Lafzullah

Al-Bahr Al-Muhit — التغابن 64:1 – الطلاق 65:12

المؤلف / المصدر: Al-Bahr Al-Muhit

المحتويات
  1. التغابن 64:1
  2. التغابن 64:2
  3. التغابن 64:3
  4. التغابن 64:4
  5. التغابن 64:5
  6. التغابن 64:6
  7. التغابن 64:7
  8. التغابن 64:8
  9. التغابن 64:9
  10. التغابن 64:10
  11. التغابن 64:11
  12. التغابن 64:12
  13. التغابن 64:13
  14. التغابن 64:14
  15. التغابن 64:15
  16. التغابن 64:16
  17. التغابن 64:17
  18. التغابن 64:18
  19. الطلاق 65:1
  20. الطلاق 65:2
  21. الطلاق 65:3
  22. الطلاق 65:4
  23. الطلاق 65:5
  24. الطلاق 65:6
  25. الطلاق 65:7
  26. الطلاق 65:8
  27. الطلاق 65:9
  28. الطلاق 65:10
  29. الطلاق 65:11
  30. الطلاق 65:12

التغابن 64:1

(سُورَةُ التَّغابُنِ مَدَنِيَّةٌ وهي ثَمانِيَ عَشْرَةَ آيَةً) (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ لَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ وهو عَلى كُلِ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم فَمِنكم كافِرٌ ومِنكم مُؤْمِنٌ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ وصَوَّرَكم فَأحْسَنَ صُوَرَكم وإلَيْهِ المَصِيرُ﴾ ﴿يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ ويَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وما تُعْلِنُونَ واللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ ﴿ألَمْ يَأْتِكم نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ فَذاقُوا وبالَ أمْرِهِمْ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهُ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَقالُوا أبَشَرٌ يَهْدُونَنا فَكَفَرُوا وتَوَلَّوْا واسْتَغْنى اللَّهُ واللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى ورَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ وذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ والنُّورِ الَّذِي أنْزَلْنا واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكم لِيَوْمِ الجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ ومَن يُؤْمِن بِاللَّهِ ويَعْمَلْ صالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ ويُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ خالِدِينَ فِيها وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ ﴿ما أصابَ مِن مُصِيبَةٍ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ ومَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [التغابن: ١١] ﴿وأطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإنَّما عَلى رَسُولِنا البَلاغُ المُبِينُ﴾ [التغابن: ١٢] ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ [التغابن: ١٣] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ مِن أزْواجِكم وأوْلادِكم عَدُوًّا لَكم فاحْذَرُوهم وإنْ تَعْفُوا وتَصْفَحُوا وتَغْفِرُوا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التغابن: ١٤] ﴿إنَّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ واللَّهُ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [التغابن: ١٥] ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ واسْمَعُوا وأطِيعُوا وأنْفِقُوا خَيْرًا لِأنْفُسِكم ومَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [التغابن: ١٦] ﴿إنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضاعِفْهُ لَكم ويَغْفِرْ لَكم واللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ﴾ [التغابن: ١٧] ﴿عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [التغابن: ١٨] . التَّغابُنُ: تَفاعُلٌ مِنَ الغَبَنِ ولَيْسَ مِنَ اثْنَيْنِ، بَلْ هو مِن واحِدٍ، كَتَواضُعٍ وتَحامُلٍ. والغَبَنُ: أخْذُ الشَّيْءِ بِدُونِ قِيمَتِهِ، أوْ بَيْعُهُ كَذَلِكَ. وقِيلَ: الغَبَنُ الإخْفاءُ (p-٢٧٦)ومِنهُ غَبَنُ البَيْعِ لِاسْتِخْفائِهِ، ويُقالُ: غَبَنْتُ الثَّوْبَ وخَبَنْتُهُ، إذا أخَذْتَ ما طالَ مِنهُ عَنْ مِقْدارِكَ، فَمَعْناهُ النَّقْصُ. ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ لَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم فَمِنكم كافِرٌ ومِنكم مُؤْمِنٌ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ وصَوَّرَكم فَأحْسَنَ صُوَرَكم وإلَيْهِ المَصِيرُ﴾ ﴿يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ ويَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وما تُعْلِنُونَ واللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ ﴿ألَمْ يَأْتِكم نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ فَذاقُوا وبالَ أمْرِهِمْ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهُ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَقالُوا أبَشَرٌ يَهْدُونَنا فَكَفَرُوا وتَوَلَّوْا واسْتَغْنى اللَّهُ واللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى ورَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ وذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ والنُّورِ الَّذِي أنْزَلْنا واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكم لِيَوْمِ الجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ ومَن يُؤْمِن بِاللَّهِ ويَعْمَلْ صالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ ويُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ . هَذِهِ السُّورَةُ مَدَنِيَّةٌ في قَوْلِ الأكْثَرِينَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: مَكِّيَّةٌ إلّا آياتٍ مِن آخِرِها: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ مِن أزْواجِكُمْ﴾ [التغابن: ١٤] إلَخْ نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ. وقالَ الكَلْبِيُّ: مَدَنِيَّةٌ ومَكِّيَّةٌ. ومُناسَبَةُ هَذِهِ السُّورَةِ لِما قَبْلَها أنَّ ما قَبْلَها مُشْتَمِلٌ عَلى حالِ المُنافِقِينَ، وفي آخِرِها خِطابُ المُؤْمِنِينَ، فَأتْبَعَهُ بِما يُناسِبُهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم فَمِنكم كافِرٌ ومِنكم مُؤْمِنٌ﴾ هَذا تَقْسِيمٌ في الإيمانِ والكُفْرِ بِالنَّظَرِ إلى الِاكْتِسابِ عِنْدَ جَماعَةٍ مِنَ المُتَأوِّلِينَ لِقَوْلِهِ: «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلى الفِطْرَةِ» وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها﴾ [الروم: ٣٠] . وقِيلَ: ذانِكَ في أصْلِ الخِلْقَةِ، بِدَلِيلِ ما في حَدِيثِ النُّطْفَةِ مِن قَوْلِ المَلَكِ: أشَقِيٌّ أمْ سَعِيدٌ ؟ والغُلامُ الَّذِي قَتَلَهُ الخَضِرُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّهُ طُبِعَ يَوْمَ طُبِعَ كافِرًا. وما رَوى ابْنُ مَسْعُودٍ أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - قالَ: «خَلَقَ اللَّهُ فِرْعَوْنَ في البَطْنِ كافِرًا» . وحَكى يَحْيى بْنَ زَكَرِيّا: في البَطْنِ مُؤْمِنًا. وعَنْ عَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ: ﴿فَمِنكم كافِرٌ﴾ (p-٢٧٧)بِاللَّهِ ( مُؤْمِنٌ بِالكَوْكَبِ، ومُؤْمِنٌ بِاللَّهِ وكافِرٌ بِالكَوْكَبِ. وقَدَّمَ الكافِرَ لِكَثْرَتِهِ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقَلِيلٌ مِن عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبإ: ١٣] ؟ وحِينَ ذَكَرَ الصّالِحِينَ قالَ: ﴿وقَلِيلٌ ما هُمْ﴾ [ص: ٢٤] . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَمِنكم آتٍ بِالكُفْرِ وفاعِلٌ لَهُ، ومِنكم آتٍ بِالإيمانِ وفاعِلٌ لَهُ، كَقَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿وجَعَلْنا في ذُرِّيَّتِهِما النُّبُوَّةَ والكِتابَ فَمِنهم مُهْتَدٍ وكَثِيرٌ مِنهم فاسِقُونَ﴾ [الحديد: ٢٦] والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ أيْ: عالِمٌ بِكُفْرِكم وإيمانِكُمُ اللَّذَيْنِ هُما مِن قِبَلِكم، والمَعْنى: هو الَّذِي تَفَضَّلَ عَلَيْكم بِأصْلِ النِّعَمِ الَّذِي هو الخَلْقُ والإيجادُ عَنِ العَدَمِ، فَكانَ يَجِبُ أنْ تَنْظُرُوا النَّظَرَ الصَّحِيحَ، وتَكُونُوا بِأجْمَعِكم عِبادًا شاكِرِينَ. انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ. وقالَ أيْضًا: وقِيلَ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم فَمِنكم كافِرٌ﴾ بِالخَلْقِ، هُمُ الدَّهْرِيَّةُ ﴿ومِنكم مُؤْمِنٌ﴾ بِهِ. وعَنِ الحَسَنِ: في الكَلامِ حَذْفٌ دَلَّ عَلَيْهِ تَقْدِيرُهُ: ومِنكم فاسِقٌ، وكَأنَّهُ مِن كَذِبِ المُعْتَزِلَةِ عَلى الحَسَنِ. وتَقَدَّمَ الجارُّ والمَجْرُورُ في قَوْلِهِ: ﴿لَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِيَدُلَّ بِتَقَدُّمِهِما عَلى مَعْنى اخْتِصاصِ المُلْكِ والحَمْدِ بِاللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - وذَلِكَ لِأنَّ المُلْكَ عَلى الحَقِيقَةِ لَهُ؛ لِأنَّهُ مُبْدِئُ كُلِّ شَيْءٍ ومُبْدِعُهُ، والقائِمُ بِهِ المُهَيْمِنُ عَلَيْهِ وكَذَلِكَ الحَمْدُ؛ لِأنَّ أُصُولَ النِّعَمِ وفُرُوعَها مِنهُ. وأمّا مُلْكُ غَيْرِهِ فَتَسْلِيطٌ مِنهُ، وحَمْدُهُ اعْتِدادٌ بِأنَّ نِعْمَةَ اللَّهِ جَرَتْ عَلى يَدِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (صُوَرَكم) بِضَمِّ الصّادِ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وأبُو رَزِينٍ: بِكَسْرِها، والقِياسُ الضَّمُّ، وهَذا تَعْدِيدٌ لِلنِّعْمَةِ في حُسْنِ الخِلْقَةِ؛ لِأنَّ أعْضاءَ بَنِي آدَمَ مُتَصَرِّفَةٌ بِجَمِيعِ ما تَتَصَرَّفُ فِيهِ أعْضاءُ الحَيَوانِ، وبِزِيادَةٍ كَثِيرَةٍ فُضِّلَ بِها. ثُمَّ هو مُفَضَّلٌ بِحُسْنِ الوَجْهِ وجَمالِ الجَوارِحِ، كَما قالَ - تَعالى -: ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤] . وقِيلَ: النِّعْمَةُ هُنا إنَّما هي صُورَةُ الإنْسانِ مِن حَيْثُ هو إنْسانٌ مُدْرِكٌ عاقِلٌ، فَهَذا هو الَّذِي حُسِّنَ لَهُ حَتّى لَحِقَتْهُ كِمالاتٌ كَثِيرَةٌ، وتَكادُ العَرَبُ لا تَعْرِفُ الصُّورَةَ إلّا الشَّكْلَ، لا المَعْنى القائِمَ بِالصُّورَةِ. ونَبَّهَ - تَعالى - بِعِلْمِهِ بِما في السَّماواتِ والأرْضِ، ثُمَّ بِعِلْمِهِ بِما يُسِرُّ العِبادُ وما يُعْلِنُونَهُ، ثُمَّ بِعِلْمِهِ بِما أكَنَّتْهُ الصُّدُورُ عَلى أنَّهُ - تَعالى - لا يَغِيبُ عَنْ عِلْمِهِ شَيْءٌ، لا مِنَ الكُلِّيّاتِ ولا مِنَ الجُزْئِيّاتِ، فابْتَدَأ بِالعِلْمِ الشّامِلِ لِلْعالَمِ كُلِّهِ، ثُمَّ بِخاصِّ العِبادِ مِن سِرِّهِمْ وإعْلانِهِمْ، ثُمَّ ما خَصَّ مِنهُ، وهو ما تَنْطَوِي عَلَيْهِ صُدُورُهم مِن خَفِيِّ الأشْياءِ وكامِنِها، وهَذا كُلُّهُ في مَعْنى الوَعِيدِ، إذْ هو - تَعالى - المُجازِي عَلى جَمِيعِ ذَلِكَ بِالثَّوابِ والعِقابِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ما تُسِرُّونَ وما تُعْلِنُونَ﴾ بِتاءِ الخِطابِ. وعُبَيْدٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو، وأبانٌ عَنْ عاصِمٍ: بِالياءِ. ﴿ألَمْ يَأْتِكُمْ﴾ الخِطابُ لِقُرَيْشٍ، ذُكِّرُوا بِما حَلَّ بِالكُفّارِ قَبْلَهم عادٍ وثَمُودَ وقَوْمِ إبْراهِيمَ وغَيْرِهِمْ مِمَّنْ صَرَّحَ بِذِكْرِهِمْ في سُورَةِ بَراءَةَ وغَيْرِها، وقَدْ سَمِعَتْ قُرَيْشٌ أخْبارَهم. ﴿فَذاقُوا وبالَ أمْرِهِمْ﴾ أيْ: مَكْرُوهِهِمْ وما يَسُوؤُهم مِنهُ. (ذَلِكَ) أيِ: الوَبالُ (بِأنَّهُ) أيْ: بِأنَّ الشَّأْنَ والحَدِيثَ اسْتَبْعَدُوا أنْ يَبْعَثَ اللَّهُ - تَعالى - مِنَ البَشَرِ رَسُولًا، كَما اسْتَبْعَدَتْ قُرَيْشٌ، فَقالُوا عَلى سَبِيلِ الِاسْتِغْرابِ: ﴿أبَشَرٌ يَهْدُونَنا﴾ وذَلِكَ أنَّهم يَقُولُونَ: نَحْنُ مُتَساوُونَ في البَشَرِيَّةِ، فَأنّى يَكُونُ لِهَؤُلاءِ تَمْيِيزٌ عَلَيْنا بِحَيْثُ يَصِيرُونَ هُداةً لَنا ؟ وارْتَفَعَ (أبَشَرٌ) عِنْدَ الحَوْفِيِّ وابْنِ عَطِيَّةَ عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ (يَهْدُونَنا) والأحْسَنُ أنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا عَلى الفاعِلِيَّةِ؛ لِأنَّ هَمْزَةَ الِاسْتِفْهامِ تَطْلُبُ الفِعْلَ، فالمَسْألَةُ مِن بابِ الِاشْتِغالِ. (فَكَفَرُوا): العَطْفُ بِالفاءِ يَدُلُّ عَلى تَعَقُّبِ كُفْرِهِمْ مَجِيءِ الرُّسُلِ بِالبَيِّناتِ، أيْ: لَمْ يَنْظُرُوا في تِلْكَ البَيِّناتِ ولا تَأمَّلُوها، بَلْ عَقَّبُوا مَجِيئَها بِالكُفْرِ ﴿واسْتَغْنى اللَّهُ﴾ اسْتَفْعَلَ بِمَعْنى الفِعْلِ المُجَرَّدِ، وغِناهُ - تَعالى - أزَلِيٌّ، فالمَعْنى: أنَّهُ ظَهَرَ تَعالى غِناهُ عَنْهم إذْ أهْلَكَهم. ولَيْسَتِ اسْتَفْعَلَ هُنا لِلطَّلَبِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَعْناهُ وظَهَرَ اسْتِغْناءُ اللَّهِ حَيْثُ لَمْ يُلْجِئْهم إلى الإيمانِ، ولَمْ يَضْطَرَّهم إلَيْهِ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلى ذَلِكَ. انْتَهى، وفِيهِ دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ. والزَّعْمُ: تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ، ”والَّذِينَ كَفَرُوا“ أهْلُ مَكَّةَ، و”بَلى“ إثْباتٌ لِما بَعْدَ حَرْفِ النَّفْيِ ﴿وذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ أيْ: لا يَصْرِفُهُ عَنْهُ صارِفٌ. ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ وهُو مُحَمَّدٌ ﷺ ﴿والنُّورِ الَّذِي أنْزَلْنا﴾ هو (p-٢٧٨)القُرْآنُ، وانْتَصَبَ ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ﴾ بِقَوْلِهِ: (لَتُنَبَّؤُنَّ) أوْ بِخَبِيرَ، بِما فِيهِ مِن مَعْنى الوَعِيدِ والجَزاءِ، أوْ بِـ (اذْكُرْ) مُضْمَرَةً، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. والأوَّلُ عَنِ النَّحّاسِ، والثّانِي عَنِ الحَوْفِيِّ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”يَجْمَعُكم“ بِالياءِ وضَمِّ العَيْنِ. ورُوِيَ عَنْهُ سُكُونُها وإشْمامُها الضَّمَّ. وسَلّامٌ ويَعْقُوبُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ والشَّعْبِيُّ: بِالنُّونِ. ﴿لِيَوْمِ الجَمْعِ﴾ يُجْمَعُ فِيهِ الأوَّلُونَ والآخِرُونَ، وذَلِكَ أنَّ كُلَّ واحِدٍ يُبْعَثُ طامِعًا في الخَلاصِ ورَفْعِ المَنزِلَةِ. ﴿ذَلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ﴾ مُسْتَعارٌ مِن تَغابَنَ القَوْمُ في التِّجارَةِ، وهو أنْ يَغِبْنَ بَعْضُهم بَعْضًا؛ لِأنَّ السُّعَداءَ نَزَلُوا مَنازِلَ الأشْقِياءِ لَوْ كانُوا سُعَداءَ، ونَزَلَ الأشْقِياءُ مَنازِلَ السُّعَداءِ لَوْ كانُوا أشْقِياءَ، وفي الحَدِيثِ: ”ما مِن عَبْدٍ يَدْخُلُ الجَنَّةَ إلّا أُرى مَقْعَدَهُ مِنَ النّارِ لَوْ أساءَ لِيَزْدادَ شُكْرًا، وما مِن عَبْدٍ يَدْخُلُ النّارَ إلّا أُرى مَقْعَدَهُ مِنَ الجَنَّةِ لَوْ أحْسَنَ لِيَزْدادَ حَسْرَةً“ . وذَلِكَ مَعْنى يَوْمِ التَّغابُنِ. وعَنْ مُجاهِدٍ وغَيْرِهِ: إذا وقَعَ الجَزاءُ، غَبَنَ المُؤْمِنُونَ الكافِرِينَ؛ لِأنَّهم يَجُوزُونَ الجَنَّةَ وتَحَصَّلَ الكُفّارُ في النّارِ. وقَرَأ الأعْرَجُ وشَيْبَةُ وأبُو جَعْفَرٍ وطَلْحَةُ ونافِعٌ وابْنُ عامِرٍ والمُفَضَّلُ، عَنْ عاصِمٍ وزَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ والحَسَنِ، بِخِلافٍ عَنْهُ: نَكْفُرُ ونَدْخُلُهُ، بِالنُّونِ فِيهِما. والأعْمَشُ وعِيسى والحَسَنُ وباقِي السَّبْعَةِ بِالياءِ فِيهِما.

التغابن 64:2

(سُورَةُ التَّغابُنِ مَدَنِيَّةٌ وهي ثَمانِيَ عَشْرَةَ آيَةً) (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ لَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ وهو عَلى كُلِ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم فَمِنكم كافِرٌ ومِنكم مُؤْمِنٌ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ وصَوَّرَكم فَأحْسَنَ صُوَرَكم وإلَيْهِ المَصِيرُ﴾ ﴿يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ ويَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وما تُعْلِنُونَ واللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ ﴿ألَمْ يَأْتِكم نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ فَذاقُوا وبالَ أمْرِهِمْ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهُ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَقالُوا أبَشَرٌ يَهْدُونَنا فَكَفَرُوا وتَوَلَّوْا واسْتَغْنى اللَّهُ واللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى ورَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ وذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ والنُّورِ الَّذِي أنْزَلْنا واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكم لِيَوْمِ الجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ ومَن يُؤْمِن بِاللَّهِ ويَعْمَلْ صالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ ويُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ خالِدِينَ فِيها وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ ﴿ما أصابَ مِن مُصِيبَةٍ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ ومَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [التغابن: ١١] ﴿وأطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإنَّما عَلى رَسُولِنا البَلاغُ المُبِينُ﴾ [التغابن: ١٢] ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ [التغابن: ١٣] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ مِن أزْواجِكم وأوْلادِكم عَدُوًّا لَكم فاحْذَرُوهم وإنْ تَعْفُوا وتَصْفَحُوا وتَغْفِرُوا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التغابن: ١٤] ﴿إنَّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ واللَّهُ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [التغابن: ١٥] ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ واسْمَعُوا وأطِيعُوا وأنْفِقُوا خَيْرًا لِأنْفُسِكم ومَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [التغابن: ١٦] ﴿إنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضاعِفْهُ لَكم ويَغْفِرْ لَكم واللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ﴾ [التغابن: ١٧] ﴿عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [التغابن: ١٨] . التَّغابُنُ: تَفاعُلٌ مِنَ الغَبَنِ ولَيْسَ مِنَ اثْنَيْنِ، بَلْ هو مِن واحِدٍ، كَتَواضُعٍ وتَحامُلٍ. والغَبَنُ: أخْذُ الشَّيْءِ بِدُونِ قِيمَتِهِ، أوْ بَيْعُهُ كَذَلِكَ. وقِيلَ: الغَبَنُ الإخْفاءُ (p-٢٧٦)ومِنهُ غَبَنُ البَيْعِ لِاسْتِخْفائِهِ، ويُقالُ: غَبَنْتُ الثَّوْبَ وخَبَنْتُهُ، إذا أخَذْتَ ما طالَ مِنهُ عَنْ مِقْدارِكَ، فَمَعْناهُ النَّقْصُ. ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ لَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم فَمِنكم كافِرٌ ومِنكم مُؤْمِنٌ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ وصَوَّرَكم فَأحْسَنَ صُوَرَكم وإلَيْهِ المَصِيرُ﴾ ﴿يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ ويَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وما تُعْلِنُونَ واللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ ﴿ألَمْ يَأْتِكم نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ فَذاقُوا وبالَ أمْرِهِمْ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهُ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَقالُوا أبَشَرٌ يَهْدُونَنا فَكَفَرُوا وتَوَلَّوْا واسْتَغْنى اللَّهُ واللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى ورَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ وذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ والنُّورِ الَّذِي أنْزَلْنا واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكم لِيَوْمِ الجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ ومَن يُؤْمِن بِاللَّهِ ويَعْمَلْ صالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ ويُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ . هَذِهِ السُّورَةُ مَدَنِيَّةٌ في قَوْلِ الأكْثَرِينَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: مَكِّيَّةٌ إلّا آياتٍ مِن آخِرِها: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ مِن أزْواجِكُمْ﴾ [التغابن: ١٤] إلَخْ نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ. وقالَ الكَلْبِيُّ: مَدَنِيَّةٌ ومَكِّيَّةٌ. ومُناسَبَةُ هَذِهِ السُّورَةِ لِما قَبْلَها أنَّ ما قَبْلَها مُشْتَمِلٌ عَلى حالِ المُنافِقِينَ، وفي آخِرِها خِطابُ المُؤْمِنِينَ، فَأتْبَعَهُ بِما يُناسِبُهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم فَمِنكم كافِرٌ ومِنكم مُؤْمِنٌ﴾ هَذا تَقْسِيمٌ في الإيمانِ والكُفْرِ بِالنَّظَرِ إلى الِاكْتِسابِ عِنْدَ جَماعَةٍ مِنَ المُتَأوِّلِينَ لِقَوْلِهِ: «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلى الفِطْرَةِ» وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها﴾ [الروم: ٣٠] . وقِيلَ: ذانِكَ في أصْلِ الخِلْقَةِ، بِدَلِيلِ ما في حَدِيثِ النُّطْفَةِ مِن قَوْلِ المَلَكِ: أشَقِيٌّ أمْ سَعِيدٌ ؟ والغُلامُ الَّذِي قَتَلَهُ الخَضِرُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّهُ طُبِعَ يَوْمَ طُبِعَ كافِرًا. وما رَوى ابْنُ مَسْعُودٍ أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - قالَ: «خَلَقَ اللَّهُ فِرْعَوْنَ في البَطْنِ كافِرًا» . وحَكى يَحْيى بْنَ زَكَرِيّا: في البَطْنِ مُؤْمِنًا. وعَنْ عَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ: ﴿فَمِنكم كافِرٌ﴾ (p-٢٧٧)بِاللَّهِ ( مُؤْمِنٌ بِالكَوْكَبِ، ومُؤْمِنٌ بِاللَّهِ وكافِرٌ بِالكَوْكَبِ. وقَدَّمَ الكافِرَ لِكَثْرَتِهِ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقَلِيلٌ مِن عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبإ: ١٣] ؟ وحِينَ ذَكَرَ الصّالِحِينَ قالَ: ﴿وقَلِيلٌ ما هُمْ﴾ [ص: ٢٤] . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَمِنكم آتٍ بِالكُفْرِ وفاعِلٌ لَهُ، ومِنكم آتٍ بِالإيمانِ وفاعِلٌ لَهُ، كَقَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿وجَعَلْنا في ذُرِّيَّتِهِما النُّبُوَّةَ والكِتابَ فَمِنهم مُهْتَدٍ وكَثِيرٌ مِنهم فاسِقُونَ﴾ [الحديد: ٢٦] والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ أيْ: عالِمٌ بِكُفْرِكم وإيمانِكُمُ اللَّذَيْنِ هُما مِن قِبَلِكم، والمَعْنى: هو الَّذِي تَفَضَّلَ عَلَيْكم بِأصْلِ النِّعَمِ الَّذِي هو الخَلْقُ والإيجادُ عَنِ العَدَمِ، فَكانَ يَجِبُ أنْ تَنْظُرُوا النَّظَرَ الصَّحِيحَ، وتَكُونُوا بِأجْمَعِكم عِبادًا شاكِرِينَ. انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ. وقالَ أيْضًا: وقِيلَ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم فَمِنكم كافِرٌ﴾ بِالخَلْقِ، هُمُ الدَّهْرِيَّةُ ﴿ومِنكم مُؤْمِنٌ﴾ بِهِ. وعَنِ الحَسَنِ: في الكَلامِ حَذْفٌ دَلَّ عَلَيْهِ تَقْدِيرُهُ: ومِنكم فاسِقٌ، وكَأنَّهُ مِن كَذِبِ المُعْتَزِلَةِ عَلى الحَسَنِ. وتَقَدَّمَ الجارُّ والمَجْرُورُ في قَوْلِهِ: ﴿لَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِيَدُلَّ بِتَقَدُّمِهِما عَلى مَعْنى اخْتِصاصِ المُلْكِ والحَمْدِ بِاللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - وذَلِكَ لِأنَّ المُلْكَ عَلى الحَقِيقَةِ لَهُ؛ لِأنَّهُ مُبْدِئُ كُلِّ شَيْءٍ ومُبْدِعُهُ، والقائِمُ بِهِ المُهَيْمِنُ عَلَيْهِ وكَذَلِكَ الحَمْدُ؛ لِأنَّ أُصُولَ النِّعَمِ وفُرُوعَها مِنهُ. وأمّا مُلْكُ غَيْرِهِ فَتَسْلِيطٌ مِنهُ، وحَمْدُهُ اعْتِدادٌ بِأنَّ نِعْمَةَ اللَّهِ جَرَتْ عَلى يَدِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (صُوَرَكم) بِضَمِّ الصّادِ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وأبُو رَزِينٍ: بِكَسْرِها، والقِياسُ الضَّمُّ، وهَذا تَعْدِيدٌ لِلنِّعْمَةِ في حُسْنِ الخِلْقَةِ؛ لِأنَّ أعْضاءَ بَنِي آدَمَ مُتَصَرِّفَةٌ بِجَمِيعِ ما تَتَصَرَّفُ فِيهِ أعْضاءُ الحَيَوانِ، وبِزِيادَةٍ كَثِيرَةٍ فُضِّلَ بِها. ثُمَّ هو مُفَضَّلٌ بِحُسْنِ الوَجْهِ وجَمالِ الجَوارِحِ، كَما قالَ - تَعالى -: ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤] . وقِيلَ: النِّعْمَةُ هُنا إنَّما هي صُورَةُ الإنْسانِ مِن حَيْثُ هو إنْسانٌ مُدْرِكٌ عاقِلٌ، فَهَذا هو الَّذِي حُسِّنَ لَهُ حَتّى لَحِقَتْهُ كِمالاتٌ كَثِيرَةٌ، وتَكادُ العَرَبُ لا تَعْرِفُ الصُّورَةَ إلّا الشَّكْلَ، لا المَعْنى القائِمَ بِالصُّورَةِ. ونَبَّهَ - تَعالى - بِعِلْمِهِ بِما في السَّماواتِ والأرْضِ، ثُمَّ بِعِلْمِهِ بِما يُسِرُّ العِبادُ وما يُعْلِنُونَهُ، ثُمَّ بِعِلْمِهِ بِما أكَنَّتْهُ الصُّدُورُ عَلى أنَّهُ - تَعالى - لا يَغِيبُ عَنْ عِلْمِهِ شَيْءٌ، لا مِنَ الكُلِّيّاتِ ولا مِنَ الجُزْئِيّاتِ، فابْتَدَأ بِالعِلْمِ الشّامِلِ لِلْعالَمِ كُلِّهِ، ثُمَّ بِخاصِّ العِبادِ مِن سِرِّهِمْ وإعْلانِهِمْ، ثُمَّ ما خَصَّ مِنهُ، وهو ما تَنْطَوِي عَلَيْهِ صُدُورُهم مِن خَفِيِّ الأشْياءِ وكامِنِها، وهَذا كُلُّهُ في مَعْنى الوَعِيدِ، إذْ هو - تَعالى - المُجازِي عَلى جَمِيعِ ذَلِكَ بِالثَّوابِ والعِقابِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ما تُسِرُّونَ وما تُعْلِنُونَ﴾ بِتاءِ الخِطابِ. وعُبَيْدٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو، وأبانٌ عَنْ عاصِمٍ: بِالياءِ. ﴿ألَمْ يَأْتِكُمْ﴾ الخِطابُ لِقُرَيْشٍ، ذُكِّرُوا بِما حَلَّ بِالكُفّارِ قَبْلَهم عادٍ وثَمُودَ وقَوْمِ إبْراهِيمَ وغَيْرِهِمْ مِمَّنْ صَرَّحَ بِذِكْرِهِمْ في سُورَةِ بَراءَةَ وغَيْرِها، وقَدْ سَمِعَتْ قُرَيْشٌ أخْبارَهم. ﴿فَذاقُوا وبالَ أمْرِهِمْ﴾ أيْ: مَكْرُوهِهِمْ وما يَسُوؤُهم مِنهُ. (ذَلِكَ) أيِ: الوَبالُ (بِأنَّهُ) أيْ: بِأنَّ الشَّأْنَ والحَدِيثَ اسْتَبْعَدُوا أنْ يَبْعَثَ اللَّهُ - تَعالى - مِنَ البَشَرِ رَسُولًا، كَما اسْتَبْعَدَتْ قُرَيْشٌ، فَقالُوا عَلى سَبِيلِ الِاسْتِغْرابِ: ﴿أبَشَرٌ يَهْدُونَنا﴾ وذَلِكَ أنَّهم يَقُولُونَ: نَحْنُ مُتَساوُونَ في البَشَرِيَّةِ، فَأنّى يَكُونُ لِهَؤُلاءِ تَمْيِيزٌ عَلَيْنا بِحَيْثُ يَصِيرُونَ هُداةً لَنا ؟ وارْتَفَعَ (أبَشَرٌ) عِنْدَ الحَوْفِيِّ وابْنِ عَطِيَّةَ عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ (يَهْدُونَنا) والأحْسَنُ أنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا عَلى الفاعِلِيَّةِ؛ لِأنَّ هَمْزَةَ الِاسْتِفْهامِ تَطْلُبُ الفِعْلَ، فالمَسْألَةُ مِن بابِ الِاشْتِغالِ. (فَكَفَرُوا): العَطْفُ بِالفاءِ يَدُلُّ عَلى تَعَقُّبِ كُفْرِهِمْ مَجِيءِ الرُّسُلِ بِالبَيِّناتِ، أيْ: لَمْ يَنْظُرُوا في تِلْكَ البَيِّناتِ ولا تَأمَّلُوها، بَلْ عَقَّبُوا مَجِيئَها بِالكُفْرِ ﴿واسْتَغْنى اللَّهُ﴾ اسْتَفْعَلَ بِمَعْنى الفِعْلِ المُجَرَّدِ، وغِناهُ - تَعالى - أزَلِيٌّ، فالمَعْنى: أنَّهُ ظَهَرَ تَعالى غِناهُ عَنْهم إذْ أهْلَكَهم. ولَيْسَتِ اسْتَفْعَلَ هُنا لِلطَّلَبِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَعْناهُ وظَهَرَ اسْتِغْناءُ اللَّهِ حَيْثُ لَمْ يُلْجِئْهم إلى الإيمانِ، ولَمْ يَضْطَرَّهم إلَيْهِ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلى ذَلِكَ. انْتَهى، وفِيهِ دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ. والزَّعْمُ: تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ، ”والَّذِينَ كَفَرُوا“ أهْلُ مَكَّةَ، و”بَلى“ إثْباتٌ لِما بَعْدَ حَرْفِ النَّفْيِ ﴿وذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ أيْ: لا يَصْرِفُهُ عَنْهُ صارِفٌ. ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ وهُو مُحَمَّدٌ ﷺ ﴿والنُّورِ الَّذِي أنْزَلْنا﴾ هو (p-٢٧٨)القُرْآنُ، وانْتَصَبَ ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ﴾ بِقَوْلِهِ: (لَتُنَبَّؤُنَّ) أوْ بِخَبِيرَ، بِما فِيهِ مِن مَعْنى الوَعِيدِ والجَزاءِ، أوْ بِـ (اذْكُرْ) مُضْمَرَةً، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. والأوَّلُ عَنِ النَّحّاسِ، والثّانِي عَنِ الحَوْفِيِّ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”يَجْمَعُكم“ بِالياءِ وضَمِّ العَيْنِ. ورُوِيَ عَنْهُ سُكُونُها وإشْمامُها الضَّمَّ. وسَلّامٌ ويَعْقُوبُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ والشَّعْبِيُّ: بِالنُّونِ. ﴿لِيَوْمِ الجَمْعِ﴾ يُجْمَعُ فِيهِ الأوَّلُونَ والآخِرُونَ، وذَلِكَ أنَّ كُلَّ واحِدٍ يُبْعَثُ طامِعًا في الخَلاصِ ورَفْعِ المَنزِلَةِ. ﴿ذَلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ﴾ مُسْتَعارٌ مِن تَغابَنَ القَوْمُ في التِّجارَةِ، وهو أنْ يَغِبْنَ بَعْضُهم بَعْضًا؛ لِأنَّ السُّعَداءَ نَزَلُوا مَنازِلَ الأشْقِياءِ لَوْ كانُوا سُعَداءَ، ونَزَلَ الأشْقِياءُ مَنازِلَ السُّعَداءِ لَوْ كانُوا أشْقِياءَ، وفي الحَدِيثِ: ”ما مِن عَبْدٍ يَدْخُلُ الجَنَّةَ إلّا أُرى مَقْعَدَهُ مِنَ النّارِ لَوْ أساءَ لِيَزْدادَ شُكْرًا، وما مِن عَبْدٍ يَدْخُلُ النّارَ إلّا أُرى مَقْعَدَهُ مِنَ الجَنَّةِ لَوْ أحْسَنَ لِيَزْدادَ حَسْرَةً“ . وذَلِكَ مَعْنى يَوْمِ التَّغابُنِ. وعَنْ مُجاهِدٍ وغَيْرِهِ: إذا وقَعَ الجَزاءُ، غَبَنَ المُؤْمِنُونَ الكافِرِينَ؛ لِأنَّهم يَجُوزُونَ الجَنَّةَ وتَحَصَّلَ الكُفّارُ في النّارِ. وقَرَأ الأعْرَجُ وشَيْبَةُ وأبُو جَعْفَرٍ وطَلْحَةُ ونافِعٌ وابْنُ عامِرٍ والمُفَضَّلُ، عَنْ عاصِمٍ وزَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ والحَسَنِ، بِخِلافٍ عَنْهُ: نَكْفُرُ ونَدْخُلُهُ، بِالنُّونِ فِيهِما. والأعْمَشُ وعِيسى والحَسَنُ وباقِي السَّبْعَةِ بِالياءِ فِيهِما.

التغابن 64:3

(سُورَةُ التَّغابُنِ مَدَنِيَّةٌ وهي ثَمانِيَ عَشْرَةَ آيَةً) (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ لَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ وهو عَلى كُلِ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم فَمِنكم كافِرٌ ومِنكم مُؤْمِنٌ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ وصَوَّرَكم فَأحْسَنَ صُوَرَكم وإلَيْهِ المَصِيرُ﴾ ﴿يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ ويَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وما تُعْلِنُونَ واللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ ﴿ألَمْ يَأْتِكم نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ فَذاقُوا وبالَ أمْرِهِمْ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهُ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَقالُوا أبَشَرٌ يَهْدُونَنا فَكَفَرُوا وتَوَلَّوْا واسْتَغْنى اللَّهُ واللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى ورَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ وذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ والنُّورِ الَّذِي أنْزَلْنا واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكم لِيَوْمِ الجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ ومَن يُؤْمِن بِاللَّهِ ويَعْمَلْ صالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ ويُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ خالِدِينَ فِيها وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ ﴿ما أصابَ مِن مُصِيبَةٍ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ ومَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [التغابن: ١١] ﴿وأطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإنَّما عَلى رَسُولِنا البَلاغُ المُبِينُ﴾ [التغابن: ١٢] ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ [التغابن: ١٣] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ مِن أزْواجِكم وأوْلادِكم عَدُوًّا لَكم فاحْذَرُوهم وإنْ تَعْفُوا وتَصْفَحُوا وتَغْفِرُوا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التغابن: ١٤] ﴿إنَّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ واللَّهُ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [التغابن: ١٥] ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ واسْمَعُوا وأطِيعُوا وأنْفِقُوا خَيْرًا لِأنْفُسِكم ومَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [التغابن: ١٦] ﴿إنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضاعِفْهُ لَكم ويَغْفِرْ لَكم واللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ﴾ [التغابن: ١٧] ﴿عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [التغابن: ١٨] . التَّغابُنُ: تَفاعُلٌ مِنَ الغَبَنِ ولَيْسَ مِنَ اثْنَيْنِ، بَلْ هو مِن واحِدٍ، كَتَواضُعٍ وتَحامُلٍ. والغَبَنُ: أخْذُ الشَّيْءِ بِدُونِ قِيمَتِهِ، أوْ بَيْعُهُ كَذَلِكَ. وقِيلَ: الغَبَنُ الإخْفاءُ (p-٢٧٦)ومِنهُ غَبَنُ البَيْعِ لِاسْتِخْفائِهِ، ويُقالُ: غَبَنْتُ الثَّوْبَ وخَبَنْتُهُ، إذا أخَذْتَ ما طالَ مِنهُ عَنْ مِقْدارِكَ، فَمَعْناهُ النَّقْصُ. ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ لَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم فَمِنكم كافِرٌ ومِنكم مُؤْمِنٌ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ وصَوَّرَكم فَأحْسَنَ صُوَرَكم وإلَيْهِ المَصِيرُ﴾ ﴿يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ ويَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وما تُعْلِنُونَ واللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ ﴿ألَمْ يَأْتِكم نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ فَذاقُوا وبالَ أمْرِهِمْ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهُ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَقالُوا أبَشَرٌ يَهْدُونَنا فَكَفَرُوا وتَوَلَّوْا واسْتَغْنى اللَّهُ واللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى ورَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ وذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ والنُّورِ الَّذِي أنْزَلْنا واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكم لِيَوْمِ الجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ ومَن يُؤْمِن بِاللَّهِ ويَعْمَلْ صالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ ويُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ . هَذِهِ السُّورَةُ مَدَنِيَّةٌ في قَوْلِ الأكْثَرِينَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: مَكِّيَّةٌ إلّا آياتٍ مِن آخِرِها: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ مِن أزْواجِكُمْ﴾ [التغابن: ١٤] إلَخْ نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ. وقالَ الكَلْبِيُّ: مَدَنِيَّةٌ ومَكِّيَّةٌ. ومُناسَبَةُ هَذِهِ السُّورَةِ لِما قَبْلَها أنَّ ما قَبْلَها مُشْتَمِلٌ عَلى حالِ المُنافِقِينَ، وفي آخِرِها خِطابُ المُؤْمِنِينَ، فَأتْبَعَهُ بِما يُناسِبُهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم فَمِنكم كافِرٌ ومِنكم مُؤْمِنٌ﴾ هَذا تَقْسِيمٌ في الإيمانِ والكُفْرِ بِالنَّظَرِ إلى الِاكْتِسابِ عِنْدَ جَماعَةٍ مِنَ المُتَأوِّلِينَ لِقَوْلِهِ: «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلى الفِطْرَةِ» وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها﴾ [الروم: ٣٠] . وقِيلَ: ذانِكَ في أصْلِ الخِلْقَةِ، بِدَلِيلِ ما في حَدِيثِ النُّطْفَةِ مِن قَوْلِ المَلَكِ: أشَقِيٌّ أمْ سَعِيدٌ ؟ والغُلامُ الَّذِي قَتَلَهُ الخَضِرُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّهُ طُبِعَ يَوْمَ طُبِعَ كافِرًا. وما رَوى ابْنُ مَسْعُودٍ أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - قالَ: «خَلَقَ اللَّهُ فِرْعَوْنَ في البَطْنِ كافِرًا» . وحَكى يَحْيى بْنَ زَكَرِيّا: في البَطْنِ مُؤْمِنًا. وعَنْ عَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ: ﴿فَمِنكم كافِرٌ﴾ (p-٢٧٧)بِاللَّهِ ( مُؤْمِنٌ بِالكَوْكَبِ، ومُؤْمِنٌ بِاللَّهِ وكافِرٌ بِالكَوْكَبِ. وقَدَّمَ الكافِرَ لِكَثْرَتِهِ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقَلِيلٌ مِن عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبإ: ١٣] ؟ وحِينَ ذَكَرَ الصّالِحِينَ قالَ: ﴿وقَلِيلٌ ما هُمْ﴾ [ص: ٢٤] . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَمِنكم آتٍ بِالكُفْرِ وفاعِلٌ لَهُ، ومِنكم آتٍ بِالإيمانِ وفاعِلٌ لَهُ، كَقَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿وجَعَلْنا في ذُرِّيَّتِهِما النُّبُوَّةَ والكِتابَ فَمِنهم مُهْتَدٍ وكَثِيرٌ مِنهم فاسِقُونَ﴾ [الحديد: ٢٦] والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ أيْ: عالِمٌ بِكُفْرِكم وإيمانِكُمُ اللَّذَيْنِ هُما مِن قِبَلِكم، والمَعْنى: هو الَّذِي تَفَضَّلَ عَلَيْكم بِأصْلِ النِّعَمِ الَّذِي هو الخَلْقُ والإيجادُ عَنِ العَدَمِ، فَكانَ يَجِبُ أنْ تَنْظُرُوا النَّظَرَ الصَّحِيحَ، وتَكُونُوا بِأجْمَعِكم عِبادًا شاكِرِينَ. انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ. وقالَ أيْضًا: وقِيلَ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم فَمِنكم كافِرٌ﴾ بِالخَلْقِ، هُمُ الدَّهْرِيَّةُ ﴿ومِنكم مُؤْمِنٌ﴾ بِهِ. وعَنِ الحَسَنِ: في الكَلامِ حَذْفٌ دَلَّ عَلَيْهِ تَقْدِيرُهُ: ومِنكم فاسِقٌ، وكَأنَّهُ مِن كَذِبِ المُعْتَزِلَةِ عَلى الحَسَنِ. وتَقَدَّمَ الجارُّ والمَجْرُورُ في قَوْلِهِ: ﴿لَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِيَدُلَّ بِتَقَدُّمِهِما عَلى مَعْنى اخْتِصاصِ المُلْكِ والحَمْدِ بِاللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - وذَلِكَ لِأنَّ المُلْكَ عَلى الحَقِيقَةِ لَهُ؛ لِأنَّهُ مُبْدِئُ كُلِّ شَيْءٍ ومُبْدِعُهُ، والقائِمُ بِهِ المُهَيْمِنُ عَلَيْهِ وكَذَلِكَ الحَمْدُ؛ لِأنَّ أُصُولَ النِّعَمِ وفُرُوعَها مِنهُ. وأمّا مُلْكُ غَيْرِهِ فَتَسْلِيطٌ مِنهُ، وحَمْدُهُ اعْتِدادٌ بِأنَّ نِعْمَةَ اللَّهِ جَرَتْ عَلى يَدِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (صُوَرَكم) بِضَمِّ الصّادِ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وأبُو رَزِينٍ: بِكَسْرِها، والقِياسُ الضَّمُّ، وهَذا تَعْدِيدٌ لِلنِّعْمَةِ في حُسْنِ الخِلْقَةِ؛ لِأنَّ أعْضاءَ بَنِي آدَمَ مُتَصَرِّفَةٌ بِجَمِيعِ ما تَتَصَرَّفُ فِيهِ أعْضاءُ الحَيَوانِ، وبِزِيادَةٍ كَثِيرَةٍ فُضِّلَ بِها. ثُمَّ هو مُفَضَّلٌ بِحُسْنِ الوَجْهِ وجَمالِ الجَوارِحِ، كَما قالَ - تَعالى -: ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤] . وقِيلَ: النِّعْمَةُ هُنا إنَّما هي صُورَةُ الإنْسانِ مِن حَيْثُ هو إنْسانٌ مُدْرِكٌ عاقِلٌ، فَهَذا هو الَّذِي حُسِّنَ لَهُ حَتّى لَحِقَتْهُ كِمالاتٌ كَثِيرَةٌ، وتَكادُ العَرَبُ لا تَعْرِفُ الصُّورَةَ إلّا الشَّكْلَ، لا المَعْنى القائِمَ بِالصُّورَةِ. ونَبَّهَ - تَعالى - بِعِلْمِهِ بِما في السَّماواتِ والأرْضِ، ثُمَّ بِعِلْمِهِ بِما يُسِرُّ العِبادُ وما يُعْلِنُونَهُ، ثُمَّ بِعِلْمِهِ بِما أكَنَّتْهُ الصُّدُورُ عَلى أنَّهُ - تَعالى - لا يَغِيبُ عَنْ عِلْمِهِ شَيْءٌ، لا مِنَ الكُلِّيّاتِ ولا مِنَ الجُزْئِيّاتِ، فابْتَدَأ بِالعِلْمِ الشّامِلِ لِلْعالَمِ كُلِّهِ، ثُمَّ بِخاصِّ العِبادِ مِن سِرِّهِمْ وإعْلانِهِمْ، ثُمَّ ما خَصَّ مِنهُ، وهو ما تَنْطَوِي عَلَيْهِ صُدُورُهم مِن خَفِيِّ الأشْياءِ وكامِنِها، وهَذا كُلُّهُ في مَعْنى الوَعِيدِ، إذْ هو - تَعالى - المُجازِي عَلى جَمِيعِ ذَلِكَ بِالثَّوابِ والعِقابِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ما تُسِرُّونَ وما تُعْلِنُونَ﴾ بِتاءِ الخِطابِ. وعُبَيْدٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو، وأبانٌ عَنْ عاصِمٍ: بِالياءِ. ﴿ألَمْ يَأْتِكُمْ﴾ الخِطابُ لِقُرَيْشٍ، ذُكِّرُوا بِما حَلَّ بِالكُفّارِ قَبْلَهم عادٍ وثَمُودَ وقَوْمِ إبْراهِيمَ وغَيْرِهِمْ مِمَّنْ صَرَّحَ بِذِكْرِهِمْ في سُورَةِ بَراءَةَ وغَيْرِها، وقَدْ سَمِعَتْ قُرَيْشٌ أخْبارَهم. ﴿فَذاقُوا وبالَ أمْرِهِمْ﴾ أيْ: مَكْرُوهِهِمْ وما يَسُوؤُهم مِنهُ. (ذَلِكَ) أيِ: الوَبالُ (بِأنَّهُ) أيْ: بِأنَّ الشَّأْنَ والحَدِيثَ اسْتَبْعَدُوا أنْ يَبْعَثَ اللَّهُ - تَعالى - مِنَ البَشَرِ رَسُولًا، كَما اسْتَبْعَدَتْ قُرَيْشٌ، فَقالُوا عَلى سَبِيلِ الِاسْتِغْرابِ: ﴿أبَشَرٌ يَهْدُونَنا﴾ وذَلِكَ أنَّهم يَقُولُونَ: نَحْنُ مُتَساوُونَ في البَشَرِيَّةِ، فَأنّى يَكُونُ لِهَؤُلاءِ تَمْيِيزٌ عَلَيْنا بِحَيْثُ يَصِيرُونَ هُداةً لَنا ؟ وارْتَفَعَ (أبَشَرٌ) عِنْدَ الحَوْفِيِّ وابْنِ عَطِيَّةَ عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ (يَهْدُونَنا) والأحْسَنُ أنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا عَلى الفاعِلِيَّةِ؛ لِأنَّ هَمْزَةَ الِاسْتِفْهامِ تَطْلُبُ الفِعْلَ، فالمَسْألَةُ مِن بابِ الِاشْتِغالِ. (فَكَفَرُوا): العَطْفُ بِالفاءِ يَدُلُّ عَلى تَعَقُّبِ كُفْرِهِمْ مَجِيءِ الرُّسُلِ بِالبَيِّناتِ، أيْ: لَمْ يَنْظُرُوا في تِلْكَ البَيِّناتِ ولا تَأمَّلُوها، بَلْ عَقَّبُوا مَجِيئَها بِالكُفْرِ ﴿واسْتَغْنى اللَّهُ﴾ اسْتَفْعَلَ بِمَعْنى الفِعْلِ المُجَرَّدِ، وغِناهُ - تَعالى - أزَلِيٌّ، فالمَعْنى: أنَّهُ ظَهَرَ تَعالى غِناهُ عَنْهم إذْ أهْلَكَهم. ولَيْسَتِ اسْتَفْعَلَ هُنا لِلطَّلَبِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَعْناهُ وظَهَرَ اسْتِغْناءُ اللَّهِ حَيْثُ لَمْ يُلْجِئْهم إلى الإيمانِ، ولَمْ يَضْطَرَّهم إلَيْهِ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلى ذَلِكَ. انْتَهى، وفِيهِ دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ. والزَّعْمُ: تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ، ”والَّذِينَ كَفَرُوا“ أهْلُ مَكَّةَ، و”بَلى“ إثْباتٌ لِما بَعْدَ حَرْفِ النَّفْيِ ﴿وذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ أيْ: لا يَصْرِفُهُ عَنْهُ صارِفٌ. ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ وهُو مُحَمَّدٌ ﷺ ﴿والنُّورِ الَّذِي أنْزَلْنا﴾ هو (p-٢٧٨)القُرْآنُ، وانْتَصَبَ ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ﴾ بِقَوْلِهِ: (لَتُنَبَّؤُنَّ) أوْ بِخَبِيرَ، بِما فِيهِ مِن مَعْنى الوَعِيدِ والجَزاءِ، أوْ بِـ (اذْكُرْ) مُضْمَرَةً، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. والأوَّلُ عَنِ النَّحّاسِ، والثّانِي عَنِ الحَوْفِيِّ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”يَجْمَعُكم“ بِالياءِ وضَمِّ العَيْنِ. ورُوِيَ عَنْهُ سُكُونُها وإشْمامُها الضَّمَّ. وسَلّامٌ ويَعْقُوبُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ والشَّعْبِيُّ: بِالنُّونِ. ﴿لِيَوْمِ الجَمْعِ﴾ يُجْمَعُ فِيهِ الأوَّلُونَ والآخِرُونَ، وذَلِكَ أنَّ كُلَّ واحِدٍ يُبْعَثُ طامِعًا في الخَلاصِ ورَفْعِ المَنزِلَةِ. ﴿ذَلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ﴾ مُسْتَعارٌ مِن تَغابَنَ القَوْمُ في التِّجارَةِ، وهو أنْ يَغِبْنَ بَعْضُهم بَعْضًا؛ لِأنَّ السُّعَداءَ نَزَلُوا مَنازِلَ الأشْقِياءِ لَوْ كانُوا سُعَداءَ، ونَزَلَ الأشْقِياءُ مَنازِلَ السُّعَداءِ لَوْ كانُوا أشْقِياءَ، وفي الحَدِيثِ: ”ما مِن عَبْدٍ يَدْخُلُ الجَنَّةَ إلّا أُرى مَقْعَدَهُ مِنَ النّارِ لَوْ أساءَ لِيَزْدادَ شُكْرًا، وما مِن عَبْدٍ يَدْخُلُ النّارَ إلّا أُرى مَقْعَدَهُ مِنَ الجَنَّةِ لَوْ أحْسَنَ لِيَزْدادَ حَسْرَةً“ . وذَلِكَ مَعْنى يَوْمِ التَّغابُنِ. وعَنْ مُجاهِدٍ وغَيْرِهِ: إذا وقَعَ الجَزاءُ، غَبَنَ المُؤْمِنُونَ الكافِرِينَ؛ لِأنَّهم يَجُوزُونَ الجَنَّةَ وتَحَصَّلَ الكُفّارُ في النّارِ. وقَرَأ الأعْرَجُ وشَيْبَةُ وأبُو جَعْفَرٍ وطَلْحَةُ ونافِعٌ وابْنُ عامِرٍ والمُفَضَّلُ، عَنْ عاصِمٍ وزَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ والحَسَنِ، بِخِلافٍ عَنْهُ: نَكْفُرُ ونَدْخُلُهُ، بِالنُّونِ فِيهِما. والأعْمَشُ وعِيسى والحَسَنُ وباقِي السَّبْعَةِ بِالياءِ فِيهِما.

التغابن 64:4

(سُورَةُ التَّغابُنِ مَدَنِيَّةٌ وهي ثَمانِيَ عَشْرَةَ آيَةً) (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ لَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ وهو عَلى كُلِ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم فَمِنكم كافِرٌ ومِنكم مُؤْمِنٌ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ وصَوَّرَكم فَأحْسَنَ صُوَرَكم وإلَيْهِ المَصِيرُ﴾ ﴿يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ ويَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وما تُعْلِنُونَ واللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ ﴿ألَمْ يَأْتِكم نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ فَذاقُوا وبالَ أمْرِهِمْ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهُ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَقالُوا أبَشَرٌ يَهْدُونَنا فَكَفَرُوا وتَوَلَّوْا واسْتَغْنى اللَّهُ واللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى ورَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ وذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ والنُّورِ الَّذِي أنْزَلْنا واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكم لِيَوْمِ الجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ ومَن يُؤْمِن بِاللَّهِ ويَعْمَلْ صالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ ويُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ خالِدِينَ فِيها وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ ﴿ما أصابَ مِن مُصِيبَةٍ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ ومَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [التغابن: ١١] ﴿وأطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإنَّما عَلى رَسُولِنا البَلاغُ المُبِينُ﴾ [التغابن: ١٢] ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ [التغابن: ١٣] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ مِن أزْواجِكم وأوْلادِكم عَدُوًّا لَكم فاحْذَرُوهم وإنْ تَعْفُوا وتَصْفَحُوا وتَغْفِرُوا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التغابن: ١٤] ﴿إنَّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ واللَّهُ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [التغابن: ١٥] ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ واسْمَعُوا وأطِيعُوا وأنْفِقُوا خَيْرًا لِأنْفُسِكم ومَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [التغابن: ١٦] ﴿إنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضاعِفْهُ لَكم ويَغْفِرْ لَكم واللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ﴾ [التغابن: ١٧] ﴿عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [التغابن: ١٨] . التَّغابُنُ: تَفاعُلٌ مِنَ الغَبَنِ ولَيْسَ مِنَ اثْنَيْنِ، بَلْ هو مِن واحِدٍ، كَتَواضُعٍ وتَحامُلٍ. والغَبَنُ: أخْذُ الشَّيْءِ بِدُونِ قِيمَتِهِ، أوْ بَيْعُهُ كَذَلِكَ. وقِيلَ: الغَبَنُ الإخْفاءُ (p-٢٧٦)ومِنهُ غَبَنُ البَيْعِ لِاسْتِخْفائِهِ، ويُقالُ: غَبَنْتُ الثَّوْبَ وخَبَنْتُهُ، إذا أخَذْتَ ما طالَ مِنهُ عَنْ مِقْدارِكَ، فَمَعْناهُ النَّقْصُ. ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ لَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم فَمِنكم كافِرٌ ومِنكم مُؤْمِنٌ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ وصَوَّرَكم فَأحْسَنَ صُوَرَكم وإلَيْهِ المَصِيرُ﴾ ﴿يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ ويَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وما تُعْلِنُونَ واللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ ﴿ألَمْ يَأْتِكم نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ فَذاقُوا وبالَ أمْرِهِمْ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهُ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَقالُوا أبَشَرٌ يَهْدُونَنا فَكَفَرُوا وتَوَلَّوْا واسْتَغْنى اللَّهُ واللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى ورَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ وذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ والنُّورِ الَّذِي أنْزَلْنا واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكم لِيَوْمِ الجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ ومَن يُؤْمِن بِاللَّهِ ويَعْمَلْ صالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ ويُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ . هَذِهِ السُّورَةُ مَدَنِيَّةٌ في قَوْلِ الأكْثَرِينَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: مَكِّيَّةٌ إلّا آياتٍ مِن آخِرِها: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ مِن أزْواجِكُمْ﴾ [التغابن: ١٤] إلَخْ نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ. وقالَ الكَلْبِيُّ: مَدَنِيَّةٌ ومَكِّيَّةٌ. ومُناسَبَةُ هَذِهِ السُّورَةِ لِما قَبْلَها أنَّ ما قَبْلَها مُشْتَمِلٌ عَلى حالِ المُنافِقِينَ، وفي آخِرِها خِطابُ المُؤْمِنِينَ، فَأتْبَعَهُ بِما يُناسِبُهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم فَمِنكم كافِرٌ ومِنكم مُؤْمِنٌ﴾ هَذا تَقْسِيمٌ في الإيمانِ والكُفْرِ بِالنَّظَرِ إلى الِاكْتِسابِ عِنْدَ جَماعَةٍ مِنَ المُتَأوِّلِينَ لِقَوْلِهِ: «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلى الفِطْرَةِ» وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها﴾ [الروم: ٣٠] . وقِيلَ: ذانِكَ في أصْلِ الخِلْقَةِ، بِدَلِيلِ ما في حَدِيثِ النُّطْفَةِ مِن قَوْلِ المَلَكِ: أشَقِيٌّ أمْ سَعِيدٌ ؟ والغُلامُ الَّذِي قَتَلَهُ الخَضِرُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّهُ طُبِعَ يَوْمَ طُبِعَ كافِرًا. وما رَوى ابْنُ مَسْعُودٍ أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - قالَ: «خَلَقَ اللَّهُ فِرْعَوْنَ في البَطْنِ كافِرًا» . وحَكى يَحْيى بْنَ زَكَرِيّا: في البَطْنِ مُؤْمِنًا. وعَنْ عَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ: ﴿فَمِنكم كافِرٌ﴾ (p-٢٧٧)بِاللَّهِ ( مُؤْمِنٌ بِالكَوْكَبِ، ومُؤْمِنٌ بِاللَّهِ وكافِرٌ بِالكَوْكَبِ. وقَدَّمَ الكافِرَ لِكَثْرَتِهِ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقَلِيلٌ مِن عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبإ: ١٣] ؟ وحِينَ ذَكَرَ الصّالِحِينَ قالَ: ﴿وقَلِيلٌ ما هُمْ﴾ [ص: ٢٤] . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَمِنكم آتٍ بِالكُفْرِ وفاعِلٌ لَهُ، ومِنكم آتٍ بِالإيمانِ وفاعِلٌ لَهُ، كَقَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿وجَعَلْنا في ذُرِّيَّتِهِما النُّبُوَّةَ والكِتابَ فَمِنهم مُهْتَدٍ وكَثِيرٌ مِنهم فاسِقُونَ﴾ [الحديد: ٢٦] والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ أيْ: عالِمٌ بِكُفْرِكم وإيمانِكُمُ اللَّذَيْنِ هُما مِن قِبَلِكم، والمَعْنى: هو الَّذِي تَفَضَّلَ عَلَيْكم بِأصْلِ النِّعَمِ الَّذِي هو الخَلْقُ والإيجادُ عَنِ العَدَمِ، فَكانَ يَجِبُ أنْ تَنْظُرُوا النَّظَرَ الصَّحِيحَ، وتَكُونُوا بِأجْمَعِكم عِبادًا شاكِرِينَ. انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ. وقالَ أيْضًا: وقِيلَ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم فَمِنكم كافِرٌ﴾ بِالخَلْقِ، هُمُ الدَّهْرِيَّةُ ﴿ومِنكم مُؤْمِنٌ﴾ بِهِ. وعَنِ الحَسَنِ: في الكَلامِ حَذْفٌ دَلَّ عَلَيْهِ تَقْدِيرُهُ: ومِنكم فاسِقٌ، وكَأنَّهُ مِن كَذِبِ المُعْتَزِلَةِ عَلى الحَسَنِ. وتَقَدَّمَ الجارُّ والمَجْرُورُ في قَوْلِهِ: ﴿لَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِيَدُلَّ بِتَقَدُّمِهِما عَلى مَعْنى اخْتِصاصِ المُلْكِ والحَمْدِ بِاللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - وذَلِكَ لِأنَّ المُلْكَ عَلى الحَقِيقَةِ لَهُ؛ لِأنَّهُ مُبْدِئُ كُلِّ شَيْءٍ ومُبْدِعُهُ، والقائِمُ بِهِ المُهَيْمِنُ عَلَيْهِ وكَذَلِكَ الحَمْدُ؛ لِأنَّ أُصُولَ النِّعَمِ وفُرُوعَها مِنهُ. وأمّا مُلْكُ غَيْرِهِ فَتَسْلِيطٌ مِنهُ، وحَمْدُهُ اعْتِدادٌ بِأنَّ نِعْمَةَ اللَّهِ جَرَتْ عَلى يَدِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (صُوَرَكم) بِضَمِّ الصّادِ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وأبُو رَزِينٍ: بِكَسْرِها، والقِياسُ الضَّمُّ، وهَذا تَعْدِيدٌ لِلنِّعْمَةِ في حُسْنِ الخِلْقَةِ؛ لِأنَّ أعْضاءَ بَنِي آدَمَ مُتَصَرِّفَةٌ بِجَمِيعِ ما تَتَصَرَّفُ فِيهِ أعْضاءُ الحَيَوانِ، وبِزِيادَةٍ كَثِيرَةٍ فُضِّلَ بِها. ثُمَّ هو مُفَضَّلٌ بِحُسْنِ الوَجْهِ وجَمالِ الجَوارِحِ، كَما قالَ - تَعالى -: ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤] . وقِيلَ: النِّعْمَةُ هُنا إنَّما هي صُورَةُ الإنْسانِ مِن حَيْثُ هو إنْسانٌ مُدْرِكٌ عاقِلٌ، فَهَذا هو الَّذِي حُسِّنَ لَهُ حَتّى لَحِقَتْهُ كِمالاتٌ كَثِيرَةٌ، وتَكادُ العَرَبُ لا تَعْرِفُ الصُّورَةَ إلّا الشَّكْلَ، لا المَعْنى القائِمَ بِالصُّورَةِ. ونَبَّهَ - تَعالى - بِعِلْمِهِ بِما في السَّماواتِ والأرْضِ، ثُمَّ بِعِلْمِهِ بِما يُسِرُّ العِبادُ وما يُعْلِنُونَهُ، ثُمَّ بِعِلْمِهِ بِما أكَنَّتْهُ الصُّدُورُ عَلى أنَّهُ - تَعالى - لا يَغِيبُ عَنْ عِلْمِهِ شَيْءٌ، لا مِنَ الكُلِّيّاتِ ولا مِنَ الجُزْئِيّاتِ، فابْتَدَأ بِالعِلْمِ الشّامِلِ لِلْعالَمِ كُلِّهِ، ثُمَّ بِخاصِّ العِبادِ مِن سِرِّهِمْ وإعْلانِهِمْ، ثُمَّ ما خَصَّ مِنهُ، وهو ما تَنْطَوِي عَلَيْهِ صُدُورُهم مِن خَفِيِّ الأشْياءِ وكامِنِها، وهَذا كُلُّهُ في مَعْنى الوَعِيدِ، إذْ هو - تَعالى - المُجازِي عَلى جَمِيعِ ذَلِكَ بِالثَّوابِ والعِقابِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ما تُسِرُّونَ وما تُعْلِنُونَ﴾ بِتاءِ الخِطابِ. وعُبَيْدٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو، وأبانٌ عَنْ عاصِمٍ: بِالياءِ. ﴿ألَمْ يَأْتِكُمْ﴾ الخِطابُ لِقُرَيْشٍ، ذُكِّرُوا بِما حَلَّ بِالكُفّارِ قَبْلَهم عادٍ وثَمُودَ وقَوْمِ إبْراهِيمَ وغَيْرِهِمْ مِمَّنْ صَرَّحَ بِذِكْرِهِمْ في سُورَةِ بَراءَةَ وغَيْرِها، وقَدْ سَمِعَتْ قُرَيْشٌ أخْبارَهم. ﴿فَذاقُوا وبالَ أمْرِهِمْ﴾ أيْ: مَكْرُوهِهِمْ وما يَسُوؤُهم مِنهُ. (ذَلِكَ) أيِ: الوَبالُ (بِأنَّهُ) أيْ: بِأنَّ الشَّأْنَ والحَدِيثَ اسْتَبْعَدُوا أنْ يَبْعَثَ اللَّهُ - تَعالى - مِنَ البَشَرِ رَسُولًا، كَما اسْتَبْعَدَتْ قُرَيْشٌ، فَقالُوا عَلى سَبِيلِ الِاسْتِغْرابِ: ﴿أبَشَرٌ يَهْدُونَنا﴾ وذَلِكَ أنَّهم يَقُولُونَ: نَحْنُ مُتَساوُونَ في البَشَرِيَّةِ، فَأنّى يَكُونُ لِهَؤُلاءِ تَمْيِيزٌ عَلَيْنا بِحَيْثُ يَصِيرُونَ هُداةً لَنا ؟ وارْتَفَعَ (أبَشَرٌ) عِنْدَ الحَوْفِيِّ وابْنِ عَطِيَّةَ عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ (يَهْدُونَنا) والأحْسَنُ أنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا عَلى الفاعِلِيَّةِ؛ لِأنَّ هَمْزَةَ الِاسْتِفْهامِ تَطْلُبُ الفِعْلَ، فالمَسْألَةُ مِن بابِ الِاشْتِغالِ. (فَكَفَرُوا): العَطْفُ بِالفاءِ يَدُلُّ عَلى تَعَقُّبِ كُفْرِهِمْ مَجِيءِ الرُّسُلِ بِالبَيِّناتِ، أيْ: لَمْ يَنْظُرُوا في تِلْكَ البَيِّناتِ ولا تَأمَّلُوها، بَلْ عَقَّبُوا مَجِيئَها بِالكُفْرِ ﴿واسْتَغْنى اللَّهُ﴾ اسْتَفْعَلَ بِمَعْنى الفِعْلِ المُجَرَّدِ، وغِناهُ - تَعالى - أزَلِيٌّ، فالمَعْنى: أنَّهُ ظَهَرَ تَعالى غِناهُ عَنْهم إذْ أهْلَكَهم. ولَيْسَتِ اسْتَفْعَلَ هُنا لِلطَّلَبِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَعْناهُ وظَهَرَ اسْتِغْناءُ اللَّهِ حَيْثُ لَمْ يُلْجِئْهم إلى الإيمانِ، ولَمْ يَضْطَرَّهم إلَيْهِ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلى ذَلِكَ. انْتَهى، وفِيهِ دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ. والزَّعْمُ: تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ، ”والَّذِينَ كَفَرُوا“ أهْلُ مَكَّةَ، و”بَلى“ إثْباتٌ لِما بَعْدَ حَرْفِ النَّفْيِ ﴿وذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ أيْ: لا يَصْرِفُهُ عَنْهُ صارِفٌ. ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ وهُو مُحَمَّدٌ ﷺ ﴿والنُّورِ الَّذِي أنْزَلْنا﴾ هو (p-٢٧٨)القُرْآنُ، وانْتَصَبَ ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ﴾ بِقَوْلِهِ: (لَتُنَبَّؤُنَّ) أوْ بِخَبِيرَ، بِما فِيهِ مِن مَعْنى الوَعِيدِ والجَزاءِ، أوْ بِـ (اذْكُرْ) مُضْمَرَةً، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. والأوَّلُ عَنِ النَّحّاسِ، والثّانِي عَنِ الحَوْفِيِّ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”يَجْمَعُكم“ بِالياءِ وضَمِّ العَيْنِ. ورُوِيَ عَنْهُ سُكُونُها وإشْمامُها الضَّمَّ. وسَلّامٌ ويَعْقُوبُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ والشَّعْبِيُّ: بِالنُّونِ. ﴿لِيَوْمِ الجَمْعِ﴾ يُجْمَعُ فِيهِ الأوَّلُونَ والآخِرُونَ، وذَلِكَ أنَّ كُلَّ واحِدٍ يُبْعَثُ طامِعًا في الخَلاصِ ورَفْعِ المَنزِلَةِ. ﴿ذَلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ﴾ مُسْتَعارٌ مِن تَغابَنَ القَوْمُ في التِّجارَةِ، وهو أنْ يَغِبْنَ بَعْضُهم بَعْضًا؛ لِأنَّ السُّعَداءَ نَزَلُوا مَنازِلَ الأشْقِياءِ لَوْ كانُوا سُعَداءَ، ونَزَلَ الأشْقِياءُ مَنازِلَ السُّعَداءِ لَوْ كانُوا أشْقِياءَ، وفي الحَدِيثِ: ”ما مِن عَبْدٍ يَدْخُلُ الجَنَّةَ إلّا أُرى مَقْعَدَهُ مِنَ النّارِ لَوْ أساءَ لِيَزْدادَ شُكْرًا، وما مِن عَبْدٍ يَدْخُلُ النّارَ إلّا أُرى مَقْعَدَهُ مِنَ الجَنَّةِ لَوْ أحْسَنَ لِيَزْدادَ حَسْرَةً“ . وذَلِكَ مَعْنى يَوْمِ التَّغابُنِ. وعَنْ مُجاهِدٍ وغَيْرِهِ: إذا وقَعَ الجَزاءُ، غَبَنَ المُؤْمِنُونَ الكافِرِينَ؛ لِأنَّهم يَجُوزُونَ الجَنَّةَ وتَحَصَّلَ الكُفّارُ في النّارِ. وقَرَأ الأعْرَجُ وشَيْبَةُ وأبُو جَعْفَرٍ وطَلْحَةُ ونافِعٌ وابْنُ عامِرٍ والمُفَضَّلُ، عَنْ عاصِمٍ وزَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ والحَسَنِ، بِخِلافٍ عَنْهُ: نَكْفُرُ ونَدْخُلُهُ، بِالنُّونِ فِيهِما. والأعْمَشُ وعِيسى والحَسَنُ وباقِي السَّبْعَةِ بِالياءِ فِيهِما.

