Al-Bahr Al-Muhit — القمر 54:47 – الرحمن 55:17
المحتويات
القمر 54:47
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ﴾ ﴿إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِبًا إلّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْناهم بِسَحَرٍ﴾ ﴿نِعْمَةً مِن عِنْدِنا كَذَلِكَ نَجْزِي مَن شَكَرَ﴾ ﴿ولَقَدْ أنْذَرَهم بَطْشَتَنا فَتَمارَوْا بِالنُّذُرِ﴾ ﴿ولَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنا أعْيُنَهم فَذُوقُوا عَذابِي ونُذُرِ﴾ ﴿ولَقَدْ صَبَّحَهم بُكْرَةً عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ﴾ ﴿فَذُوقُوا عَذابِي ونُذُرِ﴾ ﴿ولَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ ﴿ولَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ﴾ ﴿كَذَّبُوا بِآياتِنا كُلِّها فَأخَذْناهم أخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ﴾ ﴿أكُفّارُكم خَيْرٌ مِن أُولَئِكم أمْ لَكم بَراءَةٌ في الزُّبُرِ﴾ ﴿أمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾ ﴿سَيُهْزَمُ الجَمْعُ ويُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ ﴿بَلِ السّاعَةُ مَوْعِدُهم والسّاعَةُ أدْهى وأمَرُّ﴾ ﴿إنَّ المُجْرِمِينَ في ضَلالٍ وسُعُرٍ﴾ ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ في النّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ ﴿إنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾ ﴿وما أمْرُنا إلّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالبَصَرِ﴾ ﴿ولَقَدْ أهْلَكْنا أشْياعَكم فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ ﴿وكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ في الزُّبُرِ﴾ ﴿وكُلُّ صَغِيرٍ وكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ﴾ ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ ونَهَرٍ﴾ ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ .
(p-١٨٢)تَقَدَّمَتْ قِصَّةُ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وقَوْمِهِ. والحاصِبُ مِنَ الحَصْباءِ، وهو المَعْنِيُّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ﴾ [الحجر: ٧٤] . (إلّا آلَ لُوطٍ)، قِيلَ: إلّا ابْنَتاهُ، و(بِسَحَرٍ): هو بُكْرَةٌ، فَلِذَلِكَ صُرِفَ، وانْتَصَبَ (نِعْمَةً) عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، أيْ نَجَّيْناهم لِإنْعامِنا عَلَيْهِمْ أوْ عَلى المَصْدَرِ، لِأنَّ المَعْنى: أنْعَمْنا بِالتَّنْجِيَةِ إنْعامًا. (كَذَلِكَ نَجْزِي): أيْ مِثْلُ ذَلِكَ الإنْعامِ والتَّنْجِيَةِ نَجْزِي ﴿مَن شَكَرَ﴾ إنْعامَنا وأطاعَ وآمَنَ.
﴿ولَقَدْ أنْذَرَهم بَطْشَتَنا﴾: أيْ أخْذَتَنا لَهم بِالعَذابِ، ﴿فَتَمارَوْا﴾: أيْ تَشَكَّكُوا وتَعاطَوْا ذَلِكَ، (بِالنُّذُرِ): أيْ بِالإنْذارِ، أوْ يَكُونُ جَمْعَ نَذِيرٍ.
﴿فَطَمَسْنا﴾، قالَ قَتادَةُ: الطَّمْسُ حَقِيقَةً جَرُّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى أعْيُنِهِمْ جَناحَهُ، فاسْتَوَتْ مَعَ وُجُوهِهِمْ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَطْمُوسَةٌ بِجِلْدٍ كالوَجْهِ. قِيلَ: لَمّا صَفَقَهم جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِجَناحِهِ، تَرَكَهم يَتَرَدَّدُونَ لا يَهْتَدُونَ إلى البابِ، حَتّى أخْرَجَهم لُوطٌ عَلَيْهِ السَّلامُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ: هَذِهِ اسْتِعارَةٌ، وإنَّما حَجَبَ إدْراكَهم، فَدَخَلُوا المَنزِلَ ولَمْ يَرَوْا شَيْئًا، فَجُعِلَ ذَلِكَ كالطَّمْسِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: فَطَمَسْنا بِتَخْفِيفِ المِيمِ؛ وابْنُ مِقْسَمٍ: بِتَشْدِيدِها. (فَذُوقُوا): أيْ فَقُلْتُ لَهم عَلى ألْسِنَةِ المَلائِكَةِ: ذُوقُوا.
﴿ولَقَدْ صَبَّحَهم بُكْرَةً﴾: أيْ أوَّلَ النَّهارِ وباكِرَهُ، لِقَوْلِهِ: (مُشْرِقِينَ) و(مُصْبِحِينَ) . وقَرَأ الجُمْهُورُ: بُكْرَةً بِالتَّنْوِينِ، أرادَ بُكْرَةً مِنَ البِكْرِ، فَصُرِفَ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: بِغَيْرِ تَنْوِينٍ.
﴿عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ﴾: أيْ لَمْ يَكْشِفْهُ عَنْهم كاشِفٌ، بَلِ اتَّصَلَ بِمَوْتِهِمْ، ثُمَّ بِما بَعْدَ ذَلِكَ مِن عَذابِ القَبْرِ، ثُمَّ عَذابِ جَهَنَّمَ.
﴿فَذُوقُوا عَذابِي ونُذُرِ﴾: تَوْكِيدٌ وتَوْبِيخٌ، ذَلِكَ عِنْدَ الطَّمْسِ، وهَذا عِنْدَ تَصْبِيحِ العَذابِ. قِيلَ: وفائِدَةُ تَكْرارِ هَذا وتَكْرارِ (ولَقَدْ يَسَّرْنا)، التَّجَرُّدُ عِنْدَ اسْتِماعِ كُلِّ نَبَأٍ مِن أنْباءِ الأوَّلِينَ، لِلِاتِّعاظِ واسْتِئْنافِ التَّيَقُّظِ إذا سَمِعُوا الحَثَّ عَلى ذَلِكَ لِئَلّا تَسْتَوْلِيَ عَلَيْهِمُ الغَفْلَةُ، وهَكَذا حُكْمُ التَّكْرِيرِ لِقَوْلِهِ: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ١٣] عِنْدَ كُلِّ نِعْمَةٍ عَدَّها في سُورَةِ الرَّحْمَنِ. وقَوْلُهُ: ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ١٥] عِنْدَ كُلِّ آيَةٍ أوْرَدَها في سُورَةِ والمُرْسَلاتِ، وكَذَلِكَ تَكْرِيرُ القَصَصِ في أنْفُسِها، لِتَكُونَ العِبْرَةُ حاضِرَةً لِلْقُلُوبِ، مَذْكُورَةً في كُلِّ أوانٍ.
﴿ولَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ﴾: هم مُوسى وهارُونُ وغَيْرُهُما مِنَ الأنْبِياءِ، لِأنَّهُما عَرَضا عَلَيْهِمْ ما أنْذَرَ بِهِ المُرْسَلُونَ، أوْ يَكُونُ جَمْعُ نَذِيرٍ المَصْدَرَ بِمَعْنى الإنْذارِ. (كَذَّبُوا بِآياتِنا) هي التِّسْعُ، والتَّوْكِيدُ هُنا كَهو في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ أرَيْناهُ آياتِنا كُلَّها﴾ [طه: ٥٦] . والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في: (كَذَّبُوا)، وفي: (فَأخَذْناهم) عائِدٌ عَلى آلِ فِرْعَوْنَ. وقِيلَ: هو عائِدٌ عَلى جَمِيعِ مَن تَقَدَّمَ مِنَ الأُمَمِ ذِكْرُهُ، وتَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: (النُّذُرُ) .
﴿فَأخَذْناهم أخْذَ عَزِيزٍ﴾: لا يُغالَبُ، (مُقْتَدِرٍ): لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ.
﴿أكُفّارُكُمْ﴾: خِطابٌ لِأهْلِ مَكَّةَ، ﴿خَيْرٌ مِن أُولَئِكُمْ﴾: الإشارَةُ إلى قَوْمِ نُوحٍ وهُودٍ وصالِحٍ ولُوطٍ، وإلى فِرْعَوْنَ، والمَعْنى: أهم خَيْرٌ في القُوَّةِ وآلاتِ الحُرُوبِ والمَكانَةِ في الدُّنْيا، أوْ أقَلُّ كُفُؤًا وعِنادًا ؟ فَلِأجْلِ كَوْنِهِمْ خَيْرًا لا يُعاقَبُونَ عَلى الكُفْرِ بِاللَّهِ، وقَّفَهم عَلى تَوْبِيخِهِمْ، أيْ لَيْسَ كُفّارُكم خَيْرًا مِن أُولَئِكم، بَلْ هم مِثْلُهم أوْ شَرٌّ مِنهم، وقَدْ عَلِمْتُمْ ما لَحِقَ أُولَئِكَ مِنَ الهَلاكِ المُسْتَأْصِلِ لَمّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ.
﴿أمْ لَكم بَراءَةٌ في الزُّبُرِ﴾: أيْ ألَكم في الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ بَراءَةٌ مِن عَذابِ اللَّهِ تَعالى ؟ قالَهُ الضَّحّاكُ وعِكْرِمَةُ وابْنُ زَيْدٍ.
﴿أمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ﴾ أيْ واثِقُونَ بِجَماعَتِنا، مُنْتَصِرُونَ بِقُوَّتِنا، تَقُولُونَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الإعْجابِ بِأنْفُسِكم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: أمْ يَقُولُونَ، بِياءِ الغَيْبَةِ التِفاتًا، وكَذا ما بَعْدَهُ لِلْغائِبِ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ ومُوسى الأسْوارِيُّ (p-١٨٣)وأبُو البَرَهْسَمِ: بِتاءِ الخِطابِ لِلْكُفّارِ، اتِّباعًا لِما تَقَدَّمَ مِن خِطابِهِمْ. وقَرَءُوا: سَتَهْزِمُ الجَمْعَ، بِفَتْحِ التّاءِ وكَسْرِ الزّايِ وفَتْحِ العَيْنِ، خِطابًا لِلرَّسُولِ، ﷺ؛ وأبُو حَيْوَةَ أيْضًا ويَعْقُوبُ: بِالنُّونِ مَفْتُوحَةً وكَسْرِ الزّايِ وفَتْحِ العَيْنِ؛ والجُمْهُورُ: بِالياءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ وضَمِّ العَيْنِ. وعَنْ أبِي حَيْوَةَ وابْنِ أبِي عَبْلَةَ أيْضًا: بِفَتْحِ الياءِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ ونَصْبِ العَيْنِ: أيْ سَيَهْزِمُ اللَّهُ الجَمْعَ. والجُمْهُورُ: ﴿ويُوَلُّونَ﴾ بِياءِ الغَيْبَةِ؛ وأبُو حَيْوَةَ وداوُدُ بْنُ أبِي سالِمٍ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِتاءِ الخِطابِ. والدُّبُرُ هُنا: اسْمُ جِنْسٍ، وجاءَ في مَوْضِعٍ آخَرَ ﴿لَيُوَلُّنَّ الأدْبارَ﴾ [الحشر: ١٢]، وهو الأصْلُ، وحَسَّنَ اسْمَ الجِنْسِ هُنا كَوْنُهُ فاصِلَةً. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿ويُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾: أيِ الأدْبارَ، كَما قالَ: كُلُوا في بَعْضِ بَطْنِكم تَعُفُّوا. وقُرِئَ: الأدْبارَ. انْتَهى، ولَيْسَ مِثْلَ بَطْنِكم، لِأنَّ مَجِيءَ الدُّبُرِ مُفْرَدًا لَيْسَ بِحَسَنٍ، ولا يَحْسُنُ لِإفْرادِ بَطْنِكم. وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَيُهْزَمُ الجَمْعُ﴾ عِدَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِرَسُولِهِ، ﷺ، بِهَزِيمَةِ جَمْعِ قُرَيْشٍ؛ والجُمْهُورُ: عَلى أنَّها مَكِّيَّةٌ، وتَلاها رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، مُسْتَشْهِدًا بِها. وقِيلَ: نَزَلَتْ يَوْمَ بَدْرٍ.
﴿بَلِ السّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ﴾: انْتَقَلَ مِن تِلْكَ الأقْوالِ إلى أمْرِ السّاعَةِ الَّتِي عَذابُها أشُدُّ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ هَزِيمَةٍ وقِتالٍ.
﴿والسّاعَةُ أدْهى﴾: أيْ أفْظَعُ وأشَدُّ، والدّاهِيَةُ الأمَرُّ: المُنْكَرُ الَّذِي لا يُهْتَدى لِدَفْعِهِ، وهي الرَّزِيَّةُ العُظْمى تَحُلُّ بِالشَّخْصِ. (وأمَرُّ) مِنَ المَرارَةِ: اسْتِعارَةٌ لِصُعُوبَةِ الشَّيْءِ عَلى النَّفْسِ.
﴿إنَّ المُجْرِمِينَ في ضَلالٍ﴾: أيْ في حَيْرَةٍ وتَخَبُّطٍ في الدُّنْيا. (وسُعُرٍ): أيِ احْتِراقٍ في الآخِرَةِ، جُعِلُوا فِيهِ مِن حَيْثُ مَصِيرُهم إلَيْهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وخُسْرانٍ وجُنُونٍ، والسُّعُرُ: الجُنُونُ، وتَقَدَّمَ مِثْلُهُ في قِصَّةِ صالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ.
﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ﴾: يُجَرُّونَ (في النّارِ)، وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ: إلى النّارِ.
﴿عَلى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا﴾: أيْ مَقُولًا لَهم: ﴿ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ . وقَرَأ مَحْبُوبٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو: مَسَّقَرٍ، بِإدْغامِ السِّينِ في السِّينِ. قالَ ابْنُ مُجاهِدٍ: إدْغامُهُ خَطَأٌ لِأنَّهُ مُشَدَّدٌ. انْتَهى. والظَّنُّ بِأبِي عَمْرٍو أنَّهُ لَمْ يُدْغِمْ حَتّى حَذَفَ إحْدى السِّينَيْنِ لِاجْتِماعِ الأمْثالِ، ثُمَّ أدْغَمَ.
﴿إنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾، قِراءَةُ الجُمْهُورِ: كُلَّ شَيْءٍ بِالنَّصْبِ. وقَرَأ أبُو السَّمّالِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ وقَوْمٌ مِن أهْلِ السُّنَّةِ: بِالرَّفْعِ. قالَ أبُو الفَتْحِ: هو الوَجْهُ في العَرَبِيَّةِ، وقِراءَتُنا بِالنَّصْبِ مَعَ الجَماعَةِ. وقالَ قَوْمٌ: إذا كانَ الفِعْلُ يُتَوَهَّمُ فِيهِ الوَصْفُ، وأنَّ ما بَعْدَهُ يَصْلُحُ لِلْخَبَرِ، وكانَ المَعْنى عَلى أنْ يَكُونَ الفِعْلُ هو الخَبَرَ، اخْتِيرَ النَّصْبُ في الِاسْمِ الأوَّلِ حَتّى يَتَّضِحَ أنَّ الفِعْلَ لَيْسَ بِوَصْفٍ، ومِنهُ هَذا المَوْضِعُ، لِأنَّ في قِراءَةِ الرَّفْعِ يُتَخَيَّلُ أنَّ الفِعْلَ وصْفٌ، وأنَّ الخَبَرَ يُقَدَّرُ. فَقَدْ تَنازَعَ أهْلُ السُّنَّةِ والقَدَرِيَّةُ الِاسْتِدْلالَ بِهَذِهِ الآيَةِ. فَأهْلُ السُّنَّةِ يَقُولُونَ: كُلُّ شَيْءٍ فَهو مَخْلُوقٌ لِلَّهِ تَعالى بِقُدْرَةٍ دَلِيلُهُ قِراءَةُ النَّصْبِ، لِأنَّهُ لا يُفَسِّرُ في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ إلّا ما يَصِحُّ أنْ يَكُونَ خَبَرًا لَوْ وقَعَ الأوَّلُ عَلى الِابْتِداءِ. وقالَتِ القَدَرِيَّةُ: القِراءَةُ بِرَفْعِ كُلِّ، وخَلَقْناهُ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِكُلِّ، أيْ إنْ أمْرُنا أوْ شَأْنُنا كُلُّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ فَهو بِقَدَرٍ أوْ بِمِقْدارٍ، عَلى حَدِّ ما في هَيْئَتِهِ وزَمَنِهِ وغَيْرِ ذَلِكَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ”كُلَّ شَيْءٍ“ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ الظّاهِرُ. وقُرِئَ: كُلُّ شَيْءٍ بِالرَّفْعِ، والقَدَرُ هو التَّقْدِيرُ. وقُرِئَ بِهِما، أيْ خَلَقْنا كُلَّ شَيْءٍ مُقَدَّرًا مُحْكَمًا مُرَتَّبًا عَلى حَسَبِ ما اقْتَضَتْهُ الحِكْمَةُ، أوْ مُقَدَّرًا مَكْتُوبًا في اللَّوْحِ، مَعْلُومًا قَبْلَ كَوْنِهِ، قَدْ عَلِمْنا حالَهُ وزَمانَهُ. انْتَهى. قِيلَ: والقَدَرُ فِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنْ يَكُونَ بِمَعْنى المِقْدارِ في ذاتِهِ وصِفاتِهِ. والثّانِي: التَّقْدِيرُ، قالَ تَعالى: ﴿فَقَدَرْنا فَنِعْمَ القادِرُونَ﴾ [المرسلات: ٢٣] . وقالَ الشّاعِرُ:
؎وما قَدَّرَ الرَّحْمَنُ ما هو قادِرُ
أيْ ما هو مَقْدُورٌ. والثّالِثُ: القَدَرُ الَّذِي يُقالُ مَعَ القَضاءِ، يُقالُ: كانَ ذَلِكَ بِقَضاءِ اللَّهِ وقَدَرِهِ، والمَعْنى: أنَّ القَضاءَ ما في العِلْمِ، والقَدَرَ ما في الإرادَةِ، فالمَعْنى في الآيَةِ: ﴿خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾: أيْ بِقُدْرَةٍ مَعَ إرادَةٍ. انْتَهى.
﴿وما أمْرُنا إلّا واحِدَةٌ﴾: أيْ إلّا كَلِمَةٌ واحِدَةٌ وهي: كُنْ كَلَمْحٍ بِالبَصَرِ، تَشْبِيهٌ بِأعْجَلِ ما يُحَسُّ، وفي أشْياءَ، أمْرُ اللَّهِ تَعالى أوْحى مِن ذَلِكَ، والمَعْنى: أنَّهُ إذا أرادَ (p-١٨٤)تَكْوِينَ شَيْءٍ لَمْ يَتَأخَّرْ عَنْ إرادَتِهِ.
﴿ولَقَدْ أهْلَكْنا أشْياعَكُمْ﴾: أيِ الفِرَقَ المُتَشايِعَةَ في مَذْهَبٍ ودِينٍ.
﴿وكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ﴾: أيْ فَعَلَتْهُ الأُمَمُ المُكَذِّبَةُ، مَحْفُوظٌ عَلَيْهِمْ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ وقَتادَةُ وابْنُ زَيْدٍ. ومَعْنى (في الزُّبُرِ): في دَواوِينِ الحَفَظَةِ.
﴿وكُلُّ صَغِيرٍ وكَبِيرٍ﴾ مِنَ الأعْمالِ، ومِن كُلِّ ما هو كائِنٌ، ﴿مُسْتَطَرٌ﴾: أيْ مَسْطُورٌ في اللَّوْحِ. يُقالُ: سَطَّرْتُ واسْتَطَرْتُ بِمَعْنًى. وقَرَأ الأعْمَشُ وعِمْرانُ بْنُ حُدَيْرٍ وعِصْمَةُ عَنْ أبِي بَكْرٍ: بِشَدِّ راءِ ”مُسْتَطَرٌّ“ . قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن طُرَّ النَّباتُ والشّارِبُ إذا ظَهَرَ وثَبَتَ بِمَعْنى: كُلُّ شَيْءٍ ظاهِرٌ في اللَّوْحِ مُثْبَتٌ فِيهِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِنَ الِاسْتِطارِ، لَكِنْ شَدَّدَ الرّاءَ لِلْوَقْفِ عَلى لُغَةِ مَن يَقُولُ: جَعْفَرٌّ ونَفْعَلُّ بِالتَّشْدِيدِ وقْفًا. انْتَهى، ووَزْنُهُ عَلى التَّوْجِيهِ الأوَّلِ اسْتَفْعَلَ، وعَلى الثّانِي افْتَعَلَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ونَهَرٍ عَلى الإفْرادِ، والهاءُ مَفْتُوحَةٌ؛ والأعْرَجُ ومُجاهِدٌ وحُمَيْدٌ وأبُو السَّمّالِ والفَيّاضُ بْنُ غَزْوانَ: بِسُكُونِها، والمُرادُ بِهِ الجِنْسُ، إنْ أُرِيدَ بِهِ الأنْهارُ، أوْ يَكُونُ مَعْنى ونَهَرٍ وسَعَةً في الأرْزاقِ والمَنازِلِ، ومِنهُ قَوْلُ قَيْسِ بْنِ الخَطِيمِ:
؎مَلَكْتُ بِها كَفِّي فَأنْهَرْتُ فَتْقَها ∗∗∗ يَرى قائِمٌ مِن دُونِها ما وراءَها
أيْ: أوْسَعْتُ فَتْقَها. وقَرَأ زُهَيْرٌ العُرْقُبِيُّ والأعْمَشُ وأبُو نَهِيكٍ وأبُو مِجْلَزٍ واليَمانِيُّ: بِضَمِّ النُّونِ والهاءِ، جَمْعَ نُهُرٍ، كَرَهْنٍ ورُهُنٍ، أوْ نُهْرٍ كَأسَدٍ وأُسْدٍ، وهو مُناسِبٌ لِجَمْعِ جَنّاتٍ. وقِيلَ: نُهُرٌ جَمْعُ نَهارٍ، ولا لَيْلَ في الجَنَّةِ، وهو بَعِيدٌ.
﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ﴾: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضِدَّ الكَذِبِ، أيْ في المَقْعَدِ الَّذِي صَدَقُوا في الخَبَرِ بِهِ، وأنْ يَكُونَ مِن قَوْلِكَ: رَجُلُ صِدْقٍ: أيْ خَيْرٍ وجُودٍ وصَلاحٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: في مَقْعَدِ، عَلى الإفْرادِ، يُرادُ بِهِ اسْمُ الجِنْسِ؛ وعُثْمانُ البَتِّيُّ: (في مَقاعِدِ) عَلى الجَمْعِ؛ و”عِنْدَ“ تَدُلُّ عَلى قُرْبِ المَكانَةِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
القمر 54:48
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ﴾ ﴿إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِبًا إلّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْناهم بِسَحَرٍ﴾ ﴿نِعْمَةً مِن عِنْدِنا كَذَلِكَ نَجْزِي مَن شَكَرَ﴾ ﴿ولَقَدْ أنْذَرَهم بَطْشَتَنا فَتَمارَوْا بِالنُّذُرِ﴾ ﴿ولَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنا أعْيُنَهم فَذُوقُوا عَذابِي ونُذُرِ﴾ ﴿ولَقَدْ صَبَّحَهم بُكْرَةً عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ﴾ ﴿فَذُوقُوا عَذابِي ونُذُرِ﴾ ﴿ولَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ ﴿ولَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ﴾ ﴿كَذَّبُوا بِآياتِنا كُلِّها فَأخَذْناهم أخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ﴾ ﴿أكُفّارُكم خَيْرٌ مِن أُولَئِكم أمْ لَكم بَراءَةٌ في الزُّبُرِ﴾ ﴿أمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾ ﴿سَيُهْزَمُ الجَمْعُ ويُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ ﴿بَلِ السّاعَةُ مَوْعِدُهم والسّاعَةُ أدْهى وأمَرُّ﴾ ﴿إنَّ المُجْرِمِينَ في ضَلالٍ وسُعُرٍ﴾ ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ في النّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ ﴿إنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾ ﴿وما أمْرُنا إلّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالبَصَرِ﴾ ﴿ولَقَدْ أهْلَكْنا أشْياعَكم فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ ﴿وكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ في الزُّبُرِ﴾ ﴿وكُلُّ صَغِيرٍ وكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ﴾ ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ ونَهَرٍ﴾ ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ .
(p-١٨٢)تَقَدَّمَتْ قِصَّةُ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وقَوْمِهِ. والحاصِبُ مِنَ الحَصْباءِ، وهو المَعْنِيُّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ﴾ [الحجر: ٧٤] . (إلّا آلَ لُوطٍ)، قِيلَ: إلّا ابْنَتاهُ، و(بِسَحَرٍ): هو بُكْرَةٌ، فَلِذَلِكَ صُرِفَ، وانْتَصَبَ (نِعْمَةً) عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، أيْ نَجَّيْناهم لِإنْعامِنا عَلَيْهِمْ أوْ عَلى المَصْدَرِ، لِأنَّ المَعْنى: أنْعَمْنا بِالتَّنْجِيَةِ إنْعامًا. (كَذَلِكَ نَجْزِي): أيْ مِثْلُ ذَلِكَ الإنْعامِ والتَّنْجِيَةِ نَجْزِي ﴿مَن شَكَرَ﴾ إنْعامَنا وأطاعَ وآمَنَ.
﴿ولَقَدْ أنْذَرَهم بَطْشَتَنا﴾: أيْ أخْذَتَنا لَهم بِالعَذابِ، ﴿فَتَمارَوْا﴾: أيْ تَشَكَّكُوا وتَعاطَوْا ذَلِكَ، (بِالنُّذُرِ): أيْ بِالإنْذارِ، أوْ يَكُونُ جَمْعَ نَذِيرٍ.
﴿فَطَمَسْنا﴾، قالَ قَتادَةُ: الطَّمْسُ حَقِيقَةً جَرُّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى أعْيُنِهِمْ جَناحَهُ، فاسْتَوَتْ مَعَ وُجُوهِهِمْ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَطْمُوسَةٌ بِجِلْدٍ كالوَجْهِ. قِيلَ: لَمّا صَفَقَهم جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِجَناحِهِ، تَرَكَهم يَتَرَدَّدُونَ لا يَهْتَدُونَ إلى البابِ، حَتّى أخْرَجَهم لُوطٌ عَلَيْهِ السَّلامُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ: هَذِهِ اسْتِعارَةٌ، وإنَّما حَجَبَ إدْراكَهم، فَدَخَلُوا المَنزِلَ ولَمْ يَرَوْا شَيْئًا، فَجُعِلَ ذَلِكَ كالطَّمْسِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: فَطَمَسْنا بِتَخْفِيفِ المِيمِ؛ وابْنُ مِقْسَمٍ: بِتَشْدِيدِها. (فَذُوقُوا): أيْ فَقُلْتُ لَهم عَلى ألْسِنَةِ المَلائِكَةِ: ذُوقُوا.
﴿ولَقَدْ صَبَّحَهم بُكْرَةً﴾: أيْ أوَّلَ النَّهارِ وباكِرَهُ، لِقَوْلِهِ: (مُشْرِقِينَ) و(مُصْبِحِينَ) . وقَرَأ الجُمْهُورُ: بُكْرَةً بِالتَّنْوِينِ، أرادَ بُكْرَةً مِنَ البِكْرِ، فَصُرِفَ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: بِغَيْرِ تَنْوِينٍ.
﴿عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ﴾: أيْ لَمْ يَكْشِفْهُ عَنْهم كاشِفٌ، بَلِ اتَّصَلَ بِمَوْتِهِمْ، ثُمَّ بِما بَعْدَ ذَلِكَ مِن عَذابِ القَبْرِ، ثُمَّ عَذابِ جَهَنَّمَ.
﴿فَذُوقُوا عَذابِي ونُذُرِ﴾: تَوْكِيدٌ وتَوْبِيخٌ، ذَلِكَ عِنْدَ الطَّمْسِ، وهَذا عِنْدَ تَصْبِيحِ العَذابِ. قِيلَ: وفائِدَةُ تَكْرارِ هَذا وتَكْرارِ (ولَقَدْ يَسَّرْنا)، التَّجَرُّدُ عِنْدَ اسْتِماعِ كُلِّ نَبَأٍ مِن أنْباءِ الأوَّلِينَ، لِلِاتِّعاظِ واسْتِئْنافِ التَّيَقُّظِ إذا سَمِعُوا الحَثَّ عَلى ذَلِكَ لِئَلّا تَسْتَوْلِيَ عَلَيْهِمُ الغَفْلَةُ، وهَكَذا حُكْمُ التَّكْرِيرِ لِقَوْلِهِ: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ١٣] عِنْدَ كُلِّ نِعْمَةٍ عَدَّها في سُورَةِ الرَّحْمَنِ. وقَوْلُهُ: ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ١٥] عِنْدَ كُلِّ آيَةٍ أوْرَدَها في سُورَةِ والمُرْسَلاتِ، وكَذَلِكَ تَكْرِيرُ القَصَصِ في أنْفُسِها، لِتَكُونَ العِبْرَةُ حاضِرَةً لِلْقُلُوبِ، مَذْكُورَةً في كُلِّ أوانٍ.
﴿ولَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ﴾: هم مُوسى وهارُونُ وغَيْرُهُما مِنَ الأنْبِياءِ، لِأنَّهُما عَرَضا عَلَيْهِمْ ما أنْذَرَ بِهِ المُرْسَلُونَ، أوْ يَكُونُ جَمْعُ نَذِيرٍ المَصْدَرَ بِمَعْنى الإنْذارِ. (كَذَّبُوا بِآياتِنا) هي التِّسْعُ، والتَّوْكِيدُ هُنا كَهو في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ أرَيْناهُ آياتِنا كُلَّها﴾ [طه: ٥٦] . والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في: (كَذَّبُوا)، وفي: (فَأخَذْناهم) عائِدٌ عَلى آلِ فِرْعَوْنَ. وقِيلَ: هو عائِدٌ عَلى جَمِيعِ مَن تَقَدَّمَ مِنَ الأُمَمِ ذِكْرُهُ، وتَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: (النُّذُرُ) .
﴿فَأخَذْناهم أخْذَ عَزِيزٍ﴾: لا يُغالَبُ، (مُقْتَدِرٍ): لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ.
﴿أكُفّارُكُمْ﴾: خِطابٌ لِأهْلِ مَكَّةَ، ﴿خَيْرٌ مِن أُولَئِكُمْ﴾: الإشارَةُ إلى قَوْمِ نُوحٍ وهُودٍ وصالِحٍ ولُوطٍ، وإلى فِرْعَوْنَ، والمَعْنى: أهم خَيْرٌ في القُوَّةِ وآلاتِ الحُرُوبِ والمَكانَةِ في الدُّنْيا، أوْ أقَلُّ كُفُؤًا وعِنادًا ؟ فَلِأجْلِ كَوْنِهِمْ خَيْرًا لا يُعاقَبُونَ عَلى الكُفْرِ بِاللَّهِ، وقَّفَهم عَلى تَوْبِيخِهِمْ، أيْ لَيْسَ كُفّارُكم خَيْرًا مِن أُولَئِكم، بَلْ هم مِثْلُهم أوْ شَرٌّ مِنهم، وقَدْ عَلِمْتُمْ ما لَحِقَ أُولَئِكَ مِنَ الهَلاكِ المُسْتَأْصِلِ لَمّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ.
﴿أمْ لَكم بَراءَةٌ في الزُّبُرِ﴾: أيْ ألَكم في الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ بَراءَةٌ مِن عَذابِ اللَّهِ تَعالى ؟ قالَهُ الضَّحّاكُ وعِكْرِمَةُ وابْنُ زَيْدٍ.
﴿أمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ﴾ أيْ واثِقُونَ بِجَماعَتِنا، مُنْتَصِرُونَ بِقُوَّتِنا، تَقُولُونَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الإعْجابِ بِأنْفُسِكم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: أمْ يَقُولُونَ، بِياءِ الغَيْبَةِ التِفاتًا، وكَذا ما بَعْدَهُ لِلْغائِبِ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ ومُوسى الأسْوارِيُّ (p-١٨٣)وأبُو البَرَهْسَمِ: بِتاءِ الخِطابِ لِلْكُفّارِ، اتِّباعًا لِما تَقَدَّمَ مِن خِطابِهِمْ. وقَرَءُوا: سَتَهْزِمُ الجَمْعَ، بِفَتْحِ التّاءِ وكَسْرِ الزّايِ وفَتْحِ العَيْنِ، خِطابًا لِلرَّسُولِ، ﷺ؛ وأبُو حَيْوَةَ أيْضًا ويَعْقُوبُ: بِالنُّونِ مَفْتُوحَةً وكَسْرِ الزّايِ وفَتْحِ العَيْنِ؛ والجُمْهُورُ: بِالياءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ وضَمِّ العَيْنِ. وعَنْ أبِي حَيْوَةَ وابْنِ أبِي عَبْلَةَ أيْضًا: بِفَتْحِ الياءِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ ونَصْبِ العَيْنِ: أيْ سَيَهْزِمُ اللَّهُ الجَمْعَ. والجُمْهُورُ: ﴿ويُوَلُّونَ﴾ بِياءِ الغَيْبَةِ؛ وأبُو حَيْوَةَ وداوُدُ بْنُ أبِي سالِمٍ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِتاءِ الخِطابِ. والدُّبُرُ هُنا: اسْمُ جِنْسٍ، وجاءَ في مَوْضِعٍ آخَرَ ﴿لَيُوَلُّنَّ الأدْبارَ﴾ [الحشر: ١٢]، وهو الأصْلُ، وحَسَّنَ اسْمَ الجِنْسِ هُنا كَوْنُهُ فاصِلَةً. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿ويُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾: أيِ الأدْبارَ، كَما قالَ: كُلُوا في بَعْضِ بَطْنِكم تَعُفُّوا. وقُرِئَ: الأدْبارَ. انْتَهى، ولَيْسَ مِثْلَ بَطْنِكم، لِأنَّ مَجِيءَ الدُّبُرِ مُفْرَدًا لَيْسَ بِحَسَنٍ، ولا يَحْسُنُ لِإفْرادِ بَطْنِكم. وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَيُهْزَمُ الجَمْعُ﴾ عِدَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِرَسُولِهِ، ﷺ، بِهَزِيمَةِ جَمْعِ قُرَيْشٍ؛ والجُمْهُورُ: عَلى أنَّها مَكِّيَّةٌ، وتَلاها رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، مُسْتَشْهِدًا بِها. وقِيلَ: نَزَلَتْ يَوْمَ بَدْرٍ.
﴿بَلِ السّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ﴾: انْتَقَلَ مِن تِلْكَ الأقْوالِ إلى أمْرِ السّاعَةِ الَّتِي عَذابُها أشُدُّ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ هَزِيمَةٍ وقِتالٍ.
﴿والسّاعَةُ أدْهى﴾: أيْ أفْظَعُ وأشَدُّ، والدّاهِيَةُ الأمَرُّ: المُنْكَرُ الَّذِي لا يُهْتَدى لِدَفْعِهِ، وهي الرَّزِيَّةُ العُظْمى تَحُلُّ بِالشَّخْصِ. (وأمَرُّ) مِنَ المَرارَةِ: اسْتِعارَةٌ لِصُعُوبَةِ الشَّيْءِ عَلى النَّفْسِ.
﴿إنَّ المُجْرِمِينَ في ضَلالٍ﴾: أيْ في حَيْرَةٍ وتَخَبُّطٍ في الدُّنْيا. (وسُعُرٍ): أيِ احْتِراقٍ في الآخِرَةِ، جُعِلُوا فِيهِ مِن حَيْثُ مَصِيرُهم إلَيْهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وخُسْرانٍ وجُنُونٍ، والسُّعُرُ: الجُنُونُ، وتَقَدَّمَ مِثْلُهُ في قِصَّةِ صالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ.
﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ﴾: يُجَرُّونَ (في النّارِ)، وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ: إلى النّارِ.
﴿عَلى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا﴾: أيْ مَقُولًا لَهم: ﴿ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ . وقَرَأ مَحْبُوبٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو: مَسَّقَرٍ، بِإدْغامِ السِّينِ في السِّينِ. قالَ ابْنُ مُجاهِدٍ: إدْغامُهُ خَطَأٌ لِأنَّهُ مُشَدَّدٌ. انْتَهى. والظَّنُّ بِأبِي عَمْرٍو أنَّهُ لَمْ يُدْغِمْ حَتّى حَذَفَ إحْدى السِّينَيْنِ لِاجْتِماعِ الأمْثالِ، ثُمَّ أدْغَمَ.
﴿إنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾، قِراءَةُ الجُمْهُورِ: كُلَّ شَيْءٍ بِالنَّصْبِ. وقَرَأ أبُو السَّمّالِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ وقَوْمٌ مِن أهْلِ السُّنَّةِ: بِالرَّفْعِ. قالَ أبُو الفَتْحِ: هو الوَجْهُ في العَرَبِيَّةِ، وقِراءَتُنا بِالنَّصْبِ مَعَ الجَماعَةِ. وقالَ قَوْمٌ: إذا كانَ الفِعْلُ يُتَوَهَّمُ فِيهِ الوَصْفُ، وأنَّ ما بَعْدَهُ يَصْلُحُ لِلْخَبَرِ، وكانَ المَعْنى عَلى أنْ يَكُونَ الفِعْلُ هو الخَبَرَ، اخْتِيرَ النَّصْبُ في الِاسْمِ الأوَّلِ حَتّى يَتَّضِحَ أنَّ الفِعْلَ لَيْسَ بِوَصْفٍ، ومِنهُ هَذا المَوْضِعُ، لِأنَّ في قِراءَةِ الرَّفْعِ يُتَخَيَّلُ أنَّ الفِعْلَ وصْفٌ، وأنَّ الخَبَرَ يُقَدَّرُ. فَقَدْ تَنازَعَ أهْلُ السُّنَّةِ والقَدَرِيَّةُ الِاسْتِدْلالَ بِهَذِهِ الآيَةِ. فَأهْلُ السُّنَّةِ يَقُولُونَ: كُلُّ شَيْءٍ فَهو مَخْلُوقٌ لِلَّهِ تَعالى بِقُدْرَةٍ دَلِيلُهُ قِراءَةُ النَّصْبِ، لِأنَّهُ لا يُفَسِّرُ في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ إلّا ما يَصِحُّ أنْ يَكُونَ خَبَرًا لَوْ وقَعَ الأوَّلُ عَلى الِابْتِداءِ. وقالَتِ القَدَرِيَّةُ: القِراءَةُ بِرَفْعِ كُلِّ، وخَلَقْناهُ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِكُلِّ، أيْ إنْ أمْرُنا أوْ شَأْنُنا كُلُّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ فَهو بِقَدَرٍ أوْ بِمِقْدارٍ، عَلى حَدِّ ما في هَيْئَتِهِ وزَمَنِهِ وغَيْرِ ذَلِكَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ”كُلَّ شَيْءٍ“ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ الظّاهِرُ. وقُرِئَ: كُلُّ شَيْءٍ بِالرَّفْعِ، والقَدَرُ هو التَّقْدِيرُ. وقُرِئَ بِهِما، أيْ خَلَقْنا كُلَّ شَيْءٍ مُقَدَّرًا مُحْكَمًا مُرَتَّبًا عَلى حَسَبِ ما اقْتَضَتْهُ الحِكْمَةُ، أوْ مُقَدَّرًا مَكْتُوبًا في اللَّوْحِ، مَعْلُومًا قَبْلَ كَوْنِهِ، قَدْ عَلِمْنا حالَهُ وزَمانَهُ. انْتَهى. قِيلَ: والقَدَرُ فِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنْ يَكُونَ بِمَعْنى المِقْدارِ في ذاتِهِ وصِفاتِهِ. والثّانِي: التَّقْدِيرُ، قالَ تَعالى: ﴿فَقَدَرْنا فَنِعْمَ القادِرُونَ﴾ [المرسلات: ٢٣] . وقالَ الشّاعِرُ:
؎وما قَدَّرَ الرَّحْمَنُ ما هو قادِرُ
أيْ ما هو مَقْدُورٌ. والثّالِثُ: القَدَرُ الَّذِي يُقالُ مَعَ القَضاءِ، يُقالُ: كانَ ذَلِكَ بِقَضاءِ اللَّهِ وقَدَرِهِ، والمَعْنى: أنَّ القَضاءَ ما في العِلْمِ، والقَدَرَ ما في الإرادَةِ، فالمَعْنى في الآيَةِ: ﴿خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾: أيْ بِقُدْرَةٍ مَعَ إرادَةٍ. انْتَهى.
﴿وما أمْرُنا إلّا واحِدَةٌ﴾: أيْ إلّا كَلِمَةٌ واحِدَةٌ وهي: كُنْ كَلَمْحٍ بِالبَصَرِ، تَشْبِيهٌ بِأعْجَلِ ما يُحَسُّ، وفي أشْياءَ، أمْرُ اللَّهِ تَعالى أوْحى مِن ذَلِكَ، والمَعْنى: أنَّهُ إذا أرادَ (p-١٨٤)تَكْوِينَ شَيْءٍ لَمْ يَتَأخَّرْ عَنْ إرادَتِهِ.
﴿ولَقَدْ أهْلَكْنا أشْياعَكُمْ﴾: أيِ الفِرَقَ المُتَشايِعَةَ في مَذْهَبٍ ودِينٍ.
﴿وكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ﴾: أيْ فَعَلَتْهُ الأُمَمُ المُكَذِّبَةُ، مَحْفُوظٌ عَلَيْهِمْ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ وقَتادَةُ وابْنُ زَيْدٍ. ومَعْنى (في الزُّبُرِ): في دَواوِينِ الحَفَظَةِ.
﴿وكُلُّ صَغِيرٍ وكَبِيرٍ﴾ مِنَ الأعْمالِ، ومِن كُلِّ ما هو كائِنٌ، ﴿مُسْتَطَرٌ﴾: أيْ مَسْطُورٌ في اللَّوْحِ. يُقالُ: سَطَّرْتُ واسْتَطَرْتُ بِمَعْنًى. وقَرَأ الأعْمَشُ وعِمْرانُ بْنُ حُدَيْرٍ وعِصْمَةُ عَنْ أبِي بَكْرٍ: بِشَدِّ راءِ ”مُسْتَطَرٌّ“ . قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن طُرَّ النَّباتُ والشّارِبُ إذا ظَهَرَ وثَبَتَ بِمَعْنى: كُلُّ شَيْءٍ ظاهِرٌ في اللَّوْحِ مُثْبَتٌ فِيهِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِنَ الِاسْتِطارِ، لَكِنْ شَدَّدَ الرّاءَ لِلْوَقْفِ عَلى لُغَةِ مَن يَقُولُ: جَعْفَرٌّ ونَفْعَلُّ بِالتَّشْدِيدِ وقْفًا. انْتَهى، ووَزْنُهُ عَلى التَّوْجِيهِ الأوَّلِ اسْتَفْعَلَ، وعَلى الثّانِي افْتَعَلَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ونَهَرٍ عَلى الإفْرادِ، والهاءُ مَفْتُوحَةٌ؛ والأعْرَجُ ومُجاهِدٌ وحُمَيْدٌ وأبُو السَّمّالِ والفَيّاضُ بْنُ غَزْوانَ: بِسُكُونِها، والمُرادُ بِهِ الجِنْسُ، إنْ أُرِيدَ بِهِ الأنْهارُ، أوْ يَكُونُ مَعْنى ونَهَرٍ وسَعَةً في الأرْزاقِ والمَنازِلِ، ومِنهُ قَوْلُ قَيْسِ بْنِ الخَطِيمِ:
؎مَلَكْتُ بِها كَفِّي فَأنْهَرْتُ فَتْقَها ∗∗∗ يَرى قائِمٌ مِن دُونِها ما وراءَها
أيْ: أوْسَعْتُ فَتْقَها. وقَرَأ زُهَيْرٌ العُرْقُبِيُّ والأعْمَشُ وأبُو نَهِيكٍ وأبُو مِجْلَزٍ واليَمانِيُّ: بِضَمِّ النُّونِ والهاءِ، جَمْعَ نُهُرٍ، كَرَهْنٍ ورُهُنٍ، أوْ نُهْرٍ كَأسَدٍ وأُسْدٍ، وهو مُناسِبٌ لِجَمْعِ جَنّاتٍ. وقِيلَ: نُهُرٌ جَمْعُ نَهارٍ، ولا لَيْلَ في الجَنَّةِ، وهو بَعِيدٌ.
﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ﴾: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضِدَّ الكَذِبِ، أيْ في المَقْعَدِ الَّذِي صَدَقُوا في الخَبَرِ بِهِ، وأنْ يَكُونَ مِن قَوْلِكَ: رَجُلُ صِدْقٍ: أيْ خَيْرٍ وجُودٍ وصَلاحٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: في مَقْعَدِ، عَلى الإفْرادِ، يُرادُ بِهِ اسْمُ الجِنْسِ؛ وعُثْمانُ البَتِّيُّ: (في مَقاعِدِ) عَلى الجَمْعِ؛ و”عِنْدَ“ تَدُلُّ عَلى قُرْبِ المَكانَةِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
القمر 54:49
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ﴾ ﴿إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِبًا إلّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْناهم بِسَحَرٍ﴾ ﴿نِعْمَةً مِن عِنْدِنا كَذَلِكَ نَجْزِي مَن شَكَرَ﴾ ﴿ولَقَدْ أنْذَرَهم بَطْشَتَنا فَتَمارَوْا بِالنُّذُرِ﴾ ﴿ولَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنا أعْيُنَهم فَذُوقُوا عَذابِي ونُذُرِ﴾ ﴿ولَقَدْ صَبَّحَهم بُكْرَةً عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ﴾ ﴿فَذُوقُوا عَذابِي ونُذُرِ﴾ ﴿ولَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ ﴿ولَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ﴾ ﴿كَذَّبُوا بِآياتِنا كُلِّها فَأخَذْناهم أخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ﴾ ﴿أكُفّارُكم خَيْرٌ مِن أُولَئِكم أمْ لَكم بَراءَةٌ في الزُّبُرِ﴾ ﴿أمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾ ﴿سَيُهْزَمُ الجَمْعُ ويُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ ﴿بَلِ السّاعَةُ مَوْعِدُهم والسّاعَةُ أدْهى وأمَرُّ﴾ ﴿إنَّ المُجْرِمِينَ في ضَلالٍ وسُعُرٍ﴾ ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ في النّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ ﴿إنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾ ﴿وما أمْرُنا إلّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالبَصَرِ﴾ ﴿ولَقَدْ أهْلَكْنا أشْياعَكم فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ ﴿وكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ في الزُّبُرِ﴾ ﴿وكُلُّ صَغِيرٍ وكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ﴾ ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ ونَهَرٍ﴾ ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ .
(p-١٨٢)تَقَدَّمَتْ قِصَّةُ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وقَوْمِهِ. والحاصِبُ مِنَ الحَصْباءِ، وهو المَعْنِيُّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ﴾ [الحجر: ٧٤] . (إلّا آلَ لُوطٍ)، قِيلَ: إلّا ابْنَتاهُ، و(بِسَحَرٍ): هو بُكْرَةٌ، فَلِذَلِكَ صُرِفَ، وانْتَصَبَ (نِعْمَةً) عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، أيْ نَجَّيْناهم لِإنْعامِنا عَلَيْهِمْ أوْ عَلى المَصْدَرِ، لِأنَّ المَعْنى: أنْعَمْنا بِالتَّنْجِيَةِ إنْعامًا. (كَذَلِكَ نَجْزِي): أيْ مِثْلُ ذَلِكَ الإنْعامِ والتَّنْجِيَةِ نَجْزِي ﴿مَن شَكَرَ﴾ إنْعامَنا وأطاعَ وآمَنَ.
﴿ولَقَدْ أنْذَرَهم بَطْشَتَنا﴾: أيْ أخْذَتَنا لَهم بِالعَذابِ، ﴿فَتَمارَوْا﴾: أيْ تَشَكَّكُوا وتَعاطَوْا ذَلِكَ، (بِالنُّذُرِ): أيْ بِالإنْذارِ، أوْ يَكُونُ جَمْعَ نَذِيرٍ.
﴿فَطَمَسْنا﴾، قالَ قَتادَةُ: الطَّمْسُ حَقِيقَةً جَرُّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى أعْيُنِهِمْ جَناحَهُ، فاسْتَوَتْ مَعَ وُجُوهِهِمْ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَطْمُوسَةٌ بِجِلْدٍ كالوَجْهِ. قِيلَ: لَمّا صَفَقَهم جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِجَناحِهِ، تَرَكَهم يَتَرَدَّدُونَ لا يَهْتَدُونَ إلى البابِ، حَتّى أخْرَجَهم لُوطٌ عَلَيْهِ السَّلامُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ: هَذِهِ اسْتِعارَةٌ، وإنَّما حَجَبَ إدْراكَهم، فَدَخَلُوا المَنزِلَ ولَمْ يَرَوْا شَيْئًا، فَجُعِلَ ذَلِكَ كالطَّمْسِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: فَطَمَسْنا بِتَخْفِيفِ المِيمِ؛ وابْنُ مِقْسَمٍ: بِتَشْدِيدِها. (فَذُوقُوا): أيْ فَقُلْتُ لَهم عَلى ألْسِنَةِ المَلائِكَةِ: ذُوقُوا.
﴿ولَقَدْ صَبَّحَهم بُكْرَةً﴾: أيْ أوَّلَ النَّهارِ وباكِرَهُ، لِقَوْلِهِ: (مُشْرِقِينَ) و(مُصْبِحِينَ) . وقَرَأ الجُمْهُورُ: بُكْرَةً بِالتَّنْوِينِ، أرادَ بُكْرَةً مِنَ البِكْرِ، فَصُرِفَ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: بِغَيْرِ تَنْوِينٍ.
﴿عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ﴾: أيْ لَمْ يَكْشِفْهُ عَنْهم كاشِفٌ، بَلِ اتَّصَلَ بِمَوْتِهِمْ، ثُمَّ بِما بَعْدَ ذَلِكَ مِن عَذابِ القَبْرِ، ثُمَّ عَذابِ جَهَنَّمَ.
﴿فَذُوقُوا عَذابِي ونُذُرِ﴾: تَوْكِيدٌ وتَوْبِيخٌ، ذَلِكَ عِنْدَ الطَّمْسِ، وهَذا عِنْدَ تَصْبِيحِ العَذابِ. قِيلَ: وفائِدَةُ تَكْرارِ هَذا وتَكْرارِ (ولَقَدْ يَسَّرْنا)، التَّجَرُّدُ عِنْدَ اسْتِماعِ كُلِّ نَبَأٍ مِن أنْباءِ الأوَّلِينَ، لِلِاتِّعاظِ واسْتِئْنافِ التَّيَقُّظِ إذا سَمِعُوا الحَثَّ عَلى ذَلِكَ لِئَلّا تَسْتَوْلِيَ عَلَيْهِمُ الغَفْلَةُ، وهَكَذا حُكْمُ التَّكْرِيرِ لِقَوْلِهِ: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ١٣] عِنْدَ كُلِّ نِعْمَةٍ عَدَّها في سُورَةِ الرَّحْمَنِ. وقَوْلُهُ: ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ١٥] عِنْدَ كُلِّ آيَةٍ أوْرَدَها في سُورَةِ والمُرْسَلاتِ، وكَذَلِكَ تَكْرِيرُ القَصَصِ في أنْفُسِها، لِتَكُونَ العِبْرَةُ حاضِرَةً لِلْقُلُوبِ، مَذْكُورَةً في كُلِّ أوانٍ.
﴿ولَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ﴾: هم مُوسى وهارُونُ وغَيْرُهُما مِنَ الأنْبِياءِ، لِأنَّهُما عَرَضا عَلَيْهِمْ ما أنْذَرَ بِهِ المُرْسَلُونَ، أوْ يَكُونُ جَمْعُ نَذِيرٍ المَصْدَرَ بِمَعْنى الإنْذارِ. (كَذَّبُوا بِآياتِنا) هي التِّسْعُ، والتَّوْكِيدُ هُنا كَهو في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ أرَيْناهُ آياتِنا كُلَّها﴾ [طه: ٥٦] . والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في: (كَذَّبُوا)، وفي: (فَأخَذْناهم) عائِدٌ عَلى آلِ فِرْعَوْنَ. وقِيلَ: هو عائِدٌ عَلى جَمِيعِ مَن تَقَدَّمَ مِنَ الأُمَمِ ذِكْرُهُ، وتَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: (النُّذُرُ) .
﴿فَأخَذْناهم أخْذَ عَزِيزٍ﴾: لا يُغالَبُ، (مُقْتَدِرٍ): لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ.
﴿أكُفّارُكُمْ﴾: خِطابٌ لِأهْلِ مَكَّةَ، ﴿خَيْرٌ مِن أُولَئِكُمْ﴾: الإشارَةُ إلى قَوْمِ نُوحٍ وهُودٍ وصالِحٍ ولُوطٍ، وإلى فِرْعَوْنَ، والمَعْنى: أهم خَيْرٌ في القُوَّةِ وآلاتِ الحُرُوبِ والمَكانَةِ في الدُّنْيا، أوْ أقَلُّ كُفُؤًا وعِنادًا ؟ فَلِأجْلِ كَوْنِهِمْ خَيْرًا لا يُعاقَبُونَ عَلى الكُفْرِ بِاللَّهِ، وقَّفَهم عَلى تَوْبِيخِهِمْ، أيْ لَيْسَ كُفّارُكم خَيْرًا مِن أُولَئِكم، بَلْ هم مِثْلُهم أوْ شَرٌّ مِنهم، وقَدْ عَلِمْتُمْ ما لَحِقَ أُولَئِكَ مِنَ الهَلاكِ المُسْتَأْصِلِ لَمّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ.
﴿أمْ لَكم بَراءَةٌ في الزُّبُرِ﴾: أيْ ألَكم في الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ بَراءَةٌ مِن عَذابِ اللَّهِ تَعالى ؟ قالَهُ الضَّحّاكُ وعِكْرِمَةُ وابْنُ زَيْدٍ.
﴿أمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ﴾ أيْ واثِقُونَ بِجَماعَتِنا، مُنْتَصِرُونَ بِقُوَّتِنا، تَقُولُونَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الإعْجابِ بِأنْفُسِكم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: أمْ يَقُولُونَ، بِياءِ الغَيْبَةِ التِفاتًا، وكَذا ما بَعْدَهُ لِلْغائِبِ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ ومُوسى الأسْوارِيُّ (p-١٨٣)وأبُو البَرَهْسَمِ: بِتاءِ الخِطابِ لِلْكُفّارِ، اتِّباعًا لِما تَقَدَّمَ مِن خِطابِهِمْ. وقَرَءُوا: سَتَهْزِمُ الجَمْعَ، بِفَتْحِ التّاءِ وكَسْرِ الزّايِ وفَتْحِ العَيْنِ، خِطابًا لِلرَّسُولِ، ﷺ؛ وأبُو حَيْوَةَ أيْضًا ويَعْقُوبُ: بِالنُّونِ مَفْتُوحَةً وكَسْرِ الزّايِ وفَتْحِ العَيْنِ؛ والجُمْهُورُ: بِالياءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ وضَمِّ العَيْنِ. وعَنْ أبِي حَيْوَةَ وابْنِ أبِي عَبْلَةَ أيْضًا: بِفَتْحِ الياءِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ ونَصْبِ العَيْنِ: أيْ سَيَهْزِمُ اللَّهُ الجَمْعَ. والجُمْهُورُ: ﴿ويُوَلُّونَ﴾ بِياءِ الغَيْبَةِ؛ وأبُو حَيْوَةَ وداوُدُ بْنُ أبِي سالِمٍ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِتاءِ الخِطابِ. والدُّبُرُ هُنا: اسْمُ جِنْسٍ، وجاءَ في مَوْضِعٍ آخَرَ ﴿لَيُوَلُّنَّ الأدْبارَ﴾ [الحشر: ١٢]، وهو الأصْلُ، وحَسَّنَ اسْمَ الجِنْسِ هُنا كَوْنُهُ فاصِلَةً. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿ويُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾: أيِ الأدْبارَ، كَما قالَ: كُلُوا في بَعْضِ بَطْنِكم تَعُفُّوا. وقُرِئَ: الأدْبارَ. انْتَهى، ولَيْسَ مِثْلَ بَطْنِكم، لِأنَّ مَجِيءَ الدُّبُرِ مُفْرَدًا لَيْسَ بِحَسَنٍ، ولا يَحْسُنُ لِإفْرادِ بَطْنِكم. وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَيُهْزَمُ الجَمْعُ﴾ عِدَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِرَسُولِهِ، ﷺ، بِهَزِيمَةِ جَمْعِ قُرَيْشٍ؛ والجُمْهُورُ: عَلى أنَّها مَكِّيَّةٌ، وتَلاها رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، مُسْتَشْهِدًا بِها. وقِيلَ: نَزَلَتْ يَوْمَ بَدْرٍ.
﴿بَلِ السّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ﴾: انْتَقَلَ مِن تِلْكَ الأقْوالِ إلى أمْرِ السّاعَةِ الَّتِي عَذابُها أشُدُّ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ هَزِيمَةٍ وقِتالٍ.
﴿والسّاعَةُ أدْهى﴾: أيْ أفْظَعُ وأشَدُّ، والدّاهِيَةُ الأمَرُّ: المُنْكَرُ الَّذِي لا يُهْتَدى لِدَفْعِهِ، وهي الرَّزِيَّةُ العُظْمى تَحُلُّ بِالشَّخْصِ. (وأمَرُّ) مِنَ المَرارَةِ: اسْتِعارَةٌ لِصُعُوبَةِ الشَّيْءِ عَلى النَّفْسِ.
﴿إنَّ المُجْرِمِينَ في ضَلالٍ﴾: أيْ في حَيْرَةٍ وتَخَبُّطٍ في الدُّنْيا. (وسُعُرٍ): أيِ احْتِراقٍ في الآخِرَةِ، جُعِلُوا فِيهِ مِن حَيْثُ مَصِيرُهم إلَيْهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وخُسْرانٍ وجُنُونٍ، والسُّعُرُ: الجُنُونُ، وتَقَدَّمَ مِثْلُهُ في قِصَّةِ صالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ.
﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ﴾: يُجَرُّونَ (في النّارِ)، وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ: إلى النّارِ.
﴿عَلى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا﴾: أيْ مَقُولًا لَهم: ﴿ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ . وقَرَأ مَحْبُوبٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو: مَسَّقَرٍ، بِإدْغامِ السِّينِ في السِّينِ. قالَ ابْنُ مُجاهِدٍ: إدْغامُهُ خَطَأٌ لِأنَّهُ مُشَدَّدٌ. انْتَهى. والظَّنُّ بِأبِي عَمْرٍو أنَّهُ لَمْ يُدْغِمْ حَتّى حَذَفَ إحْدى السِّينَيْنِ لِاجْتِماعِ الأمْثالِ، ثُمَّ أدْغَمَ.
﴿إنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾، قِراءَةُ الجُمْهُورِ: كُلَّ شَيْءٍ بِالنَّصْبِ. وقَرَأ أبُو السَّمّالِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ وقَوْمٌ مِن أهْلِ السُّنَّةِ: بِالرَّفْعِ. قالَ أبُو الفَتْحِ: هو الوَجْهُ في العَرَبِيَّةِ، وقِراءَتُنا بِالنَّصْبِ مَعَ الجَماعَةِ. وقالَ قَوْمٌ: إذا كانَ الفِعْلُ يُتَوَهَّمُ فِيهِ الوَصْفُ، وأنَّ ما بَعْدَهُ يَصْلُحُ لِلْخَبَرِ، وكانَ المَعْنى عَلى أنْ يَكُونَ الفِعْلُ هو الخَبَرَ، اخْتِيرَ النَّصْبُ في الِاسْمِ الأوَّلِ حَتّى يَتَّضِحَ أنَّ الفِعْلَ لَيْسَ بِوَصْفٍ، ومِنهُ هَذا المَوْضِعُ، لِأنَّ في قِراءَةِ الرَّفْعِ يُتَخَيَّلُ أنَّ الفِعْلَ وصْفٌ، وأنَّ الخَبَرَ يُقَدَّرُ. فَقَدْ تَنازَعَ أهْلُ السُّنَّةِ والقَدَرِيَّةُ الِاسْتِدْلالَ بِهَذِهِ الآيَةِ. فَأهْلُ السُّنَّةِ يَقُولُونَ: كُلُّ شَيْءٍ فَهو مَخْلُوقٌ لِلَّهِ تَعالى بِقُدْرَةٍ دَلِيلُهُ قِراءَةُ النَّصْبِ، لِأنَّهُ لا يُفَسِّرُ في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ إلّا ما يَصِحُّ أنْ يَكُونَ خَبَرًا لَوْ وقَعَ الأوَّلُ عَلى الِابْتِداءِ. وقالَتِ القَدَرِيَّةُ: القِراءَةُ بِرَفْعِ كُلِّ، وخَلَقْناهُ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِكُلِّ، أيْ إنْ أمْرُنا أوْ شَأْنُنا كُلُّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ فَهو بِقَدَرٍ أوْ بِمِقْدارٍ، عَلى حَدِّ ما في هَيْئَتِهِ وزَمَنِهِ وغَيْرِ ذَلِكَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ”كُلَّ شَيْءٍ“ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ الظّاهِرُ. وقُرِئَ: كُلُّ شَيْءٍ بِالرَّفْعِ، والقَدَرُ هو التَّقْدِيرُ. وقُرِئَ بِهِما، أيْ خَلَقْنا كُلَّ شَيْءٍ مُقَدَّرًا مُحْكَمًا مُرَتَّبًا عَلى حَسَبِ ما اقْتَضَتْهُ الحِكْمَةُ، أوْ مُقَدَّرًا مَكْتُوبًا في اللَّوْحِ، مَعْلُومًا قَبْلَ كَوْنِهِ، قَدْ عَلِمْنا حالَهُ وزَمانَهُ. انْتَهى. قِيلَ: والقَدَرُ فِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنْ يَكُونَ بِمَعْنى المِقْدارِ في ذاتِهِ وصِفاتِهِ. والثّانِي: التَّقْدِيرُ، قالَ تَعالى: ﴿فَقَدَرْنا فَنِعْمَ القادِرُونَ﴾ [المرسلات: ٢٣] . وقالَ الشّاعِرُ:
؎وما قَدَّرَ الرَّحْمَنُ ما هو قادِرُ
أيْ ما هو مَقْدُورٌ. والثّالِثُ: القَدَرُ الَّذِي يُقالُ مَعَ القَضاءِ، يُقالُ: كانَ ذَلِكَ بِقَضاءِ اللَّهِ وقَدَرِهِ، والمَعْنى: أنَّ القَضاءَ ما في العِلْمِ، والقَدَرَ ما في الإرادَةِ، فالمَعْنى في الآيَةِ: ﴿خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾: أيْ بِقُدْرَةٍ مَعَ إرادَةٍ. انْتَهى.
﴿وما أمْرُنا إلّا واحِدَةٌ﴾: أيْ إلّا كَلِمَةٌ واحِدَةٌ وهي: كُنْ كَلَمْحٍ بِالبَصَرِ، تَشْبِيهٌ بِأعْجَلِ ما يُحَسُّ، وفي أشْياءَ، أمْرُ اللَّهِ تَعالى أوْحى مِن ذَلِكَ، والمَعْنى: أنَّهُ إذا أرادَ (p-١٨٤)تَكْوِينَ شَيْءٍ لَمْ يَتَأخَّرْ عَنْ إرادَتِهِ.
﴿ولَقَدْ أهْلَكْنا أشْياعَكُمْ﴾: أيِ الفِرَقَ المُتَشايِعَةَ في مَذْهَبٍ ودِينٍ.
﴿وكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ﴾: أيْ فَعَلَتْهُ الأُمَمُ المُكَذِّبَةُ، مَحْفُوظٌ عَلَيْهِمْ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ وقَتادَةُ وابْنُ زَيْدٍ. ومَعْنى (في الزُّبُرِ): في دَواوِينِ الحَفَظَةِ.
﴿وكُلُّ صَغِيرٍ وكَبِيرٍ﴾ مِنَ الأعْمالِ، ومِن كُلِّ ما هو كائِنٌ، ﴿مُسْتَطَرٌ﴾: أيْ مَسْطُورٌ في اللَّوْحِ. يُقالُ: سَطَّرْتُ واسْتَطَرْتُ بِمَعْنًى. وقَرَأ الأعْمَشُ وعِمْرانُ بْنُ حُدَيْرٍ وعِصْمَةُ عَنْ أبِي بَكْرٍ: بِشَدِّ راءِ ”مُسْتَطَرٌّ“ . قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن طُرَّ النَّباتُ والشّارِبُ إذا ظَهَرَ وثَبَتَ بِمَعْنى: كُلُّ شَيْءٍ ظاهِرٌ في اللَّوْحِ مُثْبَتٌ فِيهِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِنَ الِاسْتِطارِ، لَكِنْ شَدَّدَ الرّاءَ لِلْوَقْفِ عَلى لُغَةِ مَن يَقُولُ: جَعْفَرٌّ ونَفْعَلُّ بِالتَّشْدِيدِ وقْفًا. انْتَهى، ووَزْنُهُ عَلى التَّوْجِيهِ الأوَّلِ اسْتَفْعَلَ، وعَلى الثّانِي افْتَعَلَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ونَهَرٍ عَلى الإفْرادِ، والهاءُ مَفْتُوحَةٌ؛ والأعْرَجُ ومُجاهِدٌ وحُمَيْدٌ وأبُو السَّمّالِ والفَيّاضُ بْنُ غَزْوانَ: بِسُكُونِها، والمُرادُ بِهِ الجِنْسُ، إنْ أُرِيدَ بِهِ الأنْهارُ، أوْ يَكُونُ مَعْنى ونَهَرٍ وسَعَةً في الأرْزاقِ والمَنازِلِ، ومِنهُ قَوْلُ قَيْسِ بْنِ الخَطِيمِ:
؎مَلَكْتُ بِها كَفِّي فَأنْهَرْتُ فَتْقَها ∗∗∗ يَرى قائِمٌ مِن دُونِها ما وراءَها
أيْ: أوْسَعْتُ فَتْقَها. وقَرَأ زُهَيْرٌ العُرْقُبِيُّ والأعْمَشُ وأبُو نَهِيكٍ وأبُو مِجْلَزٍ واليَمانِيُّ: بِضَمِّ النُّونِ والهاءِ، جَمْعَ نُهُرٍ، كَرَهْنٍ ورُهُنٍ، أوْ نُهْرٍ كَأسَدٍ وأُسْدٍ، وهو مُناسِبٌ لِجَمْعِ جَنّاتٍ. وقِيلَ: نُهُرٌ جَمْعُ نَهارٍ، ولا لَيْلَ في الجَنَّةِ، وهو بَعِيدٌ.
﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ﴾: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضِدَّ الكَذِبِ، أيْ في المَقْعَدِ الَّذِي صَدَقُوا في الخَبَرِ بِهِ، وأنْ يَكُونَ مِن قَوْلِكَ: رَجُلُ صِدْقٍ: أيْ خَيْرٍ وجُودٍ وصَلاحٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: في مَقْعَدِ، عَلى الإفْرادِ، يُرادُ بِهِ اسْمُ الجِنْسِ؛ وعُثْمانُ البَتِّيُّ: (في مَقاعِدِ) عَلى الجَمْعِ؛ و”عِنْدَ“ تَدُلُّ عَلى قُرْبِ المَكانَةِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
القمر 54:50
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ﴾ ﴿إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِبًا إلّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْناهم بِسَحَرٍ﴾ ﴿نِعْمَةً مِن عِنْدِنا كَذَلِكَ نَجْزِي مَن شَكَرَ﴾ ﴿ولَقَدْ أنْذَرَهم بَطْشَتَنا فَتَمارَوْا بِالنُّذُرِ﴾ ﴿ولَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنا أعْيُنَهم فَذُوقُوا عَذابِي ونُذُرِ﴾ ﴿ولَقَدْ صَبَّحَهم بُكْرَةً عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ﴾ ﴿فَذُوقُوا عَذابِي ونُذُرِ﴾ ﴿ولَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ ﴿ولَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ﴾ ﴿كَذَّبُوا بِآياتِنا كُلِّها فَأخَذْناهم أخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ﴾ ﴿أكُفّارُكم خَيْرٌ مِن أُولَئِكم أمْ لَكم بَراءَةٌ في الزُّبُرِ﴾ ﴿أمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾ ﴿سَيُهْزَمُ الجَمْعُ ويُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ ﴿بَلِ السّاعَةُ مَوْعِدُهم والسّاعَةُ أدْهى وأمَرُّ﴾ ﴿إنَّ المُجْرِمِينَ في ضَلالٍ وسُعُرٍ﴾ ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ في النّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ ﴿إنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾ ﴿وما أمْرُنا إلّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالبَصَرِ﴾ ﴿ولَقَدْ أهْلَكْنا أشْياعَكم فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ ﴿وكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ في الزُّبُرِ﴾ ﴿وكُلُّ صَغِيرٍ وكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ﴾ ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ ونَهَرٍ﴾ ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ .
(p-١٨٢)تَقَدَّمَتْ قِصَّةُ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وقَوْمِهِ. والحاصِبُ مِنَ الحَصْباءِ، وهو المَعْنِيُّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ﴾ [الحجر: ٧٤] . (إلّا آلَ لُوطٍ)، قِيلَ: إلّا ابْنَتاهُ، و(بِسَحَرٍ): هو بُكْرَةٌ، فَلِذَلِكَ صُرِفَ، وانْتَصَبَ (نِعْمَةً) عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، أيْ نَجَّيْناهم لِإنْعامِنا عَلَيْهِمْ أوْ عَلى المَصْدَرِ، لِأنَّ المَعْنى: أنْعَمْنا بِالتَّنْجِيَةِ إنْعامًا. (كَذَلِكَ نَجْزِي): أيْ مِثْلُ ذَلِكَ الإنْعامِ والتَّنْجِيَةِ نَجْزِي ﴿مَن شَكَرَ﴾ إنْعامَنا وأطاعَ وآمَنَ.
﴿ولَقَدْ أنْذَرَهم بَطْشَتَنا﴾: أيْ أخْذَتَنا لَهم بِالعَذابِ، ﴿فَتَمارَوْا﴾: أيْ تَشَكَّكُوا وتَعاطَوْا ذَلِكَ، (بِالنُّذُرِ): أيْ بِالإنْذارِ، أوْ يَكُونُ جَمْعَ نَذِيرٍ.
﴿فَطَمَسْنا﴾، قالَ قَتادَةُ: الطَّمْسُ حَقِيقَةً جَرُّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى أعْيُنِهِمْ جَناحَهُ، فاسْتَوَتْ مَعَ وُجُوهِهِمْ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَطْمُوسَةٌ بِجِلْدٍ كالوَجْهِ. قِيلَ: لَمّا صَفَقَهم جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِجَناحِهِ، تَرَكَهم يَتَرَدَّدُونَ لا يَهْتَدُونَ إلى البابِ، حَتّى أخْرَجَهم لُوطٌ عَلَيْهِ السَّلامُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ: هَذِهِ اسْتِعارَةٌ، وإنَّما حَجَبَ إدْراكَهم، فَدَخَلُوا المَنزِلَ ولَمْ يَرَوْا شَيْئًا، فَجُعِلَ ذَلِكَ كالطَّمْسِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: فَطَمَسْنا بِتَخْفِيفِ المِيمِ؛ وابْنُ مِقْسَمٍ: بِتَشْدِيدِها. (فَذُوقُوا): أيْ فَقُلْتُ لَهم عَلى ألْسِنَةِ المَلائِكَةِ: ذُوقُوا.
﴿ولَقَدْ صَبَّحَهم بُكْرَةً﴾: أيْ أوَّلَ النَّهارِ وباكِرَهُ، لِقَوْلِهِ: (مُشْرِقِينَ) و(مُصْبِحِينَ) . وقَرَأ الجُمْهُورُ: بُكْرَةً بِالتَّنْوِينِ، أرادَ بُكْرَةً مِنَ البِكْرِ، فَصُرِفَ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: بِغَيْرِ تَنْوِينٍ.
﴿عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ﴾: أيْ لَمْ يَكْشِفْهُ عَنْهم كاشِفٌ، بَلِ اتَّصَلَ بِمَوْتِهِمْ، ثُمَّ بِما بَعْدَ ذَلِكَ مِن عَذابِ القَبْرِ، ثُمَّ عَذابِ جَهَنَّمَ.
﴿فَذُوقُوا عَذابِي ونُذُرِ﴾: تَوْكِيدٌ وتَوْبِيخٌ، ذَلِكَ عِنْدَ الطَّمْسِ، وهَذا عِنْدَ تَصْبِيحِ العَذابِ. قِيلَ: وفائِدَةُ تَكْرارِ هَذا وتَكْرارِ (ولَقَدْ يَسَّرْنا)، التَّجَرُّدُ عِنْدَ اسْتِماعِ كُلِّ نَبَأٍ مِن أنْباءِ الأوَّلِينَ، لِلِاتِّعاظِ واسْتِئْنافِ التَّيَقُّظِ إذا سَمِعُوا الحَثَّ عَلى ذَلِكَ لِئَلّا تَسْتَوْلِيَ عَلَيْهِمُ الغَفْلَةُ، وهَكَذا حُكْمُ التَّكْرِيرِ لِقَوْلِهِ: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ١٣] عِنْدَ كُلِّ نِعْمَةٍ عَدَّها في سُورَةِ الرَّحْمَنِ. وقَوْلُهُ: ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ١٥] عِنْدَ كُلِّ آيَةٍ أوْرَدَها في سُورَةِ والمُرْسَلاتِ، وكَذَلِكَ تَكْرِيرُ القَصَصِ في أنْفُسِها، لِتَكُونَ العِبْرَةُ حاضِرَةً لِلْقُلُوبِ، مَذْكُورَةً في كُلِّ أوانٍ.
﴿ولَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ﴾: هم مُوسى وهارُونُ وغَيْرُهُما مِنَ الأنْبِياءِ، لِأنَّهُما عَرَضا عَلَيْهِمْ ما أنْذَرَ بِهِ المُرْسَلُونَ، أوْ يَكُونُ جَمْعُ نَذِيرٍ المَصْدَرَ بِمَعْنى الإنْذارِ. (كَذَّبُوا بِآياتِنا) هي التِّسْعُ، والتَّوْكِيدُ هُنا كَهو في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ أرَيْناهُ آياتِنا كُلَّها﴾ [طه: ٥٦] . والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في: (كَذَّبُوا)، وفي: (فَأخَذْناهم) عائِدٌ عَلى آلِ فِرْعَوْنَ. وقِيلَ: هو عائِدٌ عَلى جَمِيعِ مَن تَقَدَّمَ مِنَ الأُمَمِ ذِكْرُهُ، وتَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: (النُّذُرُ) .
﴿فَأخَذْناهم أخْذَ عَزِيزٍ﴾: لا يُغالَبُ، (مُقْتَدِرٍ): لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ.
﴿أكُفّارُكُمْ﴾: خِطابٌ لِأهْلِ مَكَّةَ، ﴿خَيْرٌ مِن أُولَئِكُمْ﴾: الإشارَةُ إلى قَوْمِ نُوحٍ وهُودٍ وصالِحٍ ولُوطٍ، وإلى فِرْعَوْنَ، والمَعْنى: أهم خَيْرٌ في القُوَّةِ وآلاتِ الحُرُوبِ والمَكانَةِ في الدُّنْيا، أوْ أقَلُّ كُفُؤًا وعِنادًا ؟ فَلِأجْلِ كَوْنِهِمْ خَيْرًا لا يُعاقَبُونَ عَلى الكُفْرِ بِاللَّهِ، وقَّفَهم عَلى تَوْبِيخِهِمْ، أيْ لَيْسَ كُفّارُكم خَيْرًا مِن أُولَئِكم، بَلْ هم مِثْلُهم أوْ شَرٌّ مِنهم، وقَدْ عَلِمْتُمْ ما لَحِقَ أُولَئِكَ مِنَ الهَلاكِ المُسْتَأْصِلِ لَمّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ.
﴿أمْ لَكم بَراءَةٌ في الزُّبُرِ﴾: أيْ ألَكم في الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ بَراءَةٌ مِن عَذابِ اللَّهِ تَعالى ؟ قالَهُ الضَّحّاكُ وعِكْرِمَةُ وابْنُ زَيْدٍ.
﴿أمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ﴾ أيْ واثِقُونَ بِجَماعَتِنا، مُنْتَصِرُونَ بِقُوَّتِنا، تَقُولُونَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الإعْجابِ بِأنْفُسِكم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: أمْ يَقُولُونَ، بِياءِ الغَيْبَةِ التِفاتًا، وكَذا ما بَعْدَهُ لِلْغائِبِ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ ومُوسى الأسْوارِيُّ (p-١٨٣)وأبُو البَرَهْسَمِ: بِتاءِ الخِطابِ لِلْكُفّارِ، اتِّباعًا لِما تَقَدَّمَ مِن خِطابِهِمْ. وقَرَءُوا: سَتَهْزِمُ الجَمْعَ، بِفَتْحِ التّاءِ وكَسْرِ الزّايِ وفَتْحِ العَيْنِ، خِطابًا لِلرَّسُولِ، ﷺ؛ وأبُو حَيْوَةَ أيْضًا ويَعْقُوبُ: بِالنُّونِ مَفْتُوحَةً وكَسْرِ الزّايِ وفَتْحِ العَيْنِ؛ والجُمْهُورُ: بِالياءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ وضَمِّ العَيْنِ. وعَنْ أبِي حَيْوَةَ وابْنِ أبِي عَبْلَةَ أيْضًا: بِفَتْحِ الياءِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ ونَصْبِ العَيْنِ: أيْ سَيَهْزِمُ اللَّهُ الجَمْعَ. والجُمْهُورُ: ﴿ويُوَلُّونَ﴾ بِياءِ الغَيْبَةِ؛ وأبُو حَيْوَةَ وداوُدُ بْنُ أبِي سالِمٍ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِتاءِ الخِطابِ. والدُّبُرُ هُنا: اسْمُ جِنْسٍ، وجاءَ في مَوْضِعٍ آخَرَ ﴿لَيُوَلُّنَّ الأدْبارَ﴾ [الحشر: ١٢]، وهو الأصْلُ، وحَسَّنَ اسْمَ الجِنْسِ هُنا كَوْنُهُ فاصِلَةً. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿ويُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾: أيِ الأدْبارَ، كَما قالَ: كُلُوا في بَعْضِ بَطْنِكم تَعُفُّوا. وقُرِئَ: الأدْبارَ. انْتَهى، ولَيْسَ مِثْلَ بَطْنِكم، لِأنَّ مَجِيءَ الدُّبُرِ مُفْرَدًا لَيْسَ بِحَسَنٍ، ولا يَحْسُنُ لِإفْرادِ بَطْنِكم. وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَيُهْزَمُ الجَمْعُ﴾ عِدَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِرَسُولِهِ، ﷺ، بِهَزِيمَةِ جَمْعِ قُرَيْشٍ؛ والجُمْهُورُ: عَلى أنَّها مَكِّيَّةٌ، وتَلاها رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، مُسْتَشْهِدًا بِها. وقِيلَ: نَزَلَتْ يَوْمَ بَدْرٍ.
﴿بَلِ السّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ﴾: انْتَقَلَ مِن تِلْكَ الأقْوالِ إلى أمْرِ السّاعَةِ الَّتِي عَذابُها أشُدُّ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ هَزِيمَةٍ وقِتالٍ.
﴿والسّاعَةُ أدْهى﴾: أيْ أفْظَعُ وأشَدُّ، والدّاهِيَةُ الأمَرُّ: المُنْكَرُ الَّذِي لا يُهْتَدى لِدَفْعِهِ، وهي الرَّزِيَّةُ العُظْمى تَحُلُّ بِالشَّخْصِ. (وأمَرُّ) مِنَ المَرارَةِ: اسْتِعارَةٌ لِصُعُوبَةِ الشَّيْءِ عَلى النَّفْسِ.
﴿إنَّ المُجْرِمِينَ في ضَلالٍ﴾: أيْ في حَيْرَةٍ وتَخَبُّطٍ في الدُّنْيا. (وسُعُرٍ): أيِ احْتِراقٍ في الآخِرَةِ، جُعِلُوا فِيهِ مِن حَيْثُ مَصِيرُهم إلَيْهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وخُسْرانٍ وجُنُونٍ، والسُّعُرُ: الجُنُونُ، وتَقَدَّمَ مِثْلُهُ في قِصَّةِ صالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ.
﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ﴾: يُجَرُّونَ (في النّارِ)، وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ: إلى النّارِ.
﴿عَلى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا﴾: أيْ مَقُولًا لَهم: ﴿ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ . وقَرَأ مَحْبُوبٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو: مَسَّقَرٍ، بِإدْغامِ السِّينِ في السِّينِ. قالَ ابْنُ مُجاهِدٍ: إدْغامُهُ خَطَأٌ لِأنَّهُ مُشَدَّدٌ. انْتَهى. والظَّنُّ بِأبِي عَمْرٍو أنَّهُ لَمْ يُدْغِمْ حَتّى حَذَفَ إحْدى السِّينَيْنِ لِاجْتِماعِ الأمْثالِ، ثُمَّ أدْغَمَ.
﴿إنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾، قِراءَةُ الجُمْهُورِ: كُلَّ شَيْءٍ بِالنَّصْبِ. وقَرَأ أبُو السَّمّالِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ وقَوْمٌ مِن أهْلِ السُّنَّةِ: بِالرَّفْعِ. قالَ أبُو الفَتْحِ: هو الوَجْهُ في العَرَبِيَّةِ، وقِراءَتُنا بِالنَّصْبِ مَعَ الجَماعَةِ. وقالَ قَوْمٌ: إذا كانَ الفِعْلُ يُتَوَهَّمُ فِيهِ الوَصْفُ، وأنَّ ما بَعْدَهُ يَصْلُحُ لِلْخَبَرِ، وكانَ المَعْنى عَلى أنْ يَكُونَ الفِعْلُ هو الخَبَرَ، اخْتِيرَ النَّصْبُ في الِاسْمِ الأوَّلِ حَتّى يَتَّضِحَ أنَّ الفِعْلَ لَيْسَ بِوَصْفٍ، ومِنهُ هَذا المَوْضِعُ، لِأنَّ في قِراءَةِ الرَّفْعِ يُتَخَيَّلُ أنَّ الفِعْلَ وصْفٌ، وأنَّ الخَبَرَ يُقَدَّرُ. فَقَدْ تَنازَعَ أهْلُ السُّنَّةِ والقَدَرِيَّةُ الِاسْتِدْلالَ بِهَذِهِ الآيَةِ. فَأهْلُ السُّنَّةِ يَقُولُونَ: كُلُّ شَيْءٍ فَهو مَخْلُوقٌ لِلَّهِ تَعالى بِقُدْرَةٍ دَلِيلُهُ قِراءَةُ النَّصْبِ، لِأنَّهُ لا يُفَسِّرُ في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ إلّا ما يَصِحُّ أنْ يَكُونَ خَبَرًا لَوْ وقَعَ الأوَّلُ عَلى الِابْتِداءِ. وقالَتِ القَدَرِيَّةُ: القِراءَةُ بِرَفْعِ كُلِّ، وخَلَقْناهُ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِكُلِّ، أيْ إنْ أمْرُنا أوْ شَأْنُنا كُلُّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ فَهو بِقَدَرٍ أوْ بِمِقْدارٍ، عَلى حَدِّ ما في هَيْئَتِهِ وزَمَنِهِ وغَيْرِ ذَلِكَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ”كُلَّ شَيْءٍ“ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ الظّاهِرُ. وقُرِئَ: كُلُّ شَيْءٍ بِالرَّفْعِ، والقَدَرُ هو التَّقْدِيرُ. وقُرِئَ بِهِما، أيْ خَلَقْنا كُلَّ شَيْءٍ مُقَدَّرًا مُحْكَمًا مُرَتَّبًا عَلى حَسَبِ ما اقْتَضَتْهُ الحِكْمَةُ، أوْ مُقَدَّرًا مَكْتُوبًا في اللَّوْحِ، مَعْلُومًا قَبْلَ كَوْنِهِ، قَدْ عَلِمْنا حالَهُ وزَمانَهُ. انْتَهى. قِيلَ: والقَدَرُ فِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنْ يَكُونَ بِمَعْنى المِقْدارِ في ذاتِهِ وصِفاتِهِ. والثّانِي: التَّقْدِيرُ، قالَ تَعالى: ﴿فَقَدَرْنا فَنِعْمَ القادِرُونَ﴾ [المرسلات: ٢٣] . وقالَ الشّاعِرُ:
؎وما قَدَّرَ الرَّحْمَنُ ما هو قادِرُ
أيْ ما هو مَقْدُورٌ. والثّالِثُ: القَدَرُ الَّذِي يُقالُ مَعَ القَضاءِ، يُقالُ: كانَ ذَلِكَ بِقَضاءِ اللَّهِ وقَدَرِهِ، والمَعْنى: أنَّ القَضاءَ ما في العِلْمِ، والقَدَرَ ما في الإرادَةِ، فالمَعْنى في الآيَةِ: ﴿خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾: أيْ بِقُدْرَةٍ مَعَ إرادَةٍ. انْتَهى.
﴿وما أمْرُنا إلّا واحِدَةٌ﴾: أيْ إلّا كَلِمَةٌ واحِدَةٌ وهي: كُنْ كَلَمْحٍ بِالبَصَرِ، تَشْبِيهٌ بِأعْجَلِ ما يُحَسُّ، وفي أشْياءَ، أمْرُ اللَّهِ تَعالى أوْحى مِن ذَلِكَ، والمَعْنى: أنَّهُ إذا أرادَ (p-١٨٤)تَكْوِينَ شَيْءٍ لَمْ يَتَأخَّرْ عَنْ إرادَتِهِ.
﴿ولَقَدْ أهْلَكْنا أشْياعَكُمْ﴾: أيِ الفِرَقَ المُتَشايِعَةَ في مَذْهَبٍ ودِينٍ.
﴿وكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ﴾: أيْ فَعَلَتْهُ الأُمَمُ المُكَذِّبَةُ، مَحْفُوظٌ عَلَيْهِمْ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ وقَتادَةُ وابْنُ زَيْدٍ. ومَعْنى (في الزُّبُرِ): في دَواوِينِ الحَفَظَةِ.
﴿وكُلُّ صَغِيرٍ وكَبِيرٍ﴾ مِنَ الأعْمالِ، ومِن كُلِّ ما هو كائِنٌ، ﴿مُسْتَطَرٌ﴾: أيْ مَسْطُورٌ في اللَّوْحِ. يُقالُ: سَطَّرْتُ واسْتَطَرْتُ بِمَعْنًى. وقَرَأ الأعْمَشُ وعِمْرانُ بْنُ حُدَيْرٍ وعِصْمَةُ عَنْ أبِي بَكْرٍ: بِشَدِّ راءِ ”مُسْتَطَرٌّ“ . قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن طُرَّ النَّباتُ والشّارِبُ إذا ظَهَرَ وثَبَتَ بِمَعْنى: كُلُّ شَيْءٍ ظاهِرٌ في اللَّوْحِ مُثْبَتٌ فِيهِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِنَ الِاسْتِطارِ، لَكِنْ شَدَّدَ الرّاءَ لِلْوَقْفِ عَلى لُغَةِ مَن يَقُولُ: جَعْفَرٌّ ونَفْعَلُّ بِالتَّشْدِيدِ وقْفًا. انْتَهى، ووَزْنُهُ عَلى التَّوْجِيهِ الأوَّلِ اسْتَفْعَلَ، وعَلى الثّانِي افْتَعَلَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ونَهَرٍ عَلى الإفْرادِ، والهاءُ مَفْتُوحَةٌ؛ والأعْرَجُ ومُجاهِدٌ وحُمَيْدٌ وأبُو السَّمّالِ والفَيّاضُ بْنُ غَزْوانَ: بِسُكُونِها، والمُرادُ بِهِ الجِنْسُ، إنْ أُرِيدَ بِهِ الأنْهارُ، أوْ يَكُونُ مَعْنى ونَهَرٍ وسَعَةً في الأرْزاقِ والمَنازِلِ، ومِنهُ قَوْلُ قَيْسِ بْنِ الخَطِيمِ:
؎مَلَكْتُ بِها كَفِّي فَأنْهَرْتُ فَتْقَها ∗∗∗ يَرى قائِمٌ مِن دُونِها ما وراءَها
أيْ: أوْسَعْتُ فَتْقَها. وقَرَأ زُهَيْرٌ العُرْقُبِيُّ والأعْمَشُ وأبُو نَهِيكٍ وأبُو مِجْلَزٍ واليَمانِيُّ: بِضَمِّ النُّونِ والهاءِ، جَمْعَ نُهُرٍ، كَرَهْنٍ ورُهُنٍ، أوْ نُهْرٍ كَأسَدٍ وأُسْدٍ، وهو مُناسِبٌ لِجَمْعِ جَنّاتٍ. وقِيلَ: نُهُرٌ جَمْعُ نَهارٍ، ولا لَيْلَ في الجَنَّةِ، وهو بَعِيدٌ.
﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ﴾: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضِدَّ الكَذِبِ، أيْ في المَقْعَدِ الَّذِي صَدَقُوا في الخَبَرِ بِهِ، وأنْ يَكُونَ مِن قَوْلِكَ: رَجُلُ صِدْقٍ: أيْ خَيْرٍ وجُودٍ وصَلاحٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: في مَقْعَدِ، عَلى الإفْرادِ، يُرادُ بِهِ اسْمُ الجِنْسِ؛ وعُثْمانُ البَتِّيُّ: (في مَقاعِدِ) عَلى الجَمْعِ؛ و”عِنْدَ“ تَدُلُّ عَلى قُرْبِ المَكانَةِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
القمر 54:51
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ﴾ ﴿إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِبًا إلّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْناهم بِسَحَرٍ﴾ ﴿نِعْمَةً مِن عِنْدِنا كَذَلِكَ نَجْزِي مَن شَكَرَ﴾ ﴿ولَقَدْ أنْذَرَهم بَطْشَتَنا فَتَمارَوْا بِالنُّذُرِ﴾ ﴿ولَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنا أعْيُنَهم فَذُوقُوا عَذابِي ونُذُرِ﴾ ﴿ولَقَدْ صَبَّحَهم بُكْرَةً عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ﴾ ﴿فَذُوقُوا عَذابِي ونُذُرِ﴾ ﴿ولَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ ﴿ولَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ﴾ ﴿كَذَّبُوا بِآياتِنا كُلِّها فَأخَذْناهم أخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ﴾ ﴿أكُفّارُكم خَيْرٌ مِن أُولَئِكم أمْ لَكم بَراءَةٌ في الزُّبُرِ﴾ ﴿أمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾ ﴿سَيُهْزَمُ الجَمْعُ ويُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ ﴿بَلِ السّاعَةُ مَوْعِدُهم والسّاعَةُ أدْهى وأمَرُّ﴾ ﴿إنَّ المُجْرِمِينَ في ضَلالٍ وسُعُرٍ﴾ ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ في النّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ ﴿إنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾ ﴿وما أمْرُنا إلّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالبَصَرِ﴾ ﴿ولَقَدْ أهْلَكْنا أشْياعَكم فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ ﴿وكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ في الزُّبُرِ﴾ ﴿وكُلُّ صَغِيرٍ وكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ﴾ ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ ونَهَرٍ﴾ ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ .
(p-١٨٢)تَقَدَّمَتْ قِصَّةُ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وقَوْمِهِ. والحاصِبُ مِنَ الحَصْباءِ، وهو المَعْنِيُّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ﴾ [الحجر: ٧٤] . (إلّا آلَ لُوطٍ)، قِيلَ: إلّا ابْنَتاهُ، و(بِسَحَرٍ): هو بُكْرَةٌ، فَلِذَلِكَ صُرِفَ، وانْتَصَبَ (نِعْمَةً) عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، أيْ نَجَّيْناهم لِإنْعامِنا عَلَيْهِمْ أوْ عَلى المَصْدَرِ، لِأنَّ المَعْنى: أنْعَمْنا بِالتَّنْجِيَةِ إنْعامًا. (كَذَلِكَ نَجْزِي): أيْ مِثْلُ ذَلِكَ الإنْعامِ والتَّنْجِيَةِ نَجْزِي ﴿مَن شَكَرَ﴾ إنْعامَنا وأطاعَ وآمَنَ.
﴿ولَقَدْ أنْذَرَهم بَطْشَتَنا﴾: أيْ أخْذَتَنا لَهم بِالعَذابِ، ﴿فَتَمارَوْا﴾: أيْ تَشَكَّكُوا وتَعاطَوْا ذَلِكَ، (بِالنُّذُرِ): أيْ بِالإنْذارِ، أوْ يَكُونُ جَمْعَ نَذِيرٍ.
﴿فَطَمَسْنا﴾، قالَ قَتادَةُ: الطَّمْسُ حَقِيقَةً جَرُّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى أعْيُنِهِمْ جَناحَهُ، فاسْتَوَتْ مَعَ وُجُوهِهِمْ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَطْمُوسَةٌ بِجِلْدٍ كالوَجْهِ. قِيلَ: لَمّا صَفَقَهم جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِجَناحِهِ، تَرَكَهم يَتَرَدَّدُونَ لا يَهْتَدُونَ إلى البابِ، حَتّى أخْرَجَهم لُوطٌ عَلَيْهِ السَّلامُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ: هَذِهِ اسْتِعارَةٌ، وإنَّما حَجَبَ إدْراكَهم، فَدَخَلُوا المَنزِلَ ولَمْ يَرَوْا شَيْئًا، فَجُعِلَ ذَلِكَ كالطَّمْسِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: فَطَمَسْنا بِتَخْفِيفِ المِيمِ؛ وابْنُ مِقْسَمٍ: بِتَشْدِيدِها. (فَذُوقُوا): أيْ فَقُلْتُ لَهم عَلى ألْسِنَةِ المَلائِكَةِ: ذُوقُوا.
﴿ولَقَدْ صَبَّحَهم بُكْرَةً﴾: أيْ أوَّلَ النَّهارِ وباكِرَهُ، لِقَوْلِهِ: (مُشْرِقِينَ) و(مُصْبِحِينَ) . وقَرَأ الجُمْهُورُ: بُكْرَةً بِالتَّنْوِينِ، أرادَ بُكْرَةً مِنَ البِكْرِ، فَصُرِفَ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: بِغَيْرِ تَنْوِينٍ.
﴿عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ﴾: أيْ لَمْ يَكْشِفْهُ عَنْهم كاشِفٌ، بَلِ اتَّصَلَ بِمَوْتِهِمْ، ثُمَّ بِما بَعْدَ ذَلِكَ مِن عَذابِ القَبْرِ، ثُمَّ عَذابِ جَهَنَّمَ.
﴿فَذُوقُوا عَذابِي ونُذُرِ﴾: تَوْكِيدٌ وتَوْبِيخٌ، ذَلِكَ عِنْدَ الطَّمْسِ، وهَذا عِنْدَ تَصْبِيحِ العَذابِ. قِيلَ: وفائِدَةُ تَكْرارِ هَذا وتَكْرارِ (ولَقَدْ يَسَّرْنا)، التَّجَرُّدُ عِنْدَ اسْتِماعِ كُلِّ نَبَأٍ مِن أنْباءِ الأوَّلِينَ، لِلِاتِّعاظِ واسْتِئْنافِ التَّيَقُّظِ إذا سَمِعُوا الحَثَّ عَلى ذَلِكَ لِئَلّا تَسْتَوْلِيَ عَلَيْهِمُ الغَفْلَةُ، وهَكَذا حُكْمُ التَّكْرِيرِ لِقَوْلِهِ: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ١٣] عِنْدَ كُلِّ نِعْمَةٍ عَدَّها في سُورَةِ الرَّحْمَنِ. وقَوْلُهُ: ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ١٥] عِنْدَ كُلِّ آيَةٍ أوْرَدَها في سُورَةِ والمُرْسَلاتِ، وكَذَلِكَ تَكْرِيرُ القَصَصِ في أنْفُسِها، لِتَكُونَ العِبْرَةُ حاضِرَةً لِلْقُلُوبِ، مَذْكُورَةً في كُلِّ أوانٍ.
﴿ولَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ﴾: هم مُوسى وهارُونُ وغَيْرُهُما مِنَ الأنْبِياءِ، لِأنَّهُما عَرَضا عَلَيْهِمْ ما أنْذَرَ بِهِ المُرْسَلُونَ، أوْ يَكُونُ جَمْعُ نَذِيرٍ المَصْدَرَ بِمَعْنى الإنْذارِ. (كَذَّبُوا بِآياتِنا) هي التِّسْعُ، والتَّوْكِيدُ هُنا كَهو في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ أرَيْناهُ آياتِنا كُلَّها﴾ [طه: ٥٦] . والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في: (كَذَّبُوا)، وفي: (فَأخَذْناهم) عائِدٌ عَلى آلِ فِرْعَوْنَ. وقِيلَ: هو عائِدٌ عَلى جَمِيعِ مَن تَقَدَّمَ مِنَ الأُمَمِ ذِكْرُهُ، وتَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: (النُّذُرُ) .
﴿فَأخَذْناهم أخْذَ عَزِيزٍ﴾: لا يُغالَبُ، (مُقْتَدِرٍ): لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ.
﴿أكُفّارُكُمْ﴾: خِطابٌ لِأهْلِ مَكَّةَ، ﴿خَيْرٌ مِن أُولَئِكُمْ﴾: الإشارَةُ إلى قَوْمِ نُوحٍ وهُودٍ وصالِحٍ ولُوطٍ، وإلى فِرْعَوْنَ، والمَعْنى: أهم خَيْرٌ في القُوَّةِ وآلاتِ الحُرُوبِ والمَكانَةِ في الدُّنْيا، أوْ أقَلُّ كُفُؤًا وعِنادًا ؟ فَلِأجْلِ كَوْنِهِمْ خَيْرًا لا يُعاقَبُونَ عَلى الكُفْرِ بِاللَّهِ، وقَّفَهم عَلى تَوْبِيخِهِمْ، أيْ لَيْسَ كُفّارُكم خَيْرًا مِن أُولَئِكم، بَلْ هم مِثْلُهم أوْ شَرٌّ مِنهم، وقَدْ عَلِمْتُمْ ما لَحِقَ أُولَئِكَ مِنَ الهَلاكِ المُسْتَأْصِلِ لَمّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ.
