Al-Bahr Al-Muhit — المطففين 83:36 – البروج 85:22
المحتويات
- المطففين 83:36
- الانشقاق 84:1
- الانشقاق 84:2
- الانشقاق 84:3
- الانشقاق 84:4
- الانشقاق 84:5
- الانشقاق 84:6
- الانشقاق 84:7
- الانشقاق 84:8
- الانشقاق 84:9
- الانشقاق 84:10
- الانشقاق 84:11
- الانشقاق 84:12
- الانشقاق 84:13
- الانشقاق 84:14
- الانشقاق 84:15
- الانشقاق 84:16
- الانشقاق 84:17
- الانشقاق 84:18
- الانشقاق 84:19
- الانشقاق 84:20
- الانشقاق 84:21
- الانشقاق 84:22
- الانشقاق 84:23
- الانشقاق 84:24
- الانشقاق 84:25
- البروج 85:1
- البروج 85:2
- البروج 85:3
- البروج 85:4
- البروج 85:5
- البروج 85:6
- البروج 85:7
- البروج 85:8
- البروج 85:9
- البروج 85:10
- البروج 85:11
- البروج 85:12
- البروج 85:13
- البروج 85:14
- البروج 85:15
- البروج 85:16
- البروج 85:17
- البروج 85:18
- البروج 85:19
- البروج 85:20
- البروج 85:21
- البروج 85:22
المطففين 83:36
﴿الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ﴾ صِفَةُ ذَمٍّ ﴿كُلُّ مُعْتَدٍ﴾ مُتَجاوِزِ الحَدِّ (p-٤٤١)(أثِيمٍ) صِفَةُ مُبالَغَةٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (إذا) والحَسَنُ: (أئِذا) بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ. والجُمْهُورُ: (تُتْلى) بِتاءِ التَّأْنِيثِ، وأبُو حَيْوَةَ، وابْنُ مِقْسَمٍ: بِالياءِ. قِيلَ: ونَزَلَتْ في النَّضْرِ بْنِ الحَرْثِ ﴿بَلْ رانَ﴾ قُرِئَ بِإدْغامِ اللّامِ في الرّاءِ، وبِالإظْهارِ وقَفَ حَمْزَةُ عَلى بَلْ وقْفًا خَفِيفًا يَسِيرًا لِتَبْيِينِ الإظْهارِ. وقالَ أبُو جَعْفَرِ بْنُ الباذِشِ: وأجْمَعُوا - يَعْنِي القُرّاءَ - عَلى إدْغامِ اللّامِ في الرّاءِ إلّا ما كانَ مِن سَكْتِ حَفْصٍ عَلى (بَلْ) ثُمَّ يَقُولُ: (رانَ) . وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ لَيْسَ كَما ذَكَرَ مِنَ الإجْماعِ، فَفي كِتابِ اللَّوامِحِ عَنْ قالُونَ مِن جَمِيعِ طُرُقِهِ إظْهارُ اللّامِ عِنْدَ الرّاءِ، نَحْوَ قَوْلِهِ: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إلَيْهِ﴾ [النساء: ١٥٨]، ﴿بَل رَبُّكُمْ﴾ [الأنبياء: ٥٦] . وفي كِتابِ ابْنِ عَطِيَّةَ، وقَرَأ نافِعٌ: ﴿بَلْ رانَ﴾ غَيْرَ مُدْغَمٍ، وفِيهِ أيْضًا: وقَرَأ نافِعٌ أيْضًا بِالإدْغامِ والإمالَةِ. وقالَ سِيبَوَيْهِ: اللّامُ مَعَ الرّاءِ نَحْوَ: (أسْفَلُ رَحِمِهِ) البَيانُ والإدْغامُ حَسَنانِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقُرِئَ بِإدْغامِ اللّامِ في الرّاءِ وبِالإظْهارِ، والإدْغامُ أجْوَدُ، وأُمِيلَتِ الألِفُ وفُخِّمَتْ. انْتَهى. وقالَ سِيبَوَيْهِ: فَإذا كانَتْ - يَعْنِي اللّامَ - غَيْرَ لامِ المَعْرِفَةِ نَحْوَ لامِ هَلْ وبَلْ، فَإنَّ الإدْغامَ في بَعْضِها أحْسَنُ، وذَلِكَ نَحْوُ: هَلْ رَأيْتَ، فَإنْ لَمْ تُدْغِمْ فَقُلْتَ: هَلْ رَأيْتَ، فَهي لُغَةٌ لِأهْلِ الحِجازِ، وهي غَرِيبَةٌ جائِزَةٌ. انْتَهى. وقالَ الحَسَنُ والسُّدِّيُّ: هو الذَّنْبُ عَلى الذَّنْبِ. وقالَ الحَسَنُ: حَتّى يَمُوتَ قَلْبُهُ. وقالَ السُّدِّيُّ: حَتّى يَسْوَدَّ القَلْبُ. وفي الحَدِيثِ نَحْوٌ مِن هَذا. فَقالَ الكَلْبِيُّ: طَبَعَ عَلى قُلُوبِهِمْ. وقالَ ابْنُ سَلّامٍ: غَطّى.
﴿ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وعَلَّقَ اللَّوْمَ بِهِمْ فِيما كَسَبُوهُ، وإنْ كانَ ذَلِكَ بِخَلْقٍ مِنهُ تَعالى واخْتِراعٍ، لِأنَّ الثَّوابَ والعِقابَ مُتَعَلِّقانِ بِكَسْبِ العَبْدِ. والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: (إنَّهم) لِلْكُفّارِ فَمَن قالَ بِالرُّؤْيَةِ، وهو قَوْلُ أهْلِ السُّنَّةِ، قالَ إنَّ هَؤُلاءِ لا يَرَوْنَ رَبَّهم، فَهم مَحْجُوبُونَ عَنْهُ، واحْتَجَّ بِهَذِهِ الآيَةِ مالِكٌ عَلى سَبِيلِهِ الرُّؤْيَةُ مِن جِهَةِ دَلِيلِ الخِطابِ، وإلّا فَلَوْ حَجَبَ الكُلَّ لَما أغْنى هَذا التَّخْصِيصُ. وقالَ الشّافِعِيُّ: لَمّا حَجَبَ قَوْمًا بِالسُّخْطِ، دَلَّ عَلى أنْ قَوْمًا يَرَوْنَهُ بِالرِّضا. ومَن قالَ بِأنْ لا رُؤْيَةَ، وهو قَوْلُ المُعْتَزِلَةِ، قالَ: إنَّهم يُحْجَبُونَ عَنْ رَبِّهِمْ وغُفْرانِهِ. انْتَهى. وقالَ أنَسُ بْنُ مالِكٍ: لَمّا حَجَبَ أعْداءَهُ فَلَمْ يَرَوْهُ تَجَلّى لِأوْلِيائِهِ حَتّى رَأوْهُ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (كَلّا) رَدْعٌ عَنِ الكَسْبِ الرّائِنِ عَلى قُلُوبِهِمْ، وكَوْنُهم مَحْجُوبِينَ عَنْهُ تَمْثِيلٌ لِلِاسْتِخْفافِ بِهِمْ وإهانَتِهِمْ؛ لِأنَّهُ لا يُؤْذَنُ عَلى المُلُوكِ إلّا لِلْوُجَهاءِ المُكَرَّمِينَ لَدَيْهِمْ، ولا يُحْجَبُ عَنْهم إلّا الأدْنِياءُ المُهانُونَ عِنْدَهم، قالَ الشّاعِرُ:
؎إذا اعْتَرَوْا بابَ ذِي عَيْبَةٍ رُحِّبُوا والنّاسُ ما بَيْنَ مَرْحُوبٍ ومَحْجُوبِ
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، وابْنِ أبِي مُلَيْكَةَ: مَحْجُوبِينَ عَنْ رَحْمَتِهِ. وعَنْ ابْنِ كَيْسانَ: عَنْ كَرامَتِهِ. انْتَهى. وعَنْ مُجاهِدٍ: المَعْنى مَحْجُوبُونَ عَنْ كَرامَتِهِ ورَحْمَتِهِ، وعَنْ رَبِّهِمْ مُتَعَلِّقٌ بِـ(مَحْجُوبُونَ)، وهو العامِلُ في يَوْمَئِذٍ، والتَّنْوِينُ تَنْوِينُ العِوَضِ مِنَ الجُمْلَةِ المَحْذُوفَةِ، ولَمْ تَتَقَدَّمْ جُمْلَةٌ قَرِيبَةٌ يَكُونُ عِوَضًا مِنها، لَكِنَّهُ تَقَدَّمَ ﴿يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [المطففين: ٦] فَهو عِوَضٌ مِن هَذِهِ الجُمْلَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: يَوْمَ إذِ يَقُومُ النّاسُ، ثُمَّ هم مَعَ الحِجابِ عَنِ اللَّهِ هم صالُو النّارِ، وهَذِهِ ثَمَرَةُ الحِجابِ ﴿ثُمَّ يُقالُ﴾ أيْ تَقُولُ لَهم خَزَنَةُ النّارِ (هَذا) أيِ العَذابُ وصَلْيُ النّارِ وهَذا اليَوْمُ ﴿الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ﴿هَذا الَّذِي﴾ يَعْنِي: الجُمْلَةُ مَفْعُولٌ لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ لِأنَّهُ قَوْلٌ بُنِيَ لَهُ الفِعْلُ الَّذِي هو يُقالُ. انْتَهى. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَحْوِ هَذا في أوَّلِ البَقَرَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا قِيلَ لَهم لا تُفْسِدُوا في الأرْضِ﴾ [البقرة: ١١] .
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿كَلّا إنَّ كِتابَ الأبْرارِ لَفي عِلِّيِّينَ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما عِلِّيُّونَ﴾ ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ ﴿يَشْهَدُهُ المُقَرَّبُونَ﴾ ﴿إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ﴾ ﴿عَلى الأرائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ ﴿تَعْرِفُ في وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ ﴿يُسْقَوْنَ مِن رَحِيقٍ مَخْتُومٍ﴾ ﴿خِتامُهُ مِسْكٌ﴾ ﴿وفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنافَسِ المُتَنافِسُونَ﴾ ﴿ومِزاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ﴾ ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِها المُقَرَّبُونَ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ أجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ ﴿وإذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ﴾ ﴿وإذا انْقَلَبُوا إلى أهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ﴾ ﴿وإذا رَأوْهم قالُوا إنَّ هَؤُلاءِ لَضالُّونَ﴾ ﴿وما أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حافِظِينَ﴾ ﴿فاليَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الكُفّارِ يَضْحَكُونَ﴾ ﴿عَلى الأرائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ ﴿هَلْ ثُوِّبَ الكُفّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ .
(p-٤٤٢)لَمّا ذَكَرَ تَعالى أمْرَ كِتابِ الفُجّارِ عَقَّبَهُ بِذِكْرِ كِتابِ ضِدِّهِمْ لِيَتَبَيَّنَ الفَرْقُ. عِلِّيُّونَ: جَمْعٌ واحِدُهُ عَلِيٌّ، مُشْتَقٌّ مِنَ العُلُوِّ، وهو المُبالَغَةُ، قالَهُ يُونُسُ وابْنُ جِنِّيٍّ. قالَ أبُو الفَتْحِ: وسَبِيلُهُ أنْ يُقالَ عِلِّيَّةٌ، كَما قالُوا لِلْغُرْفَةِ عِلِّيَّةٌ، فَلَمّا حُذِفَتِ التّاءُ عَوَّضُوا مِنها الجَمْعَ بِالواوِ والنُّونِ. وقِيلَ: هو وصْفٌ لِلْمَلائِكَةِ، فَلِذَلِكَ جُمِعَ بِالواوِ والنُّونِ. وقالَ الفَرّاءُ: هو اسْمٌ مَوْضُوعٌ عَلى صِفَةِ الجَمْعِ، ولا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ، كَقَوْلِهِ: عِشْرِينَ وثَلاثِينَ، والعَرَبُ إذا جَمَعَتْ جَمْعًا، ولَمْ يَكُنْ لَهُ بِناءٌ مِن واحِدِهِ ولا تَثْنِيَةٌ، قالُوا في المُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ بِالواوِ والنُّونِ. وقالَ الزَّجّاجُ: أُعْرِبَ هَذا الِاسْمُ كَإعْرابِ الجَمْعِ، هَذِهِ قَنْسَرُونَ، ورَأيْتُ قَنْسَرِينَ. وعِلِّيُّونَ: المَلائِكَةُ، أوِ المَواضِعُ العَلِيَّةُ، أوْ عَلَمٌ لِدِيوانِ الخَيْرِ الَّذِي دُوِّنَ فِيهِ كُلُّ ما عَلِمَتْهُ المَلائِكَةُ وصُلَحاءُ الثَّقَلَيْنِ، أوْ عُلُوٌّ في عُلُوٍّ مُضاعَفٍ، أقْوالٌ ثَلاثَةٌ لِلزَّمَخْشَرِيِّ.
وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: ﴿كِتابَ الأبْرارِ﴾: كِتابَةَ أعْمالِهِمْ ﴿لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ . ثُمَّ وصَفَ عِلِّيِّينَ بِأنَّهُ ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ فِيهِ جَمِيعُ أعْمالِ الأبْرارِ. وإذا كانَ مَكانًا فاخْتَلَفُوا في تَعْيِينِهِ اخْتِلافًا مُضْطَرِبًا رَغِبْنا عَنْ ذِكْرِهِ، وإعْرابُ ﴿لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ و﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ كَإعْرابِ ﴿لَفِي سِجِّينٍ﴾ [المطففين: ٧] و﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: و﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ في هَذِهِ الآيَةِ خَبَرُ إنَّ والظَّرْفُ مُلْغًى. انْتَهى. هَذا كَما قالَ في ﴿لَفِي سِجِّينٍ﴾ [المطففين: ٧] وقَدْ رَدَدْنا عَلَيْهِ ذَلِكَ وهَذا مِثْلُهُ. والمُقَرَّبُونَ هُنا، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: هُمُ المَلائِكَةُ أهْلُ كُلِّ سَماءٍ (يَنْظُرُونَ) قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ: إلى ما أُعِدَّ لَهم مِنَ الكَراماتِ. وقالَ مُقاتِلٌ: إلى أهْلِ النّارِ. وقِيلَ: يَنْظُرُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (تَعْرِفُ) بِتاءِ الخِطابِ لِلرَّسُولِ، أوْ لِلنّاظِرِ ﴿نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ نَصْبًا. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، وطَلْحَةُ، وشَيْبَةُ، ويَعْقُوبُ والزَّعْفَرانِيُّ: (تُعْرَفُ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، (نَضْرَةُ) رَفْعًا، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ قَرَأ: (يُعْرَفُ) بِالياءِ، إذْ تَأْنِيثُ نَضْرَةٍ مَجازِيٌّ، والنَّضْرَةُ تَقَدَّمَ شَرْحُها في قَوْلِهِ: ﴿نَضْرَةً وسُرُورًا﴾ [الإنسان: ١١] .
(مَخْتُومٍ) الظّاهِرُ أنَّ الرَّحِيقَ خُتِمَ عَلَيْهِ تَهَمُّمًا وتَنَظُّفًا بِالرّائِحَةِ المِسْكِيَّةِ، كَما فَسَّرَهُ ما بَعْدَهُ. وقِيلَ: تُخْتَمُ أوانِيهِ مِنَ الأكْوابِ والأبارِيقِ بِمِسْكٍ مَكانَ الطِّينَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (خِتامُهُ): أيْ خَلْطُهُ ومِزاجُهُ، قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ وعَلْقَمَةُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والحَسَنُ: مَعْناهُ خاتِمَتُهُ، أيْ يَجِدُ الرّائِحَةَ عِنْدَ خاتِمَةِ الشَّرابِ رائِحَةَ المِسْكِ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ: أيْ أبْزارُهُ المُقَطَّعُ وذَكاءُ الرّائِحَةِ مَعَ طِيبِ الطَّعْمِ. وقِيلَ: يُمْزَجُ بِالكافُورِ ويُخْتَمُ مِزاجُهُ بِالمِسْكِ. وفي الصِّحاحِ: الخِتامُ: الطِّينُ الَّذِي يُخْتَمُ بِهِ، وكَذا قالَ مُجاهِدٌ وابْنُ زَيْدٍ: خُتِمَ إناؤُهُ بِالمِسْكِ بَدَلَ الطِّينِ، وقالَ الشّاعِرُ:
؎كَأنَّ مُشَعْشَعًا مِن خَمْرِ بُصْرى ∗∗∗ نَمَّتْهُ البَحْثُ مَشْدُودُ الخِتامِ
وقَرَأ عَلِيٌّ، والنَّخَعِيُّ، والضَّحّاكُ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: وأبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، والكِسائِيُّ: (خاتَمُهُ) بَعْدَ الخاءِ ألِفٌ وفَتَحَ التّاءَ، وهَذِهِ بَيِّنَةُ المَعْنى، إنَّهُ يُرادُ بِها الطَّبْعُ عَلى الرَّحِيقِ. وعَنِ الضَّحّاكِ، وعِيسى، وأحْمَدَ بْنِ جُبَيْرٍ الأنْطاكِيِّ عَنِ الكِسائِيِّ: كَسْرُ التّاءِ، أيْ آخِرُهُ مِثْلُ قَوْلِهِ: (وخاتَمَ النَّبِيِّينَ) . وفِيهِ حَذْفٌ، أيْ خاتِمُ رائِحَتِهِ المِسْكُ، أوْ خاتَمُهُ الَّذِي يُخْتَمُ بِهِ ويُقْطَعُ ﴿مِن تَسْنِيمٍ﴾ قالَ عَبْدُ اللَّهِ وابْنُ عَبّاسٍ: هو أشْرَفُ شَرابِ الجَنَّةِ، وهو اسْمٌ مُذَّكَّرٌ لِماءِ عَيْنٍ في الجَنَّةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (تَسْنِيمٍ): عَلَمٌ لَعِينٌ بِعَيْنِها سُمِّيَتْ بِالتَّسْنِيمِ الَّذِي هو مَصْدَرُ: سَنَّمَهُ إذا رَفَعَهُ. و(عَيْنًا) نُصِبَ عَلى المَدْحِ. وقالَ الزَّجّاجُ: عَلى الحالِ. انْتَهى. وقالَ الأخْفَشُ: يُسْقَوْنَ عَيْنًا ﴿يَشْرَبُ بِها﴾ أيْ يَشْرَبُها أوْ مِنها، أوْ ضَمَّنَ يَشْرَبُ مَعْنى يُرْوى، بِها أقْوالٌ. (المُقَرَّبُونَ) قالَ (p-٤٤٣)ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وأبُو صالِحٍ: يَشْرَبُها المُقَرَّبُونَ صِرْفًا ويُمْزَجُ لِلْأبْرارِ، ومَذْهَبُ الجُمْهُورِ: الأبْرارُ هم أصْحابُ اليَمِينِ، وأنَّ المُقَرَّبِينَ هُمُ السّابِقُونَ، وقالَ قَوْمٌ: الأبْرارُ والمُقَرَّبُونَ في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنًى واحِدٍ يَقَعُ لِكُلِّ مَن نُعِّمَ في الجَنَّةِ.
ورُوِيَ أنَّ عَلِيًّا وجَمْعًا مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ مَرُّوا بِجَمْعٍ مِن كُفّارِ قُرَيْشٍ، فَضَحِكُوا مِنهم واسْتَخَفُّوا بِهِمْ عَبَثًا، فَنَزَلَتْ: ﴿إنَّ الَّذِينَ أجْرَمُوا﴾ قَبْلَ أنْ يَصِلَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ إلى الرَّسُولِ ﷺ، وكُفّارُ مَكَّةَ هَؤُلاءِ قِيلَ هم: أبُو جَهْلٍ، والوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، والعاصِي بْنُ وائِلٍ، والمُؤْمِنُونَ: عَمّارٌ، وصُهَيْبٌ، وخَبّابٌ، وبِلالٌ، وغَيْرُهم مِن فُقَراءِ المُؤْمِنِينَ، والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في (مَرُّوا) عائِدٌ عَلى ﴿الَّذِينَ أجْرَمُوا﴾ إذْ في ذَلِكَ تَناسُقُ الضَّمائِرِ لِواحِدٍ. وقِيلَ: لِلْمُؤْمِنِينَ، أيْ وإذا مَرَّ المُؤْمِنُونَ بِالكافِرِينَ يَتَغامَزُ الكافِرُونَ، أيْ يُشِيرُونَ بِأعْيُنِهِمْ. و(فاكِهِينَ): أيْ مُتَلَذِّذِينَ بِذِكْرِهِمْ وبِالضَّحِكِ مِنهم، وقَرَأ الجُمْهُورُ: فاكِهِينَ بِالألِفِ، أيْ أصْحابُ فاكِهَةٍ ومَزْحٍ وسُرُورٍ بِاسْتِخْفافِهِمْ بِأهْلِ الإيمانِ، وأبُو رَجاءٍ، والحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وحَفْصٌ: بِغَيْرِ ألِفٍ، والضَّمِيرُ المَرْفُوعُ في (رَأوْهم) عائِدٌ عَلى المُجْرِمِينَ، أيْ إذا رَأوُا المُؤْمِنِينَ نَسَبُوهم إلى الضَّلالِ، وهم مُحِقُّونَ في نِسْبَتِهِمْ إلَيْهِ.
﴿وما أُرْسِلُوا﴾ عَلى الكُفّارِ (حافِظِينَ) . وفي الإشارَةِ إلَيْهِمْ بِأنَّهم ضالُّونَ إثارَةٌ لِلْكَلامِ بَيْنَهم، وكانَ في الآيَةِ بَعْضُ مُوادَعَةٍ، أيْ إنَّ المُؤْمِنِينَ لَمْ يُرْسَلُوا حافِظِينَ عَلى الكُفّارِ، وهَذا عَلى القَوْلِ بِأنَّ هَذا مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإنَّهم لَمْ يُرْسَلُوا عَلَيْهِمْ حافِظِينَ، إنْكارًا لِصَدِّهِمْ إيّاهم عَنِ الشِّرْكِ، ودُعائِهِمْ إلى الإسْلامِ، وجِدِّهِمْ في ذَلِكَ، ولَمّا تَقَدَّمَ ذِكْرُ يَوْمِ القِيامَةِ قِيلَ: ﴿فاليَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، و(اليَوْمَ) مَنصُوبٌ بِـ(يَضْحَكُونَ) مِنهم في الآخِرَةِ، و(يَنْظُرُونَ) حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في (يَضْحَكُونَ) أيْ يَضْحَكُونَ ناظِرِينَ إلَيْهِمْ وإلى ما هم فِيهِ مِنَ الهَوانِ والعَذابِ بَعْدَ العِزَّةِ والنَّعِيمِ، وقالَ كَعْبٌ لِأهْلِ الجَنَّةِ: كُوًى يَنْظُرُونَ مِنها إلى أهْلِ النّارِ، وقِيلَ: سِتْرٌ شَفّافٌ بَيْنَهم يَرَوْنَ مِنهُ حالَهم ﴿هَلْ ثُوِّبَ﴾ أيْ هَلْ جُوزِيَ ؟ يُقالُ: ثَوَّبَهُ وأثابَهُ إذا جازاهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎سَأجْزِيكَ أوْ يَجْزِيكَ عَنِّي مُثَوِّبٌ ∗∗∗ وحَسْبُكَ أنْ يُثْنى عَلَيْكَ وتُحْمَدَ
وهُوَ اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى التَّقْرِيرِ لِلْمُؤْمِنِينَ، أيْ هَلْ جُوزُوا بِها ؟ وقِيلَ: ﴿هَلْ ثُوِّبَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ(يَنْظُرُونَ)، ويَنْظُرُونَ مُعَلَّقٌ بِالجُمْلَةِ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بَعْدَ إسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ الَّذِي هو إلى، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿هَلْ ثُوِّبَ﴾ بِإظْهارِ لامِ هَلْ، والنَّحْوِيّانِ وحَمْزَةُ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: بِإدْغامِها في الثّاءِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿ما كانُوا﴾ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ جَزاءَ أوْ عِقابَ: ﴿ما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ .
الانشقاق 84:1
سُورَةُ الِانْشِقاقِ مَكِّيَّةٌ وهي خَمْسٌ وعِشْرُونَ آيَةً
﷽
﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ ﴿وأذِنَتْ لِرَبِّها وحُقَّتْ﴾ ﴿وإذا الأرْضُ مُدَّتْ﴾ [الإنشقاق: ٣] ﴿وألْقَتْ ما فِيها وتَخَلَّتْ﴾ [الإنشقاق: ٤] ﴿وأذِنَتْ لِرَبِّها وحُقَّتْ﴾ [الإنشقاق: ٥] ﴿يا أيُّها الإنْسانُ إنَّكَ كادِحٌ إلى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ﴾ [الإنشقاق: ٦] ﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ [الإنشقاق: ٧] ﴿فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا﴾ [الإنشقاق: ٨] ﴿ويَنْقَلِبُ إلى أهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ [الإنشقاق: ٩] ﴿وأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ وراءَ ظَهْرِهِ﴾ [الإنشقاق: ١٠] ﴿فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا﴾ [الإنشقاق: ١١] ﴿ويَصْلى سَعِيرًا﴾ [الإنشقاق: ١٢] ﴿إنَّهُ كانَ في أهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ [الإنشقاق: ١٣] ﴿إنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ﴾ [الإنشقاق: ١٤] ﴿بَلى إنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيرًا﴾ [الإنشقاق: ١٥] ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ﴾ [الإنشقاق: ١٦] ﴿واللَّيْلِ وما وسَقَ﴾ [الإنشقاق: ١٧] ﴿والقَمَرِ إذا اتَّسَقَ﴾ [الإنشقاق: ١٨] ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ [الإنشقاق: ١٩] ﴿فَما لَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الإنشقاق: ٢٠] ﴿وإذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ القُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ﴾ [الإنشقاق: ٢١] ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ﴾ [الإنشقاق: ٢٢] ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما يُوعُونَ﴾ [الإنشقاق: ٢٣] ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الإنشقاق: ٢٤] ﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [الإنشقاق: ٢٥]
(p-٤٤٤)الكَدْحُ: جَهْدُ النَّفْسِ في العَمَلِ حَتّى يُؤَثِّرَ فِيها، مِن كَدَحَ جِلْدَهُ إذا خَدَشَهُ، قالَ ابْنُ مُقْبِلٍ:
؎وما الدَّهْرُ إلّا تارَتانِ فَمِنهُما أمُوتُ وأُخْرى أبْتَغِي العَيْشَ أكْدَحُ
وقالَ آخَرُ:
؎ومَضَتْ بَشاشَةُ كُلِّ عَيْشٍ صالِحٍ ∗∗∗ وبَقِيتُ أكْدَحُ لِلْحَياةِ وأنْصَبُ
حارَ: رَجَعَ، قالَ الشّاعِرُ:
؎وما المَرْءُ إلّا كالشِّهابِ وضَوْئِهِ ∗∗∗ يَحُورُ رَمادًا بَعْدَ إذْ هو ساطِعُ
الشَّفَقُ: الحُمْرَةُ بَعْدَ مَغِيبِ الشَّمْسِ حِينَ تَأْتِي صَلاةُ العِشاءِ الآخِرَةُ. قِيلَ: أصْلُهُ مِن رِقَّةِ الشَّيْءِ، يُقالُ شَيْءٌ شَفَقٌ: أيْ لا يَتَماسَكُ لِرِقَّتِهِ، ومِنهُ أشْفَقَ عَلَيْهِ: رَقَّ قَلْبُهُ، والشَّفَقَةُ: الِاسْمُ مِنِ الشِّفاقِ، وكَذَلِكَ الشَّفَقُ، قالَ الشّاعِرُ:
؎تَهْوى حَياتِي وأهْوى مَوْتَها شَفَقًا ∗∗∗ والمَوْتُ أكْرَمُ نَزّالٍ عَلى الحُرَمِ
وسَقَ: ضَمَّ وجَمَعَ، ومِنهُ الوَسَقُ: الأصْواعُ المَجْمُوعَةُ، وهي سِتُّونَ صاعًا، وطَعامٌ مَوْسُوقٌ: أيْ مَجْمُوعٌ، وإبِلٌ مُسْتَوْسِقَةٌ، قالَ الشّاعِرُ:
؎أنَّ لَنا قَلائِصًا حَقائِقا ∗∗∗ مُسْتَوْسِقاتٍ لَوْ يَجِدْنَ سائِقا
اتَّسَقَ، قالَ الفَرّاءُ: اتِّساقُ القَمَرِ: امْتِلاؤُهُ واسْتِواؤُهُ لَيالِيَ البَدْرِ، وهو افْتِعالٌ مِنَ الوَسْقِ الَّذِي هو الجَمْعُ، يُقالُ: وسَقْتُهُ فاتَّسَقَ، ويُقالُ: أمْرُ فُلانٍ مُتَّسِقٌ: أيْ مُجْتَمِعٌ عَلى الصَّلاحِ مُنْتَظِمٌ. (طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ) حالٌ بَعْدَ حالٍ، والطَّبَقُ: ما طابَقَ غَيْرَهُ، وأطْباقُ الثَّرى: ما تَطابَقَ مِنهُ، ومِنهُ قِيلَ لِلْغِطاءِ الطَّبَقُ. قالَ الأعْرَجُ بْنُ حابِسٍ:
إنِّي امْرُؤٌ قَدْ حَلَبْتُ الدَّهْرَ أشْطُرَهُ وساقَنِي طَبَقٌ مِنهُ إلى طَبَقِ
وقالَ امْرُؤُ القَيْسِ:
دِيمَةٌ هَطْلاءُ فِيها وطَفٌ طَبَقٌ لِلْأرْضِ تَجْرِي وتَذُرُّ
﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ ﴿وأذِنَتْ لِرَبِّها وحُقَّتْ﴾ ﴿وإذا الأرْضُ مُدَّتْ﴾ [الإنشقاق: ٣] ﴿وألْقَتْ ما فِيها وتَخَلَّتْ﴾ [الإنشقاق: ٤] ﴿وأذِنَتْ لِرَبِّها وحُقَّتْ﴾ [الإنشقاق: ٥] ﴿ياأيُّها الإنْسانُ إنَّكَ كادِحٌ إلى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ﴾ [الإنشقاق: ٦] ﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ [الإنشقاق: ٧] ﴿فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا﴾ [الإنشقاق: ٨] ﴿ويَنْقَلِبُ إلى أهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ [الإنشقاق: ٩] ﴿وأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ وراءَ ظَهْرِهِ﴾ [الإنشقاق: ١٠] ﴿فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا﴾ [الإنشقاق: ١١] ﴿ويَصْلى سَعِيرًا﴾ [الإنشقاق: ١٢] ﴿إنَّهُ كانَ في أهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ [الإنشقاق: ١٣] ﴿إنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ﴾ [الإنشقاق: ١٤] ﴿بَلى إنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيرًا﴾ [الإنشقاق: ١٥] ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ﴾ [الإنشقاق: ١٦] ﴿واللَّيْلِ وما وسَقَ﴾ [الإنشقاق: ١٧] ﴿والقَمَرِ إذا اتَّسَقَ﴾ [الإنشقاق: ١٨] ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ [الإنشقاق: ١٩] ﴿فَما لَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الإنشقاق: ٢٠] ﴿وإذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ القُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ﴾ [الإنشقاق: ٢١] ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ﴾ [الإنشقاق: ٢٢] ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما يُوعُونَ﴾ [الإنشقاق: ٢٣] ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الإنشقاق: ٢٤] ﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [الإنشقاق: ٢٥] .
(p-٤٤٥)هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، واتِّصالُها بِما قَبْلَها ظاهِرٌ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: انْشَقَّتْ تَنْشَقُّ: أيْ تَتَصَدَّعُ بِالغَمامِ، وقالَهُ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ. وقِيلَ: تَنْشَقُّ لِهَوْلِ يَوْمِ القِيامَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وانْشَقَّتِ السَّماءُ فَهي يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٦] . وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِسُكُونِ تاءِ انْشَقَّتْ وما بَعْدَها وصْلًا ووَقْفًا. وقَرَأ عُبَيْدُ بْنُ عَقِيلٍ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِإشْمامِ الكَسْرِ وقْفًا بَعْدَما لَمْ تَخْتَلِفْ في الوَصْلِ إسْكانًا. قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: فَهَذا مِنَ التَّغْيِيراتِ الَّتِي تَلْحَقُ الرَّوِيَّ في القَوافِي، وفي هَذا الإشْمامِ بَيانُ أنَّ هَذِهِ التّاءَ مِن عَلامَةِ تَرْتِيبِ الفِعْلِ لِلْإناثِ، ولَيْسَتْ مِمّا تَنْقَلِبُ في الأسْماءِ، فَصارَ ذَلِكَ فارِقًا بَيْنَ الِاسْمِ والفِعْلِ فِيمَن وقَفَ عَلى ما في الأسْماءِ بِالتّاءِ، وذَلِكَ لُغَةُ طَيِّئٍ، وقَدْ حُمِلَ في المَصاحِفِ بَعْضُ التّاءاتِ عَلى ذَلِكَ. انْتَهى. وقالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: (إذا السَّماءُ انْشَقَّتِ) بِكَسْرِ التّاءِ، عُبَيْدٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: (وانْشَقَّتْ) يَقِفُ عَلى التّاءِ كَأنَّهُ يُشِمُّها شَيْئًا مِنَ الجَرِّ، وكَذَلِكَ في أخَواتِها. قالَ أبُو حاتِمٍ: سَمِعْتُ أعْرابِيًّا فَصِيحًا في بِلادِ قَيْسٍ يَكْسِرُ هَذِهِ التّاءاتِ، وهي لُغَةٌ. انْتَهى. وذَلِكَ أنَّ الفَواصِلَ قَدْ تُجْرى مُجْرى القَوافِي، فَكَما أنَّ هَذِهِ التّاءَ تُكْسَرُ في القَوافِي، تُكْسَرُ في الفَواصِلِ، ومِثالُ كَسْرِها في القَوافِي قَوْلُ كُثَيِّرِ عَزَّةَ:
؎وما أنا بِالدّاعِي لِعَزَّةَ بِالرَّدى ∗∗∗ ولا شامِتٍ أنَّ نَعْلَ عَزَّةَ زَلَّتِ
وكَذَلِكَ باقِي القَصِيدَةِ. وإجْراءُ الفَواصِلِ في الوَقْفِ مُجْرى القَوافِي مَهْيَعٌ مَعْرُوفٌ، كَقَوْلِهِ تَعالى: (الظُّنُونا) و(الرَّسُولا) في سُورَةِ الأحْزابِ، وحَمْلُ الوَصْفِ عَلى حالَةِ الوَقْفِ أيْضًا مَوْجُودٌ في الفَواصِلِ (وأذِنَتْ): أيِ اسْتَمَعَتْ وسَمِعَتْ أمْرَهُ ونَهْيَهُ، وفي الحَدِيثِ: (ما أذِنَ اللَّهُ بِشَيْءٍ إذْنَهُ لِنَبِيٍّ يَتَغَنّى بِالقُرْآنِ) . وقالَ الشّاعِرُ:
؎صُمٌّ إذا سَمِعُوا خَيْرًا ذُكِرْتُ بِهِ ∗∗∗ وإنْ ذُكِرْتُ بِسُوءٍ عِنْدَهم أذِنُوا
وقالَ قَعْنَبٌ:
؎إنْ يَأْذَنُوا رِيبَةً طارُوا بِها فَرَحًا ∗∗∗ وما هم أذِنُوا مِن صالِحٍ دَفَنُوا
وقالَ الحَجّافُ بْنُ حَكِيمٍ:
؎أذِنْتُ لَكم لِما سَمِعْتُ هَرِيرَكُمْ
وإذْنُها: انْقِيادُها لِلَّهِ تَعالى حِينَ أرادَ انْشِقاقَها فِعْلَ المُطِيعِ إذا ورَدَ عَلَيْهِ أمْرُ المُطاعِ أنْصَتَ وانْقادَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١] . (وحُقَّتْ) قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وابْنُ جُبَيْرٍ: وحُقَّ لَها أنْ تَسْمَعَ. وقالَ الضَّحّاكُ: أطاعَتْ وحُقَّ لَها أنْ تُطِيعَ. وقالَ قَتادَةُ: وحُقَّ لَها أنْ تَفْعَلَ ذَلِكَ، وهَذا الفِعْلُ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ، والفاعِلُ هو اللَّهُ تَعالى، أيْ وحَقَّ اللَّهُ تَعالى عَلَيْها الِاسْتِماعَ. ويُقالُ: فُلانٌ مَحْقُوقٌ بِكَذا وحَقِيقٌ بِكَذا، والمَعْنى: أنَّهُ لَمْ يَكُنْ في جِرْمِ السَّماءِ ما يَمْنَعُ مِن تَأْثِيرِ القُدْرَةِ في انْشِقاقِهِ وتَفْرِيقِ أجْزائِهِ وإعْدامِهِ. قِيلَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: وحُقَّ لَها أنْ تَنْشَقَّ لِشِدَّةِ الهَوْلِ وخَوْفِ اللَّهِ تَعالى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهي حَقِيقَةٌ بِأنْ تَنْقادَ ولا تَمْتَنِعَ، ومَعْناهُ: الإيذانُ بِأنَّ القادِرَ الذّاتِ يَجِبُ أنْ يَتَأتّى لَهُ كُلُّ مَقْدُورٍ ويَحِقَّ ذَلِكَ. انْتَهى. وفي قَوْلِهِ القادِرُ الذّاتِ دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ، وما أُولِعَ هَذا الرَّجُلُ بِمَذْهَبِ الِاعْتِزالِ يَدُسُّهُ مَتى أمْكَنَهُ في كُلِّ ما يَتَكَلَّمُ بِهِ.
الانشقاق 84:2
سُورَةُ الِانْشِقاقِ مَكِّيَّةٌ وهي خَمْسٌ وعِشْرُونَ آيَةً
﷽
﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ ﴿وأذِنَتْ لِرَبِّها وحُقَّتْ﴾ ﴿وإذا الأرْضُ مُدَّتْ﴾ [الإنشقاق: ٣] ﴿وألْقَتْ ما فِيها وتَخَلَّتْ﴾ [الإنشقاق: ٤] ﴿وأذِنَتْ لِرَبِّها وحُقَّتْ﴾ [الإنشقاق: ٥] ﴿يا أيُّها الإنْسانُ إنَّكَ كادِحٌ إلى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ﴾ [الإنشقاق: ٦] ﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ [الإنشقاق: ٧] ﴿فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا﴾ [الإنشقاق: ٨] ﴿ويَنْقَلِبُ إلى أهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ [الإنشقاق: ٩] ﴿وأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ وراءَ ظَهْرِهِ﴾ [الإنشقاق: ١٠] ﴿فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا﴾ [الإنشقاق: ١١] ﴿ويَصْلى سَعِيرًا﴾ [الإنشقاق: ١٢] ﴿إنَّهُ كانَ في أهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ [الإنشقاق: ١٣] ﴿إنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ﴾ [الإنشقاق: ١٤] ﴿بَلى إنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيرًا﴾ [الإنشقاق: ١٥] ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ﴾ [الإنشقاق: ١٦] ﴿واللَّيْلِ وما وسَقَ﴾ [الإنشقاق: ١٧] ﴿والقَمَرِ إذا اتَّسَقَ﴾ [الإنشقاق: ١٨] ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ [الإنشقاق: ١٩] ﴿فَما لَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الإنشقاق: ٢٠] ﴿وإذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ القُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ﴾ [الإنشقاق: ٢١] ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ﴾ [الإنشقاق: ٢٢] ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما يُوعُونَ﴾ [الإنشقاق: ٢٣] ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الإنشقاق: ٢٤] ﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [الإنشقاق: ٢٥]
(p-٤٤٤)الكَدْحُ: جَهْدُ النَّفْسِ في العَمَلِ حَتّى يُؤَثِّرَ فِيها، مِن كَدَحَ جِلْدَهُ إذا خَدَشَهُ، قالَ ابْنُ مُقْبِلٍ:
؎وما الدَّهْرُ إلّا تارَتانِ فَمِنهُما أمُوتُ وأُخْرى أبْتَغِي العَيْشَ أكْدَحُ
وقالَ آخَرُ:
؎ومَضَتْ بَشاشَةُ كُلِّ عَيْشٍ صالِحٍ ∗∗∗ وبَقِيتُ أكْدَحُ لِلْحَياةِ وأنْصَبُ
حارَ: رَجَعَ، قالَ الشّاعِرُ:
؎وما المَرْءُ إلّا كالشِّهابِ وضَوْئِهِ ∗∗∗ يَحُورُ رَمادًا بَعْدَ إذْ هو ساطِعُ
الشَّفَقُ: الحُمْرَةُ بَعْدَ مَغِيبِ الشَّمْسِ حِينَ تَأْتِي صَلاةُ العِشاءِ الآخِرَةُ. قِيلَ: أصْلُهُ مِن رِقَّةِ الشَّيْءِ، يُقالُ شَيْءٌ شَفَقٌ: أيْ لا يَتَماسَكُ لِرِقَّتِهِ، ومِنهُ أشْفَقَ عَلَيْهِ: رَقَّ قَلْبُهُ، والشَّفَقَةُ: الِاسْمُ مِنِ الشِّفاقِ، وكَذَلِكَ الشَّفَقُ، قالَ الشّاعِرُ:
؎تَهْوى حَياتِي وأهْوى مَوْتَها شَفَقًا ∗∗∗ والمَوْتُ أكْرَمُ نَزّالٍ عَلى الحُرَمِ
وسَقَ: ضَمَّ وجَمَعَ، ومِنهُ الوَسَقُ: الأصْواعُ المَجْمُوعَةُ، وهي سِتُّونَ صاعًا، وطَعامٌ مَوْسُوقٌ: أيْ مَجْمُوعٌ، وإبِلٌ مُسْتَوْسِقَةٌ، قالَ الشّاعِرُ:
؎أنَّ لَنا قَلائِصًا حَقائِقا ∗∗∗ مُسْتَوْسِقاتٍ لَوْ يَجِدْنَ سائِقا
اتَّسَقَ، قالَ الفَرّاءُ: اتِّساقُ القَمَرِ: امْتِلاؤُهُ واسْتِواؤُهُ لَيالِيَ البَدْرِ، وهو افْتِعالٌ مِنَ الوَسْقِ الَّذِي هو الجَمْعُ، يُقالُ: وسَقْتُهُ فاتَّسَقَ، ويُقالُ: أمْرُ فُلانٍ مُتَّسِقٌ: أيْ مُجْتَمِعٌ عَلى الصَّلاحِ مُنْتَظِمٌ. (طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ) حالٌ بَعْدَ حالٍ، والطَّبَقُ: ما طابَقَ غَيْرَهُ، وأطْباقُ الثَّرى: ما تَطابَقَ مِنهُ، ومِنهُ قِيلَ لِلْغِطاءِ الطَّبَقُ. قالَ الأعْرَجُ بْنُ حابِسٍ:
إنِّي امْرُؤٌ قَدْ حَلَبْتُ الدَّهْرَ أشْطُرَهُ وساقَنِي طَبَقٌ مِنهُ إلى طَبَقِ
وقالَ امْرُؤُ القَيْسِ:
دِيمَةٌ هَطْلاءُ فِيها وطَفٌ طَبَقٌ لِلْأرْضِ تَجْرِي وتَذُرُّ
﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ ﴿وأذِنَتْ لِرَبِّها وحُقَّتْ﴾ ﴿وإذا الأرْضُ مُدَّتْ﴾ [الإنشقاق: ٣] ﴿وألْقَتْ ما فِيها وتَخَلَّتْ﴾ [الإنشقاق: ٤] ﴿وأذِنَتْ لِرَبِّها وحُقَّتْ﴾ [الإنشقاق: ٥] ﴿ياأيُّها الإنْسانُ إنَّكَ كادِحٌ إلى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ﴾ [الإنشقاق: ٦] ﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ [الإنشقاق: ٧] ﴿فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا﴾ [الإنشقاق: ٨] ﴿ويَنْقَلِبُ إلى أهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ [الإنشقاق: ٩] ﴿وأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ وراءَ ظَهْرِهِ﴾ [الإنشقاق: ١٠] ﴿فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا﴾ [الإنشقاق: ١١] ﴿ويَصْلى سَعِيرًا﴾ [الإنشقاق: ١٢] ﴿إنَّهُ كانَ في أهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ [الإنشقاق: ١٣] ﴿إنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ﴾ [الإنشقاق: ١٤] ﴿بَلى إنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيرًا﴾ [الإنشقاق: ١٥] ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ﴾ [الإنشقاق: ١٦] ﴿واللَّيْلِ وما وسَقَ﴾ [الإنشقاق: ١٧] ﴿والقَمَرِ إذا اتَّسَقَ﴾ [الإنشقاق: ١٨] ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ [الإنشقاق: ١٩] ﴿فَما لَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الإنشقاق: ٢٠] ﴿وإذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ القُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ﴾ [الإنشقاق: ٢١] ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ﴾ [الإنشقاق: ٢٢] ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما يُوعُونَ﴾ [الإنشقاق: ٢٣] ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الإنشقاق: ٢٤] ﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [الإنشقاق: ٢٥] .
(p-٤٤٥)هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، واتِّصالُها بِما قَبْلَها ظاهِرٌ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: انْشَقَّتْ تَنْشَقُّ: أيْ تَتَصَدَّعُ بِالغَمامِ، وقالَهُ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ. وقِيلَ: تَنْشَقُّ لِهَوْلِ يَوْمِ القِيامَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وانْشَقَّتِ السَّماءُ فَهي يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٦] . وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِسُكُونِ تاءِ انْشَقَّتْ وما بَعْدَها وصْلًا ووَقْفًا. وقَرَأ عُبَيْدُ بْنُ عَقِيلٍ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِإشْمامِ الكَسْرِ وقْفًا بَعْدَما لَمْ تَخْتَلِفْ في الوَصْلِ إسْكانًا. قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: فَهَذا مِنَ التَّغْيِيراتِ الَّتِي تَلْحَقُ الرَّوِيَّ في القَوافِي، وفي هَذا الإشْمامِ بَيانُ أنَّ هَذِهِ التّاءَ مِن عَلامَةِ تَرْتِيبِ الفِعْلِ لِلْإناثِ، ولَيْسَتْ مِمّا تَنْقَلِبُ في الأسْماءِ، فَصارَ ذَلِكَ فارِقًا بَيْنَ الِاسْمِ والفِعْلِ فِيمَن وقَفَ عَلى ما في الأسْماءِ بِالتّاءِ، وذَلِكَ لُغَةُ طَيِّئٍ، وقَدْ حُمِلَ في المَصاحِفِ بَعْضُ التّاءاتِ عَلى ذَلِكَ. انْتَهى. وقالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: (إذا السَّماءُ انْشَقَّتِ) بِكَسْرِ التّاءِ، عُبَيْدٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: (وانْشَقَّتْ) يَقِفُ عَلى التّاءِ كَأنَّهُ يُشِمُّها شَيْئًا مِنَ الجَرِّ، وكَذَلِكَ في أخَواتِها. قالَ أبُو حاتِمٍ: سَمِعْتُ أعْرابِيًّا فَصِيحًا في بِلادِ قَيْسٍ يَكْسِرُ هَذِهِ التّاءاتِ، وهي لُغَةٌ. انْتَهى. وذَلِكَ أنَّ الفَواصِلَ قَدْ تُجْرى مُجْرى القَوافِي، فَكَما أنَّ هَذِهِ التّاءَ تُكْسَرُ في القَوافِي، تُكْسَرُ في الفَواصِلِ، ومِثالُ كَسْرِها في القَوافِي قَوْلُ كُثَيِّرِ عَزَّةَ:
؎وما أنا بِالدّاعِي لِعَزَّةَ بِالرَّدى ∗∗∗ ولا شامِتٍ أنَّ نَعْلَ عَزَّةَ زَلَّتِ
وكَذَلِكَ باقِي القَصِيدَةِ. وإجْراءُ الفَواصِلِ في الوَقْفِ مُجْرى القَوافِي مَهْيَعٌ مَعْرُوفٌ، كَقَوْلِهِ تَعالى: (الظُّنُونا) و(الرَّسُولا) في سُورَةِ الأحْزابِ، وحَمْلُ الوَصْفِ عَلى حالَةِ الوَقْفِ أيْضًا مَوْجُودٌ في الفَواصِلِ (وأذِنَتْ): أيِ اسْتَمَعَتْ وسَمِعَتْ أمْرَهُ ونَهْيَهُ، وفي الحَدِيثِ: (ما أذِنَ اللَّهُ بِشَيْءٍ إذْنَهُ لِنَبِيٍّ يَتَغَنّى بِالقُرْآنِ) . وقالَ الشّاعِرُ:
؎صُمٌّ إذا سَمِعُوا خَيْرًا ذُكِرْتُ بِهِ ∗∗∗ وإنْ ذُكِرْتُ بِسُوءٍ عِنْدَهم أذِنُوا
وقالَ قَعْنَبٌ:
؎إنْ يَأْذَنُوا رِيبَةً طارُوا بِها فَرَحًا ∗∗∗ وما هم أذِنُوا مِن صالِحٍ دَفَنُوا
وقالَ الحَجّافُ بْنُ حَكِيمٍ:
؎أذِنْتُ لَكم لِما سَمِعْتُ هَرِيرَكُمْ
وإذْنُها: انْقِيادُها لِلَّهِ تَعالى حِينَ أرادَ انْشِقاقَها فِعْلَ المُطِيعِ إذا ورَدَ عَلَيْهِ أمْرُ المُطاعِ أنْصَتَ وانْقادَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١] . (وحُقَّتْ) قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وابْنُ جُبَيْرٍ: وحُقَّ لَها أنْ تَسْمَعَ. وقالَ الضَّحّاكُ: أطاعَتْ وحُقَّ لَها أنْ تُطِيعَ. وقالَ قَتادَةُ: وحُقَّ لَها أنْ تَفْعَلَ ذَلِكَ، وهَذا الفِعْلُ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ، والفاعِلُ هو اللَّهُ تَعالى، أيْ وحَقَّ اللَّهُ تَعالى عَلَيْها الِاسْتِماعَ. ويُقالُ: فُلانٌ مَحْقُوقٌ بِكَذا وحَقِيقٌ بِكَذا، والمَعْنى: أنَّهُ لَمْ يَكُنْ في جِرْمِ السَّماءِ ما يَمْنَعُ مِن تَأْثِيرِ القُدْرَةِ في انْشِقاقِهِ وتَفْرِيقِ أجْزائِهِ وإعْدامِهِ. قِيلَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: وحُقَّ لَها أنْ تَنْشَقَّ لِشِدَّةِ الهَوْلِ وخَوْفِ اللَّهِ تَعالى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهي حَقِيقَةٌ بِأنْ تَنْقادَ ولا تَمْتَنِعَ، ومَعْناهُ: الإيذانُ بِأنَّ القادِرَ الذّاتِ يَجِبُ أنْ يَتَأتّى لَهُ كُلُّ مَقْدُورٍ ويَحِقَّ ذَلِكَ. انْتَهى. وفي قَوْلِهِ القادِرُ الذّاتِ دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ، وما أُولِعَ هَذا الرَّجُلُ بِمَذْهَبِ الِاعْتِزالِ يَدُسُّهُ مَتى أمْكَنَهُ في كُلِّ ما يَتَكَلَّمُ بِهِ.
الانشقاق 84:3
﴿وإذا الأرْضُ مُدَّتْ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: سُوِّيَتْ. وقالَ الضَّحّاكُ: بُسِطَتْ بِانْدِكاكِ جِبالِها، ومِنهُ الحَدِيثُ: (تُمَدُّ الأرْضُ مَدَّ الأدِيمِ العُكاظِيِّ حَتّى لا يَكُونَ لِبَشَرٍ مِنَ النّاسِ إلّا مَوْضِعَ قَدَمَيْهِ)، وذَلِكَ أنَّ الأدِيمَ إذا مُدَّ زالَ ما فِيهِ مِن تِئْنٍ وانْبَسَطَ، فَتَصِيرُ الأرْضُ إذْ ذاكَ كَما قالَ تَعالى: ﴿قاعًا صَفْصَفًا﴾ [طه: ١٠٦] ﴿لا تَرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا﴾ [طه: ١٠٧] .
(p-٤٤٦)﴿وألْقَتْ ما فِيها وتَخَلَّتْ﴾ قالَ ابْنُ جُبَيْرٍ والجُمْهُورُ: ألْقَتْ ما في بَطْنِها مِنَ الأمْواتِ، وتَخَلَّتْ مِمَّنْ عَلى ظَهْرِها مِنَ الأحْياءِ. وقِيلَ: تَخَلَّتْ مِمّا عَلى ظَهْرِها مِن جِبالِها وبِحارِها. وقالَ الزَّجّاجُ: ومِنَ الكُنُوزِ، وضُعِّفَ هَذا بِأنَّ ذَلِكَ يَكُونُ وقْتَ خُرُوجِ الدَّجّالِ، وإنَّما تُلْقِي يَوْمَ القِيامَةِ المَوْتى.
﴿وتَخَلَّتْ﴾: أيْ عَنْ ما كانَ فِيها، لَمْ تَتَمَسَّكْ مِنهم بِشَيْءٍ. وجاءَ تَخَلَّتْ: أيْ تَكَلَّفَتْ أقْصى جُهْدِها في الخُلُوِّ. كَما تَقُولُ: تَكَرَّمَ الكَرِيمُ: بَلَغَ جُهْدَهُ في الكَرَمِ وتَكَلَّفَ فَوْقَ ما في طَبْعِهِ، ونِسْبَةُ ذَلِكَ إلى الأرْضِ نِسْبَةٌ مَجازِيَّةٌ، واللَّهُ تَعالى هو الَّذِي أخْرَجَ تِلْكَ الأشْياءَ مِن باطِنِها. وجَوابُ إذا مَحْذُوفٌ، فَإمّا أنْ يُقَدِّرَهُ الَّذِي خَرَجَ بِهِ في سُورَةِ التَّكْوِيرِ أوْ الِانْفِطارِ، أوْ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ: ﴿إنَّكَ كادِحٌ﴾ أيْ لاقى كُلُّ إنْسانٍ كَدْحَهُ. وقالَ الأخْفَشُ والمُبَرِّدُ: هو مُلاقِيهِ، إذا انْشَقَّتِ السَّماءُ فَأنْتَ مُلاقِيهِ. وقِيلَ: ﴿ياأيُّها الإنْسانُ﴾ [الإنفطار: ٦] عَلى حَذْفِ الفاءِ تَقْدِيرُهُ: فَيا أيُّها الإنْسانُ. وقِيلَ: ﴿وأذِنَتْ﴾ عَلى زِيادَةِ الواوِ، وعَنِ الأخْفَشِ: ﴿إذا السَّماءُ﴾ [الإنشقاق: ١] مُبْتَدَأٌ، خَبَرُهُ ﴿وإذا الأرْضُ﴾ عَلى زِيادَةِ الواوِ، والعامِلُ فِيها عَلى قَوْلِ الأكْثَرِينَ: الجَوابُ إمّا المَحْذُوفُ الَّذِي قَدَّرُوهُ، وإمّا الظّاهِرُ الَّذِي قِيلَ إنَّهُ جَوابٌ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقالَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ: العامِلُ انْشَقَّتْ، وأبى ذَلِكَ كَثِيرٌ مِن أئِمَّتِهِمْ، لِأنَّ إذا مُضافَةٌ إلى انْشَقَّتْ، ومَن يُجِيزُ ذَلِكَ تَضْعُفُ عِنْدَهُ الإضافَةُ ويَقْوى مَعْنى الجَزاءِ. انْتَهى. وهَذا القَوْلُ نَحْنُ نَخْتارُهُ، وقَدِ اسْتَدْلَلْنا عَلى صِحَّتِهِ فِيما كَتَبْناهُ، والتَّقْدِيرُ: وقْتُ انْشِقاقِ السَّماءِ وقْتُ مَدِّ الأرْضِ. وقِيلَ: لا جَوابَ لَها إذْ هي قَدْ نُصِبَتْ بِاذْكُرْ نَصْبَ المَفْعُولِ بِهِ، فَلَيْسَتْ شَرْطًا.
﴿وأذِنَتْ لِرَبِّها﴾ أيْ في إلْقاءِ ما في بَطْنِها وتَخَلِّيها. والإنْسانُ: يُرادُ بِهِ الجِنْسُ، والتَّقْسِيمُ بَعْدَ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَيْهِ. وقالَ مُقاتِلٌ: المُرادُ بِهِ الأسْوَدُ بْنُ عَبْدِ الأسَدِ بْنِ هِلالٍ المَخْزُومِيُّ، جادَلَ أخاهُ أبا سَلَمَةَ في أمْرِ البَعْثِ، فَقالَ أبُو سَلَمَةَ: والَّذِي خَلَقَكَ لَتَرْكَبَنَّ الطَّبَقَةَ ولَتُوافِيَنَّ العَقَبَةَ. فَقالَ الأسْوَدُ: فَأيْنَ الأرْضُ والسَّماءُ ؟ وما حالُ النّاسِ ؟ انْتَهى. وكانَ مُقاتِلًا يُرِيدُ أنَّها نَزَلَتْ في الأسْوَدِ، وهي تَعُمُّ الجِنْسَ. وقِيلَ: المُرادُ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ، كانَ يَكْدَحُ في طَلَبِ الدُّنْيا وإيذاءِ الرَّسُولِ، ﷺ، والإصْرارِ عَلى الكُفْرِ. وأبْعَدُ مَن ذَهَبَ إلى أنَّهُ الرَّسُولُ، ﷺ، والمَعْنى: إنَّكَ تَكْدَحُ في إبْلاغِ رِسالاتِ اللَّهِ تَعالى وإرْشادِ عِبادِهِ واحْتِمالِ الضُّرِّ مِنَ الكُفّارِ، فَأبْشِرْ فَإنَّكَ تَلْقى اللَّهَ بِهَذا العَمَلِ، وهو غَيْرُ ضائِعٍ عِنْدَهُ.
﴿إنَّكَ كادِحٌ﴾ أيْ جاهِدٌ في عَمَلِكَ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ إلى رَبِّكَ، أيْ طُولَ حَياتِكَ إلى لِقاءِ رَبِّكَ، وهو أجَلُ مَوْتِكَ. (فَمُلاقِيهِ) أيْ جَزاءَ كَدْحِكَ مِن ثَوابٍ وعِقابٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: فالفاءُ عَلى هَذا عاطِفَةٌ جُمْلَةَ الكَلامِ عَلى الَّتِي قَبْلَها، والتَّقْدِيرُ: فَأنْتَ مُلاقِيهِ، ولا يَتَعَيَّنُ ما قالَهُ، بَلْ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى كادِحٍ عَطْفَ المُفْرَداتِ. وقالَ الجُمْهُورُ: الضَّمِيرُ في مُلاقِيهِ عائِدٌ عَلى رَبِّكَ، أيْ فَمُلاقِي جَزائِهِ، فاسْمُ الفاعِلِ مَعْطُوفٌ عَلى اسْمِ الفاعِلِ.
﴿حِسابًا يَسِيرًا﴾ قالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها: يُقَرَّرُ ذُنُوبَهُ ثُمَّ يُتَجاوَزُ عَنْهُ. وقالَ الحَسَنُ: يُجازى بِالحَسَنَةِ ويُتَجاوَزُ عَنِ السَّيِّئَةِ. وفي الحَدِيثِ: (مَن حُوسِبَ عُذِّبَ)، فَقالَتْ عائِشَةُ: ألَمْ يَقُلِ اللَّهُ تَعالى ﴿فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا﴾ ؟ فَقالَ، عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: (إنَّما ذَلِكَ العَرْضُ، وأمّا مَن نُوقِشَ الحِسابَ فَيَهْلِكُ) .
﴿ويَنْقَلِبُ إلى أهْلِهِ﴾ أيْ إلى مَن أعَدَّ اللَّهُ لَهُ في الجَنَّةِ مِن نِساءِ المُؤْمِناتِ ومِنَ الحُورِ العِينِ، أوْ إلى عَشِيرَتِهِ المُؤْمِنِينَ، فَيُخْبِرُهم بِخَلاصِهِ وسَلامَتِهِ، أوْ إلى المُؤْمِنِينَ، إذْ هم كُلُّهم أهْلُ إيمانٍ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (ويُقْلَبُ) مُضارِعُ قُلِبَ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ.
﴿وراءَ ظَهْرِهِ﴾ رُوِيَ أنَّ شِمالَهُ تَدْخُلُ مِن صَدْرِهِ حَتّى تَخْرُجَ مِن وراءِ ظَهْرِهِ، فَيَأْخُذُ كِتابَهُ بِها. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وأمّا مَن يَنْفُذُ عَلَيْهِ الوَعِيدُ مِن عُصاتِهِمْ، يَعْنِي عُصاةَ المُؤْمِنِينَ، فَإنَّهُ يُعْطى كِتابَهُ عِنْدَ خُرُوجِهِ مِنَ النّارِ. وقَدْ جَوَّزَ قَوْمٌ أنْ يُعْطاهُ أوَّلًا قَبْلَ دُخُولِهِ النّارَ، وهَذِهِ الآيَةُ تَرُدُّ عَلى هَذا القَوْلِ. انْتَهى. والظّاهِرُ مِنَ الآيَةِ (p-٤٤٧)أنَّ الإنْسانَ انْقَسَمَ إلى هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ ولَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْعُصاةِ الَّذِينَ يُدْخِلُهُمُ اللَّهُ النّارَ ﴿يَدْعُو ثُبُورًا﴾ يَقُولُ: واثُبُوراهُ، والثُّبُورُ: الهَلاكُ، وهو جامِعٌ لِأنْواعِ المَكارِهِ. وقَرَأ قَتادَةُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وعِيسى، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ: (ويَصْلى) بِفَتْحِ الياءِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وباقِي السَّبْعَةِ وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، وأبُو الشَّعْثاءِ، والحَسَنُ، والأعْرَجُ: بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الصّادِ واللّامِ مُشَدَّدَةً، وأبُو الأشْهَبِ وخارِجَةُ عَنْ نافِعٍ، وأبانٌ عَنْ عاصِمٍ، وعِيسى أيْضًا والعَتَكِيُّ وجَماعَةٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِضَمِّ الياءِ ساكِنِ الصّادِ مُخَفَّفِ اللّامِ، بُنِيَ لِلْمَفْعُولِ مِنَ المُتَعَدِّي بِالهَمْزَةِ، كَما بُنِيَ (ويُصَلّى) المُشَدَّدُ لِلْمَفْعُولِ مِنَ المُتَعَدِّي بِالتَّضْعِيفِ.
الانشقاق 84:4
﴿وإذا الأرْضُ مُدَّتْ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: سُوِّيَتْ. وقالَ الضَّحّاكُ: بُسِطَتْ بِانْدِكاكِ جِبالِها، ومِنهُ الحَدِيثُ: (تُمَدُّ الأرْضُ مَدَّ الأدِيمِ العُكاظِيِّ حَتّى لا يَكُونَ لِبَشَرٍ مِنَ النّاسِ إلّا مَوْضِعَ قَدَمَيْهِ)، وذَلِكَ أنَّ الأدِيمَ إذا مُدَّ زالَ ما فِيهِ مِن تِئْنٍ وانْبَسَطَ، فَتَصِيرُ الأرْضُ إذْ ذاكَ كَما قالَ تَعالى: ﴿قاعًا صَفْصَفًا﴾ [طه: ١٠٦] ﴿لا تَرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا﴾ [طه: ١٠٧] .
(p-٤٤٦)﴿وألْقَتْ ما فِيها وتَخَلَّتْ﴾ قالَ ابْنُ جُبَيْرٍ والجُمْهُورُ: ألْقَتْ ما في بَطْنِها مِنَ الأمْواتِ، وتَخَلَّتْ مِمَّنْ عَلى ظَهْرِها مِنَ الأحْياءِ. وقِيلَ: تَخَلَّتْ مِمّا عَلى ظَهْرِها مِن جِبالِها وبِحارِها. وقالَ الزَّجّاجُ: ومِنَ الكُنُوزِ، وضُعِّفَ هَذا بِأنَّ ذَلِكَ يَكُونُ وقْتَ خُرُوجِ الدَّجّالِ، وإنَّما تُلْقِي يَوْمَ القِيامَةِ المَوْتى.
﴿وتَخَلَّتْ﴾: أيْ عَنْ ما كانَ فِيها، لَمْ تَتَمَسَّكْ مِنهم بِشَيْءٍ. وجاءَ تَخَلَّتْ: أيْ تَكَلَّفَتْ أقْصى جُهْدِها في الخُلُوِّ. كَما تَقُولُ: تَكَرَّمَ الكَرِيمُ: بَلَغَ جُهْدَهُ في الكَرَمِ وتَكَلَّفَ فَوْقَ ما في طَبْعِهِ، ونِسْبَةُ ذَلِكَ إلى الأرْضِ نِسْبَةٌ مَجازِيَّةٌ، واللَّهُ تَعالى هو الَّذِي أخْرَجَ تِلْكَ الأشْياءَ مِن باطِنِها. وجَوابُ إذا مَحْذُوفٌ، فَإمّا أنْ يُقَدِّرَهُ الَّذِي خَرَجَ بِهِ في سُورَةِ التَّكْوِيرِ أوْ الِانْفِطارِ، أوْ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ: ﴿إنَّكَ كادِحٌ﴾ أيْ لاقى كُلُّ إنْسانٍ كَدْحَهُ. وقالَ الأخْفَشُ والمُبَرِّدُ: هو مُلاقِيهِ، إذا انْشَقَّتِ السَّماءُ فَأنْتَ مُلاقِيهِ. وقِيلَ: ﴿ياأيُّها الإنْسانُ﴾ [الإنفطار: ٦] عَلى حَذْفِ الفاءِ تَقْدِيرُهُ: فَيا أيُّها الإنْسانُ. وقِيلَ: ﴿وأذِنَتْ﴾ عَلى زِيادَةِ الواوِ، وعَنِ الأخْفَشِ: ﴿إذا السَّماءُ﴾ [الإنشقاق: ١] مُبْتَدَأٌ، خَبَرُهُ ﴿وإذا الأرْضُ﴾ عَلى زِيادَةِ الواوِ، والعامِلُ فِيها عَلى قَوْلِ الأكْثَرِينَ: الجَوابُ إمّا المَحْذُوفُ الَّذِي قَدَّرُوهُ، وإمّا الظّاهِرُ الَّذِي قِيلَ إنَّهُ جَوابٌ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقالَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ: العامِلُ انْشَقَّتْ، وأبى ذَلِكَ كَثِيرٌ مِن أئِمَّتِهِمْ، لِأنَّ إذا مُضافَةٌ إلى انْشَقَّتْ، ومَن يُجِيزُ ذَلِكَ تَضْعُفُ عِنْدَهُ الإضافَةُ ويَقْوى مَعْنى الجَزاءِ. انْتَهى. وهَذا القَوْلُ نَحْنُ نَخْتارُهُ، وقَدِ اسْتَدْلَلْنا عَلى صِحَّتِهِ فِيما كَتَبْناهُ، والتَّقْدِيرُ: وقْتُ انْشِقاقِ السَّماءِ وقْتُ مَدِّ الأرْضِ. وقِيلَ: لا جَوابَ لَها إذْ هي قَدْ نُصِبَتْ بِاذْكُرْ نَصْبَ المَفْعُولِ بِهِ، فَلَيْسَتْ شَرْطًا.
﴿وأذِنَتْ لِرَبِّها﴾ أيْ في إلْقاءِ ما في بَطْنِها وتَخَلِّيها. والإنْسانُ: يُرادُ بِهِ الجِنْسُ، والتَّقْسِيمُ بَعْدَ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَيْهِ. وقالَ مُقاتِلٌ: المُرادُ بِهِ الأسْوَدُ بْنُ عَبْدِ الأسَدِ بْنِ هِلالٍ المَخْزُومِيُّ، جادَلَ أخاهُ أبا سَلَمَةَ في أمْرِ البَعْثِ، فَقالَ أبُو سَلَمَةَ: والَّذِي خَلَقَكَ لَتَرْكَبَنَّ الطَّبَقَةَ ولَتُوافِيَنَّ العَقَبَةَ. فَقالَ الأسْوَدُ: فَأيْنَ الأرْضُ والسَّماءُ ؟ وما حالُ النّاسِ ؟ انْتَهى. وكانَ مُقاتِلًا يُرِيدُ أنَّها نَزَلَتْ في الأسْوَدِ، وهي تَعُمُّ الجِنْسَ. وقِيلَ: المُرادُ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ، كانَ يَكْدَحُ في طَلَبِ الدُّنْيا وإيذاءِ الرَّسُولِ، ﷺ، والإصْرارِ عَلى الكُفْرِ. وأبْعَدُ مَن ذَهَبَ إلى أنَّهُ الرَّسُولُ، ﷺ، والمَعْنى: إنَّكَ تَكْدَحُ في إبْلاغِ رِسالاتِ اللَّهِ تَعالى وإرْشادِ عِبادِهِ واحْتِمالِ الضُّرِّ مِنَ الكُفّارِ، فَأبْشِرْ فَإنَّكَ تَلْقى اللَّهَ بِهَذا العَمَلِ، وهو غَيْرُ ضائِعٍ عِنْدَهُ.
﴿إنَّكَ كادِحٌ﴾ أيْ جاهِدٌ في عَمَلِكَ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ إلى رَبِّكَ، أيْ طُولَ حَياتِكَ إلى لِقاءِ رَبِّكَ، وهو أجَلُ مَوْتِكَ. (فَمُلاقِيهِ) أيْ جَزاءَ كَدْحِكَ مِن ثَوابٍ وعِقابٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: فالفاءُ عَلى هَذا عاطِفَةٌ جُمْلَةَ الكَلامِ عَلى الَّتِي قَبْلَها، والتَّقْدِيرُ: فَأنْتَ مُلاقِيهِ، ولا يَتَعَيَّنُ ما قالَهُ، بَلْ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى كادِحٍ عَطْفَ المُفْرَداتِ. وقالَ الجُمْهُورُ: الضَّمِيرُ في مُلاقِيهِ عائِدٌ عَلى رَبِّكَ، أيْ فَمُلاقِي جَزائِهِ، فاسْمُ الفاعِلِ مَعْطُوفٌ عَلى اسْمِ الفاعِلِ.
﴿حِسابًا يَسِيرًا﴾ قالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها: يُقَرَّرُ ذُنُوبَهُ ثُمَّ يُتَجاوَزُ عَنْهُ. وقالَ الحَسَنُ: يُجازى بِالحَسَنَةِ ويُتَجاوَزُ عَنِ السَّيِّئَةِ. وفي الحَدِيثِ: (مَن حُوسِبَ عُذِّبَ)، فَقالَتْ عائِشَةُ: ألَمْ يَقُلِ اللَّهُ تَعالى ﴿فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا﴾ ؟ فَقالَ، عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: (إنَّما ذَلِكَ العَرْضُ، وأمّا مَن نُوقِشَ الحِسابَ فَيَهْلِكُ) .
﴿ويَنْقَلِبُ إلى أهْلِهِ﴾ أيْ إلى مَن أعَدَّ اللَّهُ لَهُ في الجَنَّةِ مِن نِساءِ المُؤْمِناتِ ومِنَ الحُورِ العِينِ، أوْ إلى عَشِيرَتِهِ المُؤْمِنِينَ، فَيُخْبِرُهم بِخَلاصِهِ وسَلامَتِهِ، أوْ إلى المُؤْمِنِينَ، إذْ هم كُلُّهم أهْلُ إيمانٍ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (ويُقْلَبُ) مُضارِعُ قُلِبَ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ.
﴿وراءَ ظَهْرِهِ﴾ رُوِيَ أنَّ شِمالَهُ تَدْخُلُ مِن صَدْرِهِ حَتّى تَخْرُجَ مِن وراءِ ظَهْرِهِ، فَيَأْخُذُ كِتابَهُ بِها. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وأمّا مَن يَنْفُذُ عَلَيْهِ الوَعِيدُ مِن عُصاتِهِمْ، يَعْنِي عُصاةَ المُؤْمِنِينَ، فَإنَّهُ يُعْطى كِتابَهُ عِنْدَ خُرُوجِهِ مِنَ النّارِ. وقَدْ جَوَّزَ قَوْمٌ أنْ يُعْطاهُ أوَّلًا قَبْلَ دُخُولِهِ النّارَ، وهَذِهِ الآيَةُ تَرُدُّ عَلى هَذا القَوْلِ. انْتَهى. والظّاهِرُ مِنَ الآيَةِ (p-٤٤٧)أنَّ الإنْسانَ انْقَسَمَ إلى هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ ولَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْعُصاةِ الَّذِينَ يُدْخِلُهُمُ اللَّهُ النّارَ ﴿يَدْعُو ثُبُورًا﴾ يَقُولُ: واثُبُوراهُ، والثُّبُورُ: الهَلاكُ، وهو جامِعٌ لِأنْواعِ المَكارِهِ. وقَرَأ قَتادَةُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وعِيسى، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ: (ويَصْلى) بِفَتْحِ الياءِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وباقِي السَّبْعَةِ وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، وأبُو الشَّعْثاءِ، والحَسَنُ، والأعْرَجُ: بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الصّادِ واللّامِ مُشَدَّدَةً، وأبُو الأشْهَبِ وخارِجَةُ عَنْ نافِعٍ، وأبانٌ عَنْ عاصِمٍ، وعِيسى أيْضًا والعَتَكِيُّ وجَماعَةٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِضَمِّ الياءِ ساكِنِ الصّادِ مُخَفَّفِ اللّامِ، بُنِيَ لِلْمَفْعُولِ مِنَ المُتَعَدِّي بِالهَمْزَةِ، كَما بُنِيَ (ويُصَلّى) المُشَدَّدُ لِلْمَفْعُولِ مِنَ المُتَعَدِّي بِالتَّضْعِيفِ.
الانشقاق 84:5
﴿وإذا الأرْضُ مُدَّتْ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: سُوِّيَتْ. وقالَ الضَّحّاكُ: بُسِطَتْ بِانْدِكاكِ جِبالِها، ومِنهُ الحَدِيثُ: (تُمَدُّ الأرْضُ مَدَّ الأدِيمِ العُكاظِيِّ حَتّى لا يَكُونَ لِبَشَرٍ مِنَ النّاسِ إلّا مَوْضِعَ قَدَمَيْهِ)، وذَلِكَ أنَّ الأدِيمَ إذا مُدَّ زالَ ما فِيهِ مِن تِئْنٍ وانْبَسَطَ، فَتَصِيرُ الأرْضُ إذْ ذاكَ كَما قالَ تَعالى: ﴿قاعًا صَفْصَفًا﴾ [طه: ١٠٦] ﴿لا تَرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا﴾ [طه: ١٠٧] .
(p-٤٤٦)﴿وألْقَتْ ما فِيها وتَخَلَّتْ﴾ قالَ ابْنُ جُبَيْرٍ والجُمْهُورُ: ألْقَتْ ما في بَطْنِها مِنَ الأمْواتِ، وتَخَلَّتْ مِمَّنْ عَلى ظَهْرِها مِنَ الأحْياءِ. وقِيلَ: تَخَلَّتْ مِمّا عَلى ظَهْرِها مِن جِبالِها وبِحارِها. وقالَ الزَّجّاجُ: ومِنَ الكُنُوزِ، وضُعِّفَ هَذا بِأنَّ ذَلِكَ يَكُونُ وقْتَ خُرُوجِ الدَّجّالِ، وإنَّما تُلْقِي يَوْمَ القِيامَةِ المَوْتى.
﴿وتَخَلَّتْ﴾: أيْ عَنْ ما كانَ فِيها، لَمْ تَتَمَسَّكْ مِنهم بِشَيْءٍ. وجاءَ تَخَلَّتْ: أيْ تَكَلَّفَتْ أقْصى جُهْدِها في الخُلُوِّ. كَما تَقُولُ: تَكَرَّمَ الكَرِيمُ: بَلَغَ جُهْدَهُ في الكَرَمِ وتَكَلَّفَ فَوْقَ ما في طَبْعِهِ، ونِسْبَةُ ذَلِكَ إلى الأرْضِ نِسْبَةٌ مَجازِيَّةٌ، واللَّهُ تَعالى هو الَّذِي أخْرَجَ تِلْكَ الأشْياءَ مِن باطِنِها. وجَوابُ إذا مَحْذُوفٌ، فَإمّا أنْ يُقَدِّرَهُ الَّذِي خَرَجَ بِهِ في سُورَةِ التَّكْوِيرِ أوْ الِانْفِطارِ، أوْ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ: ﴿إنَّكَ كادِحٌ﴾ أيْ لاقى كُلُّ إنْسانٍ كَدْحَهُ. وقالَ الأخْفَشُ والمُبَرِّدُ: هو مُلاقِيهِ، إذا انْشَقَّتِ السَّماءُ فَأنْتَ مُلاقِيهِ. وقِيلَ: ﴿ياأيُّها الإنْسانُ﴾ [الإنفطار: ٦] عَلى حَذْفِ الفاءِ تَقْدِيرُهُ: فَيا أيُّها الإنْسانُ. وقِيلَ: ﴿وأذِنَتْ﴾ عَلى زِيادَةِ الواوِ، وعَنِ الأخْفَشِ: ﴿إذا السَّماءُ﴾ [الإنشقاق: ١] مُبْتَدَأٌ، خَبَرُهُ ﴿وإذا الأرْضُ﴾ عَلى زِيادَةِ الواوِ، والعامِلُ فِيها عَلى قَوْلِ الأكْثَرِينَ: الجَوابُ إمّا المَحْذُوفُ الَّذِي قَدَّرُوهُ، وإمّا الظّاهِرُ الَّذِي قِيلَ إنَّهُ جَوابٌ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقالَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ: العامِلُ انْشَقَّتْ، وأبى ذَلِكَ كَثِيرٌ مِن أئِمَّتِهِمْ، لِأنَّ إذا مُضافَةٌ إلى انْشَقَّتْ، ومَن يُجِيزُ ذَلِكَ تَضْعُفُ عِنْدَهُ الإضافَةُ ويَقْوى مَعْنى الجَزاءِ. انْتَهى. وهَذا القَوْلُ نَحْنُ نَخْتارُهُ، وقَدِ اسْتَدْلَلْنا عَلى صِحَّتِهِ فِيما كَتَبْناهُ، والتَّقْدِيرُ: وقْتُ انْشِقاقِ السَّماءِ وقْتُ مَدِّ الأرْضِ. وقِيلَ: لا جَوابَ لَها إذْ هي قَدْ نُصِبَتْ بِاذْكُرْ نَصْبَ المَفْعُولِ بِهِ، فَلَيْسَتْ شَرْطًا.
﴿وأذِنَتْ لِرَبِّها﴾ أيْ في إلْقاءِ ما في بَطْنِها وتَخَلِّيها. والإنْسانُ: يُرادُ بِهِ الجِنْسُ، والتَّقْسِيمُ بَعْدَ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَيْهِ. وقالَ مُقاتِلٌ: المُرادُ بِهِ الأسْوَدُ بْنُ عَبْدِ الأسَدِ بْنِ هِلالٍ المَخْزُومِيُّ، جادَلَ أخاهُ أبا سَلَمَةَ في أمْرِ البَعْثِ، فَقالَ أبُو سَلَمَةَ: والَّذِي خَلَقَكَ لَتَرْكَبَنَّ الطَّبَقَةَ ولَتُوافِيَنَّ العَقَبَةَ. فَقالَ الأسْوَدُ: فَأيْنَ الأرْضُ والسَّماءُ ؟ وما حالُ النّاسِ ؟ انْتَهى. وكانَ مُقاتِلًا يُرِيدُ أنَّها نَزَلَتْ في الأسْوَدِ، وهي تَعُمُّ الجِنْسَ. وقِيلَ: المُرادُ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ، كانَ يَكْدَحُ في طَلَبِ الدُّنْيا وإيذاءِ الرَّسُولِ، ﷺ، والإصْرارِ عَلى الكُفْرِ. وأبْعَدُ مَن ذَهَبَ إلى أنَّهُ الرَّسُولُ، ﷺ، والمَعْنى: إنَّكَ تَكْدَحُ في إبْلاغِ رِسالاتِ اللَّهِ تَعالى وإرْشادِ عِبادِهِ واحْتِمالِ الضُّرِّ مِنَ الكُفّارِ، فَأبْشِرْ فَإنَّكَ تَلْقى اللَّهَ بِهَذا العَمَلِ، وهو غَيْرُ ضائِعٍ عِنْدَهُ.
﴿إنَّكَ كادِحٌ﴾ أيْ جاهِدٌ في عَمَلِكَ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ إلى رَبِّكَ، أيْ طُولَ حَياتِكَ إلى لِقاءِ رَبِّكَ، وهو أجَلُ مَوْتِكَ. (فَمُلاقِيهِ) أيْ جَزاءَ كَدْحِكَ مِن ثَوابٍ وعِقابٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: فالفاءُ عَلى هَذا عاطِفَةٌ جُمْلَةَ الكَلامِ عَلى الَّتِي قَبْلَها، والتَّقْدِيرُ: فَأنْتَ مُلاقِيهِ، ولا يَتَعَيَّنُ ما قالَهُ، بَلْ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى كادِحٍ عَطْفَ المُفْرَداتِ. وقالَ الجُمْهُورُ: الضَّمِيرُ في مُلاقِيهِ عائِدٌ عَلى رَبِّكَ، أيْ فَمُلاقِي جَزائِهِ، فاسْمُ الفاعِلِ مَعْطُوفٌ عَلى اسْمِ الفاعِلِ.
﴿حِسابًا يَسِيرًا﴾ قالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها: يُقَرَّرُ ذُنُوبَهُ ثُمَّ يُتَجاوَزُ عَنْهُ. وقالَ الحَسَنُ: يُجازى بِالحَسَنَةِ ويُتَجاوَزُ عَنِ السَّيِّئَةِ. وفي الحَدِيثِ: (مَن حُوسِبَ عُذِّبَ)، فَقالَتْ عائِشَةُ: ألَمْ يَقُلِ اللَّهُ تَعالى ﴿فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا﴾ ؟ فَقالَ، عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: (إنَّما ذَلِكَ العَرْضُ، وأمّا مَن نُوقِشَ الحِسابَ فَيَهْلِكُ) .
﴿ويَنْقَلِبُ إلى أهْلِهِ﴾ أيْ إلى مَن أعَدَّ اللَّهُ لَهُ في الجَنَّةِ مِن نِساءِ المُؤْمِناتِ ومِنَ الحُورِ العِينِ، أوْ إلى عَشِيرَتِهِ المُؤْمِنِينَ، فَيُخْبِرُهم بِخَلاصِهِ وسَلامَتِهِ، أوْ إلى المُؤْمِنِينَ، إذْ هم كُلُّهم أهْلُ إيمانٍ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (ويُقْلَبُ) مُضارِعُ قُلِبَ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ.
﴿وراءَ ظَهْرِهِ﴾ رُوِيَ أنَّ شِمالَهُ تَدْخُلُ مِن صَدْرِهِ حَتّى تَخْرُجَ مِن وراءِ ظَهْرِهِ، فَيَأْخُذُ كِتابَهُ بِها. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وأمّا مَن يَنْفُذُ عَلَيْهِ الوَعِيدُ مِن عُصاتِهِمْ، يَعْنِي عُصاةَ المُؤْمِنِينَ، فَإنَّهُ يُعْطى كِتابَهُ عِنْدَ خُرُوجِهِ مِنَ النّارِ. وقَدْ جَوَّزَ قَوْمٌ أنْ يُعْطاهُ أوَّلًا قَبْلَ دُخُولِهِ النّارَ، وهَذِهِ الآيَةُ تَرُدُّ عَلى هَذا القَوْلِ. انْتَهى. والظّاهِرُ مِنَ الآيَةِ (p-٤٤٧)أنَّ الإنْسانَ انْقَسَمَ إلى هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ ولَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْعُصاةِ الَّذِينَ يُدْخِلُهُمُ اللَّهُ النّارَ ﴿يَدْعُو ثُبُورًا﴾ يَقُولُ: واثُبُوراهُ، والثُّبُورُ: الهَلاكُ، وهو جامِعٌ لِأنْواعِ المَكارِهِ. وقَرَأ قَتادَةُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وعِيسى، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ: (ويَصْلى) بِفَتْحِ الياءِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وباقِي السَّبْعَةِ وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، وأبُو الشَّعْثاءِ، والحَسَنُ، والأعْرَجُ: بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الصّادِ واللّامِ مُشَدَّدَةً، وأبُو الأشْهَبِ وخارِجَةُ عَنْ نافِعٍ، وأبانٌ عَنْ عاصِمٍ، وعِيسى أيْضًا والعَتَكِيُّ وجَماعَةٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِضَمِّ الياءِ ساكِنِ الصّادِ مُخَفَّفِ اللّامِ، بُنِيَ لِلْمَفْعُولِ مِنَ المُتَعَدِّي بِالهَمْزَةِ، كَما بُنِيَ (ويُصَلّى) المُشَدَّدُ لِلْمَفْعُولِ مِنَ المُتَعَدِّي بِالتَّضْعِيفِ.
