Al-Bahr Al-Muhit — الطارق 86:1 – الأعلى 87:19
المحتويات
- الطارق 86:1
- الطارق 86:2
- الطارق 86:3
- الطارق 86:4
- الطارق 86:5
- الطارق 86:6
- الطارق 86:7
- الطارق 86:8
- الطارق 86:9
- الطارق 86:10
- الطارق 86:11
- الطارق 86:12
- الطارق 86:13
- الطارق 86:14
- الطارق 86:15
- الطارق 86:16
- الطارق 86:17
- الأعلى 87:1
- الأعلى 87:2
- الأعلى 87:3
- الأعلى 87:4
- الأعلى 87:5
- الأعلى 87:6
- الأعلى 87:7
- الأعلى 87:8
- الأعلى 87:9
- الأعلى 87:10
- الأعلى 87:11
- الأعلى 87:12
- الأعلى 87:13
- الأعلى 87:14
- الأعلى 87:15
- الأعلى 87:16
- الأعلى 87:17
- الأعلى 87:18
- الأعلى 87:19
الطارق 86:1
سُورَةُ الطّارِقِ مَكِّيَّةٌ وهي سَبْعَ عَشْرَةَ آيَةً
﷽
﴿والسَّماءِ والطّارِقِ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما الطّارِقُ﴾ ﴿النَّجْمُ الثّاقِبُ﴾ ﴿إنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمّا عَلَيْها حافِظٌ﴾ ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ ﴿خُلِقَ مِن ماءٍ دافِقٍ﴾ [الطارق: ٦] ﴿يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ والتَّرائِبِ﴾ [الطارق: ٧] ﴿إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ﴾ [الطارق: ٨] ﴿يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ﴾ [الطارق: ٩] ﴿فَما لَهُ مِن قُوَّةٍ ولا ناصِرٍ﴾ [الطارق: ١٠] ﴿والسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ﴾ [الطارق: ١١] ﴿والأرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ﴾ [الطارق: ١٢] ﴿إنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ وما هو بِالهَزْلِ﴾ [الطارق: ١٣] ﴿إنَّهم يَكِيدُونَ كَيْدًا﴾ [الطارق: ١٥] ﴿وأكِيدُ كَيْدًا﴾ [الطارق: ١٦] ﴿فَمَهِّلِ الكافِرِينَ أمْهِلْهم رُوَيْدًا﴾ [الطارق: ١٧]
طَرَقَ يَطْرُقُ طُرُوقًا: أتى لَيْلًا، قالَ امْرُؤُ القَيْسِ:
؎ومِثْلُكِ حُبْلى قَدْ طَرَقْتُ ومُرْضِعًا
وأصْلُهُ الضَّرْبُ؛ لِأنَّ الطّارِقَ يَطْرُقُ البابَ، ومِنهُ المِطْرَقَةُ: وهي المَبِيعَةُ، واتُّسِعَ فِيهِ فَكُلُّ ما جاءَ بِلَيْلٍ يُسَمّى طارِقًا، ويُقالُ: أطْرَقَ فُلانٌ: أمْسَكَ عَنِ الكَلامِ، وأطْرَقَ بِعَيْنَيْهِ: رَمى بِهِما نَحْوَ الأرْضِ، دَفَقَ الماءَ يَدْفُقُهُ دَفْقًا: صَبَّهُ، وماءٌ دافِقٌ عَلى النَّسَبِ، ويُقالُ: دَفَقَ اللَّهُ رُوحَهُ، إذا دَعا عَلَيْهِ بِالمَوْتِ. التَّرِيبَةُ: مَوْضِعُ القِلادَةِ مِنَ الصَّدْرِ. قالَ امْرُؤُ القَيْسِ:
؎مُهَفْهَفَةٌ بَيْضاءُ غَيْرُ مُفاضَةٍ ∗∗∗ تَرائِبُها مَصْقُولَةٌ كالسَّجَنْجَلِ
جَمَعَها بِما حَوْلَها فَقالَ تَرائِبُها، وقالَ الشّاعِرُ:
؎والزَّعْفَرانُ عَلى تَرائِبِها ∗∗∗ شَرِقَتْ بِهِ اللَّبّاتُ والنَّحْرُ
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: وجَمْعُ تَرِيبَةٍ تَرِيبٌ، قالَ المُثَقَّبُ العَبْدِيُّ:
؎ومِن ذَهَبٍ يَبِينُ عَلى تَرِيبٍ ∗∗∗ كَلَوْنِ العاجِ لَيْسَ بِذِي غُصُونِ
الهَزْلُ: ضِدُّ الجِدِّ، وقالَ الكُمَيْتُ:
تَجِدُّ بِنا في كُلِّ يَوْمٍ وتَهْزِلُ
أمْهَلْتُ الرَّجُلَ: انْتَظَرْتُهُ، والمَهَلُ والمُهْلَةُ: السَّكِينَةُ، ومَهَّلْتُهُ أيْضًا تَمْهِيلًا وتَمَهَّلَ في أمْرِهِ: اتَّأدَ، واسْتَمْهَلْتُ: انْتَظَرْتُهُ، ويُقالُ مَهْلًا: أيْ رِفْقًا وسُكُونًا. رُوَيْدًا: مَصْدَرُ أرْوَدَ يُرْوِدُ، مُصَغَّرٌ تَصْغِيرَ التَّرْخِيمِ، وأصْلُهُ إرْوادًا. وقِيلَ: هو تَصْغِيرُ رَوْدٍ، مِن قَوْلِهِ: يَمْشِي عَلى رَوْدٍ: أيْ مَهَلٍ، ويُسْتَعْمَلُ مَصْدَرًا، نَحْوَ: رُوَيْدَ عَمْرٍو بِالإضافَةِ أيْ: إمْهالَ عَمْرٍو، كَقَوْلِهِ: ﴿فَضَرْبَ الرِّقابِ﴾ [محمد: ٤] ونَعْتًا لِمَصْدَرٍ، نَحْوُ: سارُوا سَيْرًا رُوَيْدًا، وحالًا نَحْوُ: سارَ القَوْمُ رُوَيْدًا، ويَكُونُ اسْمَ فِعْلٍ، وهَذا كُلُّهُ مُوَضَّحٌ في عِلْمِ النَّحْوِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
﴿والسَّماءِ والطّارِقِ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما الطّارِقُ﴾ ﴿النَّجْمُ الثّاقِبُ﴾ ﴿إنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمّا عَلَيْها حافِظٌ﴾ ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ ﴿خُلِقَ مِن ماءٍ دافِقٍ﴾ [الطارق: ٦] ﴿يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ والتَّرائِبِ﴾ [الطارق: ٧] ﴿إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ﴾ [الطارق: ٨] ﴿يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ﴾ [الطارق: ٩] ﴿فَما لَهُ مِن قُوَّةٍ ولا ناصِرٍ﴾ [الطارق: ١٠] ﴿والسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ﴾ [الطارق: ١١] ﴿والأرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ﴾ [الطارق: ١٢] ﴿إنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ [الطارق: ١٣] ﴿وما هو بِالهَزْلِ﴾ [الطارق: ١٤] ﴿إنَّهم يَكِيدُونَ كَيْدًا﴾ [الطارق: ١٥] ﴿وأكِيدُ كَيْدًا﴾ [الطارق: ١٦] ﴿فَمَهِّلِ الكافِرِينَ أمْهِلْهم رُوَيْدًا﴾ [الطارق: ١٧] .
(p-٤٥٤)هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، ولَمّا ذَكَرَ فِيما قَبْلَها تَكْذِيبَ الكُفّارِ لِلْقُرْآنِ نَبَّهَ هُنا عَلى حَقارَةِ الإنْسانِ، ثُمَّ اسْتَطْرَدَ مِنهُ إلى أنَّ هَذا القُرْآنَ قَوْلٌ فَصْلٌ جِدٌّ، لا هَزْلَ فِيهِ ولا باطِلَ يَأْتِيهِ، ثُمَّ أمَرَ نَبِيَّهُ بِإمْهالِ هَؤُلاءِ الكَفَرَةِ المُكَذِّبِينَ، وهي آيَةُ مُوادَعَةٍ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ. (والسَّماءِ) هي المَعْرُوفَةُ، قالَهُ الجُمْهُورُ. وقِيلَ: السَّماءُ هُنا المَطَرُ.
﴿والطّارِقِ﴾ هو الآتِي لَيْلًا، أيْ يَظْهَرُ بِاللَّيْلِ. وقِيلَ: لِأنَّهُ يَطْرُقُ الجِنِّيَّ أيْ يَصُكُّهُ، مِن طَرَقْتُ البابَ إذا ضَرَبْتَهُ لِيُفْتَحَ لَكَ. أتى بِالطّارِقِ مُقْسِمًا بِهِ، وهي صِفَةٌ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ النَّجْمِ الثّاقِبِ وغَيْرِهِ. ثُمَّ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿النَّجْمُ الثّاقِبُ﴾ إظْهارًا لِفَخامَةِ ما أقْسَمَ بِهِ لِما عُلِمَ فِيهِ مِن عَجِيبِ القُدْرَةِ ولَطِيفِ الحِكْمَةِ، وتَنْبِيهًا عَلى ذَلِكَ. كَما قالَ تَعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ وإنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٥] .
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مَعْنى الآيَةِ: والسَّماءِ وجَمِيعِ ما يَطْرُقُ فِيها مِنَ الأُمُورِ والمَخْلُوقاتِ. ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ عَلى جِهَةِ التَّنْبِيهِ أجَلَّ الطّارِقاتِ قَدْرًا وهو النَّجْمُ الثّاقِبُ، وكَأنَّهُ قالَ: وما أدْراكَ ما الطّارِقُ حَتّى الطّارِقِ. انْتَهى. فَعَلى هَذا يَكُونُ ﴿النَّجْمِ الثّاقِبِ﴾ بَعْضًا مِمّا دَلَّ عَلَيْهِ ﴿والطّارِقِ﴾ إذْ هو اسْمُ جِنْسٍ يُرادُ بِهِ جَمِيعُ الطَّوارِقِ، وعَلى قَوْلِ غَيْرِهِ: يُرادُ بِهِ واحِدٌ مُفَسَّرٌ بِالنَّجْمِ الثّاقِبِ. والنَّجْمُ الثّاقِبُ عِنْدَ ابْنِ عَبّاسٍ: الجَدْيُ، وعِنْدَ ابْنِ زَيْدٍ: زُحَلُ، وقالَ هو أيْضًا وغَيْرُهُ: الثُّرَيّا، وهو الَّذِي تُطْلِقُ عَلَيْهِ العَرَبُ اسْمَ النَّجْمِ. وقالَ عَلِيٌّ: نَجْمٌ في السَّماءِ السّابِعَةِ لا يَسْكُنُها غَيْرُهُ مِنَ النُّجُومِ، فَإذا أخَذَتِ النُّجُومُ أمْكِنَتَها مِنَ السَّماءِ هَبَطَ فَكانَ مَعَها، ثُمَّ رَجَعَ إلى مَكانِهِ مِنَ السَّماءِ السّابِعَةِ، فَهو طارِقٌ حِينَ يَنْزِلُ، وطارِقٌ حِينَ يَصْعَدُ. وقالَ الحَسَنُ: هو اسْمُ جِنْسٍ؛ لِأنَّها كُلَّها ثَواقِبُ، أيْ ظاهِرَةُ الضَّوْءِ. وقِيلَ: المُرادُ جِنْسُ النُّجُومِ الَّتِي يُرْمى بِها ويُرْجَمُ. والثّاقِبُ، قِيلَ: المُضِيءُ، يُقالُ: ثَقَبَ يَثْقُبُ ثُقُوبًا وثَقابَةً: أضاءَ، أيْ يَثْقُبُ الظَّلامَ بِضَوْئِهِ. وقِيلَ: المُرْتَفِعُ العالِي، ولِذَلِكَ قِيلَ هو زُحَلُ لِأنَّهُ أرَقُّها مَكانًا. وقالَ الفَرّاءُ: ثَقَبَ الطّائِرُ ارْتَفَعَ وعَلا.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: (إنْ) خَفِيفَةً. (كُلُّ) رَفْعًا (لَما) خَفِيفَةً، فَهي عِنْدُ البَصْرِيِّينَ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، (كُلُّ) مُبْتَدَأٌ واللّامُ هي الدّاخِلَةُ لِلْفَرْقِ بَيْنَ إنِ النّافِيَةِ وإنِ المُخَفَّفَةِ، وما زائِدَةٌ، وحافِظٌ خَبَرُ المُبْتَدَأِ، وعَلَيْها مُتَعَلِّقٌ بِهِ، وعِنْدَ الكُوفِيِّينَ: إنْ نافِيَةٌ، واللّامُ بِمَعْنى إلّا، وما زائِدَةٌ، وكُلٌّ حافِظٌ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، والتَّرْجِيحُ بَيْنَ المَذْهَبَيْنِ مَذْكُورٌ في عِلْمِ النَّحْوِ. وقَرَأ الحَسَنُ والأعْرَجُ وقَتادَةُ وعاصِمٌ وابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ وأبُو عَمْرٍو ونافِعٌ بِخِلافٍ عَنْهُما: (لَمّا) مُشَدَّدَةً وهي بِمَعْنى إلّا لُغَةٌ مَشْهُورَةٌ في هُذَيْلٍ وغَيْرِهِمْ. تَقُولُ العَرَبُ: أقْسَمْتُ عَلَيْكَ لَمّا فَعَلْتَ كَذا: أيْ إلّا فَعَلْتَ، قالَهُ الأخْفَشُ، فَعَلى هَذِهِ القِراءَةِ يَتَعَيَّنُ أنْ تَكُونَ نافِيَةً، أيْ ما كُلُّ نَفْسٍ إلّا عَلَيْها حافِظٌ. وحَكى هارُونُ أنَّهُ قُرِئَ: (إنَّ) بِالتَّشْدِيدِ، (كُلَّ) بِالنَّصْبِ، فاللّامُ هي الدّاخِلَةُ في خَبَرِ إنَّ، وما زائِدَةٌ، وحافِظٌ خَبَرُ إنَّ، وجَوابُ القَسَمِ هو ما دَخَلَتْ عَلَيْهِ إنَّ، سَواءٌ كانَتِ المُخَفَّفَةَ أوِ المُشَدَّدَةَ أوِ النّافِيَةَ، لِأنَّ كُلًّا مِنها يُتَلَقّى بِهِ القَسَمُ، فَتَلَقِّيهِ بِالمُشَدَّدَةِ مَشْهُورٌ، وبِالمُخَفَّفَةِ ﴿تاللَّهِ إنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ [الصافات: ٥٦] وبِالنّافِيَةِ ﴿ولَئِنْ زالَتا إنْ أمْسَكَهُما﴾ [فاطر: ٤١] . وقِيلَ: جَوابُ القَسَمِ ﴿إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ﴾ [الطارق: ٨] وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ، والظّاهِرُ عُمُومُ (كُلُّ نَفْسٍ) .
(p-٤٥٥)وقالَ ابْنُ سِيرِينَ وقَتادَةُ وغَيْرُهُما: ﴿إنْ كُلُّ نَفْسٍ﴾ مُكَلَّفَةٍ ﴿عَلَيْها حافِظٌ﴾ يُحْصِي أعْمالَها ويَعُدُّها لِلْجَزاءِ عَلَيْها، فَيَكُونُ في الآيَةِ وعِيدٌ وزاجِرٌ وما بَعْدَ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَيْهِ. وقِيلَ: حَفَظَةٌ مِنَ اللَّهِ يَذُبُّونَ عَنْها، ولَوْ وكَلَ المَرْءَ إلى نَفْسِهِ لاخْتَطَفَتْهُ الغِيَرُ والشَّياطِينُ. وقالَ الكَلْبِيُّ والفَرّاءُ: حافِظٌ مِنَ اللَّهِ يَحْفَظُها حَتّى يُسَلِّمَها إلى المَقادِيرِ. وقِيلَ: الحافِظُ: العَقْلُ يُرْشِدُهُ إلى مَصالِحِهِ ويَكُفُّهُ عَنْ مَضارِّهِ. وقِيلَ: حافِظٌ مُهَيْمِنٌ ورَقِيبٌ عَلَيْهِ، وهو اللَّهُ تَعالى.
الطارق 86:2
سُورَةُ الطّارِقِ مَكِّيَّةٌ وهي سَبْعَ عَشْرَةَ آيَةً
﷽
﴿والسَّماءِ والطّارِقِ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما الطّارِقُ﴾ ﴿النَّجْمُ الثّاقِبُ﴾ ﴿إنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمّا عَلَيْها حافِظٌ﴾ ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ ﴿خُلِقَ مِن ماءٍ دافِقٍ﴾ [الطارق: ٦] ﴿يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ والتَّرائِبِ﴾ [الطارق: ٧] ﴿إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ﴾ [الطارق: ٨] ﴿يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ﴾ [الطارق: ٩] ﴿فَما لَهُ مِن قُوَّةٍ ولا ناصِرٍ﴾ [الطارق: ١٠] ﴿والسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ﴾ [الطارق: ١١] ﴿والأرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ﴾ [الطارق: ١٢] ﴿إنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ وما هو بِالهَزْلِ﴾ [الطارق: ١٣] ﴿إنَّهم يَكِيدُونَ كَيْدًا﴾ [الطارق: ١٥] ﴿وأكِيدُ كَيْدًا﴾ [الطارق: ١٦] ﴿فَمَهِّلِ الكافِرِينَ أمْهِلْهم رُوَيْدًا﴾ [الطارق: ١٧]
طَرَقَ يَطْرُقُ طُرُوقًا: أتى لَيْلًا، قالَ امْرُؤُ القَيْسِ:
؎ومِثْلُكِ حُبْلى قَدْ طَرَقْتُ ومُرْضِعًا
وأصْلُهُ الضَّرْبُ؛ لِأنَّ الطّارِقَ يَطْرُقُ البابَ، ومِنهُ المِطْرَقَةُ: وهي المَبِيعَةُ، واتُّسِعَ فِيهِ فَكُلُّ ما جاءَ بِلَيْلٍ يُسَمّى طارِقًا، ويُقالُ: أطْرَقَ فُلانٌ: أمْسَكَ عَنِ الكَلامِ، وأطْرَقَ بِعَيْنَيْهِ: رَمى بِهِما نَحْوَ الأرْضِ، دَفَقَ الماءَ يَدْفُقُهُ دَفْقًا: صَبَّهُ، وماءٌ دافِقٌ عَلى النَّسَبِ، ويُقالُ: دَفَقَ اللَّهُ رُوحَهُ، إذا دَعا عَلَيْهِ بِالمَوْتِ. التَّرِيبَةُ: مَوْضِعُ القِلادَةِ مِنَ الصَّدْرِ. قالَ امْرُؤُ القَيْسِ:
؎مُهَفْهَفَةٌ بَيْضاءُ غَيْرُ مُفاضَةٍ ∗∗∗ تَرائِبُها مَصْقُولَةٌ كالسَّجَنْجَلِ
جَمَعَها بِما حَوْلَها فَقالَ تَرائِبُها، وقالَ الشّاعِرُ:
؎والزَّعْفَرانُ عَلى تَرائِبِها ∗∗∗ شَرِقَتْ بِهِ اللَّبّاتُ والنَّحْرُ
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: وجَمْعُ تَرِيبَةٍ تَرِيبٌ، قالَ المُثَقَّبُ العَبْدِيُّ:
؎ومِن ذَهَبٍ يَبِينُ عَلى تَرِيبٍ ∗∗∗ كَلَوْنِ العاجِ لَيْسَ بِذِي غُصُونِ
الهَزْلُ: ضِدُّ الجِدِّ، وقالَ الكُمَيْتُ:
تَجِدُّ بِنا في كُلِّ يَوْمٍ وتَهْزِلُ
أمْهَلْتُ الرَّجُلَ: انْتَظَرْتُهُ، والمَهَلُ والمُهْلَةُ: السَّكِينَةُ، ومَهَّلْتُهُ أيْضًا تَمْهِيلًا وتَمَهَّلَ في أمْرِهِ: اتَّأدَ، واسْتَمْهَلْتُ: انْتَظَرْتُهُ، ويُقالُ مَهْلًا: أيْ رِفْقًا وسُكُونًا. رُوَيْدًا: مَصْدَرُ أرْوَدَ يُرْوِدُ، مُصَغَّرٌ تَصْغِيرَ التَّرْخِيمِ، وأصْلُهُ إرْوادًا. وقِيلَ: هو تَصْغِيرُ رَوْدٍ، مِن قَوْلِهِ: يَمْشِي عَلى رَوْدٍ: أيْ مَهَلٍ، ويُسْتَعْمَلُ مَصْدَرًا، نَحْوَ: رُوَيْدَ عَمْرٍو بِالإضافَةِ أيْ: إمْهالَ عَمْرٍو، كَقَوْلِهِ: ﴿فَضَرْبَ الرِّقابِ﴾ [محمد: ٤] ونَعْتًا لِمَصْدَرٍ، نَحْوُ: سارُوا سَيْرًا رُوَيْدًا، وحالًا نَحْوُ: سارَ القَوْمُ رُوَيْدًا، ويَكُونُ اسْمَ فِعْلٍ، وهَذا كُلُّهُ مُوَضَّحٌ في عِلْمِ النَّحْوِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
﴿والسَّماءِ والطّارِقِ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما الطّارِقُ﴾ ﴿النَّجْمُ الثّاقِبُ﴾ ﴿إنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمّا عَلَيْها حافِظٌ﴾ ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ ﴿خُلِقَ مِن ماءٍ دافِقٍ﴾ [الطارق: ٦] ﴿يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ والتَّرائِبِ﴾ [الطارق: ٧] ﴿إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ﴾ [الطارق: ٨] ﴿يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ﴾ [الطارق: ٩] ﴿فَما لَهُ مِن قُوَّةٍ ولا ناصِرٍ﴾ [الطارق: ١٠] ﴿والسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ﴾ [الطارق: ١١] ﴿والأرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ﴾ [الطارق: ١٢] ﴿إنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ [الطارق: ١٣] ﴿وما هو بِالهَزْلِ﴾ [الطارق: ١٤] ﴿إنَّهم يَكِيدُونَ كَيْدًا﴾ [الطارق: ١٥] ﴿وأكِيدُ كَيْدًا﴾ [الطارق: ١٦] ﴿فَمَهِّلِ الكافِرِينَ أمْهِلْهم رُوَيْدًا﴾ [الطارق: ١٧] .
(p-٤٥٤)هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، ولَمّا ذَكَرَ فِيما قَبْلَها تَكْذِيبَ الكُفّارِ لِلْقُرْآنِ نَبَّهَ هُنا عَلى حَقارَةِ الإنْسانِ، ثُمَّ اسْتَطْرَدَ مِنهُ إلى أنَّ هَذا القُرْآنَ قَوْلٌ فَصْلٌ جِدٌّ، لا هَزْلَ فِيهِ ولا باطِلَ يَأْتِيهِ، ثُمَّ أمَرَ نَبِيَّهُ بِإمْهالِ هَؤُلاءِ الكَفَرَةِ المُكَذِّبِينَ، وهي آيَةُ مُوادَعَةٍ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ. (والسَّماءِ) هي المَعْرُوفَةُ، قالَهُ الجُمْهُورُ. وقِيلَ: السَّماءُ هُنا المَطَرُ.
﴿والطّارِقِ﴾ هو الآتِي لَيْلًا، أيْ يَظْهَرُ بِاللَّيْلِ. وقِيلَ: لِأنَّهُ يَطْرُقُ الجِنِّيَّ أيْ يَصُكُّهُ، مِن طَرَقْتُ البابَ إذا ضَرَبْتَهُ لِيُفْتَحَ لَكَ. أتى بِالطّارِقِ مُقْسِمًا بِهِ، وهي صِفَةٌ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ النَّجْمِ الثّاقِبِ وغَيْرِهِ. ثُمَّ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿النَّجْمُ الثّاقِبُ﴾ إظْهارًا لِفَخامَةِ ما أقْسَمَ بِهِ لِما عُلِمَ فِيهِ مِن عَجِيبِ القُدْرَةِ ولَطِيفِ الحِكْمَةِ، وتَنْبِيهًا عَلى ذَلِكَ. كَما قالَ تَعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ وإنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٥] .
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مَعْنى الآيَةِ: والسَّماءِ وجَمِيعِ ما يَطْرُقُ فِيها مِنَ الأُمُورِ والمَخْلُوقاتِ. ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ عَلى جِهَةِ التَّنْبِيهِ أجَلَّ الطّارِقاتِ قَدْرًا وهو النَّجْمُ الثّاقِبُ، وكَأنَّهُ قالَ: وما أدْراكَ ما الطّارِقُ حَتّى الطّارِقِ. انْتَهى. فَعَلى هَذا يَكُونُ ﴿النَّجْمِ الثّاقِبِ﴾ بَعْضًا مِمّا دَلَّ عَلَيْهِ ﴿والطّارِقِ﴾ إذْ هو اسْمُ جِنْسٍ يُرادُ بِهِ جَمِيعُ الطَّوارِقِ، وعَلى قَوْلِ غَيْرِهِ: يُرادُ بِهِ واحِدٌ مُفَسَّرٌ بِالنَّجْمِ الثّاقِبِ. والنَّجْمُ الثّاقِبُ عِنْدَ ابْنِ عَبّاسٍ: الجَدْيُ، وعِنْدَ ابْنِ زَيْدٍ: زُحَلُ، وقالَ هو أيْضًا وغَيْرُهُ: الثُّرَيّا، وهو الَّذِي تُطْلِقُ عَلَيْهِ العَرَبُ اسْمَ النَّجْمِ. وقالَ عَلِيٌّ: نَجْمٌ في السَّماءِ السّابِعَةِ لا يَسْكُنُها غَيْرُهُ مِنَ النُّجُومِ، فَإذا أخَذَتِ النُّجُومُ أمْكِنَتَها مِنَ السَّماءِ هَبَطَ فَكانَ مَعَها، ثُمَّ رَجَعَ إلى مَكانِهِ مِنَ السَّماءِ السّابِعَةِ، فَهو طارِقٌ حِينَ يَنْزِلُ، وطارِقٌ حِينَ يَصْعَدُ. وقالَ الحَسَنُ: هو اسْمُ جِنْسٍ؛ لِأنَّها كُلَّها ثَواقِبُ، أيْ ظاهِرَةُ الضَّوْءِ. وقِيلَ: المُرادُ جِنْسُ النُّجُومِ الَّتِي يُرْمى بِها ويُرْجَمُ. والثّاقِبُ، قِيلَ: المُضِيءُ، يُقالُ: ثَقَبَ يَثْقُبُ ثُقُوبًا وثَقابَةً: أضاءَ، أيْ يَثْقُبُ الظَّلامَ بِضَوْئِهِ. وقِيلَ: المُرْتَفِعُ العالِي، ولِذَلِكَ قِيلَ هو زُحَلُ لِأنَّهُ أرَقُّها مَكانًا. وقالَ الفَرّاءُ: ثَقَبَ الطّائِرُ ارْتَفَعَ وعَلا.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: (إنْ) خَفِيفَةً. (كُلُّ) رَفْعًا (لَما) خَفِيفَةً، فَهي عِنْدُ البَصْرِيِّينَ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، (كُلُّ) مُبْتَدَأٌ واللّامُ هي الدّاخِلَةُ لِلْفَرْقِ بَيْنَ إنِ النّافِيَةِ وإنِ المُخَفَّفَةِ، وما زائِدَةٌ، وحافِظٌ خَبَرُ المُبْتَدَأِ، وعَلَيْها مُتَعَلِّقٌ بِهِ، وعِنْدَ الكُوفِيِّينَ: إنْ نافِيَةٌ، واللّامُ بِمَعْنى إلّا، وما زائِدَةٌ، وكُلٌّ حافِظٌ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، والتَّرْجِيحُ بَيْنَ المَذْهَبَيْنِ مَذْكُورٌ في عِلْمِ النَّحْوِ. وقَرَأ الحَسَنُ والأعْرَجُ وقَتادَةُ وعاصِمٌ وابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ وأبُو عَمْرٍو ونافِعٌ بِخِلافٍ عَنْهُما: (لَمّا) مُشَدَّدَةً وهي بِمَعْنى إلّا لُغَةٌ مَشْهُورَةٌ في هُذَيْلٍ وغَيْرِهِمْ. تَقُولُ العَرَبُ: أقْسَمْتُ عَلَيْكَ لَمّا فَعَلْتَ كَذا: أيْ إلّا فَعَلْتَ، قالَهُ الأخْفَشُ، فَعَلى هَذِهِ القِراءَةِ يَتَعَيَّنُ أنْ تَكُونَ نافِيَةً، أيْ ما كُلُّ نَفْسٍ إلّا عَلَيْها حافِظٌ. وحَكى هارُونُ أنَّهُ قُرِئَ: (إنَّ) بِالتَّشْدِيدِ، (كُلَّ) بِالنَّصْبِ، فاللّامُ هي الدّاخِلَةُ في خَبَرِ إنَّ، وما زائِدَةٌ، وحافِظٌ خَبَرُ إنَّ، وجَوابُ القَسَمِ هو ما دَخَلَتْ عَلَيْهِ إنَّ، سَواءٌ كانَتِ المُخَفَّفَةَ أوِ المُشَدَّدَةَ أوِ النّافِيَةَ، لِأنَّ كُلًّا مِنها يُتَلَقّى بِهِ القَسَمُ، فَتَلَقِّيهِ بِالمُشَدَّدَةِ مَشْهُورٌ، وبِالمُخَفَّفَةِ ﴿تاللَّهِ إنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ [الصافات: ٥٦] وبِالنّافِيَةِ ﴿ولَئِنْ زالَتا إنْ أمْسَكَهُما﴾ [فاطر: ٤١] . وقِيلَ: جَوابُ القَسَمِ ﴿إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ﴾ [الطارق: ٨] وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ، والظّاهِرُ عُمُومُ (كُلُّ نَفْسٍ) .
(p-٤٥٥)وقالَ ابْنُ سِيرِينَ وقَتادَةُ وغَيْرُهُما: ﴿إنْ كُلُّ نَفْسٍ﴾ مُكَلَّفَةٍ ﴿عَلَيْها حافِظٌ﴾ يُحْصِي أعْمالَها ويَعُدُّها لِلْجَزاءِ عَلَيْها، فَيَكُونُ في الآيَةِ وعِيدٌ وزاجِرٌ وما بَعْدَ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَيْهِ. وقِيلَ: حَفَظَةٌ مِنَ اللَّهِ يَذُبُّونَ عَنْها، ولَوْ وكَلَ المَرْءَ إلى نَفْسِهِ لاخْتَطَفَتْهُ الغِيَرُ والشَّياطِينُ. وقالَ الكَلْبِيُّ والفَرّاءُ: حافِظٌ مِنَ اللَّهِ يَحْفَظُها حَتّى يُسَلِّمَها إلى المَقادِيرِ. وقِيلَ: الحافِظُ: العَقْلُ يُرْشِدُهُ إلى مَصالِحِهِ ويَكُفُّهُ عَنْ مَضارِّهِ. وقِيلَ: حافِظٌ مُهَيْمِنٌ ورَقِيبٌ عَلَيْهِ، وهو اللَّهُ تَعالى.
الطارق 86:3
سُورَةُ الطّارِقِ مَكِّيَّةٌ وهي سَبْعَ عَشْرَةَ آيَةً
﷽
﴿والسَّماءِ والطّارِقِ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما الطّارِقُ﴾ ﴿النَّجْمُ الثّاقِبُ﴾ ﴿إنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمّا عَلَيْها حافِظٌ﴾ ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ ﴿خُلِقَ مِن ماءٍ دافِقٍ﴾ [الطارق: ٦] ﴿يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ والتَّرائِبِ﴾ [الطارق: ٧] ﴿إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ﴾ [الطارق: ٨] ﴿يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ﴾ [الطارق: ٩] ﴿فَما لَهُ مِن قُوَّةٍ ولا ناصِرٍ﴾ [الطارق: ١٠] ﴿والسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ﴾ [الطارق: ١١] ﴿والأرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ﴾ [الطارق: ١٢] ﴿إنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ وما هو بِالهَزْلِ﴾ [الطارق: ١٣] ﴿إنَّهم يَكِيدُونَ كَيْدًا﴾ [الطارق: ١٥] ﴿وأكِيدُ كَيْدًا﴾ [الطارق: ١٦] ﴿فَمَهِّلِ الكافِرِينَ أمْهِلْهم رُوَيْدًا﴾ [الطارق: ١٧]
طَرَقَ يَطْرُقُ طُرُوقًا: أتى لَيْلًا، قالَ امْرُؤُ القَيْسِ:
؎ومِثْلُكِ حُبْلى قَدْ طَرَقْتُ ومُرْضِعًا
وأصْلُهُ الضَّرْبُ؛ لِأنَّ الطّارِقَ يَطْرُقُ البابَ، ومِنهُ المِطْرَقَةُ: وهي المَبِيعَةُ، واتُّسِعَ فِيهِ فَكُلُّ ما جاءَ بِلَيْلٍ يُسَمّى طارِقًا، ويُقالُ: أطْرَقَ فُلانٌ: أمْسَكَ عَنِ الكَلامِ، وأطْرَقَ بِعَيْنَيْهِ: رَمى بِهِما نَحْوَ الأرْضِ، دَفَقَ الماءَ يَدْفُقُهُ دَفْقًا: صَبَّهُ، وماءٌ دافِقٌ عَلى النَّسَبِ، ويُقالُ: دَفَقَ اللَّهُ رُوحَهُ، إذا دَعا عَلَيْهِ بِالمَوْتِ. التَّرِيبَةُ: مَوْضِعُ القِلادَةِ مِنَ الصَّدْرِ. قالَ امْرُؤُ القَيْسِ:
؎مُهَفْهَفَةٌ بَيْضاءُ غَيْرُ مُفاضَةٍ ∗∗∗ تَرائِبُها مَصْقُولَةٌ كالسَّجَنْجَلِ
جَمَعَها بِما حَوْلَها فَقالَ تَرائِبُها، وقالَ الشّاعِرُ:
؎والزَّعْفَرانُ عَلى تَرائِبِها ∗∗∗ شَرِقَتْ بِهِ اللَّبّاتُ والنَّحْرُ
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: وجَمْعُ تَرِيبَةٍ تَرِيبٌ، قالَ المُثَقَّبُ العَبْدِيُّ:
؎ومِن ذَهَبٍ يَبِينُ عَلى تَرِيبٍ ∗∗∗ كَلَوْنِ العاجِ لَيْسَ بِذِي غُصُونِ
الهَزْلُ: ضِدُّ الجِدِّ، وقالَ الكُمَيْتُ:
تَجِدُّ بِنا في كُلِّ يَوْمٍ وتَهْزِلُ
أمْهَلْتُ الرَّجُلَ: انْتَظَرْتُهُ، والمَهَلُ والمُهْلَةُ: السَّكِينَةُ، ومَهَّلْتُهُ أيْضًا تَمْهِيلًا وتَمَهَّلَ في أمْرِهِ: اتَّأدَ، واسْتَمْهَلْتُ: انْتَظَرْتُهُ، ويُقالُ مَهْلًا: أيْ رِفْقًا وسُكُونًا. رُوَيْدًا: مَصْدَرُ أرْوَدَ يُرْوِدُ، مُصَغَّرٌ تَصْغِيرَ التَّرْخِيمِ، وأصْلُهُ إرْوادًا. وقِيلَ: هو تَصْغِيرُ رَوْدٍ، مِن قَوْلِهِ: يَمْشِي عَلى رَوْدٍ: أيْ مَهَلٍ، ويُسْتَعْمَلُ مَصْدَرًا، نَحْوَ: رُوَيْدَ عَمْرٍو بِالإضافَةِ أيْ: إمْهالَ عَمْرٍو، كَقَوْلِهِ: ﴿فَضَرْبَ الرِّقابِ﴾ [محمد: ٤] ونَعْتًا لِمَصْدَرٍ، نَحْوُ: سارُوا سَيْرًا رُوَيْدًا، وحالًا نَحْوُ: سارَ القَوْمُ رُوَيْدًا، ويَكُونُ اسْمَ فِعْلٍ، وهَذا كُلُّهُ مُوَضَّحٌ في عِلْمِ النَّحْوِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
﴿والسَّماءِ والطّارِقِ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما الطّارِقُ﴾ ﴿النَّجْمُ الثّاقِبُ﴾ ﴿إنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمّا عَلَيْها حافِظٌ﴾ ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ ﴿خُلِقَ مِن ماءٍ دافِقٍ﴾ [الطارق: ٦] ﴿يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ والتَّرائِبِ﴾ [الطارق: ٧] ﴿إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ﴾ [الطارق: ٨] ﴿يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ﴾ [الطارق: ٩] ﴿فَما لَهُ مِن قُوَّةٍ ولا ناصِرٍ﴾ [الطارق: ١٠] ﴿والسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ﴾ [الطارق: ١١] ﴿والأرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ﴾ [الطارق: ١٢] ﴿إنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ [الطارق: ١٣] ﴿وما هو بِالهَزْلِ﴾ [الطارق: ١٤] ﴿إنَّهم يَكِيدُونَ كَيْدًا﴾ [الطارق: ١٥] ﴿وأكِيدُ كَيْدًا﴾ [الطارق: ١٦] ﴿فَمَهِّلِ الكافِرِينَ أمْهِلْهم رُوَيْدًا﴾ [الطارق: ١٧] .
(p-٤٥٤)هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، ولَمّا ذَكَرَ فِيما قَبْلَها تَكْذِيبَ الكُفّارِ لِلْقُرْآنِ نَبَّهَ هُنا عَلى حَقارَةِ الإنْسانِ، ثُمَّ اسْتَطْرَدَ مِنهُ إلى أنَّ هَذا القُرْآنَ قَوْلٌ فَصْلٌ جِدٌّ، لا هَزْلَ فِيهِ ولا باطِلَ يَأْتِيهِ، ثُمَّ أمَرَ نَبِيَّهُ بِإمْهالِ هَؤُلاءِ الكَفَرَةِ المُكَذِّبِينَ، وهي آيَةُ مُوادَعَةٍ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ. (والسَّماءِ) هي المَعْرُوفَةُ، قالَهُ الجُمْهُورُ. وقِيلَ: السَّماءُ هُنا المَطَرُ.
﴿والطّارِقِ﴾ هو الآتِي لَيْلًا، أيْ يَظْهَرُ بِاللَّيْلِ. وقِيلَ: لِأنَّهُ يَطْرُقُ الجِنِّيَّ أيْ يَصُكُّهُ، مِن طَرَقْتُ البابَ إذا ضَرَبْتَهُ لِيُفْتَحَ لَكَ. أتى بِالطّارِقِ مُقْسِمًا بِهِ، وهي صِفَةٌ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ النَّجْمِ الثّاقِبِ وغَيْرِهِ. ثُمَّ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿النَّجْمُ الثّاقِبُ﴾ إظْهارًا لِفَخامَةِ ما أقْسَمَ بِهِ لِما عُلِمَ فِيهِ مِن عَجِيبِ القُدْرَةِ ولَطِيفِ الحِكْمَةِ، وتَنْبِيهًا عَلى ذَلِكَ. كَما قالَ تَعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ وإنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٥] .
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مَعْنى الآيَةِ: والسَّماءِ وجَمِيعِ ما يَطْرُقُ فِيها مِنَ الأُمُورِ والمَخْلُوقاتِ. ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ عَلى جِهَةِ التَّنْبِيهِ أجَلَّ الطّارِقاتِ قَدْرًا وهو النَّجْمُ الثّاقِبُ، وكَأنَّهُ قالَ: وما أدْراكَ ما الطّارِقُ حَتّى الطّارِقِ. انْتَهى. فَعَلى هَذا يَكُونُ ﴿النَّجْمِ الثّاقِبِ﴾ بَعْضًا مِمّا دَلَّ عَلَيْهِ ﴿والطّارِقِ﴾ إذْ هو اسْمُ جِنْسٍ يُرادُ بِهِ جَمِيعُ الطَّوارِقِ، وعَلى قَوْلِ غَيْرِهِ: يُرادُ بِهِ واحِدٌ مُفَسَّرٌ بِالنَّجْمِ الثّاقِبِ. والنَّجْمُ الثّاقِبُ عِنْدَ ابْنِ عَبّاسٍ: الجَدْيُ، وعِنْدَ ابْنِ زَيْدٍ: زُحَلُ، وقالَ هو أيْضًا وغَيْرُهُ: الثُّرَيّا، وهو الَّذِي تُطْلِقُ عَلَيْهِ العَرَبُ اسْمَ النَّجْمِ. وقالَ عَلِيٌّ: نَجْمٌ في السَّماءِ السّابِعَةِ لا يَسْكُنُها غَيْرُهُ مِنَ النُّجُومِ، فَإذا أخَذَتِ النُّجُومُ أمْكِنَتَها مِنَ السَّماءِ هَبَطَ فَكانَ مَعَها، ثُمَّ رَجَعَ إلى مَكانِهِ مِنَ السَّماءِ السّابِعَةِ، فَهو طارِقٌ حِينَ يَنْزِلُ، وطارِقٌ حِينَ يَصْعَدُ. وقالَ الحَسَنُ: هو اسْمُ جِنْسٍ؛ لِأنَّها كُلَّها ثَواقِبُ، أيْ ظاهِرَةُ الضَّوْءِ. وقِيلَ: المُرادُ جِنْسُ النُّجُومِ الَّتِي يُرْمى بِها ويُرْجَمُ. والثّاقِبُ، قِيلَ: المُضِيءُ، يُقالُ: ثَقَبَ يَثْقُبُ ثُقُوبًا وثَقابَةً: أضاءَ، أيْ يَثْقُبُ الظَّلامَ بِضَوْئِهِ. وقِيلَ: المُرْتَفِعُ العالِي، ولِذَلِكَ قِيلَ هو زُحَلُ لِأنَّهُ أرَقُّها مَكانًا. وقالَ الفَرّاءُ: ثَقَبَ الطّائِرُ ارْتَفَعَ وعَلا.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: (إنْ) خَفِيفَةً. (كُلُّ) رَفْعًا (لَما) خَفِيفَةً، فَهي عِنْدُ البَصْرِيِّينَ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، (كُلُّ) مُبْتَدَأٌ واللّامُ هي الدّاخِلَةُ لِلْفَرْقِ بَيْنَ إنِ النّافِيَةِ وإنِ المُخَفَّفَةِ، وما زائِدَةٌ، وحافِظٌ خَبَرُ المُبْتَدَأِ، وعَلَيْها مُتَعَلِّقٌ بِهِ، وعِنْدَ الكُوفِيِّينَ: إنْ نافِيَةٌ، واللّامُ بِمَعْنى إلّا، وما زائِدَةٌ، وكُلٌّ حافِظٌ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، والتَّرْجِيحُ بَيْنَ المَذْهَبَيْنِ مَذْكُورٌ في عِلْمِ النَّحْوِ. وقَرَأ الحَسَنُ والأعْرَجُ وقَتادَةُ وعاصِمٌ وابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ وأبُو عَمْرٍو ونافِعٌ بِخِلافٍ عَنْهُما: (لَمّا) مُشَدَّدَةً وهي بِمَعْنى إلّا لُغَةٌ مَشْهُورَةٌ في هُذَيْلٍ وغَيْرِهِمْ. تَقُولُ العَرَبُ: أقْسَمْتُ عَلَيْكَ لَمّا فَعَلْتَ كَذا: أيْ إلّا فَعَلْتَ، قالَهُ الأخْفَشُ، فَعَلى هَذِهِ القِراءَةِ يَتَعَيَّنُ أنْ تَكُونَ نافِيَةً، أيْ ما كُلُّ نَفْسٍ إلّا عَلَيْها حافِظٌ. وحَكى هارُونُ أنَّهُ قُرِئَ: (إنَّ) بِالتَّشْدِيدِ، (كُلَّ) بِالنَّصْبِ، فاللّامُ هي الدّاخِلَةُ في خَبَرِ إنَّ، وما زائِدَةٌ، وحافِظٌ خَبَرُ إنَّ، وجَوابُ القَسَمِ هو ما دَخَلَتْ عَلَيْهِ إنَّ، سَواءٌ كانَتِ المُخَفَّفَةَ أوِ المُشَدَّدَةَ أوِ النّافِيَةَ، لِأنَّ كُلًّا مِنها يُتَلَقّى بِهِ القَسَمُ، فَتَلَقِّيهِ بِالمُشَدَّدَةِ مَشْهُورٌ، وبِالمُخَفَّفَةِ ﴿تاللَّهِ إنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ [الصافات: ٥٦] وبِالنّافِيَةِ ﴿ولَئِنْ زالَتا إنْ أمْسَكَهُما﴾ [فاطر: ٤١] . وقِيلَ: جَوابُ القَسَمِ ﴿إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ﴾ [الطارق: ٨] وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ، والظّاهِرُ عُمُومُ (كُلُّ نَفْسٍ) .
(p-٤٥٥)وقالَ ابْنُ سِيرِينَ وقَتادَةُ وغَيْرُهُما: ﴿إنْ كُلُّ نَفْسٍ﴾ مُكَلَّفَةٍ ﴿عَلَيْها حافِظٌ﴾ يُحْصِي أعْمالَها ويَعُدُّها لِلْجَزاءِ عَلَيْها، فَيَكُونُ في الآيَةِ وعِيدٌ وزاجِرٌ وما بَعْدَ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَيْهِ. وقِيلَ: حَفَظَةٌ مِنَ اللَّهِ يَذُبُّونَ عَنْها، ولَوْ وكَلَ المَرْءَ إلى نَفْسِهِ لاخْتَطَفَتْهُ الغِيَرُ والشَّياطِينُ. وقالَ الكَلْبِيُّ والفَرّاءُ: حافِظٌ مِنَ اللَّهِ يَحْفَظُها حَتّى يُسَلِّمَها إلى المَقادِيرِ. وقِيلَ: الحافِظُ: العَقْلُ يُرْشِدُهُ إلى مَصالِحِهِ ويَكُفُّهُ عَنْ مَضارِّهِ. وقِيلَ: حافِظٌ مُهَيْمِنٌ ورَقِيبٌ عَلَيْهِ، وهو اللَّهُ تَعالى.
الطارق 86:4
سُورَةُ الطّارِقِ مَكِّيَّةٌ وهي سَبْعَ عَشْرَةَ آيَةً
﷽
﴿والسَّماءِ والطّارِقِ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما الطّارِقُ﴾ ﴿النَّجْمُ الثّاقِبُ﴾ ﴿إنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمّا عَلَيْها حافِظٌ﴾ ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ ﴿خُلِقَ مِن ماءٍ دافِقٍ﴾ [الطارق: ٦] ﴿يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ والتَّرائِبِ﴾ [الطارق: ٧] ﴿إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ﴾ [الطارق: ٨] ﴿يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ﴾ [الطارق: ٩] ﴿فَما لَهُ مِن قُوَّةٍ ولا ناصِرٍ﴾ [الطارق: ١٠] ﴿والسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ﴾ [الطارق: ١١] ﴿والأرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ﴾ [الطارق: ١٢] ﴿إنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ وما هو بِالهَزْلِ﴾ [الطارق: ١٣] ﴿إنَّهم يَكِيدُونَ كَيْدًا﴾ [الطارق: ١٥] ﴿وأكِيدُ كَيْدًا﴾ [الطارق: ١٦] ﴿فَمَهِّلِ الكافِرِينَ أمْهِلْهم رُوَيْدًا﴾ [الطارق: ١٧]
طَرَقَ يَطْرُقُ طُرُوقًا: أتى لَيْلًا، قالَ امْرُؤُ القَيْسِ:
؎ومِثْلُكِ حُبْلى قَدْ طَرَقْتُ ومُرْضِعًا
وأصْلُهُ الضَّرْبُ؛ لِأنَّ الطّارِقَ يَطْرُقُ البابَ، ومِنهُ المِطْرَقَةُ: وهي المَبِيعَةُ، واتُّسِعَ فِيهِ فَكُلُّ ما جاءَ بِلَيْلٍ يُسَمّى طارِقًا، ويُقالُ: أطْرَقَ فُلانٌ: أمْسَكَ عَنِ الكَلامِ، وأطْرَقَ بِعَيْنَيْهِ: رَمى بِهِما نَحْوَ الأرْضِ، دَفَقَ الماءَ يَدْفُقُهُ دَفْقًا: صَبَّهُ، وماءٌ دافِقٌ عَلى النَّسَبِ، ويُقالُ: دَفَقَ اللَّهُ رُوحَهُ، إذا دَعا عَلَيْهِ بِالمَوْتِ. التَّرِيبَةُ: مَوْضِعُ القِلادَةِ مِنَ الصَّدْرِ. قالَ امْرُؤُ القَيْسِ:
؎مُهَفْهَفَةٌ بَيْضاءُ غَيْرُ مُفاضَةٍ ∗∗∗ تَرائِبُها مَصْقُولَةٌ كالسَّجَنْجَلِ
جَمَعَها بِما حَوْلَها فَقالَ تَرائِبُها، وقالَ الشّاعِرُ:
؎والزَّعْفَرانُ عَلى تَرائِبِها ∗∗∗ شَرِقَتْ بِهِ اللَّبّاتُ والنَّحْرُ
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: وجَمْعُ تَرِيبَةٍ تَرِيبٌ، قالَ المُثَقَّبُ العَبْدِيُّ:
؎ومِن ذَهَبٍ يَبِينُ عَلى تَرِيبٍ ∗∗∗ كَلَوْنِ العاجِ لَيْسَ بِذِي غُصُونِ
الهَزْلُ: ضِدُّ الجِدِّ، وقالَ الكُمَيْتُ:
تَجِدُّ بِنا في كُلِّ يَوْمٍ وتَهْزِلُ
أمْهَلْتُ الرَّجُلَ: انْتَظَرْتُهُ، والمَهَلُ والمُهْلَةُ: السَّكِينَةُ، ومَهَّلْتُهُ أيْضًا تَمْهِيلًا وتَمَهَّلَ في أمْرِهِ: اتَّأدَ، واسْتَمْهَلْتُ: انْتَظَرْتُهُ، ويُقالُ مَهْلًا: أيْ رِفْقًا وسُكُونًا. رُوَيْدًا: مَصْدَرُ أرْوَدَ يُرْوِدُ، مُصَغَّرٌ تَصْغِيرَ التَّرْخِيمِ، وأصْلُهُ إرْوادًا. وقِيلَ: هو تَصْغِيرُ رَوْدٍ، مِن قَوْلِهِ: يَمْشِي عَلى رَوْدٍ: أيْ مَهَلٍ، ويُسْتَعْمَلُ مَصْدَرًا، نَحْوَ: رُوَيْدَ عَمْرٍو بِالإضافَةِ أيْ: إمْهالَ عَمْرٍو، كَقَوْلِهِ: ﴿فَضَرْبَ الرِّقابِ﴾ [محمد: ٤] ونَعْتًا لِمَصْدَرٍ، نَحْوُ: سارُوا سَيْرًا رُوَيْدًا، وحالًا نَحْوُ: سارَ القَوْمُ رُوَيْدًا، ويَكُونُ اسْمَ فِعْلٍ، وهَذا كُلُّهُ مُوَضَّحٌ في عِلْمِ النَّحْوِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
﴿والسَّماءِ والطّارِقِ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما الطّارِقُ﴾ ﴿النَّجْمُ الثّاقِبُ﴾ ﴿إنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمّا عَلَيْها حافِظٌ﴾ ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ ﴿خُلِقَ مِن ماءٍ دافِقٍ﴾ [الطارق: ٦] ﴿يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ والتَّرائِبِ﴾ [الطارق: ٧] ﴿إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ﴾ [الطارق: ٨] ﴿يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ﴾ [الطارق: ٩] ﴿فَما لَهُ مِن قُوَّةٍ ولا ناصِرٍ﴾ [الطارق: ١٠] ﴿والسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ﴾ [الطارق: ١١] ﴿والأرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ﴾ [الطارق: ١٢] ﴿إنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ [الطارق: ١٣] ﴿وما هو بِالهَزْلِ﴾ [الطارق: ١٤] ﴿إنَّهم يَكِيدُونَ كَيْدًا﴾ [الطارق: ١٥] ﴿وأكِيدُ كَيْدًا﴾ [الطارق: ١٦] ﴿فَمَهِّلِ الكافِرِينَ أمْهِلْهم رُوَيْدًا﴾ [الطارق: ١٧] .
(p-٤٥٤)هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، ولَمّا ذَكَرَ فِيما قَبْلَها تَكْذِيبَ الكُفّارِ لِلْقُرْآنِ نَبَّهَ هُنا عَلى حَقارَةِ الإنْسانِ، ثُمَّ اسْتَطْرَدَ مِنهُ إلى أنَّ هَذا القُرْآنَ قَوْلٌ فَصْلٌ جِدٌّ، لا هَزْلَ فِيهِ ولا باطِلَ يَأْتِيهِ، ثُمَّ أمَرَ نَبِيَّهُ بِإمْهالِ هَؤُلاءِ الكَفَرَةِ المُكَذِّبِينَ، وهي آيَةُ مُوادَعَةٍ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ. (والسَّماءِ) هي المَعْرُوفَةُ، قالَهُ الجُمْهُورُ. وقِيلَ: السَّماءُ هُنا المَطَرُ.
﴿والطّارِقِ﴾ هو الآتِي لَيْلًا، أيْ يَظْهَرُ بِاللَّيْلِ. وقِيلَ: لِأنَّهُ يَطْرُقُ الجِنِّيَّ أيْ يَصُكُّهُ، مِن طَرَقْتُ البابَ إذا ضَرَبْتَهُ لِيُفْتَحَ لَكَ. أتى بِالطّارِقِ مُقْسِمًا بِهِ، وهي صِفَةٌ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ النَّجْمِ الثّاقِبِ وغَيْرِهِ. ثُمَّ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿النَّجْمُ الثّاقِبُ﴾ إظْهارًا لِفَخامَةِ ما أقْسَمَ بِهِ لِما عُلِمَ فِيهِ مِن عَجِيبِ القُدْرَةِ ولَطِيفِ الحِكْمَةِ، وتَنْبِيهًا عَلى ذَلِكَ. كَما قالَ تَعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ وإنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٥] .
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مَعْنى الآيَةِ: والسَّماءِ وجَمِيعِ ما يَطْرُقُ فِيها مِنَ الأُمُورِ والمَخْلُوقاتِ. ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ عَلى جِهَةِ التَّنْبِيهِ أجَلَّ الطّارِقاتِ قَدْرًا وهو النَّجْمُ الثّاقِبُ، وكَأنَّهُ قالَ: وما أدْراكَ ما الطّارِقُ حَتّى الطّارِقِ. انْتَهى. فَعَلى هَذا يَكُونُ ﴿النَّجْمِ الثّاقِبِ﴾ بَعْضًا مِمّا دَلَّ عَلَيْهِ ﴿والطّارِقِ﴾ إذْ هو اسْمُ جِنْسٍ يُرادُ بِهِ جَمِيعُ الطَّوارِقِ، وعَلى قَوْلِ غَيْرِهِ: يُرادُ بِهِ واحِدٌ مُفَسَّرٌ بِالنَّجْمِ الثّاقِبِ. والنَّجْمُ الثّاقِبُ عِنْدَ ابْنِ عَبّاسٍ: الجَدْيُ، وعِنْدَ ابْنِ زَيْدٍ: زُحَلُ، وقالَ هو أيْضًا وغَيْرُهُ: الثُّرَيّا، وهو الَّذِي تُطْلِقُ عَلَيْهِ العَرَبُ اسْمَ النَّجْمِ. وقالَ عَلِيٌّ: نَجْمٌ في السَّماءِ السّابِعَةِ لا يَسْكُنُها غَيْرُهُ مِنَ النُّجُومِ، فَإذا أخَذَتِ النُّجُومُ أمْكِنَتَها مِنَ السَّماءِ هَبَطَ فَكانَ مَعَها، ثُمَّ رَجَعَ إلى مَكانِهِ مِنَ السَّماءِ السّابِعَةِ، فَهو طارِقٌ حِينَ يَنْزِلُ، وطارِقٌ حِينَ يَصْعَدُ. وقالَ الحَسَنُ: هو اسْمُ جِنْسٍ؛ لِأنَّها كُلَّها ثَواقِبُ، أيْ ظاهِرَةُ الضَّوْءِ. وقِيلَ: المُرادُ جِنْسُ النُّجُومِ الَّتِي يُرْمى بِها ويُرْجَمُ. والثّاقِبُ، قِيلَ: المُضِيءُ، يُقالُ: ثَقَبَ يَثْقُبُ ثُقُوبًا وثَقابَةً: أضاءَ، أيْ يَثْقُبُ الظَّلامَ بِضَوْئِهِ. وقِيلَ: المُرْتَفِعُ العالِي، ولِذَلِكَ قِيلَ هو زُحَلُ لِأنَّهُ أرَقُّها مَكانًا. وقالَ الفَرّاءُ: ثَقَبَ الطّائِرُ ارْتَفَعَ وعَلا.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: (إنْ) خَفِيفَةً. (كُلُّ) رَفْعًا (لَما) خَفِيفَةً، فَهي عِنْدُ البَصْرِيِّينَ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، (كُلُّ) مُبْتَدَأٌ واللّامُ هي الدّاخِلَةُ لِلْفَرْقِ بَيْنَ إنِ النّافِيَةِ وإنِ المُخَفَّفَةِ، وما زائِدَةٌ، وحافِظٌ خَبَرُ المُبْتَدَأِ، وعَلَيْها مُتَعَلِّقٌ بِهِ، وعِنْدَ الكُوفِيِّينَ: إنْ نافِيَةٌ، واللّامُ بِمَعْنى إلّا، وما زائِدَةٌ، وكُلٌّ حافِظٌ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، والتَّرْجِيحُ بَيْنَ المَذْهَبَيْنِ مَذْكُورٌ في عِلْمِ النَّحْوِ. وقَرَأ الحَسَنُ والأعْرَجُ وقَتادَةُ وعاصِمٌ وابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ وأبُو عَمْرٍو ونافِعٌ بِخِلافٍ عَنْهُما: (لَمّا) مُشَدَّدَةً وهي بِمَعْنى إلّا لُغَةٌ مَشْهُورَةٌ في هُذَيْلٍ وغَيْرِهِمْ. تَقُولُ العَرَبُ: أقْسَمْتُ عَلَيْكَ لَمّا فَعَلْتَ كَذا: أيْ إلّا فَعَلْتَ، قالَهُ الأخْفَشُ، فَعَلى هَذِهِ القِراءَةِ يَتَعَيَّنُ أنْ تَكُونَ نافِيَةً، أيْ ما كُلُّ نَفْسٍ إلّا عَلَيْها حافِظٌ. وحَكى هارُونُ أنَّهُ قُرِئَ: (إنَّ) بِالتَّشْدِيدِ، (كُلَّ) بِالنَّصْبِ، فاللّامُ هي الدّاخِلَةُ في خَبَرِ إنَّ، وما زائِدَةٌ، وحافِظٌ خَبَرُ إنَّ، وجَوابُ القَسَمِ هو ما دَخَلَتْ عَلَيْهِ إنَّ، سَواءٌ كانَتِ المُخَفَّفَةَ أوِ المُشَدَّدَةَ أوِ النّافِيَةَ، لِأنَّ كُلًّا مِنها يُتَلَقّى بِهِ القَسَمُ، فَتَلَقِّيهِ بِالمُشَدَّدَةِ مَشْهُورٌ، وبِالمُخَفَّفَةِ ﴿تاللَّهِ إنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ [الصافات: ٥٦] وبِالنّافِيَةِ ﴿ولَئِنْ زالَتا إنْ أمْسَكَهُما﴾ [فاطر: ٤١] . وقِيلَ: جَوابُ القَسَمِ ﴿إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ﴾ [الطارق: ٨] وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ، والظّاهِرُ عُمُومُ (كُلُّ نَفْسٍ) .
(p-٤٥٥)وقالَ ابْنُ سِيرِينَ وقَتادَةُ وغَيْرُهُما: ﴿إنْ كُلُّ نَفْسٍ﴾ مُكَلَّفَةٍ ﴿عَلَيْها حافِظٌ﴾ يُحْصِي أعْمالَها ويَعُدُّها لِلْجَزاءِ عَلَيْها، فَيَكُونُ في الآيَةِ وعِيدٌ وزاجِرٌ وما بَعْدَ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَيْهِ. وقِيلَ: حَفَظَةٌ مِنَ اللَّهِ يَذُبُّونَ عَنْها، ولَوْ وكَلَ المَرْءَ إلى نَفْسِهِ لاخْتَطَفَتْهُ الغِيَرُ والشَّياطِينُ. وقالَ الكَلْبِيُّ والفَرّاءُ: حافِظٌ مِنَ اللَّهِ يَحْفَظُها حَتّى يُسَلِّمَها إلى المَقادِيرِ. وقِيلَ: الحافِظُ: العَقْلُ يُرْشِدُهُ إلى مَصالِحِهِ ويَكُفُّهُ عَنْ مَضارِّهِ. وقِيلَ: حافِظٌ مُهَيْمِنٌ ورَقِيبٌ عَلَيْهِ، وهو اللَّهُ تَعالى.