﴿أمْ لَكم بَراءَةٌ في الزُّبُرِ﴾: أيْ ألَكم في الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ بَراءَةٌ مِن عَذابِ اللَّهِ تَعالى ؟ قالَهُ الضَّحّاكُ وعِكْرِمَةُ وابْنُ زَيْدٍ.
﴿أمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ﴾ أيْ واثِقُونَ بِجَماعَتِنا، مُنْتَصِرُونَ بِقُوَّتِنا، تَقُولُونَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الإعْجابِ بِأنْفُسِكم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: أمْ يَقُولُونَ، بِياءِ الغَيْبَةِ التِفاتًا، وكَذا ما بَعْدَهُ لِلْغائِبِ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ ومُوسى الأسْوارِيُّ (p-١٨٣)وأبُو البَرَهْسَمِ: بِتاءِ الخِطابِ لِلْكُفّارِ، اتِّباعًا لِما تَقَدَّمَ مِن خِطابِهِمْ. وقَرَءُوا: سَتَهْزِمُ الجَمْعَ، بِفَتْحِ التّاءِ وكَسْرِ الزّايِ وفَتْحِ العَيْنِ، خِطابًا لِلرَّسُولِ، ﷺ؛ وأبُو حَيْوَةَ أيْضًا ويَعْقُوبُ: بِالنُّونِ مَفْتُوحَةً وكَسْرِ الزّايِ وفَتْحِ العَيْنِ؛ والجُمْهُورُ: بِالياءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ وضَمِّ العَيْنِ. وعَنْ أبِي حَيْوَةَ وابْنِ أبِي عَبْلَةَ أيْضًا: بِفَتْحِ الياءِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ ونَصْبِ العَيْنِ: أيْ سَيَهْزِمُ اللَّهُ الجَمْعَ. والجُمْهُورُ: ﴿ويُوَلُّونَ﴾ بِياءِ الغَيْبَةِ؛ وأبُو حَيْوَةَ وداوُدُ بْنُ أبِي سالِمٍ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِتاءِ الخِطابِ. والدُّبُرُ هُنا: اسْمُ جِنْسٍ، وجاءَ في مَوْضِعٍ آخَرَ ﴿لَيُوَلُّنَّ الأدْبارَ﴾ [الحشر: ١٢]، وهو الأصْلُ، وحَسَّنَ اسْمَ الجِنْسِ هُنا كَوْنُهُ فاصِلَةً. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿ويُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾: أيِ الأدْبارَ، كَما قالَ: كُلُوا في بَعْضِ بَطْنِكم تَعُفُّوا. وقُرِئَ: الأدْبارَ. انْتَهى، ولَيْسَ مِثْلَ بَطْنِكم، لِأنَّ مَجِيءَ الدُّبُرِ مُفْرَدًا لَيْسَ بِحَسَنٍ، ولا يَحْسُنُ لِإفْرادِ بَطْنِكم. وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَيُهْزَمُ الجَمْعُ﴾ عِدَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِرَسُولِهِ، ﷺ، بِهَزِيمَةِ جَمْعِ قُرَيْشٍ؛ والجُمْهُورُ: عَلى أنَّها مَكِّيَّةٌ، وتَلاها رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، مُسْتَشْهِدًا بِها. وقِيلَ: نَزَلَتْ يَوْمَ بَدْرٍ.
﴿بَلِ السّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ﴾: انْتَقَلَ مِن تِلْكَ الأقْوالِ إلى أمْرِ السّاعَةِ الَّتِي عَذابُها أشُدُّ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ هَزِيمَةٍ وقِتالٍ.
﴿والسّاعَةُ أدْهى﴾: أيْ أفْظَعُ وأشَدُّ، والدّاهِيَةُ الأمَرُّ: المُنْكَرُ الَّذِي لا يُهْتَدى لِدَفْعِهِ، وهي الرَّزِيَّةُ العُظْمى تَحُلُّ بِالشَّخْصِ. (وأمَرُّ) مِنَ المَرارَةِ: اسْتِعارَةٌ لِصُعُوبَةِ الشَّيْءِ عَلى النَّفْسِ.
﴿إنَّ المُجْرِمِينَ في ضَلالٍ﴾: أيْ في حَيْرَةٍ وتَخَبُّطٍ في الدُّنْيا. (وسُعُرٍ): أيِ احْتِراقٍ في الآخِرَةِ، جُعِلُوا فِيهِ مِن حَيْثُ مَصِيرُهم إلَيْهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وخُسْرانٍ وجُنُونٍ، والسُّعُرُ: الجُنُونُ، وتَقَدَّمَ مِثْلُهُ في قِصَّةِ صالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ.
﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ﴾: يُجَرُّونَ (في النّارِ)، وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ: إلى النّارِ.
﴿عَلى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا﴾: أيْ مَقُولًا لَهم: ﴿ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ . وقَرَأ مَحْبُوبٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو: مَسَّقَرٍ، بِإدْغامِ السِّينِ في السِّينِ. قالَ ابْنُ مُجاهِدٍ: إدْغامُهُ خَطَأٌ لِأنَّهُ مُشَدَّدٌ. انْتَهى. والظَّنُّ بِأبِي عَمْرٍو أنَّهُ لَمْ يُدْغِمْ حَتّى حَذَفَ إحْدى السِّينَيْنِ لِاجْتِماعِ الأمْثالِ، ثُمَّ أدْغَمَ.
﴿إنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾، قِراءَةُ الجُمْهُورِ: كُلَّ شَيْءٍ بِالنَّصْبِ. وقَرَأ أبُو السَّمّالِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ وقَوْمٌ مِن أهْلِ السُّنَّةِ: بِالرَّفْعِ. قالَ أبُو الفَتْحِ: هو الوَجْهُ في العَرَبِيَّةِ، وقِراءَتُنا بِالنَّصْبِ مَعَ الجَماعَةِ. وقالَ قَوْمٌ: إذا كانَ الفِعْلُ يُتَوَهَّمُ فِيهِ الوَصْفُ، وأنَّ ما بَعْدَهُ يَصْلُحُ لِلْخَبَرِ، وكانَ المَعْنى عَلى أنْ يَكُونَ الفِعْلُ هو الخَبَرَ، اخْتِيرَ النَّصْبُ في الِاسْمِ الأوَّلِ حَتّى يَتَّضِحَ أنَّ الفِعْلَ لَيْسَ بِوَصْفٍ، ومِنهُ هَذا المَوْضِعُ، لِأنَّ في قِراءَةِ الرَّفْعِ يُتَخَيَّلُ أنَّ الفِعْلَ وصْفٌ، وأنَّ الخَبَرَ يُقَدَّرُ. فَقَدْ تَنازَعَ أهْلُ السُّنَّةِ والقَدَرِيَّةُ الِاسْتِدْلالَ بِهَذِهِ الآيَةِ. فَأهْلُ السُّنَّةِ يَقُولُونَ: كُلُّ شَيْءٍ فَهو مَخْلُوقٌ لِلَّهِ تَعالى بِقُدْرَةٍ دَلِيلُهُ قِراءَةُ النَّصْبِ، لِأنَّهُ لا يُفَسِّرُ في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ إلّا ما يَصِحُّ أنْ يَكُونَ خَبَرًا لَوْ وقَعَ الأوَّلُ عَلى الِابْتِداءِ. وقالَتِ القَدَرِيَّةُ: القِراءَةُ بِرَفْعِ كُلِّ، وخَلَقْناهُ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِكُلِّ، أيْ إنْ أمْرُنا أوْ شَأْنُنا كُلُّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ فَهو بِقَدَرٍ أوْ بِمِقْدارٍ، عَلى حَدِّ ما في هَيْئَتِهِ وزَمَنِهِ وغَيْرِ ذَلِكَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ”كُلَّ شَيْءٍ“ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ الظّاهِرُ. وقُرِئَ: كُلُّ شَيْءٍ بِالرَّفْعِ، والقَدَرُ هو التَّقْدِيرُ. وقُرِئَ بِهِما، أيْ خَلَقْنا كُلَّ شَيْءٍ مُقَدَّرًا مُحْكَمًا مُرَتَّبًا عَلى حَسَبِ ما اقْتَضَتْهُ الحِكْمَةُ، أوْ مُقَدَّرًا مَكْتُوبًا في اللَّوْحِ، مَعْلُومًا قَبْلَ كَوْنِهِ، قَدْ عَلِمْنا حالَهُ وزَمانَهُ. انْتَهى. قِيلَ: والقَدَرُ فِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنْ يَكُونَ بِمَعْنى المِقْدارِ في ذاتِهِ وصِفاتِهِ. والثّانِي: التَّقْدِيرُ، قالَ تَعالى: ﴿فَقَدَرْنا فَنِعْمَ القادِرُونَ﴾ [المرسلات: ٢٣] . وقالَ الشّاعِرُ:
؎وما قَدَّرَ الرَّحْمَنُ ما هو قادِرُ
أيْ ما هو مَقْدُورٌ. والثّالِثُ: القَدَرُ الَّذِي يُقالُ مَعَ القَضاءِ، يُقالُ: كانَ ذَلِكَ بِقَضاءِ اللَّهِ وقَدَرِهِ، والمَعْنى: أنَّ القَضاءَ ما في العِلْمِ، والقَدَرَ ما في الإرادَةِ، فالمَعْنى في الآيَةِ: ﴿خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾: أيْ بِقُدْرَةٍ مَعَ إرادَةٍ. انْتَهى.
﴿وما أمْرُنا إلّا واحِدَةٌ﴾: أيْ إلّا كَلِمَةٌ واحِدَةٌ وهي: كُنْ كَلَمْحٍ بِالبَصَرِ، تَشْبِيهٌ بِأعْجَلِ ما يُحَسُّ، وفي أشْياءَ، أمْرُ اللَّهِ تَعالى أوْحى مِن ذَلِكَ، والمَعْنى: أنَّهُ إذا أرادَ (p-١٨٤)تَكْوِينَ شَيْءٍ لَمْ يَتَأخَّرْ عَنْ إرادَتِهِ.
﴿ولَقَدْ أهْلَكْنا أشْياعَكُمْ﴾: أيِ الفِرَقَ المُتَشايِعَةَ في مَذْهَبٍ ودِينٍ.
﴿وكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ﴾: أيْ فَعَلَتْهُ الأُمَمُ المُكَذِّبَةُ، مَحْفُوظٌ عَلَيْهِمْ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ وقَتادَةُ وابْنُ زَيْدٍ. ومَعْنى (في الزُّبُرِ): في دَواوِينِ الحَفَظَةِ.
﴿وكُلُّ صَغِيرٍ وكَبِيرٍ﴾ مِنَ الأعْمالِ، ومِن كُلِّ ما هو كائِنٌ، ﴿مُسْتَطَرٌ﴾: أيْ مَسْطُورٌ في اللَّوْحِ. يُقالُ: سَطَّرْتُ واسْتَطَرْتُ بِمَعْنًى. وقَرَأ الأعْمَشُ وعِمْرانُ بْنُ حُدَيْرٍ وعِصْمَةُ عَنْ أبِي بَكْرٍ: بِشَدِّ راءِ ”مُسْتَطَرٌّ“ . قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن طُرَّ النَّباتُ والشّارِبُ إذا ظَهَرَ وثَبَتَ بِمَعْنى: كُلُّ شَيْءٍ ظاهِرٌ في اللَّوْحِ مُثْبَتٌ فِيهِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِنَ الِاسْتِطارِ، لَكِنْ شَدَّدَ الرّاءَ لِلْوَقْفِ عَلى لُغَةِ مَن يَقُولُ: جَعْفَرٌّ ونَفْعَلُّ بِالتَّشْدِيدِ وقْفًا. انْتَهى، ووَزْنُهُ عَلى التَّوْجِيهِ الأوَّلِ اسْتَفْعَلَ، وعَلى الثّانِي افْتَعَلَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ونَهَرٍ عَلى الإفْرادِ، والهاءُ مَفْتُوحَةٌ؛ والأعْرَجُ ومُجاهِدٌ وحُمَيْدٌ وأبُو السَّمّالِ والفَيّاضُ بْنُ غَزْوانَ: بِسُكُونِها، والمُرادُ بِهِ الجِنْسُ، إنْ أُرِيدَ بِهِ الأنْهارُ، أوْ يَكُونُ مَعْنى ونَهَرٍ وسَعَةً في الأرْزاقِ والمَنازِلِ، ومِنهُ قَوْلُ قَيْسِ بْنِ الخَطِيمِ:
؎مَلَكْتُ بِها كَفِّي فَأنْهَرْتُ فَتْقَها ∗∗∗ يَرى قائِمٌ مِن دُونِها ما وراءَها
أيْ: أوْسَعْتُ فَتْقَها. وقَرَأ زُهَيْرٌ العُرْقُبِيُّ والأعْمَشُ وأبُو نَهِيكٍ وأبُو مِجْلَزٍ واليَمانِيُّ: بِضَمِّ النُّونِ والهاءِ، جَمْعَ نُهُرٍ، كَرَهْنٍ ورُهُنٍ، أوْ نُهْرٍ كَأسَدٍ وأُسْدٍ، وهو مُناسِبٌ لِجَمْعِ جَنّاتٍ. وقِيلَ: نُهُرٌ جَمْعُ نَهارٍ، ولا لَيْلَ في الجَنَّةِ، وهو بَعِيدٌ.
﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ﴾: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضِدَّ الكَذِبِ، أيْ في المَقْعَدِ الَّذِي صَدَقُوا في الخَبَرِ بِهِ، وأنْ يَكُونَ مِن قَوْلِكَ: رَجُلُ صِدْقٍ: أيْ خَيْرٍ وجُودٍ وصَلاحٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: في مَقْعَدِ، عَلى الإفْرادِ، يُرادُ بِهِ اسْمُ الجِنْسِ؛ وعُثْمانُ البَتِّيُّ: (في مَقاعِدِ) عَلى الجَمْعِ؛ و”عِنْدَ“ تَدُلُّ عَلى قُرْبِ المَكانَةِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
القمر 54:52
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ﴾ ﴿إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِبًا إلّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْناهم بِسَحَرٍ﴾ ﴿نِعْمَةً مِن عِنْدِنا كَذَلِكَ نَجْزِي مَن شَكَرَ﴾ ﴿ولَقَدْ أنْذَرَهم بَطْشَتَنا فَتَمارَوْا بِالنُّذُرِ﴾ ﴿ولَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنا أعْيُنَهم فَذُوقُوا عَذابِي ونُذُرِ﴾ ﴿ولَقَدْ صَبَّحَهم بُكْرَةً عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ﴾ ﴿فَذُوقُوا عَذابِي ونُذُرِ﴾ ﴿ولَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ ﴿ولَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ﴾ ﴿كَذَّبُوا بِآياتِنا كُلِّها فَأخَذْناهم أخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ﴾ ﴿أكُفّارُكم خَيْرٌ مِن أُولَئِكم أمْ لَكم بَراءَةٌ في الزُّبُرِ﴾ ﴿أمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾ ﴿سَيُهْزَمُ الجَمْعُ ويُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ ﴿بَلِ السّاعَةُ مَوْعِدُهم والسّاعَةُ أدْهى وأمَرُّ﴾ ﴿إنَّ المُجْرِمِينَ في ضَلالٍ وسُعُرٍ﴾ ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ في النّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ ﴿إنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾ ﴿وما أمْرُنا إلّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالبَصَرِ﴾ ﴿ولَقَدْ أهْلَكْنا أشْياعَكم فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ ﴿وكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ في الزُّبُرِ﴾ ﴿وكُلُّ صَغِيرٍ وكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ﴾ ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ ونَهَرٍ﴾ ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ .
(p-١٨٢)تَقَدَّمَتْ قِصَّةُ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وقَوْمِهِ. والحاصِبُ مِنَ الحَصْباءِ، وهو المَعْنِيُّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ﴾ [الحجر: ٧٤] . (إلّا آلَ لُوطٍ)، قِيلَ: إلّا ابْنَتاهُ، و(بِسَحَرٍ): هو بُكْرَةٌ، فَلِذَلِكَ صُرِفَ، وانْتَصَبَ (نِعْمَةً) عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، أيْ نَجَّيْناهم لِإنْعامِنا عَلَيْهِمْ أوْ عَلى المَصْدَرِ، لِأنَّ المَعْنى: أنْعَمْنا بِالتَّنْجِيَةِ إنْعامًا. (كَذَلِكَ نَجْزِي): أيْ مِثْلُ ذَلِكَ الإنْعامِ والتَّنْجِيَةِ نَجْزِي ﴿مَن شَكَرَ﴾ إنْعامَنا وأطاعَ وآمَنَ.
﴿ولَقَدْ أنْذَرَهم بَطْشَتَنا﴾: أيْ أخْذَتَنا لَهم بِالعَذابِ، ﴿فَتَمارَوْا﴾: أيْ تَشَكَّكُوا وتَعاطَوْا ذَلِكَ، (بِالنُّذُرِ): أيْ بِالإنْذارِ، أوْ يَكُونُ جَمْعَ نَذِيرٍ.
﴿فَطَمَسْنا﴾، قالَ قَتادَةُ: الطَّمْسُ حَقِيقَةً جَرُّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى أعْيُنِهِمْ جَناحَهُ، فاسْتَوَتْ مَعَ وُجُوهِهِمْ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَطْمُوسَةٌ بِجِلْدٍ كالوَجْهِ. قِيلَ: لَمّا صَفَقَهم جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِجَناحِهِ، تَرَكَهم يَتَرَدَّدُونَ لا يَهْتَدُونَ إلى البابِ، حَتّى أخْرَجَهم لُوطٌ عَلَيْهِ السَّلامُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ: هَذِهِ اسْتِعارَةٌ، وإنَّما حَجَبَ إدْراكَهم، فَدَخَلُوا المَنزِلَ ولَمْ يَرَوْا شَيْئًا، فَجُعِلَ ذَلِكَ كالطَّمْسِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: فَطَمَسْنا بِتَخْفِيفِ المِيمِ؛ وابْنُ مِقْسَمٍ: بِتَشْدِيدِها. (فَذُوقُوا): أيْ فَقُلْتُ لَهم عَلى ألْسِنَةِ المَلائِكَةِ: ذُوقُوا.
﴿ولَقَدْ صَبَّحَهم بُكْرَةً﴾: أيْ أوَّلَ النَّهارِ وباكِرَهُ، لِقَوْلِهِ: (مُشْرِقِينَ) و(مُصْبِحِينَ) . وقَرَأ الجُمْهُورُ: بُكْرَةً بِالتَّنْوِينِ، أرادَ بُكْرَةً مِنَ البِكْرِ، فَصُرِفَ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: بِغَيْرِ تَنْوِينٍ.
﴿عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ﴾: أيْ لَمْ يَكْشِفْهُ عَنْهم كاشِفٌ، بَلِ اتَّصَلَ بِمَوْتِهِمْ، ثُمَّ بِما بَعْدَ ذَلِكَ مِن عَذابِ القَبْرِ، ثُمَّ عَذابِ جَهَنَّمَ.
﴿فَذُوقُوا عَذابِي ونُذُرِ﴾: تَوْكِيدٌ وتَوْبِيخٌ، ذَلِكَ عِنْدَ الطَّمْسِ، وهَذا عِنْدَ تَصْبِيحِ العَذابِ. قِيلَ: وفائِدَةُ تَكْرارِ هَذا وتَكْرارِ (ولَقَدْ يَسَّرْنا)، التَّجَرُّدُ عِنْدَ اسْتِماعِ كُلِّ نَبَأٍ مِن أنْباءِ الأوَّلِينَ، لِلِاتِّعاظِ واسْتِئْنافِ التَّيَقُّظِ إذا سَمِعُوا الحَثَّ عَلى ذَلِكَ لِئَلّا تَسْتَوْلِيَ عَلَيْهِمُ الغَفْلَةُ، وهَكَذا حُكْمُ التَّكْرِيرِ لِقَوْلِهِ: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ١٣] عِنْدَ كُلِّ نِعْمَةٍ عَدَّها في سُورَةِ الرَّحْمَنِ. وقَوْلُهُ: ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ١٥] عِنْدَ كُلِّ آيَةٍ أوْرَدَها في سُورَةِ والمُرْسَلاتِ، وكَذَلِكَ تَكْرِيرُ القَصَصِ في أنْفُسِها، لِتَكُونَ العِبْرَةُ حاضِرَةً لِلْقُلُوبِ، مَذْكُورَةً في كُلِّ أوانٍ.
﴿ولَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ﴾: هم مُوسى وهارُونُ وغَيْرُهُما مِنَ الأنْبِياءِ، لِأنَّهُما عَرَضا عَلَيْهِمْ ما أنْذَرَ بِهِ المُرْسَلُونَ، أوْ يَكُونُ جَمْعُ نَذِيرٍ المَصْدَرَ بِمَعْنى الإنْذارِ. (كَذَّبُوا بِآياتِنا) هي التِّسْعُ، والتَّوْكِيدُ هُنا كَهو في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ أرَيْناهُ آياتِنا كُلَّها﴾ [طه: ٥٦] . والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في: (كَذَّبُوا)، وفي: (فَأخَذْناهم) عائِدٌ عَلى آلِ فِرْعَوْنَ. وقِيلَ: هو عائِدٌ عَلى جَمِيعِ مَن تَقَدَّمَ مِنَ الأُمَمِ ذِكْرُهُ، وتَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: (النُّذُرُ) .
﴿فَأخَذْناهم أخْذَ عَزِيزٍ﴾: لا يُغالَبُ، (مُقْتَدِرٍ): لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ.
﴿أكُفّارُكُمْ﴾: خِطابٌ لِأهْلِ مَكَّةَ، ﴿خَيْرٌ مِن أُولَئِكُمْ﴾: الإشارَةُ إلى قَوْمِ نُوحٍ وهُودٍ وصالِحٍ ولُوطٍ، وإلى فِرْعَوْنَ، والمَعْنى: أهم خَيْرٌ في القُوَّةِ وآلاتِ الحُرُوبِ والمَكانَةِ في الدُّنْيا، أوْ أقَلُّ كُفُؤًا وعِنادًا ؟ فَلِأجْلِ كَوْنِهِمْ خَيْرًا لا يُعاقَبُونَ عَلى الكُفْرِ بِاللَّهِ، وقَّفَهم عَلى تَوْبِيخِهِمْ، أيْ لَيْسَ كُفّارُكم خَيْرًا مِن أُولَئِكم، بَلْ هم مِثْلُهم أوْ شَرٌّ مِنهم، وقَدْ عَلِمْتُمْ ما لَحِقَ أُولَئِكَ مِنَ الهَلاكِ المُسْتَأْصِلِ لَمّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ.
﴿أمْ لَكم بَراءَةٌ في الزُّبُرِ﴾: أيْ ألَكم في الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ بَراءَةٌ مِن عَذابِ اللَّهِ تَعالى ؟ قالَهُ الضَّحّاكُ وعِكْرِمَةُ وابْنُ زَيْدٍ.
﴿أمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ﴾ أيْ واثِقُونَ بِجَماعَتِنا، مُنْتَصِرُونَ بِقُوَّتِنا، تَقُولُونَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الإعْجابِ بِأنْفُسِكم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: أمْ يَقُولُونَ، بِياءِ الغَيْبَةِ التِفاتًا، وكَذا ما بَعْدَهُ لِلْغائِبِ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ ومُوسى الأسْوارِيُّ (p-١٨٣)وأبُو البَرَهْسَمِ: بِتاءِ الخِطابِ لِلْكُفّارِ، اتِّباعًا لِما تَقَدَّمَ مِن خِطابِهِمْ. وقَرَءُوا: سَتَهْزِمُ الجَمْعَ، بِفَتْحِ التّاءِ وكَسْرِ الزّايِ وفَتْحِ العَيْنِ، خِطابًا لِلرَّسُولِ، ﷺ؛ وأبُو حَيْوَةَ أيْضًا ويَعْقُوبُ: بِالنُّونِ مَفْتُوحَةً وكَسْرِ الزّايِ وفَتْحِ العَيْنِ؛ والجُمْهُورُ: بِالياءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ وضَمِّ العَيْنِ. وعَنْ أبِي حَيْوَةَ وابْنِ أبِي عَبْلَةَ أيْضًا: بِفَتْحِ الياءِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ ونَصْبِ العَيْنِ: أيْ سَيَهْزِمُ اللَّهُ الجَمْعَ. والجُمْهُورُ: ﴿ويُوَلُّونَ﴾ بِياءِ الغَيْبَةِ؛ وأبُو حَيْوَةَ وداوُدُ بْنُ أبِي سالِمٍ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِتاءِ الخِطابِ. والدُّبُرُ هُنا: اسْمُ جِنْسٍ، وجاءَ في مَوْضِعٍ آخَرَ ﴿لَيُوَلُّنَّ الأدْبارَ﴾ [الحشر: ١٢]، وهو الأصْلُ، وحَسَّنَ اسْمَ الجِنْسِ هُنا كَوْنُهُ فاصِلَةً. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿ويُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾: أيِ الأدْبارَ، كَما قالَ: كُلُوا في بَعْضِ بَطْنِكم تَعُفُّوا. وقُرِئَ: الأدْبارَ. انْتَهى، ولَيْسَ مِثْلَ بَطْنِكم، لِأنَّ مَجِيءَ الدُّبُرِ مُفْرَدًا لَيْسَ بِحَسَنٍ، ولا يَحْسُنُ لِإفْرادِ بَطْنِكم. وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَيُهْزَمُ الجَمْعُ﴾ عِدَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِرَسُولِهِ، ﷺ، بِهَزِيمَةِ جَمْعِ قُرَيْشٍ؛ والجُمْهُورُ: عَلى أنَّها مَكِّيَّةٌ، وتَلاها رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، مُسْتَشْهِدًا بِها. وقِيلَ: نَزَلَتْ يَوْمَ بَدْرٍ.
﴿بَلِ السّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ﴾: انْتَقَلَ مِن تِلْكَ الأقْوالِ إلى أمْرِ السّاعَةِ الَّتِي عَذابُها أشُدُّ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ هَزِيمَةٍ وقِتالٍ.
﴿والسّاعَةُ أدْهى﴾: أيْ أفْظَعُ وأشَدُّ، والدّاهِيَةُ الأمَرُّ: المُنْكَرُ الَّذِي لا يُهْتَدى لِدَفْعِهِ، وهي الرَّزِيَّةُ العُظْمى تَحُلُّ بِالشَّخْصِ. (وأمَرُّ) مِنَ المَرارَةِ: اسْتِعارَةٌ لِصُعُوبَةِ الشَّيْءِ عَلى النَّفْسِ.
﴿إنَّ المُجْرِمِينَ في ضَلالٍ﴾: أيْ في حَيْرَةٍ وتَخَبُّطٍ في الدُّنْيا. (وسُعُرٍ): أيِ احْتِراقٍ في الآخِرَةِ، جُعِلُوا فِيهِ مِن حَيْثُ مَصِيرُهم إلَيْهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وخُسْرانٍ وجُنُونٍ، والسُّعُرُ: الجُنُونُ، وتَقَدَّمَ مِثْلُهُ في قِصَّةِ صالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ.
﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ﴾: يُجَرُّونَ (في النّارِ)، وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ: إلى النّارِ.
﴿عَلى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا﴾: أيْ مَقُولًا لَهم: ﴿ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ . وقَرَأ مَحْبُوبٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو: مَسَّقَرٍ، بِإدْغامِ السِّينِ في السِّينِ. قالَ ابْنُ مُجاهِدٍ: إدْغامُهُ خَطَأٌ لِأنَّهُ مُشَدَّدٌ. انْتَهى. والظَّنُّ بِأبِي عَمْرٍو أنَّهُ لَمْ يُدْغِمْ حَتّى حَذَفَ إحْدى السِّينَيْنِ لِاجْتِماعِ الأمْثالِ، ثُمَّ أدْغَمَ.
﴿إنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾، قِراءَةُ الجُمْهُورِ: كُلَّ شَيْءٍ بِالنَّصْبِ. وقَرَأ أبُو السَّمّالِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ وقَوْمٌ مِن أهْلِ السُّنَّةِ: بِالرَّفْعِ. قالَ أبُو الفَتْحِ: هو الوَجْهُ في العَرَبِيَّةِ، وقِراءَتُنا بِالنَّصْبِ مَعَ الجَماعَةِ. وقالَ قَوْمٌ: إذا كانَ الفِعْلُ يُتَوَهَّمُ فِيهِ الوَصْفُ، وأنَّ ما بَعْدَهُ يَصْلُحُ لِلْخَبَرِ، وكانَ المَعْنى عَلى أنْ يَكُونَ الفِعْلُ هو الخَبَرَ، اخْتِيرَ النَّصْبُ في الِاسْمِ الأوَّلِ حَتّى يَتَّضِحَ أنَّ الفِعْلَ لَيْسَ بِوَصْفٍ، ومِنهُ هَذا المَوْضِعُ، لِأنَّ في قِراءَةِ الرَّفْعِ يُتَخَيَّلُ أنَّ الفِعْلَ وصْفٌ، وأنَّ الخَبَرَ يُقَدَّرُ. فَقَدْ تَنازَعَ أهْلُ السُّنَّةِ والقَدَرِيَّةُ الِاسْتِدْلالَ بِهَذِهِ الآيَةِ. فَأهْلُ السُّنَّةِ يَقُولُونَ: كُلُّ شَيْءٍ فَهو مَخْلُوقٌ لِلَّهِ تَعالى بِقُدْرَةٍ دَلِيلُهُ قِراءَةُ النَّصْبِ، لِأنَّهُ لا يُفَسِّرُ في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ إلّا ما يَصِحُّ أنْ يَكُونَ خَبَرًا لَوْ وقَعَ الأوَّلُ عَلى الِابْتِداءِ. وقالَتِ القَدَرِيَّةُ: القِراءَةُ بِرَفْعِ كُلِّ، وخَلَقْناهُ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِكُلِّ، أيْ إنْ أمْرُنا أوْ شَأْنُنا كُلُّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ فَهو بِقَدَرٍ أوْ بِمِقْدارٍ، عَلى حَدِّ ما في هَيْئَتِهِ وزَمَنِهِ وغَيْرِ ذَلِكَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ”كُلَّ شَيْءٍ“ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ الظّاهِرُ. وقُرِئَ: كُلُّ شَيْءٍ بِالرَّفْعِ، والقَدَرُ هو التَّقْدِيرُ. وقُرِئَ بِهِما، أيْ خَلَقْنا كُلَّ شَيْءٍ مُقَدَّرًا مُحْكَمًا مُرَتَّبًا عَلى حَسَبِ ما اقْتَضَتْهُ الحِكْمَةُ، أوْ مُقَدَّرًا مَكْتُوبًا في اللَّوْحِ، مَعْلُومًا قَبْلَ كَوْنِهِ، قَدْ عَلِمْنا حالَهُ وزَمانَهُ. انْتَهى. قِيلَ: والقَدَرُ فِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنْ يَكُونَ بِمَعْنى المِقْدارِ في ذاتِهِ وصِفاتِهِ. والثّانِي: التَّقْدِيرُ، قالَ تَعالى: ﴿فَقَدَرْنا فَنِعْمَ القادِرُونَ﴾ [المرسلات: ٢٣] . وقالَ الشّاعِرُ:
؎وما قَدَّرَ الرَّحْمَنُ ما هو قادِرُ
أيْ ما هو مَقْدُورٌ. والثّالِثُ: القَدَرُ الَّذِي يُقالُ مَعَ القَضاءِ، يُقالُ: كانَ ذَلِكَ بِقَضاءِ اللَّهِ وقَدَرِهِ، والمَعْنى: أنَّ القَضاءَ ما في العِلْمِ، والقَدَرَ ما في الإرادَةِ، فالمَعْنى في الآيَةِ: ﴿خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾: أيْ بِقُدْرَةٍ مَعَ إرادَةٍ. انْتَهى.
﴿وما أمْرُنا إلّا واحِدَةٌ﴾: أيْ إلّا كَلِمَةٌ واحِدَةٌ وهي: كُنْ كَلَمْحٍ بِالبَصَرِ، تَشْبِيهٌ بِأعْجَلِ ما يُحَسُّ، وفي أشْياءَ، أمْرُ اللَّهِ تَعالى أوْحى مِن ذَلِكَ، والمَعْنى: أنَّهُ إذا أرادَ (p-١٨٤)تَكْوِينَ شَيْءٍ لَمْ يَتَأخَّرْ عَنْ إرادَتِهِ.
﴿ولَقَدْ أهْلَكْنا أشْياعَكُمْ﴾: أيِ الفِرَقَ المُتَشايِعَةَ في مَذْهَبٍ ودِينٍ.
﴿وكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ﴾: أيْ فَعَلَتْهُ الأُمَمُ المُكَذِّبَةُ، مَحْفُوظٌ عَلَيْهِمْ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ وقَتادَةُ وابْنُ زَيْدٍ. ومَعْنى (في الزُّبُرِ): في دَواوِينِ الحَفَظَةِ.
﴿وكُلُّ صَغِيرٍ وكَبِيرٍ﴾ مِنَ الأعْمالِ، ومِن كُلِّ ما هو كائِنٌ، ﴿مُسْتَطَرٌ﴾: أيْ مَسْطُورٌ في اللَّوْحِ. يُقالُ: سَطَّرْتُ واسْتَطَرْتُ بِمَعْنًى. وقَرَأ الأعْمَشُ وعِمْرانُ بْنُ حُدَيْرٍ وعِصْمَةُ عَنْ أبِي بَكْرٍ: بِشَدِّ راءِ ”مُسْتَطَرٌّ“ . قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن طُرَّ النَّباتُ والشّارِبُ إذا ظَهَرَ وثَبَتَ بِمَعْنى: كُلُّ شَيْءٍ ظاهِرٌ في اللَّوْحِ مُثْبَتٌ فِيهِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِنَ الِاسْتِطارِ، لَكِنْ شَدَّدَ الرّاءَ لِلْوَقْفِ عَلى لُغَةِ مَن يَقُولُ: جَعْفَرٌّ ونَفْعَلُّ بِالتَّشْدِيدِ وقْفًا. انْتَهى، ووَزْنُهُ عَلى التَّوْجِيهِ الأوَّلِ اسْتَفْعَلَ، وعَلى الثّانِي افْتَعَلَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ونَهَرٍ عَلى الإفْرادِ، والهاءُ مَفْتُوحَةٌ؛ والأعْرَجُ ومُجاهِدٌ وحُمَيْدٌ وأبُو السَّمّالِ والفَيّاضُ بْنُ غَزْوانَ: بِسُكُونِها، والمُرادُ بِهِ الجِنْسُ، إنْ أُرِيدَ بِهِ الأنْهارُ، أوْ يَكُونُ مَعْنى ونَهَرٍ وسَعَةً في الأرْزاقِ والمَنازِلِ، ومِنهُ قَوْلُ قَيْسِ بْنِ الخَطِيمِ:
؎مَلَكْتُ بِها كَفِّي فَأنْهَرْتُ فَتْقَها ∗∗∗ يَرى قائِمٌ مِن دُونِها ما وراءَها
أيْ: أوْسَعْتُ فَتْقَها. وقَرَأ زُهَيْرٌ العُرْقُبِيُّ والأعْمَشُ وأبُو نَهِيكٍ وأبُو مِجْلَزٍ واليَمانِيُّ: بِضَمِّ النُّونِ والهاءِ، جَمْعَ نُهُرٍ، كَرَهْنٍ ورُهُنٍ، أوْ نُهْرٍ كَأسَدٍ وأُسْدٍ، وهو مُناسِبٌ لِجَمْعِ جَنّاتٍ. وقِيلَ: نُهُرٌ جَمْعُ نَهارٍ، ولا لَيْلَ في الجَنَّةِ، وهو بَعِيدٌ.
﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ﴾: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضِدَّ الكَذِبِ، أيْ في المَقْعَدِ الَّذِي صَدَقُوا في الخَبَرِ بِهِ، وأنْ يَكُونَ مِن قَوْلِكَ: رَجُلُ صِدْقٍ: أيْ خَيْرٍ وجُودٍ وصَلاحٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: في مَقْعَدِ، عَلى الإفْرادِ، يُرادُ بِهِ اسْمُ الجِنْسِ؛ وعُثْمانُ البَتِّيُّ: (في مَقاعِدِ) عَلى الجَمْعِ؛ و”عِنْدَ“ تَدُلُّ عَلى قُرْبِ المَكانَةِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
القمر 54:53
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ﴾ ﴿إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِبًا إلّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْناهم بِسَحَرٍ﴾ ﴿نِعْمَةً مِن عِنْدِنا كَذَلِكَ نَجْزِي مَن شَكَرَ﴾ ﴿ولَقَدْ أنْذَرَهم بَطْشَتَنا فَتَمارَوْا بِالنُّذُرِ﴾ ﴿ولَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنا أعْيُنَهم فَذُوقُوا عَذابِي ونُذُرِ﴾ ﴿ولَقَدْ صَبَّحَهم بُكْرَةً عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ﴾ ﴿فَذُوقُوا عَذابِي ونُذُرِ﴾ ﴿ولَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ ﴿ولَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ﴾ ﴿كَذَّبُوا بِآياتِنا كُلِّها فَأخَذْناهم أخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ﴾ ﴿أكُفّارُكم خَيْرٌ مِن أُولَئِكم أمْ لَكم بَراءَةٌ في الزُّبُرِ﴾ ﴿أمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾ ﴿سَيُهْزَمُ الجَمْعُ ويُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ ﴿بَلِ السّاعَةُ مَوْعِدُهم والسّاعَةُ أدْهى وأمَرُّ﴾ ﴿إنَّ المُجْرِمِينَ في ضَلالٍ وسُعُرٍ﴾ ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ في النّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ ﴿إنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾ ﴿وما أمْرُنا إلّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالبَصَرِ﴾ ﴿ولَقَدْ أهْلَكْنا أشْياعَكم فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ ﴿وكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ في الزُّبُرِ﴾ ﴿وكُلُّ صَغِيرٍ وكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ﴾ ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ ونَهَرٍ﴾ ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ .
(p-١٨٢)تَقَدَّمَتْ قِصَّةُ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وقَوْمِهِ. والحاصِبُ مِنَ الحَصْباءِ، وهو المَعْنِيُّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ﴾ [الحجر: ٧٤] . (إلّا آلَ لُوطٍ)، قِيلَ: إلّا ابْنَتاهُ، و(بِسَحَرٍ): هو بُكْرَةٌ، فَلِذَلِكَ صُرِفَ، وانْتَصَبَ (نِعْمَةً) عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، أيْ نَجَّيْناهم لِإنْعامِنا عَلَيْهِمْ أوْ عَلى المَصْدَرِ، لِأنَّ المَعْنى: أنْعَمْنا بِالتَّنْجِيَةِ إنْعامًا. (كَذَلِكَ نَجْزِي): أيْ مِثْلُ ذَلِكَ الإنْعامِ والتَّنْجِيَةِ نَجْزِي ﴿مَن شَكَرَ﴾ إنْعامَنا وأطاعَ وآمَنَ.
﴿ولَقَدْ أنْذَرَهم بَطْشَتَنا﴾: أيْ أخْذَتَنا لَهم بِالعَذابِ، ﴿فَتَمارَوْا﴾: أيْ تَشَكَّكُوا وتَعاطَوْا ذَلِكَ، (بِالنُّذُرِ): أيْ بِالإنْذارِ، أوْ يَكُونُ جَمْعَ نَذِيرٍ.
﴿فَطَمَسْنا﴾، قالَ قَتادَةُ: الطَّمْسُ حَقِيقَةً جَرُّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى أعْيُنِهِمْ جَناحَهُ، فاسْتَوَتْ مَعَ وُجُوهِهِمْ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَطْمُوسَةٌ بِجِلْدٍ كالوَجْهِ. قِيلَ: لَمّا صَفَقَهم جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِجَناحِهِ، تَرَكَهم يَتَرَدَّدُونَ لا يَهْتَدُونَ إلى البابِ، حَتّى أخْرَجَهم لُوطٌ عَلَيْهِ السَّلامُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ: هَذِهِ اسْتِعارَةٌ، وإنَّما حَجَبَ إدْراكَهم، فَدَخَلُوا المَنزِلَ ولَمْ يَرَوْا شَيْئًا، فَجُعِلَ ذَلِكَ كالطَّمْسِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: فَطَمَسْنا بِتَخْفِيفِ المِيمِ؛ وابْنُ مِقْسَمٍ: بِتَشْدِيدِها. (فَذُوقُوا): أيْ فَقُلْتُ لَهم عَلى ألْسِنَةِ المَلائِكَةِ: ذُوقُوا.
﴿ولَقَدْ صَبَّحَهم بُكْرَةً﴾: أيْ أوَّلَ النَّهارِ وباكِرَهُ، لِقَوْلِهِ: (مُشْرِقِينَ) و(مُصْبِحِينَ) . وقَرَأ الجُمْهُورُ: بُكْرَةً بِالتَّنْوِينِ، أرادَ بُكْرَةً مِنَ البِكْرِ، فَصُرِفَ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: بِغَيْرِ تَنْوِينٍ.
﴿عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ﴾: أيْ لَمْ يَكْشِفْهُ عَنْهم كاشِفٌ، بَلِ اتَّصَلَ بِمَوْتِهِمْ، ثُمَّ بِما بَعْدَ ذَلِكَ مِن عَذابِ القَبْرِ، ثُمَّ عَذابِ جَهَنَّمَ.
﴿فَذُوقُوا عَذابِي ونُذُرِ﴾: تَوْكِيدٌ وتَوْبِيخٌ، ذَلِكَ عِنْدَ الطَّمْسِ، وهَذا عِنْدَ تَصْبِيحِ العَذابِ. قِيلَ: وفائِدَةُ تَكْرارِ هَذا وتَكْرارِ (ولَقَدْ يَسَّرْنا)، التَّجَرُّدُ عِنْدَ اسْتِماعِ كُلِّ نَبَأٍ مِن أنْباءِ الأوَّلِينَ، لِلِاتِّعاظِ واسْتِئْنافِ التَّيَقُّظِ إذا سَمِعُوا الحَثَّ عَلى ذَلِكَ لِئَلّا تَسْتَوْلِيَ عَلَيْهِمُ الغَفْلَةُ، وهَكَذا حُكْمُ التَّكْرِيرِ لِقَوْلِهِ: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ١٣] عِنْدَ كُلِّ نِعْمَةٍ عَدَّها في سُورَةِ الرَّحْمَنِ. وقَوْلُهُ: ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ١٥] عِنْدَ كُلِّ آيَةٍ أوْرَدَها في سُورَةِ والمُرْسَلاتِ، وكَذَلِكَ تَكْرِيرُ القَصَصِ في أنْفُسِها، لِتَكُونَ العِبْرَةُ حاضِرَةً لِلْقُلُوبِ، مَذْكُورَةً في كُلِّ أوانٍ.
﴿ولَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ﴾: هم مُوسى وهارُونُ وغَيْرُهُما مِنَ الأنْبِياءِ، لِأنَّهُما عَرَضا عَلَيْهِمْ ما أنْذَرَ بِهِ المُرْسَلُونَ، أوْ يَكُونُ جَمْعُ نَذِيرٍ المَصْدَرَ بِمَعْنى الإنْذارِ. (كَذَّبُوا بِآياتِنا) هي التِّسْعُ، والتَّوْكِيدُ هُنا كَهو في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ أرَيْناهُ آياتِنا كُلَّها﴾ [طه: ٥٦] . والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في: (كَذَّبُوا)، وفي: (فَأخَذْناهم) عائِدٌ عَلى آلِ فِرْعَوْنَ. وقِيلَ: هو عائِدٌ عَلى جَمِيعِ مَن تَقَدَّمَ مِنَ الأُمَمِ ذِكْرُهُ، وتَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: (النُّذُرُ) .
﴿فَأخَذْناهم أخْذَ عَزِيزٍ﴾: لا يُغالَبُ، (مُقْتَدِرٍ): لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ.
﴿أكُفّارُكُمْ﴾: خِطابٌ لِأهْلِ مَكَّةَ، ﴿خَيْرٌ مِن أُولَئِكُمْ﴾: الإشارَةُ إلى قَوْمِ نُوحٍ وهُودٍ وصالِحٍ ولُوطٍ، وإلى فِرْعَوْنَ، والمَعْنى: أهم خَيْرٌ في القُوَّةِ وآلاتِ الحُرُوبِ والمَكانَةِ في الدُّنْيا، أوْ أقَلُّ كُفُؤًا وعِنادًا ؟ فَلِأجْلِ كَوْنِهِمْ خَيْرًا لا يُعاقَبُونَ عَلى الكُفْرِ بِاللَّهِ، وقَّفَهم عَلى تَوْبِيخِهِمْ، أيْ لَيْسَ كُفّارُكم خَيْرًا مِن أُولَئِكم، بَلْ هم مِثْلُهم أوْ شَرٌّ مِنهم، وقَدْ عَلِمْتُمْ ما لَحِقَ أُولَئِكَ مِنَ الهَلاكِ المُسْتَأْصِلِ لَمّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ.
﴿أمْ لَكم بَراءَةٌ في الزُّبُرِ﴾: أيْ ألَكم في الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ بَراءَةٌ مِن عَذابِ اللَّهِ تَعالى ؟ قالَهُ الضَّحّاكُ وعِكْرِمَةُ وابْنُ زَيْدٍ.
﴿أمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ﴾ أيْ واثِقُونَ بِجَماعَتِنا، مُنْتَصِرُونَ بِقُوَّتِنا، تَقُولُونَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الإعْجابِ بِأنْفُسِكم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: أمْ يَقُولُونَ، بِياءِ الغَيْبَةِ التِفاتًا، وكَذا ما بَعْدَهُ لِلْغائِبِ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ ومُوسى الأسْوارِيُّ (p-١٨٣)وأبُو البَرَهْسَمِ: بِتاءِ الخِطابِ لِلْكُفّارِ، اتِّباعًا لِما تَقَدَّمَ مِن خِطابِهِمْ. وقَرَءُوا: سَتَهْزِمُ الجَمْعَ، بِفَتْحِ التّاءِ وكَسْرِ الزّايِ وفَتْحِ العَيْنِ، خِطابًا لِلرَّسُولِ، ﷺ؛ وأبُو حَيْوَةَ أيْضًا ويَعْقُوبُ: بِالنُّونِ مَفْتُوحَةً وكَسْرِ الزّايِ وفَتْحِ العَيْنِ؛ والجُمْهُورُ: بِالياءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ وضَمِّ العَيْنِ. وعَنْ أبِي حَيْوَةَ وابْنِ أبِي عَبْلَةَ أيْضًا: بِفَتْحِ الياءِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ ونَصْبِ العَيْنِ: أيْ سَيَهْزِمُ اللَّهُ الجَمْعَ. والجُمْهُورُ: ﴿ويُوَلُّونَ﴾ بِياءِ الغَيْبَةِ؛ وأبُو حَيْوَةَ وداوُدُ بْنُ أبِي سالِمٍ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِتاءِ الخِطابِ. والدُّبُرُ هُنا: اسْمُ جِنْسٍ، وجاءَ في مَوْضِعٍ آخَرَ ﴿لَيُوَلُّنَّ الأدْبارَ﴾ [الحشر: ١٢]، وهو الأصْلُ، وحَسَّنَ اسْمَ الجِنْسِ هُنا كَوْنُهُ فاصِلَةً. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿ويُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾: أيِ الأدْبارَ، كَما قالَ: كُلُوا في بَعْضِ بَطْنِكم تَعُفُّوا. وقُرِئَ: الأدْبارَ. انْتَهى، ولَيْسَ مِثْلَ بَطْنِكم، لِأنَّ مَجِيءَ الدُّبُرِ مُفْرَدًا لَيْسَ بِحَسَنٍ، ولا يَحْسُنُ لِإفْرادِ بَطْنِكم. وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَيُهْزَمُ الجَمْعُ﴾ عِدَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِرَسُولِهِ، ﷺ، بِهَزِيمَةِ جَمْعِ قُرَيْشٍ؛ والجُمْهُورُ: عَلى أنَّها مَكِّيَّةٌ، وتَلاها رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، مُسْتَشْهِدًا بِها. وقِيلَ: نَزَلَتْ يَوْمَ بَدْرٍ.
﴿بَلِ السّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ﴾: انْتَقَلَ مِن تِلْكَ الأقْوالِ إلى أمْرِ السّاعَةِ الَّتِي عَذابُها أشُدُّ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ هَزِيمَةٍ وقِتالٍ.
﴿والسّاعَةُ أدْهى﴾: أيْ أفْظَعُ وأشَدُّ، والدّاهِيَةُ الأمَرُّ: المُنْكَرُ الَّذِي لا يُهْتَدى لِدَفْعِهِ، وهي الرَّزِيَّةُ العُظْمى تَحُلُّ بِالشَّخْصِ. (وأمَرُّ) مِنَ المَرارَةِ: اسْتِعارَةٌ لِصُعُوبَةِ الشَّيْءِ عَلى النَّفْسِ.
﴿إنَّ المُجْرِمِينَ في ضَلالٍ﴾: أيْ في حَيْرَةٍ وتَخَبُّطٍ في الدُّنْيا. (وسُعُرٍ): أيِ احْتِراقٍ في الآخِرَةِ، جُعِلُوا فِيهِ مِن حَيْثُ مَصِيرُهم إلَيْهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وخُسْرانٍ وجُنُونٍ، والسُّعُرُ: الجُنُونُ، وتَقَدَّمَ مِثْلُهُ في قِصَّةِ صالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ.
﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ﴾: يُجَرُّونَ (في النّارِ)، وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ: إلى النّارِ.
﴿عَلى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا﴾: أيْ مَقُولًا لَهم: ﴿ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ . وقَرَأ مَحْبُوبٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو: مَسَّقَرٍ، بِإدْغامِ السِّينِ في السِّينِ. قالَ ابْنُ مُجاهِدٍ: إدْغامُهُ خَطَأٌ لِأنَّهُ مُشَدَّدٌ. انْتَهى. والظَّنُّ بِأبِي عَمْرٍو أنَّهُ لَمْ يُدْغِمْ حَتّى حَذَفَ إحْدى السِّينَيْنِ لِاجْتِماعِ الأمْثالِ، ثُمَّ أدْغَمَ.
﴿إنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾، قِراءَةُ الجُمْهُورِ: كُلَّ شَيْءٍ بِالنَّصْبِ. وقَرَأ أبُو السَّمّالِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ وقَوْمٌ مِن أهْلِ السُّنَّةِ: بِالرَّفْعِ. قالَ أبُو الفَتْحِ: هو الوَجْهُ في العَرَبِيَّةِ، وقِراءَتُنا بِالنَّصْبِ مَعَ الجَماعَةِ. وقالَ قَوْمٌ: إذا كانَ الفِعْلُ يُتَوَهَّمُ فِيهِ الوَصْفُ، وأنَّ ما بَعْدَهُ يَصْلُحُ لِلْخَبَرِ، وكانَ المَعْنى عَلى أنْ يَكُونَ الفِعْلُ هو الخَبَرَ، اخْتِيرَ النَّصْبُ في الِاسْمِ الأوَّلِ حَتّى يَتَّضِحَ أنَّ الفِعْلَ لَيْسَ بِوَصْفٍ، ومِنهُ هَذا المَوْضِعُ، لِأنَّ في قِراءَةِ الرَّفْعِ يُتَخَيَّلُ أنَّ الفِعْلَ وصْفٌ، وأنَّ الخَبَرَ يُقَدَّرُ. فَقَدْ تَنازَعَ أهْلُ السُّنَّةِ والقَدَرِيَّةُ الِاسْتِدْلالَ بِهَذِهِ الآيَةِ. فَأهْلُ السُّنَّةِ يَقُولُونَ: كُلُّ شَيْءٍ فَهو مَخْلُوقٌ لِلَّهِ تَعالى بِقُدْرَةٍ دَلِيلُهُ قِراءَةُ النَّصْبِ، لِأنَّهُ لا يُفَسِّرُ في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ إلّا ما يَصِحُّ أنْ يَكُونَ خَبَرًا لَوْ وقَعَ الأوَّلُ عَلى الِابْتِداءِ. وقالَتِ القَدَرِيَّةُ: القِراءَةُ بِرَفْعِ كُلِّ، وخَلَقْناهُ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِكُلِّ، أيْ إنْ أمْرُنا أوْ شَأْنُنا كُلُّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ فَهو بِقَدَرٍ أوْ بِمِقْدارٍ، عَلى حَدِّ ما في هَيْئَتِهِ وزَمَنِهِ وغَيْرِ ذَلِكَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ”كُلَّ شَيْءٍ“ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ الظّاهِرُ. وقُرِئَ: كُلُّ شَيْءٍ بِالرَّفْعِ، والقَدَرُ هو التَّقْدِيرُ. وقُرِئَ بِهِما، أيْ خَلَقْنا كُلَّ شَيْءٍ مُقَدَّرًا مُحْكَمًا مُرَتَّبًا عَلى حَسَبِ ما اقْتَضَتْهُ الحِكْمَةُ، أوْ مُقَدَّرًا مَكْتُوبًا في اللَّوْحِ، مَعْلُومًا قَبْلَ كَوْنِهِ، قَدْ عَلِمْنا حالَهُ وزَمانَهُ. انْتَهى. قِيلَ: والقَدَرُ فِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنْ يَكُونَ بِمَعْنى المِقْدارِ في ذاتِهِ وصِفاتِهِ. والثّانِي: التَّقْدِيرُ، قالَ تَعالى: ﴿فَقَدَرْنا فَنِعْمَ القادِرُونَ﴾ [المرسلات: ٢٣] . وقالَ الشّاعِرُ:
؎وما قَدَّرَ الرَّحْمَنُ ما هو قادِرُ
أيْ ما هو مَقْدُورٌ. والثّالِثُ: القَدَرُ الَّذِي يُقالُ مَعَ القَضاءِ، يُقالُ: كانَ ذَلِكَ بِقَضاءِ اللَّهِ وقَدَرِهِ، والمَعْنى: أنَّ القَضاءَ ما في العِلْمِ، والقَدَرَ ما في الإرادَةِ، فالمَعْنى في الآيَةِ: ﴿خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾: أيْ بِقُدْرَةٍ مَعَ إرادَةٍ. انْتَهى.
﴿وما أمْرُنا إلّا واحِدَةٌ﴾: أيْ إلّا كَلِمَةٌ واحِدَةٌ وهي: كُنْ كَلَمْحٍ بِالبَصَرِ، تَشْبِيهٌ بِأعْجَلِ ما يُحَسُّ، وفي أشْياءَ، أمْرُ اللَّهِ تَعالى أوْحى مِن ذَلِكَ، والمَعْنى: أنَّهُ إذا أرادَ (p-١٨٤)تَكْوِينَ شَيْءٍ لَمْ يَتَأخَّرْ عَنْ إرادَتِهِ.
﴿ولَقَدْ أهْلَكْنا أشْياعَكُمْ﴾: أيِ الفِرَقَ المُتَشايِعَةَ في مَذْهَبٍ ودِينٍ.
﴿وكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ﴾: أيْ فَعَلَتْهُ الأُمَمُ المُكَذِّبَةُ، مَحْفُوظٌ عَلَيْهِمْ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ وقَتادَةُ وابْنُ زَيْدٍ. ومَعْنى (في الزُّبُرِ): في دَواوِينِ الحَفَظَةِ.
﴿وكُلُّ صَغِيرٍ وكَبِيرٍ﴾ مِنَ الأعْمالِ، ومِن كُلِّ ما هو كائِنٌ، ﴿مُسْتَطَرٌ﴾: أيْ مَسْطُورٌ في اللَّوْحِ. يُقالُ: سَطَّرْتُ واسْتَطَرْتُ بِمَعْنًى. وقَرَأ الأعْمَشُ وعِمْرانُ بْنُ حُدَيْرٍ وعِصْمَةُ عَنْ أبِي بَكْرٍ: بِشَدِّ راءِ ”مُسْتَطَرٌّ“ . قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن طُرَّ النَّباتُ والشّارِبُ إذا ظَهَرَ وثَبَتَ بِمَعْنى: كُلُّ شَيْءٍ ظاهِرٌ في اللَّوْحِ مُثْبَتٌ فِيهِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِنَ الِاسْتِطارِ، لَكِنْ شَدَّدَ الرّاءَ لِلْوَقْفِ عَلى لُغَةِ مَن يَقُولُ: جَعْفَرٌّ ونَفْعَلُّ بِالتَّشْدِيدِ وقْفًا. انْتَهى، ووَزْنُهُ عَلى التَّوْجِيهِ الأوَّلِ اسْتَفْعَلَ، وعَلى الثّانِي افْتَعَلَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ونَهَرٍ عَلى الإفْرادِ، والهاءُ مَفْتُوحَةٌ؛ والأعْرَجُ ومُجاهِدٌ وحُمَيْدٌ وأبُو السَّمّالِ والفَيّاضُ بْنُ غَزْوانَ: بِسُكُونِها، والمُرادُ بِهِ الجِنْسُ، إنْ أُرِيدَ بِهِ الأنْهارُ، أوْ يَكُونُ مَعْنى ونَهَرٍ وسَعَةً في الأرْزاقِ والمَنازِلِ، ومِنهُ قَوْلُ قَيْسِ بْنِ الخَطِيمِ:
؎مَلَكْتُ بِها كَفِّي فَأنْهَرْتُ فَتْقَها ∗∗∗ يَرى قائِمٌ مِن دُونِها ما وراءَها
أيْ: أوْسَعْتُ فَتْقَها. وقَرَأ زُهَيْرٌ العُرْقُبِيُّ والأعْمَشُ وأبُو نَهِيكٍ وأبُو مِجْلَزٍ واليَمانِيُّ: بِضَمِّ النُّونِ والهاءِ، جَمْعَ نُهُرٍ، كَرَهْنٍ ورُهُنٍ، أوْ نُهْرٍ كَأسَدٍ وأُسْدٍ، وهو مُناسِبٌ لِجَمْعِ جَنّاتٍ. وقِيلَ: نُهُرٌ جَمْعُ نَهارٍ، ولا لَيْلَ في الجَنَّةِ، وهو بَعِيدٌ.
﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ﴾: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضِدَّ الكَذِبِ، أيْ في المَقْعَدِ الَّذِي صَدَقُوا في الخَبَرِ بِهِ، وأنْ يَكُونَ مِن قَوْلِكَ: رَجُلُ صِدْقٍ: أيْ خَيْرٍ وجُودٍ وصَلاحٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: في مَقْعَدِ، عَلى الإفْرادِ، يُرادُ بِهِ اسْمُ الجِنْسِ؛ وعُثْمانُ البَتِّيُّ: (في مَقاعِدِ) عَلى الجَمْعِ؛ و”عِنْدَ“ تَدُلُّ عَلى قُرْبِ المَكانَةِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
القمر 54:54
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ﴾ ﴿إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِبًا إلّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْناهم بِسَحَرٍ﴾ ﴿نِعْمَةً مِن عِنْدِنا كَذَلِكَ نَجْزِي مَن شَكَرَ﴾ ﴿ولَقَدْ أنْذَرَهم بَطْشَتَنا فَتَمارَوْا بِالنُّذُرِ﴾ ﴿ولَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنا أعْيُنَهم فَذُوقُوا عَذابِي ونُذُرِ﴾ ﴿ولَقَدْ صَبَّحَهم بُكْرَةً عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ﴾ ﴿فَذُوقُوا عَذابِي ونُذُرِ﴾ ﴿ولَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ ﴿ولَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ﴾ ﴿كَذَّبُوا بِآياتِنا كُلِّها فَأخَذْناهم أخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ﴾ ﴿أكُفّارُكم خَيْرٌ مِن أُولَئِكم أمْ لَكم بَراءَةٌ في الزُّبُرِ﴾ ﴿أمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾ ﴿سَيُهْزَمُ الجَمْعُ ويُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ ﴿بَلِ السّاعَةُ مَوْعِدُهم والسّاعَةُ أدْهى وأمَرُّ﴾ ﴿إنَّ المُجْرِمِينَ في ضَلالٍ وسُعُرٍ﴾ ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ في النّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ ﴿إنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾ ﴿وما أمْرُنا إلّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالبَصَرِ﴾ ﴿ولَقَدْ أهْلَكْنا أشْياعَكم فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ ﴿وكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ في الزُّبُرِ﴾ ﴿وكُلُّ صَغِيرٍ وكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ﴾ ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ ونَهَرٍ﴾ ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ .
(p-١٨٢)تَقَدَّمَتْ قِصَّةُ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وقَوْمِهِ. والحاصِبُ مِنَ الحَصْباءِ، وهو المَعْنِيُّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ﴾ [الحجر: ٧٤] . (إلّا آلَ لُوطٍ)، قِيلَ: إلّا ابْنَتاهُ، و(بِسَحَرٍ): هو بُكْرَةٌ، فَلِذَلِكَ صُرِفَ، وانْتَصَبَ (نِعْمَةً) عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، أيْ نَجَّيْناهم لِإنْعامِنا عَلَيْهِمْ أوْ عَلى المَصْدَرِ، لِأنَّ المَعْنى: أنْعَمْنا بِالتَّنْجِيَةِ إنْعامًا. (كَذَلِكَ نَجْزِي): أيْ مِثْلُ ذَلِكَ الإنْعامِ والتَّنْجِيَةِ نَجْزِي ﴿مَن شَكَرَ﴾ إنْعامَنا وأطاعَ وآمَنَ.
﴿ولَقَدْ أنْذَرَهم بَطْشَتَنا﴾: أيْ أخْذَتَنا لَهم بِالعَذابِ، ﴿فَتَمارَوْا﴾: أيْ تَشَكَّكُوا وتَعاطَوْا ذَلِكَ، (بِالنُّذُرِ): أيْ بِالإنْذارِ، أوْ يَكُونُ جَمْعَ نَذِيرٍ.
﴿فَطَمَسْنا﴾، قالَ قَتادَةُ: الطَّمْسُ حَقِيقَةً جَرُّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى أعْيُنِهِمْ جَناحَهُ، فاسْتَوَتْ مَعَ وُجُوهِهِمْ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَطْمُوسَةٌ بِجِلْدٍ كالوَجْهِ. قِيلَ: لَمّا صَفَقَهم جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِجَناحِهِ، تَرَكَهم يَتَرَدَّدُونَ لا يَهْتَدُونَ إلى البابِ، حَتّى أخْرَجَهم لُوطٌ عَلَيْهِ السَّلامُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ: هَذِهِ اسْتِعارَةٌ، وإنَّما حَجَبَ إدْراكَهم، فَدَخَلُوا المَنزِلَ ولَمْ يَرَوْا شَيْئًا، فَجُعِلَ ذَلِكَ كالطَّمْسِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: فَطَمَسْنا بِتَخْفِيفِ المِيمِ؛ وابْنُ مِقْسَمٍ: بِتَشْدِيدِها. (فَذُوقُوا): أيْ فَقُلْتُ لَهم عَلى ألْسِنَةِ المَلائِكَةِ: ذُوقُوا.
﴿ولَقَدْ صَبَّحَهم بُكْرَةً﴾: أيْ أوَّلَ النَّهارِ وباكِرَهُ، لِقَوْلِهِ: (مُشْرِقِينَ) و(مُصْبِحِينَ) . وقَرَأ الجُمْهُورُ: بُكْرَةً بِالتَّنْوِينِ، أرادَ بُكْرَةً مِنَ البِكْرِ، فَصُرِفَ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: بِغَيْرِ تَنْوِينٍ.
﴿عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ﴾: أيْ لَمْ يَكْشِفْهُ عَنْهم كاشِفٌ، بَلِ اتَّصَلَ بِمَوْتِهِمْ، ثُمَّ بِما بَعْدَ ذَلِكَ مِن عَذابِ القَبْرِ، ثُمَّ عَذابِ جَهَنَّمَ.
﴿فَذُوقُوا عَذابِي ونُذُرِ﴾: تَوْكِيدٌ وتَوْبِيخٌ، ذَلِكَ عِنْدَ الطَّمْسِ، وهَذا عِنْدَ تَصْبِيحِ العَذابِ. قِيلَ: وفائِدَةُ تَكْرارِ هَذا وتَكْرارِ (ولَقَدْ يَسَّرْنا)، التَّجَرُّدُ عِنْدَ اسْتِماعِ كُلِّ نَبَأٍ مِن أنْباءِ الأوَّلِينَ، لِلِاتِّعاظِ واسْتِئْنافِ التَّيَقُّظِ إذا سَمِعُوا الحَثَّ عَلى ذَلِكَ لِئَلّا تَسْتَوْلِيَ عَلَيْهِمُ الغَفْلَةُ، وهَكَذا حُكْمُ التَّكْرِيرِ لِقَوْلِهِ: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ١٣] عِنْدَ كُلِّ نِعْمَةٍ عَدَّها في سُورَةِ الرَّحْمَنِ. وقَوْلُهُ: ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ١٥] عِنْدَ كُلِّ آيَةٍ أوْرَدَها في سُورَةِ والمُرْسَلاتِ، وكَذَلِكَ تَكْرِيرُ القَصَصِ في أنْفُسِها، لِتَكُونَ العِبْرَةُ حاضِرَةً لِلْقُلُوبِ، مَذْكُورَةً في كُلِّ أوانٍ.
﴿ولَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ﴾: هم مُوسى وهارُونُ وغَيْرُهُما مِنَ الأنْبِياءِ، لِأنَّهُما عَرَضا عَلَيْهِمْ ما أنْذَرَ بِهِ المُرْسَلُونَ، أوْ يَكُونُ جَمْعُ نَذِيرٍ المَصْدَرَ بِمَعْنى الإنْذارِ. (كَذَّبُوا بِآياتِنا) هي التِّسْعُ، والتَّوْكِيدُ هُنا كَهو في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ أرَيْناهُ آياتِنا كُلَّها﴾ [طه: ٥٦] . والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في: (كَذَّبُوا)، وفي: (فَأخَذْناهم) عائِدٌ عَلى آلِ فِرْعَوْنَ. وقِيلَ: هو عائِدٌ عَلى جَمِيعِ مَن تَقَدَّمَ مِنَ الأُمَمِ ذِكْرُهُ، وتَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: (النُّذُرُ) .
﴿فَأخَذْناهم أخْذَ عَزِيزٍ﴾: لا يُغالَبُ، (مُقْتَدِرٍ): لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ.
﴿أكُفّارُكُمْ﴾: خِطابٌ لِأهْلِ مَكَّةَ، ﴿خَيْرٌ مِن أُولَئِكُمْ﴾: الإشارَةُ إلى قَوْمِ نُوحٍ وهُودٍ وصالِحٍ ولُوطٍ، وإلى فِرْعَوْنَ، والمَعْنى: أهم خَيْرٌ في القُوَّةِ وآلاتِ الحُرُوبِ والمَكانَةِ في الدُّنْيا، أوْ أقَلُّ كُفُؤًا وعِنادًا ؟ فَلِأجْلِ كَوْنِهِمْ خَيْرًا لا يُعاقَبُونَ عَلى الكُفْرِ بِاللَّهِ، وقَّفَهم عَلى تَوْبِيخِهِمْ، أيْ لَيْسَ كُفّارُكم خَيْرًا مِن أُولَئِكم، بَلْ هم مِثْلُهم أوْ شَرٌّ مِنهم، وقَدْ عَلِمْتُمْ ما لَحِقَ أُولَئِكَ مِنَ الهَلاكِ المُسْتَأْصِلِ لَمّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ.
﴿أمْ لَكم بَراءَةٌ في الزُّبُرِ﴾: أيْ ألَكم في الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ بَراءَةٌ مِن عَذابِ اللَّهِ تَعالى ؟ قالَهُ الضَّحّاكُ وعِكْرِمَةُ وابْنُ زَيْدٍ.
﴿أمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ﴾ أيْ واثِقُونَ بِجَماعَتِنا، مُنْتَصِرُونَ بِقُوَّتِنا، تَقُولُونَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الإعْجابِ بِأنْفُسِكم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: أمْ يَقُولُونَ، بِياءِ الغَيْبَةِ التِفاتًا، وكَذا ما بَعْدَهُ لِلْغائِبِ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ ومُوسى الأسْوارِيُّ (p-١٨٣)وأبُو البَرَهْسَمِ: بِتاءِ الخِطابِ لِلْكُفّارِ، اتِّباعًا لِما تَقَدَّمَ مِن خِطابِهِمْ. وقَرَءُوا: سَتَهْزِمُ الجَمْعَ، بِفَتْحِ التّاءِ وكَسْرِ الزّايِ وفَتْحِ العَيْنِ، خِطابًا لِلرَّسُولِ، ﷺ؛ وأبُو حَيْوَةَ أيْضًا ويَعْقُوبُ: بِالنُّونِ مَفْتُوحَةً وكَسْرِ الزّايِ وفَتْحِ العَيْنِ؛ والجُمْهُورُ: بِالياءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ وضَمِّ العَيْنِ. وعَنْ أبِي حَيْوَةَ وابْنِ أبِي عَبْلَةَ أيْضًا: بِفَتْحِ الياءِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ ونَصْبِ العَيْنِ: أيْ سَيَهْزِمُ اللَّهُ الجَمْعَ. والجُمْهُورُ: ﴿ويُوَلُّونَ﴾ بِياءِ الغَيْبَةِ؛ وأبُو حَيْوَةَ وداوُدُ بْنُ أبِي سالِمٍ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِتاءِ الخِطابِ. والدُّبُرُ هُنا: اسْمُ جِنْسٍ، وجاءَ في مَوْضِعٍ آخَرَ ﴿لَيُوَلُّنَّ الأدْبارَ﴾ [الحشر: ١٢]، وهو الأصْلُ، وحَسَّنَ اسْمَ الجِنْسِ هُنا كَوْنُهُ فاصِلَةً. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿ويُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾: أيِ الأدْبارَ، كَما قالَ: كُلُوا في بَعْضِ بَطْنِكم تَعُفُّوا. وقُرِئَ: الأدْبارَ. انْتَهى، ولَيْسَ مِثْلَ بَطْنِكم، لِأنَّ مَجِيءَ الدُّبُرِ مُفْرَدًا لَيْسَ بِحَسَنٍ، ولا يَحْسُنُ لِإفْرادِ بَطْنِكم. وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَيُهْزَمُ الجَمْعُ﴾ عِدَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِرَسُولِهِ، ﷺ، بِهَزِيمَةِ جَمْعِ قُرَيْشٍ؛ والجُمْهُورُ: عَلى أنَّها مَكِّيَّةٌ، وتَلاها رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، مُسْتَشْهِدًا بِها. وقِيلَ: نَزَلَتْ يَوْمَ بَدْرٍ.
﴿بَلِ السّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ﴾: انْتَقَلَ مِن تِلْكَ الأقْوالِ إلى أمْرِ السّاعَةِ الَّتِي عَذابُها أشُدُّ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ هَزِيمَةٍ وقِتالٍ.
﴿والسّاعَةُ أدْهى﴾: أيْ أفْظَعُ وأشَدُّ، والدّاهِيَةُ الأمَرُّ: المُنْكَرُ الَّذِي لا يُهْتَدى لِدَفْعِهِ، وهي الرَّزِيَّةُ العُظْمى تَحُلُّ بِالشَّخْصِ. (وأمَرُّ) مِنَ المَرارَةِ: اسْتِعارَةٌ لِصُعُوبَةِ الشَّيْءِ عَلى النَّفْسِ.
﴿إنَّ المُجْرِمِينَ في ضَلالٍ﴾: أيْ في حَيْرَةٍ وتَخَبُّطٍ في الدُّنْيا. (وسُعُرٍ): أيِ احْتِراقٍ في الآخِرَةِ، جُعِلُوا فِيهِ مِن حَيْثُ مَصِيرُهم إلَيْهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وخُسْرانٍ وجُنُونٍ، والسُّعُرُ: الجُنُونُ، وتَقَدَّمَ مِثْلُهُ في قِصَّةِ صالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ.
﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ﴾: يُجَرُّونَ (في النّارِ)، وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ: إلى النّارِ.
﴿عَلى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا﴾: أيْ مَقُولًا لَهم: ﴿ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ . وقَرَأ مَحْبُوبٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو: مَسَّقَرٍ، بِإدْغامِ السِّينِ في السِّينِ. قالَ ابْنُ مُجاهِدٍ: إدْغامُهُ خَطَأٌ لِأنَّهُ مُشَدَّدٌ. انْتَهى. والظَّنُّ بِأبِي عَمْرٍو أنَّهُ لَمْ يُدْغِمْ حَتّى حَذَفَ إحْدى السِّينَيْنِ لِاجْتِماعِ الأمْثالِ، ثُمَّ أدْغَمَ.
﴿إنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾، قِراءَةُ الجُمْهُورِ: كُلَّ شَيْءٍ بِالنَّصْبِ. وقَرَأ أبُو السَّمّالِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ وقَوْمٌ مِن أهْلِ السُّنَّةِ: بِالرَّفْعِ. قالَ أبُو الفَتْحِ: هو الوَجْهُ في العَرَبِيَّةِ، وقِراءَتُنا بِالنَّصْبِ مَعَ الجَماعَةِ. وقالَ قَوْمٌ: إذا كانَ الفِعْلُ يُتَوَهَّمُ فِيهِ الوَصْفُ، وأنَّ ما بَعْدَهُ يَصْلُحُ لِلْخَبَرِ، وكانَ المَعْنى عَلى أنْ يَكُونَ الفِعْلُ هو الخَبَرَ، اخْتِيرَ النَّصْبُ في الِاسْمِ الأوَّلِ حَتّى يَتَّضِحَ أنَّ الفِعْلَ لَيْسَ بِوَصْفٍ، ومِنهُ هَذا المَوْضِعُ، لِأنَّ في قِراءَةِ الرَّفْعِ يُتَخَيَّلُ أنَّ الفِعْلَ وصْفٌ، وأنَّ الخَبَرَ يُقَدَّرُ. فَقَدْ تَنازَعَ أهْلُ السُّنَّةِ والقَدَرِيَّةُ الِاسْتِدْلالَ بِهَذِهِ الآيَةِ. فَأهْلُ السُّنَّةِ يَقُولُونَ: كُلُّ شَيْءٍ فَهو مَخْلُوقٌ لِلَّهِ تَعالى بِقُدْرَةٍ دَلِيلُهُ قِراءَةُ النَّصْبِ، لِأنَّهُ لا يُفَسِّرُ في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ إلّا ما يَصِحُّ أنْ يَكُونَ خَبَرًا لَوْ وقَعَ الأوَّلُ عَلى الِابْتِداءِ. وقالَتِ القَدَرِيَّةُ: القِراءَةُ بِرَفْعِ كُلِّ، وخَلَقْناهُ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِكُلِّ، أيْ إنْ أمْرُنا أوْ شَأْنُنا كُلُّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ فَهو بِقَدَرٍ أوْ بِمِقْدارٍ، عَلى حَدِّ ما في هَيْئَتِهِ وزَمَنِهِ وغَيْرِ ذَلِكَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ”كُلَّ شَيْءٍ“ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ الظّاهِرُ. وقُرِئَ: كُلُّ شَيْءٍ بِالرَّفْعِ، والقَدَرُ هو التَّقْدِيرُ. وقُرِئَ بِهِما، أيْ خَلَقْنا كُلَّ شَيْءٍ مُقَدَّرًا مُحْكَمًا مُرَتَّبًا عَلى حَسَبِ ما اقْتَضَتْهُ الحِكْمَةُ، أوْ مُقَدَّرًا مَكْتُوبًا في اللَّوْحِ، مَعْلُومًا قَبْلَ كَوْنِهِ، قَدْ عَلِمْنا حالَهُ وزَمانَهُ. انْتَهى. قِيلَ: والقَدَرُ فِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنْ يَكُونَ بِمَعْنى المِقْدارِ في ذاتِهِ وصِفاتِهِ. والثّانِي: التَّقْدِيرُ، قالَ تَعالى: ﴿فَقَدَرْنا فَنِعْمَ القادِرُونَ﴾ [المرسلات: ٢٣] . وقالَ الشّاعِرُ:
؎وما قَدَّرَ الرَّحْمَنُ ما هو قادِرُ
أيْ ما هو مَقْدُورٌ. والثّالِثُ: القَدَرُ الَّذِي يُقالُ مَعَ القَضاءِ، يُقالُ: كانَ ذَلِكَ بِقَضاءِ اللَّهِ وقَدَرِهِ، والمَعْنى: أنَّ القَضاءَ ما في العِلْمِ، والقَدَرَ ما في الإرادَةِ، فالمَعْنى في الآيَةِ: ﴿خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾: أيْ بِقُدْرَةٍ مَعَ إرادَةٍ. انْتَهى.
﴿وما أمْرُنا إلّا واحِدَةٌ﴾: أيْ إلّا كَلِمَةٌ واحِدَةٌ وهي: كُنْ كَلَمْحٍ بِالبَصَرِ، تَشْبِيهٌ بِأعْجَلِ ما يُحَسُّ، وفي أشْياءَ، أمْرُ اللَّهِ تَعالى أوْحى مِن ذَلِكَ، والمَعْنى: أنَّهُ إذا أرادَ (p-١٨٤)تَكْوِينَ شَيْءٍ لَمْ يَتَأخَّرْ عَنْ إرادَتِهِ.
﴿ولَقَدْ أهْلَكْنا أشْياعَكُمْ﴾: أيِ الفِرَقَ المُتَشايِعَةَ في مَذْهَبٍ ودِينٍ.
﴿وكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ﴾: أيْ فَعَلَتْهُ الأُمَمُ المُكَذِّبَةُ، مَحْفُوظٌ عَلَيْهِمْ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ وقَتادَةُ وابْنُ زَيْدٍ. ومَعْنى (في الزُّبُرِ): في دَواوِينِ الحَفَظَةِ.
﴿وكُلُّ صَغِيرٍ وكَبِيرٍ﴾ مِنَ الأعْمالِ، ومِن كُلِّ ما هو كائِنٌ، ﴿مُسْتَطَرٌ﴾: أيْ مَسْطُورٌ في اللَّوْحِ. يُقالُ: سَطَّرْتُ واسْتَطَرْتُ بِمَعْنًى. وقَرَأ الأعْمَشُ وعِمْرانُ بْنُ حُدَيْرٍ وعِصْمَةُ عَنْ أبِي بَكْرٍ: بِشَدِّ راءِ ”مُسْتَطَرٌّ“ . قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن طُرَّ النَّباتُ والشّارِبُ إذا ظَهَرَ وثَبَتَ بِمَعْنى: كُلُّ شَيْءٍ ظاهِرٌ في اللَّوْحِ مُثْبَتٌ فِيهِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِنَ الِاسْتِطارِ، لَكِنْ شَدَّدَ الرّاءَ لِلْوَقْفِ عَلى لُغَةِ مَن يَقُولُ: جَعْفَرٌّ ونَفْعَلُّ بِالتَّشْدِيدِ وقْفًا. انْتَهى، ووَزْنُهُ عَلى التَّوْجِيهِ الأوَّلِ اسْتَفْعَلَ، وعَلى الثّانِي افْتَعَلَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ونَهَرٍ عَلى الإفْرادِ، والهاءُ مَفْتُوحَةٌ؛ والأعْرَجُ ومُجاهِدٌ وحُمَيْدٌ وأبُو السَّمّالِ والفَيّاضُ بْنُ غَزْوانَ: بِسُكُونِها، والمُرادُ بِهِ الجِنْسُ، إنْ أُرِيدَ بِهِ الأنْهارُ، أوْ يَكُونُ مَعْنى ونَهَرٍ وسَعَةً في الأرْزاقِ والمَنازِلِ، ومِنهُ قَوْلُ قَيْسِ بْنِ الخَطِيمِ:
؎مَلَكْتُ بِها كَفِّي فَأنْهَرْتُ فَتْقَها ∗∗∗ يَرى قائِمٌ مِن دُونِها ما وراءَها
أيْ: أوْسَعْتُ فَتْقَها. وقَرَأ زُهَيْرٌ العُرْقُبِيُّ والأعْمَشُ وأبُو نَهِيكٍ وأبُو مِجْلَزٍ واليَمانِيُّ: بِضَمِّ النُّونِ والهاءِ، جَمْعَ نُهُرٍ، كَرَهْنٍ ورُهُنٍ، أوْ نُهْرٍ كَأسَدٍ وأُسْدٍ، وهو مُناسِبٌ لِجَمْعِ جَنّاتٍ. وقِيلَ: نُهُرٌ جَمْعُ نَهارٍ، ولا لَيْلَ في الجَنَّةِ، وهو بَعِيدٌ.
﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ﴾: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضِدَّ الكَذِبِ، أيْ في المَقْعَدِ الَّذِي صَدَقُوا في الخَبَرِ بِهِ، وأنْ يَكُونَ مِن قَوْلِكَ: رَجُلُ صِدْقٍ: أيْ خَيْرٍ وجُودٍ وصَلاحٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: في مَقْعَدِ، عَلى الإفْرادِ، يُرادُ بِهِ اسْمُ الجِنْسِ؛ وعُثْمانُ البَتِّيُّ: (في مَقاعِدِ) عَلى الجَمْعِ؛ و”عِنْدَ“ تَدُلُّ عَلى قُرْبِ المَكانَةِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
القمر 54:55
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ﴾ ﴿إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِبًا إلّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْناهم بِسَحَرٍ﴾ ﴿نِعْمَةً مِن عِنْدِنا كَذَلِكَ نَجْزِي مَن شَكَرَ﴾ ﴿ولَقَدْ أنْذَرَهم بَطْشَتَنا فَتَمارَوْا بِالنُّذُرِ﴾ ﴿ولَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنا أعْيُنَهم فَذُوقُوا عَذابِي ونُذُرِ﴾ ﴿ولَقَدْ صَبَّحَهم بُكْرَةً عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ﴾ ﴿فَذُوقُوا عَذابِي ونُذُرِ﴾ ﴿ولَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ ﴿ولَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ﴾ ﴿كَذَّبُوا بِآياتِنا كُلِّها فَأخَذْناهم أخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ﴾ ﴿أكُفّارُكم خَيْرٌ مِن أُولَئِكم أمْ لَكم بَراءَةٌ في الزُّبُرِ﴾ ﴿أمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾ ﴿سَيُهْزَمُ الجَمْعُ ويُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ ﴿بَلِ السّاعَةُ مَوْعِدُهم والسّاعَةُ أدْهى وأمَرُّ﴾ ﴿إنَّ المُجْرِمِينَ في ضَلالٍ وسُعُرٍ﴾ ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ في النّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ ﴿إنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾ ﴿وما أمْرُنا إلّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالبَصَرِ﴾ ﴿ولَقَدْ أهْلَكْنا أشْياعَكم فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ ﴿وكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ في الزُّبُرِ﴾ ﴿وكُلُّ صَغِيرٍ وكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ﴾ ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ ونَهَرٍ﴾ ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ .
(p-١٨٢)تَقَدَّمَتْ قِصَّةُ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وقَوْمِهِ. والحاصِبُ مِنَ الحَصْباءِ، وهو المَعْنِيُّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ﴾ [الحجر: ٧٤] . (إلّا آلَ لُوطٍ)، قِيلَ: إلّا ابْنَتاهُ، و(بِسَحَرٍ): هو بُكْرَةٌ، فَلِذَلِكَ صُرِفَ، وانْتَصَبَ (نِعْمَةً) عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، أيْ نَجَّيْناهم لِإنْعامِنا عَلَيْهِمْ أوْ عَلى المَصْدَرِ، لِأنَّ المَعْنى: أنْعَمْنا بِالتَّنْجِيَةِ إنْعامًا. (كَذَلِكَ نَجْزِي): أيْ مِثْلُ ذَلِكَ الإنْعامِ والتَّنْجِيَةِ نَجْزِي ﴿مَن شَكَرَ﴾ إنْعامَنا وأطاعَ وآمَنَ.
﴿ولَقَدْ أنْذَرَهم بَطْشَتَنا﴾: أيْ أخْذَتَنا لَهم بِالعَذابِ، ﴿فَتَمارَوْا﴾: أيْ تَشَكَّكُوا وتَعاطَوْا ذَلِكَ، (بِالنُّذُرِ): أيْ بِالإنْذارِ، أوْ يَكُونُ جَمْعَ نَذِيرٍ.
﴿فَطَمَسْنا﴾، قالَ قَتادَةُ: الطَّمْسُ حَقِيقَةً جَرُّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى أعْيُنِهِمْ جَناحَهُ، فاسْتَوَتْ مَعَ وُجُوهِهِمْ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَطْمُوسَةٌ بِجِلْدٍ كالوَجْهِ. قِيلَ: لَمّا صَفَقَهم جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِجَناحِهِ، تَرَكَهم يَتَرَدَّدُونَ لا يَهْتَدُونَ إلى البابِ، حَتّى أخْرَجَهم لُوطٌ عَلَيْهِ السَّلامُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ: هَذِهِ اسْتِعارَةٌ، وإنَّما حَجَبَ إدْراكَهم، فَدَخَلُوا المَنزِلَ ولَمْ يَرَوْا شَيْئًا، فَجُعِلَ ذَلِكَ كالطَّمْسِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: فَطَمَسْنا بِتَخْفِيفِ المِيمِ؛ وابْنُ مِقْسَمٍ: بِتَشْدِيدِها. (فَذُوقُوا): أيْ فَقُلْتُ لَهم عَلى ألْسِنَةِ المَلائِكَةِ: ذُوقُوا.
﴿ولَقَدْ صَبَّحَهم بُكْرَةً﴾: أيْ أوَّلَ النَّهارِ وباكِرَهُ، لِقَوْلِهِ: (مُشْرِقِينَ) و(مُصْبِحِينَ) . وقَرَأ الجُمْهُورُ: بُكْرَةً بِالتَّنْوِينِ، أرادَ بُكْرَةً مِنَ البِكْرِ، فَصُرِفَ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: بِغَيْرِ تَنْوِينٍ.
﴿عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ﴾: أيْ لَمْ يَكْشِفْهُ عَنْهم كاشِفٌ، بَلِ اتَّصَلَ بِمَوْتِهِمْ، ثُمَّ بِما بَعْدَ ذَلِكَ مِن عَذابِ القَبْرِ، ثُمَّ عَذابِ جَهَنَّمَ.
﴿فَذُوقُوا عَذابِي ونُذُرِ﴾: تَوْكِيدٌ وتَوْبِيخٌ، ذَلِكَ عِنْدَ الطَّمْسِ، وهَذا عِنْدَ تَصْبِيحِ العَذابِ. قِيلَ: وفائِدَةُ تَكْرارِ هَذا وتَكْرارِ (ولَقَدْ يَسَّرْنا)، التَّجَرُّدُ عِنْدَ اسْتِماعِ كُلِّ نَبَأٍ مِن أنْباءِ الأوَّلِينَ، لِلِاتِّعاظِ واسْتِئْنافِ التَّيَقُّظِ إذا سَمِعُوا الحَثَّ عَلى ذَلِكَ لِئَلّا تَسْتَوْلِيَ عَلَيْهِمُ الغَفْلَةُ، وهَكَذا حُكْمُ التَّكْرِيرِ لِقَوْلِهِ: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ١٣] عِنْدَ كُلِّ نِعْمَةٍ عَدَّها في سُورَةِ الرَّحْمَنِ. وقَوْلُهُ: ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ١٥] عِنْدَ كُلِّ آيَةٍ أوْرَدَها في سُورَةِ والمُرْسَلاتِ، وكَذَلِكَ تَكْرِيرُ القَصَصِ في أنْفُسِها، لِتَكُونَ العِبْرَةُ حاضِرَةً لِلْقُلُوبِ، مَذْكُورَةً في كُلِّ أوانٍ.
﴿ولَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ﴾: هم مُوسى وهارُونُ وغَيْرُهُما مِنَ الأنْبِياءِ، لِأنَّهُما عَرَضا عَلَيْهِمْ ما أنْذَرَ بِهِ المُرْسَلُونَ، أوْ يَكُونُ جَمْعُ نَذِيرٍ المَصْدَرَ بِمَعْنى الإنْذارِ. (كَذَّبُوا بِآياتِنا) هي التِّسْعُ، والتَّوْكِيدُ هُنا كَهو في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ أرَيْناهُ آياتِنا كُلَّها﴾ [طه: ٥٦] . والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في: (كَذَّبُوا)، وفي: (فَأخَذْناهم) عائِدٌ عَلى آلِ فِرْعَوْنَ. وقِيلَ: هو عائِدٌ عَلى جَمِيعِ مَن تَقَدَّمَ مِنَ الأُمَمِ ذِكْرُهُ، وتَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: (النُّذُرُ) .
﴿فَأخَذْناهم أخْذَ عَزِيزٍ﴾: لا يُغالَبُ، (مُقْتَدِرٍ): لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ.
﴿أكُفّارُكُمْ﴾: خِطابٌ لِأهْلِ مَكَّةَ، ﴿خَيْرٌ مِن أُولَئِكُمْ﴾: الإشارَةُ إلى قَوْمِ نُوحٍ وهُودٍ وصالِحٍ ولُوطٍ، وإلى فِرْعَوْنَ، والمَعْنى: أهم خَيْرٌ في القُوَّةِ وآلاتِ الحُرُوبِ والمَكانَةِ في الدُّنْيا، أوْ أقَلُّ كُفُؤًا وعِنادًا ؟ فَلِأجْلِ كَوْنِهِمْ خَيْرًا لا يُعاقَبُونَ عَلى الكُفْرِ بِاللَّهِ، وقَّفَهم عَلى تَوْبِيخِهِمْ، أيْ لَيْسَ كُفّارُكم خَيْرًا مِن أُولَئِكم، بَلْ هم مِثْلُهم أوْ شَرٌّ مِنهم، وقَدْ عَلِمْتُمْ ما لَحِقَ أُولَئِكَ مِنَ الهَلاكِ المُسْتَأْصِلِ لَمّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ.
﴿أمْ لَكم بَراءَةٌ في الزُّبُرِ﴾: أيْ ألَكم في الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ بَراءَةٌ مِن عَذابِ اللَّهِ تَعالى ؟ قالَهُ الضَّحّاكُ وعِكْرِمَةُ وابْنُ زَيْدٍ.
﴿أمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ﴾ أيْ واثِقُونَ بِجَماعَتِنا، مُنْتَصِرُونَ بِقُوَّتِنا، تَقُولُونَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الإعْجابِ بِأنْفُسِكم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: أمْ يَقُولُونَ، بِياءِ الغَيْبَةِ التِفاتًا، وكَذا ما بَعْدَهُ لِلْغائِبِ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ ومُوسى الأسْوارِيُّ (p-١٨٣)وأبُو البَرَهْسَمِ: بِتاءِ الخِطابِ لِلْكُفّارِ، اتِّباعًا لِما تَقَدَّمَ مِن خِطابِهِمْ. وقَرَءُوا: سَتَهْزِمُ الجَمْعَ، بِفَتْحِ التّاءِ وكَسْرِ الزّايِ وفَتْحِ العَيْنِ، خِطابًا لِلرَّسُولِ، ﷺ؛ وأبُو حَيْوَةَ أيْضًا ويَعْقُوبُ: بِالنُّونِ مَفْتُوحَةً وكَسْرِ الزّايِ وفَتْحِ العَيْنِ؛ والجُمْهُورُ: بِالياءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ وضَمِّ العَيْنِ. وعَنْ أبِي حَيْوَةَ وابْنِ أبِي عَبْلَةَ أيْضًا: بِفَتْحِ الياءِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ ونَصْبِ العَيْنِ: أيْ سَيَهْزِمُ اللَّهُ الجَمْعَ. والجُمْهُورُ: ﴿ويُوَلُّونَ﴾ بِياءِ الغَيْبَةِ؛ وأبُو حَيْوَةَ وداوُدُ بْنُ أبِي سالِمٍ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِتاءِ الخِطابِ. والدُّبُرُ هُنا: اسْمُ جِنْسٍ، وجاءَ في مَوْضِعٍ آخَرَ ﴿لَيُوَلُّنَّ الأدْبارَ﴾ [الحشر: ١٢]، وهو الأصْلُ، وحَسَّنَ اسْمَ الجِنْسِ هُنا كَوْنُهُ فاصِلَةً. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿ويُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾: أيِ الأدْبارَ، كَما قالَ: كُلُوا في بَعْضِ بَطْنِكم تَعُفُّوا. وقُرِئَ: الأدْبارَ. انْتَهى، ولَيْسَ مِثْلَ بَطْنِكم، لِأنَّ مَجِيءَ الدُّبُرِ مُفْرَدًا لَيْسَ بِحَسَنٍ، ولا يَحْسُنُ لِإفْرادِ بَطْنِكم. وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَيُهْزَمُ الجَمْعُ﴾ عِدَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِرَسُولِهِ، ﷺ، بِهَزِيمَةِ جَمْعِ قُرَيْشٍ؛ والجُمْهُورُ: عَلى أنَّها مَكِّيَّةٌ، وتَلاها رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، مُسْتَشْهِدًا بِها. وقِيلَ: نَزَلَتْ يَوْمَ بَدْرٍ.
﴿بَلِ السّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ﴾: انْتَقَلَ مِن تِلْكَ الأقْوالِ إلى أمْرِ السّاعَةِ الَّتِي عَذابُها أشُدُّ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ هَزِيمَةٍ وقِتالٍ.
﴿والسّاعَةُ أدْهى﴾: أيْ أفْظَعُ وأشَدُّ، والدّاهِيَةُ الأمَرُّ: المُنْكَرُ الَّذِي لا يُهْتَدى لِدَفْعِهِ، وهي الرَّزِيَّةُ العُظْمى تَحُلُّ بِالشَّخْصِ. (وأمَرُّ) مِنَ المَرارَةِ: اسْتِعارَةٌ لِصُعُوبَةِ الشَّيْءِ عَلى النَّفْسِ.
﴿إنَّ المُجْرِمِينَ في ضَلالٍ﴾: أيْ في حَيْرَةٍ وتَخَبُّطٍ في الدُّنْيا. (وسُعُرٍ): أيِ احْتِراقٍ في الآخِرَةِ، جُعِلُوا فِيهِ مِن حَيْثُ مَصِيرُهم إلَيْهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وخُسْرانٍ وجُنُونٍ، والسُّعُرُ: الجُنُونُ، وتَقَدَّمَ مِثْلُهُ في قِصَّةِ صالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ.
﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ﴾: يُجَرُّونَ (في النّارِ)، وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ: إلى النّارِ.
﴿عَلى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا﴾: أيْ مَقُولًا لَهم: ﴿ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ . وقَرَأ مَحْبُوبٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو: مَسَّقَرٍ، بِإدْغامِ السِّينِ في السِّينِ. قالَ ابْنُ مُجاهِدٍ: إدْغامُهُ خَطَأٌ لِأنَّهُ مُشَدَّدٌ. انْتَهى. والظَّنُّ بِأبِي عَمْرٍو أنَّهُ لَمْ يُدْغِمْ حَتّى حَذَفَ إحْدى السِّينَيْنِ لِاجْتِماعِ الأمْثالِ، ثُمَّ أدْغَمَ.
﴿إنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾، قِراءَةُ الجُمْهُورِ: كُلَّ شَيْءٍ بِالنَّصْبِ. وقَرَأ أبُو السَّمّالِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ وقَوْمٌ مِن أهْلِ السُّنَّةِ: بِالرَّفْعِ. قالَ أبُو الفَتْحِ: هو الوَجْهُ في العَرَبِيَّةِ، وقِراءَتُنا بِالنَّصْبِ مَعَ الجَماعَةِ. وقالَ قَوْمٌ: إذا كانَ الفِعْلُ يُتَوَهَّمُ فِيهِ الوَصْفُ، وأنَّ ما بَعْدَهُ يَصْلُحُ لِلْخَبَرِ، وكانَ المَعْنى عَلى أنْ يَكُونَ الفِعْلُ هو الخَبَرَ، اخْتِيرَ النَّصْبُ في الِاسْمِ الأوَّلِ حَتّى يَتَّضِحَ أنَّ الفِعْلَ لَيْسَ بِوَصْفٍ، ومِنهُ هَذا المَوْضِعُ، لِأنَّ في قِراءَةِ الرَّفْعِ يُتَخَيَّلُ أنَّ الفِعْلَ وصْفٌ، وأنَّ الخَبَرَ يُقَدَّرُ. فَقَدْ تَنازَعَ أهْلُ السُّنَّةِ والقَدَرِيَّةُ الِاسْتِدْلالَ بِهَذِهِ الآيَةِ. فَأهْلُ السُّنَّةِ يَقُولُونَ: كُلُّ شَيْءٍ فَهو مَخْلُوقٌ لِلَّهِ تَعالى بِقُدْرَةٍ دَلِيلُهُ قِراءَةُ النَّصْبِ، لِأنَّهُ لا يُفَسِّرُ في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ إلّا ما يَصِحُّ أنْ يَكُونَ خَبَرًا لَوْ وقَعَ الأوَّلُ عَلى الِابْتِداءِ. وقالَتِ القَدَرِيَّةُ: القِراءَةُ بِرَفْعِ كُلِّ، وخَلَقْناهُ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِكُلِّ، أيْ إنْ أمْرُنا أوْ شَأْنُنا كُلُّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ فَهو بِقَدَرٍ أوْ بِمِقْدارٍ، عَلى حَدِّ ما في هَيْئَتِهِ وزَمَنِهِ وغَيْرِ ذَلِكَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ”كُلَّ شَيْءٍ“ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ الظّاهِرُ. وقُرِئَ: كُلُّ شَيْءٍ بِالرَّفْعِ، والقَدَرُ هو التَّقْدِيرُ. وقُرِئَ بِهِما، أيْ خَلَقْنا كُلَّ شَيْءٍ مُقَدَّرًا مُحْكَمًا مُرَتَّبًا عَلى حَسَبِ ما اقْتَضَتْهُ الحِكْمَةُ، أوْ مُقَدَّرًا مَكْتُوبًا في اللَّوْحِ، مَعْلُومًا قَبْلَ كَوْنِهِ، قَدْ عَلِمْنا حالَهُ وزَمانَهُ. انْتَهى. قِيلَ: والقَدَرُ فِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنْ يَكُونَ بِمَعْنى المِقْدارِ في ذاتِهِ وصِفاتِهِ. والثّانِي: التَّقْدِيرُ، قالَ تَعالى: ﴿فَقَدَرْنا فَنِعْمَ القادِرُونَ﴾ [المرسلات: ٢٣] . وقالَ الشّاعِرُ:
؎وما قَدَّرَ الرَّحْمَنُ ما هو قادِرُ
أيْ ما هو مَقْدُورٌ. والثّالِثُ: القَدَرُ الَّذِي يُقالُ مَعَ القَضاءِ، يُقالُ: كانَ ذَلِكَ بِقَضاءِ اللَّهِ وقَدَرِهِ، والمَعْنى: أنَّ القَضاءَ ما في العِلْمِ، والقَدَرَ ما في الإرادَةِ، فالمَعْنى في الآيَةِ: ﴿خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾: أيْ بِقُدْرَةٍ مَعَ إرادَةٍ. انْتَهى.