الانشقاق 84:6
﴿وإذا الأرْضُ مُدَّتْ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: سُوِّيَتْ. وقالَ الضَّحّاكُ: بُسِطَتْ بِانْدِكاكِ جِبالِها، ومِنهُ الحَدِيثُ: (تُمَدُّ الأرْضُ مَدَّ الأدِيمِ العُكاظِيِّ حَتّى لا يَكُونَ لِبَشَرٍ مِنَ النّاسِ إلّا مَوْضِعَ قَدَمَيْهِ)، وذَلِكَ أنَّ الأدِيمَ إذا مُدَّ زالَ ما فِيهِ مِن تِئْنٍ وانْبَسَطَ، فَتَصِيرُ الأرْضُ إذْ ذاكَ كَما قالَ تَعالى: ﴿قاعًا صَفْصَفًا﴾ [طه: ١٠٦] ﴿لا تَرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا﴾ [طه: ١٠٧] .
(p-٤٤٦)﴿وألْقَتْ ما فِيها وتَخَلَّتْ﴾ قالَ ابْنُ جُبَيْرٍ والجُمْهُورُ: ألْقَتْ ما في بَطْنِها مِنَ الأمْواتِ، وتَخَلَّتْ مِمَّنْ عَلى ظَهْرِها مِنَ الأحْياءِ. وقِيلَ: تَخَلَّتْ مِمّا عَلى ظَهْرِها مِن جِبالِها وبِحارِها. وقالَ الزَّجّاجُ: ومِنَ الكُنُوزِ، وضُعِّفَ هَذا بِأنَّ ذَلِكَ يَكُونُ وقْتَ خُرُوجِ الدَّجّالِ، وإنَّما تُلْقِي يَوْمَ القِيامَةِ المَوْتى.
﴿وتَخَلَّتْ﴾: أيْ عَنْ ما كانَ فِيها، لَمْ تَتَمَسَّكْ مِنهم بِشَيْءٍ. وجاءَ تَخَلَّتْ: أيْ تَكَلَّفَتْ أقْصى جُهْدِها في الخُلُوِّ. كَما تَقُولُ: تَكَرَّمَ الكَرِيمُ: بَلَغَ جُهْدَهُ في الكَرَمِ وتَكَلَّفَ فَوْقَ ما في طَبْعِهِ، ونِسْبَةُ ذَلِكَ إلى الأرْضِ نِسْبَةٌ مَجازِيَّةٌ، واللَّهُ تَعالى هو الَّذِي أخْرَجَ تِلْكَ الأشْياءَ مِن باطِنِها. وجَوابُ إذا مَحْذُوفٌ، فَإمّا أنْ يُقَدِّرَهُ الَّذِي خَرَجَ بِهِ في سُورَةِ التَّكْوِيرِ أوْ الِانْفِطارِ، أوْ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ: ﴿إنَّكَ كادِحٌ﴾ أيْ لاقى كُلُّ إنْسانٍ كَدْحَهُ. وقالَ الأخْفَشُ والمُبَرِّدُ: هو مُلاقِيهِ، إذا انْشَقَّتِ السَّماءُ فَأنْتَ مُلاقِيهِ. وقِيلَ: ﴿ياأيُّها الإنْسانُ﴾ [الإنفطار: ٦] عَلى حَذْفِ الفاءِ تَقْدِيرُهُ: فَيا أيُّها الإنْسانُ. وقِيلَ: ﴿وأذِنَتْ﴾ عَلى زِيادَةِ الواوِ، وعَنِ الأخْفَشِ: ﴿إذا السَّماءُ﴾ [الإنشقاق: ١] مُبْتَدَأٌ، خَبَرُهُ ﴿وإذا الأرْضُ﴾ عَلى زِيادَةِ الواوِ، والعامِلُ فِيها عَلى قَوْلِ الأكْثَرِينَ: الجَوابُ إمّا المَحْذُوفُ الَّذِي قَدَّرُوهُ، وإمّا الظّاهِرُ الَّذِي قِيلَ إنَّهُ جَوابٌ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقالَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ: العامِلُ انْشَقَّتْ، وأبى ذَلِكَ كَثِيرٌ مِن أئِمَّتِهِمْ، لِأنَّ إذا مُضافَةٌ إلى انْشَقَّتْ، ومَن يُجِيزُ ذَلِكَ تَضْعُفُ عِنْدَهُ الإضافَةُ ويَقْوى مَعْنى الجَزاءِ. انْتَهى. وهَذا القَوْلُ نَحْنُ نَخْتارُهُ، وقَدِ اسْتَدْلَلْنا عَلى صِحَّتِهِ فِيما كَتَبْناهُ، والتَّقْدِيرُ: وقْتُ انْشِقاقِ السَّماءِ وقْتُ مَدِّ الأرْضِ. وقِيلَ: لا جَوابَ لَها إذْ هي قَدْ نُصِبَتْ بِاذْكُرْ نَصْبَ المَفْعُولِ بِهِ، فَلَيْسَتْ شَرْطًا.
﴿وأذِنَتْ لِرَبِّها﴾ أيْ في إلْقاءِ ما في بَطْنِها وتَخَلِّيها. والإنْسانُ: يُرادُ بِهِ الجِنْسُ، والتَّقْسِيمُ بَعْدَ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَيْهِ. وقالَ مُقاتِلٌ: المُرادُ بِهِ الأسْوَدُ بْنُ عَبْدِ الأسَدِ بْنِ هِلالٍ المَخْزُومِيُّ، جادَلَ أخاهُ أبا سَلَمَةَ في أمْرِ البَعْثِ، فَقالَ أبُو سَلَمَةَ: والَّذِي خَلَقَكَ لَتَرْكَبَنَّ الطَّبَقَةَ ولَتُوافِيَنَّ العَقَبَةَ. فَقالَ الأسْوَدُ: فَأيْنَ الأرْضُ والسَّماءُ ؟ وما حالُ النّاسِ ؟ انْتَهى. وكانَ مُقاتِلًا يُرِيدُ أنَّها نَزَلَتْ في الأسْوَدِ، وهي تَعُمُّ الجِنْسَ. وقِيلَ: المُرادُ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ، كانَ يَكْدَحُ في طَلَبِ الدُّنْيا وإيذاءِ الرَّسُولِ، ﷺ، والإصْرارِ عَلى الكُفْرِ. وأبْعَدُ مَن ذَهَبَ إلى أنَّهُ الرَّسُولُ، ﷺ، والمَعْنى: إنَّكَ تَكْدَحُ في إبْلاغِ رِسالاتِ اللَّهِ تَعالى وإرْشادِ عِبادِهِ واحْتِمالِ الضُّرِّ مِنَ الكُفّارِ، فَأبْشِرْ فَإنَّكَ تَلْقى اللَّهَ بِهَذا العَمَلِ، وهو غَيْرُ ضائِعٍ عِنْدَهُ.
﴿إنَّكَ كادِحٌ﴾ أيْ جاهِدٌ في عَمَلِكَ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ إلى رَبِّكَ، أيْ طُولَ حَياتِكَ إلى لِقاءِ رَبِّكَ، وهو أجَلُ مَوْتِكَ. (فَمُلاقِيهِ) أيْ جَزاءَ كَدْحِكَ مِن ثَوابٍ وعِقابٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: فالفاءُ عَلى هَذا عاطِفَةٌ جُمْلَةَ الكَلامِ عَلى الَّتِي قَبْلَها، والتَّقْدِيرُ: فَأنْتَ مُلاقِيهِ، ولا يَتَعَيَّنُ ما قالَهُ، بَلْ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى كادِحٍ عَطْفَ المُفْرَداتِ. وقالَ الجُمْهُورُ: الضَّمِيرُ في مُلاقِيهِ عائِدٌ عَلى رَبِّكَ، أيْ فَمُلاقِي جَزائِهِ، فاسْمُ الفاعِلِ مَعْطُوفٌ عَلى اسْمِ الفاعِلِ.
﴿حِسابًا يَسِيرًا﴾ قالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها: يُقَرَّرُ ذُنُوبَهُ ثُمَّ يُتَجاوَزُ عَنْهُ. وقالَ الحَسَنُ: يُجازى بِالحَسَنَةِ ويُتَجاوَزُ عَنِ السَّيِّئَةِ. وفي الحَدِيثِ: (مَن حُوسِبَ عُذِّبَ)، فَقالَتْ عائِشَةُ: ألَمْ يَقُلِ اللَّهُ تَعالى ﴿فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا﴾ ؟ فَقالَ، عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: (إنَّما ذَلِكَ العَرْضُ، وأمّا مَن نُوقِشَ الحِسابَ فَيَهْلِكُ) .
﴿ويَنْقَلِبُ إلى أهْلِهِ﴾ أيْ إلى مَن أعَدَّ اللَّهُ لَهُ في الجَنَّةِ مِن نِساءِ المُؤْمِناتِ ومِنَ الحُورِ العِينِ، أوْ إلى عَشِيرَتِهِ المُؤْمِنِينَ، فَيُخْبِرُهم بِخَلاصِهِ وسَلامَتِهِ، أوْ إلى المُؤْمِنِينَ، إذْ هم كُلُّهم أهْلُ إيمانٍ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (ويُقْلَبُ) مُضارِعُ قُلِبَ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ.
﴿وراءَ ظَهْرِهِ﴾ رُوِيَ أنَّ شِمالَهُ تَدْخُلُ مِن صَدْرِهِ حَتّى تَخْرُجَ مِن وراءِ ظَهْرِهِ، فَيَأْخُذُ كِتابَهُ بِها. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وأمّا مَن يَنْفُذُ عَلَيْهِ الوَعِيدُ مِن عُصاتِهِمْ، يَعْنِي عُصاةَ المُؤْمِنِينَ، فَإنَّهُ يُعْطى كِتابَهُ عِنْدَ خُرُوجِهِ مِنَ النّارِ. وقَدْ جَوَّزَ قَوْمٌ أنْ يُعْطاهُ أوَّلًا قَبْلَ دُخُولِهِ النّارَ، وهَذِهِ الآيَةُ تَرُدُّ عَلى هَذا القَوْلِ. انْتَهى. والظّاهِرُ مِنَ الآيَةِ (p-٤٤٧)أنَّ الإنْسانَ انْقَسَمَ إلى هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ ولَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْعُصاةِ الَّذِينَ يُدْخِلُهُمُ اللَّهُ النّارَ ﴿يَدْعُو ثُبُورًا﴾ يَقُولُ: واثُبُوراهُ، والثُّبُورُ: الهَلاكُ، وهو جامِعٌ لِأنْواعِ المَكارِهِ. وقَرَأ قَتادَةُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وعِيسى، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ: (ويَصْلى) بِفَتْحِ الياءِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وباقِي السَّبْعَةِ وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، وأبُو الشَّعْثاءِ، والحَسَنُ، والأعْرَجُ: بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الصّادِ واللّامِ مُشَدَّدَةً، وأبُو الأشْهَبِ وخارِجَةُ عَنْ نافِعٍ، وأبانٌ عَنْ عاصِمٍ، وعِيسى أيْضًا والعَتَكِيُّ وجَماعَةٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِضَمِّ الياءِ ساكِنِ الصّادِ مُخَفَّفِ اللّامِ، بُنِيَ لِلْمَفْعُولِ مِنَ المُتَعَدِّي بِالهَمْزَةِ، كَما بُنِيَ (ويُصَلّى) المُشَدَّدُ لِلْمَفْعُولِ مِنَ المُتَعَدِّي بِالتَّضْعِيفِ.
الانشقاق 84:7
﴿وإذا الأرْضُ مُدَّتْ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: سُوِّيَتْ. وقالَ الضَّحّاكُ: بُسِطَتْ بِانْدِكاكِ جِبالِها، ومِنهُ الحَدِيثُ: (تُمَدُّ الأرْضُ مَدَّ الأدِيمِ العُكاظِيِّ حَتّى لا يَكُونَ لِبَشَرٍ مِنَ النّاسِ إلّا مَوْضِعَ قَدَمَيْهِ)، وذَلِكَ أنَّ الأدِيمَ إذا مُدَّ زالَ ما فِيهِ مِن تِئْنٍ وانْبَسَطَ، فَتَصِيرُ الأرْضُ إذْ ذاكَ كَما قالَ تَعالى: ﴿قاعًا صَفْصَفًا﴾ [طه: ١٠٦] ﴿لا تَرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا﴾ [طه: ١٠٧] .
(p-٤٤٦)﴿وألْقَتْ ما فِيها وتَخَلَّتْ﴾ قالَ ابْنُ جُبَيْرٍ والجُمْهُورُ: ألْقَتْ ما في بَطْنِها مِنَ الأمْواتِ، وتَخَلَّتْ مِمَّنْ عَلى ظَهْرِها مِنَ الأحْياءِ. وقِيلَ: تَخَلَّتْ مِمّا عَلى ظَهْرِها مِن جِبالِها وبِحارِها. وقالَ الزَّجّاجُ: ومِنَ الكُنُوزِ، وضُعِّفَ هَذا بِأنَّ ذَلِكَ يَكُونُ وقْتَ خُرُوجِ الدَّجّالِ، وإنَّما تُلْقِي يَوْمَ القِيامَةِ المَوْتى.
﴿وتَخَلَّتْ﴾: أيْ عَنْ ما كانَ فِيها، لَمْ تَتَمَسَّكْ مِنهم بِشَيْءٍ. وجاءَ تَخَلَّتْ: أيْ تَكَلَّفَتْ أقْصى جُهْدِها في الخُلُوِّ. كَما تَقُولُ: تَكَرَّمَ الكَرِيمُ: بَلَغَ جُهْدَهُ في الكَرَمِ وتَكَلَّفَ فَوْقَ ما في طَبْعِهِ، ونِسْبَةُ ذَلِكَ إلى الأرْضِ نِسْبَةٌ مَجازِيَّةٌ، واللَّهُ تَعالى هو الَّذِي أخْرَجَ تِلْكَ الأشْياءَ مِن باطِنِها. وجَوابُ إذا مَحْذُوفٌ، فَإمّا أنْ يُقَدِّرَهُ الَّذِي خَرَجَ بِهِ في سُورَةِ التَّكْوِيرِ أوْ الِانْفِطارِ، أوْ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ: ﴿إنَّكَ كادِحٌ﴾ أيْ لاقى كُلُّ إنْسانٍ كَدْحَهُ. وقالَ الأخْفَشُ والمُبَرِّدُ: هو مُلاقِيهِ، إذا انْشَقَّتِ السَّماءُ فَأنْتَ مُلاقِيهِ. وقِيلَ: ﴿ياأيُّها الإنْسانُ﴾ [الإنفطار: ٦] عَلى حَذْفِ الفاءِ تَقْدِيرُهُ: فَيا أيُّها الإنْسانُ. وقِيلَ: ﴿وأذِنَتْ﴾ عَلى زِيادَةِ الواوِ، وعَنِ الأخْفَشِ: ﴿إذا السَّماءُ﴾ [الإنشقاق: ١] مُبْتَدَأٌ، خَبَرُهُ ﴿وإذا الأرْضُ﴾ عَلى زِيادَةِ الواوِ، والعامِلُ فِيها عَلى قَوْلِ الأكْثَرِينَ: الجَوابُ إمّا المَحْذُوفُ الَّذِي قَدَّرُوهُ، وإمّا الظّاهِرُ الَّذِي قِيلَ إنَّهُ جَوابٌ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقالَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ: العامِلُ انْشَقَّتْ، وأبى ذَلِكَ كَثِيرٌ مِن أئِمَّتِهِمْ، لِأنَّ إذا مُضافَةٌ إلى انْشَقَّتْ، ومَن يُجِيزُ ذَلِكَ تَضْعُفُ عِنْدَهُ الإضافَةُ ويَقْوى مَعْنى الجَزاءِ. انْتَهى. وهَذا القَوْلُ نَحْنُ نَخْتارُهُ، وقَدِ اسْتَدْلَلْنا عَلى صِحَّتِهِ فِيما كَتَبْناهُ، والتَّقْدِيرُ: وقْتُ انْشِقاقِ السَّماءِ وقْتُ مَدِّ الأرْضِ. وقِيلَ: لا جَوابَ لَها إذْ هي قَدْ نُصِبَتْ بِاذْكُرْ نَصْبَ المَفْعُولِ بِهِ، فَلَيْسَتْ شَرْطًا.
﴿وأذِنَتْ لِرَبِّها﴾ أيْ في إلْقاءِ ما في بَطْنِها وتَخَلِّيها. والإنْسانُ: يُرادُ بِهِ الجِنْسُ، والتَّقْسِيمُ بَعْدَ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَيْهِ. وقالَ مُقاتِلٌ: المُرادُ بِهِ الأسْوَدُ بْنُ عَبْدِ الأسَدِ بْنِ هِلالٍ المَخْزُومِيُّ، جادَلَ أخاهُ أبا سَلَمَةَ في أمْرِ البَعْثِ، فَقالَ أبُو سَلَمَةَ: والَّذِي خَلَقَكَ لَتَرْكَبَنَّ الطَّبَقَةَ ولَتُوافِيَنَّ العَقَبَةَ. فَقالَ الأسْوَدُ: فَأيْنَ الأرْضُ والسَّماءُ ؟ وما حالُ النّاسِ ؟ انْتَهى. وكانَ مُقاتِلًا يُرِيدُ أنَّها نَزَلَتْ في الأسْوَدِ، وهي تَعُمُّ الجِنْسَ. وقِيلَ: المُرادُ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ، كانَ يَكْدَحُ في طَلَبِ الدُّنْيا وإيذاءِ الرَّسُولِ، ﷺ، والإصْرارِ عَلى الكُفْرِ. وأبْعَدُ مَن ذَهَبَ إلى أنَّهُ الرَّسُولُ، ﷺ، والمَعْنى: إنَّكَ تَكْدَحُ في إبْلاغِ رِسالاتِ اللَّهِ تَعالى وإرْشادِ عِبادِهِ واحْتِمالِ الضُّرِّ مِنَ الكُفّارِ، فَأبْشِرْ فَإنَّكَ تَلْقى اللَّهَ بِهَذا العَمَلِ، وهو غَيْرُ ضائِعٍ عِنْدَهُ.
﴿إنَّكَ كادِحٌ﴾ أيْ جاهِدٌ في عَمَلِكَ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ إلى رَبِّكَ، أيْ طُولَ حَياتِكَ إلى لِقاءِ رَبِّكَ، وهو أجَلُ مَوْتِكَ. (فَمُلاقِيهِ) أيْ جَزاءَ كَدْحِكَ مِن ثَوابٍ وعِقابٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: فالفاءُ عَلى هَذا عاطِفَةٌ جُمْلَةَ الكَلامِ عَلى الَّتِي قَبْلَها، والتَّقْدِيرُ: فَأنْتَ مُلاقِيهِ، ولا يَتَعَيَّنُ ما قالَهُ، بَلْ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى كادِحٍ عَطْفَ المُفْرَداتِ. وقالَ الجُمْهُورُ: الضَّمِيرُ في مُلاقِيهِ عائِدٌ عَلى رَبِّكَ، أيْ فَمُلاقِي جَزائِهِ، فاسْمُ الفاعِلِ مَعْطُوفٌ عَلى اسْمِ الفاعِلِ.
﴿حِسابًا يَسِيرًا﴾ قالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها: يُقَرَّرُ ذُنُوبَهُ ثُمَّ يُتَجاوَزُ عَنْهُ. وقالَ الحَسَنُ: يُجازى بِالحَسَنَةِ ويُتَجاوَزُ عَنِ السَّيِّئَةِ. وفي الحَدِيثِ: (مَن حُوسِبَ عُذِّبَ)، فَقالَتْ عائِشَةُ: ألَمْ يَقُلِ اللَّهُ تَعالى ﴿فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا﴾ ؟ فَقالَ، عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: (إنَّما ذَلِكَ العَرْضُ، وأمّا مَن نُوقِشَ الحِسابَ فَيَهْلِكُ) .
﴿ويَنْقَلِبُ إلى أهْلِهِ﴾ أيْ إلى مَن أعَدَّ اللَّهُ لَهُ في الجَنَّةِ مِن نِساءِ المُؤْمِناتِ ومِنَ الحُورِ العِينِ، أوْ إلى عَشِيرَتِهِ المُؤْمِنِينَ، فَيُخْبِرُهم بِخَلاصِهِ وسَلامَتِهِ، أوْ إلى المُؤْمِنِينَ، إذْ هم كُلُّهم أهْلُ إيمانٍ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (ويُقْلَبُ) مُضارِعُ قُلِبَ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ.
﴿وراءَ ظَهْرِهِ﴾ رُوِيَ أنَّ شِمالَهُ تَدْخُلُ مِن صَدْرِهِ حَتّى تَخْرُجَ مِن وراءِ ظَهْرِهِ، فَيَأْخُذُ كِتابَهُ بِها. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وأمّا مَن يَنْفُذُ عَلَيْهِ الوَعِيدُ مِن عُصاتِهِمْ، يَعْنِي عُصاةَ المُؤْمِنِينَ، فَإنَّهُ يُعْطى كِتابَهُ عِنْدَ خُرُوجِهِ مِنَ النّارِ. وقَدْ جَوَّزَ قَوْمٌ أنْ يُعْطاهُ أوَّلًا قَبْلَ دُخُولِهِ النّارَ، وهَذِهِ الآيَةُ تَرُدُّ عَلى هَذا القَوْلِ. انْتَهى. والظّاهِرُ مِنَ الآيَةِ (p-٤٤٧)أنَّ الإنْسانَ انْقَسَمَ إلى هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ ولَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْعُصاةِ الَّذِينَ يُدْخِلُهُمُ اللَّهُ النّارَ ﴿يَدْعُو ثُبُورًا﴾ يَقُولُ: واثُبُوراهُ، والثُّبُورُ: الهَلاكُ، وهو جامِعٌ لِأنْواعِ المَكارِهِ. وقَرَأ قَتادَةُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وعِيسى، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ: (ويَصْلى) بِفَتْحِ الياءِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وباقِي السَّبْعَةِ وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، وأبُو الشَّعْثاءِ، والحَسَنُ، والأعْرَجُ: بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الصّادِ واللّامِ مُشَدَّدَةً، وأبُو الأشْهَبِ وخارِجَةُ عَنْ نافِعٍ، وأبانٌ عَنْ عاصِمٍ، وعِيسى أيْضًا والعَتَكِيُّ وجَماعَةٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِضَمِّ الياءِ ساكِنِ الصّادِ مُخَفَّفِ اللّامِ، بُنِيَ لِلْمَفْعُولِ مِنَ المُتَعَدِّي بِالهَمْزَةِ، كَما بُنِيَ (ويُصَلّى) المُشَدَّدُ لِلْمَفْعُولِ مِنَ المُتَعَدِّي بِالتَّضْعِيفِ.
الانشقاق 84:8
﴿وإذا الأرْضُ مُدَّتْ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: سُوِّيَتْ. وقالَ الضَّحّاكُ: بُسِطَتْ بِانْدِكاكِ جِبالِها، ومِنهُ الحَدِيثُ: (تُمَدُّ الأرْضُ مَدَّ الأدِيمِ العُكاظِيِّ حَتّى لا يَكُونَ لِبَشَرٍ مِنَ النّاسِ إلّا مَوْضِعَ قَدَمَيْهِ)، وذَلِكَ أنَّ الأدِيمَ إذا مُدَّ زالَ ما فِيهِ مِن تِئْنٍ وانْبَسَطَ، فَتَصِيرُ الأرْضُ إذْ ذاكَ كَما قالَ تَعالى: ﴿قاعًا صَفْصَفًا﴾ [طه: ١٠٦] ﴿لا تَرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا﴾ [طه: ١٠٧] .
(p-٤٤٦)﴿وألْقَتْ ما فِيها وتَخَلَّتْ﴾ قالَ ابْنُ جُبَيْرٍ والجُمْهُورُ: ألْقَتْ ما في بَطْنِها مِنَ الأمْواتِ، وتَخَلَّتْ مِمَّنْ عَلى ظَهْرِها مِنَ الأحْياءِ. وقِيلَ: تَخَلَّتْ مِمّا عَلى ظَهْرِها مِن جِبالِها وبِحارِها. وقالَ الزَّجّاجُ: ومِنَ الكُنُوزِ، وضُعِّفَ هَذا بِأنَّ ذَلِكَ يَكُونُ وقْتَ خُرُوجِ الدَّجّالِ، وإنَّما تُلْقِي يَوْمَ القِيامَةِ المَوْتى.
﴿وتَخَلَّتْ﴾: أيْ عَنْ ما كانَ فِيها، لَمْ تَتَمَسَّكْ مِنهم بِشَيْءٍ. وجاءَ تَخَلَّتْ: أيْ تَكَلَّفَتْ أقْصى جُهْدِها في الخُلُوِّ. كَما تَقُولُ: تَكَرَّمَ الكَرِيمُ: بَلَغَ جُهْدَهُ في الكَرَمِ وتَكَلَّفَ فَوْقَ ما في طَبْعِهِ، ونِسْبَةُ ذَلِكَ إلى الأرْضِ نِسْبَةٌ مَجازِيَّةٌ، واللَّهُ تَعالى هو الَّذِي أخْرَجَ تِلْكَ الأشْياءَ مِن باطِنِها. وجَوابُ إذا مَحْذُوفٌ، فَإمّا أنْ يُقَدِّرَهُ الَّذِي خَرَجَ بِهِ في سُورَةِ التَّكْوِيرِ أوْ الِانْفِطارِ، أوْ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ: ﴿إنَّكَ كادِحٌ﴾ أيْ لاقى كُلُّ إنْسانٍ كَدْحَهُ. وقالَ الأخْفَشُ والمُبَرِّدُ: هو مُلاقِيهِ، إذا انْشَقَّتِ السَّماءُ فَأنْتَ مُلاقِيهِ. وقِيلَ: ﴿ياأيُّها الإنْسانُ﴾ [الإنفطار: ٦] عَلى حَذْفِ الفاءِ تَقْدِيرُهُ: فَيا أيُّها الإنْسانُ. وقِيلَ: ﴿وأذِنَتْ﴾ عَلى زِيادَةِ الواوِ، وعَنِ الأخْفَشِ: ﴿إذا السَّماءُ﴾ [الإنشقاق: ١] مُبْتَدَأٌ، خَبَرُهُ ﴿وإذا الأرْضُ﴾ عَلى زِيادَةِ الواوِ، والعامِلُ فِيها عَلى قَوْلِ الأكْثَرِينَ: الجَوابُ إمّا المَحْذُوفُ الَّذِي قَدَّرُوهُ، وإمّا الظّاهِرُ الَّذِي قِيلَ إنَّهُ جَوابٌ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقالَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ: العامِلُ انْشَقَّتْ، وأبى ذَلِكَ كَثِيرٌ مِن أئِمَّتِهِمْ، لِأنَّ إذا مُضافَةٌ إلى انْشَقَّتْ، ومَن يُجِيزُ ذَلِكَ تَضْعُفُ عِنْدَهُ الإضافَةُ ويَقْوى مَعْنى الجَزاءِ. انْتَهى. وهَذا القَوْلُ نَحْنُ نَخْتارُهُ، وقَدِ اسْتَدْلَلْنا عَلى صِحَّتِهِ فِيما كَتَبْناهُ، والتَّقْدِيرُ: وقْتُ انْشِقاقِ السَّماءِ وقْتُ مَدِّ الأرْضِ. وقِيلَ: لا جَوابَ لَها إذْ هي قَدْ نُصِبَتْ بِاذْكُرْ نَصْبَ المَفْعُولِ بِهِ، فَلَيْسَتْ شَرْطًا.
﴿وأذِنَتْ لِرَبِّها﴾ أيْ في إلْقاءِ ما في بَطْنِها وتَخَلِّيها. والإنْسانُ: يُرادُ بِهِ الجِنْسُ، والتَّقْسِيمُ بَعْدَ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَيْهِ. وقالَ مُقاتِلٌ: المُرادُ بِهِ الأسْوَدُ بْنُ عَبْدِ الأسَدِ بْنِ هِلالٍ المَخْزُومِيُّ، جادَلَ أخاهُ أبا سَلَمَةَ في أمْرِ البَعْثِ، فَقالَ أبُو سَلَمَةَ: والَّذِي خَلَقَكَ لَتَرْكَبَنَّ الطَّبَقَةَ ولَتُوافِيَنَّ العَقَبَةَ. فَقالَ الأسْوَدُ: فَأيْنَ الأرْضُ والسَّماءُ ؟ وما حالُ النّاسِ ؟ انْتَهى. وكانَ مُقاتِلًا يُرِيدُ أنَّها نَزَلَتْ في الأسْوَدِ، وهي تَعُمُّ الجِنْسَ. وقِيلَ: المُرادُ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ، كانَ يَكْدَحُ في طَلَبِ الدُّنْيا وإيذاءِ الرَّسُولِ، ﷺ، والإصْرارِ عَلى الكُفْرِ. وأبْعَدُ مَن ذَهَبَ إلى أنَّهُ الرَّسُولُ، ﷺ، والمَعْنى: إنَّكَ تَكْدَحُ في إبْلاغِ رِسالاتِ اللَّهِ تَعالى وإرْشادِ عِبادِهِ واحْتِمالِ الضُّرِّ مِنَ الكُفّارِ، فَأبْشِرْ فَإنَّكَ تَلْقى اللَّهَ بِهَذا العَمَلِ، وهو غَيْرُ ضائِعٍ عِنْدَهُ.
﴿إنَّكَ كادِحٌ﴾ أيْ جاهِدٌ في عَمَلِكَ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ إلى رَبِّكَ، أيْ طُولَ حَياتِكَ إلى لِقاءِ رَبِّكَ، وهو أجَلُ مَوْتِكَ. (فَمُلاقِيهِ) أيْ جَزاءَ كَدْحِكَ مِن ثَوابٍ وعِقابٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: فالفاءُ عَلى هَذا عاطِفَةٌ جُمْلَةَ الكَلامِ عَلى الَّتِي قَبْلَها، والتَّقْدِيرُ: فَأنْتَ مُلاقِيهِ، ولا يَتَعَيَّنُ ما قالَهُ، بَلْ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى كادِحٍ عَطْفَ المُفْرَداتِ. وقالَ الجُمْهُورُ: الضَّمِيرُ في مُلاقِيهِ عائِدٌ عَلى رَبِّكَ، أيْ فَمُلاقِي جَزائِهِ، فاسْمُ الفاعِلِ مَعْطُوفٌ عَلى اسْمِ الفاعِلِ.
﴿حِسابًا يَسِيرًا﴾ قالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها: يُقَرَّرُ ذُنُوبَهُ ثُمَّ يُتَجاوَزُ عَنْهُ. وقالَ الحَسَنُ: يُجازى بِالحَسَنَةِ ويُتَجاوَزُ عَنِ السَّيِّئَةِ. وفي الحَدِيثِ: (مَن حُوسِبَ عُذِّبَ)، فَقالَتْ عائِشَةُ: ألَمْ يَقُلِ اللَّهُ تَعالى ﴿فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا﴾ ؟ فَقالَ، عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: (إنَّما ذَلِكَ العَرْضُ، وأمّا مَن نُوقِشَ الحِسابَ فَيَهْلِكُ) .
﴿ويَنْقَلِبُ إلى أهْلِهِ﴾ أيْ إلى مَن أعَدَّ اللَّهُ لَهُ في الجَنَّةِ مِن نِساءِ المُؤْمِناتِ ومِنَ الحُورِ العِينِ، أوْ إلى عَشِيرَتِهِ المُؤْمِنِينَ، فَيُخْبِرُهم بِخَلاصِهِ وسَلامَتِهِ، أوْ إلى المُؤْمِنِينَ، إذْ هم كُلُّهم أهْلُ إيمانٍ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (ويُقْلَبُ) مُضارِعُ قُلِبَ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ.
﴿وراءَ ظَهْرِهِ﴾ رُوِيَ أنَّ شِمالَهُ تَدْخُلُ مِن صَدْرِهِ حَتّى تَخْرُجَ مِن وراءِ ظَهْرِهِ، فَيَأْخُذُ كِتابَهُ بِها. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وأمّا مَن يَنْفُذُ عَلَيْهِ الوَعِيدُ مِن عُصاتِهِمْ، يَعْنِي عُصاةَ المُؤْمِنِينَ، فَإنَّهُ يُعْطى كِتابَهُ عِنْدَ خُرُوجِهِ مِنَ النّارِ. وقَدْ جَوَّزَ قَوْمٌ أنْ يُعْطاهُ أوَّلًا قَبْلَ دُخُولِهِ النّارَ، وهَذِهِ الآيَةُ تَرُدُّ عَلى هَذا القَوْلِ. انْتَهى. والظّاهِرُ مِنَ الآيَةِ (p-٤٤٧)أنَّ الإنْسانَ انْقَسَمَ إلى هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ ولَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْعُصاةِ الَّذِينَ يُدْخِلُهُمُ اللَّهُ النّارَ ﴿يَدْعُو ثُبُورًا﴾ يَقُولُ: واثُبُوراهُ، والثُّبُورُ: الهَلاكُ، وهو جامِعٌ لِأنْواعِ المَكارِهِ. وقَرَأ قَتادَةُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وعِيسى، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ: (ويَصْلى) بِفَتْحِ الياءِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وباقِي السَّبْعَةِ وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، وأبُو الشَّعْثاءِ، والحَسَنُ، والأعْرَجُ: بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الصّادِ واللّامِ مُشَدَّدَةً، وأبُو الأشْهَبِ وخارِجَةُ عَنْ نافِعٍ، وأبانٌ عَنْ عاصِمٍ، وعِيسى أيْضًا والعَتَكِيُّ وجَماعَةٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِضَمِّ الياءِ ساكِنِ الصّادِ مُخَفَّفِ اللّامِ، بُنِيَ لِلْمَفْعُولِ مِنَ المُتَعَدِّي بِالهَمْزَةِ، كَما بُنِيَ (ويُصَلّى) المُشَدَّدُ لِلْمَفْعُولِ مِنَ المُتَعَدِّي بِالتَّضْعِيفِ.
الانشقاق 84:9
﴿وإذا الأرْضُ مُدَّتْ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: سُوِّيَتْ. وقالَ الضَّحّاكُ: بُسِطَتْ بِانْدِكاكِ جِبالِها، ومِنهُ الحَدِيثُ: (تُمَدُّ الأرْضُ مَدَّ الأدِيمِ العُكاظِيِّ حَتّى لا يَكُونَ لِبَشَرٍ مِنَ النّاسِ إلّا مَوْضِعَ قَدَمَيْهِ)، وذَلِكَ أنَّ الأدِيمَ إذا مُدَّ زالَ ما فِيهِ مِن تِئْنٍ وانْبَسَطَ، فَتَصِيرُ الأرْضُ إذْ ذاكَ كَما قالَ تَعالى: ﴿قاعًا صَفْصَفًا﴾ [طه: ١٠٦] ﴿لا تَرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا﴾ [طه: ١٠٧] .
(p-٤٤٦)﴿وألْقَتْ ما فِيها وتَخَلَّتْ﴾ قالَ ابْنُ جُبَيْرٍ والجُمْهُورُ: ألْقَتْ ما في بَطْنِها مِنَ الأمْواتِ، وتَخَلَّتْ مِمَّنْ عَلى ظَهْرِها مِنَ الأحْياءِ. وقِيلَ: تَخَلَّتْ مِمّا عَلى ظَهْرِها مِن جِبالِها وبِحارِها. وقالَ الزَّجّاجُ: ومِنَ الكُنُوزِ، وضُعِّفَ هَذا بِأنَّ ذَلِكَ يَكُونُ وقْتَ خُرُوجِ الدَّجّالِ، وإنَّما تُلْقِي يَوْمَ القِيامَةِ المَوْتى.
﴿وتَخَلَّتْ﴾: أيْ عَنْ ما كانَ فِيها، لَمْ تَتَمَسَّكْ مِنهم بِشَيْءٍ. وجاءَ تَخَلَّتْ: أيْ تَكَلَّفَتْ أقْصى جُهْدِها في الخُلُوِّ. كَما تَقُولُ: تَكَرَّمَ الكَرِيمُ: بَلَغَ جُهْدَهُ في الكَرَمِ وتَكَلَّفَ فَوْقَ ما في طَبْعِهِ، ونِسْبَةُ ذَلِكَ إلى الأرْضِ نِسْبَةٌ مَجازِيَّةٌ، واللَّهُ تَعالى هو الَّذِي أخْرَجَ تِلْكَ الأشْياءَ مِن باطِنِها. وجَوابُ إذا مَحْذُوفٌ، فَإمّا أنْ يُقَدِّرَهُ الَّذِي خَرَجَ بِهِ في سُورَةِ التَّكْوِيرِ أوْ الِانْفِطارِ، أوْ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ: ﴿إنَّكَ كادِحٌ﴾ أيْ لاقى كُلُّ إنْسانٍ كَدْحَهُ. وقالَ الأخْفَشُ والمُبَرِّدُ: هو مُلاقِيهِ، إذا انْشَقَّتِ السَّماءُ فَأنْتَ مُلاقِيهِ. وقِيلَ: ﴿ياأيُّها الإنْسانُ﴾ [الإنفطار: ٦] عَلى حَذْفِ الفاءِ تَقْدِيرُهُ: فَيا أيُّها الإنْسانُ. وقِيلَ: ﴿وأذِنَتْ﴾ عَلى زِيادَةِ الواوِ، وعَنِ الأخْفَشِ: ﴿إذا السَّماءُ﴾ [الإنشقاق: ١] مُبْتَدَأٌ، خَبَرُهُ ﴿وإذا الأرْضُ﴾ عَلى زِيادَةِ الواوِ، والعامِلُ فِيها عَلى قَوْلِ الأكْثَرِينَ: الجَوابُ إمّا المَحْذُوفُ الَّذِي قَدَّرُوهُ، وإمّا الظّاهِرُ الَّذِي قِيلَ إنَّهُ جَوابٌ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقالَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ: العامِلُ انْشَقَّتْ، وأبى ذَلِكَ كَثِيرٌ مِن أئِمَّتِهِمْ، لِأنَّ إذا مُضافَةٌ إلى انْشَقَّتْ، ومَن يُجِيزُ ذَلِكَ تَضْعُفُ عِنْدَهُ الإضافَةُ ويَقْوى مَعْنى الجَزاءِ. انْتَهى. وهَذا القَوْلُ نَحْنُ نَخْتارُهُ، وقَدِ اسْتَدْلَلْنا عَلى صِحَّتِهِ فِيما كَتَبْناهُ، والتَّقْدِيرُ: وقْتُ انْشِقاقِ السَّماءِ وقْتُ مَدِّ الأرْضِ. وقِيلَ: لا جَوابَ لَها إذْ هي قَدْ نُصِبَتْ بِاذْكُرْ نَصْبَ المَفْعُولِ بِهِ، فَلَيْسَتْ شَرْطًا.
﴿وأذِنَتْ لِرَبِّها﴾ أيْ في إلْقاءِ ما في بَطْنِها وتَخَلِّيها. والإنْسانُ: يُرادُ بِهِ الجِنْسُ، والتَّقْسِيمُ بَعْدَ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَيْهِ. وقالَ مُقاتِلٌ: المُرادُ بِهِ الأسْوَدُ بْنُ عَبْدِ الأسَدِ بْنِ هِلالٍ المَخْزُومِيُّ، جادَلَ أخاهُ أبا سَلَمَةَ في أمْرِ البَعْثِ، فَقالَ أبُو سَلَمَةَ: والَّذِي خَلَقَكَ لَتَرْكَبَنَّ الطَّبَقَةَ ولَتُوافِيَنَّ العَقَبَةَ. فَقالَ الأسْوَدُ: فَأيْنَ الأرْضُ والسَّماءُ ؟ وما حالُ النّاسِ ؟ انْتَهى. وكانَ مُقاتِلًا يُرِيدُ أنَّها نَزَلَتْ في الأسْوَدِ، وهي تَعُمُّ الجِنْسَ. وقِيلَ: المُرادُ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ، كانَ يَكْدَحُ في طَلَبِ الدُّنْيا وإيذاءِ الرَّسُولِ، ﷺ، والإصْرارِ عَلى الكُفْرِ. وأبْعَدُ مَن ذَهَبَ إلى أنَّهُ الرَّسُولُ، ﷺ، والمَعْنى: إنَّكَ تَكْدَحُ في إبْلاغِ رِسالاتِ اللَّهِ تَعالى وإرْشادِ عِبادِهِ واحْتِمالِ الضُّرِّ مِنَ الكُفّارِ، فَأبْشِرْ فَإنَّكَ تَلْقى اللَّهَ بِهَذا العَمَلِ، وهو غَيْرُ ضائِعٍ عِنْدَهُ.
﴿إنَّكَ كادِحٌ﴾ أيْ جاهِدٌ في عَمَلِكَ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ إلى رَبِّكَ، أيْ طُولَ حَياتِكَ إلى لِقاءِ رَبِّكَ، وهو أجَلُ مَوْتِكَ. (فَمُلاقِيهِ) أيْ جَزاءَ كَدْحِكَ مِن ثَوابٍ وعِقابٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: فالفاءُ عَلى هَذا عاطِفَةٌ جُمْلَةَ الكَلامِ عَلى الَّتِي قَبْلَها، والتَّقْدِيرُ: فَأنْتَ مُلاقِيهِ، ولا يَتَعَيَّنُ ما قالَهُ، بَلْ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى كادِحٍ عَطْفَ المُفْرَداتِ. وقالَ الجُمْهُورُ: الضَّمِيرُ في مُلاقِيهِ عائِدٌ عَلى رَبِّكَ، أيْ فَمُلاقِي جَزائِهِ، فاسْمُ الفاعِلِ مَعْطُوفٌ عَلى اسْمِ الفاعِلِ.
﴿حِسابًا يَسِيرًا﴾ قالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها: يُقَرَّرُ ذُنُوبَهُ ثُمَّ يُتَجاوَزُ عَنْهُ. وقالَ الحَسَنُ: يُجازى بِالحَسَنَةِ ويُتَجاوَزُ عَنِ السَّيِّئَةِ. وفي الحَدِيثِ: (مَن حُوسِبَ عُذِّبَ)، فَقالَتْ عائِشَةُ: ألَمْ يَقُلِ اللَّهُ تَعالى ﴿فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا﴾ ؟ فَقالَ، عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: (إنَّما ذَلِكَ العَرْضُ، وأمّا مَن نُوقِشَ الحِسابَ فَيَهْلِكُ) .
﴿ويَنْقَلِبُ إلى أهْلِهِ﴾ أيْ إلى مَن أعَدَّ اللَّهُ لَهُ في الجَنَّةِ مِن نِساءِ المُؤْمِناتِ ومِنَ الحُورِ العِينِ، أوْ إلى عَشِيرَتِهِ المُؤْمِنِينَ، فَيُخْبِرُهم بِخَلاصِهِ وسَلامَتِهِ، أوْ إلى المُؤْمِنِينَ، إذْ هم كُلُّهم أهْلُ إيمانٍ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (ويُقْلَبُ) مُضارِعُ قُلِبَ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ.
﴿وراءَ ظَهْرِهِ﴾ رُوِيَ أنَّ شِمالَهُ تَدْخُلُ مِن صَدْرِهِ حَتّى تَخْرُجَ مِن وراءِ ظَهْرِهِ، فَيَأْخُذُ كِتابَهُ بِها. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وأمّا مَن يَنْفُذُ عَلَيْهِ الوَعِيدُ مِن عُصاتِهِمْ، يَعْنِي عُصاةَ المُؤْمِنِينَ، فَإنَّهُ يُعْطى كِتابَهُ عِنْدَ خُرُوجِهِ مِنَ النّارِ. وقَدْ جَوَّزَ قَوْمٌ أنْ يُعْطاهُ أوَّلًا قَبْلَ دُخُولِهِ النّارَ، وهَذِهِ الآيَةُ تَرُدُّ عَلى هَذا القَوْلِ. انْتَهى. والظّاهِرُ مِنَ الآيَةِ (p-٤٤٧)أنَّ الإنْسانَ انْقَسَمَ إلى هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ ولَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْعُصاةِ الَّذِينَ يُدْخِلُهُمُ اللَّهُ النّارَ ﴿يَدْعُو ثُبُورًا﴾ يَقُولُ: واثُبُوراهُ، والثُّبُورُ: الهَلاكُ، وهو جامِعٌ لِأنْواعِ المَكارِهِ. وقَرَأ قَتادَةُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وعِيسى، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ: (ويَصْلى) بِفَتْحِ الياءِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وباقِي السَّبْعَةِ وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، وأبُو الشَّعْثاءِ، والحَسَنُ، والأعْرَجُ: بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الصّادِ واللّامِ مُشَدَّدَةً، وأبُو الأشْهَبِ وخارِجَةُ عَنْ نافِعٍ، وأبانٌ عَنْ عاصِمٍ، وعِيسى أيْضًا والعَتَكِيُّ وجَماعَةٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِضَمِّ الياءِ ساكِنِ الصّادِ مُخَفَّفِ اللّامِ، بُنِيَ لِلْمَفْعُولِ مِنَ المُتَعَدِّي بِالهَمْزَةِ، كَما بُنِيَ (ويُصَلّى) المُشَدَّدُ لِلْمَفْعُولِ مِنَ المُتَعَدِّي بِالتَّضْعِيفِ.
الانشقاق 84:10
﴿وإذا الأرْضُ مُدَّتْ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: سُوِّيَتْ. وقالَ الضَّحّاكُ: بُسِطَتْ بِانْدِكاكِ جِبالِها، ومِنهُ الحَدِيثُ: (تُمَدُّ الأرْضُ مَدَّ الأدِيمِ العُكاظِيِّ حَتّى لا يَكُونَ لِبَشَرٍ مِنَ النّاسِ إلّا مَوْضِعَ قَدَمَيْهِ)، وذَلِكَ أنَّ الأدِيمَ إذا مُدَّ زالَ ما فِيهِ مِن تِئْنٍ وانْبَسَطَ، فَتَصِيرُ الأرْضُ إذْ ذاكَ كَما قالَ تَعالى: ﴿قاعًا صَفْصَفًا﴾ [طه: ١٠٦] ﴿لا تَرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا﴾ [طه: ١٠٧] .
(p-٤٤٦)﴿وألْقَتْ ما فِيها وتَخَلَّتْ﴾ قالَ ابْنُ جُبَيْرٍ والجُمْهُورُ: ألْقَتْ ما في بَطْنِها مِنَ الأمْواتِ، وتَخَلَّتْ مِمَّنْ عَلى ظَهْرِها مِنَ الأحْياءِ. وقِيلَ: تَخَلَّتْ مِمّا عَلى ظَهْرِها مِن جِبالِها وبِحارِها. وقالَ الزَّجّاجُ: ومِنَ الكُنُوزِ، وضُعِّفَ هَذا بِأنَّ ذَلِكَ يَكُونُ وقْتَ خُرُوجِ الدَّجّالِ، وإنَّما تُلْقِي يَوْمَ القِيامَةِ المَوْتى.
﴿وتَخَلَّتْ﴾: أيْ عَنْ ما كانَ فِيها، لَمْ تَتَمَسَّكْ مِنهم بِشَيْءٍ. وجاءَ تَخَلَّتْ: أيْ تَكَلَّفَتْ أقْصى جُهْدِها في الخُلُوِّ. كَما تَقُولُ: تَكَرَّمَ الكَرِيمُ: بَلَغَ جُهْدَهُ في الكَرَمِ وتَكَلَّفَ فَوْقَ ما في طَبْعِهِ، ونِسْبَةُ ذَلِكَ إلى الأرْضِ نِسْبَةٌ مَجازِيَّةٌ، واللَّهُ تَعالى هو الَّذِي أخْرَجَ تِلْكَ الأشْياءَ مِن باطِنِها. وجَوابُ إذا مَحْذُوفٌ، فَإمّا أنْ يُقَدِّرَهُ الَّذِي خَرَجَ بِهِ في سُورَةِ التَّكْوِيرِ أوْ الِانْفِطارِ، أوْ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ: ﴿إنَّكَ كادِحٌ﴾ أيْ لاقى كُلُّ إنْسانٍ كَدْحَهُ. وقالَ الأخْفَشُ والمُبَرِّدُ: هو مُلاقِيهِ، إذا انْشَقَّتِ السَّماءُ فَأنْتَ مُلاقِيهِ. وقِيلَ: ﴿ياأيُّها الإنْسانُ﴾ [الإنفطار: ٦] عَلى حَذْفِ الفاءِ تَقْدِيرُهُ: فَيا أيُّها الإنْسانُ. وقِيلَ: ﴿وأذِنَتْ﴾ عَلى زِيادَةِ الواوِ، وعَنِ الأخْفَشِ: ﴿إذا السَّماءُ﴾ [الإنشقاق: ١] مُبْتَدَأٌ، خَبَرُهُ ﴿وإذا الأرْضُ﴾ عَلى زِيادَةِ الواوِ، والعامِلُ فِيها عَلى قَوْلِ الأكْثَرِينَ: الجَوابُ إمّا المَحْذُوفُ الَّذِي قَدَّرُوهُ، وإمّا الظّاهِرُ الَّذِي قِيلَ إنَّهُ جَوابٌ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقالَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ: العامِلُ انْشَقَّتْ، وأبى ذَلِكَ كَثِيرٌ مِن أئِمَّتِهِمْ، لِأنَّ إذا مُضافَةٌ إلى انْشَقَّتْ، ومَن يُجِيزُ ذَلِكَ تَضْعُفُ عِنْدَهُ الإضافَةُ ويَقْوى مَعْنى الجَزاءِ. انْتَهى. وهَذا القَوْلُ نَحْنُ نَخْتارُهُ، وقَدِ اسْتَدْلَلْنا عَلى صِحَّتِهِ فِيما كَتَبْناهُ، والتَّقْدِيرُ: وقْتُ انْشِقاقِ السَّماءِ وقْتُ مَدِّ الأرْضِ. وقِيلَ: لا جَوابَ لَها إذْ هي قَدْ نُصِبَتْ بِاذْكُرْ نَصْبَ المَفْعُولِ بِهِ، فَلَيْسَتْ شَرْطًا.
﴿وأذِنَتْ لِرَبِّها﴾ أيْ في إلْقاءِ ما في بَطْنِها وتَخَلِّيها. والإنْسانُ: يُرادُ بِهِ الجِنْسُ، والتَّقْسِيمُ بَعْدَ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَيْهِ. وقالَ مُقاتِلٌ: المُرادُ بِهِ الأسْوَدُ بْنُ عَبْدِ الأسَدِ بْنِ هِلالٍ المَخْزُومِيُّ، جادَلَ أخاهُ أبا سَلَمَةَ في أمْرِ البَعْثِ، فَقالَ أبُو سَلَمَةَ: والَّذِي خَلَقَكَ لَتَرْكَبَنَّ الطَّبَقَةَ ولَتُوافِيَنَّ العَقَبَةَ. فَقالَ الأسْوَدُ: فَأيْنَ الأرْضُ والسَّماءُ ؟ وما حالُ النّاسِ ؟ انْتَهى. وكانَ مُقاتِلًا يُرِيدُ أنَّها نَزَلَتْ في الأسْوَدِ، وهي تَعُمُّ الجِنْسَ. وقِيلَ: المُرادُ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ، كانَ يَكْدَحُ في طَلَبِ الدُّنْيا وإيذاءِ الرَّسُولِ، ﷺ، والإصْرارِ عَلى الكُفْرِ. وأبْعَدُ مَن ذَهَبَ إلى أنَّهُ الرَّسُولُ، ﷺ، والمَعْنى: إنَّكَ تَكْدَحُ في إبْلاغِ رِسالاتِ اللَّهِ تَعالى وإرْشادِ عِبادِهِ واحْتِمالِ الضُّرِّ مِنَ الكُفّارِ، فَأبْشِرْ فَإنَّكَ تَلْقى اللَّهَ بِهَذا العَمَلِ، وهو غَيْرُ ضائِعٍ عِنْدَهُ.
﴿إنَّكَ كادِحٌ﴾ أيْ جاهِدٌ في عَمَلِكَ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ إلى رَبِّكَ، أيْ طُولَ حَياتِكَ إلى لِقاءِ رَبِّكَ، وهو أجَلُ مَوْتِكَ. (فَمُلاقِيهِ) أيْ جَزاءَ كَدْحِكَ مِن ثَوابٍ وعِقابٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: فالفاءُ عَلى هَذا عاطِفَةٌ جُمْلَةَ الكَلامِ عَلى الَّتِي قَبْلَها، والتَّقْدِيرُ: فَأنْتَ مُلاقِيهِ، ولا يَتَعَيَّنُ ما قالَهُ، بَلْ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى كادِحٍ عَطْفَ المُفْرَداتِ. وقالَ الجُمْهُورُ: الضَّمِيرُ في مُلاقِيهِ عائِدٌ عَلى رَبِّكَ، أيْ فَمُلاقِي جَزائِهِ، فاسْمُ الفاعِلِ مَعْطُوفٌ عَلى اسْمِ الفاعِلِ.
﴿حِسابًا يَسِيرًا﴾ قالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها: يُقَرَّرُ ذُنُوبَهُ ثُمَّ يُتَجاوَزُ عَنْهُ. وقالَ الحَسَنُ: يُجازى بِالحَسَنَةِ ويُتَجاوَزُ عَنِ السَّيِّئَةِ. وفي الحَدِيثِ: (مَن حُوسِبَ عُذِّبَ)، فَقالَتْ عائِشَةُ: ألَمْ يَقُلِ اللَّهُ تَعالى ﴿فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا﴾ ؟ فَقالَ، عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: (إنَّما ذَلِكَ العَرْضُ، وأمّا مَن نُوقِشَ الحِسابَ فَيَهْلِكُ) .
﴿ويَنْقَلِبُ إلى أهْلِهِ﴾ أيْ إلى مَن أعَدَّ اللَّهُ لَهُ في الجَنَّةِ مِن نِساءِ المُؤْمِناتِ ومِنَ الحُورِ العِينِ، أوْ إلى عَشِيرَتِهِ المُؤْمِنِينَ، فَيُخْبِرُهم بِخَلاصِهِ وسَلامَتِهِ، أوْ إلى المُؤْمِنِينَ، إذْ هم كُلُّهم أهْلُ إيمانٍ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (ويُقْلَبُ) مُضارِعُ قُلِبَ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ.
﴿وراءَ ظَهْرِهِ﴾ رُوِيَ أنَّ شِمالَهُ تَدْخُلُ مِن صَدْرِهِ حَتّى تَخْرُجَ مِن وراءِ ظَهْرِهِ، فَيَأْخُذُ كِتابَهُ بِها. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وأمّا مَن يَنْفُذُ عَلَيْهِ الوَعِيدُ مِن عُصاتِهِمْ، يَعْنِي عُصاةَ المُؤْمِنِينَ، فَإنَّهُ يُعْطى كِتابَهُ عِنْدَ خُرُوجِهِ مِنَ النّارِ. وقَدْ جَوَّزَ قَوْمٌ أنْ يُعْطاهُ أوَّلًا قَبْلَ دُخُولِهِ النّارَ، وهَذِهِ الآيَةُ تَرُدُّ عَلى هَذا القَوْلِ. انْتَهى. والظّاهِرُ مِنَ الآيَةِ (p-٤٤٧)أنَّ الإنْسانَ انْقَسَمَ إلى هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ ولَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْعُصاةِ الَّذِينَ يُدْخِلُهُمُ اللَّهُ النّارَ ﴿يَدْعُو ثُبُورًا﴾ يَقُولُ: واثُبُوراهُ، والثُّبُورُ: الهَلاكُ، وهو جامِعٌ لِأنْواعِ المَكارِهِ. وقَرَأ قَتادَةُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وعِيسى، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ: (ويَصْلى) بِفَتْحِ الياءِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وباقِي السَّبْعَةِ وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، وأبُو الشَّعْثاءِ، والحَسَنُ، والأعْرَجُ: بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الصّادِ واللّامِ مُشَدَّدَةً، وأبُو الأشْهَبِ وخارِجَةُ عَنْ نافِعٍ، وأبانٌ عَنْ عاصِمٍ، وعِيسى أيْضًا والعَتَكِيُّ وجَماعَةٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِضَمِّ الياءِ ساكِنِ الصّادِ مُخَفَّفِ اللّامِ، بُنِيَ لِلْمَفْعُولِ مِنَ المُتَعَدِّي بِالهَمْزَةِ، كَما بُنِيَ (ويُصَلّى) المُشَدَّدُ لِلْمَفْعُولِ مِنَ المُتَعَدِّي بِالتَّضْعِيفِ.
الانشقاق 84:11
﴿وإذا الأرْضُ مُدَّتْ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: سُوِّيَتْ. وقالَ الضَّحّاكُ: بُسِطَتْ بِانْدِكاكِ جِبالِها، ومِنهُ الحَدِيثُ: (تُمَدُّ الأرْضُ مَدَّ الأدِيمِ العُكاظِيِّ حَتّى لا يَكُونَ لِبَشَرٍ مِنَ النّاسِ إلّا مَوْضِعَ قَدَمَيْهِ)، وذَلِكَ أنَّ الأدِيمَ إذا مُدَّ زالَ ما فِيهِ مِن تِئْنٍ وانْبَسَطَ، فَتَصِيرُ الأرْضُ إذْ ذاكَ كَما قالَ تَعالى: ﴿قاعًا صَفْصَفًا﴾ [طه: ١٠٦] ﴿لا تَرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا﴾ [طه: ١٠٧] .
(p-٤٤٦)﴿وألْقَتْ ما فِيها وتَخَلَّتْ﴾ قالَ ابْنُ جُبَيْرٍ والجُمْهُورُ: ألْقَتْ ما في بَطْنِها مِنَ الأمْواتِ، وتَخَلَّتْ مِمَّنْ عَلى ظَهْرِها مِنَ الأحْياءِ. وقِيلَ: تَخَلَّتْ مِمّا عَلى ظَهْرِها مِن جِبالِها وبِحارِها. وقالَ الزَّجّاجُ: ومِنَ الكُنُوزِ، وضُعِّفَ هَذا بِأنَّ ذَلِكَ يَكُونُ وقْتَ خُرُوجِ الدَّجّالِ، وإنَّما تُلْقِي يَوْمَ القِيامَةِ المَوْتى.
﴿وتَخَلَّتْ﴾: أيْ عَنْ ما كانَ فِيها، لَمْ تَتَمَسَّكْ مِنهم بِشَيْءٍ. وجاءَ تَخَلَّتْ: أيْ تَكَلَّفَتْ أقْصى جُهْدِها في الخُلُوِّ. كَما تَقُولُ: تَكَرَّمَ الكَرِيمُ: بَلَغَ جُهْدَهُ في الكَرَمِ وتَكَلَّفَ فَوْقَ ما في طَبْعِهِ، ونِسْبَةُ ذَلِكَ إلى الأرْضِ نِسْبَةٌ مَجازِيَّةٌ، واللَّهُ تَعالى هو الَّذِي أخْرَجَ تِلْكَ الأشْياءَ مِن باطِنِها. وجَوابُ إذا مَحْذُوفٌ، فَإمّا أنْ يُقَدِّرَهُ الَّذِي خَرَجَ بِهِ في سُورَةِ التَّكْوِيرِ أوْ الِانْفِطارِ، أوْ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ: ﴿إنَّكَ كادِحٌ﴾ أيْ لاقى كُلُّ إنْسانٍ كَدْحَهُ. وقالَ الأخْفَشُ والمُبَرِّدُ: هو مُلاقِيهِ، إذا انْشَقَّتِ السَّماءُ فَأنْتَ مُلاقِيهِ. وقِيلَ: ﴿ياأيُّها الإنْسانُ﴾ [الإنفطار: ٦] عَلى حَذْفِ الفاءِ تَقْدِيرُهُ: فَيا أيُّها الإنْسانُ. وقِيلَ: ﴿وأذِنَتْ﴾ عَلى زِيادَةِ الواوِ، وعَنِ الأخْفَشِ: ﴿إذا السَّماءُ﴾ [الإنشقاق: ١] مُبْتَدَأٌ، خَبَرُهُ ﴿وإذا الأرْضُ﴾ عَلى زِيادَةِ الواوِ، والعامِلُ فِيها عَلى قَوْلِ الأكْثَرِينَ: الجَوابُ إمّا المَحْذُوفُ الَّذِي قَدَّرُوهُ، وإمّا الظّاهِرُ الَّذِي قِيلَ إنَّهُ جَوابٌ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقالَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ: العامِلُ انْشَقَّتْ، وأبى ذَلِكَ كَثِيرٌ مِن أئِمَّتِهِمْ، لِأنَّ إذا مُضافَةٌ إلى انْشَقَّتْ، ومَن يُجِيزُ ذَلِكَ تَضْعُفُ عِنْدَهُ الإضافَةُ ويَقْوى مَعْنى الجَزاءِ. انْتَهى. وهَذا القَوْلُ نَحْنُ نَخْتارُهُ، وقَدِ اسْتَدْلَلْنا عَلى صِحَّتِهِ فِيما كَتَبْناهُ، والتَّقْدِيرُ: وقْتُ انْشِقاقِ السَّماءِ وقْتُ مَدِّ الأرْضِ. وقِيلَ: لا جَوابَ لَها إذْ هي قَدْ نُصِبَتْ بِاذْكُرْ نَصْبَ المَفْعُولِ بِهِ، فَلَيْسَتْ شَرْطًا.
﴿وأذِنَتْ لِرَبِّها﴾ أيْ في إلْقاءِ ما في بَطْنِها وتَخَلِّيها. والإنْسانُ: يُرادُ بِهِ الجِنْسُ، والتَّقْسِيمُ بَعْدَ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَيْهِ. وقالَ مُقاتِلٌ: المُرادُ بِهِ الأسْوَدُ بْنُ عَبْدِ الأسَدِ بْنِ هِلالٍ المَخْزُومِيُّ، جادَلَ أخاهُ أبا سَلَمَةَ في أمْرِ البَعْثِ، فَقالَ أبُو سَلَمَةَ: والَّذِي خَلَقَكَ لَتَرْكَبَنَّ الطَّبَقَةَ ولَتُوافِيَنَّ العَقَبَةَ. فَقالَ الأسْوَدُ: فَأيْنَ الأرْضُ والسَّماءُ ؟ وما حالُ النّاسِ ؟ انْتَهى. وكانَ مُقاتِلًا يُرِيدُ أنَّها نَزَلَتْ في الأسْوَدِ، وهي تَعُمُّ الجِنْسَ. وقِيلَ: المُرادُ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ، كانَ يَكْدَحُ في طَلَبِ الدُّنْيا وإيذاءِ الرَّسُولِ، ﷺ، والإصْرارِ عَلى الكُفْرِ. وأبْعَدُ مَن ذَهَبَ إلى أنَّهُ الرَّسُولُ، ﷺ، والمَعْنى: إنَّكَ تَكْدَحُ في إبْلاغِ رِسالاتِ اللَّهِ تَعالى وإرْشادِ عِبادِهِ واحْتِمالِ الضُّرِّ مِنَ الكُفّارِ، فَأبْشِرْ فَإنَّكَ تَلْقى اللَّهَ بِهَذا العَمَلِ، وهو غَيْرُ ضائِعٍ عِنْدَهُ.
﴿إنَّكَ كادِحٌ﴾ أيْ جاهِدٌ في عَمَلِكَ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ إلى رَبِّكَ، أيْ طُولَ حَياتِكَ إلى لِقاءِ رَبِّكَ، وهو أجَلُ مَوْتِكَ. (فَمُلاقِيهِ) أيْ جَزاءَ كَدْحِكَ مِن ثَوابٍ وعِقابٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: فالفاءُ عَلى هَذا عاطِفَةٌ جُمْلَةَ الكَلامِ عَلى الَّتِي قَبْلَها، والتَّقْدِيرُ: فَأنْتَ مُلاقِيهِ، ولا يَتَعَيَّنُ ما قالَهُ، بَلْ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى كادِحٍ عَطْفَ المُفْرَداتِ. وقالَ الجُمْهُورُ: الضَّمِيرُ في مُلاقِيهِ عائِدٌ عَلى رَبِّكَ، أيْ فَمُلاقِي جَزائِهِ، فاسْمُ الفاعِلِ مَعْطُوفٌ عَلى اسْمِ الفاعِلِ.
﴿حِسابًا يَسِيرًا﴾ قالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها: يُقَرَّرُ ذُنُوبَهُ ثُمَّ يُتَجاوَزُ عَنْهُ. وقالَ الحَسَنُ: يُجازى بِالحَسَنَةِ ويُتَجاوَزُ عَنِ السَّيِّئَةِ. وفي الحَدِيثِ: (مَن حُوسِبَ عُذِّبَ)، فَقالَتْ عائِشَةُ: ألَمْ يَقُلِ اللَّهُ تَعالى ﴿فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا﴾ ؟ فَقالَ، عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: (إنَّما ذَلِكَ العَرْضُ، وأمّا مَن نُوقِشَ الحِسابَ فَيَهْلِكُ) .
﴿ويَنْقَلِبُ إلى أهْلِهِ﴾ أيْ إلى مَن أعَدَّ اللَّهُ لَهُ في الجَنَّةِ مِن نِساءِ المُؤْمِناتِ ومِنَ الحُورِ العِينِ، أوْ إلى عَشِيرَتِهِ المُؤْمِنِينَ، فَيُخْبِرُهم بِخَلاصِهِ وسَلامَتِهِ، أوْ إلى المُؤْمِنِينَ، إذْ هم كُلُّهم أهْلُ إيمانٍ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (ويُقْلَبُ) مُضارِعُ قُلِبَ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ.
﴿وراءَ ظَهْرِهِ﴾ رُوِيَ أنَّ شِمالَهُ تَدْخُلُ مِن صَدْرِهِ حَتّى تَخْرُجَ مِن وراءِ ظَهْرِهِ، فَيَأْخُذُ كِتابَهُ بِها. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وأمّا مَن يَنْفُذُ عَلَيْهِ الوَعِيدُ مِن عُصاتِهِمْ، يَعْنِي عُصاةَ المُؤْمِنِينَ، فَإنَّهُ يُعْطى كِتابَهُ عِنْدَ خُرُوجِهِ مِنَ النّارِ. وقَدْ جَوَّزَ قَوْمٌ أنْ يُعْطاهُ أوَّلًا قَبْلَ دُخُولِهِ النّارَ، وهَذِهِ الآيَةُ تَرُدُّ عَلى هَذا القَوْلِ. انْتَهى. والظّاهِرُ مِنَ الآيَةِ (p-٤٤٧)أنَّ الإنْسانَ انْقَسَمَ إلى هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ ولَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْعُصاةِ الَّذِينَ يُدْخِلُهُمُ اللَّهُ النّارَ ﴿يَدْعُو ثُبُورًا﴾ يَقُولُ: واثُبُوراهُ، والثُّبُورُ: الهَلاكُ، وهو جامِعٌ لِأنْواعِ المَكارِهِ. وقَرَأ قَتادَةُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وعِيسى، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ: (ويَصْلى) بِفَتْحِ الياءِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وباقِي السَّبْعَةِ وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، وأبُو الشَّعْثاءِ، والحَسَنُ، والأعْرَجُ: بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الصّادِ واللّامِ مُشَدَّدَةً، وأبُو الأشْهَبِ وخارِجَةُ عَنْ نافِعٍ، وأبانٌ عَنْ عاصِمٍ، وعِيسى أيْضًا والعَتَكِيُّ وجَماعَةٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِضَمِّ الياءِ ساكِنِ الصّادِ مُخَفَّفِ اللّامِ، بُنِيَ لِلْمَفْعُولِ مِنَ المُتَعَدِّي بِالهَمْزَةِ، كَما بُنِيَ (ويُصَلّى) المُشَدَّدُ لِلْمَفْعُولِ مِنَ المُتَعَدِّي بِالتَّضْعِيفِ.
الانشقاق 84:12
﴿وإذا الأرْضُ مُدَّتْ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: سُوِّيَتْ. وقالَ الضَّحّاكُ: بُسِطَتْ بِانْدِكاكِ جِبالِها، ومِنهُ الحَدِيثُ: (تُمَدُّ الأرْضُ مَدَّ الأدِيمِ العُكاظِيِّ حَتّى لا يَكُونَ لِبَشَرٍ مِنَ النّاسِ إلّا مَوْضِعَ قَدَمَيْهِ)، وذَلِكَ أنَّ الأدِيمَ إذا مُدَّ زالَ ما فِيهِ مِن تِئْنٍ وانْبَسَطَ، فَتَصِيرُ الأرْضُ إذْ ذاكَ كَما قالَ تَعالى: ﴿قاعًا صَفْصَفًا﴾ [طه: ١٠٦] ﴿لا تَرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا﴾ [طه: ١٠٧] .
(p-٤٤٦)﴿وألْقَتْ ما فِيها وتَخَلَّتْ﴾ قالَ ابْنُ جُبَيْرٍ والجُمْهُورُ: ألْقَتْ ما في بَطْنِها مِنَ الأمْواتِ، وتَخَلَّتْ مِمَّنْ عَلى ظَهْرِها مِنَ الأحْياءِ. وقِيلَ: تَخَلَّتْ مِمّا عَلى ظَهْرِها مِن جِبالِها وبِحارِها. وقالَ الزَّجّاجُ: ومِنَ الكُنُوزِ، وضُعِّفَ هَذا بِأنَّ ذَلِكَ يَكُونُ وقْتَ خُرُوجِ الدَّجّالِ، وإنَّما تُلْقِي يَوْمَ القِيامَةِ المَوْتى.
﴿وتَخَلَّتْ﴾: أيْ عَنْ ما كانَ فِيها، لَمْ تَتَمَسَّكْ مِنهم بِشَيْءٍ. وجاءَ تَخَلَّتْ: أيْ تَكَلَّفَتْ أقْصى جُهْدِها في الخُلُوِّ. كَما تَقُولُ: تَكَرَّمَ الكَرِيمُ: بَلَغَ جُهْدَهُ في الكَرَمِ وتَكَلَّفَ فَوْقَ ما في طَبْعِهِ، ونِسْبَةُ ذَلِكَ إلى الأرْضِ نِسْبَةٌ مَجازِيَّةٌ، واللَّهُ تَعالى هو الَّذِي أخْرَجَ تِلْكَ الأشْياءَ مِن باطِنِها. وجَوابُ إذا مَحْذُوفٌ، فَإمّا أنْ يُقَدِّرَهُ الَّذِي خَرَجَ بِهِ في سُورَةِ التَّكْوِيرِ أوْ الِانْفِطارِ، أوْ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ: ﴿إنَّكَ كادِحٌ﴾ أيْ لاقى كُلُّ إنْسانٍ كَدْحَهُ. وقالَ الأخْفَشُ والمُبَرِّدُ: هو مُلاقِيهِ، إذا انْشَقَّتِ السَّماءُ فَأنْتَ مُلاقِيهِ. وقِيلَ: ﴿ياأيُّها الإنْسانُ﴾ [الإنفطار: ٦] عَلى حَذْفِ الفاءِ تَقْدِيرُهُ: فَيا أيُّها الإنْسانُ. وقِيلَ: ﴿وأذِنَتْ﴾ عَلى زِيادَةِ الواوِ، وعَنِ الأخْفَشِ: ﴿إذا السَّماءُ﴾ [الإنشقاق: ١] مُبْتَدَأٌ، خَبَرُهُ ﴿وإذا الأرْضُ﴾ عَلى زِيادَةِ الواوِ، والعامِلُ فِيها عَلى قَوْلِ الأكْثَرِينَ: الجَوابُ إمّا المَحْذُوفُ الَّذِي قَدَّرُوهُ، وإمّا الظّاهِرُ الَّذِي قِيلَ إنَّهُ جَوابٌ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقالَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ: العامِلُ انْشَقَّتْ، وأبى ذَلِكَ كَثِيرٌ مِن أئِمَّتِهِمْ، لِأنَّ إذا مُضافَةٌ إلى انْشَقَّتْ، ومَن يُجِيزُ ذَلِكَ تَضْعُفُ عِنْدَهُ الإضافَةُ ويَقْوى مَعْنى الجَزاءِ. انْتَهى. وهَذا القَوْلُ نَحْنُ نَخْتارُهُ، وقَدِ اسْتَدْلَلْنا عَلى صِحَّتِهِ فِيما كَتَبْناهُ، والتَّقْدِيرُ: وقْتُ انْشِقاقِ السَّماءِ وقْتُ مَدِّ الأرْضِ. وقِيلَ: لا جَوابَ لَها إذْ هي قَدْ نُصِبَتْ بِاذْكُرْ نَصْبَ المَفْعُولِ بِهِ، فَلَيْسَتْ شَرْطًا.
﴿وأذِنَتْ لِرَبِّها﴾ أيْ في إلْقاءِ ما في بَطْنِها وتَخَلِّيها. والإنْسانُ: يُرادُ بِهِ الجِنْسُ، والتَّقْسِيمُ بَعْدَ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَيْهِ. وقالَ مُقاتِلٌ: المُرادُ بِهِ الأسْوَدُ بْنُ عَبْدِ الأسَدِ بْنِ هِلالٍ المَخْزُومِيُّ، جادَلَ أخاهُ أبا سَلَمَةَ في أمْرِ البَعْثِ، فَقالَ أبُو سَلَمَةَ: والَّذِي خَلَقَكَ لَتَرْكَبَنَّ الطَّبَقَةَ ولَتُوافِيَنَّ العَقَبَةَ. فَقالَ الأسْوَدُ: فَأيْنَ الأرْضُ والسَّماءُ ؟ وما حالُ النّاسِ ؟ انْتَهى. وكانَ مُقاتِلًا يُرِيدُ أنَّها نَزَلَتْ في الأسْوَدِ، وهي تَعُمُّ الجِنْسَ. وقِيلَ: المُرادُ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ، كانَ يَكْدَحُ في طَلَبِ الدُّنْيا وإيذاءِ الرَّسُولِ، ﷺ، والإصْرارِ عَلى الكُفْرِ. وأبْعَدُ مَن ذَهَبَ إلى أنَّهُ الرَّسُولُ، ﷺ، والمَعْنى: إنَّكَ تَكْدَحُ في إبْلاغِ رِسالاتِ اللَّهِ تَعالى وإرْشادِ عِبادِهِ واحْتِمالِ الضُّرِّ مِنَ الكُفّارِ، فَأبْشِرْ فَإنَّكَ تَلْقى اللَّهَ بِهَذا العَمَلِ، وهو غَيْرُ ضائِعٍ عِنْدَهُ.
﴿إنَّكَ كادِحٌ﴾ أيْ جاهِدٌ في عَمَلِكَ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ إلى رَبِّكَ، أيْ طُولَ حَياتِكَ إلى لِقاءِ رَبِّكَ، وهو أجَلُ مَوْتِكَ. (فَمُلاقِيهِ) أيْ جَزاءَ كَدْحِكَ مِن ثَوابٍ وعِقابٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: فالفاءُ عَلى هَذا عاطِفَةٌ جُمْلَةَ الكَلامِ عَلى الَّتِي قَبْلَها، والتَّقْدِيرُ: فَأنْتَ مُلاقِيهِ، ولا يَتَعَيَّنُ ما قالَهُ، بَلْ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى كادِحٍ عَطْفَ المُفْرَداتِ. وقالَ الجُمْهُورُ: الضَّمِيرُ في مُلاقِيهِ عائِدٌ عَلى رَبِّكَ، أيْ فَمُلاقِي جَزائِهِ، فاسْمُ الفاعِلِ مَعْطُوفٌ عَلى اسْمِ الفاعِلِ.
﴿حِسابًا يَسِيرًا﴾ قالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها: يُقَرَّرُ ذُنُوبَهُ ثُمَّ يُتَجاوَزُ عَنْهُ. وقالَ الحَسَنُ: يُجازى بِالحَسَنَةِ ويُتَجاوَزُ عَنِ السَّيِّئَةِ. وفي الحَدِيثِ: (مَن حُوسِبَ عُذِّبَ)، فَقالَتْ عائِشَةُ: ألَمْ يَقُلِ اللَّهُ تَعالى ﴿فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا﴾ ؟ فَقالَ، عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: (إنَّما ذَلِكَ العَرْضُ، وأمّا مَن نُوقِشَ الحِسابَ فَيَهْلِكُ) .
﴿ويَنْقَلِبُ إلى أهْلِهِ﴾ أيْ إلى مَن أعَدَّ اللَّهُ لَهُ في الجَنَّةِ مِن نِساءِ المُؤْمِناتِ ومِنَ الحُورِ العِينِ، أوْ إلى عَشِيرَتِهِ المُؤْمِنِينَ، فَيُخْبِرُهم بِخَلاصِهِ وسَلامَتِهِ، أوْ إلى المُؤْمِنِينَ، إذْ هم كُلُّهم أهْلُ إيمانٍ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (ويُقْلَبُ) مُضارِعُ قُلِبَ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ.
﴿وراءَ ظَهْرِهِ﴾ رُوِيَ أنَّ شِمالَهُ تَدْخُلُ مِن صَدْرِهِ حَتّى تَخْرُجَ مِن وراءِ ظَهْرِهِ، فَيَأْخُذُ كِتابَهُ بِها. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وأمّا مَن يَنْفُذُ عَلَيْهِ الوَعِيدُ مِن عُصاتِهِمْ، يَعْنِي عُصاةَ المُؤْمِنِينَ، فَإنَّهُ يُعْطى كِتابَهُ عِنْدَ خُرُوجِهِ مِنَ النّارِ. وقَدْ جَوَّزَ قَوْمٌ أنْ يُعْطاهُ أوَّلًا قَبْلَ دُخُولِهِ النّارَ، وهَذِهِ الآيَةُ تَرُدُّ عَلى هَذا القَوْلِ. انْتَهى. والظّاهِرُ مِنَ الآيَةِ (p-٤٤٧)أنَّ الإنْسانَ انْقَسَمَ إلى هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ ولَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْعُصاةِ الَّذِينَ يُدْخِلُهُمُ اللَّهُ النّارَ ﴿يَدْعُو ثُبُورًا﴾ يَقُولُ: واثُبُوراهُ، والثُّبُورُ: الهَلاكُ، وهو جامِعٌ لِأنْواعِ المَكارِهِ. وقَرَأ قَتادَةُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وعِيسى، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ: (ويَصْلى) بِفَتْحِ الياءِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وباقِي السَّبْعَةِ وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، وأبُو الشَّعْثاءِ، والحَسَنُ، والأعْرَجُ: بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الصّادِ واللّامِ مُشَدَّدَةً، وأبُو الأشْهَبِ وخارِجَةُ عَنْ نافِعٍ، وأبانٌ عَنْ عاصِمٍ، وعِيسى أيْضًا والعَتَكِيُّ وجَماعَةٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِضَمِّ الياءِ ساكِنِ الصّادِ مُخَفَّفِ اللّامِ، بُنِيَ لِلْمَفْعُولِ مِنَ المُتَعَدِّي بِالهَمْزَةِ، كَما بُنِيَ (ويُصَلّى) المُشَدَّدُ لِلْمَفْعُولِ مِنَ المُتَعَدِّي بِالتَّضْعِيفِ.
الانشقاق 84:13
﴿إنَّهُ كانَ في أهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ أيْ فَرِحًا بَطِرًا مُتْرَفًا لا يَعْرِفُ اللَّهَ ولا يُفَكِّرُ في عاقِبَتِهِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تَفْرَحْ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الفَرِحِينَ﴾ [القصص: ٧٦] بِخِلافِ المُؤْمِنِ، فَإنَّهُ حَزِينٌ مُكْتَئِبٌ يَتَفَكَّرُ في الآخِرَةِ ﴿إنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ﴾ أيْ أنْ لَنْ يَرْجِعَ إلى اللَّهِ، وهَذا تَكْذِيبٌ بِالبَعْثِ (بَلى) إيجابٌ بَعْدَ النَّفْيِ، أيْ بَلى لَيَحُورَنَّ ﴿إنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيرًا﴾ أيْ لا تَخْفى عَلَيْهِ أفْعالُهُ، فَلا بُدَّ مِن حَوْرِهِ ومُجازاتِهِ.
﴿فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ﴾ أقْسَمَ تَعالى بِمَخْلُوقاتِهِ تَشْرِيفًا لَها وتَعْرِيضًا لِلِاعْتِبارِ بِها، والشَّفَقُ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ. وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ، وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، وأبُو حَنِيفَةَ: هو البَياضُ الَّذِي يَتْلُوهُ الحُمْرَةُ. ورَوى أسَدُ بْنُ عَمْرٍو أنَّ أبا حَنِيفَةَ رَجَعَ عَنْ قَوْلِهِ هَذا إلى قَوْلِ الجُمْهُورِ. وقالَ مُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ، وابْنُ أبِي نَجِيحٍ: إنَّ الشَّفَقَ هُنا كَأنَّهُ لَمّا عَطَفَ عَلَيْهِ اللَّيْلَ قالَ ذَلِكَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ. انْتَهى. وعَنْ مُجاهِدٍ: هو الشَّمْسُ، وعَنْ عِكْرِمَةَ: ما بَقِيَ مِنَ النَّهارِ ﴿وما وسَقَ﴾ ما ضَمَّ مِنَ الحَيَوانِ وغَيْرِهِ، إذْ جَمِيعُ ذَلِكَ يَنْضَمُّ ويَسْكُنُ في ظُلْمَةِ اللَّيْلِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿وما وسَقَ﴾ أيْ ما غَطّى عَلَيْهِ مِنَ الظُّلْمَةِ. وقالَ مُجاهِدٌ: وما ضَمَّ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: وما ساقَ وحَمَلَ. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: وما عُمِلَ فِيهِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
فَيَوْمًا تَرانا صالِحِينَ وتارَةً تَقُومُ بِنا كالواسِقِ المُتَلَبِّبِ
وقالَ ابْنُ الفَضْلِ: لَفَّ كُلُّ أحَدٍ إلى اللَّهِ، أيْ سَكَنَ الخَلْقُ إلَيْهِ ورَجَعَ كُلٌّ إلى ما رَآهُ لِقَوْلِهِ: ﴿لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ [يونس: ٦٧] وقَرَأ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والأسْوَدُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، ومَسْرُوقٌ، والشَّعْبِيُّ، وأبُو العالِيَةِ، وابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ، وعِيسى والأخَوانِ وابْنُ كَثِيرٍ: بِتاءِ الخِطابِ وفَتْحِ الباءِ، فَقِيلَ: خِطابٌ لِلرَّسُولِ ﷺ، أيْ حالًا بَعْدَ حالٍ مِن مُعالَجَةِ الكُفّارِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: سَماءٌ بَعْدَ سَماءٍ في الإسْراءِ، وقِيلَ: عِدَةٌ بِالنَّصْرِ، أيْ لَتَرْكَبُنَّ أمْرَ العَرَبِ قَبِيلًا بَعْدَ قَبِيلٍ وفَتْحًا بَعْدَ فَتْحٍ كَما كانَ ووُجِدَ بَعْدَ ذَلِكَ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقُرِئَ (لَتَرْكَبَنَّ) عَلى خِطابِ الإنْسانِ في ﴿ياأيُّها الإنْسانُ﴾ [الإنشقاق: ٦] وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ المَعْنى: لَتَرْكَبُنَّ السَّماءَ في أهْوالِ القِيامَةِ حالًا بَعْدَ حالٍ، تَكُونُ كالمُهْلِ، وكالدِّهانِ وتَنْفَطِرُ وتَنْشَقُّ، فالتّاءُ لِلتَّأْنِيثِ، وهو إخْبارٌ عَنِ السَّماءِ بِما يَحْدُثُ لَها، والضَّمِيرُ الفاعِلُ عائِدٌ عَلى السَّماءِ، وقَرَأ عُمَرُ، وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: بِالياءِ مِن أسْفَلَ وفَتْحِ الباءِ عَلى ذِكْرِ الغائِبِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَعْنِي نَبِيَّكم، ﷺ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ الغائِبُ يَعُودُ عَلى القَمَرِ؛ لِأنَّهُ يَتَغَيَّرُ أحْوالًا مِن إسْرارٍ واسْتِهْلالٍ وإبْدارٍ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَيَرْكَبَنَّ الإنْسانُ، وقَرَأ عُمَرُ، وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا وأبُو جَعْفَرٍ، والحَسَنُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ، والأعْمَشُ وباقِي السَّبْعَةِ: بِتاءِ الخِطابِ وضَمِّ الباءِ، أيْ لَتَرْكَبَنَّ أيُّها الإنْسانُ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولَتَرْكَبُنَّ بِالضَّمِّ عَلى خِطابِ الجِنْسِ، لِأنَّ النِّداءَ لِلْجِنْسِ، فالمَعْنى: لَتَرْكَبُنَّ الشَّدائِدَ: المَوْتَ والبَعْثَ والحِسابَ حالًا بَعْدَ حالٍ، أوْ يَكُونُ الأحْوالُ مِنَ النُّطْفَةِ إلى الهِرَمِ، كَما تَقُولُ: طَبَقَةٌ بَعْدَ طَبَقَةٍ، قالَ نَحْوَهُ عِكْرِمَةُ، وقِيلَ: عَنْ تَجِيءُ بِمَعْنى بَعْدَ، وقِيلَ: المَعْنى لَتَرْكَبُنَّ هَذِهِ الأحْوالَ أُمَّةً بَعْدَ أُمَّةٍ، ومِنهُ قَوْلُ العَبّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ في رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ:(p-٤٤٨)
؎وأنْتَ لَمّا وُلِدْتَ أشْرَقَتِ الأرْضُ وضاءَتْ بِنُورِكَ الأُفُقُ
؎تُنْقَلُ مِن صالِبٍ إلى رَحِمٍ ∗∗∗ إذا مَضى عالَمٌ بَدا طَبَقُ
وقالَ مَكْحُولٌ وأبُو عُبَيْدَةَ: المَعْنى لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَن قَبْلَكم، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: المَعْنى لَتَرْكَبُنَّ الآخِرَةَ بَعْدَ الأُولى، وقَرَأ عُمَرُ أيْضًا: لَيَرْكَبُنَّ بِياءِ الغَيْبَةِ وضَمِّ الباءِ، قِيلَ: أرادَ بِهِ الكُفّارَ لا بَيانَ تَوْبِيخِهِمْ بَعْدَهُ، أيْ يَرْكَبُونَ حالًا بَعْدَ أُخْرى مِنَ المَذَلَّةِ والهَوانِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ: (لَتِرْكَبُنَّ) بِكَسْرِ التّاءِ، وهي لُغَةُ تَمِيمٍ، قِيلَ: والخِطابُ لِلرَّسُولِ ﷺ، وقُرِئَ بِالتّاءِ وكَسْرِ الباءِ عَلى خِطابِ النَّفْسِ، وطَبَقَ الشَّيْءُ مُطابَقَةً لِأنَّ كُلَّ حالٍ مُطابِقَةٌ لِلْأُخْرى في الشِّدَّةِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ اسْمَ جِنْسٍ واحِدَةَ طَبَقَةٍ، وهي المَرْتَبَةُ مِن قَوْلِهِمْ: هم عَلى طَبَقاتٍ، و﴿عَنْ طَبَقٍ﴾ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِقَوْلِهِ: (طَبَقًا) أوْ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في (لَتَرْكَبُنَّ) .