الطارق 86:5
سُورَةُ الطّارِقِ مَكِّيَّةٌ وهي سَبْعَ عَشْرَةَ آيَةً
﷽
﴿والسَّماءِ والطّارِقِ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما الطّارِقُ﴾ ﴿النَّجْمُ الثّاقِبُ﴾ ﴿إنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمّا عَلَيْها حافِظٌ﴾ ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ ﴿خُلِقَ مِن ماءٍ دافِقٍ﴾ [الطارق: ٦] ﴿يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ والتَّرائِبِ﴾ [الطارق: ٧] ﴿إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ﴾ [الطارق: ٨] ﴿يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ﴾ [الطارق: ٩] ﴿فَما لَهُ مِن قُوَّةٍ ولا ناصِرٍ﴾ [الطارق: ١٠] ﴿والسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ﴾ [الطارق: ١١] ﴿والأرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ﴾ [الطارق: ١٢] ﴿إنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ وما هو بِالهَزْلِ﴾ [الطارق: ١٣] ﴿إنَّهم يَكِيدُونَ كَيْدًا﴾ [الطارق: ١٥] ﴿وأكِيدُ كَيْدًا﴾ [الطارق: ١٦] ﴿فَمَهِّلِ الكافِرِينَ أمْهِلْهم رُوَيْدًا﴾ [الطارق: ١٧]
طَرَقَ يَطْرُقُ طُرُوقًا: أتى لَيْلًا، قالَ امْرُؤُ القَيْسِ:
؎ومِثْلُكِ حُبْلى قَدْ طَرَقْتُ ومُرْضِعًا
وأصْلُهُ الضَّرْبُ؛ لِأنَّ الطّارِقَ يَطْرُقُ البابَ، ومِنهُ المِطْرَقَةُ: وهي المَبِيعَةُ، واتُّسِعَ فِيهِ فَكُلُّ ما جاءَ بِلَيْلٍ يُسَمّى طارِقًا، ويُقالُ: أطْرَقَ فُلانٌ: أمْسَكَ عَنِ الكَلامِ، وأطْرَقَ بِعَيْنَيْهِ: رَمى بِهِما نَحْوَ الأرْضِ، دَفَقَ الماءَ يَدْفُقُهُ دَفْقًا: صَبَّهُ، وماءٌ دافِقٌ عَلى النَّسَبِ، ويُقالُ: دَفَقَ اللَّهُ رُوحَهُ، إذا دَعا عَلَيْهِ بِالمَوْتِ. التَّرِيبَةُ: مَوْضِعُ القِلادَةِ مِنَ الصَّدْرِ. قالَ امْرُؤُ القَيْسِ:
؎مُهَفْهَفَةٌ بَيْضاءُ غَيْرُ مُفاضَةٍ ∗∗∗ تَرائِبُها مَصْقُولَةٌ كالسَّجَنْجَلِ
جَمَعَها بِما حَوْلَها فَقالَ تَرائِبُها، وقالَ الشّاعِرُ:
؎والزَّعْفَرانُ عَلى تَرائِبِها ∗∗∗ شَرِقَتْ بِهِ اللَّبّاتُ والنَّحْرُ
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: وجَمْعُ تَرِيبَةٍ تَرِيبٌ، قالَ المُثَقَّبُ العَبْدِيُّ:
؎ومِن ذَهَبٍ يَبِينُ عَلى تَرِيبٍ ∗∗∗ كَلَوْنِ العاجِ لَيْسَ بِذِي غُصُونِ
الهَزْلُ: ضِدُّ الجِدِّ، وقالَ الكُمَيْتُ:
تَجِدُّ بِنا في كُلِّ يَوْمٍ وتَهْزِلُ
أمْهَلْتُ الرَّجُلَ: انْتَظَرْتُهُ، والمَهَلُ والمُهْلَةُ: السَّكِينَةُ، ومَهَّلْتُهُ أيْضًا تَمْهِيلًا وتَمَهَّلَ في أمْرِهِ: اتَّأدَ، واسْتَمْهَلْتُ: انْتَظَرْتُهُ، ويُقالُ مَهْلًا: أيْ رِفْقًا وسُكُونًا. رُوَيْدًا: مَصْدَرُ أرْوَدَ يُرْوِدُ، مُصَغَّرٌ تَصْغِيرَ التَّرْخِيمِ، وأصْلُهُ إرْوادًا. وقِيلَ: هو تَصْغِيرُ رَوْدٍ، مِن قَوْلِهِ: يَمْشِي عَلى رَوْدٍ: أيْ مَهَلٍ، ويُسْتَعْمَلُ مَصْدَرًا، نَحْوَ: رُوَيْدَ عَمْرٍو بِالإضافَةِ أيْ: إمْهالَ عَمْرٍو، كَقَوْلِهِ: ﴿فَضَرْبَ الرِّقابِ﴾ [محمد: ٤] ونَعْتًا لِمَصْدَرٍ، نَحْوُ: سارُوا سَيْرًا رُوَيْدًا، وحالًا نَحْوُ: سارَ القَوْمُ رُوَيْدًا، ويَكُونُ اسْمَ فِعْلٍ، وهَذا كُلُّهُ مُوَضَّحٌ في عِلْمِ النَّحْوِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
﴿والسَّماءِ والطّارِقِ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما الطّارِقُ﴾ ﴿النَّجْمُ الثّاقِبُ﴾ ﴿إنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمّا عَلَيْها حافِظٌ﴾ ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ ﴿خُلِقَ مِن ماءٍ دافِقٍ﴾ [الطارق: ٦] ﴿يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ والتَّرائِبِ﴾ [الطارق: ٧] ﴿إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ﴾ [الطارق: ٨] ﴿يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ﴾ [الطارق: ٩] ﴿فَما لَهُ مِن قُوَّةٍ ولا ناصِرٍ﴾ [الطارق: ١٠] ﴿والسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ﴾ [الطارق: ١١] ﴿والأرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ﴾ [الطارق: ١٢] ﴿إنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ [الطارق: ١٣] ﴿وما هو بِالهَزْلِ﴾ [الطارق: ١٤] ﴿إنَّهم يَكِيدُونَ كَيْدًا﴾ [الطارق: ١٥] ﴿وأكِيدُ كَيْدًا﴾ [الطارق: ١٦] ﴿فَمَهِّلِ الكافِرِينَ أمْهِلْهم رُوَيْدًا﴾ [الطارق: ١٧] .
(p-٤٥٤)هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، ولَمّا ذَكَرَ فِيما قَبْلَها تَكْذِيبَ الكُفّارِ لِلْقُرْآنِ نَبَّهَ هُنا عَلى حَقارَةِ الإنْسانِ، ثُمَّ اسْتَطْرَدَ مِنهُ إلى أنَّ هَذا القُرْآنَ قَوْلٌ فَصْلٌ جِدٌّ، لا هَزْلَ فِيهِ ولا باطِلَ يَأْتِيهِ، ثُمَّ أمَرَ نَبِيَّهُ بِإمْهالِ هَؤُلاءِ الكَفَرَةِ المُكَذِّبِينَ، وهي آيَةُ مُوادَعَةٍ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ. (والسَّماءِ) هي المَعْرُوفَةُ، قالَهُ الجُمْهُورُ. وقِيلَ: السَّماءُ هُنا المَطَرُ.
﴿والطّارِقِ﴾ هو الآتِي لَيْلًا، أيْ يَظْهَرُ بِاللَّيْلِ. وقِيلَ: لِأنَّهُ يَطْرُقُ الجِنِّيَّ أيْ يَصُكُّهُ، مِن طَرَقْتُ البابَ إذا ضَرَبْتَهُ لِيُفْتَحَ لَكَ. أتى بِالطّارِقِ مُقْسِمًا بِهِ، وهي صِفَةٌ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ النَّجْمِ الثّاقِبِ وغَيْرِهِ. ثُمَّ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿النَّجْمُ الثّاقِبُ﴾ إظْهارًا لِفَخامَةِ ما أقْسَمَ بِهِ لِما عُلِمَ فِيهِ مِن عَجِيبِ القُدْرَةِ ولَطِيفِ الحِكْمَةِ، وتَنْبِيهًا عَلى ذَلِكَ. كَما قالَ تَعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ وإنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٥] .
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مَعْنى الآيَةِ: والسَّماءِ وجَمِيعِ ما يَطْرُقُ فِيها مِنَ الأُمُورِ والمَخْلُوقاتِ. ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ عَلى جِهَةِ التَّنْبِيهِ أجَلَّ الطّارِقاتِ قَدْرًا وهو النَّجْمُ الثّاقِبُ، وكَأنَّهُ قالَ: وما أدْراكَ ما الطّارِقُ حَتّى الطّارِقِ. انْتَهى. فَعَلى هَذا يَكُونُ ﴿النَّجْمِ الثّاقِبِ﴾ بَعْضًا مِمّا دَلَّ عَلَيْهِ ﴿والطّارِقِ﴾ إذْ هو اسْمُ جِنْسٍ يُرادُ بِهِ جَمِيعُ الطَّوارِقِ، وعَلى قَوْلِ غَيْرِهِ: يُرادُ بِهِ واحِدٌ مُفَسَّرٌ بِالنَّجْمِ الثّاقِبِ. والنَّجْمُ الثّاقِبُ عِنْدَ ابْنِ عَبّاسٍ: الجَدْيُ، وعِنْدَ ابْنِ زَيْدٍ: زُحَلُ، وقالَ هو أيْضًا وغَيْرُهُ: الثُّرَيّا، وهو الَّذِي تُطْلِقُ عَلَيْهِ العَرَبُ اسْمَ النَّجْمِ. وقالَ عَلِيٌّ: نَجْمٌ في السَّماءِ السّابِعَةِ لا يَسْكُنُها غَيْرُهُ مِنَ النُّجُومِ، فَإذا أخَذَتِ النُّجُومُ أمْكِنَتَها مِنَ السَّماءِ هَبَطَ فَكانَ مَعَها، ثُمَّ رَجَعَ إلى مَكانِهِ مِنَ السَّماءِ السّابِعَةِ، فَهو طارِقٌ حِينَ يَنْزِلُ، وطارِقٌ حِينَ يَصْعَدُ. وقالَ الحَسَنُ: هو اسْمُ جِنْسٍ؛ لِأنَّها كُلَّها ثَواقِبُ، أيْ ظاهِرَةُ الضَّوْءِ. وقِيلَ: المُرادُ جِنْسُ النُّجُومِ الَّتِي يُرْمى بِها ويُرْجَمُ. والثّاقِبُ، قِيلَ: المُضِيءُ، يُقالُ: ثَقَبَ يَثْقُبُ ثُقُوبًا وثَقابَةً: أضاءَ، أيْ يَثْقُبُ الظَّلامَ بِضَوْئِهِ. وقِيلَ: المُرْتَفِعُ العالِي، ولِذَلِكَ قِيلَ هو زُحَلُ لِأنَّهُ أرَقُّها مَكانًا. وقالَ الفَرّاءُ: ثَقَبَ الطّائِرُ ارْتَفَعَ وعَلا.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: (إنْ) خَفِيفَةً. (كُلُّ) رَفْعًا (لَما) خَفِيفَةً، فَهي عِنْدُ البَصْرِيِّينَ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، (كُلُّ) مُبْتَدَأٌ واللّامُ هي الدّاخِلَةُ لِلْفَرْقِ بَيْنَ إنِ النّافِيَةِ وإنِ المُخَفَّفَةِ، وما زائِدَةٌ، وحافِظٌ خَبَرُ المُبْتَدَأِ، وعَلَيْها مُتَعَلِّقٌ بِهِ، وعِنْدَ الكُوفِيِّينَ: إنْ نافِيَةٌ، واللّامُ بِمَعْنى إلّا، وما زائِدَةٌ، وكُلٌّ حافِظٌ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، والتَّرْجِيحُ بَيْنَ المَذْهَبَيْنِ مَذْكُورٌ في عِلْمِ النَّحْوِ. وقَرَأ الحَسَنُ والأعْرَجُ وقَتادَةُ وعاصِمٌ وابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ وأبُو عَمْرٍو ونافِعٌ بِخِلافٍ عَنْهُما: (لَمّا) مُشَدَّدَةً وهي بِمَعْنى إلّا لُغَةٌ مَشْهُورَةٌ في هُذَيْلٍ وغَيْرِهِمْ. تَقُولُ العَرَبُ: أقْسَمْتُ عَلَيْكَ لَمّا فَعَلْتَ كَذا: أيْ إلّا فَعَلْتَ، قالَهُ الأخْفَشُ، فَعَلى هَذِهِ القِراءَةِ يَتَعَيَّنُ أنْ تَكُونَ نافِيَةً، أيْ ما كُلُّ نَفْسٍ إلّا عَلَيْها حافِظٌ. وحَكى هارُونُ أنَّهُ قُرِئَ: (إنَّ) بِالتَّشْدِيدِ، (كُلَّ) بِالنَّصْبِ، فاللّامُ هي الدّاخِلَةُ في خَبَرِ إنَّ، وما زائِدَةٌ، وحافِظٌ خَبَرُ إنَّ، وجَوابُ القَسَمِ هو ما دَخَلَتْ عَلَيْهِ إنَّ، سَواءٌ كانَتِ المُخَفَّفَةَ أوِ المُشَدَّدَةَ أوِ النّافِيَةَ، لِأنَّ كُلًّا مِنها يُتَلَقّى بِهِ القَسَمُ، فَتَلَقِّيهِ بِالمُشَدَّدَةِ مَشْهُورٌ، وبِالمُخَفَّفَةِ ﴿تاللَّهِ إنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ [الصافات: ٥٦] وبِالنّافِيَةِ ﴿ولَئِنْ زالَتا إنْ أمْسَكَهُما﴾ [فاطر: ٤١] . وقِيلَ: جَوابُ القَسَمِ ﴿إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ﴾ [الطارق: ٨] وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ، والظّاهِرُ عُمُومُ (كُلُّ نَفْسٍ) .
(p-٤٥٥)وقالَ ابْنُ سِيرِينَ وقَتادَةُ وغَيْرُهُما: ﴿إنْ كُلُّ نَفْسٍ﴾ مُكَلَّفَةٍ ﴿عَلَيْها حافِظٌ﴾ يُحْصِي أعْمالَها ويَعُدُّها لِلْجَزاءِ عَلَيْها، فَيَكُونُ في الآيَةِ وعِيدٌ وزاجِرٌ وما بَعْدَ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَيْهِ. وقِيلَ: حَفَظَةٌ مِنَ اللَّهِ يَذُبُّونَ عَنْها، ولَوْ وكَلَ المَرْءَ إلى نَفْسِهِ لاخْتَطَفَتْهُ الغِيَرُ والشَّياطِينُ. وقالَ الكَلْبِيُّ والفَرّاءُ: حافِظٌ مِنَ اللَّهِ يَحْفَظُها حَتّى يُسَلِّمَها إلى المَقادِيرِ. وقِيلَ: الحافِظُ: العَقْلُ يُرْشِدُهُ إلى مَصالِحِهِ ويَكُفُّهُ عَنْ مَضارِّهِ. وقِيلَ: حافِظٌ مُهَيْمِنٌ ورَقِيبٌ عَلَيْهِ، وهو اللَّهُ تَعالى.
الطارق 86:6
ولَمّا ذَكَرَ أنَّ كُلَّ نَفْسٍ عَلَيْها حافِظٌ، أتْبَعَ ذَلِكَ بِوَصِيَّةِ الإنْسانِ بِالنَّظَرِ في أوَّلِ نَشْأتِهِ الأُولى حَتّى يَعْلَمَ أنَّ مَن أنْشَأهُ قادِرٌ عَلى إعادَتِهِ وجَزائِهِ، فَيَعْمَلَ لِذَلِكَ ولا يُمْلِي عَلى حافِظِهِ إلّا ما يَسُرُّهُ في عاقِبَتِهِ. و﴿مِمَّ خُلِقَ﴾ [الطارق: ٥] اسْتِفْهامٌ، ومِن مُتَعَلِّقَةٌ بِـ(خُلِقَ)، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ(فَلْيَنْظُرْ)، وهي مُعَلَّقَةٌ. وجَوابُ الِاسْتِفْهامِ ما بَعْدَهُ وهو: ﴿خُلِقَ مِن ماءٍ دافِقٍ﴾ وهو مَنِيُّ الرَّجُلِ والمَرْأةِ لَمّا امْتَزَجا في الرَّحِمِ واتَّحَدا عَبَّرَ عَنْهُما بِماءٍ، وهو مُفْرَدٌ، ودافِقٌ قِيلَ: هو بِمَعْنى مَدْفُوقٍ، وهي قِراءَةُ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ. وعِنْدَ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ: هو عَلى النَّسَبِ، كَلابِنٍ وتامِرٍ، أيْ: ذِي دَفْقٍ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: بِمَعْنى دافِقٍ لَزِجٍ، وكَأنَّهُ أطْلَقَ عَلَيْهِ وصْفَهُ لا أنَّهُ مَوْضُوعٌ في اللُّغَةِ لِذَلِكَ، والدَّفْقُ: الصَّبُّ، فِعْلُهُ مُتَعَدٍّ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والدَّفْقُ: دَفْعُ الماءِ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، تَدَفَّقَ الوادِي والسَّيْلُ إذا جاءَ يَرْكَبُ بَعْضُهُ بَعْضًا. ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ الماءُ دافِقًا؛ لِأنَّ بَعْضَهُ يَدْفَعُ بَعْضًا، فَمِنهُ دافِقٌ ومِنهُ مَدْفُوقٌ. انْتَهى. ورُكِّبَ قَوْلُهُ هَذا عَلى تَدَفَّقَ، وتَدَفَّقَ لازِمٌ دَفَقْتُهُ فَتَدَفَّقَ، نَحْوَ: كَسَرْتُهُ فَتَكَسَّرَ، ودَفَقَ لَيْسَ في اللُّغَةِ مَعْناهُ ما فَسَّرَ مِن قَوْلِهِ: والدَّفْقُ دَفْعُ الماءِ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، بَلِ المَحْفُوظُ أنَّهُ الصَّبُّ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يَخْرُجُ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ ﴿مِن بَيْنِ الصُّلْبِ﴾ بِضَمِّ الصّادِ وسُكُونِ اللّامِ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ وابْنُ مِقْسَمٍ: مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وهُما وأهْلُ مَكَّةَ وعِيسى: بِضَمِّ الصّادِ واللّامِ، واليَمانِيُّ: بِفَتْحِهِما. قالَ العَجّاجُ:
؎فِي صُلْبٍ مِثْلِ العَنانِ المُؤَدَّمِ
وتَقَدَّمَتِ اللُّغاتُ في الصُّلْبِ في سُورَةِ النِّساءِ، وإعْرابُها صالِبٌ كَما قالَ العَبّاسُ:
؎تُنْقَلُ مِن صالِبٍ إلى رَحِمٍ
قالَ قَتادَةُ والحَسَنُ: مَعْناهُ مِن بَيْنِ صُلْبِ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الرَّجُلِ والمَرْأةِ وتَرائِبِهِ. وقالَ سُفْيانُ وقَتادَةُ أيْضًا: مِن بَيْنِ صُلْبِ الرَّجُلِ وتَرائِبِ المَرْأةِ، وتَقَدَّمَ شَرْحُ التَّرائِبِ في المُفْرَداتِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَوْضِعُ القِلادَةِ، وعَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ: هي أضْلاعُ الرَّجُلِ الَّتِي أسْفَلَ الصُّلْبِ. وقِيلَ: ما بَيْنَ المَنكِبَيْنِ والصَّدْرِ. وقِيلَ: هي التَّراقِي، وعَنْ مَعْمَرٍ: هي عُصارَةُ القَلْبِ ومِنهُ يَكُونُ الوَلَدُ. ونَقَلَ مَكِّيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ التَّرائِبَ أطْرافُ المَرْءِ، رِجْلاهُ ويَداهُ وعَيْناهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وفي هَذِهِ الأحْوالِ تَحْكُمُ عَلى اللُّغَةِ. انْتَهى.
(إنَّهُ) الضَّمِيرُ يَعُودُ عَلى الخالِقِ الدّالِّ عَلَيْهِ (خُلِقَ) .
﴿عَلى رَجْعِهِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ: الضَّمِيرُ في رَجْعِهِ عائِدٌ عَلى الإنْسانِ، أيْ عَلى رَدِّهِ حَيًّا بَعْدَ مَوْتِهِ، أيْ مَن أنْشَأهُ أوَّلًا قادِرٌ عَلى بَعْثِهِ يَوْمَ القِيامَةِ لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ. وقالَ الضَّحّاكُ: عَلى رَدِّهِ مِنَ الكِبَرِ إلى الشَّبابِ. وقالَ عِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ: الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى الماءِ، أيْ عَلى رَدِّ الماءِ في الإحْلِيلِ أوْ في الصُّلْبِ. وعَلى هَذا القَوْلِ وقَوْلِ الضَّحّاكِ يَكُونُ العامِلُ في ﴿يَوْمَ تُبْلى﴾ مُضْمَرًا تَقْدِيرُهُ اذْكُرْ. وعَلى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ، وهو الأظْهَرُ، فَقالَ بَعْضُ النُّحاةِ: العامِلُ (ناصِرٍ) مِن قَوْلِهِ: ﴿ولا ناصِرٍ﴾ وهَذا فاسِدٌ لِأنَّ ما بَعْدَ الفاءِ لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَها، وكَذَلِكَ ما النّافِيَةُ لا يَعْمَلُ ما بَعْدَها فِيما قَبْلَها عَلى المَشْهُورِ المَنصُورِ. وقالَ آخَرُونَ، ومِنهُمُ الزَّمَخْشَرِيُّ: العامِلُ (رَجْعِهِ) ورُدَّ بِأنْ فِيهِ فَصْلًا بَيْنَ المَوْصُولِ ومُتَعَلِّقِهِ، وهو مِن تَمامِ الصِّلَةِ، ولا يَجُوزُ. وقالَ الحُذّاقُ مِنَ النُّحاةِ: العامِلُ فِيهِ مُضْمَرٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ المَصْدَرُ تَقْدِيرُهُ: يُرْجِعُهُ يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وكُلُّ هَذِهِ الفِرَقِ فَرَّتْ مِن أنْ يَكُونَ العامِلُ ”لَقادِرٌ“، لِأنَّهُ يَظْهَرُ مِن ذَلِكَ تَخْصِيصُ القُدْرَةِ في ذَلِكَ اليَوْمِ وحْدَهُ. وإذا تُؤُمِّلَ المَعْنى وما يَقْتَضِيهِ فَصِيحُ كَلامِ العَرَبِ جازَ أنْ يَكُونَ المَعْنى ”لَقادِرٌ“، وذَلِكَ أنَّهُ قالَ: ﴿إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ﴾ عَلى الإطْلاقِ أوَّلًا وآخِرًا وفي كُلِّ وقْتٍ. ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى (p-٤٥٦)وخَصَّصَ مِنَ الأوْقاتِ الوَقْتَ الأهَمَّ عَلى الكُفّارِ؛ لِأنَّهُ وقْتُ الجَزاءِ والوُصُولِ إلى العَذابِ لِيَجْتَمِعَ النّاسُ إلى حَذَرِهِ والخَوْفِ مِنهُ. انْتَهى.
﴿تُبْلى﴾ قِيلَ: تُخْتَبَرُ، وقِيلَ: تُعْرَفُ وتُتَصَفَّحُ وتُمَيَّزُ صالِحُها مِن فاسِدِها، والسَّرائِرُ: ما أكَنَّتْهُ القُلُوبُ مِنَ العَقائِدِ والنِّيّاتِ، وما أخْفَتْهُ الجَوارِحُ مِنَ الأعْمالِ، والظّاهِرُ عُمُومُ السَّرائِرِ. وفي الحَدِيثِ: «إنَّها التَّوْحِيدُ والصَّلاةُ والزَّكاةُ والغُسْلُ مِنَ الجَنابَةِ»، وكانَ المَذْكُورُ في الحَدِيثِ هو أعْظَمَ السَّرائِرِ، وسَمِعَ الحَسَنُ مَن يُنْشِدُ:
؎سَيَبْقى لَها في مُضْمَرِ القَلْبِ والحَشا ∗∗∗ سَرِيرَةُ وُدٍّ يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ
فَقالَ: ما أغْفَلَهُ عَمّا في السَّماءِ والطّارِقِ، والبَيْتُ لِلْأحْوَصِ. ولَمّا كانَ الِامْتِناعُ في الدُّنْيا إمّا بِقُوَّةٍ في الإنْسانِ، وإمّا بِناصِرٍ خارِجٍ عَنْ نَفْسِهِ نَفى عَنْهُ تَعالى ما يَمْتَنِعُ بِهِ وأتى بِمِنَ الدّالَّةِ عَلى العُمُومِ في نَفْيِ القُوَّةِ والنّاصِرِ. (والسَّماءِ) أقْسَمَ ثانِيًا بِالسَّماءِ وهي المِظَلَّةُ. قِيلَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ السَّحابَ، ﴿ذاتِ الرَّجْعِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الرَّجْعُ: السَّحابُ فِيهِ المَطَرُ. وقالَ الحَسَنُ: تَرْجِعُ بِالرِّزْقِ كُلَّ عامٍ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الرَّجْعُ مَصْدَرُ رُجُوعِ الشَّمْسِ والقَمَرِ والكَواكِبِ مِن حالٍ إلى حالٍ ومِن مَنزِلَةٍ إلى مَنزِلَةٍ، تَذْهَبُ وتَرْجِعُ، وقِيلَ: الرَّجْعُ: المَطَرُ، ومِنهُ قَوْلُ الهُذَلِيِّ:
؎أبْيَضُ كالرَّجْعِ رَسُوبٌ إذا ∗∗∗ ما ناحَ في مُحْتَفَلٍ يَخْتَلِي
يَصِفُ سَيْفًا شَبَّهَهُ بِماءِ المَطَرِ في بَياضِهِ وصَفائِهِ، وسُمِّيَ رَجْعًا كَما سُمِّيَ إرْبًا، قالَ الشّاعِرُ:
؎رَبّا شَمالًا لا يَأْوِي لِقُلَّتِها ∗∗∗ إلّا السَّحابُ وإلّا الإرْبُ والسَّبَلُ
تَسْمِيَةٌ بِمَصْدَرِ آبَ ورَجَعَ. تَزْعُمُ العَرَبُ أنَّ السَّحابَ يَحْمِلُ الماءَ مِن بِحارِ الأرْضِ ثُمَّ يُرْجِعُهُ إلى الأرْضِ إذا أرادُوا التَّفاؤُلَ، وسَمَّوْهُ رَجْعًا وإرْبًا لِيَرْجِعَ ويَئُوبَ. وقِيلَ: لِأنَّ اللَّهَ تَعالى يُرْجِعُهُ وقْتًا فَوَقْتًا، قالَتِ الخَنْساءُ:
كالرَّجْعِ في المُدْجِنَّةِ السّارِيَهْ
وقِيلَ: الرَّجْعُ: المَلائِكَةُ، سُمُّوا بِذَلِكَ لِرُجُوعِهِمْ بِأعْمالِ العِبادِ. وقِيلَ: السَّحابُ، والمَشْهُورُ عِنْدَ أهْلِ اللُّغَةِ، وقَوْلُ الجُمْهُورِ: أنَّ الرَّجْعَ هو المَطَرُ، والصَّدْعُ: ما تَتَصَدَّعُ عَنْهُ الأرْضُ مِنَ النَّباتِ، ويُناسِبُ قَوْلَ مَن قالَ: الرَّجْعُ: المَطَرُ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: ذاتُ الِانْشِقاقِ: النَّباتِ. وقالَ أيْضًا: ذاتُ الحَرْثِ. وقالَ مُجاهِدٌ: الصَّدْعُ: ما في الأرْضِ مِن شِقاقٍ ولِصابٍ وخَنْدَقٍ وتَشَقُّقٍ بِحَرْثٍ وغَيْرِهِ، وهي أُمُورٌ فِيها مُعْتَبَرٌ، وعَنْهُ أيْضًا: ذاتُ الطُّرُقِ تُصَدِّعُها المُشاةُ. وقِيلَ: ذاتُ الأمْواتِ لِانْصِداعِها عَنْهم يَوْمَ النُّشُورِ. والضَّمِيرُ في (إنَّهُ) قالُوا عائِدٌ عَلى القُرْآنِ. (فَصْلٌ) أيْ فاصِلٌ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، كَما قِيلَ لَهُ فُرْقانٌ. وأقُولُ: ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ في (إنَّهُ) عَلى الكَلامِ الَّذِي أخْبَرَ فِيهِ بِبَعْثِ الإنْسانِ يَوْمَ القِيامَةِ وابْتِلاءِ سَرائِرِهِ، أيْ إنَّ ذَلِكَ القَوْلَ قَوْلٌ جَزْمٌ مُطابِقٌ لِلْواقِعِ لا هَزْلَ فِيهِ، ويَكُونُ الضَّمِيرُ قَدْ عادَ عَلى مَذْكُورٍ، وهو الكَلامُ الَّذِي تَضَمَّنُ الإخْبارَ عَنِ البَعْثِ، ولَيْسَ مِنَ الأخْبارِ الَّتِي فِيها هَزْلٌ بَلْ هو جِدٌّ كُلُّهُ (إنَّهم) أيِ الكافِرُونَ ﴿يَكِيدُونَ﴾ أيْ في إبْطالِ أمْرِ اللَّهِ وإطْفاءِ نُورِ الحَقِّ ﴿وأكِيدُ﴾ أيْ أُجازِيهِمْ عَلى كَيْدِهِمْ، فَسَمّى الجَزاءَ كَيْدًا عَلى سَبِيلِ المُقابَلَةِ، نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَكَرُوا ومَكَرَ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٥٤]، ﴿إنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة: ١٤]، ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥] ثُمَّ أمَرَ رَسُولَهُ، ﷺ، فَقالَ: ﴿أمْهِلْهم رُوَيْدًا﴾ أيِ انْتَظِرْ عُقُوبَتَهم ولا تَسْتَعْجِلْ ذَلِكَ ثُمَّ أكَّدَ أمْرَهُ فَقالَ: ﴿أمْهِلْهم رُوَيْدًا﴾ أيْ إمْهالًا، لَمّا كَرَّرَ الأمْرَ تَوْكِيدًا خالَفَ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ، عَلى أنَّ الأوَّلَ مُطْلَقٌ، وهَذا الثّانِيَ مُقَيَّدٌ بِقَوْلِهِ: ﴿رُوَيْدًا﴾ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: (مَهِّلْهم) بِفَتْحِ المِيمِ وشَدِّ الهاءِ مُوافَقَةً لِلَفْظِ الأمْرِ الأوَّلِ.
الطارق 86:7
ولَمّا ذَكَرَ أنَّ كُلَّ نَفْسٍ عَلَيْها حافِظٌ، أتْبَعَ ذَلِكَ بِوَصِيَّةِ الإنْسانِ بِالنَّظَرِ في أوَّلِ نَشْأتِهِ الأُولى حَتّى يَعْلَمَ أنَّ مَن أنْشَأهُ قادِرٌ عَلى إعادَتِهِ وجَزائِهِ، فَيَعْمَلَ لِذَلِكَ ولا يُمْلِي عَلى حافِظِهِ إلّا ما يَسُرُّهُ في عاقِبَتِهِ. و﴿مِمَّ خُلِقَ﴾ [الطارق: ٥] اسْتِفْهامٌ، ومِن مُتَعَلِّقَةٌ بِـ(خُلِقَ)، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ(فَلْيَنْظُرْ)، وهي مُعَلَّقَةٌ. وجَوابُ الِاسْتِفْهامِ ما بَعْدَهُ وهو: ﴿خُلِقَ مِن ماءٍ دافِقٍ﴾ وهو مَنِيُّ الرَّجُلِ والمَرْأةِ لَمّا امْتَزَجا في الرَّحِمِ واتَّحَدا عَبَّرَ عَنْهُما بِماءٍ، وهو مُفْرَدٌ، ودافِقٌ قِيلَ: هو بِمَعْنى مَدْفُوقٍ، وهي قِراءَةُ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ. وعِنْدَ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ: هو عَلى النَّسَبِ، كَلابِنٍ وتامِرٍ، أيْ: ذِي دَفْقٍ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: بِمَعْنى دافِقٍ لَزِجٍ، وكَأنَّهُ أطْلَقَ عَلَيْهِ وصْفَهُ لا أنَّهُ مَوْضُوعٌ في اللُّغَةِ لِذَلِكَ، والدَّفْقُ: الصَّبُّ، فِعْلُهُ مُتَعَدٍّ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والدَّفْقُ: دَفْعُ الماءِ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، تَدَفَّقَ الوادِي والسَّيْلُ إذا جاءَ يَرْكَبُ بَعْضُهُ بَعْضًا. ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ الماءُ دافِقًا؛ لِأنَّ بَعْضَهُ يَدْفَعُ بَعْضًا، فَمِنهُ دافِقٌ ومِنهُ مَدْفُوقٌ. انْتَهى. ورُكِّبَ قَوْلُهُ هَذا عَلى تَدَفَّقَ، وتَدَفَّقَ لازِمٌ دَفَقْتُهُ فَتَدَفَّقَ، نَحْوَ: كَسَرْتُهُ فَتَكَسَّرَ، ودَفَقَ لَيْسَ في اللُّغَةِ مَعْناهُ ما فَسَّرَ مِن قَوْلِهِ: والدَّفْقُ دَفْعُ الماءِ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، بَلِ المَحْفُوظُ أنَّهُ الصَّبُّ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يَخْرُجُ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ ﴿مِن بَيْنِ الصُّلْبِ﴾ بِضَمِّ الصّادِ وسُكُونِ اللّامِ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ وابْنُ مِقْسَمٍ: مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وهُما وأهْلُ مَكَّةَ وعِيسى: بِضَمِّ الصّادِ واللّامِ، واليَمانِيُّ: بِفَتْحِهِما. قالَ العَجّاجُ:
؎فِي صُلْبٍ مِثْلِ العَنانِ المُؤَدَّمِ
وتَقَدَّمَتِ اللُّغاتُ في الصُّلْبِ في سُورَةِ النِّساءِ، وإعْرابُها صالِبٌ كَما قالَ العَبّاسُ:
؎تُنْقَلُ مِن صالِبٍ إلى رَحِمٍ
قالَ قَتادَةُ والحَسَنُ: مَعْناهُ مِن بَيْنِ صُلْبِ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الرَّجُلِ والمَرْأةِ وتَرائِبِهِ. وقالَ سُفْيانُ وقَتادَةُ أيْضًا: مِن بَيْنِ صُلْبِ الرَّجُلِ وتَرائِبِ المَرْأةِ، وتَقَدَّمَ شَرْحُ التَّرائِبِ في المُفْرَداتِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَوْضِعُ القِلادَةِ، وعَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ: هي أضْلاعُ الرَّجُلِ الَّتِي أسْفَلَ الصُّلْبِ. وقِيلَ: ما بَيْنَ المَنكِبَيْنِ والصَّدْرِ. وقِيلَ: هي التَّراقِي، وعَنْ مَعْمَرٍ: هي عُصارَةُ القَلْبِ ومِنهُ يَكُونُ الوَلَدُ. ونَقَلَ مَكِّيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ التَّرائِبَ أطْرافُ المَرْءِ، رِجْلاهُ ويَداهُ وعَيْناهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وفي هَذِهِ الأحْوالِ تَحْكُمُ عَلى اللُّغَةِ. انْتَهى.
(إنَّهُ) الضَّمِيرُ يَعُودُ عَلى الخالِقِ الدّالِّ عَلَيْهِ (خُلِقَ) .
﴿عَلى رَجْعِهِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ: الضَّمِيرُ في رَجْعِهِ عائِدٌ عَلى الإنْسانِ، أيْ عَلى رَدِّهِ حَيًّا بَعْدَ مَوْتِهِ، أيْ مَن أنْشَأهُ أوَّلًا قادِرٌ عَلى بَعْثِهِ يَوْمَ القِيامَةِ لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ. وقالَ الضَّحّاكُ: عَلى رَدِّهِ مِنَ الكِبَرِ إلى الشَّبابِ. وقالَ عِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ: الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى الماءِ، أيْ عَلى رَدِّ الماءِ في الإحْلِيلِ أوْ في الصُّلْبِ. وعَلى هَذا القَوْلِ وقَوْلِ الضَّحّاكِ يَكُونُ العامِلُ في ﴿يَوْمَ تُبْلى﴾ مُضْمَرًا تَقْدِيرُهُ اذْكُرْ. وعَلى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ، وهو الأظْهَرُ، فَقالَ بَعْضُ النُّحاةِ: العامِلُ (ناصِرٍ) مِن قَوْلِهِ: ﴿ولا ناصِرٍ﴾ وهَذا فاسِدٌ لِأنَّ ما بَعْدَ الفاءِ لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَها، وكَذَلِكَ ما النّافِيَةُ لا يَعْمَلُ ما بَعْدَها فِيما قَبْلَها عَلى المَشْهُورِ المَنصُورِ. وقالَ آخَرُونَ، ومِنهُمُ الزَّمَخْشَرِيُّ: العامِلُ (رَجْعِهِ) ورُدَّ بِأنْ فِيهِ فَصْلًا بَيْنَ المَوْصُولِ ومُتَعَلِّقِهِ، وهو مِن تَمامِ الصِّلَةِ، ولا يَجُوزُ. وقالَ الحُذّاقُ مِنَ النُّحاةِ: العامِلُ فِيهِ مُضْمَرٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ المَصْدَرُ تَقْدِيرُهُ: يُرْجِعُهُ يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وكُلُّ هَذِهِ الفِرَقِ فَرَّتْ مِن أنْ يَكُونَ العامِلُ ”لَقادِرٌ“، لِأنَّهُ يَظْهَرُ مِن ذَلِكَ تَخْصِيصُ القُدْرَةِ في ذَلِكَ اليَوْمِ وحْدَهُ. وإذا تُؤُمِّلَ المَعْنى وما يَقْتَضِيهِ فَصِيحُ كَلامِ العَرَبِ جازَ أنْ يَكُونَ المَعْنى ”لَقادِرٌ“، وذَلِكَ أنَّهُ قالَ: ﴿إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ﴾ عَلى الإطْلاقِ أوَّلًا وآخِرًا وفي كُلِّ وقْتٍ. ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى (p-٤٥٦)وخَصَّصَ مِنَ الأوْقاتِ الوَقْتَ الأهَمَّ عَلى الكُفّارِ؛ لِأنَّهُ وقْتُ الجَزاءِ والوُصُولِ إلى العَذابِ لِيَجْتَمِعَ النّاسُ إلى حَذَرِهِ والخَوْفِ مِنهُ. انْتَهى.
﴿تُبْلى﴾ قِيلَ: تُخْتَبَرُ، وقِيلَ: تُعْرَفُ وتُتَصَفَّحُ وتُمَيَّزُ صالِحُها مِن فاسِدِها، والسَّرائِرُ: ما أكَنَّتْهُ القُلُوبُ مِنَ العَقائِدِ والنِّيّاتِ، وما أخْفَتْهُ الجَوارِحُ مِنَ الأعْمالِ، والظّاهِرُ عُمُومُ السَّرائِرِ. وفي الحَدِيثِ: «إنَّها التَّوْحِيدُ والصَّلاةُ والزَّكاةُ والغُسْلُ مِنَ الجَنابَةِ»، وكانَ المَذْكُورُ في الحَدِيثِ هو أعْظَمَ السَّرائِرِ، وسَمِعَ الحَسَنُ مَن يُنْشِدُ:
؎سَيَبْقى لَها في مُضْمَرِ القَلْبِ والحَشا ∗∗∗ سَرِيرَةُ وُدٍّ يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ
فَقالَ: ما أغْفَلَهُ عَمّا في السَّماءِ والطّارِقِ، والبَيْتُ لِلْأحْوَصِ. ولَمّا كانَ الِامْتِناعُ في الدُّنْيا إمّا بِقُوَّةٍ في الإنْسانِ، وإمّا بِناصِرٍ خارِجٍ عَنْ نَفْسِهِ نَفى عَنْهُ تَعالى ما يَمْتَنِعُ بِهِ وأتى بِمِنَ الدّالَّةِ عَلى العُمُومِ في نَفْيِ القُوَّةِ والنّاصِرِ. (والسَّماءِ) أقْسَمَ ثانِيًا بِالسَّماءِ وهي المِظَلَّةُ. قِيلَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ السَّحابَ، ﴿ذاتِ الرَّجْعِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الرَّجْعُ: السَّحابُ فِيهِ المَطَرُ. وقالَ الحَسَنُ: تَرْجِعُ بِالرِّزْقِ كُلَّ عامٍ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الرَّجْعُ مَصْدَرُ رُجُوعِ الشَّمْسِ والقَمَرِ والكَواكِبِ مِن حالٍ إلى حالٍ ومِن مَنزِلَةٍ إلى مَنزِلَةٍ، تَذْهَبُ وتَرْجِعُ، وقِيلَ: الرَّجْعُ: المَطَرُ، ومِنهُ قَوْلُ الهُذَلِيِّ:
؎أبْيَضُ كالرَّجْعِ رَسُوبٌ إذا ∗∗∗ ما ناحَ في مُحْتَفَلٍ يَخْتَلِي
يَصِفُ سَيْفًا شَبَّهَهُ بِماءِ المَطَرِ في بَياضِهِ وصَفائِهِ، وسُمِّيَ رَجْعًا كَما سُمِّيَ إرْبًا، قالَ الشّاعِرُ:
؎رَبّا شَمالًا لا يَأْوِي لِقُلَّتِها ∗∗∗ إلّا السَّحابُ وإلّا الإرْبُ والسَّبَلُ
تَسْمِيَةٌ بِمَصْدَرِ آبَ ورَجَعَ. تَزْعُمُ العَرَبُ أنَّ السَّحابَ يَحْمِلُ الماءَ مِن بِحارِ الأرْضِ ثُمَّ يُرْجِعُهُ إلى الأرْضِ إذا أرادُوا التَّفاؤُلَ، وسَمَّوْهُ رَجْعًا وإرْبًا لِيَرْجِعَ ويَئُوبَ. وقِيلَ: لِأنَّ اللَّهَ تَعالى يُرْجِعُهُ وقْتًا فَوَقْتًا، قالَتِ الخَنْساءُ:
كالرَّجْعِ في المُدْجِنَّةِ السّارِيَهْ
وقِيلَ: الرَّجْعُ: المَلائِكَةُ، سُمُّوا بِذَلِكَ لِرُجُوعِهِمْ بِأعْمالِ العِبادِ. وقِيلَ: السَّحابُ، والمَشْهُورُ عِنْدَ أهْلِ اللُّغَةِ، وقَوْلُ الجُمْهُورِ: أنَّ الرَّجْعَ هو المَطَرُ، والصَّدْعُ: ما تَتَصَدَّعُ عَنْهُ الأرْضُ مِنَ النَّباتِ، ويُناسِبُ قَوْلَ مَن قالَ: الرَّجْعُ: المَطَرُ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: ذاتُ الِانْشِقاقِ: النَّباتِ. وقالَ أيْضًا: ذاتُ الحَرْثِ. وقالَ مُجاهِدٌ: الصَّدْعُ: ما في الأرْضِ مِن شِقاقٍ ولِصابٍ وخَنْدَقٍ وتَشَقُّقٍ بِحَرْثٍ وغَيْرِهِ، وهي أُمُورٌ فِيها مُعْتَبَرٌ، وعَنْهُ أيْضًا: ذاتُ الطُّرُقِ تُصَدِّعُها المُشاةُ. وقِيلَ: ذاتُ الأمْواتِ لِانْصِداعِها عَنْهم يَوْمَ النُّشُورِ. والضَّمِيرُ في (إنَّهُ) قالُوا عائِدٌ عَلى القُرْآنِ. (فَصْلٌ) أيْ فاصِلٌ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، كَما قِيلَ لَهُ فُرْقانٌ. وأقُولُ: ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ في (إنَّهُ) عَلى الكَلامِ الَّذِي أخْبَرَ فِيهِ بِبَعْثِ الإنْسانِ يَوْمَ القِيامَةِ وابْتِلاءِ سَرائِرِهِ، أيْ إنَّ ذَلِكَ القَوْلَ قَوْلٌ جَزْمٌ مُطابِقٌ لِلْواقِعِ لا هَزْلَ فِيهِ، ويَكُونُ الضَّمِيرُ قَدْ عادَ عَلى مَذْكُورٍ، وهو الكَلامُ الَّذِي تَضَمَّنُ الإخْبارَ عَنِ البَعْثِ، ولَيْسَ مِنَ الأخْبارِ الَّتِي فِيها هَزْلٌ بَلْ هو جِدٌّ كُلُّهُ (إنَّهم) أيِ الكافِرُونَ ﴿يَكِيدُونَ﴾ أيْ في إبْطالِ أمْرِ اللَّهِ وإطْفاءِ نُورِ الحَقِّ ﴿وأكِيدُ﴾ أيْ أُجازِيهِمْ عَلى كَيْدِهِمْ، فَسَمّى الجَزاءَ كَيْدًا عَلى سَبِيلِ المُقابَلَةِ، نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَكَرُوا ومَكَرَ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٥٤]، ﴿إنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة: ١٤]، ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥] ثُمَّ أمَرَ رَسُولَهُ، ﷺ، فَقالَ: ﴿أمْهِلْهم رُوَيْدًا﴾ أيِ انْتَظِرْ عُقُوبَتَهم ولا تَسْتَعْجِلْ ذَلِكَ ثُمَّ أكَّدَ أمْرَهُ فَقالَ: ﴿أمْهِلْهم رُوَيْدًا﴾ أيْ إمْهالًا، لَمّا كَرَّرَ الأمْرَ تَوْكِيدًا خالَفَ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ، عَلى أنَّ الأوَّلَ مُطْلَقٌ، وهَذا الثّانِيَ مُقَيَّدٌ بِقَوْلِهِ: ﴿رُوَيْدًا﴾ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: (مَهِّلْهم) بِفَتْحِ المِيمِ وشَدِّ الهاءِ مُوافَقَةً لِلَفْظِ الأمْرِ الأوَّلِ.
الطارق 86:8
ولَمّا ذَكَرَ أنَّ كُلَّ نَفْسٍ عَلَيْها حافِظٌ، أتْبَعَ ذَلِكَ بِوَصِيَّةِ الإنْسانِ بِالنَّظَرِ في أوَّلِ نَشْأتِهِ الأُولى حَتّى يَعْلَمَ أنَّ مَن أنْشَأهُ قادِرٌ عَلى إعادَتِهِ وجَزائِهِ، فَيَعْمَلَ لِذَلِكَ ولا يُمْلِي عَلى حافِظِهِ إلّا ما يَسُرُّهُ في عاقِبَتِهِ. و﴿مِمَّ خُلِقَ﴾ [الطارق: ٥] اسْتِفْهامٌ، ومِن مُتَعَلِّقَةٌ بِـ(خُلِقَ)، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ(فَلْيَنْظُرْ)، وهي مُعَلَّقَةٌ. وجَوابُ الِاسْتِفْهامِ ما بَعْدَهُ وهو: ﴿خُلِقَ مِن ماءٍ دافِقٍ﴾ وهو مَنِيُّ الرَّجُلِ والمَرْأةِ لَمّا امْتَزَجا في الرَّحِمِ واتَّحَدا عَبَّرَ عَنْهُما بِماءٍ، وهو مُفْرَدٌ، ودافِقٌ قِيلَ: هو بِمَعْنى مَدْفُوقٍ، وهي قِراءَةُ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ. وعِنْدَ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ: هو عَلى النَّسَبِ، كَلابِنٍ وتامِرٍ، أيْ: ذِي دَفْقٍ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: بِمَعْنى دافِقٍ لَزِجٍ، وكَأنَّهُ أطْلَقَ عَلَيْهِ وصْفَهُ لا أنَّهُ مَوْضُوعٌ في اللُّغَةِ لِذَلِكَ، والدَّفْقُ: الصَّبُّ، فِعْلُهُ مُتَعَدٍّ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والدَّفْقُ: دَفْعُ الماءِ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، تَدَفَّقَ الوادِي والسَّيْلُ إذا جاءَ يَرْكَبُ بَعْضُهُ بَعْضًا. ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ الماءُ دافِقًا؛ لِأنَّ بَعْضَهُ يَدْفَعُ بَعْضًا، فَمِنهُ دافِقٌ ومِنهُ مَدْفُوقٌ. انْتَهى. ورُكِّبَ قَوْلُهُ هَذا عَلى تَدَفَّقَ، وتَدَفَّقَ لازِمٌ دَفَقْتُهُ فَتَدَفَّقَ، نَحْوَ: كَسَرْتُهُ فَتَكَسَّرَ، ودَفَقَ لَيْسَ في اللُّغَةِ مَعْناهُ ما فَسَّرَ مِن قَوْلِهِ: والدَّفْقُ دَفْعُ الماءِ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، بَلِ المَحْفُوظُ أنَّهُ الصَّبُّ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يَخْرُجُ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ ﴿مِن بَيْنِ الصُّلْبِ﴾ بِضَمِّ الصّادِ وسُكُونِ اللّامِ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ وابْنُ مِقْسَمٍ: مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وهُما وأهْلُ مَكَّةَ وعِيسى: بِضَمِّ الصّادِ واللّامِ، واليَمانِيُّ: بِفَتْحِهِما. قالَ العَجّاجُ:
؎فِي صُلْبٍ مِثْلِ العَنانِ المُؤَدَّمِ
وتَقَدَّمَتِ اللُّغاتُ في الصُّلْبِ في سُورَةِ النِّساءِ، وإعْرابُها صالِبٌ كَما قالَ العَبّاسُ:
؎تُنْقَلُ مِن صالِبٍ إلى رَحِمٍ
قالَ قَتادَةُ والحَسَنُ: مَعْناهُ مِن بَيْنِ صُلْبِ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الرَّجُلِ والمَرْأةِ وتَرائِبِهِ. وقالَ سُفْيانُ وقَتادَةُ أيْضًا: مِن بَيْنِ صُلْبِ الرَّجُلِ وتَرائِبِ المَرْأةِ، وتَقَدَّمَ شَرْحُ التَّرائِبِ في المُفْرَداتِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَوْضِعُ القِلادَةِ، وعَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ: هي أضْلاعُ الرَّجُلِ الَّتِي أسْفَلَ الصُّلْبِ. وقِيلَ: ما بَيْنَ المَنكِبَيْنِ والصَّدْرِ. وقِيلَ: هي التَّراقِي، وعَنْ مَعْمَرٍ: هي عُصارَةُ القَلْبِ ومِنهُ يَكُونُ الوَلَدُ. ونَقَلَ مَكِّيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ التَّرائِبَ أطْرافُ المَرْءِ، رِجْلاهُ ويَداهُ وعَيْناهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وفي هَذِهِ الأحْوالِ تَحْكُمُ عَلى اللُّغَةِ. انْتَهى.
(إنَّهُ) الضَّمِيرُ يَعُودُ عَلى الخالِقِ الدّالِّ عَلَيْهِ (خُلِقَ) .
﴿عَلى رَجْعِهِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ: الضَّمِيرُ في رَجْعِهِ عائِدٌ عَلى الإنْسانِ، أيْ عَلى رَدِّهِ حَيًّا بَعْدَ مَوْتِهِ، أيْ مَن أنْشَأهُ أوَّلًا قادِرٌ عَلى بَعْثِهِ يَوْمَ القِيامَةِ لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ. وقالَ الضَّحّاكُ: عَلى رَدِّهِ مِنَ الكِبَرِ إلى الشَّبابِ. وقالَ عِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ: الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى الماءِ، أيْ عَلى رَدِّ الماءِ في الإحْلِيلِ أوْ في الصُّلْبِ. وعَلى هَذا القَوْلِ وقَوْلِ الضَّحّاكِ يَكُونُ العامِلُ في ﴿يَوْمَ تُبْلى﴾ مُضْمَرًا تَقْدِيرُهُ اذْكُرْ. وعَلى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ، وهو الأظْهَرُ، فَقالَ بَعْضُ النُّحاةِ: العامِلُ (ناصِرٍ) مِن قَوْلِهِ: ﴿ولا ناصِرٍ﴾ وهَذا فاسِدٌ لِأنَّ ما بَعْدَ الفاءِ لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَها، وكَذَلِكَ ما النّافِيَةُ لا يَعْمَلُ ما بَعْدَها فِيما قَبْلَها عَلى المَشْهُورِ المَنصُورِ. وقالَ آخَرُونَ، ومِنهُمُ الزَّمَخْشَرِيُّ: العامِلُ (رَجْعِهِ) ورُدَّ بِأنْ فِيهِ فَصْلًا بَيْنَ المَوْصُولِ ومُتَعَلِّقِهِ، وهو مِن تَمامِ الصِّلَةِ، ولا يَجُوزُ. وقالَ الحُذّاقُ مِنَ النُّحاةِ: العامِلُ فِيهِ مُضْمَرٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ المَصْدَرُ تَقْدِيرُهُ: يُرْجِعُهُ يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وكُلُّ هَذِهِ الفِرَقِ فَرَّتْ مِن أنْ يَكُونَ العامِلُ ”لَقادِرٌ“، لِأنَّهُ يَظْهَرُ مِن ذَلِكَ تَخْصِيصُ القُدْرَةِ في ذَلِكَ اليَوْمِ وحْدَهُ. وإذا تُؤُمِّلَ المَعْنى وما يَقْتَضِيهِ فَصِيحُ كَلامِ العَرَبِ جازَ أنْ يَكُونَ المَعْنى ”لَقادِرٌ“، وذَلِكَ أنَّهُ قالَ: ﴿إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ﴾ عَلى الإطْلاقِ أوَّلًا وآخِرًا وفي كُلِّ وقْتٍ. ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى (p-٤٥٦)وخَصَّصَ مِنَ الأوْقاتِ الوَقْتَ الأهَمَّ عَلى الكُفّارِ؛ لِأنَّهُ وقْتُ الجَزاءِ والوُصُولِ إلى العَذابِ لِيَجْتَمِعَ النّاسُ إلى حَذَرِهِ والخَوْفِ مِنهُ. انْتَهى.
﴿تُبْلى﴾ قِيلَ: تُخْتَبَرُ، وقِيلَ: تُعْرَفُ وتُتَصَفَّحُ وتُمَيَّزُ صالِحُها مِن فاسِدِها، والسَّرائِرُ: ما أكَنَّتْهُ القُلُوبُ مِنَ العَقائِدِ والنِّيّاتِ، وما أخْفَتْهُ الجَوارِحُ مِنَ الأعْمالِ، والظّاهِرُ عُمُومُ السَّرائِرِ. وفي الحَدِيثِ: «إنَّها التَّوْحِيدُ والصَّلاةُ والزَّكاةُ والغُسْلُ مِنَ الجَنابَةِ»، وكانَ المَذْكُورُ في الحَدِيثِ هو أعْظَمَ السَّرائِرِ، وسَمِعَ الحَسَنُ مَن يُنْشِدُ:
؎سَيَبْقى لَها في مُضْمَرِ القَلْبِ والحَشا ∗∗∗ سَرِيرَةُ وُدٍّ يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ
فَقالَ: ما أغْفَلَهُ عَمّا في السَّماءِ والطّارِقِ، والبَيْتُ لِلْأحْوَصِ. ولَمّا كانَ الِامْتِناعُ في الدُّنْيا إمّا بِقُوَّةٍ في الإنْسانِ، وإمّا بِناصِرٍ خارِجٍ عَنْ نَفْسِهِ نَفى عَنْهُ تَعالى ما يَمْتَنِعُ بِهِ وأتى بِمِنَ الدّالَّةِ عَلى العُمُومِ في نَفْيِ القُوَّةِ والنّاصِرِ. (والسَّماءِ) أقْسَمَ ثانِيًا بِالسَّماءِ وهي المِظَلَّةُ. قِيلَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ السَّحابَ، ﴿ذاتِ الرَّجْعِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الرَّجْعُ: السَّحابُ فِيهِ المَطَرُ. وقالَ الحَسَنُ: تَرْجِعُ بِالرِّزْقِ كُلَّ عامٍ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الرَّجْعُ مَصْدَرُ رُجُوعِ الشَّمْسِ والقَمَرِ والكَواكِبِ مِن حالٍ إلى حالٍ ومِن مَنزِلَةٍ إلى مَنزِلَةٍ، تَذْهَبُ وتَرْجِعُ، وقِيلَ: الرَّجْعُ: المَطَرُ، ومِنهُ قَوْلُ الهُذَلِيِّ:
؎أبْيَضُ كالرَّجْعِ رَسُوبٌ إذا ∗∗∗ ما ناحَ في مُحْتَفَلٍ يَخْتَلِي
يَصِفُ سَيْفًا شَبَّهَهُ بِماءِ المَطَرِ في بَياضِهِ وصَفائِهِ، وسُمِّيَ رَجْعًا كَما سُمِّيَ إرْبًا، قالَ الشّاعِرُ:
؎رَبّا شَمالًا لا يَأْوِي لِقُلَّتِها ∗∗∗ إلّا السَّحابُ وإلّا الإرْبُ والسَّبَلُ
تَسْمِيَةٌ بِمَصْدَرِ آبَ ورَجَعَ. تَزْعُمُ العَرَبُ أنَّ السَّحابَ يَحْمِلُ الماءَ مِن بِحارِ الأرْضِ ثُمَّ يُرْجِعُهُ إلى الأرْضِ إذا أرادُوا التَّفاؤُلَ، وسَمَّوْهُ رَجْعًا وإرْبًا لِيَرْجِعَ ويَئُوبَ. وقِيلَ: لِأنَّ اللَّهَ تَعالى يُرْجِعُهُ وقْتًا فَوَقْتًا، قالَتِ الخَنْساءُ:
كالرَّجْعِ في المُدْجِنَّةِ السّارِيَهْ
وقِيلَ: الرَّجْعُ: المَلائِكَةُ، سُمُّوا بِذَلِكَ لِرُجُوعِهِمْ بِأعْمالِ العِبادِ. وقِيلَ: السَّحابُ، والمَشْهُورُ عِنْدَ أهْلِ اللُّغَةِ، وقَوْلُ الجُمْهُورِ: أنَّ الرَّجْعَ هو المَطَرُ، والصَّدْعُ: ما تَتَصَدَّعُ عَنْهُ الأرْضُ مِنَ النَّباتِ، ويُناسِبُ قَوْلَ مَن قالَ: الرَّجْعُ: المَطَرُ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: ذاتُ الِانْشِقاقِ: النَّباتِ. وقالَ أيْضًا: ذاتُ الحَرْثِ. وقالَ مُجاهِدٌ: الصَّدْعُ: ما في الأرْضِ مِن شِقاقٍ ولِصابٍ وخَنْدَقٍ وتَشَقُّقٍ بِحَرْثٍ وغَيْرِهِ، وهي أُمُورٌ فِيها مُعْتَبَرٌ، وعَنْهُ أيْضًا: ذاتُ الطُّرُقِ تُصَدِّعُها المُشاةُ. وقِيلَ: ذاتُ الأمْواتِ لِانْصِداعِها عَنْهم يَوْمَ النُّشُورِ. والضَّمِيرُ في (إنَّهُ) قالُوا عائِدٌ عَلى القُرْآنِ. (فَصْلٌ) أيْ فاصِلٌ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، كَما قِيلَ لَهُ فُرْقانٌ. وأقُولُ: ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ في (إنَّهُ) عَلى الكَلامِ الَّذِي أخْبَرَ فِيهِ بِبَعْثِ الإنْسانِ يَوْمَ القِيامَةِ وابْتِلاءِ سَرائِرِهِ، أيْ إنَّ ذَلِكَ القَوْلَ قَوْلٌ جَزْمٌ مُطابِقٌ لِلْواقِعِ لا هَزْلَ فِيهِ، ويَكُونُ الضَّمِيرُ قَدْ عادَ عَلى مَذْكُورٍ، وهو الكَلامُ الَّذِي تَضَمَّنُ الإخْبارَ عَنِ البَعْثِ، ولَيْسَ مِنَ الأخْبارِ الَّتِي فِيها هَزْلٌ بَلْ هو جِدٌّ كُلُّهُ (إنَّهم) أيِ الكافِرُونَ ﴿يَكِيدُونَ﴾ أيْ في إبْطالِ أمْرِ اللَّهِ وإطْفاءِ نُورِ الحَقِّ ﴿وأكِيدُ﴾ أيْ أُجازِيهِمْ عَلى كَيْدِهِمْ، فَسَمّى الجَزاءَ كَيْدًا عَلى سَبِيلِ المُقابَلَةِ، نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَكَرُوا ومَكَرَ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٥٤]، ﴿إنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة: ١٤]، ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥] ثُمَّ أمَرَ رَسُولَهُ، ﷺ، فَقالَ: ﴿أمْهِلْهم رُوَيْدًا﴾ أيِ انْتَظِرْ عُقُوبَتَهم ولا تَسْتَعْجِلْ ذَلِكَ ثُمَّ أكَّدَ أمْرَهُ فَقالَ: ﴿أمْهِلْهم رُوَيْدًا﴾ أيْ إمْهالًا، لَمّا كَرَّرَ الأمْرَ تَوْكِيدًا خالَفَ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ، عَلى أنَّ الأوَّلَ مُطْلَقٌ، وهَذا الثّانِيَ مُقَيَّدٌ بِقَوْلِهِ: ﴿رُوَيْدًا﴾ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: (مَهِّلْهم) بِفَتْحِ المِيمِ وشَدِّ الهاءِ مُوافَقَةً لِلَفْظِ الأمْرِ الأوَّلِ.