التغابن 64:5

(سُورَةُ التَّغابُنِ مَدَنِيَّةٌ وهي ثَمانِيَ عَشْرَةَ آيَةً) (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ لَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ وهو عَلى كُلِ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم فَمِنكم كافِرٌ ومِنكم مُؤْمِنٌ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ وصَوَّرَكم فَأحْسَنَ صُوَرَكم وإلَيْهِ المَصِيرُ﴾ ﴿يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ ويَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وما تُعْلِنُونَ واللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ ﴿ألَمْ يَأْتِكم نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ فَذاقُوا وبالَ أمْرِهِمْ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهُ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَقالُوا أبَشَرٌ يَهْدُونَنا فَكَفَرُوا وتَوَلَّوْا واسْتَغْنى اللَّهُ واللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى ورَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ وذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ والنُّورِ الَّذِي أنْزَلْنا واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكم لِيَوْمِ الجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ ومَن يُؤْمِن بِاللَّهِ ويَعْمَلْ صالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ ويُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ خالِدِينَ فِيها وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ ﴿ما أصابَ مِن مُصِيبَةٍ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ ومَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [التغابن: ١١] ﴿وأطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإنَّما عَلى رَسُولِنا البَلاغُ المُبِينُ﴾ [التغابن: ١٢] ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ [التغابن: ١٣] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ مِن أزْواجِكم وأوْلادِكم عَدُوًّا لَكم فاحْذَرُوهم وإنْ تَعْفُوا وتَصْفَحُوا وتَغْفِرُوا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التغابن: ١٤] ﴿إنَّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ واللَّهُ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [التغابن: ١٥] ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ واسْمَعُوا وأطِيعُوا وأنْفِقُوا خَيْرًا لِأنْفُسِكم ومَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [التغابن: ١٦] ﴿إنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضاعِفْهُ لَكم ويَغْفِرْ لَكم واللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ﴾ [التغابن: ١٧] ﴿عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [التغابن: ١٨] . التَّغابُنُ: تَفاعُلٌ مِنَ الغَبَنِ ولَيْسَ مِنَ اثْنَيْنِ، بَلْ هو مِن واحِدٍ، كَتَواضُعٍ وتَحامُلٍ. والغَبَنُ: أخْذُ الشَّيْءِ بِدُونِ قِيمَتِهِ، أوْ بَيْعُهُ كَذَلِكَ. وقِيلَ: الغَبَنُ الإخْفاءُ (p-٢٧٦)ومِنهُ غَبَنُ البَيْعِ لِاسْتِخْفائِهِ، ويُقالُ: غَبَنْتُ الثَّوْبَ وخَبَنْتُهُ، إذا أخَذْتَ ما طالَ مِنهُ عَنْ مِقْدارِكَ، فَمَعْناهُ النَّقْصُ. ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ لَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم فَمِنكم كافِرٌ ومِنكم مُؤْمِنٌ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ وصَوَّرَكم فَأحْسَنَ صُوَرَكم وإلَيْهِ المَصِيرُ﴾ ﴿يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ ويَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وما تُعْلِنُونَ واللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ ﴿ألَمْ يَأْتِكم نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ فَذاقُوا وبالَ أمْرِهِمْ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهُ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَقالُوا أبَشَرٌ يَهْدُونَنا فَكَفَرُوا وتَوَلَّوْا واسْتَغْنى اللَّهُ واللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى ورَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ وذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ والنُّورِ الَّذِي أنْزَلْنا واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكم لِيَوْمِ الجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ ومَن يُؤْمِن بِاللَّهِ ويَعْمَلْ صالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ ويُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ . هَذِهِ السُّورَةُ مَدَنِيَّةٌ في قَوْلِ الأكْثَرِينَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: مَكِّيَّةٌ إلّا آياتٍ مِن آخِرِها: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ مِن أزْواجِكُمْ﴾ [التغابن: ١٤] إلَخْ نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ. وقالَ الكَلْبِيُّ: مَدَنِيَّةٌ ومَكِّيَّةٌ. ومُناسَبَةُ هَذِهِ السُّورَةِ لِما قَبْلَها أنَّ ما قَبْلَها مُشْتَمِلٌ عَلى حالِ المُنافِقِينَ، وفي آخِرِها خِطابُ المُؤْمِنِينَ، فَأتْبَعَهُ بِما يُناسِبُهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم فَمِنكم كافِرٌ ومِنكم مُؤْمِنٌ﴾ هَذا تَقْسِيمٌ في الإيمانِ والكُفْرِ بِالنَّظَرِ إلى الِاكْتِسابِ عِنْدَ جَماعَةٍ مِنَ المُتَأوِّلِينَ لِقَوْلِهِ: «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلى الفِطْرَةِ» وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها﴾ [الروم: ٣٠] . وقِيلَ: ذانِكَ في أصْلِ الخِلْقَةِ، بِدَلِيلِ ما في حَدِيثِ النُّطْفَةِ مِن قَوْلِ المَلَكِ: أشَقِيٌّ أمْ سَعِيدٌ ؟ والغُلامُ الَّذِي قَتَلَهُ الخَضِرُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّهُ طُبِعَ يَوْمَ طُبِعَ كافِرًا. وما رَوى ابْنُ مَسْعُودٍ أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - قالَ: «خَلَقَ اللَّهُ فِرْعَوْنَ في البَطْنِ كافِرًا» . وحَكى يَحْيى بْنَ زَكَرِيّا: في البَطْنِ مُؤْمِنًا. وعَنْ عَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ: ﴿فَمِنكم كافِرٌ﴾ (p-٢٧٧)بِاللَّهِ ( مُؤْمِنٌ بِالكَوْكَبِ، ومُؤْمِنٌ بِاللَّهِ وكافِرٌ بِالكَوْكَبِ. وقَدَّمَ الكافِرَ لِكَثْرَتِهِ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقَلِيلٌ مِن عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبإ: ١٣] ؟ وحِينَ ذَكَرَ الصّالِحِينَ قالَ: ﴿وقَلِيلٌ ما هُمْ﴾ [ص: ٢٤] . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَمِنكم آتٍ بِالكُفْرِ وفاعِلٌ لَهُ، ومِنكم آتٍ بِالإيمانِ وفاعِلٌ لَهُ، كَقَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿وجَعَلْنا في ذُرِّيَّتِهِما النُّبُوَّةَ والكِتابَ فَمِنهم مُهْتَدٍ وكَثِيرٌ مِنهم فاسِقُونَ﴾ [الحديد: ٢٦] والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ أيْ: عالِمٌ بِكُفْرِكم وإيمانِكُمُ اللَّذَيْنِ هُما مِن قِبَلِكم، والمَعْنى: هو الَّذِي تَفَضَّلَ عَلَيْكم بِأصْلِ النِّعَمِ الَّذِي هو الخَلْقُ والإيجادُ عَنِ العَدَمِ، فَكانَ يَجِبُ أنْ تَنْظُرُوا النَّظَرَ الصَّحِيحَ، وتَكُونُوا بِأجْمَعِكم عِبادًا شاكِرِينَ. انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ. وقالَ أيْضًا: وقِيلَ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم فَمِنكم كافِرٌ﴾ بِالخَلْقِ، هُمُ الدَّهْرِيَّةُ ﴿ومِنكم مُؤْمِنٌ﴾ بِهِ. وعَنِ الحَسَنِ: في الكَلامِ حَذْفٌ دَلَّ عَلَيْهِ تَقْدِيرُهُ: ومِنكم فاسِقٌ، وكَأنَّهُ مِن كَذِبِ المُعْتَزِلَةِ عَلى الحَسَنِ. وتَقَدَّمَ الجارُّ والمَجْرُورُ في قَوْلِهِ: ﴿لَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِيَدُلَّ بِتَقَدُّمِهِما عَلى مَعْنى اخْتِصاصِ المُلْكِ والحَمْدِ بِاللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - وذَلِكَ لِأنَّ المُلْكَ عَلى الحَقِيقَةِ لَهُ؛ لِأنَّهُ مُبْدِئُ كُلِّ شَيْءٍ ومُبْدِعُهُ، والقائِمُ بِهِ المُهَيْمِنُ عَلَيْهِ وكَذَلِكَ الحَمْدُ؛ لِأنَّ أُصُولَ النِّعَمِ وفُرُوعَها مِنهُ. وأمّا مُلْكُ غَيْرِهِ فَتَسْلِيطٌ مِنهُ، وحَمْدُهُ اعْتِدادٌ بِأنَّ نِعْمَةَ اللَّهِ جَرَتْ عَلى يَدِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (صُوَرَكم) بِضَمِّ الصّادِ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وأبُو رَزِينٍ: بِكَسْرِها، والقِياسُ الضَّمُّ، وهَذا تَعْدِيدٌ لِلنِّعْمَةِ في حُسْنِ الخِلْقَةِ؛ لِأنَّ أعْضاءَ بَنِي آدَمَ مُتَصَرِّفَةٌ بِجَمِيعِ ما تَتَصَرَّفُ فِيهِ أعْضاءُ الحَيَوانِ، وبِزِيادَةٍ كَثِيرَةٍ فُضِّلَ بِها. ثُمَّ هو مُفَضَّلٌ بِحُسْنِ الوَجْهِ وجَمالِ الجَوارِحِ، كَما قالَ - تَعالى -: ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤] . وقِيلَ: النِّعْمَةُ هُنا إنَّما هي صُورَةُ الإنْسانِ مِن حَيْثُ هو إنْسانٌ مُدْرِكٌ عاقِلٌ، فَهَذا هو الَّذِي حُسِّنَ لَهُ حَتّى لَحِقَتْهُ كِمالاتٌ كَثِيرَةٌ، وتَكادُ العَرَبُ لا تَعْرِفُ الصُّورَةَ إلّا الشَّكْلَ، لا المَعْنى القائِمَ بِالصُّورَةِ. ونَبَّهَ - تَعالى - بِعِلْمِهِ بِما في السَّماواتِ والأرْضِ، ثُمَّ بِعِلْمِهِ بِما يُسِرُّ العِبادُ وما يُعْلِنُونَهُ، ثُمَّ بِعِلْمِهِ بِما أكَنَّتْهُ الصُّدُورُ عَلى أنَّهُ - تَعالى - لا يَغِيبُ عَنْ عِلْمِهِ شَيْءٌ، لا مِنَ الكُلِّيّاتِ ولا مِنَ الجُزْئِيّاتِ، فابْتَدَأ بِالعِلْمِ الشّامِلِ لِلْعالَمِ كُلِّهِ، ثُمَّ بِخاصِّ العِبادِ مِن سِرِّهِمْ وإعْلانِهِمْ، ثُمَّ ما خَصَّ مِنهُ، وهو ما تَنْطَوِي عَلَيْهِ صُدُورُهم مِن خَفِيِّ الأشْياءِ وكامِنِها، وهَذا كُلُّهُ في مَعْنى الوَعِيدِ، إذْ هو - تَعالى - المُجازِي عَلى جَمِيعِ ذَلِكَ بِالثَّوابِ والعِقابِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ما تُسِرُّونَ وما تُعْلِنُونَ﴾ بِتاءِ الخِطابِ. وعُبَيْدٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو، وأبانٌ عَنْ عاصِمٍ: بِالياءِ. ﴿ألَمْ يَأْتِكُمْ﴾ الخِطابُ لِقُرَيْشٍ، ذُكِّرُوا بِما حَلَّ بِالكُفّارِ قَبْلَهم عادٍ وثَمُودَ وقَوْمِ إبْراهِيمَ وغَيْرِهِمْ مِمَّنْ صَرَّحَ بِذِكْرِهِمْ في سُورَةِ بَراءَةَ وغَيْرِها، وقَدْ سَمِعَتْ قُرَيْشٌ أخْبارَهم. ﴿فَذاقُوا وبالَ أمْرِهِمْ﴾ أيْ: مَكْرُوهِهِمْ وما يَسُوؤُهم مِنهُ. (ذَلِكَ) أيِ: الوَبالُ (بِأنَّهُ) أيْ: بِأنَّ الشَّأْنَ والحَدِيثَ اسْتَبْعَدُوا أنْ يَبْعَثَ اللَّهُ - تَعالى - مِنَ البَشَرِ رَسُولًا، كَما اسْتَبْعَدَتْ قُرَيْشٌ، فَقالُوا عَلى سَبِيلِ الِاسْتِغْرابِ: ﴿أبَشَرٌ يَهْدُونَنا﴾ وذَلِكَ أنَّهم يَقُولُونَ: نَحْنُ مُتَساوُونَ في البَشَرِيَّةِ، فَأنّى يَكُونُ لِهَؤُلاءِ تَمْيِيزٌ عَلَيْنا بِحَيْثُ يَصِيرُونَ هُداةً لَنا ؟ وارْتَفَعَ (أبَشَرٌ) عِنْدَ الحَوْفِيِّ وابْنِ عَطِيَّةَ عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ (يَهْدُونَنا) والأحْسَنُ أنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا عَلى الفاعِلِيَّةِ؛ لِأنَّ هَمْزَةَ الِاسْتِفْهامِ تَطْلُبُ الفِعْلَ، فالمَسْألَةُ مِن بابِ الِاشْتِغالِ. (فَكَفَرُوا): العَطْفُ بِالفاءِ يَدُلُّ عَلى تَعَقُّبِ كُفْرِهِمْ مَجِيءِ الرُّسُلِ بِالبَيِّناتِ، أيْ: لَمْ يَنْظُرُوا في تِلْكَ البَيِّناتِ ولا تَأمَّلُوها، بَلْ عَقَّبُوا مَجِيئَها بِالكُفْرِ ﴿واسْتَغْنى اللَّهُ﴾ اسْتَفْعَلَ بِمَعْنى الفِعْلِ المُجَرَّدِ، وغِناهُ - تَعالى - أزَلِيٌّ، فالمَعْنى: أنَّهُ ظَهَرَ تَعالى غِناهُ عَنْهم إذْ أهْلَكَهم. ولَيْسَتِ اسْتَفْعَلَ هُنا لِلطَّلَبِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَعْناهُ وظَهَرَ اسْتِغْناءُ اللَّهِ حَيْثُ لَمْ يُلْجِئْهم إلى الإيمانِ، ولَمْ يَضْطَرَّهم إلَيْهِ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلى ذَلِكَ. انْتَهى، وفِيهِ دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ. والزَّعْمُ: تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ، ”والَّذِينَ كَفَرُوا“ أهْلُ مَكَّةَ، و”بَلى“ إثْباتٌ لِما بَعْدَ حَرْفِ النَّفْيِ ﴿وذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ أيْ: لا يَصْرِفُهُ عَنْهُ صارِفٌ. ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ وهُو مُحَمَّدٌ ﷺ ﴿والنُّورِ الَّذِي أنْزَلْنا﴾ هو (p-٢٧٨)القُرْآنُ، وانْتَصَبَ ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ﴾ بِقَوْلِهِ: (لَتُنَبَّؤُنَّ) أوْ بِخَبِيرَ، بِما فِيهِ مِن مَعْنى الوَعِيدِ والجَزاءِ، أوْ بِـ (اذْكُرْ) مُضْمَرَةً، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. والأوَّلُ عَنِ النَّحّاسِ، والثّانِي عَنِ الحَوْفِيِّ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”يَجْمَعُكم“ بِالياءِ وضَمِّ العَيْنِ. ورُوِيَ عَنْهُ سُكُونُها وإشْمامُها الضَّمَّ. وسَلّامٌ ويَعْقُوبُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ والشَّعْبِيُّ: بِالنُّونِ. ﴿لِيَوْمِ الجَمْعِ﴾ يُجْمَعُ فِيهِ الأوَّلُونَ والآخِرُونَ، وذَلِكَ أنَّ كُلَّ واحِدٍ يُبْعَثُ طامِعًا في الخَلاصِ ورَفْعِ المَنزِلَةِ. ﴿ذَلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ﴾ مُسْتَعارٌ مِن تَغابَنَ القَوْمُ في التِّجارَةِ، وهو أنْ يَغِبْنَ بَعْضُهم بَعْضًا؛ لِأنَّ السُّعَداءَ نَزَلُوا مَنازِلَ الأشْقِياءِ لَوْ كانُوا سُعَداءَ، ونَزَلَ الأشْقِياءُ مَنازِلَ السُّعَداءِ لَوْ كانُوا أشْقِياءَ، وفي الحَدِيثِ: ”ما مِن عَبْدٍ يَدْخُلُ الجَنَّةَ إلّا أُرى مَقْعَدَهُ مِنَ النّارِ لَوْ أساءَ لِيَزْدادَ شُكْرًا، وما مِن عَبْدٍ يَدْخُلُ النّارَ إلّا أُرى مَقْعَدَهُ مِنَ الجَنَّةِ لَوْ أحْسَنَ لِيَزْدادَ حَسْرَةً“ . وذَلِكَ مَعْنى يَوْمِ التَّغابُنِ. وعَنْ مُجاهِدٍ وغَيْرِهِ: إذا وقَعَ الجَزاءُ، غَبَنَ المُؤْمِنُونَ الكافِرِينَ؛ لِأنَّهم يَجُوزُونَ الجَنَّةَ وتَحَصَّلَ الكُفّارُ في النّارِ. وقَرَأ الأعْرَجُ وشَيْبَةُ وأبُو جَعْفَرٍ وطَلْحَةُ ونافِعٌ وابْنُ عامِرٍ والمُفَضَّلُ، عَنْ عاصِمٍ وزَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ والحَسَنِ، بِخِلافٍ عَنْهُ: نَكْفُرُ ونَدْخُلُهُ، بِالنُّونِ فِيهِما. والأعْمَشُ وعِيسى والحَسَنُ وباقِي السَّبْعَةِ بِالياءِ فِيهِما.

التغابن 64:6

(سُورَةُ التَّغابُنِ مَدَنِيَّةٌ وهي ثَمانِيَ عَشْرَةَ آيَةً) (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ لَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ وهو عَلى كُلِ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم فَمِنكم كافِرٌ ومِنكم مُؤْمِنٌ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ وصَوَّرَكم فَأحْسَنَ صُوَرَكم وإلَيْهِ المَصِيرُ﴾ ﴿يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ ويَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وما تُعْلِنُونَ واللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ ﴿ألَمْ يَأْتِكم نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ فَذاقُوا وبالَ أمْرِهِمْ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهُ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَقالُوا أبَشَرٌ يَهْدُونَنا فَكَفَرُوا وتَوَلَّوْا واسْتَغْنى اللَّهُ واللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى ورَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ وذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ والنُّورِ الَّذِي أنْزَلْنا واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكم لِيَوْمِ الجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ ومَن يُؤْمِن بِاللَّهِ ويَعْمَلْ صالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ ويُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ خالِدِينَ فِيها وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ ﴿ما أصابَ مِن مُصِيبَةٍ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ ومَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [التغابن: ١١] ﴿وأطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإنَّما عَلى رَسُولِنا البَلاغُ المُبِينُ﴾ [التغابن: ١٢] ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ [التغابن: ١٣] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ مِن أزْواجِكم وأوْلادِكم عَدُوًّا لَكم فاحْذَرُوهم وإنْ تَعْفُوا وتَصْفَحُوا وتَغْفِرُوا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التغابن: ١٤] ﴿إنَّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ واللَّهُ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [التغابن: ١٥] ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ واسْمَعُوا وأطِيعُوا وأنْفِقُوا خَيْرًا لِأنْفُسِكم ومَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [التغابن: ١٦] ﴿إنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضاعِفْهُ لَكم ويَغْفِرْ لَكم واللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ﴾ [التغابن: ١٧] ﴿عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [التغابن: ١٨] . التَّغابُنُ: تَفاعُلٌ مِنَ الغَبَنِ ولَيْسَ مِنَ اثْنَيْنِ، بَلْ هو مِن واحِدٍ، كَتَواضُعٍ وتَحامُلٍ. والغَبَنُ: أخْذُ الشَّيْءِ بِدُونِ قِيمَتِهِ، أوْ بَيْعُهُ كَذَلِكَ. وقِيلَ: الغَبَنُ الإخْفاءُ (p-٢٧٦)ومِنهُ غَبَنُ البَيْعِ لِاسْتِخْفائِهِ، ويُقالُ: غَبَنْتُ الثَّوْبَ وخَبَنْتُهُ، إذا أخَذْتَ ما طالَ مِنهُ عَنْ مِقْدارِكَ، فَمَعْناهُ النَّقْصُ. ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ لَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم فَمِنكم كافِرٌ ومِنكم مُؤْمِنٌ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ وصَوَّرَكم فَأحْسَنَ صُوَرَكم وإلَيْهِ المَصِيرُ﴾ ﴿يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ ويَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وما تُعْلِنُونَ واللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ ﴿ألَمْ يَأْتِكم نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ فَذاقُوا وبالَ أمْرِهِمْ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهُ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَقالُوا أبَشَرٌ يَهْدُونَنا فَكَفَرُوا وتَوَلَّوْا واسْتَغْنى اللَّهُ واللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى ورَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ وذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ والنُّورِ الَّذِي أنْزَلْنا واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكم لِيَوْمِ الجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ ومَن يُؤْمِن بِاللَّهِ ويَعْمَلْ صالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ ويُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ . هَذِهِ السُّورَةُ مَدَنِيَّةٌ في قَوْلِ الأكْثَرِينَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: مَكِّيَّةٌ إلّا آياتٍ مِن آخِرِها: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ مِن أزْواجِكُمْ﴾ [التغابن: ١٤] إلَخْ نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ. وقالَ الكَلْبِيُّ: مَدَنِيَّةٌ ومَكِّيَّةٌ. ومُناسَبَةُ هَذِهِ السُّورَةِ لِما قَبْلَها أنَّ ما قَبْلَها مُشْتَمِلٌ عَلى حالِ المُنافِقِينَ، وفي آخِرِها خِطابُ المُؤْمِنِينَ، فَأتْبَعَهُ بِما يُناسِبُهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم فَمِنكم كافِرٌ ومِنكم مُؤْمِنٌ﴾ هَذا تَقْسِيمٌ في الإيمانِ والكُفْرِ بِالنَّظَرِ إلى الِاكْتِسابِ عِنْدَ جَماعَةٍ مِنَ المُتَأوِّلِينَ لِقَوْلِهِ: «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلى الفِطْرَةِ» وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها﴾ [الروم: ٣٠] . وقِيلَ: ذانِكَ في أصْلِ الخِلْقَةِ، بِدَلِيلِ ما في حَدِيثِ النُّطْفَةِ مِن قَوْلِ المَلَكِ: أشَقِيٌّ أمْ سَعِيدٌ ؟ والغُلامُ الَّذِي قَتَلَهُ الخَضِرُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّهُ طُبِعَ يَوْمَ طُبِعَ كافِرًا. وما رَوى ابْنُ مَسْعُودٍ أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - قالَ: «خَلَقَ اللَّهُ فِرْعَوْنَ في البَطْنِ كافِرًا» . وحَكى يَحْيى بْنَ زَكَرِيّا: في البَطْنِ مُؤْمِنًا. وعَنْ عَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ: ﴿فَمِنكم كافِرٌ﴾ (p-٢٧٧)بِاللَّهِ ( مُؤْمِنٌ بِالكَوْكَبِ، ومُؤْمِنٌ بِاللَّهِ وكافِرٌ بِالكَوْكَبِ. وقَدَّمَ الكافِرَ لِكَثْرَتِهِ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقَلِيلٌ مِن عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبإ: ١٣] ؟ وحِينَ ذَكَرَ الصّالِحِينَ قالَ: ﴿وقَلِيلٌ ما هُمْ﴾ [ص: ٢٤] . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَمِنكم آتٍ بِالكُفْرِ وفاعِلٌ لَهُ، ومِنكم آتٍ بِالإيمانِ وفاعِلٌ لَهُ، كَقَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿وجَعَلْنا في ذُرِّيَّتِهِما النُّبُوَّةَ والكِتابَ فَمِنهم مُهْتَدٍ وكَثِيرٌ مِنهم فاسِقُونَ﴾ [الحديد: ٢٦] والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ أيْ: عالِمٌ بِكُفْرِكم وإيمانِكُمُ اللَّذَيْنِ هُما مِن قِبَلِكم، والمَعْنى: هو الَّذِي تَفَضَّلَ عَلَيْكم بِأصْلِ النِّعَمِ الَّذِي هو الخَلْقُ والإيجادُ عَنِ العَدَمِ، فَكانَ يَجِبُ أنْ تَنْظُرُوا النَّظَرَ الصَّحِيحَ، وتَكُونُوا بِأجْمَعِكم عِبادًا شاكِرِينَ. انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ. وقالَ أيْضًا: وقِيلَ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم فَمِنكم كافِرٌ﴾ بِالخَلْقِ، هُمُ الدَّهْرِيَّةُ ﴿ومِنكم مُؤْمِنٌ﴾ بِهِ. وعَنِ الحَسَنِ: في الكَلامِ حَذْفٌ دَلَّ عَلَيْهِ تَقْدِيرُهُ: ومِنكم فاسِقٌ، وكَأنَّهُ مِن كَذِبِ المُعْتَزِلَةِ عَلى الحَسَنِ. وتَقَدَّمَ الجارُّ والمَجْرُورُ في قَوْلِهِ: ﴿لَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِيَدُلَّ بِتَقَدُّمِهِما عَلى مَعْنى اخْتِصاصِ المُلْكِ والحَمْدِ بِاللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - وذَلِكَ لِأنَّ المُلْكَ عَلى الحَقِيقَةِ لَهُ؛ لِأنَّهُ مُبْدِئُ كُلِّ شَيْءٍ ومُبْدِعُهُ، والقائِمُ بِهِ المُهَيْمِنُ عَلَيْهِ وكَذَلِكَ الحَمْدُ؛ لِأنَّ أُصُولَ النِّعَمِ وفُرُوعَها مِنهُ. وأمّا مُلْكُ غَيْرِهِ فَتَسْلِيطٌ مِنهُ، وحَمْدُهُ اعْتِدادٌ بِأنَّ نِعْمَةَ اللَّهِ جَرَتْ عَلى يَدِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (صُوَرَكم) بِضَمِّ الصّادِ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وأبُو رَزِينٍ: بِكَسْرِها، والقِياسُ الضَّمُّ، وهَذا تَعْدِيدٌ لِلنِّعْمَةِ في حُسْنِ الخِلْقَةِ؛ لِأنَّ أعْضاءَ بَنِي آدَمَ مُتَصَرِّفَةٌ بِجَمِيعِ ما تَتَصَرَّفُ فِيهِ أعْضاءُ الحَيَوانِ، وبِزِيادَةٍ كَثِيرَةٍ فُضِّلَ بِها. ثُمَّ هو مُفَضَّلٌ بِحُسْنِ الوَجْهِ وجَمالِ الجَوارِحِ، كَما قالَ - تَعالى -: ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤] . وقِيلَ: النِّعْمَةُ هُنا إنَّما هي صُورَةُ الإنْسانِ مِن حَيْثُ هو إنْسانٌ مُدْرِكٌ عاقِلٌ، فَهَذا هو الَّذِي حُسِّنَ لَهُ حَتّى لَحِقَتْهُ كِمالاتٌ كَثِيرَةٌ، وتَكادُ العَرَبُ لا تَعْرِفُ الصُّورَةَ إلّا الشَّكْلَ، لا المَعْنى القائِمَ بِالصُّورَةِ. ونَبَّهَ - تَعالى - بِعِلْمِهِ بِما في السَّماواتِ والأرْضِ، ثُمَّ بِعِلْمِهِ بِما يُسِرُّ العِبادُ وما يُعْلِنُونَهُ، ثُمَّ بِعِلْمِهِ بِما أكَنَّتْهُ الصُّدُورُ عَلى أنَّهُ - تَعالى - لا يَغِيبُ عَنْ عِلْمِهِ شَيْءٌ، لا مِنَ الكُلِّيّاتِ ولا مِنَ الجُزْئِيّاتِ، فابْتَدَأ بِالعِلْمِ الشّامِلِ لِلْعالَمِ كُلِّهِ، ثُمَّ بِخاصِّ العِبادِ مِن سِرِّهِمْ وإعْلانِهِمْ، ثُمَّ ما خَصَّ مِنهُ، وهو ما تَنْطَوِي عَلَيْهِ صُدُورُهم مِن خَفِيِّ الأشْياءِ وكامِنِها، وهَذا كُلُّهُ في مَعْنى الوَعِيدِ، إذْ هو - تَعالى - المُجازِي عَلى جَمِيعِ ذَلِكَ بِالثَّوابِ والعِقابِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ما تُسِرُّونَ وما تُعْلِنُونَ﴾ بِتاءِ الخِطابِ. وعُبَيْدٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو، وأبانٌ عَنْ عاصِمٍ: بِالياءِ. ﴿ألَمْ يَأْتِكُمْ﴾ الخِطابُ لِقُرَيْشٍ، ذُكِّرُوا بِما حَلَّ بِالكُفّارِ قَبْلَهم عادٍ وثَمُودَ وقَوْمِ إبْراهِيمَ وغَيْرِهِمْ مِمَّنْ صَرَّحَ بِذِكْرِهِمْ في سُورَةِ بَراءَةَ وغَيْرِها، وقَدْ سَمِعَتْ قُرَيْشٌ أخْبارَهم. ﴿فَذاقُوا وبالَ أمْرِهِمْ﴾ أيْ: مَكْرُوهِهِمْ وما يَسُوؤُهم مِنهُ. (ذَلِكَ) أيِ: الوَبالُ (بِأنَّهُ) أيْ: بِأنَّ الشَّأْنَ والحَدِيثَ اسْتَبْعَدُوا أنْ يَبْعَثَ اللَّهُ - تَعالى - مِنَ البَشَرِ رَسُولًا، كَما اسْتَبْعَدَتْ قُرَيْشٌ، فَقالُوا عَلى سَبِيلِ الِاسْتِغْرابِ: ﴿أبَشَرٌ يَهْدُونَنا﴾ وذَلِكَ أنَّهم يَقُولُونَ: نَحْنُ مُتَساوُونَ في البَشَرِيَّةِ، فَأنّى يَكُونُ لِهَؤُلاءِ تَمْيِيزٌ عَلَيْنا بِحَيْثُ يَصِيرُونَ هُداةً لَنا ؟ وارْتَفَعَ (أبَشَرٌ) عِنْدَ الحَوْفِيِّ وابْنِ عَطِيَّةَ عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ (يَهْدُونَنا) والأحْسَنُ أنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا عَلى الفاعِلِيَّةِ؛ لِأنَّ هَمْزَةَ الِاسْتِفْهامِ تَطْلُبُ الفِعْلَ، فالمَسْألَةُ مِن بابِ الِاشْتِغالِ. (فَكَفَرُوا): العَطْفُ بِالفاءِ يَدُلُّ عَلى تَعَقُّبِ كُفْرِهِمْ مَجِيءِ الرُّسُلِ بِالبَيِّناتِ، أيْ: لَمْ يَنْظُرُوا في تِلْكَ البَيِّناتِ ولا تَأمَّلُوها، بَلْ عَقَّبُوا مَجِيئَها بِالكُفْرِ ﴿واسْتَغْنى اللَّهُ﴾ اسْتَفْعَلَ بِمَعْنى الفِعْلِ المُجَرَّدِ، وغِناهُ - تَعالى - أزَلِيٌّ، فالمَعْنى: أنَّهُ ظَهَرَ تَعالى غِناهُ عَنْهم إذْ أهْلَكَهم. ولَيْسَتِ اسْتَفْعَلَ هُنا لِلطَّلَبِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَعْناهُ وظَهَرَ اسْتِغْناءُ اللَّهِ حَيْثُ لَمْ يُلْجِئْهم إلى الإيمانِ، ولَمْ يَضْطَرَّهم إلَيْهِ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلى ذَلِكَ. انْتَهى، وفِيهِ دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ. والزَّعْمُ: تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ، ”والَّذِينَ كَفَرُوا“ أهْلُ مَكَّةَ، و”بَلى“ إثْباتٌ لِما بَعْدَ حَرْفِ النَّفْيِ ﴿وذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ أيْ: لا يَصْرِفُهُ عَنْهُ صارِفٌ. ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ وهُو مُحَمَّدٌ ﷺ ﴿والنُّورِ الَّذِي أنْزَلْنا﴾ هو (p-٢٧٨)القُرْآنُ، وانْتَصَبَ ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ﴾ بِقَوْلِهِ: (لَتُنَبَّؤُنَّ) أوْ بِخَبِيرَ، بِما فِيهِ مِن مَعْنى الوَعِيدِ والجَزاءِ، أوْ بِـ (اذْكُرْ) مُضْمَرَةً، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. والأوَّلُ عَنِ النَّحّاسِ، والثّانِي عَنِ الحَوْفِيِّ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”يَجْمَعُكم“ بِالياءِ وضَمِّ العَيْنِ. ورُوِيَ عَنْهُ سُكُونُها وإشْمامُها الضَّمَّ. وسَلّامٌ ويَعْقُوبُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ والشَّعْبِيُّ: بِالنُّونِ. ﴿لِيَوْمِ الجَمْعِ﴾ يُجْمَعُ فِيهِ الأوَّلُونَ والآخِرُونَ، وذَلِكَ أنَّ كُلَّ واحِدٍ يُبْعَثُ طامِعًا في الخَلاصِ ورَفْعِ المَنزِلَةِ. ﴿ذَلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ﴾ مُسْتَعارٌ مِن تَغابَنَ القَوْمُ في التِّجارَةِ، وهو أنْ يَغِبْنَ بَعْضُهم بَعْضًا؛ لِأنَّ السُّعَداءَ نَزَلُوا مَنازِلَ الأشْقِياءِ لَوْ كانُوا سُعَداءَ، ونَزَلَ الأشْقِياءُ مَنازِلَ السُّعَداءِ لَوْ كانُوا أشْقِياءَ، وفي الحَدِيثِ: ”ما مِن عَبْدٍ يَدْخُلُ الجَنَّةَ إلّا أُرى مَقْعَدَهُ مِنَ النّارِ لَوْ أساءَ لِيَزْدادَ شُكْرًا، وما مِن عَبْدٍ يَدْخُلُ النّارَ إلّا أُرى مَقْعَدَهُ مِنَ الجَنَّةِ لَوْ أحْسَنَ لِيَزْدادَ حَسْرَةً“ . وذَلِكَ مَعْنى يَوْمِ التَّغابُنِ. وعَنْ مُجاهِدٍ وغَيْرِهِ: إذا وقَعَ الجَزاءُ، غَبَنَ المُؤْمِنُونَ الكافِرِينَ؛ لِأنَّهم يَجُوزُونَ الجَنَّةَ وتَحَصَّلَ الكُفّارُ في النّارِ. وقَرَأ الأعْرَجُ وشَيْبَةُ وأبُو جَعْفَرٍ وطَلْحَةُ ونافِعٌ وابْنُ عامِرٍ والمُفَضَّلُ، عَنْ عاصِمٍ وزَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ والحَسَنِ، بِخِلافٍ عَنْهُ: نَكْفُرُ ونَدْخُلُهُ، بِالنُّونِ فِيهِما. والأعْمَشُ وعِيسى والحَسَنُ وباقِي السَّبْعَةِ بِالياءِ فِيهِما.

التغابن 64:7

(سُورَةُ التَّغابُنِ مَدَنِيَّةٌ وهي ثَمانِيَ عَشْرَةَ آيَةً) (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ لَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ وهو عَلى كُلِ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم فَمِنكم كافِرٌ ومِنكم مُؤْمِنٌ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ وصَوَّرَكم فَأحْسَنَ صُوَرَكم وإلَيْهِ المَصِيرُ﴾ ﴿يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ ويَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وما تُعْلِنُونَ واللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ ﴿ألَمْ يَأْتِكم نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ فَذاقُوا وبالَ أمْرِهِمْ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهُ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَقالُوا أبَشَرٌ يَهْدُونَنا فَكَفَرُوا وتَوَلَّوْا واسْتَغْنى اللَّهُ واللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى ورَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ وذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ والنُّورِ الَّذِي أنْزَلْنا واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكم لِيَوْمِ الجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ ومَن يُؤْمِن بِاللَّهِ ويَعْمَلْ صالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ ويُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ خالِدِينَ فِيها وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ ﴿ما أصابَ مِن مُصِيبَةٍ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ ومَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [التغابن: ١١] ﴿وأطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإنَّما عَلى رَسُولِنا البَلاغُ المُبِينُ﴾ [التغابن: ١٢] ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ [التغابن: ١٣] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ مِن أزْواجِكم وأوْلادِكم عَدُوًّا لَكم فاحْذَرُوهم وإنْ تَعْفُوا وتَصْفَحُوا وتَغْفِرُوا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التغابن: ١٤] ﴿إنَّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ واللَّهُ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [التغابن: ١٥] ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ واسْمَعُوا وأطِيعُوا وأنْفِقُوا خَيْرًا لِأنْفُسِكم ومَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [التغابن: ١٦] ﴿إنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضاعِفْهُ لَكم ويَغْفِرْ لَكم واللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ﴾ [التغابن: ١٧] ﴿عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [التغابن: ١٨] . التَّغابُنُ: تَفاعُلٌ مِنَ الغَبَنِ ولَيْسَ مِنَ اثْنَيْنِ، بَلْ هو مِن واحِدٍ، كَتَواضُعٍ وتَحامُلٍ. والغَبَنُ: أخْذُ الشَّيْءِ بِدُونِ قِيمَتِهِ، أوْ بَيْعُهُ كَذَلِكَ. وقِيلَ: الغَبَنُ الإخْفاءُ (p-٢٧٦)ومِنهُ غَبَنُ البَيْعِ لِاسْتِخْفائِهِ، ويُقالُ: غَبَنْتُ الثَّوْبَ وخَبَنْتُهُ، إذا أخَذْتَ ما طالَ مِنهُ عَنْ مِقْدارِكَ، فَمَعْناهُ النَّقْصُ. ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ لَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم فَمِنكم كافِرٌ ومِنكم مُؤْمِنٌ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ وصَوَّرَكم فَأحْسَنَ صُوَرَكم وإلَيْهِ المَصِيرُ﴾ ﴿يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ ويَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وما تُعْلِنُونَ واللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ ﴿ألَمْ يَأْتِكم نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ فَذاقُوا وبالَ أمْرِهِمْ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهُ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَقالُوا أبَشَرٌ يَهْدُونَنا فَكَفَرُوا وتَوَلَّوْا واسْتَغْنى اللَّهُ واللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى ورَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ وذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ والنُّورِ الَّذِي أنْزَلْنا واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكم لِيَوْمِ الجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ ومَن يُؤْمِن بِاللَّهِ ويَعْمَلْ صالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ ويُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ . هَذِهِ السُّورَةُ مَدَنِيَّةٌ في قَوْلِ الأكْثَرِينَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: مَكِّيَّةٌ إلّا آياتٍ مِن آخِرِها: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ مِن أزْواجِكُمْ﴾ [التغابن: ١٤] إلَخْ نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ. وقالَ الكَلْبِيُّ: مَدَنِيَّةٌ ومَكِّيَّةٌ. ومُناسَبَةُ هَذِهِ السُّورَةِ لِما قَبْلَها أنَّ ما قَبْلَها مُشْتَمِلٌ عَلى حالِ المُنافِقِينَ، وفي آخِرِها خِطابُ المُؤْمِنِينَ، فَأتْبَعَهُ بِما يُناسِبُهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم فَمِنكم كافِرٌ ومِنكم مُؤْمِنٌ﴾ هَذا تَقْسِيمٌ في الإيمانِ والكُفْرِ بِالنَّظَرِ إلى الِاكْتِسابِ عِنْدَ جَماعَةٍ مِنَ المُتَأوِّلِينَ لِقَوْلِهِ: «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلى الفِطْرَةِ» وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها﴾ [الروم: ٣٠] . وقِيلَ: ذانِكَ في أصْلِ الخِلْقَةِ، بِدَلِيلِ ما في حَدِيثِ النُّطْفَةِ مِن قَوْلِ المَلَكِ: أشَقِيٌّ أمْ سَعِيدٌ ؟ والغُلامُ الَّذِي قَتَلَهُ الخَضِرُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّهُ طُبِعَ يَوْمَ طُبِعَ كافِرًا. وما رَوى ابْنُ مَسْعُودٍ أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - قالَ: «خَلَقَ اللَّهُ فِرْعَوْنَ في البَطْنِ كافِرًا» . وحَكى يَحْيى بْنَ زَكَرِيّا: في البَطْنِ مُؤْمِنًا. وعَنْ عَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ: ﴿فَمِنكم كافِرٌ﴾ (p-٢٧٧)بِاللَّهِ ( مُؤْمِنٌ بِالكَوْكَبِ، ومُؤْمِنٌ بِاللَّهِ وكافِرٌ بِالكَوْكَبِ. وقَدَّمَ الكافِرَ لِكَثْرَتِهِ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقَلِيلٌ مِن عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبإ: ١٣] ؟ وحِينَ ذَكَرَ الصّالِحِينَ قالَ: ﴿وقَلِيلٌ ما هُمْ﴾ [ص: ٢٤] . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَمِنكم آتٍ بِالكُفْرِ وفاعِلٌ لَهُ، ومِنكم آتٍ بِالإيمانِ وفاعِلٌ لَهُ، كَقَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿وجَعَلْنا في ذُرِّيَّتِهِما النُّبُوَّةَ والكِتابَ فَمِنهم مُهْتَدٍ وكَثِيرٌ مِنهم فاسِقُونَ﴾ [الحديد: ٢٦] والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ أيْ: عالِمٌ بِكُفْرِكم وإيمانِكُمُ اللَّذَيْنِ هُما مِن قِبَلِكم، والمَعْنى: هو الَّذِي تَفَضَّلَ عَلَيْكم بِأصْلِ النِّعَمِ الَّذِي هو الخَلْقُ والإيجادُ عَنِ العَدَمِ، فَكانَ يَجِبُ أنْ تَنْظُرُوا النَّظَرَ الصَّحِيحَ، وتَكُونُوا بِأجْمَعِكم عِبادًا شاكِرِينَ. انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ. وقالَ أيْضًا: وقِيلَ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم فَمِنكم كافِرٌ﴾ بِالخَلْقِ، هُمُ الدَّهْرِيَّةُ ﴿ومِنكم مُؤْمِنٌ﴾ بِهِ. وعَنِ الحَسَنِ: في الكَلامِ حَذْفٌ دَلَّ عَلَيْهِ تَقْدِيرُهُ: ومِنكم فاسِقٌ، وكَأنَّهُ مِن كَذِبِ المُعْتَزِلَةِ عَلى الحَسَنِ. وتَقَدَّمَ الجارُّ والمَجْرُورُ في قَوْلِهِ: ﴿لَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِيَدُلَّ بِتَقَدُّمِهِما عَلى مَعْنى اخْتِصاصِ المُلْكِ والحَمْدِ بِاللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - وذَلِكَ لِأنَّ المُلْكَ عَلى الحَقِيقَةِ لَهُ؛ لِأنَّهُ مُبْدِئُ كُلِّ شَيْءٍ ومُبْدِعُهُ، والقائِمُ بِهِ المُهَيْمِنُ عَلَيْهِ وكَذَلِكَ الحَمْدُ؛ لِأنَّ أُصُولَ النِّعَمِ وفُرُوعَها مِنهُ. وأمّا مُلْكُ غَيْرِهِ فَتَسْلِيطٌ مِنهُ، وحَمْدُهُ اعْتِدادٌ بِأنَّ نِعْمَةَ اللَّهِ جَرَتْ عَلى يَدِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (صُوَرَكم) بِضَمِّ الصّادِ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وأبُو رَزِينٍ: بِكَسْرِها، والقِياسُ الضَّمُّ، وهَذا تَعْدِيدٌ لِلنِّعْمَةِ في حُسْنِ الخِلْقَةِ؛ لِأنَّ أعْضاءَ بَنِي آدَمَ مُتَصَرِّفَةٌ بِجَمِيعِ ما تَتَصَرَّفُ فِيهِ أعْضاءُ الحَيَوانِ، وبِزِيادَةٍ كَثِيرَةٍ فُضِّلَ بِها. ثُمَّ هو مُفَضَّلٌ بِحُسْنِ الوَجْهِ وجَمالِ الجَوارِحِ، كَما قالَ - تَعالى -: ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤] . وقِيلَ: النِّعْمَةُ هُنا إنَّما هي صُورَةُ الإنْسانِ مِن حَيْثُ هو إنْسانٌ مُدْرِكٌ عاقِلٌ، فَهَذا هو الَّذِي حُسِّنَ لَهُ حَتّى لَحِقَتْهُ كِمالاتٌ كَثِيرَةٌ، وتَكادُ العَرَبُ لا تَعْرِفُ الصُّورَةَ إلّا الشَّكْلَ، لا المَعْنى القائِمَ بِالصُّورَةِ. ونَبَّهَ - تَعالى - بِعِلْمِهِ بِما في السَّماواتِ والأرْضِ، ثُمَّ بِعِلْمِهِ بِما يُسِرُّ العِبادُ وما يُعْلِنُونَهُ، ثُمَّ بِعِلْمِهِ بِما أكَنَّتْهُ الصُّدُورُ عَلى أنَّهُ - تَعالى - لا يَغِيبُ عَنْ عِلْمِهِ شَيْءٌ، لا مِنَ الكُلِّيّاتِ ولا مِنَ الجُزْئِيّاتِ، فابْتَدَأ بِالعِلْمِ الشّامِلِ لِلْعالَمِ كُلِّهِ، ثُمَّ بِخاصِّ العِبادِ مِن سِرِّهِمْ وإعْلانِهِمْ، ثُمَّ ما خَصَّ مِنهُ، وهو ما تَنْطَوِي عَلَيْهِ صُدُورُهم مِن خَفِيِّ الأشْياءِ وكامِنِها، وهَذا كُلُّهُ في مَعْنى الوَعِيدِ، إذْ هو - تَعالى - المُجازِي عَلى جَمِيعِ ذَلِكَ بِالثَّوابِ والعِقابِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ما تُسِرُّونَ وما تُعْلِنُونَ﴾ بِتاءِ الخِطابِ. وعُبَيْدٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو، وأبانٌ عَنْ عاصِمٍ: بِالياءِ. ﴿ألَمْ يَأْتِكُمْ﴾ الخِطابُ لِقُرَيْشٍ، ذُكِّرُوا بِما حَلَّ بِالكُفّارِ قَبْلَهم عادٍ وثَمُودَ وقَوْمِ إبْراهِيمَ وغَيْرِهِمْ مِمَّنْ صَرَّحَ بِذِكْرِهِمْ في سُورَةِ بَراءَةَ وغَيْرِها، وقَدْ سَمِعَتْ قُرَيْشٌ أخْبارَهم. ﴿فَذاقُوا وبالَ أمْرِهِمْ﴾ أيْ: مَكْرُوهِهِمْ وما يَسُوؤُهم مِنهُ. (ذَلِكَ) أيِ: الوَبالُ (بِأنَّهُ) أيْ: بِأنَّ الشَّأْنَ والحَدِيثَ اسْتَبْعَدُوا أنْ يَبْعَثَ اللَّهُ - تَعالى - مِنَ البَشَرِ رَسُولًا، كَما اسْتَبْعَدَتْ قُرَيْشٌ، فَقالُوا عَلى سَبِيلِ الِاسْتِغْرابِ: ﴿أبَشَرٌ يَهْدُونَنا﴾ وذَلِكَ أنَّهم يَقُولُونَ: نَحْنُ مُتَساوُونَ في البَشَرِيَّةِ، فَأنّى يَكُونُ لِهَؤُلاءِ تَمْيِيزٌ عَلَيْنا بِحَيْثُ يَصِيرُونَ هُداةً لَنا ؟ وارْتَفَعَ (أبَشَرٌ) عِنْدَ الحَوْفِيِّ وابْنِ عَطِيَّةَ عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ (يَهْدُونَنا) والأحْسَنُ أنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا عَلى الفاعِلِيَّةِ؛ لِأنَّ هَمْزَةَ الِاسْتِفْهامِ تَطْلُبُ الفِعْلَ، فالمَسْألَةُ مِن بابِ الِاشْتِغالِ. (فَكَفَرُوا): العَطْفُ بِالفاءِ يَدُلُّ عَلى تَعَقُّبِ كُفْرِهِمْ مَجِيءِ الرُّسُلِ بِالبَيِّناتِ، أيْ: لَمْ يَنْظُرُوا في تِلْكَ البَيِّناتِ ولا تَأمَّلُوها، بَلْ عَقَّبُوا مَجِيئَها بِالكُفْرِ ﴿واسْتَغْنى اللَّهُ﴾ اسْتَفْعَلَ بِمَعْنى الفِعْلِ المُجَرَّدِ، وغِناهُ - تَعالى - أزَلِيٌّ، فالمَعْنى: أنَّهُ ظَهَرَ تَعالى غِناهُ عَنْهم إذْ أهْلَكَهم. ولَيْسَتِ اسْتَفْعَلَ هُنا لِلطَّلَبِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَعْناهُ وظَهَرَ اسْتِغْناءُ اللَّهِ حَيْثُ لَمْ يُلْجِئْهم إلى الإيمانِ، ولَمْ يَضْطَرَّهم إلَيْهِ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلى ذَلِكَ. انْتَهى، وفِيهِ دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ. والزَّعْمُ: تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ، ”والَّذِينَ كَفَرُوا“ أهْلُ مَكَّةَ، و”بَلى“ إثْباتٌ لِما بَعْدَ حَرْفِ النَّفْيِ ﴿وذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ أيْ: لا يَصْرِفُهُ عَنْهُ صارِفٌ. ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ وهُو مُحَمَّدٌ ﷺ ﴿والنُّورِ الَّذِي أنْزَلْنا﴾ هو (p-٢٧٨)القُرْآنُ، وانْتَصَبَ ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ﴾ بِقَوْلِهِ: (لَتُنَبَّؤُنَّ) أوْ بِخَبِيرَ، بِما فِيهِ مِن مَعْنى الوَعِيدِ والجَزاءِ، أوْ بِـ (اذْكُرْ) مُضْمَرَةً، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. والأوَّلُ عَنِ النَّحّاسِ، والثّانِي عَنِ الحَوْفِيِّ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”يَجْمَعُكم“ بِالياءِ وضَمِّ العَيْنِ. ورُوِيَ عَنْهُ سُكُونُها وإشْمامُها الضَّمَّ. وسَلّامٌ ويَعْقُوبُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ والشَّعْبِيُّ: بِالنُّونِ. ﴿لِيَوْمِ الجَمْعِ﴾ يُجْمَعُ فِيهِ الأوَّلُونَ والآخِرُونَ، وذَلِكَ أنَّ كُلَّ واحِدٍ يُبْعَثُ طامِعًا في الخَلاصِ ورَفْعِ المَنزِلَةِ. ﴿ذَلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ﴾ مُسْتَعارٌ مِن تَغابَنَ القَوْمُ في التِّجارَةِ، وهو أنْ يَغِبْنَ بَعْضُهم بَعْضًا؛ لِأنَّ السُّعَداءَ نَزَلُوا مَنازِلَ الأشْقِياءِ لَوْ كانُوا سُعَداءَ، ونَزَلَ الأشْقِياءُ مَنازِلَ السُّعَداءِ لَوْ كانُوا أشْقِياءَ، وفي الحَدِيثِ: ”ما مِن عَبْدٍ يَدْخُلُ الجَنَّةَ إلّا أُرى مَقْعَدَهُ مِنَ النّارِ لَوْ أساءَ لِيَزْدادَ شُكْرًا، وما مِن عَبْدٍ يَدْخُلُ النّارَ إلّا أُرى مَقْعَدَهُ مِنَ الجَنَّةِ لَوْ أحْسَنَ لِيَزْدادَ حَسْرَةً“ . وذَلِكَ مَعْنى يَوْمِ التَّغابُنِ. وعَنْ مُجاهِدٍ وغَيْرِهِ: إذا وقَعَ الجَزاءُ، غَبَنَ المُؤْمِنُونَ الكافِرِينَ؛ لِأنَّهم يَجُوزُونَ الجَنَّةَ وتَحَصَّلَ الكُفّارُ في النّارِ. وقَرَأ الأعْرَجُ وشَيْبَةُ وأبُو جَعْفَرٍ وطَلْحَةُ ونافِعٌ وابْنُ عامِرٍ والمُفَضَّلُ، عَنْ عاصِمٍ وزَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ والحَسَنِ، بِخِلافٍ عَنْهُ: نَكْفُرُ ونَدْخُلُهُ، بِالنُّونِ فِيهِما. والأعْمَشُ وعِيسى والحَسَنُ وباقِي السَّبْعَةِ بِالياءِ فِيهِما.