﴿وما أمْرُنا إلّا واحِدَةٌ﴾: أيْ إلّا كَلِمَةٌ واحِدَةٌ وهي: كُنْ كَلَمْحٍ بِالبَصَرِ، تَشْبِيهٌ بِأعْجَلِ ما يُحَسُّ، وفي أشْياءَ، أمْرُ اللَّهِ تَعالى أوْحى مِن ذَلِكَ، والمَعْنى: أنَّهُ إذا أرادَ (p-١٨٤)تَكْوِينَ شَيْءٍ لَمْ يَتَأخَّرْ عَنْ إرادَتِهِ.
﴿ولَقَدْ أهْلَكْنا أشْياعَكُمْ﴾: أيِ الفِرَقَ المُتَشايِعَةَ في مَذْهَبٍ ودِينٍ.
﴿وكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ﴾: أيْ فَعَلَتْهُ الأُمَمُ المُكَذِّبَةُ، مَحْفُوظٌ عَلَيْهِمْ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ وقَتادَةُ وابْنُ زَيْدٍ. ومَعْنى (في الزُّبُرِ): في دَواوِينِ الحَفَظَةِ.
﴿وكُلُّ صَغِيرٍ وكَبِيرٍ﴾ مِنَ الأعْمالِ، ومِن كُلِّ ما هو كائِنٌ، ﴿مُسْتَطَرٌ﴾: أيْ مَسْطُورٌ في اللَّوْحِ. يُقالُ: سَطَّرْتُ واسْتَطَرْتُ بِمَعْنًى. وقَرَأ الأعْمَشُ وعِمْرانُ بْنُ حُدَيْرٍ وعِصْمَةُ عَنْ أبِي بَكْرٍ: بِشَدِّ راءِ ”مُسْتَطَرٌّ“ . قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن طُرَّ النَّباتُ والشّارِبُ إذا ظَهَرَ وثَبَتَ بِمَعْنى: كُلُّ شَيْءٍ ظاهِرٌ في اللَّوْحِ مُثْبَتٌ فِيهِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِنَ الِاسْتِطارِ، لَكِنْ شَدَّدَ الرّاءَ لِلْوَقْفِ عَلى لُغَةِ مَن يَقُولُ: جَعْفَرٌّ ونَفْعَلُّ بِالتَّشْدِيدِ وقْفًا. انْتَهى، ووَزْنُهُ عَلى التَّوْجِيهِ الأوَّلِ اسْتَفْعَلَ، وعَلى الثّانِي افْتَعَلَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ونَهَرٍ عَلى الإفْرادِ، والهاءُ مَفْتُوحَةٌ؛ والأعْرَجُ ومُجاهِدٌ وحُمَيْدٌ وأبُو السَّمّالِ والفَيّاضُ بْنُ غَزْوانَ: بِسُكُونِها، والمُرادُ بِهِ الجِنْسُ، إنْ أُرِيدَ بِهِ الأنْهارُ، أوْ يَكُونُ مَعْنى ونَهَرٍ وسَعَةً في الأرْزاقِ والمَنازِلِ، ومِنهُ قَوْلُ قَيْسِ بْنِ الخَطِيمِ:
؎مَلَكْتُ بِها كَفِّي فَأنْهَرْتُ فَتْقَها ∗∗∗ يَرى قائِمٌ مِن دُونِها ما وراءَها
أيْ: أوْسَعْتُ فَتْقَها. وقَرَأ زُهَيْرٌ العُرْقُبِيُّ والأعْمَشُ وأبُو نَهِيكٍ وأبُو مِجْلَزٍ واليَمانِيُّ: بِضَمِّ النُّونِ والهاءِ، جَمْعَ نُهُرٍ، كَرَهْنٍ ورُهُنٍ، أوْ نُهْرٍ كَأسَدٍ وأُسْدٍ، وهو مُناسِبٌ لِجَمْعِ جَنّاتٍ. وقِيلَ: نُهُرٌ جَمْعُ نَهارٍ، ولا لَيْلَ في الجَنَّةِ، وهو بَعِيدٌ.
﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ﴾: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضِدَّ الكَذِبِ، أيْ في المَقْعَدِ الَّذِي صَدَقُوا في الخَبَرِ بِهِ، وأنْ يَكُونَ مِن قَوْلِكَ: رَجُلُ صِدْقٍ: أيْ خَيْرٍ وجُودٍ وصَلاحٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: في مَقْعَدِ، عَلى الإفْرادِ، يُرادُ بِهِ اسْمُ الجِنْسِ؛ وعُثْمانُ البَتِّيُّ: (في مَقاعِدِ) عَلى الجَمْعِ؛ و”عِنْدَ“ تَدُلُّ عَلى قُرْبِ المَكانَةِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
الرحمن 55:1
سُورَةُ الرَّحْمَنِ مَكِّيَّةٌ وهي ثَمانٍ وسَبْعُونَ آيَةً
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿الرَّحْمَنُ﴾ ﴿عَلَّمَ القُرْآنَ﴾ ﴿خَلَقَ الإنْسانَ﴾ ﴿عَلَّمَهُ البَيانَ﴾ ﴿الشَّمْسُ والقَمَرُ بِحُسْبانٍ﴾ ﴿والنَّجْمُ والشَّجَرُ يَسْجُدانِ﴾ ﴿والسَّماءَ رَفَعَها ووَضَعَ المِيزانَ﴾ [الرحمن: ٧] ﴿ألّا تَطْغَوْا في المِيزانِ﴾ [الرحمن: ٨] ﴿وأقِيمُوا الوَزْنَ بِالقِسْطِ ولا تُخْسِرُوا المِيزانَ﴾ [الرحمن: ٩] ﴿والأرْضَ وضَعَها لِلْأنامِ﴾ [الرحمن: ١٠] ﴿فِيها فاكِهَةٌ والنَّخْلُ ذاتُ الأكْمامِ﴾ [الرحمن: ١١] ﴿والحَبُّ ذُو العَصْفِ والرَّيْحانُ﴾ [الرحمن: ١٢] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ١٣] ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن صَلْصالٍ كالفَخّارِ﴾ [الرحمن: ١٤] ﴿وخَلَقَ الجانَّ مِن مارِجٍ مِن نارٍ﴾ [الرحمن: ١٥] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ١٦] ﴿رَبُّ المَشْرِقَيْنِ ورَبُّ المَغْرِبَيْنِ﴾ [الرحمن: ١٧] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ١٨] ﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ﴾ [الرحمن: ١٩] ﴿بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ﴾ [الرحمن: ٢٠] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٢١] ﴿يَخْرُجُ مِنهُما اللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ﴾ [الرحمن: ٢٢] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٢٣] ﴿ولَهُ الجَوارِي المُنْشَآتُ في البَحْرِ كالأعْلامِ﴾ [الرحمن: ٢٤] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٢٥] ﴿كُلُّ مَن عَلَيْها فانٍ﴾ [الرحمن: ٢٦] ﴿ويَبْقى وجْهُ رَبِّكَ ذُو الجَلالِ والإكْرامِ﴾ [الرحمن: ٢٧] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٢٨] ﴿يَسْألُهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هو في شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٣٠] ﴿سَنَفْرُغُ لَكم أيُّها الثَّقَلانِ﴾ [الرحمن: ٣١] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٣٢] ﴿يا مَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ إنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ تَنْفُذُوا مِن أقْطارِ السَّماواتِ والأرْضِ فانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إلّا بِسُلْطانٍ﴾ [الرحمن: ٣٣] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٣٤] ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِن نارٍ ونُحاسٌ فَلا تَنْتَصِرانِ﴾ [الرحمن: ٣٥] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٣٦] ﴿فَإذا انْشَقَّتِ السَّماءُ فَكانَتْ ورْدَةً كالدِّهانِ﴾ [الرحمن: ٣٧] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٣٨] ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْألُ عَنْ ذَنْبِهِ إنْسٌ ولا جانٌّ﴾ [الرحمن: ٣٩] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٤٠] ﴿يُعْرَفُ المُجْرِمُونَ بِسِيماهم فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي والأقْدامِ﴾ [الرحمن: ٤١] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٤٢] ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِها المُجْرِمُونَ﴾ [الرحمن: ٤٣] ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَها وبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٤] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٤٥] ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ [الرحمن: ٤٦] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٤٧] ﴿ذَواتا أفْنانٍ﴾ [الرحمن: ٤٨] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٤٩] ﴿فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ﴾ [الرحمن: ٥٠] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥١] ﴿فِيهِما مِن كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ﴾ [الرحمن: ٥٢] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥٣] ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِن إسْتَبْرَقٍ وجَنى الجَنَّتَيْنِ دانٍ﴾ [الرحمن: ٥٤] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥٥] ﴿فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾ [الرحمن: ٥٦] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥٧] ﴿كَأنَّهُنَّ الياقُوتُ والمَرْجانُ﴾ [الرحمن: ٥٨] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥٩] ﴿هَلْ جَزاءُ الإحْسانِ إلّا الإحْسانُ﴾ [الرحمن: ٦٠] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦١] ﴿ومِن دُونِهِما جَنَّتانِ﴾ [الرحمن: ٦٢] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٣] ﴿مُدْهامَّتانِ﴾ [الرحمن: ٦٤] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٥] ﴿فِيهِما عَيْنانِ نَضّاخَتانِ﴾ [الرحمن: ٦٦] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٧] ﴿فِيهِما فاكِهَةٌ ونَخْلٌ ورُمّانٌ﴾ [الرحمن: ٦٨] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٩] ﴿فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ﴾ [الرحمن: ٧٠] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٧١] ﴿حُورٌ مَقْصُوراتٌ في الخِيامِ﴾ [الرحمن: ٧٢] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٧٣] ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾ [الرحمن: ٧٤] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٧٥] ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وعَبْقَرِيٍّ حِسانٍ﴾ [الرحمن: ٧٦] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٧٧] ﴿تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الجَلالِ والإكْرامِ﴾ [الرحمن: ٧٨] (p-١٨٥)النَّجْمُ: النَّباتُ الَّذِي لا ساقَ لَهُ، مِن نَجَمَ: أيْ ظَهَرَ وطَلَعَ. الأنامُ: الحَيَوانُ. العَصْفُ: ورَقُ الزَّرْعِ. الرَّيْحانُ: كُلُّ مَشْمُومٍ طَيِّبِ الرِّيحِ مِنَ النَّباتِ. المَرْجانُ: الخَرَزُ الأحْمَرُ، وقِيلَ: صِغارُ الدُّرِّ، واللُّؤْلُؤُ كِبارُهُ، واللُّؤْلُؤُ بِناءٌ غَرِيبٌ. قِيلَ: لا يُحْفَظُ مِنهُ في كَلامِ العَرَبِ أكْثَرُ مِن خَمْسَةٍ؛ اللُّؤْلُؤُ، والجُؤْجُؤُ، والدُّؤْدُؤُ، واليُؤْيُؤُ طائِرٌ، والبُؤْبُؤُ. والنُّفُوذُ: الخُرُوجُ مِنَ الشَّيْءِ بِسُرْعَةٍ. الشُّواظُ: اللَّهَبُ الخالِصُ بِغَيْرِ دُخانٍ. وقالَ حَسّانُ:
؎هَجَوْتُكَ فاخْتَضَعْتُ لَها بِذُلٍّ بِقافِيَةٍ تَأجَّجُ كالشُّواظِ
وقالَ رُؤْبَةُ:
؎ونارُ حَرْبٍ تُسْعِرُ الشُّواظا
وتُضَمُّ شِينُهُ وتُكْسَرُ. النُّحاسُ، قالَ الخَلِيلُ: والنُّحاسُ هو الدُّخانُ الَّذِي لا لَهَبَ لَهُ، وهو مَعْرُوفٌ في كَلامِ العَرَبِ. قالَ نابِغَةُ بَنِي جَعْدَةَ:
؎تُضِيءُ كَضَوْءِ سِراجِ السَّلِيطِ ∗∗∗ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ فِيهِ نُحاسا
وقالَ الكِسائِيُّ: النُّحاسُ هو النّارُ الَّذِي لَهُ رِيحٌ شَدِيدٌ، وقِيلَ: الصُّفْرُ المُذابُ، وتُضَمُّ نُونُهُ وتُكْسَرُ. الوَرْدَةُ: الشَّدِيدَةُ الحُمْرَةِ، يُقالُ: فَرْدٌ ورْدٌ، وحُجْرَةٌ ورْدَةٌ. الدِّهانُ: الجِلْدُ الأحْمَرُ. أنْشَدَ القاضِي مُنْذِرُ بْنُ سَعْدٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ:
؎تَبِعْنَ الدِّهانَ الحُمْرَ كُلَّ عَشِيَّةٍ ∗∗∗ بِمَوْسِمِ بَدْرٍ أوْ بِسُوقِ عُكاظِ
النّاصِيَةُ: مُقَدَّمُ الرَّأْسِ. آنٍ: نِهايَةٌ في الحَرِّ. الأفْنانُ، جَمْعُ فَنَنٍ: وهو الغُصْنُ، أوْ جَمْعُ فَنٍّ: وهو النَّوْعُ. قالَ الشّاعِرُ:
؎ومِن كُلِّ أفْنانِ اللَّذاذَةِ والصِّبى ∗∗∗ لَهَوْتُ بِهِ والعَيْشُ أخْضَرُ ناضِرُ
وقالَ نابِغَةُ بَنِي ذُبْيانَ:
؎بُكاءُ حَمامَةٍ تَدْعُو هَدِيلًا ∗∗∗ مُفْجَعَةٍ عَلى فَنَنٍ تُغَنِّي
الجَنْيُ: ما يُقْطَفُ مِنَ الثَّمَرَةِ، وهو فِعْلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، كالقَبْضِ بِمَعْنى مَقْبُوضٍ. قاصِراتُ الطَّرْفِ: قَصَرَتْ ألْحاظُهُنَّ عَلى أزْواجِهِنَّ. قالَ الشّاعِرُ:
؎مِنَ القاصِراتِ الطَّرْفِ لَوْ دَبَّ مُحْوِلٌ ∗∗∗ مِنَ الذَّرِّ فَوْقَ الإتْبِ مِنها لَأثَّرا
الطَّمْثُ: دَمُ الحَيْضِ ودَمُ الِافْتِضاضِ. الياقُوتُ: حَجَرٌ مَعْرُوفٌ، وقِيلَ: لا تُؤَثِّرُ فِيهِ النّارُ، قالَ الشّاعِرُ:(p-١٨٦)
؎وطالَما أُصْلِيَ الياقُوتُ جَمْرَ غَضى ∗∗∗ ثُمَّ انْطَفى الجَمْرُ والياقُوتُ ياقُوتُ
الِادْهِمامُ: السَّوادُ. النَّضْحُ: فَوَرانُ الماءِ. المَقْصُورَةُ: المَحْبُوسَةُ، ويُقالُ: قَصِيرَةٌ وقَصُورَةٌ: أيْ مُخَدَّرَةٌ. وقالَ كُثَيِّرٌ:
؎وأنْتِ الَّتِي حَبَّبْتِ كُلَّ قَصِيرَةٍ ∗∗∗ إلَيَّ ولَمْ تَشْعُرْ بِذاكَ القَصائِرُ
؎عَنَيْتُ قَصِيراتِ الحِجالِ ولَمْ أُرِدْ ∗∗∗ قِصارَ الخُطا شَرُّ النِّساءِ البَحاتِرُ
الخَيْمَةُ مَعْرُوفَةٌ، وهي بَيْتُ المُرْتَحِلِ مِن خَشَبٍ وتَمامٍ وسائِرِ الحَشِيشِ، وإذا كانَ مَن شَعَرٍ فَهو بَيْتٌ، ولا يُقالُ لَهُ خَيْمَةٌ، ويُجْمَعُ عَلى خِيامٍ وخِيَمٍ. قالَ جَرِيرٌ:
؎مَتى كانَ الخِيامُ بِذِي طُلُوحٍ ∗∗∗ سُقِيتِ الغَيْثَ أيَّتُها الخِيامُ
الرَّفْرَفُ: ما يُدَلّى مِنَ الأسِرَّةِ مِن غالِي الثِّيابِ. وقالَ الجَوْهَرِيُّ: ثِيابٌ خُضْرٌ تُتَّخَذُ مِنها المَجالِسُ، الواحِدَةُ رَفْرَفَةٌ، واشْتِقاقُهُ مِن رَفَّ إذا ارْتَفَعَ، ومِنهُ رَفْرَفَةُ الطّائِرِ لِتَحْرِيكِ جَناحَيْهِ وارْتِفاعِهِ في الهَواءِ، وسُمِّيَ الطّائِرُ رَفْرافًا، ورَفْرَفَ جَناحَيْهِ: حَرَّكَهُما لِيَقَعَ عَلى الشَّيْءِ، ورَفْرَفُ السَّحابِ: هُدْبُهُ. العَبْقَرِيُّ: مَنسُوبٌ إلى عَبْقَرٍ، تَزْعُمُ العَرَبُ أنَّهُ بَلَدُ الجِنِّ، فَيَنْسُبُونَ إلَيْهِ كُلَّ شَيْءٍ عَجِيبٍ. قالَ زُهَيْرٌ:
؎بِخَيْلٍ عَلَيْها جِنَّةٌ عَبْقَرِيَّةٌ ∗∗∗ جَدِيرُونَ يَوْمًا أنْ يَنالُوا فَيَسْتَعْلُوا
وقالَ امْرُؤُ القَيْسِ:
؎كَأنَّ صَلِيلَ المَرْءِ حِينَ تُشِدُّهُ ∗∗∗ صَلِيلُ زُيُوفٍ يُنْتَقَدْنَ بِعَبْقَرا
وقالَ ذُو الرُّمَّةِ:
؎حَتّى كَأنَّ رِياضَ القُفِّ ألْبَسَها ∗∗∗ مِن وشْيِ عَبْقَرٍ تَجْلِيلٌ وتَنْجِيدٌ
وقالَ الخَلِيلُ: العَبْقَرِيُّ: كُلُّ جَلِيلٍ نَفِيسٍ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ وغَيْرِهِمْ. الجَلالُ: العَظَمَةُ. قالَ الشّاعِرُ:
؎خَبَرُ ما قَدْ جاءَنا مُسْتَعْمَلٌ ∗∗∗ جَلَّ حَتّى دَقَّ فِيهِ الأجَلُّ
(p-١٨٧)﴿الرَّحْمَنُ﴾ ﴿عَلَّمَ القُرْآنَ﴾ ﴿خَلَقَ الإنْسانَ﴾ ﴿عَلَّمَهُ البَيانَ﴾ ﴿الشَّمْسُ والقَمَرُ بِحُسْبانٍ﴾ ﴿والنَّجْمُ والشَّجَرُ يَسْجُدانِ﴾ ﴿والسَّماءَ رَفَعَها ووَضَعَ المِيزانَ﴾ [الرحمن: ٧] ﴿ألّا تَطْغَوْا في المِيزانِ﴾ [الرحمن: ٨] ﴿وأقِيمُوا الوَزْنَ بِالقِسْطِ ولا تُخْسِرُوا المِيزانَ﴾ [الرحمن: ٩] ﴿والأرْضَ وضَعَها لِلْأنامِ﴾ [الرحمن: ١٠] ﴿فِيها فاكِهَةٌ والنَّخْلُ ذاتُ الأكْمامِ﴾ [الرحمن: ١١] ﴿والحَبُّ ذُو العَصْفِ والرَّيْحانُ﴾ [الرحمن: ١٢] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ١٣] ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن صَلْصالٍ كالفَخّارِ﴾ [الرحمن: ١٤] ﴿وخَلَقَ الجانَّ مِن مارِجٍ مِن نارٍ﴾ [الرحمن: ١٥] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ١٦] ﴿رَبُّ المَشْرِقَيْنِ ورَبُّ المَغْرِبَيْنِ﴾ [الرحمن: ١٧] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ١٨] ﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ﴾ [الرحمن: ١٩] ﴿بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ﴾ [الرحمن: ٢٠] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٢١] ﴿يَخْرُجُ مِنهُما اللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ﴾ [الرحمن: ٢٢] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٢٣] ﴿ولَهُ الجَوارِي المُنْشَآتُ في البَحْرِ كالأعْلامِ﴾ [الرحمن: ٢٤] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٢٥] ﴿كُلُّ مَن عَلَيْها فانٍ﴾ [الرحمن: ٢٦] ﴿ويَبْقى وجْهُ رَبِّكَ ذُو الجَلالِ والإكْرامِ﴾ [الرحمن: ٢٧] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٢٨] ﴿يَسْألُهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هو في شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٢٨] .
هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الجُمْهُورِ، مَدَنِيَّةٌ في قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ القَوْلانِ، وعَنْهُ: سِوى آيَةٍ هي مَدَنِيَّةٌ، وهي: ﴿يَسْألُهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الرحمن: ٢٩] الآيَةَ. وسَبَبُ نُزُولِها فِيما قالَ مُقاتِلٌ: أنَّهُ لَمّا نَزَلَ ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ﴾ [الفرقان: ٦٠] الآيَةَ، قالُوا: ما نَعْرِفُ الرَّحْمَنَ، (p-١٨٨)فَنَزَلَتْ: ﴿الرَّحْمَنُ﴾ ﴿عَلَّمَ القُرْآنَ﴾ . وقِيلَ: لَمّا قالُوا ﴿إنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [النحل: ١٠٣]، أكْذَبَهُمُ اللَّهُ تَعالى وقالَ: ﴿الرَّحْمَنُ﴾ ﴿عَلَّمَ القُرْآنَ﴾ . وقِيلَ: مَدَنِيَّةٌ نَزَلَتْ، إذْ أبى سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو وغَيْرُهُ أنْ يَكْتُبَ في الصُّلْحِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
ومُناسَبَةُ هَذِهِ السُّورَةِ لِما قَبْلَها: أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ مَقَرَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ ونَهَرٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ، ذَكَرَ شَيْئًا مِن آياتِ المُلْكِ وآثارِ القُدْرَةِ، ثُمَّ ذَكَرَ مَقَرَّ الفَرِيقَيْنِ عَلى جِهَةِ الإسْهابِ، إذْ كانَ في آخِرِ السُّورَةِ ذِكْرُهُ عَلى جِهَةِ الِاخْتِصارِ والإيجازِ. ولَمّا ذَكَرَ قَوْلَهُ: ﴿عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٥٥]، فَأبْرَزَ هاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ بِصُورَةِ التَّنْكِيرِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: مَنِ المُتَّصِفُ بِذَلِكَ ؟ فَقالَ: ﴿الرَّحْمَنُ﴾ ﴿عَلَّمَ القُرْآنَ﴾، فَذَكَرَ ما نَشَأ عَنْ صِفَةِ الرَّحْمَةِ، وهو تَعْلِيمُ القُرْآنِ الَّذِي هو شِفاءٌ لِلْقُلُوبِ. والظّاهِرُ أنَّ ﴿الرَّحْمَنُ﴾ مَرْفُوعٌ عَلى الِابْتِداءِ، (وعَلَّمَ القُرْآنَ) خَبَرُهُ. وقِيلَ: ﴿الرَّحْمَنُ﴾ آيَةٌ بِمُضْمَرٍ، أيِ اللَّهُ الرَّحْمَنُ، أوِ الرَّحْمَنُ رَبُّنا، وذَلِكَ آيَةٌ؛ و﴿عَلَّمَ القُرْآنَ﴾ اسْتِئْنافُ إخْبارٍ. ولَمّا عَدَّدَ نِعَمَهُ تَعالى، بَدَأ مِن نِعَمِهِ بِما هو أعْلى رُتَبِها، وهو تَعْلِيمُ القُرْآنِ، إذْ هو عِمادُ الدِّينِ ونَجاةُ مَنِ اسْتَمْسَكَ بِهِ.
ولَمّا ذَكَرَ تَعْلِيمَ القُرْآنِ ولَمْ يَذْكُرِ المُعَلَّمَ، ذَكَرَهُ بَعْدُ في قَوْلِهِ: ﴿خَلَقَ الإنْسانَ﴾، لِيُعْلَمَ أنَّهُ المَقْصُودُ بِالتَّعْلِيمِ. ولَمّا كانَ خَلْقُهُ مِن أجْلِ الدِّينِ وتَعْلِيمِهِ القُرْآنَ، كانَ كالسَّبَبِ في خَلْقِهِ تَقَدَّمَ عَلى خَلْقِهِ. ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى الوَصْفَ الَّذِي يَتَمَيَّزُ بِهِ الإنْسانُ مِنَ المَنطِقِ المُفْصِحِ عَنِ الضَّمِيرِ، والَّذِي بِهِ يُمْكِنُ قَبُولُ التَّعْلِيمِ، وهو البَيانُ. ألا تَرى أنَّ الأخْرَسَ لا يُمْكِنُ أنْ يَتَعَلَّمَ شَيْئًا مِمّا يُدْرَكُ بِالنُّطْقِ ؟ وعَلَّمَ مُتَعَدِّيَةٌ إلى اثْنَيْنِ، حُذِفَ أوَّلُهُما لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ، وهو جِبْرِيلُ، أوْ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ، أوِ الإنْسانُ، أقْوالٌ. وتَوَهَّمَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ أنَّ المَحْذُوفَ هو المَفْعُولُ الثّانِي، قالَ: فَإنْ قِيلَ: لِمَ تَرَكَ المَفْعُولَ الثّانِيَ ؟ وأجابَ بِأنَّ النِّعْمَةَ في التَّعْلِيمِ، لا في تَعْلِيمِ شَخْصٍ دُونَ شَخْصٍ، كَما يُقالُ: فُلانٌ يُطْعِمُ الطَّعامَ، إشارَةً إلى كَرَمِهِ، ولا يُبَيَّنُ مَن يُطْعِمُهُ. انْتَهى. والمَفْعُولُ الأوَّلُ هو الَّذِي كانَ فاعِلًا قَبْلَ النَّقْلِ بِالتَّضْعِيفِ أوِ الهَمْزَةِ في عَلَّمَ وأطْعَمَ.
وأبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ مَعْنى ﴿عَلَّمَ القُرْآنَ﴾: جَعَلَهُ عَلامَةً وآيَةً يُعْتَبَرُ بِها، وهَذِهِ جُمَلٌ مُتَرادِفَةٌ، أخْبارٌ كُلُّها عَنِ الرَّحْمَنِ، جُعِلَتْ مُسْتَقِلَّةً لَمْ تُعْطَفْ، إذْ هي تَعْدادٌ لِنِعَمِهِ تَعالى. كَما تَقُولُ: زَيْدٌ أحْسَنَ إلَيْكَ، خَوَّلَكَ: أشارَ بِذِكْرِكَ، والإنْسانُ اسْمُ جِنْسٍ. وقالَ قَتادَةُ: الإنْسانُ: آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ. وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: مُحَمَّدٌ، ﷺ . وقالَ ابْنُ زَيْدٍ والجُمْهُورُ: ﴿البَيانَ﴾: المَنطِقُ، والفَهْمُ: الإبانَةُ، وهو الَّذِي فُضِّلَ بِهِ الإنْسانُ عَلى سائِرِ الحَيَوانِ. وقالَ قَتادَةُ: هو بَيانُ الحَلالِ والشَّرائِعِ، وهَذا جُزْءٌ مِنَ البَيانِ العامِّ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: ما يَقُولُ وما يُقالُ لَهُ. وقالَ الضَّحّاكُ: الخَيْرُ والشَّرُّ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: الهُدى. وقالَ يَمانٌ: الكِتابَةُ. ومَن قالَ: الإنْسانُ آدَمُ، فالبَيانُ أسْماءُ كُلِّ شَيْءٍ، أوِ التَّكَلُّمُ بِلُغاتٍ كَثِيرَةٍ أفْضَلُها العَرَبِيَّةُ، أوِ الكَلامُ بَعْدَ أنْ خَلَقَهُ، أوْ عِلْمُ الدُّنْيا والآخِرَةِ، أوِ الِاسْمُ الأعْظَمُ الَّذِي عَلِمَ بِهِ كُلَّ شَيْءٍ، أقْوالٌ، آخِرُها مَنسُوبٌ لِجَعْفَرٍ الصّادِقِ.
ولَمّا ذَكَرَ تَعالى ما أنْعَمَ بِهِ عَلى الإنْسانِ مِن تَعْلِيمِهِ البَيانَ، ذَكَرَ ما امْتَنَّ بِهِ مِن وُجُودِ الشَّمْسِ والقَمَرِ، وما فِيهِما مِنَ المَنافِعِ العَظِيمَةِ لِلْإنْسانِ، إذْ هُما يَجْرِيانِ عَلى حِسابٍ مَعْلُومٍ وتَقْدِيرٍ سَوِيٍّ في بُرُوجِهِما ومَنازِلِهِما. والحُسْبانُ مَصْدَرٌ كالغُفْرانِ، وهو بِمَعْنى الحِسابِ، قالَهُ قَتادَةُ. وقالَ الضَّحّاكُ وأبُو عُبَيْدَةَ: جَمْعُ حِسابٍ، كَشِهابٍ وشُهْبانٍ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو مالِكٍ وقَتادَةُ: لَهُما في طُلُوعِهِما وغُرُوبِهِما وقَطْعِهِما البُرُوجَ وغَيْرِ ذَلِكَ حُسْباناتٌ شَتّى. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: لَوْلا اللَّيْلُ والنَّهارُ لَمْ يَدْرِ أحَدٌ كَيْفَ يَحْسِبُ شَيْئًا يُرِيدُ مِن مَقادِيرِ الزَّمانِ. وقالَ مُجاهِدٌ: الحُسْبانُ: الفَلَكُ المُسْتَدِيرُ، شَبَّهَهُ بِحُسْبانِ الرَّحى، وهو العُودُ المُسْتَدِيرُ الَّذِي بِاسْتِدارَتِهِ تَسْتَدِيرُ المِطْحَنَةُ. وارْتَفَعَ الشَّمْسُ عَلى الِابْتِداءِ وخَبَرُهُ بِحُسْبانٍ، فَأمّا عَلى حَذْفِ، أيْ جَرْيِ الشَّمْسِ والقَمَرِ كائِنٌ بِحُسْبانٍ. وقِيلَ: الخَبَرُ مَحْذُوفٌ، أيْ يَجْرِيانِ بِحُسْبانٍ، وبِحُسْبانٍ مُتَعَلِّقٌ بِـ يَجْرِيانِ، وعَلى قَوْلِ (p-١٨٩)مُجاهِدٍ: تَكُونُ الباءُ في بِحُسْبانٍ ظَرْفِيَّةً، لِأنَّ الحُسْبانَ عِنْدَهُ الفَلَكُ.
الرحمن 55:2
سُورَةُ الرَّحْمَنِ مَكِّيَّةٌ وهي ثَمانٍ وسَبْعُونَ آيَةً
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿الرَّحْمَنُ﴾ ﴿عَلَّمَ القُرْآنَ﴾ ﴿خَلَقَ الإنْسانَ﴾ ﴿عَلَّمَهُ البَيانَ﴾ ﴿الشَّمْسُ والقَمَرُ بِحُسْبانٍ﴾ ﴿والنَّجْمُ والشَّجَرُ يَسْجُدانِ﴾ ﴿والسَّماءَ رَفَعَها ووَضَعَ المِيزانَ﴾ [الرحمن: ٧] ﴿ألّا تَطْغَوْا في المِيزانِ﴾ [الرحمن: ٨] ﴿وأقِيمُوا الوَزْنَ بِالقِسْطِ ولا تُخْسِرُوا المِيزانَ﴾ [الرحمن: ٩] ﴿والأرْضَ وضَعَها لِلْأنامِ﴾ [الرحمن: ١٠] ﴿فِيها فاكِهَةٌ والنَّخْلُ ذاتُ الأكْمامِ﴾ [الرحمن: ١١] ﴿والحَبُّ ذُو العَصْفِ والرَّيْحانُ﴾ [الرحمن: ١٢] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ١٣] ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن صَلْصالٍ كالفَخّارِ﴾ [الرحمن: ١٤] ﴿وخَلَقَ الجانَّ مِن مارِجٍ مِن نارٍ﴾ [الرحمن: ١٥] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ١٦] ﴿رَبُّ المَشْرِقَيْنِ ورَبُّ المَغْرِبَيْنِ﴾ [الرحمن: ١٧] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ١٨] ﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ﴾ [الرحمن: ١٩] ﴿بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ﴾ [الرحمن: ٢٠] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٢١] ﴿يَخْرُجُ مِنهُما اللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ﴾ [الرحمن: ٢٢] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٢٣] ﴿ولَهُ الجَوارِي المُنْشَآتُ في البَحْرِ كالأعْلامِ﴾ [الرحمن: ٢٤] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٢٥] ﴿كُلُّ مَن عَلَيْها فانٍ﴾ [الرحمن: ٢٦] ﴿ويَبْقى وجْهُ رَبِّكَ ذُو الجَلالِ والإكْرامِ﴾ [الرحمن: ٢٧] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٢٨] ﴿يَسْألُهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هو في شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٣٠] ﴿سَنَفْرُغُ لَكم أيُّها الثَّقَلانِ﴾ [الرحمن: ٣١] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٣٢] ﴿يا مَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ إنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ تَنْفُذُوا مِن أقْطارِ السَّماواتِ والأرْضِ فانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إلّا بِسُلْطانٍ﴾ [الرحمن: ٣٣] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٣٤] ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِن نارٍ ونُحاسٌ فَلا تَنْتَصِرانِ﴾ [الرحمن: ٣٥] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٣٦] ﴿فَإذا انْشَقَّتِ السَّماءُ فَكانَتْ ورْدَةً كالدِّهانِ﴾ [الرحمن: ٣٧] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٣٨] ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْألُ عَنْ ذَنْبِهِ إنْسٌ ولا جانٌّ﴾ [الرحمن: ٣٩] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٤٠] ﴿يُعْرَفُ المُجْرِمُونَ بِسِيماهم فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي والأقْدامِ﴾ [الرحمن: ٤١] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٤٢] ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِها المُجْرِمُونَ﴾ [الرحمن: ٤٣] ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَها وبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٤] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٤٥] ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ [الرحمن: ٤٦] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٤٧] ﴿ذَواتا أفْنانٍ﴾ [الرحمن: ٤٨] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٤٩] ﴿فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ﴾ [الرحمن: ٥٠] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥١] ﴿فِيهِما مِن كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ﴾ [الرحمن: ٥٢] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥٣] ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِن إسْتَبْرَقٍ وجَنى الجَنَّتَيْنِ دانٍ﴾ [الرحمن: ٥٤] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥٥] ﴿فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾ [الرحمن: ٥٦] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥٧] ﴿كَأنَّهُنَّ الياقُوتُ والمَرْجانُ﴾ [الرحمن: ٥٨] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥٩] ﴿هَلْ جَزاءُ الإحْسانِ إلّا الإحْسانُ﴾ [الرحمن: ٦٠] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦١] ﴿ومِن دُونِهِما جَنَّتانِ﴾ [الرحمن: ٦٢] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٣] ﴿مُدْهامَّتانِ﴾ [الرحمن: ٦٤] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٥] ﴿فِيهِما عَيْنانِ نَضّاخَتانِ﴾ [الرحمن: ٦٦] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٧] ﴿فِيهِما فاكِهَةٌ ونَخْلٌ ورُمّانٌ﴾ [الرحمن: ٦٨] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٩] ﴿فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ﴾ [الرحمن: ٧٠] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٧١] ﴿حُورٌ مَقْصُوراتٌ في الخِيامِ﴾ [الرحمن: ٧٢] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٧٣] ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾ [الرحمن: ٧٤] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٧٥] ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وعَبْقَرِيٍّ حِسانٍ﴾ [الرحمن: ٧٦] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٧٧] ﴿تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الجَلالِ والإكْرامِ﴾ [الرحمن: ٧٨] (p-١٨٥)النَّجْمُ: النَّباتُ الَّذِي لا ساقَ لَهُ، مِن نَجَمَ: أيْ ظَهَرَ وطَلَعَ. الأنامُ: الحَيَوانُ. العَصْفُ: ورَقُ الزَّرْعِ. الرَّيْحانُ: كُلُّ مَشْمُومٍ طَيِّبِ الرِّيحِ مِنَ النَّباتِ. المَرْجانُ: الخَرَزُ الأحْمَرُ، وقِيلَ: صِغارُ الدُّرِّ، واللُّؤْلُؤُ كِبارُهُ، واللُّؤْلُؤُ بِناءٌ غَرِيبٌ. قِيلَ: لا يُحْفَظُ مِنهُ في كَلامِ العَرَبِ أكْثَرُ مِن خَمْسَةٍ؛ اللُّؤْلُؤُ، والجُؤْجُؤُ، والدُّؤْدُؤُ، واليُؤْيُؤُ طائِرٌ، والبُؤْبُؤُ. والنُّفُوذُ: الخُرُوجُ مِنَ الشَّيْءِ بِسُرْعَةٍ. الشُّواظُ: اللَّهَبُ الخالِصُ بِغَيْرِ دُخانٍ. وقالَ حَسّانُ:
؎هَجَوْتُكَ فاخْتَضَعْتُ لَها بِذُلٍّ بِقافِيَةٍ تَأجَّجُ كالشُّواظِ
وقالَ رُؤْبَةُ:
؎ونارُ حَرْبٍ تُسْعِرُ الشُّواظا
وتُضَمُّ شِينُهُ وتُكْسَرُ. النُّحاسُ، قالَ الخَلِيلُ: والنُّحاسُ هو الدُّخانُ الَّذِي لا لَهَبَ لَهُ، وهو مَعْرُوفٌ في كَلامِ العَرَبِ. قالَ نابِغَةُ بَنِي جَعْدَةَ:
؎تُضِيءُ كَضَوْءِ سِراجِ السَّلِيطِ ∗∗∗ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ فِيهِ نُحاسا
وقالَ الكِسائِيُّ: النُّحاسُ هو النّارُ الَّذِي لَهُ رِيحٌ شَدِيدٌ، وقِيلَ: الصُّفْرُ المُذابُ، وتُضَمُّ نُونُهُ وتُكْسَرُ. الوَرْدَةُ: الشَّدِيدَةُ الحُمْرَةِ، يُقالُ: فَرْدٌ ورْدٌ، وحُجْرَةٌ ورْدَةٌ. الدِّهانُ: الجِلْدُ الأحْمَرُ. أنْشَدَ القاضِي مُنْذِرُ بْنُ سَعْدٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ:
؎تَبِعْنَ الدِّهانَ الحُمْرَ كُلَّ عَشِيَّةٍ ∗∗∗ بِمَوْسِمِ بَدْرٍ أوْ بِسُوقِ عُكاظِ
النّاصِيَةُ: مُقَدَّمُ الرَّأْسِ. آنٍ: نِهايَةٌ في الحَرِّ. الأفْنانُ، جَمْعُ فَنَنٍ: وهو الغُصْنُ، أوْ جَمْعُ فَنٍّ: وهو النَّوْعُ. قالَ الشّاعِرُ:
؎ومِن كُلِّ أفْنانِ اللَّذاذَةِ والصِّبى ∗∗∗ لَهَوْتُ بِهِ والعَيْشُ أخْضَرُ ناضِرُ
وقالَ نابِغَةُ بَنِي ذُبْيانَ:
؎بُكاءُ حَمامَةٍ تَدْعُو هَدِيلًا ∗∗∗ مُفْجَعَةٍ عَلى فَنَنٍ تُغَنِّي
الجَنْيُ: ما يُقْطَفُ مِنَ الثَّمَرَةِ، وهو فِعْلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، كالقَبْضِ بِمَعْنى مَقْبُوضٍ. قاصِراتُ الطَّرْفِ: قَصَرَتْ ألْحاظُهُنَّ عَلى أزْواجِهِنَّ. قالَ الشّاعِرُ:
؎مِنَ القاصِراتِ الطَّرْفِ لَوْ دَبَّ مُحْوِلٌ ∗∗∗ مِنَ الذَّرِّ فَوْقَ الإتْبِ مِنها لَأثَّرا
الطَّمْثُ: دَمُ الحَيْضِ ودَمُ الِافْتِضاضِ. الياقُوتُ: حَجَرٌ مَعْرُوفٌ، وقِيلَ: لا تُؤَثِّرُ فِيهِ النّارُ، قالَ الشّاعِرُ:(p-١٨٦)
؎وطالَما أُصْلِيَ الياقُوتُ جَمْرَ غَضى ∗∗∗ ثُمَّ انْطَفى الجَمْرُ والياقُوتُ ياقُوتُ
الِادْهِمامُ: السَّوادُ. النَّضْحُ: فَوَرانُ الماءِ. المَقْصُورَةُ: المَحْبُوسَةُ، ويُقالُ: قَصِيرَةٌ وقَصُورَةٌ: أيْ مُخَدَّرَةٌ. وقالَ كُثَيِّرٌ:
؎وأنْتِ الَّتِي حَبَّبْتِ كُلَّ قَصِيرَةٍ ∗∗∗ إلَيَّ ولَمْ تَشْعُرْ بِذاكَ القَصائِرُ
؎عَنَيْتُ قَصِيراتِ الحِجالِ ولَمْ أُرِدْ ∗∗∗ قِصارَ الخُطا شَرُّ النِّساءِ البَحاتِرُ
الخَيْمَةُ مَعْرُوفَةٌ، وهي بَيْتُ المُرْتَحِلِ مِن خَشَبٍ وتَمامٍ وسائِرِ الحَشِيشِ، وإذا كانَ مَن شَعَرٍ فَهو بَيْتٌ، ولا يُقالُ لَهُ خَيْمَةٌ، ويُجْمَعُ عَلى خِيامٍ وخِيَمٍ. قالَ جَرِيرٌ:
؎مَتى كانَ الخِيامُ بِذِي طُلُوحٍ ∗∗∗ سُقِيتِ الغَيْثَ أيَّتُها الخِيامُ
الرَّفْرَفُ: ما يُدَلّى مِنَ الأسِرَّةِ مِن غالِي الثِّيابِ. وقالَ الجَوْهَرِيُّ: ثِيابٌ خُضْرٌ تُتَّخَذُ مِنها المَجالِسُ، الواحِدَةُ رَفْرَفَةٌ، واشْتِقاقُهُ مِن رَفَّ إذا ارْتَفَعَ، ومِنهُ رَفْرَفَةُ الطّائِرِ لِتَحْرِيكِ جَناحَيْهِ وارْتِفاعِهِ في الهَواءِ، وسُمِّيَ الطّائِرُ رَفْرافًا، ورَفْرَفَ جَناحَيْهِ: حَرَّكَهُما لِيَقَعَ عَلى الشَّيْءِ، ورَفْرَفُ السَّحابِ: هُدْبُهُ. العَبْقَرِيُّ: مَنسُوبٌ إلى عَبْقَرٍ، تَزْعُمُ العَرَبُ أنَّهُ بَلَدُ الجِنِّ، فَيَنْسُبُونَ إلَيْهِ كُلَّ شَيْءٍ عَجِيبٍ. قالَ زُهَيْرٌ:
؎بِخَيْلٍ عَلَيْها جِنَّةٌ عَبْقَرِيَّةٌ ∗∗∗ جَدِيرُونَ يَوْمًا أنْ يَنالُوا فَيَسْتَعْلُوا
وقالَ امْرُؤُ القَيْسِ:
؎كَأنَّ صَلِيلَ المَرْءِ حِينَ تُشِدُّهُ ∗∗∗ صَلِيلُ زُيُوفٍ يُنْتَقَدْنَ بِعَبْقَرا
وقالَ ذُو الرُّمَّةِ:
؎حَتّى كَأنَّ رِياضَ القُفِّ ألْبَسَها ∗∗∗ مِن وشْيِ عَبْقَرٍ تَجْلِيلٌ وتَنْجِيدٌ
وقالَ الخَلِيلُ: العَبْقَرِيُّ: كُلُّ جَلِيلٍ نَفِيسٍ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ وغَيْرِهِمْ. الجَلالُ: العَظَمَةُ. قالَ الشّاعِرُ:
؎خَبَرُ ما قَدْ جاءَنا مُسْتَعْمَلٌ ∗∗∗ جَلَّ حَتّى دَقَّ فِيهِ الأجَلُّ
(p-١٨٧)﴿الرَّحْمَنُ﴾ ﴿عَلَّمَ القُرْآنَ﴾ ﴿خَلَقَ الإنْسانَ﴾ ﴿عَلَّمَهُ البَيانَ﴾ ﴿الشَّمْسُ والقَمَرُ بِحُسْبانٍ﴾ ﴿والنَّجْمُ والشَّجَرُ يَسْجُدانِ﴾ ﴿والسَّماءَ رَفَعَها ووَضَعَ المِيزانَ﴾ [الرحمن: ٧] ﴿ألّا تَطْغَوْا في المِيزانِ﴾ [الرحمن: ٨] ﴿وأقِيمُوا الوَزْنَ بِالقِسْطِ ولا تُخْسِرُوا المِيزانَ﴾ [الرحمن: ٩] ﴿والأرْضَ وضَعَها لِلْأنامِ﴾ [الرحمن: ١٠] ﴿فِيها فاكِهَةٌ والنَّخْلُ ذاتُ الأكْمامِ﴾ [الرحمن: ١١] ﴿والحَبُّ ذُو العَصْفِ والرَّيْحانُ﴾ [الرحمن: ١٢] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ١٣] ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن صَلْصالٍ كالفَخّارِ﴾ [الرحمن: ١٤] ﴿وخَلَقَ الجانَّ مِن مارِجٍ مِن نارٍ﴾ [الرحمن: ١٥] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ١٦] ﴿رَبُّ المَشْرِقَيْنِ ورَبُّ المَغْرِبَيْنِ﴾ [الرحمن: ١٧] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ١٨] ﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ﴾ [الرحمن: ١٩] ﴿بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ﴾ [الرحمن: ٢٠] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٢١] ﴿يَخْرُجُ مِنهُما اللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ﴾ [الرحمن: ٢٢] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٢٣] ﴿ولَهُ الجَوارِي المُنْشَآتُ في البَحْرِ كالأعْلامِ﴾ [الرحمن: ٢٤] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٢٥] ﴿كُلُّ مَن عَلَيْها فانٍ﴾ [الرحمن: ٢٦] ﴿ويَبْقى وجْهُ رَبِّكَ ذُو الجَلالِ والإكْرامِ﴾ [الرحمن: ٢٧] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٢٨] ﴿يَسْألُهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هو في شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٢٨] .
هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الجُمْهُورِ، مَدَنِيَّةٌ في قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ القَوْلانِ، وعَنْهُ: سِوى آيَةٍ هي مَدَنِيَّةٌ، وهي: ﴿يَسْألُهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الرحمن: ٢٩] الآيَةَ. وسَبَبُ نُزُولِها فِيما قالَ مُقاتِلٌ: أنَّهُ لَمّا نَزَلَ ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ﴾ [الفرقان: ٦٠] الآيَةَ، قالُوا: ما نَعْرِفُ الرَّحْمَنَ، (p-١٨٨)فَنَزَلَتْ: ﴿الرَّحْمَنُ﴾ ﴿عَلَّمَ القُرْآنَ﴾ . وقِيلَ: لَمّا قالُوا ﴿إنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [النحل: ١٠٣]، أكْذَبَهُمُ اللَّهُ تَعالى وقالَ: ﴿الرَّحْمَنُ﴾ ﴿عَلَّمَ القُرْآنَ﴾ . وقِيلَ: مَدَنِيَّةٌ نَزَلَتْ، إذْ أبى سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو وغَيْرُهُ أنْ يَكْتُبَ في الصُّلْحِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
ومُناسَبَةُ هَذِهِ السُّورَةِ لِما قَبْلَها: أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ مَقَرَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ ونَهَرٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ، ذَكَرَ شَيْئًا مِن آياتِ المُلْكِ وآثارِ القُدْرَةِ، ثُمَّ ذَكَرَ مَقَرَّ الفَرِيقَيْنِ عَلى جِهَةِ الإسْهابِ، إذْ كانَ في آخِرِ السُّورَةِ ذِكْرُهُ عَلى جِهَةِ الِاخْتِصارِ والإيجازِ. ولَمّا ذَكَرَ قَوْلَهُ: ﴿عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٥٥]، فَأبْرَزَ هاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ بِصُورَةِ التَّنْكِيرِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: مَنِ المُتَّصِفُ بِذَلِكَ ؟ فَقالَ: ﴿الرَّحْمَنُ﴾ ﴿عَلَّمَ القُرْآنَ﴾، فَذَكَرَ ما نَشَأ عَنْ صِفَةِ الرَّحْمَةِ، وهو تَعْلِيمُ القُرْآنِ الَّذِي هو شِفاءٌ لِلْقُلُوبِ. والظّاهِرُ أنَّ ﴿الرَّحْمَنُ﴾ مَرْفُوعٌ عَلى الِابْتِداءِ، (وعَلَّمَ القُرْآنَ) خَبَرُهُ. وقِيلَ: ﴿الرَّحْمَنُ﴾ آيَةٌ بِمُضْمَرٍ، أيِ اللَّهُ الرَّحْمَنُ، أوِ الرَّحْمَنُ رَبُّنا، وذَلِكَ آيَةٌ؛ و﴿عَلَّمَ القُرْآنَ﴾ اسْتِئْنافُ إخْبارٍ. ولَمّا عَدَّدَ نِعَمَهُ تَعالى، بَدَأ مِن نِعَمِهِ بِما هو أعْلى رُتَبِها، وهو تَعْلِيمُ القُرْآنِ، إذْ هو عِمادُ الدِّينِ ونَجاةُ مَنِ اسْتَمْسَكَ بِهِ.
ولَمّا ذَكَرَ تَعْلِيمَ القُرْآنِ ولَمْ يَذْكُرِ المُعَلَّمَ، ذَكَرَهُ بَعْدُ في قَوْلِهِ: ﴿خَلَقَ الإنْسانَ﴾، لِيُعْلَمَ أنَّهُ المَقْصُودُ بِالتَّعْلِيمِ. ولَمّا كانَ خَلْقُهُ مِن أجْلِ الدِّينِ وتَعْلِيمِهِ القُرْآنَ، كانَ كالسَّبَبِ في خَلْقِهِ تَقَدَّمَ عَلى خَلْقِهِ. ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى الوَصْفَ الَّذِي يَتَمَيَّزُ بِهِ الإنْسانُ مِنَ المَنطِقِ المُفْصِحِ عَنِ الضَّمِيرِ، والَّذِي بِهِ يُمْكِنُ قَبُولُ التَّعْلِيمِ، وهو البَيانُ. ألا تَرى أنَّ الأخْرَسَ لا يُمْكِنُ أنْ يَتَعَلَّمَ شَيْئًا مِمّا يُدْرَكُ بِالنُّطْقِ ؟ وعَلَّمَ مُتَعَدِّيَةٌ إلى اثْنَيْنِ، حُذِفَ أوَّلُهُما لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ، وهو جِبْرِيلُ، أوْ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ، أوِ الإنْسانُ، أقْوالٌ. وتَوَهَّمَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ أنَّ المَحْذُوفَ هو المَفْعُولُ الثّانِي، قالَ: فَإنْ قِيلَ: لِمَ تَرَكَ المَفْعُولَ الثّانِيَ ؟ وأجابَ بِأنَّ النِّعْمَةَ في التَّعْلِيمِ، لا في تَعْلِيمِ شَخْصٍ دُونَ شَخْصٍ، كَما يُقالُ: فُلانٌ يُطْعِمُ الطَّعامَ، إشارَةً إلى كَرَمِهِ، ولا يُبَيَّنُ مَن يُطْعِمُهُ. انْتَهى. والمَفْعُولُ الأوَّلُ هو الَّذِي كانَ فاعِلًا قَبْلَ النَّقْلِ بِالتَّضْعِيفِ أوِ الهَمْزَةِ في عَلَّمَ وأطْعَمَ.
وأبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ مَعْنى ﴿عَلَّمَ القُرْآنَ﴾: جَعَلَهُ عَلامَةً وآيَةً يُعْتَبَرُ بِها، وهَذِهِ جُمَلٌ مُتَرادِفَةٌ، أخْبارٌ كُلُّها عَنِ الرَّحْمَنِ، جُعِلَتْ مُسْتَقِلَّةً لَمْ تُعْطَفْ، إذْ هي تَعْدادٌ لِنِعَمِهِ تَعالى. كَما تَقُولُ: زَيْدٌ أحْسَنَ إلَيْكَ، خَوَّلَكَ: أشارَ بِذِكْرِكَ، والإنْسانُ اسْمُ جِنْسٍ. وقالَ قَتادَةُ: الإنْسانُ: آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ. وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: مُحَمَّدٌ، ﷺ . وقالَ ابْنُ زَيْدٍ والجُمْهُورُ: ﴿البَيانَ﴾: المَنطِقُ، والفَهْمُ: الإبانَةُ، وهو الَّذِي فُضِّلَ بِهِ الإنْسانُ عَلى سائِرِ الحَيَوانِ. وقالَ قَتادَةُ: هو بَيانُ الحَلالِ والشَّرائِعِ، وهَذا جُزْءٌ مِنَ البَيانِ العامِّ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: ما يَقُولُ وما يُقالُ لَهُ. وقالَ الضَّحّاكُ: الخَيْرُ والشَّرُّ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: الهُدى. وقالَ يَمانٌ: الكِتابَةُ. ومَن قالَ: الإنْسانُ آدَمُ، فالبَيانُ أسْماءُ كُلِّ شَيْءٍ، أوِ التَّكَلُّمُ بِلُغاتٍ كَثِيرَةٍ أفْضَلُها العَرَبِيَّةُ، أوِ الكَلامُ بَعْدَ أنْ خَلَقَهُ، أوْ عِلْمُ الدُّنْيا والآخِرَةِ، أوِ الِاسْمُ الأعْظَمُ الَّذِي عَلِمَ بِهِ كُلَّ شَيْءٍ، أقْوالٌ، آخِرُها مَنسُوبٌ لِجَعْفَرٍ الصّادِقِ.
ولَمّا ذَكَرَ تَعالى ما أنْعَمَ بِهِ عَلى الإنْسانِ مِن تَعْلِيمِهِ البَيانَ، ذَكَرَ ما امْتَنَّ بِهِ مِن وُجُودِ الشَّمْسِ والقَمَرِ، وما فِيهِما مِنَ المَنافِعِ العَظِيمَةِ لِلْإنْسانِ، إذْ هُما يَجْرِيانِ عَلى حِسابٍ مَعْلُومٍ وتَقْدِيرٍ سَوِيٍّ في بُرُوجِهِما ومَنازِلِهِما. والحُسْبانُ مَصْدَرٌ كالغُفْرانِ، وهو بِمَعْنى الحِسابِ، قالَهُ قَتادَةُ. وقالَ الضَّحّاكُ وأبُو عُبَيْدَةَ: جَمْعُ حِسابٍ، كَشِهابٍ وشُهْبانٍ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو مالِكٍ وقَتادَةُ: لَهُما في طُلُوعِهِما وغُرُوبِهِما وقَطْعِهِما البُرُوجَ وغَيْرِ ذَلِكَ حُسْباناتٌ شَتّى. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: لَوْلا اللَّيْلُ والنَّهارُ لَمْ يَدْرِ أحَدٌ كَيْفَ يَحْسِبُ شَيْئًا يُرِيدُ مِن مَقادِيرِ الزَّمانِ. وقالَ مُجاهِدٌ: الحُسْبانُ: الفَلَكُ المُسْتَدِيرُ، شَبَّهَهُ بِحُسْبانِ الرَّحى، وهو العُودُ المُسْتَدِيرُ الَّذِي بِاسْتِدارَتِهِ تَسْتَدِيرُ المِطْحَنَةُ. وارْتَفَعَ الشَّمْسُ عَلى الِابْتِداءِ وخَبَرُهُ بِحُسْبانٍ، فَأمّا عَلى حَذْفِ، أيْ جَرْيِ الشَّمْسِ والقَمَرِ كائِنٌ بِحُسْبانٍ. وقِيلَ: الخَبَرُ مَحْذُوفٌ، أيْ يَجْرِيانِ بِحُسْبانٍ، وبِحُسْبانٍ مُتَعَلِّقٌ بِـ يَجْرِيانِ، وعَلى قَوْلِ (p-١٨٩)مُجاهِدٍ: تَكُونُ الباءُ في بِحُسْبانٍ ظَرْفِيَّةً، لِأنَّ الحُسْبانَ عِنْدَهُ الفَلَكُ.
الرحمن 55:3
سُورَةُ الرَّحْمَنِ مَكِّيَّةٌ وهي ثَمانٍ وسَبْعُونَ آيَةً
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿الرَّحْمَنُ﴾ ﴿عَلَّمَ القُرْآنَ﴾ ﴿خَلَقَ الإنْسانَ﴾ ﴿عَلَّمَهُ البَيانَ﴾ ﴿الشَّمْسُ والقَمَرُ بِحُسْبانٍ﴾ ﴿والنَّجْمُ والشَّجَرُ يَسْجُدانِ﴾ ﴿والسَّماءَ رَفَعَها ووَضَعَ المِيزانَ﴾ [الرحمن: ٧] ﴿ألّا تَطْغَوْا في المِيزانِ﴾ [الرحمن: ٨] ﴿وأقِيمُوا الوَزْنَ بِالقِسْطِ ولا تُخْسِرُوا المِيزانَ﴾ [الرحمن: ٩] ﴿والأرْضَ وضَعَها لِلْأنامِ﴾ [الرحمن: ١٠] ﴿فِيها فاكِهَةٌ والنَّخْلُ ذاتُ الأكْمامِ﴾ [الرحمن: ١١] ﴿والحَبُّ ذُو العَصْفِ والرَّيْحانُ﴾ [الرحمن: ١٢] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ١٣] ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن صَلْصالٍ كالفَخّارِ﴾ [الرحمن: ١٤] ﴿وخَلَقَ الجانَّ مِن مارِجٍ مِن نارٍ﴾ [الرحمن: ١٥] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ١٦] ﴿رَبُّ المَشْرِقَيْنِ ورَبُّ المَغْرِبَيْنِ﴾ [الرحمن: ١٧] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ١٨] ﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ﴾ [الرحمن: ١٩] ﴿بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ﴾ [الرحمن: ٢٠] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٢١] ﴿يَخْرُجُ مِنهُما اللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ﴾ [الرحمن: ٢٢] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٢٣] ﴿ولَهُ الجَوارِي المُنْشَآتُ في البَحْرِ كالأعْلامِ﴾ [الرحمن: ٢٤] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٢٥] ﴿كُلُّ مَن عَلَيْها فانٍ﴾ [الرحمن: ٢٦] ﴿ويَبْقى وجْهُ رَبِّكَ ذُو الجَلالِ والإكْرامِ﴾ [الرحمن: ٢٧] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٢٨] ﴿يَسْألُهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هو في شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٣٠] ﴿سَنَفْرُغُ لَكم أيُّها الثَّقَلانِ﴾ [الرحمن: ٣١] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٣٢] ﴿يا مَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ إنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ تَنْفُذُوا مِن أقْطارِ السَّماواتِ والأرْضِ فانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إلّا بِسُلْطانٍ﴾ [الرحمن: ٣٣] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٣٤] ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِن نارٍ ونُحاسٌ فَلا تَنْتَصِرانِ﴾ [الرحمن: ٣٥] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٣٦] ﴿فَإذا انْشَقَّتِ السَّماءُ فَكانَتْ ورْدَةً كالدِّهانِ﴾ [الرحمن: ٣٧] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٣٨] ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْألُ عَنْ ذَنْبِهِ إنْسٌ ولا جانٌّ﴾ [الرحمن: ٣٩] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٤٠] ﴿يُعْرَفُ المُجْرِمُونَ بِسِيماهم فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي والأقْدامِ﴾ [الرحمن: ٤١] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٤٢] ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِها المُجْرِمُونَ﴾ [الرحمن: ٤٣] ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَها وبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٤] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٤٥] ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ [الرحمن: ٤٦] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٤٧] ﴿ذَواتا أفْنانٍ﴾ [الرحمن: ٤٨] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٤٩] ﴿فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ﴾ [الرحمن: ٥٠] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥١] ﴿فِيهِما مِن كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ﴾ [الرحمن: ٥٢] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥٣] ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِن إسْتَبْرَقٍ وجَنى الجَنَّتَيْنِ دانٍ﴾ [الرحمن: ٥٤] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥٥] ﴿فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾ [الرحمن: ٥٦] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥٧] ﴿كَأنَّهُنَّ الياقُوتُ والمَرْجانُ﴾ [الرحمن: ٥٨] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥٩] ﴿هَلْ جَزاءُ الإحْسانِ إلّا الإحْسانُ﴾ [الرحمن: ٦٠] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦١] ﴿ومِن دُونِهِما جَنَّتانِ﴾ [الرحمن: ٦٢] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٣] ﴿مُدْهامَّتانِ﴾ [الرحمن: ٦٤] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٥] ﴿فِيهِما عَيْنانِ نَضّاخَتانِ﴾ [الرحمن: ٦٦] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٧] ﴿فِيهِما فاكِهَةٌ ونَخْلٌ ورُمّانٌ﴾ [الرحمن: ٦٨] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٩] ﴿فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ﴾ [الرحمن: ٧٠] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٧١] ﴿حُورٌ مَقْصُوراتٌ في الخِيامِ﴾ [الرحمن: ٧٢] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٧٣] ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾ [الرحمن: ٧٤] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٧٥] ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وعَبْقَرِيٍّ حِسانٍ﴾ [الرحمن: ٧٦] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٧٧] ﴿تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الجَلالِ والإكْرامِ﴾ [الرحمن: ٧٨] (p-١٨٥)النَّجْمُ: النَّباتُ الَّذِي لا ساقَ لَهُ، مِن نَجَمَ: أيْ ظَهَرَ وطَلَعَ. الأنامُ: الحَيَوانُ. العَصْفُ: ورَقُ الزَّرْعِ. الرَّيْحانُ: كُلُّ مَشْمُومٍ طَيِّبِ الرِّيحِ مِنَ النَّباتِ. المَرْجانُ: الخَرَزُ الأحْمَرُ، وقِيلَ: صِغارُ الدُّرِّ، واللُّؤْلُؤُ كِبارُهُ، واللُّؤْلُؤُ بِناءٌ غَرِيبٌ. قِيلَ: لا يُحْفَظُ مِنهُ في كَلامِ العَرَبِ أكْثَرُ مِن خَمْسَةٍ؛ اللُّؤْلُؤُ، والجُؤْجُؤُ، والدُّؤْدُؤُ، واليُؤْيُؤُ طائِرٌ، والبُؤْبُؤُ. والنُّفُوذُ: الخُرُوجُ مِنَ الشَّيْءِ بِسُرْعَةٍ. الشُّواظُ: اللَّهَبُ الخالِصُ بِغَيْرِ دُخانٍ. وقالَ حَسّانُ:
؎هَجَوْتُكَ فاخْتَضَعْتُ لَها بِذُلٍّ بِقافِيَةٍ تَأجَّجُ كالشُّواظِ
وقالَ رُؤْبَةُ:
؎ونارُ حَرْبٍ تُسْعِرُ الشُّواظا
وتُضَمُّ شِينُهُ وتُكْسَرُ. النُّحاسُ، قالَ الخَلِيلُ: والنُّحاسُ هو الدُّخانُ الَّذِي لا لَهَبَ لَهُ، وهو مَعْرُوفٌ في كَلامِ العَرَبِ. قالَ نابِغَةُ بَنِي جَعْدَةَ:
؎تُضِيءُ كَضَوْءِ سِراجِ السَّلِيطِ ∗∗∗ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ فِيهِ نُحاسا
وقالَ الكِسائِيُّ: النُّحاسُ هو النّارُ الَّذِي لَهُ رِيحٌ شَدِيدٌ، وقِيلَ: الصُّفْرُ المُذابُ، وتُضَمُّ نُونُهُ وتُكْسَرُ. الوَرْدَةُ: الشَّدِيدَةُ الحُمْرَةِ، يُقالُ: فَرْدٌ ورْدٌ، وحُجْرَةٌ ورْدَةٌ. الدِّهانُ: الجِلْدُ الأحْمَرُ. أنْشَدَ القاضِي مُنْذِرُ بْنُ سَعْدٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ:
؎تَبِعْنَ الدِّهانَ الحُمْرَ كُلَّ عَشِيَّةٍ ∗∗∗ بِمَوْسِمِ بَدْرٍ أوْ بِسُوقِ عُكاظِ
النّاصِيَةُ: مُقَدَّمُ الرَّأْسِ. آنٍ: نِهايَةٌ في الحَرِّ. الأفْنانُ، جَمْعُ فَنَنٍ: وهو الغُصْنُ، أوْ جَمْعُ فَنٍّ: وهو النَّوْعُ. قالَ الشّاعِرُ:
؎ومِن كُلِّ أفْنانِ اللَّذاذَةِ والصِّبى ∗∗∗ لَهَوْتُ بِهِ والعَيْشُ أخْضَرُ ناضِرُ
وقالَ نابِغَةُ بَنِي ذُبْيانَ:
؎بُكاءُ حَمامَةٍ تَدْعُو هَدِيلًا ∗∗∗ مُفْجَعَةٍ عَلى فَنَنٍ تُغَنِّي
الجَنْيُ: ما يُقْطَفُ مِنَ الثَّمَرَةِ، وهو فِعْلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، كالقَبْضِ بِمَعْنى مَقْبُوضٍ. قاصِراتُ الطَّرْفِ: قَصَرَتْ ألْحاظُهُنَّ عَلى أزْواجِهِنَّ. قالَ الشّاعِرُ:
؎مِنَ القاصِراتِ الطَّرْفِ لَوْ دَبَّ مُحْوِلٌ ∗∗∗ مِنَ الذَّرِّ فَوْقَ الإتْبِ مِنها لَأثَّرا
الطَّمْثُ: دَمُ الحَيْضِ ودَمُ الِافْتِضاضِ. الياقُوتُ: حَجَرٌ مَعْرُوفٌ، وقِيلَ: لا تُؤَثِّرُ فِيهِ النّارُ، قالَ الشّاعِرُ:(p-١٨٦)
؎وطالَما أُصْلِيَ الياقُوتُ جَمْرَ غَضى ∗∗∗ ثُمَّ انْطَفى الجَمْرُ والياقُوتُ ياقُوتُ
الِادْهِمامُ: السَّوادُ. النَّضْحُ: فَوَرانُ الماءِ. المَقْصُورَةُ: المَحْبُوسَةُ، ويُقالُ: قَصِيرَةٌ وقَصُورَةٌ: أيْ مُخَدَّرَةٌ. وقالَ كُثَيِّرٌ:
؎وأنْتِ الَّتِي حَبَّبْتِ كُلَّ قَصِيرَةٍ ∗∗∗ إلَيَّ ولَمْ تَشْعُرْ بِذاكَ القَصائِرُ
؎عَنَيْتُ قَصِيراتِ الحِجالِ ولَمْ أُرِدْ ∗∗∗ قِصارَ الخُطا شَرُّ النِّساءِ البَحاتِرُ
الخَيْمَةُ مَعْرُوفَةٌ، وهي بَيْتُ المُرْتَحِلِ مِن خَشَبٍ وتَمامٍ وسائِرِ الحَشِيشِ، وإذا كانَ مَن شَعَرٍ فَهو بَيْتٌ، ولا يُقالُ لَهُ خَيْمَةٌ، ويُجْمَعُ عَلى خِيامٍ وخِيَمٍ. قالَ جَرِيرٌ:
؎مَتى كانَ الخِيامُ بِذِي طُلُوحٍ ∗∗∗ سُقِيتِ الغَيْثَ أيَّتُها الخِيامُ
الرَّفْرَفُ: ما يُدَلّى مِنَ الأسِرَّةِ مِن غالِي الثِّيابِ. وقالَ الجَوْهَرِيُّ: ثِيابٌ خُضْرٌ تُتَّخَذُ مِنها المَجالِسُ، الواحِدَةُ رَفْرَفَةٌ، واشْتِقاقُهُ مِن رَفَّ إذا ارْتَفَعَ، ومِنهُ رَفْرَفَةُ الطّائِرِ لِتَحْرِيكِ جَناحَيْهِ وارْتِفاعِهِ في الهَواءِ، وسُمِّيَ الطّائِرُ رَفْرافًا، ورَفْرَفَ جَناحَيْهِ: حَرَّكَهُما لِيَقَعَ عَلى الشَّيْءِ، ورَفْرَفُ السَّحابِ: هُدْبُهُ. العَبْقَرِيُّ: مَنسُوبٌ إلى عَبْقَرٍ، تَزْعُمُ العَرَبُ أنَّهُ بَلَدُ الجِنِّ، فَيَنْسُبُونَ إلَيْهِ كُلَّ شَيْءٍ عَجِيبٍ. قالَ زُهَيْرٌ:
؎بِخَيْلٍ عَلَيْها جِنَّةٌ عَبْقَرِيَّةٌ ∗∗∗ جَدِيرُونَ يَوْمًا أنْ يَنالُوا فَيَسْتَعْلُوا
وقالَ امْرُؤُ القَيْسِ:
؎كَأنَّ صَلِيلَ المَرْءِ حِينَ تُشِدُّهُ ∗∗∗ صَلِيلُ زُيُوفٍ يُنْتَقَدْنَ بِعَبْقَرا
وقالَ ذُو الرُّمَّةِ:
؎حَتّى كَأنَّ رِياضَ القُفِّ ألْبَسَها ∗∗∗ مِن وشْيِ عَبْقَرٍ تَجْلِيلٌ وتَنْجِيدٌ
وقالَ الخَلِيلُ: العَبْقَرِيُّ: كُلُّ جَلِيلٍ نَفِيسٍ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ وغَيْرِهِمْ. الجَلالُ: العَظَمَةُ. قالَ الشّاعِرُ:
؎خَبَرُ ما قَدْ جاءَنا مُسْتَعْمَلٌ ∗∗∗ جَلَّ حَتّى دَقَّ فِيهِ الأجَلُّ
(p-١٨٧)﴿الرَّحْمَنُ﴾ ﴿عَلَّمَ القُرْآنَ﴾ ﴿خَلَقَ الإنْسانَ﴾ ﴿عَلَّمَهُ البَيانَ﴾ ﴿الشَّمْسُ والقَمَرُ بِحُسْبانٍ﴾ ﴿والنَّجْمُ والشَّجَرُ يَسْجُدانِ﴾ ﴿والسَّماءَ رَفَعَها ووَضَعَ المِيزانَ﴾ [الرحمن: ٧] ﴿ألّا تَطْغَوْا في المِيزانِ﴾ [الرحمن: ٨] ﴿وأقِيمُوا الوَزْنَ بِالقِسْطِ ولا تُخْسِرُوا المِيزانَ﴾ [الرحمن: ٩] ﴿والأرْضَ وضَعَها لِلْأنامِ﴾ [الرحمن: ١٠] ﴿فِيها فاكِهَةٌ والنَّخْلُ ذاتُ الأكْمامِ﴾ [الرحمن: ١١] ﴿والحَبُّ ذُو العَصْفِ والرَّيْحانُ﴾ [الرحمن: ١٢] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ١٣] ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن صَلْصالٍ كالفَخّارِ﴾ [الرحمن: ١٤] ﴿وخَلَقَ الجانَّ مِن مارِجٍ مِن نارٍ﴾ [الرحمن: ١٥] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ١٦] ﴿رَبُّ المَشْرِقَيْنِ ورَبُّ المَغْرِبَيْنِ﴾ [الرحمن: ١٧] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ١٨] ﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ﴾ [الرحمن: ١٩] ﴿بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ﴾ [الرحمن: ٢٠] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٢١] ﴿يَخْرُجُ مِنهُما اللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ﴾ [الرحمن: ٢٢] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٢٣] ﴿ولَهُ الجَوارِي المُنْشَآتُ في البَحْرِ كالأعْلامِ﴾ [الرحمن: ٢٤] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٢٥] ﴿كُلُّ مَن عَلَيْها فانٍ﴾ [الرحمن: ٢٦] ﴿ويَبْقى وجْهُ رَبِّكَ ذُو الجَلالِ والإكْرامِ﴾ [الرحمن: ٢٧] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٢٨] ﴿يَسْألُهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هو في شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٢٨] .
هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الجُمْهُورِ، مَدَنِيَّةٌ في قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ القَوْلانِ، وعَنْهُ: سِوى آيَةٍ هي مَدَنِيَّةٌ، وهي: ﴿يَسْألُهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الرحمن: ٢٩] الآيَةَ. وسَبَبُ نُزُولِها فِيما قالَ مُقاتِلٌ: أنَّهُ لَمّا نَزَلَ ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ﴾ [الفرقان: ٦٠] الآيَةَ، قالُوا: ما نَعْرِفُ الرَّحْمَنَ، (p-١٨٨)فَنَزَلَتْ: ﴿الرَّحْمَنُ﴾ ﴿عَلَّمَ القُرْآنَ﴾ . وقِيلَ: لَمّا قالُوا ﴿إنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [النحل: ١٠٣]، أكْذَبَهُمُ اللَّهُ تَعالى وقالَ: ﴿الرَّحْمَنُ﴾ ﴿عَلَّمَ القُرْآنَ﴾ . وقِيلَ: مَدَنِيَّةٌ نَزَلَتْ، إذْ أبى سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو وغَيْرُهُ أنْ يَكْتُبَ في الصُّلْحِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
ومُناسَبَةُ هَذِهِ السُّورَةِ لِما قَبْلَها: أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ مَقَرَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ ونَهَرٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ، ذَكَرَ شَيْئًا مِن آياتِ المُلْكِ وآثارِ القُدْرَةِ، ثُمَّ ذَكَرَ مَقَرَّ الفَرِيقَيْنِ عَلى جِهَةِ الإسْهابِ، إذْ كانَ في آخِرِ السُّورَةِ ذِكْرُهُ عَلى جِهَةِ الِاخْتِصارِ والإيجازِ. ولَمّا ذَكَرَ قَوْلَهُ: ﴿عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٥٥]، فَأبْرَزَ هاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ بِصُورَةِ التَّنْكِيرِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: مَنِ المُتَّصِفُ بِذَلِكَ ؟ فَقالَ: ﴿الرَّحْمَنُ﴾ ﴿عَلَّمَ القُرْآنَ﴾، فَذَكَرَ ما نَشَأ عَنْ صِفَةِ الرَّحْمَةِ، وهو تَعْلِيمُ القُرْآنِ الَّذِي هو شِفاءٌ لِلْقُلُوبِ. والظّاهِرُ أنَّ ﴿الرَّحْمَنُ﴾ مَرْفُوعٌ عَلى الِابْتِداءِ، (وعَلَّمَ القُرْآنَ) خَبَرُهُ. وقِيلَ: ﴿الرَّحْمَنُ﴾ آيَةٌ بِمُضْمَرٍ، أيِ اللَّهُ الرَّحْمَنُ، أوِ الرَّحْمَنُ رَبُّنا، وذَلِكَ آيَةٌ؛ و﴿عَلَّمَ القُرْآنَ﴾ اسْتِئْنافُ إخْبارٍ. ولَمّا عَدَّدَ نِعَمَهُ تَعالى، بَدَأ مِن نِعَمِهِ بِما هو أعْلى رُتَبِها، وهو تَعْلِيمُ القُرْآنِ، إذْ هو عِمادُ الدِّينِ ونَجاةُ مَنِ اسْتَمْسَكَ بِهِ.
ولَمّا ذَكَرَ تَعْلِيمَ القُرْآنِ ولَمْ يَذْكُرِ المُعَلَّمَ، ذَكَرَهُ بَعْدُ في قَوْلِهِ: ﴿خَلَقَ الإنْسانَ﴾، لِيُعْلَمَ أنَّهُ المَقْصُودُ بِالتَّعْلِيمِ. ولَمّا كانَ خَلْقُهُ مِن أجْلِ الدِّينِ وتَعْلِيمِهِ القُرْآنَ، كانَ كالسَّبَبِ في خَلْقِهِ تَقَدَّمَ عَلى خَلْقِهِ. ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى الوَصْفَ الَّذِي يَتَمَيَّزُ بِهِ الإنْسانُ مِنَ المَنطِقِ المُفْصِحِ عَنِ الضَّمِيرِ، والَّذِي بِهِ يُمْكِنُ قَبُولُ التَّعْلِيمِ، وهو البَيانُ. ألا تَرى أنَّ الأخْرَسَ لا يُمْكِنُ أنْ يَتَعَلَّمَ شَيْئًا مِمّا يُدْرَكُ بِالنُّطْقِ ؟ وعَلَّمَ مُتَعَدِّيَةٌ إلى اثْنَيْنِ، حُذِفَ أوَّلُهُما لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ، وهو جِبْرِيلُ، أوْ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ، أوِ الإنْسانُ، أقْوالٌ. وتَوَهَّمَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ أنَّ المَحْذُوفَ هو المَفْعُولُ الثّانِي، قالَ: فَإنْ قِيلَ: لِمَ تَرَكَ المَفْعُولَ الثّانِيَ ؟ وأجابَ بِأنَّ النِّعْمَةَ في التَّعْلِيمِ، لا في تَعْلِيمِ شَخْصٍ دُونَ شَخْصٍ، كَما يُقالُ: فُلانٌ يُطْعِمُ الطَّعامَ، إشارَةً إلى كَرَمِهِ، ولا يُبَيَّنُ مَن يُطْعِمُهُ. انْتَهى. والمَفْعُولُ الأوَّلُ هو الَّذِي كانَ فاعِلًا قَبْلَ النَّقْلِ بِالتَّضْعِيفِ أوِ الهَمْزَةِ في عَلَّمَ وأطْعَمَ.
وأبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ مَعْنى ﴿عَلَّمَ القُرْآنَ﴾: جَعَلَهُ عَلامَةً وآيَةً يُعْتَبَرُ بِها، وهَذِهِ جُمَلٌ مُتَرادِفَةٌ، أخْبارٌ كُلُّها عَنِ الرَّحْمَنِ، جُعِلَتْ مُسْتَقِلَّةً لَمْ تُعْطَفْ، إذْ هي تَعْدادٌ لِنِعَمِهِ تَعالى. كَما تَقُولُ: زَيْدٌ أحْسَنَ إلَيْكَ، خَوَّلَكَ: أشارَ بِذِكْرِكَ، والإنْسانُ اسْمُ جِنْسٍ. وقالَ قَتادَةُ: الإنْسانُ: آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ. وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: مُحَمَّدٌ، ﷺ . وقالَ ابْنُ زَيْدٍ والجُمْهُورُ: ﴿البَيانَ﴾: المَنطِقُ، والفَهْمُ: الإبانَةُ، وهو الَّذِي فُضِّلَ بِهِ الإنْسانُ عَلى سائِرِ الحَيَوانِ. وقالَ قَتادَةُ: هو بَيانُ الحَلالِ والشَّرائِعِ، وهَذا جُزْءٌ مِنَ البَيانِ العامِّ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: ما يَقُولُ وما يُقالُ لَهُ. وقالَ الضَّحّاكُ: الخَيْرُ والشَّرُّ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: الهُدى. وقالَ يَمانٌ: الكِتابَةُ. ومَن قالَ: الإنْسانُ آدَمُ، فالبَيانُ أسْماءُ كُلِّ شَيْءٍ، أوِ التَّكَلُّمُ بِلُغاتٍ كَثِيرَةٍ أفْضَلُها العَرَبِيَّةُ، أوِ الكَلامُ بَعْدَ أنْ خَلَقَهُ، أوْ عِلْمُ الدُّنْيا والآخِرَةِ، أوِ الِاسْمُ الأعْظَمُ الَّذِي عَلِمَ بِهِ كُلَّ شَيْءٍ، أقْوالٌ، آخِرُها مَنسُوبٌ لِجَعْفَرٍ الصّادِقِ.
ولَمّا ذَكَرَ تَعالى ما أنْعَمَ بِهِ عَلى الإنْسانِ مِن تَعْلِيمِهِ البَيانَ، ذَكَرَ ما امْتَنَّ بِهِ مِن وُجُودِ الشَّمْسِ والقَمَرِ، وما فِيهِما مِنَ المَنافِعِ العَظِيمَةِ لِلْإنْسانِ، إذْ هُما يَجْرِيانِ عَلى حِسابٍ مَعْلُومٍ وتَقْدِيرٍ سَوِيٍّ في بُرُوجِهِما ومَنازِلِهِما. والحُسْبانُ مَصْدَرٌ كالغُفْرانِ، وهو بِمَعْنى الحِسابِ، قالَهُ قَتادَةُ. وقالَ الضَّحّاكُ وأبُو عُبَيْدَةَ: جَمْعُ حِسابٍ، كَشِهابٍ وشُهْبانٍ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو مالِكٍ وقَتادَةُ: لَهُما في طُلُوعِهِما وغُرُوبِهِما وقَطْعِهِما البُرُوجَ وغَيْرِ ذَلِكَ حُسْباناتٌ شَتّى. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: لَوْلا اللَّيْلُ والنَّهارُ لَمْ يَدْرِ أحَدٌ كَيْفَ يَحْسِبُ شَيْئًا يُرِيدُ مِن مَقادِيرِ الزَّمانِ. وقالَ مُجاهِدٌ: الحُسْبانُ: الفَلَكُ المُسْتَدِيرُ، شَبَّهَهُ بِحُسْبانِ الرَّحى، وهو العُودُ المُسْتَدِيرُ الَّذِي بِاسْتِدارَتِهِ تَسْتَدِيرُ المِطْحَنَةُ. وارْتَفَعَ الشَّمْسُ عَلى الِابْتِداءِ وخَبَرُهُ بِحُسْبانٍ، فَأمّا عَلى حَذْفِ، أيْ جَرْيِ الشَّمْسِ والقَمَرِ كائِنٌ بِحُسْبانٍ. وقِيلَ: الخَبَرُ مَحْذُوفٌ، أيْ يَجْرِيانِ بِحُسْبانٍ، وبِحُسْبانٍ مُتَعَلِّقٌ بِـ يَجْرِيانِ، وعَلى قَوْلِ (p-١٨٩)مُجاهِدٍ: تَكُونُ الباءُ في بِحُسْبانٍ ظَرْفِيَّةً، لِأنَّ الحُسْبانَ عِنْدَهُ الفَلَكُ.
الرحمن 55:4
سُورَةُ الرَّحْمَنِ مَكِّيَّةٌ وهي ثَمانٍ وسَبْعُونَ آيَةً
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿الرَّحْمَنُ﴾ ﴿عَلَّمَ القُرْآنَ﴾ ﴿خَلَقَ الإنْسانَ﴾ ﴿عَلَّمَهُ البَيانَ﴾ ﴿الشَّمْسُ والقَمَرُ بِحُسْبانٍ﴾ ﴿والنَّجْمُ والشَّجَرُ يَسْجُدانِ﴾ ﴿والسَّماءَ رَفَعَها ووَضَعَ المِيزانَ﴾ [الرحمن: ٧] ﴿ألّا تَطْغَوْا في المِيزانِ﴾ [الرحمن: ٨] ﴿وأقِيمُوا الوَزْنَ بِالقِسْطِ ولا تُخْسِرُوا المِيزانَ﴾ [الرحمن: ٩] ﴿والأرْضَ وضَعَها لِلْأنامِ﴾ [الرحمن: ١٠] ﴿فِيها فاكِهَةٌ والنَّخْلُ ذاتُ الأكْمامِ﴾ [الرحمن: ١١] ﴿والحَبُّ ذُو العَصْفِ والرَّيْحانُ﴾ [الرحمن: ١٢] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ١٣] ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن صَلْصالٍ كالفَخّارِ﴾ [الرحمن: ١٤] ﴿وخَلَقَ الجانَّ مِن مارِجٍ مِن نارٍ﴾ [الرحمن: ١٥] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ١٦] ﴿رَبُّ المَشْرِقَيْنِ ورَبُّ المَغْرِبَيْنِ﴾ [الرحمن: ١٧] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ١٨] ﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ﴾ [الرحمن: ١٩] ﴿بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ﴾ [الرحمن: ٢٠] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٢١] ﴿يَخْرُجُ مِنهُما اللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ﴾ [الرحمن: ٢٢] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٢٣] ﴿ولَهُ الجَوارِي المُنْشَآتُ في البَحْرِ كالأعْلامِ﴾ [الرحمن: ٢٤] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٢٥] ﴿كُلُّ مَن عَلَيْها فانٍ﴾ [الرحمن: ٢٦] ﴿ويَبْقى وجْهُ رَبِّكَ ذُو الجَلالِ والإكْرامِ﴾ [الرحمن: ٢٧] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٢٨] ﴿يَسْألُهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هو في شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٣٠] ﴿سَنَفْرُغُ لَكم أيُّها الثَّقَلانِ﴾ [الرحمن: ٣١] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٣٢] ﴿يا مَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ إنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ تَنْفُذُوا مِن أقْطارِ السَّماواتِ والأرْضِ فانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إلّا بِسُلْطانٍ﴾ [الرحمن: ٣٣] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٣٤] ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِن نارٍ ونُحاسٌ فَلا تَنْتَصِرانِ﴾ [الرحمن: ٣٥] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٣٦] ﴿فَإذا انْشَقَّتِ السَّماءُ فَكانَتْ ورْدَةً كالدِّهانِ﴾ [الرحمن: ٣٧] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٣٨] ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْألُ عَنْ ذَنْبِهِ إنْسٌ ولا جانٌّ﴾ [الرحمن: ٣٩] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٤٠] ﴿يُعْرَفُ المُجْرِمُونَ بِسِيماهم فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي والأقْدامِ﴾ [الرحمن: ٤١] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٤٢] ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِها المُجْرِمُونَ﴾ [الرحمن: ٤٣] ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَها وبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٤] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٤٥] ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ [الرحمن: ٤٦] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٤٧] ﴿ذَواتا أفْنانٍ﴾ [الرحمن: ٤٨] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٤٩] ﴿فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ﴾ [الرحمن: ٥٠] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥١] ﴿فِيهِما مِن كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ﴾ [الرحمن: ٥٢] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥٣] ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِن إسْتَبْرَقٍ وجَنى الجَنَّتَيْنِ دانٍ﴾ [الرحمن: ٥٤] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥٥] ﴿فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾ [الرحمن: ٥٦] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥٧] ﴿كَأنَّهُنَّ الياقُوتُ والمَرْجانُ﴾ [الرحمن: ٥٨] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥٩] ﴿هَلْ جَزاءُ الإحْسانِ إلّا الإحْسانُ﴾ [الرحمن: ٦٠] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦١] ﴿ومِن دُونِهِما جَنَّتانِ﴾ [الرحمن: ٦٢] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٣] ﴿مُدْهامَّتانِ﴾ [الرحمن: ٦٤] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٥] ﴿فِيهِما عَيْنانِ نَضّاخَتانِ﴾ [الرحمن: ٦٦] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٧] ﴿فِيهِما فاكِهَةٌ ونَخْلٌ ورُمّانٌ﴾ [الرحمن: ٦٨] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٩] ﴿فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ﴾ [الرحمن: ٧٠] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٧١] ﴿حُورٌ مَقْصُوراتٌ في الخِيامِ﴾ [الرحمن: ٧٢] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٧٣] ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾ [الرحمن: ٧٤] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٧٥] ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وعَبْقَرِيٍّ حِسانٍ﴾ [الرحمن: ٧٦] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٧٧] ﴿تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الجَلالِ والإكْرامِ﴾ [الرحمن: ٧٨] (p-١٨٥)النَّجْمُ: النَّباتُ الَّذِي لا ساقَ لَهُ، مِن نَجَمَ: أيْ ظَهَرَ وطَلَعَ. الأنامُ: الحَيَوانُ. العَصْفُ: ورَقُ الزَّرْعِ. الرَّيْحانُ: كُلُّ مَشْمُومٍ طَيِّبِ الرِّيحِ مِنَ النَّباتِ. المَرْجانُ: الخَرَزُ الأحْمَرُ، وقِيلَ: صِغارُ الدُّرِّ، واللُّؤْلُؤُ كِبارُهُ، واللُّؤْلُؤُ بِناءٌ غَرِيبٌ. قِيلَ: لا يُحْفَظُ مِنهُ في كَلامِ العَرَبِ أكْثَرُ مِن خَمْسَةٍ؛ اللُّؤْلُؤُ، والجُؤْجُؤُ، والدُّؤْدُؤُ، واليُؤْيُؤُ طائِرٌ، والبُؤْبُؤُ. والنُّفُوذُ: الخُرُوجُ مِنَ الشَّيْءِ بِسُرْعَةٍ. الشُّواظُ: اللَّهَبُ الخالِصُ بِغَيْرِ دُخانٍ. وقالَ حَسّانُ:
؎هَجَوْتُكَ فاخْتَضَعْتُ لَها بِذُلٍّ بِقافِيَةٍ تَأجَّجُ كالشُّواظِ
وقالَ رُؤْبَةُ:
؎ونارُ حَرْبٍ تُسْعِرُ الشُّواظا
وتُضَمُّ شِينُهُ وتُكْسَرُ. النُّحاسُ، قالَ الخَلِيلُ: والنُّحاسُ هو الدُّخانُ الَّذِي لا لَهَبَ لَهُ، وهو مَعْرُوفٌ في كَلامِ العَرَبِ. قالَ نابِغَةُ بَنِي جَعْدَةَ:
؎تُضِيءُ كَضَوْءِ سِراجِ السَّلِيطِ ∗∗∗ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ فِيهِ نُحاسا
وقالَ الكِسائِيُّ: النُّحاسُ هو النّارُ الَّذِي لَهُ رِيحٌ شَدِيدٌ، وقِيلَ: الصُّفْرُ المُذابُ، وتُضَمُّ نُونُهُ وتُكْسَرُ. الوَرْدَةُ: الشَّدِيدَةُ الحُمْرَةِ، يُقالُ: فَرْدٌ ورْدٌ، وحُجْرَةٌ ورْدَةٌ. الدِّهانُ: الجِلْدُ الأحْمَرُ. أنْشَدَ القاضِي مُنْذِرُ بْنُ سَعْدٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ:
؎تَبِعْنَ الدِّهانَ الحُمْرَ كُلَّ عَشِيَّةٍ ∗∗∗ بِمَوْسِمِ بَدْرٍ أوْ بِسُوقِ عُكاظِ
النّاصِيَةُ: مُقَدَّمُ الرَّأْسِ. آنٍ: نِهايَةٌ في الحَرِّ. الأفْنانُ، جَمْعُ فَنَنٍ: وهو الغُصْنُ، أوْ جَمْعُ فَنٍّ: وهو النَّوْعُ. قالَ الشّاعِرُ:
؎ومِن كُلِّ أفْنانِ اللَّذاذَةِ والصِّبى ∗∗∗ لَهَوْتُ بِهِ والعَيْشُ أخْضَرُ ناضِرُ
وقالَ نابِغَةُ بَنِي ذُبْيانَ:
؎بُكاءُ حَمامَةٍ تَدْعُو هَدِيلًا ∗∗∗ مُفْجَعَةٍ عَلى فَنَنٍ تُغَنِّي
الجَنْيُ: ما يُقْطَفُ مِنَ الثَّمَرَةِ، وهو فِعْلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، كالقَبْضِ بِمَعْنى مَقْبُوضٍ. قاصِراتُ الطَّرْفِ: قَصَرَتْ ألْحاظُهُنَّ عَلى أزْواجِهِنَّ. قالَ الشّاعِرُ:
؎مِنَ القاصِراتِ الطَّرْفِ لَوْ دَبَّ مُحْوِلٌ ∗∗∗ مِنَ الذَّرِّ فَوْقَ الإتْبِ مِنها لَأثَّرا
الطَّمْثُ: دَمُ الحَيْضِ ودَمُ الِافْتِضاضِ. الياقُوتُ: حَجَرٌ مَعْرُوفٌ، وقِيلَ: لا تُؤَثِّرُ فِيهِ النّارُ، قالَ الشّاعِرُ:(p-١٨٦)
؎وطالَما أُصْلِيَ الياقُوتُ جَمْرَ غَضى ∗∗∗ ثُمَّ انْطَفى الجَمْرُ والياقُوتُ ياقُوتُ
الِادْهِمامُ: السَّوادُ. النَّضْحُ: فَوَرانُ الماءِ. المَقْصُورَةُ: المَحْبُوسَةُ، ويُقالُ: قَصِيرَةٌ وقَصُورَةٌ: أيْ مُخَدَّرَةٌ. وقالَ كُثَيِّرٌ:
؎وأنْتِ الَّتِي حَبَّبْتِ كُلَّ قَصِيرَةٍ ∗∗∗ إلَيَّ ولَمْ تَشْعُرْ بِذاكَ القَصائِرُ
؎عَنَيْتُ قَصِيراتِ الحِجالِ ولَمْ أُرِدْ ∗∗∗ قِصارَ الخُطا شَرُّ النِّساءِ البَحاتِرُ
الخَيْمَةُ مَعْرُوفَةٌ، وهي بَيْتُ المُرْتَحِلِ مِن خَشَبٍ وتَمامٍ وسائِرِ الحَشِيشِ، وإذا كانَ مَن شَعَرٍ فَهو بَيْتٌ، ولا يُقالُ لَهُ خَيْمَةٌ، ويُجْمَعُ عَلى خِيامٍ وخِيَمٍ. قالَ جَرِيرٌ:
؎مَتى كانَ الخِيامُ بِذِي طُلُوحٍ ∗∗∗ سُقِيتِ الغَيْثَ أيَّتُها الخِيامُ
الرَّفْرَفُ: ما يُدَلّى مِنَ الأسِرَّةِ مِن غالِي الثِّيابِ. وقالَ الجَوْهَرِيُّ: ثِيابٌ خُضْرٌ تُتَّخَذُ مِنها المَجالِسُ، الواحِدَةُ رَفْرَفَةٌ، واشْتِقاقُهُ مِن رَفَّ إذا ارْتَفَعَ، ومِنهُ رَفْرَفَةُ الطّائِرِ لِتَحْرِيكِ جَناحَيْهِ وارْتِفاعِهِ في الهَواءِ، وسُمِّيَ الطّائِرُ رَفْرافًا، ورَفْرَفَ جَناحَيْهِ: حَرَّكَهُما لِيَقَعَ عَلى الشَّيْءِ، ورَفْرَفُ السَّحابِ: هُدْبُهُ. العَبْقَرِيُّ: مَنسُوبٌ إلى عَبْقَرٍ، تَزْعُمُ العَرَبُ أنَّهُ بَلَدُ الجِنِّ، فَيَنْسُبُونَ إلَيْهِ كُلَّ شَيْءٍ عَجِيبٍ. قالَ زُهَيْرٌ:
؎بِخَيْلٍ عَلَيْها جِنَّةٌ عَبْقَرِيَّةٌ ∗∗∗ جَدِيرُونَ يَوْمًا أنْ يَنالُوا فَيَسْتَعْلُوا
وقالَ امْرُؤُ القَيْسِ:
؎كَأنَّ صَلِيلَ المَرْءِ حِينَ تُشِدُّهُ ∗∗∗ صَلِيلُ زُيُوفٍ يُنْتَقَدْنَ بِعَبْقَرا
وقالَ ذُو الرُّمَّةِ:
؎حَتّى كَأنَّ رِياضَ القُفِّ ألْبَسَها ∗∗∗ مِن وشْيِ عَبْقَرٍ تَجْلِيلٌ وتَنْجِيدٌ
وقالَ الخَلِيلُ: العَبْقَرِيُّ: كُلُّ جَلِيلٍ نَفِيسٍ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ وغَيْرِهِمْ. الجَلالُ: العَظَمَةُ. قالَ الشّاعِرُ:
؎خَبَرُ ما قَدْ جاءَنا مُسْتَعْمَلٌ ∗∗∗ جَلَّ حَتّى دَقَّ فِيهِ الأجَلُّ
(p-١٨٧)﴿الرَّحْمَنُ﴾ ﴿عَلَّمَ القُرْآنَ﴾ ﴿خَلَقَ الإنْسانَ﴾ ﴿عَلَّمَهُ البَيانَ﴾ ﴿الشَّمْسُ والقَمَرُ بِحُسْبانٍ﴾ ﴿والنَّجْمُ والشَّجَرُ يَسْجُدانِ﴾ ﴿والسَّماءَ رَفَعَها ووَضَعَ المِيزانَ﴾ [الرحمن: ٧] ﴿ألّا تَطْغَوْا في المِيزانِ﴾ [الرحمن: ٨] ﴿وأقِيمُوا الوَزْنَ بِالقِسْطِ ولا تُخْسِرُوا المِيزانَ﴾ [الرحمن: ٩] ﴿والأرْضَ وضَعَها لِلْأنامِ﴾ [الرحمن: ١٠] ﴿فِيها فاكِهَةٌ والنَّخْلُ ذاتُ الأكْمامِ﴾ [الرحمن: ١١] ﴿والحَبُّ ذُو العَصْفِ والرَّيْحانُ﴾ [الرحمن: ١٢] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ١٣] ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن صَلْصالٍ كالفَخّارِ﴾ [الرحمن: ١٤] ﴿وخَلَقَ الجانَّ مِن مارِجٍ مِن نارٍ﴾ [الرحمن: ١٥] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ١٦] ﴿رَبُّ المَشْرِقَيْنِ ورَبُّ المَغْرِبَيْنِ﴾ [الرحمن: ١٧] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ١٨] ﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ﴾ [الرحمن: ١٩] ﴿بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ﴾ [الرحمن: ٢٠] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٢١] ﴿يَخْرُجُ مِنهُما اللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ﴾ [الرحمن: ٢٢] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٢٣] ﴿ولَهُ الجَوارِي المُنْشَآتُ في البَحْرِ كالأعْلامِ﴾ [الرحمن: ٢٤] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٢٥] ﴿كُلُّ مَن عَلَيْها فانٍ﴾ [الرحمن: ٢٦] ﴿ويَبْقى وجْهُ رَبِّكَ ذُو الجَلالِ والإكْرامِ﴾ [الرحمن: ٢٧] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٢٨] ﴿يَسْألُهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هو في شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٢٨] .
هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الجُمْهُورِ، مَدَنِيَّةٌ في قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ القَوْلانِ، وعَنْهُ: سِوى آيَةٍ هي مَدَنِيَّةٌ، وهي: ﴿يَسْألُهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الرحمن: ٢٩] الآيَةَ. وسَبَبُ نُزُولِها فِيما قالَ مُقاتِلٌ: أنَّهُ لَمّا نَزَلَ ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ﴾ [الفرقان: ٦٠] الآيَةَ، قالُوا: ما نَعْرِفُ الرَّحْمَنَ، (p-١٨٨)فَنَزَلَتْ: ﴿الرَّحْمَنُ﴾ ﴿عَلَّمَ القُرْآنَ﴾ . وقِيلَ: لَمّا قالُوا ﴿إنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [النحل: ١٠٣]، أكْذَبَهُمُ اللَّهُ تَعالى وقالَ: ﴿الرَّحْمَنُ﴾ ﴿عَلَّمَ القُرْآنَ﴾ . وقِيلَ: مَدَنِيَّةٌ نَزَلَتْ، إذْ أبى سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو وغَيْرُهُ أنْ يَكْتُبَ في الصُّلْحِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
ومُناسَبَةُ هَذِهِ السُّورَةِ لِما قَبْلَها: أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ مَقَرَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ ونَهَرٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ، ذَكَرَ شَيْئًا مِن آياتِ المُلْكِ وآثارِ القُدْرَةِ، ثُمَّ ذَكَرَ مَقَرَّ الفَرِيقَيْنِ عَلى جِهَةِ الإسْهابِ، إذْ كانَ في آخِرِ السُّورَةِ ذِكْرُهُ عَلى جِهَةِ الِاخْتِصارِ والإيجازِ. ولَمّا ذَكَرَ قَوْلَهُ: ﴿عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٥٥]، فَأبْرَزَ هاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ بِصُورَةِ التَّنْكِيرِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: مَنِ المُتَّصِفُ بِذَلِكَ ؟ فَقالَ: ﴿الرَّحْمَنُ﴾ ﴿عَلَّمَ القُرْآنَ﴾، فَذَكَرَ ما نَشَأ عَنْ صِفَةِ الرَّحْمَةِ، وهو تَعْلِيمُ القُرْآنِ الَّذِي هو شِفاءٌ لِلْقُلُوبِ. والظّاهِرُ أنَّ ﴿الرَّحْمَنُ﴾ مَرْفُوعٌ عَلى الِابْتِداءِ، (وعَلَّمَ القُرْآنَ) خَبَرُهُ. وقِيلَ: ﴿الرَّحْمَنُ﴾ آيَةٌ بِمُضْمَرٍ، أيِ اللَّهُ الرَّحْمَنُ، أوِ الرَّحْمَنُ رَبُّنا، وذَلِكَ آيَةٌ؛ و﴿عَلَّمَ القُرْآنَ﴾ اسْتِئْنافُ إخْبارٍ. ولَمّا عَدَّدَ نِعَمَهُ تَعالى، بَدَأ مِن نِعَمِهِ بِما هو أعْلى رُتَبِها، وهو تَعْلِيمُ القُرْآنِ، إذْ هو عِمادُ الدِّينِ ونَجاةُ مَنِ اسْتَمْسَكَ بِهِ.
ولَمّا ذَكَرَ تَعْلِيمَ القُرْآنِ ولَمْ يَذْكُرِ المُعَلَّمَ، ذَكَرَهُ بَعْدُ في قَوْلِهِ: ﴿خَلَقَ الإنْسانَ﴾، لِيُعْلَمَ أنَّهُ المَقْصُودُ بِالتَّعْلِيمِ. ولَمّا كانَ خَلْقُهُ مِن أجْلِ الدِّينِ وتَعْلِيمِهِ القُرْآنَ، كانَ كالسَّبَبِ في خَلْقِهِ تَقَدَّمَ عَلى خَلْقِهِ. ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى الوَصْفَ الَّذِي يَتَمَيَّزُ بِهِ الإنْسانُ مِنَ المَنطِقِ المُفْصِحِ عَنِ الضَّمِيرِ، والَّذِي بِهِ يُمْكِنُ قَبُولُ التَّعْلِيمِ، وهو البَيانُ. ألا تَرى أنَّ الأخْرَسَ لا يُمْكِنُ أنْ يَتَعَلَّمَ شَيْئًا مِمّا يُدْرَكُ بِالنُّطْقِ ؟ وعَلَّمَ مُتَعَدِّيَةٌ إلى اثْنَيْنِ، حُذِفَ أوَّلُهُما لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ، وهو جِبْرِيلُ، أوْ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ، أوِ الإنْسانُ، أقْوالٌ. وتَوَهَّمَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ أنَّ المَحْذُوفَ هو المَفْعُولُ الثّانِي، قالَ: فَإنْ قِيلَ: لِمَ تَرَكَ المَفْعُولَ الثّانِيَ ؟ وأجابَ بِأنَّ النِّعْمَةَ في التَّعْلِيمِ، لا في تَعْلِيمِ شَخْصٍ دُونَ شَخْصٍ، كَما يُقالُ: فُلانٌ يُطْعِمُ الطَّعامَ، إشارَةً إلى كَرَمِهِ، ولا يُبَيَّنُ مَن يُطْعِمُهُ. انْتَهى. والمَفْعُولُ الأوَّلُ هو الَّذِي كانَ فاعِلًا قَبْلَ النَّقْلِ بِالتَّضْعِيفِ أوِ الهَمْزَةِ في عَلَّمَ وأطْعَمَ.
وأبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ مَعْنى ﴿عَلَّمَ القُرْآنَ﴾: جَعَلَهُ عَلامَةً وآيَةً يُعْتَبَرُ بِها، وهَذِهِ جُمَلٌ مُتَرادِفَةٌ، أخْبارٌ كُلُّها عَنِ الرَّحْمَنِ، جُعِلَتْ مُسْتَقِلَّةً لَمْ تُعْطَفْ، إذْ هي تَعْدادٌ لِنِعَمِهِ تَعالى. كَما تَقُولُ: زَيْدٌ أحْسَنَ إلَيْكَ، خَوَّلَكَ: أشارَ بِذِكْرِكَ، والإنْسانُ اسْمُ جِنْسٍ. وقالَ قَتادَةُ: الإنْسانُ: آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ. وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: مُحَمَّدٌ، ﷺ . وقالَ ابْنُ زَيْدٍ والجُمْهُورُ: ﴿البَيانَ﴾: المَنطِقُ، والفَهْمُ: الإبانَةُ، وهو الَّذِي فُضِّلَ بِهِ الإنْسانُ عَلى سائِرِ الحَيَوانِ. وقالَ قَتادَةُ: هو بَيانُ الحَلالِ والشَّرائِعِ، وهَذا جُزْءٌ مِنَ البَيانِ العامِّ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: ما يَقُولُ وما يُقالُ لَهُ. وقالَ الضَّحّاكُ: الخَيْرُ والشَّرُّ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: الهُدى. وقالَ يَمانٌ: الكِتابَةُ. ومَن قالَ: الإنْسانُ آدَمُ، فالبَيانُ أسْماءُ كُلِّ شَيْءٍ، أوِ التَّكَلُّمُ بِلُغاتٍ كَثِيرَةٍ أفْضَلُها العَرَبِيَّةُ، أوِ الكَلامُ بَعْدَ أنْ خَلَقَهُ، أوْ عِلْمُ الدُّنْيا والآخِرَةِ، أوِ الِاسْمُ الأعْظَمُ الَّذِي عَلِمَ بِهِ كُلَّ شَيْءٍ، أقْوالٌ، آخِرُها مَنسُوبٌ لِجَعْفَرٍ الصّادِقِ.
ولَمّا ذَكَرَ تَعالى ما أنْعَمَ بِهِ عَلى الإنْسانِ مِن تَعْلِيمِهِ البَيانَ، ذَكَرَ ما امْتَنَّ بِهِ مِن وُجُودِ الشَّمْسِ والقَمَرِ، وما فِيهِما مِنَ المَنافِعِ العَظِيمَةِ لِلْإنْسانِ، إذْ هُما يَجْرِيانِ عَلى حِسابٍ مَعْلُومٍ وتَقْدِيرٍ سَوِيٍّ في بُرُوجِهِما ومَنازِلِهِما. والحُسْبانُ مَصْدَرٌ كالغُفْرانِ، وهو بِمَعْنى الحِسابِ، قالَهُ قَتادَةُ. وقالَ الضَّحّاكُ وأبُو عُبَيْدَةَ: جَمْعُ حِسابٍ، كَشِهابٍ وشُهْبانٍ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو مالِكٍ وقَتادَةُ: لَهُما في طُلُوعِهِما وغُرُوبِهِما وقَطْعِهِما البُرُوجَ وغَيْرِ ذَلِكَ حُسْباناتٌ شَتّى. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: لَوْلا اللَّيْلُ والنَّهارُ لَمْ يَدْرِ أحَدٌ كَيْفَ يَحْسِبُ شَيْئًا يُرِيدُ مِن مَقادِيرِ الزَّمانِ. وقالَ مُجاهِدٌ: الحُسْبانُ: الفَلَكُ المُسْتَدِيرُ، شَبَّهَهُ بِحُسْبانِ الرَّحى، وهو العُودُ المُسْتَدِيرُ الَّذِي بِاسْتِدارَتِهِ تَسْتَدِيرُ المِطْحَنَةُ. وارْتَفَعَ الشَّمْسُ عَلى الِابْتِداءِ وخَبَرُهُ بِحُسْبانٍ، فَأمّا عَلى حَذْفِ، أيْ جَرْيِ الشَّمْسِ والقَمَرِ كائِنٌ بِحُسْبانٍ. وقِيلَ: الخَبَرُ مَحْذُوفٌ، أيْ يَجْرِيانِ بِحُسْبانٍ، وبِحُسْبانٍ مُتَعَلِّقٌ بِـ يَجْرِيانِ، وعَلى قَوْلِ (p-١٨٩)مُجاهِدٍ: تَكُونُ الباءُ في بِحُسْبانٍ ظَرْفِيَّةً، لِأنَّ الحُسْبانَ عِنْدَهُ الفَلَكُ.
الرحمن 55:5
سُورَةُ الرَّحْمَنِ مَكِّيَّةٌ وهي ثَمانٍ وسَبْعُونَ آيَةً
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿الرَّحْمَنُ﴾ ﴿عَلَّمَ القُرْآنَ﴾ ﴿خَلَقَ الإنْسانَ﴾ ﴿عَلَّمَهُ البَيانَ﴾ ﴿الشَّمْسُ والقَمَرُ بِحُسْبانٍ﴾ ﴿والنَّجْمُ والشَّجَرُ يَسْجُدانِ﴾ ﴿والسَّماءَ رَفَعَها ووَضَعَ المِيزانَ﴾ [الرحمن: ٧] ﴿ألّا تَطْغَوْا في المِيزانِ﴾ [الرحمن: ٨] ﴿وأقِيمُوا الوَزْنَ بِالقِسْطِ ولا تُخْسِرُوا المِيزانَ﴾ [الرحمن: ٩] ﴿والأرْضَ وضَعَها لِلْأنامِ﴾ [الرحمن: ١٠] ﴿فِيها فاكِهَةٌ والنَّخْلُ ذاتُ الأكْمامِ﴾ [الرحمن: ١١] ﴿والحَبُّ ذُو العَصْفِ والرَّيْحانُ﴾ [الرحمن: ١٢] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ١٣] ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن صَلْصالٍ كالفَخّارِ﴾ [الرحمن: ١٤] ﴿وخَلَقَ الجانَّ مِن مارِجٍ مِن نارٍ﴾ [الرحمن: ١٥] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ١٦] ﴿رَبُّ المَشْرِقَيْنِ ورَبُّ المَغْرِبَيْنِ﴾ [الرحمن: ١٧] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ١٨] ﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ﴾ [الرحمن: ١٩] ﴿بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ﴾ [الرحمن: ٢٠] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٢١] ﴿يَخْرُجُ مِنهُما اللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ﴾ [الرحمن: ٢٢] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٢٣] ﴿ولَهُ الجَوارِي المُنْشَآتُ في البَحْرِ كالأعْلامِ﴾ [الرحمن: ٢٤] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٢٥] ﴿كُلُّ مَن عَلَيْها فانٍ﴾ [الرحمن: ٢٦] ﴿ويَبْقى وجْهُ رَبِّكَ ذُو الجَلالِ والإكْرامِ﴾ [الرحمن: ٢٧] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٢٨] ﴿يَسْألُهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هو في شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٣٠] ﴿سَنَفْرُغُ لَكم أيُّها الثَّقَلانِ﴾ [الرحمن: ٣١] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٣٢] ﴿يا مَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ إنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ تَنْفُذُوا مِن أقْطارِ السَّماواتِ والأرْضِ فانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إلّا بِسُلْطانٍ﴾ [الرحمن: ٣٣] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٣٤] ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِن نارٍ ونُحاسٌ فَلا تَنْتَصِرانِ﴾ [الرحمن: ٣٥] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٣٦] ﴿فَإذا انْشَقَّتِ السَّماءُ فَكانَتْ ورْدَةً كالدِّهانِ﴾ [الرحمن: ٣٧] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٣٨] ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْألُ عَنْ ذَنْبِهِ إنْسٌ ولا جانٌّ﴾ [الرحمن: ٣٩] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٤٠] ﴿يُعْرَفُ المُجْرِمُونَ بِسِيماهم فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي والأقْدامِ﴾ [الرحمن: ٤١] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٤٢] ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِها المُجْرِمُونَ﴾ [الرحمن: ٤٣] ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَها وبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٤] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٤٥] ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ [الرحمن: ٤٦] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٤٧] ﴿ذَواتا أفْنانٍ﴾ [الرحمن: ٤٨] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٤٩] ﴿فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ﴾ [الرحمن: ٥٠] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥١] ﴿فِيهِما مِن كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ﴾ [الرحمن: ٥٢] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥٣] ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِن إسْتَبْرَقٍ وجَنى الجَنَّتَيْنِ دانٍ﴾ [الرحمن: ٥٤] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥٥] ﴿فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾ [الرحمن: ٥٦] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥٧] ﴿كَأنَّهُنَّ الياقُوتُ والمَرْجانُ﴾ [الرحمن: ٥٨] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥٩] ﴿هَلْ جَزاءُ الإحْسانِ إلّا الإحْسانُ﴾ [الرحمن: ٦٠] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦١] ﴿ومِن دُونِهِما جَنَّتانِ﴾ [الرحمن: ٦٢] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٣] ﴿مُدْهامَّتانِ﴾ [الرحمن: ٦٤] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٥] ﴿فِيهِما عَيْنانِ نَضّاخَتانِ﴾ [الرحمن: ٦٦] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٧] ﴿فِيهِما فاكِهَةٌ ونَخْلٌ ورُمّانٌ﴾ [الرحمن: ٦٨] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٩] ﴿فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ﴾ [الرحمن: ٧٠] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٧١] ﴿حُورٌ مَقْصُوراتٌ في الخِيامِ﴾ [الرحمن: ٧٢] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٧٣] ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾ [الرحمن: ٧٤] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٧٥] ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وعَبْقَرِيٍّ حِسانٍ﴾ [الرحمن: ٧٦] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٧٧] ﴿تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الجَلالِ والإكْرامِ﴾ [الرحمن: ٧٨] (p-١٨٥)النَّجْمُ: النَّباتُ الَّذِي لا ساقَ لَهُ، مِن نَجَمَ: أيْ ظَهَرَ وطَلَعَ. الأنامُ: الحَيَوانُ. العَصْفُ: ورَقُ الزَّرْعِ. الرَّيْحانُ: كُلُّ مَشْمُومٍ طَيِّبِ الرِّيحِ مِنَ النَّباتِ. المَرْجانُ: الخَرَزُ الأحْمَرُ، وقِيلَ: صِغارُ الدُّرِّ، واللُّؤْلُؤُ كِبارُهُ، واللُّؤْلُؤُ بِناءٌ غَرِيبٌ. قِيلَ: لا يُحْفَظُ مِنهُ في كَلامِ العَرَبِ أكْثَرُ مِن خَمْسَةٍ؛ اللُّؤْلُؤُ، والجُؤْجُؤُ، والدُّؤْدُؤُ، واليُؤْيُؤُ طائِرٌ، والبُؤْبُؤُ. والنُّفُوذُ: الخُرُوجُ مِنَ الشَّيْءِ بِسُرْعَةٍ. الشُّواظُ: اللَّهَبُ الخالِصُ بِغَيْرِ دُخانٍ. وقالَ حَسّانُ:
؎هَجَوْتُكَ فاخْتَضَعْتُ لَها بِذُلٍّ بِقافِيَةٍ تَأجَّجُ كالشُّواظِ
وقالَ رُؤْبَةُ:
؎ونارُ حَرْبٍ تُسْعِرُ الشُّواظا
وتُضَمُّ شِينُهُ وتُكْسَرُ. النُّحاسُ، قالَ الخَلِيلُ: والنُّحاسُ هو الدُّخانُ الَّذِي لا لَهَبَ لَهُ، وهو مَعْرُوفٌ في كَلامِ العَرَبِ. قالَ نابِغَةُ بَنِي جَعْدَةَ:
؎تُضِيءُ كَضَوْءِ سِراجِ السَّلِيطِ ∗∗∗ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ فِيهِ نُحاسا
وقالَ الكِسائِيُّ: النُّحاسُ هو النّارُ الَّذِي لَهُ رِيحٌ شَدِيدٌ، وقِيلَ: الصُّفْرُ المُذابُ، وتُضَمُّ نُونُهُ وتُكْسَرُ. الوَرْدَةُ: الشَّدِيدَةُ الحُمْرَةِ، يُقالُ: فَرْدٌ ورْدٌ، وحُجْرَةٌ ورْدَةٌ. الدِّهانُ: الجِلْدُ الأحْمَرُ. أنْشَدَ القاضِي مُنْذِرُ بْنُ سَعْدٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ:
؎تَبِعْنَ الدِّهانَ الحُمْرَ كُلَّ عَشِيَّةٍ ∗∗∗ بِمَوْسِمِ بَدْرٍ أوْ بِسُوقِ عُكاظِ
النّاصِيَةُ: مُقَدَّمُ الرَّأْسِ. آنٍ: نِهايَةٌ في الحَرِّ. الأفْنانُ، جَمْعُ فَنَنٍ: وهو الغُصْنُ، أوْ جَمْعُ فَنٍّ: وهو النَّوْعُ. قالَ الشّاعِرُ:
؎ومِن كُلِّ أفْنانِ اللَّذاذَةِ والصِّبى ∗∗∗ لَهَوْتُ بِهِ والعَيْشُ أخْضَرُ ناضِرُ
وقالَ نابِغَةُ بَنِي ذُبْيانَ:
؎بُكاءُ حَمامَةٍ تَدْعُو هَدِيلًا ∗∗∗ مُفْجَعَةٍ عَلى فَنَنٍ تُغَنِّي
الجَنْيُ: ما يُقْطَفُ مِنَ الثَّمَرَةِ، وهو فِعْلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، كالقَبْضِ بِمَعْنى مَقْبُوضٍ. قاصِراتُ الطَّرْفِ: قَصَرَتْ ألْحاظُهُنَّ عَلى أزْواجِهِنَّ. قالَ الشّاعِرُ:
؎مِنَ القاصِراتِ الطَّرْفِ لَوْ دَبَّ مُحْوِلٌ ∗∗∗ مِنَ الذَّرِّ فَوْقَ الإتْبِ مِنها لَأثَّرا
الطَّمْثُ: دَمُ الحَيْضِ ودَمُ الِافْتِضاضِ. الياقُوتُ: حَجَرٌ مَعْرُوفٌ، وقِيلَ: لا تُؤَثِّرُ فِيهِ النّارُ، قالَ الشّاعِرُ:(p-١٨٦)
؎وطالَما أُصْلِيَ الياقُوتُ جَمْرَ غَضى ∗∗∗ ثُمَّ انْطَفى الجَمْرُ والياقُوتُ ياقُوتُ
الِادْهِمامُ: السَّوادُ. النَّضْحُ: فَوَرانُ الماءِ. المَقْصُورَةُ: المَحْبُوسَةُ، ويُقالُ: قَصِيرَةٌ وقَصُورَةٌ: أيْ مُخَدَّرَةٌ. وقالَ كُثَيِّرٌ:
؎وأنْتِ الَّتِي حَبَّبْتِ كُلَّ قَصِيرَةٍ ∗∗∗ إلَيَّ ولَمْ تَشْعُرْ بِذاكَ القَصائِرُ
؎عَنَيْتُ قَصِيراتِ الحِجالِ ولَمْ أُرِدْ ∗∗∗ قِصارَ الخُطا شَرُّ النِّساءِ البَحاتِرُ
الخَيْمَةُ مَعْرُوفَةٌ، وهي بَيْتُ المُرْتَحِلِ مِن خَشَبٍ وتَمامٍ وسائِرِ الحَشِيشِ، وإذا كانَ مَن شَعَرٍ فَهو بَيْتٌ، ولا يُقالُ لَهُ خَيْمَةٌ، ويُجْمَعُ عَلى خِيامٍ وخِيَمٍ. قالَ جَرِيرٌ:
؎مَتى كانَ الخِيامُ بِذِي طُلُوحٍ ∗∗∗ سُقِيتِ الغَيْثَ أيَّتُها الخِيامُ
الرَّفْرَفُ: ما يُدَلّى مِنَ الأسِرَّةِ مِن غالِي الثِّيابِ. وقالَ الجَوْهَرِيُّ: ثِيابٌ خُضْرٌ تُتَّخَذُ مِنها المَجالِسُ، الواحِدَةُ رَفْرَفَةٌ، واشْتِقاقُهُ مِن رَفَّ إذا ارْتَفَعَ، ومِنهُ رَفْرَفَةُ الطّائِرِ لِتَحْرِيكِ جَناحَيْهِ وارْتِفاعِهِ في الهَواءِ، وسُمِّيَ الطّائِرُ رَفْرافًا، ورَفْرَفَ جَناحَيْهِ: حَرَّكَهُما لِيَقَعَ عَلى الشَّيْءِ، ورَفْرَفُ السَّحابِ: هُدْبُهُ. العَبْقَرِيُّ: مَنسُوبٌ إلى عَبْقَرٍ، تَزْعُمُ العَرَبُ أنَّهُ بَلَدُ الجِنِّ، فَيَنْسُبُونَ إلَيْهِ كُلَّ شَيْءٍ عَجِيبٍ. قالَ زُهَيْرٌ:
؎بِخَيْلٍ عَلَيْها جِنَّةٌ عَبْقَرِيَّةٌ ∗∗∗ جَدِيرُونَ يَوْمًا أنْ يَنالُوا فَيَسْتَعْلُوا
وقالَ امْرُؤُ القَيْسِ:
؎كَأنَّ صَلِيلَ المَرْءِ حِينَ تُشِدُّهُ ∗∗∗ صَلِيلُ زُيُوفٍ يُنْتَقَدْنَ بِعَبْقَرا
وقالَ ذُو الرُّمَّةِ:
؎حَتّى كَأنَّ رِياضَ القُفِّ ألْبَسَها ∗∗∗ مِن وشْيِ عَبْقَرٍ تَجْلِيلٌ وتَنْجِيدٌ
وقالَ الخَلِيلُ: العَبْقَرِيُّ: كُلُّ جَلِيلٍ نَفِيسٍ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ وغَيْرِهِمْ. الجَلالُ: العَظَمَةُ. قالَ الشّاعِرُ:
؎خَبَرُ ما قَدْ جاءَنا مُسْتَعْمَلٌ ∗∗∗ جَلَّ حَتّى دَقَّ فِيهِ الأجَلُّ
(p-١٨٧)﴿الرَّحْمَنُ﴾ ﴿عَلَّمَ القُرْآنَ﴾ ﴿خَلَقَ الإنْسانَ﴾ ﴿عَلَّمَهُ البَيانَ﴾ ﴿الشَّمْسُ والقَمَرُ بِحُسْبانٍ﴾ ﴿والنَّجْمُ والشَّجَرُ يَسْجُدانِ﴾ ﴿والسَّماءَ رَفَعَها ووَضَعَ المِيزانَ﴾ [الرحمن: ٧] ﴿ألّا تَطْغَوْا في المِيزانِ﴾ [الرحمن: ٨] ﴿وأقِيمُوا الوَزْنَ بِالقِسْطِ ولا تُخْسِرُوا المِيزانَ﴾ [الرحمن: ٩] ﴿والأرْضَ وضَعَها لِلْأنامِ﴾ [الرحمن: ١٠] ﴿فِيها فاكِهَةٌ والنَّخْلُ ذاتُ الأكْمامِ﴾ [الرحمن: ١١] ﴿والحَبُّ ذُو العَصْفِ والرَّيْحانُ﴾ [الرحمن: ١٢] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ١٣] ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن صَلْصالٍ كالفَخّارِ﴾ [الرحمن: ١٤] ﴿وخَلَقَ الجانَّ مِن مارِجٍ مِن نارٍ﴾ [الرحمن: ١٥] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ١٦] ﴿رَبُّ المَشْرِقَيْنِ ورَبُّ المَغْرِبَيْنِ﴾ [الرحمن: ١٧] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ١٨] ﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ﴾ [الرحمن: ١٩] ﴿بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ﴾ [الرحمن: ٢٠] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٢١] ﴿يَخْرُجُ مِنهُما اللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ﴾ [الرحمن: ٢٢] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٢٣] ﴿ولَهُ الجَوارِي المُنْشَآتُ في البَحْرِ كالأعْلامِ﴾ [الرحمن: ٢٤] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٢٥] ﴿كُلُّ مَن عَلَيْها فانٍ﴾ [الرحمن: ٢٦] ﴿ويَبْقى وجْهُ رَبِّكَ ذُو الجَلالِ والإكْرامِ﴾ [الرحمن: ٢٧] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٢٨] ﴿يَسْألُهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هو في شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٢٨] .
هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الجُمْهُورِ، مَدَنِيَّةٌ في قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ القَوْلانِ، وعَنْهُ: سِوى آيَةٍ هي مَدَنِيَّةٌ، وهي: ﴿يَسْألُهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الرحمن: ٢٩] الآيَةَ. وسَبَبُ نُزُولِها فِيما قالَ مُقاتِلٌ: أنَّهُ لَمّا نَزَلَ ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ﴾ [الفرقان: ٦٠] الآيَةَ، قالُوا: ما نَعْرِفُ الرَّحْمَنَ، (p-١٨٨)فَنَزَلَتْ: ﴿الرَّحْمَنُ﴾ ﴿عَلَّمَ القُرْآنَ﴾ . وقِيلَ: لَمّا قالُوا ﴿إنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [النحل: ١٠٣]، أكْذَبَهُمُ اللَّهُ تَعالى وقالَ: ﴿الرَّحْمَنُ﴾ ﴿عَلَّمَ القُرْآنَ﴾ . وقِيلَ: مَدَنِيَّةٌ نَزَلَتْ، إذْ أبى سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو وغَيْرُهُ أنْ يَكْتُبَ في الصُّلْحِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
ومُناسَبَةُ هَذِهِ السُّورَةِ لِما قَبْلَها: أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ مَقَرَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ ونَهَرٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ، ذَكَرَ شَيْئًا مِن آياتِ المُلْكِ وآثارِ القُدْرَةِ، ثُمَّ ذَكَرَ مَقَرَّ الفَرِيقَيْنِ عَلى جِهَةِ الإسْهابِ، إذْ كانَ في آخِرِ السُّورَةِ ذِكْرُهُ عَلى جِهَةِ الِاخْتِصارِ والإيجازِ. ولَمّا ذَكَرَ قَوْلَهُ: ﴿عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٥٥]، فَأبْرَزَ هاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ بِصُورَةِ التَّنْكِيرِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: مَنِ المُتَّصِفُ بِذَلِكَ ؟ فَقالَ: ﴿الرَّحْمَنُ﴾ ﴿عَلَّمَ القُرْآنَ﴾، فَذَكَرَ ما نَشَأ عَنْ صِفَةِ الرَّحْمَةِ، وهو تَعْلِيمُ القُرْآنِ الَّذِي هو شِفاءٌ لِلْقُلُوبِ. والظّاهِرُ أنَّ ﴿الرَّحْمَنُ﴾ مَرْفُوعٌ عَلى الِابْتِداءِ، (وعَلَّمَ القُرْآنَ) خَبَرُهُ. وقِيلَ: ﴿الرَّحْمَنُ﴾ آيَةٌ بِمُضْمَرٍ، أيِ اللَّهُ الرَّحْمَنُ، أوِ الرَّحْمَنُ رَبُّنا، وذَلِكَ آيَةٌ؛ و﴿عَلَّمَ القُرْآنَ﴾ اسْتِئْنافُ إخْبارٍ. ولَمّا عَدَّدَ نِعَمَهُ تَعالى، بَدَأ مِن نِعَمِهِ بِما هو أعْلى رُتَبِها، وهو تَعْلِيمُ القُرْآنِ، إذْ هو عِمادُ الدِّينِ ونَجاةُ مَنِ اسْتَمْسَكَ بِهِ.
ولَمّا ذَكَرَ تَعْلِيمَ القُرْآنِ ولَمْ يَذْكُرِ المُعَلَّمَ، ذَكَرَهُ بَعْدُ في قَوْلِهِ: ﴿خَلَقَ الإنْسانَ﴾، لِيُعْلَمَ أنَّهُ المَقْصُودُ بِالتَّعْلِيمِ. ولَمّا كانَ خَلْقُهُ مِن أجْلِ الدِّينِ وتَعْلِيمِهِ القُرْآنَ، كانَ كالسَّبَبِ في خَلْقِهِ تَقَدَّمَ عَلى خَلْقِهِ. ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى الوَصْفَ الَّذِي يَتَمَيَّزُ بِهِ الإنْسانُ مِنَ المَنطِقِ المُفْصِحِ عَنِ الضَّمِيرِ، والَّذِي بِهِ يُمْكِنُ قَبُولُ التَّعْلِيمِ، وهو البَيانُ. ألا تَرى أنَّ الأخْرَسَ لا يُمْكِنُ أنْ يَتَعَلَّمَ شَيْئًا مِمّا يُدْرَكُ بِالنُّطْقِ ؟ وعَلَّمَ مُتَعَدِّيَةٌ إلى اثْنَيْنِ، حُذِفَ أوَّلُهُما لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ، وهو جِبْرِيلُ، أوْ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ، أوِ الإنْسانُ، أقْوالٌ. وتَوَهَّمَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ أنَّ المَحْذُوفَ هو المَفْعُولُ الثّانِي، قالَ: فَإنْ قِيلَ: لِمَ تَرَكَ المَفْعُولَ الثّانِيَ ؟ وأجابَ بِأنَّ النِّعْمَةَ في التَّعْلِيمِ، لا في تَعْلِيمِ شَخْصٍ دُونَ شَخْصٍ، كَما يُقالُ: فُلانٌ يُطْعِمُ الطَّعامَ، إشارَةً إلى كَرَمِهِ، ولا يُبَيَّنُ مَن يُطْعِمُهُ. انْتَهى. والمَفْعُولُ الأوَّلُ هو الَّذِي كانَ فاعِلًا قَبْلَ النَّقْلِ بِالتَّضْعِيفِ أوِ الهَمْزَةِ في عَلَّمَ وأطْعَمَ.
وأبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ مَعْنى ﴿عَلَّمَ القُرْآنَ﴾: جَعَلَهُ عَلامَةً وآيَةً يُعْتَبَرُ بِها، وهَذِهِ جُمَلٌ مُتَرادِفَةٌ، أخْبارٌ كُلُّها عَنِ الرَّحْمَنِ، جُعِلَتْ مُسْتَقِلَّةً لَمْ تُعْطَفْ، إذْ هي تَعْدادٌ لِنِعَمِهِ تَعالى. كَما تَقُولُ: زَيْدٌ أحْسَنَ إلَيْكَ، خَوَّلَكَ: أشارَ بِذِكْرِكَ، والإنْسانُ اسْمُ جِنْسٍ. وقالَ قَتادَةُ: الإنْسانُ: آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ. وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: مُحَمَّدٌ، ﷺ . وقالَ ابْنُ زَيْدٍ والجُمْهُورُ: ﴿البَيانَ﴾: المَنطِقُ، والفَهْمُ: الإبانَةُ، وهو الَّذِي فُضِّلَ بِهِ الإنْسانُ عَلى سائِرِ الحَيَوانِ. وقالَ قَتادَةُ: هو بَيانُ الحَلالِ والشَّرائِعِ، وهَذا جُزْءٌ مِنَ البَيانِ العامِّ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: ما يَقُولُ وما يُقالُ لَهُ. وقالَ الضَّحّاكُ: الخَيْرُ والشَّرُّ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: الهُدى. وقالَ يَمانٌ: الكِتابَةُ. ومَن قالَ: الإنْسانُ آدَمُ، فالبَيانُ أسْماءُ كُلِّ شَيْءٍ، أوِ التَّكَلُّمُ بِلُغاتٍ كَثِيرَةٍ أفْضَلُها العَرَبِيَّةُ، أوِ الكَلامُ بَعْدَ أنْ خَلَقَهُ، أوْ عِلْمُ الدُّنْيا والآخِرَةِ، أوِ الِاسْمُ الأعْظَمُ الَّذِي عَلِمَ بِهِ كُلَّ شَيْءٍ، أقْوالٌ، آخِرُها مَنسُوبٌ لِجَعْفَرٍ الصّادِقِ.
ولَمّا ذَكَرَ تَعالى ما أنْعَمَ بِهِ عَلى الإنْسانِ مِن تَعْلِيمِهِ البَيانَ، ذَكَرَ ما امْتَنَّ بِهِ مِن وُجُودِ الشَّمْسِ والقَمَرِ، وما فِيهِما مِنَ المَنافِعِ العَظِيمَةِ لِلْإنْسانِ، إذْ هُما يَجْرِيانِ عَلى حِسابٍ مَعْلُومٍ وتَقْدِيرٍ سَوِيٍّ في بُرُوجِهِما ومَنازِلِهِما. والحُسْبانُ مَصْدَرٌ كالغُفْرانِ، وهو بِمَعْنى الحِسابِ، قالَهُ قَتادَةُ. وقالَ الضَّحّاكُ وأبُو عُبَيْدَةَ: جَمْعُ حِسابٍ، كَشِهابٍ وشُهْبانٍ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو مالِكٍ وقَتادَةُ: لَهُما في طُلُوعِهِما وغُرُوبِهِما وقَطْعِهِما البُرُوجَ وغَيْرِ ذَلِكَ حُسْباناتٌ شَتّى. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: لَوْلا اللَّيْلُ والنَّهارُ لَمْ يَدْرِ أحَدٌ كَيْفَ يَحْسِبُ شَيْئًا يُرِيدُ مِن مَقادِيرِ الزَّمانِ. وقالَ مُجاهِدٌ: الحُسْبانُ: الفَلَكُ المُسْتَدِيرُ، شَبَّهَهُ بِحُسْبانِ الرَّحى، وهو العُودُ المُسْتَدِيرُ الَّذِي بِاسْتِدارَتِهِ تَسْتَدِيرُ المِطْحَنَةُ. وارْتَفَعَ الشَّمْسُ عَلى الِابْتِداءِ وخَبَرُهُ بِحُسْبانٍ، فَأمّا عَلى حَذْفِ، أيْ جَرْيِ الشَّمْسِ والقَمَرِ كائِنٌ بِحُسْبانٍ. وقِيلَ: الخَبَرُ مَحْذُوفٌ، أيْ يَجْرِيانِ بِحُسْبانٍ، وبِحُسْبانٍ مُتَعَلِّقٌ بِـ يَجْرِيانِ، وعَلى قَوْلِ (p-١٨٩)مُجاهِدٍ: تَكُونُ الباءُ في بِحُسْبانٍ ظَرْفِيَّةً، لِأنَّ الحُسْبانَ عِنْدَهُ الفَلَكُ.
الرحمن 55:6
سُورَةُ الرَّحْمَنِ مَكِّيَّةٌ وهي ثَمانٍ وسَبْعُونَ آيَةً
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿الرَّحْمَنُ﴾ ﴿عَلَّمَ القُرْآنَ﴾ ﴿خَلَقَ الإنْسانَ﴾ ﴿عَلَّمَهُ البَيانَ﴾ ﴿الشَّمْسُ والقَمَرُ بِحُسْبانٍ﴾ ﴿والنَّجْمُ والشَّجَرُ يَسْجُدانِ﴾ ﴿والسَّماءَ رَفَعَها ووَضَعَ المِيزانَ﴾ [الرحمن: ٧] ﴿ألّا تَطْغَوْا في المِيزانِ﴾ [الرحمن: ٨] ﴿وأقِيمُوا الوَزْنَ بِالقِسْطِ ولا تُخْسِرُوا المِيزانَ﴾ [الرحمن: ٩] ﴿والأرْضَ وضَعَها لِلْأنامِ﴾ [الرحمن: ١٠] ﴿فِيها فاكِهَةٌ والنَّخْلُ ذاتُ الأكْمامِ﴾ [الرحمن: ١١] ﴿والحَبُّ ذُو العَصْفِ والرَّيْحانُ﴾ [الرحمن: ١٢] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ١٣] ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن صَلْصالٍ كالفَخّارِ﴾ [الرحمن: ١٤] ﴿وخَلَقَ الجانَّ مِن مارِجٍ مِن نارٍ﴾ [الرحمن: ١٥] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ١٦] ﴿رَبُّ المَشْرِقَيْنِ ورَبُّ المَغْرِبَيْنِ﴾ [الرحمن: ١٧] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ١٨] ﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ﴾ [الرحمن: ١٩] ﴿بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ﴾ [الرحمن: ٢٠] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٢١] ﴿يَخْرُجُ مِنهُما اللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ﴾ [الرحمن: ٢٢] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٢٣] ﴿ولَهُ الجَوارِي المُنْشَآتُ في البَحْرِ كالأعْلامِ﴾ [الرحمن: ٢٤] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٢٥] ﴿كُلُّ مَن عَلَيْها فانٍ﴾ [الرحمن: ٢٦] ﴿ويَبْقى وجْهُ رَبِّكَ ذُو الجَلالِ والإكْرامِ﴾ [الرحمن: ٢٧] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٢٨] ﴿يَسْألُهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هو في شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٣٠] ﴿سَنَفْرُغُ لَكم أيُّها الثَّقَلانِ﴾ [الرحمن: ٣١] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٣٢] ﴿يا مَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ إنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ تَنْفُذُوا مِن أقْطارِ السَّماواتِ والأرْضِ فانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إلّا بِسُلْطانٍ﴾ [الرحمن: ٣٣] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٣٤] ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِن نارٍ ونُحاسٌ فَلا تَنْتَصِرانِ﴾ [الرحمن: ٣٥] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٣٦] ﴿فَإذا انْشَقَّتِ السَّماءُ فَكانَتْ ورْدَةً كالدِّهانِ﴾ [الرحمن: ٣٧] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٣٨] ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْألُ عَنْ ذَنْبِهِ إنْسٌ ولا جانٌّ﴾ [الرحمن: ٣٩] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٤٠] ﴿يُعْرَفُ المُجْرِمُونَ بِسِيماهم فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي والأقْدامِ﴾ [الرحمن: ٤١] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٤٢] ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِها المُجْرِمُونَ﴾ [الرحمن: ٤٣] ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَها وبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٤] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٤٥] ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ [الرحمن: ٤٦] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٤٧] ﴿ذَواتا أفْنانٍ﴾ [الرحمن: ٤٨] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٤٩] ﴿فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ﴾ [الرحمن: ٥٠] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥١] ﴿فِيهِما مِن كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ﴾ [الرحمن: ٥٢] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥٣] ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِن إسْتَبْرَقٍ وجَنى الجَنَّتَيْنِ دانٍ﴾ [الرحمن: ٥٤] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥٥] ﴿فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾ [الرحمن: ٥٦] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥٧] ﴿كَأنَّهُنَّ الياقُوتُ والمَرْجانُ﴾ [الرحمن: ٥٨] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥٩] ﴿هَلْ جَزاءُ الإحْسانِ إلّا الإحْسانُ﴾ [الرحمن: ٦٠] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦١] ﴿ومِن دُونِهِما جَنَّتانِ﴾ [الرحمن: ٦٢] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٣] ﴿مُدْهامَّتانِ﴾ [الرحمن: ٦٤] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٥] ﴿فِيهِما عَيْنانِ نَضّاخَتانِ﴾ [الرحمن: ٦٦] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٧] ﴿فِيهِما فاكِهَةٌ ونَخْلٌ ورُمّانٌ﴾ [الرحمن: ٦٨] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٩] ﴿فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ﴾ [الرحمن: ٧٠] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٧١] ﴿حُورٌ مَقْصُوراتٌ في الخِيامِ﴾ [الرحمن: ٧٢] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٧٣] ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾ [الرحمن: ٧٤] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٧٥] ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وعَبْقَرِيٍّ حِسانٍ﴾ [الرحمن: ٧٦] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٧٧] ﴿تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الجَلالِ والإكْرامِ﴾ [الرحمن: ٧٨] (p-١٨٥)النَّجْمُ: النَّباتُ الَّذِي لا ساقَ لَهُ، مِن نَجَمَ: أيْ ظَهَرَ وطَلَعَ. الأنامُ: الحَيَوانُ. العَصْفُ: ورَقُ الزَّرْعِ. الرَّيْحانُ: كُلُّ مَشْمُومٍ طَيِّبِ الرِّيحِ مِنَ النَّباتِ. المَرْجانُ: الخَرَزُ الأحْمَرُ، وقِيلَ: صِغارُ الدُّرِّ، واللُّؤْلُؤُ كِبارُهُ، واللُّؤْلُؤُ بِناءٌ غَرِيبٌ. قِيلَ: لا يُحْفَظُ مِنهُ في كَلامِ العَرَبِ أكْثَرُ مِن خَمْسَةٍ؛ اللُّؤْلُؤُ، والجُؤْجُؤُ، والدُّؤْدُؤُ، واليُؤْيُؤُ طائِرٌ، والبُؤْبُؤُ. والنُّفُوذُ: الخُرُوجُ مِنَ الشَّيْءِ بِسُرْعَةٍ. الشُّواظُ: اللَّهَبُ الخالِصُ بِغَيْرِ دُخانٍ. وقالَ حَسّانُ:
؎هَجَوْتُكَ فاخْتَضَعْتُ لَها بِذُلٍّ بِقافِيَةٍ تَأجَّجُ كالشُّواظِ
وقالَ رُؤْبَةُ:
؎ونارُ حَرْبٍ تُسْعِرُ الشُّواظا
وتُضَمُّ شِينُهُ وتُكْسَرُ. النُّحاسُ، قالَ الخَلِيلُ: والنُّحاسُ هو الدُّخانُ الَّذِي لا لَهَبَ لَهُ، وهو مَعْرُوفٌ في كَلامِ العَرَبِ. قالَ نابِغَةُ بَنِي جَعْدَةَ:
؎تُضِيءُ كَضَوْءِ سِراجِ السَّلِيطِ ∗∗∗ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ فِيهِ نُحاسا
وقالَ الكِسائِيُّ: النُّحاسُ هو النّارُ الَّذِي لَهُ رِيحٌ شَدِيدٌ، وقِيلَ: الصُّفْرُ المُذابُ، وتُضَمُّ نُونُهُ وتُكْسَرُ. الوَرْدَةُ: الشَّدِيدَةُ الحُمْرَةِ، يُقالُ: فَرْدٌ ورْدٌ، وحُجْرَةٌ ورْدَةٌ. الدِّهانُ: الجِلْدُ الأحْمَرُ. أنْشَدَ القاضِي مُنْذِرُ بْنُ سَعْدٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ:
؎تَبِعْنَ الدِّهانَ الحُمْرَ كُلَّ عَشِيَّةٍ ∗∗∗ بِمَوْسِمِ بَدْرٍ أوْ بِسُوقِ عُكاظِ
النّاصِيَةُ: مُقَدَّمُ الرَّأْسِ. آنٍ: نِهايَةٌ في الحَرِّ. الأفْنانُ، جَمْعُ فَنَنٍ: وهو الغُصْنُ، أوْ جَمْعُ فَنٍّ: وهو النَّوْعُ. قالَ الشّاعِرُ:
؎ومِن كُلِّ أفْنانِ اللَّذاذَةِ والصِّبى ∗∗∗ لَهَوْتُ بِهِ والعَيْشُ أخْضَرُ ناضِرُ
وقالَ نابِغَةُ بَنِي ذُبْيانَ:
؎بُكاءُ حَمامَةٍ تَدْعُو هَدِيلًا ∗∗∗ مُفْجَعَةٍ عَلى فَنَنٍ تُغَنِّي
الجَنْيُ: ما يُقْطَفُ مِنَ الثَّمَرَةِ، وهو فِعْلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، كالقَبْضِ بِمَعْنى مَقْبُوضٍ. قاصِراتُ الطَّرْفِ: قَصَرَتْ ألْحاظُهُنَّ عَلى أزْواجِهِنَّ. قالَ الشّاعِرُ:
؎مِنَ القاصِراتِ الطَّرْفِ لَوْ دَبَّ مُحْوِلٌ ∗∗∗ مِنَ الذَّرِّ فَوْقَ الإتْبِ مِنها لَأثَّرا
الطَّمْثُ: دَمُ الحَيْضِ ودَمُ الِافْتِضاضِ. الياقُوتُ: حَجَرٌ مَعْرُوفٌ، وقِيلَ: لا تُؤَثِّرُ فِيهِ النّارُ، قالَ الشّاعِرُ:(p-١٨٦)
؎وطالَما أُصْلِيَ الياقُوتُ جَمْرَ غَضى ∗∗∗ ثُمَّ انْطَفى الجَمْرُ والياقُوتُ ياقُوتُ
الِادْهِمامُ: السَّوادُ. النَّضْحُ: فَوَرانُ الماءِ. المَقْصُورَةُ: المَحْبُوسَةُ، ويُقالُ: قَصِيرَةٌ وقَصُورَةٌ: أيْ مُخَدَّرَةٌ. وقالَ كُثَيِّرٌ:
؎وأنْتِ الَّتِي حَبَّبْتِ كُلَّ قَصِيرَةٍ ∗∗∗ إلَيَّ ولَمْ تَشْعُرْ بِذاكَ القَصائِرُ
؎عَنَيْتُ قَصِيراتِ الحِجالِ ولَمْ أُرِدْ ∗∗∗ قِصارَ الخُطا شَرُّ النِّساءِ البَحاتِرُ
الخَيْمَةُ مَعْرُوفَةٌ، وهي بَيْتُ المُرْتَحِلِ مِن خَشَبٍ وتَمامٍ وسائِرِ الحَشِيشِ، وإذا كانَ مَن شَعَرٍ فَهو بَيْتٌ، ولا يُقالُ لَهُ خَيْمَةٌ، ويُجْمَعُ عَلى خِيامٍ وخِيَمٍ. قالَ جَرِيرٌ:
؎مَتى كانَ الخِيامُ بِذِي طُلُوحٍ ∗∗∗ سُقِيتِ الغَيْثَ أيَّتُها الخِيامُ
الرَّفْرَفُ: ما يُدَلّى مِنَ الأسِرَّةِ مِن غالِي الثِّيابِ. وقالَ الجَوْهَرِيُّ: ثِيابٌ خُضْرٌ تُتَّخَذُ مِنها المَجالِسُ، الواحِدَةُ رَفْرَفَةٌ، واشْتِقاقُهُ مِن رَفَّ إذا ارْتَفَعَ، ومِنهُ رَفْرَفَةُ الطّائِرِ لِتَحْرِيكِ جَناحَيْهِ وارْتِفاعِهِ في الهَواءِ، وسُمِّيَ الطّائِرُ رَفْرافًا، ورَفْرَفَ جَناحَيْهِ: حَرَّكَهُما لِيَقَعَ عَلى الشَّيْءِ، ورَفْرَفُ السَّحابِ: هُدْبُهُ. العَبْقَرِيُّ: مَنسُوبٌ إلى عَبْقَرٍ، تَزْعُمُ العَرَبُ أنَّهُ بَلَدُ الجِنِّ، فَيَنْسُبُونَ إلَيْهِ كُلَّ شَيْءٍ عَجِيبٍ. قالَ زُهَيْرٌ:
؎بِخَيْلٍ عَلَيْها جِنَّةٌ عَبْقَرِيَّةٌ ∗∗∗ جَدِيرُونَ يَوْمًا أنْ يَنالُوا فَيَسْتَعْلُوا
وقالَ امْرُؤُ القَيْسِ:
؎كَأنَّ صَلِيلَ المَرْءِ حِينَ تُشِدُّهُ ∗∗∗ صَلِيلُ زُيُوفٍ يُنْتَقَدْنَ بِعَبْقَرا
وقالَ ذُو الرُّمَّةِ:
؎حَتّى كَأنَّ رِياضَ القُفِّ ألْبَسَها ∗∗∗ مِن وشْيِ عَبْقَرٍ تَجْلِيلٌ وتَنْجِيدٌ
وقالَ الخَلِيلُ: العَبْقَرِيُّ: كُلُّ جَلِيلٍ نَفِيسٍ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ وغَيْرِهِمْ. الجَلالُ: العَظَمَةُ. قالَ الشّاعِرُ:
؎خَبَرُ ما قَدْ جاءَنا مُسْتَعْمَلٌ ∗∗∗ جَلَّ حَتّى دَقَّ فِيهِ الأجَلُّ
(p-١٨٧)﴿الرَّحْمَنُ﴾ ﴿عَلَّمَ القُرْآنَ﴾ ﴿خَلَقَ الإنْسانَ﴾ ﴿عَلَّمَهُ البَيانَ﴾ ﴿الشَّمْسُ والقَمَرُ بِحُسْبانٍ﴾ ﴿والنَّجْمُ والشَّجَرُ يَسْجُدانِ﴾ ﴿والسَّماءَ رَفَعَها ووَضَعَ المِيزانَ﴾ [الرحمن: ٧] ﴿ألّا تَطْغَوْا في المِيزانِ﴾ [الرحمن: ٨] ﴿وأقِيمُوا الوَزْنَ بِالقِسْطِ ولا تُخْسِرُوا المِيزانَ﴾ [الرحمن: ٩] ﴿والأرْضَ وضَعَها لِلْأنامِ﴾ [الرحمن: ١٠] ﴿فِيها فاكِهَةٌ والنَّخْلُ ذاتُ الأكْمامِ﴾ [الرحمن: ١١] ﴿والحَبُّ ذُو العَصْفِ والرَّيْحانُ﴾ [الرحمن: ١٢] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ١٣] ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن صَلْصالٍ كالفَخّارِ﴾ [الرحمن: ١٤] ﴿وخَلَقَ الجانَّ مِن مارِجٍ مِن نارٍ﴾ [الرحمن: ١٥] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ١٦] ﴿رَبُّ المَشْرِقَيْنِ ورَبُّ المَغْرِبَيْنِ﴾ [الرحمن: ١٧] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ١٨] ﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ﴾ [الرحمن: ١٩] ﴿بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ﴾ [الرحمن: ٢٠] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٢١] ﴿يَخْرُجُ مِنهُما اللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ﴾ [الرحمن: ٢٢] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٢٣] ﴿ولَهُ الجَوارِي المُنْشَآتُ في البَحْرِ كالأعْلامِ﴾ [الرحمن: ٢٤] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٢٥] ﴿كُلُّ مَن عَلَيْها فانٍ﴾ [الرحمن: ٢٦] ﴿ويَبْقى وجْهُ رَبِّكَ ذُو الجَلالِ والإكْرامِ﴾ [الرحمن: ٢٧] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٢٨] ﴿يَسْألُهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هو في شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٢٨] .
هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الجُمْهُورِ، مَدَنِيَّةٌ في قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ القَوْلانِ، وعَنْهُ: سِوى آيَةٍ هي مَدَنِيَّةٌ، وهي: ﴿يَسْألُهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الرحمن: ٢٩] الآيَةَ. وسَبَبُ نُزُولِها فِيما قالَ مُقاتِلٌ: أنَّهُ لَمّا نَزَلَ ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ﴾ [الفرقان: ٦٠] الآيَةَ، قالُوا: ما نَعْرِفُ الرَّحْمَنَ، (p-١٨٨)فَنَزَلَتْ: ﴿الرَّحْمَنُ﴾ ﴿عَلَّمَ القُرْآنَ﴾ . وقِيلَ: لَمّا قالُوا ﴿إنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [النحل: ١٠٣]، أكْذَبَهُمُ اللَّهُ تَعالى وقالَ: ﴿الرَّحْمَنُ﴾ ﴿عَلَّمَ القُرْآنَ﴾ . وقِيلَ: مَدَنِيَّةٌ نَزَلَتْ، إذْ أبى سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو وغَيْرُهُ أنْ يَكْتُبَ في الصُّلْحِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
ومُناسَبَةُ هَذِهِ السُّورَةِ لِما قَبْلَها: أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ مَقَرَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ ونَهَرٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ، ذَكَرَ شَيْئًا مِن آياتِ المُلْكِ وآثارِ القُدْرَةِ، ثُمَّ ذَكَرَ مَقَرَّ الفَرِيقَيْنِ عَلى جِهَةِ الإسْهابِ، إذْ كانَ في آخِرِ السُّورَةِ ذِكْرُهُ عَلى جِهَةِ الِاخْتِصارِ والإيجازِ. ولَمّا ذَكَرَ قَوْلَهُ: ﴿عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٥٥]، فَأبْرَزَ هاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ بِصُورَةِ التَّنْكِيرِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: مَنِ المُتَّصِفُ بِذَلِكَ ؟ فَقالَ: ﴿الرَّحْمَنُ﴾ ﴿عَلَّمَ القُرْآنَ﴾، فَذَكَرَ ما نَشَأ عَنْ صِفَةِ الرَّحْمَةِ، وهو تَعْلِيمُ القُرْآنِ الَّذِي هو شِفاءٌ لِلْقُلُوبِ. والظّاهِرُ أنَّ ﴿الرَّحْمَنُ﴾ مَرْفُوعٌ عَلى الِابْتِداءِ، (وعَلَّمَ القُرْآنَ) خَبَرُهُ. وقِيلَ: ﴿الرَّحْمَنُ﴾ آيَةٌ بِمُضْمَرٍ، أيِ اللَّهُ الرَّحْمَنُ، أوِ الرَّحْمَنُ رَبُّنا، وذَلِكَ آيَةٌ؛ و﴿عَلَّمَ القُرْآنَ﴾ اسْتِئْنافُ إخْبارٍ. ولَمّا عَدَّدَ نِعَمَهُ تَعالى، بَدَأ مِن نِعَمِهِ بِما هو أعْلى رُتَبِها، وهو تَعْلِيمُ القُرْآنِ، إذْ هو عِمادُ الدِّينِ ونَجاةُ مَنِ اسْتَمْسَكَ بِهِ.
ولَمّا ذَكَرَ تَعْلِيمَ القُرْآنِ ولَمْ يَذْكُرِ المُعَلَّمَ، ذَكَرَهُ بَعْدُ في قَوْلِهِ: ﴿خَلَقَ الإنْسانَ﴾، لِيُعْلَمَ أنَّهُ المَقْصُودُ بِالتَّعْلِيمِ. ولَمّا كانَ خَلْقُهُ مِن أجْلِ الدِّينِ وتَعْلِيمِهِ القُرْآنَ، كانَ كالسَّبَبِ في خَلْقِهِ تَقَدَّمَ عَلى خَلْقِهِ. ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى الوَصْفَ الَّذِي يَتَمَيَّزُ بِهِ الإنْسانُ مِنَ المَنطِقِ المُفْصِحِ عَنِ الضَّمِيرِ، والَّذِي بِهِ يُمْكِنُ قَبُولُ التَّعْلِيمِ، وهو البَيانُ. ألا تَرى أنَّ الأخْرَسَ لا يُمْكِنُ أنْ يَتَعَلَّمَ شَيْئًا مِمّا يُدْرَكُ بِالنُّطْقِ ؟ وعَلَّمَ مُتَعَدِّيَةٌ إلى اثْنَيْنِ، حُذِفَ أوَّلُهُما لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ، وهو جِبْرِيلُ، أوْ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ، أوِ الإنْسانُ، أقْوالٌ. وتَوَهَّمَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ أنَّ المَحْذُوفَ هو المَفْعُولُ الثّانِي، قالَ: فَإنْ قِيلَ: لِمَ تَرَكَ المَفْعُولَ الثّانِيَ ؟ وأجابَ بِأنَّ النِّعْمَةَ في التَّعْلِيمِ، لا في تَعْلِيمِ شَخْصٍ دُونَ شَخْصٍ، كَما يُقالُ: فُلانٌ يُطْعِمُ الطَّعامَ، إشارَةً إلى كَرَمِهِ، ولا يُبَيَّنُ مَن يُطْعِمُهُ. انْتَهى. والمَفْعُولُ الأوَّلُ هو الَّذِي كانَ فاعِلًا قَبْلَ النَّقْلِ بِالتَّضْعِيفِ أوِ الهَمْزَةِ في عَلَّمَ وأطْعَمَ.
وأبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ مَعْنى ﴿عَلَّمَ القُرْآنَ﴾: جَعَلَهُ عَلامَةً وآيَةً يُعْتَبَرُ بِها، وهَذِهِ جُمَلٌ مُتَرادِفَةٌ، أخْبارٌ كُلُّها عَنِ الرَّحْمَنِ، جُعِلَتْ مُسْتَقِلَّةً لَمْ تُعْطَفْ، إذْ هي تَعْدادٌ لِنِعَمِهِ تَعالى. كَما تَقُولُ: زَيْدٌ أحْسَنَ إلَيْكَ، خَوَّلَكَ: أشارَ بِذِكْرِكَ، والإنْسانُ اسْمُ جِنْسٍ. وقالَ قَتادَةُ: الإنْسانُ: آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ. وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: مُحَمَّدٌ، ﷺ . وقالَ ابْنُ زَيْدٍ والجُمْهُورُ: ﴿البَيانَ﴾: المَنطِقُ، والفَهْمُ: الإبانَةُ، وهو الَّذِي فُضِّلَ بِهِ الإنْسانُ عَلى سائِرِ الحَيَوانِ. وقالَ قَتادَةُ: هو بَيانُ الحَلالِ والشَّرائِعِ، وهَذا جُزْءٌ مِنَ البَيانِ العامِّ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: ما يَقُولُ وما يُقالُ لَهُ. وقالَ الضَّحّاكُ: الخَيْرُ والشَّرُّ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: الهُدى. وقالَ يَمانٌ: الكِتابَةُ. ومَن قالَ: الإنْسانُ آدَمُ، فالبَيانُ أسْماءُ كُلِّ شَيْءٍ، أوِ التَّكَلُّمُ بِلُغاتٍ كَثِيرَةٍ أفْضَلُها العَرَبِيَّةُ، أوِ الكَلامُ بَعْدَ أنْ خَلَقَهُ، أوْ عِلْمُ الدُّنْيا والآخِرَةِ، أوِ الِاسْمُ الأعْظَمُ الَّذِي عَلِمَ بِهِ كُلَّ شَيْءٍ، أقْوالٌ، آخِرُها مَنسُوبٌ لِجَعْفَرٍ الصّادِقِ.
ولَمّا ذَكَرَ تَعالى ما أنْعَمَ بِهِ عَلى الإنْسانِ مِن تَعْلِيمِهِ البَيانَ، ذَكَرَ ما امْتَنَّ بِهِ مِن وُجُودِ الشَّمْسِ والقَمَرِ، وما فِيهِما مِنَ المَنافِعِ العَظِيمَةِ لِلْإنْسانِ، إذْ هُما يَجْرِيانِ عَلى حِسابٍ مَعْلُومٍ وتَقْدِيرٍ سَوِيٍّ في بُرُوجِهِما ومَنازِلِهِما. والحُسْبانُ مَصْدَرٌ كالغُفْرانِ، وهو بِمَعْنى الحِسابِ، قالَهُ قَتادَةُ. وقالَ الضَّحّاكُ وأبُو عُبَيْدَةَ: جَمْعُ حِسابٍ، كَشِهابٍ وشُهْبانٍ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو مالِكٍ وقَتادَةُ: لَهُما في طُلُوعِهِما وغُرُوبِهِما وقَطْعِهِما البُرُوجَ وغَيْرِ ذَلِكَ حُسْباناتٌ شَتّى. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: لَوْلا اللَّيْلُ والنَّهارُ لَمْ يَدْرِ أحَدٌ كَيْفَ يَحْسِبُ شَيْئًا يُرِيدُ مِن مَقادِيرِ الزَّمانِ. وقالَ مُجاهِدٌ: الحُسْبانُ: الفَلَكُ المُسْتَدِيرُ، شَبَّهَهُ بِحُسْبانِ الرَّحى، وهو العُودُ المُسْتَدِيرُ الَّذِي بِاسْتِدارَتِهِ تَسْتَدِيرُ المِطْحَنَةُ. وارْتَفَعَ الشَّمْسُ عَلى الِابْتِداءِ وخَبَرُهُ بِحُسْبانٍ، فَأمّا عَلى حَذْفِ، أيْ جَرْيِ الشَّمْسِ والقَمَرِ كائِنٌ بِحُسْبانٍ. وقِيلَ: الخَبَرُ مَحْذُوفٌ، أيْ يَجْرِيانِ بِحُسْبانٍ، وبِحُسْبانٍ مُتَعَلِّقٌ بِـ يَجْرِيانِ، وعَلى قَوْلِ (p-١٨٩)مُجاهِدٍ: تَكُونُ الباءُ في بِحُسْبانٍ ظَرْفِيَّةً، لِأنَّ الحُسْبانَ عِنْدَهُ الفَلَكُ.
الرحمن 55:7
ولَمّا ذَكَرَ تَعالى ما أنْعَمَ بِهِ مِن مَنفَعَةِ الشَّمْسِ والقَمَرِ، وكانَ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ العُلْوِيَّةِ، ذَكَرَ في مُقابَلَتِهِما مِنَ الآثارِ السُّفْلِيَّةِ النَّجْمَ والشَّجَرَ، إذْ كانا رِزْقًا لِلْإنْسانِ، وأخْبَرَ أنَّهُما جارِيانِ عَلى ما أرادَ اللَّهُ بِهِما، مِن تَسْخِيرِهِما وكَيْنُونَتِهِما عَلى ما اقْتَضَتْهُ حِكْمَتُهُ تَعالى. ولَمّا ذَكَرَ ما بِهِ حَياةُ الأرْواحِ مِن تَعْلِيمِ القُرْآنِ، ذَكَرَ ما بِهِ حَياةُ الأشْباحِ مِنَ النَّباتِ الَّذِي لَهُ ساقٌ، وكانَ تَقْدِيمُ النَّجْمِ، وهو ما لا ساقَ لَهُ، لِأنَّهُ أصْلُ القُوتِ، والَّذِي لَهُ ساقٌ ثَمَرُهُ يُتَفَكَّهُ بِهِ غالِبًا. والظّاهِرُ أنَّ النَّجْمَ هو الَّذِي شَرَحْناهُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ اقْتِرانُهُ بِالشَّجَرِ. وقالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ والحَسَنُ: النَّجْمُ: اسْمُ الجِنْسِ مِن نُجُومِ السَّماءِ. وسُجُودُهُما، قالَ مُجاهِدٌ والحَسَنُ: ذَلِكَ في النَّجْمِ بِالغُرُوبِ ونَحْوِهِ، وفي الشَّجَرِ بِالظِّلِّ واسْتِدارَتِهِ. وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: والسُّجُودُ تَجَوُّزٌ، وهو عِبارَةٌ عَنِ الخُضُوعِ والتَّذَلُّلِ. والجُمَلُ الأُوَلُ فِيها ضَمِيرٌ يَرْبُطُها بِالمُبْتَدَأِ، وأمّا في هاتَيْنِ الجُمْلَتَيْنِ فاكْتَفى بِالوَصْلِ المَعْنَوِيِّ عَنِ الوَصْلِ اللَّفْظِيِّ، إذْ مَعْلُومٌ أنَّ الحُسْبانَ هو حُسْبانُهُ، وأنَّ السُّجُودَ لَهُ لا لِغَيْرِهِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: بِحُسْبانِهِ ويَسْجُدانِ لَهُ. ولَمّا أُورِدَتْ هَذِهِ الجُمَلُ مَوْرِدَ تَعْدِيدِ النِّعَمِ رُدَّ الكَلامُ إلى العَطْفِ في وصْلِ ما يُناسِبُ وصْلَهُ، والتَّناسُبُ الَّذِي بَيْنَ هاتَيْنِ الجُمْلَتَيْنِ ظاهِرٌ، لِأنَّ الشَّمْسَ والقَمَرَ عُلْوِيّانِ، والنَّجْمُ والشَّجَرُ سُفْلِيّانِ.
﴿والسَّماءَ رَفَعَها﴾: أيْ خَلَقَها مَرْفُوعَةً، حَيْثُ جَعَلَها مَصْدَرَ قَضاياهُ ومَسْكَنَ مَلائِكَتِهِ الَّذِينَ يَنْزِلُونَ بِالوَحْيِ عَلى أنْبِيائِهِ، ونَبَّهَ بِذَلِكَ عَلى عِظَمِ شَأْنِهِ ومِلْكِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (والسَّماءَ)، بِالنَّصْبِ عَلى الِاشْتِغالِ، رُوعِيَ مُشاكَلَةُ الجُمْلَةِ الَّتِي تَلِيهِ وهي ﴿يَسْجُدانِ﴾ [الرحمن: ٦] . وقَرَأ أبُو السَّمّالِ: والسَّماءُ بِالرَّفْعِ، راعى مُشاكَلَةَ الجُمْلَةِ الِابْتِدائِيَّةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ووَضَعَ المِيزانَ﴾، فِعْلًا ماضِيًا ناصِبًا المِيزانَ، أيْ أقَرَّهُ وأثْبَتَهُ. وقَرَأ إبْراهِيمُ: ووَضْعِ المِيزانِ، بِالخَفْضِ وإسْكانِ الضّادِ. والظّاهِرُ أنَّهُ كُلُّ ما يُوزَنُ بِهِ الأشْياءُ وتُعْرَفُ مَقادِيرُها، وإنِ اخْتَلَفَتِ الآلاتُ، قالَ مَعْناهُ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وقَتادَةُ، جَعَلَهُ تَعالى حاكِمًا بِالسَّوِيَّةِ في الأخْذِ والإعْطاءِ. وقالَ مُجاهِدٌ والطَّبَرِيُّ والأكْثَرُونَ: المِيزانُ: العَدْلُ، وتَكُونُ الآلاتُ مِن بَعْضِ ما يَنْدَرِجُ في العَدْلِ. بَدَأ أوَّلًا بِالعِلْمِ، فَذَكَرَ ما فِيهِ أشْرَفُ أنْواعِ العُلُومِ وهو القُرْآنُ؛ ثُمَّ ذَكَرَ ما بِهِ التَّعْدِيلُ في الأُمُورِ، وهو المِيزانُ، كَقَوْلِهِ: ﴿وأنْزَلْنا مَعَهُمُ الكِتابَ والمِيزانَ﴾ [الحديد: ٢٥]، لِيُعَلِّمُوا الكِتابَ ويَفْعَلُوا ما يَأْمُرُهم بِهِ الكِتابُ. (أنْ لا تَطْغَوْا في المِيزانِ): أيْ لِأنْ لا تَطْغَوْا، فَتَطْغَوْا مَنصُوبٌ بِأنْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ هي ”أنِ“ المُفَسِّرَةُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ أنْ مُفَسِّرَةً، فَيَكُونُ تَطْغَوْا جَزْمًا بِالنَّهْيِ. انْتَهى، ولا يَجُوزُ ما قالاهُ مِن أنَّ أنْ مُفَسِّرَةٌ، لِأنَّهُ فاتَ أحَدُ شَرْطَيْها، وهو أنْ يَكُونَ ما قَبْلَها جُمْلَةً فِيها مَعْنى القَوْلِ.
﴿ووَضَعَ المِيزانَ﴾ جُمْلَةٌ لَيْسَ فِيها مَعْنى القَوْلِ. والطُّغْيانُ في المِيزانِ هو أنْ يَكُونَ بِالتَّعَمُّدِ، وأمّا ما لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنَ التَّحْرِيرِ بِالمِيزانِ فَمَعْفُوٌّ عَنْهُ.
ولَمّا كانَتِ التَّسْوِيَةُ مَطْلُوبَةً جِدًّا، أمَرَ اللَّهُ تَعالى فَقالَ: ﴿وأقِيمُوا الوَزْنَ﴾ . وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ولا تُخْسِرُوا﴾، مِن أخْسَرَ: أيْ أفْسَدَ ونَقَصَ، كَقَوْلِهِ: ﴿وإذا كالُوهم أوْ وزَنُوهم يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين: ٣]؛ أيْ يَنْقُصُونَ. وبِلالُ بْنُ أبِي بُرْدَةَ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: تَخْسَرُ بِفَتْحِ التّاءِ، يُقالُ: خَسِرَ يَخْسَرُ، وأخْسَرَ يُخْسِرُ بِمَعْنًى واحِدٍ، كَجَبَرَ وأجْبَرَ. وحَكى ابْنُ جِنِّي وصاحِبُ اللَّوامِحِ، عَنْ بِلالٍ فَتْحَ التّاءِ والسِّينِ مُضارِعُ خَسِرَ بِكَسْرِ السِّينِ، وخَرَّجَها الزَّمَخْشَرِيُّ عَلى أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: في المِيزانِ، فَحَذَفَ الجارَّ ونَصَبَ، ولا يُحْتاجُ إلى هَذا التَّخْرِيجِ. ألا تَرى أنَّ خَسِرَ جاءَ مُتَعَدِّيًا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٢]، و﴿خَسِرَ الدُّنْيا والآخِرَةَ﴾ [الحج: ١١] ؟ وقُرِئَ أيْضًا: تَخْسُرُوا، بِفَتْحِ التّاءِ وضَمِّ السِّينِ. لِما مُنِعَ مِنَ الزِّيادَةِ، وهي الطُّغْيانُ، نَهى عَنِ الخُسْرانِ الَّذِي هو نُقْصانٌ، وكَرَّرَ لَفْظَ المِيزانِ، تَشْدِيدًا لِلتَّوْصِيَةِ بِهِ وتَقْوِيَةً لِلْأمْرِ بِاسْتِعْمالِهِ والحَثِّ عَلَيْهِ.
ولَمّا ذَكَرَ السَّماءَ، ذَكَرَ مُقابِلَتَها فَقالَ: ﴿والأرْضَ وضَعَها لِلْأنامِ﴾: أيْ خَفَضَها (p-١٩٠)مَدْحُوَّةً عَلى الماءِ لِيُنْتَفَعَ بِها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”والأرْضَ“ بِالنَّصْبِ؛ وأبُو السَّمّالِ: بِالرَّفْعِ: ”والأنامُ“، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بَنُو آدَمَ فَقَطْ. وقالَ أيْضًا هو وقَتادَةُ وابْنُ زَيْدٍ والشَّعْبِيُّ: الحَيَوانُ كُلُّهُ. وقالَ الحَسَنُ: الثَّقَلانِ الجِنُّ والإنْسُ.
﴿فِيها فاكِهَةٌ﴾: ضُرُوبٌ مِمّا يُتَفَكَّهُ بِهِ. وبَدَأ بِقَوْلِهِ: ﴿فاكِهَةٌ﴾، إذْ هو مِن بابِ الِابْتِداءِ بِالأدْنى والتَّرَقِّي إلى الأعْلى، ونَكَّرَ لَفْظَها، لِأنَّ الِانْتِفاعَ بِها دُونَ الِانْتِفاعِ بِما يُذْكَرُ بَعْدَها. ثُمَّ ثَنّى بِالنَّخْلِ، فَذَكَرَ الأصْلَ ولَمْ يَذْكُرْ ثَمَرَتَها، وهو الثَّمَرُ لِكَثْرَةِ الِانْتِفاعِ بِها مِن لِيفٍ وسَعَفٍ وجَرِيدٍ وجُذُوعٍ وجُمّارٍ وثَمَرٍ. ثُمَّ أتى ثالِثًا بِالحَبِّ الَّذِي هو قِوامُ عَيْشِ الإنْسانِ في أكْثَرِ الأقالِيمِ، وهو البُرُّ والشَّعِيرُ وكُلُّ ما لَهُ سُنْبُلٌ وأوْراقٌ مُتَشَعِّبَةٌ عَلى ساقِهِ، ووَصَفَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ذُو العَصْفِ﴾ تَنْبِيهًا عَلى إنْعامِهِ عَلَيْهِمْ بِما يَقُوتُهم مِنَ الحَبِّ، ويَقُوتُ بَهائِمَهم مِن ورَقِهِ الَّذِي هو التِّبْنُ. وبَدَأ بِالفاكِهَةِ وخَتَمَ بِالمَشْمُومِ، وبَيْنَهُما النَّخْلُ والحَبُّ، لِيَحْصُلَ ما بِهِ يُتَفَكَّهُ، وما بِهِ يُتَقَوَّتُ، وما بِهِ تَقَعُ اللَّذاذَةُ مِنَ الرّائِحَةِ الطَّيِّبَةِ. وذَكَرَ النَّخْلَ بِاسْمِها والفاكِهَةَ دُونَ شَجَرِها، لِعِظَمِ المَنفَعَةِ بِالنَّخْلِ مِن جِهاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ، وشَجَرَةُ الفاكِهَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى ثَمَرَتِها حَقِيرَةٌ، فَنَصَّ عَلى ما يَعْظُمُ بِهِ الِانْتِفاعُ مِن شَجَرَةِ النَّخْلِ ومِنَ الفاكِهَةِ دُونَ شَجَرَتِها.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿والحَبُّ ذُو العَصْفِ والرَّيْحانُ﴾، بِرَفْعِ الثَّلاثَةِ عَطْفًا عَلى المَرْفُوعِ قَبْلَهُ؛ وابْنُ عامِرٍ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِنَصْبِ الثَّلاثَةِ، أيْ وخَلَقَ الحَبَّ. وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ ﴿والرَّيْحانُ﴾ حالَةَ الرَّفْعِ وحالَةَ النَّصْبِ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ وذُو الرَّيْحانِ حَذَفَ المُضافَ وأقامَ المُضافَ إلَيْهِ مَقامَهُ؛ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ والأصْمَعِيُّ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: والرَّيْحانُ بِالجَرِّ، والمَعْنى: والحَبُّ ذُو العَصْفِ الَّذِي هو عَلَفُ البَهائِمِ، والرَّيْحانُ الَّذِي هو مَطْعَمُ النّاسِ، ويَبْعُدُ دُخُولُ المَشْمُومِ في قِراءَةِ الجَرِّ، ورَيْحانُ مِن ذَواتِ الواوِ. وأجازَ أبُو عَلِيٍّ أنْ يَكُونَ اسْمًا، ووُضِعَ مَوْضِعَ المَصْدَرِ، وأنْ يَكُونَ مَصْدَرًا عَلى وزْنِ فَعْلانَ كاللَّبّانِ. وأُبْدِلَتِ الواوُ ياءً، كَما أبْدَلُوا الياءَ واوًا في أشاوى، أوْ مَصْدَرًا شاذًّا في المُعْتَلِّ، كَما شَذَّ كَبَنُونَةٍ وبَيْنُونَةٍ، فَأصْلُهُ رَيْوِحانُ، قُلِبَتِ الواوُ ياءً وأُدْغِمَتْ في الياءِ فَصارَ رَيِّحانَ، ثُمَّ حُذِفَتْ عَيْنُ الكَلِمَةِ، كَما قالُوا: مَيْتٌ وهَيْنٌ.
ولَمّا عَدَّدَ تَعالى نِعَمَهُ، خاطَبَ الثَّقَلَيْنِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٣٢]، أيْ أنَّ نِعَمَهُ كَثِيرَةٌ لا تُحْصى، فَبِأيِّها تُكَذِّبانِ ؟ أيْ مَن هَذِهِ نِعَمُهُ لا يُمْكِنُ أنْ يُكَذَّبَ بِها. وكانَ هَذا الخِطابُ لِلثَّقَلَيْنِ، لِأنَّهُما داخِلانِ في الأنامِ عَلى أصَحِّ الأقْوالِ. ولِقَوْلِهِ: ﴿خَلَقَ الإنْسانَ﴾، و﴿وخَلَقَ الجانَّ﴾؛ ولِقَوْلِهِ: ﴿سَنَفْرُغُ لَكم أيُّها الثَّقَلانِ﴾ [الرحمن: ٣١]، وقَدْ أبْعَدَ مَن جَعَلَهُ خِطابًا لِلذَّكَرِ والأُنْثى مِن بَنِي آدَمَ. وأبْعَدُ مِن هَذا قَوْلُ مَن قالَ: إنَّهُ خِطابٌ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ: ﴿ألْقِيا في جَهَنَّمَ﴾ [ق: ٢٤]، ويا حَرَسِي اضْرِبا عُنُقَهُ، يَعْنِي أنَّهُ خِطابٌ لِلْواحِدِ بِصُورَةِ الِاثْنَيْنِ، فَبِأيِّ مُنَوَّنًا في جَمِيعِ السُّورَةِ، كَأنَّهُ حُذِفَ مِنهُ المُضافُ إلَيْهِ وأُبْدِلَ مِنهُ (آلاءِ رَبِّكُما) بَدَلَ مَعْرِفَةٍ مِن نَكِرَةٍ، وآلاءُ تَقَدَّمَ في الأعْرافِ أنَّها النِّعَمُ، واحِدُها إلْيٌ وألًا وإلًى وألْيٌ.
﴿خَلَقَ الإنْسانَ﴾: لَمّا ذَكَرَ العالَمَ الأكْبَرَ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ وما أوْجَدَ فِيها مِنَ النِّعَمِ، ذَكَرَ مَبْدَأ مَن خُلِقَتْ لَهُ هَذِهِ النِّعَمُ، والإنْسانُ هو آدَمُ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ. وقِيلَ: لِلْجِنْسِ، وساغَ ذَلِكَ لِأنَّ أباهم مَخْلُوقٌ مِنَ الصَّلْصالِ. وإذا أُرِيدَ بِالإنْسانِ آدَمُ، فَقَدْ جاءَتْ غاياتٌ لَهُ مُخْتَلِفَةٌ، وذَلِكَ بِتَنَقُّلِ أصْلِهِ؛ فَكانَ أوَّلًا تُرابًا، ثُمَّ طِينًا، ثُمَّ حَمَأً مَسْنُونًا، ثُمَّ صَلْصالًا، فَناسَبَ أنْ يُنْسَبَ خَلْقُهُ لِكُلِّ واحِدٍ مِنها. والجانُّ هو أبُو الجِنِّ، وهو إبْلِيسُ، قالَهُ الحَسَنُ. وقالَ مُجاهِدٌ: هو أبُو الجِنِّ، ولَيْسَ بِإبْلِيسَ. وقِيلَ: الجانُّ اسْمُ جِنْسٍ، والمارِجُ: ما اخْتَلَطَ مِن أصْفَرَ وأحْمَرَ وأخْضَرَ، أوِ اللَّهَبُ، أوِ الخالِصُ، أوِ الحُمْرَةُ في طَرَفِ النّارِ، أوِ المُخْتَلِطُ بِسَوادٍ، أوِ المُضْطَرِبُ بِلا دُخانٍ، أقْوالٌ، (ومِن) الأُولى لِابْتِداءِ الغايَةِ، والثّانِيَةُ في (مِن نارٍ) لِلتَّبْعِيضِ. وقِيلَ لِلْبَيانِ، والتَّكْرارُ في هَذِهِ الفَواصِلِ: لِلتَّأْكِيدِ والتَّنْبِيهِ والتَّحْرِيكِ، وهي مَوْجُودَةٌ في مَواضِعَ مِنَ القُرْآنِ. وذَهَبَ قَوْمٌ مِنهُمُ ابْنُ قُتَيْبَةَ إلى أنَّ هَذا التَّكْرارَ إنَّما هو لِاخْتِلافِ النِّعَمِ، فَكَرَّرَ (p-١٩١)التَّوْقِيفَ في كُلِّ واحِدٍ مِنها.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: (رَبُّ)، و(رَبُّ) بِالرَّفْعِ، أيْ هو رَبٌّ؛ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِالخَفْضِ بَدَلًا مِن رَبِّكُما، وثَنّى المُضافَ إلَيْهِ لِأنَّهُما مَشْرِقا الصَّيْفِ والشِّتاءِ ومَغْرِباهُما، قالَهُ مُجاهِدٌ. وقِيلَ: مَشْرِقا الشَّمْسِ والقَمَرِ ومَغْرِباهُما. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: لِلشَّمْسِ مَشْرِقٌ في الصَّيْفِ مُصْعِدٌ، ومَشْرِقٌ في الشِّتاءِ مُنْحَدِرٌ، تَنْتَقِلُ فِيهِما مُصْعِدَةً ومُنْحَدِرَةً. انْتَهى. فالمَشْرِقانِ والمَغْرِبانِ لِلشَّمْسِ. وقِيلَ: المَشْرِقانِ: مَطْلَعُ الفَجْرِ ومَطْلَعُ الشَّمْسِ، والمَغْرِبانِ مَغْرِبُ الشَّفَقِ ومَغْرِبُ الشَّمْسِ. ولِسَهْلٍ التُّسْتَرِيِّ كَلامٌ في المَشْرِقَيْنِ والمَغْرِبَيْنِ شَبِيهٌ بِكَلامِ الباطِنِيَّةِ المُحَرِّفِينَ مَدْلُولَ كَلامِ اللَّهِ، ضَرَبْنا عَنْ ذِكْرِهِ صَفْحًا. وكَذَلِكَ ما وقَفْنا عَلَيْهِ مِن كَلامِ الغُلاةِ الَّذِينَ يُنْسَبُونَ لِلصُّوفِيَّةِ، لِأنّا لا نَسْتَحِلُّ نَقْلَ شَيْءٍ مِنهُ. وقَدْ أوْلَغَ صاحِبُ كِتابِ التَّحْرِيرِ والتَّحْبِيرِ بِحَسْبِ ما قالَهُ هَؤُلاءِ الغُلاةُ في كُلِّ آيَةٍ آيَةٍ، ويُسَمِّي ذَلِكَ الحَقائِقَ، وأرْبابُ القُلُوبِ وما ادَّعَوْا فَهْمَهُ في القُرْآنِ فَأوْغَلُوا فِيهِ لَمْ يَفْهَمْهُ عَرَبِيٌّ قَطُّ، ولا أرادَهُ اللَّهُ تَعالى بِتِلْكَ الألْفاظِ، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِن ذَلِكَ.
﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ذَلِكَ في الفُرْقانِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وذَكَرَ الثَّعْلَبِيُّ في ﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ﴾ ألْغازًا وأقْوالًا باطِنَةً لا يُلْتَفَتُ إلى شَيْءٍ مِنها. انْتَهى، والظّاهِرُ التِقاؤُهُما، أيْ يَتَجاوَرانِ، فَلا فَصْلَ بَيْنَ الماءَيْنِ في رُؤْيَةِ العَيْنِ. وقِيلَ: يَلْتَقِيانِ في كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً. وقِيلَ: مُعَدّانِ لِلِالتِقاءِ، فَحَقُّهُما أنْ يَلْتَقِيا لَوْلا البَرْزَخُ بَيْنَهُما.
﴿بَرْزَخٌ﴾: أيْ حاجِزٌ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، ﴿لا يَبْغِيانِ﴾: لا يَتَجاوَزانِ حَدَّهُما، ولا يَبْغِي أحَدُهُما عَلى الآخَرِ بِالمُمازَجَةِ. وقِيلَ: البَرْزَخُ: أجْرامُ الأرْضِ، قالَهُ قَتادَةُ؛ وقِيلَ: لا يَبْغِيانِ: أيْ عَلى النّاسِ والعُمْرانِ، وعَلى هَذا والَّذِي قَبْلَهُ يَكُونُ مِنَ البَغْيِ. وقِيلَ: هو مِن بَغى، أيْ طَلَبَ، فالمَعْنى: لا يَبْغِيانِ حالًا غَيْرَ الحالِ الَّتِي خُلِقا عَلَيْها وسُخِّرا لَها. وقِيلَ: ماءُ الأنْهارِ لا يَخْتَلِطُ بِالماءِ المِلْحِ، بَلْ هو بِذاتِهِ باقٍ فِيهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والعِيانُ لا يَقْتَضِيهِ. انْتَهى، يَعْنِي أنَّهُ يُشاهِدُ الماءَ العَذْبَ يَخْتَلِطُ بِالمِلْحِ فَيَبْقى كُلُّهُ مِلْحًا، وقَدْ يُقالُ: إنَّهُ بِالِاخْتِلاطِ تَتَغَيَّرُ أجْرامُ العَذْبِ حَتّى لا تَظْهَرَ، فَإذا ذاقَ الإنْسانُ مِنَ المِلْحِ المُنْبَثِّ فِيهِ تِلْكَ الأجْزاءُ الدَّقِيقَةُ لَمْ يُحِسَّ إلّا المُلُوحَةَ، والمَعْقُولُ يَشْهَدُ بِذَلِكَ، لِأنَّ تَداخُلَ الأجْسامِ غَيْرُ مُمْكِنٍ، لَكِنَّ التَّفَرُّقَ والِالتِقاءَ مُمْكِنٌ. وأنْشَدَ القاضِي مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ البَلُّوطِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى:
؎ومَمْزُوجَةُ الأمْواهِ لا العَذْبُ غالِبٌ عَلى المِلْحِ طِيبًا لا ولا المِلْحُ يَعْذُبُ
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿يَخْرُجُ﴾ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ؛ ونافِعٌ وأبُو عَمْرٍو وأهْلُ المَدِينَةِ: مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ؛ والجُعْفِيٌّ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِالياءِ مَضْمُومَةً وكَسْرِ الرّاءِ، أيْ يُخْرِجُ اللَّهُ؛ وعَنْهُ وعَنْ أبِي عَمْرٍو، وعَنِ ابْنِ مِقْسَمٍ: بِالنُّونِ. واللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ نُصِبَ في هاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ. والظّاهِرُ في (مِنهُما) أنَّ ذَلِكَ يَخْرُجُ مِنَ المِلْحِ والعَذْبِ. وقالَ بِذَلِكَ قَوْمٌ، حَكاهُ الأخْفَشُ. ورَدَّ النّاسُ هَذا القَوْلَ، قالُوا: والحِسُّ يُخالِفُهُ، إذْ لا يَخْرُجُ إلّا مِنَ المِلْحِ، وعابُوا قَوْلَ الشّاعِرِ:
؎فَجاءَ بِها ما شِئْتَ مِن لَطِيمَةٍ ∗∗∗ عَلى وجْهِها ماءُ الفُراتِ يَمُوجُ
وقالَ الجُمْهُورُ: إنَّما يَخْرُجُ مِنَ الأُجاجِ في المَواضِعِ الَّتِي تَقَعُ فِيها الأنْهارُ والمِياهُ العَذْبَةُ، فَناسَبَ إسْنادَ ذَلِكَ إلَيْهِما، وهَذا مَشْهُورٌ عِنْدَ الغَوّاصِينَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ: تَكُونُ هَذِهِ الأشْياءُ في البَحْرِ بِنُزُولِ المَطَرِ، لِأنَّ الصَّدَفَ وغَيْرَها تَفْتَحُ أفْواهَها لِلْمَطَرِ، فَلِذَلِكَ قالَ (مِنهُما) . وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: إنَّما يَخْرُجُ مِنَ المِلْحِ، لَكِنَّهُ قالَ (مِنهُما) تَجَوُّزًا. وقالَ الرُّمّانِيُّ: العَذْبُ فِيها كاللِّقاحِ لِلْمِلْحِ، فَهو كَما يُقالُ؛ الوَلَدُ يَخْرُجُ مِنَ الذَّكَرِ والأُنْثى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ، وتَبِعَ الزَّجّاجَ مِن حَيْثُ هُما نَوْعٌ واحِدٌ، فَخُرُوجُ هَذِهِ الأشْياءِ إنَّما هي مِنهُما، وإنْ كانَتْ تَخْتَصُّ عِنْدَ التَّفْصِيلِ المَبالَغِ بِأحَدِهِما، كَما قالَ: ﴿سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا﴾ [نوح: ١٥] ﴿وجَعَلَ القَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾ [نوح: ١٦]، (p-١٩٢)وإنَّما هو في إحْداهُنَّ، وهي الدُّنْيا إلى الأرْضِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ نَحْوًا مِن قَوْلِ ابْنِ عَطِيَّةَ، قالَ: فَإنْ قُلْتَ: لِمَ قالَ (مِنهُما)، وإنَّما يَخْرُجانِ مِنَ المِلْحِ قُلْتُ: لَمّا التَقَيا وصارا كالشَّيْءِ الواحِدِ، جازَ أنْ يُقالَ: يَخْرُجانِ مِنهُما، كَما يُقالُ: يَخْرُجانِ مِنَ البَحْرِ، ولا يَخْرُجانِ مِن جَمِيعِ البَحْرِ، ولَكِنْ مِن بَعْضِهِ. وتَقُولُ: خَرَجْتُ مِنَ البَلَدِ، وإنَّما خَرَجْتَ مِن مَحَلَّةٍ مِن مَحالِّهِ، بَلْ مِن دارٍ واحِدَةٍ مِن دُورِهِ. وقِيلَ: لا يَخْرُجانِ إلّا مِن مُلْتَقى المِلْحِ والعَذْبِ. انْتَهى. وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: هَذا مِن بابِ حَذْفِ المُضافِ، والتَّقْدِيرُ: يَخْرُجُ مِن أحَدِهِما، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١]: أيْ مِن إحْدى القَرْيَتَيْنِ. وقِيلَ: هُما بَحْرانِ، يَخْرُجُ مِن أحَدِهِما اللُّؤْلُؤُ ومِنَ الآخَرِ المَرْجانُ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: كَلامُ اللَّهِ تَعالى أوْلى بِالِاعْتِبارِ مِن كَلامِ بَعْضِ النّاسِ ومَن أعْلَمَ أنَّ اللُّؤْلُؤَ لا يَخْرُجُ مِنَ الماءِ العَذْبِ ؟، وهَبْ أنَّ الغَوّاصِينَ ما أخْرَجُوهُ إلّا مِنَ المالِحِ. ولَكِنْ لِمَ قُلْتُمْ إنَّ الصَّدَفَ لا يَخْرُجُ بِأمْرِ اللَّهِ مِنَ الماءِ العَذْبِ إلى الماءِ المِلْحِ وكَيْفَ يُمْكِنُ الجَزْمُ بِهِ والأُمُورُ الأرْضِيَّةُ الظّاهِرَةُ خَفِيَتْ عَنِ التُّجّارِ الَّذِينَ قَطَعُوا المَفاوِزَ ودارُوا البِلادَ، فَكَيْفَ لا يَخْفى أمْرٌ ما في قَعْرِ البَحْرِ عَلَيْهِمْ ؟ واللُّؤْلُؤُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ وقَتادَةُ: كِبارُ الجَوْهَرِ. والمَرْجانُ صِغارُهُ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا وعَلِيٍّ ومُرَّةَ الهَمْدانِيِّ عَكْسُ هَذا. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ وأبُو مالِكٍ: المَرْجانُ: الحَجَرُ الأحْمَرُ. وقالَ الزَّجّاجُ: حَجَرٌ شَدِيدُ البَياضِ. وحَكى القاضِي أبُو يَعْلى أنَّهُ ضَرْبٌ مِنَ اللُّؤْلُؤِ، كالقُضْبانِ، والمَرْجانُ: اسْمٌ أعْجَمِيٌّ مُعَرَّبٌ. قالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: لَمْ أسْمَعْ فِيهِ نَقْلَ مُتَصَرِّفٍ، وقالَ الأعْشى:
؎مِن كُلِّ مَرْجانَةٍ في البَحْرِ أحْرَزَها ∗∗∗ تَيّارُها ووَقاها طِينَها الصَّدَفُ
قِيلَ: أرادَ اللُّؤْلُؤَةَ الكَبِيرَةَ. وقَرَأ طَلْحَةُ: اللُّؤْلِي بِكَسْرِ اللّامِ الثّالِثَةِ، وهي لُغَةٌ. وعَبَدُ الوَلِيِّ: تُقْلَبُ الهَمْزَةُ المُتَطَرِّفَةُ ياءً ساكِنَةً بَعْدَ كَسْرَةِ ما قَبْلَها، وهي لُغَةٌ، قالَهُ أبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ.
﴿ولَهُ الجَوارِي﴾: خَصَّ تَعالى الجَوارِيَ بِأنَّها لَهُ، وهو تَعالى لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما فِيهِنَّ، لِأنَّهم لَمّا كانُوا هم مُنْشِئِيها، أسْنَدَها تَعالى إلَيْهِ، إذْ كانَ تَمامُ مَنفَعَتِها إنَّما هو مِنهُ تَعالى، فَهو في الحَقِيقَةِ مالِكُها. والجَوارِي: السُّفُنُ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ والحَسَنُ وعَبْدُ الوارِثِ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِضَمِّ الرّاءِ، كَما قالُوا في شاكٍ شاكٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ؛ ﴿المُنْشَآتُ﴾ بِفَتْحِ الشِّينِ، اسْمَ مَفْعُولٍ: أيْ أنْشَأها اللَّهُ، أوِ النّاسُ، أوِ المَرْفُوعاتُ الشِّراعِ. وقالَ مُجاهِدٌ: ما لَهُ شِراعٌ مِنَ المُنْشَآتِ، وما لَمْ يُرْفَعْ لَهُ شِراعٌ، فَلَيْسَ مِنَ المُنْشَآتِ. والشِّراعُ: القَلْعُ. والأعْمَشُ وحَمْزَةُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وطَلْحَةُ وأبُو بَكْرٍ: بِخِلافٍ عَنْهُ، بِكَسْرِ الشِّينِ: أيِ الرّافِعاتُ الشِّراعِ، أوِ اللّاتِي يُنْشِئْنَ الأمْواجَ بِجَرْيِهِنَّ، أوِ الَّتِي تُنْشِئُ السَّفَرَ إقْبالًا وإدْبارًا. وشَدَّدَ الشِّينَ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ والحَسَنُ المُنَشَّأةُ، وحَدَّ الصِّفَةَ، ودَلَّ عَلى الجَمْعِ المَوْصُوفِ، كَقَوْلِهِ: ﴿أزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ [البقرة: ٢٥]، وقَلَبَ الهَمْزَةَ ألِفًا عَلى حَدِّ قَوْلِهِ:
؎إنَّ السِّباعَ لَتَهْدا في مَرابِضِها
يُرِيدُ: لَتَهْدَأُ، التّاءُ لِتَأْنِيثِ الصِّفَةِ، كُتِبَتْ تاءً عَلى لَفْظِها في الوَصْلِ.
﴿كالأعْلامِ﴾: أيْ كالجِبالِ والآكامِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى كِبَرِ السُّفُنِ حَيْثُ شَبَّهَها بِالجِبالِ، وإنْ كانَتِ المُنْشَآتُ تَنْطَلِقُ عَلى السَّفِينَةِ الكَبِيرَةِ والصَّغِيرَةِ. وعَبَّرَ بِمَن في قَوْلِهِ: ﴿كُلُّ مَن عَلَيْها﴾ تَغْلِيبًا لِمَن يَعْقِلُ، والضَّمِيرُ في (عَلَيْها) قَلِيلٌ عائِدٌ عَلى الأرْضِ في قَوْلِهِ: ﴿والأرْضَ وضَعَها لِلْأنامِ﴾، فَعادَ الضَّمِيرُ عَلَيْها، وإنْ كانَ بَعْدَ لَفْظِها. والفَناءُ عِبارَةٌ عَنْ إعْدامِ جَمِيعِ المَوْجُوداتِ مِن حَيَوانٍ وغَيْرِهِ، والوَجْهُ يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ حَقِيقَةِ الشَّيْءِ، والجارِحَةُ مُنْتَفِيَةٌ عَنِ اللَّهِ تَعالى، ونَحْوَ ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا وجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] . وتَقُولُ صَعالِيكُ مَكَّةَ: أيْنَ وجْهُ عَرَبِيٍّ كَرِيمٍ يَجُودُ عَلَيَّ ؟ وقَرَأ الجُمْهُورُ: ذُو بِالواوِ، وصِفَةً لِلْوَجْهِ. وأُبَيُّ وعَبْدُ اللَّهِ: ذِي بِالياءِ، صِفَةً لِلرَّبِّ. والظّاهِرُ أنَّ الخِطابَ في قَوْلِهِ: ﴿وجْهُ رَبِّكَ﴾ لِلرَّسُولِ، وفِيهِ تَشْرِيفٌ عَظِيمٌ لَهُ، ﷺ . وقِيلَ: (p-١٩٣)الخِطابُ لِكُلِّ سامِعٍ. ومَعْنى ﴿ذُو الجَلالِ﴾: الَّذِي يُجِلُّهُ المُوَحِّدُونَ عَنِ التَّشْبِيهِ بِخَلْقِهِ وعَنْ أفْعالِهِمْ، أوِ الَّذِي يُتَعَجَّبُ مِن جَلالِهِ، أوِ الَّذِي عِنْدَهُ الجَلالُ والإكْرامُ لِلْمُخْلِصِينَ مِن عِبادِهِ.
﴿يَسْألُهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾: أيْ حَوائِجَهم، وهو ما يَتَعَلَّقُ بِمَن في السَّماواتِ مِن أمْرِ الدِّينِ وما اسْتُعْبِدُوا بِهِ، ومَن في الأرْضِ مِن أمْرِ دِينِهِمْ ودُنْياهم. وقالَ أبُو صالِحٍ: مَن في السَّماواتِ الرَّحْمَةَ ومَن في الأرْضِ المَغْفِرَةَ والرِّزْقَ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: المَلائِكَةُ الرِّزْقَ لِأهْلِ الأرْضِ والمَغْفِرَةَ، وأهْلُ الأرْضِ يَسْألُونَهُما جَمِيعًا. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: يَسْألُهُ اسْتِئْنافُ إخْبارٍ. وقِيلَ: حالٌ مِنَ الوَجْهِ، والعامِلُ فِيهِ يَبْقى، أيْ هو دائِمٌ في هَذِهِ الحالِ. انْتَهى، وفِيهِ بُعْدٌ. ومَن لا يَسْألُ، فَحالُهُ تَقْتَضِي السُّؤالَ، فَيَصِحُّ إسْنادُ السُّؤالِ إلى الجَمِيعِ بِاعْتِبارِ القَدْرِ المُشْتَرَكِ، وهو الِافْتِقارُ إلَيْهِ تَعالى.
﴿كُلَّ يَوْمٍ﴾: أيْ كُلَّ ساعَةٍ ولَحْظَةٍ، وذَكَرَ اليَوْمَ لِأنَّ السّاعاتِ واللَّحَظاتِ في ضِمْنِهِ.
﴿هُوَ في شَأْنٍ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: في شَأْنٍ يُمْضِيهِ مِنَ الخَلْقِ والرِّزْقِ والإحْياءِ والإماتَةِ. وقالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: يُجِيبُ داعِيًا، ويَفُكُّ عانِيًا، ويَتُوبُ عَلى قَوْمٍ، ويَغْفِرُ لِقَوْمٍ. وقالَ سُوَيْدُ بْنُ غَفْلَةَ: يُعْتِقُ رِقابًا، ويُعْطِي رَغامًا ويُقْحِمُ عِقابًا. وقالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: الدَّهْرُ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمانِ، أحَدُهُما اليَوْمُ الَّذِي هو مُدَّةُ الدُّنْيا، فَشَأْنُهُ فِيهِ الأمْرُ والنَّهْيُ والإماتَةُ والإحْياءُ؛ والثّانِي الَّذِي هو يَوْمُ القِيامَةِ، فَشَأْنُهُ فِيهِ الجَزاءُ والحِسابُ. وعَنْ مُقاتِلٍ: نَزَلَتْ في اليَهُودِ، فَقالُوا: إنَّ اللَّهَ لا يَقْضِي يَوْمَ السَّبْتِ شَيْئًا. وقالَ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ، وقَدْ سَألَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طاهِرٍ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هو في شَأْنٍ﴾: وقَدْ صَحَّ أنَّ القَلَمَ جَفَّ بِما هو كائِنٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ فَقالَ: شُئُونٌ يُبْدِيها، لا شُئُونٌ يَبْتَدِيها. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: هو في يَوْمِ الدُّنْيا في الِابْتِلاءِ، وفي يَوْمِ القِيامَةِ في الجَزاءِ. وانْتَصَبَ ﴿كُلَّ يَوْمٍ﴾ عَلى الظَّرْفِ، والعامِلُ فِيهِ العامِلُ في قَوْلِهِ: ﴿فِي شَأْنٍ﴾، وهو مُسْتَقِرٌّ المَحْذُوفُ، نَحْوَ: يَوْمَ الجُمُعَةِ زَيْدٌ قائِمٌ.
الرحمن 55:8
ولَمّا ذَكَرَ تَعالى ما أنْعَمَ بِهِ مِن مَنفَعَةِ الشَّمْسِ والقَمَرِ، وكانَ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ العُلْوِيَّةِ، ذَكَرَ في مُقابَلَتِهِما مِنَ الآثارِ السُّفْلِيَّةِ النَّجْمَ والشَّجَرَ، إذْ كانا رِزْقًا لِلْإنْسانِ، وأخْبَرَ أنَّهُما جارِيانِ عَلى ما أرادَ اللَّهُ بِهِما، مِن تَسْخِيرِهِما وكَيْنُونَتِهِما عَلى ما اقْتَضَتْهُ حِكْمَتُهُ تَعالى. ولَمّا ذَكَرَ ما بِهِ حَياةُ الأرْواحِ مِن تَعْلِيمِ القُرْآنِ، ذَكَرَ ما بِهِ حَياةُ الأشْباحِ مِنَ النَّباتِ الَّذِي لَهُ ساقٌ، وكانَ تَقْدِيمُ النَّجْمِ، وهو ما لا ساقَ لَهُ، لِأنَّهُ أصْلُ القُوتِ، والَّذِي لَهُ ساقٌ ثَمَرُهُ يُتَفَكَّهُ بِهِ غالِبًا. والظّاهِرُ أنَّ النَّجْمَ هو الَّذِي شَرَحْناهُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ اقْتِرانُهُ بِالشَّجَرِ. وقالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ والحَسَنُ: النَّجْمُ: اسْمُ الجِنْسِ مِن نُجُومِ السَّماءِ. وسُجُودُهُما، قالَ مُجاهِدٌ والحَسَنُ: ذَلِكَ في النَّجْمِ بِالغُرُوبِ ونَحْوِهِ، وفي الشَّجَرِ بِالظِّلِّ واسْتِدارَتِهِ. وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: والسُّجُودُ تَجَوُّزٌ، وهو عِبارَةٌ عَنِ الخُضُوعِ والتَّذَلُّلِ. والجُمَلُ الأُوَلُ فِيها ضَمِيرٌ يَرْبُطُها بِالمُبْتَدَأِ، وأمّا في هاتَيْنِ الجُمْلَتَيْنِ فاكْتَفى بِالوَصْلِ المَعْنَوِيِّ عَنِ الوَصْلِ اللَّفْظِيِّ، إذْ مَعْلُومٌ أنَّ الحُسْبانَ هو حُسْبانُهُ، وأنَّ السُّجُودَ لَهُ لا لِغَيْرِهِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: بِحُسْبانِهِ ويَسْجُدانِ لَهُ. ولَمّا أُورِدَتْ هَذِهِ الجُمَلُ مَوْرِدَ تَعْدِيدِ النِّعَمِ رُدَّ الكَلامُ إلى العَطْفِ في وصْلِ ما يُناسِبُ وصْلَهُ، والتَّناسُبُ الَّذِي بَيْنَ هاتَيْنِ الجُمْلَتَيْنِ ظاهِرٌ، لِأنَّ الشَّمْسَ والقَمَرَ عُلْوِيّانِ، والنَّجْمُ والشَّجَرُ سُفْلِيّانِ.
﴿والسَّماءَ رَفَعَها﴾: أيْ خَلَقَها مَرْفُوعَةً، حَيْثُ جَعَلَها مَصْدَرَ قَضاياهُ ومَسْكَنَ مَلائِكَتِهِ الَّذِينَ يَنْزِلُونَ بِالوَحْيِ عَلى أنْبِيائِهِ، ونَبَّهَ بِذَلِكَ عَلى عِظَمِ شَأْنِهِ ومِلْكِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (والسَّماءَ)، بِالنَّصْبِ عَلى الِاشْتِغالِ، رُوعِيَ مُشاكَلَةُ الجُمْلَةِ الَّتِي تَلِيهِ وهي ﴿يَسْجُدانِ﴾ [الرحمن: ٦] . وقَرَأ أبُو السَّمّالِ: والسَّماءُ بِالرَّفْعِ، راعى مُشاكَلَةَ الجُمْلَةِ الِابْتِدائِيَّةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ووَضَعَ المِيزانَ﴾، فِعْلًا ماضِيًا ناصِبًا المِيزانَ، أيْ أقَرَّهُ وأثْبَتَهُ. وقَرَأ إبْراهِيمُ: ووَضْعِ المِيزانِ، بِالخَفْضِ وإسْكانِ الضّادِ. والظّاهِرُ أنَّهُ كُلُّ ما يُوزَنُ بِهِ الأشْياءُ وتُعْرَفُ مَقادِيرُها، وإنِ اخْتَلَفَتِ الآلاتُ، قالَ مَعْناهُ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وقَتادَةُ، جَعَلَهُ تَعالى حاكِمًا بِالسَّوِيَّةِ في الأخْذِ والإعْطاءِ. وقالَ مُجاهِدٌ والطَّبَرِيُّ والأكْثَرُونَ: المِيزانُ: العَدْلُ، وتَكُونُ الآلاتُ مِن بَعْضِ ما يَنْدَرِجُ في العَدْلِ. بَدَأ أوَّلًا بِالعِلْمِ، فَذَكَرَ ما فِيهِ أشْرَفُ أنْواعِ العُلُومِ وهو القُرْآنُ؛ ثُمَّ ذَكَرَ ما بِهِ التَّعْدِيلُ في الأُمُورِ، وهو المِيزانُ، كَقَوْلِهِ: ﴿وأنْزَلْنا مَعَهُمُ الكِتابَ والمِيزانَ﴾ [الحديد: ٢٥]، لِيُعَلِّمُوا الكِتابَ ويَفْعَلُوا ما يَأْمُرُهم بِهِ الكِتابُ. (أنْ لا تَطْغَوْا في المِيزانِ): أيْ لِأنْ لا تَطْغَوْا، فَتَطْغَوْا مَنصُوبٌ بِأنْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ هي ”أنِ“ المُفَسِّرَةُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ أنْ مُفَسِّرَةً، فَيَكُونُ تَطْغَوْا جَزْمًا بِالنَّهْيِ. انْتَهى، ولا يَجُوزُ ما قالاهُ مِن أنَّ أنْ مُفَسِّرَةٌ، لِأنَّهُ فاتَ أحَدُ شَرْطَيْها، وهو أنْ يَكُونَ ما قَبْلَها جُمْلَةً فِيها مَعْنى القَوْلِ.
﴿ووَضَعَ المِيزانَ﴾ جُمْلَةٌ لَيْسَ فِيها مَعْنى القَوْلِ. والطُّغْيانُ في المِيزانِ هو أنْ يَكُونَ بِالتَّعَمُّدِ، وأمّا ما لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنَ التَّحْرِيرِ بِالمِيزانِ فَمَعْفُوٌّ عَنْهُ.
ولَمّا كانَتِ التَّسْوِيَةُ مَطْلُوبَةً جِدًّا، أمَرَ اللَّهُ تَعالى فَقالَ: ﴿وأقِيمُوا الوَزْنَ﴾ . وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ولا تُخْسِرُوا﴾، مِن أخْسَرَ: أيْ أفْسَدَ ونَقَصَ، كَقَوْلِهِ: ﴿وإذا كالُوهم أوْ وزَنُوهم يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين: ٣]؛ أيْ يَنْقُصُونَ. وبِلالُ بْنُ أبِي بُرْدَةَ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: تَخْسَرُ بِفَتْحِ التّاءِ، يُقالُ: خَسِرَ يَخْسَرُ، وأخْسَرَ يُخْسِرُ بِمَعْنًى واحِدٍ، كَجَبَرَ وأجْبَرَ. وحَكى ابْنُ جِنِّي وصاحِبُ اللَّوامِحِ، عَنْ بِلالٍ فَتْحَ التّاءِ والسِّينِ مُضارِعُ خَسِرَ بِكَسْرِ السِّينِ، وخَرَّجَها الزَّمَخْشَرِيُّ عَلى أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: في المِيزانِ، فَحَذَفَ الجارَّ ونَصَبَ، ولا يُحْتاجُ إلى هَذا التَّخْرِيجِ. ألا تَرى أنَّ خَسِرَ جاءَ مُتَعَدِّيًا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٢]، و﴿خَسِرَ الدُّنْيا والآخِرَةَ﴾ [الحج: ١١] ؟ وقُرِئَ أيْضًا: تَخْسُرُوا، بِفَتْحِ التّاءِ وضَمِّ السِّينِ. لِما مُنِعَ مِنَ الزِّيادَةِ، وهي الطُّغْيانُ، نَهى عَنِ الخُسْرانِ الَّذِي هو نُقْصانٌ، وكَرَّرَ لَفْظَ المِيزانِ، تَشْدِيدًا لِلتَّوْصِيَةِ بِهِ وتَقْوِيَةً لِلْأمْرِ بِاسْتِعْمالِهِ والحَثِّ عَلَيْهِ.
ولَمّا ذَكَرَ السَّماءَ، ذَكَرَ مُقابِلَتَها فَقالَ: ﴿والأرْضَ وضَعَها لِلْأنامِ﴾: أيْ خَفَضَها (p-١٩٠)مَدْحُوَّةً عَلى الماءِ لِيُنْتَفَعَ بِها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”والأرْضَ“ بِالنَّصْبِ؛ وأبُو السَّمّالِ: بِالرَّفْعِ: ”والأنامُ“، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بَنُو آدَمَ فَقَطْ. وقالَ أيْضًا هو وقَتادَةُ وابْنُ زَيْدٍ والشَّعْبِيُّ: الحَيَوانُ كُلُّهُ. وقالَ الحَسَنُ: الثَّقَلانِ الجِنُّ والإنْسُ.
﴿فِيها فاكِهَةٌ﴾: ضُرُوبٌ مِمّا يُتَفَكَّهُ بِهِ. وبَدَأ بِقَوْلِهِ: ﴿فاكِهَةٌ﴾، إذْ هو مِن بابِ الِابْتِداءِ بِالأدْنى والتَّرَقِّي إلى الأعْلى، ونَكَّرَ لَفْظَها، لِأنَّ الِانْتِفاعَ بِها دُونَ الِانْتِفاعِ بِما يُذْكَرُ بَعْدَها. ثُمَّ ثَنّى بِالنَّخْلِ، فَذَكَرَ الأصْلَ ولَمْ يَذْكُرْ ثَمَرَتَها، وهو الثَّمَرُ لِكَثْرَةِ الِانْتِفاعِ بِها مِن لِيفٍ وسَعَفٍ وجَرِيدٍ وجُذُوعٍ وجُمّارٍ وثَمَرٍ. ثُمَّ أتى ثالِثًا بِالحَبِّ الَّذِي هو قِوامُ عَيْشِ الإنْسانِ في أكْثَرِ الأقالِيمِ، وهو البُرُّ والشَّعِيرُ وكُلُّ ما لَهُ سُنْبُلٌ وأوْراقٌ مُتَشَعِّبَةٌ عَلى ساقِهِ، ووَصَفَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ذُو العَصْفِ﴾ تَنْبِيهًا عَلى إنْعامِهِ عَلَيْهِمْ بِما يَقُوتُهم مِنَ الحَبِّ، ويَقُوتُ بَهائِمَهم مِن ورَقِهِ الَّذِي هو التِّبْنُ. وبَدَأ بِالفاكِهَةِ وخَتَمَ بِالمَشْمُومِ، وبَيْنَهُما النَّخْلُ والحَبُّ، لِيَحْصُلَ ما بِهِ يُتَفَكَّهُ، وما بِهِ يُتَقَوَّتُ، وما بِهِ تَقَعُ اللَّذاذَةُ مِنَ الرّائِحَةِ الطَّيِّبَةِ. وذَكَرَ النَّخْلَ بِاسْمِها والفاكِهَةَ دُونَ شَجَرِها، لِعِظَمِ المَنفَعَةِ بِالنَّخْلِ مِن جِهاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ، وشَجَرَةُ الفاكِهَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى ثَمَرَتِها حَقِيرَةٌ، فَنَصَّ عَلى ما يَعْظُمُ بِهِ الِانْتِفاعُ مِن شَجَرَةِ النَّخْلِ ومِنَ الفاكِهَةِ دُونَ شَجَرَتِها.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿والحَبُّ ذُو العَصْفِ والرَّيْحانُ﴾، بِرَفْعِ الثَّلاثَةِ عَطْفًا عَلى المَرْفُوعِ قَبْلَهُ؛ وابْنُ عامِرٍ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِنَصْبِ الثَّلاثَةِ، أيْ وخَلَقَ الحَبَّ. وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ ﴿والرَّيْحانُ﴾ حالَةَ الرَّفْعِ وحالَةَ النَّصْبِ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ وذُو الرَّيْحانِ حَذَفَ المُضافَ وأقامَ المُضافَ إلَيْهِ مَقامَهُ؛ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ والأصْمَعِيُّ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: والرَّيْحانُ بِالجَرِّ، والمَعْنى: والحَبُّ ذُو العَصْفِ الَّذِي هو عَلَفُ البَهائِمِ، والرَّيْحانُ الَّذِي هو مَطْعَمُ النّاسِ، ويَبْعُدُ دُخُولُ المَشْمُومِ في قِراءَةِ الجَرِّ، ورَيْحانُ مِن ذَواتِ الواوِ. وأجازَ أبُو عَلِيٍّ أنْ يَكُونَ اسْمًا، ووُضِعَ مَوْضِعَ المَصْدَرِ، وأنْ يَكُونَ مَصْدَرًا عَلى وزْنِ فَعْلانَ كاللَّبّانِ. وأُبْدِلَتِ الواوُ ياءً، كَما أبْدَلُوا الياءَ واوًا في أشاوى، أوْ مَصْدَرًا شاذًّا في المُعْتَلِّ، كَما شَذَّ كَبَنُونَةٍ وبَيْنُونَةٍ، فَأصْلُهُ رَيْوِحانُ، قُلِبَتِ الواوُ ياءً وأُدْغِمَتْ في الياءِ فَصارَ رَيِّحانَ، ثُمَّ حُذِفَتْ عَيْنُ الكَلِمَةِ، كَما قالُوا: مَيْتٌ وهَيْنٌ.
ولَمّا عَدَّدَ تَعالى نِعَمَهُ، خاطَبَ الثَّقَلَيْنِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٣٢]، أيْ أنَّ نِعَمَهُ كَثِيرَةٌ لا تُحْصى، فَبِأيِّها تُكَذِّبانِ ؟ أيْ مَن هَذِهِ نِعَمُهُ لا يُمْكِنُ أنْ يُكَذَّبَ بِها. وكانَ هَذا الخِطابُ لِلثَّقَلَيْنِ، لِأنَّهُما داخِلانِ في الأنامِ عَلى أصَحِّ الأقْوالِ. ولِقَوْلِهِ: ﴿خَلَقَ الإنْسانَ﴾، و﴿وخَلَقَ الجانَّ﴾؛ ولِقَوْلِهِ: ﴿سَنَفْرُغُ لَكم أيُّها الثَّقَلانِ﴾ [الرحمن: ٣١]، وقَدْ أبْعَدَ مَن جَعَلَهُ خِطابًا لِلذَّكَرِ والأُنْثى مِن بَنِي آدَمَ. وأبْعَدُ مِن هَذا قَوْلُ مَن قالَ: إنَّهُ خِطابٌ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ: ﴿ألْقِيا في جَهَنَّمَ﴾ [ق: ٢٤]، ويا حَرَسِي اضْرِبا عُنُقَهُ، يَعْنِي أنَّهُ خِطابٌ لِلْواحِدِ بِصُورَةِ الِاثْنَيْنِ، فَبِأيِّ مُنَوَّنًا في جَمِيعِ السُّورَةِ، كَأنَّهُ حُذِفَ مِنهُ المُضافُ إلَيْهِ وأُبْدِلَ مِنهُ (آلاءِ رَبِّكُما) بَدَلَ مَعْرِفَةٍ مِن نَكِرَةٍ، وآلاءُ تَقَدَّمَ في الأعْرافِ أنَّها النِّعَمُ، واحِدُها إلْيٌ وألًا وإلًى وألْيٌ.
﴿خَلَقَ الإنْسانَ﴾: لَمّا ذَكَرَ العالَمَ الأكْبَرَ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ وما أوْجَدَ فِيها مِنَ النِّعَمِ، ذَكَرَ مَبْدَأ مَن خُلِقَتْ لَهُ هَذِهِ النِّعَمُ، والإنْسانُ هو آدَمُ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ. وقِيلَ: لِلْجِنْسِ، وساغَ ذَلِكَ لِأنَّ أباهم مَخْلُوقٌ مِنَ الصَّلْصالِ. وإذا أُرِيدَ بِالإنْسانِ آدَمُ، فَقَدْ جاءَتْ غاياتٌ لَهُ مُخْتَلِفَةٌ، وذَلِكَ بِتَنَقُّلِ أصْلِهِ؛ فَكانَ أوَّلًا تُرابًا، ثُمَّ طِينًا، ثُمَّ حَمَأً مَسْنُونًا، ثُمَّ صَلْصالًا، فَناسَبَ أنْ يُنْسَبَ خَلْقُهُ لِكُلِّ واحِدٍ مِنها. والجانُّ هو أبُو الجِنِّ، وهو إبْلِيسُ، قالَهُ الحَسَنُ. وقالَ مُجاهِدٌ: هو أبُو الجِنِّ، ولَيْسَ بِإبْلِيسَ. وقِيلَ: الجانُّ اسْمُ جِنْسٍ، والمارِجُ: ما اخْتَلَطَ مِن أصْفَرَ وأحْمَرَ وأخْضَرَ، أوِ اللَّهَبُ، أوِ الخالِصُ، أوِ الحُمْرَةُ في طَرَفِ النّارِ، أوِ المُخْتَلِطُ بِسَوادٍ، أوِ المُضْطَرِبُ بِلا دُخانٍ، أقْوالٌ، (ومِن) الأُولى لِابْتِداءِ الغايَةِ، والثّانِيَةُ في (مِن نارٍ) لِلتَّبْعِيضِ. وقِيلَ لِلْبَيانِ، والتَّكْرارُ في هَذِهِ الفَواصِلِ: لِلتَّأْكِيدِ والتَّنْبِيهِ والتَّحْرِيكِ، وهي مَوْجُودَةٌ في مَواضِعَ مِنَ القُرْآنِ. وذَهَبَ قَوْمٌ مِنهُمُ ابْنُ قُتَيْبَةَ إلى أنَّ هَذا التَّكْرارَ إنَّما هو لِاخْتِلافِ النِّعَمِ، فَكَرَّرَ (p-١٩١)التَّوْقِيفَ في كُلِّ واحِدٍ مِنها.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: (رَبُّ)، و(رَبُّ) بِالرَّفْعِ، أيْ هو رَبٌّ؛ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِالخَفْضِ بَدَلًا مِن رَبِّكُما، وثَنّى المُضافَ إلَيْهِ لِأنَّهُما مَشْرِقا الصَّيْفِ والشِّتاءِ ومَغْرِباهُما، قالَهُ مُجاهِدٌ. وقِيلَ: مَشْرِقا الشَّمْسِ والقَمَرِ ومَغْرِباهُما. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: لِلشَّمْسِ مَشْرِقٌ في الصَّيْفِ مُصْعِدٌ، ومَشْرِقٌ في الشِّتاءِ مُنْحَدِرٌ، تَنْتَقِلُ فِيهِما مُصْعِدَةً ومُنْحَدِرَةً. انْتَهى. فالمَشْرِقانِ والمَغْرِبانِ لِلشَّمْسِ. وقِيلَ: المَشْرِقانِ: مَطْلَعُ الفَجْرِ ومَطْلَعُ الشَّمْسِ، والمَغْرِبانِ مَغْرِبُ الشَّفَقِ ومَغْرِبُ الشَّمْسِ. ولِسَهْلٍ التُّسْتَرِيِّ كَلامٌ في المَشْرِقَيْنِ والمَغْرِبَيْنِ شَبِيهٌ بِكَلامِ الباطِنِيَّةِ المُحَرِّفِينَ مَدْلُولَ كَلامِ اللَّهِ، ضَرَبْنا عَنْ ذِكْرِهِ صَفْحًا. وكَذَلِكَ ما وقَفْنا عَلَيْهِ مِن كَلامِ الغُلاةِ الَّذِينَ يُنْسَبُونَ لِلصُّوفِيَّةِ، لِأنّا لا نَسْتَحِلُّ نَقْلَ شَيْءٍ مِنهُ. وقَدْ أوْلَغَ صاحِبُ كِتابِ التَّحْرِيرِ والتَّحْبِيرِ بِحَسْبِ ما قالَهُ هَؤُلاءِ الغُلاةُ في كُلِّ آيَةٍ آيَةٍ، ويُسَمِّي ذَلِكَ الحَقائِقَ، وأرْبابُ القُلُوبِ وما ادَّعَوْا فَهْمَهُ في القُرْآنِ فَأوْغَلُوا فِيهِ لَمْ يَفْهَمْهُ عَرَبِيٌّ قَطُّ، ولا أرادَهُ اللَّهُ تَعالى بِتِلْكَ الألْفاظِ، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِن ذَلِكَ.
﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ذَلِكَ في الفُرْقانِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وذَكَرَ الثَّعْلَبِيُّ في ﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ﴾ ألْغازًا وأقْوالًا باطِنَةً لا يُلْتَفَتُ إلى شَيْءٍ مِنها. انْتَهى، والظّاهِرُ التِقاؤُهُما، أيْ يَتَجاوَرانِ، فَلا فَصْلَ بَيْنَ الماءَيْنِ في رُؤْيَةِ العَيْنِ. وقِيلَ: يَلْتَقِيانِ في كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً. وقِيلَ: مُعَدّانِ لِلِالتِقاءِ، فَحَقُّهُما أنْ يَلْتَقِيا لَوْلا البَرْزَخُ بَيْنَهُما.
﴿بَرْزَخٌ﴾: أيْ حاجِزٌ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، ﴿لا يَبْغِيانِ﴾: لا يَتَجاوَزانِ حَدَّهُما، ولا يَبْغِي أحَدُهُما عَلى الآخَرِ بِالمُمازَجَةِ. وقِيلَ: البَرْزَخُ: أجْرامُ الأرْضِ، قالَهُ قَتادَةُ؛ وقِيلَ: لا يَبْغِيانِ: أيْ عَلى النّاسِ والعُمْرانِ، وعَلى هَذا والَّذِي قَبْلَهُ يَكُونُ مِنَ البَغْيِ. وقِيلَ: هو مِن بَغى، أيْ طَلَبَ، فالمَعْنى: لا يَبْغِيانِ حالًا غَيْرَ الحالِ الَّتِي خُلِقا عَلَيْها وسُخِّرا لَها. وقِيلَ: ماءُ الأنْهارِ لا يَخْتَلِطُ بِالماءِ المِلْحِ، بَلْ هو بِذاتِهِ باقٍ فِيهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والعِيانُ لا يَقْتَضِيهِ. انْتَهى، يَعْنِي أنَّهُ يُشاهِدُ الماءَ العَذْبَ يَخْتَلِطُ بِالمِلْحِ فَيَبْقى كُلُّهُ مِلْحًا، وقَدْ يُقالُ: إنَّهُ بِالِاخْتِلاطِ تَتَغَيَّرُ أجْرامُ العَذْبِ حَتّى لا تَظْهَرَ، فَإذا ذاقَ الإنْسانُ مِنَ المِلْحِ المُنْبَثِّ فِيهِ تِلْكَ الأجْزاءُ الدَّقِيقَةُ لَمْ يُحِسَّ إلّا المُلُوحَةَ، والمَعْقُولُ يَشْهَدُ بِذَلِكَ، لِأنَّ تَداخُلَ الأجْسامِ غَيْرُ مُمْكِنٍ، لَكِنَّ التَّفَرُّقَ والِالتِقاءَ مُمْكِنٌ. وأنْشَدَ القاضِي مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ البَلُّوطِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى:
؎ومَمْزُوجَةُ الأمْواهِ لا العَذْبُ غالِبٌ عَلى المِلْحِ طِيبًا لا ولا المِلْحُ يَعْذُبُ
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿يَخْرُجُ﴾ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ؛ ونافِعٌ وأبُو عَمْرٍو وأهْلُ المَدِينَةِ: مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ؛ والجُعْفِيٌّ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِالياءِ مَضْمُومَةً وكَسْرِ الرّاءِ، أيْ يُخْرِجُ اللَّهُ؛ وعَنْهُ وعَنْ أبِي عَمْرٍو، وعَنِ ابْنِ مِقْسَمٍ: بِالنُّونِ. واللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ نُصِبَ في هاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ. والظّاهِرُ في (مِنهُما) أنَّ ذَلِكَ يَخْرُجُ مِنَ المِلْحِ والعَذْبِ. وقالَ بِذَلِكَ قَوْمٌ، حَكاهُ الأخْفَشُ. ورَدَّ النّاسُ هَذا القَوْلَ، قالُوا: والحِسُّ يُخالِفُهُ، إذْ لا يَخْرُجُ إلّا مِنَ المِلْحِ، وعابُوا قَوْلَ الشّاعِرِ:
؎فَجاءَ بِها ما شِئْتَ مِن لَطِيمَةٍ ∗∗∗ عَلى وجْهِها ماءُ الفُراتِ يَمُوجُ
وقالَ الجُمْهُورُ: إنَّما يَخْرُجُ مِنَ الأُجاجِ في المَواضِعِ الَّتِي تَقَعُ فِيها الأنْهارُ والمِياهُ العَذْبَةُ، فَناسَبَ إسْنادَ ذَلِكَ إلَيْهِما، وهَذا مَشْهُورٌ عِنْدَ الغَوّاصِينَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ: تَكُونُ هَذِهِ الأشْياءُ في البَحْرِ بِنُزُولِ المَطَرِ، لِأنَّ الصَّدَفَ وغَيْرَها تَفْتَحُ أفْواهَها لِلْمَطَرِ، فَلِذَلِكَ قالَ (مِنهُما) . وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: إنَّما يَخْرُجُ مِنَ المِلْحِ، لَكِنَّهُ قالَ (مِنهُما) تَجَوُّزًا. وقالَ الرُّمّانِيُّ: العَذْبُ فِيها كاللِّقاحِ لِلْمِلْحِ، فَهو كَما يُقالُ؛ الوَلَدُ يَخْرُجُ مِنَ الذَّكَرِ والأُنْثى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ، وتَبِعَ الزَّجّاجَ مِن حَيْثُ هُما نَوْعٌ واحِدٌ، فَخُرُوجُ هَذِهِ الأشْياءِ إنَّما هي مِنهُما، وإنْ كانَتْ تَخْتَصُّ عِنْدَ التَّفْصِيلِ المَبالَغِ بِأحَدِهِما، كَما قالَ: ﴿سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا﴾ [نوح: ١٥] ﴿وجَعَلَ القَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾ [نوح: ١٦]، (p-١٩٢)وإنَّما هو في إحْداهُنَّ، وهي الدُّنْيا إلى الأرْضِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ نَحْوًا مِن قَوْلِ ابْنِ عَطِيَّةَ، قالَ: فَإنْ قُلْتَ: لِمَ قالَ (مِنهُما)، وإنَّما يَخْرُجانِ مِنَ المِلْحِ قُلْتُ: لَمّا التَقَيا وصارا كالشَّيْءِ الواحِدِ، جازَ أنْ يُقالَ: يَخْرُجانِ مِنهُما، كَما يُقالُ: يَخْرُجانِ مِنَ البَحْرِ، ولا يَخْرُجانِ مِن جَمِيعِ البَحْرِ، ولَكِنْ مِن بَعْضِهِ. وتَقُولُ: خَرَجْتُ مِنَ البَلَدِ، وإنَّما خَرَجْتَ مِن مَحَلَّةٍ مِن مَحالِّهِ، بَلْ مِن دارٍ واحِدَةٍ مِن دُورِهِ. وقِيلَ: لا يَخْرُجانِ إلّا مِن مُلْتَقى المِلْحِ والعَذْبِ. انْتَهى. وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: هَذا مِن بابِ حَذْفِ المُضافِ، والتَّقْدِيرُ: يَخْرُجُ مِن أحَدِهِما، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١]: أيْ مِن إحْدى القَرْيَتَيْنِ. وقِيلَ: هُما بَحْرانِ، يَخْرُجُ مِن أحَدِهِما اللُّؤْلُؤُ ومِنَ الآخَرِ المَرْجانُ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: كَلامُ اللَّهِ تَعالى أوْلى بِالِاعْتِبارِ مِن كَلامِ بَعْضِ النّاسِ ومَن أعْلَمَ أنَّ اللُّؤْلُؤَ لا يَخْرُجُ مِنَ الماءِ العَذْبِ ؟، وهَبْ أنَّ الغَوّاصِينَ ما أخْرَجُوهُ إلّا مِنَ المالِحِ. ولَكِنْ لِمَ قُلْتُمْ إنَّ الصَّدَفَ لا يَخْرُجُ بِأمْرِ اللَّهِ مِنَ الماءِ العَذْبِ إلى الماءِ المِلْحِ وكَيْفَ يُمْكِنُ الجَزْمُ بِهِ والأُمُورُ الأرْضِيَّةُ الظّاهِرَةُ خَفِيَتْ عَنِ التُّجّارِ الَّذِينَ قَطَعُوا المَفاوِزَ ودارُوا البِلادَ، فَكَيْفَ لا يَخْفى أمْرٌ ما في قَعْرِ البَحْرِ عَلَيْهِمْ ؟ واللُّؤْلُؤُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ وقَتادَةُ: كِبارُ الجَوْهَرِ. والمَرْجانُ صِغارُهُ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا وعَلِيٍّ ومُرَّةَ الهَمْدانِيِّ عَكْسُ هَذا. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ وأبُو مالِكٍ: المَرْجانُ: الحَجَرُ الأحْمَرُ. وقالَ الزَّجّاجُ: حَجَرٌ شَدِيدُ البَياضِ. وحَكى القاضِي أبُو يَعْلى أنَّهُ ضَرْبٌ مِنَ اللُّؤْلُؤِ، كالقُضْبانِ، والمَرْجانُ: اسْمٌ أعْجَمِيٌّ مُعَرَّبٌ. قالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: لَمْ أسْمَعْ فِيهِ نَقْلَ مُتَصَرِّفٍ، وقالَ الأعْشى:
؎مِن كُلِّ مَرْجانَةٍ في البَحْرِ أحْرَزَها ∗∗∗ تَيّارُها ووَقاها طِينَها الصَّدَفُ
قِيلَ: أرادَ اللُّؤْلُؤَةَ الكَبِيرَةَ. وقَرَأ طَلْحَةُ: اللُّؤْلِي بِكَسْرِ اللّامِ الثّالِثَةِ، وهي لُغَةٌ. وعَبَدُ الوَلِيِّ: تُقْلَبُ الهَمْزَةُ المُتَطَرِّفَةُ ياءً ساكِنَةً بَعْدَ كَسْرَةِ ما قَبْلَها، وهي لُغَةٌ، قالَهُ أبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ.
﴿ولَهُ الجَوارِي﴾: خَصَّ تَعالى الجَوارِيَ بِأنَّها لَهُ، وهو تَعالى لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما فِيهِنَّ، لِأنَّهم لَمّا كانُوا هم مُنْشِئِيها، أسْنَدَها تَعالى إلَيْهِ، إذْ كانَ تَمامُ مَنفَعَتِها إنَّما هو مِنهُ تَعالى، فَهو في الحَقِيقَةِ مالِكُها. والجَوارِي: السُّفُنُ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ والحَسَنُ وعَبْدُ الوارِثِ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِضَمِّ الرّاءِ، كَما قالُوا في شاكٍ شاكٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ؛ ﴿المُنْشَآتُ﴾ بِفَتْحِ الشِّينِ، اسْمَ مَفْعُولٍ: أيْ أنْشَأها اللَّهُ، أوِ النّاسُ، أوِ المَرْفُوعاتُ الشِّراعِ. وقالَ مُجاهِدٌ: ما لَهُ شِراعٌ مِنَ المُنْشَآتِ، وما لَمْ يُرْفَعْ لَهُ شِراعٌ، فَلَيْسَ مِنَ المُنْشَآتِ. والشِّراعُ: القَلْعُ. والأعْمَشُ وحَمْزَةُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وطَلْحَةُ وأبُو بَكْرٍ: بِخِلافٍ عَنْهُ، بِكَسْرِ الشِّينِ: أيِ الرّافِعاتُ الشِّراعِ، أوِ اللّاتِي يُنْشِئْنَ الأمْواجَ بِجَرْيِهِنَّ، أوِ الَّتِي تُنْشِئُ السَّفَرَ إقْبالًا وإدْبارًا. وشَدَّدَ الشِّينَ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ والحَسَنُ المُنَشَّأةُ، وحَدَّ الصِّفَةَ، ودَلَّ عَلى الجَمْعِ المَوْصُوفِ، كَقَوْلِهِ: ﴿أزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ [البقرة: ٢٥]، وقَلَبَ الهَمْزَةَ ألِفًا عَلى حَدِّ قَوْلِهِ:
؎إنَّ السِّباعَ لَتَهْدا في مَرابِضِها
يُرِيدُ: لَتَهْدَأُ، التّاءُ لِتَأْنِيثِ الصِّفَةِ، كُتِبَتْ تاءً عَلى لَفْظِها في الوَصْلِ.
﴿كالأعْلامِ﴾: أيْ كالجِبالِ والآكامِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى كِبَرِ السُّفُنِ حَيْثُ شَبَّهَها بِالجِبالِ، وإنْ كانَتِ المُنْشَآتُ تَنْطَلِقُ عَلى السَّفِينَةِ الكَبِيرَةِ والصَّغِيرَةِ. وعَبَّرَ بِمَن في قَوْلِهِ: ﴿كُلُّ مَن عَلَيْها﴾ تَغْلِيبًا لِمَن يَعْقِلُ، والضَّمِيرُ في (عَلَيْها) قَلِيلٌ عائِدٌ عَلى الأرْضِ في قَوْلِهِ: ﴿والأرْضَ وضَعَها لِلْأنامِ﴾، فَعادَ الضَّمِيرُ عَلَيْها، وإنْ كانَ بَعْدَ لَفْظِها. والفَناءُ عِبارَةٌ عَنْ إعْدامِ جَمِيعِ المَوْجُوداتِ مِن حَيَوانٍ وغَيْرِهِ، والوَجْهُ يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ حَقِيقَةِ الشَّيْءِ، والجارِحَةُ مُنْتَفِيَةٌ عَنِ اللَّهِ تَعالى، ونَحْوَ ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا وجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] . وتَقُولُ صَعالِيكُ مَكَّةَ: أيْنَ وجْهُ عَرَبِيٍّ كَرِيمٍ يَجُودُ عَلَيَّ ؟ وقَرَأ الجُمْهُورُ: ذُو بِالواوِ، وصِفَةً لِلْوَجْهِ. وأُبَيُّ وعَبْدُ اللَّهِ: ذِي بِالياءِ، صِفَةً لِلرَّبِّ. والظّاهِرُ أنَّ الخِطابَ في قَوْلِهِ: ﴿وجْهُ رَبِّكَ﴾ لِلرَّسُولِ، وفِيهِ تَشْرِيفٌ عَظِيمٌ لَهُ، ﷺ . وقِيلَ: (p-١٩٣)الخِطابُ لِكُلِّ سامِعٍ. ومَعْنى ﴿ذُو الجَلالِ﴾: الَّذِي يُجِلُّهُ المُوَحِّدُونَ عَنِ التَّشْبِيهِ بِخَلْقِهِ وعَنْ أفْعالِهِمْ، أوِ الَّذِي يُتَعَجَّبُ مِن جَلالِهِ، أوِ الَّذِي عِنْدَهُ الجَلالُ والإكْرامُ لِلْمُخْلِصِينَ مِن عِبادِهِ.
﴿يَسْألُهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾: أيْ حَوائِجَهم، وهو ما يَتَعَلَّقُ بِمَن في السَّماواتِ مِن أمْرِ الدِّينِ وما اسْتُعْبِدُوا بِهِ، ومَن في الأرْضِ مِن أمْرِ دِينِهِمْ ودُنْياهم. وقالَ أبُو صالِحٍ: مَن في السَّماواتِ الرَّحْمَةَ ومَن في الأرْضِ المَغْفِرَةَ والرِّزْقَ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: المَلائِكَةُ الرِّزْقَ لِأهْلِ الأرْضِ والمَغْفِرَةَ، وأهْلُ الأرْضِ يَسْألُونَهُما جَمِيعًا. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: يَسْألُهُ اسْتِئْنافُ إخْبارٍ. وقِيلَ: حالٌ مِنَ الوَجْهِ، والعامِلُ فِيهِ يَبْقى، أيْ هو دائِمٌ في هَذِهِ الحالِ. انْتَهى، وفِيهِ بُعْدٌ. ومَن لا يَسْألُ، فَحالُهُ تَقْتَضِي السُّؤالَ، فَيَصِحُّ إسْنادُ السُّؤالِ إلى الجَمِيعِ بِاعْتِبارِ القَدْرِ المُشْتَرَكِ، وهو الِافْتِقارُ إلَيْهِ تَعالى.
﴿كُلَّ يَوْمٍ﴾: أيْ كُلَّ ساعَةٍ ولَحْظَةٍ، وذَكَرَ اليَوْمَ لِأنَّ السّاعاتِ واللَّحَظاتِ في ضِمْنِهِ.
﴿هُوَ في شَأْنٍ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: في شَأْنٍ يُمْضِيهِ مِنَ الخَلْقِ والرِّزْقِ والإحْياءِ والإماتَةِ. وقالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: يُجِيبُ داعِيًا، ويَفُكُّ عانِيًا، ويَتُوبُ عَلى قَوْمٍ، ويَغْفِرُ لِقَوْمٍ. وقالَ سُوَيْدُ بْنُ غَفْلَةَ: يُعْتِقُ رِقابًا، ويُعْطِي رَغامًا ويُقْحِمُ عِقابًا. وقالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: الدَّهْرُ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمانِ، أحَدُهُما اليَوْمُ الَّذِي هو مُدَّةُ الدُّنْيا، فَشَأْنُهُ فِيهِ الأمْرُ والنَّهْيُ والإماتَةُ والإحْياءُ؛ والثّانِي الَّذِي هو يَوْمُ القِيامَةِ، فَشَأْنُهُ فِيهِ الجَزاءُ والحِسابُ. وعَنْ مُقاتِلٍ: نَزَلَتْ في اليَهُودِ، فَقالُوا: إنَّ اللَّهَ لا يَقْضِي يَوْمَ السَّبْتِ شَيْئًا. وقالَ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ، وقَدْ سَألَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طاهِرٍ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هو في شَأْنٍ﴾: وقَدْ صَحَّ أنَّ القَلَمَ جَفَّ بِما هو كائِنٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ فَقالَ: شُئُونٌ يُبْدِيها، لا شُئُونٌ يَبْتَدِيها. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: هو في يَوْمِ الدُّنْيا في الِابْتِلاءِ، وفي يَوْمِ القِيامَةِ في الجَزاءِ. وانْتَصَبَ ﴿كُلَّ يَوْمٍ﴾ عَلى الظَّرْفِ، والعامِلُ فِيهِ العامِلُ في قَوْلِهِ: ﴿فِي شَأْنٍ﴾، وهو مُسْتَقِرٌّ المَحْذُوفُ، نَحْوَ: يَوْمَ الجُمُعَةِ زَيْدٌ قائِمٌ.
الرحمن 55:9
ولَمّا ذَكَرَ تَعالى ما أنْعَمَ بِهِ مِن مَنفَعَةِ الشَّمْسِ والقَمَرِ، وكانَ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ العُلْوِيَّةِ، ذَكَرَ في مُقابَلَتِهِما مِنَ الآثارِ السُّفْلِيَّةِ النَّجْمَ والشَّجَرَ، إذْ كانا رِزْقًا لِلْإنْسانِ، وأخْبَرَ أنَّهُما جارِيانِ عَلى ما أرادَ اللَّهُ بِهِما، مِن تَسْخِيرِهِما وكَيْنُونَتِهِما عَلى ما اقْتَضَتْهُ حِكْمَتُهُ تَعالى. ولَمّا ذَكَرَ ما بِهِ حَياةُ الأرْواحِ مِن تَعْلِيمِ القُرْآنِ، ذَكَرَ ما بِهِ حَياةُ الأشْباحِ مِنَ النَّباتِ الَّذِي لَهُ ساقٌ، وكانَ تَقْدِيمُ النَّجْمِ، وهو ما لا ساقَ لَهُ، لِأنَّهُ أصْلُ القُوتِ، والَّذِي لَهُ ساقٌ ثَمَرُهُ يُتَفَكَّهُ بِهِ غالِبًا. والظّاهِرُ أنَّ النَّجْمَ هو الَّذِي شَرَحْناهُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ اقْتِرانُهُ بِالشَّجَرِ. وقالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ والحَسَنُ: النَّجْمُ: اسْمُ الجِنْسِ مِن نُجُومِ السَّماءِ. وسُجُودُهُما، قالَ مُجاهِدٌ والحَسَنُ: ذَلِكَ في النَّجْمِ بِالغُرُوبِ ونَحْوِهِ، وفي الشَّجَرِ بِالظِّلِّ واسْتِدارَتِهِ. وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: والسُّجُودُ تَجَوُّزٌ، وهو عِبارَةٌ عَنِ الخُضُوعِ والتَّذَلُّلِ. والجُمَلُ الأُوَلُ فِيها ضَمِيرٌ يَرْبُطُها بِالمُبْتَدَأِ، وأمّا في هاتَيْنِ الجُمْلَتَيْنِ فاكْتَفى بِالوَصْلِ المَعْنَوِيِّ عَنِ الوَصْلِ اللَّفْظِيِّ، إذْ مَعْلُومٌ أنَّ الحُسْبانَ هو حُسْبانُهُ، وأنَّ السُّجُودَ لَهُ لا لِغَيْرِهِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: بِحُسْبانِهِ ويَسْجُدانِ لَهُ. ولَمّا أُورِدَتْ هَذِهِ الجُمَلُ مَوْرِدَ تَعْدِيدِ النِّعَمِ رُدَّ الكَلامُ إلى العَطْفِ في وصْلِ ما يُناسِبُ وصْلَهُ، والتَّناسُبُ الَّذِي بَيْنَ هاتَيْنِ الجُمْلَتَيْنِ ظاهِرٌ، لِأنَّ الشَّمْسَ والقَمَرَ عُلْوِيّانِ، والنَّجْمُ والشَّجَرُ سُفْلِيّانِ.
﴿والسَّماءَ رَفَعَها﴾: أيْ خَلَقَها مَرْفُوعَةً، حَيْثُ جَعَلَها مَصْدَرَ قَضاياهُ ومَسْكَنَ مَلائِكَتِهِ الَّذِينَ يَنْزِلُونَ بِالوَحْيِ عَلى أنْبِيائِهِ، ونَبَّهَ بِذَلِكَ عَلى عِظَمِ شَأْنِهِ ومِلْكِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (والسَّماءَ)، بِالنَّصْبِ عَلى الِاشْتِغالِ، رُوعِيَ مُشاكَلَةُ الجُمْلَةِ الَّتِي تَلِيهِ وهي ﴿يَسْجُدانِ﴾ [الرحمن: ٦] . وقَرَأ أبُو السَّمّالِ: والسَّماءُ بِالرَّفْعِ، راعى مُشاكَلَةَ الجُمْلَةِ الِابْتِدائِيَّةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ووَضَعَ المِيزانَ﴾، فِعْلًا ماضِيًا ناصِبًا المِيزانَ، أيْ أقَرَّهُ وأثْبَتَهُ. وقَرَأ إبْراهِيمُ: ووَضْعِ المِيزانِ، بِالخَفْضِ وإسْكانِ الضّادِ. والظّاهِرُ أنَّهُ كُلُّ ما يُوزَنُ بِهِ الأشْياءُ وتُعْرَفُ مَقادِيرُها، وإنِ اخْتَلَفَتِ الآلاتُ، قالَ مَعْناهُ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وقَتادَةُ، جَعَلَهُ تَعالى حاكِمًا بِالسَّوِيَّةِ في الأخْذِ والإعْطاءِ. وقالَ مُجاهِدٌ والطَّبَرِيُّ والأكْثَرُونَ: المِيزانُ: العَدْلُ، وتَكُونُ الآلاتُ مِن بَعْضِ ما يَنْدَرِجُ في العَدْلِ. بَدَأ أوَّلًا بِالعِلْمِ، فَذَكَرَ ما فِيهِ أشْرَفُ أنْواعِ العُلُومِ وهو القُرْآنُ؛ ثُمَّ ذَكَرَ ما بِهِ التَّعْدِيلُ في الأُمُورِ، وهو المِيزانُ، كَقَوْلِهِ: ﴿وأنْزَلْنا مَعَهُمُ الكِتابَ والمِيزانَ﴾ [الحديد: ٢٥]، لِيُعَلِّمُوا الكِتابَ ويَفْعَلُوا ما يَأْمُرُهم بِهِ الكِتابُ. (أنْ لا تَطْغَوْا في المِيزانِ): أيْ لِأنْ لا تَطْغَوْا، فَتَطْغَوْا مَنصُوبٌ بِأنْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ هي ”أنِ“ المُفَسِّرَةُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ أنْ مُفَسِّرَةً، فَيَكُونُ تَطْغَوْا جَزْمًا بِالنَّهْيِ. انْتَهى، ولا يَجُوزُ ما قالاهُ مِن أنَّ أنْ مُفَسِّرَةٌ، لِأنَّهُ فاتَ أحَدُ شَرْطَيْها، وهو أنْ يَكُونَ ما قَبْلَها جُمْلَةً فِيها مَعْنى القَوْلِ.
﴿ووَضَعَ المِيزانَ﴾ جُمْلَةٌ لَيْسَ فِيها مَعْنى القَوْلِ. والطُّغْيانُ في المِيزانِ هو أنْ يَكُونَ بِالتَّعَمُّدِ، وأمّا ما لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنَ التَّحْرِيرِ بِالمِيزانِ فَمَعْفُوٌّ عَنْهُ.
ولَمّا كانَتِ التَّسْوِيَةُ مَطْلُوبَةً جِدًّا، أمَرَ اللَّهُ تَعالى فَقالَ: ﴿وأقِيمُوا الوَزْنَ﴾ . وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ولا تُخْسِرُوا﴾، مِن أخْسَرَ: أيْ أفْسَدَ ونَقَصَ، كَقَوْلِهِ: ﴿وإذا كالُوهم أوْ وزَنُوهم يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين: ٣]؛ أيْ يَنْقُصُونَ. وبِلالُ بْنُ أبِي بُرْدَةَ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: تَخْسَرُ بِفَتْحِ التّاءِ، يُقالُ: خَسِرَ يَخْسَرُ، وأخْسَرَ يُخْسِرُ بِمَعْنًى واحِدٍ، كَجَبَرَ وأجْبَرَ. وحَكى ابْنُ جِنِّي وصاحِبُ اللَّوامِحِ، عَنْ بِلالٍ فَتْحَ التّاءِ والسِّينِ مُضارِعُ خَسِرَ بِكَسْرِ السِّينِ، وخَرَّجَها الزَّمَخْشَرِيُّ عَلى أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: في المِيزانِ، فَحَذَفَ الجارَّ ونَصَبَ، ولا يُحْتاجُ إلى هَذا التَّخْرِيجِ. ألا تَرى أنَّ خَسِرَ جاءَ مُتَعَدِّيًا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٢]، و﴿خَسِرَ الدُّنْيا والآخِرَةَ﴾ [الحج: ١١] ؟ وقُرِئَ أيْضًا: تَخْسُرُوا، بِفَتْحِ التّاءِ وضَمِّ السِّينِ. لِما مُنِعَ مِنَ الزِّيادَةِ، وهي الطُّغْيانُ، نَهى عَنِ الخُسْرانِ الَّذِي هو نُقْصانٌ، وكَرَّرَ لَفْظَ المِيزانِ، تَشْدِيدًا لِلتَّوْصِيَةِ بِهِ وتَقْوِيَةً لِلْأمْرِ بِاسْتِعْمالِهِ والحَثِّ عَلَيْهِ.
ولَمّا ذَكَرَ السَّماءَ، ذَكَرَ مُقابِلَتَها فَقالَ: ﴿والأرْضَ وضَعَها لِلْأنامِ﴾: أيْ خَفَضَها (p-١٩٠)مَدْحُوَّةً عَلى الماءِ لِيُنْتَفَعَ بِها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”والأرْضَ“ بِالنَّصْبِ؛ وأبُو السَّمّالِ: بِالرَّفْعِ: ”والأنامُ“، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بَنُو آدَمَ فَقَطْ. وقالَ أيْضًا هو وقَتادَةُ وابْنُ زَيْدٍ والشَّعْبِيُّ: الحَيَوانُ كُلُّهُ. وقالَ الحَسَنُ: الثَّقَلانِ الجِنُّ والإنْسُ.
﴿فِيها فاكِهَةٌ﴾: ضُرُوبٌ مِمّا يُتَفَكَّهُ بِهِ. وبَدَأ بِقَوْلِهِ: ﴿فاكِهَةٌ﴾، إذْ هو مِن بابِ الِابْتِداءِ بِالأدْنى والتَّرَقِّي إلى الأعْلى، ونَكَّرَ لَفْظَها، لِأنَّ الِانْتِفاعَ بِها دُونَ الِانْتِفاعِ بِما يُذْكَرُ بَعْدَها. ثُمَّ ثَنّى بِالنَّخْلِ، فَذَكَرَ الأصْلَ ولَمْ يَذْكُرْ ثَمَرَتَها، وهو الثَّمَرُ لِكَثْرَةِ الِانْتِفاعِ بِها مِن لِيفٍ وسَعَفٍ وجَرِيدٍ وجُذُوعٍ وجُمّارٍ وثَمَرٍ. ثُمَّ أتى ثالِثًا بِالحَبِّ الَّذِي هو قِوامُ عَيْشِ الإنْسانِ في أكْثَرِ الأقالِيمِ، وهو البُرُّ والشَّعِيرُ وكُلُّ ما لَهُ سُنْبُلٌ وأوْراقٌ مُتَشَعِّبَةٌ عَلى ساقِهِ، ووَصَفَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ذُو العَصْفِ﴾ تَنْبِيهًا عَلى إنْعامِهِ عَلَيْهِمْ بِما يَقُوتُهم مِنَ الحَبِّ، ويَقُوتُ بَهائِمَهم مِن ورَقِهِ الَّذِي هو التِّبْنُ. وبَدَأ بِالفاكِهَةِ وخَتَمَ بِالمَشْمُومِ، وبَيْنَهُما النَّخْلُ والحَبُّ، لِيَحْصُلَ ما بِهِ يُتَفَكَّهُ، وما بِهِ يُتَقَوَّتُ، وما بِهِ تَقَعُ اللَّذاذَةُ مِنَ الرّائِحَةِ الطَّيِّبَةِ. وذَكَرَ النَّخْلَ بِاسْمِها والفاكِهَةَ دُونَ شَجَرِها، لِعِظَمِ المَنفَعَةِ بِالنَّخْلِ مِن جِهاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ، وشَجَرَةُ الفاكِهَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى ثَمَرَتِها حَقِيرَةٌ، فَنَصَّ عَلى ما يَعْظُمُ بِهِ الِانْتِفاعُ مِن شَجَرَةِ النَّخْلِ ومِنَ الفاكِهَةِ دُونَ شَجَرَتِها.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿والحَبُّ ذُو العَصْفِ والرَّيْحانُ﴾، بِرَفْعِ الثَّلاثَةِ عَطْفًا عَلى المَرْفُوعِ قَبْلَهُ؛ وابْنُ عامِرٍ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِنَصْبِ الثَّلاثَةِ، أيْ وخَلَقَ الحَبَّ. وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ ﴿والرَّيْحانُ﴾ حالَةَ الرَّفْعِ وحالَةَ النَّصْبِ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ وذُو الرَّيْحانِ حَذَفَ المُضافَ وأقامَ المُضافَ إلَيْهِ مَقامَهُ؛ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ والأصْمَعِيُّ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: والرَّيْحانُ بِالجَرِّ، والمَعْنى: والحَبُّ ذُو العَصْفِ الَّذِي هو عَلَفُ البَهائِمِ، والرَّيْحانُ الَّذِي هو مَطْعَمُ النّاسِ، ويَبْعُدُ دُخُولُ المَشْمُومِ في قِراءَةِ الجَرِّ، ورَيْحانُ مِن ذَواتِ الواوِ. وأجازَ أبُو عَلِيٍّ أنْ يَكُونَ اسْمًا، ووُضِعَ مَوْضِعَ المَصْدَرِ، وأنْ يَكُونَ مَصْدَرًا عَلى وزْنِ فَعْلانَ كاللَّبّانِ. وأُبْدِلَتِ الواوُ ياءً، كَما أبْدَلُوا الياءَ واوًا في أشاوى، أوْ مَصْدَرًا شاذًّا في المُعْتَلِّ، كَما شَذَّ كَبَنُونَةٍ وبَيْنُونَةٍ، فَأصْلُهُ رَيْوِحانُ، قُلِبَتِ الواوُ ياءً وأُدْغِمَتْ في الياءِ فَصارَ رَيِّحانَ، ثُمَّ حُذِفَتْ عَيْنُ الكَلِمَةِ، كَما قالُوا: مَيْتٌ وهَيْنٌ.
ولَمّا عَدَّدَ تَعالى نِعَمَهُ، خاطَبَ الثَّقَلَيْنِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٣٢]، أيْ أنَّ نِعَمَهُ كَثِيرَةٌ لا تُحْصى، فَبِأيِّها تُكَذِّبانِ ؟ أيْ مَن هَذِهِ نِعَمُهُ لا يُمْكِنُ أنْ يُكَذَّبَ بِها. وكانَ هَذا الخِطابُ لِلثَّقَلَيْنِ، لِأنَّهُما داخِلانِ في الأنامِ عَلى أصَحِّ الأقْوالِ. ولِقَوْلِهِ: ﴿خَلَقَ الإنْسانَ﴾، و﴿وخَلَقَ الجانَّ﴾؛ ولِقَوْلِهِ: ﴿سَنَفْرُغُ لَكم أيُّها الثَّقَلانِ﴾ [الرحمن: ٣١]، وقَدْ أبْعَدَ مَن جَعَلَهُ خِطابًا لِلذَّكَرِ والأُنْثى مِن بَنِي آدَمَ. وأبْعَدُ مِن هَذا قَوْلُ مَن قالَ: إنَّهُ خِطابٌ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ: ﴿ألْقِيا في جَهَنَّمَ﴾ [ق: ٢٤]، ويا حَرَسِي اضْرِبا عُنُقَهُ، يَعْنِي أنَّهُ خِطابٌ لِلْواحِدِ بِصُورَةِ الِاثْنَيْنِ، فَبِأيِّ مُنَوَّنًا في جَمِيعِ السُّورَةِ، كَأنَّهُ حُذِفَ مِنهُ المُضافُ إلَيْهِ وأُبْدِلَ مِنهُ (آلاءِ رَبِّكُما) بَدَلَ مَعْرِفَةٍ مِن نَكِرَةٍ، وآلاءُ تَقَدَّمَ في الأعْرافِ أنَّها النِّعَمُ، واحِدُها إلْيٌ وألًا وإلًى وألْيٌ.
﴿خَلَقَ الإنْسانَ﴾: لَمّا ذَكَرَ العالَمَ الأكْبَرَ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ وما أوْجَدَ فِيها مِنَ النِّعَمِ، ذَكَرَ مَبْدَأ مَن خُلِقَتْ لَهُ هَذِهِ النِّعَمُ، والإنْسانُ هو آدَمُ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ. وقِيلَ: لِلْجِنْسِ، وساغَ ذَلِكَ لِأنَّ أباهم مَخْلُوقٌ مِنَ الصَّلْصالِ. وإذا أُرِيدَ بِالإنْسانِ آدَمُ، فَقَدْ جاءَتْ غاياتٌ لَهُ مُخْتَلِفَةٌ، وذَلِكَ بِتَنَقُّلِ أصْلِهِ؛ فَكانَ أوَّلًا تُرابًا، ثُمَّ طِينًا، ثُمَّ حَمَأً مَسْنُونًا، ثُمَّ صَلْصالًا، فَناسَبَ أنْ يُنْسَبَ خَلْقُهُ لِكُلِّ واحِدٍ مِنها. والجانُّ هو أبُو الجِنِّ، وهو إبْلِيسُ، قالَهُ الحَسَنُ. وقالَ مُجاهِدٌ: هو أبُو الجِنِّ، ولَيْسَ بِإبْلِيسَ. وقِيلَ: الجانُّ اسْمُ جِنْسٍ، والمارِجُ: ما اخْتَلَطَ مِن أصْفَرَ وأحْمَرَ وأخْضَرَ، أوِ اللَّهَبُ، أوِ الخالِصُ، أوِ الحُمْرَةُ في طَرَفِ النّارِ، أوِ المُخْتَلِطُ بِسَوادٍ، أوِ المُضْطَرِبُ بِلا دُخانٍ، أقْوالٌ، (ومِن) الأُولى لِابْتِداءِ الغايَةِ، والثّانِيَةُ في (مِن نارٍ) لِلتَّبْعِيضِ. وقِيلَ لِلْبَيانِ، والتَّكْرارُ في هَذِهِ الفَواصِلِ: لِلتَّأْكِيدِ والتَّنْبِيهِ والتَّحْرِيكِ، وهي مَوْجُودَةٌ في مَواضِعَ مِنَ القُرْآنِ. وذَهَبَ قَوْمٌ مِنهُمُ ابْنُ قُتَيْبَةَ إلى أنَّ هَذا التَّكْرارَ إنَّما هو لِاخْتِلافِ النِّعَمِ، فَكَرَّرَ (p-١٩١)التَّوْقِيفَ في كُلِّ واحِدٍ مِنها.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: (رَبُّ)، و(رَبُّ) بِالرَّفْعِ، أيْ هو رَبٌّ؛ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِالخَفْضِ بَدَلًا مِن رَبِّكُما، وثَنّى المُضافَ إلَيْهِ لِأنَّهُما مَشْرِقا الصَّيْفِ والشِّتاءِ ومَغْرِباهُما، قالَهُ مُجاهِدٌ. وقِيلَ: مَشْرِقا الشَّمْسِ والقَمَرِ ومَغْرِباهُما. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: لِلشَّمْسِ مَشْرِقٌ في الصَّيْفِ مُصْعِدٌ، ومَشْرِقٌ في الشِّتاءِ مُنْحَدِرٌ، تَنْتَقِلُ فِيهِما مُصْعِدَةً ومُنْحَدِرَةً. انْتَهى. فالمَشْرِقانِ والمَغْرِبانِ لِلشَّمْسِ. وقِيلَ: المَشْرِقانِ: مَطْلَعُ الفَجْرِ ومَطْلَعُ الشَّمْسِ، والمَغْرِبانِ مَغْرِبُ الشَّفَقِ ومَغْرِبُ الشَّمْسِ. ولِسَهْلٍ التُّسْتَرِيِّ كَلامٌ في المَشْرِقَيْنِ والمَغْرِبَيْنِ شَبِيهٌ بِكَلامِ الباطِنِيَّةِ المُحَرِّفِينَ مَدْلُولَ كَلامِ اللَّهِ، ضَرَبْنا عَنْ ذِكْرِهِ صَفْحًا. وكَذَلِكَ ما وقَفْنا عَلَيْهِ مِن كَلامِ الغُلاةِ الَّذِينَ يُنْسَبُونَ لِلصُّوفِيَّةِ، لِأنّا لا نَسْتَحِلُّ نَقْلَ شَيْءٍ مِنهُ. وقَدْ أوْلَغَ صاحِبُ كِتابِ التَّحْرِيرِ والتَّحْبِيرِ بِحَسْبِ ما قالَهُ هَؤُلاءِ الغُلاةُ في كُلِّ آيَةٍ آيَةٍ، ويُسَمِّي ذَلِكَ الحَقائِقَ، وأرْبابُ القُلُوبِ وما ادَّعَوْا فَهْمَهُ في القُرْآنِ فَأوْغَلُوا فِيهِ لَمْ يَفْهَمْهُ عَرَبِيٌّ قَطُّ، ولا أرادَهُ اللَّهُ تَعالى بِتِلْكَ الألْفاظِ، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِن ذَلِكَ.
﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ذَلِكَ في الفُرْقانِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وذَكَرَ الثَّعْلَبِيُّ في ﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ﴾ ألْغازًا وأقْوالًا باطِنَةً لا يُلْتَفَتُ إلى شَيْءٍ مِنها. انْتَهى، والظّاهِرُ التِقاؤُهُما، أيْ يَتَجاوَرانِ، فَلا فَصْلَ بَيْنَ الماءَيْنِ في رُؤْيَةِ العَيْنِ. وقِيلَ: يَلْتَقِيانِ في كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً. وقِيلَ: مُعَدّانِ لِلِالتِقاءِ، فَحَقُّهُما أنْ يَلْتَقِيا لَوْلا البَرْزَخُ بَيْنَهُما.
﴿بَرْزَخٌ﴾: أيْ حاجِزٌ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، ﴿لا يَبْغِيانِ﴾: لا يَتَجاوَزانِ حَدَّهُما، ولا يَبْغِي أحَدُهُما عَلى الآخَرِ بِالمُمازَجَةِ. وقِيلَ: البَرْزَخُ: أجْرامُ الأرْضِ، قالَهُ قَتادَةُ؛ وقِيلَ: لا يَبْغِيانِ: أيْ عَلى النّاسِ والعُمْرانِ، وعَلى هَذا والَّذِي قَبْلَهُ يَكُونُ مِنَ البَغْيِ. وقِيلَ: هو مِن بَغى، أيْ طَلَبَ، فالمَعْنى: لا يَبْغِيانِ حالًا غَيْرَ الحالِ الَّتِي خُلِقا عَلَيْها وسُخِّرا لَها. وقِيلَ: ماءُ الأنْهارِ لا يَخْتَلِطُ بِالماءِ المِلْحِ، بَلْ هو بِذاتِهِ باقٍ فِيهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والعِيانُ لا يَقْتَضِيهِ. انْتَهى، يَعْنِي أنَّهُ يُشاهِدُ الماءَ العَذْبَ يَخْتَلِطُ بِالمِلْحِ فَيَبْقى كُلُّهُ مِلْحًا، وقَدْ يُقالُ: إنَّهُ بِالِاخْتِلاطِ تَتَغَيَّرُ أجْرامُ العَذْبِ حَتّى لا تَظْهَرَ، فَإذا ذاقَ الإنْسانُ مِنَ المِلْحِ المُنْبَثِّ فِيهِ تِلْكَ الأجْزاءُ الدَّقِيقَةُ لَمْ يُحِسَّ إلّا المُلُوحَةَ، والمَعْقُولُ يَشْهَدُ بِذَلِكَ، لِأنَّ تَداخُلَ الأجْسامِ غَيْرُ مُمْكِنٍ، لَكِنَّ التَّفَرُّقَ والِالتِقاءَ مُمْكِنٌ. وأنْشَدَ القاضِي مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ البَلُّوطِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى:
؎ومَمْزُوجَةُ الأمْواهِ لا العَذْبُ غالِبٌ عَلى المِلْحِ طِيبًا لا ولا المِلْحُ يَعْذُبُ
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿يَخْرُجُ﴾ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ؛ ونافِعٌ وأبُو عَمْرٍو وأهْلُ المَدِينَةِ: مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ؛ والجُعْفِيٌّ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِالياءِ مَضْمُومَةً وكَسْرِ الرّاءِ، أيْ يُخْرِجُ اللَّهُ؛ وعَنْهُ وعَنْ أبِي عَمْرٍو، وعَنِ ابْنِ مِقْسَمٍ: بِالنُّونِ. واللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ نُصِبَ في هاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ. والظّاهِرُ في (مِنهُما) أنَّ ذَلِكَ يَخْرُجُ مِنَ المِلْحِ والعَذْبِ. وقالَ بِذَلِكَ قَوْمٌ، حَكاهُ الأخْفَشُ. ورَدَّ النّاسُ هَذا القَوْلَ، قالُوا: والحِسُّ يُخالِفُهُ، إذْ لا يَخْرُجُ إلّا مِنَ المِلْحِ، وعابُوا قَوْلَ الشّاعِرِ:
؎فَجاءَ بِها ما شِئْتَ مِن لَطِيمَةٍ ∗∗∗ عَلى وجْهِها ماءُ الفُراتِ يَمُوجُ
وقالَ الجُمْهُورُ: إنَّما يَخْرُجُ مِنَ الأُجاجِ في المَواضِعِ الَّتِي تَقَعُ فِيها الأنْهارُ والمِياهُ العَذْبَةُ، فَناسَبَ إسْنادَ ذَلِكَ إلَيْهِما، وهَذا مَشْهُورٌ عِنْدَ الغَوّاصِينَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ: تَكُونُ هَذِهِ الأشْياءُ في البَحْرِ بِنُزُولِ المَطَرِ، لِأنَّ الصَّدَفَ وغَيْرَها تَفْتَحُ أفْواهَها لِلْمَطَرِ، فَلِذَلِكَ قالَ (مِنهُما) . وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: إنَّما يَخْرُجُ مِنَ المِلْحِ، لَكِنَّهُ قالَ (مِنهُما) تَجَوُّزًا. وقالَ الرُّمّانِيُّ: العَذْبُ فِيها كاللِّقاحِ لِلْمِلْحِ، فَهو كَما يُقالُ؛ الوَلَدُ يَخْرُجُ مِنَ الذَّكَرِ والأُنْثى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ، وتَبِعَ الزَّجّاجَ مِن حَيْثُ هُما نَوْعٌ واحِدٌ، فَخُرُوجُ هَذِهِ الأشْياءِ إنَّما هي مِنهُما، وإنْ كانَتْ تَخْتَصُّ عِنْدَ التَّفْصِيلِ المَبالَغِ بِأحَدِهِما، كَما قالَ: ﴿سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا﴾ [نوح: ١٥] ﴿وجَعَلَ القَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾ [نوح: ١٦]، (p-١٩٢)وإنَّما هو في إحْداهُنَّ، وهي الدُّنْيا إلى الأرْضِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ نَحْوًا مِن قَوْلِ ابْنِ عَطِيَّةَ، قالَ: فَإنْ قُلْتَ: لِمَ قالَ (مِنهُما)، وإنَّما يَخْرُجانِ مِنَ المِلْحِ قُلْتُ: لَمّا التَقَيا وصارا كالشَّيْءِ الواحِدِ، جازَ أنْ يُقالَ: يَخْرُجانِ مِنهُما، كَما يُقالُ: يَخْرُجانِ مِنَ البَحْرِ، ولا يَخْرُجانِ مِن جَمِيعِ البَحْرِ، ولَكِنْ مِن بَعْضِهِ. وتَقُولُ: خَرَجْتُ مِنَ البَلَدِ، وإنَّما خَرَجْتَ مِن مَحَلَّةٍ مِن مَحالِّهِ، بَلْ مِن دارٍ واحِدَةٍ مِن دُورِهِ. وقِيلَ: لا يَخْرُجانِ إلّا مِن مُلْتَقى المِلْحِ والعَذْبِ. انْتَهى. وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: هَذا مِن بابِ حَذْفِ المُضافِ، والتَّقْدِيرُ: يَخْرُجُ مِن أحَدِهِما، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١]: أيْ مِن إحْدى القَرْيَتَيْنِ. وقِيلَ: هُما بَحْرانِ، يَخْرُجُ مِن أحَدِهِما اللُّؤْلُؤُ ومِنَ الآخَرِ المَرْجانُ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: كَلامُ اللَّهِ تَعالى أوْلى بِالِاعْتِبارِ مِن كَلامِ بَعْضِ النّاسِ ومَن أعْلَمَ أنَّ اللُّؤْلُؤَ لا يَخْرُجُ مِنَ الماءِ العَذْبِ ؟، وهَبْ أنَّ الغَوّاصِينَ ما أخْرَجُوهُ إلّا مِنَ المالِحِ. ولَكِنْ لِمَ قُلْتُمْ إنَّ الصَّدَفَ لا يَخْرُجُ بِأمْرِ اللَّهِ مِنَ الماءِ العَذْبِ إلى الماءِ المِلْحِ وكَيْفَ يُمْكِنُ الجَزْمُ بِهِ والأُمُورُ الأرْضِيَّةُ الظّاهِرَةُ خَفِيَتْ عَنِ التُّجّارِ الَّذِينَ قَطَعُوا المَفاوِزَ ودارُوا البِلادَ، فَكَيْفَ لا يَخْفى أمْرٌ ما في قَعْرِ البَحْرِ عَلَيْهِمْ ؟ واللُّؤْلُؤُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ وقَتادَةُ: كِبارُ الجَوْهَرِ. والمَرْجانُ صِغارُهُ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا وعَلِيٍّ ومُرَّةَ الهَمْدانِيِّ عَكْسُ هَذا. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ وأبُو مالِكٍ: المَرْجانُ: الحَجَرُ الأحْمَرُ. وقالَ الزَّجّاجُ: حَجَرٌ شَدِيدُ البَياضِ. وحَكى القاضِي أبُو يَعْلى أنَّهُ ضَرْبٌ مِنَ اللُّؤْلُؤِ، كالقُضْبانِ، والمَرْجانُ: اسْمٌ أعْجَمِيٌّ مُعَرَّبٌ. قالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: لَمْ أسْمَعْ فِيهِ نَقْلَ مُتَصَرِّفٍ، وقالَ الأعْشى:
؎مِن كُلِّ مَرْجانَةٍ في البَحْرِ أحْرَزَها ∗∗∗ تَيّارُها ووَقاها طِينَها الصَّدَفُ
قِيلَ: أرادَ اللُّؤْلُؤَةَ الكَبِيرَةَ. وقَرَأ طَلْحَةُ: اللُّؤْلِي بِكَسْرِ اللّامِ الثّالِثَةِ، وهي لُغَةٌ. وعَبَدُ الوَلِيِّ: تُقْلَبُ الهَمْزَةُ المُتَطَرِّفَةُ ياءً ساكِنَةً بَعْدَ كَسْرَةِ ما قَبْلَها، وهي لُغَةٌ، قالَهُ أبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ.
﴿ولَهُ الجَوارِي﴾: خَصَّ تَعالى الجَوارِيَ بِأنَّها لَهُ، وهو تَعالى لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما فِيهِنَّ، لِأنَّهم لَمّا كانُوا هم مُنْشِئِيها، أسْنَدَها تَعالى إلَيْهِ، إذْ كانَ تَمامُ مَنفَعَتِها إنَّما هو مِنهُ تَعالى، فَهو في الحَقِيقَةِ مالِكُها. والجَوارِي: السُّفُنُ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ والحَسَنُ وعَبْدُ الوارِثِ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِضَمِّ الرّاءِ، كَما قالُوا في شاكٍ شاكٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ؛ ﴿المُنْشَآتُ﴾ بِفَتْحِ الشِّينِ، اسْمَ مَفْعُولٍ: أيْ أنْشَأها اللَّهُ، أوِ النّاسُ، أوِ المَرْفُوعاتُ الشِّراعِ. وقالَ مُجاهِدٌ: ما لَهُ شِراعٌ مِنَ المُنْشَآتِ، وما لَمْ يُرْفَعْ لَهُ شِراعٌ، فَلَيْسَ مِنَ المُنْشَآتِ. والشِّراعُ: القَلْعُ. والأعْمَشُ وحَمْزَةُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وطَلْحَةُ وأبُو بَكْرٍ: بِخِلافٍ عَنْهُ، بِكَسْرِ الشِّينِ: أيِ الرّافِعاتُ الشِّراعِ، أوِ اللّاتِي يُنْشِئْنَ الأمْواجَ بِجَرْيِهِنَّ، أوِ الَّتِي تُنْشِئُ السَّفَرَ إقْبالًا وإدْبارًا. وشَدَّدَ الشِّينَ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ والحَسَنُ المُنَشَّأةُ، وحَدَّ الصِّفَةَ، ودَلَّ عَلى الجَمْعِ المَوْصُوفِ، كَقَوْلِهِ: ﴿أزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ [البقرة: ٢٥]، وقَلَبَ الهَمْزَةَ ألِفًا عَلى حَدِّ قَوْلِهِ:
؎إنَّ السِّباعَ لَتَهْدا في مَرابِضِها
يُرِيدُ: لَتَهْدَأُ، التّاءُ لِتَأْنِيثِ الصِّفَةِ، كُتِبَتْ تاءً عَلى لَفْظِها في الوَصْلِ.
﴿كالأعْلامِ﴾: أيْ كالجِبالِ والآكامِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى كِبَرِ السُّفُنِ حَيْثُ شَبَّهَها بِالجِبالِ، وإنْ كانَتِ المُنْشَآتُ تَنْطَلِقُ عَلى السَّفِينَةِ الكَبِيرَةِ والصَّغِيرَةِ. وعَبَّرَ بِمَن في قَوْلِهِ: ﴿كُلُّ مَن عَلَيْها﴾ تَغْلِيبًا لِمَن يَعْقِلُ، والضَّمِيرُ في (عَلَيْها) قَلِيلٌ عائِدٌ عَلى الأرْضِ في قَوْلِهِ: ﴿والأرْضَ وضَعَها لِلْأنامِ﴾، فَعادَ الضَّمِيرُ عَلَيْها، وإنْ كانَ بَعْدَ لَفْظِها. والفَناءُ عِبارَةٌ عَنْ إعْدامِ جَمِيعِ المَوْجُوداتِ مِن حَيَوانٍ وغَيْرِهِ، والوَجْهُ يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ حَقِيقَةِ الشَّيْءِ، والجارِحَةُ مُنْتَفِيَةٌ عَنِ اللَّهِ تَعالى، ونَحْوَ ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا وجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] . وتَقُولُ صَعالِيكُ مَكَّةَ: أيْنَ وجْهُ عَرَبِيٍّ كَرِيمٍ يَجُودُ عَلَيَّ ؟ وقَرَأ الجُمْهُورُ: ذُو بِالواوِ، وصِفَةً لِلْوَجْهِ. وأُبَيُّ وعَبْدُ اللَّهِ: ذِي بِالياءِ، صِفَةً لِلرَّبِّ. والظّاهِرُ أنَّ الخِطابَ في قَوْلِهِ: ﴿وجْهُ رَبِّكَ﴾ لِلرَّسُولِ، وفِيهِ تَشْرِيفٌ عَظِيمٌ لَهُ، ﷺ . وقِيلَ: (p-١٩٣)الخِطابُ لِكُلِّ سامِعٍ. ومَعْنى ﴿ذُو الجَلالِ﴾: الَّذِي يُجِلُّهُ المُوَحِّدُونَ عَنِ التَّشْبِيهِ بِخَلْقِهِ وعَنْ أفْعالِهِمْ، أوِ الَّذِي يُتَعَجَّبُ مِن جَلالِهِ، أوِ الَّذِي عِنْدَهُ الجَلالُ والإكْرامُ لِلْمُخْلِصِينَ مِن عِبادِهِ.
﴿يَسْألُهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾: أيْ حَوائِجَهم، وهو ما يَتَعَلَّقُ بِمَن في السَّماواتِ مِن أمْرِ الدِّينِ وما اسْتُعْبِدُوا بِهِ، ومَن في الأرْضِ مِن أمْرِ دِينِهِمْ ودُنْياهم. وقالَ أبُو صالِحٍ: مَن في السَّماواتِ الرَّحْمَةَ ومَن في الأرْضِ المَغْفِرَةَ والرِّزْقَ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: المَلائِكَةُ الرِّزْقَ لِأهْلِ الأرْضِ والمَغْفِرَةَ، وأهْلُ الأرْضِ يَسْألُونَهُما جَمِيعًا. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: يَسْألُهُ اسْتِئْنافُ إخْبارٍ. وقِيلَ: حالٌ مِنَ الوَجْهِ، والعامِلُ فِيهِ يَبْقى، أيْ هو دائِمٌ في هَذِهِ الحالِ. انْتَهى، وفِيهِ بُعْدٌ. ومَن لا يَسْألُ، فَحالُهُ تَقْتَضِي السُّؤالَ، فَيَصِحُّ إسْنادُ السُّؤالِ إلى الجَمِيعِ بِاعْتِبارِ القَدْرِ المُشْتَرَكِ، وهو الِافْتِقارُ إلَيْهِ تَعالى.
﴿كُلَّ يَوْمٍ﴾: أيْ كُلَّ ساعَةٍ ولَحْظَةٍ، وذَكَرَ اليَوْمَ لِأنَّ السّاعاتِ واللَّحَظاتِ في ضِمْنِهِ.
﴿هُوَ في شَأْنٍ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: في شَأْنٍ يُمْضِيهِ مِنَ الخَلْقِ والرِّزْقِ والإحْياءِ والإماتَةِ. وقالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: يُجِيبُ داعِيًا، ويَفُكُّ عانِيًا، ويَتُوبُ عَلى قَوْمٍ، ويَغْفِرُ لِقَوْمٍ. وقالَ سُوَيْدُ بْنُ غَفْلَةَ: يُعْتِقُ رِقابًا، ويُعْطِي رَغامًا ويُقْحِمُ عِقابًا. وقالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: الدَّهْرُ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمانِ، أحَدُهُما اليَوْمُ الَّذِي هو مُدَّةُ الدُّنْيا، فَشَأْنُهُ فِيهِ الأمْرُ والنَّهْيُ والإماتَةُ والإحْياءُ؛ والثّانِي الَّذِي هو يَوْمُ القِيامَةِ، فَشَأْنُهُ فِيهِ الجَزاءُ والحِسابُ. وعَنْ مُقاتِلٍ: نَزَلَتْ في اليَهُودِ، فَقالُوا: إنَّ اللَّهَ لا يَقْضِي يَوْمَ السَّبْتِ شَيْئًا. وقالَ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ، وقَدْ سَألَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طاهِرٍ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هو في شَأْنٍ﴾: وقَدْ صَحَّ أنَّ القَلَمَ جَفَّ بِما هو كائِنٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ فَقالَ: شُئُونٌ يُبْدِيها، لا شُئُونٌ يَبْتَدِيها. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: هو في يَوْمِ الدُّنْيا في الِابْتِلاءِ، وفي يَوْمِ القِيامَةِ في الجَزاءِ. وانْتَصَبَ ﴿كُلَّ يَوْمٍ﴾ عَلى الظَّرْفِ، والعامِلُ فِيهِ العامِلُ في قَوْلِهِ: ﴿فِي شَأْنٍ﴾، وهو مُسْتَقِرٌّ المَحْذُوفُ، نَحْوَ: يَوْمَ الجُمُعَةِ زَيْدٌ قائِمٌ.
الرحمن 55:10
ولَمّا ذَكَرَ تَعالى ما أنْعَمَ بِهِ مِن مَنفَعَةِ الشَّمْسِ والقَمَرِ، وكانَ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ العُلْوِيَّةِ، ذَكَرَ في مُقابَلَتِهِما مِنَ الآثارِ السُّفْلِيَّةِ النَّجْمَ والشَّجَرَ، إذْ كانا رِزْقًا لِلْإنْسانِ، وأخْبَرَ أنَّهُما جارِيانِ عَلى ما أرادَ اللَّهُ بِهِما، مِن تَسْخِيرِهِما وكَيْنُونَتِهِما عَلى ما اقْتَضَتْهُ حِكْمَتُهُ تَعالى. ولَمّا ذَكَرَ ما بِهِ حَياةُ الأرْواحِ مِن تَعْلِيمِ القُرْآنِ، ذَكَرَ ما بِهِ حَياةُ الأشْباحِ مِنَ النَّباتِ الَّذِي لَهُ ساقٌ، وكانَ تَقْدِيمُ النَّجْمِ، وهو ما لا ساقَ لَهُ، لِأنَّهُ أصْلُ القُوتِ، والَّذِي لَهُ ساقٌ ثَمَرُهُ يُتَفَكَّهُ بِهِ غالِبًا. والظّاهِرُ أنَّ النَّجْمَ هو الَّذِي شَرَحْناهُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ اقْتِرانُهُ بِالشَّجَرِ. وقالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ والحَسَنُ: النَّجْمُ: اسْمُ الجِنْسِ مِن نُجُومِ السَّماءِ. وسُجُودُهُما، قالَ مُجاهِدٌ والحَسَنُ: ذَلِكَ في النَّجْمِ بِالغُرُوبِ ونَحْوِهِ، وفي الشَّجَرِ بِالظِّلِّ واسْتِدارَتِهِ. وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: والسُّجُودُ تَجَوُّزٌ، وهو عِبارَةٌ عَنِ الخُضُوعِ والتَّذَلُّلِ. والجُمَلُ الأُوَلُ فِيها ضَمِيرٌ يَرْبُطُها بِالمُبْتَدَأِ، وأمّا في هاتَيْنِ الجُمْلَتَيْنِ فاكْتَفى بِالوَصْلِ المَعْنَوِيِّ عَنِ الوَصْلِ اللَّفْظِيِّ، إذْ مَعْلُومٌ أنَّ الحُسْبانَ هو حُسْبانُهُ، وأنَّ السُّجُودَ لَهُ لا لِغَيْرِهِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: بِحُسْبانِهِ ويَسْجُدانِ لَهُ. ولَمّا أُورِدَتْ هَذِهِ الجُمَلُ مَوْرِدَ تَعْدِيدِ النِّعَمِ رُدَّ الكَلامُ إلى العَطْفِ في وصْلِ ما يُناسِبُ وصْلَهُ، والتَّناسُبُ الَّذِي بَيْنَ هاتَيْنِ الجُمْلَتَيْنِ ظاهِرٌ، لِأنَّ الشَّمْسَ والقَمَرَ عُلْوِيّانِ، والنَّجْمُ والشَّجَرُ سُفْلِيّانِ.
﴿والسَّماءَ رَفَعَها﴾: أيْ خَلَقَها مَرْفُوعَةً، حَيْثُ جَعَلَها مَصْدَرَ قَضاياهُ ومَسْكَنَ مَلائِكَتِهِ الَّذِينَ يَنْزِلُونَ بِالوَحْيِ عَلى أنْبِيائِهِ، ونَبَّهَ بِذَلِكَ عَلى عِظَمِ شَأْنِهِ ومِلْكِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (والسَّماءَ)، بِالنَّصْبِ عَلى الِاشْتِغالِ، رُوعِيَ مُشاكَلَةُ الجُمْلَةِ الَّتِي تَلِيهِ وهي ﴿يَسْجُدانِ﴾ [الرحمن: ٦] . وقَرَأ أبُو السَّمّالِ: والسَّماءُ بِالرَّفْعِ، راعى مُشاكَلَةَ الجُمْلَةِ الِابْتِدائِيَّةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ووَضَعَ المِيزانَ﴾، فِعْلًا ماضِيًا ناصِبًا المِيزانَ، أيْ أقَرَّهُ وأثْبَتَهُ. وقَرَأ إبْراهِيمُ: ووَضْعِ المِيزانِ، بِالخَفْضِ وإسْكانِ الضّادِ. والظّاهِرُ أنَّهُ كُلُّ ما يُوزَنُ بِهِ الأشْياءُ وتُعْرَفُ مَقادِيرُها، وإنِ اخْتَلَفَتِ الآلاتُ، قالَ مَعْناهُ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وقَتادَةُ، جَعَلَهُ تَعالى حاكِمًا بِالسَّوِيَّةِ في الأخْذِ والإعْطاءِ. وقالَ مُجاهِدٌ والطَّبَرِيُّ والأكْثَرُونَ: المِيزانُ: العَدْلُ، وتَكُونُ الآلاتُ مِن بَعْضِ ما يَنْدَرِجُ في العَدْلِ. بَدَأ أوَّلًا بِالعِلْمِ، فَذَكَرَ ما فِيهِ أشْرَفُ أنْواعِ العُلُومِ وهو القُرْآنُ؛ ثُمَّ ذَكَرَ ما بِهِ التَّعْدِيلُ في الأُمُورِ، وهو المِيزانُ، كَقَوْلِهِ: ﴿وأنْزَلْنا مَعَهُمُ الكِتابَ والمِيزانَ﴾ [الحديد: ٢٥]، لِيُعَلِّمُوا الكِتابَ ويَفْعَلُوا ما يَأْمُرُهم بِهِ الكِتابُ. (أنْ لا تَطْغَوْا في المِيزانِ): أيْ لِأنْ لا تَطْغَوْا، فَتَطْغَوْا مَنصُوبٌ بِأنْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ هي ”أنِ“ المُفَسِّرَةُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ أنْ مُفَسِّرَةً، فَيَكُونُ تَطْغَوْا جَزْمًا بِالنَّهْيِ. انْتَهى، ولا يَجُوزُ ما قالاهُ مِن أنَّ أنْ مُفَسِّرَةٌ، لِأنَّهُ فاتَ أحَدُ شَرْطَيْها، وهو أنْ يَكُونَ ما قَبْلَها جُمْلَةً فِيها مَعْنى القَوْلِ.
﴿ووَضَعَ المِيزانَ﴾ جُمْلَةٌ لَيْسَ فِيها مَعْنى القَوْلِ. والطُّغْيانُ في المِيزانِ هو أنْ يَكُونَ بِالتَّعَمُّدِ، وأمّا ما لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنَ التَّحْرِيرِ بِالمِيزانِ فَمَعْفُوٌّ عَنْهُ.
ولَمّا كانَتِ التَّسْوِيَةُ مَطْلُوبَةً جِدًّا، أمَرَ اللَّهُ تَعالى فَقالَ: ﴿وأقِيمُوا الوَزْنَ﴾ . وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ولا تُخْسِرُوا﴾، مِن أخْسَرَ: أيْ أفْسَدَ ونَقَصَ، كَقَوْلِهِ: ﴿وإذا كالُوهم أوْ وزَنُوهم يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين: ٣]؛ أيْ يَنْقُصُونَ. وبِلالُ بْنُ أبِي بُرْدَةَ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: تَخْسَرُ بِفَتْحِ التّاءِ، يُقالُ: خَسِرَ يَخْسَرُ، وأخْسَرَ يُخْسِرُ بِمَعْنًى واحِدٍ، كَجَبَرَ وأجْبَرَ. وحَكى ابْنُ جِنِّي وصاحِبُ اللَّوامِحِ، عَنْ بِلالٍ فَتْحَ التّاءِ والسِّينِ مُضارِعُ خَسِرَ بِكَسْرِ السِّينِ، وخَرَّجَها الزَّمَخْشَرِيُّ عَلى أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: في المِيزانِ، فَحَذَفَ الجارَّ ونَصَبَ، ولا يُحْتاجُ إلى هَذا التَّخْرِيجِ. ألا تَرى أنَّ خَسِرَ جاءَ مُتَعَدِّيًا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٢]، و﴿خَسِرَ الدُّنْيا والآخِرَةَ﴾ [الحج: ١١] ؟ وقُرِئَ أيْضًا: تَخْسُرُوا، بِفَتْحِ التّاءِ وضَمِّ السِّينِ. لِما مُنِعَ مِنَ الزِّيادَةِ، وهي الطُّغْيانُ، نَهى عَنِ الخُسْرانِ الَّذِي هو نُقْصانٌ، وكَرَّرَ لَفْظَ المِيزانِ، تَشْدِيدًا لِلتَّوْصِيَةِ بِهِ وتَقْوِيَةً لِلْأمْرِ بِاسْتِعْمالِهِ والحَثِّ عَلَيْهِ.
ولَمّا ذَكَرَ السَّماءَ، ذَكَرَ مُقابِلَتَها فَقالَ: ﴿والأرْضَ وضَعَها لِلْأنامِ﴾: أيْ خَفَضَها (p-١٩٠)مَدْحُوَّةً عَلى الماءِ لِيُنْتَفَعَ بِها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”والأرْضَ“ بِالنَّصْبِ؛ وأبُو السَّمّالِ: بِالرَّفْعِ: ”والأنامُ“، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بَنُو آدَمَ فَقَطْ. وقالَ أيْضًا هو وقَتادَةُ وابْنُ زَيْدٍ والشَّعْبِيُّ: الحَيَوانُ كُلُّهُ. وقالَ الحَسَنُ: الثَّقَلانِ الجِنُّ والإنْسُ.
﴿فِيها فاكِهَةٌ﴾: ضُرُوبٌ مِمّا يُتَفَكَّهُ بِهِ. وبَدَأ بِقَوْلِهِ: ﴿فاكِهَةٌ﴾، إذْ هو مِن بابِ الِابْتِداءِ بِالأدْنى والتَّرَقِّي إلى الأعْلى، ونَكَّرَ لَفْظَها، لِأنَّ الِانْتِفاعَ بِها دُونَ الِانْتِفاعِ بِما يُذْكَرُ بَعْدَها. ثُمَّ ثَنّى بِالنَّخْلِ، فَذَكَرَ الأصْلَ ولَمْ يَذْكُرْ ثَمَرَتَها، وهو الثَّمَرُ لِكَثْرَةِ الِانْتِفاعِ بِها مِن لِيفٍ وسَعَفٍ وجَرِيدٍ وجُذُوعٍ وجُمّارٍ وثَمَرٍ. ثُمَّ أتى ثالِثًا بِالحَبِّ الَّذِي هو قِوامُ عَيْشِ الإنْسانِ في أكْثَرِ الأقالِيمِ، وهو البُرُّ والشَّعِيرُ وكُلُّ ما لَهُ سُنْبُلٌ وأوْراقٌ مُتَشَعِّبَةٌ عَلى ساقِهِ، ووَصَفَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ذُو العَصْفِ﴾ تَنْبِيهًا عَلى إنْعامِهِ عَلَيْهِمْ بِما يَقُوتُهم مِنَ الحَبِّ، ويَقُوتُ بَهائِمَهم مِن ورَقِهِ الَّذِي هو التِّبْنُ. وبَدَأ بِالفاكِهَةِ وخَتَمَ بِالمَشْمُومِ، وبَيْنَهُما النَّخْلُ والحَبُّ، لِيَحْصُلَ ما بِهِ يُتَفَكَّهُ، وما بِهِ يُتَقَوَّتُ، وما بِهِ تَقَعُ اللَّذاذَةُ مِنَ الرّائِحَةِ الطَّيِّبَةِ. وذَكَرَ النَّخْلَ بِاسْمِها والفاكِهَةَ دُونَ شَجَرِها، لِعِظَمِ المَنفَعَةِ بِالنَّخْلِ مِن جِهاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ، وشَجَرَةُ الفاكِهَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى ثَمَرَتِها حَقِيرَةٌ، فَنَصَّ عَلى ما يَعْظُمُ بِهِ الِانْتِفاعُ مِن شَجَرَةِ النَّخْلِ ومِنَ الفاكِهَةِ دُونَ شَجَرَتِها.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿والحَبُّ ذُو العَصْفِ والرَّيْحانُ﴾، بِرَفْعِ الثَّلاثَةِ عَطْفًا عَلى المَرْفُوعِ قَبْلَهُ؛ وابْنُ عامِرٍ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِنَصْبِ الثَّلاثَةِ، أيْ وخَلَقَ الحَبَّ. وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ ﴿والرَّيْحانُ﴾ حالَةَ الرَّفْعِ وحالَةَ النَّصْبِ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ وذُو الرَّيْحانِ حَذَفَ المُضافَ وأقامَ المُضافَ إلَيْهِ مَقامَهُ؛ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ والأصْمَعِيُّ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: والرَّيْحانُ بِالجَرِّ، والمَعْنى: والحَبُّ ذُو العَصْفِ الَّذِي هو عَلَفُ البَهائِمِ، والرَّيْحانُ الَّذِي هو مَطْعَمُ النّاسِ، ويَبْعُدُ دُخُولُ المَشْمُومِ في قِراءَةِ الجَرِّ، ورَيْحانُ مِن ذَواتِ الواوِ. وأجازَ أبُو عَلِيٍّ أنْ يَكُونَ اسْمًا، ووُضِعَ مَوْضِعَ المَصْدَرِ، وأنْ يَكُونَ مَصْدَرًا عَلى وزْنِ فَعْلانَ كاللَّبّانِ. وأُبْدِلَتِ الواوُ ياءً، كَما أبْدَلُوا الياءَ واوًا في أشاوى، أوْ مَصْدَرًا شاذًّا في المُعْتَلِّ، كَما شَذَّ كَبَنُونَةٍ وبَيْنُونَةٍ، فَأصْلُهُ رَيْوِحانُ، قُلِبَتِ الواوُ ياءً وأُدْغِمَتْ في الياءِ فَصارَ رَيِّحانَ، ثُمَّ حُذِفَتْ عَيْنُ الكَلِمَةِ، كَما قالُوا: مَيْتٌ وهَيْنٌ.
ولَمّا عَدَّدَ تَعالى نِعَمَهُ، خاطَبَ الثَّقَلَيْنِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٣٢]، أيْ أنَّ نِعَمَهُ كَثِيرَةٌ لا تُحْصى، فَبِأيِّها تُكَذِّبانِ ؟ أيْ مَن هَذِهِ نِعَمُهُ لا يُمْكِنُ أنْ يُكَذَّبَ بِها. وكانَ هَذا الخِطابُ لِلثَّقَلَيْنِ، لِأنَّهُما داخِلانِ في الأنامِ عَلى أصَحِّ الأقْوالِ. ولِقَوْلِهِ: ﴿خَلَقَ الإنْسانَ﴾، و﴿وخَلَقَ الجانَّ﴾؛ ولِقَوْلِهِ: ﴿سَنَفْرُغُ لَكم أيُّها الثَّقَلانِ﴾ [الرحمن: ٣١]، وقَدْ أبْعَدَ مَن جَعَلَهُ خِطابًا لِلذَّكَرِ والأُنْثى مِن بَنِي آدَمَ. وأبْعَدُ مِن هَذا قَوْلُ مَن قالَ: إنَّهُ خِطابٌ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ: ﴿ألْقِيا في جَهَنَّمَ﴾ [ق: ٢٤]، ويا حَرَسِي اضْرِبا عُنُقَهُ، يَعْنِي أنَّهُ خِطابٌ لِلْواحِدِ بِصُورَةِ الِاثْنَيْنِ، فَبِأيِّ مُنَوَّنًا في جَمِيعِ السُّورَةِ، كَأنَّهُ حُذِفَ مِنهُ المُضافُ إلَيْهِ وأُبْدِلَ مِنهُ (آلاءِ رَبِّكُما) بَدَلَ مَعْرِفَةٍ مِن نَكِرَةٍ، وآلاءُ تَقَدَّمَ في الأعْرافِ أنَّها النِّعَمُ، واحِدُها إلْيٌ وألًا وإلًى وألْيٌ.
﴿خَلَقَ الإنْسانَ﴾: لَمّا ذَكَرَ العالَمَ الأكْبَرَ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ وما أوْجَدَ فِيها مِنَ النِّعَمِ، ذَكَرَ مَبْدَأ مَن خُلِقَتْ لَهُ هَذِهِ النِّعَمُ، والإنْسانُ هو آدَمُ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ. وقِيلَ: لِلْجِنْسِ، وساغَ ذَلِكَ لِأنَّ أباهم مَخْلُوقٌ مِنَ الصَّلْصالِ. وإذا أُرِيدَ بِالإنْسانِ آدَمُ، فَقَدْ جاءَتْ غاياتٌ لَهُ مُخْتَلِفَةٌ، وذَلِكَ بِتَنَقُّلِ أصْلِهِ؛ فَكانَ أوَّلًا تُرابًا، ثُمَّ طِينًا، ثُمَّ حَمَأً مَسْنُونًا، ثُمَّ صَلْصالًا، فَناسَبَ أنْ يُنْسَبَ خَلْقُهُ لِكُلِّ واحِدٍ مِنها. والجانُّ هو أبُو الجِنِّ، وهو إبْلِيسُ، قالَهُ الحَسَنُ. وقالَ مُجاهِدٌ: هو أبُو الجِنِّ، ولَيْسَ بِإبْلِيسَ. وقِيلَ: الجانُّ اسْمُ جِنْسٍ، والمارِجُ: ما اخْتَلَطَ مِن أصْفَرَ وأحْمَرَ وأخْضَرَ، أوِ اللَّهَبُ، أوِ الخالِصُ، أوِ الحُمْرَةُ في طَرَفِ النّارِ، أوِ المُخْتَلِطُ بِسَوادٍ، أوِ المُضْطَرِبُ بِلا دُخانٍ، أقْوالٌ، (ومِن) الأُولى لِابْتِداءِ الغايَةِ، والثّانِيَةُ في (مِن نارٍ) لِلتَّبْعِيضِ. وقِيلَ لِلْبَيانِ، والتَّكْرارُ في هَذِهِ الفَواصِلِ: لِلتَّأْكِيدِ والتَّنْبِيهِ والتَّحْرِيكِ، وهي مَوْجُودَةٌ في مَواضِعَ مِنَ القُرْآنِ. وذَهَبَ قَوْمٌ مِنهُمُ ابْنُ قُتَيْبَةَ إلى أنَّ هَذا التَّكْرارَ إنَّما هو لِاخْتِلافِ النِّعَمِ، فَكَرَّرَ (p-١٩١)التَّوْقِيفَ في كُلِّ واحِدٍ مِنها.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: (رَبُّ)، و(رَبُّ) بِالرَّفْعِ، أيْ هو رَبٌّ؛ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِالخَفْضِ بَدَلًا مِن رَبِّكُما، وثَنّى المُضافَ إلَيْهِ لِأنَّهُما مَشْرِقا الصَّيْفِ والشِّتاءِ ومَغْرِباهُما، قالَهُ مُجاهِدٌ. وقِيلَ: مَشْرِقا الشَّمْسِ والقَمَرِ ومَغْرِباهُما. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: لِلشَّمْسِ مَشْرِقٌ في الصَّيْفِ مُصْعِدٌ، ومَشْرِقٌ في الشِّتاءِ مُنْحَدِرٌ، تَنْتَقِلُ فِيهِما مُصْعِدَةً ومُنْحَدِرَةً. انْتَهى. فالمَشْرِقانِ والمَغْرِبانِ لِلشَّمْسِ. وقِيلَ: المَشْرِقانِ: مَطْلَعُ الفَجْرِ ومَطْلَعُ الشَّمْسِ، والمَغْرِبانِ مَغْرِبُ الشَّفَقِ ومَغْرِبُ الشَّمْسِ. ولِسَهْلٍ التُّسْتَرِيِّ كَلامٌ في المَشْرِقَيْنِ والمَغْرِبَيْنِ شَبِيهٌ بِكَلامِ الباطِنِيَّةِ المُحَرِّفِينَ مَدْلُولَ كَلامِ اللَّهِ، ضَرَبْنا عَنْ ذِكْرِهِ صَفْحًا. وكَذَلِكَ ما وقَفْنا عَلَيْهِ مِن كَلامِ الغُلاةِ الَّذِينَ يُنْسَبُونَ لِلصُّوفِيَّةِ، لِأنّا لا نَسْتَحِلُّ نَقْلَ شَيْءٍ مِنهُ. وقَدْ أوْلَغَ صاحِبُ كِتابِ التَّحْرِيرِ والتَّحْبِيرِ بِحَسْبِ ما قالَهُ هَؤُلاءِ الغُلاةُ في كُلِّ آيَةٍ آيَةٍ، ويُسَمِّي ذَلِكَ الحَقائِقَ، وأرْبابُ القُلُوبِ وما ادَّعَوْا فَهْمَهُ في القُرْآنِ فَأوْغَلُوا فِيهِ لَمْ يَفْهَمْهُ عَرَبِيٌّ قَطُّ، ولا أرادَهُ اللَّهُ تَعالى بِتِلْكَ الألْفاظِ، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِن ذَلِكَ.
﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ذَلِكَ في الفُرْقانِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وذَكَرَ الثَّعْلَبِيُّ في ﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ﴾ ألْغازًا وأقْوالًا باطِنَةً لا يُلْتَفَتُ إلى شَيْءٍ مِنها. انْتَهى، والظّاهِرُ التِقاؤُهُما، أيْ يَتَجاوَرانِ، فَلا فَصْلَ بَيْنَ الماءَيْنِ في رُؤْيَةِ العَيْنِ. وقِيلَ: يَلْتَقِيانِ في كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً. وقِيلَ: مُعَدّانِ لِلِالتِقاءِ، فَحَقُّهُما أنْ يَلْتَقِيا لَوْلا البَرْزَخُ بَيْنَهُما.
﴿بَرْزَخٌ﴾: أيْ حاجِزٌ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، ﴿لا يَبْغِيانِ﴾: لا يَتَجاوَزانِ حَدَّهُما، ولا يَبْغِي أحَدُهُما عَلى الآخَرِ بِالمُمازَجَةِ. وقِيلَ: البَرْزَخُ: أجْرامُ الأرْضِ، قالَهُ قَتادَةُ؛ وقِيلَ: لا يَبْغِيانِ: أيْ عَلى النّاسِ والعُمْرانِ، وعَلى هَذا والَّذِي قَبْلَهُ يَكُونُ مِنَ البَغْيِ. وقِيلَ: هو مِن بَغى، أيْ طَلَبَ، فالمَعْنى: لا يَبْغِيانِ حالًا غَيْرَ الحالِ الَّتِي خُلِقا عَلَيْها وسُخِّرا لَها. وقِيلَ: ماءُ الأنْهارِ لا يَخْتَلِطُ بِالماءِ المِلْحِ، بَلْ هو بِذاتِهِ باقٍ فِيهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والعِيانُ لا يَقْتَضِيهِ. انْتَهى، يَعْنِي أنَّهُ يُشاهِدُ الماءَ العَذْبَ يَخْتَلِطُ بِالمِلْحِ فَيَبْقى كُلُّهُ مِلْحًا، وقَدْ يُقالُ: إنَّهُ بِالِاخْتِلاطِ تَتَغَيَّرُ أجْرامُ العَذْبِ حَتّى لا تَظْهَرَ، فَإذا ذاقَ الإنْسانُ مِنَ المِلْحِ المُنْبَثِّ فِيهِ تِلْكَ الأجْزاءُ الدَّقِيقَةُ لَمْ يُحِسَّ إلّا المُلُوحَةَ، والمَعْقُولُ يَشْهَدُ بِذَلِكَ، لِأنَّ تَداخُلَ الأجْسامِ غَيْرُ مُمْكِنٍ، لَكِنَّ التَّفَرُّقَ والِالتِقاءَ مُمْكِنٌ. وأنْشَدَ القاضِي مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ البَلُّوطِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى:
؎ومَمْزُوجَةُ الأمْواهِ لا العَذْبُ غالِبٌ عَلى المِلْحِ طِيبًا لا ولا المِلْحُ يَعْذُبُ
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿يَخْرُجُ﴾ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ؛ ونافِعٌ وأبُو عَمْرٍو وأهْلُ المَدِينَةِ: مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ؛ والجُعْفِيٌّ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِالياءِ مَضْمُومَةً وكَسْرِ الرّاءِ، أيْ يُخْرِجُ اللَّهُ؛ وعَنْهُ وعَنْ أبِي عَمْرٍو، وعَنِ ابْنِ مِقْسَمٍ: بِالنُّونِ. واللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ نُصِبَ في هاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ. والظّاهِرُ في (مِنهُما) أنَّ ذَلِكَ يَخْرُجُ مِنَ المِلْحِ والعَذْبِ. وقالَ بِذَلِكَ قَوْمٌ، حَكاهُ الأخْفَشُ. ورَدَّ النّاسُ هَذا القَوْلَ، قالُوا: والحِسُّ يُخالِفُهُ، إذْ لا يَخْرُجُ إلّا مِنَ المِلْحِ، وعابُوا قَوْلَ الشّاعِرِ:
؎فَجاءَ بِها ما شِئْتَ مِن لَطِيمَةٍ ∗∗∗ عَلى وجْهِها ماءُ الفُراتِ يَمُوجُ
وقالَ الجُمْهُورُ: إنَّما يَخْرُجُ مِنَ الأُجاجِ في المَواضِعِ الَّتِي تَقَعُ فِيها الأنْهارُ والمِياهُ العَذْبَةُ، فَناسَبَ إسْنادَ ذَلِكَ إلَيْهِما، وهَذا مَشْهُورٌ عِنْدَ الغَوّاصِينَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ: تَكُونُ هَذِهِ الأشْياءُ في البَحْرِ بِنُزُولِ المَطَرِ، لِأنَّ الصَّدَفَ وغَيْرَها تَفْتَحُ أفْواهَها لِلْمَطَرِ، فَلِذَلِكَ قالَ (مِنهُما) . وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: إنَّما يَخْرُجُ مِنَ المِلْحِ، لَكِنَّهُ قالَ (مِنهُما) تَجَوُّزًا. وقالَ الرُّمّانِيُّ: العَذْبُ فِيها كاللِّقاحِ لِلْمِلْحِ، فَهو كَما يُقالُ؛ الوَلَدُ يَخْرُجُ مِنَ الذَّكَرِ والأُنْثى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ، وتَبِعَ الزَّجّاجَ مِن حَيْثُ هُما نَوْعٌ واحِدٌ، فَخُرُوجُ هَذِهِ الأشْياءِ إنَّما هي مِنهُما، وإنْ كانَتْ تَخْتَصُّ عِنْدَ التَّفْصِيلِ المَبالَغِ بِأحَدِهِما، كَما قالَ: ﴿سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا﴾ [نوح: ١٥] ﴿وجَعَلَ القَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾ [نوح: ١٦]، (p-١٩٢)وإنَّما هو في إحْداهُنَّ، وهي الدُّنْيا إلى الأرْضِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ نَحْوًا مِن قَوْلِ ابْنِ عَطِيَّةَ، قالَ: فَإنْ قُلْتَ: لِمَ قالَ (مِنهُما)، وإنَّما يَخْرُجانِ مِنَ المِلْحِ قُلْتُ: لَمّا التَقَيا وصارا كالشَّيْءِ الواحِدِ، جازَ أنْ يُقالَ: يَخْرُجانِ مِنهُما، كَما يُقالُ: يَخْرُجانِ مِنَ البَحْرِ، ولا يَخْرُجانِ مِن جَمِيعِ البَحْرِ، ولَكِنْ مِن بَعْضِهِ. وتَقُولُ: خَرَجْتُ مِنَ البَلَدِ، وإنَّما خَرَجْتَ مِن مَحَلَّةٍ مِن مَحالِّهِ، بَلْ مِن دارٍ واحِدَةٍ مِن دُورِهِ. وقِيلَ: لا يَخْرُجانِ إلّا مِن مُلْتَقى المِلْحِ والعَذْبِ. انْتَهى. وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: هَذا مِن بابِ حَذْفِ المُضافِ، والتَّقْدِيرُ: يَخْرُجُ مِن أحَدِهِما، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١]: أيْ مِن إحْدى القَرْيَتَيْنِ. وقِيلَ: هُما بَحْرانِ، يَخْرُجُ مِن أحَدِهِما اللُّؤْلُؤُ ومِنَ الآخَرِ المَرْجانُ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: كَلامُ اللَّهِ تَعالى أوْلى بِالِاعْتِبارِ مِن كَلامِ بَعْضِ النّاسِ ومَن أعْلَمَ أنَّ اللُّؤْلُؤَ لا يَخْرُجُ مِنَ الماءِ العَذْبِ ؟، وهَبْ أنَّ الغَوّاصِينَ ما أخْرَجُوهُ إلّا مِنَ المالِحِ. ولَكِنْ لِمَ قُلْتُمْ إنَّ الصَّدَفَ لا يَخْرُجُ بِأمْرِ اللَّهِ مِنَ الماءِ العَذْبِ إلى الماءِ المِلْحِ وكَيْفَ يُمْكِنُ الجَزْمُ بِهِ والأُمُورُ الأرْضِيَّةُ الظّاهِرَةُ خَفِيَتْ عَنِ التُّجّارِ الَّذِينَ قَطَعُوا المَفاوِزَ ودارُوا البِلادَ، فَكَيْفَ لا يَخْفى أمْرٌ ما في قَعْرِ البَحْرِ عَلَيْهِمْ ؟ واللُّؤْلُؤُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ وقَتادَةُ: كِبارُ الجَوْهَرِ. والمَرْجانُ صِغارُهُ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا وعَلِيٍّ ومُرَّةَ الهَمْدانِيِّ عَكْسُ هَذا. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ وأبُو مالِكٍ: المَرْجانُ: الحَجَرُ الأحْمَرُ. وقالَ الزَّجّاجُ: حَجَرٌ شَدِيدُ البَياضِ. وحَكى القاضِي أبُو يَعْلى أنَّهُ ضَرْبٌ مِنَ اللُّؤْلُؤِ، كالقُضْبانِ، والمَرْجانُ: اسْمٌ أعْجَمِيٌّ مُعَرَّبٌ. قالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: لَمْ أسْمَعْ فِيهِ نَقْلَ مُتَصَرِّفٍ، وقالَ الأعْشى:
؎مِن كُلِّ مَرْجانَةٍ في البَحْرِ أحْرَزَها ∗∗∗ تَيّارُها ووَقاها طِينَها الصَّدَفُ
قِيلَ: أرادَ اللُّؤْلُؤَةَ الكَبِيرَةَ. وقَرَأ طَلْحَةُ: اللُّؤْلِي بِكَسْرِ اللّامِ الثّالِثَةِ، وهي لُغَةٌ. وعَبَدُ الوَلِيِّ: تُقْلَبُ الهَمْزَةُ المُتَطَرِّفَةُ ياءً ساكِنَةً بَعْدَ كَسْرَةِ ما قَبْلَها، وهي لُغَةٌ، قالَهُ أبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ.
﴿ولَهُ الجَوارِي﴾: خَصَّ تَعالى الجَوارِيَ بِأنَّها لَهُ، وهو تَعالى لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما فِيهِنَّ، لِأنَّهم لَمّا كانُوا هم مُنْشِئِيها، أسْنَدَها تَعالى إلَيْهِ، إذْ كانَ تَمامُ مَنفَعَتِها إنَّما هو مِنهُ تَعالى، فَهو في الحَقِيقَةِ مالِكُها. والجَوارِي: السُّفُنُ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ والحَسَنُ وعَبْدُ الوارِثِ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِضَمِّ الرّاءِ، كَما قالُوا في شاكٍ شاكٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ؛ ﴿المُنْشَآتُ﴾ بِفَتْحِ الشِّينِ، اسْمَ مَفْعُولٍ: أيْ أنْشَأها اللَّهُ، أوِ النّاسُ، أوِ المَرْفُوعاتُ الشِّراعِ. وقالَ مُجاهِدٌ: ما لَهُ شِراعٌ مِنَ المُنْشَآتِ، وما لَمْ يُرْفَعْ لَهُ شِراعٌ، فَلَيْسَ مِنَ المُنْشَآتِ. والشِّراعُ: القَلْعُ. والأعْمَشُ وحَمْزَةُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وطَلْحَةُ وأبُو بَكْرٍ: بِخِلافٍ عَنْهُ، بِكَسْرِ الشِّينِ: أيِ الرّافِعاتُ الشِّراعِ، أوِ اللّاتِي يُنْشِئْنَ الأمْواجَ بِجَرْيِهِنَّ، أوِ الَّتِي تُنْشِئُ السَّفَرَ إقْبالًا وإدْبارًا. وشَدَّدَ الشِّينَ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ والحَسَنُ المُنَشَّأةُ، وحَدَّ الصِّفَةَ، ودَلَّ عَلى الجَمْعِ المَوْصُوفِ، كَقَوْلِهِ: ﴿أزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ [البقرة: ٢٥]، وقَلَبَ الهَمْزَةَ ألِفًا عَلى حَدِّ قَوْلِهِ:
؎إنَّ السِّباعَ لَتَهْدا في مَرابِضِها
يُرِيدُ: لَتَهْدَأُ، التّاءُ لِتَأْنِيثِ الصِّفَةِ، كُتِبَتْ تاءً عَلى لَفْظِها في الوَصْلِ.
﴿كالأعْلامِ﴾: أيْ كالجِبالِ والآكامِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى كِبَرِ السُّفُنِ حَيْثُ شَبَّهَها بِالجِبالِ، وإنْ كانَتِ المُنْشَآتُ تَنْطَلِقُ عَلى السَّفِينَةِ الكَبِيرَةِ والصَّغِيرَةِ. وعَبَّرَ بِمَن في قَوْلِهِ: ﴿كُلُّ مَن عَلَيْها﴾ تَغْلِيبًا لِمَن يَعْقِلُ، والضَّمِيرُ في (عَلَيْها) قَلِيلٌ عائِدٌ عَلى الأرْضِ في قَوْلِهِ: ﴿والأرْضَ وضَعَها لِلْأنامِ﴾، فَعادَ الضَّمِيرُ عَلَيْها، وإنْ كانَ بَعْدَ لَفْظِها. والفَناءُ عِبارَةٌ عَنْ إعْدامِ جَمِيعِ المَوْجُوداتِ مِن حَيَوانٍ وغَيْرِهِ، والوَجْهُ يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ حَقِيقَةِ الشَّيْءِ، والجارِحَةُ مُنْتَفِيَةٌ عَنِ اللَّهِ تَعالى، ونَحْوَ ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا وجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] . وتَقُولُ صَعالِيكُ مَكَّةَ: أيْنَ وجْهُ عَرَبِيٍّ كَرِيمٍ يَجُودُ عَلَيَّ ؟ وقَرَأ الجُمْهُورُ: ذُو بِالواوِ، وصِفَةً لِلْوَجْهِ. وأُبَيُّ وعَبْدُ اللَّهِ: ذِي بِالياءِ، صِفَةً لِلرَّبِّ. والظّاهِرُ أنَّ الخِطابَ في قَوْلِهِ: ﴿وجْهُ رَبِّكَ﴾ لِلرَّسُولِ، وفِيهِ تَشْرِيفٌ عَظِيمٌ لَهُ، ﷺ . وقِيلَ: (p-١٩٣)الخِطابُ لِكُلِّ سامِعٍ. ومَعْنى ﴿ذُو الجَلالِ﴾: الَّذِي يُجِلُّهُ المُوَحِّدُونَ عَنِ التَّشْبِيهِ بِخَلْقِهِ وعَنْ أفْعالِهِمْ، أوِ الَّذِي يُتَعَجَّبُ مِن جَلالِهِ، أوِ الَّذِي عِنْدَهُ الجَلالُ والإكْرامُ لِلْمُخْلِصِينَ مِن عِبادِهِ.
﴿يَسْألُهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾: أيْ حَوائِجَهم، وهو ما يَتَعَلَّقُ بِمَن في السَّماواتِ مِن أمْرِ الدِّينِ وما اسْتُعْبِدُوا بِهِ، ومَن في الأرْضِ مِن أمْرِ دِينِهِمْ ودُنْياهم. وقالَ أبُو صالِحٍ: مَن في السَّماواتِ الرَّحْمَةَ ومَن في الأرْضِ المَغْفِرَةَ والرِّزْقَ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: المَلائِكَةُ الرِّزْقَ لِأهْلِ الأرْضِ والمَغْفِرَةَ، وأهْلُ الأرْضِ يَسْألُونَهُما جَمِيعًا. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: يَسْألُهُ اسْتِئْنافُ إخْبارٍ. وقِيلَ: حالٌ مِنَ الوَجْهِ، والعامِلُ فِيهِ يَبْقى، أيْ هو دائِمٌ في هَذِهِ الحالِ. انْتَهى، وفِيهِ بُعْدٌ. ومَن لا يَسْألُ، فَحالُهُ تَقْتَضِي السُّؤالَ، فَيَصِحُّ إسْنادُ السُّؤالِ إلى الجَمِيعِ بِاعْتِبارِ القَدْرِ المُشْتَرَكِ، وهو الِافْتِقارُ إلَيْهِ تَعالى.
﴿كُلَّ يَوْمٍ﴾: أيْ كُلَّ ساعَةٍ ولَحْظَةٍ، وذَكَرَ اليَوْمَ لِأنَّ السّاعاتِ واللَّحَظاتِ في ضِمْنِهِ.
﴿هُوَ في شَأْنٍ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: في شَأْنٍ يُمْضِيهِ مِنَ الخَلْقِ والرِّزْقِ والإحْياءِ والإماتَةِ. وقالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: يُجِيبُ داعِيًا، ويَفُكُّ عانِيًا، ويَتُوبُ عَلى قَوْمٍ، ويَغْفِرُ لِقَوْمٍ. وقالَ سُوَيْدُ بْنُ غَفْلَةَ: يُعْتِقُ رِقابًا، ويُعْطِي رَغامًا ويُقْحِمُ عِقابًا. وقالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: الدَّهْرُ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمانِ، أحَدُهُما اليَوْمُ الَّذِي هو مُدَّةُ الدُّنْيا، فَشَأْنُهُ فِيهِ الأمْرُ والنَّهْيُ والإماتَةُ والإحْياءُ؛ والثّانِي الَّذِي هو يَوْمُ القِيامَةِ، فَشَأْنُهُ فِيهِ الجَزاءُ والحِسابُ. وعَنْ مُقاتِلٍ: نَزَلَتْ في اليَهُودِ، فَقالُوا: إنَّ اللَّهَ لا يَقْضِي يَوْمَ السَّبْتِ شَيْئًا. وقالَ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ، وقَدْ سَألَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طاهِرٍ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هو في شَأْنٍ﴾: وقَدْ صَحَّ أنَّ القَلَمَ جَفَّ بِما هو كائِنٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ فَقالَ: شُئُونٌ يُبْدِيها، لا شُئُونٌ يَبْتَدِيها. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: هو في يَوْمِ الدُّنْيا في الِابْتِلاءِ، وفي يَوْمِ القِيامَةِ في الجَزاءِ. وانْتَصَبَ ﴿كُلَّ يَوْمٍ﴾ عَلى الظَّرْفِ، والعامِلُ فِيهِ العامِلُ في قَوْلِهِ: ﴿فِي شَأْنٍ﴾، وهو مُسْتَقِرٌّ المَحْذُوفُ، نَحْوَ: يَوْمَ الجُمُعَةِ زَيْدٌ قائِمٌ.
الرحمن 55:11
ولَمّا ذَكَرَ تَعالى ما أنْعَمَ بِهِ مِن مَنفَعَةِ الشَّمْسِ والقَمَرِ، وكانَ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ العُلْوِيَّةِ، ذَكَرَ في مُقابَلَتِهِما مِنَ الآثارِ السُّفْلِيَّةِ النَّجْمَ والشَّجَرَ، إذْ كانا رِزْقًا لِلْإنْسانِ، وأخْبَرَ أنَّهُما جارِيانِ عَلى ما أرادَ اللَّهُ بِهِما، مِن تَسْخِيرِهِما وكَيْنُونَتِهِما عَلى ما اقْتَضَتْهُ حِكْمَتُهُ تَعالى. ولَمّا ذَكَرَ ما بِهِ حَياةُ الأرْواحِ مِن تَعْلِيمِ القُرْآنِ، ذَكَرَ ما بِهِ حَياةُ الأشْباحِ مِنَ النَّباتِ الَّذِي لَهُ ساقٌ، وكانَ تَقْدِيمُ النَّجْمِ، وهو ما لا ساقَ لَهُ، لِأنَّهُ أصْلُ القُوتِ، والَّذِي لَهُ ساقٌ ثَمَرُهُ يُتَفَكَّهُ بِهِ غالِبًا. والظّاهِرُ أنَّ النَّجْمَ هو الَّذِي شَرَحْناهُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ اقْتِرانُهُ بِالشَّجَرِ. وقالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ والحَسَنُ: النَّجْمُ: اسْمُ الجِنْسِ مِن نُجُومِ السَّماءِ. وسُجُودُهُما، قالَ مُجاهِدٌ والحَسَنُ: ذَلِكَ في النَّجْمِ بِالغُرُوبِ ونَحْوِهِ، وفي الشَّجَرِ بِالظِّلِّ واسْتِدارَتِهِ. وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: والسُّجُودُ تَجَوُّزٌ، وهو عِبارَةٌ عَنِ الخُضُوعِ والتَّذَلُّلِ. والجُمَلُ الأُوَلُ فِيها ضَمِيرٌ يَرْبُطُها بِالمُبْتَدَأِ، وأمّا في هاتَيْنِ الجُمْلَتَيْنِ فاكْتَفى بِالوَصْلِ المَعْنَوِيِّ عَنِ الوَصْلِ اللَّفْظِيِّ، إذْ مَعْلُومٌ أنَّ الحُسْبانَ هو حُسْبانُهُ، وأنَّ السُّجُودَ لَهُ لا لِغَيْرِهِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: بِحُسْبانِهِ ويَسْجُدانِ لَهُ. ولَمّا أُورِدَتْ هَذِهِ الجُمَلُ مَوْرِدَ تَعْدِيدِ النِّعَمِ رُدَّ الكَلامُ إلى العَطْفِ في وصْلِ ما يُناسِبُ وصْلَهُ، والتَّناسُبُ الَّذِي بَيْنَ هاتَيْنِ الجُمْلَتَيْنِ ظاهِرٌ، لِأنَّ الشَّمْسَ والقَمَرَ عُلْوِيّانِ، والنَّجْمُ والشَّجَرُ سُفْلِيّانِ.
﴿والسَّماءَ رَفَعَها﴾: أيْ خَلَقَها مَرْفُوعَةً، حَيْثُ جَعَلَها مَصْدَرَ قَضاياهُ ومَسْكَنَ مَلائِكَتِهِ الَّذِينَ يَنْزِلُونَ بِالوَحْيِ عَلى أنْبِيائِهِ، ونَبَّهَ بِذَلِكَ عَلى عِظَمِ شَأْنِهِ ومِلْكِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (والسَّماءَ)، بِالنَّصْبِ عَلى الِاشْتِغالِ، رُوعِيَ مُشاكَلَةُ الجُمْلَةِ الَّتِي تَلِيهِ وهي ﴿يَسْجُدانِ﴾ [الرحمن: ٦] . وقَرَأ أبُو السَّمّالِ: والسَّماءُ بِالرَّفْعِ، راعى مُشاكَلَةَ الجُمْلَةِ الِابْتِدائِيَّةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ووَضَعَ المِيزانَ﴾، فِعْلًا ماضِيًا ناصِبًا المِيزانَ، أيْ أقَرَّهُ وأثْبَتَهُ. وقَرَأ إبْراهِيمُ: ووَضْعِ المِيزانِ، بِالخَفْضِ وإسْكانِ الضّادِ. والظّاهِرُ أنَّهُ كُلُّ ما يُوزَنُ بِهِ الأشْياءُ وتُعْرَفُ مَقادِيرُها، وإنِ اخْتَلَفَتِ الآلاتُ، قالَ مَعْناهُ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وقَتادَةُ، جَعَلَهُ تَعالى حاكِمًا بِالسَّوِيَّةِ في الأخْذِ والإعْطاءِ. وقالَ مُجاهِدٌ والطَّبَرِيُّ والأكْثَرُونَ: المِيزانُ: العَدْلُ، وتَكُونُ الآلاتُ مِن بَعْضِ ما يَنْدَرِجُ في العَدْلِ. بَدَأ أوَّلًا بِالعِلْمِ، فَذَكَرَ ما فِيهِ أشْرَفُ أنْواعِ العُلُومِ وهو القُرْآنُ؛ ثُمَّ ذَكَرَ ما بِهِ التَّعْدِيلُ في الأُمُورِ، وهو المِيزانُ، كَقَوْلِهِ: ﴿وأنْزَلْنا مَعَهُمُ الكِتابَ والمِيزانَ﴾ [الحديد: ٢٥]، لِيُعَلِّمُوا الكِتابَ ويَفْعَلُوا ما يَأْمُرُهم بِهِ الكِتابُ. (أنْ لا تَطْغَوْا في المِيزانِ): أيْ لِأنْ لا تَطْغَوْا، فَتَطْغَوْا مَنصُوبٌ بِأنْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ هي ”أنِ“ المُفَسِّرَةُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ أنْ مُفَسِّرَةً، فَيَكُونُ تَطْغَوْا جَزْمًا بِالنَّهْيِ. انْتَهى، ولا يَجُوزُ ما قالاهُ مِن أنَّ أنْ مُفَسِّرَةٌ، لِأنَّهُ فاتَ أحَدُ شَرْطَيْها، وهو أنْ يَكُونَ ما قَبْلَها جُمْلَةً فِيها مَعْنى القَوْلِ.
﴿ووَضَعَ المِيزانَ﴾ جُمْلَةٌ لَيْسَ فِيها مَعْنى القَوْلِ. والطُّغْيانُ في المِيزانِ هو أنْ يَكُونَ بِالتَّعَمُّدِ، وأمّا ما لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنَ التَّحْرِيرِ بِالمِيزانِ فَمَعْفُوٌّ عَنْهُ.
ولَمّا كانَتِ التَّسْوِيَةُ مَطْلُوبَةً جِدًّا، أمَرَ اللَّهُ تَعالى فَقالَ: ﴿وأقِيمُوا الوَزْنَ﴾ . وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ولا تُخْسِرُوا﴾، مِن أخْسَرَ: أيْ أفْسَدَ ونَقَصَ، كَقَوْلِهِ: ﴿وإذا كالُوهم أوْ وزَنُوهم يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين: ٣]؛ أيْ يَنْقُصُونَ. وبِلالُ بْنُ أبِي بُرْدَةَ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: تَخْسَرُ بِفَتْحِ التّاءِ، يُقالُ: خَسِرَ يَخْسَرُ، وأخْسَرَ يُخْسِرُ بِمَعْنًى واحِدٍ، كَجَبَرَ وأجْبَرَ. وحَكى ابْنُ جِنِّي وصاحِبُ اللَّوامِحِ، عَنْ بِلالٍ فَتْحَ التّاءِ والسِّينِ مُضارِعُ خَسِرَ بِكَسْرِ السِّينِ، وخَرَّجَها الزَّمَخْشَرِيُّ عَلى أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: في المِيزانِ، فَحَذَفَ الجارَّ ونَصَبَ، ولا يُحْتاجُ إلى هَذا التَّخْرِيجِ. ألا تَرى أنَّ خَسِرَ جاءَ مُتَعَدِّيًا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٢]، و﴿خَسِرَ الدُّنْيا والآخِرَةَ﴾ [الحج: ١١] ؟ وقُرِئَ أيْضًا: تَخْسُرُوا، بِفَتْحِ التّاءِ وضَمِّ السِّينِ. لِما مُنِعَ مِنَ الزِّيادَةِ، وهي الطُّغْيانُ، نَهى عَنِ الخُسْرانِ الَّذِي هو نُقْصانٌ، وكَرَّرَ لَفْظَ المِيزانِ، تَشْدِيدًا لِلتَّوْصِيَةِ بِهِ وتَقْوِيَةً لِلْأمْرِ بِاسْتِعْمالِهِ والحَثِّ عَلَيْهِ.
ولَمّا ذَكَرَ السَّماءَ، ذَكَرَ مُقابِلَتَها فَقالَ: ﴿والأرْضَ وضَعَها لِلْأنامِ﴾: أيْ خَفَضَها (p-١٩٠)مَدْحُوَّةً عَلى الماءِ لِيُنْتَفَعَ بِها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”والأرْضَ“ بِالنَّصْبِ؛ وأبُو السَّمّالِ: بِالرَّفْعِ: ”والأنامُ“، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بَنُو آدَمَ فَقَطْ. وقالَ أيْضًا هو وقَتادَةُ وابْنُ زَيْدٍ والشَّعْبِيُّ: الحَيَوانُ كُلُّهُ. وقالَ الحَسَنُ: الثَّقَلانِ الجِنُّ والإنْسُ.
﴿فِيها فاكِهَةٌ﴾: ضُرُوبٌ مِمّا يُتَفَكَّهُ بِهِ. وبَدَأ بِقَوْلِهِ: ﴿فاكِهَةٌ﴾، إذْ هو مِن بابِ الِابْتِداءِ بِالأدْنى والتَّرَقِّي إلى الأعْلى، ونَكَّرَ لَفْظَها، لِأنَّ الِانْتِفاعَ بِها دُونَ الِانْتِفاعِ بِما يُذْكَرُ بَعْدَها. ثُمَّ ثَنّى بِالنَّخْلِ، فَذَكَرَ الأصْلَ ولَمْ يَذْكُرْ ثَمَرَتَها، وهو الثَّمَرُ لِكَثْرَةِ الِانْتِفاعِ بِها مِن لِيفٍ وسَعَفٍ وجَرِيدٍ وجُذُوعٍ وجُمّارٍ وثَمَرٍ. ثُمَّ أتى ثالِثًا بِالحَبِّ الَّذِي هو قِوامُ عَيْشِ الإنْسانِ في أكْثَرِ الأقالِيمِ، وهو البُرُّ والشَّعِيرُ وكُلُّ ما لَهُ سُنْبُلٌ وأوْراقٌ مُتَشَعِّبَةٌ عَلى ساقِهِ، ووَصَفَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ذُو العَصْفِ﴾ تَنْبِيهًا عَلى إنْعامِهِ عَلَيْهِمْ بِما يَقُوتُهم مِنَ الحَبِّ، ويَقُوتُ بَهائِمَهم مِن ورَقِهِ الَّذِي هو التِّبْنُ. وبَدَأ بِالفاكِهَةِ وخَتَمَ بِالمَشْمُومِ، وبَيْنَهُما النَّخْلُ والحَبُّ، لِيَحْصُلَ ما بِهِ يُتَفَكَّهُ، وما بِهِ يُتَقَوَّتُ، وما بِهِ تَقَعُ اللَّذاذَةُ مِنَ الرّائِحَةِ الطَّيِّبَةِ. وذَكَرَ النَّخْلَ بِاسْمِها والفاكِهَةَ دُونَ شَجَرِها، لِعِظَمِ المَنفَعَةِ بِالنَّخْلِ مِن جِهاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ، وشَجَرَةُ الفاكِهَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى ثَمَرَتِها حَقِيرَةٌ، فَنَصَّ عَلى ما يَعْظُمُ بِهِ الِانْتِفاعُ مِن شَجَرَةِ النَّخْلِ ومِنَ الفاكِهَةِ دُونَ شَجَرَتِها.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿والحَبُّ ذُو العَصْفِ والرَّيْحانُ﴾، بِرَفْعِ الثَّلاثَةِ عَطْفًا عَلى المَرْفُوعِ قَبْلَهُ؛ وابْنُ عامِرٍ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِنَصْبِ الثَّلاثَةِ، أيْ وخَلَقَ الحَبَّ. وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ ﴿والرَّيْحانُ﴾ حالَةَ الرَّفْعِ وحالَةَ النَّصْبِ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ وذُو الرَّيْحانِ حَذَفَ المُضافَ وأقامَ المُضافَ إلَيْهِ مَقامَهُ؛ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ والأصْمَعِيُّ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: والرَّيْحانُ بِالجَرِّ، والمَعْنى: والحَبُّ ذُو العَصْفِ الَّذِي هو عَلَفُ البَهائِمِ، والرَّيْحانُ الَّذِي هو مَطْعَمُ النّاسِ، ويَبْعُدُ دُخُولُ المَشْمُومِ في قِراءَةِ الجَرِّ، ورَيْحانُ مِن ذَواتِ الواوِ. وأجازَ أبُو عَلِيٍّ أنْ يَكُونَ اسْمًا، ووُضِعَ مَوْضِعَ المَصْدَرِ، وأنْ يَكُونَ مَصْدَرًا عَلى وزْنِ فَعْلانَ كاللَّبّانِ. وأُبْدِلَتِ الواوُ ياءً، كَما أبْدَلُوا الياءَ واوًا في أشاوى، أوْ مَصْدَرًا شاذًّا في المُعْتَلِّ، كَما شَذَّ كَبَنُونَةٍ وبَيْنُونَةٍ، فَأصْلُهُ رَيْوِحانُ، قُلِبَتِ الواوُ ياءً وأُدْغِمَتْ في الياءِ فَصارَ رَيِّحانَ، ثُمَّ حُذِفَتْ عَيْنُ الكَلِمَةِ، كَما قالُوا: مَيْتٌ وهَيْنٌ.
ولَمّا عَدَّدَ تَعالى نِعَمَهُ، خاطَبَ الثَّقَلَيْنِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٣٢]، أيْ أنَّ نِعَمَهُ كَثِيرَةٌ لا تُحْصى، فَبِأيِّها تُكَذِّبانِ ؟ أيْ مَن هَذِهِ نِعَمُهُ لا يُمْكِنُ أنْ يُكَذَّبَ بِها. وكانَ هَذا الخِطابُ لِلثَّقَلَيْنِ، لِأنَّهُما داخِلانِ في الأنامِ عَلى أصَحِّ الأقْوالِ. ولِقَوْلِهِ: ﴿خَلَقَ الإنْسانَ﴾، و﴿وخَلَقَ الجانَّ﴾؛ ولِقَوْلِهِ: ﴿سَنَفْرُغُ لَكم أيُّها الثَّقَلانِ﴾ [الرحمن: ٣١]، وقَدْ أبْعَدَ مَن جَعَلَهُ خِطابًا لِلذَّكَرِ والأُنْثى مِن بَنِي آدَمَ. وأبْعَدُ مِن هَذا قَوْلُ مَن قالَ: إنَّهُ خِطابٌ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ: ﴿ألْقِيا في جَهَنَّمَ﴾ [ق: ٢٤]، ويا حَرَسِي اضْرِبا عُنُقَهُ، يَعْنِي أنَّهُ خِطابٌ لِلْواحِدِ بِصُورَةِ الِاثْنَيْنِ، فَبِأيِّ مُنَوَّنًا في جَمِيعِ السُّورَةِ، كَأنَّهُ حُذِفَ مِنهُ المُضافُ إلَيْهِ وأُبْدِلَ مِنهُ (آلاءِ رَبِّكُما) بَدَلَ مَعْرِفَةٍ مِن نَكِرَةٍ، وآلاءُ تَقَدَّمَ في الأعْرافِ أنَّها النِّعَمُ، واحِدُها إلْيٌ وألًا وإلًى وألْيٌ.
﴿خَلَقَ الإنْسانَ﴾: لَمّا ذَكَرَ العالَمَ الأكْبَرَ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ وما أوْجَدَ فِيها مِنَ النِّعَمِ، ذَكَرَ مَبْدَأ مَن خُلِقَتْ لَهُ هَذِهِ النِّعَمُ، والإنْسانُ هو آدَمُ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ. وقِيلَ: لِلْجِنْسِ، وساغَ ذَلِكَ لِأنَّ أباهم مَخْلُوقٌ مِنَ الصَّلْصالِ. وإذا أُرِيدَ بِالإنْسانِ آدَمُ، فَقَدْ جاءَتْ غاياتٌ لَهُ مُخْتَلِفَةٌ، وذَلِكَ بِتَنَقُّلِ أصْلِهِ؛ فَكانَ أوَّلًا تُرابًا، ثُمَّ طِينًا، ثُمَّ حَمَأً مَسْنُونًا، ثُمَّ صَلْصالًا، فَناسَبَ أنْ يُنْسَبَ خَلْقُهُ لِكُلِّ واحِدٍ مِنها. والجانُّ هو أبُو الجِنِّ، وهو إبْلِيسُ، قالَهُ الحَسَنُ. وقالَ مُجاهِدٌ: هو أبُو الجِنِّ، ولَيْسَ بِإبْلِيسَ. وقِيلَ: الجانُّ اسْمُ جِنْسٍ، والمارِجُ: ما اخْتَلَطَ مِن أصْفَرَ وأحْمَرَ وأخْضَرَ، أوِ اللَّهَبُ، أوِ الخالِصُ، أوِ الحُمْرَةُ في طَرَفِ النّارِ، أوِ المُخْتَلِطُ بِسَوادٍ، أوِ المُضْطَرِبُ بِلا دُخانٍ، أقْوالٌ، (ومِن) الأُولى لِابْتِداءِ الغايَةِ، والثّانِيَةُ في (مِن نارٍ) لِلتَّبْعِيضِ. وقِيلَ لِلْبَيانِ، والتَّكْرارُ في هَذِهِ الفَواصِلِ: لِلتَّأْكِيدِ والتَّنْبِيهِ والتَّحْرِيكِ، وهي مَوْجُودَةٌ في مَواضِعَ مِنَ القُرْآنِ. وذَهَبَ قَوْمٌ مِنهُمُ ابْنُ قُتَيْبَةَ إلى أنَّ هَذا التَّكْرارَ إنَّما هو لِاخْتِلافِ النِّعَمِ، فَكَرَّرَ (p-١٩١)التَّوْقِيفَ في كُلِّ واحِدٍ مِنها.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: (رَبُّ)، و(رَبُّ) بِالرَّفْعِ، أيْ هو رَبٌّ؛ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِالخَفْضِ بَدَلًا مِن رَبِّكُما، وثَنّى المُضافَ إلَيْهِ لِأنَّهُما مَشْرِقا الصَّيْفِ والشِّتاءِ ومَغْرِباهُما، قالَهُ مُجاهِدٌ. وقِيلَ: مَشْرِقا الشَّمْسِ والقَمَرِ ومَغْرِباهُما. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: لِلشَّمْسِ مَشْرِقٌ في الصَّيْفِ مُصْعِدٌ، ومَشْرِقٌ في الشِّتاءِ مُنْحَدِرٌ، تَنْتَقِلُ فِيهِما مُصْعِدَةً ومُنْحَدِرَةً. انْتَهى. فالمَشْرِقانِ والمَغْرِبانِ لِلشَّمْسِ. وقِيلَ: المَشْرِقانِ: مَطْلَعُ الفَجْرِ ومَطْلَعُ الشَّمْسِ، والمَغْرِبانِ مَغْرِبُ الشَّفَقِ ومَغْرِبُ الشَّمْسِ. ولِسَهْلٍ التُّسْتَرِيِّ كَلامٌ في المَشْرِقَيْنِ والمَغْرِبَيْنِ شَبِيهٌ بِكَلامِ الباطِنِيَّةِ المُحَرِّفِينَ مَدْلُولَ كَلامِ اللَّهِ، ضَرَبْنا عَنْ ذِكْرِهِ صَفْحًا. وكَذَلِكَ ما وقَفْنا عَلَيْهِ مِن كَلامِ الغُلاةِ الَّذِينَ يُنْسَبُونَ لِلصُّوفِيَّةِ، لِأنّا لا نَسْتَحِلُّ نَقْلَ شَيْءٍ مِنهُ. وقَدْ أوْلَغَ صاحِبُ كِتابِ التَّحْرِيرِ والتَّحْبِيرِ بِحَسْبِ ما قالَهُ هَؤُلاءِ الغُلاةُ في كُلِّ آيَةٍ آيَةٍ، ويُسَمِّي ذَلِكَ الحَقائِقَ، وأرْبابُ القُلُوبِ وما ادَّعَوْا فَهْمَهُ في القُرْآنِ فَأوْغَلُوا فِيهِ لَمْ يَفْهَمْهُ عَرَبِيٌّ قَطُّ، ولا أرادَهُ اللَّهُ تَعالى بِتِلْكَ الألْفاظِ، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِن ذَلِكَ.
﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ذَلِكَ في الفُرْقانِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وذَكَرَ الثَّعْلَبِيُّ في ﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ﴾ ألْغازًا وأقْوالًا باطِنَةً لا يُلْتَفَتُ إلى شَيْءٍ مِنها. انْتَهى، والظّاهِرُ التِقاؤُهُما، أيْ يَتَجاوَرانِ، فَلا فَصْلَ بَيْنَ الماءَيْنِ في رُؤْيَةِ العَيْنِ. وقِيلَ: يَلْتَقِيانِ في كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً. وقِيلَ: مُعَدّانِ لِلِالتِقاءِ، فَحَقُّهُما أنْ يَلْتَقِيا لَوْلا البَرْزَخُ بَيْنَهُما.
﴿بَرْزَخٌ﴾: أيْ حاجِزٌ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، ﴿لا يَبْغِيانِ﴾: لا يَتَجاوَزانِ حَدَّهُما، ولا يَبْغِي أحَدُهُما عَلى الآخَرِ بِالمُمازَجَةِ. وقِيلَ: البَرْزَخُ: أجْرامُ الأرْضِ، قالَهُ قَتادَةُ؛ وقِيلَ: لا يَبْغِيانِ: أيْ عَلى النّاسِ والعُمْرانِ، وعَلى هَذا والَّذِي قَبْلَهُ يَكُونُ مِنَ البَغْيِ. وقِيلَ: هو مِن بَغى، أيْ طَلَبَ، فالمَعْنى: لا يَبْغِيانِ حالًا غَيْرَ الحالِ الَّتِي خُلِقا عَلَيْها وسُخِّرا لَها. وقِيلَ: ماءُ الأنْهارِ لا يَخْتَلِطُ بِالماءِ المِلْحِ، بَلْ هو بِذاتِهِ باقٍ فِيهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والعِيانُ لا يَقْتَضِيهِ. انْتَهى، يَعْنِي أنَّهُ يُشاهِدُ الماءَ العَذْبَ يَخْتَلِطُ بِالمِلْحِ فَيَبْقى كُلُّهُ مِلْحًا، وقَدْ يُقالُ: إنَّهُ بِالِاخْتِلاطِ تَتَغَيَّرُ أجْرامُ العَذْبِ حَتّى لا تَظْهَرَ، فَإذا ذاقَ الإنْسانُ مِنَ المِلْحِ المُنْبَثِّ فِيهِ تِلْكَ الأجْزاءُ الدَّقِيقَةُ لَمْ يُحِسَّ إلّا المُلُوحَةَ، والمَعْقُولُ يَشْهَدُ بِذَلِكَ، لِأنَّ تَداخُلَ الأجْسامِ غَيْرُ مُمْكِنٍ، لَكِنَّ التَّفَرُّقَ والِالتِقاءَ مُمْكِنٌ. وأنْشَدَ القاضِي مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ البَلُّوطِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى:
؎ومَمْزُوجَةُ الأمْواهِ لا العَذْبُ غالِبٌ عَلى المِلْحِ طِيبًا لا ولا المِلْحُ يَعْذُبُ
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿يَخْرُجُ﴾ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ؛ ونافِعٌ وأبُو عَمْرٍو وأهْلُ المَدِينَةِ: مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ؛ والجُعْفِيٌّ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِالياءِ مَضْمُومَةً وكَسْرِ الرّاءِ، أيْ يُخْرِجُ اللَّهُ؛ وعَنْهُ وعَنْ أبِي عَمْرٍو، وعَنِ ابْنِ مِقْسَمٍ: بِالنُّونِ. واللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ نُصِبَ في هاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ. والظّاهِرُ في (مِنهُما) أنَّ ذَلِكَ يَخْرُجُ مِنَ المِلْحِ والعَذْبِ. وقالَ بِذَلِكَ قَوْمٌ، حَكاهُ الأخْفَشُ. ورَدَّ النّاسُ هَذا القَوْلَ، قالُوا: والحِسُّ يُخالِفُهُ، إذْ لا يَخْرُجُ إلّا مِنَ المِلْحِ، وعابُوا قَوْلَ الشّاعِرِ:
؎فَجاءَ بِها ما شِئْتَ مِن لَطِيمَةٍ ∗∗∗ عَلى وجْهِها ماءُ الفُراتِ يَمُوجُ
وقالَ الجُمْهُورُ: إنَّما يَخْرُجُ مِنَ الأُجاجِ في المَواضِعِ الَّتِي تَقَعُ فِيها الأنْهارُ والمِياهُ العَذْبَةُ، فَناسَبَ إسْنادَ ذَلِكَ إلَيْهِما، وهَذا مَشْهُورٌ عِنْدَ الغَوّاصِينَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ: تَكُونُ هَذِهِ الأشْياءُ في البَحْرِ بِنُزُولِ المَطَرِ، لِأنَّ الصَّدَفَ وغَيْرَها تَفْتَحُ أفْواهَها لِلْمَطَرِ، فَلِذَلِكَ قالَ (مِنهُما) . وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: إنَّما يَخْرُجُ مِنَ المِلْحِ، لَكِنَّهُ قالَ (مِنهُما) تَجَوُّزًا. وقالَ الرُّمّانِيُّ: العَذْبُ فِيها كاللِّقاحِ لِلْمِلْحِ، فَهو كَما يُقالُ؛ الوَلَدُ يَخْرُجُ مِنَ الذَّكَرِ والأُنْثى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ، وتَبِعَ الزَّجّاجَ مِن حَيْثُ هُما نَوْعٌ واحِدٌ، فَخُرُوجُ هَذِهِ الأشْياءِ إنَّما هي مِنهُما، وإنْ كانَتْ تَخْتَصُّ عِنْدَ التَّفْصِيلِ المَبالَغِ بِأحَدِهِما، كَما قالَ: ﴿سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا﴾ [نوح: ١٥] ﴿وجَعَلَ القَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾ [نوح: ١٦]، (p-١٩٢)وإنَّما هو في إحْداهُنَّ، وهي الدُّنْيا إلى الأرْضِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ نَحْوًا مِن قَوْلِ ابْنِ عَطِيَّةَ، قالَ: فَإنْ قُلْتَ: لِمَ قالَ (مِنهُما)، وإنَّما يَخْرُجانِ مِنَ المِلْحِ قُلْتُ: لَمّا التَقَيا وصارا كالشَّيْءِ الواحِدِ، جازَ أنْ يُقالَ: يَخْرُجانِ مِنهُما، كَما يُقالُ: يَخْرُجانِ مِنَ البَحْرِ، ولا يَخْرُجانِ مِن جَمِيعِ البَحْرِ، ولَكِنْ مِن بَعْضِهِ. وتَقُولُ: خَرَجْتُ مِنَ البَلَدِ، وإنَّما خَرَجْتَ مِن مَحَلَّةٍ مِن مَحالِّهِ، بَلْ مِن دارٍ واحِدَةٍ مِن دُورِهِ. وقِيلَ: لا يَخْرُجانِ إلّا مِن مُلْتَقى المِلْحِ والعَذْبِ. انْتَهى. وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: هَذا مِن بابِ حَذْفِ المُضافِ، والتَّقْدِيرُ: يَخْرُجُ مِن أحَدِهِما، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١]: أيْ مِن إحْدى القَرْيَتَيْنِ. وقِيلَ: هُما بَحْرانِ، يَخْرُجُ مِن أحَدِهِما اللُّؤْلُؤُ ومِنَ الآخَرِ المَرْجانُ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: كَلامُ اللَّهِ تَعالى أوْلى بِالِاعْتِبارِ مِن كَلامِ بَعْضِ النّاسِ ومَن أعْلَمَ أنَّ اللُّؤْلُؤَ لا يَخْرُجُ مِنَ الماءِ العَذْبِ ؟، وهَبْ أنَّ الغَوّاصِينَ ما أخْرَجُوهُ إلّا مِنَ المالِحِ. ولَكِنْ لِمَ قُلْتُمْ إنَّ الصَّدَفَ لا يَخْرُجُ بِأمْرِ اللَّهِ مِنَ الماءِ العَذْبِ إلى الماءِ المِلْحِ وكَيْفَ يُمْكِنُ الجَزْمُ بِهِ والأُمُورُ الأرْضِيَّةُ الظّاهِرَةُ خَفِيَتْ عَنِ التُّجّارِ الَّذِينَ قَطَعُوا المَفاوِزَ ودارُوا البِلادَ، فَكَيْفَ لا يَخْفى أمْرٌ ما في قَعْرِ البَحْرِ عَلَيْهِمْ ؟ واللُّؤْلُؤُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ وقَتادَةُ: كِبارُ الجَوْهَرِ. والمَرْجانُ صِغارُهُ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا وعَلِيٍّ ومُرَّةَ الهَمْدانِيِّ عَكْسُ هَذا. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ وأبُو مالِكٍ: المَرْجانُ: الحَجَرُ الأحْمَرُ. وقالَ الزَّجّاجُ: حَجَرٌ شَدِيدُ البَياضِ. وحَكى القاضِي أبُو يَعْلى أنَّهُ ضَرْبٌ مِنَ اللُّؤْلُؤِ، كالقُضْبانِ، والمَرْجانُ: اسْمٌ أعْجَمِيٌّ مُعَرَّبٌ. قالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: لَمْ أسْمَعْ فِيهِ نَقْلَ مُتَصَرِّفٍ، وقالَ الأعْشى:
؎مِن كُلِّ مَرْجانَةٍ في البَحْرِ أحْرَزَها ∗∗∗ تَيّارُها ووَقاها طِينَها الصَّدَفُ
قِيلَ: أرادَ اللُّؤْلُؤَةَ الكَبِيرَةَ. وقَرَأ طَلْحَةُ: اللُّؤْلِي بِكَسْرِ اللّامِ الثّالِثَةِ، وهي لُغَةٌ. وعَبَدُ الوَلِيِّ: تُقْلَبُ الهَمْزَةُ المُتَطَرِّفَةُ ياءً ساكِنَةً بَعْدَ كَسْرَةِ ما قَبْلَها، وهي لُغَةٌ، قالَهُ أبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ.
﴿ولَهُ الجَوارِي﴾: خَصَّ تَعالى الجَوارِيَ بِأنَّها لَهُ، وهو تَعالى لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما فِيهِنَّ، لِأنَّهم لَمّا كانُوا هم مُنْشِئِيها، أسْنَدَها تَعالى إلَيْهِ، إذْ كانَ تَمامُ مَنفَعَتِها إنَّما هو مِنهُ تَعالى، فَهو في الحَقِيقَةِ مالِكُها. والجَوارِي: السُّفُنُ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ والحَسَنُ وعَبْدُ الوارِثِ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِضَمِّ الرّاءِ، كَما قالُوا في شاكٍ شاكٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ؛ ﴿المُنْشَآتُ﴾ بِفَتْحِ الشِّينِ، اسْمَ مَفْعُولٍ: أيْ أنْشَأها اللَّهُ، أوِ النّاسُ، أوِ المَرْفُوعاتُ الشِّراعِ. وقالَ مُجاهِدٌ: ما لَهُ شِراعٌ مِنَ المُنْشَآتِ، وما لَمْ يُرْفَعْ لَهُ شِراعٌ، فَلَيْسَ مِنَ المُنْشَآتِ. والشِّراعُ: القَلْعُ. والأعْمَشُ وحَمْزَةُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وطَلْحَةُ وأبُو بَكْرٍ: بِخِلافٍ عَنْهُ، بِكَسْرِ الشِّينِ: أيِ الرّافِعاتُ الشِّراعِ، أوِ اللّاتِي يُنْشِئْنَ الأمْواجَ بِجَرْيِهِنَّ، أوِ الَّتِي تُنْشِئُ السَّفَرَ إقْبالًا وإدْبارًا. وشَدَّدَ الشِّينَ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ والحَسَنُ المُنَشَّأةُ، وحَدَّ الصِّفَةَ، ودَلَّ عَلى الجَمْعِ المَوْصُوفِ، كَقَوْلِهِ: ﴿أزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ [البقرة: ٢٥]، وقَلَبَ الهَمْزَةَ ألِفًا عَلى حَدِّ قَوْلِهِ:
؎إنَّ السِّباعَ لَتَهْدا في مَرابِضِها
يُرِيدُ: لَتَهْدَأُ، التّاءُ لِتَأْنِيثِ الصِّفَةِ، كُتِبَتْ تاءً عَلى لَفْظِها في الوَصْلِ.
﴿كالأعْلامِ﴾: أيْ كالجِبالِ والآكامِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى كِبَرِ السُّفُنِ حَيْثُ شَبَّهَها بِالجِبالِ، وإنْ كانَتِ المُنْشَآتُ تَنْطَلِقُ عَلى السَّفِينَةِ الكَبِيرَةِ والصَّغِيرَةِ. وعَبَّرَ بِمَن في قَوْلِهِ: ﴿كُلُّ مَن عَلَيْها﴾ تَغْلِيبًا لِمَن يَعْقِلُ، والضَّمِيرُ في (عَلَيْها) قَلِيلٌ عائِدٌ عَلى الأرْضِ في قَوْلِهِ: ﴿والأرْضَ وضَعَها لِلْأنامِ﴾، فَعادَ الضَّمِيرُ عَلَيْها، وإنْ كانَ بَعْدَ لَفْظِها. والفَناءُ عِبارَةٌ عَنْ إعْدامِ جَمِيعِ المَوْجُوداتِ مِن حَيَوانٍ وغَيْرِهِ، والوَجْهُ يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ حَقِيقَةِ الشَّيْءِ، والجارِحَةُ مُنْتَفِيَةٌ عَنِ اللَّهِ تَعالى، ونَحْوَ ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا وجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] . وتَقُولُ صَعالِيكُ مَكَّةَ: أيْنَ وجْهُ عَرَبِيٍّ كَرِيمٍ يَجُودُ عَلَيَّ ؟ وقَرَأ الجُمْهُورُ: ذُو بِالواوِ، وصِفَةً لِلْوَجْهِ. وأُبَيُّ وعَبْدُ اللَّهِ: ذِي بِالياءِ، صِفَةً لِلرَّبِّ. والظّاهِرُ أنَّ الخِطابَ في قَوْلِهِ: ﴿وجْهُ رَبِّكَ﴾ لِلرَّسُولِ، وفِيهِ تَشْرِيفٌ عَظِيمٌ لَهُ، ﷺ . وقِيلَ: (p-١٩٣)الخِطابُ لِكُلِّ سامِعٍ. ومَعْنى ﴿ذُو الجَلالِ﴾: الَّذِي يُجِلُّهُ المُوَحِّدُونَ عَنِ التَّشْبِيهِ بِخَلْقِهِ وعَنْ أفْعالِهِمْ، أوِ الَّذِي يُتَعَجَّبُ مِن جَلالِهِ، أوِ الَّذِي عِنْدَهُ الجَلالُ والإكْرامُ لِلْمُخْلِصِينَ مِن عِبادِهِ.
﴿يَسْألُهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾: أيْ حَوائِجَهم، وهو ما يَتَعَلَّقُ بِمَن في السَّماواتِ مِن أمْرِ الدِّينِ وما اسْتُعْبِدُوا بِهِ، ومَن في الأرْضِ مِن أمْرِ دِينِهِمْ ودُنْياهم. وقالَ أبُو صالِحٍ: مَن في السَّماواتِ الرَّحْمَةَ ومَن في الأرْضِ المَغْفِرَةَ والرِّزْقَ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: المَلائِكَةُ الرِّزْقَ لِأهْلِ الأرْضِ والمَغْفِرَةَ، وأهْلُ الأرْضِ يَسْألُونَهُما جَمِيعًا. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: يَسْألُهُ اسْتِئْنافُ إخْبارٍ. وقِيلَ: حالٌ مِنَ الوَجْهِ، والعامِلُ فِيهِ يَبْقى، أيْ هو دائِمٌ في هَذِهِ الحالِ. انْتَهى، وفِيهِ بُعْدٌ. ومَن لا يَسْألُ، فَحالُهُ تَقْتَضِي السُّؤالَ، فَيَصِحُّ إسْنادُ السُّؤالِ إلى الجَمِيعِ بِاعْتِبارِ القَدْرِ المُشْتَرَكِ، وهو الِافْتِقارُ إلَيْهِ تَعالى.
﴿كُلَّ يَوْمٍ﴾: أيْ كُلَّ ساعَةٍ ولَحْظَةٍ، وذَكَرَ اليَوْمَ لِأنَّ السّاعاتِ واللَّحَظاتِ في ضِمْنِهِ.
﴿هُوَ في شَأْنٍ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: في شَأْنٍ يُمْضِيهِ مِنَ الخَلْقِ والرِّزْقِ والإحْياءِ والإماتَةِ. وقالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: يُجِيبُ داعِيًا، ويَفُكُّ عانِيًا، ويَتُوبُ عَلى قَوْمٍ، ويَغْفِرُ لِقَوْمٍ. وقالَ سُوَيْدُ بْنُ غَفْلَةَ: يُعْتِقُ رِقابًا، ويُعْطِي رَغامًا ويُقْحِمُ عِقابًا. وقالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: الدَّهْرُ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمانِ، أحَدُهُما اليَوْمُ الَّذِي هو مُدَّةُ الدُّنْيا، فَشَأْنُهُ فِيهِ الأمْرُ والنَّهْيُ والإماتَةُ والإحْياءُ؛ والثّانِي الَّذِي هو يَوْمُ القِيامَةِ، فَشَأْنُهُ فِيهِ الجَزاءُ والحِسابُ. وعَنْ مُقاتِلٍ: نَزَلَتْ في اليَهُودِ، فَقالُوا: إنَّ اللَّهَ لا يَقْضِي يَوْمَ السَّبْتِ شَيْئًا. وقالَ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ، وقَدْ سَألَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طاهِرٍ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هو في شَأْنٍ﴾: وقَدْ صَحَّ أنَّ القَلَمَ جَفَّ بِما هو كائِنٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ فَقالَ: شُئُونٌ يُبْدِيها، لا شُئُونٌ يَبْتَدِيها. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: هو في يَوْمِ الدُّنْيا في الِابْتِلاءِ، وفي يَوْمِ القِيامَةِ في الجَزاءِ. وانْتَصَبَ ﴿كُلَّ يَوْمٍ﴾ عَلى الظَّرْفِ، والعامِلُ فِيهِ العامِلُ في قَوْلِهِ: ﴿فِي شَأْنٍ﴾، وهو مُسْتَقِرٌّ المَحْذُوفُ، نَحْوَ: يَوْمَ الجُمُعَةِ زَيْدٌ قائِمٌ.
الرحمن 55:12
ولَمّا ذَكَرَ تَعالى ما أنْعَمَ بِهِ مِن مَنفَعَةِ الشَّمْسِ والقَمَرِ، وكانَ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ العُلْوِيَّةِ، ذَكَرَ في مُقابَلَتِهِما مِنَ الآثارِ السُّفْلِيَّةِ النَّجْمَ والشَّجَرَ، إذْ كانا رِزْقًا لِلْإنْسانِ، وأخْبَرَ أنَّهُما جارِيانِ عَلى ما أرادَ اللَّهُ بِهِما، مِن تَسْخِيرِهِما وكَيْنُونَتِهِما عَلى ما اقْتَضَتْهُ حِكْمَتُهُ تَعالى. ولَمّا ذَكَرَ ما بِهِ حَياةُ الأرْواحِ مِن تَعْلِيمِ القُرْآنِ، ذَكَرَ ما بِهِ حَياةُ الأشْباحِ مِنَ النَّباتِ الَّذِي لَهُ ساقٌ، وكانَ تَقْدِيمُ النَّجْمِ، وهو ما لا ساقَ لَهُ، لِأنَّهُ أصْلُ القُوتِ، والَّذِي لَهُ ساقٌ ثَمَرُهُ يُتَفَكَّهُ بِهِ غالِبًا. والظّاهِرُ أنَّ النَّجْمَ هو الَّذِي شَرَحْناهُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ اقْتِرانُهُ بِالشَّجَرِ. وقالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ والحَسَنُ: النَّجْمُ: اسْمُ الجِنْسِ مِن نُجُومِ السَّماءِ. وسُجُودُهُما، قالَ مُجاهِدٌ والحَسَنُ: ذَلِكَ في النَّجْمِ بِالغُرُوبِ ونَحْوِهِ، وفي الشَّجَرِ بِالظِّلِّ واسْتِدارَتِهِ. وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: والسُّجُودُ تَجَوُّزٌ، وهو عِبارَةٌ عَنِ الخُضُوعِ والتَّذَلُّلِ. والجُمَلُ الأُوَلُ فِيها ضَمِيرٌ يَرْبُطُها بِالمُبْتَدَأِ، وأمّا في هاتَيْنِ الجُمْلَتَيْنِ فاكْتَفى بِالوَصْلِ المَعْنَوِيِّ عَنِ الوَصْلِ اللَّفْظِيِّ، إذْ مَعْلُومٌ أنَّ الحُسْبانَ هو حُسْبانُهُ، وأنَّ السُّجُودَ لَهُ لا لِغَيْرِهِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: بِحُسْبانِهِ ويَسْجُدانِ لَهُ. ولَمّا أُورِدَتْ هَذِهِ الجُمَلُ مَوْرِدَ تَعْدِيدِ النِّعَمِ رُدَّ الكَلامُ إلى العَطْفِ في وصْلِ ما يُناسِبُ وصْلَهُ، والتَّناسُبُ الَّذِي بَيْنَ هاتَيْنِ الجُمْلَتَيْنِ ظاهِرٌ، لِأنَّ الشَّمْسَ والقَمَرَ عُلْوِيّانِ، والنَّجْمُ والشَّجَرُ سُفْلِيّانِ.
﴿والسَّماءَ رَفَعَها﴾: أيْ خَلَقَها مَرْفُوعَةً، حَيْثُ جَعَلَها مَصْدَرَ قَضاياهُ ومَسْكَنَ مَلائِكَتِهِ الَّذِينَ يَنْزِلُونَ بِالوَحْيِ عَلى أنْبِيائِهِ، ونَبَّهَ بِذَلِكَ عَلى عِظَمِ شَأْنِهِ ومِلْكِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (والسَّماءَ)، بِالنَّصْبِ عَلى الِاشْتِغالِ، رُوعِيَ مُشاكَلَةُ الجُمْلَةِ الَّتِي تَلِيهِ وهي ﴿يَسْجُدانِ﴾ [الرحمن: ٦] . وقَرَأ أبُو السَّمّالِ: والسَّماءُ بِالرَّفْعِ، راعى مُشاكَلَةَ الجُمْلَةِ الِابْتِدائِيَّةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ووَضَعَ المِيزانَ﴾، فِعْلًا ماضِيًا ناصِبًا المِيزانَ، أيْ أقَرَّهُ وأثْبَتَهُ. وقَرَأ إبْراهِيمُ: ووَضْعِ المِيزانِ، بِالخَفْضِ وإسْكانِ الضّادِ. والظّاهِرُ أنَّهُ كُلُّ ما يُوزَنُ بِهِ الأشْياءُ وتُعْرَفُ مَقادِيرُها، وإنِ اخْتَلَفَتِ الآلاتُ، قالَ مَعْناهُ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وقَتادَةُ، جَعَلَهُ تَعالى حاكِمًا بِالسَّوِيَّةِ في الأخْذِ والإعْطاءِ. وقالَ مُجاهِدٌ والطَّبَرِيُّ والأكْثَرُونَ: المِيزانُ: العَدْلُ، وتَكُونُ الآلاتُ مِن بَعْضِ ما يَنْدَرِجُ في العَدْلِ. بَدَأ أوَّلًا بِالعِلْمِ، فَذَكَرَ ما فِيهِ أشْرَفُ أنْواعِ العُلُومِ وهو القُرْآنُ؛ ثُمَّ ذَكَرَ ما بِهِ التَّعْدِيلُ في الأُمُورِ، وهو المِيزانُ، كَقَوْلِهِ: ﴿وأنْزَلْنا مَعَهُمُ الكِتابَ والمِيزانَ﴾ [الحديد: ٢٥]، لِيُعَلِّمُوا الكِتابَ ويَفْعَلُوا ما يَأْمُرُهم بِهِ الكِتابُ. (أنْ لا تَطْغَوْا في المِيزانِ): أيْ لِأنْ لا تَطْغَوْا، فَتَطْغَوْا مَنصُوبٌ بِأنْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ هي ”أنِ“ المُفَسِّرَةُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ أنْ مُفَسِّرَةً، فَيَكُونُ تَطْغَوْا جَزْمًا بِالنَّهْيِ. انْتَهى، ولا يَجُوزُ ما قالاهُ مِن أنَّ أنْ مُفَسِّرَةٌ، لِأنَّهُ فاتَ أحَدُ شَرْطَيْها، وهو أنْ يَكُونَ ما قَبْلَها جُمْلَةً فِيها مَعْنى القَوْلِ.
﴿ووَضَعَ المِيزانَ﴾ جُمْلَةٌ لَيْسَ فِيها مَعْنى القَوْلِ. والطُّغْيانُ في المِيزانِ هو أنْ يَكُونَ بِالتَّعَمُّدِ، وأمّا ما لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنَ التَّحْرِيرِ بِالمِيزانِ فَمَعْفُوٌّ عَنْهُ.
ولَمّا كانَتِ التَّسْوِيَةُ مَطْلُوبَةً جِدًّا، أمَرَ اللَّهُ تَعالى فَقالَ: ﴿وأقِيمُوا الوَزْنَ﴾ . وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ولا تُخْسِرُوا﴾، مِن أخْسَرَ: أيْ أفْسَدَ ونَقَصَ، كَقَوْلِهِ: ﴿وإذا كالُوهم أوْ وزَنُوهم يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين: ٣]؛ أيْ يَنْقُصُونَ. وبِلالُ بْنُ أبِي بُرْدَةَ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: تَخْسَرُ بِفَتْحِ التّاءِ، يُقالُ: خَسِرَ يَخْسَرُ، وأخْسَرَ يُخْسِرُ بِمَعْنًى واحِدٍ، كَجَبَرَ وأجْبَرَ. وحَكى ابْنُ جِنِّي وصاحِبُ اللَّوامِحِ، عَنْ بِلالٍ فَتْحَ التّاءِ والسِّينِ مُضارِعُ خَسِرَ بِكَسْرِ السِّينِ، وخَرَّجَها الزَّمَخْشَرِيُّ عَلى أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: في المِيزانِ، فَحَذَفَ الجارَّ ونَصَبَ، ولا يُحْتاجُ إلى هَذا التَّخْرِيجِ. ألا تَرى أنَّ خَسِرَ جاءَ مُتَعَدِّيًا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٢]، و﴿خَسِرَ الدُّنْيا والآخِرَةَ﴾ [الحج: ١١] ؟ وقُرِئَ أيْضًا: تَخْسُرُوا، بِفَتْحِ التّاءِ وضَمِّ السِّينِ. لِما مُنِعَ مِنَ الزِّيادَةِ، وهي الطُّغْيانُ، نَهى عَنِ الخُسْرانِ الَّذِي هو نُقْصانٌ، وكَرَّرَ لَفْظَ المِيزانِ، تَشْدِيدًا لِلتَّوْصِيَةِ بِهِ وتَقْوِيَةً لِلْأمْرِ بِاسْتِعْمالِهِ والحَثِّ عَلَيْهِ.
ولَمّا ذَكَرَ السَّماءَ، ذَكَرَ مُقابِلَتَها فَقالَ: ﴿والأرْضَ وضَعَها لِلْأنامِ﴾: أيْ خَفَضَها (p-١٩٠)مَدْحُوَّةً عَلى الماءِ لِيُنْتَفَعَ بِها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”والأرْضَ“ بِالنَّصْبِ؛ وأبُو السَّمّالِ: بِالرَّفْعِ: ”والأنامُ“، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بَنُو آدَمَ فَقَطْ. وقالَ أيْضًا هو وقَتادَةُ وابْنُ زَيْدٍ والشَّعْبِيُّ: الحَيَوانُ كُلُّهُ. وقالَ الحَسَنُ: الثَّقَلانِ الجِنُّ والإنْسُ.
﴿فِيها فاكِهَةٌ﴾: ضُرُوبٌ مِمّا يُتَفَكَّهُ بِهِ. وبَدَأ بِقَوْلِهِ: ﴿فاكِهَةٌ﴾، إذْ هو مِن بابِ الِابْتِداءِ بِالأدْنى والتَّرَقِّي إلى الأعْلى، ونَكَّرَ لَفْظَها، لِأنَّ الِانْتِفاعَ بِها دُونَ الِانْتِفاعِ بِما يُذْكَرُ بَعْدَها. ثُمَّ ثَنّى بِالنَّخْلِ، فَذَكَرَ الأصْلَ ولَمْ يَذْكُرْ ثَمَرَتَها، وهو الثَّمَرُ لِكَثْرَةِ الِانْتِفاعِ بِها مِن لِيفٍ وسَعَفٍ وجَرِيدٍ وجُذُوعٍ وجُمّارٍ وثَمَرٍ. ثُمَّ أتى ثالِثًا بِالحَبِّ الَّذِي هو قِوامُ عَيْشِ الإنْسانِ في أكْثَرِ الأقالِيمِ، وهو البُرُّ والشَّعِيرُ وكُلُّ ما لَهُ سُنْبُلٌ وأوْراقٌ مُتَشَعِّبَةٌ عَلى ساقِهِ، ووَصَفَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ذُو العَصْفِ﴾ تَنْبِيهًا عَلى إنْعامِهِ عَلَيْهِمْ بِما يَقُوتُهم مِنَ الحَبِّ، ويَقُوتُ بَهائِمَهم مِن ورَقِهِ الَّذِي هو التِّبْنُ. وبَدَأ بِالفاكِهَةِ وخَتَمَ بِالمَشْمُومِ، وبَيْنَهُما النَّخْلُ والحَبُّ، لِيَحْصُلَ ما بِهِ يُتَفَكَّهُ، وما بِهِ يُتَقَوَّتُ، وما بِهِ تَقَعُ اللَّذاذَةُ مِنَ الرّائِحَةِ الطَّيِّبَةِ. وذَكَرَ النَّخْلَ بِاسْمِها والفاكِهَةَ دُونَ شَجَرِها، لِعِظَمِ المَنفَعَةِ بِالنَّخْلِ مِن جِهاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ، وشَجَرَةُ الفاكِهَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى ثَمَرَتِها حَقِيرَةٌ، فَنَصَّ عَلى ما يَعْظُمُ بِهِ الِانْتِفاعُ مِن شَجَرَةِ النَّخْلِ ومِنَ الفاكِهَةِ دُونَ شَجَرَتِها.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿والحَبُّ ذُو العَصْفِ والرَّيْحانُ﴾، بِرَفْعِ الثَّلاثَةِ عَطْفًا عَلى المَرْفُوعِ قَبْلَهُ؛ وابْنُ عامِرٍ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِنَصْبِ الثَّلاثَةِ، أيْ وخَلَقَ الحَبَّ. وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ ﴿والرَّيْحانُ﴾ حالَةَ الرَّفْعِ وحالَةَ النَّصْبِ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ وذُو الرَّيْحانِ حَذَفَ المُضافَ وأقامَ المُضافَ إلَيْهِ مَقامَهُ؛ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ والأصْمَعِيُّ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: والرَّيْحانُ بِالجَرِّ، والمَعْنى: والحَبُّ ذُو العَصْفِ الَّذِي هو عَلَفُ البَهائِمِ، والرَّيْحانُ الَّذِي هو مَطْعَمُ النّاسِ، ويَبْعُدُ دُخُولُ المَشْمُومِ في قِراءَةِ الجَرِّ، ورَيْحانُ مِن ذَواتِ الواوِ. وأجازَ أبُو عَلِيٍّ أنْ يَكُونَ اسْمًا، ووُضِعَ مَوْضِعَ المَصْدَرِ، وأنْ يَكُونَ مَصْدَرًا عَلى وزْنِ فَعْلانَ كاللَّبّانِ. وأُبْدِلَتِ الواوُ ياءً، كَما أبْدَلُوا الياءَ واوًا في أشاوى، أوْ مَصْدَرًا شاذًّا في المُعْتَلِّ، كَما شَذَّ كَبَنُونَةٍ وبَيْنُونَةٍ، فَأصْلُهُ رَيْوِحانُ، قُلِبَتِ الواوُ ياءً وأُدْغِمَتْ في الياءِ فَصارَ رَيِّحانَ، ثُمَّ حُذِفَتْ عَيْنُ الكَلِمَةِ، كَما قالُوا: مَيْتٌ وهَيْنٌ.
ولَمّا عَدَّدَ تَعالى نِعَمَهُ، خاطَبَ الثَّقَلَيْنِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٣٢]، أيْ أنَّ نِعَمَهُ كَثِيرَةٌ لا تُحْصى، فَبِأيِّها تُكَذِّبانِ ؟ أيْ مَن هَذِهِ نِعَمُهُ لا يُمْكِنُ أنْ يُكَذَّبَ بِها. وكانَ هَذا الخِطابُ لِلثَّقَلَيْنِ، لِأنَّهُما داخِلانِ في الأنامِ عَلى أصَحِّ الأقْوالِ. ولِقَوْلِهِ: ﴿خَلَقَ الإنْسانَ﴾، و﴿وخَلَقَ الجانَّ﴾؛ ولِقَوْلِهِ: ﴿سَنَفْرُغُ لَكم أيُّها الثَّقَلانِ﴾ [الرحمن: ٣١]، وقَدْ أبْعَدَ مَن جَعَلَهُ خِطابًا لِلذَّكَرِ والأُنْثى مِن بَنِي آدَمَ. وأبْعَدُ مِن هَذا قَوْلُ مَن قالَ: إنَّهُ خِطابٌ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ: ﴿ألْقِيا في جَهَنَّمَ﴾ [ق: ٢٤]، ويا حَرَسِي اضْرِبا عُنُقَهُ، يَعْنِي أنَّهُ خِطابٌ لِلْواحِدِ بِصُورَةِ الِاثْنَيْنِ، فَبِأيِّ مُنَوَّنًا في جَمِيعِ السُّورَةِ، كَأنَّهُ حُذِفَ مِنهُ المُضافُ إلَيْهِ وأُبْدِلَ مِنهُ (آلاءِ رَبِّكُما) بَدَلَ مَعْرِفَةٍ مِن نَكِرَةٍ، وآلاءُ تَقَدَّمَ في الأعْرافِ أنَّها النِّعَمُ، واحِدُها إلْيٌ وألًا وإلًى وألْيٌ.
﴿خَلَقَ الإنْسانَ﴾: لَمّا ذَكَرَ العالَمَ الأكْبَرَ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ وما أوْجَدَ فِيها مِنَ النِّعَمِ، ذَكَرَ مَبْدَأ مَن خُلِقَتْ لَهُ هَذِهِ النِّعَمُ، والإنْسانُ هو آدَمُ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ. وقِيلَ: لِلْجِنْسِ، وساغَ ذَلِكَ لِأنَّ أباهم مَخْلُوقٌ مِنَ الصَّلْصالِ. وإذا أُرِيدَ بِالإنْسانِ آدَمُ، فَقَدْ جاءَتْ غاياتٌ لَهُ مُخْتَلِفَةٌ، وذَلِكَ بِتَنَقُّلِ أصْلِهِ؛ فَكانَ أوَّلًا تُرابًا، ثُمَّ طِينًا، ثُمَّ حَمَأً مَسْنُونًا، ثُمَّ صَلْصالًا، فَناسَبَ أنْ يُنْسَبَ خَلْقُهُ لِكُلِّ واحِدٍ مِنها. والجانُّ هو أبُو الجِنِّ، وهو إبْلِيسُ، قالَهُ الحَسَنُ. وقالَ مُجاهِدٌ: هو أبُو الجِنِّ، ولَيْسَ بِإبْلِيسَ. وقِيلَ: الجانُّ اسْمُ جِنْسٍ، والمارِجُ: ما اخْتَلَطَ مِن أصْفَرَ وأحْمَرَ وأخْضَرَ، أوِ اللَّهَبُ، أوِ الخالِصُ، أوِ الحُمْرَةُ في طَرَفِ النّارِ، أوِ المُخْتَلِطُ بِسَوادٍ، أوِ المُضْطَرِبُ بِلا دُخانٍ، أقْوالٌ، (ومِن) الأُولى لِابْتِداءِ الغايَةِ، والثّانِيَةُ في (مِن نارٍ) لِلتَّبْعِيضِ. وقِيلَ لِلْبَيانِ، والتَّكْرارُ في هَذِهِ الفَواصِلِ: لِلتَّأْكِيدِ والتَّنْبِيهِ والتَّحْرِيكِ، وهي مَوْجُودَةٌ في مَواضِعَ مِنَ القُرْآنِ. وذَهَبَ قَوْمٌ مِنهُمُ ابْنُ قُتَيْبَةَ إلى أنَّ هَذا التَّكْرارَ إنَّما هو لِاخْتِلافِ النِّعَمِ، فَكَرَّرَ (p-١٩١)التَّوْقِيفَ في كُلِّ واحِدٍ مِنها.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: (رَبُّ)، و(رَبُّ) بِالرَّفْعِ، أيْ هو رَبٌّ؛ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِالخَفْضِ بَدَلًا مِن رَبِّكُما، وثَنّى المُضافَ إلَيْهِ لِأنَّهُما مَشْرِقا الصَّيْفِ والشِّتاءِ ومَغْرِباهُما، قالَهُ مُجاهِدٌ. وقِيلَ: مَشْرِقا الشَّمْسِ والقَمَرِ ومَغْرِباهُما. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: لِلشَّمْسِ مَشْرِقٌ في الصَّيْفِ مُصْعِدٌ، ومَشْرِقٌ في الشِّتاءِ مُنْحَدِرٌ، تَنْتَقِلُ فِيهِما مُصْعِدَةً ومُنْحَدِرَةً. انْتَهى. فالمَشْرِقانِ والمَغْرِبانِ لِلشَّمْسِ. وقِيلَ: المَشْرِقانِ: مَطْلَعُ الفَجْرِ ومَطْلَعُ الشَّمْسِ، والمَغْرِبانِ مَغْرِبُ الشَّفَقِ ومَغْرِبُ الشَّمْسِ. ولِسَهْلٍ التُّسْتَرِيِّ كَلامٌ في المَشْرِقَيْنِ والمَغْرِبَيْنِ شَبِيهٌ بِكَلامِ الباطِنِيَّةِ المُحَرِّفِينَ مَدْلُولَ كَلامِ اللَّهِ، ضَرَبْنا عَنْ ذِكْرِهِ صَفْحًا. وكَذَلِكَ ما وقَفْنا عَلَيْهِ مِن كَلامِ الغُلاةِ الَّذِينَ يُنْسَبُونَ لِلصُّوفِيَّةِ، لِأنّا لا نَسْتَحِلُّ نَقْلَ شَيْءٍ مِنهُ. وقَدْ أوْلَغَ صاحِبُ كِتابِ التَّحْرِيرِ والتَّحْبِيرِ بِحَسْبِ ما قالَهُ هَؤُلاءِ الغُلاةُ في كُلِّ آيَةٍ آيَةٍ، ويُسَمِّي ذَلِكَ الحَقائِقَ، وأرْبابُ القُلُوبِ وما ادَّعَوْا فَهْمَهُ في القُرْآنِ فَأوْغَلُوا فِيهِ لَمْ يَفْهَمْهُ عَرَبِيٌّ قَطُّ، ولا أرادَهُ اللَّهُ تَعالى بِتِلْكَ الألْفاظِ، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِن ذَلِكَ.
﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ذَلِكَ في الفُرْقانِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وذَكَرَ الثَّعْلَبِيُّ في ﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ﴾ ألْغازًا وأقْوالًا باطِنَةً لا يُلْتَفَتُ إلى شَيْءٍ مِنها. انْتَهى، والظّاهِرُ التِقاؤُهُما، أيْ يَتَجاوَرانِ، فَلا فَصْلَ بَيْنَ الماءَيْنِ في رُؤْيَةِ العَيْنِ. وقِيلَ: يَلْتَقِيانِ في كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً. وقِيلَ: مُعَدّانِ لِلِالتِقاءِ، فَحَقُّهُما أنْ يَلْتَقِيا لَوْلا البَرْزَخُ بَيْنَهُما.
﴿بَرْزَخٌ﴾: أيْ حاجِزٌ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، ﴿لا يَبْغِيانِ﴾: لا يَتَجاوَزانِ حَدَّهُما، ولا يَبْغِي أحَدُهُما عَلى الآخَرِ بِالمُمازَجَةِ. وقِيلَ: البَرْزَخُ: أجْرامُ الأرْضِ، قالَهُ قَتادَةُ؛ وقِيلَ: لا يَبْغِيانِ: أيْ عَلى النّاسِ والعُمْرانِ، وعَلى هَذا والَّذِي قَبْلَهُ يَكُونُ مِنَ البَغْيِ. وقِيلَ: هو مِن بَغى، أيْ طَلَبَ، فالمَعْنى: لا يَبْغِيانِ حالًا غَيْرَ الحالِ الَّتِي خُلِقا عَلَيْها وسُخِّرا لَها. وقِيلَ: ماءُ الأنْهارِ لا يَخْتَلِطُ بِالماءِ المِلْحِ، بَلْ هو بِذاتِهِ باقٍ فِيهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والعِيانُ لا يَقْتَضِيهِ. انْتَهى، يَعْنِي أنَّهُ يُشاهِدُ الماءَ العَذْبَ يَخْتَلِطُ بِالمِلْحِ فَيَبْقى كُلُّهُ مِلْحًا، وقَدْ يُقالُ: إنَّهُ بِالِاخْتِلاطِ تَتَغَيَّرُ أجْرامُ العَذْبِ حَتّى لا تَظْهَرَ، فَإذا ذاقَ الإنْسانُ مِنَ المِلْحِ المُنْبَثِّ فِيهِ تِلْكَ الأجْزاءُ الدَّقِيقَةُ لَمْ يُحِسَّ إلّا المُلُوحَةَ، والمَعْقُولُ يَشْهَدُ بِذَلِكَ، لِأنَّ تَداخُلَ الأجْسامِ غَيْرُ مُمْكِنٍ، لَكِنَّ التَّفَرُّقَ والِالتِقاءَ مُمْكِنٌ. وأنْشَدَ القاضِي مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ البَلُّوطِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى:
؎ومَمْزُوجَةُ الأمْواهِ لا العَذْبُ غالِبٌ عَلى المِلْحِ طِيبًا لا ولا المِلْحُ يَعْذُبُ
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿يَخْرُجُ﴾ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ؛ ونافِعٌ وأبُو عَمْرٍو وأهْلُ المَدِينَةِ: مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ؛ والجُعْفِيٌّ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِالياءِ مَضْمُومَةً وكَسْرِ الرّاءِ، أيْ يُخْرِجُ اللَّهُ؛ وعَنْهُ وعَنْ أبِي عَمْرٍو، وعَنِ ابْنِ مِقْسَمٍ: بِالنُّونِ. واللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ نُصِبَ في هاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ. والظّاهِرُ في (مِنهُما) أنَّ ذَلِكَ يَخْرُجُ مِنَ المِلْحِ والعَذْبِ. وقالَ بِذَلِكَ قَوْمٌ، حَكاهُ الأخْفَشُ. ورَدَّ النّاسُ هَذا القَوْلَ، قالُوا: والحِسُّ يُخالِفُهُ، إذْ لا يَخْرُجُ إلّا مِنَ المِلْحِ، وعابُوا قَوْلَ الشّاعِرِ:
؎فَجاءَ بِها ما شِئْتَ مِن لَطِيمَةٍ ∗∗∗ عَلى وجْهِها ماءُ الفُراتِ يَمُوجُ
وقالَ الجُمْهُورُ: إنَّما يَخْرُجُ مِنَ الأُجاجِ في المَواضِعِ الَّتِي تَقَعُ فِيها الأنْهارُ والمِياهُ العَذْبَةُ، فَناسَبَ إسْنادَ ذَلِكَ إلَيْهِما، وهَذا مَشْهُورٌ عِنْدَ الغَوّاصِينَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ: تَكُونُ هَذِهِ الأشْياءُ في البَحْرِ بِنُزُولِ المَطَرِ، لِأنَّ الصَّدَفَ وغَيْرَها تَفْتَحُ أفْواهَها لِلْمَطَرِ، فَلِذَلِكَ قالَ (مِنهُما) . وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: إنَّما يَخْرُجُ مِنَ المِلْحِ، لَكِنَّهُ قالَ (مِنهُما) تَجَوُّزًا. وقالَ الرُّمّانِيُّ: العَذْبُ فِيها كاللِّقاحِ لِلْمِلْحِ، فَهو كَما يُقالُ؛ الوَلَدُ يَخْرُجُ مِنَ الذَّكَرِ والأُنْثى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ، وتَبِعَ الزَّجّاجَ مِن حَيْثُ هُما نَوْعٌ واحِدٌ، فَخُرُوجُ هَذِهِ الأشْياءِ إنَّما هي مِنهُما، وإنْ كانَتْ تَخْتَصُّ عِنْدَ التَّفْصِيلِ المَبالَغِ بِأحَدِهِما، كَما قالَ: ﴿سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا﴾ [نوح: ١٥] ﴿وجَعَلَ القَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾ [نوح: ١٦]، (p-١٩٢)وإنَّما هو في إحْداهُنَّ، وهي الدُّنْيا إلى الأرْضِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ نَحْوًا مِن قَوْلِ ابْنِ عَطِيَّةَ، قالَ: فَإنْ قُلْتَ: لِمَ قالَ (مِنهُما)، وإنَّما يَخْرُجانِ مِنَ المِلْحِ قُلْتُ: لَمّا التَقَيا وصارا كالشَّيْءِ الواحِدِ، جازَ أنْ يُقالَ: يَخْرُجانِ مِنهُما، كَما يُقالُ: يَخْرُجانِ مِنَ البَحْرِ، ولا يَخْرُجانِ مِن جَمِيعِ البَحْرِ، ولَكِنْ مِن بَعْضِهِ. وتَقُولُ: خَرَجْتُ مِنَ البَلَدِ، وإنَّما خَرَجْتَ مِن مَحَلَّةٍ مِن مَحالِّهِ، بَلْ مِن دارٍ واحِدَةٍ مِن دُورِهِ. وقِيلَ: لا يَخْرُجانِ إلّا مِن مُلْتَقى المِلْحِ والعَذْبِ. انْتَهى. وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: هَذا مِن بابِ حَذْفِ المُضافِ، والتَّقْدِيرُ: يَخْرُجُ مِن أحَدِهِما، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١]: أيْ مِن إحْدى القَرْيَتَيْنِ. وقِيلَ: هُما بَحْرانِ، يَخْرُجُ مِن أحَدِهِما اللُّؤْلُؤُ ومِنَ الآخَرِ المَرْجانُ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: كَلامُ اللَّهِ تَعالى أوْلى بِالِاعْتِبارِ مِن كَلامِ بَعْضِ النّاسِ ومَن أعْلَمَ أنَّ اللُّؤْلُؤَ لا يَخْرُجُ مِنَ الماءِ العَذْبِ ؟، وهَبْ أنَّ الغَوّاصِينَ ما أخْرَجُوهُ إلّا مِنَ المالِحِ. ولَكِنْ لِمَ قُلْتُمْ إنَّ الصَّدَفَ لا يَخْرُجُ بِأمْرِ اللَّهِ مِنَ الماءِ العَذْبِ إلى الماءِ المِلْحِ وكَيْفَ يُمْكِنُ الجَزْمُ بِهِ والأُمُورُ الأرْضِيَّةُ الظّاهِرَةُ خَفِيَتْ عَنِ التُّجّارِ الَّذِينَ قَطَعُوا المَفاوِزَ ودارُوا البِلادَ، فَكَيْفَ لا يَخْفى أمْرٌ ما في قَعْرِ البَحْرِ عَلَيْهِمْ ؟ واللُّؤْلُؤُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ وقَتادَةُ: كِبارُ الجَوْهَرِ. والمَرْجانُ صِغارُهُ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا وعَلِيٍّ ومُرَّةَ الهَمْدانِيِّ عَكْسُ هَذا. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ وأبُو مالِكٍ: المَرْجانُ: الحَجَرُ الأحْمَرُ. وقالَ الزَّجّاجُ: حَجَرٌ شَدِيدُ البَياضِ. وحَكى القاضِي أبُو يَعْلى أنَّهُ ضَرْبٌ مِنَ اللُّؤْلُؤِ، كالقُضْبانِ، والمَرْجانُ: اسْمٌ أعْجَمِيٌّ مُعَرَّبٌ. قالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: لَمْ أسْمَعْ فِيهِ نَقْلَ مُتَصَرِّفٍ، وقالَ الأعْشى:
؎مِن كُلِّ مَرْجانَةٍ في البَحْرِ أحْرَزَها ∗∗∗ تَيّارُها ووَقاها طِينَها الصَّدَفُ
قِيلَ: أرادَ اللُّؤْلُؤَةَ الكَبِيرَةَ. وقَرَأ طَلْحَةُ: اللُّؤْلِي بِكَسْرِ اللّامِ الثّالِثَةِ، وهي لُغَةٌ. وعَبَدُ الوَلِيِّ: تُقْلَبُ الهَمْزَةُ المُتَطَرِّفَةُ ياءً ساكِنَةً بَعْدَ كَسْرَةِ ما قَبْلَها، وهي لُغَةٌ، قالَهُ أبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ.
﴿ولَهُ الجَوارِي﴾: خَصَّ تَعالى الجَوارِيَ بِأنَّها لَهُ، وهو تَعالى لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما فِيهِنَّ، لِأنَّهم لَمّا كانُوا هم مُنْشِئِيها، أسْنَدَها تَعالى إلَيْهِ، إذْ كانَ تَمامُ مَنفَعَتِها إنَّما هو مِنهُ تَعالى، فَهو في الحَقِيقَةِ مالِكُها. والجَوارِي: السُّفُنُ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ والحَسَنُ وعَبْدُ الوارِثِ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِضَمِّ الرّاءِ، كَما قالُوا في شاكٍ شاكٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ؛ ﴿المُنْشَآتُ﴾ بِفَتْحِ الشِّينِ، اسْمَ مَفْعُولٍ: أيْ أنْشَأها اللَّهُ، أوِ النّاسُ، أوِ المَرْفُوعاتُ الشِّراعِ. وقالَ مُجاهِدٌ: ما لَهُ شِراعٌ مِنَ المُنْشَآتِ، وما لَمْ يُرْفَعْ لَهُ شِراعٌ، فَلَيْسَ مِنَ المُنْشَآتِ. والشِّراعُ: القَلْعُ. والأعْمَشُ وحَمْزَةُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وطَلْحَةُ وأبُو بَكْرٍ: بِخِلافٍ عَنْهُ، بِكَسْرِ الشِّينِ: أيِ الرّافِعاتُ الشِّراعِ، أوِ اللّاتِي يُنْشِئْنَ الأمْواجَ بِجَرْيِهِنَّ، أوِ الَّتِي تُنْشِئُ السَّفَرَ إقْبالًا وإدْبارًا. وشَدَّدَ الشِّينَ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ والحَسَنُ المُنَشَّأةُ، وحَدَّ الصِّفَةَ، ودَلَّ عَلى الجَمْعِ المَوْصُوفِ، كَقَوْلِهِ: ﴿أزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ [البقرة: ٢٥]، وقَلَبَ الهَمْزَةَ ألِفًا عَلى حَدِّ قَوْلِهِ:
؎إنَّ السِّباعَ لَتَهْدا في مَرابِضِها
يُرِيدُ: لَتَهْدَأُ، التّاءُ لِتَأْنِيثِ الصِّفَةِ، كُتِبَتْ تاءً عَلى لَفْظِها في الوَصْلِ.
﴿كالأعْلامِ﴾: أيْ كالجِبالِ والآكامِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى كِبَرِ السُّفُنِ حَيْثُ شَبَّهَها بِالجِبالِ، وإنْ كانَتِ المُنْشَآتُ تَنْطَلِقُ عَلى السَّفِينَةِ الكَبِيرَةِ والصَّغِيرَةِ. وعَبَّرَ بِمَن في قَوْلِهِ: ﴿كُلُّ مَن عَلَيْها﴾ تَغْلِيبًا لِمَن يَعْقِلُ، والضَّمِيرُ في (عَلَيْها) قَلِيلٌ عائِدٌ عَلى الأرْضِ في قَوْلِهِ: ﴿والأرْضَ وضَعَها لِلْأنامِ﴾، فَعادَ الضَّمِيرُ عَلَيْها، وإنْ كانَ بَعْدَ لَفْظِها. والفَناءُ عِبارَةٌ عَنْ إعْدامِ جَمِيعِ المَوْجُوداتِ مِن حَيَوانٍ وغَيْرِهِ، والوَجْهُ يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ حَقِيقَةِ الشَّيْءِ، والجارِحَةُ مُنْتَفِيَةٌ عَنِ اللَّهِ تَعالى، ونَحْوَ ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا وجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] . وتَقُولُ صَعالِيكُ مَكَّةَ: أيْنَ وجْهُ عَرَبِيٍّ كَرِيمٍ يَجُودُ عَلَيَّ ؟ وقَرَأ الجُمْهُورُ: ذُو بِالواوِ، وصِفَةً لِلْوَجْهِ. وأُبَيُّ وعَبْدُ اللَّهِ: ذِي بِالياءِ، صِفَةً لِلرَّبِّ. والظّاهِرُ أنَّ الخِطابَ في قَوْلِهِ: ﴿وجْهُ رَبِّكَ﴾ لِلرَّسُولِ، وفِيهِ تَشْرِيفٌ عَظِيمٌ لَهُ، ﷺ . وقِيلَ: (p-١٩٣)الخِطابُ لِكُلِّ سامِعٍ. ومَعْنى ﴿ذُو الجَلالِ﴾: الَّذِي يُجِلُّهُ المُوَحِّدُونَ عَنِ التَّشْبِيهِ بِخَلْقِهِ وعَنْ أفْعالِهِمْ، أوِ الَّذِي يُتَعَجَّبُ مِن جَلالِهِ، أوِ الَّذِي عِنْدَهُ الجَلالُ والإكْرامُ لِلْمُخْلِصِينَ مِن عِبادِهِ.
﴿يَسْألُهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾: أيْ حَوائِجَهم، وهو ما يَتَعَلَّقُ بِمَن في السَّماواتِ مِن أمْرِ الدِّينِ وما اسْتُعْبِدُوا بِهِ، ومَن في الأرْضِ مِن أمْرِ دِينِهِمْ ودُنْياهم. وقالَ أبُو صالِحٍ: مَن في السَّماواتِ الرَّحْمَةَ ومَن في الأرْضِ المَغْفِرَةَ والرِّزْقَ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: المَلائِكَةُ الرِّزْقَ لِأهْلِ الأرْضِ والمَغْفِرَةَ، وأهْلُ الأرْضِ يَسْألُونَهُما جَمِيعًا. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: يَسْألُهُ اسْتِئْنافُ إخْبارٍ. وقِيلَ: حالٌ مِنَ الوَجْهِ، والعامِلُ فِيهِ يَبْقى، أيْ هو دائِمٌ في هَذِهِ الحالِ. انْتَهى، وفِيهِ بُعْدٌ. ومَن لا يَسْألُ، فَحالُهُ تَقْتَضِي السُّؤالَ، فَيَصِحُّ إسْنادُ السُّؤالِ إلى الجَمِيعِ بِاعْتِبارِ القَدْرِ المُشْتَرَكِ، وهو الِافْتِقارُ إلَيْهِ تَعالى.
﴿كُلَّ يَوْمٍ﴾: أيْ كُلَّ ساعَةٍ ولَحْظَةٍ، وذَكَرَ اليَوْمَ لِأنَّ السّاعاتِ واللَّحَظاتِ في ضِمْنِهِ.
﴿هُوَ في شَأْنٍ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: في شَأْنٍ يُمْضِيهِ مِنَ الخَلْقِ والرِّزْقِ والإحْياءِ والإماتَةِ. وقالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: يُجِيبُ داعِيًا، ويَفُكُّ عانِيًا، ويَتُوبُ عَلى قَوْمٍ، ويَغْفِرُ لِقَوْمٍ. وقالَ سُوَيْدُ بْنُ غَفْلَةَ: يُعْتِقُ رِقابًا، ويُعْطِي رَغامًا ويُقْحِمُ عِقابًا. وقالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: الدَّهْرُ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمانِ، أحَدُهُما اليَوْمُ الَّذِي هو مُدَّةُ الدُّنْيا، فَشَأْنُهُ فِيهِ الأمْرُ والنَّهْيُ والإماتَةُ والإحْياءُ؛ والثّانِي الَّذِي هو يَوْمُ القِيامَةِ، فَشَأْنُهُ فِيهِ الجَزاءُ والحِسابُ. وعَنْ مُقاتِلٍ: نَزَلَتْ في اليَهُودِ، فَقالُوا: إنَّ اللَّهَ لا يَقْضِي يَوْمَ السَّبْتِ شَيْئًا. وقالَ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ، وقَدْ سَألَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طاهِرٍ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هو في شَأْنٍ﴾: وقَدْ صَحَّ أنَّ القَلَمَ جَفَّ بِما هو كائِنٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ فَقالَ: شُئُونٌ يُبْدِيها، لا شُئُونٌ يَبْتَدِيها. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: هو في يَوْمِ الدُّنْيا في الِابْتِلاءِ، وفي يَوْمِ القِيامَةِ في الجَزاءِ. وانْتَصَبَ ﴿كُلَّ يَوْمٍ﴾ عَلى الظَّرْفِ، والعامِلُ فِيهِ العامِلُ في قَوْلِهِ: ﴿فِي شَأْنٍ﴾، وهو مُسْتَقِرٌّ المَحْذُوفُ، نَحْوَ: يَوْمَ الجُمُعَةِ زَيْدٌ قائِمٌ.
الرحمن 55:13
ولَمّا ذَكَرَ تَعالى ما أنْعَمَ بِهِ مِن مَنفَعَةِ الشَّمْسِ والقَمَرِ، وكانَ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ العُلْوِيَّةِ، ذَكَرَ في مُقابَلَتِهِما مِنَ الآثارِ السُّفْلِيَّةِ النَّجْمَ والشَّجَرَ، إذْ كانا رِزْقًا لِلْإنْسانِ، وأخْبَرَ أنَّهُما جارِيانِ عَلى ما أرادَ اللَّهُ بِهِما، مِن تَسْخِيرِهِما وكَيْنُونَتِهِما عَلى ما اقْتَضَتْهُ حِكْمَتُهُ تَعالى. ولَمّا ذَكَرَ ما بِهِ حَياةُ الأرْواحِ مِن تَعْلِيمِ القُرْآنِ، ذَكَرَ ما بِهِ حَياةُ الأشْباحِ مِنَ النَّباتِ الَّذِي لَهُ ساقٌ، وكانَ تَقْدِيمُ النَّجْمِ، وهو ما لا ساقَ لَهُ، لِأنَّهُ أصْلُ القُوتِ، والَّذِي لَهُ ساقٌ ثَمَرُهُ يُتَفَكَّهُ بِهِ غالِبًا. والظّاهِرُ أنَّ النَّجْمَ هو الَّذِي شَرَحْناهُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ اقْتِرانُهُ بِالشَّجَرِ. وقالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ والحَسَنُ: النَّجْمُ: اسْمُ الجِنْسِ مِن نُجُومِ السَّماءِ. وسُجُودُهُما، قالَ مُجاهِدٌ والحَسَنُ: ذَلِكَ في النَّجْمِ بِالغُرُوبِ ونَحْوِهِ، وفي الشَّجَرِ بِالظِّلِّ واسْتِدارَتِهِ. وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: والسُّجُودُ تَجَوُّزٌ، وهو عِبارَةٌ عَنِ الخُضُوعِ والتَّذَلُّلِ. والجُمَلُ الأُوَلُ فِيها ضَمِيرٌ يَرْبُطُها بِالمُبْتَدَأِ، وأمّا في هاتَيْنِ الجُمْلَتَيْنِ فاكْتَفى بِالوَصْلِ المَعْنَوِيِّ عَنِ الوَصْلِ اللَّفْظِيِّ، إذْ مَعْلُومٌ أنَّ الحُسْبانَ هو حُسْبانُهُ، وأنَّ السُّجُودَ لَهُ لا لِغَيْرِهِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: بِحُسْبانِهِ ويَسْجُدانِ لَهُ. ولَمّا أُورِدَتْ هَذِهِ الجُمَلُ مَوْرِدَ تَعْدِيدِ النِّعَمِ رُدَّ الكَلامُ إلى العَطْفِ في وصْلِ ما يُناسِبُ وصْلَهُ، والتَّناسُبُ الَّذِي بَيْنَ هاتَيْنِ الجُمْلَتَيْنِ ظاهِرٌ، لِأنَّ الشَّمْسَ والقَمَرَ عُلْوِيّانِ، والنَّجْمُ والشَّجَرُ سُفْلِيّانِ.
﴿والسَّماءَ رَفَعَها﴾: أيْ خَلَقَها مَرْفُوعَةً، حَيْثُ جَعَلَها مَصْدَرَ قَضاياهُ ومَسْكَنَ مَلائِكَتِهِ الَّذِينَ يَنْزِلُونَ بِالوَحْيِ عَلى أنْبِيائِهِ، ونَبَّهَ بِذَلِكَ عَلى عِظَمِ شَأْنِهِ ومِلْكِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (والسَّماءَ)، بِالنَّصْبِ عَلى الِاشْتِغالِ، رُوعِيَ مُشاكَلَةُ الجُمْلَةِ الَّتِي تَلِيهِ وهي ﴿يَسْجُدانِ﴾ [الرحمن: ٦] . وقَرَأ أبُو السَّمّالِ: والسَّماءُ بِالرَّفْعِ، راعى مُشاكَلَةَ الجُمْلَةِ الِابْتِدائِيَّةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ووَضَعَ المِيزانَ﴾، فِعْلًا ماضِيًا ناصِبًا المِيزانَ، أيْ أقَرَّهُ وأثْبَتَهُ. وقَرَأ إبْراهِيمُ: ووَضْعِ المِيزانِ، بِالخَفْضِ وإسْكانِ الضّادِ. والظّاهِرُ أنَّهُ كُلُّ ما يُوزَنُ بِهِ الأشْياءُ وتُعْرَفُ مَقادِيرُها، وإنِ اخْتَلَفَتِ الآلاتُ، قالَ مَعْناهُ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وقَتادَةُ، جَعَلَهُ تَعالى حاكِمًا بِالسَّوِيَّةِ في الأخْذِ والإعْطاءِ. وقالَ مُجاهِدٌ والطَّبَرِيُّ والأكْثَرُونَ: المِيزانُ: العَدْلُ، وتَكُونُ الآلاتُ مِن بَعْضِ ما يَنْدَرِجُ في العَدْلِ. بَدَأ أوَّلًا بِالعِلْمِ، فَذَكَرَ ما فِيهِ أشْرَفُ أنْواعِ العُلُومِ وهو القُرْآنُ؛ ثُمَّ ذَكَرَ ما بِهِ التَّعْدِيلُ في الأُمُورِ، وهو المِيزانُ، كَقَوْلِهِ: ﴿وأنْزَلْنا مَعَهُمُ الكِتابَ والمِيزانَ﴾ [الحديد: ٢٥]، لِيُعَلِّمُوا الكِتابَ ويَفْعَلُوا ما يَأْمُرُهم بِهِ الكِتابُ. (أنْ لا تَطْغَوْا في المِيزانِ): أيْ لِأنْ لا تَطْغَوْا، فَتَطْغَوْا مَنصُوبٌ بِأنْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ هي ”أنِ“ المُفَسِّرَةُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ أنْ مُفَسِّرَةً، فَيَكُونُ تَطْغَوْا جَزْمًا بِالنَّهْيِ. انْتَهى، ولا يَجُوزُ ما قالاهُ مِن أنَّ أنْ مُفَسِّرَةٌ، لِأنَّهُ فاتَ أحَدُ شَرْطَيْها، وهو أنْ يَكُونَ ما قَبْلَها جُمْلَةً فِيها مَعْنى القَوْلِ.
﴿ووَضَعَ المِيزانَ﴾ جُمْلَةٌ لَيْسَ فِيها مَعْنى القَوْلِ. والطُّغْيانُ في المِيزانِ هو أنْ يَكُونَ بِالتَّعَمُّدِ، وأمّا ما لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنَ التَّحْرِيرِ بِالمِيزانِ فَمَعْفُوٌّ عَنْهُ.
ولَمّا كانَتِ التَّسْوِيَةُ مَطْلُوبَةً جِدًّا، أمَرَ اللَّهُ تَعالى فَقالَ: ﴿وأقِيمُوا الوَزْنَ﴾ . وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ولا تُخْسِرُوا﴾، مِن أخْسَرَ: أيْ أفْسَدَ ونَقَصَ، كَقَوْلِهِ: ﴿وإذا كالُوهم أوْ وزَنُوهم يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين: ٣]؛ أيْ يَنْقُصُونَ. وبِلالُ بْنُ أبِي بُرْدَةَ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: تَخْسَرُ بِفَتْحِ التّاءِ، يُقالُ: خَسِرَ يَخْسَرُ، وأخْسَرَ يُخْسِرُ بِمَعْنًى واحِدٍ، كَجَبَرَ وأجْبَرَ. وحَكى ابْنُ جِنِّي وصاحِبُ اللَّوامِحِ، عَنْ بِلالٍ فَتْحَ التّاءِ والسِّينِ مُضارِعُ خَسِرَ بِكَسْرِ السِّينِ، وخَرَّجَها الزَّمَخْشَرِيُّ عَلى أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: في المِيزانِ، فَحَذَفَ الجارَّ ونَصَبَ، ولا يُحْتاجُ إلى هَذا التَّخْرِيجِ. ألا تَرى أنَّ خَسِرَ جاءَ مُتَعَدِّيًا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٢]، و﴿خَسِرَ الدُّنْيا والآخِرَةَ﴾ [الحج: ١١] ؟ وقُرِئَ أيْضًا: تَخْسُرُوا، بِفَتْحِ التّاءِ وضَمِّ السِّينِ. لِما مُنِعَ مِنَ الزِّيادَةِ، وهي الطُّغْيانُ، نَهى عَنِ الخُسْرانِ الَّذِي هو نُقْصانٌ، وكَرَّرَ لَفْظَ المِيزانِ، تَشْدِيدًا لِلتَّوْصِيَةِ بِهِ وتَقْوِيَةً لِلْأمْرِ بِاسْتِعْمالِهِ والحَثِّ عَلَيْهِ.
ولَمّا ذَكَرَ السَّماءَ، ذَكَرَ مُقابِلَتَها فَقالَ: ﴿والأرْضَ وضَعَها لِلْأنامِ﴾: أيْ خَفَضَها (p-١٩٠)مَدْحُوَّةً عَلى الماءِ لِيُنْتَفَعَ بِها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”والأرْضَ“ بِالنَّصْبِ؛ وأبُو السَّمّالِ: بِالرَّفْعِ: ”والأنامُ“، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بَنُو آدَمَ فَقَطْ. وقالَ أيْضًا هو وقَتادَةُ وابْنُ زَيْدٍ والشَّعْبِيُّ: الحَيَوانُ كُلُّهُ. وقالَ الحَسَنُ: الثَّقَلانِ الجِنُّ والإنْسُ.
﴿فِيها فاكِهَةٌ﴾: ضُرُوبٌ مِمّا يُتَفَكَّهُ بِهِ. وبَدَأ بِقَوْلِهِ: ﴿فاكِهَةٌ﴾، إذْ هو مِن بابِ الِابْتِداءِ بِالأدْنى والتَّرَقِّي إلى الأعْلى، ونَكَّرَ لَفْظَها، لِأنَّ الِانْتِفاعَ بِها دُونَ الِانْتِفاعِ بِما يُذْكَرُ بَعْدَها. ثُمَّ ثَنّى بِالنَّخْلِ، فَذَكَرَ الأصْلَ ولَمْ يَذْكُرْ ثَمَرَتَها، وهو الثَّمَرُ لِكَثْرَةِ الِانْتِفاعِ بِها مِن لِيفٍ وسَعَفٍ وجَرِيدٍ وجُذُوعٍ وجُمّارٍ وثَمَرٍ. ثُمَّ أتى ثالِثًا بِالحَبِّ الَّذِي هو قِوامُ عَيْشِ الإنْسانِ في أكْثَرِ الأقالِيمِ، وهو البُرُّ والشَّعِيرُ وكُلُّ ما لَهُ سُنْبُلٌ وأوْراقٌ مُتَشَعِّبَةٌ عَلى ساقِهِ، ووَصَفَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ذُو العَصْفِ﴾ تَنْبِيهًا عَلى إنْعامِهِ عَلَيْهِمْ بِما يَقُوتُهم مِنَ الحَبِّ، ويَقُوتُ بَهائِمَهم مِن ورَقِهِ الَّذِي هو التِّبْنُ. وبَدَأ بِالفاكِهَةِ وخَتَمَ بِالمَشْمُومِ، وبَيْنَهُما النَّخْلُ والحَبُّ، لِيَحْصُلَ ما بِهِ يُتَفَكَّهُ، وما بِهِ يُتَقَوَّتُ، وما بِهِ تَقَعُ اللَّذاذَةُ مِنَ الرّائِحَةِ الطَّيِّبَةِ. وذَكَرَ النَّخْلَ بِاسْمِها والفاكِهَةَ دُونَ شَجَرِها، لِعِظَمِ المَنفَعَةِ بِالنَّخْلِ مِن جِهاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ، وشَجَرَةُ الفاكِهَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى ثَمَرَتِها حَقِيرَةٌ، فَنَصَّ عَلى ما يَعْظُمُ بِهِ الِانْتِفاعُ مِن شَجَرَةِ النَّخْلِ ومِنَ الفاكِهَةِ دُونَ شَجَرَتِها.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿والحَبُّ ذُو العَصْفِ والرَّيْحانُ﴾، بِرَفْعِ الثَّلاثَةِ عَطْفًا عَلى المَرْفُوعِ قَبْلَهُ؛ وابْنُ عامِرٍ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِنَصْبِ الثَّلاثَةِ، أيْ وخَلَقَ الحَبَّ. وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ ﴿والرَّيْحانُ﴾ حالَةَ الرَّفْعِ وحالَةَ النَّصْبِ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ وذُو الرَّيْحانِ حَذَفَ المُضافَ وأقامَ المُضافَ إلَيْهِ مَقامَهُ؛ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ والأصْمَعِيُّ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: والرَّيْحانُ بِالجَرِّ، والمَعْنى: والحَبُّ ذُو العَصْفِ الَّذِي هو عَلَفُ البَهائِمِ، والرَّيْحانُ الَّذِي هو مَطْعَمُ النّاسِ، ويَبْعُدُ دُخُولُ المَشْمُومِ في قِراءَةِ الجَرِّ، ورَيْحانُ مِن ذَواتِ الواوِ. وأجازَ أبُو عَلِيٍّ أنْ يَكُونَ اسْمًا، ووُضِعَ مَوْضِعَ المَصْدَرِ، وأنْ يَكُونَ مَصْدَرًا عَلى وزْنِ فَعْلانَ كاللَّبّانِ. وأُبْدِلَتِ الواوُ ياءً، كَما أبْدَلُوا الياءَ واوًا في أشاوى، أوْ مَصْدَرًا شاذًّا في المُعْتَلِّ، كَما شَذَّ كَبَنُونَةٍ وبَيْنُونَةٍ، فَأصْلُهُ رَيْوِحانُ، قُلِبَتِ الواوُ ياءً وأُدْغِمَتْ في الياءِ فَصارَ رَيِّحانَ، ثُمَّ حُذِفَتْ عَيْنُ الكَلِمَةِ، كَما قالُوا: مَيْتٌ وهَيْنٌ.
ولَمّا عَدَّدَ تَعالى نِعَمَهُ، خاطَبَ الثَّقَلَيْنِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٣٢]، أيْ أنَّ نِعَمَهُ كَثِيرَةٌ لا تُحْصى، فَبِأيِّها تُكَذِّبانِ ؟ أيْ مَن هَذِهِ نِعَمُهُ لا يُمْكِنُ أنْ يُكَذَّبَ بِها. وكانَ هَذا الخِطابُ لِلثَّقَلَيْنِ، لِأنَّهُما داخِلانِ في الأنامِ عَلى أصَحِّ الأقْوالِ. ولِقَوْلِهِ: ﴿خَلَقَ الإنْسانَ﴾، و﴿وخَلَقَ الجانَّ﴾؛ ولِقَوْلِهِ: ﴿سَنَفْرُغُ لَكم أيُّها الثَّقَلانِ﴾ [الرحمن: ٣١]، وقَدْ أبْعَدَ مَن جَعَلَهُ خِطابًا لِلذَّكَرِ والأُنْثى مِن بَنِي آدَمَ. وأبْعَدُ مِن هَذا قَوْلُ مَن قالَ: إنَّهُ خِطابٌ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ: ﴿ألْقِيا في جَهَنَّمَ﴾ [ق: ٢٤]، ويا حَرَسِي اضْرِبا عُنُقَهُ، يَعْنِي أنَّهُ خِطابٌ لِلْواحِدِ بِصُورَةِ الِاثْنَيْنِ، فَبِأيِّ مُنَوَّنًا في جَمِيعِ السُّورَةِ، كَأنَّهُ حُذِفَ مِنهُ المُضافُ إلَيْهِ وأُبْدِلَ مِنهُ (آلاءِ رَبِّكُما) بَدَلَ مَعْرِفَةٍ مِن نَكِرَةٍ، وآلاءُ تَقَدَّمَ في الأعْرافِ أنَّها النِّعَمُ، واحِدُها إلْيٌ وألًا وإلًى وألْيٌ.
﴿خَلَقَ الإنْسانَ﴾: لَمّا ذَكَرَ العالَمَ الأكْبَرَ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ وما أوْجَدَ فِيها مِنَ النِّعَمِ، ذَكَرَ مَبْدَأ مَن خُلِقَتْ لَهُ هَذِهِ النِّعَمُ، والإنْسانُ هو آدَمُ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ. وقِيلَ: لِلْجِنْسِ، وساغَ ذَلِكَ لِأنَّ أباهم مَخْلُوقٌ مِنَ الصَّلْصالِ. وإذا أُرِيدَ بِالإنْسانِ آدَمُ، فَقَدْ جاءَتْ غاياتٌ لَهُ مُخْتَلِفَةٌ، وذَلِكَ بِتَنَقُّلِ أصْلِهِ؛ فَكانَ أوَّلًا تُرابًا، ثُمَّ طِينًا، ثُمَّ حَمَأً مَسْنُونًا، ثُمَّ صَلْصالًا، فَناسَبَ أنْ يُنْسَبَ خَلْقُهُ لِكُلِّ واحِدٍ مِنها. والجانُّ هو أبُو الجِنِّ، وهو إبْلِيسُ، قالَهُ الحَسَنُ. وقالَ مُجاهِدٌ: هو أبُو الجِنِّ، ولَيْسَ بِإبْلِيسَ. وقِيلَ: الجانُّ اسْمُ جِنْسٍ، والمارِجُ: ما اخْتَلَطَ مِن أصْفَرَ وأحْمَرَ وأخْضَرَ، أوِ اللَّهَبُ، أوِ الخالِصُ، أوِ الحُمْرَةُ في طَرَفِ النّارِ، أوِ المُخْتَلِطُ بِسَوادٍ، أوِ المُضْطَرِبُ بِلا دُخانٍ، أقْوالٌ، (ومِن) الأُولى لِابْتِداءِ الغايَةِ، والثّانِيَةُ في (مِن نارٍ) لِلتَّبْعِيضِ. وقِيلَ لِلْبَيانِ، والتَّكْرارُ في هَذِهِ الفَواصِلِ: لِلتَّأْكِيدِ والتَّنْبِيهِ والتَّحْرِيكِ، وهي مَوْجُودَةٌ في مَواضِعَ مِنَ القُرْآنِ. وذَهَبَ قَوْمٌ مِنهُمُ ابْنُ قُتَيْبَةَ إلى أنَّ هَذا التَّكْرارَ إنَّما هو لِاخْتِلافِ النِّعَمِ، فَكَرَّرَ (p-١٩١)التَّوْقِيفَ في كُلِّ واحِدٍ مِنها.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: (رَبُّ)، و(رَبُّ) بِالرَّفْعِ، أيْ هو رَبٌّ؛ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِالخَفْضِ بَدَلًا مِن رَبِّكُما، وثَنّى المُضافَ إلَيْهِ لِأنَّهُما مَشْرِقا الصَّيْفِ والشِّتاءِ ومَغْرِباهُما، قالَهُ مُجاهِدٌ. وقِيلَ: مَشْرِقا الشَّمْسِ والقَمَرِ ومَغْرِباهُما. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: لِلشَّمْسِ مَشْرِقٌ في الصَّيْفِ مُصْعِدٌ، ومَشْرِقٌ في الشِّتاءِ مُنْحَدِرٌ، تَنْتَقِلُ فِيهِما مُصْعِدَةً ومُنْحَدِرَةً. انْتَهى. فالمَشْرِقانِ والمَغْرِبانِ لِلشَّمْسِ. وقِيلَ: المَشْرِقانِ: مَطْلَعُ الفَجْرِ ومَطْلَعُ الشَّمْسِ، والمَغْرِبانِ مَغْرِبُ الشَّفَقِ ومَغْرِبُ الشَّمْسِ. ولِسَهْلٍ التُّسْتَرِيِّ كَلامٌ في المَشْرِقَيْنِ والمَغْرِبَيْنِ شَبِيهٌ بِكَلامِ الباطِنِيَّةِ المُحَرِّفِينَ مَدْلُولَ كَلامِ اللَّهِ، ضَرَبْنا عَنْ ذِكْرِهِ صَفْحًا. وكَذَلِكَ ما وقَفْنا عَلَيْهِ مِن كَلامِ الغُلاةِ الَّذِينَ يُنْسَبُونَ لِلصُّوفِيَّةِ، لِأنّا لا نَسْتَحِلُّ نَقْلَ شَيْءٍ مِنهُ. وقَدْ أوْلَغَ صاحِبُ كِتابِ التَّحْرِيرِ والتَّحْبِيرِ بِحَسْبِ ما قالَهُ هَؤُلاءِ الغُلاةُ في كُلِّ آيَةٍ آيَةٍ، ويُسَمِّي ذَلِكَ الحَقائِقَ، وأرْبابُ القُلُوبِ وما ادَّعَوْا فَهْمَهُ في القُرْآنِ فَأوْغَلُوا فِيهِ لَمْ يَفْهَمْهُ عَرَبِيٌّ قَطُّ، ولا أرادَهُ اللَّهُ تَعالى بِتِلْكَ الألْفاظِ، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِن ذَلِكَ.
﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ذَلِكَ في الفُرْقانِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وذَكَرَ الثَّعْلَبِيُّ في ﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ﴾ ألْغازًا وأقْوالًا باطِنَةً لا يُلْتَفَتُ إلى شَيْءٍ مِنها. انْتَهى، والظّاهِرُ التِقاؤُهُما، أيْ يَتَجاوَرانِ، فَلا فَصْلَ بَيْنَ الماءَيْنِ في رُؤْيَةِ العَيْنِ. وقِيلَ: يَلْتَقِيانِ في كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً. وقِيلَ: مُعَدّانِ لِلِالتِقاءِ، فَحَقُّهُما أنْ يَلْتَقِيا لَوْلا البَرْزَخُ بَيْنَهُما.
﴿بَرْزَخٌ﴾: أيْ حاجِزٌ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، ﴿لا يَبْغِيانِ﴾: لا يَتَجاوَزانِ حَدَّهُما، ولا يَبْغِي أحَدُهُما عَلى الآخَرِ بِالمُمازَجَةِ. وقِيلَ: البَرْزَخُ: أجْرامُ الأرْضِ، قالَهُ قَتادَةُ؛ وقِيلَ: لا يَبْغِيانِ: أيْ عَلى النّاسِ والعُمْرانِ، وعَلى هَذا والَّذِي قَبْلَهُ يَكُونُ مِنَ البَغْيِ. وقِيلَ: هو مِن بَغى، أيْ طَلَبَ، فالمَعْنى: لا يَبْغِيانِ حالًا غَيْرَ الحالِ الَّتِي خُلِقا عَلَيْها وسُخِّرا لَها. وقِيلَ: ماءُ الأنْهارِ لا يَخْتَلِطُ بِالماءِ المِلْحِ، بَلْ هو بِذاتِهِ باقٍ فِيهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والعِيانُ لا يَقْتَضِيهِ. انْتَهى، يَعْنِي أنَّهُ يُشاهِدُ الماءَ العَذْبَ يَخْتَلِطُ بِالمِلْحِ فَيَبْقى كُلُّهُ مِلْحًا، وقَدْ يُقالُ: إنَّهُ بِالِاخْتِلاطِ تَتَغَيَّرُ أجْرامُ العَذْبِ حَتّى لا تَظْهَرَ، فَإذا ذاقَ الإنْسانُ مِنَ المِلْحِ المُنْبَثِّ فِيهِ تِلْكَ الأجْزاءُ الدَّقِيقَةُ لَمْ يُحِسَّ إلّا المُلُوحَةَ، والمَعْقُولُ يَشْهَدُ بِذَلِكَ، لِأنَّ تَداخُلَ الأجْسامِ غَيْرُ مُمْكِنٍ، لَكِنَّ التَّفَرُّقَ والِالتِقاءَ مُمْكِنٌ. وأنْشَدَ القاضِي مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ البَلُّوطِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى:
؎ومَمْزُوجَةُ الأمْواهِ لا العَذْبُ غالِبٌ عَلى المِلْحِ طِيبًا لا ولا المِلْحُ يَعْذُبُ
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿يَخْرُجُ﴾ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ؛ ونافِعٌ وأبُو عَمْرٍو وأهْلُ المَدِينَةِ: مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ؛ والجُعْفِيٌّ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِالياءِ مَضْمُومَةً وكَسْرِ الرّاءِ، أيْ يُخْرِجُ اللَّهُ؛ وعَنْهُ وعَنْ أبِي عَمْرٍو، وعَنِ ابْنِ مِقْسَمٍ: بِالنُّونِ. واللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ نُصِبَ في هاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ. والظّاهِرُ في (مِنهُما) أنَّ ذَلِكَ يَخْرُجُ مِنَ المِلْحِ والعَذْبِ. وقالَ بِذَلِكَ قَوْمٌ، حَكاهُ الأخْفَشُ. ورَدَّ النّاسُ هَذا القَوْلَ، قالُوا: والحِسُّ يُخالِفُهُ، إذْ لا يَخْرُجُ إلّا مِنَ المِلْحِ، وعابُوا قَوْلَ الشّاعِرِ:
؎فَجاءَ بِها ما شِئْتَ مِن لَطِيمَةٍ ∗∗∗ عَلى وجْهِها ماءُ الفُراتِ يَمُوجُ
وقالَ الجُمْهُورُ: إنَّما يَخْرُجُ مِنَ الأُجاجِ في المَواضِعِ الَّتِي تَقَعُ فِيها الأنْهارُ والمِياهُ العَذْبَةُ، فَناسَبَ إسْنادَ ذَلِكَ إلَيْهِما، وهَذا مَشْهُورٌ عِنْدَ الغَوّاصِينَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ: تَكُونُ هَذِهِ الأشْياءُ في البَحْرِ بِنُزُولِ المَطَرِ، لِأنَّ الصَّدَفَ وغَيْرَها تَفْتَحُ أفْواهَها لِلْمَطَرِ، فَلِذَلِكَ قالَ (مِنهُما) . وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: إنَّما يَخْرُجُ مِنَ المِلْحِ، لَكِنَّهُ قالَ (مِنهُما) تَجَوُّزًا. وقالَ الرُّمّانِيُّ: العَذْبُ فِيها كاللِّقاحِ لِلْمِلْحِ، فَهو كَما يُقالُ؛ الوَلَدُ يَخْرُجُ مِنَ الذَّكَرِ والأُنْثى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ، وتَبِعَ الزَّجّاجَ مِن حَيْثُ هُما نَوْعٌ واحِدٌ، فَخُرُوجُ هَذِهِ الأشْياءِ إنَّما هي مِنهُما، وإنْ كانَتْ تَخْتَصُّ عِنْدَ التَّفْصِيلِ المَبالَغِ بِأحَدِهِما، كَما قالَ: ﴿سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا﴾ [نوح: ١٥] ﴿وجَعَلَ القَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾ [نوح: ١٦]، (p-١٩٢)وإنَّما هو في إحْداهُنَّ، وهي الدُّنْيا إلى الأرْضِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ نَحْوًا مِن قَوْلِ ابْنِ عَطِيَّةَ، قالَ: فَإنْ قُلْتَ: لِمَ قالَ (مِنهُما)، وإنَّما يَخْرُجانِ مِنَ المِلْحِ قُلْتُ: لَمّا التَقَيا وصارا كالشَّيْءِ الواحِدِ، جازَ أنْ يُقالَ: يَخْرُجانِ مِنهُما، كَما يُقالُ: يَخْرُجانِ مِنَ البَحْرِ، ولا يَخْرُجانِ مِن جَمِيعِ البَحْرِ، ولَكِنْ مِن بَعْضِهِ. وتَقُولُ: خَرَجْتُ مِنَ البَلَدِ، وإنَّما خَرَجْتَ مِن مَحَلَّةٍ مِن مَحالِّهِ، بَلْ مِن دارٍ واحِدَةٍ مِن دُورِهِ. وقِيلَ: لا يَخْرُجانِ إلّا مِن مُلْتَقى المِلْحِ والعَذْبِ. انْتَهى. وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: هَذا مِن بابِ حَذْفِ المُضافِ، والتَّقْدِيرُ: يَخْرُجُ مِن أحَدِهِما، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١]: أيْ مِن إحْدى القَرْيَتَيْنِ. وقِيلَ: هُما بَحْرانِ، يَخْرُجُ مِن أحَدِهِما اللُّؤْلُؤُ ومِنَ الآخَرِ المَرْجانُ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: كَلامُ اللَّهِ تَعالى أوْلى بِالِاعْتِبارِ مِن كَلامِ بَعْضِ النّاسِ ومَن أعْلَمَ أنَّ اللُّؤْلُؤَ لا يَخْرُجُ مِنَ الماءِ العَذْبِ ؟، وهَبْ أنَّ الغَوّاصِينَ ما أخْرَجُوهُ إلّا مِنَ المالِحِ. ولَكِنْ لِمَ قُلْتُمْ إنَّ الصَّدَفَ لا يَخْرُجُ بِأمْرِ اللَّهِ مِنَ الماءِ العَذْبِ إلى الماءِ المِلْحِ وكَيْفَ يُمْكِنُ الجَزْمُ بِهِ والأُمُورُ الأرْضِيَّةُ الظّاهِرَةُ خَفِيَتْ عَنِ التُّجّارِ الَّذِينَ قَطَعُوا المَفاوِزَ ودارُوا البِلادَ، فَكَيْفَ لا يَخْفى أمْرٌ ما في قَعْرِ البَحْرِ عَلَيْهِمْ ؟ واللُّؤْلُؤُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ وقَتادَةُ: كِبارُ الجَوْهَرِ. والمَرْجانُ صِغارُهُ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا وعَلِيٍّ ومُرَّةَ الهَمْدانِيِّ عَكْسُ هَذا. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ وأبُو مالِكٍ: المَرْجانُ: الحَجَرُ الأحْمَرُ. وقالَ الزَّجّاجُ: حَجَرٌ شَدِيدُ البَياضِ. وحَكى القاضِي أبُو يَعْلى أنَّهُ ضَرْبٌ مِنَ اللُّؤْلُؤِ، كالقُضْبانِ، والمَرْجانُ: اسْمٌ أعْجَمِيٌّ مُعَرَّبٌ. قالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: لَمْ أسْمَعْ فِيهِ نَقْلَ مُتَصَرِّفٍ، وقالَ الأعْشى:
؎مِن كُلِّ مَرْجانَةٍ في البَحْرِ أحْرَزَها ∗∗∗ تَيّارُها ووَقاها طِينَها الصَّدَفُ
قِيلَ: أرادَ اللُّؤْلُؤَةَ الكَبِيرَةَ. وقَرَأ طَلْحَةُ: اللُّؤْلِي بِكَسْرِ اللّامِ الثّالِثَةِ، وهي لُغَةٌ. وعَبَدُ الوَلِيِّ: تُقْلَبُ الهَمْزَةُ المُتَطَرِّفَةُ ياءً ساكِنَةً بَعْدَ كَسْرَةِ ما قَبْلَها، وهي لُغَةٌ، قالَهُ أبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ.
﴿ولَهُ الجَوارِي﴾: خَصَّ تَعالى الجَوارِيَ بِأنَّها لَهُ، وهو تَعالى لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما فِيهِنَّ، لِأنَّهم لَمّا كانُوا هم مُنْشِئِيها، أسْنَدَها تَعالى إلَيْهِ، إذْ كانَ تَمامُ مَنفَعَتِها إنَّما هو مِنهُ تَعالى، فَهو في الحَقِيقَةِ مالِكُها. والجَوارِي: السُّفُنُ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ والحَسَنُ وعَبْدُ الوارِثِ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِضَمِّ الرّاءِ، كَما قالُوا في شاكٍ شاكٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ؛ ﴿المُنْشَآتُ﴾ بِفَتْحِ الشِّينِ، اسْمَ مَفْعُولٍ: أيْ أنْشَأها اللَّهُ، أوِ النّاسُ، أوِ المَرْفُوعاتُ الشِّراعِ. وقالَ مُجاهِدٌ: ما لَهُ شِراعٌ مِنَ المُنْشَآتِ، وما لَمْ يُرْفَعْ لَهُ شِراعٌ، فَلَيْسَ مِنَ المُنْشَآتِ. والشِّراعُ: القَلْعُ. والأعْمَشُ وحَمْزَةُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وطَلْحَةُ وأبُو بَكْرٍ: بِخِلافٍ عَنْهُ، بِكَسْرِ الشِّينِ: أيِ الرّافِعاتُ الشِّراعِ، أوِ اللّاتِي يُنْشِئْنَ الأمْواجَ بِجَرْيِهِنَّ، أوِ الَّتِي تُنْشِئُ السَّفَرَ إقْبالًا وإدْبارًا. وشَدَّدَ الشِّينَ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ والحَسَنُ المُنَشَّأةُ، وحَدَّ الصِّفَةَ، ودَلَّ عَلى الجَمْعِ المَوْصُوفِ، كَقَوْلِهِ: ﴿أزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ [البقرة: ٢٥]، وقَلَبَ الهَمْزَةَ ألِفًا عَلى حَدِّ قَوْلِهِ:
؎إنَّ السِّباعَ لَتَهْدا في مَرابِضِها
يُرِيدُ: لَتَهْدَأُ، التّاءُ لِتَأْنِيثِ الصِّفَةِ، كُتِبَتْ تاءً عَلى لَفْظِها في الوَصْلِ.
﴿كالأعْلامِ﴾: أيْ كالجِبالِ والآكامِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى كِبَرِ السُّفُنِ حَيْثُ شَبَّهَها بِالجِبالِ، وإنْ كانَتِ المُنْشَآتُ تَنْطَلِقُ عَلى السَّفِينَةِ الكَبِيرَةِ والصَّغِيرَةِ. وعَبَّرَ بِمَن في قَوْلِهِ: ﴿كُلُّ مَن عَلَيْها﴾ تَغْلِيبًا لِمَن يَعْقِلُ، والضَّمِيرُ في (عَلَيْها) قَلِيلٌ عائِدٌ عَلى الأرْضِ في قَوْلِهِ: ﴿والأرْضَ وضَعَها لِلْأنامِ﴾، فَعادَ الضَّمِيرُ عَلَيْها، وإنْ كانَ بَعْدَ لَفْظِها. والفَناءُ عِبارَةٌ عَنْ إعْدامِ جَمِيعِ المَوْجُوداتِ مِن حَيَوانٍ وغَيْرِهِ، والوَجْهُ يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ حَقِيقَةِ الشَّيْءِ، والجارِحَةُ مُنْتَفِيَةٌ عَنِ اللَّهِ تَعالى، ونَحْوَ ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا وجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] . وتَقُولُ صَعالِيكُ مَكَّةَ: أيْنَ وجْهُ عَرَبِيٍّ كَرِيمٍ يَجُودُ عَلَيَّ ؟ وقَرَأ الجُمْهُورُ: ذُو بِالواوِ، وصِفَةً لِلْوَجْهِ. وأُبَيُّ وعَبْدُ اللَّهِ: ذِي بِالياءِ، صِفَةً لِلرَّبِّ. والظّاهِرُ أنَّ الخِطابَ في قَوْلِهِ: ﴿وجْهُ رَبِّكَ﴾ لِلرَّسُولِ، وفِيهِ تَشْرِيفٌ عَظِيمٌ لَهُ، ﷺ . وقِيلَ: (p-١٩٣)الخِطابُ لِكُلِّ سامِعٍ. ومَعْنى ﴿ذُو الجَلالِ﴾: الَّذِي يُجِلُّهُ المُوَحِّدُونَ عَنِ التَّشْبِيهِ بِخَلْقِهِ وعَنْ أفْعالِهِمْ، أوِ الَّذِي يُتَعَجَّبُ مِن جَلالِهِ، أوِ الَّذِي عِنْدَهُ الجَلالُ والإكْرامُ لِلْمُخْلِصِينَ مِن عِبادِهِ.
﴿يَسْألُهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾: أيْ حَوائِجَهم، وهو ما يَتَعَلَّقُ بِمَن في السَّماواتِ مِن أمْرِ الدِّينِ وما اسْتُعْبِدُوا بِهِ، ومَن في الأرْضِ مِن أمْرِ دِينِهِمْ ودُنْياهم. وقالَ أبُو صالِحٍ: مَن في السَّماواتِ الرَّحْمَةَ ومَن في الأرْضِ المَغْفِرَةَ والرِّزْقَ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: المَلائِكَةُ الرِّزْقَ لِأهْلِ الأرْضِ والمَغْفِرَةَ، وأهْلُ الأرْضِ يَسْألُونَهُما جَمِيعًا. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: يَسْألُهُ اسْتِئْنافُ إخْبارٍ. وقِيلَ: حالٌ مِنَ الوَجْهِ، والعامِلُ فِيهِ يَبْقى، أيْ هو دائِمٌ في هَذِهِ الحالِ. انْتَهى، وفِيهِ بُعْدٌ. ومَن لا يَسْألُ، فَحالُهُ تَقْتَضِي السُّؤالَ، فَيَصِحُّ إسْنادُ السُّؤالِ إلى الجَمِيعِ بِاعْتِبارِ القَدْرِ المُشْتَرَكِ، وهو الِافْتِقارُ إلَيْهِ تَعالى.
﴿كُلَّ يَوْمٍ﴾: أيْ كُلَّ ساعَةٍ ولَحْظَةٍ، وذَكَرَ اليَوْمَ لِأنَّ السّاعاتِ واللَّحَظاتِ في ضِمْنِهِ.
﴿هُوَ في شَأْنٍ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: في شَأْنٍ يُمْضِيهِ مِنَ الخَلْقِ والرِّزْقِ والإحْياءِ والإماتَةِ. وقالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: يُجِيبُ داعِيًا، ويَفُكُّ عانِيًا، ويَتُوبُ عَلى قَوْمٍ، ويَغْفِرُ لِقَوْمٍ. وقالَ سُوَيْدُ بْنُ غَفْلَةَ: يُعْتِقُ رِقابًا، ويُعْطِي رَغامًا ويُقْحِمُ عِقابًا. وقالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: الدَّهْرُ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمانِ، أحَدُهُما اليَوْمُ الَّذِي هو مُدَّةُ الدُّنْيا، فَشَأْنُهُ فِيهِ الأمْرُ والنَّهْيُ والإماتَةُ والإحْياءُ؛ والثّانِي الَّذِي هو يَوْمُ القِيامَةِ، فَشَأْنُهُ فِيهِ الجَزاءُ والحِسابُ. وعَنْ مُقاتِلٍ: نَزَلَتْ في اليَهُودِ، فَقالُوا: إنَّ اللَّهَ لا يَقْضِي يَوْمَ السَّبْتِ شَيْئًا. وقالَ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ، وقَدْ سَألَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طاهِرٍ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هو في شَأْنٍ﴾: وقَدْ صَحَّ أنَّ القَلَمَ جَفَّ بِما هو كائِنٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ فَقالَ: شُئُونٌ يُبْدِيها، لا شُئُونٌ يَبْتَدِيها. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: هو في يَوْمِ الدُّنْيا في الِابْتِلاءِ، وفي يَوْمِ القِيامَةِ في الجَزاءِ. وانْتَصَبَ ﴿كُلَّ يَوْمٍ﴾ عَلى الظَّرْفِ، والعامِلُ فِيهِ العامِلُ في قَوْلِهِ: ﴿فِي شَأْنٍ﴾، وهو مُسْتَقِرٌّ المَحْذُوفُ، نَحْوَ: يَوْمَ الجُمُعَةِ زَيْدٌ قائِمٌ.
الرحمن 55:14
ولَمّا ذَكَرَ تَعالى ما أنْعَمَ بِهِ مِن مَنفَعَةِ الشَّمْسِ والقَمَرِ، وكانَ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ العُلْوِيَّةِ، ذَكَرَ في مُقابَلَتِهِما مِنَ الآثارِ السُّفْلِيَّةِ النَّجْمَ والشَّجَرَ، إذْ كانا رِزْقًا لِلْإنْسانِ، وأخْبَرَ أنَّهُما جارِيانِ عَلى ما أرادَ اللَّهُ بِهِما، مِن تَسْخِيرِهِما وكَيْنُونَتِهِما عَلى ما اقْتَضَتْهُ حِكْمَتُهُ تَعالى. ولَمّا ذَكَرَ ما بِهِ حَياةُ الأرْواحِ مِن تَعْلِيمِ القُرْآنِ، ذَكَرَ ما بِهِ حَياةُ الأشْباحِ مِنَ النَّباتِ الَّذِي لَهُ ساقٌ، وكانَ تَقْدِيمُ النَّجْمِ، وهو ما لا ساقَ لَهُ، لِأنَّهُ أصْلُ القُوتِ، والَّذِي لَهُ ساقٌ ثَمَرُهُ يُتَفَكَّهُ بِهِ غالِبًا. والظّاهِرُ أنَّ النَّجْمَ هو الَّذِي شَرَحْناهُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ اقْتِرانُهُ بِالشَّجَرِ. وقالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ والحَسَنُ: النَّجْمُ: اسْمُ الجِنْسِ مِن نُجُومِ السَّماءِ. وسُجُودُهُما، قالَ مُجاهِدٌ والحَسَنُ: ذَلِكَ في النَّجْمِ بِالغُرُوبِ ونَحْوِهِ، وفي الشَّجَرِ بِالظِّلِّ واسْتِدارَتِهِ. وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: والسُّجُودُ تَجَوُّزٌ، وهو عِبارَةٌ عَنِ الخُضُوعِ والتَّذَلُّلِ. والجُمَلُ الأُوَلُ فِيها ضَمِيرٌ يَرْبُطُها بِالمُبْتَدَأِ، وأمّا في هاتَيْنِ الجُمْلَتَيْنِ فاكْتَفى بِالوَصْلِ المَعْنَوِيِّ عَنِ الوَصْلِ اللَّفْظِيِّ، إذْ مَعْلُومٌ أنَّ الحُسْبانَ هو حُسْبانُهُ، وأنَّ السُّجُودَ لَهُ لا لِغَيْرِهِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: بِحُسْبانِهِ ويَسْجُدانِ لَهُ. ولَمّا أُورِدَتْ هَذِهِ الجُمَلُ مَوْرِدَ تَعْدِيدِ النِّعَمِ رُدَّ الكَلامُ إلى العَطْفِ في وصْلِ ما يُناسِبُ وصْلَهُ، والتَّناسُبُ الَّذِي بَيْنَ هاتَيْنِ الجُمْلَتَيْنِ ظاهِرٌ، لِأنَّ الشَّمْسَ والقَمَرَ عُلْوِيّانِ، والنَّجْمُ والشَّجَرُ سُفْلِيّانِ.
﴿والسَّماءَ رَفَعَها﴾: أيْ خَلَقَها مَرْفُوعَةً، حَيْثُ جَعَلَها مَصْدَرَ قَضاياهُ ومَسْكَنَ مَلائِكَتِهِ الَّذِينَ يَنْزِلُونَ بِالوَحْيِ عَلى أنْبِيائِهِ، ونَبَّهَ بِذَلِكَ عَلى عِظَمِ شَأْنِهِ ومِلْكِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (والسَّماءَ)، بِالنَّصْبِ عَلى الِاشْتِغالِ، رُوعِيَ مُشاكَلَةُ الجُمْلَةِ الَّتِي تَلِيهِ وهي ﴿يَسْجُدانِ﴾ [الرحمن: ٦] . وقَرَأ أبُو السَّمّالِ: والسَّماءُ بِالرَّفْعِ، راعى مُشاكَلَةَ الجُمْلَةِ الِابْتِدائِيَّةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ووَضَعَ المِيزانَ﴾، فِعْلًا ماضِيًا ناصِبًا المِيزانَ، أيْ أقَرَّهُ وأثْبَتَهُ. وقَرَأ إبْراهِيمُ: ووَضْعِ المِيزانِ، بِالخَفْضِ وإسْكانِ الضّادِ. والظّاهِرُ أنَّهُ كُلُّ ما يُوزَنُ بِهِ الأشْياءُ وتُعْرَفُ مَقادِيرُها، وإنِ اخْتَلَفَتِ الآلاتُ، قالَ مَعْناهُ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وقَتادَةُ، جَعَلَهُ تَعالى حاكِمًا بِالسَّوِيَّةِ في الأخْذِ والإعْطاءِ. وقالَ مُجاهِدٌ والطَّبَرِيُّ والأكْثَرُونَ: المِيزانُ: العَدْلُ، وتَكُونُ الآلاتُ مِن بَعْضِ ما يَنْدَرِجُ في العَدْلِ. بَدَأ أوَّلًا بِالعِلْمِ، فَذَكَرَ ما فِيهِ أشْرَفُ أنْواعِ العُلُومِ وهو القُرْآنُ؛ ثُمَّ ذَكَرَ ما بِهِ التَّعْدِيلُ في الأُمُورِ، وهو المِيزانُ، كَقَوْلِهِ: ﴿وأنْزَلْنا مَعَهُمُ الكِتابَ والمِيزانَ﴾ [الحديد: ٢٥]، لِيُعَلِّمُوا الكِتابَ ويَفْعَلُوا ما يَأْمُرُهم بِهِ الكِتابُ. (أنْ لا تَطْغَوْا في المِيزانِ): أيْ لِأنْ لا تَطْغَوْا، فَتَطْغَوْا مَنصُوبٌ بِأنْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ هي ”أنِ“ المُفَسِّرَةُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ أنْ مُفَسِّرَةً، فَيَكُونُ تَطْغَوْا جَزْمًا بِالنَّهْيِ. انْتَهى، ولا يَجُوزُ ما قالاهُ مِن أنَّ أنْ مُفَسِّرَةٌ، لِأنَّهُ فاتَ أحَدُ شَرْطَيْها، وهو أنْ يَكُونَ ما قَبْلَها جُمْلَةً فِيها مَعْنى القَوْلِ.
﴿ووَضَعَ المِيزانَ﴾ جُمْلَةٌ لَيْسَ فِيها مَعْنى القَوْلِ. والطُّغْيانُ في المِيزانِ هو أنْ يَكُونَ بِالتَّعَمُّدِ، وأمّا ما لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنَ التَّحْرِيرِ بِالمِيزانِ فَمَعْفُوٌّ عَنْهُ.
ولَمّا كانَتِ التَّسْوِيَةُ مَطْلُوبَةً جِدًّا، أمَرَ اللَّهُ تَعالى فَقالَ: ﴿وأقِيمُوا الوَزْنَ﴾ . وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ولا تُخْسِرُوا﴾، مِن أخْسَرَ: أيْ أفْسَدَ ونَقَصَ، كَقَوْلِهِ: ﴿وإذا كالُوهم أوْ وزَنُوهم يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين: ٣]؛ أيْ يَنْقُصُونَ. وبِلالُ بْنُ أبِي بُرْدَةَ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: تَخْسَرُ بِفَتْحِ التّاءِ، يُقالُ: خَسِرَ يَخْسَرُ، وأخْسَرَ يُخْسِرُ بِمَعْنًى واحِدٍ، كَجَبَرَ وأجْبَرَ. وحَكى ابْنُ جِنِّي وصاحِبُ اللَّوامِحِ، عَنْ بِلالٍ فَتْحَ التّاءِ والسِّينِ مُضارِعُ خَسِرَ بِكَسْرِ السِّينِ، وخَرَّجَها الزَّمَخْشَرِيُّ عَلى أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: في المِيزانِ، فَحَذَفَ الجارَّ ونَصَبَ، ولا يُحْتاجُ إلى هَذا التَّخْرِيجِ. ألا تَرى أنَّ خَسِرَ جاءَ مُتَعَدِّيًا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٢]، و﴿خَسِرَ الدُّنْيا والآخِرَةَ﴾ [الحج: ١١] ؟ وقُرِئَ أيْضًا: تَخْسُرُوا، بِفَتْحِ التّاءِ وضَمِّ السِّينِ. لِما مُنِعَ مِنَ الزِّيادَةِ، وهي الطُّغْيانُ، نَهى عَنِ الخُسْرانِ الَّذِي هو نُقْصانٌ، وكَرَّرَ لَفْظَ المِيزانِ، تَشْدِيدًا لِلتَّوْصِيَةِ بِهِ وتَقْوِيَةً لِلْأمْرِ بِاسْتِعْمالِهِ والحَثِّ عَلَيْهِ.
ولَمّا ذَكَرَ السَّماءَ، ذَكَرَ مُقابِلَتَها فَقالَ: ﴿والأرْضَ وضَعَها لِلْأنامِ﴾: أيْ خَفَضَها (p-١٩٠)مَدْحُوَّةً عَلى الماءِ لِيُنْتَفَعَ بِها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”والأرْضَ“ بِالنَّصْبِ؛ وأبُو السَّمّالِ: بِالرَّفْعِ: ”والأنامُ“، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بَنُو آدَمَ فَقَطْ. وقالَ أيْضًا هو وقَتادَةُ وابْنُ زَيْدٍ والشَّعْبِيُّ: الحَيَوانُ كُلُّهُ. وقالَ الحَسَنُ: الثَّقَلانِ الجِنُّ والإنْسُ.
﴿فِيها فاكِهَةٌ﴾: ضُرُوبٌ مِمّا يُتَفَكَّهُ بِهِ. وبَدَأ بِقَوْلِهِ: ﴿فاكِهَةٌ﴾، إذْ هو مِن بابِ الِابْتِداءِ بِالأدْنى والتَّرَقِّي إلى الأعْلى، ونَكَّرَ لَفْظَها، لِأنَّ الِانْتِفاعَ بِها دُونَ الِانْتِفاعِ بِما يُذْكَرُ بَعْدَها. ثُمَّ ثَنّى بِالنَّخْلِ، فَذَكَرَ الأصْلَ ولَمْ يَذْكُرْ ثَمَرَتَها، وهو الثَّمَرُ لِكَثْرَةِ الِانْتِفاعِ بِها مِن لِيفٍ وسَعَفٍ وجَرِيدٍ وجُذُوعٍ وجُمّارٍ وثَمَرٍ. ثُمَّ أتى ثالِثًا بِالحَبِّ الَّذِي هو قِوامُ عَيْشِ الإنْسانِ في أكْثَرِ الأقالِيمِ، وهو البُرُّ والشَّعِيرُ وكُلُّ ما لَهُ سُنْبُلٌ وأوْراقٌ مُتَشَعِّبَةٌ عَلى ساقِهِ، ووَصَفَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ذُو العَصْفِ﴾ تَنْبِيهًا عَلى إنْعامِهِ عَلَيْهِمْ بِما يَقُوتُهم مِنَ الحَبِّ، ويَقُوتُ بَهائِمَهم مِن ورَقِهِ الَّذِي هو التِّبْنُ. وبَدَأ بِالفاكِهَةِ وخَتَمَ بِالمَشْمُومِ، وبَيْنَهُما النَّخْلُ والحَبُّ، لِيَحْصُلَ ما بِهِ يُتَفَكَّهُ، وما بِهِ يُتَقَوَّتُ، وما بِهِ تَقَعُ اللَّذاذَةُ مِنَ الرّائِحَةِ الطَّيِّبَةِ. وذَكَرَ النَّخْلَ بِاسْمِها والفاكِهَةَ دُونَ شَجَرِها، لِعِظَمِ المَنفَعَةِ بِالنَّخْلِ مِن جِهاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ، وشَجَرَةُ الفاكِهَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى ثَمَرَتِها حَقِيرَةٌ، فَنَصَّ عَلى ما يَعْظُمُ بِهِ الِانْتِفاعُ مِن شَجَرَةِ النَّخْلِ ومِنَ الفاكِهَةِ دُونَ شَجَرَتِها.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿والحَبُّ ذُو العَصْفِ والرَّيْحانُ﴾، بِرَفْعِ الثَّلاثَةِ عَطْفًا عَلى المَرْفُوعِ قَبْلَهُ؛ وابْنُ عامِرٍ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِنَصْبِ الثَّلاثَةِ، أيْ وخَلَقَ الحَبَّ. وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ ﴿والرَّيْحانُ﴾ حالَةَ الرَّفْعِ وحالَةَ النَّصْبِ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ وذُو الرَّيْحانِ حَذَفَ المُضافَ وأقامَ المُضافَ إلَيْهِ مَقامَهُ؛ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ والأصْمَعِيُّ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: والرَّيْحانُ بِالجَرِّ، والمَعْنى: والحَبُّ ذُو العَصْفِ الَّذِي هو عَلَفُ البَهائِمِ، والرَّيْحانُ الَّذِي هو مَطْعَمُ النّاسِ، ويَبْعُدُ دُخُولُ المَشْمُومِ في قِراءَةِ الجَرِّ، ورَيْحانُ مِن ذَواتِ الواوِ. وأجازَ أبُو عَلِيٍّ أنْ يَكُونَ اسْمًا، ووُضِعَ مَوْضِعَ المَصْدَرِ، وأنْ يَكُونَ مَصْدَرًا عَلى وزْنِ فَعْلانَ كاللَّبّانِ. وأُبْدِلَتِ الواوُ ياءً، كَما أبْدَلُوا الياءَ واوًا في أشاوى، أوْ مَصْدَرًا شاذًّا في المُعْتَلِّ، كَما شَذَّ كَبَنُونَةٍ وبَيْنُونَةٍ، فَأصْلُهُ رَيْوِحانُ، قُلِبَتِ الواوُ ياءً وأُدْغِمَتْ في الياءِ فَصارَ رَيِّحانَ، ثُمَّ حُذِفَتْ عَيْنُ الكَلِمَةِ، كَما قالُوا: مَيْتٌ وهَيْنٌ.
ولَمّا عَدَّدَ تَعالى نِعَمَهُ، خاطَبَ الثَّقَلَيْنِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٣٢]، أيْ أنَّ نِعَمَهُ كَثِيرَةٌ لا تُحْصى، فَبِأيِّها تُكَذِّبانِ ؟ أيْ مَن هَذِهِ نِعَمُهُ لا يُمْكِنُ أنْ يُكَذَّبَ بِها. وكانَ هَذا الخِطابُ لِلثَّقَلَيْنِ، لِأنَّهُما داخِلانِ في الأنامِ عَلى أصَحِّ الأقْوالِ. ولِقَوْلِهِ: ﴿خَلَقَ الإنْسانَ﴾، و﴿وخَلَقَ الجانَّ﴾؛ ولِقَوْلِهِ: ﴿سَنَفْرُغُ لَكم أيُّها الثَّقَلانِ﴾ [الرحمن: ٣١]، وقَدْ أبْعَدَ مَن جَعَلَهُ خِطابًا لِلذَّكَرِ والأُنْثى مِن بَنِي آدَمَ. وأبْعَدُ مِن هَذا قَوْلُ مَن قالَ: إنَّهُ خِطابٌ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ: ﴿ألْقِيا في جَهَنَّمَ﴾ [ق: ٢٤]، ويا حَرَسِي اضْرِبا عُنُقَهُ، يَعْنِي أنَّهُ خِطابٌ لِلْواحِدِ بِصُورَةِ الِاثْنَيْنِ، فَبِأيِّ مُنَوَّنًا في جَمِيعِ السُّورَةِ، كَأنَّهُ حُذِفَ مِنهُ المُضافُ إلَيْهِ وأُبْدِلَ مِنهُ (آلاءِ رَبِّكُما) بَدَلَ مَعْرِفَةٍ مِن نَكِرَةٍ، وآلاءُ تَقَدَّمَ في الأعْرافِ أنَّها النِّعَمُ، واحِدُها إلْيٌ وألًا وإلًى وألْيٌ.
﴿خَلَقَ الإنْسانَ﴾: لَمّا ذَكَرَ العالَمَ الأكْبَرَ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ وما أوْجَدَ فِيها مِنَ النِّعَمِ، ذَكَرَ مَبْدَأ مَن خُلِقَتْ لَهُ هَذِهِ النِّعَمُ، والإنْسانُ هو آدَمُ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ. وقِيلَ: لِلْجِنْسِ، وساغَ ذَلِكَ لِأنَّ أباهم مَخْلُوقٌ مِنَ الصَّلْصالِ. وإذا أُرِيدَ بِالإنْسانِ آدَمُ، فَقَدْ جاءَتْ غاياتٌ لَهُ مُخْتَلِفَةٌ، وذَلِكَ بِتَنَقُّلِ أصْلِهِ؛ فَكانَ أوَّلًا تُرابًا، ثُمَّ طِينًا، ثُمَّ حَمَأً مَسْنُونًا، ثُمَّ صَلْصالًا، فَناسَبَ أنْ يُنْسَبَ خَلْقُهُ لِكُلِّ واحِدٍ مِنها. والجانُّ هو أبُو الجِنِّ، وهو إبْلِيسُ، قالَهُ الحَسَنُ. وقالَ مُجاهِدٌ: هو أبُو الجِنِّ، ولَيْسَ بِإبْلِيسَ. وقِيلَ: الجانُّ اسْمُ جِنْسٍ، والمارِجُ: ما اخْتَلَطَ مِن أصْفَرَ وأحْمَرَ وأخْضَرَ، أوِ اللَّهَبُ، أوِ الخالِصُ، أوِ الحُمْرَةُ في طَرَفِ النّارِ، أوِ المُخْتَلِطُ بِسَوادٍ، أوِ المُضْطَرِبُ بِلا دُخانٍ، أقْوالٌ، (ومِن) الأُولى لِابْتِداءِ الغايَةِ، والثّانِيَةُ في (مِن نارٍ) لِلتَّبْعِيضِ. وقِيلَ لِلْبَيانِ، والتَّكْرارُ في هَذِهِ الفَواصِلِ: لِلتَّأْكِيدِ والتَّنْبِيهِ والتَّحْرِيكِ، وهي مَوْجُودَةٌ في مَواضِعَ مِنَ القُرْآنِ. وذَهَبَ قَوْمٌ مِنهُمُ ابْنُ قُتَيْبَةَ إلى أنَّ هَذا التَّكْرارَ إنَّما هو لِاخْتِلافِ النِّعَمِ، فَكَرَّرَ (p-١٩١)التَّوْقِيفَ في كُلِّ واحِدٍ مِنها.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: (رَبُّ)، و(رَبُّ) بِالرَّفْعِ، أيْ هو رَبٌّ؛ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِالخَفْضِ بَدَلًا مِن رَبِّكُما، وثَنّى المُضافَ إلَيْهِ لِأنَّهُما مَشْرِقا الصَّيْفِ والشِّتاءِ ومَغْرِباهُما، قالَهُ مُجاهِدٌ. وقِيلَ: مَشْرِقا الشَّمْسِ والقَمَرِ ومَغْرِباهُما. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: لِلشَّمْسِ مَشْرِقٌ في الصَّيْفِ مُصْعِدٌ، ومَشْرِقٌ في الشِّتاءِ مُنْحَدِرٌ، تَنْتَقِلُ فِيهِما مُصْعِدَةً ومُنْحَدِرَةً. انْتَهى. فالمَشْرِقانِ والمَغْرِبانِ لِلشَّمْسِ. وقِيلَ: المَشْرِقانِ: مَطْلَعُ الفَجْرِ ومَطْلَعُ الشَّمْسِ، والمَغْرِبانِ مَغْرِبُ الشَّفَقِ ومَغْرِبُ الشَّمْسِ. ولِسَهْلٍ التُّسْتَرِيِّ كَلامٌ في المَشْرِقَيْنِ والمَغْرِبَيْنِ شَبِيهٌ بِكَلامِ الباطِنِيَّةِ المُحَرِّفِينَ مَدْلُولَ كَلامِ اللَّهِ، ضَرَبْنا عَنْ ذِكْرِهِ صَفْحًا. وكَذَلِكَ ما وقَفْنا عَلَيْهِ مِن كَلامِ الغُلاةِ الَّذِينَ يُنْسَبُونَ لِلصُّوفِيَّةِ، لِأنّا لا نَسْتَحِلُّ نَقْلَ شَيْءٍ مِنهُ. وقَدْ أوْلَغَ صاحِبُ كِتابِ التَّحْرِيرِ والتَّحْبِيرِ بِحَسْبِ ما قالَهُ هَؤُلاءِ الغُلاةُ في كُلِّ آيَةٍ آيَةٍ، ويُسَمِّي ذَلِكَ الحَقائِقَ، وأرْبابُ القُلُوبِ وما ادَّعَوْا فَهْمَهُ في القُرْآنِ فَأوْغَلُوا فِيهِ لَمْ يَفْهَمْهُ عَرَبِيٌّ قَطُّ، ولا أرادَهُ اللَّهُ تَعالى بِتِلْكَ الألْفاظِ، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِن ذَلِكَ.
﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ذَلِكَ في الفُرْقانِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وذَكَرَ الثَّعْلَبِيُّ في ﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ﴾ ألْغازًا وأقْوالًا باطِنَةً لا يُلْتَفَتُ إلى شَيْءٍ مِنها. انْتَهى، والظّاهِرُ التِقاؤُهُما، أيْ يَتَجاوَرانِ، فَلا فَصْلَ بَيْنَ الماءَيْنِ في رُؤْيَةِ العَيْنِ. وقِيلَ: يَلْتَقِيانِ في كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً. وقِيلَ: مُعَدّانِ لِلِالتِقاءِ، فَحَقُّهُما أنْ يَلْتَقِيا لَوْلا البَرْزَخُ بَيْنَهُما.
﴿بَرْزَخٌ﴾: أيْ حاجِزٌ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، ﴿لا يَبْغِيانِ﴾: لا يَتَجاوَزانِ حَدَّهُما، ولا يَبْغِي أحَدُهُما عَلى الآخَرِ بِالمُمازَجَةِ. وقِيلَ: البَرْزَخُ: أجْرامُ الأرْضِ، قالَهُ قَتادَةُ؛ وقِيلَ: لا يَبْغِيانِ: أيْ عَلى النّاسِ والعُمْرانِ، وعَلى هَذا والَّذِي قَبْلَهُ يَكُونُ مِنَ البَغْيِ. وقِيلَ: هو مِن بَغى، أيْ طَلَبَ، فالمَعْنى: لا يَبْغِيانِ حالًا غَيْرَ الحالِ الَّتِي خُلِقا عَلَيْها وسُخِّرا لَها. وقِيلَ: ماءُ الأنْهارِ لا يَخْتَلِطُ بِالماءِ المِلْحِ، بَلْ هو بِذاتِهِ باقٍ فِيهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والعِيانُ لا يَقْتَضِيهِ. انْتَهى، يَعْنِي أنَّهُ يُشاهِدُ الماءَ العَذْبَ يَخْتَلِطُ بِالمِلْحِ فَيَبْقى كُلُّهُ مِلْحًا، وقَدْ يُقالُ: إنَّهُ بِالِاخْتِلاطِ تَتَغَيَّرُ أجْرامُ العَذْبِ حَتّى لا تَظْهَرَ، فَإذا ذاقَ الإنْسانُ مِنَ المِلْحِ المُنْبَثِّ فِيهِ تِلْكَ الأجْزاءُ الدَّقِيقَةُ لَمْ يُحِسَّ إلّا المُلُوحَةَ، والمَعْقُولُ يَشْهَدُ بِذَلِكَ، لِأنَّ تَداخُلَ الأجْسامِ غَيْرُ مُمْكِنٍ، لَكِنَّ التَّفَرُّقَ والِالتِقاءَ مُمْكِنٌ. وأنْشَدَ القاضِي مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ البَلُّوطِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى:
؎ومَمْزُوجَةُ الأمْواهِ لا العَذْبُ غالِبٌ عَلى المِلْحِ طِيبًا لا ولا المِلْحُ يَعْذُبُ
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿يَخْرُجُ﴾ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ؛ ونافِعٌ وأبُو عَمْرٍو وأهْلُ المَدِينَةِ: مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ؛ والجُعْفِيٌّ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِالياءِ مَضْمُومَةً وكَسْرِ الرّاءِ، أيْ يُخْرِجُ اللَّهُ؛ وعَنْهُ وعَنْ أبِي عَمْرٍو، وعَنِ ابْنِ مِقْسَمٍ: بِالنُّونِ. واللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ نُصِبَ في هاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ. والظّاهِرُ في (مِنهُما) أنَّ ذَلِكَ يَخْرُجُ مِنَ المِلْحِ والعَذْبِ. وقالَ بِذَلِكَ قَوْمٌ، حَكاهُ الأخْفَشُ. ورَدَّ النّاسُ هَذا القَوْلَ، قالُوا: والحِسُّ يُخالِفُهُ، إذْ لا يَخْرُجُ إلّا مِنَ المِلْحِ، وعابُوا قَوْلَ الشّاعِرِ:
؎فَجاءَ بِها ما شِئْتَ مِن لَطِيمَةٍ ∗∗∗ عَلى وجْهِها ماءُ الفُراتِ يَمُوجُ
وقالَ الجُمْهُورُ: إنَّما يَخْرُجُ مِنَ الأُجاجِ في المَواضِعِ الَّتِي تَقَعُ فِيها الأنْهارُ والمِياهُ العَذْبَةُ، فَناسَبَ إسْنادَ ذَلِكَ إلَيْهِما، وهَذا مَشْهُورٌ عِنْدَ الغَوّاصِينَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ: تَكُونُ هَذِهِ الأشْياءُ في البَحْرِ بِنُزُولِ المَطَرِ، لِأنَّ الصَّدَفَ وغَيْرَها تَفْتَحُ أفْواهَها لِلْمَطَرِ، فَلِذَلِكَ قالَ (مِنهُما) . وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: إنَّما يَخْرُجُ مِنَ المِلْحِ، لَكِنَّهُ قالَ (مِنهُما) تَجَوُّزًا. وقالَ الرُّمّانِيُّ: العَذْبُ فِيها كاللِّقاحِ لِلْمِلْحِ، فَهو كَما يُقالُ؛ الوَلَدُ يَخْرُجُ مِنَ الذَّكَرِ والأُنْثى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ، وتَبِعَ الزَّجّاجَ مِن حَيْثُ هُما نَوْعٌ واحِدٌ، فَخُرُوجُ هَذِهِ الأشْياءِ إنَّما هي مِنهُما، وإنْ كانَتْ تَخْتَصُّ عِنْدَ التَّفْصِيلِ المَبالَغِ بِأحَدِهِما، كَما قالَ: ﴿سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا﴾ [نوح: ١٥] ﴿وجَعَلَ القَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾ [نوح: ١٦]، (p-١٩٢)وإنَّما هو في إحْداهُنَّ، وهي الدُّنْيا إلى الأرْضِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ نَحْوًا مِن قَوْلِ ابْنِ عَطِيَّةَ، قالَ: فَإنْ قُلْتَ: لِمَ قالَ (مِنهُما)، وإنَّما يَخْرُجانِ مِنَ المِلْحِ قُلْتُ: لَمّا التَقَيا وصارا كالشَّيْءِ الواحِدِ، جازَ أنْ يُقالَ: يَخْرُجانِ مِنهُما، كَما يُقالُ: يَخْرُجانِ مِنَ البَحْرِ، ولا يَخْرُجانِ مِن جَمِيعِ البَحْرِ، ولَكِنْ مِن بَعْضِهِ. وتَقُولُ: خَرَجْتُ مِنَ البَلَدِ، وإنَّما خَرَجْتَ مِن مَحَلَّةٍ مِن مَحالِّهِ، بَلْ مِن دارٍ واحِدَةٍ مِن دُورِهِ. وقِيلَ: لا يَخْرُجانِ إلّا مِن مُلْتَقى المِلْحِ والعَذْبِ. انْتَهى. وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: هَذا مِن بابِ حَذْفِ المُضافِ، والتَّقْدِيرُ: يَخْرُجُ مِن أحَدِهِما، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١]: أيْ مِن إحْدى القَرْيَتَيْنِ. وقِيلَ: هُما بَحْرانِ، يَخْرُجُ مِن أحَدِهِما اللُّؤْلُؤُ ومِنَ الآخَرِ المَرْجانُ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: كَلامُ اللَّهِ تَعالى أوْلى بِالِاعْتِبارِ مِن كَلامِ بَعْضِ النّاسِ ومَن أعْلَمَ أنَّ اللُّؤْلُؤَ لا يَخْرُجُ مِنَ الماءِ العَذْبِ ؟، وهَبْ أنَّ الغَوّاصِينَ ما أخْرَجُوهُ إلّا مِنَ المالِحِ. ولَكِنْ لِمَ قُلْتُمْ إنَّ الصَّدَفَ لا يَخْرُجُ بِأمْرِ اللَّهِ مِنَ الماءِ العَذْبِ إلى الماءِ المِلْحِ وكَيْفَ يُمْكِنُ الجَزْمُ بِهِ والأُمُورُ الأرْضِيَّةُ الظّاهِرَةُ خَفِيَتْ عَنِ التُّجّارِ الَّذِينَ قَطَعُوا المَفاوِزَ ودارُوا البِلادَ، فَكَيْفَ لا يَخْفى أمْرٌ ما في قَعْرِ البَحْرِ عَلَيْهِمْ ؟ واللُّؤْلُؤُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ وقَتادَةُ: كِبارُ الجَوْهَرِ. والمَرْجانُ صِغارُهُ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا وعَلِيٍّ ومُرَّةَ الهَمْدانِيِّ عَكْسُ هَذا. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ وأبُو مالِكٍ: المَرْجانُ: الحَجَرُ الأحْمَرُ. وقالَ الزَّجّاجُ: حَجَرٌ شَدِيدُ البَياضِ. وحَكى القاضِي أبُو يَعْلى أنَّهُ ضَرْبٌ مِنَ اللُّؤْلُؤِ، كالقُضْبانِ، والمَرْجانُ: اسْمٌ أعْجَمِيٌّ مُعَرَّبٌ. قالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: لَمْ أسْمَعْ فِيهِ نَقْلَ مُتَصَرِّفٍ، وقالَ الأعْشى:
؎مِن كُلِّ مَرْجانَةٍ في البَحْرِ أحْرَزَها ∗∗∗ تَيّارُها ووَقاها طِينَها الصَّدَفُ
قِيلَ: أرادَ اللُّؤْلُؤَةَ الكَبِيرَةَ. وقَرَأ طَلْحَةُ: اللُّؤْلِي بِكَسْرِ اللّامِ الثّالِثَةِ، وهي لُغَةٌ. وعَبَدُ الوَلِيِّ: تُقْلَبُ الهَمْزَةُ المُتَطَرِّفَةُ ياءً ساكِنَةً بَعْدَ كَسْرَةِ ما قَبْلَها، وهي لُغَةٌ، قالَهُ أبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ.
﴿ولَهُ الجَوارِي﴾: خَصَّ تَعالى الجَوارِيَ بِأنَّها لَهُ، وهو تَعالى لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما فِيهِنَّ، لِأنَّهم لَمّا كانُوا هم مُنْشِئِيها، أسْنَدَها تَعالى إلَيْهِ، إذْ كانَ تَمامُ مَنفَعَتِها إنَّما هو مِنهُ تَعالى، فَهو في الحَقِيقَةِ مالِكُها. والجَوارِي: السُّفُنُ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ والحَسَنُ وعَبْدُ الوارِثِ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِضَمِّ الرّاءِ، كَما قالُوا في شاكٍ شاكٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ؛ ﴿المُنْشَآتُ﴾ بِفَتْحِ الشِّينِ، اسْمَ مَفْعُولٍ: أيْ أنْشَأها اللَّهُ، أوِ النّاسُ، أوِ المَرْفُوعاتُ الشِّراعِ. وقالَ مُجاهِدٌ: ما لَهُ شِراعٌ مِنَ المُنْشَآتِ، وما لَمْ يُرْفَعْ لَهُ شِراعٌ، فَلَيْسَ مِنَ المُنْشَآتِ. والشِّراعُ: القَلْعُ. والأعْمَشُ وحَمْزَةُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وطَلْحَةُ وأبُو بَكْرٍ: بِخِلافٍ عَنْهُ، بِكَسْرِ الشِّينِ: أيِ الرّافِعاتُ الشِّراعِ، أوِ اللّاتِي يُنْشِئْنَ الأمْواجَ بِجَرْيِهِنَّ، أوِ الَّتِي تُنْشِئُ السَّفَرَ إقْبالًا وإدْبارًا. وشَدَّدَ الشِّينَ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ والحَسَنُ المُنَشَّأةُ، وحَدَّ الصِّفَةَ، ودَلَّ عَلى الجَمْعِ المَوْصُوفِ، كَقَوْلِهِ: ﴿أزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ [البقرة: ٢٥]، وقَلَبَ الهَمْزَةَ ألِفًا عَلى حَدِّ قَوْلِهِ:
؎إنَّ السِّباعَ لَتَهْدا في مَرابِضِها
يُرِيدُ: لَتَهْدَأُ، التّاءُ لِتَأْنِيثِ الصِّفَةِ، كُتِبَتْ تاءً عَلى لَفْظِها في الوَصْلِ.
﴿كالأعْلامِ﴾: أيْ كالجِبالِ والآكامِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى كِبَرِ السُّفُنِ حَيْثُ شَبَّهَها بِالجِبالِ، وإنْ كانَتِ المُنْشَآتُ تَنْطَلِقُ عَلى السَّفِينَةِ الكَبِيرَةِ والصَّغِيرَةِ. وعَبَّرَ بِمَن في قَوْلِهِ: ﴿كُلُّ مَن عَلَيْها﴾ تَغْلِيبًا لِمَن يَعْقِلُ، والضَّمِيرُ في (عَلَيْها) قَلِيلٌ عائِدٌ عَلى الأرْضِ في قَوْلِهِ: ﴿والأرْضَ وضَعَها لِلْأنامِ﴾، فَعادَ الضَّمِيرُ عَلَيْها، وإنْ كانَ بَعْدَ لَفْظِها. والفَناءُ عِبارَةٌ عَنْ إعْدامِ جَمِيعِ المَوْجُوداتِ مِن حَيَوانٍ وغَيْرِهِ، والوَجْهُ يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ حَقِيقَةِ الشَّيْءِ، والجارِحَةُ مُنْتَفِيَةٌ عَنِ اللَّهِ تَعالى، ونَحْوَ ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا وجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] . وتَقُولُ صَعالِيكُ مَكَّةَ: أيْنَ وجْهُ عَرَبِيٍّ كَرِيمٍ يَجُودُ عَلَيَّ ؟ وقَرَأ الجُمْهُورُ: ذُو بِالواوِ، وصِفَةً لِلْوَجْهِ. وأُبَيُّ وعَبْدُ اللَّهِ: ذِي بِالياءِ، صِفَةً لِلرَّبِّ. والظّاهِرُ أنَّ الخِطابَ في قَوْلِهِ: ﴿وجْهُ رَبِّكَ﴾ لِلرَّسُولِ، وفِيهِ تَشْرِيفٌ عَظِيمٌ لَهُ، ﷺ . وقِيلَ: (p-١٩٣)الخِطابُ لِكُلِّ سامِعٍ. ومَعْنى ﴿ذُو الجَلالِ﴾: الَّذِي يُجِلُّهُ المُوَحِّدُونَ عَنِ التَّشْبِيهِ بِخَلْقِهِ وعَنْ أفْعالِهِمْ، أوِ الَّذِي يُتَعَجَّبُ مِن جَلالِهِ، أوِ الَّذِي عِنْدَهُ الجَلالُ والإكْرامُ لِلْمُخْلِصِينَ مِن عِبادِهِ.
﴿يَسْألُهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾: أيْ حَوائِجَهم، وهو ما يَتَعَلَّقُ بِمَن في السَّماواتِ مِن أمْرِ الدِّينِ وما اسْتُعْبِدُوا بِهِ، ومَن في الأرْضِ مِن أمْرِ دِينِهِمْ ودُنْياهم. وقالَ أبُو صالِحٍ: مَن في السَّماواتِ الرَّحْمَةَ ومَن في الأرْضِ المَغْفِرَةَ والرِّزْقَ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: المَلائِكَةُ الرِّزْقَ لِأهْلِ الأرْضِ والمَغْفِرَةَ، وأهْلُ الأرْضِ يَسْألُونَهُما جَمِيعًا. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: يَسْألُهُ اسْتِئْنافُ إخْبارٍ. وقِيلَ: حالٌ مِنَ الوَجْهِ، والعامِلُ فِيهِ يَبْقى، أيْ هو دائِمٌ في هَذِهِ الحالِ. انْتَهى، وفِيهِ بُعْدٌ. ومَن لا يَسْألُ، فَحالُهُ تَقْتَضِي السُّؤالَ، فَيَصِحُّ إسْنادُ السُّؤالِ إلى الجَمِيعِ بِاعْتِبارِ القَدْرِ المُشْتَرَكِ، وهو الِافْتِقارُ إلَيْهِ تَعالى.
﴿كُلَّ يَوْمٍ﴾: أيْ كُلَّ ساعَةٍ ولَحْظَةٍ، وذَكَرَ اليَوْمَ لِأنَّ السّاعاتِ واللَّحَظاتِ في ضِمْنِهِ.
﴿هُوَ في شَأْنٍ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: في شَأْنٍ يُمْضِيهِ مِنَ الخَلْقِ والرِّزْقِ والإحْياءِ والإماتَةِ. وقالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: يُجِيبُ داعِيًا، ويَفُكُّ عانِيًا، ويَتُوبُ عَلى قَوْمٍ، ويَغْفِرُ لِقَوْمٍ. وقالَ سُوَيْدُ بْنُ غَفْلَةَ: يُعْتِقُ رِقابًا، ويُعْطِي رَغامًا ويُقْحِمُ عِقابًا. وقالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: الدَّهْرُ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمانِ، أحَدُهُما اليَوْمُ الَّذِي هو مُدَّةُ الدُّنْيا، فَشَأْنُهُ فِيهِ الأمْرُ والنَّهْيُ والإماتَةُ والإحْياءُ؛ والثّانِي الَّذِي هو يَوْمُ القِيامَةِ، فَشَأْنُهُ فِيهِ الجَزاءُ والحِسابُ. وعَنْ مُقاتِلٍ: نَزَلَتْ في اليَهُودِ، فَقالُوا: إنَّ اللَّهَ لا يَقْضِي يَوْمَ السَّبْتِ شَيْئًا. وقالَ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ، وقَدْ سَألَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طاهِرٍ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هو في شَأْنٍ﴾: وقَدْ صَحَّ أنَّ القَلَمَ جَفَّ بِما هو كائِنٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ فَقالَ: شُئُونٌ يُبْدِيها، لا شُئُونٌ يَبْتَدِيها. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: هو في يَوْمِ الدُّنْيا في الِابْتِلاءِ، وفي يَوْمِ القِيامَةِ في الجَزاءِ. وانْتَصَبَ ﴿كُلَّ يَوْمٍ﴾ عَلى الظَّرْفِ، والعامِلُ فِيهِ العامِلُ في قَوْلِهِ: ﴿فِي شَأْنٍ﴾، وهو مُسْتَقِرٌّ المَحْذُوفُ، نَحْوَ: يَوْمَ الجُمُعَةِ زَيْدٌ قائِمٌ.
الرحمن 55:15
ولَمّا ذَكَرَ تَعالى ما أنْعَمَ بِهِ مِن مَنفَعَةِ الشَّمْسِ والقَمَرِ، وكانَ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ العُلْوِيَّةِ، ذَكَرَ في مُقابَلَتِهِما مِنَ الآثارِ السُّفْلِيَّةِ النَّجْمَ والشَّجَرَ، إذْ كانا رِزْقًا لِلْإنْسانِ، وأخْبَرَ أنَّهُما جارِيانِ عَلى ما أرادَ اللَّهُ بِهِما، مِن تَسْخِيرِهِما وكَيْنُونَتِهِما عَلى ما اقْتَضَتْهُ حِكْمَتُهُ تَعالى. ولَمّا ذَكَرَ ما بِهِ حَياةُ الأرْواحِ مِن تَعْلِيمِ القُرْآنِ، ذَكَرَ ما بِهِ حَياةُ الأشْباحِ مِنَ النَّباتِ الَّذِي لَهُ ساقٌ، وكانَ تَقْدِيمُ النَّجْمِ، وهو ما لا ساقَ لَهُ، لِأنَّهُ أصْلُ القُوتِ، والَّذِي لَهُ ساقٌ ثَمَرُهُ يُتَفَكَّهُ بِهِ غالِبًا. والظّاهِرُ أنَّ النَّجْمَ هو الَّذِي شَرَحْناهُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ اقْتِرانُهُ بِالشَّجَرِ. وقالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ والحَسَنُ: النَّجْمُ: اسْمُ الجِنْسِ مِن نُجُومِ السَّماءِ. وسُجُودُهُما، قالَ مُجاهِدٌ والحَسَنُ: ذَلِكَ في النَّجْمِ بِالغُرُوبِ ونَحْوِهِ، وفي الشَّجَرِ بِالظِّلِّ واسْتِدارَتِهِ. وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: والسُّجُودُ تَجَوُّزٌ، وهو عِبارَةٌ عَنِ الخُضُوعِ والتَّذَلُّلِ. والجُمَلُ الأُوَلُ فِيها ضَمِيرٌ يَرْبُطُها بِالمُبْتَدَأِ، وأمّا في هاتَيْنِ الجُمْلَتَيْنِ فاكْتَفى بِالوَصْلِ المَعْنَوِيِّ عَنِ الوَصْلِ اللَّفْظِيِّ، إذْ مَعْلُومٌ أنَّ الحُسْبانَ هو حُسْبانُهُ، وأنَّ السُّجُودَ لَهُ لا لِغَيْرِهِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: بِحُسْبانِهِ ويَسْجُدانِ لَهُ. ولَمّا أُورِدَتْ هَذِهِ الجُمَلُ مَوْرِدَ تَعْدِيدِ النِّعَمِ رُدَّ الكَلامُ إلى العَطْفِ في وصْلِ ما يُناسِبُ وصْلَهُ، والتَّناسُبُ الَّذِي بَيْنَ هاتَيْنِ الجُمْلَتَيْنِ ظاهِرٌ، لِأنَّ الشَّمْسَ والقَمَرَ عُلْوِيّانِ، والنَّجْمُ والشَّجَرُ سُفْلِيّانِ.
﴿والسَّماءَ رَفَعَها﴾: أيْ خَلَقَها مَرْفُوعَةً، حَيْثُ جَعَلَها مَصْدَرَ قَضاياهُ ومَسْكَنَ مَلائِكَتِهِ الَّذِينَ يَنْزِلُونَ بِالوَحْيِ عَلى أنْبِيائِهِ، ونَبَّهَ بِذَلِكَ عَلى عِظَمِ شَأْنِهِ ومِلْكِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (والسَّماءَ)، بِالنَّصْبِ عَلى الِاشْتِغالِ، رُوعِيَ مُشاكَلَةُ الجُمْلَةِ الَّتِي تَلِيهِ وهي ﴿يَسْجُدانِ﴾ [الرحمن: ٦] . وقَرَأ أبُو السَّمّالِ: والسَّماءُ بِالرَّفْعِ، راعى مُشاكَلَةَ الجُمْلَةِ الِابْتِدائِيَّةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ووَضَعَ المِيزانَ﴾، فِعْلًا ماضِيًا ناصِبًا المِيزانَ، أيْ أقَرَّهُ وأثْبَتَهُ. وقَرَأ إبْراهِيمُ: ووَضْعِ المِيزانِ، بِالخَفْضِ وإسْكانِ الضّادِ. والظّاهِرُ أنَّهُ كُلُّ ما يُوزَنُ بِهِ الأشْياءُ وتُعْرَفُ مَقادِيرُها، وإنِ اخْتَلَفَتِ الآلاتُ، قالَ مَعْناهُ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وقَتادَةُ، جَعَلَهُ تَعالى حاكِمًا بِالسَّوِيَّةِ في الأخْذِ والإعْطاءِ. وقالَ مُجاهِدٌ والطَّبَرِيُّ والأكْثَرُونَ: المِيزانُ: العَدْلُ، وتَكُونُ الآلاتُ مِن بَعْضِ ما يَنْدَرِجُ في العَدْلِ. بَدَأ أوَّلًا بِالعِلْمِ، فَذَكَرَ ما فِيهِ أشْرَفُ أنْواعِ العُلُومِ وهو القُرْآنُ؛ ثُمَّ ذَكَرَ ما بِهِ التَّعْدِيلُ في الأُمُورِ، وهو المِيزانُ، كَقَوْلِهِ: ﴿وأنْزَلْنا مَعَهُمُ الكِتابَ والمِيزانَ﴾ [الحديد: ٢٥]، لِيُعَلِّمُوا الكِتابَ ويَفْعَلُوا ما يَأْمُرُهم بِهِ الكِتابُ. (أنْ لا تَطْغَوْا في المِيزانِ): أيْ لِأنْ لا تَطْغَوْا، فَتَطْغَوْا مَنصُوبٌ بِأنْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ هي ”أنِ“ المُفَسِّرَةُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ أنْ مُفَسِّرَةً، فَيَكُونُ تَطْغَوْا جَزْمًا بِالنَّهْيِ. انْتَهى، ولا يَجُوزُ ما قالاهُ مِن أنَّ أنْ مُفَسِّرَةٌ، لِأنَّهُ فاتَ أحَدُ شَرْطَيْها، وهو أنْ يَكُونَ ما قَبْلَها جُمْلَةً فِيها مَعْنى القَوْلِ.
﴿ووَضَعَ المِيزانَ﴾ جُمْلَةٌ لَيْسَ فِيها مَعْنى القَوْلِ. والطُّغْيانُ في المِيزانِ هو أنْ يَكُونَ بِالتَّعَمُّدِ، وأمّا ما لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنَ التَّحْرِيرِ بِالمِيزانِ فَمَعْفُوٌّ عَنْهُ.
ولَمّا كانَتِ التَّسْوِيَةُ مَطْلُوبَةً جِدًّا، أمَرَ اللَّهُ تَعالى فَقالَ: ﴿وأقِيمُوا الوَزْنَ﴾ . وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ولا تُخْسِرُوا﴾، مِن أخْسَرَ: أيْ أفْسَدَ ونَقَصَ، كَقَوْلِهِ: ﴿وإذا كالُوهم أوْ وزَنُوهم يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين: ٣]؛ أيْ يَنْقُصُونَ. وبِلالُ بْنُ أبِي بُرْدَةَ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: تَخْسَرُ بِفَتْحِ التّاءِ، يُقالُ: خَسِرَ يَخْسَرُ، وأخْسَرَ يُخْسِرُ بِمَعْنًى واحِدٍ، كَجَبَرَ وأجْبَرَ. وحَكى ابْنُ جِنِّي وصاحِبُ اللَّوامِحِ، عَنْ بِلالٍ فَتْحَ التّاءِ والسِّينِ مُضارِعُ خَسِرَ بِكَسْرِ السِّينِ، وخَرَّجَها الزَّمَخْشَرِيُّ عَلى أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: في المِيزانِ، فَحَذَفَ الجارَّ ونَصَبَ، ولا يُحْتاجُ إلى هَذا التَّخْرِيجِ. ألا تَرى أنَّ خَسِرَ جاءَ مُتَعَدِّيًا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٢]، و﴿خَسِرَ الدُّنْيا والآخِرَةَ﴾ [الحج: ١١] ؟ وقُرِئَ أيْضًا: تَخْسُرُوا، بِفَتْحِ التّاءِ وضَمِّ السِّينِ. لِما مُنِعَ مِنَ الزِّيادَةِ، وهي الطُّغْيانُ، نَهى عَنِ الخُسْرانِ الَّذِي هو نُقْصانٌ، وكَرَّرَ لَفْظَ المِيزانِ، تَشْدِيدًا لِلتَّوْصِيَةِ بِهِ وتَقْوِيَةً لِلْأمْرِ بِاسْتِعْمالِهِ والحَثِّ عَلَيْهِ.
ولَمّا ذَكَرَ السَّماءَ، ذَكَرَ مُقابِلَتَها فَقالَ: ﴿والأرْضَ وضَعَها لِلْأنامِ﴾: أيْ خَفَضَها (p-١٩٠)مَدْحُوَّةً عَلى الماءِ لِيُنْتَفَعَ بِها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”والأرْضَ“ بِالنَّصْبِ؛ وأبُو السَّمّالِ: بِالرَّفْعِ: ”والأنامُ“، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بَنُو آدَمَ فَقَطْ. وقالَ أيْضًا هو وقَتادَةُ وابْنُ زَيْدٍ والشَّعْبِيُّ: الحَيَوانُ كُلُّهُ. وقالَ الحَسَنُ: الثَّقَلانِ الجِنُّ والإنْسُ.
﴿فِيها فاكِهَةٌ﴾: ضُرُوبٌ مِمّا يُتَفَكَّهُ بِهِ. وبَدَأ بِقَوْلِهِ: ﴿فاكِهَةٌ﴾، إذْ هو مِن بابِ الِابْتِداءِ بِالأدْنى والتَّرَقِّي إلى الأعْلى، ونَكَّرَ لَفْظَها، لِأنَّ الِانْتِفاعَ بِها دُونَ الِانْتِفاعِ بِما يُذْكَرُ بَعْدَها. ثُمَّ ثَنّى بِالنَّخْلِ، فَذَكَرَ الأصْلَ ولَمْ يَذْكُرْ ثَمَرَتَها، وهو الثَّمَرُ لِكَثْرَةِ الِانْتِفاعِ بِها مِن لِيفٍ وسَعَفٍ وجَرِيدٍ وجُذُوعٍ وجُمّارٍ وثَمَرٍ. ثُمَّ أتى ثالِثًا بِالحَبِّ الَّذِي هو قِوامُ عَيْشِ الإنْسانِ في أكْثَرِ الأقالِيمِ، وهو البُرُّ والشَّعِيرُ وكُلُّ ما لَهُ سُنْبُلٌ وأوْراقٌ مُتَشَعِّبَةٌ عَلى ساقِهِ، ووَصَفَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ذُو العَصْفِ﴾ تَنْبِيهًا عَلى إنْعامِهِ عَلَيْهِمْ بِما يَقُوتُهم مِنَ الحَبِّ، ويَقُوتُ بَهائِمَهم مِن ورَقِهِ الَّذِي هو التِّبْنُ. وبَدَأ بِالفاكِهَةِ وخَتَمَ بِالمَشْمُومِ، وبَيْنَهُما النَّخْلُ والحَبُّ، لِيَحْصُلَ ما بِهِ يُتَفَكَّهُ، وما بِهِ يُتَقَوَّتُ، وما بِهِ تَقَعُ اللَّذاذَةُ مِنَ الرّائِحَةِ الطَّيِّبَةِ. وذَكَرَ النَّخْلَ بِاسْمِها والفاكِهَةَ دُونَ شَجَرِها، لِعِظَمِ المَنفَعَةِ بِالنَّخْلِ مِن جِهاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ، وشَجَرَةُ الفاكِهَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى ثَمَرَتِها حَقِيرَةٌ، فَنَصَّ عَلى ما يَعْظُمُ بِهِ الِانْتِفاعُ مِن شَجَرَةِ النَّخْلِ ومِنَ الفاكِهَةِ دُونَ شَجَرَتِها.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿والحَبُّ ذُو العَصْفِ والرَّيْحانُ﴾، بِرَفْعِ الثَّلاثَةِ عَطْفًا عَلى المَرْفُوعِ قَبْلَهُ؛ وابْنُ عامِرٍ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِنَصْبِ الثَّلاثَةِ، أيْ وخَلَقَ الحَبَّ. وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ ﴿والرَّيْحانُ﴾ حالَةَ الرَّفْعِ وحالَةَ النَّصْبِ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ وذُو الرَّيْحانِ حَذَفَ المُضافَ وأقامَ المُضافَ إلَيْهِ مَقامَهُ؛ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ والأصْمَعِيُّ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: والرَّيْحانُ بِالجَرِّ، والمَعْنى: والحَبُّ ذُو العَصْفِ الَّذِي هو عَلَفُ البَهائِمِ، والرَّيْحانُ الَّذِي هو مَطْعَمُ النّاسِ، ويَبْعُدُ دُخُولُ المَشْمُومِ في قِراءَةِ الجَرِّ، ورَيْحانُ مِن ذَواتِ الواوِ. وأجازَ أبُو عَلِيٍّ أنْ يَكُونَ اسْمًا، ووُضِعَ مَوْضِعَ المَصْدَرِ، وأنْ يَكُونَ مَصْدَرًا عَلى وزْنِ فَعْلانَ كاللَّبّانِ. وأُبْدِلَتِ الواوُ ياءً، كَما أبْدَلُوا الياءَ واوًا في أشاوى، أوْ مَصْدَرًا شاذًّا في المُعْتَلِّ، كَما شَذَّ كَبَنُونَةٍ وبَيْنُونَةٍ، فَأصْلُهُ رَيْوِحانُ، قُلِبَتِ الواوُ ياءً وأُدْغِمَتْ في الياءِ فَصارَ رَيِّحانَ، ثُمَّ حُذِفَتْ عَيْنُ الكَلِمَةِ، كَما قالُوا: مَيْتٌ وهَيْنٌ.
ولَمّا عَدَّدَ تَعالى نِعَمَهُ، خاطَبَ الثَّقَلَيْنِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٣٢]، أيْ أنَّ نِعَمَهُ كَثِيرَةٌ لا تُحْصى، فَبِأيِّها تُكَذِّبانِ ؟ أيْ مَن هَذِهِ نِعَمُهُ لا يُمْكِنُ أنْ يُكَذَّبَ بِها. وكانَ هَذا الخِطابُ لِلثَّقَلَيْنِ، لِأنَّهُما داخِلانِ في الأنامِ عَلى أصَحِّ الأقْوالِ. ولِقَوْلِهِ: ﴿خَلَقَ الإنْسانَ﴾، و﴿وخَلَقَ الجانَّ﴾؛ ولِقَوْلِهِ: ﴿سَنَفْرُغُ لَكم أيُّها الثَّقَلانِ﴾ [الرحمن: ٣١]، وقَدْ أبْعَدَ مَن جَعَلَهُ خِطابًا لِلذَّكَرِ والأُنْثى مِن بَنِي آدَمَ. وأبْعَدُ مِن هَذا قَوْلُ مَن قالَ: إنَّهُ خِطابٌ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ: ﴿ألْقِيا في جَهَنَّمَ﴾ [ق: ٢٤]، ويا حَرَسِي اضْرِبا عُنُقَهُ، يَعْنِي أنَّهُ خِطابٌ لِلْواحِدِ بِصُورَةِ الِاثْنَيْنِ، فَبِأيِّ مُنَوَّنًا في جَمِيعِ السُّورَةِ، كَأنَّهُ حُذِفَ مِنهُ المُضافُ إلَيْهِ وأُبْدِلَ مِنهُ (آلاءِ رَبِّكُما) بَدَلَ مَعْرِفَةٍ مِن نَكِرَةٍ، وآلاءُ تَقَدَّمَ في الأعْرافِ أنَّها النِّعَمُ، واحِدُها إلْيٌ وألًا وإلًى وألْيٌ.
﴿خَلَقَ الإنْسانَ﴾: لَمّا ذَكَرَ العالَمَ الأكْبَرَ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ وما أوْجَدَ فِيها مِنَ النِّعَمِ، ذَكَرَ مَبْدَأ مَن خُلِقَتْ لَهُ هَذِهِ النِّعَمُ، والإنْسانُ هو آدَمُ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ. وقِيلَ: لِلْجِنْسِ، وساغَ ذَلِكَ لِأنَّ أباهم مَخْلُوقٌ مِنَ الصَّلْصالِ. وإذا أُرِيدَ بِالإنْسانِ آدَمُ، فَقَدْ جاءَتْ غاياتٌ لَهُ مُخْتَلِفَةٌ، وذَلِكَ بِتَنَقُّلِ أصْلِهِ؛ فَكانَ أوَّلًا تُرابًا، ثُمَّ طِينًا، ثُمَّ حَمَأً مَسْنُونًا، ثُمَّ صَلْصالًا، فَناسَبَ أنْ يُنْسَبَ خَلْقُهُ لِكُلِّ واحِدٍ مِنها. والجانُّ هو أبُو الجِنِّ، وهو إبْلِيسُ، قالَهُ الحَسَنُ. وقالَ مُجاهِدٌ: هو أبُو الجِنِّ، ولَيْسَ بِإبْلِيسَ. وقِيلَ: الجانُّ اسْمُ جِنْسٍ، والمارِجُ: ما اخْتَلَطَ مِن أصْفَرَ وأحْمَرَ وأخْضَرَ، أوِ اللَّهَبُ، أوِ الخالِصُ، أوِ الحُمْرَةُ في طَرَفِ النّارِ، أوِ المُخْتَلِطُ بِسَوادٍ، أوِ المُضْطَرِبُ بِلا دُخانٍ، أقْوالٌ، (ومِن) الأُولى لِابْتِداءِ الغايَةِ، والثّانِيَةُ في (مِن نارٍ) لِلتَّبْعِيضِ. وقِيلَ لِلْبَيانِ، والتَّكْرارُ في هَذِهِ الفَواصِلِ: لِلتَّأْكِيدِ والتَّنْبِيهِ والتَّحْرِيكِ، وهي مَوْجُودَةٌ في مَواضِعَ مِنَ القُرْآنِ. وذَهَبَ قَوْمٌ مِنهُمُ ابْنُ قُتَيْبَةَ إلى أنَّ هَذا التَّكْرارَ إنَّما هو لِاخْتِلافِ النِّعَمِ، فَكَرَّرَ (p-١٩١)التَّوْقِيفَ في كُلِّ واحِدٍ مِنها.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: (رَبُّ)، و(رَبُّ) بِالرَّفْعِ، أيْ هو رَبٌّ؛ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِالخَفْضِ بَدَلًا مِن رَبِّكُما، وثَنّى المُضافَ إلَيْهِ لِأنَّهُما مَشْرِقا الصَّيْفِ والشِّتاءِ ومَغْرِباهُما، قالَهُ مُجاهِدٌ. وقِيلَ: مَشْرِقا الشَّمْسِ والقَمَرِ ومَغْرِباهُما. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: لِلشَّمْسِ مَشْرِقٌ في الصَّيْفِ مُصْعِدٌ، ومَشْرِقٌ في الشِّتاءِ مُنْحَدِرٌ، تَنْتَقِلُ فِيهِما مُصْعِدَةً ومُنْحَدِرَةً. انْتَهى. فالمَشْرِقانِ والمَغْرِبانِ لِلشَّمْسِ. وقِيلَ: المَشْرِقانِ: مَطْلَعُ الفَجْرِ ومَطْلَعُ الشَّمْسِ، والمَغْرِبانِ مَغْرِبُ الشَّفَقِ ومَغْرِبُ الشَّمْسِ. ولِسَهْلٍ التُّسْتَرِيِّ كَلامٌ في المَشْرِقَيْنِ والمَغْرِبَيْنِ شَبِيهٌ بِكَلامِ الباطِنِيَّةِ المُحَرِّفِينَ مَدْلُولَ كَلامِ اللَّهِ، ضَرَبْنا عَنْ ذِكْرِهِ صَفْحًا. وكَذَلِكَ ما وقَفْنا عَلَيْهِ مِن كَلامِ الغُلاةِ الَّذِينَ يُنْسَبُونَ لِلصُّوفِيَّةِ، لِأنّا لا نَسْتَحِلُّ نَقْلَ شَيْءٍ مِنهُ. وقَدْ أوْلَغَ صاحِبُ كِتابِ التَّحْرِيرِ والتَّحْبِيرِ بِحَسْبِ ما قالَهُ هَؤُلاءِ الغُلاةُ في كُلِّ آيَةٍ آيَةٍ، ويُسَمِّي ذَلِكَ الحَقائِقَ، وأرْبابُ القُلُوبِ وما ادَّعَوْا فَهْمَهُ في القُرْآنِ فَأوْغَلُوا فِيهِ لَمْ يَفْهَمْهُ عَرَبِيٌّ قَطُّ، ولا أرادَهُ اللَّهُ تَعالى بِتِلْكَ الألْفاظِ، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِن ذَلِكَ.
﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ذَلِكَ في الفُرْقانِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وذَكَرَ الثَّعْلَبِيُّ في ﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ﴾ ألْغازًا وأقْوالًا باطِنَةً لا يُلْتَفَتُ إلى شَيْءٍ مِنها. انْتَهى، والظّاهِرُ التِقاؤُهُما، أيْ يَتَجاوَرانِ، فَلا فَصْلَ بَيْنَ الماءَيْنِ في رُؤْيَةِ العَيْنِ. وقِيلَ: يَلْتَقِيانِ في كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً. وقِيلَ: مُعَدّانِ لِلِالتِقاءِ، فَحَقُّهُما أنْ يَلْتَقِيا لَوْلا البَرْزَخُ بَيْنَهُما.
﴿بَرْزَخٌ﴾: أيْ حاجِزٌ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، ﴿لا يَبْغِيانِ﴾: لا يَتَجاوَزانِ حَدَّهُما، ولا يَبْغِي أحَدُهُما عَلى الآخَرِ بِالمُمازَجَةِ. وقِيلَ: البَرْزَخُ: أجْرامُ الأرْضِ، قالَهُ قَتادَةُ؛ وقِيلَ: لا يَبْغِيانِ: أيْ عَلى النّاسِ والعُمْرانِ، وعَلى هَذا والَّذِي قَبْلَهُ يَكُونُ مِنَ البَغْيِ. وقِيلَ: هو مِن بَغى، أيْ طَلَبَ، فالمَعْنى: لا يَبْغِيانِ حالًا غَيْرَ الحالِ الَّتِي خُلِقا عَلَيْها وسُخِّرا لَها. وقِيلَ: ماءُ الأنْهارِ لا يَخْتَلِطُ بِالماءِ المِلْحِ، بَلْ هو بِذاتِهِ باقٍ فِيهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والعِيانُ لا يَقْتَضِيهِ. انْتَهى، يَعْنِي أنَّهُ يُشاهِدُ الماءَ العَذْبَ يَخْتَلِطُ بِالمِلْحِ فَيَبْقى كُلُّهُ مِلْحًا، وقَدْ يُقالُ: إنَّهُ بِالِاخْتِلاطِ تَتَغَيَّرُ أجْرامُ العَذْبِ حَتّى لا تَظْهَرَ، فَإذا ذاقَ الإنْسانُ مِنَ المِلْحِ المُنْبَثِّ فِيهِ تِلْكَ الأجْزاءُ الدَّقِيقَةُ لَمْ يُحِسَّ إلّا المُلُوحَةَ، والمَعْقُولُ يَشْهَدُ بِذَلِكَ، لِأنَّ تَداخُلَ الأجْسامِ غَيْرُ مُمْكِنٍ، لَكِنَّ التَّفَرُّقَ والِالتِقاءَ مُمْكِنٌ. وأنْشَدَ القاضِي مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ البَلُّوطِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى:
؎ومَمْزُوجَةُ الأمْواهِ لا العَذْبُ غالِبٌ عَلى المِلْحِ طِيبًا لا ولا المِلْحُ يَعْذُبُ
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿يَخْرُجُ﴾ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ؛ ونافِعٌ وأبُو عَمْرٍو وأهْلُ المَدِينَةِ: مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ؛ والجُعْفِيٌّ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِالياءِ مَضْمُومَةً وكَسْرِ الرّاءِ، أيْ يُخْرِجُ اللَّهُ؛ وعَنْهُ وعَنْ أبِي عَمْرٍو، وعَنِ ابْنِ مِقْسَمٍ: بِالنُّونِ. واللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ نُصِبَ في هاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ. والظّاهِرُ في (مِنهُما) أنَّ ذَلِكَ يَخْرُجُ مِنَ المِلْحِ والعَذْبِ. وقالَ بِذَلِكَ قَوْمٌ، حَكاهُ الأخْفَشُ. ورَدَّ النّاسُ هَذا القَوْلَ، قالُوا: والحِسُّ يُخالِفُهُ، إذْ لا يَخْرُجُ إلّا مِنَ المِلْحِ، وعابُوا قَوْلَ الشّاعِرِ:
؎فَجاءَ بِها ما شِئْتَ مِن لَطِيمَةٍ ∗∗∗ عَلى وجْهِها ماءُ الفُراتِ يَمُوجُ
وقالَ الجُمْهُورُ: إنَّما يَخْرُجُ مِنَ الأُجاجِ في المَواضِعِ الَّتِي تَقَعُ فِيها الأنْهارُ والمِياهُ العَذْبَةُ، فَناسَبَ إسْنادَ ذَلِكَ إلَيْهِما، وهَذا مَشْهُورٌ عِنْدَ الغَوّاصِينَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ: تَكُونُ هَذِهِ الأشْياءُ في البَحْرِ بِنُزُولِ المَطَرِ، لِأنَّ الصَّدَفَ وغَيْرَها تَفْتَحُ أفْواهَها لِلْمَطَرِ، فَلِذَلِكَ قالَ (مِنهُما) . وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: إنَّما يَخْرُجُ مِنَ المِلْحِ، لَكِنَّهُ قالَ (مِنهُما) تَجَوُّزًا. وقالَ الرُّمّانِيُّ: العَذْبُ فِيها كاللِّقاحِ لِلْمِلْحِ، فَهو كَما يُقالُ؛ الوَلَدُ يَخْرُجُ مِنَ الذَّكَرِ والأُنْثى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ، وتَبِعَ الزَّجّاجَ مِن حَيْثُ هُما نَوْعٌ واحِدٌ، فَخُرُوجُ هَذِهِ الأشْياءِ إنَّما هي مِنهُما، وإنْ كانَتْ تَخْتَصُّ عِنْدَ التَّفْصِيلِ المَبالَغِ بِأحَدِهِما، كَما قالَ: ﴿سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا﴾ [نوح: ١٥] ﴿وجَعَلَ القَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾ [نوح: ١٦]، (p-١٩٢)وإنَّما هو في إحْداهُنَّ، وهي الدُّنْيا إلى الأرْضِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ نَحْوًا مِن قَوْلِ ابْنِ عَطِيَّةَ، قالَ: فَإنْ قُلْتَ: لِمَ قالَ (مِنهُما)، وإنَّما يَخْرُجانِ مِنَ المِلْحِ قُلْتُ: لَمّا التَقَيا وصارا كالشَّيْءِ الواحِدِ، جازَ أنْ يُقالَ: يَخْرُجانِ مِنهُما، كَما يُقالُ: يَخْرُجانِ مِنَ البَحْرِ، ولا يَخْرُجانِ مِن جَمِيعِ البَحْرِ، ولَكِنْ مِن بَعْضِهِ. وتَقُولُ: خَرَجْتُ مِنَ البَلَدِ، وإنَّما خَرَجْتَ مِن مَحَلَّةٍ مِن مَحالِّهِ، بَلْ مِن دارٍ واحِدَةٍ مِن دُورِهِ. وقِيلَ: لا يَخْرُجانِ إلّا مِن مُلْتَقى المِلْحِ والعَذْبِ. انْتَهى. وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: هَذا مِن بابِ حَذْفِ المُضافِ، والتَّقْدِيرُ: يَخْرُجُ مِن أحَدِهِما، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١]: أيْ مِن إحْدى القَرْيَتَيْنِ. وقِيلَ: هُما بَحْرانِ، يَخْرُجُ مِن أحَدِهِما اللُّؤْلُؤُ ومِنَ الآخَرِ المَرْجانُ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: كَلامُ اللَّهِ تَعالى أوْلى بِالِاعْتِبارِ مِن كَلامِ بَعْضِ النّاسِ ومَن أعْلَمَ أنَّ اللُّؤْلُؤَ لا يَخْرُجُ مِنَ الماءِ العَذْبِ ؟، وهَبْ أنَّ الغَوّاصِينَ ما أخْرَجُوهُ إلّا مِنَ المالِحِ. ولَكِنْ لِمَ قُلْتُمْ إنَّ الصَّدَفَ لا يَخْرُجُ بِأمْرِ اللَّهِ مِنَ الماءِ العَذْبِ إلى الماءِ المِلْحِ وكَيْفَ يُمْكِنُ الجَزْمُ بِهِ والأُمُورُ الأرْضِيَّةُ الظّاهِرَةُ خَفِيَتْ عَنِ التُّجّارِ الَّذِينَ قَطَعُوا المَفاوِزَ ودارُوا البِلادَ، فَكَيْفَ لا يَخْفى أمْرٌ ما في قَعْرِ البَحْرِ عَلَيْهِمْ ؟ واللُّؤْلُؤُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ وقَتادَةُ: كِبارُ الجَوْهَرِ. والمَرْجانُ صِغارُهُ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا وعَلِيٍّ ومُرَّةَ الهَمْدانِيِّ عَكْسُ هَذا. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ وأبُو مالِكٍ: المَرْجانُ: الحَجَرُ الأحْمَرُ. وقالَ الزَّجّاجُ: حَجَرٌ شَدِيدُ البَياضِ. وحَكى القاضِي أبُو يَعْلى أنَّهُ ضَرْبٌ مِنَ اللُّؤْلُؤِ، كالقُضْبانِ، والمَرْجانُ: اسْمٌ أعْجَمِيٌّ مُعَرَّبٌ. قالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: لَمْ أسْمَعْ فِيهِ نَقْلَ مُتَصَرِّفٍ، وقالَ الأعْشى:
؎مِن كُلِّ مَرْجانَةٍ في البَحْرِ أحْرَزَها ∗∗∗ تَيّارُها ووَقاها طِينَها الصَّدَفُ
قِيلَ: أرادَ اللُّؤْلُؤَةَ الكَبِيرَةَ. وقَرَأ طَلْحَةُ: اللُّؤْلِي بِكَسْرِ اللّامِ الثّالِثَةِ، وهي لُغَةٌ. وعَبَدُ الوَلِيِّ: تُقْلَبُ الهَمْزَةُ المُتَطَرِّفَةُ ياءً ساكِنَةً بَعْدَ كَسْرَةِ ما قَبْلَها، وهي لُغَةٌ، قالَهُ أبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ.
﴿ولَهُ الجَوارِي﴾: خَصَّ تَعالى الجَوارِيَ بِأنَّها لَهُ، وهو تَعالى لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما فِيهِنَّ، لِأنَّهم لَمّا كانُوا هم مُنْشِئِيها، أسْنَدَها تَعالى إلَيْهِ، إذْ كانَ تَمامُ مَنفَعَتِها إنَّما هو مِنهُ تَعالى، فَهو في الحَقِيقَةِ مالِكُها. والجَوارِي: السُّفُنُ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ والحَسَنُ وعَبْدُ الوارِثِ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِضَمِّ الرّاءِ، كَما قالُوا في شاكٍ شاكٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ؛ ﴿المُنْشَآتُ﴾ بِفَتْحِ الشِّينِ، اسْمَ مَفْعُولٍ: أيْ أنْشَأها اللَّهُ، أوِ النّاسُ، أوِ المَرْفُوعاتُ الشِّراعِ. وقالَ مُجاهِدٌ: ما لَهُ شِراعٌ مِنَ المُنْشَآتِ، وما لَمْ يُرْفَعْ لَهُ شِراعٌ، فَلَيْسَ مِنَ المُنْشَآتِ. والشِّراعُ: القَلْعُ. والأعْمَشُ وحَمْزَةُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وطَلْحَةُ وأبُو بَكْرٍ: بِخِلافٍ عَنْهُ، بِكَسْرِ الشِّينِ: أيِ الرّافِعاتُ الشِّراعِ، أوِ اللّاتِي يُنْشِئْنَ الأمْواجَ بِجَرْيِهِنَّ، أوِ الَّتِي تُنْشِئُ السَّفَرَ إقْبالًا وإدْبارًا. وشَدَّدَ الشِّينَ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ والحَسَنُ المُنَشَّأةُ، وحَدَّ الصِّفَةَ، ودَلَّ عَلى الجَمْعِ المَوْصُوفِ، كَقَوْلِهِ: ﴿أزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ [البقرة: ٢٥]، وقَلَبَ الهَمْزَةَ ألِفًا عَلى حَدِّ قَوْلِهِ:
؎إنَّ السِّباعَ لَتَهْدا في مَرابِضِها
يُرِيدُ: لَتَهْدَأُ، التّاءُ لِتَأْنِيثِ الصِّفَةِ، كُتِبَتْ تاءً عَلى لَفْظِها في الوَصْلِ.
﴿كالأعْلامِ﴾: أيْ كالجِبالِ والآكامِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى كِبَرِ السُّفُنِ حَيْثُ شَبَّهَها بِالجِبالِ، وإنْ كانَتِ المُنْشَآتُ تَنْطَلِقُ عَلى السَّفِينَةِ الكَبِيرَةِ والصَّغِيرَةِ. وعَبَّرَ بِمَن في قَوْلِهِ: ﴿كُلُّ مَن عَلَيْها﴾ تَغْلِيبًا لِمَن يَعْقِلُ، والضَّمِيرُ في (عَلَيْها) قَلِيلٌ عائِدٌ عَلى الأرْضِ في قَوْلِهِ: ﴿والأرْضَ وضَعَها لِلْأنامِ﴾، فَعادَ الضَّمِيرُ عَلَيْها، وإنْ كانَ بَعْدَ لَفْظِها. والفَناءُ عِبارَةٌ عَنْ إعْدامِ جَمِيعِ المَوْجُوداتِ مِن حَيَوانٍ وغَيْرِهِ، والوَجْهُ يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ حَقِيقَةِ الشَّيْءِ، والجارِحَةُ مُنْتَفِيَةٌ عَنِ اللَّهِ تَعالى، ونَحْوَ ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا وجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] . وتَقُولُ صَعالِيكُ مَكَّةَ: أيْنَ وجْهُ عَرَبِيٍّ كَرِيمٍ يَجُودُ عَلَيَّ ؟ وقَرَأ الجُمْهُورُ: ذُو بِالواوِ، وصِفَةً لِلْوَجْهِ. وأُبَيُّ وعَبْدُ اللَّهِ: ذِي بِالياءِ، صِفَةً لِلرَّبِّ. والظّاهِرُ أنَّ الخِطابَ في قَوْلِهِ: ﴿وجْهُ رَبِّكَ﴾ لِلرَّسُولِ، وفِيهِ تَشْرِيفٌ عَظِيمٌ لَهُ، ﷺ . وقِيلَ: (p-١٩٣)الخِطابُ لِكُلِّ سامِعٍ. ومَعْنى ﴿ذُو الجَلالِ﴾: الَّذِي يُجِلُّهُ المُوَحِّدُونَ عَنِ التَّشْبِيهِ بِخَلْقِهِ وعَنْ أفْعالِهِمْ، أوِ الَّذِي يُتَعَجَّبُ مِن جَلالِهِ، أوِ الَّذِي عِنْدَهُ الجَلالُ والإكْرامُ لِلْمُخْلِصِينَ مِن عِبادِهِ.
﴿يَسْألُهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾: أيْ حَوائِجَهم، وهو ما يَتَعَلَّقُ بِمَن في السَّماواتِ مِن أمْرِ الدِّينِ وما اسْتُعْبِدُوا بِهِ، ومَن في الأرْضِ مِن أمْرِ دِينِهِمْ ودُنْياهم. وقالَ أبُو صالِحٍ: مَن في السَّماواتِ الرَّحْمَةَ ومَن في الأرْضِ المَغْفِرَةَ والرِّزْقَ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: المَلائِكَةُ الرِّزْقَ لِأهْلِ الأرْضِ والمَغْفِرَةَ، وأهْلُ الأرْضِ يَسْألُونَهُما جَمِيعًا. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: يَسْألُهُ اسْتِئْنافُ إخْبارٍ. وقِيلَ: حالٌ مِنَ الوَجْهِ، والعامِلُ فِيهِ يَبْقى، أيْ هو دائِمٌ في هَذِهِ الحالِ. انْتَهى، وفِيهِ بُعْدٌ. ومَن لا يَسْألُ، فَحالُهُ تَقْتَضِي السُّؤالَ، فَيَصِحُّ إسْنادُ السُّؤالِ إلى الجَمِيعِ بِاعْتِبارِ القَدْرِ المُشْتَرَكِ، وهو الِافْتِقارُ إلَيْهِ تَعالى.
﴿كُلَّ يَوْمٍ﴾: أيْ كُلَّ ساعَةٍ ولَحْظَةٍ، وذَكَرَ اليَوْمَ لِأنَّ السّاعاتِ واللَّحَظاتِ في ضِمْنِهِ.
﴿هُوَ في شَأْنٍ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: في شَأْنٍ يُمْضِيهِ مِنَ الخَلْقِ والرِّزْقِ والإحْياءِ والإماتَةِ. وقالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: يُجِيبُ داعِيًا، ويَفُكُّ عانِيًا، ويَتُوبُ عَلى قَوْمٍ، ويَغْفِرُ لِقَوْمٍ. وقالَ سُوَيْدُ بْنُ غَفْلَةَ: يُعْتِقُ رِقابًا، ويُعْطِي رَغامًا ويُقْحِمُ عِقابًا. وقالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: الدَّهْرُ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمانِ، أحَدُهُما اليَوْمُ الَّذِي هو مُدَّةُ الدُّنْيا، فَشَأْنُهُ فِيهِ الأمْرُ والنَّهْيُ والإماتَةُ والإحْياءُ؛ والثّانِي الَّذِي هو يَوْمُ القِيامَةِ، فَشَأْنُهُ فِيهِ الجَزاءُ والحِسابُ. وعَنْ مُقاتِلٍ: نَزَلَتْ في اليَهُودِ، فَقالُوا: إنَّ اللَّهَ لا يَقْضِي يَوْمَ السَّبْتِ شَيْئًا. وقالَ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ، وقَدْ سَألَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طاهِرٍ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هو في شَأْنٍ﴾: وقَدْ صَحَّ أنَّ القَلَمَ جَفَّ بِما هو كائِنٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ فَقالَ: شُئُونٌ يُبْدِيها، لا شُئُونٌ يَبْتَدِيها. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: هو في يَوْمِ الدُّنْيا في الِابْتِلاءِ، وفي يَوْمِ القِيامَةِ في الجَزاءِ. وانْتَصَبَ ﴿كُلَّ يَوْمٍ﴾ عَلى الظَّرْفِ، والعامِلُ فِيهِ العامِلُ في قَوْلِهِ: ﴿فِي شَأْنٍ﴾، وهو مُسْتَقِرٌّ المَحْذُوفُ، نَحْوَ: يَوْمَ الجُمُعَةِ زَيْدٌ قائِمٌ.
الرحمن 55:16
ولَمّا ذَكَرَ تَعالى ما أنْعَمَ بِهِ مِن مَنفَعَةِ الشَّمْسِ والقَمَرِ، وكانَ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ العُلْوِيَّةِ، ذَكَرَ في مُقابَلَتِهِما مِنَ الآثارِ السُّفْلِيَّةِ النَّجْمَ والشَّجَرَ، إذْ كانا رِزْقًا لِلْإنْسانِ، وأخْبَرَ أنَّهُما جارِيانِ عَلى ما أرادَ اللَّهُ بِهِما، مِن تَسْخِيرِهِما وكَيْنُونَتِهِما عَلى ما اقْتَضَتْهُ حِكْمَتُهُ تَعالى. ولَمّا ذَكَرَ ما بِهِ حَياةُ الأرْواحِ مِن تَعْلِيمِ القُرْآنِ، ذَكَرَ ما بِهِ حَياةُ الأشْباحِ مِنَ النَّباتِ الَّذِي لَهُ ساقٌ، وكانَ تَقْدِيمُ النَّجْمِ، وهو ما لا ساقَ لَهُ، لِأنَّهُ أصْلُ القُوتِ، والَّذِي لَهُ ساقٌ ثَمَرُهُ يُتَفَكَّهُ بِهِ غالِبًا. والظّاهِرُ أنَّ النَّجْمَ هو الَّذِي شَرَحْناهُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ اقْتِرانُهُ بِالشَّجَرِ. وقالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ والحَسَنُ: النَّجْمُ: اسْمُ الجِنْسِ مِن نُجُومِ السَّماءِ. وسُجُودُهُما، قالَ مُجاهِدٌ والحَسَنُ: ذَلِكَ في النَّجْمِ بِالغُرُوبِ ونَحْوِهِ، وفي الشَّجَرِ بِالظِّلِّ واسْتِدارَتِهِ. وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: والسُّجُودُ تَجَوُّزٌ، وهو عِبارَةٌ عَنِ الخُضُوعِ والتَّذَلُّلِ. والجُمَلُ الأُوَلُ فِيها ضَمِيرٌ يَرْبُطُها بِالمُبْتَدَأِ، وأمّا في هاتَيْنِ الجُمْلَتَيْنِ فاكْتَفى بِالوَصْلِ المَعْنَوِيِّ عَنِ الوَصْلِ اللَّفْظِيِّ، إذْ مَعْلُومٌ أنَّ الحُسْبانَ هو حُسْبانُهُ، وأنَّ السُّجُودَ لَهُ لا لِغَيْرِهِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: بِحُسْبانِهِ ويَسْجُدانِ لَهُ. ولَمّا أُورِدَتْ هَذِهِ الجُمَلُ مَوْرِدَ تَعْدِيدِ النِّعَمِ رُدَّ الكَلامُ إلى العَطْفِ في وصْلِ ما يُناسِبُ وصْلَهُ، والتَّناسُبُ الَّذِي بَيْنَ هاتَيْنِ الجُمْلَتَيْنِ ظاهِرٌ، لِأنَّ الشَّمْسَ والقَمَرَ عُلْوِيّانِ، والنَّجْمُ والشَّجَرُ سُفْلِيّانِ.
﴿والسَّماءَ رَفَعَها﴾: أيْ خَلَقَها مَرْفُوعَةً، حَيْثُ جَعَلَها مَصْدَرَ قَضاياهُ ومَسْكَنَ مَلائِكَتِهِ الَّذِينَ يَنْزِلُونَ بِالوَحْيِ عَلى أنْبِيائِهِ، ونَبَّهَ بِذَلِكَ عَلى عِظَمِ شَأْنِهِ ومِلْكِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (والسَّماءَ)، بِالنَّصْبِ عَلى الِاشْتِغالِ، رُوعِيَ مُشاكَلَةُ الجُمْلَةِ الَّتِي تَلِيهِ وهي ﴿يَسْجُدانِ﴾ [الرحمن: ٦] . وقَرَأ أبُو السَّمّالِ: والسَّماءُ بِالرَّفْعِ، راعى مُشاكَلَةَ الجُمْلَةِ الِابْتِدائِيَّةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ووَضَعَ المِيزانَ﴾، فِعْلًا ماضِيًا ناصِبًا المِيزانَ، أيْ أقَرَّهُ وأثْبَتَهُ. وقَرَأ إبْراهِيمُ: ووَضْعِ المِيزانِ، بِالخَفْضِ وإسْكانِ الضّادِ. والظّاهِرُ أنَّهُ كُلُّ ما يُوزَنُ بِهِ الأشْياءُ وتُعْرَفُ مَقادِيرُها، وإنِ اخْتَلَفَتِ الآلاتُ، قالَ مَعْناهُ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وقَتادَةُ، جَعَلَهُ تَعالى حاكِمًا بِالسَّوِيَّةِ في الأخْذِ والإعْطاءِ. وقالَ مُجاهِدٌ والطَّبَرِيُّ والأكْثَرُونَ: المِيزانُ: العَدْلُ، وتَكُونُ الآلاتُ مِن بَعْضِ ما يَنْدَرِجُ في العَدْلِ. بَدَأ أوَّلًا بِالعِلْمِ، فَذَكَرَ ما فِيهِ أشْرَفُ أنْواعِ العُلُومِ وهو القُرْآنُ؛ ثُمَّ ذَكَرَ ما بِهِ التَّعْدِيلُ في الأُمُورِ، وهو المِيزانُ، كَقَوْلِهِ: ﴿وأنْزَلْنا مَعَهُمُ الكِتابَ والمِيزانَ﴾ [الحديد: ٢٥]، لِيُعَلِّمُوا الكِتابَ ويَفْعَلُوا ما يَأْمُرُهم بِهِ الكِتابُ. (أنْ لا تَطْغَوْا في المِيزانِ): أيْ لِأنْ لا تَطْغَوْا، فَتَطْغَوْا مَنصُوبٌ بِأنْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ هي ”أنِ“ المُفَسِّرَةُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ أنْ مُفَسِّرَةً، فَيَكُونُ تَطْغَوْا جَزْمًا بِالنَّهْيِ. انْتَهى، ولا يَجُوزُ ما قالاهُ مِن أنَّ أنْ مُفَسِّرَةٌ، لِأنَّهُ فاتَ أحَدُ شَرْطَيْها، وهو أنْ يَكُونَ ما قَبْلَها جُمْلَةً فِيها مَعْنى القَوْلِ.
﴿ووَضَعَ المِيزانَ﴾ جُمْلَةٌ لَيْسَ فِيها مَعْنى القَوْلِ. والطُّغْيانُ في المِيزانِ هو أنْ يَكُونَ بِالتَّعَمُّدِ، وأمّا ما لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنَ التَّحْرِيرِ بِالمِيزانِ فَمَعْفُوٌّ عَنْهُ.
ولَمّا كانَتِ التَّسْوِيَةُ مَطْلُوبَةً جِدًّا، أمَرَ اللَّهُ تَعالى فَقالَ: ﴿وأقِيمُوا الوَزْنَ﴾ . وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ولا تُخْسِرُوا﴾، مِن أخْسَرَ: أيْ أفْسَدَ ونَقَصَ، كَقَوْلِهِ: ﴿وإذا كالُوهم أوْ وزَنُوهم يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين: ٣]؛ أيْ يَنْقُصُونَ. وبِلالُ بْنُ أبِي بُرْدَةَ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: تَخْسَرُ بِفَتْحِ التّاءِ، يُقالُ: خَسِرَ يَخْسَرُ، وأخْسَرَ يُخْسِرُ بِمَعْنًى واحِدٍ، كَجَبَرَ وأجْبَرَ. وحَكى ابْنُ جِنِّي وصاحِبُ اللَّوامِحِ، عَنْ بِلالٍ فَتْحَ التّاءِ والسِّينِ مُضارِعُ خَسِرَ بِكَسْرِ السِّينِ، وخَرَّجَها الزَّمَخْشَرِيُّ عَلى أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: في المِيزانِ، فَحَذَفَ الجارَّ ونَصَبَ، ولا يُحْتاجُ إلى هَذا التَّخْرِيجِ. ألا تَرى أنَّ خَسِرَ جاءَ مُتَعَدِّيًا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٢]، و﴿خَسِرَ الدُّنْيا والآخِرَةَ﴾ [الحج: ١١] ؟ وقُرِئَ أيْضًا: تَخْسُرُوا، بِفَتْحِ التّاءِ وضَمِّ السِّينِ. لِما مُنِعَ مِنَ الزِّيادَةِ، وهي الطُّغْيانُ، نَهى عَنِ الخُسْرانِ الَّذِي هو نُقْصانٌ، وكَرَّرَ لَفْظَ المِيزانِ، تَشْدِيدًا لِلتَّوْصِيَةِ بِهِ وتَقْوِيَةً لِلْأمْرِ بِاسْتِعْمالِهِ والحَثِّ عَلَيْهِ.
ولَمّا ذَكَرَ السَّماءَ، ذَكَرَ مُقابِلَتَها فَقالَ: ﴿والأرْضَ وضَعَها لِلْأنامِ﴾: أيْ خَفَضَها (p-١٩٠)مَدْحُوَّةً عَلى الماءِ لِيُنْتَفَعَ بِها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”والأرْضَ“ بِالنَّصْبِ؛ وأبُو السَّمّالِ: بِالرَّفْعِ: ”والأنامُ“، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بَنُو آدَمَ فَقَطْ. وقالَ أيْضًا هو وقَتادَةُ وابْنُ زَيْدٍ والشَّعْبِيُّ: الحَيَوانُ كُلُّهُ. وقالَ الحَسَنُ: الثَّقَلانِ الجِنُّ والإنْسُ.
﴿فِيها فاكِهَةٌ﴾: ضُرُوبٌ مِمّا يُتَفَكَّهُ بِهِ. وبَدَأ بِقَوْلِهِ: ﴿فاكِهَةٌ﴾، إذْ هو مِن بابِ الِابْتِداءِ بِالأدْنى والتَّرَقِّي إلى الأعْلى، ونَكَّرَ لَفْظَها، لِأنَّ الِانْتِفاعَ بِها دُونَ الِانْتِفاعِ بِما يُذْكَرُ بَعْدَها. ثُمَّ ثَنّى بِالنَّخْلِ، فَذَكَرَ الأصْلَ ولَمْ يَذْكُرْ ثَمَرَتَها، وهو الثَّمَرُ لِكَثْرَةِ الِانْتِفاعِ بِها مِن لِيفٍ وسَعَفٍ وجَرِيدٍ وجُذُوعٍ وجُمّارٍ وثَمَرٍ. ثُمَّ أتى ثالِثًا بِالحَبِّ الَّذِي هو قِوامُ عَيْشِ الإنْسانِ في أكْثَرِ الأقالِيمِ، وهو البُرُّ والشَّعِيرُ وكُلُّ ما لَهُ سُنْبُلٌ وأوْراقٌ مُتَشَعِّبَةٌ عَلى ساقِهِ، ووَصَفَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ذُو العَصْفِ﴾ تَنْبِيهًا عَلى إنْعامِهِ عَلَيْهِمْ بِما يَقُوتُهم مِنَ الحَبِّ، ويَقُوتُ بَهائِمَهم مِن ورَقِهِ الَّذِي هو التِّبْنُ. وبَدَأ بِالفاكِهَةِ وخَتَمَ بِالمَشْمُومِ، وبَيْنَهُما النَّخْلُ والحَبُّ، لِيَحْصُلَ ما بِهِ يُتَفَكَّهُ، وما بِهِ يُتَقَوَّتُ، وما بِهِ تَقَعُ اللَّذاذَةُ مِنَ الرّائِحَةِ الطَّيِّبَةِ. وذَكَرَ النَّخْلَ بِاسْمِها والفاكِهَةَ دُونَ شَجَرِها، لِعِظَمِ المَنفَعَةِ بِالنَّخْلِ مِن جِهاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ، وشَجَرَةُ الفاكِهَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى ثَمَرَتِها حَقِيرَةٌ، فَنَصَّ عَلى ما يَعْظُمُ بِهِ الِانْتِفاعُ مِن شَجَرَةِ النَّخْلِ ومِنَ الفاكِهَةِ دُونَ شَجَرَتِها.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿والحَبُّ ذُو العَصْفِ والرَّيْحانُ﴾، بِرَفْعِ الثَّلاثَةِ عَطْفًا عَلى المَرْفُوعِ قَبْلَهُ؛ وابْنُ عامِرٍ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِنَصْبِ الثَّلاثَةِ، أيْ وخَلَقَ الحَبَّ. وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ ﴿والرَّيْحانُ﴾ حالَةَ الرَّفْعِ وحالَةَ النَّصْبِ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ وذُو الرَّيْحانِ حَذَفَ المُضافَ وأقامَ المُضافَ إلَيْهِ مَقامَهُ؛ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ والأصْمَعِيُّ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: والرَّيْحانُ بِالجَرِّ، والمَعْنى: والحَبُّ ذُو العَصْفِ الَّذِي هو عَلَفُ البَهائِمِ، والرَّيْحانُ الَّذِي هو مَطْعَمُ النّاسِ، ويَبْعُدُ دُخُولُ المَشْمُومِ في قِراءَةِ الجَرِّ، ورَيْحانُ مِن ذَواتِ الواوِ. وأجازَ أبُو عَلِيٍّ أنْ يَكُونَ اسْمًا، ووُضِعَ مَوْضِعَ المَصْدَرِ، وأنْ يَكُونَ مَصْدَرًا عَلى وزْنِ فَعْلانَ كاللَّبّانِ. وأُبْدِلَتِ الواوُ ياءً، كَما أبْدَلُوا الياءَ واوًا في أشاوى، أوْ مَصْدَرًا شاذًّا في المُعْتَلِّ، كَما شَذَّ كَبَنُونَةٍ وبَيْنُونَةٍ، فَأصْلُهُ رَيْوِحانُ، قُلِبَتِ الواوُ ياءً وأُدْغِمَتْ في الياءِ فَصارَ رَيِّحانَ، ثُمَّ حُذِفَتْ عَيْنُ الكَلِمَةِ، كَما قالُوا: مَيْتٌ وهَيْنٌ.
ولَمّا عَدَّدَ تَعالى نِعَمَهُ، خاطَبَ الثَّقَلَيْنِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٣٢]، أيْ أنَّ نِعَمَهُ كَثِيرَةٌ لا تُحْصى، فَبِأيِّها تُكَذِّبانِ ؟ أيْ مَن هَذِهِ نِعَمُهُ لا يُمْكِنُ أنْ يُكَذَّبَ بِها. وكانَ هَذا الخِطابُ لِلثَّقَلَيْنِ، لِأنَّهُما داخِلانِ في الأنامِ عَلى أصَحِّ الأقْوالِ. ولِقَوْلِهِ: ﴿خَلَقَ الإنْسانَ﴾، و﴿وخَلَقَ الجانَّ﴾؛ ولِقَوْلِهِ: ﴿سَنَفْرُغُ لَكم أيُّها الثَّقَلانِ﴾ [الرحمن: ٣١]، وقَدْ أبْعَدَ مَن جَعَلَهُ خِطابًا لِلذَّكَرِ والأُنْثى مِن بَنِي آدَمَ. وأبْعَدُ مِن هَذا قَوْلُ مَن قالَ: إنَّهُ خِطابٌ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ: ﴿ألْقِيا في جَهَنَّمَ﴾ [ق: ٢٤]، ويا حَرَسِي اضْرِبا عُنُقَهُ، يَعْنِي أنَّهُ خِطابٌ لِلْواحِدِ بِصُورَةِ الِاثْنَيْنِ، فَبِأيِّ مُنَوَّنًا في جَمِيعِ السُّورَةِ، كَأنَّهُ حُذِفَ مِنهُ المُضافُ إلَيْهِ وأُبْدِلَ مِنهُ (آلاءِ رَبِّكُما) بَدَلَ مَعْرِفَةٍ مِن نَكِرَةٍ، وآلاءُ تَقَدَّمَ في الأعْرافِ أنَّها النِّعَمُ، واحِدُها إلْيٌ وألًا وإلًى وألْيٌ.
﴿خَلَقَ الإنْسانَ﴾: لَمّا ذَكَرَ العالَمَ الأكْبَرَ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ وما أوْجَدَ فِيها مِنَ النِّعَمِ، ذَكَرَ مَبْدَأ مَن خُلِقَتْ لَهُ هَذِهِ النِّعَمُ، والإنْسانُ هو آدَمُ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ. وقِيلَ: لِلْجِنْسِ، وساغَ ذَلِكَ لِأنَّ أباهم مَخْلُوقٌ مِنَ الصَّلْصالِ. وإذا أُرِيدَ بِالإنْسانِ آدَمُ، فَقَدْ جاءَتْ غاياتٌ لَهُ مُخْتَلِفَةٌ، وذَلِكَ بِتَنَقُّلِ أصْلِهِ؛ فَكانَ أوَّلًا تُرابًا، ثُمَّ طِينًا، ثُمَّ حَمَأً مَسْنُونًا، ثُمَّ صَلْصالًا، فَناسَبَ أنْ يُنْسَبَ خَلْقُهُ لِكُلِّ واحِدٍ مِنها. والجانُّ هو أبُو الجِنِّ، وهو إبْلِيسُ، قالَهُ الحَسَنُ. وقالَ مُجاهِدٌ: هو أبُو الجِنِّ، ولَيْسَ بِإبْلِيسَ. وقِيلَ: الجانُّ اسْمُ جِنْسٍ، والمارِجُ: ما اخْتَلَطَ مِن أصْفَرَ وأحْمَرَ وأخْضَرَ، أوِ اللَّهَبُ، أوِ الخالِصُ، أوِ الحُمْرَةُ في طَرَفِ النّارِ، أوِ المُخْتَلِطُ بِسَوادٍ، أوِ المُضْطَرِبُ بِلا دُخانٍ، أقْوالٌ، (ومِن) الأُولى لِابْتِداءِ الغايَةِ، والثّانِيَةُ في (مِن نارٍ) لِلتَّبْعِيضِ. وقِيلَ لِلْبَيانِ، والتَّكْرارُ في هَذِهِ الفَواصِلِ: لِلتَّأْكِيدِ والتَّنْبِيهِ والتَّحْرِيكِ، وهي مَوْجُودَةٌ في مَواضِعَ مِنَ القُرْآنِ. وذَهَبَ قَوْمٌ مِنهُمُ ابْنُ قُتَيْبَةَ إلى أنَّ هَذا التَّكْرارَ إنَّما هو لِاخْتِلافِ النِّعَمِ، فَكَرَّرَ (p-١٩١)التَّوْقِيفَ في كُلِّ واحِدٍ مِنها.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: (رَبُّ)، و(رَبُّ) بِالرَّفْعِ، أيْ هو رَبٌّ؛ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِالخَفْضِ بَدَلًا مِن رَبِّكُما، وثَنّى المُضافَ إلَيْهِ لِأنَّهُما مَشْرِقا الصَّيْفِ والشِّتاءِ ومَغْرِباهُما، قالَهُ مُجاهِدٌ. وقِيلَ: مَشْرِقا الشَّمْسِ والقَمَرِ ومَغْرِباهُما. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: لِلشَّمْسِ مَشْرِقٌ في الصَّيْفِ مُصْعِدٌ، ومَشْرِقٌ في الشِّتاءِ مُنْحَدِرٌ، تَنْتَقِلُ فِيهِما مُصْعِدَةً ومُنْحَدِرَةً. انْتَهى. فالمَشْرِقانِ والمَغْرِبانِ لِلشَّمْسِ. وقِيلَ: المَشْرِقانِ: مَطْلَعُ الفَجْرِ ومَطْلَعُ الشَّمْسِ، والمَغْرِبانِ مَغْرِبُ الشَّفَقِ ومَغْرِبُ الشَّمْسِ. ولِسَهْلٍ التُّسْتَرِيِّ كَلامٌ في المَشْرِقَيْنِ والمَغْرِبَيْنِ شَبِيهٌ بِكَلامِ الباطِنِيَّةِ المُحَرِّفِينَ مَدْلُولَ كَلامِ اللَّهِ، ضَرَبْنا عَنْ ذِكْرِهِ صَفْحًا. وكَذَلِكَ ما وقَفْنا عَلَيْهِ مِن كَلامِ الغُلاةِ الَّذِينَ يُنْسَبُونَ لِلصُّوفِيَّةِ، لِأنّا لا نَسْتَحِلُّ نَقْلَ شَيْءٍ مِنهُ. وقَدْ أوْلَغَ صاحِبُ كِتابِ التَّحْرِيرِ والتَّحْبِيرِ بِحَسْبِ ما قالَهُ هَؤُلاءِ الغُلاةُ في كُلِّ آيَةٍ آيَةٍ، ويُسَمِّي ذَلِكَ الحَقائِقَ، وأرْبابُ القُلُوبِ وما ادَّعَوْا فَهْمَهُ في القُرْآنِ فَأوْغَلُوا فِيهِ لَمْ يَفْهَمْهُ عَرَبِيٌّ قَطُّ، ولا أرادَهُ اللَّهُ تَعالى بِتِلْكَ الألْفاظِ، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِن ذَلِكَ.
﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ذَلِكَ في الفُرْقانِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وذَكَرَ الثَّعْلَبِيُّ في ﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ﴾ ألْغازًا وأقْوالًا باطِنَةً لا يُلْتَفَتُ إلى شَيْءٍ مِنها. انْتَهى، والظّاهِرُ التِقاؤُهُما، أيْ يَتَجاوَرانِ، فَلا فَصْلَ بَيْنَ الماءَيْنِ في رُؤْيَةِ العَيْنِ. وقِيلَ: يَلْتَقِيانِ في كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً. وقِيلَ: مُعَدّانِ لِلِالتِقاءِ، فَحَقُّهُما أنْ يَلْتَقِيا لَوْلا البَرْزَخُ بَيْنَهُما.
﴿بَرْزَخٌ﴾: أيْ حاجِزٌ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، ﴿لا يَبْغِيانِ﴾: لا يَتَجاوَزانِ حَدَّهُما، ولا يَبْغِي أحَدُهُما عَلى الآخَرِ بِالمُمازَجَةِ. وقِيلَ: البَرْزَخُ: أجْرامُ الأرْضِ، قالَهُ قَتادَةُ؛ وقِيلَ: لا يَبْغِيانِ: أيْ عَلى النّاسِ والعُمْرانِ، وعَلى هَذا والَّذِي قَبْلَهُ يَكُونُ مِنَ البَغْيِ. وقِيلَ: هو مِن بَغى، أيْ طَلَبَ، فالمَعْنى: لا يَبْغِيانِ حالًا غَيْرَ الحالِ الَّتِي خُلِقا عَلَيْها وسُخِّرا لَها. وقِيلَ: ماءُ الأنْهارِ لا يَخْتَلِطُ بِالماءِ المِلْحِ، بَلْ هو بِذاتِهِ باقٍ فِيهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والعِيانُ لا يَقْتَضِيهِ. انْتَهى، يَعْنِي أنَّهُ يُشاهِدُ الماءَ العَذْبَ يَخْتَلِطُ بِالمِلْحِ فَيَبْقى كُلُّهُ مِلْحًا، وقَدْ يُقالُ: إنَّهُ بِالِاخْتِلاطِ تَتَغَيَّرُ أجْرامُ العَذْبِ حَتّى لا تَظْهَرَ، فَإذا ذاقَ الإنْسانُ مِنَ المِلْحِ المُنْبَثِّ فِيهِ تِلْكَ الأجْزاءُ الدَّقِيقَةُ لَمْ يُحِسَّ إلّا المُلُوحَةَ، والمَعْقُولُ يَشْهَدُ بِذَلِكَ، لِأنَّ تَداخُلَ الأجْسامِ غَيْرُ مُمْكِنٍ، لَكِنَّ التَّفَرُّقَ والِالتِقاءَ مُمْكِنٌ. وأنْشَدَ القاضِي مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ البَلُّوطِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى:
؎ومَمْزُوجَةُ الأمْواهِ لا العَذْبُ غالِبٌ عَلى المِلْحِ طِيبًا لا ولا المِلْحُ يَعْذُبُ
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿يَخْرُجُ﴾ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ؛ ونافِعٌ وأبُو عَمْرٍو وأهْلُ المَدِينَةِ: مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ؛ والجُعْفِيٌّ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِالياءِ مَضْمُومَةً وكَسْرِ الرّاءِ، أيْ يُخْرِجُ اللَّهُ؛ وعَنْهُ وعَنْ أبِي عَمْرٍو، وعَنِ ابْنِ مِقْسَمٍ: بِالنُّونِ. واللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ نُصِبَ في هاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ. والظّاهِرُ في (مِنهُما) أنَّ ذَلِكَ يَخْرُجُ مِنَ المِلْحِ والعَذْبِ. وقالَ بِذَلِكَ قَوْمٌ، حَكاهُ الأخْفَشُ. ورَدَّ النّاسُ هَذا القَوْلَ، قالُوا: والحِسُّ يُخالِفُهُ، إذْ لا يَخْرُجُ إلّا مِنَ المِلْحِ، وعابُوا قَوْلَ الشّاعِرِ:
؎فَجاءَ بِها ما شِئْتَ مِن لَطِيمَةٍ ∗∗∗ عَلى وجْهِها ماءُ الفُراتِ يَمُوجُ
وقالَ الجُمْهُورُ: إنَّما يَخْرُجُ مِنَ الأُجاجِ في المَواضِعِ الَّتِي تَقَعُ فِيها الأنْهارُ والمِياهُ العَذْبَةُ، فَناسَبَ إسْنادَ ذَلِكَ إلَيْهِما، وهَذا مَشْهُورٌ عِنْدَ الغَوّاصِينَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ: تَكُونُ هَذِهِ الأشْياءُ في البَحْرِ بِنُزُولِ المَطَرِ، لِأنَّ الصَّدَفَ وغَيْرَها تَفْتَحُ أفْواهَها لِلْمَطَرِ، فَلِذَلِكَ قالَ (مِنهُما) . وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: إنَّما يَخْرُجُ مِنَ المِلْحِ، لَكِنَّهُ قالَ (مِنهُما) تَجَوُّزًا. وقالَ الرُّمّانِيُّ: العَذْبُ فِيها كاللِّقاحِ لِلْمِلْحِ، فَهو كَما يُقالُ؛ الوَلَدُ يَخْرُجُ مِنَ الذَّكَرِ والأُنْثى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ، وتَبِعَ الزَّجّاجَ مِن حَيْثُ هُما نَوْعٌ واحِدٌ، فَخُرُوجُ هَذِهِ الأشْياءِ إنَّما هي مِنهُما، وإنْ كانَتْ تَخْتَصُّ عِنْدَ التَّفْصِيلِ المَبالَغِ بِأحَدِهِما، كَما قالَ: ﴿سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا﴾ [نوح: ١٥] ﴿وجَعَلَ القَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾ [نوح: ١٦]، (p-١٩٢)وإنَّما هو في إحْداهُنَّ، وهي الدُّنْيا إلى الأرْضِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ نَحْوًا مِن قَوْلِ ابْنِ عَطِيَّةَ، قالَ: فَإنْ قُلْتَ: لِمَ قالَ (مِنهُما)، وإنَّما يَخْرُجانِ مِنَ المِلْحِ قُلْتُ: لَمّا التَقَيا وصارا كالشَّيْءِ الواحِدِ، جازَ أنْ يُقالَ: يَخْرُجانِ مِنهُما، كَما يُقالُ: يَخْرُجانِ مِنَ البَحْرِ، ولا يَخْرُجانِ مِن جَمِيعِ البَحْرِ، ولَكِنْ مِن بَعْضِهِ. وتَقُولُ: خَرَجْتُ مِنَ البَلَدِ، وإنَّما خَرَجْتَ مِن مَحَلَّةٍ مِن مَحالِّهِ، بَلْ مِن دارٍ واحِدَةٍ مِن دُورِهِ. وقِيلَ: لا يَخْرُجانِ إلّا مِن مُلْتَقى المِلْحِ والعَذْبِ. انْتَهى. وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: هَذا مِن بابِ حَذْفِ المُضافِ، والتَّقْدِيرُ: يَخْرُجُ مِن أحَدِهِما، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١]: أيْ مِن إحْدى القَرْيَتَيْنِ. وقِيلَ: هُما بَحْرانِ، يَخْرُجُ مِن أحَدِهِما اللُّؤْلُؤُ ومِنَ الآخَرِ المَرْجانُ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: كَلامُ اللَّهِ تَعالى أوْلى بِالِاعْتِبارِ مِن كَلامِ بَعْضِ النّاسِ ومَن أعْلَمَ أنَّ اللُّؤْلُؤَ لا يَخْرُجُ مِنَ الماءِ العَذْبِ ؟، وهَبْ أنَّ الغَوّاصِينَ ما أخْرَجُوهُ إلّا مِنَ المالِحِ. ولَكِنْ لِمَ قُلْتُمْ إنَّ الصَّدَفَ لا يَخْرُجُ بِأمْرِ اللَّهِ مِنَ الماءِ العَذْبِ إلى الماءِ المِلْحِ وكَيْفَ يُمْكِنُ الجَزْمُ بِهِ والأُمُورُ الأرْضِيَّةُ الظّاهِرَةُ خَفِيَتْ عَنِ التُّجّارِ الَّذِينَ قَطَعُوا المَفاوِزَ ودارُوا البِلادَ، فَكَيْفَ لا يَخْفى أمْرٌ ما في قَعْرِ البَحْرِ عَلَيْهِمْ ؟ واللُّؤْلُؤُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ وقَتادَةُ: كِبارُ الجَوْهَرِ. والمَرْجانُ صِغارُهُ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا وعَلِيٍّ ومُرَّةَ الهَمْدانِيِّ عَكْسُ هَذا. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ وأبُو مالِكٍ: المَرْجانُ: الحَجَرُ الأحْمَرُ. وقالَ الزَّجّاجُ: حَجَرٌ شَدِيدُ البَياضِ. وحَكى القاضِي أبُو يَعْلى أنَّهُ ضَرْبٌ مِنَ اللُّؤْلُؤِ، كالقُضْبانِ، والمَرْجانُ: اسْمٌ أعْجَمِيٌّ مُعَرَّبٌ. قالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: لَمْ أسْمَعْ فِيهِ نَقْلَ مُتَصَرِّفٍ، وقالَ الأعْشى:
؎مِن كُلِّ مَرْجانَةٍ في البَحْرِ أحْرَزَها ∗∗∗ تَيّارُها ووَقاها طِينَها الصَّدَفُ
قِيلَ: أرادَ اللُّؤْلُؤَةَ الكَبِيرَةَ. وقَرَأ طَلْحَةُ: اللُّؤْلِي بِكَسْرِ اللّامِ الثّالِثَةِ، وهي لُغَةٌ. وعَبَدُ الوَلِيِّ: تُقْلَبُ الهَمْزَةُ المُتَطَرِّفَةُ ياءً ساكِنَةً بَعْدَ كَسْرَةِ ما قَبْلَها، وهي لُغَةٌ، قالَهُ أبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ.
﴿ولَهُ الجَوارِي﴾: خَصَّ تَعالى الجَوارِيَ بِأنَّها لَهُ، وهو تَعالى لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما فِيهِنَّ، لِأنَّهم لَمّا كانُوا هم مُنْشِئِيها، أسْنَدَها تَعالى إلَيْهِ، إذْ كانَ تَمامُ مَنفَعَتِها إنَّما هو مِنهُ تَعالى، فَهو في الحَقِيقَةِ مالِكُها. والجَوارِي: السُّفُنُ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ والحَسَنُ وعَبْدُ الوارِثِ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِضَمِّ الرّاءِ، كَما قالُوا في شاكٍ شاكٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ؛ ﴿المُنْشَآتُ﴾ بِفَتْحِ الشِّينِ، اسْمَ مَفْعُولٍ: أيْ أنْشَأها اللَّهُ، أوِ النّاسُ، أوِ المَرْفُوعاتُ الشِّراعِ. وقالَ مُجاهِدٌ: ما لَهُ شِراعٌ مِنَ المُنْشَآتِ، وما لَمْ يُرْفَعْ لَهُ شِراعٌ، فَلَيْسَ مِنَ المُنْشَآتِ. والشِّراعُ: القَلْعُ. والأعْمَشُ وحَمْزَةُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وطَلْحَةُ وأبُو بَكْرٍ: بِخِلافٍ عَنْهُ، بِكَسْرِ الشِّينِ: أيِ الرّافِعاتُ الشِّراعِ، أوِ اللّاتِي يُنْشِئْنَ الأمْواجَ بِجَرْيِهِنَّ، أوِ الَّتِي تُنْشِئُ السَّفَرَ إقْبالًا وإدْبارًا. وشَدَّدَ الشِّينَ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ والحَسَنُ المُنَشَّأةُ، وحَدَّ الصِّفَةَ، ودَلَّ عَلى الجَمْعِ المَوْصُوفِ، كَقَوْلِهِ: ﴿أزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ [البقرة: ٢٥]، وقَلَبَ الهَمْزَةَ ألِفًا عَلى حَدِّ قَوْلِهِ:
؎إنَّ السِّباعَ لَتَهْدا في مَرابِضِها
يُرِيدُ: لَتَهْدَأُ، التّاءُ لِتَأْنِيثِ الصِّفَةِ، كُتِبَتْ تاءً عَلى لَفْظِها في الوَصْلِ.
﴿كالأعْلامِ﴾: أيْ كالجِبالِ والآكامِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى كِبَرِ السُّفُنِ حَيْثُ شَبَّهَها بِالجِبالِ، وإنْ كانَتِ المُنْشَآتُ تَنْطَلِقُ عَلى السَّفِينَةِ الكَبِيرَةِ والصَّغِيرَةِ. وعَبَّرَ بِمَن في قَوْلِهِ: ﴿كُلُّ مَن عَلَيْها﴾ تَغْلِيبًا لِمَن يَعْقِلُ، والضَّمِيرُ في (عَلَيْها) قَلِيلٌ عائِدٌ عَلى الأرْضِ في قَوْلِهِ: ﴿والأرْضَ وضَعَها لِلْأنامِ﴾، فَعادَ الضَّمِيرُ عَلَيْها، وإنْ كانَ بَعْدَ لَفْظِها. والفَناءُ عِبارَةٌ عَنْ إعْدامِ جَمِيعِ المَوْجُوداتِ مِن حَيَوانٍ وغَيْرِهِ، والوَجْهُ يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ حَقِيقَةِ الشَّيْءِ، والجارِحَةُ مُنْتَفِيَةٌ عَنِ اللَّهِ تَعالى، ونَحْوَ ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا وجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] . وتَقُولُ صَعالِيكُ مَكَّةَ: أيْنَ وجْهُ عَرَبِيٍّ كَرِيمٍ يَجُودُ عَلَيَّ ؟ وقَرَأ الجُمْهُورُ: ذُو بِالواوِ، وصِفَةً لِلْوَجْهِ. وأُبَيُّ وعَبْدُ اللَّهِ: ذِي بِالياءِ، صِفَةً لِلرَّبِّ. والظّاهِرُ أنَّ الخِطابَ في قَوْلِهِ: ﴿وجْهُ رَبِّكَ﴾ لِلرَّسُولِ، وفِيهِ تَشْرِيفٌ عَظِيمٌ لَهُ، ﷺ . وقِيلَ: (p-١٩٣)الخِطابُ لِكُلِّ سامِعٍ. ومَعْنى ﴿ذُو الجَلالِ﴾: الَّذِي يُجِلُّهُ المُوَحِّدُونَ عَنِ التَّشْبِيهِ بِخَلْقِهِ وعَنْ أفْعالِهِمْ، أوِ الَّذِي يُتَعَجَّبُ مِن جَلالِهِ، أوِ الَّذِي عِنْدَهُ الجَلالُ والإكْرامُ لِلْمُخْلِصِينَ مِن عِبادِهِ.
﴿يَسْألُهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾: أيْ حَوائِجَهم، وهو ما يَتَعَلَّقُ بِمَن في السَّماواتِ مِن أمْرِ الدِّينِ وما اسْتُعْبِدُوا بِهِ، ومَن في الأرْضِ مِن أمْرِ دِينِهِمْ ودُنْياهم. وقالَ أبُو صالِحٍ: مَن في السَّماواتِ الرَّحْمَةَ ومَن في الأرْضِ المَغْفِرَةَ والرِّزْقَ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: المَلائِكَةُ الرِّزْقَ لِأهْلِ الأرْضِ والمَغْفِرَةَ، وأهْلُ الأرْضِ يَسْألُونَهُما جَمِيعًا. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: يَسْألُهُ اسْتِئْنافُ إخْبارٍ. وقِيلَ: حالٌ مِنَ الوَجْهِ، والعامِلُ فِيهِ يَبْقى، أيْ هو دائِمٌ في هَذِهِ الحالِ. انْتَهى، وفِيهِ بُعْدٌ. ومَن لا يَسْألُ، فَحالُهُ تَقْتَضِي السُّؤالَ، فَيَصِحُّ إسْنادُ السُّؤالِ إلى الجَمِيعِ بِاعْتِبارِ القَدْرِ المُشْتَرَكِ، وهو الِافْتِقارُ إلَيْهِ تَعالى.
﴿كُلَّ يَوْمٍ﴾: أيْ كُلَّ ساعَةٍ ولَحْظَةٍ، وذَكَرَ اليَوْمَ لِأنَّ السّاعاتِ واللَّحَظاتِ في ضِمْنِهِ.
﴿هُوَ في شَأْنٍ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: في شَأْنٍ يُمْضِيهِ مِنَ الخَلْقِ والرِّزْقِ والإحْياءِ والإماتَةِ. وقالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: يُجِيبُ داعِيًا، ويَفُكُّ عانِيًا، ويَتُوبُ عَلى قَوْمٍ، ويَغْفِرُ لِقَوْمٍ. وقالَ سُوَيْدُ بْنُ غَفْلَةَ: يُعْتِقُ رِقابًا، ويُعْطِي رَغامًا ويُقْحِمُ عِقابًا. وقالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: الدَّهْرُ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمانِ، أحَدُهُما اليَوْمُ الَّذِي هو مُدَّةُ الدُّنْيا، فَشَأْنُهُ فِيهِ الأمْرُ والنَّهْيُ والإماتَةُ والإحْياءُ؛ والثّانِي الَّذِي هو يَوْمُ القِيامَةِ، فَشَأْنُهُ فِيهِ الجَزاءُ والحِسابُ. وعَنْ مُقاتِلٍ: نَزَلَتْ في اليَهُودِ، فَقالُوا: إنَّ اللَّهَ لا يَقْضِي يَوْمَ السَّبْتِ شَيْئًا. وقالَ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ، وقَدْ سَألَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طاهِرٍ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هو في شَأْنٍ﴾: وقَدْ صَحَّ أنَّ القَلَمَ جَفَّ بِما هو كائِنٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ فَقالَ: شُئُونٌ يُبْدِيها، لا شُئُونٌ يَبْتَدِيها. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: هو في يَوْمِ الدُّنْيا في الِابْتِلاءِ، وفي يَوْمِ القِيامَةِ في الجَزاءِ. وانْتَصَبَ ﴿كُلَّ يَوْمٍ﴾ عَلى الظَّرْفِ، والعامِلُ فِيهِ العامِلُ في قَوْلِهِ: ﴿فِي شَأْنٍ﴾، وهو مُسْتَقِرٌّ المَحْذُوفُ، نَحْوَ: يَوْمَ الجُمُعَةِ زَيْدٌ قائِمٌ.
الرحمن 55:17
ولَمّا ذَكَرَ تَعالى ما أنْعَمَ بِهِ مِن مَنفَعَةِ الشَّمْسِ والقَمَرِ، وكانَ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ العُلْوِيَّةِ، ذَكَرَ في مُقابَلَتِهِما مِنَ الآثارِ السُّفْلِيَّةِ النَّجْمَ والشَّجَرَ، إذْ كانا رِزْقًا لِلْإنْسانِ، وأخْبَرَ أنَّهُما جارِيانِ عَلى ما أرادَ اللَّهُ بِهِما، مِن تَسْخِيرِهِما وكَيْنُونَتِهِما عَلى ما اقْتَضَتْهُ حِكْمَتُهُ تَعالى. ولَمّا ذَكَرَ ما بِهِ حَياةُ الأرْواحِ مِن تَعْلِيمِ القُرْآنِ، ذَكَرَ ما بِهِ حَياةُ الأشْباحِ مِنَ النَّباتِ الَّذِي لَهُ ساقٌ، وكانَ تَقْدِيمُ النَّجْمِ، وهو ما لا ساقَ لَهُ، لِأنَّهُ أصْلُ القُوتِ، والَّذِي لَهُ ساقٌ ثَمَرُهُ يُتَفَكَّهُ بِهِ غالِبًا. والظّاهِرُ أنَّ النَّجْمَ هو الَّذِي شَرَحْناهُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ اقْتِرانُهُ بِالشَّجَرِ. وقالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ والحَسَنُ: النَّجْمُ: اسْمُ الجِنْسِ مِن نُجُومِ السَّماءِ. وسُجُودُهُما، قالَ مُجاهِدٌ والحَسَنُ: ذَلِكَ في النَّجْمِ بِالغُرُوبِ ونَحْوِهِ، وفي الشَّجَرِ بِالظِّلِّ واسْتِدارَتِهِ. وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: والسُّجُودُ تَجَوُّزٌ، وهو عِبارَةٌ عَنِ الخُضُوعِ والتَّذَلُّلِ. والجُمَلُ الأُوَلُ فِيها ضَمِيرٌ يَرْبُطُها بِالمُبْتَدَأِ، وأمّا في هاتَيْنِ الجُمْلَتَيْنِ فاكْتَفى بِالوَصْلِ المَعْنَوِيِّ عَنِ الوَصْلِ اللَّفْظِيِّ، إذْ مَعْلُومٌ أنَّ الحُسْبانَ هو حُسْبانُهُ، وأنَّ السُّجُودَ لَهُ لا لِغَيْرِهِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: بِحُسْبانِهِ ويَسْجُدانِ لَهُ. ولَمّا أُورِدَتْ هَذِهِ الجُمَلُ مَوْرِدَ تَعْدِيدِ النِّعَمِ رُدَّ الكَلامُ إلى العَطْفِ في وصْلِ ما يُناسِبُ وصْلَهُ، والتَّناسُبُ الَّذِي بَيْنَ هاتَيْنِ الجُمْلَتَيْنِ ظاهِرٌ، لِأنَّ الشَّمْسَ والقَمَرَ عُلْوِيّانِ، والنَّجْمُ والشَّجَرُ سُفْلِيّانِ.
﴿والسَّماءَ رَفَعَها﴾: أيْ خَلَقَها مَرْفُوعَةً، حَيْثُ جَعَلَها مَصْدَرَ قَضاياهُ ومَسْكَنَ مَلائِكَتِهِ الَّذِينَ يَنْزِلُونَ بِالوَحْيِ عَلى أنْبِيائِهِ، ونَبَّهَ بِذَلِكَ عَلى عِظَمِ شَأْنِهِ ومِلْكِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (والسَّماءَ)، بِالنَّصْبِ عَلى الِاشْتِغالِ، رُوعِيَ مُشاكَلَةُ الجُمْلَةِ الَّتِي تَلِيهِ وهي ﴿يَسْجُدانِ﴾ [الرحمن: ٦] . وقَرَأ أبُو السَّمّالِ: والسَّماءُ بِالرَّفْعِ، راعى مُشاكَلَةَ الجُمْلَةِ الِابْتِدائِيَّةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ووَضَعَ المِيزانَ﴾، فِعْلًا ماضِيًا ناصِبًا المِيزانَ، أيْ أقَرَّهُ وأثْبَتَهُ. وقَرَأ إبْراهِيمُ: ووَضْعِ المِيزانِ، بِالخَفْضِ وإسْكانِ الضّادِ. والظّاهِرُ أنَّهُ كُلُّ ما يُوزَنُ بِهِ الأشْياءُ وتُعْرَفُ مَقادِيرُها، وإنِ اخْتَلَفَتِ الآلاتُ، قالَ مَعْناهُ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وقَتادَةُ، جَعَلَهُ تَعالى حاكِمًا بِالسَّوِيَّةِ في الأخْذِ والإعْطاءِ. وقالَ مُجاهِدٌ والطَّبَرِيُّ والأكْثَرُونَ: المِيزانُ: العَدْلُ، وتَكُونُ الآلاتُ مِن بَعْضِ ما يَنْدَرِجُ في العَدْلِ. بَدَأ أوَّلًا بِالعِلْمِ، فَذَكَرَ ما فِيهِ أشْرَفُ أنْواعِ العُلُومِ وهو القُرْآنُ؛ ثُمَّ ذَكَرَ ما بِهِ التَّعْدِيلُ في الأُمُورِ، وهو المِيزانُ، كَقَوْلِهِ: ﴿وأنْزَلْنا مَعَهُمُ الكِتابَ والمِيزانَ﴾ [الحديد: ٢٥]، لِيُعَلِّمُوا الكِتابَ ويَفْعَلُوا ما يَأْمُرُهم بِهِ الكِتابُ. (أنْ لا تَطْغَوْا في المِيزانِ): أيْ لِأنْ لا تَطْغَوْا، فَتَطْغَوْا مَنصُوبٌ بِأنْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ هي ”أنِ“ المُفَسِّرَةُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ أنْ مُفَسِّرَةً، فَيَكُونُ تَطْغَوْا جَزْمًا بِالنَّهْيِ. انْتَهى، ولا يَجُوزُ ما قالاهُ مِن أنَّ أنْ مُفَسِّرَةٌ، لِأنَّهُ فاتَ أحَدُ شَرْطَيْها، وهو أنْ يَكُونَ ما قَبْلَها جُمْلَةً فِيها مَعْنى القَوْلِ.
﴿ووَضَعَ المِيزانَ﴾ جُمْلَةٌ لَيْسَ فِيها مَعْنى القَوْلِ. والطُّغْيانُ في المِيزانِ هو أنْ يَكُونَ بِالتَّعَمُّدِ، وأمّا ما لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنَ التَّحْرِيرِ بِالمِيزانِ فَمَعْفُوٌّ عَنْهُ.
ولَمّا كانَتِ التَّسْوِيَةُ مَطْلُوبَةً جِدًّا، أمَرَ اللَّهُ تَعالى فَقالَ: ﴿وأقِيمُوا الوَزْنَ﴾ . وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ولا تُخْسِرُوا﴾، مِن أخْسَرَ: أيْ أفْسَدَ ونَقَصَ، كَقَوْلِهِ: ﴿وإذا كالُوهم أوْ وزَنُوهم يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين: ٣]؛ أيْ يَنْقُصُونَ. وبِلالُ بْنُ أبِي بُرْدَةَ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: تَخْسَرُ بِفَتْحِ التّاءِ، يُقالُ: خَسِرَ يَخْسَرُ، وأخْسَرَ يُخْسِرُ بِمَعْنًى واحِدٍ، كَجَبَرَ وأجْبَرَ. وحَكى ابْنُ جِنِّي وصاحِبُ اللَّوامِحِ، عَنْ بِلالٍ فَتْحَ التّاءِ والسِّينِ مُضارِعُ خَسِرَ بِكَسْرِ السِّينِ، وخَرَّجَها الزَّمَخْشَرِيُّ عَلى أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: في المِيزانِ، فَحَذَفَ الجارَّ ونَصَبَ، ولا يُحْتاجُ إلى هَذا التَّخْرِيجِ. ألا تَرى أنَّ خَسِرَ جاءَ مُتَعَدِّيًا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٢]، و﴿خَسِرَ الدُّنْيا والآخِرَةَ﴾ [الحج: ١١] ؟ وقُرِئَ أيْضًا: تَخْسُرُوا، بِفَتْحِ التّاءِ وضَمِّ السِّينِ. لِما مُنِعَ مِنَ الزِّيادَةِ، وهي الطُّغْيانُ، نَهى عَنِ الخُسْرانِ الَّذِي هو نُقْصانٌ، وكَرَّرَ لَفْظَ المِيزانِ، تَشْدِيدًا لِلتَّوْصِيَةِ بِهِ وتَقْوِيَةً لِلْأمْرِ بِاسْتِعْمالِهِ والحَثِّ عَلَيْهِ.
ولَمّا ذَكَرَ السَّماءَ، ذَكَرَ مُقابِلَتَها فَقالَ: ﴿والأرْضَ وضَعَها لِلْأنامِ﴾: أيْ خَفَضَها (p-١٩٠)مَدْحُوَّةً عَلى الماءِ لِيُنْتَفَعَ بِها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”والأرْضَ“ بِالنَّصْبِ؛ وأبُو السَّمّالِ: بِالرَّفْعِ: ”والأنامُ“، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بَنُو آدَمَ فَقَطْ. وقالَ أيْضًا هو وقَتادَةُ وابْنُ زَيْدٍ والشَّعْبِيُّ: الحَيَوانُ كُلُّهُ. وقالَ الحَسَنُ: الثَّقَلانِ الجِنُّ والإنْسُ.
﴿فِيها فاكِهَةٌ﴾: ضُرُوبٌ مِمّا يُتَفَكَّهُ بِهِ. وبَدَأ بِقَوْلِهِ: ﴿فاكِهَةٌ﴾، إذْ هو مِن بابِ الِابْتِداءِ بِالأدْنى والتَّرَقِّي إلى الأعْلى، ونَكَّرَ لَفْظَها، لِأنَّ الِانْتِفاعَ بِها دُونَ الِانْتِفاعِ بِما يُذْكَرُ بَعْدَها. ثُمَّ ثَنّى بِالنَّخْلِ، فَذَكَرَ الأصْلَ ولَمْ يَذْكُرْ ثَمَرَتَها، وهو الثَّمَرُ لِكَثْرَةِ الِانْتِفاعِ بِها مِن لِيفٍ وسَعَفٍ وجَرِيدٍ وجُذُوعٍ وجُمّارٍ وثَمَرٍ. ثُمَّ أتى ثالِثًا بِالحَبِّ الَّذِي هو قِوامُ عَيْشِ الإنْسانِ في أكْثَرِ الأقالِيمِ، وهو البُرُّ والشَّعِيرُ وكُلُّ ما لَهُ سُنْبُلٌ وأوْراقٌ مُتَشَعِّبَةٌ عَلى ساقِهِ، ووَصَفَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ذُو العَصْفِ﴾ تَنْبِيهًا عَلى إنْعامِهِ عَلَيْهِمْ بِما يَقُوتُهم مِنَ الحَبِّ، ويَقُوتُ بَهائِمَهم مِن ورَقِهِ الَّذِي هو التِّبْنُ. وبَدَأ بِالفاكِهَةِ وخَتَمَ بِالمَشْمُومِ، وبَيْنَهُما النَّخْلُ والحَبُّ، لِيَحْصُلَ ما بِهِ يُتَفَكَّهُ، وما بِهِ يُتَقَوَّتُ، وما بِهِ تَقَعُ اللَّذاذَةُ مِنَ الرّائِحَةِ الطَّيِّبَةِ. وذَكَرَ النَّخْلَ بِاسْمِها والفاكِهَةَ دُونَ شَجَرِها، لِعِظَمِ المَنفَعَةِ بِالنَّخْلِ مِن جِهاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ، وشَجَرَةُ الفاكِهَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى ثَمَرَتِها حَقِيرَةٌ، فَنَصَّ عَلى ما يَعْظُمُ بِهِ الِانْتِفاعُ مِن شَجَرَةِ النَّخْلِ ومِنَ الفاكِهَةِ دُونَ شَجَرَتِها.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿والحَبُّ ذُو العَصْفِ والرَّيْحانُ﴾، بِرَفْعِ الثَّلاثَةِ عَطْفًا عَلى المَرْفُوعِ قَبْلَهُ؛ وابْنُ عامِرٍ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِنَصْبِ الثَّلاثَةِ، أيْ وخَلَقَ الحَبَّ. وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ ﴿والرَّيْحانُ﴾ حالَةَ الرَّفْعِ وحالَةَ النَّصْبِ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ وذُو الرَّيْحانِ حَذَفَ المُضافَ وأقامَ المُضافَ إلَيْهِ مَقامَهُ؛ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ والأصْمَعِيُّ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: والرَّيْحانُ بِالجَرِّ، والمَعْنى: والحَبُّ ذُو العَصْفِ الَّذِي هو عَلَفُ البَهائِمِ، والرَّيْحانُ الَّذِي هو مَطْعَمُ النّاسِ، ويَبْعُدُ دُخُولُ المَشْمُومِ في قِراءَةِ الجَرِّ، ورَيْحانُ مِن ذَواتِ الواوِ. وأجازَ أبُو عَلِيٍّ أنْ يَكُونَ اسْمًا، ووُضِعَ مَوْضِعَ المَصْدَرِ، وأنْ يَكُونَ مَصْدَرًا عَلى وزْنِ فَعْلانَ كاللَّبّانِ. وأُبْدِلَتِ الواوُ ياءً، كَما أبْدَلُوا الياءَ واوًا في أشاوى، أوْ مَصْدَرًا شاذًّا في المُعْتَلِّ، كَما شَذَّ كَبَنُونَةٍ وبَيْنُونَةٍ، فَأصْلُهُ رَيْوِحانُ، قُلِبَتِ الواوُ ياءً وأُدْغِمَتْ في الياءِ فَصارَ رَيِّحانَ، ثُمَّ حُذِفَتْ عَيْنُ الكَلِمَةِ، كَما قالُوا: مَيْتٌ وهَيْنٌ.
ولَمّا عَدَّدَ تَعالى نِعَمَهُ، خاطَبَ الثَّقَلَيْنِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٣٢]، أيْ أنَّ نِعَمَهُ كَثِيرَةٌ لا تُحْصى، فَبِأيِّها تُكَذِّبانِ ؟ أيْ مَن هَذِهِ نِعَمُهُ لا يُمْكِنُ أنْ يُكَذَّبَ بِها. وكانَ هَذا الخِطابُ لِلثَّقَلَيْنِ، لِأنَّهُما داخِلانِ في الأنامِ عَلى أصَحِّ الأقْوالِ. ولِقَوْلِهِ: ﴿خَلَقَ الإنْسانَ﴾، و﴿وخَلَقَ الجانَّ﴾؛ ولِقَوْلِهِ: ﴿سَنَفْرُغُ لَكم أيُّها الثَّقَلانِ﴾ [الرحمن: ٣١]، وقَدْ أبْعَدَ مَن جَعَلَهُ خِطابًا لِلذَّكَرِ والأُنْثى مِن بَنِي آدَمَ. وأبْعَدُ مِن هَذا قَوْلُ مَن قالَ: إنَّهُ خِطابٌ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ: ﴿ألْقِيا في جَهَنَّمَ﴾ [ق: ٢٤]، ويا حَرَسِي اضْرِبا عُنُقَهُ، يَعْنِي أنَّهُ خِطابٌ لِلْواحِدِ بِصُورَةِ الِاثْنَيْنِ، فَبِأيِّ مُنَوَّنًا في جَمِيعِ السُّورَةِ، كَأنَّهُ حُذِفَ مِنهُ المُضافُ إلَيْهِ وأُبْدِلَ مِنهُ (آلاءِ رَبِّكُما) بَدَلَ مَعْرِفَةٍ مِن نَكِرَةٍ، وآلاءُ تَقَدَّمَ في الأعْرافِ أنَّها النِّعَمُ، واحِدُها إلْيٌ وألًا وإلًى وألْيٌ.
﴿خَلَقَ الإنْسانَ﴾: لَمّا ذَكَرَ العالَمَ الأكْبَرَ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ وما أوْجَدَ فِيها مِنَ النِّعَمِ، ذَكَرَ مَبْدَأ مَن خُلِقَتْ لَهُ هَذِهِ النِّعَمُ، والإنْسانُ هو آدَمُ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ. وقِيلَ: لِلْجِنْسِ، وساغَ ذَلِكَ لِأنَّ أباهم مَخْلُوقٌ مِنَ الصَّلْصالِ. وإذا أُرِيدَ بِالإنْسانِ آدَمُ، فَقَدْ جاءَتْ غاياتٌ لَهُ مُخْتَلِفَةٌ، وذَلِكَ بِتَنَقُّلِ أصْلِهِ؛ فَكانَ أوَّلًا تُرابًا، ثُمَّ طِينًا، ثُمَّ حَمَأً مَسْنُونًا، ثُمَّ صَلْصالًا، فَناسَبَ أنْ يُنْسَبَ خَلْقُهُ لِكُلِّ واحِدٍ مِنها. والجانُّ هو أبُو الجِنِّ، وهو إبْلِيسُ، قالَهُ الحَسَنُ. وقالَ مُجاهِدٌ: هو أبُو الجِنِّ، ولَيْسَ بِإبْلِيسَ. وقِيلَ: الجانُّ اسْمُ جِنْسٍ، والمارِجُ: ما اخْتَلَطَ مِن أصْفَرَ وأحْمَرَ وأخْضَرَ، أوِ اللَّهَبُ، أوِ الخالِصُ، أوِ الحُمْرَةُ في طَرَفِ النّارِ، أوِ المُخْتَلِطُ بِسَوادٍ، أوِ المُضْطَرِبُ بِلا دُخانٍ، أقْوالٌ، (ومِن) الأُولى لِابْتِداءِ الغايَةِ، والثّانِيَةُ في (مِن نارٍ) لِلتَّبْعِيضِ. وقِيلَ لِلْبَيانِ، والتَّكْرارُ في هَذِهِ الفَواصِلِ: لِلتَّأْكِيدِ والتَّنْبِيهِ والتَّحْرِيكِ، وهي مَوْجُودَةٌ في مَواضِعَ مِنَ القُرْآنِ. وذَهَبَ قَوْمٌ مِنهُمُ ابْنُ قُتَيْبَةَ إلى أنَّ هَذا التَّكْرارَ إنَّما هو لِاخْتِلافِ النِّعَمِ، فَكَرَّرَ (p-١٩١)التَّوْقِيفَ في كُلِّ واحِدٍ مِنها.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: (رَبُّ)، و(رَبُّ) بِالرَّفْعِ، أيْ هو رَبٌّ؛ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِالخَفْضِ بَدَلًا مِن رَبِّكُما، وثَنّى المُضافَ إلَيْهِ لِأنَّهُما مَشْرِقا الصَّيْفِ والشِّتاءِ ومَغْرِباهُما، قالَهُ مُجاهِدٌ. وقِيلَ: مَشْرِقا الشَّمْسِ والقَمَرِ ومَغْرِباهُما. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: لِلشَّمْسِ مَشْرِقٌ في الصَّيْفِ مُصْعِدٌ، ومَشْرِقٌ في الشِّتاءِ مُنْحَدِرٌ، تَنْتَقِلُ فِيهِما مُصْعِدَةً ومُنْحَدِرَةً. انْتَهى. فالمَشْرِقانِ والمَغْرِبانِ لِلشَّمْسِ. وقِيلَ: المَشْرِقانِ: مَطْلَعُ الفَجْرِ ومَطْلَعُ الشَّمْسِ، والمَغْرِبانِ مَغْرِبُ الشَّفَقِ ومَغْرِبُ الشَّمْسِ. ولِسَهْلٍ التُّسْتَرِيِّ كَلامٌ في المَشْرِقَيْنِ والمَغْرِبَيْنِ شَبِيهٌ بِكَلامِ الباطِنِيَّةِ المُحَرِّفِينَ مَدْلُولَ كَلامِ اللَّهِ، ضَرَبْنا عَنْ ذِكْرِهِ صَفْحًا. وكَذَلِكَ ما وقَفْنا عَلَيْهِ مِن كَلامِ الغُلاةِ الَّذِينَ يُنْسَبُونَ لِلصُّوفِيَّةِ، لِأنّا لا نَسْتَحِلُّ نَقْلَ شَيْءٍ مِنهُ. وقَدْ أوْلَغَ صاحِبُ كِتابِ التَّحْرِيرِ والتَّحْبِيرِ بِحَسْبِ ما قالَهُ هَؤُلاءِ الغُلاةُ في كُلِّ آيَةٍ آيَةٍ، ويُسَمِّي ذَلِكَ الحَقائِقَ، وأرْبابُ القُلُوبِ وما ادَّعَوْا فَهْمَهُ في القُرْآنِ فَأوْغَلُوا فِيهِ لَمْ يَفْهَمْهُ عَرَبِيٌّ قَطُّ، ولا أرادَهُ اللَّهُ تَعالى بِتِلْكَ الألْفاظِ، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِن ذَلِكَ.
﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ذَلِكَ في الفُرْقانِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وذَكَرَ الثَّعْلَبِيُّ في ﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ﴾ ألْغازًا وأقْوالًا باطِنَةً لا يُلْتَفَتُ إلى شَيْءٍ مِنها. انْتَهى، والظّاهِرُ التِقاؤُهُما، أيْ يَتَجاوَرانِ، فَلا فَصْلَ بَيْنَ الماءَيْنِ في رُؤْيَةِ العَيْنِ. وقِيلَ: يَلْتَقِيانِ في كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً. وقِيلَ: مُعَدّانِ لِلِالتِقاءِ، فَحَقُّهُما أنْ يَلْتَقِيا لَوْلا البَرْزَخُ بَيْنَهُما.
﴿بَرْزَخٌ﴾: أيْ حاجِزٌ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، ﴿لا يَبْغِيانِ﴾: لا يَتَجاوَزانِ حَدَّهُما، ولا يَبْغِي أحَدُهُما عَلى الآخَرِ بِالمُمازَجَةِ. وقِيلَ: البَرْزَخُ: أجْرامُ الأرْضِ، قالَهُ قَتادَةُ؛ وقِيلَ: لا يَبْغِيانِ: أيْ عَلى النّاسِ والعُمْرانِ، وعَلى هَذا والَّذِي قَبْلَهُ يَكُونُ مِنَ البَغْيِ. وقِيلَ: هو مِن بَغى، أيْ طَلَبَ، فالمَعْنى: لا يَبْغِيانِ حالًا غَيْرَ الحالِ الَّتِي خُلِقا عَلَيْها وسُخِّرا لَها. وقِيلَ: ماءُ الأنْهارِ لا يَخْتَلِطُ بِالماءِ المِلْحِ، بَلْ هو بِذاتِهِ باقٍ فِيهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والعِيانُ لا يَقْتَضِيهِ. انْتَهى، يَعْنِي أنَّهُ يُشاهِدُ الماءَ العَذْبَ يَخْتَلِطُ بِالمِلْحِ فَيَبْقى كُلُّهُ مِلْحًا، وقَدْ يُقالُ: إنَّهُ بِالِاخْتِلاطِ تَتَغَيَّرُ أجْرامُ العَذْبِ حَتّى لا تَظْهَرَ، فَإذا ذاقَ الإنْسانُ مِنَ المِلْحِ المُنْبَثِّ فِيهِ تِلْكَ الأجْزاءُ الدَّقِيقَةُ لَمْ يُحِسَّ إلّا المُلُوحَةَ، والمَعْقُولُ يَشْهَدُ بِذَلِكَ، لِأنَّ تَداخُلَ الأجْسامِ غَيْرُ مُمْكِنٍ، لَكِنَّ التَّفَرُّقَ والِالتِقاءَ مُمْكِنٌ. وأنْشَدَ القاضِي مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ البَلُّوطِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى:
؎ومَمْزُوجَةُ الأمْواهِ لا العَذْبُ غالِبٌ عَلى المِلْحِ طِيبًا لا ولا المِلْحُ يَعْذُبُ
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿يَخْرُجُ﴾ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ؛ ونافِعٌ وأبُو عَمْرٍو وأهْلُ المَدِينَةِ: مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ؛ والجُعْفِيٌّ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِالياءِ مَضْمُومَةً وكَسْرِ الرّاءِ، أيْ يُخْرِجُ اللَّهُ؛ وعَنْهُ وعَنْ أبِي عَمْرٍو، وعَنِ ابْنِ مِقْسَمٍ: بِالنُّونِ. واللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ نُصِبَ في هاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ. والظّاهِرُ في (مِنهُما) أنَّ ذَلِكَ يَخْرُجُ مِنَ المِلْحِ والعَذْبِ. وقالَ بِذَلِكَ قَوْمٌ، حَكاهُ الأخْفَشُ. ورَدَّ النّاسُ هَذا القَوْلَ، قالُوا: والحِسُّ يُخالِفُهُ، إذْ لا يَخْرُجُ إلّا مِنَ المِلْحِ، وعابُوا قَوْلَ الشّاعِرِ:
؎فَجاءَ بِها ما شِئْتَ مِن لَطِيمَةٍ ∗∗∗ عَلى وجْهِها ماءُ الفُراتِ يَمُوجُ
وقالَ الجُمْهُورُ: إنَّما يَخْرُجُ مِنَ الأُجاجِ في المَواضِعِ الَّتِي تَقَعُ فِيها الأنْهارُ والمِياهُ العَذْبَةُ، فَناسَبَ إسْنادَ ذَلِكَ إلَيْهِما، وهَذا مَشْهُورٌ عِنْدَ الغَوّاصِينَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ: تَكُونُ هَذِهِ الأشْياءُ في البَحْرِ بِنُزُولِ المَطَرِ، لِأنَّ الصَّدَفَ وغَيْرَها تَفْتَحُ أفْواهَها لِلْمَطَرِ، فَلِذَلِكَ قالَ (مِنهُما) . وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: إنَّما يَخْرُجُ مِنَ المِلْحِ، لَكِنَّهُ قالَ (مِنهُما) تَجَوُّزًا. وقالَ الرُّمّانِيُّ: العَذْبُ فِيها كاللِّقاحِ لِلْمِلْحِ، فَهو كَما يُقالُ؛ الوَلَدُ يَخْرُجُ مِنَ الذَّكَرِ والأُنْثى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ، وتَبِعَ الزَّجّاجَ مِن حَيْثُ هُما نَوْعٌ واحِدٌ، فَخُرُوجُ هَذِهِ الأشْياءِ إنَّما هي مِنهُما، وإنْ كانَتْ تَخْتَصُّ عِنْدَ التَّفْصِيلِ المَبالَغِ بِأحَدِهِما، كَما قالَ: ﴿سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا﴾ [نوح: ١٥] ﴿وجَعَلَ القَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾ [نوح: ١٦]، (p-١٩٢)وإنَّما هو في إحْداهُنَّ، وهي الدُّنْيا إلى الأرْضِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ نَحْوًا مِن قَوْلِ ابْنِ عَطِيَّةَ، قالَ: فَإنْ قُلْتَ: لِمَ قالَ (مِنهُما)، وإنَّما يَخْرُجانِ مِنَ المِلْحِ قُلْتُ: لَمّا التَقَيا وصارا كالشَّيْءِ الواحِدِ، جازَ أنْ يُقالَ: يَخْرُجانِ مِنهُما، كَما يُقالُ: يَخْرُجانِ مِنَ البَحْرِ، ولا يَخْرُجانِ مِن جَمِيعِ البَحْرِ، ولَكِنْ مِن بَعْضِهِ. وتَقُولُ: خَرَجْتُ مِنَ البَلَدِ، وإنَّما خَرَجْتَ مِن مَحَلَّةٍ مِن مَحالِّهِ، بَلْ مِن دارٍ واحِدَةٍ مِن دُورِهِ. وقِيلَ: لا يَخْرُجانِ إلّا مِن مُلْتَقى المِلْحِ والعَذْبِ. انْتَهى. وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: هَذا مِن بابِ حَذْفِ المُضافِ، والتَّقْدِيرُ: يَخْرُجُ مِن أحَدِهِما، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١]: أيْ مِن إحْدى القَرْيَتَيْنِ. وقِيلَ: هُما بَحْرانِ، يَخْرُجُ مِن أحَدِهِما اللُّؤْلُؤُ ومِنَ الآخَرِ المَرْجانُ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: كَلامُ اللَّهِ تَعالى أوْلى بِالِاعْتِبارِ مِن كَلامِ بَعْضِ النّاسِ ومَن أعْلَمَ أنَّ اللُّؤْلُؤَ لا يَخْرُجُ مِنَ الماءِ العَذْبِ ؟، وهَبْ أنَّ الغَوّاصِينَ ما أخْرَجُوهُ إلّا مِنَ المالِحِ. ولَكِنْ لِمَ قُلْتُمْ إنَّ الصَّدَفَ لا يَخْرُجُ بِأمْرِ اللَّهِ مِنَ الماءِ العَذْبِ إلى الماءِ المِلْحِ وكَيْفَ يُمْكِنُ الجَزْمُ بِهِ والأُمُورُ الأرْضِيَّةُ الظّاهِرَةُ خَفِيَتْ عَنِ التُّجّارِ الَّذِينَ قَطَعُوا المَفاوِزَ ودارُوا البِلادَ، فَكَيْفَ لا يَخْفى أمْرٌ ما في قَعْرِ البَحْرِ عَلَيْهِمْ ؟ واللُّؤْلُؤُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ وقَتادَةُ: كِبارُ الجَوْهَرِ. والمَرْجانُ صِغارُهُ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا وعَلِيٍّ ومُرَّةَ الهَمْدانِيِّ عَكْسُ هَذا. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ وأبُو مالِكٍ: المَرْجانُ: الحَجَرُ الأحْمَرُ. وقالَ الزَّجّاجُ: حَجَرٌ شَدِيدُ البَياضِ. وحَكى القاضِي أبُو يَعْلى أنَّهُ ضَرْبٌ مِنَ اللُّؤْلُؤِ، كالقُضْبانِ، والمَرْجانُ: اسْمٌ أعْجَمِيٌّ مُعَرَّبٌ. قالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: لَمْ أسْمَعْ فِيهِ نَقْلَ مُتَصَرِّفٍ، وقالَ الأعْشى:
؎مِن كُلِّ مَرْجانَةٍ في البَحْرِ أحْرَزَها ∗∗∗ تَيّارُها ووَقاها طِينَها الصَّدَفُ
قِيلَ: أرادَ اللُّؤْلُؤَةَ الكَبِيرَةَ. وقَرَأ طَلْحَةُ: اللُّؤْلِي بِكَسْرِ اللّامِ الثّالِثَةِ، وهي لُغَةٌ. وعَبَدُ الوَلِيِّ: تُقْلَبُ الهَمْزَةُ المُتَطَرِّفَةُ ياءً ساكِنَةً بَعْدَ كَسْرَةِ ما قَبْلَها، وهي لُغَةٌ، قالَهُ أبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ.
﴿ولَهُ الجَوارِي﴾: خَصَّ تَعالى الجَوارِيَ بِأنَّها لَهُ، وهو تَعالى لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما فِيهِنَّ، لِأنَّهم لَمّا كانُوا هم مُنْشِئِيها، أسْنَدَها تَعالى إلَيْهِ، إذْ كانَ تَمامُ مَنفَعَتِها إنَّما هو مِنهُ تَعالى، فَهو في الحَقِيقَةِ مالِكُها. والجَوارِي: السُّفُنُ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ والحَسَنُ وعَبْدُ الوارِثِ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِضَمِّ الرّاءِ، كَما قالُوا في شاكٍ شاكٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ؛ ﴿المُنْشَآتُ﴾ بِفَتْحِ الشِّينِ، اسْمَ مَفْعُولٍ: أيْ أنْشَأها اللَّهُ، أوِ النّاسُ، أوِ المَرْفُوعاتُ الشِّراعِ. وقالَ مُجاهِدٌ: ما لَهُ شِراعٌ مِنَ المُنْشَآتِ، وما لَمْ يُرْفَعْ لَهُ شِراعٌ، فَلَيْسَ مِنَ المُنْشَآتِ. والشِّراعُ: القَلْعُ. والأعْمَشُ وحَمْزَةُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وطَلْحَةُ وأبُو بَكْرٍ: بِخِلافٍ عَنْهُ، بِكَسْرِ الشِّينِ: أيِ الرّافِعاتُ الشِّراعِ، أوِ اللّاتِي يُنْشِئْنَ الأمْواجَ بِجَرْيِهِنَّ، أوِ الَّتِي تُنْشِئُ السَّفَرَ إقْبالًا وإدْبارًا. وشَدَّدَ الشِّينَ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ والحَسَنُ المُنَشَّأةُ، وحَدَّ الصِّفَةَ، ودَلَّ عَلى الجَمْعِ المَوْصُوفِ، كَقَوْلِهِ: ﴿أزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ [البقرة: ٢٥]، وقَلَبَ الهَمْزَةَ ألِفًا عَلى حَدِّ قَوْلِهِ:
؎إنَّ السِّباعَ لَتَهْدا في مَرابِضِها
يُرِيدُ: لَتَهْدَأُ، التّاءُ لِتَأْنِيثِ الصِّفَةِ، كُتِبَتْ تاءً عَلى لَفْظِها في الوَصْلِ.
﴿كالأعْلامِ﴾: أيْ كالجِبالِ والآكامِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى كِبَرِ السُّفُنِ حَيْثُ شَبَّهَها بِالجِبالِ، وإنْ كانَتِ المُنْشَآتُ تَنْطَلِقُ عَلى السَّفِينَةِ الكَبِيرَةِ والصَّغِيرَةِ. وعَبَّرَ بِمَن في قَوْلِهِ: ﴿كُلُّ مَن عَلَيْها﴾ تَغْلِيبًا لِمَن يَعْقِلُ، والضَّمِيرُ في (عَلَيْها) قَلِيلٌ عائِدٌ عَلى الأرْضِ في قَوْلِهِ: ﴿والأرْضَ وضَعَها لِلْأنامِ﴾، فَعادَ الضَّمِيرُ عَلَيْها، وإنْ كانَ بَعْدَ لَفْظِها. والفَناءُ عِبارَةٌ عَنْ إعْدامِ جَمِيعِ المَوْجُوداتِ مِن حَيَوانٍ وغَيْرِهِ، والوَجْهُ يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ حَقِيقَةِ الشَّيْءِ، والجارِحَةُ مُنْتَفِيَةٌ عَنِ اللَّهِ تَعالى، ونَحْوَ ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا وجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] . وتَقُولُ صَعالِيكُ مَكَّةَ: أيْنَ وجْهُ عَرَبِيٍّ كَرِيمٍ يَجُودُ عَلَيَّ ؟ وقَرَأ الجُمْهُورُ: ذُو بِالواوِ، وصِفَةً لِلْوَجْهِ. وأُبَيُّ وعَبْدُ اللَّهِ: ذِي بِالياءِ، صِفَةً لِلرَّبِّ. والظّاهِرُ أنَّ الخِطابَ في قَوْلِهِ: ﴿وجْهُ رَبِّكَ﴾ لِلرَّسُولِ، وفِيهِ تَشْرِيفٌ عَظِيمٌ لَهُ، ﷺ . وقِيلَ: (p-١٩٣)الخِطابُ لِكُلِّ سامِعٍ. ومَعْنى ﴿ذُو الجَلالِ﴾: الَّذِي يُجِلُّهُ المُوَحِّدُونَ عَنِ التَّشْبِيهِ بِخَلْقِهِ وعَنْ أفْعالِهِمْ، أوِ الَّذِي يُتَعَجَّبُ مِن جَلالِهِ، أوِ الَّذِي عِنْدَهُ الجَلالُ والإكْرامُ لِلْمُخْلِصِينَ مِن عِبادِهِ.
﴿يَسْألُهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾: أيْ حَوائِجَهم، وهو ما يَتَعَلَّقُ بِمَن في السَّماواتِ مِن أمْرِ الدِّينِ وما اسْتُعْبِدُوا بِهِ، ومَن في الأرْضِ مِن أمْرِ دِينِهِمْ ودُنْياهم. وقالَ أبُو صالِحٍ: مَن في السَّماواتِ الرَّحْمَةَ ومَن في الأرْضِ المَغْفِرَةَ والرِّزْقَ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: المَلائِكَةُ الرِّزْقَ لِأهْلِ الأرْضِ والمَغْفِرَةَ، وأهْلُ الأرْضِ يَسْألُونَهُما جَمِيعًا. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: يَسْألُهُ اسْتِئْنافُ إخْبارٍ. وقِيلَ: حالٌ مِنَ الوَجْهِ، والعامِلُ فِيهِ يَبْقى، أيْ هو دائِمٌ في هَذِهِ الحالِ. انْتَهى، وفِيهِ بُعْدٌ. ومَن لا يَسْألُ، فَحالُهُ تَقْتَضِي السُّؤالَ، فَيَصِحُّ إسْنادُ السُّؤالِ إلى الجَمِيعِ بِاعْتِبارِ القَدْرِ المُشْتَرَكِ، وهو الِافْتِقارُ إلَيْهِ تَعالى.
﴿كُلَّ يَوْمٍ﴾: أيْ كُلَّ ساعَةٍ ولَحْظَةٍ، وذَكَرَ اليَوْمَ لِأنَّ السّاعاتِ واللَّحَظاتِ في ضِمْنِهِ.
﴿هُوَ في شَأْنٍ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: في شَأْنٍ يُمْضِيهِ مِنَ الخَلْقِ والرِّزْقِ والإحْياءِ والإماتَةِ. وقالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: يُجِيبُ داعِيًا، ويَفُكُّ عانِيًا، ويَتُوبُ عَلى قَوْمٍ، ويَغْفِرُ لِقَوْمٍ. وقالَ سُوَيْدُ بْنُ غَفْلَةَ: يُعْتِقُ رِقابًا، ويُعْطِي رَغامًا ويُقْحِمُ عِقابًا. وقالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: الدَّهْرُ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمانِ، أحَدُهُما اليَوْمُ الَّذِي هو مُدَّةُ الدُّنْيا، فَشَأْنُهُ فِيهِ الأمْرُ والنَّهْيُ والإماتَةُ والإحْياءُ؛ والثّانِي الَّذِي هو يَوْمُ القِيامَةِ، فَشَأْنُهُ فِيهِ الجَزاءُ والحِسابُ. وعَنْ مُقاتِلٍ: نَزَلَتْ في اليَهُودِ، فَقالُوا: إنَّ اللَّهَ لا يَقْضِي يَوْمَ السَّبْتِ شَيْئًا. وقالَ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ، وقَدْ سَألَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طاهِرٍ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هو في شَأْنٍ﴾: وقَدْ صَحَّ أنَّ القَلَمَ جَفَّ بِما هو كائِنٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ فَقالَ: شُئُونٌ يُبْدِيها، لا شُئُونٌ يَبْتَدِيها. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: هو في يَوْمِ الدُّنْيا في الِابْتِلاءِ، وفي يَوْمِ القِيامَةِ في الجَزاءِ. وانْتَصَبَ ﴿كُلَّ يَوْمٍ﴾ عَلى الظَّرْفِ، والعامِلُ فِيهِ العامِلُ في قَوْلِهِ: ﴿فِي شَأْنٍ﴾، وهو مُسْتَقِرٌّ المَحْذُوفُ، نَحْوَ: يَوْمَ الجُمُعَةِ زَيْدٌ قائِمٌ.