الطارق 86:9
ولَمّا ذَكَرَ أنَّ كُلَّ نَفْسٍ عَلَيْها حافِظٌ، أتْبَعَ ذَلِكَ بِوَصِيَّةِ الإنْسانِ بِالنَّظَرِ في أوَّلِ نَشْأتِهِ الأُولى حَتّى يَعْلَمَ أنَّ مَن أنْشَأهُ قادِرٌ عَلى إعادَتِهِ وجَزائِهِ، فَيَعْمَلَ لِذَلِكَ ولا يُمْلِي عَلى حافِظِهِ إلّا ما يَسُرُّهُ في عاقِبَتِهِ. و﴿مِمَّ خُلِقَ﴾ [الطارق: ٥] اسْتِفْهامٌ، ومِن مُتَعَلِّقَةٌ بِـ(خُلِقَ)، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ(فَلْيَنْظُرْ)، وهي مُعَلَّقَةٌ. وجَوابُ الِاسْتِفْهامِ ما بَعْدَهُ وهو: ﴿خُلِقَ مِن ماءٍ دافِقٍ﴾ وهو مَنِيُّ الرَّجُلِ والمَرْأةِ لَمّا امْتَزَجا في الرَّحِمِ واتَّحَدا عَبَّرَ عَنْهُما بِماءٍ، وهو مُفْرَدٌ، ودافِقٌ قِيلَ: هو بِمَعْنى مَدْفُوقٍ، وهي قِراءَةُ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ. وعِنْدَ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ: هو عَلى النَّسَبِ، كَلابِنٍ وتامِرٍ، أيْ: ذِي دَفْقٍ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: بِمَعْنى دافِقٍ لَزِجٍ، وكَأنَّهُ أطْلَقَ عَلَيْهِ وصْفَهُ لا أنَّهُ مَوْضُوعٌ في اللُّغَةِ لِذَلِكَ، والدَّفْقُ: الصَّبُّ، فِعْلُهُ مُتَعَدٍّ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والدَّفْقُ: دَفْعُ الماءِ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، تَدَفَّقَ الوادِي والسَّيْلُ إذا جاءَ يَرْكَبُ بَعْضُهُ بَعْضًا. ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ الماءُ دافِقًا؛ لِأنَّ بَعْضَهُ يَدْفَعُ بَعْضًا، فَمِنهُ دافِقٌ ومِنهُ مَدْفُوقٌ. انْتَهى. ورُكِّبَ قَوْلُهُ هَذا عَلى تَدَفَّقَ، وتَدَفَّقَ لازِمٌ دَفَقْتُهُ فَتَدَفَّقَ، نَحْوَ: كَسَرْتُهُ فَتَكَسَّرَ، ودَفَقَ لَيْسَ في اللُّغَةِ مَعْناهُ ما فَسَّرَ مِن قَوْلِهِ: والدَّفْقُ دَفْعُ الماءِ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، بَلِ المَحْفُوظُ أنَّهُ الصَّبُّ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يَخْرُجُ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ ﴿مِن بَيْنِ الصُّلْبِ﴾ بِضَمِّ الصّادِ وسُكُونِ اللّامِ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ وابْنُ مِقْسَمٍ: مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وهُما وأهْلُ مَكَّةَ وعِيسى: بِضَمِّ الصّادِ واللّامِ، واليَمانِيُّ: بِفَتْحِهِما. قالَ العَجّاجُ:
؎فِي صُلْبٍ مِثْلِ العَنانِ المُؤَدَّمِ
وتَقَدَّمَتِ اللُّغاتُ في الصُّلْبِ في سُورَةِ النِّساءِ، وإعْرابُها صالِبٌ كَما قالَ العَبّاسُ:
؎تُنْقَلُ مِن صالِبٍ إلى رَحِمٍ
قالَ قَتادَةُ والحَسَنُ: مَعْناهُ مِن بَيْنِ صُلْبِ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الرَّجُلِ والمَرْأةِ وتَرائِبِهِ. وقالَ سُفْيانُ وقَتادَةُ أيْضًا: مِن بَيْنِ صُلْبِ الرَّجُلِ وتَرائِبِ المَرْأةِ، وتَقَدَّمَ شَرْحُ التَّرائِبِ في المُفْرَداتِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَوْضِعُ القِلادَةِ، وعَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ: هي أضْلاعُ الرَّجُلِ الَّتِي أسْفَلَ الصُّلْبِ. وقِيلَ: ما بَيْنَ المَنكِبَيْنِ والصَّدْرِ. وقِيلَ: هي التَّراقِي، وعَنْ مَعْمَرٍ: هي عُصارَةُ القَلْبِ ومِنهُ يَكُونُ الوَلَدُ. ونَقَلَ مَكِّيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ التَّرائِبَ أطْرافُ المَرْءِ، رِجْلاهُ ويَداهُ وعَيْناهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وفي هَذِهِ الأحْوالِ تَحْكُمُ عَلى اللُّغَةِ. انْتَهى.
(إنَّهُ) الضَّمِيرُ يَعُودُ عَلى الخالِقِ الدّالِّ عَلَيْهِ (خُلِقَ) .
﴿عَلى رَجْعِهِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ: الضَّمِيرُ في رَجْعِهِ عائِدٌ عَلى الإنْسانِ، أيْ عَلى رَدِّهِ حَيًّا بَعْدَ مَوْتِهِ، أيْ مَن أنْشَأهُ أوَّلًا قادِرٌ عَلى بَعْثِهِ يَوْمَ القِيامَةِ لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ. وقالَ الضَّحّاكُ: عَلى رَدِّهِ مِنَ الكِبَرِ إلى الشَّبابِ. وقالَ عِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ: الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى الماءِ، أيْ عَلى رَدِّ الماءِ في الإحْلِيلِ أوْ في الصُّلْبِ. وعَلى هَذا القَوْلِ وقَوْلِ الضَّحّاكِ يَكُونُ العامِلُ في ﴿يَوْمَ تُبْلى﴾ مُضْمَرًا تَقْدِيرُهُ اذْكُرْ. وعَلى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ، وهو الأظْهَرُ، فَقالَ بَعْضُ النُّحاةِ: العامِلُ (ناصِرٍ) مِن قَوْلِهِ: ﴿ولا ناصِرٍ﴾ وهَذا فاسِدٌ لِأنَّ ما بَعْدَ الفاءِ لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَها، وكَذَلِكَ ما النّافِيَةُ لا يَعْمَلُ ما بَعْدَها فِيما قَبْلَها عَلى المَشْهُورِ المَنصُورِ. وقالَ آخَرُونَ، ومِنهُمُ الزَّمَخْشَرِيُّ: العامِلُ (رَجْعِهِ) ورُدَّ بِأنْ فِيهِ فَصْلًا بَيْنَ المَوْصُولِ ومُتَعَلِّقِهِ، وهو مِن تَمامِ الصِّلَةِ، ولا يَجُوزُ. وقالَ الحُذّاقُ مِنَ النُّحاةِ: العامِلُ فِيهِ مُضْمَرٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ المَصْدَرُ تَقْدِيرُهُ: يُرْجِعُهُ يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وكُلُّ هَذِهِ الفِرَقِ فَرَّتْ مِن أنْ يَكُونَ العامِلُ ”لَقادِرٌ“، لِأنَّهُ يَظْهَرُ مِن ذَلِكَ تَخْصِيصُ القُدْرَةِ في ذَلِكَ اليَوْمِ وحْدَهُ. وإذا تُؤُمِّلَ المَعْنى وما يَقْتَضِيهِ فَصِيحُ كَلامِ العَرَبِ جازَ أنْ يَكُونَ المَعْنى ”لَقادِرٌ“، وذَلِكَ أنَّهُ قالَ: ﴿إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ﴾ عَلى الإطْلاقِ أوَّلًا وآخِرًا وفي كُلِّ وقْتٍ. ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى (p-٤٥٦)وخَصَّصَ مِنَ الأوْقاتِ الوَقْتَ الأهَمَّ عَلى الكُفّارِ؛ لِأنَّهُ وقْتُ الجَزاءِ والوُصُولِ إلى العَذابِ لِيَجْتَمِعَ النّاسُ إلى حَذَرِهِ والخَوْفِ مِنهُ. انْتَهى.
﴿تُبْلى﴾ قِيلَ: تُخْتَبَرُ، وقِيلَ: تُعْرَفُ وتُتَصَفَّحُ وتُمَيَّزُ صالِحُها مِن فاسِدِها، والسَّرائِرُ: ما أكَنَّتْهُ القُلُوبُ مِنَ العَقائِدِ والنِّيّاتِ، وما أخْفَتْهُ الجَوارِحُ مِنَ الأعْمالِ، والظّاهِرُ عُمُومُ السَّرائِرِ. وفي الحَدِيثِ: «إنَّها التَّوْحِيدُ والصَّلاةُ والزَّكاةُ والغُسْلُ مِنَ الجَنابَةِ»، وكانَ المَذْكُورُ في الحَدِيثِ هو أعْظَمَ السَّرائِرِ، وسَمِعَ الحَسَنُ مَن يُنْشِدُ:
؎سَيَبْقى لَها في مُضْمَرِ القَلْبِ والحَشا ∗∗∗ سَرِيرَةُ وُدٍّ يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ
فَقالَ: ما أغْفَلَهُ عَمّا في السَّماءِ والطّارِقِ، والبَيْتُ لِلْأحْوَصِ. ولَمّا كانَ الِامْتِناعُ في الدُّنْيا إمّا بِقُوَّةٍ في الإنْسانِ، وإمّا بِناصِرٍ خارِجٍ عَنْ نَفْسِهِ نَفى عَنْهُ تَعالى ما يَمْتَنِعُ بِهِ وأتى بِمِنَ الدّالَّةِ عَلى العُمُومِ في نَفْيِ القُوَّةِ والنّاصِرِ. (والسَّماءِ) أقْسَمَ ثانِيًا بِالسَّماءِ وهي المِظَلَّةُ. قِيلَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ السَّحابَ، ﴿ذاتِ الرَّجْعِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الرَّجْعُ: السَّحابُ فِيهِ المَطَرُ. وقالَ الحَسَنُ: تَرْجِعُ بِالرِّزْقِ كُلَّ عامٍ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الرَّجْعُ مَصْدَرُ رُجُوعِ الشَّمْسِ والقَمَرِ والكَواكِبِ مِن حالٍ إلى حالٍ ومِن مَنزِلَةٍ إلى مَنزِلَةٍ، تَذْهَبُ وتَرْجِعُ، وقِيلَ: الرَّجْعُ: المَطَرُ، ومِنهُ قَوْلُ الهُذَلِيِّ:
؎أبْيَضُ كالرَّجْعِ رَسُوبٌ إذا ∗∗∗ ما ناحَ في مُحْتَفَلٍ يَخْتَلِي
يَصِفُ سَيْفًا شَبَّهَهُ بِماءِ المَطَرِ في بَياضِهِ وصَفائِهِ، وسُمِّيَ رَجْعًا كَما سُمِّيَ إرْبًا، قالَ الشّاعِرُ:
؎رَبّا شَمالًا لا يَأْوِي لِقُلَّتِها ∗∗∗ إلّا السَّحابُ وإلّا الإرْبُ والسَّبَلُ
تَسْمِيَةٌ بِمَصْدَرِ آبَ ورَجَعَ. تَزْعُمُ العَرَبُ أنَّ السَّحابَ يَحْمِلُ الماءَ مِن بِحارِ الأرْضِ ثُمَّ يُرْجِعُهُ إلى الأرْضِ إذا أرادُوا التَّفاؤُلَ، وسَمَّوْهُ رَجْعًا وإرْبًا لِيَرْجِعَ ويَئُوبَ. وقِيلَ: لِأنَّ اللَّهَ تَعالى يُرْجِعُهُ وقْتًا فَوَقْتًا، قالَتِ الخَنْساءُ:
كالرَّجْعِ في المُدْجِنَّةِ السّارِيَهْ
وقِيلَ: الرَّجْعُ: المَلائِكَةُ، سُمُّوا بِذَلِكَ لِرُجُوعِهِمْ بِأعْمالِ العِبادِ. وقِيلَ: السَّحابُ، والمَشْهُورُ عِنْدَ أهْلِ اللُّغَةِ، وقَوْلُ الجُمْهُورِ: أنَّ الرَّجْعَ هو المَطَرُ، والصَّدْعُ: ما تَتَصَدَّعُ عَنْهُ الأرْضُ مِنَ النَّباتِ، ويُناسِبُ قَوْلَ مَن قالَ: الرَّجْعُ: المَطَرُ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: ذاتُ الِانْشِقاقِ: النَّباتِ. وقالَ أيْضًا: ذاتُ الحَرْثِ. وقالَ مُجاهِدٌ: الصَّدْعُ: ما في الأرْضِ مِن شِقاقٍ ولِصابٍ وخَنْدَقٍ وتَشَقُّقٍ بِحَرْثٍ وغَيْرِهِ، وهي أُمُورٌ فِيها مُعْتَبَرٌ، وعَنْهُ أيْضًا: ذاتُ الطُّرُقِ تُصَدِّعُها المُشاةُ. وقِيلَ: ذاتُ الأمْواتِ لِانْصِداعِها عَنْهم يَوْمَ النُّشُورِ. والضَّمِيرُ في (إنَّهُ) قالُوا عائِدٌ عَلى القُرْآنِ. (فَصْلٌ) أيْ فاصِلٌ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، كَما قِيلَ لَهُ فُرْقانٌ. وأقُولُ: ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ في (إنَّهُ) عَلى الكَلامِ الَّذِي أخْبَرَ فِيهِ بِبَعْثِ الإنْسانِ يَوْمَ القِيامَةِ وابْتِلاءِ سَرائِرِهِ، أيْ إنَّ ذَلِكَ القَوْلَ قَوْلٌ جَزْمٌ مُطابِقٌ لِلْواقِعِ لا هَزْلَ فِيهِ، ويَكُونُ الضَّمِيرُ قَدْ عادَ عَلى مَذْكُورٍ، وهو الكَلامُ الَّذِي تَضَمَّنُ الإخْبارَ عَنِ البَعْثِ، ولَيْسَ مِنَ الأخْبارِ الَّتِي فِيها هَزْلٌ بَلْ هو جِدٌّ كُلُّهُ (إنَّهم) أيِ الكافِرُونَ ﴿يَكِيدُونَ﴾ أيْ في إبْطالِ أمْرِ اللَّهِ وإطْفاءِ نُورِ الحَقِّ ﴿وأكِيدُ﴾ أيْ أُجازِيهِمْ عَلى كَيْدِهِمْ، فَسَمّى الجَزاءَ كَيْدًا عَلى سَبِيلِ المُقابَلَةِ، نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَكَرُوا ومَكَرَ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٥٤]، ﴿إنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة: ١٤]، ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥] ثُمَّ أمَرَ رَسُولَهُ، ﷺ، فَقالَ: ﴿أمْهِلْهم رُوَيْدًا﴾ أيِ انْتَظِرْ عُقُوبَتَهم ولا تَسْتَعْجِلْ ذَلِكَ ثُمَّ أكَّدَ أمْرَهُ فَقالَ: ﴿أمْهِلْهم رُوَيْدًا﴾ أيْ إمْهالًا، لَمّا كَرَّرَ الأمْرَ تَوْكِيدًا خالَفَ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ، عَلى أنَّ الأوَّلَ مُطْلَقٌ، وهَذا الثّانِيَ مُقَيَّدٌ بِقَوْلِهِ: ﴿رُوَيْدًا﴾ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: (مَهِّلْهم) بِفَتْحِ المِيمِ وشَدِّ الهاءِ مُوافَقَةً لِلَفْظِ الأمْرِ الأوَّلِ.
الطارق 86:10
ولَمّا ذَكَرَ أنَّ كُلَّ نَفْسٍ عَلَيْها حافِظٌ، أتْبَعَ ذَلِكَ بِوَصِيَّةِ الإنْسانِ بِالنَّظَرِ في أوَّلِ نَشْأتِهِ الأُولى حَتّى يَعْلَمَ أنَّ مَن أنْشَأهُ قادِرٌ عَلى إعادَتِهِ وجَزائِهِ، فَيَعْمَلَ لِذَلِكَ ولا يُمْلِي عَلى حافِظِهِ إلّا ما يَسُرُّهُ في عاقِبَتِهِ. و﴿مِمَّ خُلِقَ﴾ [الطارق: ٥] اسْتِفْهامٌ، ومِن مُتَعَلِّقَةٌ بِـ(خُلِقَ)، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ(فَلْيَنْظُرْ)، وهي مُعَلَّقَةٌ. وجَوابُ الِاسْتِفْهامِ ما بَعْدَهُ وهو: ﴿خُلِقَ مِن ماءٍ دافِقٍ﴾ وهو مَنِيُّ الرَّجُلِ والمَرْأةِ لَمّا امْتَزَجا في الرَّحِمِ واتَّحَدا عَبَّرَ عَنْهُما بِماءٍ، وهو مُفْرَدٌ، ودافِقٌ قِيلَ: هو بِمَعْنى مَدْفُوقٍ، وهي قِراءَةُ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ. وعِنْدَ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ: هو عَلى النَّسَبِ، كَلابِنٍ وتامِرٍ، أيْ: ذِي دَفْقٍ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: بِمَعْنى دافِقٍ لَزِجٍ، وكَأنَّهُ أطْلَقَ عَلَيْهِ وصْفَهُ لا أنَّهُ مَوْضُوعٌ في اللُّغَةِ لِذَلِكَ، والدَّفْقُ: الصَّبُّ، فِعْلُهُ مُتَعَدٍّ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والدَّفْقُ: دَفْعُ الماءِ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، تَدَفَّقَ الوادِي والسَّيْلُ إذا جاءَ يَرْكَبُ بَعْضُهُ بَعْضًا. ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ الماءُ دافِقًا؛ لِأنَّ بَعْضَهُ يَدْفَعُ بَعْضًا، فَمِنهُ دافِقٌ ومِنهُ مَدْفُوقٌ. انْتَهى. ورُكِّبَ قَوْلُهُ هَذا عَلى تَدَفَّقَ، وتَدَفَّقَ لازِمٌ دَفَقْتُهُ فَتَدَفَّقَ، نَحْوَ: كَسَرْتُهُ فَتَكَسَّرَ، ودَفَقَ لَيْسَ في اللُّغَةِ مَعْناهُ ما فَسَّرَ مِن قَوْلِهِ: والدَّفْقُ دَفْعُ الماءِ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، بَلِ المَحْفُوظُ أنَّهُ الصَّبُّ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يَخْرُجُ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ ﴿مِن بَيْنِ الصُّلْبِ﴾ بِضَمِّ الصّادِ وسُكُونِ اللّامِ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ وابْنُ مِقْسَمٍ: مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وهُما وأهْلُ مَكَّةَ وعِيسى: بِضَمِّ الصّادِ واللّامِ، واليَمانِيُّ: بِفَتْحِهِما. قالَ العَجّاجُ:
؎فِي صُلْبٍ مِثْلِ العَنانِ المُؤَدَّمِ
وتَقَدَّمَتِ اللُّغاتُ في الصُّلْبِ في سُورَةِ النِّساءِ، وإعْرابُها صالِبٌ كَما قالَ العَبّاسُ:
؎تُنْقَلُ مِن صالِبٍ إلى رَحِمٍ
قالَ قَتادَةُ والحَسَنُ: مَعْناهُ مِن بَيْنِ صُلْبِ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الرَّجُلِ والمَرْأةِ وتَرائِبِهِ. وقالَ سُفْيانُ وقَتادَةُ أيْضًا: مِن بَيْنِ صُلْبِ الرَّجُلِ وتَرائِبِ المَرْأةِ، وتَقَدَّمَ شَرْحُ التَّرائِبِ في المُفْرَداتِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَوْضِعُ القِلادَةِ، وعَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ: هي أضْلاعُ الرَّجُلِ الَّتِي أسْفَلَ الصُّلْبِ. وقِيلَ: ما بَيْنَ المَنكِبَيْنِ والصَّدْرِ. وقِيلَ: هي التَّراقِي، وعَنْ مَعْمَرٍ: هي عُصارَةُ القَلْبِ ومِنهُ يَكُونُ الوَلَدُ. ونَقَلَ مَكِّيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ التَّرائِبَ أطْرافُ المَرْءِ، رِجْلاهُ ويَداهُ وعَيْناهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وفي هَذِهِ الأحْوالِ تَحْكُمُ عَلى اللُّغَةِ. انْتَهى.
(إنَّهُ) الضَّمِيرُ يَعُودُ عَلى الخالِقِ الدّالِّ عَلَيْهِ (خُلِقَ) .
﴿عَلى رَجْعِهِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ: الضَّمِيرُ في رَجْعِهِ عائِدٌ عَلى الإنْسانِ، أيْ عَلى رَدِّهِ حَيًّا بَعْدَ مَوْتِهِ، أيْ مَن أنْشَأهُ أوَّلًا قادِرٌ عَلى بَعْثِهِ يَوْمَ القِيامَةِ لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ. وقالَ الضَّحّاكُ: عَلى رَدِّهِ مِنَ الكِبَرِ إلى الشَّبابِ. وقالَ عِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ: الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى الماءِ، أيْ عَلى رَدِّ الماءِ في الإحْلِيلِ أوْ في الصُّلْبِ. وعَلى هَذا القَوْلِ وقَوْلِ الضَّحّاكِ يَكُونُ العامِلُ في ﴿يَوْمَ تُبْلى﴾ مُضْمَرًا تَقْدِيرُهُ اذْكُرْ. وعَلى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ، وهو الأظْهَرُ، فَقالَ بَعْضُ النُّحاةِ: العامِلُ (ناصِرٍ) مِن قَوْلِهِ: ﴿ولا ناصِرٍ﴾ وهَذا فاسِدٌ لِأنَّ ما بَعْدَ الفاءِ لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَها، وكَذَلِكَ ما النّافِيَةُ لا يَعْمَلُ ما بَعْدَها فِيما قَبْلَها عَلى المَشْهُورِ المَنصُورِ. وقالَ آخَرُونَ، ومِنهُمُ الزَّمَخْشَرِيُّ: العامِلُ (رَجْعِهِ) ورُدَّ بِأنْ فِيهِ فَصْلًا بَيْنَ المَوْصُولِ ومُتَعَلِّقِهِ، وهو مِن تَمامِ الصِّلَةِ، ولا يَجُوزُ. وقالَ الحُذّاقُ مِنَ النُّحاةِ: العامِلُ فِيهِ مُضْمَرٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ المَصْدَرُ تَقْدِيرُهُ: يُرْجِعُهُ يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وكُلُّ هَذِهِ الفِرَقِ فَرَّتْ مِن أنْ يَكُونَ العامِلُ ”لَقادِرٌ“، لِأنَّهُ يَظْهَرُ مِن ذَلِكَ تَخْصِيصُ القُدْرَةِ في ذَلِكَ اليَوْمِ وحْدَهُ. وإذا تُؤُمِّلَ المَعْنى وما يَقْتَضِيهِ فَصِيحُ كَلامِ العَرَبِ جازَ أنْ يَكُونَ المَعْنى ”لَقادِرٌ“، وذَلِكَ أنَّهُ قالَ: ﴿إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ﴾ عَلى الإطْلاقِ أوَّلًا وآخِرًا وفي كُلِّ وقْتٍ. ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى (p-٤٥٦)وخَصَّصَ مِنَ الأوْقاتِ الوَقْتَ الأهَمَّ عَلى الكُفّارِ؛ لِأنَّهُ وقْتُ الجَزاءِ والوُصُولِ إلى العَذابِ لِيَجْتَمِعَ النّاسُ إلى حَذَرِهِ والخَوْفِ مِنهُ. انْتَهى.
﴿تُبْلى﴾ قِيلَ: تُخْتَبَرُ، وقِيلَ: تُعْرَفُ وتُتَصَفَّحُ وتُمَيَّزُ صالِحُها مِن فاسِدِها، والسَّرائِرُ: ما أكَنَّتْهُ القُلُوبُ مِنَ العَقائِدِ والنِّيّاتِ، وما أخْفَتْهُ الجَوارِحُ مِنَ الأعْمالِ، والظّاهِرُ عُمُومُ السَّرائِرِ. وفي الحَدِيثِ: «إنَّها التَّوْحِيدُ والصَّلاةُ والزَّكاةُ والغُسْلُ مِنَ الجَنابَةِ»، وكانَ المَذْكُورُ في الحَدِيثِ هو أعْظَمَ السَّرائِرِ، وسَمِعَ الحَسَنُ مَن يُنْشِدُ:
؎سَيَبْقى لَها في مُضْمَرِ القَلْبِ والحَشا ∗∗∗ سَرِيرَةُ وُدٍّ يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ
فَقالَ: ما أغْفَلَهُ عَمّا في السَّماءِ والطّارِقِ، والبَيْتُ لِلْأحْوَصِ. ولَمّا كانَ الِامْتِناعُ في الدُّنْيا إمّا بِقُوَّةٍ في الإنْسانِ، وإمّا بِناصِرٍ خارِجٍ عَنْ نَفْسِهِ نَفى عَنْهُ تَعالى ما يَمْتَنِعُ بِهِ وأتى بِمِنَ الدّالَّةِ عَلى العُمُومِ في نَفْيِ القُوَّةِ والنّاصِرِ. (والسَّماءِ) أقْسَمَ ثانِيًا بِالسَّماءِ وهي المِظَلَّةُ. قِيلَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ السَّحابَ، ﴿ذاتِ الرَّجْعِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الرَّجْعُ: السَّحابُ فِيهِ المَطَرُ. وقالَ الحَسَنُ: تَرْجِعُ بِالرِّزْقِ كُلَّ عامٍ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الرَّجْعُ مَصْدَرُ رُجُوعِ الشَّمْسِ والقَمَرِ والكَواكِبِ مِن حالٍ إلى حالٍ ومِن مَنزِلَةٍ إلى مَنزِلَةٍ، تَذْهَبُ وتَرْجِعُ، وقِيلَ: الرَّجْعُ: المَطَرُ، ومِنهُ قَوْلُ الهُذَلِيِّ:
؎أبْيَضُ كالرَّجْعِ رَسُوبٌ إذا ∗∗∗ ما ناحَ في مُحْتَفَلٍ يَخْتَلِي
يَصِفُ سَيْفًا شَبَّهَهُ بِماءِ المَطَرِ في بَياضِهِ وصَفائِهِ، وسُمِّيَ رَجْعًا كَما سُمِّيَ إرْبًا، قالَ الشّاعِرُ:
؎رَبّا شَمالًا لا يَأْوِي لِقُلَّتِها ∗∗∗ إلّا السَّحابُ وإلّا الإرْبُ والسَّبَلُ
تَسْمِيَةٌ بِمَصْدَرِ آبَ ورَجَعَ. تَزْعُمُ العَرَبُ أنَّ السَّحابَ يَحْمِلُ الماءَ مِن بِحارِ الأرْضِ ثُمَّ يُرْجِعُهُ إلى الأرْضِ إذا أرادُوا التَّفاؤُلَ، وسَمَّوْهُ رَجْعًا وإرْبًا لِيَرْجِعَ ويَئُوبَ. وقِيلَ: لِأنَّ اللَّهَ تَعالى يُرْجِعُهُ وقْتًا فَوَقْتًا، قالَتِ الخَنْساءُ:
كالرَّجْعِ في المُدْجِنَّةِ السّارِيَهْ
وقِيلَ: الرَّجْعُ: المَلائِكَةُ، سُمُّوا بِذَلِكَ لِرُجُوعِهِمْ بِأعْمالِ العِبادِ. وقِيلَ: السَّحابُ، والمَشْهُورُ عِنْدَ أهْلِ اللُّغَةِ، وقَوْلُ الجُمْهُورِ: أنَّ الرَّجْعَ هو المَطَرُ، والصَّدْعُ: ما تَتَصَدَّعُ عَنْهُ الأرْضُ مِنَ النَّباتِ، ويُناسِبُ قَوْلَ مَن قالَ: الرَّجْعُ: المَطَرُ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: ذاتُ الِانْشِقاقِ: النَّباتِ. وقالَ أيْضًا: ذاتُ الحَرْثِ. وقالَ مُجاهِدٌ: الصَّدْعُ: ما في الأرْضِ مِن شِقاقٍ ولِصابٍ وخَنْدَقٍ وتَشَقُّقٍ بِحَرْثٍ وغَيْرِهِ، وهي أُمُورٌ فِيها مُعْتَبَرٌ، وعَنْهُ أيْضًا: ذاتُ الطُّرُقِ تُصَدِّعُها المُشاةُ. وقِيلَ: ذاتُ الأمْواتِ لِانْصِداعِها عَنْهم يَوْمَ النُّشُورِ. والضَّمِيرُ في (إنَّهُ) قالُوا عائِدٌ عَلى القُرْآنِ. (فَصْلٌ) أيْ فاصِلٌ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، كَما قِيلَ لَهُ فُرْقانٌ. وأقُولُ: ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ في (إنَّهُ) عَلى الكَلامِ الَّذِي أخْبَرَ فِيهِ بِبَعْثِ الإنْسانِ يَوْمَ القِيامَةِ وابْتِلاءِ سَرائِرِهِ، أيْ إنَّ ذَلِكَ القَوْلَ قَوْلٌ جَزْمٌ مُطابِقٌ لِلْواقِعِ لا هَزْلَ فِيهِ، ويَكُونُ الضَّمِيرُ قَدْ عادَ عَلى مَذْكُورٍ، وهو الكَلامُ الَّذِي تَضَمَّنُ الإخْبارَ عَنِ البَعْثِ، ولَيْسَ مِنَ الأخْبارِ الَّتِي فِيها هَزْلٌ بَلْ هو جِدٌّ كُلُّهُ (إنَّهم) أيِ الكافِرُونَ ﴿يَكِيدُونَ﴾ أيْ في إبْطالِ أمْرِ اللَّهِ وإطْفاءِ نُورِ الحَقِّ ﴿وأكِيدُ﴾ أيْ أُجازِيهِمْ عَلى كَيْدِهِمْ، فَسَمّى الجَزاءَ كَيْدًا عَلى سَبِيلِ المُقابَلَةِ، نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَكَرُوا ومَكَرَ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٥٤]، ﴿إنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة: ١٤]، ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥] ثُمَّ أمَرَ رَسُولَهُ، ﷺ، فَقالَ: ﴿أمْهِلْهم رُوَيْدًا﴾ أيِ انْتَظِرْ عُقُوبَتَهم ولا تَسْتَعْجِلْ ذَلِكَ ثُمَّ أكَّدَ أمْرَهُ فَقالَ: ﴿أمْهِلْهم رُوَيْدًا﴾ أيْ إمْهالًا، لَمّا كَرَّرَ الأمْرَ تَوْكِيدًا خالَفَ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ، عَلى أنَّ الأوَّلَ مُطْلَقٌ، وهَذا الثّانِيَ مُقَيَّدٌ بِقَوْلِهِ: ﴿رُوَيْدًا﴾ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: (مَهِّلْهم) بِفَتْحِ المِيمِ وشَدِّ الهاءِ مُوافَقَةً لِلَفْظِ الأمْرِ الأوَّلِ.
الطارق 86:11
ولَمّا ذَكَرَ أنَّ كُلَّ نَفْسٍ عَلَيْها حافِظٌ، أتْبَعَ ذَلِكَ بِوَصِيَّةِ الإنْسانِ بِالنَّظَرِ في أوَّلِ نَشْأتِهِ الأُولى حَتّى يَعْلَمَ أنَّ مَن أنْشَأهُ قادِرٌ عَلى إعادَتِهِ وجَزائِهِ، فَيَعْمَلَ لِذَلِكَ ولا يُمْلِي عَلى حافِظِهِ إلّا ما يَسُرُّهُ في عاقِبَتِهِ. و﴿مِمَّ خُلِقَ﴾ [الطارق: ٥] اسْتِفْهامٌ، ومِن مُتَعَلِّقَةٌ بِـ(خُلِقَ)، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ(فَلْيَنْظُرْ)، وهي مُعَلَّقَةٌ. وجَوابُ الِاسْتِفْهامِ ما بَعْدَهُ وهو: ﴿خُلِقَ مِن ماءٍ دافِقٍ﴾ وهو مَنِيُّ الرَّجُلِ والمَرْأةِ لَمّا امْتَزَجا في الرَّحِمِ واتَّحَدا عَبَّرَ عَنْهُما بِماءٍ، وهو مُفْرَدٌ، ودافِقٌ قِيلَ: هو بِمَعْنى مَدْفُوقٍ، وهي قِراءَةُ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ. وعِنْدَ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ: هو عَلى النَّسَبِ، كَلابِنٍ وتامِرٍ، أيْ: ذِي دَفْقٍ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: بِمَعْنى دافِقٍ لَزِجٍ، وكَأنَّهُ أطْلَقَ عَلَيْهِ وصْفَهُ لا أنَّهُ مَوْضُوعٌ في اللُّغَةِ لِذَلِكَ، والدَّفْقُ: الصَّبُّ، فِعْلُهُ مُتَعَدٍّ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والدَّفْقُ: دَفْعُ الماءِ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، تَدَفَّقَ الوادِي والسَّيْلُ إذا جاءَ يَرْكَبُ بَعْضُهُ بَعْضًا. ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ الماءُ دافِقًا؛ لِأنَّ بَعْضَهُ يَدْفَعُ بَعْضًا، فَمِنهُ دافِقٌ ومِنهُ مَدْفُوقٌ. انْتَهى. ورُكِّبَ قَوْلُهُ هَذا عَلى تَدَفَّقَ، وتَدَفَّقَ لازِمٌ دَفَقْتُهُ فَتَدَفَّقَ، نَحْوَ: كَسَرْتُهُ فَتَكَسَّرَ، ودَفَقَ لَيْسَ في اللُّغَةِ مَعْناهُ ما فَسَّرَ مِن قَوْلِهِ: والدَّفْقُ دَفْعُ الماءِ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، بَلِ المَحْفُوظُ أنَّهُ الصَّبُّ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يَخْرُجُ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ ﴿مِن بَيْنِ الصُّلْبِ﴾ بِضَمِّ الصّادِ وسُكُونِ اللّامِ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ وابْنُ مِقْسَمٍ: مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وهُما وأهْلُ مَكَّةَ وعِيسى: بِضَمِّ الصّادِ واللّامِ، واليَمانِيُّ: بِفَتْحِهِما. قالَ العَجّاجُ:
؎فِي صُلْبٍ مِثْلِ العَنانِ المُؤَدَّمِ
وتَقَدَّمَتِ اللُّغاتُ في الصُّلْبِ في سُورَةِ النِّساءِ، وإعْرابُها صالِبٌ كَما قالَ العَبّاسُ:
؎تُنْقَلُ مِن صالِبٍ إلى رَحِمٍ
قالَ قَتادَةُ والحَسَنُ: مَعْناهُ مِن بَيْنِ صُلْبِ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الرَّجُلِ والمَرْأةِ وتَرائِبِهِ. وقالَ سُفْيانُ وقَتادَةُ أيْضًا: مِن بَيْنِ صُلْبِ الرَّجُلِ وتَرائِبِ المَرْأةِ، وتَقَدَّمَ شَرْحُ التَّرائِبِ في المُفْرَداتِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَوْضِعُ القِلادَةِ، وعَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ: هي أضْلاعُ الرَّجُلِ الَّتِي أسْفَلَ الصُّلْبِ. وقِيلَ: ما بَيْنَ المَنكِبَيْنِ والصَّدْرِ. وقِيلَ: هي التَّراقِي، وعَنْ مَعْمَرٍ: هي عُصارَةُ القَلْبِ ومِنهُ يَكُونُ الوَلَدُ. ونَقَلَ مَكِّيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ التَّرائِبَ أطْرافُ المَرْءِ، رِجْلاهُ ويَداهُ وعَيْناهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وفي هَذِهِ الأحْوالِ تَحْكُمُ عَلى اللُّغَةِ. انْتَهى.
(إنَّهُ) الضَّمِيرُ يَعُودُ عَلى الخالِقِ الدّالِّ عَلَيْهِ (خُلِقَ) .
﴿عَلى رَجْعِهِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ: الضَّمِيرُ في رَجْعِهِ عائِدٌ عَلى الإنْسانِ، أيْ عَلى رَدِّهِ حَيًّا بَعْدَ مَوْتِهِ، أيْ مَن أنْشَأهُ أوَّلًا قادِرٌ عَلى بَعْثِهِ يَوْمَ القِيامَةِ لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ. وقالَ الضَّحّاكُ: عَلى رَدِّهِ مِنَ الكِبَرِ إلى الشَّبابِ. وقالَ عِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ: الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى الماءِ، أيْ عَلى رَدِّ الماءِ في الإحْلِيلِ أوْ في الصُّلْبِ. وعَلى هَذا القَوْلِ وقَوْلِ الضَّحّاكِ يَكُونُ العامِلُ في ﴿يَوْمَ تُبْلى﴾ مُضْمَرًا تَقْدِيرُهُ اذْكُرْ. وعَلى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ، وهو الأظْهَرُ، فَقالَ بَعْضُ النُّحاةِ: العامِلُ (ناصِرٍ) مِن قَوْلِهِ: ﴿ولا ناصِرٍ﴾ وهَذا فاسِدٌ لِأنَّ ما بَعْدَ الفاءِ لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَها، وكَذَلِكَ ما النّافِيَةُ لا يَعْمَلُ ما بَعْدَها فِيما قَبْلَها عَلى المَشْهُورِ المَنصُورِ. وقالَ آخَرُونَ، ومِنهُمُ الزَّمَخْشَرِيُّ: العامِلُ (رَجْعِهِ) ورُدَّ بِأنْ فِيهِ فَصْلًا بَيْنَ المَوْصُولِ ومُتَعَلِّقِهِ، وهو مِن تَمامِ الصِّلَةِ، ولا يَجُوزُ. وقالَ الحُذّاقُ مِنَ النُّحاةِ: العامِلُ فِيهِ مُضْمَرٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ المَصْدَرُ تَقْدِيرُهُ: يُرْجِعُهُ يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وكُلُّ هَذِهِ الفِرَقِ فَرَّتْ مِن أنْ يَكُونَ العامِلُ ”لَقادِرٌ“، لِأنَّهُ يَظْهَرُ مِن ذَلِكَ تَخْصِيصُ القُدْرَةِ في ذَلِكَ اليَوْمِ وحْدَهُ. وإذا تُؤُمِّلَ المَعْنى وما يَقْتَضِيهِ فَصِيحُ كَلامِ العَرَبِ جازَ أنْ يَكُونَ المَعْنى ”لَقادِرٌ“، وذَلِكَ أنَّهُ قالَ: ﴿إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ﴾ عَلى الإطْلاقِ أوَّلًا وآخِرًا وفي كُلِّ وقْتٍ. ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى (p-٤٥٦)وخَصَّصَ مِنَ الأوْقاتِ الوَقْتَ الأهَمَّ عَلى الكُفّارِ؛ لِأنَّهُ وقْتُ الجَزاءِ والوُصُولِ إلى العَذابِ لِيَجْتَمِعَ النّاسُ إلى حَذَرِهِ والخَوْفِ مِنهُ. انْتَهى.
﴿تُبْلى﴾ قِيلَ: تُخْتَبَرُ، وقِيلَ: تُعْرَفُ وتُتَصَفَّحُ وتُمَيَّزُ صالِحُها مِن فاسِدِها، والسَّرائِرُ: ما أكَنَّتْهُ القُلُوبُ مِنَ العَقائِدِ والنِّيّاتِ، وما أخْفَتْهُ الجَوارِحُ مِنَ الأعْمالِ، والظّاهِرُ عُمُومُ السَّرائِرِ. وفي الحَدِيثِ: «إنَّها التَّوْحِيدُ والصَّلاةُ والزَّكاةُ والغُسْلُ مِنَ الجَنابَةِ»، وكانَ المَذْكُورُ في الحَدِيثِ هو أعْظَمَ السَّرائِرِ، وسَمِعَ الحَسَنُ مَن يُنْشِدُ:
؎سَيَبْقى لَها في مُضْمَرِ القَلْبِ والحَشا ∗∗∗ سَرِيرَةُ وُدٍّ يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ
فَقالَ: ما أغْفَلَهُ عَمّا في السَّماءِ والطّارِقِ، والبَيْتُ لِلْأحْوَصِ. ولَمّا كانَ الِامْتِناعُ في الدُّنْيا إمّا بِقُوَّةٍ في الإنْسانِ، وإمّا بِناصِرٍ خارِجٍ عَنْ نَفْسِهِ نَفى عَنْهُ تَعالى ما يَمْتَنِعُ بِهِ وأتى بِمِنَ الدّالَّةِ عَلى العُمُومِ في نَفْيِ القُوَّةِ والنّاصِرِ. (والسَّماءِ) أقْسَمَ ثانِيًا بِالسَّماءِ وهي المِظَلَّةُ. قِيلَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ السَّحابَ، ﴿ذاتِ الرَّجْعِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الرَّجْعُ: السَّحابُ فِيهِ المَطَرُ. وقالَ الحَسَنُ: تَرْجِعُ بِالرِّزْقِ كُلَّ عامٍ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الرَّجْعُ مَصْدَرُ رُجُوعِ الشَّمْسِ والقَمَرِ والكَواكِبِ مِن حالٍ إلى حالٍ ومِن مَنزِلَةٍ إلى مَنزِلَةٍ، تَذْهَبُ وتَرْجِعُ، وقِيلَ: الرَّجْعُ: المَطَرُ، ومِنهُ قَوْلُ الهُذَلِيِّ:
؎أبْيَضُ كالرَّجْعِ رَسُوبٌ إذا ∗∗∗ ما ناحَ في مُحْتَفَلٍ يَخْتَلِي
يَصِفُ سَيْفًا شَبَّهَهُ بِماءِ المَطَرِ في بَياضِهِ وصَفائِهِ، وسُمِّيَ رَجْعًا كَما سُمِّيَ إرْبًا، قالَ الشّاعِرُ:
؎رَبّا شَمالًا لا يَأْوِي لِقُلَّتِها ∗∗∗ إلّا السَّحابُ وإلّا الإرْبُ والسَّبَلُ
تَسْمِيَةٌ بِمَصْدَرِ آبَ ورَجَعَ. تَزْعُمُ العَرَبُ أنَّ السَّحابَ يَحْمِلُ الماءَ مِن بِحارِ الأرْضِ ثُمَّ يُرْجِعُهُ إلى الأرْضِ إذا أرادُوا التَّفاؤُلَ، وسَمَّوْهُ رَجْعًا وإرْبًا لِيَرْجِعَ ويَئُوبَ. وقِيلَ: لِأنَّ اللَّهَ تَعالى يُرْجِعُهُ وقْتًا فَوَقْتًا، قالَتِ الخَنْساءُ:
كالرَّجْعِ في المُدْجِنَّةِ السّارِيَهْ
وقِيلَ: الرَّجْعُ: المَلائِكَةُ، سُمُّوا بِذَلِكَ لِرُجُوعِهِمْ بِأعْمالِ العِبادِ. وقِيلَ: السَّحابُ، والمَشْهُورُ عِنْدَ أهْلِ اللُّغَةِ، وقَوْلُ الجُمْهُورِ: أنَّ الرَّجْعَ هو المَطَرُ، والصَّدْعُ: ما تَتَصَدَّعُ عَنْهُ الأرْضُ مِنَ النَّباتِ، ويُناسِبُ قَوْلَ مَن قالَ: الرَّجْعُ: المَطَرُ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: ذاتُ الِانْشِقاقِ: النَّباتِ. وقالَ أيْضًا: ذاتُ الحَرْثِ. وقالَ مُجاهِدٌ: الصَّدْعُ: ما في الأرْضِ مِن شِقاقٍ ولِصابٍ وخَنْدَقٍ وتَشَقُّقٍ بِحَرْثٍ وغَيْرِهِ، وهي أُمُورٌ فِيها مُعْتَبَرٌ، وعَنْهُ أيْضًا: ذاتُ الطُّرُقِ تُصَدِّعُها المُشاةُ. وقِيلَ: ذاتُ الأمْواتِ لِانْصِداعِها عَنْهم يَوْمَ النُّشُورِ. والضَّمِيرُ في (إنَّهُ) قالُوا عائِدٌ عَلى القُرْآنِ. (فَصْلٌ) أيْ فاصِلٌ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، كَما قِيلَ لَهُ فُرْقانٌ. وأقُولُ: ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ في (إنَّهُ) عَلى الكَلامِ الَّذِي أخْبَرَ فِيهِ بِبَعْثِ الإنْسانِ يَوْمَ القِيامَةِ وابْتِلاءِ سَرائِرِهِ، أيْ إنَّ ذَلِكَ القَوْلَ قَوْلٌ جَزْمٌ مُطابِقٌ لِلْواقِعِ لا هَزْلَ فِيهِ، ويَكُونُ الضَّمِيرُ قَدْ عادَ عَلى مَذْكُورٍ، وهو الكَلامُ الَّذِي تَضَمَّنُ الإخْبارَ عَنِ البَعْثِ، ولَيْسَ مِنَ الأخْبارِ الَّتِي فِيها هَزْلٌ بَلْ هو جِدٌّ كُلُّهُ (إنَّهم) أيِ الكافِرُونَ ﴿يَكِيدُونَ﴾ أيْ في إبْطالِ أمْرِ اللَّهِ وإطْفاءِ نُورِ الحَقِّ ﴿وأكِيدُ﴾ أيْ أُجازِيهِمْ عَلى كَيْدِهِمْ، فَسَمّى الجَزاءَ كَيْدًا عَلى سَبِيلِ المُقابَلَةِ، نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَكَرُوا ومَكَرَ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٥٤]، ﴿إنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة: ١٤]، ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥] ثُمَّ أمَرَ رَسُولَهُ، ﷺ، فَقالَ: ﴿أمْهِلْهم رُوَيْدًا﴾ أيِ انْتَظِرْ عُقُوبَتَهم ولا تَسْتَعْجِلْ ذَلِكَ ثُمَّ أكَّدَ أمْرَهُ فَقالَ: ﴿أمْهِلْهم رُوَيْدًا﴾ أيْ إمْهالًا، لَمّا كَرَّرَ الأمْرَ تَوْكِيدًا خالَفَ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ، عَلى أنَّ الأوَّلَ مُطْلَقٌ، وهَذا الثّانِيَ مُقَيَّدٌ بِقَوْلِهِ: ﴿رُوَيْدًا﴾ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: (مَهِّلْهم) بِفَتْحِ المِيمِ وشَدِّ الهاءِ مُوافَقَةً لِلَفْظِ الأمْرِ الأوَّلِ.
الطارق 86:12
ولَمّا ذَكَرَ أنَّ كُلَّ نَفْسٍ عَلَيْها حافِظٌ، أتْبَعَ ذَلِكَ بِوَصِيَّةِ الإنْسانِ بِالنَّظَرِ في أوَّلِ نَشْأتِهِ الأُولى حَتّى يَعْلَمَ أنَّ مَن أنْشَأهُ قادِرٌ عَلى إعادَتِهِ وجَزائِهِ، فَيَعْمَلَ لِذَلِكَ ولا يُمْلِي عَلى حافِظِهِ إلّا ما يَسُرُّهُ في عاقِبَتِهِ. و﴿مِمَّ خُلِقَ﴾ [الطارق: ٥] اسْتِفْهامٌ، ومِن مُتَعَلِّقَةٌ بِـ(خُلِقَ)، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ(فَلْيَنْظُرْ)، وهي مُعَلَّقَةٌ. وجَوابُ الِاسْتِفْهامِ ما بَعْدَهُ وهو: ﴿خُلِقَ مِن ماءٍ دافِقٍ﴾ وهو مَنِيُّ الرَّجُلِ والمَرْأةِ لَمّا امْتَزَجا في الرَّحِمِ واتَّحَدا عَبَّرَ عَنْهُما بِماءٍ، وهو مُفْرَدٌ، ودافِقٌ قِيلَ: هو بِمَعْنى مَدْفُوقٍ، وهي قِراءَةُ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ. وعِنْدَ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ: هو عَلى النَّسَبِ، كَلابِنٍ وتامِرٍ، أيْ: ذِي دَفْقٍ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: بِمَعْنى دافِقٍ لَزِجٍ، وكَأنَّهُ أطْلَقَ عَلَيْهِ وصْفَهُ لا أنَّهُ مَوْضُوعٌ في اللُّغَةِ لِذَلِكَ، والدَّفْقُ: الصَّبُّ، فِعْلُهُ مُتَعَدٍّ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والدَّفْقُ: دَفْعُ الماءِ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، تَدَفَّقَ الوادِي والسَّيْلُ إذا جاءَ يَرْكَبُ بَعْضُهُ بَعْضًا. ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ الماءُ دافِقًا؛ لِأنَّ بَعْضَهُ يَدْفَعُ بَعْضًا، فَمِنهُ دافِقٌ ومِنهُ مَدْفُوقٌ. انْتَهى. ورُكِّبَ قَوْلُهُ هَذا عَلى تَدَفَّقَ، وتَدَفَّقَ لازِمٌ دَفَقْتُهُ فَتَدَفَّقَ، نَحْوَ: كَسَرْتُهُ فَتَكَسَّرَ، ودَفَقَ لَيْسَ في اللُّغَةِ مَعْناهُ ما فَسَّرَ مِن قَوْلِهِ: والدَّفْقُ دَفْعُ الماءِ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، بَلِ المَحْفُوظُ أنَّهُ الصَّبُّ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يَخْرُجُ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ ﴿مِن بَيْنِ الصُّلْبِ﴾ بِضَمِّ الصّادِ وسُكُونِ اللّامِ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ وابْنُ مِقْسَمٍ: مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وهُما وأهْلُ مَكَّةَ وعِيسى: بِضَمِّ الصّادِ واللّامِ، واليَمانِيُّ: بِفَتْحِهِما. قالَ العَجّاجُ:
؎فِي صُلْبٍ مِثْلِ العَنانِ المُؤَدَّمِ
وتَقَدَّمَتِ اللُّغاتُ في الصُّلْبِ في سُورَةِ النِّساءِ، وإعْرابُها صالِبٌ كَما قالَ العَبّاسُ:
؎تُنْقَلُ مِن صالِبٍ إلى رَحِمٍ
قالَ قَتادَةُ والحَسَنُ: مَعْناهُ مِن بَيْنِ صُلْبِ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الرَّجُلِ والمَرْأةِ وتَرائِبِهِ. وقالَ سُفْيانُ وقَتادَةُ أيْضًا: مِن بَيْنِ صُلْبِ الرَّجُلِ وتَرائِبِ المَرْأةِ، وتَقَدَّمَ شَرْحُ التَّرائِبِ في المُفْرَداتِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَوْضِعُ القِلادَةِ، وعَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ: هي أضْلاعُ الرَّجُلِ الَّتِي أسْفَلَ الصُّلْبِ. وقِيلَ: ما بَيْنَ المَنكِبَيْنِ والصَّدْرِ. وقِيلَ: هي التَّراقِي، وعَنْ مَعْمَرٍ: هي عُصارَةُ القَلْبِ ومِنهُ يَكُونُ الوَلَدُ. ونَقَلَ مَكِّيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ التَّرائِبَ أطْرافُ المَرْءِ، رِجْلاهُ ويَداهُ وعَيْناهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وفي هَذِهِ الأحْوالِ تَحْكُمُ عَلى اللُّغَةِ. انْتَهى.
(إنَّهُ) الضَّمِيرُ يَعُودُ عَلى الخالِقِ الدّالِّ عَلَيْهِ (خُلِقَ) .
﴿عَلى رَجْعِهِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ: الضَّمِيرُ في رَجْعِهِ عائِدٌ عَلى الإنْسانِ، أيْ عَلى رَدِّهِ حَيًّا بَعْدَ مَوْتِهِ، أيْ مَن أنْشَأهُ أوَّلًا قادِرٌ عَلى بَعْثِهِ يَوْمَ القِيامَةِ لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ. وقالَ الضَّحّاكُ: عَلى رَدِّهِ مِنَ الكِبَرِ إلى الشَّبابِ. وقالَ عِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ: الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى الماءِ، أيْ عَلى رَدِّ الماءِ في الإحْلِيلِ أوْ في الصُّلْبِ. وعَلى هَذا القَوْلِ وقَوْلِ الضَّحّاكِ يَكُونُ العامِلُ في ﴿يَوْمَ تُبْلى﴾ مُضْمَرًا تَقْدِيرُهُ اذْكُرْ. وعَلى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ، وهو الأظْهَرُ، فَقالَ بَعْضُ النُّحاةِ: العامِلُ (ناصِرٍ) مِن قَوْلِهِ: ﴿ولا ناصِرٍ﴾ وهَذا فاسِدٌ لِأنَّ ما بَعْدَ الفاءِ لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَها، وكَذَلِكَ ما النّافِيَةُ لا يَعْمَلُ ما بَعْدَها فِيما قَبْلَها عَلى المَشْهُورِ المَنصُورِ. وقالَ آخَرُونَ، ومِنهُمُ الزَّمَخْشَرِيُّ: العامِلُ (رَجْعِهِ) ورُدَّ بِأنْ فِيهِ فَصْلًا بَيْنَ المَوْصُولِ ومُتَعَلِّقِهِ، وهو مِن تَمامِ الصِّلَةِ، ولا يَجُوزُ. وقالَ الحُذّاقُ مِنَ النُّحاةِ: العامِلُ فِيهِ مُضْمَرٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ المَصْدَرُ تَقْدِيرُهُ: يُرْجِعُهُ يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وكُلُّ هَذِهِ الفِرَقِ فَرَّتْ مِن أنْ يَكُونَ العامِلُ ”لَقادِرٌ“، لِأنَّهُ يَظْهَرُ مِن ذَلِكَ تَخْصِيصُ القُدْرَةِ في ذَلِكَ اليَوْمِ وحْدَهُ. وإذا تُؤُمِّلَ المَعْنى وما يَقْتَضِيهِ فَصِيحُ كَلامِ العَرَبِ جازَ أنْ يَكُونَ المَعْنى ”لَقادِرٌ“، وذَلِكَ أنَّهُ قالَ: ﴿إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ﴾ عَلى الإطْلاقِ أوَّلًا وآخِرًا وفي كُلِّ وقْتٍ. ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى (p-٤٥٦)وخَصَّصَ مِنَ الأوْقاتِ الوَقْتَ الأهَمَّ عَلى الكُفّارِ؛ لِأنَّهُ وقْتُ الجَزاءِ والوُصُولِ إلى العَذابِ لِيَجْتَمِعَ النّاسُ إلى حَذَرِهِ والخَوْفِ مِنهُ. انْتَهى.
﴿تُبْلى﴾ قِيلَ: تُخْتَبَرُ، وقِيلَ: تُعْرَفُ وتُتَصَفَّحُ وتُمَيَّزُ صالِحُها مِن فاسِدِها، والسَّرائِرُ: ما أكَنَّتْهُ القُلُوبُ مِنَ العَقائِدِ والنِّيّاتِ، وما أخْفَتْهُ الجَوارِحُ مِنَ الأعْمالِ، والظّاهِرُ عُمُومُ السَّرائِرِ. وفي الحَدِيثِ: «إنَّها التَّوْحِيدُ والصَّلاةُ والزَّكاةُ والغُسْلُ مِنَ الجَنابَةِ»، وكانَ المَذْكُورُ في الحَدِيثِ هو أعْظَمَ السَّرائِرِ، وسَمِعَ الحَسَنُ مَن يُنْشِدُ:
؎سَيَبْقى لَها في مُضْمَرِ القَلْبِ والحَشا ∗∗∗ سَرِيرَةُ وُدٍّ يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ
فَقالَ: ما أغْفَلَهُ عَمّا في السَّماءِ والطّارِقِ، والبَيْتُ لِلْأحْوَصِ. ولَمّا كانَ الِامْتِناعُ في الدُّنْيا إمّا بِقُوَّةٍ في الإنْسانِ، وإمّا بِناصِرٍ خارِجٍ عَنْ نَفْسِهِ نَفى عَنْهُ تَعالى ما يَمْتَنِعُ بِهِ وأتى بِمِنَ الدّالَّةِ عَلى العُمُومِ في نَفْيِ القُوَّةِ والنّاصِرِ. (والسَّماءِ) أقْسَمَ ثانِيًا بِالسَّماءِ وهي المِظَلَّةُ. قِيلَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ السَّحابَ، ﴿ذاتِ الرَّجْعِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الرَّجْعُ: السَّحابُ فِيهِ المَطَرُ. وقالَ الحَسَنُ: تَرْجِعُ بِالرِّزْقِ كُلَّ عامٍ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الرَّجْعُ مَصْدَرُ رُجُوعِ الشَّمْسِ والقَمَرِ والكَواكِبِ مِن حالٍ إلى حالٍ ومِن مَنزِلَةٍ إلى مَنزِلَةٍ، تَذْهَبُ وتَرْجِعُ، وقِيلَ: الرَّجْعُ: المَطَرُ، ومِنهُ قَوْلُ الهُذَلِيِّ:
؎أبْيَضُ كالرَّجْعِ رَسُوبٌ إذا ∗∗∗ ما ناحَ في مُحْتَفَلٍ يَخْتَلِي
يَصِفُ سَيْفًا شَبَّهَهُ بِماءِ المَطَرِ في بَياضِهِ وصَفائِهِ، وسُمِّيَ رَجْعًا كَما سُمِّيَ إرْبًا، قالَ الشّاعِرُ:
؎رَبّا شَمالًا لا يَأْوِي لِقُلَّتِها ∗∗∗ إلّا السَّحابُ وإلّا الإرْبُ والسَّبَلُ
تَسْمِيَةٌ بِمَصْدَرِ آبَ ورَجَعَ. تَزْعُمُ العَرَبُ أنَّ السَّحابَ يَحْمِلُ الماءَ مِن بِحارِ الأرْضِ ثُمَّ يُرْجِعُهُ إلى الأرْضِ إذا أرادُوا التَّفاؤُلَ، وسَمَّوْهُ رَجْعًا وإرْبًا لِيَرْجِعَ ويَئُوبَ. وقِيلَ: لِأنَّ اللَّهَ تَعالى يُرْجِعُهُ وقْتًا فَوَقْتًا، قالَتِ الخَنْساءُ:
كالرَّجْعِ في المُدْجِنَّةِ السّارِيَهْ
وقِيلَ: الرَّجْعُ: المَلائِكَةُ، سُمُّوا بِذَلِكَ لِرُجُوعِهِمْ بِأعْمالِ العِبادِ. وقِيلَ: السَّحابُ، والمَشْهُورُ عِنْدَ أهْلِ اللُّغَةِ، وقَوْلُ الجُمْهُورِ: أنَّ الرَّجْعَ هو المَطَرُ، والصَّدْعُ: ما تَتَصَدَّعُ عَنْهُ الأرْضُ مِنَ النَّباتِ، ويُناسِبُ قَوْلَ مَن قالَ: الرَّجْعُ: المَطَرُ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: ذاتُ الِانْشِقاقِ: النَّباتِ. وقالَ أيْضًا: ذاتُ الحَرْثِ. وقالَ مُجاهِدٌ: الصَّدْعُ: ما في الأرْضِ مِن شِقاقٍ ولِصابٍ وخَنْدَقٍ وتَشَقُّقٍ بِحَرْثٍ وغَيْرِهِ، وهي أُمُورٌ فِيها مُعْتَبَرٌ، وعَنْهُ أيْضًا: ذاتُ الطُّرُقِ تُصَدِّعُها المُشاةُ. وقِيلَ: ذاتُ الأمْواتِ لِانْصِداعِها عَنْهم يَوْمَ النُّشُورِ. والضَّمِيرُ في (إنَّهُ) قالُوا عائِدٌ عَلى القُرْآنِ. (فَصْلٌ) أيْ فاصِلٌ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، كَما قِيلَ لَهُ فُرْقانٌ. وأقُولُ: ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ في (إنَّهُ) عَلى الكَلامِ الَّذِي أخْبَرَ فِيهِ بِبَعْثِ الإنْسانِ يَوْمَ القِيامَةِ وابْتِلاءِ سَرائِرِهِ، أيْ إنَّ ذَلِكَ القَوْلَ قَوْلٌ جَزْمٌ مُطابِقٌ لِلْواقِعِ لا هَزْلَ فِيهِ، ويَكُونُ الضَّمِيرُ قَدْ عادَ عَلى مَذْكُورٍ، وهو الكَلامُ الَّذِي تَضَمَّنُ الإخْبارَ عَنِ البَعْثِ، ولَيْسَ مِنَ الأخْبارِ الَّتِي فِيها هَزْلٌ بَلْ هو جِدٌّ كُلُّهُ (إنَّهم) أيِ الكافِرُونَ ﴿يَكِيدُونَ﴾ أيْ في إبْطالِ أمْرِ اللَّهِ وإطْفاءِ نُورِ الحَقِّ ﴿وأكِيدُ﴾ أيْ أُجازِيهِمْ عَلى كَيْدِهِمْ، فَسَمّى الجَزاءَ كَيْدًا عَلى سَبِيلِ المُقابَلَةِ، نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَكَرُوا ومَكَرَ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٥٤]، ﴿إنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة: ١٤]، ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥] ثُمَّ أمَرَ رَسُولَهُ، ﷺ، فَقالَ: ﴿أمْهِلْهم رُوَيْدًا﴾ أيِ انْتَظِرْ عُقُوبَتَهم ولا تَسْتَعْجِلْ ذَلِكَ ثُمَّ أكَّدَ أمْرَهُ فَقالَ: ﴿أمْهِلْهم رُوَيْدًا﴾ أيْ إمْهالًا، لَمّا كَرَّرَ الأمْرَ تَوْكِيدًا خالَفَ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ، عَلى أنَّ الأوَّلَ مُطْلَقٌ، وهَذا الثّانِيَ مُقَيَّدٌ بِقَوْلِهِ: ﴿رُوَيْدًا﴾ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: (مَهِّلْهم) بِفَتْحِ المِيمِ وشَدِّ الهاءِ مُوافَقَةً لِلَفْظِ الأمْرِ الأوَّلِ.
