Al-Bahr Al-Muhit — التحريم 66:1 – الملك 67:12
المحتويات
التحريم 66:1
(p-٢٨٨)(سُورَةُ التَّحْرِيمِ مَدَنِيَّةٌ وهي اثْنَتا عَشْرَةَ آيَةً)
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)
﴿يا أيُّها النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاةَ أزْواجِكَ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكم تَحِلَّةَ أيْمانِكم واللَّهُ مَوْلاكم وهو العَلِيمُ الحَكِيمُ﴾ ﴿وإذْ أسَرَّ النَّبِيُّ إلى بَعْضِ أزْواجِهِ حَدِيثًا فَلَمّا نَبَّأتْ بِهِ وأظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وأعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمّا نَبَّأها بِهِ قالَتْ مَن أنْبَأكَ هَذا قالَ نَبَّأنِيَ العَلِيمُ الخَبِيرُ﴾ ﴿إنْ تَتُوبا إلى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما وإنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ فَإنَّ اللَّهَ هو مَوْلاهُ وجِبْرِيلُ وصالِحُ المُؤْمِنِينَ والمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ ﴿عَسى رَبُّهُ إنْ طَلَّقَكُنَّ أنْ يُبْدِلَهُ أزْواجًا خَيْرًا مِنكُنَّ مُسْلِماتٍ مُؤْمِناتٍ قانِتاتٍ تائِباتٍ عابِداتٍ سائِحاتٍ ثَيِّباتٍ وأبْكارًا﴾ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أنْفُسَكم وأهْلِيكم نارًا وقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أمَرَهم ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَعْتَذِرُوا اليَوْمَ إنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ .
(p-٢٨٩)هَذِهِ السُّورَةُ مَدَنِيَّةٌ، وسَبَبُ نُزُولِها ما يَأْتِي ذِكْرُهُ في تَفْسِيرِ أوائِلِها، والمُناسَبَةُ بَيْنَها وبَيْنَ السُّورَةِ قَبْلَها أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ جُمْلَةً مِن أحْكامِ زَوْجاتِ المُؤْمِنِينَ، ذَكَرَ هُنا ما جَرى مِن بَعْضِ زَوْجاتِ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ . يا أيُّها النَّبِيُّ: نِداءُ إقْبالٍ وتَشْرِيفٍ وتَنْبِيهٍ بِالصِّفَةِ عَلى عِصْمَتِهِ مِمّا يَقَعُ فِيهِ مَن لَيْسَ بِمَعْصُومٍ. لِمَ تُحَرِّمُ سُؤالُ تَلَطُّفٍ؛ ولِذَلِكَ قَدَّمَ قَبْلَهُ يا أيُّها النَّبِيُّ كَما جاءَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣] . ومَعْنى (تُحَرِّمُ) تَمْنَعُ، ولَيْسَ التَّحْرِيمُ المَشْرُوعُ بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ، وإنَّما هو امْتِناعٌ لِتَطْيِيبِ خاطِرِ بَعْضِ مَن يُحْسِنُ مَعَهُ العِشْرَةَ. ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ هو مُباشَرَةُ مارِيَةَ جارِيَتِهِ، وكانَ ﷺ ألَمَّ بِها في بَيْتِ بَعْضِ نِسائِهِ، فَغارَتْ مِن ذَلِكَ صاحِبَةُ البَيْتِ، فَطَيَّبَ خاطِرَها بِامْتِناعِهِ مِنها، واسْتَكْتَمَها ذَلِكَ، فَأفْشَتْهُ إلى بَعْضِ نِسائِهِ. وقِيلَ: هو عَسَلٌ كانَ يَشْرَبُهُ عِنْدَ بَعْضِ نِسائِهِ، فَكانَ يَنْتابُ بَيْتَها لِذَلِكَ، فَغارَ بَعْضُهُنَّ مِن دُخُولِهِ بَيْتَ الَّتِي عِنْدَها العَسَلُ، وتَواصَيْنَ عَلى أنْ يَذْكُرْنَ لَهُ عَلى أنَّ رائِحَةَ ذَلِكَ العَسَلِ لَيْسَ بِطَيِّبٍ، فَقالَ: ”لا أشْرَبُهُ“ . ولِلزَّمَخْشَرِيِّ هُنا كَلامٌ أضْرَبْتُ عَنْهُ صَفْحًا، كَما ضَرَبْتُ عَنْ كَلامِهِ في قَوْلِهِ: ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣] وكَلامُهُ هَذا ونَحْوُهُ مُحَقَّقٌ قَوِيٌّ فِيهِ، ويَعْزُو إلى المَعْصُومِ ما لَيْسَ لائِقًا. فَلَوْ حَرَّمَ الإنْسانُ عَلى نَفْسِهِ شَيْئًا أحَلَّهُ اللَّهُ، كَشُرْبِ عَسَلٍ، أوْ وطْءِ سُرِّيَّةٍ. واخْتَلَفُوا إذا قالَ لِزَوْجَتِهِ: أنْتِ عَلَيَّ حَرامٌ، أوِ الحَلالُ عَلَيَّ حَرامٌ، ولا يَسْتَثْنِي زَوْجَتَهُ. فَقالَ جَماعَةٌ، مِنهُمُ الشَّعْبِيُّ ومَسْرُوقٌ ورَبِيعَةُ وأبُو سَلَمَةَ وأصْبَغُ: هو كَتَحْرِيمِ الماءِ والطَّعامِ. وقالَ - تَعالى -: ﴿لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٧] والزَّوْجَةُ مِنَ الطَّيِّباتِ ومِمّا أحَلَّهُ اللَّهُ. وقالَ أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ وزَيْدٌ وابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ مَسْعُودٍ وعائِشَةُ وابْنُ المُسَيَّبِ، وعَطاءٌ وطاوُسُ وسُلَيْمانُ بْنُ يَسارٍ وابْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ والحَسَنُ و الأوْزاعِيُّ وأبُو ثَوْرٍ وجَماعَةٌ: هو يَمِينٌ يُكَفِّرُها. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا في إحْدى رِوايَتَيْهِ، والشّافِعِيُّ في أحَدِ قَوْلَيْهِ: فِيهِ تَكْفِيرُ يَمِينٍ ولَيْسَ بِيَمِينٍ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ وسُفْيانُ والكُوفِيُّونَ: هَذا ما أرادَ مِنَ الطَّلاقِ، فَإنْ لَمْ يُرِدْ طَلاقَها فَهو لا شَيْءَ. وقالَ آخَرُونَ: كَذَلِكَ، فَإنْ لَمْ يُرِدْ فَهو يَمِينٌ. وفي التَّحْرِيرِ، قالَ أبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهُ: إنْ نَوى الطَّلاقَ فَواحِدَةٌ بائِنَةٌ، أوِ اثْنَيْنِ فَواحِدَةٌ، أوْ ثَلاثًا فَثَلاثٌ، أوْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا فَيَمِينٌ وهو مُولٍ، أوِ الظِّهارَ فَظِهارٌ. وقالَ ابْنُ القاسِمِ: لا تَنْفَعُهُ نِيَّةُ الظِّهارِ ويَكُونُ طَلاقًا. وقالَ يَحْيى بْنُ عُمَرَ: يَكُونُ، فَإنِ ارْتَجَعَها، فَلا يَجُوزُ لَهُ وطْئُها حَتّى يُكَفِّرَ كَفّارَةَ الظِّهارِ فَما زادَ مِن أعْدادِهِ، فَإنْ نَوى واحِدَةً فَرَجْعِيَّةٌ، وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ. وقالَ الأوْزاعِيُّ وسُفْيانُ وأبُو ثَوْرٍ أيْ: أيُّ شَيْءٍ نَوى بِهِ مِنَ الطَّلاقِ وقَعَ وإنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا، فَقالَ سُفْيانُ: لا شَيْءَ عَلَيْهِ. وقالَ الأوْزاعِيُّ وأبُو ثَوْرٍ: تَقَعُ واحِدَةٌ. وقالَ الزُّهْرِيُّ: لَهُ نِيَّتُهُ ولا يَكُونُ أقَلَّ مِن واحِدَةٍ، فَإنْ لَمْ يَنْوِ فَلا شَيْءَ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: عَلَيْهِ عِتْقُ رَقَبَةٍ وإنْ لَمْ يَكُنْ ظِهارًا. وقالَ أبُو قِلابَةَ وعُثْمانُ وأحْمَدُ وإسْحاقُ: التَّحْرِيمُ ظِهارٌ، فَفِيهِ كَفّارَةٌ. وقالَ الشّافِعِيُّ: إنْ نَوى أنَّها مُحَرَّمَةٌ كَظَهْرِ أُمِّهِ، فَظِهارٌ أوْ تَحْرِيمٌ عَيَّنَها بِغَيْرِ طَلاقٍ، أوْ لَمْ يَنْوِ فَكَفّارَةُ يَمِينٍ. وقالَ مالِكٌ: هي ثَلاثٌ في المَدْخُولِ بِها، ويَنْوِي في غَيْرِ المَدْخُولِ بِها، فَهو ما أرادَ مِن واحِدَةٍ أوِ اثْنَتَيْنِ أوْ ثَلاثٍ. وقالَهُ عَلِيٌّ وزَيْدٌ وأبُو هُرَيْرَةَ. وقِيلَ: في المَدْخُولِ بِها ثَلاثٌ، قالَهُ عَلِيٌّ أيْضًا، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ والحَكَمُ. وقالَ ابْنُ أبِي لَيْلى وعَبْدُ المَلِكِ بْنُ الماجِشُونِ: هي ثَلاثٌ في الوَجْهَيْنِ، ولا يَنْوِي في شَيْءٍ. ورَوى ابْنُ خُوَيْزِ مَندادَ عَنْ مالِكٌ، وقالَهُ زَيْدٌ وحَمّادُ بْنُ أبِي سُلَيْمانَ: إنَّها واحِدَةٌ بائِنَةٌ في المَدْخُولِ بِها وغَيْرِ المَدْخُولِ بِها. وقالَ الزُّهْرِيُّ وعَبْدُ العَزِيزِ بْنُ الماجِشُونِ: هي واحِدَةٌ رَجْعِيَّةٌ. وقالَ أبُو مُصْعَبٍ ومُحَمَّدُ بْنُ الحَكَمِ: هي في (p-٢٩٠)الَّتِي لَمْ يُدْخَلْ بِها واحِدَةٌ، وفي المَدْخُولِ بِها ثَلاثٌ. وفي الكَشّافِ لا يَراهُ الشّافِعِيُّ يَمِينًا، ولَكِنْ سَبَبًا في الكَفّارَةِ في النِّساءِ وحْدَهُنَّ، وإنْ نَوى الطَّلاقَ فَهو رَجْعِيٌّ. وعَنْ عُمَرَ: إذا نَوى الطَّلاقَ فَرَجْعِيٌّ. وعَنْ عَلِيٍّ: ثَلاثٌ. وعَنْ زَيْدٍ: واحِدَةٌ. وعَنْ عُثْمانَ: ظِهارٌ. انْتَهى. وقالَ أيْضًا: ولَمْ يَثْبُتْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ لِما أحَلَّهُ: ”هو حَرامٌ عَلَيَّ“، وإنَّما امْتَنَعَ مِن مارِيَةَ لِيَمِينٍ تَقَدَّمَتْ مِنهُ، وهو قَوْلُهُ: واللَّهِ لا أقْرَبُها بَعْدَ اليَوْمِ، فَقِيلَ لَهُ: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ أيْ: لِمَ تَمْتَنِعُ مِنهُ بِسَبَبِ اليَمِينِ ؟ يَعْنِي أقْدِمْ عَلى ما حَلَفْتَ عَلَيْهِ وكَفِّرْ، ونَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وحَرَّمْنا عَلَيْهِ المَراضِعَ﴾ [القصص: ١٢] أيْ: مَنَعْناهُ مِنها. انْتَهى. و(تَبْتَغِي) في مَوْضِعِ الحالِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: تَفْسِيرٌ لِـ (تُحَرِّمُ) أوِ اسْتِئْنافٌ (مَرْضاةَ) رِضا أزْواجِكَ، أيْ: بِالِامْتِناعِ مِمّا أحَلَّهُ اللَّهُ لَكَ.
﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكم تَحِلَّةَ أيْمانِكُمْ﴾ . الظّاهِرُ أنَّهُ كانَ حَلَفَ عَلى أنَّهُ يَمْتَنِعُ مِن وطْءِ مارِيَةَ، أوْ مِن شُرْبِ ذَلِكَ العَسَلِ، عَلى الخِلافِ في السَّبَبِ، و(فَرَضَ) إحالَةٌ عَلى آيَةِ العُقُودِ، ﴿ولَكِنْ يُؤاخِذُكم بِما عَقَّدْتُمُ الأيْمانَ﴾ [المائدة: ٨٩] . و(تَحِلَّةَ): مَصْدَرُ حَلَّلَ، كَتَكْرِمَةٍ مِن كَرَّمَ، ولَيْسَ مَصْدَرًا مَقِيسًا، والمَقِيسُ: التَّحْلِيلُ والتَّكْرِيمُ؛ لِأنَّ قِياسَ فِعْلِ الصَّحِيحِ العَيْنِ غَيْرِ المَهْمُوزِ هو التَّفْعِيلُ، وأصْلُ هَذا تَحْلِلَةٌ فَأُدْغِمَ. وعَنْ مُقاتِلٍ: أعْتَقَ رَقَبَةً في تَحْرِيمِ مارِيَةَ. وعَنِ الحَسَنِ: لَمْ يُكَفِّرْ. انْتَهى. فَدَلَّ عَلى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ يَمِينٌ. وبَعْضِ أزْواجِهِ حَفْصَةُ، والحَدِيثُ هو بِسَبَبِ مارِيَةَ. فَلَمّا نَبَّأتْ بِهِ أيْ: أخْبَرَتْ عائِشَةَ. وقِيلَ: الحَدِيثُ إنَّما هو: ”شَرِبْتُ عَسَلًا“ . وقالَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرانَ: هو إسْرارُهُ إلى حَفْصَةَ أنَّ أبا بَكْرٍ وعُمَرَ يَمْلِكانِ إمْرَتِي مِن بَعْدِي خِلافَةً. وقَرَأ الجُمْهُورُ: فَلَمّا نَبَّأتْ بِهِ. وطَلْحَةُ: أنْبَأتْ، والعامِلُ في إذا ”اذْكُرْ“، وذَكَرَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّأْنِيبِ لِمَن أسَرَّ لَهُ فَأفْشاهُ. ونَبَّأ وأنْبَأ، الأصْلُ أنْ يَتَعَدَّيا إلى واحِدٍ بِأنْفُسِهِما، وإلى ثانٍ بِحَرْفِ الجَرِّ، ويَجُوزُ حَذْفُهُ فَتَقُولُ: نَبَّأتْ بِهِ، المَفْعُولُ الأوَّلُ مَحْذُوفٌ، أيْ غَيْرَها. ومَن أنْبَأكَ هَذا أيْ: بِهَذا قالَ نَبَّأنِيَ أيْ نَبَّأنِي بِهِ أوْ نَبَّأنِيهِ، فَإذا ضُمِّنَتْ مَعْنى أعْلَمَ، تَعَدَّتْ إلى ثَلاثَةِ مَفاعِيلَ، نَحْوَ قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎نُبِّئْتُ زُرْعَةَ، والسَّفاهَةُ كاسْمِها تُهْدِي إلَيَّ غَرائِبَ الأشْعارِ
﴿وأظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ أيْ: أطْلَعَهُ، أيْ: عَلى إفْشائِهِ، وكانَ قَدْ تُكُوتِمَ فِيهِ، وذَلِكَ بِإخْبارِ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ. وجاءَتِ الكِنايَةُ هُنا عَنِ التَّفْشِيَةِ والحَذْفِ لِلْمُفْشى إلَيْها بِالسِّرِّ، حِياطَةً وصَوْنًا عَنِ التَّصْرِيحِ بِالِاسْمِ، إذْ لا يَتَعَلَّقُ بِالتَّصْرِيحِ بِالِاسْمِ غَرَضٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (عَرَّفَ) بِشَدِّ الرّاءِ، والمَعْنى: أعْلَمَ بِهِ وأنَّبَ عَلَيْهِ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ والحَسَنُ وقَتادَةُ، وطَلْحَةُ والكِسائِيُّ وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ هارُونَ عَنْهُ: بِخَفِّ الرّاءِ، أيْ: جازى بِالعَتَبِ واللَّوْمِ، كَما تَقُولُ لِمَن يُؤْذِيكَ: لَأعْرِفَنَّ لَكَ ذَلِكَ، أيْ: لَأُجازِيَنَّكَ. وقِيلَ: إنَّهُ طَلَّقَ حَفْصَةَ وأُمِرَ بِمُراجَعَتِها. وقِيلَ: عاتَبَها ولَمْ يُطَلِّقْها. وقَرَأ ابْنُ المُسَيَّبِ وعِكْرِمَةُ: (عَرّافٌ) بِألِفٍ بَعْدَ الرّاءِ، وهي إشْباعٌ. وقالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: ويُقالُ إنَّها لُغَةٌ يَمانِيَةٌ، ومِثالُها قَوْلُهُ:
؎أعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ العَقْرابِ ∗∗∗ الشّائِلاتِ عُقَدَ الأذْنابِ
يُرِيدُ: مِنَ العَقْرَبِ.
﴿وأعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ﴾ أيْ: تَكَرُّمًا وحَياءً وحُسْنَ عِشْرَةٍ. قالَ الحَسَنُ: ما اسْتَقْصى كَرِيمٌ قَطُّ. وقالَ سُفْيانُ: ما زالَ التَّغافُلُ مِن فِعْلِ الكِرامِ، ومَفْعُولُ (عَرَّفَ) المُشَدَّدُ مَحْذُوفٌ، أيْ: عَرَّفَها بَعْضَهُ، أيْ: أعْلَمَ بِبَعْضِ الحَدِيثِ. وقِيلَ: المُعَرَّفُ خِلافَةُ الشَّيْخَيْنِ، والَّذِي أعْرَضَ عَنْهُ حَدِيثُ مارِيَةَ. ولَمّا أفْشَتْ حَفْصَةُ الحَدِيثَ لِـ عائِشَةَ واكْتَتَمَتْها إيّاهُ، ونَبَّأها الرَّسُولُ ﷺ بِهِ، ظَنَّتْ أنَّ عائِشَةَ فَضَحَتْها، فَقالَتْ: مَن أنْبَأكَ هَذا عَلى سَبِيلِ التَّثَبُّتِ، فَأخْبَرَها أنَّ اللَّهَ هو الَّذِي نَبَّأهُ بِهِ، فَسَكَنَتْ وسَلَّمَتْ. إنْ تَتُوبا إلى اللَّهِ انْتِقالٌ مِن غَيْبَةٍ إلى خِطابٍ، ويُسَمّى الِالتِفاتُ، والخِطابُ لِـ حَفْصَةَ وعائِشَةَ. فَقَدْ صَغَتْ مالَتْ عَنِ الصَّوابِ، وفي حَرْفِ عَبْدِ اللَّهِ: راغَتْ، وأتى بِالجَمْعِ في قَوْلِهِ: (قُلُوبُكُما) وحَسَّنَ ذَلِكَ (p-٢٩١)إضافَتُهُ إلى مُثَنّى، وهو ضَمِيراهُما، والجَمْعُ في مِثْلِ هَذا أكْثَرُ اسْتِعْمالًا مِنَ المُثَنّى، والتَّثْنِيَةُ دُونَ الجَمْعِ، كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎فَتَخالَسا نَفْسَيْهِما بِنَوافِذَ ∗∗∗ كَنَوافِذِ العُبُطِ الَّتِي لا تُرْفَعُ
وهَذا كانَ القِياسَ، وذَلِكَ أنْ يُعَبِّرَ بِالمُثَنّى عَنِ المُثَنّى، لَكِنْ كَرِهُوا اجْتِماعَ تَثْنِيَتَيْنِ فَعَدَلُوا إلى الجَمْعِ؛ لِأنَّ التَّثْنِيَةَ جَمْعٌ في المَعْنى، والإفْرادُ لا يَجُوزُ عِنْدَ أصْحابِنا إلّا في الشِّعْرِ، كَقَوْلِهِ:
؎حَمامَةَ بَطْنِ الوادِيَيْنِ تَرَنَّمِي
يُرِيدُ: بَطْنَيِ.
وغَلِطَ ابْنُ مالِكٍ، فَقالَ في كِتابِ التَّسْهِيلِ: ونَخْتارُ لَفْظَ الإفْرادِ عَلى لَفْظِ التَّثْنِيَةِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: (تَظّاهَرا) بِشَدِّ الظّاءِ، وأصْلُهُ تَتَظاهَرا، وأُدْغِمَتِ التّاءُ في الظّاءِ، وبِالأصْلِ قَرَأ عِكْرِمَةُ، وبِتَخْفِيفِ الظّاءِ قَرَأ أبُو رَجاءٍ والحَسَنُ وطَلْحَةُ وعاصِمٌ ونافِعٌ في رِوايَةٍ، وبِشَدِّ الظّاءِ والهاءِ دُونَ ألِفٍ قَرَأ أبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ، والمَعْنى: وأنْ تَتَعاوَنا عَلَيْهِ في إفْشاءِ سِرِّهِ والإفْراطِ في الغَيْرَةِ فَإنَّ اللَّهَ هو مَوْلاهُ أيْ: مُظاهِرُهُ ومُعِينُهُ، والأحْسَنُ الوَقْفُ عَلى قَوْلِهِ: (مَوْلاهُ) . ويَكُونُ (وجِبْرِيلُ) مُبْتَدَأً وما بَعْدَهُ مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ، والخَبَرُ (ظَهِيرٌ) . فَيَكُونُ ابْتِداءُ الجُمْلَةِ بِجِبْرِيلَ، وهو أمِينُ وحْيِ اللَّهِ واخْتِتامُهُ بِالمَلائِكَةِ. وبُدِئَ بِجِبْرِيلَ، وأُفْرِدَ بِالذِّكْرِ تَعْظِيمًا لَهُ وإظْهارًا لِمَكانَتِهِ عِنْدَ اللَّهِ. ويَكُونُ قَدْ ذُكِرَ مَرَّتَيْنِ، مَرَّةً بِالنَّصِّ ومَرَّةً في العُمُومِ. واكْتَنَفَ صالِحُ المُؤْمِنِينَ جِبْرِيلَ تَشْرِيفًا لَهم واعْتِناءً بِهِمْ، إذْ جَعَلَهم بَيْنَ الَّذِينَ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ والنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ. فَعَلى هَذا جِبْرِيلُ داخِلٌ في الظُّهَراءِ لا في الوِلايَةِ، ويَخْتَصُّ الرَّسُولُ بِأنَّ اللَّهَ هو مَوْلاهُ. وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ وجِبْرِيلُ وصالِحُ المُؤْمِنِينَ عَطْفًا عَلى اسْمِ اللَّهِ، فَيَدْخُلانِ في الوَلايَةِ، ويَكُونُ (والمَلائِكَةُ) مُبْتَدَأً، والخَبَرُ (ظَهِيرٌ) فَيَكُونُ جِبْرِيلُ داخِلًا في الوَلايَةِ بِالنَّصِّ، وفي الظُّهَراءِ بِالعُمُومِ، والظّاهِرُ عُمُومُ وصالِحُ المُؤْمِنِينَ فَيَشْمَلُ كُلَّ صالِحٍ. وقالَ قَتادَةُ والعَلاءُ بْنُ العَلاءِ بْنِ زَيْدٍ: هُمُ الأنْبِياءُ، وتَكُونُ مُظاهَرَتُهم لَهُ كَوْنَهم قُدْوَةً، فَهم ظُهَراءُ بِهَذا المَعْنى. وقالَ عِكْرِمَةُ والضَّحّاكُ وابْنُ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٌ: المُرادُ أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ، وزادَ مُجاهِدٌ: وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ. وقِيلَ: الصَّحابَةُ. وقِيلَ: الخُلَفاءُ. وعَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ: مَن بَرِئَ مِنَ النِّفاقِ، و(صالِحُ) يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ الجَمْعُ، وإنْ كانَ مُفْرَدًا فَيَكُونُ كالسّامِرِ في قَوْلِهِ: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سامِرًا﴾ [المؤمنون: ٦٧] أيْ سُمّارًا. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ جَمْعًا حُذِفَتْ مِنهُ الواوُ خَطَأً لِحَذْفِها لَفْظًا، كَقَوْلِهِ: ﴿سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ﴾ [العلق: ١٨] وأفْرَدَ الظَّهِيرَ لِأنَّ المُرادَ فَوْجٌ ظَهِيرٌ، وكَثِيرًا ما يَأْتِي فَعِيلٌ نَحْوَ هَذا لِلْمُفْرَدِ والمُثَنّى والمَجْمُوعِ بِلَفْظِ المُفْرَدِ، كَأنَّهم في المُظاهَرَةِ يَدٌ واحِدَةٌ عَلى مَن يُعادِيهِ، فَما قَدْرُ تَظاهُرِ امْرَأتَيْنِ عَلى مَن هَؤُلاءِ ظُهَراؤُهُ، وذَلِكَ إشارَةٌ إلى تَظاهُرِهِما، أوْ إلى الوِلايَةِ.
وفِي الحَدِيثِ «أنَّ عُمَرَ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ لا تَكْتَرِثْ بِأمْرِ نِسائِكَ، واللَّهُ مَعَكَ، وجِبْرِيلُ مَعَكَ، وأبُو بَكْرٍ وأنا مَعَكَ، فَنَزَلَتْ» . ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ لِزَوْجاتِ النَّبِيِّ ﷺ: عَسى رَبُّهُ إنْ طَلَّقَكُنَّ الآيَةِ، فَنَزَلَتْ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”طَلَّقَكُنَّ“ بِفَتْحِ القافِ، وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ ابْنِ عَبّاسٍ: بِإدْغامِها في الكافِ، وتَقَدَّمَ ذِكْرُ الخِلافِ في: أنْ يُبْدِلَهُ في سُورَةِ الكَهْفِ، والمُتَبَدَّلُ بِهِ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ، تَقْدِيرُهُ: أنْ يُبْدِلَهُ خَيْرًا مِنكُنَّ؛ لِأنَّهُنَّ إذا طَلَّقَهُنَّ كانَ طَلاقُهُنَّ لِسُوءِ عِشْرَتِهِنَّ، واللَّواتِي يُبَدِّلُهُنَّ بِهَذِهِ الأوْصافِ يَكُنَّ خَيْرًا مِنهُنَّ. وبَدَأ في وصْفِهِنَّ بِالإسْلامِ، وهو الِانْقِيادُ، ثُمَّ بِالإيمانِ، وهو التَّصْدِيقُ، ثُمَّ بِالقُنُوتِ، وهو الطَّواعِيَةُ، ثُمَّ بِالتَّوْبَةِ، وهي الإقْلاعُ عَنِ الذَّنْبِ، ثُمَّ بِالعِبادَةِ، وهي التَّلَذُّذُ، ثُمَّ بِالسِّياحَةِ، وهي كِنايَةٌ عَنِ الصَّوْمِ، قالَهُ أبُو هُرَيْرَةَ وابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ والضَّحّاكُ. وقِيلَ: إنَّ الرَّسُولَ ﷺ فَسَّرَهُ بِذَلِكَ، قالَهُ أيْضًا الحَسَنُ وابْنُ جُبَيْرٍ وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ وابْنُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ. قالَ الفَرّاءُ والقُتَبِيُّ: سُمِّيَ الصّائِمُ سائِحًا لِأنَّ السّائِحَ لا زادَ مَعَهُ، وإنَّما يَأْكُلُ مِن حَيْثُ يَجِدُ الطَّعامَ. وقالَ زَيْدُ بْنُ (p-٢٩٢)أسْلَمَ ويَمانٌ: مُهاجِراتٌ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: لَيْسَ في الإسْلامِ سِياحَةٌ إلّا الهِجْرَةَ. وقِيلَ: ذاهِباتٌ في طاعَةِ اللَّهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (سائِحاتٍ) وعَمْرُو بْنُ فائِدٍ: (سَيَّحاتٍ) وهَذِهِ الصِّفاتُ تَجْتَمِعُ، وأمّا الثُّيُوبَةُ والبَكارَةُ فَلا يَجْتَمِعانِ، فَلِذَلِكَ عُطِفَ أحَدُهُما عَلى الآخَرِ، ولَوْ لَمْ يَأْتِ بِالواوِ لاخْتَلَّ المَعْنى. وذَكَرَ الجِنْسَيْنِ لِأنَّ في أزْواجِهِ ﷺ مَن تَزَوَّجَها بِكْرًا، والثَّيِّبُ: الرّاجِعُ بَعْدَ زَوالِ العُذْرَةِ، يُقالُ: ثابَتْ تَثُوبُ ثُوُوبًا، ووَزْنُهُ فَعْيِلٌ كَسَيِّدٍ.
ولَمّا وعَظَ أزْواجَ الرَّسُولِ ﷺ مَوْعِظَةً خاصَّةً، أتْبَعَ ذَلِكَ بِمَوْعِظَةٍ عامَّةٍ لِلْمُؤْمِنِينَ وأهْلِيهِمْ، وعَطَفَ (وأهْلِيكم) عَلى (أنْفُسِكم) لِأنَّ رَبَّ المَنزِلِ راعٍ وهو مَسْئُولٌ عَنْ أهْلِهِ. ومَعْنى وِقايَتِهِمْ: حَمْلُهم عَلى طاعَتِهِ وإلْزامُهم أداءَ ما فُرِضَ عَلَيْهِمْ. قالَ عُمَرُ: «يا رَسُولَ اللَّهِ نَقِي أنْفُسَنا، فَكَيْفَ لَنا بِأهْلِينا ؟ قالَ: تَنْهَوْنَهُنَّ عَمّا نَهاكُمُ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وتَأْمُرُونَهُنَّ بِما أمَرَكُمُ اللَّهُ بِهِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ وِقايَةً بَيْنَهُنَّ وبَيْنَ النّارِ»، ودَخَلَ الأوْلادُ في (وأهْلِيكم) . وقِيلَ: دَخَلُوا في (أنْفُسِكم) لِأنَّ الوَلَدَ بَعْضٌ مِن أبِيهِ، فَيُعَلِّمُهُ الحَلالَ والحَرامَ ويُجَنِّبُهُ المَعاصِيَ. وقُرِئَ: ”وأهْلُوكم“ بِالواوِ، وهو مَعْطُوفٌ عَلى الضَّمِيرِ في (قُوا) وحَسُنَ العَطْفُ لِلْفَصْلِ بِالمَفْعُولِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): ألَيْسَ التَّقْدِيرُ قُوا أنْفُسَكم ولْيَقِ أهْلُوكم أنْفُسَهم ؟ (قُلْتُ): لا، ولَكِنَّ المَعْطُوفَ مُقارِنٌ في التَّقْدِيرِ لِلْواوِ، و(أنْفُسَكم) واقِعٌ بَعْدَهُ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: قُوا أنْتُمْ وأهْلُوكم أنْفُسَكم. لَمّا جُمِعَتْ مَعَ المُخاطَبِ الغائِبِ غَلَبَتْهُ عَلَيْهِ. فَجَعَلَتْ ضَمِيرَهُما مَعًا عَلى لَفْظِ المُخاطَبِ. انْتَهى. وتَناقَضَ في قَوْلِهِ هَذا لِأنَّهُ قَدَّرَ (ولْيَقِ أهْلُوكم) فَجَعَلَهُ مِن عَطْفِ الجُمَلِ؛ لِأنَّ (أهْلُوكُمُ) اسْمٌ ظاهِرٌ لا يُمْكِنُ عِنْدَهُ أنْ يَرْتَفِعَ بِفِعْلِ الأمْرِ الَّذِي لِلْمُخاطَبِ، وكَذا في قَوْلِهِ: ﴿اسْكُنْ أنْتَ وزَوْجُكَ الجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥] ثُمَّ قالَ: ولَكِنَّ المَعْطُوفَ مُقارِنٌ في التَّقْدِيرِ لِلْواوُ. فَتَناقَضَ لِأنَّهُ في هَذا جَعَلَهُ مُقارِنًا في التَّقْدِيرِ لِلْواوِ، وفِيما قَبْلَهُ رَفَعَهُ بِفِعْلٍ آخَرَ غَيْرِ الرّافِعِ لِلْواوِ وهو و(لْيَقِ) وتَقَدَّمَ الخِلافُ في فَتْحِ الواوِ في قَوْلِهِ: (وقُودُها) وضَمِّها في البَقَرَةِ. وتَفْسِيرُ وقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ في البَقَرَةِ عَلَيْها مَلائِكَةٌ هي الزَّبانِيَةُ التِسْعَةَ عَشَرَ وأعْوانُهم. ووَصَفَهم بِالغِلَظِ، إمّا لِشِدَّةِ أجْسامِهِمْ وقُوَّتِها، وإمّا لِفَظاظَتِهِمْ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ القَلْبِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] أيْ: لَيْسَ فِيهِمْ رِقَّةٌ ولا حِنَّةٌ عَلى العُصاةِ. وانْتَصَبَ ما أمَرَهم عَلى البَدَلِ، أيْ: لا يَعْصُونَ أمْرَهُ لِقَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿أفَعَصَيْتَ أمْرِي﴾ [طه: ٩٣] أوْ عَلى إسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ. أيْ: فِيما أمَرَهم ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ. قِيلَ: كَرَّرَ المَعْنى تَوْكِيدًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ) ألَيْسَ الجُمْلَتانِ في مَعْنًى واحِدٍ ؟ (قُلْتُ): لا فَإنَّ مَعْنى الأُولى: أنَّهم يَتَقَبَّلُونَ أوامِرَهُ ويَلْتَزِمُونَها ولا يَأْبَوْنَها ولا يُنْكِرُونَها، ومَعْنى الثّانِيَةِ: أنَّهم يُؤَدُّونَ ما يُؤْمَرُونَ، لا يَتَثاقَلُونَ عَنْهُ ولا يَتَوانُونَ فِيهِ. لا تَعْتَذِرُوا خِطابٌ لَهم عِنْدَ دُخُولِهِمُ النّارَ؛ لِأنَّهم لا يَنْفَعُهُمُ الِاعْتِذارُ، فَلا فائِدَةَ فِيهِ.
التحريم 66:2
(p-٢٨٨)(سُورَةُ التَّحْرِيمِ مَدَنِيَّةٌ وهي اثْنَتا عَشْرَةَ آيَةً)
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)
﴿يا أيُّها النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاةَ أزْواجِكَ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكم تَحِلَّةَ أيْمانِكم واللَّهُ مَوْلاكم وهو العَلِيمُ الحَكِيمُ﴾ ﴿وإذْ أسَرَّ النَّبِيُّ إلى بَعْضِ أزْواجِهِ حَدِيثًا فَلَمّا نَبَّأتْ بِهِ وأظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وأعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمّا نَبَّأها بِهِ قالَتْ مَن أنْبَأكَ هَذا قالَ نَبَّأنِيَ العَلِيمُ الخَبِيرُ﴾ ﴿إنْ تَتُوبا إلى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما وإنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ فَإنَّ اللَّهَ هو مَوْلاهُ وجِبْرِيلُ وصالِحُ المُؤْمِنِينَ والمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ ﴿عَسى رَبُّهُ إنْ طَلَّقَكُنَّ أنْ يُبْدِلَهُ أزْواجًا خَيْرًا مِنكُنَّ مُسْلِماتٍ مُؤْمِناتٍ قانِتاتٍ تائِباتٍ عابِداتٍ سائِحاتٍ ثَيِّباتٍ وأبْكارًا﴾ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أنْفُسَكم وأهْلِيكم نارًا وقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أمَرَهم ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَعْتَذِرُوا اليَوْمَ إنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ .
(p-٢٨٩)هَذِهِ السُّورَةُ مَدَنِيَّةٌ، وسَبَبُ نُزُولِها ما يَأْتِي ذِكْرُهُ في تَفْسِيرِ أوائِلِها، والمُناسَبَةُ بَيْنَها وبَيْنَ السُّورَةِ قَبْلَها أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ جُمْلَةً مِن أحْكامِ زَوْجاتِ المُؤْمِنِينَ، ذَكَرَ هُنا ما جَرى مِن بَعْضِ زَوْجاتِ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ . يا أيُّها النَّبِيُّ: نِداءُ إقْبالٍ وتَشْرِيفٍ وتَنْبِيهٍ بِالصِّفَةِ عَلى عِصْمَتِهِ مِمّا يَقَعُ فِيهِ مَن لَيْسَ بِمَعْصُومٍ. لِمَ تُحَرِّمُ سُؤالُ تَلَطُّفٍ؛ ولِذَلِكَ قَدَّمَ قَبْلَهُ يا أيُّها النَّبِيُّ كَما جاءَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣] . ومَعْنى (تُحَرِّمُ) تَمْنَعُ، ولَيْسَ التَّحْرِيمُ المَشْرُوعُ بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ، وإنَّما هو امْتِناعٌ لِتَطْيِيبِ خاطِرِ بَعْضِ مَن يُحْسِنُ مَعَهُ العِشْرَةَ. ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ هو مُباشَرَةُ مارِيَةَ جارِيَتِهِ، وكانَ ﷺ ألَمَّ بِها في بَيْتِ بَعْضِ نِسائِهِ، فَغارَتْ مِن ذَلِكَ صاحِبَةُ البَيْتِ، فَطَيَّبَ خاطِرَها بِامْتِناعِهِ مِنها، واسْتَكْتَمَها ذَلِكَ، فَأفْشَتْهُ إلى بَعْضِ نِسائِهِ. وقِيلَ: هو عَسَلٌ كانَ يَشْرَبُهُ عِنْدَ بَعْضِ نِسائِهِ، فَكانَ يَنْتابُ بَيْتَها لِذَلِكَ، فَغارَ بَعْضُهُنَّ مِن دُخُولِهِ بَيْتَ الَّتِي عِنْدَها العَسَلُ، وتَواصَيْنَ عَلى أنْ يَذْكُرْنَ لَهُ عَلى أنَّ رائِحَةَ ذَلِكَ العَسَلِ لَيْسَ بِطَيِّبٍ، فَقالَ: ”لا أشْرَبُهُ“ . ولِلزَّمَخْشَرِيِّ هُنا كَلامٌ أضْرَبْتُ عَنْهُ صَفْحًا، كَما ضَرَبْتُ عَنْ كَلامِهِ في قَوْلِهِ: ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣] وكَلامُهُ هَذا ونَحْوُهُ مُحَقَّقٌ قَوِيٌّ فِيهِ، ويَعْزُو إلى المَعْصُومِ ما لَيْسَ لائِقًا. فَلَوْ حَرَّمَ الإنْسانُ عَلى نَفْسِهِ شَيْئًا أحَلَّهُ اللَّهُ، كَشُرْبِ عَسَلٍ، أوْ وطْءِ سُرِّيَّةٍ. واخْتَلَفُوا إذا قالَ لِزَوْجَتِهِ: أنْتِ عَلَيَّ حَرامٌ، أوِ الحَلالُ عَلَيَّ حَرامٌ، ولا يَسْتَثْنِي زَوْجَتَهُ. فَقالَ جَماعَةٌ، مِنهُمُ الشَّعْبِيُّ ومَسْرُوقٌ ورَبِيعَةُ وأبُو سَلَمَةَ وأصْبَغُ: هو كَتَحْرِيمِ الماءِ والطَّعامِ. وقالَ - تَعالى -: ﴿لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٧] والزَّوْجَةُ مِنَ الطَّيِّباتِ ومِمّا أحَلَّهُ اللَّهُ. وقالَ أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ وزَيْدٌ وابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ مَسْعُودٍ وعائِشَةُ وابْنُ المُسَيَّبِ، وعَطاءٌ وطاوُسُ وسُلَيْمانُ بْنُ يَسارٍ وابْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ والحَسَنُ و الأوْزاعِيُّ وأبُو ثَوْرٍ وجَماعَةٌ: هو يَمِينٌ يُكَفِّرُها. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا في إحْدى رِوايَتَيْهِ، والشّافِعِيُّ في أحَدِ قَوْلَيْهِ: فِيهِ تَكْفِيرُ يَمِينٍ ولَيْسَ بِيَمِينٍ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ وسُفْيانُ والكُوفِيُّونَ: هَذا ما أرادَ مِنَ الطَّلاقِ، فَإنْ لَمْ يُرِدْ طَلاقَها فَهو لا شَيْءَ. وقالَ آخَرُونَ: كَذَلِكَ، فَإنْ لَمْ يُرِدْ فَهو يَمِينٌ. وفي التَّحْرِيرِ، قالَ أبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهُ: إنْ نَوى الطَّلاقَ فَواحِدَةٌ بائِنَةٌ، أوِ اثْنَيْنِ فَواحِدَةٌ، أوْ ثَلاثًا فَثَلاثٌ، أوْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا فَيَمِينٌ وهو مُولٍ، أوِ الظِّهارَ فَظِهارٌ. وقالَ ابْنُ القاسِمِ: لا تَنْفَعُهُ نِيَّةُ الظِّهارِ ويَكُونُ طَلاقًا. وقالَ يَحْيى بْنُ عُمَرَ: يَكُونُ، فَإنِ ارْتَجَعَها، فَلا يَجُوزُ لَهُ وطْئُها حَتّى يُكَفِّرَ كَفّارَةَ الظِّهارِ فَما زادَ مِن أعْدادِهِ، فَإنْ نَوى واحِدَةً فَرَجْعِيَّةٌ، وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ. وقالَ الأوْزاعِيُّ وسُفْيانُ وأبُو ثَوْرٍ أيْ: أيُّ شَيْءٍ نَوى بِهِ مِنَ الطَّلاقِ وقَعَ وإنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا، فَقالَ سُفْيانُ: لا شَيْءَ عَلَيْهِ. وقالَ الأوْزاعِيُّ وأبُو ثَوْرٍ: تَقَعُ واحِدَةٌ. وقالَ الزُّهْرِيُّ: لَهُ نِيَّتُهُ ولا يَكُونُ أقَلَّ مِن واحِدَةٍ، فَإنْ لَمْ يَنْوِ فَلا شَيْءَ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: عَلَيْهِ عِتْقُ رَقَبَةٍ وإنْ لَمْ يَكُنْ ظِهارًا. وقالَ أبُو قِلابَةَ وعُثْمانُ وأحْمَدُ وإسْحاقُ: التَّحْرِيمُ ظِهارٌ، فَفِيهِ كَفّارَةٌ. وقالَ الشّافِعِيُّ: إنْ نَوى أنَّها مُحَرَّمَةٌ كَظَهْرِ أُمِّهِ، فَظِهارٌ أوْ تَحْرِيمٌ عَيَّنَها بِغَيْرِ طَلاقٍ، أوْ لَمْ يَنْوِ فَكَفّارَةُ يَمِينٍ. وقالَ مالِكٌ: هي ثَلاثٌ في المَدْخُولِ بِها، ويَنْوِي في غَيْرِ المَدْخُولِ بِها، فَهو ما أرادَ مِن واحِدَةٍ أوِ اثْنَتَيْنِ أوْ ثَلاثٍ. وقالَهُ عَلِيٌّ وزَيْدٌ وأبُو هُرَيْرَةَ. وقِيلَ: في المَدْخُولِ بِها ثَلاثٌ، قالَهُ عَلِيٌّ أيْضًا، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ والحَكَمُ. وقالَ ابْنُ أبِي لَيْلى وعَبْدُ المَلِكِ بْنُ الماجِشُونِ: هي ثَلاثٌ في الوَجْهَيْنِ، ولا يَنْوِي في شَيْءٍ. ورَوى ابْنُ خُوَيْزِ مَندادَ عَنْ مالِكٌ، وقالَهُ زَيْدٌ وحَمّادُ بْنُ أبِي سُلَيْمانَ: إنَّها واحِدَةٌ بائِنَةٌ في المَدْخُولِ بِها وغَيْرِ المَدْخُولِ بِها. وقالَ الزُّهْرِيُّ وعَبْدُ العَزِيزِ بْنُ الماجِشُونِ: هي واحِدَةٌ رَجْعِيَّةٌ. وقالَ أبُو مُصْعَبٍ ومُحَمَّدُ بْنُ الحَكَمِ: هي في (p-٢٩٠)الَّتِي لَمْ يُدْخَلْ بِها واحِدَةٌ، وفي المَدْخُولِ بِها ثَلاثٌ. وفي الكَشّافِ لا يَراهُ الشّافِعِيُّ يَمِينًا، ولَكِنْ سَبَبًا في الكَفّارَةِ في النِّساءِ وحْدَهُنَّ، وإنْ نَوى الطَّلاقَ فَهو رَجْعِيٌّ. وعَنْ عُمَرَ: إذا نَوى الطَّلاقَ فَرَجْعِيٌّ. وعَنْ عَلِيٍّ: ثَلاثٌ. وعَنْ زَيْدٍ: واحِدَةٌ. وعَنْ عُثْمانَ: ظِهارٌ. انْتَهى. وقالَ أيْضًا: ولَمْ يَثْبُتْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ لِما أحَلَّهُ: ”هو حَرامٌ عَلَيَّ“، وإنَّما امْتَنَعَ مِن مارِيَةَ لِيَمِينٍ تَقَدَّمَتْ مِنهُ، وهو قَوْلُهُ: واللَّهِ لا أقْرَبُها بَعْدَ اليَوْمِ، فَقِيلَ لَهُ: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ أيْ: لِمَ تَمْتَنِعُ مِنهُ بِسَبَبِ اليَمِينِ ؟ يَعْنِي أقْدِمْ عَلى ما حَلَفْتَ عَلَيْهِ وكَفِّرْ، ونَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وحَرَّمْنا عَلَيْهِ المَراضِعَ﴾ [القصص: ١٢] أيْ: مَنَعْناهُ مِنها. انْتَهى. و(تَبْتَغِي) في مَوْضِعِ الحالِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: تَفْسِيرٌ لِـ (تُحَرِّمُ) أوِ اسْتِئْنافٌ (مَرْضاةَ) رِضا أزْواجِكَ، أيْ: بِالِامْتِناعِ مِمّا أحَلَّهُ اللَّهُ لَكَ.
﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكم تَحِلَّةَ أيْمانِكُمْ﴾ . الظّاهِرُ أنَّهُ كانَ حَلَفَ عَلى أنَّهُ يَمْتَنِعُ مِن وطْءِ مارِيَةَ، أوْ مِن شُرْبِ ذَلِكَ العَسَلِ، عَلى الخِلافِ في السَّبَبِ، و(فَرَضَ) إحالَةٌ عَلى آيَةِ العُقُودِ، ﴿ولَكِنْ يُؤاخِذُكم بِما عَقَّدْتُمُ الأيْمانَ﴾ [المائدة: ٨٩] . و(تَحِلَّةَ): مَصْدَرُ حَلَّلَ، كَتَكْرِمَةٍ مِن كَرَّمَ، ولَيْسَ مَصْدَرًا مَقِيسًا، والمَقِيسُ: التَّحْلِيلُ والتَّكْرِيمُ؛ لِأنَّ قِياسَ فِعْلِ الصَّحِيحِ العَيْنِ غَيْرِ المَهْمُوزِ هو التَّفْعِيلُ، وأصْلُ هَذا تَحْلِلَةٌ فَأُدْغِمَ. وعَنْ مُقاتِلٍ: أعْتَقَ رَقَبَةً في تَحْرِيمِ مارِيَةَ. وعَنِ الحَسَنِ: لَمْ يُكَفِّرْ. انْتَهى. فَدَلَّ عَلى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ يَمِينٌ. وبَعْضِ أزْواجِهِ حَفْصَةُ، والحَدِيثُ هو بِسَبَبِ مارِيَةَ. فَلَمّا نَبَّأتْ بِهِ أيْ: أخْبَرَتْ عائِشَةَ. وقِيلَ: الحَدِيثُ إنَّما هو: ”شَرِبْتُ عَسَلًا“ . وقالَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرانَ: هو إسْرارُهُ إلى حَفْصَةَ أنَّ أبا بَكْرٍ وعُمَرَ يَمْلِكانِ إمْرَتِي مِن بَعْدِي خِلافَةً. وقَرَأ الجُمْهُورُ: فَلَمّا نَبَّأتْ بِهِ. وطَلْحَةُ: أنْبَأتْ، والعامِلُ في إذا ”اذْكُرْ“، وذَكَرَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّأْنِيبِ لِمَن أسَرَّ لَهُ فَأفْشاهُ. ونَبَّأ وأنْبَأ، الأصْلُ أنْ يَتَعَدَّيا إلى واحِدٍ بِأنْفُسِهِما، وإلى ثانٍ بِحَرْفِ الجَرِّ، ويَجُوزُ حَذْفُهُ فَتَقُولُ: نَبَّأتْ بِهِ، المَفْعُولُ الأوَّلُ مَحْذُوفٌ، أيْ غَيْرَها. ومَن أنْبَأكَ هَذا أيْ: بِهَذا قالَ نَبَّأنِيَ أيْ نَبَّأنِي بِهِ أوْ نَبَّأنِيهِ، فَإذا ضُمِّنَتْ مَعْنى أعْلَمَ، تَعَدَّتْ إلى ثَلاثَةِ مَفاعِيلَ، نَحْوَ قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎نُبِّئْتُ زُرْعَةَ، والسَّفاهَةُ كاسْمِها تُهْدِي إلَيَّ غَرائِبَ الأشْعارِ
﴿وأظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ أيْ: أطْلَعَهُ، أيْ: عَلى إفْشائِهِ، وكانَ قَدْ تُكُوتِمَ فِيهِ، وذَلِكَ بِإخْبارِ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ. وجاءَتِ الكِنايَةُ هُنا عَنِ التَّفْشِيَةِ والحَذْفِ لِلْمُفْشى إلَيْها بِالسِّرِّ، حِياطَةً وصَوْنًا عَنِ التَّصْرِيحِ بِالِاسْمِ، إذْ لا يَتَعَلَّقُ بِالتَّصْرِيحِ بِالِاسْمِ غَرَضٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (عَرَّفَ) بِشَدِّ الرّاءِ، والمَعْنى: أعْلَمَ بِهِ وأنَّبَ عَلَيْهِ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ والحَسَنُ وقَتادَةُ، وطَلْحَةُ والكِسائِيُّ وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ هارُونَ عَنْهُ: بِخَفِّ الرّاءِ، أيْ: جازى بِالعَتَبِ واللَّوْمِ، كَما تَقُولُ لِمَن يُؤْذِيكَ: لَأعْرِفَنَّ لَكَ ذَلِكَ، أيْ: لَأُجازِيَنَّكَ. وقِيلَ: إنَّهُ طَلَّقَ حَفْصَةَ وأُمِرَ بِمُراجَعَتِها. وقِيلَ: عاتَبَها ولَمْ يُطَلِّقْها. وقَرَأ ابْنُ المُسَيَّبِ وعِكْرِمَةُ: (عَرّافٌ) بِألِفٍ بَعْدَ الرّاءِ، وهي إشْباعٌ. وقالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: ويُقالُ إنَّها لُغَةٌ يَمانِيَةٌ، ومِثالُها قَوْلُهُ:
؎أعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ العَقْرابِ ∗∗∗ الشّائِلاتِ عُقَدَ الأذْنابِ
يُرِيدُ: مِنَ العَقْرَبِ.
﴿وأعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ﴾ أيْ: تَكَرُّمًا وحَياءً وحُسْنَ عِشْرَةٍ. قالَ الحَسَنُ: ما اسْتَقْصى كَرِيمٌ قَطُّ. وقالَ سُفْيانُ: ما زالَ التَّغافُلُ مِن فِعْلِ الكِرامِ، ومَفْعُولُ (عَرَّفَ) المُشَدَّدُ مَحْذُوفٌ، أيْ: عَرَّفَها بَعْضَهُ، أيْ: أعْلَمَ بِبَعْضِ الحَدِيثِ. وقِيلَ: المُعَرَّفُ خِلافَةُ الشَّيْخَيْنِ، والَّذِي أعْرَضَ عَنْهُ حَدِيثُ مارِيَةَ. ولَمّا أفْشَتْ حَفْصَةُ الحَدِيثَ لِـ عائِشَةَ واكْتَتَمَتْها إيّاهُ، ونَبَّأها الرَّسُولُ ﷺ بِهِ، ظَنَّتْ أنَّ عائِشَةَ فَضَحَتْها، فَقالَتْ: مَن أنْبَأكَ هَذا عَلى سَبِيلِ التَّثَبُّتِ، فَأخْبَرَها أنَّ اللَّهَ هو الَّذِي نَبَّأهُ بِهِ، فَسَكَنَتْ وسَلَّمَتْ. إنْ تَتُوبا إلى اللَّهِ انْتِقالٌ مِن غَيْبَةٍ إلى خِطابٍ، ويُسَمّى الِالتِفاتُ، والخِطابُ لِـ حَفْصَةَ وعائِشَةَ. فَقَدْ صَغَتْ مالَتْ عَنِ الصَّوابِ، وفي حَرْفِ عَبْدِ اللَّهِ: راغَتْ، وأتى بِالجَمْعِ في قَوْلِهِ: (قُلُوبُكُما) وحَسَّنَ ذَلِكَ (p-٢٩١)إضافَتُهُ إلى مُثَنّى، وهو ضَمِيراهُما، والجَمْعُ في مِثْلِ هَذا أكْثَرُ اسْتِعْمالًا مِنَ المُثَنّى، والتَّثْنِيَةُ دُونَ الجَمْعِ، كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎فَتَخالَسا نَفْسَيْهِما بِنَوافِذَ ∗∗∗ كَنَوافِذِ العُبُطِ الَّتِي لا تُرْفَعُ
وهَذا كانَ القِياسَ، وذَلِكَ أنْ يُعَبِّرَ بِالمُثَنّى عَنِ المُثَنّى، لَكِنْ كَرِهُوا اجْتِماعَ تَثْنِيَتَيْنِ فَعَدَلُوا إلى الجَمْعِ؛ لِأنَّ التَّثْنِيَةَ جَمْعٌ في المَعْنى، والإفْرادُ لا يَجُوزُ عِنْدَ أصْحابِنا إلّا في الشِّعْرِ، كَقَوْلِهِ:
؎حَمامَةَ بَطْنِ الوادِيَيْنِ تَرَنَّمِي
يُرِيدُ: بَطْنَيِ.
وغَلِطَ ابْنُ مالِكٍ، فَقالَ في كِتابِ التَّسْهِيلِ: ونَخْتارُ لَفْظَ الإفْرادِ عَلى لَفْظِ التَّثْنِيَةِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: (تَظّاهَرا) بِشَدِّ الظّاءِ، وأصْلُهُ تَتَظاهَرا، وأُدْغِمَتِ التّاءُ في الظّاءِ، وبِالأصْلِ قَرَأ عِكْرِمَةُ، وبِتَخْفِيفِ الظّاءِ قَرَأ أبُو رَجاءٍ والحَسَنُ وطَلْحَةُ وعاصِمٌ ونافِعٌ في رِوايَةٍ، وبِشَدِّ الظّاءِ والهاءِ دُونَ ألِفٍ قَرَأ أبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ، والمَعْنى: وأنْ تَتَعاوَنا عَلَيْهِ في إفْشاءِ سِرِّهِ والإفْراطِ في الغَيْرَةِ فَإنَّ اللَّهَ هو مَوْلاهُ أيْ: مُظاهِرُهُ ومُعِينُهُ، والأحْسَنُ الوَقْفُ عَلى قَوْلِهِ: (مَوْلاهُ) . ويَكُونُ (وجِبْرِيلُ) مُبْتَدَأً وما بَعْدَهُ مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ، والخَبَرُ (ظَهِيرٌ) . فَيَكُونُ ابْتِداءُ الجُمْلَةِ بِجِبْرِيلَ، وهو أمِينُ وحْيِ اللَّهِ واخْتِتامُهُ بِالمَلائِكَةِ. وبُدِئَ بِجِبْرِيلَ، وأُفْرِدَ بِالذِّكْرِ تَعْظِيمًا لَهُ وإظْهارًا لِمَكانَتِهِ عِنْدَ اللَّهِ. ويَكُونُ قَدْ ذُكِرَ مَرَّتَيْنِ، مَرَّةً بِالنَّصِّ ومَرَّةً في العُمُومِ. واكْتَنَفَ صالِحُ المُؤْمِنِينَ جِبْرِيلَ تَشْرِيفًا لَهم واعْتِناءً بِهِمْ، إذْ جَعَلَهم بَيْنَ الَّذِينَ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ والنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ. فَعَلى هَذا جِبْرِيلُ داخِلٌ في الظُّهَراءِ لا في الوِلايَةِ، ويَخْتَصُّ الرَّسُولُ بِأنَّ اللَّهَ هو مَوْلاهُ. وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ وجِبْرِيلُ وصالِحُ المُؤْمِنِينَ عَطْفًا عَلى اسْمِ اللَّهِ، فَيَدْخُلانِ في الوَلايَةِ، ويَكُونُ (والمَلائِكَةُ) مُبْتَدَأً، والخَبَرُ (ظَهِيرٌ) فَيَكُونُ جِبْرِيلُ داخِلًا في الوَلايَةِ بِالنَّصِّ، وفي الظُّهَراءِ بِالعُمُومِ، والظّاهِرُ عُمُومُ وصالِحُ المُؤْمِنِينَ فَيَشْمَلُ كُلَّ صالِحٍ. وقالَ قَتادَةُ والعَلاءُ بْنُ العَلاءِ بْنِ زَيْدٍ: هُمُ الأنْبِياءُ، وتَكُونُ مُظاهَرَتُهم لَهُ كَوْنَهم قُدْوَةً، فَهم ظُهَراءُ بِهَذا المَعْنى. وقالَ عِكْرِمَةُ والضَّحّاكُ وابْنُ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٌ: المُرادُ أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ، وزادَ مُجاهِدٌ: وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ. وقِيلَ: الصَّحابَةُ. وقِيلَ: الخُلَفاءُ. وعَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ: مَن بَرِئَ مِنَ النِّفاقِ، و(صالِحُ) يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ الجَمْعُ، وإنْ كانَ مُفْرَدًا فَيَكُونُ كالسّامِرِ في قَوْلِهِ: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سامِرًا﴾ [المؤمنون: ٦٧] أيْ سُمّارًا. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ جَمْعًا حُذِفَتْ مِنهُ الواوُ خَطَأً لِحَذْفِها لَفْظًا، كَقَوْلِهِ: ﴿سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ﴾ [العلق: ١٨] وأفْرَدَ الظَّهِيرَ لِأنَّ المُرادَ فَوْجٌ ظَهِيرٌ، وكَثِيرًا ما يَأْتِي فَعِيلٌ نَحْوَ هَذا لِلْمُفْرَدِ والمُثَنّى والمَجْمُوعِ بِلَفْظِ المُفْرَدِ، كَأنَّهم في المُظاهَرَةِ يَدٌ واحِدَةٌ عَلى مَن يُعادِيهِ، فَما قَدْرُ تَظاهُرِ امْرَأتَيْنِ عَلى مَن هَؤُلاءِ ظُهَراؤُهُ، وذَلِكَ إشارَةٌ إلى تَظاهُرِهِما، أوْ إلى الوِلايَةِ.
وفِي الحَدِيثِ «أنَّ عُمَرَ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ لا تَكْتَرِثْ بِأمْرِ نِسائِكَ، واللَّهُ مَعَكَ، وجِبْرِيلُ مَعَكَ، وأبُو بَكْرٍ وأنا مَعَكَ، فَنَزَلَتْ» . ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ لِزَوْجاتِ النَّبِيِّ ﷺ: عَسى رَبُّهُ إنْ طَلَّقَكُنَّ الآيَةِ، فَنَزَلَتْ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”طَلَّقَكُنَّ“ بِفَتْحِ القافِ، وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ ابْنِ عَبّاسٍ: بِإدْغامِها في الكافِ، وتَقَدَّمَ ذِكْرُ الخِلافِ في: أنْ يُبْدِلَهُ في سُورَةِ الكَهْفِ، والمُتَبَدَّلُ بِهِ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ، تَقْدِيرُهُ: أنْ يُبْدِلَهُ خَيْرًا مِنكُنَّ؛ لِأنَّهُنَّ إذا طَلَّقَهُنَّ كانَ طَلاقُهُنَّ لِسُوءِ عِشْرَتِهِنَّ، واللَّواتِي يُبَدِّلُهُنَّ بِهَذِهِ الأوْصافِ يَكُنَّ خَيْرًا مِنهُنَّ. وبَدَأ في وصْفِهِنَّ بِالإسْلامِ، وهو الِانْقِيادُ، ثُمَّ بِالإيمانِ، وهو التَّصْدِيقُ، ثُمَّ بِالقُنُوتِ، وهو الطَّواعِيَةُ، ثُمَّ بِالتَّوْبَةِ، وهي الإقْلاعُ عَنِ الذَّنْبِ، ثُمَّ بِالعِبادَةِ، وهي التَّلَذُّذُ، ثُمَّ بِالسِّياحَةِ، وهي كِنايَةٌ عَنِ الصَّوْمِ، قالَهُ أبُو هُرَيْرَةَ وابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ والضَّحّاكُ. وقِيلَ: إنَّ الرَّسُولَ ﷺ فَسَّرَهُ بِذَلِكَ، قالَهُ أيْضًا الحَسَنُ وابْنُ جُبَيْرٍ وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ وابْنُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ. قالَ الفَرّاءُ والقُتَبِيُّ: سُمِّيَ الصّائِمُ سائِحًا لِأنَّ السّائِحَ لا زادَ مَعَهُ، وإنَّما يَأْكُلُ مِن حَيْثُ يَجِدُ الطَّعامَ. وقالَ زَيْدُ بْنُ (p-٢٩٢)أسْلَمَ ويَمانٌ: مُهاجِراتٌ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: لَيْسَ في الإسْلامِ سِياحَةٌ إلّا الهِجْرَةَ. وقِيلَ: ذاهِباتٌ في طاعَةِ اللَّهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (سائِحاتٍ) وعَمْرُو بْنُ فائِدٍ: (سَيَّحاتٍ) وهَذِهِ الصِّفاتُ تَجْتَمِعُ، وأمّا الثُّيُوبَةُ والبَكارَةُ فَلا يَجْتَمِعانِ، فَلِذَلِكَ عُطِفَ أحَدُهُما عَلى الآخَرِ، ولَوْ لَمْ يَأْتِ بِالواوِ لاخْتَلَّ المَعْنى. وذَكَرَ الجِنْسَيْنِ لِأنَّ في أزْواجِهِ ﷺ مَن تَزَوَّجَها بِكْرًا، والثَّيِّبُ: الرّاجِعُ بَعْدَ زَوالِ العُذْرَةِ، يُقالُ: ثابَتْ تَثُوبُ ثُوُوبًا، ووَزْنُهُ فَعْيِلٌ كَسَيِّدٍ.
ولَمّا وعَظَ أزْواجَ الرَّسُولِ ﷺ مَوْعِظَةً خاصَّةً، أتْبَعَ ذَلِكَ بِمَوْعِظَةٍ عامَّةٍ لِلْمُؤْمِنِينَ وأهْلِيهِمْ، وعَطَفَ (وأهْلِيكم) عَلى (أنْفُسِكم) لِأنَّ رَبَّ المَنزِلِ راعٍ وهو مَسْئُولٌ عَنْ أهْلِهِ. ومَعْنى وِقايَتِهِمْ: حَمْلُهم عَلى طاعَتِهِ وإلْزامُهم أداءَ ما فُرِضَ عَلَيْهِمْ. قالَ عُمَرُ: «يا رَسُولَ اللَّهِ نَقِي أنْفُسَنا، فَكَيْفَ لَنا بِأهْلِينا ؟ قالَ: تَنْهَوْنَهُنَّ عَمّا نَهاكُمُ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وتَأْمُرُونَهُنَّ بِما أمَرَكُمُ اللَّهُ بِهِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ وِقايَةً بَيْنَهُنَّ وبَيْنَ النّارِ»، ودَخَلَ الأوْلادُ في (وأهْلِيكم) . وقِيلَ: دَخَلُوا في (أنْفُسِكم) لِأنَّ الوَلَدَ بَعْضٌ مِن أبِيهِ، فَيُعَلِّمُهُ الحَلالَ والحَرامَ ويُجَنِّبُهُ المَعاصِيَ. وقُرِئَ: ”وأهْلُوكم“ بِالواوِ، وهو مَعْطُوفٌ عَلى الضَّمِيرِ في (قُوا) وحَسُنَ العَطْفُ لِلْفَصْلِ بِالمَفْعُولِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): ألَيْسَ التَّقْدِيرُ قُوا أنْفُسَكم ولْيَقِ أهْلُوكم أنْفُسَهم ؟ (قُلْتُ): لا، ولَكِنَّ المَعْطُوفَ مُقارِنٌ في التَّقْدِيرِ لِلْواوِ، و(أنْفُسَكم) واقِعٌ بَعْدَهُ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: قُوا أنْتُمْ وأهْلُوكم أنْفُسَكم. لَمّا جُمِعَتْ مَعَ المُخاطَبِ الغائِبِ غَلَبَتْهُ عَلَيْهِ. فَجَعَلَتْ ضَمِيرَهُما مَعًا عَلى لَفْظِ المُخاطَبِ. انْتَهى. وتَناقَضَ في قَوْلِهِ هَذا لِأنَّهُ قَدَّرَ (ولْيَقِ أهْلُوكم) فَجَعَلَهُ مِن عَطْفِ الجُمَلِ؛ لِأنَّ (أهْلُوكُمُ) اسْمٌ ظاهِرٌ لا يُمْكِنُ عِنْدَهُ أنْ يَرْتَفِعَ بِفِعْلِ الأمْرِ الَّذِي لِلْمُخاطَبِ، وكَذا في قَوْلِهِ: ﴿اسْكُنْ أنْتَ وزَوْجُكَ الجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥] ثُمَّ قالَ: ولَكِنَّ المَعْطُوفَ مُقارِنٌ في التَّقْدِيرِ لِلْواوُ. فَتَناقَضَ لِأنَّهُ في هَذا جَعَلَهُ مُقارِنًا في التَّقْدِيرِ لِلْواوِ، وفِيما قَبْلَهُ رَفَعَهُ بِفِعْلٍ آخَرَ غَيْرِ الرّافِعِ لِلْواوِ وهو و(لْيَقِ) وتَقَدَّمَ الخِلافُ في فَتْحِ الواوِ في قَوْلِهِ: (وقُودُها) وضَمِّها في البَقَرَةِ. وتَفْسِيرُ وقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ في البَقَرَةِ عَلَيْها مَلائِكَةٌ هي الزَّبانِيَةُ التِسْعَةَ عَشَرَ وأعْوانُهم. ووَصَفَهم بِالغِلَظِ، إمّا لِشِدَّةِ أجْسامِهِمْ وقُوَّتِها، وإمّا لِفَظاظَتِهِمْ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ القَلْبِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] أيْ: لَيْسَ فِيهِمْ رِقَّةٌ ولا حِنَّةٌ عَلى العُصاةِ. وانْتَصَبَ ما أمَرَهم عَلى البَدَلِ، أيْ: لا يَعْصُونَ أمْرَهُ لِقَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿أفَعَصَيْتَ أمْرِي﴾ [طه: ٩٣] أوْ عَلى إسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ. أيْ: فِيما أمَرَهم ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ. قِيلَ: كَرَّرَ المَعْنى تَوْكِيدًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ) ألَيْسَ الجُمْلَتانِ في مَعْنًى واحِدٍ ؟ (قُلْتُ): لا فَإنَّ مَعْنى الأُولى: أنَّهم يَتَقَبَّلُونَ أوامِرَهُ ويَلْتَزِمُونَها ولا يَأْبَوْنَها ولا يُنْكِرُونَها، ومَعْنى الثّانِيَةِ: أنَّهم يُؤَدُّونَ ما يُؤْمَرُونَ، لا يَتَثاقَلُونَ عَنْهُ ولا يَتَوانُونَ فِيهِ. لا تَعْتَذِرُوا خِطابٌ لَهم عِنْدَ دُخُولِهِمُ النّارَ؛ لِأنَّهم لا يَنْفَعُهُمُ الِاعْتِذارُ، فَلا فائِدَةَ فِيهِ.
التحريم 66:3
(p-٢٨٨)(سُورَةُ التَّحْرِيمِ مَدَنِيَّةٌ وهي اثْنَتا عَشْرَةَ آيَةً)
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)
﴿يا أيُّها النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاةَ أزْواجِكَ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكم تَحِلَّةَ أيْمانِكم واللَّهُ مَوْلاكم وهو العَلِيمُ الحَكِيمُ﴾ ﴿وإذْ أسَرَّ النَّبِيُّ إلى بَعْضِ أزْواجِهِ حَدِيثًا فَلَمّا نَبَّأتْ بِهِ وأظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وأعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمّا نَبَّأها بِهِ قالَتْ مَن أنْبَأكَ هَذا قالَ نَبَّأنِيَ العَلِيمُ الخَبِيرُ﴾ ﴿إنْ تَتُوبا إلى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما وإنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ فَإنَّ اللَّهَ هو مَوْلاهُ وجِبْرِيلُ وصالِحُ المُؤْمِنِينَ والمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ ﴿عَسى رَبُّهُ إنْ طَلَّقَكُنَّ أنْ يُبْدِلَهُ أزْواجًا خَيْرًا مِنكُنَّ مُسْلِماتٍ مُؤْمِناتٍ قانِتاتٍ تائِباتٍ عابِداتٍ سائِحاتٍ ثَيِّباتٍ وأبْكارًا﴾ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أنْفُسَكم وأهْلِيكم نارًا وقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أمَرَهم ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَعْتَذِرُوا اليَوْمَ إنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ .
(p-٢٨٩)هَذِهِ السُّورَةُ مَدَنِيَّةٌ، وسَبَبُ نُزُولِها ما يَأْتِي ذِكْرُهُ في تَفْسِيرِ أوائِلِها، والمُناسَبَةُ بَيْنَها وبَيْنَ السُّورَةِ قَبْلَها أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ جُمْلَةً مِن أحْكامِ زَوْجاتِ المُؤْمِنِينَ، ذَكَرَ هُنا ما جَرى مِن بَعْضِ زَوْجاتِ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ . يا أيُّها النَّبِيُّ: نِداءُ إقْبالٍ وتَشْرِيفٍ وتَنْبِيهٍ بِالصِّفَةِ عَلى عِصْمَتِهِ مِمّا يَقَعُ فِيهِ مَن لَيْسَ بِمَعْصُومٍ. لِمَ تُحَرِّمُ سُؤالُ تَلَطُّفٍ؛ ولِذَلِكَ قَدَّمَ قَبْلَهُ يا أيُّها النَّبِيُّ كَما جاءَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣] . ومَعْنى (تُحَرِّمُ) تَمْنَعُ، ولَيْسَ التَّحْرِيمُ المَشْرُوعُ بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ، وإنَّما هو امْتِناعٌ لِتَطْيِيبِ خاطِرِ بَعْضِ مَن يُحْسِنُ مَعَهُ العِشْرَةَ. ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ هو مُباشَرَةُ مارِيَةَ جارِيَتِهِ، وكانَ ﷺ ألَمَّ بِها في بَيْتِ بَعْضِ نِسائِهِ، فَغارَتْ مِن ذَلِكَ صاحِبَةُ البَيْتِ، فَطَيَّبَ خاطِرَها بِامْتِناعِهِ مِنها، واسْتَكْتَمَها ذَلِكَ، فَأفْشَتْهُ إلى بَعْضِ نِسائِهِ. وقِيلَ: هو عَسَلٌ كانَ يَشْرَبُهُ عِنْدَ بَعْضِ نِسائِهِ، فَكانَ يَنْتابُ بَيْتَها لِذَلِكَ، فَغارَ بَعْضُهُنَّ مِن دُخُولِهِ بَيْتَ الَّتِي عِنْدَها العَسَلُ، وتَواصَيْنَ عَلى أنْ يَذْكُرْنَ لَهُ عَلى أنَّ رائِحَةَ ذَلِكَ العَسَلِ لَيْسَ بِطَيِّبٍ، فَقالَ: ”لا أشْرَبُهُ“ . ولِلزَّمَخْشَرِيِّ هُنا كَلامٌ أضْرَبْتُ عَنْهُ صَفْحًا، كَما ضَرَبْتُ عَنْ كَلامِهِ في قَوْلِهِ: ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣] وكَلامُهُ هَذا ونَحْوُهُ مُحَقَّقٌ قَوِيٌّ فِيهِ، ويَعْزُو إلى المَعْصُومِ ما لَيْسَ لائِقًا. فَلَوْ حَرَّمَ الإنْسانُ عَلى نَفْسِهِ شَيْئًا أحَلَّهُ اللَّهُ، كَشُرْبِ عَسَلٍ، أوْ وطْءِ سُرِّيَّةٍ. واخْتَلَفُوا إذا قالَ لِزَوْجَتِهِ: أنْتِ عَلَيَّ حَرامٌ، أوِ الحَلالُ عَلَيَّ حَرامٌ، ولا يَسْتَثْنِي زَوْجَتَهُ. فَقالَ جَماعَةٌ، مِنهُمُ الشَّعْبِيُّ ومَسْرُوقٌ ورَبِيعَةُ وأبُو سَلَمَةَ وأصْبَغُ: هو كَتَحْرِيمِ الماءِ والطَّعامِ. وقالَ - تَعالى -: ﴿لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٧] والزَّوْجَةُ مِنَ الطَّيِّباتِ ومِمّا أحَلَّهُ اللَّهُ. وقالَ أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ وزَيْدٌ وابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ مَسْعُودٍ وعائِشَةُ وابْنُ المُسَيَّبِ، وعَطاءٌ وطاوُسُ وسُلَيْمانُ بْنُ يَسارٍ وابْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ والحَسَنُ و الأوْزاعِيُّ وأبُو ثَوْرٍ وجَماعَةٌ: هو يَمِينٌ يُكَفِّرُها. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا في إحْدى رِوايَتَيْهِ، والشّافِعِيُّ في أحَدِ قَوْلَيْهِ: فِيهِ تَكْفِيرُ يَمِينٍ ولَيْسَ بِيَمِينٍ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ وسُفْيانُ والكُوفِيُّونَ: هَذا ما أرادَ مِنَ الطَّلاقِ، فَإنْ لَمْ يُرِدْ طَلاقَها فَهو لا شَيْءَ. وقالَ آخَرُونَ: كَذَلِكَ، فَإنْ لَمْ يُرِدْ فَهو يَمِينٌ. وفي التَّحْرِيرِ، قالَ أبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهُ: إنْ نَوى الطَّلاقَ فَواحِدَةٌ بائِنَةٌ، أوِ اثْنَيْنِ فَواحِدَةٌ، أوْ ثَلاثًا فَثَلاثٌ، أوْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا فَيَمِينٌ وهو مُولٍ، أوِ الظِّهارَ فَظِهارٌ. وقالَ ابْنُ القاسِمِ: لا تَنْفَعُهُ نِيَّةُ الظِّهارِ ويَكُونُ طَلاقًا. وقالَ يَحْيى بْنُ عُمَرَ: يَكُونُ، فَإنِ ارْتَجَعَها، فَلا يَجُوزُ لَهُ وطْئُها حَتّى يُكَفِّرَ كَفّارَةَ الظِّهارِ فَما زادَ مِن أعْدادِهِ، فَإنْ نَوى واحِدَةً فَرَجْعِيَّةٌ، وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ. وقالَ الأوْزاعِيُّ وسُفْيانُ وأبُو ثَوْرٍ أيْ: أيُّ شَيْءٍ نَوى بِهِ مِنَ الطَّلاقِ وقَعَ وإنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا، فَقالَ سُفْيانُ: لا شَيْءَ عَلَيْهِ. وقالَ الأوْزاعِيُّ وأبُو ثَوْرٍ: تَقَعُ واحِدَةٌ. وقالَ الزُّهْرِيُّ: لَهُ نِيَّتُهُ ولا يَكُونُ أقَلَّ مِن واحِدَةٍ، فَإنْ لَمْ يَنْوِ فَلا شَيْءَ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: عَلَيْهِ عِتْقُ رَقَبَةٍ وإنْ لَمْ يَكُنْ ظِهارًا. وقالَ أبُو قِلابَةَ وعُثْمانُ وأحْمَدُ وإسْحاقُ: التَّحْرِيمُ ظِهارٌ، فَفِيهِ كَفّارَةٌ. وقالَ الشّافِعِيُّ: إنْ نَوى أنَّها مُحَرَّمَةٌ كَظَهْرِ أُمِّهِ، فَظِهارٌ أوْ تَحْرِيمٌ عَيَّنَها بِغَيْرِ طَلاقٍ، أوْ لَمْ يَنْوِ فَكَفّارَةُ يَمِينٍ. وقالَ مالِكٌ: هي ثَلاثٌ في المَدْخُولِ بِها، ويَنْوِي في غَيْرِ المَدْخُولِ بِها، فَهو ما أرادَ مِن واحِدَةٍ أوِ اثْنَتَيْنِ أوْ ثَلاثٍ. وقالَهُ عَلِيٌّ وزَيْدٌ وأبُو هُرَيْرَةَ. وقِيلَ: في المَدْخُولِ بِها ثَلاثٌ، قالَهُ عَلِيٌّ أيْضًا، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ والحَكَمُ. وقالَ ابْنُ أبِي لَيْلى وعَبْدُ المَلِكِ بْنُ الماجِشُونِ: هي ثَلاثٌ في الوَجْهَيْنِ، ولا يَنْوِي في شَيْءٍ. ورَوى ابْنُ خُوَيْزِ مَندادَ عَنْ مالِكٌ، وقالَهُ زَيْدٌ وحَمّادُ بْنُ أبِي سُلَيْمانَ: إنَّها واحِدَةٌ بائِنَةٌ في المَدْخُولِ بِها وغَيْرِ المَدْخُولِ بِها. وقالَ الزُّهْرِيُّ وعَبْدُ العَزِيزِ بْنُ الماجِشُونِ: هي واحِدَةٌ رَجْعِيَّةٌ. وقالَ أبُو مُصْعَبٍ ومُحَمَّدُ بْنُ الحَكَمِ: هي في (p-٢٩٠)الَّتِي لَمْ يُدْخَلْ بِها واحِدَةٌ، وفي المَدْخُولِ بِها ثَلاثٌ. وفي الكَشّافِ لا يَراهُ الشّافِعِيُّ يَمِينًا، ولَكِنْ سَبَبًا في الكَفّارَةِ في النِّساءِ وحْدَهُنَّ، وإنْ نَوى الطَّلاقَ فَهو رَجْعِيٌّ. وعَنْ عُمَرَ: إذا نَوى الطَّلاقَ فَرَجْعِيٌّ. وعَنْ عَلِيٍّ: ثَلاثٌ. وعَنْ زَيْدٍ: واحِدَةٌ. وعَنْ عُثْمانَ: ظِهارٌ. انْتَهى. وقالَ أيْضًا: ولَمْ يَثْبُتْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ لِما أحَلَّهُ: ”هو حَرامٌ عَلَيَّ“، وإنَّما امْتَنَعَ مِن مارِيَةَ لِيَمِينٍ تَقَدَّمَتْ مِنهُ، وهو قَوْلُهُ: واللَّهِ لا أقْرَبُها بَعْدَ اليَوْمِ، فَقِيلَ لَهُ: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ أيْ: لِمَ تَمْتَنِعُ مِنهُ بِسَبَبِ اليَمِينِ ؟ يَعْنِي أقْدِمْ عَلى ما حَلَفْتَ عَلَيْهِ وكَفِّرْ، ونَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وحَرَّمْنا عَلَيْهِ المَراضِعَ﴾ [القصص: ١٢] أيْ: مَنَعْناهُ مِنها. انْتَهى. و(تَبْتَغِي) في مَوْضِعِ الحالِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: تَفْسِيرٌ لِـ (تُحَرِّمُ) أوِ اسْتِئْنافٌ (مَرْضاةَ) رِضا أزْواجِكَ، أيْ: بِالِامْتِناعِ مِمّا أحَلَّهُ اللَّهُ لَكَ.
﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكم تَحِلَّةَ أيْمانِكُمْ﴾ . الظّاهِرُ أنَّهُ كانَ حَلَفَ عَلى أنَّهُ يَمْتَنِعُ مِن وطْءِ مارِيَةَ، أوْ مِن شُرْبِ ذَلِكَ العَسَلِ، عَلى الخِلافِ في السَّبَبِ، و(فَرَضَ) إحالَةٌ عَلى آيَةِ العُقُودِ، ﴿ولَكِنْ يُؤاخِذُكم بِما عَقَّدْتُمُ الأيْمانَ﴾ [المائدة: ٨٩] . و(تَحِلَّةَ): مَصْدَرُ حَلَّلَ، كَتَكْرِمَةٍ مِن كَرَّمَ، ولَيْسَ مَصْدَرًا مَقِيسًا، والمَقِيسُ: التَّحْلِيلُ والتَّكْرِيمُ؛ لِأنَّ قِياسَ فِعْلِ الصَّحِيحِ العَيْنِ غَيْرِ المَهْمُوزِ هو التَّفْعِيلُ، وأصْلُ هَذا تَحْلِلَةٌ فَأُدْغِمَ. وعَنْ مُقاتِلٍ: أعْتَقَ رَقَبَةً في تَحْرِيمِ مارِيَةَ. وعَنِ الحَسَنِ: لَمْ يُكَفِّرْ. انْتَهى. فَدَلَّ عَلى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ يَمِينٌ. وبَعْضِ أزْواجِهِ حَفْصَةُ، والحَدِيثُ هو بِسَبَبِ مارِيَةَ. فَلَمّا نَبَّأتْ بِهِ أيْ: أخْبَرَتْ عائِشَةَ. وقِيلَ: الحَدِيثُ إنَّما هو: ”شَرِبْتُ عَسَلًا“ . وقالَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرانَ: هو إسْرارُهُ إلى حَفْصَةَ أنَّ أبا بَكْرٍ وعُمَرَ يَمْلِكانِ إمْرَتِي مِن بَعْدِي خِلافَةً. وقَرَأ الجُمْهُورُ: فَلَمّا نَبَّأتْ بِهِ. وطَلْحَةُ: أنْبَأتْ، والعامِلُ في إذا ”اذْكُرْ“، وذَكَرَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّأْنِيبِ لِمَن أسَرَّ لَهُ فَأفْشاهُ. ونَبَّأ وأنْبَأ، الأصْلُ أنْ يَتَعَدَّيا إلى واحِدٍ بِأنْفُسِهِما، وإلى ثانٍ بِحَرْفِ الجَرِّ، ويَجُوزُ حَذْفُهُ فَتَقُولُ: نَبَّأتْ بِهِ، المَفْعُولُ الأوَّلُ مَحْذُوفٌ، أيْ غَيْرَها. ومَن أنْبَأكَ هَذا أيْ: بِهَذا قالَ نَبَّأنِيَ أيْ نَبَّأنِي بِهِ أوْ نَبَّأنِيهِ، فَإذا ضُمِّنَتْ مَعْنى أعْلَمَ، تَعَدَّتْ إلى ثَلاثَةِ مَفاعِيلَ، نَحْوَ قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎نُبِّئْتُ زُرْعَةَ، والسَّفاهَةُ كاسْمِها تُهْدِي إلَيَّ غَرائِبَ الأشْعارِ
﴿وأظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ أيْ: أطْلَعَهُ، أيْ: عَلى إفْشائِهِ، وكانَ قَدْ تُكُوتِمَ فِيهِ، وذَلِكَ بِإخْبارِ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ. وجاءَتِ الكِنايَةُ هُنا عَنِ التَّفْشِيَةِ والحَذْفِ لِلْمُفْشى إلَيْها بِالسِّرِّ، حِياطَةً وصَوْنًا عَنِ التَّصْرِيحِ بِالِاسْمِ، إذْ لا يَتَعَلَّقُ بِالتَّصْرِيحِ بِالِاسْمِ غَرَضٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (عَرَّفَ) بِشَدِّ الرّاءِ، والمَعْنى: أعْلَمَ بِهِ وأنَّبَ عَلَيْهِ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ والحَسَنُ وقَتادَةُ، وطَلْحَةُ والكِسائِيُّ وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ هارُونَ عَنْهُ: بِخَفِّ الرّاءِ، أيْ: جازى بِالعَتَبِ واللَّوْمِ، كَما تَقُولُ لِمَن يُؤْذِيكَ: لَأعْرِفَنَّ لَكَ ذَلِكَ، أيْ: لَأُجازِيَنَّكَ. وقِيلَ: إنَّهُ طَلَّقَ حَفْصَةَ وأُمِرَ بِمُراجَعَتِها. وقِيلَ: عاتَبَها ولَمْ يُطَلِّقْها. وقَرَأ ابْنُ المُسَيَّبِ وعِكْرِمَةُ: (عَرّافٌ) بِألِفٍ بَعْدَ الرّاءِ، وهي إشْباعٌ. وقالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: ويُقالُ إنَّها لُغَةٌ يَمانِيَةٌ، ومِثالُها قَوْلُهُ:
؎أعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ العَقْرابِ ∗∗∗ الشّائِلاتِ عُقَدَ الأذْنابِ
يُرِيدُ: مِنَ العَقْرَبِ.
﴿وأعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ﴾ أيْ: تَكَرُّمًا وحَياءً وحُسْنَ عِشْرَةٍ. قالَ الحَسَنُ: ما اسْتَقْصى كَرِيمٌ قَطُّ. وقالَ سُفْيانُ: ما زالَ التَّغافُلُ مِن فِعْلِ الكِرامِ، ومَفْعُولُ (عَرَّفَ) المُشَدَّدُ مَحْذُوفٌ، أيْ: عَرَّفَها بَعْضَهُ، أيْ: أعْلَمَ بِبَعْضِ الحَدِيثِ. وقِيلَ: المُعَرَّفُ خِلافَةُ الشَّيْخَيْنِ، والَّذِي أعْرَضَ عَنْهُ حَدِيثُ مارِيَةَ. ولَمّا أفْشَتْ حَفْصَةُ الحَدِيثَ لِـ عائِشَةَ واكْتَتَمَتْها إيّاهُ، ونَبَّأها الرَّسُولُ ﷺ بِهِ، ظَنَّتْ أنَّ عائِشَةَ فَضَحَتْها، فَقالَتْ: مَن أنْبَأكَ هَذا عَلى سَبِيلِ التَّثَبُّتِ، فَأخْبَرَها أنَّ اللَّهَ هو الَّذِي نَبَّأهُ بِهِ، فَسَكَنَتْ وسَلَّمَتْ. إنْ تَتُوبا إلى اللَّهِ انْتِقالٌ مِن غَيْبَةٍ إلى خِطابٍ، ويُسَمّى الِالتِفاتُ، والخِطابُ لِـ حَفْصَةَ وعائِشَةَ. فَقَدْ صَغَتْ مالَتْ عَنِ الصَّوابِ، وفي حَرْفِ عَبْدِ اللَّهِ: راغَتْ، وأتى بِالجَمْعِ في قَوْلِهِ: (قُلُوبُكُما) وحَسَّنَ ذَلِكَ (p-٢٩١)إضافَتُهُ إلى مُثَنّى، وهو ضَمِيراهُما، والجَمْعُ في مِثْلِ هَذا أكْثَرُ اسْتِعْمالًا مِنَ المُثَنّى، والتَّثْنِيَةُ دُونَ الجَمْعِ، كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎فَتَخالَسا نَفْسَيْهِما بِنَوافِذَ ∗∗∗ كَنَوافِذِ العُبُطِ الَّتِي لا تُرْفَعُ
وهَذا كانَ القِياسَ، وذَلِكَ أنْ يُعَبِّرَ بِالمُثَنّى عَنِ المُثَنّى، لَكِنْ كَرِهُوا اجْتِماعَ تَثْنِيَتَيْنِ فَعَدَلُوا إلى الجَمْعِ؛ لِأنَّ التَّثْنِيَةَ جَمْعٌ في المَعْنى، والإفْرادُ لا يَجُوزُ عِنْدَ أصْحابِنا إلّا في الشِّعْرِ، كَقَوْلِهِ:
؎حَمامَةَ بَطْنِ الوادِيَيْنِ تَرَنَّمِي
يُرِيدُ: بَطْنَيِ.
وغَلِطَ ابْنُ مالِكٍ، فَقالَ في كِتابِ التَّسْهِيلِ: ونَخْتارُ لَفْظَ الإفْرادِ عَلى لَفْظِ التَّثْنِيَةِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: (تَظّاهَرا) بِشَدِّ الظّاءِ، وأصْلُهُ تَتَظاهَرا، وأُدْغِمَتِ التّاءُ في الظّاءِ، وبِالأصْلِ قَرَأ عِكْرِمَةُ، وبِتَخْفِيفِ الظّاءِ قَرَأ أبُو رَجاءٍ والحَسَنُ وطَلْحَةُ وعاصِمٌ ونافِعٌ في رِوايَةٍ، وبِشَدِّ الظّاءِ والهاءِ دُونَ ألِفٍ قَرَأ أبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ، والمَعْنى: وأنْ تَتَعاوَنا عَلَيْهِ في إفْشاءِ سِرِّهِ والإفْراطِ في الغَيْرَةِ فَإنَّ اللَّهَ هو مَوْلاهُ أيْ: مُظاهِرُهُ ومُعِينُهُ، والأحْسَنُ الوَقْفُ عَلى قَوْلِهِ: (مَوْلاهُ) . ويَكُونُ (وجِبْرِيلُ) مُبْتَدَأً وما بَعْدَهُ مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ، والخَبَرُ (ظَهِيرٌ) . فَيَكُونُ ابْتِداءُ الجُمْلَةِ بِجِبْرِيلَ، وهو أمِينُ وحْيِ اللَّهِ واخْتِتامُهُ بِالمَلائِكَةِ. وبُدِئَ بِجِبْرِيلَ، وأُفْرِدَ بِالذِّكْرِ تَعْظِيمًا لَهُ وإظْهارًا لِمَكانَتِهِ عِنْدَ اللَّهِ. ويَكُونُ قَدْ ذُكِرَ مَرَّتَيْنِ، مَرَّةً بِالنَّصِّ ومَرَّةً في العُمُومِ. واكْتَنَفَ صالِحُ المُؤْمِنِينَ جِبْرِيلَ تَشْرِيفًا لَهم واعْتِناءً بِهِمْ، إذْ جَعَلَهم بَيْنَ الَّذِينَ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ والنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ. فَعَلى هَذا جِبْرِيلُ داخِلٌ في الظُّهَراءِ لا في الوِلايَةِ، ويَخْتَصُّ الرَّسُولُ بِأنَّ اللَّهَ هو مَوْلاهُ. وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ وجِبْرِيلُ وصالِحُ المُؤْمِنِينَ عَطْفًا عَلى اسْمِ اللَّهِ، فَيَدْخُلانِ في الوَلايَةِ، ويَكُونُ (والمَلائِكَةُ) مُبْتَدَأً، والخَبَرُ (ظَهِيرٌ) فَيَكُونُ جِبْرِيلُ داخِلًا في الوَلايَةِ بِالنَّصِّ، وفي الظُّهَراءِ بِالعُمُومِ، والظّاهِرُ عُمُومُ وصالِحُ المُؤْمِنِينَ فَيَشْمَلُ كُلَّ صالِحٍ. وقالَ قَتادَةُ والعَلاءُ بْنُ العَلاءِ بْنِ زَيْدٍ: هُمُ الأنْبِياءُ، وتَكُونُ مُظاهَرَتُهم لَهُ كَوْنَهم قُدْوَةً، فَهم ظُهَراءُ بِهَذا المَعْنى. وقالَ عِكْرِمَةُ والضَّحّاكُ وابْنُ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٌ: المُرادُ أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ، وزادَ مُجاهِدٌ: وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ. وقِيلَ: الصَّحابَةُ. وقِيلَ: الخُلَفاءُ. وعَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ: مَن بَرِئَ مِنَ النِّفاقِ، و(صالِحُ) يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ الجَمْعُ، وإنْ كانَ مُفْرَدًا فَيَكُونُ كالسّامِرِ في قَوْلِهِ: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سامِرًا﴾ [المؤمنون: ٦٧] أيْ سُمّارًا. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ جَمْعًا حُذِفَتْ مِنهُ الواوُ خَطَأً لِحَذْفِها لَفْظًا، كَقَوْلِهِ: ﴿سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ﴾ [العلق: ١٨] وأفْرَدَ الظَّهِيرَ لِأنَّ المُرادَ فَوْجٌ ظَهِيرٌ، وكَثِيرًا ما يَأْتِي فَعِيلٌ نَحْوَ هَذا لِلْمُفْرَدِ والمُثَنّى والمَجْمُوعِ بِلَفْظِ المُفْرَدِ، كَأنَّهم في المُظاهَرَةِ يَدٌ واحِدَةٌ عَلى مَن يُعادِيهِ، فَما قَدْرُ تَظاهُرِ امْرَأتَيْنِ عَلى مَن هَؤُلاءِ ظُهَراؤُهُ، وذَلِكَ إشارَةٌ إلى تَظاهُرِهِما، أوْ إلى الوِلايَةِ.
وفِي الحَدِيثِ «أنَّ عُمَرَ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ لا تَكْتَرِثْ بِأمْرِ نِسائِكَ، واللَّهُ مَعَكَ، وجِبْرِيلُ مَعَكَ، وأبُو بَكْرٍ وأنا مَعَكَ، فَنَزَلَتْ» . ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ لِزَوْجاتِ النَّبِيِّ ﷺ: عَسى رَبُّهُ إنْ طَلَّقَكُنَّ الآيَةِ، فَنَزَلَتْ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”طَلَّقَكُنَّ“ بِفَتْحِ القافِ، وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ ابْنِ عَبّاسٍ: بِإدْغامِها في الكافِ، وتَقَدَّمَ ذِكْرُ الخِلافِ في: أنْ يُبْدِلَهُ في سُورَةِ الكَهْفِ، والمُتَبَدَّلُ بِهِ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ، تَقْدِيرُهُ: أنْ يُبْدِلَهُ خَيْرًا مِنكُنَّ؛ لِأنَّهُنَّ إذا طَلَّقَهُنَّ كانَ طَلاقُهُنَّ لِسُوءِ عِشْرَتِهِنَّ، واللَّواتِي يُبَدِّلُهُنَّ بِهَذِهِ الأوْصافِ يَكُنَّ خَيْرًا مِنهُنَّ. وبَدَأ في وصْفِهِنَّ بِالإسْلامِ، وهو الِانْقِيادُ، ثُمَّ بِالإيمانِ، وهو التَّصْدِيقُ، ثُمَّ بِالقُنُوتِ، وهو الطَّواعِيَةُ، ثُمَّ بِالتَّوْبَةِ، وهي الإقْلاعُ عَنِ الذَّنْبِ، ثُمَّ بِالعِبادَةِ، وهي التَّلَذُّذُ، ثُمَّ بِالسِّياحَةِ، وهي كِنايَةٌ عَنِ الصَّوْمِ، قالَهُ أبُو هُرَيْرَةَ وابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ والضَّحّاكُ. وقِيلَ: إنَّ الرَّسُولَ ﷺ فَسَّرَهُ بِذَلِكَ، قالَهُ أيْضًا الحَسَنُ وابْنُ جُبَيْرٍ وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ وابْنُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ. قالَ الفَرّاءُ والقُتَبِيُّ: سُمِّيَ الصّائِمُ سائِحًا لِأنَّ السّائِحَ لا زادَ مَعَهُ، وإنَّما يَأْكُلُ مِن حَيْثُ يَجِدُ الطَّعامَ. وقالَ زَيْدُ بْنُ (p-٢٩٢)أسْلَمَ ويَمانٌ: مُهاجِراتٌ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: لَيْسَ في الإسْلامِ سِياحَةٌ إلّا الهِجْرَةَ. وقِيلَ: ذاهِباتٌ في طاعَةِ اللَّهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (سائِحاتٍ) وعَمْرُو بْنُ فائِدٍ: (سَيَّحاتٍ) وهَذِهِ الصِّفاتُ تَجْتَمِعُ، وأمّا الثُّيُوبَةُ والبَكارَةُ فَلا يَجْتَمِعانِ، فَلِذَلِكَ عُطِفَ أحَدُهُما عَلى الآخَرِ، ولَوْ لَمْ يَأْتِ بِالواوِ لاخْتَلَّ المَعْنى. وذَكَرَ الجِنْسَيْنِ لِأنَّ في أزْواجِهِ ﷺ مَن تَزَوَّجَها بِكْرًا، والثَّيِّبُ: الرّاجِعُ بَعْدَ زَوالِ العُذْرَةِ، يُقالُ: ثابَتْ تَثُوبُ ثُوُوبًا، ووَزْنُهُ فَعْيِلٌ كَسَيِّدٍ.