التغابن 64:8

(سُورَةُ التَّغابُنِ مَدَنِيَّةٌ وهي ثَمانِيَ عَشْرَةَ آيَةً) (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ لَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ وهو عَلى كُلِ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم فَمِنكم كافِرٌ ومِنكم مُؤْمِنٌ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ وصَوَّرَكم فَأحْسَنَ صُوَرَكم وإلَيْهِ المَصِيرُ﴾ ﴿يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ ويَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وما تُعْلِنُونَ واللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ ﴿ألَمْ يَأْتِكم نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ فَذاقُوا وبالَ أمْرِهِمْ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهُ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَقالُوا أبَشَرٌ يَهْدُونَنا فَكَفَرُوا وتَوَلَّوْا واسْتَغْنى اللَّهُ واللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى ورَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ وذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ والنُّورِ الَّذِي أنْزَلْنا واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكم لِيَوْمِ الجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ ومَن يُؤْمِن بِاللَّهِ ويَعْمَلْ صالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ ويُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ خالِدِينَ فِيها وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ ﴿ما أصابَ مِن مُصِيبَةٍ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ ومَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [التغابن: ١١] ﴿وأطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإنَّما عَلى رَسُولِنا البَلاغُ المُبِينُ﴾ [التغابن: ١٢] ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ [التغابن: ١٣] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ مِن أزْواجِكم وأوْلادِكم عَدُوًّا لَكم فاحْذَرُوهم وإنْ تَعْفُوا وتَصْفَحُوا وتَغْفِرُوا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التغابن: ١٤] ﴿إنَّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ واللَّهُ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [التغابن: ١٥] ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ واسْمَعُوا وأطِيعُوا وأنْفِقُوا خَيْرًا لِأنْفُسِكم ومَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [التغابن: ١٦] ﴿إنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضاعِفْهُ لَكم ويَغْفِرْ لَكم واللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ﴾ [التغابن: ١٧] ﴿عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [التغابن: ١٨] . التَّغابُنُ: تَفاعُلٌ مِنَ الغَبَنِ ولَيْسَ مِنَ اثْنَيْنِ، بَلْ هو مِن واحِدٍ، كَتَواضُعٍ وتَحامُلٍ. والغَبَنُ: أخْذُ الشَّيْءِ بِدُونِ قِيمَتِهِ، أوْ بَيْعُهُ كَذَلِكَ. وقِيلَ: الغَبَنُ الإخْفاءُ (p-٢٧٦)ومِنهُ غَبَنُ البَيْعِ لِاسْتِخْفائِهِ، ويُقالُ: غَبَنْتُ الثَّوْبَ وخَبَنْتُهُ، إذا أخَذْتَ ما طالَ مِنهُ عَنْ مِقْدارِكَ، فَمَعْناهُ النَّقْصُ. ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ لَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم فَمِنكم كافِرٌ ومِنكم مُؤْمِنٌ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ وصَوَّرَكم فَأحْسَنَ صُوَرَكم وإلَيْهِ المَصِيرُ﴾ ﴿يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ ويَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وما تُعْلِنُونَ واللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ ﴿ألَمْ يَأْتِكم نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ فَذاقُوا وبالَ أمْرِهِمْ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهُ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَقالُوا أبَشَرٌ يَهْدُونَنا فَكَفَرُوا وتَوَلَّوْا واسْتَغْنى اللَّهُ واللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى ورَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ وذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ والنُّورِ الَّذِي أنْزَلْنا واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكم لِيَوْمِ الجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ ومَن يُؤْمِن بِاللَّهِ ويَعْمَلْ صالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ ويُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ . هَذِهِ السُّورَةُ مَدَنِيَّةٌ في قَوْلِ الأكْثَرِينَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: مَكِّيَّةٌ إلّا آياتٍ مِن آخِرِها: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ مِن أزْواجِكُمْ﴾ [التغابن: ١٤] إلَخْ نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ. وقالَ الكَلْبِيُّ: مَدَنِيَّةٌ ومَكِّيَّةٌ. ومُناسَبَةُ هَذِهِ السُّورَةِ لِما قَبْلَها أنَّ ما قَبْلَها مُشْتَمِلٌ عَلى حالِ المُنافِقِينَ، وفي آخِرِها خِطابُ المُؤْمِنِينَ، فَأتْبَعَهُ بِما يُناسِبُهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم فَمِنكم كافِرٌ ومِنكم مُؤْمِنٌ﴾ هَذا تَقْسِيمٌ في الإيمانِ والكُفْرِ بِالنَّظَرِ إلى الِاكْتِسابِ عِنْدَ جَماعَةٍ مِنَ المُتَأوِّلِينَ لِقَوْلِهِ: «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلى الفِطْرَةِ» وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها﴾ [الروم: ٣٠] . وقِيلَ: ذانِكَ في أصْلِ الخِلْقَةِ، بِدَلِيلِ ما في حَدِيثِ النُّطْفَةِ مِن قَوْلِ المَلَكِ: أشَقِيٌّ أمْ سَعِيدٌ ؟ والغُلامُ الَّذِي قَتَلَهُ الخَضِرُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّهُ طُبِعَ يَوْمَ طُبِعَ كافِرًا. وما رَوى ابْنُ مَسْعُودٍ أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - قالَ: «خَلَقَ اللَّهُ فِرْعَوْنَ في البَطْنِ كافِرًا» . وحَكى يَحْيى بْنَ زَكَرِيّا: في البَطْنِ مُؤْمِنًا. وعَنْ عَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ: ﴿فَمِنكم كافِرٌ﴾ (p-٢٧٧)بِاللَّهِ ( مُؤْمِنٌ بِالكَوْكَبِ، ومُؤْمِنٌ بِاللَّهِ وكافِرٌ بِالكَوْكَبِ. وقَدَّمَ الكافِرَ لِكَثْرَتِهِ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقَلِيلٌ مِن عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبإ: ١٣] ؟ وحِينَ ذَكَرَ الصّالِحِينَ قالَ: ﴿وقَلِيلٌ ما هُمْ﴾ [ص: ٢٤] . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَمِنكم آتٍ بِالكُفْرِ وفاعِلٌ لَهُ، ومِنكم آتٍ بِالإيمانِ وفاعِلٌ لَهُ، كَقَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿وجَعَلْنا في ذُرِّيَّتِهِما النُّبُوَّةَ والكِتابَ فَمِنهم مُهْتَدٍ وكَثِيرٌ مِنهم فاسِقُونَ﴾ [الحديد: ٢٦] والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ أيْ: عالِمٌ بِكُفْرِكم وإيمانِكُمُ اللَّذَيْنِ هُما مِن قِبَلِكم، والمَعْنى: هو الَّذِي تَفَضَّلَ عَلَيْكم بِأصْلِ النِّعَمِ الَّذِي هو الخَلْقُ والإيجادُ عَنِ العَدَمِ، فَكانَ يَجِبُ أنْ تَنْظُرُوا النَّظَرَ الصَّحِيحَ، وتَكُونُوا بِأجْمَعِكم عِبادًا شاكِرِينَ. انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ. وقالَ أيْضًا: وقِيلَ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم فَمِنكم كافِرٌ﴾ بِالخَلْقِ، هُمُ الدَّهْرِيَّةُ ﴿ومِنكم مُؤْمِنٌ﴾ بِهِ. وعَنِ الحَسَنِ: في الكَلامِ حَذْفٌ دَلَّ عَلَيْهِ تَقْدِيرُهُ: ومِنكم فاسِقٌ، وكَأنَّهُ مِن كَذِبِ المُعْتَزِلَةِ عَلى الحَسَنِ. وتَقَدَّمَ الجارُّ والمَجْرُورُ في قَوْلِهِ: ﴿لَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِيَدُلَّ بِتَقَدُّمِهِما عَلى مَعْنى اخْتِصاصِ المُلْكِ والحَمْدِ بِاللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - وذَلِكَ لِأنَّ المُلْكَ عَلى الحَقِيقَةِ لَهُ؛ لِأنَّهُ مُبْدِئُ كُلِّ شَيْءٍ ومُبْدِعُهُ، والقائِمُ بِهِ المُهَيْمِنُ عَلَيْهِ وكَذَلِكَ الحَمْدُ؛ لِأنَّ أُصُولَ النِّعَمِ وفُرُوعَها مِنهُ. وأمّا مُلْكُ غَيْرِهِ فَتَسْلِيطٌ مِنهُ، وحَمْدُهُ اعْتِدادٌ بِأنَّ نِعْمَةَ اللَّهِ جَرَتْ عَلى يَدِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (صُوَرَكم) بِضَمِّ الصّادِ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وأبُو رَزِينٍ: بِكَسْرِها، والقِياسُ الضَّمُّ، وهَذا تَعْدِيدٌ لِلنِّعْمَةِ في حُسْنِ الخِلْقَةِ؛ لِأنَّ أعْضاءَ بَنِي آدَمَ مُتَصَرِّفَةٌ بِجَمِيعِ ما تَتَصَرَّفُ فِيهِ أعْضاءُ الحَيَوانِ، وبِزِيادَةٍ كَثِيرَةٍ فُضِّلَ بِها. ثُمَّ هو مُفَضَّلٌ بِحُسْنِ الوَجْهِ وجَمالِ الجَوارِحِ، كَما قالَ - تَعالى -: ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤] . وقِيلَ: النِّعْمَةُ هُنا إنَّما هي صُورَةُ الإنْسانِ مِن حَيْثُ هو إنْسانٌ مُدْرِكٌ عاقِلٌ، فَهَذا هو الَّذِي حُسِّنَ لَهُ حَتّى لَحِقَتْهُ كِمالاتٌ كَثِيرَةٌ، وتَكادُ العَرَبُ لا تَعْرِفُ الصُّورَةَ إلّا الشَّكْلَ، لا المَعْنى القائِمَ بِالصُّورَةِ. ونَبَّهَ - تَعالى - بِعِلْمِهِ بِما في السَّماواتِ والأرْضِ، ثُمَّ بِعِلْمِهِ بِما يُسِرُّ العِبادُ وما يُعْلِنُونَهُ، ثُمَّ بِعِلْمِهِ بِما أكَنَّتْهُ الصُّدُورُ عَلى أنَّهُ - تَعالى - لا يَغِيبُ عَنْ عِلْمِهِ شَيْءٌ، لا مِنَ الكُلِّيّاتِ ولا مِنَ الجُزْئِيّاتِ، فابْتَدَأ بِالعِلْمِ الشّامِلِ لِلْعالَمِ كُلِّهِ، ثُمَّ بِخاصِّ العِبادِ مِن سِرِّهِمْ وإعْلانِهِمْ، ثُمَّ ما خَصَّ مِنهُ، وهو ما تَنْطَوِي عَلَيْهِ صُدُورُهم مِن خَفِيِّ الأشْياءِ وكامِنِها، وهَذا كُلُّهُ في مَعْنى الوَعِيدِ، إذْ هو - تَعالى - المُجازِي عَلى جَمِيعِ ذَلِكَ بِالثَّوابِ والعِقابِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ما تُسِرُّونَ وما تُعْلِنُونَ﴾ بِتاءِ الخِطابِ. وعُبَيْدٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو، وأبانٌ عَنْ عاصِمٍ: بِالياءِ. ﴿ألَمْ يَأْتِكُمْ﴾ الخِطابُ لِقُرَيْشٍ، ذُكِّرُوا بِما حَلَّ بِالكُفّارِ قَبْلَهم عادٍ وثَمُودَ وقَوْمِ إبْراهِيمَ وغَيْرِهِمْ مِمَّنْ صَرَّحَ بِذِكْرِهِمْ في سُورَةِ بَراءَةَ وغَيْرِها، وقَدْ سَمِعَتْ قُرَيْشٌ أخْبارَهم. ﴿فَذاقُوا وبالَ أمْرِهِمْ﴾ أيْ: مَكْرُوهِهِمْ وما يَسُوؤُهم مِنهُ. (ذَلِكَ) أيِ: الوَبالُ (بِأنَّهُ) أيْ: بِأنَّ الشَّأْنَ والحَدِيثَ اسْتَبْعَدُوا أنْ يَبْعَثَ اللَّهُ - تَعالى - مِنَ البَشَرِ رَسُولًا، كَما اسْتَبْعَدَتْ قُرَيْشٌ، فَقالُوا عَلى سَبِيلِ الِاسْتِغْرابِ: ﴿أبَشَرٌ يَهْدُونَنا﴾ وذَلِكَ أنَّهم يَقُولُونَ: نَحْنُ مُتَساوُونَ في البَشَرِيَّةِ، فَأنّى يَكُونُ لِهَؤُلاءِ تَمْيِيزٌ عَلَيْنا بِحَيْثُ يَصِيرُونَ هُداةً لَنا ؟ وارْتَفَعَ (أبَشَرٌ) عِنْدَ الحَوْفِيِّ وابْنِ عَطِيَّةَ عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ (يَهْدُونَنا) والأحْسَنُ أنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا عَلى الفاعِلِيَّةِ؛ لِأنَّ هَمْزَةَ الِاسْتِفْهامِ تَطْلُبُ الفِعْلَ، فالمَسْألَةُ مِن بابِ الِاشْتِغالِ. (فَكَفَرُوا): العَطْفُ بِالفاءِ يَدُلُّ عَلى تَعَقُّبِ كُفْرِهِمْ مَجِيءِ الرُّسُلِ بِالبَيِّناتِ، أيْ: لَمْ يَنْظُرُوا في تِلْكَ البَيِّناتِ ولا تَأمَّلُوها، بَلْ عَقَّبُوا مَجِيئَها بِالكُفْرِ ﴿واسْتَغْنى اللَّهُ﴾ اسْتَفْعَلَ بِمَعْنى الفِعْلِ المُجَرَّدِ، وغِناهُ - تَعالى - أزَلِيٌّ، فالمَعْنى: أنَّهُ ظَهَرَ تَعالى غِناهُ عَنْهم إذْ أهْلَكَهم. ولَيْسَتِ اسْتَفْعَلَ هُنا لِلطَّلَبِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَعْناهُ وظَهَرَ اسْتِغْناءُ اللَّهِ حَيْثُ لَمْ يُلْجِئْهم إلى الإيمانِ، ولَمْ يَضْطَرَّهم إلَيْهِ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلى ذَلِكَ. انْتَهى، وفِيهِ دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ. والزَّعْمُ: تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ، ”والَّذِينَ كَفَرُوا“ أهْلُ مَكَّةَ، و”بَلى“ إثْباتٌ لِما بَعْدَ حَرْفِ النَّفْيِ ﴿وذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ أيْ: لا يَصْرِفُهُ عَنْهُ صارِفٌ. ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ وهُو مُحَمَّدٌ ﷺ ﴿والنُّورِ الَّذِي أنْزَلْنا﴾ هو (p-٢٧٨)القُرْآنُ، وانْتَصَبَ ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ﴾ بِقَوْلِهِ: (لَتُنَبَّؤُنَّ) أوْ بِخَبِيرَ، بِما فِيهِ مِن مَعْنى الوَعِيدِ والجَزاءِ، أوْ بِـ (اذْكُرْ) مُضْمَرَةً، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. والأوَّلُ عَنِ النَّحّاسِ، والثّانِي عَنِ الحَوْفِيِّ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”يَجْمَعُكم“ بِالياءِ وضَمِّ العَيْنِ. ورُوِيَ عَنْهُ سُكُونُها وإشْمامُها الضَّمَّ. وسَلّامٌ ويَعْقُوبُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ والشَّعْبِيُّ: بِالنُّونِ. ﴿لِيَوْمِ الجَمْعِ﴾ يُجْمَعُ فِيهِ الأوَّلُونَ والآخِرُونَ، وذَلِكَ أنَّ كُلَّ واحِدٍ يُبْعَثُ طامِعًا في الخَلاصِ ورَفْعِ المَنزِلَةِ. ﴿ذَلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ﴾ مُسْتَعارٌ مِن تَغابَنَ القَوْمُ في التِّجارَةِ، وهو أنْ يَغِبْنَ بَعْضُهم بَعْضًا؛ لِأنَّ السُّعَداءَ نَزَلُوا مَنازِلَ الأشْقِياءِ لَوْ كانُوا سُعَداءَ، ونَزَلَ الأشْقِياءُ مَنازِلَ السُّعَداءِ لَوْ كانُوا أشْقِياءَ، وفي الحَدِيثِ: ”ما مِن عَبْدٍ يَدْخُلُ الجَنَّةَ إلّا أُرى مَقْعَدَهُ مِنَ النّارِ لَوْ أساءَ لِيَزْدادَ شُكْرًا، وما مِن عَبْدٍ يَدْخُلُ النّارَ إلّا أُرى مَقْعَدَهُ مِنَ الجَنَّةِ لَوْ أحْسَنَ لِيَزْدادَ حَسْرَةً“ . وذَلِكَ مَعْنى يَوْمِ التَّغابُنِ. وعَنْ مُجاهِدٍ وغَيْرِهِ: إذا وقَعَ الجَزاءُ، غَبَنَ المُؤْمِنُونَ الكافِرِينَ؛ لِأنَّهم يَجُوزُونَ الجَنَّةَ وتَحَصَّلَ الكُفّارُ في النّارِ. وقَرَأ الأعْرَجُ وشَيْبَةُ وأبُو جَعْفَرٍ وطَلْحَةُ ونافِعٌ وابْنُ عامِرٍ والمُفَضَّلُ، عَنْ عاصِمٍ وزَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ والحَسَنِ، بِخِلافٍ عَنْهُ: نَكْفُرُ ونَدْخُلُهُ، بِالنُّونِ فِيهِما. والأعْمَشُ وعِيسى والحَسَنُ وباقِي السَّبْعَةِ بِالياءِ فِيهِما.

التغابن 64:9

(سُورَةُ التَّغابُنِ مَدَنِيَّةٌ وهي ثَمانِيَ عَشْرَةَ آيَةً) (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ لَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ وهو عَلى كُلِ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم فَمِنكم كافِرٌ ومِنكم مُؤْمِنٌ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ وصَوَّرَكم فَأحْسَنَ صُوَرَكم وإلَيْهِ المَصِيرُ﴾ ﴿يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ ويَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وما تُعْلِنُونَ واللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ ﴿ألَمْ يَأْتِكم نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ فَذاقُوا وبالَ أمْرِهِمْ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهُ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَقالُوا أبَشَرٌ يَهْدُونَنا فَكَفَرُوا وتَوَلَّوْا واسْتَغْنى اللَّهُ واللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى ورَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ وذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ والنُّورِ الَّذِي أنْزَلْنا واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكم لِيَوْمِ الجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ ومَن يُؤْمِن بِاللَّهِ ويَعْمَلْ صالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ ويُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ خالِدِينَ فِيها وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ ﴿ما أصابَ مِن مُصِيبَةٍ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ ومَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [التغابن: ١١] ﴿وأطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإنَّما عَلى رَسُولِنا البَلاغُ المُبِينُ﴾ [التغابن: ١٢] ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ [التغابن: ١٣] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ مِن أزْواجِكم وأوْلادِكم عَدُوًّا لَكم فاحْذَرُوهم وإنْ تَعْفُوا وتَصْفَحُوا وتَغْفِرُوا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التغابن: ١٤] ﴿إنَّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ واللَّهُ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [التغابن: ١٥] ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ واسْمَعُوا وأطِيعُوا وأنْفِقُوا خَيْرًا لِأنْفُسِكم ومَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [التغابن: ١٦] ﴿إنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضاعِفْهُ لَكم ويَغْفِرْ لَكم واللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ﴾ [التغابن: ١٧] ﴿عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [التغابن: ١٨] . التَّغابُنُ: تَفاعُلٌ مِنَ الغَبَنِ ولَيْسَ مِنَ اثْنَيْنِ، بَلْ هو مِن واحِدٍ، كَتَواضُعٍ وتَحامُلٍ. والغَبَنُ: أخْذُ الشَّيْءِ بِدُونِ قِيمَتِهِ، أوْ بَيْعُهُ كَذَلِكَ. وقِيلَ: الغَبَنُ الإخْفاءُ (p-٢٧٦)ومِنهُ غَبَنُ البَيْعِ لِاسْتِخْفائِهِ، ويُقالُ: غَبَنْتُ الثَّوْبَ وخَبَنْتُهُ، إذا أخَذْتَ ما طالَ مِنهُ عَنْ مِقْدارِكَ، فَمَعْناهُ النَّقْصُ. ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ لَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم فَمِنكم كافِرٌ ومِنكم مُؤْمِنٌ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ وصَوَّرَكم فَأحْسَنَ صُوَرَكم وإلَيْهِ المَصِيرُ﴾ ﴿يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ ويَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وما تُعْلِنُونَ واللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ ﴿ألَمْ يَأْتِكم نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ فَذاقُوا وبالَ أمْرِهِمْ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهُ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَقالُوا أبَشَرٌ يَهْدُونَنا فَكَفَرُوا وتَوَلَّوْا واسْتَغْنى اللَّهُ واللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى ورَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ وذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ والنُّورِ الَّذِي أنْزَلْنا واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكم لِيَوْمِ الجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ ومَن يُؤْمِن بِاللَّهِ ويَعْمَلْ صالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ ويُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ . هَذِهِ السُّورَةُ مَدَنِيَّةٌ في قَوْلِ الأكْثَرِينَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: مَكِّيَّةٌ إلّا آياتٍ مِن آخِرِها: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ مِن أزْواجِكُمْ﴾ [التغابن: ١٤] إلَخْ نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ. وقالَ الكَلْبِيُّ: مَدَنِيَّةٌ ومَكِّيَّةٌ. ومُناسَبَةُ هَذِهِ السُّورَةِ لِما قَبْلَها أنَّ ما قَبْلَها مُشْتَمِلٌ عَلى حالِ المُنافِقِينَ، وفي آخِرِها خِطابُ المُؤْمِنِينَ، فَأتْبَعَهُ بِما يُناسِبُهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم فَمِنكم كافِرٌ ومِنكم مُؤْمِنٌ﴾ هَذا تَقْسِيمٌ في الإيمانِ والكُفْرِ بِالنَّظَرِ إلى الِاكْتِسابِ عِنْدَ جَماعَةٍ مِنَ المُتَأوِّلِينَ لِقَوْلِهِ: «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلى الفِطْرَةِ» وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها﴾ [الروم: ٣٠] . وقِيلَ: ذانِكَ في أصْلِ الخِلْقَةِ، بِدَلِيلِ ما في حَدِيثِ النُّطْفَةِ مِن قَوْلِ المَلَكِ: أشَقِيٌّ أمْ سَعِيدٌ ؟ والغُلامُ الَّذِي قَتَلَهُ الخَضِرُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّهُ طُبِعَ يَوْمَ طُبِعَ كافِرًا. وما رَوى ابْنُ مَسْعُودٍ أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - قالَ: «خَلَقَ اللَّهُ فِرْعَوْنَ في البَطْنِ كافِرًا» . وحَكى يَحْيى بْنَ زَكَرِيّا: في البَطْنِ مُؤْمِنًا. وعَنْ عَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ: ﴿فَمِنكم كافِرٌ﴾ (p-٢٧٧)بِاللَّهِ ( مُؤْمِنٌ بِالكَوْكَبِ، ومُؤْمِنٌ بِاللَّهِ وكافِرٌ بِالكَوْكَبِ. وقَدَّمَ الكافِرَ لِكَثْرَتِهِ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقَلِيلٌ مِن عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبإ: ١٣] ؟ وحِينَ ذَكَرَ الصّالِحِينَ قالَ: ﴿وقَلِيلٌ ما هُمْ﴾ [ص: ٢٤] . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَمِنكم آتٍ بِالكُفْرِ وفاعِلٌ لَهُ، ومِنكم آتٍ بِالإيمانِ وفاعِلٌ لَهُ، كَقَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿وجَعَلْنا في ذُرِّيَّتِهِما النُّبُوَّةَ والكِتابَ فَمِنهم مُهْتَدٍ وكَثِيرٌ مِنهم فاسِقُونَ﴾ [الحديد: ٢٦] والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ أيْ: عالِمٌ بِكُفْرِكم وإيمانِكُمُ اللَّذَيْنِ هُما مِن قِبَلِكم، والمَعْنى: هو الَّذِي تَفَضَّلَ عَلَيْكم بِأصْلِ النِّعَمِ الَّذِي هو الخَلْقُ والإيجادُ عَنِ العَدَمِ، فَكانَ يَجِبُ أنْ تَنْظُرُوا النَّظَرَ الصَّحِيحَ، وتَكُونُوا بِأجْمَعِكم عِبادًا شاكِرِينَ. انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ. وقالَ أيْضًا: وقِيلَ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم فَمِنكم كافِرٌ﴾ بِالخَلْقِ، هُمُ الدَّهْرِيَّةُ ﴿ومِنكم مُؤْمِنٌ﴾ بِهِ. وعَنِ الحَسَنِ: في الكَلامِ حَذْفٌ دَلَّ عَلَيْهِ تَقْدِيرُهُ: ومِنكم فاسِقٌ، وكَأنَّهُ مِن كَذِبِ المُعْتَزِلَةِ عَلى الحَسَنِ. وتَقَدَّمَ الجارُّ والمَجْرُورُ في قَوْلِهِ: ﴿لَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِيَدُلَّ بِتَقَدُّمِهِما عَلى مَعْنى اخْتِصاصِ المُلْكِ والحَمْدِ بِاللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - وذَلِكَ لِأنَّ المُلْكَ عَلى الحَقِيقَةِ لَهُ؛ لِأنَّهُ مُبْدِئُ كُلِّ شَيْءٍ ومُبْدِعُهُ، والقائِمُ بِهِ المُهَيْمِنُ عَلَيْهِ وكَذَلِكَ الحَمْدُ؛ لِأنَّ أُصُولَ النِّعَمِ وفُرُوعَها مِنهُ. وأمّا مُلْكُ غَيْرِهِ فَتَسْلِيطٌ مِنهُ، وحَمْدُهُ اعْتِدادٌ بِأنَّ نِعْمَةَ اللَّهِ جَرَتْ عَلى يَدِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (صُوَرَكم) بِضَمِّ الصّادِ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وأبُو رَزِينٍ: بِكَسْرِها، والقِياسُ الضَّمُّ، وهَذا تَعْدِيدٌ لِلنِّعْمَةِ في حُسْنِ الخِلْقَةِ؛ لِأنَّ أعْضاءَ بَنِي آدَمَ مُتَصَرِّفَةٌ بِجَمِيعِ ما تَتَصَرَّفُ فِيهِ أعْضاءُ الحَيَوانِ، وبِزِيادَةٍ كَثِيرَةٍ فُضِّلَ بِها. ثُمَّ هو مُفَضَّلٌ بِحُسْنِ الوَجْهِ وجَمالِ الجَوارِحِ، كَما قالَ - تَعالى -: ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤] . وقِيلَ: النِّعْمَةُ هُنا إنَّما هي صُورَةُ الإنْسانِ مِن حَيْثُ هو إنْسانٌ مُدْرِكٌ عاقِلٌ، فَهَذا هو الَّذِي حُسِّنَ لَهُ حَتّى لَحِقَتْهُ كِمالاتٌ كَثِيرَةٌ، وتَكادُ العَرَبُ لا تَعْرِفُ الصُّورَةَ إلّا الشَّكْلَ، لا المَعْنى القائِمَ بِالصُّورَةِ. ونَبَّهَ - تَعالى - بِعِلْمِهِ بِما في السَّماواتِ والأرْضِ، ثُمَّ بِعِلْمِهِ بِما يُسِرُّ العِبادُ وما يُعْلِنُونَهُ، ثُمَّ بِعِلْمِهِ بِما أكَنَّتْهُ الصُّدُورُ عَلى أنَّهُ - تَعالى - لا يَغِيبُ عَنْ عِلْمِهِ شَيْءٌ، لا مِنَ الكُلِّيّاتِ ولا مِنَ الجُزْئِيّاتِ، فابْتَدَأ بِالعِلْمِ الشّامِلِ لِلْعالَمِ كُلِّهِ، ثُمَّ بِخاصِّ العِبادِ مِن سِرِّهِمْ وإعْلانِهِمْ، ثُمَّ ما خَصَّ مِنهُ، وهو ما تَنْطَوِي عَلَيْهِ صُدُورُهم مِن خَفِيِّ الأشْياءِ وكامِنِها، وهَذا كُلُّهُ في مَعْنى الوَعِيدِ، إذْ هو - تَعالى - المُجازِي عَلى جَمِيعِ ذَلِكَ بِالثَّوابِ والعِقابِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ما تُسِرُّونَ وما تُعْلِنُونَ﴾ بِتاءِ الخِطابِ. وعُبَيْدٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو، وأبانٌ عَنْ عاصِمٍ: بِالياءِ. ﴿ألَمْ يَأْتِكُمْ﴾ الخِطابُ لِقُرَيْشٍ، ذُكِّرُوا بِما حَلَّ بِالكُفّارِ قَبْلَهم عادٍ وثَمُودَ وقَوْمِ إبْراهِيمَ وغَيْرِهِمْ مِمَّنْ صَرَّحَ بِذِكْرِهِمْ في سُورَةِ بَراءَةَ وغَيْرِها، وقَدْ سَمِعَتْ قُرَيْشٌ أخْبارَهم. ﴿فَذاقُوا وبالَ أمْرِهِمْ﴾ أيْ: مَكْرُوهِهِمْ وما يَسُوؤُهم مِنهُ. (ذَلِكَ) أيِ: الوَبالُ (بِأنَّهُ) أيْ: بِأنَّ الشَّأْنَ والحَدِيثَ اسْتَبْعَدُوا أنْ يَبْعَثَ اللَّهُ - تَعالى - مِنَ البَشَرِ رَسُولًا، كَما اسْتَبْعَدَتْ قُرَيْشٌ، فَقالُوا عَلى سَبِيلِ الِاسْتِغْرابِ: ﴿أبَشَرٌ يَهْدُونَنا﴾ وذَلِكَ أنَّهم يَقُولُونَ: نَحْنُ مُتَساوُونَ في البَشَرِيَّةِ، فَأنّى يَكُونُ لِهَؤُلاءِ تَمْيِيزٌ عَلَيْنا بِحَيْثُ يَصِيرُونَ هُداةً لَنا ؟ وارْتَفَعَ (أبَشَرٌ) عِنْدَ الحَوْفِيِّ وابْنِ عَطِيَّةَ عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ (يَهْدُونَنا) والأحْسَنُ أنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا عَلى الفاعِلِيَّةِ؛ لِأنَّ هَمْزَةَ الِاسْتِفْهامِ تَطْلُبُ الفِعْلَ، فالمَسْألَةُ مِن بابِ الِاشْتِغالِ. (فَكَفَرُوا): العَطْفُ بِالفاءِ يَدُلُّ عَلى تَعَقُّبِ كُفْرِهِمْ مَجِيءِ الرُّسُلِ بِالبَيِّناتِ، أيْ: لَمْ يَنْظُرُوا في تِلْكَ البَيِّناتِ ولا تَأمَّلُوها، بَلْ عَقَّبُوا مَجِيئَها بِالكُفْرِ ﴿واسْتَغْنى اللَّهُ﴾ اسْتَفْعَلَ بِمَعْنى الفِعْلِ المُجَرَّدِ، وغِناهُ - تَعالى - أزَلِيٌّ، فالمَعْنى: أنَّهُ ظَهَرَ تَعالى غِناهُ عَنْهم إذْ أهْلَكَهم. ولَيْسَتِ اسْتَفْعَلَ هُنا لِلطَّلَبِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَعْناهُ وظَهَرَ اسْتِغْناءُ اللَّهِ حَيْثُ لَمْ يُلْجِئْهم إلى الإيمانِ، ولَمْ يَضْطَرَّهم إلَيْهِ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلى ذَلِكَ. انْتَهى، وفِيهِ دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ. والزَّعْمُ: تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ، ”والَّذِينَ كَفَرُوا“ أهْلُ مَكَّةَ، و”بَلى“ إثْباتٌ لِما بَعْدَ حَرْفِ النَّفْيِ ﴿وذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ أيْ: لا يَصْرِفُهُ عَنْهُ صارِفٌ. ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ وهُو مُحَمَّدٌ ﷺ ﴿والنُّورِ الَّذِي أنْزَلْنا﴾ هو (p-٢٧٨)القُرْآنُ، وانْتَصَبَ ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ﴾ بِقَوْلِهِ: (لَتُنَبَّؤُنَّ) أوْ بِخَبِيرَ، بِما فِيهِ مِن مَعْنى الوَعِيدِ والجَزاءِ، أوْ بِـ (اذْكُرْ) مُضْمَرَةً، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. والأوَّلُ عَنِ النَّحّاسِ، والثّانِي عَنِ الحَوْفِيِّ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”يَجْمَعُكم“ بِالياءِ وضَمِّ العَيْنِ. ورُوِيَ عَنْهُ سُكُونُها وإشْمامُها الضَّمَّ. وسَلّامٌ ويَعْقُوبُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ والشَّعْبِيُّ: بِالنُّونِ. ﴿لِيَوْمِ الجَمْعِ﴾ يُجْمَعُ فِيهِ الأوَّلُونَ والآخِرُونَ، وذَلِكَ أنَّ كُلَّ واحِدٍ يُبْعَثُ طامِعًا في الخَلاصِ ورَفْعِ المَنزِلَةِ. ﴿ذَلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ﴾ مُسْتَعارٌ مِن تَغابَنَ القَوْمُ في التِّجارَةِ، وهو أنْ يَغِبْنَ بَعْضُهم بَعْضًا؛ لِأنَّ السُّعَداءَ نَزَلُوا مَنازِلَ الأشْقِياءِ لَوْ كانُوا سُعَداءَ، ونَزَلَ الأشْقِياءُ مَنازِلَ السُّعَداءِ لَوْ كانُوا أشْقِياءَ، وفي الحَدِيثِ: ”ما مِن عَبْدٍ يَدْخُلُ الجَنَّةَ إلّا أُرى مَقْعَدَهُ مِنَ النّارِ لَوْ أساءَ لِيَزْدادَ شُكْرًا، وما مِن عَبْدٍ يَدْخُلُ النّارَ إلّا أُرى مَقْعَدَهُ مِنَ الجَنَّةِ لَوْ أحْسَنَ لِيَزْدادَ حَسْرَةً“ . وذَلِكَ مَعْنى يَوْمِ التَّغابُنِ. وعَنْ مُجاهِدٍ وغَيْرِهِ: إذا وقَعَ الجَزاءُ، غَبَنَ المُؤْمِنُونَ الكافِرِينَ؛ لِأنَّهم يَجُوزُونَ الجَنَّةَ وتَحَصَّلَ الكُفّارُ في النّارِ. وقَرَأ الأعْرَجُ وشَيْبَةُ وأبُو جَعْفَرٍ وطَلْحَةُ ونافِعٌ وابْنُ عامِرٍ والمُفَضَّلُ، عَنْ عاصِمٍ وزَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ والحَسَنِ، بِخِلافٍ عَنْهُ: نَكْفُرُ ونَدْخُلُهُ، بِالنُّونِ فِيهِما. والأعْمَشُ وعِيسى والحَسَنُ وباقِي السَّبْعَةِ بِالياءِ فِيهِما.

التغابن 64:10

(سُورَةُ التَّغابُنِ مَدَنِيَّةٌ وهي ثَمانِيَ عَشْرَةَ آيَةً) (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ لَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ وهو عَلى كُلِ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم فَمِنكم كافِرٌ ومِنكم مُؤْمِنٌ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ وصَوَّرَكم فَأحْسَنَ صُوَرَكم وإلَيْهِ المَصِيرُ﴾ ﴿يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ ويَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وما تُعْلِنُونَ واللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ ﴿ألَمْ يَأْتِكم نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ فَذاقُوا وبالَ أمْرِهِمْ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهُ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَقالُوا أبَشَرٌ يَهْدُونَنا فَكَفَرُوا وتَوَلَّوْا واسْتَغْنى اللَّهُ واللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى ورَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ وذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ والنُّورِ الَّذِي أنْزَلْنا واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكم لِيَوْمِ الجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ ومَن يُؤْمِن بِاللَّهِ ويَعْمَلْ صالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ ويُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ خالِدِينَ فِيها وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ ﴿ما أصابَ مِن مُصِيبَةٍ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ ومَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [التغابن: ١١] ﴿وأطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإنَّما عَلى رَسُولِنا البَلاغُ المُبِينُ﴾ [التغابن: ١٢] ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ [التغابن: ١٣] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ مِن أزْواجِكم وأوْلادِكم عَدُوًّا لَكم فاحْذَرُوهم وإنْ تَعْفُوا وتَصْفَحُوا وتَغْفِرُوا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التغابن: ١٤] ﴿إنَّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ واللَّهُ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [التغابن: ١٥] ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ واسْمَعُوا وأطِيعُوا وأنْفِقُوا خَيْرًا لِأنْفُسِكم ومَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [التغابن: ١٦] ﴿إنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضاعِفْهُ لَكم ويَغْفِرْ لَكم واللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ﴾ [التغابن: ١٧] ﴿عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [التغابن: ١٨] . التَّغابُنُ: تَفاعُلٌ مِنَ الغَبَنِ ولَيْسَ مِنَ اثْنَيْنِ، بَلْ هو مِن واحِدٍ، كَتَواضُعٍ وتَحامُلٍ. والغَبَنُ: أخْذُ الشَّيْءِ بِدُونِ قِيمَتِهِ، أوْ بَيْعُهُ كَذَلِكَ. وقِيلَ: الغَبَنُ الإخْفاءُ (p-٢٧٦)ومِنهُ غَبَنُ البَيْعِ لِاسْتِخْفائِهِ، ويُقالُ: غَبَنْتُ الثَّوْبَ وخَبَنْتُهُ، إذا أخَذْتَ ما طالَ مِنهُ عَنْ مِقْدارِكَ، فَمَعْناهُ النَّقْصُ. ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ لَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم فَمِنكم كافِرٌ ومِنكم مُؤْمِنٌ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ وصَوَّرَكم فَأحْسَنَ صُوَرَكم وإلَيْهِ المَصِيرُ﴾ ﴿يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ ويَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وما تُعْلِنُونَ واللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ ﴿ألَمْ يَأْتِكم نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ فَذاقُوا وبالَ أمْرِهِمْ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهُ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَقالُوا أبَشَرٌ يَهْدُونَنا فَكَفَرُوا وتَوَلَّوْا واسْتَغْنى اللَّهُ واللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى ورَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ وذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ والنُّورِ الَّذِي أنْزَلْنا واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكم لِيَوْمِ الجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ ومَن يُؤْمِن بِاللَّهِ ويَعْمَلْ صالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ ويُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ . هَذِهِ السُّورَةُ مَدَنِيَّةٌ في قَوْلِ الأكْثَرِينَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: مَكِّيَّةٌ إلّا آياتٍ مِن آخِرِها: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ مِن أزْواجِكُمْ﴾ [التغابن: ١٤] إلَخْ نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ. وقالَ الكَلْبِيُّ: مَدَنِيَّةٌ ومَكِّيَّةٌ. ومُناسَبَةُ هَذِهِ السُّورَةِ لِما قَبْلَها أنَّ ما قَبْلَها مُشْتَمِلٌ عَلى حالِ المُنافِقِينَ، وفي آخِرِها خِطابُ المُؤْمِنِينَ، فَأتْبَعَهُ بِما يُناسِبُهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم فَمِنكم كافِرٌ ومِنكم مُؤْمِنٌ﴾ هَذا تَقْسِيمٌ في الإيمانِ والكُفْرِ بِالنَّظَرِ إلى الِاكْتِسابِ عِنْدَ جَماعَةٍ مِنَ المُتَأوِّلِينَ لِقَوْلِهِ: «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلى الفِطْرَةِ» وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها﴾ [الروم: ٣٠] . وقِيلَ: ذانِكَ في أصْلِ الخِلْقَةِ، بِدَلِيلِ ما في حَدِيثِ النُّطْفَةِ مِن قَوْلِ المَلَكِ: أشَقِيٌّ أمْ سَعِيدٌ ؟ والغُلامُ الَّذِي قَتَلَهُ الخَضِرُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّهُ طُبِعَ يَوْمَ طُبِعَ كافِرًا. وما رَوى ابْنُ مَسْعُودٍ أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - قالَ: «خَلَقَ اللَّهُ فِرْعَوْنَ في البَطْنِ كافِرًا» . وحَكى يَحْيى بْنَ زَكَرِيّا: في البَطْنِ مُؤْمِنًا. وعَنْ عَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ: ﴿فَمِنكم كافِرٌ﴾ (p-٢٧٧)بِاللَّهِ ( مُؤْمِنٌ بِالكَوْكَبِ، ومُؤْمِنٌ بِاللَّهِ وكافِرٌ بِالكَوْكَبِ. وقَدَّمَ الكافِرَ لِكَثْرَتِهِ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقَلِيلٌ مِن عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبإ: ١٣] ؟ وحِينَ ذَكَرَ الصّالِحِينَ قالَ: ﴿وقَلِيلٌ ما هُمْ﴾ [ص: ٢٤] . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَمِنكم آتٍ بِالكُفْرِ وفاعِلٌ لَهُ، ومِنكم آتٍ بِالإيمانِ وفاعِلٌ لَهُ، كَقَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿وجَعَلْنا في ذُرِّيَّتِهِما النُّبُوَّةَ والكِتابَ فَمِنهم مُهْتَدٍ وكَثِيرٌ مِنهم فاسِقُونَ﴾ [الحديد: ٢٦] والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ أيْ: عالِمٌ بِكُفْرِكم وإيمانِكُمُ اللَّذَيْنِ هُما مِن قِبَلِكم، والمَعْنى: هو الَّذِي تَفَضَّلَ عَلَيْكم بِأصْلِ النِّعَمِ الَّذِي هو الخَلْقُ والإيجادُ عَنِ العَدَمِ، فَكانَ يَجِبُ أنْ تَنْظُرُوا النَّظَرَ الصَّحِيحَ، وتَكُونُوا بِأجْمَعِكم عِبادًا شاكِرِينَ. انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ. وقالَ أيْضًا: وقِيلَ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم فَمِنكم كافِرٌ﴾ بِالخَلْقِ، هُمُ الدَّهْرِيَّةُ ﴿ومِنكم مُؤْمِنٌ﴾ بِهِ. وعَنِ الحَسَنِ: في الكَلامِ حَذْفٌ دَلَّ عَلَيْهِ تَقْدِيرُهُ: ومِنكم فاسِقٌ، وكَأنَّهُ مِن كَذِبِ المُعْتَزِلَةِ عَلى الحَسَنِ. وتَقَدَّمَ الجارُّ والمَجْرُورُ في قَوْلِهِ: ﴿لَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِيَدُلَّ بِتَقَدُّمِهِما عَلى مَعْنى اخْتِصاصِ المُلْكِ والحَمْدِ بِاللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - وذَلِكَ لِأنَّ المُلْكَ عَلى الحَقِيقَةِ لَهُ؛ لِأنَّهُ مُبْدِئُ كُلِّ شَيْءٍ ومُبْدِعُهُ، والقائِمُ بِهِ المُهَيْمِنُ عَلَيْهِ وكَذَلِكَ الحَمْدُ؛ لِأنَّ أُصُولَ النِّعَمِ وفُرُوعَها مِنهُ. وأمّا مُلْكُ غَيْرِهِ فَتَسْلِيطٌ مِنهُ، وحَمْدُهُ اعْتِدادٌ بِأنَّ نِعْمَةَ اللَّهِ جَرَتْ عَلى يَدِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (صُوَرَكم) بِضَمِّ الصّادِ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وأبُو رَزِينٍ: بِكَسْرِها، والقِياسُ الضَّمُّ، وهَذا تَعْدِيدٌ لِلنِّعْمَةِ في حُسْنِ الخِلْقَةِ؛ لِأنَّ أعْضاءَ بَنِي آدَمَ مُتَصَرِّفَةٌ بِجَمِيعِ ما تَتَصَرَّفُ فِيهِ أعْضاءُ الحَيَوانِ، وبِزِيادَةٍ كَثِيرَةٍ فُضِّلَ بِها. ثُمَّ هو مُفَضَّلٌ بِحُسْنِ الوَجْهِ وجَمالِ الجَوارِحِ، كَما قالَ - تَعالى -: ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤] . وقِيلَ: النِّعْمَةُ هُنا إنَّما هي صُورَةُ الإنْسانِ مِن حَيْثُ هو إنْسانٌ مُدْرِكٌ عاقِلٌ، فَهَذا هو الَّذِي حُسِّنَ لَهُ حَتّى لَحِقَتْهُ كِمالاتٌ كَثِيرَةٌ، وتَكادُ العَرَبُ لا تَعْرِفُ الصُّورَةَ إلّا الشَّكْلَ، لا المَعْنى القائِمَ بِالصُّورَةِ. ونَبَّهَ - تَعالى - بِعِلْمِهِ بِما في السَّماواتِ والأرْضِ، ثُمَّ بِعِلْمِهِ بِما يُسِرُّ العِبادُ وما يُعْلِنُونَهُ، ثُمَّ بِعِلْمِهِ بِما أكَنَّتْهُ الصُّدُورُ عَلى أنَّهُ - تَعالى - لا يَغِيبُ عَنْ عِلْمِهِ شَيْءٌ، لا مِنَ الكُلِّيّاتِ ولا مِنَ الجُزْئِيّاتِ، فابْتَدَأ بِالعِلْمِ الشّامِلِ لِلْعالَمِ كُلِّهِ، ثُمَّ بِخاصِّ العِبادِ مِن سِرِّهِمْ وإعْلانِهِمْ، ثُمَّ ما خَصَّ مِنهُ، وهو ما تَنْطَوِي عَلَيْهِ صُدُورُهم مِن خَفِيِّ الأشْياءِ وكامِنِها، وهَذا كُلُّهُ في مَعْنى الوَعِيدِ، إذْ هو - تَعالى - المُجازِي عَلى جَمِيعِ ذَلِكَ بِالثَّوابِ والعِقابِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ما تُسِرُّونَ وما تُعْلِنُونَ﴾ بِتاءِ الخِطابِ. وعُبَيْدٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو، وأبانٌ عَنْ عاصِمٍ: بِالياءِ. ﴿ألَمْ يَأْتِكُمْ﴾ الخِطابُ لِقُرَيْشٍ، ذُكِّرُوا بِما حَلَّ بِالكُفّارِ قَبْلَهم عادٍ وثَمُودَ وقَوْمِ إبْراهِيمَ وغَيْرِهِمْ مِمَّنْ صَرَّحَ بِذِكْرِهِمْ في سُورَةِ بَراءَةَ وغَيْرِها، وقَدْ سَمِعَتْ قُرَيْشٌ أخْبارَهم. ﴿فَذاقُوا وبالَ أمْرِهِمْ﴾ أيْ: مَكْرُوهِهِمْ وما يَسُوؤُهم مِنهُ. (ذَلِكَ) أيِ: الوَبالُ (بِأنَّهُ) أيْ: بِأنَّ الشَّأْنَ والحَدِيثَ اسْتَبْعَدُوا أنْ يَبْعَثَ اللَّهُ - تَعالى - مِنَ البَشَرِ رَسُولًا، كَما اسْتَبْعَدَتْ قُرَيْشٌ، فَقالُوا عَلى سَبِيلِ الِاسْتِغْرابِ: ﴿أبَشَرٌ يَهْدُونَنا﴾ وذَلِكَ أنَّهم يَقُولُونَ: نَحْنُ مُتَساوُونَ في البَشَرِيَّةِ، فَأنّى يَكُونُ لِهَؤُلاءِ تَمْيِيزٌ عَلَيْنا بِحَيْثُ يَصِيرُونَ هُداةً لَنا ؟ وارْتَفَعَ (أبَشَرٌ) عِنْدَ الحَوْفِيِّ وابْنِ عَطِيَّةَ عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ (يَهْدُونَنا) والأحْسَنُ أنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا عَلى الفاعِلِيَّةِ؛ لِأنَّ هَمْزَةَ الِاسْتِفْهامِ تَطْلُبُ الفِعْلَ، فالمَسْألَةُ مِن بابِ الِاشْتِغالِ. (فَكَفَرُوا): العَطْفُ بِالفاءِ يَدُلُّ عَلى تَعَقُّبِ كُفْرِهِمْ مَجِيءِ الرُّسُلِ بِالبَيِّناتِ، أيْ: لَمْ يَنْظُرُوا في تِلْكَ البَيِّناتِ ولا تَأمَّلُوها، بَلْ عَقَّبُوا مَجِيئَها بِالكُفْرِ ﴿واسْتَغْنى اللَّهُ﴾ اسْتَفْعَلَ بِمَعْنى الفِعْلِ المُجَرَّدِ، وغِناهُ - تَعالى - أزَلِيٌّ، فالمَعْنى: أنَّهُ ظَهَرَ تَعالى غِناهُ عَنْهم إذْ أهْلَكَهم. ولَيْسَتِ اسْتَفْعَلَ هُنا لِلطَّلَبِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَعْناهُ وظَهَرَ اسْتِغْناءُ اللَّهِ حَيْثُ لَمْ يُلْجِئْهم إلى الإيمانِ، ولَمْ يَضْطَرَّهم إلَيْهِ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلى ذَلِكَ. انْتَهى، وفِيهِ دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ. والزَّعْمُ: تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ، ”والَّذِينَ كَفَرُوا“ أهْلُ مَكَّةَ، و”بَلى“ إثْباتٌ لِما بَعْدَ حَرْفِ النَّفْيِ ﴿وذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ أيْ: لا يَصْرِفُهُ عَنْهُ صارِفٌ. ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ وهُو مُحَمَّدٌ ﷺ ﴿والنُّورِ الَّذِي أنْزَلْنا﴾ هو (p-٢٧٨)القُرْآنُ، وانْتَصَبَ ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ﴾ بِقَوْلِهِ: (لَتُنَبَّؤُنَّ) أوْ بِخَبِيرَ، بِما فِيهِ مِن مَعْنى الوَعِيدِ والجَزاءِ، أوْ بِـ (اذْكُرْ) مُضْمَرَةً، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. والأوَّلُ عَنِ النَّحّاسِ، والثّانِي عَنِ الحَوْفِيِّ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”يَجْمَعُكم“ بِالياءِ وضَمِّ العَيْنِ. ورُوِيَ عَنْهُ سُكُونُها وإشْمامُها الضَّمَّ. وسَلّامٌ ويَعْقُوبُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ والشَّعْبِيُّ: بِالنُّونِ. ﴿لِيَوْمِ الجَمْعِ﴾ يُجْمَعُ فِيهِ الأوَّلُونَ والآخِرُونَ، وذَلِكَ أنَّ كُلَّ واحِدٍ يُبْعَثُ طامِعًا في الخَلاصِ ورَفْعِ المَنزِلَةِ. ﴿ذَلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ﴾ مُسْتَعارٌ مِن تَغابَنَ القَوْمُ في التِّجارَةِ، وهو أنْ يَغِبْنَ بَعْضُهم بَعْضًا؛ لِأنَّ السُّعَداءَ نَزَلُوا مَنازِلَ الأشْقِياءِ لَوْ كانُوا سُعَداءَ، ونَزَلَ الأشْقِياءُ مَنازِلَ السُّعَداءِ لَوْ كانُوا أشْقِياءَ، وفي الحَدِيثِ: ”ما مِن عَبْدٍ يَدْخُلُ الجَنَّةَ إلّا أُرى مَقْعَدَهُ مِنَ النّارِ لَوْ أساءَ لِيَزْدادَ شُكْرًا، وما مِن عَبْدٍ يَدْخُلُ النّارَ إلّا أُرى مَقْعَدَهُ مِنَ الجَنَّةِ لَوْ أحْسَنَ لِيَزْدادَ حَسْرَةً“ . وذَلِكَ مَعْنى يَوْمِ التَّغابُنِ. وعَنْ مُجاهِدٍ وغَيْرِهِ: إذا وقَعَ الجَزاءُ، غَبَنَ المُؤْمِنُونَ الكافِرِينَ؛ لِأنَّهم يَجُوزُونَ الجَنَّةَ وتَحَصَّلَ الكُفّارُ في النّارِ. وقَرَأ الأعْرَجُ وشَيْبَةُ وأبُو جَعْفَرٍ وطَلْحَةُ ونافِعٌ وابْنُ عامِرٍ والمُفَضَّلُ، عَنْ عاصِمٍ وزَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ والحَسَنِ، بِخِلافٍ عَنْهُ: نَكْفُرُ ونَدْخُلُهُ، بِالنُّونِ فِيهِما. والأعْمَشُ وعِيسى والحَسَنُ وباقِي السَّبْعَةِ بِالياءِ فِيهِما.

التغابن 64:11

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ما أصابَ مِن مُصِيبَةٍ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ ومَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ واللَّهُ بِكُلِ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ﴿وأطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإنَّما عَلى رَسُولِنا البَلاغُ المُبِينُ﴾ ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ مِن أزْواجِكم وأوْلادِكم عَدُوًّا لَكم فاحْذَرُوهم وإنْ تَعْفُوا وتَصْفَحُوا وتَغْفِرُوا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿إنَّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ واللَّهُ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ واسْمَعُوا وأطِيعُوا وأنْفِقُوا خَيْرًا لِأنْفُسِكم ومَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ ﴿إنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضاعِفْهُ لَكم ويَغْفِرْ لَكم واللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ﴾ ﴿عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ . الظّاهِرُ إطْلاقُ المُصِيبَةِ عَلى الرَّزِيَّةِ وما يَسُوءُ العَبْدَ، أيْ: في نَفْسٍ أوْ مالٍ أوْ ولَدٍ أوْ قَوْلٍ أوْ فِعْلٍ، وخُصِّتْ بِالذِّكْرِ، وإنْ كانَ جَمِيعُ الحَوادِثُ لا تُصِيبُ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ. وقِيلَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِالمُصِيبَةِ الحادِثَةِ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ، إذِ الحِكْمَةُ في كَوْنِها بِإذْنِ اللَّهِ. وما نافِيَةٌ، ومَفْعُولُ أصابَ مَحْذُوفٌ، أيْ: ما أصابَ أحَدًا، والفاعِلُ ”مِن مُصِيبَةٍ“، و”مِن“ زائِدَةٌ، ولَمْ تَلْحَقِ التّاءُ أصابَ، وإنْ كانَ الفاعِلُ مُؤَنَّثْا، وهو فَصِيحٌ، والتَّأْنِيثُ لِقَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿ما تَسْبِقُ مِن أُمَّةٍ أجَلَها﴾ [الحجر: ٥] وقَوْلِهِ: وما تَأْتِيهِمْ مِن آيَةٍ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ أيْ: بِإرادَتِهِ وعِلْمِهِ وتَمْكِينِهِ. ﴿ومَن يُؤْمِن بِاللَّهِ﴾ أيْ: يُصَدِّقُ بِوُجُودِهِ، ويَعْلَمُ أنَّ كُلَّ حادِثَةٍ بِقَضائِهِ وقَدَرِهِ ﴿يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ عَلى طَرِيقِ الخَيْرِ والهِدايَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: يَهْدِ بِالياءِ، مُضارِعًا لِهَدى، مَجْزُومًا عَلى جَوابِ الشَّرْطِ. وقَرَأ ابْنُ جُبَيْرٍ وطَلْحَةُ وابْنُ هُرْمُزَ والأزْرَقُ عَنْ حَمْزَةَ: (p-٢٧٩)بِالنُّونِ. والسُّلَمِيُّ والضَّحّاكُ وأبُو جَعْفَرٍ: يُهْدَ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، ”قَلْبُهُ“: رُفِعَ. وعِكْرِمَةُ وعَمْرُو بْنُ دِينارٍ ومالِكُ بْنُ دِينارٍ: (يَهْدَأْ) بِهَمْزَةٍ ساكِنَةٍ، ”قَلْبُهُ“ بِالرَّفْعِ: يَطَمْئِنُّ قَلْبُهُ ويَسْكُنُ بِإيمانِهِ ولا يَكُونُ فِيهِ اضْطِرابٌ. وعَمْرُو بْنُ فايِدٍ: ”يَهْدا“ بِألِفٍ بَدَلًا مِنَ الهَمْزَةِ السّاكِنَةِ. وعِكْرِمَةُ ومالِكُ بْنُ دِينارٍ أيْضًا: ”يَهْدَ“ بِحَذْفِ الألِفِ بَعْدَ إبْدالِها مِنَ الهَمْزَةِ السّاكِنَةِ، وإبْدالِ الهَمْزَةِ ألِفًا في مِثْلِ يَهْدَأُ ويَقْرَأُ، لَيْسَ بِقِياسٍ خِلافًا لِمَن أجازَ ذَلِكَ قِياسًا، وبَنى عَلَيْهِ جَوازَ حَذْفِ تِلْكَ الألِفِ لِلْجازِمِ، وخَرَجَ عَلَيْهِ قَوْلُ زُهَيْرِ بْنِ أبِي سُلْمى: ؎جَزى مَتى يَظْلِمْ يُعاقَبْ بِظُلْمِهِ سَرِيعًا وإنْ لا يَبْدَ بِالظُّلْمِ يُظْلَمِ أصْلُهُ يَبْدَأُ، ثُمَّ أبْدَلَ مِنَ الهَمْزَةِ ألِفًا، ثُمَّ حَذَفَها لِلْجازِمِ تَشْبِيهًا بِألِفِ يَخْشى إذا دَخَلَ الجازِمُ. ولَمّا قالَ تَعالى: ﴿ما أصابَ مِن مُصِيبَةٍ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ ثُمَّ أمَرَ بِطاعَةِ اللَّهِ وطاعَةِ رَسُولِهِ، وحَذَّرَ مِمّا يَلْحَقُ الرَّجُلَ مِنَ امْرَأتِهِ ووَلَدِهِ بِسَبَبِ ما يَصْدُرُ مِن بَعْضِهِمْ مِنَ العَداوَةِ، ولا أعْدى عَلى الرَّجُلِ مِن زَوْجَتِهِ ووَلَدِهِ إذا كانا عَدُوَّيْنِ، وذَلِكَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ. أمّا في الدُّنْيا فَبِإذْهابِ مالِهِ وعِرْضِهِ، وأمّا في الآخِرَةِ فَبِما يَسْعى في اكْتِسابِهِ مِنَ الحَرامِ لَهُما، وبِما يَكْسِبانِهِ مِنهُ بِسَبَبِ جاهِهِ. وكَمْ مِنَ امْرَأةٍ قَتَلَتْ زَوْجَها وجَذَمَتْ وأفْسَدَتْ عَقْلَهُ، وكَمْ مِن ولَدٍ قَتَلَ أباهُ. وفي التَّوارِيخِ وفِيما شاهَدْناهُ مِن ذَلِكَ كَثِيرٌ. وعَنْ عَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ: أنَّ عَوْفَ بْنَ مالِكٍ الأشْجَعِيَّ أرادَ الغَزْوَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فاجْتَمَعَ أهْلُهُ ووَلَدُهُ، فَثَبَّطُوهُ وشَكَوْا إلَيْهِ فِراقَهُ، فَرَقَّ ولَمْ يَغْزُ، ثُمَّ إنَّهُ نَدِمَ بِمُعاقَبَتِهِمْ، فَنَزَلَتْ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [محمد: ٣] الآيَةَ. وقِيلَ: آمَنَ قَوْمٌ بِاللَّهِ، وثَبَّطَهم أزْواجُهم وأوْلادُهم عَنِ الهِجْرَةِ، ولَمْ يُهاجِرُوا إلّا بَعْدَ مُدَّةٍ، فَوَجَدُوا غَيْرَهم قَدْ تَفَقَّهَ في الدِّينِ، فَنَدِمُوا وأسِفُوا وهَمُّوا بِمُعاقَبَةِ أزْواجِهِمْ وأوْلادِهِمْ، فَنَزَلَتْ. وقِيلَ: قالُوا لَهم: أيْنَ تَذْهَبُونَ وتَدَعُونَ بَلَدَكم وعَشِيرَتَكم وأمْوالَكم ؟ فَغَضِبُوا عَلَيْهِمْ وقالُوا: لَئِنْ جَمَعَنا اللَّهُ في دارِ الهِجْرَةِ لَمْ نُصِبْكم بِخَيْرٍ. فَلَمّا هاجَرُوا، مَنَعُوهُمُ الخَيْرَ، فَحَبُّوا أنْ يَعْفُوا عَنْهم ويَرُدُّوا إلَيْهِمُ البِرَّ والصِّلَةَ. و”مِن“ في ﴿مِن أزْواجِكم وأوْلادِكُمْ﴾ لِلتَّبْعِيضِ، وقَدْ تُوجَدُ زَوْجَةٌ تَسُرُّ زَوْجَها وتُعِينُهُ عَلى مَقاصِدِهِ في دِينِهِ ودُنْياهُ، وكَذَلِكَ الوَلَدُ. وقالَ الشّاعِرُ العَبْسِيُّ يَمْدَحُ ولَدَهُ رِباطًا: ؎إذا كانَ أوْلادُ الرِّجالِ حَزازَةً ∗∗∗ فَأنْتَ الحَلالُ الحُلْوُ والبارِدُ العَذْبُ ؎لَنا جانِبٌ مِنهُ دَمِيثٌ وجانِبٌ ∗∗∗ إذا رامَهُ الأعْداءُ مَرْكَبُهُ صَعْبُ ؎وتَأْخُذُهُ عِنْدَ المَكارِمِ هِزَّةٌ ∗∗∗ كَما اهْتَزَّ تَحْتَ البارِحِ الغُصْنُ الرَّطْبُ وقالَ قَرْمانُ بْنُ الأعْرَفِ في ابْنِهِ مُنازِلٍ وكانَ عاقًّا لَهُ قَصِيدَةً فِيها بَعْضُ طُولٍ مِنها: ؎ورَبَّيْتُهُ حَتّى إذا ما تَرَكْتُهُ ∗∗∗ أخا القَوْمِ واسْتَغْنى عَنِ المَسْحِ شارِبُهُ ؎فَلَمّا رَآنِي أحْسَبُ الشَّخْصَ أشْخُصًا ∗∗∗ بَعِيدًا وذا الشَّخْصَ البَعِيدَ أُقارِبُهُ ؎تَعَمَّدَ حَقِّي ظالِمًا ولَوى يَدِي ∗∗∗ لَوى يَدَهُ اللَّهُ الَّذِي هو غالِبُهُ ﴿إنَّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ﴾ أيْ: بَلاءٌ ومِحْنَةٌ؛ لِأنَّهم يُوقِعُونَ في الإثْمِ والعُقُوبَةِ، ولا بَلاءَ أعْظَمُ مِنهُما. وفي بابِ العَداوَةِ جاءَ بِمَنِ الَّتِي تَقْتَضِي التَّبْعِيضَ، وفي الفِتْنَةِ حَكَمَ بِها عَلى الأمْوالِ والأوْلادِ عَلى بَعْضِها، وذَلِكَ لِغَلَبَةِ الفِتْنَةِ بِهِما، وكَفى بِالمالِ فِتْنَةً قِصَّةُ ثَعْلَبَةَ بْنَ حاطِبٍ، أحَدُ مَن نَزَلَ فِيهِ ومِنهم مَن عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ ءاتانا مِن فَضْلِهِ الآياتِ. وقَدْ شاهَدْنا مَن ذُكِرَ أنَّهُ يَشْغَلُهُ الكَسْبُ والتِّجارَةُ في أمْوالِهِ حَتّى يُصَلِّيَ كَثِيرًا مِنَ الصَّلَواتِ الخَمْسِ فائِتَةً. وقَدْ شاهَدْنا مَن كانَ مَوْصُوفًا عِنْدَ النّاسِ بِالدِّيانَةِ والوَرَعِ، فَحِينَ لاحَ لَهُ مَنصِبٌ وتَوَلّاهُ، اسْتَنابَ مَن يَلُوذُ بِهِ مِن أوْلادِهِ وأقارِبِهِ، وإنْ كانَ بَعْضُ مَنِ اسْتَنابَهُ صَغِيرَ السِّنِّ قَلِيلَ العِلْمِ سَيِّئَ الطَّرِيقَةِ، ونَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الفِتَنِ. وقُدِّمَتِ الأمْوالُ عَلى الأوْلادِ لِأنَّها أعْظَمُ فِتْنَةً ﴿كَلّا إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ [العلق: ٦] (p-٢٨٠)﴿شَغَلَتْنا أمْوالُنا وأهْلُونا﴾ [الفتح: ١١] . ﴿واللَّهُ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾: تَزْهِيدٌ في الدُّنْيا وتَرْغِيبٌ في الآخِرَةِ. والأجْرُ العَظِيمُ: الجَنَّةُ. ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ﴾ قالَ أبُو العالِيَةِ: جُهْدَكم. وقالَ مُجاهِدٌ: هو أنْ يُطاعَ فَلا يُعْصى، ”واسْمَعُوا“ ما تُوعَظُونَ بِهِ، ”وأطِيعُوا“ فِيما أُمِرْتُمْ بِهِ ونُهِيتُمْ عَنْهُ، ”وأنْفِقُوا“ فِيما وجَبَ عَلَيْكم. و”خَيْرًا“ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: وأْتُوا خَيْرًا، أوْ عَلى إضْمارِ (يَكُنْ) فَيَكُونُ خَبَرًا، أوْ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: إنْفاقًا خَيِّرًا، أوَ عَلى أنَّهُ حالٌ، أوْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِـ (وأنْفِقُوا خَيْرًا) أيْ مالًا. أقْوالٌ، الأوَّلُ عَنْ سِيبَوَيْهِ. ولَمّا أمَرَ بِالإنْفاقِ، أكَّدَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ ورَتَّبَ عَلَيْهِ تَضْعِيفَ القَرْضِ وغُفْرانَ الذُّنُوبِ. وفي لَفْظِ القَرْضِ تَلَطُّفٌ في الِاسْتِدْعاءِ، وفي لَفْظِ المُضاعَفَةِ تَأْكِيدٌ لِلْبَذْلِ لِوَجْهِ اللَّهِ - تَعالى. ثُمَّ أتْبَعَ جَوابَيِ الشَّرْطِ بِوَصْفَيْنِ: أحَدُهُما عائِدٌ إلى المُضاعَفَةِ، إذْ شُكْرُهُ - تَعالى - ‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌مُقابِلٌ لِلْمُضاعَفَةِ، وحِلْمُهُ مُقابِلٌ لِلْغُفْرانِ. قِيلَ: وهَذا الحَضُّ هو في الزَّكاةِ المَفْرُوضَةِ، وقِيلَ: هو في المَندُوبِ إلَيْهِ. وتَقَدَّمَ الخِلافُ في القِراءَةِ في ”يُوقَ“ وفي ”شُحَّ“ وفي ”يُضاعِفْهُ“ .