الطارق 86:13
ولَمّا ذَكَرَ أنَّ كُلَّ نَفْسٍ عَلَيْها حافِظٌ، أتْبَعَ ذَلِكَ بِوَصِيَّةِ الإنْسانِ بِالنَّظَرِ في أوَّلِ نَشْأتِهِ الأُولى حَتّى يَعْلَمَ أنَّ مَن أنْشَأهُ قادِرٌ عَلى إعادَتِهِ وجَزائِهِ، فَيَعْمَلَ لِذَلِكَ ولا يُمْلِي عَلى حافِظِهِ إلّا ما يَسُرُّهُ في عاقِبَتِهِ. و﴿مِمَّ خُلِقَ﴾ [الطارق: ٥] اسْتِفْهامٌ، ومِن مُتَعَلِّقَةٌ بِـ(خُلِقَ)، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ(فَلْيَنْظُرْ)، وهي مُعَلَّقَةٌ. وجَوابُ الِاسْتِفْهامِ ما بَعْدَهُ وهو: ﴿خُلِقَ مِن ماءٍ دافِقٍ﴾ وهو مَنِيُّ الرَّجُلِ والمَرْأةِ لَمّا امْتَزَجا في الرَّحِمِ واتَّحَدا عَبَّرَ عَنْهُما بِماءٍ، وهو مُفْرَدٌ، ودافِقٌ قِيلَ: هو بِمَعْنى مَدْفُوقٍ، وهي قِراءَةُ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ. وعِنْدَ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ: هو عَلى النَّسَبِ، كَلابِنٍ وتامِرٍ، أيْ: ذِي دَفْقٍ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: بِمَعْنى دافِقٍ لَزِجٍ، وكَأنَّهُ أطْلَقَ عَلَيْهِ وصْفَهُ لا أنَّهُ مَوْضُوعٌ في اللُّغَةِ لِذَلِكَ، والدَّفْقُ: الصَّبُّ، فِعْلُهُ مُتَعَدٍّ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والدَّفْقُ: دَفْعُ الماءِ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، تَدَفَّقَ الوادِي والسَّيْلُ إذا جاءَ يَرْكَبُ بَعْضُهُ بَعْضًا. ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ الماءُ دافِقًا؛ لِأنَّ بَعْضَهُ يَدْفَعُ بَعْضًا، فَمِنهُ دافِقٌ ومِنهُ مَدْفُوقٌ. انْتَهى. ورُكِّبَ قَوْلُهُ هَذا عَلى تَدَفَّقَ، وتَدَفَّقَ لازِمٌ دَفَقْتُهُ فَتَدَفَّقَ، نَحْوَ: كَسَرْتُهُ فَتَكَسَّرَ، ودَفَقَ لَيْسَ في اللُّغَةِ مَعْناهُ ما فَسَّرَ مِن قَوْلِهِ: والدَّفْقُ دَفْعُ الماءِ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، بَلِ المَحْفُوظُ أنَّهُ الصَّبُّ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يَخْرُجُ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ ﴿مِن بَيْنِ الصُّلْبِ﴾ بِضَمِّ الصّادِ وسُكُونِ اللّامِ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ وابْنُ مِقْسَمٍ: مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وهُما وأهْلُ مَكَّةَ وعِيسى: بِضَمِّ الصّادِ واللّامِ، واليَمانِيُّ: بِفَتْحِهِما. قالَ العَجّاجُ:
؎فِي صُلْبٍ مِثْلِ العَنانِ المُؤَدَّمِ
وتَقَدَّمَتِ اللُّغاتُ في الصُّلْبِ في سُورَةِ النِّساءِ، وإعْرابُها صالِبٌ كَما قالَ العَبّاسُ:
؎تُنْقَلُ مِن صالِبٍ إلى رَحِمٍ
قالَ قَتادَةُ والحَسَنُ: مَعْناهُ مِن بَيْنِ صُلْبِ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الرَّجُلِ والمَرْأةِ وتَرائِبِهِ. وقالَ سُفْيانُ وقَتادَةُ أيْضًا: مِن بَيْنِ صُلْبِ الرَّجُلِ وتَرائِبِ المَرْأةِ، وتَقَدَّمَ شَرْحُ التَّرائِبِ في المُفْرَداتِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَوْضِعُ القِلادَةِ، وعَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ: هي أضْلاعُ الرَّجُلِ الَّتِي أسْفَلَ الصُّلْبِ. وقِيلَ: ما بَيْنَ المَنكِبَيْنِ والصَّدْرِ. وقِيلَ: هي التَّراقِي، وعَنْ مَعْمَرٍ: هي عُصارَةُ القَلْبِ ومِنهُ يَكُونُ الوَلَدُ. ونَقَلَ مَكِّيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ التَّرائِبَ أطْرافُ المَرْءِ، رِجْلاهُ ويَداهُ وعَيْناهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وفي هَذِهِ الأحْوالِ تَحْكُمُ عَلى اللُّغَةِ. انْتَهى.
(إنَّهُ) الضَّمِيرُ يَعُودُ عَلى الخالِقِ الدّالِّ عَلَيْهِ (خُلِقَ) .
﴿عَلى رَجْعِهِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ: الضَّمِيرُ في رَجْعِهِ عائِدٌ عَلى الإنْسانِ، أيْ عَلى رَدِّهِ حَيًّا بَعْدَ مَوْتِهِ، أيْ مَن أنْشَأهُ أوَّلًا قادِرٌ عَلى بَعْثِهِ يَوْمَ القِيامَةِ لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ. وقالَ الضَّحّاكُ: عَلى رَدِّهِ مِنَ الكِبَرِ إلى الشَّبابِ. وقالَ عِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ: الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى الماءِ، أيْ عَلى رَدِّ الماءِ في الإحْلِيلِ أوْ في الصُّلْبِ. وعَلى هَذا القَوْلِ وقَوْلِ الضَّحّاكِ يَكُونُ العامِلُ في ﴿يَوْمَ تُبْلى﴾ مُضْمَرًا تَقْدِيرُهُ اذْكُرْ. وعَلى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ، وهو الأظْهَرُ، فَقالَ بَعْضُ النُّحاةِ: العامِلُ (ناصِرٍ) مِن قَوْلِهِ: ﴿ولا ناصِرٍ﴾ وهَذا فاسِدٌ لِأنَّ ما بَعْدَ الفاءِ لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَها، وكَذَلِكَ ما النّافِيَةُ لا يَعْمَلُ ما بَعْدَها فِيما قَبْلَها عَلى المَشْهُورِ المَنصُورِ. وقالَ آخَرُونَ، ومِنهُمُ الزَّمَخْشَرِيُّ: العامِلُ (رَجْعِهِ) ورُدَّ بِأنْ فِيهِ فَصْلًا بَيْنَ المَوْصُولِ ومُتَعَلِّقِهِ، وهو مِن تَمامِ الصِّلَةِ، ولا يَجُوزُ. وقالَ الحُذّاقُ مِنَ النُّحاةِ: العامِلُ فِيهِ مُضْمَرٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ المَصْدَرُ تَقْدِيرُهُ: يُرْجِعُهُ يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وكُلُّ هَذِهِ الفِرَقِ فَرَّتْ مِن أنْ يَكُونَ العامِلُ ”لَقادِرٌ“، لِأنَّهُ يَظْهَرُ مِن ذَلِكَ تَخْصِيصُ القُدْرَةِ في ذَلِكَ اليَوْمِ وحْدَهُ. وإذا تُؤُمِّلَ المَعْنى وما يَقْتَضِيهِ فَصِيحُ كَلامِ العَرَبِ جازَ أنْ يَكُونَ المَعْنى ”لَقادِرٌ“، وذَلِكَ أنَّهُ قالَ: ﴿إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ﴾ عَلى الإطْلاقِ أوَّلًا وآخِرًا وفي كُلِّ وقْتٍ. ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى (p-٤٥٦)وخَصَّصَ مِنَ الأوْقاتِ الوَقْتَ الأهَمَّ عَلى الكُفّارِ؛ لِأنَّهُ وقْتُ الجَزاءِ والوُصُولِ إلى العَذابِ لِيَجْتَمِعَ النّاسُ إلى حَذَرِهِ والخَوْفِ مِنهُ. انْتَهى.
﴿تُبْلى﴾ قِيلَ: تُخْتَبَرُ، وقِيلَ: تُعْرَفُ وتُتَصَفَّحُ وتُمَيَّزُ صالِحُها مِن فاسِدِها، والسَّرائِرُ: ما أكَنَّتْهُ القُلُوبُ مِنَ العَقائِدِ والنِّيّاتِ، وما أخْفَتْهُ الجَوارِحُ مِنَ الأعْمالِ، والظّاهِرُ عُمُومُ السَّرائِرِ. وفي الحَدِيثِ: «إنَّها التَّوْحِيدُ والصَّلاةُ والزَّكاةُ والغُسْلُ مِنَ الجَنابَةِ»، وكانَ المَذْكُورُ في الحَدِيثِ هو أعْظَمَ السَّرائِرِ، وسَمِعَ الحَسَنُ مَن يُنْشِدُ:
؎سَيَبْقى لَها في مُضْمَرِ القَلْبِ والحَشا ∗∗∗ سَرِيرَةُ وُدٍّ يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ
فَقالَ: ما أغْفَلَهُ عَمّا في السَّماءِ والطّارِقِ، والبَيْتُ لِلْأحْوَصِ. ولَمّا كانَ الِامْتِناعُ في الدُّنْيا إمّا بِقُوَّةٍ في الإنْسانِ، وإمّا بِناصِرٍ خارِجٍ عَنْ نَفْسِهِ نَفى عَنْهُ تَعالى ما يَمْتَنِعُ بِهِ وأتى بِمِنَ الدّالَّةِ عَلى العُمُومِ في نَفْيِ القُوَّةِ والنّاصِرِ. (والسَّماءِ) أقْسَمَ ثانِيًا بِالسَّماءِ وهي المِظَلَّةُ. قِيلَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ السَّحابَ، ﴿ذاتِ الرَّجْعِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الرَّجْعُ: السَّحابُ فِيهِ المَطَرُ. وقالَ الحَسَنُ: تَرْجِعُ بِالرِّزْقِ كُلَّ عامٍ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الرَّجْعُ مَصْدَرُ رُجُوعِ الشَّمْسِ والقَمَرِ والكَواكِبِ مِن حالٍ إلى حالٍ ومِن مَنزِلَةٍ إلى مَنزِلَةٍ، تَذْهَبُ وتَرْجِعُ، وقِيلَ: الرَّجْعُ: المَطَرُ، ومِنهُ قَوْلُ الهُذَلِيِّ:
؎أبْيَضُ كالرَّجْعِ رَسُوبٌ إذا ∗∗∗ ما ناحَ في مُحْتَفَلٍ يَخْتَلِي
يَصِفُ سَيْفًا شَبَّهَهُ بِماءِ المَطَرِ في بَياضِهِ وصَفائِهِ، وسُمِّيَ رَجْعًا كَما سُمِّيَ إرْبًا، قالَ الشّاعِرُ:
؎رَبّا شَمالًا لا يَأْوِي لِقُلَّتِها ∗∗∗ إلّا السَّحابُ وإلّا الإرْبُ والسَّبَلُ
تَسْمِيَةٌ بِمَصْدَرِ آبَ ورَجَعَ. تَزْعُمُ العَرَبُ أنَّ السَّحابَ يَحْمِلُ الماءَ مِن بِحارِ الأرْضِ ثُمَّ يُرْجِعُهُ إلى الأرْضِ إذا أرادُوا التَّفاؤُلَ، وسَمَّوْهُ رَجْعًا وإرْبًا لِيَرْجِعَ ويَئُوبَ. وقِيلَ: لِأنَّ اللَّهَ تَعالى يُرْجِعُهُ وقْتًا فَوَقْتًا، قالَتِ الخَنْساءُ:
كالرَّجْعِ في المُدْجِنَّةِ السّارِيَهْ
وقِيلَ: الرَّجْعُ: المَلائِكَةُ، سُمُّوا بِذَلِكَ لِرُجُوعِهِمْ بِأعْمالِ العِبادِ. وقِيلَ: السَّحابُ، والمَشْهُورُ عِنْدَ أهْلِ اللُّغَةِ، وقَوْلُ الجُمْهُورِ: أنَّ الرَّجْعَ هو المَطَرُ، والصَّدْعُ: ما تَتَصَدَّعُ عَنْهُ الأرْضُ مِنَ النَّباتِ، ويُناسِبُ قَوْلَ مَن قالَ: الرَّجْعُ: المَطَرُ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: ذاتُ الِانْشِقاقِ: النَّباتِ. وقالَ أيْضًا: ذاتُ الحَرْثِ. وقالَ مُجاهِدٌ: الصَّدْعُ: ما في الأرْضِ مِن شِقاقٍ ولِصابٍ وخَنْدَقٍ وتَشَقُّقٍ بِحَرْثٍ وغَيْرِهِ، وهي أُمُورٌ فِيها مُعْتَبَرٌ، وعَنْهُ أيْضًا: ذاتُ الطُّرُقِ تُصَدِّعُها المُشاةُ. وقِيلَ: ذاتُ الأمْواتِ لِانْصِداعِها عَنْهم يَوْمَ النُّشُورِ. والضَّمِيرُ في (إنَّهُ) قالُوا عائِدٌ عَلى القُرْآنِ. (فَصْلٌ) أيْ فاصِلٌ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، كَما قِيلَ لَهُ فُرْقانٌ. وأقُولُ: ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ في (إنَّهُ) عَلى الكَلامِ الَّذِي أخْبَرَ فِيهِ بِبَعْثِ الإنْسانِ يَوْمَ القِيامَةِ وابْتِلاءِ سَرائِرِهِ، أيْ إنَّ ذَلِكَ القَوْلَ قَوْلٌ جَزْمٌ مُطابِقٌ لِلْواقِعِ لا هَزْلَ فِيهِ، ويَكُونُ الضَّمِيرُ قَدْ عادَ عَلى مَذْكُورٍ، وهو الكَلامُ الَّذِي تَضَمَّنُ الإخْبارَ عَنِ البَعْثِ، ولَيْسَ مِنَ الأخْبارِ الَّتِي فِيها هَزْلٌ بَلْ هو جِدٌّ كُلُّهُ (إنَّهم) أيِ الكافِرُونَ ﴿يَكِيدُونَ﴾ أيْ في إبْطالِ أمْرِ اللَّهِ وإطْفاءِ نُورِ الحَقِّ ﴿وأكِيدُ﴾ أيْ أُجازِيهِمْ عَلى كَيْدِهِمْ، فَسَمّى الجَزاءَ كَيْدًا عَلى سَبِيلِ المُقابَلَةِ، نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَكَرُوا ومَكَرَ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٥٤]، ﴿إنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة: ١٤]، ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥] ثُمَّ أمَرَ رَسُولَهُ، ﷺ، فَقالَ: ﴿أمْهِلْهم رُوَيْدًا﴾ أيِ انْتَظِرْ عُقُوبَتَهم ولا تَسْتَعْجِلْ ذَلِكَ ثُمَّ أكَّدَ أمْرَهُ فَقالَ: ﴿أمْهِلْهم رُوَيْدًا﴾ أيْ إمْهالًا، لَمّا كَرَّرَ الأمْرَ تَوْكِيدًا خالَفَ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ، عَلى أنَّ الأوَّلَ مُطْلَقٌ، وهَذا الثّانِيَ مُقَيَّدٌ بِقَوْلِهِ: ﴿رُوَيْدًا﴾ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: (مَهِّلْهم) بِفَتْحِ المِيمِ وشَدِّ الهاءِ مُوافَقَةً لِلَفْظِ الأمْرِ الأوَّلِ.
الطارق 86:14
ولَمّا ذَكَرَ أنَّ كُلَّ نَفْسٍ عَلَيْها حافِظٌ، أتْبَعَ ذَلِكَ بِوَصِيَّةِ الإنْسانِ بِالنَّظَرِ في أوَّلِ نَشْأتِهِ الأُولى حَتّى يَعْلَمَ أنَّ مَن أنْشَأهُ قادِرٌ عَلى إعادَتِهِ وجَزائِهِ، فَيَعْمَلَ لِذَلِكَ ولا يُمْلِي عَلى حافِظِهِ إلّا ما يَسُرُّهُ في عاقِبَتِهِ. و﴿مِمَّ خُلِقَ﴾ [الطارق: ٥] اسْتِفْهامٌ، ومِن مُتَعَلِّقَةٌ بِـ(خُلِقَ)، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ(فَلْيَنْظُرْ)، وهي مُعَلَّقَةٌ. وجَوابُ الِاسْتِفْهامِ ما بَعْدَهُ وهو: ﴿خُلِقَ مِن ماءٍ دافِقٍ﴾ وهو مَنِيُّ الرَّجُلِ والمَرْأةِ لَمّا امْتَزَجا في الرَّحِمِ واتَّحَدا عَبَّرَ عَنْهُما بِماءٍ، وهو مُفْرَدٌ، ودافِقٌ قِيلَ: هو بِمَعْنى مَدْفُوقٍ، وهي قِراءَةُ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ. وعِنْدَ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ: هو عَلى النَّسَبِ، كَلابِنٍ وتامِرٍ، أيْ: ذِي دَفْقٍ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: بِمَعْنى دافِقٍ لَزِجٍ، وكَأنَّهُ أطْلَقَ عَلَيْهِ وصْفَهُ لا أنَّهُ مَوْضُوعٌ في اللُّغَةِ لِذَلِكَ، والدَّفْقُ: الصَّبُّ، فِعْلُهُ مُتَعَدٍّ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والدَّفْقُ: دَفْعُ الماءِ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، تَدَفَّقَ الوادِي والسَّيْلُ إذا جاءَ يَرْكَبُ بَعْضُهُ بَعْضًا. ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ الماءُ دافِقًا؛ لِأنَّ بَعْضَهُ يَدْفَعُ بَعْضًا، فَمِنهُ دافِقٌ ومِنهُ مَدْفُوقٌ. انْتَهى. ورُكِّبَ قَوْلُهُ هَذا عَلى تَدَفَّقَ، وتَدَفَّقَ لازِمٌ دَفَقْتُهُ فَتَدَفَّقَ، نَحْوَ: كَسَرْتُهُ فَتَكَسَّرَ، ودَفَقَ لَيْسَ في اللُّغَةِ مَعْناهُ ما فَسَّرَ مِن قَوْلِهِ: والدَّفْقُ دَفْعُ الماءِ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، بَلِ المَحْفُوظُ أنَّهُ الصَّبُّ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يَخْرُجُ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ ﴿مِن بَيْنِ الصُّلْبِ﴾ بِضَمِّ الصّادِ وسُكُونِ اللّامِ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ وابْنُ مِقْسَمٍ: مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وهُما وأهْلُ مَكَّةَ وعِيسى: بِضَمِّ الصّادِ واللّامِ، واليَمانِيُّ: بِفَتْحِهِما. قالَ العَجّاجُ:
؎فِي صُلْبٍ مِثْلِ العَنانِ المُؤَدَّمِ
وتَقَدَّمَتِ اللُّغاتُ في الصُّلْبِ في سُورَةِ النِّساءِ، وإعْرابُها صالِبٌ كَما قالَ العَبّاسُ:
؎تُنْقَلُ مِن صالِبٍ إلى رَحِمٍ
قالَ قَتادَةُ والحَسَنُ: مَعْناهُ مِن بَيْنِ صُلْبِ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الرَّجُلِ والمَرْأةِ وتَرائِبِهِ. وقالَ سُفْيانُ وقَتادَةُ أيْضًا: مِن بَيْنِ صُلْبِ الرَّجُلِ وتَرائِبِ المَرْأةِ، وتَقَدَّمَ شَرْحُ التَّرائِبِ في المُفْرَداتِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَوْضِعُ القِلادَةِ، وعَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ: هي أضْلاعُ الرَّجُلِ الَّتِي أسْفَلَ الصُّلْبِ. وقِيلَ: ما بَيْنَ المَنكِبَيْنِ والصَّدْرِ. وقِيلَ: هي التَّراقِي، وعَنْ مَعْمَرٍ: هي عُصارَةُ القَلْبِ ومِنهُ يَكُونُ الوَلَدُ. ونَقَلَ مَكِّيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ التَّرائِبَ أطْرافُ المَرْءِ، رِجْلاهُ ويَداهُ وعَيْناهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وفي هَذِهِ الأحْوالِ تَحْكُمُ عَلى اللُّغَةِ. انْتَهى.
(إنَّهُ) الضَّمِيرُ يَعُودُ عَلى الخالِقِ الدّالِّ عَلَيْهِ (خُلِقَ) .
﴿عَلى رَجْعِهِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ: الضَّمِيرُ في رَجْعِهِ عائِدٌ عَلى الإنْسانِ، أيْ عَلى رَدِّهِ حَيًّا بَعْدَ مَوْتِهِ، أيْ مَن أنْشَأهُ أوَّلًا قادِرٌ عَلى بَعْثِهِ يَوْمَ القِيامَةِ لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ. وقالَ الضَّحّاكُ: عَلى رَدِّهِ مِنَ الكِبَرِ إلى الشَّبابِ. وقالَ عِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ: الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى الماءِ، أيْ عَلى رَدِّ الماءِ في الإحْلِيلِ أوْ في الصُّلْبِ. وعَلى هَذا القَوْلِ وقَوْلِ الضَّحّاكِ يَكُونُ العامِلُ في ﴿يَوْمَ تُبْلى﴾ مُضْمَرًا تَقْدِيرُهُ اذْكُرْ. وعَلى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ، وهو الأظْهَرُ، فَقالَ بَعْضُ النُّحاةِ: العامِلُ (ناصِرٍ) مِن قَوْلِهِ: ﴿ولا ناصِرٍ﴾ وهَذا فاسِدٌ لِأنَّ ما بَعْدَ الفاءِ لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَها، وكَذَلِكَ ما النّافِيَةُ لا يَعْمَلُ ما بَعْدَها فِيما قَبْلَها عَلى المَشْهُورِ المَنصُورِ. وقالَ آخَرُونَ، ومِنهُمُ الزَّمَخْشَرِيُّ: العامِلُ (رَجْعِهِ) ورُدَّ بِأنْ فِيهِ فَصْلًا بَيْنَ المَوْصُولِ ومُتَعَلِّقِهِ، وهو مِن تَمامِ الصِّلَةِ، ولا يَجُوزُ. وقالَ الحُذّاقُ مِنَ النُّحاةِ: العامِلُ فِيهِ مُضْمَرٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ المَصْدَرُ تَقْدِيرُهُ: يُرْجِعُهُ يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وكُلُّ هَذِهِ الفِرَقِ فَرَّتْ مِن أنْ يَكُونَ العامِلُ ”لَقادِرٌ“، لِأنَّهُ يَظْهَرُ مِن ذَلِكَ تَخْصِيصُ القُدْرَةِ في ذَلِكَ اليَوْمِ وحْدَهُ. وإذا تُؤُمِّلَ المَعْنى وما يَقْتَضِيهِ فَصِيحُ كَلامِ العَرَبِ جازَ أنْ يَكُونَ المَعْنى ”لَقادِرٌ“، وذَلِكَ أنَّهُ قالَ: ﴿إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ﴾ عَلى الإطْلاقِ أوَّلًا وآخِرًا وفي كُلِّ وقْتٍ. ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى (p-٤٥٦)وخَصَّصَ مِنَ الأوْقاتِ الوَقْتَ الأهَمَّ عَلى الكُفّارِ؛ لِأنَّهُ وقْتُ الجَزاءِ والوُصُولِ إلى العَذابِ لِيَجْتَمِعَ النّاسُ إلى حَذَرِهِ والخَوْفِ مِنهُ. انْتَهى.
﴿تُبْلى﴾ قِيلَ: تُخْتَبَرُ، وقِيلَ: تُعْرَفُ وتُتَصَفَّحُ وتُمَيَّزُ صالِحُها مِن فاسِدِها، والسَّرائِرُ: ما أكَنَّتْهُ القُلُوبُ مِنَ العَقائِدِ والنِّيّاتِ، وما أخْفَتْهُ الجَوارِحُ مِنَ الأعْمالِ، والظّاهِرُ عُمُومُ السَّرائِرِ. وفي الحَدِيثِ: «إنَّها التَّوْحِيدُ والصَّلاةُ والزَّكاةُ والغُسْلُ مِنَ الجَنابَةِ»، وكانَ المَذْكُورُ في الحَدِيثِ هو أعْظَمَ السَّرائِرِ، وسَمِعَ الحَسَنُ مَن يُنْشِدُ:
؎سَيَبْقى لَها في مُضْمَرِ القَلْبِ والحَشا ∗∗∗ سَرِيرَةُ وُدٍّ يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ
فَقالَ: ما أغْفَلَهُ عَمّا في السَّماءِ والطّارِقِ، والبَيْتُ لِلْأحْوَصِ. ولَمّا كانَ الِامْتِناعُ في الدُّنْيا إمّا بِقُوَّةٍ في الإنْسانِ، وإمّا بِناصِرٍ خارِجٍ عَنْ نَفْسِهِ نَفى عَنْهُ تَعالى ما يَمْتَنِعُ بِهِ وأتى بِمِنَ الدّالَّةِ عَلى العُمُومِ في نَفْيِ القُوَّةِ والنّاصِرِ. (والسَّماءِ) أقْسَمَ ثانِيًا بِالسَّماءِ وهي المِظَلَّةُ. قِيلَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ السَّحابَ، ﴿ذاتِ الرَّجْعِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الرَّجْعُ: السَّحابُ فِيهِ المَطَرُ. وقالَ الحَسَنُ: تَرْجِعُ بِالرِّزْقِ كُلَّ عامٍ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الرَّجْعُ مَصْدَرُ رُجُوعِ الشَّمْسِ والقَمَرِ والكَواكِبِ مِن حالٍ إلى حالٍ ومِن مَنزِلَةٍ إلى مَنزِلَةٍ، تَذْهَبُ وتَرْجِعُ، وقِيلَ: الرَّجْعُ: المَطَرُ، ومِنهُ قَوْلُ الهُذَلِيِّ:
؎أبْيَضُ كالرَّجْعِ رَسُوبٌ إذا ∗∗∗ ما ناحَ في مُحْتَفَلٍ يَخْتَلِي
يَصِفُ سَيْفًا شَبَّهَهُ بِماءِ المَطَرِ في بَياضِهِ وصَفائِهِ، وسُمِّيَ رَجْعًا كَما سُمِّيَ إرْبًا، قالَ الشّاعِرُ:
؎رَبّا شَمالًا لا يَأْوِي لِقُلَّتِها ∗∗∗ إلّا السَّحابُ وإلّا الإرْبُ والسَّبَلُ
تَسْمِيَةٌ بِمَصْدَرِ آبَ ورَجَعَ. تَزْعُمُ العَرَبُ أنَّ السَّحابَ يَحْمِلُ الماءَ مِن بِحارِ الأرْضِ ثُمَّ يُرْجِعُهُ إلى الأرْضِ إذا أرادُوا التَّفاؤُلَ، وسَمَّوْهُ رَجْعًا وإرْبًا لِيَرْجِعَ ويَئُوبَ. وقِيلَ: لِأنَّ اللَّهَ تَعالى يُرْجِعُهُ وقْتًا فَوَقْتًا، قالَتِ الخَنْساءُ:
كالرَّجْعِ في المُدْجِنَّةِ السّارِيَهْ
وقِيلَ: الرَّجْعُ: المَلائِكَةُ، سُمُّوا بِذَلِكَ لِرُجُوعِهِمْ بِأعْمالِ العِبادِ. وقِيلَ: السَّحابُ، والمَشْهُورُ عِنْدَ أهْلِ اللُّغَةِ، وقَوْلُ الجُمْهُورِ: أنَّ الرَّجْعَ هو المَطَرُ، والصَّدْعُ: ما تَتَصَدَّعُ عَنْهُ الأرْضُ مِنَ النَّباتِ، ويُناسِبُ قَوْلَ مَن قالَ: الرَّجْعُ: المَطَرُ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: ذاتُ الِانْشِقاقِ: النَّباتِ. وقالَ أيْضًا: ذاتُ الحَرْثِ. وقالَ مُجاهِدٌ: الصَّدْعُ: ما في الأرْضِ مِن شِقاقٍ ولِصابٍ وخَنْدَقٍ وتَشَقُّقٍ بِحَرْثٍ وغَيْرِهِ، وهي أُمُورٌ فِيها مُعْتَبَرٌ، وعَنْهُ أيْضًا: ذاتُ الطُّرُقِ تُصَدِّعُها المُشاةُ. وقِيلَ: ذاتُ الأمْواتِ لِانْصِداعِها عَنْهم يَوْمَ النُّشُورِ. والضَّمِيرُ في (إنَّهُ) قالُوا عائِدٌ عَلى القُرْآنِ. (فَصْلٌ) أيْ فاصِلٌ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، كَما قِيلَ لَهُ فُرْقانٌ. وأقُولُ: ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ في (إنَّهُ) عَلى الكَلامِ الَّذِي أخْبَرَ فِيهِ بِبَعْثِ الإنْسانِ يَوْمَ القِيامَةِ وابْتِلاءِ سَرائِرِهِ، أيْ إنَّ ذَلِكَ القَوْلَ قَوْلٌ جَزْمٌ مُطابِقٌ لِلْواقِعِ لا هَزْلَ فِيهِ، ويَكُونُ الضَّمِيرُ قَدْ عادَ عَلى مَذْكُورٍ، وهو الكَلامُ الَّذِي تَضَمَّنُ الإخْبارَ عَنِ البَعْثِ، ولَيْسَ مِنَ الأخْبارِ الَّتِي فِيها هَزْلٌ بَلْ هو جِدٌّ كُلُّهُ (إنَّهم) أيِ الكافِرُونَ ﴿يَكِيدُونَ﴾ أيْ في إبْطالِ أمْرِ اللَّهِ وإطْفاءِ نُورِ الحَقِّ ﴿وأكِيدُ﴾ أيْ أُجازِيهِمْ عَلى كَيْدِهِمْ، فَسَمّى الجَزاءَ كَيْدًا عَلى سَبِيلِ المُقابَلَةِ، نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَكَرُوا ومَكَرَ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٥٤]، ﴿إنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة: ١٤]، ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥] ثُمَّ أمَرَ رَسُولَهُ، ﷺ، فَقالَ: ﴿أمْهِلْهم رُوَيْدًا﴾ أيِ انْتَظِرْ عُقُوبَتَهم ولا تَسْتَعْجِلْ ذَلِكَ ثُمَّ أكَّدَ أمْرَهُ فَقالَ: ﴿أمْهِلْهم رُوَيْدًا﴾ أيْ إمْهالًا، لَمّا كَرَّرَ الأمْرَ تَوْكِيدًا خالَفَ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ، عَلى أنَّ الأوَّلَ مُطْلَقٌ، وهَذا الثّانِيَ مُقَيَّدٌ بِقَوْلِهِ: ﴿رُوَيْدًا﴾ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: (مَهِّلْهم) بِفَتْحِ المِيمِ وشَدِّ الهاءِ مُوافَقَةً لِلَفْظِ الأمْرِ الأوَّلِ.
الطارق 86:15
ولَمّا ذَكَرَ أنَّ كُلَّ نَفْسٍ عَلَيْها حافِظٌ، أتْبَعَ ذَلِكَ بِوَصِيَّةِ الإنْسانِ بِالنَّظَرِ في أوَّلِ نَشْأتِهِ الأُولى حَتّى يَعْلَمَ أنَّ مَن أنْشَأهُ قادِرٌ عَلى إعادَتِهِ وجَزائِهِ، فَيَعْمَلَ لِذَلِكَ ولا يُمْلِي عَلى حافِظِهِ إلّا ما يَسُرُّهُ في عاقِبَتِهِ. و﴿مِمَّ خُلِقَ﴾ [الطارق: ٥] اسْتِفْهامٌ، ومِن مُتَعَلِّقَةٌ بِـ(خُلِقَ)، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ(فَلْيَنْظُرْ)، وهي مُعَلَّقَةٌ. وجَوابُ الِاسْتِفْهامِ ما بَعْدَهُ وهو: ﴿خُلِقَ مِن ماءٍ دافِقٍ﴾ وهو مَنِيُّ الرَّجُلِ والمَرْأةِ لَمّا امْتَزَجا في الرَّحِمِ واتَّحَدا عَبَّرَ عَنْهُما بِماءٍ، وهو مُفْرَدٌ، ودافِقٌ قِيلَ: هو بِمَعْنى مَدْفُوقٍ، وهي قِراءَةُ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ. وعِنْدَ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ: هو عَلى النَّسَبِ، كَلابِنٍ وتامِرٍ، أيْ: ذِي دَفْقٍ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: بِمَعْنى دافِقٍ لَزِجٍ، وكَأنَّهُ أطْلَقَ عَلَيْهِ وصْفَهُ لا أنَّهُ مَوْضُوعٌ في اللُّغَةِ لِذَلِكَ، والدَّفْقُ: الصَّبُّ، فِعْلُهُ مُتَعَدٍّ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والدَّفْقُ: دَفْعُ الماءِ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، تَدَفَّقَ الوادِي والسَّيْلُ إذا جاءَ يَرْكَبُ بَعْضُهُ بَعْضًا. ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ الماءُ دافِقًا؛ لِأنَّ بَعْضَهُ يَدْفَعُ بَعْضًا، فَمِنهُ دافِقٌ ومِنهُ مَدْفُوقٌ. انْتَهى. ورُكِّبَ قَوْلُهُ هَذا عَلى تَدَفَّقَ، وتَدَفَّقَ لازِمٌ دَفَقْتُهُ فَتَدَفَّقَ، نَحْوَ: كَسَرْتُهُ فَتَكَسَّرَ، ودَفَقَ لَيْسَ في اللُّغَةِ مَعْناهُ ما فَسَّرَ مِن قَوْلِهِ: والدَّفْقُ دَفْعُ الماءِ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، بَلِ المَحْفُوظُ أنَّهُ الصَّبُّ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يَخْرُجُ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ ﴿مِن بَيْنِ الصُّلْبِ﴾ بِضَمِّ الصّادِ وسُكُونِ اللّامِ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ وابْنُ مِقْسَمٍ: مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وهُما وأهْلُ مَكَّةَ وعِيسى: بِضَمِّ الصّادِ واللّامِ، واليَمانِيُّ: بِفَتْحِهِما. قالَ العَجّاجُ:
؎فِي صُلْبٍ مِثْلِ العَنانِ المُؤَدَّمِ
وتَقَدَّمَتِ اللُّغاتُ في الصُّلْبِ في سُورَةِ النِّساءِ، وإعْرابُها صالِبٌ كَما قالَ العَبّاسُ:
؎تُنْقَلُ مِن صالِبٍ إلى رَحِمٍ
قالَ قَتادَةُ والحَسَنُ: مَعْناهُ مِن بَيْنِ صُلْبِ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الرَّجُلِ والمَرْأةِ وتَرائِبِهِ. وقالَ سُفْيانُ وقَتادَةُ أيْضًا: مِن بَيْنِ صُلْبِ الرَّجُلِ وتَرائِبِ المَرْأةِ، وتَقَدَّمَ شَرْحُ التَّرائِبِ في المُفْرَداتِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَوْضِعُ القِلادَةِ، وعَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ: هي أضْلاعُ الرَّجُلِ الَّتِي أسْفَلَ الصُّلْبِ. وقِيلَ: ما بَيْنَ المَنكِبَيْنِ والصَّدْرِ. وقِيلَ: هي التَّراقِي، وعَنْ مَعْمَرٍ: هي عُصارَةُ القَلْبِ ومِنهُ يَكُونُ الوَلَدُ. ونَقَلَ مَكِّيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ التَّرائِبَ أطْرافُ المَرْءِ، رِجْلاهُ ويَداهُ وعَيْناهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وفي هَذِهِ الأحْوالِ تَحْكُمُ عَلى اللُّغَةِ. انْتَهى.
(إنَّهُ) الضَّمِيرُ يَعُودُ عَلى الخالِقِ الدّالِّ عَلَيْهِ (خُلِقَ) .
﴿عَلى رَجْعِهِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ: الضَّمِيرُ في رَجْعِهِ عائِدٌ عَلى الإنْسانِ، أيْ عَلى رَدِّهِ حَيًّا بَعْدَ مَوْتِهِ، أيْ مَن أنْشَأهُ أوَّلًا قادِرٌ عَلى بَعْثِهِ يَوْمَ القِيامَةِ لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ. وقالَ الضَّحّاكُ: عَلى رَدِّهِ مِنَ الكِبَرِ إلى الشَّبابِ. وقالَ عِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ: الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى الماءِ، أيْ عَلى رَدِّ الماءِ في الإحْلِيلِ أوْ في الصُّلْبِ. وعَلى هَذا القَوْلِ وقَوْلِ الضَّحّاكِ يَكُونُ العامِلُ في ﴿يَوْمَ تُبْلى﴾ مُضْمَرًا تَقْدِيرُهُ اذْكُرْ. وعَلى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ، وهو الأظْهَرُ، فَقالَ بَعْضُ النُّحاةِ: العامِلُ (ناصِرٍ) مِن قَوْلِهِ: ﴿ولا ناصِرٍ﴾ وهَذا فاسِدٌ لِأنَّ ما بَعْدَ الفاءِ لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَها، وكَذَلِكَ ما النّافِيَةُ لا يَعْمَلُ ما بَعْدَها فِيما قَبْلَها عَلى المَشْهُورِ المَنصُورِ. وقالَ آخَرُونَ، ومِنهُمُ الزَّمَخْشَرِيُّ: العامِلُ (رَجْعِهِ) ورُدَّ بِأنْ فِيهِ فَصْلًا بَيْنَ المَوْصُولِ ومُتَعَلِّقِهِ، وهو مِن تَمامِ الصِّلَةِ، ولا يَجُوزُ. وقالَ الحُذّاقُ مِنَ النُّحاةِ: العامِلُ فِيهِ مُضْمَرٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ المَصْدَرُ تَقْدِيرُهُ: يُرْجِعُهُ يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وكُلُّ هَذِهِ الفِرَقِ فَرَّتْ مِن أنْ يَكُونَ العامِلُ ”لَقادِرٌ“، لِأنَّهُ يَظْهَرُ مِن ذَلِكَ تَخْصِيصُ القُدْرَةِ في ذَلِكَ اليَوْمِ وحْدَهُ. وإذا تُؤُمِّلَ المَعْنى وما يَقْتَضِيهِ فَصِيحُ كَلامِ العَرَبِ جازَ أنْ يَكُونَ المَعْنى ”لَقادِرٌ“، وذَلِكَ أنَّهُ قالَ: ﴿إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ﴾ عَلى الإطْلاقِ أوَّلًا وآخِرًا وفي كُلِّ وقْتٍ. ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى (p-٤٥٦)وخَصَّصَ مِنَ الأوْقاتِ الوَقْتَ الأهَمَّ عَلى الكُفّارِ؛ لِأنَّهُ وقْتُ الجَزاءِ والوُصُولِ إلى العَذابِ لِيَجْتَمِعَ النّاسُ إلى حَذَرِهِ والخَوْفِ مِنهُ. انْتَهى.
﴿تُبْلى﴾ قِيلَ: تُخْتَبَرُ، وقِيلَ: تُعْرَفُ وتُتَصَفَّحُ وتُمَيَّزُ صالِحُها مِن فاسِدِها، والسَّرائِرُ: ما أكَنَّتْهُ القُلُوبُ مِنَ العَقائِدِ والنِّيّاتِ، وما أخْفَتْهُ الجَوارِحُ مِنَ الأعْمالِ، والظّاهِرُ عُمُومُ السَّرائِرِ. وفي الحَدِيثِ: «إنَّها التَّوْحِيدُ والصَّلاةُ والزَّكاةُ والغُسْلُ مِنَ الجَنابَةِ»، وكانَ المَذْكُورُ في الحَدِيثِ هو أعْظَمَ السَّرائِرِ، وسَمِعَ الحَسَنُ مَن يُنْشِدُ:
؎سَيَبْقى لَها في مُضْمَرِ القَلْبِ والحَشا ∗∗∗ سَرِيرَةُ وُدٍّ يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ
فَقالَ: ما أغْفَلَهُ عَمّا في السَّماءِ والطّارِقِ، والبَيْتُ لِلْأحْوَصِ. ولَمّا كانَ الِامْتِناعُ في الدُّنْيا إمّا بِقُوَّةٍ في الإنْسانِ، وإمّا بِناصِرٍ خارِجٍ عَنْ نَفْسِهِ نَفى عَنْهُ تَعالى ما يَمْتَنِعُ بِهِ وأتى بِمِنَ الدّالَّةِ عَلى العُمُومِ في نَفْيِ القُوَّةِ والنّاصِرِ. (والسَّماءِ) أقْسَمَ ثانِيًا بِالسَّماءِ وهي المِظَلَّةُ. قِيلَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ السَّحابَ، ﴿ذاتِ الرَّجْعِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الرَّجْعُ: السَّحابُ فِيهِ المَطَرُ. وقالَ الحَسَنُ: تَرْجِعُ بِالرِّزْقِ كُلَّ عامٍ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الرَّجْعُ مَصْدَرُ رُجُوعِ الشَّمْسِ والقَمَرِ والكَواكِبِ مِن حالٍ إلى حالٍ ومِن مَنزِلَةٍ إلى مَنزِلَةٍ، تَذْهَبُ وتَرْجِعُ، وقِيلَ: الرَّجْعُ: المَطَرُ، ومِنهُ قَوْلُ الهُذَلِيِّ:
؎أبْيَضُ كالرَّجْعِ رَسُوبٌ إذا ∗∗∗ ما ناحَ في مُحْتَفَلٍ يَخْتَلِي
يَصِفُ سَيْفًا شَبَّهَهُ بِماءِ المَطَرِ في بَياضِهِ وصَفائِهِ، وسُمِّيَ رَجْعًا كَما سُمِّيَ إرْبًا، قالَ الشّاعِرُ:
؎رَبّا شَمالًا لا يَأْوِي لِقُلَّتِها ∗∗∗ إلّا السَّحابُ وإلّا الإرْبُ والسَّبَلُ
تَسْمِيَةٌ بِمَصْدَرِ آبَ ورَجَعَ. تَزْعُمُ العَرَبُ أنَّ السَّحابَ يَحْمِلُ الماءَ مِن بِحارِ الأرْضِ ثُمَّ يُرْجِعُهُ إلى الأرْضِ إذا أرادُوا التَّفاؤُلَ، وسَمَّوْهُ رَجْعًا وإرْبًا لِيَرْجِعَ ويَئُوبَ. وقِيلَ: لِأنَّ اللَّهَ تَعالى يُرْجِعُهُ وقْتًا فَوَقْتًا، قالَتِ الخَنْساءُ:
كالرَّجْعِ في المُدْجِنَّةِ السّارِيَهْ
وقِيلَ: الرَّجْعُ: المَلائِكَةُ، سُمُّوا بِذَلِكَ لِرُجُوعِهِمْ بِأعْمالِ العِبادِ. وقِيلَ: السَّحابُ، والمَشْهُورُ عِنْدَ أهْلِ اللُّغَةِ، وقَوْلُ الجُمْهُورِ: أنَّ الرَّجْعَ هو المَطَرُ، والصَّدْعُ: ما تَتَصَدَّعُ عَنْهُ الأرْضُ مِنَ النَّباتِ، ويُناسِبُ قَوْلَ مَن قالَ: الرَّجْعُ: المَطَرُ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: ذاتُ الِانْشِقاقِ: النَّباتِ. وقالَ أيْضًا: ذاتُ الحَرْثِ. وقالَ مُجاهِدٌ: الصَّدْعُ: ما في الأرْضِ مِن شِقاقٍ ولِصابٍ وخَنْدَقٍ وتَشَقُّقٍ بِحَرْثٍ وغَيْرِهِ، وهي أُمُورٌ فِيها مُعْتَبَرٌ، وعَنْهُ أيْضًا: ذاتُ الطُّرُقِ تُصَدِّعُها المُشاةُ. وقِيلَ: ذاتُ الأمْواتِ لِانْصِداعِها عَنْهم يَوْمَ النُّشُورِ. والضَّمِيرُ في (إنَّهُ) قالُوا عائِدٌ عَلى القُرْآنِ. (فَصْلٌ) أيْ فاصِلٌ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، كَما قِيلَ لَهُ فُرْقانٌ. وأقُولُ: ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ في (إنَّهُ) عَلى الكَلامِ الَّذِي أخْبَرَ فِيهِ بِبَعْثِ الإنْسانِ يَوْمَ القِيامَةِ وابْتِلاءِ سَرائِرِهِ، أيْ إنَّ ذَلِكَ القَوْلَ قَوْلٌ جَزْمٌ مُطابِقٌ لِلْواقِعِ لا هَزْلَ فِيهِ، ويَكُونُ الضَّمِيرُ قَدْ عادَ عَلى مَذْكُورٍ، وهو الكَلامُ الَّذِي تَضَمَّنُ الإخْبارَ عَنِ البَعْثِ، ولَيْسَ مِنَ الأخْبارِ الَّتِي فِيها هَزْلٌ بَلْ هو جِدٌّ كُلُّهُ (إنَّهم) أيِ الكافِرُونَ ﴿يَكِيدُونَ﴾ أيْ في إبْطالِ أمْرِ اللَّهِ وإطْفاءِ نُورِ الحَقِّ ﴿وأكِيدُ﴾ أيْ أُجازِيهِمْ عَلى كَيْدِهِمْ، فَسَمّى الجَزاءَ كَيْدًا عَلى سَبِيلِ المُقابَلَةِ، نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَكَرُوا ومَكَرَ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٥٤]، ﴿إنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة: ١٤]، ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥] ثُمَّ أمَرَ رَسُولَهُ، ﷺ، فَقالَ: ﴿أمْهِلْهم رُوَيْدًا﴾ أيِ انْتَظِرْ عُقُوبَتَهم ولا تَسْتَعْجِلْ ذَلِكَ ثُمَّ أكَّدَ أمْرَهُ فَقالَ: ﴿أمْهِلْهم رُوَيْدًا﴾ أيْ إمْهالًا، لَمّا كَرَّرَ الأمْرَ تَوْكِيدًا خالَفَ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ، عَلى أنَّ الأوَّلَ مُطْلَقٌ، وهَذا الثّانِيَ مُقَيَّدٌ بِقَوْلِهِ: ﴿رُوَيْدًا﴾ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: (مَهِّلْهم) بِفَتْحِ المِيمِ وشَدِّ الهاءِ مُوافَقَةً لِلَفْظِ الأمْرِ الأوَّلِ.
الطارق 86:16
ولَمّا ذَكَرَ أنَّ كُلَّ نَفْسٍ عَلَيْها حافِظٌ، أتْبَعَ ذَلِكَ بِوَصِيَّةِ الإنْسانِ بِالنَّظَرِ في أوَّلِ نَشْأتِهِ الأُولى حَتّى يَعْلَمَ أنَّ مَن أنْشَأهُ قادِرٌ عَلى إعادَتِهِ وجَزائِهِ، فَيَعْمَلَ لِذَلِكَ ولا يُمْلِي عَلى حافِظِهِ إلّا ما يَسُرُّهُ في عاقِبَتِهِ. و﴿مِمَّ خُلِقَ﴾ [الطارق: ٥] اسْتِفْهامٌ، ومِن مُتَعَلِّقَةٌ بِـ(خُلِقَ)، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ(فَلْيَنْظُرْ)، وهي مُعَلَّقَةٌ. وجَوابُ الِاسْتِفْهامِ ما بَعْدَهُ وهو: ﴿خُلِقَ مِن ماءٍ دافِقٍ﴾ وهو مَنِيُّ الرَّجُلِ والمَرْأةِ لَمّا امْتَزَجا في الرَّحِمِ واتَّحَدا عَبَّرَ عَنْهُما بِماءٍ، وهو مُفْرَدٌ، ودافِقٌ قِيلَ: هو بِمَعْنى مَدْفُوقٍ، وهي قِراءَةُ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ. وعِنْدَ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ: هو عَلى النَّسَبِ، كَلابِنٍ وتامِرٍ، أيْ: ذِي دَفْقٍ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: بِمَعْنى دافِقٍ لَزِجٍ، وكَأنَّهُ أطْلَقَ عَلَيْهِ وصْفَهُ لا أنَّهُ مَوْضُوعٌ في اللُّغَةِ لِذَلِكَ، والدَّفْقُ: الصَّبُّ، فِعْلُهُ مُتَعَدٍّ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والدَّفْقُ: دَفْعُ الماءِ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، تَدَفَّقَ الوادِي والسَّيْلُ إذا جاءَ يَرْكَبُ بَعْضُهُ بَعْضًا. ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ الماءُ دافِقًا؛ لِأنَّ بَعْضَهُ يَدْفَعُ بَعْضًا، فَمِنهُ دافِقٌ ومِنهُ مَدْفُوقٌ. انْتَهى. ورُكِّبَ قَوْلُهُ هَذا عَلى تَدَفَّقَ، وتَدَفَّقَ لازِمٌ دَفَقْتُهُ فَتَدَفَّقَ، نَحْوَ: كَسَرْتُهُ فَتَكَسَّرَ، ودَفَقَ لَيْسَ في اللُّغَةِ مَعْناهُ ما فَسَّرَ مِن قَوْلِهِ: والدَّفْقُ دَفْعُ الماءِ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، بَلِ المَحْفُوظُ أنَّهُ الصَّبُّ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يَخْرُجُ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ ﴿مِن بَيْنِ الصُّلْبِ﴾ بِضَمِّ الصّادِ وسُكُونِ اللّامِ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ وابْنُ مِقْسَمٍ: مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وهُما وأهْلُ مَكَّةَ وعِيسى: بِضَمِّ الصّادِ واللّامِ، واليَمانِيُّ: بِفَتْحِهِما. قالَ العَجّاجُ:
؎فِي صُلْبٍ مِثْلِ العَنانِ المُؤَدَّمِ
وتَقَدَّمَتِ اللُّغاتُ في الصُّلْبِ في سُورَةِ النِّساءِ، وإعْرابُها صالِبٌ كَما قالَ العَبّاسُ:
؎تُنْقَلُ مِن صالِبٍ إلى رَحِمٍ
قالَ قَتادَةُ والحَسَنُ: مَعْناهُ مِن بَيْنِ صُلْبِ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الرَّجُلِ والمَرْأةِ وتَرائِبِهِ. وقالَ سُفْيانُ وقَتادَةُ أيْضًا: مِن بَيْنِ صُلْبِ الرَّجُلِ وتَرائِبِ المَرْأةِ، وتَقَدَّمَ شَرْحُ التَّرائِبِ في المُفْرَداتِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَوْضِعُ القِلادَةِ، وعَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ: هي أضْلاعُ الرَّجُلِ الَّتِي أسْفَلَ الصُّلْبِ. وقِيلَ: ما بَيْنَ المَنكِبَيْنِ والصَّدْرِ. وقِيلَ: هي التَّراقِي، وعَنْ مَعْمَرٍ: هي عُصارَةُ القَلْبِ ومِنهُ يَكُونُ الوَلَدُ. ونَقَلَ مَكِّيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ التَّرائِبَ أطْرافُ المَرْءِ، رِجْلاهُ ويَداهُ وعَيْناهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وفي هَذِهِ الأحْوالِ تَحْكُمُ عَلى اللُّغَةِ. انْتَهى.
(إنَّهُ) الضَّمِيرُ يَعُودُ عَلى الخالِقِ الدّالِّ عَلَيْهِ (خُلِقَ) .
﴿عَلى رَجْعِهِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ: الضَّمِيرُ في رَجْعِهِ عائِدٌ عَلى الإنْسانِ، أيْ عَلى رَدِّهِ حَيًّا بَعْدَ مَوْتِهِ، أيْ مَن أنْشَأهُ أوَّلًا قادِرٌ عَلى بَعْثِهِ يَوْمَ القِيامَةِ لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ. وقالَ الضَّحّاكُ: عَلى رَدِّهِ مِنَ الكِبَرِ إلى الشَّبابِ. وقالَ عِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ: الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى الماءِ، أيْ عَلى رَدِّ الماءِ في الإحْلِيلِ أوْ في الصُّلْبِ. وعَلى هَذا القَوْلِ وقَوْلِ الضَّحّاكِ يَكُونُ العامِلُ في ﴿يَوْمَ تُبْلى﴾ مُضْمَرًا تَقْدِيرُهُ اذْكُرْ. وعَلى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ، وهو الأظْهَرُ، فَقالَ بَعْضُ النُّحاةِ: العامِلُ (ناصِرٍ) مِن قَوْلِهِ: ﴿ولا ناصِرٍ﴾ وهَذا فاسِدٌ لِأنَّ ما بَعْدَ الفاءِ لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَها، وكَذَلِكَ ما النّافِيَةُ لا يَعْمَلُ ما بَعْدَها فِيما قَبْلَها عَلى المَشْهُورِ المَنصُورِ. وقالَ آخَرُونَ، ومِنهُمُ الزَّمَخْشَرِيُّ: العامِلُ (رَجْعِهِ) ورُدَّ بِأنْ فِيهِ فَصْلًا بَيْنَ المَوْصُولِ ومُتَعَلِّقِهِ، وهو مِن تَمامِ الصِّلَةِ، ولا يَجُوزُ. وقالَ الحُذّاقُ مِنَ النُّحاةِ: العامِلُ فِيهِ مُضْمَرٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ المَصْدَرُ تَقْدِيرُهُ: يُرْجِعُهُ يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وكُلُّ هَذِهِ الفِرَقِ فَرَّتْ مِن أنْ يَكُونَ العامِلُ ”لَقادِرٌ“، لِأنَّهُ يَظْهَرُ مِن ذَلِكَ تَخْصِيصُ القُدْرَةِ في ذَلِكَ اليَوْمِ وحْدَهُ. وإذا تُؤُمِّلَ المَعْنى وما يَقْتَضِيهِ فَصِيحُ كَلامِ العَرَبِ جازَ أنْ يَكُونَ المَعْنى ”لَقادِرٌ“، وذَلِكَ أنَّهُ قالَ: ﴿إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ﴾ عَلى الإطْلاقِ أوَّلًا وآخِرًا وفي كُلِّ وقْتٍ. ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى (p-٤٥٦)وخَصَّصَ مِنَ الأوْقاتِ الوَقْتَ الأهَمَّ عَلى الكُفّارِ؛ لِأنَّهُ وقْتُ الجَزاءِ والوُصُولِ إلى العَذابِ لِيَجْتَمِعَ النّاسُ إلى حَذَرِهِ والخَوْفِ مِنهُ. انْتَهى.
﴿تُبْلى﴾ قِيلَ: تُخْتَبَرُ، وقِيلَ: تُعْرَفُ وتُتَصَفَّحُ وتُمَيَّزُ صالِحُها مِن فاسِدِها، والسَّرائِرُ: ما أكَنَّتْهُ القُلُوبُ مِنَ العَقائِدِ والنِّيّاتِ، وما أخْفَتْهُ الجَوارِحُ مِنَ الأعْمالِ، والظّاهِرُ عُمُومُ السَّرائِرِ. وفي الحَدِيثِ: «إنَّها التَّوْحِيدُ والصَّلاةُ والزَّكاةُ والغُسْلُ مِنَ الجَنابَةِ»، وكانَ المَذْكُورُ في الحَدِيثِ هو أعْظَمَ السَّرائِرِ، وسَمِعَ الحَسَنُ مَن يُنْشِدُ:
؎سَيَبْقى لَها في مُضْمَرِ القَلْبِ والحَشا ∗∗∗ سَرِيرَةُ وُدٍّ يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ
فَقالَ: ما أغْفَلَهُ عَمّا في السَّماءِ والطّارِقِ، والبَيْتُ لِلْأحْوَصِ. ولَمّا كانَ الِامْتِناعُ في الدُّنْيا إمّا بِقُوَّةٍ في الإنْسانِ، وإمّا بِناصِرٍ خارِجٍ عَنْ نَفْسِهِ نَفى عَنْهُ تَعالى ما يَمْتَنِعُ بِهِ وأتى بِمِنَ الدّالَّةِ عَلى العُمُومِ في نَفْيِ القُوَّةِ والنّاصِرِ. (والسَّماءِ) أقْسَمَ ثانِيًا بِالسَّماءِ وهي المِظَلَّةُ. قِيلَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ السَّحابَ، ﴿ذاتِ الرَّجْعِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الرَّجْعُ: السَّحابُ فِيهِ المَطَرُ. وقالَ الحَسَنُ: تَرْجِعُ بِالرِّزْقِ كُلَّ عامٍ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الرَّجْعُ مَصْدَرُ رُجُوعِ الشَّمْسِ والقَمَرِ والكَواكِبِ مِن حالٍ إلى حالٍ ومِن مَنزِلَةٍ إلى مَنزِلَةٍ، تَذْهَبُ وتَرْجِعُ، وقِيلَ: الرَّجْعُ: المَطَرُ، ومِنهُ قَوْلُ الهُذَلِيِّ:
؎أبْيَضُ كالرَّجْعِ رَسُوبٌ إذا ∗∗∗ ما ناحَ في مُحْتَفَلٍ يَخْتَلِي
يَصِفُ سَيْفًا شَبَّهَهُ بِماءِ المَطَرِ في بَياضِهِ وصَفائِهِ، وسُمِّيَ رَجْعًا كَما سُمِّيَ إرْبًا، قالَ الشّاعِرُ:
؎رَبّا شَمالًا لا يَأْوِي لِقُلَّتِها ∗∗∗ إلّا السَّحابُ وإلّا الإرْبُ والسَّبَلُ
تَسْمِيَةٌ بِمَصْدَرِ آبَ ورَجَعَ. تَزْعُمُ العَرَبُ أنَّ السَّحابَ يَحْمِلُ الماءَ مِن بِحارِ الأرْضِ ثُمَّ يُرْجِعُهُ إلى الأرْضِ إذا أرادُوا التَّفاؤُلَ، وسَمَّوْهُ رَجْعًا وإرْبًا لِيَرْجِعَ ويَئُوبَ. وقِيلَ: لِأنَّ اللَّهَ تَعالى يُرْجِعُهُ وقْتًا فَوَقْتًا، قالَتِ الخَنْساءُ:
كالرَّجْعِ في المُدْجِنَّةِ السّارِيَهْ
وقِيلَ: الرَّجْعُ: المَلائِكَةُ، سُمُّوا بِذَلِكَ لِرُجُوعِهِمْ بِأعْمالِ العِبادِ. وقِيلَ: السَّحابُ، والمَشْهُورُ عِنْدَ أهْلِ اللُّغَةِ، وقَوْلُ الجُمْهُورِ: أنَّ الرَّجْعَ هو المَطَرُ، والصَّدْعُ: ما تَتَصَدَّعُ عَنْهُ الأرْضُ مِنَ النَّباتِ، ويُناسِبُ قَوْلَ مَن قالَ: الرَّجْعُ: المَطَرُ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: ذاتُ الِانْشِقاقِ: النَّباتِ. وقالَ أيْضًا: ذاتُ الحَرْثِ. وقالَ مُجاهِدٌ: الصَّدْعُ: ما في الأرْضِ مِن شِقاقٍ ولِصابٍ وخَنْدَقٍ وتَشَقُّقٍ بِحَرْثٍ وغَيْرِهِ، وهي أُمُورٌ فِيها مُعْتَبَرٌ، وعَنْهُ أيْضًا: ذاتُ الطُّرُقِ تُصَدِّعُها المُشاةُ. وقِيلَ: ذاتُ الأمْواتِ لِانْصِداعِها عَنْهم يَوْمَ النُّشُورِ. والضَّمِيرُ في (إنَّهُ) قالُوا عائِدٌ عَلى القُرْآنِ. (فَصْلٌ) أيْ فاصِلٌ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، كَما قِيلَ لَهُ فُرْقانٌ. وأقُولُ: ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ في (إنَّهُ) عَلى الكَلامِ الَّذِي أخْبَرَ فِيهِ بِبَعْثِ الإنْسانِ يَوْمَ القِيامَةِ وابْتِلاءِ سَرائِرِهِ، أيْ إنَّ ذَلِكَ القَوْلَ قَوْلٌ جَزْمٌ مُطابِقٌ لِلْواقِعِ لا هَزْلَ فِيهِ، ويَكُونُ الضَّمِيرُ قَدْ عادَ عَلى مَذْكُورٍ، وهو الكَلامُ الَّذِي تَضَمَّنُ الإخْبارَ عَنِ البَعْثِ، ولَيْسَ مِنَ الأخْبارِ الَّتِي فِيها هَزْلٌ بَلْ هو جِدٌّ كُلُّهُ (إنَّهم) أيِ الكافِرُونَ ﴿يَكِيدُونَ﴾ أيْ في إبْطالِ أمْرِ اللَّهِ وإطْفاءِ نُورِ الحَقِّ ﴿وأكِيدُ﴾ أيْ أُجازِيهِمْ عَلى كَيْدِهِمْ، فَسَمّى الجَزاءَ كَيْدًا عَلى سَبِيلِ المُقابَلَةِ، نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَكَرُوا ومَكَرَ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٥٤]، ﴿إنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة: ١٤]، ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥] ثُمَّ أمَرَ رَسُولَهُ، ﷺ، فَقالَ: ﴿أمْهِلْهم رُوَيْدًا﴾ أيِ انْتَظِرْ عُقُوبَتَهم ولا تَسْتَعْجِلْ ذَلِكَ ثُمَّ أكَّدَ أمْرَهُ فَقالَ: ﴿أمْهِلْهم رُوَيْدًا﴾ أيْ إمْهالًا، لَمّا كَرَّرَ الأمْرَ تَوْكِيدًا خالَفَ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ، عَلى أنَّ الأوَّلَ مُطْلَقٌ، وهَذا الثّانِيَ مُقَيَّدٌ بِقَوْلِهِ: ﴿رُوَيْدًا﴾ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: (مَهِّلْهم) بِفَتْحِ المِيمِ وشَدِّ الهاءِ مُوافَقَةً لِلَفْظِ الأمْرِ الأوَّلِ.
