿فِي شَأْنٍ﴾، وهو مُسْتَقِرٌّ المَحْذُوفُ، نَحْوَ: يَوْمَ الجُمُعَةِ زَيْدٌ قائِمٌ.
الرحمن 55:24
ولَمّا ذَكَرَ تَعالى ما أنْعَمَ بِهِ مِن مَنفَعَةِ الشَّمْسِ والقَمَرِ، وكانَ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ العُلْوِيَّةِ، ذَكَرَ في مُقابَلَتِهِما مِنَ الآثارِ السُّفْلِيَّةِ النَّجْمَ والشَّجَرَ، إذْ كانا رِزْقًا لِلْإنْسانِ، وأخْبَرَ أنَّهُما جارِيانِ عَلى ما أرادَ اللَّهُ بِهِما، مِن تَسْخِيرِهِما وكَيْنُونَتِهِما عَلى ما اقْتَضَتْهُ حِكْمَتُهُ تَعالى. ولَمّا ذَكَرَ ما بِهِ حَياةُ الأرْواحِ مِن تَعْلِيمِ القُرْآنِ، ذَكَرَ ما بِهِ حَياةُ الأشْباحِ مِنَ النَّباتِ الَّذِي لَهُ ساقٌ، وكانَ تَقْدِيمُ النَّجْمِ، وهو ما لا ساقَ لَهُ، لِأنَّهُ أصْلُ القُوتِ، والَّذِي لَهُ ساقٌ ثَمَرُهُ يُتَفَكَّهُ بِهِ غالِبًا. والظّاهِرُ أنَّ النَّجْمَ هو الَّذِي شَرَحْناهُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ اقْتِرانُهُ بِالشَّجَرِ. وقالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ والحَسَنُ: النَّجْمُ: اسْمُ الجِنْسِ مِن نُجُومِ السَّماءِ. وسُجُودُهُما، قالَ مُجاهِدٌ والحَسَنُ: ذَلِكَ في النَّجْمِ بِالغُرُوبِ ونَحْوِهِ، وفي الشَّجَرِ بِالظِّلِّ واسْتِدارَتِهِ. وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: والسُّجُودُ تَجَوُّزٌ، وهو عِبارَةٌ عَنِ الخُضُوعِ والتَّذَلُّلِ. والجُمَلُ الأُوَلُ فِيها ضَمِيرٌ يَرْبُطُها بِالمُبْتَدَأِ، وأمّا في هاتَيْنِ الجُمْلَتَيْنِ فاكْتَفى بِالوَصْلِ المَعْنَوِيِّ عَنِ الوَصْلِ اللَّفْظِيِّ، إذْ مَعْلُومٌ أنَّ الحُسْبانَ هو حُسْبانُهُ، وأنَّ السُّجُودَ لَهُ لا لِغَيْرِهِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: بِحُسْبانِهِ ويَسْجُدانِ لَهُ. ولَمّا أُورِدَتْ هَذِهِ الجُمَلُ مَوْرِدَ تَعْدِيدِ النِّعَمِ رُدَّ الكَلامُ إلى العَطْفِ في وصْلِ ما يُناسِبُ وصْلَهُ، والتَّناسُبُ الَّذِي بَيْنَ هاتَيْنِ الجُمْلَتَيْنِ ظاهِرٌ، لِأنَّ الشَّمْسَ والقَمَرَ عُلْوِيّانِ، والنَّجْمُ والشَّجَرُ سُفْلِيّانِ.
﴿والسَّماءَ رَفَعَها﴾: أيْ خَلَقَها مَرْفُوعَةً، حَيْثُ جَعَلَها مَصْدَرَ قَضاياهُ ومَسْكَنَ مَلائِكَتِهِ الَّذِينَ يَنْزِلُونَ بِالوَحْيِ عَلى أنْبِيائِهِ، ونَبَّهَ بِذَلِكَ عَلى عِظَمِ شَأْنِهِ ومِلْكِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (والسَّماءَ)، بِالنَّصْبِ عَلى الِاشْتِغالِ، رُوعِيَ مُشاكَلَةُ الجُمْلَةِ الَّتِي تَلِيهِ وهي ﴿يَسْجُدانِ﴾ [الرحمن: ٦] . وقَرَأ أبُو السَّمّالِ: والسَّماءُ بِالرَّفْعِ، راعى مُشاكَلَةَ الجُمْلَةِ الِابْتِدائِيَّةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ووَضَعَ المِيزانَ﴾، فِعْلًا ماضِيًا ناصِبًا المِيزانَ، أيْ أقَرَّهُ وأثْبَتَهُ. وقَرَأ إبْراهِيمُ: ووَضْعِ المِيزانِ، بِالخَفْضِ وإسْكانِ الضّادِ. والظّاهِرُ أنَّهُ كُلُّ ما يُوزَنُ بِهِ الأشْياءُ وتُعْرَفُ مَقادِيرُها، وإنِ اخْتَلَفَتِ الآلاتُ، قالَ مَعْناهُ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وقَتادَةُ، جَعَلَهُ تَعالى حاكِمًا بِالسَّوِيَّةِ في الأخْذِ والإعْطاءِ. وقالَ مُجاهِدٌ والطَّبَرِيُّ والأكْثَرُونَ: المِيزانُ: العَدْلُ، وتَكُونُ الآلاتُ مِن بَعْضِ ما يَنْدَرِجُ في العَدْلِ. بَدَأ أوَّلًا بِالعِلْمِ، فَذَكَرَ ما فِيهِ أشْرَفُ أنْواعِ العُلُومِ وهو القُرْآنُ؛ ثُمَّ ذَكَرَ ما بِهِ التَّعْدِيلُ في الأُمُورِ، وهو المِيزانُ، كَقَوْلِهِ: ﴿وأنْزَلْنا مَعَهُمُ الكِتابَ والمِيزانَ﴾ [الحديد: ٢٥]، لِيُعَلِّمُوا الكِتابَ ويَفْعَلُوا ما يَأْمُرُهم بِهِ الكِتابُ. (أنْ لا تَطْغَوْا في المِيزانِ): أيْ لِأنْ لا تَطْغَوْا، فَتَطْغَوْا مَنصُوبٌ بِأنْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ هي ”أنِ“ المُفَسِّرَةُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ أنْ مُفَسِّرَةً، فَيَكُونُ تَطْغَوْا جَزْمًا بِالنَّهْيِ. انْتَهى، ولا يَجُوزُ ما قالاهُ مِن أنَّ أنْ مُفَسِّرَةٌ، لِأنَّهُ فاتَ أحَدُ شَرْطَيْها، وهو أنْ يَكُونَ ما قَبْلَها جُمْلَةً فِيها مَعْنى القَوْلِ.
﴿ووَضَعَ المِيزانَ﴾ جُمْلَةٌ لَيْسَ فِيها مَعْنى القَوْلِ. والطُّغْيانُ في المِيزانِ هو أنْ يَكُونَ بِالتَّعَمُّدِ، وأمّا ما لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنَ التَّحْرِيرِ بِالمِيزانِ فَمَعْفُوٌّ عَنْهُ.
ولَمّا كانَتِ التَّسْوِيَةُ مَطْلُوبَةً جِدًّا، أمَرَ اللَّهُ تَعالى فَقالَ: ﴿وأقِيمُوا الوَزْنَ﴾ . وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ولا تُخْسِرُوا﴾، مِن أخْسَرَ: أيْ أفْسَدَ ونَقَصَ، كَقَوْلِهِ: ﴿وإذا كالُوهم أوْ وزَنُوهم يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين: ٣]؛ أيْ يَنْقُصُونَ. وبِلالُ بْنُ أبِي بُرْدَةَ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: تَخْسَرُ بِفَتْحِ التّاءِ، يُقالُ: خَسِرَ يَخْسَرُ، وأخْسَرَ يُخْسِرُ بِمَعْنًى واحِدٍ، كَجَبَرَ وأجْبَرَ. وحَكى ابْنُ جِنِّي وصاحِبُ اللَّوامِحِ، عَنْ بِلالٍ فَتْحَ التّاءِ والسِّينِ مُضارِعُ خَسِرَ بِكَسْرِ السِّينِ، وخَرَّجَها الزَّمَخْشَرِيُّ عَلى أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: في المِيزانِ، فَحَذَفَ الجارَّ ونَصَبَ، ولا يُحْتاجُ إلى هَذا التَّخْرِيجِ. ألا تَرى أنَّ خَسِرَ جاءَ مُتَعَدِّيًا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٢]، و﴿خَسِرَ الدُّنْيا والآخِرَةَ﴾ [الحج: ١١] ؟ وقُرِئَ أيْضًا: تَخْسُرُوا، بِفَتْحِ التّاءِ وضَمِّ السِّينِ. لِما مُنِعَ مِنَ الزِّيادَةِ، وهي الطُّغْيانُ، نَهى عَنِ الخُسْرانِ الَّذِي هو نُقْصانٌ، وكَرَّرَ لَفْظَ المِيزانِ، تَشْدِيدًا لِلتَّوْصِيَةِ بِهِ وتَقْوِيَةً لِلْأمْرِ بِاسْتِعْمالِهِ والحَثِّ عَلَيْهِ.
ولَمّا ذَكَرَ السَّماءَ، ذَكَرَ مُقابِلَتَها فَقالَ: ﴿والأرْضَ وضَعَها لِلْأنامِ﴾: أيْ خَفَضَها (p-١٩٠)مَدْحُوَّةً عَلى الماءِ لِيُنْتَفَعَ بِها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”والأرْضَ“ بِالنَّصْبِ؛ وأبُو السَّمّالِ: بِالرَّفْعِ: ”والأنامُ“، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بَنُو آدَمَ فَقَطْ. وقالَ أيْضًا هو وقَتادَةُ وابْنُ زَيْدٍ والشَّعْبِيُّ: الحَيَوانُ كُلُّهُ. وقالَ الحَسَنُ: الثَّقَلانِ الجِنُّ والإنْسُ.
﴿فِيها فاكِهَةٌ﴾: ضُرُوبٌ مِمّا يُتَفَكَّهُ بِهِ. وبَدَأ بِقَوْلِهِ: ﴿فاكِهَةٌ﴾، إذْ هو مِن بابِ الِابْتِداءِ بِالأدْنى والتَّرَقِّي إلى الأعْلى، ونَكَّرَ لَفْظَها، لِأنَّ الِانْتِفاعَ بِها دُونَ الِانْتِفاعِ بِما يُذْكَرُ بَعْدَها. ثُمَّ ثَنّى بِالنَّخْلِ، فَذَكَرَ الأصْلَ ولَمْ يَذْكُرْ ثَمَرَتَها، وهو الثَّمَرُ لِكَثْرَةِ الِانْتِفاعِ بِها مِن لِيفٍ وسَعَفٍ وجَرِيدٍ وجُذُوعٍ وجُمّارٍ وثَمَرٍ. ثُمَّ أتى ثالِثًا بِالحَبِّ الَّذِي هو قِوامُ عَيْشِ الإنْسانِ في أكْثَرِ الأقالِيمِ، وهو البُرُّ والشَّعِيرُ وكُلُّ ما لَهُ سُنْبُلٌ وأوْراقٌ مُتَشَعِّبَةٌ عَلى ساقِهِ، ووَصَفَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ذُو العَصْفِ﴾ تَنْبِيهًا عَلى إنْعامِهِ عَلَيْهِمْ بِما يَقُوتُهم مِنَ الحَبِّ، ويَقُوتُ بَهائِمَهم مِن ورَقِهِ الَّذِي هو التِّبْنُ. وبَدَأ بِالفاكِهَةِ وخَتَمَ بِالمَشْمُومِ، وبَيْنَهُما النَّخْلُ والحَبُّ، لِيَحْصُلَ ما بِهِ يُتَفَكَّهُ، وما بِهِ يُتَقَوَّتُ، وما بِهِ تَقَعُ اللَّذاذَةُ مِنَ الرّائِحَةِ الطَّيِّبَةِ. وذَكَرَ النَّخْلَ بِاسْمِها والفاكِهَةَ دُونَ شَجَرِها، لِعِظَمِ المَنفَعَةِ بِالنَّخْلِ مِن جِهاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ، وشَجَرَةُ الفاكِهَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى ثَمَرَتِها حَقِيرَةٌ، فَنَصَّ عَلى ما يَعْظُمُ بِهِ الِانْتِفاعُ مِن شَجَرَةِ النَّخْلِ ومِنَ الفاكِهَةِ دُونَ شَجَرَتِها.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿والحَبُّ ذُو العَصْفِ والرَّيْحانُ﴾، بِرَفْعِ الثَّلاثَةِ عَطْفًا عَلى المَرْفُوعِ قَبْلَهُ؛ وابْنُ عامِرٍ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِنَصْبِ الثَّلاثَةِ، أيْ وخَلَقَ الحَبَّ. وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ ﴿والرَّيْحانُ﴾ حالَةَ الرَّفْعِ وحالَةَ النَّصْبِ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ وذُو الرَّيْحانِ حَذَفَ المُضافَ وأقامَ المُضافَ إلَيْهِ مَقامَهُ؛ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ والأصْمَعِيُّ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: والرَّيْحانُ بِالجَرِّ، والمَعْنى: والحَبُّ ذُو العَصْفِ الَّذِي هو عَلَفُ البَهائِمِ، والرَّيْحانُ الَّذِي هو مَطْعَمُ النّاسِ، ويَبْعُدُ دُخُولُ المَشْمُومِ في قِراءَةِ الجَرِّ، ورَيْحانُ مِن ذَواتِ الواوِ. وأجازَ أبُو عَلِيٍّ أنْ يَكُونَ اسْمًا، ووُضِعَ مَوْضِعَ المَصْدَرِ، وأنْ يَكُونَ مَصْدَرًا عَلى وزْنِ فَعْلانَ كاللَّبّانِ. وأُبْدِلَتِ الواوُ ياءً، كَما أبْدَلُوا الياءَ واوًا في أشاوى، أوْ مَصْدَرًا شاذًّا في المُعْتَلِّ، كَما شَذَّ كَبَنُونَةٍ وبَيْنُونَةٍ، فَأصْلُهُ رَيْوِحانُ، قُلِبَتِ الواوُ ياءً وأُدْغِمَتْ في الياءِ فَصارَ رَيِّحانَ، ثُمَّ حُذِفَتْ عَيْنُ الكَلِمَةِ، كَما قالُوا: مَيْتٌ وهَيْنٌ.
ولَمّا عَدَّدَ تَعالى نِعَمَهُ، خاطَبَ الثَّقَلَيْنِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٣٢]، أيْ أنَّ نِعَمَهُ كَثِيرَةٌ لا تُحْصى، فَبِأيِّها تُكَذِّبانِ ؟ أيْ مَن هَذِهِ نِعَمُهُ لا يُمْكِنُ أنْ يُكَذَّبَ بِها. وكانَ هَذا الخِطابُ لِلثَّقَلَيْنِ، لِأنَّهُما داخِلانِ في الأنامِ عَلى أصَحِّ الأقْوالِ. ولِقَوْلِهِ: ﴿خَلَقَ الإنْسانَ﴾، و﴿وخَلَقَ الجانَّ﴾؛ ولِقَوْلِهِ: ﴿سَنَفْرُغُ لَكم أيُّها الثَّقَلانِ﴾ [الرحمن: ٣١]، وقَدْ أبْعَدَ مَن جَعَلَهُ خِطابًا لِلذَّكَرِ والأُنْثى مِن بَنِي آدَمَ. وأبْعَدُ مِن هَذا قَوْلُ مَن قالَ: إنَّهُ خِطابٌ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ: ﴿ألْقِيا في جَهَنَّمَ﴾ [ق: ٢٤]، ويا حَرَسِي اضْرِبا عُنُقَهُ، يَعْنِي أنَّهُ خِطابٌ لِلْواحِدِ بِصُورَةِ الِاثْنَيْنِ، فَبِأيِّ مُنَوَّنًا في جَمِيعِ السُّورَةِ، كَأنَّهُ حُذِفَ مِنهُ المُضافُ إلَيْهِ وأُبْدِلَ مِنهُ (آلاءِ رَبِّكُما) بَدَلَ مَعْرِفَةٍ مِن نَكِرَةٍ، وآلاءُ تَقَدَّمَ في الأعْرافِ أنَّها النِّعَمُ، واحِدُها إلْيٌ وألًا وإلًى وألْيٌ.
﴿خَلَقَ الإنْسانَ﴾: لَمّا ذَكَرَ العالَمَ الأكْبَرَ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ وما أوْجَدَ فِيها مِنَ النِّعَمِ، ذَكَرَ مَبْدَأ مَن خُلِقَتْ لَهُ هَذِهِ النِّعَمُ، والإنْسانُ هو آدَمُ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ. وقِيلَ: لِلْجِنْسِ، وساغَ ذَلِكَ لِأنَّ أباهم مَخْلُوقٌ مِنَ الصَّلْصالِ. وإذا أُرِيدَ بِالإنْسانِ آدَمُ، فَقَدْ جاءَتْ غاياتٌ لَهُ مُخْتَلِفَةٌ، وذَلِكَ بِتَنَقُّلِ أصْلِهِ؛ فَكانَ أوَّلًا تُرابًا، ثُمَّ طِينًا، ثُمَّ حَمَأً مَسْنُونًا، ثُمَّ صَلْصالًا، فَناسَبَ أنْ يُنْسَبَ خَلْقُهُ لِكُلِّ واحِدٍ مِنها. والجانُّ هو أبُو الجِنِّ، وهو إبْلِيسُ، قالَهُ الحَسَنُ. وقالَ مُجاهِدٌ: هو أبُو الجِنِّ، ولَيْسَ بِإبْلِيسَ. وقِيلَ: الجانُّ اسْمُ جِنْسٍ، والمارِجُ: ما اخْتَلَطَ مِن أصْفَرَ وأحْمَرَ وأخْضَرَ، أوِ اللَّهَبُ، أوِ الخالِصُ، أوِ الحُمْرَةُ في طَرَفِ النّارِ، أوِ المُخْتَلِطُ بِسَوادٍ، أوِ المُضْطَرِبُ بِلا دُخانٍ، أقْوالٌ، (ومِن) الأُولى لِابْتِداءِ الغايَةِ، والثّانِيَةُ في (مِن نارٍ) لِلتَّبْعِيضِ. وقِيلَ لِلْبَيانِ، والتَّكْرارُ في هَذِهِ الفَواصِلِ: لِلتَّأْكِيدِ والتَّنْبِيهِ والتَّحْرِيكِ، وهي مَوْجُودَةٌ في مَواضِعَ مِنَ القُرْآنِ. وذَهَبَ قَوْمٌ مِنهُمُ ابْنُ قُتَيْبَةَ إلى أنَّ هَذا التَّكْرارَ إنَّما هو لِاخْتِلافِ النِّعَمِ، فَكَرَّرَ (p-١٩١)التَّوْقِيفَ في كُلِّ واحِدٍ مِنها.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: (رَبُّ)، و(رَبُّ) بِالرَّفْعِ، أيْ هو رَبٌّ؛ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِالخَفْضِ بَدَلًا مِن رَبِّكُما، وثَنّى المُضافَ إلَيْهِ لِأنَّهُما مَشْرِقا الصَّيْفِ والشِّتاءِ ومَغْرِباهُما، قالَهُ مُجاهِدٌ. وقِيلَ: مَشْرِقا الشَّمْسِ والقَمَرِ ومَغْرِباهُما. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: لِلشَّمْسِ مَشْرِقٌ في الصَّيْفِ مُصْعِدٌ، ومَشْرِقٌ في الشِّتاءِ مُنْحَدِرٌ، تَنْتَقِلُ فِيهِما مُصْعِدَةً ومُنْحَدِرَةً. انْتَهى. فالمَشْرِقانِ والمَغْرِبانِ لِلشَّمْسِ. وقِيلَ: المَشْرِقانِ: مَطْلَعُ الفَجْرِ ومَطْلَعُ الشَّمْسِ، والمَغْرِبانِ مَغْرِبُ الشَّفَقِ ومَغْرِبُ الشَّمْسِ. ولِسَهْلٍ التُّسْتَرِيِّ كَلامٌ في المَشْرِقَيْنِ والمَغْرِبَيْنِ شَبِيهٌ بِكَلامِ الباطِنِيَّةِ المُحَرِّفِينَ مَدْلُولَ كَلامِ اللَّهِ، ضَرَبْنا عَنْ ذِكْرِهِ صَفْحًا. وكَذَلِكَ ما وقَفْنا عَلَيْهِ مِن كَلامِ الغُلاةِ الَّذِينَ يُنْسَبُونَ لِلصُّوفِيَّةِ، لِأنّا لا نَسْتَحِلُّ نَقْلَ شَيْءٍ مِنهُ. وقَدْ أوْلَغَ صاحِبُ كِتابِ التَّحْرِيرِ والتَّحْبِيرِ بِحَسْبِ ما قالَهُ هَؤُلاءِ الغُلاةُ في كُلِّ آيَةٍ آيَةٍ، ويُسَمِّي ذَلِكَ الحَقائِقَ، وأرْبابُ القُلُوبِ وما ادَّعَوْا فَهْمَهُ في القُرْآنِ فَأوْغَلُوا فِيهِ لَمْ يَفْهَمْهُ عَرَبِيٌّ قَطُّ، ولا أرادَهُ اللَّهُ تَعالى بِتِلْكَ الألْفاظِ، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِن ذَلِكَ.
﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ذَلِكَ في الفُرْقانِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وذَكَرَ الثَّعْلَبِيُّ في ﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ﴾ ألْغازًا وأقْوالًا باطِنَةً لا يُلْتَفَتُ إلى شَيْءٍ مِنها. انْتَهى، والظّاهِرُ التِقاؤُهُما، أيْ يَتَجاوَرانِ، فَلا فَصْلَ بَيْنَ الماءَيْنِ في رُؤْيَةِ العَيْنِ. وقِيلَ: يَلْتَقِيانِ في كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً. وقِيلَ: مُعَدّانِ لِلِالتِقاءِ، فَحَقُّهُما أنْ يَلْتَقِيا لَوْلا البَرْزَخُ بَيْنَهُما.
﴿بَرْزَخٌ﴾: أيْ حاجِزٌ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، ﴿لا يَبْغِيانِ﴾: لا يَتَجاوَزانِ حَدَّهُما، ولا يَبْغِي أحَدُهُما عَلى الآخَرِ بِالمُمازَجَةِ. وقِيلَ: البَرْزَخُ: أجْرامُ الأرْضِ، قالَهُ قَتادَةُ؛ وقِيلَ: لا يَبْغِيانِ: أيْ عَلى النّاسِ والعُمْرانِ، وعَلى هَذا والَّذِي قَبْلَهُ يَكُونُ مِنَ البَغْيِ. وقِيلَ: هو مِن بَغى، أيْ طَلَبَ، فالمَعْنى: لا يَبْغِيانِ حالًا غَيْرَ الحالِ الَّتِي خُلِقا عَلَيْها وسُخِّرا لَها. وقِيلَ: ماءُ الأنْهارِ لا يَخْتَلِطُ بِالماءِ المِلْحِ، بَلْ هو بِذاتِهِ باقٍ فِيهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والعِيانُ لا يَقْتَضِيهِ. انْتَهى، يَعْنِي أنَّهُ يُشاهِدُ الماءَ العَذْبَ يَخْتَلِطُ بِالمِلْحِ فَيَبْقى كُلُّهُ مِلْحًا، وقَدْ يُقالُ: إنَّهُ بِالِاخْتِلاطِ تَتَغَيَّرُ أجْرامُ العَذْبِ حَتّى لا تَظْهَرَ، فَإذا ذاقَ الإنْسانُ مِنَ المِلْحِ المُنْبَثِّ فِيهِ تِلْكَ الأجْزاءُ الدَّقِيقَةُ لَمْ يُحِسَّ إلّا المُلُوحَةَ، والمَعْقُولُ يَشْهَدُ بِذَلِكَ، لِأنَّ تَداخُلَ الأجْسامِ غَيْرُ مُمْكِنٍ، لَكِنَّ التَّفَرُّقَ والِالتِقاءَ مُمْكِنٌ. وأنْشَدَ القاضِي مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ البَلُّوطِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى:
؎ومَمْزُوجَةُ الأمْواهِ لا العَذْبُ غالِبٌ عَلى المِلْحِ طِيبًا لا ولا المِلْحُ يَعْذُبُ
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿يَخْرُجُ﴾ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ؛ ونافِعٌ وأبُو عَمْرٍو وأهْلُ المَدِينَةِ: مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ؛ والجُعْفِيٌّ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِالياءِ مَضْمُومَةً وكَسْرِ الرّاءِ، أيْ يُخْرِجُ اللَّهُ؛ وعَنْهُ وعَنْ أبِي عَمْرٍو، وعَنِ ابْنِ مِقْسَمٍ: بِالنُّونِ. واللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ نُصِبَ في هاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ. والظّاهِرُ في (مِنهُما) أنَّ ذَلِكَ يَخْرُجُ مِنَ المِلْحِ والعَذْبِ. وقالَ بِذَلِكَ قَوْمٌ، حَكاهُ الأخْفَشُ. ورَدَّ النّاسُ هَذا القَوْلَ، قالُوا: والحِسُّ يُخالِفُهُ، إذْ لا يَخْرُجُ إلّا مِنَ المِلْحِ، وعابُوا قَوْلَ الشّاعِرِ:
؎فَجاءَ بِها ما شِئْتَ مِن لَطِيمَةٍ ∗∗∗ عَلى وجْهِها ماءُ الفُراتِ يَمُوجُ
وقالَ الجُمْهُورُ: إنَّما يَخْرُجُ مِنَ الأُجاجِ في المَواضِعِ الَّتِي تَقَعُ فِيها الأنْهارُ والمِياهُ العَذْبَةُ، فَناسَبَ إسْنادَ ذَلِكَ إلَيْهِما، وهَذا مَشْهُورٌ عِنْدَ الغَوّاصِينَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ: تَكُونُ هَذِهِ الأشْياءُ في البَحْرِ بِنُزُولِ المَطَرِ، لِأنَّ الصَّدَفَ وغَيْرَها تَفْتَحُ أفْواهَها لِلْمَطَرِ، فَلِذَلِكَ قالَ (مِنهُما) . وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: إنَّما يَخْرُجُ مِنَ المِلْحِ، لَكِنَّهُ قالَ (مِنهُما) تَجَوُّزًا. وقالَ الرُّمّانِيُّ: العَذْبُ فِيها كاللِّقاحِ لِلْمِلْحِ، فَهو كَما يُقالُ؛ الوَلَدُ يَخْرُجُ مِنَ الذَّكَرِ والأُنْثى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ، وتَبِعَ الزَّجّاجَ مِن حَيْثُ هُما نَوْعٌ واحِدٌ، فَخُرُوجُ هَذِهِ الأشْياءِ إنَّما هي مِنهُما، وإنْ كانَتْ تَخْتَصُّ عِنْدَ التَّفْصِيلِ المَبالَغِ بِأحَدِهِما، كَما قالَ: ﴿سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا﴾ [نوح: ١٥] ﴿وجَعَلَ القَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾ [نوح: ١٦]، (p-١٩٢)وإنَّما هو في إحْداهُنَّ، وهي الدُّنْيا إلى الأرْضِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ نَحْوًا مِن قَوْلِ ابْنِ عَطِيَّةَ، قالَ: فَإنْ قُلْتَ: لِمَ قالَ (مِنهُما)، وإنَّما يَخْرُجانِ مِنَ المِلْحِ قُلْتُ: لَمّا التَقَيا وصارا كالشَّيْءِ الواحِدِ، جازَ أنْ يُقالَ: يَخْرُجانِ مِنهُما، كَما يُقالُ: يَخْرُجانِ مِنَ البَحْرِ، ولا يَخْرُجانِ مِن جَمِيعِ البَحْرِ، ولَكِنْ مِن بَعْضِهِ. وتَقُولُ: خَرَجْتُ مِنَ البَلَدِ، وإنَّما خَرَجْتَ مِن مَحَلَّةٍ مِن مَحالِّهِ، بَلْ مِن دارٍ واحِدَةٍ مِن دُورِهِ. وقِيلَ: لا يَخْرُجانِ إلّا مِن مُلْتَقى المِلْحِ والعَذْبِ. انْتَهى. وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: هَذا مِن بابِ حَذْفِ المُضافِ، والتَّقْدِيرُ: يَخْرُجُ مِن أحَدِهِما، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١]: أيْ مِن إحْدى القَرْيَتَيْنِ. وقِيلَ: هُما بَحْرانِ، يَخْرُجُ مِن أحَدِهِما اللُّؤْلُؤُ ومِنَ الآخَرِ المَرْجانُ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: كَلامُ اللَّهِ تَعالى أوْلى بِالِاعْتِبارِ مِن كَلامِ بَعْضِ النّاسِ ومَن أعْلَمَ أنَّ اللُّؤْلُؤَ لا يَخْرُجُ مِنَ الماءِ العَذْبِ ؟، وهَبْ أنَّ الغَوّاصِينَ ما أخْرَجُوهُ إلّا مِنَ المالِحِ. ولَكِنْ لِمَ قُلْتُمْ إنَّ الصَّدَفَ لا يَخْرُجُ بِأمْرِ اللَّهِ مِنَ الماءِ العَذْبِ إلى الماءِ المِلْحِ وكَيْفَ يُمْكِنُ الجَزْمُ بِهِ والأُمُورُ الأرْضِيَّةُ الظّاهِرَةُ خَفِيَتْ عَنِ التُّجّارِ الَّذِينَ قَطَعُوا المَفاوِزَ ودارُوا البِلادَ، فَكَيْفَ لا يَخْفى أمْرٌ ما في قَعْرِ البَحْرِ عَلَيْهِمْ ؟ واللُّؤْلُؤُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ وقَتادَةُ: كِبارُ الجَوْهَرِ. والمَرْجانُ صِغارُهُ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا وعَلِيٍّ ومُرَّةَ الهَمْدانِيِّ عَكْسُ هَذا. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ وأبُو مالِكٍ: المَرْجانُ: الحَجَرُ الأحْمَرُ. وقالَ الزَّجّاجُ: حَجَرٌ شَدِيدُ البَياضِ. وحَكى القاضِي أبُو يَعْلى أنَّهُ ضَرْبٌ مِنَ اللُّؤْلُؤِ، كالقُضْبانِ، والمَرْجانُ: اسْمٌ أعْجَمِيٌّ مُعَرَّبٌ. قالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: لَمْ أسْمَعْ فِيهِ نَقْلَ مُتَصَرِّفٍ، وقالَ الأعْشى:
؎مِن كُلِّ مَرْجانَةٍ في البَحْرِ أحْرَزَها ∗∗∗ تَيّارُها ووَقاها طِينَها الصَّدَفُ
قِيلَ: أرادَ اللُّؤْلُؤَةَ الكَبِيرَةَ. وقَرَأ طَلْحَةُ: اللُّؤْلِي بِكَسْرِ اللّامِ الثّالِثَةِ، وهي لُغَةٌ. وعَبَدُ الوَلِيِّ: تُقْلَبُ الهَمْزَةُ المُتَطَرِّفَةُ ياءً ساكِنَةً بَعْدَ كَسْرَةِ ما قَبْلَها، وهي لُغَةٌ، قالَهُ أبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ.
﴿ولَهُ الجَوارِي﴾: خَصَّ تَعالى الجَوارِيَ بِأنَّها لَهُ، وهو تَعالى لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما فِيهِنَّ، لِأنَّهم لَمّا كانُوا هم مُنْشِئِيها، أسْنَدَها تَعالى إلَيْهِ، إذْ كانَ تَمامُ مَنفَعَتِها إنَّما هو مِنهُ تَعالى، فَهو في الحَقِيقَةِ مالِكُها. والجَوارِي: السُّفُنُ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ والحَسَنُ وعَبْدُ الوارِثِ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِضَمِّ الرّاءِ، كَما قالُوا في شاكٍ شاكٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ؛ ﴿المُنْشَآتُ﴾ بِفَتْحِ الشِّينِ، اسْمَ مَفْعُولٍ: أيْ أنْشَأها اللَّهُ، أوِ النّاسُ، أوِ المَرْفُوعاتُ الشِّراعِ. وقالَ مُجاهِدٌ: ما لَهُ شِراعٌ مِنَ المُنْشَآتِ، وما لَمْ يُرْفَعْ لَهُ شِراعٌ، فَلَيْسَ مِنَ المُنْشَآتِ. والشِّراعُ: القَلْعُ. والأعْمَشُ وحَمْزَةُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وطَلْحَةُ وأبُو بَكْرٍ: بِخِلافٍ عَنْهُ، بِكَسْرِ الشِّينِ: أيِ الرّافِعاتُ الشِّراعِ، أوِ اللّاتِي يُنْشِئْنَ الأمْواجَ بِجَرْيِهِنَّ، أوِ الَّتِي تُنْشِئُ السَّفَرَ إقْبالًا وإدْبارًا. وشَدَّدَ الشِّينَ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ والحَسَنُ المُنَشَّأةُ، وحَدَّ الصِّفَةَ، ودَلَّ عَلى الجَمْعِ المَوْصُوفِ، كَقَوْلِهِ: ﴿أزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ [البقرة: ٢٥]، وقَلَبَ الهَمْزَةَ ألِفًا عَلى حَدِّ قَوْلِهِ:
؎إنَّ السِّباعَ لَتَهْدا في مَرابِضِها
يُرِيدُ: لَتَهْدَأُ، التّاءُ لِتَأْنِيثِ الصِّفَةِ، كُتِبَتْ تاءً عَلى لَفْظِها في الوَصْلِ.
﴿كالأعْلامِ﴾: أيْ كالجِبالِ والآكامِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى كِبَرِ السُّفُنِ حَيْثُ شَبَّهَها بِالجِبالِ، وإنْ كانَتِ المُنْشَآتُ تَنْطَلِقُ عَلى السَّفِينَةِ الكَبِيرَةِ والصَّغِيرَةِ. وعَبَّرَ بِمَن في قَوْلِهِ: ﴿كُلُّ مَن عَلَيْها﴾ تَغْلِيبًا لِمَن يَعْقِلُ، والضَّمِيرُ في (عَلَيْها) قَلِيلٌ عائِدٌ عَلى الأرْضِ في قَوْلِهِ: ﴿والأرْضَ وضَعَها لِلْأنامِ﴾، فَعادَ الضَّمِيرُ عَلَيْها، وإنْ كانَ بَعْدَ لَفْظِها. والفَناءُ عِبارَةٌ عَنْ إعْدامِ جَمِيعِ المَوْجُوداتِ مِن حَيَوانٍ وغَيْرِهِ، والوَجْهُ يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ حَقِيقَةِ الشَّيْءِ، والجارِحَةُ مُنْتَفِيَةٌ عَنِ اللَّهِ تَعالى، ونَحْوَ ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا وجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] . وتَقُولُ صَعالِيكُ مَكَّةَ: أيْنَ وجْهُ عَرَبِيٍّ كَرِيمٍ يَجُودُ عَلَيَّ ؟ وقَرَأ الجُمْهُورُ: ذُو بِالواوِ، وصِفَةً لِلْوَجْهِ. وأُبَيُّ وعَبْدُ اللَّهِ: ذِي بِالياءِ، صِفَةً لِلرَّبِّ. والظّاهِرُ أنَّ الخِطابَ في قَوْلِهِ: ﴿وجْهُ رَبِّكَ﴾ لِلرَّسُولِ، وفِيهِ تَشْرِيفٌ عَظِيمٌ لَهُ، ﷺ . وقِيلَ: (p-١٩٣)الخِطابُ لِكُلِّ سامِعٍ. ومَعْنى ﴿ذُو الجَلالِ﴾: الَّذِي يُجِلُّهُ المُوَحِّدُونَ عَنِ التَّشْبِيهِ بِخَلْقِهِ وعَنْ أفْعالِهِمْ، أوِ الَّذِي يُتَعَجَّبُ مِن جَلالِهِ، أوِ الَّذِي عِنْدَهُ الجَلالُ والإكْرامُ لِلْمُخْلِصِينَ مِن عِبادِهِ.
﴿يَسْألُهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾: أيْ حَوائِجَهم، وهو ما يَتَعَلَّقُ بِمَن في السَّماواتِ مِن أمْرِ الدِّينِ وما اسْتُعْبِدُوا بِهِ، ومَن في الأرْضِ مِن أمْرِ دِينِهِمْ ودُنْياهم. وقالَ أبُو صالِحٍ: مَن في السَّماواتِ الرَّحْمَةَ ومَن في الأرْضِ المَغْفِرَةَ والرِّزْقَ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: المَلائِكَةُ الرِّزْقَ لِأهْلِ الأرْضِ والمَغْفِرَةَ، وأهْلُ الأرْضِ يَسْألُونَهُما جَمِيعًا. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: يَسْألُهُ اسْتِئْنافُ إخْبارٍ. وقِيلَ: حالٌ مِنَ الوَجْهِ، والعامِلُ فِيهِ يَبْقى، أيْ هو دائِمٌ في هَذِهِ الحالِ. انْتَهى، وفِيهِ بُعْدٌ. ومَن لا يَسْألُ، فَحالُهُ تَقْتَضِي السُّؤالَ، فَيَصِحُّ إسْنادُ السُّؤالِ إلى الجَمِيعِ بِاعْتِبارِ القَدْرِ المُشْتَرَكِ، وهو الِافْتِقارُ إلَيْهِ تَعالى.
﴿كُلَّ يَوْمٍ﴾: أيْ كُلَّ ساعَةٍ ولَحْظَةٍ، وذَكَرَ اليَوْمَ لِأنَّ السّاعاتِ واللَّحَظاتِ في ضِمْنِهِ.
﴿هُوَ في شَأْنٍ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: في شَأْنٍ يُمْضِيهِ مِنَ الخَلْقِ والرِّزْقِ والإحْياءِ والإماتَةِ. وقالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: يُجِيبُ داعِيًا، ويَفُكُّ عانِيًا، ويَتُوبُ عَلى قَوْمٍ، ويَغْفِرُ لِقَوْمٍ. وقالَ سُوَيْدُ بْنُ غَفْلَةَ: يُعْتِقُ رِقابًا، ويُعْطِي رَغامًا ويُقْحِمُ عِقابًا. وقالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: الدَّهْرُ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمانِ، أحَدُهُما اليَوْمُ الَّذِي هو مُدَّةُ الدُّنْيا، فَشَأْنُهُ فِيهِ الأمْرُ والنَّهْيُ والإماتَةُ والإحْياءُ؛ والثّانِي الَّذِي هو يَوْمُ القِيامَةِ، فَشَأْنُهُ فِيهِ الجَزاءُ والحِسابُ. وعَنْ مُقاتِلٍ: نَزَلَتْ في اليَهُودِ، فَقالُوا: إنَّ اللَّهَ لا يَقْضِي يَوْمَ السَّبْتِ شَيْئًا. وقالَ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ، وقَدْ سَألَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طاهِرٍ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هو في شَأْنٍ﴾: وقَدْ صَحَّ أنَّ القَلَمَ جَفَّ بِما هو كائِنٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ فَقالَ: شُئُونٌ يُبْدِيها، لا شُئُونٌ يَبْتَدِيها. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: هو في يَوْمِ الدُّنْيا في الِابْتِلاءِ، وفي يَوْمِ القِيامَةِ في الجَزاءِ. وانْتَصَبَ ﴿كُلَّ يَوْمٍ﴾ عَلى الظَّرْفِ، والعامِلُ فِيهِ العامِلُ في قَوْلِهِ: ﴿فِي شَأْنٍ﴾، وهو مُسْتَقِرٌّ المَحْذُوفُ، نَحْوَ: يَوْمَ الجُمُعَةِ زَيْدٌ قائِمٌ.
الرحمن 55:25
ولَمّا ذَكَرَ تَعالى ما أنْعَمَ بِهِ مِن مَنفَعَةِ الشَّمْسِ والقَمَرِ، وكانَ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ العُلْوِيَّةِ، ذَكَرَ في مُقابَلَتِهِما مِنَ الآثارِ السُّفْلِيَّةِ النَّجْمَ والشَّجَرَ، إذْ كانا رِزْقًا لِلْإنْسانِ، وأخْبَرَ أنَّهُما جارِيانِ عَلى ما أرادَ اللَّهُ بِهِما، مِن تَسْخِيرِهِما وكَيْنُونَتِهِما عَلى ما اقْتَضَتْهُ حِكْمَتُهُ تَعالى. ولَمّا ذَكَرَ ما بِهِ حَياةُ الأرْواحِ مِن تَعْلِيمِ القُرْآنِ، ذَكَرَ ما بِهِ حَياةُ الأشْباحِ مِنَ النَّباتِ الَّذِي لَهُ ساقٌ، وكانَ تَقْدِيمُ النَّجْمِ، وهو ما لا ساقَ لَهُ، لِأنَّهُ أصْلُ القُوتِ، والَّذِي لَهُ ساقٌ ثَمَرُهُ يُتَفَكَّهُ بِهِ غالِبًا. والظّاهِرُ أنَّ النَّجْمَ هو الَّذِي شَرَحْناهُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ اقْتِرانُهُ بِالشَّجَرِ. وقالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ والحَسَنُ: النَّجْمُ: اسْمُ الجِنْسِ مِن نُجُومِ السَّماءِ. وسُجُودُهُما، قالَ مُجاهِدٌ والحَسَنُ: ذَلِكَ في النَّجْمِ بِالغُرُوبِ ونَحْوِهِ، وفي الشَّجَرِ بِالظِّلِّ واسْتِدارَتِهِ. وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: والسُّجُودُ تَجَوُّزٌ، وهو عِبارَةٌ عَنِ الخُضُوعِ والتَّذَلُّلِ. والجُمَلُ الأُوَلُ فِيها ضَمِيرٌ يَرْبُطُها بِالمُبْتَدَأِ، وأمّا في هاتَيْنِ الجُمْلَتَيْنِ فاكْتَفى بِالوَصْلِ المَعْنَوِيِّ عَنِ الوَصْلِ اللَّفْظِيِّ، إذْ مَعْلُومٌ أنَّ الحُسْبانَ هو حُسْبانُهُ، وأنَّ السُّجُودَ لَهُ لا لِغَيْرِهِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: بِحُسْبانِهِ ويَسْجُدانِ لَهُ. ولَمّا أُورِدَتْ هَذِهِ الجُمَلُ مَوْرِدَ تَعْدِيدِ النِّعَمِ رُدَّ الكَلامُ إلى العَطْفِ في وصْلِ ما يُناسِبُ وصْلَهُ، والتَّناسُبُ الَّذِي بَيْنَ هاتَيْنِ الجُمْلَتَيْنِ ظاهِرٌ، لِأنَّ الشَّمْسَ والقَمَرَ عُلْوِيّانِ، والنَّجْمُ والشَّجَرُ سُفْلِيّانِ.
﴿والسَّماءَ رَفَعَها﴾: أيْ خَلَقَها مَرْفُوعَةً، حَيْثُ جَعَلَها مَصْدَرَ قَضاياهُ ومَسْكَنَ مَلائِكَتِهِ الَّذِينَ يَنْزِلُونَ بِالوَحْيِ عَلى أنْبِيائِهِ، ونَبَّهَ بِذَلِكَ عَلى عِظَمِ شَأْنِهِ ومِلْكِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (والسَّماءَ)، بِالنَّصْبِ عَلى الِاشْتِغالِ، رُوعِيَ مُشاكَلَةُ الجُمْلَةِ الَّتِي تَلِيهِ وهي ﴿يَسْجُدانِ﴾ [الرحمن: ٦] . وقَرَأ أبُو السَّمّالِ: والسَّماءُ بِالرَّفْعِ، راعى مُشاكَلَةَ الجُمْلَةِ الِابْتِدائِيَّةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ووَضَعَ المِيزانَ﴾، فِعْلًا ماضِيًا ناصِبًا المِيزانَ، أيْ أقَرَّهُ وأثْبَتَهُ. وقَرَأ إبْراهِيمُ: ووَضْعِ المِيزانِ، بِالخَفْضِ وإسْكانِ الضّادِ. والظّاهِرُ أنَّهُ كُلُّ ما يُوزَنُ بِهِ الأشْياءُ وتُعْرَفُ مَقادِيرُها، وإنِ اخْتَلَفَتِ الآلاتُ، قالَ مَعْناهُ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وقَتادَةُ، جَعَلَهُ تَعالى حاكِمًا بِالسَّوِيَّةِ في الأخْذِ والإعْطاءِ. وقالَ مُجاهِدٌ والطَّبَرِيُّ والأكْثَرُونَ: المِيزانُ: العَدْلُ، وتَكُونُ الآلاتُ مِن بَعْضِ ما يَنْدَرِجُ في العَدْلِ. بَدَأ أوَّلًا بِالعِلْمِ، فَذَكَرَ ما فِيهِ أشْرَفُ أنْواعِ العُلُومِ وهو القُرْآنُ؛ ثُمَّ ذَكَرَ ما بِهِ التَّعْدِيلُ في الأُمُورِ، وهو المِيزانُ، كَقَوْلِهِ: ﴿وأنْزَلْنا مَعَهُمُ الكِتابَ والمِيزانَ﴾ [الحديد: ٢٥]، لِيُعَلِّمُوا الكِتابَ ويَفْعَلُوا ما يَأْمُرُهم بِهِ الكِتابُ. (أنْ لا تَطْغَوْا في المِيزانِ): أيْ لِأنْ لا تَطْغَوْا، فَتَطْغَوْا مَنصُوبٌ بِأنْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ هي ”أنِ“ المُفَسِّرَةُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ أنْ مُفَسِّرَةً، فَيَكُونُ تَطْغَوْا جَزْمًا بِالنَّهْيِ. انْتَهى، ولا يَجُوزُ ما قالاهُ مِن أنَّ أنْ مُفَسِّرَةٌ، لِأنَّهُ فاتَ أحَدُ شَرْطَيْها، وهو أنْ يَكُونَ ما قَبْلَها جُمْلَةً فِيها مَعْنى القَوْلِ.
﴿ووَضَعَ المِيزانَ﴾ جُمْلَةٌ لَيْسَ فِيها مَعْنى القَوْلِ. والطُّغْيانُ في المِيزانِ هو أنْ يَكُونَ بِالتَّعَمُّدِ، وأمّا ما لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنَ التَّحْرِيرِ بِالمِيزانِ فَمَعْفُوٌّ عَنْهُ.
ولَمّا كانَتِ التَّسْوِيَةُ مَطْلُوبَةً جِدًّا، أمَرَ اللَّهُ تَعالى فَقالَ: ﴿وأقِيمُوا الوَزْنَ﴾ . وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ولا تُخْسِرُوا﴾، مِن أخْسَرَ: أيْ أفْسَدَ ونَقَصَ، كَقَوْلِهِ: ﴿وإذا كالُوهم أوْ وزَنُوهم يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين: ٣]؛ أيْ يَنْقُصُونَ. وبِلالُ بْنُ أبِي بُرْدَةَ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: تَخْسَرُ بِفَتْحِ التّاءِ، يُقالُ: خَسِرَ يَخْسَرُ، وأخْسَرَ يُخْسِرُ بِمَعْنًى واحِدٍ، كَجَبَرَ وأجْبَرَ. وحَكى ابْنُ جِنِّي وصاحِبُ اللَّوامِحِ، عَنْ بِلالٍ فَتْحَ التّاءِ والسِّينِ مُضارِعُ خَسِرَ بِكَسْرِ السِّينِ، وخَرَّجَها الزَّمَخْشَرِيُّ عَلى أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: في المِيزانِ، فَحَذَفَ الجارَّ ونَصَبَ، ولا يُحْتاجُ إلى هَذا التَّخْرِيجِ. ألا تَرى أنَّ خَسِرَ جاءَ مُتَعَدِّيًا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٢]، و﴿خَسِرَ الدُّنْيا والآخِرَةَ﴾ [الحج: ١١] ؟ وقُرِئَ أيْضًا: تَخْسُرُوا، بِفَتْحِ التّاءِ وضَمِّ السِّينِ. لِما مُنِعَ مِنَ الزِّيادَةِ، وهي الطُّغْيانُ، نَهى عَنِ الخُسْرانِ الَّذِي هو نُقْصانٌ، وكَرَّرَ لَفْظَ المِيزانِ، تَشْدِيدًا لِلتَّوْصِيَةِ بِهِ وتَقْوِيَةً لِلْأمْرِ بِاسْتِعْمالِهِ والحَثِّ عَلَيْهِ.
ولَمّا ذَكَرَ السَّماءَ، ذَكَرَ مُقابِلَتَها فَقالَ: ﴿والأرْضَ وضَعَها لِلْأنامِ﴾: أيْ خَفَضَها (p-١٩٠)مَدْحُوَّةً عَلى الماءِ لِيُنْتَفَعَ بِها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”والأرْضَ“ بِالنَّصْبِ؛ وأبُو السَّمّالِ: بِالرَّفْعِ: ”والأنامُ“، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بَنُو آدَمَ فَقَطْ. وقالَ أيْضًا هو وقَتادَةُ وابْنُ زَيْدٍ والشَّعْبِيُّ: الحَيَوانُ كُلُّهُ. وقالَ الحَسَنُ: الثَّقَلانِ الجِنُّ والإنْسُ.
﴿فِيها فاكِهَةٌ﴾: ضُرُوبٌ مِمّا يُتَفَكَّهُ بِهِ. وبَدَأ بِقَوْلِهِ: ﴿فاكِهَةٌ﴾، إذْ هو مِن بابِ الِابْتِداءِ بِالأدْنى والتَّرَقِّي إلى الأعْلى، ونَكَّرَ لَفْظَها، لِأنَّ الِانْتِفاعَ بِها دُونَ الِانْتِفاعِ بِما يُذْكَرُ بَعْدَها. ثُمَّ ثَنّى بِالنَّخْلِ، فَذَكَرَ الأصْلَ ولَمْ يَذْكُرْ ثَمَرَتَها، وهو الثَّمَرُ لِكَثْرَةِ الِانْتِفاعِ بِها مِن لِيفٍ وسَعَفٍ وجَرِيدٍ وجُذُوعٍ وجُمّارٍ وثَمَرٍ. ثُمَّ أتى ثالِثًا بِالحَبِّ الَّذِي هو قِوامُ عَيْشِ الإنْسانِ في أكْثَرِ الأقالِيمِ، وهو البُرُّ والشَّعِيرُ وكُلُّ ما لَهُ سُنْبُلٌ وأوْراقٌ مُتَشَعِّبَةٌ عَلى ساقِهِ، ووَصَفَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ذُو العَصْفِ﴾ تَنْبِيهًا عَلى إنْعامِهِ عَلَيْهِمْ بِما يَقُوتُهم مِنَ الحَبِّ، ويَقُوتُ بَهائِمَهم مِن ورَقِهِ الَّذِي هو التِّبْنُ. وبَدَأ بِالفاكِهَةِ وخَتَمَ بِالمَشْمُومِ، وبَيْنَهُما النَّخْلُ والحَبُّ، لِيَحْصُلَ ما بِهِ يُتَفَكَّهُ، وما بِهِ يُتَقَوَّتُ، وما بِهِ تَقَعُ اللَّذاذَةُ مِنَ الرّائِحَةِ الطَّيِّبَةِ. وذَكَرَ النَّخْلَ بِاسْمِها والفاكِهَةَ دُونَ شَجَرِها، لِعِظَمِ المَنفَعَةِ بِالنَّخْلِ مِن جِهاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ، وشَجَرَةُ الفاكِهَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى ثَمَرَتِها حَقِيرَةٌ، فَنَصَّ عَلى ما يَعْظُمُ بِهِ الِانْتِفاعُ مِن شَجَرَةِ النَّخْلِ ومِنَ الفاكِهَةِ دُونَ شَجَرَتِها.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿والحَبُّ ذُو العَصْفِ والرَّيْحانُ﴾، بِرَفْعِ الثَّلاثَةِ عَطْفًا عَلى المَرْفُوعِ قَبْلَهُ؛ وابْنُ عامِرٍ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِنَصْبِ الثَّلاثَةِ، أيْ وخَلَقَ الحَبَّ. وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ ﴿والرَّيْحانُ﴾ حالَةَ الرَّفْعِ وحالَةَ النَّصْبِ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ وذُو الرَّيْحانِ حَذَفَ المُضافَ وأقامَ المُضافَ إلَيْهِ مَقامَهُ؛ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ والأصْمَعِيُّ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: والرَّيْحانُ بِالجَرِّ، والمَعْنى: والحَبُّ ذُو العَصْفِ الَّذِي هو عَلَفُ البَهائِمِ، والرَّيْحانُ الَّذِي هو مَطْعَمُ النّاسِ، ويَبْعُدُ دُخُولُ المَشْمُومِ في قِراءَةِ الجَرِّ، ورَيْحانُ مِن ذَواتِ الواوِ. وأجازَ أبُو عَلِيٍّ أنْ يَكُونَ اسْمًا، ووُضِعَ مَوْضِعَ المَصْدَرِ، وأنْ يَكُونَ مَصْدَرًا عَلى وزْنِ فَعْلانَ كاللَّبّانِ. وأُبْدِلَتِ الواوُ ياءً، كَما أبْدَلُوا الياءَ واوًا في أشاوى، أوْ مَصْدَرًا شاذًّا في المُعْتَلِّ، كَما شَذَّ كَبَنُونَةٍ وبَيْنُونَةٍ، فَأصْلُهُ رَيْوِحانُ، قُلِبَتِ الواوُ ياءً وأُدْغِمَتْ في الياءِ فَصارَ رَيِّحانَ، ثُمَّ حُذِفَتْ عَيْنُ الكَلِمَةِ، كَما قالُوا: مَيْتٌ وهَيْنٌ.
ولَمّا عَدَّدَ تَعالى نِعَمَهُ، خاطَبَ الثَّقَلَيْنِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٣٢]، أيْ أنَّ نِعَمَهُ كَثِيرَةٌ لا تُحْصى، فَبِأيِّها تُكَذِّبانِ ؟ أيْ مَن هَذِهِ نِعَمُهُ لا يُمْكِنُ أنْ يُكَذَّبَ بِها. وكانَ هَذا الخِطابُ لِلثَّقَلَيْنِ، لِأنَّهُما داخِلانِ في الأنامِ عَلى أصَحِّ الأقْوالِ. ولِقَوْلِهِ: ﴿خَلَقَ الإنْسانَ﴾، و﴿وخَلَقَ الجانَّ﴾؛ ولِقَوْلِهِ: ﴿سَنَفْرُغُ لَكم أيُّها الثَّقَلانِ﴾ [الرحمن: ٣١]، وقَدْ أبْعَدَ مَن جَعَلَهُ خِطابًا لِلذَّكَرِ والأُنْثى مِن بَنِي آدَمَ. وأبْعَدُ مِن هَذا قَوْلُ مَن قالَ: إنَّهُ خِطابٌ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ: ﴿ألْقِيا في جَهَنَّمَ﴾ [ق: ٢٤]، ويا حَرَسِي اضْرِبا عُنُقَهُ، يَعْنِي أنَّهُ خِطابٌ لِلْواحِدِ بِصُورَةِ الِاثْنَيْنِ، فَبِأيِّ مُنَوَّنًا في جَمِيعِ السُّورَةِ، كَأنَّهُ حُذِفَ مِنهُ المُضافُ إلَيْهِ وأُبْدِلَ مِنهُ (آلاءِ رَبِّكُما) بَدَلَ مَعْرِفَةٍ مِن نَكِرَةٍ، وآلاءُ تَقَدَّمَ في الأعْرافِ أنَّها النِّعَمُ، واحِدُها إلْيٌ وألًا وإلًى وألْيٌ.
﴿خَلَقَ الإنْسانَ﴾: لَمّا ذَكَرَ العالَمَ الأكْبَرَ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ وما أوْجَدَ فِيها مِنَ النِّعَمِ، ذَكَرَ مَبْدَأ مَن خُلِقَتْ لَهُ هَذِهِ النِّعَمُ، والإنْسانُ هو آدَمُ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ. وقِيلَ: لِلْجِنْسِ، وساغَ ذَلِكَ لِأنَّ أباهم مَخْلُوقٌ مِنَ الصَّلْصالِ. وإذا أُرِيدَ بِالإنْسانِ آدَمُ، فَقَدْ جاءَتْ غاياتٌ لَهُ مُخْتَلِفَةٌ، وذَلِكَ بِتَنَقُّلِ أصْلِهِ؛ فَكانَ أوَّلًا تُرابًا، ثُمَّ طِينًا، ثُمَّ حَمَأً مَسْنُونًا، ثُمَّ صَلْصالًا، فَناسَبَ أنْ يُنْسَبَ خَلْقُهُ لِكُلِّ واحِدٍ مِنها. والجانُّ هو أبُو الجِنِّ، وهو إبْلِيسُ، قالَهُ الحَسَنُ. وقالَ مُجاهِدٌ: هو أبُو الجِنِّ، ولَيْسَ بِإبْلِيسَ. وقِيلَ: الجانُّ اسْمُ جِنْسٍ، والمارِجُ: ما اخْتَلَطَ مِن أصْفَرَ وأحْمَرَ وأخْضَرَ، أوِ اللَّهَبُ، أوِ الخالِصُ، أوِ الحُمْرَةُ في طَرَفِ النّارِ، أوِ المُخْتَلِطُ بِسَوادٍ، أوِ المُضْطَرِبُ بِلا دُخانٍ، أقْوالٌ، (ومِن) الأُولى لِابْتِداءِ الغايَةِ، والثّانِيَةُ في (مِن نارٍ) لِلتَّبْعِيضِ. وقِيلَ لِلْبَيانِ، والتَّكْرارُ في هَذِهِ الفَواصِلِ: لِلتَّأْكِيدِ والتَّنْبِيهِ والتَّحْرِيكِ، وهي مَوْجُودَةٌ في مَواضِعَ مِنَ القُرْآنِ. وذَهَبَ قَوْمٌ مِنهُمُ ابْنُ قُتَيْبَةَ إلى أنَّ هَذا التَّكْرارَ إنَّما هو لِاخْتِلافِ النِّعَمِ، فَكَرَّرَ (p-١٩١)التَّوْقِيفَ في كُلِّ واحِدٍ مِنها.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: (رَبُّ)، و(رَبُّ) بِالرَّفْعِ، أيْ هو رَبٌّ؛ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِالخَفْضِ بَدَلًا مِن رَبِّكُما، وثَنّى المُضافَ إلَيْهِ لِأنَّهُما مَشْرِقا الصَّيْفِ والشِّتاءِ ومَغْرِباهُما، قالَهُ مُجاهِدٌ. وقِيلَ: مَشْرِقا الشَّمْسِ والقَمَرِ ومَغْرِباهُما. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: لِلشَّمْسِ مَشْرِقٌ في الصَّيْفِ مُصْعِدٌ، ومَشْرِقٌ في الشِّتاءِ مُنْحَدِرٌ، تَنْتَقِلُ فِيهِما مُصْعِدَةً ومُنْحَدِرَةً. انْتَهى. فالمَشْرِقانِ والمَغْرِبانِ لِلشَّمْسِ. وقِيلَ: المَشْرِقانِ: مَطْلَعُ الفَجْرِ ومَطْلَعُ الشَّمْسِ، والمَغْرِبانِ مَغْرِبُ الشَّفَقِ ومَغْرِبُ الشَّمْسِ. ولِسَهْلٍ التُّسْتَرِيِّ كَلامٌ في المَشْرِقَيْنِ والمَغْرِبَيْنِ شَبِيهٌ بِكَلامِ الباطِنِيَّةِ المُحَرِّفِينَ مَدْلُولَ كَلامِ اللَّهِ، ضَرَبْنا عَنْ ذِكْرِهِ صَفْحًا. وكَذَلِكَ ما وقَفْنا عَلَيْهِ مِن كَلامِ الغُلاةِ الَّذِينَ يُنْسَبُونَ لِلصُّوفِيَّةِ، لِأنّا لا نَسْتَحِلُّ نَقْلَ شَيْءٍ مِنهُ. وقَدْ أوْلَغَ صاحِبُ كِتابِ التَّحْرِيرِ والتَّحْبِيرِ بِحَسْبِ ما قالَهُ هَؤُلاءِ الغُلاةُ في كُلِّ آيَةٍ آيَةٍ، ويُسَمِّي ذَلِكَ الحَقائِقَ، وأرْبابُ القُلُوبِ وما ادَّعَوْا فَهْمَهُ في القُرْآنِ فَأوْغَلُوا فِيهِ لَمْ يَفْهَمْهُ عَرَبِيٌّ قَطُّ، ولا أرادَهُ اللَّهُ تَعالى بِتِلْكَ الألْفاظِ، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِن ذَلِكَ.
﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ذَلِكَ في الفُرْقانِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وذَكَرَ الثَّعْلَبِيُّ في ﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ﴾ ألْغازًا وأقْوالًا باطِنَةً لا يُلْتَفَتُ إلى شَيْءٍ مِنها. انْتَهى، والظّاهِرُ التِقاؤُهُما، أيْ يَتَجاوَرانِ، فَلا فَصْلَ بَيْنَ الماءَيْنِ في رُؤْيَةِ العَيْنِ. وقِيلَ: يَلْتَقِيانِ في كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً. وقِيلَ: مُعَدّانِ لِلِالتِقاءِ، فَحَقُّهُما أنْ يَلْتَقِيا لَوْلا البَرْزَخُ بَيْنَهُما.
﴿بَرْزَخٌ﴾: أيْ حاجِزٌ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، ﴿لا يَبْغِيانِ﴾: لا يَتَجاوَزانِ حَدَّهُما، ولا يَبْغِي أحَدُهُما عَلى الآخَرِ بِالمُمازَجَةِ. وقِيلَ: البَرْزَخُ: أجْرامُ الأرْضِ، قالَهُ قَتادَةُ؛ وقِيلَ: لا يَبْغِيانِ: أيْ عَلى النّاسِ والعُمْرانِ، وعَلى هَذا والَّذِي قَبْلَهُ يَكُونُ مِنَ البَغْيِ. وقِيلَ: هو مِن بَغى، أيْ طَلَبَ، فالمَعْنى: لا يَبْغِيانِ حالًا غَيْرَ الحالِ الَّتِي خُلِقا عَلَيْها وسُخِّرا لَها. وقِيلَ: ماءُ الأنْهارِ لا يَخْتَلِطُ بِالماءِ المِلْحِ، بَلْ هو بِذاتِهِ باقٍ فِيهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والعِيانُ لا يَقْتَضِيهِ. انْتَهى، يَعْنِي أنَّهُ يُشاهِدُ الماءَ العَذْبَ يَخْتَلِطُ بِالمِلْحِ فَيَبْقى كُلُّهُ مِلْحًا، وقَدْ يُقالُ: إنَّهُ بِالِاخْتِلاطِ تَتَغَيَّرُ أجْرامُ العَذْبِ حَتّى لا تَظْهَرَ، فَإذا ذاقَ الإنْسانُ مِنَ المِلْحِ المُنْبَثِّ فِيهِ تِلْكَ الأجْزاءُ الدَّقِيقَةُ لَمْ يُحِسَّ إلّا المُلُوحَةَ، والمَعْقُولُ يَشْهَدُ بِذَلِكَ، لِأنَّ تَداخُلَ الأجْسامِ غَيْرُ مُمْكِنٍ، لَكِنَّ التَّفَرُّقَ والِالتِقاءَ مُمْكِنٌ. وأنْشَدَ القاضِي مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ البَلُّوطِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى:
؎ومَمْزُوجَةُ الأمْواهِ لا العَذْبُ غالِبٌ عَلى المِلْحِ طِيبًا لا ولا المِلْحُ يَعْذُبُ
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿يَخْرُجُ﴾ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ؛ ونافِعٌ وأبُو عَمْرٍو وأهْلُ المَدِينَةِ: مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ؛ والجُعْفِيٌّ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِالياءِ مَضْمُومَةً وكَسْرِ الرّاءِ، أيْ يُخْرِجُ اللَّهُ؛ وعَنْهُ وعَنْ أبِي عَمْرٍو، وعَنِ ابْنِ مِقْسَمٍ: بِالنُّونِ. واللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ نُصِبَ في هاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ. والظّاهِرُ في (مِنهُما) أنَّ ذَلِكَ يَخْرُجُ مِنَ المِلْحِ والعَذْبِ. وقالَ بِذَلِكَ قَوْمٌ، حَكاهُ الأخْفَشُ. ورَدَّ النّاسُ هَذا القَوْلَ، قالُوا: والحِسُّ يُخالِفُهُ، إذْ لا يَخْرُجُ إلّا مِنَ المِلْحِ، وعابُوا قَوْلَ الشّاعِرِ:
؎فَجاءَ بِها ما شِئْتَ مِن لَطِيمَةٍ ∗∗∗ عَلى وجْهِها ماءُ الفُراتِ يَمُوجُ
وقالَ الجُمْهُورُ: إنَّما يَخْرُجُ مِنَ الأُجاجِ في المَواضِعِ الَّتِي تَقَعُ فِيها الأنْهارُ والمِياهُ العَذْبَةُ، فَناسَبَ إسْنادَ ذَلِكَ إلَيْهِما، وهَذا مَشْهُورٌ عِنْدَ الغَوّاصِينَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ: تَكُونُ هَذِهِ الأشْياءُ في البَحْرِ بِنُزُولِ المَطَرِ، لِأنَّ الصَّدَفَ وغَيْرَها تَفْتَحُ أفْواهَها لِلْمَطَرِ، فَلِذَلِكَ قالَ (مِنهُما) . وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: إنَّما يَخْرُجُ مِنَ المِلْحِ، لَكِنَّهُ قالَ (مِنهُما) تَجَوُّزًا. وقالَ الرُّمّانِيُّ: العَذْبُ فِيها كاللِّقاحِ لِلْمِلْحِ، فَهو كَما يُقالُ؛ الوَلَدُ يَخْرُجُ مِنَ الذَّكَرِ والأُنْثى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ، وتَبِعَ الزَّجّاجَ مِن حَيْثُ هُما نَوْعٌ واحِدٌ، فَخُرُوجُ هَذِهِ الأشْياءِ إنَّما هي مِنهُما، وإنْ كانَتْ تَخْتَصُّ عِنْدَ التَّفْصِيلِ المَبالَغِ بِأحَدِهِما، كَما قالَ: ﴿سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا﴾ [نوح: ١٥] ﴿وجَعَلَ القَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾ [نوح: ١٦]، (p-١٩٢)وإنَّما هو في إحْداهُنَّ، وهي الدُّنْيا إلى الأرْضِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ نَحْوًا مِن قَوْلِ ابْنِ عَطِيَّةَ، قالَ: فَإنْ قُلْتَ: لِمَ قالَ (مِنهُما)، وإنَّما يَخْرُجانِ مِنَ المِلْحِ قُلْتُ: لَمّا التَقَيا وصارا كالشَّيْءِ الواحِدِ، جازَ أنْ يُقالَ: يَخْرُجانِ مِنهُما، كَما يُقالُ: يَخْرُجانِ مِنَ البَحْرِ، ولا يَخْرُجانِ مِن جَمِيعِ البَحْرِ، ولَكِنْ مِن بَعْضِهِ. وتَقُولُ: خَرَجْتُ مِنَ البَلَدِ، وإنَّما خَرَجْتَ مِن مَحَلَّةٍ مِن مَحالِّهِ، بَلْ مِن دارٍ واحِدَةٍ مِن دُورِهِ. وقِيلَ: لا يَخْرُجانِ إلّا مِن مُلْتَقى المِلْحِ والعَذْبِ. انْتَهى. وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: هَذا مِن بابِ حَذْفِ المُضافِ، والتَّقْدِيرُ: يَخْرُجُ مِن أحَدِهِما، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١]: أيْ مِن إحْدى القَرْيَتَيْنِ. وقِيلَ: هُما بَحْرانِ، يَخْرُجُ مِن أحَدِهِما اللُّؤْلُؤُ ومِنَ الآخَرِ المَرْجانُ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: كَلامُ اللَّهِ تَعالى أوْلى بِالِاعْتِبارِ مِن كَلامِ بَعْضِ النّاسِ ومَن أعْلَمَ أنَّ اللُّؤْلُؤَ لا يَخْرُجُ مِنَ الماءِ العَذْبِ ؟، وهَبْ أنَّ الغَوّاصِينَ ما أخْرَجُوهُ إلّا مِنَ المالِحِ. ولَكِنْ لِمَ قُلْتُمْ إنَّ الصَّدَفَ لا يَخْرُجُ بِأمْرِ اللَّهِ مِنَ الماءِ العَذْبِ إلى الماءِ المِلْحِ وكَيْفَ يُمْكِنُ الجَزْمُ بِهِ والأُمُورُ الأرْضِيَّةُ الظّاهِرَةُ خَفِيَتْ عَنِ التُّجّارِ الَّذِينَ قَطَعُوا المَفاوِزَ ودارُوا البِلادَ، فَكَيْفَ لا يَخْفى أمْرٌ ما في قَعْرِ البَحْرِ عَلَيْهِمْ ؟ واللُّؤْلُؤُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ وقَتادَةُ: كِبارُ الجَوْهَرِ. والمَرْجانُ صِغارُهُ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا وعَلِيٍّ ومُرَّةَ الهَمْدانِيِّ عَكْسُ هَذا. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ وأبُو مالِكٍ: المَرْجانُ: الحَجَرُ الأحْمَرُ. وقالَ الزَّجّاجُ: حَجَرٌ شَدِيدُ البَياضِ. وحَكى القاضِي أبُو يَعْلى أنَّهُ ضَرْبٌ مِنَ اللُّؤْلُؤِ، كالقُضْبانِ، والمَرْجانُ: اسْمٌ أعْجَمِيٌّ مُعَرَّبٌ. قالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: لَمْ أسْمَعْ فِيهِ نَقْلَ مُتَصَرِّفٍ، وقالَ الأعْشى:
؎مِن كُلِّ مَرْجانَةٍ في البَحْرِ أحْرَزَها ∗∗∗ تَيّارُها ووَقاها طِينَها الصَّدَفُ
قِيلَ: أرادَ اللُّؤْلُؤَةَ الكَبِيرَةَ. وقَرَأ طَلْحَةُ: اللُّؤْلِي بِكَسْرِ اللّامِ الثّالِثَةِ، وهي لُغَةٌ. وعَبَدُ الوَلِيِّ: تُقْلَبُ الهَمْزَةُ المُتَطَرِّفَةُ ياءً ساكِنَةً بَعْدَ كَسْرَةِ ما قَبْلَها، وهي لُغَةٌ، قالَهُ أبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ.