التغابن 64:12

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ما أصابَ مِن مُصِيبَةٍ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ ومَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ واللَّهُ بِكُلِ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ﴿وأطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإنَّما عَلى رَسُولِنا البَلاغُ المُبِينُ﴾ ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ مِن أزْواجِكم وأوْلادِكم عَدُوًّا لَكم فاحْذَرُوهم وإنْ تَعْفُوا وتَصْفَحُوا وتَغْفِرُوا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿إنَّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ واللَّهُ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ واسْمَعُوا وأطِيعُوا وأنْفِقُوا خَيْرًا لِأنْفُسِكم ومَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ ﴿إنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضاعِفْهُ لَكم ويَغْفِرْ لَكم واللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ﴾ ﴿عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ . الظّاهِرُ إطْلاقُ المُصِيبَةِ عَلى الرَّزِيَّةِ وما يَسُوءُ العَبْدَ، أيْ: في نَفْسٍ أوْ مالٍ أوْ ولَدٍ أوْ قَوْلٍ أوْ فِعْلٍ، وخُصِّتْ بِالذِّكْرِ، وإنْ كانَ جَمِيعُ الحَوادِثُ لا تُصِيبُ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ. وقِيلَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِالمُصِيبَةِ الحادِثَةِ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ، إذِ الحِكْمَةُ في كَوْنِها بِإذْنِ اللَّهِ. وما نافِيَةٌ، ومَفْعُولُ أصابَ مَحْذُوفٌ، أيْ: ما أصابَ أحَدًا، والفاعِلُ ”مِن مُصِيبَةٍ“، و”مِن“ زائِدَةٌ، ولَمْ تَلْحَقِ التّاءُ أصابَ، وإنْ كانَ الفاعِلُ مُؤَنَّثْا، وهو فَصِيحٌ، والتَّأْنِيثُ لِقَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿ما تَسْبِقُ مِن أُمَّةٍ أجَلَها﴾ [الحجر: ٥] وقَوْلِهِ: وما تَأْتِيهِمْ مِن آيَةٍ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ أيْ: بِإرادَتِهِ وعِلْمِهِ وتَمْكِينِهِ. ﴿ومَن يُؤْمِن بِاللَّهِ﴾ أيْ: يُصَدِّقُ بِوُجُودِهِ، ويَعْلَمُ أنَّ كُلَّ حادِثَةٍ بِقَضائِهِ وقَدَرِهِ ﴿يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ عَلى طَرِيقِ الخَيْرِ والهِدايَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: يَهْدِ بِالياءِ، مُضارِعًا لِهَدى، مَجْزُومًا عَلى جَوابِ الشَّرْطِ. وقَرَأ ابْنُ جُبَيْرٍ وطَلْحَةُ وابْنُ هُرْمُزَ والأزْرَقُ عَنْ حَمْزَةَ: (p-٢٧٩)بِالنُّونِ. والسُّلَمِيُّ والضَّحّاكُ وأبُو جَعْفَرٍ: يُهْدَ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، ”قَلْبُهُ“: رُفِعَ. وعِكْرِمَةُ وعَمْرُو بْنُ دِينارٍ ومالِكُ بْنُ دِينارٍ: (يَهْدَأْ) بِهَمْزَةٍ ساكِنَةٍ، ”قَلْبُهُ“ بِالرَّفْعِ: يَطَمْئِنُّ قَلْبُهُ ويَسْكُنُ بِإيمانِهِ ولا يَكُونُ فِيهِ اضْطِرابٌ. وعَمْرُو بْنُ فايِدٍ: ”يَهْدا“ بِألِفٍ بَدَلًا مِنَ الهَمْزَةِ السّاكِنَةِ. وعِكْرِمَةُ ومالِكُ بْنُ دِينارٍ أيْضًا: ”يَهْدَ“ بِحَذْفِ الألِفِ بَعْدَ إبْدالِها مِنَ الهَمْزَةِ السّاكِنَةِ، وإبْدالِ الهَمْزَةِ ألِفًا في مِثْلِ يَهْدَأُ ويَقْرَأُ، لَيْسَ بِقِياسٍ خِلافًا لِمَن أجازَ ذَلِكَ قِياسًا، وبَنى عَلَيْهِ جَوازَ حَذْفِ تِلْكَ الألِفِ لِلْجازِمِ، وخَرَجَ عَلَيْهِ قَوْلُ زُهَيْرِ بْنِ أبِي سُلْمى: ؎جَزى مَتى يَظْلِمْ يُعاقَبْ بِظُلْمِهِ سَرِيعًا وإنْ لا يَبْدَ بِالظُّلْمِ يُظْلَمِ أصْلُهُ يَبْدَأُ، ثُمَّ أبْدَلَ مِنَ الهَمْزَةِ ألِفًا، ثُمَّ حَذَفَها لِلْجازِمِ تَشْبِيهًا بِألِفِ يَخْشى إذا دَخَلَ الجازِمُ. ولَمّا قالَ تَعالى: ﴿ما أصابَ مِن مُصِيبَةٍ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ ثُمَّ أمَرَ بِطاعَةِ اللَّهِ وطاعَةِ رَسُولِهِ، وحَذَّرَ مِمّا يَلْحَقُ الرَّجُلَ مِنَ امْرَأتِهِ ووَلَدِهِ بِسَبَبِ ما يَصْدُرُ مِن بَعْضِهِمْ مِنَ العَداوَةِ، ولا أعْدى عَلى الرَّجُلِ مِن زَوْجَتِهِ ووَلَدِهِ إذا كانا عَدُوَّيْنِ، وذَلِكَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ. أمّا في الدُّنْيا فَبِإذْهابِ مالِهِ وعِرْضِهِ، وأمّا في الآخِرَةِ فَبِما يَسْعى في اكْتِسابِهِ مِنَ الحَرامِ لَهُما، وبِما يَكْسِبانِهِ مِنهُ بِسَبَبِ جاهِهِ. وكَمْ مِنَ امْرَأةٍ قَتَلَتْ زَوْجَها وجَذَمَتْ وأفْسَدَتْ عَقْلَهُ، وكَمْ مِن ولَدٍ قَتَلَ أباهُ. وفي التَّوارِيخِ وفِيما شاهَدْناهُ مِن ذَلِكَ كَثِيرٌ. وعَنْ عَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ: أنَّ عَوْفَ بْنَ مالِكٍ الأشْجَعِيَّ أرادَ الغَزْوَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فاجْتَمَعَ أهْلُهُ ووَلَدُهُ، فَثَبَّطُوهُ وشَكَوْا إلَيْهِ فِراقَهُ، فَرَقَّ ولَمْ يَغْزُ، ثُمَّ إنَّهُ نَدِمَ بِمُعاقَبَتِهِمْ، فَنَزَلَتْ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [محمد: ٣] الآيَةَ. وقِيلَ: آمَنَ قَوْمٌ بِاللَّهِ، وثَبَّطَهم أزْواجُهم وأوْلادُهم عَنِ الهِجْرَةِ، ولَمْ يُهاجِرُوا إلّا بَعْدَ مُدَّةٍ، فَوَجَدُوا غَيْرَهم قَدْ تَفَقَّهَ في الدِّينِ، فَنَدِمُوا وأسِفُوا وهَمُّوا بِمُعاقَبَةِ أزْواجِهِمْ وأوْلادِهِمْ، فَنَزَلَتْ. وقِيلَ: قالُوا لَهم: أيْنَ تَذْهَبُونَ وتَدَعُونَ بَلَدَكم وعَشِيرَتَكم وأمْوالَكم ؟ فَغَضِبُوا عَلَيْهِمْ وقالُوا: لَئِنْ جَمَعَنا اللَّهُ في دارِ الهِجْرَةِ لَمْ نُصِبْكم بِخَيْرٍ. فَلَمّا هاجَرُوا، مَنَعُوهُمُ الخَيْرَ، فَحَبُّوا أنْ يَعْفُوا عَنْهم ويَرُدُّوا إلَيْهِمُ البِرَّ والصِّلَةَ. و”مِن“ في ﴿مِن أزْواجِكم وأوْلادِكُمْ﴾ لِلتَّبْعِيضِ، وقَدْ تُوجَدُ زَوْجَةٌ تَسُرُّ زَوْجَها وتُعِينُهُ عَلى مَقاصِدِهِ في دِينِهِ ودُنْياهُ، وكَذَلِكَ الوَلَدُ. وقالَ الشّاعِرُ العَبْسِيُّ يَمْدَحُ ولَدَهُ رِباطًا: ؎إذا كانَ أوْلادُ الرِّجالِ حَزازَةً ∗∗∗ فَأنْتَ الحَلالُ الحُلْوُ والبارِدُ العَذْبُ ؎لَنا جانِبٌ مِنهُ دَمِيثٌ وجانِبٌ ∗∗∗ إذا رامَهُ الأعْداءُ مَرْكَبُهُ صَعْبُ ؎وتَأْخُذُهُ عِنْدَ المَكارِمِ هِزَّةٌ ∗∗∗ كَما اهْتَزَّ تَحْتَ البارِحِ الغُصْنُ الرَّطْبُ وقالَ قَرْمانُ بْنُ الأعْرَفِ في ابْنِهِ مُنازِلٍ وكانَ عاقًّا لَهُ قَصِيدَةً فِيها بَعْضُ طُولٍ مِنها: ؎ورَبَّيْتُهُ حَتّى إذا ما تَرَكْتُهُ ∗∗∗ أخا القَوْمِ واسْتَغْنى عَنِ المَسْحِ شارِبُهُ ؎فَلَمّا رَآنِي أحْسَبُ الشَّخْصَ أشْخُصًا ∗∗∗ بَعِيدًا وذا الشَّخْصَ البَعِيدَ أُقارِبُهُ ؎تَعَمَّدَ حَقِّي ظالِمًا ولَوى يَدِي ∗∗∗ لَوى يَدَهُ اللَّهُ الَّذِي هو غالِبُهُ ﴿إنَّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ﴾ أيْ: بَلاءٌ ومِحْنَةٌ؛ لِأنَّهم يُوقِعُونَ في الإثْمِ والعُقُوبَةِ، ولا بَلاءَ أعْظَمُ مِنهُما. وفي بابِ العَداوَةِ جاءَ بِمَنِ الَّتِي تَقْتَضِي التَّبْعِيضَ، وفي الفِتْنَةِ حَكَمَ بِها عَلى الأمْوالِ والأوْلادِ عَلى بَعْضِها، وذَلِكَ لِغَلَبَةِ الفِتْنَةِ بِهِما، وكَفى بِالمالِ فِتْنَةً قِصَّةُ ثَعْلَبَةَ بْنَ حاطِبٍ، أحَدُ مَن نَزَلَ فِيهِ ومِنهم مَن عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ ءاتانا مِن فَضْلِهِ الآياتِ. وقَدْ شاهَدْنا مَن ذُكِرَ أنَّهُ يَشْغَلُهُ الكَسْبُ والتِّجارَةُ في أمْوالِهِ حَتّى يُصَلِّيَ كَثِيرًا مِنَ الصَّلَواتِ الخَمْسِ فائِتَةً. وقَدْ شاهَدْنا مَن كانَ مَوْصُوفًا عِنْدَ النّاسِ بِالدِّيانَةِ والوَرَعِ، فَحِينَ لاحَ لَهُ مَنصِبٌ وتَوَلّاهُ، اسْتَنابَ مَن يَلُوذُ بِهِ مِن أوْلادِهِ وأقارِبِهِ، وإنْ كانَ بَعْضُ مَنِ اسْتَنابَهُ صَغِيرَ السِّنِّ قَلِيلَ العِلْمِ سَيِّئَ الطَّرِيقَةِ، ونَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الفِتَنِ. وقُدِّمَتِ الأمْوالُ عَلى الأوْلادِ لِأنَّها أعْظَمُ فِتْنَةً ﴿كَلّا إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ [العلق: ٦] (p-٢٨٠)﴿شَغَلَتْنا أمْوالُنا وأهْلُونا﴾ [الفتح: ١١] . ﴿واللَّهُ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾: تَزْهِيدٌ في الدُّنْيا وتَرْغِيبٌ في الآخِرَةِ. والأجْرُ العَظِيمُ: الجَنَّةُ. ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ﴾ قالَ أبُو العالِيَةِ: جُهْدَكم. وقالَ مُجاهِدٌ: هو أنْ يُطاعَ فَلا يُعْصى، ”واسْمَعُوا“ ما تُوعَظُونَ بِهِ، ”وأطِيعُوا“ فِيما أُمِرْتُمْ بِهِ ونُهِيتُمْ عَنْهُ، ”وأنْفِقُوا“ فِيما وجَبَ عَلَيْكم. و”خَيْرًا“ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: وأْتُوا خَيْرًا، أوْ عَلى إضْمارِ (يَكُنْ) فَيَكُونُ خَبَرًا، أوْ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: إنْفاقًا خَيِّرًا، أوَ عَلى أنَّهُ حالٌ، أوْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِـ (وأنْفِقُوا خَيْرًا) أيْ مالًا. أقْوالٌ، الأوَّلُ عَنْ سِيبَوَيْهِ. ولَمّا أمَرَ بِالإنْفاقِ، أكَّدَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ ورَتَّبَ عَلَيْهِ تَضْعِيفَ القَرْضِ وغُفْرانَ الذُّنُوبِ. وفي لَفْظِ القَرْضِ تَلَطُّفٌ في الِاسْتِدْعاءِ، وفي لَفْظِ المُضاعَفَةِ تَأْكِيدٌ لِلْبَذْلِ لِوَجْهِ اللَّهِ - تَعالى. ثُمَّ أتْبَعَ جَوابَيِ الشَّرْطِ بِوَصْفَيْنِ: أحَدُهُما عائِدٌ إلى المُضاعَفَةِ، إذْ شُكْرُهُ - تَعالى - ‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌مُقابِلٌ لِلْمُضاعَفَةِ، وحِلْمُهُ مُقابِلٌ لِلْغُفْرانِ. قِيلَ: وهَذا الحَضُّ هو في الزَّكاةِ المَفْرُوضَةِ، وقِيلَ: هو في المَندُوبِ إلَيْهِ. وتَقَدَّمَ الخِلافُ في القِراءَةِ في ”يُوقَ“ وفي ”شُحَّ“ وفي ”يُضاعِفْهُ“ .

التغابن 64:13

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ما أصابَ مِن مُصِيبَةٍ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ ومَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ واللَّهُ بِكُلِ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ﴿وأطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإنَّما عَلى رَسُولِنا البَلاغُ المُبِينُ﴾ ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ مِن أزْواجِكم وأوْلادِكم عَدُوًّا لَكم فاحْذَرُوهم وإنْ تَعْفُوا وتَصْفَحُوا وتَغْفِرُوا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿إنَّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ واللَّهُ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ واسْمَعُوا وأطِيعُوا وأنْفِقُوا خَيْرًا لِأنْفُسِكم ومَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ ﴿إنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضاعِفْهُ لَكم ويَغْفِرْ لَكم واللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ﴾ ﴿عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ . الظّاهِرُ إطْلاقُ المُصِيبَةِ عَلى الرَّزِيَّةِ وما يَسُوءُ العَبْدَ، أيْ: في نَفْسٍ أوْ مالٍ أوْ ولَدٍ أوْ قَوْلٍ أوْ فِعْلٍ، وخُصِّتْ بِالذِّكْرِ، وإنْ كانَ جَمِيعُ الحَوادِثُ لا تُصِيبُ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ. وقِيلَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِالمُصِيبَةِ الحادِثَةِ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ، إذِ الحِكْمَةُ في كَوْنِها بِإذْنِ اللَّهِ. وما نافِيَةٌ، ومَفْعُولُ أصابَ مَحْذُوفٌ، أيْ: ما أصابَ أحَدًا، والفاعِلُ ”مِن مُصِيبَةٍ“، و”مِن“ زائِدَةٌ، ولَمْ تَلْحَقِ التّاءُ أصابَ، وإنْ كانَ الفاعِلُ مُؤَنَّثْا، وهو فَصِيحٌ، والتَّأْنِيثُ لِقَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿ما تَسْبِقُ مِن أُمَّةٍ أجَلَها﴾ [الحجر: ٥] وقَوْلِهِ: وما تَأْتِيهِمْ مِن آيَةٍ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ أيْ: بِإرادَتِهِ وعِلْمِهِ وتَمْكِينِهِ. ﴿ومَن يُؤْمِن بِاللَّهِ﴾ أيْ: يُصَدِّقُ بِوُجُودِهِ، ويَعْلَمُ أنَّ كُلَّ حادِثَةٍ بِقَضائِهِ وقَدَرِهِ ﴿يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ عَلى طَرِيقِ الخَيْرِ والهِدايَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: يَهْدِ بِالياءِ، مُضارِعًا لِهَدى، مَجْزُومًا عَلى جَوابِ الشَّرْطِ. وقَرَأ ابْنُ جُبَيْرٍ وطَلْحَةُ وابْنُ هُرْمُزَ والأزْرَقُ عَنْ حَمْزَةَ: (p-٢٧٩)بِالنُّونِ. والسُّلَمِيُّ والضَّحّاكُ وأبُو جَعْفَرٍ: يُهْدَ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، ”قَلْبُهُ“: رُفِعَ. وعِكْرِمَةُ وعَمْرُو بْنُ دِينارٍ ومالِكُ بْنُ دِينارٍ: (يَهْدَأْ) بِهَمْزَةٍ ساكِنَةٍ، ”قَلْبُهُ“ بِالرَّفْعِ: يَطَمْئِنُّ قَلْبُهُ ويَسْكُنُ بِإيمانِهِ ولا يَكُونُ فِيهِ اضْطِرابٌ. وعَمْرُو بْنُ فايِدٍ: ”يَهْدا“ بِألِفٍ بَدَلًا مِنَ الهَمْزَةِ السّاكِنَةِ. وعِكْرِمَةُ ومالِكُ بْنُ دِينارٍ أيْضًا: ”يَهْدَ“ بِحَذْفِ الألِفِ بَعْدَ إبْدالِها مِنَ الهَمْزَةِ السّاكِنَةِ، وإبْدالِ الهَمْزَةِ ألِفًا في مِثْلِ يَهْدَأُ ويَقْرَأُ، لَيْسَ بِقِياسٍ خِلافًا لِمَن أجازَ ذَلِكَ قِياسًا، وبَنى عَلَيْهِ جَوازَ حَذْفِ تِلْكَ الألِفِ لِلْجازِمِ، وخَرَجَ عَلَيْهِ قَوْلُ زُهَيْرِ بْنِ أبِي سُلْمى: ؎جَزى مَتى يَظْلِمْ يُعاقَبْ بِظُلْمِهِ سَرِيعًا وإنْ لا يَبْدَ بِالظُّلْمِ يُظْلَمِ أصْلُهُ يَبْدَأُ، ثُمَّ أبْدَلَ مِنَ الهَمْزَةِ ألِفًا، ثُمَّ حَذَفَها لِلْجازِمِ تَشْبِيهًا بِألِفِ يَخْشى إذا دَخَلَ الجازِمُ. ولَمّا قالَ تَعالى: ﴿ما أصابَ مِن مُصِيبَةٍ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ ثُمَّ أمَرَ بِطاعَةِ اللَّهِ وطاعَةِ رَسُولِهِ، وحَذَّرَ مِمّا يَلْحَقُ الرَّجُلَ مِنَ امْرَأتِهِ ووَلَدِهِ بِسَبَبِ ما يَصْدُرُ مِن بَعْضِهِمْ مِنَ العَداوَةِ، ولا أعْدى عَلى الرَّجُلِ مِن زَوْجَتِهِ ووَلَدِهِ إذا كانا عَدُوَّيْنِ، وذَلِكَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ. أمّا في الدُّنْيا فَبِإذْهابِ مالِهِ وعِرْضِهِ، وأمّا في الآخِرَةِ فَبِما يَسْعى في اكْتِسابِهِ مِنَ الحَرامِ لَهُما، وبِما يَكْسِبانِهِ مِنهُ بِسَبَبِ جاهِهِ. وكَمْ مِنَ امْرَأةٍ قَتَلَتْ زَوْجَها وجَذَمَتْ وأفْسَدَتْ عَقْلَهُ، وكَمْ مِن ولَدٍ قَتَلَ أباهُ. وفي التَّوارِيخِ وفِيما شاهَدْناهُ مِن ذَلِكَ كَثِيرٌ. وعَنْ عَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ: أنَّ عَوْفَ بْنَ مالِكٍ الأشْجَعِيَّ أرادَ الغَزْوَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فاجْتَمَعَ أهْلُهُ ووَلَدُهُ، فَثَبَّطُوهُ وشَكَوْا إلَيْهِ فِراقَهُ، فَرَقَّ ولَمْ يَغْزُ، ثُمَّ إنَّهُ نَدِمَ بِمُعاقَبَتِهِمْ، فَنَزَلَتْ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [محمد: ٣] الآيَةَ. وقِيلَ: آمَنَ قَوْمٌ بِاللَّهِ، وثَبَّطَهم أزْواجُهم وأوْلادُهم عَنِ الهِجْرَةِ، ولَمْ يُهاجِرُوا إلّا بَعْدَ مُدَّةٍ، فَوَجَدُوا غَيْرَهم قَدْ تَفَقَّهَ في الدِّينِ، فَنَدِمُوا وأسِفُوا وهَمُّوا بِمُعاقَبَةِ أزْواجِهِمْ وأوْلادِهِمْ، فَنَزَلَتْ. وقِيلَ: قالُوا لَهم: أيْنَ تَذْهَبُونَ وتَدَعُونَ بَلَدَكم وعَشِيرَتَكم وأمْوالَكم ؟ فَغَضِبُوا عَلَيْهِمْ وقالُوا: لَئِنْ جَمَعَنا اللَّهُ في دارِ الهِجْرَةِ لَمْ نُصِبْكم بِخَيْرٍ. فَلَمّا هاجَرُوا، مَنَعُوهُمُ الخَيْرَ، فَحَبُّوا أنْ يَعْفُوا عَنْهم ويَرُدُّوا إلَيْهِمُ البِرَّ والصِّلَةَ. و”مِن“ في ﴿مِن أزْواجِكم وأوْلادِكُمْ﴾ لِلتَّبْعِيضِ، وقَدْ تُوجَدُ زَوْجَةٌ تَسُرُّ زَوْجَها وتُعِينُهُ عَلى مَقاصِدِهِ في دِينِهِ ودُنْياهُ، وكَذَلِكَ الوَلَدُ. وقالَ الشّاعِرُ العَبْسِيُّ يَمْدَحُ ولَدَهُ رِباطًا: ؎إذا كانَ أوْلادُ الرِّجالِ حَزازَةً ∗∗∗ فَأنْتَ الحَلالُ الحُلْوُ والبارِدُ العَذْبُ ؎لَنا جانِبٌ مِنهُ دَمِيثٌ وجانِبٌ ∗∗∗ إذا رامَهُ الأعْداءُ مَرْكَبُهُ صَعْبُ ؎وتَأْخُذُهُ عِنْدَ المَكارِمِ هِزَّةٌ ∗∗∗ كَما اهْتَزَّ تَحْتَ البارِحِ الغُصْنُ الرَّطْبُ وقالَ قَرْمانُ بْنُ الأعْرَفِ في ابْنِهِ مُنازِلٍ وكانَ عاقًّا لَهُ قَصِيدَةً فِيها بَعْضُ طُولٍ مِنها: ؎ورَبَّيْتُهُ حَتّى إذا ما تَرَكْتُهُ ∗∗∗ أخا القَوْمِ واسْتَغْنى عَنِ المَسْحِ شارِبُهُ ؎فَلَمّا رَآنِي أحْسَبُ الشَّخْصَ أشْخُصًا ∗∗∗ بَعِيدًا وذا الشَّخْصَ البَعِيدَ أُقارِبُهُ ؎تَعَمَّدَ حَقِّي ظالِمًا ولَوى يَدِي ∗∗∗ لَوى يَدَهُ اللَّهُ الَّذِي هو غالِبُهُ ﴿إنَّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ﴾ أيْ: بَلاءٌ ومِحْنَةٌ؛ لِأنَّهم يُوقِعُونَ في الإثْمِ والعُقُوبَةِ، ولا بَلاءَ أعْظَمُ مِنهُما. وفي بابِ العَداوَةِ جاءَ بِمَنِ الَّتِي تَقْتَضِي التَّبْعِيضَ، وفي الفِتْنَةِ حَكَمَ بِها عَلى الأمْوالِ والأوْلادِ عَلى بَعْضِها، وذَلِكَ لِغَلَبَةِ الفِتْنَةِ بِهِما، وكَفى بِالمالِ فِتْنَةً قِصَّةُ ثَعْلَبَةَ بْنَ حاطِبٍ، أحَدُ مَن نَزَلَ فِيهِ ومِنهم مَن عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ ءاتانا مِن فَضْلِهِ الآياتِ. وقَدْ شاهَدْنا مَن ذُكِرَ أنَّهُ يَشْغَلُهُ الكَسْبُ والتِّجارَةُ في أمْوالِهِ حَتّى يُصَلِّيَ كَثِيرًا مِنَ الصَّلَواتِ الخَمْسِ فائِتَةً. وقَدْ شاهَدْنا مَن كانَ مَوْصُوفًا عِنْدَ النّاسِ بِالدِّيانَةِ والوَرَعِ، فَحِينَ لاحَ لَهُ مَنصِبٌ وتَوَلّاهُ، اسْتَنابَ مَن يَلُوذُ بِهِ مِن أوْلادِهِ وأقارِبِهِ، وإنْ كانَ بَعْضُ مَنِ اسْتَنابَهُ صَغِيرَ السِّنِّ قَلِيلَ العِلْمِ سَيِّئَ الطَّرِيقَةِ، ونَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الفِتَنِ. وقُدِّمَتِ الأمْوالُ عَلى الأوْلادِ لِأنَّها أعْظَمُ فِتْنَةً ﴿كَلّا إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ [العلق: ٦] (p-٢٨٠)﴿شَغَلَتْنا أمْوالُنا وأهْلُونا﴾ [الفتح: ١١] . ﴿واللَّهُ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾: تَزْهِيدٌ في الدُّنْيا وتَرْغِيبٌ في الآخِرَةِ. والأجْرُ العَظِيمُ: الجَنَّةُ. ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ﴾ قالَ أبُو العالِيَةِ: جُهْدَكم. وقالَ مُجاهِدٌ: هو أنْ يُطاعَ فَلا يُعْصى، ”واسْمَعُوا“ ما تُوعَظُونَ بِهِ، ”وأطِيعُوا“ فِيما أُمِرْتُمْ بِهِ ونُهِيتُمْ عَنْهُ، ”وأنْفِقُوا“ فِيما وجَبَ عَلَيْكم. و”خَيْرًا“ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: وأْتُوا خَيْرًا، أوْ عَلى إضْمارِ (يَكُنْ) فَيَكُونُ خَبَرًا، أوْ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: إنْفاقًا خَيِّرًا، أوَ عَلى أنَّهُ حالٌ، أوْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِـ (وأنْفِقُوا خَيْرًا) أيْ مالًا. أقْوالٌ، الأوَّلُ عَنْ سِيبَوَيْهِ. ولَمّا أمَرَ بِالإنْفاقِ، أكَّدَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ ورَتَّبَ عَلَيْهِ تَضْعِيفَ القَرْضِ وغُفْرانَ الذُّنُوبِ. وفي لَفْظِ القَرْضِ تَلَطُّفٌ في الِاسْتِدْعاءِ، وفي لَفْظِ المُضاعَفَةِ تَأْكِيدٌ لِلْبَذْلِ لِوَجْهِ اللَّهِ - تَعالى. ثُمَّ أتْبَعَ جَوابَيِ الشَّرْطِ بِوَصْفَيْنِ: أحَدُهُما عائِدٌ إلى المُضاعَفَةِ، إذْ شُكْرُهُ - تَعالى - ‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌مُقابِلٌ لِلْمُضاعَفَةِ، وحِلْمُهُ مُقابِلٌ لِلْغُفْرانِ. قِيلَ: وهَذا الحَضُّ هو في الزَّكاةِ المَفْرُوضَةِ، وقِيلَ: هو في المَندُوبِ إلَيْهِ. وتَقَدَّمَ الخِلافُ في القِراءَةِ في ”يُوقَ“ وفي ”شُحَّ“ وفي ”يُضاعِفْهُ“ .

التغابن 64:14

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ما أصابَ مِن مُصِيبَةٍ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ ومَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ واللَّهُ بِكُلِ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ﴿وأطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإنَّما عَلى رَسُولِنا البَلاغُ المُبِينُ﴾ ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ مِن أزْواجِكم وأوْلادِكم عَدُوًّا لَكم فاحْذَرُوهم وإنْ تَعْفُوا وتَصْفَحُوا وتَغْفِرُوا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿إنَّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ واللَّهُ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ واسْمَعُوا وأطِيعُوا وأنْفِقُوا خَيْرًا لِأنْفُسِكم ومَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ ﴿إنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضاعِفْهُ لَكم ويَغْفِرْ لَكم واللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ﴾ ﴿عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ . الظّاهِرُ إطْلاقُ المُصِيبَةِ عَلى الرَّزِيَّةِ وما يَسُوءُ العَبْدَ، أيْ: في نَفْسٍ أوْ مالٍ أوْ ولَدٍ أوْ قَوْلٍ أوْ فِعْلٍ، وخُصِّتْ بِالذِّكْرِ، وإنْ كانَ جَمِيعُ الحَوادِثُ لا تُصِيبُ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ. وقِيلَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِالمُصِيبَةِ الحادِثَةِ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ، إذِ الحِكْمَةُ في كَوْنِها بِإذْنِ اللَّهِ. وما نافِيَةٌ، ومَفْعُولُ أصابَ مَحْذُوفٌ، أيْ: ما أصابَ أحَدًا، والفاعِلُ ”مِن مُصِيبَةٍ“، و”مِن“ زائِدَةٌ، ولَمْ تَلْحَقِ التّاءُ أصابَ، وإنْ كانَ الفاعِلُ مُؤَنَّثْا، وهو فَصِيحٌ، والتَّأْنِيثُ لِقَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿ما تَسْبِقُ مِن أُمَّةٍ أجَلَها﴾ [الحجر: ٥] وقَوْلِهِ: وما تَأْتِيهِمْ مِن آيَةٍ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ أيْ: بِإرادَتِهِ وعِلْمِهِ وتَمْكِينِهِ. ﴿ومَن يُؤْمِن بِاللَّهِ﴾ أيْ: يُصَدِّقُ بِوُجُودِهِ، ويَعْلَمُ أنَّ كُلَّ حادِثَةٍ بِقَضائِهِ وقَدَرِهِ ﴿يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ عَلى طَرِيقِ الخَيْرِ والهِدايَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: يَهْدِ بِالياءِ، مُضارِعًا لِهَدى، مَجْزُومًا عَلى جَوابِ الشَّرْطِ. وقَرَأ ابْنُ جُبَيْرٍ وطَلْحَةُ وابْنُ هُرْمُزَ والأزْرَقُ عَنْ حَمْزَةَ: (p-٢٧٩)بِالنُّونِ. والسُّلَمِيُّ والضَّحّاكُ وأبُو جَعْفَرٍ: يُهْدَ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، ”قَلْبُهُ“: رُفِعَ. وعِكْرِمَةُ وعَمْرُو بْنُ دِينارٍ ومالِكُ بْنُ دِينارٍ: (يَهْدَأْ) بِهَمْزَةٍ ساكِنَةٍ، ”قَلْبُهُ“ بِالرَّفْعِ: يَطَمْئِنُّ قَلْبُهُ ويَسْكُنُ بِإيمانِهِ ولا يَكُونُ فِيهِ اضْطِرابٌ. وعَمْرُو بْنُ فايِدٍ: ”يَهْدا“ بِألِفٍ بَدَلًا مِنَ الهَمْزَةِ السّاكِنَةِ. وعِكْرِمَةُ ومالِكُ بْنُ دِينارٍ أيْضًا: ”يَهْدَ“ بِحَذْفِ الألِفِ بَعْدَ إبْدالِها مِنَ الهَمْزَةِ السّاكِنَةِ، وإبْدالِ الهَمْزَةِ ألِفًا في مِثْلِ يَهْدَأُ ويَقْرَأُ، لَيْسَ بِقِياسٍ خِلافًا لِمَن أجازَ ذَلِكَ قِياسًا، وبَنى عَلَيْهِ جَوازَ حَذْفِ تِلْكَ الألِفِ لِلْجازِمِ، وخَرَجَ عَلَيْهِ قَوْلُ زُهَيْرِ بْنِ أبِي سُلْمى: ؎جَزى مَتى يَظْلِمْ يُعاقَبْ بِظُلْمِهِ سَرِيعًا وإنْ لا يَبْدَ بِالظُّلْمِ يُظْلَمِ أصْلُهُ يَبْدَأُ، ثُمَّ أبْدَلَ مِنَ الهَمْزَةِ ألِفًا، ثُمَّ حَذَفَها لِلْجازِمِ تَشْبِيهًا بِألِفِ يَخْشى إذا دَخَلَ الجازِمُ. ولَمّا قالَ تَعالى: ﴿ما أصابَ مِن مُصِيبَةٍ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ ثُمَّ أمَرَ بِطاعَةِ اللَّهِ وطاعَةِ رَسُولِهِ، وحَذَّرَ مِمّا يَلْحَقُ الرَّجُلَ مِنَ امْرَأتِهِ ووَلَدِهِ بِسَبَبِ ما يَصْدُرُ مِن بَعْضِهِمْ مِنَ العَداوَةِ، ولا أعْدى عَلى الرَّجُلِ مِن زَوْجَتِهِ ووَلَدِهِ إذا كانا عَدُوَّيْنِ، وذَلِكَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ. أمّا في الدُّنْيا فَبِإذْهابِ مالِهِ وعِرْضِهِ، وأمّا في الآخِرَةِ فَبِما يَسْعى في اكْتِسابِهِ مِنَ الحَرامِ لَهُما، وبِما يَكْسِبانِهِ مِنهُ بِسَبَبِ جاهِهِ. وكَمْ مِنَ امْرَأةٍ قَتَلَتْ زَوْجَها وجَذَمَتْ وأفْسَدَتْ عَقْلَهُ، وكَمْ مِن ولَدٍ قَتَلَ أباهُ. وفي التَّوارِيخِ وفِيما شاهَدْناهُ مِن ذَلِكَ كَثِيرٌ. وعَنْ عَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ: أنَّ عَوْفَ بْنَ مالِكٍ الأشْجَعِيَّ أرادَ الغَزْوَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فاجْتَمَعَ أهْلُهُ ووَلَدُهُ، فَثَبَّطُوهُ وشَكَوْا إلَيْهِ فِراقَهُ، فَرَقَّ ولَمْ يَغْزُ، ثُمَّ إنَّهُ نَدِمَ بِمُعاقَبَتِهِمْ، فَنَزَلَتْ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [محمد: ٣] الآيَةَ. وقِيلَ: آمَنَ قَوْمٌ بِاللَّهِ، وثَبَّطَهم أزْواجُهم وأوْلادُهم عَنِ الهِجْرَةِ، ولَمْ يُهاجِرُوا إلّا بَعْدَ مُدَّةٍ، فَوَجَدُوا غَيْرَهم قَدْ تَفَقَّهَ في الدِّينِ، فَنَدِمُوا وأسِفُوا وهَمُّوا بِمُعاقَبَةِ أزْواجِهِمْ وأوْلادِهِمْ، فَنَزَلَتْ. وقِيلَ: قالُوا لَهم: أيْنَ تَذْهَبُونَ وتَدَعُونَ بَلَدَكم وعَشِيرَتَكم وأمْوالَكم ؟ فَغَضِبُوا عَلَيْهِمْ وقالُوا: لَئِنْ جَمَعَنا اللَّهُ في دارِ الهِجْرَةِ لَمْ نُصِبْكم بِخَيْرٍ. فَلَمّا هاجَرُوا، مَنَعُوهُمُ الخَيْرَ، فَحَبُّوا أنْ يَعْفُوا عَنْهم ويَرُدُّوا إلَيْهِمُ البِرَّ والصِّلَةَ. و”مِن“ في ﴿مِن أزْواجِكم وأوْلادِكُمْ﴾ لِلتَّبْعِيضِ، وقَدْ تُوجَدُ زَوْجَةٌ تَسُرُّ زَوْجَها وتُعِينُهُ عَلى مَقاصِدِهِ في دِينِهِ ودُنْياهُ، وكَذَلِكَ الوَلَدُ. وقالَ الشّاعِرُ العَبْسِيُّ يَمْدَحُ ولَدَهُ رِباطًا: ؎إذا كانَ أوْلادُ الرِّجالِ حَزازَةً ∗∗∗ فَأنْتَ الحَلالُ الحُلْوُ والبارِدُ العَذْبُ ؎لَنا جانِبٌ مِنهُ دَمِيثٌ وجانِبٌ ∗∗∗ إذا رامَهُ الأعْداءُ مَرْكَبُهُ صَعْبُ ؎وتَأْخُذُهُ عِنْدَ المَكارِمِ هِزَّةٌ ∗∗∗ كَما اهْتَزَّ تَحْتَ البارِحِ الغُصْنُ الرَّطْبُ وقالَ قَرْمانُ بْنُ الأعْرَفِ في ابْنِهِ مُنازِلٍ وكانَ عاقًّا لَهُ قَصِيدَةً فِيها بَعْضُ طُولٍ مِنها: ؎ورَبَّيْتُهُ حَتّى إذا ما تَرَكْتُهُ ∗∗∗ أخا القَوْمِ واسْتَغْنى عَنِ المَسْحِ شارِبُهُ ؎فَلَمّا رَآنِي أحْسَبُ الشَّخْصَ أشْخُصًا ∗∗∗ بَعِيدًا وذا الشَّخْصَ البَعِيدَ أُقارِبُهُ ؎تَعَمَّدَ حَقِّي ظالِمًا ولَوى يَدِي ∗∗∗ لَوى يَدَهُ اللَّهُ الَّذِي هو غالِبُهُ ﴿إنَّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ﴾ أيْ: بَلاءٌ ومِحْنَةٌ؛ لِأنَّهم يُوقِعُونَ في الإثْمِ والعُقُوبَةِ، ولا بَلاءَ أعْظَمُ مِنهُما. وفي بابِ العَداوَةِ جاءَ بِمَنِ الَّتِي تَقْتَضِي التَّبْعِيضَ، وفي الفِتْنَةِ حَكَمَ بِها عَلى الأمْوالِ والأوْلادِ عَلى بَعْضِها، وذَلِكَ لِغَلَبَةِ الفِتْنَةِ بِهِما، وكَفى بِالمالِ فِتْنَةً قِصَّةُ ثَعْلَبَةَ بْنَ حاطِبٍ، أحَدُ مَن نَزَلَ فِيهِ ومِنهم مَن عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ ءاتانا مِن فَضْلِهِ الآياتِ. وقَدْ شاهَدْنا مَن ذُكِرَ أنَّهُ يَشْغَلُهُ الكَسْبُ والتِّجارَةُ في أمْوالِهِ حَتّى يُصَلِّيَ كَثِيرًا مِنَ الصَّلَواتِ الخَمْسِ فائِتَةً. وقَدْ شاهَدْنا مَن كانَ مَوْصُوفًا عِنْدَ النّاسِ بِالدِّيانَةِ والوَرَعِ، فَحِينَ لاحَ لَهُ مَنصِبٌ وتَوَلّاهُ، اسْتَنابَ مَن يَلُوذُ بِهِ مِن أوْلادِهِ وأقارِبِهِ، وإنْ كانَ بَعْضُ مَنِ اسْتَنابَهُ صَغِيرَ السِّنِّ قَلِيلَ العِلْمِ سَيِّئَ الطَّرِيقَةِ، ونَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الفِتَنِ. وقُدِّمَتِ الأمْوالُ عَلى الأوْلادِ لِأنَّها أعْظَمُ فِتْنَةً ﴿كَلّا إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ [العلق: ٦] (p-٢٨٠)﴿شَغَلَتْنا أمْوالُنا وأهْلُونا﴾ [الفتح: ١١] . ﴿واللَّهُ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾: تَزْهِيدٌ في الدُّنْيا وتَرْغِيبٌ في الآخِرَةِ. والأجْرُ العَظِيمُ: الجَنَّةُ. ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ﴾ قالَ أبُو العالِيَةِ: جُهْدَكم. وقالَ مُجاهِدٌ: هو أنْ يُطاعَ فَلا يُعْصى، ”واسْمَعُوا“ ما تُوعَظُونَ بِهِ، ”وأطِيعُوا“ فِيما أُمِرْتُمْ بِهِ ونُهِيتُمْ عَنْهُ، ”وأنْفِقُوا“ فِيما وجَبَ عَلَيْكم. و”خَيْرًا“ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: وأْتُوا خَيْرًا، أوْ عَلى إضْمارِ (يَكُنْ) فَيَكُونُ خَبَرًا، أوْ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: إنْفاقًا خَيِّرًا، أوَ عَلى أنَّهُ حالٌ، أوْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِـ (وأنْفِقُوا خَيْرًا) أيْ مالًا. أقْوالٌ، الأوَّلُ عَنْ سِيبَوَيْهِ. ولَمّا أمَرَ بِالإنْفاقِ، أكَّدَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ ورَتَّبَ عَلَيْهِ تَضْعِيفَ القَرْضِ وغُفْرانَ الذُّنُوبِ. وفي لَفْظِ القَرْضِ تَلَطُّفٌ في الِاسْتِدْعاءِ، وفي لَفْظِ المُضاعَفَةِ تَأْكِيدٌ لِلْبَذْلِ لِوَجْهِ اللَّهِ - تَعالى. ثُمَّ أتْبَعَ جَوابَيِ الشَّرْطِ بِوَصْفَيْنِ: أحَدُهُما عائِدٌ إلى المُضاعَفَةِ، إذْ شُكْرُهُ - تَعالى - ‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌مُقابِلٌ لِلْمُضاعَفَةِ، وحِلْمُهُ مُقابِلٌ لِلْغُفْرانِ. قِيلَ: وهَذا الحَضُّ هو في الزَّكاةِ المَفْرُوضَةِ، وقِيلَ: هو في المَندُوبِ إلَيْهِ. وتَقَدَّمَ الخِلافُ في القِراءَةِ في ”يُوقَ“ وفي ”شُحَّ“ وفي ”يُضاعِفْهُ“ .

التغابن 64:15

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ما أصابَ مِن مُصِيبَةٍ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ ومَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ واللَّهُ بِكُلِ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ﴿وأطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإنَّما عَلى رَسُولِنا البَلاغُ المُبِينُ﴾ ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ مِن أزْواجِكم وأوْلادِكم عَدُوًّا لَكم فاحْذَرُوهم وإنْ تَعْفُوا وتَصْفَحُوا وتَغْفِرُوا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿إنَّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ واللَّهُ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ واسْمَعُوا وأطِيعُوا وأنْفِقُوا خَيْرًا لِأنْفُسِكم ومَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ ﴿إنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضاعِفْهُ لَكم ويَغْفِرْ لَكم واللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ﴾ ﴿عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ . الظّاهِرُ إطْلاقُ المُصِيبَةِ عَلى الرَّزِيَّةِ وما يَسُوءُ العَبْدَ، أيْ: في نَفْسٍ أوْ مالٍ أوْ ولَدٍ أوْ قَوْلٍ أوْ فِعْلٍ، وخُصِّتْ بِالذِّكْرِ، وإنْ كانَ جَمِيعُ الحَوادِثُ لا تُصِيبُ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ. وقِيلَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِالمُصِيبَةِ الحادِثَةِ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ، إذِ الحِكْمَةُ في كَوْنِها بِإذْنِ اللَّهِ. وما نافِيَةٌ، ومَفْعُولُ أصابَ مَحْذُوفٌ، أيْ: ما أصابَ أحَدًا، والفاعِلُ ”مِن مُصِيبَةٍ“، و”مِن“ زائِدَةٌ، ولَمْ تَلْحَقِ التّاءُ أصابَ، وإنْ كانَ الفاعِلُ مُؤَنَّثْا، وهو فَصِيحٌ، والتَّأْنِيثُ لِقَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿ما تَسْبِقُ مِن أُمَّةٍ أجَلَها﴾ [الحجر: ٥] وقَوْلِهِ: وما تَأْتِيهِمْ مِن آيَةٍ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ أيْ: بِإرادَتِهِ وعِلْمِهِ وتَمْكِينِهِ. ﴿ومَن يُؤْمِن بِاللَّهِ﴾ أيْ: يُصَدِّقُ بِوُجُودِهِ، ويَعْلَمُ أنَّ كُلَّ حادِثَةٍ بِقَضائِهِ وقَدَرِهِ ﴿يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ عَلى طَرِيقِ الخَيْرِ والهِدايَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: يَهْدِ بِالياءِ، مُضارِعًا لِهَدى، مَجْزُومًا عَلى جَوابِ الشَّرْطِ. وقَرَأ ابْنُ جُبَيْرٍ وطَلْحَةُ وابْنُ هُرْمُزَ والأزْرَقُ عَنْ حَمْزَةَ: (p-٢٧٩)بِالنُّونِ. والسُّلَمِيُّ والضَّحّاكُ وأبُو جَعْفَرٍ: يُهْدَ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، ”قَلْبُهُ“: رُفِعَ. وعِكْرِمَةُ وعَمْرُو بْنُ دِينارٍ ومالِكُ بْنُ دِينارٍ: (يَهْدَأْ) بِهَمْزَةٍ ساكِنَةٍ، ”قَلْبُهُ“ بِالرَّفْعِ: يَطَمْئِنُّ قَلْبُهُ ويَسْكُنُ بِإيمانِهِ ولا يَكُونُ فِيهِ اضْطِرابٌ. وعَمْرُو بْنُ فايِدٍ: ”يَهْدا“ بِألِفٍ بَدَلًا مِنَ الهَمْزَةِ السّاكِنَةِ. وعِكْرِمَةُ ومالِكُ بْنُ دِينارٍ أيْضًا: ”يَهْدَ“ بِحَذْفِ الألِفِ بَعْدَ إبْدالِها مِنَ الهَمْزَةِ السّاكِنَةِ، وإبْدالِ الهَمْزَةِ ألِفًا في مِثْلِ يَهْدَأُ ويَقْرَأُ، لَيْسَ بِقِياسٍ خِلافًا لِمَن أجازَ ذَلِكَ قِياسًا، وبَنى عَلَيْهِ جَوازَ حَذْفِ تِلْكَ الألِفِ لِلْجازِمِ، وخَرَجَ عَلَيْهِ قَوْلُ زُهَيْرِ بْنِ أبِي سُلْمى: ؎جَزى مَتى يَظْلِمْ يُعاقَبْ بِظُلْمِهِ سَرِيعًا وإنْ لا يَبْدَ بِالظُّلْمِ يُظْلَمِ أصْلُهُ يَبْدَأُ، ثُمَّ أبْدَلَ مِنَ الهَمْزَةِ ألِفًا، ثُمَّ حَذَفَها لِلْجازِمِ تَشْبِيهًا بِألِفِ يَخْشى إذا دَخَلَ الجازِمُ. ولَمّا قالَ تَعالى: ﴿ما أصابَ مِن مُصِيبَةٍ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ ثُمَّ أمَرَ بِطاعَةِ اللَّهِ وطاعَةِ رَسُولِهِ، وحَذَّرَ مِمّا يَلْحَقُ الرَّجُلَ مِنَ امْرَأتِهِ ووَلَدِهِ بِسَبَبِ ما يَصْدُرُ مِن بَعْضِهِمْ مِنَ العَداوَةِ، ولا أعْدى عَلى الرَّجُلِ مِن زَوْجَتِهِ ووَلَدِهِ إذا كانا عَدُوَّيْنِ، وذَلِكَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ. أمّا في الدُّنْيا فَبِإذْهابِ مالِهِ وعِرْضِهِ، وأمّا في الآخِرَةِ فَبِما يَسْعى في اكْتِسابِهِ مِنَ الحَرامِ لَهُما، وبِما يَكْسِبانِهِ مِنهُ بِسَبَبِ جاهِهِ. وكَمْ مِنَ امْرَأةٍ قَتَلَتْ زَوْجَها وجَذَمَتْ وأفْسَدَتْ عَقْلَهُ، وكَمْ مِن ولَدٍ قَتَلَ أباهُ. وفي التَّوارِيخِ وفِيما شاهَدْناهُ مِن ذَلِكَ كَثِيرٌ. وعَنْ عَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ: أنَّ عَوْفَ بْنَ مالِكٍ الأشْجَعِيَّ أرادَ الغَزْوَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فاجْتَمَعَ أهْلُهُ ووَلَدُهُ، فَثَبَّطُوهُ وشَكَوْا إلَيْهِ فِراقَهُ، فَرَقَّ ولَمْ يَغْزُ، ثُمَّ إنَّهُ نَدِمَ بِمُعاقَبَتِهِمْ، فَنَزَلَتْ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [محمد: ٣] الآيَةَ. وقِيلَ: آمَنَ قَوْمٌ بِاللَّهِ، وثَبَّطَهم أزْواجُهم وأوْلادُهم عَنِ الهِجْرَةِ، ولَمْ يُهاجِرُوا إلّا بَعْدَ مُدَّةٍ، فَوَجَدُوا غَيْرَهم قَدْ تَفَقَّهَ في الدِّينِ، فَنَدِمُوا وأسِفُوا وهَمُّوا بِمُعاقَبَةِ أزْواجِهِمْ وأوْلادِهِمْ، فَنَزَلَتْ. وقِيلَ: قالُوا لَهم: أيْنَ تَذْهَبُونَ وتَدَعُونَ بَلَدَكم وعَشِيرَتَكم وأمْوالَكم ؟ فَغَضِبُوا عَلَيْهِمْ وقالُوا: لَئِنْ جَمَعَنا اللَّهُ في دارِ الهِجْرَةِ لَمْ نُصِبْكم بِخَيْرٍ. فَلَمّا هاجَرُوا، مَنَعُوهُمُ الخَيْرَ، فَحَبُّوا أنْ يَعْفُوا عَنْهم ويَرُدُّوا إلَيْهِمُ البِرَّ والصِّلَةَ. و”مِن“ في ﴿مِن أزْواجِكم وأوْلادِكُمْ﴾ لِلتَّبْعِيضِ، وقَدْ تُوجَدُ زَوْجَةٌ تَسُرُّ زَوْجَها وتُعِينُهُ عَلى مَقاصِدِهِ في دِينِهِ ودُنْياهُ، وكَذَلِكَ الوَلَدُ. وقالَ الشّاعِرُ العَبْسِيُّ يَمْدَحُ ولَدَهُ رِباطًا: ؎إذا كانَ أوْلادُ الرِّجالِ حَزازَةً ∗∗∗ فَأنْتَ الحَلالُ الحُلْوُ والبارِدُ العَذْبُ ؎لَنا جانِبٌ مِنهُ دَمِيثٌ وجانِبٌ ∗∗∗ إذا رامَهُ الأعْداءُ مَرْكَبُهُ صَعْبُ ؎وتَأْخُذُهُ عِنْدَ المَكارِمِ هِزَّةٌ ∗∗∗ كَما اهْتَزَّ تَحْتَ البارِحِ الغُصْنُ الرَّطْبُ وقالَ قَرْمانُ بْنُ الأعْرَفِ في ابْنِهِ مُنازِلٍ وكانَ عاقًّا لَهُ قَصِيدَةً فِيها بَعْضُ طُولٍ مِنها: ؎ورَبَّيْتُهُ حَتّى إذا ما تَرَكْتُهُ ∗∗∗ أخا القَوْمِ واسْتَغْنى عَنِ المَسْحِ شارِبُهُ ؎فَلَمّا رَآنِي أحْسَبُ الشَّخْصَ أشْخُصًا ∗∗∗ بَعِيدًا وذا الشَّخْصَ البَعِيدَ أُقارِبُهُ ؎تَعَمَّدَ حَقِّي ظالِمًا ولَوى يَدِي ∗∗∗ لَوى يَدَهُ اللَّهُ الَّذِي هو غالِبُهُ ﴿إنَّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ﴾ أيْ: بَلاءٌ ومِحْنَةٌ؛ لِأنَّهم يُوقِعُونَ في الإثْمِ والعُقُوبَةِ، ولا بَلاءَ أعْظَمُ مِنهُما. وفي بابِ العَداوَةِ جاءَ بِمَنِ الَّتِي تَقْتَضِي التَّبْعِيضَ، وفي الفِتْنَةِ حَكَمَ بِها عَلى الأمْوالِ والأوْلادِ عَلى بَعْضِها، وذَلِكَ لِغَلَبَةِ الفِتْنَةِ بِهِما، وكَفى بِالمالِ فِتْنَةً قِصَّةُ ثَعْلَبَةَ بْنَ حاطِبٍ، أحَدُ مَن نَزَلَ فِيهِ ومِنهم مَن عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ ءاتانا مِن فَضْلِهِ الآياتِ. وقَدْ شاهَدْنا مَن ذُكِرَ أنَّهُ يَشْغَلُهُ الكَسْبُ والتِّجارَةُ في أمْوالِهِ حَتّى يُصَلِّيَ كَثِيرًا مِنَ الصَّلَواتِ الخَمْسِ فائِتَةً. وقَدْ شاهَدْنا مَن كانَ مَوْصُوفًا عِنْدَ النّاسِ بِالدِّيانَةِ والوَرَعِ، فَحِينَ لاحَ لَهُ مَنصِبٌ وتَوَلّاهُ، اسْتَنابَ مَن يَلُوذُ بِهِ مِن أوْلادِهِ وأقارِبِهِ، وإنْ كانَ بَعْضُ مَنِ اسْتَنابَهُ صَغِيرَ السِّنِّ قَلِيلَ العِلْمِ سَيِّئَ الطَّرِيقَةِ، ونَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الفِتَنِ. وقُدِّمَتِ الأمْوالُ عَلى الأوْلادِ لِأنَّها أعْظَمُ فِتْنَةً ﴿كَلّا إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ [العلق: ٦] (p-٢٨٠)﴿شَغَلَتْنا أمْوالُنا وأهْلُونا﴾ [الفتح: ١١] . ﴿واللَّهُ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾: تَزْهِيدٌ في الدُّنْيا وتَرْغِيبٌ في الآخِرَةِ. والأجْرُ العَظِيمُ: الجَنَّةُ. ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ﴾ قالَ أبُو العالِيَةِ: جُهْدَكم. وقالَ مُجاهِدٌ: هو أنْ يُطاعَ فَلا يُعْصى، ”واسْمَعُوا“ ما تُوعَظُونَ بِهِ، ”وأطِيعُوا“ فِيما أُمِرْتُمْ بِهِ ونُهِيتُمْ عَنْهُ، ”وأنْفِقُوا“ فِيما وجَبَ عَلَيْكم. و”خَيْرًا“ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: وأْتُوا خَيْرًا، أوْ عَلى إضْمارِ (يَكُنْ) فَيَكُونُ خَبَرًا، أوْ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: إنْفاقًا خَيِّرًا، أوَ عَلى أنَّهُ حالٌ، أوْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِـ (وأنْفِقُوا خَيْرًا) أيْ مالًا. أقْوالٌ، الأوَّلُ عَنْ سِيبَوَيْهِ. ولَمّا أمَرَ بِالإنْفاقِ، أكَّدَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ ورَتَّبَ عَلَيْهِ تَضْعِيفَ القَرْضِ وغُفْرانَ الذُّنُوبِ. وفي لَفْظِ القَرْضِ تَلَطُّفٌ في الِاسْتِدْعاءِ، وفي لَفْظِ المُضاعَفَةِ تَأْكِيدٌ لِلْبَذْلِ لِوَجْهِ اللَّهِ - تَعالى. ثُمَّ أتْبَعَ جَوابَيِ الشَّرْطِ بِوَصْفَيْنِ: أحَدُهُما عائِدٌ إلى المُضاعَفَةِ، إذْ شُكْرُهُ - تَعالى - ‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌مُقابِلٌ لِلْمُضاعَفَةِ، وحِلْمُهُ مُقابِلٌ لِلْغُفْرانِ. قِيلَ: وهَذا الحَضُّ هو في الزَّكاةِ المَفْرُوضَةِ، وقِيلَ: هو في المَندُوبِ إلَيْهِ. وتَقَدَّمَ الخِلافُ في القِراءَةِ في ”يُوقَ“ وفي ”شُحَّ“ وفي ”يُضاعِفْهُ“ .