الطارق 86:17
ولَمّا ذَكَرَ أنَّ كُلَّ نَفْسٍ عَلَيْها حافِظٌ، أتْبَعَ ذَلِكَ بِوَصِيَّةِ الإنْسانِ بِالنَّظَرِ في أوَّلِ نَشْأتِهِ الأُولى حَتّى يَعْلَمَ أنَّ مَن أنْشَأهُ قادِرٌ عَلى إعادَتِهِ وجَزائِهِ، فَيَعْمَلَ لِذَلِكَ ولا يُمْلِي عَلى حافِظِهِ إلّا ما يَسُرُّهُ في عاقِبَتِهِ. و﴿مِمَّ خُلِقَ﴾ [الطارق: ٥] اسْتِفْهامٌ، ومِن مُتَعَلِّقَةٌ بِـ(خُلِقَ)، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ(فَلْيَنْظُرْ)، وهي مُعَلَّقَةٌ. وجَوابُ الِاسْتِفْهامِ ما بَعْدَهُ وهو: ﴿خُلِقَ مِن ماءٍ دافِقٍ﴾ وهو مَنِيُّ الرَّجُلِ والمَرْأةِ لَمّا امْتَزَجا في الرَّحِمِ واتَّحَدا عَبَّرَ عَنْهُما بِماءٍ، وهو مُفْرَدٌ، ودافِقٌ قِيلَ: هو بِمَعْنى مَدْفُوقٍ، وهي قِراءَةُ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ. وعِنْدَ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ: هو عَلى النَّسَبِ، كَلابِنٍ وتامِرٍ، أيْ: ذِي دَفْقٍ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: بِمَعْنى دافِقٍ لَزِجٍ، وكَأنَّهُ أطْلَقَ عَلَيْهِ وصْفَهُ لا أنَّهُ مَوْضُوعٌ في اللُّغَةِ لِذَلِكَ، والدَّفْقُ: الصَّبُّ، فِعْلُهُ مُتَعَدٍّ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والدَّفْقُ: دَفْعُ الماءِ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، تَدَفَّقَ الوادِي والسَّيْلُ إذا جاءَ يَرْكَبُ بَعْضُهُ بَعْضًا. ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ الماءُ دافِقًا؛ لِأنَّ بَعْضَهُ يَدْفَعُ بَعْضًا، فَمِنهُ دافِقٌ ومِنهُ مَدْفُوقٌ. انْتَهى. ورُكِّبَ قَوْلُهُ هَذا عَلى تَدَفَّقَ، وتَدَفَّقَ لازِمٌ دَفَقْتُهُ فَتَدَفَّقَ، نَحْوَ: كَسَرْتُهُ فَتَكَسَّرَ، ودَفَقَ لَيْسَ في اللُّغَةِ مَعْناهُ ما فَسَّرَ مِن قَوْلِهِ: والدَّفْقُ دَفْعُ الماءِ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، بَلِ المَحْفُوظُ أنَّهُ الصَّبُّ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يَخْرُجُ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ ﴿مِن بَيْنِ الصُّلْبِ﴾ بِضَمِّ الصّادِ وسُكُونِ اللّامِ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ وابْنُ مِقْسَمٍ: مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وهُما وأهْلُ مَكَّةَ وعِيسى: بِضَمِّ الصّادِ واللّامِ، واليَمانِيُّ: بِفَتْحِهِما. قالَ العَجّاجُ:
؎فِي صُلْبٍ مِثْلِ العَنانِ المُؤَدَّمِ
وتَقَدَّمَتِ اللُّغاتُ في الصُّلْبِ في سُورَةِ النِّساءِ، وإعْرابُها صالِبٌ كَما قالَ العَبّاسُ:
؎تُنْقَلُ مِن صالِبٍ إلى رَحِمٍ
قالَ قَتادَةُ والحَسَنُ: مَعْناهُ مِن بَيْنِ صُلْبِ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الرَّجُلِ والمَرْأةِ وتَرائِبِهِ. وقالَ سُفْيانُ وقَتادَةُ أيْضًا: مِن بَيْنِ صُلْبِ الرَّجُلِ وتَرائِبِ المَرْأةِ، وتَقَدَّمَ شَرْحُ التَّرائِبِ في المُفْرَداتِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَوْضِعُ القِلادَةِ، وعَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ: هي أضْلاعُ الرَّجُلِ الَّتِي أسْفَلَ الصُّلْبِ. وقِيلَ: ما بَيْنَ المَنكِبَيْنِ والصَّدْرِ. وقِيلَ: هي التَّراقِي، وعَنْ مَعْمَرٍ: هي عُصارَةُ القَلْبِ ومِنهُ يَكُونُ الوَلَدُ. ونَقَلَ مَكِّيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ التَّرائِبَ أطْرافُ المَرْءِ، رِجْلاهُ ويَداهُ وعَيْناهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وفي هَذِهِ الأحْوالِ تَحْكُمُ عَلى اللُّغَةِ. انْتَهى.
(إنَّهُ) الضَّمِيرُ يَعُودُ عَلى الخالِقِ الدّالِّ عَلَيْهِ (خُلِقَ) .
﴿عَلى رَجْعِهِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ: الضَّمِيرُ في رَجْعِهِ عائِدٌ عَلى الإنْسانِ، أيْ عَلى رَدِّهِ حَيًّا بَعْدَ مَوْتِهِ، أيْ مَن أنْشَأهُ أوَّلًا قادِرٌ عَلى بَعْثِهِ يَوْمَ القِيامَةِ لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ. وقالَ الضَّحّاكُ: عَلى رَدِّهِ مِنَ الكِبَرِ إلى الشَّبابِ. وقالَ عِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ: الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى الماءِ، أيْ عَلى رَدِّ الماءِ في الإحْلِيلِ أوْ في الصُّلْبِ. وعَلى هَذا القَوْلِ وقَوْلِ الضَّحّاكِ يَكُونُ العامِلُ في ﴿يَوْمَ تُبْلى﴾ مُضْمَرًا تَقْدِيرُهُ اذْكُرْ. وعَلى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ، وهو الأظْهَرُ، فَقالَ بَعْضُ النُّحاةِ: العامِلُ (ناصِرٍ) مِن قَوْلِهِ: ﴿ولا ناصِرٍ﴾ وهَذا فاسِدٌ لِأنَّ ما بَعْدَ الفاءِ لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَها، وكَذَلِكَ ما النّافِيَةُ لا يَعْمَلُ ما بَعْدَها فِيما قَبْلَها عَلى المَشْهُورِ المَنصُورِ. وقالَ آخَرُونَ، ومِنهُمُ الزَّمَخْشَرِيُّ: العامِلُ (رَجْعِهِ) ورُدَّ بِأنْ فِيهِ فَصْلًا بَيْنَ المَوْصُولِ ومُتَعَلِّقِهِ، وهو مِن تَمامِ الصِّلَةِ، ولا يَجُوزُ. وقالَ الحُذّاقُ مِنَ النُّحاةِ: العامِلُ فِيهِ مُضْمَرٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ المَصْدَرُ تَقْدِيرُهُ: يُرْجِعُهُ يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وكُلُّ هَذِهِ الفِرَقِ فَرَّتْ مِن أنْ يَكُونَ العامِلُ ”لَقادِرٌ“، لِأنَّهُ يَظْهَرُ مِن ذَلِكَ تَخْصِيصُ القُدْرَةِ في ذَلِكَ اليَوْمِ وحْدَهُ. وإذا تُؤُمِّلَ المَعْنى وما يَقْتَضِيهِ فَصِيحُ كَلامِ العَرَبِ جازَ أنْ يَكُونَ المَعْنى ”لَقادِرٌ“، وذَلِكَ أنَّهُ قالَ: ﴿إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ﴾ عَلى الإطْلاقِ أوَّلًا وآخِرًا وفي كُلِّ وقْتٍ. ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى (p-٤٥٦)وخَصَّصَ مِنَ الأوْقاتِ الوَقْتَ الأهَمَّ عَلى الكُفّارِ؛ لِأنَّهُ وقْتُ الجَزاءِ والوُصُولِ إلى العَذابِ لِيَجْتَمِعَ النّاسُ إلى حَذَرِهِ والخَوْفِ مِنهُ. انْتَهى.
﴿تُبْلى﴾ قِيلَ: تُخْتَبَرُ، وقِيلَ: تُعْرَفُ وتُتَصَفَّحُ وتُمَيَّزُ صالِحُها مِن فاسِدِها، والسَّرائِرُ: ما أكَنَّتْهُ القُلُوبُ مِنَ العَقائِدِ والنِّيّاتِ، وما أخْفَتْهُ الجَوارِحُ مِنَ الأعْمالِ، والظّاهِرُ عُمُومُ السَّرائِرِ. وفي الحَدِيثِ: «إنَّها التَّوْحِيدُ والصَّلاةُ والزَّكاةُ والغُسْلُ مِنَ الجَنابَةِ»، وكانَ المَذْكُورُ في الحَدِيثِ هو أعْظَمَ السَّرائِرِ، وسَمِعَ الحَسَنُ مَن يُنْشِدُ:
؎سَيَبْقى لَها في مُضْمَرِ القَلْبِ والحَشا ∗∗∗ سَرِيرَةُ وُدٍّ يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ
فَقالَ: ما أغْفَلَهُ عَمّا في السَّماءِ والطّارِقِ، والبَيْتُ لِلْأحْوَصِ. ولَمّا كانَ الِامْتِناعُ في الدُّنْيا إمّا بِقُوَّةٍ في الإنْسانِ، وإمّا بِناصِرٍ خارِجٍ عَنْ نَفْسِهِ نَفى عَنْهُ تَعالى ما يَمْتَنِعُ بِهِ وأتى بِمِنَ الدّالَّةِ عَلى العُمُومِ في نَفْيِ القُوَّةِ والنّاصِرِ. (والسَّماءِ) أقْسَمَ ثانِيًا بِالسَّماءِ وهي المِظَلَّةُ. قِيلَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ السَّحابَ، ﴿ذاتِ الرَّجْعِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الرَّجْعُ: السَّحابُ فِيهِ المَطَرُ. وقالَ الحَسَنُ: تَرْجِعُ بِالرِّزْقِ كُلَّ عامٍ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الرَّجْعُ مَصْدَرُ رُجُوعِ الشَّمْسِ والقَمَرِ والكَواكِبِ مِن حالٍ إلى حالٍ ومِن مَنزِلَةٍ إلى مَنزِلَةٍ، تَذْهَبُ وتَرْجِعُ، وقِيلَ: الرَّجْعُ: المَطَرُ، ومِنهُ قَوْلُ الهُذَلِيِّ:
؎أبْيَضُ كالرَّجْعِ رَسُوبٌ إذا ∗∗∗ ما ناحَ في مُحْتَفَلٍ يَخْتَلِي
يَصِفُ سَيْفًا شَبَّهَهُ بِماءِ المَطَرِ في بَياضِهِ وصَفائِهِ، وسُمِّيَ رَجْعًا كَما سُمِّيَ إرْبًا، قالَ الشّاعِرُ:
؎رَبّا شَمالًا لا يَأْوِي لِقُلَّتِها ∗∗∗ إلّا السَّحابُ وإلّا الإرْبُ والسَّبَلُ
تَسْمِيَةٌ بِمَصْدَرِ آبَ ورَجَعَ. تَزْعُمُ العَرَبُ أنَّ السَّحابَ يَحْمِلُ الماءَ مِن بِحارِ الأرْضِ ثُمَّ يُرْجِعُهُ إلى الأرْضِ إذا أرادُوا التَّفاؤُلَ، وسَمَّوْهُ رَجْعًا وإرْبًا لِيَرْجِعَ ويَئُوبَ. وقِيلَ: لِأنَّ اللَّهَ تَعالى يُرْجِعُهُ وقْتًا فَوَقْتًا، قالَتِ الخَنْساءُ:
كالرَّجْعِ في المُدْجِنَّةِ السّارِيَهْ
وقِيلَ: الرَّجْعُ: المَلائِكَةُ، سُمُّوا بِذَلِكَ لِرُجُوعِهِمْ بِأعْمالِ العِبادِ. وقِيلَ: السَّحابُ، والمَشْهُورُ عِنْدَ أهْلِ اللُّغَةِ، وقَوْلُ الجُمْهُورِ: أنَّ الرَّجْعَ هو المَطَرُ، والصَّدْعُ: ما تَتَصَدَّعُ عَنْهُ الأرْضُ مِنَ النَّباتِ، ويُناسِبُ قَوْلَ مَن قالَ: الرَّجْعُ: المَطَرُ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: ذاتُ الِانْشِقاقِ: النَّباتِ. وقالَ أيْضًا: ذاتُ الحَرْثِ. وقالَ مُجاهِدٌ: الصَّدْعُ: ما في الأرْضِ مِن شِقاقٍ ولِصابٍ وخَنْدَقٍ وتَشَقُّقٍ بِحَرْثٍ وغَيْرِهِ، وهي أُمُورٌ فِيها مُعْتَبَرٌ، وعَنْهُ أيْضًا: ذاتُ الطُّرُقِ تُصَدِّعُها المُشاةُ. وقِيلَ: ذاتُ الأمْواتِ لِانْصِداعِها عَنْهم يَوْمَ النُّشُورِ. والضَّمِيرُ في (إنَّهُ) قالُوا عائِدٌ عَلى القُرْآنِ. (فَصْلٌ) أيْ فاصِلٌ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، كَما قِيلَ لَهُ فُرْقانٌ. وأقُولُ: ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ في (إنَّهُ) عَلى الكَلامِ الَّذِي أخْبَرَ فِيهِ بِبَعْثِ الإنْسانِ يَوْمَ القِيامَةِ وابْتِلاءِ سَرائِرِهِ، أيْ إنَّ ذَلِكَ القَوْلَ قَوْلٌ جَزْمٌ مُطابِقٌ لِلْواقِعِ لا هَزْلَ فِيهِ، ويَكُونُ الضَّمِيرُ قَدْ عادَ عَلى مَذْكُورٍ، وهو الكَلامُ الَّذِي تَضَمَّنُ الإخْبارَ عَنِ البَعْثِ، ولَيْسَ مِنَ الأخْبارِ الَّتِي فِيها هَزْلٌ بَلْ هو جِدٌّ كُلُّهُ (إنَّهم) أيِ الكافِرُونَ ﴿يَكِيدُونَ﴾ أيْ في إبْطالِ أمْرِ اللَّهِ وإطْفاءِ نُورِ الحَقِّ ﴿وأكِيدُ﴾ أيْ أُجازِيهِمْ عَلى كَيْدِهِمْ، فَسَمّى الجَزاءَ كَيْدًا عَلى سَبِيلِ المُقابَلَةِ، نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَكَرُوا ومَكَرَ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٥٤]، ﴿إنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة: ١٤]، ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥] ثُمَّ أمَرَ رَسُولَهُ، ﷺ، فَقالَ: ﴿أمْهِلْهم رُوَيْدًا﴾ أيِ انْتَظِرْ عُقُوبَتَهم ولا تَسْتَعْجِلْ ذَلِكَ ثُمَّ أكَّدَ أمْرَهُ فَقالَ: ﴿أمْهِلْهم رُوَيْدًا﴾ أيْ إمْهالًا، لَمّا كَرَّرَ الأمْرَ تَوْكِيدًا خالَفَ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ، عَلى أنَّ الأوَّلَ مُطْلَقٌ، وهَذا الثّانِيَ مُقَيَّدٌ بِقَوْلِهِ: ﴿رُوَيْدًا﴾ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: (مَهِّلْهم) بِفَتْحِ المِيمِ وشَدِّ الهاءِ مُوافَقَةً لِلَفْظِ الأمْرِ الأوَّلِ.
الأعلى 87:1
(p-٤٥٧)سُورَةُ الأعْلى مَكِّيَّةٌ وهي تِسْعَ عَشْرَةَ آيَةً
﷽
﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى﴾ ﴿والَّذِي قَدَّرَ فَهَدى﴾ ﴿والَّذِي أخْرَجَ المَرْعى﴾ ﴿فَجَعَلَهُ غُثاءً أحْوى﴾ ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ ﴿إلّا ما شاءَ اللَّهُ إنَّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ وما يَخْفى﴾ [الأعلى: ٧] ﴿ونُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى﴾ [الأعلى: ٨] ﴿فَذَكِّرْ إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى﴾ [الأعلى: ٩] ﴿سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشى﴾ [الأعلى: ١٠] ﴿ويَتَجَنَّبُها الأشْقى﴾ [الأعلى: ١١] ﴿الَّذِي يَصْلى النّارَ الكُبْرى﴾ [الأعلى: ١٢] ﴿ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا﴾ [الأعلى: ١٣] ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ [الأعلى: ١٤] ﴿وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾ [الأعلى: ١٥] ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ [الأعلى: ١٦] ﴿والآخِرَةُ خَيْرٌ وأبْقى﴾ [الأعلى: ١٧] ﴿إنَّ هَذا لَفي الصُّحُفِ الأُولى﴾ [الأعلى: ١٨] ﴿صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى﴾ [الأعلى: ١٩]
(الغُثاءُ) مُخَفَّفُ الثّاءِ ومُشَدَّدُها: ما يَقْذِفُ بِهِ السَّيْلُ عَلى جانِبِ الوادِي مِنَ الحَشِيشِ والنَّباتِ والقُماشِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎كَأنَّ ظَمِيئاتِ المُخَيْمَرِ غُدْوَةً مِنَ السَّيْلِ والغُثاءِ فَلْكَةُ مِغْزَلِ
ورَواهُ الفَرّاءُ: ”والأغْثاءِ“ عَلى الجَمْعِ، وهو غَرِيبٌ مِن حَيْثُ جَمْعُ فِعالٍ عَلى أفْعالٍ. الحُوَّةُ: سَوادٌ يَضْرِبُ إلى الخُضْرَةِ، قالَ ذُو الرُّمَّةِ:
؎لَمْياءُ في شَفَتَيْها حُوَّةٌ لَعَسُ ∗∗∗ وفي اللِّثاتِ وفي أنْيابِها شَنَبُ
وقِيلَ: خُضْرَةٌ عَلَيْها سَوادٌ، والأحْوى: الظَّبْيُ الَّذِي في ظَهْرِهِ خَطّانِ مِن سَوادٍ وبَياضٍ، قالَ الشّاعِرُ:
؎وفِي الحَيِّ أحَوى يَنْفُضُ المَرْدَ شادِنٌ ∗∗∗ مُظاهِرُ سِمْطَيْ لُؤْلُؤٍ وزَبَرْجَدِ
وفِي الصِّحاحِ: الحُوَّةُ: سُمْرَةٌ، وقالَ الأعْلَمُ: لَوْنٌ يَضْرِبُ إلى السَّوادِ، وقالَ أيْضًا: الشَّدِيدُ الخُضْرَةِ الَّتِي تَضْرِبُ إلى السَّوادِ.
﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى﴾ ﴿والَّذِي قَدَّرَ فَهَدى﴾ ﴿والَّذِي أخْرَجَ المَرْعى﴾ ﴿فَجَعَلَهُ غُثاءً أحْوى﴾ ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ ﴿إلّا ما شاءَ اللَّهُ إنَّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ وما يَخْفى﴾ [الأعلى: ٧] ﴿ونُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى﴾ [الأعلى: ٨] ﴿فَذَكِّرْ إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى﴾ [الأعلى: ٩] ﴿سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشى﴾ [الأعلى: ١٠] ﴿ويَتَجَنَّبُها الأشْقى﴾ [الأعلى: ١١] ﴿الَّذِي يَصْلى النّارَ الكُبْرى﴾ [الأعلى: ١٢] ﴿ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا﴾ [الأعلى: ١٣] ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ [الأعلى: ١٤] ﴿وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾ [الأعلى: ١٥] ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا والآخِرَةُ خَيْرٌ وأبْقى﴾ [الأعلى: ١٦] ﴿إنَّ هَذا لَفي الصُّحُفِ الأُولى﴾ [الأعلى: ١٨] ﴿صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى﴾ [الأعلى: ١٩] .
(p-٤٥٨)هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، ولَمّا ذَكَرَ فِيما قَبْلَها ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ [الطارق: ٥] كَأنَّ قائِلًا قالَ: مَن خَلَقَهُ عَلى هَذا المِثالِ ؟ فَقِيلَ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ . وأيْضًا لَمّا قالَ: ﴿إنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ [الطارق: ١٣] قِيلَ: هو (سَنُقْرِئُكَ) أيْ ذَلِكَ القَوْلَ الفَصْلَ.
(سَبِّحْ) نَزِّهْ عَنِ النَّقائِصِ ﴿اسْمَ رَبِّكَ﴾ الظّاهِرُ أنَّ التَّنْزِيهَ يَقَعُ عَلى الِاسْمِ، أيْ نَزِّهْهُ عَنْ أنْ يُسَمّى بِهِ صَنَمٌ أوْ وثَنٌ، فَيُقالَ لَهُ رَبٌّ أوْ إلَهٌ، وإذا كانَ قَدْ أمَرَ بِتَنْزِيهِهِ اللَّفْظَ أنْ يُطْلَقَ عَلى غَيْرِهِ فَهو أبْلَغُ، وتَنْزِيهُ الذّاتِ أحْرى. وقِيلَ: الِاسْمُ هُنا بِمَعْنى المُسَمّى. وقِيلَ: مَعْناهُ نَزِّهْ اسْمَ اللَّهِ عَنْ أنْ تَذْكُرَهُ إلّا وأنْتَ خاشِعٌ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المَعْنى صَلِّ بِاسْمِ رَبِّكَ الأعْلى، كَما تَقُولُ: ابْدَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ، وحَذَفَ حَرْفَ الجَرِّ. وقِيلَ: لَمّا نَزَلَ ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٧٤] قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(اجْعَلُوها في رُكُوعِكم) . فَلَمّا نَزَلَ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ قالَ: (اجْعَلُوها في سُجُودِكم)» . وكانُوا يَقُولُونَ في الرُّكُوعِ: اللَّهُمَّ لَكَ رَكَعْتُ، وفي السُّجُودِ: اللَّهُمَّ لَكَ سَجَدْتُ. قالُوا: (الأعْلى) يَصِحُّ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِرَبِّكَ، وأنْ يَكُونَ صِفَةً لِاسْمٍ فَيَكُونَ مَنصُوبًا، وهَذا الوَجْهُ لا يَصِحُّ أنْ يُعْرَبَ.
﴿الَّذِي خَلَقَ﴾ صِفَةٌ لِرَبِّكَ، فَيَكُونُ في مَوْضِعِ جَرٍّ لِأنَّهُ قَدْ حالَتْ بَيْنَهُ وبَيْنَ المَوْصُوفِ صِفَةٌ لِغَيْرِهِ. لَوْ قُلْتَ: رَأيْتُ غُلامَ هِنْدٍ العاقِلَ الحَسَنَةِ، لَمْ يَجُزْ، بَلْ لا بُدَّ أنْ تَأْتِيَ بِصِفَةِ هِنْدٍ، ثُمَّ تَأْتِيَ بِصِفَةِ الغُلامِ فَتَقُولُ: رَأيْتُ غُلامَ هِنْدٍ الحَسَنَةِ العاقِلَ، فَإنْ لَمْ يُجْعَلِ ”الَّذِي“ صِفَةً لِرَبِّكَ، بَلْ تَرْفَعُهُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أوْ تَنْصِبُهُ عَلى المَدْحِ، جازَ أنْ يَكُونَ الأعْلى صِفَةً لِاسْمٍ.
﴿الَّذِي خَلَقَ﴾ أيْ كُلَّ شَيْءٍ (فَسَوّى) أيْ لَمْ يَأْتِ مُتَفاوِتًا بَلْ مُتَناسِبًا عَلى إحْكامٍ وإتْقانٍ دَلالَةً عَلى أنَّهُ صادِرٌ عَنْ عالِمٍ حَكِيمٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (قَدَّرَ) بِشَدِّ الدّالِ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مِنَ القَدَرِ والقَضاءِ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مِنَ التَّقْدِيرِ والمُوازَنَةِ بَيْنَ الأشْياءِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: قَدَّرَ لِكُلِّ حَيَوانٍ ما يُصْلِحُهُ، فَهَداهُ إلَيْهِ وعَرَّفَهُ وجْهَ الِانْتِفاعِ بِهِ. انْتَهى. وقَرَأ الكِسائِيُّ: (قَدَرَ) مُخَفَّفَ الدّالِ مِنَ القُدْرَةِ أوْ مِنَ التَّقْدِيرِ والمُوازَنَةِ، وهَدى عامٌّ لِجَمِيعِ الهِداياتِ. وقالَ الفَرّاءُ: فَهَدى وأضَلَّ، اكْتَفى بِالواحِدَةِ عَنِ الأُخْرى. وقالَ الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ: هَدى الحَيَوانَ إلى وطْءِ الذُّكُورِ لِلْإناثِ. وقالَ مُجاهِدٌ: هَدى الإنْسانَ لِلْخَيْرِ والشَّرِّ، والبَهائِمَ لِلْمَراتِعِ. وقِيلَ: هَدى المَوْلُودَ عِنْدَ وضْعِهِ إلى مَصِّ الثَّدْيِ، وهَذِهِ الأقْوالُ مَحْمُولَةٌ عَلى التَّمْثِيلِ لا عَلى التَّخْصِيصِ. والظّاهِرُ أنَّ أحَوى صِفَةٌ لِغُثاءٍ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المَعْنى ﴿فَجَعَلَهُ غُثاءً أحَوى﴾ أيْ أسَوْدَ، لِأنَّ الغُثاءَ إذا قَدُمَ وأصابَتْهُ الأمْطارُ اسْوَدَّ وتَعَفَّنَ فَصارَ أحَوى. وقِيلَ: ”أحَوى“ حالٌ مِنَ المَرْعى، أيْ أحْرى المَرْعى أحَوى، أيْ لِلسَّوادِ مِن شِدَّةِ خُضْرَتِهِ ونَضارَتِهِ لِكَثْرَةِ رِيِّهِ، وحَسُنَ تَأْخِيرُ أحَوى لِأجْلِ الفَواصِلِ، وقالَ:
؎وغَيْثٍ مِنَ الوَسْمِيَّ حُوٍّ تِلاعُهُ ∗∗∗ تَبَطَّنْتُهُ بِشَيْظَمٍ صَلَتانِ
﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، ومالِكٌ: هَذا في مَعْنى ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ﴾ [القيامة: ١٦] . وعَدَهُ اللَّهُ أنْ يُقْرِئَهُ، وأخْبَرَهُ أنَّهُ لا يَنْسى، وهَذِهِ آيَةٌ لِلرَّسُولِ في أنَّهُ أُمِّيٌّ، وحَفِظَ اللَّهُ عَلَيْهِ الوَحْيَ، وأمَّنَهُ مِن نِسائِهِ. وقِيلَ: هَذا وعْدٌ بِإقْراءِ السُّوَرِ، وأمْرٌ أنْ لا يَنْسى عَلى مَعْنى التَّثْبِيتِ والتَّأْكِيدِ، وقَدْ عُلِمَ أنَّ النِّسْيانَ لَيْسَ في قُدْرَتِهِ، فَهو نَهْيٌ عَنْ إغْفالِ التَّعاهُدِ، وأُثْبِتَتِ الألِفُ في ﴿فَلا تَنْسى﴾ وإنْ كانَ مَجْزُومًا بِلا الَّتِي لِلنَّهْيِ لِتَعْدِيلِ رُءُوسِ الآيِ.
﴿إلّا ما شاءَ اللَّهُ﴾ [الأعلى: ٧] الظّاهِرُ أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مَقْصُودٌ، قالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ وغَيْرُهُما: مِمّا قَضى اللَّهُ نَسْخَهُ، وأنْ تَرْتَفِعَ تِلاوَتُهُ وحُكْمُهُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إلّا ما شاءَ اللَّهُ أنْ يُنْسِيَكَ (p-٤٥٩)لِتَسُنَّ بِهِ، عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «(إنِّي لَأنْسى وأُنَسّى لَأسُنَّ)» . وقِيلَ: إلّا ما شاءَ اللَّهُ أنْ يَغْلِبَكَ النِّسْيانُ عَلَيْهِ، ثُمَّ يُذَكِّرُكَ بِهِ بَعْدُ، كَما قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، حِينَ سَمِعَ قِراءَةَ عَبّادِ بْنِ بَشِيرٍ: «(لَقَدْ ذَكَّرَنِي كَذا وكَذا آيَةً في سُورَةِ كَذا وكَذا)» . وقِيلَ: ﴿فَلا تَنْسى﴾ أيْ فَلا تَتْرُكِ العَمَلَ بِهِ إلّا ما شاءَ اللَّهُ أنْ تَتْرُكَهُ بِنَسْخِهِ إيّاهُ، فَهَذا في نَسْخِ العَمَلِ. وقالَ الفَرّاءُ وجَماعَةٌ: هَذا اسْتِثْناءُ صِلَةٍ في الكَلامِ عَلى سُنَّةِ اللَّهِ تَعالى في الِاسْتِثْناءِ، ولَيْسَ ثَمَّ شَيْءٌ أُبِيحَ اسْتِثْناؤُهُ.
وأخَذَ الزَّمَخْشَرِيُّ هَذا القَوْلَ فَقالَ: وقالَ: إلّا ما شاءَ اللَّهُ، والغَرَضُ نَفْيُ النِّسْيانِ رَأْسًا، كَما يَقُولُ الرَّجُلُ لِصاحِبِهِ: أنْتَ سَهِيمِي فِيما أمْلِكُ إلّا ما شاءَ اللَّهُ، ولا يَقْصِدُ اسْتِثْناءَ شَيْءٍ، وهو مِنَ اسْتِعْمالِ القِلَّةِ في مَعْنى النَّفْيِ. انْتَهى. وقَوْلُ الفَرّاءِ والزَّمَخْشَرِيِّ يَجْعَلُ الِاسْتِثْناءَ كَلا اسْتِثْناءٍ، وهَذا لا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ في كَلامِ اللَّهِ تَعالى، بَلْ ولا في كَلامٍ فَصِيحٍ، وكَذَلِكَ القَوْلُ بِأنَّ لا في ﴿فَلا تَنْسى﴾ لِلنَّهْيِ، والألِفُ ثابِتَةٌ لِأجْلِ الفاصِلَةِ، وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ. ومَفْهُومُ الآيَةِ في غايَةِ الظُّهُورِ، وقَدْ تَعَسَّفُوا في فَهْمِها. والمَعْنى أنَّهُ تَعالى أخْبَرَ أنَّهُ سَيُقْرِئُهُ، وأنَّهُ لا يَنْسى إلّا ما شاءَ اللَّهُ، فَإنَّهُ يَنْساهُ، إمّا النَّسْخُ، وإمّا أنْ يَسُنَّ، وإمّا عَلى أنْ يَتَذَكَّرَ، وهو ﷺ مَعْصُومٌ مِنَ النِّسْيانِ فِيما أُمِرَ بِتَبْلِيغِهِ، فَإنْ وقَعَ نِسْيانٌ، فَيَكُونُ عَلى وجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ الثَّلاثَةِ، ومُناسَبَةُ ﴿سَنُقْرِئُكَ﴾ لِما قَبْلَهُ: أنَّهُ لَمّا أمَرَهُ تَعالى بِالتَّسْبِيحِ، وكانَ التَّسْبِيحُ لا يَتِمُّ إلّا بِقِراءَةِ ما أُنْزِلَ عَلَيْهِ مِنَ القُرْآنِ، وكانَ يَتَذَكَّرُ في نَفْسِهِ مَخافَةَ أنْ يَنْسى، فَأزالَ عَنْهُ ذَلِكَ وبَشَّرَهُ بِأنَّهُ تَعالى يُقْرِئُهُ وأنَّهُ لا يَنْسى، اسْتَثْنى ما شاءَ اللَّهُ أنْ يُنْسِيَهُ لِمَصْلَحَةٍ مِن تِلْكَ الوُجُوهِ.
الأعلى 87:2
(p-٤٥٧)سُورَةُ الأعْلى مَكِّيَّةٌ وهي تِسْعَ عَشْرَةَ آيَةً
﷽
﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى﴾ ﴿والَّذِي قَدَّرَ فَهَدى﴾ ﴿والَّذِي أخْرَجَ المَرْعى﴾ ﴿فَجَعَلَهُ غُثاءً أحْوى﴾ ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ ﴿إلّا ما شاءَ اللَّهُ إنَّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ وما يَخْفى﴾ [الأعلى: ٧] ﴿ونُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى﴾ [الأعلى: ٨] ﴿فَذَكِّرْ إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى﴾ [الأعلى: ٩] ﴿سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشى﴾ [الأعلى: ١٠] ﴿ويَتَجَنَّبُها الأشْقى﴾ [الأعلى: ١١] ﴿الَّذِي يَصْلى النّارَ الكُبْرى﴾ [الأعلى: ١٢] ﴿ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا﴾ [الأعلى: ١٣] ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ [الأعلى: ١٤] ﴿وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾ [الأعلى: ١٥] ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ [الأعلى: ١٦] ﴿والآخِرَةُ خَيْرٌ وأبْقى﴾ [الأعلى: ١٧] ﴿إنَّ هَذا لَفي الصُّحُفِ الأُولى﴾ [الأعلى: ١٨] ﴿صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى﴾ [الأعلى: ١٩]
(الغُثاءُ) مُخَفَّفُ الثّاءِ ومُشَدَّدُها: ما يَقْذِفُ بِهِ السَّيْلُ عَلى جانِبِ الوادِي مِنَ الحَشِيشِ والنَّباتِ والقُماشِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎كَأنَّ ظَمِيئاتِ المُخَيْمَرِ غُدْوَةً مِنَ السَّيْلِ والغُثاءِ فَلْكَةُ مِغْزَلِ
ورَواهُ الفَرّاءُ: ”والأغْثاءِ“ عَلى الجَمْعِ، وهو غَرِيبٌ مِن حَيْثُ جَمْعُ فِعالٍ عَلى أفْعالٍ. الحُوَّةُ: سَوادٌ يَضْرِبُ إلى الخُضْرَةِ، قالَ ذُو الرُّمَّةِ:
؎لَمْياءُ في شَفَتَيْها حُوَّةٌ لَعَسُ ∗∗∗ وفي اللِّثاتِ وفي أنْيابِها شَنَبُ
وقِيلَ: خُضْرَةٌ عَلَيْها سَوادٌ، والأحْوى: الظَّبْيُ الَّذِي في ظَهْرِهِ خَطّانِ مِن سَوادٍ وبَياضٍ، قالَ الشّاعِرُ:
؎وفِي الحَيِّ أحَوى يَنْفُضُ المَرْدَ شادِنٌ ∗∗∗ مُظاهِرُ سِمْطَيْ لُؤْلُؤٍ وزَبَرْجَدِ
وفِي الصِّحاحِ: الحُوَّةُ: سُمْرَةٌ، وقالَ الأعْلَمُ: لَوْنٌ يَضْرِبُ إلى السَّوادِ، وقالَ أيْضًا: الشَّدِيدُ الخُضْرَةِ الَّتِي تَضْرِبُ إلى السَّوادِ.
﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى﴾ ﴿والَّذِي قَدَّرَ فَهَدى﴾ ﴿والَّذِي أخْرَجَ المَرْعى﴾ ﴿فَجَعَلَهُ غُثاءً أحْوى﴾ ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ ﴿إلّا ما شاءَ اللَّهُ إنَّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ وما يَخْفى﴾ [الأعلى: ٧] ﴿ونُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى﴾ [الأعلى: ٨] ﴿فَذَكِّرْ إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى﴾ [الأعلى: ٩] ﴿سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشى﴾ [الأعلى: ١٠] ﴿ويَتَجَنَّبُها الأشْقى﴾ [الأعلى: ١١] ﴿الَّذِي يَصْلى النّارَ الكُبْرى﴾ [الأعلى: ١٢] ﴿ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا﴾ [الأعلى: ١٣] ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ [الأعلى: ١٤] ﴿وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾ [الأعلى: ١٥] ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا والآخِرَةُ خَيْرٌ وأبْقى﴾ [الأعلى: ١٦] ﴿إنَّ هَذا لَفي الصُّحُفِ الأُولى﴾ [الأعلى: ١٨] ﴿صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى﴾ [الأعلى: ١٩] .
(p-٤٥٨)هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، ولَمّا ذَكَرَ فِيما قَبْلَها ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ [الطارق: ٥] كَأنَّ قائِلًا قالَ: مَن خَلَقَهُ عَلى هَذا المِثالِ ؟ فَقِيلَ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ . وأيْضًا لَمّا قالَ: ﴿إنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ [الطارق: ١٣] قِيلَ: هو (سَنُقْرِئُكَ) أيْ ذَلِكَ القَوْلَ الفَصْلَ.
(سَبِّحْ) نَزِّهْ عَنِ النَّقائِصِ ﴿اسْمَ رَبِّكَ﴾ الظّاهِرُ أنَّ التَّنْزِيهَ يَقَعُ عَلى الِاسْمِ، أيْ نَزِّهْهُ عَنْ أنْ يُسَمّى بِهِ صَنَمٌ أوْ وثَنٌ، فَيُقالَ لَهُ رَبٌّ أوْ إلَهٌ، وإذا كانَ قَدْ أمَرَ بِتَنْزِيهِهِ اللَّفْظَ أنْ يُطْلَقَ عَلى غَيْرِهِ فَهو أبْلَغُ، وتَنْزِيهُ الذّاتِ أحْرى. وقِيلَ: الِاسْمُ هُنا بِمَعْنى المُسَمّى. وقِيلَ: مَعْناهُ نَزِّهْ اسْمَ اللَّهِ عَنْ أنْ تَذْكُرَهُ إلّا وأنْتَ خاشِعٌ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المَعْنى صَلِّ بِاسْمِ رَبِّكَ الأعْلى، كَما تَقُولُ: ابْدَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ، وحَذَفَ حَرْفَ الجَرِّ. وقِيلَ: لَمّا نَزَلَ ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٧٤] قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(اجْعَلُوها في رُكُوعِكم) . فَلَمّا نَزَلَ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ قالَ: (اجْعَلُوها في سُجُودِكم)» . وكانُوا يَقُولُونَ في الرُّكُوعِ: اللَّهُمَّ لَكَ رَكَعْتُ، وفي السُّجُودِ: اللَّهُمَّ لَكَ سَجَدْتُ. قالُوا: (الأعْلى) يَصِحُّ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِرَبِّكَ، وأنْ يَكُونَ صِفَةً لِاسْمٍ فَيَكُونَ مَنصُوبًا، وهَذا الوَجْهُ لا يَصِحُّ أنْ يُعْرَبَ.
﴿الَّذِي خَلَقَ﴾ صِفَةٌ لِرَبِّكَ، فَيَكُونُ في مَوْضِعِ جَرٍّ لِأنَّهُ قَدْ حالَتْ بَيْنَهُ وبَيْنَ المَوْصُوفِ صِفَةٌ لِغَيْرِهِ. لَوْ قُلْتَ: رَأيْتُ غُلامَ هِنْدٍ العاقِلَ الحَسَنَةِ، لَمْ يَجُزْ، بَلْ لا بُدَّ أنْ تَأْتِيَ بِصِفَةِ هِنْدٍ، ثُمَّ تَأْتِيَ بِصِفَةِ الغُلامِ فَتَقُولُ: رَأيْتُ غُلامَ هِنْدٍ الحَسَنَةِ العاقِلَ، فَإنْ لَمْ يُجْعَلِ ”الَّذِي“ صِفَةً لِرَبِّكَ، بَلْ تَرْفَعُهُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أوْ تَنْصِبُهُ عَلى المَدْحِ، جازَ أنْ يَكُونَ الأعْلى صِفَةً لِاسْمٍ.
﴿الَّذِي خَلَقَ﴾ أيْ كُلَّ شَيْءٍ (فَسَوّى) أيْ لَمْ يَأْتِ مُتَفاوِتًا بَلْ مُتَناسِبًا عَلى إحْكامٍ وإتْقانٍ دَلالَةً عَلى أنَّهُ صادِرٌ عَنْ عالِمٍ حَكِيمٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (قَدَّرَ) بِشَدِّ الدّالِ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مِنَ القَدَرِ والقَضاءِ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مِنَ التَّقْدِيرِ والمُوازَنَةِ بَيْنَ الأشْياءِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: قَدَّرَ لِكُلِّ حَيَوانٍ ما يُصْلِحُهُ، فَهَداهُ إلَيْهِ وعَرَّفَهُ وجْهَ الِانْتِفاعِ بِهِ. انْتَهى. وقَرَأ الكِسائِيُّ: (قَدَرَ) مُخَفَّفَ الدّالِ مِنَ القُدْرَةِ أوْ مِنَ التَّقْدِيرِ والمُوازَنَةِ، وهَدى عامٌّ لِجَمِيعِ الهِداياتِ. وقالَ الفَرّاءُ: فَهَدى وأضَلَّ، اكْتَفى بِالواحِدَةِ عَنِ الأُخْرى. وقالَ الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ: هَدى الحَيَوانَ إلى وطْءِ الذُّكُورِ لِلْإناثِ. وقالَ مُجاهِدٌ: هَدى الإنْسانَ لِلْخَيْرِ والشَّرِّ، والبَهائِمَ لِلْمَراتِعِ. وقِيلَ: هَدى المَوْلُودَ عِنْدَ وضْعِهِ إلى مَصِّ الثَّدْيِ، وهَذِهِ الأقْوالُ مَحْمُولَةٌ عَلى التَّمْثِيلِ لا عَلى التَّخْصِيصِ. والظّاهِرُ أنَّ أحَوى صِفَةٌ لِغُثاءٍ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المَعْنى ﴿فَجَعَلَهُ غُثاءً أحَوى﴾ أيْ أسَوْدَ، لِأنَّ الغُثاءَ إذا قَدُمَ وأصابَتْهُ الأمْطارُ اسْوَدَّ وتَعَفَّنَ فَصارَ أحَوى. وقِيلَ: ”أحَوى“ حالٌ مِنَ المَرْعى، أيْ أحْرى المَرْعى أحَوى، أيْ لِلسَّوادِ مِن شِدَّةِ خُضْرَتِهِ ونَضارَتِهِ لِكَثْرَةِ رِيِّهِ، وحَسُنَ تَأْخِيرُ أحَوى لِأجْلِ الفَواصِلِ، وقالَ:
؎وغَيْثٍ مِنَ الوَسْمِيَّ حُوٍّ تِلاعُهُ ∗∗∗ تَبَطَّنْتُهُ بِشَيْظَمٍ صَلَتانِ
﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، ومالِكٌ: هَذا في مَعْنى ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ﴾ [القيامة: ١٦] . وعَدَهُ اللَّهُ أنْ يُقْرِئَهُ، وأخْبَرَهُ أنَّهُ لا يَنْسى، وهَذِهِ آيَةٌ لِلرَّسُولِ في أنَّهُ أُمِّيٌّ، وحَفِظَ اللَّهُ عَلَيْهِ الوَحْيَ، وأمَّنَهُ مِن نِسائِهِ. وقِيلَ: هَذا وعْدٌ بِإقْراءِ السُّوَرِ، وأمْرٌ أنْ لا يَنْسى عَلى مَعْنى التَّثْبِيتِ والتَّأْكِيدِ، وقَدْ عُلِمَ أنَّ النِّسْيانَ لَيْسَ في قُدْرَتِهِ، فَهو نَهْيٌ عَنْ إغْفالِ التَّعاهُدِ، وأُثْبِتَتِ الألِفُ في ﴿فَلا تَنْسى﴾ وإنْ كانَ مَجْزُومًا بِلا الَّتِي لِلنَّهْيِ لِتَعْدِيلِ رُءُوسِ الآيِ.
﴿إلّا ما شاءَ اللَّهُ﴾ [الأعلى: ٧] الظّاهِرُ أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مَقْصُودٌ، قالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ وغَيْرُهُما: مِمّا قَضى اللَّهُ نَسْخَهُ، وأنْ تَرْتَفِعَ تِلاوَتُهُ وحُكْمُهُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إلّا ما شاءَ اللَّهُ أنْ يُنْسِيَكَ (p-٤٥٩)لِتَسُنَّ بِهِ، عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «(إنِّي لَأنْسى وأُنَسّى لَأسُنَّ)» . وقِيلَ: إلّا ما شاءَ اللَّهُ أنْ يَغْلِبَكَ النِّسْيانُ عَلَيْهِ، ثُمَّ يُذَكِّرُكَ بِهِ بَعْدُ، كَما قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، حِينَ سَمِعَ قِراءَةَ عَبّادِ بْنِ بَشِيرٍ: «(لَقَدْ ذَكَّرَنِي كَذا وكَذا آيَةً في سُورَةِ كَذا وكَذا)» . وقِيلَ: ﴿فَلا تَنْسى﴾ أيْ فَلا تَتْرُكِ العَمَلَ بِهِ إلّا ما شاءَ اللَّهُ أنْ تَتْرُكَهُ بِنَسْخِهِ إيّاهُ، فَهَذا في نَسْخِ العَمَلِ. وقالَ الفَرّاءُ وجَماعَةٌ: هَذا اسْتِثْناءُ صِلَةٍ في الكَلامِ عَلى سُنَّةِ اللَّهِ تَعالى في الِاسْتِثْناءِ، ولَيْسَ ثَمَّ شَيْءٌ أُبِيحَ اسْتِثْناؤُهُ.
وأخَذَ الزَّمَخْشَرِيُّ هَذا القَوْلَ فَقالَ: وقالَ: إلّا ما شاءَ اللَّهُ، والغَرَضُ نَفْيُ النِّسْيانِ رَأْسًا، كَما يَقُولُ الرَّجُلُ لِصاحِبِهِ: أنْتَ سَهِيمِي فِيما أمْلِكُ إلّا ما شاءَ اللَّهُ، ولا يَقْصِدُ اسْتِثْناءَ شَيْءٍ، وهو مِنَ اسْتِعْمالِ القِلَّةِ في مَعْنى النَّفْيِ. انْتَهى. وقَوْلُ الفَرّاءِ والزَّمَخْشَرِيِّ يَجْعَلُ الِاسْتِثْناءَ كَلا اسْتِثْناءٍ، وهَذا لا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ في كَلامِ اللَّهِ تَعالى، بَلْ ولا في كَلامٍ فَصِيحٍ، وكَذَلِكَ القَوْلُ بِأنَّ لا في ﴿فَلا تَنْسى﴾ لِلنَّهْيِ، والألِفُ ثابِتَةٌ لِأجْلِ الفاصِلَةِ، وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ. ومَفْهُومُ الآيَةِ في غايَةِ الظُّهُورِ، وقَدْ تَعَسَّفُوا في فَهْمِها. والمَعْنى أنَّهُ تَعالى أخْبَرَ أنَّهُ سَيُقْرِئُهُ، وأنَّهُ لا يَنْسى إلّا ما شاءَ اللَّهُ، فَإنَّهُ يَنْساهُ، إمّا النَّسْخُ، وإمّا أنْ يَسُنَّ، وإمّا عَلى أنْ يَتَذَكَّرَ، وهو ﷺ مَعْصُومٌ مِنَ النِّسْيانِ فِيما أُمِرَ بِتَبْلِيغِهِ، فَإنْ وقَعَ نِسْيانٌ، فَيَكُونُ عَلى وجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ الثَّلاثَةِ، ومُناسَبَةُ ﴿سَنُقْرِئُكَ﴾ لِما قَبْلَهُ: أنَّهُ لَمّا أمَرَهُ تَعالى بِالتَّسْبِيحِ، وكانَ التَّسْبِيحُ لا يَتِمُّ إلّا بِقِراءَةِ ما أُنْزِلَ عَلَيْهِ مِنَ القُرْآنِ، وكانَ يَتَذَكَّرُ في نَفْسِهِ مَخافَةَ أنْ يَنْسى، فَأزالَ عَنْهُ ذَلِكَ وبَشَّرَهُ بِأنَّهُ تَعالى يُقْرِئُهُ وأنَّهُ لا يَنْسى، اسْتَثْنى ما شاءَ اللَّهُ أنْ يُنْسِيَهُ لِمَصْلَحَةٍ مِن تِلْكَ الوُجُوهِ.
الأعلى 87:3
(p-٤٥٧)سُورَةُ الأعْلى مَكِّيَّةٌ وهي تِسْعَ عَشْرَةَ آيَةً
﷽
﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى﴾ ﴿والَّذِي قَدَّرَ فَهَدى﴾ ﴿والَّذِي أخْرَجَ المَرْعى﴾ ﴿فَجَعَلَهُ غُثاءً أحْوى﴾ ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ ﴿إلّا ما شاءَ اللَّهُ إنَّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ وما يَخْفى﴾ [الأعلى: ٧] ﴿ونُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى﴾ [الأعلى: ٨] ﴿فَذَكِّرْ إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى﴾ [الأعلى: ٩] ﴿سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشى﴾ [الأعلى: ١٠] ﴿ويَتَجَنَّبُها الأشْقى﴾ [الأعلى: ١١] ﴿الَّذِي يَصْلى النّارَ الكُبْرى﴾ [الأعلى: ١٢] ﴿ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا﴾ [الأعلى: ١٣] ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ [الأعلى: ١٤] ﴿وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾ [الأعلى: ١٥] ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ [الأعلى: ١٦] ﴿والآخِرَةُ خَيْرٌ وأبْقى﴾ [الأعلى: ١٧] ﴿إنَّ هَذا لَفي الصُّحُفِ الأُولى﴾ [الأعلى: ١٨] ﴿صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى﴾ [الأعلى: ١٩]
(الغُثاءُ) مُخَفَّفُ الثّاءِ ومُشَدَّدُها: ما يَقْذِفُ بِهِ السَّيْلُ عَلى جانِبِ الوادِي مِنَ الحَشِيشِ والنَّباتِ والقُماشِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎كَأنَّ ظَمِيئاتِ المُخَيْمَرِ غُدْوَةً مِنَ السَّيْلِ والغُثاءِ فَلْكَةُ مِغْزَلِ
ورَواهُ الفَرّاءُ: ”والأغْثاءِ“ عَلى الجَمْعِ، وهو غَرِيبٌ مِن حَيْثُ جَمْعُ فِعالٍ عَلى أفْعالٍ. الحُوَّةُ: سَوادٌ يَضْرِبُ إلى الخُضْرَةِ، قالَ ذُو الرُّمَّةِ:
؎لَمْياءُ في شَفَتَيْها حُوَّةٌ لَعَسُ ∗∗∗ وفي اللِّثاتِ وفي أنْيابِها شَنَبُ
وقِيلَ: خُضْرَةٌ عَلَيْها سَوادٌ، والأحْوى: الظَّبْيُ الَّذِي في ظَهْرِهِ خَطّانِ مِن سَوادٍ وبَياضٍ، قالَ الشّاعِرُ:
؎وفِي الحَيِّ أحَوى يَنْفُضُ المَرْدَ شادِنٌ ∗∗∗ مُظاهِرُ سِمْطَيْ لُؤْلُؤٍ وزَبَرْجَدِ
وفِي الصِّحاحِ: الحُوَّةُ: سُمْرَةٌ، وقالَ الأعْلَمُ: لَوْنٌ يَضْرِبُ إلى السَّوادِ، وقالَ أيْضًا: الشَّدِيدُ الخُضْرَةِ الَّتِي تَضْرِبُ إلى السَّوادِ.
﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى﴾ ﴿والَّذِي قَدَّرَ فَهَدى﴾ ﴿والَّذِي أخْرَجَ المَرْعى﴾ ﴿فَجَعَلَهُ غُثاءً أحْوى﴾ ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ ﴿إلّا ما شاءَ اللَّهُ إنَّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ وما يَخْفى﴾ [الأعلى: ٧] ﴿ونُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى﴾ [الأعلى: ٨] ﴿فَذَكِّرْ إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى﴾ [الأعلى: ٩] ﴿سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشى﴾ [الأعلى: ١٠] ﴿ويَتَجَنَّبُها الأشْقى﴾ [الأعلى: ١١] ﴿الَّذِي يَصْلى النّارَ الكُبْرى﴾ [الأعلى: ١٢] ﴿ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا﴾ [الأعلى: ١٣] ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ [الأعلى: ١٤] ﴿وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾ [الأعلى: ١٥] ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا والآخِرَةُ خَيْرٌ وأبْقى﴾ [الأعلى: ١٦] ﴿إنَّ هَذا لَفي الصُّحُفِ الأُولى﴾ [الأعلى: ١٨] ﴿صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى﴾ [الأعلى: ١٩] .
(p-٤٥٨)هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، ولَمّا ذَكَرَ فِيما قَبْلَها ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ [الطارق: ٥] كَأنَّ قائِلًا قالَ: مَن خَلَقَهُ عَلى هَذا المِثالِ ؟ فَقِيلَ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ . وأيْضًا لَمّا قالَ: ﴿إنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ [الطارق: ١٣] قِيلَ: هو (سَنُقْرِئُكَ) أيْ ذَلِكَ القَوْلَ الفَصْلَ.
(سَبِّحْ) نَزِّهْ عَنِ النَّقائِصِ ﴿اسْمَ رَبِّكَ﴾ الظّاهِرُ أنَّ التَّنْزِيهَ يَقَعُ عَلى الِاسْمِ، أيْ نَزِّهْهُ عَنْ أنْ يُسَمّى بِهِ صَنَمٌ أوْ وثَنٌ، فَيُقالَ لَهُ رَبٌّ أوْ إلَهٌ، وإذا كانَ قَدْ أمَرَ بِتَنْزِيهِهِ اللَّفْظَ أنْ يُطْلَقَ عَلى غَيْرِهِ فَهو أبْلَغُ، وتَنْزِيهُ الذّاتِ أحْرى. وقِيلَ: الِاسْمُ هُنا بِمَعْنى المُسَمّى. وقِيلَ: مَعْناهُ نَزِّهْ اسْمَ اللَّهِ عَنْ أنْ تَذْكُرَهُ إلّا وأنْتَ خاشِعٌ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المَعْنى صَلِّ بِاسْمِ رَبِّكَ الأعْلى، كَما تَقُولُ: ابْدَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ، وحَذَفَ حَرْفَ الجَرِّ. وقِيلَ: لَمّا نَزَلَ ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٧٤] قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(اجْعَلُوها في رُكُوعِكم) . فَلَمّا نَزَلَ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ قالَ: (اجْعَلُوها في سُجُودِكم)» . وكانُوا يَقُولُونَ في الرُّكُوعِ: اللَّهُمَّ لَكَ رَكَعْتُ، وفي السُّجُودِ: اللَّهُمَّ لَكَ سَجَدْتُ. قالُوا: (الأعْلى) يَصِحُّ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِرَبِّكَ، وأنْ يَكُونَ صِفَةً لِاسْمٍ فَيَكُونَ مَنصُوبًا، وهَذا الوَجْهُ لا يَصِحُّ أنْ يُعْرَبَ.
﴿الَّذِي خَلَقَ﴾ صِفَةٌ لِرَبِّكَ، فَيَكُونُ في مَوْضِعِ جَرٍّ لِأنَّهُ قَدْ حالَتْ بَيْنَهُ وبَيْنَ المَوْصُوفِ صِفَةٌ لِغَيْرِهِ. لَوْ قُلْتَ: رَأيْتُ غُلامَ هِنْدٍ العاقِلَ الحَسَنَةِ، لَمْ يَجُزْ، بَلْ لا بُدَّ أنْ تَأْتِيَ بِصِفَةِ هِنْدٍ، ثُمَّ تَأْتِيَ بِصِفَةِ الغُلامِ فَتَقُولُ: رَأيْتُ غُلامَ هِنْدٍ الحَسَنَةِ العاقِلَ، فَإنْ لَمْ يُجْعَلِ ”الَّذِي“ صِفَةً لِرَبِّكَ، بَلْ تَرْفَعُهُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أوْ تَنْصِبُهُ عَلى المَدْحِ، جازَ أنْ يَكُونَ الأعْلى صِفَةً لِاسْمٍ.
﴿الَّذِي خَلَقَ﴾ أيْ كُلَّ شَيْءٍ (فَسَوّى) أيْ لَمْ يَأْتِ مُتَفاوِتًا بَلْ مُتَناسِبًا عَلى إحْكامٍ وإتْقانٍ دَلالَةً عَلى أنَّهُ صادِرٌ عَنْ عالِمٍ حَكِيمٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (قَدَّرَ) بِشَدِّ الدّالِ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مِنَ القَدَرِ والقَضاءِ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مِنَ التَّقْدِيرِ والمُوازَنَةِ بَيْنَ الأشْياءِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: قَدَّرَ لِكُلِّ حَيَوانٍ ما يُصْلِحُهُ، فَهَداهُ إلَيْهِ وعَرَّفَهُ وجْهَ الِانْتِفاعِ بِهِ. انْتَهى. وقَرَأ الكِسائِيُّ: (قَدَرَ) مُخَفَّفَ الدّالِ مِنَ القُدْرَةِ أوْ مِنَ التَّقْدِيرِ والمُوازَنَةِ، وهَدى عامٌّ لِجَمِيعِ الهِداياتِ. وقالَ الفَرّاءُ: فَهَدى وأضَلَّ، اكْتَفى بِالواحِدَةِ عَنِ الأُخْرى. وقالَ الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ: هَدى الحَيَوانَ إلى وطْءِ الذُّكُورِ لِلْإناثِ. وقالَ مُجاهِدٌ: هَدى الإنْسانَ لِلْخَيْرِ والشَّرِّ، والبَهائِمَ لِلْمَراتِعِ. وقِيلَ: هَدى المَوْلُودَ عِنْدَ وضْعِهِ إلى مَصِّ الثَّدْيِ، وهَذِهِ الأقْوالُ مَحْمُولَةٌ عَلى التَّمْثِيلِ لا عَلى التَّخْصِيصِ. والظّاهِرُ أنَّ أحَوى صِفَةٌ لِغُثاءٍ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المَعْنى ﴿فَجَعَلَهُ غُثاءً أحَوى﴾ أيْ أسَوْدَ، لِأنَّ الغُثاءَ إذا قَدُمَ وأصابَتْهُ الأمْطارُ اسْوَدَّ وتَعَفَّنَ فَصارَ أحَوى. وقِيلَ: ”أحَوى“ حالٌ مِنَ المَرْعى، أيْ أحْرى المَرْعى أحَوى، أيْ لِلسَّوادِ مِن شِدَّةِ خُضْرَتِهِ ونَضارَتِهِ لِكَثْرَةِ رِيِّهِ، وحَسُنَ تَأْخِيرُ أحَوى لِأجْلِ الفَواصِلِ، وقالَ:
؎وغَيْثٍ مِنَ الوَسْمِيَّ حُوٍّ تِلاعُهُ ∗∗∗ تَبَطَّنْتُهُ بِشَيْظَمٍ صَلَتانِ
﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، ومالِكٌ: هَذا في مَعْنى ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ﴾ [القيامة: ١٦] . وعَدَهُ اللَّهُ أنْ يُقْرِئَهُ، وأخْبَرَهُ أنَّهُ لا يَنْسى، وهَذِهِ آيَةٌ لِلرَّسُولِ في أنَّهُ أُمِّيٌّ، وحَفِظَ اللَّهُ عَلَيْهِ الوَحْيَ، وأمَّنَهُ مِن نِسائِهِ. وقِيلَ: هَذا وعْدٌ بِإقْراءِ السُّوَرِ، وأمْرٌ أنْ لا يَنْسى عَلى مَعْنى التَّثْبِيتِ والتَّأْكِيدِ، وقَدْ عُلِمَ أنَّ النِّسْيانَ لَيْسَ في قُدْرَتِهِ، فَهو نَهْيٌ عَنْ إغْفالِ التَّعاهُدِ، وأُثْبِتَتِ الألِفُ في ﴿فَلا تَنْسى﴾ وإنْ كانَ مَجْزُومًا بِلا الَّتِي لِلنَّهْيِ لِتَعْدِيلِ رُءُوسِ الآيِ.
﴿إلّا ما شاءَ اللَّهُ﴾ [الأعلى: ٧] الظّاهِرُ أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مَقْصُودٌ، قالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ وغَيْرُهُما: مِمّا قَضى اللَّهُ نَسْخَهُ، وأنْ تَرْتَفِعَ تِلاوَتُهُ وحُكْمُهُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إلّا ما شاءَ اللَّهُ أنْ يُنْسِيَكَ (p-٤٥٩)لِتَسُنَّ بِهِ، عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «(إنِّي لَأنْسى وأُنَسّى لَأسُنَّ)» . وقِيلَ: إلّا ما شاءَ اللَّهُ أنْ يَغْلِبَكَ النِّسْيانُ عَلَيْهِ، ثُمَّ يُذَكِّرُكَ بِهِ بَعْدُ، كَما قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، حِينَ سَمِعَ قِراءَةَ عَبّادِ بْنِ بَشِيرٍ: «(لَقَدْ ذَكَّرَنِي كَذا وكَذا آيَةً في سُورَةِ كَذا وكَذا)» . وقِيلَ: ﴿فَلا تَنْسى﴾ أيْ فَلا تَتْرُكِ العَمَلَ بِهِ إلّا ما شاءَ اللَّهُ أنْ تَتْرُكَهُ بِنَسْخِهِ إيّاهُ، فَهَذا في نَسْخِ العَمَلِ. وقالَ الفَرّاءُ وجَماعَةٌ: هَذا اسْتِثْناءُ صِلَةٍ في الكَلامِ عَلى سُنَّةِ اللَّهِ تَعالى في الِاسْتِثْناءِ، ولَيْسَ ثَمَّ شَيْءٌ أُبِيحَ اسْتِثْناؤُهُ.