﴿ولَهُ الجَوارِي﴾: خَصَّ تَعالى الجَوارِيَ بِأنَّها لَهُ، وهو تَعالى لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما فِيهِنَّ، لِأنَّهم لَمّا كانُوا هم مُنْشِئِيها، أسْنَدَها تَعالى إلَيْهِ، إذْ كانَ تَمامُ مَنفَعَتِها إنَّما هو مِنهُ تَعالى، فَهو في الحَقِيقَةِ مالِكُها. والجَوارِي: السُّفُنُ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ والحَسَنُ وعَبْدُ الوارِثِ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِضَمِّ الرّاءِ، كَما قالُوا في شاكٍ شاكٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ؛ ﴿المُنْشَآتُ﴾ بِفَتْحِ الشِّينِ، اسْمَ مَفْعُولٍ: أيْ أنْشَأها اللَّهُ، أوِ النّاسُ، أوِ المَرْفُوعاتُ الشِّراعِ. وقالَ مُجاهِدٌ: ما لَهُ شِراعٌ مِنَ المُنْشَآتِ، وما لَمْ يُرْفَعْ لَهُ شِراعٌ، فَلَيْسَ مِنَ المُنْشَآتِ. والشِّراعُ: القَلْعُ. والأعْمَشُ وحَمْزَةُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وطَلْحَةُ وأبُو بَكْرٍ: بِخِلافٍ عَنْهُ، بِكَسْرِ الشِّينِ: أيِ الرّافِعاتُ الشِّراعِ، أوِ اللّاتِي يُنْشِئْنَ الأمْواجَ بِجَرْيِهِنَّ، أوِ الَّتِي تُنْشِئُ السَّفَرَ إقْبالًا وإدْبارًا. وشَدَّدَ الشِّينَ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ والحَسَنُ المُنَشَّأةُ، وحَدَّ الصِّفَةَ، ودَلَّ عَلى الجَمْعِ المَوْصُوفِ، كَقَوْلِهِ: ﴿أزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ [البقرة: ٢٥]، وقَلَبَ الهَمْزَةَ ألِفًا عَلى حَدِّ قَوْلِهِ:
؎إنَّ السِّباعَ لَتَهْدا في مَرابِضِها
يُرِيدُ: لَتَهْدَأُ، التّاءُ لِتَأْنِيثِ الصِّفَةِ، كُتِبَتْ تاءً عَلى لَفْظِها في الوَصْلِ.
﴿كالأعْلامِ﴾: أيْ كالجِبالِ والآكامِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى كِبَرِ السُّفُنِ حَيْثُ شَبَّهَها بِالجِبالِ، وإنْ كانَتِ المُنْشَآتُ تَنْطَلِقُ عَلى السَّفِينَةِ الكَبِيرَةِ والصَّغِيرَةِ. وعَبَّرَ بِمَن في قَوْلِهِ: ﴿كُلُّ مَن عَلَيْها﴾ تَغْلِيبًا لِمَن يَعْقِلُ، والضَّمِيرُ في (عَلَيْها) قَلِيلٌ عائِدٌ عَلى الأرْضِ في قَوْلِهِ: ﴿والأرْضَ وضَعَها لِلْأنامِ﴾، فَعادَ الضَّمِيرُ عَلَيْها، وإنْ كانَ بَعْدَ لَفْظِها. والفَناءُ عِبارَةٌ عَنْ إعْدامِ جَمِيعِ المَوْجُوداتِ مِن حَيَوانٍ وغَيْرِهِ، والوَجْهُ يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ حَقِيقَةِ الشَّيْءِ، والجارِحَةُ مُنْتَفِيَةٌ عَنِ اللَّهِ تَعالى، ونَحْوَ ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا وجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] . وتَقُولُ صَعالِيكُ مَكَّةَ: أيْنَ وجْهُ عَرَبِيٍّ كَرِيمٍ يَجُودُ عَلَيَّ ؟ وقَرَأ الجُمْهُورُ: ذُو بِالواوِ، وصِفَةً لِلْوَجْهِ. وأُبَيُّ وعَبْدُ اللَّهِ: ذِي بِالياءِ، صِفَةً لِلرَّبِّ. والظّاهِرُ أنَّ الخِطابَ في قَوْلِهِ: ﴿وجْهُ رَبِّكَ﴾ لِلرَّسُولِ، وفِيهِ تَشْرِيفٌ عَظِيمٌ لَهُ، ﷺ . وقِيلَ: (p-١٩٣)الخِطابُ لِكُلِّ سامِعٍ. ومَعْنى ﴿ذُو الجَلالِ﴾: الَّذِي يُجِلُّهُ المُوَحِّدُونَ عَنِ التَّشْبِيهِ بِخَلْقِهِ وعَنْ أفْعالِهِمْ، أوِ الَّذِي يُتَعَجَّبُ مِن جَلالِهِ، أوِ الَّذِي عِنْدَهُ الجَلالُ والإكْرامُ لِلْمُخْلِصِينَ مِن عِبادِهِ.
﴿يَسْألُهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾: أيْ حَوائِجَهم، وهو ما يَتَعَلَّقُ بِمَن في السَّماواتِ مِن أمْرِ الدِّينِ وما اسْتُعْبِدُوا بِهِ، ومَن في الأرْضِ مِن أمْرِ دِينِهِمْ ودُنْياهم. وقالَ أبُو صالِحٍ: مَن في السَّماواتِ الرَّحْمَةَ ومَن في الأرْضِ المَغْفِرَةَ والرِّزْقَ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: المَلائِكَةُ الرِّزْقَ لِأهْلِ الأرْضِ والمَغْفِرَةَ، وأهْلُ الأرْضِ يَسْألُونَهُما جَمِيعًا. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: يَسْألُهُ اسْتِئْنافُ إخْبارٍ. وقِيلَ: حالٌ مِنَ الوَجْهِ، والعامِلُ فِيهِ يَبْقى، أيْ هو دائِمٌ في هَذِهِ الحالِ. انْتَهى، وفِيهِ بُعْدٌ. ومَن لا يَسْألُ، فَحالُهُ تَقْتَضِي السُّؤالَ، فَيَصِحُّ إسْنادُ السُّؤالِ إلى الجَمِيعِ بِاعْتِبارِ القَدْرِ المُشْتَرَكِ، وهو الِافْتِقارُ إلَيْهِ تَعالى.
﴿كُلَّ يَوْمٍ﴾: أيْ كُلَّ ساعَةٍ ولَحْظَةٍ، وذَكَرَ اليَوْمَ لِأنَّ السّاعاتِ واللَّحَظاتِ في ضِمْنِهِ.
﴿هُوَ في شَأْنٍ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: في شَأْنٍ يُمْضِيهِ مِنَ الخَلْقِ والرِّزْقِ والإحْياءِ والإماتَةِ. وقالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: يُجِيبُ داعِيًا، ويَفُكُّ عانِيًا، ويَتُوبُ عَلى قَوْمٍ، ويَغْفِرُ لِقَوْمٍ. وقالَ سُوَيْدُ بْنُ غَفْلَةَ: يُعْتِقُ رِقابًا، ويُعْطِي رَغامًا ويُقْحِمُ عِقابًا. وقالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: الدَّهْرُ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمانِ، أحَدُهُما اليَوْمُ الَّذِي هو مُدَّةُ الدُّنْيا، فَشَأْنُهُ فِيهِ الأمْرُ والنَّهْيُ والإماتَةُ والإحْياءُ؛ والثّانِي الَّذِي هو يَوْمُ القِيامَةِ، فَشَأْنُهُ فِيهِ الجَزاءُ والحِسابُ. وعَنْ مُقاتِلٍ: نَزَلَتْ في اليَهُودِ، فَقالُوا: إنَّ اللَّهَ لا يَقْضِي يَوْمَ السَّبْتِ شَيْئًا. وقالَ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ، وقَدْ سَألَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طاهِرٍ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هو في شَأْنٍ﴾: وقَدْ صَحَّ أنَّ القَلَمَ جَفَّ بِما هو كائِنٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ فَقالَ: شُئُونٌ يُبْدِيها، لا شُئُونٌ يَبْتَدِيها. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: هو في يَوْمِ الدُّنْيا في الِابْتِلاءِ، وفي يَوْمِ القِيامَةِ في الجَزاءِ. وانْتَصَبَ ﴿كُلَّ يَوْمٍ﴾ عَلى الظَّرْفِ، والعامِلُ فِيهِ العامِلُ في قَوْلِهِ: ﴿فِي شَأْنٍ﴾، وهو مُسْتَقِرٌّ المَحْذُوفُ، نَحْوَ: يَوْمَ الجُمُعَةِ زَيْدٌ قائِمٌ.
الرحمن 55:26
ولَمّا ذَكَرَ تَعالى ما أنْعَمَ بِهِ مِن مَنفَعَةِ الشَّمْسِ والقَمَرِ، وكانَ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ العُلْوِيَّةِ، ذَكَرَ في مُقابَلَتِهِما مِنَ الآثارِ السُّفْلِيَّةِ النَّجْمَ والشَّجَرَ، إذْ كانا رِزْقًا لِلْإنْسانِ، وأخْبَرَ أنَّهُما جارِيانِ عَلى ما أرادَ اللَّهُ بِهِما، مِن تَسْخِيرِهِما وكَيْنُونَتِهِما عَلى ما اقْتَضَتْهُ حِكْمَتُهُ تَعالى. ولَمّا ذَكَرَ ما بِهِ حَياةُ الأرْواحِ مِن تَعْلِيمِ القُرْآنِ، ذَكَرَ ما بِهِ حَياةُ الأشْباحِ مِنَ النَّباتِ الَّذِي لَهُ ساقٌ، وكانَ تَقْدِيمُ النَّجْمِ، وهو ما لا ساقَ لَهُ، لِأنَّهُ أصْلُ القُوتِ، والَّذِي لَهُ ساقٌ ثَمَرُهُ يُتَفَكَّهُ بِهِ غالِبًا. والظّاهِرُ أنَّ النَّجْمَ هو الَّذِي شَرَحْناهُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ اقْتِرانُهُ بِالشَّجَرِ. وقالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ والحَسَنُ: النَّجْمُ: اسْمُ الجِنْسِ مِن نُجُومِ السَّماءِ. وسُجُودُهُما، قالَ مُجاهِدٌ والحَسَنُ: ذَلِكَ في النَّجْمِ بِالغُرُوبِ ونَحْوِهِ، وفي الشَّجَرِ بِالظِّلِّ واسْتِدارَتِهِ. وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: والسُّجُودُ تَجَوُّزٌ، وهو عِبارَةٌ عَنِ الخُضُوعِ والتَّذَلُّلِ. والجُمَلُ الأُوَلُ فِيها ضَمِيرٌ يَرْبُطُها بِالمُبْتَدَأِ، وأمّا في هاتَيْنِ الجُمْلَتَيْنِ فاكْتَفى بِالوَصْلِ المَعْنَوِيِّ عَنِ الوَصْلِ اللَّفْظِيِّ، إذْ مَعْلُومٌ أنَّ الحُسْبانَ هو حُسْبانُهُ، وأنَّ السُّجُودَ لَهُ لا لِغَيْرِهِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: بِحُسْبانِهِ ويَسْجُدانِ لَهُ. ولَمّا أُورِدَتْ هَذِهِ الجُمَلُ مَوْرِدَ تَعْدِيدِ النِّعَمِ رُدَّ الكَلامُ إلى العَطْفِ في وصْلِ ما يُناسِبُ وصْلَهُ، والتَّناسُبُ الَّذِي بَيْنَ هاتَيْنِ الجُمْلَتَيْنِ ظاهِرٌ، لِأنَّ الشَّمْسَ والقَمَرَ عُلْوِيّانِ، والنَّجْمُ والشَّجَرُ سُفْلِيّانِ.
﴿والسَّماءَ رَفَعَها﴾: أيْ خَلَقَها مَرْفُوعَةً، حَيْثُ جَعَلَها مَصْدَرَ قَضاياهُ ومَسْكَنَ مَلائِكَتِهِ الَّذِينَ يَنْزِلُونَ بِالوَحْيِ عَلى أنْبِيائِهِ، ونَبَّهَ بِذَلِكَ عَلى عِظَمِ شَأْنِهِ ومِلْكِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (والسَّماءَ)، بِالنَّصْبِ عَلى الِاشْتِغالِ، رُوعِيَ مُشاكَلَةُ الجُمْلَةِ الَّتِي تَلِيهِ وهي ﴿يَسْجُدانِ﴾ [الرحمن: ٦] . وقَرَأ أبُو السَّمّالِ: والسَّماءُ بِالرَّفْعِ، راعى مُشاكَلَةَ الجُمْلَةِ الِابْتِدائِيَّةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ووَضَعَ المِيزانَ﴾، فِعْلًا ماضِيًا ناصِبًا المِيزانَ، أيْ أقَرَّهُ وأثْبَتَهُ. وقَرَأ إبْراهِيمُ: ووَضْعِ المِيزانِ، بِالخَفْضِ وإسْكانِ الضّادِ. والظّاهِرُ أنَّهُ كُلُّ ما يُوزَنُ بِهِ الأشْياءُ وتُعْرَفُ مَقادِيرُها، وإنِ اخْتَلَفَتِ الآلاتُ، قالَ مَعْناهُ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وقَتادَةُ، جَعَلَهُ تَعالى حاكِمًا بِالسَّوِيَّةِ في الأخْذِ والإعْطاءِ. وقالَ مُجاهِدٌ والطَّبَرِيُّ والأكْثَرُونَ: المِيزانُ: العَدْلُ، وتَكُونُ الآلاتُ مِن بَعْضِ ما يَنْدَرِجُ في العَدْلِ. بَدَأ أوَّلًا بِالعِلْمِ، فَذَكَرَ ما فِيهِ أشْرَفُ أنْواعِ العُلُومِ وهو القُرْآنُ؛ ثُمَّ ذَكَرَ ما بِهِ التَّعْدِيلُ في الأُمُورِ، وهو المِيزانُ، كَقَوْلِهِ: ﴿وأنْزَلْنا مَعَهُمُ الكِتابَ والمِيزانَ﴾ [الحديد: ٢٥]، لِيُعَلِّمُوا الكِتابَ ويَفْعَلُوا ما يَأْمُرُهم بِهِ الكِتابُ. (أنْ لا تَطْغَوْا في المِيزانِ): أيْ لِأنْ لا تَطْغَوْا، فَتَطْغَوْا مَنصُوبٌ بِأنْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ هي ”أنِ“ المُفَسِّرَةُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ أنْ مُفَسِّرَةً، فَيَكُونُ تَطْغَوْا جَزْمًا بِالنَّهْيِ. انْتَهى، ولا يَجُوزُ ما قالاهُ مِن أنَّ أنْ مُفَسِّرَةٌ، لِأنَّهُ فاتَ أحَدُ شَرْطَيْها، وهو أنْ يَكُونَ ما قَبْلَها جُمْلَةً فِيها مَعْنى القَوْلِ.
﴿ووَضَعَ المِيزانَ﴾ جُمْلَةٌ لَيْسَ فِيها مَعْنى القَوْلِ. والطُّغْيانُ في المِيزانِ هو أنْ يَكُونَ بِالتَّعَمُّدِ، وأمّا ما لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنَ التَّحْرِيرِ بِالمِيزانِ فَمَعْفُوٌّ عَنْهُ.
ولَمّا كانَتِ التَّسْوِيَةُ مَطْلُوبَةً جِدًّا، أمَرَ اللَّهُ تَعالى فَقالَ: ﴿وأقِيمُوا الوَزْنَ﴾ . وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ولا تُخْسِرُوا﴾، مِن أخْسَرَ: أيْ أفْسَدَ ونَقَصَ، كَقَوْلِهِ: ﴿وإذا كالُوهم أوْ وزَنُوهم يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين: ٣]؛ أيْ يَنْقُصُونَ. وبِلالُ بْنُ أبِي بُرْدَةَ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: تَخْسَرُ بِفَتْحِ التّاءِ، يُقالُ: خَسِرَ يَخْسَرُ، وأخْسَرَ يُخْسِرُ بِمَعْنًى واحِدٍ، كَجَبَرَ وأجْبَرَ. وحَكى ابْنُ جِنِّي وصاحِبُ اللَّوامِحِ، عَنْ بِلالٍ فَتْحَ التّاءِ والسِّينِ مُضارِعُ خَسِرَ بِكَسْرِ السِّينِ، وخَرَّجَها الزَّمَخْشَرِيُّ عَلى أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: في المِيزانِ، فَحَذَفَ الجارَّ ونَصَبَ، ولا يُحْتاجُ إلى هَذا التَّخْرِيجِ. ألا تَرى أنَّ خَسِرَ جاءَ مُتَعَدِّيًا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٢]، و﴿خَسِرَ الدُّنْيا والآخِرَةَ﴾ [الحج: ١١] ؟ وقُرِئَ أيْضًا: تَخْسُرُوا، بِفَتْحِ التّاءِ وضَمِّ السِّينِ. لِما مُنِعَ مِنَ الزِّيادَةِ، وهي الطُّغْيانُ، نَهى عَنِ الخُسْرانِ الَّذِي هو نُقْصانٌ، وكَرَّرَ لَفْظَ المِيزانِ، تَشْدِيدًا لِلتَّوْصِيَةِ بِهِ وتَقْوِيَةً لِلْأمْرِ بِاسْتِعْمالِهِ والحَثِّ عَلَيْهِ.
ولَمّا ذَكَرَ السَّماءَ، ذَكَرَ مُقابِلَتَها فَقالَ: ﴿والأرْضَ وضَعَها لِلْأنامِ﴾: أيْ خَفَضَها (p-١٩٠)مَدْحُوَّةً عَلى الماءِ لِيُنْتَفَعَ بِها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”والأرْضَ“ بِالنَّصْبِ؛ وأبُو السَّمّالِ: بِالرَّفْعِ: ”والأنامُ“، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بَنُو آدَمَ فَقَطْ. وقالَ أيْضًا هو وقَتادَةُ وابْنُ زَيْدٍ والشَّعْبِيُّ: الحَيَوانُ كُلُّهُ. وقالَ الحَسَنُ: الثَّقَلانِ الجِنُّ والإنْسُ.
﴿فِيها فاكِهَةٌ﴾: ضُرُوبٌ مِمّا يُتَفَكَّهُ بِهِ. وبَدَأ بِقَوْلِهِ: ﴿فاكِهَةٌ﴾، إذْ هو مِن بابِ الِابْتِداءِ بِالأدْنى والتَّرَقِّي إلى الأعْلى، ونَكَّرَ لَفْظَها، لِأنَّ الِانْتِفاعَ بِها دُونَ الِانْتِفاعِ بِما يُذْكَرُ بَعْدَها. ثُمَّ ثَنّى بِالنَّخْلِ، فَذَكَرَ الأصْلَ ولَمْ يَذْكُرْ ثَمَرَتَها، وهو الثَّمَرُ لِكَثْرَةِ الِانْتِفاعِ بِها مِن لِيفٍ وسَعَفٍ وجَرِيدٍ وجُذُوعٍ وجُمّارٍ وثَمَرٍ. ثُمَّ أتى ثالِثًا بِالحَبِّ الَّذِي هو قِوامُ عَيْشِ الإنْسانِ في أكْثَرِ الأقالِيمِ، وهو البُرُّ والشَّعِيرُ وكُلُّ ما لَهُ سُنْبُلٌ وأوْراقٌ مُتَشَعِّبَةٌ عَلى ساقِهِ، ووَصَفَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ذُو العَصْفِ﴾ تَنْبِيهًا عَلى إنْعامِهِ عَلَيْهِمْ بِما يَقُوتُهم مِنَ الحَبِّ، ويَقُوتُ بَهائِمَهم مِن ورَقِهِ الَّذِي هو التِّبْنُ. وبَدَأ بِالفاكِهَةِ وخَتَمَ بِالمَشْمُومِ، وبَيْنَهُما النَّخْلُ والحَبُّ، لِيَحْصُلَ ما بِهِ يُتَفَكَّهُ، وما بِهِ يُتَقَوَّتُ، وما بِهِ تَقَعُ اللَّذاذَةُ مِنَ الرّائِحَةِ الطَّيِّبَةِ. وذَكَرَ النَّخْلَ بِاسْمِها والفاكِهَةَ دُونَ شَجَرِها، لِعِظَمِ المَنفَعَةِ بِالنَّخْلِ مِن جِهاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ، وشَجَرَةُ الفاكِهَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى ثَمَرَتِها حَقِيرَةٌ، فَنَصَّ عَلى ما يَعْظُمُ بِهِ الِانْتِفاعُ مِن شَجَرَةِ النَّخْلِ ومِنَ الفاكِهَةِ دُونَ شَجَرَتِها.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿والحَبُّ ذُو العَصْفِ والرَّيْحانُ﴾، بِرَفْعِ الثَّلاثَةِ عَطْفًا عَلى المَرْفُوعِ قَبْلَهُ؛ وابْنُ عامِرٍ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِنَصْبِ الثَّلاثَةِ، أيْ وخَلَقَ الحَبَّ. وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ ﴿والرَّيْحانُ﴾ حالَةَ الرَّفْعِ وحالَةَ النَّصْبِ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ وذُو الرَّيْحانِ حَذَفَ المُضافَ وأقامَ المُضافَ إلَيْهِ مَقامَهُ؛ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ والأصْمَعِيُّ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: والرَّيْحانُ بِالجَرِّ، والمَعْنى: والحَبُّ ذُو العَصْفِ الَّذِي هو عَلَفُ البَهائِمِ، والرَّيْحانُ الَّذِي هو مَطْعَمُ النّاسِ، ويَبْعُدُ دُخُولُ المَشْمُومِ في قِراءَةِ الجَرِّ، ورَيْحانُ مِن ذَواتِ الواوِ. وأجازَ أبُو عَلِيٍّ أنْ يَكُونَ اسْمًا، ووُضِعَ مَوْضِعَ المَصْدَرِ، وأنْ يَكُونَ مَصْدَرًا عَلى وزْنِ فَعْلانَ كاللَّبّانِ. وأُبْدِلَتِ الواوُ ياءً، كَما أبْدَلُوا الياءَ واوًا في أشاوى، أوْ مَصْدَرًا شاذًّا في المُعْتَلِّ، كَما شَذَّ كَبَنُونَةٍ وبَيْنُونَةٍ، فَأصْلُهُ رَيْوِحانُ، قُلِبَتِ الواوُ ياءً وأُدْغِمَتْ في الياءِ فَصارَ رَيِّحانَ، ثُمَّ حُذِفَتْ عَيْنُ الكَلِمَةِ، كَما قالُوا: مَيْتٌ وهَيْنٌ.
ولَمّا عَدَّدَ تَعالى نِعَمَهُ، خاطَبَ الثَّقَلَيْنِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٣٢]، أيْ أنَّ نِعَمَهُ كَثِيرَةٌ لا تُحْصى، فَبِأيِّها تُكَذِّبانِ ؟ أيْ مَن هَذِهِ نِعَمُهُ لا يُمْكِنُ أنْ يُكَذَّبَ بِها. وكانَ هَذا الخِطابُ لِلثَّقَلَيْنِ، لِأنَّهُما داخِلانِ في الأنامِ عَلى أصَحِّ الأقْوالِ. ولِقَوْلِهِ: ﴿خَلَقَ الإنْسانَ﴾، و﴿وخَلَقَ الجانَّ﴾؛ ولِقَوْلِهِ: ﴿سَنَفْرُغُ لَكم أيُّها الثَّقَلانِ﴾ [الرحمن: ٣١]، وقَدْ أبْعَدَ مَن جَعَلَهُ خِطابًا لِلذَّكَرِ والأُنْثى مِن بَنِي آدَمَ. وأبْعَدُ مِن هَذا قَوْلُ مَن قالَ: إنَّهُ خِطابٌ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ: ﴿ألْقِيا في جَهَنَّمَ﴾ [ق: ٢٤]، ويا حَرَسِي اضْرِبا عُنُقَهُ، يَعْنِي أنَّهُ خِطابٌ لِلْواحِدِ بِصُورَةِ الِاثْنَيْنِ، فَبِأيِّ مُنَوَّنًا في جَمِيعِ السُّورَةِ، كَأنَّهُ حُذِفَ مِنهُ المُضافُ إلَيْهِ وأُبْدِلَ مِنهُ (آلاءِ رَبِّكُما) بَدَلَ مَعْرِفَةٍ مِن نَكِرَةٍ، وآلاءُ تَقَدَّمَ في الأعْرافِ أنَّها النِّعَمُ، واحِدُها إلْيٌ وألًا وإلًى وألْيٌ.
﴿خَلَقَ الإنْسانَ﴾: لَمّا ذَكَرَ العالَمَ الأكْبَرَ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ وما أوْجَدَ فِيها مِنَ النِّعَمِ، ذَكَرَ مَبْدَأ مَن خُلِقَتْ لَهُ هَذِهِ النِّعَمُ، والإنْسانُ هو آدَمُ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ. وقِيلَ: لِلْجِنْسِ، وساغَ ذَلِكَ لِأنَّ أباهم مَخْلُوقٌ مِنَ الصَّلْصالِ. وإذا أُرِيدَ بِالإنْسانِ آدَمُ، فَقَدْ جاءَتْ غاياتٌ لَهُ مُخْتَلِفَةٌ، وذَلِكَ بِتَنَقُّلِ أصْلِهِ؛ فَكانَ أوَّلًا تُرابًا، ثُمَّ طِينًا، ثُمَّ حَمَأً مَسْنُونًا، ثُمَّ صَلْصالًا، فَناسَبَ أنْ يُنْسَبَ خَلْقُهُ لِكُلِّ واحِدٍ مِنها. والجانُّ هو أبُو الجِنِّ، وهو إبْلِيسُ، قالَهُ الحَسَنُ. وقالَ مُجاهِدٌ: هو أبُو الجِنِّ، ولَيْسَ بِإبْلِيسَ. وقِيلَ: الجانُّ اسْمُ جِنْسٍ، والمارِجُ: ما اخْتَلَطَ مِن أصْفَرَ وأحْمَرَ وأخْضَرَ، أوِ اللَّهَبُ، أوِ الخالِصُ، أوِ الحُمْرَةُ في طَرَفِ النّارِ، أوِ المُخْتَلِطُ بِسَوادٍ، أوِ المُضْطَرِبُ بِلا دُخانٍ، أقْوالٌ، (ومِن) الأُولى لِابْتِداءِ الغايَةِ، والثّانِيَةُ في (مِن نارٍ) لِلتَّبْعِيضِ. وقِيلَ لِلْبَيانِ، والتَّكْرارُ في هَذِهِ الفَواصِلِ: لِلتَّأْكِيدِ والتَّنْبِيهِ والتَّحْرِيكِ، وهي مَوْجُودَةٌ في مَواضِعَ مِنَ القُرْآنِ. وذَهَبَ قَوْمٌ مِنهُمُ ابْنُ قُتَيْبَةَ إلى أنَّ هَذا التَّكْرارَ إنَّما هو لِاخْتِلافِ النِّعَمِ، فَكَرَّرَ (p-١٩١)التَّوْقِيفَ في كُلِّ واحِدٍ مِنها.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: (رَبُّ)، و(رَبُّ) بِالرَّفْعِ، أيْ هو رَبٌّ؛ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِالخَفْضِ بَدَلًا مِن رَبِّكُما، وثَنّى المُضافَ إلَيْهِ لِأنَّهُما مَشْرِقا الصَّيْفِ والشِّتاءِ ومَغْرِباهُما، قالَهُ مُجاهِدٌ. وقِيلَ: مَشْرِقا الشَّمْسِ والقَمَرِ ومَغْرِباهُما. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: لِلشَّمْسِ مَشْرِقٌ في الصَّيْفِ مُصْعِدٌ، ومَشْرِقٌ في الشِّتاءِ مُنْحَدِرٌ، تَنْتَقِلُ فِيهِما مُصْعِدَةً ومُنْحَدِرَةً. انْتَهى. فالمَشْرِقانِ والمَغْرِبانِ لِلشَّمْسِ. وقِيلَ: المَشْرِقانِ: مَطْلَعُ الفَجْرِ ومَطْلَعُ الشَّمْسِ، والمَغْرِبانِ مَغْرِبُ الشَّفَقِ ومَغْرِبُ الشَّمْسِ. ولِسَهْلٍ التُّسْتَرِيِّ كَلامٌ في المَشْرِقَيْنِ والمَغْرِبَيْنِ شَبِيهٌ بِكَلامِ الباطِنِيَّةِ المُحَرِّفِينَ مَدْلُولَ كَلامِ اللَّهِ، ضَرَبْنا عَنْ ذِكْرِهِ صَفْحًا. وكَذَلِكَ ما وقَفْنا عَلَيْهِ مِن كَلامِ الغُلاةِ الَّذِينَ يُنْسَبُونَ لِلصُّوفِيَّةِ، لِأنّا لا نَسْتَحِلُّ نَقْلَ شَيْءٍ مِنهُ. وقَدْ أوْلَغَ صاحِبُ كِتابِ التَّحْرِيرِ والتَّحْبِيرِ بِحَسْبِ ما قالَهُ هَؤُلاءِ الغُلاةُ في كُلِّ آيَةٍ آيَةٍ، ويُسَمِّي ذَلِكَ الحَقائِقَ، وأرْبابُ القُلُوبِ وما ادَّعَوْا فَهْمَهُ في القُرْآنِ فَأوْغَلُوا فِيهِ لَمْ يَفْهَمْهُ عَرَبِيٌّ قَطُّ، ولا أرادَهُ اللَّهُ تَعالى بِتِلْكَ الألْفاظِ، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِن ذَلِكَ.
﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ذَلِكَ في الفُرْقانِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وذَكَرَ الثَّعْلَبِيُّ في ﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ﴾ ألْغازًا وأقْوالًا باطِنَةً لا يُلْتَفَتُ إلى شَيْءٍ مِنها. انْتَهى، والظّاهِرُ التِقاؤُهُما، أيْ يَتَجاوَرانِ، فَلا فَصْلَ بَيْنَ الماءَيْنِ في رُؤْيَةِ العَيْنِ. وقِيلَ: يَلْتَقِيانِ في كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً. وقِيلَ: مُعَدّانِ لِلِالتِقاءِ، فَحَقُّهُما أنْ يَلْتَقِيا لَوْلا البَرْزَخُ بَيْنَهُما.
﴿بَرْزَخٌ﴾: أيْ حاجِزٌ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، ﴿لا يَبْغِيانِ﴾: لا يَتَجاوَزانِ حَدَّهُما، ولا يَبْغِي أحَدُهُما عَلى الآخَرِ بِالمُمازَجَةِ. وقِيلَ: البَرْزَخُ: أجْرامُ الأرْضِ، قالَهُ قَتادَةُ؛ وقِيلَ: لا يَبْغِيانِ: أيْ عَلى النّاسِ والعُمْرانِ، وعَلى هَذا والَّذِي قَبْلَهُ يَكُونُ مِنَ البَغْيِ. وقِيلَ: هو مِن بَغى، أيْ طَلَبَ، فالمَعْنى: لا يَبْغِيانِ حالًا غَيْرَ الحالِ الَّتِي خُلِقا عَلَيْها وسُخِّرا لَها. وقِيلَ: ماءُ الأنْهارِ لا يَخْتَلِطُ بِالماءِ المِلْحِ، بَلْ هو بِذاتِهِ باقٍ فِيهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والعِيانُ لا يَقْتَضِيهِ. انْتَهى، يَعْنِي أنَّهُ يُشاهِدُ الماءَ العَذْبَ يَخْتَلِطُ بِالمِلْحِ فَيَبْقى كُلُّهُ مِلْحًا، وقَدْ يُقالُ: إنَّهُ بِالِاخْتِلاطِ تَتَغَيَّرُ أجْرامُ العَذْبِ حَتّى لا تَظْهَرَ، فَإذا ذاقَ الإنْسانُ مِنَ المِلْحِ المُنْبَثِّ فِيهِ تِلْكَ الأجْزاءُ الدَّقِيقَةُ لَمْ يُحِسَّ إلّا المُلُوحَةَ، والمَعْقُولُ يَشْهَدُ بِذَلِكَ، لِأنَّ تَداخُلَ الأجْسامِ غَيْرُ مُمْكِنٍ، لَكِنَّ التَّفَرُّقَ والِالتِقاءَ مُمْكِنٌ. وأنْشَدَ القاضِي مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ البَلُّوطِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى:
؎ومَمْزُوجَةُ الأمْواهِ لا العَذْبُ غالِبٌ عَلى المِلْحِ طِيبًا لا ولا المِلْحُ يَعْذُبُ
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿يَخْرُجُ﴾ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ؛ ونافِعٌ وأبُو عَمْرٍو وأهْلُ المَدِينَةِ: مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ؛ والجُعْفِيٌّ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِالياءِ مَضْمُومَةً وكَسْرِ الرّاءِ، أيْ يُخْرِجُ اللَّهُ؛ وعَنْهُ وعَنْ أبِي عَمْرٍو، وعَنِ ابْنِ مِقْسَمٍ: بِالنُّونِ. واللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ نُصِبَ في هاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ. والظّاهِرُ في (مِنهُما) أنَّ ذَلِكَ يَخْرُجُ مِنَ المِلْحِ والعَذْبِ. وقالَ بِذَلِكَ قَوْمٌ، حَكاهُ الأخْفَشُ. ورَدَّ النّاسُ هَذا القَوْلَ، قالُوا: والحِسُّ يُخالِفُهُ، إذْ لا يَخْرُجُ إلّا مِنَ المِلْحِ، وعابُوا قَوْلَ الشّاعِرِ:
؎فَجاءَ بِها ما شِئْتَ مِن لَطِيمَةٍ ∗∗∗ عَلى وجْهِها ماءُ الفُراتِ يَمُوجُ
وقالَ الجُمْهُورُ: إنَّما يَخْرُجُ مِنَ الأُجاجِ في المَواضِعِ الَّتِي تَقَعُ فِيها الأنْهارُ والمِياهُ العَذْبَةُ، فَناسَبَ إسْنادَ ذَلِكَ إلَيْهِما، وهَذا مَشْهُورٌ عِنْدَ الغَوّاصِينَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ: تَكُونُ هَذِهِ الأشْياءُ في البَحْرِ بِنُزُولِ المَطَرِ، لِأنَّ الصَّدَفَ وغَيْرَها تَفْتَحُ أفْواهَها لِلْمَطَرِ، فَلِذَلِكَ قالَ (مِنهُما) . وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: إنَّما يَخْرُجُ مِنَ المِلْحِ، لَكِنَّهُ قالَ (مِنهُما) تَجَوُّزًا. وقالَ الرُّمّانِيُّ: العَذْبُ فِيها كاللِّقاحِ لِلْمِلْحِ، فَهو كَما يُقالُ؛ الوَلَدُ يَخْرُجُ مِنَ الذَّكَرِ والأُنْثى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ، وتَبِعَ الزَّجّاجَ مِن حَيْثُ هُما نَوْعٌ واحِدٌ، فَخُرُوجُ هَذِهِ الأشْياءِ إنَّما هي مِنهُما، وإنْ كانَتْ تَخْتَصُّ عِنْدَ التَّفْصِيلِ المَبالَغِ بِأحَدِهِما، كَما قالَ: ﴿سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا﴾ [نوح: ١٥] ﴿وجَعَلَ القَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾ [نوح: ١٦]، (p-١٩٢)وإنَّما هو في إحْداهُنَّ، وهي الدُّنْيا إلى الأرْضِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ نَحْوًا مِن قَوْلِ ابْنِ عَطِيَّةَ، قالَ: فَإنْ قُلْتَ: لِمَ قالَ (مِنهُما)، وإنَّما يَخْرُجانِ مِنَ المِلْحِ قُلْتُ: لَمّا التَقَيا وصارا كالشَّيْءِ الواحِدِ، جازَ أنْ يُقالَ: يَخْرُجانِ مِنهُما، كَما يُقالُ: يَخْرُجانِ مِنَ البَحْرِ، ولا يَخْرُجانِ مِن جَمِيعِ البَحْرِ، ولَكِنْ مِن بَعْضِهِ. وتَقُولُ: خَرَجْتُ مِنَ البَلَدِ، وإنَّما خَرَجْتَ مِن مَحَلَّةٍ مِن مَحالِّهِ، بَلْ مِن دارٍ واحِدَةٍ مِن دُورِهِ. وقِيلَ: لا يَخْرُجانِ إلّا مِن مُلْتَقى المِلْحِ والعَذْبِ. انْتَهى. وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: هَذا مِن بابِ حَذْفِ المُضافِ، والتَّقْدِيرُ: يَخْرُجُ مِن أحَدِهِما، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١]: أيْ مِن إحْدى القَرْيَتَيْنِ. وقِيلَ: هُما بَحْرانِ، يَخْرُجُ مِن أحَدِهِما اللُّؤْلُؤُ ومِنَ الآخَرِ المَرْجانُ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: كَلامُ اللَّهِ تَعالى أوْلى بِالِاعْتِبارِ مِن كَلامِ بَعْضِ النّاسِ ومَن أعْلَمَ أنَّ اللُّؤْلُؤَ لا يَخْرُجُ مِنَ الماءِ العَذْبِ ؟، وهَبْ أنَّ الغَوّاصِينَ ما أخْرَجُوهُ إلّا مِنَ المالِحِ. ولَكِنْ لِمَ قُلْتُمْ إنَّ الصَّدَفَ لا يَخْرُجُ بِأمْرِ اللَّهِ مِنَ الماءِ العَذْبِ إلى الماءِ المِلْحِ وكَيْفَ يُمْكِنُ الجَزْمُ بِهِ والأُمُورُ الأرْضِيَّةُ الظّاهِرَةُ خَفِيَتْ عَنِ التُّجّارِ الَّذِينَ قَطَعُوا المَفاوِزَ ودارُوا البِلادَ، فَكَيْفَ لا يَخْفى أمْرٌ ما في قَعْرِ البَحْرِ عَلَيْهِمْ ؟ واللُّؤْلُؤُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ وقَتادَةُ: كِبارُ الجَوْهَرِ. والمَرْجانُ صِغارُهُ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا وعَلِيٍّ ومُرَّةَ الهَمْدانِيِّ عَكْسُ هَذا. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ وأبُو مالِكٍ: المَرْجانُ: الحَجَرُ الأحْمَرُ. وقالَ الزَّجّاجُ: حَجَرٌ شَدِيدُ البَياضِ. وحَكى القاضِي أبُو يَعْلى أنَّهُ ضَرْبٌ مِنَ اللُّؤْلُؤِ، كالقُضْبانِ، والمَرْجانُ: اسْمٌ أعْجَمِيٌّ مُعَرَّبٌ. قالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: لَمْ أسْمَعْ فِيهِ نَقْلَ مُتَصَرِّفٍ، وقالَ الأعْشى:
؎مِن كُلِّ مَرْجانَةٍ في البَحْرِ أحْرَزَها ∗∗∗ تَيّارُها ووَقاها طِينَها الصَّدَفُ
قِيلَ: أرادَ اللُّؤْلُؤَةَ الكَبِيرَةَ. وقَرَأ طَلْحَةُ: اللُّؤْلِي بِكَسْرِ اللّامِ الثّالِثَةِ، وهي لُغَةٌ. وعَبَدُ الوَلِيِّ: تُقْلَبُ الهَمْزَةُ المُتَطَرِّفَةُ ياءً ساكِنَةً بَعْدَ كَسْرَةِ ما قَبْلَها، وهي لُغَةٌ، قالَهُ أبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ.
﴿ولَهُ الجَوارِي﴾: خَصَّ تَعالى الجَوارِيَ بِأنَّها لَهُ، وهو تَعالى لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما فِيهِنَّ، لِأنَّهم لَمّا كانُوا هم مُنْشِئِيها، أسْنَدَها تَعالى إلَيْهِ، إذْ كانَ تَمامُ مَنفَعَتِها إنَّما هو مِنهُ تَعالى، فَهو في الحَقِيقَةِ مالِكُها. والجَوارِي: السُّفُنُ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ والحَسَنُ وعَبْدُ الوارِثِ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِضَمِّ الرّاءِ، كَما قالُوا في شاكٍ شاكٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ؛ ﴿المُنْشَآتُ﴾ بِفَتْحِ الشِّينِ، اسْمَ مَفْعُولٍ: أيْ أنْشَأها اللَّهُ، أوِ النّاسُ، أوِ المَرْفُوعاتُ الشِّراعِ. وقالَ مُجاهِدٌ: ما لَهُ شِراعٌ مِنَ المُنْشَآتِ، وما لَمْ يُرْفَعْ لَهُ شِراعٌ، فَلَيْسَ مِنَ المُنْشَآتِ. والشِّراعُ: القَلْعُ. والأعْمَشُ وحَمْزَةُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وطَلْحَةُ وأبُو بَكْرٍ: بِخِلافٍ عَنْهُ، بِكَسْرِ الشِّينِ: أيِ الرّافِعاتُ الشِّراعِ، أوِ اللّاتِي يُنْشِئْنَ الأمْواجَ بِجَرْيِهِنَّ، أوِ الَّتِي تُنْشِئُ السَّفَرَ إقْبالًا وإدْبارًا. وشَدَّدَ الشِّينَ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ والحَسَنُ المُنَشَّأةُ، وحَدَّ الصِّفَةَ، ودَلَّ عَلى الجَمْعِ المَوْصُوفِ، كَقَوْلِهِ: ﴿أزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ [البقرة: ٢٥]، وقَلَبَ الهَمْزَةَ ألِفًا عَلى حَدِّ قَوْلِهِ:
؎إنَّ السِّباعَ لَتَهْدا في مَرابِضِها
يُرِيدُ: لَتَهْدَأُ، التّاءُ لِتَأْنِيثِ الصِّفَةِ، كُتِبَتْ تاءً عَلى لَفْظِها في الوَصْلِ.
﴿كالأعْلامِ﴾: أيْ كالجِبالِ والآكامِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى كِبَرِ السُّفُنِ حَيْثُ شَبَّهَها بِالجِبالِ، وإنْ كانَتِ المُنْشَآتُ تَنْطَلِقُ عَلى السَّفِينَةِ الكَبِيرَةِ والصَّغِيرَةِ. وعَبَّرَ بِمَن في قَوْلِهِ: ﴿كُلُّ مَن عَلَيْها﴾ تَغْلِيبًا لِمَن يَعْقِلُ، والضَّمِيرُ في (عَلَيْها) قَلِيلٌ عائِدٌ عَلى الأرْضِ في قَوْلِهِ: ﴿والأرْضَ وضَعَها لِلْأنامِ﴾، فَعادَ الضَّمِيرُ عَلَيْها، وإنْ كانَ بَعْدَ لَفْظِها. والفَناءُ عِبارَةٌ عَنْ إعْدامِ جَمِيعِ المَوْجُوداتِ مِن حَيَوانٍ وغَيْرِهِ، والوَجْهُ يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ حَقِيقَةِ الشَّيْءِ، والجارِحَةُ مُنْتَفِيَةٌ عَنِ اللَّهِ تَعالى، ونَحْوَ ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا وجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] . وتَقُولُ صَعالِيكُ مَكَّةَ: أيْنَ وجْهُ عَرَبِيٍّ كَرِيمٍ يَجُودُ عَلَيَّ ؟ وقَرَأ الجُمْهُورُ: ذُو بِالواوِ، وصِفَةً لِلْوَجْهِ. وأُبَيُّ وعَبْدُ اللَّهِ: ذِي بِالياءِ، صِفَةً لِلرَّبِّ. والظّاهِرُ أنَّ الخِطابَ في قَوْلِهِ: ﴿وجْهُ رَبِّكَ﴾ لِلرَّسُولِ، وفِيهِ تَشْرِيفٌ عَظِيمٌ لَهُ، ﷺ . وقِيلَ: (p-١٩٣)الخِطابُ لِكُلِّ سامِعٍ. ومَعْنى ﴿ذُو الجَلالِ﴾: الَّذِي يُجِلُّهُ المُوَحِّدُونَ عَنِ التَّشْبِيهِ بِخَلْقِهِ وعَنْ أفْعالِهِمْ، أوِ الَّذِي يُتَعَجَّبُ مِن جَلالِهِ، أوِ الَّذِي عِنْدَهُ الجَلالُ والإكْرامُ لِلْمُخْلِصِينَ مِن عِبادِهِ.
﴿يَسْألُهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾: أيْ حَوائِجَهم، وهو ما يَتَعَلَّقُ بِمَن في السَّماواتِ مِن أمْرِ الدِّينِ وما اسْتُعْبِدُوا بِهِ، ومَن في الأرْضِ مِن أمْرِ دِينِهِمْ ودُنْياهم. وقالَ أبُو صالِحٍ: مَن في السَّماواتِ الرَّحْمَةَ ومَن في الأرْضِ المَغْفِرَةَ والرِّزْقَ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: المَلائِكَةُ الرِّزْقَ لِأهْلِ الأرْضِ والمَغْفِرَةَ، وأهْلُ الأرْضِ يَسْألُونَهُما جَمِيعًا. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: يَسْألُهُ اسْتِئْنافُ إخْبارٍ. وقِيلَ: حالٌ مِنَ الوَجْهِ، والعامِلُ فِيهِ يَبْقى، أيْ هو دائِمٌ في هَذِهِ الحالِ. انْتَهى، وفِيهِ بُعْدٌ. ومَن لا يَسْألُ، فَحالُهُ تَقْتَضِي السُّؤالَ، فَيَصِحُّ إسْنادُ السُّؤالِ إلى الجَمِيعِ بِاعْتِبارِ القَدْرِ المُشْتَرَكِ، وهو الِافْتِقارُ إلَيْهِ تَعالى.
﴿كُلَّ يَوْمٍ﴾: أيْ كُلَّ ساعَةٍ ولَحْظَةٍ، وذَكَرَ اليَوْمَ لِأنَّ السّاعاتِ واللَّحَظاتِ في ضِمْنِهِ.
﴿هُوَ في شَأْنٍ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: في شَأْنٍ يُمْضِيهِ مِنَ الخَلْقِ والرِّزْقِ والإحْياءِ والإماتَةِ. وقالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: يُجِيبُ داعِيًا، ويَفُكُّ عانِيًا، ويَتُوبُ عَلى قَوْمٍ، ويَغْفِرُ لِقَوْمٍ. وقالَ سُوَيْدُ بْنُ غَفْلَةَ: يُعْتِقُ رِقابًا، ويُعْطِي رَغامًا ويُقْحِمُ عِقابًا. وقالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: الدَّهْرُ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمانِ، أحَدُهُما اليَوْمُ الَّذِي هو مُدَّةُ الدُّنْيا، فَشَأْنُهُ فِيهِ الأمْرُ والنَّهْيُ والإماتَةُ والإحْياءُ؛ والثّانِي الَّذِي هو يَوْمُ القِيامَةِ، فَشَأْنُهُ فِيهِ الجَزاءُ والحِسابُ. وعَنْ مُقاتِلٍ: نَزَلَتْ في اليَهُودِ، فَقالُوا: إنَّ اللَّهَ لا يَقْضِي يَوْمَ السَّبْتِ شَيْئًا. وقالَ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ، وقَدْ سَألَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طاهِرٍ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هو في شَأْنٍ﴾: وقَدْ صَحَّ أنَّ القَلَمَ جَفَّ بِما هو كائِنٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ فَقالَ: شُئُونٌ يُبْدِيها، لا شُئُونٌ يَبْتَدِيها. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: هو في يَوْمِ الدُّنْيا في الِابْتِلاءِ، وفي يَوْمِ القِيامَةِ في الجَزاءِ. وانْتَصَبَ ﴿كُلَّ يَوْمٍ﴾ عَلى الظَّرْفِ، والعامِلُ فِيهِ العامِلُ في قَوْلِهِ: ﴿فِي شَأْنٍ﴾، وهو مُسْتَقِرٌّ المَحْذُوفُ، نَحْوَ: يَوْمَ الجُمُعَةِ زَيْدٌ قائِمٌ.
الرحمن 55:27
ولَمّا ذَكَرَ تَعالى ما أنْعَمَ بِهِ مِن مَنفَعَةِ الشَّمْسِ والقَمَرِ، وكانَ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ العُلْوِيَّةِ، ذَكَرَ في مُقابَلَتِهِما مِنَ الآثارِ السُّفْلِيَّةِ النَّجْمَ والشَّجَرَ، إذْ كانا رِزْقًا لِلْإنْسانِ، وأخْبَرَ أنَّهُما جارِيانِ عَلى ما أرادَ اللَّهُ بِهِما، مِن تَسْخِيرِهِما وكَيْنُونَتِهِما عَلى ما اقْتَضَتْهُ حِكْمَتُهُ تَعالى. ولَمّا ذَكَرَ ما بِهِ حَياةُ الأرْواحِ مِن تَعْلِيمِ القُرْآنِ، ذَكَرَ ما بِهِ حَياةُ الأشْباحِ مِنَ النَّباتِ الَّذِي لَهُ ساقٌ، وكانَ تَقْدِيمُ النَّجْمِ، وهو ما لا ساقَ لَهُ، لِأنَّهُ أصْلُ القُوتِ، والَّذِي لَهُ ساقٌ ثَمَرُهُ يُتَفَكَّهُ بِهِ غالِبًا. والظّاهِرُ أنَّ النَّجْمَ هو الَّذِي شَرَحْناهُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ اقْتِرانُهُ بِالشَّجَرِ. وقالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ والحَسَنُ: النَّجْمُ: اسْمُ الجِنْسِ مِن نُجُومِ السَّماءِ. وسُجُودُهُما، قالَ مُجاهِدٌ والحَسَنُ: ذَلِكَ في النَّجْمِ بِالغُرُوبِ ونَحْوِهِ، وفي الشَّجَرِ بِالظِّلِّ واسْتِدارَتِهِ. وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: والسُّجُودُ تَجَوُّزٌ، وهو عِبارَةٌ عَنِ الخُضُوعِ والتَّذَلُّلِ. والجُمَلُ الأُوَلُ فِيها ضَمِيرٌ يَرْبُطُها بِالمُبْتَدَأِ، وأمّا في هاتَيْنِ الجُمْلَتَيْنِ فاكْتَفى بِالوَصْلِ المَعْنَوِيِّ عَنِ الوَصْلِ اللَّفْظِيِّ، إذْ مَعْلُومٌ أنَّ الحُسْبانَ هو حُسْبانُهُ، وأنَّ السُّجُودَ لَهُ لا لِغَيْرِهِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: بِحُسْبانِهِ ويَسْجُدانِ لَهُ. ولَمّا أُورِدَتْ هَذِهِ الجُمَلُ مَوْرِدَ تَعْدِيدِ النِّعَمِ رُدَّ الكَلامُ إلى العَطْفِ في وصْلِ ما يُناسِبُ وصْلَهُ، والتَّناسُبُ الَّذِي بَيْنَ هاتَيْنِ الجُمْلَتَيْنِ ظاهِرٌ، لِأنَّ الشَّمْسَ والقَمَرَ عُلْوِيّانِ، والنَّجْمُ والشَّجَرُ سُفْلِيّانِ.
﴿والسَّماءَ رَفَعَها﴾: أيْ خَلَقَها مَرْفُوعَةً، حَيْثُ جَعَلَها مَصْدَرَ قَضاياهُ ومَسْكَنَ مَلائِكَتِهِ الَّذِينَ يَنْزِلُونَ بِالوَحْيِ عَلى أنْبِيائِهِ، ونَبَّهَ بِذَلِكَ عَلى عِظَمِ شَأْنِهِ ومِلْكِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (والسَّماءَ)، بِالنَّصْبِ عَلى الِاشْتِغالِ، رُوعِيَ مُشاكَلَةُ الجُمْلَةِ الَّتِي تَلِيهِ وهي ﴿يَسْجُدانِ﴾ [الرحمن: ٦] . وقَرَأ أبُو السَّمّالِ: والسَّماءُ بِالرَّفْعِ، راعى مُشاكَلَةَ الجُمْلَةِ الِابْتِدائِيَّةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ووَضَعَ المِيزانَ﴾، فِعْلًا ماضِيًا ناصِبًا المِيزانَ، أيْ أقَرَّهُ وأثْبَتَهُ. وقَرَأ إبْراهِيمُ: ووَضْعِ المِيزانِ، بِالخَفْضِ وإسْكانِ الضّادِ. والظّاهِرُ أنَّهُ كُلُّ ما يُوزَنُ بِهِ الأشْياءُ وتُعْرَفُ مَقادِيرُها، وإنِ اخْتَلَفَتِ الآلاتُ، قالَ مَعْناهُ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وقَتادَةُ، جَعَلَهُ تَعالى حاكِمًا بِالسَّوِيَّةِ في الأخْذِ والإعْطاءِ. وقالَ مُجاهِدٌ والطَّبَرِيُّ والأكْثَرُونَ: المِيزانُ: العَدْلُ، وتَكُونُ الآلاتُ مِن بَعْضِ ما يَنْدَرِجُ في العَدْلِ. بَدَأ أوَّلًا بِالعِلْمِ، فَذَكَرَ ما فِيهِ أشْرَفُ أنْواعِ العُلُومِ وهو القُرْآنُ؛ ثُمَّ ذَكَرَ ما بِهِ التَّعْدِيلُ في الأُمُورِ، وهو المِيزانُ، كَقَوْلِهِ: ﴿وأنْزَلْنا مَعَهُمُ الكِتابَ والمِيزانَ﴾ [الحديد: ٢٥]، لِيُعَلِّمُوا الكِتابَ ويَفْعَلُوا ما يَأْمُرُهم بِهِ الكِتابُ. (أنْ لا تَطْغَوْا في المِيزانِ): أيْ لِأنْ لا تَطْغَوْا، فَتَطْغَوْا مَنصُوبٌ بِأنْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ هي ”أنِ“ المُفَسِّرَةُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ أنْ مُفَسِّرَةً، فَيَكُونُ تَطْغَوْا جَزْمًا بِالنَّهْيِ. انْتَهى، ولا يَجُوزُ ما قالاهُ مِن أنَّ أنْ مُفَسِّرَةٌ، لِأنَّهُ فاتَ أحَدُ شَرْطَيْها، وهو أنْ يَكُونَ ما قَبْلَها جُمْلَةً فِيها مَعْنى القَوْلِ.
﴿ووَضَعَ المِيزانَ﴾ جُمْلَةٌ لَيْسَ فِيها مَعْنى القَوْلِ. والطُّغْيانُ في المِيزانِ هو أنْ يَكُونَ بِالتَّعَمُّدِ، وأمّا ما لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنَ التَّحْرِيرِ بِالمِيزانِ فَمَعْفُوٌّ عَنْهُ.
ولَمّا كانَتِ التَّسْوِيَةُ مَطْلُوبَةً جِدًّا، أمَرَ اللَّهُ تَعالى فَقالَ: ﴿وأقِيمُوا الوَزْنَ﴾ . وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ولا تُخْسِرُوا﴾، مِن أخْسَرَ: أيْ أفْسَدَ ونَقَصَ، كَقَوْلِهِ: ﴿وإذا كالُوهم أوْ وزَنُوهم يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين: ٣]؛ أيْ يَنْقُصُونَ. وبِلالُ بْنُ أبِي بُرْدَةَ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: تَخْسَرُ بِفَتْحِ التّاءِ، يُقالُ: خَسِرَ يَخْسَرُ، وأخْسَرَ يُخْسِرُ بِمَعْنًى واحِدٍ، كَجَبَرَ وأجْبَرَ. وحَكى ابْنُ جِنِّي وصاحِبُ اللَّوامِحِ، عَنْ بِلالٍ فَتْحَ التّاءِ والسِّينِ مُضارِعُ خَسِرَ بِكَسْرِ السِّينِ، وخَرَّجَها الزَّمَخْشَرِيُّ عَلى أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: في المِيزانِ، فَحَذَفَ الجارَّ ونَصَبَ، ولا يُحْتاجُ إلى هَذا التَّخْرِيجِ. ألا تَرى أنَّ خَسِرَ جاءَ مُتَعَدِّيًا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٢]، و﴿خَسِرَ الدُّنْيا والآخِرَةَ﴾ [الحج: ١١] ؟ وقُرِئَ أيْضًا: تَخْسُرُوا، بِفَتْحِ التّاءِ وضَمِّ السِّينِ. لِما مُنِعَ مِنَ الزِّيادَةِ، وهي الطُّغْيانُ، نَهى عَنِ الخُسْرانِ الَّذِي هو نُقْصانٌ، وكَرَّرَ لَفْظَ المِيزانِ، تَشْدِيدًا لِلتَّوْصِيَةِ بِهِ وتَقْوِيَةً لِلْأمْرِ بِاسْتِعْمالِهِ والحَثِّ عَلَيْهِ.
ولَمّا ذَكَرَ السَّماءَ، ذَكَرَ مُقابِلَتَها فَقالَ: ﴿والأرْضَ وضَعَها لِلْأنامِ﴾: أيْ خَفَضَها (p-١٩٠)مَدْحُوَّةً عَلى الماءِ لِيُنْتَفَعَ بِها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”والأرْضَ“ بِالنَّصْبِ؛ وأبُو السَّمّالِ: بِالرَّفْعِ: ”والأنامُ“، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بَنُو آدَمَ فَقَطْ. وقالَ أيْضًا هو وقَتادَةُ وابْنُ زَيْدٍ والشَّعْبِيُّ: الحَيَوانُ كُلُّهُ. وقالَ الحَسَنُ: الثَّقَلانِ الجِنُّ والإنْسُ.
﴿فِيها فاكِهَةٌ﴾: ضُرُوبٌ مِمّا يُتَفَكَّهُ بِهِ. وبَدَأ بِقَوْلِهِ: ﴿فاكِهَةٌ﴾، إذْ هو مِن بابِ الِابْتِداءِ بِالأدْنى والتَّرَقِّي إلى الأعْلى، ونَكَّرَ لَفْظَها، لِأنَّ الِانْتِفاعَ بِها دُونَ الِانْتِفاعِ بِما يُذْكَرُ بَعْدَها. ثُمَّ ثَنّى بِالنَّخْلِ، فَذَكَرَ الأصْلَ ولَمْ يَذْكُرْ ثَمَرَتَها، وهو الثَّمَرُ لِكَثْرَةِ الِانْتِفاعِ بِها مِن لِيفٍ وسَعَفٍ وجَرِيدٍ وجُذُوعٍ وجُمّارٍ وثَمَرٍ. ثُمَّ أتى ثالِثًا بِالحَبِّ الَّذِي هو قِوامُ عَيْشِ الإنْسانِ في أكْثَرِ الأقالِيمِ، وهو البُرُّ والشَّعِيرُ وكُلُّ ما لَهُ سُنْبُلٌ وأوْراقٌ مُتَشَعِّبَةٌ عَلى ساقِهِ، ووَصَفَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ذُو العَصْفِ﴾ تَنْبِيهًا عَلى إنْعامِهِ عَلَيْهِمْ بِما يَقُوتُهم مِنَ الحَبِّ، ويَقُوتُ بَهائِمَهم مِن ورَقِهِ الَّذِي هو التِّبْنُ. وبَدَأ بِالفاكِهَةِ وخَتَمَ بِالمَشْمُومِ، وبَيْنَهُما النَّخْلُ والحَبُّ، لِيَحْصُلَ ما بِهِ يُتَفَكَّهُ، وما بِهِ يُتَقَوَّتُ، وما بِهِ تَقَعُ اللَّذاذَةُ مِنَ الرّائِحَةِ الطَّيِّبَةِ. وذَكَرَ النَّخْلَ بِاسْمِها والفاكِهَةَ دُونَ شَجَرِها، لِعِظَمِ المَنفَعَةِ بِالنَّخْلِ مِن جِهاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ، وشَجَرَةُ الفاكِهَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى ثَمَرَتِها حَقِيرَةٌ، فَنَصَّ عَلى ما يَعْظُمُ بِهِ الِانْتِفاعُ مِن شَجَرَةِ النَّخْلِ ومِنَ الفاكِهَةِ دُونَ شَجَرَتِها.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿والحَبُّ ذُو العَصْفِ والرَّيْحانُ﴾، بِرَفْعِ الثَّلاثَةِ عَطْفًا عَلى المَرْفُوعِ قَبْلَهُ؛ وابْنُ عامِرٍ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِنَصْبِ الثَّلاثَةِ، أيْ وخَلَقَ الحَبَّ. وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ ﴿والرَّيْحانُ﴾ حالَةَ الرَّفْعِ وحالَةَ النَّصْبِ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ وذُو الرَّيْحانِ حَذَفَ المُضافَ وأقامَ المُضافَ إلَيْهِ مَقامَهُ؛ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ والأصْمَعِيُّ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: والرَّيْحانُ بِالجَرِّ، والمَعْنى: والحَبُّ ذُو العَصْفِ الَّذِي هو عَلَفُ البَهائِمِ، والرَّيْحانُ الَّذِي هو مَطْعَمُ النّاسِ، ويَبْعُدُ دُخُولُ المَشْمُومِ في قِراءَةِ الجَرِّ، ورَيْحانُ مِن ذَواتِ الواوِ. وأجازَ أبُو عَلِيٍّ أنْ يَكُونَ اسْمًا، ووُضِعَ مَوْضِعَ المَصْدَرِ، وأنْ يَكُونَ مَصْدَرًا عَلى وزْنِ فَعْلانَ كاللَّبّانِ. وأُبْدِلَتِ الواوُ ياءً، كَما أبْدَلُوا الياءَ واوًا في أشاوى، أوْ مَصْدَرًا شاذًّا في المُعْتَلِّ، كَما شَذَّ كَبَنُونَةٍ وبَيْنُونَةٍ، فَأصْلُهُ رَيْوِحانُ، قُلِبَتِ الواوُ ياءً وأُدْغِمَتْ في الياءِ فَصارَ رَيِّحانَ، ثُمَّ حُذِفَتْ عَيْنُ الكَلِمَةِ، كَما قالُوا: مَيْتٌ وهَيْنٌ.
ولَمّا عَدَّدَ تَعالى نِعَمَهُ، خاطَبَ الثَّقَلَيْنِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٣٢]، أيْ أنَّ نِعَمَهُ كَثِيرَةٌ لا تُحْصى، فَبِأيِّها تُكَذِّبانِ ؟ أيْ مَن هَذِهِ نِعَمُهُ لا يُمْكِنُ أنْ يُكَذَّبَ بِها. وكانَ هَذا الخِطابُ لِلثَّقَلَيْنِ، لِأنَّهُما داخِلانِ في الأنامِ عَلى أصَحِّ الأقْوالِ. ولِقَوْلِهِ: ﴿خَلَقَ الإنْسانَ﴾، و﴿وخَلَقَ الجانَّ﴾؛ ولِقَوْلِهِ: ﴿سَنَفْرُغُ لَكم أيُّها الثَّقَلانِ﴾ [الرحمن: ٣١]، وقَدْ أبْعَدَ مَن جَعَلَهُ خِطابًا لِلذَّكَرِ والأُنْثى مِن بَنِي آدَمَ. وأبْعَدُ مِن هَذا قَوْلُ مَن قالَ: إنَّهُ خِطابٌ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ: ﴿ألْقِيا في جَهَنَّمَ﴾ [ق: ٢٤]، ويا حَرَسِي اضْرِبا عُنُقَهُ، يَعْنِي أنَّهُ خِطابٌ لِلْواحِدِ بِصُورَةِ الِاثْنَيْنِ، فَبِأيِّ مُنَوَّنًا في جَمِيعِ السُّورَةِ، كَأنَّهُ حُذِفَ مِنهُ المُضافُ إلَيْهِ وأُبْدِلَ مِنهُ (آلاءِ رَبِّكُما) بَدَلَ مَعْرِفَةٍ مِن نَكِرَةٍ، وآلاءُ تَقَدَّمَ في الأعْرافِ أنَّها النِّعَمُ، واحِدُها إلْيٌ وألًا وإلًى وألْيٌ.
﴿خَلَقَ الإنْسانَ﴾: لَمّا ذَكَرَ العالَمَ الأكْبَرَ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ وما أوْجَدَ فِيها مِنَ النِّعَمِ، ذَكَرَ مَبْدَأ مَن خُلِقَتْ لَهُ هَذِهِ النِّعَمُ، والإنْسانُ هو آدَمُ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ. وقِيلَ: لِلْجِنْسِ، وساغَ ذَلِكَ لِأنَّ أباهم مَخْلُوقٌ مِنَ الصَّلْصالِ. وإذا أُرِيدَ بِالإنْسانِ آدَمُ، فَقَدْ جاءَتْ غاياتٌ لَهُ مُخْتَلِفَةٌ، وذَلِكَ بِتَنَقُّلِ أصْلِهِ؛ فَكانَ أوَّلًا تُرابًا، ثُمَّ طِينًا، ثُمَّ حَمَأً مَسْنُونًا، ثُمَّ صَلْصالًا، فَناسَبَ أنْ يُنْسَبَ خَلْقُهُ لِكُلِّ واحِدٍ مِنها. والجانُّ هو أبُو الجِنِّ، وهو إبْلِيسُ، قالَهُ الحَسَنُ. وقالَ مُجاهِدٌ: هو أبُو الجِنِّ، ولَيْسَ بِإبْلِيسَ. وقِيلَ: الجانُّ اسْمُ جِنْسٍ، والمارِجُ: ما اخْتَلَطَ مِن أصْفَرَ وأحْمَرَ وأخْضَرَ، أوِ اللَّهَبُ، أوِ الخالِصُ، أوِ الحُمْرَةُ في طَرَفِ النّارِ، أوِ المُخْتَلِطُ بِسَوادٍ، أوِ المُضْطَرِبُ بِلا دُخانٍ، أقْوالٌ، (ومِن) الأُولى لِابْتِداءِ الغايَةِ، والثّانِيَةُ في (مِن نارٍ) لِلتَّبْعِيضِ. وقِيلَ لِلْبَيانِ، والتَّكْرارُ في هَذِهِ الفَواصِلِ: لِلتَّأْكِيدِ والتَّنْبِيهِ والتَّحْرِيكِ، وهي مَوْجُودَةٌ في مَواضِعَ مِنَ القُرْآنِ. وذَهَبَ قَوْمٌ مِنهُمُ ابْنُ قُتَيْبَةَ إلى أنَّ هَذا التَّكْرارَ إنَّما هو لِاخْتِلافِ النِّعَمِ، فَكَرَّرَ (p-١٩١)التَّوْقِيفَ في كُلِّ واحِدٍ مِنها.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: (رَبُّ)، و(رَبُّ) بِالرَّفْعِ، أيْ هو رَبٌّ؛ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِالخَفْضِ بَدَلًا مِن رَبِّكُما، وثَنّى المُضافَ إلَيْهِ لِأنَّهُما مَشْرِقا الصَّيْفِ والشِّتاءِ ومَغْرِباهُما، قالَهُ مُجاهِدٌ. وقِيلَ: مَشْرِقا الشَّمْسِ والقَمَرِ ومَغْرِباهُما. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: لِلشَّمْسِ مَشْرِقٌ في الصَّيْفِ مُصْعِدٌ، ومَشْرِقٌ في الشِّتاءِ مُنْحَدِرٌ، تَنْتَقِلُ فِيهِما مُصْعِدَةً ومُنْحَدِرَةً. انْتَهى. فالمَشْرِقانِ والمَغْرِبانِ لِلشَّمْسِ. وقِيلَ: المَشْرِقانِ: مَطْلَعُ الفَجْرِ ومَطْلَعُ الشَّمْسِ، والمَغْرِبانِ مَغْرِبُ الشَّفَقِ ومَغْرِبُ الشَّمْسِ. ولِسَهْلٍ التُّسْتَرِيِّ كَلامٌ في المَشْرِقَيْنِ والمَغْرِبَيْنِ شَبِيهٌ بِكَلامِ الباطِنِيَّةِ المُحَرِّفِينَ مَدْلُولَ كَلامِ اللَّهِ، ضَرَبْنا عَنْ ذِكْرِهِ صَفْحًا. وكَذَلِكَ ما وقَفْنا عَلَيْهِ مِن كَلامِ الغُلاةِ الَّذِينَ يُنْسَبُونَ لِلصُّوفِيَّةِ، لِأنّا لا نَسْتَحِلُّ نَقْلَ شَيْءٍ مِنهُ. وقَدْ أوْلَغَ صاحِبُ كِتابِ التَّحْرِيرِ والتَّحْبِيرِ بِحَسْبِ ما قالَهُ هَؤُلاءِ الغُلاةُ في كُلِّ آيَةٍ آيَةٍ، ويُسَمِّي ذَلِكَ الحَقائِقَ، وأرْبابُ القُلُوبِ وما ادَّعَوْا فَهْمَهُ في القُرْآنِ فَأوْغَلُوا فِيهِ لَمْ يَفْهَمْهُ عَرَبِيٌّ قَطُّ، ولا أرادَهُ اللَّهُ تَعالى بِتِلْكَ الألْفاظِ، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِن ذَلِكَ.
﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ذَلِكَ في الفُرْقانِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وذَكَرَ الثَّعْلَبِيُّ في ﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ﴾ ألْغازًا وأقْوالًا باطِنَةً لا يُلْتَفَتُ إلى شَيْءٍ مِنها. انْتَهى، والظّاهِرُ التِقاؤُهُما، أيْ يَتَجاوَرانِ، فَلا فَصْلَ بَيْنَ الماءَيْنِ في رُؤْيَةِ العَيْنِ. وقِيلَ: يَلْتَقِيانِ في كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً. وقِيلَ: مُعَدّانِ لِلِالتِقاءِ، فَحَقُّهُما أنْ يَلْتَقِيا لَوْلا البَرْزَخُ بَيْنَهُما.