ولَمّا وعَظَ أزْواجَ الرَّسُولِ ﷺ مَوْعِظَةً خاصَّةً، أتْبَعَ ذَلِكَ بِمَوْعِظَةٍ عامَّةٍ لِلْمُؤْمِنِينَ وأهْلِيهِمْ، وعَطَفَ (وأهْلِيكم) عَلى (أنْفُسِكم) لِأنَّ رَبَّ المَنزِلِ راعٍ وهو مَسْئُولٌ عَنْ أهْلِهِ. ومَعْنى وِقايَتِهِمْ: حَمْلُهم عَلى طاعَتِهِ وإلْزامُهم أداءَ ما فُرِضَ عَلَيْهِمْ. قالَ عُمَرُ: «يا رَسُولَ اللَّهِ نَقِي أنْفُسَنا، فَكَيْفَ لَنا بِأهْلِينا ؟ قالَ: تَنْهَوْنَهُنَّ عَمّا نَهاكُمُ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وتَأْمُرُونَهُنَّ بِما أمَرَكُمُ اللَّهُ بِهِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ وِقايَةً بَيْنَهُنَّ وبَيْنَ النّارِ»، ودَخَلَ الأوْلادُ في (وأهْلِيكم) . وقِيلَ: دَخَلُوا في (أنْفُسِكم) لِأنَّ الوَلَدَ بَعْضٌ مِن أبِيهِ، فَيُعَلِّمُهُ الحَلالَ والحَرامَ ويُجَنِّبُهُ المَعاصِيَ. وقُرِئَ: ”وأهْلُوكم“ بِالواوِ، وهو مَعْطُوفٌ عَلى الضَّمِيرِ في (قُوا) وحَسُنَ العَطْفُ لِلْفَصْلِ بِالمَفْعُولِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): ألَيْسَ التَّقْدِيرُ قُوا أنْفُسَكم ولْيَقِ أهْلُوكم أنْفُسَهم ؟ (قُلْتُ): لا، ولَكِنَّ المَعْطُوفَ مُقارِنٌ في التَّقْدِيرِ لِلْواوِ، و(أنْفُسَكم) واقِعٌ بَعْدَهُ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: قُوا أنْتُمْ وأهْلُوكم أنْفُسَكم. لَمّا جُمِعَتْ مَعَ المُخاطَبِ الغائِبِ غَلَبَتْهُ عَلَيْهِ. فَجَعَلَتْ ضَمِيرَهُما مَعًا عَلى لَفْظِ المُخاطَبِ. انْتَهى. وتَناقَضَ في قَوْلِهِ هَذا لِأنَّهُ قَدَّرَ (ولْيَقِ أهْلُوكم) فَجَعَلَهُ مِن عَطْفِ الجُمَلِ؛ لِأنَّ (أهْلُوكُمُ) اسْمٌ ظاهِرٌ لا يُمْكِنُ عِنْدَهُ أنْ يَرْتَفِعَ بِفِعْلِ الأمْرِ الَّذِي لِلْمُخاطَبِ، وكَذا في قَوْلِهِ: ﴿اسْكُنْ أنْتَ وزَوْجُكَ الجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥] ثُمَّ قالَ: ولَكِنَّ المَعْطُوفَ مُقارِنٌ في التَّقْدِيرِ لِلْواوُ. فَتَناقَضَ لِأنَّهُ في هَذا جَعَلَهُ مُقارِنًا في التَّقْدِيرِ لِلْواوِ، وفِيما قَبْلَهُ رَفَعَهُ بِفِعْلٍ آخَرَ غَيْرِ الرّافِعِ لِلْواوِ وهو و(لْيَقِ) وتَقَدَّمَ الخِلافُ في فَتْحِ الواوِ في قَوْلِهِ: (وقُودُها) وضَمِّها في البَقَرَةِ. وتَفْسِيرُ وقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ في البَقَرَةِ عَلَيْها مَلائِكَةٌ هي الزَّبانِيَةُ التِسْعَةَ عَشَرَ وأعْوانُهم. ووَصَفَهم بِالغِلَظِ، إمّا لِشِدَّةِ أجْسامِهِمْ وقُوَّتِها، وإمّا لِفَظاظَتِهِمْ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ القَلْبِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] أيْ: لَيْسَ فِيهِمْ رِقَّةٌ ولا حِنَّةٌ عَلى العُصاةِ. وانْتَصَبَ ما أمَرَهم عَلى البَدَلِ، أيْ: لا يَعْصُونَ أمْرَهُ لِقَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿أفَعَصَيْتَ أمْرِي﴾ [طه: ٩٣] أوْ عَلى إسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ. أيْ: فِيما أمَرَهم ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ. قِيلَ: كَرَّرَ المَعْنى تَوْكِيدًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ) ألَيْسَ الجُمْلَتانِ في مَعْنًى واحِدٍ ؟ (قُلْتُ): لا فَإنَّ مَعْنى الأُولى: أنَّهم يَتَقَبَّلُونَ أوامِرَهُ ويَلْتَزِمُونَها ولا يَأْبَوْنَها ولا يُنْكِرُونَها، ومَعْنى الثّانِيَةِ: أنَّهم يُؤَدُّونَ ما يُؤْمَرُونَ، لا يَتَثاقَلُونَ عَنْهُ ولا يَتَوانُونَ فِيهِ. لا تَعْتَذِرُوا خِطابٌ لَهم عِنْدَ دُخُولِهِمُ النّارَ؛ لِأنَّهم لا يَنْفَعُهُمُ الِاعْتِذارُ، فَلا فائِدَةَ فِيهِ.
التحريم 66:4
(p-٢٨٨)(سُورَةُ التَّحْرِيمِ مَدَنِيَّةٌ وهي اثْنَتا عَشْرَةَ آيَةً)
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)
﴿يا أيُّها النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاةَ أزْواجِكَ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكم تَحِلَّةَ أيْمانِكم واللَّهُ مَوْلاكم وهو العَلِيمُ الحَكِيمُ﴾ ﴿وإذْ أسَرَّ النَّبِيُّ إلى بَعْضِ أزْواجِهِ حَدِيثًا فَلَمّا نَبَّأتْ بِهِ وأظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وأعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمّا نَبَّأها بِهِ قالَتْ مَن أنْبَأكَ هَذا قالَ نَبَّأنِيَ العَلِيمُ الخَبِيرُ﴾ ﴿إنْ تَتُوبا إلى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما وإنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ فَإنَّ اللَّهَ هو مَوْلاهُ وجِبْرِيلُ وصالِحُ المُؤْمِنِينَ والمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ ﴿عَسى رَبُّهُ إنْ طَلَّقَكُنَّ أنْ يُبْدِلَهُ أزْواجًا خَيْرًا مِنكُنَّ مُسْلِماتٍ مُؤْمِناتٍ قانِتاتٍ تائِباتٍ عابِداتٍ سائِحاتٍ ثَيِّباتٍ وأبْكارًا﴾ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أنْفُسَكم وأهْلِيكم نارًا وقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أمَرَهم ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَعْتَذِرُوا اليَوْمَ إنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ .
(p-٢٨٩)هَذِهِ السُّورَةُ مَدَنِيَّةٌ، وسَبَبُ نُزُولِها ما يَأْتِي ذِكْرُهُ في تَفْسِيرِ أوائِلِها، والمُناسَبَةُ بَيْنَها وبَيْنَ السُّورَةِ قَبْلَها أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ جُمْلَةً مِن أحْكامِ زَوْجاتِ المُؤْمِنِينَ، ذَكَرَ هُنا ما جَرى مِن بَعْضِ زَوْجاتِ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ . يا أيُّها النَّبِيُّ: نِداءُ إقْبالٍ وتَشْرِيفٍ وتَنْبِيهٍ بِالصِّفَةِ عَلى عِصْمَتِهِ مِمّا يَقَعُ فِيهِ مَن لَيْسَ بِمَعْصُومٍ. لِمَ تُحَرِّمُ سُؤالُ تَلَطُّفٍ؛ ولِذَلِكَ قَدَّمَ قَبْلَهُ يا أيُّها النَّبِيُّ كَما جاءَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣] . ومَعْنى (تُحَرِّمُ) تَمْنَعُ، ولَيْسَ التَّحْرِيمُ المَشْرُوعُ بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ، وإنَّما هو امْتِناعٌ لِتَطْيِيبِ خاطِرِ بَعْضِ مَن يُحْسِنُ مَعَهُ العِشْرَةَ. ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ هو مُباشَرَةُ مارِيَةَ جارِيَتِهِ، وكانَ ﷺ ألَمَّ بِها في بَيْتِ بَعْضِ نِسائِهِ، فَغارَتْ مِن ذَلِكَ صاحِبَةُ البَيْتِ، فَطَيَّبَ خاطِرَها بِامْتِناعِهِ مِنها، واسْتَكْتَمَها ذَلِكَ، فَأفْشَتْهُ إلى بَعْضِ نِسائِهِ. وقِيلَ: هو عَسَلٌ كانَ يَشْرَبُهُ عِنْدَ بَعْضِ نِسائِهِ، فَكانَ يَنْتابُ بَيْتَها لِذَلِكَ، فَغارَ بَعْضُهُنَّ مِن دُخُولِهِ بَيْتَ الَّتِي عِنْدَها العَسَلُ، وتَواصَيْنَ عَلى أنْ يَذْكُرْنَ لَهُ عَلى أنَّ رائِحَةَ ذَلِكَ العَسَلِ لَيْسَ بِطَيِّبٍ، فَقالَ: ”لا أشْرَبُهُ“ . ولِلزَّمَخْشَرِيِّ هُنا كَلامٌ أضْرَبْتُ عَنْهُ صَفْحًا، كَما ضَرَبْتُ عَنْ كَلامِهِ في قَوْلِهِ: ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣] وكَلامُهُ هَذا ونَحْوُهُ مُحَقَّقٌ قَوِيٌّ فِيهِ، ويَعْزُو إلى المَعْصُومِ ما لَيْسَ لائِقًا. فَلَوْ حَرَّمَ الإنْسانُ عَلى نَفْسِهِ شَيْئًا أحَلَّهُ اللَّهُ، كَشُرْبِ عَسَلٍ، أوْ وطْءِ سُرِّيَّةٍ. واخْتَلَفُوا إذا قالَ لِزَوْجَتِهِ: أنْتِ عَلَيَّ حَرامٌ، أوِ الحَلالُ عَلَيَّ حَرامٌ، ولا يَسْتَثْنِي زَوْجَتَهُ. فَقالَ جَماعَةٌ، مِنهُمُ الشَّعْبِيُّ ومَسْرُوقٌ ورَبِيعَةُ وأبُو سَلَمَةَ وأصْبَغُ: هو كَتَحْرِيمِ الماءِ والطَّعامِ. وقالَ - تَعالى -: ﴿لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٧] والزَّوْجَةُ مِنَ الطَّيِّباتِ ومِمّا أحَلَّهُ اللَّهُ. وقالَ أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ وزَيْدٌ وابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ مَسْعُودٍ وعائِشَةُ وابْنُ المُسَيَّبِ، وعَطاءٌ وطاوُسُ وسُلَيْمانُ بْنُ يَسارٍ وابْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ والحَسَنُ و الأوْزاعِيُّ وأبُو ثَوْرٍ وجَماعَةٌ: هو يَمِينٌ يُكَفِّرُها. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا في إحْدى رِوايَتَيْهِ، والشّافِعِيُّ في أحَدِ قَوْلَيْهِ: فِيهِ تَكْفِيرُ يَمِينٍ ولَيْسَ بِيَمِينٍ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ وسُفْيانُ والكُوفِيُّونَ: هَذا ما أرادَ مِنَ الطَّلاقِ، فَإنْ لَمْ يُرِدْ طَلاقَها فَهو لا شَيْءَ. وقالَ آخَرُونَ: كَذَلِكَ، فَإنْ لَمْ يُرِدْ فَهو يَمِينٌ. وفي التَّحْرِيرِ، قالَ أبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهُ: إنْ نَوى الطَّلاقَ فَواحِدَةٌ بائِنَةٌ، أوِ اثْنَيْنِ فَواحِدَةٌ، أوْ ثَلاثًا فَثَلاثٌ، أوْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا فَيَمِينٌ وهو مُولٍ، أوِ الظِّهارَ فَظِهارٌ. وقالَ ابْنُ القاسِمِ: لا تَنْفَعُهُ نِيَّةُ الظِّهارِ ويَكُونُ طَلاقًا. وقالَ يَحْيى بْنُ عُمَرَ: يَكُونُ، فَإنِ ارْتَجَعَها، فَلا يَجُوزُ لَهُ وطْئُها حَتّى يُكَفِّرَ كَفّارَةَ الظِّهارِ فَما زادَ مِن أعْدادِهِ، فَإنْ نَوى واحِدَةً فَرَجْعِيَّةٌ، وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ. وقالَ الأوْزاعِيُّ وسُفْيانُ وأبُو ثَوْرٍ أيْ: أيُّ شَيْءٍ نَوى بِهِ مِنَ الطَّلاقِ وقَعَ وإنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا، فَقالَ سُفْيانُ: لا شَيْءَ عَلَيْهِ. وقالَ الأوْزاعِيُّ وأبُو ثَوْرٍ: تَقَعُ واحِدَةٌ. وقالَ الزُّهْرِيُّ: لَهُ نِيَّتُهُ ولا يَكُونُ أقَلَّ مِن واحِدَةٍ، فَإنْ لَمْ يَنْوِ فَلا شَيْءَ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: عَلَيْهِ عِتْقُ رَقَبَةٍ وإنْ لَمْ يَكُنْ ظِهارًا. وقالَ أبُو قِلابَةَ وعُثْمانُ وأحْمَدُ وإسْحاقُ: التَّحْرِيمُ ظِهارٌ، فَفِيهِ كَفّارَةٌ. وقالَ الشّافِعِيُّ: إنْ نَوى أنَّها مُحَرَّمَةٌ كَظَهْرِ أُمِّهِ، فَظِهارٌ أوْ تَحْرِيمٌ عَيَّنَها بِغَيْرِ طَلاقٍ، أوْ لَمْ يَنْوِ فَكَفّارَةُ يَمِينٍ. وقالَ مالِكٌ: هي ثَلاثٌ في المَدْخُولِ بِها، ويَنْوِي في غَيْرِ المَدْخُولِ بِها، فَهو ما أرادَ مِن واحِدَةٍ أوِ اثْنَتَيْنِ أوْ ثَلاثٍ. وقالَهُ عَلِيٌّ وزَيْدٌ وأبُو هُرَيْرَةَ. وقِيلَ: في المَدْخُولِ بِها ثَلاثٌ، قالَهُ عَلِيٌّ أيْضًا، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ والحَكَمُ. وقالَ ابْنُ أبِي لَيْلى وعَبْدُ المَلِكِ بْنُ الماجِشُونِ: هي ثَلاثٌ في الوَجْهَيْنِ، ولا يَنْوِي في شَيْءٍ. ورَوى ابْنُ خُوَيْزِ مَندادَ عَنْ مالِكٌ، وقالَهُ زَيْدٌ وحَمّادُ بْنُ أبِي سُلَيْمانَ: إنَّها واحِدَةٌ بائِنَةٌ في المَدْخُولِ بِها وغَيْرِ المَدْخُولِ بِها. وقالَ الزُّهْرِيُّ وعَبْدُ العَزِيزِ بْنُ الماجِشُونِ: هي واحِدَةٌ رَجْعِيَّةٌ. وقالَ أبُو مُصْعَبٍ ومُحَمَّدُ بْنُ الحَكَمِ: هي في (p-٢٩٠)الَّتِي لَمْ يُدْخَلْ بِها واحِدَةٌ، وفي المَدْخُولِ بِها ثَلاثٌ. وفي الكَشّافِ لا يَراهُ الشّافِعِيُّ يَمِينًا، ولَكِنْ سَبَبًا في الكَفّارَةِ في النِّساءِ وحْدَهُنَّ، وإنْ نَوى الطَّلاقَ فَهو رَجْعِيٌّ. وعَنْ عُمَرَ: إذا نَوى الطَّلاقَ فَرَجْعِيٌّ. وعَنْ عَلِيٍّ: ثَلاثٌ. وعَنْ زَيْدٍ: واحِدَةٌ. وعَنْ عُثْمانَ: ظِهارٌ. انْتَهى. وقالَ أيْضًا: ولَمْ يَثْبُتْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ لِما أحَلَّهُ: ”هو حَرامٌ عَلَيَّ“، وإنَّما امْتَنَعَ مِن مارِيَةَ لِيَمِينٍ تَقَدَّمَتْ مِنهُ، وهو قَوْلُهُ: واللَّهِ لا أقْرَبُها بَعْدَ اليَوْمِ، فَقِيلَ لَهُ: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ أيْ: لِمَ تَمْتَنِعُ مِنهُ بِسَبَبِ اليَمِينِ ؟ يَعْنِي أقْدِمْ عَلى ما حَلَفْتَ عَلَيْهِ وكَفِّرْ، ونَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وحَرَّمْنا عَلَيْهِ المَراضِعَ﴾ [القصص: ١٢] أيْ: مَنَعْناهُ مِنها. انْتَهى. و(تَبْتَغِي) في مَوْضِعِ الحالِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: تَفْسِيرٌ لِـ (تُحَرِّمُ) أوِ اسْتِئْنافٌ (مَرْضاةَ) رِضا أزْواجِكَ، أيْ: بِالِامْتِناعِ مِمّا أحَلَّهُ اللَّهُ لَكَ.
﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكم تَحِلَّةَ أيْمانِكُمْ﴾ . الظّاهِرُ أنَّهُ كانَ حَلَفَ عَلى أنَّهُ يَمْتَنِعُ مِن وطْءِ مارِيَةَ، أوْ مِن شُرْبِ ذَلِكَ العَسَلِ، عَلى الخِلافِ في السَّبَبِ، و(فَرَضَ) إحالَةٌ عَلى آيَةِ العُقُودِ، ﴿ولَكِنْ يُؤاخِذُكم بِما عَقَّدْتُمُ الأيْمانَ﴾ [المائدة: ٨٩] . و(تَحِلَّةَ): مَصْدَرُ حَلَّلَ، كَتَكْرِمَةٍ مِن كَرَّمَ، ولَيْسَ مَصْدَرًا مَقِيسًا، والمَقِيسُ: التَّحْلِيلُ والتَّكْرِيمُ؛ لِأنَّ قِياسَ فِعْلِ الصَّحِيحِ العَيْنِ غَيْرِ المَهْمُوزِ هو التَّفْعِيلُ، وأصْلُ هَذا تَحْلِلَةٌ فَأُدْغِمَ. وعَنْ مُقاتِلٍ: أعْتَقَ رَقَبَةً في تَحْرِيمِ مارِيَةَ. وعَنِ الحَسَنِ: لَمْ يُكَفِّرْ. انْتَهى. فَدَلَّ عَلى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ يَمِينٌ. وبَعْضِ أزْواجِهِ حَفْصَةُ، والحَدِيثُ هو بِسَبَبِ مارِيَةَ. فَلَمّا نَبَّأتْ بِهِ أيْ: أخْبَرَتْ عائِشَةَ. وقِيلَ: الحَدِيثُ إنَّما هو: ”شَرِبْتُ عَسَلًا“ . وقالَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرانَ: هو إسْرارُهُ إلى حَفْصَةَ أنَّ أبا بَكْرٍ وعُمَرَ يَمْلِكانِ إمْرَتِي مِن بَعْدِي خِلافَةً. وقَرَأ الجُمْهُورُ: فَلَمّا نَبَّأتْ بِهِ. وطَلْحَةُ: أنْبَأتْ، والعامِلُ في إذا ”اذْكُرْ“، وذَكَرَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّأْنِيبِ لِمَن أسَرَّ لَهُ فَأفْشاهُ. ونَبَّأ وأنْبَأ، الأصْلُ أنْ يَتَعَدَّيا إلى واحِدٍ بِأنْفُسِهِما، وإلى ثانٍ بِحَرْفِ الجَرِّ، ويَجُوزُ حَذْفُهُ فَتَقُولُ: نَبَّأتْ بِهِ، المَفْعُولُ الأوَّلُ مَحْذُوفٌ، أيْ غَيْرَها. ومَن أنْبَأكَ هَذا أيْ: بِهَذا قالَ نَبَّأنِيَ أيْ نَبَّأنِي بِهِ أوْ نَبَّأنِيهِ، فَإذا ضُمِّنَتْ مَعْنى أعْلَمَ، تَعَدَّتْ إلى ثَلاثَةِ مَفاعِيلَ، نَحْوَ قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎نُبِّئْتُ زُرْعَةَ، والسَّفاهَةُ كاسْمِها تُهْدِي إلَيَّ غَرائِبَ الأشْعارِ
﴿وأظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ أيْ: أطْلَعَهُ، أيْ: عَلى إفْشائِهِ، وكانَ قَدْ تُكُوتِمَ فِيهِ، وذَلِكَ بِإخْبارِ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ. وجاءَتِ الكِنايَةُ هُنا عَنِ التَّفْشِيَةِ والحَذْفِ لِلْمُفْشى إلَيْها بِالسِّرِّ، حِياطَةً وصَوْنًا عَنِ التَّصْرِيحِ بِالِاسْمِ، إذْ لا يَتَعَلَّقُ بِالتَّصْرِيحِ بِالِاسْمِ غَرَضٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (عَرَّفَ) بِشَدِّ الرّاءِ، والمَعْنى: أعْلَمَ بِهِ وأنَّبَ عَلَيْهِ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ والحَسَنُ وقَتادَةُ، وطَلْحَةُ والكِسائِيُّ وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ هارُونَ عَنْهُ: بِخَفِّ الرّاءِ، أيْ: جازى بِالعَتَبِ واللَّوْمِ، كَما تَقُولُ لِمَن يُؤْذِيكَ: لَأعْرِفَنَّ لَكَ ذَلِكَ، أيْ: لَأُجازِيَنَّكَ. وقِيلَ: إنَّهُ طَلَّقَ حَفْصَةَ وأُمِرَ بِمُراجَعَتِها. وقِيلَ: عاتَبَها ولَمْ يُطَلِّقْها. وقَرَأ ابْنُ المُسَيَّبِ وعِكْرِمَةُ: (عَرّافٌ) بِألِفٍ بَعْدَ الرّاءِ، وهي إشْباعٌ. وقالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: ويُقالُ إنَّها لُغَةٌ يَمانِيَةٌ، ومِثالُها قَوْلُهُ:
؎أعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ العَقْرابِ ∗∗∗ الشّائِلاتِ عُقَدَ الأذْنابِ
يُرِيدُ: مِنَ العَقْرَبِ.
﴿وأعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ﴾ أيْ: تَكَرُّمًا وحَياءً وحُسْنَ عِشْرَةٍ. قالَ الحَسَنُ: ما اسْتَقْصى كَرِيمٌ قَطُّ. وقالَ سُفْيانُ: ما زالَ التَّغافُلُ مِن فِعْلِ الكِرامِ، ومَفْعُولُ (عَرَّفَ) المُشَدَّدُ مَحْذُوفٌ، أيْ: عَرَّفَها بَعْضَهُ، أيْ: أعْلَمَ بِبَعْضِ الحَدِيثِ. وقِيلَ: المُعَرَّفُ خِلافَةُ الشَّيْخَيْنِ، والَّذِي أعْرَضَ عَنْهُ حَدِيثُ مارِيَةَ. ولَمّا أفْشَتْ حَفْصَةُ الحَدِيثَ لِـ عائِشَةَ واكْتَتَمَتْها إيّاهُ، ونَبَّأها الرَّسُولُ ﷺ بِهِ، ظَنَّتْ أنَّ عائِشَةَ فَضَحَتْها، فَقالَتْ: مَن أنْبَأكَ هَذا عَلى سَبِيلِ التَّثَبُّتِ، فَأخْبَرَها أنَّ اللَّهَ هو الَّذِي نَبَّأهُ بِهِ، فَسَكَنَتْ وسَلَّمَتْ. إنْ تَتُوبا إلى اللَّهِ انْتِقالٌ مِن غَيْبَةٍ إلى خِطابٍ، ويُسَمّى الِالتِفاتُ، والخِطابُ لِـ حَفْصَةَ وعائِشَةَ. فَقَدْ صَغَتْ مالَتْ عَنِ الصَّوابِ، وفي حَرْفِ عَبْدِ اللَّهِ: راغَتْ، وأتى بِالجَمْعِ في قَوْلِهِ: (قُلُوبُكُما) وحَسَّنَ ذَلِكَ (p-٢٩١)إضافَتُهُ إلى مُثَنّى، وهو ضَمِيراهُما، والجَمْعُ في مِثْلِ هَذا أكْثَرُ اسْتِعْمالًا مِنَ المُثَنّى، والتَّثْنِيَةُ دُونَ الجَمْعِ، كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎فَتَخالَسا نَفْسَيْهِما بِنَوافِذَ ∗∗∗ كَنَوافِذِ العُبُطِ الَّتِي لا تُرْفَعُ
وهَذا كانَ القِياسَ، وذَلِكَ أنْ يُعَبِّرَ بِالمُثَنّى عَنِ المُثَنّى، لَكِنْ كَرِهُوا اجْتِماعَ تَثْنِيَتَيْنِ فَعَدَلُوا إلى الجَمْعِ؛ لِأنَّ التَّثْنِيَةَ جَمْعٌ في المَعْنى، والإفْرادُ لا يَجُوزُ عِنْدَ أصْحابِنا إلّا في الشِّعْرِ، كَقَوْلِهِ:
؎حَمامَةَ بَطْنِ الوادِيَيْنِ تَرَنَّمِي
يُرِيدُ: بَطْنَيِ.
وغَلِطَ ابْنُ مالِكٍ، فَقالَ في كِتابِ التَّسْهِيلِ: ونَخْتارُ لَفْظَ الإفْرادِ عَلى لَفْظِ التَّثْنِيَةِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: (تَظّاهَرا) بِشَدِّ الظّاءِ، وأصْلُهُ تَتَظاهَرا، وأُدْغِمَتِ التّاءُ في الظّاءِ، وبِالأصْلِ قَرَأ عِكْرِمَةُ، وبِتَخْفِيفِ الظّاءِ قَرَأ أبُو رَجاءٍ والحَسَنُ وطَلْحَةُ وعاصِمٌ ونافِعٌ في رِوايَةٍ، وبِشَدِّ الظّاءِ والهاءِ دُونَ ألِفٍ قَرَأ أبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ، والمَعْنى: وأنْ تَتَعاوَنا عَلَيْهِ في إفْشاءِ سِرِّهِ والإفْراطِ في الغَيْرَةِ فَإنَّ اللَّهَ هو مَوْلاهُ أيْ: مُظاهِرُهُ ومُعِينُهُ، والأحْسَنُ الوَقْفُ عَلى قَوْلِهِ: (مَوْلاهُ) . ويَكُونُ (وجِبْرِيلُ) مُبْتَدَأً وما بَعْدَهُ مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ، والخَبَرُ (ظَهِيرٌ) . فَيَكُونُ ابْتِداءُ الجُمْلَةِ بِجِبْرِيلَ، وهو أمِينُ وحْيِ اللَّهِ واخْتِتامُهُ بِالمَلائِكَةِ. وبُدِئَ بِجِبْرِيلَ، وأُفْرِدَ بِالذِّكْرِ تَعْظِيمًا لَهُ وإظْهارًا لِمَكانَتِهِ عِنْدَ اللَّهِ. ويَكُونُ قَدْ ذُكِرَ مَرَّتَيْنِ، مَرَّةً بِالنَّصِّ ومَرَّةً في العُمُومِ. واكْتَنَفَ صالِحُ المُؤْمِنِينَ جِبْرِيلَ تَشْرِيفًا لَهم واعْتِناءً بِهِمْ، إذْ جَعَلَهم بَيْنَ الَّذِينَ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ والنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ. فَعَلى هَذا جِبْرِيلُ داخِلٌ في الظُّهَراءِ لا في الوِلايَةِ، ويَخْتَصُّ الرَّسُولُ بِأنَّ اللَّهَ هو مَوْلاهُ. وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ وجِبْرِيلُ وصالِحُ المُؤْمِنِينَ عَطْفًا عَلى اسْمِ اللَّهِ، فَيَدْخُلانِ في الوَلايَةِ، ويَكُونُ (والمَلائِكَةُ) مُبْتَدَأً، والخَبَرُ (ظَهِيرٌ) فَيَكُونُ جِبْرِيلُ داخِلًا في الوَلايَةِ بِالنَّصِّ، وفي الظُّهَراءِ بِالعُمُومِ، والظّاهِرُ عُمُومُ وصالِحُ المُؤْمِنِينَ فَيَشْمَلُ كُلَّ صالِحٍ. وقالَ قَتادَةُ والعَلاءُ بْنُ العَلاءِ بْنِ زَيْدٍ: هُمُ الأنْبِياءُ، وتَكُونُ مُظاهَرَتُهم لَهُ كَوْنَهم قُدْوَةً، فَهم ظُهَراءُ بِهَذا المَعْنى. وقالَ عِكْرِمَةُ والضَّحّاكُ وابْنُ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٌ: المُرادُ أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ، وزادَ مُجاهِدٌ: وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ. وقِيلَ: الصَّحابَةُ. وقِيلَ: الخُلَفاءُ. وعَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ: مَن بَرِئَ مِنَ النِّفاقِ، و(صالِحُ) يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ الجَمْعُ، وإنْ كانَ مُفْرَدًا فَيَكُونُ كالسّامِرِ في قَوْلِهِ: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سامِرًا﴾ [المؤمنون: ٦٧] أيْ سُمّارًا. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ جَمْعًا حُذِفَتْ مِنهُ الواوُ خَطَأً لِحَذْفِها لَفْظًا، كَقَوْلِهِ: ﴿سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ﴾ [العلق: ١٨] وأفْرَدَ الظَّهِيرَ لِأنَّ المُرادَ فَوْجٌ ظَهِيرٌ، وكَثِيرًا ما يَأْتِي فَعِيلٌ نَحْوَ هَذا لِلْمُفْرَدِ والمُثَنّى والمَجْمُوعِ بِلَفْظِ المُفْرَدِ، كَأنَّهم في المُظاهَرَةِ يَدٌ واحِدَةٌ عَلى مَن يُعادِيهِ، فَما قَدْرُ تَظاهُرِ امْرَأتَيْنِ عَلى مَن هَؤُلاءِ ظُهَراؤُهُ، وذَلِكَ إشارَةٌ إلى تَظاهُرِهِما، أوْ إلى الوِلايَةِ.
وفِي الحَدِيثِ «أنَّ عُمَرَ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ لا تَكْتَرِثْ بِأمْرِ نِسائِكَ، واللَّهُ مَعَكَ، وجِبْرِيلُ مَعَكَ، وأبُو بَكْرٍ وأنا مَعَكَ، فَنَزَلَتْ» . ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ لِزَوْجاتِ النَّبِيِّ ﷺ: عَسى رَبُّهُ إنْ طَلَّقَكُنَّ الآيَةِ، فَنَزَلَتْ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”طَلَّقَكُنَّ“ بِفَتْحِ القافِ، وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ ابْنِ عَبّاسٍ: بِإدْغامِها في الكافِ، وتَقَدَّمَ ذِكْرُ الخِلافِ في: أنْ يُبْدِلَهُ في سُورَةِ الكَهْفِ، والمُتَبَدَّلُ بِهِ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ، تَقْدِيرُهُ: أنْ يُبْدِلَهُ خَيْرًا مِنكُنَّ؛ لِأنَّهُنَّ إذا طَلَّقَهُنَّ كانَ طَلاقُهُنَّ لِسُوءِ عِشْرَتِهِنَّ، واللَّواتِي يُبَدِّلُهُنَّ بِهَذِهِ الأوْصافِ يَكُنَّ خَيْرًا مِنهُنَّ. وبَدَأ في وصْفِهِنَّ بِالإسْلامِ، وهو الِانْقِيادُ، ثُمَّ بِالإيمانِ، وهو التَّصْدِيقُ، ثُمَّ بِالقُنُوتِ، وهو الطَّواعِيَةُ، ثُمَّ بِالتَّوْبَةِ، وهي الإقْلاعُ عَنِ الذَّنْبِ، ثُمَّ بِالعِبادَةِ، وهي التَّلَذُّذُ، ثُمَّ بِالسِّياحَةِ، وهي كِنايَةٌ عَنِ الصَّوْمِ، قالَهُ أبُو هُرَيْرَةَ وابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ والضَّحّاكُ. وقِيلَ: إنَّ الرَّسُولَ ﷺ فَسَّرَهُ بِذَلِكَ، قالَهُ أيْضًا الحَسَنُ وابْنُ جُبَيْرٍ وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ وابْنُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ. قالَ الفَرّاءُ والقُتَبِيُّ: سُمِّيَ الصّائِمُ سائِحًا لِأنَّ السّائِحَ لا زادَ مَعَهُ، وإنَّما يَأْكُلُ مِن حَيْثُ يَجِدُ الطَّعامَ. وقالَ زَيْدُ بْنُ (p-٢٩٢)أسْلَمَ ويَمانٌ: مُهاجِراتٌ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: لَيْسَ في الإسْلامِ سِياحَةٌ إلّا الهِجْرَةَ. وقِيلَ: ذاهِباتٌ في طاعَةِ اللَّهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (سائِحاتٍ) وعَمْرُو بْنُ فائِدٍ: (سَيَّحاتٍ) وهَذِهِ الصِّفاتُ تَجْتَمِعُ، وأمّا الثُّيُوبَةُ والبَكارَةُ فَلا يَجْتَمِعانِ، فَلِذَلِكَ عُطِفَ أحَدُهُما عَلى الآخَرِ، ولَوْ لَمْ يَأْتِ بِالواوِ لاخْتَلَّ المَعْنى. وذَكَرَ الجِنْسَيْنِ لِأنَّ في أزْواجِهِ ﷺ مَن تَزَوَّجَها بِكْرًا، والثَّيِّبُ: الرّاجِعُ بَعْدَ زَوالِ العُذْرَةِ، يُقالُ: ثابَتْ تَثُوبُ ثُوُوبًا، ووَزْنُهُ فَعْيِلٌ كَسَيِّدٍ.
ولَمّا وعَظَ أزْواجَ الرَّسُولِ ﷺ مَوْعِظَةً خاصَّةً، أتْبَعَ ذَلِكَ بِمَوْعِظَةٍ عامَّةٍ لِلْمُؤْمِنِينَ وأهْلِيهِمْ، وعَطَفَ (وأهْلِيكم) عَلى (أنْفُسِكم) لِأنَّ رَبَّ المَنزِلِ راعٍ وهو مَسْئُولٌ عَنْ أهْلِهِ. ومَعْنى وِقايَتِهِمْ: حَمْلُهم عَلى طاعَتِهِ وإلْزامُهم أداءَ ما فُرِضَ عَلَيْهِمْ. قالَ عُمَرُ: «يا رَسُولَ اللَّهِ نَقِي أنْفُسَنا، فَكَيْفَ لَنا بِأهْلِينا ؟ قالَ: تَنْهَوْنَهُنَّ عَمّا نَهاكُمُ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وتَأْمُرُونَهُنَّ بِما أمَرَكُمُ اللَّهُ بِهِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ وِقايَةً بَيْنَهُنَّ وبَيْنَ النّارِ»، ودَخَلَ الأوْلادُ في (وأهْلِيكم) . وقِيلَ: دَخَلُوا في (أنْفُسِكم) لِأنَّ الوَلَدَ بَعْضٌ مِن أبِيهِ، فَيُعَلِّمُهُ الحَلالَ والحَرامَ ويُجَنِّبُهُ المَعاصِيَ. وقُرِئَ: ”وأهْلُوكم“ بِالواوِ، وهو مَعْطُوفٌ عَلى الضَّمِيرِ في (قُوا) وحَسُنَ العَطْفُ لِلْفَصْلِ بِالمَفْعُولِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): ألَيْسَ التَّقْدِيرُ قُوا أنْفُسَكم ولْيَقِ أهْلُوكم أنْفُسَهم ؟ (قُلْتُ): لا، ولَكِنَّ المَعْطُوفَ مُقارِنٌ في التَّقْدِيرِ لِلْواوِ، و(أنْفُسَكم) واقِعٌ بَعْدَهُ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: قُوا أنْتُمْ وأهْلُوكم أنْفُسَكم. لَمّا جُمِعَتْ مَعَ المُخاطَبِ الغائِبِ غَلَبَتْهُ عَلَيْهِ. فَجَعَلَتْ ضَمِيرَهُما مَعًا عَلى لَفْظِ المُخاطَبِ. انْتَهى. وتَناقَضَ في قَوْلِهِ هَذا لِأنَّهُ قَدَّرَ (ولْيَقِ أهْلُوكم) فَجَعَلَهُ مِن عَطْفِ الجُمَلِ؛ لِأنَّ (أهْلُوكُمُ) اسْمٌ ظاهِرٌ لا يُمْكِنُ عِنْدَهُ أنْ يَرْتَفِعَ بِفِعْلِ الأمْرِ الَّذِي لِلْمُخاطَبِ، وكَذا في قَوْلِهِ: ﴿اسْكُنْ أنْتَ وزَوْجُكَ الجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥] ثُمَّ قالَ: ولَكِنَّ المَعْطُوفَ مُقارِنٌ في التَّقْدِيرِ لِلْواوُ. فَتَناقَضَ لِأنَّهُ في هَذا جَعَلَهُ مُقارِنًا في التَّقْدِيرِ لِلْواوِ، وفِيما قَبْلَهُ رَفَعَهُ بِفِعْلٍ آخَرَ غَيْرِ الرّافِعِ لِلْواوِ وهو و(لْيَقِ) وتَقَدَّمَ الخِلافُ في فَتْحِ الواوِ في قَوْلِهِ: (وقُودُها) وضَمِّها في البَقَرَةِ. وتَفْسِيرُ وقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ في البَقَرَةِ عَلَيْها مَلائِكَةٌ هي الزَّبانِيَةُ التِسْعَةَ عَشَرَ وأعْوانُهم. ووَصَفَهم بِالغِلَظِ، إمّا لِشِدَّةِ أجْسامِهِمْ وقُوَّتِها، وإمّا لِفَظاظَتِهِمْ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ القَلْبِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] أيْ: لَيْسَ فِيهِمْ رِقَّةٌ ولا حِنَّةٌ عَلى العُصاةِ. وانْتَصَبَ ما أمَرَهم عَلى البَدَلِ، أيْ: لا يَعْصُونَ أمْرَهُ لِقَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿أفَعَصَيْتَ أمْرِي﴾ [طه: ٩٣] أوْ عَلى إسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ. أيْ: فِيما أمَرَهم ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ. قِيلَ: كَرَّرَ المَعْنى تَوْكِيدًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ) ألَيْسَ الجُمْلَتانِ في مَعْنًى واحِدٍ ؟ (قُلْتُ): لا فَإنَّ مَعْنى الأُولى: أنَّهم يَتَقَبَّلُونَ أوامِرَهُ ويَلْتَزِمُونَها ولا يَأْبَوْنَها ولا يُنْكِرُونَها، ومَعْنى الثّانِيَةِ: أنَّهم يُؤَدُّونَ ما يُؤْمَرُونَ، لا يَتَثاقَلُونَ عَنْهُ ولا يَتَوانُونَ فِيهِ. لا تَعْتَذِرُوا خِطابٌ لَهم عِنْدَ دُخُولِهِمُ النّارَ؛ لِأنَّهم لا يَنْفَعُهُمُ الِاعْتِذارُ، فَلا فائِدَةَ فِيهِ.
التحريم 66:5
(p-٢٨٨)(سُورَةُ التَّحْرِيمِ مَدَنِيَّةٌ وهي اثْنَتا عَشْرَةَ آيَةً)
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)
﴿يا أيُّها النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاةَ أزْواجِكَ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكم تَحِلَّةَ أيْمانِكم واللَّهُ مَوْلاكم وهو العَلِيمُ الحَكِيمُ﴾ ﴿وإذْ أسَرَّ النَّبِيُّ إلى بَعْضِ أزْواجِهِ حَدِيثًا فَلَمّا نَبَّأتْ بِهِ وأظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وأعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمّا نَبَّأها بِهِ قالَتْ مَن أنْبَأكَ هَذا قالَ نَبَّأنِيَ العَلِيمُ الخَبِيرُ﴾ ﴿إنْ تَتُوبا إلى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما وإنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ فَإنَّ اللَّهَ هو مَوْلاهُ وجِبْرِيلُ وصالِحُ المُؤْمِنِينَ والمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ ﴿عَسى رَبُّهُ إنْ طَلَّقَكُنَّ أنْ يُبْدِلَهُ أزْواجًا خَيْرًا مِنكُنَّ مُسْلِماتٍ مُؤْمِناتٍ قانِتاتٍ تائِباتٍ عابِداتٍ سائِحاتٍ ثَيِّباتٍ وأبْكارًا﴾ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أنْفُسَكم وأهْلِيكم نارًا وقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أمَرَهم ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَعْتَذِرُوا اليَوْمَ إنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ .
(p-٢٨٩)هَذِهِ السُّورَةُ مَدَنِيَّةٌ، وسَبَبُ نُزُولِها ما يَأْتِي ذِكْرُهُ في تَفْسِيرِ أوائِلِها، والمُناسَبَةُ بَيْنَها وبَيْنَ السُّورَةِ قَبْلَها أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ جُمْلَةً مِن أحْكامِ زَوْجاتِ المُؤْمِنِينَ، ذَكَرَ هُنا ما جَرى مِن بَعْضِ زَوْجاتِ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ . يا أيُّها النَّبِيُّ: نِداءُ إقْبالٍ وتَشْرِيفٍ وتَنْبِيهٍ بِالصِّفَةِ عَلى عِصْمَتِهِ مِمّا يَقَعُ فِيهِ مَن لَيْسَ بِمَعْصُومٍ. لِمَ تُحَرِّمُ سُؤالُ تَلَطُّفٍ؛ ولِذَلِكَ قَدَّمَ قَبْلَهُ يا أيُّها النَّبِيُّ كَما جاءَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣] . ومَعْنى (تُحَرِّمُ) تَمْنَعُ، ولَيْسَ التَّحْرِيمُ المَشْرُوعُ بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ، وإنَّما هو امْتِناعٌ لِتَطْيِيبِ خاطِرِ بَعْضِ مَن يُحْسِنُ مَعَهُ العِشْرَةَ. ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ هو مُباشَرَةُ مارِيَةَ جارِيَتِهِ، وكانَ ﷺ ألَمَّ بِها في بَيْتِ بَعْضِ نِسائِهِ، فَغارَتْ مِن ذَلِكَ صاحِبَةُ البَيْتِ، فَطَيَّبَ خاطِرَها بِامْتِناعِهِ مِنها، واسْتَكْتَمَها ذَلِكَ، فَأفْشَتْهُ إلى بَعْضِ نِسائِهِ. وقِيلَ: هو عَسَلٌ كانَ يَشْرَبُهُ عِنْدَ بَعْضِ نِسائِهِ، فَكانَ يَنْتابُ بَيْتَها لِذَلِكَ، فَغارَ بَعْضُهُنَّ مِن دُخُولِهِ بَيْتَ الَّتِي عِنْدَها العَسَلُ، وتَواصَيْنَ عَلى أنْ يَذْكُرْنَ لَهُ عَلى أنَّ رائِحَةَ ذَلِكَ العَسَلِ لَيْسَ بِطَيِّبٍ، فَقالَ: ”لا أشْرَبُهُ“ . ولِلزَّمَخْشَرِيِّ هُنا كَلامٌ أضْرَبْتُ عَنْهُ صَفْحًا، كَما ضَرَبْتُ عَنْ كَلامِهِ في قَوْلِهِ: ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣] وكَلامُهُ هَذا ونَحْوُهُ مُحَقَّقٌ قَوِيٌّ فِيهِ، ويَعْزُو إلى المَعْصُومِ ما لَيْسَ لائِقًا. فَلَوْ حَرَّمَ الإنْسانُ عَلى نَفْسِهِ شَيْئًا أحَلَّهُ اللَّهُ، كَشُرْبِ عَسَلٍ، أوْ وطْءِ سُرِّيَّةٍ. واخْتَلَفُوا إذا قالَ لِزَوْجَتِهِ: أنْتِ عَلَيَّ حَرامٌ، أوِ الحَلالُ عَلَيَّ حَرامٌ، ولا يَسْتَثْنِي زَوْجَتَهُ. فَقالَ جَماعَةٌ، مِنهُمُ الشَّعْبِيُّ ومَسْرُوقٌ ورَبِيعَةُ وأبُو سَلَمَةَ وأصْبَغُ: هو كَتَحْرِيمِ الماءِ والطَّعامِ. وقالَ - تَعالى -: ﴿لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٧] والزَّوْجَةُ مِنَ الطَّيِّباتِ ومِمّا أحَلَّهُ اللَّهُ. وقالَ أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ وزَيْدٌ وابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ مَسْعُودٍ وعائِشَةُ وابْنُ المُسَيَّبِ، وعَطاءٌ وطاوُسُ وسُلَيْمانُ بْنُ يَسارٍ وابْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ والحَسَنُ و الأوْزاعِيُّ وأبُو ثَوْرٍ وجَماعَةٌ: هو يَمِينٌ يُكَفِّرُها. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا في إحْدى رِوايَتَيْهِ، والشّافِعِيُّ في أحَدِ قَوْلَيْهِ: فِيهِ تَكْفِيرُ يَمِينٍ ولَيْسَ بِيَمِينٍ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ وسُفْيانُ والكُوفِيُّونَ: هَذا ما أرادَ مِنَ الطَّلاقِ، فَإنْ لَمْ يُرِدْ طَلاقَها فَهو لا شَيْءَ. وقالَ آخَرُونَ: كَذَلِكَ، فَإنْ لَمْ يُرِدْ فَهو يَمِينٌ. وفي التَّحْرِيرِ، قالَ أبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهُ: إنْ نَوى الطَّلاقَ فَواحِدَةٌ بائِنَةٌ، أوِ اثْنَيْنِ فَواحِدَةٌ، أوْ ثَلاثًا فَثَلاثٌ، أوْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا فَيَمِينٌ وهو مُولٍ، أوِ الظِّهارَ فَظِهارٌ. وقالَ ابْنُ القاسِمِ: لا تَنْفَعُهُ نِيَّةُ الظِّهارِ ويَكُونُ طَلاقًا. وقالَ يَحْيى بْنُ عُمَرَ: يَكُونُ، فَإنِ ارْتَجَعَها، فَلا يَجُوزُ لَهُ وطْئُها حَتّى يُكَفِّرَ كَفّارَةَ الظِّهارِ فَما زادَ مِن أعْدادِهِ، فَإنْ نَوى واحِدَةً فَرَجْعِيَّةٌ، وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ. وقالَ الأوْزاعِيُّ وسُفْيانُ وأبُو ثَوْرٍ أيْ: أيُّ شَيْءٍ نَوى بِهِ مِنَ الطَّلاقِ وقَعَ وإنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا، فَقالَ سُفْيانُ: لا شَيْءَ عَلَيْهِ. وقالَ الأوْزاعِيُّ وأبُو ثَوْرٍ: تَقَعُ واحِدَةٌ. وقالَ الزُّهْرِيُّ: لَهُ نِيَّتُهُ ولا يَكُونُ أقَلَّ مِن واحِدَةٍ، فَإنْ لَمْ يَنْوِ فَلا شَيْءَ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: عَلَيْهِ عِتْقُ رَقَبَةٍ وإنْ لَمْ يَكُنْ ظِهارًا. وقالَ أبُو قِلابَةَ وعُثْمانُ وأحْمَدُ وإسْحاقُ: التَّحْرِيمُ ظِهارٌ، فَفِيهِ كَفّارَةٌ. وقالَ الشّافِعِيُّ: إنْ نَوى أنَّها مُحَرَّمَةٌ كَظَهْرِ أُمِّهِ، فَظِهارٌ أوْ تَحْرِيمٌ عَيَّنَها بِغَيْرِ طَلاقٍ، أوْ لَمْ يَنْوِ فَكَفّارَةُ يَمِينٍ. وقالَ مالِكٌ: هي ثَلاثٌ في المَدْخُولِ بِها، ويَنْوِي في غَيْرِ المَدْخُولِ بِها، فَهو ما أرادَ مِن واحِدَةٍ أوِ اثْنَتَيْنِ أوْ ثَلاثٍ. وقالَهُ عَلِيٌّ وزَيْدٌ وأبُو هُرَيْرَةَ. وقِيلَ: في المَدْخُولِ بِها ثَلاثٌ، قالَهُ عَلِيٌّ أيْضًا، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ والحَكَمُ. وقالَ ابْنُ أبِي لَيْلى وعَبْدُ المَلِكِ بْنُ الماجِشُونِ: هي ثَلاثٌ في الوَجْهَيْنِ، ولا يَنْوِي في شَيْءٍ. ورَوى ابْنُ خُوَيْزِ مَندادَ عَنْ مالِكٌ، وقالَهُ زَيْدٌ وحَمّادُ بْنُ أبِي سُلَيْمانَ: إنَّها واحِدَةٌ بائِنَةٌ في المَدْخُولِ بِها وغَيْرِ المَدْخُولِ بِها. وقالَ الزُّهْرِيُّ وعَبْدُ العَزِيزِ بْنُ الماجِشُونِ: هي واحِدَةٌ رَجْعِيَّةٌ. وقالَ أبُو مُصْعَبٍ ومُحَمَّدُ بْنُ الحَكَمِ: هي في (p-٢٩٠)الَّتِي لَمْ يُدْخَلْ بِها واحِدَةٌ، وفي المَدْخُولِ بِها ثَلاثٌ. وفي الكَشّافِ لا يَراهُ الشّافِعِيُّ يَمِينًا، ولَكِنْ سَبَبًا في الكَفّارَةِ في النِّساءِ وحْدَهُنَّ، وإنْ نَوى الطَّلاقَ فَهو رَجْعِيٌّ. وعَنْ عُمَرَ: إذا نَوى الطَّلاقَ فَرَجْعِيٌّ. وعَنْ عَلِيٍّ: ثَلاثٌ. وعَنْ زَيْدٍ: واحِدَةٌ. وعَنْ عُثْمانَ: ظِهارٌ. انْتَهى. وقالَ أيْضًا: ولَمْ يَثْبُتْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ لِما أحَلَّهُ: ”هو حَرامٌ عَلَيَّ“، وإنَّما امْتَنَعَ مِن مارِيَةَ لِيَمِينٍ تَقَدَّمَتْ مِنهُ، وهو قَوْلُهُ: واللَّهِ لا أقْرَبُها بَعْدَ اليَوْمِ، فَقِيلَ لَهُ: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ أيْ: لِمَ تَمْتَنِعُ مِنهُ بِسَبَبِ اليَمِينِ ؟ يَعْنِي أقْدِمْ عَلى ما حَلَفْتَ عَلَيْهِ وكَفِّرْ، ونَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وحَرَّمْنا عَلَيْهِ المَراضِعَ﴾ [القصص: ١٢] أيْ: مَنَعْناهُ مِنها. انْتَهى. و(تَبْتَغِي) في مَوْضِعِ الحالِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: تَفْسِيرٌ لِـ (تُحَرِّمُ) أوِ اسْتِئْنافٌ (مَرْضاةَ) رِضا أزْواجِكَ، أيْ: بِالِامْتِناعِ مِمّا أحَلَّهُ اللَّهُ لَكَ.
﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكم تَحِلَّةَ أيْمانِكُمْ﴾ . الظّاهِرُ أنَّهُ كانَ حَلَفَ عَلى أنَّهُ يَمْتَنِعُ مِن وطْءِ مارِيَةَ، أوْ مِن شُرْبِ ذَلِكَ العَسَلِ، عَلى الخِلافِ في السَّبَبِ، و(فَرَضَ) إحالَةٌ عَلى آيَةِ العُقُودِ، ﴿ولَكِنْ يُؤاخِذُكم بِما عَقَّدْتُمُ الأيْمانَ﴾ [المائدة: ٨٩] . و(تَحِلَّةَ): مَصْدَرُ حَلَّلَ، كَتَكْرِمَةٍ مِن كَرَّمَ، ولَيْسَ مَصْدَرًا مَقِيسًا، والمَقِيسُ: التَّحْلِيلُ والتَّكْرِيمُ؛ لِأنَّ قِياسَ فِعْلِ الصَّحِيحِ العَيْنِ غَيْرِ المَهْمُوزِ هو التَّفْعِيلُ، وأصْلُ هَذا تَحْلِلَةٌ فَأُدْغِمَ. وعَنْ مُقاتِلٍ: أعْتَقَ رَقَبَةً في تَحْرِيمِ مارِيَةَ. وعَنِ الحَسَنِ: لَمْ يُكَفِّرْ. انْتَهى. فَدَلَّ عَلى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ يَمِينٌ. وبَعْضِ أزْواجِهِ حَفْصَةُ، والحَدِيثُ هو بِسَبَبِ مارِيَةَ. فَلَمّا نَبَّأتْ بِهِ أيْ: أخْبَرَتْ عائِشَةَ. وقِيلَ: الحَدِيثُ إنَّما هو: ”شَرِبْتُ عَسَلًا“ . وقالَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرانَ: هو إسْرارُهُ إلى حَفْصَةَ أنَّ أبا بَكْرٍ وعُمَرَ يَمْلِكانِ إمْرَتِي مِن بَعْدِي خِلافَةً. وقَرَأ الجُمْهُورُ: فَلَمّا نَبَّأتْ بِهِ. وطَلْحَةُ: أنْبَأتْ، والعامِلُ في إذا ”اذْكُرْ“، وذَكَرَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّأْنِيبِ لِمَن أسَرَّ لَهُ فَأفْشاهُ. ونَبَّأ وأنْبَأ، الأصْلُ أنْ يَتَعَدَّيا إلى واحِدٍ بِأنْفُسِهِما، وإلى ثانٍ بِحَرْفِ الجَرِّ، ويَجُوزُ حَذْفُهُ فَتَقُولُ: نَبَّأتْ بِهِ، المَفْعُولُ الأوَّلُ مَحْذُوفٌ، أيْ غَيْرَها. ومَن أنْبَأكَ هَذا أيْ: بِهَذا قالَ نَبَّأنِيَ أيْ نَبَّأنِي بِهِ أوْ نَبَّأنِيهِ، فَإذا ضُمِّنَتْ مَعْنى أعْلَمَ، تَعَدَّتْ إلى ثَلاثَةِ مَفاعِيلَ، نَحْوَ قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎نُبِّئْتُ زُرْعَةَ، والسَّفاهَةُ كاسْمِها تُهْدِي إلَيَّ غَرائِبَ الأشْعارِ
﴿وأظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ أيْ: أطْلَعَهُ، أيْ: عَلى إفْشائِهِ، وكانَ قَدْ تُكُوتِمَ فِيهِ، وذَلِكَ بِإخْبارِ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ. وجاءَتِ الكِنايَةُ هُنا عَنِ التَّفْشِيَةِ والحَذْفِ لِلْمُفْشى إلَيْها بِالسِّرِّ، حِياطَةً وصَوْنًا عَنِ التَّصْرِيحِ بِالِاسْمِ، إذْ لا يَتَعَلَّقُ بِالتَّصْرِيحِ بِالِاسْمِ غَرَضٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (عَرَّفَ) بِشَدِّ الرّاءِ، والمَعْنى: أعْلَمَ بِهِ وأنَّبَ عَلَيْهِ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ والحَسَنُ وقَتادَةُ، وطَلْحَةُ والكِسائِيُّ وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ هارُونَ عَنْهُ: بِخَفِّ الرّاءِ، أيْ: جازى بِالعَتَبِ واللَّوْمِ، كَما تَقُولُ لِمَن يُؤْذِيكَ: لَأعْرِفَنَّ لَكَ ذَلِكَ، أيْ: لَأُجازِيَنَّكَ. وقِيلَ: إنَّهُ طَلَّقَ حَفْصَةَ وأُمِرَ بِمُراجَعَتِها. وقِيلَ: عاتَبَها ولَمْ يُطَلِّقْها. وقَرَأ ابْنُ المُسَيَّبِ وعِكْرِمَةُ: (عَرّافٌ) بِألِفٍ بَعْدَ الرّاءِ، وهي إشْباعٌ. وقالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: ويُقالُ إنَّها لُغَةٌ يَمانِيَةٌ، ومِثالُها قَوْلُهُ:
؎أعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ العَقْرابِ ∗∗∗ الشّائِلاتِ عُقَدَ الأذْنابِ
يُرِيدُ: مِنَ العَقْرَبِ.
﴿وأعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ﴾ أيْ: تَكَرُّمًا وحَياءً وحُسْنَ عِشْرَةٍ. قالَ الحَسَنُ: ما اسْتَقْصى كَرِيمٌ قَطُّ. وقالَ سُفْيانُ: ما زالَ التَّغافُلُ مِن فِعْلِ الكِرامِ، ومَفْعُولُ (عَرَّفَ) المُشَدَّدُ مَحْذُوفٌ، أيْ: عَرَّفَها بَعْضَهُ، أيْ: أعْلَمَ بِبَعْضِ الحَدِيثِ. وقِيلَ: المُعَرَّفُ خِلافَةُ الشَّيْخَيْنِ، والَّذِي أعْرَضَ عَنْهُ حَدِيثُ مارِيَةَ. ولَمّا أفْشَتْ حَفْصَةُ الحَدِيثَ لِـ عائِشَةَ واكْتَتَمَتْها إيّاهُ، ونَبَّأها الرَّسُولُ ﷺ بِهِ، ظَنَّتْ أنَّ عائِشَةَ فَضَحَتْها، فَقالَتْ: مَن أنْبَأكَ هَذا عَلى سَبِيلِ التَّثَبُّتِ، فَأخْبَرَها أنَّ اللَّهَ هو الَّذِي نَبَّأهُ بِهِ، فَسَكَنَتْ وسَلَّمَتْ. إنْ تَتُوبا إلى اللَّهِ انْتِقالٌ مِن غَيْبَةٍ إلى خِطابٍ، ويُسَمّى الِالتِفاتُ، والخِطابُ لِـ حَفْصَةَ وعائِشَةَ. فَقَدْ صَغَتْ مالَتْ عَنِ الصَّوابِ، وفي حَرْفِ عَبْدِ اللَّهِ: راغَتْ، وأتى بِالجَمْعِ في قَوْلِهِ: (قُلُوبُكُما) وحَسَّنَ ذَلِكَ (p-٢٩١)إضافَتُهُ إلى مُثَنّى، وهو ضَمِيراهُما، والجَمْعُ في مِثْلِ هَذا أكْثَرُ اسْتِعْمالًا مِنَ المُثَنّى، والتَّثْنِيَةُ دُونَ الجَمْعِ، كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎فَتَخالَسا نَفْسَيْهِما بِنَوافِذَ ∗∗∗ كَنَوافِذِ العُبُطِ الَّتِي لا تُرْفَعُ
وهَذا كانَ القِياسَ، وذَلِكَ أنْ يُعَبِّرَ بِالمُثَنّى عَنِ المُثَنّى، لَكِنْ كَرِهُوا اجْتِماعَ تَثْنِيَتَيْنِ فَعَدَلُوا إلى الجَمْعِ؛ لِأنَّ التَّثْنِيَةَ جَمْعٌ في المَعْنى، والإفْرادُ لا يَجُوزُ عِنْدَ أصْحابِنا إلّا في الشِّعْرِ، كَقَوْلِهِ:
؎حَمامَةَ بَطْنِ الوادِيَيْنِ تَرَنَّمِي
يُرِيدُ: بَطْنَيِ.
وغَلِطَ ابْنُ مالِكٍ، فَقالَ في كِتابِ التَّسْهِيلِ: ونَخْتارُ لَفْظَ الإفْرادِ عَلى لَفْظِ التَّثْنِيَةِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: (تَظّاهَرا) بِشَدِّ الظّاءِ، وأصْلُهُ تَتَظاهَرا، وأُدْغِمَتِ التّاءُ في الظّاءِ، وبِالأصْلِ قَرَأ عِكْرِمَةُ، وبِتَخْفِيفِ الظّاءِ قَرَأ أبُو رَجاءٍ والحَسَنُ وطَلْحَةُ وعاصِمٌ ونافِعٌ في رِوايَةٍ، وبِشَدِّ الظّاءِ والهاءِ دُونَ ألِفٍ قَرَأ أبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ، والمَعْنى: وأنْ تَتَعاوَنا عَلَيْهِ في إفْشاءِ سِرِّهِ والإفْراطِ في الغَيْرَةِ فَإنَّ اللَّهَ هو مَوْلاهُ أيْ: مُظاهِرُهُ ومُعِينُهُ، والأحْسَنُ الوَقْفُ عَلى قَوْلِهِ: (مَوْلاهُ) . ويَكُونُ (وجِبْرِيلُ) مُبْتَدَأً وما بَعْدَهُ مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ، والخَبَرُ (ظَهِيرٌ) . فَيَكُونُ ابْتِداءُ الجُمْلَةِ بِجِبْرِيلَ، وهو أمِينُ وحْيِ اللَّهِ واخْتِتامُهُ بِالمَلائِكَةِ. وبُدِئَ بِجِبْرِيلَ، وأُفْرِدَ بِالذِّكْرِ تَعْظِيمًا لَهُ وإظْهارًا لِمَكانَتِهِ عِنْدَ اللَّهِ. ويَكُونُ قَدْ ذُكِرَ مَرَّتَيْنِ، مَرَّةً بِالنَّصِّ ومَرَّةً في العُمُومِ. واكْتَنَفَ صالِحُ المُؤْمِنِينَ جِبْرِيلَ تَشْرِيفًا لَهم واعْتِناءً بِهِمْ، إذْ جَعَلَهم بَيْنَ الَّذِينَ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ والنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ. فَعَلى هَذا جِبْرِيلُ داخِلٌ في الظُّهَراءِ لا في الوِلايَةِ، ويَخْتَصُّ الرَّسُولُ بِأنَّ اللَّهَ هو مَوْلاهُ. وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ وجِبْرِيلُ وصالِحُ المُؤْمِنِينَ عَطْفًا عَلى اسْمِ اللَّهِ، فَيَدْخُلانِ في الوَلايَةِ، ويَكُونُ (والمَلائِكَةُ) مُبْتَدَأً، والخَبَرُ (ظَهِيرٌ) فَيَكُونُ جِبْرِيلُ داخِلًا في الوَلايَةِ بِالنَّصِّ، وفي الظُّهَراءِ بِالعُمُومِ، والظّاهِرُ عُمُومُ وصالِحُ المُؤْمِنِينَ فَيَشْمَلُ كُلَّ صالِحٍ. وقالَ قَتادَةُ والعَلاءُ بْنُ العَلاءِ بْنِ زَيْدٍ: هُمُ الأنْبِياءُ، وتَكُونُ مُظاهَرَتُهم لَهُ كَوْنَهم قُدْوَةً، فَهم ظُهَراءُ بِهَذا المَعْنى. وقالَ عِكْرِمَةُ والضَّحّاكُ وابْنُ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٌ: المُرادُ أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ، وزادَ مُجاهِدٌ: وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ. وقِيلَ: الصَّحابَةُ. وقِيلَ: الخُلَفاءُ. وعَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ: مَن بَرِئَ مِنَ النِّفاقِ، و(صالِحُ) يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ الجَمْعُ، وإنْ كانَ مُفْرَدًا فَيَكُونُ كالسّامِرِ في قَوْلِهِ: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سامِرًا﴾ [المؤمنون: ٦٧] أيْ سُمّارًا. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ جَمْعًا حُذِفَتْ مِنهُ الواوُ خَطَأً لِحَذْفِها لَفْظًا، كَقَوْلِهِ: ﴿سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ﴾ [العلق: ١٨] وأفْرَدَ الظَّهِيرَ لِأنَّ المُرادَ فَوْجٌ ظَهِيرٌ، وكَثِيرًا ما يَأْتِي فَعِيلٌ نَحْوَ هَذا لِلْمُفْرَدِ والمُثَنّى والمَجْمُوعِ بِلَفْظِ المُفْرَدِ، كَأنَّهم في المُظاهَرَةِ يَدٌ واحِدَةٌ عَلى مَن يُعادِيهِ، فَما قَدْرُ تَظاهُرِ امْرَأتَيْنِ عَلى مَن هَؤُلاءِ ظُهَراؤُهُ، وذَلِكَ إشارَةٌ إلى تَظاهُرِهِما، أوْ إلى الوِلايَةِ.
وفِي الحَدِيثِ «أنَّ عُمَرَ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ لا تَكْتَرِثْ بِأمْرِ نِسائِكَ، واللَّهُ مَعَكَ، وجِبْرِيلُ مَعَكَ، وأبُو بَكْرٍ وأنا مَعَكَ، فَنَزَلَتْ» . ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ لِزَوْجاتِ النَّبِيِّ ﷺ: عَسى رَبُّهُ إنْ طَلَّقَكُنَّ الآيَةِ، فَنَزَلَتْ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”طَلَّقَكُنَّ“ بِفَتْحِ القافِ، وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ ابْنِ عَبّاسٍ: بِإدْغامِها في الكافِ، وتَقَدَّمَ ذِكْرُ الخِلافِ في: أنْ يُبْدِلَهُ في سُورَةِ الكَهْفِ، والمُتَبَدَّلُ بِهِ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ، تَقْدِيرُهُ: أنْ يُبْدِلَهُ خَيْرًا مِنكُنَّ؛ لِأنَّهُنَّ إذا طَلَّقَهُنَّ كانَ طَلاقُهُنَّ لِسُوءِ عِشْرَتِهِنَّ، واللَّواتِي يُبَدِّلُهُنَّ بِهَذِهِ الأوْصافِ يَكُنَّ خَيْرًا مِنهُنَّ. وبَدَأ في وصْفِهِنَّ بِالإسْلامِ، وهو الِانْقِيادُ، ثُمَّ بِالإيمانِ، وهو التَّصْدِيقُ، ثُمَّ بِالقُنُوتِ، وهو الطَّواعِيَةُ، ثُمَّ بِالتَّوْبَةِ، وهي الإقْلاعُ عَنِ الذَّنْبِ، ثُمَّ بِالعِبادَةِ، وهي التَّلَذُّذُ، ثُمَّ بِالسِّياحَةِ، وهي كِنايَةٌ عَنِ الصَّوْمِ، قالَهُ أبُو هُرَيْرَةَ وابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ والضَّحّاكُ. وقِيلَ: إنَّ الرَّسُولَ ﷺ فَسَّرَهُ بِذَلِكَ، قالَهُ أيْضًا الحَسَنُ وابْنُ جُبَيْرٍ وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ وابْنُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ. قالَ الفَرّاءُ والقُتَبِيُّ: سُمِّيَ الصّائِمُ سائِحًا لِأنَّ السّائِحَ لا زادَ مَعَهُ، وإنَّما يَأْكُلُ مِن حَيْثُ يَجِدُ الطَّعامَ. وقالَ زَيْدُ بْنُ (p-٢٩٢)أسْلَمَ ويَمانٌ: مُهاجِراتٌ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: لَيْسَ في الإسْلامِ سِياحَةٌ إلّا الهِجْرَةَ. وقِيلَ: ذاهِباتٌ في طاعَةِ اللَّهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (سائِحاتٍ) وعَمْرُو بْنُ فائِدٍ: (سَيَّحاتٍ) وهَذِهِ الصِّفاتُ تَجْتَمِعُ، وأمّا الثُّيُوبَةُ والبَكارَةُ فَلا يَجْتَمِعانِ، فَلِذَلِكَ عُطِفَ أحَدُهُما عَلى الآخَرِ، ولَوْ لَمْ يَأْتِ بِالواوِ لاخْتَلَّ المَعْنى. وذَكَرَ الجِنْسَيْنِ لِأنَّ في أزْواجِهِ ﷺ مَن تَزَوَّجَها بِكْرًا، والثَّيِّبُ: الرّاجِعُ بَعْدَ زَوالِ العُذْرَةِ، يُقالُ: ثابَتْ تَثُوبُ ثُوُوبًا، ووَزْنُهُ فَعْيِلٌ كَسَيِّدٍ.
ولَمّا وعَظَ أزْواجَ الرَّسُولِ ﷺ مَوْعِظَةً خاصَّةً، أتْبَعَ ذَلِكَ بِمَوْعِظَةٍ عامَّةٍ لِلْمُؤْمِنِينَ وأهْلِيهِمْ، وعَطَفَ (وأهْلِيكم) عَلى (أنْفُسِكم) لِأنَّ رَبَّ المَنزِلِ راعٍ وهو مَسْئُولٌ عَنْ أهْلِهِ. ومَعْنى وِقايَتِهِمْ: حَمْلُهم عَلى طاعَتِهِ وإلْزامُهم أداءَ ما فُرِضَ عَلَيْهِمْ. قالَ عُمَرُ: «يا رَسُولَ اللَّهِ نَقِي أنْفُسَنا، فَكَيْفَ لَنا بِأهْلِينا ؟ قالَ: تَنْهَوْنَهُنَّ عَمّا نَهاكُمُ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وتَأْمُرُونَهُنَّ بِما أمَرَكُمُ اللَّهُ بِهِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ وِقايَةً بَيْنَهُنَّ وبَيْنَ النّارِ»، ودَخَلَ الأوْلادُ في (وأهْلِيكم) . وقِيلَ: دَخَلُوا في (أنْفُسِكم) لِأنَّ الوَلَدَ بَعْضٌ مِن أبِيهِ، فَيُعَلِّمُهُ الحَلالَ والحَرامَ ويُجَنِّبُهُ المَعاصِيَ. وقُرِئَ: ”وأهْلُوكم“ بِالواوِ، وهو مَعْطُوفٌ عَلى الضَّمِيرِ في (قُوا) وحَسُنَ العَطْفُ لِلْفَصْلِ بِالمَفْعُولِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): ألَيْسَ التَّقْدِيرُ قُوا أنْفُسَكم ولْيَقِ أهْلُوكم أنْفُسَهم ؟ (قُلْتُ): لا، ولَكِنَّ المَعْطُوفَ مُقارِنٌ في التَّقْدِيرِ لِلْواوِ، و(أنْفُسَكم) واقِعٌ بَعْدَهُ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: قُوا أنْتُمْ وأهْلُوكم أنْفُسَكم. لَمّا جُمِعَتْ مَعَ المُخاطَبِ الغائِبِ غَلَبَتْهُ عَلَيْهِ. فَجَعَلَتْ ضَمِيرَهُما مَعًا عَلى لَفْظِ المُخاطَبِ. انْتَهى. وتَناقَضَ في قَوْلِهِ هَذا لِأنَّهُ قَدَّرَ (ولْيَقِ أهْلُوكم) فَجَعَلَهُ مِن عَطْفِ الجُمَلِ؛ لِأنَّ (أهْلُوكُمُ) اسْمٌ ظاهِرٌ لا يُمْكِنُ عِنْدَهُ أنْ يَرْتَفِعَ بِفِعْلِ الأمْرِ الَّذِي لِلْمُخاطَبِ، وكَذا في قَوْلِهِ: ﴿اسْكُنْ أنْتَ وزَوْجُكَ الجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥] ثُمَّ قالَ: ولَكِنَّ المَعْطُوفَ مُقارِنٌ في التَّقْدِيرِ لِلْواوُ. فَتَناقَضَ لِأنَّهُ في هَذا جَعَلَهُ مُقارِنًا في التَّقْدِيرِ لِلْواوِ، وفِيما قَبْلَهُ رَفَعَهُ بِفِعْلٍ آخَرَ غَيْرِ الرّافِعِ لِلْواوِ وهو و(لْيَقِ) وتَقَدَّمَ الخِلافُ في فَتْحِ الواوِ في قَوْلِهِ: (وقُودُها) وضَمِّها في البَقَرَةِ. وتَفْسِيرُ وقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ في البَقَرَةِ عَلَيْها مَلائِكَةٌ هي الزَّبانِيَةُ التِسْعَةَ عَشَرَ وأعْوانُهم. ووَصَفَهم بِالغِلَظِ، إمّا لِشِدَّةِ أجْسامِهِمْ وقُوَّتِها، وإمّا لِفَظاظَتِهِمْ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ القَلْبِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] أيْ: لَيْسَ فِيهِمْ رِقَّةٌ ولا حِنَّةٌ عَلى العُصاةِ. وانْتَصَبَ ما أمَرَهم عَلى البَدَلِ، أيْ: لا يَعْصُونَ أمْرَهُ لِقَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿أفَعَصَيْتَ أمْرِي﴾ [طه: ٩٣] أوْ عَلى إسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ. أيْ: فِيما أمَرَهم ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ. قِيلَ: كَرَّرَ المَعْنى تَوْكِيدًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ) ألَيْسَ الجُمْلَتانِ في مَعْنًى واحِدٍ ؟ (قُلْتُ): لا فَإنَّ مَعْنى الأُولى: أنَّهم يَتَقَبَّلُونَ أوامِرَهُ ويَلْتَزِمُونَها ولا يَأْبَوْنَها ولا يُنْكِرُونَها، ومَعْنى الثّانِيَةِ: أنَّهم يُؤَدُّونَ ما يُؤْمَرُونَ، لا يَتَثاقَلُونَ عَنْهُ ولا يَتَوانُونَ فِيهِ. لا تَعْتَذِرُوا خِطابٌ لَهم عِنْدَ دُخُولِهِمُ النّارَ؛ لِأنَّهم لا يَنْفَعُهُمُ الِاعْتِذارُ، فَلا فائِدَةَ فِيهِ.
التحريم 66:6
(p-٢٨٨)(سُورَةُ التَّحْرِيمِ مَدَنِيَّةٌ وهي اثْنَتا عَشْرَةَ آيَةً)
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)
﴿يا أيُّها النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاةَ أزْواجِكَ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكم تَحِلَّةَ أيْمانِكم واللَّهُ مَوْلاكم وهو العَلِيمُ الحَكِيمُ﴾ ﴿وإذْ أسَرَّ النَّبِيُّ إلى بَعْضِ أزْواجِهِ حَدِيثًا فَلَمّا نَبَّأتْ بِهِ وأظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وأعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمّا نَبَّأها بِهِ قالَتْ مَن أنْبَأكَ هَذا قالَ نَبَّأنِيَ العَلِيمُ الخَبِيرُ﴾ ﴿إنْ تَتُوبا إلى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما وإنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ فَإنَّ اللَّهَ هو مَوْلاهُ وجِبْرِيلُ وصالِحُ المُؤْمِنِينَ والمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ ﴿عَسى رَبُّهُ إنْ طَلَّقَكُنَّ أنْ يُبْدِلَهُ أزْواجًا خَيْرًا مِنكُنَّ مُسْلِماتٍ مُؤْمِناتٍ قانِتاتٍ تائِباتٍ عابِداتٍ سائِحاتٍ ثَيِّباتٍ وأبْكارًا﴾ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أنْفُسَكم وأهْلِيكم نارًا وقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أمَرَهم ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَعْتَذِرُوا اليَوْمَ إنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ .
(p-٢٨٩)هَذِهِ السُّورَةُ مَدَنِيَّةٌ، وسَبَبُ نُزُولِها ما يَأْتِي ذِكْرُهُ في تَفْسِيرِ أوائِلِها، والمُناسَبَةُ بَيْنَها وبَيْنَ السُّورَةِ قَبْلَها أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ جُمْلَةً مِن أحْكامِ زَوْجاتِ المُؤْمِنِينَ، ذَكَرَ هُنا ما جَرى مِن بَعْضِ زَوْجاتِ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ . يا أيُّها النَّبِيُّ: نِداءُ إقْبالٍ وتَشْرِيفٍ وتَنْبِيهٍ بِالصِّفَةِ عَلى عِصْمَتِهِ مِمّا يَقَعُ فِيهِ مَن لَيْسَ بِمَعْصُومٍ. لِمَ تُحَرِّمُ سُؤالُ تَلَطُّفٍ؛ ولِذَلِكَ قَدَّمَ قَبْلَهُ يا أيُّها النَّبِيُّ كَما جاءَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣] . ومَعْنى (تُحَرِّمُ) تَمْنَعُ، ولَيْسَ التَّحْرِيمُ المَشْرُوعُ بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ، وإنَّما هو امْتِناعٌ لِتَطْيِيبِ خاطِرِ بَعْضِ مَن يُحْسِنُ مَعَهُ العِشْرَةَ. ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ هو مُباشَرَةُ مارِيَةَ جارِيَتِهِ، وكانَ ﷺ ألَمَّ بِها في بَيْتِ بَعْضِ نِسائِهِ، فَغارَتْ مِن ذَلِكَ صاحِبَةُ البَيْتِ، فَطَيَّبَ خاطِرَها بِامْتِناعِهِ مِنها، واسْتَكْتَمَها ذَلِكَ، فَأفْشَتْهُ إلى بَعْضِ نِسائِهِ. وقِيلَ: هو عَسَلٌ كانَ يَشْرَبُهُ عِنْدَ بَعْضِ نِسائِهِ، فَكانَ يَنْتابُ بَيْتَها لِذَلِكَ، فَغارَ بَعْضُهُنَّ مِن دُخُولِهِ بَيْتَ الَّتِي عِنْدَها العَسَلُ، وتَواصَيْنَ عَلى أنْ يَذْكُرْنَ لَهُ عَلى أنَّ رائِحَةَ ذَلِكَ العَسَلِ لَيْسَ بِطَيِّبٍ، فَقالَ: ”لا أشْرَبُهُ“ . ولِلزَّمَخْشَرِيِّ هُنا كَلامٌ أضْرَبْتُ عَنْهُ صَفْحًا، كَما ضَرَبْتُ عَنْ كَلامِهِ في قَوْلِهِ: ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣] وكَلامُهُ هَذا ونَحْوُهُ مُحَقَّقٌ قَوِيٌّ فِيهِ، ويَعْزُو إلى المَعْصُومِ ما لَيْسَ لائِقًا. فَلَوْ حَرَّمَ الإنْسانُ عَلى نَفْسِهِ شَيْئًا أحَلَّهُ اللَّهُ، كَشُرْبِ عَسَلٍ، أوْ وطْءِ سُرِّيَّةٍ. واخْتَلَفُوا إذا قالَ لِزَوْجَتِهِ: أنْتِ عَلَيَّ حَرامٌ، أوِ الحَلالُ عَلَيَّ حَرامٌ، ولا يَسْتَثْنِي زَوْجَتَهُ. فَقالَ جَماعَةٌ، مِنهُمُ الشَّعْبِيُّ ومَسْرُوقٌ ورَبِيعَةُ وأبُو سَلَمَةَ وأصْبَغُ: هو كَتَحْرِيمِ الماءِ والطَّعامِ. وقالَ - تَعالى -: ﴿لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٧] والزَّوْجَةُ مِنَ الطَّيِّباتِ ومِمّا أحَلَّهُ اللَّهُ. وقالَ أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ وزَيْدٌ وابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ مَسْعُودٍ وعائِشَةُ وابْنُ المُسَيَّبِ، وعَطاءٌ وطاوُسُ وسُلَيْمانُ بْنُ يَسارٍ وابْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ والحَسَنُ و الأوْزاعِيُّ وأبُو ثَوْرٍ وجَماعَةٌ: هو يَمِينٌ يُكَفِّرُها. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا في إحْدى رِوايَتَيْهِ، والشّافِعِيُّ في أحَدِ قَوْلَيْهِ: فِيهِ تَكْفِيرُ يَمِينٍ ولَيْسَ بِيَمِينٍ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ وسُفْيانُ والكُوفِيُّونَ: هَذا ما أرادَ مِنَ الطَّلاقِ، فَإنْ لَمْ يُرِدْ طَلاقَها فَهو لا شَيْءَ. وقالَ آخَرُونَ: كَذَلِكَ، فَإنْ لَمْ يُرِدْ فَهو يَمِينٌ. وفي التَّحْرِيرِ، قالَ أبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهُ: إنْ نَوى الطَّلاقَ فَواحِدَةٌ بائِنَةٌ، أوِ اثْنَيْنِ فَواحِدَةٌ، أوْ ثَلاثًا فَثَلاثٌ، أوْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا فَيَمِينٌ وهو مُولٍ، أوِ الظِّهارَ فَظِهارٌ. وقالَ ابْنُ القاسِمِ: لا تَنْفَعُهُ نِيَّةُ الظِّهارِ ويَكُونُ طَلاقًا. وقالَ يَحْيى بْنُ عُمَرَ: يَكُونُ، فَإنِ ارْتَجَعَها، فَلا يَجُوزُ لَهُ وطْئُها حَتّى يُكَفِّرَ كَفّارَةَ الظِّهارِ فَما زادَ مِن أعْدادِهِ، فَإنْ نَوى واحِدَةً فَرَجْعِيَّةٌ، وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ. وقالَ الأوْزاعِيُّ وسُفْيانُ وأبُو ثَوْرٍ أيْ: أيُّ شَيْءٍ نَوى بِهِ مِنَ الطَّلاقِ وقَعَ وإنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا، فَقالَ سُفْيانُ: لا شَيْءَ عَلَيْهِ. وقالَ الأوْزاعِيُّ وأبُو ثَوْرٍ: تَقَعُ واحِدَةٌ. وقالَ الزُّهْرِيُّ: لَهُ نِيَّتُهُ ولا يَكُونُ أقَلَّ مِن واحِدَةٍ، فَإنْ لَمْ يَنْوِ فَلا شَيْءَ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: عَلَيْهِ عِتْقُ رَقَبَةٍ وإنْ لَمْ يَكُنْ ظِهارًا. وقالَ أبُو قِلابَةَ وعُثْمانُ وأحْمَدُ وإسْحاقُ: التَّحْرِيمُ ظِهارٌ، فَفِيهِ كَفّارَةٌ. وقالَ الشّافِعِيُّ: إنْ نَوى أنَّها مُحَرَّمَةٌ كَظَهْرِ أُمِّهِ، فَظِهارٌ أوْ تَحْرِيمٌ عَيَّنَها بِغَيْرِ طَلاقٍ، أوْ لَمْ يَنْوِ فَكَفّارَةُ يَمِينٍ. وقالَ مالِكٌ: هي ثَلاثٌ في المَدْخُولِ بِها، ويَنْوِي في غَيْرِ المَدْخُولِ بِها، فَهو ما أرادَ مِن واحِدَةٍ أوِ اثْنَتَيْنِ أوْ ثَلاثٍ. وقالَهُ عَلِيٌّ وزَيْدٌ وأبُو هُرَيْرَةَ. وقِيلَ: في المَدْخُولِ بِها ثَلاثٌ، قالَهُ عَلِيٌّ أيْضًا، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ والحَكَمُ. وقالَ ابْنُ أبِي لَيْلى وعَبْدُ المَلِكِ بْنُ الماجِشُونِ: هي ثَلاثٌ في الوَجْهَيْنِ، ولا يَنْوِي في شَيْءٍ. ورَوى ابْنُ خُوَيْزِ مَندادَ عَنْ مالِكٌ، وقالَهُ زَيْدٌ وحَمّادُ بْنُ أبِي سُلَيْمانَ: إنَّها واحِدَةٌ بائِنَةٌ في المَدْخُولِ بِها وغَيْرِ المَدْخُولِ بِها. وقالَ الزُّهْرِيُّ وعَبْدُ العَزِيزِ بْنُ الماجِشُونِ: هي واحِدَةٌ رَجْعِيَّةٌ. وقالَ أبُو مُصْعَبٍ ومُحَمَّدُ بْنُ الحَكَمِ: هي في (p-٢٩٠)الَّتِي لَمْ يُدْخَلْ بِها واحِدَةٌ، وفي المَدْخُولِ بِها ثَلاثٌ. وفي الكَشّافِ لا يَراهُ الشّافِعِيُّ يَمِينًا، ولَكِنْ سَبَبًا في الكَفّارَةِ في النِّساءِ وحْدَهُنَّ، وإنْ نَوى الطَّلاقَ فَهو رَجْعِيٌّ. وعَنْ عُمَرَ: إذا نَوى الطَّلاقَ فَرَجْعِيٌّ. وعَنْ عَلِيٍّ: ثَلاثٌ. وعَنْ زَيْدٍ: واحِدَةٌ. وعَنْ عُثْمانَ: ظِهارٌ. انْتَهى. وقالَ أيْضًا: ولَمْ يَثْبُتْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ لِما أحَلَّهُ: ”هو حَرامٌ عَلَيَّ“، وإنَّما امْتَنَعَ مِن مارِيَةَ لِيَمِينٍ تَقَدَّمَتْ مِنهُ، وهو قَوْلُهُ: واللَّهِ لا أقْرَبُها بَعْدَ اليَوْمِ، فَقِيلَ لَهُ: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ أيْ: لِمَ تَمْتَنِعُ مِنهُ بِسَبَبِ اليَمِينِ ؟ يَعْنِي أقْدِمْ عَلى ما حَلَفْتَ عَلَيْهِ وكَفِّرْ، ونَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وحَرَّمْنا عَلَيْهِ المَراضِعَ﴾ [القصص: ١٢] أيْ: مَنَعْناهُ مِنها. انْتَهى. و(تَبْتَغِي) في مَوْضِعِ الحالِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: تَفْسِيرٌ لِـ (تُحَرِّمُ) أوِ اسْتِئْنافٌ (مَرْضاةَ) رِضا أزْواجِكَ، أيْ: بِالِامْتِناعِ مِمّا أحَلَّهُ اللَّهُ لَكَ.
﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكم تَحِلَّةَ أيْمانِكُمْ﴾ . الظّاهِرُ أنَّهُ كانَ حَلَفَ عَلى أنَّهُ يَمْتَنِعُ مِن وطْءِ مارِيَةَ، أوْ مِن شُرْبِ ذَلِكَ العَسَلِ، عَلى الخِلافِ في السَّبَبِ، و(فَرَضَ) إحالَةٌ عَلى آيَةِ العُقُودِ، ﴿ولَكِنْ يُؤاخِذُكم بِما عَقَّدْتُمُ الأيْمانَ﴾ [المائدة: ٨٩] . و(تَحِلَّةَ): مَصْدَرُ حَلَّلَ، كَتَكْرِمَةٍ مِن كَرَّمَ، ولَيْسَ مَصْدَرًا مَقِيسًا، والمَقِيسُ: التَّحْلِيلُ والتَّكْرِيمُ؛ لِأنَّ قِياسَ فِعْلِ الصَّحِيحِ العَيْنِ غَيْرِ المَهْمُوزِ هو التَّفْعِيلُ، وأصْلُ هَذا تَحْلِلَةٌ فَأُدْغِمَ. وعَنْ مُقاتِلٍ: أعْتَقَ رَقَبَةً في تَحْرِيمِ مارِيَةَ. وعَنِ الحَسَنِ: لَمْ يُكَفِّرْ. انْتَهى. فَدَلَّ عَلى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ يَمِينٌ. وبَعْضِ أزْواجِهِ حَفْصَةُ، والحَدِيثُ هو بِسَبَبِ مارِيَةَ. فَلَمّا نَبَّأتْ بِهِ أيْ: أخْبَرَتْ عائِشَةَ. وقِيلَ: الحَدِيثُ إنَّما هو: ”شَرِبْتُ عَسَلًا“ . وقالَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرانَ: هو إسْرارُهُ إلى حَفْصَةَ أنَّ أبا بَكْرٍ وعُمَرَ يَمْلِكانِ إمْرَتِي مِن بَعْدِي خِلافَةً. وقَرَأ الجُمْهُورُ: فَلَمّا نَبَّأتْ بِهِ. وطَلْحَةُ: أنْبَأتْ، والعامِلُ في إذا ”اذْكُرْ“، وذَكَرَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّأْنِيبِ لِمَن أسَرَّ لَهُ فَأفْشاهُ. ونَبَّأ وأنْبَأ، الأصْلُ أنْ يَتَعَدَّيا إلى واحِدٍ بِأنْفُسِهِما، وإلى ثانٍ بِحَرْفِ الجَرِّ، ويَجُوزُ حَذْفُهُ فَتَقُولُ: نَبَّأتْ بِهِ، المَفْعُولُ الأوَّلُ مَحْذُوفٌ، أيْ غَيْرَها. ومَن أنْبَأكَ هَذا أيْ: بِهَذا قالَ نَبَّأنِيَ أيْ نَبَّأنِي بِهِ أوْ نَبَّأنِيهِ، فَإذا ضُمِّنَتْ مَعْنى أعْلَمَ، تَعَدَّتْ إلى ثَلاثَةِ مَفاعِيلَ، نَحْوَ قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎نُبِّئْتُ زُرْعَةَ، والسَّفاهَةُ كاسْمِها تُهْدِي إلَيَّ غَرائِبَ الأشْعارِ
﴿وأظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ أيْ: أطْلَعَهُ، أيْ: عَلى إفْشائِهِ، وكانَ قَدْ تُكُوتِمَ فِيهِ، وذَلِكَ بِإخْبارِ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ. وجاءَتِ الكِنايَةُ هُنا عَنِ التَّفْشِيَةِ والحَذْفِ لِلْمُفْشى إلَيْها بِالسِّرِّ، حِياطَةً وصَوْنًا عَنِ التَّصْرِيحِ بِالِاسْمِ، إذْ لا يَتَعَلَّقُ بِالتَّصْرِيحِ بِالِاسْمِ غَرَضٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (عَرَّفَ) بِشَدِّ الرّاءِ، والمَعْنى: أعْلَمَ بِهِ وأنَّبَ عَلَيْهِ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ والحَسَنُ وقَتادَةُ، وطَلْحَةُ والكِسائِيُّ وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ هارُونَ عَنْهُ: بِخَفِّ الرّاءِ، أيْ: جازى بِالعَتَبِ واللَّوْمِ، كَما تَقُولُ لِمَن يُؤْذِيكَ: لَأعْرِفَنَّ لَكَ ذَلِكَ، أيْ: لَأُجازِيَنَّكَ. وقِيلَ: إنَّهُ طَلَّقَ حَفْصَةَ وأُمِرَ بِمُراجَعَتِها. وقِيلَ: عاتَبَها ولَمْ يُطَلِّقْها. وقَرَأ ابْنُ المُسَيَّبِ وعِكْرِمَةُ: (عَرّافٌ) بِألِفٍ بَعْدَ الرّاءِ، وهي إشْباعٌ. وقالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: ويُقالُ إنَّها لُغَةٌ يَمانِيَةٌ، ومِثالُها قَوْلُهُ:
؎أعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ العَقْرابِ ∗∗∗ الشّائِلاتِ عُقَدَ الأذْنابِ
يُرِيدُ: مِنَ العَقْرَبِ.
﴿وأعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ﴾ أيْ: تَكَرُّمًا وحَياءً وحُسْنَ عِشْرَةٍ. قالَ الحَسَنُ: ما اسْتَقْصى كَرِيمٌ قَطُّ. وقالَ سُفْيانُ: ما زالَ التَّغافُلُ مِن فِعْلِ الكِرامِ، ومَفْعُولُ (عَرَّفَ) المُشَدَّدُ مَحْذُوفٌ، أيْ: عَرَّفَها بَعْضَهُ، أيْ: أعْلَمَ بِبَعْضِ الحَدِيثِ. وقِيلَ: المُعَرَّفُ خِلافَةُ الشَّيْخَيْنِ، والَّذِي أعْرَضَ عَنْهُ حَدِيثُ مارِيَةَ. ولَمّا أفْشَتْ حَفْصَةُ الحَدِيثَ لِـ عائِشَةَ واكْتَتَمَتْها إيّاهُ، ونَبَّأها الرَّسُولُ ﷺ بِهِ، ظَنَّتْ أنَّ عائِشَةَ فَضَحَتْها، فَقالَتْ: مَن أنْبَأكَ هَذا عَلى سَبِيلِ التَّثَبُّتِ، فَأخْبَرَها أنَّ اللَّهَ هو الَّذِي نَبَّأهُ بِهِ، فَسَكَنَتْ وسَلَّمَتْ. إنْ تَتُوبا إلى اللَّهِ انْتِقالٌ مِن غَيْبَةٍ إلى خِطابٍ، ويُسَمّى الِالتِفاتُ، والخِطابُ لِـ حَفْصَةَ وعائِشَةَ. فَقَدْ صَغَتْ مالَتْ عَنِ الصَّوابِ، وفي حَرْفِ عَبْدِ اللَّهِ: راغَتْ، وأتى بِالجَمْعِ في قَوْلِهِ: (قُلُوبُكُما) وحَسَّنَ ذَلِكَ (p-٢٩١)إضافَتُهُ إلى مُثَنّى، وهو ضَمِيراهُما، والجَمْعُ في مِثْلِ هَذا أكْثَرُ اسْتِعْمالًا مِنَ المُثَنّى، والتَّثْنِيَةُ دُونَ الجَمْعِ، كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎فَتَخالَسا نَفْسَيْهِما بِنَوافِذَ ∗∗∗ كَنَوافِذِ العُبُطِ الَّتِي لا تُرْفَعُ
وهَذا كانَ القِياسَ، وذَلِكَ أنْ يُعَبِّرَ بِالمُثَنّى عَنِ المُثَنّى، لَكِنْ كَرِهُوا اجْتِماعَ تَثْنِيَتَيْنِ فَعَدَلُوا إلى الجَمْعِ؛ لِأنَّ التَّثْنِيَةَ جَمْعٌ في المَعْنى، والإفْرادُ لا يَجُوزُ عِنْدَ أصْحابِنا إلّا في الشِّعْرِ، كَقَوْلِهِ:
؎حَمامَةَ بَطْنِ الوادِيَيْنِ تَرَنَّمِي
يُرِيدُ: بَطْنَيِ.
وغَلِطَ ابْنُ مالِكٍ، فَقالَ في كِتابِ التَّسْهِيلِ: ونَخْتارُ لَفْظَ الإفْرادِ عَلى لَفْظِ التَّثْنِيَةِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: (تَظّاهَرا) بِشَدِّ الظّاءِ، وأصْلُهُ تَتَظاهَرا، وأُدْغِمَتِ التّاءُ في الظّاءِ، وبِالأصْلِ قَرَأ عِكْرِمَةُ، وبِتَخْفِيفِ الظّاءِ قَرَأ أبُو رَجاءٍ والحَسَنُ وطَلْحَةُ وعاصِمٌ ونافِعٌ في رِوايَةٍ، وبِشَدِّ الظّاءِ والهاءِ دُونَ ألِفٍ قَرَأ أبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ، والمَعْنى: وأنْ تَتَعاوَنا عَلَيْهِ في إفْشاءِ سِرِّهِ والإفْراطِ في الغَيْرَةِ فَإنَّ اللَّهَ هو مَوْلاهُ أيْ: مُظاهِرُهُ ومُعِينُهُ، والأحْسَنُ الوَقْفُ عَلى قَوْلِهِ: (مَوْلاهُ) . ويَكُونُ (وجِبْرِيلُ) مُبْتَدَأً وما بَعْدَهُ مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ، والخَبَرُ (ظَهِيرٌ) . فَيَكُونُ ابْتِداءُ الجُمْلَةِ بِجِبْرِيلَ، وهو أمِينُ وحْيِ اللَّهِ واخْتِتامُهُ بِالمَلائِكَةِ. وبُدِئَ بِجِبْرِيلَ، وأُفْرِدَ بِالذِّكْرِ تَعْظِيمًا لَهُ وإظْهارًا لِمَكانَتِهِ عِنْدَ اللَّهِ. ويَكُونُ قَدْ ذُكِرَ مَرَّتَيْنِ، مَرَّةً بِالنَّصِّ ومَرَّةً في العُمُومِ. واكْتَنَفَ صالِحُ المُؤْمِنِينَ جِبْرِيلَ تَشْرِيفًا لَهم واعْتِناءً بِهِمْ، إذْ جَعَلَهم بَيْنَ الَّذِينَ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ والنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ. فَعَلى هَذا جِبْرِيلُ داخِلٌ في الظُّهَراءِ لا في الوِلايَةِ، ويَخْتَصُّ الرَّسُولُ بِأنَّ اللَّهَ هو مَوْلاهُ. وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ وجِبْرِيلُ وصالِحُ المُؤْمِنِينَ عَطْفًا عَلى اسْمِ اللَّهِ، فَيَدْخُلانِ في الوَلايَةِ، ويَكُونُ (والمَلائِكَةُ) مُبْتَدَأً، والخَبَرُ (ظَهِيرٌ) فَيَكُونُ جِبْرِيلُ داخِلًا في الوَلايَةِ بِالنَّصِّ، وفي الظُّهَراءِ بِالعُمُومِ، والظّاهِرُ عُمُومُ وصالِحُ المُؤْمِنِينَ فَيَشْمَلُ كُلَّ صالِحٍ. وقالَ قَتادَةُ والعَلاءُ بْنُ العَلاءِ بْنِ زَيْدٍ: هُمُ الأنْبِياءُ، وتَكُونُ مُظاهَرَتُهم لَهُ كَوْنَهم قُدْوَةً، فَهم ظُهَراءُ بِهَذا المَعْنى. وقالَ عِكْرِمَةُ والضَّحّاكُ وابْنُ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٌ: المُرادُ أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ، وزادَ مُجاهِدٌ: وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ. وقِيلَ: الصَّحابَةُ. وقِيلَ: الخُلَفاءُ. وعَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ: مَن بَرِئَ مِنَ النِّفاقِ، و(صالِحُ) يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ الجَمْعُ، وإنْ كانَ مُفْرَدًا فَيَكُونُ كالسّامِرِ في قَوْلِهِ: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سامِرًا﴾ [المؤمنون: ٦٧] أيْ سُمّارًا. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ جَمْعًا حُذِفَتْ مِنهُ الواوُ خَطَأً لِحَذْفِها لَفْظًا، كَقَوْلِهِ: ﴿سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ﴾ [العلق: ١٨] وأفْرَدَ الظَّهِيرَ لِأنَّ المُرادَ فَوْجٌ ظَهِيرٌ، وكَثِيرًا ما يَأْتِي فَعِيلٌ نَحْوَ هَذا لِلْمُفْرَدِ والمُثَنّى والمَجْمُوعِ بِلَفْظِ المُفْرَدِ، كَأنَّهم في المُظاهَرَةِ يَدٌ واحِدَةٌ عَلى مَن يُعادِيهِ، فَما قَدْرُ تَظاهُرِ امْرَأتَيْنِ عَلى مَن هَؤُلاءِ ظُهَراؤُهُ، وذَلِكَ إشارَةٌ إلى تَظاهُرِهِما، أوْ إلى الوِلايَةِ.
وفِي الحَدِيثِ «أنَّ عُمَرَ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ لا تَكْتَرِثْ بِأمْرِ نِسائِكَ، واللَّهُ مَعَكَ، وجِبْرِيلُ مَعَكَ، وأبُو بَكْرٍ وأنا مَعَكَ، فَنَزَلَتْ» . ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ لِزَوْجاتِ النَّبِيِّ ﷺ: عَسى رَبُّهُ إنْ طَلَّقَكُنَّ الآيَةِ، فَنَزَلَتْ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”طَلَّقَكُنَّ“ بِفَتْحِ القافِ، وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ ابْنِ عَبّاسٍ: بِإدْغامِها في الكافِ، وتَقَدَّمَ ذِكْرُ الخِلافِ في: أنْ يُبْدِلَهُ في سُورَةِ الكَهْفِ، والمُتَبَدَّلُ بِهِ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ، تَقْدِيرُهُ: أنْ يُبْدِلَهُ خَيْرًا مِنكُنَّ؛ لِأنَّهُنَّ إذا طَلَّقَهُنَّ كانَ طَلاقُهُنَّ لِسُوءِ عِشْرَتِهِنَّ، واللَّواتِي يُبَدِّلُهُنَّ بِهَذِهِ الأوْصافِ يَكُنَّ خَيْرًا مِنهُنَّ. وبَدَأ في وصْفِهِنَّ بِالإسْلامِ، وهو الِانْقِيادُ، ثُمَّ بِالإيمانِ، وهو التَّصْدِيقُ، ثُمَّ بِالقُنُوتِ، وهو الطَّواعِيَةُ، ثُمَّ بِالتَّوْبَةِ، وهي الإقْلاعُ عَنِ الذَّنْبِ، ثُمَّ بِالعِبادَةِ، وهي التَّلَذُّذُ، ثُمَّ بِالسِّياحَةِ، وهي كِنايَةٌ عَنِ الصَّوْمِ، قالَهُ أبُو هُرَيْرَةَ وابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ والضَّحّاكُ. وقِيلَ: إنَّ الرَّسُولَ ﷺ فَسَّرَهُ بِذَلِكَ، قالَهُ أيْضًا الحَسَنُ وابْنُ جُبَيْرٍ وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ وابْنُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ. قالَ الفَرّاءُ والقُتَبِيُّ: سُمِّيَ الصّائِمُ سائِحًا لِأنَّ السّائِحَ لا زادَ مَعَهُ، وإنَّما يَأْكُلُ مِن حَيْثُ يَجِدُ الطَّعامَ. وقالَ زَيْدُ بْنُ (p-٢٩٢)أسْلَمَ ويَمانٌ: مُهاجِراتٌ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: لَيْسَ في الإسْلامِ سِياحَةٌ إلّا الهِجْرَةَ. وقِيلَ: ذاهِباتٌ في طاعَةِ اللَّهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (سائِحاتٍ) وعَمْرُو بْنُ فائِدٍ: (سَيَّحاتٍ) وهَذِهِ الصِّفاتُ تَجْتَمِعُ، وأمّا الثُّيُوبَةُ والبَكارَةُ فَلا يَجْتَمِعانِ، فَلِذَلِكَ عُطِفَ أحَدُهُما عَلى الآخَرِ، ولَوْ لَمْ يَأْتِ بِالواوِ لاخْتَلَّ المَعْنى. وذَكَرَ الجِنْسَيْنِ لِأنَّ في أزْواجِهِ ﷺ مَن تَزَوَّجَها بِكْرًا، والثَّيِّبُ: الرّاجِعُ بَعْدَ زَوالِ العُذْرَةِ، يُقالُ: ثابَتْ تَثُوبُ ثُوُوبًا، ووَزْنُهُ فَعْيِلٌ كَسَيِّدٍ.
ولَمّا وعَظَ أزْواجَ الرَّسُولِ ﷺ مَوْعِظَةً خاصَّةً، أتْبَعَ ذَلِكَ بِمَوْعِظَةٍ عامَّةٍ لِلْمُؤْمِنِينَ وأهْلِيهِمْ، وعَطَفَ (وأهْلِيكم) عَلى (أنْفُسِكم) لِأنَّ رَبَّ المَنزِلِ راعٍ وهو مَسْئُولٌ عَنْ أهْلِهِ. ومَعْنى وِقايَتِهِمْ: حَمْلُهم عَلى طاعَتِهِ وإلْزامُهم أداءَ ما فُرِضَ عَلَيْهِمْ. قالَ عُمَرُ: «يا رَسُولَ اللَّهِ نَقِي أنْفُسَنا، فَكَيْفَ لَنا بِأهْلِينا ؟ قالَ: تَنْهَوْنَهُنَّ عَمّا نَهاكُمُ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وتَأْمُرُونَهُنَّ بِما أمَرَكُمُ اللَّهُ بِهِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ وِقايَةً بَيْنَهُنَّ وبَيْنَ النّارِ»، ودَخَلَ الأوْلادُ في (وأهْلِيكم) . وقِيلَ: دَخَلُوا في (أنْفُسِكم) لِأنَّ الوَلَدَ بَعْضٌ مِن أبِيهِ، فَيُعَلِّمُهُ الحَلالَ والحَرامَ ويُجَنِّبُهُ المَعاصِيَ. وقُرِئَ: ”وأهْلُوكم“ بِالواوِ، وهو مَعْطُوفٌ عَلى الضَّمِيرِ في (قُوا) وحَسُنَ العَطْفُ لِلْفَصْلِ بِالمَفْعُولِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): ألَيْسَ التَّقْدِيرُ قُوا أنْفُسَكم ولْيَقِ أهْلُوكم أنْفُسَهم ؟ (قُلْتُ): لا، ولَكِنَّ المَعْطُوفَ مُقارِنٌ في التَّقْدِيرِ لِلْواوِ، و(أنْفُسَكم) واقِعٌ بَعْدَهُ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: قُوا أنْتُمْ وأهْلُوكم أنْفُسَكم. لَمّا جُمِعَتْ مَعَ المُخاطَبِ الغائِبِ غَلَبَتْهُ عَلَيْهِ. فَجَعَلَتْ ضَمِيرَهُما مَعًا عَلى لَفْظِ المُخاطَبِ. انْتَهى. وتَناقَضَ في قَوْلِهِ هَذا لِأنَّهُ قَدَّرَ (ولْيَقِ أهْلُوكم) فَجَعَلَهُ مِن عَطْفِ الجُمَلِ؛ لِأنَّ (أهْلُوكُمُ) اسْمٌ ظاهِرٌ لا يُمْكِنُ عِنْدَهُ أنْ يَرْتَفِعَ بِفِعْلِ الأمْرِ الَّذِي لِلْمُخاطَبِ، وكَذا في قَوْلِهِ: ﴿اسْكُنْ أنْتَ وزَوْجُكَ الجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥] ثُمَّ قالَ: ولَكِنَّ المَعْطُوفَ مُقارِنٌ في التَّقْدِيرِ لِلْواوُ. فَتَناقَضَ لِأنَّهُ في هَذا جَعَلَهُ مُقارِنًا في التَّقْدِيرِ لِلْواوِ، وفِيما قَبْلَهُ رَفَعَهُ بِفِعْلٍ آخَرَ غَيْرِ الرّافِعِ لِلْواوِ وهو و(لْيَقِ) وتَقَدَّمَ الخِلافُ في فَتْحِ الواوِ في قَوْلِهِ: (وقُودُها) وضَمِّها في البَقَرَةِ. وتَفْسِيرُ وقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ في البَقَرَةِ عَلَيْها مَلائِكَةٌ هي الزَّبانِيَةُ التِسْعَةَ عَشَرَ وأعْوانُهم. ووَصَفَهم بِالغِلَظِ، إمّا لِشِدَّةِ أجْسامِهِمْ وقُوَّتِها، وإمّا لِفَظاظَتِهِمْ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ القَلْبِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] أيْ: لَيْسَ فِيهِمْ رِقَّةٌ ولا حِنَّةٌ عَلى العُصاةِ. وانْتَصَبَ ما أمَرَهم عَلى البَدَلِ، أيْ: لا يَعْصُونَ أمْرَهُ لِقَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿أفَعَصَيْتَ أمْرِي﴾ [طه: ٩٣] أوْ عَلى إسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ. أيْ: فِيما أمَرَهم ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ. قِيلَ: كَرَّرَ المَعْنى تَوْكِيدًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ) ألَيْسَ الجُمْلَتانِ في مَعْنًى واحِدٍ ؟ (قُلْتُ): لا فَإنَّ مَعْنى الأُولى: أنَّهم يَتَقَبَّلُونَ أوامِرَهُ ويَلْتَزِمُونَها ولا يَأْبَوْنَها ولا يُنْكِرُونَها، ومَعْنى الثّانِيَةِ: أنَّهم يُؤَدُّونَ ما يُؤْمَرُونَ، لا يَتَثاقَلُونَ عَنْهُ ولا يَتَوانُونَ فِيهِ. لا تَعْتَذِرُوا خِطابٌ لَهم عِنْدَ دُخُولِهِمُ النّارَ؛ لِأنَّهم لا يَنْفَعُهُمُ الِاعْتِذارُ، فَلا فائِدَةَ فِيهِ.
التحريم 66:7
(p-٢٨٨)(سُورَةُ التَّحْرِيمِ مَدَنِيَّةٌ وهي اثْنَتا عَشْرَةَ آيَةً)
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)
﴿يا أيُّها النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاةَ أزْواجِكَ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكم تَحِلَّةَ أيْمانِكم واللَّهُ مَوْلاكم وهو العَلِيمُ الحَكِيمُ﴾ ﴿وإذْ أسَرَّ النَّبِيُّ إلى بَعْضِ أزْواجِهِ حَدِيثًا فَلَمّا نَبَّأتْ بِهِ وأظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وأعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمّا نَبَّأها بِهِ قالَتْ مَن أنْبَأكَ هَذا قالَ نَبَّأنِيَ العَلِيمُ الخَبِيرُ﴾ ﴿إنْ تَتُوبا إلى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما وإنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ فَإنَّ اللَّهَ هو مَوْلاهُ وجِبْرِيلُ وصالِحُ المُؤْمِنِينَ والمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ ﴿عَسى رَبُّهُ إنْ طَلَّقَكُنَّ أنْ يُبْدِلَهُ أزْواجًا خَيْرًا مِنكُنَّ مُسْلِماتٍ مُؤْمِناتٍ قانِتاتٍ تائِباتٍ عابِداتٍ سائِحاتٍ ثَيِّباتٍ وأبْكارًا﴾ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أنْفُسَكم وأهْلِيكم نارًا وقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أمَرَهم ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَعْتَذِرُوا اليَوْمَ إنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ .
(p-٢٨٩)هَذِهِ السُّورَةُ مَدَنِيَّةٌ، وسَبَبُ نُزُولِها ما يَأْتِي ذِكْرُهُ في تَفْسِيرِ أوائِلِها، والمُناسَبَةُ بَيْنَها وبَيْنَ السُّورَةِ قَبْلَها أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ جُمْلَةً مِن أحْكامِ زَوْجاتِ المُؤْمِنِينَ، ذَكَرَ هُنا ما جَرى مِن بَعْضِ زَوْجاتِ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ . يا أيُّها النَّبِيُّ: نِداءُ إقْبالٍ وتَشْرِيفٍ وتَنْبِيهٍ بِالصِّفَةِ عَلى عِصْمَتِهِ مِمّا يَقَعُ فِيهِ مَن لَيْسَ بِمَعْصُومٍ. لِمَ تُحَرِّمُ سُؤالُ تَلَطُّفٍ؛ ولِذَلِكَ قَدَّمَ قَبْلَهُ يا أيُّها النَّبِيُّ كَما جاءَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣] . ومَعْنى (تُحَرِّمُ) تَمْنَعُ، ولَيْسَ التَّحْرِيمُ المَشْرُوعُ بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ، وإنَّما هو امْتِناعٌ لِتَطْيِيبِ خاطِرِ بَعْضِ مَن يُحْسِنُ مَعَهُ العِشْرَةَ. ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ هو مُباشَرَةُ مارِيَةَ جارِيَتِهِ، وكانَ ﷺ ألَمَّ بِها في بَيْتِ بَعْضِ نِسائِهِ، فَغارَتْ مِن ذَلِكَ صاحِبَةُ البَيْتِ، فَطَيَّبَ خاطِرَها بِامْتِناعِهِ مِنها، واسْتَكْتَمَها ذَلِكَ، فَأفْشَتْهُ إلى بَعْضِ نِسائِهِ. وقِيلَ: هو عَسَلٌ كانَ يَشْرَبُهُ عِنْدَ بَعْضِ نِسائِهِ، فَكانَ يَنْتابُ بَيْتَها لِذَلِكَ، فَغارَ بَعْضُهُنَّ مِن دُخُولِهِ بَيْتَ الَّتِي عِنْدَها العَسَلُ، وتَواصَيْنَ عَلى أنْ يَذْكُرْنَ لَهُ عَلى أنَّ رائِحَةَ ذَلِكَ العَسَلِ لَيْسَ بِطَيِّبٍ، فَقالَ: ”لا أشْرَبُهُ“ . ولِلزَّمَخْشَرِيِّ هُنا كَلامٌ أضْرَبْتُ عَنْهُ صَفْحًا، كَما ضَرَبْتُ عَنْ كَلامِهِ في قَوْلِهِ: ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣] وكَلامُهُ هَذا ونَحْوُهُ مُحَقَّقٌ قَوِيٌّ فِيهِ، ويَعْزُو إلى المَعْصُومِ ما لَيْسَ لائِقًا. فَلَوْ حَرَّمَ الإنْسانُ عَلى نَفْسِهِ شَيْئًا أحَلَّهُ اللَّهُ، كَشُرْبِ عَسَلٍ، أوْ وطْءِ سُرِّيَّةٍ. واخْتَلَفُوا إذا قالَ لِزَوْجَتِهِ: أنْتِ عَلَيَّ حَرامٌ، أوِ الحَلالُ عَلَيَّ حَرامٌ، ولا يَسْتَثْنِي زَوْجَتَهُ. فَقالَ جَماعَةٌ، مِنهُمُ الشَّعْبِيُّ ومَسْرُوقٌ ورَبِيعَةُ وأبُو سَلَمَةَ وأصْبَغُ: هو كَتَحْرِيمِ الماءِ والطَّعامِ. وقالَ - تَعالى -: ﴿لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٧] والزَّوْجَةُ مِنَ الطَّيِّباتِ ومِمّا أحَلَّهُ اللَّهُ. وقالَ أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ وزَيْدٌ وابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ مَسْعُودٍ وعائِشَةُ وابْنُ المُسَيَّبِ، وعَطاءٌ وطاوُسُ وسُلَيْمانُ بْنُ يَسارٍ وابْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ والحَسَنُ و الأوْزاعِيُّ وأبُو ثَوْرٍ وجَماعَةٌ: هو يَمِينٌ يُكَفِّرُها. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا في إحْدى رِوايَتَيْهِ، والشّافِعِيُّ في أحَدِ قَوْلَيْهِ: فِيهِ تَكْفِيرُ يَمِينٍ ولَيْسَ بِيَمِينٍ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ وسُفْيانُ والكُوفِيُّونَ: هَذا ما أرادَ مِنَ الطَّلاقِ، فَإنْ لَمْ يُرِدْ طَلاقَها فَهو لا شَيْءَ. وقالَ آخَرُونَ: كَذَلِكَ، فَإنْ لَمْ يُرِدْ فَهو يَمِينٌ. وفي التَّحْرِيرِ، قالَ أبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهُ: إنْ نَوى الطَّلاقَ فَواحِدَةٌ بائِنَةٌ، أوِ اثْنَيْنِ فَواحِدَةٌ، أوْ ثَلاثًا فَثَلاثٌ، أوْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا فَيَمِينٌ وهو مُولٍ، أوِ الظِّهارَ فَظِهارٌ. وقالَ ابْنُ القاسِمِ: لا تَنْفَعُهُ نِيَّةُ الظِّهارِ ويَكُونُ طَلاقًا. وقالَ يَحْيى بْنُ عُمَرَ: يَكُونُ، فَإنِ ارْتَجَعَها، فَلا يَجُوزُ لَهُ وطْئُها حَتّى يُكَفِّرَ كَفّارَةَ الظِّهارِ فَما زادَ مِن أعْدادِهِ، فَإنْ نَوى واحِدَةً فَرَجْعِيَّةٌ، وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ. وقالَ الأوْزاعِيُّ وسُفْيانُ وأبُو ثَوْرٍ أيْ: أيُّ شَيْءٍ نَوى بِهِ مِنَ الطَّلاقِ وقَعَ وإنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا، فَقالَ سُفْيانُ: لا شَيْءَ عَلَيْهِ. وقالَ الأوْزاعِيُّ وأبُو ثَوْرٍ: تَقَعُ واحِدَةٌ. وقالَ الزُّهْرِيُّ: لَهُ نِيَّتُهُ ولا يَكُونُ أقَلَّ مِن واحِدَةٍ، فَإنْ لَمْ يَنْوِ فَلا شَيْءَ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: عَلَيْهِ عِتْقُ رَقَبَةٍ وإنْ لَمْ يَكُنْ ظِهارًا. وقالَ أبُو قِلابَةَ وعُثْمانُ وأحْمَدُ وإسْحاقُ: التَّحْرِيمُ ظِهارٌ، فَفِيهِ كَفّارَةٌ. وقالَ الشّافِعِيُّ: إنْ نَوى أنَّها مُحَرَّمَةٌ كَظَهْرِ أُمِّهِ، فَظِهارٌ أوْ تَحْرِيمٌ عَيَّنَها بِغَيْرِ طَلاقٍ، أوْ لَمْ يَنْوِ فَكَفّارَةُ يَمِينٍ. وقالَ مالِكٌ: هي ثَلاثٌ في المَدْخُولِ بِها، ويَنْوِي في غَيْرِ المَدْخُولِ بِها، فَهو ما أرادَ مِن واحِدَةٍ أوِ اثْنَتَيْنِ أوْ ثَلاثٍ. وقالَهُ عَلِيٌّ وزَيْدٌ وأبُو هُرَيْرَةَ. وقِيلَ: في المَدْخُولِ بِها ثَلاثٌ، قالَهُ عَلِيٌّ أيْضًا، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ والحَكَمُ. وقالَ ابْنُ أبِي لَيْلى وعَبْدُ المَلِكِ بْنُ الماجِشُونِ: هي ثَلاثٌ في الوَجْهَيْنِ، ولا يَنْوِي في شَيْءٍ. ورَوى ابْنُ خُوَيْزِ مَندادَ عَنْ مالِكٌ، وقالَهُ زَيْدٌ وحَمّادُ بْنُ أبِي سُلَيْمانَ: إنَّها واحِدَةٌ بائِنَةٌ في المَدْخُولِ بِها وغَيْرِ المَدْخُولِ بِها. وقالَ الزُّهْرِيُّ وعَبْدُ العَزِيزِ بْنُ الماجِشُونِ: هي واحِدَةٌ رَجْعِيَّةٌ. وقالَ أبُو مُصْعَبٍ ومُحَمَّدُ بْنُ الحَكَمِ: هي في (p-٢٩٠)الَّتِي لَمْ يُدْخَلْ بِها واحِدَةٌ، وفي المَدْخُولِ بِها ثَلاثٌ. وفي الكَشّافِ لا يَراهُ الشّافِعِيُّ يَمِينًا، ولَكِنْ سَبَبًا في الكَفّارَةِ في النِّساءِ وحْدَهُنَّ، وإنْ نَوى الطَّلاقَ فَهو رَجْعِيٌّ. وعَنْ عُمَرَ: إذا نَوى الطَّلاقَ فَرَجْعِيٌّ. وعَنْ عَلِيٍّ: ثَلاثٌ. وعَنْ زَيْدٍ: واحِدَةٌ. وعَنْ عُثْمانَ: ظِهارٌ. انْتَهى. وقالَ أيْضًا: ولَمْ يَثْبُتْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ لِما أحَلَّهُ: ”هو حَرامٌ عَلَيَّ“، وإنَّما امْتَنَعَ مِن مارِيَةَ لِيَمِينٍ تَقَدَّمَتْ مِنهُ، وهو قَوْلُهُ: واللَّهِ لا أقْرَبُها بَعْدَ اليَوْمِ، فَقِيلَ لَهُ: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ أيْ: لِمَ تَمْتَنِعُ مِنهُ بِسَبَبِ اليَمِينِ ؟ يَعْنِي أقْدِمْ عَلى ما حَلَفْتَ عَلَيْهِ وكَفِّرْ، ونَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وحَرَّمْنا عَلَيْهِ المَراضِعَ﴾ [القصص: ١٢] أيْ: مَنَعْناهُ مِنها. انْتَهى. و(تَبْتَغِي) في مَوْضِعِ الحالِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: تَفْسِيرٌ لِـ (تُحَرِّمُ) أوِ اسْتِئْنافٌ (مَرْضاةَ) رِضا أزْواجِكَ، أيْ: بِالِامْتِناعِ مِمّا أحَلَّهُ اللَّهُ لَكَ.
﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكم تَحِلَّةَ أيْمانِكُمْ﴾ . الظّاهِرُ أنَّهُ كانَ حَلَفَ عَلى أنَّهُ يَمْتَنِعُ مِن وطْءِ مارِيَةَ، أوْ مِن شُرْبِ ذَلِكَ العَسَلِ، عَلى الخِلافِ في السَّبَبِ، و(فَرَضَ) إحالَةٌ عَلى آيَةِ العُقُودِ، ﴿ولَكِنْ يُؤاخِذُكم بِما عَقَّدْتُمُ الأيْمانَ﴾ [المائدة: ٨٩] . و(تَحِلَّةَ): مَصْدَرُ حَلَّلَ، كَتَكْرِمَةٍ مِن كَرَّمَ، ولَيْسَ مَصْدَرًا مَقِيسًا، والمَقِيسُ: التَّحْلِيلُ والتَّكْرِيمُ؛ لِأنَّ قِياسَ فِعْلِ الصَّحِيحِ العَيْنِ غَيْرِ المَهْمُوزِ هو التَّفْعِيلُ، وأصْلُ هَذا تَحْلِلَةٌ فَأُدْغِمَ. وعَنْ مُقاتِلٍ: أعْتَقَ رَقَبَةً في تَحْرِيمِ مارِيَةَ. وعَنِ الحَسَنِ: لَمْ يُكَفِّرْ. انْتَهى. فَدَلَّ عَلى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ يَمِينٌ. وبَعْضِ أزْواجِهِ حَفْصَةُ، والحَدِيثُ هو بِسَبَبِ مارِيَةَ. فَلَمّا نَبَّأتْ بِهِ أيْ: أخْبَرَتْ عائِشَةَ. وقِيلَ: الحَدِيثُ إنَّما هو: ”شَرِبْتُ عَسَلًا“ . وقالَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرانَ: هو إسْرارُهُ إلى حَفْصَةَ أنَّ أبا بَكْرٍ وعُمَرَ يَمْلِكانِ إمْرَتِي مِن بَعْدِي خِلافَةً. وقَرَأ الجُمْهُورُ: فَلَمّا نَبَّأتْ بِهِ. وطَلْحَةُ: أنْبَأتْ، والعامِلُ في إذا ”اذْكُرْ“، وذَكَرَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّأْنِيبِ لِمَن أسَرَّ لَهُ فَأفْشاهُ. ونَبَّأ وأنْبَأ، الأصْلُ أنْ يَتَعَدَّيا إلى واحِدٍ بِأنْفُسِهِما، وإلى ثانٍ بِحَرْفِ الجَرِّ، ويَجُوزُ حَذْفُهُ فَتَقُولُ: نَبَّأتْ بِهِ، المَفْعُولُ الأوَّلُ مَحْذُوفٌ، أيْ غَيْرَها. ومَن أنْبَأكَ هَذا أيْ: بِهَذا قالَ نَبَّأنِيَ أيْ نَبَّأنِي بِهِ أوْ نَبَّأنِيهِ، فَإذا ضُمِّنَتْ مَعْنى أعْلَمَ، تَعَدَّتْ إلى ثَلاثَةِ مَفاعِيلَ، نَحْوَ قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎نُبِّئْتُ زُرْعَةَ، والسَّفاهَةُ كاسْمِها تُهْدِي إلَيَّ غَرائِبَ الأشْعارِ
﴿وأظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ أيْ: أطْلَعَهُ، أيْ: عَلى إفْشائِهِ، وكانَ قَدْ تُكُوتِمَ فِيهِ، وذَلِكَ بِإخْبارِ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ. وجاءَتِ الكِنايَةُ هُنا عَنِ التَّفْشِيَةِ والحَذْفِ لِلْمُفْشى إلَيْها بِالسِّرِّ، حِياطَةً وصَوْنًا عَنِ التَّصْرِيحِ بِالِاسْمِ، إذْ لا يَتَعَلَّقُ بِالتَّصْرِيحِ بِالِاسْمِ غَرَضٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (عَرَّفَ) بِشَدِّ الرّاءِ، والمَعْنى: أعْلَمَ بِهِ وأنَّبَ عَلَيْهِ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ والحَسَنُ وقَتادَةُ، وطَلْحَةُ والكِسائِيُّ وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ هارُونَ عَنْهُ: بِخَفِّ الرّاءِ، أيْ: جازى بِالعَتَبِ واللَّوْمِ، كَما تَقُولُ لِمَن يُؤْذِيكَ: لَأعْرِفَنَّ لَكَ ذَلِكَ، أيْ: لَأُجازِيَنَّكَ. وقِيلَ: إنَّهُ طَلَّقَ حَفْصَةَ وأُمِرَ بِمُراجَعَتِها. وقِيلَ: عاتَبَها ولَمْ يُطَلِّقْها. وقَرَأ ابْنُ المُسَيَّبِ وعِكْرِمَةُ: (عَرّافٌ) بِألِفٍ بَعْدَ الرّاءِ، وهي إشْباعٌ. وقالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: ويُقالُ إنَّها لُغَةٌ يَمانِيَةٌ، ومِثالُها قَوْلُهُ:
؎أعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ العَقْرابِ ∗∗∗ الشّائِلاتِ عُقَدَ الأذْنابِ
يُرِيدُ: مِنَ العَقْرَبِ.
﴿وأعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ﴾ أيْ: تَكَرُّمًا وحَياءً وحُسْنَ عِشْرَةٍ. قالَ الحَسَنُ: ما اسْتَقْصى كَرِيمٌ قَطُّ. وقالَ سُفْيانُ: ما زالَ التَّغافُلُ مِن فِعْلِ الكِرامِ، ومَفْعُولُ (عَرَّفَ) المُشَدَّدُ مَحْذُوفٌ، أيْ: عَرَّفَها بَعْضَهُ، أيْ: أعْلَمَ بِبَعْضِ الحَدِيثِ. وقِيلَ: المُعَرَّفُ خِلافَةُ الشَّيْخَيْنِ، والَّذِي أعْرَضَ عَنْهُ حَدِيثُ مارِيَةَ. ولَمّا أفْشَتْ حَفْصَةُ الحَدِيثَ لِـ عائِشَةَ واكْتَتَمَتْها إيّاهُ، ونَبَّأها الرَّسُولُ ﷺ بِهِ، ظَنَّتْ أنَّ عائِشَةَ فَضَحَتْها، فَقالَتْ: مَن أنْبَأكَ هَذا عَلى سَبِيلِ التَّثَبُّتِ، فَأخْبَرَها أنَّ اللَّهَ هو الَّذِي نَبَّأهُ بِهِ، فَسَكَنَتْ وسَلَّمَتْ. إنْ تَتُوبا إلى اللَّهِ انْتِقالٌ مِن غَيْبَةٍ إلى خِطابٍ، ويُسَمّى الِالتِفاتُ، والخِطابُ لِـ حَفْصَةَ وعائِشَةَ. فَقَدْ صَغَتْ مالَتْ عَنِ الصَّوابِ، وفي حَرْفِ عَبْدِ اللَّهِ: راغَتْ، وأتى بِالجَمْعِ في قَوْلِهِ: (قُلُوبُكُما) وحَسَّنَ ذَلِكَ (p-٢٩١)إضافَتُهُ إلى مُثَنّى، وهو ضَمِيراهُما، والجَمْعُ في مِثْلِ هَذا أكْثَرُ اسْتِعْمالًا مِنَ المُثَنّى، والتَّثْنِيَةُ دُونَ الجَمْعِ، كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎فَتَخالَسا نَفْسَيْهِما بِنَوافِذَ ∗∗∗ كَنَوافِذِ العُبُطِ الَّتِي لا تُرْفَعُ
وهَذا كانَ القِياسَ، وذَلِكَ أنْ يُعَبِّرَ بِالمُثَنّى عَنِ المُثَنّى، لَكِنْ كَرِهُوا اجْتِماعَ تَثْنِيَتَيْنِ فَعَدَلُوا إلى الجَمْعِ؛ لِأنَّ التَّثْنِيَةَ جَمْعٌ في المَعْنى، والإفْرادُ لا يَجُوزُ عِنْدَ أصْحابِنا إلّا في الشِّعْرِ، كَقَوْلِهِ:
؎حَمامَةَ بَطْنِ الوادِيَيْنِ تَرَنَّمِي
يُرِيدُ: بَطْنَيِ.
وغَلِطَ ابْنُ مالِكٍ، فَقالَ في كِتابِ التَّسْهِيلِ: ونَخْتارُ لَفْظَ الإفْرادِ عَلى لَفْظِ التَّثْنِيَةِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: (تَظّاهَرا) بِشَدِّ الظّاءِ، وأصْلُهُ تَتَظاهَرا، وأُدْغِمَتِ التّاءُ في الظّاءِ، وبِالأصْلِ قَرَأ عِكْرِمَةُ، وبِتَخْفِيفِ الظّاءِ قَرَأ أبُو رَجاءٍ والحَسَنُ وطَلْحَةُ وعاصِمٌ ونافِعٌ في رِوايَةٍ، وبِشَدِّ الظّاءِ والهاءِ دُونَ ألِفٍ قَرَأ أبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ، والمَعْنى: وأنْ تَتَعاوَنا عَلَيْهِ في إفْشاءِ سِرِّهِ والإفْراطِ في الغَيْرَةِ فَإنَّ اللَّهَ هو مَوْلاهُ أيْ: مُظاهِرُهُ ومُعِينُهُ، والأحْسَنُ الوَقْفُ عَلى قَوْلِهِ: (مَوْلاهُ) . ويَكُونُ (وجِبْرِيلُ) مُبْتَدَأً وما بَعْدَهُ مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ، والخَبَرُ (ظَهِيرٌ) . فَيَكُونُ ابْتِداءُ الجُمْلَةِ بِجِبْرِيلَ، وهو أمِينُ وحْيِ اللَّهِ واخْتِتامُهُ بِالمَلائِكَةِ. وبُدِئَ بِجِبْرِيلَ، وأُفْرِدَ بِالذِّكْرِ تَعْظِيمًا لَهُ وإظْهارًا لِمَكانَتِهِ عِنْدَ اللَّهِ. ويَكُونُ قَدْ ذُكِرَ مَرَّتَيْنِ، مَرَّةً بِالنَّصِّ ومَرَّةً في العُمُومِ. واكْتَنَفَ صالِحُ المُؤْمِنِينَ جِبْرِيلَ تَشْرِيفًا لَهم واعْتِناءً بِهِمْ، إذْ جَعَلَهم بَيْنَ الَّذِينَ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ والنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ. فَعَلى هَذا جِبْرِيلُ داخِلٌ في الظُّهَراءِ لا في الوِلايَةِ، ويَخْتَصُّ الرَّسُولُ بِأنَّ اللَّهَ هو مَوْلاهُ. وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ وجِبْرِيلُ وصالِحُ المُؤْمِنِينَ عَطْفًا عَلى اسْمِ اللَّهِ، فَيَدْخُلانِ في الوَلايَةِ، ويَكُونُ (والمَلائِكَةُ) مُبْتَدَأً، والخَبَرُ (ظَهِيرٌ) فَيَكُونُ جِبْرِيلُ داخِلًا في الوَلايَةِ بِالنَّصِّ، وفي الظُّهَراءِ بِالعُمُومِ، والظّاهِرُ عُمُومُ وصالِحُ المُؤْمِنِينَ فَيَشْمَلُ كُلَّ صالِحٍ. وقالَ قَتادَةُ والعَلاءُ بْنُ العَلاءِ بْنِ زَيْدٍ: هُمُ الأنْبِياءُ، وتَكُونُ مُظاهَرَتُهم لَهُ كَوْنَهم قُدْوَةً، فَهم ظُهَراءُ بِهَذا المَعْنى. وقالَ عِكْرِمَةُ والضَّحّاكُ وابْنُ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٌ: المُرادُ أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ، وزادَ مُجاهِدٌ: وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ. وقِيلَ: الصَّحابَةُ. وقِيلَ: الخُلَفاءُ. وعَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ: مَن بَرِئَ مِنَ النِّفاقِ، و(صالِحُ) يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ الجَمْعُ، وإنْ كانَ مُفْرَدًا فَيَكُونُ كالسّامِرِ في قَوْلِهِ: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سامِرًا﴾ [المؤمنون: ٦٧] أيْ سُمّارًا. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ جَمْعًا حُذِفَتْ مِنهُ الواوُ خَطَأً لِحَذْفِها لَفْظًا، كَقَوْلِهِ: ﴿سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ﴾ [العلق: ١٨] وأفْرَدَ الظَّهِيرَ لِأنَّ المُرادَ فَوْجٌ ظَهِيرٌ، وكَثِيرًا ما يَأْتِي فَعِيلٌ نَحْوَ هَذا لِلْمُفْرَدِ والمُثَنّى والمَجْمُوعِ بِلَفْظِ المُفْرَدِ، كَأنَّهم في المُظاهَرَةِ يَدٌ واحِدَةٌ عَلى مَن يُعادِيهِ، فَما قَدْرُ تَظاهُرِ امْرَأتَيْنِ عَلى مَن هَؤُلاءِ ظُهَراؤُهُ، وذَلِكَ إشارَةٌ إلى تَظاهُرِهِما، أوْ إلى الوِلايَةِ.
وفِي الحَدِيثِ «أنَّ عُمَرَ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ لا تَكْتَرِثْ بِأمْرِ نِسائِكَ، واللَّهُ مَعَكَ، وجِبْرِيلُ مَعَكَ، وأبُو بَكْرٍ وأنا مَعَكَ، فَنَزَلَتْ» . ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ لِزَوْجاتِ النَّبِيِّ ﷺ: عَسى رَبُّهُ إنْ طَلَّقَكُنَّ الآيَةِ، فَنَزَلَتْ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”طَلَّقَكُنَّ“ بِفَتْحِ القافِ، وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ ابْنِ عَبّاسٍ: بِإدْغامِها في الكافِ، وتَقَدَّمَ ذِكْرُ الخِلافِ في: أنْ يُبْدِلَهُ في سُورَةِ الكَهْفِ، والمُتَبَدَّلُ بِهِ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ، تَقْدِيرُهُ: أنْ يُبْدِلَهُ خَيْرًا مِنكُنَّ؛ لِأنَّهُنَّ إذا طَلَّقَهُنَّ كانَ طَلاقُهُنَّ لِسُوءِ عِشْرَتِهِنَّ، واللَّواتِي يُبَدِّلُهُنَّ بِهَذِهِ الأوْصافِ يَكُنَّ خَيْرًا مِنهُنَّ. وبَدَأ في وصْفِهِنَّ بِالإسْلامِ، وهو الِانْقِيادُ، ثُمَّ بِالإيمانِ، وهو التَّصْدِيقُ، ثُمَّ بِالقُنُوتِ، وهو الطَّواعِيَةُ، ثُمَّ بِالتَّوْبَةِ، وهي الإقْلاعُ عَنِ الذَّنْبِ، ثُمَّ بِالعِبادَةِ، وهي التَّلَذُّذُ، ثُمَّ بِالسِّياحَةِ، وهي كِنايَةٌ عَنِ الصَّوْمِ، قالَهُ أبُو هُرَيْرَةَ وابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ والضَّحّاكُ. وقِيلَ: إنَّ الرَّسُولَ ﷺ فَسَّرَهُ بِذَلِكَ، قالَهُ أيْضًا الحَسَنُ وابْنُ جُبَيْرٍ وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ وابْنُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ. قالَ الفَرّاءُ والقُتَبِيُّ: سُمِّيَ الصّائِمُ سائِحًا لِأنَّ السّائِحَ لا زادَ مَعَهُ، وإنَّما يَأْكُلُ مِن حَيْثُ يَجِدُ الطَّعامَ. وقالَ زَيْدُ بْنُ (p-٢٩٢)أسْلَمَ ويَمانٌ: مُهاجِراتٌ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: لَيْسَ في الإسْلامِ سِياحَةٌ إلّا الهِجْرَةَ. وقِيلَ: ذاهِباتٌ في طاعَةِ اللَّهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (سائِحاتٍ) وعَمْرُو بْنُ فائِدٍ: (سَيَّحاتٍ) وهَذِهِ الصِّفاتُ تَجْتَمِعُ، وأمّا الثُّيُوبَةُ والبَكارَةُ فَلا يَجْتَمِعانِ، فَلِذَلِكَ عُطِفَ أحَدُهُما عَلى الآخَرِ، ولَوْ لَمْ يَأْتِ بِالواوِ لاخْتَلَّ المَعْنى. وذَكَرَ الجِنْسَيْنِ لِأنَّ في أزْواجِهِ ﷺ مَن تَزَوَّجَها بِكْرًا، والثَّيِّبُ: الرّاجِعُ بَعْدَ زَوالِ العُذْرَةِ، يُقالُ: ثابَتْ تَثُوبُ ثُوُوبًا، ووَزْنُهُ فَعْيِلٌ كَسَيِّدٍ.
ولَمّا وعَظَ أزْواجَ الرَّسُولِ ﷺ مَوْعِظَةً خاصَّةً، أتْبَعَ ذَلِكَ بِمَوْعِظَةٍ عامَّةٍ لِلْمُؤْمِنِينَ وأهْلِيهِمْ، وعَطَفَ (وأهْلِيكم) عَلى (أنْفُسِكم) لِأنَّ رَبَّ المَنزِلِ راعٍ وهو مَسْئُولٌ عَنْ أهْلِهِ. ومَعْنى وِقايَتِهِمْ: حَمْلُهم عَلى طاعَتِهِ وإلْزامُهم أداءَ ما فُرِضَ عَلَيْهِمْ. قالَ عُمَرُ: «يا رَسُولَ اللَّهِ نَقِي أنْفُسَنا، فَكَيْفَ لَنا بِأهْلِينا ؟ قالَ: تَنْهَوْنَهُنَّ عَمّا نَهاكُمُ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وتَأْمُرُونَهُنَّ بِما أمَرَكُمُ اللَّهُ بِهِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ وِقايَةً بَيْنَهُنَّ وبَيْنَ النّارِ»، ودَخَلَ الأوْلادُ في (وأهْلِيكم) . وقِيلَ: دَخَلُوا في (أنْفُسِكم) لِأنَّ الوَلَدَ بَعْضٌ مِن أبِيهِ، فَيُعَلِّمُهُ الحَلالَ والحَرامَ ويُجَنِّبُهُ المَعاصِيَ. وقُرِئَ: ”وأهْلُوكم“ بِالواوِ، وهو مَعْطُوفٌ عَلى الضَّمِيرِ في (قُوا) وحَسُنَ العَطْفُ لِلْفَصْلِ بِالمَفْعُولِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): ألَيْسَ التَّقْدِيرُ قُوا أنْفُسَكم ولْيَقِ أهْلُوكم أنْفُسَهم ؟ (قُلْتُ): لا، ولَكِنَّ المَعْطُوفَ مُقارِنٌ في التَّقْدِيرِ لِلْواوِ، و(أنْفُسَكم) واقِعٌ بَعْدَهُ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: قُوا أنْتُمْ وأهْلُوكم أنْفُسَكم. لَمّا جُمِعَتْ مَعَ المُخاطَبِ الغائِبِ غَلَبَتْهُ عَلَيْهِ. فَجَعَلَتْ ضَمِيرَهُما مَعًا عَلى لَفْظِ المُخاطَبِ. انْتَهى. وتَناقَضَ في قَوْلِهِ هَذا لِأنَّهُ قَدَّرَ (ولْيَقِ أهْلُوكم) فَجَعَلَهُ مِن عَطْفِ الجُمَلِ؛ لِأنَّ (أهْلُوكُمُ) اسْمٌ ظاهِرٌ لا يُمْكِنُ عِنْدَهُ أنْ يَرْتَفِعَ بِفِعْلِ الأمْرِ الَّذِي لِلْمُخاطَبِ، وكَذا في قَوْلِهِ: ﴿اسْكُنْ أنْتَ وزَوْجُكَ الجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥] ثُمَّ قالَ: ولَكِنَّ المَعْطُوفَ مُقارِنٌ في التَّقْدِيرِ لِلْواوُ. فَتَناقَضَ لِأنَّهُ في هَذا جَعَلَهُ مُقارِنًا في التَّقْدِيرِ لِلْواوِ، وفِيما قَبْلَهُ رَفَعَهُ بِفِعْلٍ آخَرَ غَيْرِ الرّافِعِ لِلْواوِ وهو و(لْيَقِ) وتَقَدَّمَ الخِلافُ في فَتْحِ الواوِ في قَوْلِهِ: (وقُودُها) وضَمِّها في البَقَرَةِ. وتَفْسِيرُ وقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ في البَقَرَةِ عَلَيْها مَلائِكَةٌ هي الزَّبانِيَةُ التِسْعَةَ عَشَرَ وأعْوانُهم. ووَصَفَهم بِالغِلَظِ، إمّا لِشِدَّةِ أجْسامِهِمْ وقُوَّتِها، وإمّا لِفَظاظَتِهِمْ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ القَلْبِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] أيْ: لَيْسَ فِيهِمْ رِقَّةٌ ولا حِنَّةٌ عَلى العُصاةِ. وانْتَصَبَ ما أمَرَهم عَلى البَدَلِ، أيْ: لا يَعْصُونَ أمْرَهُ لِقَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿أفَعَصَيْتَ أمْرِي﴾ [طه: ٩٣] أوْ عَلى إسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ. أيْ: فِيما أمَرَهم ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ. قِيلَ: كَرَّرَ المَعْنى تَوْكِيدًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ) ألَيْسَ الجُمْلَتانِ في مَعْنًى واحِدٍ ؟ (قُلْتُ): لا فَإنَّ مَعْنى الأُولى: أنَّهم يَتَقَبَّلُونَ أوامِرَهُ ويَلْتَزِمُونَها ولا يَأْبَوْنَها ولا يُنْكِرُونَها، ومَعْنى الثّانِيَةِ: أنَّهم يُؤَدُّونَ ما يُؤْمَرُونَ، لا يَتَثاقَلُونَ عَنْهُ ولا يَتَوانُونَ فِيهِ. لا تَعْتَذِرُوا خِطابٌ لَهم عِنْدَ دُخُولِهِمُ النّارَ؛ لِأنَّهم لا يَنْفَعُهُمُ الِاعْتِذارُ، فَلا فائِدَةَ فِيهِ.
التحريم 66:8
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إلى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسى رَبُّكم أنْ يُكَفِّرَ عَنْكم سَيِّئاتِكم ويُدْخِلَكم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهم يَسْعى بَيْنَ أيْدِيهِمْ وبِأيْمانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا أتْمِمْ لَنا نُورَنا واغْفِرْ لَنا إنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ جاهِدِ الكُفّارَ والمُنافِقِينَ واغْلُظْ عَلَيْهِمْ ومَأْواهم جَهَنَّمُ وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأةَ نُوحٍ وامْرَأةَ لُوطٍ كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِن عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وقِيلَ ادْخُلا النّارَ مَعَ الدّاخِلِينَ﴾ ﴿وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأةَ فِرْعَوْنَ إذْ قالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا في الجَنَّةِ ونَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وعَمَلِهِ ونَجِّنِي مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ ﴿ومَرْيَمَ ابْنَةَ عِمْرانَ الَّتِي أحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيهِ مِن رُوحِنا وصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها وكُتُبِهِ وكانَتْ مِنَ القانِتِينَ﴾ .
(p-٢٩٣)ذَكَرُوا في النَّصُوحِ أرْبَعَةً وعِشْرِينَ قَوْلًا. ورُوِيَ عَنْ عُمَرَ وعَبْدِ اللَّهِ وأُبَيٍّ ومُعاذٍ أنَّها الَّتِي لا عَوْدَةَ بَعْدَها، كَما لا يَعُودُ اللَّبَنُ إلى الضَّرْعِ، ورَفَعَهُ مُعاذٌ إلى النَّبِيِّ، ﷺ . وقَرَأ الجُمْهُورُ: (نَصُوحًا) بِفَتْحِ النُّونِ، وصْفًا لِتَوْبَةٍ، وهو مِن أمْثِلَةِ المُبالَغَةِ، كَضَرُوبٍ وقَتُولٍ. وقَرَأ الحَسَنُ والأعْرَجُ وعِيسى وأبُو بَكْرٍ، عَنْ عاصِمٍ، وخارِجَةُ عَنْ نافِعٍ: بِضَمِّها، هو مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ، ووَصَفَها بِالنُّصْحِ عَلى سَبِيلِ المَجازِ، إذِ النُّصْحُ صِفَةُ التّائِبِ، وهو أنْ يَنْصَحَ نَفْسَهُ بِالتَّوْبَةِ، فَيَأْتِي بِها عَلى طَرِيقِها، وهي خُلُوصُها مِن جَمِيعِ الشَّوائِبِ المُفْسِدَةِ لَها، مِن قَوْلِهِمْ عَسَلٌ ناصِحٌ، أيْ: خالِصٌ مِنَ الشَّمْعِ، أوْ مِنَ النَّصاحَةِ وهي الخِياطَةُ، أيْ: قَدْ أحْكَمَها وأوْثَقَها، كَما يُحْكِمُ الخَيّاطُ الثَّوْبَ بِخِياطَتِهِ وتَوْثِيقِهِ. وسَمِعَ عَلِيٌّ أعْرابِيًّا يَقُولُ: اللَّهُمَّ إنِّي أسْتَغْفِرُكَ وأتُوبُ إلَيْكَ، فَقالَ: يا هَذا إنَّ سُرْعَةَ اللِّسانِ بِالتَّوْبَةِ تَوْبَةُ الكَذّابِينَ قالَ: وما التَّوْبَةُ ؟ قالَ: يَجْمَعُها سِتَّةُ أشْياءَ: عَلى الماضِي مِنَ الذُّنُوبِ النَّدامَةُ، وعَلى الفَرائِضِ الإعادَةُ، ورَدُّ المَظالِمِ واسْتِحْلالُ الخُصُومِ، وأنْ يَعْزِمَ عَلى أنْ لا يَعُودَ، وأنْ تُدْئِبَ نَفْسَكَ في طاعَةِ اللَّهِ كَما أدْأبْتَها في المَعْصِيَةِ، وأنْ تُذِيقَها مَرارَةَ الطّاعَةِ كَما أذَقْتَها حَلاوَةَ المَعاصِي. وعَنْ حُذَيْفَةَ: بِحَسْبِ الرَّجُلِ مِنَ الشَّرِّ أنْ يَتُوبَ مِنَ الذَّنْبِ ثُمَّ يَعُودَ فِيهِ، انْتَهى. و”نَصُوحًا“ مِن نَصَحَ، فاحْتَمَلَ - وهو الظّاهِرُ - أنْ تَكُونَ التَّوْبَةُ تَنْصَحُ نَفْسَ التّائِبِ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقُ النُّصْحِ النّاسَ، أيْ: يَدْعُوهم إلى مِثْلِها لِظُهُورِ أمْرِها عَلى صاحِبِها. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: تَوْبًا بِغَيْرِ تاءٍ، ومَن قَرَأ بِالضَّمِّ جازَ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا وُصِفَ كَما قَدَّمْناهُ، وجازَ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لَهُ، أيْ: تُوبُوا لِنُصْحِ أنْفُسِكم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (ويُدْخِلَكم) عَطْفًا عَلى أنْ يُكَفِّرَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَطْفًا عَلى مَحَلِّ عَسى أنْ يُكَفِّرَ، كَأنَّهُ قِيلَ: تُوبُوا يُوجِبْ تَكْفِيرَ سَيِّئاتِكم ويُدْخِلْكم. انْتَهى. والأوْلى أنْ يَكُونَ حَذْفُ الحَرَكَةِ تَخْفِيفًا وتَشْبِيهًا لِما هو مِن كَلِمَتَيْنِ بِالكَلِمَةِ الواحِدَةِ، تَقُولُ في قَمَعٍ ونَطَعٍ: قَمْعٍ ونَطْعٍ.
يَوْمَ لا يُخْزِي مَنصُوبٌ بِـ (يُدْخِلَكم) ولا يُخْزِي تَعْرِيضٌ بِمَن أخْزاهُمُ اللَّهُ مِن أهْلِ الكُفْرِ، والنَّبِيُّ هو مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وفي الحَدِيثِ أنَّهُ ﷺ «تَضَرَّعَ إلى اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - في أمْرِ أُمَّتِهِ، فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ: إنْ شِئْتَ جَعَلْتُ حِسابَهم إلَيْكَ، فَقالَ: (p-٢٩٤)يا رَبِّ أنْتَ أرْحَمُ بِهِمْ، فَقالَ تَعالى: إذًا لا أُخْزِيكَ فِيهِمْ» . وجازَ أنْ يَكُونَ (والَّذِينَ) مَعْطُوفًا عَلى (النَّبِيَّ) فَيَدْخُلُونَ في انْتِفاءِ الخِزْيِ. وجازَ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً، والخَبَرُ نُورُهم يَسْعى بَيْنَ أيْدِيهِمْ وبِأيْمانِهِمْ. وقَرَأ سَهْلُ بْنُ شُعَيْبٍ وأبُو حَيْوَةَ: ”وبِإيمانِهِمْ“ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وتَقَدَّمَ في الحَدِيثِ. يَقُولُونَ رَبَّنا أتْمِمْ لَنا نُورَنا. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ: يَقُولُونَ ذَلِكَ إذا طُفِئَ نُورُ المُنافِقِينَ. وقالَ الحَسَنُ أيْضًا: يَدْعُونَهُ تَقَرُّبًا إلَيْهِ، كَقَوْلِهِ: واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وهو مَغْفُورٌ لَهُ. وقِيلَ: يَقُولُهُ مَن يَمُرُّ عَلى الصِّراطِ زَحْفًا وحَبْوًا. وقِيلَ: يَقُولُهُ مَن يُعْطى مِنَ النُّورِ مِقْدارَ ما يُبْصِرُ بِهِ مَوْضِعَ قَدَمَيْهِ.
﴿ياأيُّها النَّبِيُّ جاهِدِ الكُفّارَ والمُنافِقِينَ﴾: تَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في التَّوْبَةِ.
﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ضَرَبَ تَعالى المَثَلَ لَهم بِامْرَأةِ نُوحٍ وامْرَأةِ لُوطٍ، في أنَّهم لا يَنْفَعُهم في كُفْرِهِمْ لُحْمَةُ نَسَبٍ ولا وصْلَةُ صِهْرٍ، إذِ الكُفْرُ قاطِعُ العَلائِقِ بَيْنَ الكافِرِ والمُؤْمِنِ، وإنْ كانَ المُؤْمِنُ في أقْصى دَرَجاتِ العُلا. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِكَ إنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ﴾ [هود: ٤٦] ؟ كَما لَمْ يَنْفَعْ تَيْنِكَ المَرْأتَيْنِ كَوْنُهُما زَوْجَتَيْ نَبِيَّيْنِ. وجاءَتِ الكِنايَةُ عَنِ اسْمِهِما العَلَمَيْنِ بِقَوْلِهِ: عَبْدَيْنِ مِن عِبادِنا لِما في ذَلِكَ مِنَ التَّشْرِيفِ بِالإضافَةِ إلَيْهِ تَعالى. ولَمْ يَأْتِ التَّرْكِيبُ بِالضَّمِيرِ عَنْهُما، فَيَكُونُ تَحْتَهُما لِما قَصَدَ مِن ذِكْرِ وصْفِهِما بِقَوْلِهِ: (صالِحَيْنِ) لِأنَّ الصَّلاحَ هو الوَصْفُ الَّذِي يَمْتازُ بِهِ مَنِ اصْطَفاهُ اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ في حَقِّ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ﴿وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ [البقرة: ١٣٠] وفي قَوْلِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ [يوسف: ١٠١] وقَوْلِ سُلَيْمانَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ﴿وأدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ في عِبادِكَ الصّالِحِينَ﴾ [النمل: ١٩] . (فَخانَتاهُما) وذَلِكَ بِكُفْرِهِما، وقَوْلِ امْرَأةِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ: هو مَجْنُونٌ، ونَمِيمَةِ امْرَأةِ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِمَن ورَدَ عَلَيْهِ مِنَ الأضْيافِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ: لَمْ تَزْنِ امْرَأةُ نَبِيٍّ قَطُّ، ولا ابْتُلِيَ في نِسائِهِ بِالزِّنا. قالَ في التَّحْرِيرِ: وهَذا إجْماعٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وفي كِتابِ ابْنِ عَطِيَّةَ. وقالَ الحَسَنُ في كِتابِ النَّقّاشِ: فَخانَتاهُما بِالكُفْرِ والزِّنا وغَيْرِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولا يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالخِيانَةِ الفُجُورُ؛ لِأنَّهُ سَمِجٌ في الطِّباعِ نَقِيصَةٌ عِنْدَ كُلِّ أحَدٍ، بِخِلافِ الكُفْرِ، فَإنَّ الكُفْرَ يَسْتَسْمِجُونَهُ ويُسَمُّونَهُ حَقًّا. وقالَ الضَّحّاكُ: خانَتاهُما بِالنَّمِيمَةِ، كانَ إذا أُوحِيَ إلَيْهِ بِشَيْءٍ أفْشَتاهُ لِلْمُشْرِكِينَ، وقِيلَ: خانَتاهُما بِنِفاقِهِما. قالَ مُقاتِلٌ: اسْمُ امْرَأةِ نُوحٍ والِهَةُ، واسْمُ امْرَأةِ لُوطٍ والِعَةُ. فَلَمْ يُغْنِيا بِياءِ الغَيْبَةِ، والألِفُ ضَمِيرُ نُوحٍ ولُوطٍ، أيْ: عَلى قُرْبِهِما مِنهُما فَرَّقَ بَيْنَهُما الخِيانَةُ. وقِيلَ ادْخُلا النّارَ أيْ: وقْتَ مَوْتِهِما، أوْ يَوْمَ القِيامَةِ؛ مَعَ الدّاخِلِينَ الَّذِينَ لا وصْلَةَ بَيْنَهم وبَيْنَ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، أوْ مَعَ مَن دَخَلَها مِن إخْوانِكُما مِن قَوْمِ نُوحٍ وقَوْمِ لُوطٍ. وقَرَأ مُبَشِّرُ بْنُ عُبَيْدٍ: (تُغْنِيا) بِالتّاءِ، والألِفُ ضَمِيرُ المَرْأتَيْنِ، ومَعْنى (عَنْهُما) عَنْ أنْفُسِهِما، ولا بُدَّ مِن هَذا المُضافِ إلّا أنْ يُجْعَلَ (عَنْ) اسْمًا، كَهي في: دَعْ عَنْكَ؛ لِأنَّها إنْ كانَتْ حَرْفًا، كانَ في ذَلِكَ تَعْدِيَةُ الفِعْلِ الرّافِعِ لِلضَّمِيرِ المُتَّصِلِ إلى ضَمِيرِ المَجْرُورِ، وهو يَجْرِي مَجْرى المَنصُوبِ المُتَّصِلِ، وذَلِكَ لا يَجُوزُ.
﴿وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ ءامَنُوا امْرَأةَ فِرْعَوْنَ﴾: مَثَّلَ - تَعالى - حالَ المُؤْمِنِينَ في أنَّ وصْلَةَ الكُفّارِ لا تَضُرُّهم ولا تَنْقُصُ مِن ثَوابِهِمْ بِحالِ امْرَأةَ فِرْعَوْنَ، واسْمُها آسِيَةُ بِنْتُ مُزاحِمٍ، ولَمْ يَضُرَّها كَوْنُها كانَتْ تَحْتَ فِرْعَوْنَ عَدُوِّ اللَّهِ - تَعالى - والمُدَّعِي الإلَهِيَّةَ، بَلْ نَجّاها مِنهُ إيمانُها. وبِحالِ مَرْيَمَ، إذْ أُوتِيَتْ مِن كَرامَةِ اللَّهِ - تَعالى - في الدُّنْيا والآخِرَةِ، والِاصْطِفاءِ عَلى نِساءِ العالَمِينَ، مَعَ أنَّ قَوْمَها كانُوا كُفّارًا.
﴿إذْ قالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا في الجَنَّةِ﴾: هَذا يَدُلُّ عَلى إيمانِها وتَصْدِيقِها بِالبَعْثِ. قِيلَ: كانَتْ عَمَّةَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وآمَنَتْ حِينَ سَمِعَتْ بِتَلَقُّفِ عَصاهُ ما أفِكَ السَّحَرَةُ. طَلَبَتْ مِن رَبِّها القُرْبَ مِن رَحْمَتِهِ، وكانَ ذَلِكَ أهَمَّ عِنْدَها، فَقَدَّمَتِ الظَّرْفَ، وهو ”عِنْدَكَ بَيْتًا“، ثُمَّ بَيَّنَتْ مَكانَ القُرْبِ فَقالَتْ: ”في الجَنَّةِ“ . وقالَ بَعْضُ الظُّرَفاءِ: وقَدْ سُئِلَ أيْنَ في القُرْآنِ مِثْلُ قَوْلِهِمْ: (p-٢٩٥)الجارُ قَبْلَ الدّارِ ؟ قالَ: قَوْلُهُ تَعالى ﴿ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا في الجَنَّةِ﴾ فَعِنْدَكَ هو المُجاوَرَةُ، و(بَيْتًا) في الجَنَّةِ هو الدّارُ، وقَدْ تَقَدَّمَ ”عِنْدَكَ“ عَلى قَوْلِهِ ”بَيْتًا“ . ونَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ. قِيلَ: دَعَتْ بِهَذِهِ الدَّعَواتِ حِينَ أمَرَ فِرْعَوْنُ بِتَعْذِيبِها لَمّا عَرَفَ إيمانَها بِـ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ. وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ أنْواعًا مُضْطَرِبَةً في تَعْذِيبِها، ولَيْسَ في القُرْآنِ نَصًّا أنَّها عُذِّبَتْ. وقالَ الحَسَنُ: لَمّا دَعَتْ بِالنَّجاةِ، نَجّاها اللَّهُ - تَعالى - أكْرَمَ نَجاةٍ، فَرَفَعَها إلى الجَنَّةِ تَأْكُلُ وتَشْرَبُ وتَتَنَعَّمُ. وقِيلَ: لَمّا قالَتْ: ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا في الجَنَّةِ أُرِيَتْ بَيْتَها في الجَنَّةِ يُبْنى، ”وعَمَلِهِ“، قِيلَ: كُفْرِهِ. وقِيلَ: عَذابِهِ وظُلْمِهِ وشَماتَتِهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الجِماعُ. ونَجِّنِي مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ قالَ: أهْلُ مِصْرَ، وقالَ مُقاتِلٌ: القِبْطُ، وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى الِالتِجاءِ إلى اللَّهِ - تَعالى - عِنْدَ المِحَنِ وسُؤالِ الخَلاصِ مِنها، وأنَّ ذَلِكَ مِن سُنَنِ الصّالِحِينَ والأنْبِياءِ. ”ومَرْيَمَ“ مَعْطُوفٌ عَلى امْرَأةِ فِرْعَوْنَ. ابْنَةَ عِمْرانَ الَّتِي أحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيهِ مِن رُوحِنا: تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِ هَذِهِ في سُورَةِ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - . وقَرَأ الجُمْهُورُ: (ابْنَتَ) بِفَتْحِ التّاءِ. وأيُّوبُ السَّخْتِيانِيُّ: (ابْنَهْ) بِسُكُونِ الهاءِ وصْلًا أجْراهُ مَجْرى الوَقْفِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”فَنَفَخْنا فِيهِ“ أيْ: في الفَرْجِ. وعَبْدُ اللَّهِ: (فِيها) كَما في سُورَةِ الأنْبِياءِ، أيْ: في الجُمْلَةِ. وجَمَعَ - تَعالى - في التَّمْثِيلِ بَيْنَ الَّتِي لَها زَوْجٌ والَّتِي لا زَوْجَ لَها تَسْلِيَةً لِلْأرامِلِ وتَطْيِيبًا لِقُلُوبِهِنَّ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”وصَدَّقَتْ“ بِشَدِّ الدّالِ. ويَعْقُوبُ وأبُو مِجْلَزٍ وقَتادَةُ وعِصْمَةُ، عَنْ عاصِمٍ: بِخَفِّها، أيْ: كانَتْ صادِقَةً بِما أخْبَرَتْ بِهِ مِن أمْرِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وما أظْهَرَ اللَّهُ لَهُ مِنَ الكَراماتِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (وكَلِماتِهِ) جَمْعًا، فاحْتَمَلَ أنْ تَكُونَ الصُّحُفَ المُنَزَّلَةَ عَلى إدْرِيسَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وغَيْرِهِ، وسَمّاها كَلِماتٍ لِقِصَرِها، ويَكُونُ المُرادُ بِكُتُبِهِ: الكُتُبَ الأرْبَعَةَ. واحْتَمَلَ أنْ تَكُونَ الكَلِماتُ: ما كَلَّمَ اللَّهُ تَعالى بِهِ مَلائِكَتَهُ وغَيْرَهم. (وبِكُتُبِهِ): جَمِيعُ ما يُكْتَبُ في اللَّوْحِ وغَيْرِهِ. واحْتَمَلَ أنْ تَكُونَ الكَلِماتُ: ما صَدَرَ في أمْرِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ. وقَرَأ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ والجَحْدَرِيُّ: (بِكَلِمَةٍ) عَلى التَّوْحِيدِ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ اسْمَ جِنْسٍ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ كِنايَةً عَنْ عِيسى؛ لِأنَّهُ قَدْ أطْلَقَ عَلَيْهِ أنَّهُ كَلِمَةُ اللَّهِ ألْقاها إلى مَرْيَمَ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وحَفْصٌ: (وكُتُبِهِ) جَمْعًا، ورَواهُ كَذَلِكَ خارِجَةُ عَنْ نافِعٍ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ: (وكِتابِهِ) عَلى الإفْرادِ، فاحْتَمَلَ أنْ يُرادَ بِهِ الجِنْسُ وأنْ يُرادَ بِهِ الإنْجِيلُ لا سِيَّما إنْ فُسِّرَتِ الكَلِمَةُ بِـ عِيسى. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ: (وكَتْبِهِ) . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: بِسُكُونِ التّاءِ (وكُتْبِهِ) وذَلِكَ كُلُّهُ مُرادٌ بِهِ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ. وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ أبُو رَجاءٍ: (وكَتْبِهِ) بِفَتْحِ الكافِ، وهو مَصْدَرٌ أُقِيمَ مَقامَ الِاسْمِ. قالَ سَهْلٌ: و”كُتُبِهِ“ أجْمَعُ مِن ”كِتابِهِ“؛ لِأنَّ فِيهِ وضْعَ المُضافِ مَوْضِعَ الجِنْسِ، فالكُتُبُ عامٌّ، والكِتابُ هو الإنْجِيلُ فَقَطْ. انْتَهى. وكانَتْ مِنَ القانِتِينَ: غَلَّبَ الذُّكُورِيَّةَ عَلى التَّأْنِيثِ، والقانِتِينَ شامِلٌ لِلذُّكُورِ والإناثِ، و(مِن) لِلتَّبْعِيضِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِابْتِداءِ الغايَةِ عَلى أنَّها وُلِدَتْ مِنَ القانِتِينَ؛ لِأنَّها مِن أعْقابِ هارُونَ أخِي مُوسى - صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِما - وقالَ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ: مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ يُحَذِّرُ بِهِ عائِشَةَ وحَفْصَةَ مِنَ المُخالَفَةِ حِينَ تَظاهَرَتا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ ضَرَبَ لَهُما مَثَلًا بِامْرَأةِ فِرْعَوْنَ ومَرْيَمَ ابْنَتِ عِمْرانَ؛ تَرْغِيبًا في التَّمَسُّكِ بِالطّاعاتِ والثَّباتِ عَلى الدِّينِ. انْتَهى. وأخَذَ الزَّمَخْشَرِيُّ كَلامَ ابْنِ سَلّامٍ هَذا وحَسَّنَهُ وزَمَكَهُ بِفَصاحَةٍ، فَقالَ: وفي طَيِّ هَذَيْنِ التَّمْثِيلَيْنِ تَعْرِيضٌ بِأُمَّيِ المُؤْمِنِينَ المَذْكُورَتَيْنِ في أوَّلِ السُّورَةِ، وما فَرَطَ مِنهُما مِنَ التَّظاهُرِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِما كَرِهَهُ، وتَحْذِيرٌ لَهُما عَلى أغْلَظِ وجْهٍ وأشَدِّهِ لِما في التَّمْثِيلِ مِن ذِكْرِ الكُفْرِ ونَحْوِهِ. ومِنَ التَّغْلِيظِ قَوْلُهُ: ﴿ومَن كَفَرَ فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧] وإشارَةٌ إلى أنَّ مِن حَقِّهِما أنْ يَكُونا في الإخْلاصِ والكِتْمانِ فِيهِ كَمِثْلِ هاتَيْنِ المُؤْمِنَتَيْنِ، وأنْ لا يُشْكِلا عَلى أنَّهُما زَوْجَتا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (p-٢٩٦)فَإنَّ ذَلِكَ الفَضْلَ لا يَنْقُصُهُما إلّا مَعَ كَوْنِهِما مُخْلِصَيْنِ. والتَّعْرِيضُ بِـ حَفْصَةَ أرْجَحُ؛ لِأنَّ امْرَأةَ لُوطٍ أفْشَتْ عَلَيْهِ كَما أفْشَتْ حَفْصَةُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وأسْرارُ التَّنْزِيلِ ورُمُوزُهُ في كُلِّ بابٍ بالِغَةٌ مِنَ اللُّطْفِ والخَفاءِ حدًّا يَدِقُّ عَنْ تَفَطُّنِ العالِمِ ويَزِلُّ عَنْ تَبَصُّرِهِ. انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقالَ بَعْضُ النّاسِ: إنَّ في المَثَلَيْنِ عِبْرَةً لِزَوْجاتِ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ تَقَدَّمَ عِتابُهُنَّ، وفي هَذا بُعْدٌ؛ لِأنَّ النَّصَّ أنَّهُ لِلْكُفّارِ يُبْعِدُ هَذا، واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ.
التحريم 66:9
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إلى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسى رَبُّكم أنْ يُكَفِّرَ عَنْكم سَيِّئاتِكم ويُدْخِلَكم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهم يَسْعى بَيْنَ أيْدِيهِمْ وبِأيْمانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا أتْمِمْ لَنا نُورَنا واغْفِرْ لَنا إنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ جاهِدِ الكُفّارَ والمُنافِقِينَ واغْلُظْ عَلَيْهِمْ ومَأْواهم جَهَنَّمُ وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأةَ نُوحٍ وامْرَأةَ لُوطٍ كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِن عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وقِيلَ ادْخُلا النّارَ مَعَ الدّاخِلِينَ﴾ ﴿وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأةَ فِرْعَوْنَ إذْ قالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا في الجَنَّةِ ونَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وعَمَلِهِ ونَجِّنِي مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ ﴿ومَرْيَمَ ابْنَةَ عِمْرانَ الَّتِي أحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيهِ مِن رُوحِنا وصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها وكُتُبِهِ وكانَتْ مِنَ القانِتِينَ﴾ .
(p-٢٩٣)ذَكَرُوا في النَّصُوحِ أرْبَعَةً وعِشْرِينَ قَوْلًا. ورُوِيَ عَنْ عُمَرَ وعَبْدِ اللَّهِ وأُبَيٍّ ومُعاذٍ أنَّها الَّتِي لا عَوْدَةَ بَعْدَها، كَما لا يَعُودُ اللَّبَنُ إلى الضَّرْعِ، ورَفَعَهُ مُعاذٌ إلى النَّبِيِّ، ﷺ . وقَرَأ الجُمْهُورُ: (نَصُوحًا) بِفَتْحِ النُّونِ، وصْفًا لِتَوْبَةٍ، وهو مِن أمْثِلَةِ المُبالَغَةِ، كَضَرُوبٍ وقَتُولٍ. وقَرَأ الحَسَنُ والأعْرَجُ وعِيسى وأبُو بَكْرٍ، عَنْ عاصِمٍ، وخارِجَةُ عَنْ نافِعٍ: بِضَمِّها، هو مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ، ووَصَفَها بِالنُّصْحِ عَلى سَبِيلِ المَجازِ، إذِ النُّصْحُ صِفَةُ التّائِبِ، وهو أنْ يَنْصَحَ نَفْسَهُ بِالتَّوْبَةِ، فَيَأْتِي بِها عَلى طَرِيقِها، وهي خُلُوصُها مِن جَمِيعِ الشَّوائِبِ المُفْسِدَةِ لَها، مِن قَوْلِهِمْ عَسَلٌ ناصِحٌ، أيْ: خالِصٌ مِنَ الشَّمْعِ، أوْ مِنَ النَّصاحَةِ وهي الخِياطَةُ، أيْ: قَدْ أحْكَمَها وأوْثَقَها، كَما يُحْكِمُ الخَيّاطُ الثَّوْبَ بِخِياطَتِهِ وتَوْثِيقِهِ. وسَمِعَ عَلِيٌّ أعْرابِيًّا يَقُولُ: اللَّهُمَّ إنِّي أسْتَغْفِرُكَ وأتُوبُ إلَيْكَ، فَقالَ: يا هَذا إنَّ سُرْعَةَ اللِّسانِ بِالتَّوْبَةِ تَوْبَةُ الكَذّابِينَ قالَ: وما التَّوْبَةُ ؟ قالَ: يَجْمَعُها سِتَّةُ أشْياءَ: عَلى الماضِي مِنَ الذُّنُوبِ النَّدامَةُ، وعَلى الفَرائِضِ الإعادَةُ، ورَدُّ المَظالِمِ واسْتِحْلالُ الخُصُومِ، وأنْ يَعْزِمَ عَلى أنْ لا يَعُودَ، وأنْ تُدْئِبَ نَفْسَكَ في طاعَةِ اللَّهِ كَما أدْأبْتَها في المَعْصِيَةِ، وأنْ تُذِيقَها مَرارَةَ الطّاعَةِ كَما أذَقْتَها حَلاوَةَ المَعاصِي. وعَنْ حُذَيْفَةَ: بِحَسْبِ الرَّجُلِ مِنَ الشَّرِّ أنْ يَتُوبَ مِنَ الذَّنْبِ ثُمَّ يَعُودَ فِيهِ، انْتَهى. و”نَصُوحًا“ مِن نَصَحَ، فاحْتَمَلَ - وهو الظّاهِرُ - أنْ تَكُونَ التَّوْبَةُ تَنْصَحُ نَفْسَ التّائِبِ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقُ النُّصْحِ النّاسَ، أيْ: يَدْعُوهم إلى مِثْلِها لِظُهُورِ أمْرِها عَلى صاحِبِها. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: تَوْبًا بِغَيْرِ تاءٍ، ومَن قَرَأ بِالضَّمِّ جازَ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا وُصِفَ كَما قَدَّمْناهُ، وجازَ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لَهُ، أيْ: تُوبُوا لِنُصْحِ أنْفُسِكم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (ويُدْخِلَكم) عَطْفًا عَلى أنْ يُكَفِّرَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَطْفًا عَلى مَحَلِّ عَسى أنْ يُكَفِّرَ، كَأنَّهُ قِيلَ: تُوبُوا يُوجِبْ تَكْفِيرَ سَيِّئاتِكم ويُدْخِلْكم. انْتَهى. والأوْلى أنْ يَكُونَ حَذْفُ الحَرَكَةِ تَخْفِيفًا وتَشْبِيهًا لِما هو مِن كَلِمَتَيْنِ بِالكَلِمَةِ الواحِدَةِ، تَقُولُ في قَمَعٍ ونَطَعٍ: قَمْعٍ ونَطْعٍ.
يَوْمَ لا يُخْزِي مَنصُوبٌ بِـ (يُدْخِلَكم) ولا يُخْزِي تَعْرِيضٌ بِمَن أخْزاهُمُ اللَّهُ مِن أهْلِ الكُفْرِ، والنَّبِيُّ هو مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وفي الحَدِيثِ أنَّهُ ﷺ «تَضَرَّعَ إلى اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - في أمْرِ أُمَّتِهِ، فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ: إنْ شِئْتَ جَعَلْتُ حِسابَهم إلَيْكَ، فَقالَ: (p-٢٩٤)يا رَبِّ أنْتَ أرْحَمُ بِهِمْ، فَقالَ تَعالى: إذًا لا أُخْزِيكَ فِيهِمْ» . وجازَ أنْ يَكُونَ (والَّذِينَ) مَعْطُوفًا عَلى (النَّبِيَّ) فَيَدْخُلُونَ في انْتِفاءِ الخِزْيِ. وجازَ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً، والخَبَرُ نُورُهم يَسْعى بَيْنَ أيْدِيهِمْ وبِأيْمانِهِمْ. وقَرَأ سَهْلُ بْنُ شُعَيْبٍ وأبُو حَيْوَةَ: ”وبِإيمانِهِمْ“ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وتَقَدَّمَ في الحَدِيثِ. يَقُولُونَ رَبَّنا أتْمِمْ لَنا نُورَنا. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ: يَقُولُونَ ذَلِكَ إذا طُفِئَ نُورُ المُنافِقِينَ. وقالَ الحَسَنُ أيْضًا: يَدْعُونَهُ تَقَرُّبًا إلَيْهِ، كَقَوْلِهِ: واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وهو مَغْفُورٌ لَهُ. وقِيلَ: يَقُولُهُ مَن يَمُرُّ عَلى الصِّراطِ زَحْفًا وحَبْوًا. وقِيلَ: يَقُولُهُ مَن يُعْطى مِنَ النُّورِ مِقْدارَ ما يُبْصِرُ بِهِ مَوْضِعَ قَدَمَيْهِ.
﴿ياأيُّها النَّبِيُّ جاهِدِ الكُفّارَ والمُنافِقِينَ﴾: تَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في التَّوْبَةِ.
﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ضَرَبَ تَعالى المَثَلَ لَهم بِامْرَأةِ نُوحٍ وامْرَأةِ لُوطٍ، في أنَّهم لا يَنْفَعُهم في كُفْرِهِمْ لُحْمَةُ نَسَبٍ ولا وصْلَةُ صِهْرٍ، إذِ الكُفْرُ قاطِعُ العَلائِقِ بَيْنَ الكافِرِ والمُؤْمِنِ، وإنْ كانَ المُؤْمِنُ في أقْصى دَرَجاتِ العُلا. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِكَ إنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ﴾ [هود: ٤٦] ؟ كَما لَمْ يَنْفَعْ تَيْنِكَ المَرْأتَيْنِ كَوْنُهُما زَوْجَتَيْ نَبِيَّيْنِ. وجاءَتِ الكِنايَةُ عَنِ اسْمِهِما العَلَمَيْنِ بِقَوْلِهِ: عَبْدَيْنِ مِن عِبادِنا لِما في ذَلِكَ مِنَ التَّشْرِيفِ بِالإضافَةِ إلَيْهِ تَعالى. ولَمْ يَأْتِ التَّرْكِيبُ بِالضَّمِيرِ عَنْهُما، فَيَكُونُ تَحْتَهُما لِما قَصَدَ مِن ذِكْرِ وصْفِهِما بِقَوْلِهِ: (صالِحَيْنِ) لِأنَّ الصَّلاحَ هو الوَصْفُ الَّذِي يَمْتازُ بِهِ مَنِ اصْطَفاهُ اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ في حَقِّ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ﴿وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ [البقرة: ١٣٠] وفي قَوْلِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ [يوسف: ١٠١] وقَوْلِ سُلَيْمانَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ﴿وأدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ في عِبادِكَ الصّالِحِينَ﴾ [النمل: ١٩] . (فَخانَتاهُما) وذَلِكَ بِكُفْرِهِما، وقَوْلِ امْرَأةِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ: هو مَجْنُونٌ، ونَمِيمَةِ امْرَأةِ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِمَن ورَدَ عَلَيْهِ مِنَ الأضْيافِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ: لَمْ تَزْنِ امْرَأةُ نَبِيٍّ قَطُّ، ولا ابْتُلِيَ في نِسائِهِ بِالزِّنا. قالَ في التَّحْرِيرِ: وهَذا إجْماعٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وفي كِتابِ ابْنِ عَطِيَّةَ. وقالَ الحَسَنُ في كِتابِ النَّقّاشِ: فَخانَتاهُما بِالكُفْرِ والزِّنا وغَيْرِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولا يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالخِيانَةِ الفُجُورُ؛ لِأنَّهُ سَمِجٌ في الطِّباعِ نَقِيصَةٌ عِنْدَ كُلِّ أحَدٍ، بِخِلافِ الكُفْرِ، فَإنَّ الكُفْرَ يَسْتَسْمِجُونَهُ ويُسَمُّونَهُ حَقًّا. وقالَ الضَّحّاكُ: خانَتاهُما بِالنَّمِيمَةِ، كانَ إذا أُوحِيَ إلَيْهِ بِشَيْءٍ أفْشَتاهُ لِلْمُشْرِكِينَ، وقِيلَ: خانَتاهُما بِنِفاقِهِما. قالَ مُقاتِلٌ: اسْمُ امْرَأةِ نُوحٍ والِهَةُ، واسْمُ امْرَأةِ لُوطٍ والِعَةُ. فَلَمْ يُغْنِيا بِياءِ الغَيْبَةِ، والألِفُ ضَمِيرُ نُوحٍ ولُوطٍ، أيْ: عَلى قُرْبِهِما مِنهُما فَرَّقَ بَيْنَهُما الخِيانَةُ. وقِيلَ ادْخُلا النّارَ أيْ: وقْتَ مَوْتِهِما، أوْ يَوْمَ القِيامَةِ؛ مَعَ الدّاخِلِينَ الَّذِينَ لا وصْلَةَ بَيْنَهم وبَيْنَ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، أوْ مَعَ مَن دَخَلَها مِن إخْوانِكُما مِن قَوْمِ نُوحٍ وقَوْمِ لُوطٍ. وقَرَأ مُبَشِّرُ بْنُ عُبَيْدٍ: (تُغْنِيا) بِالتّاءِ، والألِفُ ضَمِيرُ المَرْأتَيْنِ، ومَعْنى (عَنْهُما) عَنْ أنْفُسِهِما، ولا بُدَّ مِن هَذا المُضافِ إلّا أنْ يُجْعَلَ (عَنْ) اسْمًا، كَهي في: دَعْ عَنْكَ؛ لِأنَّها إنْ كانَتْ حَرْفًا، كانَ في ذَلِكَ تَعْدِيَةُ الفِعْلِ الرّافِعِ لِلضَّمِيرِ المُتَّصِلِ إلى ضَمِيرِ المَجْرُورِ، وهو يَجْرِي مَجْرى المَنصُوبِ المُتَّصِلِ، وذَلِكَ لا يَجُوزُ.
﴿وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ ءامَنُوا امْرَأةَ فِرْعَوْنَ﴾: مَثَّلَ - تَعالى - حالَ المُؤْمِنِينَ في أنَّ وصْلَةَ الكُفّارِ لا تَضُرُّهم ولا تَنْقُصُ مِن ثَوابِهِمْ بِحالِ امْرَأةَ فِرْعَوْنَ، واسْمُها آسِيَةُ بِنْتُ مُزاحِمٍ، ولَمْ يَضُرَّها كَوْنُها كانَتْ تَحْتَ فِرْعَوْنَ عَدُوِّ اللَّهِ - تَعالى - والمُدَّعِي الإلَهِيَّةَ، بَلْ نَجّاها مِنهُ إيمانُها. وبِحالِ مَرْيَمَ، إذْ أُوتِيَتْ مِن كَرامَةِ اللَّهِ - تَعالى - في الدُّنْيا والآخِرَةِ، والِاصْطِفاءِ عَلى نِساءِ العالَمِينَ، مَعَ أنَّ قَوْمَها كانُوا كُفّارًا.
﴿إذْ قالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا في الجَنَّةِ﴾: هَذا يَدُلُّ عَلى إيمانِها وتَصْدِيقِها بِالبَعْثِ. قِيلَ: كانَتْ عَمَّةَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وآمَنَتْ حِينَ سَمِعَتْ بِتَلَقُّفِ عَصاهُ ما أفِكَ السَّحَرَةُ. طَلَبَتْ مِن رَبِّها القُرْبَ مِن رَحْمَتِهِ، وكانَ ذَلِكَ أهَمَّ عِنْدَها، فَقَدَّمَتِ الظَّرْفَ، وهو ”عِنْدَكَ بَيْتًا“، ثُمَّ بَيَّنَتْ مَكانَ القُرْبِ فَقالَتْ: ”في الجَنَّةِ“ . وقالَ بَعْضُ الظُّرَفاءِ: وقَدْ سُئِلَ أيْنَ في القُرْآنِ مِثْلُ قَوْلِهِمْ: (p-٢٩٥)الجارُ قَبْلَ الدّارِ ؟ قالَ: قَوْلُهُ تَعالى ﴿ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا في الجَنَّةِ﴾ فَعِنْدَكَ هو المُجاوَرَةُ، و(بَيْتًا) في الجَنَّةِ هو الدّارُ، وقَدْ تَقَدَّمَ ”عِنْدَكَ“ عَلى قَوْلِهِ ”بَيْتًا“ . ونَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ. قِيلَ: دَعَتْ بِهَذِهِ الدَّعَواتِ حِينَ أمَرَ فِرْعَوْنُ بِتَعْذِيبِها لَمّا عَرَفَ إيمانَها بِـ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ. وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ أنْواعًا مُضْطَرِبَةً في تَعْذِيبِها، ولَيْسَ في القُرْآنِ نَصًّا أنَّها عُذِّبَتْ. وقالَ الحَسَنُ: لَمّا دَعَتْ بِالنَّجاةِ، نَجّاها اللَّهُ - تَعالى - أكْرَمَ نَجاةٍ، فَرَفَعَها إلى الجَنَّةِ تَأْكُلُ وتَشْرَبُ وتَتَنَعَّمُ. وقِيلَ: لَمّا قالَتْ: ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا في الجَنَّةِ أُرِيَتْ بَيْتَها في الجَنَّةِ يُبْنى، ”وعَمَلِهِ“، قِيلَ: كُفْرِهِ. وقِيلَ: عَذابِهِ وظُلْمِهِ وشَماتَتِهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الجِماعُ. ونَجِّنِي مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ قالَ: أهْلُ مِصْرَ، وقالَ مُقاتِلٌ: القِبْطُ، وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى الِالتِجاءِ إلى اللَّهِ - تَعالى - عِنْدَ المِحَنِ وسُؤالِ الخَلاصِ مِنها، وأنَّ ذَلِكَ مِن سُنَنِ الصّالِحِينَ والأنْبِياءِ. ”ومَرْيَمَ“ مَعْطُوفٌ عَلى امْرَأةِ فِرْعَوْنَ. ابْنَةَ عِمْرانَ الَّتِي أحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيهِ مِن رُوحِنا: تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِ هَذِهِ في سُورَةِ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - . وقَرَأ الجُمْهُورُ: (ابْنَتَ) بِفَتْحِ التّاءِ. وأيُّوبُ السَّخْتِيانِيُّ: (ابْنَهْ) بِسُكُونِ الهاءِ وصْلًا أجْراهُ مَجْرى الوَقْفِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”فَنَفَخْنا فِيهِ“ أيْ: في الفَرْجِ. وعَبْدُ اللَّهِ: (فِيها) كَما في سُورَةِ الأنْبِياءِ، أيْ: في الجُمْلَةِ. وجَمَعَ - تَعالى - في التَّمْثِيلِ بَيْنَ الَّتِي لَها زَوْجٌ والَّتِي لا زَوْجَ لَها تَسْلِيَةً لِلْأرامِلِ وتَطْيِيبًا لِقُلُوبِهِنَّ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”وصَدَّقَتْ“ بِشَدِّ الدّالِ. ويَعْقُوبُ وأبُو مِجْلَزٍ وقَتادَةُ وعِصْمَةُ، عَنْ عاصِمٍ: بِخَفِّها، أيْ: كانَتْ صادِقَةً بِما أخْبَرَتْ بِهِ مِن أمْرِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وما أظْهَرَ اللَّهُ لَهُ مِنَ الكَراماتِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (وكَلِماتِهِ) جَمْعًا، فاحْتَمَلَ أنْ تَكُونَ الصُّحُفَ المُنَزَّلَةَ عَلى إدْرِيسَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وغَيْرِهِ، وسَمّاها كَلِماتٍ لِقِصَرِها، ويَكُونُ المُرادُ بِكُتُبِهِ: الكُتُبَ الأرْبَعَةَ. واحْتَمَلَ أنْ تَكُونَ الكَلِماتُ: ما كَلَّمَ اللَّهُ تَعالى بِهِ مَلائِكَتَهُ وغَيْرَهم. (وبِكُتُبِهِ): جَمِيعُ ما يُكْتَبُ في اللَّوْحِ وغَيْرِهِ. واحْتَمَلَ أنْ تَكُونَ الكَلِماتُ: ما صَدَرَ في أمْرِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ. وقَرَأ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ والجَحْدَرِيُّ: (بِكَلِمَةٍ) عَلى التَّوْحِيدِ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ اسْمَ جِنْسٍ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ كِنايَةً عَنْ عِيسى؛ لِأنَّهُ قَدْ أطْلَقَ عَلَيْهِ أنَّهُ كَلِمَةُ اللَّهِ ألْقاها إلى مَرْيَمَ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وحَفْصٌ: (وكُتُبِهِ) جَمْعًا، ورَواهُ كَذَلِكَ خارِجَةُ عَنْ نافِعٍ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ: (وكِتابِهِ) عَلى الإفْرادِ، فاحْتَمَلَ أنْ يُرادَ بِهِ الجِنْسُ وأنْ يُرادَ بِهِ الإنْجِيلُ لا سِيَّما إنْ فُسِّرَتِ الكَلِمَةُ بِـ عِيسى. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ: (وكَتْبِهِ) . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: بِسُكُونِ التّاءِ (وكُتْبِهِ) وذَلِكَ كُلُّهُ مُرادٌ بِهِ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ. وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ أبُو رَجاءٍ: (وكَتْبِهِ) بِفَتْحِ الكافِ، وهو مَصْدَرٌ أُقِيمَ مَقامَ الِاسْمِ. قالَ سَهْلٌ: و”كُتُبِهِ“ أجْمَعُ مِن ”كِتابِهِ“؛ لِأنَّ فِيهِ وضْعَ المُضافِ مَوْضِعَ الجِنْسِ، فالكُتُبُ عامٌّ، والكِتابُ هو الإنْجِيلُ فَقَطْ. انْتَهى. وكانَتْ مِنَ القانِتِينَ: غَلَّبَ الذُّكُورِيَّةَ عَلى التَّأْنِيثِ، والقانِتِينَ شامِلٌ لِلذُّكُورِ والإناثِ، و(مِن) لِلتَّبْعِيضِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِابْتِداءِ الغايَةِ عَلى أنَّها وُلِدَتْ مِنَ القانِتِينَ؛ لِأنَّها مِن أعْقابِ هارُونَ أخِي مُوسى - صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِما - وقالَ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ: مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ يُحَذِّرُ بِهِ عائِشَةَ وحَفْصَةَ مِنَ المُخالَفَةِ حِينَ تَظاهَرَتا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ ضَرَبَ لَهُما مَثَلًا بِامْرَأةِ فِرْعَوْنَ ومَرْيَمَ ابْنَتِ عِمْرانَ؛ تَرْغِيبًا في التَّمَسُّكِ بِالطّاعاتِ والثَّباتِ عَلى الدِّينِ. انْتَهى. وأخَذَ الزَّمَخْشَرِيُّ كَلامَ ابْنِ سَلّامٍ هَذا وحَسَّنَهُ وزَمَكَهُ بِفَصاحَةٍ، فَقالَ: وفي طَيِّ هَذَيْنِ التَّمْثِيلَيْنِ تَعْرِيضٌ بِأُمَّيِ المُؤْمِنِينَ المَذْكُورَتَيْنِ في أوَّلِ السُّورَةِ، وما فَرَطَ مِنهُما مِنَ التَّظاهُرِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِما كَرِهَهُ، وتَحْذِيرٌ لَهُما عَلى أغْلَظِ وجْهٍ وأشَدِّهِ لِما في التَّمْثِيلِ مِن ذِكْرِ الكُفْرِ ونَحْوِهِ. ومِنَ التَّغْلِيظِ قَوْلُهُ: ﴿ومَن كَفَرَ فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧] وإشارَةٌ إلى أنَّ مِن حَقِّهِما أنْ يَكُونا في الإخْلاصِ والكِتْمانِ فِيهِ كَمِثْلِ هاتَيْنِ المُؤْمِنَتَيْنِ، وأنْ لا يُشْكِلا عَلى أنَّهُما زَوْجَتا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (p-٢٩٦)فَإنَّ ذَلِكَ الفَضْلَ لا يَنْقُصُهُما إلّا مَعَ كَوْنِهِما مُخْلِصَيْنِ. والتَّعْرِيضُ بِـ حَفْصَةَ أرْجَحُ؛ لِأنَّ امْرَأةَ لُوطٍ أفْشَتْ عَلَيْهِ كَما أفْشَتْ حَفْصَةُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وأسْرارُ التَّنْزِيلِ ورُمُوزُهُ في كُلِّ بابٍ بالِغَةٌ مِنَ اللُّطْفِ والخَفاءِ حدًّا يَدِقُّ عَنْ تَفَطُّنِ العالِمِ ويَزِلُّ عَنْ تَبَصُّرِهِ. انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقالَ بَعْضُ النّاسِ: إنَّ في المَثَلَيْنِ عِبْرَةً لِزَوْجاتِ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ تَقَدَّمَ عِتابُهُنَّ، وفي هَذا بُعْدٌ؛ لِأنَّ النَّصَّ أنَّهُ لِلْكُفّارِ يُبْعِدُ هَذا، واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ.
التحريم 66:10
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إلى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسى رَبُّكم أنْ يُكَفِّرَ عَنْكم سَيِّئاتِكم ويُدْخِلَكم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهم يَسْعى بَيْنَ أيْدِيهِمْ وبِأيْمانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا أتْمِمْ لَنا نُورَنا واغْفِرْ لَنا إنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ جاهِدِ الكُفّارَ والمُنافِقِينَ واغْلُظْ عَلَيْهِمْ ومَأْواهم جَهَنَّمُ وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأةَ نُوحٍ وامْرَأةَ لُوطٍ كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِن عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وقِيلَ ادْخُلا النّارَ مَعَ الدّاخِلِينَ﴾ ﴿وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأةَ فِرْعَوْنَ إذْ قالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا في الجَنَّةِ ونَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وعَمَلِهِ ونَجِّنِي مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ ﴿ومَرْيَمَ ابْنَةَ عِمْرانَ الَّتِي أحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيهِ مِن رُوحِنا وصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها وكُتُبِهِ وكانَتْ مِنَ القانِتِينَ﴾ .
(p-٢٩٣)ذَكَرُوا في النَّصُوحِ أرْبَعَةً وعِشْرِينَ قَوْلًا. ورُوِيَ عَنْ عُمَرَ وعَبْدِ اللَّهِ وأُبَيٍّ ومُعاذٍ أنَّها الَّتِي لا عَوْدَةَ بَعْدَها، كَما لا يَعُودُ اللَّبَنُ إلى الضَّرْعِ، ورَفَعَهُ مُعاذٌ إلى النَّبِيِّ، ﷺ . وقَرَأ الجُمْهُورُ: (نَصُوحًا) بِفَتْحِ النُّونِ، وصْفًا لِتَوْبَةٍ، وهو مِن أمْثِلَةِ المُبالَغَةِ، كَضَرُوبٍ وقَتُولٍ. وقَرَأ الحَسَنُ والأعْرَجُ وعِيسى وأبُو بَكْرٍ، عَنْ عاصِمٍ، وخارِجَةُ عَنْ نافِعٍ: بِضَمِّها، هو مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ، ووَصَفَها بِالنُّصْحِ عَلى سَبِيلِ المَجازِ، إذِ النُّصْحُ صِفَةُ التّائِبِ، وهو أنْ يَنْصَحَ نَفْسَهُ بِالتَّوْبَةِ، فَيَأْتِي بِها عَلى طَرِيقِها، وهي خُلُوصُها مِن جَمِيعِ الشَّوائِبِ المُفْسِدَةِ لَها، مِن قَوْلِهِمْ عَسَلٌ ناصِحٌ، أيْ: خالِصٌ مِنَ الشَّمْعِ، أوْ مِنَ النَّصاحَةِ وهي الخِياطَةُ، أيْ: قَدْ أحْكَمَها وأوْثَقَها، كَما يُحْكِمُ الخَيّاطُ الثَّوْبَ بِخِياطَتِهِ وتَوْثِيقِهِ. وسَمِعَ عَلِيٌّ أعْرابِيًّا يَقُولُ: اللَّهُمَّ إنِّي أسْتَغْفِرُكَ وأتُوبُ إلَيْكَ، فَقالَ: يا هَذا إنَّ سُرْعَةَ اللِّسانِ بِالتَّوْبَةِ تَوْبَةُ الكَذّابِينَ قالَ: وما التَّوْبَةُ ؟ قالَ: يَجْمَعُها سِتَّةُ أشْياءَ: عَلى الماضِي مِنَ الذُّنُوبِ النَّدامَةُ، وعَلى الفَرائِضِ الإعادَةُ، ورَدُّ المَظالِمِ واسْتِحْلالُ الخُصُومِ، وأنْ يَعْزِمَ عَلى أنْ لا يَعُودَ، وأنْ تُدْئِبَ نَفْسَكَ في طاعَةِ اللَّهِ كَما أدْأبْتَها في المَعْصِيَةِ، وأنْ تُذِيقَها مَرارَةَ الطّاعَةِ كَما أذَقْتَها حَلاوَةَ المَعاصِي. وعَنْ حُذَيْفَةَ: بِحَسْبِ الرَّجُلِ مِنَ الشَّرِّ أنْ يَتُوبَ مِنَ الذَّنْبِ ثُمَّ يَعُودَ فِيهِ، انْتَهى. و”نَصُوحًا“ مِن نَصَحَ، فاحْتَمَلَ - وهو الظّاهِرُ - أنْ تَكُونَ التَّوْبَةُ تَنْصَحُ نَفْسَ التّائِبِ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقُ النُّصْحِ النّاسَ، أيْ: يَدْعُوهم إلى مِثْلِها لِظُهُورِ أمْرِها عَلى صاحِبِها. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: تَوْبًا بِغَيْرِ تاءٍ، ومَن قَرَأ بِالضَّمِّ جازَ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا وُصِفَ كَما قَدَّمْناهُ، وجازَ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لَهُ، أيْ: تُوبُوا لِنُصْحِ أنْفُسِكم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (ويُدْخِلَكم) عَطْفًا عَلى أنْ يُكَفِّرَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَطْفًا عَلى مَحَلِّ عَسى أنْ يُكَفِّرَ، كَأنَّهُ قِيلَ: تُوبُوا يُوجِبْ تَكْفِيرَ سَيِّئاتِكم ويُدْخِلْكم. انْتَهى. والأوْلى أنْ يَكُونَ حَذْفُ الحَرَكَةِ تَخْفِيفًا وتَشْبِيهًا لِما هو مِن كَلِمَتَيْنِ بِالكَلِمَةِ الواحِدَةِ، تَقُولُ في قَمَعٍ ونَطَعٍ: قَمْعٍ ونَطْعٍ.
يَوْمَ لا يُخْزِي مَنصُوبٌ بِـ (يُدْخِلَكم) ولا يُخْزِي تَعْرِيضٌ بِمَن أخْزاهُمُ اللَّهُ مِن أهْلِ الكُفْرِ، والنَّبِيُّ هو مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وفي الحَدِيثِ أنَّهُ ﷺ «تَضَرَّعَ إلى اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - في أمْرِ أُمَّتِهِ، فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ: إنْ شِئْتَ جَعَلْتُ حِسابَهم إلَيْكَ، فَقالَ: (p-٢٩٤)يا رَبِّ أنْتَ أرْحَمُ بِهِمْ، فَقالَ تَعالى: إذًا لا أُخْزِيكَ فِيهِمْ» . وجازَ أنْ يَكُونَ (والَّذِينَ) مَعْطُوفًا عَلى (النَّبِيَّ) فَيَدْخُلُونَ في انْتِفاءِ الخِزْيِ. وجازَ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً، والخَبَرُ نُورُهم يَسْعى بَيْنَ أيْدِيهِمْ وبِأيْمانِهِمْ. وقَرَأ سَهْلُ بْنُ شُعَيْبٍ وأبُو حَيْوَةَ: ”وبِإيمانِهِمْ“ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وتَقَدَّمَ في الحَدِيثِ. يَقُولُونَ رَبَّنا أتْمِمْ لَنا نُورَنا. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ: يَقُولُونَ ذَلِكَ إذا طُفِئَ نُورُ المُنافِقِينَ. وقالَ الحَسَنُ أيْضًا: يَدْعُونَهُ تَقَرُّبًا إلَيْهِ، كَقَوْلِهِ: واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وهو مَغْفُورٌ لَهُ. وقِيلَ: يَقُولُهُ مَن يَمُرُّ عَلى الصِّراطِ زَحْفًا وحَبْوًا. وقِيلَ: يَقُولُهُ مَن يُعْطى مِنَ النُّورِ مِقْدارَ ما يُبْصِرُ بِهِ مَوْضِعَ قَدَمَيْهِ.
﴿ياأيُّها النَّبِيُّ جاهِدِ الكُفّارَ والمُنافِقِينَ﴾: تَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في التَّوْبَةِ.
﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ضَرَبَ تَعالى المَثَلَ لَهم بِامْرَأةِ نُوحٍ وامْرَأةِ لُوطٍ، في أنَّهم لا يَنْفَعُهم في كُفْرِهِمْ لُحْمَةُ نَسَبٍ ولا وصْلَةُ صِهْرٍ، إذِ الكُفْرُ قاطِعُ العَلائِقِ بَيْنَ الكافِرِ والمُؤْمِنِ، وإنْ كانَ المُؤْمِنُ في أقْصى دَرَجاتِ العُلا. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِكَ إنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ﴾ [هود: ٤٦] ؟ كَما لَمْ يَنْفَعْ تَيْنِكَ المَرْأتَيْنِ كَوْنُهُما زَوْجَتَيْ نَبِيَّيْنِ. وجاءَتِ الكِنايَةُ عَنِ اسْمِهِما العَلَمَيْنِ بِقَوْلِهِ: عَبْدَيْنِ مِن عِبادِنا لِما في ذَلِكَ مِنَ التَّشْرِيفِ بِالإضافَةِ إلَيْهِ تَعالى. ولَمْ يَأْتِ التَّرْكِيبُ بِالضَّمِيرِ عَنْهُما، فَيَكُونُ تَحْتَهُما لِما قَصَدَ مِن ذِكْرِ وصْفِهِما بِقَوْلِهِ: (صالِحَيْنِ) لِأنَّ الصَّلاحَ هو الوَصْفُ الَّذِي يَمْتازُ بِهِ مَنِ اصْطَفاهُ اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ في حَقِّ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ﴿وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ [البقرة: ١٣٠] وفي قَوْلِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ [يوسف: ١٠١] وقَوْلِ سُلَيْمانَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ﴿وأدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ في عِبادِكَ الصّالِحِينَ﴾ [النمل: ١٩] . (فَخانَتاهُما) وذَلِكَ بِكُفْرِهِما، وقَوْلِ امْرَأةِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ: هو مَجْنُونٌ، ونَمِيمَةِ امْرَأةِ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِمَن ورَدَ عَلَيْهِ مِنَ الأضْيافِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ: لَمْ تَزْنِ امْرَأةُ نَبِيٍّ قَطُّ، ولا ابْتُلِيَ في نِسائِهِ بِالزِّنا. قالَ في التَّحْرِيرِ: وهَذا إجْماعٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وفي كِتابِ ابْنِ عَطِيَّةَ. وقالَ الحَسَنُ في كِتابِ النَّقّاشِ: فَخانَتاهُما بِالكُفْرِ والزِّنا وغَيْرِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولا يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالخِيانَةِ الفُجُورُ؛ لِأنَّهُ سَمِجٌ في الطِّباعِ نَقِيصَةٌ عِنْدَ كُلِّ أحَدٍ، بِخِلافِ الكُفْرِ، فَإنَّ الكُفْرَ يَسْتَسْمِجُونَهُ ويُسَمُّونَهُ حَقًّا. وقالَ الضَّحّاكُ: خانَتاهُما بِالنَّمِيمَةِ، كانَ إذا أُوحِيَ إلَيْهِ بِشَيْءٍ أفْشَتاهُ لِلْمُشْرِكِينَ، وقِيلَ: خانَتاهُما بِنِفاقِهِما. قالَ مُقاتِلٌ: اسْمُ امْرَأةِ نُوحٍ والِهَةُ، واسْمُ امْرَأةِ لُوطٍ والِعَةُ. فَلَمْ يُغْنِيا بِياءِ الغَيْبَةِ، والألِفُ ضَمِيرُ نُوحٍ ولُوطٍ، أيْ: عَلى قُرْبِهِما مِنهُما فَرَّقَ بَيْنَهُما الخِيانَةُ. وقِيلَ ادْخُلا النّارَ أيْ: وقْتَ مَوْتِهِما، أوْ يَوْمَ القِيامَةِ؛ مَعَ الدّاخِلِينَ الَّذِينَ لا وصْلَةَ بَيْنَهم وبَيْنَ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، أوْ مَعَ مَن دَخَلَها مِن إخْوانِكُما مِن قَوْمِ نُوحٍ وقَوْمِ لُوطٍ. وقَرَأ مُبَشِّرُ بْنُ عُبَيْدٍ: (تُغْنِيا) بِالتّاءِ، والألِفُ ضَمِيرُ المَرْأتَيْنِ، ومَعْنى (عَنْهُما) عَنْ أنْفُسِهِما، ولا بُدَّ مِن هَذا المُضافِ إلّا أنْ يُجْعَلَ (عَنْ) اسْمًا، كَهي في: دَعْ عَنْكَ؛ لِأنَّها إنْ كانَتْ حَرْفًا، كانَ في ذَلِكَ تَعْدِيَةُ الفِعْلِ الرّافِعِ لِلضَّمِيرِ المُتَّصِلِ إلى ضَمِيرِ المَجْرُورِ، وهو يَجْرِي مَجْرى المَنصُوبِ المُتَّصِلِ، وذَلِكَ لا يَجُوزُ.
﴿وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ ءامَنُوا امْرَأةَ فِرْعَوْنَ﴾: مَثَّلَ - تَعالى - حالَ المُؤْمِنِينَ في أنَّ وصْلَةَ الكُفّارِ لا تَضُرُّهم ولا تَنْقُصُ مِن ثَوابِهِمْ بِحالِ امْرَأةَ فِرْعَوْنَ، واسْمُها آسِيَةُ بِنْتُ مُزاحِمٍ، ولَمْ يَضُرَّها كَوْنُها كانَتْ تَحْتَ فِرْعَوْنَ عَدُوِّ اللَّهِ - تَعالى - والمُدَّعِي الإلَهِيَّةَ، بَلْ نَجّاها مِنهُ إيمانُها. وبِحالِ مَرْيَمَ، إذْ أُوتِيَتْ مِن كَرامَةِ اللَّهِ - تَعالى - في الدُّنْيا والآخِرَةِ، والِاصْطِفاءِ عَلى نِساءِ العالَمِينَ، مَعَ أنَّ قَوْمَها كانُوا كُفّارًا.
﴿إذْ قالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا في الجَنَّةِ﴾: هَذا يَدُلُّ عَلى إيمانِها وتَصْدِيقِها بِالبَعْثِ. قِيلَ: كانَتْ عَمَّةَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وآمَنَتْ حِينَ سَمِعَتْ بِتَلَقُّفِ عَصاهُ ما أفِكَ السَّحَرَةُ. طَلَبَتْ مِن رَبِّها القُرْبَ مِن رَحْمَتِهِ، وكانَ ذَلِكَ أهَمَّ عِنْدَها، فَقَدَّمَتِ الظَّرْفَ، وهو ”عِنْدَكَ بَيْتًا“، ثُمَّ بَيَّنَتْ مَكانَ القُرْبِ فَقالَتْ: ”في الجَنَّةِ“ . وقالَ بَعْضُ الظُّرَفاءِ: وقَدْ سُئِلَ أيْنَ في القُرْآنِ مِثْلُ قَوْلِهِمْ: (p-٢٩٥)الجارُ قَبْلَ الدّارِ ؟ قالَ: قَوْلُهُ تَعالى ﴿ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا في الجَنَّةِ﴾ فَعِنْدَكَ هو المُجاوَرَةُ، و(بَيْتًا) في الجَنَّةِ هو الدّارُ، وقَدْ تَقَدَّمَ ”عِنْدَكَ“ عَلى قَوْلِهِ ”بَيْتًا“ . ونَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ. قِيلَ: دَعَتْ بِهَذِهِ الدَّعَواتِ حِينَ أمَرَ فِرْعَوْنُ بِتَعْذِيبِها لَمّا عَرَفَ إيمانَها بِـ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ. وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ أنْواعًا مُضْطَرِبَةً في تَعْذِيبِها، ولَيْسَ في القُرْآنِ نَصًّا أنَّها عُذِّبَتْ. وقالَ الحَسَنُ: لَمّا دَعَتْ بِالنَّجاةِ، نَجّاها اللَّهُ - تَعالى - أكْرَمَ نَجاةٍ، فَرَفَعَها إلى الجَنَّةِ تَأْكُلُ وتَشْرَبُ وتَتَنَعَّمُ. وقِيلَ: لَمّا قالَتْ: ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا في الجَنَّةِ أُرِيَتْ بَيْتَها في الجَنَّةِ يُبْنى، ”وعَمَلِهِ“، قِيلَ: كُفْرِهِ. وقِيلَ: عَذابِهِ وظُلْمِهِ وشَماتَتِهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الجِماعُ. ونَجِّنِي مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ قالَ: أهْلُ مِصْرَ، وقالَ مُقاتِلٌ: القِبْطُ، وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى الِالتِجاءِ إلى اللَّهِ - تَعالى - عِنْدَ المِحَنِ وسُؤالِ الخَلاصِ مِنها، وأنَّ ذَلِكَ مِن سُنَنِ الصّالِحِينَ والأنْبِياءِ. ”ومَرْيَمَ“ مَعْطُوفٌ عَلى امْرَأةِ فِرْعَوْنَ. ابْنَةَ عِمْرانَ الَّتِي أحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيهِ مِن رُوحِنا: تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِ هَذِهِ في سُورَةِ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - . وقَرَأ الجُمْهُورُ: (ابْنَتَ) بِفَتْحِ التّاءِ. وأيُّوبُ السَّخْتِيانِيُّ: (ابْنَهْ) بِسُكُونِ الهاءِ وصْلًا أجْراهُ مَجْرى الوَقْفِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”فَنَفَخْنا فِيهِ“ أيْ: في الفَرْجِ. وعَبْدُ اللَّهِ: (فِيها) كَما في سُورَةِ الأنْبِياءِ، أيْ: في الجُمْلَةِ. وجَمَعَ - تَعالى - في التَّمْثِيلِ بَيْنَ الَّتِي لَها زَوْجٌ والَّتِي لا زَوْجَ لَها تَسْلِيَةً لِلْأرامِلِ وتَطْيِيبًا لِقُلُوبِهِنَّ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”وصَدَّقَتْ“ بِشَدِّ الدّالِ. ويَعْقُوبُ وأبُو مِجْلَزٍ وقَتادَةُ وعِصْمَةُ، عَنْ عاصِمٍ: بِخَفِّها، أيْ: كانَتْ صادِقَةً بِما أخْبَرَتْ بِهِ مِن أمْرِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وما أظْهَرَ اللَّهُ لَهُ مِنَ الكَراماتِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (وكَلِماتِهِ) جَمْعًا، فاحْتَمَلَ أنْ تَكُونَ الصُّحُفَ المُنَزَّلَةَ عَلى إدْرِيسَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وغَيْرِهِ، وسَمّاها كَلِماتٍ لِقِصَرِها، ويَكُونُ المُرادُ بِكُتُبِهِ: الكُتُبَ الأرْبَعَةَ. واحْتَمَلَ أنْ تَكُونَ الكَلِماتُ: ما كَلَّمَ اللَّهُ تَعالى بِهِ مَلائِكَتَهُ وغَيْرَهم. (وبِكُتُبِهِ): جَمِيعُ ما يُكْتَبُ في اللَّوْحِ وغَيْرِهِ. واحْتَمَلَ أنْ تَكُونَ الكَلِماتُ: ما صَدَرَ في أمْرِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ. وقَرَأ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ والجَحْدَرِيُّ: (بِكَلِمَةٍ) عَلى التَّوْحِيدِ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ اسْمَ جِنْسٍ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ كِنايَةً عَنْ عِيسى؛ لِأنَّهُ قَدْ أطْلَقَ عَلَيْهِ أنَّهُ كَلِمَةُ اللَّهِ ألْقاها إلى مَرْيَمَ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وحَفْصٌ: (وكُتُبِهِ) جَمْعًا، ورَواهُ كَذَلِكَ خارِجَةُ عَنْ نافِعٍ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ: (وكِتابِهِ) عَلى الإفْرادِ، فاحْتَمَلَ أنْ يُرادَ بِهِ الجِنْسُ وأنْ يُرادَ بِهِ الإنْجِيلُ لا سِيَّما إنْ فُسِّرَتِ الكَلِمَةُ بِـ عِيسى. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ: (وكَتْبِهِ) . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: بِسُكُونِ التّاءِ (وكُتْبِهِ) وذَلِكَ كُلُّهُ مُرادٌ بِهِ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ. وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ أبُو رَجاءٍ: (وكَتْبِهِ) بِفَتْحِ الكافِ، وهو مَصْدَرٌ أُقِيمَ مَقامَ الِاسْمِ. قالَ سَهْلٌ: و”كُتُبِهِ“ أجْمَعُ مِن ”كِتابِهِ“؛ لِأنَّ فِيهِ وضْعَ المُضافِ مَوْضِعَ الجِنْسِ، فالكُتُبُ عامٌّ، والكِتابُ هو الإنْجِيلُ فَقَطْ. انْتَهى. وكانَتْ مِنَ القانِتِينَ: غَلَّبَ الذُّكُورِيَّةَ عَلى التَّأْنِيثِ، والقانِتِينَ شامِلٌ لِلذُّكُورِ والإناثِ، و(مِن) لِلتَّبْعِيضِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِابْتِداءِ الغايَةِ عَلى أنَّها وُلِدَتْ مِنَ القانِتِينَ؛ لِأنَّها مِن أعْقابِ هارُونَ أخِي مُوسى - صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِما - وقالَ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ: مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ يُحَذِّرُ بِهِ عائِشَةَ وحَفْصَةَ مِنَ المُخالَفَةِ حِينَ تَظاهَرَتا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ ضَرَبَ لَهُما مَثَلًا بِامْرَأةِ فِرْعَوْنَ ومَرْيَمَ ابْنَتِ عِمْرانَ؛ تَرْغِيبًا في التَّمَسُّكِ بِالطّاعاتِ والثَّباتِ عَلى الدِّينِ. انْتَهى. وأخَذَ الزَّمَخْشَرِيُّ كَلامَ ابْنِ سَلّامٍ هَذا وحَسَّنَهُ وزَمَكَهُ بِفَصاحَةٍ، فَقالَ: وفي طَيِّ هَذَيْنِ التَّمْثِيلَيْنِ تَعْرِيضٌ بِأُمَّيِ المُؤْمِنِينَ المَذْكُورَتَيْنِ في أوَّلِ السُّورَةِ، وما فَرَطَ مِنهُما مِنَ التَّظاهُرِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِما كَرِهَهُ، وتَحْذِيرٌ لَهُما عَلى أغْلَظِ وجْهٍ وأشَدِّهِ لِما في التَّمْثِيلِ مِن ذِكْرِ الكُفْرِ ونَحْوِهِ. ومِنَ التَّغْلِيظِ قَوْلُهُ: ﴿ومَن كَفَرَ فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧] وإشارَةٌ إلى أنَّ مِن حَقِّهِما أنْ يَكُونا في الإخْلاصِ والكِتْمانِ فِيهِ كَمِثْلِ هاتَيْنِ المُؤْمِنَتَيْنِ، وأنْ لا يُشْكِلا عَلى أنَّهُما زَوْجَتا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (p-٢٩٦)فَإنَّ ذَلِكَ الفَضْلَ لا يَنْقُصُهُما إلّا مَعَ كَوْنِهِما مُخْلِصَيْنِ. والتَّعْرِيضُ بِـ حَفْصَةَ أرْجَحُ؛ لِأنَّ امْرَأةَ لُوطٍ أفْشَتْ عَلَيْهِ كَما أفْشَتْ حَفْصَةُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وأسْرارُ التَّنْزِيلِ ورُمُوزُهُ في كُلِّ بابٍ بالِغَةٌ مِنَ اللُّطْفِ والخَفاءِ حدًّا يَدِقُّ عَنْ تَفَطُّنِ العالِمِ ويَزِلُّ عَنْ تَبَصُّرِهِ. انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقالَ بَعْضُ النّاسِ: إنَّ في المَثَلَيْنِ عِبْرَةً لِزَوْجاتِ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ تَقَدَّمَ عِتابُهُنَّ، وفي هَذا بُعْدٌ؛ لِأنَّ النَّصَّ أنَّهُ لِلْكُفّارِ يُبْعِدُ هَذا، واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ.
التحريم 66:11
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إلى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسى رَبُّكم أنْ يُكَفِّرَ عَنْكم سَيِّئاتِكم ويُدْخِلَكم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهم يَسْعى بَيْنَ أيْدِيهِمْ وبِأيْمانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا أتْمِمْ لَنا نُورَنا واغْفِرْ لَنا إنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ جاهِدِ الكُفّارَ والمُنافِقِينَ واغْلُظْ عَلَيْهِمْ ومَأْواهم جَهَنَّمُ وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأةَ نُوحٍ وامْرَأةَ لُوطٍ كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِن عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وقِيلَ ادْخُلا النّارَ مَعَ الدّاخِلِينَ﴾ ﴿وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأةَ فِرْعَوْنَ إذْ قالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا في الجَنَّةِ ونَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وعَمَلِهِ ونَجِّنِي مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ ﴿ومَرْيَمَ ابْنَةَ عِمْرانَ الَّتِي أحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيهِ مِن رُوحِنا وصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها وكُتُبِهِ وكانَتْ مِنَ القانِتِينَ﴾ .
(p-٢٩٣)ذَكَرُوا في النَّصُوحِ أرْبَعَةً وعِشْرِينَ قَوْلًا. ورُوِيَ عَنْ عُمَرَ وعَبْدِ اللَّهِ وأُبَيٍّ ومُعاذٍ أنَّها الَّتِي لا عَوْدَةَ بَعْدَها، كَما لا يَعُودُ اللَّبَنُ إلى الضَّرْعِ، ورَفَعَهُ مُعاذٌ إلى النَّبِيِّ، ﷺ . وقَرَأ الجُمْهُورُ: (نَصُوحًا) بِفَتْحِ النُّونِ، وصْفًا لِتَوْبَةٍ، وهو مِن أمْثِلَةِ المُبالَغَةِ، كَضَرُوبٍ وقَتُولٍ. وقَرَأ الحَسَنُ والأعْرَجُ وعِيسى وأبُو بَكْرٍ، عَنْ عاصِمٍ، وخارِجَةُ عَنْ نافِعٍ: بِضَمِّها، هو مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ، ووَصَفَها بِالنُّصْحِ عَلى سَبِيلِ المَجازِ، إذِ النُّصْحُ صِفَةُ التّائِبِ، وهو أنْ يَنْصَحَ نَفْسَهُ بِالتَّوْبَةِ، فَيَأْتِي بِها عَلى طَرِيقِها، وهي خُلُوصُها مِن جَمِيعِ الشَّوائِبِ المُفْسِدَةِ لَها، مِن قَوْلِهِمْ عَسَلٌ ناصِحٌ، أيْ: خالِصٌ مِنَ الشَّمْعِ، أوْ مِنَ النَّصاحَةِ وهي الخِياطَةُ، أيْ: قَدْ أحْكَمَها وأوْثَقَها، كَما يُحْكِمُ الخَيّاطُ الثَّوْبَ بِخِياطَتِهِ وتَوْثِيقِهِ. وسَمِعَ عَلِيٌّ أعْرابِيًّا يَقُولُ: اللَّهُمَّ إنِّي أسْتَغْفِرُكَ وأتُوبُ إلَيْكَ، فَقالَ: يا هَذا إنَّ سُرْعَةَ اللِّسانِ بِالتَّوْبَةِ تَوْبَةُ الكَذّابِينَ قالَ: وما التَّوْبَةُ ؟ قالَ: يَجْمَعُها سِتَّةُ أشْياءَ: عَلى الماضِي مِنَ الذُّنُوبِ النَّدامَةُ، وعَلى الفَرائِضِ الإعادَةُ، ورَدُّ المَظالِمِ واسْتِحْلالُ الخُصُومِ، وأنْ يَعْزِمَ عَلى أنْ لا يَعُودَ، وأنْ تُدْئِبَ نَفْسَكَ في طاعَةِ اللَّهِ كَما أدْأبْتَها في المَعْصِيَةِ، وأنْ تُذِيقَها مَرارَةَ الطّاعَةِ كَما أذَقْتَها حَلاوَةَ المَعاصِي. وعَنْ حُذَيْفَةَ: بِحَسْبِ الرَّجُلِ مِنَ الشَّرِّ أنْ يَتُوبَ مِنَ الذَّنْبِ ثُمَّ يَعُودَ فِيهِ، انْتَهى. و”نَصُوحًا“ مِن نَصَحَ، فاحْتَمَلَ - وهو الظّاهِرُ - أنْ تَكُونَ التَّوْبَةُ تَنْصَحُ نَفْسَ التّائِبِ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقُ النُّصْحِ النّاسَ، أيْ: يَدْعُوهم إلى مِثْلِها لِظُهُورِ أمْرِها عَلى صاحِبِها. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: تَوْبًا بِغَيْرِ تاءٍ، ومَن قَرَأ بِالضَّمِّ جازَ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا وُصِفَ كَما قَدَّمْناهُ، وجازَ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لَهُ، أيْ: تُوبُوا لِنُصْحِ أنْفُسِكم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (ويُدْخِلَكم) عَطْفًا عَلى أنْ يُكَفِّرَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَطْفًا عَلى مَحَلِّ عَسى أنْ يُكَفِّرَ، كَأنَّهُ قِيلَ: تُوبُوا يُوجِبْ تَكْفِيرَ سَيِّئاتِكم ويُدْخِلْكم. انْتَهى. والأوْلى أنْ يَكُونَ حَذْفُ الحَرَكَةِ تَخْفِيفًا وتَشْبِيهًا لِما هو مِن كَلِمَتَيْنِ بِالكَلِمَةِ الواحِدَةِ، تَقُولُ في قَمَعٍ ونَطَعٍ: قَمْعٍ ونَطْعٍ.
يَوْمَ لا يُخْزِي مَنصُوبٌ بِـ (يُدْخِلَكم) ولا يُخْزِي تَعْرِيضٌ بِمَن أخْزاهُمُ اللَّهُ مِن أهْلِ الكُفْرِ، والنَّبِيُّ هو مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وفي الحَدِيثِ أنَّهُ ﷺ «تَضَرَّعَ إلى اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - في أمْرِ أُمَّتِهِ، فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ: إنْ شِئْتَ جَعَلْتُ حِسابَهم إلَيْكَ، فَقالَ: (p-٢٩٤)يا رَبِّ أنْتَ أرْحَمُ بِهِمْ، فَقالَ تَعالى: إذًا لا أُخْزِيكَ فِيهِمْ» . وجازَ أنْ يَكُونَ (والَّذِينَ) مَعْطُوفًا عَلى (النَّبِيَّ) فَيَدْخُلُونَ في انْتِفاءِ الخِزْيِ. وجازَ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً، والخَبَرُ نُورُهم يَسْعى بَيْنَ أيْدِيهِمْ وبِأيْمانِهِمْ. وقَرَأ سَهْلُ بْنُ شُعَيْبٍ وأبُو حَيْوَةَ: ”وبِإيمانِهِمْ“ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وتَقَدَّمَ في الحَدِيثِ. يَقُولُونَ رَبَّنا أتْمِمْ لَنا نُورَنا. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ: يَقُولُونَ ذَلِكَ إذا طُفِئَ نُورُ المُنافِقِينَ. وقالَ الحَسَنُ أيْضًا: يَدْعُونَهُ تَقَرُّبًا إلَيْهِ، كَقَوْلِهِ: واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وهو مَغْفُورٌ لَهُ. وقِيلَ: يَقُولُهُ مَن يَمُرُّ عَلى الصِّراطِ زَحْفًا وحَبْوًا. وقِيلَ: يَقُولُهُ مَن يُعْطى مِنَ النُّورِ مِقْدارَ ما يُبْصِرُ بِهِ مَوْضِعَ قَدَمَيْهِ.
﴿ياأيُّها النَّبِيُّ جاهِدِ الكُفّارَ والمُنافِقِينَ﴾: تَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في التَّوْبَةِ.
﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ضَرَبَ تَعالى المَثَلَ لَهم بِامْرَأةِ نُوحٍ وامْرَأةِ لُوطٍ، في أنَّهم لا يَنْفَعُهم في كُفْرِهِمْ لُحْمَةُ نَسَبٍ ولا وصْلَةُ صِهْرٍ، إذِ الكُفْرُ قاطِعُ العَلائِقِ بَيْنَ الكافِرِ والمُؤْمِنِ، وإنْ كانَ المُؤْمِنُ في أقْصى دَرَجاتِ العُلا. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِكَ إنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ﴾ [هود: ٤٦] ؟ كَما لَمْ يَنْفَعْ تَيْنِكَ المَرْأتَيْنِ كَوْنُهُما زَوْجَتَيْ نَبِيَّيْنِ. وجاءَتِ الكِنايَةُ عَنِ اسْمِهِما العَلَمَيْنِ بِقَوْلِهِ: عَبْدَيْنِ مِن عِبادِنا لِما في ذَلِكَ مِنَ التَّشْرِيفِ بِالإضافَةِ إلَيْهِ تَعالى. ولَمْ يَأْتِ التَّرْكِيبُ بِالضَّمِيرِ عَنْهُما، فَيَكُونُ تَحْتَهُما لِما قَصَدَ مِن ذِكْرِ وصْفِهِما بِقَوْلِهِ: (صالِحَيْنِ) لِأنَّ الصَّلاحَ هو الوَصْفُ الَّذِي يَمْتازُ بِهِ مَنِ اصْطَفاهُ اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ في حَقِّ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ﴿وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ [البقرة: ١٣٠] وفي قَوْلِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ [يوسف: ١٠١] وقَوْلِ سُلَيْمانَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ﴿وأدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ في عِبادِكَ الصّالِحِينَ﴾ [النمل: ١٩] . (فَخانَتاهُما) وذَلِكَ بِكُفْرِهِما، وقَوْلِ امْرَأةِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ: هو مَجْنُونٌ، ونَمِيمَةِ امْرَأةِ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِمَن ورَدَ عَلَيْهِ مِنَ الأضْيافِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ: لَمْ تَزْنِ امْرَأةُ نَبِيٍّ قَطُّ، ولا ابْتُلِيَ في نِسائِهِ بِالزِّنا. قالَ في التَّحْرِيرِ: وهَذا إجْماعٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وفي كِتابِ ابْنِ عَطِيَّةَ. وقالَ الحَسَنُ في كِتابِ النَّقّاشِ: فَخانَتاهُما بِالكُفْرِ والزِّنا وغَيْرِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولا يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالخِيانَةِ الفُجُورُ؛ لِأنَّهُ سَمِجٌ في الطِّباعِ نَقِيصَةٌ عِنْدَ كُلِّ أحَدٍ، بِخِلافِ الكُفْرِ، فَإنَّ الكُفْرَ يَسْتَسْمِجُونَهُ ويُسَمُّونَهُ حَقًّا. وقالَ الضَّحّاكُ: خانَتاهُما بِالنَّمِيمَةِ، كانَ إذا أُوحِيَ إلَيْهِ بِشَيْءٍ أفْشَتاهُ لِلْمُشْرِكِينَ، وقِيلَ: خانَتاهُما بِنِفاقِهِما. قالَ مُقاتِلٌ: اسْمُ امْرَأةِ نُوحٍ والِهَةُ، واسْمُ امْرَأةِ لُوطٍ والِعَةُ. فَلَمْ يُغْنِيا بِياءِ الغَيْبَةِ، والألِفُ ضَمِيرُ نُوحٍ ولُوطٍ، أيْ: عَلى قُرْبِهِما مِنهُما فَرَّقَ بَيْنَهُما الخِيانَةُ. وقِيلَ ادْخُلا النّارَ أيْ: وقْتَ مَوْتِهِما، أوْ يَوْمَ القِيامَةِ؛ مَعَ الدّاخِلِينَ الَّذِينَ لا وصْلَةَ بَيْنَهم وبَيْنَ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، أوْ مَعَ مَن دَخَلَها مِن إخْوانِكُما مِن قَوْمِ نُوحٍ وقَوْمِ لُوطٍ. وقَرَأ مُبَشِّرُ بْنُ عُبَيْدٍ: (تُغْنِيا) بِالتّاءِ، والألِفُ ضَمِيرُ المَرْأتَيْنِ، ومَعْنى (عَنْهُما) عَنْ أنْفُسِهِما، ولا بُدَّ مِن هَذا المُضافِ إلّا أنْ يُجْعَلَ (عَنْ) اسْمًا، كَهي في: دَعْ عَنْكَ؛ لِأنَّها إنْ كانَتْ حَرْفًا، كانَ في ذَلِكَ تَعْدِيَةُ الفِعْلِ الرّافِعِ لِلضَّمِيرِ المُتَّصِلِ إلى ضَمِيرِ المَجْرُورِ، وهو يَجْرِي مَجْرى المَنصُوبِ المُتَّصِلِ، وذَلِكَ لا يَجُوزُ.
﴿وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ ءامَنُوا امْرَأةَ فِرْعَوْنَ﴾: مَثَّلَ - تَعالى - حالَ المُؤْمِنِينَ في أنَّ وصْلَةَ الكُفّارِ لا تَضُرُّهم ولا تَنْقُصُ مِن ثَوابِهِمْ بِحالِ امْرَأةَ فِرْعَوْنَ، واسْمُها آسِيَةُ بِنْتُ مُزاحِمٍ، ولَمْ يَضُرَّها كَوْنُها كانَتْ تَحْتَ فِرْعَوْنَ عَدُوِّ اللَّهِ - تَعالى - والمُدَّعِي الإلَهِيَّةَ، بَلْ نَجّاها مِنهُ إيمانُها. وبِحالِ مَرْيَمَ، إذْ أُوتِيَتْ مِن كَرامَةِ اللَّهِ - تَعالى - في الدُّنْيا والآخِرَةِ، والِاصْطِفاءِ عَلى نِساءِ العالَمِينَ، مَعَ أنَّ قَوْمَها كانُوا كُفّارًا.
﴿إذْ قالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا في الجَنَّةِ﴾: هَذا يَدُلُّ عَلى إيمانِها وتَصْدِيقِها بِالبَعْثِ. قِيلَ: كانَتْ عَمَّةَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وآمَنَتْ حِينَ سَمِعَتْ بِتَلَقُّفِ عَصاهُ ما أفِكَ السَّحَرَةُ. طَلَبَتْ مِن رَبِّها القُرْبَ مِن رَحْمَتِهِ، وكانَ ذَلِكَ أهَمَّ عِنْدَها، فَقَدَّمَتِ الظَّرْفَ، وهو ”عِنْدَكَ بَيْتًا“، ثُمَّ بَيَّنَتْ مَكانَ القُرْبِ فَقالَتْ: ”في الجَنَّةِ“ . وقالَ بَعْضُ الظُّرَفاءِ: وقَدْ سُئِلَ أيْنَ في القُرْآنِ مِثْلُ قَوْلِهِمْ: (p-٢٩٥)الجارُ قَبْلَ الدّارِ ؟ قالَ: قَوْلُهُ تَعالى ﴿ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا في الجَنَّةِ﴾ فَعِنْدَكَ هو المُجاوَرَةُ، و(بَيْتًا) في الجَنَّةِ هو الدّارُ، وقَدْ تَقَدَّمَ ”عِنْدَكَ“ عَلى قَوْلِهِ ”بَيْتًا“ . ونَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ. قِيلَ: دَعَتْ بِهَذِهِ الدَّعَواتِ حِينَ أمَرَ فِرْعَوْنُ بِتَعْذِيبِها لَمّا عَرَفَ إيمانَها بِـ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ. وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ أنْواعًا مُضْطَرِبَةً في تَعْذِيبِها، ولَيْسَ في القُرْآنِ نَصًّا أنَّها عُذِّبَتْ. وقالَ الحَسَنُ: لَمّا دَعَتْ بِالنَّجاةِ، نَجّاها اللَّهُ - تَعالى - أكْرَمَ نَجاةٍ، فَرَفَعَها إلى الجَنَّةِ تَأْكُلُ وتَشْرَبُ وتَتَنَعَّمُ. وقِيلَ: لَمّا قالَتْ: ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا في الجَنَّةِ أُرِيَتْ بَيْتَها في الجَنَّةِ يُبْنى، ”وعَمَلِهِ“، قِيلَ: كُفْرِهِ. وقِيلَ: عَذابِهِ وظُلْمِهِ وشَماتَتِهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الجِماعُ. ونَجِّنِي مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ قالَ: أهْلُ مِصْرَ، وقالَ مُقاتِلٌ: القِبْطُ، وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى الِالتِجاءِ إلى اللَّهِ - تَعالى - عِنْدَ المِحَنِ وسُؤالِ الخَلاصِ مِنها، وأنَّ ذَلِكَ مِن سُنَنِ الصّالِحِينَ والأنْبِياءِ. ”ومَرْيَمَ“ مَعْطُوفٌ عَلى امْرَأةِ فِرْعَوْنَ. ابْنَةَ عِمْرانَ الَّتِي أحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيهِ مِن رُوحِنا: تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِ هَذِهِ في سُورَةِ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - . وقَرَأ الجُمْهُورُ: (ابْنَتَ) بِفَتْحِ التّاءِ. وأيُّوبُ السَّخْتِيانِيُّ: (ابْنَهْ) بِسُكُونِ الهاءِ وصْلًا أجْراهُ مَجْرى الوَقْفِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”فَنَفَخْنا فِيهِ“ أيْ: في الفَرْجِ. وعَبْدُ اللَّهِ: (فِيها) كَما في سُورَةِ الأنْبِياءِ، أيْ: في الجُمْلَةِ. وجَمَعَ - تَعالى - في التَّمْثِيلِ بَيْنَ الَّتِي لَها زَوْجٌ والَّتِي لا زَوْجَ لَها تَسْلِيَةً لِلْأرامِلِ وتَطْيِيبًا لِقُلُوبِهِنَّ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”وصَدَّقَتْ“ بِشَدِّ الدّالِ. ويَعْقُوبُ وأبُو مِجْلَزٍ وقَتادَةُ وعِصْمَةُ، عَنْ عاصِمٍ: بِخَفِّها، أيْ: كانَتْ صادِقَةً بِما أخْبَرَتْ بِهِ مِن أمْرِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وما أظْهَرَ اللَّهُ لَهُ مِنَ الكَراماتِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (وكَلِماتِهِ) جَمْعًا، فاحْتَمَلَ أنْ تَكُونَ الصُّحُفَ المُنَزَّلَةَ عَلى إدْرِيسَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وغَيْرِهِ، وسَمّاها كَلِماتٍ لِقِصَرِها، ويَكُونُ المُرادُ بِكُتُبِهِ: الكُتُبَ الأرْبَعَةَ. واحْتَمَلَ أنْ تَكُونَ الكَلِماتُ: ما كَلَّمَ اللَّهُ تَعالى بِهِ مَلائِكَتَهُ وغَيْرَهم. (وبِكُتُبِهِ): جَمِيعُ ما يُكْتَبُ في اللَّوْحِ وغَيْرِهِ. واحْتَمَلَ أنْ تَكُونَ الكَلِماتُ: ما صَدَرَ في أمْرِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ. وقَرَأ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ والجَحْدَرِيُّ: (بِكَلِمَةٍ) عَلى التَّوْحِيدِ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ اسْمَ جِنْسٍ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ كِنايَةً عَنْ عِيسى؛ لِأنَّهُ قَدْ أطْلَقَ عَلَيْهِ أنَّهُ كَلِمَةُ اللَّهِ ألْقاها إلى مَرْيَمَ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وحَفْصٌ: (وكُتُبِهِ) جَمْعًا، ورَواهُ كَذَلِكَ خارِجَةُ عَنْ نافِعٍ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ: (وكِتابِهِ) عَلى الإفْرادِ، فاحْتَمَلَ أنْ يُرادَ بِهِ الجِنْسُ وأنْ يُرادَ بِهِ الإنْجِيلُ لا سِيَّما إنْ فُسِّرَتِ الكَلِمَةُ بِـ عِيسى. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ: (وكَتْبِهِ) . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: بِسُكُونِ التّاءِ (وكُتْبِهِ) وذَلِكَ كُلُّهُ مُرادٌ بِهِ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ. وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ أبُو رَجاءٍ: (وكَتْبِهِ) بِفَتْحِ الكافِ، وهو مَصْدَرٌ أُقِيمَ مَقامَ الِاسْمِ. قالَ سَهْلٌ: و”كُتُبِهِ“ أجْمَعُ مِن ”كِتابِهِ“؛ لِأنَّ فِيهِ وضْعَ المُضافِ مَوْضِعَ الجِنْسِ، فالكُتُبُ عامٌّ، والكِتابُ هو الإنْجِيلُ فَقَطْ. انْتَهى. وكانَتْ مِنَ القانِتِينَ: غَلَّبَ الذُّكُورِيَّةَ عَلى التَّأْنِيثِ، والقانِتِينَ شامِلٌ لِلذُّكُورِ والإناثِ، و(مِن) لِلتَّبْعِيضِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِابْتِداءِ الغايَةِ عَلى أنَّها وُلِدَتْ مِنَ القانِتِينَ؛ لِأنَّها مِن أعْقابِ هارُونَ أخِي مُوسى - صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِما - وقالَ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ: مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ يُحَذِّرُ بِهِ عائِشَةَ وحَفْصَةَ مِنَ المُخالَفَةِ حِينَ تَظاهَرَتا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ ضَرَبَ لَهُما مَثَلًا بِامْرَأةِ فِرْعَوْنَ ومَرْيَمَ ابْنَتِ عِمْرانَ؛ تَرْغِيبًا في التَّمَسُّكِ بِالطّاعاتِ والثَّباتِ عَلى الدِّينِ. انْتَهى. وأخَذَ الزَّمَخْشَرِيُّ كَلامَ ابْنِ سَلّامٍ هَذا وحَسَّنَهُ وزَمَكَهُ بِفَصاحَةٍ، فَقالَ: وفي طَيِّ هَذَيْنِ التَّمْثِيلَيْنِ تَعْرِيضٌ بِأُمَّيِ المُؤْمِنِينَ المَذْكُورَتَيْنِ في أوَّلِ السُّورَةِ، وما فَرَطَ مِنهُما مِنَ التَّظاهُرِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِما كَرِهَهُ، وتَحْذِيرٌ لَهُما عَلى أغْلَظِ وجْهٍ وأشَدِّهِ لِما في التَّمْثِيلِ مِن ذِكْرِ الكُفْرِ ونَحْوِهِ. ومِنَ التَّغْلِيظِ قَوْلُهُ: ﴿ومَن كَفَرَ فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧] وإشارَةٌ إلى أنَّ مِن حَقِّهِما أنْ يَكُونا في الإخْلاصِ والكِتْمانِ فِيهِ كَمِثْلِ هاتَيْنِ المُؤْمِنَتَيْنِ، وأنْ لا يُشْكِلا عَلى أنَّهُما زَوْجَتا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (p-٢٩٦)فَإنَّ ذَلِكَ الفَضْلَ لا يَنْقُصُهُما إلّا مَعَ كَوْنِهِما مُخْلِصَيْنِ. والتَّعْرِيضُ بِـ حَفْصَةَ أرْجَحُ؛ لِأنَّ امْرَأةَ لُوطٍ أفْشَتْ عَلَيْهِ كَما أفْشَتْ حَفْصَةُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وأسْرارُ التَّنْزِيلِ ورُمُوزُهُ في كُلِّ بابٍ بالِغَةٌ مِنَ اللُّطْفِ والخَفاءِ حدًّا يَدِقُّ عَنْ تَفَطُّنِ العالِمِ ويَزِلُّ عَنْ تَبَصُّرِهِ. انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقالَ بَعْضُ النّاسِ: إنَّ في المَثَلَيْنِ عِبْرَةً لِزَوْجاتِ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ تَقَدَّمَ عِتابُهُنَّ، وفي هَذا بُعْدٌ؛ لِأنَّ النَّصَّ أنَّهُ لِلْكُفّارِ يُبْعِدُ هَذا، واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ.
التحريم 66:12
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إلى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسى رَبُّكم أنْ يُكَفِّرَ عَنْكم سَيِّئاتِكم ويُدْخِلَكم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهم يَسْعى بَيْنَ أيْدِيهِمْ وبِأيْمانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا أتْمِمْ لَنا نُورَنا واغْفِرْ لَنا إنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ جاهِدِ الكُفّارَ والمُنافِقِينَ واغْلُظْ عَلَيْهِمْ ومَأْواهم جَهَنَّمُ وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأةَ نُوحٍ وامْرَأةَ لُوطٍ كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِن عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وقِيلَ ادْخُلا النّارَ مَعَ الدّاخِلِينَ﴾ ﴿وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأةَ فِرْعَوْنَ إذْ قالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا في الجَنَّةِ ونَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وعَمَلِهِ ونَجِّنِي مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ ﴿ومَرْيَمَ ابْنَةَ عِمْرانَ الَّتِي أحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيهِ مِن رُوحِنا وصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها وكُتُبِهِ وكانَتْ مِنَ القانِتِينَ﴾ .
(p-٢٩٣)ذَكَرُوا في النَّصُوحِ أرْبَعَةً وعِشْرِينَ قَوْلًا. ورُوِيَ عَنْ عُمَرَ وعَبْدِ اللَّهِ وأُبَيٍّ ومُعاذٍ أنَّها الَّتِي لا عَوْدَةَ بَعْدَها، كَما لا يَعُودُ اللَّبَنُ إلى الضَّرْعِ، ورَفَعَهُ مُعاذٌ إلى النَّبِيِّ، ﷺ . وقَرَأ الجُمْهُورُ: (نَصُوحًا) بِفَتْحِ النُّونِ، وصْفًا لِتَوْبَةٍ، وهو مِن أمْثِلَةِ المُبالَغَةِ، كَضَرُوبٍ وقَتُولٍ. وقَرَأ الحَسَنُ والأعْرَجُ وعِيسى وأبُو بَكْرٍ، عَنْ عاصِمٍ، وخارِجَةُ عَنْ نافِعٍ: بِضَمِّها، هو مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ، ووَصَفَها بِالنُّصْحِ عَلى سَبِيلِ المَجازِ، إذِ النُّصْحُ صِفَةُ التّائِبِ، وهو أنْ يَنْصَحَ نَفْسَهُ بِالتَّوْبَةِ، فَيَأْتِي بِها عَلى طَرِيقِها، وهي خُلُوصُها مِن جَمِيعِ الشَّوائِبِ المُفْسِدَةِ لَها، مِن قَوْلِهِمْ عَسَلٌ ناصِحٌ، أيْ: خالِصٌ مِنَ الشَّمْعِ، أوْ مِنَ النَّصاحَةِ وهي الخِياطَةُ، أيْ: قَدْ أحْكَمَها وأوْثَقَها، كَما يُحْكِمُ الخَيّاطُ الثَّوْبَ بِخِياطَتِهِ وتَوْثِيقِهِ. وسَمِعَ عَلِيٌّ أعْرابِيًّا يَقُولُ: اللَّهُمَّ إنِّي أسْتَغْفِرُكَ وأتُوبُ إلَيْكَ، فَقالَ: يا هَذا إنَّ سُرْعَةَ اللِّسانِ بِالتَّوْبَةِ تَوْبَةُ الكَذّابِينَ قالَ: وما التَّوْبَةُ ؟ قالَ: يَجْمَعُها سِتَّةُ أشْياءَ: عَلى الماضِي مِنَ الذُّنُوبِ النَّدامَةُ، وعَلى الفَرائِضِ الإعادَةُ، ورَدُّ المَظالِمِ واسْتِحْلالُ الخُصُومِ، وأنْ يَعْزِمَ عَلى أنْ لا يَعُودَ، وأنْ تُدْئِبَ نَفْسَكَ في طاعَةِ اللَّهِ كَما أدْأبْتَها في المَعْصِيَةِ، وأنْ تُذِيقَها مَرارَةَ الطّاعَةِ كَما أذَقْتَها حَلاوَةَ المَعاصِي. وعَنْ حُذَيْفَةَ: بِحَسْبِ الرَّجُلِ مِنَ الشَّرِّ أنْ يَتُوبَ مِنَ الذَّنْبِ ثُمَّ يَعُودَ فِيهِ، انْتَهى. و”نَصُوحًا“ مِن نَصَحَ، فاحْتَمَلَ - وهو الظّاهِرُ - أنْ تَكُونَ التَّوْبَةُ تَنْصَحُ نَفْسَ التّائِبِ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقُ النُّصْحِ النّاسَ، أيْ: يَدْعُوهم إلى مِثْلِها لِظُهُورِ أمْرِها عَلى صاحِبِها. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: تَوْبًا بِغَيْرِ تاءٍ، ومَن قَرَأ بِالضَّمِّ جازَ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا وُصِفَ كَما قَدَّمْناهُ، وجازَ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لَهُ، أيْ: تُوبُوا لِنُصْحِ أنْفُسِكم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (ويُدْخِلَكم) عَطْفًا عَلى أنْ يُكَفِّرَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَطْفًا عَلى مَحَلِّ عَسى أنْ يُكَفِّرَ، كَأنَّهُ قِيلَ: تُوبُوا يُوجِبْ تَكْفِيرَ سَيِّئاتِكم ويُدْخِلْكم. انْتَهى. والأوْلى أنْ يَكُونَ حَذْفُ الحَرَكَةِ تَخْفِيفًا وتَشْبِيهًا لِما هو مِن كَلِمَتَيْنِ بِالكَلِمَةِ الواحِدَةِ، تَقُولُ في قَمَعٍ ونَطَعٍ: قَمْعٍ ونَطْعٍ.
يَوْمَ لا يُخْزِي مَنصُوبٌ بِـ (يُدْخِلَكم) ولا يُخْزِي تَعْرِيضٌ بِمَن أخْزاهُمُ اللَّهُ مِن أهْلِ الكُفْرِ، والنَّبِيُّ هو مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وفي الحَدِيثِ أنَّهُ ﷺ «تَضَرَّعَ إلى اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - في أمْرِ أُمَّتِهِ، فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ: إنْ شِئْتَ جَعَلْتُ حِسابَهم إلَيْكَ، فَقالَ: (p-٢٩٤)يا رَبِّ أنْتَ أرْحَمُ بِهِمْ، فَقالَ تَعالى: إذًا لا أُخْزِيكَ فِيهِمْ» . وجازَ أنْ يَكُونَ (والَّذِينَ) مَعْطُوفًا عَلى (النَّبِيَّ) فَيَدْخُلُونَ في انْتِفاءِ الخِزْيِ. وجازَ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً، والخَبَرُ نُورُهم يَسْعى بَيْنَ أيْدِيهِمْ وبِأيْمانِهِمْ. وقَرَأ سَهْلُ بْنُ شُعَيْبٍ وأبُو حَيْوَةَ: ”وبِإيمانِهِمْ“ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وتَقَدَّمَ في الحَدِيثِ. يَقُولُونَ رَبَّنا أتْمِمْ لَنا نُورَنا. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ: يَقُولُونَ ذَلِكَ إذا طُفِئَ نُورُ المُنافِقِينَ. وقالَ الحَسَنُ أيْضًا: يَدْعُونَهُ تَقَرُّبًا إلَيْهِ، كَقَوْلِهِ: واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وهو مَغْفُورٌ لَهُ. وقِيلَ: يَقُولُهُ مَن يَمُرُّ عَلى الصِّراطِ زَحْفًا وحَبْوًا. وقِيلَ: يَقُولُهُ مَن يُعْطى مِنَ النُّورِ مِقْدارَ ما يُبْصِرُ بِهِ مَوْضِعَ قَدَمَيْهِ.
﴿ياأيُّها النَّبِيُّ جاهِدِ الكُفّارَ والمُنافِقِينَ﴾: تَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في التَّوْبَةِ.
﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ضَرَبَ تَعالى المَثَلَ لَهم بِامْرَأةِ نُوحٍ وامْرَأةِ لُوطٍ، في أنَّهم لا يَنْفَعُهم في كُفْرِهِمْ لُحْمَةُ نَسَبٍ ولا وصْلَةُ صِهْرٍ، إذِ الكُفْرُ قاطِعُ العَلائِقِ بَيْنَ الكافِرِ والمُؤْمِنِ، وإنْ كانَ المُؤْمِنُ في أقْصى دَرَجاتِ العُلا. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِكَ إنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ﴾ [هود: ٤٦] ؟ كَما لَمْ يَنْفَعْ تَيْنِكَ المَرْأتَيْنِ كَوْنُهُما زَوْجَتَيْ نَبِيَّيْنِ. وجاءَتِ الكِنايَةُ عَنِ اسْمِهِما العَلَمَيْنِ بِقَوْلِهِ: عَبْدَيْنِ مِن عِبادِنا لِما في ذَلِكَ مِنَ التَّشْرِيفِ بِالإضافَةِ إلَيْهِ تَعالى. ولَمْ يَأْتِ التَّرْكِيبُ بِالضَّمِيرِ عَنْهُما، فَيَكُونُ تَحْتَهُما لِما قَصَدَ مِن ذِكْرِ وصْفِهِما بِقَوْلِهِ: (صالِحَيْنِ) لِأنَّ الصَّلاحَ هو الوَصْفُ الَّذِي يَمْتازُ بِهِ مَنِ اصْطَفاهُ اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ في حَقِّ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ﴿وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ [البقرة: ١٣٠] وفي قَوْلِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ [يوسف: ١٠١] وقَوْلِ سُلَيْمانَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ﴿وأدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ في عِبادِكَ الصّالِحِينَ﴾ [النمل: ١٩] . (فَخانَتاهُما) وذَلِكَ بِكُفْرِهِما، وقَوْلِ امْرَأةِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ: هو مَجْنُونٌ، ونَمِيمَةِ امْرَأةِ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِمَن ورَدَ عَلَيْهِ مِنَ الأضْيافِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ: لَمْ تَزْنِ امْرَأةُ نَبِيٍّ قَطُّ، ولا ابْتُلِيَ في نِسائِهِ بِالزِّنا. قالَ في التَّحْرِيرِ: وهَذا إجْماعٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وفي كِتابِ ابْنِ عَطِيَّةَ. وقالَ الحَسَنُ في كِتابِ النَّقّاشِ: فَخانَتاهُما بِالكُفْرِ والزِّنا وغَيْرِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولا يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالخِيانَةِ الفُجُورُ؛ لِأنَّهُ سَمِجٌ في الطِّباعِ نَقِيصَةٌ عِنْدَ كُلِّ أحَدٍ، بِخِلافِ الكُفْرِ، فَإنَّ الكُفْرَ يَسْتَسْمِجُونَهُ ويُسَمُّونَهُ حَقًّا. وقالَ الضَّحّاكُ: خانَتاهُما بِالنَّمِيمَةِ، كانَ إذا أُوحِيَ إلَيْهِ بِشَيْءٍ أفْشَتاهُ لِلْمُشْرِكِينَ، وقِيلَ: خانَتاهُما بِنِفاقِهِما. قالَ مُقاتِلٌ: اسْمُ امْرَأةِ نُوحٍ والِهَةُ، واسْمُ امْرَأةِ لُوطٍ والِعَةُ. فَلَمْ يُغْنِيا بِياءِ الغَيْبَةِ، والألِفُ ضَمِيرُ نُوحٍ ولُوطٍ، أيْ: عَلى قُرْبِهِما مِنهُما فَرَّقَ بَيْنَهُما الخِيانَةُ. وقِيلَ ادْخُلا النّارَ أيْ: وقْتَ مَوْتِهِما، أوْ يَوْمَ القِيامَةِ؛ مَعَ الدّاخِلِينَ الَّذِينَ لا وصْلَةَ بَيْنَهم وبَيْنَ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، أوْ مَعَ مَن دَخَلَها مِن إخْوانِكُما مِن قَوْمِ نُوحٍ وقَوْمِ لُوطٍ. وقَرَأ مُبَشِّرُ بْنُ عُبَيْدٍ: (تُغْنِيا) بِالتّاءِ، والألِفُ ضَمِيرُ المَرْأتَيْنِ، ومَعْنى (عَنْهُما) عَنْ أنْفُسِهِما، ولا بُدَّ مِن هَذا المُضافِ إلّا أنْ يُجْعَلَ (عَنْ) اسْمًا، كَهي في: دَعْ عَنْكَ؛ لِأنَّها إنْ كانَتْ حَرْفًا، كانَ في ذَلِكَ تَعْدِيَةُ الفِعْلِ الرّافِعِ لِلضَّمِيرِ المُتَّصِلِ إلى ضَمِيرِ المَجْرُورِ، وهو يَجْرِي مَجْرى المَنصُوبِ المُتَّصِلِ، وذَلِكَ لا يَجُوزُ.
﴿وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ ءامَنُوا امْرَأةَ فِرْعَوْنَ﴾: مَثَّلَ - تَعالى - حالَ المُؤْمِنِينَ في أنَّ وصْلَةَ الكُفّارِ لا تَضُرُّهم ولا تَنْقُصُ مِن ثَوابِهِمْ بِحالِ امْرَأةَ فِرْعَوْنَ، واسْمُها آسِيَةُ بِنْتُ مُزاحِمٍ، ولَمْ يَضُرَّها كَوْنُها كانَتْ تَحْتَ فِرْعَوْنَ عَدُوِّ اللَّهِ - تَعالى - والمُدَّعِي الإلَهِيَّةَ، بَلْ نَجّاها مِنهُ إيمانُها. وبِحالِ مَرْيَمَ، إذْ أُوتِيَتْ مِن كَرامَةِ اللَّهِ - تَعالى - في الدُّنْيا والآخِرَةِ، والِاصْطِفاءِ عَلى نِساءِ العالَمِينَ، مَعَ أنَّ قَوْمَها كانُوا كُفّارًا.
﴿إذْ قالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا في الجَنَّةِ﴾: هَذا يَدُلُّ عَلى إيمانِها وتَصْدِيقِها بِالبَعْثِ. قِيلَ: كانَتْ عَمَّةَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وآمَنَتْ حِينَ سَمِعَتْ بِتَلَقُّفِ عَصاهُ ما أفِكَ السَّحَرَةُ. طَلَبَتْ مِن رَبِّها القُرْبَ مِن رَحْمَتِهِ، وكانَ ذَلِكَ أهَمَّ عِنْدَها، فَقَدَّمَتِ الظَّرْفَ، وهو ”عِنْدَكَ بَيْتًا“، ثُمَّ بَيَّنَتْ مَكانَ القُرْبِ فَقالَتْ: ”في الجَنَّةِ“ . وقالَ بَعْضُ الظُّرَفاءِ: وقَدْ سُئِلَ أيْنَ في القُرْآنِ مِثْلُ قَوْلِهِمْ: (p-٢٩٥)الجارُ قَبْلَ الدّارِ ؟ قالَ: قَوْلُهُ تَعالى ﴿ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا في الجَنَّةِ﴾ فَعِنْدَكَ هو المُجاوَرَةُ، و(بَيْتًا) في الجَنَّةِ هو الدّارُ، وقَدْ تَقَدَّمَ ”عِنْدَكَ“ عَلى قَوْلِهِ ”بَيْتًا“ . ونَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ. قِيلَ: دَعَتْ بِهَذِهِ الدَّعَواتِ حِينَ أمَرَ فِرْعَوْنُ بِتَعْذِيبِها لَمّا عَرَفَ إيمانَها بِـ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ. وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ أنْواعًا مُضْطَرِبَةً في تَعْذِيبِها، ولَيْسَ في القُرْآنِ نَصًّا أنَّها عُذِّبَتْ. وقالَ الحَسَنُ: لَمّا دَعَتْ بِالنَّجاةِ، نَجّاها اللَّهُ - تَعالى - أكْرَمَ نَجاةٍ، فَرَفَعَها إلى الجَنَّةِ تَأْكُلُ وتَشْرَبُ وتَتَنَعَّمُ. وقِيلَ: لَمّا قالَتْ: ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا في الجَنَّةِ أُرِيَتْ بَيْتَها في الجَنَّةِ يُبْنى، ”وعَمَلِهِ“، قِيلَ: كُفْرِهِ. وقِيلَ: عَذابِهِ وظُلْمِهِ وشَماتَتِهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الجِماعُ. ونَجِّنِي مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ قالَ: أهْلُ مِصْرَ، وقالَ مُقاتِلٌ: القِبْطُ، وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى الِالتِجاءِ إلى اللَّهِ - تَعالى - عِنْدَ المِحَنِ وسُؤالِ الخَلاصِ مِنها، وأنَّ ذَلِكَ مِن سُنَنِ الصّالِحِينَ والأنْبِياءِ. ”ومَرْيَمَ“ مَعْطُوفٌ عَلى امْرَأةِ فِرْعَوْنَ. ابْنَةَ عِمْرانَ الَّتِي أحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيهِ مِن رُوحِنا: تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِ هَذِهِ في سُورَةِ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - . وقَرَأ الجُمْهُورُ: (ابْنَتَ) بِفَتْحِ التّاءِ. وأيُّوبُ السَّخْتِيانِيُّ: (ابْنَهْ) بِسُكُونِ الهاءِ وصْلًا أجْراهُ مَجْرى الوَقْفِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”فَنَفَخْنا فِيهِ“ أيْ: في الفَرْجِ. وعَبْدُ اللَّهِ: (فِيها) كَما في سُورَةِ الأنْبِياءِ، أيْ: في الجُمْلَةِ. وجَمَعَ - تَعالى - في التَّمْثِيلِ بَيْنَ الَّتِي لَها زَوْجٌ والَّتِي لا زَوْجَ لَها تَسْلِيَةً لِلْأرامِلِ وتَطْيِيبًا لِقُلُوبِهِنَّ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”وصَدَّقَتْ“ بِشَدِّ الدّالِ. ويَعْقُوبُ وأبُو مِجْلَزٍ وقَتادَةُ وعِصْمَةُ، عَنْ عاصِمٍ: بِخَفِّها، أيْ: كانَتْ صادِقَةً بِما أخْبَرَتْ بِهِ مِن أمْرِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وما أظْهَرَ اللَّهُ لَهُ مِنَ الكَراماتِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (وكَلِماتِهِ) جَمْعًا، فاحْتَمَلَ أنْ تَكُونَ الصُّحُفَ المُنَزَّلَةَ عَلى إدْرِيسَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وغَيْرِهِ، وسَمّاها كَلِماتٍ لِقِصَرِها، ويَكُونُ المُرادُ بِكُتُبِهِ: الكُتُبَ الأرْبَعَةَ. واحْتَمَلَ أنْ تَكُونَ الكَلِماتُ: ما كَلَّمَ اللَّهُ تَعالى بِهِ مَلائِكَتَهُ وغَيْرَهم. (وبِكُتُبِهِ): جَمِيعُ ما يُكْتَبُ في اللَّوْحِ وغَيْرِهِ. واحْتَمَلَ أنْ تَكُونَ الكَلِماتُ: ما صَدَرَ في أمْرِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ. وقَرَأ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ والجَحْدَرِيُّ: (بِكَلِمَةٍ) عَلى التَّوْحِيدِ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ اسْمَ جِنْسٍ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ كِنايَةً عَنْ عِيسى؛ لِأنَّهُ قَدْ أطْلَقَ عَلَيْهِ أنَّهُ كَلِمَةُ اللَّهِ ألْقاها إلى مَرْيَمَ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وحَفْصٌ: (وكُتُبِهِ) جَمْعًا، ورَواهُ كَذَلِكَ خارِجَةُ عَنْ نافِعٍ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ: (وكِتابِهِ) عَلى الإفْرادِ، فاحْتَمَلَ أنْ يُرادَ بِهِ الجِنْسُ وأنْ يُرادَ بِهِ الإنْجِيلُ لا سِيَّما إنْ فُسِّرَتِ الكَلِمَةُ بِـ عِيسى. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ: (وكَتْبِهِ) . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: بِسُكُونِ التّاءِ (وكُتْبِهِ) وذَلِكَ كُلُّهُ مُرادٌ بِهِ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ. وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ أبُو رَجاءٍ: (وكَتْبِهِ) بِفَتْحِ الكافِ، وهو مَصْدَرٌ أُقِيمَ مَقامَ الِاسْمِ. قالَ سَهْلٌ: و”كُتُبِهِ“ أجْمَعُ مِن ”كِتابِهِ“؛ لِأنَّ فِيهِ وضْعَ المُضافِ مَوْضِعَ الجِنْسِ، فالكُتُبُ عامٌّ، والكِتابُ هو الإنْجِيلُ فَقَطْ. انْتَهى. وكانَتْ مِنَ القانِتِينَ: غَلَّبَ الذُّكُورِيَّةَ عَلى التَّأْنِيثِ، والقانِتِينَ شامِلٌ لِلذُّكُورِ والإناثِ، و(مِن) لِلتَّبْعِيضِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِابْتِداءِ الغايَةِ عَلى أنَّها وُلِدَتْ مِنَ القانِتِينَ؛ لِأنَّها مِن أعْقابِ هارُونَ أخِي مُوسى - صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِما - وقالَ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ: مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ يُحَذِّرُ بِهِ عائِشَةَ وحَفْصَةَ مِنَ المُخالَفَةِ حِينَ تَظاهَرَتا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ ضَرَبَ لَهُما مَثَلًا بِامْرَأةِ فِرْعَوْنَ ومَرْيَمَ ابْنَتِ عِمْرانَ؛ تَرْغِيبًا في التَّمَسُّكِ بِالطّاعاتِ والثَّباتِ عَلى الدِّينِ. انْتَهى. وأخَذَ الزَّمَخْشَرِيُّ كَلامَ ابْنِ سَلّامٍ هَذا وحَسَّنَهُ وزَمَكَهُ بِفَصاحَةٍ، فَقالَ: وفي طَيِّ هَذَيْنِ التَّمْثِيلَيْنِ تَعْرِيضٌ بِأُمَّيِ المُؤْمِنِينَ المَذْكُورَتَيْنِ في أوَّلِ السُّورَةِ، وما فَرَطَ مِنهُما مِنَ التَّظاهُرِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِما كَرِهَهُ، وتَحْذِيرٌ لَهُما عَلى أغْلَظِ وجْهٍ وأشَدِّهِ لِما في التَّمْثِيلِ مِن ذِكْرِ الكُفْرِ ونَحْوِهِ. ومِنَ التَّغْلِيظِ قَوْلُهُ: ﴿ومَن كَفَرَ فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧] وإشارَةٌ إلى أنَّ مِن حَقِّهِما أنْ يَكُونا في الإخْلاصِ والكِتْمانِ فِيهِ كَمِثْلِ هاتَيْنِ المُؤْمِنَتَيْنِ، وأنْ لا يُشْكِلا عَلى أنَّهُما زَوْجَتا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (p-٢٩٦)فَإنَّ ذَلِكَ الفَضْلَ لا يَنْقُصُهُما إلّا مَعَ كَوْنِهِما مُخْلِصَيْنِ. والتَّعْرِيضُ بِـ حَفْصَةَ أرْجَحُ؛ لِأنَّ امْرَأةَ لُوطٍ أفْشَتْ عَلَيْهِ كَما أفْشَتْ حَفْصَةُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وأسْرارُ التَّنْزِيلِ ورُمُوزُهُ في كُلِّ بابٍ بالِغَةٌ مِنَ اللُّطْفِ والخَفاءِ حدًّا يَدِقُّ عَنْ تَفَطُّنِ العالِمِ ويَزِلُّ عَنْ تَبَصُّرِهِ. انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقالَ بَعْضُ النّاسِ: إنَّ في المَثَلَيْنِ عِبْرَةً لِزَوْجاتِ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ تَقَدَّمَ عِتابُهُنَّ، وفي هَذا بُعْدٌ؛ لِأنَّ النَّصَّ أنَّهُ لِلْكُفّارِ يُبْعِدُ هَذا، واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ.
الملك 67:1
(سُورَةُ المُلْكِ مَكِّيَّةٌ وهي ثَلاثُونَ آيَةً)
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)
﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ والحَياةَ لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا وهو العَزِيزُ الغَفُورُ﴾ ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا ما تَرى في خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفاوُتٍ فارْجِعِ البَصَرَ هَلْ تَرى مِن فُطُورٍ﴾ ﴿ثُمَّ ارْجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إلَيْكَ البَصَرُ خاسِئًا وهو حَسِيرٌ﴾ ﴿ولَقَدْ زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ وأعْتَدْنا لَهم عَذابَ السَّعِيرِ﴾ ﴿ولِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ ﴿إذا أُلْقُوا فِيها سَمِعُوا لَها شَهِيقًا وهي تَفُورُ﴾ ﴿تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَألَهم خَزَنَتُها ألَمْ يَأْتِكم نَذِيرٌ﴾ ﴿قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا وقُلْنا ما نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ إنْ أنْتُمْ إلّا في ضَلالٍ كَبِيرٍ﴾ ﴿وقالُوا لَوْ كُنّا نَسْمَعُ أوْ نَعْقِلُ ما كُنّا في أصْحابِ السَّعِيرِ﴾ ﴿فاعْتَرِفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأصْحابِ السَّعِيرِ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ كَبِيرٌ﴾ ﴿وأسِرُّوا قَوْلَكم أوِ اجْهُرُوا بِهِ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ ﴿ألا يَعْلَمُ مَن خَلَقَ وهو اللَّطِيفُ الخَبِيرُ﴾ ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ ذَلُولًا فامْشُوا في مَناكِبِها وكُلُوا مِن رِزْقِهِ وإلَيْهِ النُّشُورُ﴾ .
(p-٢٩٧)هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ. ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها، أنَّهُ لَمّا ضُرِبَ لِلْكَفّارِ بِتَيْنِكَ المَرْأتَيْنِ المَحْتُومِ لَهُما بِالشَّقاوَةِ، وإنْ كانَتا تَحْتَ نَبِيِّينَ، ومَثَلًا لِلْمُؤْمِنِينَ بِـ آسِيَةَ ومَرْيَمَ، وهُما مَحْتُومٌ لَهُما بِالجَنَّةِ، وإنْ كانَ قَوْماهُما كافِرِينَ. كانَ ذَلِكَ تَصَرُّفًا في مُلْكِهِ عَلى ما سَبَقَ قَضاؤُهُ، فَقالَ: (تَبارَكَ) أيْ: تَعالى وتَعاظَمَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكِ وهو كِنايَةٌ عَنِ الإحاطَةِ والقَهْرِ، وكَثِيرًا ما جاءَ نِسْبَةُ اليَدِ إلَيْهِ - تَعالى - كَقَوْلِهِ: ﴿فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [يس: ٨٣] بِيَدِكَ الخَيْرُ وذَلِكَ في حَقِّهِ - تَعالى - اسْتِعارَةٌ لِتَحْقِيقِ المُلْكِ، إذْ كانَتْ في عُرْفِ الآدَمِيِّينَ آلَةً لِلتَّمَلُّكِ، والمُلْكُ هُنا هو عَلى الإطْلاقِ لا يَبِيدُ ولا يَخْتَلُّ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: مَلِكُ المُلُوكِ لِقَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ المُلْكِ﴾ [آل عمران: ٢٦] وناسَبَ المُلْكَ ذِكْرُ وصْفِ القُدْرَةِ والحَياةِ ما يَصِحُّ بِوُجُودِهِ الإحْساسُ. ومَعْنى خَلَقَ المَوْتَ إيجادُ ذَلِكَ المُصَحِّحِ وإعْدامُهُ، والمَعْنى: خَلَقَ مَوْتَكم وحَياتَكم أيُّها المُكَلَّفُونَ، وسَمّى عِلْمَ الواقِعِ مِنهم بِاخْتِيارِهِمْ بَلْوى وهي الحَيْرَةُ، اسْتِعارَةً مِن فِعْلِ المُخْتَبِرِ. وفي الحَدِيثِ أنَّهُ فَسَّرَ أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا أيْ: أحْسَنُ عَقْلًا وأشَدُّكم خَوْفًا وأحْسَنُكم في أمْرِهِ ونَهْيِهِ نَظَرًا، وإنْ كانَ أقَلَّكم تَطَوُّعًا. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ والثَّوْرِيِّ: أزْهَدُكم في الدُّنْيا. وقِيلَ: كَنّى بِالمَوْتِ عَنِ الدُّنْيا، إذْ هو واقِعٌ فِيها، وعَنِ الآخِرَةِ بِالحَياةِ مِن حَيْثُ لا مَوْتَ فِيها، فَكَأنَّهُ قالَ: هو الَّذِي خَلَقَ الدُّنْيا والآخِرَةَ، وصَفَهُما بِالمَصْدَرَيْنِ، وقَدَّمَ المَوْتَ لِأنَّهُ أهْيَبُ في النُّفُوسِ. و(لِيَبْلُوَكم) مُتَعَلِّقٌ بِـ (خَلَقَ) وأيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، فَقَدَّرَ الحَوْفِيُّ قَبْلَها فِعْلًا تَكُونُ الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ مَعْمُولِهِ، وهو مُعَلَّقٌ عَنْها، تَقْدِيرُهُ: فَيَنْظُرُ، وقَدَّرَ ابْنُ عَطِيَّةَ فَيَنْظُرُ أوْ فَيَعْلَمُ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ) مِن أيْنَ تَعَلَّقَ قَوْلُهُ: أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا بِفِعْلِ البَلْوى ؟ (قُلْتُ): مِن حَيْثُ إنَّهُ تَضَمَّنَ مَعْنى العِلْمِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: لِيَعْلَمَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا، وإذا قُلْتَ: عَلِمْتُهُ أزَيْدٌ أحْسَنُ عَمَلًا أمْ هو ؟ كانَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ واقِعَةً مَوْقِعَ الثّانِي مِن مَفْعُولَيْهِ، كَما تَقُولُ: عَلِمْتُهُ هو أحْسَنُ عَمَلًا. (فَإنْ قُلْتَ) أيُسَمّى هَذا تَعْلِيقًا ؟ (قُلْتُ): لا، إنَّما التَّعْلِيقُ أنْ تُوقِعَ بَعْدَهُ ما يَسُدُّ مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ جَمِيعًا، كَقَوْلِكَ: عَلِمْتُ أيُّهُما عَمْرٌو، وعَلِمْتُ أزَيْدٌ مُنْطَلِقٌ. ألا تَرى أنَّهُ لا فَصْلَ بَعْدَ سَبْقِ أحَدِ المَفْعُولَيْنِ بَيْنَ أنْ يَقَعَ ما بَعْدَهُ مُصَدَّرًا بِحَرْفِ الِاسْتِفْهامِ وغَيْرَ مُصَدَّرٍ بِهِ ؟ ولَوْ كانَ تَعْلِيقًا لافْتَرَقَتِ الحالَتانِ، كَما افْتَرَقَتا في قَوْلِكَ: عَلِمْتُ أزَيْدٌ مُنْطَلِقٌ، وعَلِمْتُ زَيْدًا مُنْطَلِقًا. انْتَهى. وأصْحابُنا يُسَمُّونَ ما مَنَعَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ تَعْلِيقًا، فَيَقُولُونَ في الفِعْلِ إذا عُدِّيَ إلى اثْنَيْنِ (p-٢٩٨)ونُصِبَ الأوَّلُ وجاءَتْ بَعْدَهُ جُمْلَةٌ اسْتِفْهامِيَّةٌ، أوْ بِلامِ الِابْتِداءِ، أوْ بِحَرْفِ نَفْيٍ، كانَتِ الجُمْلَةُ مُعَلَّقًا عَنْها الفِعْلُ، وكانَتْ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، كَما لَوْ وقَعَتْ في مَوْضِعِ المَفْعُولَيْنِ وفِيها ما يُعَلِّقُ الفِعْلَ عَنِ العَمَلِ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مِثْلِ هَذِهِ الجُمْلَةِ في الكَهْفِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِنَبْلُوَهم أيُّهم أحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٧] .
وانْتَصَبَ (طِباقًا) عَلى الوَصْفِ لِـ ”سَبْعَ“، فَإمّا أنْ يَكُونَ مَصْدَرَ طابَقَ مُطابَقَةً وطِباقًا لِقَوْلِهِمْ: النَّعْلُ خَصْفُها طَبَقًا عَلى طَبَقٍ، وُصِفَ بِهِ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ، أوْ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ ذا طِباقٍ، وإمّا جَمْعُ طَبَقٍ كَجَمَلٍ وجِمالٍ، أوْ جَمْعُ طَبَقَةٍ كَرَحَبَةٍ ورِحابٍ، والمَعْنى: بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ. وما ذُكِرَ مِن مَوادِّ هَذِهِ السَّماواتِ. فالأُولى مِن مَوْجٍ مَكْفُوفٍ، والثّانِيَةُ مِن دُرَّةٍ بَيْضاءَ، والثّالِثَةُ مِن حَدِيدٍ، والرّابِعَةُ مِن نُحاسٍ، والخامِسَةُ مِن فِضَّةٍ، والسّادِسَةُ مِن ذَهَبٍ، والسّابِعَةُ مِن زُمُرُّدَةٍ بَيْضاءَ - يَحْتاجُ إلى نَقْلٍ صَحِيحٍ، وقَدْ كانَ بَعْضُ مَن يَنْتَمِي إلى الصَّلاحِ، وكانَ أعْمى لا يُبْصِرُ مَوْضِعَ قَدَمِهِ، يُخْبِرُ أنَّهُ يُشاهِدُ السَّماواتِ عَلى بَعْضِ أوْصافٍ مِمّا ذَكَرْنا.
مِن تَفاوُتٍ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مِن تَفَرُّقٍ. وقالَ السُّدِّيُّ: مِن عَيْبٍ. وقالَ عَطاءُ بْنُ يَسارٍ: مِن عَدَمِ اسْتِواءٍ. وقالَ ثَعْلَبٌ: أصْلُهُ مِنَ الفَوْتِ، وهو أنْ يَفُوتَ شَيْءٌ شَيْئًا مِنَ الخَلَلِ. وقِيلَ: مِنِ اضْطِرابٍ. وقِيلَ: مِنِ اعْوِجاجٍ. وقِيلَ: مِن تَناقُضٍ. وقِيلَ: مِنِ اخْتِلافٍ. وقِيلَ: مِن عَدَمِ التَّناسُبِ. والتَّفاوُتُ: تَجاوُزُ الحَدِّ الَّذِي تَجِبُ لَهُ زِيادَةٌ أوْ نَقْصٌ. قالَ بَعْضُ الأُدَباءِ:
؎تَناسَبَتِ الأعْضاءُ فِيهِ فَلا تَرى بِهِنَّ اخْتِلافًا بَلْ أتَيْنَ عَلى قَدَرِ
وقَرَأ الجُمْهُورُ: مِن تَفاوُتٍ بِألِفٍ مَصْدَرُ تَفاوَتَ. وعَبْدُ اللَّهِ وعَلْقَمَةُ والأسْوَدُ، وابْنُ جُبَيْرٍ وطَلْحَةُ والأعْمَشُ بِشَدِّ الواوِ، مَصْدَرُ تَفَوَّتَ. وحَكى أبُو زَيْدِ بْنُ العَرَبِيِّ: (تَفاوُتًا) بِضَمِّ الواوِ وفَتْحِها وكَسْرِها، والفَتْحُ والكَسْرُ شاذّانِ. والظّاهِرُ عُمُومُ خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنَ الأفْلاكِ وغَيْرِها، فَإنَّهُ لا تَفَوُّتَ فِيهِ ولا فُطُورَ، بَلْ كُلٌّ جارٍ عَلى الإتْقانِ. وقِيلَ: المُرادُ في خَلْقِ الرَّحْمَنِ السَّماواتُ فَقَطْ، والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ما تَرى اسْتِئْنافُ أنَّهُ لا يُدْرَكُ في خَلْقِهِ تَعالى تَفاوُتٌ، وجَعَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ هَذِهِ الجُمْلَةَ صِفَةَ مُتابَعَةٍ لِقَوْلِهِ: (طِباقًا) أصْلُها ما تَرى فِيهِنَّ مِن تَفاوُتٍ، فَوَضَعَ مَكانَ الضَّمِيرِ قَوْلَهُ: خَلْقِ الرَّحْمَنِ تَعْظِيمًا لِخَلْقِهِنَّ وتَنْبِيهًا عَلى سَبَبِ سَلامَتِهِنَّ مِنَ التَّفاوُتِ، وهو أنَّهُ خَلْقُ الرَّحْمَنِ، وأنَّهُ بِباهِرِ قُدْرَتِهِ هو الَّذِي يَخْلُقُ مِثْلَ ذَلِكَ الخَلْقِ المُناسِبِ. انْتَهى. والخِطابُ في (تَرى) لِكُلِّ مُخاطَبٍ، أوْ لِلرَّسُولِ، ﷺ . ولَمّا أخْبَرَ - تَعالى - أنَّهُ لا تَفاوُتَ في خَلْقِهِ، أمَرَ بِتَرْدِيدِ البَصَرِ في الخَلْقِ المُناسِبِ، فَقالَ: (فارْجِعْ) فَفي الفاءِ مَعْنى التَّسَبُّبِ، والمَعْنى: أنَّ العِيانَ يُطابِقُ الخَبَرَ.
و(الفُطُورُ) قالَ مُجاهِدٌ: الشُّقُوقُ. فَطَرَ نابُ البَعِيرِ: شَقَّ اللَّحْمَ وظَهَرَ، قالَ الشّاعِرُ:
؎بَنى لَكم بِلا عُمُدٍ سَماءً ∗∗∗ وسَوّاها فَما فِيها فُطُورُ
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: صُدُوعٌ، وأنْشَدَ قَوْلَ عُبَيْدِ بْنِ مَسْعُودٍ:
؎شَقَقْتُ القَلْبَ ثُمَّ رَدَدْتُ فِيهِ ∗∗∗ هَواكِ فَلِيطَ فالتَأمَ الفُطُورُ
وقالَ السُّدِّيُّ: خُرُوقٌ. وقالَ قَتادَةُ: خَلَلٌ، ومِنهُ التَّفْطِيرُ والِانْفِطارُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وهَنٌ. وهَذِهِ تَفاسِيرٌ مُتَقارِبَةٌ.
والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: ﴿هَلْ تَرى مِن فُطُورٍ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِفِعْلٍ مُعَلَّقٍ مَحْذُوفٍ، أيْ فانْظُرْ هَلْ تَرى، أوْ ضُمِّنَ مَعْنى فارْجِعِ البَصَرَ مَعْنى فانْظُرْ بِبَصَرِكَ هَلْ تَرى ؟ فَيَكُونُ مُعَلَّقًا. ثُمَّ ارْجِعِ البَصَرَ أيْ: رَدِّدْهُ كَرَّتَيْنِ هي تَثْنِيَةٌ لا شَفْعُ الواحِدِ، بَلْ يُرادُ بِها التَّكْرارُ، كَأنَّهُ قالَ: كَرَّةً بَعْدَ كَرَّةٍ، أيْ كَرّاتٍ كَثِيرَةً، كَقَوْلِهِ: لَبَّيْكَ، يُرِيدُ إجاباتٍ كَثِيرَةً بَعْضُها في إثْرِ بَعْضٍ، وأُرِيدَ بِالتَّثْنِيَةِ التَّكْثِيرُ، كَما أُرِيدَ بِما هو أصْلٌ لَها التَّكْثِيرُ، وهو مُفْرَدٌ عُطِفَ عَلى مُفْرَدٍ، نَحْوَ قَوْلِهِ:
؎لَوْ عُدَّ قَبْرٌ وقَبْرٌ كانَ أكْرَمَهم ∗∗∗ بَيْتًا وأبْعَدَهم عَنْ مَنزِلِ الزّامِّ
(p-٢٩٩)يُرِيدُ: لَوْ عُدَّتْ قُبُورٌ كَثِيرَةٌ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ وغَيْرُهُ: (كَرَّتَيْنِ) مَعْناهُ مَرَّتَيْنِ، ونَصَبَها عَلى المَصْدَرِ. وقِيلَ: أمَرَ بِرَجْعِ البَصَرِ إلى السَّماءِ مَرَّتَيْنِ، غَلَّطَ في الأُولى، فَيَسْتَدْرِكُ بِالثّانِيَةِ. وقِيلَ: الأُولى لِيَرى حُسْنَها واسْتِواءَها، والثّانِيَةُ لِيُبْصِرَ كَواكِبَها في سَيْرِها وانْتِهائِها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يَنْقَلِبْ) جَزْمًا عَلى جَوابِ الأمْرِ. والخُوارَزْمِيُّ عَنِ الكِسائِيِّ: يَرْفَعُ الباءَ، أيْ: فَيَنْقَلِبْ عَلى حَذْفِ الفاءِ، أوْ عَلى أنَّهُ مَوْضِعُ حالٍ مُقَدَّرَةٍ، أيْ: إنْ رَجَعْتَ البَصَرَ وكَرَّرْتَ النَّظَرَ؛ لِتَطْلُبَ فُطُورَ شُقُوقٍ أوْ خَلَلًا أوْ عَيْبًا، رَجَعَ إلَيْكَ مُبْعَدًا عَمّا طَلَبْتَهُ لِانْتِفاءِ ذَلِكَ عَنْها، وهو كالٌّ مِن كَثْرَةِ النَّظَرِ، وكَلالُهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالكَرَّتَيْنِ لَيْسَ شَفْعَ الواحِدِ؛ لِأنَّهُ لا يَكِلُّ البَصَرُ بِالنَّظَرِ مَرَّتَيْنِ اثْنَتَيْنِ. والحَسِيرُ: الكالُّ، قالَ الشّاعِرُ:
؎لَهُنَّ الوَجى لَمْ كُنَّ عَوْنًا عَلى النَّوى ∗∗∗ ولا زالَ مِنها ظالِعٌ وحَسِيرُ
يُقالُ: حَسَرَ بَعِيرُهُ يَحْسِرُ حُسُورًا أيْ: كَلَّ وانْقَطَعَ فَهو حَسِيرٌ ومَحْسُورٌ، قالَ الشّاعِرُ يَصِفُ ناقَةً:
؎فَشَطْرُها نَظَرَ العَيْنَيْنِ مَحْسُورُ
أيْ: ونَحْرُها، وقَدْ جُمِعَ حَسِيرٌ بِمَعْنى أعْيا وكَلَّ، قالَ الشّاعِرُ:
؎بِها جِيَفُ الحَسْرى فَأمّا عِظامُها
البَيْتَ.
السَّماءَ الدُّنْيا هي الَّتِي نُشاهِدُها، والدُّنُوُّ أمْرٌ نِسْبِيٌّ وإلّا فَلَيْسَتْ قَرِيبَةً. (بِمَصابِيحَ) أيْ: بِنُجُومٍ مُضِيئَةٍ كالمَصابِيحِ، ومَصابِيحُ مُطْلَقُ الأعْلامِ، فَلا يَدُلُّ عَلى أنَّ غَيْرَ سَماءِ الدُّنْيا لَيْسَتْ فِيها مَصابِيحُ. وجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ أيْ: جَعَلْنا مِنها؛ لِأنَّ السَّماءَ ذاتَها لَيْسَتْ يُرْجَمُ بِها الرُّجُومُ هَذا إنْ عادَ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: (وجَعَلْناها) عَلى السَّماءِ. والظّاهِرُ عَوْدُهُ عَلى مَصابِيحَ. ونَسَبَ الرَّجْمَ إلَيْها؛ لِأنَّ الشِّهابَ المُتَّبِعَ لِلْمُسْتَرِقِ مُنْفَصِلٌ مِن نارِها، والكَواكِبُ قارٌّ في مُلْكِهِ عَلى حالِهِ. فالشِّهابُ كَقَبَسٍ يُؤْخَذُ مِنَ النّارِ، والنّارُ باقِيَةٌ لا تَنْقُصُ. والظّاهِرُ أنَّ الشَّياطِينَ هم مُسْتَرِقُو السَّمْعِ، وأنَّ الرَّجْمَ هو حَقِيقَةٌ يُرْمَوْنَ بِالشُّهُبِ، كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ الحِجْرِ وسُورَةِ والصّافّاتِ. وقِيلَ: مَعْنى (رُجُومًا): (ظُنُونًا) لِشَياطِينِ الإنْسِ، وهُمُ المُنَجِّمُونَ يَنْسُبُونَ إلى النُّجُومِ أشْياءَ عَلى جِهَةِ الظَّنِّ مِن جُهّالِهِمْ، والتَّمْوِيهِ والِاخْتِلاقِ مِن أزْكِيائِهِمْ، ولَهم في ذَلِكَ تَصانِيفُ تَشْتَمِلُ عَلى خُرافاتٍ يُمَوِّهُونَ بِها عَلى المُلُوكِ وضُعَفاءِ العُقُولِ، ويَعْمَلُونَ مَوالِدَ يَحْكُمُونَ فِيها بِالأشْياءِ لا يَصِحُّ مِنها شَيْءٌ. وقَدْ وقَفْنا عَلى أشْياءَ مِن كَذِبِهِمْ في تِلْكَ المَوالِدِ، وما يَحْكُونَهُ عَنْ أبِي مَعْشَرٍ وغَيْرِهِ مِن شُيُوخِ السُّوءِ كَذِبٌ يُغْرُونَ بِهِ النّاسَ الجُهّالَ. وقالَ قَتادَةُ: خَلَقَ اللَّهُ - تَعالى - النُّجُومَ زِينَةً لِلسَّماءِ ورُجُومًا لِلشَّياطِينِ، ولِيُهْتَدى بِها في البَرِّ والبَحْرِ. فَمَن قالَ غَيْرَ هَذِهِ الخِصالِ الثَّلاثِ فَقَدْ تَكَلَّفَ وأذْهَبَ حَظَّهُ مِنَ الآخِرَةِ. والضَّمِيرُ في ”لَهم“ عائِدٌ عَلى الشَّياطِينِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: عَذابُ جَهَنَّمَ بِرَفْعِ الباءِ. والضَّحّاكُ والأعْرَجُ وأُسَيْدُ بْنُ أُسَيْدٍ المُزَنِيُّ، والحَسَنُ في رِوايَةِ هارُونَ عَنْهُ: بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى عَذابَ السَّعِيرِ أيْ: وأعْتَدْنا لِلَّذِينَ كَفَرُوا عَذابَ جَهَنَّمَ. إذا أُلْقُوا فِيها أيْ: طُرِحُوا، كَما يُطْرَحُ الحَطَبُ في النّارِ العَظِيمَةِ ويُرْمى بِهِ، ومِثْلُهُ ”حَصَبُ جَهَنَّمَ“ سَمِعُوا لَها أيْ: لِجَهَنَّمَ (شَهِيقًا) أيْ: صَوْتًا مُنْكَرًا كَصَوْتِ الحِمارِ، تُصَوِّتُ مِثْلَ ذَلِكَ لِشِدَّةِ تَوَقُّدِها وغَلَيانِها. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: سَمِعُوا لِأهْلِها، كَما قالَ تَعالى: ﴿لَهم فِيها زَفِيرٌ وشَهِيقٌ﴾ [هود: ١٠٦] . وهي تَفُورُ تَغْلِي بِهِمْ غَلْيَ المِرْجَلِ. تَكادُ تَمَيَّزُ أيْ: يَنْفَصِلُ بَعْضُها مِن بَعْضٍ لِشِدَّةِ اضْطِرابِها، ويُقالُ: فُلانٌ يَتَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ إذا وصَفُوهُ بِالإفْراطِ في الغَضَبِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (تَمَيَّزُ) بِتاءٍ واحِدَةٍ خَفِيفَةٍ، والبَزِّيُّ يُشَدِّدُها، وطَلْحَةُ: بِتاءَيْنِ، وأبُو عَمْرٍو: بِإدْغامِ الدّالِ في التّاءِ، والضَّحّاكُ: تَمايَزُ عَلى وزْنِ تَفاعَلُ، وأصْلُهُ تَتَمايَزُ بِتاءَيْنِ. وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: تَمِيزُ مِن مازَ مِنَ الغَيْظِ عَلى الكَفَرَةِ، جُعِلَتْ كالمُغْتاظَةِ عَلَيْهِمْ لِشِدَّةِ غَلَيانِها بِهِمْ، ومِثْلُ هَذا في التَّجَوُّزِ قَوْلُ الشّاعِرِ في كَلْبٍ:
؎يَشْتَدُّ في جَرْيِهِ يَكادُ ∗∗∗ أنْ يَخْرُجَ مِن إهابِهِ
(p-٣٠٠)وقَوْلُهم: غَضِبَ فُلانٌ، فَطارَتْ مِنهُ شُقَّةٌ في الأرْضِ وشُقَّةٌ في السَّماءِ إذا أفْرَطَ في الغَضَبِ. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ مِن غَيْظِ الزَّبانِيَةِ. كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ أيْ: فَرِيقٌ مِنَ الكُفّارِ سَألَهم خَزَنَتُها سُؤالَ تَوْبِيخٍ وتَقْرِيعٍ، وهو مِمّا يَزِيدُهم عَذابًا إلى عَذابِهِمْ، وخَزَنَتُها: مالِكٌ وأعْوانُهُ ألَمْ يَأْتِكم نَذِيرٌ يُنْذِرُكم بِهَذا اليَوْمِ قالُوا بَلى اعْتِرافٌ بِمَجِيءِ النُّذُرِ إلَيْهِمْ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: اعْتِرافٌ مِنهم بِعَدْلِ اللَّهِ، وإقْرارٌ بِأنَّهُ - عَزَّ وعَلا - أزاحَ عِلَلَهم بِبِعْثِهِ الرُّسُلَ وإنْذارِهم فِيما وقَعُوا فِيهِ، وأنَّهم لَمْ يُؤْتَوْا مِن قُدْرَةٍ كَما تَزْعُمُ المُجْبِرَةُ، وإنَّما أتَوْا مِن قِبَلِ أنْفُسِهِمْ واخْتِيارِهِمْ، خِلافَ ما اخْتارَ اللَّهُ وأمَرَ بِهِ وأوْعَدَ عَلى ضِدِّهِ. انْتَهى، وهو عَلى طَرِيقِ المُعْتَزِلَةِ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنْ أنْتُمْ إلّا في ضَلالٍ كَبِيرٍ﴾ مِن قَوْلِ الكُفّارِ لِلرُّسُلِ الَّذِينَ جاءُوا نُذُرًا إلَيْهِمْ، أنْكَرُوا أوَّلًا أنَّ اللَّهَ نَزَّلَ شَيْئًا، واسْتَجْهَلُوا ثانِيًا مَن أخْبَرَ بِأنَّهُ - تَعالى - أرْسَلَ إلَيْهِمُ الرُّسُلَ، وأنَّ قائِلَ ذَلِكَ في حَيْرَةٍ عَظِيمَةٍ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِ الخَزَنَةِ لِلْكُفّارِ إخْبارًا لَهم وتَقْرِيعًا بِما كانُوا عَلَيْهِ في الدُّنْيا. أرادُوا بِالضَّلالِ الهَلاكَ الَّذِي هم فِيهِ، أوْ سَمَّوْا عِقابَ الضَّلالِ ضَلالًا لَمّا كانَ ناشِئًا عَنِ الضَّلالِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ مِن كَلامِ الرُّسُلِ لَهم حَكَوْهُ لِلْخَزَنَةِ، أيْ: قالُوا لَنا هَذا فَلَمْ نَقْبَلْهُ. انْتَهى. فَإنْ كانَ الخِطابُ في إنْ أنْتُمْ لِلرُّسُلِ، فَقَدْ يُرادُ بِهِ الجِنْسُ، ولِذَلِكَ جاءَ الخِطابُ بِالجَمْعِ. (وقالُوا) أيْ: لِلْخَزَنَةِ حِينَ حاوَرُوهم لَوْ كُنّا نَسْمَعُ سَماعَ طالِبٍ لِلْحَقِّ أوْ نَعْقِلُ عَقْلَ مُتَأمِّلٍ لَهُ، لَمْ نَسْتَوْجِبِ الخُلُودَ في النّارِ. فاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ أيْ: بِتَكْذِيبِ الرُّسُلِ (فَسُحْقًا) أيْ: فَبُعْدًا لَهم، وهو دُعاءٌ عَلَيْهِمْ، والسُّحْقُ: البُعْدُ، وانْتِصابُهُ عَلى المَصْدَرِ أيْ: سَحَقَهُمُ اللَّهُ سُحْقًا، قالَ الشّاعِرُ:
؎يَجُولُ بِأطْرافِ البِلادِ مُغَرِّبًا ∗∗∗ وتَسْحَقُهُ رِيحُ الصَّبا كُلَّ مَسْحَقِ
والفِعْلُ مِنهُ ثُلاثِيٌّ. وقالَ الزَّجّاجُ: أيْ: أسْحَقُهُمُ اللَّهُ سُحْقًا، أيْ: باعَدَهم بُعْدًا. وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: القِياسُ إسْحاقًا، فَجاءَ المَصْدَرُ عَلى الحَذْفِ، كَما قِيلَ:
وإنْ أهْلِكْ فَذَلِكَ كانَ قَدَرِي
أيْ تَقْدِيرِي. انْتَهى، ولا يَحْتاجُ إلى ادِّعاءِ الحَذْفِ في المَصْدَرِ؛ لِأنَّ فِعْلَهُ قَدْ جاءَ ثُلاثِيًّا، كَما أنْشَدَ:
؎وتَسْحَقُهُ رِيحُ الصَّبا كُلَّ مَسْحَقِ
وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِسُكُونِ الحاءِ. وعَلِيٌّ وأبُو جَعْفَرٍ والكِسائِيُّ، بِخِلافٍ عَنْ أبِي الحَرْثِ عَنْهُ: بِضَمِّها. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: (فَسُحْقًا) نَصْبًا عَلى جِهَةِ الدُّعاءِ عَلَيْهِمْ، وجازَ ذَلِكَ فِيهِ، وهو مِن قِبَلِ اللَّهِ - تَعالى - مِن حَيْثُ هَذا القَوْلِ فِيهِمْ مُسْتَقِرٌّ أوَّلًا، ووُجُودُهُ لَمْ يَقَعْ إلّا في الآخِرَةِ، فَكَأنَّهُ لِذَلِكَ في حَيِّزِ المُتَوَقَّعِ الَّذِي يُدْعى بِهِ، كَما تَقُولُ: سُحْقًا لِزَيْدٍ وبُعْدًا، والنَّصْبُ في هَذا كُلِّهِ بِإضْمارِ فِعْلٍ، وإنْ وقَعَ وثَبَتَ، فالوَجْهُ فِيهِ الرَّفْعُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ويْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ [المطففين: ١] وسَلامٌ عَلَيْكم وغَيْرُ هَذا مِنَ الأمْثِلَةِ. انْتَهى. يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ أيِ: الَّذِي أُخْبِرُوا بِهِ مِن أمْرِ المَعادِ وأحْوالِهِ، أوْ غائِبِينَ عَنْ أعْيُنِ النّاسِ، أيْ في خَلَواتِهِمْ، كَقَوْلِهِ: «ورَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خالِيًا، فَفاضَتْ عَيْناهُ» . وأسِرُّوا قَوْلَكم خِطابٌ لِجَمِيعِ الخَلْقِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وسَبَبُهُ أنَّ بَعْضَ المُشْرِكِينَ قالَ لِبَعْضٍ: أسِرُّوا قَوْلَكم لا يَسْمَعُكم إلَهُ مُحَمَّدٍ. ألا يَعْلَمُ مَن خَلَقَ الهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهامِ و”لا“ لِلنَّفْيِ، والظّاهِرُ أنَّ ”مَن“ مَفْعُولٌ، والمَعْنى أيَنْتَفِي عِلْمُهُ بِمَن خَلَقَ، وهو الَّذِي لَطُفَ عِلْمُهُ ودَقَّ وأحاطَ بِخَفِيّاتِ الأُمُورِ وجَلِيّاتِها ؟ وأجازَ بَعْضُ النُّحاةِ أنْ يَكُونَ ”مَن“ فاعِلًا، والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، كَأنَّهُ قالَ: ألا يَعْلَمُ الخالِقُ سِرَّكم وجَهْرَكم ؟ وهو اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ الإنْكارُ، أيْ: كَيْفَ لا يَعْلَمُ ما تَكَلَّمَ بِهِ مِن خَلْقِ الأشْياءِ، وأوْجَدَها مِنَ العَدَمِ الصِّرْفِ، وحالُهُ أنَّهُ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ المُتَوَصِّلُ عِلْمُهُ إلى ما ظَهَرَ مِن خَلْقِهِ وما بَطَنَ ؟
﴿هو الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ ذَلُولًا﴾ مِنَّةٌ مِنهُ - تَعالى - بِذَلِكَ، والذَّلُولُ فَعُولٌ لِلْمُبالِغَةِ، مِن ذَلِكَ تَقُولُ: دابَّةٌ ذَلُولٌ بَيِّنَةُ الذُّلِّ، ورَجُلٌ ذَلِيلٌ: بَيِّنُ الذُّلِّ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والذَّلُولُ فَعُولٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، أيْ: مَذْلُولَةٌ، فَهي كَرَكُوبٍ وحَلُوبٍ. انْتَهى. ولَيْسَ بِمَعْنى مَفْعُولٍ؛ لِأنَّ فِعْلَهُ قاصِرٌ، وإنَّما تَعَدّى (p-٣٠١)بِالهَمْزَةِ كَقَوْلِهِ: وتُذِلُّ مَن تَشاءُ وإمّا بِالتَّضْعِيفِ لِقَوْلِهِ: وذَلَّلْناها لَهم وقَوْلُهُ أيْ: مَذْلُولَةٌ يَظْهَرُ أنَّهُ خَطَأٌ. فامْشُوا في مَناكِبِها أمَرَ بِالتَّصَرُّفِ فِيها والِاكْتِسابِ. ومَناكِبُها، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ وبِشْرُ بْنُ كَعْبٍ: أطْرافُها، وهي الجِبالُ. وقالَ الفَرّاءُ والكَلْبِيُّ ومُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ: جَوانِبُها، ومَنكِبا الرَّجُلِ: جانِباهُ. وقالَ الحَسَنُ والسُّدِّيُّ: طَرَفُها وفِجاجُها. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والمَشْيُ في مَناكِبِها مَثَلٌ لِفَرْطِ التَّذْلِيلِ ومُجاوَزَتِهِ الغايَةَ؛ لِأنَّ المَنكِبَيْنِ ومُلْتَقاهُما مِنَ الغارِبِ أرَقُّ شَيْءٍ مِنَ البَعِيرِ، وأنْبَأهُ عَنْ أنْ يَطَأهُ الرّاكِبُ بِقَدَمِهِ ويَعْتَمِدَ عَلَيْهِ، فَإذا جَعَلَها في الذُّلِّ بِحَيْثُ يَمْشِي في مَناكِبِها لَمْ يَنْزِلْ. انْتَهى. وقالَ الزَّجّاجُ: سَهَّلَ لَكُمُ السُّلُوكَ في جِبالِها فَهو أبْلَغُ التَّذْلِيلِ. وإلَيْهِ النُّشُورُ أيْ: البَعْثُ، فَيَسْألُكم عَنْ شُكْرِ هَذِهِ النِّعْمَةِ عَلَيْكم.
الملك 67:2
(سُورَةُ المُلْكِ مَكِّيَّةٌ وهي ثَلاثُونَ آيَةً)
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)
﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ والحَياةَ لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا وهو العَزِيزُ الغَفُورُ﴾ ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا ما تَرى في خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفاوُتٍ فارْجِعِ البَصَرَ هَلْ تَرى مِن فُطُورٍ﴾ ﴿ثُمَّ ارْجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إلَيْكَ البَصَرُ خاسِئًا وهو حَسِيرٌ﴾ ﴿ولَقَدْ زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ وأعْتَدْنا لَهم عَذابَ السَّعِيرِ﴾ ﴿ولِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ ﴿إذا أُلْقُوا فِيها سَمِعُوا لَها شَهِيقًا وهي تَفُورُ﴾ ﴿تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَألَهم خَزَنَتُها ألَمْ يَأْتِكم نَذِيرٌ﴾ ﴿قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا وقُلْنا ما نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ إنْ أنْتُمْ إلّا في ضَلالٍ كَبِيرٍ﴾ ﴿وقالُوا لَوْ كُنّا نَسْمَعُ أوْ نَعْقِلُ ما كُنّا في أصْحابِ السَّعِيرِ﴾ ﴿فاعْتَرِفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأصْحابِ السَّعِيرِ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ كَبِيرٌ﴾ ﴿وأسِرُّوا قَوْلَكم أوِ اجْهُرُوا بِهِ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ ﴿ألا يَعْلَمُ مَن خَلَقَ وهو اللَّطِيفُ الخَبِيرُ﴾ ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ ذَلُولًا فامْشُوا في مَناكِبِها وكُلُوا مِن رِزْقِهِ وإلَيْهِ النُّشُورُ﴾ .
(p-٢٩٧)هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ. ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها، أنَّهُ لَمّا ضُرِبَ لِلْكَفّارِ بِتَيْنِكَ المَرْأتَيْنِ المَحْتُومِ لَهُما بِالشَّقاوَةِ، وإنْ كانَتا تَحْتَ نَبِيِّينَ، ومَثَلًا لِلْمُؤْمِنِينَ بِـ آسِيَةَ ومَرْيَمَ، وهُما مَحْتُومٌ لَهُما بِالجَنَّةِ، وإنْ كانَ قَوْماهُما كافِرِينَ. كانَ ذَلِكَ تَصَرُّفًا في مُلْكِهِ عَلى ما سَبَقَ قَضاؤُهُ، فَقالَ: (تَبارَكَ) أيْ: تَعالى وتَعاظَمَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكِ وهو كِنايَةٌ عَنِ الإحاطَةِ والقَهْرِ، وكَثِيرًا ما جاءَ نِسْبَةُ اليَدِ إلَيْهِ - تَعالى - كَقَوْلِهِ: ﴿فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [يس: ٨٣] بِيَدِكَ الخَيْرُ وذَلِكَ في حَقِّهِ - تَعالى - اسْتِعارَةٌ لِتَحْقِيقِ المُلْكِ، إذْ كانَتْ في عُرْفِ الآدَمِيِّينَ آلَةً لِلتَّمَلُّكِ، والمُلْكُ هُنا هو عَلى الإطْلاقِ لا يَبِيدُ ولا يَخْتَلُّ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: مَلِكُ المُلُوكِ لِقَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ المُلْكِ﴾ [آل عمران: ٢٦] وناسَبَ المُلْكَ ذِكْرُ وصْفِ القُدْرَةِ والحَياةِ ما يَصِحُّ بِوُجُودِهِ الإحْساسُ. ومَعْنى خَلَقَ المَوْتَ إيجادُ ذَلِكَ المُصَحِّحِ وإعْدامُهُ، والمَعْنى: خَلَقَ مَوْتَكم وحَياتَكم أيُّها المُكَلَّفُونَ، وسَمّى عِلْمَ الواقِعِ مِنهم بِاخْتِيارِهِمْ بَلْوى وهي الحَيْرَةُ، اسْتِعارَةً مِن فِعْلِ المُخْتَبِرِ. وفي الحَدِيثِ أنَّهُ فَسَّرَ أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا أيْ: أحْسَنُ عَقْلًا وأشَدُّكم خَوْفًا وأحْسَنُكم في أمْرِهِ ونَهْيِهِ نَظَرًا، وإنْ كانَ أقَلَّكم تَطَوُّعًا. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ والثَّوْرِيِّ: أزْهَدُكم في الدُّنْيا. وقِيلَ: كَنّى بِالمَوْتِ عَنِ الدُّنْيا، إذْ هو واقِعٌ فِيها، وعَنِ الآخِرَةِ بِالحَياةِ مِن حَيْثُ لا مَوْتَ فِيها، فَكَأنَّهُ قالَ: هو الَّذِي خَلَقَ الدُّنْيا والآخِرَةَ، وصَفَهُما بِالمَصْدَرَيْنِ، وقَدَّمَ المَوْتَ لِأنَّهُ أهْيَبُ في النُّفُوسِ. و(لِيَبْلُوَكم) مُتَعَلِّقٌ بِـ (خَلَقَ) وأيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، فَقَدَّرَ الحَوْفِيُّ قَبْلَها فِعْلًا تَكُونُ الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ مَعْمُولِهِ، وهو مُعَلَّقٌ عَنْها، تَقْدِيرُهُ: فَيَنْظُرُ، وقَدَّرَ ابْنُ عَطِيَّةَ فَيَنْظُرُ أوْ فَيَعْلَمُ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ) مِن أيْنَ تَعَلَّقَ قَوْلُهُ: أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا بِفِعْلِ البَلْوى ؟ (قُلْتُ): مِن حَيْثُ إنَّهُ تَضَمَّنَ مَعْنى العِلْمِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: لِيَعْلَمَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا، وإذا قُلْتَ: عَلِمْتُهُ أزَيْدٌ أحْسَنُ عَمَلًا أمْ هو ؟ كانَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ واقِعَةً مَوْقِعَ الثّانِي مِن مَفْعُولَيْهِ، كَما تَقُولُ: عَلِمْتُهُ هو أحْسَنُ عَمَلًا. (فَإنْ قُلْتَ) أيُسَمّى هَذا تَعْلِيقًا ؟ (قُلْتُ): لا، إنَّما التَّعْلِيقُ أنْ تُوقِعَ بَعْدَهُ ما يَسُدُّ مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ جَمِيعًا، كَقَوْلِكَ: عَلِمْتُ أيُّهُما عَمْرٌو، وعَلِمْتُ أزَيْدٌ مُنْطَلِقٌ. ألا تَرى أنَّهُ لا فَصْلَ بَعْدَ سَبْقِ أحَدِ المَفْعُولَيْنِ بَيْنَ أنْ يَقَعَ ما بَعْدَهُ مُصَدَّرًا بِحَرْفِ الِاسْتِفْهامِ وغَيْرَ مُصَدَّرٍ بِهِ ؟ ولَوْ كانَ تَعْلِيقًا لافْتَرَقَتِ الحالَتانِ، كَما افْتَرَقَتا في قَوْلِكَ: عَلِمْتُ أزَيْدٌ مُنْطَلِقٌ، وعَلِمْتُ زَيْدًا مُنْطَلِقًا. انْتَهى. وأصْحابُنا يُسَمُّونَ ما مَنَعَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ تَعْلِيقًا، فَيَقُولُونَ في الفِعْلِ إذا عُدِّيَ إلى اثْنَيْنِ (p-٢٩٨)ونُصِبَ الأوَّلُ وجاءَتْ بَعْدَهُ جُمْلَةٌ اسْتِفْهامِيَّةٌ، أوْ بِلامِ الِابْتِداءِ، أوْ بِحَرْفِ نَفْيٍ، كانَتِ الجُمْلَةُ مُعَلَّقًا عَنْها الفِعْلُ، وكانَتْ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، كَما لَوْ وقَعَتْ في مَوْضِعِ المَفْعُولَيْنِ وفِيها ما يُعَلِّقُ الفِعْلَ عَنِ العَمَلِ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مِثْلِ هَذِهِ الجُمْلَةِ في الكَهْفِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِنَبْلُوَهم أيُّهم أحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٧] .
وانْتَصَبَ (طِباقًا) عَلى الوَصْفِ لِـ ”سَبْعَ“، فَإمّا أنْ يَكُونَ مَصْدَرَ طابَقَ مُطابَقَةً وطِباقًا لِقَوْلِهِمْ: النَّعْلُ خَصْفُها طَبَقًا عَلى طَبَقٍ، وُصِفَ بِهِ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ، أوْ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ ذا طِباقٍ، وإمّا جَمْعُ طَبَقٍ كَجَمَلٍ وجِمالٍ، أوْ جَمْعُ طَبَقَةٍ كَرَحَبَةٍ ورِحابٍ، والمَعْنى: بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ. وما ذُكِرَ مِن مَوادِّ هَذِهِ السَّماواتِ. فالأُولى مِن مَوْجٍ مَكْفُوفٍ، والثّانِيَةُ مِن دُرَّةٍ بَيْضاءَ، والثّالِثَةُ مِن حَدِيدٍ، والرّابِعَةُ مِن نُحاسٍ، والخامِسَةُ مِن فِضَّةٍ، والسّادِسَةُ مِن ذَهَبٍ، والسّابِعَةُ مِن زُمُرُّدَةٍ بَيْضاءَ - يَحْتاجُ إلى نَقْلٍ صَحِيحٍ، وقَدْ كانَ بَعْضُ مَن يَنْتَمِي إلى الصَّلاحِ، وكانَ أعْمى لا يُبْصِرُ مَوْضِعَ قَدَمِهِ، يُخْبِرُ أنَّهُ يُشاهِدُ السَّماواتِ عَلى بَعْضِ أوْصافٍ مِمّا ذَكَرْنا.
مِن تَفاوُتٍ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مِن تَفَرُّقٍ. وقالَ السُّدِّيُّ: مِن عَيْبٍ. وقالَ عَطاءُ بْنُ يَسارٍ: مِن عَدَمِ اسْتِواءٍ. وقالَ ثَعْلَبٌ: أصْلُهُ مِنَ الفَوْتِ، وهو أنْ يَفُوتَ شَيْءٌ شَيْئًا مِنَ الخَلَلِ. وقِيلَ: مِنِ اضْطِرابٍ. وقِيلَ: مِنِ اعْوِجاجٍ. وقِيلَ: مِن تَناقُضٍ. وقِيلَ: مِنِ اخْتِلافٍ. وقِيلَ: مِن عَدَمِ التَّناسُبِ. والتَّفاوُتُ: تَجاوُزُ الحَدِّ الَّذِي تَجِبُ لَهُ زِيادَةٌ أوْ نَقْصٌ. قالَ بَعْضُ الأُدَباءِ:
؎تَناسَبَتِ الأعْضاءُ فِيهِ فَلا تَرى بِهِنَّ اخْتِلافًا بَلْ أتَيْنَ عَلى قَدَرِ
وقَرَأ الجُمْهُورُ: مِن تَفاوُتٍ بِألِفٍ مَصْدَرُ تَفاوَتَ. وعَبْدُ اللَّهِ وعَلْقَمَةُ والأسْوَدُ، وابْنُ جُبَيْرٍ وطَلْحَةُ والأعْمَشُ بِشَدِّ الواوِ، مَصْدَرُ تَفَوَّتَ. وحَكى أبُو زَيْدِ بْنُ العَرَبِيِّ: (تَفاوُتًا) بِضَمِّ الواوِ وفَتْحِها وكَسْرِها، والفَتْحُ والكَسْرُ شاذّانِ. والظّاهِرُ عُمُومُ خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنَ الأفْلاكِ وغَيْرِها، فَإنَّهُ لا تَفَوُّتَ فِيهِ ولا فُطُورَ، بَلْ كُلٌّ جارٍ عَلى الإتْقانِ. وقِيلَ: المُرادُ في خَلْقِ الرَّحْمَنِ السَّماواتُ فَقَطْ، والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ما تَرى اسْتِئْنافُ أنَّهُ لا يُدْرَكُ في خَلْقِهِ تَعالى تَفاوُتٌ، وجَعَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ هَذِهِ الجُمْلَةَ صِفَةَ مُتابَعَةٍ لِقَوْلِهِ: (طِباقًا) أصْلُها ما تَرى فِيهِنَّ مِن تَفاوُتٍ، فَوَضَعَ مَكانَ الضَّمِيرِ قَوْلَهُ: خَلْقِ الرَّحْمَنِ تَعْظِيمًا لِخَلْقِهِنَّ وتَنْبِيهًا عَلى سَبَبِ سَلامَتِهِنَّ مِنَ التَّفاوُتِ، وهو أنَّهُ خَلْقُ الرَّحْمَنِ، وأنَّهُ بِباهِرِ قُدْرَتِهِ هو الَّذِي يَخْلُقُ مِثْلَ ذَلِكَ الخَلْقِ المُناسِبِ. انْتَهى. والخِطابُ في (تَرى) لِكُلِّ مُخاطَبٍ، أوْ لِلرَّسُولِ، ﷺ . ولَمّا أخْبَرَ - تَعالى - أنَّهُ لا تَفاوُتَ في خَلْقِهِ، أمَرَ بِتَرْدِيدِ البَصَرِ في الخَلْقِ المُناسِبِ، فَقالَ: (فارْجِعْ) فَفي الفاءِ مَعْنى التَّسَبُّبِ، والمَعْنى: أنَّ العِيانَ يُطابِقُ الخَبَرَ.
و(الفُطُورُ) قالَ مُجاهِدٌ: الشُّقُوقُ. فَطَرَ نابُ البَعِيرِ: شَقَّ اللَّحْمَ وظَهَرَ، قالَ الشّاعِرُ:
؎بَنى لَكم بِلا عُمُدٍ سَماءً ∗∗∗ وسَوّاها فَما فِيها فُطُورُ
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: صُدُوعٌ، وأنْشَدَ قَوْلَ عُبَيْدِ بْنِ مَسْعُودٍ:
؎شَقَقْتُ القَلْبَ ثُمَّ رَدَدْتُ فِيهِ ∗∗∗ هَواكِ فَلِيطَ فالتَأمَ الفُطُورُ
وقالَ السُّدِّيُّ: خُرُوقٌ. وقالَ قَتادَةُ: خَلَلٌ، ومِنهُ التَّفْطِيرُ والِانْفِطارُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وهَنٌ. وهَذِهِ تَفاسِيرٌ مُتَقارِبَةٌ.
والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: ﴿هَلْ تَرى مِن فُطُورٍ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِفِعْلٍ مُعَلَّقٍ مَحْذُوفٍ، أيْ فانْظُرْ هَلْ تَرى، أوْ ضُمِّنَ مَعْنى فارْجِعِ البَصَرَ مَعْنى فانْظُرْ بِبَصَرِكَ هَلْ تَرى ؟ فَيَكُونُ مُعَلَّقًا. ثُمَّ ارْجِعِ البَصَرَ أيْ: رَدِّدْهُ كَرَّتَيْنِ هي تَثْنِيَةٌ لا شَفْعُ الواحِدِ، بَلْ يُرادُ بِها التَّكْرارُ، كَأنَّهُ قالَ: كَرَّةً بَعْدَ كَرَّةٍ، أيْ كَرّاتٍ كَثِيرَةً، كَقَوْلِهِ: لَبَّيْكَ، يُرِيدُ إجاباتٍ كَثِيرَةً بَعْضُها في إثْرِ بَعْضٍ، وأُرِيدَ بِالتَّثْنِيَةِ التَّكْثِيرُ، كَما أُرِيدَ بِما هو أصْلٌ لَها التَّكْثِيرُ، وهو مُفْرَدٌ عُطِفَ عَلى مُفْرَدٍ، نَحْوَ قَوْلِهِ:
؎لَوْ عُدَّ قَبْرٌ وقَبْرٌ كانَ أكْرَمَهم ∗∗∗ بَيْتًا وأبْعَدَهم عَنْ مَنزِلِ الزّامِّ
(p-٢٩٩)يُرِيدُ: لَوْ عُدَّتْ قُبُورٌ كَثِيرَةٌ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ وغَيْرُهُ: (كَرَّتَيْنِ) مَعْناهُ مَرَّتَيْنِ، ونَصَبَها عَلى المَصْدَرِ. وقِيلَ: أمَرَ بِرَجْعِ البَصَرِ إلى السَّماءِ مَرَّتَيْنِ، غَلَّطَ في الأُولى، فَيَسْتَدْرِكُ بِالثّانِيَةِ. وقِيلَ: الأُولى لِيَرى حُسْنَها واسْتِواءَها، والثّانِيَةُ لِيُبْصِرَ كَواكِبَها في سَيْرِها وانْتِهائِها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يَنْقَلِبْ) جَزْمًا عَلى جَوابِ الأمْرِ. والخُوارَزْمِيُّ عَنِ الكِسائِيِّ: يَرْفَعُ الباءَ، أيْ: فَيَنْقَلِبْ عَلى حَذْفِ الفاءِ، أوْ عَلى أنَّهُ مَوْضِعُ حالٍ مُقَدَّرَةٍ، أيْ: إنْ رَجَعْتَ البَصَرَ وكَرَّرْتَ النَّظَرَ؛ لِتَطْلُبَ فُطُورَ شُقُوقٍ أوْ خَلَلًا أوْ عَيْبًا، رَجَعَ إلَيْكَ مُبْعَدًا عَمّا طَلَبْتَهُ لِانْتِفاءِ ذَلِكَ عَنْها، وهو كالٌّ مِن كَثْرَةِ النَّظَرِ، وكَلالُهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالكَرَّتَيْنِ لَيْسَ شَفْعَ الواحِدِ؛ لِأنَّهُ لا يَكِلُّ البَصَرُ بِالنَّظَرِ مَرَّتَيْنِ اثْنَتَيْنِ. والحَسِيرُ: الكالُّ، قالَ الشّاعِرُ:
؎لَهُنَّ الوَجى لَمْ كُنَّ عَوْنًا عَلى النَّوى ∗∗∗ ولا زالَ مِنها ظالِعٌ وحَسِيرُ
يُقالُ: حَسَرَ بَعِيرُهُ يَحْسِرُ حُسُورًا أيْ: كَلَّ وانْقَطَعَ فَهو حَسِيرٌ ومَحْسُورٌ، قالَ الشّاعِرُ يَصِفُ ناقَةً:
؎فَشَطْرُها نَظَرَ العَيْنَيْنِ مَحْسُورُ
أيْ: ونَحْرُها، وقَدْ جُمِعَ حَسِيرٌ بِمَعْنى أعْيا وكَلَّ، قالَ الشّاعِرُ:
؎بِها جِيَفُ الحَسْرى فَأمّا عِظامُها
البَيْتَ.
السَّماءَ الدُّنْيا هي الَّتِي نُشاهِدُها، والدُّنُوُّ أمْرٌ نِسْبِيٌّ وإلّا فَلَيْسَتْ قَرِيبَةً. (بِمَصابِيحَ) أيْ: بِنُجُومٍ مُضِيئَةٍ كالمَصابِيحِ، ومَصابِيحُ مُطْلَقُ الأعْلامِ، فَلا يَدُلُّ عَلى أنَّ غَيْرَ سَماءِ الدُّنْيا لَيْسَتْ فِيها مَصابِيحُ. وجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ أيْ: جَعَلْنا مِنها؛ لِأنَّ السَّماءَ ذاتَها لَيْسَتْ يُرْجَمُ بِها الرُّجُومُ هَذا إنْ عادَ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: (وجَعَلْناها) عَلى السَّماءِ. والظّاهِرُ عَوْدُهُ عَلى مَصابِيحَ. ونَسَبَ الرَّجْمَ إلَيْها؛ لِأنَّ الشِّهابَ المُتَّبِعَ لِلْمُسْتَرِقِ مُنْفَصِلٌ مِن نارِها، والكَواكِبُ قارٌّ في مُلْكِهِ عَلى حالِهِ. فالشِّهابُ كَقَبَسٍ يُؤْخَذُ مِنَ النّارِ، والنّارُ باقِيَةٌ لا تَنْقُصُ. والظّاهِرُ أنَّ الشَّياطِينَ هم مُسْتَرِقُو السَّمْعِ، وأنَّ الرَّجْمَ هو حَقِيقَةٌ يُرْمَوْنَ بِالشُّهُبِ، كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ الحِجْرِ وسُورَةِ والصّافّاتِ. وقِيلَ: مَعْنى (رُجُومًا): (ظُنُونًا) لِشَياطِينِ الإنْسِ، وهُمُ المُنَجِّمُونَ يَنْسُبُونَ إلى النُّجُومِ أشْياءَ عَلى جِهَةِ الظَّنِّ مِن جُهّالِهِمْ، والتَّمْوِيهِ والِاخْتِلاقِ مِن أزْكِيائِهِمْ، ولَهم في ذَلِكَ تَصانِيفُ تَشْتَمِلُ عَلى خُرافاتٍ يُمَوِّهُونَ بِها عَلى المُلُوكِ وضُعَفاءِ العُقُولِ، ويَعْمَلُونَ مَوالِدَ يَحْكُمُونَ فِيها بِالأشْياءِ لا يَصِحُّ مِنها شَيْءٌ. وقَدْ وقَفْنا عَلى أشْياءَ مِن كَذِبِهِمْ في تِلْكَ المَوالِدِ، وما يَحْكُونَهُ عَنْ أبِي مَعْشَرٍ وغَيْرِهِ مِن شُيُوخِ السُّوءِ كَذِبٌ يُغْرُونَ بِهِ النّاسَ الجُهّالَ. وقالَ قَتادَةُ: خَلَقَ اللَّهُ - تَعالى - النُّجُومَ زِينَةً لِلسَّماءِ ورُجُومًا لِلشَّياطِينِ، ولِيُهْتَدى بِها في البَرِّ والبَحْرِ. فَمَن قالَ غَيْرَ هَذِهِ الخِصالِ الثَّلاثِ فَقَدْ تَكَلَّفَ وأذْهَبَ حَظَّهُ مِنَ الآخِرَةِ. والضَّمِيرُ في ”لَهم“ عائِدٌ عَلى الشَّياطِينِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: عَذابُ جَهَنَّمَ بِرَفْعِ الباءِ. والضَّحّاكُ والأعْرَجُ وأُسَيْدُ بْنُ أُسَيْدٍ المُزَنِيُّ، والحَسَنُ في رِوايَةِ هارُونَ عَنْهُ: بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى عَذابَ السَّعِيرِ أيْ: وأعْتَدْنا لِلَّذِينَ كَفَرُوا عَذابَ جَهَنَّمَ. إذا أُلْقُوا فِيها أيْ: طُرِحُوا، كَما يُطْرَحُ الحَطَبُ في النّارِ العَظِيمَةِ ويُرْمى بِهِ، ومِثْلُهُ ”حَصَبُ جَهَنَّمَ“ سَمِعُوا لَها أيْ: لِجَهَنَّمَ (شَهِيقًا) أيْ: صَوْتًا مُنْكَرًا كَصَوْتِ الحِمارِ، تُصَوِّتُ مِثْلَ ذَلِكَ لِشِدَّةِ تَوَقُّدِها وغَلَيانِها. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: سَمِعُوا لِأهْلِها، كَما قالَ تَعالى: ﴿لَهم فِيها زَفِيرٌ وشَهِيقٌ﴾ [هود: ١٠٦] . وهي تَفُورُ تَغْلِي بِهِمْ غَلْيَ المِرْجَلِ. تَكادُ تَمَيَّزُ أيْ: يَنْفَصِلُ بَعْضُها مِن بَعْضٍ لِشِدَّةِ اضْطِرابِها، ويُقالُ: فُلانٌ يَتَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ إذا وصَفُوهُ بِالإفْراطِ في الغَضَبِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (تَمَيَّزُ) بِتاءٍ واحِدَةٍ خَفِيفَةٍ، والبَزِّيُّ يُشَدِّدُها، وطَلْحَةُ: بِتاءَيْنِ، وأبُو عَمْرٍو: بِإدْغامِ الدّالِ في التّاءِ، والضَّحّاكُ: تَمايَزُ عَلى وزْنِ تَفاعَلُ، وأصْلُهُ تَتَمايَزُ بِتاءَيْنِ. وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: تَمِيزُ مِن مازَ مِنَ الغَيْظِ عَلى الكَفَرَةِ، جُعِلَتْ كالمُغْتاظَةِ عَلَيْهِمْ لِشِدَّةِ غَلَيانِها بِهِمْ، ومِثْلُ هَذا في التَّجَوُّزِ قَوْلُ الشّاعِرِ في كَلْبٍ:
؎يَشْتَدُّ في جَرْيِهِ يَكادُ ∗∗∗ أنْ يَخْرُجَ مِن إهابِهِ
(p-٣٠٠)وقَوْلُهم: غَضِبَ فُلانٌ، فَطارَتْ مِنهُ شُقَّةٌ في الأرْضِ وشُقَّةٌ في السَّماءِ إذا أفْرَطَ في الغَضَبِ. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ مِن غَيْظِ الزَّبانِيَةِ. كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ أيْ: فَرِيقٌ مِنَ الكُفّارِ سَألَهم خَزَنَتُها سُؤالَ تَوْبِيخٍ وتَقْرِيعٍ، وهو مِمّا يَزِيدُهم عَذابًا إلى عَذابِهِمْ، وخَزَنَتُها: مالِكٌ وأعْوانُهُ ألَمْ يَأْتِكم نَذِيرٌ يُنْذِرُكم بِهَذا اليَوْمِ قالُوا بَلى اعْتِرافٌ بِمَجِيءِ النُّذُرِ إلَيْهِمْ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: اعْتِرافٌ مِنهم بِعَدْلِ اللَّهِ، وإقْرارٌ بِأنَّهُ - عَزَّ وعَلا - أزاحَ عِلَلَهم بِبِعْثِهِ الرُّسُلَ وإنْذارِهم فِيما وقَعُوا فِيهِ، وأنَّهم لَمْ يُؤْتَوْا مِن قُدْرَةٍ كَما تَزْعُمُ المُجْبِرَةُ، وإنَّما أتَوْا مِن قِبَلِ أنْفُسِهِمْ واخْتِيارِهِمْ، خِلافَ ما اخْتارَ اللَّهُ وأمَرَ بِهِ وأوْعَدَ عَلى ضِدِّهِ. انْتَهى، وهو عَلى طَرِيقِ المُعْتَزِلَةِ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنْ أنْتُمْ إلّا في ضَلالٍ كَبِيرٍ﴾ مِن قَوْلِ الكُفّارِ لِلرُّسُلِ الَّذِينَ جاءُوا نُذُرًا إلَيْهِمْ، أنْكَرُوا أوَّلًا أنَّ اللَّهَ نَزَّلَ شَيْئًا، واسْتَجْهَلُوا ثانِيًا مَن أخْبَرَ بِأنَّهُ - تَعالى - أرْسَلَ إلَيْهِمُ الرُّسُلَ، وأنَّ قائِلَ ذَلِكَ في حَيْرَةٍ عَظِيمَةٍ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِ الخَزَنَةِ لِلْكُفّارِ إخْبارًا لَهم وتَقْرِيعًا بِما كانُوا عَلَيْهِ في الدُّنْيا. أرادُوا بِالضَّلالِ الهَلاكَ الَّذِي هم فِيهِ، أوْ سَمَّوْا عِقابَ الضَّلالِ ضَلالًا لَمّا كانَ ناشِئًا عَنِ الضَّلالِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ مِن كَلامِ الرُّسُلِ لَهم حَكَوْهُ لِلْخَزَنَةِ، أيْ: قالُوا لَنا هَذا فَلَمْ نَقْبَلْهُ. انْتَهى. فَإنْ كانَ الخِطابُ في إنْ أنْتُمْ لِلرُّسُلِ، فَقَدْ يُرادُ بِهِ الجِنْسُ، ولِذَلِكَ جاءَ الخِطابُ بِالجَمْعِ. (وقالُوا) أيْ: لِلْخَزَنَةِ حِينَ حاوَرُوهم لَوْ كُنّا نَسْمَعُ سَماعَ طالِبٍ لِلْحَقِّ أوْ نَعْقِلُ عَقْلَ مُتَأمِّلٍ لَهُ، لَمْ نَسْتَوْجِبِ الخُلُودَ في النّارِ. فاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ أيْ: بِتَكْذِيبِ الرُّسُلِ (فَسُحْقًا) أيْ: فَبُعْدًا لَهم، وهو دُعاءٌ عَلَيْهِمْ، والسُّحْقُ: البُعْدُ، وانْتِصابُهُ عَلى المَصْدَرِ أيْ: سَحَقَهُمُ اللَّهُ سُحْقًا، قالَ الشّاعِرُ:
؎يَجُولُ بِأطْرافِ البِلادِ مُغَرِّبًا ∗∗∗ وتَسْحَقُهُ رِيحُ الصَّبا كُلَّ مَسْحَقِ
والفِعْلُ مِنهُ ثُلاثِيٌّ. وقالَ الزَّجّاجُ: أيْ: أسْحَقُهُمُ اللَّهُ سُحْقًا، أيْ: باعَدَهم بُعْدًا. وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: القِياسُ إسْحاقًا، فَجاءَ المَصْدَرُ عَلى الحَذْفِ، كَما قِيلَ:
وإنْ أهْلِكْ فَذَلِكَ كانَ قَدَرِي
أيْ تَقْدِيرِي. انْتَهى، ولا يَحْتاجُ إلى ادِّعاءِ الحَذْفِ في المَصْدَرِ؛ لِأنَّ فِعْلَهُ قَدْ جاءَ ثُلاثِيًّا، كَما أنْشَدَ:
؎وتَسْحَقُهُ رِيحُ الصَّبا كُلَّ مَسْحَقِ
وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِسُكُونِ الحاءِ. وعَلِيٌّ وأبُو جَعْفَرٍ والكِسائِيُّ، بِخِلافٍ عَنْ أبِي الحَرْثِ عَنْهُ: بِضَمِّها. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: (فَسُحْقًا) نَصْبًا عَلى جِهَةِ الدُّعاءِ عَلَيْهِمْ، وجازَ ذَلِكَ فِيهِ، وهو مِن قِبَلِ اللَّهِ - تَعالى - مِن حَيْثُ هَذا القَوْلِ فِيهِمْ مُسْتَقِرٌّ أوَّلًا، ووُجُودُهُ لَمْ يَقَعْ إلّا في الآخِرَةِ، فَكَأنَّهُ لِذَلِكَ في حَيِّزِ المُتَوَقَّعِ الَّذِي يُدْعى بِهِ، كَما تَقُولُ: سُحْقًا لِزَيْدٍ وبُعْدًا، والنَّصْبُ في هَذا كُلِّهِ بِإضْمارِ فِعْلٍ، وإنْ وقَعَ وثَبَتَ، فالوَجْهُ فِيهِ الرَّفْعُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ويْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ [المطففين: ١] وسَلامٌ عَلَيْكم وغَيْرُ هَذا مِنَ الأمْثِلَةِ. انْتَهى. يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ أيِ: الَّذِي أُخْبِرُوا بِهِ مِن أمْرِ المَعادِ وأحْوالِهِ، أوْ غائِبِينَ عَنْ أعْيُنِ النّاسِ، أيْ في خَلَواتِهِمْ، كَقَوْلِهِ: «ورَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خالِيًا، فَفاضَتْ عَيْناهُ» . وأسِرُّوا قَوْلَكم خِطابٌ لِجَمِيعِ الخَلْقِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وسَبَبُهُ أنَّ بَعْضَ المُشْرِكِينَ قالَ لِبَعْضٍ: أسِرُّوا قَوْلَكم لا يَسْمَعُكم إلَهُ مُحَمَّدٍ. ألا يَعْلَمُ مَن خَلَقَ الهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهامِ و”لا“ لِلنَّفْيِ، والظّاهِرُ أنَّ ”مَن“ مَفْعُولٌ، والمَعْنى أيَنْتَفِي عِلْمُهُ بِمَن خَلَقَ، وهو الَّذِي لَطُفَ عِلْمُهُ ودَقَّ وأحاطَ بِخَفِيّاتِ الأُمُورِ وجَلِيّاتِها ؟ وأجازَ بَعْضُ النُّحاةِ أنْ يَكُونَ ”مَن“ فاعِلًا، والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، كَأنَّهُ قالَ: ألا يَعْلَمُ الخالِقُ سِرَّكم وجَهْرَكم ؟ وهو اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ الإنْكارُ، أيْ: كَيْفَ لا يَعْلَمُ ما تَكَلَّمَ بِهِ مِن خَلْقِ الأشْياءِ، وأوْجَدَها مِنَ العَدَمِ الصِّرْفِ، وحالُهُ أنَّهُ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ المُتَوَصِّلُ عِلْمُهُ إلى ما ظَهَرَ مِن خَلْقِهِ وما بَطَنَ ؟
﴿هو الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ ذَلُولًا﴾ مِنَّةٌ مِنهُ - تَعالى - بِذَلِكَ، والذَّلُولُ فَعُولٌ لِلْمُبالِغَةِ، مِن ذَلِكَ تَقُولُ: دابَّةٌ ذَلُولٌ بَيِّنَةُ الذُّلِّ، ورَجُلٌ ذَلِيلٌ: بَيِّنُ الذُّلِّ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والذَّلُولُ فَعُولٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، أيْ: مَذْلُولَةٌ، فَهي كَرَكُوبٍ وحَلُوبٍ. انْتَهى. ولَيْسَ بِمَعْنى مَفْعُولٍ؛ لِأنَّ فِعْلَهُ قاصِرٌ، وإنَّما تَعَدّى (p-٣٠١)بِالهَمْزَةِ كَقَوْلِهِ: وتُذِلُّ مَن تَشاءُ وإمّا بِالتَّضْعِيفِ لِقَوْلِهِ: وذَلَّلْناها لَهم وقَوْلُهُ أيْ: مَذْلُولَةٌ يَظْهَرُ أنَّهُ خَطَأٌ. فامْشُوا في مَناكِبِها أمَرَ بِالتَّصَرُّفِ فِيها والِاكْتِسابِ. ومَناكِبُها، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ وبِشْرُ بْنُ كَعْبٍ: أطْرافُها، وهي الجِبالُ. وقالَ الفَرّاءُ والكَلْبِيُّ ومُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ: جَوانِبُها، ومَنكِبا الرَّجُلِ: جانِباهُ. وقالَ الحَسَنُ والسُّدِّيُّ: طَرَفُها وفِجاجُها. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والمَشْيُ في مَناكِبِها مَثَلٌ لِفَرْطِ التَّذْلِيلِ ومُجاوَزَتِهِ الغايَةَ؛ لِأنَّ المَنكِبَيْنِ ومُلْتَقاهُما مِنَ الغارِبِ أرَقُّ شَيْءٍ مِنَ البَعِيرِ، وأنْبَأهُ عَنْ أنْ يَطَأهُ الرّاكِبُ بِقَدَمِهِ ويَعْتَمِدَ عَلَيْهِ، فَإذا جَعَلَها في الذُّلِّ بِحَيْثُ يَمْشِي في مَناكِبِها لَمْ يَنْزِلْ. انْتَهى. وقالَ الزَّجّاجُ: سَهَّلَ لَكُمُ السُّلُوكَ في جِبالِها فَهو أبْلَغُ التَّذْلِيلِ. وإلَيْهِ النُّشُورُ أيْ: البَعْثُ، فَيَسْألُكم عَنْ شُكْرِ هَذِهِ النِّعْمَةِ عَلَيْكم.
الملك 67:3
(سُورَةُ المُلْكِ مَكِّيَّةٌ وهي ثَلاثُونَ آيَةً)
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)
﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ والحَياةَ لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا وهو العَزِيزُ الغَفُورُ﴾ ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا ما تَرى في خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفاوُتٍ فارْجِعِ البَصَرَ هَلْ تَرى مِن فُطُورٍ﴾ ﴿ثُمَّ ارْجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إلَيْكَ البَصَرُ خاسِئًا وهو حَسِيرٌ﴾ ﴿ولَقَدْ زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ وأعْتَدْنا لَهم عَذابَ السَّعِيرِ﴾ ﴿ولِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ ﴿إذا أُلْقُوا فِيها سَمِعُوا لَها شَهِيقًا وهي تَفُورُ﴾ ﴿تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَألَهم خَزَنَتُها ألَمْ يَأْتِكم نَذِيرٌ﴾ ﴿قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا وقُلْنا ما نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ إنْ أنْتُمْ إلّا في ضَلالٍ كَبِيرٍ﴾ ﴿وقالُوا لَوْ كُنّا نَسْمَعُ أوْ نَعْقِلُ ما كُنّا في أصْحابِ السَّعِيرِ﴾ ﴿فاعْتَرِفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأصْحابِ السَّعِيرِ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ كَبِيرٌ﴾ ﴿وأسِرُّوا قَوْلَكم أوِ اجْهُرُوا بِهِ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ ﴿ألا يَعْلَمُ مَن خَلَقَ وهو اللَّطِيفُ الخَبِيرُ﴾ ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ ذَلُولًا فامْشُوا في مَناكِبِها وكُلُوا مِن رِزْقِهِ وإلَيْهِ النُّشُورُ﴾ .
(p-٢٩٧)هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ. ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها، أنَّهُ لَمّا ضُرِبَ لِلْكَفّارِ بِتَيْنِكَ المَرْأتَيْنِ المَحْتُومِ لَهُما بِالشَّقاوَةِ، وإنْ كانَتا تَحْتَ نَبِيِّينَ، ومَثَلًا لِلْمُؤْمِنِينَ بِـ آسِيَةَ ومَرْيَمَ، وهُما مَحْتُومٌ لَهُما بِالجَنَّةِ، وإنْ كانَ قَوْماهُما كافِرِينَ. كانَ ذَلِكَ تَصَرُّفًا في مُلْكِهِ عَلى ما سَبَقَ قَضاؤُهُ، فَقالَ: (تَبارَكَ) أيْ: تَعالى وتَعاظَمَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكِ وهو كِنايَةٌ عَنِ الإحاطَةِ والقَهْرِ، وكَثِيرًا ما جاءَ نِسْبَةُ اليَدِ إلَيْهِ - تَعالى - كَقَوْلِهِ: ﴿فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [يس: ٨٣] بِيَدِكَ الخَيْرُ وذَلِكَ في حَقِّهِ - تَعالى - اسْتِعارَةٌ لِتَحْقِيقِ المُلْكِ، إذْ كانَتْ في عُرْفِ الآدَمِيِّينَ آلَةً لِلتَّمَلُّكِ، والمُلْكُ هُنا هو عَلى الإطْلاقِ لا يَبِيدُ ولا يَخْتَلُّ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: مَلِكُ المُلُوكِ لِقَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ المُلْكِ﴾ [آل عمران: ٢٦] وناسَبَ المُلْكَ ذِكْرُ وصْفِ القُدْرَةِ والحَياةِ ما يَصِحُّ بِوُجُودِهِ الإحْساسُ. ومَعْنى خَلَقَ المَوْتَ إيجادُ ذَلِكَ المُصَحِّحِ وإعْدامُهُ، والمَعْنى: خَلَقَ مَوْتَكم وحَياتَكم أيُّها المُكَلَّفُونَ، وسَمّى عِلْمَ الواقِعِ مِنهم بِاخْتِيارِهِمْ بَلْوى وهي الحَيْرَةُ، اسْتِعارَةً مِن فِعْلِ المُخْتَبِرِ. وفي الحَدِيثِ أنَّهُ فَسَّرَ أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا أيْ: أحْسَنُ عَقْلًا وأشَدُّكم خَوْفًا وأحْسَنُكم في أمْرِهِ ونَهْيِهِ نَظَرًا، وإنْ كانَ أقَلَّكم تَطَوُّعًا. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ والثَّوْرِيِّ: أزْهَدُكم في الدُّنْيا. وقِيلَ: كَنّى بِالمَوْتِ عَنِ الدُّنْيا، إذْ هو واقِعٌ فِيها، وعَنِ الآخِرَةِ بِالحَياةِ مِن حَيْثُ لا مَوْتَ فِيها، فَكَأنَّهُ قالَ: هو الَّذِي خَلَقَ الدُّنْيا والآخِرَةَ، وصَفَهُما بِالمَصْدَرَيْنِ، وقَدَّمَ المَوْتَ لِأنَّهُ أهْيَبُ في النُّفُوسِ. و(لِيَبْلُوَكم) مُتَعَلِّقٌ بِـ (خَلَقَ) وأيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، فَقَدَّرَ الحَوْفِيُّ قَبْلَها فِعْلًا تَكُونُ الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ مَعْمُولِهِ، وهو مُعَلَّقٌ عَنْها، تَقْدِيرُهُ: فَيَنْظُرُ، وقَدَّرَ ابْنُ عَطِيَّةَ فَيَنْظُرُ أوْ فَيَعْلَمُ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ) مِن أيْنَ تَعَلَّقَ قَوْلُهُ: أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا بِفِعْلِ البَلْوى ؟ (قُلْتُ): مِن حَيْثُ إنَّهُ تَضَمَّنَ مَعْنى العِلْمِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: لِيَعْلَمَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا، وإذا قُلْتَ: عَلِمْتُهُ أزَيْدٌ أحْسَنُ عَمَلًا أمْ هو ؟ كانَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ واقِعَةً مَوْقِعَ الثّانِي مِن مَفْعُولَيْهِ، كَما تَقُولُ: عَلِمْتُهُ هو أحْسَنُ عَمَلًا. (فَإنْ قُلْتَ) أيُسَمّى هَذا تَعْلِيقًا ؟ (قُلْتُ): لا، إنَّما التَّعْلِيقُ أنْ تُوقِعَ بَعْدَهُ ما يَسُدُّ مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ جَمِيعًا، كَقَوْلِكَ: عَلِمْتُ أيُّهُما عَمْرٌو، وعَلِمْتُ أزَيْدٌ مُنْطَلِقٌ. ألا تَرى أنَّهُ لا فَصْلَ بَعْدَ سَبْقِ أحَدِ المَفْعُولَيْنِ بَيْنَ أنْ يَقَعَ ما بَعْدَهُ مُصَدَّرًا بِحَرْفِ الِاسْتِفْهامِ وغَيْرَ مُصَدَّرٍ بِهِ ؟ ولَوْ كانَ تَعْلِيقًا لافْتَرَقَتِ الحالَتانِ، كَما افْتَرَقَتا في قَوْلِكَ: عَلِمْتُ أزَيْدٌ مُنْطَلِقٌ، وعَلِمْتُ زَيْدًا مُنْطَلِقًا. انْتَهى. وأصْحابُنا يُسَمُّونَ ما مَنَعَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ تَعْلِيقًا، فَيَقُولُونَ في الفِعْلِ إذا عُدِّيَ إلى اثْنَيْنِ (p-٢٩٨)ونُصِبَ الأوَّلُ وجاءَتْ بَعْدَهُ جُمْلَةٌ اسْتِفْهامِيَّةٌ، أوْ بِلامِ الِابْتِداءِ، أوْ بِحَرْفِ نَفْيٍ، كانَتِ الجُمْلَةُ مُعَلَّقًا عَنْها الفِعْلُ، وكانَتْ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، كَما لَوْ وقَعَتْ في مَوْضِعِ المَفْعُولَيْنِ وفِيها ما يُعَلِّقُ الفِعْلَ عَنِ العَمَلِ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مِثْلِ هَذِهِ الجُمْلَةِ في الكَهْفِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِنَبْلُوَهم أيُّهم أحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٧] .
وانْتَصَبَ (طِباقًا) عَلى الوَصْفِ لِـ ”سَبْعَ“، فَإمّا أنْ يَكُونَ مَصْدَرَ طابَقَ مُطابَقَةً وطِباقًا لِقَوْلِهِمْ: النَّعْلُ خَصْفُها طَبَقًا عَلى طَبَقٍ، وُصِفَ بِهِ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ، أوْ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ ذا طِباقٍ، وإمّا جَمْعُ طَبَقٍ كَجَمَلٍ وجِمالٍ، أوْ جَمْعُ طَبَقَةٍ كَرَحَبَةٍ ورِحابٍ، والمَعْنى: بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ. وما ذُكِرَ مِن مَوادِّ هَذِهِ السَّماواتِ. فالأُولى مِن مَوْجٍ مَكْفُوفٍ، والثّانِيَةُ مِن دُرَّةٍ بَيْضاءَ، والثّالِثَةُ مِن حَدِيدٍ، والرّابِعَةُ مِن نُحاسٍ، والخامِسَةُ مِن فِضَّةٍ، والسّادِسَةُ مِن ذَهَبٍ، والسّابِعَةُ مِن زُمُرُّدَةٍ بَيْضاءَ - يَحْتاجُ إلى نَقْلٍ صَحِيحٍ، وقَدْ كانَ بَعْضُ مَن يَنْتَمِي إلى الصَّلاحِ، وكانَ أعْمى لا يُبْصِرُ مَوْضِعَ قَدَمِهِ، يُخْبِرُ أنَّهُ يُشاهِدُ السَّماواتِ عَلى بَعْضِ أوْصافٍ مِمّا ذَكَرْنا.
مِن تَفاوُتٍ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مِن تَفَرُّقٍ. وقالَ السُّدِّيُّ: مِن عَيْبٍ. وقالَ عَطاءُ بْنُ يَسارٍ: مِن عَدَمِ اسْتِواءٍ. وقالَ ثَعْلَبٌ: أصْلُهُ مِنَ الفَوْتِ، وهو أنْ يَفُوتَ شَيْءٌ شَيْئًا مِنَ الخَلَلِ. وقِيلَ: مِنِ اضْطِرابٍ. وقِيلَ: مِنِ اعْوِجاجٍ. وقِيلَ: مِن تَناقُضٍ. وقِيلَ: مِنِ اخْتِلافٍ. وقِيلَ: مِن عَدَمِ التَّناسُبِ. والتَّفاوُتُ: تَجاوُزُ الحَدِّ الَّذِي تَجِبُ لَهُ زِيادَةٌ أوْ نَقْصٌ. قالَ بَعْضُ الأُدَباءِ:
؎تَناسَبَتِ الأعْضاءُ فِيهِ فَلا تَرى بِهِنَّ اخْتِلافًا بَلْ أتَيْنَ عَلى قَدَرِ
وقَرَأ الجُمْهُورُ: مِن تَفاوُتٍ بِألِفٍ مَصْدَرُ تَفاوَتَ. وعَبْدُ اللَّهِ وعَلْقَمَةُ والأسْوَدُ، وابْنُ جُبَيْرٍ وطَلْحَةُ والأعْمَشُ بِشَدِّ الواوِ، مَصْدَرُ تَفَوَّتَ. وحَكى أبُو زَيْدِ بْنُ العَرَبِيِّ: (تَفاوُتًا) بِضَمِّ الواوِ وفَتْحِها وكَسْرِها، والفَتْحُ والكَسْرُ شاذّانِ. والظّاهِرُ عُمُومُ خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنَ الأفْلاكِ وغَيْرِها، فَإنَّهُ لا تَفَوُّتَ فِيهِ ولا فُطُورَ، بَلْ كُلٌّ جارٍ عَلى الإتْقانِ. وقِيلَ: المُرادُ في خَلْقِ الرَّحْمَنِ السَّماواتُ فَقَطْ، والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ما تَرى اسْتِئْنافُ أنَّهُ لا يُدْرَكُ في خَلْقِهِ تَعالى تَفاوُتٌ، وجَعَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ هَذِهِ الجُمْلَةَ صِفَةَ مُتابَعَةٍ لِقَوْلِهِ: (طِباقًا) أصْلُها ما تَرى فِيهِنَّ مِن تَفاوُتٍ، فَوَضَعَ مَكانَ الضَّمِيرِ قَوْلَهُ: خَلْقِ الرَّحْمَنِ تَعْظِيمًا لِخَلْقِهِنَّ وتَنْبِيهًا عَلى سَبَبِ سَلامَتِهِنَّ مِنَ التَّفاوُتِ، وهو أنَّهُ خَلْقُ الرَّحْمَنِ، وأنَّهُ بِباهِرِ قُدْرَتِهِ هو الَّذِي يَخْلُقُ مِثْلَ ذَلِكَ الخَلْقِ المُناسِبِ. انْتَهى. والخِطابُ في (تَرى) لِكُلِّ مُخاطَبٍ، أوْ لِلرَّسُولِ، ﷺ . ولَمّا أخْبَرَ - تَعالى - أنَّهُ لا تَفاوُتَ في خَلْقِهِ، أمَرَ بِتَرْدِيدِ البَصَرِ في الخَلْقِ المُناسِبِ، فَقالَ: (فارْجِعْ) فَفي الفاءِ مَعْنى التَّسَبُّبِ، والمَعْنى: أنَّ العِيانَ يُطابِقُ الخَبَرَ.
و(الفُطُورُ) قالَ مُجاهِدٌ: الشُّقُوقُ. فَطَرَ نابُ البَعِيرِ: شَقَّ اللَّحْمَ وظَهَرَ، قالَ الشّاعِرُ:
؎بَنى لَكم بِلا عُمُدٍ سَماءً ∗∗∗ وسَوّاها فَما فِيها فُطُورُ
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: صُدُوعٌ، وأنْشَدَ قَوْلَ عُبَيْدِ بْنِ مَسْعُودٍ:
؎شَقَقْتُ القَلْبَ ثُمَّ رَدَدْتُ فِيهِ ∗∗∗ هَواكِ فَلِيطَ فالتَأمَ الفُطُورُ
وقالَ السُّدِّيُّ: خُرُوقٌ. وقالَ قَتادَةُ: خَلَلٌ، ومِنهُ التَّفْطِيرُ والِانْفِطارُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وهَنٌ. وهَذِهِ تَفاسِيرٌ مُتَقارِبَةٌ.
والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: ﴿هَلْ تَرى مِن فُطُورٍ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِفِعْلٍ مُعَلَّقٍ مَحْذُوفٍ، أيْ فانْظُرْ هَلْ تَرى، أوْ ضُمِّنَ مَعْنى فارْجِعِ البَصَرَ مَعْنى فانْظُرْ بِبَصَرِكَ هَلْ تَرى ؟ فَيَكُونُ مُعَلَّقًا. ثُمَّ ارْجِعِ البَصَرَ أيْ: رَدِّدْهُ كَرَّتَيْنِ هي تَثْنِيَةٌ لا شَفْعُ الواحِدِ، بَلْ يُرادُ بِها التَّكْرارُ، كَأنَّهُ قالَ: كَرَّةً بَعْدَ كَرَّةٍ، أيْ كَرّاتٍ كَثِيرَةً، كَقَوْلِهِ: لَبَّيْكَ، يُرِيدُ إجاباتٍ كَثِيرَةً بَعْضُها في إثْرِ بَعْضٍ، وأُرِيدَ بِالتَّثْنِيَةِ التَّكْثِيرُ، كَما أُرِيدَ بِما هو أصْلٌ لَها التَّكْثِيرُ، وهو مُفْرَدٌ عُطِفَ عَلى مُفْرَدٍ، نَحْوَ قَوْلِهِ:
؎لَوْ عُدَّ قَبْرٌ وقَبْرٌ كانَ أكْرَمَهم ∗∗∗ بَيْتًا وأبْعَدَهم عَنْ مَنزِلِ الزّامِّ
(p-٢٩٩)يُرِيدُ: لَوْ عُدَّتْ قُبُورٌ كَثِيرَةٌ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ وغَيْرُهُ: (كَرَّتَيْنِ) مَعْناهُ مَرَّتَيْنِ، ونَصَبَها عَلى المَصْدَرِ. وقِيلَ: أمَرَ بِرَجْعِ البَصَرِ إلى السَّماءِ مَرَّتَيْنِ، غَلَّطَ في الأُولى، فَيَسْتَدْرِكُ بِالثّانِيَةِ. وقِيلَ: الأُولى لِيَرى حُسْنَها واسْتِواءَها، والثّانِيَةُ لِيُبْصِرَ كَواكِبَها في سَيْرِها وانْتِهائِها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يَنْقَلِبْ) جَزْمًا عَلى جَوابِ الأمْرِ. والخُوارَزْمِيُّ عَنِ الكِسائِيِّ: يَرْفَعُ الباءَ، أيْ: فَيَنْقَلِبْ عَلى حَذْفِ الفاءِ، أوْ عَلى أنَّهُ مَوْضِعُ حالٍ مُقَدَّرَةٍ، أيْ: إنْ رَجَعْتَ البَصَرَ وكَرَّرْتَ النَّظَرَ؛ لِتَطْلُبَ فُطُورَ شُقُوقٍ أوْ خَلَلًا أوْ عَيْبًا، رَجَعَ إلَيْكَ مُبْعَدًا عَمّا طَلَبْتَهُ لِانْتِفاءِ ذَلِكَ عَنْها، وهو كالٌّ مِن كَثْرَةِ النَّظَرِ، وكَلالُهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالكَرَّتَيْنِ لَيْسَ شَفْعَ الواحِدِ؛ لِأنَّهُ لا يَكِلُّ البَصَرُ بِالنَّظَرِ مَرَّتَيْنِ اثْنَتَيْنِ. والحَسِيرُ: الكالُّ، قالَ الشّاعِرُ:
؎لَهُنَّ الوَجى لَمْ كُنَّ عَوْنًا عَلى النَّوى ∗∗∗ ولا زالَ مِنها ظالِعٌ وحَسِيرُ
يُقالُ: حَسَرَ بَعِيرُهُ يَحْسِرُ حُسُورًا أيْ: كَلَّ وانْقَطَعَ فَهو حَسِيرٌ ومَحْسُورٌ، قالَ الشّاعِرُ يَصِفُ ناقَةً:
؎فَشَطْرُها نَظَرَ العَيْنَيْنِ مَحْسُورُ
أيْ: ونَحْرُها، وقَدْ جُمِعَ حَسِيرٌ بِمَعْنى أعْيا وكَلَّ، قالَ الشّاعِرُ:
؎بِها جِيَفُ الحَسْرى فَأمّا عِظامُها
البَيْتَ.
السَّماءَ الدُّنْيا هي الَّتِي نُشاهِدُها، والدُّنُوُّ أمْرٌ نِسْبِيٌّ وإلّا فَلَيْسَتْ قَرِيبَةً. (بِمَصابِيحَ) أيْ: بِنُجُومٍ مُضِيئَةٍ كالمَصابِيحِ، ومَصابِيحُ مُطْلَقُ الأعْلامِ، فَلا يَدُلُّ عَلى أنَّ غَيْرَ سَماءِ الدُّنْيا لَيْسَتْ فِيها مَصابِيحُ. وجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ أيْ: جَعَلْنا مِنها؛ لِأنَّ السَّماءَ ذاتَها لَيْسَتْ يُرْجَمُ بِها الرُّجُومُ هَذا إنْ عادَ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: (وجَعَلْناها) عَلى السَّماءِ. والظّاهِرُ عَوْدُهُ عَلى مَصابِيحَ. ونَسَبَ الرَّجْمَ إلَيْها؛ لِأنَّ الشِّهابَ المُتَّبِعَ لِلْمُسْتَرِقِ مُنْفَصِلٌ مِن نارِها، والكَواكِبُ قارٌّ في مُلْكِهِ عَلى حالِهِ. فالشِّهابُ كَقَبَسٍ يُؤْخَذُ مِنَ النّارِ، والنّارُ باقِيَةٌ لا تَنْقُصُ. والظّاهِرُ أنَّ الشَّياطِينَ هم مُسْتَرِقُو السَّمْعِ، وأنَّ الرَّجْمَ هو حَقِيقَةٌ يُرْمَوْنَ بِالشُّهُبِ، كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ الحِجْرِ وسُورَةِ والصّافّاتِ. وقِيلَ: مَعْنى (رُجُومًا): (ظُنُونًا) لِشَياطِينِ الإنْسِ، وهُمُ المُنَجِّمُونَ يَنْسُبُونَ إلى النُّجُومِ أشْياءَ عَلى جِهَةِ الظَّنِّ مِن جُهّالِهِمْ، والتَّمْوِيهِ والِاخْتِلاقِ مِن أزْكِيائِهِمْ، ولَهم في ذَلِكَ تَصانِيفُ تَشْتَمِلُ عَلى خُرافاتٍ يُمَوِّهُونَ بِها عَلى المُلُوكِ وضُعَفاءِ العُقُولِ، ويَعْمَلُونَ مَوالِدَ يَحْكُمُونَ فِيها بِالأشْياءِ لا يَصِحُّ مِنها شَيْءٌ. وقَدْ وقَفْنا عَلى أشْياءَ مِن كَذِبِهِمْ في تِلْكَ المَوالِدِ، وما يَحْكُونَهُ عَنْ أبِي مَعْشَرٍ وغَيْرِهِ مِن شُيُوخِ السُّوءِ كَذِبٌ يُغْرُونَ بِهِ النّاسَ الجُهّالَ. وقالَ قَتادَةُ: خَلَقَ اللَّهُ - تَعالى - النُّجُومَ زِينَةً لِلسَّماءِ ورُجُومًا لِلشَّياطِينِ، ولِيُهْتَدى بِها في البَرِّ والبَحْرِ. فَمَن قالَ غَيْرَ هَذِهِ الخِصالِ الثَّلاثِ فَقَدْ تَكَلَّفَ وأذْهَبَ حَظَّهُ مِنَ الآخِرَةِ. والضَّمِيرُ في ”لَهم“ عائِدٌ عَلى الشَّياطِينِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: عَذابُ جَهَنَّمَ بِرَفْعِ الباءِ. والضَّحّاكُ والأعْرَجُ وأُسَيْدُ بْنُ أُسَيْدٍ المُزَنِيُّ، والحَسَنُ في رِوايَةِ هارُونَ عَنْهُ: بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى عَذابَ السَّعِيرِ أيْ: وأعْتَدْنا لِلَّذِينَ كَفَرُوا عَذابَ جَهَنَّمَ. إذا أُلْقُوا فِيها أيْ: طُرِحُوا، كَما يُطْرَحُ الحَطَبُ في النّارِ العَظِيمَةِ ويُرْمى بِهِ، ومِثْلُهُ ”حَصَبُ جَهَنَّمَ“ سَمِعُوا لَها أيْ: لِجَهَنَّمَ (شَهِيقًا) أيْ: صَوْتًا مُنْكَرًا كَصَوْتِ الحِمارِ، تُصَوِّتُ مِثْلَ ذَلِكَ لِشِدَّةِ تَوَقُّدِها وغَلَيانِها. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: سَمِعُوا لِأهْلِها، كَما قالَ تَعالى: ﴿لَهم فِيها زَفِيرٌ وشَهِيقٌ﴾ [هود: ١٠٦] . وهي تَفُورُ تَغْلِي بِهِمْ غَلْيَ المِرْجَلِ. تَكادُ تَمَيَّزُ أيْ: يَنْفَصِلُ بَعْضُها مِن بَعْضٍ لِشِدَّةِ اضْطِرابِها، ويُقالُ: فُلانٌ يَتَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ إذا وصَفُوهُ بِالإفْراطِ في الغَضَبِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (تَمَيَّزُ) بِتاءٍ واحِدَةٍ خَفِيفَةٍ، والبَزِّيُّ يُشَدِّدُها، وطَلْحَةُ: بِتاءَيْنِ، وأبُو عَمْرٍو: بِإدْغامِ الدّالِ في التّاءِ، والضَّحّاكُ: تَمايَزُ عَلى وزْنِ تَفاعَلُ، وأصْلُهُ تَتَمايَزُ بِتاءَيْنِ. وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: تَمِيزُ مِن مازَ مِنَ الغَيْظِ عَلى الكَفَرَةِ، جُعِلَتْ كالمُغْتاظَةِ عَلَيْهِمْ لِشِدَّةِ غَلَيانِها بِهِمْ، ومِثْلُ هَذا في التَّجَوُّزِ قَوْلُ الشّاعِرِ في كَلْبٍ:
؎يَشْتَدُّ في جَرْيِهِ يَكادُ ∗∗∗ أنْ يَخْرُجَ مِن إهابِهِ
(p-٣٠٠)وقَوْلُهم: غَضِبَ فُلانٌ، فَطارَتْ مِنهُ شُقَّةٌ في الأرْضِ وشُقَّةٌ في السَّماءِ إذا أفْرَطَ في الغَضَبِ. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ مِن غَيْظِ الزَّبانِيَةِ. كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ أيْ: فَرِيقٌ مِنَ الكُفّارِ سَألَهم خَزَنَتُها سُؤالَ تَوْبِيخٍ وتَقْرِيعٍ، وهو مِمّا يَزِيدُهم عَذابًا إلى عَذابِهِمْ، وخَزَنَتُها: مالِكٌ وأعْوانُهُ ألَمْ يَأْتِكم نَذِيرٌ يُنْذِرُكم بِهَذا اليَوْمِ قالُوا بَلى اعْتِرافٌ بِمَجِيءِ النُّذُرِ إلَيْهِمْ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: اعْتِرافٌ مِنهم بِعَدْلِ اللَّهِ، وإقْرارٌ بِأنَّهُ - عَزَّ وعَلا - أزاحَ عِلَلَهم بِبِعْثِهِ الرُّسُلَ وإنْذارِهم فِيما وقَعُوا فِيهِ، وأنَّهم لَمْ يُؤْتَوْا مِن قُدْرَةٍ كَما تَزْعُمُ المُجْبِرَةُ، وإنَّما أتَوْا مِن قِبَلِ أنْفُسِهِمْ واخْتِيارِهِمْ، خِلافَ ما اخْتارَ اللَّهُ وأمَرَ بِهِ وأوْعَدَ عَلى ضِدِّهِ. انْتَهى، وهو عَلى طَرِيقِ المُعْتَزِلَةِ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنْ أنْتُمْ إلّا في ضَلالٍ كَبِيرٍ﴾ مِن قَوْلِ الكُفّارِ لِلرُّسُلِ الَّذِينَ جاءُوا نُذُرًا إلَيْهِمْ، أنْكَرُوا أوَّلًا أنَّ اللَّهَ نَزَّلَ شَيْئًا، واسْتَجْهَلُوا ثانِيًا مَن أخْبَرَ بِأنَّهُ - تَعالى - أرْسَلَ إلَيْهِمُ الرُّسُلَ، وأنَّ قائِلَ ذَلِكَ في حَيْرَةٍ عَظِيمَةٍ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِ الخَزَنَةِ لِلْكُفّارِ إخْبارًا لَهم وتَقْرِيعًا بِما كانُوا عَلَيْهِ في الدُّنْيا. أرادُوا بِالضَّلالِ الهَلاكَ الَّذِي هم فِيهِ، أوْ سَمَّوْا عِقابَ الضَّلالِ ضَلالًا لَمّا كانَ ناشِئًا عَنِ الضَّلالِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ مِن كَلامِ الرُّسُلِ لَهم حَكَوْهُ لِلْخَزَنَةِ، أيْ: قالُوا لَنا هَذا فَلَمْ نَقْبَلْهُ. انْتَهى. فَإنْ كانَ الخِطابُ في إنْ أنْتُمْ لِلرُّسُلِ، فَقَدْ يُرادُ بِهِ الجِنْسُ، ولِذَلِكَ جاءَ الخِطابُ بِالجَمْعِ. (وقالُوا) أيْ: لِلْخَزَنَةِ حِينَ حاوَرُوهم لَوْ كُنّا نَسْمَعُ سَماعَ طالِبٍ لِلْحَقِّ أوْ نَعْقِلُ عَقْلَ مُتَأمِّلٍ لَهُ، لَمْ نَسْتَوْجِبِ الخُلُودَ في النّارِ. فاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ أيْ: بِتَكْذِيبِ الرُّسُلِ (فَسُحْقًا) أيْ: فَبُعْدًا لَهم، وهو دُعاءٌ عَلَيْهِمْ، والسُّحْقُ: البُعْدُ، وانْتِصابُهُ عَلى المَصْدَرِ أيْ: سَحَقَهُمُ اللَّهُ سُحْقًا، قالَ الشّاعِرُ:
؎يَجُولُ بِأطْرافِ البِلادِ مُغَرِّبًا ∗∗∗ وتَسْحَقُهُ رِيحُ الصَّبا كُلَّ مَسْحَقِ
والفِعْلُ مِنهُ ثُلاثِيٌّ. وقالَ الزَّجّاجُ: أيْ: أسْحَقُهُمُ اللَّهُ سُحْقًا، أيْ: باعَدَهم بُعْدًا. وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: القِياسُ إسْحاقًا، فَجاءَ المَصْدَرُ عَلى الحَذْفِ، كَما قِيلَ:
وإنْ أهْلِكْ فَذَلِكَ كانَ قَدَرِي
أيْ تَقْدِيرِي. انْتَهى، ولا يَحْتاجُ إلى ادِّعاءِ الحَذْفِ في المَصْدَرِ؛ لِأنَّ فِعْلَهُ قَدْ جاءَ ثُلاثِيًّا، كَما أنْشَدَ:
؎وتَسْحَقُهُ رِيحُ الصَّبا كُلَّ مَسْحَقِ
وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِسُكُونِ الحاءِ. وعَلِيٌّ وأبُو جَعْفَرٍ والكِسائِيُّ، بِخِلافٍ عَنْ أبِي الحَرْثِ عَنْهُ: بِضَمِّها. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: (فَسُحْقًا) نَصْبًا عَلى جِهَةِ الدُّعاءِ عَلَيْهِمْ، وجازَ ذَلِكَ فِيهِ، وهو مِن قِبَلِ اللَّهِ - تَعالى - مِن حَيْثُ هَذا القَوْلِ فِيهِمْ مُسْتَقِرٌّ أوَّلًا، ووُجُودُهُ لَمْ يَقَعْ إلّا في الآخِرَةِ، فَكَأنَّهُ لِذَلِكَ في حَيِّزِ المُتَوَقَّعِ الَّذِي يُدْعى بِهِ، كَما تَقُولُ: سُحْقًا لِزَيْدٍ وبُعْدًا، والنَّصْبُ في هَذا كُلِّهِ بِإضْمارِ فِعْلٍ، وإنْ وقَعَ وثَبَتَ، فالوَجْهُ فِيهِ الرَّفْعُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ويْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ [المطففين: ١] وسَلامٌ عَلَيْكم وغَيْرُ هَذا مِنَ الأمْثِلَةِ. انْتَهى. يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ أيِ: الَّذِي أُخْبِرُوا بِهِ مِن أمْرِ المَعادِ وأحْوالِهِ، أوْ غائِبِينَ عَنْ أعْيُنِ النّاسِ، أيْ في خَلَواتِهِمْ، كَقَوْلِهِ: «ورَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خالِيًا، فَفاضَتْ عَيْناهُ» . وأسِرُّوا قَوْلَكم خِطابٌ لِجَمِيعِ الخَلْقِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وسَبَبُهُ أنَّ بَعْضَ المُشْرِكِينَ قالَ لِبَعْضٍ: أسِرُّوا قَوْلَكم لا يَسْمَعُكم إلَهُ مُحَمَّدٍ. ألا يَعْلَمُ مَن خَلَقَ الهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهامِ و”لا“ لِلنَّفْيِ، والظّاهِرُ أنَّ ”مَن“ مَفْعُولٌ، والمَعْنى أيَنْتَفِي عِلْمُهُ بِمَن خَلَقَ، وهو الَّذِي لَطُفَ عِلْمُهُ ودَقَّ وأحاطَ بِخَفِيّاتِ الأُمُورِ وجَلِيّاتِها ؟ وأجازَ بَعْضُ النُّحاةِ أنْ يَكُونَ ”مَن“ فاعِلًا، والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، كَأنَّهُ قالَ: ألا يَعْلَمُ الخالِقُ سِرَّكم وجَهْرَكم ؟ وهو اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ الإنْكارُ، أيْ: كَيْفَ لا يَعْلَمُ ما تَكَلَّمَ بِهِ مِن خَلْقِ الأشْياءِ، وأوْجَدَها مِنَ العَدَمِ الصِّرْفِ، وحالُهُ أنَّهُ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ المُتَوَصِّلُ عِلْمُهُ إلى ما ظَهَرَ مِن خَلْقِهِ وما بَطَنَ ؟
﴿هو الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ ذَلُولًا﴾ مِنَّةٌ مِنهُ - تَعالى - بِذَلِكَ، والذَّلُولُ فَعُولٌ لِلْمُبالِغَةِ، مِن ذَلِكَ تَقُولُ: دابَّةٌ ذَلُولٌ بَيِّنَةُ الذُّلِّ، ورَجُلٌ ذَلِيلٌ: بَيِّنُ الذُّلِّ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والذَّلُولُ فَعُولٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، أيْ: مَذْلُولَةٌ، فَهي كَرَكُوبٍ وحَلُوبٍ. انْتَهى. ولَيْسَ بِمَعْنى مَفْعُولٍ؛ لِأنَّ فِعْلَهُ قاصِرٌ، وإنَّما تَعَدّى (p-٣٠١)بِالهَمْزَةِ كَقَوْلِهِ: وتُذِلُّ مَن تَشاءُ وإمّا بِالتَّضْعِيفِ لِقَوْلِهِ: وذَلَّلْناها لَهم وقَوْلُهُ أيْ: مَذْلُولَةٌ يَظْهَرُ أنَّهُ خَطَأٌ. فامْشُوا في مَناكِبِها أمَرَ بِالتَّصَرُّفِ فِيها والِاكْتِسابِ. ومَناكِبُها، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ وبِشْرُ بْنُ كَعْبٍ: أطْرافُها، وهي الجِبالُ. وقالَ الفَرّاءُ والكَلْبِيُّ ومُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ: جَوانِبُها، ومَنكِبا الرَّجُلِ: جانِباهُ. وقالَ الحَسَنُ والسُّدِّيُّ: طَرَفُها وفِجاجُها. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والمَشْيُ في مَناكِبِها مَثَلٌ لِفَرْطِ التَّذْلِيلِ ومُجاوَزَتِهِ الغايَةَ؛ لِأنَّ المَنكِبَيْنِ ومُلْتَقاهُما مِنَ الغارِبِ أرَقُّ شَيْءٍ مِنَ البَعِيرِ، وأنْبَأهُ عَنْ أنْ يَطَأهُ الرّاكِبُ بِقَدَمِهِ ويَعْتَمِدَ عَلَيْهِ، فَإذا جَعَلَها في الذُّلِّ بِحَيْثُ يَمْشِي في مَناكِبِها لَمْ يَنْزِلْ. انْتَهى. وقالَ الزَّجّاجُ: سَهَّلَ لَكُمُ السُّلُوكَ في جِبالِها فَهو أبْلَغُ التَّذْلِيلِ. وإلَيْهِ النُّشُورُ أيْ: البَعْثُ، فَيَسْألُكم عَنْ شُكْرِ هَذِهِ النِّعْمَةِ عَلَيْكم.
الملك 67:4
(سُورَةُ المُلْكِ مَكِّيَّةٌ وهي ثَلاثُونَ آيَةً)
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)
﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ والحَياةَ لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا وهو العَزِيزُ الغَفُورُ﴾ ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا ما تَرى في خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفاوُتٍ فارْجِعِ البَصَرَ هَلْ تَرى مِن فُطُورٍ﴾ ﴿ثُمَّ ارْجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إلَيْكَ البَصَرُ خاسِئًا وهو حَسِيرٌ﴾ ﴿ولَقَدْ زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ وأعْتَدْنا لَهم عَذابَ السَّعِيرِ﴾ ﴿ولِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ ﴿إذا أُلْقُوا فِيها سَمِعُوا لَها شَهِيقًا وهي تَفُورُ﴾ ﴿تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَألَهم خَزَنَتُها ألَمْ يَأْتِكم نَذِيرٌ﴾ ﴿قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا وقُلْنا ما نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ إنْ أنْتُمْ إلّا في ضَلالٍ كَبِيرٍ﴾ ﴿وقالُوا لَوْ كُنّا نَسْمَعُ أوْ نَعْقِلُ ما كُنّا في أصْحابِ السَّعِيرِ﴾ ﴿فاعْتَرِفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأصْحابِ السَّعِيرِ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ كَبِيرٌ﴾ ﴿وأسِرُّوا قَوْلَكم أوِ اجْهُرُوا بِهِ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ ﴿ألا يَعْلَمُ مَن خَلَقَ وهو اللَّطِيفُ الخَبِيرُ﴾ ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ ذَلُولًا فامْشُوا في مَناكِبِها وكُلُوا مِن رِزْقِهِ وإلَيْهِ النُّشُورُ﴾ .
(p-٢٩٧)هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ. ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها، أنَّهُ لَمّا ضُرِبَ لِلْكَفّارِ بِتَيْنِكَ المَرْأتَيْنِ المَحْتُومِ لَهُما بِالشَّقاوَةِ، وإنْ كانَتا تَحْتَ نَبِيِّينَ، ومَثَلًا لِلْمُؤْمِنِينَ بِـ آسِيَةَ ومَرْيَمَ، وهُما مَحْتُومٌ لَهُما بِالجَنَّةِ، وإنْ كانَ قَوْماهُما كافِرِينَ. كانَ ذَلِكَ تَصَرُّفًا في مُلْكِهِ عَلى ما سَبَقَ قَضاؤُهُ، فَقالَ: (تَبارَكَ) أيْ: تَعالى وتَعاظَمَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكِ وهو كِنايَةٌ عَنِ الإحاطَةِ والقَهْرِ، وكَثِيرًا ما جاءَ نِسْبَةُ اليَدِ إلَيْهِ - تَعالى - كَقَوْلِهِ: ﴿فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [يس: ٨٣] بِيَدِكَ الخَيْرُ وذَلِكَ في حَقِّهِ - تَعالى - اسْتِعارَةٌ لِتَحْقِيقِ المُلْكِ، إذْ كانَتْ في عُرْفِ الآدَمِيِّينَ آلَةً لِلتَّمَلُّكِ، والمُلْكُ هُنا هو عَلى الإطْلاقِ لا يَبِيدُ ولا يَخْتَلُّ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: مَلِكُ المُلُوكِ لِقَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ المُلْكِ﴾ [آل عمران: ٢٦] وناسَبَ المُلْكَ ذِكْرُ وصْفِ القُدْرَةِ والحَياةِ ما يَصِحُّ بِوُجُودِهِ الإحْساسُ. ومَعْنى خَلَقَ المَوْتَ إيجادُ ذَلِكَ المُصَحِّحِ وإعْدامُهُ، والمَعْنى: خَلَقَ مَوْتَكم وحَياتَكم أيُّها المُكَلَّفُونَ، وسَمّى عِلْمَ الواقِعِ مِنهم بِاخْتِيارِهِمْ بَلْوى وهي الحَيْرَةُ، اسْتِعارَةً مِن فِعْلِ المُخْتَبِرِ. وفي الحَدِيثِ أنَّهُ فَسَّرَ أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا أيْ: أحْسَنُ عَقْلًا وأشَدُّكم خَوْفًا وأحْسَنُكم في أمْرِهِ ونَهْيِهِ نَظَرًا، وإنْ كانَ أقَلَّكم تَطَوُّعًا. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ والثَّوْرِيِّ: أزْهَدُكم في الدُّنْيا. وقِيلَ: كَنّى بِالمَوْتِ عَنِ الدُّنْيا، إذْ هو واقِعٌ فِيها، وعَنِ الآخِرَةِ بِالحَياةِ مِن حَيْثُ لا مَوْتَ فِيها، فَكَأنَّهُ قالَ: هو الَّذِي خَلَقَ الدُّنْيا والآخِرَةَ، وصَفَهُما بِالمَصْدَرَيْنِ، وقَدَّمَ المَوْتَ لِأنَّهُ أهْيَبُ في النُّفُوسِ. و(لِيَبْلُوَكم) مُتَعَلِّقٌ بِـ (خَلَقَ) وأيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، فَقَدَّرَ الحَوْفِيُّ قَبْلَها فِعْلًا تَكُونُ الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ مَعْمُولِهِ، وهو مُعَلَّقٌ عَنْها، تَقْدِيرُهُ: فَيَنْظُرُ، وقَدَّرَ ابْنُ عَطِيَّةَ فَيَنْظُرُ أوْ فَيَعْلَمُ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ) مِن أيْنَ تَعَلَّقَ قَوْلُهُ: أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا بِفِعْلِ البَلْوى ؟ (قُلْتُ): مِن حَيْثُ إنَّهُ تَضَمَّنَ مَعْنى العِلْمِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: لِيَعْلَمَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا، وإذا قُلْتَ: عَلِمْتُهُ أزَيْدٌ أحْسَنُ عَمَلًا أمْ هو ؟ كانَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ واقِعَةً مَوْقِعَ الثّانِي مِن مَفْعُولَيْهِ، كَما تَقُولُ: عَلِمْتُهُ هو أحْسَنُ عَمَلًا. (فَإنْ قُلْتَ) أيُسَمّى هَذا تَعْلِيقًا ؟ (قُلْتُ): لا، إنَّما التَّعْلِيقُ أنْ تُوقِعَ بَعْدَهُ ما يَسُدُّ مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ جَمِيعًا، كَقَوْلِكَ: عَلِمْتُ أيُّهُما عَمْرٌو، وعَلِمْتُ أزَيْدٌ مُنْطَلِقٌ. ألا تَرى أنَّهُ لا فَصْلَ بَعْدَ سَبْقِ أحَدِ المَفْعُولَيْنِ بَيْنَ أنْ يَقَعَ ما بَعْدَهُ مُصَدَّرًا بِحَرْفِ الِاسْتِفْهامِ وغَيْرَ مُصَدَّرٍ بِهِ ؟ ولَوْ كانَ تَعْلِيقًا لافْتَرَقَتِ الحالَتانِ، كَما افْتَرَقَتا في قَوْلِكَ: عَلِمْتُ أزَيْدٌ مُنْطَلِقٌ، وعَلِمْتُ زَيْدًا مُنْطَلِقًا. انْتَهى. وأصْحابُنا يُسَمُّونَ ما مَنَعَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ تَعْلِيقًا، فَيَقُولُونَ في الفِعْلِ إذا عُدِّيَ إلى اثْنَيْنِ (p-٢٩٨)ونُصِبَ الأوَّلُ وجاءَتْ بَعْدَهُ جُمْلَةٌ اسْتِفْهامِيَّةٌ، أوْ بِلامِ الِابْتِداءِ، أوْ بِحَرْفِ نَفْيٍ، كانَتِ الجُمْلَةُ مُعَلَّقًا عَنْها الفِعْلُ، وكانَتْ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، كَما لَوْ وقَعَتْ في مَوْضِعِ المَفْعُولَيْنِ وفِيها ما يُعَلِّقُ الفِعْلَ عَنِ العَمَلِ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مِثْلِ هَذِهِ الجُمْلَةِ في الكَهْفِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِنَبْلُوَهم أيُّهم أحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٧] .
وانْتَصَبَ (طِباقًا) عَلى الوَصْفِ لِـ ”سَبْعَ“، فَإمّا أنْ يَكُونَ مَصْدَرَ طابَقَ مُطابَقَةً وطِباقًا لِقَوْلِهِمْ: النَّعْلُ خَصْفُها طَبَقًا عَلى طَبَقٍ، وُصِفَ بِهِ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ، أوْ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ ذا طِباقٍ، وإمّا جَمْعُ طَبَقٍ كَجَمَلٍ وجِمالٍ، أوْ جَمْعُ طَبَقَةٍ كَرَحَبَةٍ ورِحابٍ، والمَعْنى: بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ. وما ذُكِرَ مِن مَوادِّ هَذِهِ السَّماواتِ. فالأُولى مِن مَوْجٍ مَكْفُوفٍ، والثّانِيَةُ مِن دُرَّةٍ بَيْضاءَ، والثّالِثَةُ مِن حَدِيدٍ، والرّابِعَةُ مِن نُحاسٍ، والخامِسَةُ مِن فِضَّةٍ، والسّادِسَةُ مِن ذَهَبٍ، والسّابِعَةُ مِن زُمُرُّدَةٍ بَيْضاءَ - يَحْتاجُ إلى نَقْلٍ صَحِيحٍ، وقَدْ كانَ بَعْضُ مَن يَنْتَمِي إلى الصَّلاحِ، وكانَ أعْمى لا يُبْصِرُ مَوْضِعَ قَدَمِهِ، يُخْبِرُ أنَّهُ يُشاهِدُ السَّماواتِ عَلى بَعْضِ أوْصافٍ مِمّا ذَكَرْنا.
مِن تَفاوُتٍ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مِن تَفَرُّقٍ. وقالَ السُّدِّيُّ: مِن عَيْبٍ. وقالَ عَطاءُ بْنُ يَسارٍ: مِن عَدَمِ اسْتِواءٍ. وقالَ ثَعْلَبٌ: أصْلُهُ مِنَ الفَوْتِ، وهو أنْ يَفُوتَ شَيْءٌ شَيْئًا مِنَ الخَلَلِ. وقِيلَ: مِنِ اضْطِرابٍ. وقِيلَ: مِنِ اعْوِجاجٍ. وقِيلَ: مِن تَناقُضٍ. وقِيلَ: مِنِ اخْتِلافٍ. وقِيلَ: مِن عَدَمِ التَّناسُبِ. والتَّفاوُتُ: تَجاوُزُ الحَدِّ الَّذِي تَجِبُ لَهُ زِيادَةٌ أوْ نَقْصٌ. قالَ بَعْضُ الأُدَباءِ:
؎تَناسَبَتِ الأعْضاءُ فِيهِ فَلا تَرى بِهِنَّ اخْتِلافًا بَلْ أتَيْنَ عَلى قَدَرِ
وقَرَأ الجُمْهُورُ: مِن تَفاوُتٍ بِألِفٍ مَصْدَرُ تَفاوَتَ. وعَبْدُ اللَّهِ وعَلْقَمَةُ والأسْوَدُ، وابْنُ جُبَيْرٍ وطَلْحَةُ والأعْمَشُ بِشَدِّ الواوِ، مَصْدَرُ تَفَوَّتَ. وحَكى أبُو زَيْدِ بْنُ العَرَبِيِّ: (تَفاوُتًا) بِضَمِّ الواوِ وفَتْحِها وكَسْرِها، والفَتْحُ والكَسْرُ شاذّانِ. والظّاهِرُ عُمُومُ خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنَ الأفْلاكِ وغَيْرِها، فَإنَّهُ لا تَفَوُّتَ فِيهِ ولا فُطُورَ، بَلْ كُلٌّ جارٍ عَلى الإتْقانِ. وقِيلَ: المُرادُ في خَلْقِ الرَّحْمَنِ السَّماواتُ فَقَطْ، والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ما تَرى اسْتِئْنافُ أنَّهُ لا يُدْرَكُ في خَلْقِهِ تَعالى تَفاوُتٌ، وجَعَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ هَذِهِ الجُمْلَةَ صِفَةَ مُتابَعَةٍ لِقَوْلِهِ: (طِباقًا) أصْلُها ما تَرى فِيهِنَّ مِن تَفاوُتٍ، فَوَضَعَ مَكانَ الضَّمِيرِ قَوْلَهُ: خَلْقِ الرَّحْمَنِ تَعْظِيمًا لِخَلْقِهِنَّ وتَنْبِيهًا عَلى سَبَبِ سَلامَتِهِنَّ مِنَ التَّفاوُتِ، وهو أنَّهُ خَلْقُ الرَّحْمَنِ، وأنَّهُ بِباهِرِ قُدْرَتِهِ هو الَّذِي يَخْلُقُ مِثْلَ ذَلِكَ الخَلْقِ المُناسِبِ. انْتَهى. والخِطابُ في (تَرى) لِكُلِّ مُخاطَبٍ، أوْ لِلرَّسُولِ، ﷺ . ولَمّا أخْبَرَ - تَعالى - أنَّهُ لا تَفاوُتَ في خَلْقِهِ، أمَرَ بِتَرْدِيدِ البَصَرِ في الخَلْقِ المُناسِبِ، فَقالَ: (فارْجِعْ) فَفي الفاءِ مَعْنى التَّسَبُّبِ، والمَعْنى: أنَّ العِيانَ يُطابِقُ الخَبَرَ.
و(الفُطُورُ) قالَ مُجاهِدٌ: الشُّقُوقُ. فَطَرَ نابُ البَعِيرِ: شَقَّ اللَّحْمَ وظَهَرَ، قالَ الشّاعِرُ:
؎بَنى لَكم بِلا عُمُدٍ سَماءً ∗∗∗ وسَوّاها فَما فِيها فُطُورُ
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: صُدُوعٌ، وأنْشَدَ قَوْلَ عُبَيْدِ بْنِ مَسْعُودٍ:
؎شَقَقْتُ القَلْبَ ثُمَّ رَدَدْتُ فِيهِ ∗∗∗ هَواكِ فَلِيطَ فالتَأمَ الفُطُورُ
وقالَ السُّدِّيُّ: خُرُوقٌ. وقالَ قَتادَةُ: خَلَلٌ، ومِنهُ التَّفْطِيرُ والِانْفِطارُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وهَنٌ. وهَذِهِ تَفاسِيرٌ مُتَقارِبَةٌ.
والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: ﴿هَلْ تَرى مِن فُطُورٍ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِفِعْلٍ مُعَلَّقٍ مَحْذُوفٍ، أيْ فانْظُرْ هَلْ تَرى، أوْ ضُمِّنَ مَعْنى فارْجِعِ البَصَرَ مَعْنى فانْظُرْ بِبَصَرِكَ هَلْ تَرى ؟ فَيَكُونُ مُعَلَّقًا. ثُمَّ ارْجِعِ البَصَرَ أيْ: رَدِّدْهُ كَرَّتَيْنِ هي تَثْنِيَةٌ لا شَفْعُ الواحِدِ، بَلْ يُرادُ بِها التَّكْرارُ، كَأنَّهُ قالَ: كَرَّةً بَعْدَ كَرَّةٍ، أيْ كَرّاتٍ كَثِيرَةً، كَقَوْلِهِ: لَبَّيْكَ، يُرِيدُ إجاباتٍ كَثِيرَةً بَعْضُها في إثْرِ بَعْضٍ، وأُرِيدَ بِالتَّثْنِيَةِ التَّكْثِيرُ، كَما أُرِيدَ بِما هو أصْلٌ لَها التَّكْثِيرُ، وهو مُفْرَدٌ عُطِفَ عَلى مُفْرَدٍ، نَحْوَ قَوْلِهِ:
؎لَوْ عُدَّ قَبْرٌ وقَبْرٌ كانَ أكْرَمَهم ∗∗∗ بَيْتًا وأبْعَدَهم عَنْ مَنزِلِ الزّامِّ
(p-٢٩٩)يُرِيدُ: لَوْ عُدَّتْ قُبُورٌ كَثِيرَةٌ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ وغَيْرُهُ: (كَرَّتَيْنِ) مَعْناهُ مَرَّتَيْنِ، ونَصَبَها عَلى المَصْدَرِ. وقِيلَ: أمَرَ بِرَجْعِ البَصَرِ إلى السَّماءِ مَرَّتَيْنِ، غَلَّطَ في الأُولى، فَيَسْتَدْرِكُ بِالثّانِيَةِ. وقِيلَ: الأُولى لِيَرى حُسْنَها واسْتِواءَها، والثّانِيَةُ لِيُبْصِرَ كَواكِبَها في سَيْرِها وانْتِهائِها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يَنْقَلِبْ) جَزْمًا عَلى جَوابِ الأمْرِ. والخُوارَزْمِيُّ عَنِ الكِسائِيِّ: يَرْفَعُ الباءَ، أيْ: فَيَنْقَلِبْ عَلى حَذْفِ الفاءِ، أوْ عَلى أنَّهُ مَوْضِعُ حالٍ مُقَدَّرَةٍ، أيْ: إنْ رَجَعْتَ البَصَرَ وكَرَّرْتَ النَّظَرَ؛ لِتَطْلُبَ فُطُورَ شُقُوقٍ أوْ خَلَلًا أوْ عَيْبًا، رَجَعَ إلَيْكَ مُبْعَدًا عَمّا طَلَبْتَهُ لِانْتِفاءِ ذَلِكَ عَنْها، وهو كالٌّ مِن كَثْرَةِ النَّظَرِ، وكَلالُهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالكَرَّتَيْنِ لَيْسَ شَفْعَ الواحِدِ؛ لِأنَّهُ لا يَكِلُّ البَصَرُ بِالنَّظَرِ مَرَّتَيْنِ اثْنَتَيْنِ. والحَسِيرُ: الكالُّ، قالَ الشّاعِرُ:
؎لَهُنَّ الوَجى لَمْ كُنَّ عَوْنًا عَلى النَّوى ∗∗∗ ولا زالَ مِنها ظالِعٌ وحَسِيرُ
يُقالُ: حَسَرَ بَعِيرُهُ يَحْسِرُ حُسُورًا أيْ: كَلَّ وانْقَطَعَ فَهو حَسِيرٌ ومَحْسُورٌ، قالَ الشّاعِرُ يَصِفُ ناقَةً:
؎فَشَطْرُها نَظَرَ العَيْنَيْنِ مَحْسُورُ
أيْ: ونَحْرُها، وقَدْ جُمِعَ حَسِيرٌ بِمَعْنى أعْيا وكَلَّ، قالَ الشّاعِرُ:
؎بِها جِيَفُ الحَسْرى فَأمّا عِظامُها
البَيْتَ.
السَّماءَ الدُّنْيا هي الَّتِي نُشاهِدُها، والدُّنُوُّ أمْرٌ نِسْبِيٌّ وإلّا فَلَيْسَتْ قَرِيبَةً. (بِمَصابِيحَ) أيْ: بِنُجُومٍ مُضِيئَةٍ كالمَصابِيحِ، ومَصابِيحُ مُطْلَقُ الأعْلامِ، فَلا يَدُلُّ عَلى أنَّ غَيْرَ سَماءِ الدُّنْيا لَيْسَتْ فِيها مَصابِيحُ. وجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ أيْ: جَعَلْنا مِنها؛ لِأنَّ السَّماءَ ذاتَها لَيْسَتْ يُرْجَمُ بِها الرُّجُومُ هَذا إنْ عادَ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: (وجَعَلْناها) عَلى السَّماءِ. والظّاهِرُ عَوْدُهُ عَلى مَصابِيحَ. ونَسَبَ الرَّجْمَ إلَيْها؛ لِأنَّ الشِّهابَ المُتَّبِعَ لِلْمُسْتَرِقِ مُنْفَصِلٌ مِن نارِها، والكَواكِبُ قارٌّ في مُلْكِهِ عَلى حالِهِ. فالشِّهابُ كَقَبَسٍ يُؤْخَذُ مِنَ النّارِ، والنّارُ باقِيَةٌ لا تَنْقُصُ. والظّاهِرُ أنَّ الشَّياطِينَ هم مُسْتَرِقُو السَّمْعِ، وأنَّ الرَّجْمَ هو حَقِيقَةٌ يُرْمَوْنَ بِالشُّهُبِ، كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ الحِجْرِ وسُورَةِ والصّافّاتِ. وقِيلَ: مَعْنى (رُجُومًا): (ظُنُونًا) لِشَياطِينِ الإنْسِ، وهُمُ المُنَجِّمُونَ يَنْسُبُونَ إلى النُّجُومِ أشْياءَ عَلى جِهَةِ الظَّنِّ مِن جُهّالِهِمْ، والتَّمْوِيهِ والِاخْتِلاقِ مِن أزْكِيائِهِمْ، ولَهم في ذَلِكَ تَصانِيفُ تَشْتَمِلُ عَلى خُرافاتٍ يُمَوِّهُونَ بِها عَلى المُلُوكِ وضُعَفاءِ العُقُولِ، ويَعْمَلُونَ مَوالِدَ يَحْكُمُونَ فِيها بِالأشْياءِ لا يَصِحُّ مِنها شَيْءٌ. وقَدْ وقَفْنا عَلى أشْياءَ مِن كَذِبِهِمْ في تِلْكَ المَوالِدِ، وما يَحْكُونَهُ عَنْ أبِي مَعْشَرٍ وغَيْرِهِ مِن شُيُوخِ السُّوءِ كَذِبٌ يُغْرُونَ بِهِ النّاسَ الجُهّالَ. وقالَ قَتادَةُ: خَلَقَ اللَّهُ - تَعالى - النُّجُومَ زِينَةً لِلسَّماءِ ورُجُومًا لِلشَّياطِينِ، ولِيُهْتَدى بِها في البَرِّ والبَحْرِ. فَمَن قالَ غَيْرَ هَذِهِ الخِصالِ الثَّلاثِ فَقَدْ تَكَلَّفَ وأذْهَبَ حَظَّهُ مِنَ الآخِرَةِ. والضَّمِيرُ في ”لَهم“ عائِدٌ عَلى الشَّياطِينِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: عَذابُ جَهَنَّمَ بِرَفْعِ الباءِ. والضَّحّاكُ والأعْرَجُ وأُسَيْدُ بْنُ أُسَيْدٍ المُزَنِيُّ، والحَسَنُ في رِوايَةِ هارُونَ عَنْهُ: بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى عَذابَ السَّعِيرِ أيْ: وأعْتَدْنا لِلَّذِينَ كَفَرُوا عَذابَ جَهَنَّمَ. إذا أُلْقُوا فِيها أيْ: طُرِحُوا، كَما يُطْرَحُ الحَطَبُ في النّارِ العَظِيمَةِ ويُرْمى بِهِ، ومِثْلُهُ ”حَصَبُ جَهَنَّمَ“ سَمِعُوا لَها أيْ: لِجَهَنَّمَ (شَهِيقًا) أيْ: صَوْتًا مُنْكَرًا كَصَوْتِ الحِمارِ، تُصَوِّتُ مِثْلَ ذَلِكَ لِشِدَّةِ تَوَقُّدِها وغَلَيانِها. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: سَمِعُوا لِأهْلِها، كَما قالَ تَعالى: ﴿لَهم فِيها زَفِيرٌ وشَهِيقٌ﴾ [هود: ١٠٦] . وهي تَفُورُ تَغْلِي بِهِمْ غَلْيَ المِرْجَلِ. تَكادُ تَمَيَّزُ أيْ: يَنْفَصِلُ بَعْضُها مِن بَعْضٍ لِشِدَّةِ اضْطِرابِها، ويُقالُ: فُلانٌ يَتَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ إذا وصَفُوهُ بِالإفْراطِ في الغَضَبِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (تَمَيَّزُ) بِتاءٍ واحِدَةٍ خَفِيفَةٍ، والبَزِّيُّ يُشَدِّدُها، وطَلْحَةُ: بِتاءَيْنِ، وأبُو عَمْرٍو: بِإدْغامِ الدّالِ في التّاءِ، والضَّحّاكُ: تَمايَزُ عَلى وزْنِ تَفاعَلُ، وأصْلُهُ تَتَمايَزُ بِتاءَيْنِ. وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: تَمِيزُ مِن مازَ مِنَ الغَيْظِ عَلى الكَفَرَةِ، جُعِلَتْ كالمُغْتاظَةِ عَلَيْهِمْ لِشِدَّةِ غَلَيانِها بِهِمْ، ومِثْلُ هَذا في التَّجَوُّزِ قَوْلُ الشّاعِرِ في كَلْبٍ:
؎يَشْتَدُّ في جَرْيِهِ يَكادُ ∗∗∗ أنْ يَخْرُجَ مِن إهابِهِ
(p-٣٠٠)وقَوْلُهم: غَضِبَ فُلانٌ، فَطارَتْ مِنهُ شُقَّةٌ في الأرْضِ وشُقَّةٌ في السَّماءِ إذا أفْرَطَ في الغَضَبِ. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ مِن غَيْظِ الزَّبانِيَةِ. كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ أيْ: فَرِيقٌ مِنَ الكُفّارِ سَألَهم خَزَنَتُها سُؤالَ تَوْبِيخٍ وتَقْرِيعٍ، وهو مِمّا يَزِيدُهم عَذابًا إلى عَذابِهِمْ، وخَزَنَتُها: مالِكٌ وأعْوانُهُ ألَمْ يَأْتِكم نَذِيرٌ يُنْذِرُكم بِهَذا اليَوْمِ قالُوا بَلى اعْتِرافٌ بِمَجِيءِ النُّذُرِ إلَيْهِمْ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: اعْتِرافٌ مِنهم بِعَدْلِ اللَّهِ، وإقْرارٌ بِأنَّهُ - عَزَّ وعَلا - أزاحَ عِلَلَهم بِبِعْثِهِ الرُّسُلَ وإنْذارِهم فِيما وقَعُوا فِيهِ، وأنَّهم لَمْ يُؤْتَوْا مِن قُدْرَةٍ كَما تَزْعُمُ المُجْبِرَةُ، وإنَّما أتَوْا مِن قِبَلِ أنْفُسِهِمْ واخْتِيارِهِمْ، خِلافَ ما اخْتارَ اللَّهُ وأمَرَ بِهِ وأوْعَدَ عَلى ضِدِّهِ. انْتَهى، وهو عَلى طَرِيقِ المُعْتَزِلَةِ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنْ أنْتُمْ إلّا في ضَلالٍ كَبِيرٍ﴾ مِن قَوْلِ الكُفّارِ لِلرُّسُلِ الَّذِينَ جاءُوا نُذُرًا إلَيْهِمْ، أنْكَرُوا أوَّلًا أنَّ اللَّهَ نَزَّلَ شَيْئًا، واسْتَجْهَلُوا ثانِيًا مَن أخْبَرَ بِأنَّهُ - تَعالى - أرْسَلَ إلَيْهِمُ الرُّسُلَ، وأنَّ قائِلَ ذَلِكَ في حَيْرَةٍ عَظِيمَةٍ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِ الخَزَنَةِ لِلْكُفّارِ إخْبارًا لَهم وتَقْرِيعًا بِما كانُوا عَلَيْهِ في الدُّنْيا. أرادُوا بِالضَّلالِ الهَلاكَ الَّذِي هم فِيهِ، أوْ سَمَّوْا عِقابَ الضَّلالِ ضَلالًا لَمّا كانَ ناشِئًا عَنِ الضَّلالِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ مِن كَلامِ الرُّسُلِ لَهم حَكَوْهُ لِلْخَزَنَةِ، أيْ: قالُوا لَنا هَذا فَلَمْ نَقْبَلْهُ. انْتَهى. فَإنْ كانَ الخِطابُ في إنْ أنْتُمْ لِلرُّسُلِ، فَقَدْ يُرادُ بِهِ الجِنْسُ، ولِذَلِكَ جاءَ الخِطابُ بِالجَمْعِ. (وقالُوا) أيْ: لِلْخَزَنَةِ حِينَ حاوَرُوهم لَوْ كُنّا نَسْمَعُ سَماعَ طالِبٍ لِلْحَقِّ أوْ نَعْقِلُ عَقْلَ مُتَأمِّلٍ لَهُ، لَمْ نَسْتَوْجِبِ الخُلُودَ في النّارِ. فاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ أيْ: بِتَكْذِيبِ الرُّسُلِ (فَسُحْقًا) أيْ: فَبُعْدًا لَهم، وهو دُعاءٌ عَلَيْهِمْ، والسُّحْقُ: البُعْدُ، وانْتِصابُهُ عَلى المَصْدَرِ أيْ: سَحَقَهُمُ اللَّهُ سُحْقًا، قالَ الشّاعِرُ:
؎يَجُولُ بِأطْرافِ البِلادِ مُغَرِّبًا ∗∗∗ وتَسْحَقُهُ رِيحُ الصَّبا كُلَّ مَسْحَقِ
والفِعْلُ مِنهُ ثُلاثِيٌّ. وقالَ الزَّجّاجُ: أيْ: أسْحَقُهُمُ اللَّهُ سُحْقًا، أيْ: باعَدَهم بُعْدًا. وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: القِياسُ إسْحاقًا، فَجاءَ المَصْدَرُ عَلى الحَذْفِ، كَما قِيلَ:
وإنْ أهْلِكْ فَذَلِكَ كانَ قَدَرِي
أيْ تَقْدِيرِي. انْتَهى، ولا يَحْتاجُ إلى ادِّعاءِ الحَذْفِ في المَصْدَرِ؛ لِأنَّ فِعْلَهُ قَدْ جاءَ ثُلاثِيًّا، كَما أنْشَدَ:
؎وتَسْحَقُهُ رِيحُ الصَّبا كُلَّ مَسْحَقِ
وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِسُكُونِ الحاءِ. وعَلِيٌّ وأبُو جَعْفَرٍ والكِسائِيُّ، بِخِلافٍ عَنْ أبِي الحَرْثِ عَنْهُ: بِضَمِّها. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: (فَسُحْقًا) نَصْبًا عَلى جِهَةِ الدُّعاءِ عَلَيْهِمْ، وجازَ ذَلِكَ فِيهِ، وهو مِن قِبَلِ اللَّهِ - تَعالى - مِن حَيْثُ هَذا القَوْلِ فِيهِمْ مُسْتَقِرٌّ أوَّلًا، ووُجُودُهُ لَمْ يَقَعْ إلّا في الآخِرَةِ، فَكَأنَّهُ لِذَلِكَ في حَيِّزِ المُتَوَقَّعِ الَّذِي يُدْعى بِهِ، كَما تَقُولُ: سُحْقًا لِزَيْدٍ وبُعْدًا، والنَّصْبُ في هَذا كُلِّهِ بِإضْمارِ فِعْلٍ، وإنْ وقَعَ وثَبَتَ، فالوَجْهُ فِيهِ الرَّفْعُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ويْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ [المطففين: ١] وسَلامٌ عَلَيْكم وغَيْرُ هَذا مِنَ الأمْثِلَةِ. انْتَهى. يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ أيِ: الَّذِي أُخْبِرُوا بِهِ مِن أمْرِ المَعادِ وأحْوالِهِ، أوْ غائِبِينَ عَنْ أعْيُنِ النّاسِ، أيْ في خَلَواتِهِمْ، كَقَوْلِهِ: «ورَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خالِيًا، فَفاضَتْ عَيْناهُ» . وأسِرُّوا قَوْلَكم خِطابٌ لِجَمِيعِ الخَلْقِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وسَبَبُهُ أنَّ بَعْضَ المُشْرِكِينَ قالَ لِبَعْضٍ: أسِرُّوا قَوْلَكم لا يَسْمَعُكم إلَهُ مُحَمَّدٍ. ألا يَعْلَمُ مَن خَلَقَ الهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهامِ و”لا“ لِلنَّفْيِ، والظّاهِرُ أنَّ ”مَن“ مَفْعُولٌ، والمَعْنى أيَنْتَفِي عِلْمُهُ بِمَن خَلَقَ، وهو الَّذِي لَطُفَ عِلْمُهُ ودَقَّ وأحاطَ بِخَفِيّاتِ الأُمُورِ وجَلِيّاتِها ؟ وأجازَ بَعْضُ النُّحاةِ أنْ يَكُونَ ”مَن“ فاعِلًا، والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، كَأنَّهُ قالَ: ألا يَعْلَمُ الخالِقُ سِرَّكم وجَهْرَكم ؟ وهو اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ الإنْكارُ، أيْ: كَيْفَ لا يَعْلَمُ ما تَكَلَّمَ بِهِ مِن خَلْقِ الأشْياءِ، وأوْجَدَها مِنَ العَدَمِ الصِّرْفِ، وحالُهُ أنَّهُ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ المُتَوَصِّلُ عِلْمُهُ إلى ما ظَهَرَ مِن خَلْقِهِ وما بَطَنَ ؟
﴿هو الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ ذَلُولًا﴾ مِنَّةٌ مِنهُ - تَعالى - بِذَلِكَ، والذَّلُولُ فَعُولٌ لِلْمُبالِغَةِ، مِن ذَلِكَ تَقُولُ: دابَّةٌ ذَلُولٌ بَيِّنَةُ الذُّلِّ، ورَجُلٌ ذَلِيلٌ: بَيِّنُ الذُّلِّ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والذَّلُولُ فَعُولٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، أيْ: مَذْلُولَةٌ، فَهي كَرَكُوبٍ وحَلُوبٍ. انْتَهى. ولَيْسَ بِمَعْنى مَفْعُولٍ؛ لِأنَّ فِعْلَهُ قاصِرٌ، وإنَّما تَعَدّى (p-٣٠١)بِالهَمْزَةِ كَقَوْلِهِ: وتُذِلُّ مَن تَشاءُ وإمّا بِالتَّضْعِيفِ لِقَوْلِهِ: وذَلَّلْناها لَهم وقَوْلُهُ أيْ: مَذْلُولَةٌ يَظْهَرُ أنَّهُ خَطَأٌ. فامْشُوا في مَناكِبِها أمَرَ بِالتَّصَرُّفِ فِيها والِاكْتِسابِ. ومَناكِبُها، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ وبِشْرُ بْنُ كَعْبٍ: أطْرافُها، وهي الجِبالُ. وقالَ الفَرّاءُ والكَلْبِيُّ ومُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ: جَوانِبُها، ومَنكِبا الرَّجُلِ: جانِباهُ. وقالَ الحَسَنُ والسُّدِّيُّ: طَرَفُها وفِجاجُها. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والمَشْيُ في مَناكِبِها مَثَلٌ لِفَرْطِ التَّذْلِيلِ ومُجاوَزَتِهِ الغايَةَ؛ لِأنَّ المَنكِبَيْنِ ومُلْتَقاهُما مِنَ الغارِبِ أرَقُّ شَيْءٍ مِنَ البَعِيرِ، وأنْبَأهُ عَنْ أنْ يَطَأهُ الرّاكِبُ بِقَدَمِهِ ويَعْتَمِدَ عَلَيْهِ، فَإذا جَعَلَها في الذُّلِّ بِحَيْثُ يَمْشِي في مَناكِبِها لَمْ يَنْزِلْ. انْتَهى. وقالَ الزَّجّاجُ: سَهَّلَ لَكُمُ السُّلُوكَ في جِبالِها فَهو أبْلَغُ التَّذْلِيلِ. وإلَيْهِ النُّشُورُ أيْ: البَعْثُ، فَيَسْألُكم عَنْ شُكْرِ هَذِهِ النِّعْمَةِ عَلَيْكم.
الملك 67:5
(سُورَةُ المُلْكِ مَكِّيَّةٌ وهي ثَلاثُونَ آيَةً)
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)
﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ والحَياةَ لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا وهو العَزِيزُ الغَفُورُ﴾ ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا ما تَرى في خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفاوُتٍ فارْجِعِ البَصَرَ هَلْ تَرى مِن فُطُورٍ﴾ ﴿ثُمَّ ارْجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إلَيْكَ البَصَرُ خاسِئًا وهو حَسِيرٌ﴾ ﴿ولَقَدْ زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ وأعْتَدْنا لَهم عَذابَ السَّعِيرِ﴾ ﴿ولِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ ﴿إذا أُلْقُوا فِيها سَمِعُوا لَها شَهِيقًا وهي تَفُورُ﴾ ﴿تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَألَهم خَزَنَتُها ألَمْ يَأْتِكم نَذِيرٌ﴾ ﴿قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا وقُلْنا ما نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ إنْ أنْتُمْ إلّا في ضَلالٍ كَبِيرٍ﴾ ﴿وقالُوا لَوْ كُنّا نَسْمَعُ أوْ نَعْقِلُ ما كُنّا في أصْحابِ السَّعِيرِ﴾ ﴿فاعْتَرِفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأصْحابِ السَّعِيرِ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ كَبِيرٌ﴾ ﴿وأسِرُّوا قَوْلَكم أوِ اجْهُرُوا بِهِ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ ﴿ألا يَعْلَمُ مَن خَلَقَ وهو اللَّطِيفُ الخَبِيرُ﴾ ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ ذَلُولًا فامْشُوا في مَناكِبِها وكُلُوا مِن رِزْقِهِ وإلَيْهِ النُّشُورُ﴾ .
(p-٢٩٧)هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ. ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها، أنَّهُ لَمّا ضُرِبَ لِلْكَفّارِ بِتَيْنِكَ المَرْأتَيْنِ المَحْتُومِ لَهُما بِالشَّقاوَةِ، وإنْ كانَتا تَحْتَ نَبِيِّينَ، ومَثَلًا لِلْمُؤْمِنِينَ بِـ آسِيَةَ ومَرْيَمَ، وهُما مَحْتُومٌ لَهُما بِالجَنَّةِ، وإنْ كانَ قَوْماهُما كافِرِينَ. كانَ ذَلِكَ تَصَرُّفًا في مُلْكِهِ عَلى ما سَبَقَ قَضاؤُهُ، فَقالَ: (تَبارَكَ) أيْ: تَعالى وتَعاظَمَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكِ وهو كِنايَةٌ عَنِ الإحاطَةِ والقَهْرِ، وكَثِيرًا ما جاءَ نِسْبَةُ اليَدِ إلَيْهِ - تَعالى - كَقَوْلِهِ: ﴿فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [يس: ٨٣] بِيَدِكَ الخَيْرُ وذَلِكَ في حَقِّهِ - تَعالى - اسْتِعارَةٌ لِتَحْقِيقِ المُلْكِ، إذْ كانَتْ في عُرْفِ الآدَمِيِّينَ آلَةً لِلتَّمَلُّكِ، والمُلْكُ هُنا هو عَلى الإطْلاقِ لا يَبِيدُ ولا يَخْتَلُّ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: مَلِكُ المُلُوكِ لِقَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ المُلْكِ﴾ [آل عمران: ٢٦] وناسَبَ المُلْكَ ذِكْرُ وصْفِ القُدْرَةِ والحَياةِ ما يَصِحُّ بِوُجُودِهِ الإحْساسُ. ومَعْنى خَلَقَ المَوْتَ إيجادُ ذَلِكَ المُصَحِّحِ وإعْدامُهُ، والمَعْنى: خَلَقَ مَوْتَكم وحَياتَكم أيُّها المُكَلَّفُونَ، وسَمّى عِلْمَ الواقِعِ مِنهم بِاخْتِيارِهِمْ بَلْوى وهي الحَيْرَةُ، اسْتِعارَةً مِن فِعْلِ المُخْتَبِرِ. وفي الحَدِيثِ أنَّهُ فَسَّرَ أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا أيْ: أحْسَنُ عَقْلًا وأشَدُّكم خَوْفًا وأحْسَنُكم في أمْرِهِ ونَهْيِهِ نَظَرًا، وإنْ كانَ أقَلَّكم تَطَوُّعًا. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ والثَّوْرِيِّ: أزْهَدُكم في الدُّنْيا. وقِيلَ: كَنّى بِالمَوْتِ عَنِ الدُّنْيا، إذْ هو واقِعٌ فِيها، وعَنِ الآخِرَةِ بِالحَياةِ مِن حَيْثُ لا مَوْتَ فِيها، فَكَأنَّهُ قالَ: هو الَّذِي خَلَقَ الدُّنْيا والآخِرَةَ، وصَفَهُما بِالمَصْدَرَيْنِ، وقَدَّمَ المَوْتَ لِأنَّهُ أهْيَبُ في النُّفُوسِ. و(لِيَبْلُوَكم) مُتَعَلِّقٌ بِـ (خَلَقَ) وأيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، فَقَدَّرَ الحَوْفِيُّ قَبْلَها فِعْلًا تَكُونُ الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ مَعْمُولِهِ، وهو مُعَلَّقٌ عَنْها، تَقْدِيرُهُ: فَيَنْظُرُ، وقَدَّرَ ابْنُ عَطِيَّةَ فَيَنْظُرُ أوْ فَيَعْلَمُ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ) مِن أيْنَ تَعَلَّقَ قَوْلُهُ: أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا بِفِعْلِ البَلْوى ؟ (قُلْتُ): مِن حَيْثُ إنَّهُ تَضَمَّنَ مَعْنى العِلْمِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: لِيَعْلَمَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا، وإذا قُلْتَ: عَلِمْتُهُ أزَيْدٌ أحْسَنُ عَمَلًا أمْ هو ؟ كانَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ واقِعَةً مَوْقِعَ الثّانِي مِن مَفْعُولَيْهِ، كَما تَقُولُ: عَلِمْتُهُ هو أحْسَنُ عَمَلًا. (فَإنْ قُلْتَ) أيُسَمّى هَذا تَعْلِيقًا ؟ (قُلْتُ): لا، إنَّما التَّعْلِيقُ أنْ تُوقِعَ بَعْدَهُ ما يَسُدُّ مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ جَمِيعًا، كَقَوْلِكَ: عَلِمْتُ أيُّهُما عَمْرٌو، وعَلِمْتُ أزَيْدٌ مُنْطَلِقٌ. ألا تَرى أنَّهُ لا فَصْلَ بَعْدَ سَبْقِ أحَدِ المَفْعُولَيْنِ بَيْنَ أنْ يَقَعَ ما بَعْدَهُ مُصَدَّرًا بِحَرْفِ الِاسْتِفْهامِ وغَيْرَ مُصَدَّرٍ بِهِ ؟ ولَوْ كانَ تَعْلِيقًا لافْتَرَقَتِ الحالَتانِ، كَما افْتَرَقَتا في قَوْلِكَ: عَلِمْتُ أزَيْدٌ مُنْطَلِقٌ، وعَلِمْتُ زَيْدًا مُنْطَلِقًا. انْتَهى. وأصْحابُنا يُسَمُّونَ ما مَنَعَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ تَعْلِيقًا، فَيَقُولُونَ في الفِعْلِ إذا عُدِّيَ إلى اثْنَيْنِ (p-٢٩٨)ونُصِبَ الأوَّلُ وجاءَتْ بَعْدَهُ جُمْلَةٌ اسْتِفْهامِيَّةٌ، أوْ بِلامِ الِابْتِداءِ، أوْ بِحَرْفِ نَفْيٍ، كانَتِ الجُمْلَةُ مُعَلَّقًا عَنْها الفِعْلُ، وكانَتْ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، كَما لَوْ وقَعَتْ في مَوْضِعِ المَفْعُولَيْنِ وفِيها ما يُعَلِّقُ الفِعْلَ عَنِ العَمَلِ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مِثْلِ هَذِهِ الجُمْلَةِ في الكَهْفِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِنَبْلُوَهم أيُّهم أحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٧] .
وانْتَصَبَ (طِباقًا) عَلى الوَصْفِ لِـ ”سَبْعَ“، فَإمّا أنْ يَكُونَ مَصْدَرَ طابَقَ مُطابَقَةً وطِباقًا لِقَوْلِهِمْ: النَّعْلُ خَصْفُها طَبَقًا عَلى طَبَقٍ، وُصِفَ بِهِ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ، أوْ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ ذا طِباقٍ، وإمّا جَمْعُ طَبَقٍ كَجَمَلٍ وجِمالٍ، أوْ جَمْعُ طَبَقَةٍ كَرَحَبَةٍ ورِحابٍ، والمَعْنى: بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ. وما ذُكِرَ مِن مَوادِّ هَذِهِ السَّماواتِ. فالأُولى مِن مَوْجٍ مَكْفُوفٍ، والثّانِيَةُ مِن دُرَّةٍ بَيْضاءَ، والثّالِثَةُ مِن حَدِيدٍ، والرّابِعَةُ مِن نُحاسٍ، والخامِسَةُ مِن فِضَّةٍ، والسّادِسَةُ مِن ذَهَبٍ، والسّابِعَةُ مِن زُمُرُّدَةٍ بَيْضاءَ - يَحْتاجُ إلى نَقْلٍ صَحِيحٍ، وقَدْ كانَ بَعْضُ مَن يَنْتَمِي إلى الصَّلاحِ، وكانَ أعْمى لا يُبْصِرُ مَوْضِعَ قَدَمِهِ، يُخْبِرُ أنَّهُ يُشاهِدُ السَّماواتِ عَلى بَعْضِ أوْصافٍ مِمّا ذَكَرْنا.
مِن تَفاوُتٍ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مِن تَفَرُّقٍ. وقالَ السُّدِّيُّ: مِن عَيْبٍ. وقالَ عَطاءُ بْنُ يَسارٍ: مِن عَدَمِ اسْتِواءٍ. وقالَ ثَعْلَبٌ: أصْلُهُ مِنَ الفَوْتِ، وهو أنْ يَفُوتَ شَيْءٌ شَيْئًا مِنَ الخَلَلِ. وقِيلَ: مِنِ اضْطِرابٍ. وقِيلَ: مِنِ اعْوِجاجٍ. وقِيلَ: مِن تَناقُضٍ. وقِيلَ: مِنِ اخْتِلافٍ. وقِيلَ: مِن عَدَمِ التَّناسُبِ. والتَّفاوُتُ: تَجاوُزُ الحَدِّ الَّذِي تَجِبُ لَهُ زِيادَةٌ أوْ نَقْصٌ. قالَ بَعْضُ الأُدَباءِ:
؎تَناسَبَتِ الأعْضاءُ فِيهِ فَلا تَرى بِهِنَّ اخْتِلافًا بَلْ أتَيْنَ عَلى قَدَرِ
وقَرَأ الجُمْهُورُ: مِن تَفاوُتٍ بِألِفٍ مَصْدَرُ تَفاوَتَ. وعَبْدُ اللَّهِ وعَلْقَمَةُ والأسْوَدُ، وابْنُ جُبَيْرٍ وطَلْحَةُ والأعْمَشُ بِشَدِّ الواوِ، مَصْدَرُ تَفَوَّتَ. وحَكى أبُو زَيْدِ بْنُ العَرَبِيِّ: (تَفاوُتًا) بِضَمِّ الواوِ وفَتْحِها وكَسْرِها، والفَتْحُ والكَسْرُ شاذّانِ. والظّاهِرُ عُمُومُ خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنَ الأفْلاكِ وغَيْرِها، فَإنَّهُ لا تَفَوُّتَ فِيهِ ولا فُطُورَ، بَلْ كُلٌّ جارٍ عَلى الإتْقانِ. وقِيلَ: المُرادُ في خَلْقِ الرَّحْمَنِ السَّماواتُ فَقَطْ، والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ما تَرى اسْتِئْنافُ أنَّهُ لا يُدْرَكُ في خَلْقِهِ تَعالى تَفاوُتٌ، وجَعَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ هَذِهِ الجُمْلَةَ صِفَةَ مُتابَعَةٍ لِقَوْلِهِ: (طِباقًا) أصْلُها ما تَرى فِيهِنَّ مِن تَفاوُتٍ، فَوَضَعَ مَكانَ الضَّمِيرِ قَوْلَهُ: خَلْقِ الرَّحْمَنِ تَعْظِيمًا لِخَلْقِهِنَّ وتَنْبِيهًا عَلى سَبَبِ سَلامَتِهِنَّ مِنَ التَّفاوُتِ، وهو أنَّهُ خَلْقُ الرَّحْمَنِ، وأنَّهُ بِباهِرِ قُدْرَتِهِ هو الَّذِي يَخْلُقُ مِثْلَ ذَلِكَ الخَلْقِ المُناسِبِ. انْتَهى. والخِطابُ في (تَرى) لِكُلِّ مُخاطَبٍ، أوْ لِلرَّسُولِ، ﷺ . ولَمّا أخْبَرَ - تَعالى - أنَّهُ لا تَفاوُتَ في خَلْقِهِ، أمَرَ بِتَرْدِيدِ البَصَرِ في الخَلْقِ المُناسِبِ، فَقالَ: (فارْجِعْ) فَفي الفاءِ مَعْنى التَّسَبُّبِ، والمَعْنى: أنَّ العِيانَ يُطابِقُ الخَبَرَ.
و(الفُطُورُ) قالَ مُجاهِدٌ: الشُّقُوقُ. فَطَرَ نابُ البَعِيرِ: شَقَّ اللَّحْمَ وظَهَرَ، قالَ الشّاعِرُ:
؎بَنى لَكم بِلا عُمُدٍ سَماءً ∗∗∗ وسَوّاها فَما فِيها فُطُورُ
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: صُدُوعٌ، وأنْشَدَ قَوْلَ عُبَيْدِ بْنِ مَسْعُودٍ:
؎شَقَقْتُ القَلْبَ ثُمَّ رَدَدْتُ فِيهِ ∗∗∗ هَواكِ فَلِيطَ فالتَأمَ الفُطُورُ
وقالَ السُّدِّيُّ: خُرُوقٌ. وقالَ قَتادَةُ: خَلَلٌ، ومِنهُ التَّفْطِيرُ والِانْفِطارُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وهَنٌ. وهَذِهِ تَفاسِيرٌ مُتَقارِبَةٌ.
والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: ﴿هَلْ تَرى مِن فُطُورٍ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِفِعْلٍ مُعَلَّقٍ مَحْذُوفٍ، أيْ فانْظُرْ هَلْ تَرى، أوْ ضُمِّنَ مَعْنى فارْجِعِ البَصَرَ مَعْنى فانْظُرْ بِبَصَرِكَ هَلْ تَرى ؟ فَيَكُونُ مُعَلَّقًا. ثُمَّ ارْجِعِ البَصَرَ أيْ: رَدِّدْهُ كَرَّتَيْنِ هي تَثْنِيَةٌ لا شَفْعُ الواحِدِ، بَلْ يُرادُ بِها التَّكْرارُ، كَأنَّهُ قالَ: كَرَّةً بَعْدَ كَرَّةٍ، أيْ كَرّاتٍ كَثِيرَةً، كَقَوْلِهِ: لَبَّيْكَ، يُرِيدُ إجاباتٍ كَثِيرَةً بَعْضُها في إثْرِ بَعْضٍ، وأُرِيدَ بِالتَّثْنِيَةِ التَّكْثِيرُ، كَما أُرِيدَ بِما هو أصْلٌ لَها التَّكْثِيرُ، وهو مُفْرَدٌ عُطِفَ عَلى مُفْرَدٍ، نَحْوَ قَوْلِهِ:
؎لَوْ عُدَّ قَبْرٌ وقَبْرٌ كانَ أكْرَمَهم ∗∗∗ بَيْتًا وأبْعَدَهم عَنْ مَنزِلِ الزّامِّ
(p-٢٩٩)يُرِيدُ: لَوْ عُدَّتْ قُبُورٌ كَثِيرَةٌ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ وغَيْرُهُ: (كَرَّتَيْنِ) مَعْناهُ مَرَّتَيْنِ، ونَصَبَها عَلى المَصْدَرِ. وقِيلَ: أمَرَ بِرَجْعِ البَصَرِ إلى السَّماءِ مَرَّتَيْنِ، غَلَّطَ في الأُولى، فَيَسْتَدْرِكُ بِالثّانِيَةِ. وقِيلَ: الأُولى لِيَرى حُسْنَها واسْتِواءَها، والثّانِيَةُ لِيُبْصِرَ كَواكِبَها في سَيْرِها وانْتِهائِها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يَنْقَلِبْ) جَزْمًا عَلى جَوابِ الأمْرِ. والخُوارَزْمِيُّ عَنِ الكِسائِيِّ: يَرْفَعُ الباءَ، أيْ: فَيَنْقَلِبْ عَلى حَذْفِ الفاءِ، أوْ عَلى أنَّهُ مَوْضِعُ حالٍ مُقَدَّرَةٍ، أيْ: إنْ رَجَعْتَ البَصَرَ وكَرَّرْتَ النَّظَرَ؛ لِتَطْلُبَ فُطُورَ شُقُوقٍ أوْ خَلَلًا أوْ عَيْبًا، رَجَعَ إلَيْكَ مُبْعَدًا عَمّا طَلَبْتَهُ لِانْتِفاءِ ذَلِكَ عَنْها، وهو كالٌّ مِن كَثْرَةِ النَّظَرِ، وكَلالُهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالكَرَّتَيْنِ لَيْسَ شَفْعَ الواحِدِ؛ لِأنَّهُ لا يَكِلُّ البَصَرُ بِالنَّظَرِ مَرَّتَيْنِ اثْنَتَيْنِ. والحَسِيرُ: الكالُّ، قالَ الشّاعِرُ:
؎لَهُنَّ الوَجى لَمْ كُنَّ عَوْنًا عَلى النَّوى ∗∗∗ ولا زالَ مِنها ظالِعٌ وحَسِيرُ
يُقالُ: حَسَرَ بَعِيرُهُ يَحْسِرُ حُسُورًا أيْ: كَلَّ وانْقَطَعَ فَهو حَسِيرٌ ومَحْسُورٌ، قالَ الشّاعِرُ يَصِفُ ناقَةً:
؎فَشَطْرُها نَظَرَ العَيْنَيْنِ مَحْسُورُ
أيْ: ونَحْرُها، وقَدْ جُمِعَ حَسِيرٌ بِمَعْنى أعْيا وكَلَّ، قالَ الشّاعِرُ:
؎بِها جِيَفُ الحَسْرى فَأمّا عِظامُها
البَيْتَ.
السَّماءَ الدُّنْيا هي الَّتِي نُشاهِدُها، والدُّنُوُّ أمْرٌ نِسْبِيٌّ وإلّا فَلَيْسَتْ قَرِيبَةً. (بِمَصابِيحَ) أيْ: بِنُجُومٍ مُضِيئَةٍ كالمَصابِيحِ، ومَصابِيحُ مُطْلَقُ الأعْلامِ، فَلا يَدُلُّ عَلى أنَّ غَيْرَ سَماءِ الدُّنْيا لَيْسَتْ فِيها مَصابِيحُ. وجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ أيْ: جَعَلْنا مِنها؛ لِأنَّ السَّماءَ ذاتَها لَيْسَتْ يُرْجَمُ بِها الرُّجُومُ هَذا إنْ عادَ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: (وجَعَلْناها) عَلى السَّماءِ. والظّاهِرُ عَوْدُهُ عَلى مَصابِيحَ. ونَسَبَ الرَّجْمَ إلَيْها؛ لِأنَّ الشِّهابَ المُتَّبِعَ لِلْمُسْتَرِقِ مُنْفَصِلٌ مِن نارِها، والكَواكِبُ قارٌّ في مُلْكِهِ عَلى حالِهِ. فالشِّهابُ كَقَبَسٍ يُؤْخَذُ مِنَ النّارِ، والنّارُ باقِيَةٌ لا تَنْقُصُ. والظّاهِرُ أنَّ الشَّياطِينَ هم مُسْتَرِقُو السَّمْعِ، وأنَّ الرَّجْمَ هو حَقِيقَةٌ يُرْمَوْنَ بِالشُّهُبِ، كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ الحِجْرِ وسُورَةِ والصّافّاتِ. وقِيلَ: مَعْنى (رُجُومًا): (ظُنُونًا) لِشَياطِينِ الإنْسِ، وهُمُ المُنَجِّمُونَ يَنْسُبُونَ إلى النُّجُومِ أشْياءَ عَلى جِهَةِ الظَّنِّ مِن جُهّالِهِمْ، والتَّمْوِيهِ والِاخْتِلاقِ مِن أزْكِيائِهِمْ، ولَهم في ذَلِكَ تَصانِيفُ تَشْتَمِلُ عَلى خُرافاتٍ يُمَوِّهُونَ بِها عَلى المُلُوكِ وضُعَفاءِ العُقُولِ، ويَعْمَلُونَ مَوالِدَ يَحْكُمُونَ فِيها بِالأشْياءِ لا يَصِحُّ مِنها شَيْءٌ. وقَدْ وقَفْنا عَلى أشْياءَ مِن كَذِبِهِمْ في تِلْكَ المَوالِدِ، وما يَحْكُونَهُ عَنْ أبِي مَعْشَرٍ وغَيْرِهِ مِن شُيُوخِ السُّوءِ كَذِبٌ يُغْرُونَ بِهِ النّاسَ الجُهّالَ. وقالَ قَتادَةُ: خَلَقَ اللَّهُ - تَعالى - النُّجُومَ زِينَةً لِلسَّماءِ ورُجُومًا لِلشَّياطِينِ، ولِيُهْتَدى بِها في البَرِّ والبَحْرِ. فَمَن قالَ غَيْرَ هَذِهِ الخِصالِ الثَّلاثِ فَقَدْ تَكَلَّفَ وأذْهَبَ حَظَّهُ مِنَ الآخِرَةِ. والضَّمِيرُ في ”لَهم“ عائِدٌ عَلى الشَّياطِينِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: عَذابُ جَهَنَّمَ بِرَفْعِ الباءِ. والضَّحّاكُ والأعْرَجُ وأُسَيْدُ بْنُ أُسَيْدٍ المُزَنِيُّ، والحَسَنُ في رِوايَةِ هارُونَ عَنْهُ: بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى عَذابَ السَّعِيرِ أيْ: وأعْتَدْنا لِلَّذِينَ كَفَرُوا عَذابَ جَهَنَّمَ. إذا أُلْقُوا فِيها أيْ: طُرِحُوا، كَما يُطْرَحُ الحَطَبُ في النّارِ العَظِيمَةِ ويُرْمى بِهِ، ومِثْلُهُ ”حَصَبُ جَهَنَّمَ“ سَمِعُوا لَها أيْ: لِجَهَنَّمَ (شَهِيقًا) أيْ: صَوْتًا مُنْكَرًا كَصَوْتِ الحِمارِ، تُصَوِّتُ مِثْلَ ذَلِكَ لِشِدَّةِ تَوَقُّدِها وغَلَيانِها. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: سَمِعُوا لِأهْلِها، كَما قالَ تَعالى: ﴿لَهم فِيها زَفِيرٌ وشَهِيقٌ﴾ [هود: ١٠٦] . وهي تَفُورُ تَغْلِي بِهِمْ غَلْيَ المِرْجَلِ. تَكادُ تَمَيَّزُ أيْ: يَنْفَصِلُ بَعْضُها مِن بَعْضٍ لِشِدَّةِ اضْطِرابِها، ويُقالُ: فُلانٌ يَتَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ إذا وصَفُوهُ بِالإفْراطِ في الغَضَبِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (تَمَيَّزُ) بِتاءٍ واحِدَةٍ خَفِيفَةٍ، والبَزِّيُّ يُشَدِّدُها، وطَلْحَةُ: بِتاءَيْنِ، وأبُو عَمْرٍو: بِإدْغامِ الدّالِ في التّاءِ، والضَّحّاكُ: تَمايَزُ عَلى وزْنِ تَفاعَلُ، وأصْلُهُ تَتَمايَزُ بِتاءَيْنِ. وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: تَمِيزُ مِن مازَ مِنَ الغَيْظِ عَلى الكَفَرَةِ، جُعِلَتْ كالمُغْتاظَةِ عَلَيْهِمْ لِشِدَّةِ غَلَيانِها بِهِمْ، ومِثْلُ هَذا في التَّجَوُّزِ قَوْلُ الشّاعِرِ في كَلْبٍ:
؎يَشْتَدُّ في جَرْيِهِ يَكادُ ∗∗∗ أنْ يَخْرُجَ مِن إهابِهِ
(p-٣٠٠)وقَوْلُهم: غَضِبَ فُلانٌ، فَطارَتْ مِنهُ شُقَّةٌ في الأرْضِ وشُقَّةٌ في السَّماءِ إذا أفْرَطَ في الغَضَبِ. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ مِن غَيْظِ الزَّبانِيَةِ. كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ أيْ: فَرِيقٌ مِنَ الكُفّارِ سَألَهم خَزَنَتُها سُؤالَ تَوْبِيخٍ وتَقْرِيعٍ، وهو مِمّا يَزِيدُهم عَذابًا إلى عَذابِهِمْ، وخَزَنَتُها: مالِكٌ وأعْوانُهُ ألَمْ يَأْتِكم نَذِيرٌ يُنْذِرُكم بِهَذا اليَوْمِ قالُوا بَلى اعْتِرافٌ بِمَجِيءِ النُّذُرِ إلَيْهِمْ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: اعْتِرافٌ مِنهم بِعَدْلِ اللَّهِ، وإقْرارٌ بِأنَّهُ - عَزَّ وعَلا - أزاحَ عِلَلَهم بِبِعْثِهِ الرُّسُلَ وإنْذارِهم فِيما وقَعُوا فِيهِ، وأنَّهم لَمْ يُؤْتَوْا مِن قُدْرَةٍ كَما تَزْعُمُ المُجْبِرَةُ، وإنَّما أتَوْا مِن قِبَلِ أنْفُسِهِمْ واخْتِيارِهِمْ، خِلافَ ما اخْتارَ اللَّهُ وأمَرَ بِهِ وأوْعَدَ عَلى ضِدِّهِ. انْتَهى، وهو عَلى طَرِيقِ المُعْتَزِلَةِ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنْ أنْتُمْ إلّا في ضَلالٍ كَبِيرٍ﴾ مِن قَوْلِ الكُفّارِ لِلرُّسُلِ الَّذِينَ جاءُوا نُذُرًا إلَيْهِمْ، أنْكَرُوا أوَّلًا أنَّ اللَّهَ نَزَّلَ شَيْئًا، واسْتَجْهَلُوا ثانِيًا مَن أخْبَرَ بِأنَّهُ - تَعالى - أرْسَلَ إلَيْهِمُ الرُّسُلَ، وأنَّ قائِلَ ذَلِكَ في حَيْرَةٍ عَظِيمَةٍ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِ الخَزَنَةِ لِلْكُفّارِ إخْبارًا لَهم وتَقْرِيعًا بِما كانُوا عَلَيْهِ في الدُّنْيا. أرادُوا بِالضَّلالِ الهَلاكَ الَّذِي هم فِيهِ، أوْ سَمَّوْا عِقابَ الضَّلالِ ضَلالًا لَمّا كانَ ناشِئًا عَنِ الضَّلالِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ مِن كَلامِ الرُّسُلِ لَهم حَكَوْهُ لِلْخَزَنَةِ، أيْ: قالُوا لَنا هَذا فَلَمْ نَقْبَلْهُ. انْتَهى. فَإنْ كانَ الخِطابُ في إنْ أنْتُمْ لِلرُّسُلِ، فَقَدْ يُرادُ بِهِ الجِنْسُ، ولِذَلِكَ جاءَ الخِطابُ بِالجَمْعِ. (وقالُوا) أيْ: لِلْخَزَنَةِ حِينَ حاوَرُوهم لَوْ كُنّا نَسْمَعُ سَماعَ طالِبٍ لِلْحَقِّ أوْ نَعْقِلُ عَقْلَ مُتَأمِّلٍ لَهُ، لَمْ نَسْتَوْجِبِ الخُلُودَ في النّارِ. فاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ أيْ: بِتَكْذِيبِ الرُّسُلِ (فَسُحْقًا) أيْ: فَبُعْدًا لَهم، وهو دُعاءٌ عَلَيْهِمْ، والسُّحْقُ: البُعْدُ، وانْتِصابُهُ عَلى المَصْدَرِ أيْ: سَحَقَهُمُ اللَّهُ سُحْقًا، قالَ الشّاعِرُ:
؎يَجُولُ بِأطْرافِ البِلادِ مُغَرِّبًا ∗∗∗ وتَسْحَقُهُ رِيحُ الصَّبا كُلَّ مَسْحَقِ
والفِعْلُ مِنهُ ثُلاثِيٌّ. وقالَ الزَّجّاجُ: أيْ: أسْحَقُهُمُ اللَّهُ سُحْقًا، أيْ: باعَدَهم بُعْدًا. وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: القِياسُ إسْحاقًا، فَجاءَ المَصْدَرُ عَلى الحَذْفِ، كَما قِيلَ:
وإنْ أهْلِكْ فَذَلِكَ كانَ قَدَرِي
أيْ تَقْدِيرِي. انْتَهى، ولا يَحْتاجُ إلى ادِّعاءِ الحَذْفِ في المَصْدَرِ؛ لِأنَّ فِعْلَهُ قَدْ جاءَ ثُلاثِيًّا، كَما أنْشَدَ:
؎وتَسْحَقُهُ رِيحُ الصَّبا كُلَّ مَسْحَقِ
وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِسُكُونِ الحاءِ. وعَلِيٌّ وأبُو جَعْفَرٍ والكِسائِيُّ، بِخِلافٍ عَنْ أبِي الحَرْثِ عَنْهُ: بِضَمِّها. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: (فَسُحْقًا) نَصْبًا عَلى جِهَةِ الدُّعاءِ عَلَيْهِمْ، وجازَ ذَلِكَ فِيهِ، وهو مِن قِبَلِ اللَّهِ - تَعالى - مِن حَيْثُ هَذا القَوْلِ فِيهِمْ مُسْتَقِرٌّ أوَّلًا، ووُجُودُهُ لَمْ يَقَعْ إلّا في الآخِرَةِ، فَكَأنَّهُ لِذَلِكَ في حَيِّزِ المُتَوَقَّعِ الَّذِي يُدْعى بِهِ، كَما تَقُولُ: سُحْقًا لِزَيْدٍ وبُعْدًا، والنَّصْبُ في هَذا كُلِّهِ بِإضْمارِ فِعْلٍ، وإنْ وقَعَ وثَبَتَ، فالوَجْهُ فِيهِ الرَّفْعُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ويْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ [المطففين: ١] وسَلامٌ عَلَيْكم وغَيْرُ هَذا مِنَ الأمْثِلَةِ. انْتَهى. يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ أيِ: الَّذِي أُخْبِرُوا بِهِ مِن أمْرِ المَعادِ وأحْوالِهِ، أوْ غائِبِينَ عَنْ أعْيُنِ النّاسِ، أيْ في خَلَواتِهِمْ، كَقَوْلِهِ: «ورَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خالِيًا، فَفاضَتْ عَيْناهُ» . وأسِرُّوا قَوْلَكم خِطابٌ لِجَمِيعِ الخَلْقِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وسَبَبُهُ أنَّ بَعْضَ المُشْرِكِينَ قالَ لِبَعْضٍ: أسِرُّوا قَوْلَكم لا يَسْمَعُكم إلَهُ مُحَمَّدٍ. ألا يَعْلَمُ مَن خَلَقَ الهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهامِ و”لا“ لِلنَّفْيِ، والظّاهِرُ أنَّ ”مَن“ مَفْعُولٌ، والمَعْنى أيَنْتَفِي عِلْمُهُ بِمَن خَلَقَ، وهو الَّذِي لَطُفَ عِلْمُهُ ودَقَّ وأحاطَ بِخَفِيّاتِ الأُمُورِ وجَلِيّاتِها ؟ وأجازَ بَعْضُ النُّحاةِ أنْ يَكُونَ ”مَن“ فاعِلًا، والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، كَأنَّهُ قالَ: ألا يَعْلَمُ الخالِقُ سِرَّكم وجَهْرَكم ؟ وهو اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ الإنْكارُ، أيْ: كَيْفَ لا يَعْلَمُ ما تَكَلَّمَ بِهِ مِن خَلْقِ الأشْياءِ، وأوْجَدَها مِنَ العَدَمِ الصِّرْفِ، وحالُهُ أنَّهُ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ المُتَوَصِّلُ عِلْمُهُ إلى ما ظَهَرَ مِن خَلْقِهِ وما بَطَنَ ؟
﴿هو الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ ذَلُولًا﴾ مِنَّةٌ مِنهُ - تَعالى - بِذَلِكَ، والذَّلُولُ فَعُولٌ لِلْمُبالِغَةِ، مِن ذَلِكَ تَقُولُ: دابَّةٌ ذَلُولٌ بَيِّنَةُ الذُّلِّ، ورَجُلٌ ذَلِيلٌ: بَيِّنُ الذُّلِّ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والذَّلُولُ فَعُولٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، أيْ: مَذْلُولَةٌ، فَهي كَرَكُوبٍ وحَلُوبٍ. انْتَهى. ولَيْسَ بِمَعْنى مَفْعُولٍ؛ لِأنَّ فِعْلَهُ قاصِرٌ، وإنَّما تَعَدّى (p-٣٠١)بِالهَمْزَةِ كَقَوْلِهِ: وتُذِلُّ مَن تَشاءُ وإمّا بِالتَّضْعِيفِ لِقَوْلِهِ: وذَلَّلْناها لَهم وقَوْلُهُ أيْ: مَذْلُولَةٌ يَظْهَرُ أنَّهُ خَطَأٌ. فامْشُوا في مَناكِبِها أمَرَ بِالتَّصَرُّفِ فِيها والِاكْتِسابِ. ومَناكِبُها، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ وبِشْرُ بْنُ كَعْبٍ: أطْرافُها، وهي الجِبالُ. وقالَ الفَرّاءُ والكَلْبِيُّ ومُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ: جَوانِبُها، ومَنكِبا الرَّجُلِ: جانِباهُ. وقالَ الحَسَنُ والسُّدِّيُّ: طَرَفُها وفِجاجُها. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والمَشْيُ في مَناكِبِها مَثَلٌ لِفَرْطِ التَّذْلِيلِ ومُجاوَزَتِهِ الغايَةَ؛ لِأنَّ المَنكِبَيْنِ ومُلْتَقاهُما مِنَ الغارِبِ أرَقُّ شَيْءٍ مِنَ البَعِيرِ، وأنْبَأهُ عَنْ أنْ يَطَأهُ الرّاكِبُ بِقَدَمِهِ ويَعْتَمِدَ عَلَيْهِ، فَإذا جَعَلَها في الذُّلِّ بِحَيْثُ يَمْشِي في مَناكِبِها لَمْ يَنْزِلْ. انْتَهى. وقالَ الزَّجّاجُ: سَهَّلَ لَكُمُ السُّلُوكَ في جِبالِها فَهو أبْلَغُ التَّذْلِيلِ. وإلَيْهِ النُّشُورُ أيْ: البَعْثُ، فَيَسْألُكم عَنْ شُكْرِ هَذِهِ النِّعْمَةِ عَلَيْكم.
الملك 67:6
(سُورَةُ المُلْكِ مَكِّيَّةٌ وهي ثَلاثُونَ آيَةً)
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)
﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ والحَياةَ لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا وهو العَزِيزُ الغَفُورُ﴾ ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا ما تَرى في خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفاوُتٍ فارْجِعِ البَصَرَ هَلْ تَرى مِن فُطُورٍ﴾ ﴿ثُمَّ ارْجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إلَيْكَ البَصَرُ خاسِئًا وهو حَسِيرٌ﴾ ﴿ولَقَدْ زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ وأعْتَدْنا لَهم عَذابَ السَّعِيرِ﴾ ﴿ولِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ ﴿إذا أُلْقُوا فِيها سَمِعُوا لَها شَهِيقًا وهي تَفُورُ﴾ ﴿تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَألَهم خَزَنَتُها ألَمْ يَأْتِكم نَذِيرٌ﴾ ﴿قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا وقُلْنا ما نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ إنْ أنْتُمْ إلّا في ضَلالٍ كَبِيرٍ﴾ ﴿وقالُوا لَوْ كُنّا نَسْمَعُ أوْ نَعْقِلُ ما كُنّا في أصْحابِ السَّعِيرِ﴾ ﴿فاعْتَرِفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأصْحابِ السَّعِيرِ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ كَبِيرٌ﴾ ﴿وأسِرُّوا قَوْلَكم أوِ اجْهُرُوا بِهِ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ ﴿ألا يَعْلَمُ مَن خَلَقَ وهو اللَّطِيفُ الخَبِيرُ﴾ ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ ذَلُولًا فامْشُوا في مَناكِبِها وكُلُوا مِن رِزْقِهِ وإلَيْهِ النُّشُورُ﴾ .
(p-٢٩٧)هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ. ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها، أنَّهُ لَمّا ضُرِبَ لِلْكَفّارِ بِتَيْنِكَ المَرْأتَيْنِ المَحْتُومِ لَهُما بِالشَّقاوَةِ، وإنْ كانَتا تَحْتَ نَبِيِّينَ، ومَثَلًا لِلْمُؤْمِنِينَ بِـ آسِيَةَ ومَرْيَمَ، وهُما مَحْتُومٌ لَهُما بِالجَنَّةِ، وإنْ كانَ قَوْماهُما كافِرِينَ. كانَ ذَلِكَ تَصَرُّفًا في مُلْكِهِ عَلى ما سَبَقَ قَضاؤُهُ، فَقالَ: (تَبارَكَ) أيْ: تَعالى وتَعاظَمَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكِ وهو كِنايَةٌ عَنِ الإحاطَةِ والقَهْرِ، وكَثِيرًا ما جاءَ نِسْبَةُ اليَدِ إلَيْهِ - تَعالى - كَقَوْلِهِ: ﴿فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [يس: ٨٣] بِيَدِكَ الخَيْرُ وذَلِكَ في حَقِّهِ - تَعالى - اسْتِعارَةٌ لِتَحْقِيقِ المُلْكِ، إذْ كانَتْ في عُرْفِ الآدَمِيِّينَ آلَةً لِلتَّمَلُّكِ، والمُلْكُ هُنا هو عَلى الإطْلاقِ لا يَبِيدُ ولا يَخْتَلُّ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: مَلِكُ المُلُوكِ لِقَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ المُلْكِ﴾ [آل عمران: ٢٦] وناسَبَ المُلْكَ ذِكْرُ وصْفِ القُدْرَةِ والحَياةِ ما يَصِحُّ بِوُجُودِهِ الإحْساسُ. ومَعْنى خَلَقَ المَوْتَ إيجادُ ذَلِكَ المُصَحِّحِ وإعْدامُهُ، والمَعْنى: خَلَقَ مَوْتَكم وحَياتَكم أيُّها المُكَلَّفُونَ، وسَمّى عِلْمَ الواقِعِ مِنهم بِاخْتِيارِهِمْ بَلْوى وهي الحَيْرَةُ، اسْتِعارَةً مِن فِعْلِ المُخْتَبِرِ. وفي الحَدِيثِ أنَّهُ فَسَّرَ أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا أيْ: أحْسَنُ عَقْلًا وأشَدُّكم خَوْفًا وأحْسَنُكم في أمْرِهِ ونَهْيِهِ نَظَرًا، وإنْ كانَ أقَلَّكم تَطَوُّعًا. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ والثَّوْرِيِّ: أزْهَدُكم في الدُّنْيا. وقِيلَ: كَنّى بِالمَوْتِ عَنِ الدُّنْيا، إذْ هو واقِعٌ فِيها، وعَنِ الآخِرَةِ بِالحَياةِ مِن حَيْثُ لا مَوْتَ فِيها، فَكَأنَّهُ قالَ: هو الَّذِي خَلَقَ الدُّنْيا والآخِرَةَ، وصَفَهُما بِالمَصْدَرَيْنِ، وقَدَّمَ المَوْتَ لِأنَّهُ أهْيَبُ في النُّفُوسِ. و(لِيَبْلُوَكم) مُتَعَلِّقٌ بِـ (خَلَقَ) وأيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، فَقَدَّرَ الحَوْفِيُّ قَبْلَها فِعْلًا تَكُونُ الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ مَعْمُولِهِ، وهو مُعَلَّقٌ عَنْها، تَقْدِيرُهُ: فَيَنْظُرُ، وقَدَّرَ ابْنُ عَطِيَّةَ فَيَنْظُرُ أوْ فَيَعْلَمُ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ) مِن أيْنَ تَعَلَّقَ قَوْلُهُ: أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا بِفِعْلِ البَلْوى ؟ (قُلْتُ): مِن حَيْثُ إنَّهُ تَضَمَّنَ مَعْنى العِلْمِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: لِيَعْلَمَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا، وإذا قُلْتَ: عَلِمْتُهُ أزَيْدٌ أحْسَنُ عَمَلًا أمْ هو ؟ كانَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ واقِعَةً مَوْقِعَ الثّانِي مِن مَفْعُولَيْهِ، كَما تَقُولُ: عَلِمْتُهُ هو أحْسَنُ عَمَلًا. (فَإنْ قُلْتَ) أيُسَمّى هَذا تَعْلِيقًا ؟ (قُلْتُ): لا، إنَّما التَّعْلِيقُ أنْ تُوقِعَ بَعْدَهُ ما يَسُدُّ مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ جَمِيعًا، كَقَوْلِكَ: عَلِمْتُ أيُّهُما عَمْرٌو، وعَلِمْتُ أزَيْدٌ مُنْطَلِقٌ. ألا تَرى أنَّهُ لا فَصْلَ بَعْدَ سَبْقِ أحَدِ المَفْعُولَيْنِ بَيْنَ أنْ يَقَعَ ما بَعْدَهُ مُصَدَّرًا بِحَرْفِ الِاسْتِفْهامِ وغَيْرَ مُصَدَّرٍ بِهِ ؟ ولَوْ كانَ تَعْلِيقًا لافْتَرَقَتِ الحالَتانِ، كَما افْتَرَقَتا في قَوْلِكَ: عَلِمْتُ أزَيْدٌ مُنْطَلِقٌ، وعَلِمْتُ زَيْدًا مُنْطَلِقًا. انْتَهى. وأصْحابُنا يُسَمُّونَ ما مَنَعَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ تَعْلِيقًا، فَيَقُولُونَ في الفِعْلِ إذا عُدِّيَ إلى اثْنَيْنِ (p-٢٩٨)ونُصِبَ الأوَّلُ وجاءَتْ بَعْدَهُ جُمْلَةٌ اسْتِفْهامِيَّةٌ، أوْ بِلامِ الِابْتِداءِ، أوْ بِحَرْفِ نَفْيٍ، كانَتِ الجُمْلَةُ مُعَلَّقًا عَنْها الفِعْلُ، وكانَتْ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، كَما لَوْ وقَعَتْ في مَوْضِعِ المَفْعُولَيْنِ وفِيها ما يُعَلِّقُ الفِعْلَ عَنِ العَمَلِ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مِثْلِ هَذِهِ الجُمْلَةِ في الكَهْفِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِنَبْلُوَهم أيُّهم أحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٧] .
وانْتَصَبَ (طِباقًا) عَلى الوَصْفِ لِـ ”سَبْعَ“، فَإمّا أنْ يَكُونَ مَصْدَرَ طابَقَ مُطابَقَةً وطِباقًا لِقَوْلِهِمْ: النَّعْلُ خَصْفُها طَبَقًا عَلى طَبَقٍ، وُصِفَ بِهِ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ، أوْ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ ذا طِباقٍ، وإمّا جَمْعُ طَبَقٍ كَجَمَلٍ وجِمالٍ، أوْ جَمْعُ طَبَقَةٍ كَرَحَبَةٍ ورِحابٍ، والمَعْنى: بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ. وما ذُكِرَ مِن مَوادِّ هَذِهِ السَّماواتِ. فالأُولى مِن مَوْجٍ مَكْفُوفٍ، والثّانِيَةُ مِن دُرَّةٍ بَيْضاءَ، والثّالِثَةُ مِن حَدِيدٍ، والرّابِعَةُ مِن نُحاسٍ، والخامِسَةُ مِن فِضَّةٍ، والسّادِسَةُ مِن ذَهَبٍ، والسّابِعَةُ مِن زُمُرُّدَةٍ بَيْضاءَ - يَحْتاجُ إلى نَقْلٍ صَحِيحٍ، وقَدْ كانَ بَعْضُ مَن يَنْتَمِي إلى الصَّلاحِ، وكانَ أعْمى لا يُبْصِرُ مَوْضِعَ قَدَمِهِ، يُخْبِرُ أنَّهُ يُشاهِدُ السَّماواتِ عَلى بَعْضِ أوْصافٍ مِمّا ذَكَرْنا.
مِن تَفاوُتٍ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مِن تَفَرُّقٍ. وقالَ السُّدِّيُّ: مِن عَيْبٍ. وقالَ عَطاءُ بْنُ يَسارٍ: مِن عَدَمِ اسْتِواءٍ. وقالَ ثَعْلَبٌ: أصْلُهُ مِنَ الفَوْتِ، وهو أنْ يَفُوتَ شَيْءٌ شَيْئًا مِنَ الخَلَلِ. وقِيلَ: مِنِ اضْطِرابٍ. وقِيلَ: مِنِ اعْوِجاجٍ. وقِيلَ: مِن تَناقُضٍ. وقِيلَ: مِنِ اخْتِلافٍ. وقِيلَ: مِن عَدَمِ التَّناسُبِ. والتَّفاوُتُ: تَجاوُزُ الحَدِّ الَّذِي تَجِبُ لَهُ زِيادَةٌ أوْ نَقْصٌ. قالَ بَعْضُ الأُدَباءِ:
؎تَناسَبَتِ الأعْضاءُ فِيهِ فَلا تَرى بِهِنَّ اخْتِلافًا بَلْ أتَيْنَ عَلى قَدَرِ
وقَرَأ الجُمْهُورُ: مِن تَفاوُتٍ بِألِفٍ مَصْدَرُ تَفاوَتَ. وعَبْدُ اللَّهِ وعَلْقَمَةُ والأسْوَدُ، وابْنُ جُبَيْرٍ وطَلْحَةُ والأعْمَشُ بِشَدِّ الواوِ، مَصْدَرُ تَفَوَّتَ. وحَكى أبُو زَيْدِ بْنُ العَرَبِيِّ: (تَفاوُتًا) بِضَمِّ الواوِ وفَتْحِها وكَسْرِها، والفَتْحُ والكَسْرُ شاذّانِ. والظّاهِرُ عُمُومُ خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنَ الأفْلاكِ وغَيْرِها، فَإنَّهُ لا تَفَوُّتَ فِيهِ ولا فُطُورَ، بَلْ كُلٌّ جارٍ عَلى الإتْقانِ. وقِيلَ: المُرادُ في خَلْقِ الرَّحْمَنِ السَّماواتُ فَقَطْ، والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ما تَرى اسْتِئْنافُ أنَّهُ لا يُدْرَكُ في خَلْقِهِ تَعالى تَفاوُتٌ، وجَعَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ هَذِهِ الجُمْلَةَ صِفَةَ مُتابَعَةٍ لِقَوْلِهِ: (طِباقًا) أصْلُها ما تَرى فِيهِنَّ مِن تَفاوُتٍ، فَوَضَعَ مَكانَ الضَّمِيرِ قَوْلَهُ: خَلْقِ الرَّحْمَنِ تَعْظِيمًا لِخَلْقِهِنَّ وتَنْبِيهًا عَلى سَبَبِ سَلامَتِهِنَّ مِنَ التَّفاوُتِ، وهو أنَّهُ خَلْقُ الرَّحْمَنِ، وأنَّهُ بِباهِرِ قُدْرَتِهِ هو الَّذِي يَخْلُقُ مِثْلَ ذَلِكَ الخَلْقِ المُناسِبِ. انْتَهى. والخِطابُ في (تَرى) لِكُلِّ مُخاطَبٍ، أوْ لِلرَّسُولِ، ﷺ . ولَمّا أخْبَرَ - تَعالى - أنَّهُ لا تَفاوُتَ في خَلْقِهِ، أمَرَ بِتَرْدِيدِ البَصَرِ في الخَلْقِ المُناسِبِ، فَقالَ: (فارْجِعْ) فَفي الفاءِ مَعْنى التَّسَبُّبِ، والمَعْنى: أنَّ العِيانَ يُطابِقُ الخَبَرَ.
و(الفُطُورُ) قالَ مُجاهِدٌ: الشُّقُوقُ. فَطَرَ نابُ البَعِيرِ: شَقَّ اللَّحْمَ وظَهَرَ، قالَ الشّاعِرُ:
؎بَنى لَكم بِلا عُمُدٍ سَماءً ∗∗∗ وسَوّاها فَما فِيها فُطُورُ
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: صُدُوعٌ، وأنْشَدَ قَوْلَ عُبَيْدِ بْنِ مَسْعُودٍ:
؎شَقَقْتُ القَلْبَ ثُمَّ رَدَدْتُ فِيهِ ∗∗∗ هَواكِ فَلِيطَ فالتَأمَ الفُطُورُ
وقالَ السُّدِّيُّ: خُرُوقٌ. وقالَ قَتادَةُ: خَلَلٌ، ومِنهُ التَّفْطِيرُ والِانْفِطارُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وهَنٌ. وهَذِهِ تَفاسِيرٌ مُتَقارِبَةٌ.
والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: ﴿هَلْ تَرى مِن فُطُورٍ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِفِعْلٍ مُعَلَّقٍ مَحْذُوفٍ، أيْ فانْظُرْ هَلْ تَرى، أوْ ضُمِّنَ مَعْنى فارْجِعِ البَصَرَ مَعْنى فانْظُرْ بِبَصَرِكَ هَلْ تَرى ؟ فَيَكُونُ مُعَلَّقًا. ثُمَّ ارْجِعِ البَصَرَ أيْ: رَدِّدْهُ كَرَّتَيْنِ هي تَثْنِيَةٌ لا شَفْعُ الواحِدِ، بَلْ يُرادُ بِها التَّكْرارُ، كَأنَّهُ قالَ: كَرَّةً بَعْدَ كَرَّةٍ، أيْ كَرّاتٍ كَثِيرَةً، كَقَوْلِهِ: لَبَّيْكَ، يُرِيدُ إجاباتٍ كَثِيرَةً بَعْضُها في إثْرِ بَعْضٍ، وأُرِيدَ بِالتَّثْنِيَةِ التَّكْثِيرُ، كَما أُرِيدَ بِما هو أصْلٌ لَها التَّكْثِيرُ، وهو مُفْرَدٌ عُطِفَ عَلى مُفْرَدٍ، نَحْوَ قَوْلِهِ:
؎لَوْ عُدَّ قَبْرٌ وقَبْرٌ كانَ أكْرَمَهم ∗∗∗ بَيْتًا وأبْعَدَهم عَنْ مَنزِلِ الزّامِّ
(p-٢٩٩)يُرِيدُ: لَوْ عُدَّتْ قُبُورٌ كَثِيرَةٌ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ وغَيْرُهُ: (كَرَّتَيْنِ) مَعْناهُ مَرَّتَيْنِ، ونَصَبَها عَلى المَصْدَرِ. وقِيلَ: أمَرَ بِرَجْعِ البَصَرِ إلى السَّماءِ مَرَّتَيْنِ، غَلَّطَ في الأُولى، فَيَسْتَدْرِكُ بِالثّانِيَةِ. وقِيلَ: الأُولى لِيَرى حُسْنَها واسْتِواءَها، والثّانِيَةُ لِيُبْصِرَ كَواكِبَها في سَيْرِها وانْتِهائِها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يَنْقَلِبْ) جَزْمًا عَلى جَوابِ الأمْرِ. والخُوارَزْمِيُّ عَنِ الكِسائِيِّ: يَرْفَعُ الباءَ، أيْ: فَيَنْقَلِبْ عَلى حَذْفِ الفاءِ، أوْ عَلى أنَّهُ مَوْضِعُ حالٍ مُقَدَّرَةٍ، أيْ: إنْ رَجَعْتَ البَصَرَ وكَرَّرْتَ النَّظَرَ؛ لِتَطْلُبَ فُطُورَ شُقُوقٍ أوْ خَلَلًا أوْ عَيْبًا، رَجَعَ إلَيْكَ مُبْعَدًا عَمّا طَلَبْتَهُ لِانْتِفاءِ ذَلِكَ عَنْها، وهو كالٌّ مِن كَثْرَةِ النَّظَرِ، وكَلالُهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالكَرَّتَيْنِ لَيْسَ شَفْعَ الواحِدِ؛ لِأنَّهُ لا يَكِلُّ البَصَرُ بِالنَّظَرِ مَرَّتَيْنِ اثْنَتَيْنِ. والحَسِيرُ: الكالُّ، قالَ الشّاعِرُ:
؎لَهُنَّ الوَجى لَمْ كُنَّ عَوْنًا عَلى النَّوى ∗∗∗ ولا زالَ مِنها ظالِعٌ وحَسِيرُ
يُقالُ: حَسَرَ بَعِيرُهُ يَحْسِرُ حُسُورًا أيْ: كَلَّ وانْقَطَعَ فَهو حَسِيرٌ ومَحْسُورٌ، قالَ الشّاعِرُ يَصِفُ ناقَةً:
؎فَشَطْرُها نَظَرَ العَيْنَيْنِ مَحْسُورُ
أيْ: ونَحْرُها، وقَدْ جُمِعَ حَسِيرٌ بِمَعْنى أعْيا وكَلَّ، قالَ الشّاعِرُ:
؎بِها جِيَفُ الحَسْرى فَأمّا عِظامُها
البَيْتَ.
السَّماءَ الدُّنْيا هي الَّتِي نُشاهِدُها، والدُّنُوُّ أمْرٌ نِسْبِيٌّ وإلّا فَلَيْسَتْ قَرِيبَةً. (بِمَصابِيحَ) أيْ: بِنُجُومٍ مُضِيئَةٍ كالمَصابِيحِ، ومَصابِيحُ مُطْلَقُ الأعْلامِ، فَلا يَدُلُّ عَلى أنَّ غَيْرَ سَماءِ الدُّنْيا لَيْسَتْ فِيها مَصابِيحُ. وجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ أيْ: جَعَلْنا مِنها؛ لِأنَّ السَّماءَ ذاتَها لَيْسَتْ يُرْجَمُ بِها الرُّجُومُ هَذا إنْ عادَ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: (وجَعَلْناها) عَلى السَّماءِ. والظّاهِرُ عَوْدُهُ عَلى مَصابِيحَ. ونَسَبَ الرَّجْمَ إلَيْها؛ لِأنَّ الشِّهابَ المُتَّبِعَ لِلْمُسْتَرِقِ مُنْفَصِلٌ مِن نارِها، والكَواكِبُ قارٌّ في مُلْكِهِ عَلى حالِهِ. فالشِّهابُ كَقَبَسٍ يُؤْخَذُ مِنَ النّارِ، والنّارُ باقِيَةٌ لا تَنْقُصُ. والظّاهِرُ أنَّ الشَّياطِينَ هم مُسْتَرِقُو السَّمْعِ، وأنَّ الرَّجْمَ هو حَقِيقَةٌ يُرْمَوْنَ بِالشُّهُبِ، كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ الحِجْرِ وسُورَةِ والصّافّاتِ. وقِيلَ: مَعْنى (رُجُومًا): (ظُنُونًا) لِشَياطِينِ الإنْسِ، وهُمُ المُنَجِّمُونَ يَنْسُبُونَ إلى النُّجُومِ أشْياءَ عَلى جِهَةِ الظَّنِّ مِن جُهّالِهِمْ، والتَّمْوِيهِ والِاخْتِلاقِ مِن أزْكِيائِهِمْ، ولَهم في ذَلِكَ تَصانِيفُ تَشْتَمِلُ عَلى خُرافاتٍ يُمَوِّهُونَ بِها عَلى المُلُوكِ وضُعَفاءِ العُقُولِ، ويَعْمَلُونَ مَوالِدَ يَحْكُمُونَ فِيها بِالأشْياءِ لا يَصِحُّ مِنها شَيْءٌ. وقَدْ وقَفْنا عَلى أشْياءَ مِن كَذِبِهِمْ في تِلْكَ المَوالِدِ، وما يَحْكُونَهُ عَنْ أبِي مَعْشَرٍ وغَيْرِهِ مِن شُيُوخِ السُّوءِ كَذِبٌ يُغْرُونَ بِهِ النّاسَ الجُهّالَ. وقالَ قَتادَةُ: خَلَقَ اللَّهُ - تَعالى - النُّجُومَ زِينَةً لِلسَّماءِ ورُجُومًا لِلشَّياطِينِ، ولِيُهْتَدى بِها في البَرِّ والبَحْرِ. فَمَن قالَ غَيْرَ هَذِهِ الخِصالِ الثَّلاثِ فَقَدْ تَكَلَّفَ وأذْهَبَ حَظَّهُ مِنَ الآخِرَةِ. والضَّمِيرُ في ”لَهم“ عائِدٌ عَلى الشَّياطِينِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: عَذابُ جَهَنَّمَ بِرَفْعِ الباءِ. والضَّحّاكُ والأعْرَجُ وأُسَيْدُ بْنُ أُسَيْدٍ المُزَنِيُّ، والحَسَنُ في رِوايَةِ هارُونَ عَنْهُ: بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى عَذابَ السَّعِيرِ أيْ: وأعْتَدْنا لِلَّذِينَ كَفَرُوا عَذابَ جَهَنَّمَ. إذا أُلْقُوا فِيها أيْ: طُرِحُوا، كَما يُطْرَحُ الحَطَبُ في النّارِ العَظِيمَةِ ويُرْمى بِهِ، ومِثْلُهُ ”حَصَبُ جَهَنَّمَ“ سَمِعُوا لَها أيْ: لِجَهَنَّمَ (شَهِيقًا) أيْ: صَوْتًا مُنْكَرًا كَصَوْتِ الحِمارِ، تُصَوِّتُ مِثْلَ ذَلِكَ لِشِدَّةِ تَوَقُّدِها وغَلَيانِها. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: سَمِعُوا لِأهْلِها، كَما قالَ تَعالى: ﴿لَهم فِيها زَفِيرٌ وشَهِيقٌ﴾ [هود: ١٠٦] . وهي تَفُورُ تَغْلِي بِهِمْ غَلْيَ المِرْجَلِ. تَكادُ تَمَيَّزُ أيْ: يَنْفَصِلُ بَعْضُها مِن بَعْضٍ لِشِدَّةِ اضْطِرابِها، ويُقالُ: فُلانٌ يَتَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ إذا وصَفُوهُ بِالإفْراطِ في الغَضَبِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (تَمَيَّزُ) بِتاءٍ واحِدَةٍ خَفِيفَةٍ، والبَزِّيُّ يُشَدِّدُها، وطَلْحَةُ: بِتاءَيْنِ، وأبُو عَمْرٍو: بِإدْغامِ الدّالِ في التّاءِ، والضَّحّاكُ: تَمايَزُ عَلى وزْنِ تَفاعَلُ، وأصْلُهُ تَتَمايَزُ بِتاءَيْنِ. وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: تَمِيزُ مِن مازَ مِنَ الغَيْظِ عَلى الكَفَرَةِ، جُعِلَتْ كالمُغْتاظَةِ عَلَيْهِمْ لِشِدَّةِ غَلَيانِها بِهِمْ، ومِثْلُ هَذا في التَّجَوُّزِ قَوْلُ الشّاعِرِ في كَلْبٍ:
؎يَشْتَدُّ في جَرْيِهِ يَكادُ ∗∗∗ أنْ يَخْرُجَ مِن إهابِهِ
(p-٣٠٠)وقَوْلُهم: غَضِبَ فُلانٌ، فَطارَتْ مِنهُ شُقَّةٌ في الأرْضِ وشُقَّةٌ في السَّماءِ إذا أفْرَطَ في الغَضَبِ. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ مِن غَيْظِ الزَّبانِيَةِ. كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ أيْ: فَرِيقٌ مِنَ الكُفّارِ سَألَهم خَزَنَتُها سُؤالَ تَوْبِيخٍ وتَقْرِيعٍ، وهو مِمّا يَزِيدُهم عَذابًا إلى عَذابِهِمْ، وخَزَنَتُها: مالِكٌ وأعْوانُهُ ألَمْ يَأْتِكم نَذِيرٌ يُنْذِرُكم بِهَذا اليَوْمِ قالُوا بَلى اعْتِرافٌ بِمَجِيءِ النُّذُرِ إلَيْهِمْ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: اعْتِرافٌ مِنهم بِعَدْلِ اللَّهِ، وإقْرارٌ بِأنَّهُ - عَزَّ وعَلا - أزاحَ عِلَلَهم بِبِعْثِهِ الرُّسُلَ وإنْذارِهم فِيما وقَعُوا فِيهِ، وأنَّهم لَمْ يُؤْتَوْا مِن قُدْرَةٍ كَما تَزْعُمُ المُجْبِرَةُ، وإنَّما أتَوْا مِن قِبَلِ أنْفُسِهِمْ واخْتِيارِهِمْ، خِلافَ ما اخْتارَ اللَّهُ وأمَرَ بِهِ وأوْعَدَ عَلى ضِدِّهِ. انْتَهى، وهو عَلى طَرِيقِ المُعْتَزِلَةِ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنْ أنْتُمْ إلّا في ضَلالٍ كَبِيرٍ﴾ مِن قَوْلِ الكُفّارِ لِلرُّسُلِ الَّذِينَ جاءُوا نُذُرًا إلَيْهِمْ، أنْكَرُوا أوَّلًا أنَّ اللَّهَ نَزَّلَ شَيْئًا، واسْتَجْهَلُوا ثانِيًا مَن أخْبَرَ بِأنَّهُ - تَعالى - أرْسَلَ إلَيْهِمُ الرُّسُلَ، وأنَّ قائِلَ ذَلِكَ في حَيْرَةٍ عَظِيمَةٍ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِ الخَزَنَةِ لِلْكُفّارِ إخْبارًا لَهم وتَقْرِيعًا بِما كانُوا عَلَيْهِ في الدُّنْيا. أرادُوا بِالضَّلالِ الهَلاكَ الَّذِي هم فِيهِ، أوْ سَمَّوْا عِقابَ الضَّلالِ ضَلالًا لَمّا كانَ ناشِئًا عَنِ الضَّلالِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ مِن كَلامِ الرُّسُلِ لَهم حَكَوْهُ لِلْخَزَنَةِ، أيْ: قالُوا لَنا هَذا فَلَمْ نَقْبَلْهُ. انْتَهى. فَإنْ كانَ الخِطابُ في إنْ أنْتُمْ لِلرُّسُلِ، فَقَدْ يُرادُ بِهِ الجِنْسُ، ولِذَلِكَ جاءَ الخِطابُ بِالجَمْعِ. (وقالُوا) أيْ: لِلْخَزَنَةِ حِينَ حاوَرُوهم لَوْ كُنّا نَسْمَعُ سَماعَ طالِبٍ لِلْحَقِّ أوْ نَعْقِلُ عَقْلَ مُتَأمِّلٍ لَهُ، لَمْ نَسْتَوْجِبِ الخُلُودَ في النّارِ. فاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ أيْ: بِتَكْذِيبِ الرُّسُلِ (فَسُحْقًا) أيْ: فَبُعْدًا لَهم، وهو دُعاءٌ عَلَيْهِمْ، والسُّحْقُ: البُعْدُ، وانْتِصابُهُ عَلى المَصْدَرِ أيْ: سَحَقَهُمُ اللَّهُ سُحْقًا، قالَ الشّاعِرُ:
؎يَجُولُ بِأطْرافِ البِلادِ مُغَرِّبًا ∗∗∗ وتَسْحَقُهُ رِيحُ الصَّبا كُلَّ مَسْحَقِ
والفِعْلُ مِنهُ ثُلاثِيٌّ. وقالَ الزَّجّاجُ: أيْ: أسْحَقُهُمُ اللَّهُ سُحْقًا، أيْ: باعَدَهم بُعْدًا. وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: القِياسُ إسْحاقًا، فَجاءَ المَصْدَرُ عَلى الحَذْفِ، كَما قِيلَ:
وإنْ أهْلِكْ فَذَلِكَ كانَ قَدَرِي
أيْ تَقْدِيرِي. انْتَهى، ولا يَحْتاجُ إلى ادِّعاءِ الحَذْفِ في المَصْدَرِ؛ لِأنَّ فِعْلَهُ قَدْ جاءَ ثُلاثِيًّا، كَما أنْشَدَ:
؎وتَسْحَقُهُ رِيحُ الصَّبا كُلَّ مَسْحَقِ
وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِسُكُونِ الحاءِ. وعَلِيٌّ وأبُو جَعْفَرٍ والكِسائِيُّ، بِخِلافٍ عَنْ أبِي الحَرْثِ عَنْهُ: بِضَمِّها. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: (فَسُحْقًا) نَصْبًا عَلى جِهَةِ الدُّعاءِ عَلَيْهِمْ، وجازَ ذَلِكَ فِيهِ، وهو مِن قِبَلِ اللَّهِ - تَعالى - مِن حَيْثُ هَذا القَوْلِ فِيهِمْ مُسْتَقِرٌّ أوَّلًا، ووُجُودُهُ لَمْ يَقَعْ إلّا في الآخِرَةِ، فَكَأنَّهُ لِذَلِكَ في حَيِّزِ المُتَوَقَّعِ الَّذِي يُدْعى بِهِ، كَما تَقُولُ: سُحْقًا لِزَيْدٍ وبُعْدًا، والنَّصْبُ في هَذا كُلِّهِ بِإضْمارِ فِعْلٍ، وإنْ وقَعَ وثَبَتَ، فالوَجْهُ فِيهِ الرَّفْعُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ويْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ [المطففين: ١] وسَلامٌ عَلَيْكم وغَيْرُ هَذا مِنَ الأمْثِلَةِ. انْتَهى. يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ أيِ: الَّذِي أُخْبِرُوا بِهِ مِن أمْرِ المَعادِ وأحْوالِهِ، أوْ غائِبِينَ عَنْ أعْيُنِ النّاسِ، أيْ في خَلَواتِهِمْ، كَقَوْلِهِ: «ورَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خالِيًا، فَفاضَتْ عَيْناهُ» . وأسِرُّوا قَوْلَكم خِطابٌ لِجَمِيعِ الخَلْقِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وسَبَبُهُ أنَّ بَعْضَ المُشْرِكِينَ قالَ لِبَعْضٍ: أسِرُّوا قَوْلَكم لا يَسْمَعُكم إلَهُ مُحَمَّدٍ. ألا يَعْلَمُ مَن خَلَقَ الهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهامِ و”لا“ لِلنَّفْيِ، والظّاهِرُ أنَّ ”مَن“ مَفْعُولٌ، والمَعْنى أيَنْتَفِي عِلْمُهُ بِمَن خَلَقَ، وهو الَّذِي لَطُفَ عِلْمُهُ ودَقَّ وأحاطَ بِخَفِيّاتِ الأُمُورِ وجَلِيّاتِها ؟ وأجازَ بَعْضُ النُّحاةِ أنْ يَكُونَ ”مَن“ فاعِلًا، والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، كَأنَّهُ قالَ: ألا يَعْلَمُ الخالِقُ سِرَّكم وجَهْرَكم ؟ وهو اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ الإنْكارُ، أيْ: كَيْفَ لا يَعْلَمُ ما تَكَلَّمَ بِهِ مِن خَلْقِ الأشْياءِ، وأوْجَدَها مِنَ العَدَمِ الصِّرْفِ، وحالُهُ أنَّهُ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ المُتَوَصِّلُ عِلْمُهُ إلى ما ظَهَرَ مِن خَلْقِهِ وما بَطَنَ ؟
﴿هو الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ ذَلُولًا﴾ مِنَّةٌ مِنهُ - تَعالى - بِذَلِكَ، والذَّلُولُ فَعُولٌ لِلْمُبالِغَةِ، مِن ذَلِكَ تَقُولُ: دابَّةٌ ذَلُولٌ بَيِّنَةُ الذُّلِّ، ورَجُلٌ ذَلِيلٌ: بَيِّنُ الذُّلِّ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والذَّلُولُ فَعُولٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، أيْ: مَذْلُولَةٌ، فَهي كَرَكُوبٍ وحَلُوبٍ. انْتَهى. ولَيْسَ بِمَعْنى مَفْعُولٍ؛ لِأنَّ فِعْلَهُ قاصِرٌ، وإنَّما تَعَدّى (p-٣٠١)بِالهَمْزَةِ كَقَوْلِهِ: وتُذِلُّ مَن تَشاءُ وإمّا بِالتَّضْعِيفِ لِقَوْلِهِ: وذَلَّلْناها لَهم وقَوْلُهُ أيْ: مَذْلُولَةٌ يَظْهَرُ أنَّهُ خَطَأٌ. فامْشُوا في مَناكِبِها أمَرَ بِالتَّصَرُّفِ فِيها والِاكْتِسابِ. ومَناكِبُها، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ وبِشْرُ بْنُ كَعْبٍ: أطْرافُها، وهي الجِبالُ. وقالَ الفَرّاءُ والكَلْبِيُّ ومُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ: جَوانِبُها، ومَنكِبا الرَّجُلِ: جانِباهُ. وقالَ الحَسَنُ والسُّدِّيُّ: طَرَفُها وفِجاجُها. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والمَشْيُ في مَناكِبِها مَثَلٌ لِفَرْطِ التَّذْلِيلِ ومُجاوَزَتِهِ الغايَةَ؛ لِأنَّ المَنكِبَيْنِ ومُلْتَقاهُما مِنَ الغارِبِ أرَقُّ شَيْءٍ مِنَ البَعِيرِ، وأنْبَأهُ عَنْ أنْ يَطَأهُ الرّاكِبُ بِقَدَمِهِ ويَعْتَمِدَ عَلَيْهِ، فَإذا جَعَلَها في الذُّلِّ بِحَيْثُ يَمْشِي في مَناكِبِها لَمْ يَنْزِلْ. انْتَهى. وقالَ الزَّجّاجُ: سَهَّلَ لَكُمُ السُّلُوكَ في جِبالِها فَهو أبْلَغُ التَّذْلِيلِ. وإلَيْهِ النُّشُورُ أيْ: البَعْثُ، فَيَسْألُكم عَنْ شُكْرِ هَذِهِ النِّعْمَةِ عَلَيْكم.
الملك 67:7
(سُورَةُ المُلْكِ مَكِّيَّةٌ وهي ثَلاثُونَ آيَةً)
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)
﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ والحَياةَ لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا وهو العَزِيزُ الغَفُورُ﴾ ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا ما تَرى في خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفاوُتٍ فارْجِعِ البَصَرَ هَلْ تَرى مِن فُطُورٍ﴾ ﴿ثُمَّ ارْجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إلَيْكَ البَصَرُ خاسِئًا وهو حَسِيرٌ﴾ ﴿ولَقَدْ زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ وأعْتَدْنا لَهم عَذابَ السَّعِيرِ﴾ ﴿ولِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ ﴿إذا أُلْقُوا فِيها سَمِعُوا لَها شَهِيقًا وهي تَفُورُ﴾ ﴿تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَألَهم خَزَنَتُها ألَمْ يَأْتِكم نَذِيرٌ﴾ ﴿قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا وقُلْنا ما نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ إنْ أنْتُمْ إلّا في ضَلالٍ كَبِيرٍ﴾ ﴿وقالُوا لَوْ كُنّا نَسْمَعُ أوْ نَعْقِلُ ما كُنّا في أصْحابِ السَّعِيرِ﴾ ﴿فاعْتَرِفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأصْحابِ السَّعِيرِ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ كَبِيرٌ﴾ ﴿وأسِرُّوا قَوْلَكم أوِ اجْهُرُوا بِهِ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ ﴿ألا يَعْلَمُ مَن خَلَقَ وهو اللَّطِيفُ الخَبِيرُ﴾ ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ ذَلُولًا فامْشُوا في مَناكِبِها وكُلُوا مِن رِزْقِهِ وإلَيْهِ النُّشُورُ﴾ .
(p-٢٩٧)هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ. ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها، أنَّهُ لَمّا ضُرِبَ لِلْكَفّارِ بِتَيْنِكَ المَرْأتَيْنِ المَحْتُومِ لَهُما بِالشَّقاوَةِ، وإنْ كانَتا تَحْتَ نَبِيِّينَ، ومَثَلًا لِلْمُؤْمِنِينَ بِـ آسِيَةَ ومَرْيَمَ، وهُما مَحْتُومٌ لَهُما بِالجَنَّةِ، وإنْ كانَ قَوْماهُما كافِرِينَ. كانَ ذَلِكَ تَصَرُّفًا في مُلْكِهِ عَلى ما سَبَقَ قَضاؤُهُ، فَقالَ: (تَبارَكَ) أيْ: تَعالى وتَعاظَمَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكِ وهو كِنايَةٌ عَنِ الإحاطَةِ والقَهْرِ، وكَثِيرًا ما جاءَ نِسْبَةُ اليَدِ إلَيْهِ - تَعالى - كَقَوْلِهِ: ﴿فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [يس: ٨٣] بِيَدِكَ الخَيْرُ وذَلِكَ في حَقِّهِ - تَعالى - اسْتِعارَةٌ لِتَحْقِيقِ المُلْكِ، إذْ كانَتْ في عُرْفِ الآدَمِيِّينَ آلَةً لِلتَّمَلُّكِ، والمُلْكُ هُنا هو عَلى الإطْلاقِ لا يَبِيدُ ولا يَخْتَلُّ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: مَلِكُ المُلُوكِ لِقَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ المُلْكِ﴾ [آل عمران: ٢٦] وناسَبَ المُلْكَ ذِكْرُ وصْفِ القُدْرَةِ والحَياةِ ما يَصِحُّ بِوُجُودِهِ الإحْساسُ. ومَعْنى خَلَقَ المَوْتَ إيجادُ ذَلِكَ المُصَحِّحِ وإعْدامُهُ، والمَعْنى: خَلَقَ مَوْتَكم وحَياتَكم أيُّها المُكَلَّفُونَ، وسَمّى عِلْمَ الواقِعِ مِنهم بِاخْتِيارِهِمْ بَلْوى وهي الحَيْرَةُ، اسْتِعارَةً مِن فِعْلِ المُخْتَبِرِ. وفي الحَدِيثِ أنَّهُ فَسَّرَ أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا أيْ: أحْسَنُ عَقْلًا وأشَدُّكم خَوْفًا وأحْسَنُكم في أمْرِهِ ونَهْيِهِ نَظَرًا، وإنْ كانَ أقَلَّكم تَطَوُّعًا. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ والثَّوْرِيِّ: أزْهَدُكم في الدُّنْيا. وقِيلَ: كَنّى بِالمَوْتِ عَنِ الدُّنْيا، إذْ هو واقِعٌ فِيها، وعَنِ الآخِرَةِ بِالحَياةِ مِن حَيْثُ لا مَوْتَ فِيها، فَكَأنَّهُ قالَ: هو الَّذِي خَلَقَ الدُّنْيا والآخِرَةَ، وصَفَهُما بِالمَصْدَرَيْنِ، وقَدَّمَ المَوْتَ لِأنَّهُ أهْيَبُ في النُّفُوسِ. و(لِيَبْلُوَكم) مُتَعَلِّقٌ بِـ (خَلَقَ) وأيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، فَقَدَّرَ الحَوْفِيُّ قَبْلَها فِعْلًا تَكُونُ الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ مَعْمُولِهِ، وهو مُعَلَّقٌ عَنْها، تَقْدِيرُهُ: فَيَنْظُرُ، وقَدَّرَ ابْنُ عَطِيَّةَ فَيَنْظُرُ أوْ فَيَعْلَمُ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ) مِن أيْنَ تَعَلَّقَ قَوْلُهُ: أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا بِفِعْلِ البَلْوى ؟ (قُلْتُ): مِن حَيْثُ إنَّهُ تَضَمَّنَ مَعْنى العِلْمِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: لِيَعْلَمَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا، وإذا قُلْتَ: عَلِمْتُهُ أزَيْدٌ أحْسَنُ عَمَلًا أمْ هو ؟ كانَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ واقِعَةً مَوْقِعَ الثّانِي مِن مَفْعُولَيْهِ، كَما تَقُولُ: عَلِمْتُهُ هو أحْسَنُ عَمَلًا. (فَإنْ قُلْتَ) أيُسَمّى هَذا تَعْلِيقًا ؟ (قُلْتُ): لا، إنَّما التَّعْلِيقُ أنْ تُوقِعَ بَعْدَهُ ما يَسُدُّ مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ جَمِيعًا، كَقَوْلِكَ: عَلِمْتُ أيُّهُما عَمْرٌو، وعَلِمْتُ أزَيْدٌ مُنْطَلِقٌ. ألا تَرى أنَّهُ لا فَصْلَ بَعْدَ سَبْقِ أحَدِ المَفْعُولَيْنِ بَيْنَ أنْ يَقَعَ ما بَعْدَهُ مُصَدَّرًا بِحَرْفِ الِاسْتِفْهامِ وغَيْرَ مُصَدَّرٍ بِهِ ؟ ولَوْ كانَ تَعْلِيقًا لافْتَرَقَتِ الحالَتانِ، كَما افْتَرَقَتا في قَوْلِكَ: عَلِمْتُ أزَيْدٌ مُنْطَلِقٌ، وعَلِمْتُ زَيْدًا مُنْطَلِقًا. انْتَهى. وأصْحابُنا يُسَمُّونَ ما مَنَعَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ تَعْلِيقًا، فَيَقُولُونَ في الفِعْلِ إذا عُدِّيَ إلى اثْنَيْنِ (p-٢٩٨)ونُصِبَ الأوَّلُ وجاءَتْ بَعْدَهُ جُمْلَةٌ اسْتِفْهامِيَّةٌ، أوْ بِلامِ الِابْتِداءِ، أوْ بِحَرْفِ نَفْيٍ، كانَتِ الجُمْلَةُ مُعَلَّقًا عَنْها الفِعْلُ، وكانَتْ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، كَما لَوْ وقَعَتْ في مَوْضِعِ المَفْعُولَيْنِ وفِيها ما يُعَلِّقُ الفِعْلَ عَنِ العَمَلِ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مِثْلِ هَذِهِ الجُمْلَةِ في الكَهْفِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِنَبْلُوَهم أيُّهم أحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٧] .
وانْتَصَبَ (طِباقًا) عَلى الوَصْفِ لِـ ”سَبْعَ“، فَإمّا أنْ يَكُونَ مَصْدَرَ طابَقَ مُطابَقَةً وطِباقًا لِقَوْلِهِمْ: النَّعْلُ خَصْفُها طَبَقًا عَلى طَبَقٍ، وُصِفَ بِهِ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ، أوْ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ ذا طِباقٍ، وإمّا جَمْعُ طَبَقٍ كَجَمَلٍ وجِمالٍ، أوْ جَمْعُ طَبَقَةٍ كَرَحَبَةٍ ورِحابٍ، والمَعْنى: بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ. وما ذُكِرَ مِن مَوادِّ هَذِهِ السَّماواتِ. فالأُولى مِن مَوْجٍ مَكْفُوفٍ، والثّانِيَةُ مِن دُرَّةٍ بَيْضاءَ، والثّالِثَةُ مِن حَدِيدٍ، والرّابِعَةُ مِن نُحاسٍ، والخامِسَةُ مِن فِضَّةٍ، والسّادِسَةُ مِن ذَهَبٍ، والسّابِعَةُ مِن زُمُرُّدَةٍ بَيْضاءَ - يَحْتاجُ إلى نَقْلٍ صَحِيحٍ، وقَدْ كانَ بَعْضُ مَن يَنْتَمِي إلى الصَّلاحِ، وكانَ أعْمى لا يُبْصِرُ مَوْضِعَ قَدَمِهِ، يُخْبِرُ أنَّهُ يُشاهِدُ السَّماواتِ عَلى بَعْضِ أوْصافٍ مِمّا ذَكَرْنا.
مِن تَفاوُتٍ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مِن تَفَرُّقٍ. وقالَ السُّدِّيُّ: مِن عَيْبٍ. وقالَ عَطاءُ بْنُ يَسارٍ: مِن عَدَمِ اسْتِواءٍ. وقالَ ثَعْلَبٌ: أصْلُهُ مِنَ الفَوْتِ، وهو أنْ يَفُوتَ شَيْءٌ شَيْئًا مِنَ الخَلَلِ. وقِيلَ: مِنِ اضْطِرابٍ. وقِيلَ: مِنِ اعْوِجاجٍ. وقِيلَ: مِن تَناقُضٍ. وقِيلَ: مِنِ اخْتِلافٍ. وقِيلَ: مِن عَدَمِ التَّناسُبِ. والتَّفاوُتُ: تَجاوُزُ الحَدِّ الَّذِي تَجِبُ لَهُ زِيادَةٌ أوْ نَقْصٌ. قالَ بَعْضُ الأُدَباءِ:
؎تَناسَبَتِ الأعْضاءُ فِيهِ فَلا تَرى بِهِنَّ اخْتِلافًا بَلْ أتَيْنَ عَلى قَدَرِ
وقَرَأ الجُمْهُورُ: مِن تَفاوُتٍ بِألِفٍ مَصْدَرُ تَفاوَتَ. وعَبْدُ اللَّهِ وعَلْقَمَةُ والأسْوَدُ، وابْنُ جُبَيْرٍ وطَلْحَةُ والأعْمَشُ بِشَدِّ الواوِ، مَصْدَرُ تَفَوَّتَ. وحَكى أبُو زَيْدِ بْنُ العَرَبِيِّ: (تَفاوُتًا) بِضَمِّ الواوِ وفَتْحِها وكَسْرِها، والفَتْحُ والكَسْرُ شاذّانِ. والظّاهِرُ عُمُومُ خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنَ الأفْلاكِ وغَيْرِها، فَإنَّهُ لا تَفَوُّتَ فِيهِ ولا فُطُورَ، بَلْ كُلٌّ جارٍ عَلى الإتْقانِ. وقِيلَ: المُرادُ في خَلْقِ الرَّحْمَنِ السَّماواتُ فَقَطْ، والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ما تَرى اسْتِئْنافُ أنَّهُ لا يُدْرَكُ في خَلْقِهِ تَعالى تَفاوُتٌ، وجَعَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ هَذِهِ الجُمْلَةَ صِفَةَ مُتابَعَةٍ لِقَوْلِهِ: (طِباقًا) أصْلُها ما تَرى فِيهِنَّ مِن تَفاوُتٍ، فَوَضَعَ مَكانَ الضَّمِيرِ قَوْلَهُ: خَلْقِ الرَّحْمَنِ تَعْظِيمًا لِخَلْقِهِنَّ وتَنْبِيهًا عَلى سَبَبِ سَلامَتِهِنَّ مِنَ التَّفاوُتِ، وهو أنَّهُ خَلْقُ الرَّحْمَنِ، وأنَّهُ بِباهِرِ قُدْرَتِهِ هو الَّذِي يَخْلُقُ مِثْلَ ذَلِكَ الخَلْقِ المُناسِبِ. انْتَهى. والخِطابُ في (تَرى) لِكُلِّ مُخاطَبٍ، أوْ لِلرَّسُولِ، ﷺ . ولَمّا أخْبَرَ - تَعالى - أنَّهُ لا تَفاوُتَ في خَلْقِهِ، أمَرَ بِتَرْدِيدِ البَصَرِ في الخَلْقِ المُناسِبِ، فَقالَ: (فارْجِعْ) فَفي الفاءِ مَعْنى التَّسَبُّبِ، والمَعْنى: أنَّ العِيانَ يُطابِقُ الخَبَرَ.
و(الفُطُورُ) قالَ مُجاهِدٌ: الشُّقُوقُ. فَطَرَ نابُ البَعِيرِ: شَقَّ اللَّحْمَ وظَهَرَ، قالَ الشّاعِرُ:
؎بَنى لَكم بِلا عُمُدٍ سَماءً ∗∗∗ وسَوّاها فَما فِيها فُطُورُ
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: صُدُوعٌ، وأنْشَدَ قَوْلَ عُبَيْدِ بْنِ مَسْعُودٍ:
؎شَقَقْتُ القَلْبَ ثُمَّ رَدَدْتُ فِيهِ ∗∗∗ هَواكِ فَلِيطَ فالتَأمَ الفُطُورُ
وقالَ السُّدِّيُّ: خُرُوقٌ. وقالَ قَتادَةُ: خَلَلٌ، ومِنهُ التَّفْطِيرُ والِانْفِطارُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وهَنٌ. وهَذِهِ تَفاسِيرٌ مُتَقارِبَةٌ.
والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: ﴿هَلْ تَرى مِن فُطُورٍ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِفِعْلٍ مُعَلَّقٍ مَحْذُوفٍ، أيْ فانْظُرْ هَلْ تَرى، أوْ ضُمِّنَ مَعْنى فارْجِعِ البَصَرَ مَعْنى فانْظُرْ بِبَصَرِكَ هَلْ تَرى ؟ فَيَكُونُ مُعَلَّقًا. ثُمَّ ارْجِعِ البَصَرَ أيْ: رَدِّدْهُ كَرَّتَيْنِ هي تَثْنِيَةٌ لا شَفْعُ الواحِدِ، بَلْ يُرادُ بِها التَّكْرارُ، كَأنَّهُ قالَ: كَرَّةً بَعْدَ كَرَّةٍ، أيْ كَرّاتٍ كَثِيرَةً، كَقَوْلِهِ: لَبَّيْكَ، يُرِيدُ إجاباتٍ كَثِيرَةً بَعْضُها في إثْرِ بَعْضٍ، وأُرِيدَ بِالتَّثْنِيَةِ التَّكْثِيرُ، كَما أُرِيدَ بِما هو أصْلٌ لَها التَّكْثِيرُ، وهو مُفْرَدٌ عُطِفَ عَلى مُفْرَدٍ، نَحْوَ قَوْلِهِ:
؎لَوْ عُدَّ قَبْرٌ وقَبْرٌ كانَ أكْرَمَهم ∗∗∗ بَيْتًا وأبْعَدَهم عَنْ مَنزِلِ الزّامِّ
(p-٢٩٩)يُرِيدُ: لَوْ عُدَّتْ قُبُورٌ كَثِيرَةٌ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ وغَيْرُهُ: (كَرَّتَيْنِ) مَعْناهُ مَرَّتَيْنِ، ونَصَبَها عَلى المَصْدَرِ. وقِيلَ: أمَرَ بِرَجْعِ البَصَرِ إلى السَّماءِ مَرَّتَيْنِ، غَلَّطَ في الأُولى، فَيَسْتَدْرِكُ بِالثّانِيَةِ. وقِيلَ: الأُولى لِيَرى حُسْنَها واسْتِواءَها، والثّانِيَةُ لِيُبْصِرَ كَواكِبَها في سَيْرِها وانْتِهائِها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يَنْقَلِبْ) جَزْمًا عَلى جَوابِ الأمْرِ. والخُوارَزْمِيُّ عَنِ الكِسائِيِّ: يَرْفَعُ الباءَ، أيْ: فَيَنْقَلِبْ عَلى حَذْفِ الفاءِ، أوْ عَلى أنَّهُ مَوْضِعُ حالٍ مُقَدَّرَةٍ، أيْ: إنْ رَجَعْتَ البَصَرَ وكَرَّرْتَ النَّظَرَ؛ لِتَطْلُبَ فُطُورَ شُقُوقٍ أوْ خَلَلًا أوْ عَيْبًا، رَجَعَ إلَيْكَ مُبْعَدًا عَمّا طَلَبْتَهُ لِانْتِفاءِ ذَلِكَ عَنْها، وهو كالٌّ مِن كَثْرَةِ النَّظَرِ، وكَلالُهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالكَرَّتَيْنِ لَيْسَ شَفْعَ الواحِدِ؛ لِأنَّهُ لا يَكِلُّ البَصَرُ بِالنَّظَرِ مَرَّتَيْنِ اثْنَتَيْنِ. والحَسِيرُ: الكالُّ، قالَ الشّاعِرُ:
؎لَهُنَّ الوَجى لَمْ كُنَّ عَوْنًا عَلى النَّوى ∗∗∗ ولا زالَ مِنها ظالِعٌ وحَسِيرُ
يُقالُ: حَسَرَ بَعِيرُهُ يَحْسِرُ حُسُورًا أيْ: كَلَّ وانْقَطَعَ فَهو حَسِيرٌ ومَحْسُورٌ، قالَ الشّاعِرُ يَصِفُ ناقَةً:
؎فَشَطْرُها نَظَرَ العَيْنَيْنِ مَحْسُورُ
أيْ: ونَحْرُها، وقَدْ جُمِعَ حَسِيرٌ بِمَعْنى أعْيا وكَلَّ، قالَ الشّاعِرُ:
؎بِها جِيَفُ الحَسْرى فَأمّا عِظامُها
البَيْتَ.
السَّماءَ الدُّنْيا هي الَّتِي نُشاهِدُها، والدُّنُوُّ أمْرٌ نِسْبِيٌّ وإلّا فَلَيْسَتْ قَرِيبَةً. (بِمَصابِيحَ) أيْ: بِنُجُومٍ مُضِيئَةٍ كالمَصابِيحِ، ومَصابِيحُ مُطْلَقُ الأعْلامِ، فَلا يَدُلُّ عَلى أنَّ غَيْرَ سَماءِ الدُّنْيا لَيْسَتْ فِيها مَصابِيحُ. وجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ أيْ: جَعَلْنا مِنها؛ لِأنَّ السَّماءَ ذاتَها لَيْسَتْ يُرْجَمُ بِها الرُّجُومُ هَذا إنْ عادَ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: (وجَعَلْناها) عَلى السَّماءِ. والظّاهِرُ عَوْدُهُ عَلى مَصابِيحَ. ونَسَبَ الرَّجْمَ إلَيْها؛ لِأنَّ الشِّهابَ المُتَّبِعَ لِلْمُسْتَرِقِ مُنْفَصِلٌ مِن نارِها، والكَواكِبُ قارٌّ في مُلْكِهِ عَلى حالِهِ. فالشِّهابُ كَقَبَسٍ يُؤْخَذُ مِنَ النّارِ، والنّارُ باقِيَةٌ لا تَنْقُصُ. والظّاهِرُ أنَّ الشَّياطِينَ هم مُسْتَرِقُو السَّمْعِ، وأنَّ الرَّجْمَ هو حَقِيقَةٌ يُرْمَوْنَ بِالشُّهُبِ، كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ الحِجْرِ وسُورَةِ والصّافّاتِ. وقِيلَ: مَعْنى (رُجُومًا): (ظُنُونًا) لِشَياطِينِ الإنْسِ، وهُمُ المُنَجِّمُونَ يَنْسُبُونَ إلى النُّجُومِ أشْياءَ عَلى جِهَةِ الظَّنِّ مِن جُهّالِهِمْ، والتَّمْوِيهِ والِاخْتِلاقِ مِن أزْكِيائِهِمْ، ولَهم في ذَلِكَ تَصانِيفُ تَشْتَمِلُ عَلى خُرافاتٍ يُمَوِّهُونَ بِها عَلى المُلُوكِ وضُعَفاءِ العُقُولِ، ويَعْمَلُونَ مَوالِدَ يَحْكُمُونَ فِيها بِالأشْياءِ لا يَصِحُّ مِنها شَيْءٌ. وقَدْ وقَفْنا عَلى أشْياءَ مِن كَذِبِهِمْ في تِلْكَ المَوالِدِ، وما يَحْكُونَهُ عَنْ أبِي مَعْشَرٍ وغَيْرِهِ مِن شُيُوخِ السُّوءِ كَذِبٌ يُغْرُونَ بِهِ النّاسَ الجُهّالَ. وقالَ قَتادَةُ: خَلَقَ اللَّهُ - تَعالى - النُّجُومَ زِينَةً لِلسَّماءِ ورُجُومًا لِلشَّياطِينِ، ولِيُهْتَدى بِها في البَرِّ والبَحْرِ. فَمَن قالَ غَيْرَ هَذِهِ الخِصالِ الثَّلاثِ فَقَدْ تَكَلَّفَ وأذْهَبَ حَظَّهُ مِنَ الآخِرَةِ. والضَّمِيرُ في ”لَهم“ عائِدٌ عَلى الشَّياطِينِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: عَذابُ جَهَنَّمَ بِرَفْعِ الباءِ. والضَّحّاكُ والأعْرَجُ وأُسَيْدُ بْنُ أُسَيْدٍ المُزَنِيُّ، والحَسَنُ في رِوايَةِ هارُونَ عَنْهُ: بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى عَذابَ السَّعِيرِ أيْ: وأعْتَدْنا لِلَّذِينَ كَفَرُوا عَذابَ جَهَنَّمَ. إذا أُلْقُوا فِيها أيْ: طُرِحُوا، كَما يُطْرَحُ الحَطَبُ في النّارِ العَظِيمَةِ ويُرْمى بِهِ، ومِثْلُهُ ”حَصَبُ جَهَنَّمَ“ سَمِعُوا لَها أيْ: لِجَهَنَّمَ (شَهِيقًا) أيْ: صَوْتًا مُنْكَرًا كَصَوْتِ الحِمارِ، تُصَوِّتُ مِثْلَ ذَلِكَ لِشِدَّةِ تَوَقُّدِها وغَلَيانِها. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: سَمِعُوا لِأهْلِها، كَما قالَ تَعالى: ﴿لَهم فِيها زَفِيرٌ وشَهِيقٌ﴾ [هود: ١٠٦] . وهي تَفُورُ تَغْلِي بِهِمْ غَلْيَ المِرْجَلِ. تَكادُ تَمَيَّزُ أيْ: يَنْفَصِلُ بَعْضُها مِن بَعْضٍ لِشِدَّةِ اضْطِرابِها، ويُقالُ: فُلانٌ يَتَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ إذا وصَفُوهُ بِالإفْراطِ في الغَضَبِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (تَمَيَّزُ) بِتاءٍ واحِدَةٍ خَفِيفَةٍ، والبَزِّيُّ يُشَدِّدُها، وطَلْحَةُ: بِتاءَيْنِ، وأبُو عَمْرٍو: بِإدْغامِ الدّالِ في التّاءِ، والضَّحّاكُ: تَمايَزُ عَلى وزْنِ تَفاعَلُ، وأصْلُهُ تَتَمايَزُ بِتاءَيْنِ. وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: تَمِيزُ مِن مازَ مِنَ الغَيْظِ عَلى الكَفَرَةِ، جُعِلَتْ كالمُغْتاظَةِ عَلَيْهِمْ لِشِدَّةِ غَلَيانِها بِهِمْ، ومِثْلُ هَذا في التَّجَوُّزِ قَوْلُ الشّاعِرِ في كَلْبٍ:
؎يَشْتَدُّ في جَرْيِهِ يَكادُ ∗∗∗ أنْ يَخْرُجَ مِن إهابِهِ
(p-٣٠٠)وقَوْلُهم: غَضِبَ فُلانٌ، فَطارَتْ مِنهُ شُقَّةٌ في الأرْضِ وشُقَّةٌ في السَّماءِ إذا أفْرَطَ في الغَضَبِ. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ مِن غَيْظِ الزَّبانِيَةِ. كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ أيْ: فَرِيقٌ مِنَ الكُفّارِ سَألَهم خَزَنَتُها سُؤالَ تَوْبِيخٍ وتَقْرِيعٍ، وهو مِمّا يَزِيدُهم عَذابًا إلى عَذابِهِمْ، وخَزَنَتُها: مالِكٌ وأعْوانُهُ ألَمْ يَأْتِكم نَذِيرٌ يُنْذِرُكم بِهَذا اليَوْمِ قالُوا بَلى اعْتِرافٌ بِمَجِيءِ النُّذُرِ إلَيْهِمْ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: اعْتِرافٌ مِنهم بِعَدْلِ اللَّهِ، وإقْرارٌ بِأنَّهُ - عَزَّ وعَلا - أزاحَ عِلَلَهم بِبِعْثِهِ الرُّسُلَ وإنْذارِهم فِيما وقَعُوا فِيهِ، وأنَّهم لَمْ يُؤْتَوْا مِن قُدْرَةٍ كَما تَزْعُمُ المُجْبِرَةُ، وإنَّما أتَوْا مِن قِبَلِ أنْفُسِهِمْ واخْتِيارِهِمْ، خِلافَ ما اخْتارَ اللَّهُ وأمَرَ بِهِ وأوْعَدَ عَلى ضِدِّهِ. انْتَهى، وهو عَلى طَرِيقِ المُعْتَزِلَةِ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنْ أنْتُمْ إلّا في ضَلالٍ كَبِيرٍ﴾ مِن قَوْلِ الكُفّارِ لِلرُّسُلِ الَّذِينَ جاءُوا نُذُرًا إلَيْهِمْ، أنْكَرُوا أوَّلًا أنَّ اللَّهَ نَزَّلَ شَيْئًا، واسْتَجْهَلُوا ثانِيًا مَن أخْبَرَ بِأنَّهُ - تَعالى - أرْسَلَ إلَيْهِمُ الرُّسُلَ، وأنَّ قائِلَ ذَلِكَ في حَيْرَةٍ عَظِيمَةٍ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِ الخَزَنَةِ لِلْكُفّارِ إخْبارًا لَهم وتَقْرِيعًا بِما كانُوا عَلَيْهِ في الدُّنْيا. أرادُوا بِالضَّلالِ الهَلاكَ الَّذِي هم فِيهِ، أوْ سَمَّوْا عِقابَ الضَّلالِ ضَلالًا لَمّا كانَ ناشِئًا عَنِ الضَّلالِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ مِن كَلامِ الرُّسُلِ لَهم حَكَوْهُ لِلْخَزَنَةِ، أيْ: قالُوا لَنا هَذا فَلَمْ نَقْبَلْهُ. انْتَهى. فَإنْ كانَ الخِطابُ في إنْ أنْتُمْ لِلرُّسُلِ، فَقَدْ يُرادُ بِهِ الجِنْسُ، ولِذَلِكَ جاءَ الخِطابُ بِالجَمْعِ. (وقالُوا) أيْ: لِلْخَزَنَةِ حِينَ حاوَرُوهم لَوْ كُنّا نَسْمَعُ سَماعَ طالِبٍ لِلْحَقِّ أوْ نَعْقِلُ عَقْلَ مُتَأمِّلٍ لَهُ، لَمْ نَسْتَوْجِبِ الخُلُودَ في النّارِ. فاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ أيْ: بِتَكْذِيبِ الرُّسُلِ (فَسُحْقًا) أيْ: فَبُعْدًا لَهم، وهو دُعاءٌ عَلَيْهِمْ، والسُّحْقُ: البُعْدُ، وانْتِصابُهُ عَلى المَصْدَرِ أيْ: سَحَقَهُمُ اللَّهُ سُحْقًا، قالَ الشّاعِرُ:
؎يَجُولُ بِأطْرافِ البِلادِ مُغَرِّبًا ∗∗∗ وتَسْحَقُهُ رِيحُ الصَّبا كُلَّ مَسْحَقِ
والفِعْلُ مِنهُ ثُلاثِيٌّ. وقالَ الزَّجّاجُ: أيْ: أسْحَقُهُمُ اللَّهُ سُحْقًا، أيْ: باعَدَهم بُعْدًا. وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: القِياسُ إسْحاقًا، فَجاءَ المَصْدَرُ عَلى الحَذْفِ، كَما قِيلَ:
وإنْ أهْلِكْ فَذَلِكَ كانَ قَدَرِي
أيْ تَقْدِيرِي. انْتَهى، ولا يَحْتاجُ إلى ادِّعاءِ الحَذْفِ في المَصْدَرِ؛ لِأنَّ فِعْلَهُ قَدْ جاءَ ثُلاثِيًّا، كَما أنْشَدَ:
؎وتَسْحَقُهُ رِيحُ الصَّبا كُلَّ مَسْحَقِ
وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِسُكُونِ الحاءِ. وعَلِيٌّ وأبُو جَعْفَرٍ والكِسائِيُّ، بِخِلافٍ عَنْ أبِي الحَرْثِ عَنْهُ: بِضَمِّها. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: (فَسُحْقًا) نَصْبًا عَلى جِهَةِ الدُّعاءِ عَلَيْهِمْ، وجازَ ذَلِكَ فِيهِ، وهو مِن قِبَلِ اللَّهِ - تَعالى - مِن حَيْثُ هَذا القَوْلِ فِيهِمْ مُسْتَقِرٌّ أوَّلًا، ووُجُودُهُ لَمْ يَقَعْ إلّا في الآخِرَةِ، فَكَأنَّهُ لِذَلِكَ في حَيِّزِ المُتَوَقَّعِ الَّذِي يُدْعى بِهِ، كَما تَقُولُ: سُحْقًا لِزَيْدٍ وبُعْدًا، والنَّصْبُ في هَذا كُلِّهِ بِإضْمارِ فِعْلٍ، وإنْ وقَعَ وثَبَتَ، فالوَجْهُ فِيهِ الرَّفْعُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ويْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ [المطففين: ١] وسَلامٌ عَلَيْكم وغَيْرُ هَذا مِنَ الأمْثِلَةِ. انْتَهى. يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ أيِ: الَّذِي أُخْبِرُوا بِهِ مِن أمْرِ المَعادِ وأحْوالِهِ، أوْ غائِبِينَ عَنْ أعْيُنِ النّاسِ، أيْ في خَلَواتِهِمْ، كَقَوْلِهِ: «ورَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خالِيًا، فَفاضَتْ عَيْناهُ» . وأسِرُّوا قَوْلَكم خِطابٌ لِجَمِيعِ الخَلْقِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وسَبَبُهُ أنَّ بَعْضَ المُشْرِكِينَ قالَ لِبَعْضٍ: أسِرُّوا قَوْلَكم لا يَسْمَعُكم إلَهُ مُحَمَّدٍ. ألا يَعْلَمُ مَن خَلَقَ الهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهامِ و”لا“ لِلنَّفْيِ، والظّاهِرُ أنَّ ”مَن“ مَفْعُولٌ، والمَعْنى أيَنْتَفِي عِلْمُهُ بِمَن خَلَقَ، وهو الَّذِي لَطُفَ عِلْمُهُ ودَقَّ وأحاطَ بِخَفِيّاتِ الأُمُورِ وجَلِيّاتِها ؟ وأجازَ بَعْضُ النُّحاةِ أنْ يَكُونَ ”مَن“ فاعِلًا، والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، كَأنَّهُ قالَ: ألا يَعْلَمُ الخالِقُ سِرَّكم وجَهْرَكم ؟ وهو اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ الإنْكارُ، أيْ: كَيْفَ لا يَعْلَمُ ما تَكَلَّمَ بِهِ مِن خَلْقِ الأشْياءِ، وأوْجَدَها مِنَ العَدَمِ الصِّرْفِ، وحالُهُ أنَّهُ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ المُتَوَصِّلُ عِلْمُهُ إلى ما ظَهَرَ مِن خَلْقِهِ وما بَطَنَ ؟
﴿هو الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ ذَلُولًا﴾ مِنَّةٌ مِنهُ - تَعالى - بِذَلِكَ، والذَّلُولُ فَعُولٌ لِلْمُبالِغَةِ، مِن ذَلِكَ تَقُولُ: دابَّةٌ ذَلُولٌ بَيِّنَةُ الذُّلِّ، ورَجُلٌ ذَلِيلٌ: بَيِّنُ الذُّلِّ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والذَّلُولُ فَعُولٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، أيْ: مَذْلُولَةٌ، فَهي كَرَكُوبٍ وحَلُوبٍ. انْتَهى. ولَيْسَ بِمَعْنى مَفْعُولٍ؛ لِأنَّ فِعْلَهُ قاصِرٌ، وإنَّما تَعَدّى (p-٣٠١)بِالهَمْزَةِ كَقَوْلِهِ: وتُذِلُّ مَن تَشاءُ وإمّا بِالتَّضْعِيفِ لِقَوْلِهِ: وذَلَّلْناها لَهم وقَوْلُهُ أيْ: مَذْلُولَةٌ يَظْهَرُ أنَّهُ خَطَأٌ. فامْشُوا في مَناكِبِها أمَرَ بِالتَّصَرُّفِ فِيها والِاكْتِسابِ. ومَناكِبُها، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ وبِشْرُ بْنُ كَعْبٍ: أطْرافُها، وهي الجِبالُ. وقالَ الفَرّاءُ والكَلْبِيُّ ومُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ: جَوانِبُها، ومَنكِبا الرَّجُلِ: جانِباهُ. وقالَ الحَسَنُ والسُّدِّيُّ: طَرَفُها وفِجاجُها. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والمَشْيُ في مَناكِبِها مَثَلٌ لِفَرْطِ التَّذْلِيلِ ومُجاوَزَتِهِ الغايَةَ؛ لِأنَّ المَنكِبَيْنِ ومُلْتَقاهُما مِنَ الغارِبِ أرَقُّ شَيْءٍ مِنَ البَعِيرِ، وأنْبَأهُ عَنْ أنْ يَطَأهُ الرّاكِبُ بِقَدَمِهِ ويَعْتَمِدَ عَلَيْهِ، فَإذا جَعَلَها في الذُّلِّ بِحَيْثُ يَمْشِي في مَناكِبِها لَمْ يَنْزِلْ. انْتَهى. وقالَ الزَّجّاجُ: سَهَّلَ لَكُمُ السُّلُوكَ في جِبالِها فَهو أبْلَغُ التَّذْلِيلِ. وإلَيْهِ النُّشُورُ أيْ: البَعْثُ، فَيَسْألُكم عَنْ شُكْرِ هَذِهِ النِّعْمَةِ عَلَيْكم.
الملك 67:8
(سُورَةُ المُلْكِ مَكِّيَّةٌ وهي ثَلاثُونَ آيَةً)
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)
﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ والحَياةَ لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا وهو العَزِيزُ الغَفُورُ﴾ ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا ما تَرى في خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفاوُتٍ فارْجِعِ البَصَرَ هَلْ تَرى مِن فُطُورٍ﴾ ﴿ثُمَّ ارْجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إلَيْكَ البَصَرُ خاسِئًا وهو حَسِيرٌ﴾ ﴿ولَقَدْ زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ وأعْتَدْنا لَهم عَذابَ السَّعِيرِ﴾ ﴿ولِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ ﴿إذا أُلْقُوا فِيها سَمِعُوا لَها شَهِيقًا وهي تَفُورُ﴾ ﴿تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَألَهم خَزَنَتُها ألَمْ يَأْتِكم نَذِيرٌ﴾ ﴿قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا وقُلْنا ما نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ إنْ أنْتُمْ إلّا في ضَلالٍ كَبِيرٍ﴾ ﴿وقالُوا لَوْ كُنّا نَسْمَعُ أوْ نَعْقِلُ ما كُنّا في أصْحابِ السَّعِيرِ﴾ ﴿فاعْتَرِفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأصْحابِ السَّعِيرِ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ كَبِيرٌ﴾ ﴿وأسِرُّوا قَوْلَكم أوِ اجْهُرُوا بِهِ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ ﴿ألا يَعْلَمُ مَن خَلَقَ وهو اللَّطِيفُ الخَبِيرُ﴾ ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ ذَلُولًا فامْشُوا في مَناكِبِها وكُلُوا مِن رِزْقِهِ وإلَيْهِ النُّشُورُ﴾ .
(p-٢٩٧)هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ. ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها، أنَّهُ لَمّا ضُرِبَ لِلْكَفّارِ بِتَيْنِكَ المَرْأتَيْنِ المَحْتُومِ لَهُما بِالشَّقاوَةِ، وإنْ كانَتا تَحْتَ نَبِيِّينَ، ومَثَلًا لِلْمُؤْمِنِينَ بِـ آسِيَةَ ومَرْيَمَ، وهُما مَحْتُومٌ لَهُما بِالجَنَّةِ، وإنْ كانَ قَوْماهُما كافِرِينَ. كانَ ذَلِكَ تَصَرُّفًا في مُلْكِهِ عَلى ما سَبَقَ قَضاؤُهُ، فَقالَ: (تَبارَكَ) أيْ: تَعالى وتَعاظَمَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكِ وهو كِنايَةٌ عَنِ الإحاطَةِ والقَهْرِ، وكَثِيرًا ما جاءَ نِسْبَةُ اليَدِ إلَيْهِ - تَعالى - كَقَوْلِهِ: ﴿فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [يس: ٨٣] بِيَدِكَ الخَيْرُ وذَلِكَ في حَقِّهِ - تَعالى - اسْتِعارَةٌ لِتَحْقِيقِ المُلْكِ، إذْ كانَتْ في عُرْفِ الآدَمِيِّينَ آلَةً لِلتَّمَلُّكِ، والمُلْكُ هُنا هو عَلى الإطْلاقِ لا يَبِيدُ ولا يَخْتَلُّ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: مَلِكُ المُلُوكِ لِقَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ المُلْكِ﴾ [آل عمران: ٢٦] وناسَبَ المُلْكَ ذِكْرُ وصْفِ القُدْرَةِ والحَياةِ ما يَصِحُّ بِوُجُودِهِ الإحْساسُ. ومَعْنى خَلَقَ المَوْتَ إيجادُ ذَلِكَ المُصَحِّحِ وإعْدامُهُ، والمَعْنى: خَلَقَ مَوْتَكم وحَياتَكم أيُّها المُكَلَّفُونَ، وسَمّى عِلْمَ الواقِعِ مِنهم بِاخْتِيارِهِمْ بَلْوى وهي الحَيْرَةُ، اسْتِعارَةً مِن فِعْلِ المُخْتَبِرِ. وفي الحَدِيثِ أنَّهُ فَسَّرَ أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا أيْ: أحْسَنُ عَقْلًا وأشَدُّكم خَوْفًا وأحْسَنُكم في أمْرِهِ ونَهْيِهِ نَظَرًا، وإنْ كانَ أقَلَّكم تَطَوُّعًا. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ والثَّوْرِيِّ: أزْهَدُكم في الدُّنْيا. وقِيلَ: كَنّى بِالمَوْتِ عَنِ الدُّنْيا، إذْ هو واقِعٌ فِيها، وعَنِ الآخِرَةِ بِالحَياةِ مِن حَيْثُ لا مَوْتَ فِيها، فَكَأنَّهُ قالَ: هو الَّذِي خَلَقَ الدُّنْيا والآخِرَةَ، وصَفَهُما بِالمَصْدَرَيْنِ، وقَدَّمَ المَوْتَ لِأنَّهُ أهْيَبُ في النُّفُوسِ. و(لِيَبْلُوَكم) مُتَعَلِّقٌ بِـ (خَلَقَ) وأيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، فَقَدَّرَ الحَوْفِيُّ قَبْلَها فِعْلًا تَكُونُ الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ مَعْمُولِهِ، وهو مُعَلَّقٌ عَنْها، تَقْدِيرُهُ: فَيَنْظُرُ، وقَدَّرَ ابْنُ عَطِيَّةَ فَيَنْظُرُ أوْ فَيَعْلَمُ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ) مِن أيْنَ تَعَلَّقَ قَوْلُهُ: أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا بِفِعْلِ البَلْوى ؟ (قُلْتُ): مِن حَيْثُ إنَّهُ تَضَمَّنَ مَعْنى العِلْمِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: لِيَعْلَمَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا، وإذا قُلْتَ: عَلِمْتُهُ أزَيْدٌ أحْسَنُ عَمَلًا أمْ هو ؟ كانَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ واقِعَةً مَوْقِعَ الثّانِي مِن مَفْعُولَيْهِ، كَما تَقُولُ: عَلِمْتُهُ هو أحْسَنُ عَمَلًا. (فَإنْ قُلْتَ) أيُسَمّى هَذا تَعْلِيقًا ؟ (قُلْتُ): لا، إنَّما التَّعْلِيقُ أنْ تُوقِعَ بَعْدَهُ ما يَسُدُّ مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ جَمِيعًا، كَقَوْلِكَ: عَلِمْتُ أيُّهُما عَمْرٌو، وعَلِمْتُ أزَيْدٌ مُنْطَلِقٌ. ألا تَرى أنَّهُ لا فَصْلَ بَعْدَ سَبْقِ أحَدِ المَفْعُولَيْنِ بَيْنَ أنْ يَقَعَ ما بَعْدَهُ مُصَدَّرًا بِحَرْفِ الِاسْتِفْهامِ وغَيْرَ مُصَدَّرٍ بِهِ ؟ ولَوْ كانَ تَعْلِيقًا لافْتَرَقَتِ الحالَتانِ، كَما افْتَرَقَتا في قَوْلِكَ: عَلِمْتُ أزَيْدٌ مُنْطَلِقٌ، وعَلِمْتُ زَيْدًا مُنْطَلِقًا. انْتَهى. وأصْحابُنا يُسَمُّونَ ما مَنَعَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ تَعْلِيقًا، فَيَقُولُونَ في الفِعْلِ إذا عُدِّيَ إلى اثْنَيْنِ (p-٢٩٨)ونُصِبَ الأوَّلُ وجاءَتْ بَعْدَهُ جُمْلَةٌ اسْتِفْهامِيَّةٌ، أوْ بِلامِ الِابْتِداءِ، أوْ بِحَرْفِ نَفْيٍ، كانَتِ الجُمْلَةُ مُعَلَّقًا عَنْها الفِعْلُ، وكانَتْ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، كَما لَوْ وقَعَتْ في مَوْضِعِ المَفْعُولَيْنِ وفِيها ما يُعَلِّقُ الفِعْلَ عَنِ العَمَلِ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مِثْلِ هَذِهِ الجُمْلَةِ في الكَهْفِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِنَبْلُوَهم أيُّهم أحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٧] .
وانْتَصَبَ (طِباقًا) عَلى الوَصْفِ لِـ ”سَبْعَ“، فَإمّا أنْ يَكُونَ مَصْدَرَ طابَقَ مُطابَقَةً وطِباقًا لِقَوْلِهِمْ: النَّعْلُ خَصْفُها طَبَقًا عَلى طَبَقٍ، وُصِفَ بِهِ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ، أوْ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ ذا طِباقٍ، وإمّا جَمْعُ طَبَقٍ كَجَمَلٍ وجِمالٍ، أوْ جَمْعُ طَبَقَةٍ كَرَحَبَةٍ ورِحابٍ، والمَعْنى: بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ. وما ذُكِرَ مِن مَوادِّ هَذِهِ السَّماواتِ. فالأُولى مِن مَوْجٍ مَكْفُوفٍ، والثّانِيَةُ مِن دُرَّةٍ بَيْضاءَ، والثّالِثَةُ مِن حَدِيدٍ، والرّابِعَةُ مِن نُحاسٍ، والخامِسَةُ مِن فِضَّةٍ، والسّادِسَةُ مِن ذَهَبٍ، والسّابِعَةُ مِن زُمُرُّدَةٍ بَيْضاءَ - يَحْتاجُ إلى نَقْلٍ صَحِيحٍ، وقَدْ كانَ بَعْضُ مَن يَنْتَمِي إلى الصَّلاحِ، وكانَ أعْمى لا يُبْصِرُ مَوْضِعَ قَدَمِهِ، يُخْبِرُ أنَّهُ يُشاهِدُ السَّماواتِ عَلى بَعْضِ أوْصافٍ مِمّا ذَكَرْنا.
مِن تَفاوُتٍ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مِن تَفَرُّقٍ. وقالَ السُّدِّيُّ: مِن عَيْبٍ. وقالَ عَطاءُ بْنُ يَسارٍ: مِن عَدَمِ اسْتِواءٍ. وقالَ ثَعْلَبٌ: أصْلُهُ مِنَ الفَوْتِ، وهو أنْ يَفُوتَ شَيْءٌ شَيْئًا مِنَ الخَلَلِ. وقِيلَ: مِنِ اضْطِرابٍ. وقِيلَ: مِنِ اعْوِجاجٍ. وقِيلَ: مِن تَناقُضٍ. وقِيلَ: مِنِ اخْتِلافٍ. وقِيلَ: مِن عَدَمِ التَّناسُبِ. والتَّفاوُتُ: تَجاوُزُ الحَدِّ الَّذِي تَجِبُ لَهُ زِيادَةٌ أوْ نَقْصٌ. قالَ بَعْضُ الأُدَباءِ:
؎تَناسَبَتِ الأعْضاءُ فِيهِ فَلا تَرى بِهِنَّ اخْتِلافًا بَلْ أتَيْنَ عَلى قَدَرِ
وقَرَأ الجُمْهُورُ: مِن تَفاوُتٍ بِألِفٍ مَصْدَرُ تَفاوَتَ. وعَبْدُ اللَّهِ وعَلْقَمَةُ والأسْوَدُ، وابْنُ جُبَيْرٍ وطَلْحَةُ والأعْمَشُ بِشَدِّ الواوِ، مَصْدَرُ تَفَوَّتَ. وحَكى أبُو زَيْدِ بْنُ العَرَبِيِّ: (تَفاوُتًا) بِضَمِّ الواوِ وفَتْحِها وكَسْرِها، والفَتْحُ والكَسْرُ شاذّانِ. والظّاهِرُ عُمُومُ خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنَ الأفْلاكِ وغَيْرِها، فَإنَّهُ لا تَفَوُّتَ فِيهِ ولا فُطُورَ، بَلْ كُلٌّ جارٍ عَلى الإتْقانِ. وقِيلَ: المُرادُ في خَلْقِ الرَّحْمَنِ السَّماواتُ فَقَطْ، والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ما تَرى اسْتِئْنافُ أنَّهُ لا يُدْرَكُ في خَلْقِهِ تَعالى تَفاوُتٌ، وجَعَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ هَذِهِ الجُمْلَةَ صِفَةَ مُتابَعَةٍ لِقَوْلِهِ: (طِباقًا) أصْلُها ما تَرى فِيهِنَّ مِن تَفاوُتٍ، فَوَضَعَ مَكانَ الضَّمِيرِ قَوْلَهُ: خَلْقِ الرَّحْمَنِ تَعْظِيمًا لِخَلْقِهِنَّ وتَنْبِيهًا عَلى سَبَبِ سَلامَتِهِنَّ مِنَ التَّفاوُتِ، وهو أنَّهُ خَلْقُ الرَّحْمَنِ، وأنَّهُ بِباهِرِ قُدْرَتِهِ هو الَّذِي يَخْلُقُ مِثْلَ ذَلِكَ الخَلْقِ المُناسِبِ. انْتَهى. والخِطابُ في (تَرى) لِكُلِّ مُخاطَبٍ، أوْ لِلرَّسُولِ، ﷺ . ولَمّا أخْبَرَ - تَعالى - أنَّهُ لا تَفاوُتَ في خَلْقِهِ، أمَرَ بِتَرْدِيدِ البَصَرِ في الخَلْقِ المُناسِبِ، فَقالَ: (فارْجِعْ) فَفي الفاءِ مَعْنى التَّسَبُّبِ، والمَعْنى: أنَّ العِيانَ يُطابِقُ الخَبَرَ.
و(الفُطُورُ) قالَ مُجاهِدٌ: الشُّقُوقُ. فَطَرَ نابُ البَعِيرِ: شَقَّ اللَّحْمَ وظَهَرَ، قالَ الشّاعِرُ:
؎بَنى لَكم بِلا عُمُدٍ سَماءً ∗∗∗ وسَوّاها فَما فِيها فُطُورُ
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: صُدُوعٌ، وأنْشَدَ قَوْلَ عُبَيْدِ بْنِ مَسْعُودٍ:
؎شَقَقْتُ القَلْبَ ثُمَّ رَدَدْتُ فِيهِ ∗∗∗ هَواكِ فَلِيطَ فالتَأمَ الفُطُورُ
وقالَ السُّدِّيُّ: خُرُوقٌ. وقالَ قَتادَةُ: خَلَلٌ، ومِنهُ التَّفْطِيرُ والِانْفِطارُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وهَنٌ. وهَذِهِ تَفاسِيرٌ مُتَقارِبَةٌ.
والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: ﴿هَلْ تَرى مِن فُطُورٍ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِفِعْلٍ مُعَلَّقٍ مَحْذُوفٍ، أيْ فانْظُرْ هَلْ تَرى، أوْ ضُمِّنَ مَعْنى فارْجِعِ البَصَرَ مَعْنى فانْظُرْ بِبَصَرِكَ هَلْ تَرى ؟ فَيَكُونُ مُعَلَّقًا. ثُمَّ ارْجِعِ البَصَرَ أيْ: رَدِّدْهُ كَرَّتَيْنِ هي تَثْنِيَةٌ لا شَفْعُ الواحِدِ، بَلْ يُرادُ بِها التَّكْرارُ، كَأنَّهُ قالَ: كَرَّةً بَعْدَ كَرَّةٍ، أيْ كَرّاتٍ كَثِيرَةً، كَقَوْلِهِ: لَبَّيْكَ، يُرِيدُ إجاباتٍ كَثِيرَةً بَعْضُها في إثْرِ بَعْضٍ، وأُرِيدَ بِالتَّثْنِيَةِ التَّكْثِيرُ، كَما أُرِيدَ بِما هو أصْلٌ لَها التَّكْثِيرُ، وهو مُفْرَدٌ عُطِفَ عَلى مُفْرَدٍ، نَحْوَ قَوْلِهِ:
؎لَوْ عُدَّ قَبْرٌ وقَبْرٌ كانَ أكْرَمَهم ∗∗∗ بَيْتًا وأبْعَدَهم عَنْ مَنزِلِ الزّامِّ
(p-٢٩٩)يُرِيدُ: لَوْ عُدَّتْ قُبُورٌ كَثِيرَةٌ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ وغَيْرُهُ: (كَرَّتَيْنِ) مَعْناهُ مَرَّتَيْنِ، ونَصَبَها عَلى المَصْدَرِ. وقِيلَ: أمَرَ بِرَجْعِ البَصَرِ إلى السَّماءِ مَرَّتَيْنِ، غَلَّطَ في الأُولى، فَيَسْتَدْرِكُ بِالثّانِيَةِ. وقِيلَ: الأُولى لِيَرى حُسْنَها واسْتِواءَها، والثّانِيَةُ لِيُبْصِرَ كَواكِبَها في سَيْرِها وانْتِهائِها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يَنْقَلِبْ) جَزْمًا عَلى جَوابِ الأمْرِ. والخُوارَزْمِيُّ عَنِ الكِسائِيِّ: يَرْفَعُ الباءَ، أيْ: فَيَنْقَلِبْ عَلى حَذْفِ الفاءِ، أوْ عَلى أنَّهُ مَوْضِعُ حالٍ مُقَدَّرَةٍ، أيْ: إنْ رَجَعْتَ البَصَرَ وكَرَّرْتَ النَّظَرَ؛ لِتَطْلُبَ فُطُورَ شُقُوقٍ أوْ خَلَلًا أوْ عَيْبًا، رَجَعَ إلَيْكَ مُبْعَدًا عَمّا طَلَبْتَهُ لِانْتِفاءِ ذَلِكَ عَنْها، وهو كالٌّ مِن كَثْرَةِ النَّظَرِ، وكَلالُهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالكَرَّتَيْنِ لَيْسَ شَفْعَ الواحِدِ؛ لِأنَّهُ لا يَكِلُّ البَصَرُ بِالنَّظَرِ مَرَّتَيْنِ اثْنَتَيْنِ. والحَسِيرُ: الكالُّ، قالَ الشّاعِرُ:
؎لَهُنَّ الوَجى لَمْ كُنَّ عَوْنًا عَلى النَّوى ∗∗∗ ولا زالَ مِنها ظالِعٌ وحَسِيرُ
يُقالُ: حَسَرَ بَعِيرُهُ يَحْسِرُ حُسُورًا أيْ: كَلَّ وانْقَطَعَ فَهو حَسِيرٌ ومَحْسُورٌ، قالَ الشّاعِرُ يَصِفُ ناقَةً:
؎فَشَطْرُها نَظَرَ العَيْنَيْنِ مَحْسُورُ
أيْ: ونَحْرُها، وقَدْ جُمِعَ حَسِيرٌ بِمَعْنى أعْيا وكَلَّ، قالَ الشّاعِرُ:
؎بِها جِيَفُ الحَسْرى فَأمّا عِظامُها
البَيْتَ.
السَّماءَ الدُّنْيا هي الَّتِي نُشاهِدُها، والدُّنُوُّ أمْرٌ نِسْبِيٌّ وإلّا فَلَيْسَتْ قَرِيبَةً. (بِمَصابِيحَ) أيْ: بِنُجُومٍ مُضِيئَةٍ كالمَصابِيحِ، ومَصابِيحُ مُطْلَقُ الأعْلامِ، فَلا يَدُلُّ عَلى أنَّ غَيْرَ سَماءِ الدُّنْيا لَيْسَتْ فِيها مَصابِيحُ. وجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ أيْ: جَعَلْنا مِنها؛ لِأنَّ السَّماءَ ذاتَها لَيْسَتْ يُرْجَمُ بِها الرُّجُومُ هَذا إنْ عادَ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: (وجَعَلْناها) عَلى السَّماءِ. والظّاهِرُ عَوْدُهُ عَلى مَصابِيحَ. ونَسَبَ الرَّجْمَ إلَيْها؛ لِأنَّ الشِّهابَ المُتَّبِعَ لِلْمُسْتَرِقِ مُنْفَصِلٌ مِن نارِها، والكَواكِبُ قارٌّ في مُلْكِهِ عَلى حالِهِ. فالشِّهابُ كَقَبَسٍ يُؤْخَذُ مِنَ النّارِ، والنّارُ باقِيَةٌ لا تَنْقُصُ. والظّاهِرُ أنَّ الشَّياطِينَ هم مُسْتَرِقُو السَّمْعِ، وأنَّ الرَّجْمَ هو حَقِيقَةٌ يُرْمَوْنَ بِالشُّهُبِ، كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ الحِجْرِ وسُورَةِ والصّافّاتِ. وقِيلَ: مَعْنى (رُجُومًا): (ظُنُونًا) لِشَياطِينِ الإنْسِ، وهُمُ المُنَجِّمُونَ يَنْسُبُونَ إلى النُّجُومِ أشْياءَ عَلى جِهَةِ الظَّنِّ مِن جُهّالِهِمْ، والتَّمْوِيهِ والِاخْتِلاقِ مِن أزْكِيائِهِمْ، ولَهم في ذَلِكَ تَصانِيفُ تَشْتَمِلُ عَلى خُرافاتٍ يُمَوِّهُونَ بِها عَلى المُلُوكِ وضُعَفاءِ العُقُولِ، ويَعْمَلُونَ مَوالِدَ يَحْكُمُونَ فِيها بِالأشْياءِ لا يَصِحُّ مِنها شَيْءٌ. وقَدْ وقَفْنا عَلى أشْياءَ مِن كَذِبِهِمْ في تِلْكَ المَوالِدِ، وما يَحْكُونَهُ عَنْ أبِي مَعْشَرٍ وغَيْرِهِ مِن شُيُوخِ السُّوءِ كَذِبٌ يُغْرُونَ بِهِ النّاسَ الجُهّالَ. وقالَ قَتادَةُ: خَلَقَ اللَّهُ - تَعالى - النُّجُومَ زِينَةً لِلسَّماءِ ورُجُومًا لِلشَّياطِينِ، ولِيُهْتَدى بِها في البَرِّ والبَحْرِ. فَمَن قالَ غَيْرَ هَذِهِ الخِصالِ الثَّلاثِ فَقَدْ تَكَلَّفَ وأذْهَبَ حَظَّهُ مِنَ الآخِرَةِ. والضَّمِيرُ في ”لَهم“ عائِدٌ عَلى الشَّياطِينِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: عَذابُ جَهَنَّمَ بِرَفْعِ الباءِ. والضَّحّاكُ والأعْرَجُ وأُسَيْدُ بْنُ أُسَيْدٍ المُزَنِيُّ، والحَسَنُ في رِوايَةِ هارُونَ عَنْهُ: بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى عَذابَ السَّعِيرِ أيْ: وأعْتَدْنا لِلَّذِينَ كَفَرُوا عَذابَ جَهَنَّمَ. إذا أُلْقُوا فِيها أيْ: طُرِحُوا، كَما يُطْرَحُ الحَطَبُ في النّارِ العَظِيمَةِ ويُرْمى بِهِ، ومِثْلُهُ ”حَصَبُ جَهَنَّمَ“ سَمِعُوا لَها أيْ: لِجَهَنَّمَ (شَهِيقًا) أيْ: صَوْتًا مُنْكَرًا كَصَوْتِ الحِمارِ، تُصَوِّتُ مِثْلَ ذَلِكَ لِشِدَّةِ تَوَقُّدِها وغَلَيانِها. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: سَمِعُوا لِأهْلِها، كَما قالَ تَعالى: ﴿لَهم فِيها زَفِيرٌ وشَهِيقٌ﴾ [هود: ١٠٦] . وهي تَفُورُ تَغْلِي بِهِمْ غَلْيَ المِرْجَلِ. تَكادُ تَمَيَّزُ أيْ: يَنْفَصِلُ بَعْضُها مِن بَعْضٍ لِشِدَّةِ اضْطِرابِها، ويُقالُ: فُلانٌ يَتَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ إذا وصَفُوهُ بِالإفْراطِ في الغَضَبِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (تَمَيَّزُ) بِتاءٍ واحِدَةٍ خَفِيفَةٍ، والبَزِّيُّ يُشَدِّدُها، وطَلْحَةُ: بِتاءَيْنِ، وأبُو عَمْرٍو: بِإدْغامِ الدّالِ في التّاءِ، والضَّحّاكُ: تَمايَزُ عَلى وزْنِ تَفاعَلُ، وأصْلُهُ تَتَمايَزُ بِتاءَيْنِ. وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: تَمِيزُ مِن مازَ مِنَ الغَيْظِ عَلى الكَفَرَةِ، جُعِلَتْ كالمُغْتاظَةِ عَلَيْهِمْ لِشِدَّةِ غَلَيانِها بِهِمْ، ومِثْلُ هَذا في التَّجَوُّزِ قَوْلُ الشّاعِرِ في كَلْبٍ:
؎يَشْتَدُّ في جَرْيِهِ يَكادُ ∗∗∗ أنْ يَخْرُجَ مِن إهابِهِ
(p-٣٠٠)وقَوْلُهم: غَضِبَ فُلانٌ، فَطارَتْ مِنهُ شُقَّةٌ في الأرْضِ وشُقَّةٌ في السَّماءِ إذا أفْرَطَ في الغَضَبِ. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ مِن غَيْظِ الزَّبانِيَةِ. كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ أيْ: فَرِيقٌ مِنَ الكُفّارِ سَألَهم خَزَنَتُها سُؤالَ تَوْبِيخٍ وتَقْرِيعٍ، وهو مِمّا يَزِيدُهم عَذابًا إلى عَذابِهِمْ، وخَزَنَتُها: مالِكٌ وأعْوانُهُ ألَمْ يَأْتِكم نَذِيرٌ يُنْذِرُكم بِهَذا اليَوْمِ قالُوا بَلى اعْتِرافٌ بِمَجِيءِ النُّذُرِ إلَيْهِمْ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: اعْتِرافٌ مِنهم بِعَدْلِ اللَّهِ، وإقْرارٌ بِأنَّهُ - عَزَّ وعَلا - أزاحَ عِلَلَهم بِبِعْثِهِ الرُّسُلَ وإنْذارِهم فِيما وقَعُوا فِيهِ، وأنَّهم لَمْ يُؤْتَوْا مِن قُدْرَةٍ كَما تَزْعُمُ المُجْبِرَةُ، وإنَّما أتَوْا مِن قِبَلِ أنْفُسِهِمْ واخْتِيارِهِمْ، خِلافَ ما اخْتارَ اللَّهُ وأمَرَ بِهِ وأوْعَدَ عَلى ضِدِّهِ. انْتَهى، وهو عَلى طَرِيقِ المُعْتَزِلَةِ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنْ أنْتُمْ إلّا في ضَلالٍ كَبِيرٍ﴾ مِن قَوْلِ الكُفّارِ لِلرُّسُلِ الَّذِينَ جاءُوا نُذُرًا إلَيْهِمْ، أنْكَرُوا أوَّلًا أنَّ اللَّهَ نَزَّلَ شَيْئًا، واسْتَجْهَلُوا ثانِيًا مَن أخْبَرَ بِأنَّهُ - تَعالى - أرْسَلَ إلَيْهِمُ الرُّسُلَ، وأنَّ قائِلَ ذَلِكَ في حَيْرَةٍ عَظِيمَةٍ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِ الخَزَنَةِ لِلْكُفّارِ إخْبارًا لَهم وتَقْرِيعًا بِما كانُوا عَلَيْهِ في الدُّنْيا. أرادُوا بِالضَّلالِ الهَلاكَ الَّذِي هم فِيهِ، أوْ سَمَّوْا عِقابَ الضَّلالِ ضَلالًا لَمّا كانَ ناشِئًا عَنِ الضَّلالِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ مِن كَلامِ الرُّسُلِ لَهم حَكَوْهُ لِلْخَزَنَةِ، أيْ: قالُوا لَنا هَذا فَلَمْ نَقْبَلْهُ. انْتَهى. فَإنْ كانَ الخِطابُ في إنْ أنْتُمْ لِلرُّسُلِ، فَقَدْ يُرادُ بِهِ الجِنْسُ، ولِذَلِكَ جاءَ الخِطابُ بِالجَمْعِ. (وقالُوا) أيْ: لِلْخَزَنَةِ حِينَ حاوَرُوهم لَوْ كُنّا نَسْمَعُ سَماعَ طالِبٍ لِلْحَقِّ أوْ نَعْقِلُ عَقْلَ مُتَأمِّلٍ لَهُ، لَمْ نَسْتَوْجِبِ الخُلُودَ في النّارِ. فاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ أيْ: بِتَكْذِيبِ الرُّسُلِ (فَسُحْقًا) أيْ: فَبُعْدًا لَهم، وهو دُعاءٌ عَلَيْهِمْ، والسُّحْقُ: البُعْدُ، وانْتِصابُهُ عَلى المَصْدَرِ أيْ: سَحَقَهُمُ اللَّهُ سُحْقًا، قالَ الشّاعِرُ:
؎يَجُولُ بِأطْرافِ البِلادِ مُغَرِّبًا ∗∗∗ وتَسْحَقُهُ رِيحُ الصَّبا كُلَّ مَسْحَقِ
والفِعْلُ مِنهُ ثُلاثِيٌّ. وقالَ الزَّجّاجُ: أيْ: أسْحَقُهُمُ اللَّهُ سُحْقًا، أيْ: باعَدَهم بُعْدًا. وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: القِياسُ إسْحاقًا، فَجاءَ المَصْدَرُ عَلى الحَذْفِ، كَما قِيلَ:
وإنْ أهْلِكْ فَذَلِكَ كانَ قَدَرِي
أيْ تَقْدِيرِي. انْتَهى، ولا يَحْتاجُ إلى ادِّعاءِ الحَذْفِ في المَصْدَرِ؛ لِأنَّ فِعْلَهُ قَدْ جاءَ ثُلاثِيًّا، كَما أنْشَدَ:
؎وتَسْحَقُهُ رِيحُ الصَّبا كُلَّ مَسْحَقِ
وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِسُكُونِ الحاءِ. وعَلِيٌّ وأبُو جَعْفَرٍ والكِسائِيُّ، بِخِلافٍ عَنْ أبِي الحَرْثِ عَنْهُ: بِضَمِّها. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: (فَسُحْقًا) نَصْبًا عَلى جِهَةِ الدُّعاءِ عَلَيْهِمْ، وجازَ ذَلِكَ فِيهِ، وهو مِن قِبَلِ اللَّهِ - تَعالى - مِن حَيْثُ هَذا القَوْلِ فِيهِمْ مُسْتَقِرٌّ أوَّلًا، ووُجُودُهُ لَمْ يَقَعْ إلّا في الآخِرَةِ، فَكَأنَّهُ لِذَلِكَ في حَيِّزِ المُتَوَقَّعِ الَّذِي يُدْعى بِهِ، كَما تَقُولُ: سُحْقًا لِزَيْدٍ وبُعْدًا، والنَّصْبُ في هَذا كُلِّهِ بِإضْمارِ فِعْلٍ، وإنْ وقَعَ وثَبَتَ، فالوَجْهُ فِيهِ الرَّفْعُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ويْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ [المطففين: ١] وسَلامٌ عَلَيْكم وغَيْرُ هَذا مِنَ الأمْثِلَةِ. انْتَهى. يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ أيِ: الَّذِي أُخْبِرُوا بِهِ مِن أمْرِ المَعادِ وأحْوالِهِ، أوْ غائِبِينَ عَنْ أعْيُنِ النّاسِ، أيْ في خَلَواتِهِمْ، كَقَوْلِهِ: «ورَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خالِيًا، فَفاضَتْ عَيْناهُ» . وأسِرُّوا قَوْلَكم خِطابٌ لِجَمِيعِ الخَلْقِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وسَبَبُهُ أنَّ بَعْضَ المُشْرِكِينَ قالَ لِبَعْضٍ: أسِرُّوا قَوْلَكم لا يَسْمَعُكم إلَهُ مُحَمَّدٍ. ألا يَعْلَمُ مَن خَلَقَ الهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهامِ و”لا“ لِلنَّفْيِ، والظّاهِرُ أنَّ ”مَن“ مَفْعُولٌ، والمَعْنى أيَنْتَفِي عِلْمُهُ بِمَن خَلَقَ، وهو الَّذِي لَطُفَ عِلْمُهُ ودَقَّ وأحاطَ بِخَفِيّاتِ الأُمُورِ وجَلِيّاتِها ؟ وأجازَ بَعْضُ النُّحاةِ أنْ يَكُونَ ”مَن“ فاعِلًا، والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، كَأنَّهُ قالَ: ألا يَعْلَمُ الخالِقُ سِرَّكم وجَهْرَكم ؟ وهو اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ الإنْكارُ، أيْ: كَيْفَ لا يَعْلَمُ ما تَكَلَّمَ بِهِ مِن خَلْقِ الأشْياءِ، وأوْجَدَها مِنَ العَدَمِ الصِّرْفِ، وحالُهُ أنَّهُ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ المُتَوَصِّلُ عِلْمُهُ إلى ما ظَهَرَ مِن خَلْقِهِ وما بَطَنَ ؟
﴿هو الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ ذَلُولًا﴾ مِنَّةٌ مِنهُ - تَعالى - بِذَلِكَ، والذَّلُولُ فَعُولٌ لِلْمُبالِغَةِ، مِن ذَلِكَ تَقُولُ: دابَّةٌ ذَلُولٌ بَيِّنَةُ الذُّلِّ، ورَجُلٌ ذَلِيلٌ: بَيِّنُ الذُّلِّ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والذَّلُولُ فَعُولٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، أيْ: مَذْلُولَةٌ، فَهي كَرَكُوبٍ وحَلُوبٍ. انْتَهى. ولَيْسَ بِمَعْنى مَفْعُولٍ؛ لِأنَّ فِعْلَهُ قاصِرٌ، وإنَّما تَعَدّى (p-٣٠١)بِالهَمْزَةِ كَقَوْلِهِ: وتُذِلُّ مَن تَشاءُ وإمّا بِالتَّضْعِيفِ لِقَوْلِهِ: وذَلَّلْناها لَهم وقَوْلُهُ أيْ: مَذْلُولَةٌ يَظْهَرُ أنَّهُ خَطَأٌ. فامْشُوا في مَناكِبِها أمَرَ بِالتَّصَرُّفِ فِيها والِاكْتِسابِ. ومَناكِبُها، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ وبِشْرُ بْنُ كَعْبٍ: أطْرافُها، وهي الجِبالُ. وقالَ الفَرّاءُ والكَلْبِيُّ ومُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ: جَوانِبُها، ومَنكِبا الرَّجُلِ: جانِباهُ. وقالَ الحَسَنُ والسُّدِّيُّ: طَرَفُها وفِجاجُها. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والمَشْيُ في مَناكِبِها مَثَلٌ لِفَرْطِ التَّذْلِيلِ ومُجاوَزَتِهِ الغايَةَ؛ لِأنَّ المَنكِبَيْنِ ومُلْتَقاهُما مِنَ الغارِبِ أرَقُّ شَيْءٍ مِنَ البَعِيرِ، وأنْبَأهُ عَنْ أنْ يَطَأهُ الرّاكِبُ بِقَدَمِهِ ويَعْتَمِدَ عَلَيْهِ، فَإذا جَعَلَها في الذُّلِّ بِحَيْثُ يَمْشِي في مَناكِبِها لَمْ يَنْزِلْ. انْتَهى. وقالَ الزَّجّاجُ: سَهَّلَ لَكُمُ السُّلُوكَ في جِبالِها فَهو أبْلَغُ التَّذْلِيلِ. وإلَيْهِ النُّشُورُ أيْ: البَعْثُ، فَيَسْألُكم عَنْ شُكْرِ هَذِهِ النِّعْمَةِ عَلَيْكم.
الملك 67:9
(سُورَةُ المُلْكِ مَكِّيَّةٌ وهي ثَلاثُونَ آيَةً)
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)
﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ والحَياةَ لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا وهو العَزِيزُ الغَفُورُ﴾ ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا ما تَرى في خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفاوُتٍ فارْجِعِ البَصَرَ هَلْ تَرى مِن فُطُورٍ﴾ ﴿ثُمَّ ارْجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إلَيْكَ البَصَرُ خاسِئًا وهو حَسِيرٌ﴾ ﴿ولَقَدْ زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ وأعْتَدْنا لَهم عَذابَ السَّعِيرِ﴾ ﴿ولِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ ﴿إذا أُلْقُوا فِيها سَمِعُوا لَها شَهِيقًا وهي تَفُورُ﴾ ﴿تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَألَهم خَزَنَتُها ألَمْ يَأْتِكم نَذِيرٌ﴾ ﴿قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا وقُلْنا ما نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ إنْ أنْتُمْ إلّا في ضَلالٍ كَبِيرٍ﴾ ﴿وقالُوا لَوْ كُنّا نَسْمَعُ أوْ نَعْقِلُ ما كُنّا في أصْحابِ السَّعِيرِ﴾ ﴿فاعْتَرِفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأصْحابِ السَّعِيرِ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ كَبِيرٌ﴾ ﴿وأسِرُّوا قَوْلَكم أوِ اجْهُرُوا بِهِ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ ﴿ألا يَعْلَمُ مَن خَلَقَ وهو اللَّطِيفُ الخَبِيرُ﴾ ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ ذَلُولًا فامْشُوا في مَناكِبِها وكُلُوا مِن رِزْقِهِ وإلَيْهِ النُّشُورُ﴾ .
(p-٢٩٧)هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ. ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها، أنَّهُ لَمّا ضُرِبَ لِلْكَفّارِ بِتَيْنِكَ المَرْأتَيْنِ المَحْتُومِ لَهُما بِالشَّقاوَةِ، وإنْ كانَتا تَحْتَ نَبِيِّينَ، ومَثَلًا لِلْمُؤْمِنِينَ بِـ آسِيَةَ ومَرْيَمَ، وهُما مَحْتُومٌ لَهُما بِالجَنَّةِ، وإنْ كانَ قَوْماهُما كافِرِينَ. كانَ ذَلِكَ تَصَرُّفًا في مُلْكِهِ عَلى ما سَبَقَ قَضاؤُهُ، فَقالَ: (تَبارَكَ) أيْ: تَعالى وتَعاظَمَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكِ وهو كِنايَةٌ عَنِ الإحاطَةِ والقَهْرِ، وكَثِيرًا ما جاءَ نِسْبَةُ اليَدِ إلَيْهِ - تَعالى - كَقَوْلِهِ: ﴿فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [يس: ٨٣] بِيَدِكَ الخَيْرُ وذَلِكَ في حَقِّهِ - تَعالى - اسْتِعارَةٌ لِتَحْقِيقِ المُلْكِ، إذْ كانَتْ في عُرْفِ الآدَمِيِّينَ آلَةً لِلتَّمَلُّكِ، والمُلْكُ هُنا هو عَلى الإطْلاقِ لا يَبِيدُ ولا يَخْتَلُّ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: مَلِكُ المُلُوكِ لِقَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ المُلْكِ﴾ [آل عمران: ٢٦] وناسَبَ المُلْكَ ذِكْرُ وصْفِ القُدْرَةِ والحَياةِ ما يَصِحُّ بِوُجُودِهِ الإحْساسُ. ومَعْنى خَلَقَ المَوْتَ إيجادُ ذَلِكَ المُصَحِّحِ وإعْدامُهُ، والمَعْنى: خَلَقَ مَوْتَكم وحَياتَكم أيُّها المُكَلَّفُونَ، وسَمّى عِلْمَ الواقِعِ مِنهم بِاخْتِيارِهِمْ بَلْوى وهي الحَيْرَةُ، اسْتِعارَةً مِن فِعْلِ المُخْتَبِرِ. وفي الحَدِيثِ أنَّهُ فَسَّرَ أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا أيْ: أحْسَنُ عَقْلًا وأشَدُّكم خَوْفًا وأحْسَنُكم في أمْرِهِ ونَهْيِهِ نَظَرًا، وإنْ كانَ أقَلَّكم تَطَوُّعًا. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ والثَّوْرِيِّ: أزْهَدُكم في الدُّنْيا. وقِيلَ: كَنّى بِالمَوْتِ عَنِ الدُّنْيا، إذْ هو واقِعٌ فِيها، وعَنِ الآخِرَةِ بِالحَياةِ مِن حَيْثُ لا مَوْتَ فِيها، فَكَأنَّهُ قالَ: هو الَّذِي خَلَقَ الدُّنْيا والآخِرَةَ، وصَفَهُما بِالمَصْدَرَيْنِ، وقَدَّمَ المَوْتَ لِأنَّهُ أهْيَبُ في النُّفُوسِ. و(لِيَبْلُوَكم) مُتَعَلِّقٌ بِـ (خَلَقَ) وأيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، فَقَدَّرَ الحَوْفِيُّ قَبْلَها فِعْلًا تَكُونُ الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ مَعْمُولِهِ، وهو مُعَلَّقٌ عَنْها، تَقْدِيرُهُ: فَيَنْظُرُ، وقَدَّرَ ابْنُ عَطِيَّةَ فَيَنْظُرُ أوْ فَيَعْلَمُ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ) مِن أيْنَ تَعَلَّقَ قَوْلُهُ: أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا بِفِعْلِ البَلْوى ؟ (قُلْتُ): مِن حَيْثُ إنَّهُ تَضَمَّنَ مَعْنى العِلْمِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: لِيَعْلَمَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا، وإذا قُلْتَ: عَلِمْتُهُ أزَيْدٌ أحْسَنُ عَمَلًا أمْ هو ؟ كانَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ واقِعَةً مَوْقِعَ الثّانِي مِن مَفْعُولَيْهِ، كَما تَقُولُ: عَلِمْتُهُ هو أحْسَنُ عَمَلًا. (فَإنْ قُلْتَ) أيُسَمّى هَذا تَعْلِيقًا ؟ (قُلْتُ): لا، إنَّما التَّعْلِيقُ أنْ تُوقِعَ بَعْدَهُ ما يَسُدُّ مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ جَمِيعًا، كَقَوْلِكَ: عَلِمْتُ أيُّهُما عَمْرٌو، وعَلِمْتُ أزَيْدٌ مُنْطَلِقٌ. ألا تَرى أنَّهُ لا فَصْلَ بَعْدَ سَبْقِ أحَدِ المَفْعُولَيْنِ بَيْنَ أنْ يَقَعَ ما بَعْدَهُ مُصَدَّرًا بِحَرْفِ الِاسْتِفْهامِ وغَيْرَ مُصَدَّرٍ بِهِ ؟ ولَوْ كانَ تَعْلِيقًا لافْتَرَقَتِ الحالَتانِ، كَما افْتَرَقَتا في قَوْلِكَ: عَلِمْتُ أزَيْدٌ مُنْطَلِقٌ، وعَلِمْتُ زَيْدًا مُنْطَلِقًا. انْتَهى. وأصْحابُنا يُسَمُّونَ ما مَنَعَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ تَعْلِيقًا، فَيَقُولُونَ في الفِعْلِ إذا عُدِّيَ إلى اثْنَيْنِ (p-٢٩٨)ونُصِبَ الأوَّلُ وجاءَتْ بَعْدَهُ جُمْلَةٌ اسْتِفْهامِيَّةٌ، أوْ بِلامِ الِابْتِداءِ، أوْ بِحَرْفِ نَفْيٍ، كانَتِ الجُمْلَةُ مُعَلَّقًا عَنْها الفِعْلُ، وكانَتْ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، كَما لَوْ وقَعَتْ في مَوْضِعِ المَفْعُولَيْنِ وفِيها ما يُعَلِّقُ الفِعْلَ عَنِ العَمَلِ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مِثْلِ هَذِهِ الجُمْلَةِ في الكَهْفِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِنَبْلُوَهم أيُّهم أحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٧] .
وانْتَصَبَ (طِباقًا) عَلى الوَصْفِ لِـ ”سَبْعَ“، فَإمّا أنْ يَكُونَ مَصْدَرَ طابَقَ مُطابَقَةً وطِباقًا لِقَوْلِهِمْ: النَّعْلُ خَصْفُها طَبَقًا عَلى طَبَقٍ، وُصِفَ بِهِ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ، أوْ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ ذا طِباقٍ، وإمّا جَمْعُ طَبَقٍ كَجَمَلٍ وجِمالٍ، أوْ جَمْعُ طَبَقَةٍ كَرَحَبَةٍ ورِحابٍ، والمَعْنى: بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ. وما ذُكِرَ مِن مَوادِّ هَذِهِ السَّماواتِ. فالأُولى مِن مَوْجٍ مَكْفُوفٍ، والثّانِيَةُ مِن دُرَّةٍ بَيْضاءَ، والثّالِثَةُ مِن حَدِيدٍ، والرّابِعَةُ مِن نُحاسٍ، والخامِسَةُ مِن فِضَّةٍ، والسّادِسَةُ مِن ذَهَبٍ، والسّابِعَةُ مِن زُمُرُّدَةٍ بَيْضاءَ - يَحْتاجُ إلى نَقْلٍ صَحِيحٍ، وقَدْ كانَ بَعْضُ مَن يَنْتَمِي إلى الصَّلاحِ، وكانَ أعْمى لا يُبْصِرُ مَوْضِعَ قَدَمِهِ، يُخْبِرُ أنَّهُ يُشاهِدُ السَّماواتِ عَلى بَعْضِ أوْصافٍ مِمّا ذَكَرْنا.
مِن تَفاوُتٍ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مِن تَفَرُّقٍ. وقالَ السُّدِّيُّ: مِن عَيْبٍ. وقالَ عَطاءُ بْنُ يَسارٍ: مِن عَدَمِ اسْتِواءٍ. وقالَ ثَعْلَبٌ: أصْلُهُ مِنَ الفَوْتِ، وهو أنْ يَفُوتَ شَيْءٌ شَيْئًا مِنَ الخَلَلِ. وقِيلَ: مِنِ اضْطِرابٍ. وقِيلَ: مِنِ اعْوِجاجٍ. وقِيلَ: مِن تَناقُضٍ. وقِيلَ: مِنِ اخْتِلافٍ. وقِيلَ: مِن عَدَمِ التَّناسُبِ. والتَّفاوُتُ: تَجاوُزُ الحَدِّ الَّذِي تَجِبُ لَهُ زِيادَةٌ أوْ نَقْصٌ. قالَ بَعْضُ الأُدَباءِ:
؎تَناسَبَتِ الأعْضاءُ فِيهِ فَلا تَرى بِهِنَّ اخْتِلافًا بَلْ أتَيْنَ عَلى قَدَرِ
وقَرَأ الجُمْهُورُ: مِن تَفاوُتٍ بِألِفٍ مَصْدَرُ تَفاوَتَ. وعَبْدُ اللَّهِ وعَلْقَمَةُ والأسْوَدُ، وابْنُ جُبَيْرٍ وطَلْحَةُ والأعْمَشُ بِشَدِّ الواوِ، مَصْدَرُ تَفَوَّتَ. وحَكى أبُو زَيْدِ بْنُ العَرَبِيِّ: (تَفاوُتًا) بِضَمِّ الواوِ وفَتْحِها وكَسْرِها، والفَتْحُ والكَسْرُ شاذّانِ. والظّاهِرُ عُمُومُ خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنَ الأفْلاكِ وغَيْرِها، فَإنَّهُ لا تَفَوُّتَ فِيهِ ولا فُطُورَ، بَلْ كُلٌّ جارٍ عَلى الإتْقانِ. وقِيلَ: المُرادُ في خَلْقِ الرَّحْمَنِ السَّماواتُ فَقَطْ، والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ما تَرى اسْتِئْنافُ أنَّهُ لا يُدْرَكُ في خَلْقِهِ تَعالى تَفاوُتٌ، وجَعَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ هَذِهِ الجُمْلَةَ صِفَةَ مُتابَعَةٍ لِقَوْلِهِ: (طِباقًا) أصْلُها ما تَرى فِيهِنَّ مِن تَفاوُتٍ، فَوَضَعَ مَكانَ الضَّمِيرِ قَوْلَهُ: خَلْقِ الرَّحْمَنِ تَعْظِيمًا لِخَلْقِهِنَّ وتَنْبِيهًا عَلى سَبَبِ سَلامَتِهِنَّ مِنَ التَّفاوُتِ، وهو أنَّهُ خَلْقُ الرَّحْمَنِ، وأنَّهُ بِباهِرِ قُدْرَتِهِ هو الَّذِي يَخْلُقُ مِثْلَ ذَلِكَ الخَلْقِ المُناسِبِ. انْتَهى. والخِطابُ في (تَرى) لِكُلِّ مُخاطَبٍ، أوْ لِلرَّسُولِ، ﷺ . ولَمّا أخْبَرَ - تَعالى - أنَّهُ لا تَفاوُتَ في خَلْقِهِ، أمَرَ بِتَرْدِيدِ البَصَرِ في الخَلْقِ المُناسِبِ، فَقالَ: (فارْجِعْ) فَفي الفاءِ مَعْنى التَّسَبُّبِ، والمَعْنى: أنَّ العِيانَ يُطابِقُ الخَبَرَ.
و(الفُطُورُ) قالَ مُجاهِدٌ: الشُّقُوقُ. فَطَرَ نابُ البَعِيرِ: شَقَّ اللَّحْمَ وظَهَرَ، قالَ الشّاعِرُ:
؎بَنى لَكم بِلا عُمُدٍ سَماءً ∗∗∗ وسَوّاها فَما فِيها فُطُورُ
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: صُدُوعٌ، وأنْشَدَ قَوْلَ عُبَيْدِ بْنِ مَسْعُودٍ:
؎شَقَقْتُ القَلْبَ ثُمَّ رَدَدْتُ فِيهِ ∗∗∗ هَواكِ فَلِيطَ فالتَأمَ الفُطُورُ
وقالَ السُّدِّيُّ: خُرُوقٌ. وقالَ قَتادَةُ: خَلَلٌ، ومِنهُ التَّفْطِيرُ والِانْفِطارُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وهَنٌ. وهَذِهِ تَفاسِيرٌ مُتَقارِبَةٌ.
والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: ﴿هَلْ تَرى مِن فُطُورٍ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِفِعْلٍ مُعَلَّقٍ مَحْذُوفٍ، أيْ فانْظُرْ هَلْ تَرى، أوْ ضُمِّنَ مَعْنى فارْجِعِ البَصَرَ مَعْنى فانْظُرْ بِبَصَرِكَ هَلْ تَرى ؟ فَيَكُونُ مُعَلَّقًا. ثُمَّ ارْجِعِ البَصَرَ أيْ: رَدِّدْهُ كَرَّتَيْنِ هي تَثْنِيَةٌ لا شَفْعُ الواحِدِ، بَلْ يُرادُ بِها التَّكْرارُ، كَأنَّهُ قالَ: كَرَّةً بَعْدَ كَرَّةٍ، أيْ كَرّاتٍ كَثِيرَةً، كَقَوْلِهِ: لَبَّيْكَ، يُرِيدُ إجاباتٍ كَثِيرَةً بَعْضُها في إثْرِ بَعْضٍ، وأُرِيدَ بِالتَّثْنِيَةِ التَّكْثِيرُ، كَما أُرِيدَ بِما هو أصْلٌ لَها التَّكْثِيرُ، وهو مُفْرَدٌ عُطِفَ عَلى مُفْرَدٍ، نَحْوَ قَوْلِهِ:
؎لَوْ عُدَّ قَبْرٌ وقَبْرٌ كانَ أكْرَمَهم ∗∗∗ بَيْتًا وأبْعَدَهم عَنْ مَنزِلِ الزّامِّ
(p-٢٩٩)يُرِيدُ: لَوْ عُدَّتْ قُبُورٌ كَثِيرَةٌ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ وغَيْرُهُ: (كَرَّتَيْنِ) مَعْناهُ مَرَّتَيْنِ، ونَصَبَها عَلى المَصْدَرِ. وقِيلَ: أمَرَ بِرَجْعِ البَصَرِ إلى السَّماءِ مَرَّتَيْنِ، غَلَّطَ في الأُولى، فَيَسْتَدْرِكُ بِالثّانِيَةِ. وقِيلَ: الأُولى لِيَرى حُسْنَها واسْتِواءَها، والثّانِيَةُ لِيُبْصِرَ كَواكِبَها في سَيْرِها وانْتِهائِها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يَنْقَلِبْ) جَزْمًا عَلى جَوابِ الأمْرِ. والخُوارَزْمِيُّ عَنِ الكِسائِيِّ: يَرْفَعُ الباءَ، أيْ: فَيَنْقَلِبْ عَلى حَذْفِ الفاءِ، أوْ عَلى أنَّهُ مَوْضِعُ حالٍ مُقَدَّرَةٍ، أيْ: إنْ رَجَعْتَ البَصَرَ وكَرَّرْتَ النَّظَرَ؛ لِتَطْلُبَ فُطُورَ شُقُوقٍ أوْ خَلَلًا أوْ عَيْبًا، رَجَعَ إلَيْكَ مُبْعَدًا عَمّا طَلَبْتَهُ لِانْتِفاءِ ذَلِكَ عَنْها، وهو كالٌّ مِن كَثْرَةِ النَّظَرِ، وكَلالُهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالكَرَّتَيْنِ لَيْسَ شَفْعَ الواحِدِ؛ لِأنَّهُ لا يَكِلُّ البَصَرُ بِالنَّظَرِ مَرَّتَيْنِ اثْنَتَيْنِ. والحَسِيرُ: الكالُّ، قالَ الشّاعِرُ:
؎لَهُنَّ الوَجى لَمْ كُنَّ عَوْنًا عَلى النَّوى ∗∗∗ ولا زالَ مِنها ظالِعٌ وحَسِيرُ
يُقالُ: حَسَرَ بَعِيرُهُ يَحْسِرُ حُسُورًا أيْ: كَلَّ وانْقَطَعَ فَهو حَسِيرٌ ومَحْسُورٌ، قالَ الشّاعِرُ يَصِفُ ناقَةً:
؎فَشَطْرُها نَظَرَ العَيْنَيْنِ مَحْسُورُ
أيْ: ونَحْرُها، وقَدْ جُمِعَ حَسِيرٌ بِمَعْنى أعْيا وكَلَّ، قالَ الشّاعِرُ:
؎بِها جِيَفُ الحَسْرى فَأمّا عِظامُها
البَيْتَ.
السَّماءَ الدُّنْيا هي الَّتِي نُشاهِدُها، والدُّنُوُّ أمْرٌ نِسْبِيٌّ وإلّا فَلَيْسَتْ قَرِيبَةً. (بِمَصابِيحَ) أيْ: بِنُجُومٍ مُضِيئَةٍ كالمَصابِيحِ، ومَصابِيحُ مُطْلَقُ الأعْلامِ، فَلا يَدُلُّ عَلى أنَّ غَيْرَ سَماءِ الدُّنْيا لَيْسَتْ فِيها مَصابِيحُ. وجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ أيْ: جَعَلْنا مِنها؛ لِأنَّ السَّماءَ ذاتَها لَيْسَتْ يُرْجَمُ بِها الرُّجُومُ هَذا إنْ عادَ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: (وجَعَلْناها) عَلى السَّماءِ. والظّاهِرُ عَوْدُهُ عَلى مَصابِيحَ. ونَسَبَ الرَّجْمَ إلَيْها؛ لِأنَّ الشِّهابَ المُتَّبِعَ لِلْمُسْتَرِقِ مُنْفَصِلٌ مِن نارِها، والكَواكِبُ قارٌّ في مُلْكِهِ عَلى حالِهِ. فالشِّهابُ كَقَبَسٍ يُؤْخَذُ مِنَ النّارِ، والنّارُ باقِيَةٌ لا تَنْقُصُ. والظّاهِرُ أنَّ الشَّياطِينَ هم مُسْتَرِقُو السَّمْعِ، وأنَّ الرَّجْمَ هو حَقِيقَةٌ يُرْمَوْنَ بِالشُّهُبِ، كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ الحِجْرِ وسُورَةِ والصّافّاتِ. وقِيلَ: مَعْنى (رُجُومًا): (ظُنُونًا) لِشَياطِينِ الإنْسِ، وهُمُ المُنَجِّمُونَ يَنْسُبُونَ إلى النُّجُومِ أشْياءَ عَلى جِهَةِ الظَّنِّ مِن جُهّالِهِمْ، والتَّمْوِيهِ والِاخْتِلاقِ مِن أزْكِيائِهِمْ، ولَهم في ذَلِكَ تَصانِيفُ تَشْتَمِلُ عَلى خُرافاتٍ يُمَوِّهُونَ بِها عَلى المُلُوكِ وضُعَفاءِ العُقُولِ، ويَعْمَلُونَ مَوالِدَ يَحْكُمُونَ فِيها بِالأشْياءِ لا يَصِحُّ مِنها شَيْءٌ. وقَدْ وقَفْنا عَلى أشْياءَ مِن كَذِبِهِمْ في تِلْكَ المَوالِدِ، وما يَحْكُونَهُ عَنْ أبِي مَعْشَرٍ وغَيْرِهِ مِن شُيُوخِ السُّوءِ كَذِبٌ يُغْرُونَ بِهِ النّاسَ الجُهّالَ. وقالَ قَتادَةُ: خَلَقَ اللَّهُ - تَعالى - النُّجُومَ زِينَةً لِلسَّماءِ ورُجُومًا لِلشَّياطِينِ، ولِيُهْتَدى بِها في البَرِّ والبَحْرِ. فَمَن قالَ غَيْرَ هَذِهِ الخِصالِ الثَّلاثِ فَقَدْ تَكَلَّفَ وأذْهَبَ حَظَّهُ مِنَ الآخِرَةِ. والضَّمِيرُ في ”لَهم“ عائِدٌ عَلى الشَّياطِينِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: عَذابُ جَهَنَّمَ بِرَفْعِ الباءِ. والضَّحّاكُ والأعْرَجُ وأُسَيْدُ بْنُ أُسَيْدٍ المُزَنِيُّ، والحَسَنُ في رِوايَةِ هارُونَ عَنْهُ: بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى عَذابَ السَّعِيرِ أيْ: وأعْتَدْنا لِلَّذِينَ كَفَرُوا عَذابَ جَهَنَّمَ. إذا أُلْقُوا فِيها أيْ: طُرِحُوا، كَما يُطْرَحُ الحَطَبُ في النّارِ العَظِيمَةِ ويُرْمى بِهِ، ومِثْلُهُ ”حَصَبُ جَهَنَّمَ“ سَمِعُوا لَها أيْ: لِجَهَنَّمَ (شَهِيقًا) أيْ: صَوْتًا مُنْكَرًا كَصَوْتِ الحِمارِ، تُصَوِّتُ مِثْلَ ذَلِكَ لِشِدَّةِ تَوَقُّدِها وغَلَيانِها. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: سَمِعُوا لِأهْلِها، كَما قالَ تَعالى: ﴿لَهم فِيها زَفِيرٌ وشَهِيقٌ﴾ [هود: ١٠٦] . وهي تَفُورُ تَغْلِي بِهِمْ غَلْيَ المِرْجَلِ. تَكادُ تَمَيَّزُ أيْ: يَنْفَصِلُ بَعْضُها مِن بَعْضٍ لِشِدَّةِ اضْطِرابِها، ويُقالُ: فُلانٌ يَتَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ إذا وصَفُوهُ بِالإفْراطِ في الغَضَبِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (تَمَيَّزُ) بِتاءٍ واحِدَةٍ خَفِيفَةٍ، والبَزِّيُّ يُشَدِّدُها، وطَلْحَةُ: بِتاءَيْنِ، وأبُو عَمْرٍو: بِإدْغامِ الدّالِ في التّاءِ، والضَّحّاكُ: تَمايَزُ عَلى وزْنِ تَفاعَلُ، وأصْلُهُ تَتَمايَزُ بِتاءَيْنِ. وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: تَمِيزُ مِن مازَ مِنَ الغَيْظِ عَلى الكَفَرَةِ، جُعِلَتْ كالمُغْتاظَةِ عَلَيْهِمْ لِشِدَّةِ غَلَيانِها بِهِمْ، ومِثْلُ هَذا في التَّجَوُّزِ قَوْلُ الشّاعِرِ في كَلْبٍ:
؎يَشْتَدُّ في جَرْيِهِ يَكادُ ∗∗∗ أنْ يَخْرُجَ مِن إهابِهِ
(p-٣٠٠)وقَوْلُهم: غَضِبَ فُلانٌ، فَطارَتْ مِنهُ شُقَّةٌ في الأرْضِ وشُقَّةٌ في السَّماءِ إذا أفْرَطَ في الغَضَبِ. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ مِن غَيْظِ الزَّبانِيَةِ. كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ أيْ: فَرِيقٌ مِنَ الكُفّارِ سَألَهم خَزَنَتُها سُؤالَ تَوْبِيخٍ وتَقْرِيعٍ، وهو مِمّا يَزِيدُهم عَذابًا إلى عَذابِهِمْ، وخَزَنَتُها: مالِكٌ وأعْوانُهُ ألَمْ يَأْتِكم نَذِيرٌ يُنْذِرُكم بِهَذا اليَوْمِ قالُوا بَلى اعْتِرافٌ بِمَجِيءِ النُّذُرِ إلَيْهِمْ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: اعْتِرافٌ مِنهم بِعَدْلِ اللَّهِ، وإقْرارٌ بِأنَّهُ - عَزَّ وعَلا - أزاحَ عِلَلَهم بِبِعْثِهِ الرُّسُلَ وإنْذارِهم فِيما وقَعُوا فِيهِ، وأنَّهم لَمْ يُؤْتَوْا مِن قُدْرَةٍ كَما تَزْعُمُ المُجْبِرَةُ، وإنَّما أتَوْا مِن قِبَلِ أنْفُسِهِمْ واخْتِيارِهِمْ، خِلافَ ما اخْتارَ اللَّهُ وأمَرَ بِهِ وأوْعَدَ عَلى ضِدِّهِ. انْتَهى، وهو عَلى طَرِيقِ المُعْتَزِلَةِ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنْ أنْتُمْ إلّا في ضَلالٍ كَبِيرٍ﴾ مِن قَوْلِ الكُفّارِ لِلرُّسُلِ الَّذِينَ جاءُوا نُذُرًا إلَيْهِمْ، أنْكَرُوا أوَّلًا أنَّ اللَّهَ نَزَّلَ شَيْئًا، واسْتَجْهَلُوا ثانِيًا مَن أخْبَرَ بِأنَّهُ - تَعالى - أرْسَلَ إلَيْهِمُ الرُّسُلَ، وأنَّ قائِلَ ذَلِكَ في حَيْرَةٍ عَظِيمَةٍ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِ الخَزَنَةِ لِلْكُفّارِ إخْبارًا لَهم وتَقْرِيعًا بِما كانُوا عَلَيْهِ في الدُّنْيا. أرادُوا بِالضَّلالِ الهَلاكَ الَّذِي هم فِيهِ، أوْ سَمَّوْا عِقابَ الضَّلالِ ضَلالًا لَمّا كانَ ناشِئًا عَنِ الضَّلالِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ مِن كَلامِ الرُّسُلِ لَهم حَكَوْهُ لِلْخَزَنَةِ، أيْ: قالُوا لَنا هَذا فَلَمْ نَقْبَلْهُ. انْتَهى. فَإنْ كانَ الخِطابُ في إنْ أنْتُمْ لِلرُّسُلِ، فَقَدْ يُرادُ بِهِ الجِنْسُ، ولِذَلِكَ جاءَ الخِطابُ بِالجَمْعِ. (وقالُوا) أيْ: لِلْخَزَنَةِ حِينَ حاوَرُوهم لَوْ كُنّا نَسْمَعُ سَماعَ طالِبٍ لِلْحَقِّ أوْ نَعْقِلُ عَقْلَ مُتَأمِّلٍ لَهُ، لَمْ نَسْتَوْجِبِ الخُلُودَ في النّارِ. فاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ أيْ: بِتَكْذِيبِ الرُّسُلِ (فَسُحْقًا) أيْ: فَبُعْدًا لَهم، وهو دُعاءٌ عَلَيْهِمْ، والسُّحْقُ: البُعْدُ، وانْتِصابُهُ عَلى المَصْدَرِ أيْ: سَحَقَهُمُ اللَّهُ سُحْقًا، قالَ الشّاعِرُ:
؎يَجُولُ بِأطْرافِ البِلادِ مُغَرِّبًا ∗∗∗ وتَسْحَقُهُ رِيحُ الصَّبا كُلَّ مَسْحَقِ
والفِعْلُ مِنهُ ثُلاثِيٌّ. وقالَ الزَّجّاجُ: أيْ: أسْحَقُهُمُ اللَّهُ سُحْقًا، أيْ: باعَدَهم بُعْدًا. وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: القِياسُ إسْحاقًا، فَجاءَ المَصْدَرُ عَلى الحَذْفِ، كَما قِيلَ:
وإنْ أهْلِكْ فَذَلِكَ كانَ قَدَرِي
أيْ تَقْدِيرِي. انْتَهى، ولا يَحْتاجُ إلى ادِّعاءِ الحَذْفِ في المَصْدَرِ؛ لِأنَّ فِعْلَهُ قَدْ جاءَ ثُلاثِيًّا، كَما أنْشَدَ:
؎وتَسْحَقُهُ رِيحُ الصَّبا كُلَّ مَسْحَقِ
وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِسُكُونِ الحاءِ. وعَلِيٌّ وأبُو جَعْفَرٍ والكِسائِيُّ، بِخِلافٍ عَنْ أبِي الحَرْثِ عَنْهُ: بِضَمِّها. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: (فَسُحْقًا) نَصْبًا عَلى جِهَةِ الدُّعاءِ عَلَيْهِمْ، وجازَ ذَلِكَ فِيهِ، وهو مِن قِبَلِ اللَّهِ - تَعالى - مِن حَيْثُ هَذا القَوْلِ فِيهِمْ مُسْتَقِرٌّ أوَّلًا، ووُجُودُهُ لَمْ يَقَعْ إلّا في الآخِرَةِ، فَكَأنَّهُ لِذَلِكَ في حَيِّزِ المُتَوَقَّعِ الَّذِي يُدْعى بِهِ، كَما تَقُولُ: سُحْقًا لِزَيْدٍ وبُعْدًا، والنَّصْبُ في هَذا كُلِّهِ بِإضْمارِ فِعْلٍ، وإنْ وقَعَ وثَبَتَ، فالوَجْهُ فِيهِ الرَّفْعُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ويْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ [المطففين: ١] وسَلامٌ عَلَيْكم وغَيْرُ هَذا مِنَ الأمْثِلَةِ. انْتَهى. يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ أيِ: الَّذِي أُخْبِرُوا بِهِ مِن أمْرِ المَعادِ وأحْوالِهِ، أوْ غائِبِينَ عَنْ أعْيُنِ النّاسِ، أيْ في خَلَواتِهِمْ، كَقَوْلِهِ: «ورَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خالِيًا، فَفاضَتْ عَيْناهُ» . وأسِرُّوا قَوْلَكم خِطابٌ لِجَمِيعِ الخَلْقِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وسَبَبُهُ أنَّ بَعْضَ المُشْرِكِينَ قالَ لِبَعْضٍ: أسِرُّوا قَوْلَكم لا يَسْمَعُكم إلَهُ مُحَمَّدٍ. ألا يَعْلَمُ مَن خَلَقَ الهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهامِ و”لا“ لِلنَّفْيِ، والظّاهِرُ أنَّ ”مَن“ مَفْعُولٌ، والمَعْنى أيَنْتَفِي عِلْمُهُ بِمَن خَلَقَ، وهو الَّذِي لَطُفَ عِلْمُهُ ودَقَّ وأحاطَ بِخَفِيّاتِ الأُمُورِ وجَلِيّاتِها ؟ وأجازَ بَعْضُ النُّحاةِ أنْ يَكُونَ ”مَن“ فاعِلًا، والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، كَأنَّهُ قالَ: ألا يَعْلَمُ الخالِقُ سِرَّكم وجَهْرَكم ؟ وهو اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ الإنْكارُ، أيْ: كَيْفَ لا يَعْلَمُ ما تَكَلَّمَ بِهِ مِن خَلْقِ الأشْياءِ، وأوْجَدَها مِنَ العَدَمِ الصِّرْفِ، وحالُهُ أنَّهُ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ المُتَوَصِّلُ عِلْمُهُ إلى ما ظَهَرَ مِن خَلْقِهِ وما بَطَنَ ؟
﴿هو الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ ذَلُولًا﴾ مِنَّةٌ مِنهُ - تَعالى - بِذَلِكَ، والذَّلُولُ فَعُولٌ لِلْمُبالِغَةِ، مِن ذَلِكَ تَقُولُ: دابَّةٌ ذَلُولٌ بَيِّنَةُ الذُّلِّ، ورَجُلٌ ذَلِيلٌ: بَيِّنُ الذُّلِّ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والذَّلُولُ فَعُولٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، أيْ: مَذْلُولَةٌ، فَهي كَرَكُوبٍ وحَلُوبٍ. انْتَهى. ولَيْسَ بِمَعْنى مَفْعُولٍ؛ لِأنَّ فِعْلَهُ قاصِرٌ، وإنَّما تَعَدّى (p-٣٠١)بِالهَمْزَةِ كَقَوْلِهِ: وتُذِلُّ مَن تَشاءُ وإمّا بِالتَّضْعِيفِ لِقَوْلِهِ: وذَلَّلْناها لَهم وقَوْلُهُ أيْ: مَذْلُولَةٌ يَظْهَرُ أنَّهُ خَطَأٌ. فامْشُوا في مَناكِبِها أمَرَ بِالتَّصَرُّفِ فِيها والِاكْتِسابِ. ومَناكِبُها، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ وبِشْرُ بْنُ كَعْبٍ: أطْرافُها، وهي الجِبالُ. وقالَ الفَرّاءُ والكَلْبِيُّ ومُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ: جَوانِبُها، ومَنكِبا الرَّجُلِ: جانِباهُ. وقالَ الحَسَنُ والسُّدِّيُّ: طَرَفُها وفِجاجُها. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والمَشْيُ في مَناكِبِها مَثَلٌ لِفَرْطِ التَّذْلِيلِ ومُجاوَزَتِهِ الغايَةَ؛ لِأنَّ المَنكِبَيْنِ ومُلْتَقاهُما مِنَ الغارِبِ أرَقُّ شَيْءٍ مِنَ البَعِيرِ، وأنْبَأهُ عَنْ أنْ يَطَأهُ الرّاكِبُ بِقَدَمِهِ ويَعْتَمِدَ عَلَيْهِ، فَإذا جَعَلَها في الذُّلِّ بِحَيْثُ يَمْشِي في مَناكِبِها لَمْ يَنْزِلْ. انْتَهى. وقالَ الزَّجّاجُ: سَهَّلَ لَكُمُ السُّلُوكَ في جِبالِها فَهو أبْلَغُ التَّذْلِيلِ. وإلَيْهِ النُّشُورُ أيْ: البَعْثُ، فَيَسْألُكم عَنْ شُكْرِ هَذِهِ النِّعْمَةِ عَلَيْكم.
الملك 67:10
(سُورَةُ المُلْكِ مَكِّيَّةٌ وهي ثَلاثُونَ آيَةً)
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)
﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ والحَياةَ لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا وهو العَزِيزُ الغَفُورُ﴾ ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا ما تَرى في خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفاوُتٍ فارْجِعِ البَصَرَ هَلْ تَرى مِن فُطُورٍ﴾ ﴿ثُمَّ ارْجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إلَيْكَ البَصَرُ خاسِئًا وهو حَسِيرٌ﴾ ﴿ولَقَدْ زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ وأعْتَدْنا لَهم عَذابَ السَّعِيرِ﴾ ﴿ولِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ ﴿إذا أُلْقُوا فِيها سَمِعُوا لَها شَهِيقًا وهي تَفُورُ﴾ ﴿تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَألَهم خَزَنَتُها ألَمْ يَأْتِكم نَذِيرٌ﴾ ﴿قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا وقُلْنا ما نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ إنْ أنْتُمْ إلّا في ضَلالٍ كَبِيرٍ﴾ ﴿وقالُوا لَوْ كُنّا نَسْمَعُ أوْ نَعْقِلُ ما كُنّا في أصْحابِ السَّعِيرِ﴾ ﴿فاعْتَرِفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأصْحابِ السَّعِيرِ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ كَبِيرٌ﴾ ﴿وأسِرُّوا قَوْلَكم أوِ اجْهُرُوا بِهِ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ ﴿ألا يَعْلَمُ مَن خَلَقَ وهو اللَّطِيفُ الخَبِيرُ﴾ ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ ذَلُولًا فامْشُوا في مَناكِبِها وكُلُوا مِن رِزْقِهِ وإلَيْهِ النُّشُورُ﴾ .
(p-٢٩٧)هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ. ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها، أنَّهُ لَمّا ضُرِبَ لِلْكَفّارِ بِتَيْنِكَ المَرْأتَيْنِ المَحْتُومِ لَهُما بِالشَّقاوَةِ، وإنْ كانَتا تَحْتَ نَبِيِّينَ، ومَثَلًا لِلْمُؤْمِنِينَ بِـ آسِيَةَ ومَرْيَمَ، وهُما مَحْتُومٌ لَهُما بِالجَنَّةِ، وإنْ كانَ قَوْماهُما كافِرِينَ. كانَ ذَلِكَ تَصَرُّفًا في مُلْكِهِ عَلى ما سَبَقَ قَضاؤُهُ، فَقالَ: (تَبارَكَ) أيْ: تَعالى وتَعاظَمَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكِ وهو كِنايَةٌ عَنِ الإحاطَةِ والقَهْرِ، وكَثِيرًا ما جاءَ نِسْبَةُ اليَدِ إلَيْهِ - تَعالى - كَقَوْلِهِ: ﴿فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [يس: ٨٣] بِيَدِكَ الخَيْرُ وذَلِكَ في حَقِّهِ - تَعالى - اسْتِعارَةٌ لِتَحْقِيقِ المُلْكِ، إذْ كانَتْ في عُرْفِ الآدَمِيِّينَ آلَةً لِلتَّمَلُّكِ، والمُلْكُ هُنا هو عَلى الإطْلاقِ لا يَبِيدُ ولا يَخْتَلُّ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: مَلِكُ المُلُوكِ لِقَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ المُلْكِ﴾ [آل عمران: ٢٦] وناسَبَ المُلْكَ ذِكْرُ وصْفِ القُدْرَةِ والحَياةِ ما يَصِحُّ بِوُجُودِهِ الإحْساسُ. ومَعْنى خَلَقَ المَوْتَ إيجادُ ذَلِكَ المُصَحِّحِ وإعْدامُهُ، والمَعْنى: خَلَقَ مَوْتَكم وحَياتَكم أيُّها المُكَلَّفُونَ، وسَمّى عِلْمَ الواقِعِ مِنهم بِاخْتِيارِهِمْ بَلْوى وهي الحَيْرَةُ، اسْتِعارَةً مِن فِعْلِ المُخْتَبِرِ. وفي الحَدِيثِ أنَّهُ فَسَّرَ أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا أيْ: أحْسَنُ عَقْلًا وأشَدُّكم خَوْفًا وأحْسَنُكم في أمْرِهِ ونَهْيِهِ نَظَرًا، وإنْ كانَ أقَلَّكم تَطَوُّعًا. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ والثَّوْرِيِّ: أزْهَدُكم في الدُّنْيا. وقِيلَ: كَنّى بِالمَوْتِ عَنِ الدُّنْيا، إذْ هو واقِعٌ فِيها، وعَنِ الآخِرَةِ بِالحَياةِ مِن حَيْثُ لا مَوْتَ فِيها، فَكَأنَّهُ قالَ: هو الَّذِي خَلَقَ الدُّنْيا والآخِرَةَ، وصَفَهُما بِالمَصْدَرَيْنِ، وقَدَّمَ المَوْتَ لِأنَّهُ أهْيَبُ في النُّفُوسِ. و(لِيَبْلُوَكم) مُتَعَلِّقٌ بِـ (خَلَقَ) وأيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، فَقَدَّرَ الحَوْفِيُّ قَبْلَها فِعْلًا تَكُونُ الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ مَعْمُولِهِ، وهو مُعَلَّقٌ عَنْها، تَقْدِيرُهُ: فَيَنْظُرُ، وقَدَّرَ ابْنُ عَطِيَّةَ فَيَنْظُرُ أوْ فَيَعْلَمُ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ) مِن أيْنَ تَعَلَّقَ قَوْلُهُ: أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا بِفِعْلِ البَلْوى ؟ (قُلْتُ): مِن حَيْثُ إنَّهُ تَضَمَّنَ مَعْنى العِلْمِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: لِيَعْلَمَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا، وإذا قُلْتَ: عَلِمْتُهُ أزَيْدٌ أحْسَنُ عَمَلًا أمْ هو ؟ كانَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ واقِعَةً مَوْقِعَ الثّانِي مِن مَفْعُولَيْهِ، كَما تَقُولُ: عَلِمْتُهُ هو أحْسَنُ عَمَلًا. (فَإنْ قُلْتَ) أيُسَمّى هَذا تَعْلِيقًا ؟ (قُلْتُ): لا، إنَّما التَّعْلِيقُ أنْ تُوقِعَ بَعْدَهُ ما يَسُدُّ مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ جَمِيعًا، كَقَوْلِكَ: عَلِمْتُ أيُّهُما عَمْرٌو، وعَلِمْتُ أزَيْدٌ مُنْطَلِقٌ. ألا تَرى أنَّهُ لا فَصْلَ بَعْدَ سَبْقِ أحَدِ المَفْعُولَيْنِ بَيْنَ أنْ يَقَعَ ما بَعْدَهُ مُصَدَّرًا بِحَرْفِ الِاسْتِفْهامِ وغَيْرَ مُصَدَّرٍ بِهِ ؟ ولَوْ كانَ تَعْلِيقًا لافْتَرَقَتِ الحالَتانِ، كَما افْتَرَقَتا في قَوْلِكَ: عَلِمْتُ أزَيْدٌ مُنْطَلِقٌ، وعَلِمْتُ زَيْدًا مُنْطَلِقًا. انْتَهى. وأصْحابُنا يُسَمُّونَ ما مَنَعَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ تَعْلِيقًا، فَيَقُولُونَ في الفِعْلِ إذا عُدِّيَ إلى اثْنَيْنِ (p-٢٩٨)ونُصِبَ الأوَّلُ وجاءَتْ بَعْدَهُ جُمْلَةٌ اسْتِفْهامِيَّةٌ، أوْ بِلامِ الِابْتِداءِ، أوْ بِحَرْفِ نَفْيٍ، كانَتِ الجُمْلَةُ مُعَلَّقًا عَنْها الفِعْلُ، وكانَتْ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، كَما لَوْ وقَعَتْ في مَوْضِعِ المَفْعُولَيْنِ وفِيها ما يُعَلِّقُ الفِعْلَ عَنِ العَمَلِ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مِثْلِ هَذِهِ الجُمْلَةِ في الكَهْفِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِنَبْلُوَهم أيُّهم أحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٧] .
وانْتَصَبَ (طِباقًا) عَلى الوَصْفِ لِـ ”سَبْعَ“، فَإمّا أنْ يَكُونَ مَصْدَرَ طابَقَ مُطابَقَةً وطِباقًا لِقَوْلِهِمْ: النَّعْلُ خَصْفُها طَبَقًا عَلى طَبَقٍ، وُصِفَ بِهِ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ، أوْ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ ذا طِباقٍ، وإمّا جَمْعُ طَبَقٍ كَجَمَلٍ وجِمالٍ، أوْ جَمْعُ طَبَقَةٍ كَرَحَبَةٍ ورِحابٍ، والمَعْنى: بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ. وما ذُكِرَ مِن مَوادِّ هَذِهِ السَّماواتِ. فالأُولى مِن مَوْجٍ مَكْفُوفٍ، والثّانِيَةُ مِن دُرَّةٍ بَيْضاءَ، والثّالِثَةُ مِن حَدِيدٍ، والرّابِعَةُ مِن نُحاسٍ، والخامِسَةُ مِن فِضَّةٍ، والسّادِسَةُ مِن ذَهَبٍ، والسّابِعَةُ مِن زُمُرُّدَةٍ بَيْضاءَ - يَحْتاجُ إلى نَقْلٍ صَحِيحٍ، وقَدْ كانَ بَعْضُ مَن يَنْتَمِي إلى الصَّلاحِ، وكانَ أعْمى لا يُبْصِرُ مَوْضِعَ قَدَمِهِ، يُخْبِرُ أنَّهُ يُشاهِدُ السَّماواتِ عَلى بَعْضِ أوْصافٍ مِمّا ذَكَرْنا.
مِن تَفاوُتٍ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مِن تَفَرُّقٍ. وقالَ السُّدِّيُّ: مِن عَيْبٍ. وقالَ عَطاءُ بْنُ يَسارٍ: مِن عَدَمِ اسْتِواءٍ. وقالَ ثَعْلَبٌ: أصْلُهُ مِنَ الفَوْتِ، وهو أنْ يَفُوتَ شَيْءٌ شَيْئًا مِنَ الخَلَلِ. وقِيلَ: مِنِ اضْطِرابٍ. وقِيلَ: مِنِ اعْوِجاجٍ. وقِيلَ: مِن تَناقُضٍ. وقِيلَ: مِنِ اخْتِلافٍ. وقِيلَ: مِن عَدَمِ التَّناسُبِ. والتَّفاوُتُ: تَجاوُزُ الحَدِّ الَّذِي تَجِبُ لَهُ زِيادَةٌ أوْ نَقْصٌ. قالَ بَعْضُ الأُدَباءِ:
؎تَناسَبَتِ الأعْضاءُ فِيهِ فَلا تَرى بِهِنَّ اخْتِلافًا بَلْ أتَيْنَ عَلى قَدَرِ
وقَرَأ الجُمْهُورُ: مِن تَفاوُتٍ بِألِفٍ مَصْدَرُ تَفاوَتَ. وعَبْدُ اللَّهِ وعَلْقَمَةُ والأسْوَدُ، وابْنُ جُبَيْرٍ وطَلْحَةُ والأعْمَشُ بِشَدِّ الواوِ، مَصْدَرُ تَفَوَّتَ. وحَكى أبُو زَيْدِ بْنُ العَرَبِيِّ: (تَفاوُتًا) بِضَمِّ الواوِ وفَتْحِها وكَسْرِها، والفَتْحُ والكَسْرُ شاذّانِ. والظّاهِرُ عُمُومُ خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنَ الأفْلاكِ وغَيْرِها، فَإنَّهُ لا تَفَوُّتَ فِيهِ ولا فُطُورَ، بَلْ كُلٌّ جارٍ عَلى الإتْقانِ. وقِيلَ: المُرادُ في خَلْقِ الرَّحْمَنِ السَّماواتُ فَقَطْ، والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ما تَرى اسْتِئْنافُ أنَّهُ لا يُدْرَكُ في خَلْقِهِ تَعالى تَفاوُتٌ، وجَعَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ هَذِهِ الجُمْلَةَ صِفَةَ مُتابَعَةٍ لِقَوْلِهِ: (طِباقًا) أصْلُها ما تَرى فِيهِنَّ مِن تَفاوُتٍ، فَوَضَعَ مَكانَ الضَّمِيرِ قَوْلَهُ: خَلْقِ الرَّحْمَنِ تَعْظِيمًا لِخَلْقِهِنَّ وتَنْبِيهًا عَلى سَبَبِ سَلامَتِهِنَّ مِنَ التَّفاوُتِ، وهو أنَّهُ خَلْقُ الرَّحْمَنِ، وأنَّهُ بِباهِرِ قُدْرَتِهِ هو الَّذِي يَخْلُقُ مِثْلَ ذَلِكَ الخَلْقِ المُناسِبِ. انْتَهى. والخِطابُ في (تَرى) لِكُلِّ مُخاطَبٍ، أوْ لِلرَّسُولِ، ﷺ . ولَمّا أخْبَرَ - تَعالى - أنَّهُ لا تَفاوُتَ في خَلْقِهِ، أمَرَ بِتَرْدِيدِ البَصَرِ في الخَلْقِ المُناسِبِ، فَقالَ: (فارْجِعْ) فَفي الفاءِ مَعْنى التَّسَبُّبِ، والمَعْنى: أنَّ العِيانَ يُطابِقُ الخَبَرَ.
و(الفُطُورُ) قالَ مُجاهِدٌ: الشُّقُوقُ. فَطَرَ نابُ البَعِيرِ: شَقَّ اللَّحْمَ وظَهَرَ، قالَ الشّاعِرُ:
؎بَنى لَكم بِلا عُمُدٍ سَماءً ∗∗∗ وسَوّاها فَما فِيها فُطُورُ
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: صُدُوعٌ، وأنْشَدَ قَوْلَ عُبَيْدِ بْنِ مَسْعُودٍ:
؎شَقَقْتُ القَلْبَ ثُمَّ رَدَدْتُ فِيهِ ∗∗∗ هَواكِ فَلِيطَ فالتَأمَ الفُطُورُ
وقالَ السُّدِّيُّ: خُرُوقٌ. وقالَ قَتادَةُ: خَلَلٌ، ومِنهُ التَّفْطِيرُ والِانْفِطارُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وهَنٌ. وهَذِهِ تَفاسِيرٌ مُتَقارِبَةٌ.
والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: ﴿هَلْ تَرى مِن فُطُورٍ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِفِعْلٍ مُعَلَّقٍ مَحْذُوفٍ، أيْ فانْظُرْ هَلْ تَرى، أوْ ضُمِّنَ مَعْنى فارْجِعِ البَصَرَ مَعْنى فانْظُرْ بِبَصَرِكَ هَلْ تَرى ؟ فَيَكُونُ مُعَلَّقًا. ثُمَّ ارْجِعِ البَصَرَ أيْ: رَدِّدْهُ كَرَّتَيْنِ هي تَثْنِيَةٌ لا شَفْعُ الواحِدِ، بَلْ يُرادُ بِها التَّكْرارُ، كَأنَّهُ قالَ: كَرَّةً بَعْدَ كَرَّةٍ، أيْ كَرّاتٍ كَثِيرَةً، كَقَوْلِهِ: لَبَّيْكَ، يُرِيدُ إجاباتٍ كَثِيرَةً بَعْضُها في إثْرِ بَعْضٍ، وأُرِيدَ بِالتَّثْنِيَةِ التَّكْثِيرُ، كَما أُرِيدَ بِما هو أصْلٌ لَها التَّكْثِيرُ، وهو مُفْرَدٌ عُطِفَ عَلى مُفْرَدٍ، نَحْوَ قَوْلِهِ:
؎لَوْ عُدَّ قَبْرٌ وقَبْرٌ كانَ أكْرَمَهم ∗∗∗ بَيْتًا وأبْعَدَهم عَنْ مَنزِلِ الزّامِّ
(p-٢٩٩)يُرِيدُ: لَوْ عُدَّتْ قُبُورٌ كَثِيرَةٌ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ وغَيْرُهُ: (كَرَّتَيْنِ) مَعْناهُ مَرَّتَيْنِ، ونَصَبَها عَلى المَصْدَرِ. وقِيلَ: أمَرَ بِرَجْعِ البَصَرِ إلى السَّماءِ مَرَّتَيْنِ، غَلَّطَ في الأُولى، فَيَسْتَدْرِكُ بِالثّانِيَةِ. وقِيلَ: الأُولى لِيَرى حُسْنَها واسْتِواءَها، والثّانِيَةُ لِيُبْصِرَ كَواكِبَها في سَيْرِها وانْتِهائِها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يَنْقَلِبْ) جَزْمًا عَلى جَوابِ الأمْرِ. والخُوارَزْمِيُّ عَنِ الكِسائِيِّ: يَرْفَعُ الباءَ، أيْ: فَيَنْقَلِبْ عَلى حَذْفِ الفاءِ، أوْ عَلى أنَّهُ مَوْضِعُ حالٍ مُقَدَّرَةٍ، أيْ: إنْ رَجَعْتَ البَصَرَ وكَرَّرْتَ النَّظَرَ؛ لِتَطْلُبَ فُطُورَ شُقُوقٍ أوْ خَلَلًا أوْ عَيْبًا، رَجَعَ إلَيْكَ مُبْعَدًا عَمّا طَلَبْتَهُ لِانْتِفاءِ ذَلِكَ عَنْها، وهو كالٌّ مِن كَثْرَةِ النَّظَرِ، وكَلالُهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالكَرَّتَيْنِ لَيْسَ شَفْعَ الواحِدِ؛ لِأنَّهُ لا يَكِلُّ البَصَرُ بِالنَّظَرِ مَرَّتَيْنِ اثْنَتَيْنِ. والحَسِيرُ: الكالُّ، قالَ الشّاعِرُ:
؎لَهُنَّ الوَجى لَمْ كُنَّ عَوْنًا عَلى النَّوى ∗∗∗ ولا زالَ مِنها ظالِعٌ وحَسِيرُ
يُقالُ: حَسَرَ بَعِيرُهُ يَحْسِرُ حُسُورًا أيْ: كَلَّ وانْقَطَعَ فَهو حَسِيرٌ ومَحْسُورٌ، قالَ الشّاعِرُ يَصِفُ ناقَةً:
؎فَشَطْرُها نَظَرَ العَيْنَيْنِ مَحْسُورُ
أيْ: ونَحْرُها، وقَدْ جُمِعَ حَسِيرٌ بِمَعْنى أعْيا وكَلَّ، قالَ الشّاعِرُ:
؎بِها جِيَفُ الحَسْرى فَأمّا عِظامُها
البَيْتَ.
السَّماءَ الدُّنْيا هي الَّتِي نُشاهِدُها، والدُّنُوُّ أمْرٌ نِسْبِيٌّ وإلّا فَلَيْسَتْ قَرِيبَةً. (بِمَصابِيحَ) أيْ: بِنُجُومٍ مُضِيئَةٍ كالمَصابِيحِ، ومَصابِيحُ مُطْلَقُ الأعْلامِ، فَلا يَدُلُّ عَلى أنَّ غَيْرَ سَماءِ الدُّنْيا لَيْسَتْ فِيها مَصابِيحُ. وجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ أيْ: جَعَلْنا مِنها؛ لِأنَّ السَّماءَ ذاتَها لَيْسَتْ يُرْجَمُ بِها الرُّجُومُ هَذا إنْ عادَ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: (وجَعَلْناها) عَلى السَّماءِ. والظّاهِرُ عَوْدُهُ عَلى مَصابِيحَ. ونَسَبَ الرَّجْمَ إلَيْها؛ لِأنَّ الشِّهابَ المُتَّبِعَ لِلْمُسْتَرِقِ مُنْفَصِلٌ مِن نارِها، والكَواكِبُ قارٌّ في مُلْكِهِ عَلى حالِهِ. فالشِّهابُ كَقَبَسٍ يُؤْخَذُ مِنَ النّارِ، والنّارُ باقِيَةٌ لا تَنْقُصُ. والظّاهِرُ أنَّ الشَّياطِينَ هم مُسْتَرِقُو السَّمْعِ، وأنَّ الرَّجْمَ هو حَقِيقَةٌ يُرْمَوْنَ بِالشُّهُبِ، كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ الحِجْرِ وسُورَةِ والصّافّاتِ. وقِيلَ: مَعْنى (رُجُومًا): (ظُنُونًا) لِشَياطِينِ الإنْسِ، وهُمُ المُنَجِّمُونَ يَنْسُبُونَ إلى النُّجُومِ أشْياءَ عَلى جِهَةِ الظَّنِّ مِن جُهّالِهِمْ، والتَّمْوِيهِ والِاخْتِلاقِ مِن أزْكِيائِهِمْ، ولَهم في ذَلِكَ تَصانِيفُ تَشْتَمِلُ عَلى خُرافاتٍ يُمَوِّهُونَ بِها عَلى المُلُوكِ وضُعَفاءِ العُقُولِ، ويَعْمَلُونَ مَوالِدَ يَحْكُمُونَ فِيها بِالأشْياءِ لا يَصِحُّ مِنها شَيْءٌ. وقَدْ وقَفْنا عَلى أشْياءَ مِن كَذِبِهِمْ في تِلْكَ المَوالِدِ، وما يَحْكُونَهُ عَنْ أبِي مَعْشَرٍ وغَيْرِهِ مِن شُيُوخِ السُّوءِ كَذِبٌ يُغْرُونَ بِهِ النّاسَ الجُهّالَ. وقالَ قَتادَةُ: خَلَقَ اللَّهُ - تَعالى - النُّجُومَ زِينَةً لِلسَّماءِ ورُجُومًا لِلشَّياطِينِ، ولِيُهْتَدى بِها في البَرِّ والبَحْرِ. فَمَن قالَ غَيْرَ هَذِهِ الخِصالِ الثَّلاثِ فَقَدْ تَكَلَّفَ وأذْهَبَ حَظَّهُ مِنَ الآخِرَةِ. والضَّمِيرُ في ”لَهم“ عائِدٌ عَلى الشَّياطِينِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: عَذابُ جَهَنَّمَ بِرَفْعِ الباءِ. والضَّحّاكُ والأعْرَجُ وأُسَيْدُ بْنُ أُسَيْدٍ المُزَنِيُّ، والحَسَنُ في رِوايَةِ هارُونَ عَنْهُ: بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى عَذابَ السَّعِيرِ أيْ: وأعْتَدْنا لِلَّذِينَ كَفَرُوا عَذابَ جَهَنَّمَ. إذا أُلْقُوا فِيها أيْ: طُرِحُوا، كَما يُطْرَحُ الحَطَبُ في النّارِ العَظِيمَةِ ويُرْمى بِهِ، ومِثْلُهُ ”حَصَبُ جَهَنَّمَ“ سَمِعُوا لَها أيْ: لِجَهَنَّمَ (شَهِيقًا) أيْ: صَوْتًا مُنْكَرًا كَصَوْتِ الحِمارِ، تُصَوِّتُ مِثْلَ ذَلِكَ لِشِدَّةِ تَوَقُّدِها وغَلَيانِها. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: سَمِعُوا لِأهْلِها، كَما قالَ تَعالى: ﴿لَهم فِيها زَفِيرٌ وشَهِيقٌ﴾ [هود: ١٠٦] . وهي تَفُورُ تَغْلِي بِهِمْ غَلْيَ المِرْجَلِ. تَكادُ تَمَيَّزُ أيْ: يَنْفَصِلُ بَعْضُها مِن بَعْضٍ لِشِدَّةِ اضْطِرابِها، ويُقالُ: فُلانٌ يَتَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ إذا وصَفُوهُ بِالإفْراطِ في الغَضَبِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (تَمَيَّزُ) بِتاءٍ واحِدَةٍ خَفِيفَةٍ، والبَزِّيُّ يُشَدِّدُها، وطَلْحَةُ: بِتاءَيْنِ، وأبُو عَمْرٍو: بِإدْغامِ الدّالِ في التّاءِ، والضَّحّاكُ: تَمايَزُ عَلى وزْنِ تَفاعَلُ، وأصْلُهُ تَتَمايَزُ بِتاءَيْنِ. وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: تَمِيزُ مِن مازَ مِنَ الغَيْظِ عَلى الكَفَرَةِ، جُعِلَتْ كالمُغْتاظَةِ عَلَيْهِمْ لِشِدَّةِ غَلَيانِها بِهِمْ، ومِثْلُ هَذا في التَّجَوُّزِ قَوْلُ الشّاعِرِ في كَلْبٍ:
؎يَشْتَدُّ في جَرْيِهِ يَكادُ ∗∗∗ أنْ يَخْرُجَ مِن إهابِهِ
(p-٣٠٠)وقَوْلُهم: غَضِبَ فُلانٌ، فَطارَتْ مِنهُ شُقَّةٌ في الأرْضِ وشُقَّةٌ في السَّماءِ إذا أفْرَطَ في الغَضَبِ. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ مِن غَيْظِ الزَّبانِيَةِ. كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ أيْ: فَرِيقٌ مِنَ الكُفّارِ سَألَهم خَزَنَتُها سُؤالَ تَوْبِيخٍ وتَقْرِيعٍ، وهو مِمّا يَزِيدُهم عَذابًا إلى عَذابِهِمْ، وخَزَنَتُها: مالِكٌ وأعْوانُهُ ألَمْ يَأْتِكم نَذِيرٌ يُنْذِرُكم بِهَذا اليَوْمِ قالُوا بَلى اعْتِرافٌ بِمَجِيءِ النُّذُرِ إلَيْهِمْ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: اعْتِرافٌ مِنهم بِعَدْلِ اللَّهِ، وإقْرارٌ بِأنَّهُ - عَزَّ وعَلا - أزاحَ عِلَلَهم بِبِعْثِهِ الرُّسُلَ وإنْذارِهم فِيما وقَعُوا فِيهِ، وأنَّهم لَمْ يُؤْتَوْا مِن قُدْرَةٍ كَما تَزْعُمُ المُجْبِرَةُ، وإنَّما أتَوْا مِن قِبَلِ أنْفُسِهِمْ واخْتِيارِهِمْ، خِلافَ ما اخْتارَ اللَّهُ وأمَرَ بِهِ وأوْعَدَ عَلى ضِدِّهِ. انْتَهى، وهو عَلى طَرِيقِ المُعْتَزِلَةِ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنْ أنْتُمْ إلّا في ضَلالٍ كَبِيرٍ﴾ مِن قَوْلِ الكُفّارِ لِلرُّسُلِ الَّذِينَ جاءُوا نُذُرًا إلَيْهِمْ، أنْكَرُوا أوَّلًا أنَّ اللَّهَ نَزَّلَ شَيْئًا، واسْتَجْهَلُوا ثانِيًا مَن أخْبَرَ بِأنَّهُ - تَعالى - أرْسَلَ إلَيْهِمُ الرُّسُلَ، وأنَّ قائِلَ ذَلِكَ في حَيْرَةٍ عَظِيمَةٍ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِ الخَزَنَةِ لِلْكُفّارِ إخْبارًا لَهم وتَقْرِيعًا بِما كانُوا عَلَيْهِ في الدُّنْيا. أرادُوا بِالضَّلالِ الهَلاكَ الَّذِي هم فِيهِ، أوْ سَمَّوْا عِقابَ الضَّلالِ ضَلالًا لَمّا كانَ ناشِئًا عَنِ الضَّلالِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ مِن كَلامِ الرُّسُلِ لَهم حَكَوْهُ لِلْخَزَنَةِ، أيْ: قالُوا لَنا هَذا فَلَمْ نَقْبَلْهُ. انْتَهى. فَإنْ كانَ الخِطابُ في إنْ أنْتُمْ لِلرُّسُلِ، فَقَدْ يُرادُ بِهِ الجِنْسُ، ولِذَلِكَ جاءَ الخِطابُ بِالجَمْعِ. (وقالُوا) أيْ: لِلْخَزَنَةِ حِينَ حاوَرُوهم لَوْ كُنّا نَسْمَعُ سَماعَ طالِبٍ لِلْحَقِّ أوْ نَعْقِلُ عَقْلَ مُتَأمِّلٍ لَهُ، لَمْ نَسْتَوْجِبِ الخُلُودَ في النّارِ. فاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ أيْ: بِتَكْذِيبِ الرُّسُلِ (فَسُحْقًا) أيْ: فَبُعْدًا لَهم، وهو دُعاءٌ عَلَيْهِمْ، والسُّحْقُ: البُعْدُ، وانْتِصابُهُ عَلى المَصْدَرِ أيْ: سَحَقَهُمُ اللَّهُ سُحْقًا، قالَ الشّاعِرُ:
؎يَجُولُ بِأطْرافِ البِلادِ مُغَرِّبًا ∗∗∗ وتَسْحَقُهُ رِيحُ الصَّبا كُلَّ مَسْحَقِ
والفِعْلُ مِنهُ ثُلاثِيٌّ. وقالَ الزَّجّاجُ: أيْ: أسْحَقُهُمُ اللَّهُ سُحْقًا، أيْ: باعَدَهم بُعْدًا. وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: القِياسُ إسْحاقًا، فَجاءَ المَصْدَرُ عَلى الحَذْفِ، كَما قِيلَ:
وإنْ أهْلِكْ فَذَلِكَ كانَ قَدَرِي
أيْ تَقْدِيرِي. انْتَهى، ولا يَحْتاجُ إلى ادِّعاءِ الحَذْفِ في المَصْدَرِ؛ لِأنَّ فِعْلَهُ قَدْ جاءَ ثُلاثِيًّا، كَما أنْشَدَ:
؎وتَسْحَقُهُ رِيحُ الصَّبا كُلَّ مَسْحَقِ
وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِسُكُونِ الحاءِ. وعَلِيٌّ وأبُو جَعْفَرٍ والكِسائِيُّ، بِخِلافٍ عَنْ أبِي الحَرْثِ عَنْهُ: بِضَمِّها. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: (فَسُحْقًا) نَصْبًا عَلى جِهَةِ الدُّعاءِ عَلَيْهِمْ، وجازَ ذَلِكَ فِيهِ، وهو مِن قِبَلِ اللَّهِ - تَعالى - مِن حَيْثُ هَذا القَوْلِ فِيهِمْ مُسْتَقِرٌّ أوَّلًا، ووُجُودُهُ لَمْ يَقَعْ إلّا في الآخِرَةِ، فَكَأنَّهُ لِذَلِكَ في حَيِّزِ المُتَوَقَّعِ الَّذِي يُدْعى بِهِ، كَما تَقُولُ: سُحْقًا لِزَيْدٍ وبُعْدًا، والنَّصْبُ في هَذا كُلِّهِ بِإضْمارِ فِعْلٍ، وإنْ وقَعَ وثَبَتَ، فالوَجْهُ فِيهِ الرَّفْعُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ويْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ [المطففين: ١] وسَلامٌ عَلَيْكم وغَيْرُ هَذا مِنَ الأمْثِلَةِ. انْتَهى. يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ أيِ: الَّذِي أُخْبِرُوا بِهِ مِن أمْرِ المَعادِ وأحْوالِهِ، أوْ غائِبِينَ عَنْ أعْيُنِ النّاسِ، أيْ في خَلَواتِهِمْ، كَقَوْلِهِ: «ورَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خالِيًا، فَفاضَتْ عَيْناهُ» . وأسِرُّوا قَوْلَكم خِطابٌ لِجَمِيعِ الخَلْقِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وسَبَبُهُ أنَّ بَعْضَ المُشْرِكِينَ قالَ لِبَعْضٍ: أسِرُّوا قَوْلَكم لا يَسْمَعُكم إلَهُ مُحَمَّدٍ. ألا يَعْلَمُ مَن خَلَقَ الهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهامِ و”لا“ لِلنَّفْيِ، والظّاهِرُ أنَّ ”مَن“ مَفْعُولٌ، والمَعْنى أيَنْتَفِي عِلْمُهُ بِمَن خَلَقَ، وهو الَّذِي لَطُفَ عِلْمُهُ ودَقَّ وأحاطَ بِخَفِيّاتِ الأُمُورِ وجَلِيّاتِها ؟ وأجازَ بَعْضُ النُّحاةِ أنْ يَكُونَ ”مَن“ فاعِلًا، والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، كَأنَّهُ قالَ: ألا يَعْلَمُ الخالِقُ سِرَّكم وجَهْرَكم ؟ وهو اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ الإنْكارُ، أيْ: كَيْفَ لا يَعْلَمُ ما تَكَلَّمَ بِهِ مِن خَلْقِ الأشْياءِ، وأوْجَدَها مِنَ العَدَمِ الصِّرْفِ، وحالُهُ أنَّهُ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ المُتَوَصِّلُ عِلْمُهُ إلى ما ظَهَرَ مِن خَلْقِهِ وما بَطَنَ ؟
﴿هو الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ ذَلُولًا﴾ مِنَّةٌ مِنهُ - تَعالى - بِذَلِكَ، والذَّلُولُ فَعُولٌ لِلْمُبالِغَةِ، مِن ذَلِكَ تَقُولُ: دابَّةٌ ذَلُولٌ بَيِّنَةُ الذُّلِّ، ورَجُلٌ ذَلِيلٌ: بَيِّنُ الذُّلِّ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والذَّلُولُ فَعُولٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، أيْ: مَذْلُولَةٌ، فَهي كَرَكُوبٍ وحَلُوبٍ. انْتَهى. ولَيْسَ بِمَعْنى مَفْعُولٍ؛ لِأنَّ فِعْلَهُ قاصِرٌ، وإنَّما تَعَدّى (p-٣٠١)بِالهَمْزَةِ كَقَوْلِهِ: وتُذِلُّ مَن تَشاءُ وإمّا بِالتَّضْعِيفِ لِقَوْلِهِ: وذَلَّلْناها لَهم وقَوْلُهُ أيْ: مَذْلُولَةٌ يَظْهَرُ أنَّهُ خَطَأٌ. فامْشُوا في مَناكِبِها أمَرَ بِالتَّصَرُّفِ فِيها والِاكْتِسابِ. ومَناكِبُها، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ وبِشْرُ بْنُ كَعْبٍ: أطْرافُها، وهي الجِبالُ. وقالَ الفَرّاءُ والكَلْبِيُّ ومُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ: جَوانِبُها، ومَنكِبا الرَّجُلِ: جانِباهُ. وقالَ الحَسَنُ والسُّدِّيُّ: طَرَفُها وفِجاجُها. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والمَشْيُ في مَناكِبِها مَثَلٌ لِفَرْطِ التَّذْلِيلِ ومُجاوَزَتِهِ الغايَةَ؛ لِأنَّ المَنكِبَيْنِ ومُلْتَقاهُما مِنَ الغارِبِ أرَقُّ شَيْءٍ مِنَ البَعِيرِ، وأنْبَأهُ عَنْ أنْ يَطَأهُ الرّاكِبُ بِقَدَمِهِ ويَعْتَمِدَ عَلَيْهِ، فَإذا جَعَلَها في الذُّلِّ بِحَيْثُ يَمْشِي في مَناكِبِها لَمْ يَنْزِلْ. انْتَهى. وقالَ الزَّجّاجُ: سَهَّلَ لَكُمُ السُّلُوكَ في جِبالِها فَهو أبْلَغُ التَّذْلِيلِ. وإلَيْهِ النُّشُورُ أيْ: البَعْثُ، فَيَسْألُكم عَنْ شُكْرِ هَذِهِ النِّعْمَةِ عَلَيْكم.
الملك 67:11
(سُورَةُ المُلْكِ مَكِّيَّةٌ وهي ثَلاثُونَ آيَةً)
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)
﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ والحَياةَ لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا وهو العَزِيزُ الغَفُورُ﴾ ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا ما تَرى في خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفاوُتٍ فارْجِعِ البَصَرَ هَلْ تَرى مِن فُطُورٍ﴾ ﴿ثُمَّ ارْجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إلَيْكَ البَصَرُ خاسِئًا وهو حَسِيرٌ﴾ ﴿ولَقَدْ زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ وأعْتَدْنا لَهم عَذابَ السَّعِيرِ﴾ ﴿ولِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ ﴿إذا أُلْقُوا فِيها سَمِعُوا لَها شَهِيقًا وهي تَفُورُ﴾ ﴿تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَألَهم خَزَنَتُها ألَمْ يَأْتِكم نَذِيرٌ﴾ ﴿قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا وقُلْنا ما نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ إنْ أنْتُمْ إلّا في ضَلالٍ كَبِيرٍ﴾ ﴿وقالُوا لَوْ كُنّا نَسْمَعُ أوْ نَعْقِلُ ما كُنّا في أصْحابِ السَّعِيرِ﴾ ﴿فاعْتَرِفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأصْحابِ السَّعِيرِ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ كَبِيرٌ﴾ ﴿وأسِرُّوا قَوْلَكم أوِ اجْهُرُوا بِهِ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ ﴿ألا يَعْلَمُ مَن خَلَقَ وهو اللَّطِيفُ الخَبِيرُ﴾ ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ ذَلُولًا فامْشُوا في مَناكِبِها وكُلُوا مِن رِزْقِهِ وإلَيْهِ النُّشُورُ﴾ .
(p-٢٩٧)هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ. ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها، أنَّهُ لَمّا ضُرِبَ لِلْكَفّارِ بِتَيْنِكَ المَرْأتَيْنِ المَحْتُومِ لَهُما بِالشَّقاوَةِ، وإنْ كانَتا تَحْتَ نَبِيِّينَ، ومَثَلًا لِلْمُؤْمِنِينَ بِـ آسِيَةَ ومَرْيَمَ، وهُما مَحْتُومٌ لَهُما بِالجَنَّةِ، وإنْ كانَ قَوْماهُما كافِرِينَ. كانَ ذَلِكَ تَصَرُّفًا في مُلْكِهِ عَلى ما سَبَقَ قَضاؤُهُ، فَقالَ: (تَبارَكَ) أيْ: تَعالى وتَعاظَمَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكِ وهو كِنايَةٌ عَنِ الإحاطَةِ والقَهْرِ، وكَثِيرًا ما جاءَ نِسْبَةُ اليَدِ إلَيْهِ - تَعالى - كَقَوْلِهِ: ﴿فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [يس: ٨٣] بِيَدِكَ الخَيْرُ وذَلِكَ في حَقِّهِ - تَعالى - اسْتِعارَةٌ لِتَحْقِيقِ المُلْكِ، إذْ كانَتْ في عُرْفِ الآدَمِيِّينَ آلَةً لِلتَّمَلُّكِ، والمُلْكُ هُنا هو عَلى الإطْلاقِ لا يَبِيدُ ولا يَخْتَلُّ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: مَلِكُ المُلُوكِ لِقَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ المُلْكِ﴾ [آل عمران: ٢٦] وناسَبَ المُلْكَ ذِكْرُ وصْفِ القُدْرَةِ والحَياةِ ما يَصِحُّ بِوُجُودِهِ الإحْساسُ. ومَعْنى خَلَقَ المَوْتَ إيجادُ ذَلِكَ المُصَحِّحِ وإعْدامُهُ، والمَعْنى: خَلَقَ مَوْتَكم وحَياتَكم أيُّها المُكَلَّفُونَ، وسَمّى عِلْمَ الواقِعِ مِنهم بِاخْتِيارِهِمْ بَلْوى وهي الحَيْرَةُ، اسْتِعارَةً مِن فِعْلِ المُخْتَبِرِ. وفي الحَدِيثِ أنَّهُ فَسَّرَ أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا أيْ: أحْسَنُ عَقْلًا وأشَدُّكم خَوْفًا وأحْسَنُكم في أمْرِهِ ونَهْيِهِ نَظَرًا، وإنْ كانَ أقَلَّكم تَطَوُّعًا. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ والثَّوْرِيِّ: أزْهَدُكم في الدُّنْيا. وقِيلَ: كَنّى بِالمَوْتِ عَنِ الدُّنْيا، إذْ هو واقِعٌ فِيها، وعَنِ الآخِرَةِ بِالحَياةِ مِن حَيْثُ لا مَوْتَ فِيها، فَكَأنَّهُ قالَ: هو الَّذِي خَلَقَ الدُّنْيا والآخِرَةَ، وصَفَهُما بِالمَصْدَرَيْنِ، وقَدَّمَ المَوْتَ لِأنَّهُ أهْيَبُ في النُّفُوسِ. و(لِيَبْلُوَكم) مُتَعَلِّقٌ بِـ (خَلَقَ) وأيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، فَقَدَّرَ الحَوْفِيُّ قَبْلَها فِعْلًا تَكُونُ الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ مَعْمُولِهِ، وهو مُعَلَّقٌ عَنْها، تَقْدِيرُهُ: فَيَنْظُرُ، وقَدَّرَ ابْنُ عَطِيَّةَ فَيَنْظُرُ أوْ فَيَعْلَمُ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ) مِن أيْنَ تَعَلَّقَ قَوْلُهُ: أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا بِفِعْلِ البَلْوى ؟ (قُلْتُ): مِن حَيْثُ إنَّهُ تَضَمَّنَ مَعْنى العِلْمِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: لِيَعْلَمَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا، وإذا قُلْتَ: عَلِمْتُهُ أزَيْدٌ أحْسَنُ عَمَلًا أمْ هو ؟ كانَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ واقِعَةً مَوْقِعَ الثّانِي مِن مَفْعُولَيْهِ، كَما تَقُولُ: عَلِمْتُهُ هو أحْسَنُ عَمَلًا. (فَإنْ قُلْتَ) أيُسَمّى هَذا تَعْلِيقًا ؟ (قُلْتُ): لا، إنَّما التَّعْلِيقُ أنْ تُوقِعَ بَعْدَهُ ما يَسُدُّ مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ جَمِيعًا، كَقَوْلِكَ: عَلِمْتُ أيُّهُما عَمْرٌو، وعَلِمْتُ أزَيْدٌ مُنْطَلِقٌ. ألا تَرى أنَّهُ لا فَصْلَ بَعْدَ سَبْقِ أحَدِ المَفْعُولَيْنِ بَيْنَ أنْ يَقَعَ ما بَعْدَهُ مُصَدَّرًا بِحَرْفِ الِاسْتِفْهامِ وغَيْرَ مُصَدَّرٍ بِهِ ؟ ولَوْ كانَ تَعْلِيقًا لافْتَرَقَتِ الحالَتانِ، كَما افْتَرَقَتا في قَوْلِكَ: عَلِمْتُ أزَيْدٌ مُنْطَلِقٌ، وعَلِمْتُ زَيْدًا مُنْطَلِقًا. انْتَهى. وأصْحابُنا يُسَمُّونَ ما مَنَعَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ تَعْلِيقًا، فَيَقُولُونَ في الفِعْلِ إذا عُدِّيَ إلى اثْنَيْنِ (p-٢٩٨)ونُصِبَ الأوَّلُ وجاءَتْ بَعْدَهُ جُمْلَةٌ اسْتِفْهامِيَّةٌ، أوْ بِلامِ الِابْتِداءِ، أوْ بِحَرْفِ نَفْيٍ، كانَتِ الجُمْلَةُ مُعَلَّقًا عَنْها الفِعْلُ، وكانَتْ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، كَما لَوْ وقَعَتْ في مَوْضِعِ المَفْعُولَيْنِ وفِيها ما يُعَلِّقُ الفِعْلَ عَنِ العَمَلِ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مِثْلِ هَذِهِ الجُمْلَةِ في الكَهْفِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِنَبْلُوَهم أيُّهم أحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٧] .
وانْتَصَبَ (طِباقًا) عَلى الوَصْفِ لِـ ”سَبْعَ“، فَإمّا أنْ يَكُونَ مَصْدَرَ طابَقَ مُطابَقَةً وطِباقًا لِقَوْلِهِمْ: النَّعْلُ خَصْفُها طَبَقًا عَلى طَبَقٍ، وُصِفَ بِهِ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ، أوْ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ ذا طِباقٍ، وإمّا جَمْعُ طَبَقٍ كَجَمَلٍ وجِمالٍ، أوْ جَمْعُ طَبَقَةٍ كَرَحَبَةٍ ورِحابٍ، والمَعْنى: بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ. وما ذُكِرَ مِن مَوادِّ هَذِهِ السَّماواتِ. فالأُولى مِن مَوْجٍ مَكْفُوفٍ، والثّانِيَةُ مِن دُرَّةٍ بَيْضاءَ، والثّالِثَةُ مِن حَدِيدٍ، والرّابِعَةُ مِن نُحاسٍ، والخامِسَةُ مِن فِضَّةٍ، والسّادِسَةُ مِن ذَهَبٍ، والسّابِعَةُ مِن زُمُرُّدَةٍ بَيْضاءَ - يَحْتاجُ إلى نَقْلٍ صَحِيحٍ، وقَدْ كانَ بَعْضُ مَن يَنْتَمِي إلى الصَّلاحِ، وكانَ أعْمى لا يُبْصِرُ مَوْضِعَ قَدَمِهِ، يُخْبِرُ أنَّهُ يُشاهِدُ السَّماواتِ عَلى بَعْضِ أوْصافٍ مِمّا ذَكَرْنا.
مِن تَفاوُتٍ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مِن تَفَرُّقٍ. وقالَ السُّدِّيُّ: مِن عَيْبٍ. وقالَ عَطاءُ بْنُ يَسارٍ: مِن عَدَمِ اسْتِواءٍ. وقالَ ثَعْلَبٌ: أصْلُهُ مِنَ الفَوْتِ، وهو أنْ يَفُوتَ شَيْءٌ شَيْئًا مِنَ الخَلَلِ. وقِيلَ: مِنِ اضْطِرابٍ. وقِيلَ: مِنِ اعْوِجاجٍ. وقِيلَ: مِن تَناقُضٍ. وقِيلَ: مِنِ اخْتِلافٍ. وقِيلَ: مِن عَدَمِ التَّناسُبِ. والتَّفاوُتُ: تَجاوُزُ الحَدِّ الَّذِي تَجِبُ لَهُ زِيادَةٌ أوْ نَقْصٌ. قالَ بَعْضُ الأُدَباءِ:
؎تَناسَبَتِ الأعْضاءُ فِيهِ فَلا تَرى بِهِنَّ اخْتِلافًا بَلْ أتَيْنَ عَلى قَدَرِ
وقَرَأ الجُمْهُورُ: مِن تَفاوُتٍ بِألِفٍ مَصْدَرُ تَفاوَتَ. وعَبْدُ اللَّهِ وعَلْقَمَةُ والأسْوَدُ، وابْنُ جُبَيْرٍ وطَلْحَةُ والأعْمَشُ بِشَدِّ الواوِ، مَصْدَرُ تَفَوَّتَ. وحَكى أبُو زَيْدِ بْنُ العَرَبِيِّ: (تَفاوُتًا) بِضَمِّ الواوِ وفَتْحِها وكَسْرِها، والفَتْحُ والكَسْرُ شاذّانِ. والظّاهِرُ عُمُومُ خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنَ الأفْلاكِ وغَيْرِها، فَإنَّهُ لا تَفَوُّتَ فِيهِ ولا فُطُورَ، بَلْ كُلٌّ جارٍ عَلى الإتْقانِ. وقِيلَ: المُرادُ في خَلْقِ الرَّحْمَنِ السَّماواتُ فَقَطْ، والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ما تَرى اسْتِئْنافُ أنَّهُ لا يُدْرَكُ في خَلْقِهِ تَعالى تَفاوُتٌ، وجَعَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ هَذِهِ الجُمْلَةَ صِفَةَ مُتابَعَةٍ لِقَوْلِهِ: (طِباقًا) أصْلُها ما تَرى فِيهِنَّ مِن تَفاوُتٍ، فَوَضَعَ مَكانَ الضَّمِيرِ قَوْلَهُ: خَلْقِ الرَّحْمَنِ تَعْظِيمًا لِخَلْقِهِنَّ وتَنْبِيهًا عَلى سَبَبِ سَلامَتِهِنَّ مِنَ التَّفاوُتِ، وهو أنَّهُ خَلْقُ الرَّحْمَنِ، وأنَّهُ بِباهِرِ قُدْرَتِهِ هو الَّذِي يَخْلُقُ مِثْلَ ذَلِكَ الخَلْقِ المُناسِبِ. انْتَهى. والخِطابُ في (تَرى) لِكُلِّ مُخاطَبٍ، أوْ لِلرَّسُولِ، ﷺ . ولَمّا أخْبَرَ - تَعالى - أنَّهُ لا تَفاوُتَ في خَلْقِهِ، أمَرَ بِتَرْدِيدِ البَصَرِ في الخَلْقِ المُناسِبِ، فَقالَ: (فارْجِعْ) فَفي الفاءِ مَعْنى التَّسَبُّبِ، والمَعْنى: أنَّ العِيانَ يُطابِقُ الخَبَرَ.
و(الفُطُورُ) قالَ مُجاهِدٌ: الشُّقُوقُ. فَطَرَ نابُ البَعِيرِ: شَقَّ اللَّحْمَ وظَهَرَ، قالَ الشّاعِرُ:
؎بَنى لَكم بِلا عُمُدٍ سَماءً ∗∗∗ وسَوّاها فَما فِيها فُطُورُ
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: صُدُوعٌ، وأنْشَدَ قَوْلَ عُبَيْدِ بْنِ مَسْعُودٍ:
؎شَقَقْتُ القَلْبَ ثُمَّ رَدَدْتُ فِيهِ ∗∗∗ هَواكِ فَلِيطَ فالتَأمَ الفُطُورُ
وقالَ السُّدِّيُّ: خُرُوقٌ. وقالَ قَتادَةُ: خَلَلٌ، ومِنهُ التَّفْطِيرُ والِانْفِطارُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وهَنٌ. وهَذِهِ تَفاسِيرٌ مُتَقارِبَةٌ.
والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: ﴿هَلْ تَرى مِن فُطُورٍ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِفِعْلٍ مُعَلَّقٍ مَحْذُوفٍ، أيْ فانْظُرْ هَلْ تَرى، أوْ ضُمِّنَ مَعْنى فارْجِعِ البَصَرَ مَعْنى فانْظُرْ بِبَصَرِكَ هَلْ تَرى ؟ فَيَكُونُ مُعَلَّقًا. ثُمَّ ارْجِعِ البَصَرَ أيْ: رَدِّدْهُ كَرَّتَيْنِ هي تَثْنِيَةٌ لا شَفْعُ الواحِدِ، بَلْ يُرادُ بِها التَّكْرارُ، كَأنَّهُ قالَ: كَرَّةً بَعْدَ كَرَّةٍ، أيْ كَرّاتٍ كَثِيرَةً، كَقَوْلِهِ: لَبَّيْكَ، يُرِيدُ إجاباتٍ كَثِيرَةً بَعْضُها في إثْرِ بَعْضٍ، وأُرِيدَ بِالتَّثْنِيَةِ التَّكْثِيرُ، كَما أُرِيدَ بِما هو أصْلٌ لَها التَّكْثِيرُ، وهو مُفْرَدٌ عُطِفَ عَلى مُفْرَدٍ، نَحْوَ قَوْلِهِ:
؎لَوْ عُدَّ قَبْرٌ وقَبْرٌ كانَ أكْرَمَهم ∗∗∗ بَيْتًا وأبْعَدَهم عَنْ مَنزِلِ الزّامِّ
(p-٢٩٩)يُرِيدُ: لَوْ عُدَّتْ قُبُورٌ كَثِيرَةٌ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ وغَيْرُهُ: (كَرَّتَيْنِ) مَعْناهُ مَرَّتَيْنِ، ونَصَبَها عَلى المَصْدَرِ. وقِيلَ: أمَرَ بِرَجْعِ البَصَرِ إلى السَّماءِ مَرَّتَيْنِ، غَلَّطَ في الأُولى، فَيَسْتَدْرِكُ بِالثّانِيَةِ. وقِيلَ: الأُولى لِيَرى حُسْنَها واسْتِواءَها، والثّانِيَةُ لِيُبْصِرَ كَواكِبَها في سَيْرِها وانْتِهائِها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يَنْقَلِبْ) جَزْمًا عَلى جَوابِ الأمْرِ. والخُوارَزْمِيُّ عَنِ الكِسائِيِّ: يَرْفَعُ الباءَ، أيْ: فَيَنْقَلِبْ عَلى حَذْفِ الفاءِ، أوْ عَلى أنَّهُ مَوْضِعُ حالٍ مُقَدَّرَةٍ، أيْ: إنْ رَجَعْتَ البَصَرَ وكَرَّرْتَ النَّظَرَ؛ لِتَطْلُبَ فُطُورَ شُقُوقٍ أوْ خَلَلًا أوْ عَيْبًا، رَجَعَ إلَيْكَ مُبْعَدًا عَمّا طَلَبْتَهُ لِانْتِفاءِ ذَلِكَ عَنْها، وهو كالٌّ مِن كَثْرَةِ النَّظَرِ، وكَلالُهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالكَرَّتَيْنِ لَيْسَ شَفْعَ الواحِدِ؛ لِأنَّهُ لا يَكِلُّ البَصَرُ بِالنَّظَرِ مَرَّتَيْنِ اثْنَتَيْنِ. والحَسِيرُ: الكالُّ، قالَ الشّاعِرُ:
؎لَهُنَّ الوَجى لَمْ كُنَّ عَوْنًا عَلى النَّوى ∗∗∗ ولا زالَ مِنها ظالِعٌ وحَسِيرُ
يُقالُ: حَسَرَ بَعِيرُهُ يَحْسِرُ حُسُورًا أيْ: كَلَّ وانْقَطَعَ فَهو حَسِيرٌ ومَحْسُورٌ، قالَ الشّاعِرُ يَصِفُ ناقَةً:
؎فَشَطْرُها نَظَرَ العَيْنَيْنِ مَحْسُورُ
أيْ: ونَحْرُها، وقَدْ جُمِعَ حَسِيرٌ بِمَعْنى أعْيا وكَلَّ، قالَ الشّاعِرُ:
؎بِها جِيَفُ الحَسْرى فَأمّا عِظامُها
البَيْتَ.
السَّماءَ الدُّنْيا هي الَّتِي نُشاهِدُها، والدُّنُوُّ أمْرٌ نِسْبِيٌّ وإلّا فَلَيْسَتْ قَرِيبَةً. (بِمَصابِيحَ) أيْ: بِنُجُومٍ مُضِيئَةٍ كالمَصابِيحِ، ومَصابِيحُ مُطْلَقُ الأعْلامِ، فَلا يَدُلُّ عَلى أنَّ غَيْرَ سَماءِ الدُّنْيا لَيْسَتْ فِيها مَصابِيحُ. وجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ أيْ: جَعَلْنا مِنها؛ لِأنَّ السَّماءَ ذاتَها لَيْسَتْ يُرْجَمُ بِها الرُّجُومُ هَذا إنْ عادَ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: (وجَعَلْناها) عَلى السَّماءِ. والظّاهِرُ عَوْدُهُ عَلى مَصابِيحَ. ونَسَبَ الرَّجْمَ إلَيْها؛ لِأنَّ الشِّهابَ المُتَّبِعَ لِلْمُسْتَرِقِ مُنْفَصِلٌ مِن نارِها، والكَواكِبُ قارٌّ في مُلْكِهِ عَلى حالِهِ. فالشِّهابُ كَقَبَسٍ يُؤْخَذُ مِنَ النّارِ، والنّارُ باقِيَةٌ لا تَنْقُصُ. والظّاهِرُ أنَّ الشَّياطِينَ هم مُسْتَرِقُو السَّمْعِ، وأنَّ الرَّجْمَ هو حَقِيقَةٌ يُرْمَوْنَ بِالشُّهُبِ، كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ الحِجْرِ وسُورَةِ والصّافّاتِ. وقِيلَ: مَعْنى (رُجُومًا): (ظُنُونًا) لِشَياطِينِ الإنْسِ، وهُمُ المُنَجِّمُونَ يَنْسُبُونَ إلى النُّجُومِ أشْياءَ عَلى جِهَةِ الظَّنِّ مِن جُهّالِهِمْ، والتَّمْوِيهِ والِاخْتِلاقِ مِن أزْكِيائِهِمْ، ولَهم في ذَلِكَ تَصانِيفُ تَشْتَمِلُ عَلى خُرافاتٍ يُمَوِّهُونَ بِها عَلى المُلُوكِ وضُعَفاءِ العُقُولِ، ويَعْمَلُونَ مَوالِدَ يَحْكُمُونَ فِيها بِالأشْياءِ لا يَصِحُّ مِنها شَيْءٌ. وقَدْ وقَفْنا عَلى أشْياءَ مِن كَذِبِهِمْ في تِلْكَ المَوالِدِ، وما يَحْكُونَهُ عَنْ أبِي مَعْشَرٍ وغَيْرِهِ مِن شُيُوخِ السُّوءِ كَذِبٌ يُغْرُونَ بِهِ النّاسَ الجُهّالَ. وقالَ قَتادَةُ: خَلَقَ اللَّهُ - تَعالى - النُّجُومَ زِينَةً لِلسَّماءِ ورُجُومًا لِلشَّياطِينِ، ولِيُهْتَدى بِها في البَرِّ والبَحْرِ. فَمَن قالَ غَيْرَ هَذِهِ الخِصالِ الثَّلاثِ فَقَدْ تَكَلَّفَ وأذْهَبَ حَظَّهُ مِنَ الآخِرَةِ. والضَّمِيرُ في ”لَهم“ عائِدٌ عَلى الشَّياطِينِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: عَذابُ جَهَنَّمَ بِرَفْعِ الباءِ. والضَّحّاكُ والأعْرَجُ وأُسَيْدُ بْنُ أُسَيْدٍ المُزَنِيُّ، والحَسَنُ في رِوايَةِ هارُونَ عَنْهُ: بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى عَذابَ السَّعِيرِ أيْ: وأعْتَدْنا لِلَّذِينَ كَفَرُوا عَذابَ جَهَنَّمَ. إذا أُلْقُوا فِيها أيْ: طُرِحُوا، كَما يُطْرَحُ الحَطَبُ في النّارِ العَظِيمَةِ ويُرْمى بِهِ، ومِثْلُهُ ”حَصَبُ جَهَنَّمَ“ سَمِعُوا لَها أيْ: لِجَهَنَّمَ (شَهِيقًا) أيْ: صَوْتًا مُنْكَرًا كَصَوْتِ الحِمارِ، تُصَوِّتُ مِثْلَ ذَلِكَ لِشِدَّةِ تَوَقُّدِها وغَلَيانِها. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: سَمِعُوا لِأهْلِها، كَما قالَ تَعالى: ﴿لَهم فِيها زَفِيرٌ وشَهِيقٌ﴾ [هود: ١٠٦] . وهي تَفُورُ تَغْلِي بِهِمْ غَلْيَ المِرْجَلِ. تَكادُ تَمَيَّزُ أيْ: يَنْفَصِلُ بَعْضُها مِن بَعْضٍ لِشِدَّةِ اضْطِرابِها، ويُقالُ: فُلانٌ يَتَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ إذا وصَفُوهُ بِالإفْراطِ في الغَضَبِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (تَمَيَّزُ) بِتاءٍ واحِدَةٍ خَفِيفَةٍ، والبَزِّيُّ يُشَدِّدُها، وطَلْحَةُ: بِتاءَيْنِ، وأبُو عَمْرٍو: بِإدْغامِ الدّالِ في التّاءِ، والضَّحّاكُ: تَمايَزُ عَلى وزْنِ تَفاعَلُ، وأصْلُهُ تَتَمايَزُ بِتاءَيْنِ. وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: تَمِيزُ مِن مازَ مِنَ الغَيْظِ عَلى الكَفَرَةِ، جُعِلَتْ كالمُغْتاظَةِ عَلَيْهِمْ لِشِدَّةِ غَلَيانِها بِهِمْ، ومِثْلُ هَذا في التَّجَوُّزِ قَوْلُ الشّاعِرِ في كَلْبٍ:
؎يَشْتَدُّ في جَرْيِهِ يَكادُ ∗∗∗ أنْ يَخْرُجَ مِن إهابِهِ
(p-٣٠٠)وقَوْلُهم: غَضِبَ فُلانٌ، فَطارَتْ مِنهُ شُقَّةٌ في الأرْضِ وشُقَّةٌ في السَّماءِ إذا أفْرَطَ في الغَضَبِ. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ مِن غَيْظِ الزَّبانِيَةِ. كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ أيْ: فَرِيقٌ مِنَ الكُفّارِ سَألَهم خَزَنَتُها سُؤالَ تَوْبِيخٍ وتَقْرِيعٍ، وهو مِمّا يَزِيدُهم عَذابًا إلى عَذابِهِمْ، وخَزَنَتُها: مالِكٌ وأعْوانُهُ ألَمْ يَأْتِكم نَذِيرٌ يُنْذِرُكم بِهَذا اليَوْمِ قالُوا بَلى اعْتِرافٌ بِمَجِيءِ النُّذُرِ إلَيْهِمْ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: اعْتِرافٌ مِنهم بِعَدْلِ اللَّهِ، وإقْرارٌ بِأنَّهُ - عَزَّ وعَلا - أزاحَ عِلَلَهم بِبِعْثِهِ الرُّسُلَ وإنْذارِهم فِيما وقَعُوا فِيهِ، وأنَّهم لَمْ يُؤْتَوْا مِن قُدْرَةٍ كَما تَزْعُمُ المُجْبِرَةُ، وإنَّما أتَوْا مِن قِبَلِ أنْفُسِهِمْ واخْتِيارِهِمْ، خِلافَ ما اخْتارَ اللَّهُ وأمَرَ بِهِ وأوْعَدَ عَلى ضِدِّهِ. انْتَهى، وهو عَلى طَرِيقِ المُعْتَزِلَةِ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنْ أنْتُمْ إلّا في ضَلالٍ كَبِيرٍ﴾ مِن قَوْلِ الكُفّارِ لِلرُّسُلِ الَّذِينَ جاءُوا نُذُرًا إلَيْهِمْ، أنْكَرُوا أوَّلًا أنَّ اللَّهَ نَزَّلَ شَيْئًا، واسْتَجْهَلُوا ثانِيًا مَن أخْبَرَ بِأنَّهُ - تَعالى - أرْسَلَ إلَيْهِمُ الرُّسُلَ، وأنَّ قائِلَ ذَلِكَ في حَيْرَةٍ عَظِيمَةٍ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِ الخَزَنَةِ لِلْكُفّارِ إخْبارًا لَهم وتَقْرِيعًا بِما كانُوا عَلَيْهِ في الدُّنْيا. أرادُوا بِالضَّلالِ الهَلاكَ الَّذِي هم فِيهِ، أوْ سَمَّوْا عِقابَ الضَّلالِ ضَلالًا لَمّا كانَ ناشِئًا عَنِ الضَّلالِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ مِن كَلامِ الرُّسُلِ لَهم حَكَوْهُ لِلْخَزَنَةِ، أيْ: قالُوا لَنا هَذا فَلَمْ نَقْبَلْهُ. انْتَهى. فَإنْ كانَ الخِطابُ في إنْ أنْتُمْ لِلرُّسُلِ، فَقَدْ يُرادُ بِهِ الجِنْسُ، ولِذَلِكَ جاءَ الخِطابُ بِالجَمْعِ. (وقالُوا) أيْ: لِلْخَزَنَةِ حِينَ حاوَرُوهم لَوْ كُنّا نَسْمَعُ سَماعَ طالِبٍ لِلْحَقِّ أوْ نَعْقِلُ عَقْلَ مُتَأمِّلٍ لَهُ، لَمْ نَسْتَوْجِبِ الخُلُودَ في النّارِ. فاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ أيْ: بِتَكْذِيبِ الرُّسُلِ (فَسُحْقًا) أيْ: فَبُعْدًا لَهم، وهو دُعاءٌ عَلَيْهِمْ، والسُّحْقُ: البُعْدُ، وانْتِصابُهُ عَلى المَصْدَرِ أيْ: سَحَقَهُمُ اللَّهُ سُحْقًا، قالَ الشّاعِرُ:
؎يَجُولُ بِأطْرافِ البِلادِ مُغَرِّبًا ∗∗∗ وتَسْحَقُهُ رِيحُ الصَّبا كُلَّ مَسْحَقِ
والفِعْلُ مِنهُ ثُلاثِيٌّ. وقالَ الزَّجّاجُ: أيْ: أسْحَقُهُمُ اللَّهُ سُحْقًا، أيْ: باعَدَهم بُعْدًا. وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: القِياسُ إسْحاقًا، فَجاءَ المَصْدَرُ عَلى الحَذْفِ، كَما قِيلَ:
وإنْ أهْلِكْ فَذَلِكَ كانَ قَدَرِي
أيْ تَقْدِيرِي. انْتَهى، ولا يَحْتاجُ إلى ادِّعاءِ الحَذْفِ في المَصْدَرِ؛ لِأنَّ فِعْلَهُ قَدْ جاءَ ثُلاثِيًّا، كَما أنْشَدَ:
؎وتَسْحَقُهُ رِيحُ الصَّبا كُلَّ مَسْحَقِ
وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِسُكُونِ الحاءِ. وعَلِيٌّ وأبُو جَعْفَرٍ والكِسائِيُّ، بِخِلافٍ عَنْ أبِي الحَرْثِ عَنْهُ: بِضَمِّها. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: (فَسُحْقًا) نَصْبًا عَلى جِهَةِ الدُّعاءِ عَلَيْهِمْ، وجازَ ذَلِكَ فِيهِ، وهو مِن قِبَلِ اللَّهِ - تَعالى - مِن حَيْثُ هَذا القَوْلِ فِيهِمْ مُسْتَقِرٌّ أوَّلًا، ووُجُودُهُ لَمْ يَقَعْ إلّا في الآخِرَةِ، فَكَأنَّهُ لِذَلِكَ في حَيِّزِ المُتَوَقَّعِ الَّذِي يُدْعى بِهِ، كَما تَقُولُ: سُحْقًا لِزَيْدٍ وبُعْدًا، والنَّصْبُ في هَذا كُلِّهِ بِإضْمارِ فِعْلٍ، وإنْ وقَعَ وثَبَتَ، فالوَجْهُ فِيهِ الرَّفْعُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ويْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ [المطففين: ١] وسَلامٌ عَلَيْكم وغَيْرُ هَذا مِنَ الأمْثِلَةِ. انْتَهى. يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ أيِ: الَّذِي أُخْبِرُوا بِهِ مِن أمْرِ المَعادِ وأحْوالِهِ، أوْ غائِبِينَ عَنْ أعْيُنِ النّاسِ، أيْ في خَلَواتِهِمْ، كَقَوْلِهِ: «ورَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خالِيًا، فَفاضَتْ عَيْناهُ» . وأسِرُّوا قَوْلَكم خِطابٌ لِجَمِيعِ الخَلْقِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وسَبَبُهُ أنَّ بَعْضَ المُشْرِكِينَ قالَ لِبَعْضٍ: أسِرُّوا قَوْلَكم لا يَسْمَعُكم إلَهُ مُحَمَّدٍ. ألا يَعْلَمُ مَن خَلَقَ الهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهامِ و”لا“ لِلنَّفْيِ، والظّاهِرُ أنَّ ”مَن“ مَفْعُولٌ، والمَعْنى أيَنْتَفِي عِلْمُهُ بِمَن خَلَقَ، وهو الَّذِي لَطُفَ عِلْمُهُ ودَقَّ وأحاطَ بِخَفِيّاتِ الأُمُورِ وجَلِيّاتِها ؟ وأجازَ بَعْضُ النُّحاةِ أنْ يَكُونَ ”مَن“ فاعِلًا، والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، كَأنَّهُ قالَ: ألا يَعْلَمُ الخالِقُ سِرَّكم وجَهْرَكم ؟ وهو اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ الإنْكارُ، أيْ: كَيْفَ لا يَعْلَمُ ما تَكَلَّمَ بِهِ مِن خَلْقِ الأشْياءِ، وأوْجَدَها مِنَ العَدَمِ الصِّرْفِ، وحالُهُ أنَّهُ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ المُتَوَصِّلُ عِلْمُهُ إلى ما ظَهَرَ مِن خَلْقِهِ وما بَطَنَ ؟
﴿هو الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ ذَلُولًا﴾ مِنَّةٌ مِنهُ - تَعالى - بِذَلِكَ، والذَّلُولُ فَعُولٌ لِلْمُبالِغَةِ، مِن ذَلِكَ تَقُولُ: دابَّةٌ ذَلُولٌ بَيِّنَةُ الذُّلِّ، ورَجُلٌ ذَلِيلٌ: بَيِّنُ الذُّلِّ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والذَّلُولُ فَعُولٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، أيْ: مَذْلُولَةٌ، فَهي كَرَكُوبٍ وحَلُوبٍ. انْتَهى. ولَيْسَ بِمَعْنى مَفْعُولٍ؛ لِأنَّ فِعْلَهُ قاصِرٌ، وإنَّما تَعَدّى (p-٣٠١)بِالهَمْزَةِ كَقَوْلِهِ: وتُذِلُّ مَن تَشاءُ وإمّا بِالتَّضْعِيفِ لِقَوْلِهِ: وذَلَّلْناها لَهم وقَوْلُهُ أيْ: مَذْلُولَةٌ يَظْهَرُ أنَّهُ خَطَأٌ. فامْشُوا في مَناكِبِها أمَرَ بِالتَّصَرُّفِ فِيها والِاكْتِسابِ. ومَناكِبُها، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ وبِشْرُ بْنُ كَعْبٍ: أطْرافُها، وهي الجِبالُ. وقالَ الفَرّاءُ والكَلْبِيُّ ومُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ: جَوانِبُها، ومَنكِبا الرَّجُلِ: جانِباهُ. وقالَ الحَسَنُ والسُّدِّيُّ: طَرَفُها وفِجاجُها. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والمَشْيُ في مَناكِبِها مَثَلٌ لِفَرْطِ التَّذْلِيلِ ومُجاوَزَتِهِ الغايَةَ؛ لِأنَّ المَنكِبَيْنِ ومُلْتَقاهُما مِنَ الغارِبِ أرَقُّ شَيْءٍ مِنَ البَعِيرِ، وأنْبَأهُ عَنْ أنْ يَطَأهُ الرّاكِبُ بِقَدَمِهِ ويَعْتَمِدَ عَلَيْهِ، فَإذا جَعَلَها في الذُّلِّ بِحَيْثُ يَمْشِي في مَناكِبِها لَمْ يَنْزِلْ. انْتَهى. وقالَ الزَّجّاجُ: سَهَّلَ لَكُمُ السُّلُوكَ في جِبالِها فَهو أبْلَغُ التَّذْلِيلِ. وإلَيْهِ النُّشُورُ أيْ: البَعْثُ، فَيَسْألُكم عَنْ شُكْرِ هَذِهِ النِّعْمَةِ عَلَيْكم.
الملك 67:12
(سُورَةُ المُلْكِ مَكِّيَّةٌ وهي ثَلاثُونَ آيَةً)
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)
﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ والحَياةَ لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا وهو العَزِيزُ الغَفُورُ﴾ ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا ما تَرى في خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفاوُتٍ فارْجِعِ البَصَرَ هَلْ تَرى مِن فُطُورٍ﴾ ﴿ثُمَّ ارْجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إلَيْكَ البَصَرُ خاسِئًا وهو حَسِيرٌ﴾ ﴿ولَقَدْ زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ وأعْتَدْنا لَهم عَذابَ السَّعِيرِ﴾ ﴿ولِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ ﴿إذا أُلْقُوا فِيها سَمِعُوا لَها شَهِيقًا وهي تَفُورُ﴾ ﴿تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَألَهم خَزَنَتُها ألَمْ يَأْتِكم نَذِيرٌ﴾ ﴿قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا وقُلْنا ما نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ إنْ أنْتُمْ إلّا في ضَلالٍ كَبِيرٍ﴾ ﴿وقالُوا لَوْ كُنّا نَسْمَعُ أوْ نَعْقِلُ ما كُنّا في أصْحابِ السَّعِيرِ﴾ ﴿فاعْتَرِفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأصْحابِ السَّعِيرِ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ كَبِيرٌ﴾ ﴿وأسِرُّوا قَوْلَكم أوِ اجْهُرُوا بِهِ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ ﴿ألا يَعْلَمُ مَن خَلَقَ وهو اللَّطِيفُ الخَبِيرُ﴾ ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ ذَلُولًا فامْشُوا في مَناكِبِها وكُلُوا مِن رِزْقِهِ وإلَيْهِ النُّشُورُ﴾ .
(p-٢٩٧)هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ. ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها، أنَّهُ لَمّا ضُرِبَ لِلْكَفّارِ بِتَيْنِكَ المَرْأتَيْنِ المَحْتُومِ لَهُما بِالشَّقاوَةِ، وإنْ كانَتا تَحْتَ نَبِيِّينَ، ومَثَلًا لِلْمُؤْمِنِينَ بِـ آسِيَةَ ومَرْيَمَ، وهُما مَحْتُومٌ لَهُما بِالجَنَّةِ، وإنْ كانَ قَوْماهُما كافِرِينَ. كانَ ذَلِكَ تَصَرُّفًا في مُلْكِهِ عَلى ما سَبَقَ قَضاؤُهُ، فَقالَ: (تَبارَكَ) أيْ: تَعالى وتَعاظَمَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكِ وهو كِنايَةٌ عَنِ الإحاطَةِ والقَهْرِ، وكَثِيرًا ما جاءَ نِسْبَةُ اليَدِ إلَيْهِ - تَعالى - كَقَوْلِهِ: ﴿فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [يس: ٨٣] بِيَدِكَ الخَيْرُ وذَلِكَ في حَقِّهِ - تَعالى - اسْتِعارَةٌ لِتَحْقِيقِ المُلْكِ، إذْ كانَتْ في عُرْفِ الآدَمِيِّينَ آلَةً لِلتَّمَلُّكِ، والمُلْكُ هُنا هو عَلى الإطْلاقِ لا يَبِيدُ ولا يَخْتَلُّ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: مَلِكُ المُلُوكِ لِقَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ المُلْكِ﴾ [آل عمران: ٢٦] وناسَبَ المُلْكَ ذِكْرُ وصْفِ القُدْرَةِ والحَياةِ ما يَصِحُّ بِوُجُودِهِ الإحْساسُ. ومَعْنى خَلَقَ المَوْتَ إيجادُ ذَلِكَ المُصَحِّحِ وإعْدامُهُ، والمَعْنى: خَلَقَ مَوْتَكم وحَياتَكم أيُّها المُكَلَّفُونَ، وسَمّى عِلْمَ الواقِعِ مِنهم بِاخْتِيارِهِمْ بَلْوى وهي الحَيْرَةُ، اسْتِعارَةً مِن فِعْلِ المُخْتَبِرِ. وفي الحَدِيثِ أنَّهُ فَسَّرَ أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا أيْ: أحْسَنُ عَقْلًا وأشَدُّكم خَوْفًا وأحْسَنُكم في أمْرِهِ ونَهْيِهِ نَظَرًا، وإنْ كانَ أقَلَّكم تَطَوُّعًا. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ والثَّوْرِيِّ: أزْهَدُكم في الدُّنْيا. وقِيلَ: كَنّى بِالمَوْتِ عَنِ الدُّنْيا، إذْ هو واقِعٌ فِيها، وعَنِ الآخِرَةِ بِالحَياةِ مِن حَيْثُ لا مَوْتَ فِيها، فَكَأنَّهُ قالَ: هو الَّذِي خَلَقَ الدُّنْيا والآخِرَةَ، وصَفَهُما بِالمَصْدَرَيْنِ، وقَدَّمَ المَوْتَ لِأنَّهُ أهْيَبُ في النُّفُوسِ. و(لِيَبْلُوَكم) مُتَعَلِّقٌ بِـ (خَلَقَ) وأيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، فَقَدَّرَ الحَوْفِيُّ قَبْلَها فِعْلًا تَكُونُ الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ مَعْمُولِهِ، وهو مُعَلَّقٌ عَنْها، تَقْدِيرُهُ: فَيَنْظُرُ، وقَدَّرَ ابْنُ عَطِيَّةَ فَيَنْظُرُ أوْ فَيَعْلَمُ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ) مِن أيْنَ تَعَلَّقَ قَوْلُهُ: أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا بِفِعْلِ البَلْوى ؟ (قُلْتُ): مِن حَيْثُ إنَّهُ تَضَمَّنَ مَعْنى العِلْمِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: لِيَعْلَمَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا، وإذا قُلْتَ: عَلِمْتُهُ أزَيْدٌ أحْسَنُ عَمَلًا أمْ هو ؟ كانَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ واقِعَةً مَوْقِعَ الثّانِي مِن مَفْعُولَيْهِ، كَما تَقُولُ: عَلِمْتُهُ هو أحْسَنُ عَمَلًا. (فَإنْ قُلْتَ) أيُسَمّى هَذا تَعْلِيقًا ؟ (قُلْتُ): لا، إنَّما التَّعْلِيقُ أنْ تُوقِعَ بَعْدَهُ ما يَسُدُّ مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ جَمِيعًا، كَقَوْلِكَ: عَلِمْتُ أيُّهُما عَمْرٌو، وعَلِمْتُ أزَيْدٌ مُنْطَلِقٌ. ألا تَرى أنَّهُ لا فَصْلَ بَعْدَ سَبْقِ أحَدِ المَفْعُولَيْنِ بَيْنَ أنْ يَقَعَ ما بَعْدَهُ مُصَدَّرًا بِحَرْفِ الِاسْتِفْهامِ وغَيْرَ مُصَدَّرٍ بِهِ ؟ ولَوْ كانَ تَعْلِيقًا لافْتَرَقَتِ الحالَتانِ، كَما افْتَرَقَتا في قَوْلِكَ: عَلِمْتُ أزَيْدٌ مُنْطَلِقٌ، وعَلِمْتُ زَيْدًا مُنْطَلِقًا. انْتَهى. وأصْحابُنا يُسَمُّونَ ما مَنَعَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ تَعْلِيقًا، فَيَقُولُونَ في الفِعْلِ إذا عُدِّيَ إلى اثْنَيْنِ (p-٢٩٨)ونُصِبَ الأوَّلُ وجاءَتْ بَعْدَهُ جُمْلَةٌ اسْتِفْهامِيَّةٌ، أوْ بِلامِ الِابْتِداءِ، أوْ بِحَرْفِ نَفْيٍ، كانَتِ الجُمْلَةُ مُعَلَّقًا عَنْها الفِعْلُ، وكانَتْ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، كَما لَوْ وقَعَتْ في مَوْضِعِ المَفْعُولَيْنِ وفِيها ما يُعَلِّقُ الفِعْلَ عَنِ العَمَلِ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مِثْلِ هَذِهِ الجُمْلَةِ في الكَهْفِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِنَبْلُوَهم أيُّهم أحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٧] .
وانْتَصَبَ (طِباقًا) عَلى الوَصْفِ لِـ ”سَبْعَ“، فَإمّا أنْ يَكُونَ مَصْدَرَ طابَقَ مُطابَقَةً وطِباقًا لِقَوْلِهِمْ: النَّعْلُ خَصْفُها طَبَقًا عَلى طَبَقٍ، وُصِفَ بِهِ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ، أوْ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ ذا طِباقٍ، وإمّا جَمْعُ طَبَقٍ كَجَمَلٍ وجِمالٍ، أوْ جَمْعُ طَبَقَةٍ كَرَحَبَةٍ ورِحابٍ، والمَعْنى: بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ. وما ذُكِرَ مِن مَوادِّ هَذِهِ السَّماواتِ. فالأُولى مِن مَوْجٍ مَكْفُوفٍ، والثّانِيَةُ مِن دُرَّةٍ بَيْضاءَ، والثّالِثَةُ مِن حَدِيدٍ، والرّابِعَةُ مِن نُحاسٍ، والخامِسَةُ مِن فِضَّةٍ، والسّادِسَةُ مِن ذَهَبٍ، والسّابِعَةُ مِن زُمُرُّدَةٍ بَيْضاءَ - يَحْتاجُ إلى نَقْلٍ صَحِيحٍ، وقَدْ كانَ بَعْضُ مَن يَنْتَمِي إلى الصَّلاحِ، وكانَ أعْمى لا يُبْصِرُ مَوْضِعَ قَدَمِهِ، يُخْبِرُ أنَّهُ يُشاهِدُ السَّماواتِ عَلى بَعْضِ أوْصافٍ مِمّا ذَكَرْنا.
مِن تَفاوُتٍ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مِن تَفَرُّقٍ. وقالَ السُّدِّيُّ: مِن عَيْبٍ. وقالَ عَطاءُ بْنُ يَسارٍ: مِن عَدَمِ اسْتِواءٍ. وقالَ ثَعْلَبٌ: أصْلُهُ مِنَ الفَوْتِ، وهو أنْ يَفُوتَ شَيْءٌ شَيْئًا مِنَ الخَلَلِ. وقِيلَ: مِنِ اضْطِرابٍ. وقِيلَ: مِنِ اعْوِجاجٍ. وقِيلَ: مِن تَناقُضٍ. وقِيلَ: مِنِ اخْتِلافٍ. وقِيلَ: مِن عَدَمِ التَّناسُبِ. والتَّفاوُتُ: تَجاوُزُ الحَدِّ الَّذِي تَجِبُ لَهُ زِيادَةٌ أوْ نَقْصٌ. قالَ بَعْضُ الأُدَباءِ:
؎تَناسَبَتِ الأعْضاءُ فِيهِ فَلا تَرى بِهِنَّ اخْتِلافًا بَلْ أتَيْنَ عَلى قَدَرِ
وقَرَأ الجُمْهُورُ: مِن تَفاوُتٍ بِألِفٍ مَصْدَرُ تَفاوَتَ. وعَبْدُ اللَّهِ وعَلْقَمَةُ والأسْوَدُ، وابْنُ جُبَيْرٍ وطَلْحَةُ والأعْمَشُ بِشَدِّ الواوِ، مَصْدَرُ تَفَوَّتَ. وحَكى أبُو زَيْدِ بْنُ العَرَبِيِّ: (تَفاوُتًا) بِضَمِّ الواوِ وفَتْحِها وكَسْرِها، والفَتْحُ والكَسْرُ شاذّانِ. والظّاهِرُ عُمُومُ خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنَ الأفْلاكِ وغَيْرِها، فَإنَّهُ لا تَفَوُّتَ فِيهِ ولا فُطُورَ، بَلْ كُلٌّ جارٍ عَلى الإتْقانِ. وقِيلَ: المُرادُ في خَلْقِ الرَّحْمَنِ السَّماواتُ فَقَطْ، والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ما تَرى اسْتِئْنافُ أنَّهُ لا يُدْرَكُ في خَلْقِهِ تَعالى تَفاوُتٌ، وجَعَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ هَذِهِ الجُمْلَةَ صِفَةَ مُتابَعَةٍ لِقَوْلِهِ: (طِباقًا) أصْلُها ما تَرى فِيهِنَّ مِن تَفاوُتٍ، فَوَضَعَ مَكانَ الضَّمِيرِ قَوْلَهُ: خَلْقِ الرَّحْمَنِ تَعْظِيمًا لِخَلْقِهِنَّ وتَنْبِيهًا عَلى سَبَبِ سَلامَتِهِنَّ مِنَ التَّفاوُتِ، وهو أنَّهُ خَلْقُ الرَّحْمَنِ، وأنَّهُ بِباهِرِ قُدْرَتِهِ هو الَّذِي يَخْلُقُ مِثْلَ ذَلِكَ الخَلْقِ المُناسِبِ. انْتَهى. والخِطابُ في (تَرى) لِكُلِّ مُخاطَبٍ، أوْ لِلرَّسُولِ، ﷺ . ولَمّا أخْبَرَ - تَعالى - أنَّهُ لا تَفاوُتَ في خَلْقِهِ، أمَرَ بِتَرْدِيدِ البَصَرِ في الخَلْقِ المُناسِبِ، فَقالَ: (فارْجِعْ) فَفي الفاءِ مَعْنى التَّسَبُّبِ، والمَعْنى: أنَّ العِيانَ يُطابِقُ الخَبَرَ.
و(الفُطُورُ) قالَ مُجاهِدٌ: الشُّقُوقُ. فَطَرَ نابُ البَعِيرِ: شَقَّ اللَّحْمَ وظَهَرَ، قالَ الشّاعِرُ:
؎بَنى لَكم بِلا عُمُدٍ سَماءً ∗∗∗ وسَوّاها فَما فِيها فُطُورُ
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: صُدُوعٌ، وأنْشَدَ قَوْلَ عُبَيْدِ بْنِ مَسْعُودٍ:
؎شَقَقْتُ القَلْبَ ثُمَّ رَدَدْتُ فِيهِ ∗∗∗ هَواكِ فَلِيطَ فالتَأمَ الفُطُورُ
وقالَ السُّدِّيُّ: خُرُوقٌ. وقالَ قَتادَةُ: خَلَلٌ، ومِنهُ التَّفْطِيرُ والِانْفِطارُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وهَنٌ. وهَذِهِ تَفاسِيرٌ مُتَقارِبَةٌ.
والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: ﴿هَلْ تَرى مِن فُطُورٍ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِفِعْلٍ مُعَلَّقٍ مَحْذُوفٍ، أيْ فانْظُرْ هَلْ تَرى، أوْ ضُمِّنَ مَعْنى فارْجِعِ البَصَرَ مَعْنى فانْظُرْ بِبَصَرِكَ هَلْ تَرى ؟ فَيَكُونُ مُعَلَّقًا. ثُمَّ ارْجِعِ البَصَرَ أيْ: رَدِّدْهُ كَرَّتَيْنِ هي تَثْنِيَةٌ لا شَفْعُ الواحِدِ، بَلْ يُرادُ بِها التَّكْرارُ، كَأنَّهُ قالَ: كَرَّةً بَعْدَ كَرَّةٍ، أيْ كَرّاتٍ كَثِيرَةً، كَقَوْلِهِ: لَبَّيْكَ، يُرِيدُ إجاباتٍ كَثِيرَةً بَعْضُها في إثْرِ بَعْضٍ، وأُرِيدَ بِالتَّثْنِيَةِ التَّكْثِيرُ، كَما أُرِيدَ بِما هو أصْلٌ لَها التَّكْثِيرُ، وهو مُفْرَدٌ عُطِفَ عَلى مُفْرَدٍ، نَحْوَ قَوْلِهِ:
؎لَوْ عُدَّ قَبْرٌ وقَبْرٌ كانَ أكْرَمَهم ∗∗∗ بَيْتًا وأبْعَدَهم عَنْ مَنزِلِ الزّامِّ
(p-٢٩٩)يُرِيدُ: لَوْ عُدَّتْ قُبُورٌ كَثِيرَةٌ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ وغَيْرُهُ: (كَرَّتَيْنِ) مَعْناهُ مَرَّتَيْنِ، ونَصَبَها عَلى المَصْدَرِ. وقِيلَ: أمَرَ بِرَجْعِ البَصَرِ إلى السَّماءِ مَرَّتَيْنِ، غَلَّطَ في الأُولى، فَيَسْتَدْرِكُ بِالثّانِيَةِ. وقِيلَ: الأُولى لِيَرى حُسْنَها واسْتِواءَها، والثّانِيَةُ لِيُبْصِرَ كَواكِبَها في سَيْرِها وانْتِهائِها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يَنْقَلِبْ) جَزْمًا عَلى جَوابِ الأمْرِ. والخُوارَزْمِيُّ عَنِ الكِسائِيِّ: يَرْفَعُ الباءَ، أيْ: فَيَنْقَلِبْ عَلى حَذْفِ الفاءِ، أوْ عَلى أنَّهُ مَوْضِعُ حالٍ مُقَدَّرَةٍ، أيْ: إنْ رَجَعْتَ البَصَرَ وكَرَّرْتَ النَّظَرَ؛ لِتَطْلُبَ فُطُورَ شُقُوقٍ أوْ خَلَلًا أوْ عَيْبًا، رَجَعَ إلَيْكَ مُبْعَدًا عَمّا طَلَبْتَهُ لِانْتِفاءِ ذَلِكَ عَنْها، وهو كالٌّ مِن كَثْرَةِ النَّظَرِ، وكَلالُهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالكَرَّتَيْنِ لَيْسَ شَفْعَ الواحِدِ؛ لِأنَّهُ لا يَكِلُّ البَصَرُ بِالنَّظَرِ مَرَّتَيْنِ اثْنَتَيْنِ. والحَسِيرُ: الكالُّ، قالَ الشّاعِرُ:
؎لَهُنَّ الوَجى لَمْ كُنَّ عَوْنًا عَلى النَّوى ∗∗∗ ولا زالَ مِنها ظالِعٌ وحَسِيرُ
يُقالُ: حَسَرَ بَعِيرُهُ يَحْسِرُ حُسُورًا أيْ: كَلَّ وانْقَطَعَ فَهو حَسِيرٌ ومَحْسُورٌ، قالَ الشّاعِرُ يَصِفُ ناقَةً:
؎فَشَطْرُها نَظَرَ العَيْنَيْنِ مَحْسُورُ
أيْ: ونَحْرُها، وقَدْ جُمِعَ حَسِيرٌ بِمَعْنى أعْيا وكَلَّ، قالَ الشّاعِرُ:
؎بِها جِيَفُ الحَسْرى فَأمّا عِظامُها
البَيْتَ.
السَّماءَ الدُّنْيا هي الَّتِي نُشاهِدُها، والدُّنُوُّ أمْرٌ نِسْبِيٌّ وإلّا فَلَيْسَتْ قَرِيبَةً. (بِمَصابِيحَ) أيْ: بِنُجُومٍ مُضِيئَةٍ كالمَصابِيحِ، ومَصابِيحُ مُطْلَقُ الأعْلامِ، فَلا يَدُلُّ عَلى أنَّ غَيْرَ سَماءِ الدُّنْيا لَيْسَتْ فِيها مَصابِيحُ. وجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ أيْ: جَعَلْنا مِنها؛ لِأنَّ السَّماءَ ذاتَها لَيْسَتْ يُرْجَمُ بِها الرُّجُومُ هَذا إنْ عادَ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: (وجَعَلْناها) عَلى السَّماءِ. والظّاهِرُ عَوْدُهُ عَلى مَصابِيحَ. ونَسَبَ الرَّجْمَ إلَيْها؛ لِأنَّ الشِّهابَ المُتَّبِعَ لِلْمُسْتَرِقِ مُنْفَصِلٌ مِن نارِها، والكَواكِبُ قارٌّ في مُلْكِهِ عَلى حالِهِ. فالشِّهابُ كَقَبَسٍ يُؤْخَذُ مِنَ النّارِ، والنّارُ باقِيَةٌ لا تَنْقُصُ. والظّاهِرُ أنَّ الشَّياطِينَ هم مُسْتَرِقُو السَّمْعِ، وأنَّ الرَّجْمَ هو حَقِيقَةٌ يُرْمَوْنَ بِالشُّهُبِ، كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ الحِجْرِ وسُورَةِ والصّافّاتِ. وقِيلَ: مَعْنى (رُجُومًا): (ظُنُونًا) لِشَياطِينِ الإنْسِ، وهُمُ المُنَجِّمُونَ يَنْسُبُونَ إلى النُّجُومِ أشْياءَ عَلى جِهَةِ الظَّنِّ مِن جُهّالِهِمْ، والتَّمْوِيهِ والِاخْتِلاقِ مِن أزْكِيائِهِمْ، ولَهم في ذَلِكَ تَصانِيفُ تَشْتَمِلُ عَلى خُرافاتٍ يُمَوِّهُونَ بِها عَلى المُلُوكِ وضُعَفاءِ العُقُولِ، ويَعْمَلُونَ مَوالِدَ يَحْكُمُونَ فِيها بِالأشْياءِ لا يَصِحُّ مِنها شَيْءٌ. وقَدْ وقَفْنا عَلى أشْياءَ مِن كَذِبِهِمْ في تِلْكَ المَوالِدِ، وما يَحْكُونَهُ عَنْ أبِي مَعْشَرٍ وغَيْرِهِ مِن شُيُوخِ السُّوءِ كَذِبٌ يُغْرُونَ بِهِ النّاسَ الجُهّالَ. وقالَ قَتادَةُ: خَلَقَ اللَّهُ - تَعالى - النُّجُومَ زِينَةً لِلسَّماءِ ورُجُومًا لِلشَّياطِينِ، ولِيُهْتَدى بِها في البَرِّ والبَحْرِ. فَمَن قالَ غَيْرَ هَذِهِ الخِصالِ الثَّلاثِ فَقَدْ تَكَلَّفَ وأذْهَبَ حَظَّهُ مِنَ الآخِرَةِ. والضَّمِيرُ في ”لَهم“ عائِدٌ عَلى الشَّياطِينِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: عَذابُ جَهَنَّمَ بِرَفْعِ الباءِ. والضَّحّاكُ والأعْرَجُ وأُسَيْدُ بْنُ أُسَيْدٍ المُزَنِيُّ، والحَسَنُ في رِوايَةِ هارُونَ عَنْهُ: بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى عَذابَ السَّعِيرِ أيْ: وأعْتَدْنا لِلَّذِينَ كَفَرُوا عَذابَ جَهَنَّمَ. إذا أُلْقُوا فِيها أيْ: طُرِحُوا، كَما يُطْرَحُ الحَطَبُ في النّارِ العَظِيمَةِ ويُرْمى بِهِ، ومِثْلُهُ ”حَصَبُ جَهَنَّمَ“ سَمِعُوا لَها أيْ: لِجَهَنَّمَ (شَهِيقًا) أيْ: صَوْتًا مُنْكَرًا كَصَوْتِ الحِمارِ، تُصَوِّتُ مِثْلَ ذَلِكَ لِشِدَّةِ تَوَقُّدِها وغَلَيانِها. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: سَمِعُوا لِأهْلِها، كَما قالَ تَعالى: ﴿لَهم فِيها زَفِيرٌ وشَهِيقٌ﴾ [هود: ١٠٦] . وهي تَفُورُ تَغْلِي بِهِمْ غَلْيَ المِرْجَلِ. تَكادُ تَمَيَّزُ أيْ: يَنْفَصِلُ بَعْضُها مِن بَعْضٍ لِشِدَّةِ اضْطِرابِها، ويُقالُ: فُلانٌ يَتَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ إذا وصَفُوهُ بِالإفْراطِ في الغَضَبِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (تَمَيَّزُ) بِتاءٍ واحِدَةٍ خَفِيفَةٍ، والبَزِّيُّ يُشَدِّدُها، وطَلْحَةُ: بِتاءَيْنِ، وأبُو عَمْرٍو: بِإدْغامِ الدّالِ في التّاءِ، والضَّحّاكُ: تَمايَزُ عَلى وزْنِ تَفاعَلُ، وأصْلُهُ تَتَمايَزُ بِتاءَيْنِ. وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: تَمِيزُ مِن مازَ مِنَ الغَيْظِ عَلى الكَفَرَةِ، جُعِلَتْ كالمُغْتاظَةِ عَلَيْهِمْ لِشِدَّةِ غَلَيانِها بِهِمْ، ومِثْلُ هَذا في التَّجَوُّزِ قَوْلُ الشّاعِرِ في كَلْبٍ:
؎يَشْتَدُّ في جَرْيِهِ يَكادُ ∗∗∗ أنْ يَخْرُجَ مِن إهابِهِ
(p-٣٠٠)وقَوْلُهم: غَضِبَ فُلانٌ، فَطارَتْ مِنهُ شُقَّةٌ في الأرْضِ وشُقَّةٌ في السَّماءِ إذا أفْرَطَ في الغَضَبِ. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ مِن غَيْظِ الزَّبانِيَةِ. كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ أيْ: فَرِيقٌ مِنَ الكُفّارِ سَألَهم خَزَنَتُها سُؤالَ تَوْبِيخٍ وتَقْرِيعٍ، وهو مِمّا يَزِيدُهم عَذابًا إلى عَذابِهِمْ، وخَزَنَتُها: مالِكٌ وأعْوانُهُ ألَمْ يَأْتِكم نَذِيرٌ يُنْذِرُكم بِهَذا اليَوْمِ قالُوا بَلى اعْتِرافٌ بِمَجِيءِ النُّذُرِ إلَيْهِمْ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: اعْتِرافٌ مِنهم بِعَدْلِ اللَّهِ، وإقْرارٌ بِأنَّهُ - عَزَّ وعَلا - أزاحَ عِلَلَهم بِبِعْثِهِ الرُّسُلَ وإنْذارِهم فِيما وقَعُوا فِيهِ، وأنَّهم لَمْ يُؤْتَوْا مِن قُدْرَةٍ كَما تَزْعُمُ المُجْبِرَةُ، وإنَّما أتَوْا مِن قِبَلِ أنْفُسِهِمْ واخْتِيارِهِمْ، خِلافَ ما اخْتارَ اللَّهُ وأمَرَ بِهِ وأوْعَدَ عَلى ضِدِّهِ. انْتَهى، وهو عَلى طَرِيقِ المُعْتَزِلَةِ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنْ أنْتُمْ إلّا في ضَلالٍ كَبِيرٍ﴾ مِن قَوْلِ الكُفّارِ لِلرُّسُلِ الَّذِينَ جاءُوا نُذُرًا إلَيْهِمْ، أنْكَرُوا أوَّلًا أنَّ اللَّهَ نَزَّلَ شَيْئًا، واسْتَجْهَلُوا ثانِيًا مَن أخْبَرَ بِأنَّهُ - تَعالى - أرْسَلَ إلَيْهِمُ الرُّسُلَ، وأنَّ قائِلَ ذَلِكَ في حَيْرَةٍ عَظِيمَةٍ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِ الخَزَنَةِ لِلْكُفّارِ إخْبارًا لَهم وتَقْرِيعًا بِما كانُوا عَلَيْهِ في الدُّنْيا. أرادُوا بِالضَّلالِ الهَلاكَ الَّذِي هم فِيهِ، أوْ سَمَّوْا عِقابَ الضَّلالِ ضَلالًا لَمّا كانَ ناشِئًا عَنِ الضَّلالِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ مِن كَلامِ الرُّسُلِ لَهم حَكَوْهُ لِلْخَزَنَةِ، أيْ: قالُوا لَنا هَذا فَلَمْ نَقْبَلْهُ. انْتَهى. فَإنْ كانَ الخِطابُ في إنْ أنْتُمْ لِلرُّسُلِ، فَقَدْ يُرادُ بِهِ الجِنْسُ، ولِذَلِكَ جاءَ الخِطابُ بِالجَمْعِ. (وقالُوا) أيْ: لِلْخَزَنَةِ حِينَ حاوَرُوهم لَوْ كُنّا نَسْمَعُ سَماعَ طالِبٍ لِلْحَقِّ أوْ نَعْقِلُ عَقْلَ مُتَأمِّلٍ لَهُ، لَمْ نَسْتَوْجِبِ الخُلُودَ في النّارِ. فاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ أيْ: بِتَكْذِيبِ الرُّسُلِ (فَسُحْقًا) أيْ: فَبُعْدًا لَهم، وهو دُعاءٌ عَلَيْهِمْ، والسُّحْقُ: البُعْدُ، وانْتِصابُهُ عَلى المَصْدَرِ أيْ: سَحَقَهُمُ اللَّهُ سُحْقًا، قالَ الشّاعِرُ:
؎يَجُولُ بِأطْرافِ البِلادِ مُغَرِّبًا ∗∗∗ وتَسْحَقُهُ رِيحُ الصَّبا كُلَّ مَسْحَقِ
والفِعْلُ مِنهُ ثُلاثِيٌّ. وقالَ الزَّجّاجُ: أيْ: أسْحَقُهُمُ اللَّهُ سُحْقًا، أيْ: باعَدَهم بُعْدًا. وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: القِياسُ إسْحاقًا، فَجاءَ المَصْدَرُ عَلى الحَذْفِ، كَما قِيلَ:
وإنْ أهْلِكْ فَذَلِكَ كانَ قَدَرِي
أيْ تَقْدِيرِي. انْتَهى، ولا يَحْتاجُ إلى ادِّعاءِ الحَذْفِ في المَصْدَرِ؛ لِأنَّ فِعْلَهُ قَدْ جاءَ ثُلاثِيًّا، كَما أنْشَدَ:
؎وتَسْحَقُهُ رِيحُ الصَّبا كُلَّ مَسْحَقِ
وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِسُكُونِ الحاءِ. وعَلِيٌّ وأبُو جَعْفَرٍ والكِسائِيُّ، بِخِلافٍ عَنْ أبِي الحَرْثِ عَنْهُ: بِضَمِّها. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: (فَسُحْقًا) نَصْبًا عَلى جِهَةِ الدُّعاءِ عَلَيْهِمْ، وجازَ ذَلِكَ فِيهِ، وهو مِن قِبَلِ اللَّهِ - تَعالى - مِن حَيْثُ هَذا القَوْلِ فِيهِمْ مُسْتَقِرٌّ أوَّلًا، ووُجُودُهُ لَمْ يَقَعْ إلّا في الآخِرَةِ، فَكَأنَّهُ لِذَلِكَ في حَيِّزِ المُتَوَقَّعِ الَّذِي يُدْعى بِهِ، كَما تَقُولُ: سُحْقًا لِزَيْدٍ وبُعْدًا، والنَّصْبُ في هَذا كُلِّهِ بِإضْمارِ فِعْلٍ، وإنْ وقَعَ وثَبَتَ، فالوَجْهُ فِيهِ الرَّفْعُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ويْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ [المطففين: ١] وسَلامٌ عَلَيْكم وغَيْرُ هَذا مِنَ الأمْثِلَةِ. انْتَهى. يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ أيِ: الَّذِي أُخْبِرُوا بِهِ مِن أمْرِ المَعادِ وأحْوالِهِ، أوْ غائِبِينَ عَنْ أعْيُنِ النّاسِ، أيْ في خَلَواتِهِمْ، كَقَوْلِهِ: «ورَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خالِيًا، فَفاضَتْ عَيْناهُ» . وأسِرُّوا قَوْلَكم خِطابٌ لِجَمِيعِ الخَلْقِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وسَبَبُهُ أنَّ بَعْضَ المُشْرِكِينَ قالَ لِبَعْضٍ: أسِرُّوا قَوْلَكم لا يَسْمَعُكم إلَهُ مُحَمَّدٍ. ألا يَعْلَمُ مَن خَلَقَ الهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهامِ و”لا“ لِلنَّفْيِ، والظّاهِرُ أنَّ ”مَن“ مَفْعُولٌ، والمَعْنى أيَنْتَفِي عِلْمُهُ بِمَن خَلَقَ، وهو الَّذِي لَطُفَ عِلْمُهُ ودَقَّ وأحاطَ بِخَفِيّاتِ الأُمُورِ وجَلِيّاتِها ؟ وأجازَ بَعْضُ النُّحاةِ أنْ يَكُونَ ”مَن“ فاعِلًا، والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، كَأنَّهُ قالَ: ألا يَعْلَمُ الخالِقُ سِرَّكم وجَهْرَكم ؟ وهو اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ الإنْكارُ، أيْ: كَيْفَ لا يَعْلَمُ ما تَكَلَّمَ بِهِ مِن خَلْقِ الأشْياءِ، وأوْجَدَها مِنَ العَدَمِ الصِّرْفِ، وحالُهُ أنَّهُ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ المُتَوَصِّلُ عِلْمُهُ إلى ما ظَهَرَ مِن خَلْقِهِ وما بَطَنَ ؟
﴿هو الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ ذَلُولًا﴾ مِنَّةٌ مِنهُ - تَعالى - بِذَلِكَ، والذَّلُولُ فَعُولٌ لِلْمُبالِغَةِ، مِن ذَلِكَ تَقُولُ: دابَّةٌ ذَلُولٌ بَيِّنَةُ الذُّلِّ، ورَجُلٌ ذَلِيلٌ: بَيِّنُ الذُّلِّ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والذَّلُولُ فَعُولٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، أيْ: مَذْلُولَةٌ، فَهي كَرَكُوبٍ وحَلُوبٍ. انْتَهى. ولَيْسَ بِمَعْنى مَفْعُولٍ؛ لِأنَّ فِعْلَهُ قاصِرٌ، وإنَّما تَعَدّى (p-٣٠١)بِالهَمْزَةِ كَقَوْلِهِ: وتُذِلُّ مَن تَشاءُ وإمّا بِالتَّضْعِيفِ لِقَوْلِهِ: وذَلَّلْناها لَهم وقَوْلُهُ أيْ: مَذْلُولَةٌ يَظْهَرُ أنَّهُ خَطَأٌ. فامْشُوا في مَناكِبِها أمَرَ بِالتَّصَرُّفِ فِيها والِاكْتِسابِ. ومَناكِبُها، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ وبِشْرُ بْنُ كَعْبٍ: أطْرافُها، وهي الجِبالُ. وقالَ الفَرّاءُ والكَلْبِيُّ ومُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ: جَوانِبُها، ومَنكِبا الرَّجُلِ: جانِباهُ. وقالَ الحَسَنُ والسُّدِّيُّ: طَرَفُها وفِجاجُها. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والمَشْيُ في مَناكِبِها مَثَلٌ لِفَرْطِ التَّذْلِيلِ ومُجاوَزَتِهِ الغايَةَ؛ لِأنَّ المَنكِبَيْنِ ومُلْتَقاهُما مِنَ الغارِبِ أرَقُّ شَيْءٍ مِنَ البَعِيرِ، وأنْبَأهُ عَنْ أنْ يَطَأهُ الرّاكِبُ بِقَدَمِهِ ويَعْتَمِدَ عَلَيْهِ، فَإذا جَعَلَها في الذُّلِّ بِحَيْثُ يَمْشِي في مَناكِبِها لَمْ يَنْزِلْ. انْتَهى. وقالَ الزَّجّاجُ: سَهَّلَ لَكُمُ السُّلُوكَ في جِبالِها فَهو أبْلَغُ التَّذْلِيلِ. وإلَيْهِ النُّشُورُ أيْ: البَعْثُ، فَيَسْألُكم عَنْ شُكْرِ هَذِهِ النِّعْمَةِ عَلَيْكم.