وأخَذَ الزَّمَخْشَرِيُّ هَذا القَوْلَ فَقالَ: وقالَ: إلّا ما شاءَ اللَّهُ، والغَرَضُ نَفْيُ النِّسْيانِ رَأْسًا، كَما يَقُولُ الرَّجُلُ لِصاحِبِهِ: أنْتَ سَهِيمِي فِيما أمْلِكُ إلّا ما شاءَ اللَّهُ، ولا يَقْصِدُ اسْتِثْناءَ شَيْءٍ، وهو مِنَ اسْتِعْمالِ القِلَّةِ في مَعْنى النَّفْيِ. انْتَهى. وقَوْلُ الفَرّاءِ والزَّمَخْشَرِيِّ يَجْعَلُ الِاسْتِثْناءَ كَلا اسْتِثْناءٍ، وهَذا لا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ في كَلامِ اللَّهِ تَعالى، بَلْ ولا في كَلامٍ فَصِيحٍ، وكَذَلِكَ القَوْلُ بِأنَّ لا في ﴿فَلا تَنْسى﴾ لِلنَّهْيِ، والألِفُ ثابِتَةٌ لِأجْلِ الفاصِلَةِ، وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ. ومَفْهُومُ الآيَةِ في غايَةِ الظُّهُورِ، وقَدْ تَعَسَّفُوا في فَهْمِها. والمَعْنى أنَّهُ تَعالى أخْبَرَ أنَّهُ سَيُقْرِئُهُ، وأنَّهُ لا يَنْسى إلّا ما شاءَ اللَّهُ، فَإنَّهُ يَنْساهُ، إمّا النَّسْخُ، وإمّا أنْ يَسُنَّ، وإمّا عَلى أنْ يَتَذَكَّرَ، وهو ﷺ مَعْصُومٌ مِنَ النِّسْيانِ فِيما أُمِرَ بِتَبْلِيغِهِ، فَإنْ وقَعَ نِسْيانٌ، فَيَكُونُ عَلى وجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ الثَّلاثَةِ، ومُناسَبَةُ ﴿سَنُقْرِئُكَ﴾ لِما قَبْلَهُ: أنَّهُ لَمّا أمَرَهُ تَعالى بِالتَّسْبِيحِ، وكانَ التَّسْبِيحُ لا يَتِمُّ إلّا بِقِراءَةِ ما أُنْزِلَ عَلَيْهِ مِنَ القُرْآنِ، وكانَ يَتَذَكَّرُ في نَفْسِهِ مَخافَةَ أنْ يَنْسى، فَأزالَ عَنْهُ ذَلِكَ وبَشَّرَهُ بِأنَّهُ تَعالى يُقْرِئُهُ وأنَّهُ لا يَنْسى، اسْتَثْنى ما شاءَ اللَّهُ أنْ يُنْسِيَهُ لِمَصْلَحَةٍ مِن تِلْكَ الوُجُوهِ.
الأعلى 87:4
(p-٤٥٧)سُورَةُ الأعْلى مَكِّيَّةٌ وهي تِسْعَ عَشْرَةَ آيَةً
﷽
﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى﴾ ﴿والَّذِي قَدَّرَ فَهَدى﴾ ﴿والَّذِي أخْرَجَ المَرْعى﴾ ﴿فَجَعَلَهُ غُثاءً أحْوى﴾ ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ ﴿إلّا ما شاءَ اللَّهُ إنَّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ وما يَخْفى﴾ [الأعلى: ٧] ﴿ونُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى﴾ [الأعلى: ٨] ﴿فَذَكِّرْ إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى﴾ [الأعلى: ٩] ﴿سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشى﴾ [الأعلى: ١٠] ﴿ويَتَجَنَّبُها الأشْقى﴾ [الأعلى: ١١] ﴿الَّذِي يَصْلى النّارَ الكُبْرى﴾ [الأعلى: ١٢] ﴿ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا﴾ [الأعلى: ١٣] ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ [الأعلى: ١٤] ﴿وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾ [الأعلى: ١٥] ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ [الأعلى: ١٦] ﴿والآخِرَةُ خَيْرٌ وأبْقى﴾ [الأعلى: ١٧] ﴿إنَّ هَذا لَفي الصُّحُفِ الأُولى﴾ [الأعلى: ١٨] ﴿صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى﴾ [الأعلى: ١٩]
(الغُثاءُ) مُخَفَّفُ الثّاءِ ومُشَدَّدُها: ما يَقْذِفُ بِهِ السَّيْلُ عَلى جانِبِ الوادِي مِنَ الحَشِيشِ والنَّباتِ والقُماشِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎كَأنَّ ظَمِيئاتِ المُخَيْمَرِ غُدْوَةً مِنَ السَّيْلِ والغُثاءِ فَلْكَةُ مِغْزَلِ
ورَواهُ الفَرّاءُ: ”والأغْثاءِ“ عَلى الجَمْعِ، وهو غَرِيبٌ مِن حَيْثُ جَمْعُ فِعالٍ عَلى أفْعالٍ. الحُوَّةُ: سَوادٌ يَضْرِبُ إلى الخُضْرَةِ، قالَ ذُو الرُّمَّةِ:
؎لَمْياءُ في شَفَتَيْها حُوَّةٌ لَعَسُ ∗∗∗ وفي اللِّثاتِ وفي أنْيابِها شَنَبُ
وقِيلَ: خُضْرَةٌ عَلَيْها سَوادٌ، والأحْوى: الظَّبْيُ الَّذِي في ظَهْرِهِ خَطّانِ مِن سَوادٍ وبَياضٍ، قالَ الشّاعِرُ:
؎وفِي الحَيِّ أحَوى يَنْفُضُ المَرْدَ شادِنٌ ∗∗∗ مُظاهِرُ سِمْطَيْ لُؤْلُؤٍ وزَبَرْجَدِ
وفِي الصِّحاحِ: الحُوَّةُ: سُمْرَةٌ، وقالَ الأعْلَمُ: لَوْنٌ يَضْرِبُ إلى السَّوادِ، وقالَ أيْضًا: الشَّدِيدُ الخُضْرَةِ الَّتِي تَضْرِبُ إلى السَّوادِ.
﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى﴾ ﴿والَّذِي قَدَّرَ فَهَدى﴾ ﴿والَّذِي أخْرَجَ المَرْعى﴾ ﴿فَجَعَلَهُ غُثاءً أحْوى﴾ ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ ﴿إلّا ما شاءَ اللَّهُ إنَّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ وما يَخْفى﴾ [الأعلى: ٧] ﴿ونُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى﴾ [الأعلى: ٨] ﴿فَذَكِّرْ إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى﴾ [الأعلى: ٩] ﴿سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشى﴾ [الأعلى: ١٠] ﴿ويَتَجَنَّبُها الأشْقى﴾ [الأعلى: ١١] ﴿الَّذِي يَصْلى النّارَ الكُبْرى﴾ [الأعلى: ١٢] ﴿ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا﴾ [الأعلى: ١٣] ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ [الأعلى: ١٤] ﴿وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾ [الأعلى: ١٥] ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا والآخِرَةُ خَيْرٌ وأبْقى﴾ [الأعلى: ١٦] ﴿إنَّ هَذا لَفي الصُّحُفِ الأُولى﴾ [الأعلى: ١٨] ﴿صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى﴾ [الأعلى: ١٩] .
(p-٤٥٨)هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، ولَمّا ذَكَرَ فِيما قَبْلَها ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ [الطارق: ٥] كَأنَّ قائِلًا قالَ: مَن خَلَقَهُ عَلى هَذا المِثالِ ؟ فَقِيلَ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ . وأيْضًا لَمّا قالَ: ﴿إنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ [الطارق: ١٣] قِيلَ: هو (سَنُقْرِئُكَ) أيْ ذَلِكَ القَوْلَ الفَصْلَ.
(سَبِّحْ) نَزِّهْ عَنِ النَّقائِصِ ﴿اسْمَ رَبِّكَ﴾ الظّاهِرُ أنَّ التَّنْزِيهَ يَقَعُ عَلى الِاسْمِ، أيْ نَزِّهْهُ عَنْ أنْ يُسَمّى بِهِ صَنَمٌ أوْ وثَنٌ، فَيُقالَ لَهُ رَبٌّ أوْ إلَهٌ، وإذا كانَ قَدْ أمَرَ بِتَنْزِيهِهِ اللَّفْظَ أنْ يُطْلَقَ عَلى غَيْرِهِ فَهو أبْلَغُ، وتَنْزِيهُ الذّاتِ أحْرى. وقِيلَ: الِاسْمُ هُنا بِمَعْنى المُسَمّى. وقِيلَ: مَعْناهُ نَزِّهْ اسْمَ اللَّهِ عَنْ أنْ تَذْكُرَهُ إلّا وأنْتَ خاشِعٌ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المَعْنى صَلِّ بِاسْمِ رَبِّكَ الأعْلى، كَما تَقُولُ: ابْدَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ، وحَذَفَ حَرْفَ الجَرِّ. وقِيلَ: لَمّا نَزَلَ ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٧٤] قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(اجْعَلُوها في رُكُوعِكم) . فَلَمّا نَزَلَ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ قالَ: (اجْعَلُوها في سُجُودِكم)» . وكانُوا يَقُولُونَ في الرُّكُوعِ: اللَّهُمَّ لَكَ رَكَعْتُ، وفي السُّجُودِ: اللَّهُمَّ لَكَ سَجَدْتُ. قالُوا: (الأعْلى) يَصِحُّ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِرَبِّكَ، وأنْ يَكُونَ صِفَةً لِاسْمٍ فَيَكُونَ مَنصُوبًا، وهَذا الوَجْهُ لا يَصِحُّ أنْ يُعْرَبَ.
﴿الَّذِي خَلَقَ﴾ صِفَةٌ لِرَبِّكَ، فَيَكُونُ في مَوْضِعِ جَرٍّ لِأنَّهُ قَدْ حالَتْ بَيْنَهُ وبَيْنَ المَوْصُوفِ صِفَةٌ لِغَيْرِهِ. لَوْ قُلْتَ: رَأيْتُ غُلامَ هِنْدٍ العاقِلَ الحَسَنَةِ، لَمْ يَجُزْ، بَلْ لا بُدَّ أنْ تَأْتِيَ بِصِفَةِ هِنْدٍ، ثُمَّ تَأْتِيَ بِصِفَةِ الغُلامِ فَتَقُولُ: رَأيْتُ غُلامَ هِنْدٍ الحَسَنَةِ العاقِلَ، فَإنْ لَمْ يُجْعَلِ ”الَّذِي“ صِفَةً لِرَبِّكَ، بَلْ تَرْفَعُهُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أوْ تَنْصِبُهُ عَلى المَدْحِ، جازَ أنْ يَكُونَ الأعْلى صِفَةً لِاسْمٍ.
﴿الَّذِي خَلَقَ﴾ أيْ كُلَّ شَيْءٍ (فَسَوّى) أيْ لَمْ يَأْتِ مُتَفاوِتًا بَلْ مُتَناسِبًا عَلى إحْكامٍ وإتْقانٍ دَلالَةً عَلى أنَّهُ صادِرٌ عَنْ عالِمٍ حَكِيمٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (قَدَّرَ) بِشَدِّ الدّالِ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مِنَ القَدَرِ والقَضاءِ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مِنَ التَّقْدِيرِ والمُوازَنَةِ بَيْنَ الأشْياءِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: قَدَّرَ لِكُلِّ حَيَوانٍ ما يُصْلِحُهُ، فَهَداهُ إلَيْهِ وعَرَّفَهُ وجْهَ الِانْتِفاعِ بِهِ. انْتَهى. وقَرَأ الكِسائِيُّ: (قَدَرَ) مُخَفَّفَ الدّالِ مِنَ القُدْرَةِ أوْ مِنَ التَّقْدِيرِ والمُوازَنَةِ، وهَدى عامٌّ لِجَمِيعِ الهِداياتِ. وقالَ الفَرّاءُ: فَهَدى وأضَلَّ، اكْتَفى بِالواحِدَةِ عَنِ الأُخْرى. وقالَ الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ: هَدى الحَيَوانَ إلى وطْءِ الذُّكُورِ لِلْإناثِ. وقالَ مُجاهِدٌ: هَدى الإنْسانَ لِلْخَيْرِ والشَّرِّ، والبَهائِمَ لِلْمَراتِعِ. وقِيلَ: هَدى المَوْلُودَ عِنْدَ وضْعِهِ إلى مَصِّ الثَّدْيِ، وهَذِهِ الأقْوالُ مَحْمُولَةٌ عَلى التَّمْثِيلِ لا عَلى التَّخْصِيصِ. والظّاهِرُ أنَّ أحَوى صِفَةٌ لِغُثاءٍ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المَعْنى ﴿فَجَعَلَهُ غُثاءً أحَوى﴾ أيْ أسَوْدَ، لِأنَّ الغُثاءَ إذا قَدُمَ وأصابَتْهُ الأمْطارُ اسْوَدَّ وتَعَفَّنَ فَصارَ أحَوى. وقِيلَ: ”أحَوى“ حالٌ مِنَ المَرْعى، أيْ أحْرى المَرْعى أحَوى، أيْ لِلسَّوادِ مِن شِدَّةِ خُضْرَتِهِ ونَضارَتِهِ لِكَثْرَةِ رِيِّهِ، وحَسُنَ تَأْخِيرُ أحَوى لِأجْلِ الفَواصِلِ، وقالَ:
؎وغَيْثٍ مِنَ الوَسْمِيَّ حُوٍّ تِلاعُهُ ∗∗∗ تَبَطَّنْتُهُ بِشَيْظَمٍ صَلَتانِ
﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، ومالِكٌ: هَذا في مَعْنى ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ﴾ [القيامة: ١٦] . وعَدَهُ اللَّهُ أنْ يُقْرِئَهُ، وأخْبَرَهُ أنَّهُ لا يَنْسى، وهَذِهِ آيَةٌ لِلرَّسُولِ في أنَّهُ أُمِّيٌّ، وحَفِظَ اللَّهُ عَلَيْهِ الوَحْيَ، وأمَّنَهُ مِن نِسائِهِ. وقِيلَ: هَذا وعْدٌ بِإقْراءِ السُّوَرِ، وأمْرٌ أنْ لا يَنْسى عَلى مَعْنى التَّثْبِيتِ والتَّأْكِيدِ، وقَدْ عُلِمَ أنَّ النِّسْيانَ لَيْسَ في قُدْرَتِهِ، فَهو نَهْيٌ عَنْ إغْفالِ التَّعاهُدِ، وأُثْبِتَتِ الألِفُ في ﴿فَلا تَنْسى﴾ وإنْ كانَ مَجْزُومًا بِلا الَّتِي لِلنَّهْيِ لِتَعْدِيلِ رُءُوسِ الآيِ.
﴿إلّا ما شاءَ اللَّهُ﴾ [الأعلى: ٧] الظّاهِرُ أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مَقْصُودٌ، قالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ وغَيْرُهُما: مِمّا قَضى اللَّهُ نَسْخَهُ، وأنْ تَرْتَفِعَ تِلاوَتُهُ وحُكْمُهُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إلّا ما شاءَ اللَّهُ أنْ يُنْسِيَكَ (p-٤٥٩)لِتَسُنَّ بِهِ، عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «(إنِّي لَأنْسى وأُنَسّى لَأسُنَّ)» . وقِيلَ: إلّا ما شاءَ اللَّهُ أنْ يَغْلِبَكَ النِّسْيانُ عَلَيْهِ، ثُمَّ يُذَكِّرُكَ بِهِ بَعْدُ، كَما قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، حِينَ سَمِعَ قِراءَةَ عَبّادِ بْنِ بَشِيرٍ: «(لَقَدْ ذَكَّرَنِي كَذا وكَذا آيَةً في سُورَةِ كَذا وكَذا)» . وقِيلَ: ﴿فَلا تَنْسى﴾ أيْ فَلا تَتْرُكِ العَمَلَ بِهِ إلّا ما شاءَ اللَّهُ أنْ تَتْرُكَهُ بِنَسْخِهِ إيّاهُ، فَهَذا في نَسْخِ العَمَلِ. وقالَ الفَرّاءُ وجَماعَةٌ: هَذا اسْتِثْناءُ صِلَةٍ في الكَلامِ عَلى سُنَّةِ اللَّهِ تَعالى في الِاسْتِثْناءِ، ولَيْسَ ثَمَّ شَيْءٌ أُبِيحَ اسْتِثْناؤُهُ.
وأخَذَ الزَّمَخْشَرِيُّ هَذا القَوْلَ فَقالَ: وقالَ: إلّا ما شاءَ اللَّهُ، والغَرَضُ نَفْيُ النِّسْيانِ رَأْسًا، كَما يَقُولُ الرَّجُلُ لِصاحِبِهِ: أنْتَ سَهِيمِي فِيما أمْلِكُ إلّا ما شاءَ اللَّهُ، ولا يَقْصِدُ اسْتِثْناءَ شَيْءٍ، وهو مِنَ اسْتِعْمالِ القِلَّةِ في مَعْنى النَّفْيِ. انْتَهى. وقَوْلُ الفَرّاءِ والزَّمَخْشَرِيِّ يَجْعَلُ الِاسْتِثْناءَ كَلا اسْتِثْناءٍ، وهَذا لا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ في كَلامِ اللَّهِ تَعالى، بَلْ ولا في كَلامٍ فَصِيحٍ، وكَذَلِكَ القَوْلُ بِأنَّ لا في ﴿فَلا تَنْسى﴾ لِلنَّهْيِ، والألِفُ ثابِتَةٌ لِأجْلِ الفاصِلَةِ، وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ. ومَفْهُومُ الآيَةِ في غايَةِ الظُّهُورِ، وقَدْ تَعَسَّفُوا في فَهْمِها. والمَعْنى أنَّهُ تَعالى أخْبَرَ أنَّهُ سَيُقْرِئُهُ، وأنَّهُ لا يَنْسى إلّا ما شاءَ اللَّهُ، فَإنَّهُ يَنْساهُ، إمّا النَّسْخُ، وإمّا أنْ يَسُنَّ، وإمّا عَلى أنْ يَتَذَكَّرَ، وهو ﷺ مَعْصُومٌ مِنَ النِّسْيانِ فِيما أُمِرَ بِتَبْلِيغِهِ، فَإنْ وقَعَ نِسْيانٌ، فَيَكُونُ عَلى وجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ الثَّلاثَةِ، ومُناسَبَةُ ﴿سَنُقْرِئُكَ﴾ لِما قَبْلَهُ: أنَّهُ لَمّا أمَرَهُ تَعالى بِالتَّسْبِيحِ، وكانَ التَّسْبِيحُ لا يَتِمُّ إلّا بِقِراءَةِ ما أُنْزِلَ عَلَيْهِ مِنَ القُرْآنِ، وكانَ يَتَذَكَّرُ في نَفْسِهِ مَخافَةَ أنْ يَنْسى، فَأزالَ عَنْهُ ذَلِكَ وبَشَّرَهُ بِأنَّهُ تَعالى يُقْرِئُهُ وأنَّهُ لا يَنْسى، اسْتَثْنى ما شاءَ اللَّهُ أنْ يُنْسِيَهُ لِمَصْلَحَةٍ مِن تِلْكَ الوُجُوهِ.
الأعلى 87:5
(p-٤٥٧)سُورَةُ الأعْلى مَكِّيَّةٌ وهي تِسْعَ عَشْرَةَ آيَةً
﷽
﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى﴾ ﴿والَّذِي قَدَّرَ فَهَدى﴾ ﴿والَّذِي أخْرَجَ المَرْعى﴾ ﴿فَجَعَلَهُ غُثاءً أحْوى﴾ ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ ﴿إلّا ما شاءَ اللَّهُ إنَّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ وما يَخْفى﴾ [الأعلى: ٧] ﴿ونُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى﴾ [الأعلى: ٨] ﴿فَذَكِّرْ إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى﴾ [الأعلى: ٩] ﴿سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشى﴾ [الأعلى: ١٠] ﴿ويَتَجَنَّبُها الأشْقى﴾ [الأعلى: ١١] ﴿الَّذِي يَصْلى النّارَ الكُبْرى﴾ [الأعلى: ١٢] ﴿ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا﴾ [الأعلى: ١٣] ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ [الأعلى: ١٤] ﴿وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾ [الأعلى: ١٥] ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ [الأعلى: ١٦] ﴿والآخِرَةُ خَيْرٌ وأبْقى﴾ [الأعلى: ١٧] ﴿إنَّ هَذا لَفي الصُّحُفِ الأُولى﴾ [الأعلى: ١٨] ﴿صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى﴾ [الأعلى: ١٩]
(الغُثاءُ) مُخَفَّفُ الثّاءِ ومُشَدَّدُها: ما يَقْذِفُ بِهِ السَّيْلُ عَلى جانِبِ الوادِي مِنَ الحَشِيشِ والنَّباتِ والقُماشِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎كَأنَّ ظَمِيئاتِ المُخَيْمَرِ غُدْوَةً مِنَ السَّيْلِ والغُثاءِ فَلْكَةُ مِغْزَلِ
ورَواهُ الفَرّاءُ: ”والأغْثاءِ“ عَلى الجَمْعِ، وهو غَرِيبٌ مِن حَيْثُ جَمْعُ فِعالٍ عَلى أفْعالٍ. الحُوَّةُ: سَوادٌ يَضْرِبُ إلى الخُضْرَةِ، قالَ ذُو الرُّمَّةِ:
؎لَمْياءُ في شَفَتَيْها حُوَّةٌ لَعَسُ ∗∗∗ وفي اللِّثاتِ وفي أنْيابِها شَنَبُ
وقِيلَ: خُضْرَةٌ عَلَيْها سَوادٌ، والأحْوى: الظَّبْيُ الَّذِي في ظَهْرِهِ خَطّانِ مِن سَوادٍ وبَياضٍ، قالَ الشّاعِرُ:
؎وفِي الحَيِّ أحَوى يَنْفُضُ المَرْدَ شادِنٌ ∗∗∗ مُظاهِرُ سِمْطَيْ لُؤْلُؤٍ وزَبَرْجَدِ
وفِي الصِّحاحِ: الحُوَّةُ: سُمْرَةٌ، وقالَ الأعْلَمُ: لَوْنٌ يَضْرِبُ إلى السَّوادِ، وقالَ أيْضًا: الشَّدِيدُ الخُضْرَةِ الَّتِي تَضْرِبُ إلى السَّوادِ.
﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى﴾ ﴿والَّذِي قَدَّرَ فَهَدى﴾ ﴿والَّذِي أخْرَجَ المَرْعى﴾ ﴿فَجَعَلَهُ غُثاءً أحْوى﴾ ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ ﴿إلّا ما شاءَ اللَّهُ إنَّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ وما يَخْفى﴾ [الأعلى: ٧] ﴿ونُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى﴾ [الأعلى: ٨] ﴿فَذَكِّرْ إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى﴾ [الأعلى: ٩] ﴿سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشى﴾ [الأعلى: ١٠] ﴿ويَتَجَنَّبُها الأشْقى﴾ [الأعلى: ١١] ﴿الَّذِي يَصْلى النّارَ الكُبْرى﴾ [الأعلى: ١٢] ﴿ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا﴾ [الأعلى: ١٣] ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ [الأعلى: ١٤] ﴿وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾ [الأعلى: ١٥] ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا والآخِرَةُ خَيْرٌ وأبْقى﴾ [الأعلى: ١٦] ﴿إنَّ هَذا لَفي الصُّحُفِ الأُولى﴾ [الأعلى: ١٨] ﴿صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى﴾ [الأعلى: ١٩] .
(p-٤٥٨)هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، ولَمّا ذَكَرَ فِيما قَبْلَها ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ [الطارق: ٥] كَأنَّ قائِلًا قالَ: مَن خَلَقَهُ عَلى هَذا المِثالِ ؟ فَقِيلَ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ . وأيْضًا لَمّا قالَ: ﴿إنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ [الطارق: ١٣] قِيلَ: هو (سَنُقْرِئُكَ) أيْ ذَلِكَ القَوْلَ الفَصْلَ.
(سَبِّحْ) نَزِّهْ عَنِ النَّقائِصِ ﴿اسْمَ رَبِّكَ﴾ الظّاهِرُ أنَّ التَّنْزِيهَ يَقَعُ عَلى الِاسْمِ، أيْ نَزِّهْهُ عَنْ أنْ يُسَمّى بِهِ صَنَمٌ أوْ وثَنٌ، فَيُقالَ لَهُ رَبٌّ أوْ إلَهٌ، وإذا كانَ قَدْ أمَرَ بِتَنْزِيهِهِ اللَّفْظَ أنْ يُطْلَقَ عَلى غَيْرِهِ فَهو أبْلَغُ، وتَنْزِيهُ الذّاتِ أحْرى. وقِيلَ: الِاسْمُ هُنا بِمَعْنى المُسَمّى. وقِيلَ: مَعْناهُ نَزِّهْ اسْمَ اللَّهِ عَنْ أنْ تَذْكُرَهُ إلّا وأنْتَ خاشِعٌ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المَعْنى صَلِّ بِاسْمِ رَبِّكَ الأعْلى، كَما تَقُولُ: ابْدَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ، وحَذَفَ حَرْفَ الجَرِّ. وقِيلَ: لَمّا نَزَلَ ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٧٤] قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(اجْعَلُوها في رُكُوعِكم) . فَلَمّا نَزَلَ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ قالَ: (اجْعَلُوها في سُجُودِكم)» . وكانُوا يَقُولُونَ في الرُّكُوعِ: اللَّهُمَّ لَكَ رَكَعْتُ، وفي السُّجُودِ: اللَّهُمَّ لَكَ سَجَدْتُ. قالُوا: (الأعْلى) يَصِحُّ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِرَبِّكَ، وأنْ يَكُونَ صِفَةً لِاسْمٍ فَيَكُونَ مَنصُوبًا، وهَذا الوَجْهُ لا يَصِحُّ أنْ يُعْرَبَ.
﴿الَّذِي خَلَقَ﴾ صِفَةٌ لِرَبِّكَ، فَيَكُونُ في مَوْضِعِ جَرٍّ لِأنَّهُ قَدْ حالَتْ بَيْنَهُ وبَيْنَ المَوْصُوفِ صِفَةٌ لِغَيْرِهِ. لَوْ قُلْتَ: رَأيْتُ غُلامَ هِنْدٍ العاقِلَ الحَسَنَةِ، لَمْ يَجُزْ، بَلْ لا بُدَّ أنْ تَأْتِيَ بِصِفَةِ هِنْدٍ، ثُمَّ تَأْتِيَ بِصِفَةِ الغُلامِ فَتَقُولُ: رَأيْتُ غُلامَ هِنْدٍ الحَسَنَةِ العاقِلَ، فَإنْ لَمْ يُجْعَلِ ”الَّذِي“ صِفَةً لِرَبِّكَ، بَلْ تَرْفَعُهُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أوْ تَنْصِبُهُ عَلى المَدْحِ، جازَ أنْ يَكُونَ الأعْلى صِفَةً لِاسْمٍ.
﴿الَّذِي خَلَقَ﴾ أيْ كُلَّ شَيْءٍ (فَسَوّى) أيْ لَمْ يَأْتِ مُتَفاوِتًا بَلْ مُتَناسِبًا عَلى إحْكامٍ وإتْقانٍ دَلالَةً عَلى أنَّهُ صادِرٌ عَنْ عالِمٍ حَكِيمٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (قَدَّرَ) بِشَدِّ الدّالِ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مِنَ القَدَرِ والقَضاءِ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مِنَ التَّقْدِيرِ والمُوازَنَةِ بَيْنَ الأشْياءِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: قَدَّرَ لِكُلِّ حَيَوانٍ ما يُصْلِحُهُ، فَهَداهُ إلَيْهِ وعَرَّفَهُ وجْهَ الِانْتِفاعِ بِهِ. انْتَهى. وقَرَأ الكِسائِيُّ: (قَدَرَ) مُخَفَّفَ الدّالِ مِنَ القُدْرَةِ أوْ مِنَ التَّقْدِيرِ والمُوازَنَةِ، وهَدى عامٌّ لِجَمِيعِ الهِداياتِ. وقالَ الفَرّاءُ: فَهَدى وأضَلَّ، اكْتَفى بِالواحِدَةِ عَنِ الأُخْرى. وقالَ الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ: هَدى الحَيَوانَ إلى وطْءِ الذُّكُورِ لِلْإناثِ. وقالَ مُجاهِدٌ: هَدى الإنْسانَ لِلْخَيْرِ والشَّرِّ، والبَهائِمَ لِلْمَراتِعِ. وقِيلَ: هَدى المَوْلُودَ عِنْدَ وضْعِهِ إلى مَصِّ الثَّدْيِ، وهَذِهِ الأقْوالُ مَحْمُولَةٌ عَلى التَّمْثِيلِ لا عَلى التَّخْصِيصِ. والظّاهِرُ أنَّ أحَوى صِفَةٌ لِغُثاءٍ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المَعْنى ﴿فَجَعَلَهُ غُثاءً أحَوى﴾ أيْ أسَوْدَ، لِأنَّ الغُثاءَ إذا قَدُمَ وأصابَتْهُ الأمْطارُ اسْوَدَّ وتَعَفَّنَ فَصارَ أحَوى. وقِيلَ: ”أحَوى“ حالٌ مِنَ المَرْعى، أيْ أحْرى المَرْعى أحَوى، أيْ لِلسَّوادِ مِن شِدَّةِ خُضْرَتِهِ ونَضارَتِهِ لِكَثْرَةِ رِيِّهِ، وحَسُنَ تَأْخِيرُ أحَوى لِأجْلِ الفَواصِلِ، وقالَ:
؎وغَيْثٍ مِنَ الوَسْمِيَّ حُوٍّ تِلاعُهُ ∗∗∗ تَبَطَّنْتُهُ بِشَيْظَمٍ صَلَتانِ
﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، ومالِكٌ: هَذا في مَعْنى ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ﴾ [القيامة: ١٦] . وعَدَهُ اللَّهُ أنْ يُقْرِئَهُ، وأخْبَرَهُ أنَّهُ لا يَنْسى، وهَذِهِ آيَةٌ لِلرَّسُولِ في أنَّهُ أُمِّيٌّ، وحَفِظَ اللَّهُ عَلَيْهِ الوَحْيَ، وأمَّنَهُ مِن نِسائِهِ. وقِيلَ: هَذا وعْدٌ بِإقْراءِ السُّوَرِ، وأمْرٌ أنْ لا يَنْسى عَلى مَعْنى التَّثْبِيتِ والتَّأْكِيدِ، وقَدْ عُلِمَ أنَّ النِّسْيانَ لَيْسَ في قُدْرَتِهِ، فَهو نَهْيٌ عَنْ إغْفالِ التَّعاهُدِ، وأُثْبِتَتِ الألِفُ في ﴿فَلا تَنْسى﴾ وإنْ كانَ مَجْزُومًا بِلا الَّتِي لِلنَّهْيِ لِتَعْدِيلِ رُءُوسِ الآيِ.
﴿إلّا ما شاءَ اللَّهُ﴾ [الأعلى: ٧] الظّاهِرُ أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مَقْصُودٌ، قالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ وغَيْرُهُما: مِمّا قَضى اللَّهُ نَسْخَهُ، وأنْ تَرْتَفِعَ تِلاوَتُهُ وحُكْمُهُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إلّا ما شاءَ اللَّهُ أنْ يُنْسِيَكَ (p-٤٥٩)لِتَسُنَّ بِهِ، عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «(إنِّي لَأنْسى وأُنَسّى لَأسُنَّ)» . وقِيلَ: إلّا ما شاءَ اللَّهُ أنْ يَغْلِبَكَ النِّسْيانُ عَلَيْهِ، ثُمَّ يُذَكِّرُكَ بِهِ بَعْدُ، كَما قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، حِينَ سَمِعَ قِراءَةَ عَبّادِ بْنِ بَشِيرٍ: «(لَقَدْ ذَكَّرَنِي كَذا وكَذا آيَةً في سُورَةِ كَذا وكَذا)» . وقِيلَ: ﴿فَلا تَنْسى﴾ أيْ فَلا تَتْرُكِ العَمَلَ بِهِ إلّا ما شاءَ اللَّهُ أنْ تَتْرُكَهُ بِنَسْخِهِ إيّاهُ، فَهَذا في نَسْخِ العَمَلِ. وقالَ الفَرّاءُ وجَماعَةٌ: هَذا اسْتِثْناءُ صِلَةٍ في الكَلامِ عَلى سُنَّةِ اللَّهِ تَعالى في الِاسْتِثْناءِ، ولَيْسَ ثَمَّ شَيْءٌ أُبِيحَ اسْتِثْناؤُهُ.
وأخَذَ الزَّمَخْشَرِيُّ هَذا القَوْلَ فَقالَ: وقالَ: إلّا ما شاءَ اللَّهُ، والغَرَضُ نَفْيُ النِّسْيانِ رَأْسًا، كَما يَقُولُ الرَّجُلُ لِصاحِبِهِ: أنْتَ سَهِيمِي فِيما أمْلِكُ إلّا ما شاءَ اللَّهُ، ولا يَقْصِدُ اسْتِثْناءَ شَيْءٍ، وهو مِنَ اسْتِعْمالِ القِلَّةِ في مَعْنى النَّفْيِ. انْتَهى. وقَوْلُ الفَرّاءِ والزَّمَخْشَرِيِّ يَجْعَلُ الِاسْتِثْناءَ كَلا اسْتِثْناءٍ، وهَذا لا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ في كَلامِ اللَّهِ تَعالى، بَلْ ولا في كَلامٍ فَصِيحٍ، وكَذَلِكَ القَوْلُ بِأنَّ لا في ﴿فَلا تَنْسى﴾ لِلنَّهْيِ، والألِفُ ثابِتَةٌ لِأجْلِ الفاصِلَةِ، وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ. ومَفْهُومُ الآيَةِ في غايَةِ الظُّهُورِ، وقَدْ تَعَسَّفُوا في فَهْمِها. والمَعْنى أنَّهُ تَعالى أخْبَرَ أنَّهُ سَيُقْرِئُهُ، وأنَّهُ لا يَنْسى إلّا ما شاءَ اللَّهُ، فَإنَّهُ يَنْساهُ، إمّا النَّسْخُ، وإمّا أنْ يَسُنَّ، وإمّا عَلى أنْ يَتَذَكَّرَ، وهو ﷺ مَعْصُومٌ مِنَ النِّسْيانِ فِيما أُمِرَ بِتَبْلِيغِهِ، فَإنْ وقَعَ نِسْيانٌ، فَيَكُونُ عَلى وجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ الثَّلاثَةِ، ومُناسَبَةُ ﴿سَنُقْرِئُكَ﴾ لِما قَبْلَهُ: أنَّهُ لَمّا أمَرَهُ تَعالى بِالتَّسْبِيحِ، وكانَ التَّسْبِيحُ لا يَتِمُّ إلّا بِقِراءَةِ ما أُنْزِلَ عَلَيْهِ مِنَ القُرْآنِ، وكانَ يَتَذَكَّرُ في نَفْسِهِ مَخافَةَ أنْ يَنْسى، فَأزالَ عَنْهُ ذَلِكَ وبَشَّرَهُ بِأنَّهُ تَعالى يُقْرِئُهُ وأنَّهُ لا يَنْسى، اسْتَثْنى ما شاءَ اللَّهُ أنْ يُنْسِيَهُ لِمَصْلَحَةٍ مِن تِلْكَ الوُجُوهِ.
الأعلى 87:6
(p-٤٥٧)سُورَةُ الأعْلى مَكِّيَّةٌ وهي تِسْعَ عَشْرَةَ آيَةً
﷽
﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى﴾ ﴿والَّذِي قَدَّرَ فَهَدى﴾ ﴿والَّذِي أخْرَجَ المَرْعى﴾ ﴿فَجَعَلَهُ غُثاءً أحْوى﴾ ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ ﴿إلّا ما شاءَ اللَّهُ إنَّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ وما يَخْفى﴾ [الأعلى: ٧] ﴿ونُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى﴾ [الأعلى: ٨] ﴿فَذَكِّرْ إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى﴾ [الأعلى: ٩] ﴿سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشى﴾ [الأعلى: ١٠] ﴿ويَتَجَنَّبُها الأشْقى﴾ [الأعلى: ١١] ﴿الَّذِي يَصْلى النّارَ الكُبْرى﴾ [الأعلى: ١٢] ﴿ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا﴾ [الأعلى: ١٣] ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ [الأعلى: ١٤] ﴿وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾ [الأعلى: ١٥] ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ [الأعلى: ١٦] ﴿والآخِرَةُ خَيْرٌ وأبْقى﴾ [الأعلى: ١٧] ﴿إنَّ هَذا لَفي الصُّحُفِ الأُولى﴾ [الأعلى: ١٨] ﴿صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى﴾ [الأعلى: ١٩]
(الغُثاءُ) مُخَفَّفُ الثّاءِ ومُشَدَّدُها: ما يَقْذِفُ بِهِ السَّيْلُ عَلى جانِبِ الوادِي مِنَ الحَشِيشِ والنَّباتِ والقُماشِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎كَأنَّ ظَمِيئاتِ المُخَيْمَرِ غُدْوَةً مِنَ السَّيْلِ والغُثاءِ فَلْكَةُ مِغْزَلِ
ورَواهُ الفَرّاءُ: ”والأغْثاءِ“ عَلى الجَمْعِ، وهو غَرِيبٌ مِن حَيْثُ جَمْعُ فِعالٍ عَلى أفْعالٍ. الحُوَّةُ: سَوادٌ يَضْرِبُ إلى الخُضْرَةِ، قالَ ذُو الرُّمَّةِ:
؎لَمْياءُ في شَفَتَيْها حُوَّةٌ لَعَسُ ∗∗∗ وفي اللِّثاتِ وفي أنْيابِها شَنَبُ
وقِيلَ: خُضْرَةٌ عَلَيْها سَوادٌ، والأحْوى: الظَّبْيُ الَّذِي في ظَهْرِهِ خَطّانِ مِن سَوادٍ وبَياضٍ، قالَ الشّاعِرُ:
؎وفِي الحَيِّ أحَوى يَنْفُضُ المَرْدَ شادِنٌ ∗∗∗ مُظاهِرُ سِمْطَيْ لُؤْلُؤٍ وزَبَرْجَدِ
وفِي الصِّحاحِ: الحُوَّةُ: سُمْرَةٌ، وقالَ الأعْلَمُ: لَوْنٌ يَضْرِبُ إلى السَّوادِ، وقالَ أيْضًا: الشَّدِيدُ الخُضْرَةِ الَّتِي تَضْرِبُ إلى السَّوادِ.
﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى﴾ ﴿والَّذِي قَدَّرَ فَهَدى﴾ ﴿والَّذِي أخْرَجَ المَرْعى﴾ ﴿فَجَعَلَهُ غُثاءً أحْوى﴾ ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ ﴿إلّا ما شاءَ اللَّهُ إنَّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ وما يَخْفى﴾ [الأعلى: ٧] ﴿ونُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى﴾ [الأعلى: ٨] ﴿فَذَكِّرْ إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى﴾ [الأعلى: ٩] ﴿سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشى﴾ [الأعلى: ١٠] ﴿ويَتَجَنَّبُها الأشْقى﴾ [الأعلى: ١١] ﴿الَّذِي يَصْلى النّارَ الكُبْرى﴾ [الأعلى: ١٢] ﴿ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا﴾ [الأعلى: ١٣] ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ [الأعلى: ١٤] ﴿وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾ [الأعلى: ١٥] ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا والآخِرَةُ خَيْرٌ وأبْقى﴾ [الأعلى: ١٦] ﴿إنَّ هَذا لَفي الصُّحُفِ الأُولى﴾ [الأعلى: ١٨] ﴿صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى﴾ [الأعلى: ١٩] .
(p-٤٥٨)هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، ولَمّا ذَكَرَ فِيما قَبْلَها ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ [الطارق: ٥] كَأنَّ قائِلًا قالَ: مَن خَلَقَهُ عَلى هَذا المِثالِ ؟ فَقِيلَ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ . وأيْضًا لَمّا قالَ: ﴿إنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ [الطارق: ١٣] قِيلَ: هو (سَنُقْرِئُكَ) أيْ ذَلِكَ القَوْلَ الفَصْلَ.
(سَبِّحْ) نَزِّهْ عَنِ النَّقائِصِ ﴿اسْمَ رَبِّكَ﴾ الظّاهِرُ أنَّ التَّنْزِيهَ يَقَعُ عَلى الِاسْمِ، أيْ نَزِّهْهُ عَنْ أنْ يُسَمّى بِهِ صَنَمٌ أوْ وثَنٌ، فَيُقالَ لَهُ رَبٌّ أوْ إلَهٌ، وإذا كانَ قَدْ أمَرَ بِتَنْزِيهِهِ اللَّفْظَ أنْ يُطْلَقَ عَلى غَيْرِهِ فَهو أبْلَغُ، وتَنْزِيهُ الذّاتِ أحْرى. وقِيلَ: الِاسْمُ هُنا بِمَعْنى المُسَمّى. وقِيلَ: مَعْناهُ نَزِّهْ اسْمَ اللَّهِ عَنْ أنْ تَذْكُرَهُ إلّا وأنْتَ خاشِعٌ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المَعْنى صَلِّ بِاسْمِ رَبِّكَ الأعْلى، كَما تَقُولُ: ابْدَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ، وحَذَفَ حَرْفَ الجَرِّ. وقِيلَ: لَمّا نَزَلَ ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٧٤] قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(اجْعَلُوها في رُكُوعِكم) . فَلَمّا نَزَلَ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ قالَ: (اجْعَلُوها في سُجُودِكم)» . وكانُوا يَقُولُونَ في الرُّكُوعِ: اللَّهُمَّ لَكَ رَكَعْتُ، وفي السُّجُودِ: اللَّهُمَّ لَكَ سَجَدْتُ. قالُوا: (الأعْلى) يَصِحُّ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِرَبِّكَ، وأنْ يَكُونَ صِفَةً لِاسْمٍ فَيَكُونَ مَنصُوبًا، وهَذا الوَجْهُ لا يَصِحُّ أنْ يُعْرَبَ.
﴿الَّذِي خَلَقَ﴾ صِفَةٌ لِرَبِّكَ، فَيَكُونُ في مَوْضِعِ جَرٍّ لِأنَّهُ قَدْ حالَتْ بَيْنَهُ وبَيْنَ المَوْصُوفِ صِفَةٌ لِغَيْرِهِ. لَوْ قُلْتَ: رَأيْتُ غُلامَ هِنْدٍ العاقِلَ الحَسَنَةِ، لَمْ يَجُزْ، بَلْ لا بُدَّ أنْ تَأْتِيَ بِصِفَةِ هِنْدٍ، ثُمَّ تَأْتِيَ بِصِفَةِ الغُلامِ فَتَقُولُ: رَأيْتُ غُلامَ هِنْدٍ الحَسَنَةِ العاقِلَ، فَإنْ لَمْ يُجْعَلِ ”الَّذِي“ صِفَةً لِرَبِّكَ، بَلْ تَرْفَعُهُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أوْ تَنْصِبُهُ عَلى المَدْحِ، جازَ أنْ يَكُونَ الأعْلى صِفَةً لِاسْمٍ.
﴿الَّذِي خَلَقَ﴾ أيْ كُلَّ شَيْءٍ (فَسَوّى) أيْ لَمْ يَأْتِ مُتَفاوِتًا بَلْ مُتَناسِبًا عَلى إحْكامٍ وإتْقانٍ دَلالَةً عَلى أنَّهُ صادِرٌ عَنْ عالِمٍ حَكِيمٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (قَدَّرَ) بِشَدِّ الدّالِ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مِنَ القَدَرِ والقَضاءِ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مِنَ التَّقْدِيرِ والمُوازَنَةِ بَيْنَ الأشْياءِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: قَدَّرَ لِكُلِّ حَيَوانٍ ما يُصْلِحُهُ، فَهَداهُ إلَيْهِ وعَرَّفَهُ وجْهَ الِانْتِفاعِ بِهِ. انْتَهى. وقَرَأ الكِسائِيُّ: (قَدَرَ) مُخَفَّفَ الدّالِ مِنَ القُدْرَةِ أوْ مِنَ التَّقْدِيرِ والمُوازَنَةِ، وهَدى عامٌّ لِجَمِيعِ الهِداياتِ. وقالَ الفَرّاءُ: فَهَدى وأضَلَّ، اكْتَفى بِالواحِدَةِ عَنِ الأُخْرى. وقالَ الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ: هَدى الحَيَوانَ إلى وطْءِ الذُّكُورِ لِلْإناثِ. وقالَ مُجاهِدٌ: هَدى الإنْسانَ لِلْخَيْرِ والشَّرِّ، والبَهائِمَ لِلْمَراتِعِ. وقِيلَ: هَدى المَوْلُودَ عِنْدَ وضْعِهِ إلى مَصِّ الثَّدْيِ، وهَذِهِ الأقْوالُ مَحْمُولَةٌ عَلى التَّمْثِيلِ لا عَلى التَّخْصِيصِ. والظّاهِرُ أنَّ أحَوى صِفَةٌ لِغُثاءٍ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المَعْنى ﴿فَجَعَلَهُ غُثاءً أحَوى﴾ أيْ أسَوْدَ، لِأنَّ الغُثاءَ إذا قَدُمَ وأصابَتْهُ الأمْطارُ اسْوَدَّ وتَعَفَّنَ فَصارَ أحَوى. وقِيلَ: ”أحَوى“ حالٌ مِنَ المَرْعى، أيْ أحْرى المَرْعى أحَوى، أيْ لِلسَّوادِ مِن شِدَّةِ خُضْرَتِهِ ونَضارَتِهِ لِكَثْرَةِ رِيِّهِ، وحَسُنَ تَأْخِيرُ أحَوى لِأجْلِ الفَواصِلِ، وقالَ:
؎وغَيْثٍ مِنَ الوَسْمِيَّ حُوٍّ تِلاعُهُ ∗∗∗ تَبَطَّنْتُهُ بِشَيْظَمٍ صَلَتانِ
﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، ومالِكٌ: هَذا في مَعْنى ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ﴾ [القيامة: ١٦] . وعَدَهُ اللَّهُ أنْ يُقْرِئَهُ، وأخْبَرَهُ أنَّهُ لا يَنْسى، وهَذِهِ آيَةٌ لِلرَّسُولِ في أنَّهُ أُمِّيٌّ، وحَفِظَ اللَّهُ عَلَيْهِ الوَحْيَ، وأمَّنَهُ مِن نِسائِهِ. وقِيلَ: هَذا وعْدٌ بِإقْراءِ السُّوَرِ، وأمْرٌ أنْ لا يَنْسى عَلى مَعْنى التَّثْبِيتِ والتَّأْكِيدِ، وقَدْ عُلِمَ أنَّ النِّسْيانَ لَيْسَ في قُدْرَتِهِ، فَهو نَهْيٌ عَنْ إغْفالِ التَّعاهُدِ، وأُثْبِتَتِ الألِفُ في ﴿فَلا تَنْسى﴾ وإنْ كانَ مَجْزُومًا بِلا الَّتِي لِلنَّهْيِ لِتَعْدِيلِ رُءُوسِ الآيِ.
﴿إلّا ما شاءَ اللَّهُ﴾ [الأعلى: ٧] الظّاهِرُ أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مَقْصُودٌ، قالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ وغَيْرُهُما: مِمّا قَضى اللَّهُ نَسْخَهُ، وأنْ تَرْتَفِعَ تِلاوَتُهُ وحُكْمُهُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إلّا ما شاءَ اللَّهُ أنْ يُنْسِيَكَ (p-٤٥٩)لِتَسُنَّ بِهِ، عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «(إنِّي لَأنْسى وأُنَسّى لَأسُنَّ)» . وقِيلَ: إلّا ما شاءَ اللَّهُ أنْ يَغْلِبَكَ النِّسْيانُ عَلَيْهِ، ثُمَّ يُذَكِّرُكَ بِهِ بَعْدُ، كَما قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، حِينَ سَمِعَ قِراءَةَ عَبّادِ بْنِ بَشِيرٍ: «(لَقَدْ ذَكَّرَنِي كَذا وكَذا آيَةً في سُورَةِ كَذا وكَذا)» . وقِيلَ: ﴿فَلا تَنْسى﴾ أيْ فَلا تَتْرُكِ العَمَلَ بِهِ إلّا ما شاءَ اللَّهُ أنْ تَتْرُكَهُ بِنَسْخِهِ إيّاهُ، فَهَذا في نَسْخِ العَمَلِ. وقالَ الفَرّاءُ وجَماعَةٌ: هَذا اسْتِثْناءُ صِلَةٍ في الكَلامِ عَلى سُنَّةِ اللَّهِ تَعالى في الِاسْتِثْناءِ، ولَيْسَ ثَمَّ شَيْءٌ أُبِيحَ اسْتِثْناؤُهُ.
وأخَذَ الزَّمَخْشَرِيُّ هَذا القَوْلَ فَقالَ: وقالَ: إلّا ما شاءَ اللَّهُ، والغَرَضُ نَفْيُ النِّسْيانِ رَأْسًا، كَما يَقُولُ الرَّجُلُ لِصاحِبِهِ: أنْتَ سَهِيمِي فِيما أمْلِكُ إلّا ما شاءَ اللَّهُ، ولا يَقْصِدُ اسْتِثْناءَ شَيْءٍ، وهو مِنَ اسْتِعْمالِ القِلَّةِ في مَعْنى النَّفْيِ. انْتَهى. وقَوْلُ الفَرّاءِ والزَّمَخْشَرِيِّ يَجْعَلُ الِاسْتِثْناءَ كَلا اسْتِثْناءٍ، وهَذا لا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ في كَلامِ اللَّهِ تَعالى، بَلْ ولا في كَلامٍ فَصِيحٍ، وكَذَلِكَ القَوْلُ بِأنَّ لا في ﴿فَلا تَنْسى﴾ لِلنَّهْيِ، والألِفُ ثابِتَةٌ لِأجْلِ الفاصِلَةِ، وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ. ومَفْهُومُ الآيَةِ في غايَةِ الظُّهُورِ، وقَدْ تَعَسَّفُوا في فَهْمِها. والمَعْنى أنَّهُ تَعالى أخْبَرَ أنَّهُ سَيُقْرِئُهُ، وأنَّهُ لا يَنْسى إلّا ما شاءَ اللَّهُ، فَإنَّهُ يَنْساهُ، إمّا النَّسْخُ، وإمّا أنْ يَسُنَّ، وإمّا عَلى أنْ يَتَذَكَّرَ، وهو ﷺ مَعْصُومٌ مِنَ النِّسْيانِ فِيما أُمِرَ بِتَبْلِيغِهِ، فَإنْ وقَعَ نِسْيانٌ، فَيَكُونُ عَلى وجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ الثَّلاثَةِ، ومُناسَبَةُ ﴿سَنُقْرِئُكَ﴾ لِما قَبْلَهُ: أنَّهُ لَمّا أمَرَهُ تَعالى بِالتَّسْبِيحِ، وكانَ التَّسْبِيحُ لا يَتِمُّ إلّا بِقِراءَةِ ما أُنْزِلَ عَلَيْهِ مِنَ القُرْآنِ، وكانَ يَتَذَكَّرُ في نَفْسِهِ مَخافَةَ أنْ يَنْسى، فَأزالَ عَنْهُ ذَلِكَ وبَشَّرَهُ بِأنَّهُ تَعالى يُقْرِئُهُ وأنَّهُ لا يَنْسى، اسْتَثْنى ما شاءَ اللَّهُ أنْ يُنْسِيَهُ لِمَصْلَحَةٍ مِن تِلْكَ الوُجُوهِ.
الأعلى 87:7
﴿إنَّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ﴾ أيْ جَهْرَكَ بِالقُرْآنِ، (وما يَخْفى) أيْ في نَفْسِكَ مِن خَوْفِ التَّفَلُّتِ، وقَدْ كَفاكَ ذَلِكَ بِكَوْنِهِ تَكَفَّلَ بِإقْرائِكَ إيّاهُ وإخْبارِهِ أنَّكَ لا تَنْسى إلّا ما اسْتَثْناهُ، وتَضَمَّنَ ذَلِكَ إحاطَةَ عِلْمِهِ بِالأشْياءِ.
﴿ونُيَسِّرُكَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿سَنُقْرِئُكَ﴾ [الأعلى: ٦]، وما بَيْنَهُما مِنَ الجُمْلَةِ المُؤَكِّدَةِ اعْتِراضٌ، أيْ يُوَفِّقُكَ لِلطَّرِيقَةِ الَّتِي هي أيْسَرُ وأسْهَلُ، يَعْنِي في حِفْظِ الوَحْيِ، وقِيلَ: لِلشَّرِيعَةِ الحَنِيفِيَّةِ السَّهْلَةِ، وقِيلَ: يَذْهَبُ بِكَ إلى الأُمُورِ الحَسَنَةِ في أمْرِ دُنْياكَ وآخِرَتِكَ مِنَ النَّصْرِ وعُلُوِّ المَنزِلَةِ والرِّفْعَةِ في الجَنَّةِ، ولَمّا أخْبَرَ أنَّهُ يُقْرِئُهُ ويُيَسِّرُهُ، أمَرَهُ بِالتَّذْكِيرِ، إذْ ثَمَرَةُ الإقْراءِ هي انْتِفاعُهُ في ذاتِهِ وانْتِفاعُ مَن أُرْسِلَ إلَيْهِمْ، والظّاهِرُ أنَّ الأمْرَ بِالتَّذْكِيرِ مَشْرُوطٌ بِنَفْعِ الذِّكْرى، وهَذا الشَّرْطُ إنَّما جِيءَ بِهِ تَوْبِيخًا لِقُرَيْشٍ، أيْ ﴿إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى﴾ في هَؤُلاءِ الطُّغاةِ العُتاةِ، ومَعْناهُ اسْتِبْعادُ انْتِفاعِهِمْ بِالذِّكْرى، فَهو كَما قالَ الشّاعِرُ:
لَقَدْ أسْمَعْتَ لَوْ نادَيْتَ حَيًّا ولَكِنْ لا حَياةَ لِمَن تُنادِي
كَما تَقُولُ: قُلْ لِفُلانٍ وأعِدْ لَهُ إنْ سَمِعَكَ، فَقَوْلُهُ: إنْ سَمِعَكَ إنَّما هو تَوْبِيخٌ وإعْلامٌ أنَّهُ لَنْ يَسْمَعَ. وقالَ الفَرّاءُ والنَّحّاسُ، والزَّهْراوِيُّ، والجُرْجانِيُّ مَعْناهُ: وإنْ لَمْ يَنْفَعْ فاقْتَصِرْ عَلى القِسْمِ الواحِدِ لِدَلالَتِهِ عَلى الثّانِي، وقِيلَ: إنْ بِمَعْنى إذْ، كَقَوْلِهِ: ﴿وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٩] أيْ إذْ كُنْتُمْ؛ لِأنَّهُ لَمْ يُخْبِرْ بِكَوْنِهِمُ الأعْلَيْنَ إلّا بَعْدَ إيمانِهِمْ، ﴿سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشى﴾ أيْ لا يَتَذَكَّرُ بِذِكْراكَ إلّا مَن يَخافُ، فَإنَّ الخَوْفَ حامِلٌ عَلى النَّظَرِ في الَّذِي يُنْجِيهِ مِمّا يَخافُهُ، فَإذا نَظَرَ فَأدّاهُ النَّظَرُ والتَّذَكُّرُ إلى الحَقِّ، وهَؤُلاءِ هُمُ العُلَماءُ والمُؤْمِنُونَ كُلٌّ عَلى قَدْرِ ما وُفِّقَ لَهُ.
﴿ويَتَجَنَّبُها﴾ أيِ الَّذِي (الأشْقى) أيِ المُبالِغُ في الشَّقاوَةِ؛ لِأنَّ الكافِرَ بِالرَّسُولِ ﷺ، هو أشْقى الكُفّارِ، كَما أنَّ المُؤْمِنَ بِهِ وبِما جاءَ بِهِ هو أفْضَلُ مِمَّنْ آمَنَ بِرَسُولٍ قَبْلَهُ، ثُمَّ وصَفَهُ بِما يَئُولُ إلَيْهِ حالُهُ في الآخِرَةِ، وهو صَلْيُ النّارِ ووَصَفَها بِالكُبْرى، قالَ الحَسَنُ: النّارُ الكُبْرى نارُ الآخِرَةِ، والصُّغْرى نارُ الدُّنْيا. وقالَ الفَرّاءُ: الكُبْرى السُّفْلى مِن أطْباقِ النّارِ. وقِيلَ: نارُ الآخِرَةِ تَتَفاضَلُ، فَفِيها شَيْءٌ أكْبَرُ مِن شَيْءٍ.
﴿ثُمَّ لا يَمُوتُ﴾ فَيَسْتَرِيحُ، (ولا يَحْيا) حَياةً هَنِيئَةً، وجِيءَ بِثُمَّ المُقْتَضِيَةِ لِلتَّراخِي إيذانًا بِتَفاوُتِ مَراتِبِ الشِّدَّةِ؛ لِأنَّ التَّرَدُّدَ بَيْنَ الحَياةِ والمَوْتِ أشَدُّ وأفْظَعُ مِنَ الصَّلْيِ (p-٤٦٠)بِالنّارِ، ﴿قَدْ أفْلَحَ﴾ أيْ فازَ وظَفِرَ بِالبُغْيَةِ، ﴿مَن تَزَكّى﴾ تَطَهَّرَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مِنِ الشِّرْكِ، وقالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. وقالَ الحَسَنُ: مَن كانَ عَمَلُهُ زاكِيًا. وقالَ أبُو الأحْوَصِ وقَتادَةُ وجَماعَةٌ: مَن رَضَخَ مِن مالِهِ وزَكّاهُ.
﴿وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ﴾ أيْ وحَّدَهُ لَمْ يَقْرِنْهُ بِشَيْءٍ مِنَ الأنْدادِ، ﴿فَصَلّى﴾ أيْ أتى الصَّلاةَ المَفْرُوضَةَ وما أمْكَنَهُ مِنَ النَّوافِلِ، والمَعْنى: أنَّهُ لَمّا تَذَكَّرَ آمَنَ بِاللَّهِ، ثُمَّ أخْبَرَ عَنْهُ تَعالى أنَّهُ أفْلَحَ مَن أتى بِهاتَيْنِ العِبادَتَيْنِ الصَّلاةِ والزَّكاةِ، واحْتَجَّ بِقَوْلِهِ: ﴿وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ﴾ عَلى وُجُوبِ تَكْبِيرَةِ الِافْتِتاحِ، وعَلى أنَّهُ جائِزٌ بِكُلِّ اسْمٍ مِن أسْمائِهِ تَعالى، وأنَّها لَيْسَتْ مِنَ الصَّلاةِ، لِأنَّ الصَّلاةَ مَعْطُوفَةٌ عَلى الذِّكْرِ الَّذِي هو تَكْبِيرَةُ الِافْتِتاحِ، وهو احْتِجاجٌ ضَعِيفٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ﴾ أيْ مَعادَهُ ومَوْقِفَهُ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِ فَصَلّى لَهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ﴾ بِتاءِ الخِطابِ لِلْكُفّارِ، وقِيلَ: خِطابٌ لِلْبَرِّ والفاجِرِ، يُؤْثِرُها البَرُّ لِاقْتِناءِ الثَّوابِ، والفاجِرُ لِرَغْبَتِهِ فِيها، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وأبُو رَجاءٍ، والحَسَنُ، والجَحْدَرِيُّ، وأبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وأبُو عَمْرٍو، والزَّعْفَرانِيُّ، وابْنُ مِقْسَمٍ: بِياءِ الغَيْبَةِ. (إنَّ هَذا) أيِ الإخْبارَ بِإفْلاحِ مَن تَزَكّى وإيثارِ النّاسِ لِلدُّنْيا، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ، ويُرَجَّحُ بِقُرْبِ المُشارِ إلَيْهِ بِهَذا، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ والسُّدِّيُّ: إلى مَعانِي السُّورَةِ، وقالَ الضَّحّاكُ: إلى القُرْآنِ، وقالَ قَتادَةُ: إلى قَوْلِهِ: ﴿والآخِرَةُ خَيْرٌ وأبْقى﴾ .
﴿لَفِي الصُّحُفِ الأُولى﴾ لَمْ يُنْسَخْ إفْلاحُ مَن تَزَكّى والآخِرَةُ خَيْرٌ وأبْقى في شَرْعٍ مِنَ الشَّرائِعِ، فَهو في الأُولى وفي آخِرِ الشَّرائِعِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (الصُّحُفِ) بِضَمِّ الحاءِ كالحَرْفِ الثّانِي، والأعْمَشُ وهارُونُ وعِصْمَةُ، كِلاهُما عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِسُكُونِها، وفي كِتابِ اللَّوامِحِ: العُقَيْلِيُّ عَنْ أبِي عَمْرٍو: (الصُّحْفِ)، (صُحْفِ) بِإسْكانِ الحاءِ فِيهِما لُغَةُ تَمِيمٍ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (إبْراهِيمُ) بِألِفٍ وبِياءِ، والهاءُ مَكْسُورَةٌ، وأبُو رَجاءٍ: بِحَذْفِهِما والهاءُ مَفْتُوحَةٌ مَكْسُورَةٌ مَعًا، وأبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ وابْنُ الزُّبَيْرِ: (أبْراهامَ) بِألِفٍ في كُلِّ القُرْآنِ، ومالِكُ بْنُ دِينارٍ: (إبْراهَمَ) بِألِفٍ وفَتْحِ الهاءِ وبِغَيْرِ ياءٍ، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي بَكْرَةَ: (إبْراهِمَ) بِكَسْرِ الهاءِ وبِغَيْرِ ياءٍ في جَمِيعِ القُرْآنِ، قالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: وقَدْ جاءَ (إبْراهُيْمَ)، يَعْنِي بِألِفٍ وضَمِّ الهاءِ، وتَقَدَّمَ في (والنَّجْمِ) الكَلامُ عَلى صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ.
الأعلى 87:8
﴿إنَّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ﴾ أيْ جَهْرَكَ بِالقُرْآنِ، (وما يَخْفى) أيْ في نَفْسِكَ مِن خَوْفِ التَّفَلُّتِ، وقَدْ كَفاكَ ذَلِكَ بِكَوْنِهِ تَكَفَّلَ بِإقْرائِكَ إيّاهُ وإخْبارِهِ أنَّكَ لا تَنْسى إلّا ما اسْتَثْناهُ، وتَضَمَّنَ ذَلِكَ إحاطَةَ عِلْمِهِ بِالأشْياءِ.