﴿بَرْزَخٌ﴾: أيْ حاجِزٌ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، ﴿لا يَبْغِيانِ﴾: لا يَتَجاوَزانِ حَدَّهُما، ولا يَبْغِي أحَدُهُما عَلى الآخَرِ بِالمُمازَجَةِ. وقِيلَ: البَرْزَخُ: أجْرامُ الأرْضِ، قالَهُ قَتادَةُ؛ وقِيلَ: لا يَبْغِيانِ: أيْ عَلى النّاسِ والعُمْرانِ، وعَلى هَذا والَّذِي قَبْلَهُ يَكُونُ مِنَ البَغْيِ. وقِيلَ: هو مِن بَغى، أيْ طَلَبَ، فالمَعْنى: لا يَبْغِيانِ حالًا غَيْرَ الحالِ الَّتِي خُلِقا عَلَيْها وسُخِّرا لَها. وقِيلَ: ماءُ الأنْهارِ لا يَخْتَلِطُ بِالماءِ المِلْحِ، بَلْ هو بِذاتِهِ باقٍ فِيهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والعِيانُ لا يَقْتَضِيهِ. انْتَهى، يَعْنِي أنَّهُ يُشاهِدُ الماءَ العَذْبَ يَخْتَلِطُ بِالمِلْحِ فَيَبْقى كُلُّهُ مِلْحًا، وقَدْ يُقالُ: إنَّهُ بِالِاخْتِلاطِ تَتَغَيَّرُ أجْرامُ العَذْبِ حَتّى لا تَظْهَرَ، فَإذا ذاقَ الإنْسانُ مِنَ المِلْحِ المُنْبَثِّ فِيهِ تِلْكَ الأجْزاءُ الدَّقِيقَةُ لَمْ يُحِسَّ إلّا المُلُوحَةَ، والمَعْقُولُ يَشْهَدُ بِذَلِكَ، لِأنَّ تَداخُلَ الأجْسامِ غَيْرُ مُمْكِنٍ، لَكِنَّ التَّفَرُّقَ والِالتِقاءَ مُمْكِنٌ. وأنْشَدَ القاضِي مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ البَلُّوطِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى:
؎ومَمْزُوجَةُ الأمْواهِ لا العَذْبُ غالِبٌ عَلى المِلْحِ طِيبًا لا ولا المِلْحُ يَعْذُبُ
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿يَخْرُجُ﴾ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ؛ ونافِعٌ وأبُو عَمْرٍو وأهْلُ المَدِينَةِ: مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ؛ والجُعْفِيٌّ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِالياءِ مَضْمُومَةً وكَسْرِ الرّاءِ، أيْ يُخْرِجُ اللَّهُ؛ وعَنْهُ وعَنْ أبِي عَمْرٍو، وعَنِ ابْنِ مِقْسَمٍ: بِالنُّونِ. واللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ نُصِبَ في هاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ. والظّاهِرُ في (مِنهُما) أنَّ ذَلِكَ يَخْرُجُ مِنَ المِلْحِ والعَذْبِ. وقالَ بِذَلِكَ قَوْمٌ، حَكاهُ الأخْفَشُ. ورَدَّ النّاسُ هَذا القَوْلَ، قالُوا: والحِسُّ يُخالِفُهُ، إذْ لا يَخْرُجُ إلّا مِنَ المِلْحِ، وعابُوا قَوْلَ الشّاعِرِ:
؎فَجاءَ بِها ما شِئْتَ مِن لَطِيمَةٍ ∗∗∗ عَلى وجْهِها ماءُ الفُراتِ يَمُوجُ
وقالَ الجُمْهُورُ: إنَّما يَخْرُجُ مِنَ الأُجاجِ في المَواضِعِ الَّتِي تَقَعُ فِيها الأنْهارُ والمِياهُ العَذْبَةُ، فَناسَبَ إسْنادَ ذَلِكَ إلَيْهِما، وهَذا مَشْهُورٌ عِنْدَ الغَوّاصِينَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ: تَكُونُ هَذِهِ الأشْياءُ في البَحْرِ بِنُزُولِ المَطَرِ، لِأنَّ الصَّدَفَ وغَيْرَها تَفْتَحُ أفْواهَها لِلْمَطَرِ، فَلِذَلِكَ قالَ (مِنهُما) . وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: إنَّما يَخْرُجُ مِنَ المِلْحِ، لَكِنَّهُ قالَ (مِنهُما) تَجَوُّزًا. وقالَ الرُّمّانِيُّ: العَذْبُ فِيها كاللِّقاحِ لِلْمِلْحِ، فَهو كَما يُقالُ؛ الوَلَدُ يَخْرُجُ مِنَ الذَّكَرِ والأُنْثى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ، وتَبِعَ الزَّجّاجَ مِن حَيْثُ هُما نَوْعٌ واحِدٌ، فَخُرُوجُ هَذِهِ الأشْياءِ إنَّما هي مِنهُما، وإنْ كانَتْ تَخْتَصُّ عِنْدَ التَّفْصِيلِ المَبالَغِ بِأحَدِهِما، كَما قالَ: ﴿سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا﴾ [نوح: ١٥] ﴿وجَعَلَ القَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾ [نوح: ١٦]، (p-١٩٢)وإنَّما هو في إحْداهُنَّ، وهي الدُّنْيا إلى الأرْضِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ نَحْوًا مِن قَوْلِ ابْنِ عَطِيَّةَ، قالَ: فَإنْ قُلْتَ: لِمَ قالَ (مِنهُما)، وإنَّما يَخْرُجانِ مِنَ المِلْحِ قُلْتُ: لَمّا التَقَيا وصارا كالشَّيْءِ الواحِدِ، جازَ أنْ يُقالَ: يَخْرُجانِ مِنهُما، كَما يُقالُ: يَخْرُجانِ مِنَ البَحْرِ، ولا يَخْرُجانِ مِن جَمِيعِ البَحْرِ، ولَكِنْ مِن بَعْضِهِ. وتَقُولُ: خَرَجْتُ مِنَ البَلَدِ، وإنَّما خَرَجْتَ مِن مَحَلَّةٍ مِن مَحالِّهِ، بَلْ مِن دارٍ واحِدَةٍ مِن دُورِهِ. وقِيلَ: لا يَخْرُجانِ إلّا مِن مُلْتَقى المِلْحِ والعَذْبِ. انْتَهى. وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: هَذا مِن بابِ حَذْفِ المُضافِ، والتَّقْدِيرُ: يَخْرُجُ مِن أحَدِهِما، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١]: أيْ مِن إحْدى القَرْيَتَيْنِ. وقِيلَ: هُما بَحْرانِ، يَخْرُجُ مِن أحَدِهِما اللُّؤْلُؤُ ومِنَ الآخَرِ المَرْجانُ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: كَلامُ اللَّهِ تَعالى أوْلى بِالِاعْتِبارِ مِن كَلامِ بَعْضِ النّاسِ ومَن أعْلَمَ أنَّ اللُّؤْلُؤَ لا يَخْرُجُ مِنَ الماءِ العَذْبِ ؟، وهَبْ أنَّ الغَوّاصِينَ ما أخْرَجُوهُ إلّا مِنَ المالِحِ. ولَكِنْ لِمَ قُلْتُمْ إنَّ الصَّدَفَ لا يَخْرُجُ بِأمْرِ اللَّهِ مِنَ الماءِ العَذْبِ إلى الماءِ المِلْحِ وكَيْفَ يُمْكِنُ الجَزْمُ بِهِ والأُمُورُ الأرْضِيَّةُ الظّاهِرَةُ خَفِيَتْ عَنِ التُّجّارِ الَّذِينَ قَطَعُوا المَفاوِزَ ودارُوا البِلادَ، فَكَيْفَ لا يَخْفى أمْرٌ ما في قَعْرِ البَحْرِ عَلَيْهِمْ ؟ واللُّؤْلُؤُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ وقَتادَةُ: كِبارُ الجَوْهَرِ. والمَرْجانُ صِغارُهُ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا وعَلِيٍّ ومُرَّةَ الهَمْدانِيِّ عَكْسُ هَذا. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ وأبُو مالِكٍ: المَرْجانُ: الحَجَرُ الأحْمَرُ. وقالَ الزَّجّاجُ: حَجَرٌ شَدِيدُ البَياضِ. وحَكى القاضِي أبُو يَعْلى أنَّهُ ضَرْبٌ مِنَ اللُّؤْلُؤِ، كالقُضْبانِ، والمَرْجانُ: اسْمٌ أعْجَمِيٌّ مُعَرَّبٌ. قالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: لَمْ أسْمَعْ فِيهِ نَقْلَ مُتَصَرِّفٍ، وقالَ الأعْشى:
؎مِن كُلِّ مَرْجانَةٍ في البَحْرِ أحْرَزَها ∗∗∗ تَيّارُها ووَقاها طِينَها الصَّدَفُ
قِيلَ: أرادَ اللُّؤْلُؤَةَ الكَبِيرَةَ. وقَرَأ طَلْحَةُ: اللُّؤْلِي بِكَسْرِ اللّامِ الثّالِثَةِ، وهي لُغَةٌ. وعَبَدُ الوَلِيِّ: تُقْلَبُ الهَمْزَةُ المُتَطَرِّفَةُ ياءً ساكِنَةً بَعْدَ كَسْرَةِ ما قَبْلَها، وهي لُغَةٌ، قالَهُ أبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ.
﴿ولَهُ الجَوارِي﴾: خَصَّ تَعالى الجَوارِيَ بِأنَّها لَهُ، وهو تَعالى لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما فِيهِنَّ، لِأنَّهم لَمّا كانُوا هم مُنْشِئِيها، أسْنَدَها تَعالى إلَيْهِ، إذْ كانَ تَمامُ مَنفَعَتِها إنَّما هو مِنهُ تَعالى، فَهو في الحَقِيقَةِ مالِكُها. والجَوارِي: السُّفُنُ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ والحَسَنُ وعَبْدُ الوارِثِ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِضَمِّ الرّاءِ، كَما قالُوا في شاكٍ شاكٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ؛ ﴿المُنْشَآتُ﴾ بِفَتْحِ الشِّينِ، اسْمَ مَفْعُولٍ: أيْ أنْشَأها اللَّهُ، أوِ النّاسُ، أوِ المَرْفُوعاتُ الشِّراعِ. وقالَ مُجاهِدٌ: ما لَهُ شِراعٌ مِنَ المُنْشَآتِ، وما لَمْ يُرْفَعْ لَهُ شِراعٌ، فَلَيْسَ مِنَ المُنْشَآتِ. والشِّراعُ: القَلْعُ. والأعْمَشُ وحَمْزَةُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وطَلْحَةُ وأبُو بَكْرٍ: بِخِلافٍ عَنْهُ، بِكَسْرِ الشِّينِ: أيِ الرّافِعاتُ الشِّراعِ، أوِ اللّاتِي يُنْشِئْنَ الأمْواجَ بِجَرْيِهِنَّ، أوِ الَّتِي تُنْشِئُ السَّفَرَ إقْبالًا وإدْبارًا. وشَدَّدَ الشِّينَ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ والحَسَنُ المُنَشَّأةُ، وحَدَّ الصِّفَةَ، ودَلَّ عَلى الجَمْعِ المَوْصُوفِ، كَقَوْلِهِ: ﴿أزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ [البقرة: ٢٥]، وقَلَبَ الهَمْزَةَ ألِفًا عَلى حَدِّ قَوْلِهِ:
؎إنَّ السِّباعَ لَتَهْدا في مَرابِضِها
يُرِيدُ: لَتَهْدَأُ، التّاءُ لِتَأْنِيثِ الصِّفَةِ، كُتِبَتْ تاءً عَلى لَفْظِها في الوَصْلِ.
﴿كالأعْلامِ﴾: أيْ كالجِبالِ والآكامِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى كِبَرِ السُّفُنِ حَيْثُ شَبَّهَها بِالجِبالِ، وإنْ كانَتِ المُنْشَآتُ تَنْطَلِقُ عَلى السَّفِينَةِ الكَبِيرَةِ والصَّغِيرَةِ. وعَبَّرَ بِمَن في قَوْلِهِ: ﴿كُلُّ مَن عَلَيْها﴾ تَغْلِيبًا لِمَن يَعْقِلُ، والضَّمِيرُ في (عَلَيْها) قَلِيلٌ عائِدٌ عَلى الأرْضِ في قَوْلِهِ: ﴿والأرْضَ وضَعَها لِلْأنامِ﴾، فَعادَ الضَّمِيرُ عَلَيْها، وإنْ كانَ بَعْدَ لَفْظِها. والفَناءُ عِبارَةٌ عَنْ إعْدامِ جَمِيعِ المَوْجُوداتِ مِن حَيَوانٍ وغَيْرِهِ، والوَجْهُ يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ حَقِيقَةِ الشَّيْءِ، والجارِحَةُ مُنْتَفِيَةٌ عَنِ اللَّهِ تَعالى، ونَحْوَ ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا وجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] . وتَقُولُ صَعالِيكُ مَكَّةَ: أيْنَ وجْهُ عَرَبِيٍّ كَرِيمٍ يَجُودُ عَلَيَّ ؟ وقَرَأ الجُمْهُورُ: ذُو بِالواوِ، وصِفَةً لِلْوَجْهِ. وأُبَيُّ وعَبْدُ اللَّهِ: ذِي بِالياءِ، صِفَةً لِلرَّبِّ. والظّاهِرُ أنَّ الخِطابَ في قَوْلِهِ: ﴿وجْهُ رَبِّكَ﴾ لِلرَّسُولِ، وفِيهِ تَشْرِيفٌ عَظِيمٌ لَهُ، ﷺ . وقِيلَ: (p-١٩٣)الخِطابُ لِكُلِّ سامِعٍ. ومَعْنى ﴿ذُو الجَلالِ﴾: الَّذِي يُجِلُّهُ المُوَحِّدُونَ عَنِ التَّشْبِيهِ بِخَلْقِهِ وعَنْ أفْعالِهِمْ، أوِ الَّذِي يُتَعَجَّبُ مِن جَلالِهِ، أوِ الَّذِي عِنْدَهُ الجَلالُ والإكْرامُ لِلْمُخْلِصِينَ مِن عِبادِهِ.
﴿يَسْألُهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾: أيْ حَوائِجَهم، وهو ما يَتَعَلَّقُ بِمَن في السَّماواتِ مِن أمْرِ الدِّينِ وما اسْتُعْبِدُوا بِهِ، ومَن في الأرْضِ مِن أمْرِ دِينِهِمْ ودُنْياهم. وقالَ أبُو صالِحٍ: مَن في السَّماواتِ الرَّحْمَةَ ومَن في الأرْضِ المَغْفِرَةَ والرِّزْقَ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: المَلائِكَةُ الرِّزْقَ لِأهْلِ الأرْضِ والمَغْفِرَةَ، وأهْلُ الأرْضِ يَسْألُونَهُما جَمِيعًا. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: يَسْألُهُ اسْتِئْنافُ إخْبارٍ. وقِيلَ: حالٌ مِنَ الوَجْهِ، والعامِلُ فِيهِ يَبْقى، أيْ هو دائِمٌ في هَذِهِ الحالِ. انْتَهى، وفِيهِ بُعْدٌ. ومَن لا يَسْألُ، فَحالُهُ تَقْتَضِي السُّؤالَ، فَيَصِحُّ إسْنادُ السُّؤالِ إلى الجَمِيعِ بِاعْتِبارِ القَدْرِ المُشْتَرَكِ، وهو الِافْتِقارُ إلَيْهِ تَعالى.
﴿كُلَّ يَوْمٍ﴾: أيْ كُلَّ ساعَةٍ ولَحْظَةٍ، وذَكَرَ اليَوْمَ لِأنَّ السّاعاتِ واللَّحَظاتِ في ضِمْنِهِ.
﴿هُوَ في شَأْنٍ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: في شَأْنٍ يُمْضِيهِ مِنَ الخَلْقِ والرِّزْقِ والإحْياءِ والإماتَةِ. وقالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: يُجِيبُ داعِيًا، ويَفُكُّ عانِيًا، ويَتُوبُ عَلى قَوْمٍ، ويَغْفِرُ لِقَوْمٍ. وقالَ سُوَيْدُ بْنُ غَفْلَةَ: يُعْتِقُ رِقابًا، ويُعْطِي رَغامًا ويُقْحِمُ عِقابًا. وقالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: الدَّهْرُ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمانِ، أحَدُهُما اليَوْمُ الَّذِي هو مُدَّةُ الدُّنْيا، فَشَأْنُهُ فِيهِ الأمْرُ والنَّهْيُ والإماتَةُ والإحْياءُ؛ والثّانِي الَّذِي هو يَوْمُ القِيامَةِ، فَشَأْنُهُ فِيهِ الجَزاءُ والحِسابُ. وعَنْ مُقاتِلٍ: نَزَلَتْ في اليَهُودِ، فَقالُوا: إنَّ اللَّهَ لا يَقْضِي يَوْمَ السَّبْتِ شَيْئًا. وقالَ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ، وقَدْ سَألَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طاهِرٍ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هو في شَأْنٍ﴾: وقَدْ صَحَّ أنَّ القَلَمَ جَفَّ بِما هو كائِنٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ فَقالَ: شُئُونٌ يُبْدِيها، لا شُئُونٌ يَبْتَدِيها. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: هو في يَوْمِ الدُّنْيا في الِابْتِلاءِ، وفي يَوْمِ القِيامَةِ في الجَزاءِ. وانْتَصَبَ ﴿كُلَّ يَوْمٍ﴾ عَلى الظَّرْفِ، والعامِلُ فِيهِ العامِلُ في قَوْلِهِ: ﴿فِي شَأْنٍ﴾، وهو مُسْتَقِرٌّ المَحْذُوفُ، نَحْوَ: يَوْمَ الجُمُعَةِ زَيْدٌ قائِمٌ.
الرحمن 55:28
ولَمّا ذَكَرَ تَعالى ما أنْعَمَ بِهِ مِن مَنفَعَةِ الشَّمْسِ والقَمَرِ، وكانَ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ العُلْوِيَّةِ، ذَكَرَ في مُقابَلَتِهِما مِنَ الآثارِ السُّفْلِيَّةِ النَّجْمَ والشَّجَرَ، إذْ كانا رِزْقًا لِلْإنْسانِ، وأخْبَرَ أنَّهُما جارِيانِ عَلى ما أرادَ اللَّهُ بِهِما، مِن تَسْخِيرِهِما وكَيْنُونَتِهِما عَلى ما اقْتَضَتْهُ حِكْمَتُهُ تَعالى. ولَمّا ذَكَرَ ما بِهِ حَياةُ الأرْواحِ مِن تَعْلِيمِ القُرْآنِ، ذَكَرَ ما بِهِ حَياةُ الأشْباحِ مِنَ النَّباتِ الَّذِي لَهُ ساقٌ، وكانَ تَقْدِيمُ النَّجْمِ، وهو ما لا ساقَ لَهُ، لِأنَّهُ أصْلُ القُوتِ، والَّذِي لَهُ ساقٌ ثَمَرُهُ يُتَفَكَّهُ بِهِ غالِبًا. والظّاهِرُ أنَّ النَّجْمَ هو الَّذِي شَرَحْناهُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ اقْتِرانُهُ بِالشَّجَرِ. وقالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ والحَسَنُ: النَّجْمُ: اسْمُ الجِنْسِ مِن نُجُومِ السَّماءِ. وسُجُودُهُما، قالَ مُجاهِدٌ والحَسَنُ: ذَلِكَ في النَّجْمِ بِالغُرُوبِ ونَحْوِهِ، وفي الشَّجَرِ بِالظِّلِّ واسْتِدارَتِهِ. وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: والسُّجُودُ تَجَوُّزٌ، وهو عِبارَةٌ عَنِ الخُضُوعِ والتَّذَلُّلِ. والجُمَلُ الأُوَلُ فِيها ضَمِيرٌ يَرْبُطُها بِالمُبْتَدَأِ، وأمّا في هاتَيْنِ الجُمْلَتَيْنِ فاكْتَفى بِالوَصْلِ المَعْنَوِيِّ عَنِ الوَصْلِ اللَّفْظِيِّ، إذْ مَعْلُومٌ أنَّ الحُسْبانَ هو حُسْبانُهُ، وأنَّ السُّجُودَ لَهُ لا لِغَيْرِهِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: بِحُسْبانِهِ ويَسْجُدانِ لَهُ. ولَمّا أُورِدَتْ هَذِهِ الجُمَلُ مَوْرِدَ تَعْدِيدِ النِّعَمِ رُدَّ الكَلامُ إلى العَطْفِ في وصْلِ ما يُناسِبُ وصْلَهُ، والتَّناسُبُ الَّذِي بَيْنَ هاتَيْنِ الجُمْلَتَيْنِ ظاهِرٌ، لِأنَّ الشَّمْسَ والقَمَرَ عُلْوِيّانِ، والنَّجْمُ والشَّجَرُ سُفْلِيّانِ.
﴿والسَّماءَ رَفَعَها﴾: أيْ خَلَقَها مَرْفُوعَةً، حَيْثُ جَعَلَها مَصْدَرَ قَضاياهُ ومَسْكَنَ مَلائِكَتِهِ الَّذِينَ يَنْزِلُونَ بِالوَحْيِ عَلى أنْبِيائِهِ، ونَبَّهَ بِذَلِكَ عَلى عِظَمِ شَأْنِهِ ومِلْكِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (والسَّماءَ)، بِالنَّصْبِ عَلى الِاشْتِغالِ، رُوعِيَ مُشاكَلَةُ الجُمْلَةِ الَّتِي تَلِيهِ وهي ﴿يَسْجُدانِ﴾ [الرحمن: ٦] . وقَرَأ أبُو السَّمّالِ: والسَّماءُ بِالرَّفْعِ، راعى مُشاكَلَةَ الجُمْلَةِ الِابْتِدائِيَّةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ووَضَعَ المِيزانَ﴾، فِعْلًا ماضِيًا ناصِبًا المِيزانَ، أيْ أقَرَّهُ وأثْبَتَهُ. وقَرَأ إبْراهِيمُ: ووَضْعِ المِيزانِ، بِالخَفْضِ وإسْكانِ الضّادِ. والظّاهِرُ أنَّهُ كُلُّ ما يُوزَنُ بِهِ الأشْياءُ وتُعْرَفُ مَقادِيرُها، وإنِ اخْتَلَفَتِ الآلاتُ، قالَ مَعْناهُ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وقَتادَةُ، جَعَلَهُ تَعالى حاكِمًا بِالسَّوِيَّةِ في الأخْذِ والإعْطاءِ. وقالَ مُجاهِدٌ والطَّبَرِيُّ والأكْثَرُونَ: المِيزانُ: العَدْلُ، وتَكُونُ الآلاتُ مِن بَعْضِ ما يَنْدَرِجُ في العَدْلِ. بَدَأ أوَّلًا بِالعِلْمِ، فَذَكَرَ ما فِيهِ أشْرَفُ أنْواعِ العُلُومِ وهو القُرْآنُ؛ ثُمَّ ذَكَرَ ما بِهِ التَّعْدِيلُ في الأُمُورِ، وهو المِيزانُ، كَقَوْلِهِ: ﴿وأنْزَلْنا مَعَهُمُ الكِتابَ والمِيزانَ﴾ [الحديد: ٢٥]، لِيُعَلِّمُوا الكِتابَ ويَفْعَلُوا ما يَأْمُرُهم بِهِ الكِتابُ. (أنْ لا تَطْغَوْا في المِيزانِ): أيْ لِأنْ لا تَطْغَوْا، فَتَطْغَوْا مَنصُوبٌ بِأنْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ هي ”أنِ“ المُفَسِّرَةُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ أنْ مُفَسِّرَةً، فَيَكُونُ تَطْغَوْا جَزْمًا بِالنَّهْيِ. انْتَهى، ولا يَجُوزُ ما قالاهُ مِن أنَّ أنْ مُفَسِّرَةٌ، لِأنَّهُ فاتَ أحَدُ شَرْطَيْها، وهو أنْ يَكُونَ ما قَبْلَها جُمْلَةً فِيها مَعْنى القَوْلِ.
﴿ووَضَعَ المِيزانَ﴾ جُمْلَةٌ لَيْسَ فِيها مَعْنى القَوْلِ. والطُّغْيانُ في المِيزانِ هو أنْ يَكُونَ بِالتَّعَمُّدِ، وأمّا ما لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنَ التَّحْرِيرِ بِالمِيزانِ فَمَعْفُوٌّ عَنْهُ.
ولَمّا كانَتِ التَّسْوِيَةُ مَطْلُوبَةً جِدًّا، أمَرَ اللَّهُ تَعالى فَقالَ: ﴿وأقِيمُوا الوَزْنَ﴾ . وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ولا تُخْسِرُوا﴾، مِن أخْسَرَ: أيْ أفْسَدَ ونَقَصَ، كَقَوْلِهِ: ﴿وإذا كالُوهم أوْ وزَنُوهم يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين: ٣]؛ أيْ يَنْقُصُونَ. وبِلالُ بْنُ أبِي بُرْدَةَ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: تَخْسَرُ بِفَتْحِ التّاءِ، يُقالُ: خَسِرَ يَخْسَرُ، وأخْسَرَ يُخْسِرُ بِمَعْنًى واحِدٍ، كَجَبَرَ وأجْبَرَ. وحَكى ابْنُ جِنِّي وصاحِبُ اللَّوامِحِ، عَنْ بِلالٍ فَتْحَ التّاءِ والسِّينِ مُضارِعُ خَسِرَ بِكَسْرِ السِّينِ، وخَرَّجَها الزَّمَخْشَرِيُّ عَلى أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: في المِيزانِ، فَحَذَفَ الجارَّ ونَصَبَ، ولا يُحْتاجُ إلى هَذا التَّخْرِيجِ. ألا تَرى أنَّ خَسِرَ جاءَ مُتَعَدِّيًا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٢]، و﴿خَسِرَ الدُّنْيا والآخِرَةَ﴾ [الحج: ١١] ؟ وقُرِئَ أيْضًا: تَخْسُرُوا، بِفَتْحِ التّاءِ وضَمِّ السِّينِ. لِما مُنِعَ مِنَ الزِّيادَةِ، وهي الطُّغْيانُ، نَهى عَنِ الخُسْرانِ الَّذِي هو نُقْصانٌ، وكَرَّرَ لَفْظَ المِيزانِ، تَشْدِيدًا لِلتَّوْصِيَةِ بِهِ وتَقْوِيَةً لِلْأمْرِ بِاسْتِعْمالِهِ والحَثِّ عَلَيْهِ.
ولَمّا ذَكَرَ السَّماءَ، ذَكَرَ مُقابِلَتَها فَقالَ: ﴿والأرْضَ وضَعَها لِلْأنامِ﴾: أيْ خَفَضَها (p-١٩٠)مَدْحُوَّةً عَلى الماءِ لِيُنْتَفَعَ بِها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”والأرْضَ“ بِالنَّصْبِ؛ وأبُو السَّمّالِ: بِالرَّفْعِ: ”والأنامُ“، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بَنُو آدَمَ فَقَطْ. وقالَ أيْضًا هو وقَتادَةُ وابْنُ زَيْدٍ والشَّعْبِيُّ: الحَيَوانُ كُلُّهُ. وقالَ الحَسَنُ: الثَّقَلانِ الجِنُّ والإنْسُ.
﴿فِيها فاكِهَةٌ﴾: ضُرُوبٌ مِمّا يُتَفَكَّهُ بِهِ. وبَدَأ بِقَوْلِهِ: ﴿فاكِهَةٌ﴾، إذْ هو مِن بابِ الِابْتِداءِ بِالأدْنى والتَّرَقِّي إلى الأعْلى، ونَكَّرَ لَفْظَها، لِأنَّ الِانْتِفاعَ بِها دُونَ الِانْتِفاعِ بِما يُذْكَرُ بَعْدَها. ثُمَّ ثَنّى بِالنَّخْلِ، فَذَكَرَ الأصْلَ ولَمْ يَذْكُرْ ثَمَرَتَها، وهو الثَّمَرُ لِكَثْرَةِ الِانْتِفاعِ بِها مِن لِيفٍ وسَعَفٍ وجَرِيدٍ وجُذُوعٍ وجُمّارٍ وثَمَرٍ. ثُمَّ أتى ثالِثًا بِالحَبِّ الَّذِي هو قِوامُ عَيْشِ الإنْسانِ في أكْثَرِ الأقالِيمِ، وهو البُرُّ والشَّعِيرُ وكُلُّ ما لَهُ سُنْبُلٌ وأوْراقٌ مُتَشَعِّبَةٌ عَلى ساقِهِ، ووَصَفَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ذُو العَصْفِ﴾ تَنْبِيهًا عَلى إنْعامِهِ عَلَيْهِمْ بِما يَقُوتُهم مِنَ الحَبِّ، ويَقُوتُ بَهائِمَهم مِن ورَقِهِ الَّذِي هو التِّبْنُ. وبَدَأ بِالفاكِهَةِ وخَتَمَ بِالمَشْمُومِ، وبَيْنَهُما النَّخْلُ والحَبُّ، لِيَحْصُلَ ما بِهِ يُتَفَكَّهُ، وما بِهِ يُتَقَوَّتُ، وما بِهِ تَقَعُ اللَّذاذَةُ مِنَ الرّائِحَةِ الطَّيِّبَةِ. وذَكَرَ النَّخْلَ بِاسْمِها والفاكِهَةَ دُونَ شَجَرِها، لِعِظَمِ المَنفَعَةِ بِالنَّخْلِ مِن جِهاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ، وشَجَرَةُ الفاكِهَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى ثَمَرَتِها حَقِيرَةٌ، فَنَصَّ عَلى ما يَعْظُمُ بِهِ الِانْتِفاعُ مِن شَجَرَةِ النَّخْلِ ومِنَ الفاكِهَةِ دُونَ شَجَرَتِها.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿والحَبُّ ذُو العَصْفِ والرَّيْحانُ﴾، بِرَفْعِ الثَّلاثَةِ عَطْفًا عَلى المَرْفُوعِ قَبْلَهُ؛ وابْنُ عامِرٍ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِنَصْبِ الثَّلاثَةِ، أيْ وخَلَقَ الحَبَّ. وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ ﴿والرَّيْحانُ﴾ حالَةَ الرَّفْعِ وحالَةَ النَّصْبِ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ وذُو الرَّيْحانِ حَذَفَ المُضافَ وأقامَ المُضافَ إلَيْهِ مَقامَهُ؛ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ والأصْمَعِيُّ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: والرَّيْحانُ بِالجَرِّ، والمَعْنى: والحَبُّ ذُو العَصْفِ الَّذِي هو عَلَفُ البَهائِمِ، والرَّيْحانُ الَّذِي هو مَطْعَمُ النّاسِ، ويَبْعُدُ دُخُولُ المَشْمُومِ في قِراءَةِ الجَرِّ، ورَيْحانُ مِن ذَواتِ الواوِ. وأجازَ أبُو عَلِيٍّ أنْ يَكُونَ اسْمًا، ووُضِعَ مَوْضِعَ المَصْدَرِ، وأنْ يَكُونَ مَصْدَرًا عَلى وزْنِ فَعْلانَ كاللَّبّانِ. وأُبْدِلَتِ الواوُ ياءً، كَما أبْدَلُوا الياءَ واوًا في أشاوى، أوْ مَصْدَرًا شاذًّا في المُعْتَلِّ، كَما شَذَّ كَبَنُونَةٍ وبَيْنُونَةٍ، فَأصْلُهُ رَيْوِحانُ، قُلِبَتِ الواوُ ياءً وأُدْغِمَتْ في الياءِ فَصارَ رَيِّحانَ، ثُمَّ حُذِفَتْ عَيْنُ الكَلِمَةِ، كَما قالُوا: مَيْتٌ وهَيْنٌ.
ولَمّا عَدَّدَ تَعالى نِعَمَهُ، خاطَبَ الثَّقَلَيْنِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٣٢]، أيْ أنَّ نِعَمَهُ كَثِيرَةٌ لا تُحْصى، فَبِأيِّها تُكَذِّبانِ ؟ أيْ مَن هَذِهِ نِعَمُهُ لا يُمْكِنُ أنْ يُكَذَّبَ بِها. وكانَ هَذا الخِطابُ لِلثَّقَلَيْنِ، لِأنَّهُما داخِلانِ في الأنامِ عَلى أصَحِّ الأقْوالِ. ولِقَوْلِهِ: ﴿خَلَقَ الإنْسانَ﴾، و﴿وخَلَقَ الجانَّ﴾؛ ولِقَوْلِهِ: ﴿سَنَفْرُغُ لَكم أيُّها الثَّقَلانِ﴾ [الرحمن: ٣١]، وقَدْ أبْعَدَ مَن جَعَلَهُ خِطابًا لِلذَّكَرِ والأُنْثى مِن بَنِي آدَمَ. وأبْعَدُ مِن هَذا قَوْلُ مَن قالَ: إنَّهُ خِطابٌ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ: ﴿ألْقِيا في جَهَنَّمَ﴾ [ق: ٢٤]، ويا حَرَسِي اضْرِبا عُنُقَهُ، يَعْنِي أنَّهُ خِطابٌ لِلْواحِدِ بِصُورَةِ الِاثْنَيْنِ، فَبِأيِّ مُنَوَّنًا في جَمِيعِ السُّورَةِ، كَأنَّهُ حُذِفَ مِنهُ المُضافُ إلَيْهِ وأُبْدِلَ مِنهُ (آلاءِ رَبِّكُما) بَدَلَ مَعْرِفَةٍ مِن نَكِرَةٍ، وآلاءُ تَقَدَّمَ في الأعْرافِ أنَّها النِّعَمُ، واحِدُها إلْيٌ وألًا وإلًى وألْيٌ.
﴿خَلَقَ الإنْسانَ﴾: لَمّا ذَكَرَ العالَمَ الأكْبَرَ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ وما أوْجَدَ فِيها مِنَ النِّعَمِ، ذَكَرَ مَبْدَأ مَن خُلِقَتْ لَهُ هَذِهِ النِّعَمُ، والإنْسانُ هو آدَمُ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ. وقِيلَ: لِلْجِنْسِ، وساغَ ذَلِكَ لِأنَّ أباهم مَخْلُوقٌ مِنَ الصَّلْصالِ. وإذا أُرِيدَ بِالإنْسانِ آدَمُ، فَقَدْ جاءَتْ غاياتٌ لَهُ مُخْتَلِفَةٌ، وذَلِكَ بِتَنَقُّلِ أصْلِهِ؛ فَكانَ أوَّلًا تُرابًا، ثُمَّ طِينًا، ثُمَّ حَمَأً مَسْنُونًا، ثُمَّ صَلْصالًا، فَناسَبَ أنْ يُنْسَبَ خَلْقُهُ لِكُلِّ واحِدٍ مِنها. والجانُّ هو أبُو الجِنِّ، وهو إبْلِيسُ، قالَهُ الحَسَنُ. وقالَ مُجاهِدٌ: هو أبُو الجِنِّ، ولَيْسَ بِإبْلِيسَ. وقِيلَ: الجانُّ اسْمُ جِنْسٍ، والمارِجُ: ما اخْتَلَطَ مِن أصْفَرَ وأحْمَرَ وأخْضَرَ، أوِ اللَّهَبُ، أوِ الخالِصُ، أوِ الحُمْرَةُ في طَرَفِ النّارِ، أوِ المُخْتَلِطُ بِسَوادٍ، أوِ المُضْطَرِبُ بِلا دُخانٍ، أقْوالٌ، (ومِن) الأُولى لِابْتِداءِ الغايَةِ، والثّانِيَةُ في (مِن نارٍ) لِلتَّبْعِيضِ. وقِيلَ لِلْبَيانِ، والتَّكْرارُ في هَذِهِ الفَواصِلِ: لِلتَّأْكِيدِ والتَّنْبِيهِ والتَّحْرِيكِ، وهي مَوْجُودَةٌ في مَواضِعَ مِنَ القُرْآنِ. وذَهَبَ قَوْمٌ مِنهُمُ ابْنُ قُتَيْبَةَ إلى أنَّ هَذا التَّكْرارَ إنَّما هو لِاخْتِلافِ النِّعَمِ، فَكَرَّرَ (p-١٩١)التَّوْقِيفَ في كُلِّ واحِدٍ مِنها.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: (رَبُّ)، و(رَبُّ) بِالرَّفْعِ، أيْ هو رَبٌّ؛ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِالخَفْضِ بَدَلًا مِن رَبِّكُما، وثَنّى المُضافَ إلَيْهِ لِأنَّهُما مَشْرِقا الصَّيْفِ والشِّتاءِ ومَغْرِباهُما، قالَهُ مُجاهِدٌ. وقِيلَ: مَشْرِقا الشَّمْسِ والقَمَرِ ومَغْرِباهُما. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: لِلشَّمْسِ مَشْرِقٌ في الصَّيْفِ مُصْعِدٌ، ومَشْرِقٌ في الشِّتاءِ مُنْحَدِرٌ، تَنْتَقِلُ فِيهِما مُصْعِدَةً ومُنْحَدِرَةً. انْتَهى. فالمَشْرِقانِ والمَغْرِبانِ لِلشَّمْسِ. وقِيلَ: المَشْرِقانِ: مَطْلَعُ الفَجْرِ ومَطْلَعُ الشَّمْسِ، والمَغْرِبانِ مَغْرِبُ الشَّفَقِ ومَغْرِبُ الشَّمْسِ. ولِسَهْلٍ التُّسْتَرِيِّ كَلامٌ في المَشْرِقَيْنِ والمَغْرِبَيْنِ شَبِيهٌ بِكَلامِ الباطِنِيَّةِ المُحَرِّفِينَ مَدْلُولَ كَلامِ اللَّهِ، ضَرَبْنا عَنْ ذِكْرِهِ صَفْحًا. وكَذَلِكَ ما وقَفْنا عَلَيْهِ مِن كَلامِ الغُلاةِ الَّذِينَ يُنْسَبُونَ لِلصُّوفِيَّةِ، لِأنّا لا نَسْتَحِلُّ نَقْلَ شَيْءٍ مِنهُ. وقَدْ أوْلَغَ صاحِبُ كِتابِ التَّحْرِيرِ والتَّحْبِيرِ بِحَسْبِ ما قالَهُ هَؤُلاءِ الغُلاةُ في كُلِّ آيَةٍ آيَةٍ، ويُسَمِّي ذَلِكَ الحَقائِقَ، وأرْبابُ القُلُوبِ وما ادَّعَوْا فَهْمَهُ في القُرْآنِ فَأوْغَلُوا فِيهِ لَمْ يَفْهَمْهُ عَرَبِيٌّ قَطُّ، ولا أرادَهُ اللَّهُ تَعالى بِتِلْكَ الألْفاظِ، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِن ذَلِكَ.
﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ذَلِكَ في الفُرْقانِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وذَكَرَ الثَّعْلَبِيُّ في ﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ﴾ ألْغازًا وأقْوالًا باطِنَةً لا يُلْتَفَتُ إلى شَيْءٍ مِنها. انْتَهى، والظّاهِرُ التِقاؤُهُما، أيْ يَتَجاوَرانِ، فَلا فَصْلَ بَيْنَ الماءَيْنِ في رُؤْيَةِ العَيْنِ. وقِيلَ: يَلْتَقِيانِ في كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً. وقِيلَ: مُعَدّانِ لِلِالتِقاءِ، فَحَقُّهُما أنْ يَلْتَقِيا لَوْلا البَرْزَخُ بَيْنَهُما.
﴿بَرْزَخٌ﴾: أيْ حاجِزٌ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، ﴿لا يَبْغِيانِ﴾: لا يَتَجاوَزانِ حَدَّهُما، ولا يَبْغِي أحَدُهُما عَلى الآخَرِ بِالمُمازَجَةِ. وقِيلَ: البَرْزَخُ: أجْرامُ الأرْضِ، قالَهُ قَتادَةُ؛ وقِيلَ: لا يَبْغِيانِ: أيْ عَلى النّاسِ والعُمْرانِ، وعَلى هَذا والَّذِي قَبْلَهُ يَكُونُ مِنَ البَغْيِ. وقِيلَ: هو مِن بَغى، أيْ طَلَبَ، فالمَعْنى: لا يَبْغِيانِ حالًا غَيْرَ الحالِ الَّتِي خُلِقا عَلَيْها وسُخِّرا لَها. وقِيلَ: ماءُ الأنْهارِ لا يَخْتَلِطُ بِالماءِ المِلْحِ، بَلْ هو بِذاتِهِ باقٍ فِيهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والعِيانُ لا يَقْتَضِيهِ. انْتَهى، يَعْنِي أنَّهُ يُشاهِدُ الماءَ العَذْبَ يَخْتَلِطُ بِالمِلْحِ فَيَبْقى كُلُّهُ مِلْحًا، وقَدْ يُقالُ: إنَّهُ بِالِاخْتِلاطِ تَتَغَيَّرُ أجْرامُ العَذْبِ حَتّى لا تَظْهَرَ، فَإذا ذاقَ الإنْسانُ مِنَ المِلْحِ المُنْبَثِّ فِيهِ تِلْكَ الأجْزاءُ الدَّقِيقَةُ لَمْ يُحِسَّ إلّا المُلُوحَةَ، والمَعْقُولُ يَشْهَدُ بِذَلِكَ، لِأنَّ تَداخُلَ الأجْسامِ غَيْرُ مُمْكِنٍ، لَكِنَّ التَّفَرُّقَ والِالتِقاءَ مُمْكِنٌ. وأنْشَدَ القاضِي مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ البَلُّوطِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى:
؎ومَمْزُوجَةُ الأمْواهِ لا العَذْبُ غالِبٌ عَلى المِلْحِ طِيبًا لا ولا المِلْحُ يَعْذُبُ
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿يَخْرُجُ﴾ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ؛ ونافِعٌ وأبُو عَمْرٍو وأهْلُ المَدِينَةِ: مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ؛ والجُعْفِيٌّ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِالياءِ مَضْمُومَةً وكَسْرِ الرّاءِ، أيْ يُخْرِجُ اللَّهُ؛ وعَنْهُ وعَنْ أبِي عَمْرٍو، وعَنِ ابْنِ مِقْسَمٍ: بِالنُّونِ. واللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ نُصِبَ في هاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ. والظّاهِرُ في (مِنهُما) أنَّ ذَلِكَ يَخْرُجُ مِنَ المِلْحِ والعَذْبِ. وقالَ بِذَلِكَ قَوْمٌ، حَكاهُ الأخْفَشُ. ورَدَّ النّاسُ هَذا القَوْلَ، قالُوا: والحِسُّ يُخالِفُهُ، إذْ لا يَخْرُجُ إلّا مِنَ المِلْحِ، وعابُوا قَوْلَ الشّاعِرِ:
؎فَجاءَ بِها ما شِئْتَ مِن لَطِيمَةٍ ∗∗∗ عَلى وجْهِها ماءُ الفُراتِ يَمُوجُ
وقالَ الجُمْهُورُ: إنَّما يَخْرُجُ مِنَ الأُجاجِ في المَواضِعِ الَّتِي تَقَعُ فِيها الأنْهارُ والمِياهُ العَذْبَةُ، فَناسَبَ إسْنادَ ذَلِكَ إلَيْهِما، وهَذا مَشْهُورٌ عِنْدَ الغَوّاصِينَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ: تَكُونُ هَذِهِ الأشْياءُ في البَحْرِ بِنُزُولِ المَطَرِ، لِأنَّ الصَّدَفَ وغَيْرَها تَفْتَحُ أفْواهَها لِلْمَطَرِ، فَلِذَلِكَ قالَ (مِنهُما) . وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: إنَّما يَخْرُجُ مِنَ المِلْحِ، لَكِنَّهُ قالَ (مِنهُما) تَجَوُّزًا. وقالَ الرُّمّانِيُّ: العَذْبُ فِيها كاللِّقاحِ لِلْمِلْحِ، فَهو كَما يُقالُ؛ الوَلَدُ يَخْرُجُ مِنَ الذَّكَرِ والأُنْثى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ، وتَبِعَ الزَّجّاجَ مِن حَيْثُ هُما نَوْعٌ واحِدٌ، فَخُرُوجُ هَذِهِ الأشْياءِ إنَّما هي مِنهُما، وإنْ كانَتْ تَخْتَصُّ عِنْدَ التَّفْصِيلِ المَبالَغِ بِأحَدِهِما، كَما قالَ: ﴿سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا﴾ [نوح: ١٥] ﴿وجَعَلَ القَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾ [نوح: ١٦]، (p-١٩٢)وإنَّما هو في إحْداهُنَّ، وهي الدُّنْيا إلى الأرْضِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ نَحْوًا مِن قَوْلِ ابْنِ عَطِيَّةَ، قالَ: فَإنْ قُلْتَ: لِمَ قالَ (مِنهُما)، وإنَّما يَخْرُجانِ مِنَ المِلْحِ قُلْتُ: لَمّا التَقَيا وصارا كالشَّيْءِ الواحِدِ، جازَ أنْ يُقالَ: يَخْرُجانِ مِنهُما، كَما يُقالُ: يَخْرُجانِ مِنَ البَحْرِ، ولا يَخْرُجانِ مِن جَمِيعِ البَحْرِ، ولَكِنْ مِن بَعْضِهِ. وتَقُولُ: خَرَجْتُ مِنَ البَلَدِ، وإنَّما خَرَجْتَ مِن مَحَلَّةٍ مِن مَحالِّهِ، بَلْ مِن دارٍ واحِدَةٍ مِن دُورِهِ. وقِيلَ: لا يَخْرُجانِ إلّا مِن مُلْتَقى المِلْحِ والعَذْبِ. انْتَهى. وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: هَذا مِن بابِ حَذْفِ المُضافِ، والتَّقْدِيرُ: يَخْرُجُ مِن أحَدِهِما، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١]: أيْ مِن إحْدى القَرْيَتَيْنِ. وقِيلَ: هُما بَحْرانِ، يَخْرُجُ مِن أحَدِهِما اللُّؤْلُؤُ ومِنَ الآخَرِ المَرْجانُ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: كَلامُ اللَّهِ تَعالى أوْلى بِالِاعْتِبارِ مِن كَلامِ بَعْضِ النّاسِ ومَن أعْلَمَ أنَّ اللُّؤْلُؤَ لا يَخْرُجُ مِنَ الماءِ العَذْبِ ؟، وهَبْ أنَّ الغَوّاصِينَ ما أخْرَجُوهُ إلّا مِنَ المالِحِ. ولَكِنْ لِمَ قُلْتُمْ إنَّ الصَّدَفَ لا يَخْرُجُ بِأمْرِ اللَّهِ مِنَ الماءِ العَذْبِ إلى الماءِ المِلْحِ وكَيْفَ يُمْكِنُ الجَزْمُ بِهِ والأُمُورُ الأرْضِيَّةُ الظّاهِرَةُ خَفِيَتْ عَنِ التُّجّارِ الَّذِينَ قَطَعُوا المَفاوِزَ ودارُوا البِلادَ، فَكَيْفَ لا يَخْفى أمْرٌ ما في قَعْرِ البَحْرِ عَلَيْهِمْ ؟ واللُّؤْلُؤُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ وقَتادَةُ: كِبارُ الجَوْهَرِ. والمَرْجانُ صِغارُهُ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا وعَلِيٍّ ومُرَّةَ الهَمْدانِيِّ عَكْسُ هَذا. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ وأبُو مالِكٍ: المَرْجانُ: الحَجَرُ الأحْمَرُ. وقالَ الزَّجّاجُ: حَجَرٌ شَدِيدُ البَياضِ. وحَكى القاضِي أبُو يَعْلى أنَّهُ ضَرْبٌ مِنَ اللُّؤْلُؤِ، كالقُضْبانِ، والمَرْجانُ: اسْمٌ أعْجَمِيٌّ مُعَرَّبٌ. قالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: لَمْ أسْمَعْ فِيهِ نَقْلَ مُتَصَرِّفٍ، وقالَ الأعْشى:
؎مِن كُلِّ مَرْجانَةٍ في البَحْرِ أحْرَزَها ∗∗∗ تَيّارُها ووَقاها طِينَها الصَّدَفُ
قِيلَ: أرادَ اللُّؤْلُؤَةَ الكَبِيرَةَ. وقَرَأ طَلْحَةُ: اللُّؤْلِي بِكَسْرِ اللّامِ الثّالِثَةِ، وهي لُغَةٌ. وعَبَدُ الوَلِيِّ: تُقْلَبُ الهَمْزَةُ المُتَطَرِّفَةُ ياءً ساكِنَةً بَعْدَ كَسْرَةِ ما قَبْلَها، وهي لُغَةٌ، قالَهُ أبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ.
﴿ولَهُ الجَوارِي﴾: خَصَّ تَعالى الجَوارِيَ بِأنَّها لَهُ، وهو تَعالى لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما فِيهِنَّ، لِأنَّهم لَمّا كانُوا هم مُنْشِئِيها، أسْنَدَها تَعالى إلَيْهِ، إذْ كانَ تَمامُ مَنفَعَتِها إنَّما هو مِنهُ تَعالى، فَهو في الحَقِيقَةِ مالِكُها. والجَوارِي: السُّفُنُ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ والحَسَنُ وعَبْدُ الوارِثِ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِضَمِّ الرّاءِ، كَما قالُوا في شاكٍ شاكٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ؛ ﴿المُنْشَآتُ﴾ بِفَتْحِ الشِّينِ، اسْمَ مَفْعُولٍ: أيْ أنْشَأها اللَّهُ، أوِ النّاسُ، أوِ المَرْفُوعاتُ الشِّراعِ. وقالَ مُجاهِدٌ: ما لَهُ شِراعٌ مِنَ المُنْشَآتِ، وما لَمْ يُرْفَعْ لَهُ شِراعٌ، فَلَيْسَ مِنَ المُنْشَآتِ. والشِّراعُ: القَلْعُ. والأعْمَشُ وحَمْزَةُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وطَلْحَةُ وأبُو بَكْرٍ: بِخِلافٍ عَنْهُ، بِكَسْرِ الشِّينِ: أيِ الرّافِعاتُ الشِّراعِ، أوِ اللّاتِي يُنْشِئْنَ الأمْواجَ بِجَرْيِهِنَّ، أوِ الَّتِي تُنْشِئُ السَّفَرَ إقْبالًا وإدْبارًا. وشَدَّدَ الشِّينَ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ والحَسَنُ المُنَشَّأةُ، وحَدَّ الصِّفَةَ، ودَلَّ عَلى الجَمْعِ المَوْصُوفِ، كَقَوْلِهِ: ﴿أزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ [البقرة: ٢٥]، وقَلَبَ الهَمْزَةَ ألِفًا عَلى حَدِّ قَوْلِهِ:
؎إنَّ السِّباعَ لَتَهْدا في مَرابِضِها
يُرِيدُ: لَتَهْدَأُ، التّاءُ لِتَأْنِيثِ الصِّفَةِ، كُتِبَتْ تاءً عَلى لَفْظِها في الوَصْلِ.
﴿كالأعْلامِ﴾: أيْ كالجِبالِ والآكامِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى كِبَرِ السُّفُنِ حَيْثُ شَبَّهَها بِالجِبالِ، وإنْ كانَتِ المُنْشَآتُ تَنْطَلِقُ عَلى السَّفِينَةِ الكَبِيرَةِ والصَّغِيرَةِ. وعَبَّرَ بِمَن في قَوْلِهِ: ﴿كُلُّ مَن عَلَيْها﴾ تَغْلِيبًا لِمَن يَعْقِلُ، والضَّمِيرُ في (عَلَيْها) قَلِيلٌ عائِدٌ عَلى الأرْضِ في قَوْلِهِ: ﴿والأرْضَ وضَعَها لِلْأنامِ﴾، فَعادَ الضَّمِيرُ عَلَيْها، وإنْ كانَ بَعْدَ لَفْظِها. والفَناءُ عِبارَةٌ عَنْ إعْدامِ جَمِيعِ المَوْجُوداتِ مِن حَيَوانٍ وغَيْرِهِ، والوَجْهُ يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ حَقِيقَةِ الشَّيْءِ، والجارِحَةُ مُنْتَفِيَةٌ عَنِ اللَّهِ تَعالى، ونَحْوَ ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا وجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] . وتَقُولُ صَعالِيكُ مَكَّةَ: أيْنَ وجْهُ عَرَبِيٍّ كَرِيمٍ يَجُودُ عَلَيَّ ؟ وقَرَأ الجُمْهُورُ: ذُو بِالواوِ، وصِفَةً لِلْوَجْهِ. وأُبَيُّ وعَبْدُ اللَّهِ: ذِي بِالياءِ، صِفَةً لِلرَّبِّ. والظّاهِرُ أنَّ الخِطابَ في قَوْلِهِ: ﴿وجْهُ رَبِّكَ﴾ لِلرَّسُولِ، وفِيهِ تَشْرِيفٌ عَظِيمٌ لَهُ، ﷺ . وقِيلَ: (p-١٩٣)الخِطابُ لِكُلِّ سامِعٍ. ومَعْنى ﴿ذُو الجَلالِ﴾: الَّذِي يُجِلُّهُ المُوَحِّدُونَ عَنِ التَّشْبِيهِ بِخَلْقِهِ وعَنْ أفْعالِهِمْ، أوِ الَّذِي يُتَعَجَّبُ مِن جَلالِهِ، أوِ الَّذِي عِنْدَهُ الجَلالُ والإكْرامُ لِلْمُخْلِصِينَ مِن عِبادِهِ.
﴿يَسْألُهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾: أيْ حَوائِجَهم، وهو ما يَتَعَلَّقُ بِمَن في السَّماواتِ مِن أمْرِ الدِّينِ وما اسْتُعْبِدُوا بِهِ، ومَن في الأرْضِ مِن أمْرِ دِينِهِمْ ودُنْياهم. وقالَ أبُو صالِحٍ: مَن في السَّماواتِ الرَّحْمَةَ ومَن في الأرْضِ المَغْفِرَةَ والرِّزْقَ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: المَلائِكَةُ الرِّزْقَ لِأهْلِ الأرْضِ والمَغْفِرَةَ، وأهْلُ الأرْضِ يَسْألُونَهُما جَمِيعًا. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: يَسْألُهُ اسْتِئْنافُ إخْبارٍ. وقِيلَ: حالٌ مِنَ الوَجْهِ، والعامِلُ فِيهِ يَبْقى، أيْ هو دائِمٌ في هَذِهِ الحالِ. انْتَهى، وفِيهِ بُعْدٌ. ومَن لا يَسْألُ، فَحالُهُ تَقْتَضِي السُّؤالَ، فَيَصِحُّ إسْنادُ السُّؤالِ إلى الجَمِيعِ بِاعْتِبارِ القَدْرِ المُشْتَرَكِ، وهو الِافْتِقارُ إلَيْهِ تَعالى.
﴿كُلَّ يَوْمٍ﴾: أيْ كُلَّ ساعَةٍ ولَحْظَةٍ، وذَكَرَ اليَوْمَ لِأنَّ السّاعاتِ واللَّحَظاتِ في ضِمْنِهِ.
﴿هُوَ في شَأْنٍ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: في شَأْنٍ يُمْضِيهِ مِنَ الخَلْقِ والرِّزْقِ والإحْياءِ والإماتَةِ. وقالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: يُجِيبُ داعِيًا، ويَفُكُّ عانِيًا، ويَتُوبُ عَلى قَوْمٍ، ويَغْفِرُ لِقَوْمٍ. وقالَ سُوَيْدُ بْنُ غَفْلَةَ: يُعْتِقُ رِقابًا، ويُعْطِي رَغامًا ويُقْحِمُ عِقابًا. وقالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: الدَّهْرُ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمانِ، أحَدُهُما اليَوْمُ الَّذِي هو مُدَّةُ الدُّنْيا، فَشَأْنُهُ فِيهِ الأمْرُ والنَّهْيُ والإماتَةُ والإحْياءُ؛ والثّانِي الَّذِي هو يَوْمُ القِيامَةِ، فَشَأْنُهُ فِيهِ الجَزاءُ والحِسابُ. وعَنْ مُقاتِلٍ: نَزَلَتْ في اليَهُودِ، فَقالُوا: إنَّ اللَّهَ لا يَقْضِي يَوْمَ السَّبْتِ شَيْئًا. وقالَ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ، وقَدْ سَألَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طاهِرٍ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هو في شَأْنٍ﴾: وقَدْ صَحَّ أنَّ القَلَمَ جَفَّ بِما هو كائِنٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ فَقالَ: شُئُونٌ يُبْدِيها، لا شُئُونٌ يَبْتَدِيها. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: هو في يَوْمِ الدُّنْيا في الِابْتِلاءِ، وفي يَوْمِ القِيامَةِ في الجَزاءِ. وانْتَصَبَ ﴿كُلَّ يَوْمٍ﴾ عَلى الظَّرْفِ، والعامِلُ فِيهِ العامِلُ في قَوْلِهِ: ﴿فِي شَأْنٍ﴾، وهو مُسْتَقِرٌّ المَحْذُوفُ، نَحْوَ: يَوْمَ الجُمُعَةِ زَيْدٌ قائِمٌ.
الرحمن 55:29
ولَمّا ذَكَرَ تَعالى ما أنْعَمَ بِهِ مِن مَنفَعَةِ الشَّمْسِ والقَمَرِ، وكانَ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ العُلْوِيَّةِ، ذَكَرَ في مُقابَلَتِهِما مِنَ الآثارِ السُّفْلِيَّةِ النَّجْمَ والشَّجَرَ، إذْ كانا رِزْقًا لِلْإنْسانِ، وأخْبَرَ أنَّهُما جارِيانِ عَلى ما أرادَ اللَّهُ بِهِما، مِن تَسْخِيرِهِما وكَيْنُونَتِهِما عَلى ما اقْتَضَتْهُ حِكْمَتُهُ تَعالى. ولَمّا ذَكَرَ ما بِهِ حَياةُ الأرْواحِ مِن تَعْلِيمِ القُرْآنِ، ذَكَرَ ما بِهِ حَياةُ الأشْباحِ مِنَ النَّباتِ الَّذِي لَهُ ساقٌ، وكانَ تَقْدِيمُ النَّجْمِ، وهو ما لا ساقَ لَهُ، لِأنَّهُ أصْلُ القُوتِ، والَّذِي لَهُ ساقٌ ثَمَرُهُ يُتَفَكَّهُ بِهِ غالِبًا. والظّاهِرُ أنَّ النَّجْمَ هو الَّذِي شَرَحْناهُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ اقْتِرانُهُ بِالشَّجَرِ. وقالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ والحَسَنُ: النَّجْمُ: اسْمُ الجِنْسِ مِن نُجُومِ السَّماءِ. وسُجُودُهُما، قالَ مُجاهِدٌ والحَسَنُ: ذَلِكَ في النَّجْمِ بِالغُرُوبِ ونَحْوِهِ، وفي الشَّجَرِ بِالظِّلِّ واسْتِدارَتِهِ. وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: والسُّجُودُ تَجَوُّزٌ، وهو عِبارَةٌ عَنِ الخُضُوعِ والتَّذَلُّلِ. والجُمَلُ الأُوَلُ فِيها ضَمِيرٌ يَرْبُطُها بِالمُبْتَدَأِ، وأمّا في هاتَيْنِ الجُمْلَتَيْنِ فاكْتَفى بِالوَصْلِ المَعْنَوِيِّ عَنِ الوَصْلِ اللَّفْظِيِّ، إذْ مَعْلُومٌ أنَّ الحُسْبانَ هو حُسْبانُهُ، وأنَّ السُّجُودَ لَهُ لا لِغَيْرِهِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: بِحُسْبانِهِ ويَسْجُدانِ لَهُ. ولَمّا أُورِدَتْ هَذِهِ الجُمَلُ مَوْرِدَ تَعْدِيدِ النِّعَمِ رُدَّ الكَلامُ إلى العَطْفِ في وصْلِ ما يُناسِبُ وصْلَهُ، والتَّناسُبُ الَّذِي بَيْنَ هاتَيْنِ الجُمْلَتَيْنِ ظاهِرٌ، لِأنَّ الشَّمْسَ والقَمَرَ عُلْوِيّانِ، والنَّجْمُ والشَّجَرُ سُفْلِيّانِ.
﴿والسَّماءَ رَفَعَها﴾: أيْ خَلَقَها مَرْفُوعَةً، حَيْثُ جَعَلَها مَصْدَرَ قَضاياهُ ومَسْكَنَ مَلائِكَتِهِ الَّذِينَ يَنْزِلُونَ بِالوَحْيِ عَلى أنْبِيائِهِ، ونَبَّهَ بِذَلِكَ عَلى عِظَمِ شَأْنِهِ ومِلْكِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (والسَّماءَ)، بِالنَّصْبِ عَلى الِاشْتِغالِ، رُوعِيَ مُشاكَلَةُ الجُمْلَةِ الَّتِي تَلِيهِ وهي ﴿يَسْجُدانِ﴾ [الرحمن: ٦] . وقَرَأ أبُو السَّمّالِ: والسَّماءُ بِالرَّفْعِ، راعى مُشاكَلَةَ الجُمْلَةِ الِابْتِدائِيَّةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ووَضَعَ المِيزانَ﴾، فِعْلًا ماضِيًا ناصِبًا المِيزانَ، أيْ أقَرَّهُ وأثْبَتَهُ. وقَرَأ إبْراهِيمُ: ووَضْعِ المِيزانِ، بِالخَفْضِ وإسْكانِ الضّادِ. والظّاهِرُ أنَّهُ كُلُّ ما يُوزَنُ بِهِ الأشْياءُ وتُعْرَفُ مَقادِيرُها، وإنِ اخْتَلَفَتِ الآلاتُ، قالَ مَعْناهُ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وقَتادَةُ، جَعَلَهُ تَعالى حاكِمًا بِالسَّوِيَّةِ في الأخْذِ والإعْطاءِ. وقالَ مُجاهِدٌ والطَّبَرِيُّ والأكْثَرُونَ: المِيزانُ: العَدْلُ، وتَكُونُ الآلاتُ مِن بَعْضِ ما يَنْدَرِجُ في العَدْلِ. بَدَأ أوَّلًا بِالعِلْمِ، فَذَكَرَ ما فِيهِ أشْرَفُ أنْواعِ العُلُومِ وهو القُرْآنُ؛ ثُمَّ ذَكَرَ ما بِهِ التَّعْدِيلُ في الأُمُورِ، وهو المِيزانُ، كَقَوْلِهِ: ﴿وأنْزَلْنا مَعَهُمُ الكِتابَ والمِيزانَ﴾ [الحديد: ٢٥]، لِيُعَلِّمُوا الكِتابَ ويَفْعَلُوا ما يَأْمُرُهم بِهِ الكِتابُ. (أنْ لا تَطْغَوْا في المِيزانِ): أيْ لِأنْ لا تَطْغَوْا، فَتَطْغَوْا مَنصُوبٌ بِأنْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ هي ”أنِ“ المُفَسِّرَةُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ أنْ مُفَسِّرَةً، فَيَكُونُ تَطْغَوْا جَزْمًا بِالنَّهْيِ. انْتَهى، ولا يَجُوزُ ما قالاهُ مِن أنَّ أنْ مُفَسِّرَةٌ، لِأنَّهُ فاتَ أحَدُ شَرْطَيْها، وهو أنْ يَكُونَ ما قَبْلَها جُمْلَةً فِيها مَعْنى القَوْلِ.
﴿ووَضَعَ المِيزانَ﴾ جُمْلَةٌ لَيْسَ فِيها مَعْنى القَوْلِ. والطُّغْيانُ في المِيزانِ هو أنْ يَكُونَ بِالتَّعَمُّدِ، وأمّا ما لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنَ التَّحْرِيرِ بِالمِيزانِ فَمَعْفُوٌّ عَنْهُ.
ولَمّا كانَتِ التَّسْوِيَةُ مَطْلُوبَةً جِدًّا، أمَرَ اللَّهُ تَعالى فَقالَ: ﴿وأقِيمُوا الوَزْنَ﴾ . وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ولا تُخْسِرُوا﴾، مِن أخْسَرَ: أيْ أفْسَدَ ونَقَصَ، كَقَوْلِهِ: ﴿وإذا كالُوهم أوْ وزَنُوهم يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين: ٣]؛ أيْ يَنْقُصُونَ. وبِلالُ بْنُ أبِي بُرْدَةَ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: تَخْسَرُ بِفَتْحِ التّاءِ، يُقالُ: خَسِرَ يَخْسَرُ، وأخْسَرَ يُخْسِرُ بِمَعْنًى واحِدٍ، كَجَبَرَ وأجْبَرَ. وحَكى ابْنُ جِنِّي وصاحِبُ اللَّوامِحِ، عَنْ بِلالٍ فَتْحَ التّاءِ والسِّينِ مُضارِعُ خَسِرَ بِكَسْرِ السِّينِ، وخَرَّجَها الزَّمَخْشَرِيُّ عَلى أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: في المِيزانِ، فَحَذَفَ الجارَّ ونَصَبَ، ولا يُحْتاجُ إلى هَذا التَّخْرِيجِ. ألا تَرى أنَّ خَسِرَ جاءَ مُتَعَدِّيًا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٢]، و﴿خَسِرَ الدُّنْيا والآخِرَةَ﴾ [الحج: ١١] ؟ وقُرِئَ أيْضًا: تَخْسُرُوا، بِفَتْحِ التّاءِ وضَمِّ السِّينِ. لِما مُنِعَ مِنَ الزِّيادَةِ، وهي الطُّغْيانُ، نَهى عَنِ الخُسْرانِ الَّذِي هو نُقْصانٌ، وكَرَّرَ لَفْظَ المِيزانِ، تَشْدِيدًا لِلتَّوْصِيَةِ بِهِ وتَقْوِيَةً لِلْأمْرِ بِاسْتِعْمالِهِ والحَثِّ عَلَيْهِ.
ولَمّا ذَكَرَ السَّماءَ، ذَكَرَ مُقابِلَتَها فَقالَ: ﴿والأرْضَ وضَعَها لِلْأنامِ﴾: أيْ خَفَضَها (p-١٩٠)مَدْحُوَّةً عَلى الماءِ لِيُنْتَفَعَ بِها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”والأرْضَ“ بِالنَّصْبِ؛ وأبُو السَّمّالِ: بِالرَّفْعِ: ”والأنامُ“، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بَنُو آدَمَ فَقَطْ. وقالَ أيْضًا هو وقَتادَةُ وابْنُ زَيْدٍ والشَّعْبِيُّ: الحَيَوانُ كُلُّهُ. وقالَ الحَسَنُ: الثَّقَلانِ الجِنُّ والإنْسُ.
﴿فِيها فاكِهَةٌ﴾: ضُرُوبٌ مِمّا يُتَفَكَّهُ بِهِ. وبَدَأ بِقَوْلِهِ: ﴿فاكِهَةٌ﴾، إذْ هو مِن بابِ الِابْتِداءِ بِالأدْنى والتَّرَقِّي إلى الأعْلى، ونَكَّرَ لَفْظَها، لِأنَّ الِانْتِفاعَ بِها دُونَ الِانْتِفاعِ بِما يُذْكَرُ بَعْدَها. ثُمَّ ثَنّى بِالنَّخْلِ، فَذَكَرَ الأصْلَ ولَمْ يَذْكُرْ ثَمَرَتَها، وهو الثَّمَرُ لِكَثْرَةِ الِانْتِفاعِ بِها مِن لِيفٍ وسَعَفٍ وجَرِيدٍ وجُذُوعٍ وجُمّارٍ وثَمَرٍ. ثُمَّ أتى ثالِثًا بِالحَبِّ الَّذِي هو قِوامُ عَيْشِ الإنْسانِ في أكْثَرِ الأقالِيمِ، وهو البُرُّ والشَّعِيرُ وكُلُّ ما لَهُ سُنْبُلٌ وأوْراقٌ مُتَشَعِّبَةٌ عَلى ساقِهِ، ووَصَفَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ذُو العَصْفِ﴾ تَنْبِيهًا عَلى إنْعامِهِ عَلَيْهِمْ بِما يَقُوتُهم مِنَ الحَبِّ، ويَقُوتُ بَهائِمَهم مِن ورَقِهِ الَّذِي هو التِّبْنُ. وبَدَأ بِالفاكِهَةِ وخَتَمَ بِالمَشْمُومِ، وبَيْنَهُما النَّخْلُ والحَبُّ، لِيَحْصُلَ ما بِهِ يُتَفَكَّهُ، وما بِهِ يُتَقَوَّتُ، وما بِهِ تَقَعُ اللَّذاذَةُ مِنَ الرّائِحَةِ الطَّيِّبَةِ. وذَكَرَ النَّخْلَ بِاسْمِها والفاكِهَةَ دُونَ شَجَرِها، لِعِظَمِ المَنفَعَةِ بِالنَّخْلِ مِن جِهاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ، وشَجَرَةُ الفاكِهَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى ثَمَرَتِها حَقِيرَةٌ، فَنَصَّ عَلى ما يَعْظُمُ بِهِ الِانْتِفاعُ مِن شَجَرَةِ النَّخْلِ ومِنَ الفاكِهَةِ دُونَ شَجَرَتِها.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿والحَبُّ ذُو العَصْفِ والرَّيْحانُ﴾، بِرَفْعِ الثَّلاثَةِ عَطْفًا عَلى المَرْفُوعِ قَبْلَهُ؛ وابْنُ عامِرٍ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِنَصْبِ الثَّلاثَةِ، أيْ وخَلَقَ الحَبَّ. وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ ﴿والرَّيْحانُ﴾ حالَةَ الرَّفْعِ وحالَةَ النَّصْبِ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ وذُو الرَّيْحانِ حَذَفَ المُضافَ وأقامَ المُضافَ إلَيْهِ مَقامَهُ؛ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ والأصْمَعِيُّ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: والرَّيْحانُ بِالجَرِّ، والمَعْنى: والحَبُّ ذُو العَصْفِ الَّذِي هو عَلَفُ البَهائِمِ، والرَّيْحانُ الَّذِي هو مَطْعَمُ النّاسِ، ويَبْعُدُ دُخُولُ المَشْمُومِ في قِراءَةِ الجَرِّ، ورَيْحانُ مِن ذَواتِ الواوِ. وأجازَ أبُو عَلِيٍّ أنْ يَكُونَ اسْمًا، ووُضِعَ مَوْضِعَ المَصْدَرِ، وأنْ يَكُونَ مَصْدَرًا عَلى وزْنِ فَعْلانَ كاللَّبّانِ. وأُبْدِلَتِ الواوُ ياءً، كَما أبْدَلُوا الياءَ واوًا في أشاوى، أوْ مَصْدَرًا شاذًّا في المُعْتَلِّ، كَما شَذَّ كَبَنُونَةٍ وبَيْنُونَةٍ، فَأصْلُهُ رَيْوِحانُ، قُلِبَتِ الواوُ ياءً وأُدْغِمَتْ في الياءِ فَصارَ رَيِّحانَ، ثُمَّ حُذِفَتْ عَيْنُ الكَلِمَةِ، كَما قالُوا: مَيْتٌ وهَيْنٌ.