التغابن 64:16

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ما أصابَ مِن مُصِيبَةٍ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ ومَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ واللَّهُ بِكُلِ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ﴿وأطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإنَّما عَلى رَسُولِنا البَلاغُ المُبِينُ﴾ ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ مِن أزْواجِكم وأوْلادِكم عَدُوًّا لَكم فاحْذَرُوهم وإنْ تَعْفُوا وتَصْفَحُوا وتَغْفِرُوا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿إنَّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ واللَّهُ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ واسْمَعُوا وأطِيعُوا وأنْفِقُوا خَيْرًا لِأنْفُسِكم ومَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ ﴿إنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضاعِفْهُ لَكم ويَغْفِرْ لَكم واللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ﴾ ﴿عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ . الظّاهِرُ إطْلاقُ المُصِيبَةِ عَلى الرَّزِيَّةِ وما يَسُوءُ العَبْدَ، أيْ: في نَفْسٍ أوْ مالٍ أوْ ولَدٍ أوْ قَوْلٍ أوْ فِعْلٍ، وخُصِّتْ بِالذِّكْرِ، وإنْ كانَ جَمِيعُ الحَوادِثُ لا تُصِيبُ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ. وقِيلَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِالمُصِيبَةِ الحادِثَةِ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ، إذِ الحِكْمَةُ في كَوْنِها بِإذْنِ اللَّهِ. وما نافِيَةٌ، ومَفْعُولُ أصابَ مَحْذُوفٌ، أيْ: ما أصابَ أحَدًا، والفاعِلُ ”مِن مُصِيبَةٍ“، و”مِن“ زائِدَةٌ، ولَمْ تَلْحَقِ التّاءُ أصابَ، وإنْ كانَ الفاعِلُ مُؤَنَّثْا، وهو فَصِيحٌ، والتَّأْنِيثُ لِقَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿ما تَسْبِقُ مِن أُمَّةٍ أجَلَها﴾ [الحجر: ٥] وقَوْلِهِ: وما تَأْتِيهِمْ مِن آيَةٍ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ أيْ: بِإرادَتِهِ وعِلْمِهِ وتَمْكِينِهِ. ﴿ومَن يُؤْمِن بِاللَّهِ﴾ أيْ: يُصَدِّقُ بِوُجُودِهِ، ويَعْلَمُ أنَّ كُلَّ حادِثَةٍ بِقَضائِهِ وقَدَرِهِ ﴿يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ عَلى طَرِيقِ الخَيْرِ والهِدايَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: يَهْدِ بِالياءِ، مُضارِعًا لِهَدى، مَجْزُومًا عَلى جَوابِ الشَّرْطِ. وقَرَأ ابْنُ جُبَيْرٍ وطَلْحَةُ وابْنُ هُرْمُزَ والأزْرَقُ عَنْ حَمْزَةَ: (p-٢٧٩)بِالنُّونِ. والسُّلَمِيُّ والضَّحّاكُ وأبُو جَعْفَرٍ: يُهْدَ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، ”قَلْبُهُ“: رُفِعَ. وعِكْرِمَةُ وعَمْرُو بْنُ دِينارٍ ومالِكُ بْنُ دِينارٍ: (يَهْدَأْ) بِهَمْزَةٍ ساكِنَةٍ، ”قَلْبُهُ“ بِالرَّفْعِ: يَطَمْئِنُّ قَلْبُهُ ويَسْكُنُ بِإيمانِهِ ولا يَكُونُ فِيهِ اضْطِرابٌ. وعَمْرُو بْنُ فايِدٍ: ”يَهْدا“ بِألِفٍ بَدَلًا مِنَ الهَمْزَةِ السّاكِنَةِ. وعِكْرِمَةُ ومالِكُ بْنُ دِينارٍ أيْضًا: ”يَهْدَ“ بِحَذْفِ الألِفِ بَعْدَ إبْدالِها مِنَ الهَمْزَةِ السّاكِنَةِ، وإبْدالِ الهَمْزَةِ ألِفًا في مِثْلِ يَهْدَأُ ويَقْرَأُ، لَيْسَ بِقِياسٍ خِلافًا لِمَن أجازَ ذَلِكَ قِياسًا، وبَنى عَلَيْهِ جَوازَ حَذْفِ تِلْكَ الألِفِ لِلْجازِمِ، وخَرَجَ عَلَيْهِ قَوْلُ زُهَيْرِ بْنِ أبِي سُلْمى: ؎جَزى مَتى يَظْلِمْ يُعاقَبْ بِظُلْمِهِ سَرِيعًا وإنْ لا يَبْدَ بِالظُّلْمِ يُظْلَمِ أصْلُهُ يَبْدَأُ، ثُمَّ أبْدَلَ مِنَ الهَمْزَةِ ألِفًا، ثُمَّ حَذَفَها لِلْجازِمِ تَشْبِيهًا بِألِفِ يَخْشى إذا دَخَلَ الجازِمُ. ولَمّا قالَ تَعالى: ﴿ما أصابَ مِن مُصِيبَةٍ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ ثُمَّ أمَرَ بِطاعَةِ اللَّهِ وطاعَةِ رَسُولِهِ، وحَذَّرَ مِمّا يَلْحَقُ الرَّجُلَ مِنَ امْرَأتِهِ ووَلَدِهِ بِسَبَبِ ما يَصْدُرُ مِن بَعْضِهِمْ مِنَ العَداوَةِ، ولا أعْدى عَلى الرَّجُلِ مِن زَوْجَتِهِ ووَلَدِهِ إذا كانا عَدُوَّيْنِ، وذَلِكَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ. أمّا في الدُّنْيا فَبِإذْهابِ مالِهِ وعِرْضِهِ، وأمّا في الآخِرَةِ فَبِما يَسْعى في اكْتِسابِهِ مِنَ الحَرامِ لَهُما، وبِما يَكْسِبانِهِ مِنهُ بِسَبَبِ جاهِهِ. وكَمْ مِنَ امْرَأةٍ قَتَلَتْ زَوْجَها وجَذَمَتْ وأفْسَدَتْ عَقْلَهُ، وكَمْ مِن ولَدٍ قَتَلَ أباهُ. وفي التَّوارِيخِ وفِيما شاهَدْناهُ مِن ذَلِكَ كَثِيرٌ. وعَنْ عَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ: أنَّ عَوْفَ بْنَ مالِكٍ الأشْجَعِيَّ أرادَ الغَزْوَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فاجْتَمَعَ أهْلُهُ ووَلَدُهُ، فَثَبَّطُوهُ وشَكَوْا إلَيْهِ فِراقَهُ، فَرَقَّ ولَمْ يَغْزُ، ثُمَّ إنَّهُ نَدِمَ بِمُعاقَبَتِهِمْ، فَنَزَلَتْ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [محمد: ٣] الآيَةَ. وقِيلَ: آمَنَ قَوْمٌ بِاللَّهِ، وثَبَّطَهم أزْواجُهم وأوْلادُهم عَنِ الهِجْرَةِ، ولَمْ يُهاجِرُوا إلّا بَعْدَ مُدَّةٍ، فَوَجَدُوا غَيْرَهم قَدْ تَفَقَّهَ في الدِّينِ، فَنَدِمُوا وأسِفُوا وهَمُّوا بِمُعاقَبَةِ أزْواجِهِمْ وأوْلادِهِمْ، فَنَزَلَتْ. وقِيلَ: قالُوا لَهم: أيْنَ تَذْهَبُونَ وتَدَعُونَ بَلَدَكم وعَشِيرَتَكم وأمْوالَكم ؟ فَغَضِبُوا عَلَيْهِمْ وقالُوا: لَئِنْ جَمَعَنا اللَّهُ في دارِ الهِجْرَةِ لَمْ نُصِبْكم بِخَيْرٍ. فَلَمّا هاجَرُوا، مَنَعُوهُمُ الخَيْرَ، فَحَبُّوا أنْ يَعْفُوا عَنْهم ويَرُدُّوا إلَيْهِمُ البِرَّ والصِّلَةَ. و”مِن“ في ﴿مِن أزْواجِكم وأوْلادِكُمْ﴾ لِلتَّبْعِيضِ، وقَدْ تُوجَدُ زَوْجَةٌ تَسُرُّ زَوْجَها وتُعِينُهُ عَلى مَقاصِدِهِ في دِينِهِ ودُنْياهُ، وكَذَلِكَ الوَلَدُ. وقالَ الشّاعِرُ العَبْسِيُّ يَمْدَحُ ولَدَهُ رِباطًا: ؎إذا كانَ أوْلادُ الرِّجالِ حَزازَةً ∗∗∗ فَأنْتَ الحَلالُ الحُلْوُ والبارِدُ العَذْبُ ؎لَنا جانِبٌ مِنهُ دَمِيثٌ وجانِبٌ ∗∗∗ إذا رامَهُ الأعْداءُ مَرْكَبُهُ صَعْبُ ؎وتَأْخُذُهُ عِنْدَ المَكارِمِ هِزَّةٌ ∗∗∗ كَما اهْتَزَّ تَحْتَ البارِحِ الغُصْنُ الرَّطْبُ وقالَ قَرْمانُ بْنُ الأعْرَفِ في ابْنِهِ مُنازِلٍ وكانَ عاقًّا لَهُ قَصِيدَةً فِيها بَعْضُ طُولٍ مِنها: ؎ورَبَّيْتُهُ حَتّى إذا ما تَرَكْتُهُ ∗∗∗ أخا القَوْمِ واسْتَغْنى عَنِ المَسْحِ شارِبُهُ ؎فَلَمّا رَآنِي أحْسَبُ الشَّخْصَ أشْخُصًا ∗∗∗ بَعِيدًا وذا الشَّخْصَ البَعِيدَ أُقارِبُهُ ؎تَعَمَّدَ حَقِّي ظالِمًا ولَوى يَدِي ∗∗∗ لَوى يَدَهُ اللَّهُ الَّذِي هو غالِبُهُ ﴿إنَّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ﴾ أيْ: بَلاءٌ ومِحْنَةٌ؛ لِأنَّهم يُوقِعُونَ في الإثْمِ والعُقُوبَةِ، ولا بَلاءَ أعْظَمُ مِنهُما. وفي بابِ العَداوَةِ جاءَ بِمَنِ الَّتِي تَقْتَضِي التَّبْعِيضَ، وفي الفِتْنَةِ حَكَمَ بِها عَلى الأمْوالِ والأوْلادِ عَلى بَعْضِها، وذَلِكَ لِغَلَبَةِ الفِتْنَةِ بِهِما، وكَفى بِالمالِ فِتْنَةً قِصَّةُ ثَعْلَبَةَ بْنَ حاطِبٍ، أحَدُ مَن نَزَلَ فِيهِ ومِنهم مَن عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ ءاتانا مِن فَضْلِهِ الآياتِ. وقَدْ شاهَدْنا مَن ذُكِرَ أنَّهُ يَشْغَلُهُ الكَسْبُ والتِّجارَةُ في أمْوالِهِ حَتّى يُصَلِّيَ كَثِيرًا مِنَ الصَّلَواتِ الخَمْسِ فائِتَةً. وقَدْ شاهَدْنا مَن كانَ مَوْصُوفًا عِنْدَ النّاسِ بِالدِّيانَةِ والوَرَعِ، فَحِينَ لاحَ لَهُ مَنصِبٌ وتَوَلّاهُ، اسْتَنابَ مَن يَلُوذُ بِهِ مِن أوْلادِهِ وأقارِبِهِ، وإنْ كانَ بَعْضُ مَنِ اسْتَنابَهُ صَغِيرَ السِّنِّ قَلِيلَ العِلْمِ سَيِّئَ الطَّرِيقَةِ، ونَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الفِتَنِ. وقُدِّمَتِ الأمْوالُ عَلى الأوْلادِ لِأنَّها أعْظَمُ فِتْنَةً ﴿كَلّا إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ [العلق: ٦] (p-٢٨٠)﴿شَغَلَتْنا أمْوالُنا وأهْلُونا﴾ [الفتح: ١١] . ﴿واللَّهُ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾: تَزْهِيدٌ في الدُّنْيا وتَرْغِيبٌ في الآخِرَةِ. والأجْرُ العَظِيمُ: الجَنَّةُ. ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ﴾ قالَ أبُو العالِيَةِ: جُهْدَكم. وقالَ مُجاهِدٌ: هو أنْ يُطاعَ فَلا يُعْصى، ”واسْمَعُوا“ ما تُوعَظُونَ بِهِ، ”وأطِيعُوا“ فِيما أُمِرْتُمْ بِهِ ونُهِيتُمْ عَنْهُ، ”وأنْفِقُوا“ فِيما وجَبَ عَلَيْكم. و”خَيْرًا“ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: وأْتُوا خَيْرًا، أوْ عَلى إضْمارِ (يَكُنْ) فَيَكُونُ خَبَرًا، أوْ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: إنْفاقًا خَيِّرًا، أوَ عَلى أنَّهُ حالٌ، أوْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِـ (وأنْفِقُوا خَيْرًا) أيْ مالًا. أقْوالٌ، الأوَّلُ عَنْ سِيبَوَيْهِ. ولَمّا أمَرَ بِالإنْفاقِ، أكَّدَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ ورَتَّبَ عَلَيْهِ تَضْعِيفَ القَرْضِ وغُفْرانَ الذُّنُوبِ. وفي لَفْظِ القَرْضِ تَلَطُّفٌ في الِاسْتِدْعاءِ، وفي لَفْظِ المُضاعَفَةِ تَأْكِيدٌ لِلْبَذْلِ لِوَجْهِ اللَّهِ - تَعالى. ثُمَّ أتْبَعَ جَوابَيِ الشَّرْطِ بِوَصْفَيْنِ: أحَدُهُما عائِدٌ إلى المُضاعَفَةِ، إذْ شُكْرُهُ - تَعالى - ‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌مُقابِلٌ لِلْمُضاعَفَةِ، وحِلْمُهُ مُقابِلٌ لِلْغُفْرانِ. قِيلَ: وهَذا الحَضُّ هو في الزَّكاةِ المَفْرُوضَةِ، وقِيلَ: هو في المَندُوبِ إلَيْهِ. وتَقَدَّمَ الخِلافُ في القِراءَةِ في ”يُوقَ“ وفي ”شُحَّ“ وفي ”يُضاعِفْهُ“ .

التغابن 64:17

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ما أصابَ مِن مُصِيبَةٍ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ ومَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ واللَّهُ بِكُلِ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ﴿وأطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإنَّما عَلى رَسُولِنا البَلاغُ المُبِينُ﴾ ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ مِن أزْواجِكم وأوْلادِكم عَدُوًّا لَكم فاحْذَرُوهم وإنْ تَعْفُوا وتَصْفَحُوا وتَغْفِرُوا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿إنَّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ واللَّهُ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ واسْمَعُوا وأطِيعُوا وأنْفِقُوا خَيْرًا لِأنْفُسِكم ومَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ ﴿إنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضاعِفْهُ لَكم ويَغْفِرْ لَكم واللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ﴾ ﴿عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ . الظّاهِرُ إطْلاقُ المُصِيبَةِ عَلى الرَّزِيَّةِ وما يَسُوءُ العَبْدَ، أيْ: في نَفْسٍ أوْ مالٍ أوْ ولَدٍ أوْ قَوْلٍ أوْ فِعْلٍ، وخُصِّتْ بِالذِّكْرِ، وإنْ كانَ جَمِيعُ الحَوادِثُ لا تُصِيبُ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ. وقِيلَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِالمُصِيبَةِ الحادِثَةِ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ، إذِ الحِكْمَةُ في كَوْنِها بِإذْنِ اللَّهِ. وما نافِيَةٌ، ومَفْعُولُ أصابَ مَحْذُوفٌ، أيْ: ما أصابَ أحَدًا، والفاعِلُ ”مِن مُصِيبَةٍ“، و”مِن“ زائِدَةٌ، ولَمْ تَلْحَقِ التّاءُ أصابَ، وإنْ كانَ الفاعِلُ مُؤَنَّثْا، وهو فَصِيحٌ، والتَّأْنِيثُ لِقَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿ما تَسْبِقُ مِن أُمَّةٍ أجَلَها﴾ [الحجر: ٥] وقَوْلِهِ: وما تَأْتِيهِمْ مِن آيَةٍ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ أيْ: بِإرادَتِهِ وعِلْمِهِ وتَمْكِينِهِ. ﴿ومَن يُؤْمِن بِاللَّهِ﴾ أيْ: يُصَدِّقُ بِوُجُودِهِ، ويَعْلَمُ أنَّ كُلَّ حادِثَةٍ بِقَضائِهِ وقَدَرِهِ ﴿يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ عَلى طَرِيقِ الخَيْرِ والهِدايَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: يَهْدِ بِالياءِ، مُضارِعًا لِهَدى، مَجْزُومًا عَلى جَوابِ الشَّرْطِ. وقَرَأ ابْنُ جُبَيْرٍ وطَلْحَةُ وابْنُ هُرْمُزَ والأزْرَقُ عَنْ حَمْزَةَ: (p-٢٧٩)بِالنُّونِ. والسُّلَمِيُّ والضَّحّاكُ وأبُو جَعْفَرٍ: يُهْدَ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، ”قَلْبُهُ“: رُفِعَ. وعِكْرِمَةُ وعَمْرُو بْنُ دِينارٍ ومالِكُ بْنُ دِينارٍ: (يَهْدَأْ) بِهَمْزَةٍ ساكِنَةٍ، ”قَلْبُهُ“ بِالرَّفْعِ: يَطَمْئِنُّ قَلْبُهُ ويَسْكُنُ بِإيمانِهِ ولا يَكُونُ فِيهِ اضْطِرابٌ. وعَمْرُو بْنُ فايِدٍ: ”يَهْدا“ بِألِفٍ بَدَلًا مِنَ الهَمْزَةِ السّاكِنَةِ. وعِكْرِمَةُ ومالِكُ بْنُ دِينارٍ أيْضًا: ”يَهْدَ“ بِحَذْفِ الألِفِ بَعْدَ إبْدالِها مِنَ الهَمْزَةِ السّاكِنَةِ، وإبْدالِ الهَمْزَةِ ألِفًا في مِثْلِ يَهْدَأُ ويَقْرَأُ، لَيْسَ بِقِياسٍ خِلافًا لِمَن أجازَ ذَلِكَ قِياسًا، وبَنى عَلَيْهِ جَوازَ حَذْفِ تِلْكَ الألِفِ لِلْجازِمِ، وخَرَجَ عَلَيْهِ قَوْلُ زُهَيْرِ بْنِ أبِي سُلْمى: ؎جَزى مَتى يَظْلِمْ يُعاقَبْ بِظُلْمِهِ سَرِيعًا وإنْ لا يَبْدَ بِالظُّلْمِ يُظْلَمِ أصْلُهُ يَبْدَأُ، ثُمَّ أبْدَلَ مِنَ الهَمْزَةِ ألِفًا، ثُمَّ حَذَفَها لِلْجازِمِ تَشْبِيهًا بِألِفِ يَخْشى إذا دَخَلَ الجازِمُ. ولَمّا قالَ تَعالى: ﴿ما أصابَ مِن مُصِيبَةٍ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ ثُمَّ أمَرَ بِطاعَةِ اللَّهِ وطاعَةِ رَسُولِهِ، وحَذَّرَ مِمّا يَلْحَقُ الرَّجُلَ مِنَ امْرَأتِهِ ووَلَدِهِ بِسَبَبِ ما يَصْدُرُ مِن بَعْضِهِمْ مِنَ العَداوَةِ، ولا أعْدى عَلى الرَّجُلِ مِن زَوْجَتِهِ ووَلَدِهِ إذا كانا عَدُوَّيْنِ، وذَلِكَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ. أمّا في الدُّنْيا فَبِإذْهابِ مالِهِ وعِرْضِهِ، وأمّا في الآخِرَةِ فَبِما يَسْعى في اكْتِسابِهِ مِنَ الحَرامِ لَهُما، وبِما يَكْسِبانِهِ مِنهُ بِسَبَبِ جاهِهِ. وكَمْ مِنَ امْرَأةٍ قَتَلَتْ زَوْجَها وجَذَمَتْ وأفْسَدَتْ عَقْلَهُ، وكَمْ مِن ولَدٍ قَتَلَ أباهُ. وفي التَّوارِيخِ وفِيما شاهَدْناهُ مِن ذَلِكَ كَثِيرٌ. وعَنْ عَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ: أنَّ عَوْفَ بْنَ مالِكٍ الأشْجَعِيَّ أرادَ الغَزْوَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فاجْتَمَعَ أهْلُهُ ووَلَدُهُ، فَثَبَّطُوهُ وشَكَوْا إلَيْهِ فِراقَهُ، فَرَقَّ ولَمْ يَغْزُ، ثُمَّ إنَّهُ نَدِمَ بِمُعاقَبَتِهِمْ، فَنَزَلَتْ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [محمد: ٣] الآيَةَ. وقِيلَ: آمَنَ قَوْمٌ بِاللَّهِ، وثَبَّطَهم أزْواجُهم وأوْلادُهم عَنِ الهِجْرَةِ، ولَمْ يُهاجِرُوا إلّا بَعْدَ مُدَّةٍ، فَوَجَدُوا غَيْرَهم قَدْ تَفَقَّهَ في الدِّينِ، فَنَدِمُوا وأسِفُوا وهَمُّوا بِمُعاقَبَةِ أزْواجِهِمْ وأوْلادِهِمْ، فَنَزَلَتْ. وقِيلَ: قالُوا لَهم: أيْنَ تَذْهَبُونَ وتَدَعُونَ بَلَدَكم وعَشِيرَتَكم وأمْوالَكم ؟ فَغَضِبُوا عَلَيْهِمْ وقالُوا: لَئِنْ جَمَعَنا اللَّهُ في دارِ الهِجْرَةِ لَمْ نُصِبْكم بِخَيْرٍ. فَلَمّا هاجَرُوا، مَنَعُوهُمُ الخَيْرَ، فَحَبُّوا أنْ يَعْفُوا عَنْهم ويَرُدُّوا إلَيْهِمُ البِرَّ والصِّلَةَ. و”مِن“ في ﴿مِن أزْواجِكم وأوْلادِكُمْ﴾ لِلتَّبْعِيضِ، وقَدْ تُوجَدُ زَوْجَةٌ تَسُرُّ زَوْجَها وتُعِينُهُ عَلى مَقاصِدِهِ في دِينِهِ ودُنْياهُ، وكَذَلِكَ الوَلَدُ. وقالَ الشّاعِرُ العَبْسِيُّ يَمْدَحُ ولَدَهُ رِباطًا: ؎إذا كانَ أوْلادُ الرِّجالِ حَزازَةً ∗∗∗ فَأنْتَ الحَلالُ الحُلْوُ والبارِدُ العَذْبُ ؎لَنا جانِبٌ مِنهُ دَمِيثٌ وجانِبٌ ∗∗∗ إذا رامَهُ الأعْداءُ مَرْكَبُهُ صَعْبُ ؎وتَأْخُذُهُ عِنْدَ المَكارِمِ هِزَّةٌ ∗∗∗ كَما اهْتَزَّ تَحْتَ البارِحِ الغُصْنُ الرَّطْبُ وقالَ قَرْمانُ بْنُ الأعْرَفِ في ابْنِهِ مُنازِلٍ وكانَ عاقًّا لَهُ قَصِيدَةً فِيها بَعْضُ طُولٍ مِنها: ؎ورَبَّيْتُهُ حَتّى إذا ما تَرَكْتُهُ ∗∗∗ أخا القَوْمِ واسْتَغْنى عَنِ المَسْحِ شارِبُهُ ؎فَلَمّا رَآنِي أحْسَبُ الشَّخْصَ أشْخُصًا ∗∗∗ بَعِيدًا وذا الشَّخْصَ البَعِيدَ أُقارِبُهُ ؎تَعَمَّدَ حَقِّي ظالِمًا ولَوى يَدِي ∗∗∗ لَوى يَدَهُ اللَّهُ الَّذِي هو غالِبُهُ ﴿إنَّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ﴾ أيْ: بَلاءٌ ومِحْنَةٌ؛ لِأنَّهم يُوقِعُونَ في الإثْمِ والعُقُوبَةِ، ولا بَلاءَ أعْظَمُ مِنهُما. وفي بابِ العَداوَةِ جاءَ بِمَنِ الَّتِي تَقْتَضِي التَّبْعِيضَ، وفي الفِتْنَةِ حَكَمَ بِها عَلى الأمْوالِ والأوْلادِ عَلى بَعْضِها، وذَلِكَ لِغَلَبَةِ الفِتْنَةِ بِهِما، وكَفى بِالمالِ فِتْنَةً قِصَّةُ ثَعْلَبَةَ بْنَ حاطِبٍ، أحَدُ مَن نَزَلَ فِيهِ ومِنهم مَن عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ ءاتانا مِن فَضْلِهِ الآياتِ. وقَدْ شاهَدْنا مَن ذُكِرَ أنَّهُ يَشْغَلُهُ الكَسْبُ والتِّجارَةُ في أمْوالِهِ حَتّى يُصَلِّيَ كَثِيرًا مِنَ الصَّلَواتِ الخَمْسِ فائِتَةً. وقَدْ شاهَدْنا مَن كانَ مَوْصُوفًا عِنْدَ النّاسِ بِالدِّيانَةِ والوَرَعِ، فَحِينَ لاحَ لَهُ مَنصِبٌ وتَوَلّاهُ، اسْتَنابَ مَن يَلُوذُ بِهِ مِن أوْلادِهِ وأقارِبِهِ، وإنْ كانَ بَعْضُ مَنِ اسْتَنابَهُ صَغِيرَ السِّنِّ قَلِيلَ العِلْمِ سَيِّئَ الطَّرِيقَةِ، ونَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الفِتَنِ. وقُدِّمَتِ الأمْوالُ عَلى الأوْلادِ لِأنَّها أعْظَمُ فِتْنَةً ﴿كَلّا إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ [العلق: ٦] (p-٢٨٠)﴿شَغَلَتْنا أمْوالُنا وأهْلُونا﴾ [الفتح: ١١] . ﴿واللَّهُ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾: تَزْهِيدٌ في الدُّنْيا وتَرْغِيبٌ في الآخِرَةِ. والأجْرُ العَظِيمُ: الجَنَّةُ. ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ﴾ قالَ أبُو العالِيَةِ: جُهْدَكم. وقالَ مُجاهِدٌ: هو أنْ يُطاعَ فَلا يُعْصى، ”واسْمَعُوا“ ما تُوعَظُونَ بِهِ، ”وأطِيعُوا“ فِيما أُمِرْتُمْ بِهِ ونُهِيتُمْ عَنْهُ، ”وأنْفِقُوا“ فِيما وجَبَ عَلَيْكم. و”خَيْرًا“ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: وأْتُوا خَيْرًا، أوْ عَلى إضْمارِ (يَكُنْ) فَيَكُونُ خَبَرًا، أوْ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: إنْفاقًا خَيِّرًا، أوَ عَلى أنَّهُ حالٌ، أوْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِـ (وأنْفِقُوا خَيْرًا) أيْ مالًا. أقْوالٌ، الأوَّلُ عَنْ سِيبَوَيْهِ. ولَمّا أمَرَ بِالإنْفاقِ، أكَّدَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ ورَتَّبَ عَلَيْهِ تَضْعِيفَ القَرْضِ وغُفْرانَ الذُّنُوبِ. وفي لَفْظِ القَرْضِ تَلَطُّفٌ في الِاسْتِدْعاءِ، وفي لَفْظِ المُضاعَفَةِ تَأْكِيدٌ لِلْبَذْلِ لِوَجْهِ اللَّهِ - تَعالى. ثُمَّ أتْبَعَ جَوابَيِ الشَّرْطِ بِوَصْفَيْنِ: أحَدُهُما عائِدٌ إلى المُضاعَفَةِ، إذْ شُكْرُهُ - تَعالى - ‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌مُقابِلٌ لِلْمُضاعَفَةِ، وحِلْمُهُ مُقابِلٌ لِلْغُفْرانِ. قِيلَ: وهَذا الحَضُّ هو في الزَّكاةِ المَفْرُوضَةِ، وقِيلَ: هو في المَندُوبِ إلَيْهِ. وتَقَدَّمَ الخِلافُ في القِراءَةِ في ”يُوقَ“ وفي ”شُحَّ“ وفي ”يُضاعِفْهُ“ .

التغابن 64:18

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ما أصابَ مِن مُصِيبَةٍ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ ومَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ واللَّهُ بِكُلِ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ﴿وأطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإنَّما عَلى رَسُولِنا البَلاغُ المُبِينُ﴾ ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ مِن أزْواجِكم وأوْلادِكم عَدُوًّا لَكم فاحْذَرُوهم وإنْ تَعْفُوا وتَصْفَحُوا وتَغْفِرُوا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿إنَّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ واللَّهُ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ واسْمَعُوا وأطِيعُوا وأنْفِقُوا خَيْرًا لِأنْفُسِكم ومَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ ﴿إنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضاعِفْهُ لَكم ويَغْفِرْ لَكم واللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ﴾ ﴿عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ . الظّاهِرُ إطْلاقُ المُصِيبَةِ عَلى الرَّزِيَّةِ وما يَسُوءُ العَبْدَ، أيْ: في نَفْسٍ أوْ مالٍ أوْ ولَدٍ أوْ قَوْلٍ أوْ فِعْلٍ، وخُصِّتْ بِالذِّكْرِ، وإنْ كانَ جَمِيعُ الحَوادِثُ لا تُصِيبُ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ. وقِيلَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِالمُصِيبَةِ الحادِثَةِ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ، إذِ الحِكْمَةُ في كَوْنِها بِإذْنِ اللَّهِ. وما نافِيَةٌ، ومَفْعُولُ أصابَ مَحْذُوفٌ، أيْ: ما أصابَ أحَدًا، والفاعِلُ ”مِن مُصِيبَةٍ“، و”مِن“ زائِدَةٌ، ولَمْ تَلْحَقِ التّاءُ أصابَ، وإنْ كانَ الفاعِلُ مُؤَنَّثْا، وهو فَصِيحٌ، والتَّأْنِيثُ لِقَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿ما تَسْبِقُ مِن أُمَّةٍ أجَلَها﴾ [الحجر: ٥] وقَوْلِهِ: وما تَأْتِيهِمْ مِن آيَةٍ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ أيْ: بِإرادَتِهِ وعِلْمِهِ وتَمْكِينِهِ. ﴿ومَن يُؤْمِن بِاللَّهِ﴾ أيْ: يُصَدِّقُ بِوُجُودِهِ، ويَعْلَمُ أنَّ كُلَّ حادِثَةٍ بِقَضائِهِ وقَدَرِهِ ﴿يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ عَلى طَرِيقِ الخَيْرِ والهِدايَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: يَهْدِ بِالياءِ، مُضارِعًا لِهَدى، مَجْزُومًا عَلى جَوابِ الشَّرْطِ. وقَرَأ ابْنُ جُبَيْرٍ وطَلْحَةُ وابْنُ هُرْمُزَ والأزْرَقُ عَنْ حَمْزَةَ: (p-٢٧٩)بِالنُّونِ. والسُّلَمِيُّ والضَّحّاكُ وأبُو جَعْفَرٍ: يُهْدَ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، ”قَلْبُهُ“: رُفِعَ. وعِكْرِمَةُ وعَمْرُو بْنُ دِينارٍ ومالِكُ بْنُ دِينارٍ: (يَهْدَأْ) بِهَمْزَةٍ ساكِنَةٍ، ”قَلْبُهُ“ بِالرَّفْعِ: يَطَمْئِنُّ قَلْبُهُ ويَسْكُنُ بِإيمانِهِ ولا يَكُونُ فِيهِ اضْطِرابٌ. وعَمْرُو بْنُ فايِدٍ: ”يَهْدا“ بِألِفٍ بَدَلًا مِنَ الهَمْزَةِ السّاكِنَةِ. وعِكْرِمَةُ ومالِكُ بْنُ دِينارٍ أيْضًا: ”يَهْدَ“ بِحَذْفِ الألِفِ بَعْدَ إبْدالِها مِنَ الهَمْزَةِ السّاكِنَةِ، وإبْدالِ الهَمْزَةِ ألِفًا في مِثْلِ يَهْدَأُ ويَقْرَأُ، لَيْسَ بِقِياسٍ خِلافًا لِمَن أجازَ ذَلِكَ قِياسًا، وبَنى عَلَيْهِ جَوازَ حَذْفِ تِلْكَ الألِفِ لِلْجازِمِ، وخَرَجَ عَلَيْهِ قَوْلُ زُهَيْرِ بْنِ أبِي سُلْمى: ؎جَزى مَتى يَظْلِمْ يُعاقَبْ بِظُلْمِهِ سَرِيعًا وإنْ لا يَبْدَ بِالظُّلْمِ يُظْلَمِ أصْلُهُ يَبْدَأُ، ثُمَّ أبْدَلَ مِنَ الهَمْزَةِ ألِفًا، ثُمَّ حَذَفَها لِلْجازِمِ تَشْبِيهًا بِألِفِ يَخْشى إذا دَخَلَ الجازِمُ. ولَمّا قالَ تَعالى: ﴿ما أصابَ مِن مُصِيبَةٍ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ ثُمَّ أمَرَ بِطاعَةِ اللَّهِ وطاعَةِ رَسُولِهِ، وحَذَّرَ مِمّا يَلْحَقُ الرَّجُلَ مِنَ امْرَأتِهِ ووَلَدِهِ بِسَبَبِ ما يَصْدُرُ مِن بَعْضِهِمْ مِنَ العَداوَةِ، ولا أعْدى عَلى الرَّجُلِ مِن زَوْجَتِهِ ووَلَدِهِ إذا كانا عَدُوَّيْنِ، وذَلِكَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ. أمّا في الدُّنْيا فَبِإذْهابِ مالِهِ وعِرْضِهِ، وأمّا في الآخِرَةِ فَبِما يَسْعى في اكْتِسابِهِ مِنَ الحَرامِ لَهُما، وبِما يَكْسِبانِهِ مِنهُ بِسَبَبِ جاهِهِ. وكَمْ مِنَ امْرَأةٍ قَتَلَتْ زَوْجَها وجَذَمَتْ وأفْسَدَتْ عَقْلَهُ، وكَمْ مِن ولَدٍ قَتَلَ أباهُ. وفي التَّوارِيخِ وفِيما شاهَدْناهُ مِن ذَلِكَ كَثِيرٌ. وعَنْ عَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ: أنَّ عَوْفَ بْنَ مالِكٍ الأشْجَعِيَّ أرادَ الغَزْوَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فاجْتَمَعَ أهْلُهُ ووَلَدُهُ، فَثَبَّطُوهُ وشَكَوْا إلَيْهِ فِراقَهُ، فَرَقَّ ولَمْ يَغْزُ، ثُمَّ إنَّهُ نَدِمَ بِمُعاقَبَتِهِمْ، فَنَزَلَتْ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [محمد: ٣] الآيَةَ. وقِيلَ: آمَنَ قَوْمٌ بِاللَّهِ، وثَبَّطَهم أزْواجُهم وأوْلادُهم عَنِ الهِجْرَةِ، ولَمْ يُهاجِرُوا إلّا بَعْدَ مُدَّةٍ، فَوَجَدُوا غَيْرَهم قَدْ تَفَقَّهَ في الدِّينِ، فَنَدِمُوا وأسِفُوا وهَمُّوا بِمُعاقَبَةِ أزْواجِهِمْ وأوْلادِهِمْ، فَنَزَلَتْ. وقِيلَ: قالُوا لَهم: أيْنَ تَذْهَبُونَ وتَدَعُونَ بَلَدَكم وعَشِيرَتَكم وأمْوالَكم ؟ فَغَضِبُوا عَلَيْهِمْ وقالُوا: لَئِنْ جَمَعَنا اللَّهُ في دارِ الهِجْرَةِ لَمْ نُصِبْكم بِخَيْرٍ. فَلَمّا هاجَرُوا، مَنَعُوهُمُ الخَيْرَ، فَحَبُّوا أنْ يَعْفُوا عَنْهم ويَرُدُّوا إلَيْهِمُ البِرَّ والصِّلَةَ. و”مِن“ في ﴿مِن أزْواجِكم وأوْلادِكُمْ﴾ لِلتَّبْعِيضِ، وقَدْ تُوجَدُ زَوْجَةٌ تَسُرُّ زَوْجَها وتُعِينُهُ عَلى مَقاصِدِهِ في دِينِهِ ودُنْياهُ، وكَذَلِكَ الوَلَدُ. وقالَ الشّاعِرُ العَبْسِيُّ يَمْدَحُ ولَدَهُ رِباطًا: ؎إذا كانَ أوْلادُ الرِّجالِ حَزازَةً ∗∗∗ فَأنْتَ الحَلالُ الحُلْوُ والبارِدُ العَذْبُ ؎لَنا جانِبٌ مِنهُ دَمِيثٌ وجانِبٌ ∗∗∗ إذا رامَهُ الأعْداءُ مَرْكَبُهُ صَعْبُ ؎وتَأْخُذُهُ عِنْدَ المَكارِمِ هِزَّةٌ ∗∗∗ كَما اهْتَزَّ تَحْتَ البارِحِ الغُصْنُ الرَّطْبُ وقالَ قَرْمانُ بْنُ الأعْرَفِ في ابْنِهِ مُنازِلٍ وكانَ عاقًّا لَهُ قَصِيدَةً فِيها بَعْضُ طُولٍ مِنها: ؎ورَبَّيْتُهُ حَتّى إذا ما تَرَكْتُهُ ∗∗∗ أخا القَوْمِ واسْتَغْنى عَنِ المَسْحِ شارِبُهُ ؎فَلَمّا رَآنِي أحْسَبُ الشَّخْصَ أشْخُصًا ∗∗∗ بَعِيدًا وذا الشَّخْصَ البَعِيدَ أُقارِبُهُ ؎تَعَمَّدَ حَقِّي ظالِمًا ولَوى يَدِي ∗∗∗ لَوى يَدَهُ اللَّهُ الَّذِي هو غالِبُهُ ﴿إنَّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ﴾ أيْ: بَلاءٌ ومِحْنَةٌ؛ لِأنَّهم يُوقِعُونَ في الإثْمِ والعُقُوبَةِ، ولا بَلاءَ أعْظَمُ مِنهُما. وفي بابِ العَداوَةِ جاءَ بِمَنِ الَّتِي تَقْتَضِي التَّبْعِيضَ، وفي الفِتْنَةِ حَكَمَ بِها عَلى الأمْوالِ والأوْلادِ عَلى بَعْضِها، وذَلِكَ لِغَلَبَةِ الفِتْنَةِ بِهِما، وكَفى بِالمالِ فِتْنَةً قِصَّةُ ثَعْلَبَةَ بْنَ حاطِبٍ، أحَدُ مَن نَزَلَ فِيهِ ومِنهم مَن عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ ءاتانا مِن فَضْلِهِ الآياتِ. وقَدْ شاهَدْنا مَن ذُكِرَ أنَّهُ يَشْغَلُهُ الكَسْبُ والتِّجارَةُ في أمْوالِهِ حَتّى يُصَلِّيَ كَثِيرًا مِنَ الصَّلَواتِ الخَمْسِ فائِتَةً. وقَدْ شاهَدْنا مَن كانَ مَوْصُوفًا عِنْدَ النّاسِ بِالدِّيانَةِ والوَرَعِ، فَحِينَ لاحَ لَهُ مَنصِبٌ وتَوَلّاهُ، اسْتَنابَ مَن يَلُوذُ بِهِ مِن أوْلادِهِ وأقارِبِهِ، وإنْ كانَ بَعْضُ مَنِ اسْتَنابَهُ صَغِيرَ السِّنِّ قَلِيلَ العِلْمِ سَيِّئَ الطَّرِيقَةِ، ونَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الفِتَنِ. وقُدِّمَتِ الأمْوالُ عَلى الأوْلادِ لِأنَّها أعْظَمُ فِتْنَةً ﴿كَلّا إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ [العلق: ٦] (p-٢٨٠)﴿شَغَلَتْنا أمْوالُنا وأهْلُونا﴾ [الفتح: ١١] . ﴿واللَّهُ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾: تَزْهِيدٌ في الدُّنْيا وتَرْغِيبٌ في الآخِرَةِ. والأجْرُ العَظِيمُ: الجَنَّةُ. ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ﴾ قالَ أبُو العالِيَةِ: جُهْدَكم. وقالَ مُجاهِدٌ: هو أنْ يُطاعَ فَلا يُعْصى، ”واسْمَعُوا“ ما تُوعَظُونَ بِهِ، ”وأطِيعُوا“ فِيما أُمِرْتُمْ بِهِ ونُهِيتُمْ عَنْهُ، ”وأنْفِقُوا“ فِيما وجَبَ عَلَيْكم. و”خَيْرًا“ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: وأْتُوا خَيْرًا، أوْ عَلى إضْمارِ (يَكُنْ) فَيَكُونُ خَبَرًا، أوْ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: إنْفاقًا خَيِّرًا، أوَ عَلى أنَّهُ حالٌ، أوْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِـ (وأنْفِقُوا خَيْرًا) أيْ مالًا. أقْوالٌ، الأوَّلُ عَنْ سِيبَوَيْهِ. ولَمّا أمَرَ بِالإنْفاقِ، أكَّدَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ ورَتَّبَ عَلَيْهِ تَضْعِيفَ القَرْضِ وغُفْرانَ الذُّنُوبِ. وفي لَفْظِ القَرْضِ تَلَطُّفٌ في الِاسْتِدْعاءِ، وفي لَفْظِ المُضاعَفَةِ تَأْكِيدٌ لِلْبَذْلِ لِوَجْهِ اللَّهِ - تَعالى. ثُمَّ أتْبَعَ جَوابَيِ الشَّرْطِ بِوَصْفَيْنِ: أحَدُهُما عائِدٌ إلى المُضاعَفَةِ، إذْ شُكْرُهُ - تَعالى - ‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌مُقابِلٌ لِلْمُضاعَفَةِ، وحِلْمُهُ مُقابِلٌ لِلْغُفْرانِ. قِيلَ: وهَذا الحَضُّ هو في الزَّكاةِ المَفْرُوضَةِ، وقِيلَ: هو في المَندُوبِ إلَيْهِ. وتَقَدَّمَ الخِلافُ في القِراءَةِ في ”يُوقَ“ وفي ”شُحَّ“ وفي ”يُضاعِفْهُ“ .

الطلاق 65:1

(سُورَةُ الطَّلاقِ مَدَنِيَّةٌ وهي اثْنَتا عَشْرَةَ آيَةً) (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وأحْصُوا العِدَّةَ واتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكم لا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ ولا يَخْرُجْنَ إلّا أنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ومَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أمْرًا﴾ ﴿فَإذا بَلَغْنَ أجَلَهُنَّ فَأمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وأشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنكم وأقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلَّهِ ذَلِكم يُوعَظُ بِهِ مَن كانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ ومَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ ﴿ويَرْزُقْهُ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ ومَن يَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ فَهو حَسْبُهُ إنَّ اللَّهَ بالِغُ أمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ . (p-٢٨١)هَذِهِ السُّورَةُ مَدَنِيَّةٌ. قِيلَ: وسَبَبُ نُزُولِها طَلاقُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَفْصَةَ، قالَهُ قَتادَةُ عَنْ أنَسٍ. وقالَ السُّدِّيُّ: طَلاقُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو. وقِيلَ: فَعَلَ ناسٌ مِثْلَ فِعْلِهِ، مِنهم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ العاصِي، وعَمْرُو بْنُ سَعِيدِ بْنِ العاصِ، وعُتْبَةُ بْنُ غَزْوانَ، فَنَزَلَتْ. وقالَ القاضِي أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ: وهَذا وإنْ لَمْ يَصِحَّ، فالقَوْلُ الأوَّلُ أمْثَلُ، والأصَحُّ فِيهِ أنَّهُ بَيانٌ لِشَرْعٍ مُبْتَدَأٍ. ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها: أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ الفِتْنَةَ بِالمالِ والوَلَدِ، أشارَ إلى الفِتْنَةِ بِالنِّساءِ، وأنَّهُنَّ قَدْ يُعَرِّضْنَ الرِّجالَ لِلْفِتْنَةِ حَتّى لا يَجِدَ مُخَلِّصًا مِنها إلّا بِالطَّلاقِ، فَذَكَرَ أنَّهُ يَنْفَصِلُ مِنهُنَّ بِالوَجْهِ الجَمِيلِ، بِأنْ لا يَكُونَ بَيْنَهُنَّ اتِّصالٌ، لا بِطَلَبِ ولَدٍ ولا حَمْلٍ. ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ﴾ نِداءٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ، وخِطابٌ عَلى سَبِيلِ التَّكْرِيمِ والتَّنْبِيهِ ﴿إذا طَلَّقْتُمُ﴾ خِطابٌ لَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مُخاطَبَةَ الجَمْعِ عَلى سَبِيلِ التَّعْظِيمِ، أوْ لِأُمَّتِهِ عَلى سَبِيلِ تَلْوِينِ الخِطابِ، أقْبَلَ عَلَيْهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أوَّلًا ثُمَّ رَجَعَ إلَيْهِمْ بِالخِطابِ، أوْ عَلى إضْمارِ القَوْلِ، أيْ قُلْ لِأُمَّتِكَ إذا طَلَّقْتُمْ، أوْ لَهُ ولِأُمَّتِهِ، وكَأنَّهُ ثَمَّ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: يا أيُّها النَّبِيُّ وأُمَّةَ النَّبِيِّ إذا طَلَّقْتُمْ، فالخِطابُ لَهُ ولَهم، أيْ: أنْتَ وأُمَّتُكَ، أقْوالٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: خَصَّ النَّبِيَّ ﷺ، وعَمَّ بِالخِطابِ؛ لِأنَّ النَّبِيَّ إمامُ أُمَّتِهِ وقُدْوَتُهم. كَما يُقالُ لِرَئِيسِ القَوْمِ وكَبِيرِهِمْ: يا فُلانُ افْعَلُوا كَيْتَ وكَيْتَ، إظْهارًا لِتَقَدُّمِهُ واعْتِبارًا لِتَرَؤُّسِهِ، وأنَّهُ مَدَرَةُ قَوْمِهِ ولِسانُهم، والَّذِي يَصْدُرُونَ عَنْ رَأْيِهِ ولا يَسْتَبِدُّونَ بِأمْرٍ دُونَهُ، فَكانَ هو وحْدَهُ في حُكْمِ كُلِّهِمْ، وسادًّا مَسَدَّ جَمِيعِهِمْ. انْتَهى، وهو كَلامٌ حَسَنٌ. ومَعْنى ﴿إذا طَلَّقْتُمُ﴾ أيْ: إذا أرَدْتُمْ تَطْلِيقَهُنَّ، و”النِّساءَ“ يَعْنِي المَدْخُولَ بِهِنَّ (وطَلِّقُوهُنَّ) أيْ: أوْقِعُوا الطَّلاقَ (لِعِدَّتِهِنَّ) هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: لِاسْتِقْبالِ عِدَّتِهِنَّ، واللّامُ لِلتَّوْقِيتِ، نَحْوَ: كَتَبْتُهُ لِلَيْلَةٍ بَقِيَتْ مِن شَهْرِ كَذا، وتَقْدِيرُ الزَّمَخْشَرِيِّ هُنا حالًا مَحْذُوفَةً يَدُلُّ عَلَيْها المَعْنى يَتَعَلَّقُ بِها المَجْرُورُ، أيْ: مُسْتَقْبِلاتٍ لِعِدَّتِهِنَّ، لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّهُ قَدَّرَ عامِلًا خاصًّا، ولا يُحْذَفُ العامِلُ في الظَّرْفِ والجارِّ والمَجْرُورِ إذا كانَ خاصًّا، بَلْ إذا كانَ كَوْنًا مُطْلَقًا. لَوْ قُلْتَ: زَيْدٌ عِنْدَكَ أوْ في الدّارِ، تُرِيدُ: ضاحِكًا عِنْدَكَ أوْ ضاحِكًا في الدّارِ، لَمْ يَجُزْ. فَتَعْلِيقُ اللّامِ بِقَوْلِهِ: (فَطَلِّقُوهُنَّ) ويُجْعَلُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ هو الصَّحِيحُ. وما رُوِيَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم - مِن أنَّهم قَرَءُوا: ”فَطَلِّقُوهُنَّ في قُبُلِ عِدَّتِهِنَّ“ . وعَنْ بَعْضِهِمْ: في قِبَلِ عِدَّتِهِنَّ. وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ: لِقِبَلِ طُهْرِهِنَّ، هو عَلى سَبِيلِ التَّفْسِيرِ، لا عَلى أنَّهُ قُرْآنٌ، لِخِلافِهِ سَوادَ المُصْحَفِ الَّذِي أجْمَعَ عَلَيْهِ المُسْلِمُونَ شَرْقًا وغَرْبًا، وهَلْ تُعْتَبَرُ العِدَّةُ بِالنِّسْبَةِ إلى الأطْهارِ أوِ الحَيْضِ ؟ تَقَدَّمَ ذَلِكَ في البَقَرَةِ في قَوْلِهِ: ﴿ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] . والمُرادُ: أنْ يُطَلِّقَهُنَّ في طُهْرٍ لَمْ يُجامِعْهُنَّ فِيهِ، ثُمَّ يُخَلَّيْنَ حَتّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهُنَّ، فَإنْ شاءَ رَدَّها، وإنْ شاءَ أعْرَضَ عَنْها لِتَكُونَ مُهَيَّأةً لِلزَّواجِ. وهَذا الطَّلاقُ أدْخَلُ في السُّنَّةِ. وقالَ مالِكٌ: لا أعْرِفُ طَلاقَ السُّنَّةِ إلّا واحِدَةً، وكَرِهَ الثَّلاثَ مَجْمُوعَةً أوْ مُفَرَّقَةً. وأبُو حَنِيفَةَ كَرِهَ ما زادَ عَلى الواحِدَةِ في طُهْرٍ واحِدٍ، فَأمّا مُفَرَّقًا في الأطْهارِ فَلا. وقالَ الشّافِعِيُّ: لا بَأْسَ بِإرْسالِ الطَّلاقِ الثَّلاثَ، ولا أعْرِفُ في عَدَدِ الطَّلاقِ سُنَّةً ولا بِدْعَةً، وهو مُباحٌ، راعى في السُّنَّةِ الوَقْتَ فَقَطْ، وأبُو حَنِيفَةَ التَّفْرِيقَ (p-٢٨٢)والوَقْتَ. وقَوْلُهُ: (فَطَلِّقُوهُنَّ) مُطْلَقٌ، لا تَعَرُّضَ فِيهِ لِعَدَدٍ ولا لِوَصْفٍ مِن تَفْرِيقٍ أوْ جَمْعٍ. والجُمْهُورُ: عَلى أنَّهُ لَوْ طَلَّقَ لِغَيْرِ السُّنَّةِ وقَعَ. وعَنِ ابْنِ المُسَيَّبِ وجَماعَةٍ مِنَ التّابِعِينَ: أنَّهُ لَوْ طَلَّقَ في حَيْضٍ أوْ ثَلاثٍ لَمْ يَقَعْ. والظّاهِرُ أنَّ الخِطابَ في: ﴿وأحْصُوا العِدَّةَ﴾ لِلْأزْواجِ أيِ: اضْبُطُوا بِالحِفْظِ، وفي الإحْصاءِ فَوائِدُ: مُراعاةُ الرَّجْعَةِ وزَمانِ النَّفَقَةِ والسُّكْنى وتَوْزِيعُ الطَّلاقِ عَلى الأقْراءِ وإذا أرادَ أنْ يُطَلِّقَ ثَلاثًا، والعِلْمُ بِأنَّها قَدْ بانَتْ، فَيَتَزَوَّجُ بِأُخْتِها وبِأرْبَعٍ سِواها. ونَهى - تَعالى - عَنْ إخْراجِهِنَّ مِن مَساكِنِهِنَّ حَتّى تَنْقَضِيَ العِدَّةُ، ونَهاهُنَّ أيْضًا عَنْ خُرُوجِهِنَّ، وأضافَ البُيُوتَ إلَيْهِنَّ لَمّا كانَ سُكْناهُنَّ فِيها، ونَهْيُهُنَّ عَنِ الخُرُوجِ لا يُبِيحُهُ إذْنُ الأزْواجِ، إذْ لا أثَرَ لِإذْنِهِمْ. والإسْكانُ عَلى الزَّوْجِ، فَإنْ كانَ مِلْكَهُ أوْ بِكِراءٍ فَذاكَ، أوْ مِلْكَها فَلَها عَلَيْهِ أُجْرَتُهُ، وسَواءٌ في ذَلِكَ الرَّجْعِيَّةُ والمَبْتُوتَةُ، وسُنَّةُ ذَلِكَ أنْ لا تَبِيتَ عَنْ بَيْتِها ولا تَخْرُجَ عَنْهُ نَهارًا إلّا لِضَرُورَةٍ، وذَلِكَ لِحِفْظِ النَّسَبِ والِاحْتِفاظِ بِالنِّساءِ. ﴿إلّا أنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ وهي الزِّنا، عِنْدَ قَتادَةَ ومُجاهِدٍ والحَسَنِ والشَّعْبِيِّ وزَيْدِ بْنِ أسْلَمَ والضَّحّاكِ وعِكْرِمَةَ وحَمّادٍ واللَّيْثِ، ورَواهُ مُجاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، فَيَخْرُجْنَ لِلْحَدِّ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: البَذاءُ عَلى الأحْماءِ، فَتَخْرُجُ ويَسْقُطُ حَقُّها في السُّكْنى، وتَلْزَمُ الإقامَةَ في مَسْكَنٍ تَتَّخِذُهُ حِفْظًا لِلنَّسَبِ. وعِنْدَهُ أيْضًا: جَمِيعُ المَعاصِي، مِن سَرِقَةٍ، أوْ قَذْفٍ، أوْ زِنًا، أوْ غَيْرِ ذَلِكَ، واخْتارَهُ الطَّبَرِيُّ، فَيَسْقُطُ حَقُّها في السُّكْنى. وعِنْدَ ابْنِ عُمَرَ والسُّدِّيِّ وابْنِ السّائِبِ: هي خُرُوجُها مِن بَيْتِها خُرُوجَ انْتِقالٍ، فَيَسْقُطُ حَقُّها في السُّكْنى. وعِنْدَ قَتادَةَ أيْضًا: نُشُوزُها عَنِ الزَّوْجِ، فَتُطَلَّقُ بِسَبَبِ ذَلِكَ، فَلا يَكُونُ عَلَيْهِ سُكْنى. وإذا سَقَطَ حَقُّها مِنَ السُّكْنى أتَمَّتِ العِدَّةَ. ﴿لا تَدْرِي﴾ أيُّها السّامِعُ ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أمْرًا﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: الأمْرُ هُنا الرَّغْبَةُ في ارْتِجاعِها، والمَيْلُ إلَيْها بَعْدَ انْحِرافِهِ عَنْها، أوْ ظُهُورُ حَمَلٍ فَيُراجِعُها مِن أجْلِهِ. ونُصِبَ ”لا تَدْرِي“ عَلى جُمْلَةِ التَّرَجِّي، فَـ ”لا تَدْرِي“ مُعَلَّقَةٌ عَنِ العَمَلِ، وقَدْ تَقَدَّمَ لَنا الكَلامُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وإنْ أدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ﴾ [الأنبياء: ١١١] وذَكَرْنا أنَّهُ يَنْبَغِي أنْ يُزادَ في المُعَلِّقاتِ (لَعَلَّ) فالجُمْلَةُ المُتَرَجّاةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ ”لا تَدْرِي“ . ﴿فَإذا بَلَغْنَ أجَلَهُنَّ﴾ أيْ: أشْرَفْنَ عَلى انْقِضاءِ العِدَّةِ (فَأمْسِكُوهُنَّ) أيْ: راجِعُوهُنَّ (بِمَعْرُوفٍ) أيْ: بِغَيْرِ ضِرارٍ ﴿أوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ أيْ: سَرِّحُوهُنَّ بِإحْسانٍ، والمَعْنى: اتْرُكُوهُنَّ حَتّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهُنَّ، فَيَمْلِكْنَ أنْفُسَهُنَّ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (أجَلَهُنَّ) عَلى الإفْرادِ. والضَّحّاكُ وابْنُ سِيرِينَ: آجالَهُنَّ عَلى الجَمْعِ. والإمْساكُ بِمَعْرُوفٍ هو حُسْنُ العِشْرَةِ فِيما لِلزَّوْجَةِ عَلى الزَّوْجِ، والمُفارَقَةُ بِمَعْرُوفٍ هو أداءُ المَهْرِ والتَّمْتِيعُ والحُقُوقُ الواجِبَةُ والوَفاءُ بِالشَّرْطِ. (وأشْهِدُوا) الظّاهِرُ وُجُوبُ الإشْهادِ عَلى ما يَقَعُ مِنَ الإمْساكِ وهو الرَّجْعَةُ، أوِ المُفارَقَةُ وهي الطَّلاقُ. وهَذا الإشْهادُ مَندُوبٌ إلَيْهِ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ، كَقَوْلِهِ: ﴿وأشْهِدُوا إذا تَبايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] . وعِنْدَ الشّافِعِيَّةِ واجِبٌ في الرَّجْعَةِ، مَندُوبٌ إلَيْهِ في الفُرْقَةِ. وقِيلَ: (وأشْهِدُوا) يُرِيدُ عَلى الرَّجْعَةِ فَقَطْ، والإشْهادُ شَرْطٌ في صِحَّتِها، فَلَها مَنعُهُ مِن نَفْسِها حَتّى يُشْهِدَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الإشْهادُ عَلى الرَّجْعَةِ وعَلى الطَّلاقِ يَرْفَعُ عَنِ النَّوازِلِ أشْكالًا كَثِيرَةً، ويُفْسِدُ تارِيخَ الإشْهادِ مِنَ الإشْهادِ. قِيلَ: وفائِدَةُ الإشْهادِ أنْ لا يَقَعَ بَيْنَهُما التَّجاحُدَ، وأنْ لا يُتَّهَمَ في إمْساكِها، ولِئَلّا يَمُوتَ أحَدُهُما فَيَدَّعِيَ الثّانِي ثُبُوتَ الزَّوْجِيَّةِ لِيَرِثَ. انْتَهى. ومَعْنى ”مِنكم“ قالَ الحَسَنُ: مِنَ المُسْلِمِينَ. وقالَ قَتادَةُ: مِنَ الأحْرارِ. ﴿وأقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلَّهِ﴾ هَذا أمْرٌ لِلشُّهُودِ، أيْ: لِوَجْهِ اللَّهِ خالِصًا، لا لِمُراعاةِ مَشْهُودٍ لَهُ، ولا مَشْهُودٍ عَلَيْهِ لا يَلْحَظُ سِوى إقامَةِ الحَقِّ. (ذَلِكم) إشارَةٌ إلى إقامَةِ الشَّهادَةِ، إذْ نَوازِلُ الأشْياءِ تَدُورُ عَلَيْها، وما يَتَمَيَّزُ المُبْطِلُ مِنَ المُحِقِّ. ﴿ومَن يَتَّقِ اللَّهَ﴾ قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ وجَماعَةٌ: هي في مَعْنى الطَّلاقِ، أيْ: ومَن لا يَتَعَدّى طَلاقَ السُّنَّةِ إلى طَلاقِ الثَّلاثِ وغَيْرِ ذَلِكَ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ مَخْرَجًا إنْ نَدِمَ بِالرَّجْعَةِ (ويَرْزُقْهُ) ما يُطْعِمُ أهْلَهُ. انْتَهى. ومَفْهُومُ الشَّرْطِ أنَّهُ إنْ لَمْ يَتَّقِ اللَّهَ، فَبَتَّ (p-٢٨٣)الطَّلاقَ ونَدِمَ، لَمْ يَكُنْ لَهُ مَخْرَجٌ، وزالَ عَنْهُ رِزْقُ زَوْجَتِهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ لِلْمُطَلِّقِ ثَلاثًا: إنَّكَ لَمْ تَتَّقِ اللَّهَ، بانَتْ مِنكَ امْرَأتُكَ، ولا أرى لَكَ مَخْرَجًا. وقالَ: ﴿يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ يُخَلِّصُهُ مِن كُرَبِ الدُّنْيا والآخِرَةِ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ومَن يَتَّقِ اللَّهَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِأمْرِ ما سَبَقَ مِن أحْكامِ الطَّلاقِ. ورُوِيَ أنَّها في غَيْرِ هَذا المَعْنى، وهو أنْ أُسِرَ ابْنٌ يُسَمّى سالِمًا لِعَوْفِ بْنِ مالِكٍ الأشْجَعِيِّ، «فَشَكا ذَلِكَ لِلرَّسُولِ ﷺ فَأمَرَهُ بِالتَّقْوى فَقَبِلَ، ثُمَّ لَمْ يَلْبَثْ أنْ تَفَلَّتَ ولَدُهُ واسْتاقَ مِائَةً مِنَ الإبِلِ، كَذا في الكَشّافِ. وفي الوَجِيزِ: قَطِيعًا مِنَ الغَنَمِ كانَتْ لِلَّذِينَ أسَرُوهُ، وجاءَ أباهُ فَسَألَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أيَطِيبُ لَهُ ؟ فَقالَ: ”نَعَمْ“»، فَنَزَلَتِ الآيَةُ. وقالَ الضَّحّاكُ: مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ امْرَأةً أُخْرى. وقِيلَ: ومَن يَتَّقِ الحَرامَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا إلى الحَلالِ. وقِيلَ: مَخْرَجًا مِنَ الشِّدَّةِ إلى الرَّخاءِ. وقِيلَ: مِنَ النّارِ إلى الجَنَّةِ. وقِيلَ: مِنَ العُقُوبَةِ، ويَرْزُقُهُ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ مِنَ الثَّوابِ. وقالَ الكَلْبِيُّ: ومَن يَتَّقِ اللَّهَ عِنْدَ المُصِيبَةِ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا إلى الجَنَّةِ. ﴿ومَن يَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ﴾ أيْ: يُفَوِّضُ أمْرَهُ إلَيْهِ ﴿فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ أيْ: كافِيهِ. ﴿إنَّ اللَّهَ بالِغُ أمْرِهِ﴾ قالَ مَسْرُوقٌ أيْ: لا بُدَّ مِن نُفُوذِ أمْرِ اللَّهِ، تَوَكَّلْتَ أمْ لَمْ تَتَوَكَّلْ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”بالِغٌ“ بِالتَّنْوِينِ، ”أمْرَهُ“ بِالنَّصْبِ. وحَفْصٌ والمُفَضَّلُ وأبانٌ وجَبَلَةُ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ وجَماعَةٌ، عَنْ أبِي عَمْرٍو ويَعْقُوبُ وابْنُ مُصَرِّفٍ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: بِالإضافَةِ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ أيْضًا وداوُدُ بْنُ أبِي هِنْدٍ وعِصْمَةُ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: ”بالِغٌ أمْرُهُ“ رَفَعَ أيْ: نافِذٌ أمْرُهُ. والمُفَضَّلُ أيْضًا: (بالِغًا) بِالنَّصْبِ (أمْرُهُ) بِالرَّفْعِ، فَخَرَّجَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ عَلى أنَّ (بالِغًا) حالٌ، وخَبَرُ (إنَّ) هو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ﴾ ويَجُوزُ أنْ تُخَرَّجَ هَذِهِ القِراءَةُ عَلى قَوْلِ مَن يَنْصِبُ بِأنَّ الجُزْأيْنِ، كَقَوْلِهِ: ؎إذا اسْوَدَّ جُنْحُ اللَّيْلِ فَلْتَأْتِ، ولْتَكُنْ خُطاكَ خِفافًا أنَّ حُرّاسَنا أُسْدا ومَن رَفَعَ (أمْرَهُ) فَمَفْعُولُ (بالِغٌ) مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: بالِغٌ أمْرَهُ ما شاءَ. ﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ أيْ: تَقْدِيرًا ومِيقاتًا لا يَتَعَدّاهُ، وهَذِهِ الجُمَلُ تَحُضُّ عَلى التَّوَكُّلِ. وقَرَأ جَناحُ بْنُ حُبَيْشٍ: قَدَرًا بِفَتْحِ الدّالِ، والجُمْهُورُ بِإسْكانِها.

الطلاق 65:2

(سُورَةُ الطَّلاقِ مَدَنِيَّةٌ وهي اثْنَتا عَشْرَةَ آيَةً) (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وأحْصُوا العِدَّةَ واتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكم لا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ ولا يَخْرُجْنَ إلّا أنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ومَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أمْرًا﴾ ﴿فَإذا بَلَغْنَ أجَلَهُنَّ فَأمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وأشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنكم وأقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلَّهِ ذَلِكم يُوعَظُ بِهِ مَن كانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ ومَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ ﴿ويَرْزُقْهُ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ ومَن يَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ فَهو حَسْبُهُ إنَّ اللَّهَ بالِغُ أمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ . (p-٢٨١)هَذِهِ السُّورَةُ مَدَنِيَّةٌ. قِيلَ: وسَبَبُ نُزُولِها طَلاقُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَفْصَةَ، قالَهُ قَتادَةُ عَنْ أنَسٍ. وقالَ السُّدِّيُّ: طَلاقُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو. وقِيلَ: فَعَلَ ناسٌ مِثْلَ فِعْلِهِ، مِنهم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ العاصِي، وعَمْرُو بْنُ سَعِيدِ بْنِ العاصِ، وعُتْبَةُ بْنُ غَزْوانَ، فَنَزَلَتْ. وقالَ القاضِي أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ: وهَذا وإنْ لَمْ يَصِحَّ، فالقَوْلُ الأوَّلُ أمْثَلُ، والأصَحُّ فِيهِ أنَّهُ بَيانٌ لِشَرْعٍ مُبْتَدَأٍ. ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها: أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ الفِتْنَةَ بِالمالِ والوَلَدِ، أشارَ إلى الفِتْنَةِ بِالنِّساءِ، وأنَّهُنَّ قَدْ يُعَرِّضْنَ الرِّجالَ لِلْفِتْنَةِ حَتّى لا يَجِدَ مُخَلِّصًا مِنها إلّا بِالطَّلاقِ، فَذَكَرَ أنَّهُ يَنْفَصِلُ مِنهُنَّ بِالوَجْهِ الجَمِيلِ، بِأنْ لا يَكُونَ بَيْنَهُنَّ اتِّصالٌ، لا بِطَلَبِ ولَدٍ ولا حَمْلٍ. ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ﴾ نِداءٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ، وخِطابٌ عَلى سَبِيلِ التَّكْرِيمِ والتَّنْبِيهِ ﴿إذا طَلَّقْتُمُ﴾ خِطابٌ لَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مُخاطَبَةَ الجَمْعِ عَلى سَبِيلِ التَّعْظِيمِ، أوْ لِأُمَّتِهِ عَلى سَبِيلِ تَلْوِينِ الخِطابِ، أقْبَلَ عَلَيْهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أوَّلًا ثُمَّ رَجَعَ إلَيْهِمْ بِالخِطابِ، أوْ عَلى إضْمارِ القَوْلِ، أيْ قُلْ لِأُمَّتِكَ إذا طَلَّقْتُمْ، أوْ لَهُ ولِأُمَّتِهِ، وكَأنَّهُ ثَمَّ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: يا أيُّها النَّبِيُّ وأُمَّةَ النَّبِيِّ إذا طَلَّقْتُمْ، فالخِطابُ لَهُ ولَهم، أيْ: أنْتَ وأُمَّتُكَ، أقْوالٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: خَصَّ النَّبِيَّ ﷺ، وعَمَّ بِالخِطابِ؛ لِأنَّ النَّبِيَّ إمامُ أُمَّتِهِ وقُدْوَتُهم. كَما يُقالُ لِرَئِيسِ القَوْمِ وكَبِيرِهِمْ: يا فُلانُ افْعَلُوا كَيْتَ وكَيْتَ، إظْهارًا لِتَقَدُّمِهُ واعْتِبارًا لِتَرَؤُّسِهِ، وأنَّهُ مَدَرَةُ قَوْمِهِ ولِسانُهم، والَّذِي يَصْدُرُونَ عَنْ رَأْيِهِ ولا يَسْتَبِدُّونَ بِأمْرٍ دُونَهُ، فَكانَ هو وحْدَهُ في حُكْمِ كُلِّهِمْ، وسادًّا مَسَدَّ جَمِيعِهِمْ. انْتَهى، وهو كَلامٌ حَسَنٌ. ومَعْنى ﴿إذا طَلَّقْتُمُ﴾ أيْ: إذا أرَدْتُمْ تَطْلِيقَهُنَّ، و”النِّساءَ“ يَعْنِي المَدْخُولَ بِهِنَّ (وطَلِّقُوهُنَّ) أيْ: أوْقِعُوا الطَّلاقَ (لِعِدَّتِهِنَّ) هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: لِاسْتِقْبالِ عِدَّتِهِنَّ، واللّامُ لِلتَّوْقِيتِ، نَحْوَ: كَتَبْتُهُ لِلَيْلَةٍ بَقِيَتْ مِن شَهْرِ كَذا، وتَقْدِيرُ الزَّمَخْشَرِيِّ هُنا حالًا مَحْذُوفَةً يَدُلُّ عَلَيْها المَعْنى يَتَعَلَّقُ بِها المَجْرُورُ، أيْ: مُسْتَقْبِلاتٍ لِعِدَّتِهِنَّ، لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّهُ قَدَّرَ عامِلًا خاصًّا، ولا يُحْذَفُ العامِلُ في الظَّرْفِ والجارِّ والمَجْرُورِ إذا كانَ خاصًّا، بَلْ إذا كانَ كَوْنًا مُطْلَقًا. لَوْ قُلْتَ: زَيْدٌ عِنْدَكَ أوْ في الدّارِ، تُرِيدُ: ضاحِكًا عِنْدَكَ أوْ ضاحِكًا في الدّارِ، لَمْ يَجُزْ. فَتَعْلِيقُ اللّامِ بِقَوْلِهِ: (فَطَلِّقُوهُنَّ) ويُجْعَلُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ هو الصَّحِيحُ. وما رُوِيَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم - مِن أنَّهم قَرَءُوا: ”فَطَلِّقُوهُنَّ في قُبُلِ عِدَّتِهِنَّ“ . وعَنْ بَعْضِهِمْ: في قِبَلِ عِدَّتِهِنَّ. وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ: لِقِبَلِ طُهْرِهِنَّ، هو عَلى سَبِيلِ التَّفْسِيرِ، لا عَلى أنَّهُ قُرْآنٌ، لِخِلافِهِ سَوادَ المُصْحَفِ الَّذِي أجْمَعَ عَلَيْهِ المُسْلِمُونَ شَرْقًا وغَرْبًا، وهَلْ تُعْتَبَرُ العِدَّةُ بِالنِّسْبَةِ إلى الأطْهارِ أوِ الحَيْضِ ؟ تَقَدَّمَ ذَلِكَ في البَقَرَةِ في قَوْلِهِ: ﴿ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] . والمُرادُ: أنْ يُطَلِّقَهُنَّ في طُهْرٍ لَمْ يُجامِعْهُنَّ فِيهِ، ثُمَّ يُخَلَّيْنَ حَتّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهُنَّ، فَإنْ شاءَ رَدَّها، وإنْ شاءَ أعْرَضَ عَنْها لِتَكُونَ مُهَيَّأةً لِلزَّواجِ. وهَذا الطَّلاقُ أدْخَلُ في السُّنَّةِ. وقالَ مالِكٌ: لا أعْرِفُ طَلاقَ السُّنَّةِ إلّا واحِدَةً، وكَرِهَ الثَّلاثَ مَجْمُوعَةً أوْ مُفَرَّقَةً. وأبُو حَنِيفَةَ كَرِهَ ما زادَ عَلى الواحِدَةِ في طُهْرٍ واحِدٍ، فَأمّا مُفَرَّقًا في الأطْهارِ فَلا. وقالَ الشّافِعِيُّ: لا بَأْسَ بِإرْسالِ الطَّلاقِ الثَّلاثَ، ولا أعْرِفُ في عَدَدِ الطَّلاقِ سُنَّةً ولا بِدْعَةً، وهو مُباحٌ، راعى في السُّنَّةِ الوَقْتَ فَقَطْ، وأبُو حَنِيفَةَ التَّفْرِيقَ (p-٢٨٢)والوَقْتَ. وقَوْلُهُ: (فَطَلِّقُوهُنَّ) مُطْلَقٌ، لا تَعَرُّضَ فِيهِ لِعَدَدٍ ولا لِوَصْفٍ مِن تَفْرِيقٍ أوْ جَمْعٍ. والجُمْهُورُ: عَلى أنَّهُ لَوْ طَلَّقَ لِغَيْرِ السُّنَّةِ وقَعَ. وعَنِ ابْنِ المُسَيَّبِ وجَماعَةٍ مِنَ التّابِعِينَ: أنَّهُ لَوْ طَلَّقَ في حَيْضٍ أوْ ثَلاثٍ لَمْ يَقَعْ. والظّاهِرُ أنَّ الخِطابَ في: ﴿وأحْصُوا العِدَّةَ﴾ لِلْأزْواجِ أيِ: اضْبُطُوا بِالحِفْظِ، وفي الإحْصاءِ فَوائِدُ: مُراعاةُ الرَّجْعَةِ وزَمانِ النَّفَقَةِ والسُّكْنى وتَوْزِيعُ الطَّلاقِ عَلى الأقْراءِ وإذا أرادَ أنْ يُطَلِّقَ ثَلاثًا، والعِلْمُ بِأنَّها قَدْ بانَتْ، فَيَتَزَوَّجُ بِأُخْتِها وبِأرْبَعٍ سِواها. ونَهى - تَعالى - عَنْ إخْراجِهِنَّ مِن مَساكِنِهِنَّ حَتّى تَنْقَضِيَ العِدَّةُ، ونَهاهُنَّ أيْضًا عَنْ خُرُوجِهِنَّ، وأضافَ البُيُوتَ إلَيْهِنَّ لَمّا كانَ سُكْناهُنَّ فِيها، ونَهْيُهُنَّ عَنِ الخُرُوجِ لا يُبِيحُهُ إذْنُ الأزْواجِ، إذْ لا أثَرَ لِإذْنِهِمْ. والإسْكانُ عَلى الزَّوْجِ، فَإنْ كانَ مِلْكَهُ أوْ بِكِراءٍ فَذاكَ، أوْ مِلْكَها فَلَها عَلَيْهِ أُجْرَتُهُ، وسَواءٌ في ذَلِكَ الرَّجْعِيَّةُ والمَبْتُوتَةُ، وسُنَّةُ ذَلِكَ أنْ لا تَبِيتَ عَنْ بَيْتِها ولا تَخْرُجَ عَنْهُ نَهارًا إلّا لِضَرُورَةٍ، وذَلِكَ لِحِفْظِ النَّسَبِ والِاحْتِفاظِ بِالنِّساءِ. ﴿إلّا أنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ وهي الزِّنا، عِنْدَ قَتادَةَ ومُجاهِدٍ والحَسَنِ والشَّعْبِيِّ وزَيْدِ بْنِ أسْلَمَ والضَّحّاكِ وعِكْرِمَةَ وحَمّادٍ واللَّيْثِ، ورَواهُ مُجاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، فَيَخْرُجْنَ لِلْحَدِّ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: البَذاءُ عَلى الأحْماءِ، فَتَخْرُجُ ويَسْقُطُ حَقُّها في السُّكْنى، وتَلْزَمُ الإقامَةَ في مَسْكَنٍ تَتَّخِذُهُ حِفْظًا لِلنَّسَبِ. وعِنْدَهُ أيْضًا: جَمِيعُ المَعاصِي، مِن سَرِقَةٍ، أوْ قَذْفٍ، أوْ زِنًا، أوْ غَيْرِ ذَلِكَ، واخْتارَهُ الطَّبَرِيُّ، فَيَسْقُطُ حَقُّها في السُّكْنى. وعِنْدَ ابْنِ عُمَرَ والسُّدِّيِّ وابْنِ السّائِبِ: هي خُرُوجُها مِن بَيْتِها خُرُوجَ انْتِقالٍ، فَيَسْقُطُ حَقُّها في السُّكْنى. وعِنْدَ قَتادَةَ أيْضًا: نُشُوزُها عَنِ الزَّوْجِ، فَتُطَلَّقُ بِسَبَبِ ذَلِكَ، فَلا يَكُونُ عَلَيْهِ سُكْنى. وإذا سَقَطَ حَقُّها مِنَ السُّكْنى أتَمَّتِ العِدَّةَ. ﴿لا تَدْرِي﴾ أيُّها السّامِعُ ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أمْرًا﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: الأمْرُ هُنا الرَّغْبَةُ في ارْتِجاعِها، والمَيْلُ إلَيْها بَعْدَ انْحِرافِهِ عَنْها، أوْ ظُهُورُ حَمَلٍ فَيُراجِعُها مِن أجْلِهِ. ونُصِبَ ”لا تَدْرِي“ عَلى جُمْلَةِ التَّرَجِّي، فَـ ”لا تَدْرِي“ مُعَلَّقَةٌ عَنِ العَمَلِ، وقَدْ تَقَدَّمَ لَنا الكَلامُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وإنْ أدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ﴾ [الأنبياء: ١١١] وذَكَرْنا أنَّهُ يَنْبَغِي أنْ يُزادَ في المُعَلِّقاتِ (لَعَلَّ) فالجُمْلَةُ المُتَرَجّاةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ ”لا تَدْرِي“ . ﴿فَإذا بَلَغْنَ أجَلَهُنَّ﴾ أيْ: أشْرَفْنَ عَلى انْقِضاءِ العِدَّةِ (فَأمْسِكُوهُنَّ) أيْ: راجِعُوهُنَّ (بِمَعْرُوفٍ) أيْ: بِغَيْرِ ضِرارٍ ﴿أوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ أيْ: سَرِّحُوهُنَّ بِإحْسانٍ، والمَعْنى: اتْرُكُوهُنَّ حَتّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهُنَّ، فَيَمْلِكْنَ أنْفُسَهُنَّ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (أجَلَهُنَّ) عَلى الإفْرادِ. والضَّحّاكُ وابْنُ سِيرِينَ: آجالَهُنَّ عَلى الجَمْعِ. والإمْساكُ بِمَعْرُوفٍ هو حُسْنُ العِشْرَةِ فِيما لِلزَّوْجَةِ عَلى الزَّوْجِ، والمُفارَقَةُ بِمَعْرُوفٍ هو أداءُ المَهْرِ والتَّمْتِيعُ والحُقُوقُ الواجِبَةُ والوَفاءُ بِالشَّرْطِ. (وأشْهِدُوا) الظّاهِرُ وُجُوبُ الإشْهادِ عَلى ما يَقَعُ مِنَ الإمْساكِ وهو الرَّجْعَةُ، أوِ المُفارَقَةُ وهي الطَّلاقُ. وهَذا الإشْهادُ مَندُوبٌ إلَيْهِ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ، كَقَوْلِهِ: ﴿وأشْهِدُوا إذا تَبايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] . وعِنْدَ الشّافِعِيَّةِ واجِبٌ في الرَّجْعَةِ، مَندُوبٌ إلَيْهِ في الفُرْقَةِ. وقِيلَ: (وأشْهِدُوا) يُرِيدُ عَلى الرَّجْعَةِ فَقَطْ، والإشْهادُ شَرْطٌ في صِحَّتِها، فَلَها مَنعُهُ مِن نَفْسِها حَتّى يُشْهِدَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الإشْهادُ عَلى الرَّجْعَةِ وعَلى الطَّلاقِ يَرْفَعُ عَنِ النَّوازِلِ أشْكالًا كَثِيرَةً، ويُفْسِدُ تارِيخَ الإشْهادِ مِنَ الإشْهادِ. قِيلَ: وفائِدَةُ الإشْهادِ أنْ لا يَقَعَ بَيْنَهُما التَّجاحُدَ، وأنْ لا يُتَّهَمَ في إمْساكِها، ولِئَلّا يَمُوتَ أحَدُهُما فَيَدَّعِيَ الثّانِي ثُبُوتَ الزَّوْجِيَّةِ لِيَرِثَ. انْتَهى. ومَعْنى ”مِنكم“ قالَ الحَسَنُ: مِنَ المُسْلِمِينَ. وقالَ قَتادَةُ: مِنَ الأحْرارِ. ﴿وأقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلَّهِ﴾ هَذا أمْرٌ لِلشُّهُودِ، أيْ: لِوَجْهِ اللَّهِ خالِصًا، لا لِمُراعاةِ مَشْهُودٍ لَهُ، ولا مَشْهُودٍ عَلَيْهِ لا يَلْحَظُ سِوى إقامَةِ الحَقِّ. (ذَلِكم) إشارَةٌ إلى إقامَةِ الشَّهادَةِ، إذْ نَوازِلُ الأشْياءِ تَدُورُ عَلَيْها، وما يَتَمَيَّزُ المُبْطِلُ مِنَ المُحِقِّ. ﴿ومَن يَتَّقِ اللَّهَ﴾ قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ وجَماعَةٌ: هي في مَعْنى الطَّلاقِ، أيْ: ومَن لا يَتَعَدّى طَلاقَ السُّنَّةِ إلى طَلاقِ الثَّلاثِ وغَيْرِ ذَلِكَ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ مَخْرَجًا إنْ نَدِمَ بِالرَّجْعَةِ (ويَرْزُقْهُ) ما يُطْعِمُ أهْلَهُ. انْتَهى. ومَفْهُومُ الشَّرْطِ أنَّهُ إنْ لَمْ يَتَّقِ اللَّهَ، فَبَتَّ (p-٢٨٣)الطَّلاقَ ونَدِمَ، لَمْ يَكُنْ لَهُ مَخْرَجٌ، وزالَ عَنْهُ رِزْقُ زَوْجَتِهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ لِلْمُطَلِّقِ ثَلاثًا: إنَّكَ لَمْ تَتَّقِ اللَّهَ، بانَتْ مِنكَ امْرَأتُكَ، ولا أرى لَكَ مَخْرَجًا. وقالَ: ﴿يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ يُخَلِّصُهُ مِن كُرَبِ الدُّنْيا والآخِرَةِ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ومَن يَتَّقِ اللَّهَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِأمْرِ ما سَبَقَ مِن أحْكامِ الطَّلاقِ. ورُوِيَ أنَّها في غَيْرِ هَذا المَعْنى، وهو أنْ أُسِرَ ابْنٌ يُسَمّى سالِمًا لِعَوْفِ بْنِ مالِكٍ الأشْجَعِيِّ، «فَشَكا ذَلِكَ لِلرَّسُولِ ﷺ فَأمَرَهُ بِالتَّقْوى فَقَبِلَ، ثُمَّ لَمْ يَلْبَثْ أنْ تَفَلَّتَ ولَدُهُ واسْتاقَ مِائَةً مِنَ الإبِلِ، كَذا في الكَشّافِ. وفي الوَجِيزِ: قَطِيعًا مِنَ الغَنَمِ كانَتْ لِلَّذِينَ أسَرُوهُ، وجاءَ أباهُ فَسَألَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أيَطِيبُ لَهُ ؟ فَقالَ: ”نَعَمْ“»، فَنَزَلَتِ الآيَةُ. وقالَ الضَّحّاكُ: مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ امْرَأةً أُخْرى. وقِيلَ: ومَن يَتَّقِ الحَرامَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا إلى الحَلالِ. وقِيلَ: مَخْرَجًا مِنَ الشِّدَّةِ إلى الرَّخاءِ. وقِيلَ: مِنَ النّارِ إلى الجَنَّةِ. وقِيلَ: مِنَ العُقُوبَةِ، ويَرْزُقُهُ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ مِنَ الثَّوابِ. وقالَ الكَلْبِيُّ: ومَن يَتَّقِ اللَّهَ عِنْدَ المُصِيبَةِ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا إلى الجَنَّةِ. ﴿ومَن يَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ﴾ أيْ: يُفَوِّضُ أمْرَهُ إلَيْهِ ﴿فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ أيْ: كافِيهِ. ﴿إنَّ اللَّهَ بالِغُ أمْرِهِ﴾ قالَ مَسْرُوقٌ أيْ: لا بُدَّ مِن نُفُوذِ أمْرِ اللَّهِ، تَوَكَّلْتَ أمْ لَمْ تَتَوَكَّلْ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”بالِغٌ“ بِالتَّنْوِينِ، ”أمْرَهُ“ بِالنَّصْبِ. وحَفْصٌ والمُفَضَّلُ وأبانٌ وجَبَلَةُ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ وجَماعَةٌ، عَنْ أبِي عَمْرٍو ويَعْقُوبُ وابْنُ مُصَرِّفٍ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: بِالإضافَةِ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ أيْضًا وداوُدُ بْنُ أبِي هِنْدٍ وعِصْمَةُ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: ”بالِغٌ أمْرُهُ“ رَفَعَ أيْ: نافِذٌ أمْرُهُ. والمُفَضَّلُ أيْضًا: (بالِغًا) بِالنَّصْبِ (أمْرُهُ) بِالرَّفْعِ، فَخَرَّجَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ عَلى أنَّ (بالِغًا) حالٌ، وخَبَرُ (إنَّ) هو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ﴾ ويَجُوزُ أنْ تُخَرَّجَ هَذِهِ القِراءَةُ عَلى قَوْلِ مَن يَنْصِبُ بِأنَّ الجُزْأيْنِ، كَقَوْلِهِ: ؎إذا اسْوَدَّ جُنْحُ اللَّيْلِ فَلْتَأْتِ، ولْتَكُنْ خُطاكَ خِفافًا أنَّ حُرّاسَنا أُسْدا ومَن رَفَعَ (أمْرَهُ) فَمَفْعُولُ (بالِغٌ) مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: بالِغٌ أمْرَهُ ما شاءَ. ﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ أيْ: تَقْدِيرًا ومِيقاتًا لا يَتَعَدّاهُ، وهَذِهِ الجُمَلُ تَحُضُّ عَلى التَّوَكُّلِ. وقَرَأ جَناحُ بْنُ حُبَيْشٍ: قَدَرًا بِفَتْحِ الدّالِ، والجُمْهُورُ بِإسْكانِها.

الطلاق 65:3

(سُورَةُ الطَّلاقِ مَدَنِيَّةٌ وهي اثْنَتا عَشْرَةَ آيَةً) (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وأحْصُوا العِدَّةَ واتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكم لا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ ولا يَخْرُجْنَ إلّا أنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ومَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أمْرًا﴾ ﴿فَإذا بَلَغْنَ أجَلَهُنَّ فَأمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وأشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنكم وأقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلَّهِ ذَلِكم يُوعَظُ بِهِ مَن كانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ ومَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ ﴿ويَرْزُقْهُ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ ومَن يَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ فَهو حَسْبُهُ إنَّ اللَّهَ بالِغُ أمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ . (p-٢٨١)هَذِهِ السُّورَةُ مَدَنِيَّةٌ. قِيلَ: وسَبَبُ نُزُولِها طَلاقُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَفْصَةَ، قالَهُ قَتادَةُ عَنْ أنَسٍ. وقالَ السُّدِّيُّ: طَلاقُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو. وقِيلَ: فَعَلَ ناسٌ مِثْلَ فِعْلِهِ، مِنهم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ العاصِي، وعَمْرُو بْنُ سَعِيدِ بْنِ العاصِ، وعُتْبَةُ بْنُ غَزْوانَ، فَنَزَلَتْ. وقالَ القاضِي أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ: وهَذا وإنْ لَمْ يَصِحَّ، فالقَوْلُ الأوَّلُ أمْثَلُ، والأصَحُّ فِيهِ أنَّهُ بَيانٌ لِشَرْعٍ مُبْتَدَأٍ. ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها: أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ الفِتْنَةَ بِالمالِ والوَلَدِ، أشارَ إلى الفِتْنَةِ بِالنِّساءِ، وأنَّهُنَّ قَدْ يُعَرِّضْنَ الرِّجالَ لِلْفِتْنَةِ حَتّى لا يَجِدَ مُخَلِّصًا مِنها إلّا بِالطَّلاقِ، فَذَكَرَ أنَّهُ يَنْفَصِلُ مِنهُنَّ بِالوَجْهِ الجَمِيلِ، بِأنْ لا يَكُونَ بَيْنَهُنَّ اتِّصالٌ، لا بِطَلَبِ ولَدٍ ولا حَمْلٍ. ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ﴾ نِداءٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ، وخِطابٌ عَلى سَبِيلِ التَّكْرِيمِ والتَّنْبِيهِ ﴿إذا طَلَّقْتُمُ﴾ خِطابٌ لَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مُخاطَبَةَ الجَمْعِ عَلى سَبِيلِ التَّعْظِيمِ، أوْ لِأُمَّتِهِ عَلى سَبِيلِ تَلْوِينِ الخِطابِ، أقْبَلَ عَلَيْهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أوَّلًا ثُمَّ رَجَعَ إلَيْهِمْ بِالخِطابِ، أوْ عَلى إضْمارِ القَوْلِ، أيْ قُلْ لِأُمَّتِكَ إذا طَلَّقْتُمْ، أوْ لَهُ ولِأُمَّتِهِ، وكَأنَّهُ ثَمَّ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: يا أيُّها النَّبِيُّ وأُمَّةَ النَّبِيِّ إذا طَلَّقْتُمْ، فالخِطابُ لَهُ ولَهم، أيْ: أنْتَ وأُمَّتُكَ، أقْوالٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: خَصَّ النَّبِيَّ ﷺ، وعَمَّ بِالخِطابِ؛ لِأنَّ النَّبِيَّ إمامُ أُمَّتِهِ وقُدْوَتُهم. كَما يُقالُ لِرَئِيسِ القَوْمِ وكَبِيرِهِمْ: يا فُلانُ افْعَلُوا كَيْتَ وكَيْتَ، إظْهارًا لِتَقَدُّمِهُ واعْتِبارًا لِتَرَؤُّسِهِ، وأنَّهُ مَدَرَةُ قَوْمِهِ ولِسانُهم، والَّذِي يَصْدُرُونَ عَنْ رَأْيِهِ ولا يَسْتَبِدُّونَ بِأمْرٍ دُونَهُ، فَكانَ هو وحْدَهُ في حُكْمِ كُلِّهِمْ، وسادًّا مَسَدَّ جَمِيعِهِمْ. انْتَهى، وهو كَلامٌ حَسَنٌ. ومَعْنى ﴿إذا طَلَّقْتُمُ﴾ أيْ: إذا أرَدْتُمْ تَطْلِيقَهُنَّ، و”النِّساءَ“ يَعْنِي المَدْخُولَ بِهِنَّ (وطَلِّقُوهُنَّ) أيْ: أوْقِعُوا الطَّلاقَ (لِعِدَّتِهِنَّ) هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: لِاسْتِقْبالِ عِدَّتِهِنَّ، واللّامُ لِلتَّوْقِيتِ، نَحْوَ: كَتَبْتُهُ لِلَيْلَةٍ بَقِيَتْ مِن شَهْرِ كَذا، وتَقْدِيرُ الزَّمَخْشَرِيِّ هُنا حالًا مَحْذُوفَةً يَدُلُّ عَلَيْها المَعْنى يَتَعَلَّقُ بِها المَجْرُورُ، أيْ: مُسْتَقْبِلاتٍ لِعِدَّتِهِنَّ، لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّهُ قَدَّرَ عامِلًا خاصًّا، ولا يُحْذَفُ العامِلُ في الظَّرْفِ والجارِّ والمَجْرُورِ إذا كانَ خاصًّا، بَلْ إذا كانَ كَوْنًا مُطْلَقًا. لَوْ قُلْتَ: زَيْدٌ عِنْدَكَ أوْ في الدّارِ، تُرِيدُ: ضاحِكًا عِنْدَكَ أوْ ضاحِكًا في الدّارِ، لَمْ يَجُزْ. فَتَعْلِيقُ اللّامِ بِقَوْلِهِ: (فَطَلِّقُوهُنَّ) ويُجْعَلُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ هو الصَّحِيحُ. وما رُوِيَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم - مِن أنَّهم قَرَءُوا: ”فَطَلِّقُوهُنَّ في قُبُلِ عِدَّتِهِنَّ“ . وعَنْ بَعْضِهِمْ: في قِبَلِ عِدَّتِهِنَّ. وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ: لِقِبَلِ طُهْرِهِنَّ، هو عَلى سَبِيلِ التَّفْسِيرِ، لا عَلى أنَّهُ قُرْآنٌ، لِخِلافِهِ سَوادَ المُصْحَفِ الَّذِي أجْمَعَ عَلَيْهِ المُسْلِمُونَ شَرْقًا وغَرْبًا، وهَلْ تُعْتَبَرُ العِدَّةُ بِالنِّسْبَةِ إلى الأطْهارِ أوِ الحَيْضِ ؟ تَقَدَّمَ ذَلِكَ في البَقَرَةِ في قَوْلِهِ: ﴿ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] . والمُرادُ: أنْ يُطَلِّقَهُنَّ في طُهْرٍ لَمْ يُجامِعْهُنَّ فِيهِ، ثُمَّ يُخَلَّيْنَ حَتّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهُنَّ، فَإنْ شاءَ رَدَّها، وإنْ شاءَ أعْرَضَ عَنْها لِتَكُونَ مُهَيَّأةً لِلزَّواجِ. وهَذا الطَّلاقُ أدْخَلُ في السُّنَّةِ. وقالَ مالِكٌ: لا أعْرِفُ طَلاقَ السُّنَّةِ إلّا واحِدَةً، وكَرِهَ الثَّلاثَ مَجْمُوعَةً أوْ مُفَرَّقَةً. وأبُو حَنِيفَةَ كَرِهَ ما زادَ عَلى الواحِدَةِ في طُهْرٍ واحِدٍ، فَأمّا مُفَرَّقًا في الأطْهارِ فَلا. وقالَ الشّافِعِيُّ: لا بَأْسَ بِإرْسالِ الطَّلاقِ الثَّلاثَ، ولا أعْرِفُ في عَدَدِ الطَّلاقِ سُنَّةً ولا بِدْعَةً، وهو مُباحٌ، راعى في السُّنَّةِ الوَقْتَ فَقَطْ، وأبُو حَنِيفَةَ التَّفْرِيقَ (p-٢٨٢)والوَقْتَ. وقَوْلُهُ: (فَطَلِّقُوهُنَّ) مُطْلَقٌ، لا تَعَرُّضَ فِيهِ لِعَدَدٍ ولا لِوَصْفٍ مِن تَفْرِيقٍ أوْ جَمْعٍ. والجُمْهُورُ: عَلى أنَّهُ لَوْ طَلَّقَ لِغَيْرِ السُّنَّةِ وقَعَ. وعَنِ ابْنِ المُسَيَّبِ وجَماعَةٍ مِنَ التّابِعِينَ: أنَّهُ لَوْ طَلَّقَ في حَيْضٍ أوْ ثَلاثٍ لَمْ يَقَعْ. والظّاهِرُ أنَّ الخِطابَ في: ﴿وأحْصُوا العِدَّةَ﴾ لِلْأزْواجِ أيِ: اضْبُطُوا بِالحِفْظِ، وفي الإحْصاءِ فَوائِدُ: مُراعاةُ الرَّجْعَةِ وزَمانِ النَّفَقَةِ والسُّكْنى وتَوْزِيعُ الطَّلاقِ عَلى الأقْراءِ وإذا أرادَ أنْ يُطَلِّقَ ثَلاثًا، والعِلْمُ بِأنَّها قَدْ بانَتْ، فَيَتَزَوَّجُ بِأُخْتِها وبِأرْبَعٍ سِواها. ونَهى - تَعالى - عَنْ إخْراجِهِنَّ مِن مَساكِنِهِنَّ حَتّى تَنْقَضِيَ العِدَّةُ، ونَهاهُنَّ أيْضًا عَنْ خُرُوجِهِنَّ، وأضافَ البُيُوتَ إلَيْهِنَّ لَمّا كانَ سُكْناهُنَّ فِيها، ونَهْيُهُنَّ عَنِ الخُرُوجِ لا يُبِيحُهُ إذْنُ الأزْواجِ، إذْ لا أثَرَ لِإذْنِهِمْ. والإسْكانُ عَلى الزَّوْجِ، فَإنْ كانَ مِلْكَهُ أوْ بِكِراءٍ فَذاكَ، أوْ مِلْكَها فَلَها عَلَيْهِ أُجْرَتُهُ، وسَواءٌ في ذَلِكَ الرَّجْعِيَّةُ والمَبْتُوتَةُ، وسُنَّةُ ذَلِكَ أنْ لا تَبِيتَ عَنْ بَيْتِها ولا تَخْرُجَ عَنْهُ نَهارًا إلّا لِضَرُورَةٍ، وذَلِكَ لِحِفْظِ النَّسَبِ والِاحْتِفاظِ بِالنِّساءِ. ﴿إلّا أنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ وهي الزِّنا، عِنْدَ قَتادَةَ ومُجاهِدٍ والحَسَنِ والشَّعْبِيِّ وزَيْدِ بْنِ أسْلَمَ والضَّحّاكِ وعِكْرِمَةَ وحَمّادٍ واللَّيْثِ، ورَواهُ مُجاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، فَيَخْرُجْنَ لِلْحَدِّ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: البَذاءُ عَلى الأحْماءِ، فَتَخْرُجُ ويَسْقُطُ حَقُّها في السُّكْنى، وتَلْزَمُ الإقامَةَ في مَسْكَنٍ تَتَّخِذُهُ حِفْظًا لِلنَّسَبِ. وعِنْدَهُ أيْضًا: جَمِيعُ المَعاصِي، مِن سَرِقَةٍ، أوْ قَذْفٍ، أوْ زِنًا، أوْ غَيْرِ ذَلِكَ، واخْتارَهُ الطَّبَرِيُّ، فَيَسْقُطُ حَقُّها في السُّكْنى. وعِنْدَ ابْنِ عُمَرَ والسُّدِّيِّ وابْنِ السّائِبِ: هي خُرُوجُها مِن بَيْتِها خُرُوجَ انْتِقالٍ، فَيَسْقُطُ حَقُّها في السُّكْنى. وعِنْدَ قَتادَةَ أيْضًا: نُشُوزُها عَنِ الزَّوْجِ، فَتُطَلَّقُ بِسَبَبِ ذَلِكَ، فَلا يَكُونُ عَلَيْهِ سُكْنى. وإذا سَقَطَ حَقُّها مِنَ السُّكْنى أتَمَّتِ العِدَّةَ. ﴿لا تَدْرِي﴾ أيُّها السّامِعُ ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أمْرًا﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: الأمْرُ هُنا الرَّغْبَةُ في ارْتِجاعِها، والمَيْلُ إلَيْها بَعْدَ انْحِرافِهِ عَنْها، أوْ ظُهُورُ حَمَلٍ فَيُراجِعُها مِن أجْلِهِ. ونُصِبَ ”لا تَدْرِي“ عَلى جُمْلَةِ التَّرَجِّي، فَـ ”لا تَدْرِي“ مُعَلَّقَةٌ عَنِ العَمَلِ، وقَدْ تَقَدَّمَ لَنا الكَلامُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وإنْ أدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ﴾ [الأنبياء: ١١١] وذَكَرْنا أنَّهُ يَنْبَغِي أنْ يُزادَ في المُعَلِّقاتِ (لَعَلَّ) فالجُمْلَةُ المُتَرَجّاةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ ”لا تَدْرِي“ . ﴿فَإذا بَلَغْنَ أجَلَهُنَّ﴾ أيْ: أشْرَفْنَ عَلى انْقِضاءِ العِدَّةِ (فَأمْسِكُوهُنَّ) أيْ: راجِعُوهُنَّ (بِمَعْرُوفٍ) أيْ: بِغَيْرِ ضِرارٍ ﴿أوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ أيْ: سَرِّحُوهُنَّ بِإحْسانٍ، والمَعْنى: اتْرُكُوهُنَّ حَتّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهُنَّ، فَيَمْلِكْنَ أنْفُسَهُنَّ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (أجَلَهُنَّ) عَلى الإفْرادِ. والضَّحّاكُ وابْنُ سِيرِينَ: آجالَهُنَّ عَلى الجَمْعِ. والإمْساكُ بِمَعْرُوفٍ هو حُسْنُ العِشْرَةِ فِيما لِلزَّوْجَةِ عَلى الزَّوْجِ، والمُفارَقَةُ بِمَعْرُوفٍ هو أداءُ المَهْرِ والتَّمْتِيعُ والحُقُوقُ الواجِبَةُ والوَفاءُ بِالشَّرْطِ. (وأشْهِدُوا) الظّاهِرُ وُجُوبُ الإشْهادِ عَلى ما يَقَعُ مِنَ الإمْساكِ وهو الرَّجْعَةُ، أوِ المُفارَقَةُ وهي الطَّلاقُ. وهَذا الإشْهادُ مَندُوبٌ إلَيْهِ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ، كَقَوْلِهِ: ﴿وأشْهِدُوا إذا تَبايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] . وعِنْدَ الشّافِعِيَّةِ واجِبٌ في الرَّجْعَةِ، مَندُوبٌ إلَيْهِ في الفُرْقَةِ. وقِيلَ: (وأشْهِدُوا) يُرِيدُ عَلى الرَّجْعَةِ فَقَطْ، والإشْهادُ شَرْطٌ في صِحَّتِها، فَلَها مَنعُهُ مِن نَفْسِها حَتّى يُشْهِدَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الإشْهادُ عَلى الرَّجْعَةِ وعَلى الطَّلاقِ يَرْفَعُ عَنِ النَّوازِلِ أشْكالًا كَثِيرَةً، ويُفْسِدُ تارِيخَ الإشْهادِ مِنَ الإشْهادِ. قِيلَ: وفائِدَةُ الإشْهادِ أنْ لا يَقَعَ بَيْنَهُما التَّجاحُدَ، وأنْ لا يُتَّهَمَ في إمْساكِها، ولِئَلّا يَمُوتَ أحَدُهُما فَيَدَّعِيَ الثّانِي ثُبُوتَ الزَّوْجِيَّةِ لِيَرِثَ. انْتَهى. ومَعْنى ”مِنكم“ قالَ الحَسَنُ: مِنَ المُسْلِمِينَ. وقالَ قَتادَةُ: مِنَ الأحْرارِ. ﴿وأقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلَّهِ﴾ هَذا أمْرٌ لِلشُّهُودِ، أيْ: لِوَجْهِ اللَّهِ خالِصًا، لا لِمُراعاةِ مَشْهُودٍ لَهُ، ولا مَشْهُودٍ عَلَيْهِ لا يَلْحَظُ سِوى إقامَةِ الحَقِّ. (ذَلِكم) إشارَةٌ إلى إقامَةِ الشَّهادَةِ، إذْ نَوازِلُ الأشْياءِ تَدُورُ عَلَيْها، وما يَتَمَيَّزُ المُبْطِلُ مِنَ المُحِقِّ. ﴿ومَن يَتَّقِ اللَّهَ﴾ قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ وجَماعَةٌ: هي في مَعْنى الطَّلاقِ، أيْ: ومَن لا يَتَعَدّى طَلاقَ السُّنَّةِ إلى طَلاقِ الثَّلاثِ وغَيْرِ ذَلِكَ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ مَخْرَجًا إنْ نَدِمَ بِالرَّجْعَةِ (ويَرْزُقْهُ) ما يُطْعِمُ أهْلَهُ. انْتَهى. ومَفْهُومُ الشَّرْطِ أنَّهُ إنْ لَمْ يَتَّقِ اللَّهَ، فَبَتَّ (p-٢٨٣)الطَّلاقَ ونَدِمَ، لَمْ يَكُنْ لَهُ مَخْرَجٌ، وزالَ عَنْهُ رِزْقُ زَوْجَتِهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ لِلْمُطَلِّقِ ثَلاثًا: إنَّكَ لَمْ تَتَّقِ اللَّهَ، بانَتْ مِنكَ امْرَأتُكَ، ولا أرى لَكَ مَخْرَجًا. وقالَ: ﴿يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ يُخَلِّصُهُ مِن كُرَبِ الدُّنْيا والآخِرَةِ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ومَن يَتَّقِ اللَّهَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِأمْرِ ما سَبَقَ مِن أحْكامِ الطَّلاقِ. ورُوِيَ أنَّها في غَيْرِ هَذا المَعْنى، وهو أنْ أُسِرَ ابْنٌ يُسَمّى سالِمًا لِعَوْفِ بْنِ مالِكٍ الأشْجَعِيِّ، «فَشَكا ذَلِكَ لِلرَّسُولِ ﷺ فَأمَرَهُ بِالتَّقْوى فَقَبِلَ، ثُمَّ لَمْ يَلْبَثْ أنْ تَفَلَّتَ ولَدُهُ واسْتاقَ مِائَةً مِنَ الإبِلِ، كَذا في الكَشّافِ. وفي الوَجِيزِ: قَطِيعًا مِنَ الغَنَمِ كانَتْ لِلَّذِينَ أسَرُوهُ، وجاءَ أباهُ فَسَألَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أيَطِيبُ لَهُ ؟ فَقالَ: ”نَعَمْ“»، فَنَزَلَتِ الآيَةُ. وقالَ الضَّحّاكُ: مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ امْرَأةً أُخْرى. وقِيلَ: ومَن يَتَّقِ الحَرامَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا إلى الحَلالِ. وقِيلَ: مَخْرَجًا مِنَ الشِّدَّةِ إلى الرَّخاءِ. وقِيلَ: مِنَ النّارِ إلى الجَنَّةِ. وقِيلَ: مِنَ العُقُوبَةِ، ويَرْزُقُهُ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ مِنَ الثَّوابِ. وقالَ الكَلْبِيُّ: ومَن يَتَّقِ اللَّهَ عِنْدَ المُصِيبَةِ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا إلى الجَنَّةِ. ﴿ومَن يَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ﴾ أيْ: يُفَوِّضُ أمْرَهُ إلَيْهِ ﴿فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ أيْ: كافِيهِ. ﴿إنَّ اللَّهَ بالِغُ أمْرِهِ﴾ قالَ مَسْرُوقٌ أيْ: لا بُدَّ مِن نُفُوذِ أمْرِ اللَّهِ، تَوَكَّلْتَ أمْ لَمْ تَتَوَكَّلْ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”بالِغٌ“ بِالتَّنْوِينِ، ”أمْرَهُ“ بِالنَّصْبِ. وحَفْصٌ والمُفَضَّلُ وأبانٌ وجَبَلَةُ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ وجَماعَةٌ، عَنْ أبِي عَمْرٍو ويَعْقُوبُ وابْنُ مُصَرِّفٍ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: بِالإضافَةِ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ أيْضًا وداوُدُ بْنُ أبِي هِنْدٍ وعِصْمَةُ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: ”بالِغٌ أمْرُهُ“ رَفَعَ أيْ: نافِذٌ أمْرُهُ. والمُفَضَّلُ أيْضًا: (بالِغًا) بِالنَّصْبِ (أمْرُهُ) بِالرَّفْعِ، فَخَرَّجَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ عَلى أنَّ (بالِغًا) حالٌ، وخَبَرُ (إنَّ) هو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ﴾ ويَجُوزُ أنْ تُخَرَّجَ هَذِهِ القِراءَةُ عَلى قَوْلِ مَن يَنْصِبُ بِأنَّ الجُزْأيْنِ، كَقَوْلِهِ: ؎إذا اسْوَدَّ جُنْحُ اللَّيْلِ فَلْتَأْتِ، ولْتَكُنْ خُطاكَ خِفافًا أنَّ حُرّاسَنا أُسْدا ومَن رَفَعَ (أمْرَهُ) فَمَفْعُولُ (بالِغٌ) مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: بالِغٌ أمْرَهُ ما شاءَ. ﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ أيْ: تَقْدِيرًا ومِيقاتًا لا يَتَعَدّاهُ، وهَذِهِ الجُمَلُ تَحُضُّ عَلى التَّوَكُّلِ. وقَرَأ جَناحُ بْنُ حُبَيْشٍ: قَدَرًا بِفَتْحِ الدّالِ، والجُمْهُورُ بِإسْكانِها.

الطلاق 65:4

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿واللّائِي يَئِسْنَ مِنَ المَحِيضِ مِن نِسائِكم إنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أشْهُرٍ واللّائِي لَمْ يَحِضْنَ وأُولاتُ الأحْمالِ أجَلُهُنَّ أنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ومَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِن أمْرِهِ يُسْرًا﴾ ﴿ذَلِكَ أمْرُ اللَّهِ أنْزَلَهُ إلَيْكم ومَن يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ ويُعْظِمْ لَهُ أجْرًا﴾ ﴿أسْكِنُوهُنَّ مِن حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِن وُجْدِكم ولا تُضارُوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وإنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإنْ أرْضَعْنَ لَكم فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وائْتَمِرُوا بَيْنَكم بِمَعْرُوفٍ وإنْ تَعاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى﴾ ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِن سَعَتِهِ ومَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمّا آتاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلّا ما آتاها سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ . (p-٢٨٤)ورُوِيَ أنَّ قَوْمًا، مِنهم أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وخَلّادُ بْنُ النُّعْمانِ، لَمّا سَمِعُوا قَوْلَهُ: ﴿والمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، فَما عِدَّةُ مَن لا قُرْءَ لَها مِن صِغَرٍ أوْ كِبَرٍ ؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، فَقالَ قائِلٌ: فَما عِدَّةُ الحامِلِ ؟ فَنَزَلَتْ ﴿وأُولاتُ الأحْمالِ﴾ . وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يَئِسْنَ) فِعْلًا ماضِيًّا. وقُرِئَ: بِياءَيْنِ مُضارِعًا، ومَعْنى ﴿إنِ ارْتَبْتُمْ﴾ في أنَّها يَئِسَتْ أمْ لا؛ لِأجْلِ مَكانِ ظُهُورِ الحَمْلِ، وإنْ كانَ انْقَطَعَ دَمُها. وقِيلَ: إنِ ارْتَبْتُمْ في دَمِ البالِغاتِ مَبْلَغَ اليَأْسِ، أهُوَ دَمُ حَيْضٍ أوِ اسْتِحاضَةٍ ؟ وإذا كانَتْ هَذِهِ عِدَّةَ المُرْتابِ بِها، فَغَيْرُ المُرْتابِ بِها أوْلى بِذَلِكَ. وقَدَّرَ بَعْضُهم مَبْلَغَ اليَأْسِ بِسِتِّينَ سَنَةً، وبَعْضُهم بِخَمْسٍ وخَمْسِينَ. وقِيلَ: غالِبُ سِنِّ يَأْسِ عَشِيرَةِ المَرْأةِ. وقِيلَ: أقْصى عادَةِ امْرَأةٍ في العالَمِ. وقالَ مُجاهِدٌ: الآيَةُ وارِدَةٌ في المُسْتَحاضَةِ أطْبَقَ بِها الدَّمُ، لا نَدْرِي أهُوَ دَمُ حَيْضٍ أوْ دَمُ عِلَّةٍ. وقِيلَ: ﴿إنِ ارْتَبْتُمْ﴾ شَكَكْتُمْ في حالِهِنَّ وحُكْمِهِنَّ فَلَمْ تَدْرُوا ما حُكْمُهُنَّ، فالحُكْمُ أنَّ عِدَّتَهُنَّ ثَلاثَةُ أشْهُرٍ. واخْتارَ الطَّبَرِيُّ أنَّ مَعْنى ﴿إنِ ارْتَبْتُمْ﴾ شَكَكْتُمْ فَلَمْ تَدْرُوا ما الحُكْمُ، فَقِيلَ: ﴿إنِ ارْتَبْتُمْ﴾ أيْ: إنْ تَيَقَّنْتُمْ إياسَهُنَّ، وهو مِنَ الأضْدادِ. وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى إنِ ارْتَبْتُمْ في حَيْضِها، وقَدِ انْقَطَعَ عَنْها الدَّمُ، وكانَتْ مِمّا يَحِيضُ مِثْلُها. وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: ﴿إنِ ارْتَبْتُمْ﴾ هو لِلْمُخاطَبِينَ، أيْ: إنْ لَمْ تَعْلَمُوا عِدَّةَ الآيِسَةِ ﴿واللّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ فالعِدَّةُ هَذِهِ، فَتَلَخَّصَ في قَوْلِهِ: ﴿إنِ ارْتَبْتُمْ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما، أنَّهُ عَلى ظاهِرِ مَفْهُومِ اللُّغَةِ فِيهِ، وهو حُصُولُ الشَّكِّ، والآخَرُ أنَّ مَعْناهُ التَّيَقُّنُ لِلْإياسِ، والقَوْلُ الأوَّلُ مَعْناهُ: إنِ ارْتَبْتُمْ في دَمِها، أهُوَ دَمُ حَيْضٍ أوْ دَمُ عِلَّةٍ ؟ أوْ إنِ ارْتَبْتُمْ في عُلُوقٍ بِحَمْلٍ أمْ لا، أوْ إنِ ارْتَبْتُمْ أيْ: جَهِلْتُمْ عِدَّتَهُنَّ، أقْوالٌ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿واللّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ يَشْمَلُ مَن لَمْ يَحِضْ لِصِغَرٍ، ومَن لا يَكُونُ لَها حَيْضٌ البَتَّةَ، وهو مَوْجُودٌ في النِّساءِ، وهو أنَّها تَعِيشُ إلى أنْ تَمُوتَ ولا تَحِيضَ. ومَن أتى عَلَيْها زَمانُ الحَيْضِ وما بَلَغَتْ بِهِ ولَمْ تَحِضْ، فَقِيلَ: هَذِهِ تَعْتَدُّ سَنَةً. ﴿واللّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿واللّائِي يَئِسْنَ﴾ فَإعْرابُهُ مُبْتَدَأٌ كَإعْرابِ ﴿واللّائِي يَئِسْنَ﴾ وقَدَّرُوا خَبَرَهُ جُمْلَةً مِن جِنْسِ خَبَرِ الأوَّلِ، أيْ: عِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أشْهُرٍ، والأوْلى أنْ يُقَدَّرَ مِثْلُ أُولَئِكَ أوْ كَذَلِكَ، فَيَكُونُ المُقَدَّرُ مُفْرَدًا جُمْلَةً. ﴿وأُولاتُ الأحْمالِ﴾ عامٌّ في المُطَلَّقَةِ وفي المُتَوَفّى عَنْها زَوْجُها، وهو قَوْلُ عُمَرَ وابْنِ مَسْعُودٍ وأبِي مَسْعُودٍ البَدْرِيِّ وأبِي هُرَيْرَةَ وفُقَهاءِ الأمْصارِ. وقالَ عَلِيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ: ﴿وأُولاتُ الأحْمالِ﴾ في المُطَّلَقاتِ، وأمّا المُتَوَفّى عَنْها فَعِدَّتُها أقْصى الأجَلَيْنِ، فَلَوْ وضَعَتْ قَبْلَ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ وعَشْرٍ صَبَرَتْ إلى آخِرِها، والحُجَّةُ عَلَيْها حَدِيثُ سُبَيْعَةَ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: مَن شاءَ لاعَنْتُهُ، ما نَزَلَتْ ﴿وأُولاتُ الأحْمالِ﴾ إلّا بَعْدَ آيَةِ المُتَوَفّى عَنْها زَوْجُها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (حَمْلَهُنَّ) مُفْرَدًا. والضَّحّاكُ: ”أحْمالَهُنَّ“ جَمْعًا. ﴿ذَلِكَ أمْرُ اللَّهِ﴾ يُرِيدُ ما عَلَّمَ مِن حُكْمِ المُعْتَدّاتِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (ويُعْظِمْ) بِالياءِ مُضارِعُ أعْظَمَ. والأعْمَشُ: نُعْظِمُ بِالنُّونِ، خُرُوجًا مِنَ الغَيْبَةِ لِلتَّكَلُّمِ. وابْنُ مِقْسَمٍ: بِالياءِ والتَّشْدِيدِ مُضارِعُ عَظَّمَ مُشَدَّدًا. ولَمّا كانَ الكَلامُ في أمْرِ المُطَلَّقاتِ وأحْكامِهِنَّ مِنَ العِدَدِ وغَيْرِها، وكُنْ لا يُطَلِّقُهُنَّ أزْواجُهُنَّ إلّا عَنْ بُغْضٍ لَهُنَّ وكَراهَةٍ، جاءَ عَقِيبَ بَعْضِ الجُمَلِ الأمْرُ بِالتَّقْوى مِن حَيْثُ المَعْنى، مُبْرَزًا في صُورَةِ شَرْطٍ وجَزاءٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن يَتَّقِ اللَّهَ﴾ إذِ الزَّوْجُ المُطَلِّقُ قَدْ يَنْسُبُ إلى مُطَلَّقَتِهِ بَعْضَ ما يُشِينُها بِهِ ويُنَفِّرُ الخُطّابَ عَنْها، ويُوهِمُ أنَّهُ إنَّما فارَقَها لِأمْرٍ ظَهَرَ لَهُ مِنها، فَلِذَلِكَ تَكَرَّرَ قَوْلُهُ: ﴿ومَن يَتَّقِ اللَّهَ﴾ في العَمَلِ بِما أنْزَلَهُ مِن هَذِهِ الأحْكامِ، وحافَظَ عَلى الحُقُوقِ الواجِبَةِ عَلَيْهِ مِن تَرْكِ الضِّرارِ والنَّفَقَةِ عَلى المُعْتَدّاتِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَلْزَمُهُ، يُرَتِّبُ لَهُ تَكْفِيرَ السَّيِّئاتِ وإعْظامَ الأجْرِ. و”مِن“ في ﴿مِن حَيْثُ سَكَنْتُمْ﴾ لِلتَّبْعِيضِ أيْ: بَعْضُ مَكانِ سُكْناكم. وقالَ قَتادَةُ: إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ إلّا بَيْتٌ واحِدٌ أسْكَنَها في بَعْضِ جَوانِبِهِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقالَ الحَوْفِيُّ: ”مِن“ لِابْتِداءِ الغايَةِ، وكَذا قالَ أبُو البَقاءِ. و﴿مِن وُجْدِكُمْ﴾ . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): فَقَوْلُهُ: ﴿مِن وُجْدِكُمْ﴾ . (قُلْتُ): (p-٢٨٥)هُوَ عَطْفُ بَيانٍ، كَقَوْلِهِ: ﴿مِن حَيْثُ سَكَنْتُمْ﴾ وتَفْسِيرٌ لَهُ، كَأنَّهُ قِيلَ: أسْكِنُوهُنَّ مَكانًا مِن مَسْكَنِكم مِمّا تُطِيقُونَهُ، والوُجْدُ: الوُسْعُ والطّاقَةُ. انْتَهى. ولا نَعْرِفُ عَطْفَ بَيانٍ يُعادُ فِيهِ العامِلُ، إنَّما هَذا طَرِيقَةُ البَدَلِ مَعَ حَرْفِ الجَرِّ، ولِذَلِكَ أعْرَبَهُ أبُو البَقاءِ بَدَلًا مِن قَوْلِهِ: ﴿مِن حَيْثُ سَكَنْتُمْ﴾ . وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿مِن وُجْدِكُمْ﴾ بِضَمِّ الواوِ. والحَسَنُ والأعْرَجُ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ وأبُو حَيْوَةَ: بِفَتْحِها. والفَيّاضُ بْنُ غَزَوانَ وعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ ويَعْقُوبُ: بِكَسْرِها، وذَكَرَها الَمَهْدَوِيُّ عَنِ الأعْرَجِ، وهي لُغاتٌ ثَلاثَةٌ بِمَعْنى: الوُسْعِ. والوَجْدُ بِالفَتْحِ، يُسْتَعْمَلُ في الحُزْنِ والغَضَبِ والحُبِّ، ويُقالُ: وجَدْتُ في المالِ، ووَجَدْتُ عَلى الرَّجُلِ وجْدًا ومَوْجِدَةً، ووَجَدْتُ الضّالَّةَ وِجْدانًا، والوُجْدُ بِالضَّمِّ: الغِنى والقُدْرَةُ، يُقالُ: افْتَقَرَ الرَّجُلُ بَعْدَ وُجْدٍ. وأمَرَ - تَعالى - بِإسْكانِ المُطَلَّقاتِ، ولا خِلافَ في ذَلِكَ في الَّتِي لَمْ تُبَتَّ. وأمّا المَبْتُوتُةُ، فَقالَ ابْنُ المُسَيَّبِ وسُلَيْمانُ بْنُ يَسارٍ وعَطاءٌ، والشَّعْبِيُّ والحَسَنُ ومالِكٌ والأوْزاعِيُّ وابْنُ أبِي لَيْلى والشّافِعِيُّ وأبُو عُبَيْدٍ: لَها السُّكْنى، ولا نَفَقَةَ لَها. وقالَ الثَّوْرِيُّ وأبُو حَنِيفَةَ: لَها السُّكْنى والنَّفَقَةُ. وقالَ الحَسَنُ وحَمّادٌ وأحْمَدُ وإسْحاقُ وأبُو ثَوْرٍ: لا سُكْنى لَها ولا نَفَقَةَ. ﴿ولا تُضارُّوهُنَّ﴾ ولا تَسْتَعْمِلُوا مَعَهُنَّ الضِّرارَ ﴿لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ في المَسْكَنِ بِبَعْضِ الأسْبابِ مِن إنْزالِ مَن لا يُوافِقُهُنَّ، أوْ بِشَغْلِ مَكانِهِنَّ، أوْ غَيْرِ ذَلِكَ حَتّى تَضْطَرُّوهُنَّ إلى الخُرُوجِ. وقِيلَ: هَذِهِ المُضارَّةُ مُراجَعَتُها إذا بَقِيَ مِن عِدَّتِها قَلِيلٌ، ثُمَّ يُطَلِّقُها فَيَطُولُ حَبْسُها في عِدَّتِهِ الثّانِيَةِ. وقِيلَ: إلْجاؤُها إلى أنْ تَفْتَدِيَ مِنهُ. ﴿وإنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ﴾ لا خِلافَ في وُجُوبِ سُكْناها ونَفَقَتِها، بُتَّتْ أوْ لَمْ تُبَتَّ. فَإنْ كانَ مُتَوَفّى عَنْها، فَأكْثَرُ العُلَماءِ عَلى أنَّها لا نَفَقَةَ لَها. وعَنْ عَلِيٍّ وابْنِ مَسْعُودٍ: تَجِبُ نَفَقَتُها في التَّرِكَةِ. ﴿فَإنْ أرْضَعْنَ لَكُمْ﴾ أيْ: ولَدْنَ وأرْضَعْنَ المَوْلُودَ وجَبَ لَها النَّفَقَةُ، وهي الأجْرُ والكُسْوَةُ وسائِرُ المُؤَنِ عَلى ما قُرِّرَ في كُتُبِ الفِقْهِ، ولا يَجُوزُ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ وأصْحابِهِ الِاسْتِئْجارُ إذا كانَ الوَلَدُ بَيْنَهُنَّ ما لَمْ يَبِنَّ، ويَجُوزُ عِنْدَ الشّافِعِيِّ. وفي تَعْمِيمِ المُطَلَّقاتِ بِالسُّكْنى، وتَخْصِيصُ أُولاتِ الأحْمالِ بِالنَّفَقَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ غَيْرَها مِنَ المُطَلَّقاتِ لا يُشارِكُها في النَّفَقَةِ، وتُشارِكُهُنَّ في السُّكْنى. (وائْتَمِرُوا) افْتَعِلُوا مِنَ الأمْرِ، يُقالُ: ائْتَمَرَ القَوْمُ وتَأمَّرُوا، إذا أمَرَ بَعْضُهم بَعْضًا. والخِطابُ لِلْآباءِ والأُمَّهاتِ، أيْ: ولْيَأْمُرْ بَعْضُكم بَعْضًا ﴿بِمَعْرُوفٍ﴾ أيْ: في الأُجْرَةِ والإرْضاعِ، والمَعْرُوفِ: الجَمِيلُ بِأنْ تُسامِحَ الأُمُّ، ولا يُماكِسَ الأبُ لِأنَّهُ ولَدُهُما مَعًا، وهُما شَرِيكانِ فِيهِ، وفي وُجُوبِ الإشْفاقِ عَلَيْهِ. وقالَ الكِسائِيُّ: (وائْتَمِرُوا) تَشاوَرُوا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ المَلَأ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ [القصص: ٢٠] وقَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: ؎ويَعْدُو عَلى المَرْءِ ما يَأْتَمِرُ وقِيلَ: المَعْرُوفُ الكُسْوَةُ والدِّثارُ. ﴿وإنْ تَعاسَرْتُمْ﴾ أيْ: تَضايَقْتُمْ وتَشاكَسْتُمْ، فَلَمْ تَرْضَ إلّا بِما تَرْضى بِهِ الأجْنَبِيَّةُ، وأبى الزَّوْجُ الزِّيادَةَ، أوْ إنْ أبى الزَّوْجُ الإرْضاعَ إلّا مَجّانًا، وأبَتْ هي إلّا بَعِوَضٍ ﴿فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى﴾ أيْ: يَسْتَأْجِرُ غَيْرَها، ولَيْسَ لَهُ إكْراهُها. فَإنْ لَمْ يَقْبَلْ إلّا ثَدْيَ أُمِّهِ، أُجْبِرَتْ عَلى الإرْضاعِ بِأُجْرَةٍ مِثْلِها، ولا يَخْتَصُّ هَذا الحُكْمُ مِن وُجُوبِ أُجْرَةِ الرَّضاعِ بِالمُطَلَّقَةِ، بَلِ المَنكُوحَةُ في مَعْناها. وقِيلَ: فَسَتُرْضِعُ خَبَرٌ في مَعْنى الأمْرِ، أيْ: فَلْتُرْضِعْ لَهُ أُخْرى. وفي قَوْلِهِ: ﴿فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى﴾ يَسِيرُ مُعاتَبَةٍ لِلْأُمِّ إذا تَعاسَرَتْ، كَما تَقُولُ لِمَن تَسْتَقْضِيهِ حاجَةً فَيَتَوانى: سَيَقْضِيها غَيْرُكَ، تُرِيدُ: لَنْ تَبْقى غَيْرَ مَقْضِيَّةٍ وأنْتَ مَلُومٌ. والضَّمِيرُ في ”لَهُ“ عائِدٌ عَلى الأبِ، كَما تَعَدّى في قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ أرْضَعْنَ لَكُمْ﴾ أيْ: لِلْأزْواجِ. (لِيُنْفِقْ) المُوسِرُ والمَقْدُورُ عَلَيْهِ ما بَلَغَهُ وُسْعُهُ، أيْ عَلى المُطَلَّقاتِ والمُرْضِعاتِ، ولا يُكَلَّفُ ما لا يُطِيقُهُ. والظّاهِرُ أنَّ المَأْمُورَ بِالإنْفاقِ الأزْواجُ، وهَذا أصْلٌ في وُجُوبِ نَفَقَةِ الوَلَدِ عَلى الوالِدِ دُونَ الأُمِّ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ المَوّازِ: إنَّها عَلى الأبَوَيْنِ عَلى قَدْرِ المِيراثِ. وفي الحَدِيثِ: ”يَقُولُ لَكَ ابْنُكَ أنْفِقْ عَلَيَّ إلى مَن تَكِلُنِي“ . ذَكَرَهُ في صَحِيحِ البُخارِيِّ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (لِيُنْفِقْ) بِلامِ الأمْرِ، وحَكى أبُو مُعاذٍ: (لِيُنْفِقَ) (p-٢٨٦)بِلامِ كَيْ ونَصَبَ القافَ، ويَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: شَرْعُنا ذَلِكَ لِيُنْفِقَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (قُدِرَ) مُخَفَّفًا. وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: مُشَدَّدُ الدّالِ، سَيَجْعَلُ اللَّهُ وعْدًا لِمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ، يَفْتَحُ لَهُ أبْوابَ الرِّزْقِ. ولا يَخْتَصُّ هَذا الوَعْدُ بِفُقَراءِ ذَلِكَ الوَقْتِ، ولا بِفُقَراءِ الأزْواجِ مُطْلَقًا، بَلْ مَن أنْفَقَ ما قُدِرَ عَلَيْهِ ولَمْ يُقَصِّرْ، ولَوْ عَجَزَ عَنْ نَفَقَةِ امْرَأتِهِ. فَقالَ أبُو هُرَيْرَةَ والحَسَنُ وابْنُ المُسَيَّبِ ومالِكٌ والشّافِعِيُّ وأحْمَدُ وإسْحاقُ: يُفَرَّقُ بَيْنَهُما. وقالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ وجَماعَةٌ: لا يُفَرَّقُ بَيْنَهُما.