﴿ونُيَسِّرُكَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿سَنُقْرِئُكَ﴾ [الأعلى: ٦]، وما بَيْنَهُما مِنَ الجُمْلَةِ المُؤَكِّدَةِ اعْتِراضٌ، أيْ يُوَفِّقُكَ لِلطَّرِيقَةِ الَّتِي هي أيْسَرُ وأسْهَلُ، يَعْنِي في حِفْظِ الوَحْيِ، وقِيلَ: لِلشَّرِيعَةِ الحَنِيفِيَّةِ السَّهْلَةِ، وقِيلَ: يَذْهَبُ بِكَ إلى الأُمُورِ الحَسَنَةِ في أمْرِ دُنْياكَ وآخِرَتِكَ مِنَ النَّصْرِ وعُلُوِّ المَنزِلَةِ والرِّفْعَةِ في الجَنَّةِ، ولَمّا أخْبَرَ أنَّهُ يُقْرِئُهُ ويُيَسِّرُهُ، أمَرَهُ بِالتَّذْكِيرِ، إذْ ثَمَرَةُ الإقْراءِ هي انْتِفاعُهُ في ذاتِهِ وانْتِفاعُ مَن أُرْسِلَ إلَيْهِمْ، والظّاهِرُ أنَّ الأمْرَ بِالتَّذْكِيرِ مَشْرُوطٌ بِنَفْعِ الذِّكْرى، وهَذا الشَّرْطُ إنَّما جِيءَ بِهِ تَوْبِيخًا لِقُرَيْشٍ، أيْ ﴿إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى﴾ في هَؤُلاءِ الطُّغاةِ العُتاةِ، ومَعْناهُ اسْتِبْعادُ انْتِفاعِهِمْ بِالذِّكْرى، فَهو كَما قالَ الشّاعِرُ:
لَقَدْ أسْمَعْتَ لَوْ نادَيْتَ حَيًّا ولَكِنْ لا حَياةَ لِمَن تُنادِي
كَما تَقُولُ: قُلْ لِفُلانٍ وأعِدْ لَهُ إنْ سَمِعَكَ، فَقَوْلُهُ: إنْ سَمِعَكَ إنَّما هو تَوْبِيخٌ وإعْلامٌ أنَّهُ لَنْ يَسْمَعَ. وقالَ الفَرّاءُ والنَّحّاسُ، والزَّهْراوِيُّ، والجُرْجانِيُّ مَعْناهُ: وإنْ لَمْ يَنْفَعْ فاقْتَصِرْ عَلى القِسْمِ الواحِدِ لِدَلالَتِهِ عَلى الثّانِي، وقِيلَ: إنْ بِمَعْنى إذْ، كَقَوْلِهِ: ﴿وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٩] أيْ إذْ كُنْتُمْ؛ لِأنَّهُ لَمْ يُخْبِرْ بِكَوْنِهِمُ الأعْلَيْنَ إلّا بَعْدَ إيمانِهِمْ، ﴿سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشى﴾ أيْ لا يَتَذَكَّرُ بِذِكْراكَ إلّا مَن يَخافُ، فَإنَّ الخَوْفَ حامِلٌ عَلى النَّظَرِ في الَّذِي يُنْجِيهِ مِمّا يَخافُهُ، فَإذا نَظَرَ فَأدّاهُ النَّظَرُ والتَّذَكُّرُ إلى الحَقِّ، وهَؤُلاءِ هُمُ العُلَماءُ والمُؤْمِنُونَ كُلٌّ عَلى قَدْرِ ما وُفِّقَ لَهُ.
﴿ويَتَجَنَّبُها﴾ أيِ الَّذِي (الأشْقى) أيِ المُبالِغُ في الشَّقاوَةِ؛ لِأنَّ الكافِرَ بِالرَّسُولِ ﷺ، هو أشْقى الكُفّارِ، كَما أنَّ المُؤْمِنَ بِهِ وبِما جاءَ بِهِ هو أفْضَلُ مِمَّنْ آمَنَ بِرَسُولٍ قَبْلَهُ، ثُمَّ وصَفَهُ بِما يَئُولُ إلَيْهِ حالُهُ في الآخِرَةِ، وهو صَلْيُ النّارِ ووَصَفَها بِالكُبْرى، قالَ الحَسَنُ: النّارُ الكُبْرى نارُ الآخِرَةِ، والصُّغْرى نارُ الدُّنْيا. وقالَ الفَرّاءُ: الكُبْرى السُّفْلى مِن أطْباقِ النّارِ. وقِيلَ: نارُ الآخِرَةِ تَتَفاضَلُ، فَفِيها شَيْءٌ أكْبَرُ مِن شَيْءٍ.
﴿ثُمَّ لا يَمُوتُ﴾ فَيَسْتَرِيحُ، (ولا يَحْيا) حَياةً هَنِيئَةً، وجِيءَ بِثُمَّ المُقْتَضِيَةِ لِلتَّراخِي إيذانًا بِتَفاوُتِ مَراتِبِ الشِّدَّةِ؛ لِأنَّ التَّرَدُّدَ بَيْنَ الحَياةِ والمَوْتِ أشَدُّ وأفْظَعُ مِنَ الصَّلْيِ (p-٤٦٠)بِالنّارِ، ﴿قَدْ أفْلَحَ﴾ أيْ فازَ وظَفِرَ بِالبُغْيَةِ، ﴿مَن تَزَكّى﴾ تَطَهَّرَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مِنِ الشِّرْكِ، وقالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. وقالَ الحَسَنُ: مَن كانَ عَمَلُهُ زاكِيًا. وقالَ أبُو الأحْوَصِ وقَتادَةُ وجَماعَةٌ: مَن رَضَخَ مِن مالِهِ وزَكّاهُ.
﴿وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ﴾ أيْ وحَّدَهُ لَمْ يَقْرِنْهُ بِشَيْءٍ مِنَ الأنْدادِ، ﴿فَصَلّى﴾ أيْ أتى الصَّلاةَ المَفْرُوضَةَ وما أمْكَنَهُ مِنَ النَّوافِلِ، والمَعْنى: أنَّهُ لَمّا تَذَكَّرَ آمَنَ بِاللَّهِ، ثُمَّ أخْبَرَ عَنْهُ تَعالى أنَّهُ أفْلَحَ مَن أتى بِهاتَيْنِ العِبادَتَيْنِ الصَّلاةِ والزَّكاةِ، واحْتَجَّ بِقَوْلِهِ: ﴿وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ﴾ عَلى وُجُوبِ تَكْبِيرَةِ الِافْتِتاحِ، وعَلى أنَّهُ جائِزٌ بِكُلِّ اسْمٍ مِن أسْمائِهِ تَعالى، وأنَّها لَيْسَتْ مِنَ الصَّلاةِ، لِأنَّ الصَّلاةَ مَعْطُوفَةٌ عَلى الذِّكْرِ الَّذِي هو تَكْبِيرَةُ الِافْتِتاحِ، وهو احْتِجاجٌ ضَعِيفٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ﴾ أيْ مَعادَهُ ومَوْقِفَهُ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِ فَصَلّى لَهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ﴾ بِتاءِ الخِطابِ لِلْكُفّارِ، وقِيلَ: خِطابٌ لِلْبَرِّ والفاجِرِ، يُؤْثِرُها البَرُّ لِاقْتِناءِ الثَّوابِ، والفاجِرُ لِرَغْبَتِهِ فِيها، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وأبُو رَجاءٍ، والحَسَنُ، والجَحْدَرِيُّ، وأبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وأبُو عَمْرٍو، والزَّعْفَرانِيُّ، وابْنُ مِقْسَمٍ: بِياءِ الغَيْبَةِ. (إنَّ هَذا) أيِ الإخْبارَ بِإفْلاحِ مَن تَزَكّى وإيثارِ النّاسِ لِلدُّنْيا، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ، ويُرَجَّحُ بِقُرْبِ المُشارِ إلَيْهِ بِهَذا، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ والسُّدِّيُّ: إلى مَعانِي السُّورَةِ، وقالَ الضَّحّاكُ: إلى القُرْآنِ، وقالَ قَتادَةُ: إلى قَوْلِهِ: ﴿والآخِرَةُ خَيْرٌ وأبْقى﴾ .
﴿لَفِي الصُّحُفِ الأُولى﴾ لَمْ يُنْسَخْ إفْلاحُ مَن تَزَكّى والآخِرَةُ خَيْرٌ وأبْقى في شَرْعٍ مِنَ الشَّرائِعِ، فَهو في الأُولى وفي آخِرِ الشَّرائِعِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (الصُّحُفِ) بِضَمِّ الحاءِ كالحَرْفِ الثّانِي، والأعْمَشُ وهارُونُ وعِصْمَةُ، كِلاهُما عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِسُكُونِها، وفي كِتابِ اللَّوامِحِ: العُقَيْلِيُّ عَنْ أبِي عَمْرٍو: (الصُّحْفِ)، (صُحْفِ) بِإسْكانِ الحاءِ فِيهِما لُغَةُ تَمِيمٍ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (إبْراهِيمُ) بِألِفٍ وبِياءِ، والهاءُ مَكْسُورَةٌ، وأبُو رَجاءٍ: بِحَذْفِهِما والهاءُ مَفْتُوحَةٌ مَكْسُورَةٌ مَعًا، وأبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ وابْنُ الزُّبَيْرِ: (أبْراهامَ) بِألِفٍ في كُلِّ القُرْآنِ، ومالِكُ بْنُ دِينارٍ: (إبْراهَمَ) بِألِفٍ وفَتْحِ الهاءِ وبِغَيْرِ ياءٍ، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي بَكْرَةَ: (إبْراهِمَ) بِكَسْرِ الهاءِ وبِغَيْرِ ياءٍ في جَمِيعِ القُرْآنِ، قالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: وقَدْ جاءَ (إبْراهُيْمَ)، يَعْنِي بِألِفٍ وضَمِّ الهاءِ، وتَقَدَّمَ في (والنَّجْمِ) الكَلامُ عَلى صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ.
الأعلى 87:9
﴿إنَّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ﴾ أيْ جَهْرَكَ بِالقُرْآنِ، (وما يَخْفى) أيْ في نَفْسِكَ مِن خَوْفِ التَّفَلُّتِ، وقَدْ كَفاكَ ذَلِكَ بِكَوْنِهِ تَكَفَّلَ بِإقْرائِكَ إيّاهُ وإخْبارِهِ أنَّكَ لا تَنْسى إلّا ما اسْتَثْناهُ، وتَضَمَّنَ ذَلِكَ إحاطَةَ عِلْمِهِ بِالأشْياءِ.
﴿ونُيَسِّرُكَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿سَنُقْرِئُكَ﴾ [الأعلى: ٦]، وما بَيْنَهُما مِنَ الجُمْلَةِ المُؤَكِّدَةِ اعْتِراضٌ، أيْ يُوَفِّقُكَ لِلطَّرِيقَةِ الَّتِي هي أيْسَرُ وأسْهَلُ، يَعْنِي في حِفْظِ الوَحْيِ، وقِيلَ: لِلشَّرِيعَةِ الحَنِيفِيَّةِ السَّهْلَةِ، وقِيلَ: يَذْهَبُ بِكَ إلى الأُمُورِ الحَسَنَةِ في أمْرِ دُنْياكَ وآخِرَتِكَ مِنَ النَّصْرِ وعُلُوِّ المَنزِلَةِ والرِّفْعَةِ في الجَنَّةِ، ولَمّا أخْبَرَ أنَّهُ يُقْرِئُهُ ويُيَسِّرُهُ، أمَرَهُ بِالتَّذْكِيرِ، إذْ ثَمَرَةُ الإقْراءِ هي انْتِفاعُهُ في ذاتِهِ وانْتِفاعُ مَن أُرْسِلَ إلَيْهِمْ، والظّاهِرُ أنَّ الأمْرَ بِالتَّذْكِيرِ مَشْرُوطٌ بِنَفْعِ الذِّكْرى، وهَذا الشَّرْطُ إنَّما جِيءَ بِهِ تَوْبِيخًا لِقُرَيْشٍ، أيْ ﴿إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى﴾ في هَؤُلاءِ الطُّغاةِ العُتاةِ، ومَعْناهُ اسْتِبْعادُ انْتِفاعِهِمْ بِالذِّكْرى، فَهو كَما قالَ الشّاعِرُ:
لَقَدْ أسْمَعْتَ لَوْ نادَيْتَ حَيًّا ولَكِنْ لا حَياةَ لِمَن تُنادِي
كَما تَقُولُ: قُلْ لِفُلانٍ وأعِدْ لَهُ إنْ سَمِعَكَ، فَقَوْلُهُ: إنْ سَمِعَكَ إنَّما هو تَوْبِيخٌ وإعْلامٌ أنَّهُ لَنْ يَسْمَعَ. وقالَ الفَرّاءُ والنَّحّاسُ، والزَّهْراوِيُّ، والجُرْجانِيُّ مَعْناهُ: وإنْ لَمْ يَنْفَعْ فاقْتَصِرْ عَلى القِسْمِ الواحِدِ لِدَلالَتِهِ عَلى الثّانِي، وقِيلَ: إنْ بِمَعْنى إذْ، كَقَوْلِهِ: ﴿وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٩] أيْ إذْ كُنْتُمْ؛ لِأنَّهُ لَمْ يُخْبِرْ بِكَوْنِهِمُ الأعْلَيْنَ إلّا بَعْدَ إيمانِهِمْ، ﴿سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشى﴾ أيْ لا يَتَذَكَّرُ بِذِكْراكَ إلّا مَن يَخافُ، فَإنَّ الخَوْفَ حامِلٌ عَلى النَّظَرِ في الَّذِي يُنْجِيهِ مِمّا يَخافُهُ، فَإذا نَظَرَ فَأدّاهُ النَّظَرُ والتَّذَكُّرُ إلى الحَقِّ، وهَؤُلاءِ هُمُ العُلَماءُ والمُؤْمِنُونَ كُلٌّ عَلى قَدْرِ ما وُفِّقَ لَهُ.
﴿ويَتَجَنَّبُها﴾ أيِ الَّذِي (الأشْقى) أيِ المُبالِغُ في الشَّقاوَةِ؛ لِأنَّ الكافِرَ بِالرَّسُولِ ﷺ، هو أشْقى الكُفّارِ، كَما أنَّ المُؤْمِنَ بِهِ وبِما جاءَ بِهِ هو أفْضَلُ مِمَّنْ آمَنَ بِرَسُولٍ قَبْلَهُ، ثُمَّ وصَفَهُ بِما يَئُولُ إلَيْهِ حالُهُ في الآخِرَةِ، وهو صَلْيُ النّارِ ووَصَفَها بِالكُبْرى، قالَ الحَسَنُ: النّارُ الكُبْرى نارُ الآخِرَةِ، والصُّغْرى نارُ الدُّنْيا. وقالَ الفَرّاءُ: الكُبْرى السُّفْلى مِن أطْباقِ النّارِ. وقِيلَ: نارُ الآخِرَةِ تَتَفاضَلُ، فَفِيها شَيْءٌ أكْبَرُ مِن شَيْءٍ.
﴿ثُمَّ لا يَمُوتُ﴾ فَيَسْتَرِيحُ، (ولا يَحْيا) حَياةً هَنِيئَةً، وجِيءَ بِثُمَّ المُقْتَضِيَةِ لِلتَّراخِي إيذانًا بِتَفاوُتِ مَراتِبِ الشِّدَّةِ؛ لِأنَّ التَّرَدُّدَ بَيْنَ الحَياةِ والمَوْتِ أشَدُّ وأفْظَعُ مِنَ الصَّلْيِ (p-٤٦٠)بِالنّارِ، ﴿قَدْ أفْلَحَ﴾ أيْ فازَ وظَفِرَ بِالبُغْيَةِ، ﴿مَن تَزَكّى﴾ تَطَهَّرَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مِنِ الشِّرْكِ، وقالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. وقالَ الحَسَنُ: مَن كانَ عَمَلُهُ زاكِيًا. وقالَ أبُو الأحْوَصِ وقَتادَةُ وجَماعَةٌ: مَن رَضَخَ مِن مالِهِ وزَكّاهُ.
﴿وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ﴾ أيْ وحَّدَهُ لَمْ يَقْرِنْهُ بِشَيْءٍ مِنَ الأنْدادِ، ﴿فَصَلّى﴾ أيْ أتى الصَّلاةَ المَفْرُوضَةَ وما أمْكَنَهُ مِنَ النَّوافِلِ، والمَعْنى: أنَّهُ لَمّا تَذَكَّرَ آمَنَ بِاللَّهِ، ثُمَّ أخْبَرَ عَنْهُ تَعالى أنَّهُ أفْلَحَ مَن أتى بِهاتَيْنِ العِبادَتَيْنِ الصَّلاةِ والزَّكاةِ، واحْتَجَّ بِقَوْلِهِ: ﴿وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ﴾ عَلى وُجُوبِ تَكْبِيرَةِ الِافْتِتاحِ، وعَلى أنَّهُ جائِزٌ بِكُلِّ اسْمٍ مِن أسْمائِهِ تَعالى، وأنَّها لَيْسَتْ مِنَ الصَّلاةِ، لِأنَّ الصَّلاةَ مَعْطُوفَةٌ عَلى الذِّكْرِ الَّذِي هو تَكْبِيرَةُ الِافْتِتاحِ، وهو احْتِجاجٌ ضَعِيفٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ﴾ أيْ مَعادَهُ ومَوْقِفَهُ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِ فَصَلّى لَهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ﴾ بِتاءِ الخِطابِ لِلْكُفّارِ، وقِيلَ: خِطابٌ لِلْبَرِّ والفاجِرِ، يُؤْثِرُها البَرُّ لِاقْتِناءِ الثَّوابِ، والفاجِرُ لِرَغْبَتِهِ فِيها، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وأبُو رَجاءٍ، والحَسَنُ، والجَحْدَرِيُّ، وأبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وأبُو عَمْرٍو، والزَّعْفَرانِيُّ، وابْنُ مِقْسَمٍ: بِياءِ الغَيْبَةِ. (إنَّ هَذا) أيِ الإخْبارَ بِإفْلاحِ مَن تَزَكّى وإيثارِ النّاسِ لِلدُّنْيا، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ، ويُرَجَّحُ بِقُرْبِ المُشارِ إلَيْهِ بِهَذا، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ والسُّدِّيُّ: إلى مَعانِي السُّورَةِ، وقالَ الضَّحّاكُ: إلى القُرْآنِ، وقالَ قَتادَةُ: إلى قَوْلِهِ: ﴿والآخِرَةُ خَيْرٌ وأبْقى﴾ .
﴿لَفِي الصُّحُفِ الأُولى﴾ لَمْ يُنْسَخْ إفْلاحُ مَن تَزَكّى والآخِرَةُ خَيْرٌ وأبْقى في شَرْعٍ مِنَ الشَّرائِعِ، فَهو في الأُولى وفي آخِرِ الشَّرائِعِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (الصُّحُفِ) بِضَمِّ الحاءِ كالحَرْفِ الثّانِي، والأعْمَشُ وهارُونُ وعِصْمَةُ، كِلاهُما عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِسُكُونِها، وفي كِتابِ اللَّوامِحِ: العُقَيْلِيُّ عَنْ أبِي عَمْرٍو: (الصُّحْفِ)، (صُحْفِ) بِإسْكانِ الحاءِ فِيهِما لُغَةُ تَمِيمٍ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (إبْراهِيمُ) بِألِفٍ وبِياءِ، والهاءُ مَكْسُورَةٌ، وأبُو رَجاءٍ: بِحَذْفِهِما والهاءُ مَفْتُوحَةٌ مَكْسُورَةٌ مَعًا، وأبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ وابْنُ الزُّبَيْرِ: (أبْراهامَ) بِألِفٍ في كُلِّ القُرْآنِ، ومالِكُ بْنُ دِينارٍ: (إبْراهَمَ) بِألِفٍ وفَتْحِ الهاءِ وبِغَيْرِ ياءٍ، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي بَكْرَةَ: (إبْراهِمَ) بِكَسْرِ الهاءِ وبِغَيْرِ ياءٍ في جَمِيعِ القُرْآنِ، قالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: وقَدْ جاءَ (إبْراهُيْمَ)، يَعْنِي بِألِفٍ وضَمِّ الهاءِ، وتَقَدَّمَ في (والنَّجْمِ) الكَلامُ عَلى صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ.
الأعلى 87:10
﴿إنَّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ﴾ أيْ جَهْرَكَ بِالقُرْآنِ، (وما يَخْفى) أيْ في نَفْسِكَ مِن خَوْفِ التَّفَلُّتِ، وقَدْ كَفاكَ ذَلِكَ بِكَوْنِهِ تَكَفَّلَ بِإقْرائِكَ إيّاهُ وإخْبارِهِ أنَّكَ لا تَنْسى إلّا ما اسْتَثْناهُ، وتَضَمَّنَ ذَلِكَ إحاطَةَ عِلْمِهِ بِالأشْياءِ.
﴿ونُيَسِّرُكَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿سَنُقْرِئُكَ﴾ [الأعلى: ٦]، وما بَيْنَهُما مِنَ الجُمْلَةِ المُؤَكِّدَةِ اعْتِراضٌ، أيْ يُوَفِّقُكَ لِلطَّرِيقَةِ الَّتِي هي أيْسَرُ وأسْهَلُ، يَعْنِي في حِفْظِ الوَحْيِ، وقِيلَ: لِلشَّرِيعَةِ الحَنِيفِيَّةِ السَّهْلَةِ، وقِيلَ: يَذْهَبُ بِكَ إلى الأُمُورِ الحَسَنَةِ في أمْرِ دُنْياكَ وآخِرَتِكَ مِنَ النَّصْرِ وعُلُوِّ المَنزِلَةِ والرِّفْعَةِ في الجَنَّةِ، ولَمّا أخْبَرَ أنَّهُ يُقْرِئُهُ ويُيَسِّرُهُ، أمَرَهُ بِالتَّذْكِيرِ، إذْ ثَمَرَةُ الإقْراءِ هي انْتِفاعُهُ في ذاتِهِ وانْتِفاعُ مَن أُرْسِلَ إلَيْهِمْ، والظّاهِرُ أنَّ الأمْرَ بِالتَّذْكِيرِ مَشْرُوطٌ بِنَفْعِ الذِّكْرى، وهَذا الشَّرْطُ إنَّما جِيءَ بِهِ تَوْبِيخًا لِقُرَيْشٍ، أيْ ﴿إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى﴾ في هَؤُلاءِ الطُّغاةِ العُتاةِ، ومَعْناهُ اسْتِبْعادُ انْتِفاعِهِمْ بِالذِّكْرى، فَهو كَما قالَ الشّاعِرُ:
لَقَدْ أسْمَعْتَ لَوْ نادَيْتَ حَيًّا ولَكِنْ لا حَياةَ لِمَن تُنادِي
كَما تَقُولُ: قُلْ لِفُلانٍ وأعِدْ لَهُ إنْ سَمِعَكَ، فَقَوْلُهُ: إنْ سَمِعَكَ إنَّما هو تَوْبِيخٌ وإعْلامٌ أنَّهُ لَنْ يَسْمَعَ. وقالَ الفَرّاءُ والنَّحّاسُ، والزَّهْراوِيُّ، والجُرْجانِيُّ مَعْناهُ: وإنْ لَمْ يَنْفَعْ فاقْتَصِرْ عَلى القِسْمِ الواحِدِ لِدَلالَتِهِ عَلى الثّانِي، وقِيلَ: إنْ بِمَعْنى إذْ، كَقَوْلِهِ: ﴿وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٩] أيْ إذْ كُنْتُمْ؛ لِأنَّهُ لَمْ يُخْبِرْ بِكَوْنِهِمُ الأعْلَيْنَ إلّا بَعْدَ إيمانِهِمْ، ﴿سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشى﴾ أيْ لا يَتَذَكَّرُ بِذِكْراكَ إلّا مَن يَخافُ، فَإنَّ الخَوْفَ حامِلٌ عَلى النَّظَرِ في الَّذِي يُنْجِيهِ مِمّا يَخافُهُ، فَإذا نَظَرَ فَأدّاهُ النَّظَرُ والتَّذَكُّرُ إلى الحَقِّ، وهَؤُلاءِ هُمُ العُلَماءُ والمُؤْمِنُونَ كُلٌّ عَلى قَدْرِ ما وُفِّقَ لَهُ.
﴿ويَتَجَنَّبُها﴾ أيِ الَّذِي (الأشْقى) أيِ المُبالِغُ في الشَّقاوَةِ؛ لِأنَّ الكافِرَ بِالرَّسُولِ ﷺ، هو أشْقى الكُفّارِ، كَما أنَّ المُؤْمِنَ بِهِ وبِما جاءَ بِهِ هو أفْضَلُ مِمَّنْ آمَنَ بِرَسُولٍ قَبْلَهُ، ثُمَّ وصَفَهُ بِما يَئُولُ إلَيْهِ حالُهُ في الآخِرَةِ، وهو صَلْيُ النّارِ ووَصَفَها بِالكُبْرى، قالَ الحَسَنُ: النّارُ الكُبْرى نارُ الآخِرَةِ، والصُّغْرى نارُ الدُّنْيا. وقالَ الفَرّاءُ: الكُبْرى السُّفْلى مِن أطْباقِ النّارِ. وقِيلَ: نارُ الآخِرَةِ تَتَفاضَلُ، فَفِيها شَيْءٌ أكْبَرُ مِن شَيْءٍ.
﴿ثُمَّ لا يَمُوتُ﴾ فَيَسْتَرِيحُ، (ولا يَحْيا) حَياةً هَنِيئَةً، وجِيءَ بِثُمَّ المُقْتَضِيَةِ لِلتَّراخِي إيذانًا بِتَفاوُتِ مَراتِبِ الشِّدَّةِ؛ لِأنَّ التَّرَدُّدَ بَيْنَ الحَياةِ والمَوْتِ أشَدُّ وأفْظَعُ مِنَ الصَّلْيِ (p-٤٦٠)بِالنّارِ، ﴿قَدْ أفْلَحَ﴾ أيْ فازَ وظَفِرَ بِالبُغْيَةِ، ﴿مَن تَزَكّى﴾ تَطَهَّرَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مِنِ الشِّرْكِ، وقالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. وقالَ الحَسَنُ: مَن كانَ عَمَلُهُ زاكِيًا. وقالَ أبُو الأحْوَصِ وقَتادَةُ وجَماعَةٌ: مَن رَضَخَ مِن مالِهِ وزَكّاهُ.
﴿وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ﴾ أيْ وحَّدَهُ لَمْ يَقْرِنْهُ بِشَيْءٍ مِنَ الأنْدادِ، ﴿فَصَلّى﴾ أيْ أتى الصَّلاةَ المَفْرُوضَةَ وما أمْكَنَهُ مِنَ النَّوافِلِ، والمَعْنى: أنَّهُ لَمّا تَذَكَّرَ آمَنَ بِاللَّهِ، ثُمَّ أخْبَرَ عَنْهُ تَعالى أنَّهُ أفْلَحَ مَن أتى بِهاتَيْنِ العِبادَتَيْنِ الصَّلاةِ والزَّكاةِ، واحْتَجَّ بِقَوْلِهِ: ﴿وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ﴾ عَلى وُجُوبِ تَكْبِيرَةِ الِافْتِتاحِ، وعَلى أنَّهُ جائِزٌ بِكُلِّ اسْمٍ مِن أسْمائِهِ تَعالى، وأنَّها لَيْسَتْ مِنَ الصَّلاةِ، لِأنَّ الصَّلاةَ مَعْطُوفَةٌ عَلى الذِّكْرِ الَّذِي هو تَكْبِيرَةُ الِافْتِتاحِ، وهو احْتِجاجٌ ضَعِيفٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ﴾ أيْ مَعادَهُ ومَوْقِفَهُ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِ فَصَلّى لَهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ﴾ بِتاءِ الخِطابِ لِلْكُفّارِ، وقِيلَ: خِطابٌ لِلْبَرِّ والفاجِرِ، يُؤْثِرُها البَرُّ لِاقْتِناءِ الثَّوابِ، والفاجِرُ لِرَغْبَتِهِ فِيها، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وأبُو رَجاءٍ، والحَسَنُ، والجَحْدَرِيُّ، وأبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وأبُو عَمْرٍو، والزَّعْفَرانِيُّ، وابْنُ مِقْسَمٍ: بِياءِ الغَيْبَةِ. (إنَّ هَذا) أيِ الإخْبارَ بِإفْلاحِ مَن تَزَكّى وإيثارِ النّاسِ لِلدُّنْيا، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ، ويُرَجَّحُ بِقُرْبِ المُشارِ إلَيْهِ بِهَذا، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ والسُّدِّيُّ: إلى مَعانِي السُّورَةِ، وقالَ الضَّحّاكُ: إلى القُرْآنِ، وقالَ قَتادَةُ: إلى قَوْلِهِ: ﴿والآخِرَةُ خَيْرٌ وأبْقى﴾ .
﴿لَفِي الصُّحُفِ الأُولى﴾ لَمْ يُنْسَخْ إفْلاحُ مَن تَزَكّى والآخِرَةُ خَيْرٌ وأبْقى في شَرْعٍ مِنَ الشَّرائِعِ، فَهو في الأُولى وفي آخِرِ الشَّرائِعِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (الصُّحُفِ) بِضَمِّ الحاءِ كالحَرْفِ الثّانِي، والأعْمَشُ وهارُونُ وعِصْمَةُ، كِلاهُما عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِسُكُونِها، وفي كِتابِ اللَّوامِحِ: العُقَيْلِيُّ عَنْ أبِي عَمْرٍو: (الصُّحْفِ)، (صُحْفِ) بِإسْكانِ الحاءِ فِيهِما لُغَةُ تَمِيمٍ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (إبْراهِيمُ) بِألِفٍ وبِياءِ، والهاءُ مَكْسُورَةٌ، وأبُو رَجاءٍ: بِحَذْفِهِما والهاءُ مَفْتُوحَةٌ مَكْسُورَةٌ مَعًا، وأبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ وابْنُ الزُّبَيْرِ: (أبْراهامَ) بِألِفٍ في كُلِّ القُرْآنِ، ومالِكُ بْنُ دِينارٍ: (إبْراهَمَ) بِألِفٍ وفَتْحِ الهاءِ وبِغَيْرِ ياءٍ، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي بَكْرَةَ: (إبْراهِمَ) بِكَسْرِ الهاءِ وبِغَيْرِ ياءٍ في جَمِيعِ القُرْآنِ، قالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: وقَدْ جاءَ (إبْراهُيْمَ)، يَعْنِي بِألِفٍ وضَمِّ الهاءِ، وتَقَدَّمَ في (والنَّجْمِ) الكَلامُ عَلى صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ.
الأعلى 87:11
﴿إنَّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ﴾ أيْ جَهْرَكَ بِالقُرْآنِ، (وما يَخْفى) أيْ في نَفْسِكَ مِن خَوْفِ التَّفَلُّتِ، وقَدْ كَفاكَ ذَلِكَ بِكَوْنِهِ تَكَفَّلَ بِإقْرائِكَ إيّاهُ وإخْبارِهِ أنَّكَ لا تَنْسى إلّا ما اسْتَثْناهُ، وتَضَمَّنَ ذَلِكَ إحاطَةَ عِلْمِهِ بِالأشْياءِ.
﴿ونُيَسِّرُكَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿سَنُقْرِئُكَ﴾ [الأعلى: ٦]، وما بَيْنَهُما مِنَ الجُمْلَةِ المُؤَكِّدَةِ اعْتِراضٌ، أيْ يُوَفِّقُكَ لِلطَّرِيقَةِ الَّتِي هي أيْسَرُ وأسْهَلُ، يَعْنِي في حِفْظِ الوَحْيِ، وقِيلَ: لِلشَّرِيعَةِ الحَنِيفِيَّةِ السَّهْلَةِ، وقِيلَ: يَذْهَبُ بِكَ إلى الأُمُورِ الحَسَنَةِ في أمْرِ دُنْياكَ وآخِرَتِكَ مِنَ النَّصْرِ وعُلُوِّ المَنزِلَةِ والرِّفْعَةِ في الجَنَّةِ، ولَمّا أخْبَرَ أنَّهُ يُقْرِئُهُ ويُيَسِّرُهُ، أمَرَهُ بِالتَّذْكِيرِ، إذْ ثَمَرَةُ الإقْراءِ هي انْتِفاعُهُ في ذاتِهِ وانْتِفاعُ مَن أُرْسِلَ إلَيْهِمْ، والظّاهِرُ أنَّ الأمْرَ بِالتَّذْكِيرِ مَشْرُوطٌ بِنَفْعِ الذِّكْرى، وهَذا الشَّرْطُ إنَّما جِيءَ بِهِ تَوْبِيخًا لِقُرَيْشٍ، أيْ ﴿إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى﴾ في هَؤُلاءِ الطُّغاةِ العُتاةِ، ومَعْناهُ اسْتِبْعادُ انْتِفاعِهِمْ بِالذِّكْرى، فَهو كَما قالَ الشّاعِرُ:
لَقَدْ أسْمَعْتَ لَوْ نادَيْتَ حَيًّا ولَكِنْ لا حَياةَ لِمَن تُنادِي
كَما تَقُولُ: قُلْ لِفُلانٍ وأعِدْ لَهُ إنْ سَمِعَكَ، فَقَوْلُهُ: إنْ سَمِعَكَ إنَّما هو تَوْبِيخٌ وإعْلامٌ أنَّهُ لَنْ يَسْمَعَ. وقالَ الفَرّاءُ والنَّحّاسُ، والزَّهْراوِيُّ، والجُرْجانِيُّ مَعْناهُ: وإنْ لَمْ يَنْفَعْ فاقْتَصِرْ عَلى القِسْمِ الواحِدِ لِدَلالَتِهِ عَلى الثّانِي، وقِيلَ: إنْ بِمَعْنى إذْ، كَقَوْلِهِ: ﴿وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٩] أيْ إذْ كُنْتُمْ؛ لِأنَّهُ لَمْ يُخْبِرْ بِكَوْنِهِمُ الأعْلَيْنَ إلّا بَعْدَ إيمانِهِمْ، ﴿سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشى﴾ أيْ لا يَتَذَكَّرُ بِذِكْراكَ إلّا مَن يَخافُ، فَإنَّ الخَوْفَ حامِلٌ عَلى النَّظَرِ في الَّذِي يُنْجِيهِ مِمّا يَخافُهُ، فَإذا نَظَرَ فَأدّاهُ النَّظَرُ والتَّذَكُّرُ إلى الحَقِّ، وهَؤُلاءِ هُمُ العُلَماءُ والمُؤْمِنُونَ كُلٌّ عَلى قَدْرِ ما وُفِّقَ لَهُ.
﴿ويَتَجَنَّبُها﴾ أيِ الَّذِي (الأشْقى) أيِ المُبالِغُ في الشَّقاوَةِ؛ لِأنَّ الكافِرَ بِالرَّسُولِ ﷺ، هو أشْقى الكُفّارِ، كَما أنَّ المُؤْمِنَ بِهِ وبِما جاءَ بِهِ هو أفْضَلُ مِمَّنْ آمَنَ بِرَسُولٍ قَبْلَهُ، ثُمَّ وصَفَهُ بِما يَئُولُ إلَيْهِ حالُهُ في الآخِرَةِ، وهو صَلْيُ النّارِ ووَصَفَها بِالكُبْرى، قالَ الحَسَنُ: النّارُ الكُبْرى نارُ الآخِرَةِ، والصُّغْرى نارُ الدُّنْيا. وقالَ الفَرّاءُ: الكُبْرى السُّفْلى مِن أطْباقِ النّارِ. وقِيلَ: نارُ الآخِرَةِ تَتَفاضَلُ، فَفِيها شَيْءٌ أكْبَرُ مِن شَيْءٍ.
﴿ثُمَّ لا يَمُوتُ﴾ فَيَسْتَرِيحُ، (ولا يَحْيا) حَياةً هَنِيئَةً، وجِيءَ بِثُمَّ المُقْتَضِيَةِ لِلتَّراخِي إيذانًا بِتَفاوُتِ مَراتِبِ الشِّدَّةِ؛ لِأنَّ التَّرَدُّدَ بَيْنَ الحَياةِ والمَوْتِ أشَدُّ وأفْظَعُ مِنَ الصَّلْيِ (p-٤٦٠)بِالنّارِ، ﴿قَدْ أفْلَحَ﴾ أيْ فازَ وظَفِرَ بِالبُغْيَةِ، ﴿مَن تَزَكّى﴾ تَطَهَّرَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مِنِ الشِّرْكِ، وقالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. وقالَ الحَسَنُ: مَن كانَ عَمَلُهُ زاكِيًا. وقالَ أبُو الأحْوَصِ وقَتادَةُ وجَماعَةٌ: مَن رَضَخَ مِن مالِهِ وزَكّاهُ.
﴿وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ﴾ أيْ وحَّدَهُ لَمْ يَقْرِنْهُ بِشَيْءٍ مِنَ الأنْدادِ، ﴿فَصَلّى﴾ أيْ أتى الصَّلاةَ المَفْرُوضَةَ وما أمْكَنَهُ مِنَ النَّوافِلِ، والمَعْنى: أنَّهُ لَمّا تَذَكَّرَ آمَنَ بِاللَّهِ، ثُمَّ أخْبَرَ عَنْهُ تَعالى أنَّهُ أفْلَحَ مَن أتى بِهاتَيْنِ العِبادَتَيْنِ الصَّلاةِ والزَّكاةِ، واحْتَجَّ بِقَوْلِهِ: ﴿وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ﴾ عَلى وُجُوبِ تَكْبِيرَةِ الِافْتِتاحِ، وعَلى أنَّهُ جائِزٌ بِكُلِّ اسْمٍ مِن أسْمائِهِ تَعالى، وأنَّها لَيْسَتْ مِنَ الصَّلاةِ، لِأنَّ الصَّلاةَ مَعْطُوفَةٌ عَلى الذِّكْرِ الَّذِي هو تَكْبِيرَةُ الِافْتِتاحِ، وهو احْتِجاجٌ ضَعِيفٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ﴾ أيْ مَعادَهُ ومَوْقِفَهُ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِ فَصَلّى لَهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ﴾ بِتاءِ الخِطابِ لِلْكُفّارِ، وقِيلَ: خِطابٌ لِلْبَرِّ والفاجِرِ، يُؤْثِرُها البَرُّ لِاقْتِناءِ الثَّوابِ، والفاجِرُ لِرَغْبَتِهِ فِيها، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وأبُو رَجاءٍ، والحَسَنُ، والجَحْدَرِيُّ، وأبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وأبُو عَمْرٍو، والزَّعْفَرانِيُّ، وابْنُ مِقْسَمٍ: بِياءِ الغَيْبَةِ. (إنَّ هَذا) أيِ الإخْبارَ بِإفْلاحِ مَن تَزَكّى وإيثارِ النّاسِ لِلدُّنْيا، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ، ويُرَجَّحُ بِقُرْبِ المُشارِ إلَيْهِ بِهَذا، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ والسُّدِّيُّ: إلى مَعانِي السُّورَةِ، وقالَ الضَّحّاكُ: إلى القُرْآنِ، وقالَ قَتادَةُ: إلى قَوْلِهِ: ﴿والآخِرَةُ خَيْرٌ وأبْقى﴾ .
﴿لَفِي الصُّحُفِ الأُولى﴾ لَمْ يُنْسَخْ إفْلاحُ مَن تَزَكّى والآخِرَةُ خَيْرٌ وأبْقى في شَرْعٍ مِنَ الشَّرائِعِ، فَهو في الأُولى وفي آخِرِ الشَّرائِعِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (الصُّحُفِ) بِضَمِّ الحاءِ كالحَرْفِ الثّانِي، والأعْمَشُ وهارُونُ وعِصْمَةُ، كِلاهُما عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِسُكُونِها، وفي كِتابِ اللَّوامِحِ: العُقَيْلِيُّ عَنْ أبِي عَمْرٍو: (الصُّحْفِ)، (صُحْفِ) بِإسْكانِ الحاءِ فِيهِما لُغَةُ تَمِيمٍ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (إبْراهِيمُ) بِألِفٍ وبِياءِ، والهاءُ مَكْسُورَةٌ، وأبُو رَجاءٍ: بِحَذْفِهِما والهاءُ مَفْتُوحَةٌ مَكْسُورَةٌ مَعًا، وأبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ وابْنُ الزُّبَيْرِ: (أبْراهامَ) بِألِفٍ في كُلِّ القُرْآنِ، ومالِكُ بْنُ دِينارٍ: (إبْراهَمَ) بِألِفٍ وفَتْحِ الهاءِ وبِغَيْرِ ياءٍ، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي بَكْرَةَ: (إبْراهِمَ) بِكَسْرِ الهاءِ وبِغَيْرِ ياءٍ في جَمِيعِ القُرْآنِ، قالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: وقَدْ جاءَ (إبْراهُيْمَ)، يَعْنِي بِألِفٍ وضَمِّ الهاءِ، وتَقَدَّمَ في (والنَّجْمِ) الكَلامُ عَلى صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ.
الأعلى 87:12
﴿إنَّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ﴾ أيْ جَهْرَكَ بِالقُرْآنِ، (وما يَخْفى) أيْ في نَفْسِكَ مِن خَوْفِ التَّفَلُّتِ، وقَدْ كَفاكَ ذَلِكَ بِكَوْنِهِ تَكَفَّلَ بِإقْرائِكَ إيّاهُ وإخْبارِهِ أنَّكَ لا تَنْسى إلّا ما اسْتَثْناهُ، وتَضَمَّنَ ذَلِكَ إحاطَةَ عِلْمِهِ بِالأشْياءِ.
﴿ونُيَسِّرُكَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿سَنُقْرِئُكَ﴾ [الأعلى: ٦]، وما بَيْنَهُما مِنَ الجُمْلَةِ المُؤَكِّدَةِ اعْتِراضٌ، أيْ يُوَفِّقُكَ لِلطَّرِيقَةِ الَّتِي هي أيْسَرُ وأسْهَلُ، يَعْنِي في حِفْظِ الوَحْيِ، وقِيلَ: لِلشَّرِيعَةِ الحَنِيفِيَّةِ السَّهْلَةِ، وقِيلَ: يَذْهَبُ بِكَ إلى الأُمُورِ الحَسَنَةِ في أمْرِ دُنْياكَ وآخِرَتِكَ مِنَ النَّصْرِ وعُلُوِّ المَنزِلَةِ والرِّفْعَةِ في الجَنَّةِ، ولَمّا أخْبَرَ أنَّهُ يُقْرِئُهُ ويُيَسِّرُهُ، أمَرَهُ بِالتَّذْكِيرِ، إذْ ثَمَرَةُ الإقْراءِ هي انْتِفاعُهُ في ذاتِهِ وانْتِفاعُ مَن أُرْسِلَ إلَيْهِمْ، والظّاهِرُ أنَّ الأمْرَ بِالتَّذْكِيرِ مَشْرُوطٌ بِنَفْعِ الذِّكْرى، وهَذا الشَّرْطُ إنَّما جِيءَ بِهِ تَوْبِيخًا لِقُرَيْشٍ، أيْ ﴿إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى﴾ في هَؤُلاءِ الطُّغاةِ العُتاةِ، ومَعْناهُ اسْتِبْعادُ انْتِفاعِهِمْ بِالذِّكْرى، فَهو كَما قالَ الشّاعِرُ:
لَقَدْ أسْمَعْتَ لَوْ نادَيْتَ حَيًّا ولَكِنْ لا حَياةَ لِمَن تُنادِي
كَما تَقُولُ: قُلْ لِفُلانٍ وأعِدْ لَهُ إنْ سَمِعَكَ، فَقَوْلُهُ: إنْ سَمِعَكَ إنَّما هو تَوْبِيخٌ وإعْلامٌ أنَّهُ لَنْ يَسْمَعَ. وقالَ الفَرّاءُ والنَّحّاسُ، والزَّهْراوِيُّ، والجُرْجانِيُّ مَعْناهُ: وإنْ لَمْ يَنْفَعْ فاقْتَصِرْ عَلى القِسْمِ الواحِدِ لِدَلالَتِهِ عَلى الثّانِي، وقِيلَ: إنْ بِمَعْنى إذْ، كَقَوْلِهِ: ﴿وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٩] أيْ إذْ كُنْتُمْ؛ لِأنَّهُ لَمْ يُخْبِرْ بِكَوْنِهِمُ الأعْلَيْنَ إلّا بَعْدَ إيمانِهِمْ، ﴿سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشى﴾ أيْ لا يَتَذَكَّرُ بِذِكْراكَ إلّا مَن يَخافُ، فَإنَّ الخَوْفَ حامِلٌ عَلى النَّظَرِ في الَّذِي يُنْجِيهِ مِمّا يَخافُهُ، فَإذا نَظَرَ فَأدّاهُ النَّظَرُ والتَّذَكُّرُ إلى الحَقِّ، وهَؤُلاءِ هُمُ العُلَماءُ والمُؤْمِنُونَ كُلٌّ عَلى قَدْرِ ما وُفِّقَ لَهُ.
﴿ويَتَجَنَّبُها﴾ أيِ الَّذِي (الأشْقى) أيِ المُبالِغُ في الشَّقاوَةِ؛ لِأنَّ الكافِرَ بِالرَّسُولِ ﷺ، هو أشْقى الكُفّارِ، كَما أنَّ المُؤْمِنَ بِهِ وبِما جاءَ بِهِ هو أفْضَلُ مِمَّنْ آمَنَ بِرَسُولٍ قَبْلَهُ، ثُمَّ وصَفَهُ بِما يَئُولُ إلَيْهِ حالُهُ في الآخِرَةِ، وهو صَلْيُ النّارِ ووَصَفَها بِالكُبْرى، قالَ الحَسَنُ: النّارُ الكُبْرى نارُ الآخِرَةِ، والصُّغْرى نارُ الدُّنْيا. وقالَ الفَرّاءُ: الكُبْرى السُّفْلى مِن أطْباقِ النّارِ. وقِيلَ: نارُ الآخِرَةِ تَتَفاضَلُ، فَفِيها شَيْءٌ أكْبَرُ مِن شَيْءٍ.
﴿ثُمَّ لا يَمُوتُ﴾ فَيَسْتَرِيحُ، (ولا يَحْيا) حَياةً هَنِيئَةً، وجِيءَ بِثُمَّ المُقْتَضِيَةِ لِلتَّراخِي إيذانًا بِتَفاوُتِ مَراتِبِ الشِّدَّةِ؛ لِأنَّ التَّرَدُّدَ بَيْنَ الحَياةِ والمَوْتِ أشَدُّ وأفْظَعُ مِنَ الصَّلْيِ (p-٤٦٠)بِالنّارِ، ﴿قَدْ أفْلَحَ﴾ أيْ فازَ وظَفِرَ بِالبُغْيَةِ، ﴿مَن تَزَكّى﴾ تَطَهَّرَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مِنِ الشِّرْكِ، وقالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. وقالَ الحَسَنُ: مَن كانَ عَمَلُهُ زاكِيًا. وقالَ أبُو الأحْوَصِ وقَتادَةُ وجَماعَةٌ: مَن رَضَخَ مِن مالِهِ وزَكّاهُ.
﴿وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ﴾ أيْ وحَّدَهُ لَمْ يَقْرِنْهُ بِشَيْءٍ مِنَ الأنْدادِ، ﴿فَصَلّى﴾ أيْ أتى الصَّلاةَ المَفْرُوضَةَ وما أمْكَنَهُ مِنَ النَّوافِلِ، والمَعْنى: أنَّهُ لَمّا تَذَكَّرَ آمَنَ بِاللَّهِ، ثُمَّ أخْبَرَ عَنْهُ تَعالى أنَّهُ أفْلَحَ مَن أتى بِهاتَيْنِ العِبادَتَيْنِ الصَّلاةِ والزَّكاةِ، واحْتَجَّ بِقَوْلِهِ: ﴿وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ﴾ عَلى وُجُوبِ تَكْبِيرَةِ الِافْتِتاحِ، وعَلى أنَّهُ جائِزٌ بِكُلِّ اسْمٍ مِن أسْمائِهِ تَعالى، وأنَّها لَيْسَتْ مِنَ الصَّلاةِ، لِأنَّ الصَّلاةَ مَعْطُوفَةٌ عَلى الذِّكْرِ الَّذِي هو تَكْبِيرَةُ الِافْتِتاحِ، وهو احْتِجاجٌ ضَعِيفٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ﴾ أيْ مَعادَهُ ومَوْقِفَهُ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِ فَصَلّى لَهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ﴾ بِتاءِ الخِطابِ لِلْكُفّارِ، وقِيلَ: خِطابٌ لِلْبَرِّ والفاجِرِ، يُؤْثِرُها البَرُّ لِاقْتِناءِ الثَّوابِ، والفاجِرُ لِرَغْبَتِهِ فِيها، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وأبُو رَجاءٍ، والحَسَنُ، والجَحْدَرِيُّ، وأبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وأبُو عَمْرٍو، والزَّعْفَرانِيُّ، وابْنُ مِقْسَمٍ: بِياءِ الغَيْبَةِ. (إنَّ هَذا) أيِ الإخْبارَ بِإفْلاحِ مَن تَزَكّى وإيثارِ النّاسِ لِلدُّنْيا، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ، ويُرَجَّحُ بِقُرْبِ المُشارِ إلَيْهِ بِهَذا، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ والسُّدِّيُّ: إلى مَعانِي السُّورَةِ، وقالَ الضَّحّاكُ: إلى القُرْآنِ، وقالَ قَتادَةُ: إلى قَوْلِهِ: ﴿والآخِرَةُ خَيْرٌ وأبْقى﴾ .
﴿لَفِي الصُّحُفِ الأُولى﴾ لَمْ يُنْسَخْ إفْلاحُ مَن تَزَكّى والآخِرَةُ خَيْرٌ وأبْقى في شَرْعٍ مِنَ الشَّرائِعِ، فَهو في الأُولى وفي آخِرِ الشَّرائِعِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (الصُّحُفِ) بِضَمِّ الحاءِ كالحَرْفِ الثّانِي، والأعْمَشُ وهارُونُ وعِصْمَةُ، كِلاهُما عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِسُكُونِها، وفي كِتابِ اللَّوامِحِ: العُقَيْلِيُّ عَنْ أبِي عَمْرٍو: (الصُّحْفِ)، (صُحْفِ) بِإسْكانِ الحاءِ فِيهِما لُغَةُ تَمِيمٍ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (إبْراهِيمُ) بِألِفٍ وبِياءِ، والهاءُ مَكْسُورَةٌ، وأبُو رَجاءٍ: بِحَذْفِهِما والهاءُ مَفْتُوحَةٌ مَكْسُورَةٌ مَعًا، وأبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ وابْنُ الزُّبَيْرِ: (أبْراهامَ) بِألِفٍ في كُلِّ القُرْآنِ، ومالِكُ بْنُ دِينارٍ: (إبْراهَمَ) بِألِفٍ وفَتْحِ الهاءِ وبِغَيْرِ ياءٍ، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي بَكْرَةَ: (إبْراهِمَ) بِكَسْرِ الهاءِ وبِغَيْرِ ياءٍ في جَمِيعِ القُرْآنِ، قالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: وقَدْ جاءَ (إبْراهُيْمَ)، يَعْنِي بِألِفٍ وضَمِّ الهاءِ، وتَقَدَّمَ في (والنَّجْمِ) الكَلامُ عَلى صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ.
الأعلى 87:13
﴿إنَّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ﴾ أيْ جَهْرَكَ بِالقُرْآنِ، (وما يَخْفى) أيْ في نَفْسِكَ مِن خَوْفِ التَّفَلُّتِ، وقَدْ كَفاكَ ذَلِكَ بِكَوْنِهِ تَكَفَّلَ بِإقْرائِكَ إيّاهُ وإخْبارِهِ أنَّكَ لا تَنْسى إلّا ما اسْتَثْناهُ، وتَضَمَّنَ ذَلِكَ إحاطَةَ عِلْمِهِ بِالأشْياءِ.
﴿ونُيَسِّرُكَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿سَنُقْرِئُكَ﴾ [الأعلى: ٦]، وما بَيْنَهُما مِنَ الجُمْلَةِ المُؤَكِّدَةِ اعْتِراضٌ، أيْ يُوَفِّقُكَ لِلطَّرِيقَةِ الَّتِي هي أيْسَرُ وأسْهَلُ، يَعْنِي في حِفْظِ الوَحْيِ، وقِيلَ: لِلشَّرِيعَةِ الحَنِيفِيَّةِ السَّهْلَةِ، وقِيلَ: يَذْهَبُ بِكَ إلى الأُمُورِ الحَسَنَةِ في أمْرِ دُنْياكَ وآخِرَتِكَ مِنَ النَّصْرِ وعُلُوِّ المَنزِلَةِ والرِّفْعَةِ في الجَنَّةِ، ولَمّا أخْبَرَ أنَّهُ يُقْرِئُهُ ويُيَسِّرُهُ، أمَرَهُ بِالتَّذْكِيرِ، إذْ ثَمَرَةُ الإقْراءِ هي انْتِفاعُهُ في ذاتِهِ وانْتِفاعُ مَن أُرْسِلَ إلَيْهِمْ، والظّاهِرُ أنَّ الأمْرَ بِالتَّذْكِيرِ مَشْرُوطٌ بِنَفْعِ الذِّكْرى، وهَذا الشَّرْطُ إنَّما جِيءَ بِهِ تَوْبِيخًا لِقُرَيْشٍ، أيْ ﴿إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى﴾ في هَؤُلاءِ الطُّغاةِ العُتاةِ، ومَعْناهُ اسْتِبْعادُ انْتِفاعِهِمْ بِالذِّكْرى، فَهو كَما قالَ الشّاعِرُ:
لَقَدْ أسْمَعْتَ لَوْ نادَيْتَ حَيًّا ولَكِنْ لا حَياةَ لِمَن تُنادِي
كَما تَقُولُ: قُلْ لِفُلانٍ وأعِدْ لَهُ إنْ سَمِعَكَ، فَقَوْلُهُ: إنْ سَمِعَكَ إنَّما هو تَوْبِيخٌ وإعْلامٌ أنَّهُ لَنْ يَسْمَعَ. وقالَ الفَرّاءُ والنَّحّاسُ، والزَّهْراوِيُّ، والجُرْجانِيُّ مَعْناهُ: وإنْ لَمْ يَنْفَعْ فاقْتَصِرْ عَلى القِسْمِ الواحِدِ لِدَلالَتِهِ عَلى الثّانِي، وقِيلَ: إنْ بِمَعْنى إذْ، كَقَوْلِهِ: ﴿وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٩] أيْ إذْ كُنْتُمْ؛ لِأنَّهُ لَمْ يُخْبِرْ بِكَوْنِهِمُ الأعْلَيْنَ إلّا بَعْدَ إيمانِهِمْ، ﴿سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشى﴾ أيْ لا يَتَذَكَّرُ بِذِكْراكَ إلّا مَن يَخافُ، فَإنَّ الخَوْفَ حامِلٌ عَلى النَّظَرِ في الَّذِي يُنْجِيهِ مِمّا يَخافُهُ، فَإذا نَظَرَ فَأدّاهُ النَّظَرُ والتَّذَكُّرُ إلى الحَقِّ، وهَؤُلاءِ هُمُ العُلَماءُ والمُؤْمِنُونَ كُلٌّ عَلى قَدْرِ ما وُفِّقَ لَهُ.
﴿ويَتَجَنَّبُها﴾ أيِ الَّذِي (الأشْقى) أيِ المُبالِغُ في الشَّقاوَةِ؛ لِأنَّ الكافِرَ بِالرَّسُولِ ﷺ، هو أشْقى الكُفّارِ، كَما أنَّ المُؤْمِنَ بِهِ وبِما جاءَ بِهِ هو أفْضَلُ مِمَّنْ آمَنَ بِرَسُولٍ قَبْلَهُ، ثُمَّ وصَفَهُ بِما يَئُولُ إلَيْهِ حالُهُ في الآخِرَةِ، وهو صَلْيُ النّارِ ووَصَفَها بِالكُبْرى، قالَ الحَسَنُ: النّارُ الكُبْرى نارُ الآخِرَةِ، والصُّغْرى نارُ الدُّنْيا. وقالَ الفَرّاءُ: الكُبْرى السُّفْلى مِن أطْباقِ النّارِ. وقِيلَ: نارُ الآخِرَةِ تَتَفاضَلُ، فَفِيها شَيْءٌ أكْبَرُ مِن شَيْءٍ.
﴿ثُمَّ لا يَمُوتُ﴾ فَيَسْتَرِيحُ، (ولا يَحْيا) حَياةً هَنِيئَةً، وجِيءَ بِثُمَّ المُقْتَضِيَةِ لِلتَّراخِي إيذانًا بِتَفاوُتِ مَراتِبِ الشِّدَّةِ؛ لِأنَّ التَّرَدُّدَ بَيْنَ الحَياةِ والمَوْتِ أشَدُّ وأفْظَعُ مِنَ الصَّلْيِ (p-٤٦٠)بِالنّارِ، ﴿قَدْ أفْلَحَ﴾ أيْ فازَ وظَفِرَ بِالبُغْيَةِ، ﴿مَن تَزَكّى﴾ تَطَهَّرَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مِنِ الشِّرْكِ، وقالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. وقالَ الحَسَنُ: مَن كانَ عَمَلُهُ زاكِيًا. وقالَ أبُو الأحْوَصِ وقَتادَةُ وجَماعَةٌ: مَن رَضَخَ مِن مالِهِ وزَكّاهُ.
﴿وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ﴾ أيْ وحَّدَهُ لَمْ يَقْرِنْهُ بِشَيْءٍ مِنَ الأنْدادِ، ﴿فَصَلّى﴾ أيْ أتى الصَّلاةَ المَفْرُوضَةَ وما أمْكَنَهُ مِنَ النَّوافِلِ، والمَعْنى: أنَّهُ لَمّا تَذَكَّرَ آمَنَ بِاللَّهِ، ثُمَّ أخْبَرَ عَنْهُ تَعالى أنَّهُ أفْلَحَ مَن أتى بِهاتَيْنِ العِبادَتَيْنِ الصَّلاةِ والزَّكاةِ، واحْتَجَّ بِقَوْلِهِ: ﴿وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ﴾ عَلى وُجُوبِ تَكْبِيرَةِ الِافْتِتاحِ، وعَلى أنَّهُ جائِزٌ بِكُلِّ اسْمٍ مِن أسْمائِهِ تَعالى، وأنَّها لَيْسَتْ مِنَ الصَّلاةِ، لِأنَّ الصَّلاةَ مَعْطُوفَةٌ عَلى الذِّكْرِ الَّذِي هو تَكْبِيرَةُ الِافْتِتاحِ، وهو احْتِجاجٌ ضَعِيفٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ﴾ أيْ مَعادَهُ ومَوْقِفَهُ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِ فَصَلّى لَهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ﴾ بِتاءِ الخِطابِ لِلْكُفّارِ، وقِيلَ: خِطابٌ لِلْبَرِّ والفاجِرِ، يُؤْثِرُها البَرُّ لِاقْتِناءِ الثَّوابِ، والفاجِرُ لِرَغْبَتِهِ فِيها، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وأبُو رَجاءٍ، والحَسَنُ، والجَحْدَرِيُّ، وأبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وأبُو عَمْرٍو، والزَّعْفَرانِيُّ، وابْنُ مِقْسَمٍ: بِياءِ الغَيْبَةِ. (إنَّ هَذا) أيِ الإخْبارَ بِإفْلاحِ مَن تَزَكّى وإيثارِ النّاسِ لِلدُّنْيا، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ، ويُرَجَّحُ بِقُرْبِ المُشارِ إلَيْهِ بِهَذا، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ والسُّدِّيُّ: إلى مَعانِي السُّورَةِ، وقالَ الضَّحّاكُ: إلى القُرْآنِ، وقالَ قَتادَةُ: إلى قَوْلِهِ: ﴿والآخِرَةُ خَيْرٌ وأبْقى﴾ .
﴿لَفِي الصُّحُفِ الأُولى﴾ لَمْ يُنْسَخْ إفْلاحُ مَن تَزَكّى والآخِرَةُ خَيْرٌ وأبْقى في شَرْعٍ مِنَ الشَّرائِعِ، فَهو في الأُولى وفي آخِرِ الشَّرائِعِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (الصُّحُفِ) بِضَمِّ الحاءِ كالحَرْفِ الثّانِي، والأعْمَشُ وهارُونُ وعِصْمَةُ، كِلاهُما عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِسُكُونِها، وفي كِتابِ اللَّوامِحِ: العُقَيْلِيُّ عَنْ أبِي عَمْرٍو: (الصُّحْفِ)، (صُحْفِ) بِإسْكانِ الحاءِ فِيهِما لُغَةُ تَمِيمٍ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (إبْراهِيمُ) بِألِفٍ وبِياءِ، والهاءُ مَكْسُورَةٌ، وأبُو رَجاءٍ: بِحَذْفِهِما والهاءُ مَفْتُوحَةٌ مَكْسُورَةٌ مَعًا، وأبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ وابْنُ الزُّبَيْرِ: (أبْراهامَ) بِألِفٍ في كُلِّ القُرْآنِ، ومالِكُ بْنُ دِينارٍ: (إبْراهَمَ) بِألِفٍ وفَتْحِ الهاءِ وبِغَيْرِ ياءٍ، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي بَكْرَةَ: (إبْراهِمَ) بِكَسْرِ الهاءِ وبِغَيْرِ ياءٍ في جَمِيعِ القُرْآنِ، قالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: وقَدْ جاءَ (إبْراهُيْمَ)، يَعْنِي بِألِفٍ وضَمِّ الهاءِ، وتَقَدَّمَ في (والنَّجْمِ) الكَلامُ عَلى صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ.
الأعلى 87:14
﴿إنَّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ﴾ أيْ جَهْرَكَ بِالقُرْآنِ، (وما يَخْفى) أيْ في نَفْسِكَ مِن خَوْفِ التَّفَلُّتِ، وقَدْ كَفاكَ ذَلِكَ بِكَوْنِهِ تَكَفَّلَ بِإقْرائِكَ إيّاهُ وإخْبارِهِ أنَّكَ لا تَنْسى إلّا ما اسْتَثْناهُ، وتَضَمَّنَ ذَلِكَ إحاطَةَ عِلْمِهِ بِالأشْياءِ.