ولَمّا عَدَّدَ تَعالى نِعَمَهُ، خاطَبَ الثَّقَلَيْنِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٣٢]، أيْ أنَّ نِعَمَهُ كَثِيرَةٌ لا تُحْصى، فَبِأيِّها تُكَذِّبانِ ؟ أيْ مَن هَذِهِ نِعَمُهُ لا يُمْكِنُ أنْ يُكَذَّبَ بِها. وكانَ هَذا الخِطابُ لِلثَّقَلَيْنِ، لِأنَّهُما داخِلانِ في الأنامِ عَلى أصَحِّ الأقْوالِ. ولِقَوْلِهِ: ﴿خَلَقَ الإنْسانَ﴾، و﴿وخَلَقَ الجانَّ﴾؛ ولِقَوْلِهِ: ﴿سَنَفْرُغُ لَكم أيُّها الثَّقَلانِ﴾ [الرحمن: ٣١]، وقَدْ أبْعَدَ مَن جَعَلَهُ خِطابًا لِلذَّكَرِ والأُنْثى مِن بَنِي آدَمَ. وأبْعَدُ مِن هَذا قَوْلُ مَن قالَ: إنَّهُ خِطابٌ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ: ﴿ألْقِيا في جَهَنَّمَ﴾ [ق: ٢٤]، ويا حَرَسِي اضْرِبا عُنُقَهُ، يَعْنِي أنَّهُ خِطابٌ لِلْواحِدِ بِصُورَةِ الِاثْنَيْنِ، فَبِأيِّ مُنَوَّنًا في جَمِيعِ السُّورَةِ، كَأنَّهُ حُذِفَ مِنهُ المُضافُ إلَيْهِ وأُبْدِلَ مِنهُ (آلاءِ رَبِّكُما) بَدَلَ مَعْرِفَةٍ مِن نَكِرَةٍ، وآلاءُ تَقَدَّمَ في الأعْرافِ أنَّها النِّعَمُ، واحِدُها إلْيٌ وألًا وإلًى وألْيٌ.
﴿خَلَقَ الإنْسانَ﴾: لَمّا ذَكَرَ العالَمَ الأكْبَرَ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ وما أوْجَدَ فِيها مِنَ النِّعَمِ، ذَكَرَ مَبْدَأ مَن خُلِقَتْ لَهُ هَذِهِ النِّعَمُ، والإنْسانُ هو آدَمُ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ. وقِيلَ: لِلْجِنْسِ، وساغَ ذَلِكَ لِأنَّ أباهم مَخْلُوقٌ مِنَ الصَّلْصالِ. وإذا أُرِيدَ بِالإنْسانِ آدَمُ، فَقَدْ جاءَتْ غاياتٌ لَهُ مُخْتَلِفَةٌ، وذَلِكَ بِتَنَقُّلِ أصْلِهِ؛ فَكانَ أوَّلًا تُرابًا، ثُمَّ طِينًا، ثُمَّ حَمَأً مَسْنُونًا، ثُمَّ صَلْصالًا، فَناسَبَ أنْ يُنْسَبَ خَلْقُهُ لِكُلِّ واحِدٍ مِنها. والجانُّ هو أبُو الجِنِّ، وهو إبْلِيسُ، قالَهُ الحَسَنُ. وقالَ مُجاهِدٌ: هو أبُو الجِنِّ، ولَيْسَ بِإبْلِيسَ. وقِيلَ: الجانُّ اسْمُ جِنْسٍ، والمارِجُ: ما اخْتَلَطَ مِن أصْفَرَ وأحْمَرَ وأخْضَرَ، أوِ اللَّهَبُ، أوِ الخالِصُ، أوِ الحُمْرَةُ في طَرَفِ النّارِ، أوِ المُخْتَلِطُ بِسَوادٍ، أوِ المُضْطَرِبُ بِلا دُخانٍ، أقْوالٌ، (ومِن) الأُولى لِابْتِداءِ الغايَةِ، والثّانِيَةُ في (مِن نارٍ) لِلتَّبْعِيضِ. وقِيلَ لِلْبَيانِ، والتَّكْرارُ في هَذِهِ الفَواصِلِ: لِلتَّأْكِيدِ والتَّنْبِيهِ والتَّحْرِيكِ، وهي مَوْجُودَةٌ في مَواضِعَ مِنَ القُرْآنِ. وذَهَبَ قَوْمٌ مِنهُمُ ابْنُ قُتَيْبَةَ إلى أنَّ هَذا التَّكْرارَ إنَّما هو لِاخْتِلافِ النِّعَمِ، فَكَرَّرَ (p-١٩١)التَّوْقِيفَ في كُلِّ واحِدٍ مِنها.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: (رَبُّ)، و(رَبُّ) بِالرَّفْعِ، أيْ هو رَبٌّ؛ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِالخَفْضِ بَدَلًا مِن رَبِّكُما، وثَنّى المُضافَ إلَيْهِ لِأنَّهُما مَشْرِقا الصَّيْفِ والشِّتاءِ ومَغْرِباهُما، قالَهُ مُجاهِدٌ. وقِيلَ: مَشْرِقا الشَّمْسِ والقَمَرِ ومَغْرِباهُما. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: لِلشَّمْسِ مَشْرِقٌ في الصَّيْفِ مُصْعِدٌ، ومَشْرِقٌ في الشِّتاءِ مُنْحَدِرٌ، تَنْتَقِلُ فِيهِما مُصْعِدَةً ومُنْحَدِرَةً. انْتَهى. فالمَشْرِقانِ والمَغْرِبانِ لِلشَّمْسِ. وقِيلَ: المَشْرِقانِ: مَطْلَعُ الفَجْرِ ومَطْلَعُ الشَّمْسِ، والمَغْرِبانِ مَغْرِبُ الشَّفَقِ ومَغْرِبُ الشَّمْسِ. ولِسَهْلٍ التُّسْتَرِيِّ كَلامٌ في المَشْرِقَيْنِ والمَغْرِبَيْنِ شَبِيهٌ بِكَلامِ الباطِنِيَّةِ المُحَرِّفِينَ مَدْلُولَ كَلامِ اللَّهِ، ضَرَبْنا عَنْ ذِكْرِهِ صَفْحًا. وكَذَلِكَ ما وقَفْنا عَلَيْهِ مِن كَلامِ الغُلاةِ الَّذِينَ يُنْسَبُونَ لِلصُّوفِيَّةِ، لِأنّا لا نَسْتَحِلُّ نَقْلَ شَيْءٍ مِنهُ. وقَدْ أوْلَغَ صاحِبُ كِتابِ التَّحْرِيرِ والتَّحْبِيرِ بِحَسْبِ ما قالَهُ هَؤُلاءِ الغُلاةُ في كُلِّ آيَةٍ آيَةٍ، ويُسَمِّي ذَلِكَ الحَقائِقَ، وأرْبابُ القُلُوبِ وما ادَّعَوْا فَهْمَهُ في القُرْآنِ فَأوْغَلُوا فِيهِ لَمْ يَفْهَمْهُ عَرَبِيٌّ قَطُّ، ولا أرادَهُ اللَّهُ تَعالى بِتِلْكَ الألْفاظِ، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِن ذَلِكَ.
﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ذَلِكَ في الفُرْقانِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وذَكَرَ الثَّعْلَبِيُّ في ﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ﴾ ألْغازًا وأقْوالًا باطِنَةً لا يُلْتَفَتُ إلى شَيْءٍ مِنها. انْتَهى، والظّاهِرُ التِقاؤُهُما، أيْ يَتَجاوَرانِ، فَلا فَصْلَ بَيْنَ الماءَيْنِ في رُؤْيَةِ العَيْنِ. وقِيلَ: يَلْتَقِيانِ في كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً. وقِيلَ: مُعَدّانِ لِلِالتِقاءِ، فَحَقُّهُما أنْ يَلْتَقِيا لَوْلا البَرْزَخُ بَيْنَهُما.
﴿بَرْزَخٌ﴾: أيْ حاجِزٌ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، ﴿لا يَبْغِيانِ﴾: لا يَتَجاوَزانِ حَدَّهُما، ولا يَبْغِي أحَدُهُما عَلى الآخَرِ بِالمُمازَجَةِ. وقِيلَ: البَرْزَخُ: أجْرامُ الأرْضِ، قالَهُ قَتادَةُ؛ وقِيلَ: لا يَبْغِيانِ: أيْ عَلى النّاسِ والعُمْرانِ، وعَلى هَذا والَّذِي قَبْلَهُ يَكُونُ مِنَ البَغْيِ. وقِيلَ: هو مِن بَغى، أيْ طَلَبَ، فالمَعْنى: لا يَبْغِيانِ حالًا غَيْرَ الحالِ الَّتِي خُلِقا عَلَيْها وسُخِّرا لَها. وقِيلَ: ماءُ الأنْهارِ لا يَخْتَلِطُ بِالماءِ المِلْحِ، بَلْ هو بِذاتِهِ باقٍ فِيهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والعِيانُ لا يَقْتَضِيهِ. انْتَهى، يَعْنِي أنَّهُ يُشاهِدُ الماءَ العَذْبَ يَخْتَلِطُ بِالمِلْحِ فَيَبْقى كُلُّهُ مِلْحًا، وقَدْ يُقالُ: إنَّهُ بِالِاخْتِلاطِ تَتَغَيَّرُ أجْرامُ العَذْبِ حَتّى لا تَظْهَرَ، فَإذا ذاقَ الإنْسانُ مِنَ المِلْحِ المُنْبَثِّ فِيهِ تِلْكَ الأجْزاءُ الدَّقِيقَةُ لَمْ يُحِسَّ إلّا المُلُوحَةَ، والمَعْقُولُ يَشْهَدُ بِذَلِكَ، لِأنَّ تَداخُلَ الأجْسامِ غَيْرُ مُمْكِنٍ، لَكِنَّ التَّفَرُّقَ والِالتِقاءَ مُمْكِنٌ. وأنْشَدَ القاضِي مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ البَلُّوطِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى:
؎ومَمْزُوجَةُ الأمْواهِ لا العَذْبُ غالِبٌ عَلى المِلْحِ طِيبًا لا ولا المِلْحُ يَعْذُبُ
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿يَخْرُجُ﴾ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ؛ ونافِعٌ وأبُو عَمْرٍو وأهْلُ المَدِينَةِ: مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ؛ والجُعْفِيٌّ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِالياءِ مَضْمُومَةً وكَسْرِ الرّاءِ، أيْ يُخْرِجُ اللَّهُ؛ وعَنْهُ وعَنْ أبِي عَمْرٍو، وعَنِ ابْنِ مِقْسَمٍ: بِالنُّونِ. واللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ نُصِبَ في هاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ. والظّاهِرُ في (مِنهُما) أنَّ ذَلِكَ يَخْرُجُ مِنَ المِلْحِ والعَذْبِ. وقالَ بِذَلِكَ قَوْمٌ، حَكاهُ الأخْفَشُ. ورَدَّ النّاسُ هَذا القَوْلَ، قالُوا: والحِسُّ يُخالِفُهُ، إذْ لا يَخْرُجُ إلّا مِنَ المِلْحِ، وعابُوا قَوْلَ الشّاعِرِ:
؎فَجاءَ بِها ما شِئْتَ مِن لَطِيمَةٍ ∗∗∗ عَلى وجْهِها ماءُ الفُراتِ يَمُوجُ
وقالَ الجُمْهُورُ: إنَّما يَخْرُجُ مِنَ الأُجاجِ في المَواضِعِ الَّتِي تَقَعُ فِيها الأنْهارُ والمِياهُ العَذْبَةُ، فَناسَبَ إسْنادَ ذَلِكَ إلَيْهِما، وهَذا مَشْهُورٌ عِنْدَ الغَوّاصِينَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ: تَكُونُ هَذِهِ الأشْياءُ في البَحْرِ بِنُزُولِ المَطَرِ، لِأنَّ الصَّدَفَ وغَيْرَها تَفْتَحُ أفْواهَها لِلْمَطَرِ، فَلِذَلِكَ قالَ (مِنهُما) . وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: إنَّما يَخْرُجُ مِنَ المِلْحِ، لَكِنَّهُ قالَ (مِنهُما) تَجَوُّزًا. وقالَ الرُّمّانِيُّ: العَذْبُ فِيها كاللِّقاحِ لِلْمِلْحِ، فَهو كَما يُقالُ؛ الوَلَدُ يَخْرُجُ مِنَ الذَّكَرِ والأُنْثى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ، وتَبِعَ الزَّجّاجَ مِن حَيْثُ هُما نَوْعٌ واحِدٌ، فَخُرُوجُ هَذِهِ الأشْياءِ إنَّما هي مِنهُما، وإنْ كانَتْ تَخْتَصُّ عِنْدَ التَّفْصِيلِ المَبالَغِ بِأحَدِهِما، كَما قالَ: ﴿سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا﴾ [نوح: ١٥] ﴿وجَعَلَ القَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾ [نوح: ١٦]، (p-١٩٢)وإنَّما هو في إحْداهُنَّ، وهي الدُّنْيا إلى الأرْضِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ نَحْوًا مِن قَوْلِ ابْنِ عَطِيَّةَ، قالَ: فَإنْ قُلْتَ: لِمَ قالَ (مِنهُما)، وإنَّما يَخْرُجانِ مِنَ المِلْحِ قُلْتُ: لَمّا التَقَيا وصارا كالشَّيْءِ الواحِدِ، جازَ أنْ يُقالَ: يَخْرُجانِ مِنهُما، كَما يُقالُ: يَخْرُجانِ مِنَ البَحْرِ، ولا يَخْرُجانِ مِن جَمِيعِ البَحْرِ، ولَكِنْ مِن بَعْضِهِ. وتَقُولُ: خَرَجْتُ مِنَ البَلَدِ، وإنَّما خَرَجْتَ مِن مَحَلَّةٍ مِن مَحالِّهِ، بَلْ مِن دارٍ واحِدَةٍ مِن دُورِهِ. وقِيلَ: لا يَخْرُجانِ إلّا مِن مُلْتَقى المِلْحِ والعَذْبِ. انْتَهى. وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: هَذا مِن بابِ حَذْفِ المُضافِ، والتَّقْدِيرُ: يَخْرُجُ مِن أحَدِهِما، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١]: أيْ مِن إحْدى القَرْيَتَيْنِ. وقِيلَ: هُما بَحْرانِ، يَخْرُجُ مِن أحَدِهِما اللُّؤْلُؤُ ومِنَ الآخَرِ المَرْجانُ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: كَلامُ اللَّهِ تَعالى أوْلى بِالِاعْتِبارِ مِن كَلامِ بَعْضِ النّاسِ ومَن أعْلَمَ أنَّ اللُّؤْلُؤَ لا يَخْرُجُ مِنَ الماءِ العَذْبِ ؟، وهَبْ أنَّ الغَوّاصِينَ ما أخْرَجُوهُ إلّا مِنَ المالِحِ. ولَكِنْ لِمَ قُلْتُمْ إنَّ الصَّدَفَ لا يَخْرُجُ بِأمْرِ اللَّهِ مِنَ الماءِ العَذْبِ إلى الماءِ المِلْحِ وكَيْفَ يُمْكِنُ الجَزْمُ بِهِ والأُمُورُ الأرْضِيَّةُ الظّاهِرَةُ خَفِيَتْ عَنِ التُّجّارِ الَّذِينَ قَطَعُوا المَفاوِزَ ودارُوا البِلادَ، فَكَيْفَ لا يَخْفى أمْرٌ ما في قَعْرِ البَحْرِ عَلَيْهِمْ ؟ واللُّؤْلُؤُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ وقَتادَةُ: كِبارُ الجَوْهَرِ. والمَرْجانُ صِغارُهُ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا وعَلِيٍّ ومُرَّةَ الهَمْدانِيِّ عَكْسُ هَذا. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ وأبُو مالِكٍ: المَرْجانُ: الحَجَرُ الأحْمَرُ. وقالَ الزَّجّاجُ: حَجَرٌ شَدِيدُ البَياضِ. وحَكى القاضِي أبُو يَعْلى أنَّهُ ضَرْبٌ مِنَ اللُّؤْلُؤِ، كالقُضْبانِ، والمَرْجانُ: اسْمٌ أعْجَمِيٌّ مُعَرَّبٌ. قالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: لَمْ أسْمَعْ فِيهِ نَقْلَ مُتَصَرِّفٍ، وقالَ الأعْشى:
؎مِن كُلِّ مَرْجانَةٍ في البَحْرِ أحْرَزَها ∗∗∗ تَيّارُها ووَقاها طِينَها الصَّدَفُ
قِيلَ: أرادَ اللُّؤْلُؤَةَ الكَبِيرَةَ. وقَرَأ طَلْحَةُ: اللُّؤْلِي بِكَسْرِ اللّامِ الثّالِثَةِ، وهي لُغَةٌ. وعَبَدُ الوَلِيِّ: تُقْلَبُ الهَمْزَةُ المُتَطَرِّفَةُ ياءً ساكِنَةً بَعْدَ كَسْرَةِ ما قَبْلَها، وهي لُغَةٌ، قالَهُ أبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ.
﴿ولَهُ الجَوارِي﴾: خَصَّ تَعالى الجَوارِيَ بِأنَّها لَهُ، وهو تَعالى لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما فِيهِنَّ، لِأنَّهم لَمّا كانُوا هم مُنْشِئِيها، أسْنَدَها تَعالى إلَيْهِ، إذْ كانَ تَمامُ مَنفَعَتِها إنَّما هو مِنهُ تَعالى، فَهو في الحَقِيقَةِ مالِكُها. والجَوارِي: السُّفُنُ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ والحَسَنُ وعَبْدُ الوارِثِ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِضَمِّ الرّاءِ، كَما قالُوا في شاكٍ شاكٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ؛ ﴿المُنْشَآتُ﴾ بِفَتْحِ الشِّينِ، اسْمَ مَفْعُولٍ: أيْ أنْشَأها اللَّهُ، أوِ النّاسُ، أوِ المَرْفُوعاتُ الشِّراعِ. وقالَ مُجاهِدٌ: ما لَهُ شِراعٌ مِنَ المُنْشَآتِ، وما لَمْ يُرْفَعْ لَهُ شِراعٌ، فَلَيْسَ مِنَ المُنْشَآتِ. والشِّراعُ: القَلْعُ. والأعْمَشُ وحَمْزَةُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وطَلْحَةُ وأبُو بَكْرٍ: بِخِلافٍ عَنْهُ، بِكَسْرِ الشِّينِ: أيِ الرّافِعاتُ الشِّراعِ، أوِ اللّاتِي يُنْشِئْنَ الأمْواجَ بِجَرْيِهِنَّ، أوِ الَّتِي تُنْشِئُ السَّفَرَ إقْبالًا وإدْبارًا. وشَدَّدَ الشِّينَ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ والحَسَنُ المُنَشَّأةُ، وحَدَّ الصِّفَةَ، ودَلَّ عَلى الجَمْعِ المَوْصُوفِ، كَقَوْلِهِ: ﴿أزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ [البقرة: ٢٥]، وقَلَبَ الهَمْزَةَ ألِفًا عَلى حَدِّ قَوْلِهِ:
؎إنَّ السِّباعَ لَتَهْدا في مَرابِضِها
يُرِيدُ: لَتَهْدَأُ، التّاءُ لِتَأْنِيثِ الصِّفَةِ، كُتِبَتْ تاءً عَلى لَفْظِها في الوَصْلِ.
﴿كالأعْلامِ﴾: أيْ كالجِبالِ والآكامِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى كِبَرِ السُّفُنِ حَيْثُ شَبَّهَها بِالجِبالِ، وإنْ كانَتِ المُنْشَآتُ تَنْطَلِقُ عَلى السَّفِينَةِ الكَبِيرَةِ والصَّغِيرَةِ. وعَبَّرَ بِمَن في قَوْلِهِ: ﴿كُلُّ مَن عَلَيْها﴾ تَغْلِيبًا لِمَن يَعْقِلُ، والضَّمِيرُ في (عَلَيْها) قَلِيلٌ عائِدٌ عَلى الأرْضِ في قَوْلِهِ: ﴿والأرْضَ وضَعَها لِلْأنامِ﴾، فَعادَ الضَّمِيرُ عَلَيْها، وإنْ كانَ بَعْدَ لَفْظِها. والفَناءُ عِبارَةٌ عَنْ إعْدامِ جَمِيعِ المَوْجُوداتِ مِن حَيَوانٍ وغَيْرِهِ، والوَجْهُ يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ حَقِيقَةِ الشَّيْءِ، والجارِحَةُ مُنْتَفِيَةٌ عَنِ اللَّهِ تَعالى، ونَحْوَ ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا وجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] . وتَقُولُ صَعالِيكُ مَكَّةَ: أيْنَ وجْهُ عَرَبِيٍّ كَرِيمٍ يَجُودُ عَلَيَّ ؟ وقَرَأ الجُمْهُورُ: ذُو بِالواوِ، وصِفَةً لِلْوَجْهِ. وأُبَيُّ وعَبْدُ اللَّهِ: ذِي بِالياءِ، صِفَةً لِلرَّبِّ. والظّاهِرُ أنَّ الخِطابَ في قَوْلِهِ: ﴿وجْهُ رَبِّكَ﴾ لِلرَّسُولِ، وفِيهِ تَشْرِيفٌ عَظِيمٌ لَهُ، ﷺ . وقِيلَ: (p-١٩٣)الخِطابُ لِكُلِّ سامِعٍ. ومَعْنى ﴿ذُو الجَلالِ﴾: الَّذِي يُجِلُّهُ المُوَحِّدُونَ عَنِ التَّشْبِيهِ بِخَلْقِهِ وعَنْ أفْعالِهِمْ، أوِ الَّذِي يُتَعَجَّبُ مِن جَلالِهِ، أوِ الَّذِي عِنْدَهُ الجَلالُ والإكْرامُ لِلْمُخْلِصِينَ مِن عِبادِهِ.
﴿يَسْألُهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾: أيْ حَوائِجَهم، وهو ما يَتَعَلَّقُ بِمَن في السَّماواتِ مِن أمْرِ الدِّينِ وما اسْتُعْبِدُوا بِهِ، ومَن في الأرْضِ مِن أمْرِ دِينِهِمْ ودُنْياهم. وقالَ أبُو صالِحٍ: مَن في السَّماواتِ الرَّحْمَةَ ومَن في الأرْضِ المَغْفِرَةَ والرِّزْقَ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: المَلائِكَةُ الرِّزْقَ لِأهْلِ الأرْضِ والمَغْفِرَةَ، وأهْلُ الأرْضِ يَسْألُونَهُما جَمِيعًا. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: يَسْألُهُ اسْتِئْنافُ إخْبارٍ. وقِيلَ: حالٌ مِنَ الوَجْهِ، والعامِلُ فِيهِ يَبْقى، أيْ هو دائِمٌ في هَذِهِ الحالِ. انْتَهى، وفِيهِ بُعْدٌ. ومَن لا يَسْألُ، فَحالُهُ تَقْتَضِي السُّؤالَ، فَيَصِحُّ إسْنادُ السُّؤالِ إلى الجَمِيعِ بِاعْتِبارِ القَدْرِ المُشْتَرَكِ، وهو الِافْتِقارُ إلَيْهِ تَعالى.
﴿كُلَّ يَوْمٍ﴾: أيْ كُلَّ ساعَةٍ ولَحْظَةٍ، وذَكَرَ اليَوْمَ لِأنَّ السّاعاتِ واللَّحَظاتِ في ضِمْنِهِ.
﴿هُوَ في شَأْنٍ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: في شَأْنٍ يُمْضِيهِ مِنَ الخَلْقِ والرِّزْقِ والإحْياءِ والإماتَةِ. وقالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: يُجِيبُ داعِيًا، ويَفُكُّ عانِيًا، ويَتُوبُ عَلى قَوْمٍ، ويَغْفِرُ لِقَوْمٍ. وقالَ سُوَيْدُ بْنُ غَفْلَةَ: يُعْتِقُ رِقابًا، ويُعْطِي رَغامًا ويُقْحِمُ عِقابًا. وقالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: الدَّهْرُ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمانِ، أحَدُهُما اليَوْمُ الَّذِي هو مُدَّةُ الدُّنْيا، فَشَأْنُهُ فِيهِ الأمْرُ والنَّهْيُ والإماتَةُ والإحْياءُ؛ والثّانِي الَّذِي هو يَوْمُ القِيامَةِ، فَشَأْنُهُ فِيهِ الجَزاءُ والحِسابُ. وعَنْ مُقاتِلٍ: نَزَلَتْ في اليَهُودِ، فَقالُوا: إنَّ اللَّهَ لا يَقْضِي يَوْمَ السَّبْتِ شَيْئًا. وقالَ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ، وقَدْ سَألَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طاهِرٍ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هو في شَأْنٍ﴾: وقَدْ صَحَّ أنَّ القَلَمَ جَفَّ بِما هو كائِنٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ فَقالَ: شُئُونٌ يُبْدِيها، لا شُئُونٌ يَبْتَدِيها. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: هو في يَوْمِ الدُّنْيا في الِابْتِلاءِ، وفي يَوْمِ القِيامَةِ في الجَزاءِ. وانْتَصَبَ ﴿كُلَّ يَوْمٍ﴾ عَلى الظَّرْفِ، والعامِلُ فِيهِ العامِلُ في قَوْلِهِ: ﴿فِي شَأْنٍ﴾، وهو مُسْتَقِرٌّ المَحْذُوفُ، نَحْوَ: يَوْمَ الجُمُعَةِ زَيْدٌ قائِمٌ.
الرحمن 55:30
ولَمّا ذَكَرَ تَعالى ما أنْعَمَ بِهِ مِن مَنفَعَةِ الشَّمْسِ والقَمَرِ، وكانَ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ العُلْوِيَّةِ، ذَكَرَ في مُقابَلَتِهِما مِنَ الآثارِ السُّفْلِيَّةِ النَّجْمَ والشَّجَرَ، إذْ كانا رِزْقًا لِلْإنْسانِ، وأخْبَرَ أنَّهُما جارِيانِ عَلى ما أرادَ اللَّهُ بِهِما، مِن تَسْخِيرِهِما وكَيْنُونَتِهِما عَلى ما اقْتَضَتْهُ حِكْمَتُهُ تَعالى. ولَمّا ذَكَرَ ما بِهِ حَياةُ الأرْواحِ مِن تَعْلِيمِ القُرْآنِ، ذَكَرَ ما بِهِ حَياةُ الأشْباحِ مِنَ النَّباتِ الَّذِي لَهُ ساقٌ، وكانَ تَقْدِيمُ النَّجْمِ، وهو ما لا ساقَ لَهُ، لِأنَّهُ أصْلُ القُوتِ، والَّذِي لَهُ ساقٌ ثَمَرُهُ يُتَفَكَّهُ بِهِ غالِبًا. والظّاهِرُ أنَّ النَّجْمَ هو الَّذِي شَرَحْناهُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ اقْتِرانُهُ بِالشَّجَرِ. وقالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ والحَسَنُ: النَّجْمُ: اسْمُ الجِنْسِ مِن نُجُومِ السَّماءِ. وسُجُودُهُما، قالَ مُجاهِدٌ والحَسَنُ: ذَلِكَ في النَّجْمِ بِالغُرُوبِ ونَحْوِهِ، وفي الشَّجَرِ بِالظِّلِّ واسْتِدارَتِهِ. وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: والسُّجُودُ تَجَوُّزٌ، وهو عِبارَةٌ عَنِ الخُضُوعِ والتَّذَلُّلِ. والجُمَلُ الأُوَلُ فِيها ضَمِيرٌ يَرْبُطُها بِالمُبْتَدَأِ، وأمّا في هاتَيْنِ الجُمْلَتَيْنِ فاكْتَفى بِالوَصْلِ المَعْنَوِيِّ عَنِ الوَصْلِ اللَّفْظِيِّ، إذْ مَعْلُومٌ أنَّ الحُسْبانَ هو حُسْبانُهُ، وأنَّ السُّجُودَ لَهُ لا لِغَيْرِهِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: بِحُسْبانِهِ ويَسْجُدانِ لَهُ. ولَمّا أُورِدَتْ هَذِهِ الجُمَلُ مَوْرِدَ تَعْدِيدِ النِّعَمِ رُدَّ الكَلامُ إلى العَطْفِ في وصْلِ ما يُناسِبُ وصْلَهُ، والتَّناسُبُ الَّذِي بَيْنَ هاتَيْنِ الجُمْلَتَيْنِ ظاهِرٌ، لِأنَّ الشَّمْسَ والقَمَرَ عُلْوِيّانِ، والنَّجْمُ والشَّجَرُ سُفْلِيّانِ.
﴿والسَّماءَ رَفَعَها﴾: أيْ خَلَقَها مَرْفُوعَةً، حَيْثُ جَعَلَها مَصْدَرَ قَضاياهُ ومَسْكَنَ مَلائِكَتِهِ الَّذِينَ يَنْزِلُونَ بِالوَحْيِ عَلى أنْبِيائِهِ، ونَبَّهَ بِذَلِكَ عَلى عِظَمِ شَأْنِهِ ومِلْكِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (والسَّماءَ)، بِالنَّصْبِ عَلى الِاشْتِغالِ، رُوعِيَ مُشاكَلَةُ الجُمْلَةِ الَّتِي تَلِيهِ وهي ﴿يَسْجُدانِ﴾ [الرحمن: ٦] . وقَرَأ أبُو السَّمّالِ: والسَّماءُ بِالرَّفْعِ، راعى مُشاكَلَةَ الجُمْلَةِ الِابْتِدائِيَّةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ووَضَعَ المِيزانَ﴾، فِعْلًا ماضِيًا ناصِبًا المِيزانَ، أيْ أقَرَّهُ وأثْبَتَهُ. وقَرَأ إبْراهِيمُ: ووَضْعِ المِيزانِ، بِالخَفْضِ وإسْكانِ الضّادِ. والظّاهِرُ أنَّهُ كُلُّ ما يُوزَنُ بِهِ الأشْياءُ وتُعْرَفُ مَقادِيرُها، وإنِ اخْتَلَفَتِ الآلاتُ، قالَ مَعْناهُ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وقَتادَةُ، جَعَلَهُ تَعالى حاكِمًا بِالسَّوِيَّةِ في الأخْذِ والإعْطاءِ. وقالَ مُجاهِدٌ والطَّبَرِيُّ والأكْثَرُونَ: المِيزانُ: العَدْلُ، وتَكُونُ الآلاتُ مِن بَعْضِ ما يَنْدَرِجُ في العَدْلِ. بَدَأ أوَّلًا بِالعِلْمِ، فَذَكَرَ ما فِيهِ أشْرَفُ أنْواعِ العُلُومِ وهو القُرْآنُ؛ ثُمَّ ذَكَرَ ما بِهِ التَّعْدِيلُ في الأُمُورِ، وهو المِيزانُ، كَقَوْلِهِ: ﴿وأنْزَلْنا مَعَهُمُ الكِتابَ والمِيزانَ﴾ [الحديد: ٢٥]، لِيُعَلِّمُوا الكِتابَ ويَفْعَلُوا ما يَأْمُرُهم بِهِ الكِتابُ. (أنْ لا تَطْغَوْا في المِيزانِ): أيْ لِأنْ لا تَطْغَوْا، فَتَطْغَوْا مَنصُوبٌ بِأنْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ هي ”أنِ“ المُفَسِّرَةُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ أنْ مُفَسِّرَةً، فَيَكُونُ تَطْغَوْا جَزْمًا بِالنَّهْيِ. انْتَهى، ولا يَجُوزُ ما قالاهُ مِن أنَّ أنْ مُفَسِّرَةٌ، لِأنَّهُ فاتَ أحَدُ شَرْطَيْها، وهو أنْ يَكُونَ ما قَبْلَها جُمْلَةً فِيها مَعْنى القَوْلِ.
﴿ووَضَعَ المِيزانَ﴾ جُمْلَةٌ لَيْسَ فِيها مَعْنى القَوْلِ. والطُّغْيانُ في المِيزانِ هو أنْ يَكُونَ بِالتَّعَمُّدِ، وأمّا ما لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنَ التَّحْرِيرِ بِالمِيزانِ فَمَعْفُوٌّ عَنْهُ.
ولَمّا كانَتِ التَّسْوِيَةُ مَطْلُوبَةً جِدًّا، أمَرَ اللَّهُ تَعالى فَقالَ: ﴿وأقِيمُوا الوَزْنَ﴾ . وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ولا تُخْسِرُوا﴾، مِن أخْسَرَ: أيْ أفْسَدَ ونَقَصَ، كَقَوْلِهِ: ﴿وإذا كالُوهم أوْ وزَنُوهم يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين: ٣]؛ أيْ يَنْقُصُونَ. وبِلالُ بْنُ أبِي بُرْدَةَ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: تَخْسَرُ بِفَتْحِ التّاءِ، يُقالُ: خَسِرَ يَخْسَرُ، وأخْسَرَ يُخْسِرُ بِمَعْنًى واحِدٍ، كَجَبَرَ وأجْبَرَ. وحَكى ابْنُ جِنِّي وصاحِبُ اللَّوامِحِ، عَنْ بِلالٍ فَتْحَ التّاءِ والسِّينِ مُضارِعُ خَسِرَ بِكَسْرِ السِّينِ، وخَرَّجَها الزَّمَخْشَرِيُّ عَلى أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: في المِيزانِ، فَحَذَفَ الجارَّ ونَصَبَ، ولا يُحْتاجُ إلى هَذا التَّخْرِيجِ. ألا تَرى أنَّ خَسِرَ جاءَ مُتَعَدِّيًا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٢]، و﴿خَسِرَ الدُّنْيا والآخِرَةَ﴾ [الحج: ١١] ؟ وقُرِئَ أيْضًا: تَخْسُرُوا، بِفَتْحِ التّاءِ وضَمِّ السِّينِ. لِما مُنِعَ مِنَ الزِّيادَةِ، وهي الطُّغْيانُ، نَهى عَنِ الخُسْرانِ الَّذِي هو نُقْصانٌ، وكَرَّرَ لَفْظَ المِيزانِ، تَشْدِيدًا لِلتَّوْصِيَةِ بِهِ وتَقْوِيَةً لِلْأمْرِ بِاسْتِعْمالِهِ والحَثِّ عَلَيْهِ.
ولَمّا ذَكَرَ السَّماءَ، ذَكَرَ مُقابِلَتَها فَقالَ: ﴿والأرْضَ وضَعَها لِلْأنامِ﴾: أيْ خَفَضَها (p-١٩٠)مَدْحُوَّةً عَلى الماءِ لِيُنْتَفَعَ بِها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”والأرْضَ“ بِالنَّصْبِ؛ وأبُو السَّمّالِ: بِالرَّفْعِ: ”والأنامُ“، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بَنُو آدَمَ فَقَطْ. وقالَ أيْضًا هو وقَتادَةُ وابْنُ زَيْدٍ والشَّعْبِيُّ: الحَيَوانُ كُلُّهُ. وقالَ الحَسَنُ: الثَّقَلانِ الجِنُّ والإنْسُ.
﴿فِيها فاكِهَةٌ﴾: ضُرُوبٌ مِمّا يُتَفَكَّهُ بِهِ. وبَدَأ بِقَوْلِهِ: ﴿فاكِهَةٌ﴾، إذْ هو مِن بابِ الِابْتِداءِ بِالأدْنى والتَّرَقِّي إلى الأعْلى، ونَكَّرَ لَفْظَها، لِأنَّ الِانْتِفاعَ بِها دُونَ الِانْتِفاعِ بِما يُذْكَرُ بَعْدَها. ثُمَّ ثَنّى بِالنَّخْلِ، فَذَكَرَ الأصْلَ ولَمْ يَذْكُرْ ثَمَرَتَها، وهو الثَّمَرُ لِكَثْرَةِ الِانْتِفاعِ بِها مِن لِيفٍ وسَعَفٍ وجَرِيدٍ وجُذُوعٍ وجُمّارٍ وثَمَرٍ. ثُمَّ أتى ثالِثًا بِالحَبِّ الَّذِي هو قِوامُ عَيْشِ الإنْسانِ في أكْثَرِ الأقالِيمِ، وهو البُرُّ والشَّعِيرُ وكُلُّ ما لَهُ سُنْبُلٌ وأوْراقٌ مُتَشَعِّبَةٌ عَلى ساقِهِ، ووَصَفَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ذُو العَصْفِ﴾ تَنْبِيهًا عَلى إنْعامِهِ عَلَيْهِمْ بِما يَقُوتُهم مِنَ الحَبِّ، ويَقُوتُ بَهائِمَهم مِن ورَقِهِ الَّذِي هو التِّبْنُ. وبَدَأ بِالفاكِهَةِ وخَتَمَ بِالمَشْمُومِ، وبَيْنَهُما النَّخْلُ والحَبُّ، لِيَحْصُلَ ما بِهِ يُتَفَكَّهُ، وما بِهِ يُتَقَوَّتُ، وما بِهِ تَقَعُ اللَّذاذَةُ مِنَ الرّائِحَةِ الطَّيِّبَةِ. وذَكَرَ النَّخْلَ بِاسْمِها والفاكِهَةَ دُونَ شَجَرِها، لِعِظَمِ المَنفَعَةِ بِالنَّخْلِ مِن جِهاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ، وشَجَرَةُ الفاكِهَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى ثَمَرَتِها حَقِيرَةٌ، فَنَصَّ عَلى ما يَعْظُمُ بِهِ الِانْتِفاعُ مِن شَجَرَةِ النَّخْلِ ومِنَ الفاكِهَةِ دُونَ شَجَرَتِها.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿والحَبُّ ذُو العَصْفِ والرَّيْحانُ﴾، بِرَفْعِ الثَّلاثَةِ عَطْفًا عَلى المَرْفُوعِ قَبْلَهُ؛ وابْنُ عامِرٍ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِنَصْبِ الثَّلاثَةِ، أيْ وخَلَقَ الحَبَّ. وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ ﴿والرَّيْحانُ﴾ حالَةَ الرَّفْعِ وحالَةَ النَّصْبِ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ وذُو الرَّيْحانِ حَذَفَ المُضافَ وأقامَ المُضافَ إلَيْهِ مَقامَهُ؛ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ والأصْمَعِيُّ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: والرَّيْحانُ بِالجَرِّ، والمَعْنى: والحَبُّ ذُو العَصْفِ الَّذِي هو عَلَفُ البَهائِمِ، والرَّيْحانُ الَّذِي هو مَطْعَمُ النّاسِ، ويَبْعُدُ دُخُولُ المَشْمُومِ في قِراءَةِ الجَرِّ، ورَيْحانُ مِن ذَواتِ الواوِ. وأجازَ أبُو عَلِيٍّ أنْ يَكُونَ اسْمًا، ووُضِعَ مَوْضِعَ المَصْدَرِ، وأنْ يَكُونَ مَصْدَرًا عَلى وزْنِ فَعْلانَ كاللَّبّانِ. وأُبْدِلَتِ الواوُ ياءً، كَما أبْدَلُوا الياءَ واوًا في أشاوى، أوْ مَصْدَرًا شاذًّا في المُعْتَلِّ، كَما شَذَّ كَبَنُونَةٍ وبَيْنُونَةٍ، فَأصْلُهُ رَيْوِحانُ، قُلِبَتِ الواوُ ياءً وأُدْغِمَتْ في الياءِ فَصارَ رَيِّحانَ، ثُمَّ حُذِفَتْ عَيْنُ الكَلِمَةِ، كَما قالُوا: مَيْتٌ وهَيْنٌ.
ولَمّا عَدَّدَ تَعالى نِعَمَهُ، خاطَبَ الثَّقَلَيْنِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٣٢]، أيْ أنَّ نِعَمَهُ كَثِيرَةٌ لا تُحْصى، فَبِأيِّها تُكَذِّبانِ ؟ أيْ مَن هَذِهِ نِعَمُهُ لا يُمْكِنُ أنْ يُكَذَّبَ بِها. وكانَ هَذا الخِطابُ لِلثَّقَلَيْنِ، لِأنَّهُما داخِلانِ في الأنامِ عَلى أصَحِّ الأقْوالِ. ولِقَوْلِهِ: ﴿خَلَقَ الإنْسانَ﴾، و﴿وخَلَقَ الجانَّ﴾؛ ولِقَوْلِهِ: ﴿سَنَفْرُغُ لَكم أيُّها الثَّقَلانِ﴾ [الرحمن: ٣١]، وقَدْ أبْعَدَ مَن جَعَلَهُ خِطابًا لِلذَّكَرِ والأُنْثى مِن بَنِي آدَمَ. وأبْعَدُ مِن هَذا قَوْلُ مَن قالَ: إنَّهُ خِطابٌ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ: ﴿ألْقِيا في جَهَنَّمَ﴾ [ق: ٢٤]، ويا حَرَسِي اضْرِبا عُنُقَهُ، يَعْنِي أنَّهُ خِطابٌ لِلْواحِدِ بِصُورَةِ الِاثْنَيْنِ، فَبِأيِّ مُنَوَّنًا في جَمِيعِ السُّورَةِ، كَأنَّهُ حُذِفَ مِنهُ المُضافُ إلَيْهِ وأُبْدِلَ مِنهُ (آلاءِ رَبِّكُما) بَدَلَ مَعْرِفَةٍ مِن نَكِرَةٍ، وآلاءُ تَقَدَّمَ في الأعْرافِ أنَّها النِّعَمُ، واحِدُها إلْيٌ وألًا وإلًى وألْيٌ.
﴿خَلَقَ الإنْسانَ﴾: لَمّا ذَكَرَ العالَمَ الأكْبَرَ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ وما أوْجَدَ فِيها مِنَ النِّعَمِ، ذَكَرَ مَبْدَأ مَن خُلِقَتْ لَهُ هَذِهِ النِّعَمُ، والإنْسانُ هو آدَمُ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ. وقِيلَ: لِلْجِنْسِ، وساغَ ذَلِكَ لِأنَّ أباهم مَخْلُوقٌ مِنَ الصَّلْصالِ. وإذا أُرِيدَ بِالإنْسانِ آدَمُ، فَقَدْ جاءَتْ غاياتٌ لَهُ مُخْتَلِفَةٌ، وذَلِكَ بِتَنَقُّلِ أصْلِهِ؛ فَكانَ أوَّلًا تُرابًا، ثُمَّ طِينًا، ثُمَّ حَمَأً مَسْنُونًا، ثُمَّ صَلْصالًا، فَناسَبَ أنْ يُنْسَبَ خَلْقُهُ لِكُلِّ واحِدٍ مِنها. والجانُّ هو أبُو الجِنِّ، وهو إبْلِيسُ، قالَهُ الحَسَنُ. وقالَ مُجاهِدٌ: هو أبُو الجِنِّ، ولَيْسَ بِإبْلِيسَ. وقِيلَ: الجانُّ اسْمُ جِنْسٍ، والمارِجُ: ما اخْتَلَطَ مِن أصْفَرَ وأحْمَرَ وأخْضَرَ، أوِ اللَّهَبُ، أوِ الخالِصُ، أوِ الحُمْرَةُ في طَرَفِ النّارِ، أوِ المُخْتَلِطُ بِسَوادٍ، أوِ المُضْطَرِبُ بِلا دُخانٍ، أقْوالٌ، (ومِن) الأُولى لِابْتِداءِ الغايَةِ، والثّانِيَةُ في (مِن نارٍ) لِلتَّبْعِيضِ. وقِيلَ لِلْبَيانِ، والتَّكْرارُ في هَذِهِ الفَواصِلِ: لِلتَّأْكِيدِ والتَّنْبِيهِ والتَّحْرِيكِ، وهي مَوْجُودَةٌ في مَواضِعَ مِنَ القُرْآنِ. وذَهَبَ قَوْمٌ مِنهُمُ ابْنُ قُتَيْبَةَ إلى أنَّ هَذا التَّكْرارَ إنَّما هو لِاخْتِلافِ النِّعَمِ، فَكَرَّرَ (p-١٩١)التَّوْقِيفَ في كُلِّ واحِدٍ مِنها.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: (رَبُّ)، و(رَبُّ) بِالرَّفْعِ، أيْ هو رَبٌّ؛ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِالخَفْضِ بَدَلًا مِن رَبِّكُما، وثَنّى المُضافَ إلَيْهِ لِأنَّهُما مَشْرِقا الصَّيْفِ والشِّتاءِ ومَغْرِباهُما، قالَهُ مُجاهِدٌ. وقِيلَ: مَشْرِقا الشَّمْسِ والقَمَرِ ومَغْرِباهُما. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: لِلشَّمْسِ مَشْرِقٌ في الصَّيْفِ مُصْعِدٌ، ومَشْرِقٌ في الشِّتاءِ مُنْحَدِرٌ، تَنْتَقِلُ فِيهِما مُصْعِدَةً ومُنْحَدِرَةً. انْتَهى. فالمَشْرِقانِ والمَغْرِبانِ لِلشَّمْسِ. وقِيلَ: المَشْرِقانِ: مَطْلَعُ الفَجْرِ ومَطْلَعُ الشَّمْسِ، والمَغْرِبانِ مَغْرِبُ الشَّفَقِ ومَغْرِبُ الشَّمْسِ. ولِسَهْلٍ التُّسْتَرِيِّ كَلامٌ في المَشْرِقَيْنِ والمَغْرِبَيْنِ شَبِيهٌ بِكَلامِ الباطِنِيَّةِ المُحَرِّفِينَ مَدْلُولَ كَلامِ اللَّهِ، ضَرَبْنا عَنْ ذِكْرِهِ صَفْحًا. وكَذَلِكَ ما وقَفْنا عَلَيْهِ مِن كَلامِ الغُلاةِ الَّذِينَ يُنْسَبُونَ لِلصُّوفِيَّةِ، لِأنّا لا نَسْتَحِلُّ نَقْلَ شَيْءٍ مِنهُ. وقَدْ أوْلَغَ صاحِبُ كِتابِ التَّحْرِيرِ والتَّحْبِيرِ بِحَسْبِ ما قالَهُ هَؤُلاءِ الغُلاةُ في كُلِّ آيَةٍ آيَةٍ، ويُسَمِّي ذَلِكَ الحَقائِقَ، وأرْبابُ القُلُوبِ وما ادَّعَوْا فَهْمَهُ في القُرْآنِ فَأوْغَلُوا فِيهِ لَمْ يَفْهَمْهُ عَرَبِيٌّ قَطُّ، ولا أرادَهُ اللَّهُ تَعالى بِتِلْكَ الألْفاظِ، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِن ذَلِكَ.
﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ذَلِكَ في الفُرْقانِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وذَكَرَ الثَّعْلَبِيُّ في ﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ﴾ ألْغازًا وأقْوالًا باطِنَةً لا يُلْتَفَتُ إلى شَيْءٍ مِنها. انْتَهى، والظّاهِرُ التِقاؤُهُما، أيْ يَتَجاوَرانِ، فَلا فَصْلَ بَيْنَ الماءَيْنِ في رُؤْيَةِ العَيْنِ. وقِيلَ: يَلْتَقِيانِ في كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً. وقِيلَ: مُعَدّانِ لِلِالتِقاءِ، فَحَقُّهُما أنْ يَلْتَقِيا لَوْلا البَرْزَخُ بَيْنَهُما.
﴿بَرْزَخٌ﴾: أيْ حاجِزٌ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، ﴿لا يَبْغِيانِ﴾: لا يَتَجاوَزانِ حَدَّهُما، ولا يَبْغِي أحَدُهُما عَلى الآخَرِ بِالمُمازَجَةِ. وقِيلَ: البَرْزَخُ: أجْرامُ الأرْضِ، قالَهُ قَتادَةُ؛ وقِيلَ: لا يَبْغِيانِ: أيْ عَلى النّاسِ والعُمْرانِ، وعَلى هَذا والَّذِي قَبْلَهُ يَكُونُ مِنَ البَغْيِ. وقِيلَ: هو مِن بَغى، أيْ طَلَبَ، فالمَعْنى: لا يَبْغِيانِ حالًا غَيْرَ الحالِ الَّتِي خُلِقا عَلَيْها وسُخِّرا لَها. وقِيلَ: ماءُ الأنْهارِ لا يَخْتَلِطُ بِالماءِ المِلْحِ، بَلْ هو بِذاتِهِ باقٍ فِيهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والعِيانُ لا يَقْتَضِيهِ. انْتَهى، يَعْنِي أنَّهُ يُشاهِدُ الماءَ العَذْبَ يَخْتَلِطُ بِالمِلْحِ فَيَبْقى كُلُّهُ مِلْحًا، وقَدْ يُقالُ: إنَّهُ بِالِاخْتِلاطِ تَتَغَيَّرُ أجْرامُ العَذْبِ حَتّى لا تَظْهَرَ، فَإذا ذاقَ الإنْسانُ مِنَ المِلْحِ المُنْبَثِّ فِيهِ تِلْكَ الأجْزاءُ الدَّقِيقَةُ لَمْ يُحِسَّ إلّا المُلُوحَةَ، والمَعْقُولُ يَشْهَدُ بِذَلِكَ، لِأنَّ تَداخُلَ الأجْسامِ غَيْرُ مُمْكِنٍ، لَكِنَّ التَّفَرُّقَ والِالتِقاءَ مُمْكِنٌ. وأنْشَدَ القاضِي مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ البَلُّوطِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى:
؎ومَمْزُوجَةُ الأمْواهِ لا العَذْبُ غالِبٌ عَلى المِلْحِ طِيبًا لا ولا المِلْحُ يَعْذُبُ
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿يَخْرُجُ﴾ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ؛ ونافِعٌ وأبُو عَمْرٍو وأهْلُ المَدِينَةِ: مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ؛ والجُعْفِيٌّ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِالياءِ مَضْمُومَةً وكَسْرِ الرّاءِ، أيْ يُخْرِجُ اللَّهُ؛ وعَنْهُ وعَنْ أبِي عَمْرٍو، وعَنِ ابْنِ مِقْسَمٍ: بِالنُّونِ. واللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ نُصِبَ في هاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ. والظّاهِرُ في (مِنهُما) أنَّ ذَلِكَ يَخْرُجُ مِنَ المِلْحِ والعَذْبِ. وقالَ بِذَلِكَ قَوْمٌ، حَكاهُ الأخْفَشُ. ورَدَّ النّاسُ هَذا القَوْلَ، قالُوا: والحِسُّ يُخالِفُهُ، إذْ لا يَخْرُجُ إلّا مِنَ المِلْحِ، وعابُوا قَوْلَ الشّاعِرِ:
؎فَجاءَ بِها ما شِئْتَ مِن لَطِيمَةٍ ∗∗∗ عَلى وجْهِها ماءُ الفُراتِ يَمُوجُ
وقالَ الجُمْهُورُ: إنَّما يَخْرُجُ مِنَ الأُجاجِ في المَواضِعِ الَّتِي تَقَعُ فِيها الأنْهارُ والمِياهُ العَذْبَةُ، فَناسَبَ إسْنادَ ذَلِكَ إلَيْهِما، وهَذا مَشْهُورٌ عِنْدَ الغَوّاصِينَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ: تَكُونُ هَذِهِ الأشْياءُ في البَحْرِ بِنُزُولِ المَطَرِ، لِأنَّ الصَّدَفَ وغَيْرَها تَفْتَحُ أفْواهَها لِلْمَطَرِ، فَلِذَلِكَ قالَ (مِنهُما) . وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: إنَّما يَخْرُجُ مِنَ المِلْحِ، لَكِنَّهُ قالَ (مِنهُما) تَجَوُّزًا. وقالَ الرُّمّانِيُّ: العَذْبُ فِيها كاللِّقاحِ لِلْمِلْحِ، فَهو كَما يُقالُ؛ الوَلَدُ يَخْرُجُ مِنَ الذَّكَرِ والأُنْثى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ، وتَبِعَ الزَّجّاجَ مِن حَيْثُ هُما نَوْعٌ واحِدٌ، فَخُرُوجُ هَذِهِ الأشْياءِ إنَّما هي مِنهُما، وإنْ كانَتْ تَخْتَصُّ عِنْدَ التَّفْصِيلِ المَبالَغِ بِأحَدِهِما، كَما قالَ: ﴿سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا﴾ [نوح: ١٥] ﴿وجَعَلَ القَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾ [نوح: ١٦]، (p-١٩٢)وإنَّما هو في إحْداهُنَّ، وهي الدُّنْيا إلى الأرْضِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ نَحْوًا مِن قَوْلِ ابْنِ عَطِيَّةَ، قالَ: فَإنْ قُلْتَ: لِمَ قالَ (مِنهُما)، وإنَّما يَخْرُجانِ مِنَ المِلْحِ قُلْتُ: لَمّا التَقَيا وصارا كالشَّيْءِ الواحِدِ، جازَ أنْ يُقالَ: يَخْرُجانِ مِنهُما، كَما يُقالُ: يَخْرُجانِ مِنَ البَحْرِ، ولا يَخْرُجانِ مِن جَمِيعِ البَحْرِ، ولَكِنْ مِن بَعْضِهِ. وتَقُولُ: خَرَجْتُ مِنَ البَلَدِ، وإنَّما خَرَجْتَ مِن مَحَلَّةٍ مِن مَحالِّهِ، بَلْ مِن دارٍ واحِدَةٍ مِن دُورِهِ. وقِيلَ: لا يَخْرُجانِ إلّا مِن مُلْتَقى المِلْحِ والعَذْبِ. انْتَهى. وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: هَذا مِن بابِ حَذْفِ المُضافِ، والتَّقْدِيرُ: يَخْرُجُ مِن أحَدِهِما، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١]: أيْ مِن إحْدى القَرْيَتَيْنِ. وقِيلَ: هُما بَحْرانِ، يَخْرُجُ مِن أحَدِهِما اللُّؤْلُؤُ ومِنَ الآخَرِ المَرْجانُ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: كَلامُ اللَّهِ تَعالى أوْلى بِالِاعْتِبارِ مِن كَلامِ بَعْضِ النّاسِ ومَن أعْلَمَ أنَّ اللُّؤْلُؤَ لا يَخْرُجُ مِنَ الماءِ العَذْبِ ؟، وهَبْ أنَّ الغَوّاصِينَ ما أخْرَجُوهُ إلّا مِنَ المالِحِ. ولَكِنْ لِمَ قُلْتُمْ إنَّ الصَّدَفَ لا يَخْرُجُ بِأمْرِ اللَّهِ مِنَ الماءِ العَذْبِ إلى الماءِ المِلْحِ وكَيْفَ يُمْكِنُ الجَزْمُ بِهِ والأُمُورُ الأرْضِيَّةُ الظّاهِرَةُ خَفِيَتْ عَنِ التُّجّارِ الَّذِينَ قَطَعُوا المَفاوِزَ ودارُوا البِلادَ، فَكَيْفَ لا يَخْفى أمْرٌ ما في قَعْرِ البَحْرِ عَلَيْهِمْ ؟ واللُّؤْلُؤُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ وقَتادَةُ: كِبارُ الجَوْهَرِ. والمَرْجانُ صِغارُهُ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا وعَلِيٍّ ومُرَّةَ الهَمْدانِيِّ عَكْسُ هَذا. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ وأبُو مالِكٍ: المَرْجانُ: الحَجَرُ الأحْمَرُ. وقالَ الزَّجّاجُ: حَجَرٌ شَدِيدُ البَياضِ. وحَكى القاضِي أبُو يَعْلى أنَّهُ ضَرْبٌ مِنَ اللُّؤْلُؤِ، كالقُضْبانِ، والمَرْجانُ: اسْمٌ أعْجَمِيٌّ مُعَرَّبٌ. قالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: لَمْ أسْمَعْ فِيهِ نَقْلَ مُتَصَرِّفٍ، وقالَ الأعْشى:
؎مِن كُلِّ مَرْجانَةٍ في البَحْرِ أحْرَزَها ∗∗∗ تَيّارُها ووَقاها طِينَها الصَّدَفُ
قِيلَ: أرادَ اللُّؤْلُؤَةَ الكَبِيرَةَ. وقَرَأ طَلْحَةُ: اللُّؤْلِي بِكَسْرِ اللّامِ الثّالِثَةِ، وهي لُغَةٌ. وعَبَدُ الوَلِيِّ: تُقْلَبُ الهَمْزَةُ المُتَطَرِّفَةُ ياءً ساكِنَةً بَعْدَ كَسْرَةِ ما قَبْلَها، وهي لُغَةٌ، قالَهُ أبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ.
﴿ولَهُ الجَوارِي﴾: خَصَّ تَعالى الجَوارِيَ بِأنَّها لَهُ، وهو تَعالى لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما فِيهِنَّ، لِأنَّهم لَمّا كانُوا هم مُنْشِئِيها، أسْنَدَها تَعالى إلَيْهِ، إذْ كانَ تَمامُ مَنفَعَتِها إنَّما هو مِنهُ تَعالى، فَهو في الحَقِيقَةِ مالِكُها. والجَوارِي: السُّفُنُ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ والحَسَنُ وعَبْدُ الوارِثِ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِضَمِّ الرّاءِ، كَما قالُوا في شاكٍ شاكٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ؛ ﴿المُنْشَآتُ﴾ بِفَتْحِ الشِّينِ، اسْمَ مَفْعُولٍ: أيْ أنْشَأها اللَّهُ، أوِ النّاسُ، أوِ المَرْفُوعاتُ الشِّراعِ. وقالَ مُجاهِدٌ: ما لَهُ شِراعٌ مِنَ المُنْشَآتِ، وما لَمْ يُرْفَعْ لَهُ شِراعٌ، فَلَيْسَ مِنَ المُنْشَآتِ. والشِّراعُ: القَلْعُ. والأعْمَشُ وحَمْزَةُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وطَلْحَةُ وأبُو بَكْرٍ: بِخِلافٍ عَنْهُ، بِكَسْرِ الشِّينِ: أيِ الرّافِعاتُ الشِّراعِ، أوِ اللّاتِي يُنْشِئْنَ الأمْواجَ بِجَرْيِهِنَّ، أوِ الَّتِي تُنْشِئُ السَّفَرَ إقْبالًا وإدْبارًا. وشَدَّدَ الشِّينَ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ والحَسَنُ المُنَشَّأةُ، وحَدَّ الصِّفَةَ، ودَلَّ عَلى الجَمْعِ المَوْصُوفِ، كَقَوْلِهِ: ﴿أزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ [البقرة: ٢٥]، وقَلَبَ الهَمْزَةَ ألِفًا عَلى حَدِّ قَوْلِهِ:
؎إنَّ السِّباعَ لَتَهْدا في مَرابِضِها
يُرِيدُ: لَتَهْدَأُ، التّاءُ لِتَأْنِيثِ الصِّفَةِ، كُتِبَتْ تاءً عَلى لَفْظِها في الوَصْلِ.
﴿كالأعْلامِ﴾: أيْ كالجِبالِ والآكامِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى كِبَرِ السُّفُنِ حَيْثُ شَبَّهَها بِالجِبالِ، وإنْ كانَتِ المُنْشَآتُ تَنْطَلِقُ عَلى السَّفِينَةِ الكَبِيرَةِ والصَّغِيرَةِ. وعَبَّرَ بِمَن في قَوْلِهِ: ﴿كُلُّ مَن عَلَيْها﴾ تَغْلِيبًا لِمَن يَعْقِلُ، والضَّمِيرُ في (عَلَيْها) قَلِيلٌ عائِدٌ عَلى الأرْضِ في قَوْلِهِ: ﴿والأرْضَ وضَعَها لِلْأنامِ﴾، فَعادَ الضَّمِيرُ عَلَيْها، وإنْ كانَ بَعْدَ لَفْظِها. والفَناءُ عِبارَةٌ عَنْ إعْدامِ جَمِيعِ المَوْجُوداتِ مِن حَيَوانٍ وغَيْرِهِ، والوَجْهُ يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ حَقِيقَةِ الشَّيْءِ، والجارِحَةُ مُنْتَفِيَةٌ عَنِ اللَّهِ تَعالى، ونَحْوَ ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا وجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] . وتَقُولُ صَعالِيكُ مَكَّةَ: أيْنَ وجْهُ عَرَبِيٍّ كَرِيمٍ يَجُودُ عَلَيَّ ؟ وقَرَأ الجُمْهُورُ: ذُو بِالواوِ، وصِفَةً لِلْوَجْهِ. وأُبَيُّ وعَبْدُ اللَّهِ: ذِي بِالياءِ، صِفَةً لِلرَّبِّ. والظّاهِرُ أنَّ الخِطابَ في قَوْلِهِ: ﴿وجْهُ رَبِّكَ﴾ لِلرَّسُولِ، وفِيهِ تَشْرِيفٌ عَظِيمٌ لَهُ، ﷺ . وقِيلَ: (p-١٩٣)الخِطابُ لِكُلِّ سامِعٍ. ومَعْنى ﴿ذُو الجَلالِ﴾: الَّذِي يُجِلُّهُ المُوَحِّدُونَ عَنِ التَّشْبِيهِ بِخَلْقِهِ وعَنْ أفْعالِهِمْ، أوِ الَّذِي يُتَعَجَّبُ مِن جَلالِهِ، أوِ الَّذِي عِنْدَهُ الجَلالُ والإكْرامُ لِلْمُخْلِصِينَ مِن عِبادِهِ.
﴿يَسْألُهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾: أيْ حَوائِجَهم، وهو ما يَتَعَلَّقُ بِمَن في السَّماواتِ مِن أمْرِ الدِّينِ وما اسْتُعْبِدُوا بِهِ، ومَن في الأرْضِ مِن أمْرِ دِينِهِمْ ودُنْياهم. وقالَ أبُو صالِحٍ: مَن في السَّماواتِ الرَّحْمَةَ ومَن في الأرْضِ المَغْفِرَةَ والرِّزْقَ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: المَلائِكَةُ الرِّزْقَ لِأهْلِ الأرْضِ والمَغْفِرَةَ، وأهْلُ الأرْضِ يَسْألُونَهُما جَمِيعًا. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: يَسْألُهُ اسْتِئْنافُ إخْبارٍ. وقِيلَ: حالٌ مِنَ الوَجْهِ، والعامِلُ فِيهِ يَبْقى، أيْ هو دائِمٌ في هَذِهِ الحالِ. انْتَهى، وفِيهِ بُعْدٌ. ومَن لا يَسْألُ، فَحالُهُ تَقْتَضِي السُّؤالَ، فَيَصِحُّ إسْنادُ السُّؤالِ إلى الجَمِيعِ بِاعْتِبارِ القَدْرِ المُشْتَرَكِ، وهو الِافْتِقارُ إلَيْهِ تَعالى.
﴿كُلَّ يَوْمٍ﴾: أيْ كُلَّ ساعَةٍ ولَحْظَةٍ، وذَكَرَ اليَوْمَ لِأنَّ السّاعاتِ واللَّحَظاتِ في ضِمْنِهِ.
﴿هُوَ في شَأْنٍ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: في شَأْنٍ يُمْضِيهِ مِنَ الخَلْقِ والرِّزْقِ والإحْياءِ والإماتَةِ. وقالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: يُجِيبُ داعِيًا، ويَفُكُّ عانِيًا، ويَتُوبُ عَلى قَوْمٍ، ويَغْفِرُ لِقَوْمٍ. وقالَ سُوَيْدُ بْنُ غَفْلَةَ: يُعْتِقُ رِقابًا، ويُعْطِي رَغامًا ويُقْحِمُ عِقابًا. وقالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: الدَّهْرُ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمانِ، أحَدُهُما اليَوْمُ الَّذِي هو مُدَّةُ الدُّنْيا، فَشَأْنُهُ فِيهِ الأمْرُ والنَّهْيُ والإماتَةُ والإحْياءُ؛ والثّانِي الَّذِي هو يَوْمُ القِيامَةِ، فَشَأْنُهُ فِيهِ الجَزاءُ والحِسابُ. وعَنْ مُقاتِلٍ: نَزَلَتْ في اليَهُودِ، فَقالُوا: إنَّ اللَّهَ لا يَقْضِي يَوْمَ السَّبْتِ شَيْئًا. وقالَ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ، وقَدْ سَألَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طاهِرٍ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هو في شَأْنٍ﴾: وقَدْ صَحَّ أنَّ القَلَمَ جَفَّ بِما هو كائِنٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ فَقالَ: شُئُونٌ يُبْدِيها، لا شُئُونٌ يَبْتَدِيها. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: هو في يَوْمِ الدُّنْيا في الِابْتِلاءِ، وفي يَوْمِ القِيامَةِ في الجَزاءِ. وانْتَصَبَ ﴿كُلَّ يَوْمٍ﴾ عَلى الظَّرْفِ، والعامِلُ فِيهِ العامِلُ في قَوْلِهِ: ﴿فِي شَأْنٍ﴾، وهو مُسْتَقِرٌّ المَحْذُوفُ، نَحْوَ: يَوْمَ الجُمُعَةِ زَيْدٌ قائِمٌ.
الرحمن 55:31
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿سَنَفْرُغُ لَكم أيُّها الثَّقَلانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿يامَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ إنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ تَنْفُذُوا مِن أقْطارِ السَّماواتِ والأرْضِ فانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إلّا بِسُلْطانٍ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِن نارٍ ونُحاسٌ فَلا تَنْتَصِرانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿فَإذا انْشَقَّتِ السَّماءُ فَكانَتْ ورْدَةً كالدِّهانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْألُ عَنْ ذَنْبِهِ إنْسٌ ولا جانٌّ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿يُعْرَفُ المُجْرِمُونَ بِسِيماهم فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي والأقْدامِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِها المُجْرِمُونَ﴾ ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَها وبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿ذَواتا أفْنانٍ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿فِيهِما مِن كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِن إسْتَبْرَقٍ﴾ [الرحمن: ٥٤] .
(p-١٩٤)لَمّا ذَكَرَ تَعالى ما أنْعَمَ بِهِ مِن تَعْلِيمِ العِلْمِ وخَلْقِ الإنْسانِ والسَّماءِ والأرْضِ وما أوْدَعَ فِيهِما وفَناءَ ما عَلى الأرْضِ، ذَكَرَ ما يَتَعَلَّقُ بِأحْوالِ الآخِرَةِ والجَزاءِ وقالَ: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ﴾: أيْ نَنْظُرُ في أُمُورِكم يَوْمَ القِيامَةِ، لا أنَّهُ تَعالى كانَ لَهُ شُغْلٌ فَيَفْرَغُ مِنهُ. وجَرى عَلى هَذا كَلامُ العَرَبِ في أنَّ المَعْنى: سَيَقْصِدُ لِحِسابِكم، فَهو اسْتِعارَةٌ مِن قَوْلِ الرَّجُلِ لِمَن يَتَهَدَّدُهُ: سَأفْرَغُ لَكَ، أيْ سَأتَجَرَّدُ لِلْإيقاعِ بِكَ مِن كُلِّ ما شَغَلَنِي عَنْهُ حَتّى لا يَكُونَ لِي شُغْلٌ سِواهُ، والمُرادُ التَّوَفُّرُ عَلى الِانْتِقامِ مِنهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ التَّوَعُّدُ بِعَذابٍ في الدُّنْيا، والأوَّلُ أبْيَنُ. انْتَهى، يَعْنِي: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُرادَ سَتَنْتَهِي الدُّنْيا ويُبْلَغُ آخِرُها، وتَنْتَهِي عِنْدَ ذَلِكَ شُئُونُ الخَلْقِ الَّتِي أرادَها بِقَوْلِهِ: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هو في شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩]، فَلا يَبْقى إلّا شَأْنٌ واحِدٌ وهو جَزاؤُكم، فَجَعَلَ ذَلِكَ فَراغًا لَهم عَلى طَرِيقِ المَثَلِ. انْتَهى. والَّذِي عَلَيْهِ أئِمَّةُ اللُّغَةِ أنَّ فَرَغَ تُسْتَعْمَلُ عِنْدَ انْقِضاءِ الشُّغْلِ الَّذِي كانَ الإنْسانُ مُشْتَغِلًا بِهِ، فَلِذَلِكَ احْتاجَ قَوْلُهُ إلى التَّأْوِيلِ عَلى أنَّهُ قَدْ قِيلَ: إنَّ فَرَغَ يَكُونُ بِمَعْنى قَصَدَ واهْتَمَّ، واسْتَدَلَّ عَلى ذَلِكَ بِما أنْشَدَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ لِجَرِيرٍ:
؎الانَ وقَدْ فَرَغْتُ إلى نُمَيْرٍ فَهَذا حِينَ كُنْتُ لَهم عَذابا
أيْ: قَصَدْتُ. وأنْشَدَ النَّحّاسُ:
؎فَرَغْتُ إلى العَبْدِ المُقَيَّدِ في الحَجَلْ
وفِي الحَدِيثِ: «فَرَغَ رَبُّكَ مِن أرْبَعٍ»، وفِيهِ: «لَأتَفَرَّغَنَّ إلَيْكَ يا خَبِيثُ»، يُخاطِبُ بِهِ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، إرْبَ العَقَبَةِ يَوْمَ بَيْعَتِها: أيْ لَأقْصِدَنَّ إبْطالَ أمْرِكَ، نُقِلَ هَذا عَنِ الخَلِيلِ والكِسائِيِّ والفَرّاءِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: سَنَفْرُغُ بِنُونِ العَظَمَةِ وضَمِّ الرّاءِ، مِن فَرَغَ بِفَتْحِ الرّاءِ، وهي لُغَةُ الحِجازِ؛ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو حَيْوَةَ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: بِياءِ الغَيْبَةِ؛ وقَتادَةُ والأعْرَجُ: بِالنُّونِ وفَتْحِ الرّاءِ، مُضارِعُ فَرَغَ بِكَسْرِها، وهي تَمِيمِيَّةٌ؛ وأبُو السَّمّالِ وعِيسى: بِكَسْرِ النُّونِ وفَتْحِ الرّاءِ. قالَ أبُو حاتِمٍ: هي لُغَةُ سُفْلى مُضَرَ. والأعْمَشُ وأبُو حَيْوَةَ بِخِلافٍ عَنْهُما؛ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ والزَّعْفَرانِيُّ: بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الرّاءِ، مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ؛ وعِيسى أيْضًا: بِفَتْحِ النُّونِ وكَسْرِ الرّاءِ. والأعْرَجُ أيْضًا: بِفَتْحِ الياءِ والرّاءِ، وهي رِوايَةُ يُونُسَ والجُعْفِيِّ وعَبْدِ الوارِثِ عَنْ أبِي عَمْرٍو. والثَّقَلانِ: الإنْسُ والجِنُّ، سُمِّيا بِذَلِكَ لِكَوْنِهِما ثَقِيلَيْنِ عَلى وجْهِ الأرْضِ، أوْ لِكَوْنِهِما مُثْقَلِينَ بِالذُّنُوبِ، أوْ لِثِقَلِ الإنْسِ. وسُمِّيَ الجِنُّ ثَقَلًا لِمُجاوَرَةِ الإنْسِ، والثَّقَلُ: الأمْرُ العَظِيمُ. وفي الحَدِيثِ: «إنِّي تارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ كِتابُ اللَّهِ وعِتْرَتِي»، سُمِّيا بِذَلِكَ لِعِظَمِهِما وشَرَفِهِما.
والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿يامَعْشَرَ﴾ الآيَةَ مِن خِطابِ اللَّهِ إيّاهم يَوْمَ القِيامَةِ، ﴿يَوْمَ التَّنادِ﴾ [غافر: ٣٢] . وقِيلَ: يُقالُ لَهم ذَلِكَ. قالَ الضَّحّاكُ: يَفِرُّونَ في أقْطارِ الأرْضِ لِما يَرَوْنَ مِنَ الهَوْلِ، فَيَجِدُونَ المَلائِكَةَ قَدْ أحاطَتْ بِالأرْضِ، فَيَرْجِعُونَ مِن حَيْثُ جاءُوا، فَحِينَئِذٍ يُقالُ لَهم ذَلِكَ. وقِيلَ: هو خِطابٌ في الدُّنْيا، والمَعْنى: إنِ اسْتَطَعْتُمُ الفِرارَ مِنَ المَوْتِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿إنِ اسْتَطَعْتُمْ﴾ بِأذْهانِكم وفِكْرِكم، ﴿أنْ تَنْفُذُوا﴾، فَتَعْلَمُونَ عِلْمَ ﴿أقْطارِ﴾: أيْ جِهاتِ ﴿السَّماواتِ والأرْضِ﴾ . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿يامَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ﴾، كالتَّرْجَمَةِ لِقَوْلِهِ: ﴿أيُّها الثَّقَلانِ﴾، ﴿إنِ اسْتَطَعْتُمْ﴾ أنْ تَهْرُبُوا مِن قَضائِي، وتَخْرُجُوا مِن مَلَكُوتِي ومِن سَمائِي وأرْضِي فافْعَلُوا؛ ثُمَّ قالَ: لا تَقْدِرُونَ عَلى النُّفُوذِ ﴿إلّا بِسُلْطانٍ﴾، يَعْنِي: بِقُوَّةٍ وقَهْرٍ وغَلَبَةٍ، وأنّى لَكم ذَلِكَ، ونَحْوُهُ: ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ [العنكبوت: ٢٢] . انْتَهى.
﴿فانْفُذُوا﴾: أمْرُ تَعْجِيزٍ. وقالَ قَتادَةُ: السُّلْطانُ هُنا المِلْكُ، ولَيْسَ لَهم مِلْكٌ. وقالَ الضَّحّاكُ أيْضًا: بَيْنَما النّاسُ في أسْواقِهِمْ، انْفَتَحَتِ السَّماءُ ونَزَلَتِ المَلائِكَةُ، فَتَهْرُبُ الجِنُّ والإنْسُ، فَتُحَدِّقُ بِهِمُ المَلائِكَةُ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: إنِ اسْتَطَعْتُما، عَلى خِطابِ تَثْنِيَةِ الثَّقَلَيْنِ ومُراعاةِ الجِنِّ والإنْسِ؛ والجُمْهُورُ: عَلى خِطابِ (p-١٩٥)الجَماعَةِ إنِ اسْتَطَعْتُمْ، لِأنَّ كُلًّا مِنهُما تَحْتَهُ أفْرادٌ كَثِيرَةٌ، كَقَوْلِهِ: ﴿وإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات: ٩] .
﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إذا خَرَجُوا مِن قُبُورِهِمْ، ساقَهم شُواظٌ إلى المَحْشَرِ. والشُّواظُ: لَهَبُ النّارِ. وقالَ مُجاهِدٌ: اللَّهَبُ الأحْمَرُ المُنْقَطِعُ. وقالَ الضَّحّاكُ: الدُّخانُ الَّذِي يَخْرُجُ مِنَ اللَّهَبِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: شُواظٌ، بِضَمِّ الشِّينِ؛ وعِيسى وابْنُ كَثِيرٍ وشِبْلٌ: بِكَسْرِها. والجُمْهُورُ؛ ﴿ونُحاسٌ﴾: بِالرَّفْعِ؛ وابْنُ أبِي إسْحاقَ والنَّخَعِيُّ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو: بِالجَرِّ؛ والكَلْبِيُّ وطَلْحَةُ ومُجاهِدٌ: بِكَسْرِ نُونِ ”نِحاسٍ“ والسِّينِ. وقَرَأ ابْنُ جُبَيْرٍ: ونَحْسٌ، كَما تَقُولُ: يَوْمٌ نَحْسٌ. وقَرَأ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي بَكْرَةَ وابْنُ أبِي إسْحاقَ أيْضًا: ونَحُسُّ مُضارِعًا، وماضِيهِ حَسَّهُ، أيْ قَتَلَهُ، أيْ ويُحِسُّ بِالعَذابِ. وعَنِ ابْنِ أبِي إسْحاقَ أيْضًا: ونَحِسٌ بِالحَرَكاتِ الثَّلاثِ في الحاءِ عَلى التَّخْيِيرِ؛ وحَنْظَلَةُ بْنُ نُعْمانَ: ونَحِسٍ بِفَتْحِ النُّونِ وكَسْرِ السِّينِ؛ والحَسَنُ وإسْماعِيلُ: ونُحُسٍ بِضَمَّتَيْنِ والكَسْرِ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: نُرْسِلُ بِالنُّونِ، عَلَيْكُما شُواظًا بِالنَّصْبِ، مِن نارٍ ونُحاسًا بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى شُواظًا. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُبَيْرٍ: والنُّحاسُ الدُّخانُ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا ومُجاهِدٍ: هو الصُّفْرُ المَعْرُوفُ، والمَعْنى: يُعْجِزُ الجِنَّ والإنْسَ، أيْ أنْتُما بِحالِ مَن يُرْسَلُ عَلَيْهِ هَذا، فَلا يَقْدِرُ عَلى الِامْتِناعِ مِمّا يُرْسَلُ عَلَيْهِ.
﴿فَإذا انْشَقَّتِ السَّماءُ﴾: جَوابُ إذا مَحْذُوفٌ، أيْ فَما أعْظَمَ الهَوْلَ، وانْشِقاقُها: انْفِطارُها يَوْمَ القِيامَةِ.
﴿فَكانَتْ ورْدَةً﴾: أيْ مُحْمَرَّةً كالوَرْدِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو صالِحٍ: هي مِن لَوْنِ الفَرَسِ الوَرْدِ، فَأُنِّثَ لِكَوْنِ السَّماءِ مُؤَنَّثَةً. وقالَ قَتادَةُ: هي اليَوْمَ زَرْقاءُ، ويَوْمَئِذٍ تَغْلِبُ عَلَيْها الحُمْرَةُ كَلَوْنِ الوَرْدِ، وهي النَّوّارُ المَعْرُوفُ، قالَهُ الزَّجّاجُ، ويُرِيدُ كَلَوْنِ الوَرْدِ، وقالَ الشّاعِرُ:
؎فَلَوْ كُنْتُ ورْدًا لَوْنُهُ لَعَشِقْتِنِي ∗∗∗ ولَكِنَّ رَبِّي شانَنِي بِسَوادِيا
وقالَ أبُو الجَوْزاءِ: ورْدَةٌ صَفْراءُ. وقالَ: أما سَمِعْتَ العَرَبَ تُسَمِّي الخَيْلَ الوَرْدَ ؟ قالَ الفَرّاءُ: أرادَ لَوْنَ الفَرَسِ الوَرْدِ، يَكُونُ في الرَّبِيعِ إلى الصُّفْرَةِ، وفي الشِّتاءِ إلى الحُمْرَةِ، وفي اشْتِدادِ البَرْدِ إلى الغُبْرَةِ، فَشَبَّهَ تَلَوُّنَ السَّماءِ بِتَلَوُّنِ الوَرْدَةِ مِنَ الخَيْلِ، وهَذا قَوْلُ الكَلْبِيِّ.
﴿كالدِّهانِ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الأدِيمُ الأحْمَرُ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى:
؎وأجْرَدَ مِن كِرامِ الخَيْرِ طِرْفٍ ∗∗∗ كَأنَّ عَلى شَواكِلِهِ دِهانا
وقالَ الشّاعِرُ: كالدِّهانِ المُخْتَلِفَةِ، لِأنَّها تَتَلَوَّنُ ألْوانًا. وقالَ الضَّحّاكُ: كالدِّهانِ خالِصَةً، جَمْعَ دُهْنٍ، كَقُرْطٍ وقِراطٍ. وقِيلَ: تَصِيرُ حَمْراءَ مِن حَرارَةِ جَهَنَّمَ، ومِثْلَ الدُّهْنِ لِذَوْبِها ودَوَرانِها. وقِيلَ: شُبِّهَتْ بِالدِّهانِ في لَمَعانِها. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿كالدِّهانِ﴾: كَدُهْنِ الزَّيْتِ، كَما قالَ: ﴿كالمُهْلِ﴾ [الكهف: ٢٩]، وهو دُرْدِيُّ الزَّيْتِ، وهو جَمْعُ دُهْنٍ أوِ اسْمُ ما يُدْهَنُ بِهِ، كالحَرامِ والأدامِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎كَأنَّهُما مَزادَتا مُتَعَجِّلٍ ∗∗∗ فَرِيّانِ لَمّا سُلِّعا بِدِهانِ
وقَرَأ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: ورْدَةٌ بِالرَّفْعِ بِمَعْنى: فَحَصَلَتْ سَماءٌ ورْدَةٌ، وهو مِنَ الكَلامِ الَّذِي يُسَمّى التَّجْرِيدَ، كَقَوْلِهِ:
؎فَلَئِنْ بَقِيتُ لَأرْحَلَنَّ بِغَزْوَةٍ ∗∗∗ نَحْوَ المَغانِمِ أوْ يَمُوتَ كَرِيمُ
انْتَهى.
﴿فَيَوْمَئِذٍ﴾: التَّنْوِينُ فِيهِ لِلْعِوَضِ مِنَ الجُمْلَةِ المَحْذُوفَةِ، والتَّقْدِيرُ: فَيَوْمَ إذِ انْشَقَّتِ السَّماءُ، والنّاصِبُ لِيَوْمَئِذٍ ﴿لا يُسْألُ﴾، ودَلَّ هَذا عَلى انْتِفاءِ السُّؤالِ، ﴿وقِفُوهم إنَّهم مَسْئُولُونَ﴾ [الصافات: ٢٤] وغَيْرُهُ مِنَ الآياتِ عَلى وُقُوعِ السُّؤالِ. فَقالَ عِكْرِمَةُ وقَتادَةُ: هي مَواطِنُ يُسْألُ في بَعْضِها. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: حَيْثُ ذَكَرَ السُّؤالَ فَهو سُؤالُ تَوْبِيخٍ وتَقْرِيرٍ، وحَيْثُ نَفى فَهي اسْتِخْبارٌ مَحْضٌ عَنِ الذَّنْبِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِكُلِّ شَيْءٍ. وقالَ قَتادَةُ أيْضًا: كانَتْ مَسْألَةً، ثُمَّ خَتَمَ عَلى الأفْواهِ وتَكَلَّمَتِ الأيْدِي والأرْجُلُ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ. وقالَ أبُو العالِيَةِ وقَتادَةُ: لا يُسْألُ غَيْرُ المُجْرِمِ عَنْ ذَنْبِ المُجْرِمِ. وقَرَأ الحَسَنُ وعَمْرُو بْنُ (p-١٩٦)عُبَيْدٍ: ولا جَأْنٌ بِالهَمْزِ، فِرارًا مِنِ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وإنْ كانَ التِقاؤُهُما عَلى حَدِّهِ. وقَرَأ حَمّادُ بْنُ أبِي سُلَيْمانَ: بِسِيمائِهِمْ؛ والجُمْهُورُ: ﴿بِسِيماهُمْ﴾، وسِيما المُجْرِمِينَ: سَوادُ الوُجُوهِ وزُرْقَةُ العُيُونِ، قالَهُ الحَسَنُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ غَيْرَ هَذا مِنَ التَّشْوِيهاتِ، كالعَمى والبَكَمِ والصَّمَمِ.
﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي والأقْدامِ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُؤْخَذُ بِناصِيَتِهِ وقَدَمَيْهِ فَيُوطَأُ، ويُجْمَعُ كالحَطَبِ، ويُلْقى كَذَلِكَ في النّارِ. وقالَ الضَّحّاكُ: يُجْمَعُ بَيْنَهُما في سِلْسِلَةٍ مِن وراءِ ظَهْرِهِ. وقِيلَ: تَسْحَبُهُمُ المَلائِكَةُ، تارَةً تَأْخُذُ بِالنَّواصِي، وتارَةً بِالأقْدامِ. وقِيلَ: بَعْضَهم سَحْبًا بِالنّاصِيَةِ، وبَعْضَهم سَحْبًا بِالقَدَمِ؛ ويُؤْخَذُ مُتَعَدٍّ إلى مَفْعُولٍ بِنَفْسِهِ، وحُذِفَ هَذا الفاعِلُ والمَفْعُولُ، وأُقِيمَ الجارُّ والمَجْرُورُ مَقامَ الفاعِلِ مُضَمِّنًا مَعْنى ما يُعَدّى بِالباءِ، أيْ فَيُسْحَبُ بِالنَّواصِي والأقْدامِ، وألْ فِيهِما عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ عِوَضٌ مِنَ الضَّمِيرِ، أيْ بِنَواصِيهِمْ وأقْدامِهِمْ، وعَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ الضَّمِيرُ مَحْذُوفٌ، أيْ بِالنَّواصِي والأقْدامِ مِنهم.
﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ﴾: أيْ يُقالُ لَهم ذَلِكَ عَلى طَرِيقِ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ.
﴿يَطُوفُونَ بَيْنَها﴾: أيْ يَتَرَدَّدُونَ بَيْنَ نارِها وبَيْنَ ما غَلى فِيها مِن مائِعِ عَذابِها. وقالَ قَتادَةُ: الحَمِيمُ يَغْلِي مُنْذُ خَلَقَ اللَّهُ جَهَنَّمَ، وآنٌ: أيْ مُنْتَهى الحَرِّ والنُّضْجِ، فَيُعاقَبُ بَيْنَهم وبَيْنَ تَصْلِيَةِ النّارِ، وبَيْنَ شُرْبِ الحَمِيمِ. وقِيلَ: إذا اسْتَغاثُوا مِنَ النّارِ، جُعِلَ غِياثُهُمُ الحَمِيمَ. وقِيلَ: يُغْمَسُونَ في وادٍ في جَهَنَّمَ يَجْتَمِعُ فِيهِ صَدِيدُ أهْلِ النّارِ فَتَنْخَلِعُ أوْصالُهم، ثُمَّ يَخْرُجُونَ مِنهُ، وقَدْ أحْدَثَ اللَّهُ لَهم خَلْقًا جَدِيدًا. وقَرَأ عَلِيٌّ والسُّلَمِيُّ: يُطافُونَ؛ والأعْمَشُ وطَلْحَةُ وابْنُ مِقْسَمٍ: يُطَوِّفُونَ بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الطّاءِ وكَسْرِ الواوِ مُشَدَّدَةً. وقُرِئَ: يَطَّوَّفُونَ، أيْ يَتَطَوَّفُونَ. والجُمْهُورُ: يَطُوفُونَ مُضارِعُ طافَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾، قالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ.
﴿مَقامَ رَبِّهِ﴾ مَصْدَرٌ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مُضافًا إلى الفاعِلِ، أيْ قِيامُ رَبِّهِ عَلَيْهِ، وهو مَرْوِيٌّ عَنْ مُجاهِدٍ، قالَ: مِن قَوْلِهِ: ﴿أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ [الرعد: ٣٣]، أيْ حافِظٌ مُهَيْمِنٌ، فالعَبْدُ يُراقِبُ ذَلِكَ، فَلا يَجْسُرُ عَلى المَعْصِيَةِ. وقِيلَ: الإضافَةُ تَكُونُ بِأدْنى مُلابَسَةٍ، فالمَعْنى أنَّهُ يَخافُ مَقامَهُ الَّذِي يَقِفُ فِيهِ العِبادُ لِلْحِسابِ، مِن قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [المطففين: ٦]، وفي هَذِهِ الإضافَةِ تَنْبِيهٌ عَلى صُعُوبَةِ المَوْقِفِ. وقِيلَ: مَقامَ مُقْحَمٌ، والمَعْنى: ولِمَن خافَ رَبَّهُ، كَما تَقُولُ: أخافُ جانِبَ فُلانٍ يَعْنِي فُلانًا. والظّاهِرُ أنَّ لِكُلِّ فَرْدٍ مِنَ الخائِفِينَ ﴿جَنَّتانِ﴾، قِيلَ: إحْداهُما مَنزِلُهُ، والأُخْرى لِأزْواجِهِ وخَدَمِهِ. وقالَ مُقاتِلٌ: جَنَّةُ عَدْنٍ، وجَنَّةُ نَعِيمٍ. وقِيلَ: مَنزِلانِ يَنْتَقِلُ مِن أحَدِهِما إلى الآخَرِ لِتَتَوَفَّرَ دَواعِي لَذَّتِهِ وتَظْهَرَ ثِمارُ كَرامَتِهِ. وقِيلَ: هُما لِلْخائِفِينَ؛ والخِطابُ لِلثَّقَلَيْنِ، فَجَنَّةٌ لِلْخائِفِ الجِنِّيِّ، وجَنَّةٌ لِلْخائِفِ الإنْسِيِّ. وقالَ أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ: جَنَّةٌ مِن ذَهَبٍ لِلسّابِقِينَ، وجَنَّةٌ مِن فِضَّةٍ لِلتّابِعِينَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُقالَ: جَنَّةٌ لِفِعْلِ الطّاعاتِ، وجَنَّةٌ لِتَرْكِ المَعاصِي، لِأنَّ التَّكْلِيفَ دائِرٌ عَلَيْهِما. وأنْ يُقالَ: جَنَّةٌ يُباتُ بِها، وأُخْرى يُضَمُّ إلَيْها عَلى وجْهِ التَّفَضُّلِ لِقَوْلِهِ وزِيادَةٌ؛ وخَصَّ الأفْنانَ بِالذِّكْرِ جَمْعُ فَنَنٍ، وهي الغُصُونُ الَّتِي تَتَشَعَّبُ عَنْ فُرُوعِ الشَّجَرِ، لِأنَّها الَّتِي تُورِقُ وتُثْمِرُ، ومِنها تَمْتَدُّ الظِّلالُ، ومِنها تُجْنى الثِّمارُ. وقِيلَ: الأفْنانُ جَمْعُ فَنٍّ، وهي ألْوانُ النِّعَمِ وأنْواعُها، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والأوَّلُ قالَ قَرِيبًا مِنهُ مُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ، وهو أوْلى، لِأنَّ أفْعالًا في فَعَلٍ أكْثَرُ مِنهُ في فَعْلٍ بِسُكُونِ العَيْنِ، وفَنٌّ يُجْمَعُ عَلى فُنُونٍ.
﴿فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هُما عَيْنانِ مِثْلُ الدُّنْيا أضْعافًا مُضاعَفَةً. وقالَ: تَجْرِيانِ بِالزِّيادَةِ والكَرامَةِ عَلى أهْلِ الجَنَّةِ. وقالَ الحَسَنُ: تَجْرِيانِ بِالماءِ الزُّلالِ، إحْداهُما التَّسْنِيمُ، والأُخْرى السَّلْسَبِيلُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إحْداهُما مِن ماءٍ، والأُخْرى مِن خَمْرٍ. وقِيلَ: تَجْرِيانِ في الأعالِي والأسافِلِ مِن جَبَلٍ مِن مِسْكٍ.
﴿زَوْجانِ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ما في الدُّنْيا مِن شَجَرَةٍ حُلْوَةٍ ولا مُرَّةٍ إلّا وهي في الجَنَّةِ، (p-١٩٧)حَتّى شَجَرُ الحَنْظَلِ، إلّا أنَّهُ حُلْوًا. انْتَهى. ومَعْنى زَوْجانِ: رَطْبٌ ويابِسٌ، لا يَقْصُرُ هَذا عَنْ ذاكَ في الطِّيبِ واللَّذَّةِ. وقِيلَ: صِنْفانِ، صِنْفٌ مَعْرُوفٌ، وصِنْفٌ غَرِيبٌ. وجاءَ الفَصْلُ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿ذَواتا أفْنانٍ﴾ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿فِيهِما مِن كُلِّ فاكِهَةٍ﴾ بِقَوْلِهِ: ﴿فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ﴾ . والأفْنانُ عَلَيْها الفَواكِهُ، لِأنَّ الدّاخِلَ إلى البُسْتانِ لا يُقْدِمُ إلّا لِلتَّفَرُّجِ بِلَذَّةِ ما فِيهِ بِالنَّظَرِ إلى خُضْرَةِ الشَّجَرِ وجَرْيِ الأنْهارِ، ثُمَّ بَعْدُ يَأْخُذُ في اجْتِناءِ الثِّمارِ لِلْأكْلِ. وانْتَصَبَ (مُتَّكِئِينَ) عَلى الحالِ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولِمَن خافَ﴾، وحَمَلَ جَمْعًا عَلى مَعْنى مَن. وقِيلَ: العامِلُ مَحْذُوفٌ، أيْ يَتَنَعَّمُونَ مُتَّكِئِينَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ نُصِبَ عَلى المَدْحِ، والِاتِّكاءُ مِن صِفاتِ المُتَنَعِّمِ الدّالَّةِ عَلى صِحَّةِ الجِسْمِ وفَراغِ القَلْبِ، والمَعْنى: (مُتَّكِئِينَ) في مَنازِلِهِمْ ﴿عَلى فُرُشٍ﴾ [الرحمن: ٥٤] . وقَرَأ الجُمْهُورُ: فُرُشٍ، بِضَمَّتَيْنِ؛ وأبُو حَيْوَةَ: بِسُكُونِ الرّاءِ. وفي الحَدِيثِ: ”قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، «هَذِهِ البَطائِنُ مِن إسْتَبْرَقٍ، كَيْفَ الظَّهائِرُ ؟ قالَ: هي مِن نُورٍ يَتَلَأْلَأُ“»، ولَوْ صَحَّ هَذا لَمْ يَجُزْ أنْ يُفَسَّرَ بِغَيْرِهِ. وقِيلَ: مِن سُنْدُسٍ. قالَ الحَسَنُ والفَرّاءُ: البَطائِنُ هي الظَّهائِرُ. ورُوِيَ عَنْ قَتادَةَ، وقالَ الفَرّاءُ: قَدْ تَكُونُ البِطانَةُ الظِّهارَةَ والظِّهارَةُ البِطانَةَ، لِأنَّ كُلًّا مِنهُما يَكُونُ وجْهًا، والعَرَبُ تَقُولُ: هَذا وجْهُ السَّماءِ، وهَذا بَطْنُ السَّماءِ.
الرحمن 55:32
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿سَنَفْرُغُ لَكم أيُّها الثَّقَلانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿يامَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ إنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ تَنْفُذُوا مِن أقْطارِ السَّماواتِ والأرْضِ فانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إلّا بِسُلْطانٍ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِن نارٍ ونُحاسٌ فَلا تَنْتَصِرانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿فَإذا انْشَقَّتِ السَّماءُ فَكانَتْ ورْدَةً كالدِّهانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْألُ عَنْ ذَنْبِهِ إنْسٌ ولا جانٌّ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿يُعْرَفُ المُجْرِمُونَ بِسِيماهم فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي والأقْدامِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِها المُجْرِمُونَ﴾ ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَها وبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿ذَواتا أفْنانٍ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿فِيهِما مِن كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِن إسْتَبْرَقٍ﴾ [الرحمن: ٥٤] .
(p-١٩٤)لَمّا ذَكَرَ تَعالى ما أنْعَمَ بِهِ مِن تَعْلِيمِ العِلْمِ وخَلْقِ الإنْسانِ والسَّماءِ والأرْضِ وما أوْدَعَ فِيهِما وفَناءَ ما عَلى الأرْضِ، ذَكَرَ ما يَتَعَلَّقُ بِأحْوالِ الآخِرَةِ والجَزاءِ وقالَ: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ﴾: أيْ نَنْظُرُ في أُمُورِكم يَوْمَ القِيامَةِ، لا أنَّهُ تَعالى كانَ لَهُ شُغْلٌ فَيَفْرَغُ مِنهُ. وجَرى عَلى هَذا كَلامُ العَرَبِ في أنَّ المَعْنى: سَيَقْصِدُ لِحِسابِكم، فَهو اسْتِعارَةٌ مِن قَوْلِ الرَّجُلِ لِمَن يَتَهَدَّدُهُ: سَأفْرَغُ لَكَ، أيْ سَأتَجَرَّدُ لِلْإيقاعِ بِكَ مِن كُلِّ ما شَغَلَنِي عَنْهُ حَتّى لا يَكُونَ لِي شُغْلٌ سِواهُ، والمُرادُ التَّوَفُّرُ عَلى الِانْتِقامِ مِنهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ التَّوَعُّدُ بِعَذابٍ في الدُّنْيا، والأوَّلُ أبْيَنُ. انْتَهى، يَعْنِي: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُرادَ سَتَنْتَهِي الدُّنْيا ويُبْلَغُ آخِرُها، وتَنْتَهِي عِنْدَ ذَلِكَ شُئُونُ الخَلْقِ الَّتِي أرادَها بِقَوْلِهِ: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هو في شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩]، فَلا يَبْقى إلّا شَأْنٌ واحِدٌ وهو جَزاؤُكم، فَجَعَلَ ذَلِكَ فَراغًا لَهم عَلى طَرِيقِ المَثَلِ. انْتَهى. والَّذِي عَلَيْهِ أئِمَّةُ اللُّغَةِ أنَّ فَرَغَ تُسْتَعْمَلُ عِنْدَ انْقِضاءِ الشُّغْلِ الَّذِي كانَ الإنْسانُ مُشْتَغِلًا بِهِ، فَلِذَلِكَ احْتاجَ قَوْلُهُ إلى التَّأْوِيلِ عَلى أنَّهُ قَدْ قِيلَ: إنَّ فَرَغَ يَكُونُ بِمَعْنى قَصَدَ واهْتَمَّ، واسْتَدَلَّ عَلى ذَلِكَ بِما أنْشَدَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ لِجَرِيرٍ:
؎الانَ وقَدْ فَرَغْتُ إلى نُمَيْرٍ فَهَذا حِينَ كُنْتُ لَهم عَذابا
أيْ: قَصَدْتُ. وأنْشَدَ النَّحّاسُ:
؎فَرَغْتُ إلى العَبْدِ المُقَيَّدِ في الحَجَلْ
وفِي الحَدِيثِ: «فَرَغَ رَبُّكَ مِن أرْبَعٍ»، وفِيهِ: «لَأتَفَرَّغَنَّ إلَيْكَ يا خَبِيثُ»، يُخاطِبُ بِهِ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، إرْبَ العَقَبَةِ يَوْمَ بَيْعَتِها: أيْ لَأقْصِدَنَّ إبْطالَ أمْرِكَ، نُقِلَ هَذا عَنِ الخَلِيلِ والكِسائِيِّ والفَرّاءِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: سَنَفْرُغُ بِنُونِ العَظَمَةِ وضَمِّ الرّاءِ، مِن فَرَغَ بِفَتْحِ الرّاءِ، وهي لُغَةُ الحِجازِ؛ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو حَيْوَةَ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: بِياءِ الغَيْبَةِ؛ وقَتادَةُ والأعْرَجُ: بِالنُّونِ وفَتْحِ الرّاءِ، مُضارِعُ فَرَغَ بِكَسْرِها، وهي تَمِيمِيَّةٌ؛ وأبُو السَّمّالِ وعِيسى: بِكَسْرِ النُّونِ وفَتْحِ الرّاءِ. قالَ أبُو حاتِمٍ: هي لُغَةُ سُفْلى مُضَرَ. والأعْمَشُ وأبُو حَيْوَةَ بِخِلافٍ عَنْهُما؛ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ والزَّعْفَرانِيُّ: بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الرّاءِ، مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ؛ وعِيسى أيْضًا: بِفَتْحِ النُّونِ وكَسْرِ الرّاءِ. والأعْرَجُ أيْضًا: بِفَتْحِ الياءِ والرّاءِ، وهي رِوايَةُ يُونُسَ والجُعْفِيِّ وعَبْدِ الوارِثِ عَنْ أبِي عَمْرٍو. والثَّقَلانِ: الإنْسُ والجِنُّ، سُمِّيا بِذَلِكَ لِكَوْنِهِما ثَقِيلَيْنِ عَلى وجْهِ الأرْضِ، أوْ لِكَوْنِهِما مُثْقَلِينَ بِالذُّنُوبِ، أوْ لِثِقَلِ الإنْسِ. وسُمِّيَ الجِنُّ ثَقَلًا لِمُجاوَرَةِ الإنْسِ، والثَّقَلُ: الأمْرُ العَظِيمُ. وفي الحَدِيثِ: «إنِّي تارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ كِتابُ اللَّهِ وعِتْرَتِي»، سُمِّيا بِذَلِكَ لِعِظَمِهِما وشَرَفِهِما.
والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿يامَعْشَرَ﴾ الآيَةَ مِن خِطابِ اللَّهِ إيّاهم يَوْمَ القِيامَةِ، ﴿يَوْمَ التَّنادِ﴾ [غافر: ٣٢] . وقِيلَ: يُقالُ لَهم ذَلِكَ. قالَ الضَّحّاكُ: يَفِرُّونَ في أقْطارِ الأرْضِ لِما يَرَوْنَ مِنَ الهَوْلِ، فَيَجِدُونَ المَلائِكَةَ قَدْ أحاطَتْ بِالأرْضِ، فَيَرْجِعُونَ مِن حَيْثُ جاءُوا، فَحِينَئِذٍ يُقالُ لَهم ذَلِكَ. وقِيلَ: هو خِطابٌ في الدُّنْيا، والمَعْنى: إنِ اسْتَطَعْتُمُ الفِرارَ مِنَ المَوْتِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿إنِ اسْتَطَعْتُمْ﴾ بِأذْهانِكم وفِكْرِكم، ﴿أنْ تَنْفُذُوا﴾، فَتَعْلَمُونَ عِلْمَ ﴿أقْطارِ﴾: أيْ جِهاتِ ﴿السَّماواتِ والأرْضِ﴾ . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿يامَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ﴾، كالتَّرْجَمَةِ لِقَوْلِهِ: ﴿أيُّها الثَّقَلانِ﴾، ﴿إنِ اسْتَطَعْتُمْ﴾ أنْ تَهْرُبُوا مِن قَضائِي، وتَخْرُجُوا مِن مَلَكُوتِي ومِن سَمائِي وأرْضِي فافْعَلُوا؛ ثُمَّ قالَ: لا تَقْدِرُونَ عَلى النُّفُوذِ ﴿إلّا بِسُلْطانٍ﴾، يَعْنِي: بِقُوَّةٍ وقَهْرٍ وغَلَبَةٍ، وأنّى لَكم ذَلِكَ، ونَحْوُهُ: ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ [العنكبوت: ٢٢] . انْتَهى.
﴿فانْفُذُوا﴾: أمْرُ تَعْجِيزٍ. وقالَ قَتادَةُ: السُّلْطانُ هُنا المِلْكُ، ولَيْسَ لَهم مِلْكٌ. وقالَ الضَّحّاكُ أيْضًا: بَيْنَما النّاسُ في أسْواقِهِمْ، انْفَتَحَتِ السَّماءُ ونَزَلَتِ المَلائِكَةُ، فَتَهْرُبُ الجِنُّ والإنْسُ، فَتُحَدِّقُ بِهِمُ المَلائِكَةُ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: إنِ اسْتَطَعْتُما، عَلى خِطابِ تَثْنِيَةِ الثَّقَلَيْنِ ومُراعاةِ الجِنِّ والإنْسِ؛ والجُمْهُورُ: عَلى خِطابِ (p-١٩٥)الجَماعَةِ إنِ اسْتَطَعْتُمْ، لِأنَّ كُلًّا مِنهُما تَحْتَهُ أفْرادٌ كَثِيرَةٌ، كَقَوْلِهِ: ﴿وإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات: ٩] .
﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إذا خَرَجُوا مِن قُبُورِهِمْ، ساقَهم شُواظٌ إلى المَحْشَرِ. والشُّواظُ: لَهَبُ النّارِ. وقالَ مُجاهِدٌ: اللَّهَبُ الأحْمَرُ المُنْقَطِعُ. وقالَ الضَّحّاكُ: الدُّخانُ الَّذِي يَخْرُجُ مِنَ اللَّهَبِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: شُواظٌ، بِضَمِّ الشِّينِ؛ وعِيسى وابْنُ كَثِيرٍ وشِبْلٌ: بِكَسْرِها. والجُمْهُورُ؛ ﴿ونُحاسٌ﴾: بِالرَّفْعِ؛ وابْنُ أبِي إسْحاقَ والنَّخَعِيُّ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو: بِالجَرِّ؛ والكَلْبِيُّ وطَلْحَةُ ومُجاهِدٌ: بِكَسْرِ نُونِ ”نِحاسٍ“ والسِّينِ. وقَرَأ ابْنُ جُبَيْرٍ: ونَحْسٌ، كَما تَقُولُ: يَوْمٌ نَحْسٌ. وقَرَأ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي بَكْرَةَ وابْنُ أبِي إسْحاقَ أيْضًا: ونَحُسُّ مُضارِعًا، وماضِيهِ حَسَّهُ، أيْ قَتَلَهُ، أيْ ويُحِسُّ بِالعَذابِ. وعَنِ ابْنِ أبِي إسْحاقَ أيْضًا: ونَحِسٌ بِالحَرَكاتِ الثَّلاثِ في الحاءِ عَلى التَّخْيِيرِ؛ وحَنْظَلَةُ بْنُ نُعْمانَ: ونَحِسٍ بِفَتْحِ النُّونِ وكَسْرِ السِّينِ؛ والحَسَنُ وإسْماعِيلُ: ونُحُسٍ بِضَمَّتَيْنِ والكَسْرِ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: نُرْسِلُ بِالنُّونِ، عَلَيْكُما شُواظًا بِالنَّصْبِ، مِن نارٍ ونُحاسًا بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى شُواظًا. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُبَيْرٍ: والنُّحاسُ الدُّخانُ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا ومُجاهِدٍ: هو الصُّفْرُ المَعْرُوفُ، والمَعْنى: يُعْجِزُ الجِنَّ والإنْسَ، أيْ أنْتُما بِحالِ مَن يُرْسَلُ عَلَيْهِ هَذا، فَلا يَقْدِرُ عَلى الِامْتِناعِ مِمّا يُرْسَلُ عَلَيْهِ.
﴿فَإذا انْشَقَّتِ السَّماءُ﴾: جَوابُ إذا مَحْذُوفٌ، أيْ فَما أعْظَمَ الهَوْلَ، وانْشِقاقُها: انْفِطارُها يَوْمَ القِيامَةِ.
﴿فَكانَتْ ورْدَةً﴾: أيْ مُحْمَرَّةً كالوَرْدِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو صالِحٍ: هي مِن لَوْنِ الفَرَسِ الوَرْدِ، فَأُنِّثَ لِكَوْنِ السَّماءِ مُؤَنَّثَةً. وقالَ قَتادَةُ: هي اليَوْمَ زَرْقاءُ، ويَوْمَئِذٍ تَغْلِبُ عَلَيْها الحُمْرَةُ كَلَوْنِ الوَرْدِ، وهي النَّوّارُ المَعْرُوفُ، قالَهُ الزَّجّاجُ، ويُرِيدُ كَلَوْنِ الوَرْدِ، وقالَ الشّاعِرُ:
؎فَلَوْ كُنْتُ ورْدًا لَوْنُهُ لَعَشِقْتِنِي ∗∗∗ ولَكِنَّ رَبِّي شانَنِي بِسَوادِيا
وقالَ أبُو الجَوْزاءِ: ورْدَةٌ صَفْراءُ. وقالَ: أما سَمِعْتَ العَرَبَ تُسَمِّي الخَيْلَ الوَرْدَ ؟ قالَ الفَرّاءُ: أرادَ لَوْنَ الفَرَسِ الوَرْدِ، يَكُونُ في الرَّبِيعِ إلى الصُّفْرَةِ، وفي الشِّتاءِ إلى الحُمْرَةِ، وفي اشْتِدادِ البَرْدِ إلى الغُبْرَةِ، فَشَبَّهَ تَلَوُّنَ السَّماءِ بِتَلَوُّنِ الوَرْدَةِ مِنَ الخَيْلِ، وهَذا قَوْلُ الكَلْبِيِّ.
﴿كالدِّهانِ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الأدِيمُ الأحْمَرُ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى:
؎وأجْرَدَ مِن كِرامِ الخَيْرِ طِرْفٍ ∗∗∗ كَأنَّ عَلى شَواكِلِهِ دِهانا
وقالَ الشّاعِرُ: كالدِّهانِ المُخْتَلِفَةِ، لِأنَّها تَتَلَوَّنُ ألْوانًا. وقالَ الضَّحّاكُ: كالدِّهانِ خالِصَةً، جَمْعَ دُهْنٍ، كَقُرْطٍ وقِراطٍ. وقِيلَ: تَصِيرُ حَمْراءَ مِن حَرارَةِ جَهَنَّمَ، ومِثْلَ الدُّهْنِ لِذَوْبِها ودَوَرانِها. وقِيلَ: شُبِّهَتْ بِالدِّهانِ في لَمَعانِها. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿كالدِّهانِ﴾: كَدُهْنِ الزَّيْتِ، كَما قالَ: ﴿كالمُهْلِ﴾ [الكهف: ٢٩]، وهو دُرْدِيُّ الزَّيْتِ، وهو جَمْعُ دُهْنٍ أوِ اسْمُ ما يُدْهَنُ بِهِ، كالحَرامِ والأدامِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎كَأنَّهُما مَزادَتا مُتَعَجِّلٍ ∗∗∗ فَرِيّانِ لَمّا سُلِّعا بِدِهانِ
وقَرَأ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: ورْدَةٌ بِالرَّفْعِ بِمَعْنى: فَحَصَلَتْ سَماءٌ ورْدَةٌ، وهو مِنَ الكَلامِ الَّذِي يُسَمّى التَّجْرِيدَ، كَقَوْلِهِ:
؎فَلَئِنْ بَقِيتُ لَأرْحَلَنَّ بِغَزْوَةٍ ∗∗∗ نَحْوَ المَغانِمِ أوْ يَمُوتَ كَرِيمُ
انْتَهى.
﴿فَيَوْمَئِذٍ﴾: التَّنْوِينُ فِيهِ لِلْعِوَضِ مِنَ الجُمْلَةِ المَحْذُوفَةِ، والتَّقْدِيرُ: فَيَوْمَ إذِ انْشَقَّتِ السَّماءُ، والنّاصِبُ لِيَوْمَئِذٍ ﴿لا يُسْألُ﴾، ودَلَّ هَذا عَلى انْتِفاءِ السُّؤالِ، ﴿وقِفُوهم إنَّهم مَسْئُولُونَ﴾ [الصافات: ٢٤] وغَيْرُهُ مِنَ الآياتِ عَلى وُقُوعِ السُّؤالِ. فَقالَ عِكْرِمَةُ وقَتادَةُ: هي مَواطِنُ يُسْألُ في بَعْضِها. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: حَيْثُ ذَكَرَ السُّؤالَ فَهو سُؤالُ تَوْبِيخٍ وتَقْرِيرٍ، وحَيْثُ نَفى فَهي اسْتِخْبارٌ مَحْضٌ عَنِ الذَّنْبِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِكُلِّ شَيْءٍ. وقالَ قَتادَةُ أيْضًا: كانَتْ مَسْألَةً، ثُمَّ خَتَمَ عَلى الأفْواهِ وتَكَلَّمَتِ الأيْدِي والأرْجُلُ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ. وقالَ أبُو العالِيَةِ وقَتادَةُ: لا يُسْألُ غَيْرُ المُجْرِمِ عَنْ ذَنْبِ المُجْرِمِ. وقَرَأ الحَسَنُ وعَمْرُو بْنُ (p-١٩٦)عُبَيْدٍ: ولا جَأْنٌ بِالهَمْزِ، فِرارًا مِنِ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وإنْ كانَ التِقاؤُهُما عَلى حَدِّهِ. وقَرَأ حَمّادُ بْنُ أبِي سُلَيْمانَ: بِسِيمائِهِمْ؛ والجُمْهُورُ: ﴿بِسِيماهُمْ﴾، وسِيما المُجْرِمِينَ: سَوادُ الوُجُوهِ وزُرْقَةُ العُيُونِ، قالَهُ الحَسَنُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ غَيْرَ هَذا مِنَ التَّشْوِيهاتِ، كالعَمى والبَكَمِ والصَّمَمِ.
﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي والأقْدامِ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُؤْخَذُ بِناصِيَتِهِ وقَدَمَيْهِ فَيُوطَأُ، ويُجْمَعُ كالحَطَبِ، ويُلْقى كَذَلِكَ في النّارِ. وقالَ الضَّحّاكُ: يُجْمَعُ بَيْنَهُما في سِلْسِلَةٍ مِن وراءِ ظَهْرِهِ. وقِيلَ: تَسْحَبُهُمُ المَلائِكَةُ، تارَةً تَأْخُذُ بِالنَّواصِي، وتارَةً بِالأقْدامِ. وقِيلَ: بَعْضَهم سَحْبًا بِالنّاصِيَةِ، وبَعْضَهم سَحْبًا بِالقَدَمِ؛ ويُؤْخَذُ مُتَعَدٍّ إلى مَفْعُولٍ بِنَفْسِهِ، وحُذِفَ هَذا الفاعِلُ والمَفْعُولُ، وأُقِيمَ الجارُّ والمَجْرُورُ مَقامَ الفاعِلِ مُضَمِّنًا مَعْنى ما يُعَدّى بِالباءِ، أيْ فَيُسْحَبُ بِالنَّواصِي والأقْدامِ، وألْ فِيهِما عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ عِوَضٌ مِنَ الضَّمِيرِ، أيْ بِنَواصِيهِمْ وأقْدامِهِمْ، وعَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ الضَّمِيرُ مَحْذُوفٌ، أيْ بِالنَّواصِي والأقْدامِ مِنهم.
﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ﴾: أيْ يُقالُ لَهم ذَلِكَ عَلى طَرِيقِ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ.
﴿يَطُوفُونَ بَيْنَها﴾: أيْ يَتَرَدَّدُونَ بَيْنَ نارِها وبَيْنَ ما غَلى فِيها مِن مائِعِ عَذابِها. وقالَ قَتادَةُ: الحَمِيمُ يَغْلِي مُنْذُ خَلَقَ اللَّهُ جَهَنَّمَ، وآنٌ: أيْ مُنْتَهى الحَرِّ والنُّضْجِ، فَيُعاقَبُ بَيْنَهم وبَيْنَ تَصْلِيَةِ النّارِ، وبَيْنَ شُرْبِ الحَمِيمِ. وقِيلَ: إذا اسْتَغاثُوا مِنَ النّارِ، جُعِلَ غِياثُهُمُ الحَمِيمَ. وقِيلَ: يُغْمَسُونَ في وادٍ في جَهَنَّمَ يَجْتَمِعُ فِيهِ صَدِيدُ أهْلِ النّارِ فَتَنْخَلِعُ أوْصالُهم، ثُمَّ يَخْرُجُونَ مِنهُ، وقَدْ أحْدَثَ اللَّهُ لَهم خَلْقًا جَدِيدًا. وقَرَأ عَلِيٌّ والسُّلَمِيُّ: يُطافُونَ؛ والأعْمَشُ وطَلْحَةُ وابْنُ مِقْسَمٍ: يُطَوِّفُونَ بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الطّاءِ وكَسْرِ الواوِ مُشَدَّدَةً. وقُرِئَ: يَطَّوَّفُونَ، أيْ يَتَطَوَّفُونَ. والجُمْهُورُ: يَطُوفُونَ مُضارِعُ طافَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾، قالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ.
﴿مَقامَ رَبِّهِ﴾ مَصْدَرٌ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مُضافًا إلى الفاعِلِ، أيْ قِيامُ رَبِّهِ عَلَيْهِ، وهو مَرْوِيٌّ عَنْ مُجاهِدٍ، قالَ: مِن قَوْلِهِ: ﴿أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ [الرعد: ٣٣]، أيْ حافِظٌ مُهَيْمِنٌ، فالعَبْدُ يُراقِبُ ذَلِكَ، فَلا يَجْسُرُ عَلى المَعْصِيَةِ. وقِيلَ: الإضافَةُ تَكُونُ بِأدْنى مُلابَسَةٍ، فالمَعْنى أنَّهُ يَخافُ مَقامَهُ الَّذِي يَقِفُ فِيهِ العِبادُ لِلْحِسابِ، مِن قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [المطففين: ٦]، وفي هَذِهِ الإضافَةِ تَنْبِيهٌ عَلى صُعُوبَةِ المَوْقِفِ. وقِيلَ: مَقامَ مُقْحَمٌ، والمَعْنى: ولِمَن خافَ رَبَّهُ، كَما تَقُولُ: أخافُ جانِبَ فُلانٍ يَعْنِي فُلانًا. والظّاهِرُ أنَّ لِكُلِّ فَرْدٍ مِنَ الخائِفِينَ ﴿جَنَّتانِ﴾، قِيلَ: إحْداهُما مَنزِلُهُ، والأُخْرى لِأزْواجِهِ وخَدَمِهِ. وقالَ مُقاتِلٌ: جَنَّةُ عَدْنٍ، وجَنَّةُ نَعِيمٍ. وقِيلَ: مَنزِلانِ يَنْتَقِلُ مِن أحَدِهِما إلى الآخَرِ لِتَتَوَفَّرَ دَواعِي لَذَّتِهِ وتَظْهَرَ ثِمارُ كَرامَتِهِ. وقِيلَ: هُما لِلْخائِفِينَ؛ والخِطابُ لِلثَّقَلَيْنِ، فَجَنَّةٌ لِلْخائِفِ الجِنِّيِّ، وجَنَّةٌ لِلْخائِفِ الإنْسِيِّ. وقالَ أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ: جَنَّةٌ مِن ذَهَبٍ لِلسّابِقِينَ، وجَنَّةٌ مِن فِضَّةٍ لِلتّابِعِينَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُقالَ: جَنَّةٌ لِفِعْلِ الطّاعاتِ، وجَنَّةٌ لِتَرْكِ المَعاصِي، لِأنَّ التَّكْلِيفَ دائِرٌ عَلَيْهِما. وأنْ يُقالَ: جَنَّةٌ يُباتُ بِها، وأُخْرى يُضَمُّ إلَيْها عَلى وجْهِ التَّفَضُّلِ لِقَوْلِهِ وزِيادَةٌ؛ وخَصَّ الأفْنانَ بِالذِّكْرِ جَمْعُ فَنَنٍ، وهي الغُصُونُ الَّتِي تَتَشَعَّبُ عَنْ فُرُوعِ الشَّجَرِ، لِأنَّها الَّتِي تُورِقُ وتُثْمِرُ، ومِنها تَمْتَدُّ الظِّلالُ، ومِنها تُجْنى الثِّمارُ. وقِيلَ: الأفْنانُ جَمْعُ فَنٍّ، وهي ألْوانُ النِّعَمِ وأنْواعُها، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والأوَّلُ قالَ قَرِيبًا مِنهُ مُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ، وهو أوْلى، لِأنَّ أفْعالًا في فَعَلٍ أكْثَرُ مِنهُ في فَعْلٍ بِسُكُونِ العَيْنِ، وفَنٌّ يُجْمَعُ عَلى فُنُونٍ.
﴿فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هُما عَيْنانِ مِثْلُ الدُّنْيا أضْعافًا مُضاعَفَةً. وقالَ: تَجْرِيانِ بِالزِّيادَةِ والكَرامَةِ عَلى أهْلِ الجَنَّةِ. وقالَ الحَسَنُ: تَجْرِيانِ بِالماءِ الزُّلالِ، إحْداهُما التَّسْنِيمُ، والأُخْرى السَّلْسَبِيلُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إحْداهُما مِن ماءٍ، والأُخْرى مِن خَمْرٍ. وقِيلَ: تَجْرِيانِ في الأعالِي والأسافِلِ مِن جَبَلٍ مِن مِسْكٍ.
﴿زَوْجانِ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ما في الدُّنْيا مِن شَجَرَةٍ حُلْوَةٍ ولا مُرَّةٍ إلّا وهي في الجَنَّةِ، (p-١٩٧)حَتّى شَجَرُ الحَنْظَلِ، إلّا أنَّهُ حُلْوًا. انْتَهى. ومَعْنى زَوْجانِ: رَطْبٌ ويابِسٌ، لا يَقْصُرُ هَذا عَنْ ذاكَ في الطِّيبِ واللَّذَّةِ. وقِيلَ: صِنْفانِ، صِنْفٌ مَعْرُوفٌ، وصِنْفٌ غَرِيبٌ. وجاءَ الفَصْلُ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿ذَواتا أفْنانٍ﴾ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿فِيهِما مِن كُلِّ فاكِهَةٍ﴾ بِقَوْلِهِ: ﴿فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ﴾ . والأفْنانُ عَلَيْها الفَواكِهُ، لِأنَّ الدّاخِلَ إلى البُسْتانِ لا يُقْدِمُ إلّا لِلتَّفَرُّجِ بِلَذَّةِ ما فِيهِ بِالنَّظَرِ إلى خُضْرَةِ الشَّجَرِ وجَرْيِ الأنْهارِ، ثُمَّ بَعْدُ يَأْخُذُ في اجْتِناءِ الثِّمارِ لِلْأكْلِ. وانْتَصَبَ (مُتَّكِئِينَ) عَلى الحالِ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولِمَن خافَ﴾، وحَمَلَ جَمْعًا عَلى مَعْنى مَن. وقِيلَ: العامِلُ مَحْذُوفٌ، أيْ يَتَنَعَّمُونَ مُتَّكِئِينَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ نُصِبَ عَلى المَدْحِ، والِاتِّكاءُ مِن صِفاتِ المُتَنَعِّمِ الدّالَّةِ عَلى صِحَّةِ الجِسْمِ وفَراغِ القَلْبِ، والمَعْنى: (مُتَّكِئِينَ) في مَنازِلِهِمْ ﴿عَلى فُرُشٍ﴾ [الرحمن: ٥٤] . وقَرَأ الجُمْهُورُ: فُرُشٍ، بِضَمَّتَيْنِ؛ وأبُو حَيْوَةَ: بِسُكُونِ الرّاءِ. وفي الحَدِيثِ: ”قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، «هَذِهِ البَطائِنُ مِن إسْتَبْرَقٍ، كَيْفَ الظَّهائِرُ ؟ قالَ: هي مِن نُورٍ يَتَلَأْلَأُ“»، ولَوْ صَحَّ هَذا لَمْ يَجُزْ أنْ يُفَسَّرَ بِغَيْرِهِ. وقِيلَ: مِن سُنْدُسٍ. قالَ الحَسَنُ والفَرّاءُ: البَطائِنُ هي الظَّهائِرُ. ورُوِيَ عَنْ قَتادَةَ، وقالَ الفَرّاءُ: قَدْ تَكُونُ البِطانَةُ الظِّهارَةَ والظِّهارَةُ البِطانَةَ، لِأنَّ كُلًّا مِنهُما يَكُونُ وجْهًا، والعَرَبُ تَقُولُ: هَذا وجْهُ السَّماءِ، وهَذا بَطْنُ السَّماءِ.
الرحمن 55:33
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿سَنَفْرُغُ لَكم أيُّها الثَّقَلانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿يامَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ إنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ تَنْفُذُوا مِن أقْطارِ السَّماواتِ والأرْضِ فانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إلّا بِسُلْطانٍ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِن نارٍ ونُحاسٌ فَلا تَنْتَصِرانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿فَإذا انْشَقَّتِ السَّماءُ فَكانَتْ ورْدَةً كالدِّهانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْألُ عَنْ ذَنْبِهِ إنْسٌ ولا جانٌّ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿يُعْرَفُ المُجْرِمُونَ بِسِيماهم فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي والأقْدامِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِها المُجْرِمُونَ﴾ ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَها وبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿ذَواتا أفْنانٍ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿فِيهِما مِن كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِن إسْتَبْرَقٍ﴾ [الرحمن: ٥٤] .
(p-١٩٤)لَمّا ذَكَرَ تَعالى ما أنْعَمَ بِهِ مِن تَعْلِيمِ العِلْمِ وخَلْقِ الإنْسانِ والسَّماءِ والأرْضِ وما أوْدَعَ فِيهِما وفَناءَ ما عَلى الأرْضِ، ذَكَرَ ما يَتَعَلَّقُ بِأحْوالِ الآخِرَةِ والجَزاءِ وقالَ: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ﴾: أيْ نَنْظُرُ في أُمُورِكم يَوْمَ القِيامَةِ، لا أنَّهُ تَعالى كانَ لَهُ شُغْلٌ فَيَفْرَغُ مِنهُ. وجَرى عَلى هَذا كَلامُ العَرَبِ في أنَّ المَعْنى: سَيَقْصِدُ لِحِسابِكم، فَهو اسْتِعارَةٌ مِن قَوْلِ الرَّجُلِ لِمَن يَتَهَدَّدُهُ: سَأفْرَغُ لَكَ، أيْ سَأتَجَرَّدُ لِلْإيقاعِ بِكَ مِن كُلِّ ما شَغَلَنِي عَنْهُ حَتّى لا يَكُونَ لِي شُغْلٌ سِواهُ، والمُرادُ التَّوَفُّرُ عَلى الِانْتِقامِ مِنهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ التَّوَعُّدُ بِعَذابٍ في الدُّنْيا، والأوَّلُ أبْيَنُ. انْتَهى، يَعْنِي: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُرادَ سَتَنْتَهِي الدُّنْيا ويُبْلَغُ آخِرُها، وتَنْتَهِي عِنْدَ ذَلِكَ شُئُونُ الخَلْقِ الَّتِي أرادَها بِقَوْلِهِ: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هو في شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩]، فَلا يَبْقى إلّا شَأْنٌ واحِدٌ وهو جَزاؤُكم، فَجَعَلَ ذَلِكَ فَراغًا لَهم عَلى طَرِيقِ المَثَلِ. انْتَهى. والَّذِي عَلَيْهِ أئِمَّةُ اللُّغَةِ أنَّ فَرَغَ تُسْتَعْمَلُ عِنْدَ انْقِضاءِ الشُّغْلِ الَّذِي كانَ الإنْسانُ مُشْتَغِلًا بِهِ، فَلِذَلِكَ احْتاجَ قَوْلُهُ إلى التَّأْوِيلِ عَلى أنَّهُ قَدْ قِيلَ: إنَّ فَرَغَ يَكُونُ بِمَعْنى قَصَدَ واهْتَمَّ، واسْتَدَلَّ عَلى ذَلِكَ بِما أنْشَدَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ لِجَرِيرٍ:
؎الانَ وقَدْ فَرَغْتُ إلى نُمَيْرٍ فَهَذا حِينَ كُنْتُ لَهم عَذابا
أيْ: قَصَدْتُ. وأنْشَدَ النَّحّاسُ:
؎فَرَغْتُ إلى العَبْدِ المُقَيَّدِ في الحَجَلْ
وفِي الحَدِيثِ: «فَرَغَ رَبُّكَ مِن أرْبَعٍ»، وفِيهِ: «لَأتَفَرَّغَنَّ إلَيْكَ يا خَبِيثُ»، يُخاطِبُ بِهِ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، إرْبَ العَقَبَةِ يَوْمَ بَيْعَتِها: أيْ لَأقْصِدَنَّ إبْطالَ أمْرِكَ، نُقِلَ هَذا عَنِ الخَلِيلِ والكِسائِيِّ والفَرّاءِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: سَنَفْرُغُ بِنُونِ العَظَمَةِ وضَمِّ الرّاءِ، مِن فَرَغَ بِفَتْحِ الرّاءِ، وهي لُغَةُ الحِجازِ؛ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو حَيْوَةَ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: بِياءِ الغَيْبَةِ؛ وقَتادَةُ والأعْرَجُ: بِالنُّونِ وفَتْحِ الرّاءِ، مُضارِعُ فَرَغَ بِكَسْرِها، وهي تَمِيمِيَّةٌ؛ وأبُو السَّمّالِ وعِيسى: بِكَسْرِ النُّونِ وفَتْحِ الرّاءِ. قالَ أبُو حاتِمٍ: هي لُغَةُ سُفْلى مُضَرَ. والأعْمَشُ وأبُو حَيْوَةَ بِخِلافٍ عَنْهُما؛ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ والزَّعْفَرانِيُّ: بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الرّاءِ، مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ؛ وعِيسى أيْضًا: بِفَتْحِ النُّونِ وكَسْرِ الرّاءِ. والأعْرَجُ أيْضًا: بِفَتْحِ الياءِ والرّاءِ، وهي رِوايَةُ يُونُسَ والجُعْفِيِّ وعَبْدِ الوارِثِ عَنْ أبِي عَمْرٍو. والثَّقَلانِ: الإنْسُ والجِنُّ، سُمِّيا بِذَلِكَ لِكَوْنِهِما ثَقِيلَيْنِ عَلى وجْهِ الأرْضِ، أوْ لِكَوْنِهِما مُثْقَلِينَ بِالذُّنُوبِ، أوْ لِثِقَلِ الإنْسِ. وسُمِّيَ الجِنُّ ثَقَلًا لِمُجاوَرَةِ الإنْسِ، والثَّقَلُ: الأمْرُ العَظِيمُ. وفي الحَدِيثِ: «إنِّي تارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ كِتابُ اللَّهِ وعِتْرَتِي»، سُمِّيا بِذَلِكَ لِعِظَمِهِما وشَرَفِهِما.
والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿يامَعْشَرَ﴾ الآيَةَ مِن خِطابِ اللَّهِ إيّاهم يَوْمَ القِيامَةِ، ﴿يَوْمَ التَّنادِ﴾ [غافر: ٣٢] . وقِيلَ: يُقالُ لَهم ذَلِكَ. قالَ الضَّحّاكُ: يَفِرُّونَ في أقْطارِ الأرْضِ لِما يَرَوْنَ مِنَ الهَوْلِ، فَيَجِدُونَ المَلائِكَةَ قَدْ أحاطَتْ بِالأرْضِ، فَيَرْجِعُونَ مِن حَيْثُ جاءُوا، فَحِينَئِذٍ يُقالُ لَهم ذَلِكَ. وقِيلَ: هو خِطابٌ في الدُّنْيا، والمَعْنى: إنِ اسْتَطَعْتُمُ الفِرارَ مِنَ المَوْتِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿إنِ اسْتَطَعْتُمْ﴾ بِأذْهانِكم وفِكْرِكم، ﴿أنْ تَنْفُذُوا﴾، فَتَعْلَمُونَ عِلْمَ ﴿أقْطارِ﴾: أيْ جِهاتِ ﴿السَّماواتِ والأرْضِ﴾ . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿يامَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ﴾، كالتَّرْجَمَةِ لِقَوْلِهِ: ﴿أيُّها الثَّقَلانِ﴾، ﴿إنِ اسْتَطَعْتُمْ﴾ أنْ تَهْرُبُوا مِن قَضائِي، وتَخْرُجُوا مِن مَلَكُوتِي ومِن سَمائِي وأرْضِي فافْعَلُوا؛ ثُمَّ قالَ: لا تَقْدِرُونَ عَلى النُّفُوذِ ﴿إلّا بِسُلْطانٍ﴾، يَعْنِي: بِقُوَّةٍ وقَهْرٍ وغَلَبَةٍ، وأنّى لَكم ذَلِكَ، ونَحْوُهُ: ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ [العنكبوت: ٢٢] . انْتَهى.
﴿فانْفُذُوا﴾: أمْرُ تَعْجِيزٍ. وقالَ قَتادَةُ: السُّلْطانُ هُنا المِلْكُ، ولَيْسَ لَهم مِلْكٌ. وقالَ الضَّحّاكُ أيْضًا: بَيْنَما النّاسُ في أسْواقِهِمْ، انْفَتَحَتِ السَّماءُ ونَزَلَتِ المَلائِكَةُ، فَتَهْرُبُ الجِنُّ والإنْسُ، فَتُحَدِّقُ بِهِمُ المَلائِكَةُ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: إنِ اسْتَطَعْتُما، عَلى خِطابِ تَثْنِيَةِ الثَّقَلَيْنِ ومُراعاةِ الجِنِّ والإنْسِ؛ والجُمْهُورُ: عَلى خِطابِ (p-١٩٥)الجَماعَةِ إنِ اسْتَطَعْتُمْ، لِأنَّ كُلًّا مِنهُما تَحْتَهُ أفْرادٌ كَثِيرَةٌ، كَقَوْلِهِ: ﴿وإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات: ٩] .
﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إذا خَرَجُوا مِن قُبُورِهِمْ، ساقَهم شُواظٌ إلى المَحْشَرِ. والشُّواظُ: لَهَبُ النّارِ. وقالَ مُجاهِدٌ: اللَّهَبُ الأحْمَرُ المُنْقَطِعُ. وقالَ الضَّحّاكُ: الدُّخانُ الَّذِي يَخْرُجُ مِنَ اللَّهَبِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: شُواظٌ، بِضَمِّ الشِّينِ؛ وعِيسى وابْنُ كَثِيرٍ وشِبْلٌ: بِكَسْرِها. والجُمْهُورُ؛ ﴿ونُحاسٌ﴾: بِالرَّفْعِ؛ وابْنُ أبِي إسْحاقَ والنَّخَعِيُّ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو: بِالجَرِّ؛ والكَلْبِيُّ وطَلْحَةُ ومُجاهِدٌ: بِكَسْرِ نُونِ ”نِحاسٍ“ والسِّينِ. وقَرَأ ابْنُ جُبَيْرٍ: ونَحْسٌ، كَما تَقُولُ: يَوْمٌ نَحْسٌ. وقَرَأ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي بَكْرَةَ وابْنُ أبِي إسْحاقَ أيْضًا: ونَحُسُّ مُضارِعًا، وماضِيهِ حَسَّهُ، أيْ قَتَلَهُ، أيْ ويُحِسُّ بِالعَذابِ. وعَنِ ابْنِ أبِي إسْحاقَ أيْضًا: ونَحِسٌ بِالحَرَكاتِ الثَّلاثِ في الحاءِ عَلى التَّخْيِيرِ؛ وحَنْظَلَةُ بْنُ نُعْمانَ: ونَحِسٍ بِفَتْحِ النُّونِ وكَسْرِ السِّينِ؛ والحَسَنُ وإسْماعِيلُ: ونُحُسٍ بِضَمَّتَيْنِ والكَسْرِ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: نُرْسِلُ بِالنُّونِ، عَلَيْكُما شُواظًا بِالنَّصْبِ، مِن نارٍ ونُحاسًا بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى شُواظًا. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُبَيْرٍ: والنُّحاسُ الدُّخانُ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا ومُجاهِدٍ: هو الصُّفْرُ المَعْرُوفُ، والمَعْنى: يُعْجِزُ الجِنَّ والإنْسَ، أيْ أنْتُما بِحالِ مَن يُرْسَلُ عَلَيْهِ هَذا، فَلا يَقْدِرُ عَلى الِامْتِناعِ مِمّا يُرْسَلُ عَلَيْهِ.
﴿فَإذا انْشَقَّتِ السَّماءُ﴾: جَوابُ إذا مَحْذُوفٌ، أيْ فَما أعْظَمَ الهَوْلَ، وانْشِقاقُها: انْفِطارُها يَوْمَ القِيامَةِ.
﴿فَكانَتْ ورْدَةً﴾: أيْ مُحْمَرَّةً كالوَرْدِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو صالِحٍ: هي مِن لَوْنِ الفَرَسِ الوَرْدِ، فَأُنِّثَ لِكَوْنِ السَّماءِ مُؤَنَّثَةً. وقالَ قَتادَةُ: هي اليَوْمَ زَرْقاءُ، ويَوْمَئِذٍ تَغْلِبُ عَلَيْها الحُمْرَةُ كَلَوْنِ الوَرْدِ، وهي النَّوّارُ المَعْرُوفُ، قالَهُ الزَّجّاجُ، ويُرِيدُ كَلَوْنِ الوَرْدِ، وقالَ الشّاعِرُ:
؎فَلَوْ كُنْتُ ورْدًا لَوْنُهُ لَعَشِقْتِنِي ∗∗∗ ولَكِنَّ رَبِّي شانَنِي بِسَوادِيا
وقالَ أبُو الجَوْزاءِ: ورْدَةٌ صَفْراءُ. وقالَ: أما سَمِعْتَ العَرَبَ تُسَمِّي الخَيْلَ الوَرْدَ ؟ قالَ الفَرّاءُ: أرادَ لَوْنَ الفَرَسِ الوَرْدِ، يَكُونُ في الرَّبِيعِ إلى الصُّفْرَةِ، وفي الشِّتاءِ إلى الحُمْرَةِ، وفي اشْتِدادِ البَرْدِ إلى الغُبْرَةِ، فَشَبَّهَ تَلَوُّنَ السَّماءِ بِتَلَوُّنِ الوَرْدَةِ مِنَ الخَيْلِ، وهَذا قَوْلُ الكَلْبِيِّ.
﴿كالدِّهانِ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الأدِيمُ الأحْمَرُ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى:
؎وأجْرَدَ مِن كِرامِ الخَيْرِ طِرْفٍ ∗∗∗ كَأنَّ عَلى شَواكِلِهِ دِهانا
وقالَ الشّاعِرُ: كالدِّهانِ المُخْتَلِفَةِ، لِأنَّها تَتَلَوَّنُ ألْوانًا. وقالَ الضَّحّاكُ: كالدِّهانِ خالِصَةً، جَمْعَ دُهْنٍ، كَقُرْطٍ وقِراطٍ. وقِيلَ: تَصِيرُ حَمْراءَ مِن حَرارَةِ جَهَنَّمَ، ومِثْلَ الدُّهْنِ لِذَوْبِها ودَوَرانِها. وقِيلَ: شُبِّهَتْ بِالدِّهانِ في لَمَعانِها. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿كالدِّهانِ﴾: كَدُهْنِ الزَّيْتِ، كَما قالَ: ﴿كالمُهْلِ﴾ [الكهف: ٢٩]، وهو دُرْدِيُّ الزَّيْتِ، وهو جَمْعُ دُهْنٍ أوِ اسْمُ ما يُدْهَنُ بِهِ، كالحَرامِ والأدامِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎كَأنَّهُما مَزادَتا مُتَعَجِّلٍ ∗∗∗ فَرِيّانِ لَمّا سُلِّعا بِدِهانِ
وقَرَأ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: ورْدَةٌ بِالرَّفْعِ بِمَعْنى: فَحَصَلَتْ سَماءٌ ورْدَةٌ، وهو مِنَ الكَلامِ الَّذِي يُسَمّى التَّجْرِيدَ، كَقَوْلِهِ:
؎فَلَئِنْ بَقِيتُ لَأرْحَلَنَّ بِغَزْوَةٍ ∗∗∗ نَحْوَ المَغانِمِ أوْ يَمُوتَ كَرِيمُ
انْتَهى.
﴿فَيَوْمَئِذٍ﴾: التَّنْوِينُ فِيهِ لِلْعِوَضِ مِنَ الجُمْلَةِ المَحْذُوفَةِ، والتَّقْدِيرُ: فَيَوْمَ إذِ انْشَقَّتِ السَّماءُ، والنّاصِبُ لِيَوْمَئِذٍ ﴿لا يُسْألُ﴾، ودَلَّ هَذا عَلى انْتِفاءِ السُّؤالِ، ﴿وقِفُوهم إنَّهم مَسْئُولُونَ﴾ [الصافات: ٢٤] وغَيْرُهُ مِنَ الآياتِ عَلى وُقُوعِ السُّؤالِ. فَقالَ عِكْرِمَةُ وقَتادَةُ: هي مَواطِنُ يُسْألُ في بَعْضِها. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: حَيْثُ ذَكَرَ السُّؤالَ فَهو سُؤالُ تَوْبِيخٍ وتَقْرِيرٍ، وحَيْثُ نَفى فَهي اسْتِخْبارٌ مَحْضٌ عَنِ الذَّنْبِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِكُلِّ شَيْءٍ. وقالَ قَتادَةُ أيْضًا: كانَتْ مَسْألَةً، ثُمَّ خَتَمَ عَلى الأفْواهِ وتَكَلَّمَتِ الأيْدِي والأرْجُلُ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ. وقالَ أبُو العالِيَةِ وقَتادَةُ: لا يُسْألُ غَيْرُ المُجْرِمِ عَنْ ذَنْبِ المُجْرِمِ. وقَرَأ الحَسَنُ وعَمْرُو بْنُ (p-١٩٦)عُبَيْدٍ: ولا جَأْنٌ بِالهَمْزِ، فِرارًا مِنِ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وإنْ كانَ التِقاؤُهُما عَلى حَدِّهِ. وقَرَأ حَمّادُ بْنُ أبِي سُلَيْمانَ: بِسِيمائِهِمْ؛ والجُمْهُورُ: ﴿بِسِيماهُمْ﴾، وسِيما المُجْرِمِينَ: سَوادُ الوُجُوهِ وزُرْقَةُ العُيُونِ، قالَهُ الحَسَنُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ غَيْرَ هَذا مِنَ التَّشْوِيهاتِ، كالعَمى والبَكَمِ والصَّمَمِ.
﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي والأقْدامِ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُؤْخَذُ بِناصِيَتِهِ وقَدَمَيْهِ فَيُوطَأُ، ويُجْمَعُ كالحَطَبِ، ويُلْقى كَذَلِكَ في النّارِ. وقالَ الضَّحّاكُ: يُجْمَعُ بَيْنَهُما في سِلْسِلَةٍ مِن وراءِ ظَهْرِهِ. وقِيلَ: تَسْحَبُهُمُ المَلائِكَةُ، تارَةً تَأْخُذُ بِالنَّواصِي، وتارَةً بِالأقْدامِ. وقِيلَ: بَعْضَهم سَحْبًا بِالنّاصِيَةِ، وبَعْضَهم سَحْبًا بِالقَدَمِ؛ ويُؤْخَذُ مُتَعَدٍّ إلى مَفْعُولٍ بِنَفْسِهِ، وحُذِفَ هَذا الفاعِلُ والمَفْعُولُ، وأُقِيمَ الجارُّ والمَجْرُورُ مَقامَ الفاعِلِ مُضَمِّنًا مَعْنى ما يُعَدّى بِالباءِ، أيْ فَيُسْحَبُ بِالنَّواصِي والأقْدامِ، وألْ فِيهِما عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ عِوَضٌ مِنَ الضَّمِيرِ، أيْ بِنَواصِيهِمْ وأقْدامِهِمْ، وعَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ الضَّمِيرُ مَحْذُوفٌ، أيْ بِالنَّواصِي والأقْدامِ مِنهم.
﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ﴾: أيْ يُقالُ لَهم ذَلِكَ عَلى طَرِيقِ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ.
﴿يَطُوفُونَ بَيْنَها﴾: أيْ يَتَرَدَّدُونَ بَيْنَ نارِها وبَيْنَ ما غَلى فِيها مِن مائِعِ عَذابِها. وقالَ قَتادَةُ: الحَمِيمُ يَغْلِي مُنْذُ خَلَقَ اللَّهُ جَهَنَّمَ، وآنٌ: أيْ مُنْتَهى الحَرِّ والنُّضْجِ، فَيُعاقَبُ بَيْنَهم وبَيْنَ تَصْلِيَةِ النّارِ، وبَيْنَ شُرْبِ الحَمِيمِ. وقِيلَ: إذا اسْتَغاثُوا مِنَ النّارِ، جُعِلَ غِياثُهُمُ الحَمِيمَ. وقِيلَ: يُغْمَسُونَ في وادٍ في جَهَنَّمَ يَجْتَمِعُ فِيهِ صَدِيدُ أهْلِ النّارِ فَتَنْخَلِعُ أوْصالُهم، ثُمَّ يَخْرُجُونَ مِنهُ، وقَدْ أحْدَثَ اللَّهُ لَهم خَلْقًا جَدِيدًا. وقَرَأ عَلِيٌّ والسُّلَمِيُّ: يُطافُونَ؛ والأعْمَشُ وطَلْحَةُ وابْنُ مِقْسَمٍ: يُطَوِّفُونَ بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الطّاءِ وكَسْرِ الواوِ مُشَدَّدَةً. وقُرِئَ: يَطَّوَّفُونَ، أيْ يَتَطَوَّفُونَ. والجُمْهُورُ: يَطُوفُونَ مُضارِعُ طافَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾، قالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ.
﴿مَقامَ رَبِّهِ﴾ مَصْدَرٌ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مُضافًا إلى الفاعِلِ، أيْ قِيامُ رَبِّهِ عَلَيْهِ، وهو مَرْوِيٌّ عَنْ مُجاهِدٍ، قالَ: مِن قَوْلِهِ: ﴿أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ [الرعد: ٣٣]، أيْ حافِظٌ مُهَيْمِنٌ، فالعَبْدُ يُراقِبُ ذَلِكَ، فَلا يَجْسُرُ عَلى المَعْصِيَةِ. وقِيلَ: الإضافَةُ تَكُونُ بِأدْنى مُلابَسَةٍ، فالمَعْنى أنَّهُ يَخافُ مَقامَهُ الَّذِي يَقِفُ فِيهِ العِبادُ لِلْحِسابِ، مِن قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [المطففين: ٦]، وفي هَذِهِ الإضافَةِ تَنْبِيهٌ عَلى صُعُوبَةِ المَوْقِفِ. وقِيلَ: مَقامَ مُقْحَمٌ، والمَعْنى: ولِمَن خافَ رَبَّهُ، كَما تَقُولُ: أخافُ جانِبَ فُلانٍ يَعْنِي فُلانًا. والظّاهِرُ أنَّ لِكُلِّ فَرْدٍ مِنَ الخائِفِينَ ﴿جَنَّتانِ﴾، قِيلَ: إحْداهُما مَنزِلُهُ، والأُخْرى لِأزْواجِهِ وخَدَمِهِ. وقالَ مُقاتِلٌ: جَنَّةُ عَدْنٍ، وجَنَّةُ نَعِيمٍ. وقِيلَ: مَنزِلانِ يَنْتَقِلُ مِن أحَدِهِما إلى الآخَرِ لِتَتَوَفَّرَ دَواعِي لَذَّتِهِ وتَظْهَرَ ثِمارُ كَرامَتِهِ. وقِيلَ: هُما لِلْخائِفِينَ؛ والخِطابُ لِلثَّقَلَيْنِ، فَجَنَّةٌ لِلْخائِفِ الجِنِّيِّ، وجَنَّةٌ لِلْخائِفِ الإنْسِيِّ. وقالَ أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ: جَنَّةٌ مِن ذَهَبٍ لِلسّابِقِينَ، وجَنَّةٌ مِن فِضَّةٍ لِلتّابِعِينَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُقالَ: جَنَّةٌ لِفِعْلِ الطّاعاتِ، وجَنَّةٌ لِتَرْكِ المَعاصِي، لِأنَّ التَّكْلِيفَ دائِرٌ عَلَيْهِما. وأنْ يُقالَ: جَنَّةٌ يُباتُ بِها، وأُخْرى يُضَمُّ إلَيْها عَلى وجْهِ التَّفَضُّلِ لِقَوْلِهِ وزِيادَةٌ؛ وخَصَّ الأفْنانَ بِالذِّكْرِ جَمْعُ فَنَنٍ، وهي الغُصُونُ الَّتِي تَتَشَعَّبُ عَنْ فُرُوعِ الشَّجَرِ، لِأنَّها الَّتِي تُورِقُ وتُثْمِرُ، ومِنها تَمْتَدُّ الظِّلالُ، ومِنها تُجْنى الثِّمارُ. وقِيلَ: الأفْنانُ جَمْعُ فَنٍّ، وهي ألْوانُ النِّعَمِ وأنْواعُها، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والأوَّلُ قالَ قَرِيبًا مِنهُ مُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ، وهو أوْلى، لِأنَّ أفْعالًا في فَعَلٍ أكْثَرُ مِنهُ في فَعْلٍ بِسُكُونِ العَيْنِ، وفَنٌّ يُجْمَعُ عَلى فُنُونٍ.
﴿فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هُما عَيْنانِ مِثْلُ الدُّنْيا أضْعافًا مُضاعَفَةً. وقالَ: تَجْرِيانِ بِالزِّيادَةِ والكَرامَةِ عَلى أهْلِ الجَنَّةِ. وقالَ الحَسَنُ: تَجْرِيانِ بِالماءِ الزُّلالِ، إحْداهُما التَّسْنِيمُ، والأُخْرى السَّلْسَبِيلُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إحْداهُما مِن ماءٍ، والأُخْرى مِن خَمْرٍ. وقِيلَ: تَجْرِيانِ في الأعالِي والأسافِلِ مِن جَبَلٍ مِن مِسْكٍ.
﴿زَوْجانِ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ما في الدُّنْيا مِن شَجَرَةٍ حُلْوَةٍ ولا مُرَّةٍ إلّا وهي في الجَنَّةِ، (p-١٩٧)حَتّى شَجَرُ الحَنْظَلِ، إلّا أنَّهُ حُلْوًا. انْتَهى. ومَعْنى زَوْجانِ: رَطْبٌ ويابِسٌ، لا يَقْصُرُ هَذا عَنْ ذاكَ في الطِّيبِ واللَّذَّةِ. وقِيلَ: صِنْفانِ، صِنْفٌ مَعْرُوفٌ، وصِنْفٌ غَرِيبٌ. وجاءَ الفَصْلُ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿ذَواتا أفْنانٍ﴾ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿فِيهِما مِن كُلِّ فاكِهَةٍ﴾ بِقَوْلِهِ: ﴿فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ﴾ . والأفْنانُ عَلَيْها الفَواكِهُ، لِأنَّ الدّاخِلَ إلى البُسْتانِ لا يُقْدِمُ إلّا لِلتَّفَرُّجِ بِلَذَّةِ ما فِيهِ بِالنَّظَرِ إلى خُضْرَةِ الشَّجَرِ وجَرْيِ الأنْهارِ، ثُمَّ بَعْدُ يَأْخُذُ في اجْتِناءِ الثِّمارِ لِلْأكْلِ. وانْتَصَبَ (مُتَّكِئِينَ) عَلى الحالِ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولِمَن خافَ﴾، وحَمَلَ جَمْعًا عَلى مَعْنى مَن. وقِيلَ: العامِلُ مَحْذُوفٌ، أيْ يَتَنَعَّمُونَ مُتَّكِئِينَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ نُصِبَ عَلى المَدْحِ، والِاتِّكاءُ مِن صِفاتِ المُتَنَعِّمِ الدّالَّةِ عَلى صِحَّةِ الجِسْمِ وفَراغِ القَلْبِ، والمَعْنى: (مُتَّكِئِينَ) في مَنازِلِهِمْ ﴿عَلى فُرُشٍ﴾ [الرحمن: ٥٤] . وقَرَأ الجُمْهُورُ: فُرُشٍ، بِضَمَّتَيْنِ؛ وأبُو حَيْوَةَ: بِسُكُونِ الرّاءِ. وفي الحَدِيثِ: ”قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، «هَذِهِ البَطائِنُ مِن إسْتَبْرَقٍ، كَيْفَ الظَّهائِرُ ؟ قالَ: هي مِن نُورٍ يَتَلَأْلَأُ“»، ولَوْ صَحَّ هَذا لَمْ يَجُزْ أنْ يُفَسَّرَ بِغَيْرِهِ. وقِيلَ: مِن سُنْدُسٍ. قالَ الحَسَنُ والفَرّاءُ: البَطائِنُ هي الظَّهائِرُ. ورُوِيَ عَنْ قَتادَةَ، وقالَ الفَرّاءُ: قَدْ تَكُونُ البِطانَةُ الظِّهارَةَ والظِّهارَةُ البِطانَةَ، لِأنَّ كُلًّا مِنهُما يَكُونُ وجْهًا، والعَرَبُ تَقُولُ: هَذا وجْهُ السَّماءِ، وهَذا بَطْنُ السَّماءِ.
الرحمن 55:34
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿سَنَفْرُغُ لَكم أيُّها الثَّقَلانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿يامَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ إنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ تَنْفُذُوا مِن أقْطارِ السَّماواتِ والأرْضِ فانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إلّا بِسُلْطانٍ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِن نارٍ ونُحاسٌ فَلا تَنْتَصِرانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿فَإذا انْشَقَّتِ السَّماءُ فَكانَتْ ورْدَةً كالدِّهانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْألُ عَنْ ذَنْبِهِ إنْسٌ ولا جانٌّ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿يُعْرَفُ المُجْرِمُونَ بِسِيماهم فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي والأقْدامِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِها المُجْرِمُونَ﴾ ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَها وبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿ذَواتا أفْنانٍ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿فِيهِما مِن كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِن إسْتَبْرَقٍ﴾ [الرحمن: ٥٤] .
(p-١٩٤)لَمّا ذَكَرَ تَعالى ما أنْعَمَ بِهِ مِن تَعْلِيمِ العِلْمِ وخَلْقِ الإنْسانِ والسَّماءِ والأرْضِ وما أوْدَعَ فِيهِما وفَناءَ ما عَلى الأرْضِ، ذَكَرَ ما يَتَعَلَّقُ بِأحْوالِ الآخِرَةِ والجَزاءِ وقالَ: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ﴾: أيْ نَنْظُرُ في أُمُورِكم يَوْمَ القِيامَةِ، لا أنَّهُ تَعالى كانَ لَهُ شُغْلٌ فَيَفْرَغُ مِنهُ. وجَرى عَلى هَذا كَلامُ العَرَبِ في أنَّ المَعْنى: سَيَقْصِدُ لِحِسابِكم، فَهو اسْتِعارَةٌ مِن قَوْلِ الرَّجُلِ لِمَن يَتَهَدَّدُهُ: سَأفْرَغُ لَكَ، أيْ سَأتَجَرَّدُ لِلْإيقاعِ بِكَ مِن كُلِّ ما شَغَلَنِي عَنْهُ حَتّى لا يَكُونَ لِي شُغْلٌ سِواهُ، والمُرادُ التَّوَفُّرُ عَلى الِانْتِقامِ مِنهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ التَّوَعُّدُ بِعَذابٍ في الدُّنْيا، والأوَّلُ أبْيَنُ. انْتَهى، يَعْنِي: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُرادَ سَتَنْتَهِي الدُّنْيا ويُبْلَغُ آخِرُها، وتَنْتَهِي عِنْدَ ذَلِكَ شُئُونُ الخَلْقِ الَّتِي أرادَها بِقَوْلِهِ: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هو في شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩]، فَلا يَبْقى إلّا شَأْنٌ واحِدٌ وهو جَزاؤُكم، فَجَعَلَ ذَلِكَ فَراغًا لَهم عَلى طَرِيقِ المَثَلِ. انْتَهى. والَّذِي عَلَيْهِ أئِمَّةُ اللُّغَةِ أنَّ فَرَغَ تُسْتَعْمَلُ عِنْدَ انْقِضاءِ الشُّغْلِ الَّذِي كانَ الإنْسانُ مُشْتَغِلًا بِهِ، فَلِذَلِكَ احْتاجَ قَوْلُهُ إلى التَّأْوِيلِ عَلى أنَّهُ قَدْ قِيلَ: إنَّ فَرَغَ يَكُونُ بِمَعْنى قَصَدَ واهْتَمَّ، واسْتَدَلَّ عَلى ذَلِكَ بِما أنْشَدَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ لِجَرِيرٍ:
؎الانَ وقَدْ فَرَغْتُ إلى نُمَيْرٍ فَهَذا حِينَ كُنْتُ لَهم عَذابا
أيْ: قَصَدْتُ. وأنْشَدَ النَّحّاسُ:
؎فَرَغْتُ إلى العَبْدِ المُقَيَّدِ في الحَجَلْ
وفِي الحَدِيثِ: «فَرَغَ رَبُّكَ مِن أرْبَعٍ»، وفِيهِ: «لَأتَفَرَّغَنَّ إلَيْكَ يا خَبِيثُ»، يُخاطِبُ بِهِ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، إرْبَ العَقَبَةِ يَوْمَ بَيْعَتِها: أيْ لَأقْصِدَنَّ إبْطالَ أمْرِكَ، نُقِلَ هَذا عَنِ الخَلِيلِ والكِسائِيِّ والفَرّاءِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: سَنَفْرُغُ بِنُونِ العَظَمَةِ وضَمِّ الرّاءِ، مِن فَرَغَ بِفَتْحِ الرّاءِ، وهي لُغَةُ الحِجازِ؛ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو حَيْوَةَ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: بِياءِ الغَيْبَةِ؛ وقَتادَةُ والأعْرَجُ: بِالنُّونِ وفَتْحِ الرّاءِ، مُضارِعُ فَرَغَ بِكَسْرِها، وهي تَمِيمِيَّةٌ؛ وأبُو السَّمّالِ وعِيسى: بِكَسْرِ النُّونِ وفَتْحِ الرّاءِ. قالَ أبُو حاتِمٍ: هي لُغَةُ سُفْلى مُضَرَ. والأعْمَشُ وأبُو حَيْوَةَ بِخِلافٍ عَنْهُما؛ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ والزَّعْفَرانِيُّ: بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الرّاءِ، مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ؛ وعِيسى أيْضًا: بِفَتْحِ النُّونِ وكَسْرِ الرّاءِ. والأعْرَجُ أيْضًا: بِفَتْحِ الياءِ والرّاءِ، وهي رِوايَةُ يُونُسَ والجُعْفِيِّ وعَبْدِ الوارِثِ عَنْ أبِي عَمْرٍو. والثَّقَلانِ: الإنْسُ والجِنُّ، سُمِّيا بِذَلِكَ لِكَوْنِهِما ثَقِيلَيْنِ عَلى وجْهِ الأرْضِ، أوْ لِكَوْنِهِما مُثْقَلِينَ بِالذُّنُوبِ، أوْ لِثِقَلِ الإنْسِ. وسُمِّيَ الجِنُّ ثَقَلًا لِمُجاوَرَةِ الإنْسِ، والثَّقَلُ: الأمْرُ العَظِيمُ. وفي الحَدِيثِ: «إنِّي تارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ كِتابُ اللَّهِ وعِتْرَتِي»، سُمِّيا بِذَلِكَ لِعِظَمِهِما وشَرَفِهِما.
والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿يامَعْشَرَ﴾ الآيَةَ مِن خِطابِ اللَّهِ إيّاهم يَوْمَ القِيامَةِ، ﴿يَوْمَ التَّنادِ﴾ [غافر: ٣٢] . وقِيلَ: يُقالُ لَهم ذَلِكَ. قالَ الضَّحّاكُ: يَفِرُّونَ في أقْطارِ الأرْضِ لِما يَرَوْنَ مِنَ الهَوْلِ، فَيَجِدُونَ المَلائِكَةَ قَدْ أحاطَتْ بِالأرْضِ، فَيَرْجِعُونَ مِن حَيْثُ جاءُوا، فَحِينَئِذٍ يُقالُ لَهم ذَلِكَ. وقِيلَ: هو خِطابٌ في الدُّنْيا، والمَعْنى: إنِ اسْتَطَعْتُمُ الفِرارَ مِنَ المَوْتِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿إنِ اسْتَطَعْتُمْ﴾ بِأذْهانِكم وفِكْرِكم، ﴿أنْ تَنْفُذُوا﴾، فَتَعْلَمُونَ عِلْمَ ﴿أقْطارِ﴾: أيْ جِهاتِ ﴿السَّماواتِ والأرْضِ﴾ . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿يامَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ﴾، كالتَّرْجَمَةِ لِقَوْلِهِ: ﴿أيُّها الثَّقَلانِ﴾، ﴿إنِ اسْتَطَعْتُمْ﴾ أنْ تَهْرُبُوا مِن قَضائِي، وتَخْرُجُوا مِن مَلَكُوتِي ومِن سَمائِي وأرْضِي فافْعَلُوا؛ ثُمَّ قالَ: لا تَقْدِرُونَ عَلى النُّفُوذِ ﴿إلّا بِسُلْطانٍ﴾، يَعْنِي: بِقُوَّةٍ وقَهْرٍ وغَلَبَةٍ، وأنّى لَكم ذَلِكَ، ونَحْوُهُ: ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ [العنكبوت: ٢٢] . انْتَهى.
﴿فانْفُذُوا﴾: أمْرُ تَعْجِيزٍ. وقالَ قَتادَةُ: السُّلْطانُ هُنا المِلْكُ، ولَيْسَ لَهم مِلْكٌ. وقالَ الضَّحّاكُ أيْضًا: بَيْنَما النّاسُ في أسْواقِهِمْ، انْفَتَحَتِ السَّماءُ ونَزَلَتِ المَلائِكَةُ، فَتَهْرُبُ الجِنُّ والإنْسُ، فَتُحَدِّقُ بِهِمُ المَلائِكَةُ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: إنِ اسْتَطَعْتُما، عَلى خِطابِ تَثْنِيَةِ الثَّقَلَيْنِ ومُراعاةِ الجِنِّ والإنْسِ؛ والجُمْهُورُ: عَلى خِطابِ (p-١٩٥)الجَماعَةِ إنِ اسْتَطَعْتُمْ، لِأنَّ كُلًّا مِنهُما تَحْتَهُ أفْرادٌ كَثِيرَةٌ، كَقَوْلِهِ: ﴿وإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات: ٩] .
﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إذا خَرَجُوا مِن قُبُورِهِمْ، ساقَهم شُواظٌ إلى المَحْشَرِ. والشُّواظُ: لَهَبُ النّارِ. وقالَ مُجاهِدٌ: اللَّهَبُ الأحْمَرُ المُنْقَطِعُ. وقالَ الضَّحّاكُ: الدُّخانُ الَّذِي يَخْرُجُ مِنَ اللَّهَبِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: شُواظٌ، بِضَمِّ الشِّينِ؛ وعِيسى وابْنُ كَثِيرٍ وشِبْلٌ: بِكَسْرِها. والجُمْهُورُ؛ ﴿ونُحاسٌ﴾: بِالرَّفْعِ؛ وابْنُ أبِي إسْحاقَ والنَّخَعِيُّ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو: بِالجَرِّ؛ والكَلْبِيُّ وطَلْحَةُ ومُجاهِدٌ: بِكَسْرِ نُونِ ”نِحاسٍ“ والسِّينِ. وقَرَأ ابْنُ جُبَيْرٍ: ونَحْسٌ، كَما تَقُولُ: يَوْمٌ نَحْسٌ. وقَرَأ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي بَكْرَةَ وابْنُ أبِي إسْحاقَ أيْضًا: ونَحُسُّ مُضارِعًا، وماضِيهِ حَسَّهُ، أيْ قَتَلَهُ، أيْ ويُحِسُّ بِالعَذابِ. وعَنِ ابْنِ أبِي إسْحاقَ أيْضًا: ونَحِسٌ بِالحَرَكاتِ الثَّلاثِ في الحاءِ عَلى التَّخْيِيرِ؛ وحَنْظَلَةُ بْنُ نُعْمانَ: ونَحِسٍ بِفَتْحِ النُّونِ وكَسْرِ السِّينِ؛ والحَسَنُ وإسْماعِيلُ: ونُحُسٍ بِضَمَّتَيْنِ والكَسْرِ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: نُرْسِلُ بِالنُّونِ، عَلَيْكُما شُواظًا بِالنَّصْبِ، مِن نارٍ ونُحاسًا بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى شُواظًا. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُبَيْرٍ: والنُّحاسُ الدُّخانُ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا ومُجاهِدٍ: هو الصُّفْرُ المَعْرُوفُ، والمَعْنى: يُعْجِزُ الجِنَّ والإنْسَ، أيْ أنْتُما بِحالِ مَن يُرْسَلُ عَلَيْهِ هَذا، فَلا يَقْدِرُ عَلى الِامْتِناعِ مِمّا يُرْسَلُ عَلَيْهِ.
﴿فَإذا انْشَقَّتِ السَّماءُ﴾: جَوابُ إذا مَحْذُوفٌ، أيْ فَما أعْظَمَ الهَوْلَ، وانْشِقاقُها: انْفِطارُها يَوْمَ القِيامَةِ.
﴿فَكانَتْ ورْدَةً﴾: أيْ مُحْمَرَّةً كالوَرْدِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو صالِحٍ: هي مِن لَوْنِ الفَرَسِ الوَرْدِ، فَأُنِّثَ لِكَوْنِ السَّماءِ مُؤَنَّثَةً. وقالَ قَتادَةُ: هي اليَوْمَ زَرْقاءُ، ويَوْمَئِذٍ تَغْلِبُ عَلَيْها الحُمْرَةُ كَلَوْنِ الوَرْدِ، وهي النَّوّارُ المَعْرُوفُ، قالَهُ الزَّجّاجُ، ويُرِيدُ كَلَوْنِ الوَرْدِ، وقالَ الشّاعِرُ:
؎فَلَوْ كُنْتُ ورْدًا لَوْنُهُ لَعَشِقْتِنِي ∗∗∗ ولَكِنَّ رَبِّي شانَنِي بِسَوادِيا
وقالَ أبُو الجَوْزاءِ: ورْدَةٌ صَفْراءُ. وقالَ: أما سَمِعْتَ العَرَبَ تُسَمِّي الخَيْلَ الوَرْدَ ؟ قالَ الفَرّاءُ: أرادَ لَوْنَ الفَرَسِ الوَرْدِ، يَكُونُ في الرَّبِيعِ إلى الصُّفْرَةِ، وفي الشِّتاءِ إلى الحُمْرَةِ، وفي اشْتِدادِ البَرْدِ إلى الغُبْرَةِ، فَشَبَّهَ تَلَوُّنَ السَّماءِ بِتَلَوُّنِ الوَرْدَةِ مِنَ الخَيْلِ، وهَذا قَوْلُ الكَلْبِيِّ.
﴿كالدِّهانِ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الأدِيمُ الأحْمَرُ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى:
؎وأجْرَدَ مِن كِرامِ الخَيْرِ طِرْفٍ ∗∗∗ كَأنَّ عَلى شَواكِلِهِ دِهانا
وقالَ الشّاعِرُ: كالدِّهانِ المُخْتَلِفَةِ، لِأنَّها تَتَلَوَّنُ ألْوانًا. وقالَ الضَّحّاكُ: كالدِّهانِ خالِصَةً، جَمْعَ دُهْنٍ، كَقُرْطٍ وقِراطٍ. وقِيلَ: تَصِيرُ حَمْراءَ مِن حَرارَةِ جَهَنَّمَ، ومِثْلَ الدُّهْنِ لِذَوْبِها ودَوَرانِها. وقِيلَ: شُبِّهَتْ بِالدِّهانِ في لَمَعانِها. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿كالدِّهانِ﴾: كَدُهْنِ الزَّيْتِ، كَما قالَ: ﴿كالمُهْلِ﴾ [الكهف: ٢٩]، وهو دُرْدِيُّ الزَّيْتِ، وهو جَمْعُ دُهْنٍ أوِ اسْمُ ما يُدْهَنُ بِهِ، كالحَرامِ والأدامِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎كَأنَّهُما مَزادَتا مُتَعَجِّلٍ ∗∗∗ فَرِيّانِ لَمّا سُلِّعا بِدِهانِ
وقَرَأ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: ورْدَةٌ بِالرَّفْعِ بِمَعْنى: فَحَصَلَتْ سَماءٌ ورْدَةٌ، وهو مِنَ الكَلامِ الَّذِي يُسَمّى التَّجْرِيدَ، كَقَوْلِهِ:
؎فَلَئِنْ بَقِيتُ لَأرْحَلَنَّ بِغَزْوَةٍ ∗∗∗ نَحْوَ المَغانِمِ أوْ يَمُوتَ كَرِيمُ
انْتَهى.
﴿فَيَوْمَئِذٍ﴾: التَّنْوِينُ فِيهِ لِلْعِوَضِ مِنَ الجُمْلَةِ المَحْذُوفَةِ، والتَّقْدِيرُ: فَيَوْمَ إذِ انْشَقَّتِ السَّماءُ، والنّاصِبُ لِيَوْمَئِذٍ ﴿لا يُسْألُ﴾، ودَلَّ هَذا عَلى انْتِفاءِ السُّؤالِ، ﴿وقِفُوهم إنَّهم مَسْئُولُونَ﴾ [الصافات: ٢٤] وغَيْرُهُ مِنَ الآياتِ عَلى وُقُوعِ السُّؤالِ. فَقالَ عِكْرِمَةُ وقَتادَةُ: هي مَواطِنُ يُسْألُ في بَعْضِها. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: حَيْثُ ذَكَرَ السُّؤالَ فَهو سُؤالُ تَوْبِيخٍ وتَقْرِيرٍ، وحَيْثُ نَفى فَهي اسْتِخْبارٌ مَحْضٌ عَنِ الذَّنْبِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِكُلِّ شَيْءٍ. وقالَ قَتادَةُ أيْضًا: كانَتْ مَسْألَةً، ثُمَّ خَتَمَ عَلى الأفْواهِ وتَكَلَّمَتِ الأيْدِي والأرْجُلُ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ. وقالَ أبُو العالِيَةِ وقَتادَةُ: لا يُسْألُ غَيْرُ المُجْرِمِ عَنْ ذَنْبِ المُجْرِمِ. وقَرَأ الحَسَنُ وعَمْرُو بْنُ (p-١٩٦)عُبَيْدٍ: ولا جَأْنٌ بِالهَمْزِ، فِرارًا مِنِ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وإنْ كانَ التِقاؤُهُما عَلى حَدِّهِ. وقَرَأ حَمّادُ بْنُ أبِي سُلَيْمانَ: بِسِيمائِهِمْ؛ والجُمْهُورُ: ﴿بِسِيماهُمْ﴾، وسِيما المُجْرِمِينَ: سَوادُ الوُجُوهِ وزُرْقَةُ العُيُونِ، قالَهُ الحَسَنُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ غَيْرَ هَذا مِنَ التَّشْوِيهاتِ، كالعَمى والبَكَمِ والصَّمَمِ.
﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي والأقْدامِ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُؤْخَذُ بِناصِيَتِهِ وقَدَمَيْهِ فَيُوطَأُ، ويُجْمَعُ كالحَطَبِ، ويُلْقى كَذَلِكَ في النّارِ. وقالَ الضَّحّاكُ: يُجْمَعُ بَيْنَهُما في سِلْسِلَةٍ مِن وراءِ ظَهْرِهِ. وقِيلَ: تَسْحَبُهُمُ المَلائِكَةُ، تارَةً تَأْخُذُ بِالنَّواصِي، وتارَةً بِالأقْدامِ. وقِيلَ: بَعْضَهم سَحْبًا بِالنّاصِيَةِ، وبَعْضَهم سَحْبًا بِالقَدَمِ؛ ويُؤْخَذُ مُتَعَدٍّ إلى مَفْعُولٍ بِنَفْسِهِ، وحُذِفَ هَذا الفاعِلُ والمَفْعُولُ، وأُقِيمَ الجارُّ والمَجْرُورُ مَقامَ الفاعِلِ مُضَمِّنًا مَعْنى ما يُعَدّى بِالباءِ، أيْ فَيُسْحَبُ بِالنَّواصِي والأقْدامِ، وألْ فِيهِما عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ عِوَضٌ مِنَ الضَّمِيرِ، أيْ بِنَواصِيهِمْ وأقْدامِهِمْ، وعَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ الضَّمِيرُ مَحْذُوفٌ، أيْ بِالنَّواصِي والأقْدامِ مِنهم.
﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ﴾: أيْ يُقالُ لَهم ذَلِكَ عَلى طَرِيقِ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ.
﴿يَطُوفُونَ بَيْنَها﴾: أيْ يَتَرَدَّدُونَ بَيْنَ نارِها وبَيْنَ ما غَلى فِيها مِن مائِعِ عَذابِها. وقالَ قَتادَةُ: الحَمِيمُ يَغْلِي مُنْذُ خَلَقَ اللَّهُ جَهَنَّمَ، وآنٌ: أيْ مُنْتَهى الحَرِّ والنُّضْجِ، فَيُعاقَبُ بَيْنَهم وبَيْنَ تَصْلِيَةِ النّارِ، وبَيْنَ شُرْبِ الحَمِيمِ. وقِيلَ: إذا اسْتَغاثُوا مِنَ النّارِ، جُعِلَ غِياثُهُمُ الحَمِيمَ. وقِيلَ: يُغْمَسُونَ في وادٍ في جَهَنَّمَ يَجْتَمِعُ فِيهِ صَدِيدُ أهْلِ النّارِ فَتَنْخَلِعُ أوْصالُهم، ثُمَّ يَخْرُجُونَ مِنهُ، وقَدْ أحْدَثَ اللَّهُ لَهم خَلْقًا جَدِيدًا. وقَرَأ عَلِيٌّ والسُّلَمِيُّ: يُطافُونَ؛ والأعْمَشُ وطَلْحَةُ وابْنُ مِقْسَمٍ: يُطَوِّفُونَ بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الطّاءِ وكَسْرِ الواوِ مُشَدَّدَةً. وقُرِئَ: يَطَّوَّفُونَ، أيْ يَتَطَوَّفُونَ. والجُمْهُورُ: يَطُوفُونَ مُضارِعُ طافَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾، قالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ.
﴿مَقامَ رَبِّهِ﴾ مَصْدَرٌ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مُضافًا إلى الفاعِلِ، أيْ قِيامُ رَبِّهِ عَلَيْهِ، وهو مَرْوِيٌّ عَنْ مُجاهِدٍ، قالَ: مِن قَوْلِهِ: ﴿أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ [الرعد: ٣٣]، أيْ حافِظٌ مُهَيْمِنٌ، فالعَبْدُ يُراقِبُ ذَلِكَ، فَلا يَجْسُرُ عَلى المَعْصِيَةِ. وقِيلَ: الإضافَةُ تَكُونُ بِأدْنى مُلابَسَةٍ، فالمَعْنى أنَّهُ يَخافُ مَقامَهُ الَّذِي يَقِفُ فِيهِ العِبادُ لِلْحِسابِ، مِن قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [المطففين: ٦]، وفي هَذِهِ الإضافَةِ تَنْبِيهٌ عَلى صُعُوبَةِ المَوْقِفِ. وقِيلَ: مَقامَ مُقْحَمٌ، والمَعْنى: ولِمَن خافَ رَبَّهُ، كَما تَقُولُ: أخافُ جانِبَ فُلانٍ يَعْنِي فُلانًا. والظّاهِرُ أنَّ لِكُلِّ فَرْدٍ مِنَ الخائِفِينَ ﴿جَنَّتانِ﴾، قِيلَ: إحْداهُما مَنزِلُهُ، والأُخْرى لِأزْواجِهِ وخَدَمِهِ. وقالَ مُقاتِلٌ: جَنَّةُ عَدْنٍ، وجَنَّةُ نَعِيمٍ. وقِيلَ: مَنزِلانِ يَنْتَقِلُ مِن أحَدِهِما إلى الآخَرِ لِتَتَوَفَّرَ دَواعِي لَذَّتِهِ وتَظْهَرَ ثِمارُ كَرامَتِهِ. وقِيلَ: هُما لِلْخائِفِينَ؛ والخِطابُ لِلثَّقَلَيْنِ، فَجَنَّةٌ لِلْخائِفِ الجِنِّيِّ، وجَنَّةٌ لِلْخائِفِ الإنْسِيِّ. وقالَ أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ: جَنَّةٌ مِن ذَهَبٍ لِلسّابِقِينَ، وجَنَّةٌ مِن فِضَّةٍ لِلتّابِعِينَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُقالَ: جَنَّةٌ لِفِعْلِ الطّاعاتِ، وجَنَّةٌ لِتَرْكِ المَعاصِي، لِأنَّ التَّكْلِيفَ دائِرٌ عَلَيْهِما. وأنْ يُقالَ: جَنَّةٌ يُباتُ بِها، وأُخْرى يُضَمُّ إلَيْها عَلى وجْهِ التَّفَضُّلِ لِقَوْلِهِ وزِيادَةٌ؛ وخَصَّ الأفْنانَ بِالذِّكْرِ جَمْعُ فَنَنٍ، وهي الغُصُونُ الَّتِي تَتَشَعَّبُ عَنْ فُرُوعِ الشَّجَرِ، لِأنَّها الَّتِي تُورِقُ وتُثْمِرُ، ومِنها تَمْتَدُّ الظِّلالُ، ومِنها تُجْنى الثِّمارُ. وقِيلَ: الأفْنانُ جَمْعُ فَنٍّ، وهي ألْوانُ النِّعَمِ وأنْواعُها، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والأوَّلُ قالَ قَرِيبًا مِنهُ مُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ، وهو أوْلى، لِأنَّ أفْعالًا في فَعَلٍ أكْثَرُ مِنهُ في فَعْلٍ بِسُكُونِ العَيْنِ، وفَنٌّ يُجْمَعُ عَلى فُنُونٍ.
﴿فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هُما عَيْنانِ مِثْلُ الدُّنْيا أضْعافًا مُضاعَفَةً. وقالَ: تَجْرِيانِ بِالزِّيادَةِ والكَرامَةِ عَلى أهْلِ الجَنَّةِ. وقالَ الحَسَنُ: تَجْرِيانِ بِالماءِ الزُّلالِ، إحْداهُما التَّسْنِيمُ، والأُخْرى السَّلْسَبِيلُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إحْداهُما مِن ماءٍ، والأُخْرى مِن خَمْرٍ. وقِيلَ: تَجْرِيانِ في الأعالِي والأسافِلِ مِن جَبَلٍ مِن مِسْكٍ.
﴿زَوْجانِ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ما في الدُّنْيا مِن شَجَرَةٍ حُلْوَةٍ ولا مُرَّةٍ إلّا وهي في الجَنَّةِ، (p-١٩٧)حَتّى شَجَرُ الحَنْظَلِ، إلّا أنَّهُ حُلْوًا. انْتَهى. ومَعْنى زَوْجانِ: رَطْبٌ ويابِسٌ، لا يَقْصُرُ هَذا عَنْ ذاكَ في الطِّيبِ واللَّذَّةِ. وقِيلَ: صِنْفانِ، صِنْفٌ مَعْرُوفٌ، وصِنْفٌ غَرِيبٌ. وجاءَ الفَصْلُ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿ذَواتا أفْنانٍ﴾ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿فِيهِما مِن كُلِّ فاكِهَةٍ﴾ بِقَوْلِهِ: ﴿فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ﴾ . والأفْنانُ عَلَيْها الفَواكِهُ، لِأنَّ الدّاخِلَ إلى البُسْتانِ لا يُقْدِمُ إلّا لِلتَّفَرُّجِ بِلَذَّةِ ما فِيهِ بِالنَّظَرِ إلى خُضْرَةِ الشَّجَرِ وجَرْيِ الأنْهارِ، ثُمَّ بَعْدُ يَأْخُذُ في اجْتِناءِ الثِّمارِ لِلْأكْلِ. وانْتَصَبَ (مُتَّكِئِينَ) عَلى الحالِ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولِمَن خافَ﴾، وحَمَلَ جَمْعًا عَلى مَعْنى مَن. وقِيلَ: العامِلُ مَحْذُوفٌ، أيْ يَتَنَعَّمُونَ مُتَّكِئِينَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ نُصِبَ عَلى المَدْحِ، والِاتِّكاءُ مِن صِفاتِ المُتَنَعِّمِ الدّالَّةِ عَلى صِحَّةِ الجِسْمِ وفَراغِ القَلْبِ، والمَعْنى: (مُتَّكِئِينَ) في مَنازِلِهِمْ ﴿عَلى فُرُشٍ﴾ [الرحمن: ٥٤] . وقَرَأ الجُمْهُورُ: فُرُشٍ، بِضَمَّتَيْنِ؛ وأبُو حَيْوَةَ: بِسُكُونِ الرّاءِ. وفي الحَدِيثِ: ”قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، «هَذِهِ البَطائِنُ مِن إسْتَبْرَقٍ، كَيْفَ الظَّهائِرُ ؟ قالَ: هي مِن نُورٍ يَتَلَأْلَأُ“»، ولَوْ صَحَّ هَذا لَمْ يَجُزْ أنْ يُفَسَّرَ بِغَيْرِهِ. وقِيلَ: مِن سُنْدُسٍ. قالَ الحَسَنُ والفَرّاءُ: البَطائِنُ هي الظَّهائِرُ. ورُوِيَ عَنْ قَتادَةَ، وقالَ الفَرّاءُ: قَدْ تَكُونُ البِطانَةُ الظِّهارَةَ والظِّهارَةُ البِطانَةَ، لِأنَّ كُلًّا مِنهُما يَكُونُ وجْهًا، والعَرَبُ تَقُولُ: هَذا وجْهُ السَّماءِ، وهَذا بَطْنُ السَّماءِ.
الرحمن 55:35
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿سَنَفْرُغُ لَكم أيُّها الثَّقَلانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿يامَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ إنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ تَنْفُذُوا مِن أقْطارِ السَّماواتِ والأرْضِ فانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إلّا بِسُلْطانٍ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِن نارٍ ونُحاسٌ فَلا تَنْتَصِرانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿فَإذا انْشَقَّتِ السَّماءُ فَكانَتْ ورْدَةً كالدِّهانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْألُ عَنْ ذَنْبِهِ إنْسٌ ولا جانٌّ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿يُعْرَفُ المُجْرِمُونَ بِسِيماهم فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي والأقْدامِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِها المُجْرِمُونَ﴾ ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَها وبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿ذَواتا أفْنانٍ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿فِيهِما مِن كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِن إسْتَبْرَقٍ﴾ [الرحمن: ٥٤] .
(p-١٩٤)لَمّا ذَكَرَ تَعالى ما أنْعَمَ بِهِ مِن تَعْلِيمِ العِلْمِ وخَلْقِ الإنْسانِ والسَّماءِ والأرْضِ وما أوْدَعَ فِيهِما وفَناءَ ما عَلى الأرْضِ، ذَكَرَ ما يَتَعَلَّقُ بِأحْوالِ الآخِرَةِ والجَزاءِ وقالَ: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ﴾: أيْ نَنْظُرُ في أُمُورِكم يَوْمَ القِيامَةِ، لا أنَّهُ تَعالى كانَ لَهُ شُغْلٌ فَيَفْرَغُ مِنهُ. وجَرى عَلى هَذا كَلامُ العَرَبِ في أنَّ المَعْنى: سَيَقْصِدُ لِحِسابِكم، فَهو اسْتِعارَةٌ مِن قَوْلِ الرَّجُلِ لِمَن يَتَهَدَّدُهُ: سَأفْرَغُ لَكَ، أيْ سَأتَجَرَّدُ لِلْإيقاعِ بِكَ مِن كُلِّ ما شَغَلَنِي عَنْهُ حَتّى لا يَكُونَ لِي شُغْلٌ سِواهُ، والمُرادُ التَّوَفُّرُ عَلى الِانْتِقامِ مِنهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ التَّوَعُّدُ بِعَذابٍ في الدُّنْيا، والأوَّلُ أبْيَنُ. انْتَهى، يَعْنِي: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُرادَ سَتَنْتَهِي الدُّنْيا ويُبْلَغُ آخِرُها، وتَنْتَهِي عِنْدَ ذَلِكَ شُئُونُ الخَلْقِ الَّتِي أرادَها بِقَوْلِهِ: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هو في شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩]، فَلا يَبْقى إلّا شَأْنٌ واحِدٌ وهو جَزاؤُكم، فَجَعَلَ ذَلِكَ فَراغًا لَهم عَلى طَرِيقِ المَثَلِ. انْتَهى. والَّذِي عَلَيْهِ أئِمَّةُ اللُّغَةِ أنَّ فَرَغَ تُسْتَعْمَلُ عِنْدَ انْقِضاءِ الشُّغْلِ الَّذِي كانَ الإنْسانُ مُشْتَغِلًا بِهِ، فَلِذَلِكَ احْتاجَ قَوْلُهُ إلى التَّأْوِيلِ عَلى أنَّهُ قَدْ قِيلَ: إنَّ فَرَغَ يَكُونُ بِمَعْنى قَصَدَ واهْتَمَّ، واسْتَدَلَّ عَلى ذَلِكَ بِما أنْشَدَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ لِجَرِيرٍ:
؎الانَ وقَدْ فَرَغْتُ إلى نُمَيْرٍ فَهَذا حِينَ كُنْتُ لَهم عَذابا
أيْ: قَصَدْتُ. وأنْشَدَ النَّحّاسُ:
؎فَرَغْتُ إلى العَبْدِ المُقَيَّدِ في الحَجَلْ
وفِي الحَدِيثِ: «فَرَغَ رَبُّكَ مِن أرْبَعٍ»، وفِيهِ: «لَأتَفَرَّغَنَّ إلَيْكَ يا خَبِيثُ»، يُخاطِبُ بِهِ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، إرْبَ العَقَبَةِ يَوْمَ بَيْعَتِها: أيْ لَأقْصِدَنَّ إبْطالَ أمْرِكَ، نُقِلَ هَذا عَنِ الخَلِيلِ والكِسائِيِّ والفَرّاءِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: سَنَفْرُغُ بِنُونِ العَظَمَةِ وضَمِّ الرّاءِ، مِن فَرَغَ بِفَتْحِ الرّاءِ، وهي لُغَةُ الحِجازِ؛ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو حَيْوَةَ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: بِياءِ الغَيْبَةِ؛ وقَتادَةُ والأعْرَجُ: بِالنُّونِ وفَتْحِ الرّاءِ، مُضارِعُ فَرَغَ بِكَسْرِها، وهي تَمِيمِيَّةٌ؛ وأبُو السَّمّالِ وعِيسى: بِكَسْرِ النُّونِ وفَتْحِ الرّاءِ. قالَ أبُو حاتِمٍ: هي لُغَةُ سُفْلى مُضَرَ. والأعْمَشُ وأبُو حَيْوَةَ بِخِلافٍ عَنْهُما؛ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ والزَّعْفَرانِيُّ: بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الرّاءِ، مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ؛ وعِيسى أيْضًا: بِفَتْحِ النُّونِ وكَسْرِ الرّاءِ. والأعْرَجُ أيْضًا: بِفَتْحِ الياءِ والرّاءِ، وهي رِوايَةُ يُونُسَ والجُعْفِيِّ وعَبْدِ الوارِثِ عَنْ أبِي عَمْرٍو. والثَّقَلانِ: الإنْسُ والجِنُّ، سُمِّيا بِذَلِكَ لِكَوْنِهِما ثَقِيلَيْنِ عَلى وجْهِ الأرْضِ، أوْ لِكَوْنِهِما مُثْقَلِينَ بِالذُّنُوبِ، أوْ لِثِقَلِ الإنْسِ. وسُمِّيَ الجِنُّ ثَقَلًا لِمُجاوَرَةِ الإنْسِ، والثَّقَلُ: الأمْرُ العَظِيمُ. وفي الحَدِيثِ: «إنِّي تارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ كِتابُ اللَّهِ وعِتْرَتِي»، سُمِّيا بِذَلِكَ لِعِظَمِهِما وشَرَفِهِما.
والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿يامَعْشَرَ﴾ الآيَةَ مِن خِطابِ اللَّهِ إيّاهم يَوْمَ القِيامَةِ، ﴿يَوْمَ التَّنادِ﴾ [غافر: ٣٢] . وقِيلَ: يُقالُ لَهم ذَلِكَ. قالَ الضَّحّاكُ: يَفِرُّونَ في أقْطارِ الأرْضِ لِما يَرَوْنَ مِنَ الهَوْلِ، فَيَجِدُونَ المَلائِكَةَ قَدْ أحاطَتْ بِالأرْضِ، فَيَرْجِعُونَ مِن حَيْثُ جاءُوا، فَحِينَئِذٍ يُقالُ لَهم ذَلِكَ. وقِيلَ: هو خِطابٌ في الدُّنْيا، والمَعْنى: إنِ اسْتَطَعْتُمُ الفِرارَ مِنَ المَوْتِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿إنِ اسْتَطَعْتُمْ﴾ بِأذْهانِكم وفِكْرِكم، ﴿أنْ تَنْفُذُوا﴾، فَتَعْلَمُونَ عِلْمَ ﴿أقْطارِ﴾: أيْ جِهاتِ ﴿السَّماواتِ والأرْضِ﴾ . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿يامَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ﴾، كالتَّرْجَمَةِ لِقَوْلِهِ: ﴿أيُّها الثَّقَلانِ﴾، ﴿إنِ اسْتَطَعْتُمْ﴾ أنْ تَهْرُبُوا مِن قَضائِي، وتَخْرُجُوا مِن مَلَكُوتِي ومِن سَمائِي وأرْضِي فافْعَلُوا؛ ثُمَّ قالَ: لا تَقْدِرُونَ عَلى النُّفُوذِ ﴿إلّا بِسُلْطانٍ﴾، يَعْنِي: بِقُوَّةٍ وقَهْرٍ وغَلَبَةٍ، وأنّى لَكم ذَلِكَ، ونَحْوُهُ: ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ [العنكبوت: ٢٢] . انْتَهى.
﴿فانْفُذُوا﴾: أمْرُ تَعْجِيزٍ. وقالَ قَتادَةُ: السُّلْطانُ هُنا المِلْكُ، ولَيْسَ لَهم مِلْكٌ. وقالَ الضَّحّاكُ أيْضًا: بَيْنَما النّاسُ في أسْواقِهِمْ، انْفَتَحَتِ السَّماءُ ونَزَلَتِ المَلائِكَةُ، فَتَهْرُبُ الجِنُّ والإنْسُ، فَتُحَدِّقُ بِهِمُ المَلائِكَةُ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: إنِ اسْتَطَعْتُما، عَلى خِطابِ تَثْنِيَةِ الثَّقَلَيْنِ ومُراعاةِ الجِنِّ والإنْسِ؛ والجُمْهُورُ: عَلى خِطابِ (p-١٩٥)الجَماعَةِ إنِ اسْتَطَعْتُمْ، لِأنَّ كُلًّا مِنهُما تَحْتَهُ أفْرادٌ كَثِيرَةٌ، كَقَوْلِهِ: ﴿وإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات: ٩] .
﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إذا خَرَجُوا مِن قُبُورِهِمْ، ساقَهم شُواظٌ إلى المَحْشَرِ. والشُّواظُ: لَهَبُ النّارِ. وقالَ مُجاهِدٌ: اللَّهَبُ الأحْمَرُ المُنْقَطِعُ. وقالَ الضَّحّاكُ: الدُّخانُ الَّذِي يَخْرُجُ مِنَ اللَّهَبِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: شُواظٌ، بِضَمِّ الشِّينِ؛ وعِيسى وابْنُ كَثِيرٍ وشِبْلٌ: بِكَسْرِها. والجُمْهُورُ؛ ﴿ونُحاسٌ﴾: بِالرَّفْعِ؛ وابْنُ أبِي إسْحاقَ والنَّخَعِيُّ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو: بِالجَرِّ؛ والكَلْبِيُّ وطَلْحَةُ ومُجاهِدٌ: بِكَسْرِ نُونِ ”نِحاسٍ“ والسِّينِ. وقَرَأ ابْنُ جُبَيْرٍ: ونَحْسٌ، كَما تَقُولُ: يَوْمٌ نَحْسٌ. وقَرَأ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي بَكْرَةَ وابْنُ أبِي إسْحاقَ أيْضًا: ونَحُسُّ مُضارِعًا، وماضِيهِ حَسَّهُ، أيْ قَتَلَهُ، أيْ ويُحِسُّ بِالعَذابِ. وعَنِ ابْنِ أبِي إسْحاقَ أيْضًا: ونَحِسٌ بِالحَرَكاتِ الثَّلاثِ في الحاءِ عَلى التَّخْيِيرِ؛ وحَنْظَلَةُ بْنُ نُعْمانَ: ونَحِسٍ بِفَتْحِ النُّونِ وكَسْرِ السِّينِ؛ والحَسَنُ وإسْماعِيلُ: ونُحُسٍ بِضَمَّتَيْنِ والكَسْرِ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: نُرْسِلُ بِالنُّونِ، عَلَيْكُما شُواظًا بِالنَّصْبِ، مِن نارٍ ونُحاسًا بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى شُواظًا. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُبَيْرٍ: والنُّحاسُ الدُّخانُ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا ومُجاهِدٍ: هو الصُّفْرُ المَعْرُوفُ، والمَعْنى: يُعْجِزُ الجِنَّ والإنْسَ، أيْ أنْتُما بِحالِ مَن يُرْسَلُ عَلَيْهِ هَذا، فَلا يَقْدِرُ عَلى الِامْتِناعِ مِمّا يُرْسَلُ عَلَيْهِ.
﴿فَإذا انْشَقَّتِ السَّماءُ﴾: جَوابُ إذا مَحْذُوفٌ، أيْ فَما أعْظَمَ الهَوْلَ، وانْشِقاقُها: انْفِطارُها يَوْمَ القِيامَةِ.
﴿فَكانَتْ ورْدَةً﴾: أيْ مُحْمَرَّةً كالوَرْدِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو صالِحٍ: هي مِن لَوْنِ الفَرَسِ الوَرْدِ، فَأُنِّثَ لِكَوْنِ السَّماءِ مُؤَنَّثَةً. وقالَ قَتادَةُ: هي اليَوْمَ زَرْقاءُ، ويَوْمَئِذٍ تَغْلِبُ عَلَيْها الحُمْرَةُ كَلَوْنِ الوَرْدِ، وهي النَّوّارُ المَعْرُوفُ، قالَهُ الزَّجّاجُ، ويُرِيدُ كَلَوْنِ الوَرْدِ، وقالَ الشّاعِرُ:
؎فَلَوْ كُنْتُ ورْدًا لَوْنُهُ لَعَشِقْتِنِي ∗∗∗ ولَكِنَّ رَبِّي شانَنِي بِسَوادِيا
وقالَ أبُو الجَوْزاءِ: ورْدَةٌ صَفْراءُ. وقالَ: أما سَمِعْتَ العَرَبَ تُسَمِّي الخَيْلَ الوَرْدَ ؟ قالَ الفَرّاءُ: أرادَ لَوْنَ الفَرَسِ الوَرْدِ، يَكُونُ في الرَّبِيعِ إلى الصُّفْرَةِ، وفي الشِّتاءِ إلى الحُمْرَةِ، وفي اشْتِدادِ البَرْدِ إلى الغُبْرَةِ، فَشَبَّهَ تَلَوُّنَ السَّماءِ بِتَلَوُّنِ الوَرْدَةِ مِنَ الخَيْلِ، وهَذا قَوْلُ الكَلْبِيِّ.
﴿كالدِّهانِ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الأدِيمُ الأحْمَرُ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى:
؎وأجْرَدَ مِن كِرامِ الخَيْرِ طِرْفٍ ∗∗∗ كَأنَّ عَلى شَواكِلِهِ دِهانا
وقالَ الشّاعِرُ: كالدِّهانِ المُخْتَلِفَةِ، لِأنَّها تَتَلَوَّنُ ألْوانًا. وقالَ الضَّحّاكُ: كالدِّهانِ خالِصَةً، جَمْعَ دُهْنٍ، كَقُرْطٍ وقِراطٍ. وقِيلَ: تَصِيرُ حَمْراءَ مِن حَرارَةِ جَهَنَّمَ، ومِثْلَ الدُّهْنِ لِذَوْبِها ودَوَرانِها. وقِيلَ: شُبِّهَتْ بِالدِّهانِ في لَمَعانِها. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿كالدِّهانِ﴾: كَدُهْنِ الزَّيْتِ، كَما قالَ: ﴿كالمُهْلِ﴾ [الكهف: ٢٩]، وهو دُرْدِيُّ الزَّيْتِ، وهو جَمْعُ دُهْنٍ أوِ اسْمُ ما يُدْهَنُ بِهِ، كالحَرامِ والأدامِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎كَأنَّهُما مَزادَتا مُتَعَجِّلٍ ∗∗∗ فَرِيّانِ لَمّا سُلِّعا بِدِهانِ
وقَرَأ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: ورْدَةٌ بِالرَّفْعِ بِمَعْنى: فَحَصَلَتْ سَماءٌ ورْدَةٌ، وهو مِنَ الكَلامِ الَّذِي يُسَمّى التَّجْرِيدَ، كَقَوْلِهِ:
؎فَلَئِنْ بَقِيتُ لَأرْحَلَنَّ بِغَزْوَةٍ ∗∗∗ نَحْوَ المَغانِمِ أوْ يَمُوتَ كَرِيمُ
انْتَهى.
﴿فَيَوْمَئِذٍ﴾: التَّنْوِينُ فِيهِ لِلْعِوَضِ مِنَ الجُمْلَةِ المَحْذُوفَةِ، والتَّقْدِيرُ: فَيَوْمَ إذِ انْشَقَّتِ السَّماءُ، والنّاصِبُ لِيَوْمَئِذٍ ﴿لا يُسْألُ﴾، ودَلَّ هَذا عَلى انْتِفاءِ السُّؤالِ، ﴿وقِفُوهم إنَّهم مَسْئُولُونَ﴾ [الصافات: ٢٤] وغَيْرُهُ مِنَ الآياتِ عَلى وُقُوعِ السُّؤالِ. فَقالَ عِكْرِمَةُ وقَتادَةُ: هي مَواطِنُ يُسْألُ في بَعْضِها. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: حَيْثُ ذَكَرَ السُّؤالَ فَهو سُؤالُ تَوْبِيخٍ وتَقْرِيرٍ، وحَيْثُ نَفى فَهي اسْتِخْبارٌ مَحْضٌ عَنِ الذَّنْبِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِكُلِّ شَيْءٍ. وقالَ قَتادَةُ أيْضًا: كانَتْ مَسْألَةً، ثُمَّ خَتَمَ عَلى الأفْواهِ وتَكَلَّمَتِ الأيْدِي والأرْجُلُ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ. وقالَ أبُو العالِيَةِ وقَتادَةُ: لا يُسْألُ غَيْرُ المُجْرِمِ عَنْ ذَنْبِ المُجْرِمِ. وقَرَأ الحَسَنُ وعَمْرُو بْنُ (p-١٩٦)عُبَيْدٍ: ولا جَأْنٌ بِالهَمْزِ، فِرارًا مِنِ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وإنْ كانَ التِقاؤُهُما عَلى حَدِّهِ. وقَرَأ حَمّادُ بْنُ أبِي سُلَيْمانَ: بِسِيمائِهِمْ؛ والجُمْهُورُ: ﴿بِسِيماهُمْ﴾، وسِيما المُجْرِمِينَ: سَوادُ الوُجُوهِ وزُرْقَةُ العُيُونِ، قالَهُ الحَسَنُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ غَيْرَ هَذا مِنَ التَّشْوِيهاتِ، كالعَمى والبَكَمِ والصَّمَمِ.
﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي والأقْدامِ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُؤْخَذُ بِناصِيَتِهِ وقَدَمَيْهِ فَيُوطَأُ، ويُجْمَعُ كالحَطَبِ، ويُلْقى كَذَلِكَ في النّارِ. وقالَ الضَّحّاكُ: يُجْمَعُ بَيْنَهُما في سِلْسِلَةٍ مِن وراءِ ظَهْرِهِ. وقِيلَ: تَسْحَبُهُمُ المَلائِكَةُ، تارَةً تَأْخُذُ بِالنَّواصِي، وتارَةً بِالأقْدامِ. وقِيلَ: بَعْضَهم سَحْبًا بِالنّاصِيَةِ، وبَعْضَهم سَحْبًا بِالقَدَمِ؛ ويُؤْخَذُ مُتَعَدٍّ إلى مَفْعُولٍ بِنَفْسِهِ، وحُذِفَ هَذا الفاعِلُ والمَفْعُولُ، وأُقِيمَ الجارُّ والمَجْرُورُ مَقامَ الفاعِلِ مُضَمِّنًا مَعْنى ما يُعَدّى بِالباءِ، أيْ فَيُسْحَبُ بِالنَّواصِي والأقْدامِ، وألْ فِيهِما عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ عِوَضٌ مِنَ الضَّمِيرِ، أيْ بِنَواصِيهِمْ وأقْدامِهِمْ، وعَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ الضَّمِيرُ مَحْذُوفٌ، أيْ بِالنَّواصِي والأقْدامِ مِنهم.
﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ﴾: أيْ يُقالُ لَهم ذَلِكَ عَلى طَرِيقِ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ.
﴿يَطُوفُونَ بَيْنَها﴾: أيْ يَتَرَدَّدُونَ بَيْنَ نارِها وبَيْنَ ما غَلى فِيها مِن مائِعِ عَذابِها. وقالَ قَتادَةُ: الحَمِيمُ يَغْلِي مُنْذُ خَلَقَ اللَّهُ جَهَنَّمَ، وآنٌ: أيْ مُنْتَهى الحَرِّ والنُّضْجِ، فَيُعاقَبُ بَيْنَهم وبَيْنَ تَصْلِيَةِ النّارِ، وبَيْنَ شُرْبِ الحَمِيمِ. وقِيلَ: إذا اسْتَغاثُوا مِنَ النّارِ، جُعِلَ غِياثُهُمُ الحَمِيمَ. وقِيلَ: يُغْمَسُونَ في وادٍ في جَهَنَّمَ يَجْتَمِعُ فِيهِ صَدِيدُ أهْلِ النّارِ فَتَنْخَلِعُ أوْصالُهم، ثُمَّ يَخْرُجُونَ مِنهُ، وقَدْ أحْدَثَ اللَّهُ لَهم خَلْقًا جَدِيدًا. وقَرَأ عَلِيٌّ والسُّلَمِيُّ: يُطافُونَ؛ والأعْمَشُ وطَلْحَةُ وابْنُ مِقْسَمٍ: يُطَوِّفُونَ بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الطّاءِ وكَسْرِ الواوِ مُشَدَّدَةً. وقُرِئَ: يَطَّوَّفُونَ، أيْ يَتَطَوَّفُونَ. والجُمْهُورُ: يَطُوفُونَ مُضارِعُ طافَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾، قالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ.
﴿مَقامَ رَبِّهِ﴾ مَصْدَرٌ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مُضافًا إلى الفاعِلِ، أيْ قِيامُ رَبِّهِ عَلَيْهِ، وهو مَرْوِيٌّ عَنْ مُجاهِدٍ، قالَ: مِن قَوْلِهِ: ﴿أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ [الرعد: ٣٣]، أيْ حافِظٌ مُهَيْمِنٌ، فالعَبْدُ يُراقِبُ ذَلِكَ، فَلا يَجْسُرُ عَلى المَعْصِيَةِ. وقِيلَ: الإضافَةُ تَكُونُ بِأدْنى مُلابَسَةٍ، فالمَعْنى أنَّهُ يَخافُ مَقامَهُ الَّذِي يَقِفُ فِيهِ العِبادُ لِلْحِسابِ، مِن قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [المطففين: ٦]، وفي هَذِهِ الإضافَةِ تَنْبِيهٌ عَلى صُعُوبَةِ المَوْقِفِ. وقِيلَ: مَقامَ مُقْحَمٌ، والمَعْنى: ولِمَن خافَ رَبَّهُ، كَما تَقُولُ: أخافُ جانِبَ فُلانٍ يَعْنِي فُلانًا. والظّاهِرُ أنَّ لِكُلِّ فَرْدٍ مِنَ الخائِفِينَ ﴿جَنَّتانِ﴾، قِيلَ: إحْداهُما مَنزِلُهُ، والأُخْرى لِأزْواجِهِ وخَدَمِهِ. وقالَ مُقاتِلٌ: جَنَّةُ عَدْنٍ، وجَنَّةُ نَعِيمٍ. وقِيلَ: مَنزِلانِ يَنْتَقِلُ مِن أحَدِهِما إلى الآخَرِ لِتَتَوَفَّرَ دَواعِي لَذَّتِهِ وتَظْهَرَ ثِمارُ كَرامَتِهِ. وقِيلَ: هُما لِلْخائِفِينَ؛ والخِطابُ لِلثَّقَلَيْنِ، فَجَنَّةٌ لِلْخائِفِ الجِنِّيِّ، وجَنَّةٌ لِلْخائِفِ الإنْسِيِّ. وقالَ أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ: جَنَّةٌ مِن ذَهَبٍ لِلسّابِقِينَ، وجَنَّةٌ مِن فِضَّةٍ لِلتّابِعِينَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُقالَ: جَنَّةٌ لِفِعْلِ الطّاعاتِ، وجَنَّةٌ لِتَرْكِ المَعاصِي، لِأنَّ التَّكْلِيفَ دائِرٌ عَلَيْهِما. وأنْ يُقالَ: جَنَّةٌ يُباتُ بِها، وأُخْرى يُضَمُّ إلَيْها عَلى وجْهِ التَّفَضُّلِ لِقَوْلِهِ وزِيادَةٌ؛ وخَصَّ الأفْنانَ بِالذِّكْرِ جَمْعُ فَنَنٍ، وهي الغُصُونُ الَّتِي تَتَشَعَّبُ عَنْ فُرُوعِ الشَّجَرِ، لِأنَّها الَّتِي تُورِقُ وتُثْمِرُ، ومِنها تَمْتَدُّ الظِّلالُ، ومِنها تُجْنى الثِّمارُ. وقِيلَ: الأفْنانُ جَمْعُ فَنٍّ، وهي ألْوانُ النِّعَمِ وأنْواعُها، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والأوَّلُ قالَ قَرِيبًا مِنهُ مُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ، وهو أوْلى، لِأنَّ أفْعالًا في فَعَلٍ أكْثَرُ مِنهُ في فَعْلٍ بِسُكُونِ العَيْنِ، وفَنٌّ يُجْمَعُ عَلى فُنُونٍ.
﴿فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هُما عَيْنانِ مِثْلُ الدُّنْيا أضْعافًا مُضاعَفَةً. وقالَ: تَجْرِيانِ بِالزِّيادَةِ والكَرامَةِ عَلى أهْلِ الجَنَّةِ. وقالَ الحَسَنُ: تَجْرِيانِ بِالماءِ الزُّلالِ، إحْداهُما التَّسْنِيمُ، والأُخْرى السَّلْسَبِيلُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إحْداهُما مِن ماءٍ، والأُخْرى مِن خَمْرٍ. وقِيلَ: تَجْرِيانِ في الأعالِي والأسافِلِ مِن جَبَلٍ مِن مِسْكٍ.
﴿زَوْجانِ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ما في الدُّنْيا مِن شَجَرَةٍ حُلْوَةٍ ولا مُرَّةٍ إلّا وهي في الجَنَّةِ، (p-١٩٧)حَتّى شَجَرُ الحَنْظَلِ، إلّا أنَّهُ حُلْوًا. انْتَهى. ومَعْنى زَوْجانِ: رَطْبٌ ويابِسٌ، لا يَقْصُرُ هَذا عَنْ ذاكَ في الطِّيبِ واللَّذَّةِ. وقِيلَ: صِنْفانِ، صِنْفٌ مَعْرُوفٌ، وصِنْفٌ غَرِيبٌ. وجاءَ الفَصْلُ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿ذَواتا أفْنانٍ﴾ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿فِيهِما مِن كُلِّ فاكِهَةٍ﴾ بِقَوْلِهِ: ﴿فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ﴾ . والأفْنانُ عَلَيْها الفَواكِهُ، لِأنَّ الدّاخِلَ إلى البُسْتانِ لا يُقْدِمُ إلّا لِلتَّفَرُّجِ بِلَذَّةِ ما فِيهِ بِالنَّظَرِ إلى خُضْرَةِ الشَّجَرِ وجَرْيِ الأنْهارِ، ثُمَّ بَعْدُ يَأْخُذُ في اجْتِناءِ الثِّمارِ لِلْأكْلِ. وانْتَصَبَ (مُتَّكِئِينَ) عَلى الحالِ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولِمَن خافَ﴾، وحَمَلَ جَمْعًا عَلى مَعْنى مَن. وقِيلَ: العامِلُ مَحْذُوفٌ، أيْ يَتَنَعَّمُونَ مُتَّكِئِينَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ نُصِبَ عَلى المَدْحِ، والِاتِّكاءُ مِن صِفاتِ المُتَنَعِّمِ الدّالَّةِ عَلى صِحَّةِ الجِسْمِ وفَراغِ القَلْبِ، والمَعْنى: (مُتَّكِئِينَ) في مَنازِلِهِمْ ﴿عَلى فُرُشٍ﴾ [الرحمن: ٥٤] . وقَرَأ الجُمْهُورُ: فُرُشٍ، بِضَمَّتَيْنِ؛ وأبُو حَيْوَةَ: بِسُكُونِ الرّاءِ. وفي الحَدِيثِ: ”قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، «هَذِهِ البَطائِنُ مِن إسْتَبْرَقٍ، كَيْفَ الظَّهائِرُ ؟ قالَ: هي مِن نُورٍ يَتَلَأْلَأُ“»، ولَوْ صَحَّ هَذا لَمْ يَجُزْ أنْ يُفَسَّرَ بِغَيْرِهِ. وقِيلَ: مِن سُنْدُسٍ. قالَ الحَسَنُ والفَرّاءُ: البَطائِنُ هي الظَّهائِرُ. ورُوِيَ عَنْ قَتادَةَ، وقالَ الفَرّاءُ: قَدْ تَكُونُ البِطانَةُ الظِّهارَةَ والظِّهارَةُ البِطانَةَ، لِأنَّ كُلًّا مِنهُما يَكُونُ وجْهًا، والعَرَبُ تَقُولُ: هَذا وجْهُ السَّماءِ، وهَذا بَطْنُ السَّماءِ.
الرحمن 55:36
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿سَنَفْرُغُ لَكم أيُّها الثَّقَلانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿يامَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ إنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ تَنْفُذُوا مِن أقْطارِ السَّماواتِ والأرْضِ فانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إلّا بِسُلْطانٍ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِن نارٍ ونُحاسٌ فَلا تَنْتَصِرانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿فَإذا انْشَقَّتِ السَّماءُ فَكانَتْ ورْدَةً كالدِّهانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْألُ عَنْ ذَنْبِهِ إنْسٌ ولا جانٌّ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿يُعْرَفُ المُجْرِمُونَ بِسِيماهم فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي والأقْدامِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِها المُجْرِمُونَ﴾ ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَها وبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿ذَواتا أفْنانٍ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿فِيهِما مِن كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِن إسْتَبْرَقٍ﴾ [الرحمن: ٥٤] .
(p-١٩٤)لَمّا ذَكَرَ تَعالى ما أنْعَمَ بِهِ مِن تَعْلِيمِ العِلْمِ وخَلْقِ الإنْسانِ والسَّماءِ والأرْضِ وما أوْدَعَ فِيهِما وفَناءَ ما عَلى الأرْضِ، ذَكَرَ ما يَتَعَلَّقُ بِأحْوالِ الآخِرَةِ والجَزاءِ وقالَ: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ﴾: أيْ نَنْظُرُ في أُمُورِكم يَوْمَ القِيامَةِ، لا أنَّهُ تَعالى كانَ لَهُ شُغْلٌ فَيَفْرَغُ مِنهُ. وجَرى عَلى هَذا كَلامُ العَرَبِ في أنَّ المَعْنى: سَيَقْصِدُ لِحِسابِكم، فَهو اسْتِعارَةٌ مِن قَوْلِ الرَّجُلِ لِمَن يَتَهَدَّدُهُ: سَأفْرَغُ لَكَ، أيْ سَأتَجَرَّدُ لِلْإيقاعِ بِكَ مِن كُلِّ ما شَغَلَنِي عَنْهُ حَتّى لا يَكُونَ لِي شُغْلٌ سِواهُ، والمُرادُ التَّوَفُّرُ عَلى الِانْتِقامِ مِنهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ التَّوَعُّدُ بِعَذابٍ في الدُّنْيا، والأوَّلُ أبْيَنُ. انْتَهى، يَعْنِي: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُرادَ سَتَنْتَهِي الدُّنْيا ويُبْلَغُ آخِرُها، وتَنْتَهِي عِنْدَ ذَلِكَ شُئُونُ الخَلْقِ الَّتِي أرادَها بِقَوْلِهِ: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هو في شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩]، فَلا يَبْقى إلّا شَأْنٌ واحِدٌ وهو جَزاؤُكم، فَجَعَلَ ذَلِكَ فَراغًا لَهم عَلى طَرِيقِ المَثَلِ. انْتَهى. والَّذِي عَلَيْهِ أئِمَّةُ اللُّغَةِ أنَّ فَرَغَ تُسْتَعْمَلُ عِنْدَ انْقِضاءِ الشُّغْلِ الَّذِي كانَ الإنْسانُ مُشْتَغِلًا بِهِ، فَلِذَلِكَ احْتاجَ قَوْلُهُ إلى التَّأْوِيلِ عَلى أنَّهُ قَدْ قِيلَ: إنَّ فَرَغَ يَكُونُ بِمَعْنى قَصَدَ واهْتَمَّ، واسْتَدَلَّ عَلى ذَلِكَ بِما أنْشَدَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ لِجَرِيرٍ:
؎الانَ وقَدْ فَرَغْتُ إلى نُمَيْرٍ فَهَذا حِينَ كُنْتُ لَهم عَذابا
أيْ: قَصَدْتُ. وأنْشَدَ النَّحّاسُ:
؎فَرَغْتُ إلى العَبْدِ المُقَيَّدِ في الحَجَلْ
وفِي الحَدِيثِ: «فَرَغَ رَبُّكَ مِن أرْبَعٍ»، وفِيهِ: «لَأتَفَرَّغَنَّ إلَيْكَ يا خَبِيثُ»، يُخاطِبُ بِهِ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، إرْبَ العَقَبَةِ يَوْمَ بَيْعَتِها: أيْ لَأقْصِدَنَّ إبْطالَ أمْرِكَ، نُقِلَ هَذا عَنِ الخَلِيلِ والكِسائِيِّ والفَرّاءِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: سَنَفْرُغُ بِنُونِ العَظَمَةِ وضَمِّ الرّاءِ، مِن فَرَغَ بِفَتْحِ الرّاءِ، وهي لُغَةُ الحِجازِ؛ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو حَيْوَةَ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: بِياءِ الغَيْبَةِ؛ وقَتادَةُ والأعْرَجُ: بِالنُّونِ وفَتْحِ الرّاءِ، مُضارِعُ فَرَغَ بِكَسْرِها، وهي تَمِيمِيَّةٌ؛ وأبُو السَّمّالِ وعِيسى: بِكَسْرِ النُّونِ وفَتْحِ الرّاءِ. قالَ أبُو حاتِمٍ: هي لُغَةُ سُفْلى مُضَرَ. والأعْمَشُ وأبُو حَيْوَةَ بِخِلافٍ عَنْهُما؛ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ والزَّعْفَرانِيُّ: بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الرّاءِ، مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ؛ وعِيسى أيْضًا: بِفَتْحِ النُّونِ وكَسْرِ الرّاءِ. والأعْرَجُ أيْضًا: بِفَتْحِ الياءِ والرّاءِ، وهي رِوايَةُ يُونُسَ والجُعْفِيِّ وعَبْدِ الوارِثِ عَنْ أبِي عَمْرٍو. والثَّقَلانِ: الإنْسُ والجِنُّ، سُمِّيا بِذَلِكَ لِكَوْنِهِما ثَقِيلَيْنِ عَلى وجْهِ الأرْضِ، أوْ لِكَوْنِهِما مُثْقَلِينَ بِالذُّنُوبِ، أوْ لِثِقَلِ الإنْسِ. وسُمِّيَ الجِنُّ ثَقَلًا لِمُجاوَرَةِ الإنْسِ، والثَّقَلُ: الأمْرُ العَظِيمُ. وفي الحَدِيثِ: «إنِّي تارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ كِتابُ اللَّهِ وعِتْرَتِي»، سُمِّيا بِذَلِكَ لِعِظَمِهِما وشَرَفِهِما.
والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿يامَعْشَرَ﴾ الآيَةَ مِن خِطابِ اللَّهِ إيّاهم يَوْمَ القِيامَةِ، ﴿يَوْمَ التَّنادِ﴾ [غافر: ٣٢] . وقِيلَ: يُقالُ لَهم ذَلِكَ. قالَ الضَّحّاكُ: يَفِرُّونَ في أقْطارِ الأرْضِ لِما يَرَوْنَ مِنَ الهَوْلِ، فَيَجِدُونَ المَلائِكَةَ قَدْ أحاطَتْ بِالأرْضِ، فَيَرْجِعُونَ مِن حَيْثُ جاءُوا، فَحِينَئِذٍ يُقالُ لَهم ذَلِكَ. وقِيلَ: هو خِطابٌ في الدُّنْيا، والمَعْنى: إنِ اسْتَطَعْتُمُ الفِرارَ مِنَ المَوْتِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿إنِ اسْتَطَعْتُمْ﴾ بِأذْهانِكم وفِكْرِكم، ﴿أنْ تَنْفُذُوا﴾، فَتَعْلَمُونَ عِلْمَ ﴿أقْطارِ﴾: أيْ جِهاتِ ﴿السَّماواتِ والأرْضِ﴾ . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿يامَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ﴾، كالتَّرْجَمَةِ لِقَوْلِهِ: ﴿أيُّها الثَّقَلانِ﴾، ﴿إنِ اسْتَطَعْتُمْ﴾ أنْ تَهْرُبُوا مِن قَضائِي، وتَخْرُجُوا مِن مَلَكُوتِي ومِن سَمائِي وأرْضِي فافْعَلُوا؛ ثُمَّ قالَ: لا تَقْدِرُونَ عَلى النُّفُوذِ ﴿إلّا بِسُلْطانٍ﴾، يَعْنِي: بِقُوَّةٍ وقَهْرٍ وغَلَبَةٍ، وأنّى لَكم ذَلِكَ، ونَحْوُهُ: ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ [العنكبوت: ٢٢] . انْتَهى.
﴿فانْفُذُوا﴾: أمْرُ تَعْجِيزٍ. وقالَ قَتادَةُ: السُّلْطانُ هُنا المِلْكُ، ولَيْسَ لَهم مِلْكٌ. وقالَ الضَّحّاكُ أيْضًا: بَيْنَما النّاسُ في أسْواقِهِمْ، انْفَتَحَتِ السَّماءُ ونَزَلَتِ المَلائِكَةُ، فَتَهْرُبُ الجِنُّ والإنْسُ، فَتُحَدِّقُ بِهِمُ المَلائِكَةُ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: إنِ اسْتَطَعْتُما، عَلى خِطابِ تَثْنِيَةِ الثَّقَلَيْنِ ومُراعاةِ الجِنِّ والإنْسِ؛ والجُمْهُورُ: عَلى خِطابِ (p-١٩٥)الجَماعَةِ إنِ اسْتَطَعْتُمْ، لِأنَّ كُلًّا مِنهُما تَحْتَهُ أفْرادٌ كَثِيرَةٌ، كَقَوْلِهِ: ﴿وإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات: ٩] .
﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إذا خَرَجُوا مِن قُبُورِهِمْ، ساقَهم شُواظٌ إلى المَحْشَرِ. والشُّواظُ: لَهَبُ النّارِ. وقالَ مُجاهِدٌ: اللَّهَبُ الأحْمَرُ المُنْقَطِعُ. وقالَ الضَّحّاكُ: الدُّخانُ الَّذِي يَخْرُجُ مِنَ اللَّهَبِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: شُواظٌ، بِضَمِّ الشِّينِ؛ وعِيسى وابْنُ كَثِيرٍ وشِبْلٌ: بِكَسْرِها. والجُمْهُورُ؛ ﴿ونُحاسٌ﴾: بِالرَّفْعِ؛ وابْنُ أبِي إسْحاقَ والنَّخَعِيُّ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو: بِالجَرِّ؛ والكَلْبِيُّ وطَلْحَةُ ومُجاهِدٌ: بِكَسْرِ نُونِ ”نِحاسٍ“ والسِّينِ. وقَرَأ ابْنُ جُبَيْرٍ: ونَحْسٌ، كَما تَقُولُ: يَوْمٌ نَحْسٌ. وقَرَأ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي بَكْرَةَ وابْنُ أبِي إسْحاقَ أيْضًا: ونَحُسُّ مُضارِعًا، وماضِيهِ حَسَّهُ، أيْ قَتَلَهُ، أيْ ويُحِسُّ بِالعَذابِ. وعَنِ ابْنِ أبِي إسْحاقَ أيْضًا: ونَحِسٌ بِالحَرَكاتِ الثَّلاثِ في الحاءِ عَلى التَّخْيِيرِ؛ وحَنْظَلَةُ بْنُ نُعْمانَ: ونَحِسٍ بِفَتْحِ النُّونِ وكَسْرِ السِّينِ؛ والحَسَنُ وإسْماعِيلُ: ونُحُسٍ بِضَمَّتَيْنِ والكَسْرِ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: نُرْسِلُ بِالنُّونِ، عَلَيْكُما شُواظًا بِالنَّصْبِ، مِن نارٍ ونُحاسًا بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى شُواظًا. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُبَيْرٍ: والنُّحاسُ الدُّخانُ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا ومُجاهِدٍ: هو الصُّفْرُ المَعْرُوفُ، والمَعْنى: يُعْجِزُ الجِنَّ والإنْسَ، أيْ أنْتُما بِحالِ مَن يُرْسَلُ عَلَيْهِ هَذا، فَلا يَقْدِرُ عَلى الِامْتِناعِ مِمّا يُرْسَلُ عَلَيْهِ.
﴿فَإذا انْشَقَّتِ السَّماءُ﴾: جَوابُ إذا مَحْذُوفٌ، أيْ فَما أعْظَمَ الهَوْلَ، وانْشِقاقُها: انْفِطارُها يَوْمَ القِيامَةِ.
﴿فَكانَتْ ورْدَةً﴾: أيْ مُحْمَرَّةً كالوَرْدِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو صالِحٍ: هي مِن لَوْنِ الفَرَسِ الوَرْدِ، فَأُنِّثَ لِكَوْنِ السَّماءِ مُؤَنَّثَةً. وقالَ قَتادَةُ: هي اليَوْمَ زَرْقاءُ، ويَوْمَئِذٍ تَغْلِبُ عَلَيْها الحُمْرَةُ كَلَوْنِ الوَرْدِ، وهي النَّوّارُ المَعْرُوفُ، قالَهُ الزَّجّاجُ، ويُرِيدُ كَلَوْنِ الوَرْدِ، وقالَ الشّاعِرُ:
؎فَلَوْ كُنْتُ ورْدًا لَوْنُهُ لَعَشِقْتِنِي ∗∗∗ ولَكِنَّ رَبِّي شانَنِي بِسَوادِيا
وقالَ أبُو الجَوْزاءِ: ورْدَةٌ صَفْراءُ. وقالَ: أما سَمِعْتَ العَرَبَ تُسَمِّي الخَيْلَ الوَرْدَ ؟ قالَ الفَرّاءُ: أرادَ لَوْنَ الفَرَسِ الوَرْدِ، يَكُونُ في الرَّبِيعِ إلى الصُّفْرَةِ، وفي الشِّتاءِ إلى الحُمْرَةِ، وفي اشْتِدادِ البَرْدِ إلى الغُبْرَةِ، فَشَبَّهَ تَلَوُّنَ السَّماءِ بِتَلَوُّنِ الوَرْدَةِ مِنَ الخَيْلِ، وهَذا قَوْلُ الكَلْبِيِّ.
﴿كالدِّهانِ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الأدِيمُ الأحْمَرُ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى:
؎وأجْرَدَ مِن كِرامِ الخَيْرِ طِرْفٍ ∗∗∗ كَأنَّ عَلى شَواكِلِهِ دِهانا
وقالَ الشّاعِرُ: كالدِّهانِ المُخْتَلِفَةِ، لِأنَّها تَتَلَوَّنُ ألْوانًا. وقالَ الضَّحّاكُ: كالدِّهانِ خالِصَةً، جَمْعَ دُهْنٍ، كَقُرْطٍ وقِراطٍ. وقِيلَ: تَصِيرُ حَمْراءَ مِن حَرارَةِ جَهَنَّمَ، ومِثْلَ الدُّهْنِ لِذَوْبِها ودَوَرانِها. وقِيلَ: شُبِّهَتْ بِالدِّهانِ في لَمَعانِها. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿كالدِّهانِ﴾: كَدُهْنِ الزَّيْتِ، كَما قالَ: ﴿كالمُهْلِ﴾ [الكهف: ٢٩]، وهو دُرْدِيُّ الزَّيْتِ، وهو جَمْعُ دُهْنٍ أوِ اسْمُ ما يُدْهَنُ بِهِ، كالحَرامِ والأدامِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎كَأنَّهُما مَزادَتا مُتَعَجِّلٍ ∗∗∗ فَرِيّانِ لَمّا سُلِّعا بِدِهانِ
وقَرَأ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: ورْدَةٌ بِالرَّفْعِ بِمَعْنى: فَحَصَلَتْ سَماءٌ ورْدَةٌ، وهو مِنَ الكَلامِ الَّذِي يُسَمّى التَّجْرِيدَ، كَقَوْلِهِ:
؎فَلَئِنْ بَقِيتُ لَأرْحَلَنَّ بِغَزْوَةٍ ∗∗∗ نَحْوَ المَغانِمِ أوْ يَمُوتَ كَرِيمُ
انْتَهى.
﴿فَيَوْمَئِذٍ﴾: التَّنْوِينُ فِيهِ لِلْعِوَضِ مِنَ الجُمْلَةِ المَحْذُوفَةِ، والتَّقْدِيرُ: فَيَوْمَ إذِ انْشَقَّتِ السَّماءُ، والنّاصِبُ لِيَوْمَئِذٍ ﴿لا يُسْألُ﴾، ودَلَّ هَذا عَلى انْتِفاءِ السُّؤالِ، ﴿وقِفُوهم إنَّهم مَسْئُولُونَ﴾ [الصافات: ٢٤] وغَيْرُهُ مِنَ الآياتِ عَلى وُقُوعِ السُّؤالِ. فَقالَ عِكْرِمَةُ وقَتادَةُ: هي مَواطِنُ يُسْألُ في بَعْضِها. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: حَيْثُ ذَكَرَ السُّؤالَ فَهو سُؤالُ تَوْبِيخٍ وتَقْرِيرٍ، وحَيْثُ نَفى فَهي اسْتِخْبارٌ مَحْضٌ عَنِ الذَّنْبِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِكُلِّ شَيْءٍ. وقالَ قَتادَةُ أيْضًا: كانَتْ مَسْألَةً، ثُمَّ خَتَمَ عَلى الأفْواهِ وتَكَلَّمَتِ الأيْدِي والأرْجُلُ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ. وقالَ أبُو العالِيَةِ وقَتادَةُ: لا يُسْألُ غَيْرُ المُجْرِمِ عَنْ ذَنْبِ المُجْرِمِ. وقَرَأ الحَسَنُ وعَمْرُو بْنُ (p-١٩٦)عُبَيْدٍ: ولا جَأْنٌ بِالهَمْزِ، فِرارًا مِنِ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وإنْ كانَ التِقاؤُهُما عَلى حَدِّهِ. وقَرَأ حَمّادُ بْنُ أبِي سُلَيْمانَ: بِسِيمائِهِمْ؛ والجُمْهُورُ: ﴿بِسِيماهُمْ﴾، وسِيما المُجْرِمِينَ: سَوادُ الوُجُوهِ وزُرْقَةُ العُيُونِ، قالَهُ الحَسَنُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ غَيْرَ هَذا مِنَ التَّشْوِيهاتِ، كالعَمى والبَكَمِ والصَّمَمِ.
﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي والأقْدامِ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُؤْخَذُ بِناصِيَتِهِ وقَدَمَيْهِ فَيُوطَأُ، ويُجْمَعُ كالحَطَبِ، ويُلْقى كَذَلِكَ في النّارِ. وقالَ الضَّحّاكُ: يُجْمَعُ بَيْنَهُما في سِلْسِلَةٍ مِن وراءِ ظَهْرِهِ. وقِيلَ: تَسْحَبُهُمُ المَلائِكَةُ، تارَةً تَأْخُذُ بِالنَّواصِي، وتارَةً بِالأقْدامِ. وقِيلَ: بَعْضَهم سَحْبًا بِالنّاصِيَةِ، وبَعْضَهم سَحْبًا بِالقَدَمِ؛ ويُؤْخَذُ مُتَعَدٍّ إلى مَفْعُولٍ بِنَفْسِهِ، وحُذِفَ هَذا الفاعِلُ والمَفْعُولُ، وأُقِيمَ الجارُّ والمَجْرُورُ مَقامَ الفاعِلِ مُضَمِّنًا مَعْنى ما يُعَدّى بِالباءِ، أيْ فَيُسْحَبُ بِالنَّواصِي والأقْدامِ، وألْ فِيهِما عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ عِوَضٌ مِنَ الضَّمِيرِ، أيْ بِنَواصِيهِمْ وأقْدامِهِمْ، وعَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ الضَّمِيرُ مَحْذُوفٌ، أيْ بِالنَّواصِي والأقْدامِ مِنهم.
﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ﴾: أيْ يُقالُ لَهم ذَلِكَ عَلى طَرِيقِ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ.
﴿يَطُوفُونَ بَيْنَها﴾: أيْ يَتَرَدَّدُونَ بَيْنَ نارِها وبَيْنَ ما غَلى فِيها مِن مائِعِ عَذابِها. وقالَ قَتادَةُ: الحَمِيمُ يَغْلِي مُنْذُ خَلَقَ اللَّهُ جَهَنَّمَ، وآنٌ: أيْ مُنْتَهى الحَرِّ والنُّضْجِ، فَيُعاقَبُ بَيْنَهم وبَيْنَ تَصْلِيَةِ النّارِ، وبَيْنَ شُرْبِ الحَمِيمِ. وقِيلَ: إذا اسْتَغاثُوا مِنَ النّارِ، جُعِلَ غِياثُهُمُ الحَمِيمَ. وقِيلَ: يُغْمَسُونَ في وادٍ في جَهَنَّمَ يَجْتَمِعُ فِيهِ صَدِيدُ أهْلِ النّارِ فَتَنْخَلِعُ أوْصالُهم، ثُمَّ يَخْرُجُونَ مِنهُ، وقَدْ أحْدَثَ اللَّهُ لَهم خَلْقًا جَدِيدًا. وقَرَأ عَلِيٌّ والسُّلَمِيُّ: يُطافُونَ؛ والأعْمَشُ وطَلْحَةُ وابْنُ مِقْسَمٍ: يُطَوِّفُونَ بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الطّاءِ وكَسْرِ الواوِ مُشَدَّدَةً. وقُرِئَ: يَطَّوَّفُونَ، أيْ يَتَطَوَّفُونَ. والجُمْهُورُ: يَطُوفُونَ مُضارِعُ طافَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾، قالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ.
﴿مَقامَ رَبِّهِ﴾ مَصْدَرٌ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مُضافًا إلى الفاعِلِ، أيْ قِيامُ رَبِّهِ عَلَيْهِ، وهو مَرْوِيٌّ عَنْ مُجاهِدٍ، قالَ: مِن قَوْلِهِ: ﴿أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ [الرعد: ٣٣]، أيْ حافِظٌ مُهَيْمِنٌ، فالعَبْدُ يُراقِبُ ذَلِكَ، فَلا يَجْسُرُ عَلى المَعْصِيَةِ. وقِيلَ: الإضافَةُ تَكُونُ بِأدْنى مُلابَسَةٍ، فالمَعْنى أنَّهُ يَخافُ مَقامَهُ الَّذِي يَقِفُ فِيهِ العِبادُ لِلْحِسابِ، مِن قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [المطففين: ٦]، وفي هَذِهِ الإضافَةِ تَنْبِيهٌ عَلى صُعُوبَةِ المَوْقِفِ. وقِيلَ: مَقامَ مُقْحَمٌ، والمَعْنى: ولِمَن خافَ رَبَّهُ، كَما تَقُولُ: أخافُ جانِبَ فُلانٍ يَعْنِي فُلانًا. والظّاهِرُ أنَّ لِكُلِّ فَرْدٍ مِنَ الخائِفِينَ ﴿جَنَّتانِ﴾، قِيلَ: إحْداهُما مَنزِلُهُ، والأُخْرى لِأزْواجِهِ وخَدَمِهِ. وقالَ مُقاتِلٌ: جَنَّةُ عَدْنٍ، وجَنَّةُ نَعِيمٍ. وقِيلَ: مَنزِلانِ يَنْتَقِلُ مِن أحَدِهِما إلى الآخَرِ لِتَتَوَفَّرَ دَواعِي لَذَّتِهِ وتَظْهَرَ ثِمارُ كَرامَتِهِ. وقِيلَ: هُما لِلْخائِفِينَ؛ والخِطابُ لِلثَّقَلَيْنِ، فَجَنَّةٌ لِلْخائِفِ الجِنِّيِّ، وجَنَّةٌ لِلْخائِفِ الإنْسِيِّ. وقالَ أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ: جَنَّةٌ مِن ذَهَبٍ لِلسّابِقِينَ، وجَنَّةٌ مِن فِضَّةٍ لِلتّابِعِينَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُقالَ: جَنَّةٌ لِفِعْلِ الطّاعاتِ، وجَنَّةٌ لِتَرْكِ المَعاصِي، لِأنَّ التَّكْلِيفَ دائِرٌ عَلَيْهِما. وأنْ يُقالَ: جَنَّةٌ يُباتُ بِها، وأُخْرى يُضَمُّ إلَيْها عَلى وجْهِ التَّفَضُّلِ لِقَوْلِهِ وزِيادَةٌ؛ وخَصَّ الأفْنانَ بِالذِّكْرِ جَمْعُ فَنَنٍ، وهي الغُصُونُ الَّتِي تَتَشَعَّبُ عَنْ فُرُوعِ الشَّجَرِ، لِأنَّها الَّتِي تُورِقُ وتُثْمِرُ، ومِنها تَمْتَدُّ الظِّلالُ، ومِنها تُجْنى الثِّمارُ. وقِيلَ: الأفْنانُ جَمْعُ فَنٍّ، وهي ألْوانُ النِّعَمِ وأنْواعُها، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والأوَّلُ قالَ قَرِيبًا مِنهُ مُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ، وهو أوْلى، لِأنَّ أفْعالًا في فَعَلٍ أكْثَرُ مِنهُ في فَعْلٍ بِسُكُونِ العَيْنِ، وفَنٌّ يُجْمَعُ عَلى فُنُونٍ.
﴿فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هُما عَيْنانِ مِثْلُ الدُّنْيا أضْعافًا مُضاعَفَةً. وقالَ: تَجْرِيانِ بِالزِّيادَةِ والكَرامَةِ عَلى أهْلِ الجَنَّةِ. وقالَ الحَسَنُ: تَجْرِيانِ بِالماءِ الزُّلالِ، إحْداهُما التَّسْنِيمُ، والأُخْرى السَّلْسَبِيلُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إحْداهُما مِن ماءٍ، والأُخْرى مِن خَمْرٍ. وقِيلَ: تَجْرِيانِ في الأعالِي والأسافِلِ مِن جَبَلٍ مِن مِسْكٍ.
﴿زَوْجانِ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ما في الدُّنْيا مِن شَجَرَةٍ حُلْوَةٍ ولا مُرَّةٍ إلّا وهي في الجَنَّةِ، (p-١٩٧)حَتّى شَجَرُ الحَنْظَلِ، إلّا أنَّهُ حُلْوًا. انْتَهى. ومَعْنى زَوْجانِ: رَطْبٌ ويابِسٌ، لا يَقْصُرُ هَذا عَنْ ذاكَ في الطِّيبِ واللَّذَّةِ. وقِيلَ: صِنْفانِ، صِنْفٌ مَعْرُوفٌ، وصِنْفٌ غَرِيبٌ. وجاءَ الفَصْلُ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿ذَواتا أفْنانٍ﴾ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿فِيهِما مِن كُلِّ فاكِهَةٍ﴾ بِقَوْلِهِ: ﴿فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ﴾ . والأفْنانُ عَلَيْها الفَواكِهُ، لِأنَّ الدّاخِلَ إلى البُسْتانِ لا يُقْدِمُ إلّا لِلتَّفَرُّجِ بِلَذَّةِ ما فِيهِ بِالنَّظَرِ إلى خُضْرَةِ الشَّجَرِ وجَرْيِ الأنْهارِ، ثُمَّ بَعْدُ يَأْخُذُ في اجْتِناءِ الثِّمارِ لِلْأكْلِ. وانْتَصَبَ (مُتَّكِئِينَ) عَلى الحالِ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولِمَن خافَ﴾، وحَمَلَ جَمْعًا عَلى مَعْنى مَن. وقِيلَ: العامِلُ مَحْذُوفٌ، أيْ يَتَنَعَّمُونَ مُتَّكِئِينَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ نُصِبَ عَلى المَدْحِ، والِاتِّكاءُ مِن صِفاتِ المُتَنَعِّمِ الدّالَّةِ عَلى صِحَّةِ الجِسْمِ وفَراغِ القَلْبِ، والمَعْنى: (مُتَّكِئِينَ) في مَنازِلِهِمْ ﴿عَلى فُرُشٍ﴾ [الرحمن: ٥٤] . وقَرَأ الجُمْهُورُ: فُرُشٍ، بِضَمَّتَيْنِ؛ وأبُو حَيْوَةَ: بِسُكُونِ الرّاءِ. وفي الحَدِيثِ: ”قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، «هَذِهِ البَطائِنُ مِن إسْتَبْرَقٍ، كَيْفَ الظَّهائِرُ ؟ قالَ: هي مِن نُورٍ يَتَلَأْلَأُ“»، ولَوْ صَحَّ هَذا لَمْ يَجُزْ أنْ يُفَسَّرَ بِغَيْرِهِ. وقِيلَ: مِن سُنْدُسٍ. قالَ الحَسَنُ والفَرّاءُ: البَطائِنُ هي الظَّهائِرُ. ورُوِيَ عَنْ قَتادَةَ، وقالَ الفَرّاءُ: قَدْ تَكُونُ البِطانَةُ الظِّهارَةَ والظِّهارَةُ البِطانَةَ، لِأنَّ كُلًّا مِنهُما يَكُونُ وجْهًا، والعَرَبُ تَقُولُ: هَذا وجْهُ السَّماءِ، وهَذا بَطْنُ السَّماءِ.
الرحمن 55:37
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿سَنَفْرُغُ لَكم أيُّها الثَّقَلانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿يامَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ إنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ تَنْفُذُوا مِن أقْطارِ السَّماواتِ والأرْضِ فانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إلّا بِسُلْطانٍ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِن نارٍ ونُحاسٌ فَلا تَنْتَصِرانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿فَإذا انْشَقَّتِ السَّماءُ فَكانَتْ ورْدَةً كالدِّهانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْألُ عَنْ ذَنْبِهِ إنْسٌ ولا جانٌّ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿يُعْرَفُ المُجْرِمُونَ بِسِيماهم فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي والأقْدامِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِها المُجْرِمُونَ﴾ ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَها وبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿ذَواتا أفْنانٍ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿فِيهِما مِن كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِن إسْتَبْرَقٍ﴾ [الرحمن: ٥٤] .
(p-١٩٤)لَمّا ذَكَرَ تَعالى ما أنْعَمَ بِهِ مِن تَعْلِيمِ العِلْمِ وخَلْقِ الإنْسانِ والسَّماءِ والأرْضِ وما أوْدَعَ فِيهِما وفَناءَ ما عَلى الأرْضِ، ذَكَرَ ما يَتَعَلَّقُ بِأحْوالِ الآخِرَةِ والجَزاءِ وقالَ: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ﴾: أيْ نَنْظُرُ في أُمُورِكم يَوْمَ القِيامَةِ، لا أنَّهُ تَعالى كانَ لَهُ شُغْلٌ فَيَفْرَغُ مِنهُ. وجَرى عَلى هَذا كَلامُ العَرَبِ في أنَّ المَعْنى: سَيَقْصِدُ لِحِسابِكم، فَهو اسْتِعارَةٌ مِن قَوْلِ الرَّجُلِ لِمَن يَتَهَدَّدُهُ: سَأفْرَغُ لَكَ، أيْ سَأتَجَرَّدُ لِلْإيقاعِ بِكَ مِن كُلِّ ما شَغَلَنِي عَنْهُ حَتّى لا يَكُونَ لِي شُغْلٌ سِواهُ، والمُرادُ التَّوَفُّرُ عَلى الِانْتِقامِ مِنهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ التَّوَعُّدُ بِعَذابٍ في الدُّنْيا، والأوَّلُ أبْيَنُ. انْتَهى، يَعْنِي: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُرادَ سَتَنْتَهِي الدُّنْيا ويُبْلَغُ آخِرُها، وتَنْتَهِي عِنْدَ ذَلِكَ شُئُونُ الخَلْقِ الَّتِي أرادَها بِقَوْلِهِ: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هو في شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩]، فَلا يَبْقى إلّا شَأْنٌ واحِدٌ وهو جَزاؤُكم، فَجَعَلَ ذَلِكَ فَراغًا لَهم عَلى طَرِيقِ المَثَلِ. انْتَهى. والَّذِي عَلَيْهِ أئِمَّةُ اللُّغَةِ أنَّ فَرَغَ تُسْتَعْمَلُ عِنْدَ انْقِضاءِ الشُّغْلِ الَّذِي كانَ الإنْسانُ مُشْتَغِلًا بِهِ، فَلِذَلِكَ احْتاجَ قَوْلُهُ إلى التَّأْوِيلِ عَلى أنَّهُ قَدْ قِيلَ: إنَّ فَرَغَ يَكُونُ بِمَعْنى قَصَدَ واهْتَمَّ، واسْتَدَلَّ عَلى ذَلِكَ بِما أنْشَدَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ لِجَرِيرٍ:
؎الانَ وقَدْ فَرَغْتُ إلى نُمَيْرٍ فَهَذا حِينَ كُنْتُ لَهم عَذابا
أيْ: قَصَدْتُ. وأنْشَدَ النَّحّاسُ:
؎فَرَغْتُ إلى العَبْدِ المُقَيَّدِ في الحَجَلْ
وفِي الحَدِيثِ: «فَرَغَ رَبُّكَ مِن أرْبَعٍ»، وفِيهِ: «لَأتَفَرَّغَنَّ إلَيْكَ يا خَبِيثُ»، يُخاطِبُ بِهِ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، إرْبَ العَقَبَةِ يَوْمَ بَيْعَتِها: أيْ لَأقْصِدَنَّ إبْطالَ أمْرِكَ، نُقِلَ هَذا عَنِ الخَلِيلِ والكِسائِيِّ والفَرّاءِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: سَنَفْرُغُ بِنُونِ العَظَمَةِ وضَمِّ الرّاءِ، مِن فَرَغَ بِفَتْحِ الرّاءِ، وهي لُغَةُ الحِجازِ؛ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو حَيْوَةَ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: بِياءِ الغَيْبَةِ؛ وقَتادَةُ والأعْرَجُ: بِالنُّونِ وفَتْحِ الرّاءِ، مُضارِعُ فَرَغَ بِكَسْرِها، وهي تَمِيمِيَّةٌ؛ وأبُو السَّمّالِ وعِيسى: بِكَسْرِ النُّونِ وفَتْحِ الرّاءِ. قالَ أبُو حاتِمٍ: هي لُغَةُ سُفْلى مُضَرَ. والأعْمَشُ وأبُو حَيْوَةَ بِخِلافٍ عَنْهُما؛ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ والزَّعْفَرانِيُّ: بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الرّاءِ، مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ؛ وعِيسى أيْضًا: بِفَتْحِ النُّونِ وكَسْرِ الرّاءِ. والأعْرَجُ أيْضًا: بِفَتْحِ الياءِ والرّاءِ، وهي رِوايَةُ يُونُسَ والجُعْفِيِّ وعَبْدِ الوارِثِ عَنْ أبِي عَمْرٍو. والثَّقَلانِ: الإنْسُ والجِنُّ، سُمِّيا بِذَلِكَ لِكَوْنِهِما ثَقِيلَيْنِ عَلى وجْهِ الأرْضِ، أوْ لِكَوْنِهِما مُثْقَلِينَ بِالذُّنُوبِ، أوْ لِثِقَلِ الإنْسِ. وسُمِّيَ الجِنُّ ثَقَلًا لِمُجاوَرَةِ الإنْسِ، والثَّقَلُ: الأمْرُ العَظِيمُ. وفي الحَدِيثِ: «إنِّي تارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ كِتابُ اللَّهِ وعِتْرَتِي»، سُمِّيا بِذَلِكَ لِعِظَمِهِما وشَرَفِهِما.
والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿يامَعْشَرَ﴾ الآيَةَ مِن خِطابِ اللَّهِ إيّاهم يَوْمَ القِيامَةِ، ﴿يَوْمَ التَّنادِ﴾ [غافر: ٣٢] . وقِيلَ: يُقالُ لَهم ذَلِكَ. قالَ الضَّحّاكُ: يَفِرُّونَ في أقْطارِ الأرْضِ لِما يَرَوْنَ مِنَ الهَوْلِ، فَيَجِدُونَ المَلائِكَةَ قَدْ أحاطَتْ بِالأرْضِ، فَيَرْجِعُونَ مِن حَيْثُ جاءُوا، فَحِينَئِذٍ يُقالُ لَهم ذَلِكَ. وقِيلَ: هو خِطابٌ في الدُّنْيا، والمَعْنى: إنِ اسْتَطَعْتُمُ الفِرارَ مِنَ المَوْتِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿إنِ اسْتَطَعْتُمْ﴾ بِأذْهانِكم وفِكْرِكم، ﴿أنْ تَنْفُذُوا﴾، فَتَعْلَمُونَ عِلْمَ ﴿أقْطارِ﴾: أيْ جِهاتِ ﴿السَّماواتِ والأرْضِ﴾ . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿يامَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ﴾، كالتَّرْجَمَةِ لِقَوْلِهِ: ﴿أيُّها الثَّقَلانِ﴾، ﴿إنِ اسْتَطَعْتُمْ﴾ أنْ تَهْرُبُوا مِن قَضائِي، وتَخْرُجُوا مِن مَلَكُوتِي ومِن سَمائِي وأرْضِي فافْعَلُوا؛ ثُمَّ قالَ: لا تَقْدِرُونَ عَلى النُّفُوذِ ﴿إلّا بِسُلْطانٍ﴾، يَعْنِي: بِقُوَّةٍ وقَهْرٍ وغَلَبَةٍ، وأنّى لَكم ذَلِكَ، ونَحْوُهُ: ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ [العنكبوت: ٢٢] . انْتَهى.
﴿فانْفُذُوا﴾: أمْرُ تَعْجِيزٍ. وقالَ قَتادَةُ: السُّلْطانُ هُنا المِلْكُ، ولَيْسَ لَهم مِلْكٌ. وقالَ الضَّحّاكُ أيْضًا: بَيْنَما النّاسُ في أسْواقِهِمْ، انْفَتَحَتِ السَّماءُ ونَزَلَتِ المَلائِكَةُ، فَتَهْرُبُ الجِنُّ والإنْسُ، فَتُحَدِّقُ بِهِمُ المَلائِكَةُ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: إنِ اسْتَطَعْتُما، عَلى خِطابِ تَثْنِيَةِ الثَّقَلَيْنِ ومُراعاةِ الجِنِّ والإنْسِ؛ والجُمْهُورُ: عَلى خِطابِ (p-١٩٥)الجَماعَةِ إنِ اسْتَطَعْتُمْ، لِأنَّ كُلًّا مِنهُما تَحْتَهُ أفْرادٌ كَثِيرَةٌ، كَقَوْلِهِ: ﴿وإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات: ٩] .
﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إذا خَرَجُوا مِن قُبُورِهِمْ، ساقَهم شُواظٌ إلى المَحْشَرِ. والشُّواظُ: لَهَبُ النّارِ. وقالَ مُجاهِدٌ: اللَّهَبُ الأحْمَرُ المُنْقَطِعُ. وقالَ الضَّحّاكُ: الدُّخانُ الَّذِي يَخْرُجُ مِنَ اللَّهَبِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: شُواظٌ، بِضَمِّ الشِّينِ؛ وعِيسى وابْنُ كَثِيرٍ وشِبْلٌ: بِكَسْرِها. والجُمْهُورُ؛ ﴿ونُحاسٌ﴾: بِالرَّفْعِ؛ وابْنُ أبِي إسْحاقَ والنَّخَعِيُّ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو: بِالجَرِّ؛ والكَلْبِيُّ وطَلْحَةُ ومُجاهِدٌ: بِكَسْرِ نُونِ ”نِحاسٍ“ والسِّينِ. وقَرَأ ابْنُ جُبَيْرٍ: ونَحْسٌ، كَما تَقُولُ: يَوْمٌ نَحْسٌ. وقَرَأ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي بَكْرَةَ وابْنُ أبِي إسْحاقَ أيْضًا: ونَحُسُّ مُضارِعًا، وماضِيهِ حَسَّهُ، أيْ قَتَلَهُ، أيْ ويُحِسُّ بِالعَذابِ. وعَنِ ابْنِ أبِي إسْحاقَ أيْضًا: ونَحِسٌ بِالحَرَكاتِ الثَّلاثِ في الحاءِ عَلى التَّخْيِيرِ؛ وحَنْظَلَةُ بْنُ نُعْمانَ: ونَحِسٍ بِفَتْحِ النُّونِ وكَسْرِ السِّينِ؛ والحَسَنُ وإسْماعِيلُ: ونُحُسٍ بِضَمَّتَيْنِ والكَسْرِ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: نُرْسِلُ بِالنُّونِ، عَلَيْكُما شُواظًا بِالنَّصْبِ، مِن نارٍ ونُحاسًا بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى شُواظًا. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُبَيْرٍ: والنُّحاسُ الدُّخانُ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا ومُجاهِدٍ: هو الصُّفْرُ المَعْرُوفُ، والمَعْنى: يُعْجِزُ الجِنَّ والإنْسَ، أيْ أنْتُما بِحالِ مَن يُرْسَلُ عَلَيْهِ هَذا، فَلا يَقْدِرُ عَلى الِامْتِناعِ مِمّا يُرْسَلُ عَلَيْهِ.
﴿فَإذا انْشَقَّتِ السَّماءُ﴾: جَوابُ إذا مَحْذُوفٌ، أيْ فَما أعْظَمَ الهَوْلَ، وانْشِقاقُها: انْفِطارُها يَوْمَ القِيامَةِ.
﴿فَكانَتْ ورْدَةً﴾: أيْ مُحْمَرَّةً كالوَرْدِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو صالِحٍ: هي مِن لَوْنِ الفَرَسِ الوَرْدِ، فَأُنِّثَ لِكَوْنِ السَّماءِ مُؤَنَّثَةً. وقالَ قَتادَةُ: هي اليَوْمَ زَرْقاءُ، ويَوْمَئِذٍ تَغْلِبُ عَلَيْها الحُمْرَةُ كَلَوْنِ الوَرْدِ، وهي النَّوّارُ المَعْرُوفُ، قالَهُ الزَّجّاجُ، ويُرِيدُ كَلَوْنِ الوَرْدِ، وقالَ الشّاعِرُ:
؎فَلَوْ كُنْتُ ورْدًا لَوْنُهُ لَعَشِقْتِنِي ∗∗∗ ولَكِنَّ رَبِّي شانَنِي بِسَوادِيا
وقالَ أبُو الجَوْزاءِ: ورْدَةٌ صَفْراءُ. وقالَ: أما سَمِعْتَ العَرَبَ تُسَمِّي الخَيْلَ الوَرْدَ ؟ قالَ الفَرّاءُ: أرادَ لَوْنَ الفَرَسِ الوَرْدِ، يَكُونُ في الرَّبِيعِ إلى الصُّفْرَةِ، وفي الشِّتاءِ إلى الحُمْرَةِ، وفي اشْتِدادِ البَرْدِ إلى الغُبْرَةِ، فَشَبَّهَ تَلَوُّنَ السَّماءِ بِتَلَوُّنِ الوَرْدَةِ مِنَ الخَيْلِ، وهَذا قَوْلُ الكَلْبِيِّ.
﴿كالدِّهانِ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الأدِيمُ الأحْمَرُ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى:
؎وأجْرَدَ مِن كِرامِ الخَيْرِ طِرْفٍ ∗∗∗ كَأنَّ عَلى شَواكِلِهِ دِهانا
وقالَ الشّاعِرُ: كالدِّهانِ المُخْتَلِفَةِ، لِأنَّها تَتَلَوَّنُ ألْوانًا. وقالَ الضَّحّاكُ: كالدِّهانِ خالِصَةً، جَمْعَ دُهْنٍ، كَقُرْطٍ وقِراطٍ. وقِيلَ: تَصِيرُ حَمْراءَ مِن حَرارَةِ جَهَنَّمَ، ومِثْلَ الدُّهْنِ لِذَوْبِها ودَوَرانِها. وقِيلَ: شُبِّهَتْ بِالدِّهانِ في لَمَعانِها. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿كالدِّهانِ﴾: كَدُهْنِ الزَّيْتِ، كَما قالَ: ﴿كالمُهْلِ﴾ [الكهف: ٢٩]، وهو دُرْدِيُّ الزَّيْتِ، وهو جَمْعُ دُهْنٍ أوِ اسْمُ ما يُدْهَنُ بِهِ، كالحَرامِ والأدامِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎كَأنَّهُما مَزادَتا مُتَعَجِّلٍ ∗∗∗ فَرِيّانِ لَمّا سُلِّعا بِدِهانِ
وقَرَأ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: ورْدَةٌ بِالرَّفْعِ بِمَعْنى: فَحَصَلَتْ سَماءٌ ورْدَةٌ، وهو مِنَ الكَلامِ الَّذِي يُسَمّى التَّجْرِيدَ، كَقَوْلِهِ:
؎فَلَئِنْ بَقِيتُ لَأرْحَلَنَّ بِغَزْوَةٍ ∗∗∗ نَحْوَ المَغانِمِ أوْ يَمُوتَ كَرِيمُ
انْتَهى.
﴿فَيَوْمَئِذٍ﴾: التَّنْوِينُ فِيهِ لِلْعِوَضِ مِنَ الجُمْلَةِ المَحْذُوفَةِ، والتَّقْدِيرُ: فَيَوْمَ إذِ انْشَقَّتِ السَّماءُ، والنّاصِبُ لِيَوْمَئِذٍ ﴿لا يُسْألُ﴾، ودَلَّ هَذا عَلى انْتِفاءِ السُّؤالِ، ﴿وقِفُوهم إنَّهم مَسْئُولُونَ﴾ [الصافات: ٢٤] وغَيْرُهُ مِنَ الآياتِ عَلى وُقُوعِ السُّؤالِ. فَقالَ عِكْرِمَةُ وقَتادَةُ: هي مَواطِنُ يُسْألُ في بَعْضِها. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: حَيْثُ ذَكَرَ السُّؤالَ فَهو سُؤالُ تَوْبِيخٍ وتَقْرِيرٍ، وحَيْثُ نَفى فَهي اسْتِخْبارٌ مَحْضٌ عَنِ الذَّنْبِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِكُلِّ شَيْءٍ. وقالَ قَتادَةُ أيْضًا: كانَتْ مَسْألَةً، ثُمَّ خَتَمَ عَلى الأفْواهِ وتَكَلَّمَتِ الأيْدِي والأرْجُلُ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ. وقالَ أبُو العالِيَةِ وقَتادَةُ: لا يُسْألُ غَيْرُ المُجْرِمِ عَنْ ذَنْبِ المُجْرِمِ. وقَرَأ الحَسَنُ وعَمْرُو بْنُ (p-١٩٦)عُبَيْدٍ: ولا جَأْنٌ بِالهَمْزِ، فِرارًا مِنِ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وإنْ كانَ التِقاؤُهُما عَلى حَدِّهِ. وقَرَأ حَمّادُ بْنُ أبِي سُلَيْمانَ: بِسِيمائِهِمْ؛ والجُمْهُورُ: ﴿بِسِيماهُمْ﴾، وسِيما المُجْرِمِينَ: سَوادُ الوُجُوهِ وزُرْقَةُ العُيُونِ، قالَهُ الحَسَنُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ غَيْرَ هَذا مِنَ التَّشْوِيهاتِ، كالعَمى والبَكَمِ والصَّمَمِ.
﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي والأقْدامِ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُؤْخَذُ بِناصِيَتِهِ وقَدَمَيْهِ فَيُوطَأُ، ويُجْمَعُ كالحَطَبِ، ويُلْقى كَذَلِكَ في النّارِ. وقالَ الضَّحّاكُ: يُجْمَعُ بَيْنَهُما في سِلْسِلَةٍ مِن وراءِ ظَهْرِهِ. وقِيلَ: تَسْحَبُهُمُ المَلائِكَةُ، تارَةً تَأْخُذُ بِالنَّواصِي، وتارَةً بِالأقْدامِ. وقِيلَ: بَعْضَهم سَحْبًا بِالنّاصِيَةِ، وبَعْضَهم سَحْبًا بِالقَدَمِ؛ ويُؤْخَذُ مُتَعَدٍّ إلى مَفْعُولٍ بِنَفْسِهِ، وحُذِفَ هَذا الفاعِلُ والمَفْعُولُ، وأُقِيمَ الجارُّ والمَجْرُورُ مَقامَ الفاعِلِ مُضَمِّنًا مَعْنى ما يُعَدّى بِالباءِ، أيْ فَيُسْحَبُ بِالنَّواصِي والأقْدامِ، وألْ فِيهِما عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ عِوَضٌ مِنَ الضَّمِيرِ، أيْ بِنَواصِيهِمْ وأقْدامِهِمْ، وعَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ الضَّمِيرُ مَحْذُوفٌ، أيْ بِالنَّواصِي والأقْدامِ مِنهم.
﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ﴾: أيْ يُقالُ لَهم ذَلِكَ عَلى طَرِيقِ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ.
﴿يَطُوفُونَ بَيْنَها﴾: أيْ يَتَرَدَّدُونَ بَيْنَ نارِها وبَيْنَ ما غَلى فِيها مِن مائِعِ عَذابِها. وقالَ قَتادَةُ: الحَمِيمُ يَغْلِي مُنْذُ خَلَقَ اللَّهُ جَهَنَّمَ، وآنٌ: أيْ مُنْتَهى الحَرِّ والنُّضْجِ، فَيُعاقَبُ بَيْنَهم وبَيْنَ تَصْلِيَةِ النّارِ، وبَيْنَ شُرْبِ الحَمِيمِ. وقِيلَ: إذا اسْتَغاثُوا مِنَ النّارِ، جُعِلَ غِياثُهُمُ الحَمِيمَ. وقِيلَ: يُغْمَسُونَ في وادٍ في جَهَنَّمَ يَجْتَمِعُ فِيهِ صَدِيدُ أهْلِ النّارِ فَتَنْخَلِعُ أوْصالُهم، ثُمَّ يَخْرُجُونَ مِنهُ، وقَدْ أحْدَثَ اللَّهُ لَهم خَلْقًا جَدِيدًا. وقَرَأ عَلِيٌّ والسُّلَمِيُّ: يُطافُونَ؛ والأعْمَشُ وطَلْحَةُ وابْنُ مِقْسَمٍ: يُطَوِّفُونَ بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الطّاءِ وكَسْرِ الواوِ مُشَدَّدَةً. وقُرِئَ: يَطَّوَّفُونَ، أيْ يَتَطَوَّفُونَ. والجُمْهُورُ: يَطُوفُونَ مُضارِعُ طافَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾، قالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ.
﴿مَقامَ رَبِّهِ﴾ مَصْدَرٌ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مُضافًا إلى الفاعِلِ، أيْ قِيامُ رَبِّهِ عَلَيْهِ، وهو مَرْوِيٌّ عَنْ مُجاهِدٍ، قالَ: مِن قَوْلِهِ: ﴿أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ [الرعد: ٣٣]، أيْ حافِظٌ مُهَيْمِنٌ، فالعَبْدُ يُراقِبُ ذَلِكَ، فَلا يَجْسُرُ عَلى المَعْصِيَةِ. وقِيلَ: الإضافَةُ تَكُونُ بِأدْنى مُلابَسَةٍ، فالمَعْنى أنَّهُ يَخافُ مَقامَهُ الَّذِي يَقِفُ فِيهِ العِبادُ لِلْحِسابِ، مِن قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [المطففين: ٦]، وفي هَذِهِ الإضافَةِ تَنْبِيهٌ عَلى صُعُوبَةِ المَوْقِفِ. وقِيلَ: مَقامَ مُقْحَمٌ، والمَعْنى: ولِمَن خافَ رَبَّهُ، كَما تَقُولُ: أخافُ جانِبَ فُلانٍ يَعْنِي فُلانًا. والظّاهِرُ أنَّ لِكُلِّ فَرْدٍ مِنَ الخائِفِينَ ﴿جَنَّتانِ﴾، قِيلَ: إحْداهُما مَنزِلُهُ، والأُخْرى لِأزْواجِهِ وخَدَمِهِ. وقالَ مُقاتِلٌ: جَنَّةُ عَدْنٍ، وجَنَّةُ نَعِيمٍ. وقِيلَ: مَنزِلانِ يَنْتَقِلُ مِن أحَدِهِما إلى الآخَرِ لِتَتَوَفَّرَ دَواعِي لَذَّتِهِ وتَظْهَرَ ثِمارُ كَرامَتِهِ. وقِيلَ: هُما لِلْخائِفِينَ؛ والخِطابُ لِلثَّقَلَيْنِ، فَجَنَّةٌ لِلْخائِفِ الجِنِّيِّ، وجَنَّةٌ لِلْخائِفِ الإنْسِيِّ. وقالَ أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ: جَنَّةٌ مِن ذَهَبٍ لِلسّابِقِينَ، وجَنَّةٌ مِن فِضَّةٍ لِلتّابِعِينَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُقالَ: جَنَّةٌ لِفِعْلِ الطّاعاتِ، وجَنَّةٌ لِتَرْكِ المَعاصِي، لِأنَّ التَّكْلِيفَ دائِرٌ عَلَيْهِما. وأنْ يُقالَ: جَنَّةٌ يُباتُ بِها، وأُخْرى يُضَمُّ إلَيْها عَلى وجْهِ التَّفَضُّلِ لِقَوْلِهِ وزِيادَةٌ؛ وخَصَّ الأفْنانَ بِالذِّكْرِ جَمْعُ فَنَنٍ، وهي الغُصُونُ الَّتِي تَتَشَعَّبُ عَنْ فُرُوعِ الشَّجَرِ، لِأنَّها الَّتِي تُورِقُ وتُثْمِرُ، ومِنها تَمْتَدُّ الظِّلالُ، ومِنها تُجْنى الثِّمارُ. وقِيلَ: الأفْنانُ جَمْعُ فَنٍّ، وهي ألْوانُ النِّعَمِ وأنْواعُها، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والأوَّلُ قالَ قَرِيبًا مِنهُ مُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ، وهو أوْلى، لِأنَّ أفْعالًا في فَعَلٍ أكْثَرُ مِنهُ في فَعْلٍ بِسُكُونِ العَيْنِ، وفَنٌّ يُجْمَعُ عَلى فُنُونٍ.
﴿فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هُما عَيْنانِ مِثْلُ الدُّنْيا أضْعافًا مُضاعَفَةً. وقالَ: تَجْرِيانِ بِالزِّيادَةِ والكَرامَةِ عَلى أهْلِ الجَنَّةِ. وقالَ الحَسَنُ: تَجْرِيانِ بِالماءِ الزُّلالِ، إحْداهُما التَّسْنِيمُ، والأُخْرى السَّلْسَبِيلُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إحْداهُما مِن ماءٍ، والأُخْرى مِن خَمْرٍ. وقِيلَ: تَجْرِيانِ في الأعالِي والأسافِلِ مِن جَبَلٍ مِن مِسْكٍ.
﴿زَوْجانِ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ما في الدُّنْيا مِن شَجَرَةٍ حُلْوَةٍ ولا مُرَّةٍ إلّا وهي في الجَنَّةِ، (p-١٩٧)حَتّى شَجَرُ الحَنْظَلِ، إلّا أنَّهُ حُلْوًا. انْتَهى. ومَعْنى زَوْجانِ: رَطْبٌ ويابِسٌ، لا يَقْصُرُ هَذا عَنْ ذاكَ في الطِّيبِ واللَّذَّةِ. وقِيلَ: صِنْفانِ، صِنْفٌ مَعْرُوفٌ، وصِنْفٌ غَرِيبٌ. وجاءَ الفَصْلُ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿ذَواتا أفْنانٍ﴾ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿فِيهِما مِن كُلِّ فاكِهَةٍ﴾ بِقَوْلِهِ: ﴿فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ﴾ . والأفْنانُ عَلَيْها الفَواكِهُ، لِأنَّ الدّاخِلَ إلى البُسْتانِ لا يُقْدِمُ إلّا لِلتَّفَرُّجِ بِلَذَّةِ ما فِيهِ بِالنَّظَرِ إلى خُضْرَةِ الشَّجَرِ وجَرْيِ الأنْهارِ، ثُمَّ بَعْدُ يَأْخُذُ في اجْتِناءِ الثِّمارِ لِلْأكْلِ. وانْتَصَبَ (مُتَّكِئِينَ) عَلى الحالِ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولِمَن خافَ﴾، وحَمَلَ جَمْعًا عَلى مَعْنى مَن. وقِيلَ: العامِلُ مَحْذُوفٌ، أيْ يَتَنَعَّمُونَ مُتَّكِئِينَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ نُصِبَ عَلى المَدْحِ، والِاتِّكاءُ مِن صِفاتِ المُتَنَعِّمِ الدّالَّةِ عَلى صِحَّةِ الجِسْمِ وفَراغِ القَلْبِ، والمَعْنى: (مُتَّكِئِينَ) في مَنازِلِهِمْ ﴿عَلى فُرُشٍ﴾ [الرحمن: ٥٤] . وقَرَأ الجُمْهُورُ: فُرُشٍ، بِضَمَّتَيْنِ؛ وأبُو حَيْوَةَ: بِسُكُونِ الرّاءِ. وفي الحَدِيثِ: ”قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، «هَذِهِ البَطائِنُ مِن إسْتَبْرَقٍ، كَيْفَ الظَّهائِرُ ؟ قالَ: هي مِن نُورٍ يَتَلَأْلَأُ“»، ولَوْ صَحَّ هَذا لَمْ يَجُزْ أنْ يُفَسَّرَ بِغَيْرِهِ. وقِيلَ: مِن سُنْدُسٍ. قالَ الحَسَنُ والفَرّاءُ: البَطائِنُ هي الظَّهائِرُ. ورُوِيَ عَنْ قَتادَةَ، وقالَ الفَرّاءُ: قَدْ تَكُونُ البِطانَةُ الظِّهارَةَ والظِّهارَةُ البِطانَةَ، لِأنَّ كُلًّا مِنهُما يَكُونُ وجْهًا، والعَرَبُ تَقُولُ: هَذا وجْهُ السَّماءِ، وهَذا بَطْنُ السَّماءِ.
الرحمن 55:38
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿سَنَفْرُغُ لَكم أيُّها الثَّقَلانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿يامَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ إنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ تَنْفُذُوا مِن أقْطارِ السَّماواتِ والأرْضِ فانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إلّا بِسُلْطانٍ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِن نارٍ ونُحاسٌ فَلا تَنْتَصِرانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿فَإذا انْشَقَّتِ السَّماءُ فَكانَتْ ورْدَةً كالدِّهانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْألُ عَنْ ذَنْبِهِ إنْسٌ ولا جانٌّ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿يُعْرَفُ المُجْرِمُونَ بِسِيماهم فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي والأقْدامِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِها المُجْرِمُونَ﴾ ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَها وبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿ذَواتا أفْنانٍ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿فِيهِما مِن كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِن إسْتَبْرَقٍ﴾ [الرحمن: ٥٤] .
(p-١٩٤)لَمّا ذَكَرَ تَعالى ما أنْعَمَ بِهِ مِن تَعْلِيمِ العِلْمِ وخَلْقِ الإنْسانِ والسَّماءِ والأرْضِ وما أوْدَعَ فِيهِما وفَناءَ ما عَلى الأرْضِ، ذَكَرَ ما يَتَعَلَّقُ بِأحْوالِ الآخِرَةِ والجَزاءِ وقالَ: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ﴾: أيْ نَنْظُرُ في أُمُورِكم يَوْمَ القِيامَةِ، لا أنَّهُ تَعالى كانَ لَهُ شُغْلٌ فَيَفْرَغُ مِنهُ. وجَرى عَلى هَذا كَلامُ العَرَبِ في أنَّ المَعْنى: سَيَقْصِدُ لِحِسابِكم، فَهو اسْتِعارَةٌ مِن قَوْلِ الرَّجُلِ لِمَن يَتَهَدَّدُهُ: سَأفْرَغُ لَكَ، أيْ سَأتَجَرَّدُ لِلْإيقاعِ بِكَ مِن كُلِّ ما شَغَلَنِي عَنْهُ حَتّى لا يَكُونَ لِي شُغْلٌ سِواهُ، والمُرادُ التَّوَفُّرُ عَلى الِانْتِقامِ مِنهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ التَّوَعُّدُ بِعَذابٍ في الدُّنْيا، والأوَّلُ أبْيَنُ. انْتَهى، يَعْنِي: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُرادَ سَتَنْتَهِي الدُّنْيا ويُبْلَغُ آخِرُها، وتَنْتَهِي عِنْدَ ذَلِكَ شُئُونُ الخَلْقِ الَّتِي أرادَها بِقَوْلِهِ: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هو في شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩]، فَلا يَبْقى إلّا شَأْنٌ واحِدٌ وهو جَزاؤُكم، فَجَعَلَ ذَلِكَ فَراغًا لَهم عَلى طَرِيقِ المَثَلِ. انْتَهى. والَّذِي عَلَيْهِ أئِمَّةُ اللُّغَةِ أنَّ فَرَغَ تُسْتَعْمَلُ عِنْدَ انْقِضاءِ الشُّغْلِ الَّذِي كانَ الإنْسانُ مُشْتَغِلًا بِهِ، فَلِذَلِكَ احْتاجَ قَوْلُهُ إلى التَّأْوِيلِ عَلى أنَّهُ قَدْ قِيلَ: إنَّ فَرَغَ يَكُونُ بِمَعْنى قَصَدَ واهْتَمَّ، واسْتَدَلَّ عَلى ذَلِكَ بِما أنْشَدَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ لِجَرِيرٍ:
؎الانَ وقَدْ فَرَغْتُ إلى نُمَيْرٍ فَهَذا حِينَ كُنْتُ لَهم عَذابا
أيْ: قَصَدْتُ. وأنْشَدَ النَّحّاسُ:
؎فَرَغْتُ إلى العَبْدِ المُقَيَّدِ في الحَجَلْ
وفِي الحَدِيثِ: «فَرَغَ رَبُّكَ مِن أرْبَعٍ»، وفِيهِ: «لَأتَفَرَّغَنَّ إلَيْكَ يا خَبِيثُ»، يُخاطِبُ بِهِ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، إرْبَ العَقَبَةِ يَوْمَ بَيْعَتِها: أيْ لَأقْصِدَنَّ إبْطالَ أمْرِكَ، نُقِلَ هَذا عَنِ الخَلِيلِ والكِسائِيِّ والفَرّاءِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: سَنَفْرُغُ بِنُونِ العَظَمَةِ وضَمِّ الرّاءِ، مِن فَرَغَ بِفَتْحِ الرّاءِ، وهي لُغَةُ الحِجازِ؛ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو حَيْوَةَ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: بِياءِ الغَيْبَةِ؛ وقَتادَةُ والأعْرَجُ: بِالنُّونِ وفَتْحِ الرّاءِ، مُضارِعُ فَرَغَ بِكَسْرِها، وهي تَمِيمِيَّةٌ؛ وأبُو السَّمّالِ وعِيسى: بِكَسْرِ النُّونِ وفَتْحِ الرّاءِ. قالَ أبُو حاتِمٍ: هي لُغَةُ سُفْلى مُضَرَ. والأعْمَشُ وأبُو حَيْوَةَ بِخِلافٍ عَنْهُما؛ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ والزَّعْفَرانِيُّ: بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الرّاءِ، مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ؛ وعِيسى أيْضًا: بِفَتْحِ النُّونِ وكَسْرِ الرّاءِ. والأعْرَجُ أيْضًا: بِفَتْحِ الياءِ والرّاءِ، وهي رِوايَةُ يُونُسَ والجُعْفِيِّ وعَبْدِ الوارِثِ عَنْ أبِي عَمْرٍو. والثَّقَلانِ: الإنْسُ والجِنُّ، سُمِّيا بِذَلِكَ لِكَوْنِهِما ثَقِيلَيْنِ عَلى وجْهِ الأرْضِ، أوْ لِكَوْنِهِما مُثْقَلِينَ بِالذُّنُوبِ، أوْ لِثِقَلِ الإنْسِ. وسُمِّيَ الجِنُّ ثَقَلًا لِمُجاوَرَةِ الإنْسِ، والثَّقَلُ: الأمْرُ العَظِيمُ. وفي الحَدِيثِ: «إنِّي تارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ كِتابُ اللَّهِ وعِتْرَتِي»، سُمِّيا بِذَلِكَ لِعِظَمِهِما وشَرَفِهِما.
والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿يامَعْشَرَ﴾ الآيَةَ مِن خِطابِ اللَّهِ إيّاهم يَوْمَ القِيامَةِ، ﴿يَوْمَ التَّنادِ﴾ [غافر: ٣٢] . وقِيلَ: يُقالُ لَهم ذَلِكَ. قالَ الضَّحّاكُ: يَفِرُّونَ في أقْطارِ الأرْضِ لِما يَرَوْنَ مِنَ الهَوْلِ، فَيَجِدُونَ المَلائِكَةَ قَدْ أحاطَتْ بِالأرْضِ، فَيَرْجِعُونَ مِن حَيْثُ جاءُوا، فَحِينَئِذٍ يُقالُ لَهم ذَلِكَ. وقِيلَ: هو خِطابٌ في الدُّنْيا، والمَعْنى: إنِ اسْتَطَعْتُمُ الفِرارَ مِنَ المَوْتِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿إنِ اسْتَطَعْتُمْ﴾ بِأذْهانِكم وفِكْرِكم، ﴿أنْ تَنْفُذُوا﴾، فَتَعْلَمُونَ عِلْمَ ﴿أقْطارِ﴾: أيْ جِهاتِ ﴿السَّماواتِ والأرْضِ﴾ . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿يامَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ﴾، كالتَّرْجَمَةِ لِقَوْلِهِ: ﴿أيُّها الثَّقَلانِ﴾، ﴿إنِ اسْتَطَعْتُمْ﴾ أنْ تَهْرُبُوا مِن قَضائِي، وتَخْرُجُوا مِن مَلَكُوتِي ومِن سَمائِي وأرْضِي فافْعَلُوا؛ ثُمَّ قالَ: لا تَقْدِرُونَ عَلى النُّفُوذِ ﴿إلّا بِسُلْطانٍ﴾، يَعْنِي: بِقُوَّةٍ وقَهْرٍ وغَلَبَةٍ، وأنّى لَكم ذَلِكَ، ونَحْوُهُ: ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ [العنكبوت: ٢٢] . انْتَهى.
﴿فانْفُذُوا﴾: أمْرُ تَعْجِيزٍ. وقالَ قَتادَةُ: السُّلْطانُ هُنا المِلْكُ، ولَيْسَ لَهم مِلْكٌ. وقالَ الضَّحّاكُ أيْضًا: بَيْنَما النّاسُ في أسْواقِهِمْ، انْفَتَحَتِ السَّماءُ ونَزَلَتِ المَلائِكَةُ، فَتَهْرُبُ الجِنُّ والإنْسُ، فَتُحَدِّقُ بِهِمُ المَلائِكَةُ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: إنِ اسْتَطَعْتُما، عَلى خِطابِ تَثْنِيَةِ الثَّقَلَيْنِ ومُراعاةِ الجِنِّ والإنْسِ؛ والجُمْهُورُ: عَلى خِطابِ (p-١٩٥)الجَماعَةِ إنِ اسْتَطَعْتُمْ، لِأنَّ كُلًّا مِنهُما تَحْتَهُ أفْرادٌ كَثِيرَةٌ، كَقَوْلِهِ: ﴿وإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات: ٩] .
﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إذا خَرَجُوا مِن قُبُورِهِمْ، ساقَهم شُواظٌ إلى المَحْشَرِ. والشُّواظُ: لَهَبُ النّارِ. وقالَ مُجاهِدٌ: اللَّهَبُ الأحْمَرُ المُنْقَطِعُ. وقالَ الضَّحّاكُ: الدُّخانُ الَّذِي يَخْرُجُ مِنَ اللَّهَبِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: شُواظٌ، بِضَمِّ الشِّينِ؛ وعِيسى وابْنُ كَثِيرٍ وشِبْلٌ: بِكَسْرِها. والجُمْهُورُ؛ ﴿ونُحاسٌ﴾: بِالرَّفْعِ؛ وابْنُ أبِي إسْحاقَ والنَّخَعِيُّ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو: بِالجَرِّ؛ والكَلْبِيُّ وطَلْحَةُ ومُجاهِدٌ: بِكَسْرِ نُونِ ”نِحاسٍ“ والسِّينِ. وقَرَأ ابْنُ جُبَيْرٍ: ونَحْسٌ، كَما تَقُولُ: يَوْمٌ نَحْسٌ. وقَرَأ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي بَكْرَةَ وابْنُ أبِي إسْحاقَ أيْضًا: ونَحُسُّ مُضارِعًا، وماضِيهِ حَسَّهُ، أيْ قَتَلَهُ، أيْ ويُحِسُّ بِالعَذابِ. وعَنِ ابْنِ أبِي إسْحاقَ أيْضًا: ونَحِسٌ بِالحَرَكاتِ الثَّلاثِ في الحاءِ عَلى التَّخْيِيرِ؛ وحَنْظَلَةُ بْنُ نُعْمانَ: ونَحِسٍ بِفَتْحِ النُّونِ وكَسْرِ السِّينِ؛ والحَسَنُ وإسْماعِيلُ: ونُحُسٍ بِضَمَّتَيْنِ والكَسْرِ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: نُرْسِلُ بِالنُّونِ، عَلَيْكُما شُواظًا بِالنَّصْبِ، مِن نارٍ ونُحاسًا بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى شُواظًا. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُبَيْرٍ: والنُّحاسُ الدُّخانُ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا ومُجاهِدٍ: هو الصُّفْرُ المَعْرُوفُ، والمَعْنى: يُعْجِزُ الجِنَّ والإنْسَ، أيْ أنْتُما بِحالِ مَن يُرْسَلُ عَلَيْهِ هَذا، فَلا يَقْدِرُ عَلى الِامْتِناعِ مِمّا يُرْسَلُ عَلَيْهِ.
﴿فَإذا انْشَقَّتِ السَّماءُ﴾: جَوابُ إذا مَحْذُوفٌ، أيْ فَما أعْظَمَ الهَوْلَ، وانْشِقاقُها: انْفِطارُها يَوْمَ القِيامَةِ.
﴿فَكانَتْ ورْدَةً﴾: أيْ مُحْمَرَّةً كالوَرْدِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو صالِحٍ: هي مِن لَوْنِ الفَرَسِ الوَرْدِ، فَأُنِّثَ لِكَوْنِ السَّماءِ مُؤَنَّثَةً. وقالَ قَتادَةُ: هي اليَوْمَ زَرْقاءُ، ويَوْمَئِذٍ تَغْلِبُ عَلَيْها الحُمْرَةُ كَلَوْنِ الوَرْدِ، وهي النَّوّارُ المَعْرُوفُ، قالَهُ الزَّجّاجُ، ويُرِيدُ كَلَوْنِ الوَرْدِ، وقالَ الشّاعِرُ:
؎فَلَوْ كُنْتُ ورْدًا لَوْنُهُ لَعَشِقْتِنِي ∗∗∗ ولَكِنَّ رَبِّي شانَنِي بِسَوادِيا
وقالَ أبُو الجَوْزاءِ: ورْدَةٌ صَفْراءُ. وقالَ: أما سَمِعْتَ العَرَبَ تُسَمِّي الخَيْلَ الوَرْدَ ؟ قالَ الفَرّاءُ: أرادَ لَوْنَ الفَرَسِ الوَرْدِ، يَكُونُ في الرَّبِيعِ إلى الصُّفْرَةِ، وفي الشِّتاءِ إلى الحُمْرَةِ، وفي اشْتِدادِ البَرْدِ إلى الغُبْرَةِ، فَشَبَّهَ تَلَوُّنَ السَّماءِ بِتَلَوُّنِ الوَرْدَةِ مِنَ الخَيْلِ، وهَذا قَوْلُ الكَلْبِيِّ.
﴿كالدِّهانِ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الأدِيمُ الأحْمَرُ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى:
؎وأجْرَدَ مِن كِرامِ الخَيْرِ طِرْفٍ ∗∗∗ كَأنَّ عَلى شَواكِلِهِ دِهانا
وقالَ الشّاعِرُ: كالدِّهانِ المُخْتَلِفَةِ، لِأنَّها تَتَلَوَّنُ ألْوانًا. وقالَ الضَّحّاكُ: كالدِّهانِ خالِصَةً، جَمْعَ دُهْنٍ، كَقُرْطٍ وقِراطٍ. وقِيلَ: تَصِيرُ حَمْراءَ مِن حَرارَةِ جَهَنَّمَ، ومِثْلَ الدُّهْنِ لِذَوْبِها ودَوَرانِها. وقِيلَ: شُبِّهَتْ بِالدِّهانِ في لَمَعانِها. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿كالدِّهانِ﴾: كَدُهْنِ الزَّيْتِ، كَما قالَ: ﴿كالمُهْلِ﴾ [الكهف: ٢٩]، وهو دُرْدِيُّ الزَّيْتِ، وهو جَمْعُ دُهْنٍ أوِ اسْمُ ما يُدْهَنُ بِهِ، كالحَرامِ والأدامِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎كَأنَّهُما مَزادَتا مُتَعَجِّلٍ ∗∗∗ فَرِيّانِ لَمّا سُلِّعا بِدِهانِ
وقَرَأ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: ورْدَةٌ بِالرَّفْعِ بِمَعْنى: فَحَصَلَتْ سَماءٌ ورْدَةٌ، وهو مِنَ الكَلامِ الَّذِي يُسَمّى التَّجْرِيدَ، كَقَوْلِهِ:
؎فَلَئِنْ بَقِيتُ لَأرْحَلَنَّ بِغَزْوَةٍ ∗∗∗ نَحْوَ المَغانِمِ أوْ يَمُوتَ كَرِيمُ
انْتَهى.
﴿فَيَوْمَئِذٍ﴾: التَّنْوِينُ فِيهِ لِلْعِوَضِ مِنَ الجُمْلَةِ المَحْذُوفَةِ، والتَّقْدِيرُ: فَيَوْمَ إذِ انْشَقَّتِ السَّماءُ، والنّاصِبُ لِيَوْمَئِذٍ ﴿لا يُسْألُ﴾، ودَلَّ هَذا عَلى انْتِفاءِ السُّؤالِ، ﴿وقِفُوهم إنَّهم مَسْئُولُونَ﴾ [الصافات: ٢٤] وغَيْرُهُ مِنَ الآياتِ عَلى وُقُوعِ السُّؤالِ. فَقالَ عِكْرِمَةُ وقَتادَةُ: هي مَواطِنُ يُسْألُ في بَعْضِها. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: حَيْثُ ذَكَرَ السُّؤالَ فَهو سُؤالُ تَوْبِيخٍ وتَقْرِيرٍ، وحَيْثُ نَفى فَهي اسْتِخْبارٌ مَحْضٌ عَنِ الذَّنْبِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِكُلِّ شَيْءٍ. وقالَ قَتادَةُ أيْضًا: كانَتْ مَسْألَةً، ثُمَّ خَتَمَ عَلى الأفْواهِ وتَكَلَّمَتِ الأيْدِي والأرْجُلُ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ. وقالَ أبُو العالِيَةِ وقَتادَةُ: لا يُسْألُ غَيْرُ المُجْرِمِ عَنْ ذَنْبِ المُجْرِمِ. وقَرَأ الحَسَنُ وعَمْرُو بْنُ (p-١٩٦)عُبَيْدٍ: ولا جَأْنٌ بِالهَمْزِ، فِرارًا مِنِ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وإنْ كانَ التِقاؤُهُما عَلى حَدِّهِ. وقَرَأ حَمّادُ بْنُ أبِي سُلَيْمانَ: بِسِيمائِهِمْ؛ والجُمْهُورُ: ﴿بِسِيماهُمْ﴾، وسِيما المُجْرِمِينَ: سَوادُ الوُجُوهِ وزُرْقَةُ العُيُونِ، قالَهُ الحَسَنُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ غَيْرَ هَذا مِنَ التَّشْوِيهاتِ، كالعَمى والبَكَمِ والصَّمَمِ.
﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي والأقْدامِ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُؤْخَذُ بِناصِيَتِهِ وقَدَمَيْهِ فَيُوطَأُ، ويُجْمَعُ كالحَطَبِ، ويُلْقى كَذَلِكَ في النّارِ. وقالَ الضَّحّاكُ: يُجْمَعُ بَيْنَهُما في سِلْسِلَةٍ مِن وراءِ ظَهْرِهِ. وقِيلَ: تَسْحَبُهُمُ المَلائِكَةُ، تارَةً تَأْخُذُ بِالنَّواصِي، وتارَةً بِالأقْدامِ. وقِيلَ: بَعْضَهم سَحْبًا بِالنّاصِيَةِ، وبَعْضَهم سَحْبًا بِالقَدَمِ؛ ويُؤْخَذُ مُتَعَدٍّ إلى مَفْعُولٍ بِنَفْسِهِ، وحُذِفَ هَذا الفاعِلُ والمَفْعُولُ، وأُقِيمَ الجارُّ والمَجْرُورُ مَقامَ الفاعِلِ مُضَمِّنًا مَعْنى ما يُعَدّى بِالباءِ، أيْ فَيُسْحَبُ بِالنَّواصِي والأقْدامِ، وألْ فِيهِما عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ عِوَضٌ مِنَ الضَّمِيرِ، أيْ بِنَواصِيهِمْ وأقْدامِهِمْ، وعَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ الضَّمِيرُ مَحْذُوفٌ، أيْ بِالنَّواصِي والأقْدامِ مِنهم.
﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ﴾: أيْ يُقالُ لَهم ذَلِكَ عَلى طَرِيقِ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ.
﴿يَطُوفُونَ بَيْنَها﴾: أيْ يَتَرَدَّدُونَ بَيْنَ نارِها وبَيْنَ ما غَلى فِيها مِن مائِعِ عَذابِها. وقالَ قَتادَةُ: الحَمِيمُ يَغْلِي مُنْذُ خَلَقَ اللَّهُ جَهَنَّمَ، وآنٌ: أيْ مُنْتَهى الحَرِّ والنُّضْجِ، فَيُعاقَبُ بَيْنَهم وبَيْنَ تَصْلِيَةِ النّارِ، وبَيْنَ شُرْبِ الحَمِيمِ. وقِيلَ: إذا اسْتَغاثُوا مِنَ النّارِ، جُعِلَ غِياثُهُمُ الحَمِيمَ. وقِيلَ: يُغْمَسُونَ في وادٍ في جَهَنَّمَ يَجْتَمِعُ فِيهِ صَدِيدُ أهْلِ النّارِ فَتَنْخَلِعُ أوْصالُهم، ثُمَّ يَخْرُجُونَ مِنهُ، وقَدْ أحْدَثَ اللَّهُ لَهم خَلْقًا جَدِيدًا. وقَرَأ عَلِيٌّ والسُّلَمِيُّ: يُطافُونَ؛ والأعْمَشُ وطَلْحَةُ وابْنُ مِقْسَمٍ: يُطَوِّفُونَ بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الطّاءِ وكَسْرِ الواوِ مُشَدَّدَةً. وقُرِئَ: يَطَّوَّفُونَ، أيْ يَتَطَوَّفُونَ. والجُمْهُورُ: يَطُوفُونَ مُضارِعُ طافَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾، قالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ.
﴿مَقامَ رَبِّهِ﴾ مَصْدَرٌ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مُضافًا إلى الفاعِلِ، أيْ قِيامُ رَبِّهِ عَلَيْهِ، وهو مَرْوِيٌّ عَنْ مُجاهِدٍ، قالَ: مِن قَوْلِهِ: ﴿أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ [الرعد: ٣٣]، أيْ حافِظٌ مُهَيْمِنٌ، فالعَبْدُ يُراقِبُ ذَلِكَ، فَلا يَجْسُرُ عَلى المَعْصِيَةِ. وقِيلَ: الإضافَةُ تَكُونُ بِأدْنى مُلابَسَةٍ، فالمَعْنى أنَّهُ يَخافُ مَقامَهُ الَّذِي يَقِفُ فِيهِ العِبادُ لِلْحِسابِ، مِن قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [المطففين: ٦]، وفي هَذِهِ الإضافَةِ تَنْبِيهٌ عَلى صُعُوبَةِ المَوْقِفِ. وقِيلَ: مَقامَ مُقْحَمٌ، والمَعْنى: ولِمَن خافَ رَبَّهُ، كَما تَقُولُ: أخافُ جانِبَ فُلانٍ يَعْنِي فُلانًا. والظّاهِرُ أنَّ لِكُلِّ فَرْدٍ مِنَ الخائِفِينَ ﴿جَنَّتانِ﴾، قِيلَ: إحْداهُما مَنزِلُهُ، والأُخْرى لِأزْواجِهِ وخَدَمِهِ. وقالَ مُقاتِلٌ: جَنَّةُ عَدْنٍ، وجَنَّةُ نَعِيمٍ. وقِيلَ: مَنزِلانِ يَنْتَقِلُ مِن أحَدِهِما إلى الآخَرِ لِتَتَوَفَّرَ دَواعِي لَذَّتِهِ وتَظْهَرَ ثِمارُ كَرامَتِهِ. وقِيلَ: هُما لِلْخائِفِينَ؛ والخِطابُ لِلثَّقَلَيْنِ، فَجَنَّةٌ لِلْخائِفِ الجِنِّيِّ، وجَنَّةٌ لِلْخائِفِ الإنْسِيِّ. وقالَ أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ: جَنَّةٌ مِن ذَهَبٍ لِلسّابِقِينَ، وجَنَّةٌ مِن فِضَّةٍ لِلتّابِعِينَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُقالَ: جَنَّةٌ لِفِعْلِ الطّاعاتِ، وجَنَّةٌ لِتَرْكِ المَعاصِي، لِأنَّ التَّكْلِيفَ دائِرٌ عَلَيْهِما. وأنْ يُقالَ: جَنَّةٌ يُباتُ بِها، وأُخْرى يُضَمُّ إلَيْها عَلى وجْهِ التَّفَضُّلِ لِقَوْلِهِ وزِيادَةٌ؛ وخَصَّ الأفْنانَ بِالذِّكْرِ جَمْعُ فَنَنٍ، وهي الغُصُونُ الَّتِي تَتَشَعَّبُ عَنْ فُرُوعِ الشَّجَرِ، لِأنَّها الَّتِي تُورِقُ وتُثْمِرُ، ومِنها تَمْتَدُّ الظِّلالُ، ومِنها تُجْنى الثِّمارُ. وقِيلَ: الأفْنانُ جَمْعُ فَنٍّ، وهي ألْوانُ النِّعَمِ وأنْواعُها، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والأوَّلُ قالَ قَرِيبًا مِنهُ مُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ، وهو أوْلى، لِأنَّ أفْعالًا في فَعَلٍ أكْثَرُ مِنهُ في فَعْلٍ بِسُكُونِ العَيْنِ، وفَنٌّ يُجْمَعُ عَلى فُنُونٍ.
﴿فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هُما عَيْنانِ مِثْلُ الدُّنْيا أضْعافًا مُضاعَفَةً. وقالَ: تَجْرِيانِ بِالزِّيادَةِ والكَرامَةِ عَلى أهْلِ الجَنَّةِ. وقالَ الحَسَنُ: تَجْرِيانِ بِالماءِ الزُّلالِ، إحْداهُما التَّسْنِيمُ، والأُخْرى السَّلْسَبِيلُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إحْداهُما مِن ماءٍ، والأُخْرى مِن خَمْرٍ. وقِيلَ: تَجْرِيانِ في الأعالِي والأسافِلِ مِن جَبَلٍ مِن مِسْكٍ.
﴿زَوْجانِ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ما في الدُّنْيا مِن شَجَرَةٍ حُلْوَةٍ ولا مُرَّةٍ إلّا وهي في الجَنَّةِ، (p-١٩٧)حَتّى شَجَرُ الحَنْظَلِ، إلّا أنَّهُ حُلْوًا. انْتَهى. ومَعْنى زَوْجانِ: رَطْبٌ ويابِسٌ، لا يَقْصُرُ هَذا عَنْ ذاكَ في الطِّيبِ واللَّذَّةِ. وقِيلَ: صِنْفانِ، صِنْفٌ مَعْرُوفٌ، وصِنْفٌ غَرِيبٌ. وجاءَ الفَصْلُ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿ذَواتا أفْنانٍ﴾ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿فِيهِما مِن كُلِّ فاكِهَةٍ﴾ بِقَوْلِهِ: ﴿فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ﴾ . والأفْنانُ عَلَيْها الفَواكِهُ، لِأنَّ الدّاخِلَ إلى البُسْتانِ لا يُقْدِمُ إلّا لِلتَّفَرُّجِ بِلَذَّةِ ما فِيهِ بِالنَّظَرِ إلى خُضْرَةِ الشَّجَرِ وجَرْيِ الأنْهارِ، ثُمَّ بَعْدُ يَأْخُذُ في اجْتِناءِ الثِّمارِ لِلْأكْلِ. وانْتَصَبَ (مُتَّكِئِينَ) عَلى الحالِ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولِمَن خافَ﴾، وحَمَلَ جَمْعًا عَلى مَعْنى مَن. وقِيلَ: العامِلُ مَحْذُوفٌ، أيْ يَتَنَعَّمُونَ مُتَّكِئِينَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ نُصِبَ عَلى المَدْحِ، والِاتِّكاءُ مِن صِفاتِ المُتَنَعِّمِ الدّالَّةِ عَلى صِحَّةِ الجِسْمِ وفَراغِ القَلْبِ، والمَعْنى: (مُتَّكِئِينَ) في مَنازِلِهِمْ ﴿عَلى فُرُشٍ﴾ [الرحمن: ٥٤] . وقَرَأ الجُمْهُورُ: فُرُشٍ، بِضَمَّتَيْنِ؛ وأبُو حَيْوَةَ: بِسُكُونِ الرّاءِ. وفي الحَدِيثِ: ”قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، «هَذِهِ البَطائِنُ مِن إسْتَبْرَقٍ، كَيْفَ الظَّهائِرُ ؟ قالَ: هي مِن نُورٍ يَتَلَأْلَأُ“»، ولَوْ صَحَّ هَذا لَمْ يَجُزْ أنْ يُفَسَّرَ بِغَيْرِهِ. وقِيلَ: مِن سُنْدُسٍ. قالَ الحَسَنُ والفَرّاءُ: البَطائِنُ هي الظَّهائِرُ. ورُوِيَ عَنْ قَتادَةَ، وقالَ الفَرّاءُ: قَدْ تَكُونُ البِطانَةُ الظِّهارَةَ والظِّهارَةُ البِطانَةَ، لِأنَّ كُلًّا مِنهُما يَكُونُ وجْهًا، والعَرَبُ تَقُولُ: هَذا وجْهُ السَّماءِ، وهَذا بَطْنُ السَّماءِ.
الرحمن 55:39
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿سَنَفْرُغُ لَكم أيُّها الثَّقَلانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿يامَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ إنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ تَنْفُذُوا مِن أقْطارِ السَّماواتِ والأرْضِ فانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إلّا بِسُلْطانٍ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِن نارٍ ونُحاسٌ فَلا تَنْتَصِرانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿فَإذا انْشَقَّتِ السَّماءُ فَكانَتْ ورْدَةً كالدِّهانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْألُ عَنْ ذَنْبِهِ إنْسٌ ولا جانٌّ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿يُعْرَفُ المُجْرِمُونَ بِسِيماهم فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي والأقْدامِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِها المُجْرِمُونَ﴾ ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَها وبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿ذَواتا أفْنانٍ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿فِيهِما مِن كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِن إسْتَبْرَقٍ﴾ [الرحمن: ٥٤] .
(p-١٩٤)لَمّا ذَكَرَ تَعالى ما أنْعَمَ بِهِ مِن تَعْلِيمِ العِلْمِ وخَلْقِ الإنْسانِ والسَّماءِ والأرْضِ وما أوْدَعَ فِيهِما وفَناءَ ما عَلى الأرْضِ، ذَكَرَ ما يَتَعَلَّقُ بِأحْوالِ الآخِرَةِ والجَزاءِ وقالَ: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ﴾: أيْ نَنْظُرُ في أُمُورِكم يَوْمَ القِيامَةِ، لا أنَّهُ تَعالى كانَ لَهُ شُغْلٌ فَيَفْرَغُ مِنهُ. وجَرى عَلى هَذا كَلامُ العَرَبِ في أنَّ المَعْنى: سَيَقْصِدُ لِحِسابِكم، فَهو اسْتِعارَةٌ مِن قَوْلِ الرَّجُلِ لِمَن يَتَهَدَّدُهُ: سَأفْرَغُ لَكَ، أيْ سَأتَجَرَّدُ لِلْإيقاعِ بِكَ مِن كُلِّ ما شَغَلَنِي عَنْهُ حَتّى لا يَكُونَ لِي شُغْلٌ سِواهُ، والمُرادُ التَّوَفُّرُ عَلى الِانْتِقامِ مِنهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ التَّوَعُّدُ بِعَذابٍ في الدُّنْيا، والأوَّلُ أبْيَنُ. انْتَهى، يَعْنِي: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُرادَ سَتَنْتَهِي الدُّنْيا ويُبْلَغُ آخِرُها، وتَنْتَهِي عِنْدَ ذَلِكَ شُئُونُ الخَلْقِ الَّتِي أرادَها بِقَوْلِهِ: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هو في شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩]، فَلا يَبْقى إلّا شَأْنٌ واحِدٌ وهو جَزاؤُكم، فَجَعَلَ ذَلِكَ فَراغًا لَهم عَلى طَرِيقِ المَثَلِ. انْتَهى. والَّذِي عَلَيْهِ أئِمَّةُ اللُّغَةِ أنَّ فَرَغَ تُسْتَعْمَلُ عِنْدَ انْقِضاءِ الشُّغْلِ الَّذِي كانَ الإنْسانُ مُشْتَغِلًا بِهِ، فَلِذَلِكَ احْتاجَ قَوْلُهُ إلى التَّأْوِيلِ عَلى أنَّهُ قَدْ قِيلَ: إنَّ فَرَغَ يَكُونُ بِمَعْنى قَصَدَ واهْتَمَّ، واسْتَدَلَّ عَلى ذَلِكَ بِما أنْشَدَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ لِجَرِيرٍ:
؎الانَ وقَدْ فَرَغْتُ إلى نُمَيْرٍ فَهَذا حِينَ كُنْتُ لَهم عَذابا
أيْ: قَصَدْتُ. وأنْشَدَ النَّحّاسُ:
؎فَرَغْتُ إلى العَبْدِ المُقَيَّدِ في الحَجَلْ
وفِي الحَدِيثِ: «فَرَغَ رَبُّكَ مِن أرْبَعٍ»، وفِيهِ: «لَأتَفَرَّغَنَّ إلَيْكَ يا خَبِيثُ»، يُخاطِبُ بِهِ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، إرْبَ العَقَبَةِ يَوْمَ بَيْعَتِها: أيْ لَأقْصِدَنَّ إبْطالَ أمْرِكَ، نُقِلَ هَذا عَنِ الخَلِيلِ والكِسائِيِّ والفَرّاءِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: سَنَفْرُغُ بِنُونِ العَظَمَةِ وضَمِّ الرّاءِ، مِن فَرَغَ بِفَتْحِ الرّاءِ، وهي لُغَةُ الحِجازِ؛ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو حَيْوَةَ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: بِياءِ الغَيْبَةِ؛ وقَتادَةُ والأعْرَجُ: بِالنُّونِ وفَتْحِ الرّاءِ، مُضارِعُ فَرَغَ بِكَسْرِها، وهي تَمِيمِيَّةٌ؛ وأبُو السَّمّالِ وعِيسى: بِكَسْرِ النُّونِ وفَتْحِ الرّاءِ. قالَ أبُو حاتِمٍ: هي لُغَةُ سُفْلى مُضَرَ. والأعْمَشُ وأبُو حَيْوَةَ بِخِلافٍ عَنْهُما؛ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ والزَّعْفَرانِيُّ: بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الرّاءِ، مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ؛ وعِيسى أيْضًا: بِفَتْحِ النُّونِ وكَسْرِ الرّاءِ. والأعْرَجُ أيْضًا: بِفَتْحِ الياءِ والرّاءِ، وهي رِوايَةُ يُونُسَ والجُعْفِيِّ وعَبْدِ الوارِثِ عَنْ أبِي عَمْرٍو. والثَّقَلانِ: الإنْسُ والجِنُّ، سُمِّيا بِذَلِكَ لِكَوْنِهِما ثَقِيلَيْنِ عَلى وجْهِ الأرْضِ، أوْ لِكَوْنِهِما مُثْقَلِينَ بِالذُّنُوبِ، أوْ لِثِقَلِ الإنْسِ. وسُمِّيَ الجِنُّ ثَقَلًا لِمُجاوَرَةِ الإنْسِ، والثَّقَلُ: الأمْرُ العَظِيمُ. وفي الحَدِيثِ: «إنِّي تارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ كِتابُ اللَّهِ وعِتْرَتِي»، سُمِّيا بِذَلِكَ لِعِظَمِهِما وشَرَفِهِما.
والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿يامَعْشَرَ﴾ الآيَةَ مِن خِطابِ اللَّهِ إيّاهم يَوْمَ القِيامَةِ، ﴿يَوْمَ التَّنادِ﴾ [غافر: ٣٢] . وقِيلَ: يُقالُ لَهم ذَلِكَ. قالَ الضَّحّاكُ: يَفِرُّونَ في أقْطارِ الأرْضِ لِما يَرَوْنَ مِنَ الهَوْلِ، فَيَجِدُونَ المَلائِكَةَ قَدْ أحاطَتْ بِالأرْضِ، فَيَرْجِعُونَ مِن حَيْثُ جاءُوا، فَحِينَئِذٍ يُقالُ لَهم ذَلِكَ. وقِيلَ: هو خِطابٌ في الدُّنْيا، والمَعْنى: إنِ اسْتَطَعْتُمُ الفِرارَ مِنَ المَوْتِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿إنِ اسْتَطَعْتُمْ﴾ بِأذْهانِكم وفِكْرِكم، ﴿أنْ تَنْفُذُوا﴾، فَتَعْلَمُونَ عِلْمَ ﴿أقْطارِ﴾: أيْ جِهاتِ ﴿السَّماواتِ والأرْضِ﴾ . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿يامَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ﴾، كالتَّرْجَمَةِ لِقَوْلِهِ: ﴿أيُّها الثَّقَلانِ﴾، ﴿إنِ اسْتَطَعْتُمْ﴾ أنْ تَهْرُبُوا مِن قَضائِي، وتَخْرُجُوا مِن مَلَكُوتِي ومِن سَمائِي وأرْضِي فافْعَلُوا؛ ثُمَّ قالَ: لا تَقْدِرُونَ عَلى النُّفُوذِ ﴿إلّا بِسُلْطانٍ﴾، يَعْنِي: بِقُوَّةٍ وقَهْرٍ وغَلَبَةٍ، وأنّى لَكم ذَلِكَ، ونَحْوُهُ: ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ [العنكبوت: ٢٢] . انْتَهى.
﴿فانْفُذُوا﴾: أمْرُ تَعْجِيزٍ. وقالَ قَتادَةُ: السُّلْطانُ هُنا المِلْكُ، ولَيْسَ لَهم مِلْكٌ. وقالَ الضَّحّاكُ أيْضًا: بَيْنَما النّاسُ في أسْواقِهِمْ، انْفَتَحَتِ السَّماءُ ونَزَلَتِ المَلائِكَةُ، فَتَهْرُبُ الجِنُّ والإنْسُ، فَتُحَدِّقُ بِهِمُ المَلائِكَةُ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: إنِ اسْتَطَعْتُما، عَلى خِطابِ تَثْنِيَةِ الثَّقَلَيْنِ ومُراعاةِ الجِنِّ والإنْسِ؛ والجُمْهُورُ: عَلى خِطابِ (p-١٩٥)الجَماعَةِ إنِ اسْتَطَعْتُمْ، لِأنَّ كُلًّا مِنهُما تَحْتَهُ أفْرادٌ كَثِيرَةٌ، كَقَوْلِهِ: ﴿وإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات: ٩] .
﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إذا خَرَجُوا مِن قُبُورِهِمْ، ساقَهم شُواظٌ إلى المَحْشَرِ. والشُّواظُ: لَهَبُ النّارِ. وقالَ مُجاهِدٌ: اللَّهَبُ الأحْمَرُ المُنْقَطِعُ. وقالَ الضَّحّاكُ: الدُّخانُ الَّذِي يَخْرُجُ مِنَ اللَّهَبِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: شُواظٌ، بِضَمِّ الشِّينِ؛ وعِيسى وابْنُ كَثِيرٍ وشِبْلٌ: بِكَسْرِها. والجُمْهُورُ؛ ﴿ونُحاسٌ﴾: بِالرَّفْعِ؛ وابْنُ أبِي إسْحاقَ والنَّخَعِيُّ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو: بِالجَرِّ؛ والكَلْبِيُّ وطَلْحَةُ ومُجاهِدٌ: بِكَسْرِ نُونِ ”نِحاسٍ“ والسِّينِ. وقَرَأ ابْنُ جُبَيْرٍ: ونَحْسٌ، كَما تَقُولُ: يَوْمٌ نَحْسٌ. وقَرَأ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي بَكْرَةَ وابْنُ أبِي إسْحاقَ أيْضًا: ونَحُسُّ مُضارِعًا، وماضِيهِ حَسَّهُ، أيْ قَتَلَهُ، أيْ ويُحِسُّ بِالعَذابِ. وعَنِ ابْنِ أبِي إسْحاقَ أيْضًا: ونَحِسٌ بِالحَرَكاتِ الثَّلاثِ في الحاءِ عَلى التَّخْيِيرِ؛ وحَنْظَلَةُ بْنُ نُعْمانَ: ونَحِسٍ بِفَتْحِ النُّونِ وكَسْرِ السِّينِ؛ والحَسَنُ وإسْماعِيلُ: ونُحُسٍ بِضَمَّتَيْنِ والكَسْرِ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: نُرْسِلُ بِالنُّونِ، عَلَيْكُما شُواظًا بِالنَّصْبِ، مِن نارٍ ونُحاسًا بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى شُواظًا. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُبَيْرٍ: والنُّحاسُ الدُّخانُ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا ومُجاهِدٍ: هو الصُّفْرُ المَعْرُوفُ، والمَعْنى: يُعْجِزُ الجِنَّ والإنْسَ، أيْ أنْتُما بِحالِ مَن يُرْسَلُ عَلَيْهِ هَذا، فَلا يَقْدِرُ عَلى الِامْتِناعِ مِمّا يُرْسَلُ عَلَيْهِ.
﴿فَإذا انْشَقَّتِ السَّماءُ﴾: جَوابُ إذا مَحْذُوفٌ، أيْ فَما أعْظَمَ الهَوْلَ، وانْشِقاقُها: انْفِطارُها يَوْمَ القِيامَةِ.
﴿فَكانَتْ ورْدَةً﴾: أيْ مُحْمَرَّةً كالوَرْدِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو صالِحٍ: هي مِن لَوْنِ الفَرَسِ الوَرْدِ، فَأُنِّثَ لِكَوْنِ السَّماءِ مُؤَنَّثَةً. وقالَ قَتادَةُ: هي اليَوْمَ زَرْقاءُ، ويَوْمَئِذٍ تَغْلِبُ عَلَيْها الحُمْرَةُ كَلَوْنِ الوَرْدِ، وهي النَّوّارُ المَعْرُوفُ، قالَهُ الزَّجّاجُ، ويُرِيدُ كَلَوْنِ الوَرْدِ، وقالَ الشّاعِرُ:
؎فَلَوْ كُنْتُ ورْدًا لَوْنُهُ لَعَشِقْتِنِي ∗∗∗ ولَكِنَّ رَبِّي شانَنِي بِسَوادِيا
وقالَ أبُو الجَوْزاءِ: ورْدَةٌ صَفْراءُ. وقالَ: أما سَمِعْتَ العَرَبَ تُسَمِّي الخَيْلَ الوَرْدَ ؟ قالَ الفَرّاءُ: أرادَ لَوْنَ الفَرَسِ الوَرْدِ، يَكُونُ في الرَّبِيعِ إلى الصُّفْرَةِ، وفي الشِّتاءِ إلى الحُمْرَةِ، وفي اشْتِدادِ البَرْدِ إلى الغُبْرَةِ، فَشَبَّهَ تَلَوُّنَ السَّماءِ بِتَلَوُّنِ الوَرْدَةِ مِنَ الخَيْلِ، وهَذا قَوْلُ الكَلْبِيِّ.
﴿كالدِّهانِ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الأدِيمُ الأحْمَرُ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى:
؎وأجْرَدَ مِن كِرامِ الخَيْرِ طِرْفٍ ∗∗∗ كَأنَّ عَلى شَواكِلِهِ دِهانا
وقالَ الشّاعِرُ: كالدِّهانِ المُخْتَلِفَةِ، لِأنَّها تَتَلَوَّنُ ألْوانًا. وقالَ الضَّحّاكُ: كالدِّهانِ خالِصَةً، جَمْعَ دُهْنٍ، كَقُرْطٍ وقِراطٍ. وقِيلَ: تَصِيرُ حَمْراءَ مِن حَرارَةِ جَهَنَّمَ، ومِثْلَ الدُّهْنِ لِذَوْبِها ودَوَرانِها. وقِيلَ: شُبِّهَتْ بِالدِّهانِ في لَمَعانِها. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿كالدِّهانِ﴾: كَدُهْنِ الزَّيْتِ، كَما قالَ: ﴿كالمُهْلِ﴾ [الكهف: ٢٩]، وهو دُرْدِيُّ الزَّيْتِ، وهو جَمْعُ دُهْنٍ أوِ اسْمُ ما يُدْهَنُ بِهِ، كالحَرامِ والأدامِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎كَأنَّهُما مَزادَتا مُتَعَجِّلٍ ∗∗∗ فَرِيّانِ لَمّا سُلِّعا بِدِهانِ
وقَرَأ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: ورْدَةٌ بِالرَّفْعِ بِمَعْنى: فَحَصَلَتْ سَماءٌ ورْدَةٌ، وهو مِنَ الكَلامِ الَّذِي يُسَمّى التَّجْرِيدَ، كَقَوْلِهِ:
؎فَلَئِنْ بَقِيتُ لَأرْحَلَنَّ بِغَزْوَةٍ ∗∗∗ نَحْوَ المَغانِمِ أوْ يَمُوتَ كَرِيمُ
انْتَهى.
﴿فَيَوْمَئِذٍ﴾: التَّنْوِينُ فِيهِ لِلْعِوَضِ مِنَ الجُمْلَةِ المَحْذُوفَةِ، والتَّقْدِيرُ: فَيَوْمَ إذِ انْشَقَّتِ السَّماءُ، والنّاصِبُ لِيَوْمَئِذٍ ﴿لا يُسْألُ﴾، ودَلَّ هَذا عَلى انْتِفاءِ السُّؤالِ، ﴿وقِفُوهم إنَّهم مَسْئُولُونَ﴾ [الصافات: ٢٤] وغَيْرُهُ مِنَ الآياتِ عَلى وُقُوعِ السُّؤالِ. فَقالَ عِكْرِمَةُ وقَتادَةُ: هي مَواطِنُ يُسْألُ في بَعْضِها. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: حَيْثُ ذَكَرَ السُّؤالَ فَهو سُؤالُ تَوْبِيخٍ وتَقْرِيرٍ، وحَيْثُ نَفى فَهي اسْتِخْبارٌ مَحْضٌ عَنِ الذَّنْبِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِكُلِّ شَيْءٍ. وقالَ قَتادَةُ أيْضًا: كانَتْ مَسْألَةً، ثُمَّ خَتَمَ عَلى الأفْواهِ وتَكَلَّمَتِ الأيْدِي والأرْجُلُ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ. وقالَ أبُو العالِيَةِ وقَتادَةُ: لا يُسْألُ غَيْرُ المُجْرِمِ عَنْ ذَنْبِ المُجْرِمِ. وقَرَأ الحَسَنُ وعَمْرُو بْنُ (p-١٩٦)عُبَيْدٍ: ولا جَأْنٌ بِالهَمْزِ، فِرارًا مِنِ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وإنْ كانَ التِقاؤُهُما عَلى حَدِّهِ. وقَرَأ حَمّادُ بْنُ أبِي سُلَيْمانَ: بِسِيمائِهِمْ؛ والجُمْهُورُ: ﴿بِسِيماهُمْ﴾، وسِيما المُجْرِمِينَ: سَوادُ الوُجُوهِ وزُرْقَةُ العُيُونِ، قالَهُ الحَسَنُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ غَيْرَ هَذا مِنَ التَّشْوِيهاتِ، كالعَمى والبَكَمِ والصَّمَمِ.
﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي والأقْدامِ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُؤْخَذُ بِناصِيَتِهِ وقَدَمَيْهِ فَيُوطَأُ، ويُجْمَعُ كالحَطَبِ، ويُلْقى كَذَلِكَ في النّارِ. وقالَ الضَّحّاكُ: يُجْمَعُ بَيْنَهُما في سِلْسِلَةٍ مِن وراءِ ظَهْرِهِ. وقِيلَ: تَسْحَبُهُمُ المَلائِكَةُ، تارَةً تَأْخُذُ بِالنَّواصِي، وتارَةً بِالأقْدامِ. وقِيلَ: بَعْضَهم سَحْبًا بِالنّاصِيَةِ، وبَعْضَهم سَحْبًا بِالقَدَمِ؛ ويُؤْخَذُ مُتَعَدٍّ إلى مَفْعُولٍ بِنَفْسِهِ، وحُذِفَ هَذا الفاعِلُ والمَفْعُولُ، وأُقِيمَ الجارُّ والمَجْرُورُ مَقامَ الفاعِلِ مُضَمِّنًا مَعْنى ما يُعَدّى بِالباءِ، أيْ فَيُسْحَبُ بِالنَّواصِي والأقْدامِ، وألْ فِيهِما عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ عِوَضٌ مِنَ الضَّمِيرِ، أيْ بِنَواصِيهِمْ وأقْدامِهِمْ، وعَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ الضَّمِيرُ مَحْذُوفٌ، أيْ بِالنَّواصِي والأقْدامِ مِنهم.
﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ﴾: أيْ يُقالُ لَهم ذَلِكَ عَلى طَرِيقِ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ.
﴿يَطُوفُونَ بَيْنَها﴾: أيْ يَتَرَدَّدُونَ بَيْنَ نارِها وبَيْنَ ما غَلى فِيها مِن مائِعِ عَذابِها. وقالَ قَتادَةُ: الحَمِيمُ يَغْلِي مُنْذُ خَلَقَ اللَّهُ جَهَنَّمَ، وآنٌ: أيْ مُنْتَهى الحَرِّ والنُّضْجِ، فَيُعاقَبُ بَيْنَهم وبَيْنَ تَصْلِيَةِ النّارِ، وبَيْنَ شُرْبِ الحَمِيمِ. وقِيلَ: إذا اسْتَغاثُوا مِنَ النّارِ، جُعِلَ غِياثُهُمُ الحَمِيمَ. وقِيلَ: يُغْمَسُونَ في وادٍ في جَهَنَّمَ يَجْتَمِعُ فِيهِ صَدِيدُ أهْلِ النّارِ فَتَنْخَلِعُ أوْصالُهم، ثُمَّ يَخْرُجُونَ مِنهُ، وقَدْ أحْدَثَ اللَّهُ لَهم خَلْقًا جَدِيدًا. وقَرَأ عَلِيٌّ والسُّلَمِيُّ: يُطافُونَ؛ والأعْمَشُ وطَلْحَةُ وابْنُ مِقْسَمٍ: يُطَوِّفُونَ بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الطّاءِ وكَسْرِ الواوِ مُشَدَّدَةً. وقُرِئَ: يَطَّوَّفُونَ، أيْ يَتَطَوَّفُونَ. والجُمْهُورُ: يَطُوفُونَ مُضارِعُ طافَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾، قالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ.
﴿مَقامَ رَبِّهِ﴾ مَصْدَرٌ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مُضافًا إلى الفاعِلِ، أيْ قِيامُ رَبِّهِ عَلَيْهِ، وهو مَرْوِيٌّ عَنْ مُجاهِدٍ، قالَ: مِن قَوْلِهِ: ﴿أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ [الرعد: ٣٣]، أيْ حافِظٌ مُهَيْمِنٌ، فالعَبْدُ يُراقِبُ ذَلِكَ، فَلا يَجْسُرُ عَلى المَعْصِيَةِ. وقِيلَ: الإضافَةُ تَكُونُ بِأدْنى مُلابَسَةٍ، فالمَعْنى أنَّهُ يَخافُ مَقامَهُ الَّذِي يَقِفُ فِيهِ العِبادُ لِلْحِسابِ، مِن قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [المطففين: ٦]، وفي هَذِهِ الإضافَةِ تَنْبِيهٌ عَلى صُعُوبَةِ المَوْقِفِ. وقِيلَ: مَقامَ مُقْحَمٌ، والمَعْنى: ولِمَن خافَ رَبَّهُ، كَما تَقُولُ: أخافُ جانِبَ فُلانٍ يَعْنِي فُلانًا. والظّاهِرُ أنَّ لِكُلِّ فَرْدٍ مِنَ الخائِفِينَ ﴿جَنَّتانِ﴾، قِيلَ: إحْداهُما مَنزِلُهُ، والأُخْرى لِأزْواجِهِ وخَدَمِهِ. وقالَ مُقاتِلٌ: جَنَّةُ عَدْنٍ، وجَنَّةُ نَعِيمٍ. وقِيلَ: مَنزِلانِ يَنْتَقِلُ مِن أحَدِهِما إلى الآخَرِ لِتَتَوَفَّرَ دَواعِي لَذَّتِهِ وتَظْهَرَ ثِمارُ كَرامَتِهِ. وقِيلَ: هُما لِلْخائِفِينَ؛ والخِطابُ لِلثَّقَلَيْنِ، فَجَنَّةٌ لِلْخائِفِ الجِنِّيِّ، وجَنَّةٌ لِلْخائِفِ الإنْسِيِّ. وقالَ أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ: جَنَّةٌ مِن ذَهَبٍ لِلسّابِقِينَ، وجَنَّةٌ مِن فِضَّةٍ لِلتّابِعِينَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُقالَ: جَنَّةٌ لِفِعْلِ الطّاعاتِ، وجَنَّةٌ لِتَرْكِ المَعاصِي، لِأنَّ التَّكْلِيفَ دائِرٌ عَلَيْهِما. وأنْ يُقالَ: جَنَّةٌ يُباتُ بِها، وأُخْرى يُضَمُّ إلَيْها عَلى وجْهِ التَّفَضُّلِ لِقَوْلِهِ وزِيادَةٌ؛ وخَصَّ الأفْنانَ بِالذِّكْرِ جَمْعُ فَنَنٍ، وهي الغُصُونُ الَّتِي تَتَشَعَّبُ عَنْ فُرُوعِ الشَّجَرِ، لِأنَّها الَّتِي تُورِقُ وتُثْمِرُ، ومِنها تَمْتَدُّ الظِّلالُ، ومِنها تُجْنى الثِّمارُ. وقِيلَ: الأفْنانُ جَمْعُ فَنٍّ، وهي ألْوانُ النِّعَمِ وأنْواعُها، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والأوَّلُ قالَ قَرِيبًا مِنهُ مُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ، وهو أوْلى، لِأنَّ أفْعالًا في فَعَلٍ أكْثَرُ مِنهُ في فَعْلٍ بِسُكُونِ العَيْنِ، وفَنٌّ يُجْمَعُ عَلى فُنُونٍ.
﴿فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هُما عَيْنانِ مِثْلُ الدُّنْيا أضْعافًا مُضاعَفَةً. وقالَ: تَجْرِيانِ بِالزِّيادَةِ والكَرامَةِ عَلى أهْلِ الجَنَّةِ. وقالَ الحَسَنُ: تَجْرِيانِ بِالماءِ الزُّلالِ، إحْداهُما التَّسْنِيمُ، والأُخْرى السَّلْسَبِيلُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إحْداهُما مِن ماءٍ، والأُخْرى مِن خَمْرٍ. وقِيلَ: تَجْرِيانِ في الأعالِي والأسافِلِ مِن جَبَلٍ مِن مِسْكٍ.
﴿زَوْجانِ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ما في الدُّنْيا مِن شَجَرَةٍ حُلْوَةٍ ولا مُرَّةٍ إلّا وهي في الجَنَّةِ، (p-١٩٧)حَتّى شَجَرُ الحَنْظَلِ، إلّا أنَّهُ حُلْوًا. انْتَهى. ومَعْنى زَوْجانِ: رَطْبٌ ويابِسٌ، لا يَقْصُرُ هَذا عَنْ ذاكَ في الطِّيبِ واللَّذَّةِ. وقِيلَ: صِنْفانِ، صِنْفٌ مَعْرُوفٌ، وصِنْفٌ غَرِيبٌ. وجاءَ الفَصْلُ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿ذَواتا أفْنانٍ﴾ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿فِيهِما مِن كُلِّ فاكِهَةٍ﴾ بِقَوْلِهِ: ﴿فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ﴾ . والأفْنانُ عَلَيْها الفَواكِهُ، لِأنَّ الدّاخِلَ إلى البُسْتانِ لا يُقْدِمُ إلّا لِلتَّفَرُّجِ بِلَذَّةِ ما فِيهِ بِالنَّظَرِ إلى خُضْرَةِ الشَّجَرِ وجَرْيِ الأنْهارِ، ثُمَّ بَعْدُ يَأْخُذُ في اجْتِناءِ الثِّمارِ لِلْأكْلِ. وانْتَصَبَ (مُتَّكِئِينَ) عَلى الحالِ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولِمَن خافَ﴾، وحَمَلَ جَمْعًا عَلى مَعْنى مَن. وقِيلَ: العامِلُ مَحْذُوفٌ، أيْ يَتَنَعَّمُونَ مُتَّكِئِينَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ نُصِبَ عَلى المَدْحِ، والِاتِّكاءُ مِن صِفاتِ المُتَنَعِّمِ الدّالَّةِ عَلى صِحَّةِ الجِسْمِ وفَراغِ القَلْبِ، والمَعْنى: (مُتَّكِئِينَ) في مَنازِلِهِمْ ﴿عَلى فُرُشٍ﴾ [الرحمن: ٥٤] . وقَرَأ الجُمْهُورُ: فُرُشٍ، بِضَمَّتَيْنِ؛ وأبُو حَيْوَةَ: بِسُكُونِ الرّاءِ. وفي الحَدِيثِ: ”قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، «هَذِهِ البَطائِنُ مِن إسْتَبْرَقٍ، كَيْفَ الظَّهائِرُ ؟ قالَ: هي مِن نُورٍ يَتَلَأْلَأُ“»، ولَوْ صَحَّ هَذا لَمْ يَجُزْ أنْ يُفَسَّرَ بِغَيْرِهِ. وقِيلَ: مِن سُنْدُسٍ. قالَ الحَسَنُ والفَرّاءُ: البَطائِنُ هي الظَّهائِرُ. ورُوِيَ عَنْ قَتادَةَ، وقالَ الفَرّاءُ: قَدْ تَكُونُ البِطانَةُ الظِّهارَةَ والظِّهارَةُ البِطانَةَ، لِأنَّ كُلًّا مِنهُما يَكُونُ وجْهًا، والعَرَبُ تَقُولُ: هَذا وجْهُ السَّماءِ، وهَذا بَطْنُ السَّماءِ.
الرحمن 55:40
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿سَنَفْرُغُ لَكم أيُّها الثَّقَلانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿يامَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ إنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ تَنْفُذُوا مِن أقْطارِ السَّماواتِ والأرْضِ فانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إلّا بِسُلْطانٍ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِن نارٍ ونُحاسٌ فَلا تَنْتَصِرانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿فَإذا انْشَقَّتِ السَّماءُ فَكانَتْ ورْدَةً كالدِّهانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْألُ عَنْ ذَنْبِهِ إنْسٌ ولا جانٌّ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿يُعْرَفُ المُجْرِمُونَ بِسِيماهم فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي والأقْدامِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِها المُجْرِمُونَ﴾ ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَها وبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿ذَواتا أفْنانٍ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿فِيهِما مِن كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِن إسْتَبْرَقٍ﴾ [الرحمن: ٥٤] .
(p-١٩٤)لَمّا ذَكَرَ تَعالى ما أنْعَمَ بِهِ مِن تَعْلِيمِ العِلْمِ وخَلْقِ الإنْسانِ والسَّماءِ والأرْضِ وما أوْدَعَ فِيهِما وفَناءَ ما عَلى الأرْضِ، ذَكَرَ ما يَتَعَلَّقُ بِأحْوالِ الآخِرَةِ والجَزاءِ وقالَ: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ﴾: أيْ نَنْظُرُ في أُمُورِكم يَوْمَ القِيامَةِ، لا أنَّهُ تَعالى كانَ لَهُ شُغْلٌ فَيَفْرَغُ مِنهُ. وجَرى عَلى هَذا كَلامُ العَرَبِ في أنَّ المَعْنى: سَيَقْصِدُ لِحِسابِكم، فَهو اسْتِعارَةٌ مِن قَوْلِ الرَّجُلِ لِمَن يَتَهَدَّدُهُ: سَأفْرَغُ لَكَ، أيْ سَأتَجَرَّدُ لِلْإيقاعِ بِكَ مِن كُلِّ ما شَغَلَنِي عَنْهُ حَتّى لا يَكُونَ لِي شُغْلٌ سِواهُ، والمُرادُ التَّوَفُّرُ عَلى الِانْتِقامِ مِنهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ التَّوَعُّدُ بِعَذابٍ في الدُّنْيا، والأوَّلُ أبْيَنُ. انْتَهى، يَعْنِي: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُرادَ سَتَنْتَهِي الدُّنْيا ويُبْلَغُ آخِرُها، وتَنْتَهِي عِنْدَ ذَلِكَ شُئُونُ الخَلْقِ الَّتِي أرادَها بِقَوْلِهِ: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هو في شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩]، فَلا يَبْقى إلّا شَأْنٌ واحِدٌ وهو جَزاؤُكم، فَجَعَلَ ذَلِكَ فَراغًا لَهم عَلى طَرِيقِ المَثَلِ. انْتَهى. والَّذِي عَلَيْهِ أئِمَّةُ اللُّغَةِ أنَّ فَرَغَ تُسْتَعْمَلُ عِنْدَ انْقِضاءِ الشُّغْلِ الَّذِي كانَ الإنْسانُ مُشْتَغِلًا بِهِ، فَلِذَلِكَ احْتاجَ قَوْلُهُ إلى التَّأْوِيلِ عَلى أنَّهُ قَدْ قِيلَ: إنَّ فَرَغَ يَكُونُ بِمَعْنى قَصَدَ واهْتَمَّ، واسْتَدَلَّ عَلى ذَلِكَ بِما أنْشَدَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ لِجَرِيرٍ:
؎الانَ وقَدْ فَرَغْتُ إلى نُمَيْرٍ فَهَذا حِينَ كُنْتُ لَهم عَذابا
أيْ: قَصَدْتُ. وأنْشَدَ النَّحّاسُ:
؎فَرَغْتُ إلى العَبْدِ المُقَيَّدِ في الحَجَلْ
وفِي الحَدِيثِ: «فَرَغَ رَبُّكَ مِن أرْبَعٍ»، وفِيهِ: «لَأتَفَرَّغَنَّ إلَيْكَ يا خَبِيثُ»، يُخاطِبُ بِهِ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، إرْبَ العَقَبَةِ يَوْمَ بَيْعَتِها: أيْ لَأقْصِدَنَّ إبْطالَ أمْرِكَ، نُقِلَ هَذا عَنِ الخَلِيلِ والكِسائِيِّ والفَرّاءِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: سَنَفْرُغُ بِنُونِ العَظَمَةِ وضَمِّ الرّاءِ، مِن فَرَغَ بِفَتْحِ الرّاءِ، وهي لُغَةُ الحِجازِ؛ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو حَيْوَةَ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: بِياءِ الغَيْبَةِ؛ وقَتادَةُ والأعْرَجُ: بِالنُّونِ وفَتْحِ الرّاءِ، مُضارِعُ فَرَغَ بِكَسْرِها، وهي تَمِيمِيَّةٌ؛ وأبُو السَّمّالِ وعِيسى: بِكَسْرِ النُّونِ وفَتْحِ الرّاءِ. قالَ أبُو حاتِمٍ: هي لُغَةُ سُفْلى مُضَرَ. والأعْمَشُ وأبُو حَيْوَةَ بِخِلافٍ عَنْهُما؛ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ والزَّعْفَرانِيُّ: بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الرّاءِ، مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ؛ وعِيسى أيْضًا: بِفَتْحِ النُّونِ وكَسْرِ الرّاءِ. والأعْرَجُ أيْضًا: بِفَتْحِ الياءِ والرّاءِ، وهي رِوايَةُ يُونُسَ والجُعْفِيِّ وعَبْدِ الوارِثِ عَنْ أبِي عَمْرٍو. والثَّقَلانِ: الإنْسُ والجِنُّ، سُمِّيا بِذَلِكَ لِكَوْنِهِما ثَقِيلَيْنِ عَلى وجْهِ الأرْضِ، أوْ لِكَوْنِهِما مُثْقَلِينَ بِالذُّنُوبِ، أوْ لِثِقَلِ الإنْسِ. وسُمِّيَ الجِنُّ ثَقَلًا لِمُجاوَرَةِ الإنْسِ، والثَّقَلُ: الأمْرُ العَظِيمُ. وفي الحَدِيثِ: «إنِّي تارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ كِتابُ اللَّهِ وعِتْرَتِي»، سُمِّيا بِذَلِكَ لِعِظَمِهِما وشَرَفِهِما.
والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿يامَعْشَرَ﴾ الآيَةَ مِن خِطابِ اللَّهِ إيّاهم يَوْمَ القِيامَةِ، ﴿يَوْمَ التَّنادِ﴾ [غافر: ٣٢] . وقِيلَ: يُقالُ لَهم ذَلِكَ. قالَ الضَّحّاكُ: يَفِرُّونَ في أقْطارِ الأرْضِ لِما يَرَوْنَ مِنَ الهَوْلِ، فَيَجِدُونَ المَلائِكَةَ قَدْ أحاطَتْ بِالأرْضِ، فَيَرْجِعُونَ مِن حَيْثُ جاءُوا، فَحِينَئِذٍ يُقالُ لَهم ذَلِكَ. وقِيلَ: هو خِطابٌ في الدُّنْيا، والمَعْنى: إنِ اسْتَطَعْتُمُ الفِرارَ مِنَ المَوْتِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿إنِ اسْتَطَعْتُمْ﴾ بِأذْهانِكم وفِكْرِكم، ﴿أنْ تَنْفُذُوا﴾، فَتَعْلَمُونَ عِلْمَ ﴿أقْطارِ﴾: أيْ جِهاتِ ﴿السَّماواتِ والأرْضِ﴾ . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿يامَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ﴾، كالتَّرْجَمَةِ لِقَوْلِهِ: ﴿أيُّها الثَّقَلانِ﴾، ﴿إنِ اسْتَطَعْتُمْ﴾ أنْ تَهْرُبُوا مِن قَضائِي، وتَخْرُجُوا مِن مَلَكُوتِي ومِن سَمائِي وأرْضِي فافْعَلُوا؛ ثُمَّ قالَ: لا تَقْدِرُونَ عَلى النُّفُوذِ ﴿إلّا بِسُلْطانٍ﴾، يَعْنِي: بِقُوَّةٍ وقَهْرٍ وغَلَبَةٍ، وأنّى لَكم ذَلِكَ، ونَحْوُهُ: ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ [العنكبوت: ٢٢] . انْتَهى.
﴿فانْفُذُوا﴾: أمْرُ تَعْجِيزٍ. وقالَ قَتادَةُ: السُّلْطانُ هُنا المِلْكُ، ولَيْسَ لَهم مِلْكٌ. وقالَ الضَّحّاكُ أيْضًا: بَيْنَما النّاسُ في أسْواقِهِمْ، انْفَتَحَتِ السَّماءُ ونَزَلَتِ المَلائِكَةُ، فَتَهْرُبُ الجِنُّ والإنْسُ، فَتُحَدِّقُ بِهِمُ المَلائِكَةُ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: إنِ اسْتَطَعْتُما، عَلى خِطابِ تَثْنِيَةِ الثَّقَلَيْنِ ومُراعاةِ الجِنِّ والإنْسِ؛ والجُمْهُورُ: عَلى خِطابِ (p-١٩٥)الجَماعَةِ إنِ اسْتَطَعْتُمْ، لِأنَّ كُلًّا مِنهُما تَحْتَهُ أفْرادٌ كَثِيرَةٌ، كَقَوْلِهِ: ﴿وإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات: ٩] .
﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إذا خَرَجُوا مِن قُبُورِهِمْ، ساقَهم شُواظٌ إلى المَحْشَرِ. والشُّواظُ: لَهَبُ النّارِ. وقالَ مُجاهِدٌ: اللَّهَبُ الأحْمَرُ المُنْقَطِعُ. وقالَ الضَّحّاكُ: الدُّخانُ الَّذِي يَخْرُجُ مِنَ اللَّهَبِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: شُواظٌ، بِضَمِّ الشِّينِ؛ وعِيسى وابْنُ كَثِيرٍ وشِبْلٌ: بِكَسْرِها. والجُمْهُورُ؛ ﴿ونُحاسٌ﴾: بِالرَّفْعِ؛ وابْنُ أبِي إسْحاقَ والنَّخَعِيُّ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو: بِالجَرِّ؛ والكَلْبِيُّ وطَلْحَةُ ومُجاهِدٌ: بِكَسْرِ نُونِ ”نِحاسٍ“ والسِّينِ. وقَرَأ ابْنُ جُبَيْرٍ: ونَحْسٌ، كَما تَقُولُ: يَوْمٌ نَحْسٌ. وقَرَأ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي بَكْرَةَ وابْنُ أبِي إسْحاقَ أيْضًا: ونَحُسُّ مُضارِعًا، وماضِيهِ حَسَّهُ، أيْ قَتَلَهُ، أيْ ويُحِسُّ بِالعَذابِ. وعَنِ ابْنِ أبِي إسْحاقَ أيْضًا: ونَحِسٌ بِالحَرَكاتِ الثَّلاثِ في الحاءِ عَلى التَّخْيِيرِ؛ وحَنْظَلَةُ بْنُ نُعْمانَ: ونَحِسٍ بِفَتْحِ النُّونِ وكَسْرِ السِّينِ؛ والحَسَنُ وإسْماعِيلُ: ونُحُسٍ بِضَمَّتَيْنِ والكَسْرِ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: نُرْسِلُ بِالنُّونِ، عَلَيْكُما شُواظًا بِالنَّصْبِ، مِن نارٍ ونُحاسًا بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى شُواظًا. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُبَيْرٍ: والنُّحاسُ الدُّخانُ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا ومُجاهِدٍ: هو الصُّفْرُ المَعْرُوفُ، والمَعْنى: يُعْجِزُ الجِنَّ والإنْسَ، أيْ أنْتُما بِحالِ مَن يُرْسَلُ عَلَيْهِ هَذا، فَلا يَقْدِرُ عَلى الِامْتِناعِ مِمّا يُرْسَلُ عَلَيْهِ.
﴿فَإذا انْشَقَّتِ السَّماءُ﴾: جَوابُ إذا مَحْذُوفٌ، أيْ فَما أعْظَمَ الهَوْلَ، وانْشِقاقُها: انْفِطارُها يَوْمَ القِيامَةِ.
﴿فَكانَتْ ورْدَةً﴾: أيْ مُحْمَرَّةً كالوَرْدِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو صالِحٍ: هي مِن لَوْنِ الفَرَسِ الوَرْدِ، فَأُنِّثَ لِكَوْنِ السَّماءِ مُؤَنَّثَةً. وقالَ قَتادَةُ: هي اليَوْمَ زَرْقاءُ، ويَوْمَئِذٍ تَغْلِبُ عَلَيْها الحُمْرَةُ كَلَوْنِ الوَرْدِ، وهي النَّوّارُ المَعْرُوفُ، قالَهُ الزَّجّاجُ، ويُرِيدُ كَلَوْنِ الوَرْدِ، وقالَ الشّاعِرُ:
؎فَلَوْ كُنْتُ ورْدًا لَوْنُهُ لَعَشِقْتِنِي ∗∗∗ ولَكِنَّ رَبِّي شانَنِي بِسَوادِيا
وقالَ أبُو الجَوْزاءِ: ورْدَةٌ صَفْراءُ. وقالَ: أما سَمِعْتَ العَرَبَ تُسَمِّي الخَيْلَ الوَرْدَ ؟ قالَ الفَرّاءُ: أرادَ لَوْنَ الفَرَسِ الوَرْدِ، يَكُونُ في الرَّبِيعِ إلى الصُّفْرَةِ، وفي الشِّتاءِ إلى الحُمْرَةِ، وفي اشْتِدادِ البَرْدِ إلى الغُبْرَةِ، فَشَبَّهَ تَلَوُّنَ السَّماءِ بِتَلَوُّنِ الوَرْدَةِ مِنَ الخَيْلِ، وهَذا قَوْلُ الكَلْبِيِّ.
﴿كالدِّهانِ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الأدِيمُ الأحْمَرُ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى:
؎وأجْرَدَ مِن كِرامِ الخَيْرِ طِرْفٍ ∗∗∗ كَأنَّ عَلى شَواكِلِهِ دِهانا
وقالَ الشّاعِرُ: كالدِّهانِ المُخْتَلِفَةِ، لِأنَّها تَتَلَوَّنُ ألْوانًا. وقالَ الضَّحّاكُ: كالدِّهانِ خالِصَةً، جَمْعَ دُهْنٍ، كَقُرْطٍ وقِراطٍ. وقِيلَ: تَصِيرُ حَمْراءَ مِن حَرارَةِ جَهَنَّمَ، ومِثْلَ الدُّهْنِ لِذَوْبِها ودَوَرانِها. وقِيلَ: شُبِّهَتْ بِالدِّهانِ في لَمَعانِها. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿كالدِّهانِ﴾: كَدُهْنِ الزَّيْتِ، كَما قالَ: ﴿كالمُهْلِ﴾ [الكهف: ٢٩]، وهو دُرْدِيُّ الزَّيْتِ، وهو جَمْعُ دُهْنٍ أوِ اسْمُ ما يُدْهَنُ بِهِ، كالحَرامِ والأدامِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎كَأنَّهُما مَزادَتا مُتَعَجِّلٍ ∗∗∗ فَرِيّانِ لَمّا سُلِّعا بِدِهانِ
وقَرَأ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: ورْدَةٌ بِالرَّفْعِ بِمَعْنى: فَحَصَلَتْ سَماءٌ ورْدَةٌ، وهو مِنَ الكَلامِ الَّذِي يُسَمّى التَّجْرِيدَ، كَقَوْلِهِ:
؎فَلَئِنْ بَقِيتُ لَأرْحَلَنَّ بِغَزْوَةٍ ∗∗∗ نَحْوَ المَغانِمِ أوْ يَمُوتَ كَرِيمُ
انْتَهى.
﴿فَيَوْمَئِذٍ﴾: التَّنْوِينُ فِيهِ لِلْعِوَضِ مِنَ الجُمْلَةِ المَحْذُوفَةِ، والتَّقْدِيرُ: فَيَوْمَ إذِ انْشَقَّتِ السَّماءُ، والنّاصِبُ لِيَوْمَئِذٍ ﴿لا يُسْألُ﴾، ودَلَّ هَذا عَلى انْتِفاءِ السُّؤالِ، ﴿وقِفُوهم إنَّهم مَسْئُولُونَ﴾ [الصافات: ٢٤] وغَيْرُهُ مِنَ الآياتِ عَلى وُقُوعِ السُّؤالِ. فَقالَ عِكْرِمَةُ وقَتادَةُ: هي مَواطِنُ يُسْألُ في بَعْضِها. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: حَيْثُ ذَكَرَ السُّؤالَ فَهو سُؤالُ تَوْبِيخٍ وتَقْرِيرٍ، وحَيْثُ نَفى فَهي اسْتِخْبارٌ مَحْضٌ عَنِ الذَّنْبِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِكُلِّ شَيْءٍ. وقالَ قَتادَةُ أيْضًا: كانَتْ مَسْألَةً، ثُمَّ خَتَمَ عَلى الأفْواهِ وتَكَلَّمَتِ الأيْدِي والأرْجُلُ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ. وقالَ أبُو العالِيَةِ وقَتادَةُ: لا يُسْألُ غَيْرُ المُجْرِمِ عَنْ ذَنْبِ المُجْرِمِ. وقَرَأ الحَسَنُ وعَمْرُو بْنُ (p-١٩٦)عُبَيْدٍ: ولا جَأْنٌ بِالهَمْزِ، فِرارًا مِنِ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وإنْ كانَ التِقاؤُهُما عَلى حَدِّهِ. وقَرَأ حَمّادُ بْنُ أبِي سُلَيْمانَ: بِسِيمائِهِمْ؛ والجُمْهُورُ: ﴿بِسِيماهُمْ﴾، وسِيما المُجْرِمِينَ: سَوادُ الوُجُوهِ وزُرْقَةُ العُيُونِ، قالَهُ الحَسَنُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ غَيْرَ هَذا مِنَ التَّشْوِيهاتِ، كالعَمى والبَكَمِ والصَّمَمِ.
﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي والأقْدامِ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُؤْخَذُ بِناصِيَتِهِ وقَدَمَيْهِ فَيُوطَأُ، ويُجْمَعُ كالحَطَبِ، ويُلْقى كَذَلِكَ في النّارِ. وقالَ الضَّحّاكُ: يُجْمَعُ بَيْنَهُما في سِلْسِلَةٍ مِن وراءِ ظَهْرِهِ. وقِيلَ: تَسْحَبُهُمُ المَلائِكَةُ، تارَةً تَأْخُذُ بِالنَّواصِي، وتارَةً بِالأقْدامِ. وقِيلَ: بَعْضَهم سَحْبًا بِالنّاصِيَةِ، وبَعْضَهم سَحْبًا بِالقَدَمِ؛ ويُؤْخَذُ مُتَعَدٍّ إلى مَفْعُولٍ بِنَفْسِهِ، وحُذِفَ هَذا الفاعِلُ والمَفْعُولُ، وأُقِيمَ الجارُّ والمَجْرُورُ مَقامَ الفاعِلِ مُضَمِّنًا مَعْنى ما يُعَدّى بِالباءِ، أيْ فَيُسْحَبُ بِالنَّواصِي والأقْدامِ، وألْ فِيهِما عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ عِوَضٌ مِنَ الضَّمِيرِ، أيْ بِنَواصِيهِمْ وأقْدامِهِمْ، وعَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ الضَّمِيرُ مَحْذُوفٌ، أيْ بِالنَّواصِي والأقْدامِ مِنهم.
﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ﴾: أيْ يُقالُ لَهم ذَلِكَ عَلى طَرِيقِ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ.
﴿يَطُوفُونَ بَيْنَها﴾: أيْ يَتَرَدَّدُونَ بَيْنَ نارِها وبَيْنَ ما غَلى فِيها مِن مائِعِ عَذابِها. وقالَ قَتادَةُ: الحَمِيمُ يَغْلِي مُنْذُ خَلَقَ اللَّهُ جَهَنَّمَ، وآنٌ: أيْ مُنْتَهى الحَرِّ والنُّضْجِ، فَيُعاقَبُ بَيْنَهم وبَيْنَ تَصْلِيَةِ النّارِ، وبَيْنَ شُرْبِ الحَمِيمِ. وقِيلَ: إذا اسْتَغاثُوا مِنَ النّارِ، جُعِلَ غِياثُهُمُ الحَمِيمَ. وقِيلَ: يُغْمَسُونَ في وادٍ في جَهَنَّمَ يَجْتَمِعُ فِيهِ صَدِيدُ أهْلِ النّارِ فَتَنْخَلِعُ أوْصالُهم، ثُمَّ يَخْرُجُونَ مِنهُ، وقَدْ أحْدَثَ اللَّهُ لَهم خَلْقًا جَدِيدًا. وقَرَأ عَلِيٌّ والسُّلَمِيُّ: يُطافُونَ؛ والأعْمَشُ وطَلْحَةُ وابْنُ مِقْسَمٍ: يُطَوِّفُونَ بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الطّاءِ وكَسْرِ الواوِ مُشَدَّدَةً. وقُرِئَ: يَطَّوَّفُونَ، أيْ يَتَطَوَّفُونَ. والجُمْهُورُ: يَطُوفُونَ مُضارِعُ طافَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾، قالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ.
﴿مَقامَ رَبِّهِ﴾ مَصْدَرٌ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مُضافًا إلى الفاعِلِ، أيْ قِيامُ رَبِّهِ عَلَيْهِ، وهو مَرْوِيٌّ عَنْ مُجاهِدٍ، قالَ: مِن قَوْلِهِ: ﴿أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ [الرعد: ٣٣]، أيْ حافِظٌ مُهَيْمِنٌ، فالعَبْدُ يُراقِبُ ذَلِكَ، فَلا يَجْسُرُ عَلى المَعْصِيَةِ. وقِيلَ: الإضافَةُ تَكُونُ بِأدْنى مُلابَسَةٍ، فالمَعْنى أنَّهُ يَخافُ مَقامَهُ الَّذِي يَقِفُ فِيهِ العِبادُ لِلْحِسابِ، مِن قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [المطففين: ٦]، وفي هَذِهِ الإضافَةِ تَنْبِيهٌ عَلى صُعُوبَةِ المَوْقِفِ. وقِيلَ: مَقامَ مُقْحَمٌ، والمَعْنى: ولِمَن خافَ رَبَّهُ، كَما تَقُولُ: أخافُ جانِبَ فُلانٍ يَعْنِي فُلانًا. والظّاهِرُ أنَّ لِكُلِّ فَرْدٍ مِنَ الخائِفِينَ ﴿جَنَّتانِ﴾، قِيلَ: إحْداهُما مَنزِلُهُ، والأُخْرى لِأزْواجِهِ وخَدَمِهِ. وقالَ مُقاتِلٌ: جَنَّةُ عَدْنٍ، وجَنَّةُ نَعِيمٍ. وقِيلَ: مَنزِلانِ يَنْتَقِلُ مِن أحَدِهِما إلى الآخَرِ لِتَتَوَفَّرَ دَواعِي لَذَّتِهِ وتَظْهَرَ ثِمارُ كَرامَتِهِ. وقِيلَ: هُما لِلْخائِفِينَ؛ والخِطابُ لِلثَّقَلَيْنِ، فَجَنَّةٌ لِلْخائِفِ الجِنِّيِّ، وجَنَّةٌ لِلْخائِفِ الإنْسِيِّ. وقالَ أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ: جَنَّةٌ مِن ذَهَبٍ لِلسّابِقِينَ، وجَنَّةٌ مِن فِضَّةٍ لِلتّابِعِينَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُقالَ: جَنَّةٌ لِفِعْلِ الطّاعاتِ، وجَنَّةٌ لِتَرْكِ المَعاصِي، لِأنَّ التَّكْلِيفَ دائِرٌ عَلَيْهِما. وأنْ يُقالَ: جَنَّةٌ يُباتُ بِها، وأُخْرى يُضَمُّ إلَيْها عَلى وجْهِ التَّفَضُّلِ لِقَوْلِهِ وزِيادَةٌ؛ وخَصَّ الأفْنانَ بِالذِّكْرِ جَمْعُ فَنَنٍ، وهي الغُصُونُ الَّتِي تَتَشَعَّبُ عَنْ فُرُوعِ الشَّجَرِ، لِأنَّها الَّتِي تُورِقُ وتُثْمِرُ، ومِنها تَمْتَدُّ الظِّلالُ، ومِنها تُجْنى الثِّمارُ. وقِيلَ: الأفْنانُ جَمْعُ فَنٍّ، وهي ألْوانُ النِّعَمِ وأنْواعُها، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والأوَّلُ قالَ قَرِيبًا مِنهُ مُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ، وهو أوْلى، لِأنَّ أفْعالًا في فَعَلٍ أكْثَرُ مِنهُ في فَعْلٍ بِسُكُونِ العَيْنِ، وفَنٌّ يُجْمَعُ عَلى فُنُونٍ.
﴿فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هُما عَيْنانِ مِثْلُ الدُّنْيا أضْعافًا مُضاعَفَةً. وقالَ: تَجْرِيانِ بِالزِّيادَةِ والكَرامَةِ عَلى أهْلِ الجَنَّةِ. وقالَ الحَسَنُ: تَجْرِيانِ بِالماءِ الزُّلالِ، إحْداهُما التَّسْنِيمُ، والأُخْرى السَّلْسَبِيلُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إحْداهُما مِن ماءٍ، والأُخْرى مِن خَمْرٍ. وقِيلَ: تَجْرِيانِ في الأعالِي والأسافِلِ مِن جَبَلٍ مِن مِسْكٍ.
﴿زَوْجانِ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ما في الدُّنْيا مِن شَجَرَةٍ حُلْوَةٍ ولا مُرَّةٍ إلّا وهي في الجَنَّةِ، (p-١٩٧)حَتّى شَجَرُ الحَنْظَلِ، إلّا أنَّهُ حُلْوًا. انْتَهى. ومَعْنى زَوْجانِ: رَطْبٌ ويابِسٌ، لا يَقْصُرُ هَذا عَنْ ذاكَ في الطِّيبِ واللَّذَّةِ. وقِيلَ: صِنْفانِ، صِنْفٌ مَعْرُوفٌ، وصِنْفٌ غَرِيبٌ. وجاءَ الفَصْلُ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿ذَواتا أفْنانٍ﴾ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿فِيهِما مِن كُلِّ فاكِهَةٍ﴾ بِقَوْلِهِ: ﴿فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ﴾ . والأفْنانُ عَلَيْها الفَواكِهُ، لِأنَّ الدّاخِلَ إلى البُسْتانِ لا يُقْدِمُ إلّا لِلتَّفَرُّجِ بِلَذَّةِ ما فِيهِ بِالنَّظَرِ إلى خُضْرَةِ الشَّجَرِ وجَرْيِ الأنْهارِ، ثُمَّ بَعْدُ يَأْخُذُ في اجْتِناءِ الثِّمارِ لِلْأكْلِ. وانْتَصَبَ (مُتَّكِئِينَ) عَلى الحالِ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولِمَن خافَ﴾، وحَمَلَ جَمْعًا عَلى مَعْنى مَن. وقِيلَ: العامِلُ مَحْذُوفٌ، أيْ يَتَنَعَّمُونَ مُتَّكِئِينَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ نُصِبَ عَلى المَدْحِ، والِاتِّكاءُ مِن صِفاتِ المُتَنَعِّمِ الدّالَّةِ عَلى صِحَّةِ الجِسْمِ وفَراغِ القَلْبِ، والمَعْنى: (مُتَّكِئِينَ) في مَنازِلِهِمْ ﴿عَلى فُرُشٍ﴾ [الرحمن: ٥٤] . وقَرَأ الجُمْهُورُ: فُرُشٍ، بِضَمَّتَيْنِ؛ وأبُو حَيْوَةَ: بِسُكُونِ الرّاءِ. وفي الحَدِيثِ: ”قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، «هَذِهِ البَطائِنُ مِن إسْتَبْرَقٍ، كَيْفَ الظَّهائِرُ ؟ قالَ: هي مِن نُورٍ يَتَلَأْلَأُ“»، ولَوْ صَحَّ هَذا لَمْ يَجُزْ أنْ يُفَسَّرَ بِغَيْرِهِ. وقِيلَ: مِن سُنْدُسٍ. قالَ الحَسَنُ والفَرّاءُ: البَطائِنُ هي الظَّهائِرُ. ورُوِيَ عَنْ قَتادَةَ، وقالَ الفَرّاءُ: قَدْ تَكُونُ البِطانَةُ الظِّهارَةَ والظِّهارَةُ البِطانَةَ، لِأنَّ كُلًّا مِنهُما يَكُونُ وجْهًا، والعَرَبُ تَقُولُ: هَذا وجْهُ السَّماءِ، وهَذا بَطْنُ السَّماءِ.