وعَنْ مَكْحُولٍ، كُلُّ عِشْرِينَ عامًا تَجِدُونَ أمْرًا لَمْ تَكُونُوا عَلَيْهِ ﴿فَما لَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾: تَعَجُّبٌ مِنَ انْتِفاءِ إيمانِهِمْ وقَدْ وضَحَتِ الدَّلائِلُ.
﴿لا يَسْجُدُونَ﴾ لا يَتَواضَعُونَ ويَخْضَعُونَ، قالَهُ قَتادَةُ، وقالَ عِكْرِمَةُ: لا يُباشِرُونَ بِجِباهِهِمُ المُصَلّى، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: لا يُصَلُّونَ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يُكَذِّبُونَ) مُشَدَّدًا، والضَّحّاكُ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: مُخَفَّفًا وبِفَتْحِ الياءِ.
﴿بِما يُوعُونَ﴾ بِما يَجْمَعُونَ مِنَ الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ، كَأنَّهم يَجْعَلُونَهُ في أوْعِيَةٍ، وعَيْتُ العِلْمَ وأوْعَيْتُ المَتاعَ، قالَ نَحْوَهُ ابْنُ زَيْدٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بِما تُضْمِرُونَ مِن عَداوَةِ الرَّسُولِ ﷺ، والمُؤْمِنِينَ، وقالَ مُجاهِدٌ: بِما يَكْتُمُونَ مِن أفْعالِهِمْ، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ: بِما يَعُونَ، مِن وعى يَعِي.
﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ سَبَقَ لَهم في عِلْمِهِ أنَّهم يُؤْمِنُونَ.
﴿غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ غَيْرُ مَقْطُوعٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (مَمْنُونٍ) مُعَدَّدٍ عَلَيْهِمْ، مَحْسُوبٍ مُنَغَّصٍ بِالمَنِّ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ذَلِكَ في فُصِّلَتْ، واللَّهُ المُوَفِّقُ.
الانشقاق 84:14
﴿إنَّهُ كانَ في أهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ أيْ فَرِحًا بَطِرًا مُتْرَفًا لا يَعْرِفُ اللَّهَ ولا يُفَكِّرُ في عاقِبَتِهِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تَفْرَحْ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الفَرِحِينَ﴾ [القصص: ٧٦] بِخِلافِ المُؤْمِنِ، فَإنَّهُ حَزِينٌ مُكْتَئِبٌ يَتَفَكَّرُ في الآخِرَةِ ﴿إنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ﴾ أيْ أنْ لَنْ يَرْجِعَ إلى اللَّهِ، وهَذا تَكْذِيبٌ بِالبَعْثِ (بَلى) إيجابٌ بَعْدَ النَّفْيِ، أيْ بَلى لَيَحُورَنَّ ﴿إنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيرًا﴾ أيْ لا تَخْفى عَلَيْهِ أفْعالُهُ، فَلا بُدَّ مِن حَوْرِهِ ومُجازاتِهِ.
﴿فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ﴾ أقْسَمَ تَعالى بِمَخْلُوقاتِهِ تَشْرِيفًا لَها وتَعْرِيضًا لِلِاعْتِبارِ بِها، والشَّفَقُ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ. وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ، وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، وأبُو حَنِيفَةَ: هو البَياضُ الَّذِي يَتْلُوهُ الحُمْرَةُ. ورَوى أسَدُ بْنُ عَمْرٍو أنَّ أبا حَنِيفَةَ رَجَعَ عَنْ قَوْلِهِ هَذا إلى قَوْلِ الجُمْهُورِ. وقالَ مُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ، وابْنُ أبِي نَجِيحٍ: إنَّ الشَّفَقَ هُنا كَأنَّهُ لَمّا عَطَفَ عَلَيْهِ اللَّيْلَ قالَ ذَلِكَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ. انْتَهى. وعَنْ مُجاهِدٍ: هو الشَّمْسُ، وعَنْ عِكْرِمَةَ: ما بَقِيَ مِنَ النَّهارِ ﴿وما وسَقَ﴾ ما ضَمَّ مِنَ الحَيَوانِ وغَيْرِهِ، إذْ جَمِيعُ ذَلِكَ يَنْضَمُّ ويَسْكُنُ في ظُلْمَةِ اللَّيْلِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿وما وسَقَ﴾ أيْ ما غَطّى عَلَيْهِ مِنَ الظُّلْمَةِ. وقالَ مُجاهِدٌ: وما ضَمَّ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: وما ساقَ وحَمَلَ. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: وما عُمِلَ فِيهِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
فَيَوْمًا تَرانا صالِحِينَ وتارَةً تَقُومُ بِنا كالواسِقِ المُتَلَبِّبِ
وقالَ ابْنُ الفَضْلِ: لَفَّ كُلُّ أحَدٍ إلى اللَّهِ، أيْ سَكَنَ الخَلْقُ إلَيْهِ ورَجَعَ كُلٌّ إلى ما رَآهُ لِقَوْلِهِ: ﴿لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ [يونس: ٦٧] وقَرَأ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والأسْوَدُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، ومَسْرُوقٌ، والشَّعْبِيُّ، وأبُو العالِيَةِ، وابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ، وعِيسى والأخَوانِ وابْنُ كَثِيرٍ: بِتاءِ الخِطابِ وفَتْحِ الباءِ، فَقِيلَ: خِطابٌ لِلرَّسُولِ ﷺ، أيْ حالًا بَعْدَ حالٍ مِن مُعالَجَةِ الكُفّارِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: سَماءٌ بَعْدَ سَماءٍ في الإسْراءِ، وقِيلَ: عِدَةٌ بِالنَّصْرِ، أيْ لَتَرْكَبُنَّ أمْرَ العَرَبِ قَبِيلًا بَعْدَ قَبِيلٍ وفَتْحًا بَعْدَ فَتْحٍ كَما كانَ ووُجِدَ بَعْدَ ذَلِكَ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقُرِئَ (لَتَرْكَبَنَّ) عَلى خِطابِ الإنْسانِ في ﴿ياأيُّها الإنْسانُ﴾ [الإنشقاق: ٦] وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ المَعْنى: لَتَرْكَبُنَّ السَّماءَ في أهْوالِ القِيامَةِ حالًا بَعْدَ حالٍ، تَكُونُ كالمُهْلِ، وكالدِّهانِ وتَنْفَطِرُ وتَنْشَقُّ، فالتّاءُ لِلتَّأْنِيثِ، وهو إخْبارٌ عَنِ السَّماءِ بِما يَحْدُثُ لَها، والضَّمِيرُ الفاعِلُ عائِدٌ عَلى السَّماءِ، وقَرَأ عُمَرُ، وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: بِالياءِ مِن أسْفَلَ وفَتْحِ الباءِ عَلى ذِكْرِ الغائِبِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَعْنِي نَبِيَّكم، ﷺ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ الغائِبُ يَعُودُ عَلى القَمَرِ؛ لِأنَّهُ يَتَغَيَّرُ أحْوالًا مِن إسْرارٍ واسْتِهْلالٍ وإبْدارٍ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَيَرْكَبَنَّ الإنْسانُ، وقَرَأ عُمَرُ، وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا وأبُو جَعْفَرٍ، والحَسَنُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ، والأعْمَشُ وباقِي السَّبْعَةِ: بِتاءِ الخِطابِ وضَمِّ الباءِ، أيْ لَتَرْكَبَنَّ أيُّها الإنْسانُ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولَتَرْكَبُنَّ بِالضَّمِّ عَلى خِطابِ الجِنْسِ، لِأنَّ النِّداءَ لِلْجِنْسِ، فالمَعْنى: لَتَرْكَبُنَّ الشَّدائِدَ: المَوْتَ والبَعْثَ والحِسابَ حالًا بَعْدَ حالٍ، أوْ يَكُونُ الأحْوالُ مِنَ النُّطْفَةِ إلى الهِرَمِ، كَما تَقُولُ: طَبَقَةٌ بَعْدَ طَبَقَةٍ، قالَ نَحْوَهُ عِكْرِمَةُ، وقِيلَ: عَنْ تَجِيءُ بِمَعْنى بَعْدَ، وقِيلَ: المَعْنى لَتَرْكَبُنَّ هَذِهِ الأحْوالَ أُمَّةً بَعْدَ أُمَّةٍ، ومِنهُ قَوْلُ العَبّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ في رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ:(p-٤٤٨)
؎وأنْتَ لَمّا وُلِدْتَ أشْرَقَتِ الأرْضُ وضاءَتْ بِنُورِكَ الأُفُقُ
؎تُنْقَلُ مِن صالِبٍ إلى رَحِمٍ ∗∗∗ إذا مَضى عالَمٌ بَدا طَبَقُ
وقالَ مَكْحُولٌ وأبُو عُبَيْدَةَ: المَعْنى لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَن قَبْلَكم، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: المَعْنى لَتَرْكَبُنَّ الآخِرَةَ بَعْدَ الأُولى، وقَرَأ عُمَرُ أيْضًا: لَيَرْكَبُنَّ بِياءِ الغَيْبَةِ وضَمِّ الباءِ، قِيلَ: أرادَ بِهِ الكُفّارَ لا بَيانَ تَوْبِيخِهِمْ بَعْدَهُ، أيْ يَرْكَبُونَ حالًا بَعْدَ أُخْرى مِنَ المَذَلَّةِ والهَوانِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ: (لَتِرْكَبُنَّ) بِكَسْرِ التّاءِ، وهي لُغَةُ تَمِيمٍ، قِيلَ: والخِطابُ لِلرَّسُولِ ﷺ، وقُرِئَ بِالتّاءِ وكَسْرِ الباءِ عَلى خِطابِ النَّفْسِ، وطَبَقَ الشَّيْءُ مُطابَقَةً لِأنَّ كُلَّ حالٍ مُطابِقَةٌ لِلْأُخْرى في الشِّدَّةِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ اسْمَ جِنْسٍ واحِدَةَ طَبَقَةٍ، وهي المَرْتَبَةُ مِن قَوْلِهِمْ: هم عَلى طَبَقاتٍ، و﴿عَنْ طَبَقٍ﴾ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِقَوْلِهِ: (طَبَقًا) أوْ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في (لَتَرْكَبُنَّ) .
وعَنْ مَكْحُولٍ، كُلُّ عِشْرِينَ عامًا تَجِدُونَ أمْرًا لَمْ تَكُونُوا عَلَيْهِ ﴿فَما لَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾: تَعَجُّبٌ مِنَ انْتِفاءِ إيمانِهِمْ وقَدْ وضَحَتِ الدَّلائِلُ.
﴿لا يَسْجُدُونَ﴾ لا يَتَواضَعُونَ ويَخْضَعُونَ، قالَهُ قَتادَةُ، وقالَ عِكْرِمَةُ: لا يُباشِرُونَ بِجِباهِهِمُ المُصَلّى، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: لا يُصَلُّونَ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يُكَذِّبُونَ) مُشَدَّدًا، والضَّحّاكُ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: مُخَفَّفًا وبِفَتْحِ الياءِ.
﴿بِما يُوعُونَ﴾ بِما يَجْمَعُونَ مِنَ الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ، كَأنَّهم يَجْعَلُونَهُ في أوْعِيَةٍ، وعَيْتُ العِلْمَ وأوْعَيْتُ المَتاعَ، قالَ نَحْوَهُ ابْنُ زَيْدٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بِما تُضْمِرُونَ مِن عَداوَةِ الرَّسُولِ ﷺ، والمُؤْمِنِينَ، وقالَ مُجاهِدٌ: بِما يَكْتُمُونَ مِن أفْعالِهِمْ، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ: بِما يَعُونَ، مِن وعى يَعِي.
﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ سَبَقَ لَهم في عِلْمِهِ أنَّهم يُؤْمِنُونَ.
﴿غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ غَيْرُ مَقْطُوعٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (مَمْنُونٍ) مُعَدَّدٍ عَلَيْهِمْ، مَحْسُوبٍ مُنَغَّصٍ بِالمَنِّ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ذَلِكَ في فُصِّلَتْ، واللَّهُ المُوَفِّقُ.
الانشقاق 84:15
﴿إنَّهُ كانَ في أهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ أيْ فَرِحًا بَطِرًا مُتْرَفًا لا يَعْرِفُ اللَّهَ ولا يُفَكِّرُ في عاقِبَتِهِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تَفْرَحْ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الفَرِحِينَ﴾ [القصص: ٧٦] بِخِلافِ المُؤْمِنِ، فَإنَّهُ حَزِينٌ مُكْتَئِبٌ يَتَفَكَّرُ في الآخِرَةِ ﴿إنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ﴾ أيْ أنْ لَنْ يَرْجِعَ إلى اللَّهِ، وهَذا تَكْذِيبٌ بِالبَعْثِ (بَلى) إيجابٌ بَعْدَ النَّفْيِ، أيْ بَلى لَيَحُورَنَّ ﴿إنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيرًا﴾ أيْ لا تَخْفى عَلَيْهِ أفْعالُهُ، فَلا بُدَّ مِن حَوْرِهِ ومُجازاتِهِ.
﴿فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ﴾ أقْسَمَ تَعالى بِمَخْلُوقاتِهِ تَشْرِيفًا لَها وتَعْرِيضًا لِلِاعْتِبارِ بِها، والشَّفَقُ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ. وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ، وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، وأبُو حَنِيفَةَ: هو البَياضُ الَّذِي يَتْلُوهُ الحُمْرَةُ. ورَوى أسَدُ بْنُ عَمْرٍو أنَّ أبا حَنِيفَةَ رَجَعَ عَنْ قَوْلِهِ هَذا إلى قَوْلِ الجُمْهُورِ. وقالَ مُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ، وابْنُ أبِي نَجِيحٍ: إنَّ الشَّفَقَ هُنا كَأنَّهُ لَمّا عَطَفَ عَلَيْهِ اللَّيْلَ قالَ ذَلِكَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ. انْتَهى. وعَنْ مُجاهِدٍ: هو الشَّمْسُ، وعَنْ عِكْرِمَةَ: ما بَقِيَ مِنَ النَّهارِ ﴿وما وسَقَ﴾ ما ضَمَّ مِنَ الحَيَوانِ وغَيْرِهِ، إذْ جَمِيعُ ذَلِكَ يَنْضَمُّ ويَسْكُنُ في ظُلْمَةِ اللَّيْلِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿وما وسَقَ﴾ أيْ ما غَطّى عَلَيْهِ مِنَ الظُّلْمَةِ. وقالَ مُجاهِدٌ: وما ضَمَّ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: وما ساقَ وحَمَلَ. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: وما عُمِلَ فِيهِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
فَيَوْمًا تَرانا صالِحِينَ وتارَةً تَقُومُ بِنا كالواسِقِ المُتَلَبِّبِ
وقالَ ابْنُ الفَضْلِ: لَفَّ كُلُّ أحَدٍ إلى اللَّهِ، أيْ سَكَنَ الخَلْقُ إلَيْهِ ورَجَعَ كُلٌّ إلى ما رَآهُ لِقَوْلِهِ: ﴿لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ [يونس: ٦٧] وقَرَأ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والأسْوَدُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، ومَسْرُوقٌ، والشَّعْبِيُّ، وأبُو العالِيَةِ، وابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ، وعِيسى والأخَوانِ وابْنُ كَثِيرٍ: بِتاءِ الخِطابِ وفَتْحِ الباءِ، فَقِيلَ: خِطابٌ لِلرَّسُولِ ﷺ، أيْ حالًا بَعْدَ حالٍ مِن مُعالَجَةِ الكُفّارِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: سَماءٌ بَعْدَ سَماءٍ في الإسْراءِ، وقِيلَ: عِدَةٌ بِالنَّصْرِ، أيْ لَتَرْكَبُنَّ أمْرَ العَرَبِ قَبِيلًا بَعْدَ قَبِيلٍ وفَتْحًا بَعْدَ فَتْحٍ كَما كانَ ووُجِدَ بَعْدَ ذَلِكَ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقُرِئَ (لَتَرْكَبَنَّ) عَلى خِطابِ الإنْسانِ في ﴿ياأيُّها الإنْسانُ﴾ [الإنشقاق: ٦] وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ المَعْنى: لَتَرْكَبُنَّ السَّماءَ في أهْوالِ القِيامَةِ حالًا بَعْدَ حالٍ، تَكُونُ كالمُهْلِ، وكالدِّهانِ وتَنْفَطِرُ وتَنْشَقُّ، فالتّاءُ لِلتَّأْنِيثِ، وهو إخْبارٌ عَنِ السَّماءِ بِما يَحْدُثُ لَها، والضَّمِيرُ الفاعِلُ عائِدٌ عَلى السَّماءِ، وقَرَأ عُمَرُ، وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: بِالياءِ مِن أسْفَلَ وفَتْحِ الباءِ عَلى ذِكْرِ الغائِبِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَعْنِي نَبِيَّكم، ﷺ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ الغائِبُ يَعُودُ عَلى القَمَرِ؛ لِأنَّهُ يَتَغَيَّرُ أحْوالًا مِن إسْرارٍ واسْتِهْلالٍ وإبْدارٍ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَيَرْكَبَنَّ الإنْسانُ، وقَرَأ عُمَرُ، وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا وأبُو جَعْفَرٍ، والحَسَنُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ، والأعْمَشُ وباقِي السَّبْعَةِ: بِتاءِ الخِطابِ وضَمِّ الباءِ، أيْ لَتَرْكَبَنَّ أيُّها الإنْسانُ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولَتَرْكَبُنَّ بِالضَّمِّ عَلى خِطابِ الجِنْسِ، لِأنَّ النِّداءَ لِلْجِنْسِ، فالمَعْنى: لَتَرْكَبُنَّ الشَّدائِدَ: المَوْتَ والبَعْثَ والحِسابَ حالًا بَعْدَ حالٍ، أوْ يَكُونُ الأحْوالُ مِنَ النُّطْفَةِ إلى الهِرَمِ، كَما تَقُولُ: طَبَقَةٌ بَعْدَ طَبَقَةٍ، قالَ نَحْوَهُ عِكْرِمَةُ، وقِيلَ: عَنْ تَجِيءُ بِمَعْنى بَعْدَ، وقِيلَ: المَعْنى لَتَرْكَبُنَّ هَذِهِ الأحْوالَ أُمَّةً بَعْدَ أُمَّةٍ، ومِنهُ قَوْلُ العَبّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ في رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ:(p-٤٤٨)
؎وأنْتَ لَمّا وُلِدْتَ أشْرَقَتِ الأرْضُ وضاءَتْ بِنُورِكَ الأُفُقُ
؎تُنْقَلُ مِن صالِبٍ إلى رَحِمٍ ∗∗∗ إذا مَضى عالَمٌ بَدا طَبَقُ
وقالَ مَكْحُولٌ وأبُو عُبَيْدَةَ: المَعْنى لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَن قَبْلَكم، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: المَعْنى لَتَرْكَبُنَّ الآخِرَةَ بَعْدَ الأُولى، وقَرَأ عُمَرُ أيْضًا: لَيَرْكَبُنَّ بِياءِ الغَيْبَةِ وضَمِّ الباءِ، قِيلَ: أرادَ بِهِ الكُفّارَ لا بَيانَ تَوْبِيخِهِمْ بَعْدَهُ، أيْ يَرْكَبُونَ حالًا بَعْدَ أُخْرى مِنَ المَذَلَّةِ والهَوانِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ: (لَتِرْكَبُنَّ) بِكَسْرِ التّاءِ، وهي لُغَةُ تَمِيمٍ، قِيلَ: والخِطابُ لِلرَّسُولِ ﷺ، وقُرِئَ بِالتّاءِ وكَسْرِ الباءِ عَلى خِطابِ النَّفْسِ، وطَبَقَ الشَّيْءُ مُطابَقَةً لِأنَّ كُلَّ حالٍ مُطابِقَةٌ لِلْأُخْرى في الشِّدَّةِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ اسْمَ جِنْسٍ واحِدَةَ طَبَقَةٍ، وهي المَرْتَبَةُ مِن قَوْلِهِمْ: هم عَلى طَبَقاتٍ، و﴿عَنْ طَبَقٍ﴾ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِقَوْلِهِ: (طَبَقًا) أوْ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في (لَتَرْكَبُنَّ) .
وعَنْ مَكْحُولٍ، كُلُّ عِشْرِينَ عامًا تَجِدُونَ أمْرًا لَمْ تَكُونُوا عَلَيْهِ ﴿فَما لَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾: تَعَجُّبٌ مِنَ انْتِفاءِ إيمانِهِمْ وقَدْ وضَحَتِ الدَّلائِلُ.
﴿لا يَسْجُدُونَ﴾ لا يَتَواضَعُونَ ويَخْضَعُونَ، قالَهُ قَتادَةُ، وقالَ عِكْرِمَةُ: لا يُباشِرُونَ بِجِباهِهِمُ المُصَلّى، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: لا يُصَلُّونَ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يُكَذِّبُونَ) مُشَدَّدًا، والضَّحّاكُ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: مُخَفَّفًا وبِفَتْحِ الياءِ.
﴿بِما يُوعُونَ﴾ بِما يَجْمَعُونَ مِنَ الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ، كَأنَّهم يَجْعَلُونَهُ في أوْعِيَةٍ، وعَيْتُ العِلْمَ وأوْعَيْتُ المَتاعَ، قالَ نَحْوَهُ ابْنُ زَيْدٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بِما تُضْمِرُونَ مِن عَداوَةِ الرَّسُولِ ﷺ، والمُؤْمِنِينَ، وقالَ مُجاهِدٌ: بِما يَكْتُمُونَ مِن أفْعالِهِمْ، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ: بِما يَعُونَ، مِن وعى يَعِي.
﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ سَبَقَ لَهم في عِلْمِهِ أنَّهم يُؤْمِنُونَ.
﴿غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ غَيْرُ مَقْطُوعٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (مَمْنُونٍ) مُعَدَّدٍ عَلَيْهِمْ، مَحْسُوبٍ مُنَغَّصٍ بِالمَنِّ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ذَلِكَ في فُصِّلَتْ، واللَّهُ المُوَفِّقُ.
الانشقاق 84:16
﴿إنَّهُ كانَ في أهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ أيْ فَرِحًا بَطِرًا مُتْرَفًا لا يَعْرِفُ اللَّهَ ولا يُفَكِّرُ في عاقِبَتِهِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تَفْرَحْ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الفَرِحِينَ﴾ [القصص: ٧٦] بِخِلافِ المُؤْمِنِ، فَإنَّهُ حَزِينٌ مُكْتَئِبٌ يَتَفَكَّرُ في الآخِرَةِ ﴿إنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ﴾ أيْ أنْ لَنْ يَرْجِعَ إلى اللَّهِ، وهَذا تَكْذِيبٌ بِالبَعْثِ (بَلى) إيجابٌ بَعْدَ النَّفْيِ، أيْ بَلى لَيَحُورَنَّ ﴿إنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيرًا﴾ أيْ لا تَخْفى عَلَيْهِ أفْعالُهُ، فَلا بُدَّ مِن حَوْرِهِ ومُجازاتِهِ.
﴿فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ﴾ أقْسَمَ تَعالى بِمَخْلُوقاتِهِ تَشْرِيفًا لَها وتَعْرِيضًا لِلِاعْتِبارِ بِها، والشَّفَقُ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ. وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ، وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، وأبُو حَنِيفَةَ: هو البَياضُ الَّذِي يَتْلُوهُ الحُمْرَةُ. ورَوى أسَدُ بْنُ عَمْرٍو أنَّ أبا حَنِيفَةَ رَجَعَ عَنْ قَوْلِهِ هَذا إلى قَوْلِ الجُمْهُورِ. وقالَ مُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ، وابْنُ أبِي نَجِيحٍ: إنَّ الشَّفَقَ هُنا كَأنَّهُ لَمّا عَطَفَ عَلَيْهِ اللَّيْلَ قالَ ذَلِكَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ. انْتَهى. وعَنْ مُجاهِدٍ: هو الشَّمْسُ، وعَنْ عِكْرِمَةَ: ما بَقِيَ مِنَ النَّهارِ ﴿وما وسَقَ﴾ ما ضَمَّ مِنَ الحَيَوانِ وغَيْرِهِ، إذْ جَمِيعُ ذَلِكَ يَنْضَمُّ ويَسْكُنُ في ظُلْمَةِ اللَّيْلِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿وما وسَقَ﴾ أيْ ما غَطّى عَلَيْهِ مِنَ الظُّلْمَةِ. وقالَ مُجاهِدٌ: وما ضَمَّ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: وما ساقَ وحَمَلَ. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: وما عُمِلَ فِيهِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
فَيَوْمًا تَرانا صالِحِينَ وتارَةً تَقُومُ بِنا كالواسِقِ المُتَلَبِّبِ
وقالَ ابْنُ الفَضْلِ: لَفَّ كُلُّ أحَدٍ إلى اللَّهِ، أيْ سَكَنَ الخَلْقُ إلَيْهِ ورَجَعَ كُلٌّ إلى ما رَآهُ لِقَوْلِهِ: ﴿لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ [يونس: ٦٧] وقَرَأ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والأسْوَدُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، ومَسْرُوقٌ، والشَّعْبِيُّ، وأبُو العالِيَةِ، وابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ، وعِيسى والأخَوانِ وابْنُ كَثِيرٍ: بِتاءِ الخِطابِ وفَتْحِ الباءِ، فَقِيلَ: خِطابٌ لِلرَّسُولِ ﷺ، أيْ حالًا بَعْدَ حالٍ مِن مُعالَجَةِ الكُفّارِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: سَماءٌ بَعْدَ سَماءٍ في الإسْراءِ، وقِيلَ: عِدَةٌ بِالنَّصْرِ، أيْ لَتَرْكَبُنَّ أمْرَ العَرَبِ قَبِيلًا بَعْدَ قَبِيلٍ وفَتْحًا بَعْدَ فَتْحٍ كَما كانَ ووُجِدَ بَعْدَ ذَلِكَ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقُرِئَ (لَتَرْكَبَنَّ) عَلى خِطابِ الإنْسانِ في ﴿ياأيُّها الإنْسانُ﴾ [الإنشقاق: ٦] وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ المَعْنى: لَتَرْكَبُنَّ السَّماءَ في أهْوالِ القِيامَةِ حالًا بَعْدَ حالٍ، تَكُونُ كالمُهْلِ، وكالدِّهانِ وتَنْفَطِرُ وتَنْشَقُّ، فالتّاءُ لِلتَّأْنِيثِ، وهو إخْبارٌ عَنِ السَّماءِ بِما يَحْدُثُ لَها، والضَّمِيرُ الفاعِلُ عائِدٌ عَلى السَّماءِ، وقَرَأ عُمَرُ، وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: بِالياءِ مِن أسْفَلَ وفَتْحِ الباءِ عَلى ذِكْرِ الغائِبِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَعْنِي نَبِيَّكم، ﷺ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ الغائِبُ يَعُودُ عَلى القَمَرِ؛ لِأنَّهُ يَتَغَيَّرُ أحْوالًا مِن إسْرارٍ واسْتِهْلالٍ وإبْدارٍ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَيَرْكَبَنَّ الإنْسانُ، وقَرَأ عُمَرُ، وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا وأبُو جَعْفَرٍ، والحَسَنُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ، والأعْمَشُ وباقِي السَّبْعَةِ: بِتاءِ الخِطابِ وضَمِّ الباءِ، أيْ لَتَرْكَبَنَّ أيُّها الإنْسانُ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولَتَرْكَبُنَّ بِالضَّمِّ عَلى خِطابِ الجِنْسِ، لِأنَّ النِّداءَ لِلْجِنْسِ، فالمَعْنى: لَتَرْكَبُنَّ الشَّدائِدَ: المَوْتَ والبَعْثَ والحِسابَ حالًا بَعْدَ حالٍ، أوْ يَكُونُ الأحْوالُ مِنَ النُّطْفَةِ إلى الهِرَمِ، كَما تَقُولُ: طَبَقَةٌ بَعْدَ طَبَقَةٍ، قالَ نَحْوَهُ عِكْرِمَةُ، وقِيلَ: عَنْ تَجِيءُ بِمَعْنى بَعْدَ، وقِيلَ: المَعْنى لَتَرْكَبُنَّ هَذِهِ الأحْوالَ أُمَّةً بَعْدَ أُمَّةٍ، ومِنهُ قَوْلُ العَبّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ في رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ:(p-٤٤٨)
؎وأنْتَ لَمّا وُلِدْتَ أشْرَقَتِ الأرْضُ وضاءَتْ بِنُورِكَ الأُفُقُ
؎تُنْقَلُ مِن صالِبٍ إلى رَحِمٍ ∗∗∗ إذا مَضى عالَمٌ بَدا طَبَقُ
وقالَ مَكْحُولٌ وأبُو عُبَيْدَةَ: المَعْنى لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَن قَبْلَكم، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: المَعْنى لَتَرْكَبُنَّ الآخِرَةَ بَعْدَ الأُولى، وقَرَأ عُمَرُ أيْضًا: لَيَرْكَبُنَّ بِياءِ الغَيْبَةِ وضَمِّ الباءِ، قِيلَ: أرادَ بِهِ الكُفّارَ لا بَيانَ تَوْبِيخِهِمْ بَعْدَهُ، أيْ يَرْكَبُونَ حالًا بَعْدَ أُخْرى مِنَ المَذَلَّةِ والهَوانِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ: (لَتِرْكَبُنَّ) بِكَسْرِ التّاءِ، وهي لُغَةُ تَمِيمٍ، قِيلَ: والخِطابُ لِلرَّسُولِ ﷺ، وقُرِئَ بِالتّاءِ وكَسْرِ الباءِ عَلى خِطابِ النَّفْسِ، وطَبَقَ الشَّيْءُ مُطابَقَةً لِأنَّ كُلَّ حالٍ مُطابِقَةٌ لِلْأُخْرى في الشِّدَّةِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ اسْمَ جِنْسٍ واحِدَةَ طَبَقَةٍ، وهي المَرْتَبَةُ مِن قَوْلِهِمْ: هم عَلى طَبَقاتٍ، و﴿عَنْ طَبَقٍ﴾ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِقَوْلِهِ: (طَبَقًا) أوْ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في (لَتَرْكَبُنَّ) .
وعَنْ مَكْحُولٍ، كُلُّ عِشْرِينَ عامًا تَجِدُونَ أمْرًا لَمْ تَكُونُوا عَلَيْهِ ﴿فَما لَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾: تَعَجُّبٌ مِنَ انْتِفاءِ إيمانِهِمْ وقَدْ وضَحَتِ الدَّلائِلُ.
﴿لا يَسْجُدُونَ﴾ لا يَتَواضَعُونَ ويَخْضَعُونَ، قالَهُ قَتادَةُ، وقالَ عِكْرِمَةُ: لا يُباشِرُونَ بِجِباهِهِمُ المُصَلّى، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: لا يُصَلُّونَ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يُكَذِّبُونَ) مُشَدَّدًا، والضَّحّاكُ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: مُخَفَّفًا وبِفَتْحِ الياءِ.
﴿بِما يُوعُونَ﴾ بِما يَجْمَعُونَ مِنَ الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ، كَأنَّهم يَجْعَلُونَهُ في أوْعِيَةٍ، وعَيْتُ العِلْمَ وأوْعَيْتُ المَتاعَ، قالَ نَحْوَهُ ابْنُ زَيْدٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بِما تُضْمِرُونَ مِن عَداوَةِ الرَّسُولِ ﷺ، والمُؤْمِنِينَ، وقالَ مُجاهِدٌ: بِما يَكْتُمُونَ مِن أفْعالِهِمْ، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ: بِما يَعُونَ، مِن وعى يَعِي.
﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ سَبَقَ لَهم في عِلْمِهِ أنَّهم يُؤْمِنُونَ.
﴿غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ غَيْرُ مَقْطُوعٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (مَمْنُونٍ) مُعَدَّدٍ عَلَيْهِمْ، مَحْسُوبٍ مُنَغَّصٍ بِالمَنِّ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ذَلِكَ في فُصِّلَتْ، واللَّهُ المُوَفِّقُ.
الانشقاق 84:17
﴿إنَّهُ كانَ في أهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ أيْ فَرِحًا بَطِرًا مُتْرَفًا لا يَعْرِفُ اللَّهَ ولا يُفَكِّرُ في عاقِبَتِهِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تَفْرَحْ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الفَرِحِينَ﴾ [القصص: ٧٦] بِخِلافِ المُؤْمِنِ، فَإنَّهُ حَزِينٌ مُكْتَئِبٌ يَتَفَكَّرُ في الآخِرَةِ ﴿إنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ﴾ أيْ أنْ لَنْ يَرْجِعَ إلى اللَّهِ، وهَذا تَكْذِيبٌ بِالبَعْثِ (بَلى) إيجابٌ بَعْدَ النَّفْيِ، أيْ بَلى لَيَحُورَنَّ ﴿إنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيرًا﴾ أيْ لا تَخْفى عَلَيْهِ أفْعالُهُ، فَلا بُدَّ مِن حَوْرِهِ ومُجازاتِهِ.
﴿فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ﴾ أقْسَمَ تَعالى بِمَخْلُوقاتِهِ تَشْرِيفًا لَها وتَعْرِيضًا لِلِاعْتِبارِ بِها، والشَّفَقُ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ. وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ، وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، وأبُو حَنِيفَةَ: هو البَياضُ الَّذِي يَتْلُوهُ الحُمْرَةُ. ورَوى أسَدُ بْنُ عَمْرٍو أنَّ أبا حَنِيفَةَ رَجَعَ عَنْ قَوْلِهِ هَذا إلى قَوْلِ الجُمْهُورِ. وقالَ مُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ، وابْنُ أبِي نَجِيحٍ: إنَّ الشَّفَقَ هُنا كَأنَّهُ لَمّا عَطَفَ عَلَيْهِ اللَّيْلَ قالَ ذَلِكَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ. انْتَهى. وعَنْ مُجاهِدٍ: هو الشَّمْسُ، وعَنْ عِكْرِمَةَ: ما بَقِيَ مِنَ النَّهارِ ﴿وما وسَقَ﴾ ما ضَمَّ مِنَ الحَيَوانِ وغَيْرِهِ، إذْ جَمِيعُ ذَلِكَ يَنْضَمُّ ويَسْكُنُ في ظُلْمَةِ اللَّيْلِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿وما وسَقَ﴾ أيْ ما غَطّى عَلَيْهِ مِنَ الظُّلْمَةِ. وقالَ مُجاهِدٌ: وما ضَمَّ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: وما ساقَ وحَمَلَ. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: وما عُمِلَ فِيهِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
فَيَوْمًا تَرانا صالِحِينَ وتارَةً تَقُومُ بِنا كالواسِقِ المُتَلَبِّبِ
وقالَ ابْنُ الفَضْلِ: لَفَّ كُلُّ أحَدٍ إلى اللَّهِ، أيْ سَكَنَ الخَلْقُ إلَيْهِ ورَجَعَ كُلٌّ إلى ما رَآهُ لِقَوْلِهِ: ﴿لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ [يونس: ٦٧] وقَرَأ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والأسْوَدُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، ومَسْرُوقٌ، والشَّعْبِيُّ، وأبُو العالِيَةِ، وابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ، وعِيسى والأخَوانِ وابْنُ كَثِيرٍ: بِتاءِ الخِطابِ وفَتْحِ الباءِ، فَقِيلَ: خِطابٌ لِلرَّسُولِ ﷺ، أيْ حالًا بَعْدَ حالٍ مِن مُعالَجَةِ الكُفّارِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: سَماءٌ بَعْدَ سَماءٍ في الإسْراءِ، وقِيلَ: عِدَةٌ بِالنَّصْرِ، أيْ لَتَرْكَبُنَّ أمْرَ العَرَبِ قَبِيلًا بَعْدَ قَبِيلٍ وفَتْحًا بَعْدَ فَتْحٍ كَما كانَ ووُجِدَ بَعْدَ ذَلِكَ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقُرِئَ (لَتَرْكَبَنَّ) عَلى خِطابِ الإنْسانِ في ﴿ياأيُّها الإنْسانُ﴾ [الإنشقاق: ٦] وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ المَعْنى: لَتَرْكَبُنَّ السَّماءَ في أهْوالِ القِيامَةِ حالًا بَعْدَ حالٍ، تَكُونُ كالمُهْلِ، وكالدِّهانِ وتَنْفَطِرُ وتَنْشَقُّ، فالتّاءُ لِلتَّأْنِيثِ، وهو إخْبارٌ عَنِ السَّماءِ بِما يَحْدُثُ لَها، والضَّمِيرُ الفاعِلُ عائِدٌ عَلى السَّماءِ، وقَرَأ عُمَرُ، وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: بِالياءِ مِن أسْفَلَ وفَتْحِ الباءِ عَلى ذِكْرِ الغائِبِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَعْنِي نَبِيَّكم، ﷺ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ الغائِبُ يَعُودُ عَلى القَمَرِ؛ لِأنَّهُ يَتَغَيَّرُ أحْوالًا مِن إسْرارٍ واسْتِهْلالٍ وإبْدارٍ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَيَرْكَبَنَّ الإنْسانُ، وقَرَأ عُمَرُ، وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا وأبُو جَعْفَرٍ، والحَسَنُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ، والأعْمَشُ وباقِي السَّبْعَةِ: بِتاءِ الخِطابِ وضَمِّ الباءِ، أيْ لَتَرْكَبَنَّ أيُّها الإنْسانُ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولَتَرْكَبُنَّ بِالضَّمِّ عَلى خِطابِ الجِنْسِ، لِأنَّ النِّداءَ لِلْجِنْسِ، فالمَعْنى: لَتَرْكَبُنَّ الشَّدائِدَ: المَوْتَ والبَعْثَ والحِسابَ حالًا بَعْدَ حالٍ، أوْ يَكُونُ الأحْوالُ مِنَ النُّطْفَةِ إلى الهِرَمِ، كَما تَقُولُ: طَبَقَةٌ بَعْدَ طَبَقَةٍ، قالَ نَحْوَهُ عِكْرِمَةُ، وقِيلَ: عَنْ تَجِيءُ بِمَعْنى بَعْدَ، وقِيلَ: المَعْنى لَتَرْكَبُنَّ هَذِهِ الأحْوالَ أُمَّةً بَعْدَ أُمَّةٍ، ومِنهُ قَوْلُ العَبّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ في رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ:(p-٤٤٨)
؎وأنْتَ لَمّا وُلِدْتَ أشْرَقَتِ الأرْضُ وضاءَتْ بِنُورِكَ الأُفُقُ
؎تُنْقَلُ مِن صالِبٍ إلى رَحِمٍ ∗∗∗ إذا مَضى عالَمٌ بَدا طَبَقُ
وقالَ مَكْحُولٌ وأبُو عُبَيْدَةَ: المَعْنى لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَن قَبْلَكم، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: المَعْنى لَتَرْكَبُنَّ الآخِرَةَ بَعْدَ الأُولى، وقَرَأ عُمَرُ أيْضًا: لَيَرْكَبُنَّ بِياءِ الغَيْبَةِ وضَمِّ الباءِ، قِيلَ: أرادَ بِهِ الكُفّارَ لا بَيانَ تَوْبِيخِهِمْ بَعْدَهُ، أيْ يَرْكَبُونَ حالًا بَعْدَ أُخْرى مِنَ المَذَلَّةِ والهَوانِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ: (لَتِرْكَبُنَّ) بِكَسْرِ التّاءِ، وهي لُغَةُ تَمِيمٍ، قِيلَ: والخِطابُ لِلرَّسُولِ ﷺ، وقُرِئَ بِالتّاءِ وكَسْرِ الباءِ عَلى خِطابِ النَّفْسِ، وطَبَقَ الشَّيْءُ مُطابَقَةً لِأنَّ كُلَّ حالٍ مُطابِقَةٌ لِلْأُخْرى في الشِّدَّةِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ اسْمَ جِنْسٍ واحِدَةَ طَبَقَةٍ، وهي المَرْتَبَةُ مِن قَوْلِهِمْ: هم عَلى طَبَقاتٍ، و﴿عَنْ طَبَقٍ﴾ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِقَوْلِهِ: (طَبَقًا) أوْ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في (لَتَرْكَبُنَّ) .
وعَنْ مَكْحُولٍ، كُلُّ عِشْرِينَ عامًا تَجِدُونَ أمْرًا لَمْ تَكُونُوا عَلَيْهِ ﴿فَما لَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾: تَعَجُّبٌ مِنَ انْتِفاءِ إيمانِهِمْ وقَدْ وضَحَتِ الدَّلائِلُ.
﴿لا يَسْجُدُونَ﴾ لا يَتَواضَعُونَ ويَخْضَعُونَ، قالَهُ قَتادَةُ، وقالَ عِكْرِمَةُ: لا يُباشِرُونَ بِجِباهِهِمُ المُصَلّى، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: لا يُصَلُّونَ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يُكَذِّبُونَ) مُشَدَّدًا، والضَّحّاكُ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: مُخَفَّفًا وبِفَتْحِ الياءِ.
﴿بِما يُوعُونَ﴾ بِما يَجْمَعُونَ مِنَ الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ، كَأنَّهم يَجْعَلُونَهُ في أوْعِيَةٍ، وعَيْتُ العِلْمَ وأوْعَيْتُ المَتاعَ، قالَ نَحْوَهُ ابْنُ زَيْدٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بِما تُضْمِرُونَ مِن عَداوَةِ الرَّسُولِ ﷺ، والمُؤْمِنِينَ، وقالَ مُجاهِدٌ: بِما يَكْتُمُونَ مِن أفْعالِهِمْ، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ: بِما يَعُونَ، مِن وعى يَعِي.
﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ سَبَقَ لَهم في عِلْمِهِ أنَّهم يُؤْمِنُونَ.
﴿غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ غَيْرُ مَقْطُوعٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (مَمْنُونٍ) مُعَدَّدٍ عَلَيْهِمْ، مَحْسُوبٍ مُنَغَّصٍ بِالمَنِّ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ذَلِكَ في فُصِّلَتْ، واللَّهُ المُوَفِّقُ.
الانشقاق 84:18
﴿إنَّهُ كانَ في أهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ أيْ فَرِحًا بَطِرًا مُتْرَفًا لا يَعْرِفُ اللَّهَ ولا يُفَكِّرُ في عاقِبَتِهِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تَفْرَحْ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الفَرِحِينَ﴾ [القصص: ٧٦] بِخِلافِ المُؤْمِنِ، فَإنَّهُ حَزِينٌ مُكْتَئِبٌ يَتَفَكَّرُ في الآخِرَةِ ﴿إنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ﴾ أيْ أنْ لَنْ يَرْجِعَ إلى اللَّهِ، وهَذا تَكْذِيبٌ بِالبَعْثِ (بَلى) إيجابٌ بَعْدَ النَّفْيِ، أيْ بَلى لَيَحُورَنَّ ﴿إنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيرًا﴾ أيْ لا تَخْفى عَلَيْهِ أفْعالُهُ، فَلا بُدَّ مِن حَوْرِهِ ومُجازاتِهِ.
﴿فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ﴾ أقْسَمَ تَعالى بِمَخْلُوقاتِهِ تَشْرِيفًا لَها وتَعْرِيضًا لِلِاعْتِبارِ بِها، والشَّفَقُ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ. وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ، وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، وأبُو حَنِيفَةَ: هو البَياضُ الَّذِي يَتْلُوهُ الحُمْرَةُ. ورَوى أسَدُ بْنُ عَمْرٍو أنَّ أبا حَنِيفَةَ رَجَعَ عَنْ قَوْلِهِ هَذا إلى قَوْلِ الجُمْهُورِ. وقالَ مُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ، وابْنُ أبِي نَجِيحٍ: إنَّ الشَّفَقَ هُنا كَأنَّهُ لَمّا عَطَفَ عَلَيْهِ اللَّيْلَ قالَ ذَلِكَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ. انْتَهى. وعَنْ مُجاهِدٍ: هو الشَّمْسُ، وعَنْ عِكْرِمَةَ: ما بَقِيَ مِنَ النَّهارِ ﴿وما وسَقَ﴾ ما ضَمَّ مِنَ الحَيَوانِ وغَيْرِهِ، إذْ جَمِيعُ ذَلِكَ يَنْضَمُّ ويَسْكُنُ في ظُلْمَةِ اللَّيْلِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿وما وسَقَ﴾ أيْ ما غَطّى عَلَيْهِ مِنَ الظُّلْمَةِ. وقالَ مُجاهِدٌ: وما ضَمَّ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: وما ساقَ وحَمَلَ. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: وما عُمِلَ فِيهِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
فَيَوْمًا تَرانا صالِحِينَ وتارَةً تَقُومُ بِنا كالواسِقِ المُتَلَبِّبِ
وقالَ ابْنُ الفَضْلِ: لَفَّ كُلُّ أحَدٍ إلى اللَّهِ، أيْ سَكَنَ الخَلْقُ إلَيْهِ ورَجَعَ كُلٌّ إلى ما رَآهُ لِقَوْلِهِ: ﴿لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ [يونس: ٦٧] وقَرَأ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والأسْوَدُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، ومَسْرُوقٌ، والشَّعْبِيُّ، وأبُو العالِيَةِ، وابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ، وعِيسى والأخَوانِ وابْنُ كَثِيرٍ: بِتاءِ الخِطابِ وفَتْحِ الباءِ، فَقِيلَ: خِطابٌ لِلرَّسُولِ ﷺ، أيْ حالًا بَعْدَ حالٍ مِن مُعالَجَةِ الكُفّارِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: سَماءٌ بَعْدَ سَماءٍ في الإسْراءِ، وقِيلَ: عِدَةٌ بِالنَّصْرِ، أيْ لَتَرْكَبُنَّ أمْرَ العَرَبِ قَبِيلًا بَعْدَ قَبِيلٍ وفَتْحًا بَعْدَ فَتْحٍ كَما كانَ ووُجِدَ بَعْدَ ذَلِكَ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقُرِئَ (لَتَرْكَبَنَّ) عَلى خِطابِ الإنْسانِ في ﴿ياأيُّها الإنْسانُ﴾ [الإنشقاق: ٦] وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ المَعْنى: لَتَرْكَبُنَّ السَّماءَ في أهْوالِ القِيامَةِ حالًا بَعْدَ حالٍ، تَكُونُ كالمُهْلِ، وكالدِّهانِ وتَنْفَطِرُ وتَنْشَقُّ، فالتّاءُ لِلتَّأْنِيثِ، وهو إخْبارٌ عَنِ السَّماءِ بِما يَحْدُثُ لَها، والضَّمِيرُ الفاعِلُ عائِدٌ عَلى السَّماءِ، وقَرَأ عُمَرُ، وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: بِالياءِ مِن أسْفَلَ وفَتْحِ الباءِ عَلى ذِكْرِ الغائِبِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَعْنِي نَبِيَّكم، ﷺ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ الغائِبُ يَعُودُ عَلى القَمَرِ؛ لِأنَّهُ يَتَغَيَّرُ أحْوالًا مِن إسْرارٍ واسْتِهْلالٍ وإبْدارٍ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَيَرْكَبَنَّ الإنْسانُ، وقَرَأ عُمَرُ، وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا وأبُو جَعْفَرٍ، والحَسَنُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ، والأعْمَشُ وباقِي السَّبْعَةِ: بِتاءِ الخِطابِ وضَمِّ الباءِ، أيْ لَتَرْكَبَنَّ أيُّها الإنْسانُ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولَتَرْكَبُنَّ بِالضَّمِّ عَلى خِطابِ الجِنْسِ، لِأنَّ النِّداءَ لِلْجِنْسِ، فالمَعْنى: لَتَرْكَبُنَّ الشَّدائِدَ: المَوْتَ والبَعْثَ والحِسابَ حالًا بَعْدَ حالٍ، أوْ يَكُونُ الأحْوالُ مِنَ النُّطْفَةِ إلى الهِرَمِ، كَما تَقُولُ: طَبَقَةٌ بَعْدَ طَبَقَةٍ، قالَ نَحْوَهُ عِكْرِمَةُ، وقِيلَ: عَنْ تَجِيءُ بِمَعْنى بَعْدَ، وقِيلَ: المَعْنى لَتَرْكَبُنَّ هَذِهِ الأحْوالَ أُمَّةً بَعْدَ أُمَّةٍ، ومِنهُ قَوْلُ العَبّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ في رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ:(p-٤٤٨)
؎وأنْتَ لَمّا وُلِدْتَ أشْرَقَتِ الأرْضُ وضاءَتْ بِنُورِكَ الأُفُقُ
؎تُنْقَلُ مِن صالِبٍ إلى رَحِمٍ ∗∗∗ إذا مَضى عالَمٌ بَدا طَبَقُ
وقالَ مَكْحُولٌ وأبُو عُبَيْدَةَ: المَعْنى لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَن قَبْلَكم، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: المَعْنى لَتَرْكَبُنَّ الآخِرَةَ بَعْدَ الأُولى، وقَرَأ عُمَرُ أيْضًا: لَيَرْكَبُنَّ بِياءِ الغَيْبَةِ وضَمِّ الباءِ، قِيلَ: أرادَ بِهِ الكُفّارَ لا بَيانَ تَوْبِيخِهِمْ بَعْدَهُ، أيْ يَرْكَبُونَ حالًا بَعْدَ أُخْرى مِنَ المَذَلَّةِ والهَوانِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ: (لَتِرْكَبُنَّ) بِكَسْرِ التّاءِ، وهي لُغَةُ تَمِيمٍ، قِيلَ: والخِطابُ لِلرَّسُولِ ﷺ، وقُرِئَ بِالتّاءِ وكَسْرِ الباءِ عَلى خِطابِ النَّفْسِ، وطَبَقَ الشَّيْءُ مُطابَقَةً لِأنَّ كُلَّ حالٍ مُطابِقَةٌ لِلْأُخْرى في الشِّدَّةِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ اسْمَ جِنْسٍ واحِدَةَ طَبَقَةٍ، وهي المَرْتَبَةُ مِن قَوْلِهِمْ: هم عَلى طَبَقاتٍ، و﴿عَنْ طَبَقٍ﴾ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِقَوْلِهِ: (طَبَقًا) أوْ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في (لَتَرْكَبُنَّ) .
وعَنْ مَكْحُولٍ، كُلُّ عِشْرِينَ عامًا تَجِدُونَ أمْرًا لَمْ تَكُونُوا عَلَيْهِ ﴿فَما لَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾: تَعَجُّبٌ مِنَ انْتِفاءِ إيمانِهِمْ وقَدْ وضَحَتِ الدَّلائِلُ.
﴿لا يَسْجُدُونَ﴾ لا يَتَواضَعُونَ ويَخْضَعُونَ، قالَهُ قَتادَةُ، وقالَ عِكْرِمَةُ: لا يُباشِرُونَ بِجِباهِهِمُ المُصَلّى، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: لا يُصَلُّونَ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يُكَذِّبُونَ) مُشَدَّدًا، والضَّحّاكُ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: مُخَفَّفًا وبِفَتْحِ الياءِ.
﴿بِما يُوعُونَ﴾ بِما يَجْمَعُونَ مِنَ الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ، كَأنَّهم يَجْعَلُونَهُ في أوْعِيَةٍ، وعَيْتُ العِلْمَ وأوْعَيْتُ المَتاعَ، قالَ نَحْوَهُ ابْنُ زَيْدٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بِما تُضْمِرُونَ مِن عَداوَةِ الرَّسُولِ ﷺ، والمُؤْمِنِينَ، وقالَ مُجاهِدٌ: بِما يَكْتُمُونَ مِن أفْعالِهِمْ، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ: بِما يَعُونَ، مِن وعى يَعِي.
﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ سَبَقَ لَهم في عِلْمِهِ أنَّهم يُؤْمِنُونَ.
﴿غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ غَيْرُ مَقْطُوعٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (مَمْنُونٍ) مُعَدَّدٍ عَلَيْهِمْ، مَحْسُوبٍ مُنَغَّصٍ بِالمَنِّ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ذَلِكَ في فُصِّلَتْ، واللَّهُ المُوَفِّقُ.
الانشقاق 84:19
﴿إنَّهُ كانَ في أهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ أيْ فَرِحًا بَطِرًا مُتْرَفًا لا يَعْرِفُ اللَّهَ ولا يُفَكِّرُ في عاقِبَتِهِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تَفْرَحْ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الفَرِحِينَ﴾ [القصص: ٧٦] بِخِلافِ المُؤْمِنِ، فَإنَّهُ حَزِينٌ مُكْتَئِبٌ يَتَفَكَّرُ في الآخِرَةِ ﴿إنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ﴾ أيْ أنْ لَنْ يَرْجِعَ إلى اللَّهِ، وهَذا تَكْذِيبٌ بِالبَعْثِ (بَلى) إيجابٌ بَعْدَ النَّفْيِ، أيْ بَلى لَيَحُورَنَّ ﴿إنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيرًا﴾ أيْ لا تَخْفى عَلَيْهِ أفْعالُهُ، فَلا بُدَّ مِن حَوْرِهِ ومُجازاتِهِ.
﴿فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ﴾ أقْسَمَ تَعالى بِمَخْلُوقاتِهِ تَشْرِيفًا لَها وتَعْرِيضًا لِلِاعْتِبارِ بِها، والشَّفَقُ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ. وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ، وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، وأبُو حَنِيفَةَ: هو البَياضُ الَّذِي يَتْلُوهُ الحُمْرَةُ. ورَوى أسَدُ بْنُ عَمْرٍو أنَّ أبا حَنِيفَةَ رَجَعَ عَنْ قَوْلِهِ هَذا إلى قَوْلِ الجُمْهُورِ. وقالَ مُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ، وابْنُ أبِي نَجِيحٍ: إنَّ الشَّفَقَ هُنا كَأنَّهُ لَمّا عَطَفَ عَلَيْهِ اللَّيْلَ قالَ ذَلِكَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ. انْتَهى. وعَنْ مُجاهِدٍ: هو الشَّمْسُ، وعَنْ عِكْرِمَةَ: ما بَقِيَ مِنَ النَّهارِ ﴿وما وسَقَ﴾ ما ضَمَّ مِنَ الحَيَوانِ وغَيْرِهِ، إذْ جَمِيعُ ذَلِكَ يَنْضَمُّ ويَسْكُنُ في ظُلْمَةِ اللَّيْلِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿وما وسَقَ﴾ أيْ ما غَطّى عَلَيْهِ مِنَ الظُّلْمَةِ. وقالَ مُجاهِدٌ: وما ضَمَّ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: وما ساقَ وحَمَلَ. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: وما عُمِلَ فِيهِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
فَيَوْمًا تَرانا صالِحِينَ وتارَةً تَقُومُ بِنا كالواسِقِ المُتَلَبِّبِ
وقالَ ابْنُ الفَضْلِ: لَفَّ كُلُّ أحَدٍ إلى اللَّهِ، أيْ سَكَنَ الخَلْقُ إلَيْهِ ورَجَعَ كُلٌّ إلى ما رَآهُ لِقَوْلِهِ: ﴿لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ [يونس: ٦٧] وقَرَأ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والأسْوَدُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، ومَسْرُوقٌ، والشَّعْبِيُّ، وأبُو العالِيَةِ، وابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ، وعِيسى والأخَوانِ وابْنُ كَثِيرٍ: بِتاءِ الخِطابِ وفَتْحِ الباءِ، فَقِيلَ: خِطابٌ لِلرَّسُولِ ﷺ، أيْ حالًا بَعْدَ حالٍ مِن مُعالَجَةِ الكُفّارِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: سَماءٌ بَعْدَ سَماءٍ في الإسْراءِ، وقِيلَ: عِدَةٌ بِالنَّصْرِ، أيْ لَتَرْكَبُنَّ أمْرَ العَرَبِ قَبِيلًا بَعْدَ قَبِيلٍ وفَتْحًا بَعْدَ فَتْحٍ كَما كانَ ووُجِدَ بَعْدَ ذَلِكَ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقُرِئَ (لَتَرْكَبَنَّ) عَلى خِطابِ الإنْسانِ في ﴿ياأيُّها الإنْسانُ﴾ [الإنشقاق: ٦] وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ المَعْنى: لَتَرْكَبُنَّ السَّماءَ في أهْوالِ القِيامَةِ حالًا بَعْدَ حالٍ، تَكُونُ كالمُهْلِ، وكالدِّهانِ وتَنْفَطِرُ وتَنْشَقُّ، فالتّاءُ لِلتَّأْنِيثِ، وهو إخْبارٌ عَنِ السَّماءِ بِما يَحْدُثُ لَها، والضَّمِيرُ الفاعِلُ عائِدٌ عَلى السَّماءِ، وقَرَأ عُمَرُ، وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: بِالياءِ مِن أسْفَلَ وفَتْحِ الباءِ عَلى ذِكْرِ الغائِبِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَعْنِي نَبِيَّكم، ﷺ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ الغائِبُ يَعُودُ عَلى القَمَرِ؛ لِأنَّهُ يَتَغَيَّرُ أحْوالًا مِن إسْرارٍ واسْتِهْلالٍ وإبْدارٍ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَيَرْكَبَنَّ الإنْسانُ، وقَرَأ عُمَرُ، وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا وأبُو جَعْفَرٍ، والحَسَنُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ، والأعْمَشُ وباقِي السَّبْعَةِ: بِتاءِ الخِطابِ وضَمِّ الباءِ، أيْ لَتَرْكَبَنَّ أيُّها الإنْسانُ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولَتَرْكَبُنَّ بِالضَّمِّ عَلى خِطابِ الجِنْسِ، لِأنَّ النِّداءَ لِلْجِنْسِ، فالمَعْنى: لَتَرْكَبُنَّ الشَّدائِدَ: المَوْتَ والبَعْثَ والحِسابَ حالًا بَعْدَ حالٍ، أوْ يَكُونُ الأحْوالُ مِنَ النُّطْفَةِ إلى الهِرَمِ، كَما تَقُولُ: طَبَقَةٌ بَعْدَ طَبَقَةٍ، قالَ نَحْوَهُ عِكْرِمَةُ، وقِيلَ: عَنْ تَجِيءُ بِمَعْنى بَعْدَ، وقِيلَ: المَعْنى لَتَرْكَبُنَّ هَذِهِ الأحْوالَ أُمَّةً بَعْدَ أُمَّةٍ، ومِنهُ قَوْلُ العَبّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ في رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ:(p-٤٤٨)
؎وأنْتَ لَمّا وُلِدْتَ أشْرَقَتِ الأرْضُ وضاءَتْ بِنُورِكَ الأُفُقُ
؎تُنْقَلُ مِن صالِبٍ إلى رَحِمٍ ∗∗∗ إذا مَضى عالَمٌ بَدا طَبَقُ
وقالَ مَكْحُولٌ وأبُو عُبَيْدَةَ: المَعْنى لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَن قَبْلَكم، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: المَعْنى لَتَرْكَبُنَّ الآخِرَةَ بَعْدَ الأُولى، وقَرَأ عُمَرُ أيْضًا: لَيَرْكَبُنَّ بِياءِ الغَيْبَةِ وضَمِّ الباءِ، قِيلَ: أرادَ بِهِ الكُفّارَ لا بَيانَ تَوْبِيخِهِمْ بَعْدَهُ، أيْ يَرْكَبُونَ حالًا بَعْدَ أُخْرى مِنَ المَذَلَّةِ والهَوانِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ: (لَتِرْكَبُنَّ) بِكَسْرِ التّاءِ، وهي لُغَةُ تَمِيمٍ، قِيلَ: والخِطابُ لِلرَّسُولِ ﷺ، وقُرِئَ بِالتّاءِ وكَسْرِ الباءِ عَلى خِطابِ النَّفْسِ، وطَبَقَ الشَّيْءُ مُطابَقَةً لِأنَّ كُلَّ حالٍ مُطابِقَةٌ لِلْأُخْرى في الشِّدَّةِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ اسْمَ جِنْسٍ واحِدَةَ طَبَقَةٍ، وهي المَرْتَبَةُ مِن قَوْلِهِمْ: هم عَلى طَبَقاتٍ، و﴿عَنْ طَبَقٍ﴾ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِقَوْلِهِ: (طَبَقًا) أوْ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في (لَتَرْكَبُنَّ) .
وعَنْ مَكْحُولٍ، كُلُّ عِشْرِينَ عامًا تَجِدُونَ أمْرًا لَمْ تَكُونُوا عَلَيْهِ ﴿فَما لَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾: تَعَجُّبٌ مِنَ انْتِفاءِ إيمانِهِمْ وقَدْ وضَحَتِ الدَّلائِلُ.
﴿لا يَسْجُدُونَ﴾ لا يَتَواضَعُونَ ويَخْضَعُونَ، قالَهُ قَتادَةُ، وقالَ عِكْرِمَةُ: لا يُباشِرُونَ بِجِباهِهِمُ المُصَلّى، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: لا يُصَلُّونَ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يُكَذِّبُونَ) مُشَدَّدًا، والضَّحّاكُ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: مُخَفَّفًا وبِفَتْحِ الياءِ.
﴿بِما يُوعُونَ﴾ بِما يَجْمَعُونَ مِنَ الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ، كَأنَّهم يَجْعَلُونَهُ في أوْعِيَةٍ، وعَيْتُ العِلْمَ وأوْعَيْتُ المَتاعَ، قالَ نَحْوَهُ ابْنُ زَيْدٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بِما تُضْمِرُونَ مِن عَداوَةِ الرَّسُولِ ﷺ، والمُؤْمِنِينَ، وقالَ مُجاهِدٌ: بِما يَكْتُمُونَ مِن أفْعالِهِمْ، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ: بِما يَعُونَ، مِن وعى يَعِي.
﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ سَبَقَ لَهم في عِلْمِهِ أنَّهم يُؤْمِنُونَ.
﴿غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ غَيْرُ مَقْطُوعٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (مَمْنُونٍ) مُعَدَّدٍ عَلَيْهِمْ، مَحْسُوبٍ مُنَغَّصٍ بِالمَنِّ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ذَلِكَ في فُصِّلَتْ، واللَّهُ المُوَفِّقُ.
الانشقاق 84:20
﴿إنَّهُ كانَ في أهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ أيْ فَرِحًا بَطِرًا مُتْرَفًا لا يَعْرِفُ اللَّهَ ولا يُفَكِّرُ في عاقِبَتِهِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تَفْرَحْ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الفَرِحِينَ﴾ [القصص: ٧٦] بِخِلافِ المُؤْمِنِ، فَإنَّهُ حَزِينٌ مُكْتَئِبٌ يَتَفَكَّرُ في الآخِرَةِ ﴿إنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ﴾ أيْ أنْ لَنْ يَرْجِعَ إلى اللَّهِ، وهَذا تَكْذِيبٌ بِالبَعْثِ (بَلى) إيجابٌ بَعْدَ النَّفْيِ، أيْ بَلى لَيَحُورَنَّ ﴿إنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيرًا﴾ أيْ لا تَخْفى عَلَيْهِ أفْعالُهُ، فَلا بُدَّ مِن حَوْرِهِ ومُجازاتِهِ.
﴿فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ﴾ أقْسَمَ تَعالى بِمَخْلُوقاتِهِ تَشْرِيفًا لَها وتَعْرِيضًا لِلِاعْتِبارِ بِها، والشَّفَقُ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ. وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ، وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، وأبُو حَنِيفَةَ: هو البَياضُ الَّذِي يَتْلُوهُ الحُمْرَةُ. ورَوى أسَدُ بْنُ عَمْرٍو أنَّ أبا حَنِيفَةَ رَجَعَ عَنْ قَوْلِهِ هَذا إلى قَوْلِ الجُمْهُورِ. وقالَ مُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ، وابْنُ أبِي نَجِيحٍ: إنَّ الشَّفَقَ هُنا كَأنَّهُ لَمّا عَطَفَ عَلَيْهِ اللَّيْلَ قالَ ذَلِكَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ. انْتَهى. وعَنْ مُجاهِدٍ: هو الشَّمْسُ، وعَنْ عِكْرِمَةَ: ما بَقِيَ مِنَ النَّهارِ ﴿وما وسَقَ﴾ ما ضَمَّ مِنَ الحَيَوانِ وغَيْرِهِ، إذْ جَمِيعُ ذَلِكَ يَنْضَمُّ ويَسْكُنُ في ظُلْمَةِ اللَّيْلِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿وما وسَقَ﴾ أيْ ما غَطّى عَلَيْهِ مِنَ الظُّلْمَةِ. وقالَ مُجاهِدٌ: وما ضَمَّ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: وما ساقَ وحَمَلَ. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: وما عُمِلَ فِيهِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
فَيَوْمًا تَرانا صالِحِينَ وتارَةً تَقُومُ بِنا كالواسِقِ المُتَلَبِّبِ
وقالَ ابْنُ الفَضْلِ: لَفَّ كُلُّ أحَدٍ إلى اللَّهِ، أيْ سَكَنَ الخَلْقُ إلَيْهِ ورَجَعَ كُلٌّ إلى ما رَآهُ لِقَوْلِهِ: ﴿لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ [يونس: ٦٧] وقَرَأ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والأسْوَدُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، ومَسْرُوقٌ، والشَّعْبِيُّ، وأبُو العالِيَةِ، وابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ، وعِيسى والأخَوانِ وابْنُ كَثِيرٍ: بِتاءِ الخِطابِ وفَتْحِ الباءِ، فَقِيلَ: خِطابٌ لِلرَّسُولِ ﷺ، أيْ حالًا بَعْدَ حالٍ مِن مُعالَجَةِ الكُفّارِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: سَماءٌ بَعْدَ سَماءٍ في الإسْراءِ، وقِيلَ: عِدَةٌ بِالنَّصْرِ، أيْ لَتَرْكَبُنَّ أمْرَ العَرَبِ قَبِيلًا بَعْدَ قَبِيلٍ وفَتْحًا بَعْدَ فَتْحٍ كَما كانَ ووُجِدَ بَعْدَ ذَلِكَ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقُرِئَ (لَتَرْكَبَنَّ) عَلى خِطابِ الإنْسانِ في ﴿ياأيُّها الإنْسانُ﴾ [الإنشقاق: ٦] وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ المَعْنى: لَتَرْكَبُنَّ السَّماءَ في أهْوالِ القِيامَةِ حالًا بَعْدَ حالٍ، تَكُونُ كالمُهْلِ، وكالدِّهانِ وتَنْفَطِرُ وتَنْشَقُّ، فالتّاءُ لِلتَّأْنِيثِ، وهو إخْبارٌ عَنِ السَّماءِ بِما يَحْدُثُ لَها، والضَّمِيرُ الفاعِلُ عائِدٌ عَلى السَّماءِ، وقَرَأ عُمَرُ، وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: بِالياءِ مِن أسْفَلَ وفَتْحِ الباءِ عَلى ذِكْرِ الغائِبِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَعْنِي نَبِيَّكم، ﷺ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ الغائِبُ يَعُودُ عَلى القَمَرِ؛ لِأنَّهُ يَتَغَيَّرُ أحْوالًا مِن إسْرارٍ واسْتِهْلالٍ وإبْدارٍ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَيَرْكَبَنَّ الإنْسانُ، وقَرَأ عُمَرُ، وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا وأبُو جَعْفَرٍ، والحَسَنُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ، والأعْمَشُ وباقِي السَّبْعَةِ: بِتاءِ الخِطابِ وضَمِّ الباءِ، أيْ لَتَرْكَبَنَّ أيُّها الإنْسانُ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولَتَرْكَبُنَّ بِالضَّمِّ عَلى خِطابِ الجِنْسِ، لِأنَّ النِّداءَ لِلْجِنْسِ، فالمَعْنى: لَتَرْكَبُنَّ الشَّدائِدَ: المَوْتَ والبَعْثَ والحِسابَ حالًا بَعْدَ حالٍ، أوْ يَكُونُ الأحْوالُ مِنَ النُّطْفَةِ إلى الهِرَمِ، كَما تَقُولُ: طَبَقَةٌ بَعْدَ طَبَقَةٍ، قالَ نَحْوَهُ عِكْرِمَةُ، وقِيلَ: عَنْ تَجِيءُ بِمَعْنى بَعْدَ، وقِيلَ: المَعْنى لَتَرْكَبُنَّ هَذِهِ الأحْوالَ أُمَّةً بَعْدَ أُمَّةٍ، ومِنهُ قَوْلُ العَبّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ في رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ:(p-٤٤٨)
؎وأنْتَ لَمّا وُلِدْتَ أشْرَقَتِ الأرْضُ وضاءَتْ بِنُورِكَ الأُفُقُ
؎تُنْقَلُ مِن صالِبٍ إلى رَحِمٍ ∗∗∗ إذا مَضى عالَمٌ بَدا طَبَقُ
وقالَ مَكْحُولٌ وأبُو عُبَيْدَةَ: المَعْنى لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَن قَبْلَكم، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: المَعْنى لَتَرْكَبُنَّ الآخِرَةَ بَعْدَ الأُولى، وقَرَأ عُمَرُ أيْضًا: لَيَرْكَبُنَّ بِياءِ الغَيْبَةِ وضَمِّ الباءِ، قِيلَ: أرادَ بِهِ الكُفّارَ لا بَيانَ تَوْبِيخِهِمْ بَعْدَهُ، أيْ يَرْكَبُونَ حالًا بَعْدَ أُخْرى مِنَ المَذَلَّةِ والهَوانِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ: (لَتِرْكَبُنَّ) بِكَسْرِ التّاءِ، وهي لُغَةُ تَمِيمٍ، قِيلَ: والخِطابُ لِلرَّسُولِ ﷺ، وقُرِئَ بِالتّاءِ وكَسْرِ الباءِ عَلى خِطابِ النَّفْسِ، وطَبَقَ الشَّيْءُ مُطابَقَةً لِأنَّ كُلَّ حالٍ مُطابِقَةٌ لِلْأُخْرى في الشِّدَّةِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ اسْمَ جِنْسٍ واحِدَةَ طَبَقَةٍ، وهي المَرْتَبَةُ مِن قَوْلِهِمْ: هم عَلى طَبَقاتٍ، و﴿عَنْ طَبَقٍ﴾ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِقَوْلِهِ: (طَبَقًا) أوْ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في (لَتَرْكَبُنَّ) .
وعَنْ مَكْحُولٍ، كُلُّ عِشْرِينَ عامًا تَجِدُونَ أمْرًا لَمْ تَكُونُوا عَلَيْهِ ﴿فَما لَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾: تَعَجُّبٌ مِنَ انْتِفاءِ إيمانِهِمْ وقَدْ وضَحَتِ الدَّلائِلُ.
﴿لا يَسْجُدُونَ﴾ لا يَتَواضَعُونَ ويَخْضَعُونَ، قالَهُ قَتادَةُ، وقالَ عِكْرِمَةُ: لا يُباشِرُونَ بِجِباهِهِمُ المُصَلّى، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: لا يُصَلُّونَ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يُكَذِّبُونَ) مُشَدَّدًا، والضَّحّاكُ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: مُخَفَّفًا وبِفَتْحِ الياءِ.
﴿بِما يُوعُونَ﴾ بِما يَجْمَعُونَ مِنَ الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ، كَأنَّهم يَجْعَلُونَهُ في أوْعِيَةٍ، وعَيْتُ العِلْمَ وأوْعَيْتُ المَتاعَ، قالَ نَحْوَهُ ابْنُ زَيْدٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بِما تُضْمِرُونَ مِن عَداوَةِ الرَّسُولِ ﷺ، والمُؤْمِنِينَ، وقالَ مُجاهِدٌ: بِما يَكْتُمُونَ مِن أفْعالِهِمْ، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ: بِما يَعُونَ، مِن وعى يَعِي.
﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ سَبَقَ لَهم في عِلْمِهِ أنَّهم يُؤْمِنُونَ.
﴿غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ غَيْرُ مَقْطُوعٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (مَمْنُونٍ) مُعَدَّدٍ عَلَيْهِمْ، مَحْسُوبٍ مُنَغَّصٍ بِالمَنِّ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ذَلِكَ في فُصِّلَتْ، واللَّهُ المُوَفِّقُ.
الانشقاق 84:21
﴿إنَّهُ كانَ في أهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ أيْ فَرِحًا بَطِرًا مُتْرَفًا لا يَعْرِفُ اللَّهَ ولا يُفَكِّرُ في عاقِبَتِهِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تَفْرَحْ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الفَرِحِينَ﴾ [القصص: ٧٦] بِخِلافِ المُؤْمِنِ، فَإنَّهُ حَزِينٌ مُكْتَئِبٌ يَتَفَكَّرُ في الآخِرَةِ ﴿إنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ﴾ أيْ أنْ لَنْ يَرْجِعَ إلى اللَّهِ، وهَذا تَكْذِيبٌ بِالبَعْثِ (بَلى) إيجابٌ بَعْدَ النَّفْيِ، أيْ بَلى لَيَحُورَنَّ ﴿إنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيرًا﴾ أيْ لا تَخْفى عَلَيْهِ أفْعالُهُ، فَلا بُدَّ مِن حَوْرِهِ ومُجازاتِهِ.
﴿فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ﴾ أقْسَمَ تَعالى بِمَخْلُوقاتِهِ تَشْرِيفًا لَها وتَعْرِيضًا لِلِاعْتِبارِ بِها، والشَّفَقُ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ. وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ، وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، وأبُو حَنِيفَةَ: هو البَياضُ الَّذِي يَتْلُوهُ الحُمْرَةُ. ورَوى أسَدُ بْنُ عَمْرٍو أنَّ أبا حَنِيفَةَ رَجَعَ عَنْ قَوْلِهِ هَذا إلى قَوْلِ الجُمْهُورِ. وقالَ مُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ، وابْنُ أبِي نَجِيحٍ: إنَّ الشَّفَقَ هُنا كَأنَّهُ لَمّا عَطَفَ عَلَيْهِ اللَّيْلَ قالَ ذَلِكَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ. انْتَهى. وعَنْ مُجاهِدٍ: هو الشَّمْسُ، وعَنْ عِكْرِمَةَ: ما بَقِيَ مِنَ النَّهارِ ﴿وما وسَقَ﴾ ما ضَمَّ مِنَ الحَيَوانِ وغَيْرِهِ، إذْ جَمِيعُ ذَلِكَ يَنْضَمُّ ويَسْكُنُ في ظُلْمَةِ اللَّيْلِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿وما وسَقَ﴾ أيْ ما غَطّى عَلَيْهِ مِنَ الظُّلْمَةِ. وقالَ مُجاهِدٌ: وما ضَمَّ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: وما ساقَ وحَمَلَ. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: وما عُمِلَ فِيهِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
فَيَوْمًا تَرانا صالِحِينَ وتارَةً تَقُومُ بِنا كالواسِقِ المُتَلَبِّبِ
وقالَ ابْنُ الفَضْلِ: لَفَّ كُلُّ أحَدٍ إلى اللَّهِ، أيْ سَكَنَ الخَلْقُ إلَيْهِ ورَجَعَ كُلٌّ إلى ما رَآهُ لِقَوْلِهِ: ﴿لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ [يونس: ٦٧] وقَرَأ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والأسْوَدُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، ومَسْرُوقٌ، والشَّعْبِيُّ، وأبُو العالِيَةِ، وابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ، وعِيسى والأخَوانِ وابْنُ كَثِيرٍ: بِتاءِ الخِطابِ وفَتْحِ الباءِ، فَقِيلَ: خِطابٌ لِلرَّسُولِ ﷺ، أيْ حالًا بَعْدَ حالٍ مِن مُعالَجَةِ الكُفّارِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: سَماءٌ بَعْدَ سَماءٍ في الإسْراءِ، وقِيلَ: عِدَةٌ بِالنَّصْرِ، أيْ لَتَرْكَبُنَّ أمْرَ العَرَبِ قَبِيلًا بَعْدَ قَبِيلٍ وفَتْحًا بَعْدَ فَتْحٍ كَما كانَ ووُجِدَ بَعْدَ ذَلِكَ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقُرِئَ (لَتَرْكَبَنَّ) عَلى خِطابِ الإنْسانِ في ﴿ياأيُّها الإنْسانُ﴾ [الإنشقاق: ٦] وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ المَعْنى: لَتَرْكَبُنَّ السَّماءَ في أهْوالِ القِيامَةِ حالًا بَعْدَ حالٍ، تَكُونُ كالمُهْلِ، وكالدِّهانِ وتَنْفَطِرُ وتَنْشَقُّ، فالتّاءُ لِلتَّأْنِيثِ، وهو إخْبارٌ عَنِ السَّماءِ بِما يَحْدُثُ لَها، والضَّمِيرُ الفاعِلُ عائِدٌ عَلى السَّماءِ، وقَرَأ عُمَرُ، وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: بِالياءِ مِن أسْفَلَ وفَتْحِ الباءِ عَلى ذِكْرِ الغائِبِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَعْنِي نَبِيَّكم، ﷺ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ الغائِبُ يَعُودُ عَلى القَمَرِ؛ لِأنَّهُ يَتَغَيَّرُ أحْوالًا مِن إسْرارٍ واسْتِهْلالٍ وإبْدارٍ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَيَرْكَبَنَّ الإنْسانُ، وقَرَأ عُمَرُ، وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا وأبُو جَعْفَرٍ، والحَسَنُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ، والأعْمَشُ وباقِي السَّبْعَةِ: بِتاءِ الخِطابِ وضَمِّ الباءِ، أيْ لَتَرْكَبَنَّ أيُّها الإنْسانُ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولَتَرْكَبُنَّ بِالضَّمِّ عَلى خِطابِ الجِنْسِ، لِأنَّ النِّداءَ لِلْجِنْسِ، فالمَعْنى: لَتَرْكَبُنَّ الشَّدائِدَ: المَوْتَ والبَعْثَ والحِسابَ حالًا بَعْدَ حالٍ، أوْ يَكُونُ الأحْوالُ مِنَ النُّطْفَةِ إلى الهِرَمِ، كَما تَقُولُ: طَبَقَةٌ بَعْدَ طَبَقَةٍ، قالَ نَحْوَهُ عِكْرِمَةُ، وقِيلَ: عَنْ تَجِيءُ بِمَعْنى بَعْدَ، وقِيلَ: المَعْنى لَتَرْكَبُنَّ هَذِهِ الأحْوالَ أُمَّةً بَعْدَ أُمَّةٍ، ومِنهُ قَوْلُ العَبّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ في رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ:(p-٤٤٨)
؎وأنْتَ لَمّا وُلِدْتَ أشْرَقَتِ الأرْضُ وضاءَتْ بِنُورِكَ الأُفُقُ
؎تُنْقَلُ مِن صالِبٍ إلى رَحِمٍ ∗∗∗ إذا مَضى عالَمٌ بَدا طَبَقُ
وقالَ مَكْحُولٌ وأبُو عُبَيْدَةَ: المَعْنى لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَن قَبْلَكم، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: المَعْنى لَتَرْكَبُنَّ الآخِرَةَ بَعْدَ الأُولى، وقَرَأ عُمَرُ أيْضًا: لَيَرْكَبُنَّ بِياءِ الغَيْبَةِ وضَمِّ الباءِ، قِيلَ: أرادَ بِهِ الكُفّارَ لا بَيانَ تَوْبِيخِهِمْ بَعْدَهُ، أيْ يَرْكَبُونَ حالًا بَعْدَ أُخْرى مِنَ المَذَلَّةِ والهَوانِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ: (لَتِرْكَبُنَّ) بِكَسْرِ التّاءِ، وهي لُغَةُ تَمِيمٍ، قِيلَ: والخِطابُ لِلرَّسُولِ ﷺ، وقُرِئَ بِالتّاءِ وكَسْرِ الباءِ عَلى خِطابِ النَّفْسِ، وطَبَقَ الشَّيْءُ مُطابَقَةً لِأنَّ كُلَّ حالٍ مُطابِقَةٌ لِلْأُخْرى في الشِّدَّةِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ اسْمَ جِنْسٍ واحِدَةَ طَبَقَةٍ، وهي المَرْتَبَةُ مِن قَوْلِهِمْ: هم عَلى طَبَقاتٍ، و﴿عَنْ طَبَقٍ﴾ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِقَوْلِهِ: (طَبَقًا) أوْ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في (لَتَرْكَبُنَّ) .
وعَنْ مَكْحُولٍ، كُلُّ عِشْرِينَ عامًا تَجِدُونَ أمْرًا لَمْ تَكُونُوا عَلَيْهِ ﴿فَما لَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾: تَعَجُّبٌ مِنَ انْتِفاءِ إيمانِهِمْ وقَدْ وضَحَتِ الدَّلائِلُ.
﴿لا يَسْجُدُونَ﴾ لا يَتَواضَعُونَ ويَخْضَعُونَ، قالَهُ قَتادَةُ، وقالَ عِكْرِمَةُ: لا يُباشِرُونَ بِجِباهِهِمُ المُصَلّى، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: لا يُصَلُّونَ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يُكَذِّبُونَ) مُشَدَّدًا، والضَّحّاكُ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: مُخَفَّفًا وبِفَتْحِ الياءِ.
﴿بِما يُوعُونَ﴾ بِما يَجْمَعُونَ مِنَ الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ، كَأنَّهم يَجْعَلُونَهُ في أوْعِيَةٍ، وعَيْتُ العِلْمَ وأوْعَيْتُ المَتاعَ، قالَ نَحْوَهُ ابْنُ زَيْدٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بِما تُضْمِرُونَ مِن عَداوَةِ الرَّسُولِ ﷺ، والمُؤْمِنِينَ، وقالَ مُجاهِدٌ: بِما يَكْتُمُونَ مِن أفْعالِهِمْ، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ: بِما يَعُونَ، مِن وعى يَعِي.
﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ سَبَقَ لَهم في عِلْمِهِ أنَّهم يُؤْمِنُونَ.
﴿غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ غَيْرُ مَقْطُوعٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (مَمْنُونٍ) مُعَدَّدٍ عَلَيْهِمْ، مَحْسُوبٍ مُنَغَّصٍ بِالمَنِّ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ذَلِكَ في فُصِّلَتْ، واللَّهُ المُوَفِّقُ.
الانشقاق 84:22
﴿إنَّهُ كانَ في أهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ أيْ فَرِحًا بَطِرًا مُتْرَفًا لا يَعْرِفُ اللَّهَ ولا يُفَكِّرُ في عاقِبَتِهِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تَفْرَحْ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الفَرِحِينَ﴾ [القصص: ٧٦] بِخِلافِ المُؤْمِنِ، فَإنَّهُ حَزِينٌ مُكْتَئِبٌ يَتَفَكَّرُ في الآخِرَةِ ﴿إنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ﴾ أيْ أنْ لَنْ يَرْجِعَ إلى اللَّهِ، وهَذا تَكْذِيبٌ بِالبَعْثِ (بَلى) إيجابٌ بَعْدَ النَّفْيِ، أيْ بَلى لَيَحُورَنَّ ﴿إنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيرًا﴾ أيْ لا تَخْفى عَلَيْهِ أفْعالُهُ، فَلا بُدَّ مِن حَوْرِهِ ومُجازاتِهِ.
﴿فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ﴾ أقْسَمَ تَعالى بِمَخْلُوقاتِهِ تَشْرِيفًا لَها وتَعْرِيضًا لِلِاعْتِبارِ بِها، والشَّفَقُ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ. وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ، وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، وأبُو حَنِيفَةَ: هو البَياضُ الَّذِي يَتْلُوهُ الحُمْرَةُ. ورَوى أسَدُ بْنُ عَمْرٍو أنَّ أبا حَنِيفَةَ رَجَعَ عَنْ قَوْلِهِ هَذا إلى قَوْلِ الجُمْهُورِ. وقالَ مُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ، وابْنُ أبِي نَجِيحٍ: إنَّ الشَّفَقَ هُنا كَأنَّهُ لَمّا عَطَفَ عَلَيْهِ اللَّيْلَ قالَ ذَلِكَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ. انْتَهى. وعَنْ مُجاهِدٍ: هو الشَّمْسُ، وعَنْ عِكْرِمَةَ: ما بَقِيَ مِنَ النَّهارِ ﴿وما وسَقَ﴾ ما ضَمَّ مِنَ الحَيَوانِ وغَيْرِهِ، إذْ جَمِيعُ ذَلِكَ يَنْضَمُّ ويَسْكُنُ في ظُلْمَةِ اللَّيْلِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿وما وسَقَ﴾ أيْ ما غَطّى عَلَيْهِ مِنَ الظُّلْمَةِ. وقالَ مُجاهِدٌ: وما ضَمَّ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: وما ساقَ وحَمَلَ. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: وما عُمِلَ فِيهِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
فَيَوْمًا تَرانا صالِحِينَ وتارَةً تَقُومُ بِنا كالواسِقِ المُتَلَبِّبِ
وقالَ ابْنُ الفَضْلِ: لَفَّ كُلُّ أحَدٍ إلى اللَّهِ، أيْ سَكَنَ الخَلْقُ إلَيْهِ ورَجَعَ كُلٌّ إلى ما رَآهُ لِقَوْلِهِ: ﴿لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ [يونس: ٦٧] وقَرَأ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والأسْوَدُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، ومَسْرُوقٌ، والشَّعْبِيُّ، وأبُو العالِيَةِ، وابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ، وعِيسى والأخَوانِ وابْنُ كَثِيرٍ: بِتاءِ الخِطابِ وفَتْحِ الباءِ، فَقِيلَ: خِطابٌ لِلرَّسُولِ ﷺ، أيْ حالًا بَعْدَ حالٍ مِن مُعالَجَةِ الكُفّارِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: سَماءٌ بَعْدَ سَماءٍ في الإسْراءِ، وقِيلَ: عِدَةٌ بِالنَّصْرِ، أيْ لَتَرْكَبُنَّ أمْرَ العَرَبِ قَبِيلًا بَعْدَ قَبِيلٍ وفَتْحًا بَعْدَ فَتْحٍ كَما كانَ ووُجِدَ بَعْدَ ذَلِكَ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقُرِئَ (لَتَرْكَبَنَّ) عَلى خِطابِ الإنْسانِ في ﴿ياأيُّها الإنْسانُ﴾ [الإنشقاق: ٦] وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ المَعْنى: لَتَرْكَبُنَّ السَّماءَ في أهْوالِ القِيامَةِ حالًا بَعْدَ حالٍ، تَكُونُ كالمُهْلِ، وكالدِّهانِ وتَنْفَطِرُ وتَنْشَقُّ، فالتّاءُ لِلتَّأْنِيثِ، وهو إخْبارٌ عَنِ السَّماءِ بِما يَحْدُثُ لَها، والضَّمِيرُ الفاعِلُ عائِدٌ عَلى السَّماءِ، وقَرَأ عُمَرُ، وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: بِالياءِ مِن أسْفَلَ وفَتْحِ الباءِ عَلى ذِكْرِ الغائِبِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَعْنِي نَبِيَّكم، ﷺ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ الغائِبُ يَعُودُ عَلى القَمَرِ؛ لِأنَّهُ يَتَغَيَّرُ أحْوالًا مِن إسْرارٍ واسْتِهْلالٍ وإبْدارٍ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَيَرْكَبَنَّ الإنْسانُ، وقَرَأ عُمَرُ، وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا وأبُو جَعْفَرٍ، والحَسَنُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ، والأعْمَشُ وباقِي السَّبْعَةِ: بِتاءِ الخِطابِ وضَمِّ الباءِ، أيْ لَتَرْكَبَنَّ أيُّها الإنْسانُ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولَتَرْكَبُنَّ بِالضَّمِّ عَلى خِطابِ الجِنْسِ، لِأنَّ النِّداءَ لِلْجِنْسِ، فالمَعْنى: لَتَرْكَبُنَّ الشَّدائِدَ: المَوْتَ والبَعْثَ والحِسابَ حالًا بَعْدَ حالٍ، أوْ يَكُونُ الأحْوالُ مِنَ النُّطْفَةِ إلى الهِرَمِ، كَما تَقُولُ: طَبَقَةٌ بَعْدَ طَبَقَةٍ، قالَ نَحْوَهُ عِكْرِمَةُ، وقِيلَ: عَنْ تَجِيءُ بِمَعْنى بَعْدَ، وقِيلَ: المَعْنى لَتَرْكَبُنَّ هَذِهِ الأحْوالَ أُمَّةً بَعْدَ أُمَّةٍ، ومِنهُ قَوْلُ العَبّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ في رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ:(p-٤٤٨)
؎وأنْتَ لَمّا وُلِدْتَ أشْرَقَتِ الأرْضُ وضاءَتْ بِنُورِكَ الأُفُقُ
؎تُنْقَلُ مِن صالِبٍ إلى رَحِمٍ ∗∗∗ إذا مَضى عالَمٌ بَدا طَبَقُ
وقالَ مَكْحُولٌ وأبُو عُبَيْدَةَ: المَعْنى لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَن قَبْلَكم، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: المَعْنى لَتَرْكَبُنَّ الآخِرَةَ بَعْدَ الأُولى، وقَرَأ عُمَرُ أيْضًا: لَيَرْكَبُنَّ بِياءِ الغَيْبَةِ وضَمِّ الباءِ، قِيلَ: أرادَ بِهِ الكُفّارَ لا بَيانَ تَوْبِيخِهِمْ بَعْدَهُ، أيْ يَرْكَبُونَ حالًا بَعْدَ أُخْرى مِنَ المَذَلَّةِ والهَوانِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ: (لَتِرْكَبُنَّ) بِكَسْرِ التّاءِ، وهي لُغَةُ تَمِيمٍ، قِيلَ: والخِطابُ لِلرَّسُولِ ﷺ، وقُرِئَ بِالتّاءِ وكَسْرِ الباءِ عَلى خِطابِ النَّفْسِ، وطَبَقَ الشَّيْءُ مُطابَقَةً لِأنَّ كُلَّ حالٍ مُطابِقَةٌ لِلْأُخْرى في الشِّدَّةِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ اسْمَ جِنْسٍ واحِدَةَ طَبَقَةٍ، وهي المَرْتَبَةُ مِن قَوْلِهِمْ: هم عَلى طَبَقاتٍ، و﴿عَنْ طَبَقٍ﴾ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِقَوْلِهِ: (طَبَقًا) أوْ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في (لَتَرْكَبُنَّ) .
وعَنْ مَكْحُولٍ، كُلُّ عِشْرِينَ عامًا تَجِدُونَ أمْرًا لَمْ تَكُونُوا عَلَيْهِ ﴿فَما لَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾: تَعَجُّبٌ مِنَ انْتِفاءِ إيمانِهِمْ وقَدْ وضَحَتِ الدَّلائِلُ.
﴿لا يَسْجُدُونَ﴾ لا يَتَواضَعُونَ ويَخْضَعُونَ، قالَهُ قَتادَةُ، وقالَ عِكْرِمَةُ: لا يُباشِرُونَ بِجِباهِهِمُ المُصَلّى، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: لا يُصَلُّونَ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يُكَذِّبُونَ) مُشَدَّدًا، والضَّحّاكُ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: مُخَفَّفًا وبِفَتْحِ الياءِ.
﴿بِما يُوعُونَ﴾ بِما يَجْمَعُونَ مِنَ الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ، كَأنَّهم يَجْعَلُونَهُ في أوْعِيَةٍ، وعَيْتُ العِلْمَ وأوْعَيْتُ المَتاعَ، قالَ نَحْوَهُ ابْنُ زَيْدٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بِما تُضْمِرُونَ مِن عَداوَةِ الرَّسُولِ ﷺ، والمُؤْمِنِينَ، وقالَ مُجاهِدٌ: بِما يَكْتُمُونَ مِن أفْعالِهِمْ، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ: بِما يَعُونَ، مِن وعى يَعِي.
﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ سَبَقَ لَهم في عِلْمِهِ أنَّهم يُؤْمِنُونَ.
﴿غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ غَيْرُ مَقْطُوعٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (مَمْنُونٍ) مُعَدَّدٍ عَلَيْهِمْ، مَحْسُوبٍ مُنَغَّصٍ بِالمَنِّ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ذَلِكَ في فُصِّلَتْ، واللَّهُ المُوَفِّقُ.
الانشقاق 84:23
﴿إنَّهُ كانَ في أهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ أيْ فَرِحًا بَطِرًا مُتْرَفًا لا يَعْرِفُ اللَّهَ ولا يُفَكِّرُ في عاقِبَتِهِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تَفْرَحْ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الفَرِحِينَ﴾ [القصص: ٧٦] بِخِلافِ المُؤْمِنِ، فَإنَّهُ حَزِينٌ مُكْتَئِبٌ يَتَفَكَّرُ في الآخِرَةِ ﴿إنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ﴾ أيْ أنْ لَنْ يَرْجِعَ إلى اللَّهِ، وهَذا تَكْذِيبٌ بِالبَعْثِ (بَلى) إيجابٌ بَعْدَ النَّفْيِ، أيْ بَلى لَيَحُورَنَّ ﴿إنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيرًا﴾ أيْ لا تَخْفى عَلَيْهِ أفْعالُهُ، فَلا بُدَّ مِن حَوْرِهِ ومُجازاتِهِ.
﴿فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ﴾ أقْسَمَ تَعالى بِمَخْلُوقاتِهِ تَشْرِيفًا لَها وتَعْرِيضًا لِلِاعْتِبارِ بِها، والشَّفَقُ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ. وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ، وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، وأبُو حَنِيفَةَ: هو البَياضُ الَّذِي يَتْلُوهُ الحُمْرَةُ. ورَوى أسَدُ بْنُ عَمْرٍو أنَّ أبا حَنِيفَةَ رَجَعَ عَنْ قَوْلِهِ هَذا إلى قَوْلِ الجُمْهُورِ. وقالَ مُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ، وابْنُ أبِي نَجِيحٍ: إنَّ الشَّفَقَ هُنا كَأنَّهُ لَمّا عَطَفَ عَلَيْهِ اللَّيْلَ قالَ ذَلِكَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ. انْتَهى. وعَنْ مُجاهِدٍ: هو الشَّمْسُ، وعَنْ عِكْرِمَةَ: ما بَقِيَ مِنَ النَّهارِ ﴿وما وسَقَ﴾ ما ضَمَّ مِنَ الحَيَوانِ وغَيْرِهِ، إذْ جَمِيعُ ذَلِكَ يَنْضَمُّ ويَسْكُنُ في ظُلْمَةِ اللَّيْلِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿وما وسَقَ﴾ أيْ ما غَطّى عَلَيْهِ مِنَ الظُّلْمَةِ. وقالَ مُجاهِدٌ: وما ضَمَّ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: وما ساقَ وحَمَلَ. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: وما عُمِلَ فِيهِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
فَيَوْمًا تَرانا صالِحِينَ وتارَةً تَقُومُ بِنا كالواسِقِ المُتَلَبِّبِ
وقالَ ابْنُ الفَضْلِ: لَفَّ كُلُّ أحَدٍ إلى اللَّهِ، أيْ سَكَنَ الخَلْقُ إلَيْهِ ورَجَعَ كُلٌّ إلى ما رَآهُ لِقَوْلِهِ: ﴿لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ [يونس: ٦٧] وقَرَأ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والأسْوَدُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، ومَسْرُوقٌ، والشَّعْبِيُّ، وأبُو العالِيَةِ، وابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ، وعِيسى والأخَوانِ وابْنُ كَثِيرٍ: بِتاءِ الخِطابِ وفَتْحِ الباءِ، فَقِيلَ: خِطابٌ لِلرَّسُولِ ﷺ، أيْ حالًا بَعْدَ حالٍ مِن مُعالَجَةِ الكُفّارِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: سَماءٌ بَعْدَ سَماءٍ في الإسْراءِ، وقِيلَ: عِدَةٌ بِالنَّصْرِ، أيْ لَتَرْكَبُنَّ أمْرَ العَرَبِ قَبِيلًا بَعْدَ قَبِيلٍ وفَتْحًا بَعْدَ فَتْحٍ كَما كانَ ووُجِدَ بَعْدَ ذَلِكَ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقُرِئَ (لَتَرْكَبَنَّ) عَلى خِطابِ الإنْسانِ في ﴿ياأيُّها الإنْسانُ﴾ [الإنشقاق: ٦] وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ المَعْنى: لَتَرْكَبُنَّ السَّماءَ في أهْوالِ القِيامَةِ حالًا بَعْدَ حالٍ، تَكُونُ كالمُهْلِ، وكالدِّهانِ وتَنْفَطِرُ وتَنْشَقُّ، فالتّاءُ لِلتَّأْنِيثِ، وهو إخْبارٌ عَنِ السَّماءِ بِما يَحْدُثُ لَها، والضَّمِيرُ الفاعِلُ عائِدٌ عَلى السَّماءِ، وقَرَأ عُمَرُ، وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: بِالياءِ مِن أسْفَلَ وفَتْحِ الباءِ عَلى ذِكْرِ الغائِبِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَعْنِي نَبِيَّكم، ﷺ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ الغائِبُ يَعُودُ عَلى القَمَرِ؛ لِأنَّهُ يَتَغَيَّرُ أحْوالًا مِن إسْرارٍ واسْتِهْلالٍ وإبْدارٍ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَيَرْكَبَنَّ الإنْسانُ، وقَرَأ عُمَرُ، وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا وأبُو جَعْفَرٍ، والحَسَنُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ، والأعْمَشُ وباقِي السَّبْعَةِ: بِتاءِ الخِطابِ وضَمِّ الباءِ، أيْ لَتَرْكَبَنَّ أيُّها الإنْسانُ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولَتَرْكَبُنَّ بِالضَّمِّ عَلى خِطابِ الجِنْسِ، لِأنَّ النِّداءَ لِلْجِنْسِ، فالمَعْنى: لَتَرْكَبُنَّ الشَّدائِدَ: المَوْتَ والبَعْثَ والحِسابَ حالًا بَعْدَ حالٍ، أوْ يَكُونُ الأحْوالُ مِنَ النُّطْفَةِ إلى الهِرَمِ، كَما تَقُولُ: طَبَقَةٌ بَعْدَ طَبَقَةٍ، قالَ نَحْوَهُ عِكْرِمَةُ، وقِيلَ: عَنْ تَجِيءُ بِمَعْنى بَعْدَ، وقِيلَ: المَعْنى لَتَرْكَبُنَّ هَذِهِ الأحْوالَ أُمَّةً بَعْدَ أُمَّةٍ، ومِنهُ قَوْلُ العَبّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ في رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ:(p-٤٤٨)
؎وأنْتَ لَمّا وُلِدْتَ أشْرَقَتِ الأرْضُ وضاءَتْ بِنُورِكَ الأُفُقُ
؎تُنْقَلُ مِن صالِبٍ إلى رَحِمٍ ∗∗∗ إذا مَضى عالَمٌ بَدا طَبَقُ
وقالَ مَكْحُولٌ وأبُو عُبَيْدَةَ: المَعْنى لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَن قَبْلَكم، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: المَعْنى لَتَرْكَبُنَّ الآخِرَةَ بَعْدَ الأُولى، وقَرَأ عُمَرُ أيْضًا: لَيَرْكَبُنَّ بِياءِ الغَيْبَةِ وضَمِّ الباءِ، قِيلَ: أرادَ بِهِ الكُفّارَ لا بَيانَ تَوْبِيخِهِمْ بَعْدَهُ، أيْ يَرْكَبُونَ حالًا بَعْدَ أُخْرى مِنَ المَذَلَّةِ والهَوانِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ: (لَتِرْكَبُنَّ) بِكَسْرِ التّاءِ، وهي لُغَةُ تَمِيمٍ، قِيلَ: والخِطابُ لِلرَّسُولِ ﷺ، وقُرِئَ بِالتّاءِ وكَسْرِ الباءِ عَلى خِطابِ النَّفْسِ، وطَبَقَ الشَّيْءُ مُطابَقَةً لِأنَّ كُلَّ حالٍ مُطابِقَةٌ لِلْأُخْرى في الشِّدَّةِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ اسْمَ جِنْسٍ واحِدَةَ طَبَقَةٍ، وهي المَرْتَبَةُ مِن قَوْلِهِمْ: هم عَلى طَبَقاتٍ، و﴿عَنْ طَبَقٍ﴾ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِقَوْلِهِ: (طَبَقًا) أوْ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في (لَتَرْكَبُنَّ) .
وعَنْ مَكْحُولٍ، كُلُّ عِشْرِينَ عامًا تَجِدُونَ أمْرًا لَمْ تَكُونُوا عَلَيْهِ ﴿فَما لَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾: تَعَجُّبٌ مِنَ انْتِفاءِ إيمانِهِمْ وقَدْ وضَحَتِ الدَّلائِلُ.
﴿لا يَسْجُدُونَ﴾ لا يَتَواضَعُونَ ويَخْضَعُونَ، قالَهُ قَتادَةُ، وقالَ عِكْرِمَةُ: لا يُباشِرُونَ بِجِباهِهِمُ المُصَلّى، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: لا يُصَلُّونَ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يُكَذِّبُونَ) مُشَدَّدًا، والضَّحّاكُ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: مُخَفَّفًا وبِفَتْحِ الياءِ.
﴿بِما يُوعُونَ﴾ بِما يَجْمَعُونَ مِنَ الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ، كَأنَّهم يَجْعَلُونَهُ في أوْعِيَةٍ، وعَيْتُ العِلْمَ وأوْعَيْتُ المَتاعَ، قالَ نَحْوَهُ ابْنُ زَيْدٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بِما تُضْمِرُونَ مِن عَداوَةِ الرَّسُولِ ﷺ، والمُؤْمِنِينَ، وقالَ مُجاهِدٌ: بِما يَكْتُمُونَ مِن أفْعالِهِمْ، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ: بِما يَعُونَ، مِن وعى يَعِي.
﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ سَبَقَ لَهم في عِلْمِهِ أنَّهم يُؤْمِنُونَ.
﴿غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ غَيْرُ مَقْطُوعٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (مَمْنُونٍ) مُعَدَّدٍ عَلَيْهِمْ، مَحْسُوبٍ مُنَغَّصٍ بِالمَنِّ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ذَلِكَ في فُصِّلَتْ، واللَّهُ المُوَفِّقُ.
الانشقاق 84:24
﴿إنَّهُ كانَ في أهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ أيْ فَرِحًا بَطِرًا مُتْرَفًا لا يَعْرِفُ اللَّهَ ولا يُفَكِّرُ في عاقِبَتِهِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تَفْرَحْ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الفَرِحِينَ﴾ [القصص: ٧٦] بِخِلافِ المُؤْمِنِ، فَإنَّهُ حَزِينٌ مُكْتَئِبٌ يَتَفَكَّرُ في الآخِرَةِ ﴿إنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ﴾ أيْ أنْ لَنْ يَرْجِعَ إلى اللَّهِ، وهَذا تَكْذِيبٌ بِالبَعْثِ (بَلى) إيجابٌ بَعْدَ النَّفْيِ، أيْ بَلى لَيَحُورَنَّ ﴿إنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيرًا﴾ أيْ لا تَخْفى عَلَيْهِ أفْعالُهُ، فَلا بُدَّ مِن حَوْرِهِ ومُجازاتِهِ.
﴿فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ﴾ أقْسَمَ تَعالى بِمَخْلُوقاتِهِ تَشْرِيفًا لَها وتَعْرِيضًا لِلِاعْتِبارِ بِها، والشَّفَقُ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ. وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ، وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، وأبُو حَنِيفَةَ: هو البَياضُ الَّذِي يَتْلُوهُ الحُمْرَةُ. ورَوى أسَدُ بْنُ عَمْرٍو أنَّ أبا حَنِيفَةَ رَجَعَ عَنْ قَوْلِهِ هَذا إلى قَوْلِ الجُمْهُورِ. وقالَ مُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ، وابْنُ أبِي نَجِيحٍ: إنَّ الشَّفَقَ هُنا كَأنَّهُ لَمّا عَطَفَ عَلَيْهِ اللَّيْلَ قالَ ذَلِكَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ. انْتَهى. وعَنْ مُجاهِدٍ: هو الشَّمْسُ، وعَنْ عِكْرِمَةَ: ما بَقِيَ مِنَ النَّهارِ ﴿وما وسَقَ﴾ ما ضَمَّ مِنَ الحَيَوانِ وغَيْرِهِ، إذْ جَمِيعُ ذَلِكَ يَنْضَمُّ ويَسْكُنُ في ظُلْمَةِ اللَّيْلِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿وما وسَقَ﴾ أيْ ما غَطّى عَلَيْهِ مِنَ الظُّلْمَةِ. وقالَ مُجاهِدٌ: وما ضَمَّ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: وما ساقَ وحَمَلَ. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: وما عُمِلَ فِيهِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
فَيَوْمًا تَرانا صالِحِينَ وتارَةً تَقُومُ بِنا كالواسِقِ المُتَلَبِّبِ
وقالَ ابْنُ الفَضْلِ: لَفَّ كُلُّ أحَدٍ إلى اللَّهِ، أيْ سَكَنَ الخَلْقُ إلَيْهِ ورَجَعَ كُلٌّ إلى ما رَآهُ لِقَوْلِهِ: ﴿لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ [يونس: ٦٧] وقَرَأ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والأسْوَدُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، ومَسْرُوقٌ، والشَّعْبِيُّ، وأبُو العالِيَةِ، وابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ، وعِيسى والأخَوانِ وابْنُ كَثِيرٍ: بِتاءِ الخِطابِ وفَتْحِ الباءِ، فَقِيلَ: خِطابٌ لِلرَّسُولِ ﷺ، أيْ حالًا بَعْدَ حالٍ مِن مُعالَجَةِ الكُفّارِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: سَماءٌ بَعْدَ سَماءٍ في الإسْراءِ، وقِيلَ: عِدَةٌ بِالنَّصْرِ، أيْ لَتَرْكَبُنَّ أمْرَ العَرَبِ قَبِيلًا بَعْدَ قَبِيلٍ وفَتْحًا بَعْدَ فَتْحٍ كَما كانَ ووُجِدَ بَعْدَ ذَلِكَ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقُرِئَ (لَتَرْكَبَنَّ) عَلى خِطابِ الإنْسانِ في ﴿ياأيُّها الإنْسانُ﴾ [الإنشقاق: ٦] وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ المَعْنى: لَتَرْكَبُنَّ السَّماءَ في أهْوالِ القِيامَةِ حالًا بَعْدَ حالٍ، تَكُونُ كالمُهْلِ، وكالدِّهانِ وتَنْفَطِرُ وتَنْشَقُّ، فالتّاءُ لِلتَّأْنِيثِ، وهو إخْبارٌ عَنِ السَّماءِ بِما يَحْدُثُ لَها، والضَّمِيرُ الفاعِلُ عائِدٌ عَلى السَّماءِ، وقَرَأ عُمَرُ، وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: بِالياءِ مِن أسْفَلَ وفَتْحِ الباءِ عَلى ذِكْرِ الغائِبِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَعْنِي نَبِيَّكم، ﷺ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ الغائِبُ يَعُودُ عَلى القَمَرِ؛ لِأنَّهُ يَتَغَيَّرُ أحْوالًا مِن إسْرارٍ واسْتِهْلالٍ وإبْدارٍ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَيَرْكَبَنَّ الإنْسانُ، وقَرَأ عُمَرُ، وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا وأبُو جَعْفَرٍ، والحَسَنُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ، والأعْمَشُ وباقِي السَّبْعَةِ: بِتاءِ الخِطابِ وضَمِّ الباءِ، أيْ لَتَرْكَبَنَّ أيُّها الإنْسانُ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولَتَرْكَبُنَّ بِالضَّمِّ عَلى خِطابِ الجِنْسِ، لِأنَّ النِّداءَ لِلْجِنْسِ، فالمَعْنى: لَتَرْكَبُنَّ الشَّدائِدَ: المَوْتَ والبَعْثَ والحِسابَ حالًا بَعْدَ حالٍ، أوْ يَكُونُ الأحْوالُ مِنَ النُّطْفَةِ إلى الهِرَمِ، كَما تَقُولُ: طَبَقَةٌ بَعْدَ طَبَقَةٍ، قالَ نَحْوَهُ عِكْرِمَةُ، وقِيلَ: عَنْ تَجِيءُ بِمَعْنى بَعْدَ، وقِيلَ: المَعْنى لَتَرْكَبُنَّ هَذِهِ الأحْوالَ أُمَّةً بَعْدَ أُمَّةٍ، ومِنهُ قَوْلُ العَبّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ في رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ:(p-٤٤٨)
؎وأنْتَ لَمّا وُلِدْتَ أشْرَقَتِ الأرْضُ وضاءَتْ بِنُورِكَ الأُفُقُ
؎تُنْقَلُ مِن صالِبٍ إلى رَحِمٍ ∗∗∗ إذا مَضى عالَمٌ بَدا طَبَقُ
وقالَ مَكْحُولٌ وأبُو عُبَيْدَةَ: المَعْنى لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَن قَبْلَكم، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: المَعْنى لَتَرْكَبُنَّ الآخِرَةَ بَعْدَ الأُولى، وقَرَأ عُمَرُ أيْضًا: لَيَرْكَبُنَّ بِياءِ الغَيْبَةِ وضَمِّ الباءِ، قِيلَ: أرادَ بِهِ الكُفّارَ لا بَيانَ تَوْبِيخِهِمْ بَعْدَهُ، أيْ يَرْكَبُونَ حالًا بَعْدَ أُخْرى مِنَ المَذَلَّةِ والهَوانِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ: (لَتِرْكَبُنَّ) بِكَسْرِ التّاءِ، وهي لُغَةُ تَمِيمٍ، قِيلَ: والخِطابُ لِلرَّسُولِ ﷺ، وقُرِئَ بِالتّاءِ وكَسْرِ الباءِ عَلى خِطابِ النَّفْسِ، وطَبَقَ الشَّيْءُ مُطابَقَةً لِأنَّ كُلَّ حالٍ مُطابِقَةٌ لِلْأُخْرى في الشِّدَّةِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ اسْمَ جِنْسٍ واحِدَةَ طَبَقَةٍ، وهي المَرْتَبَةُ مِن قَوْلِهِمْ: هم عَلى طَبَقاتٍ، و﴿عَنْ طَبَقٍ﴾ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِقَوْلِهِ: (طَبَقًا) أوْ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في (لَتَرْكَبُنَّ) .
وعَنْ مَكْحُولٍ، كُلُّ عِشْرِينَ عامًا تَجِدُونَ أمْرًا لَمْ تَكُونُوا عَلَيْهِ ﴿فَما لَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾: تَعَجُّبٌ مِنَ انْتِفاءِ إيمانِهِمْ وقَدْ وضَحَتِ الدَّلائِلُ.
﴿لا يَسْجُدُونَ﴾ لا يَتَواضَعُونَ ويَخْضَعُونَ، قالَهُ قَتادَةُ، وقالَ عِكْرِمَةُ: لا يُباشِرُونَ بِجِباهِهِمُ المُصَلّى، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: لا يُصَلُّونَ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يُكَذِّبُونَ) مُشَدَّدًا، والضَّحّاكُ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: مُخَفَّفًا وبِفَتْحِ الياءِ.
﴿بِما يُوعُونَ﴾ بِما يَجْمَعُونَ مِنَ الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ، كَأنَّهم يَجْعَلُونَهُ في أوْعِيَةٍ، وعَيْتُ العِلْمَ وأوْعَيْتُ المَتاعَ، قالَ نَحْوَهُ ابْنُ زَيْدٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بِما تُضْمِرُونَ مِن عَداوَةِ الرَّسُولِ ﷺ، والمُؤْمِنِينَ، وقالَ مُجاهِدٌ: بِما يَكْتُمُونَ مِن أفْعالِهِمْ، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ: بِما يَعُونَ، مِن وعى يَعِي.
﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ سَبَقَ لَهم في عِلْمِهِ أنَّهم يُؤْمِنُونَ.
﴿غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ غَيْرُ مَقْطُوعٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (مَمْنُونٍ) مُعَدَّدٍ عَلَيْهِمْ، مَحْسُوبٍ مُنَغَّصٍ بِالمَنِّ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ذَلِكَ في فُصِّلَتْ، واللَّهُ المُوَفِّقُ.
الانشقاق 84:25
﴿إنَّهُ كانَ في أهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ أيْ فَرِحًا بَطِرًا مُتْرَفًا لا يَعْرِفُ اللَّهَ ولا يُفَكِّرُ في عاقِبَتِهِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تَفْرَحْ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الفَرِحِينَ﴾ [القصص: ٧٦] بِخِلافِ المُؤْمِنِ، فَإنَّهُ حَزِينٌ مُكْتَئِبٌ يَتَفَكَّرُ في الآخِرَةِ ﴿إنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ﴾ أيْ أنْ لَنْ يَرْجِعَ إلى اللَّهِ، وهَذا تَكْذِيبٌ بِالبَعْثِ (بَلى) إيجابٌ بَعْدَ النَّفْيِ، أيْ بَلى لَيَحُورَنَّ ﴿إنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيرًا﴾ أيْ لا تَخْفى عَلَيْهِ أفْعالُهُ، فَلا بُدَّ مِن حَوْرِهِ ومُجازاتِهِ.
﴿فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ﴾ أقْسَمَ تَعالى بِمَخْلُوقاتِهِ تَشْرِيفًا لَها وتَعْرِيضًا لِلِاعْتِبارِ بِها، والشَّفَقُ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ. وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ، وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، وأبُو حَنِيفَةَ: هو البَياضُ الَّذِي يَتْلُوهُ الحُمْرَةُ. ورَوى أسَدُ بْنُ عَمْرٍو أنَّ أبا حَنِيفَةَ رَجَعَ عَنْ قَوْلِهِ هَذا إلى قَوْلِ الجُمْهُورِ. وقالَ مُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ، وابْنُ أبِي نَجِيحٍ: إنَّ الشَّفَقَ هُنا كَأنَّهُ لَمّا عَطَفَ عَلَيْهِ اللَّيْلَ قالَ ذَلِكَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ. انْتَهى. وعَنْ مُجاهِدٍ: هو الشَّمْسُ، وعَنْ عِكْرِمَةَ: ما بَقِيَ مِنَ النَّهارِ ﴿وما وسَقَ﴾ ما ضَمَّ مِنَ الحَيَوانِ وغَيْرِهِ، إذْ جَمِيعُ ذَلِكَ يَنْضَمُّ ويَسْكُنُ في ظُلْمَةِ اللَّيْلِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿وما وسَقَ﴾ أيْ ما غَطّى عَلَيْهِ مِنَ الظُّلْمَةِ. وقالَ مُجاهِدٌ: وما ضَمَّ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: وما ساقَ وحَمَلَ. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: وما عُمِلَ فِيهِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
فَيَوْمًا تَرانا صالِحِينَ وتارَةً تَقُومُ بِنا كالواسِقِ المُتَلَبِّبِ
وقالَ ابْنُ الفَضْلِ: لَفَّ كُلُّ أحَدٍ إلى اللَّهِ، أيْ سَكَنَ الخَلْقُ إلَيْهِ ورَجَعَ كُلٌّ إلى ما رَآهُ لِقَوْلِهِ: ﴿لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ [يونس: ٦٧] وقَرَأ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والأسْوَدُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، ومَسْرُوقٌ، والشَّعْبِيُّ، وأبُو العالِيَةِ، وابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ، وعِيسى والأخَوانِ وابْنُ كَثِيرٍ: بِتاءِ الخِطابِ وفَتْحِ الباءِ، فَقِيلَ: خِطابٌ لِلرَّسُولِ ﷺ، أيْ حالًا بَعْدَ حالٍ مِن مُعالَجَةِ الكُفّارِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: سَماءٌ بَعْدَ سَماءٍ في الإسْراءِ، وقِيلَ: عِدَةٌ بِالنَّصْرِ، أيْ لَتَرْكَبُنَّ أمْرَ العَرَبِ قَبِيلًا بَعْدَ قَبِيلٍ وفَتْحًا بَعْدَ فَتْحٍ كَما كانَ ووُجِدَ بَعْدَ ذَلِكَ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقُرِئَ (لَتَرْكَبَنَّ) عَلى خِطابِ الإنْسانِ في ﴿ياأيُّها الإنْسانُ﴾ [الإنشقاق: ٦] وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ المَعْنى: لَتَرْكَبُنَّ السَّماءَ في أهْوالِ القِيامَةِ حالًا بَعْدَ حالٍ، تَكُونُ كالمُهْلِ، وكالدِّهانِ وتَنْفَطِرُ وتَنْشَقُّ، فالتّاءُ لِلتَّأْنِيثِ، وهو إخْبارٌ عَنِ السَّماءِ بِما يَحْدُثُ لَها، والضَّمِيرُ الفاعِلُ عائِدٌ عَلى السَّماءِ، وقَرَأ عُمَرُ، وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: بِالياءِ مِن أسْفَلَ وفَتْحِ الباءِ عَلى ذِكْرِ الغائِبِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَعْنِي نَبِيَّكم، ﷺ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ الغائِبُ يَعُودُ عَلى القَمَرِ؛ لِأنَّهُ يَتَغَيَّرُ أحْوالًا مِن إسْرارٍ واسْتِهْلالٍ وإبْدارٍ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَيَرْكَبَنَّ الإنْسانُ، وقَرَأ عُمَرُ، وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا وأبُو جَعْفَرٍ، والحَسَنُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ، والأعْمَشُ وباقِي السَّبْعَةِ: بِتاءِ الخِطابِ وضَمِّ الباءِ، أيْ لَتَرْكَبَنَّ أيُّها الإنْسانُ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولَتَرْكَبُنَّ بِالضَّمِّ عَلى خِطابِ الجِنْسِ، لِأنَّ النِّداءَ لِلْجِنْسِ، فالمَعْنى: لَتَرْكَبُنَّ الشَّدائِدَ: المَوْتَ والبَعْثَ والحِسابَ حالًا بَعْدَ حالٍ، أوْ يَكُونُ الأحْوالُ مِنَ النُّطْفَةِ إلى الهِرَمِ، كَما تَقُولُ: طَبَقَةٌ بَعْدَ طَبَقَةٍ، قالَ نَحْوَهُ عِكْرِمَةُ، وقِيلَ: عَنْ تَجِيءُ بِمَعْنى بَعْدَ، وقِيلَ: المَعْنى لَتَرْكَبُنَّ هَذِهِ الأحْوالَ أُمَّةً بَعْدَ أُمَّةٍ، ومِنهُ قَوْلُ العَبّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ في رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ:(p-٤٤٨)
؎وأنْتَ لَمّا وُلِدْتَ أشْرَقَتِ الأرْضُ وضاءَتْ بِنُورِكَ الأُفُقُ
؎تُنْقَلُ مِن صالِبٍ إلى رَحِمٍ ∗∗∗ إذا مَضى عالَمٌ بَدا طَبَقُ
وقالَ مَكْحُولٌ وأبُو عُبَيْدَةَ: المَعْنى لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَن قَبْلَكم، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: المَعْنى لَتَرْكَبُنَّ الآخِرَةَ بَعْدَ الأُولى، وقَرَأ عُمَرُ أيْضًا: لَيَرْكَبُنَّ بِياءِ الغَيْبَةِ وضَمِّ الباءِ، قِيلَ: أرادَ بِهِ الكُفّارَ لا بَيانَ تَوْبِيخِهِمْ بَعْدَهُ، أيْ يَرْكَبُونَ حالًا بَعْدَ أُخْرى مِنَ المَذَلَّةِ والهَوانِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ: (لَتِرْكَبُنَّ) بِكَسْرِ التّاءِ، وهي لُغَةُ تَمِيمٍ، قِيلَ: والخِطابُ لِلرَّسُولِ ﷺ، وقُرِئَ بِالتّاءِ وكَسْرِ الباءِ عَلى خِطابِ النَّفْسِ، وطَبَقَ الشَّيْءُ مُطابَقَةً لِأنَّ كُلَّ حالٍ مُطابِقَةٌ لِلْأُخْرى في الشِّدَّةِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ اسْمَ جِنْسٍ واحِدَةَ طَبَقَةٍ، وهي المَرْتَبَةُ مِن قَوْلِهِمْ: هم عَلى طَبَقاتٍ، و﴿عَنْ طَبَقٍ﴾ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِقَوْلِهِ: (طَبَقًا) أوْ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في (لَتَرْكَبُنَّ) .
وعَنْ مَكْحُولٍ، كُلُّ عِشْرِينَ عامًا تَجِدُونَ أمْرًا لَمْ تَكُونُوا عَلَيْهِ ﴿فَما لَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾: تَعَجُّبٌ مِنَ انْتِفاءِ إيمانِهِمْ وقَدْ وضَحَتِ الدَّلائِلُ.
﴿لا يَسْجُدُونَ﴾ لا يَتَواضَعُونَ ويَخْضَعُونَ، قالَهُ قَتادَةُ، وقالَ عِكْرِمَةُ: لا يُباشِرُونَ بِجِباهِهِمُ المُصَلّى، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: لا يُصَلُّونَ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يُكَذِّبُونَ) مُشَدَّدًا، والضَّحّاكُ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: مُخَفَّفًا وبِفَتْحِ الياءِ.
﴿بِما يُوعُونَ﴾ بِما يَجْمَعُونَ مِنَ الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ، كَأنَّهم يَجْعَلُونَهُ في أوْعِيَةٍ، وعَيْتُ العِلْمَ وأوْعَيْتُ المَتاعَ، قالَ نَحْوَهُ ابْنُ زَيْدٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بِما تُضْمِرُونَ مِن عَداوَةِ الرَّسُولِ ﷺ، والمُؤْمِنِينَ، وقالَ مُجاهِدٌ: بِما يَكْتُمُونَ مِن أفْعالِهِمْ، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ: بِما يَعُونَ، مِن وعى يَعِي.
﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ سَبَقَ لَهم في عِلْمِهِ أنَّهم يُؤْمِنُونَ.
﴿غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ غَيْرُ مَقْطُوعٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (مَمْنُونٍ) مُعَدَّدٍ عَلَيْهِمْ، مَحْسُوبٍ مُنَغَّصٍ بِالمَنِّ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ذَلِكَ في فُصِّلَتْ، واللَّهُ المُوَفِّقُ.
البروج 85:1
سُورَةُ البُرُوجِ مَكِّيَّةٌ وهي اثْنانِ وعِشْرُونَ آيَةً
﷽
﴿والسَّماءِ ذاتِ البُرُوجِ﴾ ﴿واليَوْمِ المَوْعُودِ﴾ ﴿وشاهِدٍ ومَشْهُودٍ﴾ ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ ﴿النّارِ ذاتِ الوَقُودِ﴾ ﴿إذْ هم عَلَيْها قُعُودٌ﴾ ﴿وهم عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾ ﴿وما نَقَمُوا مِنهم إلّا أنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾ ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [البروج: ٩] ﴿إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهم عَذابُ جَهَنَّمَ ولَهم عَذابُ الحَرِيقِ﴾ [البروج: ١٠] ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ذَلِكَ الفَوْزُ الكَبِيرُ﴾ [البروج: ١١] ﴿إنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ [البروج: ١٢] ﴿إنَّهُ هو يُبْدِئُ ويُعِيدُ﴾ [البروج: ١٣] ﴿وهُوَ الغَفُورُ الوَدُودُ﴾ [البروج: ١٤] ﴿ذُو العَرْشِ المَجِيدُ﴾ [البروج: ١٥] ﴿فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ [البروج: ١٦] ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الجُنُودِ﴾ [البروج: ١٧] ﴿فِرْعَوْنَ وثَمُودَ﴾ [البروج: ١٨] ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا في تَكْذِيبٍ﴾ [البروج: ١٩] ﴿واللَّهُ مِن ورائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ [البروج: ٢٠] ﴿بَلْ هو قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ [البروج: ٢١] ﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج: ٢٢]
الأُخْدُودُ: الخَدُّ في الأرْضِ، وهو الشِّقُّ ونَحْوُهُما بِناءٌ، ومَعْنى الخَقِّ والأُخْقُوقِ، ومِنهُ:
فَساحَتْ قَوائِمُهُ في أخافِيقِ جُرْدانِ
(p-٤٤٩)﴿والسَّماءِ ذاتِ البُرُوجِ﴾ ﴿واليَوْمِ المَوْعُودِ﴾ ﴿وشاهِدٍ ومَشْهُودٍ﴾ ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ ﴿النّارِ ذاتِ الوَقُودِ﴾ ﴿إذْ هم عَلَيْها قُعُودٌ﴾ ﴿وهم عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾ ﴿وما نَقَمُوا مِنهم إلّا أنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾ ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [البروج: ٩] ﴿إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهم عَذابُ جَهَنَّمَ ولَهم عَذابُ الحَرِيقِ﴾ [البروج: ١٠] ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ذَلِكَ الفَوْزُ الكَبِيرُ﴾ [البروج: ١١] ﴿إنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ [البروج: ١٢] ﴿إنَّهُ هو يُبْدِئُ ويُعِيدُ﴾ [البروج: ١٣] ﴿وهُوَ الغَفُورُ الوَدُودُ﴾ [البروج: ١٤] ﴿ذُو العَرْشِ المَجِيدُ﴾ [البروج: ١٥] ﴿فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ [البروج: ١٦] ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الجُنُودِ﴾ [البروج: ١٧] ﴿فِرْعَوْنَ وثَمُودَ﴾ [البروج: ١٨] ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا في تَكْذِيبٍ واللَّهُ مِن ورائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ [البروج: ١٩] ﴿بَلْ هو قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ [البروج: ٢١] ﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج: ٢٢] .
هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها: لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِما يَجْمَعُونَ لِلرَّسُولِ ولِلْمُؤْمِنِينَ مِنَ المَكْرِ، والخِداعِ، وإذايَةِ مَن أسْلَمَ بِأنْواعٍ مِنَ الأذى، كالضَّرْبِ، والقَتْلِ، والصَّلْبِ، والحَرْقِ بِالشَّمْسِ، وإحْماءِ الصَّخْرِ ووَضْعِ أجْسادِ مَن يُرِيدُونَ أنْ يَفْتِنُوهُ عَلَيْهِ، ذَكَرَ أنَّ هَذِهِ الشِّنْشَنَةَ كانَتْ فِيمَن تَقَدَّمَ مِنَ الأُمَمِ يُعَذِّبُونَ بِالنّارِ، وأنَّ أُولَئِكَ الَّذِينَ أُعْرِضُوا عَلى النّارِ كانَ لَهم مِنَ الثَّباتِ في الإيمانِ ما مَنَعَهم أنْ يَرْجِعُوا عَنْ دِينِهِمْ أوْ يُحْرَمُوا، وأنَّ أُولَئِكَ الَّذِينَ عَذَّبُوا عِبادَ اللَّهِ مَلْعُونُونَ، فَكَذَلِكَ الَّذِينَ عَذَّبُوا المُؤْمِنِينَ مِن كُفّارِ قُرَيْشٍ مَلْعُونُونَ، فَهَذِهِ السُّورَةُ عِظَةٌ لِقُرَيْشٍ وتَثْبِيتٌ لِمَن يُعَذَّبُ.
﴿ذاتِ البُرُوجِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والجُمْهُورُ: هي المَنازِلُ الَّتِي عَرَفَتْها العَرَبُ، وهي اثْنا عَشَرَ عَلى ما قَسَّمَتْهُ، وهي الَّتِي تَقْطَعُها الشَّمْسُ في سَنَةٍ، والقَمَرُ في ثَمانِيَةٍ وعِشْرِينَ يَوْمًا. وقالَ عِكْرِمَةُ والحَسَنُ ومُجاهِدٌ: هي القُصُورُ. وقالَ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ أيْضًا: هي النُّجُومُ. وقِيلَ: عِظامُ الكَواكِبِ، سُمِّيَتْ بُرُوجًا لِظُهُورِها. وقِيلَ: هي أبْوابُ السَّماءِ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ البُرُوجِ في سُورَةِ الحِجْرِ.
﴿واليَوْمِ المَوْعُودِ﴾ هو يَوْمُ القِيامَةِ، أيْ المَوْعُودِ بِهِ ﴿وشاهِدٍ ومَشْهُودٍ﴾ هَذانِ مُنَكَّرانِ، ويَنْبَغِي حَمْلُهُما عَلى العُمُومِ لِقَوْلِهِ: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أحْضَرَتْ﴾ [التكوير: ١٤] وإنْ كانَ اللَّفْظُ لا يَقْتَضِيهِ، لَكِنَّ المَعْنى يَقْتَضِيهِ، إذْ لا يُقْسَمُ بِنَكِرَةٍ ولا يُدْرى مَن هي. فَإذا لُوحِظَ فِيها مَعْنى العُمُومِ انْدَرَجَ فِيها المَعْرِفَةُ فَحَسُنَ القَسَمُ، وكَذا يَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ ما جاءَ مِن هَذا النَّوْعِ نَكِرَةً، كَقَوْلِهِ: ﴿والطُّورِ وكِتابٍ مَسْطُورٍ﴾ [الطور: ١] ولِأنَّهُ إذا حُمِلَ ﴿وكِتابٍ مَسْطُورٍ﴾ [الطور: ٢] عَلى العُمُومِ دَخَلَ فِيهِ مَعْنَيانِ: الكُتُبُ الإلَهِيَّةُ، كالتَّوْراةِ والإنْجِيلِ، والقُرْآنِ، فَيَحْسُنُ إذْ ذاكَ القَسَمُ بِهِ.
ولَمّا ذَكَرَ ﴿واليَوْمِ المَوْعُودِ﴾، وهو يَوْمُ القِيامَةِ بِاتِّفاقٍ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ، ﷺ ناسَبَ أنْ يَكُونَ المُقْسَمُ بِهِ مَن يَشْهَدُ في ذَلِكَ اليَوْمِ ومَن يُشْهَدُ عَلَيْهِ (p-٤٥٠)إنْ كانَ ذَلِكَ مِنَ الشَّهادَةِ، وإنْ كانَ مِنَ الحُضُورِ، فالشّاهِدُ: الخَلائِقُ الحاضِرُونَ لِلْحِسابِ، والمَشْهُودُ: اليَوْمُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ وذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ [هود: ١٠٣] كانَ مَوْعُودًا بِهِ فَصارَ مَشْهُودًا، وقَدِ اخْتَلَفَتْ أقْوالُ المُفَسِّرِينَ في تَعْيِينِهِما.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: الشّاهِدُ: اللَّهُ تَعالى، وعَنْهُ وعَنِ الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ وعِكْرِمَةَ: الرَّسُولُ، وعَنْ مُجاهِدٍ، وعِكْرِمَةَ، وعَطاءِ بْنِ يَسارٍ: آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وذُرِّيَّتُهُ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا والحَسَنِ: الشّاهِدُ يَوْمُ عَرَفَةَ ويَوْمُ الجُمُعَةِ، وفي كُلِّ قَوْمٍ مِنها المَشْهُودُ يَوْمُ القِيامَةِ، وعَنْ عَلِيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ وأبِي هُرَيْرَةَ، والحَسَنِ، وابْنِ المُسَيَّبِ، وقَتادَةَ: ﴿وشاهِدٍ﴾ يَوْمُ الجُمُعَةِ، وعَنِ ابْنِ المُسَيَّبِ: يَوْمُ التَّرْوِيَةِ، وعَنْ عَلِيٍّ أيْضًا: يَوْمُ القِيامَةِ، وعَنِ النَّخَعِيِّ: يَوْمُ الأضْحى، ﴿ومَشْهُودٍ﴾ في هَذِهِ الأقْوالِ يَوْمُ عَرَفَةَ، وعَنِ ابْنِ عُمَرَ: يَوْمُ الجُمُعَةِ، (ومَشْهُودٍ) يَوْمُ النَّحْرِ، وعَنْ جابِرٍ: يَوْمُ الجُمُعَةِ، ﴿ومَشْهُودٍ﴾ النّاسُ، وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ: ابْنُ آدَمَ، ﴿ومَشْهُودٍ﴾ اللَّهُ تَعالى، وعَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ: عَكْسُ هَذا، وعَنْ أبِي مالِكٍ: عِيسى، ﴿ومَشْهُودٍ﴾ أُمَّتُهُ، وعَنْ عَلِيٍّ: يَوْمُ عَرَفَةَ، ﴿ومَشْهُودٍ﴾ يَوْمُ النَّحْرِ، وعَنِ التِّرْمِذِيِّ الحَكِيمِ: الحَفَظَةُ، ﴿ومَشْهُودٍ﴾ عَلَيْهِمْ: النّاسُ، وعَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ يَحْيى: مُحَمَّدٌ، (ومَشْهُودٍ) عَلَيْهِ: أُمَّتُهُ، وعَنْهُ: الأنْبِياءُ، ﴿ومَشْهُودٍ﴾ أُمَمُهم، وعَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ ومُقاتِلٍ: الجَوارِحُ يَوْمَ القِيامَةِ، ﴿ومَشْهُودٍ﴾ أصْحابُها. وقِيلَ: هُما يَوْمُ الإثْنَيْنِ ويَوْمُ الجُمُعَةِ. وقِيلَ: المَلائِكَةُ المُتَعاقِبُونَ وقُرْآنُ الفَجْرِ. وقِيلَ: النَّجْمُ واللَّيْلُ والنَّهارُ. وقِيلَ: اللَّهُ والمَلائِكَةُ وأُولُو العِلْمِ، ومَشْهُودٌ بِهِ الوَحْدانِيَّةُ، و﴿إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ﴾ [آل عمران: ١٩] . وقِيلَ: مَخْلُوقاتُهُ تَعالى، ﴿ومَشْهُودٍ﴾ بِهِ: وحْدانِيَّتُهُ. وقِيلَ: هُما الحَجَرُ الأسْوَدُ والحَجِيجُ. وقِيلَ: اللَّيالِي والأيّامُ وبَنُو آدَمَ. وقِيلَ: الأنْبِياءُ ومُحَمَّدٌ، وهَذِهِ أقْوالٌ سَبْعَةٌ وعِشْرُونَ لِكُلٍّ مِنها مُتَمَسَّكٌ، ولِلصُّوفِيَّةِ أقْوالٌ غَيْرُ هَذِهِ، والظّاهِرُ ما قُلْناهُ أوَّلًا، وجَوابُ القَسَمِ قِيلَ مَحْذُوفٌ، فَقِيلَ: لَتُبْعَثُنَّ ونَحْوُهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ وقِيلَ: الجَوابُ مَذْكُورٌ فَقِيلَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا﴾ [البروج: ١٠] . وقالَ المُبَرِّدُ: ﴿إنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ [البروج: ١٢] . وقِيلَ: (قُتِلَ) وهَذا نَخْتارُهُ وحُذِفَتِ اللّامُ أيْ: لَقُتِلَ، وحَسُنَ حَذْفُها كَما حَسُنَ في قَوْلِهِ: ﴿والشَّمْسِ وضُحاها﴾ [الشمس: ١] ثُمَّ قالَ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ [الشمس: ٩] أيْ: لَقَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها، ويَكُونُ الجَوابُ دَلِيلًا عَلى لَعْنَةِ اللَّهِ عَلى مَن فَعَلَ ذَلِكَ وطَرْدِهِ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ، وتَنْبِيهًا لِكُفّارِ قُرَيْشٍ الَّذِينَ يُؤْذُونَ المُؤْمِنِينَ لِيَفْتِنُوهم عَنْ دِينِهِمْ، عَلى أنَّهم مَلْعُونُونَ بِجامِعِ ما اشْتَرَكا فِيهِ مِن تَعْذِيبِ المُؤْمِنِينَ، وإذا كانَ (قُتِلَ) جَوابًا لِلْقَسَمِ، فَهي جُمْلَةٌ خَبَرِيَّةٌ، وقِيلَ: دُعاءٌ، فَكَوْنُ الجَوابِ غَيْرَها. وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ مِقْسَمٍ بِالتَّشْدِيدِ، والجُمْهُورُ بِالتَّخْفِيفِ.
البروج 85:2
سُورَةُ البُرُوجِ مَكِّيَّةٌ وهي اثْنانِ وعِشْرُونَ آيَةً
﷽
﴿والسَّماءِ ذاتِ البُرُوجِ﴾ ﴿واليَوْمِ المَوْعُودِ﴾ ﴿وشاهِدٍ ومَشْهُودٍ﴾ ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ ﴿النّارِ ذاتِ الوَقُودِ﴾ ﴿إذْ هم عَلَيْها قُعُودٌ﴾ ﴿وهم عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾ ﴿وما نَقَمُوا مِنهم إلّا أنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾ ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [البروج: ٩] ﴿إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهم عَذابُ جَهَنَّمَ ولَهم عَذابُ الحَرِيقِ﴾ [البروج: ١٠] ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ذَلِكَ الفَوْزُ الكَبِيرُ﴾ [البروج: ١١] ﴿إنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ [البروج: ١٢] ﴿إنَّهُ هو يُبْدِئُ ويُعِيدُ﴾ [البروج: ١٣] ﴿وهُوَ الغَفُورُ الوَدُودُ﴾ [البروج: ١٤] ﴿ذُو العَرْشِ المَجِيدُ﴾ [البروج: ١٥] ﴿فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ [البروج: ١٦] ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الجُنُودِ﴾ [البروج: ١٧] ﴿فِرْعَوْنَ وثَمُودَ﴾ [البروج: ١٨] ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا في تَكْذِيبٍ﴾ [البروج: ١٩] ﴿واللَّهُ مِن ورائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ [البروج: ٢٠] ﴿بَلْ هو قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ [البروج: ٢١] ﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج: ٢٢]
الأُخْدُودُ: الخَدُّ في الأرْضِ، وهو الشِّقُّ ونَحْوُهُما بِناءٌ، ومَعْنى الخَقِّ والأُخْقُوقِ، ومِنهُ:
فَساحَتْ قَوائِمُهُ في أخافِيقِ جُرْدانِ
(p-٤٤٩)﴿والسَّماءِ ذاتِ البُرُوجِ﴾ ﴿واليَوْمِ المَوْعُودِ﴾ ﴿وشاهِدٍ ومَشْهُودٍ﴾ ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ ﴿النّارِ ذاتِ الوَقُودِ﴾ ﴿إذْ هم عَلَيْها قُعُودٌ﴾ ﴿وهم عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾ ﴿وما نَقَمُوا مِنهم إلّا أنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾ ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [البروج: ٩] ﴿إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهم عَذابُ جَهَنَّمَ ولَهم عَذابُ الحَرِيقِ﴾ [البروج: ١٠] ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ذَلِكَ الفَوْزُ الكَبِيرُ﴾ [البروج: ١١] ﴿إنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ [البروج: ١٢] ﴿إنَّهُ هو يُبْدِئُ ويُعِيدُ﴾ [البروج: ١٣] ﴿وهُوَ الغَفُورُ الوَدُودُ﴾ [البروج: ١٤] ﴿ذُو العَرْشِ المَجِيدُ﴾ [البروج: ١٥] ﴿فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ [البروج: ١٦] ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الجُنُودِ﴾ [البروج: ١٧] ﴿فِرْعَوْنَ وثَمُودَ﴾ [البروج: ١٨] ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا في تَكْذِيبٍ واللَّهُ مِن ورائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ [البروج: ١٩] ﴿بَلْ هو قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ [البروج: ٢١] ﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج: ٢٢] .
هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها: لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِما يَجْمَعُونَ لِلرَّسُولِ ولِلْمُؤْمِنِينَ مِنَ المَكْرِ، والخِداعِ، وإذايَةِ مَن أسْلَمَ بِأنْواعٍ مِنَ الأذى، كالضَّرْبِ، والقَتْلِ، والصَّلْبِ، والحَرْقِ بِالشَّمْسِ، وإحْماءِ الصَّخْرِ ووَضْعِ أجْسادِ مَن يُرِيدُونَ أنْ يَفْتِنُوهُ عَلَيْهِ، ذَكَرَ أنَّ هَذِهِ الشِّنْشَنَةَ كانَتْ فِيمَن تَقَدَّمَ مِنَ الأُمَمِ يُعَذِّبُونَ بِالنّارِ، وأنَّ أُولَئِكَ الَّذِينَ أُعْرِضُوا عَلى النّارِ كانَ لَهم مِنَ الثَّباتِ في الإيمانِ ما مَنَعَهم أنْ يَرْجِعُوا عَنْ دِينِهِمْ أوْ يُحْرَمُوا، وأنَّ أُولَئِكَ الَّذِينَ عَذَّبُوا عِبادَ اللَّهِ مَلْعُونُونَ، فَكَذَلِكَ الَّذِينَ عَذَّبُوا المُؤْمِنِينَ مِن كُفّارِ قُرَيْشٍ مَلْعُونُونَ، فَهَذِهِ السُّورَةُ عِظَةٌ لِقُرَيْشٍ وتَثْبِيتٌ لِمَن يُعَذَّبُ.
﴿ذاتِ البُرُوجِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والجُمْهُورُ: هي المَنازِلُ الَّتِي عَرَفَتْها العَرَبُ، وهي اثْنا عَشَرَ عَلى ما قَسَّمَتْهُ، وهي الَّتِي تَقْطَعُها الشَّمْسُ في سَنَةٍ، والقَمَرُ في ثَمانِيَةٍ وعِشْرِينَ يَوْمًا. وقالَ عِكْرِمَةُ والحَسَنُ ومُجاهِدٌ: هي القُصُورُ. وقالَ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ أيْضًا: هي النُّجُومُ. وقِيلَ: عِظامُ الكَواكِبِ، سُمِّيَتْ بُرُوجًا لِظُهُورِها. وقِيلَ: هي أبْوابُ السَّماءِ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ البُرُوجِ في سُورَةِ الحِجْرِ.
﴿واليَوْمِ المَوْعُودِ﴾ هو يَوْمُ القِيامَةِ، أيْ المَوْعُودِ بِهِ ﴿وشاهِدٍ ومَشْهُودٍ﴾ هَذانِ مُنَكَّرانِ، ويَنْبَغِي حَمْلُهُما عَلى العُمُومِ لِقَوْلِهِ: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أحْضَرَتْ﴾ [التكوير: ١٤] وإنْ كانَ اللَّفْظُ لا يَقْتَضِيهِ، لَكِنَّ المَعْنى يَقْتَضِيهِ، إذْ لا يُقْسَمُ بِنَكِرَةٍ ولا يُدْرى مَن هي. فَإذا لُوحِظَ فِيها مَعْنى العُمُومِ انْدَرَجَ فِيها المَعْرِفَةُ فَحَسُنَ القَسَمُ، وكَذا يَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ ما جاءَ مِن هَذا النَّوْعِ نَكِرَةً، كَقَوْلِهِ: ﴿والطُّورِ وكِتابٍ مَسْطُورٍ﴾ [الطور: ١] ولِأنَّهُ إذا حُمِلَ ﴿وكِتابٍ مَسْطُورٍ﴾ [الطور: ٢] عَلى العُمُومِ دَخَلَ فِيهِ مَعْنَيانِ: الكُتُبُ الإلَهِيَّةُ، كالتَّوْراةِ والإنْجِيلِ، والقُرْآنِ، فَيَحْسُنُ إذْ ذاكَ القَسَمُ بِهِ.
ولَمّا ذَكَرَ ﴿واليَوْمِ المَوْعُودِ﴾، وهو يَوْمُ القِيامَةِ بِاتِّفاقٍ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ، ﷺ ناسَبَ أنْ يَكُونَ المُقْسَمُ بِهِ مَن يَشْهَدُ في ذَلِكَ اليَوْمِ ومَن يُشْهَدُ عَلَيْهِ (p-٤٥٠)إنْ كانَ ذَلِكَ مِنَ الشَّهادَةِ، وإنْ كانَ مِنَ الحُضُورِ، فالشّاهِدُ: الخَلائِقُ الحاضِرُونَ لِلْحِسابِ، والمَشْهُودُ: اليَوْمُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ وذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ [هود: ١٠٣] كانَ مَوْعُودًا بِهِ فَصارَ مَشْهُودًا، وقَدِ اخْتَلَفَتْ أقْوالُ المُفَسِّرِينَ في تَعْيِينِهِما.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: الشّاهِدُ: اللَّهُ تَعالى، وعَنْهُ وعَنِ الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ وعِكْرِمَةَ: الرَّسُولُ، وعَنْ مُجاهِدٍ، وعِكْرِمَةَ، وعَطاءِ بْنِ يَسارٍ: آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وذُرِّيَّتُهُ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا والحَسَنِ: الشّاهِدُ يَوْمُ عَرَفَةَ ويَوْمُ الجُمُعَةِ، وفي كُلِّ قَوْمٍ مِنها المَشْهُودُ يَوْمُ القِيامَةِ، وعَنْ عَلِيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ وأبِي هُرَيْرَةَ، والحَسَنِ، وابْنِ المُسَيَّبِ، وقَتادَةَ: ﴿وشاهِدٍ﴾ يَوْمُ الجُمُعَةِ، وعَنِ ابْنِ المُسَيَّبِ: يَوْمُ التَّرْوِيَةِ، وعَنْ عَلِيٍّ أيْضًا: يَوْمُ القِيامَةِ، وعَنِ النَّخَعِيِّ: يَوْمُ الأضْحى، ﴿ومَشْهُودٍ﴾ في هَذِهِ الأقْوالِ يَوْمُ عَرَفَةَ، وعَنِ ابْنِ عُمَرَ: يَوْمُ الجُمُعَةِ، (ومَشْهُودٍ) يَوْمُ النَّحْرِ، وعَنْ جابِرٍ: يَوْمُ الجُمُعَةِ، ﴿ومَشْهُودٍ﴾ النّاسُ، وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ: ابْنُ آدَمَ، ﴿ومَشْهُودٍ﴾ اللَّهُ تَعالى، وعَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ: عَكْسُ هَذا، وعَنْ أبِي مالِكٍ: عِيسى، ﴿ومَشْهُودٍ﴾ أُمَّتُهُ، وعَنْ عَلِيٍّ: يَوْمُ عَرَفَةَ، ﴿ومَشْهُودٍ﴾ يَوْمُ النَّحْرِ، وعَنِ التِّرْمِذِيِّ الحَكِيمِ: الحَفَظَةُ، ﴿ومَشْهُودٍ﴾ عَلَيْهِمْ: النّاسُ، وعَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ يَحْيى: مُحَمَّدٌ، (ومَشْهُودٍ) عَلَيْهِ: أُمَّتُهُ، وعَنْهُ: الأنْبِياءُ، ﴿ومَشْهُودٍ﴾ أُمَمُهم، وعَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ ومُقاتِلٍ: الجَوارِحُ يَوْمَ القِيامَةِ، ﴿ومَشْهُودٍ﴾ أصْحابُها. وقِيلَ: هُما يَوْمُ الإثْنَيْنِ ويَوْمُ الجُمُعَةِ. وقِيلَ: المَلائِكَةُ المُتَعاقِبُونَ وقُرْآنُ الفَجْرِ. وقِيلَ: النَّجْمُ واللَّيْلُ والنَّهارُ. وقِيلَ: اللَّهُ والمَلائِكَةُ وأُولُو العِلْمِ، ومَشْهُودٌ بِهِ الوَحْدانِيَّةُ، و﴿إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ﴾ [آل عمران: ١٩] . وقِيلَ: مَخْلُوقاتُهُ تَعالى، ﴿ومَشْهُودٍ﴾ بِهِ: وحْدانِيَّتُهُ. وقِيلَ: هُما الحَجَرُ الأسْوَدُ والحَجِيجُ. وقِيلَ: اللَّيالِي والأيّامُ وبَنُو آدَمَ. وقِيلَ: الأنْبِياءُ ومُحَمَّدٌ، وهَذِهِ أقْوالٌ سَبْعَةٌ وعِشْرُونَ لِكُلٍّ مِنها مُتَمَسَّكٌ، ولِلصُّوفِيَّةِ أقْوالٌ غَيْرُ هَذِهِ، والظّاهِرُ ما قُلْناهُ أوَّلًا، وجَوابُ القَسَمِ قِيلَ مَحْذُوفٌ، فَقِيلَ: لَتُبْعَثُنَّ ونَحْوُهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ وقِيلَ: الجَوابُ مَذْكُورٌ فَقِيلَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا﴾ [البروج: ١٠] . وقالَ المُبَرِّدُ: ﴿إنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ [البروج: ١٢] . وقِيلَ: (قُتِلَ) وهَذا نَخْتارُهُ وحُذِفَتِ اللّامُ أيْ: لَقُتِلَ، وحَسُنَ حَذْفُها كَما حَسُنَ في قَوْلِهِ: ﴿والشَّمْسِ وضُحاها﴾ [الشمس: ١] ثُمَّ قالَ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ [الشمس: ٩] أيْ: لَقَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها، ويَكُونُ الجَوابُ دَلِيلًا عَلى لَعْنَةِ اللَّهِ عَلى مَن فَعَلَ ذَلِكَ وطَرْدِهِ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ، وتَنْبِيهًا لِكُفّارِ قُرَيْشٍ الَّذِينَ يُؤْذُونَ المُؤْمِنِينَ لِيَفْتِنُوهم عَنْ دِينِهِمْ، عَلى أنَّهم مَلْعُونُونَ بِجامِعِ ما اشْتَرَكا فِيهِ مِن تَعْذِيبِ المُؤْمِنِينَ، وإذا كانَ (قُتِلَ) جَوابًا لِلْقَسَمِ، فَهي جُمْلَةٌ خَبَرِيَّةٌ، وقِيلَ: دُعاءٌ، فَكَوْنُ الجَوابِ غَيْرَها. وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ مِقْسَمٍ بِالتَّشْدِيدِ، والجُمْهُورُ بِالتَّخْفِيفِ.
البروج 85:3
سُورَةُ البُرُوجِ مَكِّيَّةٌ وهي اثْنانِ وعِشْرُونَ آيَةً
﷽
﴿والسَّماءِ ذاتِ البُرُوجِ﴾ ﴿واليَوْمِ المَوْعُودِ﴾ ﴿وشاهِدٍ ومَشْهُودٍ﴾ ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ ﴿النّارِ ذاتِ الوَقُودِ﴾ ﴿إذْ هم عَلَيْها قُعُودٌ﴾ ﴿وهم عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾ ﴿وما نَقَمُوا مِنهم إلّا أنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾ ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [البروج: ٩] ﴿إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهم عَذابُ جَهَنَّمَ ولَهم عَذابُ الحَرِيقِ﴾ [البروج: ١٠] ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ذَلِكَ الفَوْزُ الكَبِيرُ﴾ [البروج: ١١] ﴿إنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ [البروج: ١٢] ﴿إنَّهُ هو يُبْدِئُ ويُعِيدُ﴾ [البروج: ١٣] ﴿وهُوَ الغَفُورُ الوَدُودُ﴾ [البروج: ١٤] ﴿ذُو العَرْشِ المَجِيدُ﴾ [البروج: ١٥] ﴿فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ [البروج: ١٦] ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الجُنُودِ﴾ [البروج: ١٧] ﴿فِرْعَوْنَ وثَمُودَ﴾ [البروج: ١٨] ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا في تَكْذِيبٍ﴾ [البروج: ١٩] ﴿واللَّهُ مِن ورائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ [البروج: ٢٠] ﴿بَلْ هو قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ [البروج: ٢١] ﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج: ٢٢]
الأُخْدُودُ: الخَدُّ في الأرْضِ، وهو الشِّقُّ ونَحْوُهُما بِناءٌ، ومَعْنى الخَقِّ والأُخْقُوقِ، ومِنهُ:
فَساحَتْ قَوائِمُهُ في أخافِيقِ جُرْدانِ
(p-٤٤٩)﴿والسَّماءِ ذاتِ البُرُوجِ﴾ ﴿واليَوْمِ المَوْعُودِ﴾ ﴿وشاهِدٍ ومَشْهُودٍ﴾ ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ ﴿النّارِ ذاتِ الوَقُودِ﴾ ﴿إذْ هم عَلَيْها قُعُودٌ﴾ ﴿وهم عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾ ﴿وما نَقَمُوا مِنهم إلّا أنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾ ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [البروج: ٩] ﴿إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهم عَذابُ جَهَنَّمَ ولَهم عَذابُ الحَرِيقِ﴾ [البروج: ١٠] ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ذَلِكَ الفَوْزُ الكَبِيرُ﴾ [البروج: ١١] ﴿إنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ [البروج: ١٢] ﴿إنَّهُ هو يُبْدِئُ ويُعِيدُ﴾ [البروج: ١٣] ﴿وهُوَ الغَفُورُ الوَدُودُ﴾ [البروج: ١٤] ﴿ذُو العَرْشِ المَجِيدُ﴾ [البروج: ١٥] ﴿فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ [البروج: ١٦] ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الجُنُودِ﴾ [البروج: ١٧] ﴿فِرْعَوْنَ وثَمُودَ﴾ [البروج: ١٨] ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا في تَكْذِيبٍ واللَّهُ مِن ورائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ [البروج: ١٩] ﴿بَلْ هو قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ [البروج: ٢١] ﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج: ٢٢] .
هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها: لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِما يَجْمَعُونَ لِلرَّسُولِ ولِلْمُؤْمِنِينَ مِنَ المَكْرِ، والخِداعِ، وإذايَةِ مَن أسْلَمَ بِأنْواعٍ مِنَ الأذى، كالضَّرْبِ، والقَتْلِ، والصَّلْبِ، والحَرْقِ بِالشَّمْسِ، وإحْماءِ الصَّخْرِ ووَضْعِ أجْسادِ مَن يُرِيدُونَ أنْ يَفْتِنُوهُ عَلَيْهِ، ذَكَرَ أنَّ هَذِهِ الشِّنْشَنَةَ كانَتْ فِيمَن تَقَدَّمَ مِنَ الأُمَمِ يُعَذِّبُونَ بِالنّارِ، وأنَّ أُولَئِكَ الَّذِينَ أُعْرِضُوا عَلى النّارِ كانَ لَهم مِنَ الثَّباتِ في الإيمانِ ما مَنَعَهم أنْ يَرْجِعُوا عَنْ دِينِهِمْ أوْ يُحْرَمُوا، وأنَّ أُولَئِكَ الَّذِينَ عَذَّبُوا عِبادَ اللَّهِ مَلْعُونُونَ، فَكَذَلِكَ الَّذِينَ عَذَّبُوا المُؤْمِنِينَ مِن كُفّارِ قُرَيْشٍ مَلْعُونُونَ، فَهَذِهِ السُّورَةُ عِظَةٌ لِقُرَيْشٍ وتَثْبِيتٌ لِمَن يُعَذَّبُ.
﴿ذاتِ البُرُوجِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والجُمْهُورُ: هي المَنازِلُ الَّتِي عَرَفَتْها العَرَبُ، وهي اثْنا عَشَرَ عَلى ما قَسَّمَتْهُ، وهي الَّتِي تَقْطَعُها الشَّمْسُ في سَنَةٍ، والقَمَرُ في ثَمانِيَةٍ وعِشْرِينَ يَوْمًا. وقالَ عِكْرِمَةُ والحَسَنُ ومُجاهِدٌ: هي القُصُورُ. وقالَ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ أيْضًا: هي النُّجُومُ. وقِيلَ: عِظامُ الكَواكِبِ، سُمِّيَتْ بُرُوجًا لِظُهُورِها. وقِيلَ: هي أبْوابُ السَّماءِ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ البُرُوجِ في سُورَةِ الحِجْرِ.
﴿واليَوْمِ المَوْعُودِ﴾ هو يَوْمُ القِيامَةِ، أيْ المَوْعُودِ بِهِ ﴿وشاهِدٍ ومَشْهُودٍ﴾ هَذانِ مُنَكَّرانِ، ويَنْبَغِي حَمْلُهُما عَلى العُمُومِ لِقَوْلِهِ: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أحْضَرَتْ﴾ [التكوير: ١٤] وإنْ كانَ اللَّفْظُ لا يَقْتَضِيهِ، لَكِنَّ المَعْنى يَقْتَضِيهِ، إذْ لا يُقْسَمُ بِنَكِرَةٍ ولا يُدْرى مَن هي. فَإذا لُوحِظَ فِيها مَعْنى العُمُومِ انْدَرَجَ فِيها المَعْرِفَةُ فَحَسُنَ القَسَمُ، وكَذا يَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ ما جاءَ مِن هَذا النَّوْعِ نَكِرَةً، كَقَوْلِهِ: ﴿والطُّورِ وكِتابٍ مَسْطُورٍ﴾ [الطور: ١] ولِأنَّهُ إذا حُمِلَ ﴿وكِتابٍ مَسْطُورٍ﴾ [الطور: ٢] عَلى العُمُومِ دَخَلَ فِيهِ مَعْنَيانِ: الكُتُبُ الإلَهِيَّةُ، كالتَّوْراةِ والإنْجِيلِ، والقُرْآنِ، فَيَحْسُنُ إذْ ذاكَ القَسَمُ بِهِ.
ولَمّا ذَكَرَ ﴿واليَوْمِ المَوْعُودِ﴾، وهو يَوْمُ القِيامَةِ بِاتِّفاقٍ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ، ﷺ ناسَبَ أنْ يَكُونَ المُقْسَمُ بِهِ مَن يَشْهَدُ في ذَلِكَ اليَوْمِ ومَن يُشْهَدُ عَلَيْهِ (p-٤٥٠)إنْ كانَ ذَلِكَ مِنَ الشَّهادَةِ، وإنْ كانَ مِنَ الحُضُورِ، فالشّاهِدُ: الخَلائِقُ الحاضِرُونَ لِلْحِسابِ، والمَشْهُودُ: اليَوْمُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ وذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ [هود: ١٠٣] كانَ مَوْعُودًا بِهِ فَصارَ مَشْهُودًا، وقَدِ اخْتَلَفَتْ أقْوالُ المُفَسِّرِينَ في تَعْيِينِهِما.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: الشّاهِدُ: اللَّهُ تَعالى، وعَنْهُ وعَنِ الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ وعِكْرِمَةَ: الرَّسُولُ، وعَنْ مُجاهِدٍ، وعِكْرِمَةَ، وعَطاءِ بْنِ يَسارٍ: آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وذُرِّيَّتُهُ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا والحَسَنِ: الشّاهِدُ يَوْمُ عَرَفَةَ ويَوْمُ الجُمُعَةِ، وفي كُلِّ قَوْمٍ مِنها المَشْهُودُ يَوْمُ القِيامَةِ، وعَنْ عَلِيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ وأبِي هُرَيْرَةَ، والحَسَنِ، وابْنِ المُسَيَّبِ، وقَتادَةَ: ﴿وشاهِدٍ﴾ يَوْمُ الجُمُعَةِ، وعَنِ ابْنِ المُسَيَّبِ: يَوْمُ التَّرْوِيَةِ، وعَنْ عَلِيٍّ أيْضًا: يَوْمُ القِيامَةِ، وعَنِ النَّخَعِيِّ: يَوْمُ الأضْحى، ﴿ومَشْهُودٍ﴾ في هَذِهِ الأقْوالِ يَوْمُ عَرَفَةَ، وعَنِ ابْنِ عُمَرَ: يَوْمُ الجُمُعَةِ، (ومَشْهُودٍ) يَوْمُ النَّحْرِ، وعَنْ جابِرٍ: يَوْمُ الجُمُعَةِ، ﴿ومَشْهُودٍ﴾ النّاسُ، وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ: ابْنُ آدَمَ، ﴿ومَشْهُودٍ﴾ اللَّهُ تَعالى، وعَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ: عَكْسُ هَذا، وعَنْ أبِي مالِكٍ: عِيسى، ﴿ومَشْهُودٍ﴾ أُمَّتُهُ، وعَنْ عَلِيٍّ: يَوْمُ عَرَفَةَ، ﴿ومَشْهُودٍ﴾ يَوْمُ النَّحْرِ، وعَنِ التِّرْمِذِيِّ الحَكِيمِ: الحَفَظَةُ، ﴿ومَشْهُودٍ﴾ عَلَيْهِمْ: النّاسُ، وعَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ يَحْيى: مُحَمَّدٌ، (ومَشْهُودٍ) عَلَيْهِ: أُمَّتُهُ، وعَنْهُ: الأنْبِياءُ، ﴿ومَشْهُودٍ﴾ أُمَمُهم، وعَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ ومُقاتِلٍ: الجَوارِحُ يَوْمَ القِيامَةِ، ﴿ومَشْهُودٍ﴾ أصْحابُها. وقِيلَ: هُما يَوْمُ الإثْنَيْنِ ويَوْمُ الجُمُعَةِ. وقِيلَ: المَلائِكَةُ المُتَعاقِبُونَ وقُرْآنُ الفَجْرِ. وقِيلَ: النَّجْمُ واللَّيْلُ والنَّهارُ. وقِيلَ: اللَّهُ والمَلائِكَةُ وأُولُو العِلْمِ، ومَشْهُودٌ بِهِ الوَحْدانِيَّةُ، و﴿إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ﴾ [آل عمران: ١٩] . وقِيلَ: مَخْلُوقاتُهُ تَعالى، ﴿ومَشْهُودٍ﴾ بِهِ: وحْدانِيَّتُهُ. وقِيلَ: هُما الحَجَرُ الأسْوَدُ والحَجِيجُ. وقِيلَ: اللَّيالِي والأيّامُ وبَنُو آدَمَ. وقِيلَ: الأنْبِياءُ ومُحَمَّدٌ، وهَذِهِ أقْوالٌ سَبْعَةٌ وعِشْرُونَ لِكُلٍّ مِنها مُتَمَسَّكٌ، ولِلصُّوفِيَّةِ أقْوالٌ غَيْرُ هَذِهِ، والظّاهِرُ ما قُلْناهُ أوَّلًا، وجَوابُ القَسَمِ قِيلَ مَحْذُوفٌ، فَقِيلَ: لَتُبْعَثُنَّ ونَحْوُهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ وقِيلَ: الجَوابُ مَذْكُورٌ فَقِيلَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا﴾ [البروج: ١٠] . وقالَ المُبَرِّدُ: ﴿إنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ [البروج: ١٢] . وقِيلَ: (قُتِلَ) وهَذا نَخْتارُهُ وحُذِفَتِ اللّامُ أيْ: لَقُتِلَ، وحَسُنَ حَذْفُها كَما حَسُنَ في قَوْلِهِ: ﴿والشَّمْسِ وضُحاها﴾ [الشمس: ١] ثُمَّ قالَ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ [الشمس: ٩] أيْ: لَقَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها، ويَكُونُ الجَوابُ دَلِيلًا عَلى لَعْنَةِ اللَّهِ عَلى مَن فَعَلَ ذَلِكَ وطَرْدِهِ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ، وتَنْبِيهًا لِكُفّارِ قُرَيْشٍ الَّذِينَ يُؤْذُونَ المُؤْمِنِينَ لِيَفْتِنُوهم عَنْ دِينِهِمْ، عَلى أنَّهم مَلْعُونُونَ بِجامِعِ ما اشْتَرَكا فِيهِ مِن تَعْذِيبِ المُؤْمِنِينَ، وإذا كانَ (قُتِلَ) جَوابًا لِلْقَسَمِ، فَهي جُمْلَةٌ خَبَرِيَّةٌ، وقِيلَ: دُعاءٌ، فَكَوْنُ الجَوابِ غَيْرَها. وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ مِقْسَمٍ بِالتَّشْدِيدِ، والجُمْهُورُ بِالتَّخْفِيفِ.
البروج 85:4
سُورَةُ البُرُوجِ مَكِّيَّةٌ وهي اثْنانِ وعِشْرُونَ آيَةً
﷽
﴿والسَّماءِ ذاتِ البُرُوجِ﴾ ﴿واليَوْمِ المَوْعُودِ﴾ ﴿وشاهِدٍ ومَشْهُودٍ﴾ ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ ﴿النّارِ ذاتِ الوَقُودِ﴾ ﴿إذْ هم عَلَيْها قُعُودٌ﴾ ﴿وهم عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾ ﴿وما نَقَمُوا مِنهم إلّا أنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾ ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [البروج: ٩] ﴿إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهم عَذابُ جَهَنَّمَ ولَهم عَذابُ الحَرِيقِ﴾ [البروج: ١٠] ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ذَلِكَ الفَوْزُ الكَبِيرُ﴾ [البروج: ١١] ﴿إنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ [البروج: ١٢] ﴿إنَّهُ هو يُبْدِئُ ويُعِيدُ﴾ [البروج: ١٣] ﴿وهُوَ الغَفُورُ الوَدُودُ﴾ [البروج: ١٤] ﴿ذُو العَرْشِ المَجِيدُ﴾ [البروج: ١٥] ﴿فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ [البروج: ١٦] ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الجُنُودِ﴾ [البروج: ١٧] ﴿فِرْعَوْنَ وثَمُودَ﴾ [البروج: ١٨] ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا في تَكْذِيبٍ﴾ [البروج: ١٩] ﴿واللَّهُ مِن ورائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ [البروج: ٢٠] ﴿بَلْ هو قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ [البروج: ٢١] ﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج: ٢٢]
الأُخْدُودُ: الخَدُّ في الأرْضِ، وهو الشِّقُّ ونَحْوُهُما بِناءٌ، ومَعْنى الخَقِّ والأُخْقُوقِ، ومِنهُ:
فَساحَتْ قَوائِمُهُ في أخافِيقِ جُرْدانِ
(p-٤٤٩)﴿والسَّماءِ ذاتِ البُرُوجِ﴾ ﴿واليَوْمِ المَوْعُودِ﴾ ﴿وشاهِدٍ ومَشْهُودٍ﴾ ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ ﴿النّارِ ذاتِ الوَقُودِ﴾ ﴿إذْ هم عَلَيْها قُعُودٌ﴾ ﴿وهم عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾ ﴿وما نَقَمُوا مِنهم إلّا أنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾ ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [البروج: ٩] ﴿إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهم عَذابُ جَهَنَّمَ ولَهم عَذابُ الحَرِيقِ﴾ [البروج: ١٠] ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ذَلِكَ الفَوْزُ الكَبِيرُ﴾ [البروج: ١١] ﴿إنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ [البروج: ١٢] ﴿إنَّهُ هو يُبْدِئُ ويُعِيدُ﴾ [البروج: ١٣] ﴿وهُوَ الغَفُورُ الوَدُودُ﴾ [البروج: ١٤] ﴿ذُو العَرْشِ المَجِيدُ﴾ [البروج: ١٥] ﴿فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ [البروج: ١٦] ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الجُنُودِ﴾ [البروج: ١٧] ﴿فِرْعَوْنَ وثَمُودَ﴾ [البروج: ١٨] ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا في تَكْذِيبٍ واللَّهُ مِن ورائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ [البروج: ١٩] ﴿بَلْ هو قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ [البروج: ٢١] ﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج: ٢٢] .
هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها: لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِما يَجْمَعُونَ لِلرَّسُولِ ولِلْمُؤْمِنِينَ مِنَ المَكْرِ، والخِداعِ، وإذايَةِ مَن أسْلَمَ بِأنْواعٍ مِنَ الأذى، كالضَّرْبِ، والقَتْلِ، والصَّلْبِ، والحَرْقِ بِالشَّمْسِ، وإحْماءِ الصَّخْرِ ووَضْعِ أجْسادِ مَن يُرِيدُونَ أنْ يَفْتِنُوهُ عَلَيْهِ، ذَكَرَ أنَّ هَذِهِ الشِّنْشَنَةَ كانَتْ فِيمَن تَقَدَّمَ مِنَ الأُمَمِ يُعَذِّبُونَ بِالنّارِ، وأنَّ أُولَئِكَ الَّذِينَ أُعْرِضُوا عَلى النّارِ كانَ لَهم مِنَ الثَّباتِ في الإيمانِ ما مَنَعَهم أنْ يَرْجِعُوا عَنْ دِينِهِمْ أوْ يُحْرَمُوا، وأنَّ أُولَئِكَ الَّذِينَ عَذَّبُوا عِبادَ اللَّهِ مَلْعُونُونَ، فَكَذَلِكَ الَّذِينَ عَذَّبُوا المُؤْمِنِينَ مِن كُفّارِ قُرَيْشٍ مَلْعُونُونَ، فَهَذِهِ السُّورَةُ عِظَةٌ لِقُرَيْشٍ وتَثْبِيتٌ لِمَن يُعَذَّبُ.
﴿ذاتِ البُرُوجِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والجُمْهُورُ: هي المَنازِلُ الَّتِي عَرَفَتْها العَرَبُ، وهي اثْنا عَشَرَ عَلى ما قَسَّمَتْهُ، وهي الَّتِي تَقْطَعُها الشَّمْسُ في سَنَةٍ، والقَمَرُ في ثَمانِيَةٍ وعِشْرِينَ يَوْمًا. وقالَ عِكْرِمَةُ والحَسَنُ ومُجاهِدٌ: هي القُصُورُ. وقالَ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ أيْضًا: هي النُّجُومُ. وقِيلَ: عِظامُ الكَواكِبِ، سُمِّيَتْ بُرُوجًا لِظُهُورِها. وقِيلَ: هي أبْوابُ السَّماءِ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ البُرُوجِ في سُورَةِ الحِجْرِ.
﴿واليَوْمِ المَوْعُودِ﴾ هو يَوْمُ القِيامَةِ، أيْ المَوْعُودِ بِهِ ﴿وشاهِدٍ ومَشْهُودٍ﴾ هَذانِ مُنَكَّرانِ، ويَنْبَغِي حَمْلُهُما عَلى العُمُومِ لِقَوْلِهِ: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أحْضَرَتْ﴾ [التكوير: ١٤] وإنْ كانَ اللَّفْظُ لا يَقْتَضِيهِ، لَكِنَّ المَعْنى يَقْتَضِيهِ، إذْ لا يُقْسَمُ بِنَكِرَةٍ ولا يُدْرى مَن هي. فَإذا لُوحِظَ فِيها مَعْنى العُمُومِ انْدَرَجَ فِيها المَعْرِفَةُ فَحَسُنَ القَسَمُ، وكَذا يَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ ما جاءَ مِن هَذا النَّوْعِ نَكِرَةً، كَقَوْلِهِ: ﴿والطُّورِ وكِتابٍ مَسْطُورٍ﴾ [الطور: ١] ولِأنَّهُ إذا حُمِلَ ﴿وكِتابٍ مَسْطُورٍ﴾ [الطور: ٢] عَلى العُمُومِ دَخَلَ فِيهِ مَعْنَيانِ: الكُتُبُ الإلَهِيَّةُ، كالتَّوْراةِ والإنْجِيلِ، والقُرْآنِ، فَيَحْسُنُ إذْ ذاكَ القَسَمُ بِهِ.
ولَمّا ذَكَرَ ﴿واليَوْمِ المَوْعُودِ﴾، وهو يَوْمُ القِيامَةِ بِاتِّفاقٍ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ، ﷺ ناسَبَ أنْ يَكُونَ المُقْسَمُ بِهِ مَن يَشْهَدُ في ذَلِكَ اليَوْمِ ومَن يُشْهَدُ عَلَيْهِ (p-٤٥٠)إنْ كانَ ذَلِكَ مِنَ الشَّهادَةِ، وإنْ كانَ مِنَ الحُضُورِ، فالشّاهِدُ: الخَلائِقُ الحاضِرُونَ لِلْحِسابِ، والمَشْهُودُ: اليَوْمُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ وذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ [هود: ١٠٣] كانَ مَوْعُودًا بِهِ فَصارَ مَشْهُودًا، وقَدِ اخْتَلَفَتْ أقْوالُ المُفَسِّرِينَ في تَعْيِينِهِما.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: الشّاهِدُ: اللَّهُ تَعالى، وعَنْهُ وعَنِ الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ وعِكْرِمَةَ: الرَّسُولُ، وعَنْ مُجاهِدٍ، وعِكْرِمَةَ، وعَطاءِ بْنِ يَسارٍ: آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وذُرِّيَّتُهُ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا والحَسَنِ: الشّاهِدُ يَوْمُ عَرَفَةَ ويَوْمُ الجُمُعَةِ، وفي كُلِّ قَوْمٍ مِنها المَشْهُودُ يَوْمُ القِيامَةِ، وعَنْ عَلِيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ وأبِي هُرَيْرَةَ، والحَسَنِ، وابْنِ المُسَيَّبِ، وقَتادَةَ: ﴿وشاهِدٍ﴾ يَوْمُ الجُمُعَةِ، وعَنِ ابْنِ المُسَيَّبِ: يَوْمُ التَّرْوِيَةِ، وعَنْ عَلِيٍّ أيْضًا: يَوْمُ القِيامَةِ، وعَنِ النَّخَعِيِّ: يَوْمُ الأضْحى، ﴿ومَشْهُودٍ﴾ في هَذِهِ الأقْوالِ يَوْمُ عَرَفَةَ، وعَنِ ابْنِ عُمَرَ: يَوْمُ الجُمُعَةِ، (ومَشْهُودٍ) يَوْمُ النَّحْرِ، وعَنْ جابِرٍ: يَوْمُ الجُمُعَةِ، ﴿ومَشْهُودٍ﴾ النّاسُ، وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ: ابْنُ آدَمَ، ﴿ومَشْهُودٍ﴾ اللَّهُ تَعالى، وعَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ: عَكْسُ هَذا، وعَنْ أبِي مالِكٍ: عِيسى، ﴿ومَشْهُودٍ﴾ أُمَّتُهُ، وعَنْ عَلِيٍّ: يَوْمُ عَرَفَةَ، ﴿ومَشْهُودٍ﴾ يَوْمُ النَّحْرِ، وعَنِ التِّرْمِذِيِّ الحَكِيمِ: الحَفَظَةُ، ﴿ومَشْهُودٍ﴾ عَلَيْهِمْ: النّاسُ، وعَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ يَحْيى: مُحَمَّدٌ، (ومَشْهُودٍ) عَلَيْهِ: أُمَّتُهُ، وعَنْهُ: الأنْبِياءُ، ﴿ومَشْهُودٍ﴾ أُمَمُهم، وعَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ ومُقاتِلٍ: الجَوارِحُ يَوْمَ القِيامَةِ، ﴿ومَشْهُودٍ﴾ أصْحابُها. وقِيلَ: هُما يَوْمُ الإثْنَيْنِ ويَوْمُ الجُمُعَةِ. وقِيلَ: المَلائِكَةُ المُتَعاقِبُونَ وقُرْآنُ الفَجْرِ. وقِيلَ: النَّجْمُ واللَّيْلُ والنَّهارُ. وقِيلَ: اللَّهُ والمَلائِكَةُ وأُولُو العِلْمِ، ومَشْهُودٌ بِهِ الوَحْدانِيَّةُ، و﴿إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ﴾ [آل عمران: ١٩] . وقِيلَ: مَخْلُوقاتُهُ تَعالى، ﴿ومَشْهُودٍ﴾ بِهِ: وحْدانِيَّتُهُ. وقِيلَ: هُما الحَجَرُ الأسْوَدُ والحَجِيجُ. وقِيلَ: اللَّيالِي والأيّامُ وبَنُو آدَمَ. وقِيلَ: الأنْبِياءُ ومُحَمَّدٌ، وهَذِهِ أقْوالٌ سَبْعَةٌ وعِشْرُونَ لِكُلٍّ مِنها مُتَمَسَّكٌ، ولِلصُّوفِيَّةِ أقْوالٌ غَيْرُ هَذِهِ، والظّاهِرُ ما قُلْناهُ أوَّلًا، وجَوابُ القَسَمِ قِيلَ مَحْذُوفٌ، فَقِيلَ: لَتُبْعَثُنَّ ونَحْوُهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ وقِيلَ: الجَوابُ مَذْكُورٌ فَقِيلَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا﴾ [البروج: ١٠] . وقالَ المُبَرِّدُ: ﴿إنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ [البروج: ١٢] . وقِيلَ: (قُتِلَ) وهَذا نَخْتارُهُ وحُذِفَتِ اللّامُ أيْ: لَقُتِلَ، وحَسُنَ حَذْفُها كَما حَسُنَ في قَوْلِهِ: ﴿والشَّمْسِ وضُحاها﴾ [الشمس: ١] ثُمَّ قالَ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ [الشمس: ٩] أيْ: لَقَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها، ويَكُونُ الجَوابُ دَلِيلًا عَلى لَعْنَةِ اللَّهِ عَلى مَن فَعَلَ ذَلِكَ وطَرْدِهِ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ، وتَنْبِيهًا لِكُفّارِ قُرَيْشٍ الَّذِينَ يُؤْذُونَ المُؤْمِنِينَ لِيَفْتِنُوهم عَنْ دِينِهِمْ، عَلى أنَّهم مَلْعُونُونَ بِجامِعِ ما اشْتَرَكا فِيهِ مِن تَعْذِيبِ المُؤْمِنِينَ، وإذا كانَ (قُتِلَ) جَوابًا لِلْقَسَمِ، فَهي جُمْلَةٌ خَبَرِيَّةٌ، وقِيلَ: دُعاءٌ، فَكَوْنُ الجَوابِ غَيْرَها. وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ مِقْسَمٍ بِالتَّشْدِيدِ، والجُمْهُورُ بِالتَّخْفِيفِ.
البروج 85:5
سُورَةُ البُرُوجِ مَكِّيَّةٌ وهي اثْنانِ وعِشْرُونَ آيَةً
﷽
﴿والسَّماءِ ذاتِ البُرُوجِ﴾ ﴿واليَوْمِ المَوْعُودِ﴾ ﴿وشاهِدٍ ومَشْهُودٍ﴾ ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ ﴿النّارِ ذاتِ الوَقُودِ﴾ ﴿إذْ هم عَلَيْها قُعُودٌ﴾ ﴿وهم عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾ ﴿وما نَقَمُوا مِنهم إلّا أنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾ ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [البروج: ٩] ﴿إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهم عَذابُ جَهَنَّمَ ولَهم عَذابُ الحَرِيقِ﴾ [البروج: ١٠] ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ذَلِكَ الفَوْزُ الكَبِيرُ﴾ [البروج: ١١] ﴿إنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ [البروج: ١٢] ﴿إنَّهُ هو يُبْدِئُ ويُعِيدُ﴾ [البروج: ١٣] ﴿وهُوَ الغَفُورُ الوَدُودُ﴾ [البروج: ١٤] ﴿ذُو العَرْشِ المَجِيدُ﴾ [البروج: ١٥] ﴿فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ [البروج: ١٦] ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الجُنُودِ﴾ [البروج: ١٧] ﴿فِرْعَوْنَ وثَمُودَ﴾ [البروج: ١٨] ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا في تَكْذِيبٍ﴾ [البروج: ١٩] ﴿واللَّهُ مِن ورائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ [البروج: ٢٠] ﴿بَلْ هو قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ [البروج: ٢١] ﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج: ٢٢]
الأُخْدُودُ: الخَدُّ في الأرْضِ، وهو الشِّقُّ ونَحْوُهُما بِناءٌ، ومَعْنى الخَقِّ والأُخْقُوقِ، ومِنهُ:
فَساحَتْ قَوائِمُهُ في أخافِيقِ جُرْدانِ
(p-٤٤٩)﴿والسَّماءِ ذاتِ البُرُوجِ﴾ ﴿واليَوْمِ المَوْعُودِ﴾ ﴿وشاهِدٍ ومَشْهُودٍ﴾ ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ ﴿النّارِ ذاتِ الوَقُودِ﴾ ﴿إذْ هم عَلَيْها قُعُودٌ﴾ ﴿وهم عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾ ﴿وما نَقَمُوا مِنهم إلّا أنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾ ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [البروج: ٩] ﴿إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهم عَذابُ جَهَنَّمَ ولَهم عَذابُ الحَرِيقِ﴾ [البروج: ١٠] ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ذَلِكَ الفَوْزُ الكَبِيرُ﴾ [البروج: ١١] ﴿إنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ [البروج: ١٢] ﴿إنَّهُ هو يُبْدِئُ ويُعِيدُ﴾ [البروج: ١٣] ﴿وهُوَ الغَفُورُ الوَدُودُ﴾ [البروج: ١٤] ﴿ذُو العَرْشِ المَجِيدُ﴾ [البروج: ١٥] ﴿فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ [البروج: ١٦] ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الجُنُودِ﴾ [البروج: ١٧] ﴿فِرْعَوْنَ وثَمُودَ﴾ [البروج: ١٨] ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا في تَكْذِيبٍ واللَّهُ مِن ورائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ [البروج: ١٩] ﴿بَلْ هو قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ [البروج: ٢١] ﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج: ٢٢] .
هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها: لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِما يَجْمَعُونَ لِلرَّسُولِ ولِلْمُؤْمِنِينَ مِنَ المَكْرِ، والخِداعِ، وإذايَةِ مَن أسْلَمَ بِأنْواعٍ مِنَ الأذى، كالضَّرْبِ، والقَتْلِ، والصَّلْبِ، والحَرْقِ بِالشَّمْسِ، وإحْماءِ الصَّخْرِ ووَضْعِ أجْسادِ مَن يُرِيدُونَ أنْ يَفْتِنُوهُ عَلَيْهِ، ذَكَرَ أنَّ هَذِهِ الشِّنْشَنَةَ كانَتْ فِيمَن تَقَدَّمَ مِنَ الأُمَمِ يُعَذِّبُونَ بِالنّارِ، وأنَّ أُولَئِكَ الَّذِينَ أُعْرِضُوا عَلى النّارِ كانَ لَهم مِنَ الثَّباتِ في الإيمانِ ما مَنَعَهم أنْ يَرْجِعُوا عَنْ دِينِهِمْ أوْ يُحْرَمُوا، وأنَّ أُولَئِكَ الَّذِينَ عَذَّبُوا عِبادَ اللَّهِ مَلْعُونُونَ، فَكَذَلِكَ الَّذِينَ عَذَّبُوا المُؤْمِنِينَ مِن كُفّارِ قُرَيْشٍ مَلْعُونُونَ، فَهَذِهِ السُّورَةُ عِظَةٌ لِقُرَيْشٍ وتَثْبِيتٌ لِمَن يُعَذَّبُ.
﴿ذاتِ البُرُوجِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والجُمْهُورُ: هي المَنازِلُ الَّتِي عَرَفَتْها العَرَبُ، وهي اثْنا عَشَرَ عَلى ما قَسَّمَتْهُ، وهي الَّتِي تَقْطَعُها الشَّمْسُ في سَنَةٍ، والقَمَرُ في ثَمانِيَةٍ وعِشْرِينَ يَوْمًا. وقالَ عِكْرِمَةُ والحَسَنُ ومُجاهِدٌ: هي القُصُورُ. وقالَ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ أيْضًا: هي النُّجُومُ. وقِيلَ: عِظامُ الكَواكِبِ، سُمِّيَتْ بُرُوجًا لِظُهُورِها. وقِيلَ: هي أبْوابُ السَّماءِ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ البُرُوجِ في سُورَةِ الحِجْرِ.
﴿واليَوْمِ المَوْعُودِ﴾ هو يَوْمُ القِيامَةِ، أيْ المَوْعُودِ بِهِ ﴿وشاهِدٍ ومَشْهُودٍ﴾ هَذانِ مُنَكَّرانِ، ويَنْبَغِي حَمْلُهُما عَلى العُمُومِ لِقَوْلِهِ: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أحْضَرَتْ﴾ [التكوير: ١٤] وإنْ كانَ اللَّفْظُ لا يَقْتَضِيهِ، لَكِنَّ المَعْنى يَقْتَضِيهِ، إذْ لا يُقْسَمُ بِنَكِرَةٍ ولا يُدْرى مَن هي. فَإذا لُوحِظَ فِيها مَعْنى العُمُومِ انْدَرَجَ فِيها المَعْرِفَةُ فَحَسُنَ القَسَمُ، وكَذا يَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ ما جاءَ مِن هَذا النَّوْعِ نَكِرَةً، كَقَوْلِهِ: ﴿والطُّورِ وكِتابٍ مَسْطُورٍ﴾ [الطور: ١] ولِأنَّهُ إذا حُمِلَ ﴿وكِتابٍ مَسْطُورٍ﴾ [الطور: ٢] عَلى العُمُومِ دَخَلَ فِيهِ مَعْنَيانِ: الكُتُبُ الإلَهِيَّةُ، كالتَّوْراةِ والإنْجِيلِ، والقُرْآنِ، فَيَحْسُنُ إذْ ذاكَ القَسَمُ بِهِ.
ولَمّا ذَكَرَ ﴿واليَوْمِ المَوْعُودِ﴾، وهو يَوْمُ القِيامَةِ بِاتِّفاقٍ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ، ﷺ ناسَبَ أنْ يَكُونَ المُقْسَمُ بِهِ مَن يَشْهَدُ في ذَلِكَ اليَوْمِ ومَن يُشْهَدُ عَلَيْهِ (p-٤٥٠)إنْ كانَ ذَلِكَ مِنَ الشَّهادَةِ، وإنْ كانَ مِنَ الحُضُورِ، فالشّاهِدُ: الخَلائِقُ الحاضِرُونَ لِلْحِسابِ، والمَشْهُودُ: اليَوْمُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ وذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ [هود: ١٠٣] كانَ مَوْعُودًا بِهِ فَصارَ مَشْهُودًا، وقَدِ اخْتَلَفَتْ أقْوالُ المُفَسِّرِينَ في تَعْيِينِهِما.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: الشّاهِدُ: اللَّهُ تَعالى، وعَنْهُ وعَنِ الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ وعِكْرِمَةَ: الرَّسُولُ، وعَنْ مُجاهِدٍ، وعِكْرِمَةَ، وعَطاءِ بْنِ يَسارٍ: آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وذُرِّيَّتُهُ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا والحَسَنِ: الشّاهِدُ يَوْمُ عَرَفَةَ ويَوْمُ الجُمُعَةِ، وفي كُلِّ قَوْمٍ مِنها المَشْهُودُ يَوْمُ القِيامَةِ، وعَنْ عَلِيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ وأبِي هُرَيْرَةَ، والحَسَنِ، وابْنِ المُسَيَّبِ، وقَتادَةَ: ﴿وشاهِدٍ﴾ يَوْمُ الجُمُعَةِ، وعَنِ ابْنِ المُسَيَّبِ: يَوْمُ التَّرْوِيَةِ، وعَنْ عَلِيٍّ أيْضًا: يَوْمُ القِيامَةِ، وعَنِ النَّخَعِيِّ: يَوْمُ الأضْحى، ﴿ومَشْهُودٍ﴾ في هَذِهِ الأقْوالِ يَوْمُ عَرَفَةَ، وعَنِ ابْنِ عُمَرَ: يَوْمُ الجُمُعَةِ، (ومَشْهُودٍ) يَوْمُ النَّحْرِ، وعَنْ جابِرٍ: يَوْمُ الجُمُعَةِ، ﴿ومَشْهُودٍ﴾ النّاسُ، وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ: ابْنُ آدَمَ، ﴿ومَشْهُودٍ﴾ اللَّهُ تَعالى، وعَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ: عَكْسُ هَذا، وعَنْ أبِي مالِكٍ: عِيسى، ﴿ومَشْهُودٍ﴾ أُمَّتُهُ، وعَنْ عَلِيٍّ: يَوْمُ عَرَفَةَ، ﴿ومَشْهُودٍ﴾ يَوْمُ النَّحْرِ، وعَنِ التِّرْمِذِيِّ الحَكِيمِ: الحَفَظَةُ، ﴿ومَشْهُودٍ﴾ عَلَيْهِمْ: النّاسُ، وعَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ يَحْيى: مُحَمَّدٌ، (ومَشْهُودٍ) عَلَيْهِ: أُمَّتُهُ، وعَنْهُ: الأنْبِياءُ، ﴿ومَشْهُودٍ﴾ أُمَمُهم، وعَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ ومُقاتِلٍ: الجَوارِحُ يَوْمَ القِيامَةِ، ﴿ومَشْهُودٍ﴾ أصْحابُها. وقِيلَ: هُما يَوْمُ الإثْنَيْنِ ويَوْمُ الجُمُعَةِ. وقِيلَ: المَلائِكَةُ المُتَعاقِبُونَ وقُرْآنُ الفَجْرِ. وقِيلَ: النَّجْمُ واللَّيْلُ والنَّهارُ. وقِيلَ: اللَّهُ والمَلائِكَةُ وأُولُو العِلْمِ، ومَشْهُودٌ بِهِ الوَحْدانِيَّةُ، و﴿إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ﴾ [آل عمران: ١٩] . وقِيلَ: مَخْلُوقاتُهُ تَعالى، ﴿ومَشْهُودٍ﴾ بِهِ: وحْدانِيَّتُهُ. وقِيلَ: هُما الحَجَرُ الأسْوَدُ والحَجِيجُ. وقِيلَ: اللَّيالِي والأيّامُ وبَنُو آدَمَ. وقِيلَ: الأنْبِياءُ ومُحَمَّدٌ، وهَذِهِ أقْوالٌ سَبْعَةٌ وعِشْرُونَ لِكُلٍّ مِنها مُتَمَسَّكٌ، ولِلصُّوفِيَّةِ أقْوالٌ غَيْرُ هَذِهِ، والظّاهِرُ ما قُلْناهُ أوَّلًا، وجَوابُ القَسَمِ قِيلَ مَحْذُوفٌ، فَقِيلَ: لَتُبْعَثُنَّ ونَحْوُهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ وقِيلَ: الجَوابُ مَذْكُورٌ فَقِيلَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا﴾ [البروج: ١٠] . وقالَ المُبَرِّدُ: ﴿إنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ [البروج: ١٢] . وقِيلَ: (قُتِلَ) وهَذا نَخْتارُهُ وحُذِفَتِ اللّامُ أيْ: لَقُتِلَ، وحَسُنَ حَذْفُها كَما حَسُنَ في قَوْلِهِ: ﴿والشَّمْسِ وضُحاها﴾ [الشمس: ١] ثُمَّ قالَ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ [الشمس: ٩] أيْ: لَقَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها، ويَكُونُ الجَوابُ دَلِيلًا عَلى لَعْنَةِ اللَّهِ عَلى مَن فَعَلَ ذَلِكَ وطَرْدِهِ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ، وتَنْبِيهًا لِكُفّارِ قُرَيْشٍ الَّذِينَ يُؤْذُونَ المُؤْمِنِينَ لِيَفْتِنُوهم عَنْ دِينِهِمْ، عَلى أنَّهم مَلْعُونُونَ بِجامِعِ ما اشْتَرَكا فِيهِ مِن تَعْذِيبِ المُؤْمِنِينَ، وإذا كانَ (قُتِلَ) جَوابًا لِلْقَسَمِ، فَهي جُمْلَةٌ خَبَرِيَّةٌ، وقِيلَ: دُعاءٌ، فَكَوْنُ الجَوابِ غَيْرَها. وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ مِقْسَمٍ بِالتَّشْدِيدِ، والجُمْهُورُ بِالتَّخْفِيفِ.
البروج 85:6
سُورَةُ البُرُوجِ مَكِّيَّةٌ وهي اثْنانِ وعِشْرُونَ آيَةً
﷽
﴿والسَّماءِ ذاتِ البُرُوجِ﴾ ﴿واليَوْمِ المَوْعُودِ﴾ ﴿وشاهِدٍ ومَشْهُودٍ﴾ ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ ﴿النّارِ ذاتِ الوَقُودِ﴾ ﴿إذْ هم عَلَيْها قُعُودٌ﴾ ﴿وهم عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾ ﴿وما نَقَمُوا مِنهم إلّا أنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾ ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [البروج: ٩] ﴿إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهم عَذابُ جَهَنَّمَ ولَهم عَذابُ الحَرِيقِ﴾ [البروج: ١٠] ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ذَلِكَ الفَوْزُ الكَبِيرُ﴾ [البروج: ١١] ﴿إنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ [البروج: ١٢] ﴿إنَّهُ هو يُبْدِئُ ويُعِيدُ﴾ [البروج: ١٣] ﴿وهُوَ الغَفُورُ الوَدُودُ﴾ [البروج: ١٤] ﴿ذُو العَرْشِ المَجِيدُ﴾ [البروج: ١٥] ﴿فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ [البروج: ١٦] ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الجُنُودِ﴾ [البروج: ١٧] ﴿فِرْعَوْنَ وثَمُودَ﴾ [البروج: ١٨] ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا في تَكْذِيبٍ﴾ [البروج: ١٩] ﴿واللَّهُ مِن ورائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ [البروج: ٢٠] ﴿بَلْ هو قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ [البروج: ٢١] ﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج: ٢٢]
الأُخْدُودُ: الخَدُّ في الأرْضِ، وهو الشِّقُّ ونَحْوُهُما بِناءٌ، ومَعْنى الخَقِّ والأُخْقُوقِ، ومِنهُ:
فَساحَتْ قَوائِمُهُ في أخافِيقِ جُرْدانِ
(p-٤٤٩)﴿والسَّماءِ ذاتِ البُرُوجِ﴾ ﴿واليَوْمِ المَوْعُودِ﴾ ﴿وشاهِدٍ ومَشْهُودٍ﴾ ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ ﴿النّارِ ذاتِ الوَقُودِ﴾ ﴿إذْ هم عَلَيْها قُعُودٌ﴾ ﴿وهم عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾ ﴿وما نَقَمُوا مِنهم إلّا أنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾ ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [البروج: ٩] ﴿إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهم عَذابُ جَهَنَّمَ ولَهم عَذابُ الحَرِيقِ﴾ [البروج: ١٠] ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ذَلِكَ الفَوْزُ الكَبِيرُ﴾ [البروج: ١١] ﴿إنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ [البروج: ١٢] ﴿إنَّهُ هو يُبْدِئُ ويُعِيدُ﴾ [البروج: ١٣] ﴿وهُوَ الغَفُورُ الوَدُودُ﴾ [البروج: ١٤] ﴿ذُو العَرْشِ المَجِيدُ﴾ [البروج: ١٥] ﴿فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ [البروج: ١٦] ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الجُنُودِ﴾ [البروج: ١٧] ﴿فِرْعَوْنَ وثَمُودَ﴾ [البروج: ١٨] ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا في تَكْذِيبٍ واللَّهُ مِن ورائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ [البروج: ١٩] ﴿بَلْ هو قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ [البروج: ٢١] ﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج: ٢٢] .
هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها: لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِما يَجْمَعُونَ لِلرَّسُولِ ولِلْمُؤْمِنِينَ مِنَ المَكْرِ، والخِداعِ، وإذايَةِ مَن أسْلَمَ بِأنْواعٍ مِنَ الأذى، كالضَّرْبِ، والقَتْلِ، والصَّلْبِ، والحَرْقِ بِالشَّمْسِ، وإحْماءِ الصَّخْرِ ووَضْعِ أجْسادِ مَن يُرِيدُونَ أنْ يَفْتِنُوهُ عَلَيْهِ، ذَكَرَ أنَّ هَذِهِ الشِّنْشَنَةَ كانَتْ فِيمَن تَقَدَّمَ مِنَ الأُمَمِ يُعَذِّبُونَ بِالنّارِ، وأنَّ أُولَئِكَ الَّذِينَ أُعْرِضُوا عَلى النّارِ كانَ لَهم مِنَ الثَّباتِ في الإيمانِ ما مَنَعَهم أنْ يَرْجِعُوا عَنْ دِينِهِمْ أوْ يُحْرَمُوا، وأنَّ أُولَئِكَ الَّذِينَ عَذَّبُوا عِبادَ اللَّهِ مَلْعُونُونَ، فَكَذَلِكَ الَّذِينَ عَذَّبُوا المُؤْمِنِينَ مِن كُفّارِ قُرَيْشٍ مَلْعُونُونَ، فَهَذِهِ السُّورَةُ عِظَةٌ لِقُرَيْشٍ وتَثْبِيتٌ لِمَن يُعَذَّبُ.
﴿ذاتِ البُرُوجِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والجُمْهُورُ: هي المَنازِلُ الَّتِي عَرَفَتْها العَرَبُ، وهي اثْنا عَشَرَ عَلى ما قَسَّمَتْهُ، وهي الَّتِي تَقْطَعُها الشَّمْسُ في سَنَةٍ، والقَمَرُ في ثَمانِيَةٍ وعِشْرِينَ يَوْمًا. وقالَ عِكْرِمَةُ والحَسَنُ ومُجاهِدٌ: هي القُصُورُ. وقالَ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ أيْضًا: هي النُّجُومُ. وقِيلَ: عِظامُ الكَواكِبِ، سُمِّيَتْ بُرُوجًا لِظُهُورِها. وقِيلَ: هي أبْوابُ السَّماءِ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ البُرُوجِ في سُورَةِ الحِجْرِ.
﴿واليَوْمِ المَوْعُودِ﴾ هو يَوْمُ القِيامَةِ، أيْ المَوْعُودِ بِهِ ﴿وشاهِدٍ ومَشْهُودٍ﴾ هَذانِ مُنَكَّرانِ، ويَنْبَغِي حَمْلُهُما عَلى العُمُومِ لِقَوْلِهِ: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أحْضَرَتْ﴾ [التكوير: ١٤] وإنْ كانَ اللَّفْظُ لا يَقْتَضِيهِ، لَكِنَّ المَعْنى يَقْتَضِيهِ، إذْ لا يُقْسَمُ بِنَكِرَةٍ ولا يُدْرى مَن هي. فَإذا لُوحِظَ فِيها مَعْنى العُمُومِ انْدَرَجَ فِيها المَعْرِفَةُ فَحَسُنَ القَسَمُ، وكَذا يَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ ما جاءَ مِن هَذا النَّوْعِ نَكِرَةً، كَقَوْلِهِ: ﴿والطُّورِ وكِتابٍ مَسْطُورٍ﴾ [الطور: ١] ولِأنَّهُ إذا حُمِلَ ﴿وكِتابٍ مَسْطُورٍ﴾ [الطور: ٢] عَلى العُمُومِ دَخَلَ فِيهِ مَعْنَيانِ: الكُتُبُ الإلَهِيَّةُ، كالتَّوْراةِ والإنْجِيلِ، والقُرْآنِ، فَيَحْسُنُ إذْ ذاكَ القَسَمُ بِهِ.
ولَمّا ذَكَرَ ﴿واليَوْمِ المَوْعُودِ﴾، وهو يَوْمُ القِيامَةِ بِاتِّفاقٍ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ، ﷺ ناسَبَ أنْ يَكُونَ المُقْسَمُ بِهِ مَن يَشْهَدُ في ذَلِكَ اليَوْمِ ومَن يُشْهَدُ عَلَيْهِ (p-٤٥٠)إنْ كانَ ذَلِكَ مِنَ الشَّهادَةِ، وإنْ كانَ مِنَ الحُضُورِ، فالشّاهِدُ: الخَلائِقُ الحاضِرُونَ لِلْحِسابِ، والمَشْهُودُ: اليَوْمُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ وذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ [هود: ١٠٣] كانَ مَوْعُودًا بِهِ فَصارَ مَشْهُودًا، وقَدِ اخْتَلَفَتْ أقْوالُ المُفَسِّرِينَ في تَعْيِينِهِما.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: الشّاهِدُ: اللَّهُ تَعالى، وعَنْهُ وعَنِ الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ وعِكْرِمَةَ: الرَّسُولُ، وعَنْ مُجاهِدٍ، وعِكْرِمَةَ، وعَطاءِ بْنِ يَسارٍ: آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وذُرِّيَّتُهُ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا والحَسَنِ: الشّاهِدُ يَوْمُ عَرَفَةَ ويَوْمُ الجُمُعَةِ، وفي كُلِّ قَوْمٍ مِنها المَشْهُودُ يَوْمُ القِيامَةِ، وعَنْ عَلِيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ وأبِي هُرَيْرَةَ، والحَسَنِ، وابْنِ المُسَيَّبِ، وقَتادَةَ: ﴿وشاهِدٍ﴾ يَوْمُ الجُمُعَةِ، وعَنِ ابْنِ المُسَيَّبِ: يَوْمُ التَّرْوِيَةِ، وعَنْ عَلِيٍّ أيْضًا: يَوْمُ القِيامَةِ، وعَنِ النَّخَعِيِّ: يَوْمُ الأضْحى، ﴿ومَشْهُودٍ﴾ في هَذِهِ الأقْوالِ يَوْمُ عَرَفَةَ، وعَنِ ابْنِ عُمَرَ: يَوْمُ الجُمُعَةِ، (ومَشْهُودٍ) يَوْمُ النَّحْرِ، وعَنْ جابِرٍ: يَوْمُ الجُمُعَةِ، ﴿ومَشْهُودٍ﴾ النّاسُ، وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ: ابْنُ آدَمَ، ﴿ومَشْهُودٍ﴾ اللَّهُ تَعالى، وعَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ: عَكْسُ هَذا، وعَنْ أبِي مالِكٍ: عِيسى، ﴿ومَشْهُودٍ﴾ أُمَّتُهُ، وعَنْ عَلِيٍّ: يَوْمُ عَرَفَةَ، ﴿ومَشْهُودٍ﴾ يَوْمُ النَّحْرِ، وعَنِ التِّرْمِذِيِّ الحَكِيمِ: الحَفَظَةُ، ﴿ومَشْهُودٍ﴾ عَلَيْهِمْ: النّاسُ، وعَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ يَحْيى: مُحَمَّدٌ، (ومَشْهُودٍ) عَلَيْهِ: أُمَّتُهُ، وعَنْهُ: الأنْبِياءُ، ﴿ومَشْهُودٍ﴾ أُمَمُهم، وعَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ ومُقاتِلٍ: الجَوارِحُ يَوْمَ القِيامَةِ، ﴿ومَشْهُودٍ﴾ أصْحابُها. وقِيلَ: هُما يَوْمُ الإثْنَيْنِ ويَوْمُ الجُمُعَةِ. وقِيلَ: المَلائِكَةُ المُتَعاقِبُونَ وقُرْآنُ الفَجْرِ. وقِيلَ: النَّجْمُ واللَّيْلُ والنَّهارُ. وقِيلَ: اللَّهُ والمَلائِكَةُ وأُولُو العِلْمِ، ومَشْهُودٌ بِهِ الوَحْدانِيَّةُ، و﴿إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ﴾ [آل عمران: ١٩] . وقِيلَ: مَخْلُوقاتُهُ تَعالى، ﴿ومَشْهُودٍ﴾ بِهِ: وحْدانِيَّتُهُ. وقِيلَ: هُما الحَجَرُ الأسْوَدُ والحَجِيجُ. وقِيلَ: اللَّيالِي والأيّامُ وبَنُو آدَمَ. وقِيلَ: الأنْبِياءُ ومُحَمَّدٌ، وهَذِهِ أقْوالٌ سَبْعَةٌ وعِشْرُونَ لِكُلٍّ مِنها مُتَمَسَّكٌ، ولِلصُّوفِيَّةِ أقْوالٌ غَيْرُ هَذِهِ، والظّاهِرُ ما قُلْناهُ أوَّلًا، وجَوابُ القَسَمِ قِيلَ مَحْذُوفٌ، فَقِيلَ: لَتُبْعَثُنَّ ونَحْوُهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ وقِيلَ: الجَوابُ مَذْكُورٌ فَقِيلَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا﴾ [البروج: ١٠] . وقالَ المُبَرِّدُ: ﴿إنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ [البروج: ١٢] . وقِيلَ: (قُتِلَ) وهَذا نَخْتارُهُ وحُذِفَتِ اللّامُ أيْ: لَقُتِلَ، وحَسُنَ حَذْفُها كَما حَسُنَ في قَوْلِهِ: ﴿والشَّمْسِ وضُحاها﴾ [الشمس: ١] ثُمَّ قالَ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ [الشمس: ٩] أيْ: لَقَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها، ويَكُونُ الجَوابُ دَلِيلًا عَلى لَعْنَةِ اللَّهِ عَلى مَن فَعَلَ ذَلِكَ وطَرْدِهِ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ، وتَنْبِيهًا لِكُفّارِ قُرَيْشٍ الَّذِينَ يُؤْذُونَ المُؤْمِنِينَ لِيَفْتِنُوهم عَنْ دِينِهِمْ، عَلى أنَّهم مَلْعُونُونَ بِجامِعِ ما اشْتَرَكا فِيهِ مِن تَعْذِيبِ المُؤْمِنِينَ، وإذا كانَ (قُتِلَ) جَوابًا لِلْقَسَمِ، فَهي جُمْلَةٌ خَبَرِيَّةٌ، وقِيلَ: دُعاءٌ، فَكَوْنُ الجَوابِ غَيْرَها. وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ مِقْسَمٍ بِالتَّشْدِيدِ، والجُمْهُورُ بِالتَّخْفِيفِ.
البروج 85:7
سُورَةُ البُرُوجِ مَكِّيَّةٌ وهي اثْنانِ وعِشْرُونَ آيَةً
﷽
﴿والسَّماءِ ذاتِ البُرُوجِ﴾ ﴿واليَوْمِ المَوْعُودِ﴾ ﴿وشاهِدٍ ومَشْهُودٍ﴾ ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ ﴿النّارِ ذاتِ الوَقُودِ﴾ ﴿إذْ هم عَلَيْها قُعُودٌ﴾ ﴿وهم عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾ ﴿وما نَقَمُوا مِنهم إلّا أنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾ ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [البروج: ٩] ﴿إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهم عَذابُ جَهَنَّمَ ولَهم عَذابُ الحَرِيقِ﴾ [البروج: ١٠] ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ذَلِكَ الفَوْزُ الكَبِيرُ﴾ [البروج: ١١] ﴿إنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ [البروج: ١٢] ﴿إنَّهُ هو يُبْدِئُ ويُعِيدُ﴾ [البروج: ١٣] ﴿وهُوَ الغَفُورُ الوَدُودُ﴾ [البروج: ١٤] ﴿ذُو العَرْشِ المَجِيدُ﴾ [البروج: ١٥] ﴿فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ [البروج: ١٦] ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الجُنُودِ﴾ [البروج: ١٧] ﴿فِرْعَوْنَ وثَمُودَ﴾ [البروج: ١٨] ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا في تَكْذِيبٍ﴾ [البروج: ١٩] ﴿واللَّهُ مِن ورائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ [البروج: ٢٠] ﴿بَلْ هو قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ [البروج: ٢١] ﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج: ٢٢]
الأُخْدُودُ: الخَدُّ في الأرْضِ، وهو الشِّقُّ ونَحْوُهُما بِناءٌ، ومَعْنى الخَقِّ والأُخْقُوقِ، ومِنهُ:
فَساحَتْ قَوائِمُهُ في أخافِيقِ جُرْدانِ
(p-٤٤٩)﴿والسَّماءِ ذاتِ البُرُوجِ﴾ ﴿واليَوْمِ المَوْعُودِ﴾ ﴿وشاهِدٍ ومَشْهُودٍ﴾ ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ ﴿النّارِ ذاتِ الوَقُودِ﴾ ﴿إذْ هم عَلَيْها قُعُودٌ﴾ ﴿وهم عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾ ﴿وما نَقَمُوا مِنهم إلّا أنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾ ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [البروج: ٩] ﴿إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهم عَذابُ جَهَنَّمَ ولَهم عَذابُ الحَرِيقِ﴾ [البروج: ١٠] ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ذَلِكَ الفَوْزُ الكَبِيرُ﴾ [البروج: ١١] ﴿إنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ [البروج: ١٢] ﴿إنَّهُ هو يُبْدِئُ ويُعِيدُ﴾ [البروج: ١٣] ﴿وهُوَ الغَفُورُ الوَدُودُ﴾ [البروج: ١٤] ﴿ذُو العَرْشِ المَجِيدُ﴾ [البروج: ١٥] ﴿فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ [البروج: ١٦] ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الجُنُودِ﴾ [البروج: ١٧] ﴿فِرْعَوْنَ وثَمُودَ﴾ [البروج: ١٨] ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا في تَكْذِيبٍ واللَّهُ مِن ورائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ [البروج: ١٩] ﴿بَلْ هو قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ [البروج: ٢١] ﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج: ٢٢] .
هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها: لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِما يَجْمَعُونَ لِلرَّسُولِ ولِلْمُؤْمِنِينَ مِنَ المَكْرِ، والخِداعِ، وإذايَةِ مَن أسْلَمَ بِأنْواعٍ مِنَ الأذى، كالضَّرْبِ، والقَتْلِ، والصَّلْبِ، والحَرْقِ بِالشَّمْسِ، وإحْماءِ الصَّخْرِ ووَضْعِ أجْسادِ مَن يُرِيدُونَ أنْ يَفْتِنُوهُ عَلَيْهِ، ذَكَرَ أنَّ هَذِهِ الشِّنْشَنَةَ كانَتْ فِيمَن تَقَدَّمَ مِنَ الأُمَمِ يُعَذِّبُونَ بِالنّارِ، وأنَّ أُولَئِكَ الَّذِينَ أُعْرِضُوا عَلى النّارِ كانَ لَهم مِنَ الثَّباتِ في الإيمانِ ما مَنَعَهم أنْ يَرْجِعُوا عَنْ دِينِهِمْ أوْ يُحْرَمُوا، وأنَّ أُولَئِكَ الَّذِينَ عَذَّبُوا عِبادَ اللَّهِ مَلْعُونُونَ، فَكَذَلِكَ الَّذِينَ عَذَّبُوا المُؤْمِنِينَ مِن كُفّارِ قُرَيْشٍ مَلْعُونُونَ، فَهَذِهِ السُّورَةُ عِظَةٌ لِقُرَيْشٍ وتَثْبِيتٌ لِمَن يُعَذَّبُ.
﴿ذاتِ البُرُوجِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والجُمْهُورُ: هي المَنازِلُ الَّتِي عَرَفَتْها العَرَبُ، وهي اثْنا عَشَرَ عَلى ما قَسَّمَتْهُ، وهي الَّتِي تَقْطَعُها الشَّمْسُ في سَنَةٍ، والقَمَرُ في ثَمانِيَةٍ وعِشْرِينَ يَوْمًا. وقالَ عِكْرِمَةُ والحَسَنُ ومُجاهِدٌ: هي القُصُورُ. وقالَ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ أيْضًا: هي النُّجُومُ. وقِيلَ: عِظامُ الكَواكِبِ، سُمِّيَتْ بُرُوجًا لِظُهُورِها. وقِيلَ: هي أبْوابُ السَّماءِ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ البُرُوجِ في سُورَةِ الحِجْرِ.
﴿واليَوْمِ المَوْعُودِ﴾ هو يَوْمُ القِيامَةِ، أيْ المَوْعُودِ بِهِ ﴿وشاهِدٍ ومَشْهُودٍ﴾ هَذانِ مُنَكَّرانِ، ويَنْبَغِي حَمْلُهُما عَلى العُمُومِ لِقَوْلِهِ: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أحْضَرَتْ﴾ [التكوير: ١٤] وإنْ كانَ اللَّفْظُ لا يَقْتَضِيهِ، لَكِنَّ المَعْنى يَقْتَضِيهِ، إذْ لا يُقْسَمُ بِنَكِرَةٍ ولا يُدْرى مَن هي. فَإذا لُوحِظَ فِيها مَعْنى العُمُومِ انْدَرَجَ فِيها المَعْرِفَةُ فَحَسُنَ القَسَمُ، وكَذا يَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ ما جاءَ مِن هَذا النَّوْعِ نَكِرَةً، كَقَوْلِهِ: ﴿والطُّورِ وكِتابٍ مَسْطُورٍ﴾ [الطور: ١] ولِأنَّهُ إذا حُمِلَ ﴿وكِتابٍ مَسْطُورٍ﴾ [الطور: ٢] عَلى العُمُومِ دَخَلَ فِيهِ مَعْنَيانِ: الكُتُبُ الإلَهِيَّةُ، كالتَّوْراةِ والإنْجِيلِ، والقُرْآنِ، فَيَحْسُنُ إذْ ذاكَ القَسَمُ بِهِ.
ولَمّا ذَكَرَ ﴿واليَوْمِ المَوْعُودِ﴾، وهو يَوْمُ القِيامَةِ بِاتِّفاقٍ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ، ﷺ ناسَبَ أنْ يَكُونَ المُقْسَمُ بِهِ مَن يَشْهَدُ في ذَلِكَ اليَوْمِ ومَن يُشْهَدُ عَلَيْهِ (p-٤٥٠)إنْ كانَ ذَلِكَ مِنَ الشَّهادَةِ، وإنْ كانَ مِنَ الحُضُورِ، فالشّاهِدُ: الخَلائِقُ الحاضِرُونَ لِلْحِسابِ، والمَشْهُودُ: اليَوْمُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ وذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ [هود: ١٠٣] كانَ مَوْعُودًا بِهِ فَصارَ مَشْهُودًا، وقَدِ اخْتَلَفَتْ أقْوالُ المُفَسِّرِينَ في تَعْيِينِهِما.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: الشّاهِدُ: اللَّهُ تَعالى، وعَنْهُ وعَنِ الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ وعِكْرِمَةَ: الرَّسُولُ، وعَنْ مُجاهِدٍ، وعِكْرِمَةَ، وعَطاءِ بْنِ يَسارٍ: آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وذُرِّيَّتُهُ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا والحَسَنِ: الشّاهِدُ يَوْمُ عَرَفَةَ ويَوْمُ الجُمُعَةِ، وفي كُلِّ قَوْمٍ مِنها المَشْهُودُ يَوْمُ القِيامَةِ، وعَنْ عَلِيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ وأبِي هُرَيْرَةَ، والحَسَنِ، وابْنِ المُسَيَّبِ، وقَتادَةَ: ﴿وشاهِدٍ﴾ يَوْمُ الجُمُعَةِ، وعَنِ ابْنِ المُسَيَّبِ: يَوْمُ التَّرْوِيَةِ، وعَنْ عَلِيٍّ أيْضًا: يَوْمُ القِيامَةِ، وعَنِ النَّخَعِيِّ: يَوْمُ الأضْحى، ﴿ومَشْهُودٍ﴾ في هَذِهِ الأقْوالِ يَوْمُ عَرَفَةَ، وعَنِ ابْنِ عُمَرَ: يَوْمُ الجُمُعَةِ، (ومَشْهُودٍ) يَوْمُ النَّحْرِ، وعَنْ جابِرٍ: يَوْمُ الجُمُعَةِ، ﴿ومَشْهُودٍ﴾ النّاسُ، وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ: ابْنُ آدَمَ، ﴿ومَشْهُودٍ﴾ اللَّهُ تَعالى، وعَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ: عَكْسُ هَذا، وعَنْ أبِي مالِكٍ: عِيسى، ﴿ومَشْهُودٍ﴾ أُمَّتُهُ، وعَنْ عَلِيٍّ: يَوْمُ عَرَفَةَ، ﴿ومَشْهُودٍ﴾ يَوْمُ النَّحْرِ، وعَنِ التِّرْمِذِيِّ الحَكِيمِ: الحَفَظَةُ، ﴿ومَشْهُودٍ﴾ عَلَيْهِمْ: النّاسُ، وعَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ يَحْيى: مُحَمَّدٌ، (ومَشْهُودٍ) عَلَيْهِ: أُمَّتُهُ، وعَنْهُ: الأنْبِياءُ، ﴿ومَشْهُودٍ﴾ أُمَمُهم، وعَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ ومُقاتِلٍ: الجَوارِحُ يَوْمَ القِيامَةِ، ﴿ومَشْهُودٍ﴾ أصْحابُها. وقِيلَ: هُما يَوْمُ الإثْنَيْنِ ويَوْمُ الجُمُعَةِ. وقِيلَ: المَلائِكَةُ المُتَعاقِبُونَ وقُرْآنُ الفَجْرِ. وقِيلَ: النَّجْمُ واللَّيْلُ والنَّهارُ. وقِيلَ: اللَّهُ والمَلائِكَةُ وأُولُو العِلْمِ، ومَشْهُودٌ بِهِ الوَحْدانِيَّةُ، و﴿إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ﴾ [آل عمران: ١٩] . وقِيلَ: مَخْلُوقاتُهُ تَعالى، ﴿ومَشْهُودٍ﴾ بِهِ: وحْدانِيَّتُهُ. وقِيلَ: هُما الحَجَرُ الأسْوَدُ والحَجِيجُ. وقِيلَ: اللَّيالِي والأيّامُ وبَنُو آدَمَ. وقِيلَ: الأنْبِياءُ ومُحَمَّدٌ، وهَذِهِ أقْوالٌ سَبْعَةٌ وعِشْرُونَ لِكُلٍّ مِنها مُتَمَسَّكٌ، ولِلصُّوفِيَّةِ أقْوالٌ غَيْرُ هَذِهِ، والظّاهِرُ ما قُلْناهُ أوَّلًا، وجَوابُ القَسَمِ قِيلَ مَحْذُوفٌ، فَقِيلَ: لَتُبْعَثُنَّ ونَحْوُهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ وقِيلَ: الجَوابُ مَذْكُورٌ فَقِيلَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا﴾ [البروج: ١٠] . وقالَ المُبَرِّدُ: ﴿إنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ [البروج: ١٢] . وقِيلَ: (قُتِلَ) وهَذا نَخْتارُهُ وحُذِفَتِ اللّامُ أيْ: لَقُتِلَ، وحَسُنَ حَذْفُها كَما حَسُنَ في قَوْلِهِ: ﴿والشَّمْسِ وضُحاها﴾ [الشمس: ١] ثُمَّ قالَ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ [الشمس: ٩] أيْ: لَقَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها، ويَكُونُ الجَوابُ دَلِيلًا عَلى لَعْنَةِ اللَّهِ عَلى مَن فَعَلَ ذَلِكَ وطَرْدِهِ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ، وتَنْبِيهًا لِكُفّارِ قُرَيْشٍ الَّذِينَ يُؤْذُونَ المُؤْمِنِينَ لِيَفْتِنُوهم عَنْ دِينِهِمْ، عَلى أنَّهم مَلْعُونُونَ بِجامِعِ ما اشْتَرَكا فِيهِ مِن تَعْذِيبِ المُؤْمِنِينَ، وإذا كانَ (قُتِلَ) جَوابًا لِلْقَسَمِ، فَهي جُمْلَةٌ خَبَرِيَّةٌ، وقِيلَ: دُعاءٌ، فَكَوْنُ الجَوابِ غَيْرَها. وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ مِقْسَمٍ بِالتَّشْدِيدِ، والجُمْهُورُ بِالتَّخْفِيفِ.
البروج 85:8
سُورَةُ البُرُوجِ مَكِّيَّةٌ وهي اثْنانِ وعِشْرُونَ آيَةً
﷽
﴿والسَّماءِ ذاتِ البُرُوجِ﴾ ﴿واليَوْمِ المَوْعُودِ﴾ ﴿وشاهِدٍ ومَشْهُودٍ﴾ ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ ﴿النّارِ ذاتِ الوَقُودِ﴾ ﴿إذْ هم عَلَيْها قُعُودٌ﴾ ﴿وهم عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾ ﴿وما نَقَمُوا مِنهم إلّا أنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾ ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [البروج: ٩] ﴿إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهم عَذابُ جَهَنَّمَ ولَهم عَذابُ الحَرِيقِ﴾ [البروج: ١٠] ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ذَلِكَ الفَوْزُ الكَبِيرُ﴾ [البروج: ١١] ﴿إنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ [البروج: ١٢] ﴿إنَّهُ هو يُبْدِئُ ويُعِيدُ﴾ [البروج: ١٣] ﴿وهُوَ الغَفُورُ الوَدُودُ﴾ [البروج: ١٤] ﴿ذُو العَرْشِ المَجِيدُ﴾ [البروج: ١٥] ﴿فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ [البروج: ١٦] ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الجُنُودِ﴾ [البروج: ١٧] ﴿فِرْعَوْنَ وثَمُودَ﴾ [البروج: ١٨] ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا في تَكْذِيبٍ﴾ [البروج: ١٩] ﴿واللَّهُ مِن ورائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ [البروج: ٢٠] ﴿بَلْ هو قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ [البروج: ٢١] ﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج: ٢٢]
الأُخْدُودُ: الخَدُّ في الأرْضِ، وهو الشِّقُّ ونَحْوُهُما بِناءٌ، ومَعْنى الخَقِّ والأُخْقُوقِ، ومِنهُ:
فَساحَتْ قَوائِمُهُ في أخافِيقِ جُرْدانِ
(p-٤٤٩)﴿والسَّماءِ ذاتِ البُرُوجِ﴾ ﴿واليَوْمِ المَوْعُودِ﴾ ﴿وشاهِدٍ ومَشْهُودٍ﴾ ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ ﴿النّارِ ذاتِ الوَقُودِ﴾ ﴿إذْ هم عَلَيْها قُعُودٌ﴾ ﴿وهم عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾ ﴿وما نَقَمُوا مِنهم إلّا أنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾ ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [البروج: ٩] ﴿إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهم عَذابُ جَهَنَّمَ ولَهم عَذابُ الحَرِيقِ﴾ [البروج: ١٠] ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ذَلِكَ الفَوْزُ الكَبِيرُ﴾ [البروج: ١١] ﴿إنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ [البروج: ١٢] ﴿إنَّهُ هو يُبْدِئُ ويُعِيدُ﴾ [البروج: ١٣] ﴿وهُوَ الغَفُورُ الوَدُودُ﴾ [البروج: ١٤] ﴿ذُو العَرْشِ المَجِيدُ﴾ [البروج: ١٥] ﴿فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ [البروج: ١٦] ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الجُنُودِ﴾ [البروج: ١٧] ﴿فِرْعَوْنَ وثَمُودَ﴾ [البروج: ١٨] ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا في تَكْذِيبٍ واللَّهُ مِن ورائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ [البروج: ١٩] ﴿بَلْ هو قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ [البروج: ٢١] ﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج: ٢٢] .
هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها: لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِما يَجْمَعُونَ لِلرَّسُولِ ولِلْمُؤْمِنِينَ مِنَ المَكْرِ، والخِداعِ، وإذايَةِ مَن أسْلَمَ بِأنْواعٍ مِنَ الأذى، كالضَّرْبِ، والقَتْلِ، والصَّلْبِ، والحَرْقِ بِالشَّمْسِ، وإحْماءِ الصَّخْرِ ووَضْعِ أجْسادِ مَن يُرِيدُونَ أنْ يَفْتِنُوهُ عَلَيْهِ، ذَكَرَ أنَّ هَذِهِ الشِّنْشَنَةَ كانَتْ فِيمَن تَقَدَّمَ مِنَ الأُمَمِ يُعَذِّبُونَ بِالنّارِ، وأنَّ أُولَئِكَ الَّذِينَ أُعْرِضُوا عَلى النّارِ كانَ لَهم مِنَ الثَّباتِ في الإيمانِ ما مَنَعَهم أنْ يَرْجِعُوا عَنْ دِينِهِمْ أوْ يُحْرَمُوا، وأنَّ أُولَئِكَ الَّذِينَ عَذَّبُوا عِبادَ اللَّهِ مَلْعُونُونَ، فَكَذَلِكَ الَّذِينَ عَذَّبُوا المُؤْمِنِينَ مِن كُفّارِ قُرَيْشٍ مَلْعُونُونَ، فَهَذِهِ السُّورَةُ عِظَةٌ لِقُرَيْشٍ وتَثْبِيتٌ لِمَن يُعَذَّبُ.
﴿ذاتِ البُرُوجِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والجُمْهُورُ: هي المَنازِلُ الَّتِي عَرَفَتْها العَرَبُ، وهي اثْنا عَشَرَ عَلى ما قَسَّمَتْهُ، وهي الَّتِي تَقْطَعُها الشَّمْسُ في سَنَةٍ، والقَمَرُ في ثَمانِيَةٍ وعِشْرِينَ يَوْمًا. وقالَ عِكْرِمَةُ والحَسَنُ ومُجاهِدٌ: هي القُصُورُ. وقالَ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ أيْضًا: هي النُّجُومُ. وقِيلَ: عِظامُ الكَواكِبِ، سُمِّيَتْ بُرُوجًا لِظُهُورِها. وقِيلَ: هي أبْوابُ السَّماءِ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ البُرُوجِ في سُورَةِ الحِجْرِ.
﴿واليَوْمِ المَوْعُودِ﴾ هو يَوْمُ القِيامَةِ، أيْ المَوْعُودِ بِهِ ﴿وشاهِدٍ ومَشْهُودٍ﴾ هَذانِ مُنَكَّرانِ، ويَنْبَغِي حَمْلُهُما عَلى العُمُومِ لِقَوْلِهِ: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أحْضَرَتْ﴾ [التكوير: ١٤] وإنْ كانَ اللَّفْظُ لا يَقْتَضِيهِ، لَكِنَّ المَعْنى يَقْتَضِيهِ، إذْ لا يُقْسَمُ بِنَكِرَةٍ ولا يُدْرى مَن هي. فَإذا لُوحِظَ فِيها مَعْنى العُمُومِ انْدَرَجَ فِيها المَعْرِفَةُ فَحَسُنَ القَسَمُ، وكَذا يَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ ما جاءَ مِن هَذا النَّوْعِ نَكِرَةً، كَقَوْلِهِ: ﴿والطُّورِ وكِتابٍ مَسْطُورٍ﴾ [الطور: ١] ولِأنَّهُ إذا حُمِلَ ﴿وكِتابٍ مَسْطُورٍ﴾ [الطور: ٢] عَلى العُمُومِ دَخَلَ فِيهِ مَعْنَيانِ: الكُتُبُ الإلَهِيَّةُ، كالتَّوْراةِ والإنْجِيلِ، والقُرْآنِ، فَيَحْسُنُ إذْ ذاكَ القَسَمُ بِهِ.
ولَمّا ذَكَرَ ﴿واليَوْمِ المَوْعُودِ﴾، وهو يَوْمُ القِيامَةِ بِاتِّفاقٍ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ، ﷺ ناسَبَ أنْ يَكُونَ المُقْسَمُ بِهِ مَن يَشْهَدُ في ذَلِكَ اليَوْمِ ومَن يُشْهَدُ عَلَيْهِ (p-٤٥٠)إنْ كانَ ذَلِكَ مِنَ الشَّهادَةِ، وإنْ كانَ مِنَ الحُضُورِ، فالشّاهِدُ: الخَلائِقُ الحاضِرُونَ لِلْحِسابِ، والمَشْهُودُ: اليَوْمُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ وذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ [هود: ١٠٣] كانَ مَوْعُودًا بِهِ فَصارَ مَشْهُودًا، وقَدِ اخْتَلَفَتْ أقْوالُ المُفَسِّرِينَ في تَعْيِينِهِما.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: الشّاهِدُ: اللَّهُ تَعالى، وعَنْهُ وعَنِ الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ وعِكْرِمَةَ: الرَّسُولُ، وعَنْ مُجاهِدٍ، وعِكْرِمَةَ، وعَطاءِ بْنِ يَسارٍ: آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وذُرِّيَّتُهُ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا والحَسَنِ: الشّاهِدُ يَوْمُ عَرَفَةَ ويَوْمُ الجُمُعَةِ، وفي كُلِّ قَوْمٍ مِنها المَشْهُودُ يَوْمُ القِيامَةِ، وعَنْ عَلِيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ وأبِي هُرَيْرَةَ، والحَسَنِ، وابْنِ المُسَيَّبِ، وقَتادَةَ: ﴿وشاهِدٍ﴾ يَوْمُ الجُمُعَةِ، وعَنِ ابْنِ المُسَيَّبِ: يَوْمُ التَّرْوِيَةِ، وعَنْ عَلِيٍّ أيْضًا: يَوْمُ القِيامَةِ، وعَنِ النَّخَعِيِّ: يَوْمُ الأضْحى، ﴿ومَشْهُودٍ﴾ في هَذِهِ الأقْوالِ يَوْمُ عَرَفَةَ، وعَنِ ابْنِ عُمَرَ: يَوْمُ الجُمُعَةِ، (ومَشْهُودٍ) يَوْمُ النَّحْرِ، وعَنْ جابِرٍ: يَوْمُ الجُمُعَةِ، ﴿ومَشْهُودٍ﴾ النّاسُ، وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ: ابْنُ آدَمَ، ﴿ومَشْهُودٍ﴾ اللَّهُ تَعالى، وعَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ: عَكْسُ هَذا، وعَنْ أبِي مالِكٍ: عِيسى، ﴿ومَشْهُودٍ﴾ أُمَّتُهُ، وعَنْ عَلِيٍّ: يَوْمُ عَرَفَةَ، ﴿ومَشْهُودٍ﴾ يَوْمُ النَّحْرِ، وعَنِ التِّرْمِذِيِّ الحَكِيمِ: الحَفَظَةُ، ﴿ومَشْهُودٍ﴾ عَلَيْهِمْ: النّاسُ، وعَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ يَحْيى: مُحَمَّدٌ، (ومَشْهُودٍ) عَلَيْهِ: أُمَّتُهُ، وعَنْهُ: الأنْبِياءُ، ﴿ومَشْهُودٍ﴾ أُمَمُهم، وعَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ ومُقاتِلٍ: الجَوارِحُ يَوْمَ القِيامَةِ، ﴿ومَشْهُودٍ﴾ أصْحابُها. وقِيلَ: هُما يَوْمُ الإثْنَيْنِ ويَوْمُ الجُمُعَةِ. وقِيلَ: المَلائِكَةُ المُتَعاقِبُونَ وقُرْآنُ الفَجْرِ. وقِيلَ: النَّجْمُ واللَّيْلُ والنَّهارُ. وقِيلَ: اللَّهُ والمَلائِكَةُ وأُولُو العِلْمِ، ومَشْهُودٌ بِهِ الوَحْدانِيَّةُ، و﴿إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ﴾ [آل عمران: ١٩] . وقِيلَ: مَخْلُوقاتُهُ تَعالى، ﴿ومَشْهُودٍ﴾ بِهِ: وحْدانِيَّتُهُ. وقِيلَ: هُما الحَجَرُ الأسْوَدُ والحَجِيجُ. وقِيلَ: اللَّيالِي والأيّامُ وبَنُو آدَمَ. وقِيلَ: الأنْبِياءُ ومُحَمَّدٌ، وهَذِهِ أقْوالٌ سَبْعَةٌ وعِشْرُونَ لِكُلٍّ مِنها مُتَمَسَّكٌ، ولِلصُّوفِيَّةِ أقْوالٌ غَيْرُ هَذِهِ، والظّاهِرُ ما قُلْناهُ أوَّلًا، وجَوابُ القَسَمِ قِيلَ مَحْذُوفٌ، فَقِيلَ: لَتُبْعَثُنَّ ونَحْوُهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ وقِيلَ: الجَوابُ مَذْكُورٌ فَقِيلَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا﴾ [البروج: ١٠] . وقالَ المُبَرِّدُ: ﴿إنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ [البروج: ١٢] . وقِيلَ: (قُتِلَ) وهَذا نَخْتارُهُ وحُذِفَتِ اللّامُ أيْ: لَقُتِلَ، وحَسُنَ حَذْفُها كَما حَسُنَ في قَوْلِهِ: ﴿والشَّمْسِ وضُحاها﴾ [الشمس: ١] ثُمَّ قالَ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ [الشمس: ٩] أيْ: لَقَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها، ويَكُونُ الجَوابُ دَلِيلًا عَلى لَعْنَةِ اللَّهِ عَلى مَن فَعَلَ ذَلِكَ وطَرْدِهِ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ، وتَنْبِيهًا لِكُفّارِ قُرَيْشٍ الَّذِينَ يُؤْذُونَ المُؤْمِنِينَ لِيَفْتِنُوهم عَنْ دِينِهِمْ، عَلى أنَّهم مَلْعُونُونَ بِجامِعِ ما اشْتَرَكا فِيهِ مِن تَعْذِيبِ المُؤْمِنِينَ، وإذا كانَ (قُتِلَ) جَوابًا لِلْقَسَمِ، فَهي جُمْلَةٌ خَبَرِيَّةٌ، وقِيلَ: دُعاءٌ، فَكَوْنُ الجَوابِ غَيْرَها. وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ مِقْسَمٍ بِالتَّشْدِيدِ، والجُمْهُورُ بِالتَّخْفِيفِ.
البروج 85:9
وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ في أصْحابِ الأُخْدُودِ أقْوالًا فَوْقَ العَشَرَةِ، ولِكُلِّ قَوْلٍ مِنها قِصَّةٌ طَوِيلَةٌ كَسِلْنا عَنْ كِتابَتِها في كِتابِنا هَذا، ومُضَمَّنُها أنَّ ناسًا مِنَ الكُفّارِ خَدُّوا أُخْدُودًا في الأرْضِ وسَجَّرُوهُ نارًا وعَرَضُوا المُؤْمِنِينَ عَلَيْها، فَمَن رَجَعَ عَنْ دِينِهِ تَرَكُوهُ، ومَن أصَرَّ عَلى الإيمانِ أحْرَقُوهُ، وأصْحابُ الأُخْدُودِ هُمُ المُحَرِّقُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ. وقالَ الرَّبِيعُ، وأبُو العالِيَةِ، وابْنُ إسْحاقَ: بَعَثَ اللَّهُ عَلى المُؤْمِنِينَ رِيحًا فَقَبَضَتْ أرْواحَهم أوْ نَحْوَ هَذا، وخَرَجَتِ النّارُ فَأحْرَقَتِ الكافِرِينَ الَّذِينَ كانُوا عَلى حافَّتَيِ الأُخْدُودِ، فَعَلى هَذا يَكُونُ القَتْلُ حَقِيقَةً لا بِمَعْنى اللَّعْنِ، ويَكُونُ خَبَرًا عَنْ ما فَعَلَهُ اللَّهُ بِالكُفّارِ والَّذِينَ أرادُوا أنْ يَفْتِنُوا المُؤْمِنِينَ عَنْ دِينِهِمْ. وقَوْلُ هَؤُلاءِ مُخالِفٌ لِقَوْلِ الجُمْهُورِ ولِما دَلَّ عَلَيْهِ القَصَصُ الَّذِي ذَكَرُوهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (النّارِ) بِالجَرِّ، وهو بَدَلُ اشْتِمالٍ، أوْ بَدَلُ كُلٍّ مِن كُلٍّ عَلى تَقْدِيرِ مَحْذُوفٍ، أيْ أُخْدُودِ النّارِ. وقَرَأ قَوْمٌ: (النّارُ) بِالرَّفْعِ. قِيلَ: وعَلى مَعْنى قَتْلِهِمْ، ويَكُونُ أصْحابُ الأُخْدُودِ إذْ ذاكَ المُؤْمِنِينَ، وقُتِلَ عَلى حَقِيقَتِهِ. وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ، وأبُو حَيْوَةَ، وعِيسى: ﴿الوَقُودِ﴾ [البروج: ٥] بِضَمِّ الواوِ وهو مَصْدَرٌ، والجُمْهُورُ: بِفَتْحِها، وهو ما يُوقَدُ بِهِ. وقَدْ حَكى (p-٤٥١)سِيبَوَيْهِ أنَّهُ بِالفَتْحِ أيْضًا مَصْدَرٌ كالضَّمِّ، والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في (إذْ هم) عائِدٌ عَلى الَّذِينَ يُحَرِّقُونَ المُؤْمِنِينَ، وكَذَلِكَ في (وهم) عَلى قَوْلِ الرَّبِيعِ يَعُودُ عَلى الكافِرِينَ، ويَكُونُ هم أيْضًا عائِدًا عَلَيْهِمْ، ويَكُونُ مَعْنى ﴿عَلى ما يَفْعَلُونَ﴾ [البروج: ٧] ما يُرِيدُونَ مِن فِعْلِهِمْ بِالمُؤْمِنِينَ. وقِيلَ: أصْحابُ الأُخْدُودِ مُحْرِقٌ، وتَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ذاتِ الوَقُودِ﴾ [البروج: ٥] ويَكُونُ المُرادُ بِقَوْلِهِ: (وهم) قُرَيْشٌ الَّذِينَ كانُوا يَفْتِنُونَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ، و”إذْ“ العامِلُ فِيهِ ”قُتِلَ“، أيْ لُعِنُوا وقَعَدُوا عَلى النّارِ، أوْ عَلى ما يَدْنُو مِنها مِن حافّاتِ الأُخْدُودِ، كَما قالَ الأعْشى:
؎تُشَبُّ لِمَقْرُورَيْنِ يَصْطَلِيانِها وباتَ عَلى النّارِ النَّدى والمُحَلِّقُ
﴿شُهُودٌ﴾ [البروج: ٧] يَشْهَدُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عِنْدِ المَلِكِ، أيْ لَمْ يُفَرِّطْ فِيما أُمِرَ بِهِ، أوْ شُهُودٌ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى ما فَعَلُوا بِالمُؤْمِنِينَ، يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ جَوارِحُهم بِأعْمالِهِمْ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (نَقَمُوا) بِفَتْحِ القافِ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وأبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِكَسْرِها، أيْ ما عابُوا ولا أنْكَرُوا الإيمانَ، كَقَوْلِهِ: ﴿هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا إلّا أنْ آمَنّا بِاللَّهِ﴾ [المائدة: ٥٩] وكَقَوْلِ قَيْسِ الرُّقُياتِ:
؎ما نَقَمُوا مِن بَنِي أُمَيَّةَ إلّا ∗∗∗ أنَّهم يَحْلُمُونَ إنْ غَضِبُوا
جَعَلُوا ما هو في غايَةِ الحُسْنِ قَبِيحًا حَتّى نَقَمُوا عَلَيْهِ، كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎ولا عَيْبَ فِيها غَيْرَ شُكْلَةِ عَيْنِها ∗∗∗ كَذاكَ عِتاقُ الطَّيْرِ شُكْلٌ عُيُونُها
وفِي المُنْتَخَبِ: إنَّما قالَ ﴿إلّا أنْ يُؤْمِنُوا﴾ [البروج: ٨] لِأنَّ التَّعْذِيبَ إنَّما كانَ واقِعًا عَلى الإيمانِ في المُسْتَقْبَلِ، ولَوْ كَفَرُوا في المُسْتَقْبَلِ لَمْ يُعَذَّبُوا عَلى ما مَضى، فَكَأنَّهُ قالَ: إلّا أنْ يُدِيمُوا عَلى إيمانِهِمْ. انْتَهى. وذَكَرَ الأوْصافَ الَّتِي يَسْتَحِقُّ بِها تَعالى أنْ يُؤْمَنَ بِهِ، وهو كَوْنُهُ تَعالى عَزِيزًا غالِبًا قادِرًا يُخْشى عِقابُهُ، حَمِيدًا مُنْعِمًا يَجِبُ لَهُ الحَمْدُ عَلى نِعْمَتِهِ، لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وكُلُّ مَن فِيهِما يَحِقُّ عَلَيْهِ عِبادَتُهُ والخُشُوعُ لَهُ تَقْرِيرًا؛ لِأنَّ ما نَقَمُوا مِنهم هو الحَقُّ الَّذِي لا يَنْقِمُهُ إلّا مُبْطِلٌ مُنْهَمِكٌ في الغَيِّ.
﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ وعِيدٌ لَهم أيْ إنَّهُ عَلِمَ ما فَعَلُوا فَهو يُجازِيهِمْ. والظّاهِرُ أنَّ ﴿الَّذِينَ فَتَنُوا﴾ عامٌّ في كُلِّ مَنِ ابْتَلى المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ بِتَعْذِيبٍ أوْ أذًى، وأنَّ لَهم عَذابَيْنِ: عَذابًا لِكُفْرِهِمْ، وعَذابًا لِفِتْنَتِهِمْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَجُوزُ أنْ يُرِيدَ بِالَّذِينِ فَتَنُوا أصْحابَ الأُخْدُودِ خاصَّةً، وبِالَّذِينِ آمَنُوا المَطْرُوحِينَ في الأُخْدُودِ، ومَعْنى فَتَنُوهم: عَذَّبُوهم بِالنّارِ وأحْرَقُوهم. (فَلَهم) في الآخِرَةِ ﴿عَذابُ جَهَنَّمَ﴾ بِكُفْرِهِمْ ﴿ولَهم عَذابُ الحَرِيقِ﴾ وهي نارٌ أُخْرى عَظِيمَةٌ تَتَّسِعُ كَما يَتَّسِعُ الحَرِيقُ، أوْ لَهم عَذابُ جَهَنَّمَ في الآخِرَةِ، ولَهم عَذابُ الحَرِيقِ في الدُّنْيا لِما رُوِيَ أنَّ النّارَ انْقَلَبَتْ عَلَيْهِمْ فَأحْرَقَتْهم. انْتَهى. ويَنْبَغِي أنْ لا يَجُوزَ هَذا الَّذِي جَوَّزَهُ؛ لِأنَّ في الآيَةِ ﴿ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾ وأُولَئِكَ المُحَرِّقُونَ لَمْ يُنْقَلْ لَنا أنَّ أحَدًا مِنهم تابَ، بَلِ الظّاهِرُ أنَّهم لَمْ يُلْعَنُوا إلّا وهم قَدْ ماتُوا عَلى الكُفْرِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ﴿ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾ يُقَوِّي أنَّ الآياتِ في قُرَيْشٍ؛ لِأنَّ هَذا اللَّفْظَ في قُرَيْشٍ أحْكَمُ مِنهُ في أُولَئِكَ الَّذِينَ قَدْ عَلِمُوا أنَّهم ماتُوا عَلى كُفْرِهِمْ. وأمّا قُرَيْشٌ فَكانَ فِيهِمْ وقْتَ نُزُولِ الآيَةِ مَن تابَ وآمَنَ. انْتَهى. وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ المُرادُ بِهِ العُمُومُ لا المَطْرُوحُونَ في النّارِ، والبَطْشُ: الأخْذُ بِقُوَّةٍ ﴿يُبْدِئُ ويُعِيدُ﴾ قالَ ابْنُ زَيْدٍ والضَّحّاكُ: يُبْدِئُ الخَلْقَ بِالإنْشاءِ، ويُعِيدُهُ بِالحَشْرِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: عامٌّ في جَمِيعِ الأشْياءِ، أيْ كُلُّ ما يُبْدَأُ وكُلُّ ما يُعادُ. وقالَ الطَّبَرِيُّ: يُبْدِئُ العَذابَ ويُعِيدُهُ عَلى الكُفّارِ، ونَحْوُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: تَأْكُلُهُمُ النّارُ حَتّى يَصِيرُوا فَحْمًا، ثُمَّ يُعِيدُهم خَلْقًا جَدِيدًا. وقُرِئَ: (يَبْدَأُ) مِن بَدَأ ثُلاثِيًّا، حَكاهُ أبُو زَيْدٍ.
ولَمّا ذَكَرَ شِدَّةَ بَطْشِهِ ذَكَرَ كَوْنَهُ، غَفُورًا ساتِرًا لِذُنُوبِ عِبادِهِ، ودُودًا لَطِيفًا بِهِمْ مُحْسِنًا إلَيْهِمْ، وهاتانِ صِفَتا فِعْلٍ. والظّاهِرُ أنَّ الوَدُودَ مُبالَغَةٌ في الوادِّ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: المُتَوَدِّدُ إلى عِبادِهِ بِالمَغْفِرَةِ. وحَكى المُبَرِّدُ عَنِ القاضِي إسْماعِيلَ بْنِ إسْحاقَ أنَّ الوَدُودَ هو الَّذِي لا ولَدَ لَهُ، وأنْشَدَ:(p-٤٥٢)
؎وأرْكَبُ في الرَّوْعِ عُرْيانَةً ∗∗∗ ذَلُولَ الجِماعِ لِقاحًا ودُودا
أيْ: لا ولَدَ لَها تَحِنُّ إلَيْهِ. وقِيلَ: الوَدُودُ فَعُولٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، كَرَكُوبٍ وحَلُوبٍ، أيْ يَوَدُّهُ عِبادُهُ الصّالِحُونَ ﴿ذُو العَرْشِ﴾ خَصَّ العَرْشَ بِإضافَةِ نَفْسِهِ تَشْرِيفًا لِلْعَرْشِ وتَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ أعْظَمُ المَخْلُوقاتِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (ذُو) بِالواوِ، وابْنُ عامِرٍ في رِوايَةٍ: ذِي بِالياءِ، صِفَةٌ لِرَبِّكَ. وقالَ القَفّالُ: ﴿ذُو العَرْشِ﴾ ذُو المُلْكِ والسُّلْطانِ. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالعَرْشِ السَّرِيرُ العالِي، ويَكُونُ خَلَقَ سَرِيرًا في سَمائِهِ في غايَةِ العَظَمَةِ، بِحَيْثُ لا يَعْرِفُ عَظَمَتَهُ إلّا هو ومَن يُطْلِعُهُ عَلَيْهِ. انْتَهى. وقَرَأ الحَسَنُ وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ، وابْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ والمُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ، والأخَوانِ: (المَجِيدِ) بِخَفْضِ الدّالِ، صِفَةٌ لِلْعَرْشِ، ومَجادَتُهُ: عِظَمُهُ وعُلُوُّهُ ومِقْدارُهُ وحُسْنُ صُورَتِهِ وتَرْكِيبُهُ، فَإنَّهُ قِيلَ: العَرْشُ أحْسَنُ الأجْسامِ صُورَةً وتَرْكِيبًا. ومَن قَرَأ: ذِي العَرْشِ بِالياءِ، جازَ أنْ يَكُونَ (المَجِيدِ) بِالخَفْضِ صِفَةً لِذِي، والأحْسَنُ جَعْلُ هَذِهِ المَرْفُوعاتِ أخْبارًا عَنْ هو، فَيَكُونُ (فَعّالٌ) خَبَرًا. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿الوَدُودُ ذُو العَرْشِ﴾ صِفَتَيْنِ لِلْغَفُورِ، ”وفَعّالٌ“ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ وأتى بِصِيغَةِ فَعّالٍ؛ لِأنَّ ما يُرِيدُ ويَفْعَلُ في غايَةِ الكَثْرَةِ، والمَعْنى: أنَّ كُلَّ ما تَعَلَّقَتْ بِهِ إرادَتُهُ فِعْلُهُ لا مُعْتَرِضَ عَلَيْهِ.
﴿هَلُ أتاكَ حَدِيثُ الجُنُودِ﴾ تَقْرِيرٌ لِحالِ الكَفَرَةِ، أيْ قَدْ أتاكَ حَدِيثُهم، وما جَرى لَهم مَعَ أنْبِيائِهِمْ، وما حَلَّ بِهِمْ مِنَ العُقُوباتِ بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِمْ، فَكَذَلِكَ يَحِلُّ بِقُرَيْشٍ مِنَ العَذابِ مِثْلُ ما حَلَّ بِهِمْ، والجُنُودُ: الجُمُوعُ المُعَدَّةُ لِلْقِتالِ ﴿فِرْعَوْنَ وثَمُودَ﴾ بَدَلٌ مِنَ الجُنُودِ، وكَأنَّهُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ جُنُودِ فِرْعَوْنَ، واخْتَصَرَ ما جَرى لَهم إذْ هم مَذْكُورُونَ في غَيْرِ ما سُورَةٍ مِنَ القُرْآنِ، وذَكَرَ ثَمُودَ لِشُهْرَةِ قِصَّتِهِمْ في بِلادِ العَرَبِ وهي مُتَقَدِّمَةٌ، وذَكَرَ فِرْعَوْنَ لِشُهْرَةِ قِصَّتِهِ عِنْدَ أهْلِ الكِتابِ وعِنْدَ العَرَبِ الجاهِلِيَّةِ أيْضًا، ألا تَرى إلى زُهَيْرِ بْنِ أبِي سُلْمى وقَوْلِهِ:
؎ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أهْلَكَ تُبَّعًا ∗∗∗ وأهْلَكَ لُقْمانَ بْنَ عادٍ وعادِيا
؎وأهْلَكَ ذا القَرْنَيْنِ مِن قَبْلُ ما لَوى ∗∗∗ وفِرْعَوْنَ جَبّارًا طَغى والنَّجاشِيا
وكانَ فِرْعَوْنُ مِنَ المُتَأخِّرِينَ في الهَلاكِ، فَدَلَّ بِقِصَّتِهِ وقِصَّةِ ثَمُودَ عَلى أمْثالِهِما مِن قِصَصِ الأُمَمِ المُكَذِّبِينَ وهَلاكِهِمْ.
﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ مِن قَوْمِكَ، ﴿فِي تَكْذِيبٍ﴾ حَسَدًا لَكَ، لَمْ يَعْتَبِرُوا بِما جَرى لِمَن قَبْلَهم حِينَ كَذَّبُوا أنْبِياءَهم.
﴿واللَّهُ مِن ورائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ أيْ هو قادِرٌ عَلى أنْ يُنْزِلَ بِهِمْ ما أنْزَلَ بِفِرْعَوْنَ وثَمُودَ ومَن كانَ مُحاطًا بِهِ، فَهو مَحْصُورٌ في غايَةٍ لا يَسْتَطِيعُ دَفْعًا، والمَعْنى: دُنُوُّ هَلاكِهِمْ، ولَمّا ذَكَرَ أنَّهم في تَكْذِيبٍ، وأنَّ التَّكْذِيبَ عَمَّهم حَتّى صارَ كالوِعاءِ لَهم، وكانَ ﷺ، قَدْ كَذَّبُوهُ وكَذَّبُوا ما جاءَ بِهِ وهو القُرْآنُ، أخْبَرَ تَعالى عَنِ الَّذِي جاءَ بِهِ وكَذَّبُوا فَقالَ: ﴿بَلْ هو قُرْآنٌ﴾ أيْ بَلِ الَّذِي كَذَّبُوا بِهِ قُرْآنٌ مَجِيدٌ، ومَجادَتُهُ: شَرَفُهُ عَلى سائِرِ الكُتُبِ بِإعْجازِهِ في نَظْمِهِ وصِحَّةِ مَعانِيهِ، وإخْبارِهِ بِالمُغَيَّباتِ وغَيْرِ ذَلِكَ في مَحاسِنِهِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ مَوْصُوفٌ وصْفَةٌ، وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْقَعِ: (قُرْآنُ مَجِيدٍ) بِالإضافَةِ، قالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: سَمِعْتُ ابْنَ الأنْبارِيِّ يَقُولُ مَعْناهُ: بَلْ هو قُرْآنُ رَبٍّ مَجِيدٍ، كَما قالَ الشّاعِرُ:
ولَكِنْ الغِنى رَبٌّ غَفُورُ
مَعْناهُ: ولَكِنَّ الغِنى غِنى رَبٍّ غَفُورٍ. انْتَهى. وعَلى هَذا أخْرَجَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَرَأ اليَمانِيُّ: ﴿قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ عَلى الإضافَةِ، وأنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعالى هو المَجِيدَ. انْتَهى. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن بابِ إضافَةِ المَوْصُوفِ لِصِفَتِهِ، فَيَكُونُ مَدْلُولُهُ ومَدْلُولُ التَّنْوِينِ ورَفْعُ (مَجِيدٌ) واحِدًا، وهَذا أوْلى لِتَوافُقِ القِراءَتَيْنِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فِي لَوْحٍ﴾ بِفَتْحِ اللّامِ، ﴿مَحْفُوظٍ﴾ بِالخَفْضِ صِفَةٌ لِلَوْحٍ، واللَّوْحُ المَحْفُوظُ هو الَّذِي فِيهِ جَمِيعُ الأشْياءِ، وقَرَأ ابْنُ يَعْمَرَ وابْنُ السَّمَيْقَعِ: بِضَمِّ اللّامِ، قالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: اللَّوْحُ: الهَواءُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي اللَّوْحَ فَوْقَ السَّماءِ السّابِعَةِ الَّذِي فِيهِ اللَّوْحُ (p-٤٥٣)المَحْفُوظُ مِن وُصُولِ الشَّياطِينِ إلَيْهِ. انْتَهى. وقَرَأ الأعْرَجُ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، ونافِعٌ بِخِلافٍ عَنْهُ: ﴿مَحْفُوظٍ﴾ بِالرَّفْعِ صِفَةٌ لِقُرْآنٍ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]، أيْ هو مَحْفُوظٌ في القُلُوبِ، لا يَلْحَقُهُ خَطَأٌ ولا تَبْدِيلٌ.
البروج 85:10
وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ في أصْحابِ الأُخْدُودِ أقْوالًا فَوْقَ العَشَرَةِ، ولِكُلِّ قَوْلٍ مِنها قِصَّةٌ طَوِيلَةٌ كَسِلْنا عَنْ كِتابَتِها في كِتابِنا هَذا، ومُضَمَّنُها أنَّ ناسًا مِنَ الكُفّارِ خَدُّوا أُخْدُودًا في الأرْضِ وسَجَّرُوهُ نارًا وعَرَضُوا المُؤْمِنِينَ عَلَيْها، فَمَن رَجَعَ عَنْ دِينِهِ تَرَكُوهُ، ومَن أصَرَّ عَلى الإيمانِ أحْرَقُوهُ، وأصْحابُ الأُخْدُودِ هُمُ المُحَرِّقُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ. وقالَ الرَّبِيعُ، وأبُو العالِيَةِ، وابْنُ إسْحاقَ: بَعَثَ اللَّهُ عَلى المُؤْمِنِينَ رِيحًا فَقَبَضَتْ أرْواحَهم أوْ نَحْوَ هَذا، وخَرَجَتِ النّارُ فَأحْرَقَتِ الكافِرِينَ الَّذِينَ كانُوا عَلى حافَّتَيِ الأُخْدُودِ، فَعَلى هَذا يَكُونُ القَتْلُ حَقِيقَةً لا بِمَعْنى اللَّعْنِ، ويَكُونُ خَبَرًا عَنْ ما فَعَلَهُ اللَّهُ بِالكُفّارِ والَّذِينَ أرادُوا أنْ يَفْتِنُوا المُؤْمِنِينَ عَنْ دِينِهِمْ. وقَوْلُ هَؤُلاءِ مُخالِفٌ لِقَوْلِ الجُمْهُورِ ولِما دَلَّ عَلَيْهِ القَصَصُ الَّذِي ذَكَرُوهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (النّارِ) بِالجَرِّ، وهو بَدَلُ اشْتِمالٍ، أوْ بَدَلُ كُلٍّ مِن كُلٍّ عَلى تَقْدِيرِ مَحْذُوفٍ، أيْ أُخْدُودِ النّارِ. وقَرَأ قَوْمٌ: (النّارُ) بِالرَّفْعِ. قِيلَ: وعَلى مَعْنى قَتْلِهِمْ، ويَكُونُ أصْحابُ الأُخْدُودِ إذْ ذاكَ المُؤْمِنِينَ، وقُتِلَ عَلى حَقِيقَتِهِ. وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ، وأبُو حَيْوَةَ، وعِيسى: ﴿الوَقُودِ﴾ [البروج: ٥] بِضَمِّ الواوِ وهو مَصْدَرٌ، والجُمْهُورُ: بِفَتْحِها، وهو ما يُوقَدُ بِهِ. وقَدْ حَكى (p-٤٥١)سِيبَوَيْهِ أنَّهُ بِالفَتْحِ أيْضًا مَصْدَرٌ كالضَّمِّ، والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في (إذْ هم) عائِدٌ عَلى الَّذِينَ يُحَرِّقُونَ المُؤْمِنِينَ، وكَذَلِكَ في (وهم) عَلى قَوْلِ الرَّبِيعِ يَعُودُ عَلى الكافِرِينَ، ويَكُونُ هم أيْضًا عائِدًا عَلَيْهِمْ، ويَكُونُ مَعْنى ﴿عَلى ما يَفْعَلُونَ﴾ [البروج: ٧] ما يُرِيدُونَ مِن فِعْلِهِمْ بِالمُؤْمِنِينَ. وقِيلَ: أصْحابُ الأُخْدُودِ مُحْرِقٌ، وتَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ذاتِ الوَقُودِ﴾ [البروج: ٥] ويَكُونُ المُرادُ بِقَوْلِهِ: (وهم) قُرَيْشٌ الَّذِينَ كانُوا يَفْتِنُونَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ، و”إذْ“ العامِلُ فِيهِ ”قُتِلَ“، أيْ لُعِنُوا وقَعَدُوا عَلى النّارِ، أوْ عَلى ما يَدْنُو مِنها مِن حافّاتِ الأُخْدُودِ، كَما قالَ الأعْشى:
؎تُشَبُّ لِمَقْرُورَيْنِ يَصْطَلِيانِها وباتَ عَلى النّارِ النَّدى والمُحَلِّقُ
﴿شُهُودٌ﴾ [البروج: ٧] يَشْهَدُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عِنْدِ المَلِكِ، أيْ لَمْ يُفَرِّطْ فِيما أُمِرَ بِهِ، أوْ شُهُودٌ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى ما فَعَلُوا بِالمُؤْمِنِينَ، يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ جَوارِحُهم بِأعْمالِهِمْ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (نَقَمُوا) بِفَتْحِ القافِ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وأبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِكَسْرِها، أيْ ما عابُوا ولا أنْكَرُوا الإيمانَ، كَقَوْلِهِ: ﴿هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا إلّا أنْ آمَنّا بِاللَّهِ﴾ [المائدة: ٥٩] وكَقَوْلِ قَيْسِ الرُّقُياتِ:
؎ما نَقَمُوا مِن بَنِي أُمَيَّةَ إلّا ∗∗∗ أنَّهم يَحْلُمُونَ إنْ غَضِبُوا
جَعَلُوا ما هو في غايَةِ الحُسْنِ قَبِيحًا حَتّى نَقَمُوا عَلَيْهِ، كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎ولا عَيْبَ فِيها غَيْرَ شُكْلَةِ عَيْنِها ∗∗∗ كَذاكَ عِتاقُ الطَّيْرِ شُكْلٌ عُيُونُها
وفِي المُنْتَخَبِ: إنَّما قالَ ﴿إلّا أنْ يُؤْمِنُوا﴾ [البروج: ٨] لِأنَّ التَّعْذِيبَ إنَّما كانَ واقِعًا عَلى الإيمانِ في المُسْتَقْبَلِ، ولَوْ كَفَرُوا في المُسْتَقْبَلِ لَمْ يُعَذَّبُوا عَلى ما مَضى، فَكَأنَّهُ قالَ: إلّا أنْ يُدِيمُوا عَلى إيمانِهِمْ. انْتَهى. وذَكَرَ الأوْصافَ الَّتِي يَسْتَحِقُّ بِها تَعالى أنْ يُؤْمَنَ بِهِ، وهو كَوْنُهُ تَعالى عَزِيزًا غالِبًا قادِرًا يُخْشى عِقابُهُ، حَمِيدًا مُنْعِمًا يَجِبُ لَهُ الحَمْدُ عَلى نِعْمَتِهِ، لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وكُلُّ مَن فِيهِما يَحِقُّ عَلَيْهِ عِبادَتُهُ والخُشُوعُ لَهُ تَقْرِيرًا؛ لِأنَّ ما نَقَمُوا مِنهم هو الحَقُّ الَّذِي لا يَنْقِمُهُ إلّا مُبْطِلٌ مُنْهَمِكٌ في الغَيِّ.
﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ وعِيدٌ لَهم أيْ إنَّهُ عَلِمَ ما فَعَلُوا فَهو يُجازِيهِمْ. والظّاهِرُ أنَّ ﴿الَّذِينَ فَتَنُوا﴾ عامٌّ في كُلِّ مَنِ ابْتَلى المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ بِتَعْذِيبٍ أوْ أذًى، وأنَّ لَهم عَذابَيْنِ: عَذابًا لِكُفْرِهِمْ، وعَذابًا لِفِتْنَتِهِمْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَجُوزُ أنْ يُرِيدَ بِالَّذِينِ فَتَنُوا أصْحابَ الأُخْدُودِ خاصَّةً، وبِالَّذِينِ آمَنُوا المَطْرُوحِينَ في الأُخْدُودِ، ومَعْنى فَتَنُوهم: عَذَّبُوهم بِالنّارِ وأحْرَقُوهم. (فَلَهم) في الآخِرَةِ ﴿عَذابُ جَهَنَّمَ﴾ بِكُفْرِهِمْ ﴿ولَهم عَذابُ الحَرِيقِ﴾ وهي نارٌ أُخْرى عَظِيمَةٌ تَتَّسِعُ كَما يَتَّسِعُ الحَرِيقُ، أوْ لَهم عَذابُ جَهَنَّمَ في الآخِرَةِ، ولَهم عَذابُ الحَرِيقِ في الدُّنْيا لِما رُوِيَ أنَّ النّارَ انْقَلَبَتْ عَلَيْهِمْ فَأحْرَقَتْهم. انْتَهى. ويَنْبَغِي أنْ لا يَجُوزَ هَذا الَّذِي جَوَّزَهُ؛ لِأنَّ في الآيَةِ ﴿ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾ وأُولَئِكَ المُحَرِّقُونَ لَمْ يُنْقَلْ لَنا أنَّ أحَدًا مِنهم تابَ، بَلِ الظّاهِرُ أنَّهم لَمْ يُلْعَنُوا إلّا وهم قَدْ ماتُوا عَلى الكُفْرِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ﴿ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾ يُقَوِّي أنَّ الآياتِ في قُرَيْشٍ؛ لِأنَّ هَذا اللَّفْظَ في قُرَيْشٍ أحْكَمُ مِنهُ في أُولَئِكَ الَّذِينَ قَدْ عَلِمُوا أنَّهم ماتُوا عَلى كُفْرِهِمْ. وأمّا قُرَيْشٌ فَكانَ فِيهِمْ وقْتَ نُزُولِ الآيَةِ مَن تابَ وآمَنَ. انْتَهى. وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ المُرادُ بِهِ العُمُومُ لا المَطْرُوحُونَ في النّارِ، والبَطْشُ: الأخْذُ بِقُوَّةٍ ﴿يُبْدِئُ ويُعِيدُ﴾ قالَ ابْنُ زَيْدٍ والضَّحّاكُ: يُبْدِئُ الخَلْقَ بِالإنْشاءِ، ويُعِيدُهُ بِالحَشْرِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: عامٌّ في جَمِيعِ الأشْياءِ، أيْ كُلُّ ما يُبْدَأُ وكُلُّ ما يُعادُ. وقالَ الطَّبَرِيُّ: يُبْدِئُ العَذابَ ويُعِيدُهُ عَلى الكُفّارِ، ونَحْوُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: تَأْكُلُهُمُ النّارُ حَتّى يَصِيرُوا فَحْمًا، ثُمَّ يُعِيدُهم خَلْقًا جَدِيدًا. وقُرِئَ: (يَبْدَأُ) مِن بَدَأ ثُلاثِيًّا، حَكاهُ أبُو زَيْدٍ.
ولَمّا ذَكَرَ شِدَّةَ بَطْشِهِ ذَكَرَ كَوْنَهُ، غَفُورًا ساتِرًا لِذُنُوبِ عِبادِهِ، ودُودًا لَطِيفًا بِهِمْ مُحْسِنًا إلَيْهِمْ، وهاتانِ صِفَتا فِعْلٍ. والظّاهِرُ أنَّ الوَدُودَ مُبالَغَةٌ في الوادِّ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: المُتَوَدِّدُ إلى عِبادِهِ بِالمَغْفِرَةِ. وحَكى المُبَرِّدُ عَنِ القاضِي إسْماعِيلَ بْنِ إسْحاقَ أنَّ الوَدُودَ هو الَّذِي لا ولَدَ لَهُ، وأنْشَدَ:(p-٤٥٢)
؎وأرْكَبُ في الرَّوْعِ عُرْيانَةً ∗∗∗ ذَلُولَ الجِماعِ لِقاحًا ودُودا
أيْ: لا ولَدَ لَها تَحِنُّ إلَيْهِ. وقِيلَ: الوَدُودُ فَعُولٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، كَرَكُوبٍ وحَلُوبٍ، أيْ يَوَدُّهُ عِبادُهُ الصّالِحُونَ ﴿ذُو العَرْشِ﴾ خَصَّ العَرْشَ بِإضافَةِ نَفْسِهِ تَشْرِيفًا لِلْعَرْشِ وتَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ أعْظَمُ المَخْلُوقاتِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (ذُو) بِالواوِ، وابْنُ عامِرٍ في رِوايَةٍ: ذِي بِالياءِ، صِفَةٌ لِرَبِّكَ. وقالَ القَفّالُ: ﴿ذُو العَرْشِ﴾ ذُو المُلْكِ والسُّلْطانِ. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالعَرْشِ السَّرِيرُ العالِي، ويَكُونُ خَلَقَ سَرِيرًا في سَمائِهِ في غايَةِ العَظَمَةِ، بِحَيْثُ لا يَعْرِفُ عَظَمَتَهُ إلّا هو ومَن يُطْلِعُهُ عَلَيْهِ. انْتَهى. وقَرَأ الحَسَنُ وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ، وابْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ والمُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ، والأخَوانِ: (المَجِيدِ) بِخَفْضِ الدّالِ، صِفَةٌ لِلْعَرْشِ، ومَجادَتُهُ: عِظَمُهُ وعُلُوُّهُ ومِقْدارُهُ وحُسْنُ صُورَتِهِ وتَرْكِيبُهُ، فَإنَّهُ قِيلَ: العَرْشُ أحْسَنُ الأجْسامِ صُورَةً وتَرْكِيبًا. ومَن قَرَأ: ذِي العَرْشِ بِالياءِ، جازَ أنْ يَكُونَ (المَجِيدِ) بِالخَفْضِ صِفَةً لِذِي، والأحْسَنُ جَعْلُ هَذِهِ المَرْفُوعاتِ أخْبارًا عَنْ هو، فَيَكُونُ (فَعّالٌ) خَبَرًا. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿الوَدُودُ ذُو العَرْشِ﴾ صِفَتَيْنِ لِلْغَفُورِ، ”وفَعّالٌ“ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ وأتى بِصِيغَةِ فَعّالٍ؛ لِأنَّ ما يُرِيدُ ويَفْعَلُ في غايَةِ الكَثْرَةِ، والمَعْنى: أنَّ كُلَّ ما تَعَلَّقَتْ بِهِ إرادَتُهُ فِعْلُهُ لا مُعْتَرِضَ عَلَيْهِ.
﴿هَلُ أتاكَ حَدِيثُ الجُنُودِ﴾ تَقْرِيرٌ لِحالِ الكَفَرَةِ، أيْ قَدْ أتاكَ حَدِيثُهم، وما جَرى لَهم مَعَ أنْبِيائِهِمْ، وما حَلَّ بِهِمْ مِنَ العُقُوباتِ بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِمْ، فَكَذَلِكَ يَحِلُّ بِقُرَيْشٍ مِنَ العَذابِ مِثْلُ ما حَلَّ بِهِمْ، والجُنُودُ: الجُمُوعُ المُعَدَّةُ لِلْقِتالِ ﴿فِرْعَوْنَ وثَمُودَ﴾ بَدَلٌ مِنَ الجُنُودِ، وكَأنَّهُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ جُنُودِ فِرْعَوْنَ، واخْتَصَرَ ما جَرى لَهم إذْ هم مَذْكُورُونَ في غَيْرِ ما سُورَةٍ مِنَ القُرْآنِ، وذَكَرَ ثَمُودَ لِشُهْرَةِ قِصَّتِهِمْ في بِلادِ العَرَبِ وهي مُتَقَدِّمَةٌ، وذَكَرَ فِرْعَوْنَ لِشُهْرَةِ قِصَّتِهِ عِنْدَ أهْلِ الكِتابِ وعِنْدَ العَرَبِ الجاهِلِيَّةِ أيْضًا، ألا تَرى إلى زُهَيْرِ بْنِ أبِي سُلْمى وقَوْلِهِ:
؎ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أهْلَكَ تُبَّعًا ∗∗∗ وأهْلَكَ لُقْمانَ بْنَ عادٍ وعادِيا
؎وأهْلَكَ ذا القَرْنَيْنِ مِن قَبْلُ ما لَوى ∗∗∗ وفِرْعَوْنَ جَبّارًا طَغى والنَّجاشِيا
وكانَ فِرْعَوْنُ مِنَ المُتَأخِّرِينَ في الهَلاكِ، فَدَلَّ بِقِصَّتِهِ وقِصَّةِ ثَمُودَ عَلى أمْثالِهِما مِن قِصَصِ الأُمَمِ المُكَذِّبِينَ وهَلاكِهِمْ.
﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ مِن قَوْمِكَ، ﴿فِي تَكْذِيبٍ﴾ حَسَدًا لَكَ، لَمْ يَعْتَبِرُوا بِما جَرى لِمَن قَبْلَهم حِينَ كَذَّبُوا أنْبِياءَهم.
﴿واللَّهُ مِن ورائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ أيْ هو قادِرٌ عَلى أنْ يُنْزِلَ بِهِمْ ما أنْزَلَ بِفِرْعَوْنَ وثَمُودَ ومَن كانَ مُحاطًا بِهِ، فَهو مَحْصُورٌ في غايَةٍ لا يَسْتَطِيعُ دَفْعًا، والمَعْنى: دُنُوُّ هَلاكِهِمْ، ولَمّا ذَكَرَ أنَّهم في تَكْذِيبٍ، وأنَّ التَّكْذِيبَ عَمَّهم حَتّى صارَ كالوِعاءِ لَهم، وكانَ ﷺ، قَدْ كَذَّبُوهُ وكَذَّبُوا ما جاءَ بِهِ وهو القُرْآنُ، أخْبَرَ تَعالى عَنِ الَّذِي جاءَ بِهِ وكَذَّبُوا فَقالَ: ﴿بَلْ هو قُرْآنٌ﴾ أيْ بَلِ الَّذِي كَذَّبُوا بِهِ قُرْآنٌ مَجِيدٌ، ومَجادَتُهُ: شَرَفُهُ عَلى سائِرِ الكُتُبِ بِإعْجازِهِ في نَظْمِهِ وصِحَّةِ مَعانِيهِ، وإخْبارِهِ بِالمُغَيَّباتِ وغَيْرِ ذَلِكَ في مَحاسِنِهِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ مَوْصُوفٌ وصْفَةٌ، وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْقَعِ: (قُرْآنُ مَجِيدٍ) بِالإضافَةِ، قالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: سَمِعْتُ ابْنَ الأنْبارِيِّ يَقُولُ مَعْناهُ: بَلْ هو قُرْآنُ رَبٍّ مَجِيدٍ، كَما قالَ الشّاعِرُ:
ولَكِنْ الغِنى رَبٌّ غَفُورُ
مَعْناهُ: ولَكِنَّ الغِنى غِنى رَبٍّ غَفُورٍ. انْتَهى. وعَلى هَذا أخْرَجَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَرَأ اليَمانِيُّ: ﴿قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ عَلى الإضافَةِ، وأنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعالى هو المَجِيدَ. انْتَهى. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن بابِ إضافَةِ المَوْصُوفِ لِصِفَتِهِ، فَيَكُونُ مَدْلُولُهُ ومَدْلُولُ التَّنْوِينِ ورَفْعُ (مَجِيدٌ) واحِدًا، وهَذا أوْلى لِتَوافُقِ القِراءَتَيْنِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فِي لَوْحٍ﴾ بِفَتْحِ اللّامِ، ﴿مَحْفُوظٍ﴾ بِالخَفْضِ صِفَةٌ لِلَوْحٍ، واللَّوْحُ المَحْفُوظُ هو الَّذِي فِيهِ جَمِيعُ الأشْياءِ، وقَرَأ ابْنُ يَعْمَرَ وابْنُ السَّمَيْقَعِ: بِضَمِّ اللّامِ، قالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: اللَّوْحُ: الهَواءُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي اللَّوْحَ فَوْقَ السَّماءِ السّابِعَةِ الَّذِي فِيهِ اللَّوْحُ (p-٤٥٣)المَحْفُوظُ مِن وُصُولِ الشَّياطِينِ إلَيْهِ. انْتَهى. وقَرَأ الأعْرَجُ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، ونافِعٌ بِخِلافٍ عَنْهُ: ﴿مَحْفُوظٍ﴾ بِالرَّفْعِ صِفَةٌ لِقُرْآنٍ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]، أيْ هو مَحْفُوظٌ في القُلُوبِ، لا يَلْحَقُهُ خَطَأٌ ولا تَبْدِيلٌ.
البروج 85:11
وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ في أصْحابِ الأُخْدُودِ أقْوالًا فَوْقَ العَشَرَةِ، ولِكُلِّ قَوْلٍ مِنها قِصَّةٌ طَوِيلَةٌ كَسِلْنا عَنْ كِتابَتِها في كِتابِنا هَذا، ومُضَمَّنُها أنَّ ناسًا مِنَ الكُفّارِ خَدُّوا أُخْدُودًا في الأرْضِ وسَجَّرُوهُ نارًا وعَرَضُوا المُؤْمِنِينَ عَلَيْها، فَمَن رَجَعَ عَنْ دِينِهِ تَرَكُوهُ، ومَن أصَرَّ عَلى الإيمانِ أحْرَقُوهُ، وأصْحابُ الأُخْدُودِ هُمُ المُحَرِّقُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ. وقالَ الرَّبِيعُ، وأبُو العالِيَةِ، وابْنُ إسْحاقَ: بَعَثَ اللَّهُ عَلى المُؤْمِنِينَ رِيحًا فَقَبَضَتْ أرْواحَهم أوْ نَحْوَ هَذا، وخَرَجَتِ النّارُ فَأحْرَقَتِ الكافِرِينَ الَّذِينَ كانُوا عَلى حافَّتَيِ الأُخْدُودِ، فَعَلى هَذا يَكُونُ القَتْلُ حَقِيقَةً لا بِمَعْنى اللَّعْنِ، ويَكُونُ خَبَرًا عَنْ ما فَعَلَهُ اللَّهُ بِالكُفّارِ والَّذِينَ أرادُوا أنْ يَفْتِنُوا المُؤْمِنِينَ عَنْ دِينِهِمْ. وقَوْلُ هَؤُلاءِ مُخالِفٌ لِقَوْلِ الجُمْهُورِ ولِما دَلَّ عَلَيْهِ القَصَصُ الَّذِي ذَكَرُوهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (النّارِ) بِالجَرِّ، وهو بَدَلُ اشْتِمالٍ، أوْ بَدَلُ كُلٍّ مِن كُلٍّ عَلى تَقْدِيرِ مَحْذُوفٍ، أيْ أُخْدُودِ النّارِ. وقَرَأ قَوْمٌ: (النّارُ) بِالرَّفْعِ. قِيلَ: وعَلى مَعْنى قَتْلِهِمْ، ويَكُونُ أصْحابُ الأُخْدُودِ إذْ ذاكَ المُؤْمِنِينَ، وقُتِلَ عَلى حَقِيقَتِهِ. وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ، وأبُو حَيْوَةَ، وعِيسى: ﴿الوَقُودِ﴾ [البروج: ٥] بِضَمِّ الواوِ وهو مَصْدَرٌ، والجُمْهُورُ: بِفَتْحِها، وهو ما يُوقَدُ بِهِ. وقَدْ حَكى (p-٤٥١)سِيبَوَيْهِ أنَّهُ بِالفَتْحِ أيْضًا مَصْدَرٌ كالضَّمِّ، والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في (إذْ هم) عائِدٌ عَلى الَّذِينَ يُحَرِّقُونَ المُؤْمِنِينَ، وكَذَلِكَ في (وهم) عَلى قَوْلِ الرَّبِيعِ يَعُودُ عَلى الكافِرِينَ، ويَكُونُ هم أيْضًا عائِدًا عَلَيْهِمْ، ويَكُونُ مَعْنى ﴿عَلى ما يَفْعَلُونَ﴾ [البروج: ٧] ما يُرِيدُونَ مِن فِعْلِهِمْ بِالمُؤْمِنِينَ. وقِيلَ: أصْحابُ الأُخْدُودِ مُحْرِقٌ، وتَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ذاتِ الوَقُودِ﴾ [البروج: ٥] ويَكُونُ المُرادُ بِقَوْلِهِ: (وهم) قُرَيْشٌ الَّذِينَ كانُوا يَفْتِنُونَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ، و”إذْ“ العامِلُ فِيهِ ”قُتِلَ“، أيْ لُعِنُوا وقَعَدُوا عَلى النّارِ، أوْ عَلى ما يَدْنُو مِنها مِن حافّاتِ الأُخْدُودِ، كَما قالَ الأعْشى:
؎تُشَبُّ لِمَقْرُورَيْنِ يَصْطَلِيانِها وباتَ عَلى النّارِ النَّدى والمُحَلِّقُ
﴿شُهُودٌ﴾ [البروج: ٧] يَشْهَدُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عِنْدِ المَلِكِ، أيْ لَمْ يُفَرِّطْ فِيما أُمِرَ بِهِ، أوْ شُهُودٌ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى ما فَعَلُوا بِالمُؤْمِنِينَ، يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ جَوارِحُهم بِأعْمالِهِمْ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (نَقَمُوا) بِفَتْحِ القافِ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وأبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِكَسْرِها، أيْ ما عابُوا ولا أنْكَرُوا الإيمانَ، كَقَوْلِهِ: ﴿هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا إلّا أنْ آمَنّا بِاللَّهِ﴾ [المائدة: ٥٩] وكَقَوْلِ قَيْسِ الرُّقُياتِ:
؎ما نَقَمُوا مِن بَنِي أُمَيَّةَ إلّا ∗∗∗ أنَّهم يَحْلُمُونَ إنْ غَضِبُوا
جَعَلُوا ما هو في غايَةِ الحُسْنِ قَبِيحًا حَتّى نَقَمُوا عَلَيْهِ، كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎ولا عَيْبَ فِيها غَيْرَ شُكْلَةِ عَيْنِها ∗∗∗ كَذاكَ عِتاقُ الطَّيْرِ شُكْلٌ عُيُونُها
وفِي المُنْتَخَبِ: إنَّما قالَ ﴿إلّا أنْ يُؤْمِنُوا﴾ [البروج: ٨] لِأنَّ التَّعْذِيبَ إنَّما كانَ واقِعًا عَلى الإيمانِ في المُسْتَقْبَلِ، ولَوْ كَفَرُوا في المُسْتَقْبَلِ لَمْ يُعَذَّبُوا عَلى ما مَضى، فَكَأنَّهُ قالَ: إلّا أنْ يُدِيمُوا عَلى إيمانِهِمْ. انْتَهى. وذَكَرَ الأوْصافَ الَّتِي يَسْتَحِقُّ بِها تَعالى أنْ يُؤْمَنَ بِهِ، وهو كَوْنُهُ تَعالى عَزِيزًا غالِبًا قادِرًا يُخْشى عِقابُهُ، حَمِيدًا مُنْعِمًا يَجِبُ لَهُ الحَمْدُ عَلى نِعْمَتِهِ، لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وكُلُّ مَن فِيهِما يَحِقُّ عَلَيْهِ عِبادَتُهُ والخُشُوعُ لَهُ تَقْرِيرًا؛ لِأنَّ ما نَقَمُوا مِنهم هو الحَقُّ الَّذِي لا يَنْقِمُهُ إلّا مُبْطِلٌ مُنْهَمِكٌ في الغَيِّ.
﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ وعِيدٌ لَهم أيْ إنَّهُ عَلِمَ ما فَعَلُوا فَهو يُجازِيهِمْ. والظّاهِرُ أنَّ ﴿الَّذِينَ فَتَنُوا﴾ عامٌّ في كُلِّ مَنِ ابْتَلى المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ بِتَعْذِيبٍ أوْ أذًى، وأنَّ لَهم عَذابَيْنِ: عَذابًا لِكُفْرِهِمْ، وعَذابًا لِفِتْنَتِهِمْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَجُوزُ أنْ يُرِيدَ بِالَّذِينِ فَتَنُوا أصْحابَ الأُخْدُودِ خاصَّةً، وبِالَّذِينِ آمَنُوا المَطْرُوحِينَ في الأُخْدُودِ، ومَعْنى فَتَنُوهم: عَذَّبُوهم بِالنّارِ وأحْرَقُوهم. (فَلَهم) في الآخِرَةِ ﴿عَذابُ جَهَنَّمَ﴾ بِكُفْرِهِمْ ﴿ولَهم عَذابُ الحَرِيقِ﴾ وهي نارٌ أُخْرى عَظِيمَةٌ تَتَّسِعُ كَما يَتَّسِعُ الحَرِيقُ، أوْ لَهم عَذابُ جَهَنَّمَ في الآخِرَةِ، ولَهم عَذابُ الحَرِيقِ في الدُّنْيا لِما رُوِيَ أنَّ النّارَ انْقَلَبَتْ عَلَيْهِمْ فَأحْرَقَتْهم. انْتَهى. ويَنْبَغِي أنْ لا يَجُوزَ هَذا الَّذِي جَوَّزَهُ؛ لِأنَّ في الآيَةِ ﴿ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾ وأُولَئِكَ المُحَرِّقُونَ لَمْ يُنْقَلْ لَنا أنَّ أحَدًا مِنهم تابَ، بَلِ الظّاهِرُ أنَّهم لَمْ يُلْعَنُوا إلّا وهم قَدْ ماتُوا عَلى الكُفْرِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ﴿ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾ يُقَوِّي أنَّ الآياتِ في قُرَيْشٍ؛ لِأنَّ هَذا اللَّفْظَ في قُرَيْشٍ أحْكَمُ مِنهُ في أُولَئِكَ الَّذِينَ قَدْ عَلِمُوا أنَّهم ماتُوا عَلى كُفْرِهِمْ. وأمّا قُرَيْشٌ فَكانَ فِيهِمْ وقْتَ نُزُولِ الآيَةِ مَن تابَ وآمَنَ. انْتَهى. وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ المُرادُ بِهِ العُمُومُ لا المَطْرُوحُونَ في النّارِ، والبَطْشُ: الأخْذُ بِقُوَّةٍ ﴿يُبْدِئُ ويُعِيدُ﴾ قالَ ابْنُ زَيْدٍ والضَّحّاكُ: يُبْدِئُ الخَلْقَ بِالإنْشاءِ، ويُعِيدُهُ بِالحَشْرِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: عامٌّ في جَمِيعِ الأشْياءِ، أيْ كُلُّ ما يُبْدَأُ وكُلُّ ما يُعادُ. وقالَ الطَّبَرِيُّ: يُبْدِئُ العَذابَ ويُعِيدُهُ عَلى الكُفّارِ، ونَحْوُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: تَأْكُلُهُمُ النّارُ حَتّى يَصِيرُوا فَحْمًا، ثُمَّ يُعِيدُهم خَلْقًا جَدِيدًا. وقُرِئَ: (يَبْدَأُ) مِن بَدَأ ثُلاثِيًّا، حَكاهُ أبُو زَيْدٍ.
ولَمّا ذَكَرَ شِدَّةَ بَطْشِهِ ذَكَرَ كَوْنَهُ، غَفُورًا ساتِرًا لِذُنُوبِ عِبادِهِ، ودُودًا لَطِيفًا بِهِمْ مُحْسِنًا إلَيْهِمْ، وهاتانِ صِفَتا فِعْلٍ. والظّاهِرُ أنَّ الوَدُودَ مُبالَغَةٌ في الوادِّ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: المُتَوَدِّدُ إلى عِبادِهِ بِالمَغْفِرَةِ. وحَكى المُبَرِّدُ عَنِ القاضِي إسْماعِيلَ بْنِ إسْحاقَ أنَّ الوَدُودَ هو الَّذِي لا ولَدَ لَهُ، وأنْشَدَ:(p-٤٥٢)
؎وأرْكَبُ في الرَّوْعِ عُرْيانَةً ∗∗∗ ذَلُولَ الجِماعِ لِقاحًا ودُودا
أيْ: لا ولَدَ لَها تَحِنُّ إلَيْهِ. وقِيلَ: الوَدُودُ فَعُولٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، كَرَكُوبٍ وحَلُوبٍ، أيْ يَوَدُّهُ عِبادُهُ الصّالِحُونَ ﴿ذُو العَرْشِ﴾ خَصَّ العَرْشَ بِإضافَةِ نَفْسِهِ تَشْرِيفًا لِلْعَرْشِ وتَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ أعْظَمُ المَخْلُوقاتِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (ذُو) بِالواوِ، وابْنُ عامِرٍ في رِوايَةٍ: ذِي بِالياءِ، صِفَةٌ لِرَبِّكَ. وقالَ القَفّالُ: ﴿ذُو العَرْشِ﴾ ذُو المُلْكِ والسُّلْطانِ. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالعَرْشِ السَّرِيرُ العالِي، ويَكُونُ خَلَقَ سَرِيرًا في سَمائِهِ في غايَةِ العَظَمَةِ، بِحَيْثُ لا يَعْرِفُ عَظَمَتَهُ إلّا هو ومَن يُطْلِعُهُ عَلَيْهِ. انْتَهى. وقَرَأ الحَسَنُ وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ، وابْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ والمُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ، والأخَوانِ: (المَجِيدِ) بِخَفْضِ الدّالِ، صِفَةٌ لِلْعَرْشِ، ومَجادَتُهُ: عِظَمُهُ وعُلُوُّهُ ومِقْدارُهُ وحُسْنُ صُورَتِهِ وتَرْكِيبُهُ، فَإنَّهُ قِيلَ: العَرْشُ أحْسَنُ الأجْسامِ صُورَةً وتَرْكِيبًا. ومَن قَرَأ: ذِي العَرْشِ بِالياءِ، جازَ أنْ يَكُونَ (المَجِيدِ) بِالخَفْضِ صِفَةً لِذِي، والأحْسَنُ جَعْلُ هَذِهِ المَرْفُوعاتِ أخْبارًا عَنْ هو، فَيَكُونُ (فَعّالٌ) خَبَرًا. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿الوَدُودُ ذُو العَرْشِ﴾ صِفَتَيْنِ لِلْغَفُورِ، ”وفَعّالٌ“ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ وأتى بِصِيغَةِ فَعّالٍ؛ لِأنَّ ما يُرِيدُ ويَفْعَلُ في غايَةِ الكَثْرَةِ، والمَعْنى: أنَّ كُلَّ ما تَعَلَّقَتْ بِهِ إرادَتُهُ فِعْلُهُ لا مُعْتَرِضَ عَلَيْهِ.
﴿هَلُ أتاكَ حَدِيثُ الجُنُودِ﴾ تَقْرِيرٌ لِحالِ الكَفَرَةِ، أيْ قَدْ أتاكَ حَدِيثُهم، وما جَرى لَهم مَعَ أنْبِيائِهِمْ، وما حَلَّ بِهِمْ مِنَ العُقُوباتِ بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِمْ، فَكَذَلِكَ يَحِلُّ بِقُرَيْشٍ مِنَ العَذابِ مِثْلُ ما حَلَّ بِهِمْ، والجُنُودُ: الجُمُوعُ المُعَدَّةُ لِلْقِتالِ ﴿فِرْعَوْنَ وثَمُودَ﴾ بَدَلٌ مِنَ الجُنُودِ، وكَأنَّهُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ جُنُودِ فِرْعَوْنَ، واخْتَصَرَ ما جَرى لَهم إذْ هم مَذْكُورُونَ في غَيْرِ ما سُورَةٍ مِنَ القُرْآنِ، وذَكَرَ ثَمُودَ لِشُهْرَةِ قِصَّتِهِمْ في بِلادِ العَرَبِ وهي مُتَقَدِّمَةٌ، وذَكَرَ فِرْعَوْنَ لِشُهْرَةِ قِصَّتِهِ عِنْدَ أهْلِ الكِتابِ وعِنْدَ العَرَبِ الجاهِلِيَّةِ أيْضًا، ألا تَرى إلى زُهَيْرِ بْنِ أبِي سُلْمى وقَوْلِهِ:
؎ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أهْلَكَ تُبَّعًا ∗∗∗ وأهْلَكَ لُقْمانَ بْنَ عادٍ وعادِيا
؎وأهْلَكَ ذا القَرْنَيْنِ مِن قَبْلُ ما لَوى ∗∗∗ وفِرْعَوْنَ جَبّارًا طَغى والنَّجاشِيا
وكانَ فِرْعَوْنُ مِنَ المُتَأخِّرِينَ في الهَلاكِ، فَدَلَّ بِقِصَّتِهِ وقِصَّةِ ثَمُودَ عَلى أمْثالِهِما مِن قِصَصِ الأُمَمِ المُكَذِّبِينَ وهَلاكِهِمْ.
﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ مِن قَوْمِكَ، ﴿فِي تَكْذِيبٍ﴾ حَسَدًا لَكَ، لَمْ يَعْتَبِرُوا بِما جَرى لِمَن قَبْلَهم حِينَ كَذَّبُوا أنْبِياءَهم.
﴿واللَّهُ مِن ورائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ أيْ هو قادِرٌ عَلى أنْ يُنْزِلَ بِهِمْ ما أنْزَلَ بِفِرْعَوْنَ وثَمُودَ ومَن كانَ مُحاطًا بِهِ، فَهو مَحْصُورٌ في غايَةٍ لا يَسْتَطِيعُ دَفْعًا، والمَعْنى: دُنُوُّ هَلاكِهِمْ، ولَمّا ذَكَرَ أنَّهم في تَكْذِيبٍ، وأنَّ التَّكْذِيبَ عَمَّهم حَتّى صارَ كالوِعاءِ لَهم، وكانَ ﷺ، قَدْ كَذَّبُوهُ وكَذَّبُوا ما جاءَ بِهِ وهو القُرْآنُ، أخْبَرَ تَعالى عَنِ الَّذِي جاءَ بِهِ وكَذَّبُوا فَقالَ: ﴿بَلْ هو قُرْآنٌ﴾ أيْ بَلِ الَّذِي كَذَّبُوا بِهِ قُرْآنٌ مَجِيدٌ، ومَجادَتُهُ: شَرَفُهُ عَلى سائِرِ الكُتُبِ بِإعْجازِهِ في نَظْمِهِ وصِحَّةِ مَعانِيهِ، وإخْبارِهِ بِالمُغَيَّباتِ وغَيْرِ ذَلِكَ في مَحاسِنِهِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ مَوْصُوفٌ وصْفَةٌ، وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْقَعِ: (قُرْآنُ مَجِيدٍ) بِالإضافَةِ، قالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: سَمِعْتُ ابْنَ الأنْبارِيِّ يَقُولُ مَعْناهُ: بَلْ هو قُرْآنُ رَبٍّ مَجِيدٍ، كَما قالَ الشّاعِرُ:
ولَكِنْ الغِنى رَبٌّ غَفُورُ
مَعْناهُ: ولَكِنَّ الغِنى غِنى رَبٍّ غَفُورٍ. انْتَهى. وعَلى هَذا أخْرَجَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَرَأ اليَمانِيُّ: ﴿قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ عَلى الإضافَةِ، وأنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعالى هو المَجِيدَ. انْتَهى. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن بابِ إضافَةِ المَوْصُوفِ لِصِفَتِهِ، فَيَكُونُ مَدْلُولُهُ ومَدْلُولُ التَّنْوِينِ ورَفْعُ (مَجِيدٌ) واحِدًا، وهَذا أوْلى لِتَوافُقِ القِراءَتَيْنِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فِي لَوْحٍ﴾ بِفَتْحِ اللّامِ، ﴿مَحْفُوظٍ﴾ بِالخَفْضِ صِفَةٌ لِلَوْحٍ، واللَّوْحُ المَحْفُوظُ هو الَّذِي فِيهِ جَمِيعُ الأشْياءِ، وقَرَأ ابْنُ يَعْمَرَ وابْنُ السَّمَيْقَعِ: بِضَمِّ اللّامِ، قالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: اللَّوْحُ: الهَواءُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي اللَّوْحَ فَوْقَ السَّماءِ السّابِعَةِ الَّذِي فِيهِ اللَّوْحُ (p-٤٥٣)المَحْفُوظُ مِن وُصُولِ الشَّياطِينِ إلَيْهِ. انْتَهى. وقَرَأ الأعْرَجُ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، ونافِعٌ بِخِلافٍ عَنْهُ: ﴿مَحْفُوظٍ﴾ بِالرَّفْعِ صِفَةٌ لِقُرْآنٍ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]، أيْ هو مَحْفُوظٌ في القُلُوبِ، لا يَلْحَقُهُ خَطَأٌ ولا تَبْدِيلٌ.
البروج 85:12
وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ في أصْحابِ الأُخْدُودِ أقْوالًا فَوْقَ العَشَرَةِ، ولِكُلِّ قَوْلٍ مِنها قِصَّةٌ طَوِيلَةٌ كَسِلْنا عَنْ كِتابَتِها في كِتابِنا هَذا، ومُضَمَّنُها أنَّ ناسًا مِنَ الكُفّارِ خَدُّوا أُخْدُودًا في الأرْضِ وسَجَّرُوهُ نارًا وعَرَضُوا المُؤْمِنِينَ عَلَيْها، فَمَن رَجَعَ عَنْ دِينِهِ تَرَكُوهُ، ومَن أصَرَّ عَلى الإيمانِ أحْرَقُوهُ، وأصْحابُ الأُخْدُودِ هُمُ المُحَرِّقُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ. وقالَ الرَّبِيعُ، وأبُو العالِيَةِ، وابْنُ إسْحاقَ: بَعَثَ اللَّهُ عَلى المُؤْمِنِينَ رِيحًا فَقَبَضَتْ أرْواحَهم أوْ نَحْوَ هَذا، وخَرَجَتِ النّارُ فَأحْرَقَتِ الكافِرِينَ الَّذِينَ كانُوا عَلى حافَّتَيِ الأُخْدُودِ، فَعَلى هَذا يَكُونُ القَتْلُ حَقِيقَةً لا بِمَعْنى اللَّعْنِ، ويَكُونُ خَبَرًا عَنْ ما فَعَلَهُ اللَّهُ بِالكُفّارِ والَّذِينَ أرادُوا أنْ يَفْتِنُوا المُؤْمِنِينَ عَنْ دِينِهِمْ. وقَوْلُ هَؤُلاءِ مُخالِفٌ لِقَوْلِ الجُمْهُورِ ولِما دَلَّ عَلَيْهِ القَصَصُ الَّذِي ذَكَرُوهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (النّارِ) بِالجَرِّ، وهو بَدَلُ اشْتِمالٍ، أوْ بَدَلُ كُلٍّ مِن كُلٍّ عَلى تَقْدِيرِ مَحْذُوفٍ، أيْ أُخْدُودِ النّارِ. وقَرَأ قَوْمٌ: (النّارُ) بِالرَّفْعِ. قِيلَ: وعَلى مَعْنى قَتْلِهِمْ، ويَكُونُ أصْحابُ الأُخْدُودِ إذْ ذاكَ المُؤْمِنِينَ، وقُتِلَ عَلى حَقِيقَتِهِ. وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ، وأبُو حَيْوَةَ، وعِيسى: ﴿الوَقُودِ﴾ [البروج: ٥] بِضَمِّ الواوِ وهو مَصْدَرٌ، والجُمْهُورُ: بِفَتْحِها، وهو ما يُوقَدُ بِهِ. وقَدْ حَكى (p-٤٥١)سِيبَوَيْهِ أنَّهُ بِالفَتْحِ أيْضًا مَصْدَرٌ كالضَّمِّ، والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في (إذْ هم) عائِدٌ عَلى الَّذِينَ يُحَرِّقُونَ المُؤْمِنِينَ، وكَذَلِكَ في (وهم) عَلى قَوْلِ الرَّبِيعِ يَعُودُ عَلى الكافِرِينَ، ويَكُونُ هم أيْضًا عائِدًا عَلَيْهِمْ، ويَكُونُ مَعْنى ﴿عَلى ما يَفْعَلُونَ﴾ [البروج: ٧] ما يُرِيدُونَ مِن فِعْلِهِمْ بِالمُؤْمِنِينَ. وقِيلَ: أصْحابُ الأُخْدُودِ مُحْرِقٌ، وتَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ذاتِ الوَقُودِ﴾ [البروج: ٥] ويَكُونُ المُرادُ بِقَوْلِهِ: (وهم) قُرَيْشٌ الَّذِينَ كانُوا يَفْتِنُونَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ، و”إذْ“ العامِلُ فِيهِ ”قُتِلَ“، أيْ لُعِنُوا وقَعَدُوا عَلى النّارِ، أوْ عَلى ما يَدْنُو مِنها مِن حافّاتِ الأُخْدُودِ، كَما قالَ الأعْشى:
؎تُشَبُّ لِمَقْرُورَيْنِ يَصْطَلِيانِها وباتَ عَلى النّارِ النَّدى والمُحَلِّقُ
﴿شُهُودٌ﴾ [البروج: ٧] يَشْهَدُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عِنْدِ المَلِكِ، أيْ لَمْ يُفَرِّطْ فِيما أُمِرَ بِهِ، أوْ شُهُودٌ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى ما فَعَلُوا بِالمُؤْمِنِينَ، يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ جَوارِحُهم بِأعْمالِهِمْ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (نَقَمُوا) بِفَتْحِ القافِ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وأبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِكَسْرِها، أيْ ما عابُوا ولا أنْكَرُوا الإيمانَ، كَقَوْلِهِ: ﴿هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا إلّا أنْ آمَنّا بِاللَّهِ﴾ [المائدة: ٥٩] وكَقَوْلِ قَيْسِ الرُّقُياتِ:
؎ما نَقَمُوا مِن بَنِي أُمَيَّةَ إلّا ∗∗∗ أنَّهم يَحْلُمُونَ إنْ غَضِبُوا
جَعَلُوا ما هو في غايَةِ الحُسْنِ قَبِيحًا حَتّى نَقَمُوا عَلَيْهِ، كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎ولا عَيْبَ فِيها غَيْرَ شُكْلَةِ عَيْنِها ∗∗∗ كَذاكَ عِتاقُ الطَّيْرِ شُكْلٌ عُيُونُها
وفِي المُنْتَخَبِ: إنَّما قالَ ﴿إلّا أنْ يُؤْمِنُوا﴾ [البروج: ٨] لِأنَّ التَّعْذِيبَ إنَّما كانَ واقِعًا عَلى الإيمانِ في المُسْتَقْبَلِ، ولَوْ كَفَرُوا في المُسْتَقْبَلِ لَمْ يُعَذَّبُوا عَلى ما مَضى، فَكَأنَّهُ قالَ: إلّا أنْ يُدِيمُوا عَلى إيمانِهِمْ. انْتَهى. وذَكَرَ الأوْصافَ الَّتِي يَسْتَحِقُّ بِها تَعالى أنْ يُؤْمَنَ بِهِ، وهو كَوْنُهُ تَعالى عَزِيزًا غالِبًا قادِرًا يُخْشى عِقابُهُ، حَمِيدًا مُنْعِمًا يَجِبُ لَهُ الحَمْدُ عَلى نِعْمَتِهِ، لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وكُلُّ مَن فِيهِما يَحِقُّ عَلَيْهِ عِبادَتُهُ والخُشُوعُ لَهُ تَقْرِيرًا؛ لِأنَّ ما نَقَمُوا مِنهم هو الحَقُّ الَّذِي لا يَنْقِمُهُ إلّا مُبْطِلٌ مُنْهَمِكٌ في الغَيِّ.
﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ وعِيدٌ لَهم أيْ إنَّهُ عَلِمَ ما فَعَلُوا فَهو يُجازِيهِمْ. والظّاهِرُ أنَّ ﴿الَّذِينَ فَتَنُوا﴾ عامٌّ في كُلِّ مَنِ ابْتَلى المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ بِتَعْذِيبٍ أوْ أذًى، وأنَّ لَهم عَذابَيْنِ: عَذابًا لِكُفْرِهِمْ، وعَذابًا لِفِتْنَتِهِمْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَجُوزُ أنْ يُرِيدَ بِالَّذِينِ فَتَنُوا أصْحابَ الأُخْدُودِ خاصَّةً، وبِالَّذِينِ آمَنُوا المَطْرُوحِينَ في الأُخْدُودِ، ومَعْنى فَتَنُوهم: عَذَّبُوهم بِالنّارِ وأحْرَقُوهم. (فَلَهم) في الآخِرَةِ ﴿عَذابُ جَهَنَّمَ﴾ بِكُفْرِهِمْ ﴿ولَهم عَذابُ الحَرِيقِ﴾ وهي نارٌ أُخْرى عَظِيمَةٌ تَتَّسِعُ كَما يَتَّسِعُ الحَرِيقُ، أوْ لَهم عَذابُ جَهَنَّمَ في الآخِرَةِ، ولَهم عَذابُ الحَرِيقِ في الدُّنْيا لِما رُوِيَ أنَّ النّارَ انْقَلَبَتْ عَلَيْهِمْ فَأحْرَقَتْهم. انْتَهى. ويَنْبَغِي أنْ لا يَجُوزَ هَذا الَّذِي جَوَّزَهُ؛ لِأنَّ في الآيَةِ ﴿ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾ وأُولَئِكَ المُحَرِّقُونَ لَمْ يُنْقَلْ لَنا أنَّ أحَدًا مِنهم تابَ، بَلِ الظّاهِرُ أنَّهم لَمْ يُلْعَنُوا إلّا وهم قَدْ ماتُوا عَلى الكُفْرِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ﴿ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾ يُقَوِّي أنَّ الآياتِ في قُرَيْشٍ؛ لِأنَّ هَذا اللَّفْظَ في قُرَيْشٍ أحْكَمُ مِنهُ في أُولَئِكَ الَّذِينَ قَدْ عَلِمُوا أنَّهم ماتُوا عَلى كُفْرِهِمْ. وأمّا قُرَيْشٌ فَكانَ فِيهِمْ وقْتَ نُزُولِ الآيَةِ مَن تابَ وآمَنَ. انْتَهى. وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ المُرادُ بِهِ العُمُومُ لا المَطْرُوحُونَ في النّارِ، والبَطْشُ: الأخْذُ بِقُوَّةٍ ﴿يُبْدِئُ ويُعِيدُ﴾ قالَ ابْنُ زَيْدٍ والضَّحّاكُ: يُبْدِئُ الخَلْقَ بِالإنْشاءِ، ويُعِيدُهُ بِالحَشْرِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: عامٌّ في جَمِيعِ الأشْياءِ، أيْ كُلُّ ما يُبْدَأُ وكُلُّ ما يُعادُ. وقالَ الطَّبَرِيُّ: يُبْدِئُ العَذابَ ويُعِيدُهُ عَلى الكُفّارِ، ونَحْوُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: تَأْكُلُهُمُ النّارُ حَتّى يَصِيرُوا فَحْمًا، ثُمَّ يُعِيدُهم خَلْقًا جَدِيدًا. وقُرِئَ: (يَبْدَأُ) مِن بَدَأ ثُلاثِيًّا، حَكاهُ أبُو زَيْدٍ.
ولَمّا ذَكَرَ شِدَّةَ بَطْشِهِ ذَكَرَ كَوْنَهُ، غَفُورًا ساتِرًا لِذُنُوبِ عِبادِهِ، ودُودًا لَطِيفًا بِهِمْ مُحْسِنًا إلَيْهِمْ، وهاتانِ صِفَتا فِعْلٍ. والظّاهِرُ أنَّ الوَدُودَ مُبالَغَةٌ في الوادِّ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: المُتَوَدِّدُ إلى عِبادِهِ بِالمَغْفِرَةِ. وحَكى المُبَرِّدُ عَنِ القاضِي إسْماعِيلَ بْنِ إسْحاقَ أنَّ الوَدُودَ هو الَّذِي لا ولَدَ لَهُ، وأنْشَدَ:(p-٤٥٢)
؎وأرْكَبُ في الرَّوْعِ عُرْيانَةً ∗∗∗ ذَلُولَ الجِماعِ لِقاحًا ودُودا
أيْ: لا ولَدَ لَها تَحِنُّ إلَيْهِ. وقِيلَ: الوَدُودُ فَعُولٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، كَرَكُوبٍ وحَلُوبٍ، أيْ يَوَدُّهُ عِبادُهُ الصّالِحُونَ ﴿ذُو العَرْشِ﴾ خَصَّ العَرْشَ بِإضافَةِ نَفْسِهِ تَشْرِيفًا لِلْعَرْشِ وتَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ أعْظَمُ المَخْلُوقاتِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (ذُو) بِالواوِ، وابْنُ عامِرٍ في رِوايَةٍ: ذِي بِالياءِ، صِفَةٌ لِرَبِّكَ. وقالَ القَفّالُ: ﴿ذُو العَرْشِ﴾ ذُو المُلْكِ والسُّلْطانِ. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالعَرْشِ السَّرِيرُ العالِي، ويَكُونُ خَلَقَ سَرِيرًا في سَمائِهِ في غايَةِ العَظَمَةِ، بِحَيْثُ لا يَعْرِفُ عَظَمَتَهُ إلّا هو ومَن يُطْلِعُهُ عَلَيْهِ. انْتَهى. وقَرَأ الحَسَنُ وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ، وابْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ والمُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ، والأخَوانِ: (المَجِيدِ) بِخَفْضِ الدّالِ، صِفَةٌ لِلْعَرْشِ، ومَجادَتُهُ: عِظَمُهُ وعُلُوُّهُ ومِقْدارُهُ وحُسْنُ صُورَتِهِ وتَرْكِيبُهُ، فَإنَّهُ قِيلَ: العَرْشُ أحْسَنُ الأجْسامِ صُورَةً وتَرْكِيبًا. ومَن قَرَأ: ذِي العَرْشِ بِالياءِ، جازَ أنْ يَكُونَ (المَجِيدِ) بِالخَفْضِ صِفَةً لِذِي، والأحْسَنُ جَعْلُ هَذِهِ المَرْفُوعاتِ أخْبارًا عَنْ هو، فَيَكُونُ (فَعّالٌ) خَبَرًا. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿الوَدُودُ ذُو العَرْشِ﴾ صِفَتَيْنِ لِلْغَفُورِ، ”وفَعّالٌ“ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ وأتى بِصِيغَةِ فَعّالٍ؛ لِأنَّ ما يُرِيدُ ويَفْعَلُ في غايَةِ الكَثْرَةِ، والمَعْنى: أنَّ كُلَّ ما تَعَلَّقَتْ بِهِ إرادَتُهُ فِعْلُهُ لا مُعْتَرِضَ عَلَيْهِ.
﴿هَلُ أتاكَ حَدِيثُ الجُنُودِ﴾ تَقْرِيرٌ لِحالِ الكَفَرَةِ، أيْ قَدْ أتاكَ حَدِيثُهم، وما جَرى لَهم مَعَ أنْبِيائِهِمْ، وما حَلَّ بِهِمْ مِنَ العُقُوباتِ بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِمْ، فَكَذَلِكَ يَحِلُّ بِقُرَيْشٍ مِنَ العَذابِ مِثْلُ ما حَلَّ بِهِمْ، والجُنُودُ: الجُمُوعُ المُعَدَّةُ لِلْقِتالِ ﴿فِرْعَوْنَ وثَمُودَ﴾ بَدَلٌ مِنَ الجُنُودِ، وكَأنَّهُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ جُنُودِ فِرْعَوْنَ، واخْتَصَرَ ما جَرى لَهم إذْ هم مَذْكُورُونَ في غَيْرِ ما سُورَةٍ مِنَ القُرْآنِ، وذَكَرَ ثَمُودَ لِشُهْرَةِ قِصَّتِهِمْ في بِلادِ العَرَبِ وهي مُتَقَدِّمَةٌ، وذَكَرَ فِرْعَوْنَ لِشُهْرَةِ قِصَّتِهِ عِنْدَ أهْلِ الكِتابِ وعِنْدَ العَرَبِ الجاهِلِيَّةِ أيْضًا، ألا تَرى إلى زُهَيْرِ بْنِ أبِي سُلْمى وقَوْلِهِ:
؎ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أهْلَكَ تُبَّعًا ∗∗∗ وأهْلَكَ لُقْمانَ بْنَ عادٍ وعادِيا
؎وأهْلَكَ ذا القَرْنَيْنِ مِن قَبْلُ ما لَوى ∗∗∗ وفِرْعَوْنَ جَبّارًا طَغى والنَّجاشِيا
وكانَ فِرْعَوْنُ مِنَ المُتَأخِّرِينَ في الهَلاكِ، فَدَلَّ بِقِصَّتِهِ وقِصَّةِ ثَمُودَ عَلى أمْثالِهِما مِن قِصَصِ الأُمَمِ المُكَذِّبِينَ وهَلاكِهِمْ.
﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ مِن قَوْمِكَ، ﴿فِي تَكْذِيبٍ﴾ حَسَدًا لَكَ، لَمْ يَعْتَبِرُوا بِما جَرى لِمَن قَبْلَهم حِينَ كَذَّبُوا أنْبِياءَهم.
﴿واللَّهُ مِن ورائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ أيْ هو قادِرٌ عَلى أنْ يُنْزِلَ بِهِمْ ما أنْزَلَ بِفِرْعَوْنَ وثَمُودَ ومَن كانَ مُحاطًا بِهِ، فَهو مَحْصُورٌ في غايَةٍ لا يَسْتَطِيعُ دَفْعًا، والمَعْنى: دُنُوُّ هَلاكِهِمْ، ولَمّا ذَكَرَ أنَّهم في تَكْذِيبٍ، وأنَّ التَّكْذِيبَ عَمَّهم حَتّى صارَ كالوِعاءِ لَهم، وكانَ ﷺ، قَدْ كَذَّبُوهُ وكَذَّبُوا ما جاءَ بِهِ وهو القُرْآنُ، أخْبَرَ تَعالى عَنِ الَّذِي جاءَ بِهِ وكَذَّبُوا فَقالَ: ﴿بَلْ هو قُرْآنٌ﴾ أيْ بَلِ الَّذِي كَذَّبُوا بِهِ قُرْآنٌ مَجِيدٌ، ومَجادَتُهُ: شَرَفُهُ عَلى سائِرِ الكُتُبِ بِإعْجازِهِ في نَظْمِهِ وصِحَّةِ مَعانِيهِ، وإخْبارِهِ بِالمُغَيَّباتِ وغَيْرِ ذَلِكَ في مَحاسِنِهِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ مَوْصُوفٌ وصْفَةٌ، وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْقَعِ: (قُرْآنُ مَجِيدٍ) بِالإضافَةِ، قالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: سَمِعْتُ ابْنَ الأنْبارِيِّ يَقُولُ مَعْناهُ: بَلْ هو قُرْآنُ رَبٍّ مَجِيدٍ، كَما قالَ الشّاعِرُ:
ولَكِنْ الغِنى رَبٌّ غَفُورُ
مَعْناهُ: ولَكِنَّ الغِنى غِنى رَبٍّ غَفُورٍ. انْتَهى. وعَلى هَذا أخْرَجَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَرَأ اليَمانِيُّ: ﴿قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ عَلى الإضافَةِ، وأنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعالى هو المَجِيدَ. انْتَهى. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن بابِ إضافَةِ المَوْصُوفِ لِصِفَتِهِ، فَيَكُونُ مَدْلُولُهُ ومَدْلُولُ التَّنْوِينِ ورَفْعُ (مَجِيدٌ) واحِدًا، وهَذا أوْلى لِتَوافُقِ القِراءَتَيْنِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فِي لَوْحٍ﴾ بِفَتْحِ اللّامِ، ﴿مَحْفُوظٍ﴾ بِالخَفْضِ صِفَةٌ لِلَوْحٍ، واللَّوْحُ المَحْفُوظُ هو الَّذِي فِيهِ جَمِيعُ الأشْياءِ، وقَرَأ ابْنُ يَعْمَرَ وابْنُ السَّمَيْقَعِ: بِضَمِّ اللّامِ، قالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: اللَّوْحُ: الهَواءُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي اللَّوْحَ فَوْقَ السَّماءِ السّابِعَةِ الَّذِي فِيهِ اللَّوْحُ (p-٤٥٣)المَحْفُوظُ مِن وُصُولِ الشَّياطِينِ إلَيْهِ. انْتَهى. وقَرَأ الأعْرَجُ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، ونافِعٌ بِخِلافٍ عَنْهُ: ﴿مَحْفُوظٍ﴾ بِالرَّفْعِ صِفَةٌ لِقُرْآنٍ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]، أيْ هو مَحْفُوظٌ في القُلُوبِ، لا يَلْحَقُهُ خَطَأٌ ولا تَبْدِيلٌ.
البروج 85:13
وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ في أصْحابِ الأُخْدُودِ أقْوالًا فَوْقَ العَشَرَةِ، ولِكُلِّ قَوْلٍ مِنها قِصَّةٌ طَوِيلَةٌ كَسِلْنا عَنْ كِتابَتِها في كِتابِنا هَذا، ومُضَمَّنُها أنَّ ناسًا مِنَ الكُفّارِ خَدُّوا أُخْدُودًا في الأرْضِ وسَجَّرُوهُ نارًا وعَرَضُوا المُؤْمِنِينَ عَلَيْها، فَمَن رَجَعَ عَنْ دِينِهِ تَرَكُوهُ، ومَن أصَرَّ عَلى الإيمانِ أحْرَقُوهُ، وأصْحابُ الأُخْدُودِ هُمُ المُحَرِّقُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ. وقالَ الرَّبِيعُ، وأبُو العالِيَةِ، وابْنُ إسْحاقَ: بَعَثَ اللَّهُ عَلى المُؤْمِنِينَ رِيحًا فَقَبَضَتْ أرْواحَهم أوْ نَحْوَ هَذا، وخَرَجَتِ النّارُ فَأحْرَقَتِ الكافِرِينَ الَّذِينَ كانُوا عَلى حافَّتَيِ الأُخْدُودِ، فَعَلى هَذا يَكُونُ القَتْلُ حَقِيقَةً لا بِمَعْنى اللَّعْنِ، ويَكُونُ خَبَرًا عَنْ ما فَعَلَهُ اللَّهُ بِالكُفّارِ والَّذِينَ أرادُوا أنْ يَفْتِنُوا المُؤْمِنِينَ عَنْ دِينِهِمْ. وقَوْلُ هَؤُلاءِ مُخالِفٌ لِقَوْلِ الجُمْهُورِ ولِما دَلَّ عَلَيْهِ القَصَصُ الَّذِي ذَكَرُوهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (النّارِ) بِالجَرِّ، وهو بَدَلُ اشْتِمالٍ، أوْ بَدَلُ كُلٍّ مِن كُلٍّ عَلى تَقْدِيرِ مَحْذُوفٍ، أيْ أُخْدُودِ النّارِ. وقَرَأ قَوْمٌ: (النّارُ) بِالرَّفْعِ. قِيلَ: وعَلى مَعْنى قَتْلِهِمْ، ويَكُونُ أصْحابُ الأُخْدُودِ إذْ ذاكَ المُؤْمِنِينَ، وقُتِلَ عَلى حَقِيقَتِهِ. وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ، وأبُو حَيْوَةَ، وعِيسى: ﴿الوَقُودِ﴾ [البروج: ٥] بِضَمِّ الواوِ وهو مَصْدَرٌ، والجُمْهُورُ: بِفَتْحِها، وهو ما يُوقَدُ بِهِ. وقَدْ حَكى (p-٤٥١)سِيبَوَيْهِ أنَّهُ بِالفَتْحِ أيْضًا مَصْدَرٌ كالضَّمِّ، والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في (إذْ هم) عائِدٌ عَلى الَّذِينَ يُحَرِّقُونَ المُؤْمِنِينَ، وكَذَلِكَ في (وهم) عَلى قَوْلِ الرَّبِيعِ يَعُودُ عَلى الكافِرِينَ، ويَكُونُ هم أيْضًا عائِدًا عَلَيْهِمْ، ويَكُونُ مَعْنى ﴿عَلى ما يَفْعَلُونَ﴾ [البروج: ٧] ما يُرِيدُونَ مِن فِعْلِهِمْ بِالمُؤْمِنِينَ. وقِيلَ: أصْحابُ الأُخْدُودِ مُحْرِقٌ، وتَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ذاتِ الوَقُودِ﴾ [البروج: ٥] ويَكُونُ المُرادُ بِقَوْلِهِ: (وهم) قُرَيْشٌ الَّذِينَ كانُوا يَفْتِنُونَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ، و”إذْ“ العامِلُ فِيهِ ”قُتِلَ“، أيْ لُعِنُوا وقَعَدُوا عَلى النّارِ، أوْ عَلى ما يَدْنُو مِنها مِن حافّاتِ الأُخْدُودِ، كَما قالَ الأعْشى:
؎تُشَبُّ لِمَقْرُورَيْنِ يَصْطَلِيانِها وباتَ عَلى النّارِ النَّدى والمُحَلِّقُ
﴿شُهُودٌ﴾ [البروج: ٧] يَشْهَدُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عِنْدِ المَلِكِ، أيْ لَمْ يُفَرِّطْ فِيما أُمِرَ بِهِ، أوْ شُهُودٌ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى ما فَعَلُوا بِالمُؤْمِنِينَ، يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ جَوارِحُهم بِأعْمالِهِمْ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (نَقَمُوا) بِفَتْحِ القافِ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وأبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِكَسْرِها، أيْ ما عابُوا ولا أنْكَرُوا الإيمانَ، كَقَوْلِهِ: ﴿هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا إلّا أنْ آمَنّا بِاللَّهِ﴾ [المائدة: ٥٩] وكَقَوْلِ قَيْسِ الرُّقُياتِ:
؎ما نَقَمُوا مِن بَنِي أُمَيَّةَ إلّا ∗∗∗ أنَّهم يَحْلُمُونَ إنْ غَضِبُوا
جَعَلُوا ما هو في غايَةِ الحُسْنِ قَبِيحًا حَتّى نَقَمُوا عَلَيْهِ، كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎ولا عَيْبَ فِيها غَيْرَ شُكْلَةِ عَيْنِها ∗∗∗ كَذاكَ عِتاقُ الطَّيْرِ شُكْلٌ عُيُونُها
وفِي المُنْتَخَبِ: إنَّما قالَ ﴿إلّا أنْ يُؤْمِنُوا﴾ [البروج: ٨] لِأنَّ التَّعْذِيبَ إنَّما كانَ واقِعًا عَلى الإيمانِ في المُسْتَقْبَلِ، ولَوْ كَفَرُوا في المُسْتَقْبَلِ لَمْ يُعَذَّبُوا عَلى ما مَضى، فَكَأنَّهُ قالَ: إلّا أنْ يُدِيمُوا عَلى إيمانِهِمْ. انْتَهى. وذَكَرَ الأوْصافَ الَّتِي يَسْتَحِقُّ بِها تَعالى أنْ يُؤْمَنَ بِهِ، وهو كَوْنُهُ تَعالى عَزِيزًا غالِبًا قادِرًا يُخْشى عِقابُهُ، حَمِيدًا مُنْعِمًا يَجِبُ لَهُ الحَمْدُ عَلى نِعْمَتِهِ، لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وكُلُّ مَن فِيهِما يَحِقُّ عَلَيْهِ عِبادَتُهُ والخُشُوعُ لَهُ تَقْرِيرًا؛ لِأنَّ ما نَقَمُوا مِنهم هو الحَقُّ الَّذِي لا يَنْقِمُهُ إلّا مُبْطِلٌ مُنْهَمِكٌ في الغَيِّ.
﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ وعِيدٌ لَهم أيْ إنَّهُ عَلِمَ ما فَعَلُوا فَهو يُجازِيهِمْ. والظّاهِرُ أنَّ ﴿الَّذِينَ فَتَنُوا﴾ عامٌّ في كُلِّ مَنِ ابْتَلى المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ بِتَعْذِيبٍ أوْ أذًى، وأنَّ لَهم عَذابَيْنِ: عَذابًا لِكُفْرِهِمْ، وعَذابًا لِفِتْنَتِهِمْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَجُوزُ أنْ يُرِيدَ بِالَّذِينِ فَتَنُوا أصْحابَ الأُخْدُودِ خاصَّةً، وبِالَّذِينِ آمَنُوا المَطْرُوحِينَ في الأُخْدُودِ، ومَعْنى فَتَنُوهم: عَذَّبُوهم بِالنّارِ وأحْرَقُوهم. (فَلَهم) في الآخِرَةِ ﴿عَذابُ جَهَنَّمَ﴾ بِكُفْرِهِمْ ﴿ولَهم عَذابُ الحَرِيقِ﴾ وهي نارٌ أُخْرى عَظِيمَةٌ تَتَّسِعُ كَما يَتَّسِعُ الحَرِيقُ، أوْ لَهم عَذابُ جَهَنَّمَ في الآخِرَةِ، ولَهم عَذابُ الحَرِيقِ في الدُّنْيا لِما رُوِيَ أنَّ النّارَ انْقَلَبَتْ عَلَيْهِمْ فَأحْرَقَتْهم. انْتَهى. ويَنْبَغِي أنْ لا يَجُوزَ هَذا الَّذِي جَوَّزَهُ؛ لِأنَّ في الآيَةِ ﴿ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾ وأُولَئِكَ المُحَرِّقُونَ لَمْ يُنْقَلْ لَنا أنَّ أحَدًا مِنهم تابَ، بَلِ الظّاهِرُ أنَّهم لَمْ يُلْعَنُوا إلّا وهم قَدْ ماتُوا عَلى الكُفْرِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ﴿ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾ يُقَوِّي أنَّ الآياتِ في قُرَيْشٍ؛ لِأنَّ هَذا اللَّفْظَ في قُرَيْشٍ أحْكَمُ مِنهُ في أُولَئِكَ الَّذِينَ قَدْ عَلِمُوا أنَّهم ماتُوا عَلى كُفْرِهِمْ. وأمّا قُرَيْشٌ فَكانَ فِيهِمْ وقْتَ نُزُولِ الآيَةِ مَن تابَ وآمَنَ. انْتَهى. وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ المُرادُ بِهِ العُمُومُ لا المَطْرُوحُونَ في النّارِ، والبَطْشُ: الأخْذُ بِقُوَّةٍ ﴿يُبْدِئُ ويُعِيدُ﴾ قالَ ابْنُ زَيْدٍ والضَّحّاكُ: يُبْدِئُ الخَلْقَ بِالإنْشاءِ، ويُعِيدُهُ بِالحَشْرِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: عامٌّ في جَمِيعِ الأشْياءِ، أيْ كُلُّ ما يُبْدَأُ وكُلُّ ما يُعادُ. وقالَ الطَّبَرِيُّ: يُبْدِئُ العَذابَ ويُعِيدُهُ عَلى الكُفّارِ، ونَحْوُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: تَأْكُلُهُمُ النّارُ حَتّى يَصِيرُوا فَحْمًا، ثُمَّ يُعِيدُهم خَلْقًا جَدِيدًا. وقُرِئَ: (يَبْدَأُ) مِن بَدَأ ثُلاثِيًّا، حَكاهُ أبُو زَيْدٍ.
ولَمّا ذَكَرَ شِدَّةَ بَطْشِهِ ذَكَرَ كَوْنَهُ، غَفُورًا ساتِرًا لِذُنُوبِ عِبادِهِ، ودُودًا لَطِيفًا بِهِمْ مُحْسِنًا إلَيْهِمْ، وهاتانِ صِفَتا فِعْلٍ. والظّاهِرُ أنَّ الوَدُودَ مُبالَغَةٌ في الوادِّ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: المُتَوَدِّدُ إلى عِبادِهِ بِالمَغْفِرَةِ. وحَكى المُبَرِّدُ عَنِ القاضِي إسْماعِيلَ بْنِ إسْحاقَ أنَّ الوَدُودَ هو الَّذِي لا ولَدَ لَهُ، وأنْشَدَ:(p-٤٥٢)
؎وأرْكَبُ في الرَّوْعِ عُرْيانَةً ∗∗∗ ذَلُولَ الجِماعِ لِقاحًا ودُودا
أيْ: لا ولَدَ لَها تَحِنُّ إلَيْهِ. وقِيلَ: الوَدُودُ فَعُولٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، كَرَكُوبٍ وحَلُوبٍ، أيْ يَوَدُّهُ عِبادُهُ الصّالِحُونَ ﴿ذُو العَرْشِ﴾ خَصَّ العَرْشَ بِإضافَةِ نَفْسِهِ تَشْرِيفًا لِلْعَرْشِ وتَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ أعْظَمُ المَخْلُوقاتِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (ذُو) بِالواوِ، وابْنُ عامِرٍ في رِوايَةٍ: ذِي بِالياءِ، صِفَةٌ لِرَبِّكَ. وقالَ القَفّالُ: ﴿ذُو العَرْشِ﴾ ذُو المُلْكِ والسُّلْطانِ. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالعَرْشِ السَّرِيرُ العالِي، ويَكُونُ خَلَقَ سَرِيرًا في سَمائِهِ في غايَةِ العَظَمَةِ، بِحَيْثُ لا يَعْرِفُ عَظَمَتَهُ إلّا هو ومَن يُطْلِعُهُ عَلَيْهِ. انْتَهى. وقَرَأ الحَسَنُ وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ، وابْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ والمُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ، والأخَوانِ: (المَجِيدِ) بِخَفْضِ الدّالِ، صِفَةٌ لِلْعَرْشِ، ومَجادَتُهُ: عِظَمُهُ وعُلُوُّهُ ومِقْدارُهُ وحُسْنُ صُورَتِهِ وتَرْكِيبُهُ، فَإنَّهُ قِيلَ: العَرْشُ أحْسَنُ الأجْسامِ صُورَةً وتَرْكِيبًا. ومَن قَرَأ: ذِي العَرْشِ بِالياءِ، جازَ أنْ يَكُونَ (المَجِيدِ) بِالخَفْضِ صِفَةً لِذِي، والأحْسَنُ جَعْلُ هَذِهِ المَرْفُوعاتِ أخْبارًا عَنْ هو، فَيَكُونُ (فَعّالٌ) خَبَرًا. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿الوَدُودُ ذُو العَرْشِ﴾ صِفَتَيْنِ لِلْغَفُورِ، ”وفَعّالٌ“ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ وأتى بِصِيغَةِ فَعّالٍ؛ لِأنَّ ما يُرِيدُ ويَفْعَلُ في غايَةِ الكَثْرَةِ، والمَعْنى: أنَّ كُلَّ ما تَعَلَّقَتْ بِهِ إرادَتُهُ فِعْلُهُ لا مُعْتَرِضَ عَلَيْهِ.
﴿هَلُ أتاكَ حَدِيثُ الجُنُودِ﴾ تَقْرِيرٌ لِحالِ الكَفَرَةِ، أيْ قَدْ أتاكَ حَدِيثُهم، وما جَرى لَهم مَعَ أنْبِيائِهِمْ، وما حَلَّ بِهِمْ مِنَ العُقُوباتِ بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِمْ، فَكَذَلِكَ يَحِلُّ بِقُرَيْشٍ مِنَ العَذابِ مِثْلُ ما حَلَّ بِهِمْ، والجُنُودُ: الجُمُوعُ المُعَدَّةُ لِلْقِتالِ ﴿فِرْعَوْنَ وثَمُودَ﴾ بَدَلٌ مِنَ الجُنُودِ، وكَأنَّهُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ جُنُودِ فِرْعَوْنَ، واخْتَصَرَ ما جَرى لَهم إذْ هم مَذْكُورُونَ في غَيْرِ ما سُورَةٍ مِنَ القُرْآنِ، وذَكَرَ ثَمُودَ لِشُهْرَةِ قِصَّتِهِمْ في بِلادِ العَرَبِ وهي مُتَقَدِّمَةٌ، وذَكَرَ فِرْعَوْنَ لِشُهْرَةِ قِصَّتِهِ عِنْدَ أهْلِ الكِتابِ وعِنْدَ العَرَبِ الجاهِلِيَّةِ أيْضًا، ألا تَرى إلى زُهَيْرِ بْنِ أبِي سُلْمى وقَوْلِهِ:
؎ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أهْلَكَ تُبَّعًا ∗∗∗ وأهْلَكَ لُقْمانَ بْنَ عادٍ وعادِيا
؎وأهْلَكَ ذا القَرْنَيْنِ مِن قَبْلُ ما لَوى ∗∗∗ وفِرْعَوْنَ جَبّارًا طَغى والنَّجاشِيا
وكانَ فِرْعَوْنُ مِنَ المُتَأخِّرِينَ في الهَلاكِ، فَدَلَّ بِقِصَّتِهِ وقِصَّةِ ثَمُودَ عَلى أمْثالِهِما مِن قِصَصِ الأُمَمِ المُكَذِّبِينَ وهَلاكِهِمْ.
﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ مِن قَوْمِكَ، ﴿فِي تَكْذِيبٍ﴾ حَسَدًا لَكَ، لَمْ يَعْتَبِرُوا بِما جَرى لِمَن قَبْلَهم حِينَ كَذَّبُوا أنْبِياءَهم.
﴿واللَّهُ مِن ورائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ أيْ هو قادِرٌ عَلى أنْ يُنْزِلَ بِهِمْ ما أنْزَلَ بِفِرْعَوْنَ وثَمُودَ ومَن كانَ مُحاطًا بِهِ، فَهو مَحْصُورٌ في غايَةٍ لا يَسْتَطِيعُ دَفْعًا، والمَعْنى: دُنُوُّ هَلاكِهِمْ، ولَمّا ذَكَرَ أنَّهم في تَكْذِيبٍ، وأنَّ التَّكْذِيبَ عَمَّهم حَتّى صارَ كالوِعاءِ لَهم، وكانَ ﷺ، قَدْ كَذَّبُوهُ وكَذَّبُوا ما جاءَ بِهِ وهو القُرْآنُ، أخْبَرَ تَعالى عَنِ الَّذِي جاءَ بِهِ وكَذَّبُوا فَقالَ: ﴿بَلْ هو قُرْآنٌ﴾ أيْ بَلِ الَّذِي كَذَّبُوا بِهِ قُرْآنٌ مَجِيدٌ، ومَجادَتُهُ: شَرَفُهُ عَلى سائِرِ الكُتُبِ بِإعْجازِهِ في نَظْمِهِ وصِحَّةِ مَعانِيهِ، وإخْبارِهِ بِالمُغَيَّباتِ وغَيْرِ ذَلِكَ في مَحاسِنِهِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ مَوْصُوفٌ وصْفَةٌ، وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْقَعِ: (قُرْآنُ مَجِيدٍ) بِالإضافَةِ، قالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: سَمِعْتُ ابْنَ الأنْبارِيِّ يَقُولُ مَعْناهُ: بَلْ هو قُرْآنُ رَبٍّ مَجِيدٍ، كَما قالَ الشّاعِرُ:
ولَكِنْ الغِنى رَبٌّ غَفُورُ
مَعْناهُ: ولَكِنَّ الغِنى غِنى رَبٍّ غَفُورٍ. انْتَهى. وعَلى هَذا أخْرَجَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَرَأ اليَمانِيُّ: ﴿قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ عَلى الإضافَةِ، وأنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعالى هو المَجِيدَ. انْتَهى. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن بابِ إضافَةِ المَوْصُوفِ لِصِفَتِهِ، فَيَكُونُ مَدْلُولُهُ ومَدْلُولُ التَّنْوِينِ ورَفْعُ (مَجِيدٌ) واحِدًا، وهَذا أوْلى لِتَوافُقِ القِراءَتَيْنِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فِي لَوْحٍ﴾ بِفَتْحِ اللّامِ، ﴿مَحْفُوظٍ﴾ بِالخَفْضِ صِفَةٌ لِلَوْحٍ، واللَّوْحُ المَحْفُوظُ هو الَّذِي فِيهِ جَمِيعُ الأشْياءِ، وقَرَأ ابْنُ يَعْمَرَ وابْنُ السَّمَيْقَعِ: بِضَمِّ اللّامِ، قالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: اللَّوْحُ: الهَواءُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي اللَّوْحَ فَوْقَ السَّماءِ السّابِعَةِ الَّذِي فِيهِ اللَّوْحُ (p-٤٥٣)المَحْفُوظُ مِن وُصُولِ الشَّياطِينِ إلَيْهِ. انْتَهى. وقَرَأ الأعْرَجُ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، ونافِعٌ بِخِلافٍ عَنْهُ: ﴿مَحْفُوظٍ﴾ بِالرَّفْعِ صِفَةٌ لِقُرْآنٍ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]، أيْ هو مَحْفُوظٌ في القُلُوبِ، لا يَلْحَقُهُ خَطَأٌ ولا تَبْدِيلٌ.
البروج 85:14
وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ في أصْحابِ الأُخْدُودِ أقْوالًا فَوْقَ العَشَرَةِ، ولِكُلِّ قَوْلٍ مِنها قِصَّةٌ طَوِيلَةٌ كَسِلْنا عَنْ كِتابَتِها في كِتابِنا هَذا، ومُضَمَّنُها أنَّ ناسًا مِنَ الكُفّارِ خَدُّوا أُخْدُودًا في الأرْضِ وسَجَّرُوهُ نارًا وعَرَضُوا المُؤْمِنِينَ عَلَيْها، فَمَن رَجَعَ عَنْ دِينِهِ تَرَكُوهُ، ومَن أصَرَّ عَلى الإيمانِ أحْرَقُوهُ، وأصْحابُ الأُخْدُودِ هُمُ المُحَرِّقُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ. وقالَ الرَّبِيعُ، وأبُو العالِيَةِ، وابْنُ إسْحاقَ: بَعَثَ اللَّهُ عَلى المُؤْمِنِينَ رِيحًا فَقَبَضَتْ أرْواحَهم أوْ نَحْوَ هَذا، وخَرَجَتِ النّارُ فَأحْرَقَتِ الكافِرِينَ الَّذِينَ كانُوا عَلى حافَّتَيِ الأُخْدُودِ، فَعَلى هَذا يَكُونُ القَتْلُ حَقِيقَةً لا بِمَعْنى اللَّعْنِ، ويَكُونُ خَبَرًا عَنْ ما فَعَلَهُ اللَّهُ بِالكُفّارِ والَّذِينَ أرادُوا أنْ يَفْتِنُوا المُؤْمِنِينَ عَنْ دِينِهِمْ. وقَوْلُ هَؤُلاءِ مُخالِفٌ لِقَوْلِ الجُمْهُورِ ولِما دَلَّ عَلَيْهِ القَصَصُ الَّذِي ذَكَرُوهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (النّارِ) بِالجَرِّ، وهو بَدَلُ اشْتِمالٍ، أوْ بَدَلُ كُلٍّ مِن كُلٍّ عَلى تَقْدِيرِ مَحْذُوفٍ، أيْ أُخْدُودِ النّارِ. وقَرَأ قَوْمٌ: (النّارُ) بِالرَّفْعِ. قِيلَ: وعَلى مَعْنى قَتْلِهِمْ، ويَكُونُ أصْحابُ الأُخْدُودِ إذْ ذاكَ المُؤْمِنِينَ، وقُتِلَ عَلى حَقِيقَتِهِ. وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ، وأبُو حَيْوَةَ، وعِيسى: ﴿الوَقُودِ﴾ [البروج: ٥] بِضَمِّ الواوِ وهو مَصْدَرٌ، والجُمْهُورُ: بِفَتْحِها، وهو ما يُوقَدُ بِهِ. وقَدْ حَكى (p-٤٥١)سِيبَوَيْهِ أنَّهُ بِالفَتْحِ أيْضًا مَصْدَرٌ كالضَّمِّ، والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في (إذْ هم) عائِدٌ عَلى الَّذِينَ يُحَرِّقُونَ المُؤْمِنِينَ، وكَذَلِكَ في (وهم) عَلى قَوْلِ الرَّبِيعِ يَعُودُ عَلى الكافِرِينَ، ويَكُونُ هم أيْضًا عائِدًا عَلَيْهِمْ، ويَكُونُ مَعْنى ﴿عَلى ما يَفْعَلُونَ﴾ [البروج: ٧] ما يُرِيدُونَ مِن فِعْلِهِمْ بِالمُؤْمِنِينَ. وقِيلَ: أصْحابُ الأُخْدُودِ مُحْرِقٌ، وتَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ذاتِ الوَقُودِ﴾ [البروج: ٥] ويَكُونُ المُرادُ بِقَوْلِهِ: (وهم) قُرَيْشٌ الَّذِينَ كانُوا يَفْتِنُونَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ، و”إذْ“ العامِلُ فِيهِ ”قُتِلَ“، أيْ لُعِنُوا وقَعَدُوا عَلى النّارِ، أوْ عَلى ما يَدْنُو مِنها مِن حافّاتِ الأُخْدُودِ، كَما قالَ الأعْشى:
؎تُشَبُّ لِمَقْرُورَيْنِ يَصْطَلِيانِها وباتَ عَلى النّارِ النَّدى والمُحَلِّقُ
﴿شُهُودٌ﴾ [البروج: ٧] يَشْهَدُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عِنْدِ المَلِكِ، أيْ لَمْ يُفَرِّطْ فِيما أُمِرَ بِهِ، أوْ شُهُودٌ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى ما فَعَلُوا بِالمُؤْمِنِينَ، يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ جَوارِحُهم بِأعْمالِهِمْ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (نَقَمُوا) بِفَتْحِ القافِ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وأبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِكَسْرِها، أيْ ما عابُوا ولا أنْكَرُوا الإيمانَ، كَقَوْلِهِ: ﴿هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا إلّا أنْ آمَنّا بِاللَّهِ﴾ [المائدة: ٥٩] وكَقَوْلِ قَيْسِ الرُّقُياتِ:
؎ما نَقَمُوا مِن بَنِي أُمَيَّةَ إلّا ∗∗∗ أنَّهم يَحْلُمُونَ إنْ غَضِبُوا
جَعَلُوا ما هو في غايَةِ الحُسْنِ قَبِيحًا حَتّى نَقَمُوا عَلَيْهِ، كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎ولا عَيْبَ فِيها غَيْرَ شُكْلَةِ عَيْنِها ∗∗∗ كَذاكَ عِتاقُ الطَّيْرِ شُكْلٌ عُيُونُها
وفِي المُنْتَخَبِ: إنَّما قالَ ﴿إلّا أنْ يُؤْمِنُوا﴾ [البروج: ٨] لِأنَّ التَّعْذِيبَ إنَّما كانَ واقِعًا عَلى الإيمانِ في المُسْتَقْبَلِ، ولَوْ كَفَرُوا في المُسْتَقْبَلِ لَمْ يُعَذَّبُوا عَلى ما مَضى، فَكَأنَّهُ قالَ: إلّا أنْ يُدِيمُوا عَلى إيمانِهِمْ. انْتَهى. وذَكَرَ الأوْصافَ الَّتِي يَسْتَحِقُّ بِها تَعالى أنْ يُؤْمَنَ بِهِ، وهو كَوْنُهُ تَعالى عَزِيزًا غالِبًا قادِرًا يُخْشى عِقابُهُ، حَمِيدًا مُنْعِمًا يَجِبُ لَهُ الحَمْدُ عَلى نِعْمَتِهِ، لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وكُلُّ مَن فِيهِما يَحِقُّ عَلَيْهِ عِبادَتُهُ والخُشُوعُ لَهُ تَقْرِيرًا؛ لِأنَّ ما نَقَمُوا مِنهم هو الحَقُّ الَّذِي لا يَنْقِمُهُ إلّا مُبْطِلٌ مُنْهَمِكٌ في الغَيِّ.
﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ وعِيدٌ لَهم أيْ إنَّهُ عَلِمَ ما فَعَلُوا فَهو يُجازِيهِمْ. والظّاهِرُ أنَّ ﴿الَّذِينَ فَتَنُوا﴾ عامٌّ في كُلِّ مَنِ ابْتَلى المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ بِتَعْذِيبٍ أوْ أذًى، وأنَّ لَهم عَذابَيْنِ: عَذابًا لِكُفْرِهِمْ، وعَذابًا لِفِتْنَتِهِمْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَجُوزُ أنْ يُرِيدَ بِالَّذِينِ فَتَنُوا أصْحابَ الأُخْدُودِ خاصَّةً، وبِالَّذِينِ آمَنُوا المَطْرُوحِينَ في الأُخْدُودِ، ومَعْنى فَتَنُوهم: عَذَّبُوهم بِالنّارِ وأحْرَقُوهم. (فَلَهم) في الآخِرَةِ ﴿عَذابُ جَهَنَّمَ﴾ بِكُفْرِهِمْ ﴿ولَهم عَذابُ الحَرِيقِ﴾ وهي نارٌ أُخْرى عَظِيمَةٌ تَتَّسِعُ كَما يَتَّسِعُ الحَرِيقُ، أوْ لَهم عَذابُ جَهَنَّمَ في الآخِرَةِ، ولَهم عَذابُ الحَرِيقِ في الدُّنْيا لِما رُوِيَ أنَّ النّارَ انْقَلَبَتْ عَلَيْهِمْ فَأحْرَقَتْهم. انْتَهى. ويَنْبَغِي أنْ لا يَجُوزَ هَذا الَّذِي جَوَّزَهُ؛ لِأنَّ في الآيَةِ ﴿ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾ وأُولَئِكَ المُحَرِّقُونَ لَمْ يُنْقَلْ لَنا أنَّ أحَدًا مِنهم تابَ، بَلِ الظّاهِرُ أنَّهم لَمْ يُلْعَنُوا إلّا وهم قَدْ ماتُوا عَلى الكُفْرِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ﴿ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾ يُقَوِّي أنَّ الآياتِ في قُرَيْشٍ؛ لِأنَّ هَذا اللَّفْظَ في قُرَيْشٍ أحْكَمُ مِنهُ في أُولَئِكَ الَّذِينَ قَدْ عَلِمُوا أنَّهم ماتُوا عَلى كُفْرِهِمْ. وأمّا قُرَيْشٌ فَكانَ فِيهِمْ وقْتَ نُزُولِ الآيَةِ مَن تابَ وآمَنَ. انْتَهى. وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ المُرادُ بِهِ العُمُومُ لا المَطْرُوحُونَ في النّارِ، والبَطْشُ: الأخْذُ بِقُوَّةٍ ﴿يُبْدِئُ ويُعِيدُ﴾ قالَ ابْنُ زَيْدٍ والضَّحّاكُ: يُبْدِئُ الخَلْقَ بِالإنْشاءِ، ويُعِيدُهُ بِالحَشْرِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: عامٌّ في جَمِيعِ الأشْياءِ، أيْ كُلُّ ما يُبْدَأُ وكُلُّ ما يُعادُ. وقالَ الطَّبَرِيُّ: يُبْدِئُ العَذابَ ويُعِيدُهُ عَلى الكُفّارِ، ونَحْوُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: تَأْكُلُهُمُ النّارُ حَتّى يَصِيرُوا فَحْمًا، ثُمَّ يُعِيدُهم خَلْقًا جَدِيدًا. وقُرِئَ: (يَبْدَأُ) مِن بَدَأ ثُلاثِيًّا، حَكاهُ أبُو زَيْدٍ.
ولَمّا ذَكَرَ شِدَّةَ بَطْشِهِ ذَكَرَ كَوْنَهُ، غَفُورًا ساتِرًا لِذُنُوبِ عِبادِهِ، ودُودًا لَطِيفًا بِهِمْ مُحْسِنًا إلَيْهِمْ، وهاتانِ صِفَتا فِعْلٍ. والظّاهِرُ أنَّ الوَدُودَ مُبالَغَةٌ في الوادِّ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: المُتَوَدِّدُ إلى عِبادِهِ بِالمَغْفِرَةِ. وحَكى المُبَرِّدُ عَنِ القاضِي إسْماعِيلَ بْنِ إسْحاقَ أنَّ الوَدُودَ هو الَّذِي لا ولَدَ لَهُ، وأنْشَدَ:(p-٤٥٢)
؎وأرْكَبُ في الرَّوْعِ عُرْيانَةً ∗∗∗ ذَلُولَ الجِماعِ لِقاحًا ودُودا
أيْ: لا ولَدَ لَها تَحِنُّ إلَيْهِ. وقِيلَ: الوَدُودُ فَعُولٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، كَرَكُوبٍ وحَلُوبٍ، أيْ يَوَدُّهُ عِبادُهُ الصّالِحُونَ ﴿ذُو العَرْشِ﴾ خَصَّ العَرْشَ بِإضافَةِ نَفْسِهِ تَشْرِيفًا لِلْعَرْشِ وتَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ أعْظَمُ المَخْلُوقاتِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (ذُو) بِالواوِ، وابْنُ عامِرٍ في رِوايَةٍ: ذِي بِالياءِ، صِفَةٌ لِرَبِّكَ. وقالَ القَفّالُ: ﴿ذُو العَرْشِ﴾ ذُو المُلْكِ والسُّلْطانِ. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالعَرْشِ السَّرِيرُ العالِي، ويَكُونُ خَلَقَ سَرِيرًا في سَمائِهِ في غايَةِ العَظَمَةِ، بِحَيْثُ لا يَعْرِفُ عَظَمَتَهُ إلّا هو ومَن يُطْلِعُهُ عَلَيْهِ. انْتَهى. وقَرَأ الحَسَنُ وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ، وابْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ والمُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ، والأخَوانِ: (المَجِيدِ) بِخَفْضِ الدّالِ، صِفَةٌ لِلْعَرْشِ، ومَجادَتُهُ: عِظَمُهُ وعُلُوُّهُ ومِقْدارُهُ وحُسْنُ صُورَتِهِ وتَرْكِيبُهُ، فَإنَّهُ قِيلَ: العَرْشُ أحْسَنُ الأجْسامِ صُورَةً وتَرْكِيبًا. ومَن قَرَأ: ذِي العَرْشِ بِالياءِ، جازَ أنْ يَكُونَ (المَجِيدِ) بِالخَفْضِ صِفَةً لِذِي، والأحْسَنُ جَعْلُ هَذِهِ المَرْفُوعاتِ أخْبارًا عَنْ هو، فَيَكُونُ (فَعّالٌ) خَبَرًا. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿الوَدُودُ ذُو العَرْشِ﴾ صِفَتَيْنِ لِلْغَفُورِ، ”وفَعّالٌ“ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ وأتى بِصِيغَةِ فَعّالٍ؛ لِأنَّ ما يُرِيدُ ويَفْعَلُ في غايَةِ الكَثْرَةِ، والمَعْنى: أنَّ كُلَّ ما تَعَلَّقَتْ بِهِ إرادَتُهُ فِعْلُهُ لا مُعْتَرِضَ عَلَيْهِ.
﴿هَلُ أتاكَ حَدِيثُ الجُنُودِ﴾ تَقْرِيرٌ لِحالِ الكَفَرَةِ، أيْ قَدْ أتاكَ حَدِيثُهم، وما جَرى لَهم مَعَ أنْبِيائِهِمْ، وما حَلَّ بِهِمْ مِنَ العُقُوباتِ بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِمْ، فَكَذَلِكَ يَحِلُّ بِقُرَيْشٍ مِنَ العَذابِ مِثْلُ ما حَلَّ بِهِمْ، والجُنُودُ: الجُمُوعُ المُعَدَّةُ لِلْقِتالِ ﴿فِرْعَوْنَ وثَمُودَ﴾ بَدَلٌ مِنَ الجُنُودِ، وكَأنَّهُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ جُنُودِ فِرْعَوْنَ، واخْتَصَرَ ما جَرى لَهم إذْ هم مَذْكُورُونَ في غَيْرِ ما سُورَةٍ مِنَ القُرْآنِ، وذَكَرَ ثَمُودَ لِشُهْرَةِ قِصَّتِهِمْ في بِلادِ العَرَبِ وهي مُتَقَدِّمَةٌ، وذَكَرَ فِرْعَوْنَ لِشُهْرَةِ قِصَّتِهِ عِنْدَ أهْلِ الكِتابِ وعِنْدَ العَرَبِ الجاهِلِيَّةِ أيْضًا، ألا تَرى إلى زُهَيْرِ بْنِ أبِي سُلْمى وقَوْلِهِ:
؎ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أهْلَكَ تُبَّعًا ∗∗∗ وأهْلَكَ لُقْمانَ بْنَ عادٍ وعادِيا
؎وأهْلَكَ ذا القَرْنَيْنِ مِن قَبْلُ ما لَوى ∗∗∗ وفِرْعَوْنَ جَبّارًا طَغى والنَّجاشِيا
وكانَ فِرْعَوْنُ مِنَ المُتَأخِّرِينَ في الهَلاكِ، فَدَلَّ بِقِصَّتِهِ وقِصَّةِ ثَمُودَ عَلى أمْثالِهِما مِن قِصَصِ الأُمَمِ المُكَذِّبِينَ وهَلاكِهِمْ.
﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ مِن قَوْمِكَ، ﴿فِي تَكْذِيبٍ﴾ حَسَدًا لَكَ، لَمْ يَعْتَبِرُوا بِما جَرى لِمَن قَبْلَهم حِينَ كَذَّبُوا أنْبِياءَهم.
﴿واللَّهُ مِن ورائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ أيْ هو قادِرٌ عَلى أنْ يُنْزِلَ بِهِمْ ما أنْزَلَ بِفِرْعَوْنَ وثَمُودَ ومَن كانَ مُحاطًا بِهِ، فَهو مَحْصُورٌ في غايَةٍ لا يَسْتَطِيعُ دَفْعًا، والمَعْنى: دُنُوُّ هَلاكِهِمْ، ولَمّا ذَكَرَ أنَّهم في تَكْذِيبٍ، وأنَّ التَّكْذِيبَ عَمَّهم حَتّى صارَ كالوِعاءِ لَهم، وكانَ ﷺ، قَدْ كَذَّبُوهُ وكَذَّبُوا ما جاءَ بِهِ وهو القُرْآنُ، أخْبَرَ تَعالى عَنِ الَّذِي جاءَ بِهِ وكَذَّبُوا فَقالَ: ﴿بَلْ هو قُرْآنٌ﴾ أيْ بَلِ الَّذِي كَذَّبُوا بِهِ قُرْآنٌ مَجِيدٌ، ومَجادَتُهُ: شَرَفُهُ عَلى سائِرِ الكُتُبِ بِإعْجازِهِ في نَظْمِهِ وصِحَّةِ مَعانِيهِ، وإخْبارِهِ بِالمُغَيَّباتِ وغَيْرِ ذَلِكَ في مَحاسِنِهِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ مَوْصُوفٌ وصْفَةٌ، وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْقَعِ: (قُرْآنُ مَجِيدٍ) بِالإضافَةِ، قالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: سَمِعْتُ ابْنَ الأنْبارِيِّ يَقُولُ مَعْناهُ: بَلْ هو قُرْآنُ رَبٍّ مَجِيدٍ، كَما قالَ الشّاعِرُ:
ولَكِنْ الغِنى رَبٌّ غَفُورُ
مَعْناهُ: ولَكِنَّ الغِنى غِنى رَبٍّ غَفُورٍ. انْتَهى. وعَلى هَذا أخْرَجَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَرَأ اليَمانِيُّ: ﴿قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ عَلى الإضافَةِ، وأنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعالى هو المَجِيدَ. انْتَهى. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن بابِ إضافَةِ المَوْصُوفِ لِصِفَتِهِ، فَيَكُونُ مَدْلُولُهُ ومَدْلُولُ التَّنْوِينِ ورَفْعُ (مَجِيدٌ) واحِدًا، وهَذا أوْلى لِتَوافُقِ القِراءَتَيْنِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فِي لَوْحٍ﴾ بِفَتْحِ اللّامِ، ﴿مَحْفُوظٍ﴾ بِالخَفْضِ صِفَةٌ لِلَوْحٍ، واللَّوْحُ المَحْفُوظُ هو الَّذِي فِيهِ جَمِيعُ الأشْياءِ، وقَرَأ ابْنُ يَعْمَرَ وابْنُ السَّمَيْقَعِ: بِضَمِّ اللّامِ، قالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: اللَّوْحُ: الهَواءُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي اللَّوْحَ فَوْقَ السَّماءِ السّابِعَةِ الَّذِي فِيهِ اللَّوْحُ (p-٤٥٣)المَحْفُوظُ مِن وُصُولِ الشَّياطِينِ إلَيْهِ. انْتَهى. وقَرَأ الأعْرَجُ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، ونافِعٌ بِخِلافٍ عَنْهُ: ﴿مَحْفُوظٍ﴾ بِالرَّفْعِ صِفَةٌ لِقُرْآنٍ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]، أيْ هو مَحْفُوظٌ في القُلُوبِ، لا يَلْحَقُهُ خَطَأٌ ولا تَبْدِيلٌ.
البروج 85:15
وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ في أصْحابِ الأُخْدُودِ أقْوالًا فَوْقَ العَشَرَةِ، ولِكُلِّ قَوْلٍ مِنها قِصَّةٌ طَوِيلَةٌ كَسِلْنا عَنْ كِتابَتِها في كِتابِنا هَذا، ومُضَمَّنُها أنَّ ناسًا مِنَ الكُفّارِ خَدُّوا أُخْدُودًا في الأرْضِ وسَجَّرُوهُ نارًا وعَرَضُوا المُؤْمِنِينَ عَلَيْها، فَمَن رَجَعَ عَنْ دِينِهِ تَرَكُوهُ، ومَن أصَرَّ عَلى الإيمانِ أحْرَقُوهُ، وأصْحابُ الأُخْدُودِ هُمُ المُحَرِّقُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ. وقالَ الرَّبِيعُ، وأبُو العالِيَةِ، وابْنُ إسْحاقَ: بَعَثَ اللَّهُ عَلى المُؤْمِنِينَ رِيحًا فَقَبَضَتْ أرْواحَهم أوْ نَحْوَ هَذا، وخَرَجَتِ النّارُ فَأحْرَقَتِ الكافِرِينَ الَّذِينَ كانُوا عَلى حافَّتَيِ الأُخْدُودِ، فَعَلى هَذا يَكُونُ القَتْلُ حَقِيقَةً لا بِمَعْنى اللَّعْنِ، ويَكُونُ خَبَرًا عَنْ ما فَعَلَهُ اللَّهُ بِالكُفّارِ والَّذِينَ أرادُوا أنْ يَفْتِنُوا المُؤْمِنِينَ عَنْ دِينِهِمْ. وقَوْلُ هَؤُلاءِ مُخالِفٌ لِقَوْلِ الجُمْهُورِ ولِما دَلَّ عَلَيْهِ القَصَصُ الَّذِي ذَكَرُوهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (النّارِ) بِالجَرِّ، وهو بَدَلُ اشْتِمالٍ، أوْ بَدَلُ كُلٍّ مِن كُلٍّ عَلى تَقْدِيرِ مَحْذُوفٍ، أيْ أُخْدُودِ النّارِ. وقَرَأ قَوْمٌ: (النّارُ) بِالرَّفْعِ. قِيلَ: وعَلى مَعْنى قَتْلِهِمْ، ويَكُونُ أصْحابُ الأُخْدُودِ إذْ ذاكَ المُؤْمِنِينَ، وقُتِلَ عَلى حَقِيقَتِهِ. وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ، وأبُو حَيْوَةَ، وعِيسى: ﴿الوَقُودِ﴾ [البروج: ٥] بِضَمِّ الواوِ وهو مَصْدَرٌ، والجُمْهُورُ: بِفَتْحِها، وهو ما يُوقَدُ بِهِ. وقَدْ حَكى (p-٤٥١)سِيبَوَيْهِ أنَّهُ بِالفَتْحِ أيْضًا مَصْدَرٌ كالضَّمِّ، والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في (إذْ هم) عائِدٌ عَلى الَّذِينَ يُحَرِّقُونَ المُؤْمِنِينَ، وكَذَلِكَ في (وهم) عَلى قَوْلِ الرَّبِيعِ يَعُودُ عَلى الكافِرِينَ، ويَكُونُ هم أيْضًا عائِدًا عَلَيْهِمْ، ويَكُونُ مَعْنى ﴿عَلى ما يَفْعَلُونَ﴾ [البروج: ٧] ما يُرِيدُونَ مِن فِعْلِهِمْ بِالمُؤْمِنِينَ. وقِيلَ: أصْحابُ الأُخْدُودِ مُحْرِقٌ، وتَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ذاتِ الوَقُودِ﴾ [البروج: ٥] ويَكُونُ المُرادُ بِقَوْلِهِ: (وهم) قُرَيْشٌ الَّذِينَ كانُوا يَفْتِنُونَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ، و”إذْ“ العامِلُ فِيهِ ”قُتِلَ“، أيْ لُعِنُوا وقَعَدُوا عَلى النّارِ، أوْ عَلى ما يَدْنُو مِنها مِن حافّاتِ الأُخْدُودِ، كَما قالَ الأعْشى:
؎تُشَبُّ لِمَقْرُورَيْنِ يَصْطَلِيانِها وباتَ عَلى النّارِ النَّدى والمُحَلِّقُ
﴿شُهُودٌ﴾ [البروج: ٧] يَشْهَدُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عِنْدِ المَلِكِ، أيْ لَمْ يُفَرِّطْ فِيما أُمِرَ بِهِ، أوْ شُهُودٌ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى ما فَعَلُوا بِالمُؤْمِنِينَ، يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ جَوارِحُهم بِأعْمالِهِمْ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (نَقَمُوا) بِفَتْحِ القافِ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وأبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِكَسْرِها، أيْ ما عابُوا ولا أنْكَرُوا الإيمانَ، كَقَوْلِهِ: ﴿هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا إلّا أنْ آمَنّا بِاللَّهِ﴾ [المائدة: ٥٩] وكَقَوْلِ قَيْسِ الرُّقُياتِ:
؎ما نَقَمُوا مِن بَنِي أُمَيَّةَ إلّا ∗∗∗ أنَّهم يَحْلُمُونَ إنْ غَضِبُوا
جَعَلُوا ما هو في غايَةِ الحُسْنِ قَبِيحًا حَتّى نَقَمُوا عَلَيْهِ، كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎ولا عَيْبَ فِيها غَيْرَ شُكْلَةِ عَيْنِها ∗∗∗ كَذاكَ عِتاقُ الطَّيْرِ شُكْلٌ عُيُونُها
وفِي المُنْتَخَبِ: إنَّما قالَ ﴿إلّا أنْ يُؤْمِنُوا﴾ [البروج: ٨] لِأنَّ التَّعْذِيبَ إنَّما كانَ واقِعًا عَلى الإيمانِ في المُسْتَقْبَلِ، ولَوْ كَفَرُوا في المُسْتَقْبَلِ لَمْ يُعَذَّبُوا عَلى ما مَضى، فَكَأنَّهُ قالَ: إلّا أنْ يُدِيمُوا عَلى إيمانِهِمْ. انْتَهى. وذَكَرَ الأوْصافَ الَّتِي يَسْتَحِقُّ بِها تَعالى أنْ يُؤْمَنَ بِهِ، وهو كَوْنُهُ تَعالى عَزِيزًا غالِبًا قادِرًا يُخْشى عِقابُهُ، حَمِيدًا مُنْعِمًا يَجِبُ لَهُ الحَمْدُ عَلى نِعْمَتِهِ، لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وكُلُّ مَن فِيهِما يَحِقُّ عَلَيْهِ عِبادَتُهُ والخُشُوعُ لَهُ تَقْرِيرًا؛ لِأنَّ ما نَقَمُوا مِنهم هو الحَقُّ الَّذِي لا يَنْقِمُهُ إلّا مُبْطِلٌ مُنْهَمِكٌ في الغَيِّ.
﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ وعِيدٌ لَهم أيْ إنَّهُ عَلِمَ ما فَعَلُوا فَهو يُجازِيهِمْ. والظّاهِرُ أنَّ ﴿الَّذِينَ فَتَنُوا﴾ عامٌّ في كُلِّ مَنِ ابْتَلى المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ بِتَعْذِيبٍ أوْ أذًى، وأنَّ لَهم عَذابَيْنِ: عَذابًا لِكُفْرِهِمْ، وعَذابًا لِفِتْنَتِهِمْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَجُوزُ أنْ يُرِيدَ بِالَّذِينِ فَتَنُوا أصْحابَ الأُخْدُودِ خاصَّةً، وبِالَّذِينِ آمَنُوا المَطْرُوحِينَ في الأُخْدُودِ، ومَعْنى فَتَنُوهم: عَذَّبُوهم بِالنّارِ وأحْرَقُوهم. (فَلَهم) في الآخِرَةِ ﴿عَذابُ جَهَنَّمَ﴾ بِكُفْرِهِمْ ﴿ولَهم عَذابُ الحَرِيقِ﴾ وهي نارٌ أُخْرى عَظِيمَةٌ تَتَّسِعُ كَما يَتَّسِعُ الحَرِيقُ، أوْ لَهم عَذابُ جَهَنَّمَ في الآخِرَةِ، ولَهم عَذابُ الحَرِيقِ في الدُّنْيا لِما رُوِيَ أنَّ النّارَ انْقَلَبَتْ عَلَيْهِمْ فَأحْرَقَتْهم. انْتَهى. ويَنْبَغِي أنْ لا يَجُوزَ هَذا الَّذِي جَوَّزَهُ؛ لِأنَّ في الآيَةِ ﴿ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾ وأُولَئِكَ المُحَرِّقُونَ لَمْ يُنْقَلْ لَنا أنَّ أحَدًا مِنهم تابَ، بَلِ الظّاهِرُ أنَّهم لَمْ يُلْعَنُوا إلّا وهم قَدْ ماتُوا عَلى الكُفْرِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ﴿ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾ يُقَوِّي أنَّ الآياتِ في قُرَيْشٍ؛ لِأنَّ هَذا اللَّفْظَ في قُرَيْشٍ أحْكَمُ مِنهُ في أُولَئِكَ الَّذِينَ قَدْ عَلِمُوا أنَّهم ماتُوا عَلى كُفْرِهِمْ. وأمّا قُرَيْشٌ فَكانَ فِيهِمْ وقْتَ نُزُولِ الآيَةِ مَن تابَ وآمَنَ. انْتَهى. وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ المُرادُ بِهِ العُمُومُ لا المَطْرُوحُونَ في النّارِ، والبَطْشُ: الأخْذُ بِقُوَّةٍ ﴿يُبْدِئُ ويُعِيدُ﴾ قالَ ابْنُ زَيْدٍ والضَّحّاكُ: يُبْدِئُ الخَلْقَ بِالإنْشاءِ، ويُعِيدُهُ بِالحَشْرِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: عامٌّ في جَمِيعِ الأشْياءِ، أيْ كُلُّ ما يُبْدَأُ وكُلُّ ما يُعادُ. وقالَ الطَّبَرِيُّ: يُبْدِئُ العَذابَ ويُعِيدُهُ عَلى الكُفّارِ، ونَحْوُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: تَأْكُلُهُمُ النّارُ حَتّى يَصِيرُوا فَحْمًا، ثُمَّ يُعِيدُهم خَلْقًا جَدِيدًا. وقُرِئَ: (يَبْدَأُ) مِن بَدَأ ثُلاثِيًّا، حَكاهُ أبُو زَيْدٍ.
ولَمّا ذَكَرَ شِدَّةَ بَطْشِهِ ذَكَرَ كَوْنَهُ، غَفُورًا ساتِرًا لِذُنُوبِ عِبادِهِ، ودُودًا لَطِيفًا بِهِمْ مُحْسِنًا إلَيْهِمْ، وهاتانِ صِفَتا فِعْلٍ. والظّاهِرُ أنَّ الوَدُودَ مُبالَغَةٌ في الوادِّ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: المُتَوَدِّدُ إلى عِبادِهِ بِالمَغْفِرَةِ. وحَكى المُبَرِّدُ عَنِ القاضِي إسْماعِيلَ بْنِ إسْحاقَ أنَّ الوَدُودَ هو الَّذِي لا ولَدَ لَهُ، وأنْشَدَ:(p-٤٥٢)
؎وأرْكَبُ في الرَّوْعِ عُرْيانَةً ∗∗∗ ذَلُولَ الجِماعِ لِقاحًا ودُودا
أيْ: لا ولَدَ لَها تَحِنُّ إلَيْهِ. وقِيلَ: الوَدُودُ فَعُولٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، كَرَكُوبٍ وحَلُوبٍ، أيْ يَوَدُّهُ عِبادُهُ الصّالِحُونَ ﴿ذُو العَرْشِ﴾ خَصَّ العَرْشَ بِإضافَةِ نَفْسِهِ تَشْرِيفًا لِلْعَرْشِ وتَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ أعْظَمُ المَخْلُوقاتِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (ذُو) بِالواوِ، وابْنُ عامِرٍ في رِوايَةٍ: ذِي بِالياءِ، صِفَةٌ لِرَبِّكَ. وقالَ القَفّالُ: ﴿ذُو العَرْشِ﴾ ذُو المُلْكِ والسُّلْطانِ. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالعَرْشِ السَّرِيرُ العالِي، ويَكُونُ خَلَقَ سَرِيرًا في سَمائِهِ في غايَةِ العَظَمَةِ، بِحَيْثُ لا يَعْرِفُ عَظَمَتَهُ إلّا هو ومَن يُطْلِعُهُ عَلَيْهِ. انْتَهى. وقَرَأ الحَسَنُ وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ، وابْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ والمُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ، والأخَوانِ: (المَجِيدِ) بِخَفْضِ الدّالِ، صِفَةٌ لِلْعَرْشِ، ومَجادَتُهُ: عِظَمُهُ وعُلُوُّهُ ومِقْدارُهُ وحُسْنُ صُورَتِهِ وتَرْكِيبُهُ، فَإنَّهُ قِيلَ: العَرْشُ أحْسَنُ الأجْسامِ صُورَةً وتَرْكِيبًا. ومَن قَرَأ: ذِي العَرْشِ بِالياءِ، جازَ أنْ يَكُونَ (المَجِيدِ) بِالخَفْضِ صِفَةً لِذِي، والأحْسَنُ جَعْلُ هَذِهِ المَرْفُوعاتِ أخْبارًا عَنْ هو، فَيَكُونُ (فَعّالٌ) خَبَرًا. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿الوَدُودُ ذُو العَرْشِ﴾ صِفَتَيْنِ لِلْغَفُورِ، ”وفَعّالٌ“ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ وأتى بِصِيغَةِ فَعّالٍ؛ لِأنَّ ما يُرِيدُ ويَفْعَلُ في غايَةِ الكَثْرَةِ، والمَعْنى: أنَّ كُلَّ ما تَعَلَّقَتْ بِهِ إرادَتُهُ فِعْلُهُ لا مُعْتَرِضَ عَلَيْهِ.
﴿هَلُ أتاكَ حَدِيثُ الجُنُودِ﴾ تَقْرِيرٌ لِحالِ الكَفَرَةِ، أيْ قَدْ أتاكَ حَدِيثُهم، وما جَرى لَهم مَعَ أنْبِيائِهِمْ، وما حَلَّ بِهِمْ مِنَ العُقُوباتِ بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِمْ، فَكَذَلِكَ يَحِلُّ بِقُرَيْشٍ مِنَ العَذابِ مِثْلُ ما حَلَّ بِهِمْ، والجُنُودُ: الجُمُوعُ المُعَدَّةُ لِلْقِتالِ ﴿فِرْعَوْنَ وثَمُودَ﴾ بَدَلٌ مِنَ الجُنُودِ، وكَأنَّهُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ جُنُودِ فِرْعَوْنَ، واخْتَصَرَ ما جَرى لَهم إذْ هم مَذْكُورُونَ في غَيْرِ ما سُورَةٍ مِنَ القُرْآنِ، وذَكَرَ ثَمُودَ لِشُهْرَةِ قِصَّتِهِمْ في بِلادِ العَرَبِ وهي مُتَقَدِّمَةٌ، وذَكَرَ فِرْعَوْنَ لِشُهْرَةِ قِصَّتِهِ عِنْدَ أهْلِ الكِتابِ وعِنْدَ العَرَبِ الجاهِلِيَّةِ أيْضًا، ألا تَرى إلى زُهَيْرِ بْنِ أبِي سُلْمى وقَوْلِهِ:
؎ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أهْلَكَ تُبَّعًا ∗∗∗ وأهْلَكَ لُقْمانَ بْنَ عادٍ وعادِيا
؎وأهْلَكَ ذا القَرْنَيْنِ مِن قَبْلُ ما لَوى ∗∗∗ وفِرْعَوْنَ جَبّارًا طَغى والنَّجاشِيا
وكانَ فِرْعَوْنُ مِنَ المُتَأخِّرِينَ في الهَلاكِ، فَدَلَّ بِقِصَّتِهِ وقِصَّةِ ثَمُودَ عَلى أمْثالِهِما مِن قِصَصِ الأُمَمِ المُكَذِّبِينَ وهَلاكِهِمْ.
﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ مِن قَوْمِكَ، ﴿فِي تَكْذِيبٍ﴾ حَسَدًا لَكَ، لَمْ يَعْتَبِرُوا بِما جَرى لِمَن قَبْلَهم حِينَ كَذَّبُوا أنْبِياءَهم.
﴿واللَّهُ مِن ورائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ أيْ هو قادِرٌ عَلى أنْ يُنْزِلَ بِهِمْ ما أنْزَلَ بِفِرْعَوْنَ وثَمُودَ ومَن كانَ مُحاطًا بِهِ، فَهو مَحْصُورٌ في غايَةٍ لا يَسْتَطِيعُ دَفْعًا، والمَعْنى: دُنُوُّ هَلاكِهِمْ، ولَمّا ذَكَرَ أنَّهم في تَكْذِيبٍ، وأنَّ التَّكْذِيبَ عَمَّهم حَتّى صارَ كالوِعاءِ لَهم، وكانَ ﷺ، قَدْ كَذَّبُوهُ وكَذَّبُوا ما جاءَ بِهِ وهو القُرْآنُ، أخْبَرَ تَعالى عَنِ الَّذِي جاءَ بِهِ وكَذَّبُوا فَقالَ: ﴿بَلْ هو قُرْآنٌ﴾ أيْ بَلِ الَّذِي كَذَّبُوا بِهِ قُرْآنٌ مَجِيدٌ، ومَجادَتُهُ: شَرَفُهُ عَلى سائِرِ الكُتُبِ بِإعْجازِهِ في نَظْمِهِ وصِحَّةِ مَعانِيهِ، وإخْبارِهِ بِالمُغَيَّباتِ وغَيْرِ ذَلِكَ في مَحاسِنِهِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ مَوْصُوفٌ وصْفَةٌ، وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْقَعِ: (قُرْآنُ مَجِيدٍ) بِالإضافَةِ، قالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: سَمِعْتُ ابْنَ الأنْبارِيِّ يَقُولُ مَعْناهُ: بَلْ هو قُرْآنُ رَبٍّ مَجِيدٍ، كَما قالَ الشّاعِرُ:
ولَكِنْ الغِنى رَبٌّ غَفُورُ
مَعْناهُ: ولَكِنَّ الغِنى غِنى رَبٍّ غَفُورٍ. انْتَهى. وعَلى هَذا أخْرَجَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَرَأ اليَمانِيُّ: ﴿قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ عَلى الإضافَةِ، وأنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعالى هو المَجِيدَ. انْتَهى. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن بابِ إضافَةِ المَوْصُوفِ لِصِفَتِهِ، فَيَكُونُ مَدْلُولُهُ ومَدْلُولُ التَّنْوِينِ ورَفْعُ (مَجِيدٌ) واحِدًا، وهَذا أوْلى لِتَوافُقِ القِراءَتَيْنِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فِي لَوْحٍ﴾ بِفَتْحِ اللّامِ، ﴿مَحْفُوظٍ﴾ بِالخَفْضِ صِفَةٌ لِلَوْحٍ، واللَّوْحُ المَحْفُوظُ هو الَّذِي فِيهِ جَمِيعُ الأشْياءِ، وقَرَأ ابْنُ يَعْمَرَ وابْنُ السَّمَيْقَعِ: بِضَمِّ اللّامِ، قالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: اللَّوْحُ: الهَواءُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي اللَّوْحَ فَوْقَ السَّماءِ السّابِعَةِ الَّذِي فِيهِ اللَّوْحُ (p-٤٥٣)المَحْفُوظُ مِن وُصُولِ الشَّياطِينِ إلَيْهِ. انْتَهى. وقَرَأ الأعْرَجُ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، ونافِعٌ بِخِلافٍ عَنْهُ: ﴿مَحْفُوظٍ﴾ بِالرَّفْعِ صِفَةٌ لِقُرْآنٍ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]، أيْ هو مَحْفُوظٌ في القُلُوبِ، لا يَلْحَقُهُ خَطَأٌ ولا تَبْدِيلٌ.
البروج 85:16
وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ في أصْحابِ الأُخْدُودِ أقْوالًا فَوْقَ العَشَرَةِ، ولِكُلِّ قَوْلٍ مِنها قِصَّةٌ طَوِيلَةٌ كَسِلْنا عَنْ كِتابَتِها في كِتابِنا هَذا، ومُضَمَّنُها أنَّ ناسًا مِنَ الكُفّارِ خَدُّوا أُخْدُودًا في الأرْضِ وسَجَّرُوهُ نارًا وعَرَضُوا المُؤْمِنِينَ عَلَيْها، فَمَن رَجَعَ عَنْ دِينِهِ تَرَكُوهُ، ومَن أصَرَّ عَلى الإيمانِ أحْرَقُوهُ، وأصْحابُ الأُخْدُودِ هُمُ المُحَرِّقُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ. وقالَ الرَّبِيعُ، وأبُو العالِيَةِ، وابْنُ إسْحاقَ: بَعَثَ اللَّهُ عَلى المُؤْمِنِينَ رِيحًا فَقَبَضَتْ أرْواحَهم أوْ نَحْوَ هَذا، وخَرَجَتِ النّارُ فَأحْرَقَتِ الكافِرِينَ الَّذِينَ كانُوا عَلى حافَّتَيِ الأُخْدُودِ، فَعَلى هَذا يَكُونُ القَتْلُ حَقِيقَةً لا بِمَعْنى اللَّعْنِ، ويَكُونُ خَبَرًا عَنْ ما فَعَلَهُ اللَّهُ بِالكُفّارِ والَّذِينَ أرادُوا أنْ يَفْتِنُوا المُؤْمِنِينَ عَنْ دِينِهِمْ. وقَوْلُ هَؤُلاءِ مُخالِفٌ لِقَوْلِ الجُمْهُورِ ولِما دَلَّ عَلَيْهِ القَصَصُ الَّذِي ذَكَرُوهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (النّارِ) بِالجَرِّ، وهو بَدَلُ اشْتِمالٍ، أوْ بَدَلُ كُلٍّ مِن كُلٍّ عَلى تَقْدِيرِ مَحْذُوفٍ، أيْ أُخْدُودِ النّارِ. وقَرَأ قَوْمٌ: (النّارُ) بِالرَّفْعِ. قِيلَ: وعَلى مَعْنى قَتْلِهِمْ، ويَكُونُ أصْحابُ الأُخْدُودِ إذْ ذاكَ المُؤْمِنِينَ، وقُتِلَ عَلى حَقِيقَتِهِ. وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ، وأبُو حَيْوَةَ، وعِيسى: ﴿الوَقُودِ﴾ [البروج: ٥] بِضَمِّ الواوِ وهو مَصْدَرٌ، والجُمْهُورُ: بِفَتْحِها، وهو ما يُوقَدُ بِهِ. وقَدْ حَكى (p-٤٥١)سِيبَوَيْهِ أنَّهُ بِالفَتْحِ أيْضًا مَصْدَرٌ كالضَّمِّ، والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في (إذْ هم) عائِدٌ عَلى الَّذِينَ يُحَرِّقُونَ المُؤْمِنِينَ، وكَذَلِكَ في (وهم) عَلى قَوْلِ الرَّبِيعِ يَعُودُ عَلى الكافِرِينَ، ويَكُونُ هم أيْضًا عائِدًا عَلَيْهِمْ، ويَكُونُ مَعْنى ﴿عَلى ما يَفْعَلُونَ﴾ [البروج: ٧] ما يُرِيدُونَ مِن فِعْلِهِمْ بِالمُؤْمِنِينَ. وقِيلَ: أصْحابُ الأُخْدُودِ مُحْرِقٌ، وتَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ذاتِ الوَقُودِ﴾ [البروج: ٥] ويَكُونُ المُرادُ بِقَوْلِهِ: (وهم) قُرَيْشٌ الَّذِينَ كانُوا يَفْتِنُونَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ، و”إذْ“ العامِلُ فِيهِ ”قُتِلَ“، أيْ لُعِنُوا وقَعَدُوا عَلى النّارِ، أوْ عَلى ما يَدْنُو مِنها مِن حافّاتِ الأُخْدُودِ، كَما قالَ الأعْشى:
؎تُشَبُّ لِمَقْرُورَيْنِ يَصْطَلِيانِها وباتَ عَلى النّارِ النَّدى والمُحَلِّقُ
﴿شُهُودٌ﴾ [البروج: ٧] يَشْهَدُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عِنْدِ المَلِكِ، أيْ لَمْ يُفَرِّطْ فِيما أُمِرَ بِهِ، أوْ شُهُودٌ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى ما فَعَلُوا بِالمُؤْمِنِينَ، يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ جَوارِحُهم بِأعْمالِهِمْ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (نَقَمُوا) بِفَتْحِ القافِ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وأبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِكَسْرِها، أيْ ما عابُوا ولا أنْكَرُوا الإيمانَ، كَقَوْلِهِ: ﴿هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا إلّا أنْ آمَنّا بِاللَّهِ﴾ [المائدة: ٥٩] وكَقَوْلِ قَيْسِ الرُّقُياتِ:
؎ما نَقَمُوا مِن بَنِي أُمَيَّةَ إلّا ∗∗∗ أنَّهم يَحْلُمُونَ إنْ غَضِبُوا
جَعَلُوا ما هو في غايَةِ الحُسْنِ قَبِيحًا حَتّى نَقَمُوا عَلَيْهِ، كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎ولا عَيْبَ فِيها غَيْرَ شُكْلَةِ عَيْنِها ∗∗∗ كَذاكَ عِتاقُ الطَّيْرِ شُكْلٌ عُيُونُها
وفِي المُنْتَخَبِ: إنَّما قالَ ﴿إلّا أنْ يُؤْمِنُوا﴾ [البروج: ٨] لِأنَّ التَّعْذِيبَ إنَّما كانَ واقِعًا عَلى الإيمانِ في المُسْتَقْبَلِ، ولَوْ كَفَرُوا في المُسْتَقْبَلِ لَمْ يُعَذَّبُوا عَلى ما مَضى، فَكَأنَّهُ قالَ: إلّا أنْ يُدِيمُوا عَلى إيمانِهِمْ. انْتَهى. وذَكَرَ الأوْصافَ الَّتِي يَسْتَحِقُّ بِها تَعالى أنْ يُؤْمَنَ بِهِ، وهو كَوْنُهُ تَعالى عَزِيزًا غالِبًا قادِرًا يُخْشى عِقابُهُ، حَمِيدًا مُنْعِمًا يَجِبُ لَهُ الحَمْدُ عَلى نِعْمَتِهِ، لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وكُلُّ مَن فِيهِما يَحِقُّ عَلَيْهِ عِبادَتُهُ والخُشُوعُ لَهُ تَقْرِيرًا؛ لِأنَّ ما نَقَمُوا مِنهم هو الحَقُّ الَّذِي لا يَنْقِمُهُ إلّا مُبْطِلٌ مُنْهَمِكٌ في الغَيِّ.
﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ وعِيدٌ لَهم أيْ إنَّهُ عَلِمَ ما فَعَلُوا فَهو يُجازِيهِمْ. والظّاهِرُ أنَّ ﴿الَّذِينَ فَتَنُوا﴾ عامٌّ في كُلِّ مَنِ ابْتَلى المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ بِتَعْذِيبٍ أوْ أذًى، وأنَّ لَهم عَذابَيْنِ: عَذابًا لِكُفْرِهِمْ، وعَذابًا لِفِتْنَتِهِمْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَجُوزُ أنْ يُرِيدَ بِالَّذِينِ فَتَنُوا أصْحابَ الأُخْدُودِ خاصَّةً، وبِالَّذِينِ آمَنُوا المَطْرُوحِينَ في الأُخْدُودِ، ومَعْنى فَتَنُوهم: عَذَّبُوهم بِالنّارِ وأحْرَقُوهم. (فَلَهم) في الآخِرَةِ ﴿عَذابُ جَهَنَّمَ﴾ بِكُفْرِهِمْ ﴿ولَهم عَذابُ الحَرِيقِ﴾ وهي نارٌ أُخْرى عَظِيمَةٌ تَتَّسِعُ كَما يَتَّسِعُ الحَرِيقُ، أوْ لَهم عَذابُ جَهَنَّمَ في الآخِرَةِ، ولَهم عَذابُ الحَرِيقِ في الدُّنْيا لِما رُوِيَ أنَّ النّارَ انْقَلَبَتْ عَلَيْهِمْ فَأحْرَقَتْهم. انْتَهى. ويَنْبَغِي أنْ لا يَجُوزَ هَذا الَّذِي جَوَّزَهُ؛ لِأنَّ في الآيَةِ ﴿ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾ وأُولَئِكَ المُحَرِّقُونَ لَمْ يُنْقَلْ لَنا أنَّ أحَدًا مِنهم تابَ، بَلِ الظّاهِرُ أنَّهم لَمْ يُلْعَنُوا إلّا وهم قَدْ ماتُوا عَلى الكُفْرِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ﴿ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾ يُقَوِّي أنَّ الآياتِ في قُرَيْشٍ؛ لِأنَّ هَذا اللَّفْظَ في قُرَيْشٍ أحْكَمُ مِنهُ في أُولَئِكَ الَّذِينَ قَدْ عَلِمُوا أنَّهم ماتُوا عَلى كُفْرِهِمْ. وأمّا قُرَيْشٌ فَكانَ فِيهِمْ وقْتَ نُزُولِ الآيَةِ مَن تابَ وآمَنَ. انْتَهى. وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ المُرادُ بِهِ العُمُومُ لا المَطْرُوحُونَ في النّارِ، والبَطْشُ: الأخْذُ بِقُوَّةٍ ﴿يُبْدِئُ ويُعِيدُ﴾ قالَ ابْنُ زَيْدٍ والضَّحّاكُ: يُبْدِئُ الخَلْقَ بِالإنْشاءِ، ويُعِيدُهُ بِالحَشْرِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: عامٌّ في جَمِيعِ الأشْياءِ، أيْ كُلُّ ما يُبْدَأُ وكُلُّ ما يُعادُ. وقالَ الطَّبَرِيُّ: يُبْدِئُ العَذابَ ويُعِيدُهُ عَلى الكُفّارِ، ونَحْوُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: تَأْكُلُهُمُ النّارُ حَتّى يَصِيرُوا فَحْمًا، ثُمَّ يُعِيدُهم خَلْقًا جَدِيدًا. وقُرِئَ: (يَبْدَأُ) مِن بَدَأ ثُلاثِيًّا، حَكاهُ أبُو زَيْدٍ.
ولَمّا ذَكَرَ شِدَّةَ بَطْشِهِ ذَكَرَ كَوْنَهُ، غَفُورًا ساتِرًا لِذُنُوبِ عِبادِهِ، ودُودًا لَطِيفًا بِهِمْ مُحْسِنًا إلَيْهِمْ، وهاتانِ صِفَتا فِعْلٍ. والظّاهِرُ أنَّ الوَدُودَ مُبالَغَةٌ في الوادِّ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: المُتَوَدِّدُ إلى عِبادِهِ بِالمَغْفِرَةِ. وحَكى المُبَرِّدُ عَنِ القاضِي إسْماعِيلَ بْنِ إسْحاقَ أنَّ الوَدُودَ هو الَّذِي لا ولَدَ لَهُ، وأنْشَدَ:(p-٤٥٢)
؎وأرْكَبُ في الرَّوْعِ عُرْيانَةً ∗∗∗ ذَلُولَ الجِماعِ لِقاحًا ودُودا
أيْ: لا ولَدَ لَها تَحِنُّ إلَيْهِ. وقِيلَ: الوَدُودُ فَعُولٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، كَرَكُوبٍ وحَلُوبٍ، أيْ يَوَدُّهُ عِبادُهُ الصّالِحُونَ ﴿ذُو العَرْشِ﴾ خَصَّ العَرْشَ بِإضافَةِ نَفْسِهِ تَشْرِيفًا لِلْعَرْشِ وتَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ أعْظَمُ المَخْلُوقاتِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (ذُو) بِالواوِ، وابْنُ عامِرٍ في رِوايَةٍ: ذِي بِالياءِ، صِفَةٌ لِرَبِّكَ. وقالَ القَفّالُ: ﴿ذُو العَرْشِ﴾ ذُو المُلْكِ والسُّلْطانِ. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالعَرْشِ السَّرِيرُ العالِي، ويَكُونُ خَلَقَ سَرِيرًا في سَمائِهِ في غايَةِ العَظَمَةِ، بِحَيْثُ لا يَعْرِفُ عَظَمَتَهُ إلّا هو ومَن يُطْلِعُهُ عَلَيْهِ. انْتَهى. وقَرَأ الحَسَنُ وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ، وابْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ والمُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ، والأخَوانِ: (المَجِيدِ) بِخَفْضِ الدّالِ، صِفَةٌ لِلْعَرْشِ، ومَجادَتُهُ: عِظَمُهُ وعُلُوُّهُ ومِقْدارُهُ وحُسْنُ صُورَتِهِ وتَرْكِيبُهُ، فَإنَّهُ قِيلَ: العَرْشُ أحْسَنُ الأجْسامِ صُورَةً وتَرْكِيبًا. ومَن قَرَأ: ذِي العَرْشِ بِالياءِ، جازَ أنْ يَكُونَ (المَجِيدِ) بِالخَفْضِ صِفَةً لِذِي، والأحْسَنُ جَعْلُ هَذِهِ المَرْفُوعاتِ أخْبارًا عَنْ هو، فَيَكُونُ (فَعّالٌ) خَبَرًا. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿الوَدُودُ ذُو العَرْشِ﴾ صِفَتَيْنِ لِلْغَفُورِ، ”وفَعّالٌ“ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ وأتى بِصِيغَةِ فَعّالٍ؛ لِأنَّ ما يُرِيدُ ويَفْعَلُ في غايَةِ الكَثْرَةِ، والمَعْنى: أنَّ كُلَّ ما تَعَلَّقَتْ بِهِ إرادَتُهُ فِعْلُهُ لا مُعْتَرِضَ عَلَيْهِ.
﴿هَلُ أتاكَ حَدِيثُ الجُنُودِ﴾ تَقْرِيرٌ لِحالِ الكَفَرَةِ، أيْ قَدْ أتاكَ حَدِيثُهم، وما جَرى لَهم مَعَ أنْبِيائِهِمْ، وما حَلَّ بِهِمْ مِنَ العُقُوباتِ بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِمْ، فَكَذَلِكَ يَحِلُّ بِقُرَيْشٍ مِنَ العَذابِ مِثْلُ ما حَلَّ بِهِمْ، والجُنُودُ: الجُمُوعُ المُعَدَّةُ لِلْقِتالِ ﴿فِرْعَوْنَ وثَمُودَ﴾ بَدَلٌ مِنَ الجُنُودِ، وكَأنَّهُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ جُنُودِ فِرْعَوْنَ، واخْتَصَرَ ما جَرى لَهم إذْ هم مَذْكُورُونَ في غَيْرِ ما سُورَةٍ مِنَ القُرْآنِ، وذَكَرَ ثَمُودَ لِشُهْرَةِ قِصَّتِهِمْ في بِلادِ العَرَبِ وهي مُتَقَدِّمَةٌ، وذَكَرَ فِرْعَوْنَ لِشُهْرَةِ قِصَّتِهِ عِنْدَ أهْلِ الكِتابِ وعِنْدَ العَرَبِ الجاهِلِيَّةِ أيْضًا، ألا تَرى إلى زُهَيْرِ بْنِ أبِي سُلْمى وقَوْلِهِ:
؎ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أهْلَكَ تُبَّعًا ∗∗∗ وأهْلَكَ لُقْمانَ بْنَ عادٍ وعادِيا
؎وأهْلَكَ ذا القَرْنَيْنِ مِن قَبْلُ ما لَوى ∗∗∗ وفِرْعَوْنَ جَبّارًا طَغى والنَّجاشِيا
وكانَ فِرْعَوْنُ مِنَ المُتَأخِّرِينَ في الهَلاكِ، فَدَلَّ بِقِصَّتِهِ وقِصَّةِ ثَمُودَ عَلى أمْثالِهِما مِن قِصَصِ الأُمَمِ المُكَذِّبِينَ وهَلاكِهِمْ.
﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ مِن قَوْمِكَ، ﴿فِي تَكْذِيبٍ﴾ حَسَدًا لَكَ، لَمْ يَعْتَبِرُوا بِما جَرى لِمَن قَبْلَهم حِينَ كَذَّبُوا أنْبِياءَهم.
﴿واللَّهُ مِن ورائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ أيْ هو قادِرٌ عَلى أنْ يُنْزِلَ بِهِمْ ما أنْزَلَ بِفِرْعَوْنَ وثَمُودَ ومَن كانَ مُحاطًا بِهِ، فَهو مَحْصُورٌ في غايَةٍ لا يَسْتَطِيعُ دَفْعًا، والمَعْنى: دُنُوُّ هَلاكِهِمْ، ولَمّا ذَكَرَ أنَّهم في تَكْذِيبٍ، وأنَّ التَّكْذِيبَ عَمَّهم حَتّى صارَ كالوِعاءِ لَهم، وكانَ ﷺ، قَدْ كَذَّبُوهُ وكَذَّبُوا ما جاءَ بِهِ وهو القُرْآنُ، أخْبَرَ تَعالى عَنِ الَّذِي جاءَ بِهِ وكَذَّبُوا فَقالَ: ﴿بَلْ هو قُرْآنٌ﴾ أيْ بَلِ الَّذِي كَذَّبُوا بِهِ قُرْآنٌ مَجِيدٌ، ومَجادَتُهُ: شَرَفُهُ عَلى سائِرِ الكُتُبِ بِإعْجازِهِ في نَظْمِهِ وصِحَّةِ مَعانِيهِ، وإخْبارِهِ بِالمُغَيَّباتِ وغَيْرِ ذَلِكَ في مَحاسِنِهِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ مَوْصُوفٌ وصْفَةٌ، وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْقَعِ: (قُرْآنُ مَجِيدٍ) بِالإضافَةِ، قالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: سَمِعْتُ ابْنَ الأنْبارِيِّ يَقُولُ مَعْناهُ: بَلْ هو قُرْآنُ رَبٍّ مَجِيدٍ، كَما قالَ الشّاعِرُ:
ولَكِنْ الغِنى رَبٌّ غَفُورُ
مَعْناهُ: ولَكِنَّ الغِنى غِنى رَبٍّ غَفُورٍ. انْتَهى. وعَلى هَذا أخْرَجَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَرَأ اليَمانِيُّ: ﴿قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ عَلى الإضافَةِ، وأنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعالى هو المَجِيدَ. انْتَهى. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن بابِ إضافَةِ المَوْصُوفِ لِصِفَتِهِ، فَيَكُونُ مَدْلُولُهُ ومَدْلُولُ التَّنْوِينِ ورَفْعُ (مَجِيدٌ) واحِدًا، وهَذا أوْلى لِتَوافُقِ القِراءَتَيْنِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فِي لَوْحٍ﴾ بِفَتْحِ اللّامِ، ﴿مَحْفُوظٍ﴾ بِالخَفْضِ صِفَةٌ لِلَوْحٍ، واللَّوْحُ المَحْفُوظُ هو الَّذِي فِيهِ جَمِيعُ الأشْياءِ، وقَرَأ ابْنُ يَعْمَرَ وابْنُ السَّمَيْقَعِ: بِضَمِّ اللّامِ، قالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: اللَّوْحُ: الهَواءُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي اللَّوْحَ فَوْقَ السَّماءِ السّابِعَةِ الَّذِي فِيهِ اللَّوْحُ (p-٤٥٣)المَحْفُوظُ مِن وُصُولِ الشَّياطِينِ إلَيْهِ. انْتَهى. وقَرَأ الأعْرَجُ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، ونافِعٌ بِخِلافٍ عَنْهُ: ﴿مَحْفُوظٍ﴾ بِالرَّفْعِ صِفَةٌ لِقُرْآنٍ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]، أيْ هو مَحْفُوظٌ في القُلُوبِ، لا يَلْحَقُهُ خَطَأٌ ولا تَبْدِيلٌ.
البروج 85:17
وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ في أصْحابِ الأُخْدُودِ أقْوالًا فَوْقَ العَشَرَةِ، ولِكُلِّ قَوْلٍ مِنها قِصَّةٌ طَوِيلَةٌ كَسِلْنا عَنْ كِتابَتِها في كِتابِنا هَذا، ومُضَمَّنُها أنَّ ناسًا مِنَ الكُفّارِ خَدُّوا أُخْدُودًا في الأرْضِ وسَجَّرُوهُ نارًا وعَرَضُوا المُؤْمِنِينَ عَلَيْها، فَمَن رَجَعَ عَنْ دِينِهِ تَرَكُوهُ، ومَن أصَرَّ عَلى الإيمانِ أحْرَقُوهُ، وأصْحابُ الأُخْدُودِ هُمُ المُحَرِّقُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ. وقالَ الرَّبِيعُ، وأبُو العالِيَةِ، وابْنُ إسْحاقَ: بَعَثَ اللَّهُ عَلى المُؤْمِنِينَ رِيحًا فَقَبَضَتْ أرْواحَهم أوْ نَحْوَ هَذا، وخَرَجَتِ النّارُ فَأحْرَقَتِ الكافِرِينَ الَّذِينَ كانُوا عَلى حافَّتَيِ الأُخْدُودِ، فَعَلى هَذا يَكُونُ القَتْلُ حَقِيقَةً لا بِمَعْنى اللَّعْنِ، ويَكُونُ خَبَرًا عَنْ ما فَعَلَهُ اللَّهُ بِالكُفّارِ والَّذِينَ أرادُوا أنْ يَفْتِنُوا المُؤْمِنِينَ عَنْ دِينِهِمْ. وقَوْلُ هَؤُلاءِ مُخالِفٌ لِقَوْلِ الجُمْهُورِ ولِما دَلَّ عَلَيْهِ القَصَصُ الَّذِي ذَكَرُوهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (النّارِ) بِالجَرِّ، وهو بَدَلُ اشْتِمالٍ، أوْ بَدَلُ كُلٍّ مِن كُلٍّ عَلى تَقْدِيرِ مَحْذُوفٍ، أيْ أُخْدُودِ النّارِ. وقَرَأ قَوْمٌ: (النّارُ) بِالرَّفْعِ. قِيلَ: وعَلى مَعْنى قَتْلِهِمْ، ويَكُونُ أصْحابُ الأُخْدُودِ إذْ ذاكَ المُؤْمِنِينَ، وقُتِلَ عَلى حَقِيقَتِهِ. وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ، وأبُو حَيْوَةَ، وعِيسى: ﴿الوَقُودِ﴾ [البروج: ٥] بِضَمِّ الواوِ وهو مَصْدَرٌ، والجُمْهُورُ: بِفَتْحِها، وهو ما يُوقَدُ بِهِ. وقَدْ حَكى (p-٤٥١)سِيبَوَيْهِ أنَّهُ بِالفَتْحِ أيْضًا مَصْدَرٌ كالضَّمِّ، والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في (إذْ هم) عائِدٌ عَلى الَّذِينَ يُحَرِّقُونَ المُؤْمِنِينَ، وكَذَلِكَ في (وهم) عَلى قَوْلِ الرَّبِيعِ يَعُودُ عَلى الكافِرِينَ، ويَكُونُ هم أيْضًا عائِدًا عَلَيْهِمْ، ويَكُونُ مَعْنى ﴿عَلى ما يَفْعَلُونَ﴾ [البروج: ٧] ما يُرِيدُونَ مِن فِعْلِهِمْ بِالمُؤْمِنِينَ. وقِيلَ: أصْحابُ الأُخْدُودِ مُحْرِقٌ، وتَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ذاتِ الوَقُودِ﴾ [البروج: ٥] ويَكُونُ المُرادُ بِقَوْلِهِ: (وهم) قُرَيْشٌ الَّذِينَ كانُوا يَفْتِنُونَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ، و”إذْ“ العامِلُ فِيهِ ”قُتِلَ“، أيْ لُعِنُوا وقَعَدُوا عَلى النّارِ، أوْ عَلى ما يَدْنُو مِنها مِن حافّاتِ الأُخْدُودِ، كَما قالَ الأعْشى:
؎تُشَبُّ لِمَقْرُورَيْنِ يَصْطَلِيانِها وباتَ عَلى النّارِ النَّدى والمُحَلِّقُ
﴿شُهُودٌ﴾ [البروج: ٧] يَشْهَدُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عِنْدِ المَلِكِ، أيْ لَمْ يُفَرِّطْ فِيما أُمِرَ بِهِ، أوْ شُهُودٌ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى ما فَعَلُوا بِالمُؤْمِنِينَ، يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ جَوارِحُهم بِأعْمالِهِمْ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (نَقَمُوا) بِفَتْحِ القافِ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وأبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِكَسْرِها، أيْ ما عابُوا ولا أنْكَرُوا الإيمانَ، كَقَوْلِهِ: ﴿هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا إلّا أنْ آمَنّا بِاللَّهِ﴾ [المائدة: ٥٩] وكَقَوْلِ قَيْسِ الرُّقُياتِ:
؎ما نَقَمُوا مِن بَنِي أُمَيَّةَ إلّا ∗∗∗ أنَّهم يَحْلُمُونَ إنْ غَضِبُوا
جَعَلُوا ما هو في غايَةِ الحُسْنِ قَبِيحًا حَتّى نَقَمُوا عَلَيْهِ، كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎ولا عَيْبَ فِيها غَيْرَ شُكْلَةِ عَيْنِها ∗∗∗ كَذاكَ عِتاقُ الطَّيْرِ شُكْلٌ عُيُونُها
وفِي المُنْتَخَبِ: إنَّما قالَ ﴿إلّا أنْ يُؤْمِنُوا﴾ [البروج: ٨] لِأنَّ التَّعْذِيبَ إنَّما كانَ واقِعًا عَلى الإيمانِ في المُسْتَقْبَلِ، ولَوْ كَفَرُوا في المُسْتَقْبَلِ لَمْ يُعَذَّبُوا عَلى ما مَضى، فَكَأنَّهُ قالَ: إلّا أنْ يُدِيمُوا عَلى إيمانِهِمْ. انْتَهى. وذَكَرَ الأوْصافَ الَّتِي يَسْتَحِقُّ بِها تَعالى أنْ يُؤْمَنَ بِهِ، وهو كَوْنُهُ تَعالى عَزِيزًا غالِبًا قادِرًا يُخْشى عِقابُهُ، حَمِيدًا مُنْعِمًا يَجِبُ لَهُ الحَمْدُ عَلى نِعْمَتِهِ، لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وكُلُّ مَن فِيهِما يَحِقُّ عَلَيْهِ عِبادَتُهُ والخُشُوعُ لَهُ تَقْرِيرًا؛ لِأنَّ ما نَقَمُوا مِنهم هو الحَقُّ الَّذِي لا يَنْقِمُهُ إلّا مُبْطِلٌ مُنْهَمِكٌ في الغَيِّ.
﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ وعِيدٌ لَهم أيْ إنَّهُ عَلِمَ ما فَعَلُوا فَهو يُجازِيهِمْ. والظّاهِرُ أنَّ ﴿الَّذِينَ فَتَنُوا﴾ عامٌّ في كُلِّ مَنِ ابْتَلى المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ بِتَعْذِيبٍ أوْ أذًى، وأنَّ لَهم عَذابَيْنِ: عَذابًا لِكُفْرِهِمْ، وعَذابًا لِفِتْنَتِهِمْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَجُوزُ أنْ يُرِيدَ بِالَّذِينِ فَتَنُوا أصْحابَ الأُخْدُودِ خاصَّةً، وبِالَّذِينِ آمَنُوا المَطْرُوحِينَ في الأُخْدُودِ، ومَعْنى فَتَنُوهم: عَذَّبُوهم بِالنّارِ وأحْرَقُوهم. (فَلَهم) في الآخِرَةِ ﴿عَذابُ جَهَنَّمَ﴾ بِكُفْرِهِمْ ﴿ولَهم عَذابُ الحَرِيقِ﴾ وهي نارٌ أُخْرى عَظِيمَةٌ تَتَّسِعُ كَما يَتَّسِعُ الحَرِيقُ، أوْ لَهم عَذابُ جَهَنَّمَ في الآخِرَةِ، ولَهم عَذابُ الحَرِيقِ في الدُّنْيا لِما رُوِيَ أنَّ النّارَ انْقَلَبَتْ عَلَيْهِمْ فَأحْرَقَتْهم. انْتَهى. ويَنْبَغِي أنْ لا يَجُوزَ هَذا الَّذِي جَوَّزَهُ؛ لِأنَّ في الآيَةِ ﴿ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾ وأُولَئِكَ المُحَرِّقُونَ لَمْ يُنْقَلْ لَنا أنَّ أحَدًا مِنهم تابَ، بَلِ الظّاهِرُ أنَّهم لَمْ يُلْعَنُوا إلّا وهم قَدْ ماتُوا عَلى الكُفْرِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ﴿ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾ يُقَوِّي أنَّ الآياتِ في قُرَيْشٍ؛ لِأنَّ هَذا اللَّفْظَ في قُرَيْشٍ أحْكَمُ مِنهُ في أُولَئِكَ الَّذِينَ قَدْ عَلِمُوا أنَّهم ماتُوا عَلى كُفْرِهِمْ. وأمّا قُرَيْشٌ فَكانَ فِيهِمْ وقْتَ نُزُولِ الآيَةِ مَن تابَ وآمَنَ. انْتَهى. وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ المُرادُ بِهِ العُمُومُ لا المَطْرُوحُونَ في النّارِ، والبَطْشُ: الأخْذُ بِقُوَّةٍ ﴿يُبْدِئُ ويُعِيدُ﴾ قالَ ابْنُ زَيْدٍ والضَّحّاكُ: يُبْدِئُ الخَلْقَ بِالإنْشاءِ، ويُعِيدُهُ بِالحَشْرِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: عامٌّ في جَمِيعِ الأشْياءِ، أيْ كُلُّ ما يُبْدَأُ وكُلُّ ما يُعادُ. وقالَ الطَّبَرِيُّ: يُبْدِئُ العَذابَ ويُعِيدُهُ عَلى الكُفّارِ، ونَحْوُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: تَأْكُلُهُمُ النّارُ حَتّى يَصِيرُوا فَحْمًا، ثُمَّ يُعِيدُهم خَلْقًا جَدِيدًا. وقُرِئَ: (يَبْدَأُ) مِن بَدَأ ثُلاثِيًّا، حَكاهُ أبُو زَيْدٍ.
ولَمّا ذَكَرَ شِدَّةَ بَطْشِهِ ذَكَرَ كَوْنَهُ، غَفُورًا ساتِرًا لِذُنُوبِ عِبادِهِ، ودُودًا لَطِيفًا بِهِمْ مُحْسِنًا إلَيْهِمْ، وهاتانِ صِفَتا فِعْلٍ. والظّاهِرُ أنَّ الوَدُودَ مُبالَغَةٌ في الوادِّ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: المُتَوَدِّدُ إلى عِبادِهِ بِالمَغْفِرَةِ. وحَكى المُبَرِّدُ عَنِ القاضِي إسْماعِيلَ بْنِ إسْحاقَ أنَّ الوَدُودَ هو الَّذِي لا ولَدَ لَهُ، وأنْشَدَ:(p-٤٥٢)
؎وأرْكَبُ في الرَّوْعِ عُرْيانَةً ∗∗∗ ذَلُولَ الجِماعِ لِقاحًا ودُودا
أيْ: لا ولَدَ لَها تَحِنُّ إلَيْهِ. وقِيلَ: الوَدُودُ فَعُولٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، كَرَكُوبٍ وحَلُوبٍ، أيْ يَوَدُّهُ عِبادُهُ الصّالِحُونَ ﴿ذُو العَرْشِ﴾ خَصَّ العَرْشَ بِإضافَةِ نَفْسِهِ تَشْرِيفًا لِلْعَرْشِ وتَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ أعْظَمُ المَخْلُوقاتِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (ذُو) بِالواوِ، وابْنُ عامِرٍ في رِوايَةٍ: ذِي بِالياءِ، صِفَةٌ لِرَبِّكَ. وقالَ القَفّالُ: ﴿ذُو العَرْشِ﴾ ذُو المُلْكِ والسُّلْطانِ. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالعَرْشِ السَّرِيرُ العالِي، ويَكُونُ خَلَقَ سَرِيرًا في سَمائِهِ في غايَةِ العَظَمَةِ، بِحَيْثُ لا يَعْرِفُ عَظَمَتَهُ إلّا هو ومَن يُطْلِعُهُ عَلَيْهِ. انْتَهى. وقَرَأ الحَسَنُ وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ، وابْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ والمُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ، والأخَوانِ: (المَجِيدِ) بِخَفْضِ الدّالِ، صِفَةٌ لِلْعَرْشِ، ومَجادَتُهُ: عِظَمُهُ وعُلُوُّهُ ومِقْدارُهُ وحُسْنُ صُورَتِهِ وتَرْكِيبُهُ، فَإنَّهُ قِيلَ: العَرْشُ أحْسَنُ الأجْسامِ صُورَةً وتَرْكِيبًا. ومَن قَرَأ: ذِي العَرْشِ بِالياءِ، جازَ أنْ يَكُونَ (المَجِيدِ) بِالخَفْضِ صِفَةً لِذِي، والأحْسَنُ جَعْلُ هَذِهِ المَرْفُوعاتِ أخْبارًا عَنْ هو، فَيَكُونُ (فَعّالٌ) خَبَرًا. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿الوَدُودُ ذُو العَرْشِ﴾ صِفَتَيْنِ لِلْغَفُورِ، ”وفَعّالٌ“ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ وأتى بِصِيغَةِ فَعّالٍ؛ لِأنَّ ما يُرِيدُ ويَفْعَلُ في غايَةِ الكَثْرَةِ، والمَعْنى: أنَّ كُلَّ ما تَعَلَّقَتْ بِهِ إرادَتُهُ فِعْلُهُ لا مُعْتَرِضَ عَلَيْهِ.
﴿هَلُ أتاكَ حَدِيثُ الجُنُودِ﴾ تَقْرِيرٌ لِحالِ الكَفَرَةِ، أيْ قَدْ أتاكَ حَدِيثُهم، وما جَرى لَهم مَعَ أنْبِيائِهِمْ، وما حَلَّ بِهِمْ مِنَ العُقُوباتِ بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِمْ، فَكَذَلِكَ يَحِلُّ بِقُرَيْشٍ مِنَ العَذابِ مِثْلُ ما حَلَّ بِهِمْ، والجُنُودُ: الجُمُوعُ المُعَدَّةُ لِلْقِتالِ ﴿فِرْعَوْنَ وثَمُودَ﴾ بَدَلٌ مِنَ الجُنُودِ، وكَأنَّهُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ جُنُودِ فِرْعَوْنَ، واخْتَصَرَ ما جَرى لَهم إذْ هم مَذْكُورُونَ في غَيْرِ ما سُورَةٍ مِنَ القُرْآنِ، وذَكَرَ ثَمُودَ لِشُهْرَةِ قِصَّتِهِمْ في بِلادِ العَرَبِ وهي مُتَقَدِّمَةٌ، وذَكَرَ فِرْعَوْنَ لِشُهْرَةِ قِصَّتِهِ عِنْدَ أهْلِ الكِتابِ وعِنْدَ العَرَبِ الجاهِلِيَّةِ أيْضًا، ألا تَرى إلى زُهَيْرِ بْنِ أبِي سُلْمى وقَوْلِهِ:
؎ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أهْلَكَ تُبَّعًا ∗∗∗ وأهْلَكَ لُقْمانَ بْنَ عادٍ وعادِيا
؎وأهْلَكَ ذا القَرْنَيْنِ مِن قَبْلُ ما لَوى ∗∗∗ وفِرْعَوْنَ جَبّارًا طَغى والنَّجاشِيا
وكانَ فِرْعَوْنُ مِنَ المُتَأخِّرِينَ في الهَلاكِ، فَدَلَّ بِقِصَّتِهِ وقِصَّةِ ثَمُودَ عَلى أمْثالِهِما مِن قِصَصِ الأُمَمِ المُكَذِّبِينَ وهَلاكِهِمْ.
﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ مِن قَوْمِكَ، ﴿فِي تَكْذِيبٍ﴾ حَسَدًا لَكَ، لَمْ يَعْتَبِرُوا بِما جَرى لِمَن قَبْلَهم حِينَ كَذَّبُوا أنْبِياءَهم.
﴿واللَّهُ مِن ورائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ أيْ هو قادِرٌ عَلى أنْ يُنْزِلَ بِهِمْ ما أنْزَلَ بِفِرْعَوْنَ وثَمُودَ ومَن كانَ مُحاطًا بِهِ، فَهو مَحْصُورٌ في غايَةٍ لا يَسْتَطِيعُ دَفْعًا، والمَعْنى: دُنُوُّ هَلاكِهِمْ، ولَمّا ذَكَرَ أنَّهم في تَكْذِيبٍ، وأنَّ التَّكْذِيبَ عَمَّهم حَتّى صارَ كالوِعاءِ لَهم، وكانَ ﷺ، قَدْ كَذَّبُوهُ وكَذَّبُوا ما جاءَ بِهِ وهو القُرْآنُ، أخْبَرَ تَعالى عَنِ الَّذِي جاءَ بِهِ وكَذَّبُوا فَقالَ: ﴿بَلْ هو قُرْآنٌ﴾ أيْ بَلِ الَّذِي كَذَّبُوا بِهِ قُرْآنٌ مَجِيدٌ، ومَجادَتُهُ: شَرَفُهُ عَلى سائِرِ الكُتُبِ بِإعْجازِهِ في نَظْمِهِ وصِحَّةِ مَعانِيهِ، وإخْبارِهِ بِالمُغَيَّباتِ وغَيْرِ ذَلِكَ في مَحاسِنِهِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ مَوْصُوفٌ وصْفَةٌ، وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْقَعِ: (قُرْآنُ مَجِيدٍ) بِالإضافَةِ، قالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: سَمِعْتُ ابْنَ الأنْبارِيِّ يَقُولُ مَعْناهُ: بَلْ هو قُرْآنُ رَبٍّ مَجِيدٍ، كَما قالَ الشّاعِرُ:
ولَكِنْ الغِنى رَبٌّ غَفُورُ
مَعْناهُ: ولَكِنَّ الغِنى غِنى رَبٍّ غَفُورٍ. انْتَهى. وعَلى هَذا أخْرَجَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَرَأ اليَمانِيُّ: ﴿قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ عَلى الإضافَةِ، وأنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعالى هو المَجِيدَ. انْتَهى. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن بابِ إضافَةِ المَوْصُوفِ لِصِفَتِهِ، فَيَكُونُ مَدْلُولُهُ ومَدْلُولُ التَّنْوِينِ ورَفْعُ (مَجِيدٌ) واحِدًا، وهَذا أوْلى لِتَوافُقِ القِراءَتَيْنِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فِي لَوْحٍ﴾ بِفَتْحِ اللّامِ، ﴿مَحْفُوظٍ﴾ بِالخَفْضِ صِفَةٌ لِلَوْحٍ، واللَّوْحُ المَحْفُوظُ هو الَّذِي فِيهِ جَمِيعُ الأشْياءِ، وقَرَأ ابْنُ يَعْمَرَ وابْنُ السَّمَيْقَعِ: بِضَمِّ اللّامِ، قالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: اللَّوْحُ: الهَواءُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي اللَّوْحَ فَوْقَ السَّماءِ السّابِعَةِ الَّذِي فِيهِ اللَّوْحُ (p-٤٥٣)المَحْفُوظُ مِن وُصُولِ الشَّياطِينِ إلَيْهِ. انْتَهى. وقَرَأ الأعْرَجُ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، ونافِعٌ بِخِلافٍ عَنْهُ: ﴿مَحْفُوظٍ﴾ بِالرَّفْعِ صِفَةٌ لِقُرْآنٍ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]، أيْ هو مَحْفُوظٌ في القُلُوبِ، لا يَلْحَقُهُ خَطَأٌ ولا تَبْدِيلٌ.
البروج 85:18
وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ في أصْحابِ الأُخْدُودِ أقْوالًا فَوْقَ العَشَرَةِ، ولِكُلِّ قَوْلٍ مِنها قِصَّةٌ طَوِيلَةٌ كَسِلْنا عَنْ كِتابَتِها في كِتابِنا هَذا، ومُضَمَّنُها أنَّ ناسًا مِنَ الكُفّارِ خَدُّوا أُخْدُودًا في الأرْضِ وسَجَّرُوهُ نارًا وعَرَضُوا المُؤْمِنِينَ عَلَيْها، فَمَن رَجَعَ عَنْ دِينِهِ تَرَكُوهُ، ومَن أصَرَّ عَلى الإيمانِ أحْرَقُوهُ، وأصْحابُ الأُخْدُودِ هُمُ المُحَرِّقُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ. وقالَ الرَّبِيعُ، وأبُو العالِيَةِ، وابْنُ إسْحاقَ: بَعَثَ اللَّهُ عَلى المُؤْمِنِينَ رِيحًا فَقَبَضَتْ أرْواحَهم أوْ نَحْوَ هَذا، وخَرَجَتِ النّارُ فَأحْرَقَتِ الكافِرِينَ الَّذِينَ كانُوا عَلى حافَّتَيِ الأُخْدُودِ، فَعَلى هَذا يَكُونُ القَتْلُ حَقِيقَةً لا بِمَعْنى اللَّعْنِ، ويَكُونُ خَبَرًا عَنْ ما فَعَلَهُ اللَّهُ بِالكُفّارِ والَّذِينَ أرادُوا أنْ يَفْتِنُوا المُؤْمِنِينَ عَنْ دِينِهِمْ. وقَوْلُ هَؤُلاءِ مُخالِفٌ لِقَوْلِ الجُمْهُورِ ولِما دَلَّ عَلَيْهِ القَصَصُ الَّذِي ذَكَرُوهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (النّارِ) بِالجَرِّ، وهو بَدَلُ اشْتِمالٍ، أوْ بَدَلُ كُلٍّ مِن كُلٍّ عَلى تَقْدِيرِ مَحْذُوفٍ، أيْ أُخْدُودِ النّارِ. وقَرَأ قَوْمٌ: (النّارُ) بِالرَّفْعِ. قِيلَ: وعَلى مَعْنى قَتْلِهِمْ، ويَكُونُ أصْحابُ الأُخْدُودِ إذْ ذاكَ المُؤْمِنِينَ، وقُتِلَ عَلى حَقِيقَتِهِ. وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ، وأبُو حَيْوَةَ، وعِيسى: ﴿الوَقُودِ﴾ [البروج: ٥] بِضَمِّ الواوِ وهو مَصْدَرٌ، والجُمْهُورُ: بِفَتْحِها، وهو ما يُوقَدُ بِهِ. وقَدْ حَكى (p-٤٥١)سِيبَوَيْهِ أنَّهُ بِالفَتْحِ أيْضًا مَصْدَرٌ كالضَّمِّ، والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في (إذْ هم) عائِدٌ عَلى الَّذِينَ يُحَرِّقُونَ المُؤْمِنِينَ، وكَذَلِكَ في (وهم) عَلى قَوْلِ الرَّبِيعِ يَعُودُ عَلى الكافِرِينَ، ويَكُونُ هم أيْضًا عائِدًا عَلَيْهِمْ، ويَكُونُ مَعْنى ﴿عَلى ما يَفْعَلُونَ﴾ [البروج: ٧] ما يُرِيدُونَ مِن فِعْلِهِمْ بِالمُؤْمِنِينَ. وقِيلَ: أصْحابُ الأُخْدُودِ مُحْرِقٌ، وتَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ذاتِ الوَقُودِ﴾ [البروج: ٥] ويَكُونُ المُرادُ بِقَوْلِهِ: (وهم) قُرَيْشٌ الَّذِينَ كانُوا يَفْتِنُونَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ، و”إذْ“ العامِلُ فِيهِ ”قُتِلَ“، أيْ لُعِنُوا وقَعَدُوا عَلى النّارِ، أوْ عَلى ما يَدْنُو مِنها مِن حافّاتِ الأُخْدُودِ، كَما قالَ الأعْشى:
؎تُشَبُّ لِمَقْرُورَيْنِ يَصْطَلِيانِها وباتَ عَلى النّارِ النَّدى والمُحَلِّقُ
﴿شُهُودٌ﴾ [البروج: ٧] يَشْهَدُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عِنْدِ المَلِكِ، أيْ لَمْ يُفَرِّطْ فِيما أُمِرَ بِهِ، أوْ شُهُودٌ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى ما فَعَلُوا بِالمُؤْمِنِينَ، يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ جَوارِحُهم بِأعْمالِهِمْ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (نَقَمُوا) بِفَتْحِ القافِ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وأبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِكَسْرِها، أيْ ما عابُوا ولا أنْكَرُوا الإيمانَ، كَقَوْلِهِ: ﴿هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا إلّا أنْ آمَنّا بِاللَّهِ﴾ [المائدة: ٥٩] وكَقَوْلِ قَيْسِ الرُّقُياتِ:
؎ما نَقَمُوا مِن بَنِي أُمَيَّةَ إلّا ∗∗∗ أنَّهم يَحْلُمُونَ إنْ غَضِبُوا
جَعَلُوا ما هو في غايَةِ الحُسْنِ قَبِيحًا حَتّى نَقَمُوا عَلَيْهِ، كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎ولا عَيْبَ فِيها غَيْرَ شُكْلَةِ عَيْنِها ∗∗∗ كَذاكَ عِتاقُ الطَّيْرِ شُكْلٌ عُيُونُها
وفِي المُنْتَخَبِ: إنَّما قالَ ﴿إلّا أنْ يُؤْمِنُوا﴾ [البروج: ٨] لِأنَّ التَّعْذِيبَ إنَّما كانَ واقِعًا عَلى الإيمانِ في المُسْتَقْبَلِ، ولَوْ كَفَرُوا في المُسْتَقْبَلِ لَمْ يُعَذَّبُوا عَلى ما مَضى، فَكَأنَّهُ قالَ: إلّا أنْ يُدِيمُوا عَلى إيمانِهِمْ. انْتَهى. وذَكَرَ الأوْصافَ الَّتِي يَسْتَحِقُّ بِها تَعالى أنْ يُؤْمَنَ بِهِ، وهو كَوْنُهُ تَعالى عَزِيزًا غالِبًا قادِرًا يُخْشى عِقابُهُ، حَمِيدًا مُنْعِمًا يَجِبُ لَهُ الحَمْدُ عَلى نِعْمَتِهِ، لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وكُلُّ مَن فِيهِما يَحِقُّ عَلَيْهِ عِبادَتُهُ والخُشُوعُ لَهُ تَقْرِيرًا؛ لِأنَّ ما نَقَمُوا مِنهم هو الحَقُّ الَّذِي لا يَنْقِمُهُ إلّا مُبْطِلٌ مُنْهَمِكٌ في الغَيِّ.
﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ وعِيدٌ لَهم أيْ إنَّهُ عَلِمَ ما فَعَلُوا فَهو يُجازِيهِمْ. والظّاهِرُ أنَّ ﴿الَّذِينَ فَتَنُوا﴾ عامٌّ في كُلِّ مَنِ ابْتَلى المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ بِتَعْذِيبٍ أوْ أذًى، وأنَّ لَهم عَذابَيْنِ: عَذابًا لِكُفْرِهِمْ، وعَذابًا لِفِتْنَتِهِمْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَجُوزُ أنْ يُرِيدَ بِالَّذِينِ فَتَنُوا أصْحابَ الأُخْدُودِ خاصَّةً، وبِالَّذِينِ آمَنُوا المَطْرُوحِينَ في الأُخْدُودِ، ومَعْنى فَتَنُوهم: عَذَّبُوهم بِالنّارِ وأحْرَقُوهم. (فَلَهم) في الآخِرَةِ ﴿عَذابُ جَهَنَّمَ﴾ بِكُفْرِهِمْ ﴿ولَهم عَذابُ الحَرِيقِ﴾ وهي نارٌ أُخْرى عَظِيمَةٌ تَتَّسِعُ كَما يَتَّسِعُ الحَرِيقُ، أوْ لَهم عَذابُ جَهَنَّمَ في الآخِرَةِ، ولَهم عَذابُ الحَرِيقِ في الدُّنْيا لِما رُوِيَ أنَّ النّارَ انْقَلَبَتْ عَلَيْهِمْ فَأحْرَقَتْهم. انْتَهى. ويَنْبَغِي أنْ لا يَجُوزَ هَذا الَّذِي جَوَّزَهُ؛ لِأنَّ في الآيَةِ ﴿ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾ وأُولَئِكَ المُحَرِّقُونَ لَمْ يُنْقَلْ لَنا أنَّ أحَدًا مِنهم تابَ، بَلِ الظّاهِرُ أنَّهم لَمْ يُلْعَنُوا إلّا وهم قَدْ ماتُوا عَلى الكُفْرِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ﴿ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾ يُقَوِّي أنَّ الآياتِ في قُرَيْشٍ؛ لِأنَّ هَذا اللَّفْظَ في قُرَيْشٍ أحْكَمُ مِنهُ في أُولَئِكَ الَّذِينَ قَدْ عَلِمُوا أنَّهم ماتُوا عَلى كُفْرِهِمْ. وأمّا قُرَيْشٌ فَكانَ فِيهِمْ وقْتَ نُزُولِ الآيَةِ مَن تابَ وآمَنَ. انْتَهى. وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ المُرادُ بِهِ العُمُومُ لا المَطْرُوحُونَ في النّارِ، والبَطْشُ: الأخْذُ بِقُوَّةٍ ﴿يُبْدِئُ ويُعِيدُ﴾ قالَ ابْنُ زَيْدٍ والضَّحّاكُ: يُبْدِئُ الخَلْقَ بِالإنْشاءِ، ويُعِيدُهُ بِالحَشْرِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: عامٌّ في جَمِيعِ الأشْياءِ، أيْ كُلُّ ما يُبْدَأُ وكُلُّ ما يُعادُ. وقالَ الطَّبَرِيُّ: يُبْدِئُ العَذابَ ويُعِيدُهُ عَلى الكُفّارِ، ونَحْوُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: تَأْكُلُهُمُ النّارُ حَتّى يَصِيرُوا فَحْمًا، ثُمَّ يُعِيدُهم خَلْقًا جَدِيدًا. وقُرِئَ: (يَبْدَأُ) مِن بَدَأ ثُلاثِيًّا، حَكاهُ أبُو زَيْدٍ.
ولَمّا ذَكَرَ شِدَّةَ بَطْشِهِ ذَكَرَ كَوْنَهُ، غَفُورًا ساتِرًا لِذُنُوبِ عِبادِهِ، ودُودًا لَطِيفًا بِهِمْ مُحْسِنًا إلَيْهِمْ، وهاتانِ صِفَتا فِعْلٍ. والظّاهِرُ أنَّ الوَدُودَ مُبالَغَةٌ في الوادِّ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: المُتَوَدِّدُ إلى عِبادِهِ بِالمَغْفِرَةِ. وحَكى المُبَرِّدُ عَنِ القاضِي إسْماعِيلَ بْنِ إسْحاقَ أنَّ الوَدُودَ هو الَّذِي لا ولَدَ لَهُ، وأنْشَدَ:(p-٤٥٢)
؎وأرْكَبُ في الرَّوْعِ عُرْيانَةً ∗∗∗ ذَلُولَ الجِماعِ لِقاحًا ودُودا
أيْ: لا ولَدَ لَها تَحِنُّ إلَيْهِ. وقِيلَ: الوَدُودُ فَعُولٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، كَرَكُوبٍ وحَلُوبٍ، أيْ يَوَدُّهُ عِبادُهُ الصّالِحُونَ ﴿ذُو العَرْشِ﴾ خَصَّ العَرْشَ بِإضافَةِ نَفْسِهِ تَشْرِيفًا لِلْعَرْشِ وتَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ أعْظَمُ المَخْلُوقاتِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (ذُو) بِالواوِ، وابْنُ عامِرٍ في رِوايَةٍ: ذِي بِالياءِ، صِفَةٌ لِرَبِّكَ. وقالَ القَفّالُ: ﴿ذُو العَرْشِ﴾ ذُو المُلْكِ والسُّلْطانِ. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالعَرْشِ السَّرِيرُ العالِي، ويَكُونُ خَلَقَ سَرِيرًا في سَمائِهِ في غايَةِ العَظَمَةِ، بِحَيْثُ لا يَعْرِفُ عَظَمَتَهُ إلّا هو ومَن يُطْلِعُهُ عَلَيْهِ. انْتَهى. وقَرَأ الحَسَنُ وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ، وابْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ والمُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ، والأخَوانِ: (المَجِيدِ) بِخَفْضِ الدّالِ، صِفَةٌ لِلْعَرْشِ، ومَجادَتُهُ: عِظَمُهُ وعُلُوُّهُ ومِقْدارُهُ وحُسْنُ صُورَتِهِ وتَرْكِيبُهُ، فَإنَّهُ قِيلَ: العَرْشُ أحْسَنُ الأجْسامِ صُورَةً وتَرْكِيبًا. ومَن قَرَأ: ذِي العَرْشِ بِالياءِ، جازَ أنْ يَكُونَ (المَجِيدِ) بِالخَفْضِ صِفَةً لِذِي، والأحْسَنُ جَعْلُ هَذِهِ المَرْفُوعاتِ أخْبارًا عَنْ هو، فَيَكُونُ (فَعّالٌ) خَبَرًا. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿الوَدُودُ ذُو العَرْشِ﴾ صِفَتَيْنِ لِلْغَفُورِ، ”وفَعّالٌ“ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ وأتى بِصِيغَةِ فَعّالٍ؛ لِأنَّ ما يُرِيدُ ويَفْعَلُ في غايَةِ الكَثْرَةِ، والمَعْنى: أنَّ كُلَّ ما تَعَلَّقَتْ بِهِ إرادَتُهُ فِعْلُهُ لا مُعْتَرِضَ عَلَيْهِ.
﴿هَلُ أتاكَ حَدِيثُ الجُنُودِ﴾ تَقْرِيرٌ لِحالِ الكَفَرَةِ، أيْ قَدْ أتاكَ حَدِيثُهم، وما جَرى لَهم مَعَ أنْبِيائِهِمْ، وما حَلَّ بِهِمْ مِنَ العُقُوباتِ بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِمْ، فَكَذَلِكَ يَحِلُّ بِقُرَيْشٍ مِنَ العَذابِ مِثْلُ ما حَلَّ بِهِمْ، والجُنُودُ: الجُمُوعُ المُعَدَّةُ لِلْقِتالِ ﴿فِرْعَوْنَ وثَمُودَ﴾ بَدَلٌ مِنَ الجُنُودِ، وكَأنَّهُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ جُنُودِ فِرْعَوْنَ، واخْتَصَرَ ما جَرى لَهم إذْ هم مَذْكُورُونَ في غَيْرِ ما سُورَةٍ مِنَ القُرْآنِ، وذَكَرَ ثَمُودَ لِشُهْرَةِ قِصَّتِهِمْ في بِلادِ العَرَبِ وهي مُتَقَدِّمَةٌ، وذَكَرَ فِرْعَوْنَ لِشُهْرَةِ قِصَّتِهِ عِنْدَ أهْلِ الكِتابِ وعِنْدَ العَرَبِ الجاهِلِيَّةِ أيْضًا، ألا تَرى إلى زُهَيْرِ بْنِ أبِي سُلْمى وقَوْلِهِ:
؎ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أهْلَكَ تُبَّعًا ∗∗∗ وأهْلَكَ لُقْمانَ بْنَ عادٍ وعادِيا
؎وأهْلَكَ ذا القَرْنَيْنِ مِن قَبْلُ ما لَوى ∗∗∗ وفِرْعَوْنَ جَبّارًا طَغى والنَّجاشِيا
وكانَ فِرْعَوْنُ مِنَ المُتَأخِّرِينَ في الهَلاكِ، فَدَلَّ بِقِصَّتِهِ وقِصَّةِ ثَمُودَ عَلى أمْثالِهِما مِن قِصَصِ الأُمَمِ المُكَذِّبِينَ وهَلاكِهِمْ.
﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ مِن قَوْمِكَ، ﴿فِي تَكْذِيبٍ﴾ حَسَدًا لَكَ، لَمْ يَعْتَبِرُوا بِما جَرى لِمَن قَبْلَهم حِينَ كَذَّبُوا أنْبِياءَهم.
﴿واللَّهُ مِن ورائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ أيْ هو قادِرٌ عَلى أنْ يُنْزِلَ بِهِمْ ما أنْزَلَ بِفِرْعَوْنَ وثَمُودَ ومَن كانَ مُحاطًا بِهِ، فَهو مَحْصُورٌ في غايَةٍ لا يَسْتَطِيعُ دَفْعًا، والمَعْنى: دُنُوُّ هَلاكِهِمْ، ولَمّا ذَكَرَ أنَّهم في تَكْذِيبٍ، وأنَّ التَّكْذِيبَ عَمَّهم حَتّى صارَ كالوِعاءِ لَهم، وكانَ ﷺ، قَدْ كَذَّبُوهُ وكَذَّبُوا ما جاءَ بِهِ وهو القُرْآنُ، أخْبَرَ تَعالى عَنِ الَّذِي جاءَ بِهِ وكَذَّبُوا فَقالَ: ﴿بَلْ هو قُرْآنٌ﴾ أيْ بَلِ الَّذِي كَذَّبُوا بِهِ قُرْآنٌ مَجِيدٌ، ومَجادَتُهُ: شَرَفُهُ عَلى سائِرِ الكُتُبِ بِإعْجازِهِ في نَظْمِهِ وصِحَّةِ مَعانِيهِ، وإخْبارِهِ بِالمُغَيَّباتِ وغَيْرِ ذَلِكَ في مَحاسِنِهِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ مَوْصُوفٌ وصْفَةٌ، وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْقَعِ: (قُرْآنُ مَجِيدٍ) بِالإضافَةِ، قالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: سَمِعْتُ ابْنَ الأنْبارِيِّ يَقُولُ مَعْناهُ: بَلْ هو قُرْآنُ رَبٍّ مَجِيدٍ، كَما قالَ الشّاعِرُ:
ولَكِنْ الغِنى رَبٌّ غَفُورُ
مَعْناهُ: ولَكِنَّ الغِنى غِنى رَبٍّ غَفُورٍ. انْتَهى. وعَلى هَذا أخْرَجَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَرَأ اليَمانِيُّ: ﴿قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ عَلى الإضافَةِ، وأنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعالى هو المَجِيدَ. انْتَهى. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن بابِ إضافَةِ المَوْصُوفِ لِصِفَتِهِ، فَيَكُونُ مَدْلُولُهُ ومَدْلُولُ التَّنْوِينِ ورَفْعُ (مَجِيدٌ) واحِدًا، وهَذا أوْلى لِتَوافُقِ القِراءَتَيْنِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فِي لَوْحٍ﴾ بِفَتْحِ اللّامِ، ﴿مَحْفُوظٍ﴾ بِالخَفْضِ صِفَةٌ لِلَوْحٍ، واللَّوْحُ المَحْفُوظُ هو الَّذِي فِيهِ جَمِيعُ الأشْياءِ، وقَرَأ ابْنُ يَعْمَرَ وابْنُ السَّمَيْقَعِ: بِضَمِّ اللّامِ، قالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: اللَّوْحُ: الهَواءُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي اللَّوْحَ فَوْقَ السَّماءِ السّابِعَةِ الَّذِي فِيهِ اللَّوْحُ (p-٤٥٣)المَحْفُوظُ مِن وُصُولِ الشَّياطِينِ إلَيْهِ. انْتَهى. وقَرَأ الأعْرَجُ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، ونافِعٌ بِخِلافٍ عَنْهُ: ﴿مَحْفُوظٍ﴾ بِالرَّفْعِ صِفَةٌ لِقُرْآنٍ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]، أيْ هو مَحْفُوظٌ في القُلُوبِ، لا يَلْحَقُهُ خَطَأٌ ولا تَبْدِيلٌ.
البروج 85:19
وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ في أصْحابِ الأُخْدُودِ أقْوالًا فَوْقَ العَشَرَةِ، ولِكُلِّ قَوْلٍ مِنها قِصَّةٌ طَوِيلَةٌ كَسِلْنا عَنْ كِتابَتِها في كِتابِنا هَذا، ومُضَمَّنُها أنَّ ناسًا مِنَ الكُفّارِ خَدُّوا أُخْدُودًا في الأرْضِ وسَجَّرُوهُ نارًا وعَرَضُوا المُؤْمِنِينَ عَلَيْها، فَمَن رَجَعَ عَنْ دِينِهِ تَرَكُوهُ، ومَن أصَرَّ عَلى الإيمانِ أحْرَقُوهُ، وأصْحابُ الأُخْدُودِ هُمُ المُحَرِّقُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ. وقالَ الرَّبِيعُ، وأبُو العالِيَةِ، وابْنُ إسْحاقَ: بَعَثَ اللَّهُ عَلى المُؤْمِنِينَ رِيحًا فَقَبَضَتْ أرْواحَهم أوْ نَحْوَ هَذا، وخَرَجَتِ النّارُ فَأحْرَقَتِ الكافِرِينَ الَّذِينَ كانُوا عَلى حافَّتَيِ الأُخْدُودِ، فَعَلى هَذا يَكُونُ القَتْلُ حَقِيقَةً لا بِمَعْنى اللَّعْنِ، ويَكُونُ خَبَرًا عَنْ ما فَعَلَهُ اللَّهُ بِالكُفّارِ والَّذِينَ أرادُوا أنْ يَفْتِنُوا المُؤْمِنِينَ عَنْ دِينِهِمْ. وقَوْلُ هَؤُلاءِ مُخالِفٌ لِقَوْلِ الجُمْهُورِ ولِما دَلَّ عَلَيْهِ القَصَصُ الَّذِي ذَكَرُوهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (النّارِ) بِالجَرِّ، وهو بَدَلُ اشْتِمالٍ، أوْ بَدَلُ كُلٍّ مِن كُلٍّ عَلى تَقْدِيرِ مَحْذُوفٍ، أيْ أُخْدُودِ النّارِ. وقَرَأ قَوْمٌ: (النّارُ) بِالرَّفْعِ. قِيلَ: وعَلى مَعْنى قَتْلِهِمْ، ويَكُونُ أصْحابُ الأُخْدُودِ إذْ ذاكَ المُؤْمِنِينَ، وقُتِلَ عَلى حَقِيقَتِهِ. وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ، وأبُو حَيْوَةَ، وعِيسى: ﴿الوَقُودِ﴾ [البروج: ٥] بِضَمِّ الواوِ وهو مَصْدَرٌ، والجُمْهُورُ: بِفَتْحِها، وهو ما يُوقَدُ بِهِ. وقَدْ حَكى (p-٤٥١)سِيبَوَيْهِ أنَّهُ بِالفَتْحِ أيْضًا مَصْدَرٌ كالضَّمِّ، والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في (إذْ هم) عائِدٌ عَلى الَّذِينَ يُحَرِّقُونَ المُؤْمِنِينَ، وكَذَلِكَ في (وهم) عَلى قَوْلِ الرَّبِيعِ يَعُودُ عَلى الكافِرِينَ، ويَكُونُ هم أيْضًا عائِدًا عَلَيْهِمْ، ويَكُونُ مَعْنى ﴿عَلى ما يَفْعَلُونَ﴾ [البروج: ٧] ما يُرِيدُونَ مِن فِعْلِهِمْ بِالمُؤْمِنِينَ. وقِيلَ: أصْحابُ الأُخْدُودِ مُحْرِقٌ، وتَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ذاتِ الوَقُودِ﴾ [البروج: ٥] ويَكُونُ المُرادُ بِقَوْلِهِ: (وهم) قُرَيْشٌ الَّذِينَ كانُوا يَفْتِنُونَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ، و”إذْ“ العامِلُ فِيهِ ”قُتِلَ“، أيْ لُعِنُوا وقَعَدُوا عَلى النّارِ، أوْ عَلى ما يَدْنُو مِنها مِن حافّاتِ الأُخْدُودِ، كَما قالَ الأعْشى:
؎تُشَبُّ لِمَقْرُورَيْنِ يَصْطَلِيانِها وباتَ عَلى النّارِ النَّدى والمُحَلِّقُ
﴿شُهُودٌ﴾ [البروج: ٧] يَشْهَدُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عِنْدِ المَلِكِ، أيْ لَمْ يُفَرِّطْ فِيما أُمِرَ بِهِ، أوْ شُهُودٌ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى ما فَعَلُوا بِالمُؤْمِنِينَ، يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ جَوارِحُهم بِأعْمالِهِمْ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (نَقَمُوا) بِفَتْحِ القافِ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وأبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِكَسْرِها، أيْ ما عابُوا ولا أنْكَرُوا الإيمانَ، كَقَوْلِهِ: ﴿هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا إلّا أنْ آمَنّا بِاللَّهِ﴾ [المائدة: ٥٩] وكَقَوْلِ قَيْسِ الرُّقُياتِ:
؎ما نَقَمُوا مِن بَنِي أُمَيَّةَ إلّا ∗∗∗ أنَّهم يَحْلُمُونَ إنْ غَضِبُوا
جَعَلُوا ما هو في غايَةِ الحُسْنِ قَبِيحًا حَتّى نَقَمُوا عَلَيْهِ، كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎ولا عَيْبَ فِيها غَيْرَ شُكْلَةِ عَيْنِها ∗∗∗ كَذاكَ عِتاقُ الطَّيْرِ شُكْلٌ عُيُونُها
وفِي المُنْتَخَبِ: إنَّما قالَ ﴿إلّا أنْ يُؤْمِنُوا﴾ [البروج: ٨] لِأنَّ التَّعْذِيبَ إنَّما كانَ واقِعًا عَلى الإيمانِ في المُسْتَقْبَلِ، ولَوْ كَفَرُوا في المُسْتَقْبَلِ لَمْ يُعَذَّبُوا عَلى ما مَضى، فَكَأنَّهُ قالَ: إلّا أنْ يُدِيمُوا عَلى إيمانِهِمْ. انْتَهى. وذَكَرَ الأوْصافَ الَّتِي يَسْتَحِقُّ بِها تَعالى أنْ يُؤْمَنَ بِهِ، وهو كَوْنُهُ تَعالى عَزِيزًا غالِبًا قادِرًا يُخْشى عِقابُهُ، حَمِيدًا مُنْعِمًا يَجِبُ لَهُ الحَمْدُ عَلى نِعْمَتِهِ، لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وكُلُّ مَن فِيهِما يَحِقُّ عَلَيْهِ عِبادَتُهُ والخُشُوعُ لَهُ تَقْرِيرًا؛ لِأنَّ ما نَقَمُوا مِنهم هو الحَقُّ الَّذِي لا يَنْقِمُهُ إلّا مُبْطِلٌ مُنْهَمِكٌ في الغَيِّ.
﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ وعِيدٌ لَهم أيْ إنَّهُ عَلِمَ ما فَعَلُوا فَهو يُجازِيهِمْ. والظّاهِرُ أنَّ ﴿الَّذِينَ فَتَنُوا﴾ عامٌّ في كُلِّ مَنِ ابْتَلى المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ بِتَعْذِيبٍ أوْ أذًى، وأنَّ لَهم عَذابَيْنِ: عَذابًا لِكُفْرِهِمْ، وعَذابًا لِفِتْنَتِهِمْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَجُوزُ أنْ يُرِيدَ بِالَّذِينِ فَتَنُوا أصْحابَ الأُخْدُودِ خاصَّةً، وبِالَّذِينِ آمَنُوا المَطْرُوحِينَ في الأُخْدُودِ، ومَعْنى فَتَنُوهم: عَذَّبُوهم بِالنّارِ وأحْرَقُوهم. (فَلَهم) في الآخِرَةِ ﴿عَذابُ جَهَنَّمَ﴾ بِكُفْرِهِمْ ﴿ولَهم عَذابُ الحَرِيقِ﴾ وهي نارٌ أُخْرى عَظِيمَةٌ تَتَّسِعُ كَما يَتَّسِعُ الحَرِيقُ، أوْ لَهم عَذابُ جَهَنَّمَ في الآخِرَةِ، ولَهم عَذابُ الحَرِيقِ في الدُّنْيا لِما رُوِيَ أنَّ النّارَ انْقَلَبَتْ عَلَيْهِمْ فَأحْرَقَتْهم. انْتَهى. ويَنْبَغِي أنْ لا يَجُوزَ هَذا الَّذِي جَوَّزَهُ؛ لِأنَّ في الآيَةِ ﴿ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾ وأُولَئِكَ المُحَرِّقُونَ لَمْ يُنْقَلْ لَنا أنَّ أحَدًا مِنهم تابَ، بَلِ الظّاهِرُ أنَّهم لَمْ يُلْعَنُوا إلّا وهم قَدْ ماتُوا عَلى الكُفْرِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ﴿ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾ يُقَوِّي أنَّ الآياتِ في قُرَيْشٍ؛ لِأنَّ هَذا اللَّفْظَ في قُرَيْشٍ أحْكَمُ مِنهُ في أُولَئِكَ الَّذِينَ قَدْ عَلِمُوا أنَّهم ماتُوا عَلى كُفْرِهِمْ. وأمّا قُرَيْشٌ فَكانَ فِيهِمْ وقْتَ نُزُولِ الآيَةِ مَن تابَ وآمَنَ. انْتَهى. وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ المُرادُ بِهِ العُمُومُ لا المَطْرُوحُونَ في النّارِ، والبَطْشُ: الأخْذُ بِقُوَّةٍ ﴿يُبْدِئُ ويُعِيدُ﴾ قالَ ابْنُ زَيْدٍ والضَّحّاكُ: يُبْدِئُ الخَلْقَ بِالإنْشاءِ، ويُعِيدُهُ بِالحَشْرِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: عامٌّ في جَمِيعِ الأشْياءِ، أيْ كُلُّ ما يُبْدَأُ وكُلُّ ما يُعادُ. وقالَ الطَّبَرِيُّ: يُبْدِئُ العَذابَ ويُعِيدُهُ عَلى الكُفّارِ، ونَحْوُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: تَأْكُلُهُمُ النّارُ حَتّى يَصِيرُوا فَحْمًا، ثُمَّ يُعِيدُهم خَلْقًا جَدِيدًا. وقُرِئَ: (يَبْدَأُ) مِن بَدَأ ثُلاثِيًّا، حَكاهُ أبُو زَيْدٍ.
ولَمّا ذَكَرَ شِدَّةَ بَطْشِهِ ذَكَرَ كَوْنَهُ، غَفُورًا ساتِرًا لِذُنُوبِ عِبادِهِ، ودُودًا لَطِيفًا بِهِمْ مُحْسِنًا إلَيْهِمْ، وهاتانِ صِفَتا فِعْلٍ. والظّاهِرُ أنَّ الوَدُودَ مُبالَغَةٌ في الوادِّ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: المُتَوَدِّدُ إلى عِبادِهِ بِالمَغْفِرَةِ. وحَكى المُبَرِّدُ عَنِ القاضِي إسْماعِيلَ بْنِ إسْحاقَ أنَّ الوَدُودَ هو الَّذِي لا ولَدَ لَهُ، وأنْشَدَ:(p-٤٥٢)
؎وأرْكَبُ في الرَّوْعِ عُرْيانَةً ∗∗∗ ذَلُولَ الجِماعِ لِقاحًا ودُودا
أيْ: لا ولَدَ لَها تَحِنُّ إلَيْهِ. وقِيلَ: الوَدُودُ فَعُولٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، كَرَكُوبٍ وحَلُوبٍ، أيْ يَوَدُّهُ عِبادُهُ الصّالِحُونَ ﴿ذُو العَرْشِ﴾ خَصَّ العَرْشَ بِإضافَةِ نَفْسِهِ تَشْرِيفًا لِلْعَرْشِ وتَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ أعْظَمُ المَخْلُوقاتِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (ذُو) بِالواوِ، وابْنُ عامِرٍ في رِوايَةٍ: ذِي بِالياءِ، صِفَةٌ لِرَبِّكَ. وقالَ القَفّالُ: ﴿ذُو العَرْشِ﴾ ذُو المُلْكِ والسُّلْطانِ. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالعَرْشِ السَّرِيرُ العالِي، ويَكُونُ خَلَقَ سَرِيرًا في سَمائِهِ في غايَةِ العَظَمَةِ، بِحَيْثُ لا يَعْرِفُ عَظَمَتَهُ إلّا هو ومَن يُطْلِعُهُ عَلَيْهِ. انْتَهى. وقَرَأ الحَسَنُ وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ، وابْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ والمُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ، والأخَوانِ: (المَجِيدِ) بِخَفْضِ الدّالِ، صِفَةٌ لِلْعَرْشِ، ومَجادَتُهُ: عِظَمُهُ وعُلُوُّهُ ومِقْدارُهُ وحُسْنُ صُورَتِهِ وتَرْكِيبُهُ، فَإنَّهُ قِيلَ: العَرْشُ أحْسَنُ الأجْسامِ صُورَةً وتَرْكِيبًا. ومَن قَرَأ: ذِي العَرْشِ بِالياءِ، جازَ أنْ يَكُونَ (المَجِيدِ) بِالخَفْضِ صِفَةً لِذِي، والأحْسَنُ جَعْلُ هَذِهِ المَرْفُوعاتِ أخْبارًا عَنْ هو، فَيَكُونُ (فَعّالٌ) خَبَرًا. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿الوَدُودُ ذُو العَرْشِ﴾ صِفَتَيْنِ لِلْغَفُورِ، ”وفَعّالٌ“ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ وأتى بِصِيغَةِ فَعّالٍ؛ لِأنَّ ما يُرِيدُ ويَفْعَلُ في غايَةِ الكَثْرَةِ، والمَعْنى: أنَّ كُلَّ ما تَعَلَّقَتْ بِهِ إرادَتُهُ فِعْلُهُ لا مُعْتَرِضَ عَلَيْهِ.
﴿هَلُ أتاكَ حَدِيثُ الجُنُودِ﴾ تَقْرِيرٌ لِحالِ الكَفَرَةِ، أيْ قَدْ أتاكَ حَدِيثُهم، وما جَرى لَهم مَعَ أنْبِيائِهِمْ، وما حَلَّ بِهِمْ مِنَ العُقُوباتِ بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِمْ، فَكَذَلِكَ يَحِلُّ بِقُرَيْشٍ مِنَ العَذابِ مِثْلُ ما حَلَّ بِهِمْ، والجُنُودُ: الجُمُوعُ المُعَدَّةُ لِلْقِتالِ ﴿فِرْعَوْنَ وثَمُودَ﴾ بَدَلٌ مِنَ الجُنُودِ، وكَأنَّهُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ جُنُودِ فِرْعَوْنَ، واخْتَصَرَ ما جَرى لَهم إذْ هم مَذْكُورُونَ في غَيْرِ ما سُورَةٍ مِنَ القُرْآنِ، وذَكَرَ ثَمُودَ لِشُهْرَةِ قِصَّتِهِمْ في بِلادِ العَرَبِ وهي مُتَقَدِّمَةٌ، وذَكَرَ فِرْعَوْنَ لِشُهْرَةِ قِصَّتِهِ عِنْدَ أهْلِ الكِتابِ وعِنْدَ العَرَبِ الجاهِلِيَّةِ أيْضًا، ألا تَرى إلى زُهَيْرِ بْنِ أبِي سُلْمى وقَوْلِهِ:
؎ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أهْلَكَ تُبَّعًا ∗∗∗ وأهْلَكَ لُقْمانَ بْنَ عادٍ وعادِيا
؎وأهْلَكَ ذا القَرْنَيْنِ مِن قَبْلُ ما لَوى ∗∗∗ وفِرْعَوْنَ جَبّارًا طَغى والنَّجاشِيا
وكانَ فِرْعَوْنُ مِنَ المُتَأخِّرِينَ في الهَلاكِ، فَدَلَّ بِقِصَّتِهِ وقِصَّةِ ثَمُودَ عَلى أمْثالِهِما مِن قِصَصِ الأُمَمِ المُكَذِّبِينَ وهَلاكِهِمْ.
﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ مِن قَوْمِكَ، ﴿فِي تَكْذِيبٍ﴾ حَسَدًا لَكَ، لَمْ يَعْتَبِرُوا بِما جَرى لِمَن قَبْلَهم حِينَ كَذَّبُوا أنْبِياءَهم.
﴿واللَّهُ مِن ورائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ أيْ هو قادِرٌ عَلى أنْ يُنْزِلَ بِهِمْ ما أنْزَلَ بِفِرْعَوْنَ وثَمُودَ ومَن كانَ مُحاطًا بِهِ، فَهو مَحْصُورٌ في غايَةٍ لا يَسْتَطِيعُ دَفْعًا، والمَعْنى: دُنُوُّ هَلاكِهِمْ، ولَمّا ذَكَرَ أنَّهم في تَكْذِيبٍ، وأنَّ التَّكْذِيبَ عَمَّهم حَتّى صارَ كالوِعاءِ لَهم، وكانَ ﷺ، قَدْ كَذَّبُوهُ وكَذَّبُوا ما جاءَ بِهِ وهو القُرْآنُ، أخْبَرَ تَعالى عَنِ الَّذِي جاءَ بِهِ وكَذَّبُوا فَقالَ: ﴿بَلْ هو قُرْآنٌ﴾ أيْ بَلِ الَّذِي كَذَّبُوا بِهِ قُرْآنٌ مَجِيدٌ، ومَجادَتُهُ: شَرَفُهُ عَلى سائِرِ الكُتُبِ بِإعْجازِهِ في نَظْمِهِ وصِحَّةِ مَعانِيهِ، وإخْبارِهِ بِالمُغَيَّباتِ وغَيْرِ ذَلِكَ في مَحاسِنِهِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ مَوْصُوفٌ وصْفَةٌ، وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْقَعِ: (قُرْآنُ مَجِيدٍ) بِالإضافَةِ، قالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: سَمِعْتُ ابْنَ الأنْبارِيِّ يَقُولُ مَعْناهُ: بَلْ هو قُرْآنُ رَبٍّ مَجِيدٍ، كَما قالَ الشّاعِرُ:
ولَكِنْ الغِنى رَبٌّ غَفُورُ
مَعْناهُ: ولَكِنَّ الغِنى غِنى رَبٍّ غَفُورٍ. انْتَهى. وعَلى هَذا أخْرَجَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَرَأ اليَمانِيُّ: ﴿قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ عَلى الإضافَةِ، وأنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعالى هو المَجِيدَ. انْتَهى. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن بابِ إضافَةِ المَوْصُوفِ لِصِفَتِهِ، فَيَكُونُ مَدْلُولُهُ ومَدْلُولُ التَّنْوِينِ ورَفْعُ (مَجِيدٌ) واحِدًا، وهَذا أوْلى لِتَوافُقِ القِراءَتَيْنِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فِي لَوْحٍ﴾ بِفَتْحِ اللّامِ، ﴿مَحْفُوظٍ﴾ بِالخَفْضِ صِفَةٌ لِلَوْحٍ، واللَّوْحُ المَحْفُوظُ هو الَّذِي فِيهِ جَمِيعُ الأشْياءِ، وقَرَأ ابْنُ يَعْمَرَ وابْنُ السَّمَيْقَعِ: بِضَمِّ اللّامِ، قالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: اللَّوْحُ: الهَواءُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي اللَّوْحَ فَوْقَ السَّماءِ السّابِعَةِ الَّذِي فِيهِ اللَّوْحُ (p-٤٥٣)المَحْفُوظُ مِن وُصُولِ الشَّياطِينِ إلَيْهِ. انْتَهى. وقَرَأ الأعْرَجُ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، ونافِعٌ بِخِلافٍ عَنْهُ: ﴿مَحْفُوظٍ﴾ بِالرَّفْعِ صِفَةٌ لِقُرْآنٍ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]، أيْ هو مَحْفُوظٌ في القُلُوبِ، لا يَلْحَقُهُ خَطَأٌ ولا تَبْدِيلٌ.
البروج 85:20
وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ في أصْحابِ الأُخْدُودِ أقْوالًا فَوْقَ العَشَرَةِ، ولِكُلِّ قَوْلٍ مِنها قِصَّةٌ طَوِيلَةٌ كَسِلْنا عَنْ كِتابَتِها في كِتابِنا هَذا، ومُضَمَّنُها أنَّ ناسًا مِنَ الكُفّارِ خَدُّوا أُخْدُودًا في الأرْضِ وسَجَّرُوهُ نارًا وعَرَضُوا المُؤْمِنِينَ عَلَيْها، فَمَن رَجَعَ عَنْ دِينِهِ تَرَكُوهُ، ومَن أصَرَّ عَلى الإيمانِ أحْرَقُوهُ، وأصْحابُ الأُخْدُودِ هُمُ المُحَرِّقُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ. وقالَ الرَّبِيعُ، وأبُو العالِيَةِ، وابْنُ إسْحاقَ: بَعَثَ اللَّهُ عَلى المُؤْمِنِينَ رِيحًا فَقَبَضَتْ أرْواحَهم أوْ نَحْوَ هَذا، وخَرَجَتِ النّارُ فَأحْرَقَتِ الكافِرِينَ الَّذِينَ كانُوا عَلى حافَّتَيِ الأُخْدُودِ، فَعَلى هَذا يَكُونُ القَتْلُ حَقِيقَةً لا بِمَعْنى اللَّعْنِ، ويَكُونُ خَبَرًا عَنْ ما فَعَلَهُ اللَّهُ بِالكُفّارِ والَّذِينَ أرادُوا أنْ يَفْتِنُوا المُؤْمِنِينَ عَنْ دِينِهِمْ. وقَوْلُ هَؤُلاءِ مُخالِفٌ لِقَوْلِ الجُمْهُورِ ولِما دَلَّ عَلَيْهِ القَصَصُ الَّذِي ذَكَرُوهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (النّارِ) بِالجَرِّ، وهو بَدَلُ اشْتِمالٍ، أوْ بَدَلُ كُلٍّ مِن كُلٍّ عَلى تَقْدِيرِ مَحْذُوفٍ، أيْ أُخْدُودِ النّارِ. وقَرَأ قَوْمٌ: (النّارُ) بِالرَّفْعِ. قِيلَ: وعَلى مَعْنى قَتْلِهِمْ، ويَكُونُ أصْحابُ الأُخْدُودِ إذْ ذاكَ المُؤْمِنِينَ، وقُتِلَ عَلى حَقِيقَتِهِ. وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ، وأبُو حَيْوَةَ، وعِيسى: ﴿الوَقُودِ﴾ [البروج: ٥] بِضَمِّ الواوِ وهو مَصْدَرٌ، والجُمْهُورُ: بِفَتْحِها، وهو ما يُوقَدُ بِهِ. وقَدْ حَكى (p-٤٥١)سِيبَوَيْهِ أنَّهُ بِالفَتْحِ أيْضًا مَصْدَرٌ كالضَّمِّ، والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في (إذْ هم) عائِدٌ عَلى الَّذِينَ يُحَرِّقُونَ المُؤْمِنِينَ، وكَذَلِكَ في (وهم) عَلى قَوْلِ الرَّبِيعِ يَعُودُ عَلى الكافِرِينَ، ويَكُونُ هم أيْضًا عائِدًا عَلَيْهِمْ، ويَكُونُ مَعْنى ﴿عَلى ما يَفْعَلُونَ﴾ [البروج: ٧] ما يُرِيدُونَ مِن فِعْلِهِمْ بِالمُؤْمِنِينَ. وقِيلَ: أصْحابُ الأُخْدُودِ مُحْرِقٌ، وتَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ذاتِ الوَقُودِ﴾ [البروج: ٥] ويَكُونُ المُرادُ بِقَوْلِهِ: (وهم) قُرَيْشٌ الَّذِينَ كانُوا يَفْتِنُونَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ، و”إذْ“ العامِلُ فِيهِ ”قُتِلَ“، أيْ لُعِنُوا وقَعَدُوا عَلى النّارِ، أوْ عَلى ما يَدْنُو مِنها مِن حافّاتِ الأُخْدُودِ، كَما قالَ الأعْشى:
؎تُشَبُّ لِمَقْرُورَيْنِ يَصْطَلِيانِها وباتَ عَلى النّارِ النَّدى والمُحَلِّقُ
﴿شُهُودٌ﴾ [البروج: ٧] يَشْهَدُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عِنْدِ المَلِكِ، أيْ لَمْ يُفَرِّطْ فِيما أُمِرَ بِهِ، أوْ شُهُودٌ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى ما فَعَلُوا بِالمُؤْمِنِينَ، يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ جَوارِحُهم بِأعْمالِهِمْ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (نَقَمُوا) بِفَتْحِ القافِ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وأبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِكَسْرِها، أيْ ما عابُوا ولا أنْكَرُوا الإيمانَ، كَقَوْلِهِ: ﴿هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا إلّا أنْ آمَنّا بِاللَّهِ﴾ [المائدة: ٥٩] وكَقَوْلِ قَيْسِ الرُّقُياتِ:
؎ما نَقَمُوا مِن بَنِي أُمَيَّةَ إلّا ∗∗∗ أنَّهم يَحْلُمُونَ إنْ غَضِبُوا
جَعَلُوا ما هو في غايَةِ الحُسْنِ قَبِيحًا حَتّى نَقَمُوا عَلَيْهِ، كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎ولا عَيْبَ فِيها غَيْرَ شُكْلَةِ عَيْنِها ∗∗∗ كَذاكَ عِتاقُ الطَّيْرِ شُكْلٌ عُيُونُها
وفِي المُنْتَخَبِ: إنَّما قالَ ﴿إلّا أنْ يُؤْمِنُوا﴾ [البروج: ٨] لِأنَّ التَّعْذِيبَ إنَّما كانَ واقِعًا عَلى الإيمانِ في المُسْتَقْبَلِ، ولَوْ كَفَرُوا في المُسْتَقْبَلِ لَمْ يُعَذَّبُوا عَلى ما مَضى، فَكَأنَّهُ قالَ: إلّا أنْ يُدِيمُوا عَلى إيمانِهِمْ. انْتَهى. وذَكَرَ الأوْصافَ الَّتِي يَسْتَحِقُّ بِها تَعالى أنْ يُؤْمَنَ بِهِ، وهو كَوْنُهُ تَعالى عَزِيزًا غالِبًا قادِرًا يُخْشى عِقابُهُ، حَمِيدًا مُنْعِمًا يَجِبُ لَهُ الحَمْدُ عَلى نِعْمَتِهِ، لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وكُلُّ مَن فِيهِما يَحِقُّ عَلَيْهِ عِبادَتُهُ والخُشُوعُ لَهُ تَقْرِيرًا؛ لِأنَّ ما نَقَمُوا مِنهم هو الحَقُّ الَّذِي لا يَنْقِمُهُ إلّا مُبْطِلٌ مُنْهَمِكٌ في الغَيِّ.
﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ وعِيدٌ لَهم أيْ إنَّهُ عَلِمَ ما فَعَلُوا فَهو يُجازِيهِمْ. والظّاهِرُ أنَّ ﴿الَّذِينَ فَتَنُوا﴾ عامٌّ في كُلِّ مَنِ ابْتَلى المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ بِتَعْذِيبٍ أوْ أذًى، وأنَّ لَهم عَذابَيْنِ: عَذابًا لِكُفْرِهِمْ، وعَذابًا لِفِتْنَتِهِمْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَجُوزُ أنْ يُرِيدَ بِالَّذِينِ فَتَنُوا أصْحابَ الأُخْدُودِ خاصَّةً، وبِالَّذِينِ آمَنُوا المَطْرُوحِينَ في الأُخْدُودِ، ومَعْنى فَتَنُوهم: عَذَّبُوهم بِالنّارِ وأحْرَقُوهم. (فَلَهم) في الآخِرَةِ ﴿عَذابُ جَهَنَّمَ﴾ بِكُفْرِهِمْ ﴿ولَهم عَذابُ الحَرِيقِ﴾ وهي نارٌ أُخْرى عَظِيمَةٌ تَتَّسِعُ كَما يَتَّسِعُ الحَرِيقُ، أوْ لَهم عَذابُ جَهَنَّمَ في الآخِرَةِ، ولَهم عَذابُ الحَرِيقِ في الدُّنْيا لِما رُوِيَ أنَّ النّارَ انْقَلَبَتْ عَلَيْهِمْ فَأحْرَقَتْهم. انْتَهى. ويَنْبَغِي أنْ لا يَجُوزَ هَذا الَّذِي جَوَّزَهُ؛ لِأنَّ في الآيَةِ ﴿ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾ وأُولَئِكَ المُحَرِّقُونَ لَمْ يُنْقَلْ لَنا أنَّ أحَدًا مِنهم تابَ، بَلِ الظّاهِرُ أنَّهم لَمْ يُلْعَنُوا إلّا وهم قَدْ ماتُوا عَلى الكُفْرِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ﴿ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾ يُقَوِّي أنَّ الآياتِ في قُرَيْشٍ؛ لِأنَّ هَذا اللَّفْظَ في قُرَيْشٍ أحْكَمُ مِنهُ في أُولَئِكَ الَّذِينَ قَدْ عَلِمُوا أنَّهم ماتُوا عَلى كُفْرِهِمْ. وأمّا قُرَيْشٌ فَكانَ فِيهِمْ وقْتَ نُزُولِ الآيَةِ مَن تابَ وآمَنَ. انْتَهى. وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ المُرادُ بِهِ العُمُومُ لا المَطْرُوحُونَ في النّارِ، والبَطْشُ: الأخْذُ بِقُوَّةٍ ﴿يُبْدِئُ ويُعِيدُ﴾ قالَ ابْنُ زَيْدٍ والضَّحّاكُ: يُبْدِئُ الخَلْقَ بِالإنْشاءِ، ويُعِيدُهُ بِالحَشْرِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: عامٌّ في جَمِيعِ الأشْياءِ، أيْ كُلُّ ما يُبْدَأُ وكُلُّ ما يُعادُ. وقالَ الطَّبَرِيُّ: يُبْدِئُ العَذابَ ويُعِيدُهُ عَلى الكُفّارِ، ونَحْوُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: تَأْكُلُهُمُ النّارُ حَتّى يَصِيرُوا فَحْمًا، ثُمَّ يُعِيدُهم خَلْقًا جَدِيدًا. وقُرِئَ: (يَبْدَأُ) مِن بَدَأ ثُلاثِيًّا، حَكاهُ أبُو زَيْدٍ.
ولَمّا ذَكَرَ شِدَّةَ بَطْشِهِ ذَكَرَ كَوْنَهُ، غَفُورًا ساتِرًا لِذُنُوبِ عِبادِهِ، ودُودًا لَطِيفًا بِهِمْ مُحْسِنًا إلَيْهِمْ، وهاتانِ صِفَتا فِعْلٍ. والظّاهِرُ أنَّ الوَدُودَ مُبالَغَةٌ في الوادِّ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: المُتَوَدِّدُ إلى عِبادِهِ بِالمَغْفِرَةِ. وحَكى المُبَرِّدُ عَنِ القاضِي إسْماعِيلَ بْنِ إسْحاقَ أنَّ الوَدُودَ هو الَّذِي لا ولَدَ لَهُ، وأنْشَدَ:(p-٤٥٢)
؎وأرْكَبُ في الرَّوْعِ عُرْيانَةً ∗∗∗ ذَلُولَ الجِماعِ لِقاحًا ودُودا
أيْ: لا ولَدَ لَها تَحِنُّ إلَيْهِ. وقِيلَ: الوَدُودُ فَعُولٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، كَرَكُوبٍ وحَلُوبٍ، أيْ يَوَدُّهُ عِبادُهُ الصّالِحُونَ ﴿ذُو العَرْشِ﴾ خَصَّ العَرْشَ بِإضافَةِ نَفْسِهِ تَشْرِيفًا لِلْعَرْشِ وتَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ أعْظَمُ المَخْلُوقاتِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (ذُو) بِالواوِ، وابْنُ عامِرٍ في رِوايَةٍ: ذِي بِالياءِ، صِفَةٌ لِرَبِّكَ. وقالَ القَفّالُ: ﴿ذُو العَرْشِ﴾ ذُو المُلْكِ والسُّلْطانِ. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالعَرْشِ السَّرِيرُ العالِي، ويَكُونُ خَلَقَ سَرِيرًا في سَمائِهِ في غايَةِ العَظَمَةِ، بِحَيْثُ لا يَعْرِفُ عَظَمَتَهُ إلّا هو ومَن يُطْلِعُهُ عَلَيْهِ. انْتَهى. وقَرَأ الحَسَنُ وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ، وابْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ والمُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ، والأخَوانِ: (المَجِيدِ) بِخَفْضِ الدّالِ، صِفَةٌ لِلْعَرْشِ، ومَجادَتُهُ: عِظَمُهُ وعُلُوُّهُ ومِقْدارُهُ وحُسْنُ صُورَتِهِ وتَرْكِيبُهُ، فَإنَّهُ قِيلَ: العَرْشُ أحْسَنُ الأجْسامِ صُورَةً وتَرْكِيبًا. ومَن قَرَأ: ذِي العَرْشِ بِالياءِ، جازَ أنْ يَكُونَ (المَجِيدِ) بِالخَفْضِ صِفَةً لِذِي، والأحْسَنُ جَعْلُ هَذِهِ المَرْفُوعاتِ أخْبارًا عَنْ هو، فَيَكُونُ (فَعّالٌ) خَبَرًا. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿الوَدُودُ ذُو العَرْشِ﴾ صِفَتَيْنِ لِلْغَفُورِ، ”وفَعّالٌ“ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ وأتى بِصِيغَةِ فَعّالٍ؛ لِأنَّ ما يُرِيدُ ويَفْعَلُ في غايَةِ الكَثْرَةِ، والمَعْنى: أنَّ كُلَّ ما تَعَلَّقَتْ بِهِ إرادَتُهُ فِعْلُهُ لا مُعْتَرِضَ عَلَيْهِ.
﴿هَلُ أتاكَ حَدِيثُ الجُنُودِ﴾ تَقْرِيرٌ لِحالِ الكَفَرَةِ، أيْ قَدْ أتاكَ حَدِيثُهم، وما جَرى لَهم مَعَ أنْبِيائِهِمْ، وما حَلَّ بِهِمْ مِنَ العُقُوباتِ بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِمْ، فَكَذَلِكَ يَحِلُّ بِقُرَيْشٍ مِنَ العَذابِ مِثْلُ ما حَلَّ بِهِمْ، والجُنُودُ: الجُمُوعُ المُعَدَّةُ لِلْقِتالِ ﴿فِرْعَوْنَ وثَمُودَ﴾ بَدَلٌ مِنَ الجُنُودِ، وكَأنَّهُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ جُنُودِ فِرْعَوْنَ، واخْتَصَرَ ما جَرى لَهم إذْ هم مَذْكُورُونَ في غَيْرِ ما سُورَةٍ مِنَ القُرْآنِ، وذَكَرَ ثَمُودَ لِشُهْرَةِ قِصَّتِهِمْ في بِلادِ العَرَبِ وهي مُتَقَدِّمَةٌ، وذَكَرَ فِرْعَوْنَ لِشُهْرَةِ قِصَّتِهِ عِنْدَ أهْلِ الكِتابِ وعِنْدَ العَرَبِ الجاهِلِيَّةِ أيْضًا، ألا تَرى إلى زُهَيْرِ بْنِ أبِي سُلْمى وقَوْلِهِ:
؎ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أهْلَكَ تُبَّعًا ∗∗∗ وأهْلَكَ لُقْمانَ بْنَ عادٍ وعادِيا
؎وأهْلَكَ ذا القَرْنَيْنِ مِن قَبْلُ ما لَوى ∗∗∗ وفِرْعَوْنَ جَبّارًا طَغى والنَّجاشِيا
وكانَ فِرْعَوْنُ مِنَ المُتَأخِّرِينَ في الهَلاكِ، فَدَلَّ بِقِصَّتِهِ وقِصَّةِ ثَمُودَ عَلى أمْثالِهِما مِن قِصَصِ الأُمَمِ المُكَذِّبِينَ وهَلاكِهِمْ.
﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ مِن قَوْمِكَ، ﴿فِي تَكْذِيبٍ﴾ حَسَدًا لَكَ، لَمْ يَعْتَبِرُوا بِما جَرى لِمَن قَبْلَهم حِينَ كَذَّبُوا أنْبِياءَهم.
﴿واللَّهُ مِن ورائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ أيْ هو قادِرٌ عَلى أنْ يُنْزِلَ بِهِمْ ما أنْزَلَ بِفِرْعَوْنَ وثَمُودَ ومَن كانَ مُحاطًا بِهِ، فَهو مَحْصُورٌ في غايَةٍ لا يَسْتَطِيعُ دَفْعًا، والمَعْنى: دُنُوُّ هَلاكِهِمْ، ولَمّا ذَكَرَ أنَّهم في تَكْذِيبٍ، وأنَّ التَّكْذِيبَ عَمَّهم حَتّى صارَ كالوِعاءِ لَهم، وكانَ ﷺ، قَدْ كَذَّبُوهُ وكَذَّبُوا ما جاءَ بِهِ وهو القُرْآنُ، أخْبَرَ تَعالى عَنِ الَّذِي جاءَ بِهِ وكَذَّبُوا فَقالَ: ﴿بَلْ هو قُرْآنٌ﴾ أيْ بَلِ الَّذِي كَذَّبُوا بِهِ قُرْآنٌ مَجِيدٌ، ومَجادَتُهُ: شَرَفُهُ عَلى سائِرِ الكُتُبِ بِإعْجازِهِ في نَظْمِهِ وصِحَّةِ مَعانِيهِ، وإخْبارِهِ بِالمُغَيَّباتِ وغَيْرِ ذَلِكَ في مَحاسِنِهِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ مَوْصُوفٌ وصْفَةٌ، وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْقَعِ: (قُرْآنُ مَجِيدٍ) بِالإضافَةِ، قالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: سَمِعْتُ ابْنَ الأنْبارِيِّ يَقُولُ مَعْناهُ: بَلْ هو قُرْآنُ رَبٍّ مَجِيدٍ، كَما قالَ الشّاعِرُ:
ولَكِنْ الغِنى رَبٌّ غَفُورُ
مَعْناهُ: ولَكِنَّ الغِنى غِنى رَبٍّ غَفُورٍ. انْتَهى. وعَلى هَذا أخْرَجَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَرَأ اليَمانِيُّ: ﴿قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ عَلى الإضافَةِ، وأنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعالى هو المَجِيدَ. انْتَهى. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن بابِ إضافَةِ المَوْصُوفِ لِصِفَتِهِ، فَيَكُونُ مَدْلُولُهُ ومَدْلُولُ التَّنْوِينِ ورَفْعُ (مَجِيدٌ) واحِدًا، وهَذا أوْلى لِتَوافُقِ القِراءَتَيْنِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فِي لَوْحٍ﴾ بِفَتْحِ اللّامِ، ﴿مَحْفُوظٍ﴾ بِالخَفْضِ صِفَةٌ لِلَوْحٍ، واللَّوْحُ المَحْفُوظُ هو الَّذِي فِيهِ جَمِيعُ الأشْياءِ، وقَرَأ ابْنُ يَعْمَرَ وابْنُ السَّمَيْقَعِ: بِضَمِّ اللّامِ، قالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: اللَّوْحُ: الهَواءُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي اللَّوْحَ فَوْقَ السَّماءِ السّابِعَةِ الَّذِي فِيهِ اللَّوْحُ (p-٤٥٣)المَحْفُوظُ مِن وُصُولِ الشَّياطِينِ إلَيْهِ. انْتَهى. وقَرَأ الأعْرَجُ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، ونافِعٌ بِخِلافٍ عَنْهُ: ﴿مَحْفُوظٍ﴾ بِالرَّفْعِ صِفَةٌ لِقُرْآنٍ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]، أيْ هو مَحْفُوظٌ في القُلُوبِ، لا يَلْحَقُهُ خَطَأٌ ولا تَبْدِيلٌ.
البروج 85:21
وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ في أصْحابِ الأُخْدُودِ أقْوالًا فَوْقَ العَشَرَةِ، ولِكُلِّ قَوْلٍ مِنها قِصَّةٌ طَوِيلَةٌ كَسِلْنا عَنْ كِتابَتِها في كِتابِنا هَذا، ومُضَمَّنُها أنَّ ناسًا مِنَ الكُفّارِ خَدُّوا أُخْدُودًا في الأرْضِ وسَجَّرُوهُ نارًا وعَرَضُوا المُؤْمِنِينَ عَلَيْها، فَمَن رَجَعَ عَنْ دِينِهِ تَرَكُوهُ، ومَن أصَرَّ عَلى الإيمانِ أحْرَقُوهُ، وأصْحابُ الأُخْدُودِ هُمُ المُحَرِّقُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ. وقالَ الرَّبِيعُ، وأبُو العالِيَةِ، وابْنُ إسْحاقَ: بَعَثَ اللَّهُ عَلى المُؤْمِنِينَ رِيحًا فَقَبَضَتْ أرْواحَهم أوْ نَحْوَ هَذا، وخَرَجَتِ النّارُ فَأحْرَقَتِ الكافِرِينَ الَّذِينَ كانُوا عَلى حافَّتَيِ الأُخْدُودِ، فَعَلى هَذا يَكُونُ القَتْلُ حَقِيقَةً لا بِمَعْنى اللَّعْنِ، ويَكُونُ خَبَرًا عَنْ ما فَعَلَهُ اللَّهُ بِالكُفّارِ والَّذِينَ أرادُوا أنْ يَفْتِنُوا المُؤْمِنِينَ عَنْ دِينِهِمْ. وقَوْلُ هَؤُلاءِ مُخالِفٌ لِقَوْلِ الجُمْهُورِ ولِما دَلَّ عَلَيْهِ القَصَصُ الَّذِي ذَكَرُوهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (النّارِ) بِالجَرِّ، وهو بَدَلُ اشْتِمالٍ، أوْ بَدَلُ كُلٍّ مِن كُلٍّ عَلى تَقْدِيرِ مَحْذُوفٍ، أيْ أُخْدُودِ النّارِ. وقَرَأ قَوْمٌ: (النّارُ) بِالرَّفْعِ. قِيلَ: وعَلى مَعْنى قَتْلِهِمْ، ويَكُونُ أصْحابُ الأُخْدُودِ إذْ ذاكَ المُؤْمِنِينَ، وقُتِلَ عَلى حَقِيقَتِهِ. وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ، وأبُو حَيْوَةَ، وعِيسى: ﴿الوَقُودِ﴾ [البروج: ٥] بِضَمِّ الواوِ وهو مَصْدَرٌ، والجُمْهُورُ: بِفَتْحِها، وهو ما يُوقَدُ بِهِ. وقَدْ حَكى (p-٤٥١)سِيبَوَيْهِ أنَّهُ بِالفَتْحِ أيْضًا مَصْدَرٌ كالضَّمِّ، والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في (إذْ هم) عائِدٌ عَلى الَّذِينَ يُحَرِّقُونَ المُؤْمِنِينَ، وكَذَلِكَ في (وهم) عَلى قَوْلِ الرَّبِيعِ يَعُودُ عَلى الكافِرِينَ، ويَكُونُ هم أيْضًا عائِدًا عَلَيْهِمْ، ويَكُونُ مَعْنى ﴿عَلى ما يَفْعَلُونَ﴾ [البروج: ٧] ما يُرِيدُونَ مِن فِعْلِهِمْ بِالمُؤْمِنِينَ. وقِيلَ: أصْحابُ الأُخْدُودِ مُحْرِقٌ، وتَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ذاتِ الوَقُودِ﴾ [البروج: ٥] ويَكُونُ المُرادُ بِقَوْلِهِ: (وهم) قُرَيْشٌ الَّذِينَ كانُوا يَفْتِنُونَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ، و”إذْ“ العامِلُ فِيهِ ”قُتِلَ“، أيْ لُعِنُوا وقَعَدُوا عَلى النّارِ، أوْ عَلى ما يَدْنُو مِنها مِن حافّاتِ الأُخْدُودِ، كَما قالَ الأعْشى:
؎تُشَبُّ لِمَقْرُورَيْنِ يَصْطَلِيانِها وباتَ عَلى النّارِ النَّدى والمُحَلِّقُ
﴿شُهُودٌ﴾ [البروج: ٧] يَشْهَدُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عِنْدِ المَلِكِ، أيْ لَمْ يُفَرِّطْ فِيما أُمِرَ بِهِ، أوْ شُهُودٌ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى ما فَعَلُوا بِالمُؤْمِنِينَ، يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ جَوارِحُهم بِأعْمالِهِمْ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (نَقَمُوا) بِفَتْحِ القافِ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وأبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِكَسْرِها، أيْ ما عابُوا ولا أنْكَرُوا الإيمانَ، كَقَوْلِهِ: ﴿هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا إلّا أنْ آمَنّا بِاللَّهِ﴾ [المائدة: ٥٩] وكَقَوْلِ قَيْسِ الرُّقُياتِ:
؎ما نَقَمُوا مِن بَنِي أُمَيَّةَ إلّا ∗∗∗ أنَّهم يَحْلُمُونَ إنْ غَضِبُوا
جَعَلُوا ما هو في غايَةِ الحُسْنِ قَبِيحًا حَتّى نَقَمُوا عَلَيْهِ، كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎ولا عَيْبَ فِيها غَيْرَ شُكْلَةِ عَيْنِها ∗∗∗ كَذاكَ عِتاقُ الطَّيْرِ شُكْلٌ عُيُونُها
وفِي المُنْتَخَبِ: إنَّما قالَ ﴿إلّا أنْ يُؤْمِنُوا﴾ [البروج: ٨] لِأنَّ التَّعْذِيبَ إنَّما كانَ واقِعًا عَلى الإيمانِ في المُسْتَقْبَلِ، ولَوْ كَفَرُوا في المُسْتَقْبَلِ لَمْ يُعَذَّبُوا عَلى ما مَضى، فَكَأنَّهُ قالَ: إلّا أنْ يُدِيمُوا عَلى إيمانِهِمْ. انْتَهى. وذَكَرَ الأوْصافَ الَّتِي يَسْتَحِقُّ بِها تَعالى أنْ يُؤْمَنَ بِهِ، وهو كَوْنُهُ تَعالى عَزِيزًا غالِبًا قادِرًا يُخْشى عِقابُهُ، حَمِيدًا مُنْعِمًا يَجِبُ لَهُ الحَمْدُ عَلى نِعْمَتِهِ، لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وكُلُّ مَن فِيهِما يَحِقُّ عَلَيْهِ عِبادَتُهُ والخُشُوعُ لَهُ تَقْرِيرًا؛ لِأنَّ ما نَقَمُوا مِنهم هو الحَقُّ الَّذِي لا يَنْقِمُهُ إلّا مُبْطِلٌ مُنْهَمِكٌ في الغَيِّ.
﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ وعِيدٌ لَهم أيْ إنَّهُ عَلِمَ ما فَعَلُوا فَهو يُجازِيهِمْ. والظّاهِرُ أنَّ ﴿الَّذِينَ فَتَنُوا﴾ عامٌّ في كُلِّ مَنِ ابْتَلى المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ بِتَعْذِيبٍ أوْ أذًى، وأنَّ لَهم عَذابَيْنِ: عَذابًا لِكُفْرِهِمْ، وعَذابًا لِفِتْنَتِهِمْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَجُوزُ أنْ يُرِيدَ بِالَّذِينِ فَتَنُوا أصْحابَ الأُخْدُودِ خاصَّةً، وبِالَّذِينِ آمَنُوا المَطْرُوحِينَ في الأُخْدُودِ، ومَعْنى فَتَنُوهم: عَذَّبُوهم بِالنّارِ وأحْرَقُوهم. (فَلَهم) في الآخِرَةِ ﴿عَذابُ جَهَنَّمَ﴾ بِكُفْرِهِمْ ﴿ولَهم عَذابُ الحَرِيقِ﴾ وهي نارٌ أُخْرى عَظِيمَةٌ تَتَّسِعُ كَما يَتَّسِعُ الحَرِيقُ، أوْ لَهم عَذابُ جَهَنَّمَ في الآخِرَةِ، ولَهم عَذابُ الحَرِيقِ في الدُّنْيا لِما رُوِيَ أنَّ النّارَ انْقَلَبَتْ عَلَيْهِمْ فَأحْرَقَتْهم. انْتَهى. ويَنْبَغِي أنْ لا يَجُوزَ هَذا الَّذِي جَوَّزَهُ؛ لِأنَّ في الآيَةِ ﴿ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾ وأُولَئِكَ المُحَرِّقُونَ لَمْ يُنْقَلْ لَنا أنَّ أحَدًا مِنهم تابَ، بَلِ الظّاهِرُ أنَّهم لَمْ يُلْعَنُوا إلّا وهم قَدْ ماتُوا عَلى الكُفْرِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ﴿ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾ يُقَوِّي أنَّ الآياتِ في قُرَيْشٍ؛ لِأنَّ هَذا اللَّفْظَ في قُرَيْشٍ أحْكَمُ مِنهُ في أُولَئِكَ الَّذِينَ قَدْ عَلِمُوا أنَّهم ماتُوا عَلى كُفْرِهِمْ. وأمّا قُرَيْشٌ فَكانَ فِيهِمْ وقْتَ نُزُولِ الآيَةِ مَن تابَ وآمَنَ. انْتَهى. وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ المُرادُ بِهِ العُمُومُ لا المَطْرُوحُونَ في النّارِ، والبَطْشُ: الأخْذُ بِقُوَّةٍ ﴿يُبْدِئُ ويُعِيدُ﴾ قالَ ابْنُ زَيْدٍ والضَّحّاكُ: يُبْدِئُ الخَلْقَ بِالإنْشاءِ، ويُعِيدُهُ بِالحَشْرِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: عامٌّ في جَمِيعِ الأشْياءِ، أيْ كُلُّ ما يُبْدَأُ وكُلُّ ما يُعادُ. وقالَ الطَّبَرِيُّ: يُبْدِئُ العَذابَ ويُعِيدُهُ عَلى الكُفّارِ، ونَحْوُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: تَأْكُلُهُمُ النّارُ حَتّى يَصِيرُوا فَحْمًا، ثُمَّ يُعِيدُهم خَلْقًا جَدِيدًا. وقُرِئَ: (يَبْدَأُ) مِن بَدَأ ثُلاثِيًّا، حَكاهُ أبُو زَيْدٍ.
ولَمّا ذَكَرَ شِدَّةَ بَطْشِهِ ذَكَرَ كَوْنَهُ، غَفُورًا ساتِرًا لِذُنُوبِ عِبادِهِ، ودُودًا لَطِيفًا بِهِمْ مُحْسِنًا إلَيْهِمْ، وهاتانِ صِفَتا فِعْلٍ. والظّاهِرُ أنَّ الوَدُودَ مُبالَغَةٌ في الوادِّ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: المُتَوَدِّدُ إلى عِبادِهِ بِالمَغْفِرَةِ. وحَكى المُبَرِّدُ عَنِ القاضِي إسْماعِيلَ بْنِ إسْحاقَ أنَّ الوَدُودَ هو الَّذِي لا ولَدَ لَهُ، وأنْشَدَ:(p-٤٥٢)
؎وأرْكَبُ في الرَّوْعِ عُرْيانَةً ∗∗∗ ذَلُولَ الجِماعِ لِقاحًا ودُودا
أيْ: لا ولَدَ لَها تَحِنُّ إلَيْهِ. وقِيلَ: الوَدُودُ فَعُولٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، كَرَكُوبٍ وحَلُوبٍ، أيْ يَوَدُّهُ عِبادُهُ الصّالِحُونَ ﴿ذُو العَرْشِ﴾ خَصَّ العَرْشَ بِإضافَةِ نَفْسِهِ تَشْرِيفًا لِلْعَرْشِ وتَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ أعْظَمُ المَخْلُوقاتِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (ذُو) بِالواوِ، وابْنُ عامِرٍ في رِوايَةٍ: ذِي بِالياءِ، صِفَةٌ لِرَبِّكَ. وقالَ القَفّالُ: ﴿ذُو العَرْشِ﴾ ذُو المُلْكِ والسُّلْطانِ. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالعَرْشِ السَّرِيرُ العالِي، ويَكُونُ خَلَقَ سَرِيرًا في سَمائِهِ في غايَةِ العَظَمَةِ، بِحَيْثُ لا يَعْرِفُ عَظَمَتَهُ إلّا هو ومَن يُطْلِعُهُ عَلَيْهِ. انْتَهى. وقَرَأ الحَسَنُ وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ، وابْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ والمُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ، والأخَوانِ: (المَجِيدِ) بِخَفْضِ الدّالِ، صِفَةٌ لِلْعَرْشِ، ومَجادَتُهُ: عِظَمُهُ وعُلُوُّهُ ومِقْدارُهُ وحُسْنُ صُورَتِهِ وتَرْكِيبُهُ، فَإنَّهُ قِيلَ: العَرْشُ أحْسَنُ الأجْسامِ صُورَةً وتَرْكِيبًا. ومَن قَرَأ: ذِي العَرْشِ بِالياءِ، جازَ أنْ يَكُونَ (المَجِيدِ) بِالخَفْضِ صِفَةً لِذِي، والأحْسَنُ جَعْلُ هَذِهِ المَرْفُوعاتِ أخْبارًا عَنْ هو، فَيَكُونُ (فَعّالٌ) خَبَرًا. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿الوَدُودُ ذُو العَرْشِ﴾ صِفَتَيْنِ لِلْغَفُورِ، ”وفَعّالٌ“ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ وأتى بِصِيغَةِ فَعّالٍ؛ لِأنَّ ما يُرِيدُ ويَفْعَلُ في غايَةِ الكَثْرَةِ، والمَعْنى: أنَّ كُلَّ ما تَعَلَّقَتْ بِهِ إرادَتُهُ فِعْلُهُ لا مُعْتَرِضَ عَلَيْهِ.
﴿هَلُ أتاكَ حَدِيثُ الجُنُودِ﴾ تَقْرِيرٌ لِحالِ الكَفَرَةِ، أيْ قَدْ أتاكَ حَدِيثُهم، وما جَرى لَهم مَعَ أنْبِيائِهِمْ، وما حَلَّ بِهِمْ مِنَ العُقُوباتِ بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِمْ، فَكَذَلِكَ يَحِلُّ بِقُرَيْشٍ مِنَ العَذابِ مِثْلُ ما حَلَّ بِهِمْ، والجُنُودُ: الجُمُوعُ المُعَدَّةُ لِلْقِتالِ ﴿فِرْعَوْنَ وثَمُودَ﴾ بَدَلٌ مِنَ الجُنُودِ، وكَأنَّهُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ جُنُودِ فِرْعَوْنَ، واخْتَصَرَ ما جَرى لَهم إذْ هم مَذْكُورُونَ في غَيْرِ ما سُورَةٍ مِنَ القُرْآنِ، وذَكَرَ ثَمُودَ لِشُهْرَةِ قِصَّتِهِمْ في بِلادِ العَرَبِ وهي مُتَقَدِّمَةٌ، وذَكَرَ فِرْعَوْنَ لِشُهْرَةِ قِصَّتِهِ عِنْدَ أهْلِ الكِتابِ وعِنْدَ العَرَبِ الجاهِلِيَّةِ أيْضًا، ألا تَرى إلى زُهَيْرِ بْنِ أبِي سُلْمى وقَوْلِهِ:
؎ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أهْلَكَ تُبَّعًا ∗∗∗ وأهْلَكَ لُقْمانَ بْنَ عادٍ وعادِيا
؎وأهْلَكَ ذا القَرْنَيْنِ مِن قَبْلُ ما لَوى ∗∗∗ وفِرْعَوْنَ جَبّارًا طَغى والنَّجاشِيا
وكانَ فِرْعَوْنُ مِنَ المُتَأخِّرِينَ في الهَلاكِ، فَدَلَّ بِقِصَّتِهِ وقِصَّةِ ثَمُودَ عَلى أمْثالِهِما مِن قِصَصِ الأُمَمِ المُكَذِّبِينَ وهَلاكِهِمْ.
﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ مِن قَوْمِكَ، ﴿فِي تَكْذِيبٍ﴾ حَسَدًا لَكَ، لَمْ يَعْتَبِرُوا بِما جَرى لِمَن قَبْلَهم حِينَ كَذَّبُوا أنْبِياءَهم.
﴿واللَّهُ مِن ورائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ أيْ هو قادِرٌ عَلى أنْ يُنْزِلَ بِهِمْ ما أنْزَلَ بِفِرْعَوْنَ وثَمُودَ ومَن كانَ مُحاطًا بِهِ، فَهو مَحْصُورٌ في غايَةٍ لا يَسْتَطِيعُ دَفْعًا، والمَعْنى: دُنُوُّ هَلاكِهِمْ، ولَمّا ذَكَرَ أنَّهم في تَكْذِيبٍ، وأنَّ التَّكْذِيبَ عَمَّهم حَتّى صارَ كالوِعاءِ لَهم، وكانَ ﷺ، قَدْ كَذَّبُوهُ وكَذَّبُوا ما جاءَ بِهِ وهو القُرْآنُ، أخْبَرَ تَعالى عَنِ الَّذِي جاءَ بِهِ وكَذَّبُوا فَقالَ: ﴿بَلْ هو قُرْآنٌ﴾ أيْ بَلِ الَّذِي كَذَّبُوا بِهِ قُرْآنٌ مَجِيدٌ، ومَجادَتُهُ: شَرَفُهُ عَلى سائِرِ الكُتُبِ بِإعْجازِهِ في نَظْمِهِ وصِحَّةِ مَعانِيهِ، وإخْبارِهِ بِالمُغَيَّباتِ وغَيْرِ ذَلِكَ في مَحاسِنِهِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ مَوْصُوفٌ وصْفَةٌ، وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْقَعِ: (قُرْآنُ مَجِيدٍ) بِالإضافَةِ، قالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: سَمِعْتُ ابْنَ الأنْبارِيِّ يَقُولُ مَعْناهُ: بَلْ هو قُرْآنُ رَبٍّ مَجِيدٍ، كَما قالَ الشّاعِرُ:
ولَكِنْ الغِنى رَبٌّ غَفُورُ
مَعْناهُ: ولَكِنَّ الغِنى غِنى رَبٍّ غَفُورٍ. انْتَهى. وعَلى هَذا أخْرَجَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَرَأ اليَمانِيُّ: ﴿قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ عَلى الإضافَةِ، وأنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعالى هو المَجِيدَ. انْتَهى. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن بابِ إضافَةِ المَوْصُوفِ لِصِفَتِهِ، فَيَكُونُ مَدْلُولُهُ ومَدْلُولُ التَّنْوِينِ ورَفْعُ (مَجِيدٌ) واحِدًا، وهَذا أوْلى لِتَوافُقِ القِراءَتَيْنِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فِي لَوْحٍ﴾ بِفَتْحِ اللّامِ، ﴿مَحْفُوظٍ﴾ بِالخَفْضِ صِفَةٌ لِلَوْحٍ، واللَّوْحُ المَحْفُوظُ هو الَّذِي فِيهِ جَمِيعُ الأشْياءِ، وقَرَأ ابْنُ يَعْمَرَ وابْنُ السَّمَيْقَعِ: بِضَمِّ اللّامِ، قالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: اللَّوْحُ: الهَواءُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي اللَّوْحَ فَوْقَ السَّماءِ السّابِعَةِ الَّذِي فِيهِ اللَّوْحُ (p-٤٥٣)المَحْفُوظُ مِن وُصُولِ الشَّياطِينِ إلَيْهِ. انْتَهى. وقَرَأ الأعْرَجُ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، ونافِعٌ بِخِلافٍ عَنْهُ: ﴿مَحْفُوظٍ﴾ بِالرَّفْعِ صِفَةٌ لِقُرْآنٍ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]، أيْ هو مَحْفُوظٌ في القُلُوبِ، لا يَلْحَقُهُ خَطَأٌ ولا تَبْدِيلٌ.
البروج 85:22
وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ في أصْحابِ الأُخْدُودِ أقْوالًا فَوْقَ العَشَرَةِ، ولِكُلِّ قَوْلٍ مِنها قِصَّةٌ طَوِيلَةٌ كَسِلْنا عَنْ كِتابَتِها في كِتابِنا هَذا، ومُضَمَّنُها أنَّ ناسًا مِنَ الكُفّارِ خَدُّوا أُخْدُودًا في الأرْضِ وسَجَّرُوهُ نارًا وعَرَضُوا المُؤْمِنِينَ عَلَيْها، فَمَن رَجَعَ عَنْ دِينِهِ تَرَكُوهُ، ومَن أصَرَّ عَلى الإيمانِ أحْرَقُوهُ، وأصْحابُ الأُخْدُودِ هُمُ المُحَرِّقُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ. وقالَ الرَّبِيعُ، وأبُو العالِيَةِ، وابْنُ إسْحاقَ: بَعَثَ اللَّهُ عَلى المُؤْمِنِينَ رِيحًا فَقَبَضَتْ أرْواحَهم أوْ نَحْوَ هَذا، وخَرَجَتِ النّارُ فَأحْرَقَتِ الكافِرِينَ الَّذِينَ كانُوا عَلى حافَّتَيِ الأُخْدُودِ، فَعَلى هَذا يَكُونُ القَتْلُ حَقِيقَةً لا بِمَعْنى اللَّعْنِ، ويَكُونُ خَبَرًا عَنْ ما فَعَلَهُ اللَّهُ بِالكُفّارِ والَّذِينَ أرادُوا أنْ يَفْتِنُوا المُؤْمِنِينَ عَنْ دِينِهِمْ. وقَوْلُ هَؤُلاءِ مُخالِفٌ لِقَوْلِ الجُمْهُورِ ولِما دَلَّ عَلَيْهِ القَصَصُ الَّذِي ذَكَرُوهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (النّارِ) بِالجَرِّ، وهو بَدَلُ اشْتِمالٍ، أوْ بَدَلُ كُلٍّ مِن كُلٍّ عَلى تَقْدِيرِ مَحْذُوفٍ، أيْ أُخْدُودِ النّارِ. وقَرَأ قَوْمٌ: (النّارُ) بِالرَّفْعِ. قِيلَ: وعَلى مَعْنى قَتْلِهِمْ، ويَكُونُ أصْحابُ الأُخْدُودِ إذْ ذاكَ المُؤْمِنِينَ، وقُتِلَ عَلى حَقِيقَتِهِ. وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ، وأبُو حَيْوَةَ، وعِيسى: ﴿الوَقُودِ﴾ [البروج: ٥] بِضَمِّ الواوِ وهو مَصْدَرٌ، والجُمْهُورُ: بِفَتْحِها، وهو ما يُوقَدُ بِهِ. وقَدْ حَكى (p-٤٥١)سِيبَوَيْهِ أنَّهُ بِالفَتْحِ أيْضًا مَصْدَرٌ كالضَّمِّ، والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في (إذْ هم) عائِدٌ عَلى الَّذِينَ يُحَرِّقُونَ المُؤْمِنِينَ، وكَذَلِكَ في (وهم) عَلى قَوْلِ الرَّبِيعِ يَعُودُ عَلى الكافِرِينَ، ويَكُونُ هم أيْضًا عائِدًا عَلَيْهِمْ، ويَكُونُ مَعْنى ﴿عَلى ما يَفْعَلُونَ﴾ [البروج: ٧] ما يُرِيدُونَ مِن فِعْلِهِمْ بِالمُؤْمِنِينَ. وقِيلَ: أصْحابُ الأُخْدُودِ مُحْرِقٌ، وتَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ذاتِ الوَقُودِ﴾ [البروج: ٥] ويَكُونُ المُرادُ بِقَوْلِهِ: (وهم) قُرَيْشٌ الَّذِينَ كانُوا يَفْتِنُونَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ، و”إذْ“ العامِلُ فِيهِ ”قُتِلَ“، أيْ لُعِنُوا وقَعَدُوا عَلى النّارِ، أوْ عَلى ما يَدْنُو مِنها مِن حافّاتِ الأُخْدُودِ، كَما قالَ الأعْشى:
؎تُشَبُّ لِمَقْرُورَيْنِ يَصْطَلِيانِها وباتَ عَلى النّارِ النَّدى والمُحَلِّقُ
﴿شُهُودٌ﴾ [البروج: ٧] يَشْهَدُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عِنْدِ المَلِكِ، أيْ لَمْ يُفَرِّطْ فِيما أُمِرَ بِهِ، أوْ شُهُودٌ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى ما فَعَلُوا بِالمُؤْمِنِينَ، يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ جَوارِحُهم بِأعْمالِهِمْ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (نَقَمُوا) بِفَتْحِ القافِ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وأبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِكَسْرِها، أيْ ما عابُوا ولا أنْكَرُوا الإيمانَ، كَقَوْلِهِ: ﴿هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا إلّا أنْ آمَنّا بِاللَّهِ﴾ [المائدة: ٥٩] وكَقَوْلِ قَيْسِ الرُّقُياتِ:
؎ما نَقَمُوا مِن بَنِي أُمَيَّةَ إلّا ∗∗∗ أنَّهم يَحْلُمُونَ إنْ غَضِبُوا
جَعَلُوا ما هو في غايَةِ الحُسْنِ قَبِيحًا حَتّى نَقَمُوا عَلَيْهِ، كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎ولا عَيْبَ فِيها غَيْرَ شُكْلَةِ عَيْنِها ∗∗∗ كَذاكَ عِتاقُ الطَّيْرِ شُكْلٌ عُيُونُها
وفِي المُنْتَخَبِ: إنَّما قالَ ﴿إلّا أنْ يُؤْمِنُوا﴾ [البروج: ٨] لِأنَّ التَّعْذِيبَ إنَّما كانَ واقِعًا عَلى الإيمانِ في المُسْتَقْبَلِ، ولَوْ كَفَرُوا في المُسْتَقْبَلِ لَمْ يُعَذَّبُوا عَلى ما مَضى، فَكَأنَّهُ قالَ: إلّا أنْ يُدِيمُوا عَلى إيمانِهِمْ. انْتَهى. وذَكَرَ الأوْصافَ الَّتِي يَسْتَحِقُّ بِها تَعالى أنْ يُؤْمَنَ بِهِ، وهو كَوْنُهُ تَعالى عَزِيزًا غالِبًا قادِرًا يُخْشى عِقابُهُ، حَمِيدًا مُنْعِمًا يَجِبُ لَهُ الحَمْدُ عَلى نِعْمَتِهِ، لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وكُلُّ مَن فِيهِما يَحِقُّ عَلَيْهِ عِبادَتُهُ والخُشُوعُ لَهُ تَقْرِيرًا؛ لِأنَّ ما نَقَمُوا مِنهم هو الحَقُّ الَّذِي لا يَنْقِمُهُ إلّا مُبْطِلٌ مُنْهَمِكٌ في الغَيِّ.
﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ وعِيدٌ لَهم أيْ إنَّهُ عَلِمَ ما فَعَلُوا فَهو يُجازِيهِمْ. والظّاهِرُ أنَّ ﴿الَّذِينَ فَتَنُوا﴾ عامٌّ في كُلِّ مَنِ ابْتَلى المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ بِتَعْذِيبٍ أوْ أذًى، وأنَّ لَهم عَذابَيْنِ: عَذابًا لِكُفْرِهِمْ، وعَذابًا لِفِتْنَتِهِمْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَجُوزُ أنْ يُرِيدَ بِالَّذِينِ فَتَنُوا أصْحابَ الأُخْدُودِ خاصَّةً، وبِالَّذِينِ آمَنُوا المَطْرُوحِينَ في الأُخْدُودِ، ومَعْنى فَتَنُوهم: عَذَّبُوهم بِالنّارِ وأحْرَقُوهم. (فَلَهم) في الآخِرَةِ ﴿عَذابُ جَهَنَّمَ﴾ بِكُفْرِهِمْ ﴿ولَهم عَذابُ الحَرِيقِ﴾ وهي نارٌ أُخْرى عَظِيمَةٌ تَتَّسِعُ كَما يَتَّسِعُ الحَرِيقُ، أوْ لَهم عَذابُ جَهَنَّمَ في الآخِرَةِ، ولَهم عَذابُ الحَرِيقِ في الدُّنْيا لِما رُوِيَ أنَّ النّارَ انْقَلَبَتْ عَلَيْهِمْ فَأحْرَقَتْهم. انْتَهى. ويَنْبَغِي أنْ لا يَجُوزَ هَذا الَّذِي جَوَّزَهُ؛ لِأنَّ في الآيَةِ ﴿ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾ وأُولَئِكَ المُحَرِّقُونَ لَمْ يُنْقَلْ لَنا أنَّ أحَدًا مِنهم تابَ، بَلِ الظّاهِرُ أنَّهم لَمْ يُلْعَنُوا إلّا وهم قَدْ ماتُوا عَلى الكُفْرِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ﴿ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾ يُقَوِّي أنَّ الآياتِ في قُرَيْشٍ؛ لِأنَّ هَذا اللَّفْظَ في قُرَيْشٍ أحْكَمُ مِنهُ في أُولَئِكَ الَّذِينَ قَدْ عَلِمُوا أنَّهم ماتُوا عَلى كُفْرِهِمْ. وأمّا قُرَيْشٌ فَكانَ فِيهِمْ وقْتَ نُزُولِ الآيَةِ مَن تابَ وآمَنَ. انْتَهى. وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ المُرادُ بِهِ العُمُومُ لا المَطْرُوحُونَ في النّارِ، والبَطْشُ: الأخْذُ بِقُوَّةٍ ﴿يُبْدِئُ ويُعِيدُ﴾ قالَ ابْنُ زَيْدٍ والضَّحّاكُ: يُبْدِئُ الخَلْقَ بِالإنْشاءِ، ويُعِيدُهُ بِالحَشْرِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: عامٌّ في جَمِيعِ الأشْياءِ، أيْ كُلُّ ما يُبْدَأُ وكُلُّ ما يُعادُ. وقالَ الطَّبَرِيُّ: يُبْدِئُ العَذابَ ويُعِيدُهُ عَلى الكُفّارِ، ونَحْوُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: تَأْكُلُهُمُ النّارُ حَتّى يَصِيرُوا فَحْمًا، ثُمَّ يُعِيدُهم خَلْقًا جَدِيدًا. وقُرِئَ: (يَبْدَأُ) مِن بَدَأ ثُلاثِيًّا، حَكاهُ أبُو زَيْدٍ.
ولَمّا ذَكَرَ شِدَّةَ بَطْشِهِ ذَكَرَ كَوْنَهُ، غَفُورًا ساتِرًا لِذُنُوبِ عِبادِهِ، ودُودًا لَطِيفًا بِهِمْ مُحْسِنًا إلَيْهِمْ، وهاتانِ صِفَتا فِعْلٍ. والظّاهِرُ أنَّ الوَدُودَ مُبالَغَةٌ في الوادِّ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: المُتَوَدِّدُ إلى عِبادِهِ بِالمَغْفِرَةِ. وحَكى المُبَرِّدُ عَنِ القاضِي إسْماعِيلَ بْنِ إسْحاقَ أنَّ الوَدُودَ هو الَّذِي لا ولَدَ لَهُ، وأنْشَدَ:(p-٤٥٢)
؎وأرْكَبُ في الرَّوْعِ عُرْيانَةً ∗∗∗ ذَلُولَ الجِماعِ لِقاحًا ودُودا
أيْ: لا ولَدَ لَها تَحِنُّ إلَيْهِ. وقِيلَ: الوَدُودُ فَعُولٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، كَرَكُوبٍ وحَلُوبٍ، أيْ يَوَدُّهُ عِبادُهُ الصّالِحُونَ ﴿ذُو العَرْشِ﴾ خَصَّ العَرْشَ بِإضافَةِ نَفْسِهِ تَشْرِيفًا لِلْعَرْشِ وتَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ أعْظَمُ المَخْلُوقاتِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (ذُو) بِالواوِ، وابْنُ عامِرٍ في رِوايَةٍ: ذِي بِالياءِ، صِفَةٌ لِرَبِّكَ. وقالَ القَفّالُ: ﴿ذُو العَرْشِ﴾ ذُو المُلْكِ والسُّلْطانِ. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالعَرْشِ السَّرِيرُ العالِي، ويَكُونُ خَلَقَ سَرِيرًا في سَمائِهِ في غايَةِ العَظَمَةِ، بِحَيْثُ لا يَعْرِفُ عَظَمَتَهُ إلّا هو ومَن يُطْلِعُهُ عَلَيْهِ. انْتَهى. وقَرَأ الحَسَنُ وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ، وابْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ والمُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ، والأخَوانِ: (المَجِيدِ) بِخَفْضِ الدّالِ، صِفَةٌ لِلْعَرْشِ، ومَجادَتُهُ: عِظَمُهُ وعُلُوُّهُ ومِقْدارُهُ وحُسْنُ صُورَتِهِ وتَرْكِيبُهُ، فَإنَّهُ قِيلَ: العَرْشُ أحْسَنُ الأجْسامِ صُورَةً وتَرْكِيبًا. ومَن قَرَأ: ذِي العَرْشِ بِالياءِ، جازَ أنْ يَكُونَ (المَجِيدِ) بِالخَفْضِ صِفَةً لِذِي، والأحْسَنُ جَعْلُ هَذِهِ المَرْفُوعاتِ أخْبارًا عَنْ هو، فَيَكُونُ (فَعّالٌ) خَبَرًا. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿الوَدُودُ ذُو العَرْشِ﴾ صِفَتَيْنِ لِلْغَفُورِ، ”وفَعّالٌ“ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ وأتى بِصِيغَةِ فَعّالٍ؛ لِأنَّ ما يُرِيدُ ويَفْعَلُ في غايَةِ الكَثْرَةِ، والمَعْنى: أنَّ كُلَّ ما تَعَلَّقَتْ بِهِ إرادَتُهُ فِعْلُهُ لا مُعْتَرِضَ عَلَيْهِ.
﴿هَلُ أتاكَ حَدِيثُ الجُنُودِ﴾ تَقْرِيرٌ لِحالِ الكَفَرَةِ، أيْ قَدْ أتاكَ حَدِيثُهم، وما جَرى لَهم مَعَ أنْبِيائِهِمْ، وما حَلَّ بِهِمْ مِنَ العُقُوباتِ بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِمْ، فَكَذَلِكَ يَحِلُّ بِقُرَيْشٍ مِنَ العَذابِ مِثْلُ ما حَلَّ بِهِمْ، والجُنُودُ: الجُمُوعُ المُعَدَّةُ لِلْقِتالِ ﴿فِرْعَوْنَ وثَمُودَ﴾ بَدَلٌ مِنَ الجُنُودِ، وكَأنَّهُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ جُنُودِ فِرْعَوْنَ، واخْتَصَرَ ما جَرى لَهم إذْ هم مَذْكُورُونَ في غَيْرِ ما سُورَةٍ مِنَ القُرْآنِ، وذَكَرَ ثَمُودَ لِشُهْرَةِ قِصَّتِهِمْ في بِلادِ العَرَبِ وهي مُتَقَدِّمَةٌ، وذَكَرَ فِرْعَوْنَ لِشُهْرَةِ قِصَّتِهِ عِنْدَ أهْلِ الكِتابِ وعِنْدَ العَرَبِ الجاهِلِيَّةِ أيْضًا، ألا تَرى إلى زُهَيْرِ بْنِ أبِي سُلْمى وقَوْلِهِ:
؎ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أهْلَكَ تُبَّعًا ∗∗∗ وأهْلَكَ لُقْمانَ بْنَ عادٍ وعادِيا
؎وأهْلَكَ ذا القَرْنَيْنِ مِن قَبْلُ ما لَوى ∗∗∗ وفِرْعَوْنَ جَبّارًا طَغى والنَّجاشِيا
وكانَ فِرْعَوْنُ مِنَ المُتَأخِّرِينَ في الهَلاكِ، فَدَلَّ بِقِصَّتِهِ وقِصَّةِ ثَمُودَ عَلى أمْثالِهِما مِن قِصَصِ الأُمَمِ المُكَذِّبِينَ وهَلاكِهِمْ.
﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ مِن قَوْمِكَ، ﴿فِي تَكْذِيبٍ﴾ حَسَدًا لَكَ، لَمْ يَعْتَبِرُوا بِما جَرى لِمَن قَبْلَهم حِينَ كَذَّبُوا أنْبِياءَهم.
﴿واللَّهُ مِن ورائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ أيْ هو قادِرٌ عَلى أنْ يُنْزِلَ بِهِمْ ما أنْزَلَ بِفِرْعَوْنَ وثَمُودَ ومَن كانَ مُحاطًا بِهِ، فَهو مَحْصُورٌ في غايَةٍ لا يَسْتَطِيعُ دَفْعًا، والمَعْنى: دُنُوُّ هَلاكِهِمْ، ولَمّا ذَكَرَ أنَّهم في تَكْذِيبٍ، وأنَّ التَّكْذِيبَ عَمَّهم حَتّى صارَ كالوِعاءِ لَهم، وكانَ ﷺ، قَدْ كَذَّبُوهُ وكَذَّبُوا ما جاءَ بِهِ وهو القُرْآنُ، أخْبَرَ تَعالى عَنِ الَّذِي جاءَ بِهِ وكَذَّبُوا فَقالَ: ﴿بَلْ هو قُرْآنٌ﴾ أيْ بَلِ الَّذِي كَذَّبُوا بِهِ قُرْآنٌ مَجِيدٌ، ومَجادَتُهُ: شَرَفُهُ عَلى سائِرِ الكُتُبِ بِإعْجازِهِ في نَظْمِهِ وصِحَّةِ مَعانِيهِ، وإخْبارِهِ بِالمُغَيَّباتِ وغَيْرِ ذَلِكَ في مَحاسِنِهِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ مَوْصُوفٌ وصْفَةٌ، وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْقَعِ: (قُرْآنُ مَجِيدٍ) بِالإضافَةِ، قالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: سَمِعْتُ ابْنَ الأنْبارِيِّ يَقُولُ مَعْناهُ: بَلْ هو قُرْآنُ رَبٍّ مَجِيدٍ، كَما قالَ الشّاعِرُ:
ولَكِنْ الغِنى رَبٌّ غَفُورُ
مَعْناهُ: ولَكِنَّ الغِنى غِنى رَبٍّ غَفُورٍ. انْتَهى. وعَلى هَذا أخْرَجَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَرَأ اليَمانِيُّ: ﴿قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ عَلى الإضافَةِ، وأنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعالى هو المَجِيدَ. انْتَهى. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن بابِ إضافَةِ المَوْصُوفِ لِصِفَتِهِ، فَيَكُونُ مَدْلُولُهُ ومَدْلُولُ التَّنْوِينِ ورَفْعُ (مَجِيدٌ) واحِدًا، وهَذا أوْلى لِتَوافُقِ القِراءَتَيْنِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فِي لَوْحٍ﴾ بِفَتْحِ اللّامِ، ﴿مَحْفُوظٍ﴾ بِالخَفْضِ صِفَةٌ لِلَوْحٍ، واللَّوْحُ المَحْفُوظُ هو الَّذِي فِيهِ جَمِيعُ الأشْياءِ، وقَرَأ ابْنُ يَعْمَرَ وابْنُ السَّمَيْقَعِ: بِضَمِّ اللّامِ، قالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: اللَّوْحُ: الهَواءُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي اللَّوْحَ فَوْقَ السَّماءِ السّابِعَةِ الَّذِي فِيهِ اللَّوْحُ (p-٤٥٣)المَحْفُوظُ مِن وُصُولِ الشَّياطِينِ إلَيْهِ. انْتَهى. وقَرَأ الأعْرَجُ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، ونافِعٌ بِخِلافٍ عَنْهُ: ﴿مَحْفُوظٍ﴾ بِالرَّفْعِ صِفَةٌ لِقُرْآنٍ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]، أيْ هو مَحْفُوظٌ في القُلُوبِ، لا يَلْحَقُهُ خَطَأٌ ولا تَبْدِيلٌ.