الطلاق 65:5

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿واللّائِي يَئِسْنَ مِنَ المَحِيضِ مِن نِسائِكم إنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أشْهُرٍ واللّائِي لَمْ يَحِضْنَ وأُولاتُ الأحْمالِ أجَلُهُنَّ أنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ومَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِن أمْرِهِ يُسْرًا﴾ ﴿ذَلِكَ أمْرُ اللَّهِ أنْزَلَهُ إلَيْكم ومَن يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ ويُعْظِمْ لَهُ أجْرًا﴾ ﴿أسْكِنُوهُنَّ مِن حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِن وُجْدِكم ولا تُضارُوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وإنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإنْ أرْضَعْنَ لَكم فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وائْتَمِرُوا بَيْنَكم بِمَعْرُوفٍ وإنْ تَعاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى﴾ ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِن سَعَتِهِ ومَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمّا آتاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلّا ما آتاها سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ . (p-٢٨٤)ورُوِيَ أنَّ قَوْمًا، مِنهم أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وخَلّادُ بْنُ النُّعْمانِ، لَمّا سَمِعُوا قَوْلَهُ: ﴿والمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، فَما عِدَّةُ مَن لا قُرْءَ لَها مِن صِغَرٍ أوْ كِبَرٍ ؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، فَقالَ قائِلٌ: فَما عِدَّةُ الحامِلِ ؟ فَنَزَلَتْ ﴿وأُولاتُ الأحْمالِ﴾ . وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يَئِسْنَ) فِعْلًا ماضِيًّا. وقُرِئَ: بِياءَيْنِ مُضارِعًا، ومَعْنى ﴿إنِ ارْتَبْتُمْ﴾ في أنَّها يَئِسَتْ أمْ لا؛ لِأجْلِ مَكانِ ظُهُورِ الحَمْلِ، وإنْ كانَ انْقَطَعَ دَمُها. وقِيلَ: إنِ ارْتَبْتُمْ في دَمِ البالِغاتِ مَبْلَغَ اليَأْسِ، أهُوَ دَمُ حَيْضٍ أوِ اسْتِحاضَةٍ ؟ وإذا كانَتْ هَذِهِ عِدَّةَ المُرْتابِ بِها، فَغَيْرُ المُرْتابِ بِها أوْلى بِذَلِكَ. وقَدَّرَ بَعْضُهم مَبْلَغَ اليَأْسِ بِسِتِّينَ سَنَةً، وبَعْضُهم بِخَمْسٍ وخَمْسِينَ. وقِيلَ: غالِبُ سِنِّ يَأْسِ عَشِيرَةِ المَرْأةِ. وقِيلَ: أقْصى عادَةِ امْرَأةٍ في العالَمِ. وقالَ مُجاهِدٌ: الآيَةُ وارِدَةٌ في المُسْتَحاضَةِ أطْبَقَ بِها الدَّمُ، لا نَدْرِي أهُوَ دَمُ حَيْضٍ أوْ دَمُ عِلَّةٍ. وقِيلَ: ﴿إنِ ارْتَبْتُمْ﴾ شَكَكْتُمْ في حالِهِنَّ وحُكْمِهِنَّ فَلَمْ تَدْرُوا ما حُكْمُهُنَّ، فالحُكْمُ أنَّ عِدَّتَهُنَّ ثَلاثَةُ أشْهُرٍ. واخْتارَ الطَّبَرِيُّ أنَّ مَعْنى ﴿إنِ ارْتَبْتُمْ﴾ شَكَكْتُمْ فَلَمْ تَدْرُوا ما الحُكْمُ، فَقِيلَ: ﴿إنِ ارْتَبْتُمْ﴾ أيْ: إنْ تَيَقَّنْتُمْ إياسَهُنَّ، وهو مِنَ الأضْدادِ. وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى إنِ ارْتَبْتُمْ في حَيْضِها، وقَدِ انْقَطَعَ عَنْها الدَّمُ، وكانَتْ مِمّا يَحِيضُ مِثْلُها. وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: ﴿إنِ ارْتَبْتُمْ﴾ هو لِلْمُخاطَبِينَ، أيْ: إنْ لَمْ تَعْلَمُوا عِدَّةَ الآيِسَةِ ﴿واللّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ فالعِدَّةُ هَذِهِ، فَتَلَخَّصَ في قَوْلِهِ: ﴿إنِ ارْتَبْتُمْ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما، أنَّهُ عَلى ظاهِرِ مَفْهُومِ اللُّغَةِ فِيهِ، وهو حُصُولُ الشَّكِّ، والآخَرُ أنَّ مَعْناهُ التَّيَقُّنُ لِلْإياسِ، والقَوْلُ الأوَّلُ مَعْناهُ: إنِ ارْتَبْتُمْ في دَمِها، أهُوَ دَمُ حَيْضٍ أوْ دَمُ عِلَّةٍ ؟ أوْ إنِ ارْتَبْتُمْ في عُلُوقٍ بِحَمْلٍ أمْ لا، أوْ إنِ ارْتَبْتُمْ أيْ: جَهِلْتُمْ عِدَّتَهُنَّ، أقْوالٌ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿واللّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ يَشْمَلُ مَن لَمْ يَحِضْ لِصِغَرٍ، ومَن لا يَكُونُ لَها حَيْضٌ البَتَّةَ، وهو مَوْجُودٌ في النِّساءِ، وهو أنَّها تَعِيشُ إلى أنْ تَمُوتَ ولا تَحِيضَ. ومَن أتى عَلَيْها زَمانُ الحَيْضِ وما بَلَغَتْ بِهِ ولَمْ تَحِضْ، فَقِيلَ: هَذِهِ تَعْتَدُّ سَنَةً. ﴿واللّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿واللّائِي يَئِسْنَ﴾ فَإعْرابُهُ مُبْتَدَأٌ كَإعْرابِ ﴿واللّائِي يَئِسْنَ﴾ وقَدَّرُوا خَبَرَهُ جُمْلَةً مِن جِنْسِ خَبَرِ الأوَّلِ، أيْ: عِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أشْهُرٍ، والأوْلى أنْ يُقَدَّرَ مِثْلُ أُولَئِكَ أوْ كَذَلِكَ، فَيَكُونُ المُقَدَّرُ مُفْرَدًا جُمْلَةً. ﴿وأُولاتُ الأحْمالِ﴾ عامٌّ في المُطَلَّقَةِ وفي المُتَوَفّى عَنْها زَوْجُها، وهو قَوْلُ عُمَرَ وابْنِ مَسْعُودٍ وأبِي مَسْعُودٍ البَدْرِيِّ وأبِي هُرَيْرَةَ وفُقَهاءِ الأمْصارِ. وقالَ عَلِيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ: ﴿وأُولاتُ الأحْمالِ﴾ في المُطَّلَقاتِ، وأمّا المُتَوَفّى عَنْها فَعِدَّتُها أقْصى الأجَلَيْنِ، فَلَوْ وضَعَتْ قَبْلَ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ وعَشْرٍ صَبَرَتْ إلى آخِرِها، والحُجَّةُ عَلَيْها حَدِيثُ سُبَيْعَةَ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: مَن شاءَ لاعَنْتُهُ، ما نَزَلَتْ ﴿وأُولاتُ الأحْمالِ﴾ إلّا بَعْدَ آيَةِ المُتَوَفّى عَنْها زَوْجُها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (حَمْلَهُنَّ) مُفْرَدًا. والضَّحّاكُ: ”أحْمالَهُنَّ“ جَمْعًا. ﴿ذَلِكَ أمْرُ اللَّهِ﴾ يُرِيدُ ما عَلَّمَ مِن حُكْمِ المُعْتَدّاتِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (ويُعْظِمْ) بِالياءِ مُضارِعُ أعْظَمَ. والأعْمَشُ: نُعْظِمُ بِالنُّونِ، خُرُوجًا مِنَ الغَيْبَةِ لِلتَّكَلُّمِ. وابْنُ مِقْسَمٍ: بِالياءِ والتَّشْدِيدِ مُضارِعُ عَظَّمَ مُشَدَّدًا. ولَمّا كانَ الكَلامُ في أمْرِ المُطَلَّقاتِ وأحْكامِهِنَّ مِنَ العِدَدِ وغَيْرِها، وكُنْ لا يُطَلِّقُهُنَّ أزْواجُهُنَّ إلّا عَنْ بُغْضٍ لَهُنَّ وكَراهَةٍ، جاءَ عَقِيبَ بَعْضِ الجُمَلِ الأمْرُ بِالتَّقْوى مِن حَيْثُ المَعْنى، مُبْرَزًا في صُورَةِ شَرْطٍ وجَزاءٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن يَتَّقِ اللَّهَ﴾ إذِ الزَّوْجُ المُطَلِّقُ قَدْ يَنْسُبُ إلى مُطَلَّقَتِهِ بَعْضَ ما يُشِينُها بِهِ ويُنَفِّرُ الخُطّابَ عَنْها، ويُوهِمُ أنَّهُ إنَّما فارَقَها لِأمْرٍ ظَهَرَ لَهُ مِنها، فَلِذَلِكَ تَكَرَّرَ قَوْلُهُ: ﴿ومَن يَتَّقِ اللَّهَ﴾ في العَمَلِ بِما أنْزَلَهُ مِن هَذِهِ الأحْكامِ، وحافَظَ عَلى الحُقُوقِ الواجِبَةِ عَلَيْهِ مِن تَرْكِ الضِّرارِ والنَّفَقَةِ عَلى المُعْتَدّاتِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَلْزَمُهُ، يُرَتِّبُ لَهُ تَكْفِيرَ السَّيِّئاتِ وإعْظامَ الأجْرِ. و”مِن“ في ﴿مِن حَيْثُ سَكَنْتُمْ﴾ لِلتَّبْعِيضِ أيْ: بَعْضُ مَكانِ سُكْناكم. وقالَ قَتادَةُ: إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ إلّا بَيْتٌ واحِدٌ أسْكَنَها في بَعْضِ جَوانِبِهِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقالَ الحَوْفِيُّ: ”مِن“ لِابْتِداءِ الغايَةِ، وكَذا قالَ أبُو البَقاءِ. و﴿مِن وُجْدِكُمْ﴾ . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): فَقَوْلُهُ: ﴿مِن وُجْدِكُمْ﴾ . (قُلْتُ): (p-٢٨٥)هُوَ عَطْفُ بَيانٍ، كَقَوْلِهِ: ﴿مِن حَيْثُ سَكَنْتُمْ﴾ وتَفْسِيرٌ لَهُ، كَأنَّهُ قِيلَ: أسْكِنُوهُنَّ مَكانًا مِن مَسْكَنِكم مِمّا تُطِيقُونَهُ، والوُجْدُ: الوُسْعُ والطّاقَةُ. انْتَهى. ولا نَعْرِفُ عَطْفَ بَيانٍ يُعادُ فِيهِ العامِلُ، إنَّما هَذا طَرِيقَةُ البَدَلِ مَعَ حَرْفِ الجَرِّ، ولِذَلِكَ أعْرَبَهُ أبُو البَقاءِ بَدَلًا مِن قَوْلِهِ: ﴿مِن حَيْثُ سَكَنْتُمْ﴾ . وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿مِن وُجْدِكُمْ﴾ بِضَمِّ الواوِ. والحَسَنُ والأعْرَجُ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ وأبُو حَيْوَةَ: بِفَتْحِها. والفَيّاضُ بْنُ غَزَوانَ وعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ ويَعْقُوبُ: بِكَسْرِها، وذَكَرَها الَمَهْدَوِيُّ عَنِ الأعْرَجِ، وهي لُغاتٌ ثَلاثَةٌ بِمَعْنى: الوُسْعِ. والوَجْدُ بِالفَتْحِ، يُسْتَعْمَلُ في الحُزْنِ والغَضَبِ والحُبِّ، ويُقالُ: وجَدْتُ في المالِ، ووَجَدْتُ عَلى الرَّجُلِ وجْدًا ومَوْجِدَةً، ووَجَدْتُ الضّالَّةَ وِجْدانًا، والوُجْدُ بِالضَّمِّ: الغِنى والقُدْرَةُ، يُقالُ: افْتَقَرَ الرَّجُلُ بَعْدَ وُجْدٍ. وأمَرَ - تَعالى - بِإسْكانِ المُطَلَّقاتِ، ولا خِلافَ في ذَلِكَ في الَّتِي لَمْ تُبَتَّ. وأمّا المَبْتُوتُةُ، فَقالَ ابْنُ المُسَيَّبِ وسُلَيْمانُ بْنُ يَسارٍ وعَطاءٌ، والشَّعْبِيُّ والحَسَنُ ومالِكٌ والأوْزاعِيُّ وابْنُ أبِي لَيْلى والشّافِعِيُّ وأبُو عُبَيْدٍ: لَها السُّكْنى، ولا نَفَقَةَ لَها. وقالَ الثَّوْرِيُّ وأبُو حَنِيفَةَ: لَها السُّكْنى والنَّفَقَةُ. وقالَ الحَسَنُ وحَمّادٌ وأحْمَدُ وإسْحاقُ وأبُو ثَوْرٍ: لا سُكْنى لَها ولا نَفَقَةَ. ﴿ولا تُضارُّوهُنَّ﴾ ولا تَسْتَعْمِلُوا مَعَهُنَّ الضِّرارَ ﴿لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ في المَسْكَنِ بِبَعْضِ الأسْبابِ مِن إنْزالِ مَن لا يُوافِقُهُنَّ، أوْ بِشَغْلِ مَكانِهِنَّ، أوْ غَيْرِ ذَلِكَ حَتّى تَضْطَرُّوهُنَّ إلى الخُرُوجِ. وقِيلَ: هَذِهِ المُضارَّةُ مُراجَعَتُها إذا بَقِيَ مِن عِدَّتِها قَلِيلٌ، ثُمَّ يُطَلِّقُها فَيَطُولُ حَبْسُها في عِدَّتِهِ الثّانِيَةِ. وقِيلَ: إلْجاؤُها إلى أنْ تَفْتَدِيَ مِنهُ. ﴿وإنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ﴾ لا خِلافَ في وُجُوبِ سُكْناها ونَفَقَتِها، بُتَّتْ أوْ لَمْ تُبَتَّ. فَإنْ كانَ مُتَوَفّى عَنْها، فَأكْثَرُ العُلَماءِ عَلى أنَّها لا نَفَقَةَ لَها. وعَنْ عَلِيٍّ وابْنِ مَسْعُودٍ: تَجِبُ نَفَقَتُها في التَّرِكَةِ. ﴿فَإنْ أرْضَعْنَ لَكُمْ﴾ أيْ: ولَدْنَ وأرْضَعْنَ المَوْلُودَ وجَبَ لَها النَّفَقَةُ، وهي الأجْرُ والكُسْوَةُ وسائِرُ المُؤَنِ عَلى ما قُرِّرَ في كُتُبِ الفِقْهِ، ولا يَجُوزُ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ وأصْحابِهِ الِاسْتِئْجارُ إذا كانَ الوَلَدُ بَيْنَهُنَّ ما لَمْ يَبِنَّ، ويَجُوزُ عِنْدَ الشّافِعِيِّ. وفي تَعْمِيمِ المُطَلَّقاتِ بِالسُّكْنى، وتَخْصِيصُ أُولاتِ الأحْمالِ بِالنَّفَقَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ غَيْرَها مِنَ المُطَلَّقاتِ لا يُشارِكُها في النَّفَقَةِ، وتُشارِكُهُنَّ في السُّكْنى. (وائْتَمِرُوا) افْتَعِلُوا مِنَ الأمْرِ، يُقالُ: ائْتَمَرَ القَوْمُ وتَأمَّرُوا، إذا أمَرَ بَعْضُهم بَعْضًا. والخِطابُ لِلْآباءِ والأُمَّهاتِ، أيْ: ولْيَأْمُرْ بَعْضُكم بَعْضًا ﴿بِمَعْرُوفٍ﴾ أيْ: في الأُجْرَةِ والإرْضاعِ، والمَعْرُوفِ: الجَمِيلُ بِأنْ تُسامِحَ الأُمُّ، ولا يُماكِسَ الأبُ لِأنَّهُ ولَدُهُما مَعًا، وهُما شَرِيكانِ فِيهِ، وفي وُجُوبِ الإشْفاقِ عَلَيْهِ. وقالَ الكِسائِيُّ: (وائْتَمِرُوا) تَشاوَرُوا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ المَلَأ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ [القصص: ٢٠] وقَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: ؎ويَعْدُو عَلى المَرْءِ ما يَأْتَمِرُ وقِيلَ: المَعْرُوفُ الكُسْوَةُ والدِّثارُ. ﴿وإنْ تَعاسَرْتُمْ﴾ أيْ: تَضايَقْتُمْ وتَشاكَسْتُمْ، فَلَمْ تَرْضَ إلّا بِما تَرْضى بِهِ الأجْنَبِيَّةُ، وأبى الزَّوْجُ الزِّيادَةَ، أوْ إنْ أبى الزَّوْجُ الإرْضاعَ إلّا مَجّانًا، وأبَتْ هي إلّا بَعِوَضٍ ﴿فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى﴾ أيْ: يَسْتَأْجِرُ غَيْرَها، ولَيْسَ لَهُ إكْراهُها. فَإنْ لَمْ يَقْبَلْ إلّا ثَدْيَ أُمِّهِ، أُجْبِرَتْ عَلى الإرْضاعِ بِأُجْرَةٍ مِثْلِها، ولا يَخْتَصُّ هَذا الحُكْمُ مِن وُجُوبِ أُجْرَةِ الرَّضاعِ بِالمُطَلَّقَةِ، بَلِ المَنكُوحَةُ في مَعْناها. وقِيلَ: فَسَتُرْضِعُ خَبَرٌ في مَعْنى الأمْرِ، أيْ: فَلْتُرْضِعْ لَهُ أُخْرى. وفي قَوْلِهِ: ﴿فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى﴾ يَسِيرُ مُعاتَبَةٍ لِلْأُمِّ إذا تَعاسَرَتْ، كَما تَقُولُ لِمَن تَسْتَقْضِيهِ حاجَةً فَيَتَوانى: سَيَقْضِيها غَيْرُكَ، تُرِيدُ: لَنْ تَبْقى غَيْرَ مَقْضِيَّةٍ وأنْتَ مَلُومٌ. والضَّمِيرُ في ”لَهُ“ عائِدٌ عَلى الأبِ، كَما تَعَدّى في قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ أرْضَعْنَ لَكُمْ﴾ أيْ: لِلْأزْواجِ. (لِيُنْفِقْ) المُوسِرُ والمَقْدُورُ عَلَيْهِ ما بَلَغَهُ وُسْعُهُ، أيْ عَلى المُطَلَّقاتِ والمُرْضِعاتِ، ولا يُكَلَّفُ ما لا يُطِيقُهُ. والظّاهِرُ أنَّ المَأْمُورَ بِالإنْفاقِ الأزْواجُ، وهَذا أصْلٌ في وُجُوبِ نَفَقَةِ الوَلَدِ عَلى الوالِدِ دُونَ الأُمِّ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ المَوّازِ: إنَّها عَلى الأبَوَيْنِ عَلى قَدْرِ المِيراثِ. وفي الحَدِيثِ: ”يَقُولُ لَكَ ابْنُكَ أنْفِقْ عَلَيَّ إلى مَن تَكِلُنِي“ . ذَكَرَهُ في صَحِيحِ البُخارِيِّ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (لِيُنْفِقْ) بِلامِ الأمْرِ، وحَكى أبُو مُعاذٍ: (لِيُنْفِقَ) (p-٢٨٦)بِلامِ كَيْ ونَصَبَ القافَ، ويَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: شَرْعُنا ذَلِكَ لِيُنْفِقَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (قُدِرَ) مُخَفَّفًا. وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: مُشَدَّدُ الدّالِ، سَيَجْعَلُ اللَّهُ وعْدًا لِمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ، يَفْتَحُ لَهُ أبْوابَ الرِّزْقِ. ولا يَخْتَصُّ هَذا الوَعْدُ بِفُقَراءِ ذَلِكَ الوَقْتِ، ولا بِفُقَراءِ الأزْواجِ مُطْلَقًا، بَلْ مَن أنْفَقَ ما قُدِرَ عَلَيْهِ ولَمْ يُقَصِّرْ، ولَوْ عَجَزَ عَنْ نَفَقَةِ امْرَأتِهِ. فَقالَ أبُو هُرَيْرَةَ والحَسَنُ وابْنُ المُسَيَّبِ ومالِكٌ والشّافِعِيُّ وأحْمَدُ وإسْحاقُ: يُفَرَّقُ بَيْنَهُما. وقالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ وجَماعَةٌ: لا يُفَرَّقُ بَيْنَهُما.

الطلاق 65:6

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿واللّائِي يَئِسْنَ مِنَ المَحِيضِ مِن نِسائِكم إنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أشْهُرٍ واللّائِي لَمْ يَحِضْنَ وأُولاتُ الأحْمالِ أجَلُهُنَّ أنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ومَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِن أمْرِهِ يُسْرًا﴾ ﴿ذَلِكَ أمْرُ اللَّهِ أنْزَلَهُ إلَيْكم ومَن يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ ويُعْظِمْ لَهُ أجْرًا﴾ ﴿أسْكِنُوهُنَّ مِن حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِن وُجْدِكم ولا تُضارُوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وإنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإنْ أرْضَعْنَ لَكم فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وائْتَمِرُوا بَيْنَكم بِمَعْرُوفٍ وإنْ تَعاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى﴾ ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِن سَعَتِهِ ومَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمّا آتاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلّا ما آتاها سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ . (p-٢٨٤)ورُوِيَ أنَّ قَوْمًا، مِنهم أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وخَلّادُ بْنُ النُّعْمانِ، لَمّا سَمِعُوا قَوْلَهُ: ﴿والمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، فَما عِدَّةُ مَن لا قُرْءَ لَها مِن صِغَرٍ أوْ كِبَرٍ ؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، فَقالَ قائِلٌ: فَما عِدَّةُ الحامِلِ ؟ فَنَزَلَتْ ﴿وأُولاتُ الأحْمالِ﴾ . وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يَئِسْنَ) فِعْلًا ماضِيًّا. وقُرِئَ: بِياءَيْنِ مُضارِعًا، ومَعْنى ﴿إنِ ارْتَبْتُمْ﴾ في أنَّها يَئِسَتْ أمْ لا؛ لِأجْلِ مَكانِ ظُهُورِ الحَمْلِ، وإنْ كانَ انْقَطَعَ دَمُها. وقِيلَ: إنِ ارْتَبْتُمْ في دَمِ البالِغاتِ مَبْلَغَ اليَأْسِ، أهُوَ دَمُ حَيْضٍ أوِ اسْتِحاضَةٍ ؟ وإذا كانَتْ هَذِهِ عِدَّةَ المُرْتابِ بِها، فَغَيْرُ المُرْتابِ بِها أوْلى بِذَلِكَ. وقَدَّرَ بَعْضُهم مَبْلَغَ اليَأْسِ بِسِتِّينَ سَنَةً، وبَعْضُهم بِخَمْسٍ وخَمْسِينَ. وقِيلَ: غالِبُ سِنِّ يَأْسِ عَشِيرَةِ المَرْأةِ. وقِيلَ: أقْصى عادَةِ امْرَأةٍ في العالَمِ. وقالَ مُجاهِدٌ: الآيَةُ وارِدَةٌ في المُسْتَحاضَةِ أطْبَقَ بِها الدَّمُ، لا نَدْرِي أهُوَ دَمُ حَيْضٍ أوْ دَمُ عِلَّةٍ. وقِيلَ: ﴿إنِ ارْتَبْتُمْ﴾ شَكَكْتُمْ في حالِهِنَّ وحُكْمِهِنَّ فَلَمْ تَدْرُوا ما حُكْمُهُنَّ، فالحُكْمُ أنَّ عِدَّتَهُنَّ ثَلاثَةُ أشْهُرٍ. واخْتارَ الطَّبَرِيُّ أنَّ مَعْنى ﴿إنِ ارْتَبْتُمْ﴾ شَكَكْتُمْ فَلَمْ تَدْرُوا ما الحُكْمُ، فَقِيلَ: ﴿إنِ ارْتَبْتُمْ﴾ أيْ: إنْ تَيَقَّنْتُمْ إياسَهُنَّ، وهو مِنَ الأضْدادِ. وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى إنِ ارْتَبْتُمْ في حَيْضِها، وقَدِ انْقَطَعَ عَنْها الدَّمُ، وكانَتْ مِمّا يَحِيضُ مِثْلُها. وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: ﴿إنِ ارْتَبْتُمْ﴾ هو لِلْمُخاطَبِينَ، أيْ: إنْ لَمْ تَعْلَمُوا عِدَّةَ الآيِسَةِ ﴿واللّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ فالعِدَّةُ هَذِهِ، فَتَلَخَّصَ في قَوْلِهِ: ﴿إنِ ارْتَبْتُمْ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما، أنَّهُ عَلى ظاهِرِ مَفْهُومِ اللُّغَةِ فِيهِ، وهو حُصُولُ الشَّكِّ، والآخَرُ أنَّ مَعْناهُ التَّيَقُّنُ لِلْإياسِ، والقَوْلُ الأوَّلُ مَعْناهُ: إنِ ارْتَبْتُمْ في دَمِها، أهُوَ دَمُ حَيْضٍ أوْ دَمُ عِلَّةٍ ؟ أوْ إنِ ارْتَبْتُمْ في عُلُوقٍ بِحَمْلٍ أمْ لا، أوْ إنِ ارْتَبْتُمْ أيْ: جَهِلْتُمْ عِدَّتَهُنَّ، أقْوالٌ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿واللّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ يَشْمَلُ مَن لَمْ يَحِضْ لِصِغَرٍ، ومَن لا يَكُونُ لَها حَيْضٌ البَتَّةَ، وهو مَوْجُودٌ في النِّساءِ، وهو أنَّها تَعِيشُ إلى أنْ تَمُوتَ ولا تَحِيضَ. ومَن أتى عَلَيْها زَمانُ الحَيْضِ وما بَلَغَتْ بِهِ ولَمْ تَحِضْ، فَقِيلَ: هَذِهِ تَعْتَدُّ سَنَةً. ﴿واللّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿واللّائِي يَئِسْنَ﴾ فَإعْرابُهُ مُبْتَدَأٌ كَإعْرابِ ﴿واللّائِي يَئِسْنَ﴾ وقَدَّرُوا خَبَرَهُ جُمْلَةً مِن جِنْسِ خَبَرِ الأوَّلِ، أيْ: عِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أشْهُرٍ، والأوْلى أنْ يُقَدَّرَ مِثْلُ أُولَئِكَ أوْ كَذَلِكَ، فَيَكُونُ المُقَدَّرُ مُفْرَدًا جُمْلَةً. ﴿وأُولاتُ الأحْمالِ﴾ عامٌّ في المُطَلَّقَةِ وفي المُتَوَفّى عَنْها زَوْجُها، وهو قَوْلُ عُمَرَ وابْنِ مَسْعُودٍ وأبِي مَسْعُودٍ البَدْرِيِّ وأبِي هُرَيْرَةَ وفُقَهاءِ الأمْصارِ. وقالَ عَلِيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ: ﴿وأُولاتُ الأحْمالِ﴾ في المُطَّلَقاتِ، وأمّا المُتَوَفّى عَنْها فَعِدَّتُها أقْصى الأجَلَيْنِ، فَلَوْ وضَعَتْ قَبْلَ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ وعَشْرٍ صَبَرَتْ إلى آخِرِها، والحُجَّةُ عَلَيْها حَدِيثُ سُبَيْعَةَ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: مَن شاءَ لاعَنْتُهُ، ما نَزَلَتْ ﴿وأُولاتُ الأحْمالِ﴾ إلّا بَعْدَ آيَةِ المُتَوَفّى عَنْها زَوْجُها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (حَمْلَهُنَّ) مُفْرَدًا. والضَّحّاكُ: ”أحْمالَهُنَّ“ جَمْعًا. ﴿ذَلِكَ أمْرُ اللَّهِ﴾ يُرِيدُ ما عَلَّمَ مِن حُكْمِ المُعْتَدّاتِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (ويُعْظِمْ) بِالياءِ مُضارِعُ أعْظَمَ. والأعْمَشُ: نُعْظِمُ بِالنُّونِ، خُرُوجًا مِنَ الغَيْبَةِ لِلتَّكَلُّمِ. وابْنُ مِقْسَمٍ: بِالياءِ والتَّشْدِيدِ مُضارِعُ عَظَّمَ مُشَدَّدًا. ولَمّا كانَ الكَلامُ في أمْرِ المُطَلَّقاتِ وأحْكامِهِنَّ مِنَ العِدَدِ وغَيْرِها، وكُنْ لا يُطَلِّقُهُنَّ أزْواجُهُنَّ إلّا عَنْ بُغْضٍ لَهُنَّ وكَراهَةٍ، جاءَ عَقِيبَ بَعْضِ الجُمَلِ الأمْرُ بِالتَّقْوى مِن حَيْثُ المَعْنى، مُبْرَزًا في صُورَةِ شَرْطٍ وجَزاءٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن يَتَّقِ اللَّهَ﴾ إذِ الزَّوْجُ المُطَلِّقُ قَدْ يَنْسُبُ إلى مُطَلَّقَتِهِ بَعْضَ ما يُشِينُها بِهِ ويُنَفِّرُ الخُطّابَ عَنْها، ويُوهِمُ أنَّهُ إنَّما فارَقَها لِأمْرٍ ظَهَرَ لَهُ مِنها، فَلِذَلِكَ تَكَرَّرَ قَوْلُهُ: ﴿ومَن يَتَّقِ اللَّهَ﴾ في العَمَلِ بِما أنْزَلَهُ مِن هَذِهِ الأحْكامِ، وحافَظَ عَلى الحُقُوقِ الواجِبَةِ عَلَيْهِ مِن تَرْكِ الضِّرارِ والنَّفَقَةِ عَلى المُعْتَدّاتِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَلْزَمُهُ، يُرَتِّبُ لَهُ تَكْفِيرَ السَّيِّئاتِ وإعْظامَ الأجْرِ. و”مِن“ في ﴿مِن حَيْثُ سَكَنْتُمْ﴾ لِلتَّبْعِيضِ أيْ: بَعْضُ مَكانِ سُكْناكم. وقالَ قَتادَةُ: إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ إلّا بَيْتٌ واحِدٌ أسْكَنَها في بَعْضِ جَوانِبِهِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقالَ الحَوْفِيُّ: ”مِن“ لِابْتِداءِ الغايَةِ، وكَذا قالَ أبُو البَقاءِ. و﴿مِن وُجْدِكُمْ﴾ . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): فَقَوْلُهُ: ﴿مِن وُجْدِكُمْ﴾ . (قُلْتُ): (p-٢٨٥)هُوَ عَطْفُ بَيانٍ، كَقَوْلِهِ: ﴿مِن حَيْثُ سَكَنْتُمْ﴾ وتَفْسِيرٌ لَهُ، كَأنَّهُ قِيلَ: أسْكِنُوهُنَّ مَكانًا مِن مَسْكَنِكم مِمّا تُطِيقُونَهُ، والوُجْدُ: الوُسْعُ والطّاقَةُ. انْتَهى. ولا نَعْرِفُ عَطْفَ بَيانٍ يُعادُ فِيهِ العامِلُ، إنَّما هَذا طَرِيقَةُ البَدَلِ مَعَ حَرْفِ الجَرِّ، ولِذَلِكَ أعْرَبَهُ أبُو البَقاءِ بَدَلًا مِن قَوْلِهِ: ﴿مِن حَيْثُ سَكَنْتُمْ﴾ . وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿مِن وُجْدِكُمْ﴾ بِضَمِّ الواوِ. والحَسَنُ والأعْرَجُ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ وأبُو حَيْوَةَ: بِفَتْحِها. والفَيّاضُ بْنُ غَزَوانَ وعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ ويَعْقُوبُ: بِكَسْرِها، وذَكَرَها الَمَهْدَوِيُّ عَنِ الأعْرَجِ، وهي لُغاتٌ ثَلاثَةٌ بِمَعْنى: الوُسْعِ. والوَجْدُ بِالفَتْحِ، يُسْتَعْمَلُ في الحُزْنِ والغَضَبِ والحُبِّ، ويُقالُ: وجَدْتُ في المالِ، ووَجَدْتُ عَلى الرَّجُلِ وجْدًا ومَوْجِدَةً، ووَجَدْتُ الضّالَّةَ وِجْدانًا، والوُجْدُ بِالضَّمِّ: الغِنى والقُدْرَةُ، يُقالُ: افْتَقَرَ الرَّجُلُ بَعْدَ وُجْدٍ. وأمَرَ - تَعالى - بِإسْكانِ المُطَلَّقاتِ، ولا خِلافَ في ذَلِكَ في الَّتِي لَمْ تُبَتَّ. وأمّا المَبْتُوتُةُ، فَقالَ ابْنُ المُسَيَّبِ وسُلَيْمانُ بْنُ يَسارٍ وعَطاءٌ، والشَّعْبِيُّ والحَسَنُ ومالِكٌ والأوْزاعِيُّ وابْنُ أبِي لَيْلى والشّافِعِيُّ وأبُو عُبَيْدٍ: لَها السُّكْنى، ولا نَفَقَةَ لَها. وقالَ الثَّوْرِيُّ وأبُو حَنِيفَةَ: لَها السُّكْنى والنَّفَقَةُ. وقالَ الحَسَنُ وحَمّادٌ وأحْمَدُ وإسْحاقُ وأبُو ثَوْرٍ: لا سُكْنى لَها ولا نَفَقَةَ. ﴿ولا تُضارُّوهُنَّ﴾ ولا تَسْتَعْمِلُوا مَعَهُنَّ الضِّرارَ ﴿لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ في المَسْكَنِ بِبَعْضِ الأسْبابِ مِن إنْزالِ مَن لا يُوافِقُهُنَّ، أوْ بِشَغْلِ مَكانِهِنَّ، أوْ غَيْرِ ذَلِكَ حَتّى تَضْطَرُّوهُنَّ إلى الخُرُوجِ. وقِيلَ: هَذِهِ المُضارَّةُ مُراجَعَتُها إذا بَقِيَ مِن عِدَّتِها قَلِيلٌ، ثُمَّ يُطَلِّقُها فَيَطُولُ حَبْسُها في عِدَّتِهِ الثّانِيَةِ. وقِيلَ: إلْجاؤُها إلى أنْ تَفْتَدِيَ مِنهُ. ﴿وإنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ﴾ لا خِلافَ في وُجُوبِ سُكْناها ونَفَقَتِها، بُتَّتْ أوْ لَمْ تُبَتَّ. فَإنْ كانَ مُتَوَفّى عَنْها، فَأكْثَرُ العُلَماءِ عَلى أنَّها لا نَفَقَةَ لَها. وعَنْ عَلِيٍّ وابْنِ مَسْعُودٍ: تَجِبُ نَفَقَتُها في التَّرِكَةِ. ﴿فَإنْ أرْضَعْنَ لَكُمْ﴾ أيْ: ولَدْنَ وأرْضَعْنَ المَوْلُودَ وجَبَ لَها النَّفَقَةُ، وهي الأجْرُ والكُسْوَةُ وسائِرُ المُؤَنِ عَلى ما قُرِّرَ في كُتُبِ الفِقْهِ، ولا يَجُوزُ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ وأصْحابِهِ الِاسْتِئْجارُ إذا كانَ الوَلَدُ بَيْنَهُنَّ ما لَمْ يَبِنَّ، ويَجُوزُ عِنْدَ الشّافِعِيِّ. وفي تَعْمِيمِ المُطَلَّقاتِ بِالسُّكْنى، وتَخْصِيصُ أُولاتِ الأحْمالِ بِالنَّفَقَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ غَيْرَها مِنَ المُطَلَّقاتِ لا يُشارِكُها في النَّفَقَةِ، وتُشارِكُهُنَّ في السُّكْنى. (وائْتَمِرُوا) افْتَعِلُوا مِنَ الأمْرِ، يُقالُ: ائْتَمَرَ القَوْمُ وتَأمَّرُوا، إذا أمَرَ بَعْضُهم بَعْضًا. والخِطابُ لِلْآباءِ والأُمَّهاتِ، أيْ: ولْيَأْمُرْ بَعْضُكم بَعْضًا ﴿بِمَعْرُوفٍ﴾ أيْ: في الأُجْرَةِ والإرْضاعِ، والمَعْرُوفِ: الجَمِيلُ بِأنْ تُسامِحَ الأُمُّ، ولا يُماكِسَ الأبُ لِأنَّهُ ولَدُهُما مَعًا، وهُما شَرِيكانِ فِيهِ، وفي وُجُوبِ الإشْفاقِ عَلَيْهِ. وقالَ الكِسائِيُّ: (وائْتَمِرُوا) تَشاوَرُوا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ المَلَأ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ [القصص: ٢٠] وقَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: ؎ويَعْدُو عَلى المَرْءِ ما يَأْتَمِرُ وقِيلَ: المَعْرُوفُ الكُسْوَةُ والدِّثارُ. ﴿وإنْ تَعاسَرْتُمْ﴾ أيْ: تَضايَقْتُمْ وتَشاكَسْتُمْ، فَلَمْ تَرْضَ إلّا بِما تَرْضى بِهِ الأجْنَبِيَّةُ، وأبى الزَّوْجُ الزِّيادَةَ، أوْ إنْ أبى الزَّوْجُ الإرْضاعَ إلّا مَجّانًا، وأبَتْ هي إلّا بَعِوَضٍ ﴿فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى﴾ أيْ: يَسْتَأْجِرُ غَيْرَها، ولَيْسَ لَهُ إكْراهُها. فَإنْ لَمْ يَقْبَلْ إلّا ثَدْيَ أُمِّهِ، أُجْبِرَتْ عَلى الإرْضاعِ بِأُجْرَةٍ مِثْلِها، ولا يَخْتَصُّ هَذا الحُكْمُ مِن وُجُوبِ أُجْرَةِ الرَّضاعِ بِالمُطَلَّقَةِ، بَلِ المَنكُوحَةُ في مَعْناها. وقِيلَ: فَسَتُرْضِعُ خَبَرٌ في مَعْنى الأمْرِ، أيْ: فَلْتُرْضِعْ لَهُ أُخْرى. وفي قَوْلِهِ: ﴿فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى﴾ يَسِيرُ مُعاتَبَةٍ لِلْأُمِّ إذا تَعاسَرَتْ، كَما تَقُولُ لِمَن تَسْتَقْضِيهِ حاجَةً فَيَتَوانى: سَيَقْضِيها غَيْرُكَ، تُرِيدُ: لَنْ تَبْقى غَيْرَ مَقْضِيَّةٍ وأنْتَ مَلُومٌ. والضَّمِيرُ في ”لَهُ“ عائِدٌ عَلى الأبِ، كَما تَعَدّى في قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ أرْضَعْنَ لَكُمْ﴾ أيْ: لِلْأزْواجِ. (لِيُنْفِقْ) المُوسِرُ والمَقْدُورُ عَلَيْهِ ما بَلَغَهُ وُسْعُهُ، أيْ عَلى المُطَلَّقاتِ والمُرْضِعاتِ، ولا يُكَلَّفُ ما لا يُطِيقُهُ. والظّاهِرُ أنَّ المَأْمُورَ بِالإنْفاقِ الأزْواجُ، وهَذا أصْلٌ في وُجُوبِ نَفَقَةِ الوَلَدِ عَلى الوالِدِ دُونَ الأُمِّ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ المَوّازِ: إنَّها عَلى الأبَوَيْنِ عَلى قَدْرِ المِيراثِ. وفي الحَدِيثِ: ”يَقُولُ لَكَ ابْنُكَ أنْفِقْ عَلَيَّ إلى مَن تَكِلُنِي“ . ذَكَرَهُ في صَحِيحِ البُخارِيِّ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (لِيُنْفِقْ) بِلامِ الأمْرِ، وحَكى أبُو مُعاذٍ: (لِيُنْفِقَ) (p-٢٨٦)بِلامِ كَيْ ونَصَبَ القافَ، ويَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: شَرْعُنا ذَلِكَ لِيُنْفِقَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (قُدِرَ) مُخَفَّفًا. وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: مُشَدَّدُ الدّالِ، سَيَجْعَلُ اللَّهُ وعْدًا لِمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ، يَفْتَحُ لَهُ أبْوابَ الرِّزْقِ. ولا يَخْتَصُّ هَذا الوَعْدُ بِفُقَراءِ ذَلِكَ الوَقْتِ، ولا بِفُقَراءِ الأزْواجِ مُطْلَقًا، بَلْ مَن أنْفَقَ ما قُدِرَ عَلَيْهِ ولَمْ يُقَصِّرْ، ولَوْ عَجَزَ عَنْ نَفَقَةِ امْرَأتِهِ. فَقالَ أبُو هُرَيْرَةَ والحَسَنُ وابْنُ المُسَيَّبِ ومالِكٌ والشّافِعِيُّ وأحْمَدُ وإسْحاقُ: يُفَرَّقُ بَيْنَهُما. وقالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ وجَماعَةٌ: لا يُفَرَّقُ بَيْنَهُما.

الطلاق 65:7

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿واللّائِي يَئِسْنَ مِنَ المَحِيضِ مِن نِسائِكم إنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أشْهُرٍ واللّائِي لَمْ يَحِضْنَ وأُولاتُ الأحْمالِ أجَلُهُنَّ أنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ومَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِن أمْرِهِ يُسْرًا﴾ ﴿ذَلِكَ أمْرُ اللَّهِ أنْزَلَهُ إلَيْكم ومَن يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ ويُعْظِمْ لَهُ أجْرًا﴾ ﴿أسْكِنُوهُنَّ مِن حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِن وُجْدِكم ولا تُضارُوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وإنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإنْ أرْضَعْنَ لَكم فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وائْتَمِرُوا بَيْنَكم بِمَعْرُوفٍ وإنْ تَعاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى﴾ ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِن سَعَتِهِ ومَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمّا آتاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلّا ما آتاها سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ . (p-٢٨٤)ورُوِيَ أنَّ قَوْمًا، مِنهم أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وخَلّادُ بْنُ النُّعْمانِ، لَمّا سَمِعُوا قَوْلَهُ: ﴿والمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، فَما عِدَّةُ مَن لا قُرْءَ لَها مِن صِغَرٍ أوْ كِبَرٍ ؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، فَقالَ قائِلٌ: فَما عِدَّةُ الحامِلِ ؟ فَنَزَلَتْ ﴿وأُولاتُ الأحْمالِ﴾ . وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يَئِسْنَ) فِعْلًا ماضِيًّا. وقُرِئَ: بِياءَيْنِ مُضارِعًا، ومَعْنى ﴿إنِ ارْتَبْتُمْ﴾ في أنَّها يَئِسَتْ أمْ لا؛ لِأجْلِ مَكانِ ظُهُورِ الحَمْلِ، وإنْ كانَ انْقَطَعَ دَمُها. وقِيلَ: إنِ ارْتَبْتُمْ في دَمِ البالِغاتِ مَبْلَغَ اليَأْسِ، أهُوَ دَمُ حَيْضٍ أوِ اسْتِحاضَةٍ ؟ وإذا كانَتْ هَذِهِ عِدَّةَ المُرْتابِ بِها، فَغَيْرُ المُرْتابِ بِها أوْلى بِذَلِكَ. وقَدَّرَ بَعْضُهم مَبْلَغَ اليَأْسِ بِسِتِّينَ سَنَةً، وبَعْضُهم بِخَمْسٍ وخَمْسِينَ. وقِيلَ: غالِبُ سِنِّ يَأْسِ عَشِيرَةِ المَرْأةِ. وقِيلَ: أقْصى عادَةِ امْرَأةٍ في العالَمِ. وقالَ مُجاهِدٌ: الآيَةُ وارِدَةٌ في المُسْتَحاضَةِ أطْبَقَ بِها الدَّمُ، لا نَدْرِي أهُوَ دَمُ حَيْضٍ أوْ دَمُ عِلَّةٍ. وقِيلَ: ﴿إنِ ارْتَبْتُمْ﴾ شَكَكْتُمْ في حالِهِنَّ وحُكْمِهِنَّ فَلَمْ تَدْرُوا ما حُكْمُهُنَّ، فالحُكْمُ أنَّ عِدَّتَهُنَّ ثَلاثَةُ أشْهُرٍ. واخْتارَ الطَّبَرِيُّ أنَّ مَعْنى ﴿إنِ ارْتَبْتُمْ﴾ شَكَكْتُمْ فَلَمْ تَدْرُوا ما الحُكْمُ، فَقِيلَ: ﴿إنِ ارْتَبْتُمْ﴾ أيْ: إنْ تَيَقَّنْتُمْ إياسَهُنَّ، وهو مِنَ الأضْدادِ. وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى إنِ ارْتَبْتُمْ في حَيْضِها، وقَدِ انْقَطَعَ عَنْها الدَّمُ، وكانَتْ مِمّا يَحِيضُ مِثْلُها. وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: ﴿إنِ ارْتَبْتُمْ﴾ هو لِلْمُخاطَبِينَ، أيْ: إنْ لَمْ تَعْلَمُوا عِدَّةَ الآيِسَةِ ﴿واللّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ فالعِدَّةُ هَذِهِ، فَتَلَخَّصَ في قَوْلِهِ: ﴿إنِ ارْتَبْتُمْ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما، أنَّهُ عَلى ظاهِرِ مَفْهُومِ اللُّغَةِ فِيهِ، وهو حُصُولُ الشَّكِّ، والآخَرُ أنَّ مَعْناهُ التَّيَقُّنُ لِلْإياسِ، والقَوْلُ الأوَّلُ مَعْناهُ: إنِ ارْتَبْتُمْ في دَمِها، أهُوَ دَمُ حَيْضٍ أوْ دَمُ عِلَّةٍ ؟ أوْ إنِ ارْتَبْتُمْ في عُلُوقٍ بِحَمْلٍ أمْ لا، أوْ إنِ ارْتَبْتُمْ أيْ: جَهِلْتُمْ عِدَّتَهُنَّ، أقْوالٌ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿واللّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ يَشْمَلُ مَن لَمْ يَحِضْ لِصِغَرٍ، ومَن لا يَكُونُ لَها حَيْضٌ البَتَّةَ، وهو مَوْجُودٌ في النِّساءِ، وهو أنَّها تَعِيشُ إلى أنْ تَمُوتَ ولا تَحِيضَ. ومَن أتى عَلَيْها زَمانُ الحَيْضِ وما بَلَغَتْ بِهِ ولَمْ تَحِضْ، فَقِيلَ: هَذِهِ تَعْتَدُّ سَنَةً. ﴿واللّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿واللّائِي يَئِسْنَ﴾ فَإعْرابُهُ مُبْتَدَأٌ كَإعْرابِ ﴿واللّائِي يَئِسْنَ﴾ وقَدَّرُوا خَبَرَهُ جُمْلَةً مِن جِنْسِ خَبَرِ الأوَّلِ، أيْ: عِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أشْهُرٍ، والأوْلى أنْ يُقَدَّرَ مِثْلُ أُولَئِكَ أوْ كَذَلِكَ، فَيَكُونُ المُقَدَّرُ مُفْرَدًا جُمْلَةً. ﴿وأُولاتُ الأحْمالِ﴾ عامٌّ في المُطَلَّقَةِ وفي المُتَوَفّى عَنْها زَوْجُها، وهو قَوْلُ عُمَرَ وابْنِ مَسْعُودٍ وأبِي مَسْعُودٍ البَدْرِيِّ وأبِي هُرَيْرَةَ وفُقَهاءِ الأمْصارِ. وقالَ عَلِيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ: ﴿وأُولاتُ الأحْمالِ﴾ في المُطَّلَقاتِ، وأمّا المُتَوَفّى عَنْها فَعِدَّتُها أقْصى الأجَلَيْنِ، فَلَوْ وضَعَتْ قَبْلَ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ وعَشْرٍ صَبَرَتْ إلى آخِرِها، والحُجَّةُ عَلَيْها حَدِيثُ سُبَيْعَةَ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: مَن شاءَ لاعَنْتُهُ، ما نَزَلَتْ ﴿وأُولاتُ الأحْمالِ﴾ إلّا بَعْدَ آيَةِ المُتَوَفّى عَنْها زَوْجُها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (حَمْلَهُنَّ) مُفْرَدًا. والضَّحّاكُ: ”أحْمالَهُنَّ“ جَمْعًا. ﴿ذَلِكَ أمْرُ اللَّهِ﴾ يُرِيدُ ما عَلَّمَ مِن حُكْمِ المُعْتَدّاتِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (ويُعْظِمْ) بِالياءِ مُضارِعُ أعْظَمَ. والأعْمَشُ: نُعْظِمُ بِالنُّونِ، خُرُوجًا مِنَ الغَيْبَةِ لِلتَّكَلُّمِ. وابْنُ مِقْسَمٍ: بِالياءِ والتَّشْدِيدِ مُضارِعُ عَظَّمَ مُشَدَّدًا. ولَمّا كانَ الكَلامُ في أمْرِ المُطَلَّقاتِ وأحْكامِهِنَّ مِنَ العِدَدِ وغَيْرِها، وكُنْ لا يُطَلِّقُهُنَّ أزْواجُهُنَّ إلّا عَنْ بُغْضٍ لَهُنَّ وكَراهَةٍ، جاءَ عَقِيبَ بَعْضِ الجُمَلِ الأمْرُ بِالتَّقْوى مِن حَيْثُ المَعْنى، مُبْرَزًا في صُورَةِ شَرْطٍ وجَزاءٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن يَتَّقِ اللَّهَ﴾ إذِ الزَّوْجُ المُطَلِّقُ قَدْ يَنْسُبُ إلى مُطَلَّقَتِهِ بَعْضَ ما يُشِينُها بِهِ ويُنَفِّرُ الخُطّابَ عَنْها، ويُوهِمُ أنَّهُ إنَّما فارَقَها لِأمْرٍ ظَهَرَ لَهُ مِنها، فَلِذَلِكَ تَكَرَّرَ قَوْلُهُ: ﴿ومَن يَتَّقِ اللَّهَ﴾ في العَمَلِ بِما أنْزَلَهُ مِن هَذِهِ الأحْكامِ، وحافَظَ عَلى الحُقُوقِ الواجِبَةِ عَلَيْهِ مِن تَرْكِ الضِّرارِ والنَّفَقَةِ عَلى المُعْتَدّاتِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَلْزَمُهُ، يُرَتِّبُ لَهُ تَكْفِيرَ السَّيِّئاتِ وإعْظامَ الأجْرِ. و”مِن“ في ﴿مِن حَيْثُ سَكَنْتُمْ﴾ لِلتَّبْعِيضِ أيْ: بَعْضُ مَكانِ سُكْناكم. وقالَ قَتادَةُ: إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ إلّا بَيْتٌ واحِدٌ أسْكَنَها في بَعْضِ جَوانِبِهِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقالَ الحَوْفِيُّ: ”مِن“ لِابْتِداءِ الغايَةِ، وكَذا قالَ أبُو البَقاءِ. و﴿مِن وُجْدِكُمْ﴾ . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): فَقَوْلُهُ: ﴿مِن وُجْدِكُمْ﴾ . (قُلْتُ): (p-٢٨٥)هُوَ عَطْفُ بَيانٍ، كَقَوْلِهِ: ﴿مِن حَيْثُ سَكَنْتُمْ﴾ وتَفْسِيرٌ لَهُ، كَأنَّهُ قِيلَ: أسْكِنُوهُنَّ مَكانًا مِن مَسْكَنِكم مِمّا تُطِيقُونَهُ، والوُجْدُ: الوُسْعُ والطّاقَةُ. انْتَهى. ولا نَعْرِفُ عَطْفَ بَيانٍ يُعادُ فِيهِ العامِلُ، إنَّما هَذا طَرِيقَةُ البَدَلِ مَعَ حَرْفِ الجَرِّ، ولِذَلِكَ أعْرَبَهُ أبُو البَقاءِ بَدَلًا مِن قَوْلِهِ: ﴿مِن حَيْثُ سَكَنْتُمْ﴾ . وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿مِن وُجْدِكُمْ﴾ بِضَمِّ الواوِ. والحَسَنُ والأعْرَجُ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ وأبُو حَيْوَةَ: بِفَتْحِها. والفَيّاضُ بْنُ غَزَوانَ وعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ ويَعْقُوبُ: بِكَسْرِها، وذَكَرَها الَمَهْدَوِيُّ عَنِ الأعْرَجِ، وهي لُغاتٌ ثَلاثَةٌ بِمَعْنى: الوُسْعِ. والوَجْدُ بِالفَتْحِ، يُسْتَعْمَلُ في الحُزْنِ والغَضَبِ والحُبِّ، ويُقالُ: وجَدْتُ في المالِ، ووَجَدْتُ عَلى الرَّجُلِ وجْدًا ومَوْجِدَةً، ووَجَدْتُ الضّالَّةَ وِجْدانًا، والوُجْدُ بِالضَّمِّ: الغِنى والقُدْرَةُ، يُقالُ: افْتَقَرَ الرَّجُلُ بَعْدَ وُجْدٍ. وأمَرَ - تَعالى - بِإسْكانِ المُطَلَّقاتِ، ولا خِلافَ في ذَلِكَ في الَّتِي لَمْ تُبَتَّ. وأمّا المَبْتُوتُةُ، فَقالَ ابْنُ المُسَيَّبِ وسُلَيْمانُ بْنُ يَسارٍ وعَطاءٌ، والشَّعْبِيُّ والحَسَنُ ومالِكٌ والأوْزاعِيُّ وابْنُ أبِي لَيْلى والشّافِعِيُّ وأبُو عُبَيْدٍ: لَها السُّكْنى، ولا نَفَقَةَ لَها. وقالَ الثَّوْرِيُّ وأبُو حَنِيفَةَ: لَها السُّكْنى والنَّفَقَةُ. وقالَ الحَسَنُ وحَمّادٌ وأحْمَدُ وإسْحاقُ وأبُو ثَوْرٍ: لا سُكْنى لَها ولا نَفَقَةَ. ﴿ولا تُضارُّوهُنَّ﴾ ولا تَسْتَعْمِلُوا مَعَهُنَّ الضِّرارَ ﴿لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ في المَسْكَنِ بِبَعْضِ الأسْبابِ مِن إنْزالِ مَن لا يُوافِقُهُنَّ، أوْ بِشَغْلِ مَكانِهِنَّ، أوْ غَيْرِ ذَلِكَ حَتّى تَضْطَرُّوهُنَّ إلى الخُرُوجِ. وقِيلَ: هَذِهِ المُضارَّةُ مُراجَعَتُها إذا بَقِيَ مِن عِدَّتِها قَلِيلٌ، ثُمَّ يُطَلِّقُها فَيَطُولُ حَبْسُها في عِدَّتِهِ الثّانِيَةِ. وقِيلَ: إلْجاؤُها إلى أنْ تَفْتَدِيَ مِنهُ. ﴿وإنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ﴾ لا خِلافَ في وُجُوبِ سُكْناها ونَفَقَتِها، بُتَّتْ أوْ لَمْ تُبَتَّ. فَإنْ كانَ مُتَوَفّى عَنْها، فَأكْثَرُ العُلَماءِ عَلى أنَّها لا نَفَقَةَ لَها. وعَنْ عَلِيٍّ وابْنِ مَسْعُودٍ: تَجِبُ نَفَقَتُها في التَّرِكَةِ. ﴿فَإنْ أرْضَعْنَ لَكُمْ﴾ أيْ: ولَدْنَ وأرْضَعْنَ المَوْلُودَ وجَبَ لَها النَّفَقَةُ، وهي الأجْرُ والكُسْوَةُ وسائِرُ المُؤَنِ عَلى ما قُرِّرَ في كُتُبِ الفِقْهِ، ولا يَجُوزُ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ وأصْحابِهِ الِاسْتِئْجارُ إذا كانَ الوَلَدُ بَيْنَهُنَّ ما لَمْ يَبِنَّ، ويَجُوزُ عِنْدَ الشّافِعِيِّ. وفي تَعْمِيمِ المُطَلَّقاتِ بِالسُّكْنى، وتَخْصِيصُ أُولاتِ الأحْمالِ بِالنَّفَقَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ غَيْرَها مِنَ المُطَلَّقاتِ لا يُشارِكُها في النَّفَقَةِ، وتُشارِكُهُنَّ في السُّكْنى. (وائْتَمِرُوا) افْتَعِلُوا مِنَ الأمْرِ، يُقالُ: ائْتَمَرَ القَوْمُ وتَأمَّرُوا، إذا أمَرَ بَعْضُهم بَعْضًا. والخِطابُ لِلْآباءِ والأُمَّهاتِ، أيْ: ولْيَأْمُرْ بَعْضُكم بَعْضًا ﴿بِمَعْرُوفٍ﴾ أيْ: في الأُجْرَةِ والإرْضاعِ، والمَعْرُوفِ: الجَمِيلُ بِأنْ تُسامِحَ الأُمُّ، ولا يُماكِسَ الأبُ لِأنَّهُ ولَدُهُما مَعًا، وهُما شَرِيكانِ فِيهِ، وفي وُجُوبِ الإشْفاقِ عَلَيْهِ. وقالَ الكِسائِيُّ: (وائْتَمِرُوا) تَشاوَرُوا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ المَلَأ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ [القصص: ٢٠] وقَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: ؎ويَعْدُو عَلى المَرْءِ ما يَأْتَمِرُ وقِيلَ: المَعْرُوفُ الكُسْوَةُ والدِّثارُ. ﴿وإنْ تَعاسَرْتُمْ﴾ أيْ: تَضايَقْتُمْ وتَشاكَسْتُمْ، فَلَمْ تَرْضَ إلّا بِما تَرْضى بِهِ الأجْنَبِيَّةُ، وأبى الزَّوْجُ الزِّيادَةَ، أوْ إنْ أبى الزَّوْجُ الإرْضاعَ إلّا مَجّانًا، وأبَتْ هي إلّا بَعِوَضٍ ﴿فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى﴾ أيْ: يَسْتَأْجِرُ غَيْرَها، ولَيْسَ لَهُ إكْراهُها. فَإنْ لَمْ يَقْبَلْ إلّا ثَدْيَ أُمِّهِ، أُجْبِرَتْ عَلى الإرْضاعِ بِأُجْرَةٍ مِثْلِها، ولا يَخْتَصُّ هَذا الحُكْمُ مِن وُجُوبِ أُجْرَةِ الرَّضاعِ بِالمُطَلَّقَةِ، بَلِ المَنكُوحَةُ في مَعْناها. وقِيلَ: فَسَتُرْضِعُ خَبَرٌ في مَعْنى الأمْرِ، أيْ: فَلْتُرْضِعْ لَهُ أُخْرى. وفي قَوْلِهِ: ﴿فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى﴾ يَسِيرُ مُعاتَبَةٍ لِلْأُمِّ إذا تَعاسَرَتْ، كَما تَقُولُ لِمَن تَسْتَقْضِيهِ حاجَةً فَيَتَوانى: سَيَقْضِيها غَيْرُكَ، تُرِيدُ: لَنْ تَبْقى غَيْرَ مَقْضِيَّةٍ وأنْتَ مَلُومٌ. والضَّمِيرُ في ”لَهُ“ عائِدٌ عَلى الأبِ، كَما تَعَدّى في قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ أرْضَعْنَ لَكُمْ﴾ أيْ: لِلْأزْواجِ. (لِيُنْفِقْ) المُوسِرُ والمَقْدُورُ عَلَيْهِ ما بَلَغَهُ وُسْعُهُ، أيْ عَلى المُطَلَّقاتِ والمُرْضِعاتِ، ولا يُكَلَّفُ ما لا يُطِيقُهُ. والظّاهِرُ أنَّ المَأْمُورَ بِالإنْفاقِ الأزْواجُ، وهَذا أصْلٌ في وُجُوبِ نَفَقَةِ الوَلَدِ عَلى الوالِدِ دُونَ الأُمِّ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ المَوّازِ: إنَّها عَلى الأبَوَيْنِ عَلى قَدْرِ المِيراثِ. وفي الحَدِيثِ: ”يَقُولُ لَكَ ابْنُكَ أنْفِقْ عَلَيَّ إلى مَن تَكِلُنِي“ . ذَكَرَهُ في صَحِيحِ البُخارِيِّ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (لِيُنْفِقْ) بِلامِ الأمْرِ، وحَكى أبُو مُعاذٍ: (لِيُنْفِقَ) (p-٢٨٦)بِلامِ كَيْ ونَصَبَ القافَ، ويَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: شَرْعُنا ذَلِكَ لِيُنْفِقَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (قُدِرَ) مُخَفَّفًا. وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: مُشَدَّدُ الدّالِ، سَيَجْعَلُ اللَّهُ وعْدًا لِمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ، يَفْتَحُ لَهُ أبْوابَ الرِّزْقِ. ولا يَخْتَصُّ هَذا الوَعْدُ بِفُقَراءِ ذَلِكَ الوَقْتِ، ولا بِفُقَراءِ الأزْواجِ مُطْلَقًا، بَلْ مَن أنْفَقَ ما قُدِرَ عَلَيْهِ ولَمْ يُقَصِّرْ، ولَوْ عَجَزَ عَنْ نَفَقَةِ امْرَأتِهِ. فَقالَ أبُو هُرَيْرَةَ والحَسَنُ وابْنُ المُسَيَّبِ ومالِكٌ والشّافِعِيُّ وأحْمَدُ وإسْحاقُ: يُفَرَّقُ بَيْنَهُما. وقالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ وجَماعَةٌ: لا يُفَرَّقُ بَيْنَهُما.

الطلاق 65:8

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أمْرِ رَبِّها ورُسُلِهِ فَحاسَبْناها حِسابًا شَدِيدًا وعَذَّبْناها عَذابًا نُكْرًا﴾ ﴿فَذاقَتْ وبالَ أمْرِها وكانَ عاقِبَةُ أمْرِها خُسْرًا﴾ ﴿أعَدَّ اللَّهُ لَهم عَذابًا شَدِيدًا فاتَّقُوا اللَّهَ يا أُولِي الألْبابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أنْزَلَ اللَّهُ إلَيْكم ذِكْرًا﴾ ﴿رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكم آياتِ اللَّهِ مُبَيِّناتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ ومَن يُؤْمِن بِاللَّهِ ويَعْمَلْ صالِحًا يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا قَدْ أحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا﴾ ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ ومِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وأنَّ اللَّهَ قَدْ أحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ . تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ”كَأيِّنْ“ في آلِ عِمْرانَ، وعَلى ”نُكْرًا“ في الكَهْفِ. (عَتَتْ) أعْرَضَتْ ﴿عَنْ أمْرِ رَبِّها﴾ عَلى سَبِيلِ العِنادِ والتَّكَبُّرِ. والظّاهِرُ في (فَحاسَبْناها) الجُمَلُ الأرْبَعَةُ، إنَّ ذَلِكَ في الدُّنْيا لِقَوْلِهِ بَعْدَها: ﴿أعَدَّ اللَّهُ لَهم عَذابًا شَدِيدًا﴾ وظاهِرُهُ أنَّ المُعَدَّ عَذابُ الآخِرَةِ، والحِسابُ الشَّدِيدُ هو الِاسْتِقْصاءُ والمُناقَشَةُ، فَلَمْ تُغْتَفَرْ لَهم زَلَّةٌ، بَلْ أُخِذُوا بِالدَّقائِقِ مِنَ الذُّنُوبِ. وقِيلَ: الجُمَلُ الأرْبَعَةُ مِنَ الحِسابِ والعَذابِ والذَّوْقِ والخُسْرِ في الآخِرَةِ، وجِيءَ بِهِ عَلى لَفْظِ الماضِي، كَقَوْلِهِ: ﴿ونادى أصْحابُ الجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٤٤] ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿أعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ﴾ تَكْرِيرًا لِلْوَعِيدِ وبَيانًا لِكَوْنِهِ مُتَرَقَّبًا، كَأنَّهُ قالَ: أعَدَّ اللَّهُ لَهم هَذا العَذابَ. وقالَ الكَلْبِيُّ: الحِسابُ في الآخِرَةِ، والعَذابُ النَّكِيرُ في الدُّنْيا بِالجُوعِ والقَحْطِ والسَّيْفِ. ولَمّا ذَكَرَ ما حَلَّ بِهَذِهِ القَرْيَةِ العاتِيَةِ، أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِتَقْوى اللَّهِ تَحْذِيرًا مِن عِقابِهِ، ونَبَّهَ عَلى ما يَحُضُّ عَلى التَّقْوى، وهو إنْزالُ الذِّكْرِ. والظّاهِرُ أنَّ الذِّكْرَ هو القُرْآنُ، وأنَّ الرَّسُولَ هو مُحَمَّدٌ، ﷺ . فَإمّا أنْ يُجْعَلَ نَفْسُ الذِّكْرِ مَجازًا لِكَثْرَةٍ يُقَدَّرُ مِنهُ الذِّكْرُ، فَكَأنَّهُ هو الذِّكْرُ، أوْ يَكُونُ بَدَلًا عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: ذِكُرُ رَسُولٍ. وقِيلَ: (رَسُولًا) نَعْتٌ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: ذِكْرًا ذا رَسُولٍ. وقِيلَ: المُضافُ مَحْذُوفٌ مِنَ الأوَّلِ، أيْ: ذا ذِكْرٍ رَسُولًا، فَيَكُونُ (رَسُولًا) نَعْتًا لِذَلِكَ المَحْذُوفِ أوْ بَدَلًا. وقِيلَ: رَسُولٌ بِمَعْنى رِسالَةٍ، فَيَكُونُ بَدَلًا مِن ذِكْرٍ، أوْ يُبْعِدُهُ قَوْلُهُ بَعْدَهُ: ﴿يَتْلُو عَلَيْكُمْ﴾ والرِّسالَةُ لا تُسْنَدُ التِّلاوَةُ إلَيْها إلّا مَجازًا. وقِيلَ: الذِّكْرُ أساسُ أسْماءِ النَّبِيِّ، ﷺ . وقِيلَ: الذِّكْرُ الشَّرَفُ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿وإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: ٤٤] فَيَكُونُ (رَسُولًا) بَدَلًا مِنهُ وبَيانًا لَهُ. وقالَ الكَلْبِيُّ: الرَّسُولُ هَنا جِبْرِيلُ - - عَلَيْهِ السَّلامُ - وتَبِعَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، فَقالَ: (رَسُولًا) هو جِبْرِيلُ - صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِ - أُبْدِلَ مِن (ذِكْرًا) لِأنَّهُ وُصِفَ بِتِلاوَةِ آياتِ اللَّهِ، فَكانَ إنْزالُهُ في مَعْنى إنْزالِ الذِّكْرِ، فَصَحَّ إبْدالُهُ مِنهُ. انْتَهى. ولا يَصِحُّ لِتَبايُنِ المَدْلُولَيْنِ بِالحَقِيقَةِ، ولِكَوْنِهِ لا يَكُونُ بَدَلَ بَعْضٍ ولا بَدَلَ اشْتِمالٍ، وهَذِهِ الأعارِيبُ عَلى أنْ يَكُونَ ذِكْرًا ورَسُولًا لِشَيْءٍ واحِدٍ. وقِيلَ: (رَسُولًا) مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، أيْ بَعَثَ رَسُولًا، أوْ أرْسَلَ رَسُولًا، وحُذِفَ لِدَلالَةِ أنْزَلَ عَلَيْهِ، ونَحا إلى هَذا السُّدِّيُّ، واخْتارَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. وقالَ الزَّجّاجُ وأبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ (رَسُولًا) مَعْمُولًا لِلْمَصْدَرِ الَّذِي هو الذِّكْرُ. انْتَهى. (p-٢٨٧)فَيَكُونُ المَصْدَرُ مُقَدَّرًا بِأنْ، والقَوْلُ تَقْدِيرُهُ: أنْ ذَكَرَ رَسُولًا وعَمِلَ مُنَوَّنًا كَما عَمِلَ، أوْ ﴿إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيمًا﴾ [البلد: ١٤] وكَما قالَ الشّاعِرُ: ؎بِضَرْبٍ بِالسُّيُوفِ رُءُوسَ قَوْمٍ أزَلْنا هامَهُنَّ عَنِ المَقِيلِ وقُرِئَ: رَسُولٌ بِالرَّفْعِ عَلى إضْمارِ هو لِيُخْرِجَ، يَصِحُّ أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ (يَتْلُو) وبِـ (أنْزَلَ) . ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيِ: الَّذِينَ قَضى وقَدَّرَ وأرادَ إيمانَهم، أوْ أطْلَقَ عَلَيْهِمْ آمَنُوا بِاعْتِبارِ ما آلَ أمْرُهم إلَيْهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِيَحْصُلَ لَهم ما هم عَلَيْهِ السّاعَةَ مِنَ الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ؛ لِأنَّهم كانُوا وقْتَ إنْزالِهِ غَيْرَ مُؤْمِنِينَ، وإنَّما آمَنُوا بَعْدَ الإنْزالِ والتَّبْلِيغِ. انْتَهى. والضَّمِيرُ في (لِيُخْرِجَ) عائِدٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، أوْ عَلى الرَّسُولِ ﷺ، أوْ عَلى الذِّكْرِ. ﴿ومَن يُؤْمِن﴾ راعى اللَّفْظَ أوَّلًا في ”مَن“ الشَّرْطِيَّةِ، فَأفْرَدَ الضَّمِيرَ في (يُؤْمِن) (ويَعْمَلْ) و(يُدْخِلْهُ) ثُمَّ راعى المَعْنى في (خالِدِينَ) ثُمَّ راعى اللَّفْظَ في ﴿قَدْ أحْسَنَ اللَّهُ لَهُ﴾ فَأفْرَدَ. واسْتَدَلَّ النَّحْوِيُّونَ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى مُراعاةِ اللَّفْظِ أوَّلًا، ثُمَّ مُراعاةِ المَعْنى، ثُمَّ مُراعاةِ اللَّفْظِ. وأوْرَدَ بَعْضُهم أنَّ هَذا لَيْسَ كَما ذَكَرُوا؛ لِأنَّ الضَّمِيرَ في (خالِدِينَ) لَيْسَ عائِدًا عَلى ”مَن“ بِخِلافِ الضَّمِيرِ في (يُؤْمِن) (ويَعْمَلْ) و(يُدْخِلْهُ) وإنَّما هو عائِدٌ عَلى مَفْعُولِ (يُدْخِلْهُ) و(خالِدِينَ) حالٌ مِنهُ، والعامِلُ فِيها (يُدْخِلْهُ) لا فِعْلُ الشَّرْطِ. ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ﴾ لا خِلافَ أنَّ السَّماواتِ سَبْعٌ بِنَصِّ القُرْآنِ والحَدِيثِ، كَما جاءَ في حَدِيثِ الإسْراءِ، ولِقَوْلِهِ ﷺ لِسَعْدٍ: «حَكَمْتَ بِحُكْمِ المَلِكِ مِن فَوْقِ سَبْعَةِ أرْقِعَةٍ»، وغَيْرِهِ مِن نُصُوصِ الشَّرِيعَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (مِثْلَهُنَّ) بِالنَّصْبِ، والمُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ، وعِصْمَةُ عَنْ أبِي بَكْرٍ: ”مِثْلُهُنَّ“ بِالرَّفْعِ فالنَّصْبِ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَطْفًا عَلى سَبْعَ سَمَواتٍ. انْتَهى، وفِيهِ الفَصْلُ بِالجارِّ والمَجْرُورِ بَيْنَ حَرْفِ العَطْفِ، وهو الواوُ، والمَعْطُوفِ؛ وهو مُخْتَصٌّ بِالضَّرُورَةِ عِنْدَ أبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ، وأضْمَرَ بَعْضُهُمُ العامِلَ بَعْدَ الواوِ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ، أيْ: وخَلَقَ مِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ، فَـ (مِثْلَهُنَّ) مَفْعُولٌ لِلْفِعْلِ المُضْمَرِ لا مَعْطُوفٌ، وصارَ ذَلِكَ مِن عَطْفِ الجُمَلِ، والرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ ﴿ومِنَ الأرْضِ﴾ الخَبَرُ، والمِثْلِيَّةُ تَصْدُقُ بِالِاشْتِراكِ في بَعْضِ الأوْصافِ. فَقالَ الجُمْهُورُ: المِثْلِيَّةُ في العَدَدِ أيْ: مِثْلُهُنَّ في كَوْنِها سَبْعَ أرْضِينَ. وفي الحَدِيثِ: «طُوِّقَهُ مِن سَبْعِ أرْضِينَ» «ورَبَّ الأرْضِينَ السَّبْعِ وما أقْلَلْنَ»، فَقِيلَ: سَبْعُ طِباقٍ مِن غَيْرِ فُتُوقٍ. وقِيلَ: بَيْنَ كُلِّ طَبَقَةٍ وطَبَقَةٍ مَسافَةٌ. قِيلَ: وفِيها سُكّانٌ مِن خَلْقِ اللَّهِ. قِيلَ: مَلائِكَةٌ وجِنٌّ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، مِن رِوايَةِ الواقِدِيِّ الكَذّابِ، قالَ: في كُلِّ أرْضٍ آدَمُ كَآدَمَ، ونُوحٌ كَنُوحٍ، ونَبِيٌّ كَنَبِيِّكم، وإبْراهِيمُ كَإبْراهِيمِكم، وعِيسى كعِيسى، وهَذا حَدِيثٌ لا شَكَّ في وضْعِهِ. وقالَ أبُو صالِحٍ: إنَّها سَبْعُ أرْضِينَ مُنْبَسِطَةٌ، لَيْسَ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ، تَفْرِقُ بَيْنَها البِحارُ، وتُظِلُّ جَمِيعَها السَّماءُ. ﴿يَتَنَزَّلُ الأمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾: مِنَ السَّماواتِ السَّبْعِ إلى الأرْضِينَ السَّبْعِ. وقالَ مُقاتِلٌ وغَيْرُهُ: الأمْرُ هُنا الوَحْيُ، فَبَيْنَهُنَّ إشارَةٌ إلى بَيْنِ هَذِهِ الأرْضِ الَّتِي هي أدْناها وبَيْنَ السَّماءِ السّابِعَةِ. وقالَ الأكْثَرُونَ: الأمْرُ، القَضاءُ، فَبَيْنَهُنَّ إشارَةٌ إلى بَيْنِ الأرْضِ السُّفْلى الَّتِي هي أقْصاها، وبَيْنِ السَّماءِ السّابِعَةِ الَّتِي هي أعْلاها. وقِيلَ: ”يَتَنَزَّلُ الأمْرُ بَيْنَهُنَّ“ بِحَياةٍ ومَوْتٍ وغِنًى وفَقْرٍ. وقِيلَ: هو ما يُدَبَّرُ فِيهِنَّ مِن عَجِيبِ تَدْبِيرٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”يَتَنَزَّلُ“ مُضارِعُ تَنَزَّلَ. وقَرَأ عِيسى وأبُو عُمَرَ، وفي رِوايَةٍ: يُنَزِّلُ مُضارِعُ نَزَّلَ مُشَدَّدًا، الأمْرُ بِالنَّصْبِ. والجُمْهُورُ: ”لِتَعْلَمُوا“ بِتاءِ الخِطابِ. وقُرِئَ: بِياءِ الغَيْبَةِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

الطلاق 65:9

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أمْرِ رَبِّها ورُسُلِهِ فَحاسَبْناها حِسابًا شَدِيدًا وعَذَّبْناها عَذابًا نُكْرًا﴾ ﴿فَذاقَتْ وبالَ أمْرِها وكانَ عاقِبَةُ أمْرِها خُسْرًا﴾ ﴿أعَدَّ اللَّهُ لَهم عَذابًا شَدِيدًا فاتَّقُوا اللَّهَ يا أُولِي الألْبابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أنْزَلَ اللَّهُ إلَيْكم ذِكْرًا﴾ ﴿رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكم آياتِ اللَّهِ مُبَيِّناتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ ومَن يُؤْمِن بِاللَّهِ ويَعْمَلْ صالِحًا يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا قَدْ أحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا﴾ ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ ومِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وأنَّ اللَّهَ قَدْ أحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ . تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ”كَأيِّنْ“ في آلِ عِمْرانَ، وعَلى ”نُكْرًا“ في الكَهْفِ. (عَتَتْ) أعْرَضَتْ ﴿عَنْ أمْرِ رَبِّها﴾ عَلى سَبِيلِ العِنادِ والتَّكَبُّرِ. والظّاهِرُ في (فَحاسَبْناها) الجُمَلُ الأرْبَعَةُ، إنَّ ذَلِكَ في الدُّنْيا لِقَوْلِهِ بَعْدَها: ﴿أعَدَّ اللَّهُ لَهم عَذابًا شَدِيدًا﴾ وظاهِرُهُ أنَّ المُعَدَّ عَذابُ الآخِرَةِ، والحِسابُ الشَّدِيدُ هو الِاسْتِقْصاءُ والمُناقَشَةُ، فَلَمْ تُغْتَفَرْ لَهم زَلَّةٌ، بَلْ أُخِذُوا بِالدَّقائِقِ مِنَ الذُّنُوبِ. وقِيلَ: الجُمَلُ الأرْبَعَةُ مِنَ الحِسابِ والعَذابِ والذَّوْقِ والخُسْرِ في الآخِرَةِ، وجِيءَ بِهِ عَلى لَفْظِ الماضِي، كَقَوْلِهِ: ﴿ونادى أصْحابُ الجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٤٤] ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿أعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ﴾ تَكْرِيرًا لِلْوَعِيدِ وبَيانًا لِكَوْنِهِ مُتَرَقَّبًا، كَأنَّهُ قالَ: أعَدَّ اللَّهُ لَهم هَذا العَذابَ. وقالَ الكَلْبِيُّ: الحِسابُ في الآخِرَةِ، والعَذابُ النَّكِيرُ في الدُّنْيا بِالجُوعِ والقَحْطِ والسَّيْفِ. ولَمّا ذَكَرَ ما حَلَّ بِهَذِهِ القَرْيَةِ العاتِيَةِ، أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِتَقْوى اللَّهِ تَحْذِيرًا مِن عِقابِهِ، ونَبَّهَ عَلى ما يَحُضُّ عَلى التَّقْوى، وهو إنْزالُ الذِّكْرِ. والظّاهِرُ أنَّ الذِّكْرَ هو القُرْآنُ، وأنَّ الرَّسُولَ هو مُحَمَّدٌ، ﷺ . فَإمّا أنْ يُجْعَلَ نَفْسُ الذِّكْرِ مَجازًا لِكَثْرَةٍ يُقَدَّرُ مِنهُ الذِّكْرُ، فَكَأنَّهُ هو الذِّكْرُ، أوْ يَكُونُ بَدَلًا عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: ذِكُرُ رَسُولٍ. وقِيلَ: (رَسُولًا) نَعْتٌ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: ذِكْرًا ذا رَسُولٍ. وقِيلَ: المُضافُ مَحْذُوفٌ مِنَ الأوَّلِ، أيْ: ذا ذِكْرٍ رَسُولًا، فَيَكُونُ (رَسُولًا) نَعْتًا لِذَلِكَ المَحْذُوفِ أوْ بَدَلًا. وقِيلَ: رَسُولٌ بِمَعْنى رِسالَةٍ، فَيَكُونُ بَدَلًا مِن ذِكْرٍ، أوْ يُبْعِدُهُ قَوْلُهُ بَعْدَهُ: ﴿يَتْلُو عَلَيْكُمْ﴾ والرِّسالَةُ لا تُسْنَدُ التِّلاوَةُ إلَيْها إلّا مَجازًا. وقِيلَ: الذِّكْرُ أساسُ أسْماءِ النَّبِيِّ، ﷺ . وقِيلَ: الذِّكْرُ الشَّرَفُ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿وإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: ٤٤] فَيَكُونُ (رَسُولًا) بَدَلًا مِنهُ وبَيانًا لَهُ. وقالَ الكَلْبِيُّ: الرَّسُولُ هَنا جِبْرِيلُ - - عَلَيْهِ السَّلامُ - وتَبِعَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، فَقالَ: (رَسُولًا) هو جِبْرِيلُ - صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِ - أُبْدِلَ مِن (ذِكْرًا) لِأنَّهُ وُصِفَ بِتِلاوَةِ آياتِ اللَّهِ، فَكانَ إنْزالُهُ في مَعْنى إنْزالِ الذِّكْرِ، فَصَحَّ إبْدالُهُ مِنهُ. انْتَهى. ولا يَصِحُّ لِتَبايُنِ المَدْلُولَيْنِ بِالحَقِيقَةِ، ولِكَوْنِهِ لا يَكُونُ بَدَلَ بَعْضٍ ولا بَدَلَ اشْتِمالٍ، وهَذِهِ الأعارِيبُ عَلى أنْ يَكُونَ ذِكْرًا ورَسُولًا لِشَيْءٍ واحِدٍ. وقِيلَ: (رَسُولًا) مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، أيْ بَعَثَ رَسُولًا، أوْ أرْسَلَ رَسُولًا، وحُذِفَ لِدَلالَةِ أنْزَلَ عَلَيْهِ، ونَحا إلى هَذا السُّدِّيُّ، واخْتارَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. وقالَ الزَّجّاجُ وأبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ (رَسُولًا) مَعْمُولًا لِلْمَصْدَرِ الَّذِي هو الذِّكْرُ. انْتَهى. (p-٢٨٧)فَيَكُونُ المَصْدَرُ مُقَدَّرًا بِأنْ، والقَوْلُ تَقْدِيرُهُ: أنْ ذَكَرَ رَسُولًا وعَمِلَ مُنَوَّنًا كَما عَمِلَ، أوْ ﴿إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيمًا﴾ [البلد: ١٤] وكَما قالَ الشّاعِرُ: ؎بِضَرْبٍ بِالسُّيُوفِ رُءُوسَ قَوْمٍ أزَلْنا هامَهُنَّ عَنِ المَقِيلِ وقُرِئَ: رَسُولٌ بِالرَّفْعِ عَلى إضْمارِ هو لِيُخْرِجَ، يَصِحُّ أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ (يَتْلُو) وبِـ (أنْزَلَ) . ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيِ: الَّذِينَ قَضى وقَدَّرَ وأرادَ إيمانَهم، أوْ أطْلَقَ عَلَيْهِمْ آمَنُوا بِاعْتِبارِ ما آلَ أمْرُهم إلَيْهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِيَحْصُلَ لَهم ما هم عَلَيْهِ السّاعَةَ مِنَ الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ؛ لِأنَّهم كانُوا وقْتَ إنْزالِهِ غَيْرَ مُؤْمِنِينَ، وإنَّما آمَنُوا بَعْدَ الإنْزالِ والتَّبْلِيغِ. انْتَهى. والضَّمِيرُ في (لِيُخْرِجَ) عائِدٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، أوْ عَلى الرَّسُولِ ﷺ، أوْ عَلى الذِّكْرِ. ﴿ومَن يُؤْمِن﴾ راعى اللَّفْظَ أوَّلًا في ”مَن“ الشَّرْطِيَّةِ، فَأفْرَدَ الضَّمِيرَ في (يُؤْمِن) (ويَعْمَلْ) و(يُدْخِلْهُ) ثُمَّ راعى المَعْنى في (خالِدِينَ) ثُمَّ راعى اللَّفْظَ في ﴿قَدْ أحْسَنَ اللَّهُ لَهُ﴾ فَأفْرَدَ. واسْتَدَلَّ النَّحْوِيُّونَ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى مُراعاةِ اللَّفْظِ أوَّلًا، ثُمَّ مُراعاةِ المَعْنى، ثُمَّ مُراعاةِ اللَّفْظِ. وأوْرَدَ بَعْضُهم أنَّ هَذا لَيْسَ كَما ذَكَرُوا؛ لِأنَّ الضَّمِيرَ في (خالِدِينَ) لَيْسَ عائِدًا عَلى ”مَن“ بِخِلافِ الضَّمِيرِ في (يُؤْمِن) (ويَعْمَلْ) و(يُدْخِلْهُ) وإنَّما هو عائِدٌ عَلى مَفْعُولِ (يُدْخِلْهُ) و(خالِدِينَ) حالٌ مِنهُ، والعامِلُ فِيها (يُدْخِلْهُ) لا فِعْلُ الشَّرْطِ. ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ﴾ لا خِلافَ أنَّ السَّماواتِ سَبْعٌ بِنَصِّ القُرْآنِ والحَدِيثِ، كَما جاءَ في حَدِيثِ الإسْراءِ، ولِقَوْلِهِ ﷺ لِسَعْدٍ: «حَكَمْتَ بِحُكْمِ المَلِكِ مِن فَوْقِ سَبْعَةِ أرْقِعَةٍ»، وغَيْرِهِ مِن نُصُوصِ الشَّرِيعَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (مِثْلَهُنَّ) بِالنَّصْبِ، والمُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ، وعِصْمَةُ عَنْ أبِي بَكْرٍ: ”مِثْلُهُنَّ“ بِالرَّفْعِ فالنَّصْبِ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَطْفًا عَلى سَبْعَ سَمَواتٍ. انْتَهى، وفِيهِ الفَصْلُ بِالجارِّ والمَجْرُورِ بَيْنَ حَرْفِ العَطْفِ، وهو الواوُ، والمَعْطُوفِ؛ وهو مُخْتَصٌّ بِالضَّرُورَةِ عِنْدَ أبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ، وأضْمَرَ بَعْضُهُمُ العامِلَ بَعْدَ الواوِ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ، أيْ: وخَلَقَ مِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ، فَـ (مِثْلَهُنَّ) مَفْعُولٌ لِلْفِعْلِ المُضْمَرِ لا مَعْطُوفٌ، وصارَ ذَلِكَ مِن عَطْفِ الجُمَلِ، والرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ ﴿ومِنَ الأرْضِ﴾ الخَبَرُ، والمِثْلِيَّةُ تَصْدُقُ بِالِاشْتِراكِ في بَعْضِ الأوْصافِ. فَقالَ الجُمْهُورُ: المِثْلِيَّةُ في العَدَدِ أيْ: مِثْلُهُنَّ في كَوْنِها سَبْعَ أرْضِينَ. وفي الحَدِيثِ: «طُوِّقَهُ مِن سَبْعِ أرْضِينَ» «ورَبَّ الأرْضِينَ السَّبْعِ وما أقْلَلْنَ»، فَقِيلَ: سَبْعُ طِباقٍ مِن غَيْرِ فُتُوقٍ. وقِيلَ: بَيْنَ كُلِّ طَبَقَةٍ وطَبَقَةٍ مَسافَةٌ. قِيلَ: وفِيها سُكّانٌ مِن خَلْقِ اللَّهِ. قِيلَ: مَلائِكَةٌ وجِنٌّ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، مِن رِوايَةِ الواقِدِيِّ الكَذّابِ، قالَ: في كُلِّ أرْضٍ آدَمُ كَآدَمَ، ونُوحٌ كَنُوحٍ، ونَبِيٌّ كَنَبِيِّكم، وإبْراهِيمُ كَإبْراهِيمِكم، وعِيسى كعِيسى، وهَذا حَدِيثٌ لا شَكَّ في وضْعِهِ. وقالَ أبُو صالِحٍ: إنَّها سَبْعُ أرْضِينَ مُنْبَسِطَةٌ، لَيْسَ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ، تَفْرِقُ بَيْنَها البِحارُ، وتُظِلُّ جَمِيعَها السَّماءُ. ﴿يَتَنَزَّلُ الأمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾: مِنَ السَّماواتِ السَّبْعِ إلى الأرْضِينَ السَّبْعِ. وقالَ مُقاتِلٌ وغَيْرُهُ: الأمْرُ هُنا الوَحْيُ، فَبَيْنَهُنَّ إشارَةٌ إلى بَيْنِ هَذِهِ الأرْضِ الَّتِي هي أدْناها وبَيْنَ السَّماءِ السّابِعَةِ. وقالَ الأكْثَرُونَ: الأمْرُ، القَضاءُ، فَبَيْنَهُنَّ إشارَةٌ إلى بَيْنِ الأرْضِ السُّفْلى الَّتِي هي أقْصاها، وبَيْنِ السَّماءِ السّابِعَةِ الَّتِي هي أعْلاها. وقِيلَ: ”يَتَنَزَّلُ الأمْرُ بَيْنَهُنَّ“ بِحَياةٍ ومَوْتٍ وغِنًى وفَقْرٍ. وقِيلَ: هو ما يُدَبَّرُ فِيهِنَّ مِن عَجِيبِ تَدْبِيرٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”يَتَنَزَّلُ“ مُضارِعُ تَنَزَّلَ. وقَرَأ عِيسى وأبُو عُمَرَ، وفي رِوايَةٍ: يُنَزِّلُ مُضارِعُ نَزَّلَ مُشَدَّدًا، الأمْرُ بِالنَّصْبِ. والجُمْهُورُ: ”لِتَعْلَمُوا“ بِتاءِ الخِطابِ. وقُرِئَ: بِياءِ الغَيْبَةِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

الطلاق 65:10

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أمْرِ رَبِّها ورُسُلِهِ فَحاسَبْناها حِسابًا شَدِيدًا وعَذَّبْناها عَذابًا نُكْرًا﴾ ﴿فَذاقَتْ وبالَ أمْرِها وكانَ عاقِبَةُ أمْرِها خُسْرًا﴾ ﴿أعَدَّ اللَّهُ لَهم عَذابًا شَدِيدًا فاتَّقُوا اللَّهَ يا أُولِي الألْبابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أنْزَلَ اللَّهُ إلَيْكم ذِكْرًا﴾ ﴿رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكم آياتِ اللَّهِ مُبَيِّناتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ ومَن يُؤْمِن بِاللَّهِ ويَعْمَلْ صالِحًا يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا قَدْ أحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا﴾ ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ ومِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وأنَّ اللَّهَ قَدْ أحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ . تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ”كَأيِّنْ“ في آلِ عِمْرانَ، وعَلى ”نُكْرًا“ في الكَهْفِ. (عَتَتْ) أعْرَضَتْ ﴿عَنْ أمْرِ رَبِّها﴾ عَلى سَبِيلِ العِنادِ والتَّكَبُّرِ. والظّاهِرُ في (فَحاسَبْناها) الجُمَلُ الأرْبَعَةُ، إنَّ ذَلِكَ في الدُّنْيا لِقَوْلِهِ بَعْدَها: ﴿أعَدَّ اللَّهُ لَهم عَذابًا شَدِيدًا﴾ وظاهِرُهُ أنَّ المُعَدَّ عَذابُ الآخِرَةِ، والحِسابُ الشَّدِيدُ هو الِاسْتِقْصاءُ والمُناقَشَةُ، فَلَمْ تُغْتَفَرْ لَهم زَلَّةٌ، بَلْ أُخِذُوا بِالدَّقائِقِ مِنَ الذُّنُوبِ. وقِيلَ: الجُمَلُ الأرْبَعَةُ مِنَ الحِسابِ والعَذابِ والذَّوْقِ والخُسْرِ في الآخِرَةِ، وجِيءَ بِهِ عَلى لَفْظِ الماضِي، كَقَوْلِهِ: ﴿ونادى أصْحابُ الجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٤٤] ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿أعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ﴾ تَكْرِيرًا لِلْوَعِيدِ وبَيانًا لِكَوْنِهِ مُتَرَقَّبًا، كَأنَّهُ قالَ: أعَدَّ اللَّهُ لَهم هَذا العَذابَ. وقالَ الكَلْبِيُّ: الحِسابُ في الآخِرَةِ، والعَذابُ النَّكِيرُ في الدُّنْيا بِالجُوعِ والقَحْطِ والسَّيْفِ. ولَمّا ذَكَرَ ما حَلَّ بِهَذِهِ القَرْيَةِ العاتِيَةِ، أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِتَقْوى اللَّهِ تَحْذِيرًا مِن عِقابِهِ، ونَبَّهَ عَلى ما يَحُضُّ عَلى التَّقْوى، وهو إنْزالُ الذِّكْرِ. والظّاهِرُ أنَّ الذِّكْرَ هو القُرْآنُ، وأنَّ الرَّسُولَ هو مُحَمَّدٌ، ﷺ . فَإمّا أنْ يُجْعَلَ نَفْسُ الذِّكْرِ مَجازًا لِكَثْرَةٍ يُقَدَّرُ مِنهُ الذِّكْرُ، فَكَأنَّهُ هو الذِّكْرُ، أوْ يَكُونُ بَدَلًا عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: ذِكُرُ رَسُولٍ. وقِيلَ: (رَسُولًا) نَعْتٌ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: ذِكْرًا ذا رَسُولٍ. وقِيلَ: المُضافُ مَحْذُوفٌ مِنَ الأوَّلِ، أيْ: ذا ذِكْرٍ رَسُولًا، فَيَكُونُ (رَسُولًا) نَعْتًا لِذَلِكَ المَحْذُوفِ أوْ بَدَلًا. وقِيلَ: رَسُولٌ بِمَعْنى رِسالَةٍ، فَيَكُونُ بَدَلًا مِن ذِكْرٍ، أوْ يُبْعِدُهُ قَوْلُهُ بَعْدَهُ: ﴿يَتْلُو عَلَيْكُمْ﴾ والرِّسالَةُ لا تُسْنَدُ التِّلاوَةُ إلَيْها إلّا مَجازًا. وقِيلَ: الذِّكْرُ أساسُ أسْماءِ النَّبِيِّ، ﷺ . وقِيلَ: الذِّكْرُ الشَّرَفُ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿وإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: ٤٤] فَيَكُونُ (رَسُولًا) بَدَلًا مِنهُ وبَيانًا لَهُ. وقالَ الكَلْبِيُّ: الرَّسُولُ هَنا جِبْرِيلُ - - عَلَيْهِ السَّلامُ - وتَبِعَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، فَقالَ: (رَسُولًا) هو جِبْرِيلُ - صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِ - أُبْدِلَ مِن (ذِكْرًا) لِأنَّهُ وُصِفَ بِتِلاوَةِ آياتِ اللَّهِ، فَكانَ إنْزالُهُ في مَعْنى إنْزالِ الذِّكْرِ، فَصَحَّ إبْدالُهُ مِنهُ. انْتَهى. ولا يَصِحُّ لِتَبايُنِ المَدْلُولَيْنِ بِالحَقِيقَةِ، ولِكَوْنِهِ لا يَكُونُ بَدَلَ بَعْضٍ ولا بَدَلَ اشْتِمالٍ، وهَذِهِ الأعارِيبُ عَلى أنْ يَكُونَ ذِكْرًا ورَسُولًا لِشَيْءٍ واحِدٍ. وقِيلَ: (رَسُولًا) مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، أيْ بَعَثَ رَسُولًا، أوْ أرْسَلَ رَسُولًا، وحُذِفَ لِدَلالَةِ أنْزَلَ عَلَيْهِ، ونَحا إلى هَذا السُّدِّيُّ، واخْتارَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. وقالَ الزَّجّاجُ وأبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ (رَسُولًا) مَعْمُولًا لِلْمَصْدَرِ الَّذِي هو الذِّكْرُ. انْتَهى. (p-٢٨٧)فَيَكُونُ المَصْدَرُ مُقَدَّرًا بِأنْ، والقَوْلُ تَقْدِيرُهُ: أنْ ذَكَرَ رَسُولًا وعَمِلَ مُنَوَّنًا كَما عَمِلَ، أوْ ﴿إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيمًا﴾ [البلد: ١٤] وكَما قالَ الشّاعِرُ: ؎بِضَرْبٍ بِالسُّيُوفِ رُءُوسَ قَوْمٍ أزَلْنا هامَهُنَّ عَنِ المَقِيلِ وقُرِئَ: رَسُولٌ بِالرَّفْعِ عَلى إضْمارِ هو لِيُخْرِجَ، يَصِحُّ أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ (يَتْلُو) وبِـ (أنْزَلَ) . ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيِ: الَّذِينَ قَضى وقَدَّرَ وأرادَ إيمانَهم، أوْ أطْلَقَ عَلَيْهِمْ آمَنُوا بِاعْتِبارِ ما آلَ أمْرُهم إلَيْهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِيَحْصُلَ لَهم ما هم عَلَيْهِ السّاعَةَ مِنَ الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ؛ لِأنَّهم كانُوا وقْتَ إنْزالِهِ غَيْرَ مُؤْمِنِينَ، وإنَّما آمَنُوا بَعْدَ الإنْزالِ والتَّبْلِيغِ. انْتَهى. والضَّمِيرُ في (لِيُخْرِجَ) عائِدٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، أوْ عَلى الرَّسُولِ ﷺ، أوْ عَلى الذِّكْرِ. ﴿ومَن يُؤْمِن﴾ راعى اللَّفْظَ أوَّلًا في ”مَن“ الشَّرْطِيَّةِ، فَأفْرَدَ الضَّمِيرَ في (يُؤْمِن) (ويَعْمَلْ) و(يُدْخِلْهُ) ثُمَّ راعى المَعْنى في (خالِدِينَ) ثُمَّ راعى اللَّفْظَ في ﴿قَدْ أحْسَنَ اللَّهُ لَهُ﴾ فَأفْرَدَ. واسْتَدَلَّ النَّحْوِيُّونَ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى مُراعاةِ اللَّفْظِ أوَّلًا، ثُمَّ مُراعاةِ المَعْنى، ثُمَّ مُراعاةِ اللَّفْظِ. وأوْرَدَ بَعْضُهم أنَّ هَذا لَيْسَ كَما ذَكَرُوا؛ لِأنَّ الضَّمِيرَ في (خالِدِينَ) لَيْسَ عائِدًا عَلى ”مَن“ بِخِلافِ الضَّمِيرِ في (يُؤْمِن) (ويَعْمَلْ) و(يُدْخِلْهُ) وإنَّما هو عائِدٌ عَلى مَفْعُولِ (يُدْخِلْهُ) و(خالِدِينَ) حالٌ مِنهُ، والعامِلُ فِيها (يُدْخِلْهُ) لا فِعْلُ الشَّرْطِ. ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ﴾ لا خِلافَ أنَّ السَّماواتِ سَبْعٌ بِنَصِّ القُرْآنِ والحَدِيثِ، كَما جاءَ في حَدِيثِ الإسْراءِ، ولِقَوْلِهِ ﷺ لِسَعْدٍ: «حَكَمْتَ بِحُكْمِ المَلِكِ مِن فَوْقِ سَبْعَةِ أرْقِعَةٍ»، وغَيْرِهِ مِن نُصُوصِ الشَّرِيعَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (مِثْلَهُنَّ) بِالنَّصْبِ، والمُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ، وعِصْمَةُ عَنْ أبِي بَكْرٍ: ”مِثْلُهُنَّ“ بِالرَّفْعِ فالنَّصْبِ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَطْفًا عَلى سَبْعَ سَمَواتٍ. انْتَهى، وفِيهِ الفَصْلُ بِالجارِّ والمَجْرُورِ بَيْنَ حَرْفِ العَطْفِ، وهو الواوُ، والمَعْطُوفِ؛ وهو مُخْتَصٌّ بِالضَّرُورَةِ عِنْدَ أبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ، وأضْمَرَ بَعْضُهُمُ العامِلَ بَعْدَ الواوِ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ، أيْ: وخَلَقَ مِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ، فَـ (مِثْلَهُنَّ) مَفْعُولٌ لِلْفِعْلِ المُضْمَرِ لا مَعْطُوفٌ، وصارَ ذَلِكَ مِن عَطْفِ الجُمَلِ، والرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ ﴿ومِنَ الأرْضِ﴾ الخَبَرُ، والمِثْلِيَّةُ تَصْدُقُ بِالِاشْتِراكِ في بَعْضِ الأوْصافِ. فَقالَ الجُمْهُورُ: المِثْلِيَّةُ في العَدَدِ أيْ: مِثْلُهُنَّ في كَوْنِها سَبْعَ أرْضِينَ. وفي الحَدِيثِ: «طُوِّقَهُ مِن سَبْعِ أرْضِينَ» «ورَبَّ الأرْضِينَ السَّبْعِ وما أقْلَلْنَ»، فَقِيلَ: سَبْعُ طِباقٍ مِن غَيْرِ فُتُوقٍ. وقِيلَ: بَيْنَ كُلِّ طَبَقَةٍ وطَبَقَةٍ مَسافَةٌ. قِيلَ: وفِيها سُكّانٌ مِن خَلْقِ اللَّهِ. قِيلَ: مَلائِكَةٌ وجِنٌّ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، مِن رِوايَةِ الواقِدِيِّ الكَذّابِ، قالَ: في كُلِّ أرْضٍ آدَمُ كَآدَمَ، ونُوحٌ كَنُوحٍ، ونَبِيٌّ كَنَبِيِّكم، وإبْراهِيمُ كَإبْراهِيمِكم، وعِيسى كعِيسى، وهَذا حَدِيثٌ لا شَكَّ في وضْعِهِ. وقالَ أبُو صالِحٍ: إنَّها سَبْعُ أرْضِينَ مُنْبَسِطَةٌ، لَيْسَ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ، تَفْرِقُ بَيْنَها البِحارُ، وتُظِلُّ جَمِيعَها السَّماءُ. ﴿يَتَنَزَّلُ الأمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾: مِنَ السَّماواتِ السَّبْعِ إلى الأرْضِينَ السَّبْعِ. وقالَ مُقاتِلٌ وغَيْرُهُ: الأمْرُ هُنا الوَحْيُ، فَبَيْنَهُنَّ إشارَةٌ إلى بَيْنِ هَذِهِ الأرْضِ الَّتِي هي أدْناها وبَيْنَ السَّماءِ السّابِعَةِ. وقالَ الأكْثَرُونَ: الأمْرُ، القَضاءُ، فَبَيْنَهُنَّ إشارَةٌ إلى بَيْنِ الأرْضِ السُّفْلى الَّتِي هي أقْصاها، وبَيْنِ السَّماءِ السّابِعَةِ الَّتِي هي أعْلاها. وقِيلَ: ”يَتَنَزَّلُ الأمْرُ بَيْنَهُنَّ“ بِحَياةٍ ومَوْتٍ وغِنًى وفَقْرٍ. وقِيلَ: هو ما يُدَبَّرُ فِيهِنَّ مِن عَجِيبِ تَدْبِيرٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”يَتَنَزَّلُ“ مُضارِعُ تَنَزَّلَ. وقَرَأ عِيسى وأبُو عُمَرَ، وفي رِوايَةٍ: يُنَزِّلُ مُضارِعُ نَزَّلَ مُشَدَّدًا، الأمْرُ بِالنَّصْبِ. والجُمْهُورُ: ”لِتَعْلَمُوا“ بِتاءِ الخِطابِ. وقُرِئَ: بِياءِ الغَيْبَةِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

الطلاق 65:11

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أمْرِ رَبِّها ورُسُلِهِ فَحاسَبْناها حِسابًا شَدِيدًا وعَذَّبْناها عَذابًا نُكْرًا﴾ ﴿فَذاقَتْ وبالَ أمْرِها وكانَ عاقِبَةُ أمْرِها خُسْرًا﴾ ﴿أعَدَّ اللَّهُ لَهم عَذابًا شَدِيدًا فاتَّقُوا اللَّهَ يا أُولِي الألْبابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أنْزَلَ اللَّهُ إلَيْكم ذِكْرًا﴾ ﴿رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكم آياتِ اللَّهِ مُبَيِّناتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ ومَن يُؤْمِن بِاللَّهِ ويَعْمَلْ صالِحًا يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا قَدْ أحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا﴾ ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ ومِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وأنَّ اللَّهَ قَدْ أحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ . تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ”كَأيِّنْ“ في آلِ عِمْرانَ، وعَلى ”نُكْرًا“ في الكَهْفِ. (عَتَتْ) أعْرَضَتْ ﴿عَنْ أمْرِ رَبِّها﴾ عَلى سَبِيلِ العِنادِ والتَّكَبُّرِ. والظّاهِرُ في (فَحاسَبْناها) الجُمَلُ الأرْبَعَةُ، إنَّ ذَلِكَ في الدُّنْيا لِقَوْلِهِ بَعْدَها: ﴿أعَدَّ اللَّهُ لَهم عَذابًا شَدِيدًا﴾ وظاهِرُهُ أنَّ المُعَدَّ عَذابُ الآخِرَةِ، والحِسابُ الشَّدِيدُ هو الِاسْتِقْصاءُ والمُناقَشَةُ، فَلَمْ تُغْتَفَرْ لَهم زَلَّةٌ، بَلْ أُخِذُوا بِالدَّقائِقِ مِنَ الذُّنُوبِ. وقِيلَ: الجُمَلُ الأرْبَعَةُ مِنَ الحِسابِ والعَذابِ والذَّوْقِ والخُسْرِ في الآخِرَةِ، وجِيءَ بِهِ عَلى لَفْظِ الماضِي، كَقَوْلِهِ: ﴿ونادى أصْحابُ الجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٤٤] ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿أعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ﴾ تَكْرِيرًا لِلْوَعِيدِ وبَيانًا لِكَوْنِهِ مُتَرَقَّبًا، كَأنَّهُ قالَ: أعَدَّ اللَّهُ لَهم هَذا العَذابَ. وقالَ الكَلْبِيُّ: الحِسابُ في الآخِرَةِ، والعَذابُ النَّكِيرُ في الدُّنْيا بِالجُوعِ والقَحْطِ والسَّيْفِ. ولَمّا ذَكَرَ ما حَلَّ بِهَذِهِ القَرْيَةِ العاتِيَةِ، أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِتَقْوى اللَّهِ تَحْذِيرًا مِن عِقابِهِ، ونَبَّهَ عَلى ما يَحُضُّ عَلى التَّقْوى، وهو إنْزالُ الذِّكْرِ. والظّاهِرُ أنَّ الذِّكْرَ هو القُرْآنُ، وأنَّ الرَّسُولَ هو مُحَمَّدٌ، ﷺ . فَإمّا أنْ يُجْعَلَ نَفْسُ الذِّكْرِ مَجازًا لِكَثْرَةٍ يُقَدَّرُ مِنهُ الذِّكْرُ، فَكَأنَّهُ هو الذِّكْرُ، أوْ يَكُونُ بَدَلًا عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: ذِكُرُ رَسُولٍ. وقِيلَ: (رَسُولًا) نَعْتٌ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: ذِكْرًا ذا رَسُولٍ. وقِيلَ: المُضافُ مَحْذُوفٌ مِنَ الأوَّلِ، أيْ: ذا ذِكْرٍ رَسُولًا، فَيَكُونُ (رَسُولًا) نَعْتًا لِذَلِكَ المَحْذُوفِ أوْ بَدَلًا. وقِيلَ: رَسُولٌ بِمَعْنى رِسالَةٍ، فَيَكُونُ بَدَلًا مِن ذِكْرٍ، أوْ يُبْعِدُهُ قَوْلُهُ بَعْدَهُ: ﴿يَتْلُو عَلَيْكُمْ﴾ والرِّسالَةُ لا تُسْنَدُ التِّلاوَةُ إلَيْها إلّا مَجازًا. وقِيلَ: الذِّكْرُ أساسُ أسْماءِ النَّبِيِّ، ﷺ . وقِيلَ: الذِّكْرُ الشَّرَفُ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿وإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: ٤٤] فَيَكُونُ (رَسُولًا) بَدَلًا مِنهُ وبَيانًا لَهُ. وقالَ الكَلْبِيُّ: الرَّسُولُ هَنا جِبْرِيلُ - - عَلَيْهِ السَّلامُ - وتَبِعَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، فَقالَ: (رَسُولًا) هو جِبْرِيلُ - صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِ - أُبْدِلَ مِن (ذِكْرًا) لِأنَّهُ وُصِفَ بِتِلاوَةِ آياتِ اللَّهِ، فَكانَ إنْزالُهُ في مَعْنى إنْزالِ الذِّكْرِ، فَصَحَّ إبْدالُهُ مِنهُ. انْتَهى. ولا يَصِحُّ لِتَبايُنِ المَدْلُولَيْنِ بِالحَقِيقَةِ، ولِكَوْنِهِ لا يَكُونُ بَدَلَ بَعْضٍ ولا بَدَلَ اشْتِمالٍ، وهَذِهِ الأعارِيبُ عَلى أنْ يَكُونَ ذِكْرًا ورَسُولًا لِشَيْءٍ واحِدٍ. وقِيلَ: (رَسُولًا) مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، أيْ بَعَثَ رَسُولًا، أوْ أرْسَلَ رَسُولًا، وحُذِفَ لِدَلالَةِ أنْزَلَ عَلَيْهِ، ونَحا إلى هَذا السُّدِّيُّ، واخْتارَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. وقالَ الزَّجّاجُ وأبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ (رَسُولًا) مَعْمُولًا لِلْمَصْدَرِ الَّذِي هو الذِّكْرُ. انْتَهى. (p-٢٨٧)فَيَكُونُ المَصْدَرُ مُقَدَّرًا بِأنْ، والقَوْلُ تَقْدِيرُهُ: أنْ ذَكَرَ رَسُولًا وعَمِلَ مُنَوَّنًا كَما عَمِلَ، أوْ ﴿إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيمًا﴾ [البلد: ١٤] وكَما قالَ الشّاعِرُ: ؎بِضَرْبٍ بِالسُّيُوفِ رُءُوسَ قَوْمٍ أزَلْنا هامَهُنَّ عَنِ المَقِيلِ وقُرِئَ: رَسُولٌ بِالرَّفْعِ عَلى إضْمارِ هو لِيُخْرِجَ، يَصِحُّ أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ (يَتْلُو) وبِـ (أنْزَلَ) . ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيِ: الَّذِينَ قَضى وقَدَّرَ وأرادَ إيمانَهم، أوْ أطْلَقَ عَلَيْهِمْ آمَنُوا بِاعْتِبارِ ما آلَ أمْرُهم إلَيْهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِيَحْصُلَ لَهم ما هم عَلَيْهِ السّاعَةَ مِنَ الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ؛ لِأنَّهم كانُوا وقْتَ إنْزالِهِ غَيْرَ مُؤْمِنِينَ، وإنَّما آمَنُوا بَعْدَ الإنْزالِ والتَّبْلِيغِ. انْتَهى. والضَّمِيرُ في (لِيُخْرِجَ) عائِدٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، أوْ عَلى الرَّسُولِ ﷺ، أوْ عَلى الذِّكْرِ. ﴿ومَن يُؤْمِن﴾ راعى اللَّفْظَ أوَّلًا في ”مَن“ الشَّرْطِيَّةِ، فَأفْرَدَ الضَّمِيرَ في (يُؤْمِن) (ويَعْمَلْ) و(يُدْخِلْهُ) ثُمَّ راعى المَعْنى في (خالِدِينَ) ثُمَّ راعى اللَّفْظَ في ﴿قَدْ أحْسَنَ اللَّهُ لَهُ﴾ فَأفْرَدَ. واسْتَدَلَّ النَّحْوِيُّونَ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى مُراعاةِ اللَّفْظِ أوَّلًا، ثُمَّ مُراعاةِ المَعْنى، ثُمَّ مُراعاةِ اللَّفْظِ. وأوْرَدَ بَعْضُهم أنَّ هَذا لَيْسَ كَما ذَكَرُوا؛ لِأنَّ الضَّمِيرَ في (خالِدِينَ) لَيْسَ عائِدًا عَلى ”مَن“ بِخِلافِ الضَّمِيرِ في (يُؤْمِن) (ويَعْمَلْ) و(يُدْخِلْهُ) وإنَّما هو عائِدٌ عَلى مَفْعُولِ (يُدْخِلْهُ) و(خالِدِينَ) حالٌ مِنهُ، والعامِلُ فِيها (يُدْخِلْهُ) لا فِعْلُ الشَّرْطِ. ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ﴾ لا خِلافَ أنَّ السَّماواتِ سَبْعٌ بِنَصِّ القُرْآنِ والحَدِيثِ، كَما جاءَ في حَدِيثِ الإسْراءِ، ولِقَوْلِهِ ﷺ لِسَعْدٍ: «حَكَمْتَ بِحُكْمِ المَلِكِ مِن فَوْقِ سَبْعَةِ أرْقِعَةٍ»، وغَيْرِهِ مِن نُصُوصِ الشَّرِيعَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (مِثْلَهُنَّ) بِالنَّصْبِ، والمُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ، وعِصْمَةُ عَنْ أبِي بَكْرٍ: ”مِثْلُهُنَّ“ بِالرَّفْعِ فالنَّصْبِ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَطْفًا عَلى سَبْعَ سَمَواتٍ. انْتَهى، وفِيهِ الفَصْلُ بِالجارِّ والمَجْرُورِ بَيْنَ حَرْفِ العَطْفِ، وهو الواوُ، والمَعْطُوفِ؛ وهو مُخْتَصٌّ بِالضَّرُورَةِ عِنْدَ أبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ، وأضْمَرَ بَعْضُهُمُ العامِلَ بَعْدَ الواوِ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ، أيْ: وخَلَقَ مِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ، فَـ (مِثْلَهُنَّ) مَفْعُولٌ لِلْفِعْلِ المُضْمَرِ لا مَعْطُوفٌ، وصارَ ذَلِكَ مِن عَطْفِ الجُمَلِ، والرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ ﴿ومِنَ الأرْضِ﴾ الخَبَرُ، والمِثْلِيَّةُ تَصْدُقُ بِالِاشْتِراكِ في بَعْضِ الأوْصافِ. فَقالَ الجُمْهُورُ: المِثْلِيَّةُ في العَدَدِ أيْ: مِثْلُهُنَّ في كَوْنِها سَبْعَ أرْضِينَ. وفي الحَدِيثِ: «طُوِّقَهُ مِن سَبْعِ أرْضِينَ» «ورَبَّ الأرْضِينَ السَّبْعِ وما أقْلَلْنَ»، فَقِيلَ: سَبْعُ طِباقٍ مِن غَيْرِ فُتُوقٍ. وقِيلَ: بَيْنَ كُلِّ طَبَقَةٍ وطَبَقَةٍ مَسافَةٌ. قِيلَ: وفِيها سُكّانٌ مِن خَلْقِ اللَّهِ. قِيلَ: مَلائِكَةٌ وجِنٌّ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، مِن رِوايَةِ الواقِدِيِّ الكَذّابِ، قالَ: في كُلِّ أرْضٍ آدَمُ كَآدَمَ، ونُوحٌ كَنُوحٍ، ونَبِيٌّ كَنَبِيِّكم، وإبْراهِيمُ كَإبْراهِيمِكم، وعِيسى كعِيسى، وهَذا حَدِيثٌ لا شَكَّ في وضْعِهِ. وقالَ أبُو صالِحٍ: إنَّها سَبْعُ أرْضِينَ مُنْبَسِطَةٌ، لَيْسَ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ، تَفْرِقُ بَيْنَها البِحارُ، وتُظِلُّ جَمِيعَها السَّماءُ. ﴿يَتَنَزَّلُ الأمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾: مِنَ السَّماواتِ السَّبْعِ إلى الأرْضِينَ السَّبْعِ. وقالَ مُقاتِلٌ وغَيْرُهُ: الأمْرُ هُنا الوَحْيُ، فَبَيْنَهُنَّ إشارَةٌ إلى بَيْنِ هَذِهِ الأرْضِ الَّتِي هي أدْناها وبَيْنَ السَّماءِ السّابِعَةِ. وقالَ الأكْثَرُونَ: الأمْرُ، القَضاءُ، فَبَيْنَهُنَّ إشارَةٌ إلى بَيْنِ الأرْضِ السُّفْلى الَّتِي هي أقْصاها، وبَيْنِ السَّماءِ السّابِعَةِ الَّتِي هي أعْلاها. وقِيلَ: ”يَتَنَزَّلُ الأمْرُ بَيْنَهُنَّ“ بِحَياةٍ ومَوْتٍ وغِنًى وفَقْرٍ. وقِيلَ: هو ما يُدَبَّرُ فِيهِنَّ مِن عَجِيبِ تَدْبِيرٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”يَتَنَزَّلُ“ مُضارِعُ تَنَزَّلَ. وقَرَأ عِيسى وأبُو عُمَرَ، وفي رِوايَةٍ: يُنَزِّلُ مُضارِعُ نَزَّلَ مُشَدَّدًا، الأمْرُ بِالنَّصْبِ. والجُمْهُورُ: ”لِتَعْلَمُوا“ بِتاءِ الخِطابِ. وقُرِئَ: بِياءِ الغَيْبَةِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

الطلاق 65:12

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أمْرِ رَبِّها ورُسُلِهِ فَحاسَبْناها حِسابًا شَدِيدًا وعَذَّبْناها عَذابًا نُكْرًا﴾ ﴿فَذاقَتْ وبالَ أمْرِها وكانَ عاقِبَةُ أمْرِها خُسْرًا﴾ ﴿أعَدَّ اللَّهُ لَهم عَذابًا شَدِيدًا فاتَّقُوا اللَّهَ يا أُولِي الألْبابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أنْزَلَ اللَّهُ إلَيْكم ذِكْرًا﴾ ﴿رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكم آياتِ اللَّهِ مُبَيِّناتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ ومَن يُؤْمِن بِاللَّهِ ويَعْمَلْ صالِحًا يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا قَدْ أحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا﴾ ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ ومِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وأنَّ اللَّهَ قَدْ أحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ . تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ”كَأيِّنْ“ في آلِ عِمْرانَ، وعَلى ”نُكْرًا“ في الكَهْفِ. (عَتَتْ) أعْرَضَتْ ﴿عَنْ أمْرِ رَبِّها﴾ عَلى سَبِيلِ العِنادِ والتَّكَبُّرِ. والظّاهِرُ في (فَحاسَبْناها) الجُمَلُ الأرْبَعَةُ، إنَّ ذَلِكَ في الدُّنْيا لِقَوْلِهِ بَعْدَها: ﴿أعَدَّ اللَّهُ لَهم عَذابًا شَدِيدًا﴾ وظاهِرُهُ أنَّ المُعَدَّ عَذابُ الآخِرَةِ، والحِسابُ الشَّدِيدُ هو الِاسْتِقْصاءُ والمُناقَشَةُ، فَلَمْ تُغْتَفَرْ لَهم زَلَّةٌ، بَلْ أُخِذُوا بِالدَّقائِقِ مِنَ الذُّنُوبِ. وقِيلَ: الجُمَلُ الأرْبَعَةُ مِنَ الحِسابِ والعَذابِ والذَّوْقِ والخُسْرِ في الآخِرَةِ، وجِيءَ بِهِ عَلى لَفْظِ الماضِي، كَقَوْلِهِ: ﴿ونادى أصْحابُ الجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٤٤] ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿أعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ﴾ تَكْرِيرًا لِلْوَعِيدِ وبَيانًا لِكَوْنِهِ مُتَرَقَّبًا، كَأنَّهُ قالَ: أعَدَّ اللَّهُ لَهم هَذا العَذابَ. وقالَ الكَلْبِيُّ: الحِسابُ في الآخِرَةِ، والعَذابُ النَّكِيرُ في الدُّنْيا بِالجُوعِ والقَحْطِ والسَّيْفِ. ولَمّا ذَكَرَ ما حَلَّ بِهَذِهِ القَرْيَةِ العاتِيَةِ، أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِتَقْوى اللَّهِ تَحْذِيرًا مِن عِقابِهِ، ونَبَّهَ عَلى ما يَحُضُّ عَلى التَّقْوى، وهو إنْزالُ الذِّكْرِ. والظّاهِرُ أنَّ الذِّكْرَ هو القُرْآنُ، وأنَّ الرَّسُولَ هو مُحَمَّدٌ، ﷺ . فَإمّا أنْ يُجْعَلَ نَفْسُ الذِّكْرِ مَجازًا لِكَثْرَةٍ يُقَدَّرُ مِنهُ الذِّكْرُ، فَكَأنَّهُ هو الذِّكْرُ، أوْ يَكُونُ بَدَلًا عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: ذِكُرُ رَسُولٍ. وقِيلَ: (رَسُولًا) نَعْتٌ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: ذِكْرًا ذا رَسُولٍ. وقِيلَ: المُضافُ مَحْذُوفٌ مِنَ الأوَّلِ، أيْ: ذا ذِكْرٍ رَسُولًا، فَيَكُونُ (رَسُولًا) نَعْتًا لِذَلِكَ المَحْذُوفِ أوْ بَدَلًا. وقِيلَ: رَسُولٌ بِمَعْنى رِسالَةٍ، فَيَكُونُ بَدَلًا مِن ذِكْرٍ، أوْ يُبْعِدُهُ قَوْلُهُ بَعْدَهُ: ﴿يَتْلُو عَلَيْكُمْ﴾ والرِّسالَةُ لا تُسْنَدُ التِّلاوَةُ إلَيْها إلّا مَجازًا. وقِيلَ: الذِّكْرُ أساسُ أسْماءِ النَّبِيِّ، ﷺ . وقِيلَ: الذِّكْرُ الشَّرَفُ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿وإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: ٤٤] فَيَكُونُ (رَسُولًا) بَدَلًا مِنهُ وبَيانًا لَهُ. وقالَ الكَلْبِيُّ: الرَّسُولُ هَنا جِبْرِيلُ - - عَلَيْهِ السَّلامُ - وتَبِعَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، فَقالَ: (رَسُولًا) هو جِبْرِيلُ - صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِ - أُبْدِلَ مِن (ذِكْرًا) لِأنَّهُ وُصِفَ بِتِلاوَةِ آياتِ اللَّهِ، فَكانَ إنْزالُهُ في مَعْنى إنْزالِ الذِّكْرِ، فَصَحَّ إبْدالُهُ مِنهُ. انْتَهى. ولا يَصِحُّ لِتَبايُنِ المَدْلُولَيْنِ بِالحَقِيقَةِ، ولِكَوْنِهِ لا يَكُونُ بَدَلَ بَعْضٍ ولا بَدَلَ اشْتِمالٍ، وهَذِهِ الأعارِيبُ عَلى أنْ يَكُونَ ذِكْرًا ورَسُولًا لِشَيْءٍ واحِدٍ. وقِيلَ: (رَسُولًا) مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، أيْ بَعَثَ رَسُولًا، أوْ أرْسَلَ رَسُولًا، وحُذِفَ لِدَلالَةِ أنْزَلَ عَلَيْهِ، ونَحا إلى هَذا السُّدِّيُّ، واخْتارَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. وقالَ الزَّجّاجُ وأبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ (رَسُولًا) مَعْمُولًا لِلْمَصْدَرِ الَّذِي هو الذِّكْرُ. انْتَهى. (p-٢٨٧)فَيَكُونُ المَصْدَرُ مُقَدَّرًا بِأنْ، والقَوْلُ تَقْدِيرُهُ: أنْ ذَكَرَ رَسُولًا وعَمِلَ مُنَوَّنًا كَما عَمِلَ، أوْ ﴿إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيمًا﴾ [البلد: ١٤] وكَما قالَ الشّاعِرُ: ؎بِضَرْبٍ بِالسُّيُوفِ رُءُوسَ قَوْمٍ أزَلْنا هامَهُنَّ عَنِ المَقِيلِ وقُرِئَ: رَسُولٌ بِالرَّفْعِ عَلى إضْمارِ هو لِيُخْرِجَ، يَصِحُّ أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ (يَتْلُو) وبِـ (أنْزَلَ) . ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيِ: الَّذِينَ قَضى وقَدَّرَ وأرادَ إيمانَهم، أوْ أطْلَقَ عَلَيْهِمْ آمَنُوا بِاعْتِبارِ ما آلَ أمْرُهم إلَيْهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِيَحْصُلَ لَهم ما هم عَلَيْهِ السّاعَةَ مِنَ الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ؛ لِأنَّهم كانُوا وقْتَ إنْزالِهِ غَيْرَ مُؤْمِنِينَ، وإنَّما آمَنُوا بَعْدَ الإنْزالِ والتَّبْلِيغِ. انْتَهى. والضَّمِيرُ في (لِيُخْرِجَ) عائِدٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، أوْ عَلى الرَّسُولِ ﷺ، أوْ عَلى الذِّكْرِ. ﴿ومَن يُؤْمِن﴾ راعى اللَّفْظَ أوَّلًا في ”مَن“ الشَّرْطِيَّةِ، فَأفْرَدَ الضَّمِيرَ في (يُؤْمِن) (ويَعْمَلْ) و(يُدْخِلْهُ) ثُمَّ راعى المَعْنى في (خالِدِينَ) ثُمَّ راعى اللَّفْظَ في ﴿قَدْ أحْسَنَ اللَّهُ لَهُ﴾ فَأفْرَدَ. واسْتَدَلَّ النَّحْوِيُّونَ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى مُراعاةِ اللَّفْظِ أوَّلًا، ثُمَّ مُراعاةِ المَعْنى، ثُمَّ مُراعاةِ اللَّفْظِ. وأوْرَدَ بَعْضُهم أنَّ هَذا لَيْسَ كَما ذَكَرُوا؛ لِأنَّ الضَّمِيرَ في (خالِدِينَ) لَيْسَ عائِدًا عَلى ”مَن“ بِخِلافِ الضَّمِيرِ في (يُؤْمِن) (ويَعْمَلْ) و(يُدْخِلْهُ) وإنَّما هو عائِدٌ عَلى مَفْعُولِ (يُدْخِلْهُ) و(خالِدِينَ) حالٌ مِنهُ، والعامِلُ فِيها (يُدْخِلْهُ) لا فِعْلُ الشَّرْطِ. ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ﴾ لا خِلافَ أنَّ السَّماواتِ سَبْعٌ بِنَصِّ القُرْآنِ والحَدِيثِ، كَما جاءَ في حَدِيثِ الإسْراءِ، ولِقَوْلِهِ ﷺ لِسَعْدٍ: «حَكَمْتَ بِحُكْمِ المَلِكِ مِن فَوْقِ سَبْعَةِ أرْقِعَةٍ»، وغَيْرِهِ مِن نُصُوصِ الشَّرِيعَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (مِثْلَهُنَّ) بِالنَّصْبِ، والمُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ، وعِصْمَةُ عَنْ أبِي بَكْرٍ: ”مِثْلُهُنَّ“ بِالرَّفْعِ فالنَّصْبِ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَطْفًا عَلى سَبْعَ سَمَواتٍ. انْتَهى، وفِيهِ الفَصْلُ بِالجارِّ والمَجْرُورِ بَيْنَ حَرْفِ العَطْفِ، وهو الواوُ، والمَعْطُوفِ؛ وهو مُخْتَصٌّ بِالضَّرُورَةِ عِنْدَ أبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ، وأضْمَرَ بَعْضُهُمُ العامِلَ بَعْدَ الواوِ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ، أيْ: وخَلَقَ مِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ، فَـ (مِثْلَهُنَّ) مَفْعُولٌ لِلْفِعْلِ المُضْمَرِ لا مَعْطُوفٌ، وصارَ ذَلِكَ مِن عَطْفِ الجُمَلِ، والرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ ﴿ومِنَ الأرْضِ﴾ الخَبَرُ، والمِثْلِيَّةُ تَصْدُقُ بِالِاشْتِراكِ في بَعْضِ الأوْصافِ. فَقالَ الجُمْهُورُ: المِثْلِيَّةُ في العَدَدِ أيْ: مِثْلُهُنَّ في كَوْنِها سَبْعَ أرْضِينَ. وفي الحَدِيثِ: «طُوِّقَهُ مِن سَبْعِ أرْضِينَ» «ورَبَّ الأرْضِينَ السَّبْعِ وما أقْلَلْنَ»، فَقِيلَ: سَبْعُ طِباقٍ مِن غَيْرِ فُتُوقٍ. وقِيلَ: بَيْنَ كُلِّ طَبَقَةٍ وطَبَقَةٍ مَسافَةٌ. قِيلَ: وفِيها سُكّانٌ مِن خَلْقِ اللَّهِ. قِيلَ: مَلائِكَةٌ وجِنٌّ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، مِن رِوايَةِ الواقِدِيِّ الكَذّابِ، قالَ: في كُلِّ أرْضٍ آدَمُ كَآدَمَ، ونُوحٌ كَنُوحٍ، ونَبِيٌّ كَنَبِيِّكم، وإبْراهِيمُ كَإبْراهِيمِكم، وعِيسى كعِيسى، وهَذا حَدِيثٌ لا شَكَّ في وضْعِهِ. وقالَ أبُو صالِحٍ: إنَّها سَبْعُ أرْضِينَ مُنْبَسِطَةٌ، لَيْسَ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ، تَفْرِقُ بَيْنَها البِحارُ، وتُظِلُّ جَمِيعَها السَّماءُ. ﴿يَتَنَزَّلُ الأمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾: مِنَ السَّماواتِ السَّبْعِ إلى الأرْضِينَ السَّبْعِ. وقالَ مُقاتِلٌ وغَيْرُهُ: الأمْرُ هُنا الوَحْيُ، فَبَيْنَهُنَّ إشارَةٌ إلى بَيْنِ هَذِهِ الأرْضِ الَّتِي هي أدْناها وبَيْنَ السَّماءِ السّابِعَةِ. وقالَ الأكْثَرُونَ: الأمْرُ، القَضاءُ، فَبَيْنَهُنَّ إشارَةٌ إلى بَيْنِ الأرْضِ السُّفْلى الَّتِي هي أقْصاها، وبَيْنِ السَّماءِ السّابِعَةِ الَّتِي هي أعْلاها. وقِيلَ: ”يَتَنَزَّلُ الأمْرُ بَيْنَهُنَّ“ بِحَياةٍ ومَوْتٍ وغِنًى وفَقْرٍ. وقِيلَ: هو ما يُدَبَّرُ فِيهِنَّ مِن عَجِيبِ تَدْبِيرٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”يَتَنَزَّلُ“ مُضارِعُ تَنَزَّلَ. وقَرَأ عِيسى وأبُو عُمَرَ، وفي رِوايَةٍ: يُنَزِّلُ مُضارِعُ نَزَّلَ مُشَدَّدًا، الأمْرُ بِالنَّصْبِ. والجُمْهُورُ: ”لِتَعْلَمُوا“ بِتاءِ الخِطابِ. وقُرِئَ: بِياءِ الغَيْبَةِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.