﴿ونُيَسِّرُكَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿سَنُقْرِئُكَ﴾ [الأعلى: ٦]، وما بَيْنَهُما مِنَ الجُمْلَةِ المُؤَكِّدَةِ اعْتِراضٌ، أيْ يُوَفِّقُكَ لِلطَّرِيقَةِ الَّتِي هي أيْسَرُ وأسْهَلُ، يَعْنِي في حِفْظِ الوَحْيِ، وقِيلَ: لِلشَّرِيعَةِ الحَنِيفِيَّةِ السَّهْلَةِ، وقِيلَ: يَذْهَبُ بِكَ إلى الأُمُورِ الحَسَنَةِ في أمْرِ دُنْياكَ وآخِرَتِكَ مِنَ النَّصْرِ وعُلُوِّ المَنزِلَةِ والرِّفْعَةِ في الجَنَّةِ، ولَمّا أخْبَرَ أنَّهُ يُقْرِئُهُ ويُيَسِّرُهُ، أمَرَهُ بِالتَّذْكِيرِ، إذْ ثَمَرَةُ الإقْراءِ هي انْتِفاعُهُ في ذاتِهِ وانْتِفاعُ مَن أُرْسِلَ إلَيْهِمْ، والظّاهِرُ أنَّ الأمْرَ بِالتَّذْكِيرِ مَشْرُوطٌ بِنَفْعِ الذِّكْرى، وهَذا الشَّرْطُ إنَّما جِيءَ بِهِ تَوْبِيخًا لِقُرَيْشٍ، أيْ ﴿إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى﴾ في هَؤُلاءِ الطُّغاةِ العُتاةِ، ومَعْناهُ اسْتِبْعادُ انْتِفاعِهِمْ بِالذِّكْرى، فَهو كَما قالَ الشّاعِرُ:
لَقَدْ أسْمَعْتَ لَوْ نادَيْتَ حَيًّا ولَكِنْ لا حَياةَ لِمَن تُنادِي
كَما تَقُولُ: قُلْ لِفُلانٍ وأعِدْ لَهُ إنْ سَمِعَكَ، فَقَوْلُهُ: إنْ سَمِعَكَ إنَّما هو تَوْبِيخٌ وإعْلامٌ أنَّهُ لَنْ يَسْمَعَ. وقالَ الفَرّاءُ والنَّحّاسُ، والزَّهْراوِيُّ، والجُرْجانِيُّ مَعْناهُ: وإنْ لَمْ يَنْفَعْ فاقْتَصِرْ عَلى القِسْمِ الواحِدِ لِدَلالَتِهِ عَلى الثّانِي، وقِيلَ: إنْ بِمَعْنى إذْ، كَقَوْلِهِ: ﴿وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٩] أيْ إذْ كُنْتُمْ؛ لِأنَّهُ لَمْ يُخْبِرْ بِكَوْنِهِمُ الأعْلَيْنَ إلّا بَعْدَ إيمانِهِمْ، ﴿سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشى﴾ أيْ لا يَتَذَكَّرُ بِذِكْراكَ إلّا مَن يَخافُ، فَإنَّ الخَوْفَ حامِلٌ عَلى النَّظَرِ في الَّذِي يُنْجِيهِ مِمّا يَخافُهُ، فَإذا نَظَرَ فَأدّاهُ النَّظَرُ والتَّذَكُّرُ إلى الحَقِّ، وهَؤُلاءِ هُمُ العُلَماءُ والمُؤْمِنُونَ كُلٌّ عَلى قَدْرِ ما وُفِّقَ لَهُ.
﴿ويَتَجَنَّبُها﴾ أيِ الَّذِي (الأشْقى) أيِ المُبالِغُ في الشَّقاوَةِ؛ لِأنَّ الكافِرَ بِالرَّسُولِ ﷺ، هو أشْقى الكُفّارِ، كَما أنَّ المُؤْمِنَ بِهِ وبِما جاءَ بِهِ هو أفْضَلُ مِمَّنْ آمَنَ بِرَسُولٍ قَبْلَهُ، ثُمَّ وصَفَهُ بِما يَئُولُ إلَيْهِ حالُهُ في الآخِرَةِ، وهو صَلْيُ النّارِ ووَصَفَها بِالكُبْرى، قالَ الحَسَنُ: النّارُ الكُبْرى نارُ الآخِرَةِ، والصُّغْرى نارُ الدُّنْيا. وقالَ الفَرّاءُ: الكُبْرى السُّفْلى مِن أطْباقِ النّارِ. وقِيلَ: نارُ الآخِرَةِ تَتَفاضَلُ، فَفِيها شَيْءٌ أكْبَرُ مِن شَيْءٍ.
﴿ثُمَّ لا يَمُوتُ﴾ فَيَسْتَرِيحُ، (ولا يَحْيا) حَياةً هَنِيئَةً، وجِيءَ بِثُمَّ المُقْتَضِيَةِ لِلتَّراخِي إيذانًا بِتَفاوُتِ مَراتِبِ الشِّدَّةِ؛ لِأنَّ التَّرَدُّدَ بَيْنَ الحَياةِ والمَوْتِ أشَدُّ وأفْظَعُ مِنَ الصَّلْيِ (p-٤٦٠)بِالنّارِ، ﴿قَدْ أفْلَحَ﴾ أيْ فازَ وظَفِرَ بِالبُغْيَةِ، ﴿مَن تَزَكّى﴾ تَطَهَّرَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مِنِ الشِّرْكِ، وقالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. وقالَ الحَسَنُ: مَن كانَ عَمَلُهُ زاكِيًا. وقالَ أبُو الأحْوَصِ وقَتادَةُ وجَماعَةٌ: مَن رَضَخَ مِن مالِهِ وزَكّاهُ.
﴿وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ﴾ أيْ وحَّدَهُ لَمْ يَقْرِنْهُ بِشَيْءٍ مِنَ الأنْدادِ، ﴿فَصَلّى﴾ أيْ أتى الصَّلاةَ المَفْرُوضَةَ وما أمْكَنَهُ مِنَ النَّوافِلِ، والمَعْنى: أنَّهُ لَمّا تَذَكَّرَ آمَنَ بِاللَّهِ، ثُمَّ أخْبَرَ عَنْهُ تَعالى أنَّهُ أفْلَحَ مَن أتى بِهاتَيْنِ العِبادَتَيْنِ الصَّلاةِ والزَّكاةِ، واحْتَجَّ بِقَوْلِهِ: ﴿وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ﴾ عَلى وُجُوبِ تَكْبِيرَةِ الِافْتِتاحِ، وعَلى أنَّهُ جائِزٌ بِكُلِّ اسْمٍ مِن أسْمائِهِ تَعالى، وأنَّها لَيْسَتْ مِنَ الصَّلاةِ، لِأنَّ الصَّلاةَ مَعْطُوفَةٌ عَلى الذِّكْرِ الَّذِي هو تَكْبِيرَةُ الِافْتِتاحِ، وهو احْتِجاجٌ ضَعِيفٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ﴾ أيْ مَعادَهُ ومَوْقِفَهُ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِ فَصَلّى لَهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ﴾ بِتاءِ الخِطابِ لِلْكُفّارِ، وقِيلَ: خِطابٌ لِلْبَرِّ والفاجِرِ، يُؤْثِرُها البَرُّ لِاقْتِناءِ الثَّوابِ، والفاجِرُ لِرَغْبَتِهِ فِيها، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وأبُو رَجاءٍ، والحَسَنُ، والجَحْدَرِيُّ، وأبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وأبُو عَمْرٍو، والزَّعْفَرانِيُّ، وابْنُ مِقْسَمٍ: بِياءِ الغَيْبَةِ. (إنَّ هَذا) أيِ الإخْبارَ بِإفْلاحِ مَن تَزَكّى وإيثارِ النّاسِ لِلدُّنْيا، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ، ويُرَجَّحُ بِقُرْبِ المُشارِ إلَيْهِ بِهَذا، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ والسُّدِّيُّ: إلى مَعانِي السُّورَةِ، وقالَ الضَّحّاكُ: إلى القُرْآنِ، وقالَ قَتادَةُ: إلى قَوْلِهِ: ﴿والآخِرَةُ خَيْرٌ وأبْقى﴾ .
﴿لَفِي الصُّحُفِ الأُولى﴾ لَمْ يُنْسَخْ إفْلاحُ مَن تَزَكّى والآخِرَةُ خَيْرٌ وأبْقى في شَرْعٍ مِنَ الشَّرائِعِ، فَهو في الأُولى وفي آخِرِ الشَّرائِعِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (الصُّحُفِ) بِضَمِّ الحاءِ كالحَرْفِ الثّانِي، والأعْمَشُ وهارُونُ وعِصْمَةُ، كِلاهُما عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِسُكُونِها، وفي كِتابِ اللَّوامِحِ: العُقَيْلِيُّ عَنْ أبِي عَمْرٍو: (الصُّحْفِ)، (صُحْفِ) بِإسْكانِ الحاءِ فِيهِما لُغَةُ تَمِيمٍ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (إبْراهِيمُ) بِألِفٍ وبِياءِ، والهاءُ مَكْسُورَةٌ، وأبُو رَجاءٍ: بِحَذْفِهِما والهاءُ مَفْتُوحَةٌ مَكْسُورَةٌ مَعًا، وأبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ وابْنُ الزُّبَيْرِ: (أبْراهامَ) بِألِفٍ في كُلِّ القُرْآنِ، ومالِكُ بْنُ دِينارٍ: (إبْراهَمَ) بِألِفٍ وفَتْحِ الهاءِ وبِغَيْرِ ياءٍ، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي بَكْرَةَ: (إبْراهِمَ) بِكَسْرِ الهاءِ وبِغَيْرِ ياءٍ في جَمِيعِ القُرْآنِ، قالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: وقَدْ جاءَ (إبْراهُيْمَ)، يَعْنِي بِألِفٍ وضَمِّ الهاءِ، وتَقَدَّمَ في (والنَّجْمِ) الكَلامُ عَلى صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ.
الأعلى 87:15
﴿إنَّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ﴾ أيْ جَهْرَكَ بِالقُرْآنِ، (وما يَخْفى) أيْ في نَفْسِكَ مِن خَوْفِ التَّفَلُّتِ، وقَدْ كَفاكَ ذَلِكَ بِكَوْنِهِ تَكَفَّلَ بِإقْرائِكَ إيّاهُ وإخْبارِهِ أنَّكَ لا تَنْسى إلّا ما اسْتَثْناهُ، وتَضَمَّنَ ذَلِكَ إحاطَةَ عِلْمِهِ بِالأشْياءِ.
﴿ونُيَسِّرُكَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿سَنُقْرِئُكَ﴾ [الأعلى: ٦]، وما بَيْنَهُما مِنَ الجُمْلَةِ المُؤَكِّدَةِ اعْتِراضٌ، أيْ يُوَفِّقُكَ لِلطَّرِيقَةِ الَّتِي هي أيْسَرُ وأسْهَلُ، يَعْنِي في حِفْظِ الوَحْيِ، وقِيلَ: لِلشَّرِيعَةِ الحَنِيفِيَّةِ السَّهْلَةِ، وقِيلَ: يَذْهَبُ بِكَ إلى الأُمُورِ الحَسَنَةِ في أمْرِ دُنْياكَ وآخِرَتِكَ مِنَ النَّصْرِ وعُلُوِّ المَنزِلَةِ والرِّفْعَةِ في الجَنَّةِ، ولَمّا أخْبَرَ أنَّهُ يُقْرِئُهُ ويُيَسِّرُهُ، أمَرَهُ بِالتَّذْكِيرِ، إذْ ثَمَرَةُ الإقْراءِ هي انْتِفاعُهُ في ذاتِهِ وانْتِفاعُ مَن أُرْسِلَ إلَيْهِمْ، والظّاهِرُ أنَّ الأمْرَ بِالتَّذْكِيرِ مَشْرُوطٌ بِنَفْعِ الذِّكْرى، وهَذا الشَّرْطُ إنَّما جِيءَ بِهِ تَوْبِيخًا لِقُرَيْشٍ، أيْ ﴿إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى﴾ في هَؤُلاءِ الطُّغاةِ العُتاةِ، ومَعْناهُ اسْتِبْعادُ انْتِفاعِهِمْ بِالذِّكْرى، فَهو كَما قالَ الشّاعِرُ:
لَقَدْ أسْمَعْتَ لَوْ نادَيْتَ حَيًّا ولَكِنْ لا حَياةَ لِمَن تُنادِي
كَما تَقُولُ: قُلْ لِفُلانٍ وأعِدْ لَهُ إنْ سَمِعَكَ، فَقَوْلُهُ: إنْ سَمِعَكَ إنَّما هو تَوْبِيخٌ وإعْلامٌ أنَّهُ لَنْ يَسْمَعَ. وقالَ الفَرّاءُ والنَّحّاسُ، والزَّهْراوِيُّ، والجُرْجانِيُّ مَعْناهُ: وإنْ لَمْ يَنْفَعْ فاقْتَصِرْ عَلى القِسْمِ الواحِدِ لِدَلالَتِهِ عَلى الثّانِي، وقِيلَ: إنْ بِمَعْنى إذْ، كَقَوْلِهِ: ﴿وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٩] أيْ إذْ كُنْتُمْ؛ لِأنَّهُ لَمْ يُخْبِرْ بِكَوْنِهِمُ الأعْلَيْنَ إلّا بَعْدَ إيمانِهِمْ، ﴿سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشى﴾ أيْ لا يَتَذَكَّرُ بِذِكْراكَ إلّا مَن يَخافُ، فَإنَّ الخَوْفَ حامِلٌ عَلى النَّظَرِ في الَّذِي يُنْجِيهِ مِمّا يَخافُهُ، فَإذا نَظَرَ فَأدّاهُ النَّظَرُ والتَّذَكُّرُ إلى الحَقِّ، وهَؤُلاءِ هُمُ العُلَماءُ والمُؤْمِنُونَ كُلٌّ عَلى قَدْرِ ما وُفِّقَ لَهُ.
﴿ويَتَجَنَّبُها﴾ أيِ الَّذِي (الأشْقى) أيِ المُبالِغُ في الشَّقاوَةِ؛ لِأنَّ الكافِرَ بِالرَّسُولِ ﷺ، هو أشْقى الكُفّارِ، كَما أنَّ المُؤْمِنَ بِهِ وبِما جاءَ بِهِ هو أفْضَلُ مِمَّنْ آمَنَ بِرَسُولٍ قَبْلَهُ، ثُمَّ وصَفَهُ بِما يَئُولُ إلَيْهِ حالُهُ في الآخِرَةِ، وهو صَلْيُ النّارِ ووَصَفَها بِالكُبْرى، قالَ الحَسَنُ: النّارُ الكُبْرى نارُ الآخِرَةِ، والصُّغْرى نارُ الدُّنْيا. وقالَ الفَرّاءُ: الكُبْرى السُّفْلى مِن أطْباقِ النّارِ. وقِيلَ: نارُ الآخِرَةِ تَتَفاضَلُ، فَفِيها شَيْءٌ أكْبَرُ مِن شَيْءٍ.
﴿ثُمَّ لا يَمُوتُ﴾ فَيَسْتَرِيحُ، (ولا يَحْيا) حَياةً هَنِيئَةً، وجِيءَ بِثُمَّ المُقْتَضِيَةِ لِلتَّراخِي إيذانًا بِتَفاوُتِ مَراتِبِ الشِّدَّةِ؛ لِأنَّ التَّرَدُّدَ بَيْنَ الحَياةِ والمَوْتِ أشَدُّ وأفْظَعُ مِنَ الصَّلْيِ (p-٤٦٠)بِالنّارِ، ﴿قَدْ أفْلَحَ﴾ أيْ فازَ وظَفِرَ بِالبُغْيَةِ، ﴿مَن تَزَكّى﴾ تَطَهَّرَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مِنِ الشِّرْكِ، وقالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. وقالَ الحَسَنُ: مَن كانَ عَمَلُهُ زاكِيًا. وقالَ أبُو الأحْوَصِ وقَتادَةُ وجَماعَةٌ: مَن رَضَخَ مِن مالِهِ وزَكّاهُ.
﴿وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ﴾ أيْ وحَّدَهُ لَمْ يَقْرِنْهُ بِشَيْءٍ مِنَ الأنْدادِ، ﴿فَصَلّى﴾ أيْ أتى الصَّلاةَ المَفْرُوضَةَ وما أمْكَنَهُ مِنَ النَّوافِلِ، والمَعْنى: أنَّهُ لَمّا تَذَكَّرَ آمَنَ بِاللَّهِ، ثُمَّ أخْبَرَ عَنْهُ تَعالى أنَّهُ أفْلَحَ مَن أتى بِهاتَيْنِ العِبادَتَيْنِ الصَّلاةِ والزَّكاةِ، واحْتَجَّ بِقَوْلِهِ: ﴿وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ﴾ عَلى وُجُوبِ تَكْبِيرَةِ الِافْتِتاحِ، وعَلى أنَّهُ جائِزٌ بِكُلِّ اسْمٍ مِن أسْمائِهِ تَعالى، وأنَّها لَيْسَتْ مِنَ الصَّلاةِ، لِأنَّ الصَّلاةَ مَعْطُوفَةٌ عَلى الذِّكْرِ الَّذِي هو تَكْبِيرَةُ الِافْتِتاحِ، وهو احْتِجاجٌ ضَعِيفٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ﴾ أيْ مَعادَهُ ومَوْقِفَهُ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِ فَصَلّى لَهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ﴾ بِتاءِ الخِطابِ لِلْكُفّارِ، وقِيلَ: خِطابٌ لِلْبَرِّ والفاجِرِ، يُؤْثِرُها البَرُّ لِاقْتِناءِ الثَّوابِ، والفاجِرُ لِرَغْبَتِهِ فِيها، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وأبُو رَجاءٍ، والحَسَنُ، والجَحْدَرِيُّ، وأبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وأبُو عَمْرٍو، والزَّعْفَرانِيُّ، وابْنُ مِقْسَمٍ: بِياءِ الغَيْبَةِ. (إنَّ هَذا) أيِ الإخْبارَ بِإفْلاحِ مَن تَزَكّى وإيثارِ النّاسِ لِلدُّنْيا، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ، ويُرَجَّحُ بِقُرْبِ المُشارِ إلَيْهِ بِهَذا، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ والسُّدِّيُّ: إلى مَعانِي السُّورَةِ، وقالَ الضَّحّاكُ: إلى القُرْآنِ، وقالَ قَتادَةُ: إلى قَوْلِهِ: ﴿والآخِرَةُ خَيْرٌ وأبْقى﴾ .
﴿لَفِي الصُّحُفِ الأُولى﴾ لَمْ يُنْسَخْ إفْلاحُ مَن تَزَكّى والآخِرَةُ خَيْرٌ وأبْقى في شَرْعٍ مِنَ الشَّرائِعِ، فَهو في الأُولى وفي آخِرِ الشَّرائِعِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (الصُّحُفِ) بِضَمِّ الحاءِ كالحَرْفِ الثّانِي، والأعْمَشُ وهارُونُ وعِصْمَةُ، كِلاهُما عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِسُكُونِها، وفي كِتابِ اللَّوامِحِ: العُقَيْلِيُّ عَنْ أبِي عَمْرٍو: (الصُّحْفِ)، (صُحْفِ) بِإسْكانِ الحاءِ فِيهِما لُغَةُ تَمِيمٍ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (إبْراهِيمُ) بِألِفٍ وبِياءِ، والهاءُ مَكْسُورَةٌ، وأبُو رَجاءٍ: بِحَذْفِهِما والهاءُ مَفْتُوحَةٌ مَكْسُورَةٌ مَعًا، وأبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ وابْنُ الزُّبَيْرِ: (أبْراهامَ) بِألِفٍ في كُلِّ القُرْآنِ، ومالِكُ بْنُ دِينارٍ: (إبْراهَمَ) بِألِفٍ وفَتْحِ الهاءِ وبِغَيْرِ ياءٍ، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي بَكْرَةَ: (إبْراهِمَ) بِكَسْرِ الهاءِ وبِغَيْرِ ياءٍ في جَمِيعِ القُرْآنِ، قالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: وقَدْ جاءَ (إبْراهُيْمَ)، يَعْنِي بِألِفٍ وضَمِّ الهاءِ، وتَقَدَّمَ في (والنَّجْمِ) الكَلامُ عَلى صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ.
الأعلى 87:16
﴿إنَّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ﴾ أيْ جَهْرَكَ بِالقُرْآنِ، (وما يَخْفى) أيْ في نَفْسِكَ مِن خَوْفِ التَّفَلُّتِ، وقَدْ كَفاكَ ذَلِكَ بِكَوْنِهِ تَكَفَّلَ بِإقْرائِكَ إيّاهُ وإخْبارِهِ أنَّكَ لا تَنْسى إلّا ما اسْتَثْناهُ، وتَضَمَّنَ ذَلِكَ إحاطَةَ عِلْمِهِ بِالأشْياءِ.
﴿ونُيَسِّرُكَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿سَنُقْرِئُكَ﴾ [الأعلى: ٦]، وما بَيْنَهُما مِنَ الجُمْلَةِ المُؤَكِّدَةِ اعْتِراضٌ، أيْ يُوَفِّقُكَ لِلطَّرِيقَةِ الَّتِي هي أيْسَرُ وأسْهَلُ، يَعْنِي في حِفْظِ الوَحْيِ، وقِيلَ: لِلشَّرِيعَةِ الحَنِيفِيَّةِ السَّهْلَةِ، وقِيلَ: يَذْهَبُ بِكَ إلى الأُمُورِ الحَسَنَةِ في أمْرِ دُنْياكَ وآخِرَتِكَ مِنَ النَّصْرِ وعُلُوِّ المَنزِلَةِ والرِّفْعَةِ في الجَنَّةِ، ولَمّا أخْبَرَ أنَّهُ يُقْرِئُهُ ويُيَسِّرُهُ، أمَرَهُ بِالتَّذْكِيرِ، إذْ ثَمَرَةُ الإقْراءِ هي انْتِفاعُهُ في ذاتِهِ وانْتِفاعُ مَن أُرْسِلَ إلَيْهِمْ، والظّاهِرُ أنَّ الأمْرَ بِالتَّذْكِيرِ مَشْرُوطٌ بِنَفْعِ الذِّكْرى، وهَذا الشَّرْطُ إنَّما جِيءَ بِهِ تَوْبِيخًا لِقُرَيْشٍ، أيْ ﴿إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى﴾ في هَؤُلاءِ الطُّغاةِ العُتاةِ، ومَعْناهُ اسْتِبْعادُ انْتِفاعِهِمْ بِالذِّكْرى، فَهو كَما قالَ الشّاعِرُ:
لَقَدْ أسْمَعْتَ لَوْ نادَيْتَ حَيًّا ولَكِنْ لا حَياةَ لِمَن تُنادِي
كَما تَقُولُ: قُلْ لِفُلانٍ وأعِدْ لَهُ إنْ سَمِعَكَ، فَقَوْلُهُ: إنْ سَمِعَكَ إنَّما هو تَوْبِيخٌ وإعْلامٌ أنَّهُ لَنْ يَسْمَعَ. وقالَ الفَرّاءُ والنَّحّاسُ، والزَّهْراوِيُّ، والجُرْجانِيُّ مَعْناهُ: وإنْ لَمْ يَنْفَعْ فاقْتَصِرْ عَلى القِسْمِ الواحِدِ لِدَلالَتِهِ عَلى الثّانِي، وقِيلَ: إنْ بِمَعْنى إذْ، كَقَوْلِهِ: ﴿وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٩] أيْ إذْ كُنْتُمْ؛ لِأنَّهُ لَمْ يُخْبِرْ بِكَوْنِهِمُ الأعْلَيْنَ إلّا بَعْدَ إيمانِهِمْ، ﴿سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشى﴾ أيْ لا يَتَذَكَّرُ بِذِكْراكَ إلّا مَن يَخافُ، فَإنَّ الخَوْفَ حامِلٌ عَلى النَّظَرِ في الَّذِي يُنْجِيهِ مِمّا يَخافُهُ، فَإذا نَظَرَ فَأدّاهُ النَّظَرُ والتَّذَكُّرُ إلى الحَقِّ، وهَؤُلاءِ هُمُ العُلَماءُ والمُؤْمِنُونَ كُلٌّ عَلى قَدْرِ ما وُفِّقَ لَهُ.
﴿ويَتَجَنَّبُها﴾ أيِ الَّذِي (الأشْقى) أيِ المُبالِغُ في الشَّقاوَةِ؛ لِأنَّ الكافِرَ بِالرَّسُولِ ﷺ، هو أشْقى الكُفّارِ، كَما أنَّ المُؤْمِنَ بِهِ وبِما جاءَ بِهِ هو أفْضَلُ مِمَّنْ آمَنَ بِرَسُولٍ قَبْلَهُ، ثُمَّ وصَفَهُ بِما يَئُولُ إلَيْهِ حالُهُ في الآخِرَةِ، وهو صَلْيُ النّارِ ووَصَفَها بِالكُبْرى، قالَ الحَسَنُ: النّارُ الكُبْرى نارُ الآخِرَةِ، والصُّغْرى نارُ الدُّنْيا. وقالَ الفَرّاءُ: الكُبْرى السُّفْلى مِن أطْباقِ النّارِ. وقِيلَ: نارُ الآخِرَةِ تَتَفاضَلُ، فَفِيها شَيْءٌ أكْبَرُ مِن شَيْءٍ.
﴿ثُمَّ لا يَمُوتُ﴾ فَيَسْتَرِيحُ، (ولا يَحْيا) حَياةً هَنِيئَةً، وجِيءَ بِثُمَّ المُقْتَضِيَةِ لِلتَّراخِي إيذانًا بِتَفاوُتِ مَراتِبِ الشِّدَّةِ؛ لِأنَّ التَّرَدُّدَ بَيْنَ الحَياةِ والمَوْتِ أشَدُّ وأفْظَعُ مِنَ الصَّلْيِ (p-٤٦٠)بِالنّارِ، ﴿قَدْ أفْلَحَ﴾ أيْ فازَ وظَفِرَ بِالبُغْيَةِ، ﴿مَن تَزَكّى﴾ تَطَهَّرَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مِنِ الشِّرْكِ، وقالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. وقالَ الحَسَنُ: مَن كانَ عَمَلُهُ زاكِيًا. وقالَ أبُو الأحْوَصِ وقَتادَةُ وجَماعَةٌ: مَن رَضَخَ مِن مالِهِ وزَكّاهُ.
﴿وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ﴾ أيْ وحَّدَهُ لَمْ يَقْرِنْهُ بِشَيْءٍ مِنَ الأنْدادِ، ﴿فَصَلّى﴾ أيْ أتى الصَّلاةَ المَفْرُوضَةَ وما أمْكَنَهُ مِنَ النَّوافِلِ، والمَعْنى: أنَّهُ لَمّا تَذَكَّرَ آمَنَ بِاللَّهِ، ثُمَّ أخْبَرَ عَنْهُ تَعالى أنَّهُ أفْلَحَ مَن أتى بِهاتَيْنِ العِبادَتَيْنِ الصَّلاةِ والزَّكاةِ، واحْتَجَّ بِقَوْلِهِ: ﴿وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ﴾ عَلى وُجُوبِ تَكْبِيرَةِ الِافْتِتاحِ، وعَلى أنَّهُ جائِزٌ بِكُلِّ اسْمٍ مِن أسْمائِهِ تَعالى، وأنَّها لَيْسَتْ مِنَ الصَّلاةِ، لِأنَّ الصَّلاةَ مَعْطُوفَةٌ عَلى الذِّكْرِ الَّذِي هو تَكْبِيرَةُ الِافْتِتاحِ، وهو احْتِجاجٌ ضَعِيفٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ﴾ أيْ مَعادَهُ ومَوْقِفَهُ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِ فَصَلّى لَهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ﴾ بِتاءِ الخِطابِ لِلْكُفّارِ، وقِيلَ: خِطابٌ لِلْبَرِّ والفاجِرِ، يُؤْثِرُها البَرُّ لِاقْتِناءِ الثَّوابِ، والفاجِرُ لِرَغْبَتِهِ فِيها، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وأبُو رَجاءٍ، والحَسَنُ، والجَحْدَرِيُّ، وأبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وأبُو عَمْرٍو، والزَّعْفَرانِيُّ، وابْنُ مِقْسَمٍ: بِياءِ الغَيْبَةِ. (إنَّ هَذا) أيِ الإخْبارَ بِإفْلاحِ مَن تَزَكّى وإيثارِ النّاسِ لِلدُّنْيا، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ، ويُرَجَّحُ بِقُرْبِ المُشارِ إلَيْهِ بِهَذا، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ والسُّدِّيُّ: إلى مَعانِي السُّورَةِ، وقالَ الضَّحّاكُ: إلى القُرْآنِ، وقالَ قَتادَةُ: إلى قَوْلِهِ: ﴿والآخِرَةُ خَيْرٌ وأبْقى﴾ .
﴿لَفِي الصُّحُفِ الأُولى﴾ لَمْ يُنْسَخْ إفْلاحُ مَن تَزَكّى والآخِرَةُ خَيْرٌ وأبْقى في شَرْعٍ مِنَ الشَّرائِعِ، فَهو في الأُولى وفي آخِرِ الشَّرائِعِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (الصُّحُفِ) بِضَمِّ الحاءِ كالحَرْفِ الثّانِي، والأعْمَشُ وهارُونُ وعِصْمَةُ، كِلاهُما عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِسُكُونِها، وفي كِتابِ اللَّوامِحِ: العُقَيْلِيُّ عَنْ أبِي عَمْرٍو: (الصُّحْفِ)، (صُحْفِ) بِإسْكانِ الحاءِ فِيهِما لُغَةُ تَمِيمٍ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (إبْراهِيمُ) بِألِفٍ وبِياءِ، والهاءُ مَكْسُورَةٌ، وأبُو رَجاءٍ: بِحَذْفِهِما والهاءُ مَفْتُوحَةٌ مَكْسُورَةٌ مَعًا، وأبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ وابْنُ الزُّبَيْرِ: (أبْراهامَ) بِألِفٍ في كُلِّ القُرْآنِ، ومالِكُ بْنُ دِينارٍ: (إبْراهَمَ) بِألِفٍ وفَتْحِ الهاءِ وبِغَيْرِ ياءٍ، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي بَكْرَةَ: (إبْراهِمَ) بِكَسْرِ الهاءِ وبِغَيْرِ ياءٍ في جَمِيعِ القُرْآنِ، قالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: وقَدْ جاءَ (إبْراهُيْمَ)، يَعْنِي بِألِفٍ وضَمِّ الهاءِ، وتَقَدَّمَ في (والنَّجْمِ) الكَلامُ عَلى صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ.
الأعلى 87:17
﴿إنَّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ﴾ أيْ جَهْرَكَ بِالقُرْآنِ، (وما يَخْفى) أيْ في نَفْسِكَ مِن خَوْفِ التَّفَلُّتِ، وقَدْ كَفاكَ ذَلِكَ بِكَوْنِهِ تَكَفَّلَ بِإقْرائِكَ إيّاهُ وإخْبارِهِ أنَّكَ لا تَنْسى إلّا ما اسْتَثْناهُ، وتَضَمَّنَ ذَلِكَ إحاطَةَ عِلْمِهِ بِالأشْياءِ.
﴿ونُيَسِّرُكَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿سَنُقْرِئُكَ﴾ [الأعلى: ٦]، وما بَيْنَهُما مِنَ الجُمْلَةِ المُؤَكِّدَةِ اعْتِراضٌ، أيْ يُوَفِّقُكَ لِلطَّرِيقَةِ الَّتِي هي أيْسَرُ وأسْهَلُ، يَعْنِي في حِفْظِ الوَحْيِ، وقِيلَ: لِلشَّرِيعَةِ الحَنِيفِيَّةِ السَّهْلَةِ، وقِيلَ: يَذْهَبُ بِكَ إلى الأُمُورِ الحَسَنَةِ في أمْرِ دُنْياكَ وآخِرَتِكَ مِنَ النَّصْرِ وعُلُوِّ المَنزِلَةِ والرِّفْعَةِ في الجَنَّةِ، ولَمّا أخْبَرَ أنَّهُ يُقْرِئُهُ ويُيَسِّرُهُ، أمَرَهُ بِالتَّذْكِيرِ، إذْ ثَمَرَةُ الإقْراءِ هي انْتِفاعُهُ في ذاتِهِ وانْتِفاعُ مَن أُرْسِلَ إلَيْهِمْ، والظّاهِرُ أنَّ الأمْرَ بِالتَّذْكِيرِ مَشْرُوطٌ بِنَفْعِ الذِّكْرى، وهَذا الشَّرْطُ إنَّما جِيءَ بِهِ تَوْبِيخًا لِقُرَيْشٍ، أيْ ﴿إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى﴾ في هَؤُلاءِ الطُّغاةِ العُتاةِ، ومَعْناهُ اسْتِبْعادُ انْتِفاعِهِمْ بِالذِّكْرى، فَهو كَما قالَ الشّاعِرُ:
لَقَدْ أسْمَعْتَ لَوْ نادَيْتَ حَيًّا ولَكِنْ لا حَياةَ لِمَن تُنادِي
كَما تَقُولُ: قُلْ لِفُلانٍ وأعِدْ لَهُ إنْ سَمِعَكَ، فَقَوْلُهُ: إنْ سَمِعَكَ إنَّما هو تَوْبِيخٌ وإعْلامٌ أنَّهُ لَنْ يَسْمَعَ. وقالَ الفَرّاءُ والنَّحّاسُ، والزَّهْراوِيُّ، والجُرْجانِيُّ مَعْناهُ: وإنْ لَمْ يَنْفَعْ فاقْتَصِرْ عَلى القِسْمِ الواحِدِ لِدَلالَتِهِ عَلى الثّانِي، وقِيلَ: إنْ بِمَعْنى إذْ، كَقَوْلِهِ: ﴿وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٩] أيْ إذْ كُنْتُمْ؛ لِأنَّهُ لَمْ يُخْبِرْ بِكَوْنِهِمُ الأعْلَيْنَ إلّا بَعْدَ إيمانِهِمْ، ﴿سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشى﴾ أيْ لا يَتَذَكَّرُ بِذِكْراكَ إلّا مَن يَخافُ، فَإنَّ الخَوْفَ حامِلٌ عَلى النَّظَرِ في الَّذِي يُنْجِيهِ مِمّا يَخافُهُ، فَإذا نَظَرَ فَأدّاهُ النَّظَرُ والتَّذَكُّرُ إلى الحَقِّ، وهَؤُلاءِ هُمُ العُلَماءُ والمُؤْمِنُونَ كُلٌّ عَلى قَدْرِ ما وُفِّقَ لَهُ.
﴿ويَتَجَنَّبُها﴾ أيِ الَّذِي (الأشْقى) أيِ المُبالِغُ في الشَّقاوَةِ؛ لِأنَّ الكافِرَ بِالرَّسُولِ ﷺ، هو أشْقى الكُفّارِ، كَما أنَّ المُؤْمِنَ بِهِ وبِما جاءَ بِهِ هو أفْضَلُ مِمَّنْ آمَنَ بِرَسُولٍ قَبْلَهُ، ثُمَّ وصَفَهُ بِما يَئُولُ إلَيْهِ حالُهُ في الآخِرَةِ، وهو صَلْيُ النّارِ ووَصَفَها بِالكُبْرى، قالَ الحَسَنُ: النّارُ الكُبْرى نارُ الآخِرَةِ، والصُّغْرى نارُ الدُّنْيا. وقالَ الفَرّاءُ: الكُبْرى السُّفْلى مِن أطْباقِ النّارِ. وقِيلَ: نارُ الآخِرَةِ تَتَفاضَلُ، فَفِيها شَيْءٌ أكْبَرُ مِن شَيْءٍ.
﴿ثُمَّ لا يَمُوتُ﴾ فَيَسْتَرِيحُ، (ولا يَحْيا) حَياةً هَنِيئَةً، وجِيءَ بِثُمَّ المُقْتَضِيَةِ لِلتَّراخِي إيذانًا بِتَفاوُتِ مَراتِبِ الشِّدَّةِ؛ لِأنَّ التَّرَدُّدَ بَيْنَ الحَياةِ والمَوْتِ أشَدُّ وأفْظَعُ مِنَ الصَّلْيِ (p-٤٦٠)بِالنّارِ، ﴿قَدْ أفْلَحَ﴾ أيْ فازَ وظَفِرَ بِالبُغْيَةِ، ﴿مَن تَزَكّى﴾ تَطَهَّرَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مِنِ الشِّرْكِ، وقالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. وقالَ الحَسَنُ: مَن كانَ عَمَلُهُ زاكِيًا. وقالَ أبُو الأحْوَصِ وقَتادَةُ وجَماعَةٌ: مَن رَضَخَ مِن مالِهِ وزَكّاهُ.
﴿وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ﴾ أيْ وحَّدَهُ لَمْ يَقْرِنْهُ بِشَيْءٍ مِنَ الأنْدادِ، ﴿فَصَلّى﴾ أيْ أتى الصَّلاةَ المَفْرُوضَةَ وما أمْكَنَهُ مِنَ النَّوافِلِ، والمَعْنى: أنَّهُ لَمّا تَذَكَّرَ آمَنَ بِاللَّهِ، ثُمَّ أخْبَرَ عَنْهُ تَعالى أنَّهُ أفْلَحَ مَن أتى بِهاتَيْنِ العِبادَتَيْنِ الصَّلاةِ والزَّكاةِ، واحْتَجَّ بِقَوْلِهِ: ﴿وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ﴾ عَلى وُجُوبِ تَكْبِيرَةِ الِافْتِتاحِ، وعَلى أنَّهُ جائِزٌ بِكُلِّ اسْمٍ مِن أسْمائِهِ تَعالى، وأنَّها لَيْسَتْ مِنَ الصَّلاةِ، لِأنَّ الصَّلاةَ مَعْطُوفَةٌ عَلى الذِّكْرِ الَّذِي هو تَكْبِيرَةُ الِافْتِتاحِ، وهو احْتِجاجٌ ضَعِيفٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ﴾ أيْ مَعادَهُ ومَوْقِفَهُ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِ فَصَلّى لَهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ﴾ بِتاءِ الخِطابِ لِلْكُفّارِ، وقِيلَ: خِطابٌ لِلْبَرِّ والفاجِرِ، يُؤْثِرُها البَرُّ لِاقْتِناءِ الثَّوابِ، والفاجِرُ لِرَغْبَتِهِ فِيها، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وأبُو رَجاءٍ، والحَسَنُ، والجَحْدَرِيُّ، وأبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وأبُو عَمْرٍو، والزَّعْفَرانِيُّ، وابْنُ مِقْسَمٍ: بِياءِ الغَيْبَةِ. (إنَّ هَذا) أيِ الإخْبارَ بِإفْلاحِ مَن تَزَكّى وإيثارِ النّاسِ لِلدُّنْيا، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ، ويُرَجَّحُ بِقُرْبِ المُشارِ إلَيْهِ بِهَذا، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ والسُّدِّيُّ: إلى مَعانِي السُّورَةِ، وقالَ الضَّحّاكُ: إلى القُرْآنِ، وقالَ قَتادَةُ: إلى قَوْلِهِ: ﴿والآخِرَةُ خَيْرٌ وأبْقى﴾ .
﴿لَفِي الصُّحُفِ الأُولى﴾ لَمْ يُنْسَخْ إفْلاحُ مَن تَزَكّى والآخِرَةُ خَيْرٌ وأبْقى في شَرْعٍ مِنَ الشَّرائِعِ، فَهو في الأُولى وفي آخِرِ الشَّرائِعِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (الصُّحُفِ) بِضَمِّ الحاءِ كالحَرْفِ الثّانِي، والأعْمَشُ وهارُونُ وعِصْمَةُ، كِلاهُما عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِسُكُونِها، وفي كِتابِ اللَّوامِحِ: العُقَيْلِيُّ عَنْ أبِي عَمْرٍو: (الصُّحْفِ)، (صُحْفِ) بِإسْكانِ الحاءِ فِيهِما لُغَةُ تَمِيمٍ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (إبْراهِيمُ) بِألِفٍ وبِياءِ، والهاءُ مَكْسُورَةٌ، وأبُو رَجاءٍ: بِحَذْفِهِما والهاءُ مَفْتُوحَةٌ مَكْسُورَةٌ مَعًا، وأبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ وابْنُ الزُّبَيْرِ: (أبْراهامَ) بِألِفٍ في كُلِّ القُرْآنِ، ومالِكُ بْنُ دِينارٍ: (إبْراهَمَ) بِألِفٍ وفَتْحِ الهاءِ وبِغَيْرِ ياءٍ، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي بَكْرَةَ: (إبْراهِمَ) بِكَسْرِ الهاءِ وبِغَيْرِ ياءٍ في جَمِيعِ القُرْآنِ، قالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: وقَدْ جاءَ (إبْراهُيْمَ)، يَعْنِي بِألِفٍ وضَمِّ الهاءِ، وتَقَدَّمَ في (والنَّجْمِ) الكَلامُ عَلى صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ.
الأعلى 87:18
﴿إنَّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ﴾ أيْ جَهْرَكَ بِالقُرْآنِ، (وما يَخْفى) أيْ في نَفْسِكَ مِن خَوْفِ التَّفَلُّتِ، وقَدْ كَفاكَ ذَلِكَ بِكَوْنِهِ تَكَفَّلَ بِإقْرائِكَ إيّاهُ وإخْبارِهِ أنَّكَ لا تَنْسى إلّا ما اسْتَثْناهُ، وتَضَمَّنَ ذَلِكَ إحاطَةَ عِلْمِهِ بِالأشْياءِ.
﴿ونُيَسِّرُكَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿سَنُقْرِئُكَ﴾ [الأعلى: ٦]، وما بَيْنَهُما مِنَ الجُمْلَةِ المُؤَكِّدَةِ اعْتِراضٌ، أيْ يُوَفِّقُكَ لِلطَّرِيقَةِ الَّتِي هي أيْسَرُ وأسْهَلُ، يَعْنِي في حِفْظِ الوَحْيِ، وقِيلَ: لِلشَّرِيعَةِ الحَنِيفِيَّةِ السَّهْلَةِ، وقِيلَ: يَذْهَبُ بِكَ إلى الأُمُورِ الحَسَنَةِ في أمْرِ دُنْياكَ وآخِرَتِكَ مِنَ النَّصْرِ وعُلُوِّ المَنزِلَةِ والرِّفْعَةِ في الجَنَّةِ، ولَمّا أخْبَرَ أنَّهُ يُقْرِئُهُ ويُيَسِّرُهُ، أمَرَهُ بِالتَّذْكِيرِ، إذْ ثَمَرَةُ الإقْراءِ هي انْتِفاعُهُ في ذاتِهِ وانْتِفاعُ مَن أُرْسِلَ إلَيْهِمْ، والظّاهِرُ أنَّ الأمْرَ بِالتَّذْكِيرِ مَشْرُوطٌ بِنَفْعِ الذِّكْرى، وهَذا الشَّرْطُ إنَّما جِيءَ بِهِ تَوْبِيخًا لِقُرَيْشٍ، أيْ ﴿إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى﴾ في هَؤُلاءِ الطُّغاةِ العُتاةِ، ومَعْناهُ اسْتِبْعادُ انْتِفاعِهِمْ بِالذِّكْرى، فَهو كَما قالَ الشّاعِرُ:
لَقَدْ أسْمَعْتَ لَوْ نادَيْتَ حَيًّا ولَكِنْ لا حَياةَ لِمَن تُنادِي
كَما تَقُولُ: قُلْ لِفُلانٍ وأعِدْ لَهُ إنْ سَمِعَكَ، فَقَوْلُهُ: إنْ سَمِعَكَ إنَّما هو تَوْبِيخٌ وإعْلامٌ أنَّهُ لَنْ يَسْمَعَ. وقالَ الفَرّاءُ والنَّحّاسُ، والزَّهْراوِيُّ، والجُرْجانِيُّ مَعْناهُ: وإنْ لَمْ يَنْفَعْ فاقْتَصِرْ عَلى القِسْمِ الواحِدِ لِدَلالَتِهِ عَلى الثّانِي، وقِيلَ: إنْ بِمَعْنى إذْ، كَقَوْلِهِ: ﴿وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٩] أيْ إذْ كُنْتُمْ؛ لِأنَّهُ لَمْ يُخْبِرْ بِكَوْنِهِمُ الأعْلَيْنَ إلّا بَعْدَ إيمانِهِمْ، ﴿سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشى﴾ أيْ لا يَتَذَكَّرُ بِذِكْراكَ إلّا مَن يَخافُ، فَإنَّ الخَوْفَ حامِلٌ عَلى النَّظَرِ في الَّذِي يُنْجِيهِ مِمّا يَخافُهُ، فَإذا نَظَرَ فَأدّاهُ النَّظَرُ والتَّذَكُّرُ إلى الحَقِّ، وهَؤُلاءِ هُمُ العُلَماءُ والمُؤْمِنُونَ كُلٌّ عَلى قَدْرِ ما وُفِّقَ لَهُ.
﴿ويَتَجَنَّبُها﴾ أيِ الَّذِي (الأشْقى) أيِ المُبالِغُ في الشَّقاوَةِ؛ لِأنَّ الكافِرَ بِالرَّسُولِ ﷺ، هو أشْقى الكُفّارِ، كَما أنَّ المُؤْمِنَ بِهِ وبِما جاءَ بِهِ هو أفْضَلُ مِمَّنْ آمَنَ بِرَسُولٍ قَبْلَهُ، ثُمَّ وصَفَهُ بِما يَئُولُ إلَيْهِ حالُهُ في الآخِرَةِ، وهو صَلْيُ النّارِ ووَصَفَها بِالكُبْرى، قالَ الحَسَنُ: النّارُ الكُبْرى نارُ الآخِرَةِ، والصُّغْرى نارُ الدُّنْيا. وقالَ الفَرّاءُ: الكُبْرى السُّفْلى مِن أطْباقِ النّارِ. وقِيلَ: نارُ الآخِرَةِ تَتَفاضَلُ، فَفِيها شَيْءٌ أكْبَرُ مِن شَيْءٍ.
﴿ثُمَّ لا يَمُوتُ﴾ فَيَسْتَرِيحُ، (ولا يَحْيا) حَياةً هَنِيئَةً، وجِيءَ بِثُمَّ المُقْتَضِيَةِ لِلتَّراخِي إيذانًا بِتَفاوُتِ مَراتِبِ الشِّدَّةِ؛ لِأنَّ التَّرَدُّدَ بَيْنَ الحَياةِ والمَوْتِ أشَدُّ وأفْظَعُ مِنَ الصَّلْيِ (p-٤٦٠)بِالنّارِ، ﴿قَدْ أفْلَحَ﴾ أيْ فازَ وظَفِرَ بِالبُغْيَةِ، ﴿مَن تَزَكّى﴾ تَطَهَّرَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مِنِ الشِّرْكِ، وقالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. وقالَ الحَسَنُ: مَن كانَ عَمَلُهُ زاكِيًا. وقالَ أبُو الأحْوَصِ وقَتادَةُ وجَماعَةٌ: مَن رَضَخَ مِن مالِهِ وزَكّاهُ.
﴿وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ﴾ أيْ وحَّدَهُ لَمْ يَقْرِنْهُ بِشَيْءٍ مِنَ الأنْدادِ، ﴿فَصَلّى﴾ أيْ أتى الصَّلاةَ المَفْرُوضَةَ وما أمْكَنَهُ مِنَ النَّوافِلِ، والمَعْنى: أنَّهُ لَمّا تَذَكَّرَ آمَنَ بِاللَّهِ، ثُمَّ أخْبَرَ عَنْهُ تَعالى أنَّهُ أفْلَحَ مَن أتى بِهاتَيْنِ العِبادَتَيْنِ الصَّلاةِ والزَّكاةِ، واحْتَجَّ بِقَوْلِهِ: ﴿وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ﴾ عَلى وُجُوبِ تَكْبِيرَةِ الِافْتِتاحِ، وعَلى أنَّهُ جائِزٌ بِكُلِّ اسْمٍ مِن أسْمائِهِ تَعالى، وأنَّها لَيْسَتْ مِنَ الصَّلاةِ، لِأنَّ الصَّلاةَ مَعْطُوفَةٌ عَلى الذِّكْرِ الَّذِي هو تَكْبِيرَةُ الِافْتِتاحِ، وهو احْتِجاجٌ ضَعِيفٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ﴾ أيْ مَعادَهُ ومَوْقِفَهُ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِ فَصَلّى لَهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ﴾ بِتاءِ الخِطابِ لِلْكُفّارِ، وقِيلَ: خِطابٌ لِلْبَرِّ والفاجِرِ، يُؤْثِرُها البَرُّ لِاقْتِناءِ الثَّوابِ، والفاجِرُ لِرَغْبَتِهِ فِيها، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وأبُو رَجاءٍ، والحَسَنُ، والجَحْدَرِيُّ، وأبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وأبُو عَمْرٍو، والزَّعْفَرانِيُّ، وابْنُ مِقْسَمٍ: بِياءِ الغَيْبَةِ. (إنَّ هَذا) أيِ الإخْبارَ بِإفْلاحِ مَن تَزَكّى وإيثارِ النّاسِ لِلدُّنْيا، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ، ويُرَجَّحُ بِقُرْبِ المُشارِ إلَيْهِ بِهَذا، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ والسُّدِّيُّ: إلى مَعانِي السُّورَةِ، وقالَ الضَّحّاكُ: إلى القُرْآنِ، وقالَ قَتادَةُ: إلى قَوْلِهِ: ﴿والآخِرَةُ خَيْرٌ وأبْقى﴾ .
﴿لَفِي الصُّحُفِ الأُولى﴾ لَمْ يُنْسَخْ إفْلاحُ مَن تَزَكّى والآخِرَةُ خَيْرٌ وأبْقى في شَرْعٍ مِنَ الشَّرائِعِ، فَهو في الأُولى وفي آخِرِ الشَّرائِعِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (الصُّحُفِ) بِضَمِّ الحاءِ كالحَرْفِ الثّانِي، والأعْمَشُ وهارُونُ وعِصْمَةُ، كِلاهُما عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِسُكُونِها، وفي كِتابِ اللَّوامِحِ: العُقَيْلِيُّ عَنْ أبِي عَمْرٍو: (الصُّحْفِ)، (صُحْفِ) بِإسْكانِ الحاءِ فِيهِما لُغَةُ تَمِيمٍ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (إبْراهِيمُ) بِألِفٍ وبِياءِ، والهاءُ مَكْسُورَةٌ، وأبُو رَجاءٍ: بِحَذْفِهِما والهاءُ مَفْتُوحَةٌ مَكْسُورَةٌ مَعًا، وأبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ وابْنُ الزُّبَيْرِ: (أبْراهامَ) بِألِفٍ في كُلِّ القُرْآنِ، ومالِكُ بْنُ دِينارٍ: (إبْراهَمَ) بِألِفٍ وفَتْحِ الهاءِ وبِغَيْرِ ياءٍ، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي بَكْرَةَ: (إبْراهِمَ) بِكَسْرِ الهاءِ وبِغَيْرِ ياءٍ في جَمِيعِ القُرْآنِ، قالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: وقَدْ جاءَ (إبْراهُيْمَ)، يَعْنِي بِألِفٍ وضَمِّ الهاءِ، وتَقَدَّمَ في (والنَّجْمِ) الكَلامُ عَلى صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ.
الأعلى 87:19
﴿إنَّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ﴾ أيْ جَهْرَكَ بِالقُرْآنِ، (وما يَخْفى) أيْ في نَفْسِكَ مِن خَوْفِ التَّفَلُّتِ، وقَدْ كَفاكَ ذَلِكَ بِكَوْنِهِ تَكَفَّلَ بِإقْرائِكَ إيّاهُ وإخْبارِهِ أنَّكَ لا تَنْسى إلّا ما اسْتَثْناهُ، وتَضَمَّنَ ذَلِكَ إحاطَةَ عِلْمِهِ بِالأشْياءِ.
﴿ونُيَسِّرُكَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿سَنُقْرِئُكَ﴾ [الأعلى: ٦]، وما بَيْنَهُما مِنَ الجُمْلَةِ المُؤَكِّدَةِ اعْتِراضٌ، أيْ يُوَفِّقُكَ لِلطَّرِيقَةِ الَّتِي هي أيْسَرُ وأسْهَلُ، يَعْنِي في حِفْظِ الوَحْيِ، وقِيلَ: لِلشَّرِيعَةِ الحَنِيفِيَّةِ السَّهْلَةِ، وقِيلَ: يَذْهَبُ بِكَ إلى الأُمُورِ الحَسَنَةِ في أمْرِ دُنْياكَ وآخِرَتِكَ مِنَ النَّصْرِ وعُلُوِّ المَنزِلَةِ والرِّفْعَةِ في الجَنَّةِ، ولَمّا أخْبَرَ أنَّهُ يُقْرِئُهُ ويُيَسِّرُهُ، أمَرَهُ بِالتَّذْكِيرِ، إذْ ثَمَرَةُ الإقْراءِ هي انْتِفاعُهُ في ذاتِهِ وانْتِفاعُ مَن أُرْسِلَ إلَيْهِمْ، والظّاهِرُ أنَّ الأمْرَ بِالتَّذْكِيرِ مَشْرُوطٌ بِنَفْعِ الذِّكْرى، وهَذا الشَّرْطُ إنَّما جِيءَ بِهِ تَوْبِيخًا لِقُرَيْشٍ، أيْ ﴿إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى﴾ في هَؤُلاءِ الطُّغاةِ العُتاةِ، ومَعْناهُ اسْتِبْعادُ انْتِفاعِهِمْ بِالذِّكْرى، فَهو كَما قالَ الشّاعِرُ:
لَقَدْ أسْمَعْتَ لَوْ نادَيْتَ حَيًّا ولَكِنْ لا حَياةَ لِمَن تُنادِي
كَما تَقُولُ: قُلْ لِفُلانٍ وأعِدْ لَهُ إنْ سَمِعَكَ، فَقَوْلُهُ: إنْ سَمِعَكَ إنَّما هو تَوْبِيخٌ وإعْلامٌ أنَّهُ لَنْ يَسْمَعَ. وقالَ الفَرّاءُ والنَّحّاسُ، والزَّهْراوِيُّ، والجُرْجانِيُّ مَعْناهُ: وإنْ لَمْ يَنْفَعْ فاقْتَصِرْ عَلى القِسْمِ الواحِدِ لِدَلالَتِهِ عَلى الثّانِي، وقِيلَ: إنْ بِمَعْنى إذْ، كَقَوْلِهِ: ﴿وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٩] أيْ إذْ كُنْتُمْ؛ لِأنَّهُ لَمْ يُخْبِرْ بِكَوْنِهِمُ الأعْلَيْنَ إلّا بَعْدَ إيمانِهِمْ، ﴿سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشى﴾ أيْ لا يَتَذَكَّرُ بِذِكْراكَ إلّا مَن يَخافُ، فَإنَّ الخَوْفَ حامِلٌ عَلى النَّظَرِ في الَّذِي يُنْجِيهِ مِمّا يَخافُهُ، فَإذا نَظَرَ فَأدّاهُ النَّظَرُ والتَّذَكُّرُ إلى الحَقِّ، وهَؤُلاءِ هُمُ العُلَماءُ والمُؤْمِنُونَ كُلٌّ عَلى قَدْرِ ما وُفِّقَ لَهُ.
﴿ويَتَجَنَّبُها﴾ أيِ الَّذِي (الأشْقى) أيِ المُبالِغُ في الشَّقاوَةِ؛ لِأنَّ الكافِرَ بِالرَّسُولِ ﷺ، هو أشْقى الكُفّارِ، كَما أنَّ المُؤْمِنَ بِهِ وبِما جاءَ بِهِ هو أفْضَلُ مِمَّنْ آمَنَ بِرَسُولٍ قَبْلَهُ، ثُمَّ وصَفَهُ بِما يَئُولُ إلَيْهِ حالُهُ في الآخِرَةِ، وهو صَلْيُ النّارِ ووَصَفَها بِالكُبْرى، قالَ الحَسَنُ: النّارُ الكُبْرى نارُ الآخِرَةِ، والصُّغْرى نارُ الدُّنْيا. وقالَ الفَرّاءُ: الكُبْرى السُّفْلى مِن أطْباقِ النّارِ. وقِيلَ: نارُ الآخِرَةِ تَتَفاضَلُ، فَفِيها شَيْءٌ أكْبَرُ مِن شَيْءٍ.
﴿ثُمَّ لا يَمُوتُ﴾ فَيَسْتَرِيحُ، (ولا يَحْيا) حَياةً هَنِيئَةً، وجِيءَ بِثُمَّ المُقْتَضِيَةِ لِلتَّراخِي إيذانًا بِتَفاوُتِ مَراتِبِ الشِّدَّةِ؛ لِأنَّ التَّرَدُّدَ بَيْنَ الحَياةِ والمَوْتِ أشَدُّ وأفْظَعُ مِنَ الصَّلْيِ (p-٤٦٠)بِالنّارِ، ﴿قَدْ أفْلَحَ﴾ أيْ فازَ وظَفِرَ بِالبُغْيَةِ، ﴿مَن تَزَكّى﴾ تَطَهَّرَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مِنِ الشِّرْكِ، وقالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. وقالَ الحَسَنُ: مَن كانَ عَمَلُهُ زاكِيًا. وقالَ أبُو الأحْوَصِ وقَتادَةُ وجَماعَةٌ: مَن رَضَخَ مِن مالِهِ وزَكّاهُ.
﴿وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ﴾ أيْ وحَّدَهُ لَمْ يَقْرِنْهُ بِشَيْءٍ مِنَ الأنْدادِ، ﴿فَصَلّى﴾ أيْ أتى الصَّلاةَ المَفْرُوضَةَ وما أمْكَنَهُ مِنَ النَّوافِلِ، والمَعْنى: أنَّهُ لَمّا تَذَكَّرَ آمَنَ بِاللَّهِ، ثُمَّ أخْبَرَ عَنْهُ تَعالى أنَّهُ أفْلَحَ مَن أتى بِهاتَيْنِ العِبادَتَيْنِ الصَّلاةِ والزَّكاةِ، واحْتَجَّ بِقَوْلِهِ: ﴿وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ﴾ عَلى وُجُوبِ تَكْبِيرَةِ الِافْتِتاحِ، وعَلى أنَّهُ جائِزٌ بِكُلِّ اسْمٍ مِن أسْمائِهِ تَعالى، وأنَّها لَيْسَتْ مِنَ الصَّلاةِ، لِأنَّ الصَّلاةَ مَعْطُوفَةٌ عَلى الذِّكْرِ الَّذِي هو تَكْبِيرَةُ الِافْتِتاحِ، وهو احْتِجاجٌ ضَعِيفٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ﴾ أيْ مَعادَهُ ومَوْقِفَهُ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِ فَصَلّى لَهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ﴾ بِتاءِ الخِطابِ لِلْكُفّارِ، وقِيلَ: خِطابٌ لِلْبَرِّ والفاجِرِ، يُؤْثِرُها البَرُّ لِاقْتِناءِ الثَّوابِ، والفاجِرُ لِرَغْبَتِهِ فِيها، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وأبُو رَجاءٍ، والحَسَنُ، والجَحْدَرِيُّ، وأبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وأبُو عَمْرٍو، والزَّعْفَرانِيُّ، وابْنُ مِقْسَمٍ: بِياءِ الغَيْبَةِ. (إنَّ هَذا) أيِ الإخْبارَ بِإفْلاحِ مَن تَزَكّى وإيثارِ النّاسِ لِلدُّنْيا، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ، ويُرَجَّحُ بِقُرْبِ المُشارِ إلَيْهِ بِهَذا، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ والسُّدِّيُّ: إلى مَعانِي السُّورَةِ، وقالَ الضَّحّاكُ: إلى القُرْآنِ، وقالَ قَتادَةُ: إلى قَوْلِهِ: ﴿والآخِرَةُ خَيْرٌ وأبْقى﴾ .
﴿لَفِي الصُّحُفِ الأُولى﴾ لَمْ يُنْسَخْ إفْلاحُ مَن تَزَكّى والآخِرَةُ خَيْرٌ وأبْقى في شَرْعٍ مِنَ الشَّرائِعِ، فَهو في الأُولى وفي آخِرِ الشَّرائِعِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (الصُّحُفِ) بِضَمِّ الحاءِ كالحَرْفِ الثّانِي، والأعْمَشُ وهارُونُ وعِصْمَةُ، كِلاهُما عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِسُكُونِها، وفي كِتابِ اللَّوامِحِ: العُقَيْلِيُّ عَنْ أبِي عَمْرٍو: (الصُّحْفِ)، (صُحْفِ) بِإسْكانِ الحاءِ فِيهِما لُغَةُ تَمِيمٍ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (إبْراهِيمُ) بِألِفٍ وبِياءِ، والهاءُ مَكْسُورَةٌ، وأبُو رَجاءٍ: بِحَذْفِهِما والهاءُ مَفْتُوحَةٌ مَكْسُورَةٌ مَعًا، وأبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ وابْنُ الزُّبَيْرِ: (أبْراهامَ) بِألِفٍ في كُلِّ القُرْآنِ، ومالِكُ بْنُ دِينارٍ: (إبْراهَمَ) بِألِفٍ وفَتْحِ الهاءِ وبِغَيْرِ ياءٍ، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي بَكْرَةَ: (إبْراهِمَ) بِكَسْرِ الهاءِ وبِغَيْرِ ياءٍ في جَمِيعِ القُرْآنِ، قالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: وقَدْ جاءَ (إبْراهُيْمَ)، يَعْنِي بِألِفٍ وضَمِّ الهاءِ، وتَقَدَّمَ في (والنَّجْمِ) الكَلامُ عَلى صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ.