Lafzullah

Al-Bahr Al-Muhit — القدر 97:1 – العاديات 100:11

المؤلف / المصدر: Al-Bahr Al-Muhit

المحتويات
  1. القدر 97:1
  2. القدر 97:2
  3. القدر 97:3
  4. القدر 97:4
  5. القدر 97:5
  6. البينة 98:1
  7. البينة 98:2
  8. البينة 98:3
  9. البينة 98:4
  10. البينة 98:5
  11. البينة 98:6
  12. البينة 98:7
  13. البينة 98:8
  14. الزلزلة 99:1
  15. الزلزلة 99:2
  16. الزلزلة 99:3
  17. الزلزلة 99:4
  18. الزلزلة 99:5
  19. الزلزلة 99:6
  20. الزلزلة 99:7
  21. الزلزلة 99:8
  22. العاديات 100:1
  23. العاديات 100:2
  24. العاديات 100:3
  25. العاديات 100:4
  26. العاديات 100:5
  27. العاديات 100:6
  28. العاديات 100:7
  29. العاديات 100:8
  30. العاديات 100:9
  31. العاديات 100:10
  32. العاديات 100:11

القدر 97:1

سُورَةُ القَدْرِ مَكِّيَّةٌ وهي خَمْسُ آياتٍ ﷽ ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما لَيْلَةُ القَدْرِ﴾ ﴿لَيْلَةُ القَدْرِ خَيْرٌ مِن ألْفِ شَهْرٍ﴾ ﴿تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ فِيها بِإذْنِ رَبِّهِمْ مِن كُلِّ أمْرٍ﴾ ﴿سَلامٌ هي حَتّى مَطْلَعِ الفَجْرِ﴾ . (p-٤٩٦)هَذِهِ السُّورَةُ مَدَنِيَّةٌ في قَوْلِ الأكْثَرِ، وحَكى الماوَرْدِيُّ عَكْسَهُ، وذَكَرَ الواحِدِيُّ أنَّها أوَّلُ سُورَةٍ نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ، وفي الحَدِيثِ: (أنَّ أرْبَعَةً عَبَدُوا اللَّهَ تَعالى ثَمانِينَ سَنَةً لَمْ يَعْصُوهُ طَرْفَةَ عَيْنٍ: أيُّوبُ وزَكَرِيّا وحِزْقِيلُ ويُوشَعُ) فَعَجِبَ الصَّحابَةُ مِن ذَلِكَ، فَقَرَأ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ السُّورَةَ، فُسُّرُوا بِذَلِكَ، ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها ظاهِرٌ، لَمّا قالَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١] فَكَأنَّهُ قالَ: اقْرَأْ ما أنْزَلْناهُ عَلَيْكَ مِن كَلامِنا ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ والضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ المَعْنى، وهو ضَمِيرُ القُرْآنِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: أنْزَلَهُ اللَّهُ تَعالى لَيْلَةَ القَدْرِ إلى سَماءِ الدُّنْيا جُمْلَةً، ثُمَّ نَجَّمَهُ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ في عِشْرِينَ سَنَةً، وقالَ الشَّعْبِيُّ وغَيْرُهُ: إنّا ابْتَدَأْنا إنْزالَ هَذا القُرْآنِ إلَيْكَ في لَيْلَةِ القَدْرِ، ورُوِيَ أنَّ نُزُولَ المَلَكِ في حِراءَ كانَ في العَشْرِ الأواخِرِ مِن رَمَضانَ، وقِيلَ المَعْنى: إنّا أنْزَلْنا هَذِهِ السُّورَةَ في شَأْنِ لَيْلَةِ القَدْرِ وفَضْلِها، ولَمّا كانَتِ السُّورَةُ مِنَ القُرْآنِ، جاءَ الضَّمِيرُ لِلْقُرْآنِ تَفْخِيمًا وتَحْسِينًا، فَلَيْسَتْ لَيْلَةُ القَدْرِ ظَرْفًا لِلنُّزُولِ، بَلْ عَلى نَحْوِ قَوْلِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: لَقَدْ خَشِيتُ أنْ يَنْزِلَ فِيَّ قُرْآنٌ. وقَوْلُ عائِشَةَ: لَأنا أحْقَرُ في نَفْسِي مِن أنْ يَنْزِلَ فِيَّ قُرْآنٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَظَّمَ مِنَ القُرْآنِ مِن إسْنادِ إنْزالِهِ إلَيَّ مُخْتَصًّا بِهِ، ومِن مَجِيئِهِ بِضَمِيرِهِ دُونَ اسْمِهِ الظّاهِرِ شَهادَةً لَهُ بِالنَّباهَةِ والِاسْتِغْناءِ عَنِ التَّنْبِيهِ عَلَيْهِ، وبِالرَّفْعِ مِن مِقْدارِ الوَقْتِ الَّذِي أُنْزِلُ فِيهِ. انْتَهى، وفِيهِ بَعْضُ تَلْخِيصٍ، وسُمِّيَتْ لَيْلَةَ القَدْرِ؛ لِأنَّهُ تُقَدَّرُ فِيها الآجالُ والأرْزاقُ وحَوادِثُ العالَمِ كُلُّها وتُدْفَعُ إلى المَلائِكَةِ لِتَمْتَثِلَهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ وغَيْرُهُما، وقالَ الزُّهْرِيُّ: مَعْناهُ لَيْلَةُ القَدْرِ العَظِيمِ والشَّرَفِ، وعِظَمُ الشَّأْنِ مِن قَوْلِكَ: رَجُلٌ لَهُ قَدْرٌ، وقالَ أبُو بَكْرٍ الوَرّاقُ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ؛ لِأنَّها تُكْسِبُ مَن أحْياها قَدْرًا عَظِيمًا لَمْ يَكُنْ لَهُ قَبْلُ، وتَرُدُّهُ عَظِيمًا عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، وقِيلَ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ؛ لِأنَّ كُلَّ العَمَلِ فِيها لَهُ قَدْرٌ وخَطَرٌ، وقِيلَ: لِأنَّهُ أنْزَلَ فِيها كِتابًا ذا قَدْرٍ، عَلى رَسُولٍ ذِي قَدْرٍ، لِأُمَّةٍ ذاتِ قَدْرٍ، وقِيلَ: لِأنَّهُ يَنْزِلُ فِيها مَلائِكَةٌ ذاتُ قَدْرٍ وخَطَرٍ، وقِيلَ: لِأنَّهُ قَدَّرَ فِيها الرَّحْمَةَ عَلى المُؤْمِنِينَ، وقالَ الخَلِيلُ: لِأنَّ الأرْضَ تَضِيقُ فِيها بِالمَلائِكَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ومَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ [الطلاق: ٧] أيْ ضُيِّقَ، وقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ والخَلَفُ في تَعْيِينِ وقْتِها اخْتِلافًا مُتَعارِضًا جِدًّا، وبَعْضُهم قالَ: رُفِعَتْ، والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ الحَدِيثُ أنَّها لَمْ تُرْفَعْ، وأنَّ العَشْرَ الأخِيرَ تَكُونُ فِيهِ، وأنَّها في أوْتارِهِ، كَما قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: (التَمَسُوها في الثّالِثَةِ والخامِسَةِ والسّابِعَةِ والتّاسِعَةِ) . وفي الصَّحِيحِ: (مَن قامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إيمانًا واحْتِسابًا غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ) . ﴿وما أدْراكَ ما لَيْلَةُ القَدْرِ﴾ تَفْخِيمٌ لِشَأْنِها، أيْ لَمْ تَبْلُغْ دِرايَتُكَ غايَةَ فَضْلِها، ثُمَّ بَيَّنَ لَهُ ذَلِكَ، قالَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: ما كانَ في القُرْآنِ ﴿وما أدْراكَ﴾ فَقَدْ أعْلَمَهُ، وما قالَ: وما يُدْرِيكَ، فَإنَّهُ لَمْ يَعْلَمْهُ، قِيلَ: وأخْفاها اللَّهُ تَعالى عَنْ عِبادِهِ لِيَجِدُّوا في العَمَلِ ولا يَتَّكِلُوا عَلى فَضْلِها ويُقَصِّرُوا في غَيْرِها، والظّاهِرُ أنَّ ﴿ألْفِ شَهْرٍ﴾ يُرادُ بِهِ حَقِيقَةُ العَدَدِ، وهي ثَمانُونَ سَنَةً وثَلاثَةُ أعْوامٍ، والحَسَنُ: في لَيْلَةِ القَدْرِ أفْضَلُ مِنَ العَمَلِ في هَذِهِ الشُّهُورِ، والمُرادُ: ﴿خَيْرٌ مِن ألْفِ شَهْرٍ﴾ عارٍ مِن لَيْلَةِ القَدْرِ، وعَلى هَذا أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ، وقالَ أبُو العالِيَةِ: خَيْرٌ مِن ألْفِ شَهْرِ رَمَضانَ لا يَكُونُ فِيها لَيْلَةُ القَدْرِ. وقِيلَ: المَعْنى خَيْرٌ مِنَ الدَّهْرِ كُلِّهِ، لِأنَّ العَرَبَ تَذْكُرُ الألْفَ في غايَةِ الأشْياءِ كُلِّها، قالَ تَعالى: ﴿يَوَدُّ أحَدُهم لَوْ يُعَمَّرُ ألْفَ سَنَةٍ﴾ [البقرة: ٩٦] يَعْنِي جَمِيعَ الدَّهْرِ. وعُوتِبَ الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ عَلى تَسْلِيمِهِ الأمْرَ لِمُعاوِيَةَ فَقالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى أرى في المَنامِ نَبِيَّهُ ﷺ بَنِي أُمَيَّةَ يَنْزُونَ عَلى مَقْبَرِهِ نَزْوَ القِرَدَةِ، فاهْتَمَّ لِذَلِكَ، فَأعْطاهُ اللَّهُ تَعالى لَيْلَةَ القَدْرِ، وهي خَيْرٌ مِن مُدَّةِ مُلُوكِ بَنِي أُمَيَّةَ، وأعْلَمَهُ أنَّهم يَمْلِكُونَ هَذا القَدْرَ مِنَ الزَّمانِ، قالَ القاسِمُ بْنُ الفَضْلِ الجُذامِيُّ: فَعَدَدْنا ذَلِكَ فَإذا هي ألْفُ شَهْرٍ لا تَزِيدُ يَوْمًا ولا تَنْقُصُ يَوْمًا، وخَرَّجَ قَرِيبًا مِن مَعْناهُ التِّرْمِذِيُّ (p-٤٩٧)وقالَ: حَدِيثٌ غَرِيبٌ. انْتَهى. وقِيلَ: آخِرُ مُلُوكِهِمْ مَرْوانُ الجَعْدِيُّ في آخِرِ هَذا القَدْرِ مِنَ الزَّمانِ، ولا يُعارِضُ هَذا تَمَلُّكُ بَنِي أُمَيَّةَ في جَزِيرَةِ الأنْدَلُسِ مُدَّةً غَيْرَ هَذِهِ؛ لِأنَّهم كانُوا في بَعْضِ أطْرافِ الأرْضِ وآخِرِ عِمارَةِ العَرَبِ، بِحَيْثُ كانَ في إقْلِيمِ العَرَبِ إذْ ذاكَ مُلُوكٌ كَثِيرُونَ غَيْرُهم، وذُكِرَ أيْضًا في تَخْصِيصِ هَذِهِ المُدَّةِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، ذَكَرَ رَجُلًا مِن بَنِي إسْرائِيلَ لَبِسَ السِّلاحَ في سَبِيلِ اللَّهِ ألْفَ شَهْرٍ، فَعَجِبَ المُؤْمِنُونَ مِن ذَلِكَ وتَقاصَرَتْ أعْمالُهم، فَأُعْطُوا لَيْلَةً هي خَيْرٌ مِن مُدَّةِ ذَلِكَ الغازِي، وقِيلَ: إنَّ الرَّجُلَ فِيما مَضى ما كانَ يُقالُ لَهُ عابِدٌ حَتّى يَعْبُدَ اللَّهَ تَعالى ألْفَ شَهْرٍ، فَأُعْطُوا لَيْلَةً، إنْ أحْيَوْها كانُوا أحَقَّ بِأنْ يُسَمَّوْا عابِدِينَ مِن أُولَئِكَ العُبّادِ، وقالَ أبُو بَكْرٍ الوَرّاقُ: مَلَكَ كُلٌّ مِن سُلَيْمانَ وذِي القَرْنَيْنِ خَمْسَمِائَةِ سَنَةٍ، فَصارَ ألْفَ شَهْرٍ، فَجَعَلَ اللَّهُ العَمَلَ في هَذِهِ اللَّيْلَةِ لِمَن أدْرَكَها خَيْرًا مِن مُلْكِهِما. ﴿تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ﴾ تَقَدَّمَ الخِلافُ في الرُّوحِ، أهُوَ جِبْرِيلُ، أمْ رَحْمَةٌ يَنْزِلُ بِها، أمْ مَلَكٌ غَيْرُهُ، أمْ أشْرَفُ المَلائِكَةِ، أمْ جُنْدٌ مِن غَيْرِهِمْ، أمْ حَفَظَةٌ عَلى غَيْرِهِمْ مِنَ المَلائِكَةِ ؟ والتَّنَزُّلُ إمّا إلى الأرْضِ، وإمّا إلى سَماءِ الدُّنْيا ﴿بِإذْنِ رَبِّهِمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِتَنَزَّلُ ﴿مِن كُلِّ أمْرٍ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِتَنَزَّلُ ومِن لِلسَّبَبِ، أيْ تَتَنَزَّلُ مِن أجْلِ كُلِّ أمْرٍ قَضاهُ اللَّهُ لِتِلْكَ السَّنَةِ إلى قابِلٍ (وسَلامٌ) مُسْتَأْنَفٌ، خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَأِ الَّذِي هو هي، أيْ هي سَلامٌ إلى أوَّلِ يَوْمِها، قالَهُ أبُو العالِيَةِ ونافِعٌ المُقْرِي والفَرّاءُ، وهَذا عَلى قَوْلِ مَن قالَ: إنَّ تَنَزُّلَهم لِتَقْدِيرِ الأُمُورِ لَهم. وقالَ أبُو حاتِمٍ: مِن بِمَعْنى الباءِ، أيْ بِكُلِّ أمْرٍ، وابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ والكَلْبِيُّ: (مِن كُلِّ امْرِئٍ)، أيْ مِن أجْلِ كُلِّ إنْسانٍ، وقِيلَ: يُرادُ بِكُلِّ امْرِئٍ المَلائِكَةُ، أيْ مِن كُلِّ مَلَكٍ تَحِيَّةً عَلى المُؤْمِنِينَ العامِلِينَ بِالعِبادَةِ، وأنْكَرَ هَذا القَوْلَ أبُو حاتِمٍ ﴿سَلامٌ هِيَ﴾ أيْ هي سَلامٌ، جَعَلَها سَلامًا لِكَثْرَةِ السَّلامِ فِيها، قِيلَ: لا يَلْقَوْنَ مُؤْمِنًا ولا مُؤْمِنَةً إلّا سَلَّمُوا عَلَيْهِ في تِلْكَ اللَّيْلَةِ، وقالَ مَنصُورٌ والشَّعْبِيُّ: سَلامٌ بِمَعْنى التَّحِيَّةِ، أيْ تُسَلِّمُ المَلائِكَةُ عَلى المُؤْمِنِينَ. ومَن قالَ: تَنَزُّلُهم لَيْسَ لِتَقْدِيرِ الأُمُورِ في تِلْكَ السَّنَةِ، جَعَلَ الكَلامَ تامًّا عِنْدَ قَوْلِهِ: (بِإذْنِ رَبِّهِمْ) . وقالَ: (مِن كُلِّ أمْرٍ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿سَلامٌ هِيَ﴾ أيْ مِن كُلِّ أمْرٍ مُخَوِّفٍ يَنْبَغِي أنْ يُسَلَّمَ مِنهُ هي سَلامٌ، وقالَ مُجاهِدٌ: لا يُصِيبُ أحَدًا فِيها داءٌ، وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: وقِيلَ مَعْناهُ هي سَلامٌ مِن كُلِّ أمْرٍ، وأمْرِي سالِمَةٌ أوْ مُسَلَّمَةٌ مِنهُ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ سَلامٌ بِهَذِهِ اللَّفْظَةِ الظّاهِرَةِ الَّتِي هي المَصْدَرُ عامِلًا فِيما قَبْلَهُ لِامْتِناعِ تَقَدُّمِ مَعْمُولِ المَصْدَرِ عَلى المَصْدَرِ. كَما أنَّ الصِّلَةَ كَذَلِكَ لا يَجُوزُ تَقْدِيمُها عَلى المَوْصُولِ. انْتَهى. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: تَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: (سَلامٌ)، ولَفْظَةُ (هي) إشارَةٌ إلى أنَّها لَيْلَةُ سَبْعٍ وعِشْرِينَ مِنَ الشَّهْرِ، إذْ هَذِهِ الكَلِمَةُ (هي) السّابِعَةُ والعِشْرُونَ مِن كَلِماتِ هَذِهِ السُّورَةِ. انْتَهى. ولا يَصِحُّ مِثْلُ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وإنَّما هَذا مِن بابِ اللُّغْزِ المُنَزَّهِ عَنْهُ كَلامُ اللَّهِ تَعالى، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (مَطْلَعِ) بِفَتْحِ اللّامِ، وأبُو رَجاءٍ والأعْمَشُ وابْنُ وثّابٍ وطَلْحَةُ وابْنُ مُحَيْصِنٍ والكِسائِيُّ وأبُو عَمْرٍو: بِخِلافٍ عَنْهُ بِكَسْرِها، فَقِيلَ: هُما مَصْدَرانِ في لُغَةِ بَنِي تَمِيمٍ، وقِيلَ: المَصْدَرُ بِالفَتْحِ، ومَوْضِعُ الطُّلُوعِ بِالكَسْرِ عِنْدَ أهْلِ الحِجازِ.

القدر 97:2

سُورَةُ القَدْرِ مَكِّيَّةٌ وهي خَمْسُ آياتٍ ﷽ ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما لَيْلَةُ القَدْرِ﴾ ﴿لَيْلَةُ القَدْرِ خَيْرٌ مِن ألْفِ شَهْرٍ﴾ ﴿تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ فِيها بِإذْنِ رَبِّهِمْ مِن كُلِّ أمْرٍ﴾ ﴿سَلامٌ هي حَتّى مَطْلَعِ الفَجْرِ﴾ . (p-٤٩٦)هَذِهِ السُّورَةُ مَدَنِيَّةٌ في قَوْلِ الأكْثَرِ، وحَكى الماوَرْدِيُّ عَكْسَهُ، وذَكَرَ الواحِدِيُّ أنَّها أوَّلُ سُورَةٍ نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ، وفي الحَدِيثِ: (أنَّ أرْبَعَةً عَبَدُوا اللَّهَ تَعالى ثَمانِينَ سَنَةً لَمْ يَعْصُوهُ طَرْفَةَ عَيْنٍ: أيُّوبُ وزَكَرِيّا وحِزْقِيلُ ويُوشَعُ) فَعَجِبَ الصَّحابَةُ مِن ذَلِكَ، فَقَرَأ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ السُّورَةَ، فُسُّرُوا بِذَلِكَ، ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها ظاهِرٌ، لَمّا قالَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١] فَكَأنَّهُ قالَ: اقْرَأْ ما أنْزَلْناهُ عَلَيْكَ مِن كَلامِنا ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ والضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ المَعْنى، وهو ضَمِيرُ القُرْآنِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: أنْزَلَهُ اللَّهُ تَعالى لَيْلَةَ القَدْرِ إلى سَماءِ الدُّنْيا جُمْلَةً، ثُمَّ نَجَّمَهُ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ في عِشْرِينَ سَنَةً، وقالَ الشَّعْبِيُّ وغَيْرُهُ: إنّا ابْتَدَأْنا إنْزالَ هَذا القُرْآنِ إلَيْكَ في لَيْلَةِ القَدْرِ، ورُوِيَ أنَّ نُزُولَ المَلَكِ في حِراءَ كانَ في العَشْرِ الأواخِرِ مِن رَمَضانَ، وقِيلَ المَعْنى: إنّا أنْزَلْنا هَذِهِ السُّورَةَ في شَأْنِ لَيْلَةِ القَدْرِ وفَضْلِها، ولَمّا كانَتِ السُّورَةُ مِنَ القُرْآنِ، جاءَ الضَّمِيرُ لِلْقُرْآنِ تَفْخِيمًا وتَحْسِينًا، فَلَيْسَتْ لَيْلَةُ القَدْرِ ظَرْفًا لِلنُّزُولِ، بَلْ عَلى نَحْوِ قَوْلِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: لَقَدْ خَشِيتُ أنْ يَنْزِلَ فِيَّ قُرْآنٌ. وقَوْلُ عائِشَةَ: لَأنا أحْقَرُ في نَفْسِي مِن أنْ يَنْزِلَ فِيَّ قُرْآنٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَظَّمَ مِنَ القُرْآنِ مِن إسْنادِ إنْزالِهِ إلَيَّ مُخْتَصًّا بِهِ، ومِن مَجِيئِهِ بِضَمِيرِهِ دُونَ اسْمِهِ الظّاهِرِ شَهادَةً لَهُ بِالنَّباهَةِ والِاسْتِغْناءِ عَنِ التَّنْبِيهِ عَلَيْهِ، وبِالرَّفْعِ مِن مِقْدارِ الوَقْتِ الَّذِي أُنْزِلُ فِيهِ. انْتَهى، وفِيهِ بَعْضُ تَلْخِيصٍ، وسُمِّيَتْ لَيْلَةَ القَدْرِ؛ لِأنَّهُ تُقَدَّرُ فِيها الآجالُ والأرْزاقُ وحَوادِثُ العالَمِ كُلُّها وتُدْفَعُ إلى المَلائِكَةِ لِتَمْتَثِلَهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ وغَيْرُهُما، وقالَ الزُّهْرِيُّ: مَعْناهُ لَيْلَةُ القَدْرِ العَظِيمِ والشَّرَفِ، وعِظَمُ الشَّأْنِ مِن قَوْلِكَ: رَجُلٌ لَهُ قَدْرٌ، وقالَ أبُو بَكْرٍ الوَرّاقُ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ؛ لِأنَّها تُكْسِبُ مَن أحْياها قَدْرًا عَظِيمًا لَمْ يَكُنْ لَهُ قَبْلُ، وتَرُدُّهُ عَظِيمًا عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، وقِيلَ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ؛ لِأنَّ كُلَّ العَمَلِ فِيها لَهُ قَدْرٌ وخَطَرٌ، وقِيلَ: لِأنَّهُ أنْزَلَ فِيها كِتابًا ذا قَدْرٍ، عَلى رَسُولٍ ذِي قَدْرٍ، لِأُمَّةٍ ذاتِ قَدْرٍ، وقِيلَ: لِأنَّهُ يَنْزِلُ فِيها مَلائِكَةٌ ذاتُ قَدْرٍ وخَطَرٍ، وقِيلَ: لِأنَّهُ قَدَّرَ فِيها الرَّحْمَةَ عَلى المُؤْمِنِينَ، وقالَ الخَلِيلُ: لِأنَّ الأرْضَ تَضِيقُ فِيها بِالمَلائِكَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ومَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ [الطلاق: ٧] أيْ ضُيِّقَ، وقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ والخَلَفُ في تَعْيِينِ وقْتِها اخْتِلافًا مُتَعارِضًا جِدًّا، وبَعْضُهم قالَ: رُفِعَتْ، والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ الحَدِيثُ أنَّها لَمْ تُرْفَعْ، وأنَّ العَشْرَ الأخِيرَ تَكُونُ فِيهِ، وأنَّها في أوْتارِهِ، كَما قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: (التَمَسُوها في الثّالِثَةِ والخامِسَةِ والسّابِعَةِ والتّاسِعَةِ) . وفي الصَّحِيحِ: (مَن قامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إيمانًا واحْتِسابًا غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ) . ﴿وما أدْراكَ ما لَيْلَةُ القَدْرِ﴾ تَفْخِيمٌ لِشَأْنِها، أيْ لَمْ تَبْلُغْ دِرايَتُكَ غايَةَ فَضْلِها، ثُمَّ بَيَّنَ لَهُ ذَلِكَ، قالَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: ما كانَ في القُرْآنِ ﴿وما أدْراكَ﴾ فَقَدْ أعْلَمَهُ، وما قالَ: وما يُدْرِيكَ، فَإنَّهُ لَمْ يَعْلَمْهُ، قِيلَ: وأخْفاها اللَّهُ تَعالى عَنْ عِبادِهِ لِيَجِدُّوا في العَمَلِ ولا يَتَّكِلُوا عَلى فَضْلِها ويُقَصِّرُوا في غَيْرِها، والظّاهِرُ أنَّ ﴿ألْفِ شَهْرٍ﴾ يُرادُ بِهِ حَقِيقَةُ العَدَدِ، وهي ثَمانُونَ سَنَةً وثَلاثَةُ أعْوامٍ، والحَسَنُ: في لَيْلَةِ القَدْرِ أفْضَلُ مِنَ العَمَلِ في هَذِهِ الشُّهُورِ، والمُرادُ: ﴿خَيْرٌ مِن ألْفِ شَهْرٍ﴾ عارٍ مِن لَيْلَةِ القَدْرِ، وعَلى هَذا أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ، وقالَ أبُو العالِيَةِ: خَيْرٌ مِن ألْفِ شَهْرِ رَمَضانَ لا يَكُونُ فِيها لَيْلَةُ القَدْرِ. وقِيلَ: المَعْنى خَيْرٌ مِنَ الدَّهْرِ كُلِّهِ، لِأنَّ العَرَبَ تَذْكُرُ الألْفَ في غايَةِ الأشْياءِ كُلِّها، قالَ تَعالى: ﴿يَوَدُّ أحَدُهم لَوْ يُعَمَّرُ ألْفَ سَنَةٍ﴾ [البقرة: ٩٦] يَعْنِي جَمِيعَ الدَّهْرِ. وعُوتِبَ الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ عَلى تَسْلِيمِهِ الأمْرَ لِمُعاوِيَةَ فَقالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى أرى في المَنامِ نَبِيَّهُ ﷺ بَنِي أُمَيَّةَ يَنْزُونَ عَلى مَقْبَرِهِ نَزْوَ القِرَدَةِ، فاهْتَمَّ لِذَلِكَ، فَأعْطاهُ اللَّهُ تَعالى لَيْلَةَ القَدْرِ، وهي خَيْرٌ مِن مُدَّةِ مُلُوكِ بَنِي أُمَيَّةَ، وأعْلَمَهُ أنَّهم يَمْلِكُونَ هَذا القَدْرَ مِنَ الزَّمانِ، قالَ القاسِمُ بْنُ الفَضْلِ الجُذامِيُّ: فَعَدَدْنا ذَلِكَ فَإذا هي ألْفُ شَهْرٍ لا تَزِيدُ يَوْمًا ولا تَنْقُصُ يَوْمًا، وخَرَّجَ قَرِيبًا مِن مَعْناهُ التِّرْمِذِيُّ (p-٤٩٧)وقالَ: حَدِيثٌ غَرِيبٌ. انْتَهى. وقِيلَ: آخِرُ مُلُوكِهِمْ مَرْوانُ الجَعْدِيُّ في آخِرِ هَذا القَدْرِ مِنَ الزَّمانِ، ولا يُعارِضُ هَذا تَمَلُّكُ بَنِي أُمَيَّةَ في جَزِيرَةِ الأنْدَلُسِ مُدَّةً غَيْرَ هَذِهِ؛ لِأنَّهم كانُوا في بَعْضِ أطْرافِ الأرْضِ وآخِرِ عِمارَةِ العَرَبِ، بِحَيْثُ كانَ في إقْلِيمِ العَرَبِ إذْ ذاكَ مُلُوكٌ كَثِيرُونَ غَيْرُهم، وذُكِرَ أيْضًا في تَخْصِيصِ هَذِهِ المُدَّةِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، ذَكَرَ رَجُلًا مِن بَنِي إسْرائِيلَ لَبِسَ السِّلاحَ في سَبِيلِ اللَّهِ ألْفَ شَهْرٍ، فَعَجِبَ المُؤْمِنُونَ مِن ذَلِكَ وتَقاصَرَتْ أعْمالُهم، فَأُعْطُوا لَيْلَةً هي خَيْرٌ مِن مُدَّةِ ذَلِكَ الغازِي، وقِيلَ: إنَّ الرَّجُلَ فِيما مَضى ما كانَ يُقالُ لَهُ عابِدٌ حَتّى يَعْبُدَ اللَّهَ تَعالى ألْفَ شَهْرٍ، فَأُعْطُوا لَيْلَةً، إنْ أحْيَوْها كانُوا أحَقَّ بِأنْ يُسَمَّوْا عابِدِينَ مِن أُولَئِكَ العُبّادِ، وقالَ أبُو بَكْرٍ الوَرّاقُ: مَلَكَ كُلٌّ مِن سُلَيْمانَ وذِي القَرْنَيْنِ خَمْسَمِائَةِ سَنَةٍ، فَصارَ ألْفَ شَهْرٍ، فَجَعَلَ اللَّهُ العَمَلَ في هَذِهِ اللَّيْلَةِ لِمَن أدْرَكَها خَيْرًا مِن مُلْكِهِما. ﴿تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ﴾ تَقَدَّمَ الخِلافُ في الرُّوحِ، أهُوَ جِبْرِيلُ، أمْ رَحْمَةٌ يَنْزِلُ بِها، أمْ مَلَكٌ غَيْرُهُ، أمْ أشْرَفُ المَلائِكَةِ، أمْ جُنْدٌ مِن غَيْرِهِمْ، أمْ حَفَظَةٌ عَلى غَيْرِهِمْ مِنَ المَلائِكَةِ ؟ والتَّنَزُّلُ إمّا إلى الأرْضِ، وإمّا إلى سَماءِ الدُّنْيا ﴿بِإذْنِ رَبِّهِمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِتَنَزَّلُ ﴿مِن كُلِّ أمْرٍ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِتَنَزَّلُ ومِن لِلسَّبَبِ، أيْ تَتَنَزَّلُ مِن أجْلِ كُلِّ أمْرٍ قَضاهُ اللَّهُ لِتِلْكَ السَّنَةِ إلى قابِلٍ (وسَلامٌ) مُسْتَأْنَفٌ، خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَأِ الَّذِي هو هي، أيْ هي سَلامٌ إلى أوَّلِ يَوْمِها، قالَهُ أبُو العالِيَةِ ونافِعٌ المُقْرِي والفَرّاءُ، وهَذا عَلى قَوْلِ مَن قالَ: إنَّ تَنَزُّلَهم لِتَقْدِيرِ الأُمُورِ لَهم. وقالَ أبُو حاتِمٍ: مِن بِمَعْنى الباءِ، أيْ بِكُلِّ أمْرٍ، وابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ والكَلْبِيُّ: (مِن كُلِّ امْرِئٍ)، أيْ مِن أجْلِ كُلِّ إنْسانٍ، وقِيلَ: يُرادُ بِكُلِّ امْرِئٍ المَلائِكَةُ، أيْ مِن كُلِّ مَلَكٍ تَحِيَّةً عَلى المُؤْمِنِينَ العامِلِينَ بِالعِبادَةِ، وأنْكَرَ هَذا القَوْلَ أبُو حاتِمٍ ﴿سَلامٌ هِيَ﴾ أيْ هي سَلامٌ، جَعَلَها سَلامًا لِكَثْرَةِ السَّلامِ فِيها، قِيلَ: لا يَلْقَوْنَ مُؤْمِنًا ولا مُؤْمِنَةً إلّا سَلَّمُوا عَلَيْهِ في تِلْكَ اللَّيْلَةِ، وقالَ مَنصُورٌ والشَّعْبِيُّ: سَلامٌ بِمَعْنى التَّحِيَّةِ، أيْ تُسَلِّمُ المَلائِكَةُ عَلى المُؤْمِنِينَ. ومَن قالَ: تَنَزُّلُهم لَيْسَ لِتَقْدِيرِ الأُمُورِ في تِلْكَ السَّنَةِ، جَعَلَ الكَلامَ تامًّا عِنْدَ قَوْلِهِ: (بِإذْنِ رَبِّهِمْ) . وقالَ: (مِن كُلِّ أمْرٍ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿سَلامٌ هِيَ﴾ أيْ مِن كُلِّ أمْرٍ مُخَوِّفٍ يَنْبَغِي أنْ يُسَلَّمَ مِنهُ هي سَلامٌ، وقالَ مُجاهِدٌ: لا يُصِيبُ أحَدًا فِيها داءٌ، وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: وقِيلَ مَعْناهُ هي سَلامٌ مِن كُلِّ أمْرٍ، وأمْرِي سالِمَةٌ أوْ مُسَلَّمَةٌ مِنهُ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ سَلامٌ بِهَذِهِ اللَّفْظَةِ الظّاهِرَةِ الَّتِي هي المَصْدَرُ عامِلًا فِيما قَبْلَهُ لِامْتِناعِ تَقَدُّمِ مَعْمُولِ المَصْدَرِ عَلى المَصْدَرِ. كَما أنَّ الصِّلَةَ كَذَلِكَ لا يَجُوزُ تَقْدِيمُها عَلى المَوْصُولِ. انْتَهى. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: تَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: (سَلامٌ)، ولَفْظَةُ (هي) إشارَةٌ إلى أنَّها لَيْلَةُ سَبْعٍ وعِشْرِينَ مِنَ الشَّهْرِ، إذْ هَذِهِ الكَلِمَةُ (هي) السّابِعَةُ والعِشْرُونَ مِن كَلِماتِ هَذِهِ السُّورَةِ. انْتَهى. ولا يَصِحُّ مِثْلُ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وإنَّما هَذا مِن بابِ اللُّغْزِ المُنَزَّهِ عَنْهُ كَلامُ اللَّهِ تَعالى، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (مَطْلَعِ) بِفَتْحِ اللّامِ، وأبُو رَجاءٍ والأعْمَشُ وابْنُ وثّابٍ وطَلْحَةُ وابْنُ مُحَيْصِنٍ والكِسائِيُّ وأبُو عَمْرٍو: بِخِلافٍ عَنْهُ بِكَسْرِها، فَقِيلَ: هُما مَصْدَرانِ في لُغَةِ بَنِي تَمِيمٍ، وقِيلَ: المَصْدَرُ بِالفَتْحِ، ومَوْضِعُ الطُّلُوعِ بِالكَسْرِ عِنْدَ أهْلِ الحِجازِ.

القدر 97:3

سُورَةُ القَدْرِ مَكِّيَّةٌ وهي خَمْسُ آياتٍ ﷽ ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما لَيْلَةُ القَدْرِ﴾ ﴿لَيْلَةُ القَدْرِ خَيْرٌ مِن ألْفِ شَهْرٍ﴾ ﴿تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ فِيها بِإذْنِ رَبِّهِمْ مِن كُلِّ أمْرٍ﴾ ﴿سَلامٌ هي حَتّى مَطْلَعِ الفَجْرِ﴾ . (p-٤٩٦)هَذِهِ السُّورَةُ مَدَنِيَّةٌ في قَوْلِ الأكْثَرِ، وحَكى الماوَرْدِيُّ عَكْسَهُ، وذَكَرَ الواحِدِيُّ أنَّها أوَّلُ سُورَةٍ نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ، وفي الحَدِيثِ: (أنَّ أرْبَعَةً عَبَدُوا اللَّهَ تَعالى ثَمانِينَ سَنَةً لَمْ يَعْصُوهُ طَرْفَةَ عَيْنٍ: أيُّوبُ وزَكَرِيّا وحِزْقِيلُ ويُوشَعُ) فَعَجِبَ الصَّحابَةُ مِن ذَلِكَ، فَقَرَأ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ السُّورَةَ، فُسُّرُوا بِذَلِكَ، ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها ظاهِرٌ، لَمّا قالَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١] فَكَأنَّهُ قالَ: اقْرَأْ ما أنْزَلْناهُ عَلَيْكَ مِن كَلامِنا ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ والضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ المَعْنى، وهو ضَمِيرُ القُرْآنِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: أنْزَلَهُ اللَّهُ تَعالى لَيْلَةَ القَدْرِ إلى سَماءِ الدُّنْيا جُمْلَةً، ثُمَّ نَجَّمَهُ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ في عِشْرِينَ سَنَةً، وقالَ الشَّعْبِيُّ وغَيْرُهُ: إنّا ابْتَدَأْنا إنْزالَ هَذا القُرْآنِ إلَيْكَ في لَيْلَةِ القَدْرِ، ورُوِيَ أنَّ نُزُولَ المَلَكِ في حِراءَ كانَ في العَشْرِ الأواخِرِ مِن رَمَضانَ، وقِيلَ المَعْنى: إنّا أنْزَلْنا هَذِهِ السُّورَةَ في شَأْنِ لَيْلَةِ القَدْرِ وفَضْلِها، ولَمّا كانَتِ السُّورَةُ مِنَ القُرْآنِ، جاءَ الضَّمِيرُ لِلْقُرْآنِ تَفْخِيمًا وتَحْسِينًا، فَلَيْسَتْ لَيْلَةُ القَدْرِ ظَرْفًا لِلنُّزُولِ، بَلْ عَلى نَحْوِ قَوْلِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: لَقَدْ خَشِيتُ أنْ يَنْزِلَ فِيَّ قُرْآنٌ. وقَوْلُ عائِشَةَ: لَأنا أحْقَرُ في نَفْسِي مِن أنْ يَنْزِلَ فِيَّ قُرْآنٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَظَّمَ مِنَ القُرْآنِ مِن إسْنادِ إنْزالِهِ إلَيَّ مُخْتَصًّا بِهِ، ومِن مَجِيئِهِ بِضَمِيرِهِ دُونَ اسْمِهِ الظّاهِرِ شَهادَةً لَهُ بِالنَّباهَةِ والِاسْتِغْناءِ عَنِ التَّنْبِيهِ عَلَيْهِ، وبِالرَّفْعِ مِن مِقْدارِ الوَقْتِ الَّذِي أُنْزِلُ فِيهِ. انْتَهى، وفِيهِ بَعْضُ تَلْخِيصٍ، وسُمِّيَتْ لَيْلَةَ القَدْرِ؛ لِأنَّهُ تُقَدَّرُ فِيها الآجالُ والأرْزاقُ وحَوادِثُ العالَمِ كُلُّها وتُدْفَعُ إلى المَلائِكَةِ لِتَمْتَثِلَهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ وغَيْرُهُما، وقالَ الزُّهْرِيُّ: مَعْناهُ لَيْلَةُ القَدْرِ العَظِيمِ والشَّرَفِ، وعِظَمُ الشَّأْنِ مِن قَوْلِكَ: رَجُلٌ لَهُ قَدْرٌ، وقالَ أبُو بَكْرٍ الوَرّاقُ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ؛ لِأنَّها تُكْسِبُ مَن أحْياها قَدْرًا عَظِيمًا لَمْ يَكُنْ لَهُ قَبْلُ، وتَرُدُّهُ عَظِيمًا عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، وقِيلَ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ؛ لِأنَّ كُلَّ العَمَلِ فِيها لَهُ قَدْرٌ وخَطَرٌ، وقِيلَ: لِأنَّهُ أنْزَلَ فِيها كِتابًا ذا قَدْرٍ، عَلى رَسُولٍ ذِي قَدْرٍ، لِأُمَّةٍ ذاتِ قَدْرٍ، وقِيلَ: لِأنَّهُ يَنْزِلُ فِيها مَلائِكَةٌ ذاتُ قَدْرٍ وخَطَرٍ، وقِيلَ: لِأنَّهُ قَدَّرَ فِيها الرَّحْمَةَ عَلى المُؤْمِنِينَ، وقالَ الخَلِيلُ: لِأنَّ الأرْضَ تَضِيقُ فِيها بِالمَلائِكَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ومَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ [الطلاق: ٧] أيْ ضُيِّقَ، وقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ والخَلَفُ في تَعْيِينِ وقْتِها اخْتِلافًا مُتَعارِضًا جِدًّا، وبَعْضُهم قالَ: رُفِعَتْ، والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ الحَدِيثُ أنَّها لَمْ تُرْفَعْ، وأنَّ العَشْرَ الأخِيرَ تَكُونُ فِيهِ، وأنَّها في أوْتارِهِ، كَما قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: (التَمَسُوها في الثّالِثَةِ والخامِسَةِ والسّابِعَةِ والتّاسِعَةِ) . وفي الصَّحِيحِ: (مَن قامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إيمانًا واحْتِسابًا غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ) . ﴿وما أدْراكَ ما لَيْلَةُ القَدْرِ﴾ تَفْخِيمٌ لِشَأْنِها، أيْ لَمْ تَبْلُغْ دِرايَتُكَ غايَةَ فَضْلِها، ثُمَّ بَيَّنَ لَهُ ذَلِكَ، قالَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: ما كانَ في القُرْآنِ ﴿وما أدْراكَ﴾ فَقَدْ أعْلَمَهُ، وما قالَ: وما يُدْرِيكَ، فَإنَّهُ لَمْ يَعْلَمْهُ، قِيلَ: وأخْفاها اللَّهُ تَعالى عَنْ عِبادِهِ لِيَجِدُّوا في العَمَلِ ولا يَتَّكِلُوا عَلى فَضْلِها ويُقَصِّرُوا في غَيْرِها، والظّاهِرُ أنَّ ﴿ألْفِ شَهْرٍ﴾ يُرادُ بِهِ حَقِيقَةُ العَدَدِ، وهي ثَمانُونَ سَنَةً وثَلاثَةُ أعْوامٍ، والحَسَنُ: في لَيْلَةِ القَدْرِ أفْضَلُ مِنَ العَمَلِ في هَذِهِ الشُّهُورِ، والمُرادُ: ﴿خَيْرٌ مِن ألْفِ شَهْرٍ﴾ عارٍ مِن لَيْلَةِ القَدْرِ، وعَلى هَذا أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ، وقالَ أبُو العالِيَةِ: خَيْرٌ مِن ألْفِ شَهْرِ رَمَضانَ لا يَكُونُ فِيها لَيْلَةُ القَدْرِ. وقِيلَ: المَعْنى خَيْرٌ مِنَ الدَّهْرِ كُلِّهِ، لِأنَّ العَرَبَ تَذْكُرُ الألْفَ في غايَةِ الأشْياءِ كُلِّها، قالَ تَعالى: ﴿يَوَدُّ أحَدُهم لَوْ يُعَمَّرُ ألْفَ سَنَةٍ﴾ [البقرة: ٩٦] يَعْنِي جَمِيعَ الدَّهْرِ. وعُوتِبَ الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ عَلى تَسْلِيمِهِ الأمْرَ لِمُعاوِيَةَ فَقالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى أرى في المَنامِ نَبِيَّهُ ﷺ بَنِي أُمَيَّةَ يَنْزُونَ عَلى مَقْبَرِهِ نَزْوَ القِرَدَةِ، فاهْتَمَّ لِذَلِكَ، فَأعْطاهُ اللَّهُ تَعالى لَيْلَةَ القَدْرِ، وهي خَيْرٌ مِن مُدَّةِ مُلُوكِ بَنِي أُمَيَّةَ، وأعْلَمَهُ أنَّهم يَمْلِكُونَ هَذا القَدْرَ مِنَ الزَّمانِ، قالَ القاسِمُ بْنُ الفَضْلِ الجُذامِيُّ: فَعَدَدْنا ذَلِكَ فَإذا هي ألْفُ شَهْرٍ لا تَزِيدُ يَوْمًا ولا تَنْقُصُ يَوْمًا، وخَرَّجَ قَرِيبًا مِن مَعْناهُ التِّرْمِذِيُّ (p-٤٩٧)وقالَ: حَدِيثٌ غَرِيبٌ. انْتَهى. وقِيلَ: آخِرُ مُلُوكِهِمْ مَرْوانُ الجَعْدِيُّ في آخِرِ هَذا القَدْرِ مِنَ الزَّمانِ، ولا يُعارِضُ هَذا تَمَلُّكُ بَنِي أُمَيَّةَ في جَزِيرَةِ الأنْدَلُسِ مُدَّةً غَيْرَ هَذِهِ؛ لِأنَّهم كانُوا في بَعْضِ أطْرافِ الأرْضِ وآخِرِ عِمارَةِ العَرَبِ، بِحَيْثُ كانَ في إقْلِيمِ العَرَبِ إذْ ذاكَ مُلُوكٌ كَثِيرُونَ غَيْرُهم، وذُكِرَ أيْضًا في تَخْصِيصِ هَذِهِ المُدَّةِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، ذَكَرَ رَجُلًا مِن بَنِي إسْرائِيلَ لَبِسَ السِّلاحَ في سَبِيلِ اللَّهِ ألْفَ شَهْرٍ، فَعَجِبَ المُؤْمِنُونَ مِن ذَلِكَ وتَقاصَرَتْ أعْمالُهم، فَأُعْطُوا لَيْلَةً هي خَيْرٌ مِن مُدَّةِ ذَلِكَ الغازِي، وقِيلَ: إنَّ الرَّجُلَ فِيما مَضى ما كانَ يُقالُ لَهُ عابِدٌ حَتّى يَعْبُدَ اللَّهَ تَعالى ألْفَ شَهْرٍ، فَأُعْطُوا لَيْلَةً، إنْ أحْيَوْها كانُوا أحَقَّ بِأنْ يُسَمَّوْا عابِدِينَ مِن أُولَئِكَ العُبّادِ، وقالَ أبُو بَكْرٍ الوَرّاقُ: مَلَكَ كُلٌّ مِن سُلَيْمانَ وذِي القَرْنَيْنِ خَمْسَمِائَةِ سَنَةٍ، فَصارَ ألْفَ شَهْرٍ، فَجَعَلَ اللَّهُ العَمَلَ في هَذِهِ اللَّيْلَةِ لِمَن أدْرَكَها خَيْرًا مِن مُلْكِهِما. ﴿تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ﴾ تَقَدَّمَ الخِلافُ في الرُّوحِ، أهُوَ جِبْرِيلُ، أمْ رَحْمَةٌ يَنْزِلُ بِها، أمْ مَلَكٌ غَيْرُهُ، أمْ أشْرَفُ المَلائِكَةِ، أمْ جُنْدٌ مِن غَيْرِهِمْ، أمْ حَفَظَةٌ عَلى غَيْرِهِمْ مِنَ المَلائِكَةِ ؟ والتَّنَزُّلُ إمّا إلى الأرْضِ، وإمّا إلى سَماءِ الدُّنْيا ﴿بِإذْنِ رَبِّهِمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِتَنَزَّلُ ﴿مِن كُلِّ أمْرٍ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِتَنَزَّلُ ومِن لِلسَّبَبِ، أيْ تَتَنَزَّلُ مِن أجْلِ كُلِّ أمْرٍ قَضاهُ اللَّهُ لِتِلْكَ السَّنَةِ إلى قابِلٍ (وسَلامٌ) مُسْتَأْنَفٌ، خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَأِ الَّذِي هو هي، أيْ هي سَلامٌ إلى أوَّلِ يَوْمِها، قالَهُ أبُو العالِيَةِ ونافِعٌ المُقْرِي والفَرّاءُ، وهَذا عَلى قَوْلِ مَن قالَ: إنَّ تَنَزُّلَهم لِتَقْدِيرِ الأُمُورِ لَهم. وقالَ أبُو حاتِمٍ: مِن بِمَعْنى الباءِ، أيْ بِكُلِّ أمْرٍ، وابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ والكَلْبِيُّ: (مِن كُلِّ امْرِئٍ)، أيْ مِن أجْلِ كُلِّ إنْسانٍ، وقِيلَ: يُرادُ بِكُلِّ امْرِئٍ المَلائِكَةُ، أيْ مِن كُلِّ مَلَكٍ تَحِيَّةً عَلى المُؤْمِنِينَ العامِلِينَ بِالعِبادَةِ، وأنْكَرَ هَذا القَوْلَ أبُو حاتِمٍ ﴿سَلامٌ هِيَ﴾ أيْ هي سَلامٌ، جَعَلَها سَلامًا لِكَثْرَةِ السَّلامِ فِيها، قِيلَ: لا يَلْقَوْنَ مُؤْمِنًا ولا مُؤْمِنَةً إلّا سَلَّمُوا عَلَيْهِ في تِلْكَ اللَّيْلَةِ، وقالَ مَنصُورٌ والشَّعْبِيُّ: سَلامٌ بِمَعْنى التَّحِيَّةِ، أيْ تُسَلِّمُ المَلائِكَةُ عَلى المُؤْمِنِينَ. ومَن قالَ: تَنَزُّلُهم لَيْسَ لِتَقْدِيرِ الأُمُورِ في تِلْكَ السَّنَةِ، جَعَلَ الكَلامَ تامًّا عِنْدَ قَوْلِهِ: (بِإذْنِ رَبِّهِمْ) . وقالَ: (مِن كُلِّ أمْرٍ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿سَلامٌ هِيَ﴾ أيْ مِن كُلِّ أمْرٍ مُخَوِّفٍ يَنْبَغِي أنْ يُسَلَّمَ مِنهُ هي سَلامٌ، وقالَ مُجاهِدٌ: لا يُصِيبُ أحَدًا فِيها داءٌ، وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: وقِيلَ مَعْناهُ هي سَلامٌ مِن كُلِّ أمْرٍ، وأمْرِي سالِمَةٌ أوْ مُسَلَّمَةٌ مِنهُ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ سَلامٌ بِهَذِهِ اللَّفْظَةِ الظّاهِرَةِ الَّتِي هي المَصْدَرُ عامِلًا فِيما قَبْلَهُ لِامْتِناعِ تَقَدُّمِ مَعْمُولِ المَصْدَرِ عَلى المَصْدَرِ. كَما أنَّ الصِّلَةَ كَذَلِكَ لا يَجُوزُ تَقْدِيمُها عَلى المَوْصُولِ. انْتَهى. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: تَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: (سَلامٌ)، ولَفْظَةُ (هي) إشارَةٌ إلى أنَّها لَيْلَةُ سَبْعٍ وعِشْرِينَ مِنَ الشَّهْرِ، إذْ هَذِهِ الكَلِمَةُ (هي) السّابِعَةُ والعِشْرُونَ مِن كَلِماتِ هَذِهِ السُّورَةِ. انْتَهى. ولا يَصِحُّ مِثْلُ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وإنَّما هَذا مِن بابِ اللُّغْزِ المُنَزَّهِ عَنْهُ كَلامُ اللَّهِ تَعالى، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (مَطْلَعِ) بِفَتْحِ اللّامِ، وأبُو رَجاءٍ والأعْمَشُ وابْنُ وثّابٍ وطَلْحَةُ وابْنُ مُحَيْصِنٍ والكِسائِيُّ وأبُو عَمْرٍو: بِخِلافٍ عَنْهُ بِكَسْرِها، فَقِيلَ: هُما مَصْدَرانِ في لُغَةِ بَنِي تَمِيمٍ، وقِيلَ: المَصْدَرُ بِالفَتْحِ، ومَوْضِعُ الطُّلُوعِ بِالكَسْرِ عِنْدَ أهْلِ الحِجازِ.

القدر 97:4

سُورَةُ القَدْرِ مَكِّيَّةٌ وهي خَمْسُ آياتٍ ﷽ ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما لَيْلَةُ القَدْرِ﴾ ﴿لَيْلَةُ القَدْرِ خَيْرٌ مِن ألْفِ شَهْرٍ﴾ ﴿تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ فِيها بِإذْنِ رَبِّهِمْ مِن كُلِّ أمْرٍ﴾ ﴿سَلامٌ هي حَتّى مَطْلَعِ الفَجْرِ﴾ . (p-٤٩٦)هَذِهِ السُّورَةُ مَدَنِيَّةٌ في قَوْلِ الأكْثَرِ، وحَكى الماوَرْدِيُّ عَكْسَهُ، وذَكَرَ الواحِدِيُّ أنَّها أوَّلُ سُورَةٍ نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ، وفي الحَدِيثِ: (أنَّ أرْبَعَةً عَبَدُوا اللَّهَ تَعالى ثَمانِينَ سَنَةً لَمْ يَعْصُوهُ طَرْفَةَ عَيْنٍ: أيُّوبُ وزَكَرِيّا وحِزْقِيلُ ويُوشَعُ) فَعَجِبَ الصَّحابَةُ مِن ذَلِكَ، فَقَرَأ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ السُّورَةَ، فُسُّرُوا بِذَلِكَ، ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها ظاهِرٌ، لَمّا قالَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١] فَكَأنَّهُ قالَ: اقْرَأْ ما أنْزَلْناهُ عَلَيْكَ مِن كَلامِنا ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ والضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ المَعْنى، وهو ضَمِيرُ القُرْآنِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: أنْزَلَهُ اللَّهُ تَعالى لَيْلَةَ القَدْرِ إلى سَماءِ الدُّنْيا جُمْلَةً، ثُمَّ نَجَّمَهُ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ في عِشْرِينَ سَنَةً، وقالَ الشَّعْبِيُّ وغَيْرُهُ: إنّا ابْتَدَأْنا إنْزالَ هَذا القُرْآنِ إلَيْكَ في لَيْلَةِ القَدْرِ، ورُوِيَ أنَّ نُزُولَ المَلَكِ في حِراءَ كانَ في العَشْرِ الأواخِرِ مِن رَمَضانَ، وقِيلَ المَعْنى: إنّا أنْزَلْنا هَذِهِ السُّورَةَ في شَأْنِ لَيْلَةِ القَدْرِ وفَضْلِها، ولَمّا كانَتِ السُّورَةُ مِنَ القُرْآنِ، جاءَ الضَّمِيرُ لِلْقُرْآنِ تَفْخِيمًا وتَحْسِينًا، فَلَيْسَتْ لَيْلَةُ القَدْرِ ظَرْفًا لِلنُّزُولِ، بَلْ عَلى نَحْوِ قَوْلِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: لَقَدْ خَشِيتُ أنْ يَنْزِلَ فِيَّ قُرْآنٌ. وقَوْلُ عائِشَةَ: لَأنا أحْقَرُ في نَفْسِي مِن أنْ يَنْزِلَ فِيَّ قُرْآنٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَظَّمَ مِنَ القُرْآنِ مِن إسْنادِ إنْزالِهِ إلَيَّ مُخْتَصًّا بِهِ، ومِن مَجِيئِهِ بِضَمِيرِهِ دُونَ اسْمِهِ الظّاهِرِ شَهادَةً لَهُ بِالنَّباهَةِ والِاسْتِغْناءِ عَنِ التَّنْبِيهِ عَلَيْهِ، وبِالرَّفْعِ مِن مِقْدارِ الوَقْتِ الَّذِي أُنْزِلُ فِيهِ. انْتَهى، وفِيهِ بَعْضُ تَلْخِيصٍ، وسُمِّيَتْ لَيْلَةَ القَدْرِ؛ لِأنَّهُ تُقَدَّرُ فِيها الآجالُ والأرْزاقُ وحَوادِثُ العالَمِ كُلُّها وتُدْفَعُ إلى المَلائِكَةِ لِتَمْتَثِلَهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ وغَيْرُهُما، وقالَ الزُّهْرِيُّ: مَعْناهُ لَيْلَةُ القَدْرِ العَظِيمِ والشَّرَفِ، وعِظَمُ الشَّأْنِ مِن قَوْلِكَ: رَجُلٌ لَهُ قَدْرٌ، وقالَ أبُو بَكْرٍ الوَرّاقُ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ؛ لِأنَّها تُكْسِبُ مَن أحْياها قَدْرًا عَظِيمًا لَمْ يَكُنْ لَهُ قَبْلُ، وتَرُدُّهُ عَظِيمًا عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، وقِيلَ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ؛ لِأنَّ كُلَّ العَمَلِ فِيها لَهُ قَدْرٌ وخَطَرٌ، وقِيلَ: لِأنَّهُ أنْزَلَ فِيها كِتابًا ذا قَدْرٍ، عَلى رَسُولٍ ذِي قَدْرٍ، لِأُمَّةٍ ذاتِ قَدْرٍ، وقِيلَ: لِأنَّهُ يَنْزِلُ فِيها مَلائِكَةٌ ذاتُ قَدْرٍ وخَطَرٍ، وقِيلَ: لِأنَّهُ قَدَّرَ فِيها الرَّحْمَةَ عَلى المُؤْمِنِينَ، وقالَ الخَلِيلُ: لِأنَّ الأرْضَ تَضِيقُ فِيها بِالمَلائِكَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ومَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ [الطلاق: ٧] أيْ ضُيِّقَ، وقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ والخَلَفُ في تَعْيِينِ وقْتِها اخْتِلافًا مُتَعارِضًا جِدًّا، وبَعْضُهم قالَ: رُفِعَتْ، والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ الحَدِيثُ أنَّها لَمْ تُرْفَعْ، وأنَّ العَشْرَ الأخِيرَ تَكُونُ فِيهِ، وأنَّها في أوْتارِهِ، كَما قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: (التَمَسُوها في الثّالِثَةِ والخامِسَةِ والسّابِعَةِ والتّاسِعَةِ) . وفي الصَّحِيحِ: (مَن قامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إيمانًا واحْتِسابًا غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ) . ﴿وما أدْراكَ ما لَيْلَةُ القَدْرِ﴾ تَفْخِيمٌ لِشَأْنِها، أيْ لَمْ تَبْلُغْ دِرايَتُكَ غايَةَ فَضْلِها، ثُمَّ بَيَّنَ لَهُ ذَلِكَ، قالَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: ما كانَ في القُرْآنِ ﴿وما أدْراكَ﴾ فَقَدْ أعْلَمَهُ، وما قالَ: وما يُدْرِيكَ، فَإنَّهُ لَمْ يَعْلَمْهُ، قِيلَ: وأخْفاها اللَّهُ تَعالى عَنْ عِبادِهِ لِيَجِدُّوا في العَمَلِ ولا يَتَّكِلُوا عَلى فَضْلِها ويُقَصِّرُوا في غَيْرِها، والظّاهِرُ أنَّ ﴿ألْفِ شَهْرٍ﴾ يُرادُ بِهِ حَقِيقَةُ العَدَدِ، وهي ثَمانُونَ سَنَةً وثَلاثَةُ أعْوامٍ، والحَسَنُ: في لَيْلَةِ القَدْرِ أفْضَلُ مِنَ العَمَلِ في هَذِهِ الشُّهُورِ، والمُرادُ: ﴿خَيْرٌ مِن ألْفِ شَهْرٍ﴾ عارٍ مِن لَيْلَةِ القَدْرِ، وعَلى هَذا أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ، وقالَ أبُو العالِيَةِ: خَيْرٌ مِن ألْفِ شَهْرِ رَمَضانَ لا يَكُونُ فِيها لَيْلَةُ القَدْرِ. وقِيلَ: المَعْنى خَيْرٌ مِنَ الدَّهْرِ كُلِّهِ، لِأنَّ العَرَبَ تَذْكُرُ الألْفَ في غايَةِ الأشْياءِ كُلِّها، قالَ تَعالى: ﴿يَوَدُّ أحَدُهم لَوْ يُعَمَّرُ ألْفَ سَنَةٍ﴾ [البقرة: ٩٦] يَعْنِي جَمِيعَ الدَّهْرِ. وعُوتِبَ الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ عَلى تَسْلِيمِهِ الأمْرَ لِمُعاوِيَةَ فَقالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى أرى في المَنامِ نَبِيَّهُ ﷺ بَنِي أُمَيَّةَ يَنْزُونَ عَلى مَقْبَرِهِ نَزْوَ القِرَدَةِ، فاهْتَمَّ لِذَلِكَ، فَأعْطاهُ اللَّهُ تَعالى لَيْلَةَ القَدْرِ، وهي خَيْرٌ مِن مُدَّةِ مُلُوكِ بَنِي أُمَيَّةَ، وأعْلَمَهُ أنَّهم يَمْلِكُونَ هَذا القَدْرَ مِنَ الزَّمانِ، قالَ القاسِمُ بْنُ الفَضْلِ الجُذامِيُّ: فَعَدَدْنا ذَلِكَ فَإذا هي ألْفُ شَهْرٍ لا تَزِيدُ يَوْمًا ولا تَنْقُصُ يَوْمًا، وخَرَّجَ قَرِيبًا مِن مَعْناهُ التِّرْمِذِيُّ (p-٤٩٧)وقالَ: حَدِيثٌ غَرِيبٌ. انْتَهى. وقِيلَ: آخِرُ مُلُوكِهِمْ مَرْوانُ الجَعْدِيُّ في آخِرِ هَذا القَدْرِ مِنَ الزَّمانِ، ولا يُعارِضُ هَذا تَمَلُّكُ بَنِي أُمَيَّةَ في جَزِيرَةِ الأنْدَلُسِ مُدَّةً غَيْرَ هَذِهِ؛ لِأنَّهم كانُوا في بَعْضِ أطْرافِ الأرْضِ وآخِرِ عِمارَةِ العَرَبِ، بِحَيْثُ كانَ في إقْلِيمِ العَرَبِ إذْ ذاكَ مُلُوكٌ كَثِيرُونَ غَيْرُهم، وذُكِرَ أيْضًا في تَخْصِيصِ هَذِهِ المُدَّةِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، ذَكَرَ رَجُلًا مِن بَنِي إسْرائِيلَ لَبِسَ السِّلاحَ في سَبِيلِ اللَّهِ ألْفَ شَهْرٍ، فَعَجِبَ المُؤْمِنُونَ مِن ذَلِكَ وتَقاصَرَتْ أعْمالُهم، فَأُعْطُوا لَيْلَةً هي خَيْرٌ مِن مُدَّةِ ذَلِكَ الغازِي، وقِيلَ: إنَّ الرَّجُلَ فِيما مَضى ما كانَ يُقالُ لَهُ عابِدٌ حَتّى يَعْبُدَ اللَّهَ تَعالى ألْفَ شَهْرٍ، فَأُعْطُوا لَيْلَةً، إنْ أحْيَوْها كانُوا أحَقَّ بِأنْ يُسَمَّوْا عابِدِينَ مِن أُولَئِكَ العُبّادِ، وقالَ أبُو بَكْرٍ الوَرّاقُ: مَلَكَ كُلٌّ مِن سُلَيْمانَ وذِي القَرْنَيْنِ خَمْسَمِائَةِ سَنَةٍ، فَصارَ ألْفَ شَهْرٍ، فَجَعَلَ اللَّهُ العَمَلَ في هَذِهِ اللَّيْلَةِ لِمَن أدْرَكَها خَيْرًا مِن مُلْكِهِما. ﴿تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ﴾ تَقَدَّمَ الخِلافُ في الرُّوحِ، أهُوَ جِبْرِيلُ، أمْ رَحْمَةٌ يَنْزِلُ بِها، أمْ مَلَكٌ غَيْرُهُ، أمْ أشْرَفُ المَلائِكَةِ، أمْ جُنْدٌ مِن غَيْرِهِمْ، أمْ حَفَظَةٌ عَلى غَيْرِهِمْ مِنَ المَلائِكَةِ ؟ والتَّنَزُّلُ إمّا إلى الأرْضِ، وإمّا إلى سَماءِ الدُّنْيا ﴿بِإذْنِ رَبِّهِمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِتَنَزَّلُ ﴿مِن كُلِّ أمْرٍ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِتَنَزَّلُ ومِن لِلسَّبَبِ، أيْ تَتَنَزَّلُ مِن أجْلِ كُلِّ أمْرٍ قَضاهُ اللَّهُ لِتِلْكَ السَّنَةِ إلى قابِلٍ (وسَلامٌ) مُسْتَأْنَفٌ، خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَأِ الَّذِي هو هي، أيْ هي سَلامٌ إلى أوَّلِ يَوْمِها، قالَهُ أبُو العالِيَةِ ونافِعٌ المُقْرِي والفَرّاءُ، وهَذا عَلى قَوْلِ مَن قالَ: إنَّ تَنَزُّلَهم لِتَقْدِيرِ الأُمُورِ لَهم. وقالَ أبُو حاتِمٍ: مِن بِمَعْنى الباءِ، أيْ بِكُلِّ أمْرٍ، وابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ والكَلْبِيُّ: (مِن كُلِّ امْرِئٍ)، أيْ مِن أجْلِ كُلِّ إنْسانٍ، وقِيلَ: يُرادُ بِكُلِّ امْرِئٍ المَلائِكَةُ، أيْ مِن كُلِّ مَلَكٍ تَحِيَّةً عَلى المُؤْمِنِينَ العامِلِينَ بِالعِبادَةِ، وأنْكَرَ هَذا القَوْلَ أبُو حاتِمٍ ﴿سَلامٌ هِيَ﴾ أيْ هي سَلامٌ، جَعَلَها سَلامًا لِكَثْرَةِ السَّلامِ فِيها، قِيلَ: لا يَلْقَوْنَ مُؤْمِنًا ولا مُؤْمِنَةً إلّا سَلَّمُوا عَلَيْهِ في تِلْكَ اللَّيْلَةِ، وقالَ مَنصُورٌ والشَّعْبِيُّ: سَلامٌ بِمَعْنى التَّحِيَّةِ، أيْ تُسَلِّمُ المَلائِكَةُ عَلى المُؤْمِنِينَ. ومَن قالَ: تَنَزُّلُهم لَيْسَ لِتَقْدِيرِ الأُمُورِ في تِلْكَ السَّنَةِ، جَعَلَ الكَلامَ تامًّا عِنْدَ قَوْلِهِ: (بِإذْنِ رَبِّهِمْ) . وقالَ: (مِن كُلِّ أمْرٍ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿سَلامٌ هِيَ﴾ أيْ مِن كُلِّ أمْرٍ مُخَوِّفٍ يَنْبَغِي أنْ يُسَلَّمَ مِنهُ هي سَلامٌ، وقالَ مُجاهِدٌ: لا يُصِيبُ أحَدًا فِيها داءٌ، وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: وقِيلَ مَعْناهُ هي سَلامٌ مِن كُلِّ أمْرٍ، وأمْرِي سالِمَةٌ أوْ مُسَلَّمَةٌ مِنهُ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ سَلامٌ بِهَذِهِ اللَّفْظَةِ الظّاهِرَةِ الَّتِي هي المَصْدَرُ عامِلًا فِيما قَبْلَهُ لِامْتِناعِ تَقَدُّمِ مَعْمُولِ المَصْدَرِ عَلى المَصْدَرِ. كَما أنَّ الصِّلَةَ كَذَلِكَ لا يَجُوزُ تَقْدِيمُها عَلى المَوْصُولِ. انْتَهى. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: تَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: (سَلامٌ)، ولَفْظَةُ (هي) إشارَةٌ إلى أنَّها لَيْلَةُ سَبْعٍ وعِشْرِينَ مِنَ الشَّهْرِ، إذْ هَذِهِ الكَلِمَةُ (هي) السّابِعَةُ والعِشْرُونَ مِن كَلِماتِ هَذِهِ السُّورَةِ. انْتَهى. ولا يَصِحُّ مِثْلُ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وإنَّما هَذا مِن بابِ اللُّغْزِ المُنَزَّهِ عَنْهُ كَلامُ اللَّهِ تَعالى، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (مَطْلَعِ) بِفَتْحِ اللّامِ، وأبُو رَجاءٍ والأعْمَشُ وابْنُ وثّابٍ وطَلْحَةُ وابْنُ مُحَيْصِنٍ والكِسائِيُّ وأبُو عَمْرٍو: بِخِلافٍ عَنْهُ بِكَسْرِها، فَقِيلَ: هُما مَصْدَرانِ في لُغَةِ بَنِي تَمِيمٍ، وقِيلَ: المَصْدَرُ بِالفَتْحِ، ومَوْضِعُ الطُّلُوعِ بِالكَسْرِ عِنْدَ أهْلِ الحِجازِ.

القدر 97:5

سُورَةُ القَدْرِ مَكِّيَّةٌ وهي خَمْسُ آياتٍ ﷽ ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما لَيْلَةُ القَدْرِ﴾ ﴿لَيْلَةُ القَدْرِ خَيْرٌ مِن ألْفِ شَهْرٍ﴾ ﴿تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ فِيها بِإذْنِ رَبِّهِمْ مِن كُلِّ أمْرٍ﴾ ﴿سَلامٌ هي حَتّى مَطْلَعِ الفَجْرِ﴾ . (p-٤٩٦)هَذِهِ السُّورَةُ مَدَنِيَّةٌ في قَوْلِ الأكْثَرِ، وحَكى الماوَرْدِيُّ عَكْسَهُ، وذَكَرَ الواحِدِيُّ أنَّها أوَّلُ سُورَةٍ نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ، وفي الحَدِيثِ: (أنَّ أرْبَعَةً عَبَدُوا اللَّهَ تَعالى ثَمانِينَ سَنَةً لَمْ يَعْصُوهُ طَرْفَةَ عَيْنٍ: أيُّوبُ وزَكَرِيّا وحِزْقِيلُ ويُوشَعُ) فَعَجِبَ الصَّحابَةُ مِن ذَلِكَ، فَقَرَأ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ السُّورَةَ، فُسُّرُوا بِذَلِكَ، ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها ظاهِرٌ، لَمّا قالَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١] فَكَأنَّهُ قالَ: اقْرَأْ ما أنْزَلْناهُ عَلَيْكَ مِن كَلامِنا ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ والضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ المَعْنى، وهو ضَمِيرُ القُرْآنِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: أنْزَلَهُ اللَّهُ تَعالى لَيْلَةَ القَدْرِ إلى سَماءِ الدُّنْيا جُمْلَةً، ثُمَّ نَجَّمَهُ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ في عِشْرِينَ سَنَةً، وقالَ الشَّعْبِيُّ وغَيْرُهُ: إنّا ابْتَدَأْنا إنْزالَ هَذا القُرْآنِ إلَيْكَ في لَيْلَةِ القَدْرِ، ورُوِيَ أنَّ نُزُولَ المَلَكِ في حِراءَ كانَ في العَشْرِ الأواخِرِ مِن رَمَضانَ، وقِيلَ المَعْنى: إنّا أنْزَلْنا هَذِهِ السُّورَةَ في شَأْنِ لَيْلَةِ القَدْرِ وفَضْلِها، ولَمّا كانَتِ السُّورَةُ مِنَ القُرْآنِ، جاءَ الضَّمِيرُ لِلْقُرْآنِ تَفْخِيمًا وتَحْسِينًا، فَلَيْسَتْ لَيْلَةُ القَدْرِ ظَرْفًا لِلنُّزُولِ، بَلْ عَلى نَحْوِ قَوْلِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: لَقَدْ خَشِيتُ أنْ يَنْزِلَ فِيَّ قُرْآنٌ. وقَوْلُ عائِشَةَ: لَأنا أحْقَرُ في نَفْسِي مِن أنْ يَنْزِلَ فِيَّ قُرْآنٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَظَّمَ مِنَ القُرْآنِ مِن إسْنادِ إنْزالِهِ إلَيَّ مُخْتَصًّا بِهِ، ومِن مَجِيئِهِ بِضَمِيرِهِ دُونَ اسْمِهِ الظّاهِرِ شَهادَةً لَهُ بِالنَّباهَةِ والِاسْتِغْناءِ عَنِ التَّنْبِيهِ عَلَيْهِ، وبِالرَّفْعِ مِن مِقْدارِ الوَقْتِ الَّذِي أُنْزِلُ فِيهِ. انْتَهى، وفِيهِ بَعْضُ تَلْخِيصٍ، وسُمِّيَتْ لَيْلَةَ القَدْرِ؛ لِأنَّهُ تُقَدَّرُ فِيها الآجالُ والأرْزاقُ وحَوادِثُ العالَمِ كُلُّها وتُدْفَعُ إلى المَلائِكَةِ لِتَمْتَثِلَهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ وغَيْرُهُما، وقالَ الزُّهْرِيُّ: مَعْناهُ لَيْلَةُ القَدْرِ العَظِيمِ والشَّرَفِ، وعِظَمُ الشَّأْنِ مِن قَوْلِكَ: رَجُلٌ لَهُ قَدْرٌ، وقالَ أبُو بَكْرٍ الوَرّاقُ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ؛ لِأنَّها تُكْسِبُ مَن أحْياها قَدْرًا عَظِيمًا لَمْ يَكُنْ لَهُ قَبْلُ، وتَرُدُّهُ عَظِيمًا عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، وقِيلَ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ؛ لِأنَّ كُلَّ العَمَلِ فِيها لَهُ قَدْرٌ وخَطَرٌ، وقِيلَ: لِأنَّهُ أنْزَلَ فِيها كِتابًا ذا قَدْرٍ، عَلى رَسُولٍ ذِي قَدْرٍ، لِأُمَّةٍ ذاتِ قَدْرٍ، وقِيلَ: لِأنَّهُ يَنْزِلُ فِيها مَلائِكَةٌ ذاتُ قَدْرٍ وخَطَرٍ، وقِيلَ: لِأنَّهُ قَدَّرَ فِيها الرَّحْمَةَ عَلى المُؤْمِنِينَ، وقالَ الخَلِيلُ: لِأنَّ الأرْضَ تَضِيقُ فِيها بِالمَلائِكَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ومَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ [الطلاق: ٧] أيْ ضُيِّقَ، وقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ والخَلَفُ في تَعْيِينِ وقْتِها اخْتِلافًا مُتَعارِضًا جِدًّا، وبَعْضُهم قالَ: رُفِعَتْ، والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ الحَدِيثُ أنَّها لَمْ تُرْفَعْ، وأنَّ العَشْرَ الأخِيرَ تَكُونُ فِيهِ، وأنَّها في أوْتارِهِ، كَما قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: (التَمَسُوها في الثّالِثَةِ والخامِسَةِ والسّابِعَةِ والتّاسِعَةِ) . وفي الصَّحِيحِ: (مَن قامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إيمانًا واحْتِسابًا غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ) . ﴿وما أدْراكَ ما لَيْلَةُ القَدْرِ﴾ تَفْخِيمٌ لِشَأْنِها، أيْ لَمْ تَبْلُغْ دِرايَتُكَ غايَةَ فَضْلِها، ثُمَّ بَيَّنَ لَهُ ذَلِكَ، قالَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: ما كانَ في القُرْآنِ ﴿وما أدْراكَ﴾ فَقَدْ أعْلَمَهُ، وما قالَ: وما يُدْرِيكَ، فَإنَّهُ لَمْ يَعْلَمْهُ، قِيلَ: وأخْفاها اللَّهُ تَعالى عَنْ عِبادِهِ لِيَجِدُّوا في العَمَلِ ولا يَتَّكِلُوا عَلى فَضْلِها ويُقَصِّرُوا في غَيْرِها، والظّاهِرُ أنَّ ﴿ألْفِ شَهْرٍ﴾ يُرادُ بِهِ حَقِيقَةُ العَدَدِ، وهي ثَمانُونَ سَنَةً وثَلاثَةُ أعْوامٍ، والحَسَنُ: في لَيْلَةِ القَدْرِ أفْضَلُ مِنَ العَمَلِ في هَذِهِ الشُّهُورِ، والمُرادُ: ﴿خَيْرٌ مِن ألْفِ شَهْرٍ﴾ عارٍ مِن لَيْلَةِ القَدْرِ، وعَلى هَذا أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ، وقالَ أبُو العالِيَةِ: خَيْرٌ مِن ألْفِ شَهْرِ رَمَضانَ لا يَكُونُ فِيها لَيْلَةُ القَدْرِ. وقِيلَ: المَعْنى خَيْرٌ مِنَ الدَّهْرِ كُلِّهِ، لِأنَّ العَرَبَ تَذْكُرُ الألْفَ في غايَةِ الأشْياءِ كُلِّها، قالَ تَعالى: ﴿يَوَدُّ أحَدُهم لَوْ يُعَمَّرُ ألْفَ سَنَةٍ﴾ [البقرة: ٩٦] يَعْنِي جَمِيعَ الدَّهْرِ. وعُوتِبَ الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ عَلى تَسْلِيمِهِ الأمْرَ لِمُعاوِيَةَ فَقالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى أرى في المَنامِ نَبِيَّهُ ﷺ بَنِي أُمَيَّةَ يَنْزُونَ عَلى مَقْبَرِهِ نَزْوَ القِرَدَةِ، فاهْتَمَّ لِذَلِكَ، فَأعْطاهُ اللَّهُ تَعالى لَيْلَةَ القَدْرِ، وهي خَيْرٌ مِن مُدَّةِ مُلُوكِ بَنِي أُمَيَّةَ، وأعْلَمَهُ أنَّهم يَمْلِكُونَ هَذا القَدْرَ مِنَ الزَّمانِ، قالَ القاسِمُ بْنُ الفَضْلِ الجُذامِيُّ: فَعَدَدْنا ذَلِكَ فَإذا هي ألْفُ شَهْرٍ لا تَزِيدُ يَوْمًا ولا تَنْقُصُ يَوْمًا، وخَرَّجَ قَرِيبًا مِن مَعْناهُ التِّرْمِذِيُّ (p-٤٩٧)وقالَ: حَدِيثٌ غَرِيبٌ. انْتَهى. وقِيلَ: آخِرُ مُلُوكِهِمْ مَرْوانُ الجَعْدِيُّ في آخِرِ هَذا القَدْرِ مِنَ الزَّمانِ، ولا يُعارِضُ هَذا تَمَلُّكُ بَنِي أُمَيَّةَ في جَزِيرَةِ الأنْدَلُسِ مُدَّةً غَيْرَ هَذِهِ؛ لِأنَّهم كانُوا في بَعْضِ أطْرافِ الأرْضِ وآخِرِ عِمارَةِ العَرَبِ، بِحَيْثُ كانَ في إقْلِيمِ العَرَبِ إذْ ذاكَ مُلُوكٌ كَثِيرُونَ غَيْرُهم، وذُكِرَ أيْضًا في تَخْصِيصِ هَذِهِ المُدَّةِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، ذَكَرَ رَجُلًا مِن بَنِي إسْرائِيلَ لَبِسَ السِّلاحَ في سَبِيلِ اللَّهِ ألْفَ شَهْرٍ، فَعَجِبَ المُؤْمِنُونَ مِن ذَلِكَ وتَقاصَرَتْ أعْمالُهم، فَأُعْطُوا لَيْلَةً هي خَيْرٌ مِن مُدَّةِ ذَلِكَ الغازِي، وقِيلَ: إنَّ الرَّجُلَ فِيما مَضى ما كانَ يُقالُ لَهُ عابِدٌ حَتّى يَعْبُدَ اللَّهَ تَعالى ألْفَ شَهْرٍ، فَأُعْطُوا لَيْلَةً، إنْ أحْيَوْها كانُوا أحَقَّ بِأنْ يُسَمَّوْا عابِدِينَ مِن أُولَئِكَ العُبّادِ، وقالَ أبُو بَكْرٍ الوَرّاقُ: مَلَكَ كُلٌّ مِن سُلَيْمانَ وذِي القَرْنَيْنِ خَمْسَمِائَةِ سَنَةٍ، فَصارَ ألْفَ شَهْرٍ، فَجَعَلَ اللَّهُ العَمَلَ في هَذِهِ اللَّيْلَةِ لِمَن أدْرَكَها خَيْرًا مِن مُلْكِهِما. ﴿تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ﴾ تَقَدَّمَ الخِلافُ في الرُّوحِ، أهُوَ جِبْرِيلُ، أمْ رَحْمَةٌ يَنْزِلُ بِها، أمْ مَلَكٌ غَيْرُهُ، أمْ أشْرَفُ المَلائِكَةِ، أمْ جُنْدٌ مِن غَيْرِهِمْ، أمْ حَفَظَةٌ عَلى غَيْرِهِمْ مِنَ المَلائِكَةِ ؟ والتَّنَزُّلُ إمّا إلى الأرْضِ، وإمّا إلى سَماءِ الدُّنْيا ﴿بِإذْنِ رَبِّهِمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِتَنَزَّلُ ﴿مِن كُلِّ أمْرٍ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِتَنَزَّلُ ومِن لِلسَّبَبِ، أيْ تَتَنَزَّلُ مِن أجْلِ كُلِّ أمْرٍ قَضاهُ اللَّهُ لِتِلْكَ السَّنَةِ إلى قابِلٍ (وسَلامٌ) مُسْتَأْنَفٌ، خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَأِ الَّذِي هو هي، أيْ هي سَلامٌ إلى أوَّلِ يَوْمِها، قالَهُ أبُو العالِيَةِ ونافِعٌ المُقْرِي والفَرّاءُ، وهَذا عَلى قَوْلِ مَن قالَ: إنَّ تَنَزُّلَهم لِتَقْدِيرِ الأُمُورِ لَهم. وقالَ أبُو حاتِمٍ: مِن بِمَعْنى الباءِ، أيْ بِكُلِّ أمْرٍ، وابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ والكَلْبِيُّ: (مِن كُلِّ امْرِئٍ)، أيْ مِن أجْلِ كُلِّ إنْسانٍ، وقِيلَ: يُرادُ بِكُلِّ امْرِئٍ المَلائِكَةُ، أيْ مِن كُلِّ مَلَكٍ تَحِيَّةً عَلى المُؤْمِنِينَ العامِلِينَ بِالعِبادَةِ، وأنْكَرَ هَذا القَوْلَ أبُو حاتِمٍ ﴿سَلامٌ هِيَ﴾ أيْ هي سَلامٌ، جَعَلَها سَلامًا لِكَثْرَةِ السَّلامِ فِيها، قِيلَ: لا يَلْقَوْنَ مُؤْمِنًا ولا مُؤْمِنَةً إلّا سَلَّمُوا عَلَيْهِ في تِلْكَ اللَّيْلَةِ، وقالَ مَنصُورٌ والشَّعْبِيُّ: سَلامٌ بِمَعْنى التَّحِيَّةِ، أيْ تُسَلِّمُ المَلائِكَةُ عَلى المُؤْمِنِينَ. ومَن قالَ: تَنَزُّلُهم لَيْسَ لِتَقْدِيرِ الأُمُورِ في تِلْكَ السَّنَةِ، جَعَلَ الكَلامَ تامًّا عِنْدَ قَوْلِهِ: (بِإذْنِ رَبِّهِمْ) . وقالَ: (مِن كُلِّ أمْرٍ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿سَلامٌ هِيَ﴾ أيْ مِن كُلِّ أمْرٍ مُخَوِّفٍ يَنْبَغِي أنْ يُسَلَّمَ مِنهُ هي سَلامٌ، وقالَ مُجاهِدٌ: لا يُصِيبُ أحَدًا فِيها داءٌ، وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: وقِيلَ مَعْناهُ هي سَلامٌ مِن كُلِّ أمْرٍ، وأمْرِي سالِمَةٌ أوْ مُسَلَّمَةٌ مِنهُ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ سَلامٌ بِهَذِهِ اللَّفْظَةِ الظّاهِرَةِ الَّتِي هي المَصْدَرُ عامِلًا فِيما قَبْلَهُ لِامْتِناعِ تَقَدُّمِ مَعْمُولِ المَصْدَرِ عَلى المَصْدَرِ. كَما أنَّ الصِّلَةَ كَذَلِكَ لا يَجُوزُ تَقْدِيمُها عَلى المَوْصُولِ. انْتَهى. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: تَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: (سَلامٌ)، ولَفْظَةُ (هي) إشارَةٌ إلى أنَّها لَيْلَةُ سَبْعٍ وعِشْرِينَ مِنَ الشَّهْرِ، إذْ هَذِهِ الكَلِمَةُ (هي) السّابِعَةُ والعِشْرُونَ مِن كَلِماتِ هَذِهِ السُّورَةِ. انْتَهى. ولا يَصِحُّ مِثْلُ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وإنَّما هَذا مِن بابِ اللُّغْزِ المُنَزَّهِ عَنْهُ كَلامُ اللَّهِ تَعالى، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (مَطْلَعِ) بِفَتْحِ اللّامِ، وأبُو رَجاءٍ والأعْمَشُ وابْنُ وثّابٍ وطَلْحَةُ وابْنُ مُحَيْصِنٍ والكِسائِيُّ وأبُو عَمْرٍو: بِخِلافٍ عَنْهُ بِكَسْرِها، فَقِيلَ: هُما مَصْدَرانِ في لُغَةِ بَنِي تَمِيمٍ، وقِيلَ: المَصْدَرُ بِالفَتْحِ، ومَوْضِعُ الطُّلُوعِ بِالكَسْرِ عِنْدَ أهْلِ الحِجازِ.

البينة 98:1

سُورَةُ البَيِّنَةِ مَدَنِيَّةٌ وهي ثَمانِي آياتٍ ﷽ (p-٤٩٨)﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ﴾ ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً﴾ ﴿فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ ﴿وما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ﴾ ﴿وما أُمِرُوا إلّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ ويُقِيمُوا الصَّلاةَ ويُؤْتُوا الزَّكاةَ وذَلِكَ دِينُ القَيِّمَةِ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ في نارِ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أُولَئِكَ هم شَرُّ البَرِيَّةِ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولَئِكَ هم خَيْرُ البَرِيَّةِ﴾ ﴿جَزاؤُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم ورَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَن خَشِيَ رَبَّهُ﴾ . هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الجُمْهُورِ، وقالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ وعَطاءُ بْنُ يَسارٍ: مَدَنِيَّةٌ، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، وفي كِتابِ التَّحْرِيرِ: مَدَنِيَّةٌ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ، ورَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها مَكِّيَّةٌ، واخْتارَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ، ولَمّا ذَكَرَ إنْزالَ القُرْآنِ، وفي السُّورَةِ الَّتِي قَبْلَها ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١] ذَكَرَ هُنا أنَّ الكُفّارَ لَمْ يَكُونُوا مُنْفَكِّينَ عَنْ ما هم عَلَيْهِ حَتّى جاءَهُمُ الرَّسُولُ يَتْلُو عَلَيْهِمْ ما أُنْزِلَ عَلَيْهِ مِنَ الصُّحُفِ المُطَهَّرَةِ الَّتِي أُمِرَ بِقِراءَتِها، وقَسَّمَ الكافِرِينَ هُنا إلى أهْلِ كِتابٍ وأهْلِ إشْراكٍ، وقَرَأ بَعْضُ القُرّاءِ: (والمُشْرِكُونَ) رَفْعًا عَطْفًا عَلى (الَّذِينَ كَفَرُوا)، والجُمْهُورُ بِالجَرِّ عَطْفًا عَلى (أهْلِ الكِتابِ) وأهْلُ الكِتابِ اليَهُودُ والنَّصارى، والمُشْرِكُونَ عَبَدَةُ الأوْثانِ مِنَ العَرَبِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أهْلُ الكِتابِ اليَهُودُ الَّذِينَ كانُوا بِيَثْرِبَ هم قُرَيْظَةُ والنَّضِيرُ وبَنُو قَيْنُقاعَ، والمُشْرِكُونَ الَّذِينَ كانُوا بِمَكَّةَ وحَوْلَها والمَدِينَةِ وحَوْلَها. قالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: لَمْ يَكُونُوا مُنْفَكِّينَ عَنِ الكُفْرِ والضَّلالِ حَتّى جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ. وقالَ الفَرّاءُ وغَيْرُهُ: لَمْ يَكُونُوا مُنْفَكِّينَ عَنْ مَعْرِفَةِ صِحَّةِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ والتَّوَكُّفِ لِأمْرِهِ حَتّى جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ، فَتَفَرَّقُوا عِنْدَ ذَلِكَ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كانَ الكُفّارُ مِنَ الفَرِيقَيْنِ يَقُولُونَ قَبْلَ المَبْعَثِ: لا نَنْفَكُّ مِمّا نَحْنُ فِيهِ مِن دِينِنا حَتّى يُبْعَثَ النَّبِيُّ المَوْعُودُ الَّذِي هو مَكْتُوبٌ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، وهو مُحَمَّدٌ، ﷺ، فَحَكى اللَّهُ ما كانُوا يَقُولُونَهُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَتَّجِهُ في مَعْنى الآيَةِ قَوْلٌ ثالِثٌ بارِعُ المَعْنى، وذَلِكَ أنَّهُ يَكُونُ المُرادُ: لَمْ يَكُنْ هَؤُلاءِ القَوْمُ مُنْفَكِّينَ مِن أمْرِ اللَّهِ تَعالى وقُدْرَتِهِ ونَظَرِهِ لَهم حَتّى يَبْعَثَ اللَّهُ تَعالى إلَيْهِمْ رَسُولًا مُنْذِرًا تَقُومُ عَلَيْهِمْ بِهِ الحُجَّةُ ويُتِمُّ عَلى مَن آمَنَ النِّعْمَةَ، فَكَأنَّهُ قالَ: ما كانُوا لِيُتْرَكُوا سُدًى، ولِهَذا نَظائِرُ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى. انْتَهى. وقِيلَ: لَمْ يَكُونُوا مُنْفَكِّينَ عَنْ حَياتِهِمْ فَيَمُوتُوا حَتّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ. والظّاهِرُ أنَّ المَعْنى: لَمْ يَكُونُوا مُنْفَكِّينَ، أيْ مُنْفَصِلًا بَعْضُهم مِن بَعْضٍ، بَلْ كانَ كُلٌّ مِنهم مُقِرًّا الآخَرَ عَلى ما هو عَلَيْهِ مِمّا اخْتارَهُ لِنَفْسِهِ، هَذا مِنِ اعْتِقادِهِ في شَرِيعَتِهِ، وهَذا مِنِ اعْتِقادِهِ في أصْنامِهِ، والمَعْنى أنَّهُ اتَّصَلَتْ مَوَدَّتُهم واجْتَمَعَتْ كَلِمَتُهم إلى أنْ أتَتْهُمُ البَيِّنَةُ. وقِيلَ: مَعْنى مُنْفَكِّينَ: هالِكِينَ، مِن قَوْلِهِمْ: انْفَكَّ صِلا المَرْأةِ عِنْدَ الوِلادَةِ، وأنْ يَنْفَصِلَ فَلا يَلْتَئِمُ، والمَعْنى: لَمْ يَكُونُوا مُعَذَّبِينَ ولا هالِكِينَ إلّا بَعْدَ قِيامِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ بِإرْسالِ الرُّسُلِ وإنْزالِ الكُتُبِ. انْتَهى. ومُنْفَكِّينَ اسْمُ فاعِلٍ مِنِ انْفَكَّ، وهي التّامَّةُ ولَيْسَتِ الدّاخِلَةَ عَلى المُبْتَدَأِ والخَبَرِ. وقالَ بَعْضُ النُّحاةِ: هي النّاقِصَةُ، ويُقَدَّرُ مُنْفَكِّينَ: عارِفِينَ أمْرَ مُحَمَّدٍ، ﷺ، أوْ نَحْوُ هَذا، وخَبَرُ كانَ وأخَواتِها لا يَجُوزُ حَذْفُهُ لا اقْتِصارًا ولا اخْتِصارًا، نَصَّ عَلى ذَلِكَ أصْحابُنا، ولَهم عِلَّةٌ في مَنعِ ذَلِكَ ذَكَرُوها في عِلْمِ النَّحْوِ، وقالُوا في قَوْلِهِ: حِينَ لَيْسَ مُجِيرُ، أيْ في الدُّنْيا، فَحَذَفَ الخَبَرَ أنَّهُ ضَرُورَةٌ، والبَيِّنَةُ: الحُجَّةُ الجَلِيلَةُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (رَسُولٌ) بِالرَّفْعِ بَدَلًا مِن (البَيِّنَةُ) وأُبَيٌّ وعَبْدُ اللَّهِ: بِالنَّصْبِ حالًا مِنَ البَيِّنَةِ ﴿يَتْلُو صُحُفًا﴾ أيْ قَراطِيسَ (مُطَهَّرَةً) مِنَ الباطِلِ ﴿فِيها كُتُبٌ﴾ مَكْتُوباتٌ ﴿قَيِّمَةٌ﴾ مُسْتَقِيمَةٌ ناطِقَةٌ بِالحَقِّ ﴿وما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ أيْ مِنَ المُشْرِكِينَ، وانْفَصَلَ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ فَقالَ: كُلُّ ما يَدُلُّ عِنْدَهُ عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِ ﴿إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ﴾ وكانَ يَقْتَضِي مَجِيءُ البَيِّنَةِ أنْ يَجْتَمِعُوا عَلى اتِّباعِها، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كانُوا يَعُدُّونَ اجْتِماعَ الكَلِمَةِ والِاتِّفاقَ عَلى الحَقِّ إذا جاءَهُمُ الرَّسُولُ، ثُمَّ ما فَرَّقَهم عَنِ الحَقِّ ولا أقَرَّهم عَلى الكُفْرِ إلّا مَجِيءُ الرَّسُولِ ﷺ، وقالَ أيْضًا: أفْرَدَ أهْلَ الكِتابِ، يَعْنِي في قَوْلِهِ: (p-٤٩٩)﴿وما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ بَعْدَ جَمْعِهِمْ والمُشْرِكِينَ، قِيلَ: لِأنَّهم كانُوا عَلى عِلْمٍ بِهِ لِوُجُودِهِ في كُتُبِهِمْ، فَإذا وُصِفُوا بِالتَّفَرُّقِ عَنْهُ كانَ مَن لا كِتابَ لَهُ أدْخَلَ في هَذا الوَصْفِ، والمُرادُ بِتَفَرُّقِهِمْ تَفَرُّقُهم عَنِ الحَقِّ، أوْ تَفَرُّقُهم فِرَقًا، فَمِنهم مَن آمَنَ، ومِنهم مَن أنْكَرَ، وقالَ: لَيْسَ بِهِ ومِنهم مَن عَرَفَ وعانَدَ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ذَكَرَ تَعالى مَذَمَّةَ مَن لَمْ يُؤْمِن مِن أهْلِ الكِتابِ مِن أنَّهم لَمْ يَتَفَرَّقُوا في أمْرِ مُحَمَّدٍ ﷺ، إلّا مِن بَعْدِ ما رَأوُا الآياتِ الواضِحَةَ، وكانُوا مِن قَبْلُ مُتَّفِقِينَ عَلى نُبُوَّتِهِ وصِفَتِهِ، فَلَمّا جاءَ مِنَ العَرَبِ حَسَدُوهُ. انْتَهى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (مُخْلِصِينَ) بِكَسْرِ اللّامِ، و(الدِّينَ) مَنصُوبٌ بِهِ، والحَسَنُ: بِفَتْحِها، أيْ يُخْلِصُونَ هم أنْفُسُهم في نِيّاتِهِمْ، وانْتَصَبَ (الدِّينَ) إمّا عَلى المَصْدَرِ مِن (لِيَعْبُدُوا) أيْ لِيَدِينُوا اللَّهَ بِالعِبادَةِ الدِّينَ، وإمّا عَلى إسْقاطِ في، أيْ في الدِّينِ، والمَعْنى: وما أُمِرُوا، أيْ في كِتابَيْهِما، بِما أُمِرُوا بِهِ إلّا لِيَعْبُدُوا (حُنَفاءَ) أيْ مُسْتَقِيمِي الطَّرِيقَةِ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ الأشْعَبِ الطّالقانِيُّ: القَيِّمَةُ هُنا: الكُتُبُ الَّتِي جَرى ذِكْرُها، كَأنَّهُ لَمّا تَقَدَّمَ لَفْظُ قَيِّمَةٍ نَكِرَةً، كانَتِ الألِفُ واللّامُ في القَيِّمَةِ لِلْعَهْدِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَما أرْسَلْنا إلى فِرْعَوْنَ رَسُولًا فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [المزمل: ١٥] . وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: وذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمَةُ، فالهاءُ في هَذِهِ القِراءَةِ لِلْمُبالَغَةِ، أوْ أنَّثَ عَلى أنْ عَنى بِالدِّينِ المِلَّةَ، كَقَوْلِهِ: ما هَذِهِ الصَّوْتُ ؟ يُرِيدُ: ما هَذِهِ الصَّيْحَةُ: وذَكَرَ تَعالى مَقَرَّ الأشْقِياءِ وجَزاءَ السُّعَداءِ، والبَرِيَّةُ: جَمِيعُ الخَلْقِ. وقَرَأ الأعْرَجُ وابْنُ عامِرٍ، ونافِعٌ: البَرِئَةُ بِالهَمْزِ مِن بَرَأ، بِمَعْنى خَلَقَ، والجُمْهُورُ: بِشَدِّ الياءِ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ أصْلُهُ الهَمْزَ، ثُمَّ سُهِّلَ بِالإبْدالِ وأُدْغِمَ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مِنَ البَراءِ، وهو التُّرابُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا الِاشْتِقاقُ يَجْعَلُ الهَمْزَ خَطَأً، وهو اشْتِقاقٌ غَيْرُ مَرْضِيٍّ، ويَعْنِي اشْتِقاقَ البَرِيَّةِ بِلا هَمْزٍ مِنَ البُرا، وهو التُّرابُ، فَلا يَجْعَلُهُ خَطَأً، بَلْ قِراءَةُ الهَمْزِ مُشْتَقَّةٌ مِن بَرَأ، وغَيْرُ الهَمْزِ مِنَ البُرا، والقِراءَتانِ قَدْ تَخْتَلِفانِ في الِاشْتِقاقِ نَحْوَ: أوْ نَنْساها أوْ نُنْسِها، فَهو اشْتِقاقٌ مَرْضِيٌّ، وحُكْمٌ عَلى الكُفّارِ مِنَ الفَرِيقَيْنِ بِالخُلُودِ في النّارِ وبِكَوْنِهِمْ شَرَّ البَرِيَّةِ، وبَدَأ بِأهْلِ الكِتابِ؛ لِأنَّهم كانُوا يَطْعَنُونَ في نُبُوَّتِهِ، وجِنايَتُهم أعْظَمُ؛ لِأنَّهم أنْكَرُوهُ مَعَ العِلْمِ بِهِ، وشَرُّ البَرِيَّةِ ظاهِرُهُ العُمُومُ، وقِيلَ: ﴿شَرُّ البَرِيَّةِ﴾ الَّذِينَ عاصَرُوا الرَّسُولَ ﷺ، إذْ لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ في كُفّارِ الأُمَمِ مَن هو شَرٌّ مِن هَؤُلاءِ، كَفِرْعَوْنَ وعاقِرِ ناقَةِ صالِحٍ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿خَيْرُ البَرِيَّةِ﴾ مُقابِلُ ﴿شَرُّ البَرِيَّةِ﴾ وحَمِيدٌ وعامِرُ بْنُ عَبْدِ الواحِدِ: خِيارُ البَرِيَّةِ جَمْعُ خَيِّرٍ، كَجِيِّدٍ وجِيادٍ، وبَقِيَّةُ السُّورَةِ واضِحَةٌ، وتَقَدَّمَ شَرْحُ ذَلِكَ إفْرادًا وتَرْكِيبًا.

البينة 98:2

سُورَةُ البَيِّنَةِ مَدَنِيَّةٌ وهي ثَمانِي آياتٍ ﷽ (p-٤٩٨)﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ﴾ ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً﴾ ﴿فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ ﴿وما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ﴾ ﴿وما أُمِرُوا إلّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ ويُقِيمُوا الصَّلاةَ ويُؤْتُوا الزَّكاةَ وذَلِكَ دِينُ القَيِّمَةِ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ في نارِ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أُولَئِكَ هم شَرُّ البَرِيَّةِ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولَئِكَ هم خَيْرُ البَرِيَّةِ﴾ ﴿جَزاؤُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم ورَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَن خَشِيَ رَبَّهُ﴾ . هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الجُمْهُورِ، وقالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ وعَطاءُ بْنُ يَسارٍ: مَدَنِيَّةٌ، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، وفي كِتابِ التَّحْرِيرِ: مَدَنِيَّةٌ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ، ورَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها مَكِّيَّةٌ، واخْتارَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ، ولَمّا ذَكَرَ إنْزالَ القُرْآنِ، وفي السُّورَةِ الَّتِي قَبْلَها ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١] ذَكَرَ هُنا أنَّ الكُفّارَ لَمْ يَكُونُوا مُنْفَكِّينَ عَنْ ما هم عَلَيْهِ حَتّى جاءَهُمُ الرَّسُولُ يَتْلُو عَلَيْهِمْ ما أُنْزِلَ عَلَيْهِ مِنَ الصُّحُفِ المُطَهَّرَةِ الَّتِي أُمِرَ بِقِراءَتِها، وقَسَّمَ الكافِرِينَ هُنا إلى أهْلِ كِتابٍ وأهْلِ إشْراكٍ، وقَرَأ بَعْضُ القُرّاءِ: (والمُشْرِكُونَ) رَفْعًا عَطْفًا عَلى (الَّذِينَ كَفَرُوا)، والجُمْهُورُ بِالجَرِّ عَطْفًا عَلى (أهْلِ الكِتابِ) وأهْلُ الكِتابِ اليَهُودُ والنَّصارى، والمُشْرِكُونَ عَبَدَةُ الأوْثانِ مِنَ العَرَبِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أهْلُ الكِتابِ اليَهُودُ الَّذِينَ كانُوا بِيَثْرِبَ هم قُرَيْظَةُ والنَّضِيرُ وبَنُو قَيْنُقاعَ، والمُشْرِكُونَ الَّذِينَ كانُوا بِمَكَّةَ وحَوْلَها والمَدِينَةِ وحَوْلَها. قالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: لَمْ يَكُونُوا مُنْفَكِّينَ عَنِ الكُفْرِ والضَّلالِ حَتّى جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ. وقالَ الفَرّاءُ وغَيْرُهُ: لَمْ يَكُونُوا مُنْفَكِّينَ عَنْ مَعْرِفَةِ صِحَّةِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ والتَّوَكُّفِ لِأمْرِهِ حَتّى جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ، فَتَفَرَّقُوا عِنْدَ ذَلِكَ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كانَ الكُفّارُ مِنَ الفَرِيقَيْنِ يَقُولُونَ قَبْلَ المَبْعَثِ: لا نَنْفَكُّ مِمّا نَحْنُ فِيهِ مِن دِينِنا حَتّى يُبْعَثَ النَّبِيُّ المَوْعُودُ الَّذِي هو مَكْتُوبٌ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، وهو مُحَمَّدٌ، ﷺ، فَحَكى اللَّهُ ما كانُوا يَقُولُونَهُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَتَّجِهُ في مَعْنى الآيَةِ قَوْلٌ ثالِثٌ بارِعُ المَعْنى، وذَلِكَ أنَّهُ يَكُونُ المُرادُ: لَمْ يَكُنْ هَؤُلاءِ القَوْمُ مُنْفَكِّينَ مِن أمْرِ اللَّهِ تَعالى وقُدْرَتِهِ ونَظَرِهِ لَهم حَتّى يَبْعَثَ اللَّهُ تَعالى إلَيْهِمْ رَسُولًا مُنْذِرًا تَقُومُ عَلَيْهِمْ بِهِ الحُجَّةُ ويُتِمُّ عَلى مَن آمَنَ النِّعْمَةَ، فَكَأنَّهُ قالَ: ما كانُوا لِيُتْرَكُوا سُدًى، ولِهَذا نَظائِرُ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى. انْتَهى. وقِيلَ: لَمْ يَكُونُوا مُنْفَكِّينَ عَنْ حَياتِهِمْ فَيَمُوتُوا حَتّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ. والظّاهِرُ أنَّ المَعْنى: لَمْ يَكُونُوا مُنْفَكِّينَ، أيْ مُنْفَصِلًا بَعْضُهم مِن بَعْضٍ، بَلْ كانَ كُلٌّ مِنهم مُقِرًّا الآخَرَ عَلى ما هو عَلَيْهِ مِمّا اخْتارَهُ لِنَفْسِهِ، هَذا مِنِ اعْتِقادِهِ في شَرِيعَتِهِ، وهَذا مِنِ اعْتِقادِهِ في أصْنامِهِ، والمَعْنى أنَّهُ اتَّصَلَتْ مَوَدَّتُهم واجْتَمَعَتْ كَلِمَتُهم إلى أنْ أتَتْهُمُ البَيِّنَةُ. وقِيلَ: مَعْنى مُنْفَكِّينَ: هالِكِينَ، مِن قَوْلِهِمْ: انْفَكَّ صِلا المَرْأةِ عِنْدَ الوِلادَةِ، وأنْ يَنْفَصِلَ فَلا يَلْتَئِمُ، والمَعْنى: لَمْ يَكُونُوا مُعَذَّبِينَ ولا هالِكِينَ إلّا بَعْدَ قِيامِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ بِإرْسالِ الرُّسُلِ وإنْزالِ الكُتُبِ. انْتَهى. ومُنْفَكِّينَ اسْمُ فاعِلٍ مِنِ انْفَكَّ، وهي التّامَّةُ ولَيْسَتِ الدّاخِلَةَ عَلى المُبْتَدَأِ والخَبَرِ. وقالَ بَعْضُ النُّحاةِ: هي النّاقِصَةُ، ويُقَدَّرُ مُنْفَكِّينَ: عارِفِينَ أمْرَ مُحَمَّدٍ، ﷺ، أوْ نَحْوُ هَذا، وخَبَرُ كانَ وأخَواتِها لا يَجُوزُ حَذْفُهُ لا اقْتِصارًا ولا اخْتِصارًا، نَصَّ عَلى ذَلِكَ أصْحابُنا، ولَهم عِلَّةٌ في مَنعِ ذَلِكَ ذَكَرُوها في عِلْمِ النَّحْوِ، وقالُوا في قَوْلِهِ: حِينَ لَيْسَ مُجِيرُ، أيْ في الدُّنْيا، فَحَذَفَ الخَبَرَ أنَّهُ ضَرُورَةٌ، والبَيِّنَةُ: الحُجَّةُ الجَلِيلَةُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (رَسُولٌ) بِالرَّفْعِ بَدَلًا مِن (البَيِّنَةُ) وأُبَيٌّ وعَبْدُ اللَّهِ: بِالنَّصْبِ حالًا مِنَ البَيِّنَةِ ﴿يَتْلُو صُحُفًا﴾ أيْ قَراطِيسَ (مُطَهَّرَةً) مِنَ الباطِلِ ﴿فِيها كُتُبٌ﴾ مَكْتُوباتٌ ﴿قَيِّمَةٌ﴾ مُسْتَقِيمَةٌ ناطِقَةٌ بِالحَقِّ ﴿وما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ أيْ مِنَ المُشْرِكِينَ، وانْفَصَلَ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ فَقالَ: كُلُّ ما يَدُلُّ عِنْدَهُ عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِ ﴿إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ﴾ وكانَ يَقْتَضِي مَجِيءُ البَيِّنَةِ أنْ يَجْتَمِعُوا عَلى اتِّباعِها، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كانُوا يَعُدُّونَ اجْتِماعَ الكَلِمَةِ والِاتِّفاقَ عَلى الحَقِّ إذا جاءَهُمُ الرَّسُولُ، ثُمَّ ما فَرَّقَهم عَنِ الحَقِّ ولا أقَرَّهم عَلى الكُفْرِ إلّا مَجِيءُ الرَّسُولِ ﷺ، وقالَ أيْضًا: أفْرَدَ أهْلَ الكِتابِ، يَعْنِي في قَوْلِهِ: (p-٤٩٩)﴿وما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ بَعْدَ جَمْعِهِمْ والمُشْرِكِينَ، قِيلَ: لِأنَّهم كانُوا عَلى عِلْمٍ بِهِ لِوُجُودِهِ في كُتُبِهِمْ، فَإذا وُصِفُوا بِالتَّفَرُّقِ عَنْهُ كانَ مَن لا كِتابَ لَهُ أدْخَلَ في هَذا الوَصْفِ، والمُرادُ بِتَفَرُّقِهِمْ تَفَرُّقُهم عَنِ الحَقِّ، أوْ تَفَرُّقُهم فِرَقًا، فَمِنهم مَن آمَنَ، ومِنهم مَن أنْكَرَ، وقالَ: لَيْسَ بِهِ ومِنهم مَن عَرَفَ وعانَدَ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ذَكَرَ تَعالى مَذَمَّةَ مَن لَمْ يُؤْمِن مِن أهْلِ الكِتابِ مِن أنَّهم لَمْ يَتَفَرَّقُوا في أمْرِ مُحَمَّدٍ ﷺ، إلّا مِن بَعْدِ ما رَأوُا الآياتِ الواضِحَةَ، وكانُوا مِن قَبْلُ مُتَّفِقِينَ عَلى نُبُوَّتِهِ وصِفَتِهِ، فَلَمّا جاءَ مِنَ العَرَبِ حَسَدُوهُ. انْتَهى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (مُخْلِصِينَ) بِكَسْرِ اللّامِ، و(الدِّينَ) مَنصُوبٌ بِهِ، والحَسَنُ: بِفَتْحِها، أيْ يُخْلِصُونَ هم أنْفُسُهم في نِيّاتِهِمْ، وانْتَصَبَ (الدِّينَ) إمّا عَلى المَصْدَرِ مِن (لِيَعْبُدُوا) أيْ لِيَدِينُوا اللَّهَ بِالعِبادَةِ الدِّينَ، وإمّا عَلى إسْقاطِ في، أيْ في الدِّينِ، والمَعْنى: وما أُمِرُوا، أيْ في كِتابَيْهِما، بِما أُمِرُوا بِهِ إلّا لِيَعْبُدُوا (حُنَفاءَ) أيْ مُسْتَقِيمِي الطَّرِيقَةِ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ الأشْعَبِ الطّالقانِيُّ: القَيِّمَةُ هُنا: الكُتُبُ الَّتِي جَرى ذِكْرُها، كَأنَّهُ لَمّا تَقَدَّمَ لَفْظُ قَيِّمَةٍ نَكِرَةً، كانَتِ الألِفُ واللّامُ في القَيِّمَةِ لِلْعَهْدِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَما أرْسَلْنا إلى فِرْعَوْنَ رَسُولًا فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [المزمل: ١٥] . وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: وذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمَةُ، فالهاءُ في هَذِهِ القِراءَةِ لِلْمُبالَغَةِ، أوْ أنَّثَ عَلى أنْ عَنى بِالدِّينِ المِلَّةَ، كَقَوْلِهِ: ما هَذِهِ الصَّوْتُ ؟ يُرِيدُ: ما هَذِهِ الصَّيْحَةُ: وذَكَرَ تَعالى مَقَرَّ الأشْقِياءِ وجَزاءَ السُّعَداءِ، والبَرِيَّةُ: جَمِيعُ الخَلْقِ. وقَرَأ الأعْرَجُ وابْنُ عامِرٍ، ونافِعٌ: البَرِئَةُ بِالهَمْزِ مِن بَرَأ، بِمَعْنى خَلَقَ، والجُمْهُورُ: بِشَدِّ الياءِ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ أصْلُهُ الهَمْزَ، ثُمَّ سُهِّلَ بِالإبْدالِ وأُدْغِمَ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مِنَ البَراءِ، وهو التُّرابُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا الِاشْتِقاقُ يَجْعَلُ الهَمْزَ خَطَأً، وهو اشْتِقاقٌ غَيْرُ مَرْضِيٍّ، ويَعْنِي اشْتِقاقَ البَرِيَّةِ بِلا هَمْزٍ مِنَ البُرا، وهو التُّرابُ، فَلا يَجْعَلُهُ خَطَأً، بَلْ قِراءَةُ الهَمْزِ مُشْتَقَّةٌ مِن بَرَأ، وغَيْرُ الهَمْزِ مِنَ البُرا، والقِراءَتانِ قَدْ تَخْتَلِفانِ في الِاشْتِقاقِ نَحْوَ: أوْ نَنْساها أوْ نُنْسِها، فَهو اشْتِقاقٌ مَرْضِيٌّ، وحُكْمٌ عَلى الكُفّارِ مِنَ الفَرِيقَيْنِ بِالخُلُودِ في النّارِ وبِكَوْنِهِمْ شَرَّ البَرِيَّةِ، وبَدَأ بِأهْلِ الكِتابِ؛ لِأنَّهم كانُوا يَطْعَنُونَ في نُبُوَّتِهِ، وجِنايَتُهم أعْظَمُ؛ لِأنَّهم أنْكَرُوهُ مَعَ العِلْمِ بِهِ، وشَرُّ البَرِيَّةِ ظاهِرُهُ العُمُومُ، وقِيلَ: ﴿شَرُّ البَرِيَّةِ﴾ الَّذِينَ عاصَرُوا الرَّسُولَ ﷺ، إذْ لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ في كُفّارِ الأُمَمِ مَن هو شَرٌّ مِن هَؤُلاءِ، كَفِرْعَوْنَ وعاقِرِ ناقَةِ صالِحٍ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿خَيْرُ البَرِيَّةِ﴾ مُقابِلُ ﴿شَرُّ البَرِيَّةِ﴾ وحَمِيدٌ وعامِرُ بْنُ عَبْدِ الواحِدِ: خِيارُ البَرِيَّةِ جَمْعُ خَيِّرٍ، كَجِيِّدٍ وجِيادٍ، وبَقِيَّةُ السُّورَةِ واضِحَةٌ، وتَقَدَّمَ شَرْحُ ذَلِكَ إفْرادًا وتَرْكِيبًا.

البينة 98:3

سُورَةُ البَيِّنَةِ مَدَنِيَّةٌ وهي ثَمانِي آياتٍ ﷽ (p-٤٩٨)﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ﴾ ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً﴾ ﴿فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ ﴿وما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ﴾ ﴿وما أُمِرُوا إلّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ ويُقِيمُوا الصَّلاةَ ويُؤْتُوا الزَّكاةَ وذَلِكَ دِينُ القَيِّمَةِ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ في نارِ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أُولَئِكَ هم شَرُّ البَرِيَّةِ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولَئِكَ هم خَيْرُ البَرِيَّةِ﴾ ﴿جَزاؤُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم ورَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَن خَشِيَ رَبَّهُ﴾ . هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الجُمْهُورِ، وقالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ وعَطاءُ بْنُ يَسارٍ: مَدَنِيَّةٌ، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، وفي كِتابِ التَّحْرِيرِ: مَدَنِيَّةٌ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ، ورَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها مَكِّيَّةٌ، واخْتارَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ، ولَمّا ذَكَرَ إنْزالَ القُرْآنِ، وفي السُّورَةِ الَّتِي قَبْلَها ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١] ذَكَرَ هُنا أنَّ الكُفّارَ لَمْ يَكُونُوا مُنْفَكِّينَ عَنْ ما هم عَلَيْهِ حَتّى جاءَهُمُ الرَّسُولُ يَتْلُو عَلَيْهِمْ ما أُنْزِلَ عَلَيْهِ مِنَ الصُّحُفِ المُطَهَّرَةِ الَّتِي أُمِرَ بِقِراءَتِها، وقَسَّمَ الكافِرِينَ هُنا إلى أهْلِ كِتابٍ وأهْلِ إشْراكٍ، وقَرَأ بَعْضُ القُرّاءِ: (والمُشْرِكُونَ) رَفْعًا عَطْفًا عَلى (الَّذِينَ كَفَرُوا)، والجُمْهُورُ بِالجَرِّ عَطْفًا عَلى (أهْلِ الكِتابِ) وأهْلُ الكِتابِ اليَهُودُ والنَّصارى، والمُشْرِكُونَ عَبَدَةُ الأوْثانِ مِنَ العَرَبِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أهْلُ الكِتابِ اليَهُودُ الَّذِينَ كانُوا بِيَثْرِبَ هم قُرَيْظَةُ والنَّضِيرُ وبَنُو قَيْنُقاعَ، والمُشْرِكُونَ الَّذِينَ كانُوا بِمَكَّةَ وحَوْلَها والمَدِينَةِ وحَوْلَها. قالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: لَمْ يَكُونُوا مُنْفَكِّينَ عَنِ الكُفْرِ والضَّلالِ حَتّى جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ. وقالَ الفَرّاءُ وغَيْرُهُ: لَمْ يَكُونُوا مُنْفَكِّينَ عَنْ مَعْرِفَةِ صِحَّةِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ والتَّوَكُّفِ لِأمْرِهِ حَتّى جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ، فَتَفَرَّقُوا عِنْدَ ذَلِكَ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كانَ الكُفّارُ مِنَ الفَرِيقَيْنِ يَقُولُونَ قَبْلَ المَبْعَثِ: لا نَنْفَكُّ مِمّا نَحْنُ فِيهِ مِن دِينِنا حَتّى يُبْعَثَ النَّبِيُّ المَوْعُودُ الَّذِي هو مَكْتُوبٌ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، وهو مُحَمَّدٌ، ﷺ، فَحَكى اللَّهُ ما كانُوا يَقُولُونَهُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَتَّجِهُ في مَعْنى الآيَةِ قَوْلٌ ثالِثٌ بارِعُ المَعْنى، وذَلِكَ أنَّهُ يَكُونُ المُرادُ: لَمْ يَكُنْ هَؤُلاءِ القَوْمُ مُنْفَكِّينَ مِن أمْرِ اللَّهِ تَعالى وقُدْرَتِهِ ونَظَرِهِ لَهم حَتّى يَبْعَثَ اللَّهُ تَعالى إلَيْهِمْ رَسُولًا مُنْذِرًا تَقُومُ عَلَيْهِمْ بِهِ الحُجَّةُ ويُتِمُّ عَلى مَن آمَنَ النِّعْمَةَ، فَكَأنَّهُ قالَ: ما كانُوا لِيُتْرَكُوا سُدًى، ولِهَذا نَظائِرُ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى. انْتَهى. وقِيلَ: لَمْ يَكُونُوا مُنْفَكِّينَ عَنْ حَياتِهِمْ فَيَمُوتُوا حَتّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ. والظّاهِرُ أنَّ المَعْنى: لَمْ يَكُونُوا مُنْفَكِّينَ، أيْ مُنْفَصِلًا بَعْضُهم مِن بَعْضٍ، بَلْ كانَ كُلٌّ مِنهم مُقِرًّا الآخَرَ عَلى ما هو عَلَيْهِ مِمّا اخْتارَهُ لِنَفْسِهِ، هَذا مِنِ اعْتِقادِهِ في شَرِيعَتِهِ، وهَذا مِنِ اعْتِقادِهِ في أصْنامِهِ، والمَعْنى أنَّهُ اتَّصَلَتْ مَوَدَّتُهم واجْتَمَعَتْ كَلِمَتُهم إلى أنْ أتَتْهُمُ البَيِّنَةُ. وقِيلَ: مَعْنى مُنْفَكِّينَ: هالِكِينَ، مِن قَوْلِهِمْ: انْفَكَّ صِلا المَرْأةِ عِنْدَ الوِلادَةِ، وأنْ يَنْفَصِلَ فَلا يَلْتَئِمُ، والمَعْنى: لَمْ يَكُونُوا مُعَذَّبِينَ ولا هالِكِينَ إلّا بَعْدَ قِيامِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ بِإرْسالِ الرُّسُلِ وإنْزالِ الكُتُبِ. انْتَهى. ومُنْفَكِّينَ اسْمُ فاعِلٍ مِنِ انْفَكَّ، وهي التّامَّةُ ولَيْسَتِ الدّاخِلَةَ عَلى المُبْتَدَأِ والخَبَرِ. وقالَ بَعْضُ النُّحاةِ: هي النّاقِصَةُ، ويُقَدَّرُ مُنْفَكِّينَ: عارِفِينَ أمْرَ مُحَمَّدٍ، ﷺ، أوْ نَحْوُ هَذا، وخَبَرُ كانَ وأخَواتِها لا يَجُوزُ حَذْفُهُ لا اقْتِصارًا ولا اخْتِصارًا، نَصَّ عَلى ذَلِكَ أصْحابُنا، ولَهم عِلَّةٌ في مَنعِ ذَلِكَ ذَكَرُوها في عِلْمِ النَّحْوِ، وقالُوا في قَوْلِهِ: حِينَ لَيْسَ مُجِيرُ، أيْ في الدُّنْيا، فَحَذَفَ الخَبَرَ أنَّهُ ضَرُورَةٌ، والبَيِّنَةُ: الحُجَّةُ الجَلِيلَةُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (رَسُولٌ) بِالرَّفْعِ بَدَلًا مِن (البَيِّنَةُ) وأُبَيٌّ وعَبْدُ اللَّهِ: بِالنَّصْبِ حالًا مِنَ البَيِّنَةِ ﴿يَتْلُو صُحُفًا﴾ أيْ قَراطِيسَ (مُطَهَّرَةً) مِنَ الباطِلِ ﴿فِيها كُتُبٌ﴾ مَكْتُوباتٌ ﴿قَيِّمَةٌ﴾ مُسْتَقِيمَةٌ ناطِقَةٌ بِالحَقِّ ﴿وما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ أيْ مِنَ المُشْرِكِينَ، وانْفَصَلَ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ فَقالَ: كُلُّ ما يَدُلُّ عِنْدَهُ عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِ ﴿إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ﴾ وكانَ يَقْتَضِي مَجِيءُ البَيِّنَةِ أنْ يَجْتَمِعُوا عَلى اتِّباعِها، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كانُوا يَعُدُّونَ اجْتِماعَ الكَلِمَةِ والِاتِّفاقَ عَلى الحَقِّ إذا جاءَهُمُ الرَّسُولُ، ثُمَّ ما فَرَّقَهم عَنِ الحَقِّ ولا أقَرَّهم عَلى الكُفْرِ إلّا مَجِيءُ الرَّسُولِ ﷺ، وقالَ أيْضًا: أفْرَدَ أهْلَ الكِتابِ، يَعْنِي في قَوْلِهِ: (p-٤٩٩)﴿وما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ بَعْدَ جَمْعِهِمْ والمُشْرِكِينَ، قِيلَ: لِأنَّهم كانُوا عَلى عِلْمٍ بِهِ لِوُجُودِهِ في كُتُبِهِمْ، فَإذا وُصِفُوا بِالتَّفَرُّقِ عَنْهُ كانَ مَن لا كِتابَ لَهُ أدْخَلَ في هَذا الوَصْفِ، والمُرادُ بِتَفَرُّقِهِمْ تَفَرُّقُهم عَنِ الحَقِّ، أوْ تَفَرُّقُهم فِرَقًا، فَمِنهم مَن آمَنَ، ومِنهم مَن أنْكَرَ، وقالَ: لَيْسَ بِهِ ومِنهم مَن عَرَفَ وعانَدَ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ذَكَرَ تَعالى مَذَمَّةَ مَن لَمْ يُؤْمِن مِن أهْلِ الكِتابِ مِن أنَّهم لَمْ يَتَفَرَّقُوا في أمْرِ مُحَمَّدٍ ﷺ، إلّا مِن بَعْدِ ما رَأوُا الآياتِ الواضِحَةَ، وكانُوا مِن قَبْلُ مُتَّفِقِينَ عَلى نُبُوَّتِهِ وصِفَتِهِ، فَلَمّا جاءَ مِنَ العَرَبِ حَسَدُوهُ. انْتَهى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (مُخْلِصِينَ) بِكَسْرِ اللّامِ، و(الدِّينَ) مَنصُوبٌ بِهِ، والحَسَنُ: بِفَتْحِها، أيْ يُخْلِصُونَ هم أنْفُسُهم في نِيّاتِهِمْ، وانْتَصَبَ (الدِّينَ) إمّا عَلى المَصْدَرِ مِن (لِيَعْبُدُوا) أيْ لِيَدِينُوا اللَّهَ بِالعِبادَةِ الدِّينَ، وإمّا عَلى إسْقاطِ في، أيْ في الدِّينِ، والمَعْنى: وما أُمِرُوا، أيْ في كِتابَيْهِما، بِما أُمِرُوا بِهِ إلّا لِيَعْبُدُوا (حُنَفاءَ) أيْ مُسْتَقِيمِي الطَّرِيقَةِ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ الأشْعَبِ الطّالقانِيُّ: القَيِّمَةُ هُنا: الكُتُبُ الَّتِي جَرى ذِكْرُها، كَأنَّهُ لَمّا تَقَدَّمَ لَفْظُ قَيِّمَةٍ نَكِرَةً، كانَتِ الألِفُ واللّامُ في القَيِّمَةِ لِلْعَهْدِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَما أرْسَلْنا إلى فِرْعَوْنَ رَسُولًا فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [المزمل: ١٥] . وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: وذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمَةُ، فالهاءُ في هَذِهِ القِراءَةِ لِلْمُبالَغَةِ، أوْ أنَّثَ عَلى أنْ عَنى بِالدِّينِ المِلَّةَ، كَقَوْلِهِ: ما هَذِهِ الصَّوْتُ ؟ يُرِيدُ: ما هَذِهِ الصَّيْحَةُ: وذَكَرَ تَعالى مَقَرَّ الأشْقِياءِ وجَزاءَ السُّعَداءِ، والبَرِيَّةُ: جَمِيعُ الخَلْقِ. وقَرَأ الأعْرَجُ وابْنُ عامِرٍ، ونافِعٌ: البَرِئَةُ بِالهَمْزِ مِن بَرَأ، بِمَعْنى خَلَقَ، والجُمْهُورُ: بِشَدِّ الياءِ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ أصْلُهُ الهَمْزَ، ثُمَّ سُهِّلَ بِالإبْدالِ وأُدْغِمَ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مِنَ البَراءِ، وهو التُّرابُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا الِاشْتِقاقُ يَجْعَلُ الهَمْزَ خَطَأً، وهو اشْتِقاقٌ غَيْرُ مَرْضِيٍّ، ويَعْنِي اشْتِقاقَ البَرِيَّةِ بِلا هَمْزٍ مِنَ البُرا، وهو التُّرابُ، فَلا يَجْعَلُهُ خَطَأً، بَلْ قِراءَةُ الهَمْزِ مُشْتَقَّةٌ مِن بَرَأ، وغَيْرُ الهَمْزِ مِنَ البُرا، والقِراءَتانِ قَدْ تَخْتَلِفانِ في الِاشْتِقاقِ نَحْوَ: أوْ نَنْساها أوْ نُنْسِها، فَهو اشْتِقاقٌ مَرْضِيٌّ، وحُكْمٌ عَلى الكُفّارِ مِنَ الفَرِيقَيْنِ بِالخُلُودِ في النّارِ وبِكَوْنِهِمْ شَرَّ البَرِيَّةِ، وبَدَأ بِأهْلِ الكِتابِ؛ لِأنَّهم كانُوا يَطْعَنُونَ في نُبُوَّتِهِ، وجِنايَتُهم أعْظَمُ؛ لِأنَّهم أنْكَرُوهُ مَعَ العِلْمِ بِهِ، وشَرُّ البَرِيَّةِ ظاهِرُهُ العُمُومُ، وقِيلَ: ﴿شَرُّ البَرِيَّةِ﴾ الَّذِينَ عاصَرُوا الرَّسُولَ ﷺ، إذْ لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ في كُفّارِ الأُمَمِ مَن هو شَرٌّ مِن هَؤُلاءِ، كَفِرْعَوْنَ وعاقِرِ ناقَةِ صالِحٍ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿خَيْرُ البَرِيَّةِ﴾ مُقابِلُ ﴿شَرُّ البَرِيَّةِ﴾ وحَمِيدٌ وعامِرُ بْنُ عَبْدِ الواحِدِ: خِيارُ البَرِيَّةِ جَمْعُ خَيِّرٍ، كَجِيِّدٍ وجِيادٍ، وبَقِيَّةُ السُّورَةِ واضِحَةٌ، وتَقَدَّمَ شَرْحُ ذَلِكَ إفْرادًا وتَرْكِيبًا.

البينة 98:4

سُورَةُ البَيِّنَةِ مَدَنِيَّةٌ وهي ثَمانِي آياتٍ ﷽ (p-٤٩٨)﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ﴾ ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً﴾ ﴿فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ ﴿وما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ﴾ ﴿وما أُمِرُوا إلّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ ويُقِيمُوا الصَّلاةَ ويُؤْتُوا الزَّكاةَ وذَلِكَ دِينُ القَيِّمَةِ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ في نارِ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أُولَئِكَ هم شَرُّ البَرِيَّةِ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولَئِكَ هم خَيْرُ البَرِيَّةِ﴾ ﴿جَزاؤُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم ورَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَن خَشِيَ رَبَّهُ﴾ . هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الجُمْهُورِ، وقالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ وعَطاءُ بْنُ يَسارٍ: مَدَنِيَّةٌ، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، وفي كِتابِ التَّحْرِيرِ: مَدَنِيَّةٌ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ، ورَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها مَكِّيَّةٌ، واخْتارَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ، ولَمّا ذَكَرَ إنْزالَ القُرْآنِ، وفي السُّورَةِ الَّتِي قَبْلَها ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١] ذَكَرَ هُنا أنَّ الكُفّارَ لَمْ يَكُونُوا مُنْفَكِّينَ عَنْ ما هم عَلَيْهِ حَتّى جاءَهُمُ الرَّسُولُ يَتْلُو عَلَيْهِمْ ما أُنْزِلَ عَلَيْهِ مِنَ الصُّحُفِ المُطَهَّرَةِ الَّتِي أُمِرَ بِقِراءَتِها، وقَسَّمَ الكافِرِينَ هُنا إلى أهْلِ كِتابٍ وأهْلِ إشْراكٍ، وقَرَأ بَعْضُ القُرّاءِ: (والمُشْرِكُونَ) رَفْعًا عَطْفًا عَلى (الَّذِينَ كَفَرُوا)، والجُمْهُورُ بِالجَرِّ عَطْفًا عَلى (أهْلِ الكِتابِ) وأهْلُ الكِتابِ اليَهُودُ والنَّصارى، والمُشْرِكُونَ عَبَدَةُ الأوْثانِ مِنَ العَرَبِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أهْلُ الكِتابِ اليَهُودُ الَّذِينَ كانُوا بِيَثْرِبَ هم قُرَيْظَةُ والنَّضِيرُ وبَنُو قَيْنُقاعَ، والمُشْرِكُونَ الَّذِينَ كانُوا بِمَكَّةَ وحَوْلَها والمَدِينَةِ وحَوْلَها. قالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: لَمْ يَكُونُوا مُنْفَكِّينَ عَنِ الكُفْرِ والضَّلالِ حَتّى جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ. وقالَ الفَرّاءُ وغَيْرُهُ: لَمْ يَكُونُوا مُنْفَكِّينَ عَنْ مَعْرِفَةِ صِحَّةِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ والتَّوَكُّفِ لِأمْرِهِ حَتّى جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ، فَتَفَرَّقُوا عِنْدَ ذَلِكَ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كانَ الكُفّارُ مِنَ الفَرِيقَيْنِ يَقُولُونَ قَبْلَ المَبْعَثِ: لا نَنْفَكُّ مِمّا نَحْنُ فِيهِ مِن دِينِنا حَتّى يُبْعَثَ النَّبِيُّ المَوْعُودُ الَّذِي هو مَكْتُوبٌ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، وهو مُحَمَّدٌ، ﷺ، فَحَكى اللَّهُ ما كانُوا يَقُولُونَهُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَتَّجِهُ في مَعْنى الآيَةِ قَوْلٌ ثالِثٌ بارِعُ المَعْنى، وذَلِكَ أنَّهُ يَكُونُ المُرادُ: لَمْ يَكُنْ هَؤُلاءِ القَوْمُ مُنْفَكِّينَ مِن أمْرِ اللَّهِ تَعالى وقُدْرَتِهِ ونَظَرِهِ لَهم حَتّى يَبْعَثَ اللَّهُ تَعالى إلَيْهِمْ رَسُولًا مُنْذِرًا تَقُومُ عَلَيْهِمْ بِهِ الحُجَّةُ ويُتِمُّ عَلى مَن آمَنَ النِّعْمَةَ، فَكَأنَّهُ قالَ: ما كانُوا لِيُتْرَكُوا سُدًى، ولِهَذا نَظائِرُ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى. انْتَهى. وقِيلَ: لَمْ يَكُونُوا مُنْفَكِّينَ عَنْ حَياتِهِمْ فَيَمُوتُوا حَتّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ. والظّاهِرُ أنَّ المَعْنى: لَمْ يَكُونُوا مُنْفَكِّينَ، أيْ مُنْفَصِلًا بَعْضُهم مِن بَعْضٍ، بَلْ كانَ كُلٌّ مِنهم مُقِرًّا الآخَرَ عَلى ما هو عَلَيْهِ مِمّا اخْتارَهُ لِنَفْسِهِ، هَذا مِنِ اعْتِقادِهِ في شَرِيعَتِهِ، وهَذا مِنِ اعْتِقادِهِ في أصْنامِهِ، والمَعْنى أنَّهُ اتَّصَلَتْ مَوَدَّتُهم واجْتَمَعَتْ كَلِمَتُهم إلى أنْ أتَتْهُمُ البَيِّنَةُ. وقِيلَ: مَعْنى مُنْفَكِّينَ: هالِكِينَ، مِن قَوْلِهِمْ: انْفَكَّ صِلا المَرْأةِ عِنْدَ الوِلادَةِ، وأنْ يَنْفَصِلَ فَلا يَلْتَئِمُ، والمَعْنى: لَمْ يَكُونُوا مُعَذَّبِينَ ولا هالِكِينَ إلّا بَعْدَ قِيامِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ بِإرْسالِ الرُّسُلِ وإنْزالِ الكُتُبِ. انْتَهى. ومُنْفَكِّينَ اسْمُ فاعِلٍ مِنِ انْفَكَّ، وهي التّامَّةُ ولَيْسَتِ الدّاخِلَةَ عَلى المُبْتَدَأِ والخَبَرِ. وقالَ بَعْضُ النُّحاةِ: هي النّاقِصَةُ، ويُقَدَّرُ مُنْفَكِّينَ: عارِفِينَ أمْرَ مُحَمَّدٍ، ﷺ، أوْ نَحْوُ هَذا، وخَبَرُ كانَ وأخَواتِها لا يَجُوزُ حَذْفُهُ لا اقْتِصارًا ولا اخْتِصارًا، نَصَّ عَلى ذَلِكَ أصْحابُنا، ولَهم عِلَّةٌ في مَنعِ ذَلِكَ ذَكَرُوها في عِلْمِ النَّحْوِ، وقالُوا في قَوْلِهِ: حِينَ لَيْسَ مُجِيرُ، أيْ في الدُّنْيا، فَحَذَفَ الخَبَرَ أنَّهُ ضَرُورَةٌ، والبَيِّنَةُ: الحُجَّةُ الجَلِيلَةُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (رَسُولٌ) بِالرَّفْعِ بَدَلًا مِن (البَيِّنَةُ) وأُبَيٌّ وعَبْدُ اللَّهِ: بِالنَّصْبِ حالًا مِنَ البَيِّنَةِ ﴿يَتْلُو صُحُفًا﴾ أيْ قَراطِيسَ (مُطَهَّرَةً) مِنَ الباطِلِ ﴿فِيها كُتُبٌ﴾ مَكْتُوباتٌ ﴿قَيِّمَةٌ﴾ مُسْتَقِيمَةٌ ناطِقَةٌ بِالحَقِّ ﴿وما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ أيْ مِنَ المُشْرِكِينَ، وانْفَصَلَ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ فَقالَ: كُلُّ ما يَدُلُّ عِنْدَهُ عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِ ﴿إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ﴾ وكانَ يَقْتَضِي مَجِيءُ البَيِّنَةِ أنْ يَجْتَمِعُوا عَلى اتِّباعِها، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كانُوا يَعُدُّونَ اجْتِماعَ الكَلِمَةِ والِاتِّفاقَ عَلى الحَقِّ إذا جاءَهُمُ الرَّسُولُ، ثُمَّ ما فَرَّقَهم عَنِ الحَقِّ ولا أقَرَّهم عَلى الكُفْرِ إلّا مَجِيءُ الرَّسُولِ ﷺ، وقالَ أيْضًا: أفْرَدَ أهْلَ الكِتابِ، يَعْنِي في قَوْلِهِ: (p-٤٩٩)﴿وما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ بَعْدَ جَمْعِهِمْ والمُشْرِكِينَ، قِيلَ: لِأنَّهم كانُوا عَلى عِلْمٍ بِهِ لِوُجُودِهِ في كُتُبِهِمْ، فَإذا وُصِفُوا بِالتَّفَرُّقِ عَنْهُ كانَ مَن لا كِتابَ لَهُ أدْخَلَ في هَذا الوَصْفِ، والمُرادُ بِتَفَرُّقِهِمْ تَفَرُّقُهم عَنِ الحَقِّ، أوْ تَفَرُّقُهم فِرَقًا، فَمِنهم مَن آمَنَ، ومِنهم مَن أنْكَرَ، وقالَ: لَيْسَ بِهِ ومِنهم مَن عَرَفَ وعانَدَ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ذَكَرَ تَعالى مَذَمَّةَ مَن لَمْ يُؤْمِن مِن أهْلِ الكِتابِ مِن أنَّهم لَمْ يَتَفَرَّقُوا في أمْرِ مُحَمَّدٍ ﷺ، إلّا مِن بَعْدِ ما رَأوُا الآياتِ الواضِحَةَ، وكانُوا مِن قَبْلُ مُتَّفِقِينَ عَلى نُبُوَّتِهِ وصِفَتِهِ، فَلَمّا جاءَ مِنَ العَرَبِ حَسَدُوهُ. انْتَهى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (مُخْلِصِينَ) بِكَسْرِ اللّامِ، و(الدِّينَ) مَنصُوبٌ بِهِ، والحَسَنُ: بِفَتْحِها، أيْ يُخْلِصُونَ هم أنْفُسُهم في نِيّاتِهِمْ، وانْتَصَبَ (الدِّينَ) إمّا عَلى المَصْدَرِ مِن (لِيَعْبُدُوا) أيْ لِيَدِينُوا اللَّهَ بِالعِبادَةِ الدِّينَ، وإمّا عَلى إسْقاطِ في، أيْ في الدِّينِ، والمَعْنى: وما أُمِرُوا، أيْ في كِتابَيْهِما، بِما أُمِرُوا بِهِ إلّا لِيَعْبُدُوا (حُنَفاءَ) أيْ مُسْتَقِيمِي الطَّرِيقَةِ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ الأشْعَبِ الطّالقانِيُّ: القَيِّمَةُ هُنا: الكُتُبُ الَّتِي جَرى ذِكْرُها، كَأنَّهُ لَمّا تَقَدَّمَ لَفْظُ قَيِّمَةٍ نَكِرَةً، كانَتِ الألِفُ واللّامُ في القَيِّمَةِ لِلْعَهْدِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَما أرْسَلْنا إلى فِرْعَوْنَ رَسُولًا فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [المزمل: ١٥] . وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: وذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمَةُ، فالهاءُ في هَذِهِ القِراءَةِ لِلْمُبالَغَةِ، أوْ أنَّثَ عَلى أنْ عَنى بِالدِّينِ المِلَّةَ، كَقَوْلِهِ: ما هَذِهِ الصَّوْتُ ؟ يُرِيدُ: ما هَذِهِ الصَّيْحَةُ: وذَكَرَ تَعالى مَقَرَّ الأشْقِياءِ وجَزاءَ السُّعَداءِ، والبَرِيَّةُ: جَمِيعُ الخَلْقِ. وقَرَأ الأعْرَجُ وابْنُ عامِرٍ، ونافِعٌ: البَرِئَةُ بِالهَمْزِ مِن بَرَأ، بِمَعْنى خَلَقَ، والجُمْهُورُ: بِشَدِّ الياءِ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ أصْلُهُ الهَمْزَ، ثُمَّ سُهِّلَ بِالإبْدالِ وأُدْغِمَ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مِنَ البَراءِ، وهو التُّرابُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا الِاشْتِقاقُ يَجْعَلُ الهَمْزَ خَطَأً، وهو اشْتِقاقٌ غَيْرُ مَرْضِيٍّ، ويَعْنِي اشْتِقاقَ البَرِيَّةِ بِلا هَمْزٍ مِنَ البُرا، وهو التُّرابُ، فَلا يَجْعَلُهُ خَطَأً، بَلْ قِراءَةُ الهَمْزِ مُشْتَقَّةٌ مِن بَرَأ، وغَيْرُ الهَمْزِ مِنَ البُرا، والقِراءَتانِ قَدْ تَخْتَلِفانِ في الِاشْتِقاقِ نَحْوَ: أوْ نَنْساها أوْ نُنْسِها، فَهو اشْتِقاقٌ مَرْضِيٌّ، وحُكْمٌ عَلى الكُفّارِ مِنَ الفَرِيقَيْنِ بِالخُلُودِ في النّارِ وبِكَوْنِهِمْ شَرَّ البَرِيَّةِ، وبَدَأ بِأهْلِ الكِتابِ؛ لِأنَّهم كانُوا يَطْعَنُونَ في نُبُوَّتِهِ، وجِنايَتُهم أعْظَمُ؛ لِأنَّهم أنْكَرُوهُ مَعَ العِلْمِ بِهِ، وشَرُّ البَرِيَّةِ ظاهِرُهُ العُمُومُ، وقِيلَ: ﴿شَرُّ البَرِيَّةِ﴾ الَّذِينَ عاصَرُوا الرَّسُولَ ﷺ، إذْ لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ في كُفّارِ الأُمَمِ مَن هو شَرٌّ مِن هَؤُلاءِ، كَفِرْعَوْنَ وعاقِرِ ناقَةِ صالِحٍ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿خَيْرُ البَرِيَّةِ﴾ مُقابِلُ ﴿شَرُّ البَرِيَّةِ﴾ وحَمِيدٌ وعامِرُ بْنُ عَبْدِ الواحِدِ: خِيارُ البَرِيَّةِ جَمْعُ خَيِّرٍ، كَجِيِّدٍ وجِيادٍ، وبَقِيَّةُ السُّورَةِ واضِحَةٌ، وتَقَدَّمَ شَرْحُ ذَلِكَ إفْرادًا وتَرْكِيبًا.

البينة 98:5

سُورَةُ البَيِّنَةِ مَدَنِيَّةٌ وهي ثَمانِي آياتٍ ﷽ (p-٤٩٨)﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ﴾ ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً﴾ ﴿فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ ﴿وما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ﴾ ﴿وما أُمِرُوا إلّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ ويُقِيمُوا الصَّلاةَ ويُؤْتُوا الزَّكاةَ وذَلِكَ دِينُ القَيِّمَةِ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ في نارِ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أُولَئِكَ هم شَرُّ البَرِيَّةِ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولَئِكَ هم خَيْرُ البَرِيَّةِ﴾ ﴿جَزاؤُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم ورَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَن خَشِيَ رَبَّهُ﴾ . هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الجُمْهُورِ، وقالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ وعَطاءُ بْنُ يَسارٍ: مَدَنِيَّةٌ، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، وفي كِتابِ التَّحْرِيرِ: مَدَنِيَّةٌ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ، ورَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها مَكِّيَّةٌ، واخْتارَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ، ولَمّا ذَكَرَ إنْزالَ القُرْآنِ، وفي السُّورَةِ الَّتِي قَبْلَها ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١] ذَكَرَ هُنا أنَّ الكُفّارَ لَمْ يَكُونُوا مُنْفَكِّينَ عَنْ ما هم عَلَيْهِ حَتّى جاءَهُمُ الرَّسُولُ يَتْلُو عَلَيْهِمْ ما أُنْزِلَ عَلَيْهِ مِنَ الصُّحُفِ المُطَهَّرَةِ الَّتِي أُمِرَ بِقِراءَتِها، وقَسَّمَ الكافِرِينَ هُنا إلى أهْلِ كِتابٍ وأهْلِ إشْراكٍ، وقَرَأ بَعْضُ القُرّاءِ: (والمُشْرِكُونَ) رَفْعًا عَطْفًا عَلى (الَّذِينَ كَفَرُوا)، والجُمْهُورُ بِالجَرِّ عَطْفًا عَلى (أهْلِ الكِتابِ) وأهْلُ الكِتابِ اليَهُودُ والنَّصارى، والمُشْرِكُونَ عَبَدَةُ الأوْثانِ مِنَ العَرَبِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أهْلُ الكِتابِ اليَهُودُ الَّذِينَ كانُوا بِيَثْرِبَ هم قُرَيْظَةُ والنَّضِيرُ وبَنُو قَيْنُقاعَ، والمُشْرِكُونَ الَّذِينَ كانُوا بِمَكَّةَ وحَوْلَها والمَدِينَةِ وحَوْلَها. قالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: لَمْ يَكُونُوا مُنْفَكِّينَ عَنِ الكُفْرِ والضَّلالِ حَتّى جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ. وقالَ الفَرّاءُ وغَيْرُهُ: لَمْ يَكُونُوا مُنْفَكِّينَ عَنْ مَعْرِفَةِ صِحَّةِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ والتَّوَكُّفِ لِأمْرِهِ حَتّى جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ، فَتَفَرَّقُوا عِنْدَ ذَلِكَ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كانَ الكُفّارُ مِنَ الفَرِيقَيْنِ يَقُولُونَ قَبْلَ المَبْعَثِ: لا نَنْفَكُّ مِمّا نَحْنُ فِيهِ مِن دِينِنا حَتّى يُبْعَثَ النَّبِيُّ المَوْعُودُ الَّذِي هو مَكْتُوبٌ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، وهو مُحَمَّدٌ، ﷺ، فَحَكى اللَّهُ ما كانُوا يَقُولُونَهُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَتَّجِهُ في مَعْنى الآيَةِ قَوْلٌ ثالِثٌ بارِعُ المَعْنى، وذَلِكَ أنَّهُ يَكُونُ المُرادُ: لَمْ يَكُنْ هَؤُلاءِ القَوْمُ مُنْفَكِّينَ مِن أمْرِ اللَّهِ تَعالى وقُدْرَتِهِ ونَظَرِهِ لَهم حَتّى يَبْعَثَ اللَّهُ تَعالى إلَيْهِمْ رَسُولًا مُنْذِرًا تَقُومُ عَلَيْهِمْ بِهِ الحُجَّةُ ويُتِمُّ عَلى مَن آمَنَ النِّعْمَةَ، فَكَأنَّهُ قالَ: ما كانُوا لِيُتْرَكُوا سُدًى، ولِهَذا نَظائِرُ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى. انْتَهى. وقِيلَ: لَمْ يَكُونُوا مُنْفَكِّينَ عَنْ حَياتِهِمْ فَيَمُوتُوا حَتّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ. والظّاهِرُ أنَّ المَعْنى: لَمْ يَكُونُوا مُنْفَكِّينَ، أيْ مُنْفَصِلًا بَعْضُهم مِن بَعْضٍ، بَلْ كانَ كُلٌّ مِنهم مُقِرًّا الآخَرَ عَلى ما هو عَلَيْهِ مِمّا اخْتارَهُ لِنَفْسِهِ، هَذا مِنِ اعْتِقادِهِ في شَرِيعَتِهِ، وهَذا مِنِ اعْتِقادِهِ في أصْنامِهِ، والمَعْنى أنَّهُ اتَّصَلَتْ مَوَدَّتُهم واجْتَمَعَتْ كَلِمَتُهم إلى أنْ أتَتْهُمُ البَيِّنَةُ. وقِيلَ: مَعْنى مُنْفَكِّينَ: هالِكِينَ، مِن قَوْلِهِمْ: انْفَكَّ صِلا المَرْأةِ عِنْدَ الوِلادَةِ، وأنْ يَنْفَصِلَ فَلا يَلْتَئِمُ، والمَعْنى: لَمْ يَكُونُوا مُعَذَّبِينَ ولا هالِكِينَ إلّا بَعْدَ قِيامِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ بِإرْسالِ الرُّسُلِ وإنْزالِ الكُتُبِ. انْتَهى. ومُنْفَكِّينَ اسْمُ فاعِلٍ مِنِ انْفَكَّ، وهي التّامَّةُ ولَيْسَتِ الدّاخِلَةَ عَلى المُبْتَدَأِ والخَبَرِ. وقالَ بَعْضُ النُّحاةِ: هي النّاقِصَةُ، ويُقَدَّرُ مُنْفَكِّينَ: عارِفِينَ أمْرَ مُحَمَّدٍ، ﷺ، أوْ نَحْوُ هَذا، وخَبَرُ كانَ وأخَواتِها لا يَجُوزُ حَذْفُهُ لا اقْتِصارًا ولا اخْتِصارًا، نَصَّ عَلى ذَلِكَ أصْحابُنا، ولَهم عِلَّةٌ في مَنعِ ذَلِكَ ذَكَرُوها في عِلْمِ النَّحْوِ، وقالُوا في قَوْلِهِ: حِينَ لَيْسَ مُجِيرُ، أيْ في الدُّنْيا، فَحَذَفَ الخَبَرَ أنَّهُ ضَرُورَةٌ، والبَيِّنَةُ: الحُجَّةُ الجَلِيلَةُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (رَسُولٌ) بِالرَّفْعِ بَدَلًا مِن (البَيِّنَةُ) وأُبَيٌّ وعَبْدُ اللَّهِ: بِالنَّصْبِ حالًا مِنَ البَيِّنَةِ ﴿يَتْلُو صُحُفًا﴾ أيْ قَراطِيسَ (مُطَهَّرَةً) مِنَ الباطِلِ ﴿فِيها كُتُبٌ﴾ مَكْتُوباتٌ ﴿قَيِّمَةٌ﴾ مُسْتَقِيمَةٌ ناطِقَةٌ بِالحَقِّ ﴿وما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ أيْ مِنَ المُشْرِكِينَ، وانْفَصَلَ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ فَقالَ: كُلُّ ما يَدُلُّ عِنْدَهُ عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِ ﴿إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ﴾ وكانَ يَقْتَضِي مَجِيءُ البَيِّنَةِ أنْ يَجْتَمِعُوا عَلى اتِّباعِها، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كانُوا يَعُدُّونَ اجْتِماعَ الكَلِمَةِ والِاتِّفاقَ عَلى الحَقِّ إذا جاءَهُمُ الرَّسُولُ، ثُمَّ ما فَرَّقَهم عَنِ الحَقِّ ولا أقَرَّهم عَلى الكُفْرِ إلّا مَجِيءُ الرَّسُولِ ﷺ، وقالَ أيْضًا: أفْرَدَ أهْلَ الكِتابِ، يَعْنِي في قَوْلِهِ: (p-٤٩٩)﴿وما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ بَعْدَ جَمْعِهِمْ والمُشْرِكِينَ، قِيلَ: لِأنَّهم كانُوا عَلى عِلْمٍ بِهِ لِوُجُودِهِ في كُتُبِهِمْ، فَإذا وُصِفُوا بِالتَّفَرُّقِ عَنْهُ كانَ مَن لا كِتابَ لَهُ أدْخَلَ في هَذا الوَصْفِ، والمُرادُ بِتَفَرُّقِهِمْ تَفَرُّقُهم عَنِ الحَقِّ، أوْ تَفَرُّقُهم فِرَقًا، فَمِنهم مَن آمَنَ، ومِنهم مَن أنْكَرَ، وقالَ: لَيْسَ بِهِ ومِنهم مَن عَرَفَ وعانَدَ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ذَكَرَ تَعالى مَذَمَّةَ مَن لَمْ يُؤْمِن مِن أهْلِ الكِتابِ مِن أنَّهم لَمْ يَتَفَرَّقُوا في أمْرِ مُحَمَّدٍ ﷺ، إلّا مِن بَعْدِ ما رَأوُا الآياتِ الواضِحَةَ، وكانُوا مِن قَبْلُ مُتَّفِقِينَ عَلى نُبُوَّتِهِ وصِفَتِهِ، فَلَمّا جاءَ مِنَ العَرَبِ حَسَدُوهُ. انْتَهى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (مُخْلِصِينَ) بِكَسْرِ اللّامِ، و(الدِّينَ) مَنصُوبٌ بِهِ، والحَسَنُ: بِفَتْحِها، أيْ يُخْلِصُونَ هم أنْفُسُهم في نِيّاتِهِمْ، وانْتَصَبَ (الدِّينَ) إمّا عَلى المَصْدَرِ مِن (لِيَعْبُدُوا) أيْ لِيَدِينُوا اللَّهَ بِالعِبادَةِ الدِّينَ، وإمّا عَلى إسْقاطِ في، أيْ في الدِّينِ، والمَعْنى: وما أُمِرُوا، أيْ في كِتابَيْهِما، بِما أُمِرُوا بِهِ إلّا لِيَعْبُدُوا (حُنَفاءَ) أيْ مُسْتَقِيمِي الطَّرِيقَةِ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ الأشْعَبِ الطّالقانِيُّ: القَيِّمَةُ هُنا: الكُتُبُ الَّتِي جَرى ذِكْرُها، كَأنَّهُ لَمّا تَقَدَّمَ لَفْظُ قَيِّمَةٍ نَكِرَةً، كانَتِ الألِفُ واللّامُ في القَيِّمَةِ لِلْعَهْدِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَما أرْسَلْنا إلى فِرْعَوْنَ رَسُولًا فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [المزمل: ١٥] . وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: وذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمَةُ، فالهاءُ في هَذِهِ القِراءَةِ لِلْمُبالَغَةِ، أوْ أنَّثَ عَلى أنْ عَنى بِالدِّينِ المِلَّةَ، كَقَوْلِهِ: ما هَذِهِ الصَّوْتُ ؟ يُرِيدُ: ما هَذِهِ الصَّيْحَةُ: وذَكَرَ تَعالى مَقَرَّ الأشْقِياءِ وجَزاءَ السُّعَداءِ، والبَرِيَّةُ: جَمِيعُ الخَلْقِ. وقَرَأ الأعْرَجُ وابْنُ عامِرٍ، ونافِعٌ: البَرِئَةُ بِالهَمْزِ مِن بَرَأ، بِمَعْنى خَلَقَ، والجُمْهُورُ: بِشَدِّ الياءِ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ أصْلُهُ الهَمْزَ، ثُمَّ سُهِّلَ بِالإبْدالِ وأُدْغِمَ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مِنَ البَراءِ، وهو التُّرابُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا الِاشْتِقاقُ يَجْعَلُ الهَمْزَ خَطَأً، وهو اشْتِقاقٌ غَيْرُ مَرْضِيٍّ، ويَعْنِي اشْتِقاقَ البَرِيَّةِ بِلا هَمْزٍ مِنَ البُرا، وهو التُّرابُ، فَلا يَجْعَلُهُ خَطَأً، بَلْ قِراءَةُ الهَمْزِ مُشْتَقَّةٌ مِن بَرَأ، وغَيْرُ الهَمْزِ مِنَ البُرا، والقِراءَتانِ قَدْ تَخْتَلِفانِ في الِاشْتِقاقِ نَحْوَ: أوْ نَنْساها أوْ نُنْسِها، فَهو اشْتِقاقٌ مَرْضِيٌّ، وحُكْمٌ عَلى الكُفّارِ مِنَ الفَرِيقَيْنِ بِالخُلُودِ في النّارِ وبِكَوْنِهِمْ شَرَّ البَرِيَّةِ، وبَدَأ بِأهْلِ الكِتابِ؛ لِأنَّهم كانُوا يَطْعَنُونَ في نُبُوَّتِهِ، وجِنايَتُهم أعْظَمُ؛ لِأنَّهم أنْكَرُوهُ مَعَ العِلْمِ بِهِ، وشَرُّ البَرِيَّةِ ظاهِرُهُ العُمُومُ، وقِيلَ: ﴿شَرُّ البَرِيَّةِ﴾ الَّذِينَ عاصَرُوا الرَّسُولَ ﷺ، إذْ لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ في كُفّارِ الأُمَمِ مَن هو شَرٌّ مِن هَؤُلاءِ، كَفِرْعَوْنَ وعاقِرِ ناقَةِ صالِحٍ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿خَيْرُ البَرِيَّةِ﴾ مُقابِلُ ﴿شَرُّ البَرِيَّةِ﴾ وحَمِيدٌ وعامِرُ بْنُ عَبْدِ الواحِدِ: خِيارُ البَرِيَّةِ جَمْعُ خَيِّرٍ، كَجِيِّدٍ وجِيادٍ، وبَقِيَّةُ السُّورَةِ واضِحَةٌ، وتَقَدَّمَ شَرْحُ ذَلِكَ إفْرادًا وتَرْكِيبًا.

البينة 98:6

سُورَةُ البَيِّنَةِ مَدَنِيَّةٌ وهي ثَمانِي آياتٍ ﷽ (p-٤٩٨)﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ﴾ ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً﴾ ﴿فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ ﴿وما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ﴾ ﴿وما أُمِرُوا إلّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ ويُقِيمُوا الصَّلاةَ ويُؤْتُوا الزَّكاةَ وذَلِكَ دِينُ القَيِّمَةِ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ في نارِ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أُولَئِكَ هم شَرُّ البَرِيَّةِ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولَئِكَ هم خَيْرُ البَرِيَّةِ﴾ ﴿جَزاؤُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم ورَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَن خَشِيَ رَبَّهُ﴾ . هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الجُمْهُورِ، وقالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ وعَطاءُ بْنُ يَسارٍ: مَدَنِيَّةٌ، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، وفي كِتابِ التَّحْرِيرِ: مَدَنِيَّةٌ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ، ورَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها مَكِّيَّةٌ، واخْتارَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ، ولَمّا ذَكَرَ إنْزالَ القُرْآنِ، وفي السُّورَةِ الَّتِي قَبْلَها ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١] ذَكَرَ هُنا أنَّ الكُفّارَ لَمْ يَكُونُوا مُنْفَكِّينَ عَنْ ما هم عَلَيْهِ حَتّى جاءَهُمُ الرَّسُولُ يَتْلُو عَلَيْهِمْ ما أُنْزِلَ عَلَيْهِ مِنَ الصُّحُفِ المُطَهَّرَةِ الَّتِي أُمِرَ بِقِراءَتِها، وقَسَّمَ الكافِرِينَ هُنا إلى أهْلِ كِتابٍ وأهْلِ إشْراكٍ، وقَرَأ بَعْضُ القُرّاءِ: (والمُشْرِكُونَ) رَفْعًا عَطْفًا عَلى (الَّذِينَ كَفَرُوا)، والجُمْهُورُ بِالجَرِّ عَطْفًا عَلى (أهْلِ الكِتابِ) وأهْلُ الكِتابِ اليَهُودُ والنَّصارى، والمُشْرِكُونَ عَبَدَةُ الأوْثانِ مِنَ العَرَبِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أهْلُ الكِتابِ اليَهُودُ الَّذِينَ كانُوا بِيَثْرِبَ هم قُرَيْظَةُ والنَّضِيرُ وبَنُو قَيْنُقاعَ، والمُشْرِكُونَ الَّذِينَ كانُوا بِمَكَّةَ وحَوْلَها والمَدِينَةِ وحَوْلَها. قالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: لَمْ يَكُونُوا مُنْفَكِّينَ عَنِ الكُفْرِ والضَّلالِ حَتّى جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ. وقالَ الفَرّاءُ وغَيْرُهُ: لَمْ يَكُونُوا مُنْفَكِّينَ عَنْ مَعْرِفَةِ صِحَّةِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ والتَّوَكُّفِ لِأمْرِهِ حَتّى جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ، فَتَفَرَّقُوا عِنْدَ ذَلِكَ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كانَ الكُفّارُ مِنَ الفَرِيقَيْنِ يَقُولُونَ قَبْلَ المَبْعَثِ: لا نَنْفَكُّ مِمّا نَحْنُ فِيهِ مِن دِينِنا حَتّى يُبْعَثَ النَّبِيُّ المَوْعُودُ الَّذِي هو مَكْتُوبٌ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، وهو مُحَمَّدٌ، ﷺ، فَحَكى اللَّهُ ما كانُوا يَقُولُونَهُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَتَّجِهُ في مَعْنى الآيَةِ قَوْلٌ ثالِثٌ بارِعُ المَعْنى، وذَلِكَ أنَّهُ يَكُونُ المُرادُ: لَمْ يَكُنْ هَؤُلاءِ القَوْمُ مُنْفَكِّينَ مِن أمْرِ اللَّهِ تَعالى وقُدْرَتِهِ ونَظَرِهِ لَهم حَتّى يَبْعَثَ اللَّهُ تَعالى إلَيْهِمْ رَسُولًا مُنْذِرًا تَقُومُ عَلَيْهِمْ بِهِ الحُجَّةُ ويُتِمُّ عَلى مَن آمَنَ النِّعْمَةَ، فَكَأنَّهُ قالَ: ما كانُوا لِيُتْرَكُوا سُدًى، ولِهَذا نَظائِرُ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى. انْتَهى. وقِيلَ: لَمْ يَكُونُوا مُنْفَكِّينَ عَنْ حَياتِهِمْ فَيَمُوتُوا حَتّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ. والظّاهِرُ أنَّ المَعْنى: لَمْ يَكُونُوا مُنْفَكِّينَ، أيْ مُنْفَصِلًا بَعْضُهم مِن بَعْضٍ، بَلْ كانَ كُلٌّ مِنهم مُقِرًّا الآخَرَ عَلى ما هو عَلَيْهِ مِمّا اخْتارَهُ لِنَفْسِهِ، هَذا مِنِ اعْتِقادِهِ في شَرِيعَتِهِ، وهَذا مِنِ اعْتِقادِهِ في أصْنامِهِ، والمَعْنى أنَّهُ اتَّصَلَتْ مَوَدَّتُهم واجْتَمَعَتْ كَلِمَتُهم إلى أنْ أتَتْهُمُ البَيِّنَةُ. وقِيلَ: مَعْنى مُنْفَكِّينَ: هالِكِينَ، مِن قَوْلِهِمْ: انْفَكَّ صِلا المَرْأةِ عِنْدَ الوِلادَةِ، وأنْ يَنْفَصِلَ فَلا يَلْتَئِمُ، والمَعْنى: لَمْ يَكُونُوا مُعَذَّبِينَ ولا هالِكِينَ إلّا بَعْدَ قِيامِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ بِإرْسالِ الرُّسُلِ وإنْزالِ الكُتُبِ. انْتَهى. ومُنْفَكِّينَ اسْمُ فاعِلٍ مِنِ انْفَكَّ، وهي التّامَّةُ ولَيْسَتِ الدّاخِلَةَ عَلى المُبْتَدَأِ والخَبَرِ. وقالَ بَعْضُ النُّحاةِ: هي النّاقِصَةُ، ويُقَدَّرُ مُنْفَكِّينَ: عارِفِينَ أمْرَ مُحَمَّدٍ، ﷺ، أوْ نَحْوُ هَذا، وخَبَرُ كانَ وأخَواتِها لا يَجُوزُ حَذْفُهُ لا اقْتِصارًا ولا اخْتِصارًا، نَصَّ عَلى ذَلِكَ أصْحابُنا، ولَهم عِلَّةٌ في مَنعِ ذَلِكَ ذَكَرُوها في عِلْمِ النَّحْوِ، وقالُوا في قَوْلِهِ: حِينَ لَيْسَ مُجِيرُ، أيْ في الدُّنْيا، فَحَذَفَ الخَبَرَ أنَّهُ ضَرُورَةٌ، والبَيِّنَةُ: الحُجَّةُ الجَلِيلَةُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (رَسُولٌ) بِالرَّفْعِ بَدَلًا مِن (البَيِّنَةُ) وأُبَيٌّ وعَبْدُ اللَّهِ: بِالنَّصْبِ حالًا مِنَ البَيِّنَةِ ﴿يَتْلُو صُحُفًا﴾ أيْ قَراطِيسَ (مُطَهَّرَةً) مِنَ الباطِلِ ﴿فِيها كُتُبٌ﴾ مَكْتُوباتٌ ﴿قَيِّمَةٌ﴾ مُسْتَقِيمَةٌ ناطِقَةٌ بِالحَقِّ ﴿وما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ أيْ مِنَ المُشْرِكِينَ، وانْفَصَلَ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ فَقالَ: كُلُّ ما يَدُلُّ عِنْدَهُ عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِ ﴿إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ﴾ وكانَ يَقْتَضِي مَجِيءُ البَيِّنَةِ أنْ يَجْتَمِعُوا عَلى اتِّباعِها، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كانُوا يَعُدُّونَ اجْتِماعَ الكَلِمَةِ والِاتِّفاقَ عَلى الحَقِّ إذا جاءَهُمُ الرَّسُولُ، ثُمَّ ما فَرَّقَهم عَنِ الحَقِّ ولا أقَرَّهم عَلى الكُفْرِ إلّا مَجِيءُ الرَّسُولِ ﷺ، وقالَ أيْضًا: أفْرَدَ أهْلَ الكِتابِ، يَعْنِي في قَوْلِهِ: (p-٤٩٩)﴿وما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ بَعْدَ جَمْعِهِمْ والمُشْرِكِينَ، قِيلَ: لِأنَّهم كانُوا عَلى عِلْمٍ بِهِ لِوُجُودِهِ في كُتُبِهِمْ، فَإذا وُصِفُوا بِالتَّفَرُّقِ عَنْهُ كانَ مَن لا كِتابَ لَهُ أدْخَلَ في هَذا الوَصْفِ، والمُرادُ بِتَفَرُّقِهِمْ تَفَرُّقُهم عَنِ الحَقِّ، أوْ تَفَرُّقُهم فِرَقًا، فَمِنهم مَن آمَنَ، ومِنهم مَن أنْكَرَ، وقالَ: لَيْسَ بِهِ ومِنهم مَن عَرَفَ وعانَدَ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ذَكَرَ تَعالى مَذَمَّةَ مَن لَمْ يُؤْمِن مِن أهْلِ الكِتابِ مِن أنَّهم لَمْ يَتَفَرَّقُوا في أمْرِ مُحَمَّدٍ ﷺ، إلّا مِن بَعْدِ ما رَأوُا الآياتِ الواضِحَةَ، وكانُوا مِن قَبْلُ مُتَّفِقِينَ عَلى نُبُوَّتِهِ وصِفَتِهِ، فَلَمّا جاءَ مِنَ العَرَبِ حَسَدُوهُ. انْتَهى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (مُخْلِصِينَ) بِكَسْرِ اللّامِ، و(الدِّينَ) مَنصُوبٌ بِهِ، والحَسَنُ: بِفَتْحِها، أيْ يُخْلِصُونَ هم أنْفُسُهم في نِيّاتِهِمْ، وانْتَصَبَ (الدِّينَ) إمّا عَلى المَصْدَرِ مِن (لِيَعْبُدُوا) أيْ لِيَدِينُوا اللَّهَ بِالعِبادَةِ الدِّينَ، وإمّا عَلى إسْقاطِ في، أيْ في الدِّينِ، والمَعْنى: وما أُمِرُوا، أيْ في كِتابَيْهِما، بِما أُمِرُوا بِهِ إلّا لِيَعْبُدُوا (حُنَفاءَ) أيْ مُسْتَقِيمِي الطَّرِيقَةِ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ الأشْعَبِ الطّالقانِيُّ: القَيِّمَةُ هُنا: الكُتُبُ الَّتِي جَرى ذِكْرُها، كَأنَّهُ لَمّا تَقَدَّمَ لَفْظُ قَيِّمَةٍ نَكِرَةً، كانَتِ الألِفُ واللّامُ في القَيِّمَةِ لِلْعَهْدِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَما أرْسَلْنا إلى فِرْعَوْنَ رَسُولًا فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [المزمل: ١٥] . وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: وذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمَةُ، فالهاءُ في هَذِهِ القِراءَةِ لِلْمُبالَغَةِ، أوْ أنَّثَ عَلى أنْ عَنى بِالدِّينِ المِلَّةَ، كَقَوْلِهِ: ما هَذِهِ الصَّوْتُ ؟ يُرِيدُ: ما هَذِهِ الصَّيْحَةُ: وذَكَرَ تَعالى مَقَرَّ الأشْقِياءِ وجَزاءَ السُّعَداءِ، والبَرِيَّةُ: جَمِيعُ الخَلْقِ. وقَرَأ الأعْرَجُ وابْنُ عامِرٍ، ونافِعٌ: البَرِئَةُ بِالهَمْزِ مِن بَرَأ، بِمَعْنى خَلَقَ، والجُمْهُورُ: بِشَدِّ الياءِ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ أصْلُهُ الهَمْزَ، ثُمَّ سُهِّلَ بِالإبْدالِ وأُدْغِمَ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مِنَ البَراءِ، وهو التُّرابُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا الِاشْتِقاقُ يَجْعَلُ الهَمْزَ خَطَأً، وهو اشْتِقاقٌ غَيْرُ مَرْضِيٍّ، ويَعْنِي اشْتِقاقَ البَرِيَّةِ بِلا هَمْزٍ مِنَ البُرا، وهو التُّرابُ، فَلا يَجْعَلُهُ خَطَأً، بَلْ قِراءَةُ الهَمْزِ مُشْتَقَّةٌ مِن بَرَأ، وغَيْرُ الهَمْزِ مِنَ البُرا، والقِراءَتانِ قَدْ تَخْتَلِفانِ في الِاشْتِقاقِ نَحْوَ: أوْ نَنْساها أوْ نُنْسِها، فَهو اشْتِقاقٌ مَرْضِيٌّ، وحُكْمٌ عَلى الكُفّارِ مِنَ الفَرِيقَيْنِ بِالخُلُودِ في النّارِ وبِكَوْنِهِمْ شَرَّ البَرِيَّةِ، وبَدَأ بِأهْلِ الكِتابِ؛ لِأنَّهم كانُوا يَطْعَنُونَ في نُبُوَّتِهِ، وجِنايَتُهم أعْظَمُ؛ لِأنَّهم أنْكَرُوهُ مَعَ العِلْمِ بِهِ، وشَرُّ البَرِيَّةِ ظاهِرُهُ العُمُومُ، وقِيلَ: ﴿شَرُّ البَرِيَّةِ﴾ الَّذِينَ عاصَرُوا الرَّسُولَ ﷺ، إذْ لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ في كُفّارِ الأُمَمِ مَن هو شَرٌّ مِن هَؤُلاءِ، كَفِرْعَوْنَ وعاقِرِ ناقَةِ صالِحٍ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿خَيْرُ البَرِيَّةِ﴾ مُقابِلُ ﴿شَرُّ البَرِيَّةِ﴾ وحَمِيدٌ وعامِرُ بْنُ عَبْدِ الواحِدِ: خِيارُ البَرِيَّةِ جَمْعُ خَيِّرٍ، كَجِيِّدٍ وجِيادٍ، وبَقِيَّةُ السُّورَةِ واضِحَةٌ، وتَقَدَّمَ شَرْحُ ذَلِكَ إفْرادًا وتَرْكِيبًا.

البينة 98:7

سُورَةُ البَيِّنَةِ مَدَنِيَّةٌ وهي ثَمانِي آياتٍ ﷽ (p-٤٩٨)﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ﴾ ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً﴾ ﴿فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ ﴿وما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ﴾ ﴿وما أُمِرُوا إلّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ ويُقِيمُوا الصَّلاةَ ويُؤْتُوا الزَّكاةَ وذَلِكَ دِينُ القَيِّمَةِ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ في نارِ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أُولَئِكَ هم شَرُّ البَرِيَّةِ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولَئِكَ هم خَيْرُ البَرِيَّةِ﴾ ﴿جَزاؤُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم ورَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَن خَشِيَ رَبَّهُ﴾ . هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الجُمْهُورِ، وقالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ وعَطاءُ بْنُ يَسارٍ: مَدَنِيَّةٌ، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، وفي كِتابِ التَّحْرِيرِ: مَدَنِيَّةٌ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ، ورَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها مَكِّيَّةٌ، واخْتارَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ، ولَمّا ذَكَرَ إنْزالَ القُرْآنِ، وفي السُّورَةِ الَّتِي قَبْلَها ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١] ذَكَرَ هُنا أنَّ الكُفّارَ لَمْ يَكُونُوا مُنْفَكِّينَ عَنْ ما هم عَلَيْهِ حَتّى جاءَهُمُ الرَّسُولُ يَتْلُو عَلَيْهِمْ ما أُنْزِلَ عَلَيْهِ مِنَ الصُّحُفِ المُطَهَّرَةِ الَّتِي أُمِرَ بِقِراءَتِها، وقَسَّمَ الكافِرِينَ هُنا إلى أهْلِ كِتابٍ وأهْلِ إشْراكٍ، وقَرَأ بَعْضُ القُرّاءِ: (والمُشْرِكُونَ) رَفْعًا عَطْفًا عَلى (الَّذِينَ كَفَرُوا)، والجُمْهُورُ بِالجَرِّ عَطْفًا عَلى (أهْلِ الكِتابِ) وأهْلُ الكِتابِ اليَهُودُ والنَّصارى، والمُشْرِكُونَ عَبَدَةُ الأوْثانِ مِنَ العَرَبِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أهْلُ الكِتابِ اليَهُودُ الَّذِينَ كانُوا بِيَثْرِبَ هم قُرَيْظَةُ والنَّضِيرُ وبَنُو قَيْنُقاعَ، والمُشْرِكُونَ الَّذِينَ كانُوا بِمَكَّةَ وحَوْلَها والمَدِينَةِ وحَوْلَها. قالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: لَمْ يَكُونُوا مُنْفَكِّينَ عَنِ الكُفْرِ والضَّلالِ حَتّى جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ. وقالَ الفَرّاءُ وغَيْرُهُ: لَمْ يَكُونُوا مُنْفَكِّينَ عَنْ مَعْرِفَةِ صِحَّةِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ والتَّوَكُّفِ لِأمْرِهِ حَتّى جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ، فَتَفَرَّقُوا عِنْدَ ذَلِكَ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كانَ الكُفّارُ مِنَ الفَرِيقَيْنِ يَقُولُونَ قَبْلَ المَبْعَثِ: لا نَنْفَكُّ مِمّا نَحْنُ فِيهِ مِن دِينِنا حَتّى يُبْعَثَ النَّبِيُّ المَوْعُودُ الَّذِي هو مَكْتُوبٌ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، وهو مُحَمَّدٌ، ﷺ، فَحَكى اللَّهُ ما كانُوا يَقُولُونَهُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَتَّجِهُ في مَعْنى الآيَةِ قَوْلٌ ثالِثٌ بارِعُ المَعْنى، وذَلِكَ أنَّهُ يَكُونُ المُرادُ: لَمْ يَكُنْ هَؤُلاءِ القَوْمُ مُنْفَكِّينَ مِن أمْرِ اللَّهِ تَعالى وقُدْرَتِهِ ونَظَرِهِ لَهم حَتّى يَبْعَثَ اللَّهُ تَعالى إلَيْهِمْ رَسُولًا مُنْذِرًا تَقُومُ عَلَيْهِمْ بِهِ الحُجَّةُ ويُتِمُّ عَلى مَن آمَنَ النِّعْمَةَ، فَكَأنَّهُ قالَ: ما كانُوا لِيُتْرَكُوا سُدًى، ولِهَذا نَظائِرُ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى. انْتَهى. وقِيلَ: لَمْ يَكُونُوا مُنْفَكِّينَ عَنْ حَياتِهِمْ فَيَمُوتُوا حَتّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ. والظّاهِرُ أنَّ المَعْنى: لَمْ يَكُونُوا مُنْفَكِّينَ، أيْ مُنْفَصِلًا بَعْضُهم مِن بَعْضٍ، بَلْ كانَ كُلٌّ مِنهم مُقِرًّا الآخَرَ عَلى ما هو عَلَيْهِ مِمّا اخْتارَهُ لِنَفْسِهِ، هَذا مِنِ اعْتِقادِهِ في شَرِيعَتِهِ، وهَذا مِنِ اعْتِقادِهِ في أصْنامِهِ، والمَعْنى أنَّهُ اتَّصَلَتْ مَوَدَّتُهم واجْتَمَعَتْ كَلِمَتُهم إلى أنْ أتَتْهُمُ البَيِّنَةُ. وقِيلَ: مَعْنى مُنْفَكِّينَ: هالِكِينَ، مِن قَوْلِهِمْ: انْفَكَّ صِلا المَرْأةِ عِنْدَ الوِلادَةِ، وأنْ يَنْفَصِلَ فَلا يَلْتَئِمُ، والمَعْنى: لَمْ يَكُونُوا مُعَذَّبِينَ ولا هالِكِينَ إلّا بَعْدَ قِيامِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ بِإرْسالِ الرُّسُلِ وإنْزالِ الكُتُبِ. انْتَهى. ومُنْفَكِّينَ اسْمُ فاعِلٍ مِنِ انْفَكَّ، وهي التّامَّةُ ولَيْسَتِ الدّاخِلَةَ عَلى المُبْتَدَأِ والخَبَرِ. وقالَ بَعْضُ النُّحاةِ: هي النّاقِصَةُ، ويُقَدَّرُ مُنْفَكِّينَ: عارِفِينَ أمْرَ مُحَمَّدٍ، ﷺ، أوْ نَحْوُ هَذا، وخَبَرُ كانَ وأخَواتِها لا يَجُوزُ حَذْفُهُ لا اقْتِصارًا ولا اخْتِصارًا، نَصَّ عَلى ذَلِكَ أصْحابُنا، ولَهم عِلَّةٌ في مَنعِ ذَلِكَ ذَكَرُوها في عِلْمِ النَّحْوِ، وقالُوا في قَوْلِهِ: حِينَ لَيْسَ مُجِيرُ، أيْ في الدُّنْيا، فَحَذَفَ الخَبَرَ أنَّهُ ضَرُورَةٌ، والبَيِّنَةُ: الحُجَّةُ الجَلِيلَةُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (رَسُولٌ) بِالرَّفْعِ بَدَلًا مِن (البَيِّنَةُ) وأُبَيٌّ وعَبْدُ اللَّهِ: بِالنَّصْبِ حالًا مِنَ البَيِّنَةِ ﴿يَتْلُو صُحُفًا﴾ أيْ قَراطِيسَ (مُطَهَّرَةً) مِنَ الباطِلِ ﴿فِيها كُتُبٌ﴾ مَكْتُوباتٌ ﴿قَيِّمَةٌ﴾ مُسْتَقِيمَةٌ ناطِقَةٌ بِالحَقِّ ﴿وما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ أيْ مِنَ المُشْرِكِينَ، وانْفَصَلَ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ فَقالَ: كُلُّ ما يَدُلُّ عِنْدَهُ عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِ ﴿إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ﴾ وكانَ يَقْتَضِي مَجِيءُ البَيِّنَةِ أنْ يَجْتَمِعُوا عَلى اتِّباعِها، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كانُوا يَعُدُّونَ اجْتِماعَ الكَلِمَةِ والِاتِّفاقَ عَلى الحَقِّ إذا جاءَهُمُ الرَّسُولُ، ثُمَّ ما فَرَّقَهم عَنِ الحَقِّ ولا أقَرَّهم عَلى الكُفْرِ إلّا مَجِيءُ الرَّسُولِ ﷺ، وقالَ أيْضًا: أفْرَدَ أهْلَ الكِتابِ، يَعْنِي في قَوْلِهِ: (p-٤٩٩)﴿وما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ بَعْدَ جَمْعِهِمْ والمُشْرِكِينَ، قِيلَ: لِأنَّهم كانُوا عَلى عِلْمٍ بِهِ لِوُجُودِهِ في كُتُبِهِمْ، فَإذا وُصِفُوا بِالتَّفَرُّقِ عَنْهُ كانَ مَن لا كِتابَ لَهُ أدْخَلَ في هَذا الوَصْفِ، والمُرادُ بِتَفَرُّقِهِمْ تَفَرُّقُهم عَنِ الحَقِّ، أوْ تَفَرُّقُهم فِرَقًا، فَمِنهم مَن آمَنَ، ومِنهم مَن أنْكَرَ، وقالَ: لَيْسَ بِهِ ومِنهم مَن عَرَفَ وعانَدَ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ذَكَرَ تَعالى مَذَمَّةَ مَن لَمْ يُؤْمِن مِن أهْلِ الكِتابِ مِن أنَّهم لَمْ يَتَفَرَّقُوا في أمْرِ مُحَمَّدٍ ﷺ، إلّا مِن بَعْدِ ما رَأوُا الآياتِ الواضِحَةَ، وكانُوا مِن قَبْلُ مُتَّفِقِينَ عَلى نُبُوَّتِهِ وصِفَتِهِ، فَلَمّا جاءَ مِنَ العَرَبِ حَسَدُوهُ. انْتَهى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (مُخْلِصِينَ) بِكَسْرِ اللّامِ، و(الدِّينَ) مَنصُوبٌ بِهِ، والحَسَنُ: بِفَتْحِها، أيْ يُخْلِصُونَ هم أنْفُسُهم في نِيّاتِهِمْ، وانْتَصَبَ (الدِّينَ) إمّا عَلى المَصْدَرِ مِن (لِيَعْبُدُوا) أيْ لِيَدِينُوا اللَّهَ بِالعِبادَةِ الدِّينَ، وإمّا عَلى إسْقاطِ في، أيْ في الدِّينِ، والمَعْنى: وما أُمِرُوا، أيْ في كِتابَيْهِما، بِما أُمِرُوا بِهِ إلّا لِيَعْبُدُوا (حُنَفاءَ) أيْ مُسْتَقِيمِي الطَّرِيقَةِ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ الأشْعَبِ الطّالقانِيُّ: القَيِّمَةُ هُنا: الكُتُبُ الَّتِي جَرى ذِكْرُها، كَأنَّهُ لَمّا تَقَدَّمَ لَفْظُ قَيِّمَةٍ نَكِرَةً، كانَتِ الألِفُ واللّامُ في القَيِّمَةِ لِلْعَهْدِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَما أرْسَلْنا إلى فِرْعَوْنَ رَسُولًا فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [المزمل: ١٥] . وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: وذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمَةُ، فالهاءُ في هَذِهِ القِراءَةِ لِلْمُبالَغَةِ، أوْ أنَّثَ عَلى أنْ عَنى بِالدِّينِ المِلَّةَ، كَقَوْلِهِ: ما هَذِهِ الصَّوْتُ ؟ يُرِيدُ: ما هَذِهِ الصَّيْحَةُ: وذَكَرَ تَعالى مَقَرَّ الأشْقِياءِ وجَزاءَ السُّعَداءِ، والبَرِيَّةُ: جَمِيعُ الخَلْقِ. وقَرَأ الأعْرَجُ وابْنُ عامِرٍ، ونافِعٌ: البَرِئَةُ بِالهَمْزِ مِن بَرَأ، بِمَعْنى خَلَقَ، والجُمْهُورُ: بِشَدِّ الياءِ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ أصْلُهُ الهَمْزَ، ثُمَّ سُهِّلَ بِالإبْدالِ وأُدْغِمَ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مِنَ البَراءِ، وهو التُّرابُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا الِاشْتِقاقُ يَجْعَلُ الهَمْزَ خَطَأً، وهو اشْتِقاقٌ غَيْرُ مَرْضِيٍّ، ويَعْنِي اشْتِقاقَ البَرِيَّةِ بِلا هَمْزٍ مِنَ البُرا، وهو التُّرابُ، فَلا يَجْعَلُهُ خَطَأً، بَلْ قِراءَةُ الهَمْزِ مُشْتَقَّةٌ مِن بَرَأ، وغَيْرُ الهَمْزِ مِنَ البُرا، والقِراءَتانِ قَدْ تَخْتَلِفانِ في الِاشْتِقاقِ نَحْوَ: أوْ نَنْساها أوْ نُنْسِها، فَهو اشْتِقاقٌ مَرْضِيٌّ، وحُكْمٌ عَلى الكُفّارِ مِنَ الفَرِيقَيْنِ بِالخُلُودِ في النّارِ وبِكَوْنِهِمْ شَرَّ البَرِيَّةِ، وبَدَأ بِأهْلِ الكِتابِ؛ لِأنَّهم كانُوا يَطْعَنُونَ في نُبُوَّتِهِ، وجِنايَتُهم أعْظَمُ؛ لِأنَّهم أنْكَرُوهُ مَعَ العِلْمِ بِهِ، وشَرُّ البَرِيَّةِ ظاهِرُهُ العُمُومُ، وقِيلَ: ﴿شَرُّ البَرِيَّةِ﴾ الَّذِينَ عاصَرُوا الرَّسُولَ ﷺ، إذْ لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ في كُفّارِ الأُمَمِ مَن هو شَرٌّ مِن هَؤُلاءِ، كَفِرْعَوْنَ وعاقِرِ ناقَةِ صالِحٍ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿خَيْرُ البَرِيَّةِ﴾ مُقابِلُ ﴿شَرُّ البَرِيَّةِ﴾ وحَمِيدٌ وعامِرُ بْنُ عَبْدِ الواحِدِ: خِيارُ البَرِيَّةِ جَمْعُ خَيِّرٍ، كَجِيِّدٍ وجِيادٍ، وبَقِيَّةُ السُّورَةِ واضِحَةٌ، وتَقَدَّمَ شَرْحُ ذَلِكَ إفْرادًا وتَرْكِيبًا.

البينة 98:8

سُورَةُ البَيِّنَةِ مَدَنِيَّةٌ وهي ثَمانِي آياتٍ ﷽ (p-٤٩٨)﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ﴾ ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً﴾ ﴿فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ ﴿وما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ﴾ ﴿وما أُمِرُوا إلّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ ويُقِيمُوا الصَّلاةَ ويُؤْتُوا الزَّكاةَ وذَلِكَ دِينُ القَيِّمَةِ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ في نارِ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أُولَئِكَ هم شَرُّ البَرِيَّةِ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولَئِكَ هم خَيْرُ البَرِيَّةِ﴾ ﴿جَزاؤُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم ورَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَن خَشِيَ رَبَّهُ﴾ . هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الجُمْهُورِ، وقالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ وعَطاءُ بْنُ يَسارٍ: مَدَنِيَّةٌ، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، وفي كِتابِ التَّحْرِيرِ: مَدَنِيَّةٌ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ، ورَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها مَكِّيَّةٌ، واخْتارَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ، ولَمّا ذَكَرَ إنْزالَ القُرْآنِ، وفي السُّورَةِ الَّتِي قَبْلَها ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١] ذَكَرَ هُنا أنَّ الكُفّارَ لَمْ يَكُونُوا مُنْفَكِّينَ عَنْ ما هم عَلَيْهِ حَتّى جاءَهُمُ الرَّسُولُ يَتْلُو عَلَيْهِمْ ما أُنْزِلَ عَلَيْهِ مِنَ الصُّحُفِ المُطَهَّرَةِ الَّتِي أُمِرَ بِقِراءَتِها، وقَسَّمَ الكافِرِينَ هُنا إلى أهْلِ كِتابٍ وأهْلِ إشْراكٍ، وقَرَأ بَعْضُ القُرّاءِ: (والمُشْرِكُونَ) رَفْعًا عَطْفًا عَلى (الَّذِينَ كَفَرُوا)، والجُمْهُورُ بِالجَرِّ عَطْفًا عَلى (أهْلِ الكِتابِ) وأهْلُ الكِتابِ اليَهُودُ والنَّصارى، والمُشْرِكُونَ عَبَدَةُ الأوْثانِ مِنَ العَرَبِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أهْلُ الكِتابِ اليَهُودُ الَّذِينَ كانُوا بِيَثْرِبَ هم قُرَيْظَةُ والنَّضِيرُ وبَنُو قَيْنُقاعَ، والمُشْرِكُونَ الَّذِينَ كانُوا بِمَكَّةَ وحَوْلَها والمَدِينَةِ وحَوْلَها. قالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: لَمْ يَكُونُوا مُنْفَكِّينَ عَنِ الكُفْرِ والضَّلالِ حَتّى جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ. وقالَ الفَرّاءُ وغَيْرُهُ: لَمْ يَكُونُوا مُنْفَكِّينَ عَنْ مَعْرِفَةِ صِحَّةِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ والتَّوَكُّفِ لِأمْرِهِ حَتّى جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ، فَتَفَرَّقُوا عِنْدَ ذَلِكَ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كانَ الكُفّارُ مِنَ الفَرِيقَيْنِ يَقُولُونَ قَبْلَ المَبْعَثِ: لا نَنْفَكُّ مِمّا نَحْنُ فِيهِ مِن دِينِنا حَتّى يُبْعَثَ النَّبِيُّ المَوْعُودُ الَّذِي هو مَكْتُوبٌ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، وهو مُحَمَّدٌ، ﷺ، فَحَكى اللَّهُ ما كانُوا يَقُولُونَهُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَتَّجِهُ في مَعْنى الآيَةِ قَوْلٌ ثالِثٌ بارِعُ المَعْنى، وذَلِكَ أنَّهُ يَكُونُ المُرادُ: لَمْ يَكُنْ هَؤُلاءِ القَوْمُ مُنْفَكِّينَ مِن أمْرِ اللَّهِ تَعالى وقُدْرَتِهِ ونَظَرِهِ لَهم حَتّى يَبْعَثَ اللَّهُ تَعالى إلَيْهِمْ رَسُولًا مُنْذِرًا تَقُومُ عَلَيْهِمْ بِهِ الحُجَّةُ ويُتِمُّ عَلى مَن آمَنَ النِّعْمَةَ، فَكَأنَّهُ قالَ: ما كانُوا لِيُتْرَكُوا سُدًى، ولِهَذا نَظائِرُ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى. انْتَهى. وقِيلَ: لَمْ يَكُونُوا مُنْفَكِّينَ عَنْ حَياتِهِمْ فَيَمُوتُوا حَتّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ. والظّاهِرُ أنَّ المَعْنى: لَمْ يَكُونُوا مُنْفَكِّينَ، أيْ مُنْفَصِلًا بَعْضُهم مِن بَعْضٍ، بَلْ كانَ كُلٌّ مِنهم مُقِرًّا الآخَرَ عَلى ما هو عَلَيْهِ مِمّا اخْتارَهُ لِنَفْسِهِ، هَذا مِنِ اعْتِقادِهِ في شَرِيعَتِهِ، وهَذا مِنِ اعْتِقادِهِ في أصْنامِهِ، والمَعْنى أنَّهُ اتَّصَلَتْ مَوَدَّتُهم واجْتَمَعَتْ كَلِمَتُهم إلى أنْ أتَتْهُمُ البَيِّنَةُ. وقِيلَ: مَعْنى مُنْفَكِّينَ: هالِكِينَ، مِن قَوْلِهِمْ: انْفَكَّ صِلا المَرْأةِ عِنْدَ الوِلادَةِ، وأنْ يَنْفَصِلَ فَلا يَلْتَئِمُ، والمَعْنى: لَمْ يَكُونُوا مُعَذَّبِينَ ولا هالِكِينَ إلّا بَعْدَ قِيامِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ بِإرْسالِ الرُّسُلِ وإنْزالِ الكُتُبِ. انْتَهى. ومُنْفَكِّينَ اسْمُ فاعِلٍ مِنِ انْفَكَّ، وهي التّامَّةُ ولَيْسَتِ الدّاخِلَةَ عَلى المُبْتَدَأِ والخَبَرِ. وقالَ بَعْضُ النُّحاةِ: هي النّاقِصَةُ، ويُقَدَّرُ مُنْفَكِّينَ: عارِفِينَ أمْرَ مُحَمَّدٍ، ﷺ، أوْ نَحْوُ هَذا، وخَبَرُ كانَ وأخَواتِها لا يَجُوزُ حَذْفُهُ لا اقْتِصارًا ولا اخْتِصارًا، نَصَّ عَلى ذَلِكَ أصْحابُنا، ولَهم عِلَّةٌ في مَنعِ ذَلِكَ ذَكَرُوها في عِلْمِ النَّحْوِ، وقالُوا في قَوْلِهِ: حِينَ لَيْسَ مُجِيرُ، أيْ في الدُّنْيا، فَحَذَفَ الخَبَرَ أنَّهُ ضَرُورَةٌ، والبَيِّنَةُ: الحُجَّةُ الجَلِيلَةُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (رَسُولٌ) بِالرَّفْعِ بَدَلًا مِن (البَيِّنَةُ) وأُبَيٌّ وعَبْدُ اللَّهِ: بِالنَّصْبِ حالًا مِنَ البَيِّنَةِ ﴿يَتْلُو صُحُفًا﴾ أيْ قَراطِيسَ (مُطَهَّرَةً) مِنَ الباطِلِ ﴿فِيها كُتُبٌ﴾ مَكْتُوباتٌ ﴿قَيِّمَةٌ﴾ مُسْتَقِيمَةٌ ناطِقَةٌ بِالحَقِّ ﴿وما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ أيْ مِنَ المُشْرِكِينَ، وانْفَصَلَ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ فَقالَ: كُلُّ ما يَدُلُّ عِنْدَهُ عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِ ﴿إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ﴾ وكانَ يَقْتَضِي مَجِيءُ البَيِّنَةِ أنْ يَجْتَمِعُوا عَلى اتِّباعِها، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كانُوا يَعُدُّونَ اجْتِماعَ الكَلِمَةِ والِاتِّفاقَ عَلى الحَقِّ إذا جاءَهُمُ الرَّسُولُ، ثُمَّ ما فَرَّقَهم عَنِ الحَقِّ ولا أقَرَّهم عَلى الكُفْرِ إلّا مَجِيءُ الرَّسُولِ ﷺ، وقالَ أيْضًا: أفْرَدَ أهْلَ الكِتابِ، يَعْنِي في قَوْلِهِ: (p-٤٩٩)﴿وما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ بَعْدَ جَمْعِهِمْ والمُشْرِكِينَ، قِيلَ: لِأنَّهم كانُوا عَلى عِلْمٍ بِهِ لِوُجُودِهِ في كُتُبِهِمْ، فَإذا وُصِفُوا بِالتَّفَرُّقِ عَنْهُ كانَ مَن لا كِتابَ لَهُ أدْخَلَ في هَذا الوَصْفِ، والمُرادُ بِتَفَرُّقِهِمْ تَفَرُّقُهم عَنِ الحَقِّ، أوْ تَفَرُّقُهم فِرَقًا، فَمِنهم مَن آمَنَ، ومِنهم مَن أنْكَرَ، وقالَ: لَيْسَ بِهِ ومِنهم مَن عَرَفَ وعانَدَ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ذَكَرَ تَعالى مَذَمَّةَ مَن لَمْ يُؤْمِن مِن أهْلِ الكِتابِ مِن أنَّهم لَمْ يَتَفَرَّقُوا في أمْرِ مُحَمَّدٍ ﷺ، إلّا مِن بَعْدِ ما رَأوُا الآياتِ الواضِحَةَ، وكانُوا مِن قَبْلُ مُتَّفِقِينَ عَلى نُبُوَّتِهِ وصِفَتِهِ، فَلَمّا جاءَ مِنَ العَرَبِ حَسَدُوهُ. انْتَهى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (مُخْلِصِينَ) بِكَسْرِ اللّامِ، و(الدِّينَ) مَنصُوبٌ بِهِ، والحَسَنُ: بِفَتْحِها، أيْ يُخْلِصُونَ هم أنْفُسُهم في نِيّاتِهِمْ، وانْتَصَبَ (الدِّينَ) إمّا عَلى المَصْدَرِ مِن (لِيَعْبُدُوا) أيْ لِيَدِينُوا اللَّهَ بِالعِبادَةِ الدِّينَ، وإمّا عَلى إسْقاطِ في، أيْ في الدِّينِ، والمَعْنى: وما أُمِرُوا، أيْ في كِتابَيْهِما، بِما أُمِرُوا بِهِ إلّا لِيَعْبُدُوا (حُنَفاءَ) أيْ مُسْتَقِيمِي الطَّرِيقَةِ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ الأشْعَبِ الطّالقانِيُّ: القَيِّمَةُ هُنا: الكُتُبُ الَّتِي جَرى ذِكْرُها، كَأنَّهُ لَمّا تَقَدَّمَ لَفْظُ قَيِّمَةٍ نَكِرَةً، كانَتِ الألِفُ واللّامُ في القَيِّمَةِ لِلْعَهْدِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَما أرْسَلْنا إلى فِرْعَوْنَ رَسُولًا فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [المزمل: ١٥] . وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: وذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمَةُ، فالهاءُ في هَذِهِ القِراءَةِ لِلْمُبالَغَةِ، أوْ أنَّثَ عَلى أنْ عَنى بِالدِّينِ المِلَّةَ، كَقَوْلِهِ: ما هَذِهِ الصَّوْتُ ؟ يُرِيدُ: ما هَذِهِ الصَّيْحَةُ: وذَكَرَ تَعالى مَقَرَّ الأشْقِياءِ وجَزاءَ السُّعَداءِ، والبَرِيَّةُ: جَمِيعُ الخَلْقِ. وقَرَأ الأعْرَجُ وابْنُ عامِرٍ، ونافِعٌ: البَرِئَةُ بِالهَمْزِ مِن بَرَأ، بِمَعْنى خَلَقَ، والجُمْهُورُ: بِشَدِّ الياءِ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ أصْلُهُ الهَمْزَ، ثُمَّ سُهِّلَ بِالإبْدالِ وأُدْغِمَ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مِنَ البَراءِ، وهو التُّرابُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا الِاشْتِقاقُ يَجْعَلُ الهَمْزَ خَطَأً، وهو اشْتِقاقٌ غَيْرُ مَرْضِيٍّ، ويَعْنِي اشْتِقاقَ البَرِيَّةِ بِلا هَمْزٍ مِنَ البُرا، وهو التُّرابُ، فَلا يَجْعَلُهُ خَطَأً، بَلْ قِراءَةُ الهَمْزِ مُشْتَقَّةٌ مِن بَرَأ، وغَيْرُ الهَمْزِ مِنَ البُرا، والقِراءَتانِ قَدْ تَخْتَلِفانِ في الِاشْتِقاقِ نَحْوَ: أوْ نَنْساها أوْ نُنْسِها، فَهو اشْتِقاقٌ مَرْضِيٌّ، وحُكْمٌ عَلى الكُفّارِ مِنَ الفَرِيقَيْنِ بِالخُلُودِ في النّارِ وبِكَوْنِهِمْ شَرَّ البَرِيَّةِ، وبَدَأ بِأهْلِ الكِتابِ؛ لِأنَّهم كانُوا يَطْعَنُونَ في نُبُوَّتِهِ، وجِنايَتُهم أعْظَمُ؛ لِأنَّهم أنْكَرُوهُ مَعَ العِلْمِ بِهِ، وشَرُّ البَرِيَّةِ ظاهِرُهُ العُمُومُ، وقِيلَ: ﴿شَرُّ البَرِيَّةِ﴾ الَّذِينَ عاصَرُوا الرَّسُولَ ﷺ، إذْ لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ في كُفّارِ الأُمَمِ مَن هو شَرٌّ مِن هَؤُلاءِ، كَفِرْعَوْنَ وعاقِرِ ناقَةِ صالِحٍ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿خَيْرُ البَرِيَّةِ﴾ مُقابِلُ ﴿شَرُّ البَرِيَّةِ﴾ وحَمِيدٌ وعامِرُ بْنُ عَبْدِ الواحِدِ: خِيارُ البَرِيَّةِ جَمْعُ خَيِّرٍ، كَجِيِّدٍ وجِيادٍ، وبَقِيَّةُ السُّورَةِ واضِحَةٌ، وتَقَدَّمَ شَرْحُ ذَلِكَ إفْرادًا وتَرْكِيبًا.

الزلزلة 99:1

سُورَةُ الزِّلْزالِ مَدَنِيَّةٌ وهي ثَمانِي آياتٍ ﷽ ﴿إذا زُلْزِلَتِ الأرْضُ زِلْزالَها﴾ ﴿وأخْرَجَتِ الأرْضُ أثْقالَها﴾ ﴿وقالَ الإنْسانُ ما لَها﴾ ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أخْبارَها﴾ ﴿بِأنَّ رَبَّكَ أوْحى لَها﴾ ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النّاسُ أشْتاتًا لِيُرَوْا أعْمالَهُمْ﴾ ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ ﴿ومَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ الذَّرَّةُ: النَّمْلَةُ صَغِيرَةٌ حَمْراءُ رَقِيقَةٌ، ويُقالُ: إنَّها أصْغَرُ ما تَكُونُ إذا مَضى لَها حَوْلٌ، وقالَ امْرُؤُ القَيْسِ: ؎ومِنَ القاصِراتِ الطَّرْفِ لَوْ دَبَّ مُحْوِلٌ مِنَ الذَّرِّ فَوْقَ الإتْبِ مِنها لَأثَّرا وقِيلَ: الذَّرُّ: ما يُرى في شُعاعِ الشَّمْسِ مِنَ الهَباءِ. (p-٥٠٠)﴿إذا زُلْزِلَتِ الأرْضُ زِلْزالَها﴾ ﴿وأخْرَجَتِ الأرْضُ أثْقالَها﴾ ﴿وقالَ الإنْسانُ ما لَها﴾ ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أخْبارَها﴾ ﴿بِأنَّ رَبَّكَ أوْحى لَها﴾ ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النّاسُ أشْتاتًا لِيُرَوْا أعْمالَهُمْ﴾ ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ ﴿ومَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وعَطاءٍ، مَدَنِيَّةٌ في قَوْلِ قَتادَةَ ومُقاتِلٍ، لِأنَّ آخِرَها نَزَلَ بِسَبَبِ رَجُلَيْنِ كانا بِالمَدِينَةِ، ولَمّا ذَكَرَ فِيما قَبْلَها كَوْنَ الكُفّارِ يَكُونُونَ في النّارِ، وجَزاءَ المُؤْمِنِينَ، فَكَأنَّ قائِلًا قالَ: مَتى ذَلِكَ ؟ فَقالَ: ﴿إذا زُلْزِلَتِ الأرْضُ زِلْزالَها﴾ . قِيلَ: والعامِلُ فِيها مُضْمَرٌ، يَدُلُّ عَلَيْهِ مَضْمُونُ الجُمَلِ الآتِيَةِ تَقْدِيرُهُ: تُحْشَرُونَ، وقِيلَ: اذْكُرْ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: تَحَدَّثْ. انْتَهى. وأُضِيفَ الزِّلْزالُ إلى الأرْضِ، إذِ المَعْنى: زِلْزالَها الَّذِي تَسْتَحِقُّهُ ويَقْتَضِيهِ جِرْمُها وعِظَمُها، ولَوْ لَمْ يُضَفْ لَصَدَقَ عَلى كُلِّ قَدْرٍ مِنَ الزِّلْزالِ وإنْ قَلَّ، والفَرْقُ بَيْنَ أكْرَمْتُ زَيْدًا كَرامَةً وكَرامَتَهُ واضِحٌ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (زِلْزالَها) بِكَسْرِ الزّايِ، والجَحْدَرِيُّ وعِيسى: بِفَتْحِها، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهو مَصْدَرٌ كالوَسْواسِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: المَكْسُورُ مَصْدَرٌ، والمَفْتُوحُ اسْمٌ، ولَيْسَ في الأبْنِيَةِ فَعْلالٌ بِالفَتْحِ إلّا في المُضاعَفِ. انْتَهى. أمّا قَوْلُهُ: والمَفْتُوحُ اسْمٌ، فَجَعَلَهُ غَيْرُهُ مَصْدَرًا جاءَ عَلى فَعْلالٍ بِالفَتْحِ، ثُمَّ قِيلَ: قَدْ يَجِيءُ بِمَعْنى اسْمِ الفاعِلِ، فَتَقُولُ: فَضْفاضٌ في مَعْنى مُفَضْفَضٍ، وصَلْصالٌ: في مَعْنى مُصَلْصَلٍ، وأمّا قَوْلُهُ: ولَيْسَ في الأبْنِيَةِ. . . إلَخْ، فَقَدْ وُجِدَ فِيها فَعْلالٌ بِالفَتْحِ مِن غَيْرِ المُضاعَفِ، قالُوا: ناقَةٌ بِها خَزْعانٌ بِفَتْحِ الخاءِ ولَيْسَ بِمُضاعَفٍ. ﴿وأخْرَجَتِ الأرْضُ أثْقالَها﴾ جَعَلَ ما في بَطْنِها أثْقالًا، وقالَ النَّقّاشُ والزَّجّاجُ والقاضِي مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ: أثْقالُها: كُنُوزُها ومَوْتاها، ورُدَّ بِأنَّ الكُنُوزَ إنَّما تَخْرُجُ وقْتَ الدَّجّالِ، لا يَوْمَ القِيامَةِ، وقائِلُ ذَلِكَ يَقُولُ: هو الزِّلْزالُ يَكُونُ في الدُّنْيا، وهو مِن أشْراطِ السّاعَةِ، وزِلْزالُ يَوْمِ القِيامَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرّاجِفَةُ﴾ [النازعات: ٦] ﴿تَتْبَعُها الرّادِفَةُ﴾ [النازعات: ٧] فَلا يُرَدُّ عَلَيْهِ بِذَلِكَ، إذْ قَدْ أخَذَ الزِّلْزالَ عامًّا بِاعْتِبارِ وقْتَيْهِ، فَفي الأوَّلِ أخْرَجَتْ كُنُوزَها، وفي الثّانِي أخْرَجَتْ مَوْتاها، وصَدَّقَتْ أنَّها زُلْزِلَتْ زِلْزالَها وأخْرَجَتْ أثْقالَها، وقِيلَ أثْقالُها كُنُوزُها ومِنهُ قَوْلُهُ: تُلْقِي الأرْضُ أفْلاذَ كَبِدِها أمْثالَ الأُسْطُوانِ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَوْتاها، وهو إشارَةٌ إلى البَعْثِ وذَلِكَ عِنْدَ النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ، فَهو زِلْزالُ يَوْمِ القِيامَةِ، لا الزِّلْزالُ الَّذِي هو مِنَ الأشْراطِ. ﴿وقالَ الإنْسانُ ما لَها﴾ يَعْنِي مَعْنى التَّعَجُّبِ لِما يَرى مِنَ الهَوْلِ، والظّاهِرُ عُمُومُ الإنْسانِ، وقِيلَ: ذَلِكَ الكافِرُ لِأنَّهُ يَرى ما لَمْ يَقَعْ في ظَنِّهِ قَطُّ ولا صَدَّقَهُ، والمُؤْمِنُ، وإنْ كانَ مُؤْمِنًا بِالبَعْثِ، فَإنَّهُ اسْتَهْوَلَ المَرْأى، وفي الحَدِيثِ: (لَيْسَ الخَبَرُ كالعِيانِ) . قالَ الجُمْهُورُ: الإنْسانُ هو الكافِرُ يَرى ما لَمْ يَظُنَّ (يَوْمَئِذٍ) أيْ يَوْمَ إذْ زُلْزِلَتْ وأخْرَجَتْ تُحَدِّثُ، ويَوْمَئِذٍ بَدَلٌ مِن (إذا)، فَيَعْمَلُ فِيهِ لَفْظُ العامِلِ في المُبْدَلِ مِنهُ، أوِ المُكَرَّرِ عَلى الخِلافِ في العامِلِ في البَدَلِ ﴿تُحَدِّثُ أخْبارَها﴾ الظّاهِرُ أنَّهُ تَحْدِيثٌ وكَلامٌ حَقِيقَةً بِأنْ يَخْلُقَ فِيها حَياةً وإدْراكًا، فَتَشْهَدُ بِما عُمِلَ عَلَيْها مِن صالِحٍ أوْ فاسِدٍ، وهو قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ والثَّوْرِيِّ وغَيْرِهِما. ويَشْهَدُ لَهُ ما جاءَ في الحَدِيثِ: (بِأنَّهُ لا يَسْمَعُ مَدى صَوْتِ المُؤَذِّنِ جِنٌّ ولا إنْسٌ ولا شَجَرٌ إلّا شَهِدَ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ) وما جاءَ في التِّرْمِذِيِّ «عَنْهُ ﷺ، أنَّهُ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ ثُمَّ قالَ: (أتَدْرُونَ ما أخْبارُها ؟ قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، فَقالَ: إنَّ أخْبارَها أنْ تَشْهَدَ عَلى كُلِّ عَبْدٍ أوْ أمَةٍ بِما عَمِلَ عَلى ظَهْرِها، تَقُولُ (p-٥٠١)عَمِلَ كَذا يَوْمَ كَذا وكَذا، قالَ: فَهَذِهِ أخْبارُها») . هَذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ. قالَ الطَّبَرِيُّ وقَوْمٌ: التَّحْدِيثُ مَجازٌ عَنْ إحْداثِ اللَّهِ تَعالى فِيها الأحْوالَ ما يَقُومُ مَقامَ التَّحْدِيثِ بِاللِّسانِ، حَتّى يَنْظُرَ مَن يَقُولُ ما لَها إلى تِلْكَ الأحْوالِ، فَيَعْلَمُ لِمَ زُلْزِلَتْ، ولِمَ لَفَظَتِ الأمْواتَ، وأنَّ هَذا ما كانَتِ الأنْبِياءُ يُنادُونَ بِهِ ويُحَدِّثُونَ عَنْهُ، وقالَ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ: تُحَدِّثُ بِما أخْرَجَتْ مِن أثْقالِها، وهَذا هو قَوْلُ مَن زَعَمَ أنَّ الزَّلْزَلَةَ هي الَّتِي مِن أشْراطِ السّاعَةِ. وفي سُنَنِ ابْنِ ماجَهْ حَدِيثٌ في آخِرِهِ: («تَقُولُ الأرْضُ يَوْمَ القِيامَةِ: يا رَبِّ هَذا ما اسْتَوْدَعْتَنِي)» . وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: تُحَدِّثُ بِقِيامِ السّاعَةِ إذا قالَ الإنْسانُ ما لَها، فَتُخْبِرُ أنَّ أمْرَ الدُّنْيا قَدِ انْقَضى، وأمْرَ الآخِرَةِ قَدْ أتى، فَيَكُونُ ذَلِكَ جَوابًا لَهم عِنْدَ سُؤالِهِمْ، وتُحَدِّثُ هُنا تَتَعَدّى إلى اثْنَيْنِ، والأوَّلُ مَحْذُوفٌ، أيْ تُحَدِّثُ النّاسَ، ولَيْسَتْ بِمَعْنى أعْلَمَ المَنقُولَةِ مِن عَلِمَ المُتَعَدِّيَةِ إلى اثْنَيْنِ فَتَتَعَدّى إلى ثَلاثَةٍ. ﴿بِأنَّ رَبَّكَ أوْحى لَها﴾ أيْ بِسَبَبِ إيحاءِ اللَّهِ، فالباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِتُحَدِّثُ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ بِتَحْدِيثٍ أنَّ رَبَّكَ أوْحى لَها أخْبارَها عَلى أنَّ تَحْدِيثَها بِأنَّ رَبَّكَ أوْحى لَها تَحْدِيثَ أخْبارِها، كَما تَقُولُ: نَصَحْتَنِي كُلَّ نَصِيحَةٍ بِأنْ نَصَحْتَنِي في الدِّينِ. انْتَهى. وهو كَلامٌ فِيهِ عَفَشٌ يُنَزَّهُ القُرْآنُ عَنْهُ. وقالَ أيْضًا: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿بِأنَّ رَبَّكَ﴾ بَدَلًا مِن ﴿أخْبارَها﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ بِأخْبارِها بِأنَّ رَبَّكَ أوْحى لَها؛ لِأنَّكَ تَقُولُ: حَدَّثْتُهُ كَذا وحَدَّثْتُهُ بِكَذا. انْتَهى. وإذا كانَ الفِعْلُ تارَةً يَتَعَدّى بِحَرْفِ جَرٍّ، وتارَةً يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ، وحَرْفُ الجَرِّ لَيْسَ بِزائِدٍ، فَلا يَجُوزُ في تابِعِهِ إلّا المُوافَقَةُ في الإعْرابِ، فَلا يَجُوزُ اسْتَغْفَرْتُ الذَّنْبَ العَظِيمِ، بِنَصْبِ الذَّنْبِ وجَرِّ العَظِيمِ لِجَوازِ أنَّكَ تَقُولُ مِنَ الذَّنْبِ، ولا اخْتَرْتُ زَيْدًا الرِّجالَ الكِرامِ، بِنَصْبِ الرِّجالِ وخَفْضِ الكِرامِ، وكَذَلِكَ لا يَجُوزُ أنْ تَقُولَ: اسْتَغْفَرْتُ مِنَ الذَّنْبِ العَظِيمَ، بِجَرِّ الذَّنْبِ ونَصْبِ العَظِيمِ، وكَذَلِكَ في اخْتَرْتُ، فَلَوْ كانَ حَرْفُ الجَرِّ زائِدًا جازَ الإتِّباعُ عَلى مَوْضِعِ الِاسْمِ بِشُرُوطِهِ المُحَرَّرَةِ في عِلْمِ النَّحْوِ، تَقُولُ: ما رَأيْتُ مِن رَجُلٍ عاقِلًا، لِأنَّ مِن زائِدَةٌ، ومِن رَجُلٍ عاقِلٍ عَلى اللَّفْظِ، ولا يَجُوزُ نَصْبُ رَجُلٍ وجَرُّ عاقِلٍ عَلى مُراعاةِ جَوازِ دُخُولِ مِن، وإنْ ورَدَ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ فَبابُهُ الشِّعْرُ، وعَدّى أوْحى بِاللّامِ لا بِإلى، وإنْ كانَ المَشْهُورُ تَعْدِيَتَها بِإلى لِمُراعاةِ الفَواصِلِ، قالَ العَجّاجُ يَصِفُ الأرْضَ: ؎أوْحى لَها القَرارَ فاسْتَقَرَّتْ ∗∗∗ وشَدَّها بِالرّاسِياتِ الثُّبَّتِ فَعَدّاها بِاللّامِ، وقِيلَ: المُوحى إلَيْهِ مَحْذُوفٌ أيْ أوْحى إلى مَلائِكَتِهِ المُصَرِّفِينَ أنْ تَفْعَلَ في الأرْضِ تِلْكَ الأفْعالَ، واللّامُ في لَها لِلسَّبَبِ، أيْ مِن أجْلِها ومِن حَيْثُ الأفْعالُ فِيها، وإذا كانَ الإيحاءُ إلَيْها، احْتَمَلَ أنْ يَكُونَ وحْيَ إلْهامٍ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ بِرَسُولٍ مِنَ المَلائِكَةِ ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النّاسُ﴾ انْتَصَبَ يَوْمَئِذٍ بَيَصْدُرُ، والصَّدْرُ يَكُونُ عَنْ وِرْدٍ. وقالَ الجُمْهُورُ: هو كَوْنُهم في الأرْضِ مَدْفُونِينَ، والصَّدْرُ قِيامُهم لِلْبَعْثِ، و(أشْتاتًا) جَمْعُ شَتٍّ، أيْ فِرَقًا، مُؤْمِنٌ وكافِرٌ وعاصٍ سائِرُونَ إلى العَرْضِ، ﴿لِيُرَوْا أعْمالَهُمْ﴾ وقالَ النَّقّاشُ: الصَّدْرُ قَوْمٌ إلى الجَنَّةِ وقَوْمٌ إلى النّارِ، ووِرْدُهم هو وِرْدُ المَحْشَرِ، فَعَلى الأوَّلِ المَعْنى: لِيُرى عَمَلَهُ ويَقِفَ عَلَيْهِ، وعَلى قَوْلِ النَّقّاشِ: لِيُرى جَزاءَ عَمَلِهِ وهو الجَنَّةُ والنّارُ، والظّاهِرُ تَعَلُّقُ (لِيُرَوْا) بِقَوْلِهِ (يَصْدُرُ) وقِيلَ: بِأوْحى لَها وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أشْتاتًا: مُتَفَرِّقِينَ عَلى قَدْرِ أعْمالِهِمْ، أهْلُ الإيمانِ عَلى حِدَةٍ، وأهْلُ كُلِّ دِينٍ عَلى حِدَةٍ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أشْتاتًا بِيضَ الوُجُوهِ آمِنِينَ، وسُودَ الوُجُوهِ فَزِعِينَ. انْتَهى. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أشْتاتًا، أيْ كُلُّ واحِدٍ وحْدَهُ، لا ناصِرَ لَهُ ولا عاضِدَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى﴾ [الأنعام: ٩٤] . وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿لِيُرَوْا﴾ بِضَمِّ الياءِ، والحَسَنُ، والأعْرَجُ، وقَتادَةُ، وحَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ (p-٥٠٢)والزُّهْرِيُّ وأبُو حَيْوَةَ وعِيسى ونافِعٌ في رِوايَةٍ: بِفَتْحِها، والظّاهِرُ تَخْصِيصُ العامِلِ، أيْ ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا﴾ مِنَ السُّعَداءِ؛ لِأنَّ الكافِرَ لا يَرى خَيْرًا في الآخِرَةِ؛ لِأنَّ خَيْرَهُ قَدْ عُجِّلَ لَهُ في دُنْياهُ، والمُؤْمِنُ تُعَجَّلُ لَهُ سَيِّئاتُهُ الصَّغائِرُ في دُنْياهُ في المَصائِبِ والأمْراضِ ونَحْوِها، وما عَمِلَ مِن شَرٍّ أوْ خَيْرٍ رَآهُ، ونَبَّهَ بِقَوْلِهِ: ﴿مِثْقالَ ذَرَّةٍ﴾ عَلى أنَّ ما فَوْقَ الذَّرَّةِ يَراهُ قَلِيلًا كانَ أوْ كَثِيرًا، وهَذا يُسَمّى مَفْهُومُ الخِطابِ، وهو أنْ يَكُونَ المَذْكُورُ والمَسْكُوتُ عَنْهُ في حُكْمٍ واحِدٍ، بَلْ يَكُونُ المَسْكُوتُ عَنْهُ بِالأوْلى في ذَلِكَ الحُكْمِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣] . والظّاهِرُ انْتِصابُ (خَيْرًا)، (وشَرًّا) عَلى التَّمْيِيزِ، لِأنَّ مِثْقالَ ذَرَّةِ مِقْدارٌ، وقِيلَ: بَدَلٌ مِن مِثْقالٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِفَتْحِ الياءِ فِيهِما، أيْ يَرى جَزاءَهُ مِن ثَوابٍ وعِقابٍ، وقَرَأ الحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ، وابْنُ عَبّاسٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُسْلِمٍ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، والكَلْبِيُّ، وأبُو حَيْوَةَ، وخُلَيْدُ بْنُ نَشِيطٍ، وأبانٌ عَنْ عاصِمٍ، والكِسائِيُّ في رِوايَةِ حُمَيْدِ بْنِ الرَّبِيعِ عَنْهُ: بِضَمِّها، وهِشامٌ، وأبُو بَكْرٍ: بِسُكُونِ الهاءِ فِيهِما، وأبُو عَمْرٍو: بِضَمِّهِما مُشْبَعَتَيْنِ، وباقِي السَّبْعَةِ: بِإشْباعِ الأُولى وسُكُونِ الثّانِيَةِ، والإسْكانُ في الوَصْلِ لُغَةٌ حَكاها الأخْفَشُ ولَمْ يَحْكِها سِيبَوَيْهِ، وحَكاها الكِسائِيُّ أيْضًا عَنْ بَنِي كِلابٍ، وبَنِي عَقِيلٍ، وهَذِهِ الرُّؤْيَةُ رُؤْيَةُ بَصَرٍ، وقالَ النَّقّاشُ: لَيْسَتْ بِرُؤْيَةِ بَصَرٍ، وإنَّما المَعْنى يُصِيبُهُ ويَنالُهُ، وقَرَأ عِكْرِمَةُ: يَراهُ بِالألِفِ فِيهِما، وذَلِكَ عَلى لُغَةِ مَن يَرى الجَزْمَ بِحَذْفِ الحَرَكَةِ المُقَدَّرَةِ في حُرُوفِ العِلَّةِ، حَكاها الأخْفَشُ، أوَ عَلى تَوَهُّمِ أنَّ مَن مَوْصُولَةٌ لا شَرْطِيَّةٌ، كَما قِيلَ في (إنَّهُ مَن يَتَّقِي ويَصْبِرْ) في قِراءَةِ مَن أثْبَتَ ياءَ (يَتَّقِي) وجَزَمَ (يَصْبِرْ)، تَوَهَّمَ أنَّ مَن شَرْطِيَّةٌ لا مَوْصُولَةٌ، فَجَزَمَ ﴿ويَصْبِرْ﴾ [يوسف: ٩٠] عَطْفًا عَلى التَّوَهُّمِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

الزلزلة 99:2

سُورَةُ الزِّلْزالِ مَدَنِيَّةٌ وهي ثَمانِي آياتٍ ﷽ ﴿إذا زُلْزِلَتِ الأرْضُ زِلْزالَها﴾ ﴿وأخْرَجَتِ الأرْضُ أثْقالَها﴾ ﴿وقالَ الإنْسانُ ما لَها﴾ ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أخْبارَها﴾ ﴿بِأنَّ رَبَّكَ أوْحى لَها﴾ ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النّاسُ أشْتاتًا لِيُرَوْا أعْمالَهُمْ﴾ ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ ﴿ومَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ الذَّرَّةُ: النَّمْلَةُ صَغِيرَةٌ حَمْراءُ رَقِيقَةٌ، ويُقالُ: إنَّها أصْغَرُ ما تَكُونُ إذا مَضى لَها حَوْلٌ، وقالَ امْرُؤُ القَيْسِ: ؎ومِنَ القاصِراتِ الطَّرْفِ لَوْ دَبَّ مُحْوِلٌ مِنَ الذَّرِّ فَوْقَ الإتْبِ مِنها لَأثَّرا وقِيلَ: الذَّرُّ: ما يُرى في شُعاعِ الشَّمْسِ مِنَ الهَباءِ. (p-٥٠٠)﴿إذا زُلْزِلَتِ الأرْضُ زِلْزالَها﴾ ﴿وأخْرَجَتِ الأرْضُ أثْقالَها﴾ ﴿وقالَ الإنْسانُ ما لَها﴾ ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أخْبارَها﴾ ﴿بِأنَّ رَبَّكَ أوْحى لَها﴾ ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النّاسُ أشْتاتًا لِيُرَوْا أعْمالَهُمْ﴾ ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ ﴿ومَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وعَطاءٍ، مَدَنِيَّةٌ في قَوْلِ قَتادَةَ ومُقاتِلٍ، لِأنَّ آخِرَها نَزَلَ بِسَبَبِ رَجُلَيْنِ كانا بِالمَدِينَةِ، ولَمّا ذَكَرَ فِيما قَبْلَها كَوْنَ الكُفّارِ يَكُونُونَ في النّارِ، وجَزاءَ المُؤْمِنِينَ، فَكَأنَّ قائِلًا قالَ: مَتى ذَلِكَ ؟ فَقالَ: ﴿إذا زُلْزِلَتِ الأرْضُ زِلْزالَها﴾ . قِيلَ: والعامِلُ فِيها مُضْمَرٌ، يَدُلُّ عَلَيْهِ مَضْمُونُ الجُمَلِ الآتِيَةِ تَقْدِيرُهُ: تُحْشَرُونَ، وقِيلَ: اذْكُرْ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: تَحَدَّثْ. انْتَهى. وأُضِيفَ الزِّلْزالُ إلى الأرْضِ، إذِ المَعْنى: زِلْزالَها الَّذِي تَسْتَحِقُّهُ ويَقْتَضِيهِ جِرْمُها وعِظَمُها، ولَوْ لَمْ يُضَفْ لَصَدَقَ عَلى كُلِّ قَدْرٍ مِنَ الزِّلْزالِ وإنْ قَلَّ، والفَرْقُ بَيْنَ أكْرَمْتُ زَيْدًا كَرامَةً وكَرامَتَهُ واضِحٌ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (زِلْزالَها) بِكَسْرِ الزّايِ، والجَحْدَرِيُّ وعِيسى: بِفَتْحِها، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهو مَصْدَرٌ كالوَسْواسِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: المَكْسُورُ مَصْدَرٌ، والمَفْتُوحُ اسْمٌ، ولَيْسَ في الأبْنِيَةِ فَعْلالٌ بِالفَتْحِ إلّا في المُضاعَفِ. انْتَهى. أمّا قَوْلُهُ: والمَفْتُوحُ اسْمٌ، فَجَعَلَهُ غَيْرُهُ مَصْدَرًا جاءَ عَلى فَعْلالٍ بِالفَتْحِ، ثُمَّ قِيلَ: قَدْ يَجِيءُ بِمَعْنى اسْمِ الفاعِلِ، فَتَقُولُ: فَضْفاضٌ في مَعْنى مُفَضْفَضٍ، وصَلْصالٌ: في مَعْنى مُصَلْصَلٍ، وأمّا قَوْلُهُ: ولَيْسَ في الأبْنِيَةِ. . . إلَخْ، فَقَدْ وُجِدَ فِيها فَعْلالٌ بِالفَتْحِ مِن غَيْرِ المُضاعَفِ، قالُوا: ناقَةٌ بِها خَزْعانٌ بِفَتْحِ الخاءِ ولَيْسَ بِمُضاعَفٍ. ﴿وأخْرَجَتِ الأرْضُ أثْقالَها﴾ جَعَلَ ما في بَطْنِها أثْقالًا، وقالَ النَّقّاشُ والزَّجّاجُ والقاضِي مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ: أثْقالُها: كُنُوزُها ومَوْتاها، ورُدَّ بِأنَّ الكُنُوزَ إنَّما تَخْرُجُ وقْتَ الدَّجّالِ، لا يَوْمَ القِيامَةِ، وقائِلُ ذَلِكَ يَقُولُ: هو الزِّلْزالُ يَكُونُ في الدُّنْيا، وهو مِن أشْراطِ السّاعَةِ، وزِلْزالُ يَوْمِ القِيامَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرّاجِفَةُ﴾ [النازعات: ٦] ﴿تَتْبَعُها الرّادِفَةُ﴾ [النازعات: ٧] فَلا يُرَدُّ عَلَيْهِ بِذَلِكَ، إذْ قَدْ أخَذَ الزِّلْزالَ عامًّا بِاعْتِبارِ وقْتَيْهِ، فَفي الأوَّلِ أخْرَجَتْ كُنُوزَها، وفي الثّانِي أخْرَجَتْ مَوْتاها، وصَدَّقَتْ أنَّها زُلْزِلَتْ زِلْزالَها وأخْرَجَتْ أثْقالَها، وقِيلَ أثْقالُها كُنُوزُها ومِنهُ قَوْلُهُ: تُلْقِي الأرْضُ أفْلاذَ كَبِدِها أمْثالَ الأُسْطُوانِ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَوْتاها، وهو إشارَةٌ إلى البَعْثِ وذَلِكَ عِنْدَ النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ، فَهو زِلْزالُ يَوْمِ القِيامَةِ، لا الزِّلْزالُ الَّذِي هو مِنَ الأشْراطِ. ﴿وقالَ الإنْسانُ ما لَها﴾ يَعْنِي مَعْنى التَّعَجُّبِ لِما يَرى مِنَ الهَوْلِ، والظّاهِرُ عُمُومُ الإنْسانِ، وقِيلَ: ذَلِكَ الكافِرُ لِأنَّهُ يَرى ما لَمْ يَقَعْ في ظَنِّهِ قَطُّ ولا صَدَّقَهُ، والمُؤْمِنُ، وإنْ كانَ مُؤْمِنًا بِالبَعْثِ، فَإنَّهُ اسْتَهْوَلَ المَرْأى، وفي الحَدِيثِ: (لَيْسَ الخَبَرُ كالعِيانِ) . قالَ الجُمْهُورُ: الإنْسانُ هو الكافِرُ يَرى ما لَمْ يَظُنَّ (يَوْمَئِذٍ) أيْ يَوْمَ إذْ زُلْزِلَتْ وأخْرَجَتْ تُحَدِّثُ، ويَوْمَئِذٍ بَدَلٌ مِن (إذا)، فَيَعْمَلُ فِيهِ لَفْظُ العامِلِ في المُبْدَلِ مِنهُ، أوِ المُكَرَّرِ عَلى الخِلافِ في العامِلِ في البَدَلِ ﴿تُحَدِّثُ أخْبارَها﴾ الظّاهِرُ أنَّهُ تَحْدِيثٌ وكَلامٌ حَقِيقَةً بِأنْ يَخْلُقَ فِيها حَياةً وإدْراكًا، فَتَشْهَدُ بِما عُمِلَ عَلَيْها مِن صالِحٍ أوْ فاسِدٍ، وهو قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ والثَّوْرِيِّ وغَيْرِهِما. ويَشْهَدُ لَهُ ما جاءَ في الحَدِيثِ: (بِأنَّهُ لا يَسْمَعُ مَدى صَوْتِ المُؤَذِّنِ جِنٌّ ولا إنْسٌ ولا شَجَرٌ إلّا شَهِدَ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ) وما جاءَ في التِّرْمِذِيِّ «عَنْهُ ﷺ، أنَّهُ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ ثُمَّ قالَ: (أتَدْرُونَ ما أخْبارُها ؟ قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، فَقالَ: إنَّ أخْبارَها أنْ تَشْهَدَ عَلى كُلِّ عَبْدٍ أوْ أمَةٍ بِما عَمِلَ عَلى ظَهْرِها، تَقُولُ (p-٥٠١)عَمِلَ كَذا يَوْمَ كَذا وكَذا، قالَ: فَهَذِهِ أخْبارُها») . هَذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ. قالَ الطَّبَرِيُّ وقَوْمٌ: التَّحْدِيثُ مَجازٌ عَنْ إحْداثِ اللَّهِ تَعالى فِيها الأحْوالَ ما يَقُومُ مَقامَ التَّحْدِيثِ بِاللِّسانِ، حَتّى يَنْظُرَ مَن يَقُولُ ما لَها إلى تِلْكَ الأحْوالِ، فَيَعْلَمُ لِمَ زُلْزِلَتْ، ولِمَ لَفَظَتِ الأمْواتَ، وأنَّ هَذا ما كانَتِ الأنْبِياءُ يُنادُونَ بِهِ ويُحَدِّثُونَ عَنْهُ، وقالَ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ: تُحَدِّثُ بِما أخْرَجَتْ مِن أثْقالِها، وهَذا هو قَوْلُ مَن زَعَمَ أنَّ الزَّلْزَلَةَ هي الَّتِي مِن أشْراطِ السّاعَةِ. وفي سُنَنِ ابْنِ ماجَهْ حَدِيثٌ في آخِرِهِ: («تَقُولُ الأرْضُ يَوْمَ القِيامَةِ: يا رَبِّ هَذا ما اسْتَوْدَعْتَنِي)» . وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: تُحَدِّثُ بِقِيامِ السّاعَةِ إذا قالَ الإنْسانُ ما لَها، فَتُخْبِرُ أنَّ أمْرَ الدُّنْيا قَدِ انْقَضى، وأمْرَ الآخِرَةِ قَدْ أتى، فَيَكُونُ ذَلِكَ جَوابًا لَهم عِنْدَ سُؤالِهِمْ، وتُحَدِّثُ هُنا تَتَعَدّى إلى اثْنَيْنِ، والأوَّلُ مَحْذُوفٌ، أيْ تُحَدِّثُ النّاسَ، ولَيْسَتْ بِمَعْنى أعْلَمَ المَنقُولَةِ مِن عَلِمَ المُتَعَدِّيَةِ إلى اثْنَيْنِ فَتَتَعَدّى إلى ثَلاثَةٍ. ﴿بِأنَّ رَبَّكَ أوْحى لَها﴾ أيْ بِسَبَبِ إيحاءِ اللَّهِ، فالباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِتُحَدِّثُ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ بِتَحْدِيثٍ أنَّ رَبَّكَ أوْحى لَها أخْبارَها عَلى أنَّ تَحْدِيثَها بِأنَّ رَبَّكَ أوْحى لَها تَحْدِيثَ أخْبارِها، كَما تَقُولُ: نَصَحْتَنِي كُلَّ نَصِيحَةٍ بِأنْ نَصَحْتَنِي في الدِّينِ. انْتَهى. وهو كَلامٌ فِيهِ عَفَشٌ يُنَزَّهُ القُرْآنُ عَنْهُ. وقالَ أيْضًا: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿بِأنَّ رَبَّكَ﴾ بَدَلًا مِن ﴿أخْبارَها﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ بِأخْبارِها بِأنَّ رَبَّكَ أوْحى لَها؛ لِأنَّكَ تَقُولُ: حَدَّثْتُهُ كَذا وحَدَّثْتُهُ بِكَذا. انْتَهى. وإذا كانَ الفِعْلُ تارَةً يَتَعَدّى بِحَرْفِ جَرٍّ، وتارَةً يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ، وحَرْفُ الجَرِّ لَيْسَ بِزائِدٍ، فَلا يَجُوزُ في تابِعِهِ إلّا المُوافَقَةُ في الإعْرابِ، فَلا يَجُوزُ اسْتَغْفَرْتُ الذَّنْبَ العَظِيمِ، بِنَصْبِ الذَّنْبِ وجَرِّ العَظِيمِ لِجَوازِ أنَّكَ تَقُولُ مِنَ الذَّنْبِ، ولا اخْتَرْتُ زَيْدًا الرِّجالَ الكِرامِ، بِنَصْبِ الرِّجالِ وخَفْضِ الكِرامِ، وكَذَلِكَ لا يَجُوزُ أنْ تَقُولَ: اسْتَغْفَرْتُ مِنَ الذَّنْبِ العَظِيمَ، بِجَرِّ الذَّنْبِ ونَصْبِ العَظِيمِ، وكَذَلِكَ في اخْتَرْتُ، فَلَوْ كانَ حَرْفُ الجَرِّ زائِدًا جازَ الإتِّباعُ عَلى مَوْضِعِ الِاسْمِ بِشُرُوطِهِ المُحَرَّرَةِ في عِلْمِ النَّحْوِ، تَقُولُ: ما رَأيْتُ مِن رَجُلٍ عاقِلًا، لِأنَّ مِن زائِدَةٌ، ومِن رَجُلٍ عاقِلٍ عَلى اللَّفْظِ، ولا يَجُوزُ نَصْبُ رَجُلٍ وجَرُّ عاقِلٍ عَلى مُراعاةِ جَوازِ دُخُولِ مِن، وإنْ ورَدَ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ فَبابُهُ الشِّعْرُ، وعَدّى أوْحى بِاللّامِ لا بِإلى، وإنْ كانَ المَشْهُورُ تَعْدِيَتَها بِإلى لِمُراعاةِ الفَواصِلِ، قالَ العَجّاجُ يَصِفُ الأرْضَ: ؎أوْحى لَها القَرارَ فاسْتَقَرَّتْ ∗∗∗ وشَدَّها بِالرّاسِياتِ الثُّبَّتِ فَعَدّاها بِاللّامِ، وقِيلَ: المُوحى إلَيْهِ مَحْذُوفٌ أيْ أوْحى إلى مَلائِكَتِهِ المُصَرِّفِينَ أنْ تَفْعَلَ في الأرْضِ تِلْكَ الأفْعالَ، واللّامُ في لَها لِلسَّبَبِ، أيْ مِن أجْلِها ومِن حَيْثُ الأفْعالُ فِيها، وإذا كانَ الإيحاءُ إلَيْها، احْتَمَلَ أنْ يَكُونَ وحْيَ إلْهامٍ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ بِرَسُولٍ مِنَ المَلائِكَةِ ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النّاسُ﴾ انْتَصَبَ يَوْمَئِذٍ بَيَصْدُرُ، والصَّدْرُ يَكُونُ عَنْ وِرْدٍ. وقالَ الجُمْهُورُ: هو كَوْنُهم في الأرْضِ مَدْفُونِينَ، والصَّدْرُ قِيامُهم لِلْبَعْثِ، و(أشْتاتًا) جَمْعُ شَتٍّ، أيْ فِرَقًا، مُؤْمِنٌ وكافِرٌ وعاصٍ سائِرُونَ إلى العَرْضِ، ﴿لِيُرَوْا أعْمالَهُمْ﴾ وقالَ النَّقّاشُ: الصَّدْرُ قَوْمٌ إلى الجَنَّةِ وقَوْمٌ إلى النّارِ، ووِرْدُهم هو وِرْدُ المَحْشَرِ، فَعَلى الأوَّلِ المَعْنى: لِيُرى عَمَلَهُ ويَقِفَ عَلَيْهِ، وعَلى قَوْلِ النَّقّاشِ: لِيُرى جَزاءَ عَمَلِهِ وهو الجَنَّةُ والنّارُ، والظّاهِرُ تَعَلُّقُ (لِيُرَوْا) بِقَوْلِهِ (يَصْدُرُ) وقِيلَ: بِأوْحى لَها وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أشْتاتًا: مُتَفَرِّقِينَ عَلى قَدْرِ أعْمالِهِمْ، أهْلُ الإيمانِ عَلى حِدَةٍ، وأهْلُ كُلِّ دِينٍ عَلى حِدَةٍ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أشْتاتًا بِيضَ الوُجُوهِ آمِنِينَ، وسُودَ الوُجُوهِ فَزِعِينَ. انْتَهى. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أشْتاتًا، أيْ كُلُّ واحِدٍ وحْدَهُ، لا ناصِرَ لَهُ ولا عاضِدَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى﴾ [الأنعام: ٩٤] . وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿لِيُرَوْا﴾ بِضَمِّ الياءِ، والحَسَنُ، والأعْرَجُ، وقَتادَةُ، وحَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ (p-٥٠٢)والزُّهْرِيُّ وأبُو حَيْوَةَ وعِيسى ونافِعٌ في رِوايَةٍ: بِفَتْحِها، والظّاهِرُ تَخْصِيصُ العامِلِ، أيْ ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا﴾ مِنَ السُّعَداءِ؛ لِأنَّ الكافِرَ لا يَرى خَيْرًا في الآخِرَةِ؛ لِأنَّ خَيْرَهُ قَدْ عُجِّلَ لَهُ في دُنْياهُ، والمُؤْمِنُ تُعَجَّلُ لَهُ سَيِّئاتُهُ الصَّغائِرُ في دُنْياهُ في المَصائِبِ والأمْراضِ ونَحْوِها، وما عَمِلَ مِن شَرٍّ أوْ خَيْرٍ رَآهُ، ونَبَّهَ بِقَوْلِهِ: ﴿مِثْقالَ ذَرَّةٍ﴾ عَلى أنَّ ما فَوْقَ الذَّرَّةِ يَراهُ قَلِيلًا كانَ أوْ كَثِيرًا، وهَذا يُسَمّى مَفْهُومُ الخِطابِ، وهو أنْ يَكُونَ المَذْكُورُ والمَسْكُوتُ عَنْهُ في حُكْمٍ واحِدٍ، بَلْ يَكُونُ المَسْكُوتُ عَنْهُ بِالأوْلى في ذَلِكَ الحُكْمِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣] . والظّاهِرُ انْتِصابُ (خَيْرًا)، (وشَرًّا) عَلى التَّمْيِيزِ، لِأنَّ مِثْقالَ ذَرَّةِ مِقْدارٌ، وقِيلَ: بَدَلٌ مِن مِثْقالٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِفَتْحِ الياءِ فِيهِما، أيْ يَرى جَزاءَهُ مِن ثَوابٍ وعِقابٍ، وقَرَأ الحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ، وابْنُ عَبّاسٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُسْلِمٍ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، والكَلْبِيُّ، وأبُو حَيْوَةَ، وخُلَيْدُ بْنُ نَشِيطٍ، وأبانٌ عَنْ عاصِمٍ، والكِسائِيُّ في رِوايَةِ حُمَيْدِ بْنِ الرَّبِيعِ عَنْهُ: بِضَمِّها، وهِشامٌ، وأبُو بَكْرٍ: بِسُكُونِ الهاءِ فِيهِما، وأبُو عَمْرٍو: بِضَمِّهِما مُشْبَعَتَيْنِ، وباقِي السَّبْعَةِ: بِإشْباعِ الأُولى وسُكُونِ الثّانِيَةِ، والإسْكانُ في الوَصْلِ لُغَةٌ حَكاها الأخْفَشُ ولَمْ يَحْكِها سِيبَوَيْهِ، وحَكاها الكِسائِيُّ أيْضًا عَنْ بَنِي كِلابٍ، وبَنِي عَقِيلٍ، وهَذِهِ الرُّؤْيَةُ رُؤْيَةُ بَصَرٍ، وقالَ النَّقّاشُ: لَيْسَتْ بِرُؤْيَةِ بَصَرٍ، وإنَّما المَعْنى يُصِيبُهُ ويَنالُهُ، وقَرَأ عِكْرِمَةُ: يَراهُ بِالألِفِ فِيهِما، وذَلِكَ عَلى لُغَةِ مَن يَرى الجَزْمَ بِحَذْفِ الحَرَكَةِ المُقَدَّرَةِ في حُرُوفِ العِلَّةِ، حَكاها الأخْفَشُ، أوَ عَلى تَوَهُّمِ أنَّ مَن مَوْصُولَةٌ لا شَرْطِيَّةٌ، كَما قِيلَ في (إنَّهُ مَن يَتَّقِي ويَصْبِرْ) في قِراءَةِ مَن أثْبَتَ ياءَ (يَتَّقِي) وجَزَمَ (يَصْبِرْ)، تَوَهَّمَ أنَّ مَن شَرْطِيَّةٌ لا مَوْصُولَةٌ، فَجَزَمَ ﴿ويَصْبِرْ﴾ [يوسف: ٩٠] عَطْفًا عَلى التَّوَهُّمِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

الزلزلة 99:3

سُورَةُ الزِّلْزالِ مَدَنِيَّةٌ وهي ثَمانِي آياتٍ ﷽ ﴿إذا زُلْزِلَتِ الأرْضُ زِلْزالَها﴾ ﴿وأخْرَجَتِ الأرْضُ أثْقالَها﴾ ﴿وقالَ الإنْسانُ ما لَها﴾ ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أخْبارَها﴾ ﴿بِأنَّ رَبَّكَ أوْحى لَها﴾ ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النّاسُ أشْتاتًا لِيُرَوْا أعْمالَهُمْ﴾ ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ ﴿ومَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ الذَّرَّةُ: النَّمْلَةُ صَغِيرَةٌ حَمْراءُ رَقِيقَةٌ، ويُقالُ: إنَّها أصْغَرُ ما تَكُونُ إذا مَضى لَها حَوْلٌ، وقالَ امْرُؤُ القَيْسِ: ؎ومِنَ القاصِراتِ الطَّرْفِ لَوْ دَبَّ مُحْوِلٌ مِنَ الذَّرِّ فَوْقَ الإتْبِ مِنها لَأثَّرا وقِيلَ: الذَّرُّ: ما يُرى في شُعاعِ الشَّمْسِ مِنَ الهَباءِ. (p-٥٠٠)﴿إذا زُلْزِلَتِ الأرْضُ زِلْزالَها﴾ ﴿وأخْرَجَتِ الأرْضُ أثْقالَها﴾ ﴿وقالَ الإنْسانُ ما لَها﴾ ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أخْبارَها﴾ ﴿بِأنَّ رَبَّكَ أوْحى لَها﴾ ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النّاسُ أشْتاتًا لِيُرَوْا أعْمالَهُمْ﴾ ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ ﴿ومَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وعَطاءٍ، مَدَنِيَّةٌ في قَوْلِ قَتادَةَ ومُقاتِلٍ، لِأنَّ آخِرَها نَزَلَ بِسَبَبِ رَجُلَيْنِ كانا بِالمَدِينَةِ، ولَمّا ذَكَرَ فِيما قَبْلَها كَوْنَ الكُفّارِ يَكُونُونَ في النّارِ، وجَزاءَ المُؤْمِنِينَ، فَكَأنَّ قائِلًا قالَ: مَتى ذَلِكَ ؟ فَقالَ: ﴿إذا زُلْزِلَتِ الأرْضُ زِلْزالَها﴾ . قِيلَ: والعامِلُ فِيها مُضْمَرٌ، يَدُلُّ عَلَيْهِ مَضْمُونُ الجُمَلِ الآتِيَةِ تَقْدِيرُهُ: تُحْشَرُونَ، وقِيلَ: اذْكُرْ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: تَحَدَّثْ. انْتَهى. وأُضِيفَ الزِّلْزالُ إلى الأرْضِ، إذِ المَعْنى: زِلْزالَها الَّذِي تَسْتَحِقُّهُ ويَقْتَضِيهِ جِرْمُها وعِظَمُها، ولَوْ لَمْ يُضَفْ لَصَدَقَ عَلى كُلِّ قَدْرٍ مِنَ الزِّلْزالِ وإنْ قَلَّ، والفَرْقُ بَيْنَ أكْرَمْتُ زَيْدًا كَرامَةً وكَرامَتَهُ واضِحٌ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (زِلْزالَها) بِكَسْرِ الزّايِ، والجَحْدَرِيُّ وعِيسى: بِفَتْحِها، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهو مَصْدَرٌ كالوَسْواسِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: المَكْسُورُ مَصْدَرٌ، والمَفْتُوحُ اسْمٌ، ولَيْسَ في الأبْنِيَةِ فَعْلالٌ بِالفَتْحِ إلّا في المُضاعَفِ. انْتَهى. أمّا قَوْلُهُ: والمَفْتُوحُ اسْمٌ، فَجَعَلَهُ غَيْرُهُ مَصْدَرًا جاءَ عَلى فَعْلالٍ بِالفَتْحِ، ثُمَّ قِيلَ: قَدْ يَجِيءُ بِمَعْنى اسْمِ الفاعِلِ، فَتَقُولُ: فَضْفاضٌ في مَعْنى مُفَضْفَضٍ، وصَلْصالٌ: في مَعْنى مُصَلْصَلٍ، وأمّا قَوْلُهُ: ولَيْسَ في الأبْنِيَةِ. . . إلَخْ، فَقَدْ وُجِدَ فِيها فَعْلالٌ بِالفَتْحِ مِن غَيْرِ المُضاعَفِ، قالُوا: ناقَةٌ بِها خَزْعانٌ بِفَتْحِ الخاءِ ولَيْسَ بِمُضاعَفٍ. ﴿وأخْرَجَتِ الأرْضُ أثْقالَها﴾ جَعَلَ ما في بَطْنِها أثْقالًا، وقالَ النَّقّاشُ والزَّجّاجُ والقاضِي مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ: أثْقالُها: كُنُوزُها ومَوْتاها، ورُدَّ بِأنَّ الكُنُوزَ إنَّما تَخْرُجُ وقْتَ الدَّجّالِ، لا يَوْمَ القِيامَةِ، وقائِلُ ذَلِكَ يَقُولُ: هو الزِّلْزالُ يَكُونُ في الدُّنْيا، وهو مِن أشْراطِ السّاعَةِ، وزِلْزالُ يَوْمِ القِيامَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرّاجِفَةُ﴾ [النازعات: ٦] ﴿تَتْبَعُها الرّادِفَةُ﴾ [النازعات: ٧] فَلا يُرَدُّ عَلَيْهِ بِذَلِكَ، إذْ قَدْ أخَذَ الزِّلْزالَ عامًّا بِاعْتِبارِ وقْتَيْهِ، فَفي الأوَّلِ أخْرَجَتْ كُنُوزَها، وفي الثّانِي أخْرَجَتْ مَوْتاها، وصَدَّقَتْ أنَّها زُلْزِلَتْ زِلْزالَها وأخْرَجَتْ أثْقالَها، وقِيلَ أثْقالُها كُنُوزُها ومِنهُ قَوْلُهُ: تُلْقِي الأرْضُ أفْلاذَ كَبِدِها أمْثالَ الأُسْطُوانِ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَوْتاها، وهو إشارَةٌ إلى البَعْثِ وذَلِكَ عِنْدَ النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ، فَهو زِلْزالُ يَوْمِ القِيامَةِ، لا الزِّلْزالُ الَّذِي هو مِنَ الأشْراطِ. ﴿وقالَ الإنْسانُ ما لَها﴾ يَعْنِي مَعْنى التَّعَجُّبِ لِما يَرى مِنَ الهَوْلِ، والظّاهِرُ عُمُومُ الإنْسانِ، وقِيلَ: ذَلِكَ الكافِرُ لِأنَّهُ يَرى ما لَمْ يَقَعْ في ظَنِّهِ قَطُّ ولا صَدَّقَهُ، والمُؤْمِنُ، وإنْ كانَ مُؤْمِنًا بِالبَعْثِ، فَإنَّهُ اسْتَهْوَلَ المَرْأى، وفي الحَدِيثِ: (لَيْسَ الخَبَرُ كالعِيانِ) . قالَ الجُمْهُورُ: الإنْسانُ هو الكافِرُ يَرى ما لَمْ يَظُنَّ (يَوْمَئِذٍ) أيْ يَوْمَ إذْ زُلْزِلَتْ وأخْرَجَتْ تُحَدِّثُ، ويَوْمَئِذٍ بَدَلٌ مِن (إذا)، فَيَعْمَلُ فِيهِ لَفْظُ العامِلِ في المُبْدَلِ مِنهُ، أوِ المُكَرَّرِ عَلى الخِلافِ في العامِلِ في البَدَلِ ﴿تُحَدِّثُ أخْبارَها﴾ الظّاهِرُ أنَّهُ تَحْدِيثٌ وكَلامٌ حَقِيقَةً بِأنْ يَخْلُقَ فِيها حَياةً وإدْراكًا، فَتَشْهَدُ بِما عُمِلَ عَلَيْها مِن صالِحٍ أوْ فاسِدٍ، وهو قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ والثَّوْرِيِّ وغَيْرِهِما. ويَشْهَدُ لَهُ ما جاءَ في الحَدِيثِ: (بِأنَّهُ لا يَسْمَعُ مَدى صَوْتِ المُؤَذِّنِ جِنٌّ ولا إنْسٌ ولا شَجَرٌ إلّا شَهِدَ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ) وما جاءَ في التِّرْمِذِيِّ «عَنْهُ ﷺ، أنَّهُ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ ثُمَّ قالَ: (أتَدْرُونَ ما أخْبارُها ؟ قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، فَقالَ: إنَّ أخْبارَها أنْ تَشْهَدَ عَلى كُلِّ عَبْدٍ أوْ أمَةٍ بِما عَمِلَ عَلى ظَهْرِها، تَقُولُ (p-٥٠١)عَمِلَ كَذا يَوْمَ كَذا وكَذا، قالَ: فَهَذِهِ أخْبارُها») . هَذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ. قالَ الطَّبَرِيُّ وقَوْمٌ: التَّحْدِيثُ مَجازٌ عَنْ إحْداثِ اللَّهِ تَعالى فِيها الأحْوالَ ما يَقُومُ مَقامَ التَّحْدِيثِ بِاللِّسانِ، حَتّى يَنْظُرَ مَن يَقُولُ ما لَها إلى تِلْكَ الأحْوالِ، فَيَعْلَمُ لِمَ زُلْزِلَتْ، ولِمَ لَفَظَتِ الأمْواتَ، وأنَّ هَذا ما كانَتِ الأنْبِياءُ يُنادُونَ بِهِ ويُحَدِّثُونَ عَنْهُ، وقالَ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ: تُحَدِّثُ بِما أخْرَجَتْ مِن أثْقالِها، وهَذا هو قَوْلُ مَن زَعَمَ أنَّ الزَّلْزَلَةَ هي الَّتِي مِن أشْراطِ السّاعَةِ. وفي سُنَنِ ابْنِ ماجَهْ حَدِيثٌ في آخِرِهِ: («تَقُولُ الأرْضُ يَوْمَ القِيامَةِ: يا رَبِّ هَذا ما اسْتَوْدَعْتَنِي)» . وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: تُحَدِّثُ بِقِيامِ السّاعَةِ إذا قالَ الإنْسانُ ما لَها، فَتُخْبِرُ أنَّ أمْرَ الدُّنْيا قَدِ انْقَضى، وأمْرَ الآخِرَةِ قَدْ أتى، فَيَكُونُ ذَلِكَ جَوابًا لَهم عِنْدَ سُؤالِهِمْ، وتُحَدِّثُ هُنا تَتَعَدّى إلى اثْنَيْنِ، والأوَّلُ مَحْذُوفٌ، أيْ تُحَدِّثُ النّاسَ، ولَيْسَتْ بِمَعْنى أعْلَمَ المَنقُولَةِ مِن عَلِمَ المُتَعَدِّيَةِ إلى اثْنَيْنِ فَتَتَعَدّى إلى ثَلاثَةٍ. ﴿بِأنَّ رَبَّكَ أوْحى لَها﴾ أيْ بِسَبَبِ إيحاءِ اللَّهِ، فالباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِتُحَدِّثُ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ بِتَحْدِيثٍ أنَّ رَبَّكَ أوْحى لَها أخْبارَها عَلى أنَّ تَحْدِيثَها بِأنَّ رَبَّكَ أوْحى لَها تَحْدِيثَ أخْبارِها، كَما تَقُولُ: نَصَحْتَنِي كُلَّ نَصِيحَةٍ بِأنْ نَصَحْتَنِي في الدِّينِ. انْتَهى. وهو كَلامٌ فِيهِ عَفَشٌ يُنَزَّهُ القُرْآنُ عَنْهُ. وقالَ أيْضًا: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿بِأنَّ رَبَّكَ﴾ بَدَلًا مِن ﴿أخْبارَها﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ بِأخْبارِها بِأنَّ رَبَّكَ أوْحى لَها؛ لِأنَّكَ تَقُولُ: حَدَّثْتُهُ كَذا وحَدَّثْتُهُ بِكَذا. انْتَهى. وإذا كانَ الفِعْلُ تارَةً يَتَعَدّى بِحَرْفِ جَرٍّ، وتارَةً يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ، وحَرْفُ الجَرِّ لَيْسَ بِزائِدٍ، فَلا يَجُوزُ في تابِعِهِ إلّا المُوافَقَةُ في الإعْرابِ، فَلا يَجُوزُ اسْتَغْفَرْتُ الذَّنْبَ العَظِيمِ، بِنَصْبِ الذَّنْبِ وجَرِّ العَظِيمِ لِجَوازِ أنَّكَ تَقُولُ مِنَ الذَّنْبِ، ولا اخْتَرْتُ زَيْدًا الرِّجالَ الكِرامِ، بِنَصْبِ الرِّجالِ وخَفْضِ الكِرامِ، وكَذَلِكَ لا يَجُوزُ أنْ تَقُولَ: اسْتَغْفَرْتُ مِنَ الذَّنْبِ العَظِيمَ، بِجَرِّ الذَّنْبِ ونَصْبِ العَظِيمِ، وكَذَلِكَ في اخْتَرْتُ، فَلَوْ كانَ حَرْفُ الجَرِّ زائِدًا جازَ الإتِّباعُ عَلى مَوْضِعِ الِاسْمِ بِشُرُوطِهِ المُحَرَّرَةِ في عِلْمِ النَّحْوِ، تَقُولُ: ما رَأيْتُ مِن رَجُلٍ عاقِلًا، لِأنَّ مِن زائِدَةٌ، ومِن رَجُلٍ عاقِلٍ عَلى اللَّفْظِ، ولا يَجُوزُ نَصْبُ رَجُلٍ وجَرُّ عاقِلٍ عَلى مُراعاةِ جَوازِ دُخُولِ مِن، وإنْ ورَدَ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ فَبابُهُ الشِّعْرُ، وعَدّى أوْحى بِاللّامِ لا بِإلى، وإنْ كانَ المَشْهُورُ تَعْدِيَتَها بِإلى لِمُراعاةِ الفَواصِلِ، قالَ العَجّاجُ يَصِفُ الأرْضَ: ؎أوْحى لَها القَرارَ فاسْتَقَرَّتْ ∗∗∗ وشَدَّها بِالرّاسِياتِ الثُّبَّتِ فَعَدّاها بِاللّامِ، وقِيلَ: المُوحى إلَيْهِ مَحْذُوفٌ أيْ أوْحى إلى مَلائِكَتِهِ المُصَرِّفِينَ أنْ تَفْعَلَ في الأرْضِ تِلْكَ الأفْعالَ، واللّامُ في لَها لِلسَّبَبِ، أيْ مِن أجْلِها ومِن حَيْثُ الأفْعالُ فِيها، وإذا كانَ الإيحاءُ إلَيْها، احْتَمَلَ أنْ يَكُونَ وحْيَ إلْهامٍ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ بِرَسُولٍ مِنَ المَلائِكَةِ ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النّاسُ﴾ انْتَصَبَ يَوْمَئِذٍ بَيَصْدُرُ، والصَّدْرُ يَكُونُ عَنْ وِرْدٍ. وقالَ الجُمْهُورُ: هو كَوْنُهم في الأرْضِ مَدْفُونِينَ، والصَّدْرُ قِيامُهم لِلْبَعْثِ، و(أشْتاتًا) جَمْعُ شَتٍّ، أيْ فِرَقًا، مُؤْمِنٌ وكافِرٌ وعاصٍ سائِرُونَ إلى العَرْضِ، ﴿لِيُرَوْا أعْمالَهُمْ﴾ وقالَ النَّقّاشُ: الصَّدْرُ قَوْمٌ إلى الجَنَّةِ وقَوْمٌ إلى النّارِ، ووِرْدُهم هو وِرْدُ المَحْشَرِ، فَعَلى الأوَّلِ المَعْنى: لِيُرى عَمَلَهُ ويَقِفَ عَلَيْهِ، وعَلى قَوْلِ النَّقّاشِ: لِيُرى جَزاءَ عَمَلِهِ وهو الجَنَّةُ والنّارُ، والظّاهِرُ تَعَلُّقُ (لِيُرَوْا) بِقَوْلِهِ (يَصْدُرُ) وقِيلَ: بِأوْحى لَها وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أشْتاتًا: مُتَفَرِّقِينَ عَلى قَدْرِ أعْمالِهِمْ، أهْلُ الإيمانِ عَلى حِدَةٍ، وأهْلُ كُلِّ دِينٍ عَلى حِدَةٍ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أشْتاتًا بِيضَ الوُجُوهِ آمِنِينَ، وسُودَ الوُجُوهِ فَزِعِينَ. انْتَهى. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أشْتاتًا، أيْ كُلُّ واحِدٍ وحْدَهُ، لا ناصِرَ لَهُ ولا عاضِدَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى﴾ [الأنعام: ٩٤] . وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿لِيُرَوْا﴾ بِضَمِّ الياءِ، والحَسَنُ، والأعْرَجُ، وقَتادَةُ، وحَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ (p-٥٠٢)والزُّهْرِيُّ وأبُو حَيْوَةَ وعِيسى ونافِعٌ في رِوايَةٍ: بِفَتْحِها، والظّاهِرُ تَخْصِيصُ العامِلِ، أيْ ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا﴾ مِنَ السُّعَداءِ؛ لِأنَّ الكافِرَ لا يَرى خَيْرًا في الآخِرَةِ؛ لِأنَّ خَيْرَهُ قَدْ عُجِّلَ لَهُ في دُنْياهُ، والمُؤْمِنُ تُعَجَّلُ لَهُ سَيِّئاتُهُ الصَّغائِرُ في دُنْياهُ في المَصائِبِ والأمْراضِ ونَحْوِها، وما عَمِلَ مِن شَرٍّ أوْ خَيْرٍ رَآهُ، ونَبَّهَ بِقَوْلِهِ: ﴿مِثْقالَ ذَرَّةٍ﴾ عَلى أنَّ ما فَوْقَ الذَّرَّةِ يَراهُ قَلِيلًا كانَ أوْ كَثِيرًا، وهَذا يُسَمّى مَفْهُومُ الخِطابِ، وهو أنْ يَكُونَ المَذْكُورُ والمَسْكُوتُ عَنْهُ في حُكْمٍ واحِدٍ، بَلْ يَكُونُ المَسْكُوتُ عَنْهُ بِالأوْلى في ذَلِكَ الحُكْمِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣] . والظّاهِرُ انْتِصابُ (خَيْرًا)، (وشَرًّا) عَلى التَّمْيِيزِ، لِأنَّ مِثْقالَ ذَرَّةِ مِقْدارٌ، وقِيلَ: بَدَلٌ مِن مِثْقالٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِفَتْحِ الياءِ فِيهِما، أيْ يَرى جَزاءَهُ مِن ثَوابٍ وعِقابٍ، وقَرَأ الحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ، وابْنُ عَبّاسٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُسْلِمٍ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، والكَلْبِيُّ، وأبُو حَيْوَةَ، وخُلَيْدُ بْنُ نَشِيطٍ، وأبانٌ عَنْ عاصِمٍ، والكِسائِيُّ في رِوايَةِ حُمَيْدِ بْنِ الرَّبِيعِ عَنْهُ: بِضَمِّها، وهِشامٌ، وأبُو بَكْرٍ: بِسُكُونِ الهاءِ فِيهِما، وأبُو عَمْرٍو: بِضَمِّهِما مُشْبَعَتَيْنِ، وباقِي السَّبْعَةِ: بِإشْباعِ الأُولى وسُكُونِ الثّانِيَةِ، والإسْكانُ في الوَصْلِ لُغَةٌ حَكاها الأخْفَشُ ولَمْ يَحْكِها سِيبَوَيْهِ، وحَكاها الكِسائِيُّ أيْضًا عَنْ بَنِي كِلابٍ، وبَنِي عَقِيلٍ، وهَذِهِ الرُّؤْيَةُ رُؤْيَةُ بَصَرٍ، وقالَ النَّقّاشُ: لَيْسَتْ بِرُؤْيَةِ بَصَرٍ، وإنَّما المَعْنى يُصِيبُهُ ويَنالُهُ، وقَرَأ عِكْرِمَةُ: يَراهُ بِالألِفِ فِيهِما، وذَلِكَ عَلى لُغَةِ مَن يَرى الجَزْمَ بِحَذْفِ الحَرَكَةِ المُقَدَّرَةِ في حُرُوفِ العِلَّةِ، حَكاها الأخْفَشُ، أوَ عَلى تَوَهُّمِ أنَّ مَن مَوْصُولَةٌ لا شَرْطِيَّةٌ، كَما قِيلَ في (إنَّهُ مَن يَتَّقِي ويَصْبِرْ) في قِراءَةِ مَن أثْبَتَ ياءَ (يَتَّقِي) وجَزَمَ (يَصْبِرْ)، تَوَهَّمَ أنَّ مَن شَرْطِيَّةٌ لا مَوْصُولَةٌ، فَجَزَمَ ﴿ويَصْبِرْ﴾ [يوسف: ٩٠] عَطْفًا عَلى التَّوَهُّمِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

الزلزلة 99:4

سُورَةُ الزِّلْزالِ مَدَنِيَّةٌ وهي ثَمانِي آياتٍ ﷽ ﴿إذا زُلْزِلَتِ الأرْضُ زِلْزالَها﴾ ﴿وأخْرَجَتِ الأرْضُ أثْقالَها﴾ ﴿وقالَ الإنْسانُ ما لَها﴾ ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أخْبارَها﴾ ﴿بِأنَّ رَبَّكَ أوْحى لَها﴾ ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النّاسُ أشْتاتًا لِيُرَوْا أعْمالَهُمْ﴾ ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ ﴿ومَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ الذَّرَّةُ: النَّمْلَةُ صَغِيرَةٌ حَمْراءُ رَقِيقَةٌ، ويُقالُ: إنَّها أصْغَرُ ما تَكُونُ إذا مَضى لَها حَوْلٌ، وقالَ امْرُؤُ القَيْسِ: ؎ومِنَ القاصِراتِ الطَّرْفِ لَوْ دَبَّ مُحْوِلٌ مِنَ الذَّرِّ فَوْقَ الإتْبِ مِنها لَأثَّرا وقِيلَ: الذَّرُّ: ما يُرى في شُعاعِ الشَّمْسِ مِنَ الهَباءِ. (p-٥٠٠)﴿إذا زُلْزِلَتِ الأرْضُ زِلْزالَها﴾ ﴿وأخْرَجَتِ الأرْضُ أثْقالَها﴾ ﴿وقالَ الإنْسانُ ما لَها﴾ ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أخْبارَها﴾ ﴿بِأنَّ رَبَّكَ أوْحى لَها﴾ ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النّاسُ أشْتاتًا لِيُرَوْا أعْمالَهُمْ﴾ ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ ﴿ومَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وعَطاءٍ، مَدَنِيَّةٌ في قَوْلِ قَتادَةَ ومُقاتِلٍ، لِأنَّ آخِرَها نَزَلَ بِسَبَبِ رَجُلَيْنِ كانا بِالمَدِينَةِ، ولَمّا ذَكَرَ فِيما قَبْلَها كَوْنَ الكُفّارِ يَكُونُونَ في النّارِ، وجَزاءَ المُؤْمِنِينَ، فَكَأنَّ قائِلًا قالَ: مَتى ذَلِكَ ؟ فَقالَ: ﴿إذا زُلْزِلَتِ الأرْضُ زِلْزالَها﴾ . قِيلَ: والعامِلُ فِيها مُضْمَرٌ، يَدُلُّ عَلَيْهِ مَضْمُونُ الجُمَلِ الآتِيَةِ تَقْدِيرُهُ: تُحْشَرُونَ، وقِيلَ: اذْكُرْ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: تَحَدَّثْ. انْتَهى. وأُضِيفَ الزِّلْزالُ إلى الأرْضِ، إذِ المَعْنى: زِلْزالَها الَّذِي تَسْتَحِقُّهُ ويَقْتَضِيهِ جِرْمُها وعِظَمُها، ولَوْ لَمْ يُضَفْ لَصَدَقَ عَلى كُلِّ قَدْرٍ مِنَ الزِّلْزالِ وإنْ قَلَّ، والفَرْقُ بَيْنَ أكْرَمْتُ زَيْدًا كَرامَةً وكَرامَتَهُ واضِحٌ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (زِلْزالَها) بِكَسْرِ الزّايِ، والجَحْدَرِيُّ وعِيسى: بِفَتْحِها، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهو مَصْدَرٌ كالوَسْواسِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: المَكْسُورُ مَصْدَرٌ، والمَفْتُوحُ اسْمٌ، ولَيْسَ في الأبْنِيَةِ فَعْلالٌ بِالفَتْحِ إلّا في المُضاعَفِ. انْتَهى. أمّا قَوْلُهُ: والمَفْتُوحُ اسْمٌ، فَجَعَلَهُ غَيْرُهُ مَصْدَرًا جاءَ عَلى فَعْلالٍ بِالفَتْحِ، ثُمَّ قِيلَ: قَدْ يَجِيءُ بِمَعْنى اسْمِ الفاعِلِ، فَتَقُولُ: فَضْفاضٌ في مَعْنى مُفَضْفَضٍ، وصَلْصالٌ: في مَعْنى مُصَلْصَلٍ، وأمّا قَوْلُهُ: ولَيْسَ في الأبْنِيَةِ. . . إلَخْ، فَقَدْ وُجِدَ فِيها فَعْلالٌ بِالفَتْحِ مِن غَيْرِ المُضاعَفِ، قالُوا: ناقَةٌ بِها خَزْعانٌ بِفَتْحِ الخاءِ ولَيْسَ بِمُضاعَفٍ. ﴿وأخْرَجَتِ الأرْضُ أثْقالَها﴾ جَعَلَ ما في بَطْنِها أثْقالًا، وقالَ النَّقّاشُ والزَّجّاجُ والقاضِي مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ: أثْقالُها: كُنُوزُها ومَوْتاها، ورُدَّ بِأنَّ الكُنُوزَ إنَّما تَخْرُجُ وقْتَ الدَّجّالِ، لا يَوْمَ القِيامَةِ، وقائِلُ ذَلِكَ يَقُولُ: هو الزِّلْزالُ يَكُونُ في الدُّنْيا، وهو مِن أشْراطِ السّاعَةِ، وزِلْزالُ يَوْمِ القِيامَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرّاجِفَةُ﴾ [النازعات: ٦] ﴿تَتْبَعُها الرّادِفَةُ﴾ [النازعات: ٧] فَلا يُرَدُّ عَلَيْهِ بِذَلِكَ، إذْ قَدْ أخَذَ الزِّلْزالَ عامًّا بِاعْتِبارِ وقْتَيْهِ، فَفي الأوَّلِ أخْرَجَتْ كُنُوزَها، وفي الثّانِي أخْرَجَتْ مَوْتاها، وصَدَّقَتْ أنَّها زُلْزِلَتْ زِلْزالَها وأخْرَجَتْ أثْقالَها، وقِيلَ أثْقالُها كُنُوزُها ومِنهُ قَوْلُهُ: تُلْقِي الأرْضُ أفْلاذَ كَبِدِها أمْثالَ الأُسْطُوانِ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَوْتاها، وهو إشارَةٌ إلى البَعْثِ وذَلِكَ عِنْدَ النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ، فَهو زِلْزالُ يَوْمِ القِيامَةِ، لا الزِّلْزالُ الَّذِي هو مِنَ الأشْراطِ. ﴿وقالَ الإنْسانُ ما لَها﴾ يَعْنِي مَعْنى التَّعَجُّبِ لِما يَرى مِنَ الهَوْلِ، والظّاهِرُ عُمُومُ الإنْسانِ، وقِيلَ: ذَلِكَ الكافِرُ لِأنَّهُ يَرى ما لَمْ يَقَعْ في ظَنِّهِ قَطُّ ولا صَدَّقَهُ، والمُؤْمِنُ، وإنْ كانَ مُؤْمِنًا بِالبَعْثِ، فَإنَّهُ اسْتَهْوَلَ المَرْأى، وفي الحَدِيثِ: (لَيْسَ الخَبَرُ كالعِيانِ) . قالَ الجُمْهُورُ: الإنْسانُ هو الكافِرُ يَرى ما لَمْ يَظُنَّ (يَوْمَئِذٍ) أيْ يَوْمَ إذْ زُلْزِلَتْ وأخْرَجَتْ تُحَدِّثُ، ويَوْمَئِذٍ بَدَلٌ مِن (إذا)، فَيَعْمَلُ فِيهِ لَفْظُ العامِلِ في المُبْدَلِ مِنهُ، أوِ المُكَرَّرِ عَلى الخِلافِ في العامِلِ في البَدَلِ ﴿تُحَدِّثُ أخْبارَها﴾ الظّاهِرُ أنَّهُ تَحْدِيثٌ وكَلامٌ حَقِيقَةً بِأنْ يَخْلُقَ فِيها حَياةً وإدْراكًا، فَتَشْهَدُ بِما عُمِلَ عَلَيْها مِن صالِحٍ أوْ فاسِدٍ، وهو قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ والثَّوْرِيِّ وغَيْرِهِما. ويَشْهَدُ لَهُ ما جاءَ في الحَدِيثِ: (بِأنَّهُ لا يَسْمَعُ مَدى صَوْتِ المُؤَذِّنِ جِنٌّ ولا إنْسٌ ولا شَجَرٌ إلّا شَهِدَ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ) وما جاءَ في التِّرْمِذِيِّ «عَنْهُ ﷺ، أنَّهُ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ ثُمَّ قالَ: (أتَدْرُونَ ما أخْبارُها ؟ قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، فَقالَ: إنَّ أخْبارَها أنْ تَشْهَدَ عَلى كُلِّ عَبْدٍ أوْ أمَةٍ بِما عَمِلَ عَلى ظَهْرِها، تَقُولُ (p-٥٠١)عَمِلَ كَذا يَوْمَ كَذا وكَذا، قالَ: فَهَذِهِ أخْبارُها») . هَذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ. قالَ الطَّبَرِيُّ وقَوْمٌ: التَّحْدِيثُ مَجازٌ عَنْ إحْداثِ اللَّهِ تَعالى فِيها الأحْوالَ ما يَقُومُ مَقامَ التَّحْدِيثِ بِاللِّسانِ، حَتّى يَنْظُرَ مَن يَقُولُ ما لَها إلى تِلْكَ الأحْوالِ، فَيَعْلَمُ لِمَ زُلْزِلَتْ، ولِمَ لَفَظَتِ الأمْواتَ، وأنَّ هَذا ما كانَتِ الأنْبِياءُ يُنادُونَ بِهِ ويُحَدِّثُونَ عَنْهُ، وقالَ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ: تُحَدِّثُ بِما أخْرَجَتْ مِن أثْقالِها، وهَذا هو قَوْلُ مَن زَعَمَ أنَّ الزَّلْزَلَةَ هي الَّتِي مِن أشْراطِ السّاعَةِ. وفي سُنَنِ ابْنِ ماجَهْ حَدِيثٌ في آخِرِهِ: («تَقُولُ الأرْضُ يَوْمَ القِيامَةِ: يا رَبِّ هَذا ما اسْتَوْدَعْتَنِي)» . وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: تُحَدِّثُ بِقِيامِ السّاعَةِ إذا قالَ الإنْسانُ ما لَها، فَتُخْبِرُ أنَّ أمْرَ الدُّنْيا قَدِ انْقَضى، وأمْرَ الآخِرَةِ قَدْ أتى، فَيَكُونُ ذَلِكَ جَوابًا لَهم عِنْدَ سُؤالِهِمْ، وتُحَدِّثُ هُنا تَتَعَدّى إلى اثْنَيْنِ، والأوَّلُ مَحْذُوفٌ، أيْ تُحَدِّثُ النّاسَ، ولَيْسَتْ بِمَعْنى أعْلَمَ المَنقُولَةِ مِن عَلِمَ المُتَعَدِّيَةِ إلى اثْنَيْنِ فَتَتَعَدّى إلى ثَلاثَةٍ. ﴿بِأنَّ رَبَّكَ أوْحى لَها﴾ أيْ بِسَبَبِ إيحاءِ اللَّهِ، فالباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِتُحَدِّثُ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ بِتَحْدِيثٍ أنَّ رَبَّكَ أوْحى لَها أخْبارَها عَلى أنَّ تَحْدِيثَها بِأنَّ رَبَّكَ أوْحى لَها تَحْدِيثَ أخْبارِها، كَما تَقُولُ: نَصَحْتَنِي كُلَّ نَصِيحَةٍ بِأنْ نَصَحْتَنِي في الدِّينِ. انْتَهى. وهو كَلامٌ فِيهِ عَفَشٌ يُنَزَّهُ القُرْآنُ عَنْهُ. وقالَ أيْضًا: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿بِأنَّ رَبَّكَ﴾ بَدَلًا مِن ﴿أخْبارَها﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ بِأخْبارِها بِأنَّ رَبَّكَ أوْحى لَها؛ لِأنَّكَ تَقُولُ: حَدَّثْتُهُ كَذا وحَدَّثْتُهُ بِكَذا. انْتَهى. وإذا كانَ الفِعْلُ تارَةً يَتَعَدّى بِحَرْفِ جَرٍّ، وتارَةً يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ، وحَرْفُ الجَرِّ لَيْسَ بِزائِدٍ، فَلا يَجُوزُ في تابِعِهِ إلّا المُوافَقَةُ في الإعْرابِ، فَلا يَجُوزُ اسْتَغْفَرْتُ الذَّنْبَ العَظِيمِ، بِنَصْبِ الذَّنْبِ وجَرِّ العَظِيمِ لِجَوازِ أنَّكَ تَقُولُ مِنَ الذَّنْبِ، ولا اخْتَرْتُ زَيْدًا الرِّجالَ الكِرامِ، بِنَصْبِ الرِّجالِ وخَفْضِ الكِرامِ، وكَذَلِكَ لا يَجُوزُ أنْ تَقُولَ: اسْتَغْفَرْتُ مِنَ الذَّنْبِ العَظِيمَ، بِجَرِّ الذَّنْبِ ونَصْبِ العَظِيمِ، وكَذَلِكَ في اخْتَرْتُ، فَلَوْ كانَ حَرْفُ الجَرِّ زائِدًا جازَ الإتِّباعُ عَلى مَوْضِعِ الِاسْمِ بِشُرُوطِهِ المُحَرَّرَةِ في عِلْمِ النَّحْوِ، تَقُولُ: ما رَأيْتُ مِن رَجُلٍ عاقِلًا، لِأنَّ مِن زائِدَةٌ، ومِن رَجُلٍ عاقِلٍ عَلى اللَّفْظِ، ولا يَجُوزُ نَصْبُ رَجُلٍ وجَرُّ عاقِلٍ عَلى مُراعاةِ جَوازِ دُخُولِ مِن، وإنْ ورَدَ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ فَبابُهُ الشِّعْرُ، وعَدّى أوْحى بِاللّامِ لا بِإلى، وإنْ كانَ المَشْهُورُ تَعْدِيَتَها بِإلى لِمُراعاةِ الفَواصِلِ، قالَ العَجّاجُ يَصِفُ الأرْضَ: ؎أوْحى لَها القَرارَ فاسْتَقَرَّتْ ∗∗∗ وشَدَّها بِالرّاسِياتِ الثُّبَّتِ فَعَدّاها بِاللّامِ، وقِيلَ: المُوحى إلَيْهِ مَحْذُوفٌ أيْ أوْحى إلى مَلائِكَتِهِ المُصَرِّفِينَ أنْ تَفْعَلَ في الأرْضِ تِلْكَ الأفْعالَ، واللّامُ في لَها لِلسَّبَبِ، أيْ مِن أجْلِها ومِن حَيْثُ الأفْعالُ فِيها، وإذا كانَ الإيحاءُ إلَيْها، احْتَمَلَ أنْ يَكُونَ وحْيَ إلْهامٍ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ بِرَسُولٍ مِنَ المَلائِكَةِ ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النّاسُ﴾ انْتَصَبَ يَوْمَئِذٍ بَيَصْدُرُ، والصَّدْرُ يَكُونُ عَنْ وِرْدٍ. وقالَ الجُمْهُورُ: هو كَوْنُهم في الأرْضِ مَدْفُونِينَ، والصَّدْرُ قِيامُهم لِلْبَعْثِ، و(أشْتاتًا) جَمْعُ شَتٍّ، أيْ فِرَقًا، مُؤْمِنٌ وكافِرٌ وعاصٍ سائِرُونَ إلى العَرْضِ، ﴿لِيُرَوْا أعْمالَهُمْ﴾ وقالَ النَّقّاشُ: الصَّدْرُ قَوْمٌ إلى الجَنَّةِ وقَوْمٌ إلى النّارِ، ووِرْدُهم هو وِرْدُ المَحْشَرِ، فَعَلى الأوَّلِ المَعْنى: لِيُرى عَمَلَهُ ويَقِفَ عَلَيْهِ، وعَلى قَوْلِ النَّقّاشِ: لِيُرى جَزاءَ عَمَلِهِ وهو الجَنَّةُ والنّارُ، والظّاهِرُ تَعَلُّقُ (لِيُرَوْا) بِقَوْلِهِ (يَصْدُرُ) وقِيلَ: بِأوْحى لَها وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أشْتاتًا: مُتَفَرِّقِينَ عَلى قَدْرِ أعْمالِهِمْ، أهْلُ الإيمانِ عَلى حِدَةٍ، وأهْلُ كُلِّ دِينٍ عَلى حِدَةٍ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أشْتاتًا بِيضَ الوُجُوهِ آمِنِينَ، وسُودَ الوُجُوهِ فَزِعِينَ. انْتَهى. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أشْتاتًا، أيْ كُلُّ واحِدٍ وحْدَهُ، لا ناصِرَ لَهُ ولا عاضِدَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى﴾ [الأنعام: ٩٤] . وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿لِيُرَوْا﴾ بِضَمِّ الياءِ، والحَسَنُ، والأعْرَجُ، وقَتادَةُ، وحَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ (p-٥٠٢)والزُّهْرِيُّ وأبُو حَيْوَةَ وعِيسى ونافِعٌ في رِوايَةٍ: بِفَتْحِها، والظّاهِرُ تَخْصِيصُ العامِلِ، أيْ ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا﴾ مِنَ السُّعَداءِ؛ لِأنَّ الكافِرَ لا يَرى خَيْرًا في الآخِرَةِ؛ لِأنَّ خَيْرَهُ قَدْ عُجِّلَ لَهُ في دُنْياهُ، والمُؤْمِنُ تُعَجَّلُ لَهُ سَيِّئاتُهُ الصَّغائِرُ في دُنْياهُ في المَصائِبِ والأمْراضِ ونَحْوِها، وما عَمِلَ مِن شَرٍّ أوْ خَيْرٍ رَآهُ، ونَبَّهَ بِقَوْلِهِ: ﴿مِثْقالَ ذَرَّةٍ﴾ عَلى أنَّ ما فَوْقَ الذَّرَّةِ يَراهُ قَلِيلًا كانَ أوْ كَثِيرًا، وهَذا يُسَمّى مَفْهُومُ الخِطابِ، وهو أنْ يَكُونَ المَذْكُورُ والمَسْكُوتُ عَنْهُ في حُكْمٍ واحِدٍ، بَلْ يَكُونُ المَسْكُوتُ عَنْهُ بِالأوْلى في ذَلِكَ الحُكْمِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣] . والظّاهِرُ انْتِصابُ (خَيْرًا)، (وشَرًّا) عَلى التَّمْيِيزِ، لِأنَّ مِثْقالَ ذَرَّةِ مِقْدارٌ، وقِيلَ: بَدَلٌ مِن مِثْقالٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِفَتْحِ الياءِ فِيهِما، أيْ يَرى جَزاءَهُ مِن ثَوابٍ وعِقابٍ، وقَرَأ الحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ، وابْنُ عَبّاسٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُسْلِمٍ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، والكَلْبِيُّ، وأبُو حَيْوَةَ، وخُلَيْدُ بْنُ نَشِيطٍ، وأبانٌ عَنْ عاصِمٍ، والكِسائِيُّ في رِوايَةِ حُمَيْدِ بْنِ الرَّبِيعِ عَنْهُ: بِضَمِّها، وهِشامٌ، وأبُو بَكْرٍ: بِسُكُونِ الهاءِ فِيهِما، وأبُو عَمْرٍو: بِضَمِّهِما مُشْبَعَتَيْنِ، وباقِي السَّبْعَةِ: بِإشْباعِ الأُولى وسُكُونِ الثّانِيَةِ، والإسْكانُ في الوَصْلِ لُغَةٌ حَكاها الأخْفَشُ ولَمْ يَحْكِها سِيبَوَيْهِ، وحَكاها الكِسائِيُّ أيْضًا عَنْ بَنِي كِلابٍ، وبَنِي عَقِيلٍ، وهَذِهِ الرُّؤْيَةُ رُؤْيَةُ بَصَرٍ، وقالَ النَّقّاشُ: لَيْسَتْ بِرُؤْيَةِ بَصَرٍ، وإنَّما المَعْنى يُصِيبُهُ ويَنالُهُ، وقَرَأ عِكْرِمَةُ: يَراهُ بِالألِفِ فِيهِما، وذَلِكَ عَلى لُغَةِ مَن يَرى الجَزْمَ بِحَذْفِ الحَرَكَةِ المُقَدَّرَةِ في حُرُوفِ العِلَّةِ، حَكاها الأخْفَشُ، أوَ عَلى تَوَهُّمِ أنَّ مَن مَوْصُولَةٌ لا شَرْطِيَّةٌ، كَما قِيلَ في (إنَّهُ مَن يَتَّقِي ويَصْبِرْ) في قِراءَةِ مَن أثْبَتَ ياءَ (يَتَّقِي) وجَزَمَ (يَصْبِرْ)، تَوَهَّمَ أنَّ مَن شَرْطِيَّةٌ لا مَوْصُولَةٌ، فَجَزَمَ ﴿ويَصْبِرْ﴾ [يوسف: ٩٠] عَطْفًا عَلى التَّوَهُّمِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

الزلزلة 99:5

سُورَةُ الزِّلْزالِ مَدَنِيَّةٌ وهي ثَمانِي آياتٍ ﷽ ﴿إذا زُلْزِلَتِ الأرْضُ زِلْزالَها﴾ ﴿وأخْرَجَتِ الأرْضُ أثْقالَها﴾ ﴿وقالَ الإنْسانُ ما لَها﴾ ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أخْبارَها﴾ ﴿بِأنَّ رَبَّكَ أوْحى لَها﴾ ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النّاسُ أشْتاتًا لِيُرَوْا أعْمالَهُمْ﴾ ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ ﴿ومَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ الذَّرَّةُ: النَّمْلَةُ صَغِيرَةٌ حَمْراءُ رَقِيقَةٌ، ويُقالُ: إنَّها أصْغَرُ ما تَكُونُ إذا مَضى لَها حَوْلٌ، وقالَ امْرُؤُ القَيْسِ: ؎ومِنَ القاصِراتِ الطَّرْفِ لَوْ دَبَّ مُحْوِلٌ مِنَ الذَّرِّ فَوْقَ الإتْبِ مِنها لَأثَّرا وقِيلَ: الذَّرُّ: ما يُرى في شُعاعِ الشَّمْسِ مِنَ الهَباءِ. (p-٥٠٠)﴿إذا زُلْزِلَتِ الأرْضُ زِلْزالَها﴾ ﴿وأخْرَجَتِ الأرْضُ أثْقالَها﴾ ﴿وقالَ الإنْسانُ ما لَها﴾ ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أخْبارَها﴾ ﴿بِأنَّ رَبَّكَ أوْحى لَها﴾ ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النّاسُ أشْتاتًا لِيُرَوْا أعْمالَهُمْ﴾ ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ ﴿ومَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وعَطاءٍ، مَدَنِيَّةٌ في قَوْلِ قَتادَةَ ومُقاتِلٍ، لِأنَّ آخِرَها نَزَلَ بِسَبَبِ رَجُلَيْنِ كانا بِالمَدِينَةِ، ولَمّا ذَكَرَ فِيما قَبْلَها كَوْنَ الكُفّارِ يَكُونُونَ في النّارِ، وجَزاءَ المُؤْمِنِينَ، فَكَأنَّ قائِلًا قالَ: مَتى ذَلِكَ ؟ فَقالَ: ﴿إذا زُلْزِلَتِ الأرْضُ زِلْزالَها﴾ . قِيلَ: والعامِلُ فِيها مُضْمَرٌ، يَدُلُّ عَلَيْهِ مَضْمُونُ الجُمَلِ الآتِيَةِ تَقْدِيرُهُ: تُحْشَرُونَ، وقِيلَ: اذْكُرْ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: تَحَدَّثْ. انْتَهى. وأُضِيفَ الزِّلْزالُ إلى الأرْضِ، إذِ المَعْنى: زِلْزالَها الَّذِي تَسْتَحِقُّهُ ويَقْتَضِيهِ جِرْمُها وعِظَمُها، ولَوْ لَمْ يُضَفْ لَصَدَقَ عَلى كُلِّ قَدْرٍ مِنَ الزِّلْزالِ وإنْ قَلَّ، والفَرْقُ بَيْنَ أكْرَمْتُ زَيْدًا كَرامَةً وكَرامَتَهُ واضِحٌ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (زِلْزالَها) بِكَسْرِ الزّايِ، والجَحْدَرِيُّ وعِيسى: بِفَتْحِها، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهو مَصْدَرٌ كالوَسْواسِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: المَكْسُورُ مَصْدَرٌ، والمَفْتُوحُ اسْمٌ، ولَيْسَ في الأبْنِيَةِ فَعْلالٌ بِالفَتْحِ إلّا في المُضاعَفِ. انْتَهى. أمّا قَوْلُهُ: والمَفْتُوحُ اسْمٌ، فَجَعَلَهُ غَيْرُهُ مَصْدَرًا جاءَ عَلى فَعْلالٍ بِالفَتْحِ، ثُمَّ قِيلَ: قَدْ يَجِيءُ بِمَعْنى اسْمِ الفاعِلِ، فَتَقُولُ: فَضْفاضٌ في مَعْنى مُفَضْفَضٍ، وصَلْصالٌ: في مَعْنى مُصَلْصَلٍ، وأمّا قَوْلُهُ: ولَيْسَ في الأبْنِيَةِ. . . إلَخْ، فَقَدْ وُجِدَ فِيها فَعْلالٌ بِالفَتْحِ مِن غَيْرِ المُضاعَفِ، قالُوا: ناقَةٌ بِها خَزْعانٌ بِفَتْحِ الخاءِ ولَيْسَ بِمُضاعَفٍ. ﴿وأخْرَجَتِ الأرْضُ أثْقالَها﴾ جَعَلَ ما في بَطْنِها أثْقالًا، وقالَ النَّقّاشُ والزَّجّاجُ والقاضِي مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ: أثْقالُها: كُنُوزُها ومَوْتاها، ورُدَّ بِأنَّ الكُنُوزَ إنَّما تَخْرُجُ وقْتَ الدَّجّالِ، لا يَوْمَ القِيامَةِ، وقائِلُ ذَلِكَ يَقُولُ: هو الزِّلْزالُ يَكُونُ في الدُّنْيا، وهو مِن أشْراطِ السّاعَةِ، وزِلْزالُ يَوْمِ القِيامَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرّاجِفَةُ﴾ [النازعات: ٦] ﴿تَتْبَعُها الرّادِفَةُ﴾ [النازعات: ٧] فَلا يُرَدُّ عَلَيْهِ بِذَلِكَ، إذْ قَدْ أخَذَ الزِّلْزالَ عامًّا بِاعْتِبارِ وقْتَيْهِ، فَفي الأوَّلِ أخْرَجَتْ كُنُوزَها، وفي الثّانِي أخْرَجَتْ مَوْتاها، وصَدَّقَتْ أنَّها زُلْزِلَتْ زِلْزالَها وأخْرَجَتْ أثْقالَها، وقِيلَ أثْقالُها كُنُوزُها ومِنهُ قَوْلُهُ: تُلْقِي الأرْضُ أفْلاذَ كَبِدِها أمْثالَ الأُسْطُوانِ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَوْتاها، وهو إشارَةٌ إلى البَعْثِ وذَلِكَ عِنْدَ النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ، فَهو زِلْزالُ يَوْمِ القِيامَةِ، لا الزِّلْزالُ الَّذِي هو مِنَ الأشْراطِ. ﴿وقالَ الإنْسانُ ما لَها﴾ يَعْنِي مَعْنى التَّعَجُّبِ لِما يَرى مِنَ الهَوْلِ، والظّاهِرُ عُمُومُ الإنْسانِ، وقِيلَ: ذَلِكَ الكافِرُ لِأنَّهُ يَرى ما لَمْ يَقَعْ في ظَنِّهِ قَطُّ ولا صَدَّقَهُ، والمُؤْمِنُ، وإنْ كانَ مُؤْمِنًا بِالبَعْثِ، فَإنَّهُ اسْتَهْوَلَ المَرْأى، وفي الحَدِيثِ: (لَيْسَ الخَبَرُ كالعِيانِ) . قالَ الجُمْهُورُ: الإنْسانُ هو الكافِرُ يَرى ما لَمْ يَظُنَّ (يَوْمَئِذٍ) أيْ يَوْمَ إذْ زُلْزِلَتْ وأخْرَجَتْ تُحَدِّثُ، ويَوْمَئِذٍ بَدَلٌ مِن (إذا)، فَيَعْمَلُ فِيهِ لَفْظُ العامِلِ في المُبْدَلِ مِنهُ، أوِ المُكَرَّرِ عَلى الخِلافِ في العامِلِ في البَدَلِ ﴿تُحَدِّثُ أخْبارَها﴾ الظّاهِرُ أنَّهُ تَحْدِيثٌ وكَلامٌ حَقِيقَةً بِأنْ يَخْلُقَ فِيها حَياةً وإدْراكًا، فَتَشْهَدُ بِما عُمِلَ عَلَيْها مِن صالِحٍ أوْ فاسِدٍ، وهو قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ والثَّوْرِيِّ وغَيْرِهِما. ويَشْهَدُ لَهُ ما جاءَ في الحَدِيثِ: (بِأنَّهُ لا يَسْمَعُ مَدى صَوْتِ المُؤَذِّنِ جِنٌّ ولا إنْسٌ ولا شَجَرٌ إلّا شَهِدَ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ) وما جاءَ في التِّرْمِذِيِّ «عَنْهُ ﷺ، أنَّهُ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ ثُمَّ قالَ: (أتَدْرُونَ ما أخْبارُها ؟ قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، فَقالَ: إنَّ أخْبارَها أنْ تَشْهَدَ عَلى كُلِّ عَبْدٍ أوْ أمَةٍ بِما عَمِلَ عَلى ظَهْرِها، تَقُولُ (p-٥٠١)عَمِلَ كَذا يَوْمَ كَذا وكَذا، قالَ: فَهَذِهِ أخْبارُها») . هَذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ. قالَ الطَّبَرِيُّ وقَوْمٌ: التَّحْدِيثُ مَجازٌ عَنْ إحْداثِ اللَّهِ تَعالى فِيها الأحْوالَ ما يَقُومُ مَقامَ التَّحْدِيثِ بِاللِّسانِ، حَتّى يَنْظُرَ مَن يَقُولُ ما لَها إلى تِلْكَ الأحْوالِ، فَيَعْلَمُ لِمَ زُلْزِلَتْ، ولِمَ لَفَظَتِ الأمْواتَ، وأنَّ هَذا ما كانَتِ الأنْبِياءُ يُنادُونَ بِهِ ويُحَدِّثُونَ عَنْهُ، وقالَ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ: تُحَدِّثُ بِما أخْرَجَتْ مِن أثْقالِها، وهَذا هو قَوْلُ مَن زَعَمَ أنَّ الزَّلْزَلَةَ هي الَّتِي مِن أشْراطِ السّاعَةِ. وفي سُنَنِ ابْنِ ماجَهْ حَدِيثٌ في آخِرِهِ: («تَقُولُ الأرْضُ يَوْمَ القِيامَةِ: يا رَبِّ هَذا ما اسْتَوْدَعْتَنِي)» . وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: تُحَدِّثُ بِقِيامِ السّاعَةِ إذا قالَ الإنْسانُ ما لَها، فَتُخْبِرُ أنَّ أمْرَ الدُّنْيا قَدِ انْقَضى، وأمْرَ الآخِرَةِ قَدْ أتى، فَيَكُونُ ذَلِكَ جَوابًا لَهم عِنْدَ سُؤالِهِمْ، وتُحَدِّثُ هُنا تَتَعَدّى إلى اثْنَيْنِ، والأوَّلُ مَحْذُوفٌ، أيْ تُحَدِّثُ النّاسَ، ولَيْسَتْ بِمَعْنى أعْلَمَ المَنقُولَةِ مِن عَلِمَ المُتَعَدِّيَةِ إلى اثْنَيْنِ فَتَتَعَدّى إلى ثَلاثَةٍ. ﴿بِأنَّ رَبَّكَ أوْحى لَها﴾ أيْ بِسَبَبِ إيحاءِ اللَّهِ، فالباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِتُحَدِّثُ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ بِتَحْدِيثٍ أنَّ رَبَّكَ أوْحى لَها أخْبارَها عَلى أنَّ تَحْدِيثَها بِأنَّ رَبَّكَ أوْحى لَها تَحْدِيثَ أخْبارِها، كَما تَقُولُ: نَصَحْتَنِي كُلَّ نَصِيحَةٍ بِأنْ نَصَحْتَنِي في الدِّينِ. انْتَهى. وهو كَلامٌ فِيهِ عَفَشٌ يُنَزَّهُ القُرْآنُ عَنْهُ. وقالَ أيْضًا: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿بِأنَّ رَبَّكَ﴾ بَدَلًا مِن ﴿أخْبارَها﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ بِأخْبارِها بِأنَّ رَبَّكَ أوْحى لَها؛ لِأنَّكَ تَقُولُ: حَدَّثْتُهُ كَذا وحَدَّثْتُهُ بِكَذا. انْتَهى. وإذا كانَ الفِعْلُ تارَةً يَتَعَدّى بِحَرْفِ جَرٍّ، وتارَةً يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ، وحَرْفُ الجَرِّ لَيْسَ بِزائِدٍ، فَلا يَجُوزُ في تابِعِهِ إلّا المُوافَقَةُ في الإعْرابِ، فَلا يَجُوزُ اسْتَغْفَرْتُ الذَّنْبَ العَظِيمِ، بِنَصْبِ الذَّنْبِ وجَرِّ العَظِيمِ لِجَوازِ أنَّكَ تَقُولُ مِنَ الذَّنْبِ، ولا اخْتَرْتُ زَيْدًا الرِّجالَ الكِرامِ، بِنَصْبِ الرِّجالِ وخَفْضِ الكِرامِ، وكَذَلِكَ لا يَجُوزُ أنْ تَقُولَ: اسْتَغْفَرْتُ مِنَ الذَّنْبِ العَظِيمَ، بِجَرِّ الذَّنْبِ ونَصْبِ العَظِيمِ، وكَذَلِكَ في اخْتَرْتُ، فَلَوْ كانَ حَرْفُ الجَرِّ زائِدًا جازَ الإتِّباعُ عَلى مَوْضِعِ الِاسْمِ بِشُرُوطِهِ المُحَرَّرَةِ في عِلْمِ النَّحْوِ، تَقُولُ: ما رَأيْتُ مِن رَجُلٍ عاقِلًا، لِأنَّ مِن زائِدَةٌ، ومِن رَجُلٍ عاقِلٍ عَلى اللَّفْظِ، ولا يَجُوزُ نَصْبُ رَجُلٍ وجَرُّ عاقِلٍ عَلى مُراعاةِ جَوازِ دُخُولِ مِن، وإنْ ورَدَ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ فَبابُهُ الشِّعْرُ، وعَدّى أوْحى بِاللّامِ لا بِإلى، وإنْ كانَ المَشْهُورُ تَعْدِيَتَها بِإلى لِمُراعاةِ الفَواصِلِ، قالَ العَجّاجُ يَصِفُ الأرْضَ: ؎أوْحى لَها القَرارَ فاسْتَقَرَّتْ ∗∗∗ وشَدَّها بِالرّاسِياتِ الثُّبَّتِ فَعَدّاها بِاللّامِ، وقِيلَ: المُوحى إلَيْهِ مَحْذُوفٌ أيْ أوْحى إلى مَلائِكَتِهِ المُصَرِّفِينَ أنْ تَفْعَلَ في الأرْضِ تِلْكَ الأفْعالَ، واللّامُ في لَها لِلسَّبَبِ، أيْ مِن أجْلِها ومِن حَيْثُ الأفْعالُ فِيها، وإذا كانَ الإيحاءُ إلَيْها، احْتَمَلَ أنْ يَكُونَ وحْيَ إلْهامٍ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ بِرَسُولٍ مِنَ المَلائِكَةِ ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النّاسُ﴾ انْتَصَبَ يَوْمَئِذٍ بَيَصْدُرُ، والصَّدْرُ يَكُونُ عَنْ وِرْدٍ. وقالَ الجُمْهُورُ: هو كَوْنُهم في الأرْضِ مَدْفُونِينَ، والصَّدْرُ قِيامُهم لِلْبَعْثِ، و(أشْتاتًا) جَمْعُ شَتٍّ، أيْ فِرَقًا، مُؤْمِنٌ وكافِرٌ وعاصٍ سائِرُونَ إلى العَرْضِ، ﴿لِيُرَوْا أعْمالَهُمْ﴾ وقالَ النَّقّاشُ: الصَّدْرُ قَوْمٌ إلى الجَنَّةِ وقَوْمٌ إلى النّارِ، ووِرْدُهم هو وِرْدُ المَحْشَرِ، فَعَلى الأوَّلِ المَعْنى: لِيُرى عَمَلَهُ ويَقِفَ عَلَيْهِ، وعَلى قَوْلِ النَّقّاشِ: لِيُرى جَزاءَ عَمَلِهِ وهو الجَنَّةُ والنّارُ، والظّاهِرُ تَعَلُّقُ (لِيُرَوْا) بِقَوْلِهِ (يَصْدُرُ) وقِيلَ: بِأوْحى لَها وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أشْتاتًا: مُتَفَرِّقِينَ عَلى قَدْرِ أعْمالِهِمْ، أهْلُ الإيمانِ عَلى حِدَةٍ، وأهْلُ كُلِّ دِينٍ عَلى حِدَةٍ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أشْتاتًا بِيضَ الوُجُوهِ آمِنِينَ، وسُودَ الوُجُوهِ فَزِعِينَ. انْتَهى. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أشْتاتًا، أيْ كُلُّ واحِدٍ وحْدَهُ، لا ناصِرَ لَهُ ولا عاضِدَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى﴾ [الأنعام: ٩٤] . وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿لِيُرَوْا﴾ بِضَمِّ الياءِ، والحَسَنُ، والأعْرَجُ، وقَتادَةُ، وحَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ (p-٥٠٢)والزُّهْرِيُّ وأبُو حَيْوَةَ وعِيسى ونافِعٌ في رِوايَةٍ: بِفَتْحِها، والظّاهِرُ تَخْصِيصُ العامِلِ، أيْ ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا﴾ مِنَ السُّعَداءِ؛ لِأنَّ الكافِرَ لا يَرى خَيْرًا في الآخِرَةِ؛ لِأنَّ خَيْرَهُ قَدْ عُجِّلَ لَهُ في دُنْياهُ، والمُؤْمِنُ تُعَجَّلُ لَهُ سَيِّئاتُهُ الصَّغائِرُ في دُنْياهُ في المَصائِبِ والأمْراضِ ونَحْوِها، وما عَمِلَ مِن شَرٍّ أوْ خَيْرٍ رَآهُ، ونَبَّهَ بِقَوْلِهِ: ﴿مِثْقالَ ذَرَّةٍ﴾ عَلى أنَّ ما فَوْقَ الذَّرَّةِ يَراهُ قَلِيلًا كانَ أوْ كَثِيرًا، وهَذا يُسَمّى مَفْهُومُ الخِطابِ، وهو أنْ يَكُونَ المَذْكُورُ والمَسْكُوتُ عَنْهُ في حُكْمٍ واحِدٍ، بَلْ يَكُونُ المَسْكُوتُ عَنْهُ بِالأوْلى في ذَلِكَ الحُكْمِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣] . والظّاهِرُ انْتِصابُ (خَيْرًا)، (وشَرًّا) عَلى التَّمْيِيزِ، لِأنَّ مِثْقالَ ذَرَّةِ مِقْدارٌ، وقِيلَ: بَدَلٌ مِن مِثْقالٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِفَتْحِ الياءِ فِيهِما، أيْ يَرى جَزاءَهُ مِن ثَوابٍ وعِقابٍ، وقَرَأ الحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ، وابْنُ عَبّاسٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُسْلِمٍ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، والكَلْبِيُّ، وأبُو حَيْوَةَ، وخُلَيْدُ بْنُ نَشِيطٍ، وأبانٌ عَنْ عاصِمٍ، والكِسائِيُّ في رِوايَةِ حُمَيْدِ بْنِ الرَّبِيعِ عَنْهُ: بِضَمِّها، وهِشامٌ، وأبُو بَكْرٍ: بِسُكُونِ الهاءِ فِيهِما، وأبُو عَمْرٍو: بِضَمِّهِما مُشْبَعَتَيْنِ، وباقِي السَّبْعَةِ: بِإشْباعِ الأُولى وسُكُونِ الثّانِيَةِ، والإسْكانُ في الوَصْلِ لُغَةٌ حَكاها الأخْفَشُ ولَمْ يَحْكِها سِيبَوَيْهِ، وحَكاها الكِسائِيُّ أيْضًا عَنْ بَنِي كِلابٍ، وبَنِي عَقِيلٍ، وهَذِهِ الرُّؤْيَةُ رُؤْيَةُ بَصَرٍ، وقالَ النَّقّاشُ: لَيْسَتْ بِرُؤْيَةِ بَصَرٍ، وإنَّما المَعْنى يُصِيبُهُ ويَنالُهُ، وقَرَأ عِكْرِمَةُ: يَراهُ بِالألِفِ فِيهِما، وذَلِكَ عَلى لُغَةِ مَن يَرى الجَزْمَ بِحَذْفِ الحَرَكَةِ المُقَدَّرَةِ في حُرُوفِ العِلَّةِ، حَكاها الأخْفَشُ، أوَ عَلى تَوَهُّمِ أنَّ مَن مَوْصُولَةٌ لا شَرْطِيَّةٌ، كَما قِيلَ في (إنَّهُ مَن يَتَّقِي ويَصْبِرْ) في قِراءَةِ مَن أثْبَتَ ياءَ (يَتَّقِي) وجَزَمَ (يَصْبِرْ)، تَوَهَّمَ أنَّ مَن شَرْطِيَّةٌ لا مَوْصُولَةٌ، فَجَزَمَ ﴿ويَصْبِرْ﴾ [يوسف: ٩٠] عَطْفًا عَلى التَّوَهُّمِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

الزلزلة 99:6

سُورَةُ الزِّلْزالِ مَدَنِيَّةٌ وهي ثَمانِي آياتٍ ﷽ ﴿إذا زُلْزِلَتِ الأرْضُ زِلْزالَها﴾ ﴿وأخْرَجَتِ الأرْضُ أثْقالَها﴾ ﴿وقالَ الإنْسانُ ما لَها﴾ ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أخْبارَها﴾ ﴿بِأنَّ رَبَّكَ أوْحى لَها﴾ ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النّاسُ أشْتاتًا لِيُرَوْا أعْمالَهُمْ﴾ ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ ﴿ومَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ الذَّرَّةُ: النَّمْلَةُ صَغِيرَةٌ حَمْراءُ رَقِيقَةٌ، ويُقالُ: إنَّها أصْغَرُ ما تَكُونُ إذا مَضى لَها حَوْلٌ، وقالَ امْرُؤُ القَيْسِ: ؎ومِنَ القاصِراتِ الطَّرْفِ لَوْ دَبَّ مُحْوِلٌ مِنَ الذَّرِّ فَوْقَ الإتْبِ مِنها لَأثَّرا وقِيلَ: الذَّرُّ: ما يُرى في شُعاعِ الشَّمْسِ مِنَ الهَباءِ. (p-٥٠٠)﴿إذا زُلْزِلَتِ الأرْضُ زِلْزالَها﴾ ﴿وأخْرَجَتِ الأرْضُ أثْقالَها﴾ ﴿وقالَ الإنْسانُ ما لَها﴾ ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أخْبارَها﴾ ﴿بِأنَّ رَبَّكَ أوْحى لَها﴾ ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النّاسُ أشْتاتًا لِيُرَوْا أعْمالَهُمْ﴾ ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ ﴿ومَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وعَطاءٍ، مَدَنِيَّةٌ في قَوْلِ قَتادَةَ ومُقاتِلٍ، لِأنَّ آخِرَها نَزَلَ بِسَبَبِ رَجُلَيْنِ كانا بِالمَدِينَةِ، ولَمّا ذَكَرَ فِيما قَبْلَها كَوْنَ الكُفّارِ يَكُونُونَ في النّارِ، وجَزاءَ المُؤْمِنِينَ، فَكَأنَّ قائِلًا قالَ: مَتى ذَلِكَ ؟ فَقالَ: ﴿إذا زُلْزِلَتِ الأرْضُ زِلْزالَها﴾ . قِيلَ: والعامِلُ فِيها مُضْمَرٌ، يَدُلُّ عَلَيْهِ مَضْمُونُ الجُمَلِ الآتِيَةِ تَقْدِيرُهُ: تُحْشَرُونَ، وقِيلَ: اذْكُرْ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: تَحَدَّثْ. انْتَهى. وأُضِيفَ الزِّلْزالُ إلى الأرْضِ، إذِ المَعْنى: زِلْزالَها الَّذِي تَسْتَحِقُّهُ ويَقْتَضِيهِ جِرْمُها وعِظَمُها، ولَوْ لَمْ يُضَفْ لَصَدَقَ عَلى كُلِّ قَدْرٍ مِنَ الزِّلْزالِ وإنْ قَلَّ، والفَرْقُ بَيْنَ أكْرَمْتُ زَيْدًا كَرامَةً وكَرامَتَهُ واضِحٌ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (زِلْزالَها) بِكَسْرِ الزّايِ، والجَحْدَرِيُّ وعِيسى: بِفَتْحِها، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهو مَصْدَرٌ كالوَسْواسِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: المَكْسُورُ مَصْدَرٌ، والمَفْتُوحُ اسْمٌ، ولَيْسَ في الأبْنِيَةِ فَعْلالٌ بِالفَتْحِ إلّا في المُضاعَفِ. انْتَهى. أمّا قَوْلُهُ: والمَفْتُوحُ اسْمٌ، فَجَعَلَهُ غَيْرُهُ مَصْدَرًا جاءَ عَلى فَعْلالٍ بِالفَتْحِ، ثُمَّ قِيلَ: قَدْ يَجِيءُ بِمَعْنى اسْمِ الفاعِلِ، فَتَقُولُ: فَضْفاضٌ في مَعْنى مُفَضْفَضٍ، وصَلْصالٌ: في مَعْنى مُصَلْصَلٍ، وأمّا قَوْلُهُ: ولَيْسَ في الأبْنِيَةِ. . . إلَخْ، فَقَدْ وُجِدَ فِيها فَعْلالٌ بِالفَتْحِ مِن غَيْرِ المُضاعَفِ، قالُوا: ناقَةٌ بِها خَزْعانٌ بِفَتْحِ الخاءِ ولَيْسَ بِمُضاعَفٍ. ﴿وأخْرَجَتِ الأرْضُ أثْقالَها﴾ جَعَلَ ما في بَطْنِها أثْقالًا، وقالَ النَّقّاشُ والزَّجّاجُ والقاضِي مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ: أثْقالُها: كُنُوزُها ومَوْتاها، ورُدَّ بِأنَّ الكُنُوزَ إنَّما تَخْرُجُ وقْتَ الدَّجّالِ، لا يَوْمَ القِيامَةِ، وقائِلُ ذَلِكَ يَقُولُ: هو الزِّلْزالُ يَكُونُ في الدُّنْيا، وهو مِن أشْراطِ السّاعَةِ، وزِلْزالُ يَوْمِ القِيامَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرّاجِفَةُ﴾ [النازعات: ٦] ﴿تَتْبَعُها الرّادِفَةُ﴾ [النازعات: ٧] فَلا يُرَدُّ عَلَيْهِ بِذَلِكَ، إذْ قَدْ أخَذَ الزِّلْزالَ عامًّا بِاعْتِبارِ وقْتَيْهِ، فَفي الأوَّلِ أخْرَجَتْ كُنُوزَها، وفي الثّانِي أخْرَجَتْ مَوْتاها، وصَدَّقَتْ أنَّها زُلْزِلَتْ زِلْزالَها وأخْرَجَتْ أثْقالَها، وقِيلَ أثْقالُها كُنُوزُها ومِنهُ قَوْلُهُ: تُلْقِي الأرْضُ أفْلاذَ كَبِدِها أمْثالَ الأُسْطُوانِ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَوْتاها، وهو إشارَةٌ إلى البَعْثِ وذَلِكَ عِنْدَ النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ، فَهو زِلْزالُ يَوْمِ القِيامَةِ، لا الزِّلْزالُ الَّذِي هو مِنَ الأشْراطِ. ﴿وقالَ الإنْسانُ ما لَها﴾ يَعْنِي مَعْنى التَّعَجُّبِ لِما يَرى مِنَ الهَوْلِ، والظّاهِرُ عُمُومُ الإنْسانِ، وقِيلَ: ذَلِكَ الكافِرُ لِأنَّهُ يَرى ما لَمْ يَقَعْ في ظَنِّهِ قَطُّ ولا صَدَّقَهُ، والمُؤْمِنُ، وإنْ كانَ مُؤْمِنًا بِالبَعْثِ، فَإنَّهُ اسْتَهْوَلَ المَرْأى، وفي الحَدِيثِ: (لَيْسَ الخَبَرُ كالعِيانِ) . قالَ الجُمْهُورُ: الإنْسانُ هو الكافِرُ يَرى ما لَمْ يَظُنَّ (يَوْمَئِذٍ) أيْ يَوْمَ إذْ زُلْزِلَتْ وأخْرَجَتْ تُحَدِّثُ، ويَوْمَئِذٍ بَدَلٌ مِن (إذا)، فَيَعْمَلُ فِيهِ لَفْظُ العامِلِ في المُبْدَلِ مِنهُ، أوِ المُكَرَّرِ عَلى الخِلافِ في العامِلِ في البَدَلِ ﴿تُحَدِّثُ أخْبارَها﴾ الظّاهِرُ أنَّهُ تَحْدِيثٌ وكَلامٌ حَقِيقَةً بِأنْ يَخْلُقَ فِيها حَياةً وإدْراكًا، فَتَشْهَدُ بِما عُمِلَ عَلَيْها مِن صالِحٍ أوْ فاسِدٍ، وهو قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ والثَّوْرِيِّ وغَيْرِهِما. ويَشْهَدُ لَهُ ما جاءَ في الحَدِيثِ: (بِأنَّهُ لا يَسْمَعُ مَدى صَوْتِ المُؤَذِّنِ جِنٌّ ولا إنْسٌ ولا شَجَرٌ إلّا شَهِدَ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ) وما جاءَ في التِّرْمِذِيِّ «عَنْهُ ﷺ، أنَّهُ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ ثُمَّ قالَ: (أتَدْرُونَ ما أخْبارُها ؟ قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، فَقالَ: إنَّ أخْبارَها أنْ تَشْهَدَ عَلى كُلِّ عَبْدٍ أوْ أمَةٍ بِما عَمِلَ عَلى ظَهْرِها، تَقُولُ (p-٥٠١)عَمِلَ كَذا يَوْمَ كَذا وكَذا، قالَ: فَهَذِهِ أخْبارُها») . هَذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ. قالَ الطَّبَرِيُّ وقَوْمٌ: التَّحْدِيثُ مَجازٌ عَنْ إحْداثِ اللَّهِ تَعالى فِيها الأحْوالَ ما يَقُومُ مَقامَ التَّحْدِيثِ بِاللِّسانِ، حَتّى يَنْظُرَ مَن يَقُولُ ما لَها إلى تِلْكَ الأحْوالِ، فَيَعْلَمُ لِمَ زُلْزِلَتْ، ولِمَ لَفَظَتِ الأمْواتَ، وأنَّ هَذا ما كانَتِ الأنْبِياءُ يُنادُونَ بِهِ ويُحَدِّثُونَ عَنْهُ، وقالَ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ: تُحَدِّثُ بِما أخْرَجَتْ مِن أثْقالِها، وهَذا هو قَوْلُ مَن زَعَمَ أنَّ الزَّلْزَلَةَ هي الَّتِي مِن أشْراطِ السّاعَةِ. وفي سُنَنِ ابْنِ ماجَهْ حَدِيثٌ في آخِرِهِ: («تَقُولُ الأرْضُ يَوْمَ القِيامَةِ: يا رَبِّ هَذا ما اسْتَوْدَعْتَنِي)» . وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: تُحَدِّثُ بِقِيامِ السّاعَةِ إذا قالَ الإنْسانُ ما لَها، فَتُخْبِرُ أنَّ أمْرَ الدُّنْيا قَدِ انْقَضى، وأمْرَ الآخِرَةِ قَدْ أتى، فَيَكُونُ ذَلِكَ جَوابًا لَهم عِنْدَ سُؤالِهِمْ، وتُحَدِّثُ هُنا تَتَعَدّى إلى اثْنَيْنِ، والأوَّلُ مَحْذُوفٌ، أيْ تُحَدِّثُ النّاسَ، ولَيْسَتْ بِمَعْنى أعْلَمَ المَنقُولَةِ مِن عَلِمَ المُتَعَدِّيَةِ إلى اثْنَيْنِ فَتَتَعَدّى إلى ثَلاثَةٍ. ﴿بِأنَّ رَبَّكَ أوْحى لَها﴾ أيْ بِسَبَبِ إيحاءِ اللَّهِ، فالباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِتُحَدِّثُ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ بِتَحْدِيثٍ أنَّ رَبَّكَ أوْحى لَها أخْبارَها عَلى أنَّ تَحْدِيثَها بِأنَّ رَبَّكَ أوْحى لَها تَحْدِيثَ أخْبارِها، كَما تَقُولُ: نَصَحْتَنِي كُلَّ نَصِيحَةٍ بِأنْ نَصَحْتَنِي في الدِّينِ. انْتَهى. وهو كَلامٌ فِيهِ عَفَشٌ يُنَزَّهُ القُرْآنُ عَنْهُ. وقالَ أيْضًا: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿بِأنَّ رَبَّكَ﴾ بَدَلًا مِن ﴿أخْبارَها﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ بِأخْبارِها بِأنَّ رَبَّكَ أوْحى لَها؛ لِأنَّكَ تَقُولُ: حَدَّثْتُهُ كَذا وحَدَّثْتُهُ بِكَذا. انْتَهى. وإذا كانَ الفِعْلُ تارَةً يَتَعَدّى بِحَرْفِ جَرٍّ، وتارَةً يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ، وحَرْفُ الجَرِّ لَيْسَ بِزائِدٍ، فَلا يَجُوزُ في تابِعِهِ إلّا المُوافَقَةُ في الإعْرابِ، فَلا يَجُوزُ اسْتَغْفَرْتُ الذَّنْبَ العَظِيمِ، بِنَصْبِ الذَّنْبِ وجَرِّ العَظِيمِ لِجَوازِ أنَّكَ تَقُولُ مِنَ الذَّنْبِ، ولا اخْتَرْتُ زَيْدًا الرِّجالَ الكِرامِ، بِنَصْبِ الرِّجالِ وخَفْضِ الكِرامِ، وكَذَلِكَ لا يَجُوزُ أنْ تَقُولَ: اسْتَغْفَرْتُ مِنَ الذَّنْبِ العَظِيمَ، بِجَرِّ الذَّنْبِ ونَصْبِ العَظِيمِ، وكَذَلِكَ في اخْتَرْتُ، فَلَوْ كانَ حَرْفُ الجَرِّ زائِدًا جازَ الإتِّباعُ عَلى مَوْضِعِ الِاسْمِ بِشُرُوطِهِ المُحَرَّرَةِ في عِلْمِ النَّحْوِ، تَقُولُ: ما رَأيْتُ مِن رَجُلٍ عاقِلًا، لِأنَّ مِن زائِدَةٌ، ومِن رَجُلٍ عاقِلٍ عَلى اللَّفْظِ، ولا يَجُوزُ نَصْبُ رَجُلٍ وجَرُّ عاقِلٍ عَلى مُراعاةِ جَوازِ دُخُولِ مِن، وإنْ ورَدَ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ فَبابُهُ الشِّعْرُ، وعَدّى أوْحى بِاللّامِ لا بِإلى، وإنْ كانَ المَشْهُورُ تَعْدِيَتَها بِإلى لِمُراعاةِ الفَواصِلِ، قالَ العَجّاجُ يَصِفُ الأرْضَ: ؎أوْحى لَها القَرارَ فاسْتَقَرَّتْ ∗∗∗ وشَدَّها بِالرّاسِياتِ الثُّبَّتِ فَعَدّاها بِاللّامِ، وقِيلَ: المُوحى إلَيْهِ مَحْذُوفٌ أيْ أوْحى إلى مَلائِكَتِهِ المُصَرِّفِينَ أنْ تَفْعَلَ في الأرْضِ تِلْكَ الأفْعالَ، واللّامُ في لَها لِلسَّبَبِ، أيْ مِن أجْلِها ومِن حَيْثُ الأفْعالُ فِيها، وإذا كانَ الإيحاءُ إلَيْها، احْتَمَلَ أنْ يَكُونَ وحْيَ إلْهامٍ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ بِرَسُولٍ مِنَ المَلائِكَةِ ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النّاسُ﴾ انْتَصَبَ يَوْمَئِذٍ بَيَصْدُرُ، والصَّدْرُ يَكُونُ عَنْ وِرْدٍ. وقالَ الجُمْهُورُ: هو كَوْنُهم في الأرْضِ مَدْفُونِينَ، والصَّدْرُ قِيامُهم لِلْبَعْثِ، و(أشْتاتًا) جَمْعُ شَتٍّ، أيْ فِرَقًا، مُؤْمِنٌ وكافِرٌ وعاصٍ سائِرُونَ إلى العَرْضِ، ﴿لِيُرَوْا أعْمالَهُمْ﴾ وقالَ النَّقّاشُ: الصَّدْرُ قَوْمٌ إلى الجَنَّةِ وقَوْمٌ إلى النّارِ، ووِرْدُهم هو وِرْدُ المَحْشَرِ، فَعَلى الأوَّلِ المَعْنى: لِيُرى عَمَلَهُ ويَقِفَ عَلَيْهِ، وعَلى قَوْلِ النَّقّاشِ: لِيُرى جَزاءَ عَمَلِهِ وهو الجَنَّةُ والنّارُ، والظّاهِرُ تَعَلُّقُ (لِيُرَوْا) بِقَوْلِهِ (يَصْدُرُ) وقِيلَ: بِأوْحى لَها وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أشْتاتًا: مُتَفَرِّقِينَ عَلى قَدْرِ أعْمالِهِمْ، أهْلُ الإيمانِ عَلى حِدَةٍ، وأهْلُ كُلِّ دِينٍ عَلى حِدَةٍ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أشْتاتًا بِيضَ الوُجُوهِ آمِنِينَ، وسُودَ الوُجُوهِ فَزِعِينَ. انْتَهى. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أشْتاتًا، أيْ كُلُّ واحِدٍ وحْدَهُ، لا ناصِرَ لَهُ ولا عاضِدَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى﴾ [الأنعام: ٩٤] . وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿لِيُرَوْا﴾ بِضَمِّ الياءِ، والحَسَنُ، والأعْرَجُ، وقَتادَةُ، وحَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ (p-٥٠٢)والزُّهْرِيُّ وأبُو حَيْوَةَ وعِيسى ونافِعٌ في رِوايَةٍ: بِفَتْحِها، والظّاهِرُ تَخْصِيصُ العامِلِ، أيْ ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا﴾ مِنَ السُّعَداءِ؛ لِأنَّ الكافِرَ لا يَرى خَيْرًا في الآخِرَةِ؛ لِأنَّ خَيْرَهُ قَدْ عُجِّلَ لَهُ في دُنْياهُ، والمُؤْمِنُ تُعَجَّلُ لَهُ سَيِّئاتُهُ الصَّغائِرُ في دُنْياهُ في المَصائِبِ والأمْراضِ ونَحْوِها، وما عَمِلَ مِن شَرٍّ أوْ خَيْرٍ رَآهُ، ونَبَّهَ بِقَوْلِهِ: ﴿مِثْقالَ ذَرَّةٍ﴾ عَلى أنَّ ما فَوْقَ الذَّرَّةِ يَراهُ قَلِيلًا كانَ أوْ كَثِيرًا، وهَذا يُسَمّى مَفْهُومُ الخِطابِ، وهو أنْ يَكُونَ المَذْكُورُ والمَسْكُوتُ عَنْهُ في حُكْمٍ واحِدٍ، بَلْ يَكُونُ المَسْكُوتُ عَنْهُ بِالأوْلى في ذَلِكَ الحُكْمِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣] . والظّاهِرُ انْتِصابُ (خَيْرًا)، (وشَرًّا) عَلى التَّمْيِيزِ، لِأنَّ مِثْقالَ ذَرَّةِ مِقْدارٌ، وقِيلَ: بَدَلٌ مِن مِثْقالٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِفَتْحِ الياءِ فِيهِما، أيْ يَرى جَزاءَهُ مِن ثَوابٍ وعِقابٍ، وقَرَأ الحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ، وابْنُ عَبّاسٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُسْلِمٍ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، والكَلْبِيُّ، وأبُو حَيْوَةَ، وخُلَيْدُ بْنُ نَشِيطٍ، وأبانٌ عَنْ عاصِمٍ، والكِسائِيُّ في رِوايَةِ حُمَيْدِ بْنِ الرَّبِيعِ عَنْهُ: بِضَمِّها، وهِشامٌ، وأبُو بَكْرٍ: بِسُكُونِ الهاءِ فِيهِما، وأبُو عَمْرٍو: بِضَمِّهِما مُشْبَعَتَيْنِ، وباقِي السَّبْعَةِ: بِإشْباعِ الأُولى وسُكُونِ الثّانِيَةِ، والإسْكانُ في الوَصْلِ لُغَةٌ حَكاها الأخْفَشُ ولَمْ يَحْكِها سِيبَوَيْهِ، وحَكاها الكِسائِيُّ أيْضًا عَنْ بَنِي كِلابٍ، وبَنِي عَقِيلٍ، وهَذِهِ الرُّؤْيَةُ رُؤْيَةُ بَصَرٍ، وقالَ النَّقّاشُ: لَيْسَتْ بِرُؤْيَةِ بَصَرٍ، وإنَّما المَعْنى يُصِيبُهُ ويَنالُهُ، وقَرَأ عِكْرِمَةُ: يَراهُ بِالألِفِ فِيهِما، وذَلِكَ عَلى لُغَةِ مَن يَرى الجَزْمَ بِحَذْفِ الحَرَكَةِ المُقَدَّرَةِ في حُرُوفِ العِلَّةِ، حَكاها الأخْفَشُ، أوَ عَلى تَوَهُّمِ أنَّ مَن مَوْصُولَةٌ لا شَرْطِيَّةٌ، كَما قِيلَ في (إنَّهُ مَن يَتَّقِي ويَصْبِرْ) في قِراءَةِ مَن أثْبَتَ ياءَ (يَتَّقِي) وجَزَمَ (يَصْبِرْ)، تَوَهَّمَ أنَّ مَن شَرْطِيَّةٌ لا مَوْصُولَةٌ، فَجَزَمَ ﴿ويَصْبِرْ﴾ [يوسف: ٩٠] عَطْفًا عَلى التَّوَهُّمِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

الزلزلة 99:7

سُورَةُ الزِّلْزالِ مَدَنِيَّةٌ وهي ثَمانِي آياتٍ ﷽ ﴿إذا زُلْزِلَتِ الأرْضُ زِلْزالَها﴾ ﴿وأخْرَجَتِ الأرْضُ أثْقالَها﴾ ﴿وقالَ الإنْسانُ ما لَها﴾ ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أخْبارَها﴾ ﴿بِأنَّ رَبَّكَ أوْحى لَها﴾ ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النّاسُ أشْتاتًا لِيُرَوْا أعْمالَهُمْ﴾ ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ ﴿ومَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ الذَّرَّةُ: النَّمْلَةُ صَغِيرَةٌ حَمْراءُ رَقِيقَةٌ، ويُقالُ: إنَّها أصْغَرُ ما تَكُونُ إذا مَضى لَها حَوْلٌ، وقالَ امْرُؤُ القَيْسِ: ؎ومِنَ القاصِراتِ الطَّرْفِ لَوْ دَبَّ مُحْوِلٌ مِنَ الذَّرِّ فَوْقَ الإتْبِ مِنها لَأثَّرا وقِيلَ: الذَّرُّ: ما يُرى في شُعاعِ الشَّمْسِ مِنَ الهَباءِ. (p-٥٠٠)﴿إذا زُلْزِلَتِ الأرْضُ زِلْزالَها﴾ ﴿وأخْرَجَتِ الأرْضُ أثْقالَها﴾ ﴿وقالَ الإنْسانُ ما لَها﴾ ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أخْبارَها﴾ ﴿بِأنَّ رَبَّكَ أوْحى لَها﴾ ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النّاسُ أشْتاتًا لِيُرَوْا أعْمالَهُمْ﴾ ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ ﴿ومَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وعَطاءٍ، مَدَنِيَّةٌ في قَوْلِ قَتادَةَ ومُقاتِلٍ، لِأنَّ آخِرَها نَزَلَ بِسَبَبِ رَجُلَيْنِ كانا بِالمَدِينَةِ، ولَمّا ذَكَرَ فِيما قَبْلَها كَوْنَ الكُفّارِ يَكُونُونَ في النّارِ، وجَزاءَ المُؤْمِنِينَ، فَكَأنَّ قائِلًا قالَ: مَتى ذَلِكَ ؟ فَقالَ: ﴿إذا زُلْزِلَتِ الأرْضُ زِلْزالَها﴾ . قِيلَ: والعامِلُ فِيها مُضْمَرٌ، يَدُلُّ عَلَيْهِ مَضْمُونُ الجُمَلِ الآتِيَةِ تَقْدِيرُهُ: تُحْشَرُونَ، وقِيلَ: اذْكُرْ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: تَحَدَّثْ. انْتَهى. وأُضِيفَ الزِّلْزالُ إلى الأرْضِ، إذِ المَعْنى: زِلْزالَها الَّذِي تَسْتَحِقُّهُ ويَقْتَضِيهِ جِرْمُها وعِظَمُها، ولَوْ لَمْ يُضَفْ لَصَدَقَ عَلى كُلِّ قَدْرٍ مِنَ الزِّلْزالِ وإنْ قَلَّ، والفَرْقُ بَيْنَ أكْرَمْتُ زَيْدًا كَرامَةً وكَرامَتَهُ واضِحٌ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (زِلْزالَها) بِكَسْرِ الزّايِ، والجَحْدَرِيُّ وعِيسى: بِفَتْحِها، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهو مَصْدَرٌ كالوَسْواسِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: المَكْسُورُ مَصْدَرٌ، والمَفْتُوحُ اسْمٌ، ولَيْسَ في الأبْنِيَةِ فَعْلالٌ بِالفَتْحِ إلّا في المُضاعَفِ. انْتَهى. أمّا قَوْلُهُ: والمَفْتُوحُ اسْمٌ، فَجَعَلَهُ غَيْرُهُ مَصْدَرًا جاءَ عَلى فَعْلالٍ بِالفَتْحِ، ثُمَّ قِيلَ: قَدْ يَجِيءُ بِمَعْنى اسْمِ الفاعِلِ، فَتَقُولُ: فَضْفاضٌ في مَعْنى مُفَضْفَضٍ، وصَلْصالٌ: في مَعْنى مُصَلْصَلٍ، وأمّا قَوْلُهُ: ولَيْسَ في الأبْنِيَةِ. . . إلَخْ، فَقَدْ وُجِدَ فِيها فَعْلالٌ بِالفَتْحِ مِن غَيْرِ المُضاعَفِ، قالُوا: ناقَةٌ بِها خَزْعانٌ بِفَتْحِ الخاءِ ولَيْسَ بِمُضاعَفٍ. ﴿وأخْرَجَتِ الأرْضُ أثْقالَها﴾ جَعَلَ ما في بَطْنِها أثْقالًا، وقالَ النَّقّاشُ والزَّجّاجُ والقاضِي مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ: أثْقالُها: كُنُوزُها ومَوْتاها، ورُدَّ بِأنَّ الكُنُوزَ إنَّما تَخْرُجُ وقْتَ الدَّجّالِ، لا يَوْمَ القِيامَةِ، وقائِلُ ذَلِكَ يَقُولُ: هو الزِّلْزالُ يَكُونُ في الدُّنْيا، وهو مِن أشْراطِ السّاعَةِ، وزِلْزالُ يَوْمِ القِيامَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرّاجِفَةُ﴾ [النازعات: ٦] ﴿تَتْبَعُها الرّادِفَةُ﴾ [النازعات: ٧] فَلا يُرَدُّ عَلَيْهِ بِذَلِكَ، إذْ قَدْ أخَذَ الزِّلْزالَ عامًّا بِاعْتِبارِ وقْتَيْهِ، فَفي الأوَّلِ أخْرَجَتْ كُنُوزَها، وفي الثّانِي أخْرَجَتْ مَوْتاها، وصَدَّقَتْ أنَّها زُلْزِلَتْ زِلْزالَها وأخْرَجَتْ أثْقالَها، وقِيلَ أثْقالُها كُنُوزُها ومِنهُ قَوْلُهُ: تُلْقِي الأرْضُ أفْلاذَ كَبِدِها أمْثالَ الأُسْطُوانِ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَوْتاها، وهو إشارَةٌ إلى البَعْثِ وذَلِكَ عِنْدَ النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ، فَهو زِلْزالُ يَوْمِ القِيامَةِ، لا الزِّلْزالُ الَّذِي هو مِنَ الأشْراطِ. ﴿وقالَ الإنْسانُ ما لَها﴾ يَعْنِي مَعْنى التَّعَجُّبِ لِما يَرى مِنَ الهَوْلِ، والظّاهِرُ عُمُومُ الإنْسانِ، وقِيلَ: ذَلِكَ الكافِرُ لِأنَّهُ يَرى ما لَمْ يَقَعْ في ظَنِّهِ قَطُّ ولا صَدَّقَهُ، والمُؤْمِنُ، وإنْ كانَ مُؤْمِنًا بِالبَعْثِ، فَإنَّهُ اسْتَهْوَلَ المَرْأى، وفي الحَدِيثِ: (لَيْسَ الخَبَرُ كالعِيانِ) . قالَ الجُمْهُورُ: الإنْسانُ هو الكافِرُ يَرى ما لَمْ يَظُنَّ (يَوْمَئِذٍ) أيْ يَوْمَ إذْ زُلْزِلَتْ وأخْرَجَتْ تُحَدِّثُ، ويَوْمَئِذٍ بَدَلٌ مِن (إذا)، فَيَعْمَلُ فِيهِ لَفْظُ العامِلِ في المُبْدَلِ مِنهُ، أوِ المُكَرَّرِ عَلى الخِلافِ في العامِلِ في البَدَلِ ﴿تُحَدِّثُ أخْبارَها﴾ الظّاهِرُ أنَّهُ تَحْدِيثٌ وكَلامٌ حَقِيقَةً بِأنْ يَخْلُقَ فِيها حَياةً وإدْراكًا، فَتَشْهَدُ بِما عُمِلَ عَلَيْها مِن صالِحٍ أوْ فاسِدٍ، وهو قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ والثَّوْرِيِّ وغَيْرِهِما. ويَشْهَدُ لَهُ ما جاءَ في الحَدِيثِ: (بِأنَّهُ لا يَسْمَعُ مَدى صَوْتِ المُؤَذِّنِ جِنٌّ ولا إنْسٌ ولا شَجَرٌ إلّا شَهِدَ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ) وما جاءَ في التِّرْمِذِيِّ «عَنْهُ ﷺ، أنَّهُ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ ثُمَّ قالَ: (أتَدْرُونَ ما أخْبارُها ؟ قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، فَقالَ: إنَّ أخْبارَها أنْ تَشْهَدَ عَلى كُلِّ عَبْدٍ أوْ أمَةٍ بِما عَمِلَ عَلى ظَهْرِها، تَقُولُ (p-٥٠١)عَمِلَ كَذا يَوْمَ كَذا وكَذا، قالَ: فَهَذِهِ أخْبارُها») . هَذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ. قالَ الطَّبَرِيُّ وقَوْمٌ: التَّحْدِيثُ مَجازٌ عَنْ إحْداثِ اللَّهِ تَعالى فِيها الأحْوالَ ما يَقُومُ مَقامَ التَّحْدِيثِ بِاللِّسانِ، حَتّى يَنْظُرَ مَن يَقُولُ ما لَها إلى تِلْكَ الأحْوالِ، فَيَعْلَمُ لِمَ زُلْزِلَتْ، ولِمَ لَفَظَتِ الأمْواتَ، وأنَّ هَذا ما كانَتِ الأنْبِياءُ يُنادُونَ بِهِ ويُحَدِّثُونَ عَنْهُ، وقالَ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ: تُحَدِّثُ بِما أخْرَجَتْ مِن أثْقالِها، وهَذا هو قَوْلُ مَن زَعَمَ أنَّ الزَّلْزَلَةَ هي الَّتِي مِن أشْراطِ السّاعَةِ. وفي سُنَنِ ابْنِ ماجَهْ حَدِيثٌ في آخِرِهِ: («تَقُولُ الأرْضُ يَوْمَ القِيامَةِ: يا رَبِّ هَذا ما اسْتَوْدَعْتَنِي)» . وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: تُحَدِّثُ بِقِيامِ السّاعَةِ إذا قالَ الإنْسانُ ما لَها، فَتُخْبِرُ أنَّ أمْرَ الدُّنْيا قَدِ انْقَضى، وأمْرَ الآخِرَةِ قَدْ أتى، فَيَكُونُ ذَلِكَ جَوابًا لَهم عِنْدَ سُؤالِهِمْ، وتُحَدِّثُ هُنا تَتَعَدّى إلى اثْنَيْنِ، والأوَّلُ مَحْذُوفٌ، أيْ تُحَدِّثُ النّاسَ، ولَيْسَتْ بِمَعْنى أعْلَمَ المَنقُولَةِ مِن عَلِمَ المُتَعَدِّيَةِ إلى اثْنَيْنِ فَتَتَعَدّى إلى ثَلاثَةٍ. ﴿بِأنَّ رَبَّكَ أوْحى لَها﴾ أيْ بِسَبَبِ إيحاءِ اللَّهِ، فالباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِتُحَدِّثُ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ بِتَحْدِيثٍ أنَّ رَبَّكَ أوْحى لَها أخْبارَها عَلى أنَّ تَحْدِيثَها بِأنَّ رَبَّكَ أوْحى لَها تَحْدِيثَ أخْبارِها، كَما تَقُولُ: نَصَحْتَنِي كُلَّ نَصِيحَةٍ بِأنْ نَصَحْتَنِي في الدِّينِ. انْتَهى. وهو كَلامٌ فِيهِ عَفَشٌ يُنَزَّهُ القُرْآنُ عَنْهُ. وقالَ أيْضًا: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿بِأنَّ رَبَّكَ﴾ بَدَلًا مِن ﴿أخْبارَها﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ بِأخْبارِها بِأنَّ رَبَّكَ أوْحى لَها؛ لِأنَّكَ تَقُولُ: حَدَّثْتُهُ كَذا وحَدَّثْتُهُ بِكَذا. انْتَهى. وإذا كانَ الفِعْلُ تارَةً يَتَعَدّى بِحَرْفِ جَرٍّ، وتارَةً يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ، وحَرْفُ الجَرِّ لَيْسَ بِزائِدٍ، فَلا يَجُوزُ في تابِعِهِ إلّا المُوافَقَةُ في الإعْرابِ، فَلا يَجُوزُ اسْتَغْفَرْتُ الذَّنْبَ العَظِيمِ، بِنَصْبِ الذَّنْبِ وجَرِّ العَظِيمِ لِجَوازِ أنَّكَ تَقُولُ مِنَ الذَّنْبِ، ولا اخْتَرْتُ زَيْدًا الرِّجالَ الكِرامِ، بِنَصْبِ الرِّجالِ وخَفْضِ الكِرامِ، وكَذَلِكَ لا يَجُوزُ أنْ تَقُولَ: اسْتَغْفَرْتُ مِنَ الذَّنْبِ العَظِيمَ، بِجَرِّ الذَّنْبِ ونَصْبِ العَظِيمِ، وكَذَلِكَ في اخْتَرْتُ، فَلَوْ كانَ حَرْفُ الجَرِّ زائِدًا جازَ الإتِّباعُ عَلى مَوْضِعِ الِاسْمِ بِشُرُوطِهِ المُحَرَّرَةِ في عِلْمِ النَّحْوِ، تَقُولُ: ما رَأيْتُ مِن رَجُلٍ عاقِلًا، لِأنَّ مِن زائِدَةٌ، ومِن رَجُلٍ عاقِلٍ عَلى اللَّفْظِ، ولا يَجُوزُ نَصْبُ رَجُلٍ وجَرُّ عاقِلٍ عَلى مُراعاةِ جَوازِ دُخُولِ مِن، وإنْ ورَدَ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ فَبابُهُ الشِّعْرُ، وعَدّى أوْحى بِاللّامِ لا بِإلى، وإنْ كانَ المَشْهُورُ تَعْدِيَتَها بِإلى لِمُراعاةِ الفَواصِلِ، قالَ العَجّاجُ يَصِفُ الأرْضَ: ؎أوْحى لَها القَرارَ فاسْتَقَرَّتْ ∗∗∗ وشَدَّها بِالرّاسِياتِ الثُّبَّتِ فَعَدّاها بِاللّامِ، وقِيلَ: المُوحى إلَيْهِ مَحْذُوفٌ أيْ أوْحى إلى مَلائِكَتِهِ المُصَرِّفِينَ أنْ تَفْعَلَ في الأرْضِ تِلْكَ الأفْعالَ، واللّامُ في لَها لِلسَّبَبِ، أيْ مِن أجْلِها ومِن حَيْثُ الأفْعالُ فِيها، وإذا كانَ الإيحاءُ إلَيْها، احْتَمَلَ أنْ يَكُونَ وحْيَ إلْهامٍ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ بِرَسُولٍ مِنَ المَلائِكَةِ ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النّاسُ﴾ انْتَصَبَ يَوْمَئِذٍ بَيَصْدُرُ، والصَّدْرُ يَكُونُ عَنْ وِرْدٍ. وقالَ الجُمْهُورُ: هو كَوْنُهم في الأرْضِ مَدْفُونِينَ، والصَّدْرُ قِيامُهم لِلْبَعْثِ، و(أشْتاتًا) جَمْعُ شَتٍّ، أيْ فِرَقًا، مُؤْمِنٌ وكافِرٌ وعاصٍ سائِرُونَ إلى العَرْضِ، ﴿لِيُرَوْا أعْمالَهُمْ﴾ وقالَ النَّقّاشُ: الصَّدْرُ قَوْمٌ إلى الجَنَّةِ وقَوْمٌ إلى النّارِ، ووِرْدُهم هو وِرْدُ المَحْشَرِ، فَعَلى الأوَّلِ المَعْنى: لِيُرى عَمَلَهُ ويَقِفَ عَلَيْهِ، وعَلى قَوْلِ النَّقّاشِ: لِيُرى جَزاءَ عَمَلِهِ وهو الجَنَّةُ والنّارُ، والظّاهِرُ تَعَلُّقُ (لِيُرَوْا) بِقَوْلِهِ (يَصْدُرُ) وقِيلَ: بِأوْحى لَها وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أشْتاتًا: مُتَفَرِّقِينَ عَلى قَدْرِ أعْمالِهِمْ، أهْلُ الإيمانِ عَلى حِدَةٍ، وأهْلُ كُلِّ دِينٍ عَلى حِدَةٍ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أشْتاتًا بِيضَ الوُجُوهِ آمِنِينَ، وسُودَ الوُجُوهِ فَزِعِينَ. انْتَهى. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أشْتاتًا، أيْ كُلُّ واحِدٍ وحْدَهُ، لا ناصِرَ لَهُ ولا عاضِدَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى﴾ [الأنعام: ٩٤] . وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿لِيُرَوْا﴾ بِضَمِّ الياءِ، والحَسَنُ، والأعْرَجُ، وقَتادَةُ، وحَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ (p-٥٠٢)والزُّهْرِيُّ وأبُو حَيْوَةَ وعِيسى ونافِعٌ في رِوايَةٍ: بِفَتْحِها، والظّاهِرُ تَخْصِيصُ العامِلِ، أيْ ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا﴾ مِنَ السُّعَداءِ؛ لِأنَّ الكافِرَ لا يَرى خَيْرًا في الآخِرَةِ؛ لِأنَّ خَيْرَهُ قَدْ عُجِّلَ لَهُ في دُنْياهُ، والمُؤْمِنُ تُعَجَّلُ لَهُ سَيِّئاتُهُ الصَّغائِرُ في دُنْياهُ في المَصائِبِ والأمْراضِ ونَحْوِها، وما عَمِلَ مِن شَرٍّ أوْ خَيْرٍ رَآهُ، ونَبَّهَ بِقَوْلِهِ: ﴿مِثْقالَ ذَرَّةٍ﴾ عَلى أنَّ ما فَوْقَ الذَّرَّةِ يَراهُ قَلِيلًا كانَ أوْ كَثِيرًا، وهَذا يُسَمّى مَفْهُومُ الخِطابِ، وهو أنْ يَكُونَ المَذْكُورُ والمَسْكُوتُ عَنْهُ في حُكْمٍ واحِدٍ، بَلْ يَكُونُ المَسْكُوتُ عَنْهُ بِالأوْلى في ذَلِكَ الحُكْمِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣] . والظّاهِرُ انْتِصابُ (خَيْرًا)، (وشَرًّا) عَلى التَّمْيِيزِ، لِأنَّ مِثْقالَ ذَرَّةِ مِقْدارٌ، وقِيلَ: بَدَلٌ مِن مِثْقالٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِفَتْحِ الياءِ فِيهِما، أيْ يَرى جَزاءَهُ مِن ثَوابٍ وعِقابٍ، وقَرَأ الحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ، وابْنُ عَبّاسٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُسْلِمٍ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، والكَلْبِيُّ، وأبُو حَيْوَةَ، وخُلَيْدُ بْنُ نَشِيطٍ، وأبانٌ عَنْ عاصِمٍ، والكِسائِيُّ في رِوايَةِ حُمَيْدِ بْنِ الرَّبِيعِ عَنْهُ: بِضَمِّها، وهِشامٌ، وأبُو بَكْرٍ: بِسُكُونِ الهاءِ فِيهِما، وأبُو عَمْرٍو: بِضَمِّهِما مُشْبَعَتَيْنِ، وباقِي السَّبْعَةِ: بِإشْباعِ الأُولى وسُكُونِ الثّانِيَةِ، والإسْكانُ في الوَصْلِ لُغَةٌ حَكاها الأخْفَشُ ولَمْ يَحْكِها سِيبَوَيْهِ، وحَكاها الكِسائِيُّ أيْضًا عَنْ بَنِي كِلابٍ، وبَنِي عَقِيلٍ، وهَذِهِ الرُّؤْيَةُ رُؤْيَةُ بَصَرٍ، وقالَ النَّقّاشُ: لَيْسَتْ بِرُؤْيَةِ بَصَرٍ، وإنَّما المَعْنى يُصِيبُهُ ويَنالُهُ، وقَرَأ عِكْرِمَةُ: يَراهُ بِالألِفِ فِيهِما، وذَلِكَ عَلى لُغَةِ مَن يَرى الجَزْمَ بِحَذْفِ الحَرَكَةِ المُقَدَّرَةِ في حُرُوفِ العِلَّةِ، حَكاها الأخْفَشُ، أوَ عَلى تَوَهُّمِ أنَّ مَن مَوْصُولَةٌ لا شَرْطِيَّةٌ، كَما قِيلَ في (إنَّهُ مَن يَتَّقِي ويَصْبِرْ) في قِراءَةِ مَن أثْبَتَ ياءَ (يَتَّقِي) وجَزَمَ (يَصْبِرْ)، تَوَهَّمَ أنَّ مَن شَرْطِيَّةٌ لا مَوْصُولَةٌ، فَجَزَمَ ﴿ويَصْبِرْ﴾ [يوسف: ٩٠] عَطْفًا عَلى التَّوَهُّمِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

الزلزلة 99:8

سُورَةُ الزِّلْزالِ مَدَنِيَّةٌ وهي ثَمانِي آياتٍ ﷽ ﴿إذا زُلْزِلَتِ الأرْضُ زِلْزالَها﴾ ﴿وأخْرَجَتِ الأرْضُ أثْقالَها﴾ ﴿وقالَ الإنْسانُ ما لَها﴾ ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أخْبارَها﴾ ﴿بِأنَّ رَبَّكَ أوْحى لَها﴾ ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النّاسُ أشْتاتًا لِيُرَوْا أعْمالَهُمْ﴾ ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ ﴿ومَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ الذَّرَّةُ: النَّمْلَةُ صَغِيرَةٌ حَمْراءُ رَقِيقَةٌ، ويُقالُ: إنَّها أصْغَرُ ما تَكُونُ إذا مَضى لَها حَوْلٌ، وقالَ امْرُؤُ القَيْسِ: ؎ومِنَ القاصِراتِ الطَّرْفِ لَوْ دَبَّ مُحْوِلٌ مِنَ الذَّرِّ فَوْقَ الإتْبِ مِنها لَأثَّرا وقِيلَ: الذَّرُّ: ما يُرى في شُعاعِ الشَّمْسِ مِنَ الهَباءِ. (p-٥٠٠)﴿إذا زُلْزِلَتِ الأرْضُ زِلْزالَها﴾ ﴿وأخْرَجَتِ الأرْضُ أثْقالَها﴾ ﴿وقالَ الإنْسانُ ما لَها﴾ ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أخْبارَها﴾ ﴿بِأنَّ رَبَّكَ أوْحى لَها﴾ ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النّاسُ أشْتاتًا لِيُرَوْا أعْمالَهُمْ﴾ ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ ﴿ومَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وعَطاءٍ، مَدَنِيَّةٌ في قَوْلِ قَتادَةَ ومُقاتِلٍ، لِأنَّ آخِرَها نَزَلَ بِسَبَبِ رَجُلَيْنِ كانا بِالمَدِينَةِ، ولَمّا ذَكَرَ فِيما قَبْلَها كَوْنَ الكُفّارِ يَكُونُونَ في النّارِ، وجَزاءَ المُؤْمِنِينَ، فَكَأنَّ قائِلًا قالَ: مَتى ذَلِكَ ؟ فَقالَ: ﴿إذا زُلْزِلَتِ الأرْضُ زِلْزالَها﴾ . قِيلَ: والعامِلُ فِيها مُضْمَرٌ، يَدُلُّ عَلَيْهِ مَضْمُونُ الجُمَلِ الآتِيَةِ تَقْدِيرُهُ: تُحْشَرُونَ، وقِيلَ: اذْكُرْ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: تَحَدَّثْ. انْتَهى. وأُضِيفَ الزِّلْزالُ إلى الأرْضِ، إذِ المَعْنى: زِلْزالَها الَّذِي تَسْتَحِقُّهُ ويَقْتَضِيهِ جِرْمُها وعِظَمُها، ولَوْ لَمْ يُضَفْ لَصَدَقَ عَلى كُلِّ قَدْرٍ مِنَ الزِّلْزالِ وإنْ قَلَّ، والفَرْقُ بَيْنَ أكْرَمْتُ زَيْدًا كَرامَةً وكَرامَتَهُ واضِحٌ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (زِلْزالَها) بِكَسْرِ الزّايِ، والجَحْدَرِيُّ وعِيسى: بِفَتْحِها، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهو مَصْدَرٌ كالوَسْواسِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: المَكْسُورُ مَصْدَرٌ، والمَفْتُوحُ اسْمٌ، ولَيْسَ في الأبْنِيَةِ فَعْلالٌ بِالفَتْحِ إلّا في المُضاعَفِ. انْتَهى. أمّا قَوْلُهُ: والمَفْتُوحُ اسْمٌ، فَجَعَلَهُ غَيْرُهُ مَصْدَرًا جاءَ عَلى فَعْلالٍ بِالفَتْحِ، ثُمَّ قِيلَ: قَدْ يَجِيءُ بِمَعْنى اسْمِ الفاعِلِ، فَتَقُولُ: فَضْفاضٌ في مَعْنى مُفَضْفَضٍ، وصَلْصالٌ: في مَعْنى مُصَلْصَلٍ، وأمّا قَوْلُهُ: ولَيْسَ في الأبْنِيَةِ. . . إلَخْ، فَقَدْ وُجِدَ فِيها فَعْلالٌ بِالفَتْحِ مِن غَيْرِ المُضاعَفِ، قالُوا: ناقَةٌ بِها خَزْعانٌ بِفَتْحِ الخاءِ ولَيْسَ بِمُضاعَفٍ. ﴿وأخْرَجَتِ الأرْضُ أثْقالَها﴾ جَعَلَ ما في بَطْنِها أثْقالًا، وقالَ النَّقّاشُ والزَّجّاجُ والقاضِي مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ: أثْقالُها: كُنُوزُها ومَوْتاها، ورُدَّ بِأنَّ الكُنُوزَ إنَّما تَخْرُجُ وقْتَ الدَّجّالِ، لا يَوْمَ القِيامَةِ، وقائِلُ ذَلِكَ يَقُولُ: هو الزِّلْزالُ يَكُونُ في الدُّنْيا، وهو مِن أشْراطِ السّاعَةِ، وزِلْزالُ يَوْمِ القِيامَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرّاجِفَةُ﴾ [النازعات: ٦] ﴿تَتْبَعُها الرّادِفَةُ﴾ [النازعات: ٧] فَلا يُرَدُّ عَلَيْهِ بِذَلِكَ، إذْ قَدْ أخَذَ الزِّلْزالَ عامًّا بِاعْتِبارِ وقْتَيْهِ، فَفي الأوَّلِ أخْرَجَتْ كُنُوزَها، وفي الثّانِي أخْرَجَتْ مَوْتاها، وصَدَّقَتْ أنَّها زُلْزِلَتْ زِلْزالَها وأخْرَجَتْ أثْقالَها، وقِيلَ أثْقالُها كُنُوزُها ومِنهُ قَوْلُهُ: تُلْقِي الأرْضُ أفْلاذَ كَبِدِها أمْثالَ الأُسْطُوانِ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَوْتاها، وهو إشارَةٌ إلى البَعْثِ وذَلِكَ عِنْدَ النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ، فَهو زِلْزالُ يَوْمِ القِيامَةِ، لا الزِّلْزالُ الَّذِي هو مِنَ الأشْراطِ. ﴿وقالَ الإنْسانُ ما لَها﴾ يَعْنِي مَعْنى التَّعَجُّبِ لِما يَرى مِنَ الهَوْلِ، والظّاهِرُ عُمُومُ الإنْسانِ، وقِيلَ: ذَلِكَ الكافِرُ لِأنَّهُ يَرى ما لَمْ يَقَعْ في ظَنِّهِ قَطُّ ولا صَدَّقَهُ، والمُؤْمِنُ، وإنْ كانَ مُؤْمِنًا بِالبَعْثِ، فَإنَّهُ اسْتَهْوَلَ المَرْأى، وفي الحَدِيثِ: (لَيْسَ الخَبَرُ كالعِيانِ) . قالَ الجُمْهُورُ: الإنْسانُ هو الكافِرُ يَرى ما لَمْ يَظُنَّ (يَوْمَئِذٍ) أيْ يَوْمَ إذْ زُلْزِلَتْ وأخْرَجَتْ تُحَدِّثُ، ويَوْمَئِذٍ بَدَلٌ مِن (إذا)، فَيَعْمَلُ فِيهِ لَفْظُ العامِلِ في المُبْدَلِ مِنهُ، أوِ المُكَرَّرِ عَلى الخِلافِ في العامِلِ في البَدَلِ ﴿تُحَدِّثُ أخْبارَها﴾ الظّاهِرُ أنَّهُ تَحْدِيثٌ وكَلامٌ حَقِيقَةً بِأنْ يَخْلُقَ فِيها حَياةً وإدْراكًا، فَتَشْهَدُ بِما عُمِلَ عَلَيْها مِن صالِحٍ أوْ فاسِدٍ، وهو قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ والثَّوْرِيِّ وغَيْرِهِما. ويَشْهَدُ لَهُ ما جاءَ في الحَدِيثِ: (بِأنَّهُ لا يَسْمَعُ مَدى صَوْتِ المُؤَذِّنِ جِنٌّ ولا إنْسٌ ولا شَجَرٌ إلّا شَهِدَ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ) وما جاءَ في التِّرْمِذِيِّ «عَنْهُ ﷺ، أنَّهُ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ ثُمَّ قالَ: (أتَدْرُونَ ما أخْبارُها ؟ قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، فَقالَ: إنَّ أخْبارَها أنْ تَشْهَدَ عَلى كُلِّ عَبْدٍ أوْ أمَةٍ بِما عَمِلَ عَلى ظَهْرِها، تَقُولُ (p-٥٠١)عَمِلَ كَذا يَوْمَ كَذا وكَذا، قالَ: فَهَذِهِ أخْبارُها») . هَذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ. قالَ الطَّبَرِيُّ وقَوْمٌ: التَّحْدِيثُ مَجازٌ عَنْ إحْداثِ اللَّهِ تَعالى فِيها الأحْوالَ ما يَقُومُ مَقامَ التَّحْدِيثِ بِاللِّسانِ، حَتّى يَنْظُرَ مَن يَقُولُ ما لَها إلى تِلْكَ الأحْوالِ، فَيَعْلَمُ لِمَ زُلْزِلَتْ، ولِمَ لَفَظَتِ الأمْواتَ، وأنَّ هَذا ما كانَتِ الأنْبِياءُ يُنادُونَ بِهِ ويُحَدِّثُونَ عَنْهُ، وقالَ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ: تُحَدِّثُ بِما أخْرَجَتْ مِن أثْقالِها، وهَذا هو قَوْلُ مَن زَعَمَ أنَّ الزَّلْزَلَةَ هي الَّتِي مِن أشْراطِ السّاعَةِ. وفي سُنَنِ ابْنِ ماجَهْ حَدِيثٌ في آخِرِهِ: («تَقُولُ الأرْضُ يَوْمَ القِيامَةِ: يا رَبِّ هَذا ما اسْتَوْدَعْتَنِي)» . وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: تُحَدِّثُ بِقِيامِ السّاعَةِ إذا قالَ الإنْسانُ ما لَها، فَتُخْبِرُ أنَّ أمْرَ الدُّنْيا قَدِ انْقَضى، وأمْرَ الآخِرَةِ قَدْ أتى، فَيَكُونُ ذَلِكَ جَوابًا لَهم عِنْدَ سُؤالِهِمْ، وتُحَدِّثُ هُنا تَتَعَدّى إلى اثْنَيْنِ، والأوَّلُ مَحْذُوفٌ، أيْ تُحَدِّثُ النّاسَ، ولَيْسَتْ بِمَعْنى أعْلَمَ المَنقُولَةِ مِن عَلِمَ المُتَعَدِّيَةِ إلى اثْنَيْنِ فَتَتَعَدّى إلى ثَلاثَةٍ. ﴿بِأنَّ رَبَّكَ أوْحى لَها﴾ أيْ بِسَبَبِ إيحاءِ اللَّهِ، فالباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِتُحَدِّثُ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ بِتَحْدِيثٍ أنَّ رَبَّكَ أوْحى لَها أخْبارَها عَلى أنَّ تَحْدِيثَها بِأنَّ رَبَّكَ أوْحى لَها تَحْدِيثَ أخْبارِها، كَما تَقُولُ: نَصَحْتَنِي كُلَّ نَصِيحَةٍ بِأنْ نَصَحْتَنِي في الدِّينِ. انْتَهى. وهو كَلامٌ فِيهِ عَفَشٌ يُنَزَّهُ القُرْآنُ عَنْهُ. وقالَ أيْضًا: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿بِأنَّ رَبَّكَ﴾ بَدَلًا مِن ﴿أخْبارَها﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ بِأخْبارِها بِأنَّ رَبَّكَ أوْحى لَها؛ لِأنَّكَ تَقُولُ: حَدَّثْتُهُ كَذا وحَدَّثْتُهُ بِكَذا. انْتَهى. وإذا كانَ الفِعْلُ تارَةً يَتَعَدّى بِحَرْفِ جَرٍّ، وتارَةً يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ، وحَرْفُ الجَرِّ لَيْسَ بِزائِدٍ، فَلا يَجُوزُ في تابِعِهِ إلّا المُوافَقَةُ في الإعْرابِ، فَلا يَجُوزُ اسْتَغْفَرْتُ الذَّنْبَ العَظِيمِ، بِنَصْبِ الذَّنْبِ وجَرِّ العَظِيمِ لِجَوازِ أنَّكَ تَقُولُ مِنَ الذَّنْبِ، ولا اخْتَرْتُ زَيْدًا الرِّجالَ الكِرامِ، بِنَصْبِ الرِّجالِ وخَفْضِ الكِرامِ، وكَذَلِكَ لا يَجُوزُ أنْ تَقُولَ: اسْتَغْفَرْتُ مِنَ الذَّنْبِ العَظِيمَ، بِجَرِّ الذَّنْبِ ونَصْبِ العَظِيمِ، وكَذَلِكَ في اخْتَرْتُ، فَلَوْ كانَ حَرْفُ الجَرِّ زائِدًا جازَ الإتِّباعُ عَلى مَوْضِعِ الِاسْمِ بِشُرُوطِهِ المُحَرَّرَةِ في عِلْمِ النَّحْوِ، تَقُولُ: ما رَأيْتُ مِن رَجُلٍ عاقِلًا، لِأنَّ مِن زائِدَةٌ، ومِن رَجُلٍ عاقِلٍ عَلى اللَّفْظِ، ولا يَجُوزُ نَصْبُ رَجُلٍ وجَرُّ عاقِلٍ عَلى مُراعاةِ جَوازِ دُخُولِ مِن، وإنْ ورَدَ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ فَبابُهُ الشِّعْرُ، وعَدّى أوْحى بِاللّامِ لا بِإلى، وإنْ كانَ المَشْهُورُ تَعْدِيَتَها بِإلى لِمُراعاةِ الفَواصِلِ، قالَ العَجّاجُ يَصِفُ الأرْضَ: ؎أوْحى لَها القَرارَ فاسْتَقَرَّتْ ∗∗∗ وشَدَّها بِالرّاسِياتِ الثُّبَّتِ فَعَدّاها بِاللّامِ، وقِيلَ: المُوحى إلَيْهِ مَحْذُوفٌ أيْ أوْحى إلى مَلائِكَتِهِ المُصَرِّفِينَ أنْ تَفْعَلَ في الأرْضِ تِلْكَ الأفْعالَ، واللّامُ في لَها لِلسَّبَبِ، أيْ مِن أجْلِها ومِن حَيْثُ الأفْعالُ فِيها، وإذا كانَ الإيحاءُ إلَيْها، احْتَمَلَ أنْ يَكُونَ وحْيَ إلْهامٍ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ بِرَسُولٍ مِنَ المَلائِكَةِ ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النّاسُ﴾ انْتَصَبَ يَوْمَئِذٍ بَيَصْدُرُ، والصَّدْرُ يَكُونُ عَنْ وِرْدٍ. وقالَ الجُمْهُورُ: هو كَوْنُهم في الأرْضِ مَدْفُونِينَ، والصَّدْرُ قِيامُهم لِلْبَعْثِ، و(أشْتاتًا) جَمْعُ شَتٍّ، أيْ فِرَقًا، مُؤْمِنٌ وكافِرٌ وعاصٍ سائِرُونَ إلى العَرْضِ، ﴿لِيُرَوْا أعْمالَهُمْ﴾ وقالَ النَّقّاشُ: الصَّدْرُ قَوْمٌ إلى الجَنَّةِ وقَوْمٌ إلى النّارِ، ووِرْدُهم هو وِرْدُ المَحْشَرِ، فَعَلى الأوَّلِ المَعْنى: لِيُرى عَمَلَهُ ويَقِفَ عَلَيْهِ، وعَلى قَوْلِ النَّقّاشِ: لِيُرى جَزاءَ عَمَلِهِ وهو الجَنَّةُ والنّارُ، والظّاهِرُ تَعَلُّقُ (لِيُرَوْا) بِقَوْلِهِ (يَصْدُرُ) وقِيلَ: بِأوْحى لَها وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أشْتاتًا: مُتَفَرِّقِينَ عَلى قَدْرِ أعْمالِهِمْ، أهْلُ الإيمانِ عَلى حِدَةٍ، وأهْلُ كُلِّ دِينٍ عَلى حِدَةٍ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أشْتاتًا بِيضَ الوُجُوهِ آمِنِينَ، وسُودَ الوُجُوهِ فَزِعِينَ. انْتَهى. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أشْتاتًا، أيْ كُلُّ واحِدٍ وحْدَهُ، لا ناصِرَ لَهُ ولا عاضِدَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى﴾ [الأنعام: ٩٤] . وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿لِيُرَوْا﴾ بِضَمِّ الياءِ، والحَسَنُ، والأعْرَجُ، وقَتادَةُ، وحَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ (p-٥٠٢)والزُّهْرِيُّ وأبُو حَيْوَةَ وعِيسى ونافِعٌ في رِوايَةٍ: بِفَتْحِها، والظّاهِرُ تَخْصِيصُ العامِلِ، أيْ ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا﴾ مِنَ السُّعَداءِ؛ لِأنَّ الكافِرَ لا يَرى خَيْرًا في الآخِرَةِ؛ لِأنَّ خَيْرَهُ قَدْ عُجِّلَ لَهُ في دُنْياهُ، والمُؤْمِنُ تُعَجَّلُ لَهُ سَيِّئاتُهُ الصَّغائِرُ في دُنْياهُ في المَصائِبِ والأمْراضِ ونَحْوِها، وما عَمِلَ مِن شَرٍّ أوْ خَيْرٍ رَآهُ، ونَبَّهَ بِقَوْلِهِ: ﴿مِثْقالَ ذَرَّةٍ﴾ عَلى أنَّ ما فَوْقَ الذَّرَّةِ يَراهُ قَلِيلًا كانَ أوْ كَثِيرًا، وهَذا يُسَمّى مَفْهُومُ الخِطابِ، وهو أنْ يَكُونَ المَذْكُورُ والمَسْكُوتُ عَنْهُ في حُكْمٍ واحِدٍ، بَلْ يَكُونُ المَسْكُوتُ عَنْهُ بِالأوْلى في ذَلِكَ الحُكْمِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣] . والظّاهِرُ انْتِصابُ (خَيْرًا)، (وشَرًّا) عَلى التَّمْيِيزِ، لِأنَّ مِثْقالَ ذَرَّةِ مِقْدارٌ، وقِيلَ: بَدَلٌ مِن مِثْقالٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِفَتْحِ الياءِ فِيهِما، أيْ يَرى جَزاءَهُ مِن ثَوابٍ وعِقابٍ، وقَرَأ الحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ، وابْنُ عَبّاسٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُسْلِمٍ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، والكَلْبِيُّ، وأبُو حَيْوَةَ، وخُلَيْدُ بْنُ نَشِيطٍ، وأبانٌ عَنْ عاصِمٍ، والكِسائِيُّ في رِوايَةِ حُمَيْدِ بْنِ الرَّبِيعِ عَنْهُ: بِضَمِّها، وهِشامٌ، وأبُو بَكْرٍ: بِسُكُونِ الهاءِ فِيهِما، وأبُو عَمْرٍو: بِضَمِّهِما مُشْبَعَتَيْنِ، وباقِي السَّبْعَةِ: بِإشْباعِ الأُولى وسُكُونِ الثّانِيَةِ، والإسْكانُ في الوَصْلِ لُغَةٌ حَكاها الأخْفَشُ ولَمْ يَحْكِها سِيبَوَيْهِ، وحَكاها الكِسائِيُّ أيْضًا عَنْ بَنِي كِلابٍ، وبَنِي عَقِيلٍ، وهَذِهِ الرُّؤْيَةُ رُؤْيَةُ بَصَرٍ، وقالَ النَّقّاشُ: لَيْسَتْ بِرُؤْيَةِ بَصَرٍ، وإنَّما المَعْنى يُصِيبُهُ ويَنالُهُ، وقَرَأ عِكْرِمَةُ: يَراهُ بِالألِفِ فِيهِما، وذَلِكَ عَلى لُغَةِ مَن يَرى الجَزْمَ بِحَذْفِ الحَرَكَةِ المُقَدَّرَةِ في حُرُوفِ العِلَّةِ، حَكاها الأخْفَشُ، أوَ عَلى تَوَهُّمِ أنَّ مَن مَوْصُولَةٌ لا شَرْطِيَّةٌ، كَما قِيلَ في (إنَّهُ مَن يَتَّقِي ويَصْبِرْ) في قِراءَةِ مَن أثْبَتَ ياءَ (يَتَّقِي) وجَزَمَ (يَصْبِرْ)، تَوَهَّمَ أنَّ مَن شَرْطِيَّةٌ لا مَوْصُولَةٌ، فَجَزَمَ ﴿ويَصْبِرْ﴾ [يوسف: ٩٠] عَطْفًا عَلى التَّوَهُّمِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

العاديات 100:1

سُورَةُ العادِياتِ مَدَنِيَّةٌ، وهي إحْدى عَشْرَةَ آيَةً. ﷽ ﴿والعادِياتِ ضَبْحًا﴾ ﴿فالمُورِياتِ قَدْحًا﴾ ﴿فالمُغِيراتِ صُبْحًا﴾ ﴿فَأثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾ ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾ ﴿إنَّ الإنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ ﴿وإنَّهُ عَلى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ ﴿وإنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ ﴿أفَلا يَعْلَمُ إذا بُعْثِرَ ما في القُبُورِ﴾ ﴿وحُصِّلَ ما في الصُّدُورِ﴾ ﴿إنَّ رَبَّهم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ العادِيّاتُ: الجارِياتُ بِسُرْعَةٍ، وهو وصْفٌ، ويَأْتِي في التَّفْسِيرِ الخِلافُ في المَوْصُوفِ، الضَّبْحُ: تَصْوِيتٌ جَهِيرٌ عِنْدَ العَدْوِ الشَّدِيدِ، لَيْسَ بِصَهِيلٍ ولا رُغاءٍ ولا نُباحٍ، بَلْ هو غَيْرُ المُعْتادِ مِن صَوْتِ الحَيَوانِ الَّذِي يَضْبَحُ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: لَيْسَ يَضْبَحُ مِنَ الحَيَوانِ غَيْرَ الخَيْلِ والكِلابِ، قِيلَ: ولا يَصِحُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، لِأنَّ الإبِلَ تَضْبَحُ، والأسْوَدَ مِنَ الحَيّاتِ والبُومَ والصَّدى والأرْنَبَ والثَّعْلَبَ والقَوْسَ، كَما اسْتَعْمَلَتِ العَرَبُ لَها الضَّبْحَ، أنْشَدَ أبُو حَنِيفَةَ في صِفَةِ قَوْسٍ: ؎حَنّانَةٌ مِن نَشَمٍ أوْ تَألُّبٍ تَضْبَحُ في الكَفِّ ضِباحِ الثَّعْلَبِ وقالَ أهْلُ اللُّغَةِ: أصْلُهُ لِلثَّعْلَبِ، فاسْتُعِيرَ لِلْخَيْلِ، وهو مِن ضَبَحَتْهُ النّارُ: غَيَّرَتْ لَوْنَهُ ولَمْ تُبالِغْ فِيهِ، وانْضَبَحَ لَوْنُهُ: تَغَيَّرَ إلى السَّوادِ قَلِيلًا، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الضَّبْحُ والضَّبْعُ بِمَعْنى العَدْوِ الشَّدِيدِ، وكَذا قالَ المُبَرِّدُ: الضَّبْحُ مِن إضْباعِها في السَّيْرِ. القَدْحُ: الصَّكُّ، وقِيلَ: الِاسْتِخْراجُ، ومِنهُ قَدَحْتُ العَيْنَ: أخْرَجْتَ مِنها الفاسِدَ، والقَدّاحُ والقَدّاحَةُ والمِقْدَحَةُ: ما تُورى بِهِ النّارُ. أغارَ عَلى العَدُوِّ: قَصَدَهُ لِنَهْبٍ أوْ قَتْلٍ أوْ أسْرٍ. النَّقْعُ: الغُبارُ، قالَ الشّاعِرُ:(p-٥٠٣) ؎يَخْرُجْنَ مِن مُسْتَطارِ النَّقْعِ دامِيَةً ∗∗∗ كَأنَّ آذانَها أطْراقُ أقْلامِ وقالَ ابْنُ رَواحَةَ: ؎عَدِمْتُ بُنَيَّتِي إنْ لَمْ تَرَوْها ∗∗∗ تُثِيرُ النَّقْعَ مِن كَنَفَيْ كُداءِ وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: النَّقْعُ: رَفْعُ الصَّوْتِ، ومِنهُ قَوْلُ لَبِيدٍ: ؎فَمَتى يَنْقَعْ صُراخٌ صادِقٌ ∗∗∗ تَحْلِبُوها ذاتَ جَرْسٍ وزَجَلِ الكَنُودُ: الكَفُورُ لِلنِّعْمَةِ، قالَ الشّاعِرُ: ؎كَنُودٌ لِنَعْماءِ الرِّجالِ ومَن يَكُنْ ∗∗∗ كَنُودًا لِنَعْماءِ الرِّجالِ يَبْعُدُ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: الكَنُودُ، بِلِسانِ كِنْدَةَ وحَضْرَمَوْتَ: العاصِي، وبِلِسانِ رَبِيعَةَ ومُضَرَ: الكَفُورُ، وبِلِسانِ كِنانَةَ: البَخِيلُ السَّيِّئُ المَلَكَةِ، وقالَهُ مُقاتِلٌ، وقالَ الكَلْبِيُّ مِثْلَهُ إلّا أنَّهُ قالَ: وبِلِسانِ بَنِي مالِكٍ: البَخِيلُ، ولَمْ يَذْكُرْ حَضْرَمَوْتَ، ويُقالُ: كَنَدَ النِّعْمَةَ كُنُودًا، وقالَ أبُو زُبَيْدٍ في البَخِيلِ: ؎إنْ تَفُتْنِي فَلَمْ أطِبْ عَنْكَ نَفْسًا ∗∗∗ غَيْرَ أنِّي أُمْنى بِدَهْرٍ كَنُودِ حَصَّلَ الشَّيْءَ: جَمَعَهُ، وقِيلَ: مَيَّزَهُ مِن غَيْرِهِ، ومِنهُ قِيلَ لِلْمُنْخُلِ: المِحْصَلُ، وحَصَلَ الشَّيْءُ: ظَهَرَ واسْتَبانَ. ﴿والعادِياتِ ضَبْحًا﴾ ﴿فالمُورِياتِ قَدْحًا﴾ ﴿فالمُغِيراتِ صُبْحًا﴾ ﴿فَأثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾ ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾ ﴿إنَّ الإنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ ﴿وإنَّهُ عَلى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ ﴿وإنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ ﴿أفَلا يَعْلَمُ إذا بُعْثِرَ ما في القُبُورِ﴾ ﴿وحُصِّلَ ما في الصُّدُورِ﴾ ﴿إنَّ رَبَّهم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وجابِرٍ، والحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ، وعَطاءٍ، مَدَنِيَّةٌ في قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ، وأنَسٍ، وقَتادَةَ لِما ذَكَرَ فِيما قَبْلَها ما يَقْتَضِي تَهْدِيدًا ووَعِيدًا بِيَوْمِ القِيامَةِ، بِتَعْنِيفٍ لِمَن لا يَسْتَعِدُّ لِذَلِكَ اليَوْمِ، ومَن آثَرَ أمْرَ دُنْياهُ عَلى أمْرِ آخِرَتِهِ. والجُمْهُورُ مِن أهْلِ التَّفْسِيرِ واللُّغَةِ عَلى أنَّ العادِياتِ هُنا الخَيْلُ، تَعْدُو في سَبِيلِ اللَّهِ وتَضْبَحُ حالَةَ عَدْوِها، وقالَ عَنْتَرَةُ: ؎والخَيْلُ تَكْدَحُ حِينَ تَضْبَحُ ∗∗∗ في حِياضِ المَوْتِ ضَبْحا وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ، وعَلِيٌّ، وإبْراهِيمُ، والسُّدِّيُّ، ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: العادِياتُ: الإبِلُ، أقْسَمَ بِها حِينَ تَعْدُو مِن عَرَفَةَ ومِنَ المُزْدَلِفَةِ إذا دَفَعَ الحاجُّ، وبِأهْلِ غَزْوَةِ بَدْرٍ لَمْ يَكُنْ فِيها غَيْرُ فَرَسَيْنِ فَرَسٍ لِلزُّبَيْرِ وفَرَسٍ لِلْمِقْدادِ، وبِهَذا حَجَّ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ابْنَ عَبّاسٍ حِينَ تَمارَيا، فَرَجَعَ ابْنُ عَبّاسٍ إلى قَوْلِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وقالَتْ صَفِيَّةُ بِنْتُ عَبْدِ المُطَّلِبِ: ؎فَلا والعادِياتِ غَداةَ جَمْعٍ ∗∗∗ بِأيْدِيها إذا سَطَعَ الغُبارُ وانْتَصَبَ ﴿ضَبْحًا﴾ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ، أيْ يَضْبَحْنَ ضَبْحًا، أوْ عَلى أنَّهُ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ ضابِحاتٍ، أوْ عَلى المَصْدَرِ عَلى قَوْلِ أبِي عُبَيْدَةَ أنَّ مَعْناهُ العَدْوُ الشَّدِيدُ، فَهو مَنصُوبٌ بِالعادِياتِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ بِالعادِياتِ (p-٥٠٤)كَأنَّهُ قِيلَ: والضّابِحاتِ، لِأنَّ الضَّبْحَ يَكُونُ مَعَ العَدْوِ. انْتَهى. وإذا كانَ الضَّبْحُ مَعَ العَدْوِ، فَلا يَكُونُ مَعْنى (والعادِياتِ) مَعْنى الضّابِحاتِ، فَلا يَنْبَغِي أنْ يُفَسَّرَ بِهِ. ﴿فالمُورِياتِ قَدْحًا﴾ والإيراءُ: إخْراجُ النّارِ، أيْ تَقْدَحُ بِحَوافِرِها الحِجارَةَ فَيَتَطايَرُ مِنها النّارُ لِصَكِّ بَعْضِ الحِجارَةِ بَعْضًا، ويُقالُ: قَدَحَ فَأوْرى، وقَدَحَ فَأصْلَدَ، وتُسَمّى تِلْكَ النّارُ الَّتِي تَقْدَحُها الحَوافِرُ مِنَ الخَيْلِ أوِ الإبِلِ: نارَ الحُباحِبِ، قالَ الشّاعِرُ: ؎تَقُدُّ السَّلُوقِيَّ المُضاعَفَ نَسْجُهُ ∗∗∗ وتَوْقِدُ بِالصُّفّاحِ نارَ الحُباحِبِ وقِيلَ: ﴿فالمُورِياتِ قَدْحًا﴾ مَجازٌ، أوِ اسْتِعارَةٌ في الخَيْلِ تُشْعِلُ الحَرْبَ، قالَهُ قَتادَةُ، وقالَ تَعالى: ﴿كُلَّما أوْقَدُوا نارًا لِلْحَرْبِ أطْفَأها اللَّهُ﴾ [المائدة: ٦٤] . ويُقالُ: حَمِيَ الوَطِيسُ إذا اشْتَدَّ الحَرْبُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: المُورِياتُ: الجَماعَةُ الَّتِي تَمْكُرُ في الحَرْبِ، والعَرَبُ تَقُولُهُ إذا أرادَتِ المَكْرَ بِالرَّجُلِ: واللَّهِ لا يَكُونُ ذَلِكَ، ولَأُورِيَنَّ لَكَ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا: الَّتِي تُورِي نارَها بِاللَّيْلِ لِحاجَتِها وطَعامِها، وعَنْهُ أيْضًا: جَماعَةُ الغُزاةِ تُكْثِرُ النّارَ إرْهابًا، وقالَ عِكْرِمَةُ: ألْسِنَةُ الرِّجالِ تُورِي النّارَ مِن عَظِيمِ ما تَتَكَلَّمُ بِهِ، وتُظْهِرُ مِنَ الحُجَجِ والدَّلائِلِ، وإظْهارِ الحَقِّ وإبْطالِ الباطِلِ ﴿فالمُغِيراتِ صُبْحًا﴾ أيْ تُغِيرُ عَلى العَدُوِّ في الصُّبْحِ، ومَن قالَ هي الإبِلُ، قالَ العَرَبُ تَقُولُ: أغارَ إذا عَدا جَرْيًا، أيْ مِن مُزْدَلِفَةَ إلى مِنًى، أوْ في بَدْرٍ، وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ هَذِهِ الأوْصافَ لِذاتٍ واحِدَةٍ، لِعَطْفِها بِالفاءِ الَّتِي تَقْتَضِي التَّعْقِيبَ، والظّاهِرُ أنَّها الخَيْلُ الَّتِي يُجاهَدُ عَلَيْها العَدُوُّ مِنَ الكُفّارِ، ولا يُسْتَدَلُّ عَلى أنَّها الإبِلُ بِوَقْعَةِ بَدْرٍ، وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيها إلّا فَرَسانِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ أنَّ سَبَبَ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ هو وقْعَةُ بَدْرٍ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ لا يَكادُ يُوجَدُ أنَّ الإبِلَ جُوهِدَ عَلَيْها في سَبِيلِ اللَّهِ، بَلِ المَعْلُومُ أنَّهُ لا يُجاهَدُ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى إلّا عَلى الخَيْلِ في شَرْقِ البِلادِ وغَرْبِها. ﴿فَأثَرْنَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى اسْمِ الفاعِلِ الَّذِي هو صِلَةُ ألْ؛ لِأنَّهُ في مَعْنى الفِعْلِ، إذْ تَقْدِيرُهُ: فاللّاتِي عَدَوْنَ فَأغَرْنَ فَأثَرْنَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَعْطُوفٌ عَلى الفِعْلِ الَّذِي وُضِعَ اسْمُ الفاعِلِ مَوْضِعَهُ. انْتَهى. وتَقُولُ أصْحابُنا: هو مَعْطُوفٌ عَلى الِاسْمِ؛ لِأنَّهُ في مَعْنى الفِعْلِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فَأثَرْنَ﴾، ﴿فَوَسَطْنَ﴾ بِتَخْفِيفِ الثّاءِ والسِّينِ، وأبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِشَدِّهِما، وعَلِيٌّ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وقَتادَةُ، وابْنُ أبِي لَيْلى: بِشَدِّ السِّينِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: فَأثَرْنَ بِالتَّشْدِيدِ، بِمَعْنى: فَأظْهَرْنَ بِهِ غُبارًا؛ لِأنَّ التَّأْثِيرَ فِيهِ مَعْنى الإظْهارُ، أوْ قَلَبَ ثَوَرْنَ إلى وثُرْنَ، وقَلَبَ الواوَ هَمْزَةً، وقُرِئَ: (فَوَسَّطْنَ) بِالتَّشْدِيدِ لِلتَّعْدِيَةِ، والباءُ مَزِيدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ، كَقَوْلِهِ: (فَأْتُوا بِهِ) وهي مُبالَغَةٌ في وسَطْنَ. انْتَهى. أمّا قَوْلُهُ: أوْ قَلَبَ، فَتَمَحُّلٌ بارِدٌ، وأمّا أنَّ التَّشْدِيدَ لِلتَّعْدِيَةِ، فَقَدْ نَقَلُوا أنَّ وسَطَ مُخَفَّفًا ومُثَقَّلًا بِمَعْنًى واحِدٍ، وأنَّهُما لُغَتانِ، والضَّمِيرُ في بِهِ عائِدٌ في الأوَّلِ عَلى الصُّبْحِ، أيْ هَيَّجْنَ في ذَلِكَ الوَقْتِ غُبارًا، وفي بِهِ الثّانِي عَلى الصُّبْحِ، قِيلَ: أوْ عَلى النَّقْعِ، أيْ وسَطْنَ النَّقْعَ الجَمْعَ، فَيَكُونُ وسَطَهُ بِمَعْنى تَوَسُّطِهِ، وقالَ عَلِيٌّ وعَبْدُ اللَّهِ: ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾ أيِ الإبِلُ، و”جَمْعًا“ اسْمٌ لِلْمُزْدَلِفَةِ، ولَيْسَ بِجَمْعٍ مِنَ النّاسِ. وقالَ بِشْرُ بْنُ أبِي حازِمٍ: ؎فَوَسَطْنَ جَمْعَهم وأفْلَتَ حاجِبٌ ∗∗∗ تَحْتَ العَجاجَةِ في الغُبارِ الأقْتَمِ وقِيلَ: الضَّمِيرُ في بِهِ مَعًا يَعُودُ عَلى العَدْوِ الدّالِّ عَلَيْهِ ﴿والعادِياتِ﴾ أيْضًا. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى المَكانِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ المَعْنى، وإنْ لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ لِدَلالَةِ والعادِياتِ وما بَعْدَها عَلَيْهِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالنَّقْعِ هُنا الصِّياحُ، والظّاهِرُ أنَّ المُقْسَمَ بِهِ هو جِنْسُ العادِياتِ، ولَيْسَتْ (ألْ) فِيهِ لِلْعَهْدِ، والمُقْسَمُ عَلَيْهِ: ﴿إنَّ الإنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ وفي الحَدِيثِ: (الكَنُودُ يَأْكُلُ وحْدَهُ ويَمْنَعُ رِفْدَهُ ويَضْرِبُ عَبْدَهُ) . وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ: هو الجَحُودُ لِنِعْمَةِ اللَّهِ تَعالى، وعَنِ الحَسَنِ أيْضًا: هو اللّائِمُ لِرَبِّهِ، يَعُدُّ السَّيِّئاتِ ويَنْسى الحَسَناتِ. وقالَ الفُضَيْلُ: هو الَّذِي تُنْسِيهِ سَيِّئَةٌ واحِدَةٌ حَسَناتٍ كَثِيرَةً، ويُعامِلُ اللَّهَ عَلى عَقْدِ عِوَضٍ، وقالَ عَطاءٌ: (p-٥٠٥)هُوَ الَّذِي لا يُعْطِي في النّائِباتِ مَعَ قَوْمِهِ. وقِيلَ: البَخِيلُ، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أرْضٌ كَنُودٌ: لا تُنْبِتُ شَيْئًا، والظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ في (وإنَّهُ) عَلى ذَلِكَ ﴿لَشَهِيدٌ﴾ أيْ يَشْهَدُ عَلى كُنُودِهِ، ولا يَقْدِرُ أنْ يَجْحَدَهُ لِظُهُورِ أمْرِهِ، وقالَهُ الحَسَنُ ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ: هو عائِدٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، أيْ ورَبُّهُ شاهِدٌ عَلَيْهِ، وهو عَلى سَبِيلِ الوَعِيدِ. وقالَ التَّبْرِيزِيُّ: هو عائِدٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، ورَبُّهُ شاهِدٌ عَلَيْهِ هو الأصَحُّ، لِأنَّ الضَّمِيرَ يَجِبُ عَوْدُهُ إلى أقْرَبِ المَذْكُورِينَ، ويَكُونُ ذَلِكَ كالوَعِيدِ والزَّجْرِ عَنِ المَعاصِي. انْتَهى. ولا يَتَرَجَّحُ بِالقُرْبِ إلّا إذا تَساوَيا مِن حَيْثُ المَعْنى، والإنْسانُ هُنا هو المُحَدَّثُ عَنْهُ والمُسْنَدُ إلَيْهِ الكَنُودُ، وأيْضًا فَتَناسُقُ الضَّمائِرِ لِواحِدٍ مَعَ صِحَّةِ المَعْنى أوْلى مِن جَعْلِهِما لِمُخْتَلِفَيْنِ، ولا سِيَّما إذا تَوَسَّطَ الضَّمِيرُ بَيْنَ ضَمِيرَيْنِ عائِدَيْنِ عَلى واحِدٍ. (وإنَّهُ) أيْ وإنَّ الإنْسانَ ﴿لِحُبِّ الخَيْرِ﴾ أيِ المالِ (لَشَدِيدٌ) أيْ قَوِيٌّ في حُبِّهِ، وقِيلَ: لَبَخِيلٌ بِالمالِ ضابِطٌ لَهُ، ويُقالُ لِلْبَخِيلِ: شَدِيدٌ ومُتَشَدِّدٌ، وقالَ طَرَفَةُ: ؎أرى المَوْتَ يَعْتامُ الكِرامَ ويَصْطَفِي ∗∗∗ عَقِيلَةَ مالِ الفاحِشِ المُتَشَدِّدِ وقالَ قَتادَةُ: الخَيْرُ مِن حَيْثُ وقَعَ في القُرْآنِ هو المالُ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ هَذا الخَيْرُ الدُّنْيَوِيُّ مِن مالٍ وصِحَّةٍ وجاهٍ عِنْدَ المُلُوكِ ونَحْوِهِ، لِأنَّ الكُفّارَ والجُهّالَ لا يَعْرِفُونَ غَيْرَ ذَلِكَ، فَأمّا المُحِبُّ في خَيْرِ الآخِرَةِ فَمَمْدُوحٌ مَرْجُوٌّ لَهُ الفَوْزُ، وقالَ الفَرّاءُ: نَظْمُ الآيَةِ أنْ يُقالَ: وإنَّهُ لَشَدِيدُ الحُبِّ لِلْخَيْرِ، فَلَمّا تَقَدَّمَ الحُبُّ قالَ لَشَدِيدٌ، وحَذَفَ مِن آخِرِهِ ذِكْرَ الحُبِّ؛ لِأنَّهُ قَدْ جَرى ذِكْرُهُ، ولِرُءُوسِ الآيِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِي يَوْمٍ عاصِفٍ﴾ [إبراهيم: ١٨]، والعُصُوفُ: لِلرِّيحِ لا لِلْأيّامِ، كَأنَّهُ قالَ: في يَوْمٍ عاصِفِ الرِّيحِ. انْتَهى. وقالَ غَيْرُهُ ما مَعْناهُ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ أصْلُهُ ذَلِكَ التَّرْكِيبَ، بَلِ اللّامُ في (لِحُبِّ) لامُ العِلَّةِ، أيْ وإنَّهُ لِأجْلِ حُبِّ المالِ لَبَخِيلٌ، أوْ وإنَّهُ لِحُبِّ المالِ وإيثارِهِ قَوِيٌّ مُطِيقٌ، وهو لِحُبِّ عِبادَةِ اللَّهِ وشُكْرِ نِعَمِهِ ضَعِيفٌ مُتَقاعِسٌ، تَقُولُ: هو شَدِيدٌ لِهَذا الأمْرِ وقَوِيٌّ لَهُ إذا كانَ مُطِيقًا لَهُ ضابِطًا. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ أرادَ: وإنَّهُ لِحُبِّ الخَيْراتِ غَيْرُ هَشٍّ مُنْبَسِطٍ، ولَكِنَّهُ شَدِيدٌ مُنْقَبِضٌ. ﴿أفَلا يَعْلَمُ﴾ تَوْقِيفٌ إلى ما يَئُولُ إلَيْهِ الإنْسانُ، ومَفْعُولُ يَعْلَمُ مَحْذُوفٌ وهو العامِلُ في الظَّرْفِ، أيْ أفَلا يَعْلَمُ مَآلَهُ ؟ ﴿إذا بُعْثِرَ﴾ وقالَ الحَوْفِيُّ: إذا ظَرْفٌ مُضافٌ إلى ﴿بُعْثِرَ﴾ والعامِلُ فِيهِ يَعْلَمُ. انْتَهى. ولَيْسَ بِمُتَّضِحٍ لِأنَّ المَعْنى: أفَلا يَعْلَمُ الآنَ ؟ وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿بُعْثِرَ﴾ بِالعَيْنِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: بِالحاءِ، وقَرَأ الأسْوَدُ بْنُ زَيْدٍ: (بَحَثَ)، وقَرَأ نَصْرُ بْنُ عاصِمٍ: (بَحْثَرَ) عَلى بِنائِهِ لِلْفاعِلِ، وقَرَأ ابْنُ يَعْمَرَ، ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ، ومُحَمَّدُ بْنُ أبِي سَعْدانَ: (وحَصَّلَ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، والجُمْهُورُ: مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ ابْنُ يَعْمَرَ أيْضًا ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ أيْضًا: (وحَصَلَ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ خَفِيفَ الصّادِ، والمَعْنى جُمِعَ ما في المُصْحَفِ، أيْ أُظْهِرَ مُحَصَّلًا مَجْمُوعًا، وقِيلَ: مُيِّزَ وكُشِفَ لِيَقَعَ الجَزاءُ عَلَيْهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: إنَّ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ (لَخَبِيرٌ) بِاللّامِ: هو اسْتِئْنافُ إخْبارٍ، والعامِلُ في (بِهِمْ) وفي ﴿يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ وهو تَعالى خَبِيرٌ دائِمًا لَكِنَّهُ ضَمَّنَ (خَبِيرٌ) مَعْنى مُجازٍ لَهم في ذَلِكَ اليَوْمِ، وقَرَأ أبُو السَّمّالِ والحَجّاجُ: بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وإسْقاطِ اللّامِ، ويَظْهَرُ في هَذِهِ القِراءَةِ تَسَلُّطُ يَعْلَمُ عَلى إنَّ، لَكِنَّهُ لا يُمْكِنُ إعْمالُ (خَبِيرٌ) في إذا لِكَوْنِهِ في صِلَةِ إنَّ المَصْدَرِيَّةِ، لَكِنَّهُ لا يُمْكِنُ أنْ يُقَدَّرَ لَهُ عامِلٌ فِيهِ مِن مَعْنى الكَلامِ، فَإنَّهُ قالَ: يَجْزِيهِمْ إذا بُعْثِرَ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ يَعْلَمُ مُعَلَّقَةً عَنِ العَمَلِ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ، وسَدَّتْ مَسَدَّ المَعْمُولِ في إنَّ، وفي خَبَرِها اللّامُ ظاهِرٌ، إذْ هي في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِيَعْلَمُ، وإذا العامِلُ فِيها مِن مَعْنى مَضْمُونِ الجُمْلَةِ تَقْدِيرُهُ: كَما قُلْنا يَجْزِيهِمْ إذا بُعْثِرَ.

العاديات 100:2

سُورَةُ العادِياتِ مَدَنِيَّةٌ، وهي إحْدى عَشْرَةَ آيَةً. ﷽ ﴿والعادِياتِ ضَبْحًا﴾ ﴿فالمُورِياتِ قَدْحًا﴾ ﴿فالمُغِيراتِ صُبْحًا﴾ ﴿فَأثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾ ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾ ﴿إنَّ الإنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ ﴿وإنَّهُ عَلى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ ﴿وإنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ ﴿أفَلا يَعْلَمُ إذا بُعْثِرَ ما في القُبُورِ﴾ ﴿وحُصِّلَ ما في الصُّدُورِ﴾ ﴿إنَّ رَبَّهم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ العادِيّاتُ: الجارِياتُ بِسُرْعَةٍ، وهو وصْفٌ، ويَأْتِي في التَّفْسِيرِ الخِلافُ في المَوْصُوفِ، الضَّبْحُ: تَصْوِيتٌ جَهِيرٌ عِنْدَ العَدْوِ الشَّدِيدِ، لَيْسَ بِصَهِيلٍ ولا رُغاءٍ ولا نُباحٍ، بَلْ هو غَيْرُ المُعْتادِ مِن صَوْتِ الحَيَوانِ الَّذِي يَضْبَحُ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: لَيْسَ يَضْبَحُ مِنَ الحَيَوانِ غَيْرَ الخَيْلِ والكِلابِ، قِيلَ: ولا يَصِحُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، لِأنَّ الإبِلَ تَضْبَحُ، والأسْوَدَ مِنَ الحَيّاتِ والبُومَ والصَّدى والأرْنَبَ والثَّعْلَبَ والقَوْسَ، كَما اسْتَعْمَلَتِ العَرَبُ لَها الضَّبْحَ، أنْشَدَ أبُو حَنِيفَةَ في صِفَةِ قَوْسٍ: ؎حَنّانَةٌ مِن نَشَمٍ أوْ تَألُّبٍ تَضْبَحُ في الكَفِّ ضِباحِ الثَّعْلَبِ وقالَ أهْلُ اللُّغَةِ: أصْلُهُ لِلثَّعْلَبِ، فاسْتُعِيرَ لِلْخَيْلِ، وهو مِن ضَبَحَتْهُ النّارُ: غَيَّرَتْ لَوْنَهُ ولَمْ تُبالِغْ فِيهِ، وانْضَبَحَ لَوْنُهُ: تَغَيَّرَ إلى السَّوادِ قَلِيلًا، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الضَّبْحُ والضَّبْعُ بِمَعْنى العَدْوِ الشَّدِيدِ، وكَذا قالَ المُبَرِّدُ: الضَّبْحُ مِن إضْباعِها في السَّيْرِ. القَدْحُ: الصَّكُّ، وقِيلَ: الِاسْتِخْراجُ، ومِنهُ قَدَحْتُ العَيْنَ: أخْرَجْتَ مِنها الفاسِدَ، والقَدّاحُ والقَدّاحَةُ والمِقْدَحَةُ: ما تُورى بِهِ النّارُ. أغارَ عَلى العَدُوِّ: قَصَدَهُ لِنَهْبٍ أوْ قَتْلٍ أوْ أسْرٍ. النَّقْعُ: الغُبارُ، قالَ الشّاعِرُ:(p-٥٠٣) ؎يَخْرُجْنَ مِن مُسْتَطارِ النَّقْعِ دامِيَةً ∗∗∗ كَأنَّ آذانَها أطْراقُ أقْلامِ وقالَ ابْنُ رَواحَةَ: ؎عَدِمْتُ بُنَيَّتِي إنْ لَمْ تَرَوْها ∗∗∗ تُثِيرُ النَّقْعَ مِن كَنَفَيْ كُداءِ وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: النَّقْعُ: رَفْعُ الصَّوْتِ، ومِنهُ قَوْلُ لَبِيدٍ: ؎فَمَتى يَنْقَعْ صُراخٌ صادِقٌ ∗∗∗ تَحْلِبُوها ذاتَ جَرْسٍ وزَجَلِ الكَنُودُ: الكَفُورُ لِلنِّعْمَةِ، قالَ الشّاعِرُ: ؎كَنُودٌ لِنَعْماءِ الرِّجالِ ومَن يَكُنْ ∗∗∗ كَنُودًا لِنَعْماءِ الرِّجالِ يَبْعُدُ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: الكَنُودُ، بِلِسانِ كِنْدَةَ وحَضْرَمَوْتَ: العاصِي، وبِلِسانِ رَبِيعَةَ ومُضَرَ: الكَفُورُ، وبِلِسانِ كِنانَةَ: البَخِيلُ السَّيِّئُ المَلَكَةِ، وقالَهُ مُقاتِلٌ، وقالَ الكَلْبِيُّ مِثْلَهُ إلّا أنَّهُ قالَ: وبِلِسانِ بَنِي مالِكٍ: البَخِيلُ، ولَمْ يَذْكُرْ حَضْرَمَوْتَ، ويُقالُ: كَنَدَ النِّعْمَةَ كُنُودًا، وقالَ أبُو زُبَيْدٍ في البَخِيلِ: ؎إنْ تَفُتْنِي فَلَمْ أطِبْ عَنْكَ نَفْسًا ∗∗∗ غَيْرَ أنِّي أُمْنى بِدَهْرٍ كَنُودِ حَصَّلَ الشَّيْءَ: جَمَعَهُ، وقِيلَ: مَيَّزَهُ مِن غَيْرِهِ، ومِنهُ قِيلَ لِلْمُنْخُلِ: المِحْصَلُ، وحَصَلَ الشَّيْءُ: ظَهَرَ واسْتَبانَ. ﴿والعادِياتِ ضَبْحًا﴾ ﴿فالمُورِياتِ قَدْحًا﴾ ﴿فالمُغِيراتِ صُبْحًا﴾ ﴿فَأثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾ ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾ ﴿إنَّ الإنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ ﴿وإنَّهُ عَلى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ ﴿وإنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ ﴿أفَلا يَعْلَمُ إذا بُعْثِرَ ما في القُبُورِ﴾ ﴿وحُصِّلَ ما في الصُّدُورِ﴾ ﴿إنَّ رَبَّهم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وجابِرٍ، والحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ، وعَطاءٍ، مَدَنِيَّةٌ في قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ، وأنَسٍ، وقَتادَةَ لِما ذَكَرَ فِيما قَبْلَها ما يَقْتَضِي تَهْدِيدًا ووَعِيدًا بِيَوْمِ القِيامَةِ، بِتَعْنِيفٍ لِمَن لا يَسْتَعِدُّ لِذَلِكَ اليَوْمِ، ومَن آثَرَ أمْرَ دُنْياهُ عَلى أمْرِ آخِرَتِهِ. والجُمْهُورُ مِن أهْلِ التَّفْسِيرِ واللُّغَةِ عَلى أنَّ العادِياتِ هُنا الخَيْلُ، تَعْدُو في سَبِيلِ اللَّهِ وتَضْبَحُ حالَةَ عَدْوِها، وقالَ عَنْتَرَةُ: ؎والخَيْلُ تَكْدَحُ حِينَ تَضْبَحُ ∗∗∗ في حِياضِ المَوْتِ ضَبْحا وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ، وعَلِيٌّ، وإبْراهِيمُ، والسُّدِّيُّ، ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: العادِياتُ: الإبِلُ، أقْسَمَ بِها حِينَ تَعْدُو مِن عَرَفَةَ ومِنَ المُزْدَلِفَةِ إذا دَفَعَ الحاجُّ، وبِأهْلِ غَزْوَةِ بَدْرٍ لَمْ يَكُنْ فِيها غَيْرُ فَرَسَيْنِ فَرَسٍ لِلزُّبَيْرِ وفَرَسٍ لِلْمِقْدادِ، وبِهَذا حَجَّ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ابْنَ عَبّاسٍ حِينَ تَمارَيا، فَرَجَعَ ابْنُ عَبّاسٍ إلى قَوْلِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وقالَتْ صَفِيَّةُ بِنْتُ عَبْدِ المُطَّلِبِ: ؎فَلا والعادِياتِ غَداةَ جَمْعٍ ∗∗∗ بِأيْدِيها إذا سَطَعَ الغُبارُ وانْتَصَبَ ﴿ضَبْحًا﴾ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ، أيْ يَضْبَحْنَ ضَبْحًا، أوْ عَلى أنَّهُ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ ضابِحاتٍ، أوْ عَلى المَصْدَرِ عَلى قَوْلِ أبِي عُبَيْدَةَ أنَّ مَعْناهُ العَدْوُ الشَّدِيدُ، فَهو مَنصُوبٌ بِالعادِياتِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ بِالعادِياتِ (p-٥٠٤)كَأنَّهُ قِيلَ: والضّابِحاتِ، لِأنَّ الضَّبْحَ يَكُونُ مَعَ العَدْوِ. انْتَهى. وإذا كانَ الضَّبْحُ مَعَ العَدْوِ، فَلا يَكُونُ مَعْنى (والعادِياتِ) مَعْنى الضّابِحاتِ، فَلا يَنْبَغِي أنْ يُفَسَّرَ بِهِ. ﴿فالمُورِياتِ قَدْحًا﴾ والإيراءُ: إخْراجُ النّارِ، أيْ تَقْدَحُ بِحَوافِرِها الحِجارَةَ فَيَتَطايَرُ مِنها النّارُ لِصَكِّ بَعْضِ الحِجارَةِ بَعْضًا، ويُقالُ: قَدَحَ فَأوْرى، وقَدَحَ فَأصْلَدَ، وتُسَمّى تِلْكَ النّارُ الَّتِي تَقْدَحُها الحَوافِرُ مِنَ الخَيْلِ أوِ الإبِلِ: نارَ الحُباحِبِ، قالَ الشّاعِرُ: ؎تَقُدُّ السَّلُوقِيَّ المُضاعَفَ نَسْجُهُ ∗∗∗ وتَوْقِدُ بِالصُّفّاحِ نارَ الحُباحِبِ وقِيلَ: ﴿فالمُورِياتِ قَدْحًا﴾ مَجازٌ، أوِ اسْتِعارَةٌ في الخَيْلِ تُشْعِلُ الحَرْبَ، قالَهُ قَتادَةُ، وقالَ تَعالى: ﴿كُلَّما أوْقَدُوا نارًا لِلْحَرْبِ أطْفَأها اللَّهُ﴾ [المائدة: ٦٤] . ويُقالُ: حَمِيَ الوَطِيسُ إذا اشْتَدَّ الحَرْبُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: المُورِياتُ: الجَماعَةُ الَّتِي تَمْكُرُ في الحَرْبِ، والعَرَبُ تَقُولُهُ إذا أرادَتِ المَكْرَ بِالرَّجُلِ: واللَّهِ لا يَكُونُ ذَلِكَ، ولَأُورِيَنَّ لَكَ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا: الَّتِي تُورِي نارَها بِاللَّيْلِ لِحاجَتِها وطَعامِها، وعَنْهُ أيْضًا: جَماعَةُ الغُزاةِ تُكْثِرُ النّارَ إرْهابًا، وقالَ عِكْرِمَةُ: ألْسِنَةُ الرِّجالِ تُورِي النّارَ مِن عَظِيمِ ما تَتَكَلَّمُ بِهِ، وتُظْهِرُ مِنَ الحُجَجِ والدَّلائِلِ، وإظْهارِ الحَقِّ وإبْطالِ الباطِلِ ﴿فالمُغِيراتِ صُبْحًا﴾ أيْ تُغِيرُ عَلى العَدُوِّ في الصُّبْحِ، ومَن قالَ هي الإبِلُ، قالَ العَرَبُ تَقُولُ: أغارَ إذا عَدا جَرْيًا، أيْ مِن مُزْدَلِفَةَ إلى مِنًى، أوْ في بَدْرٍ، وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ هَذِهِ الأوْصافَ لِذاتٍ واحِدَةٍ، لِعَطْفِها بِالفاءِ الَّتِي تَقْتَضِي التَّعْقِيبَ، والظّاهِرُ أنَّها الخَيْلُ الَّتِي يُجاهَدُ عَلَيْها العَدُوُّ مِنَ الكُفّارِ، ولا يُسْتَدَلُّ عَلى أنَّها الإبِلُ بِوَقْعَةِ بَدْرٍ، وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيها إلّا فَرَسانِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ أنَّ سَبَبَ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ هو وقْعَةُ بَدْرٍ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ لا يَكادُ يُوجَدُ أنَّ الإبِلَ جُوهِدَ عَلَيْها في سَبِيلِ اللَّهِ، بَلِ المَعْلُومُ أنَّهُ لا يُجاهَدُ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى إلّا عَلى الخَيْلِ في شَرْقِ البِلادِ وغَرْبِها. ﴿فَأثَرْنَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى اسْمِ الفاعِلِ الَّذِي هو صِلَةُ ألْ؛ لِأنَّهُ في مَعْنى الفِعْلِ، إذْ تَقْدِيرُهُ: فاللّاتِي عَدَوْنَ فَأغَرْنَ فَأثَرْنَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَعْطُوفٌ عَلى الفِعْلِ الَّذِي وُضِعَ اسْمُ الفاعِلِ مَوْضِعَهُ. انْتَهى. وتَقُولُ أصْحابُنا: هو مَعْطُوفٌ عَلى الِاسْمِ؛ لِأنَّهُ في مَعْنى الفِعْلِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فَأثَرْنَ﴾، ﴿فَوَسَطْنَ﴾ بِتَخْفِيفِ الثّاءِ والسِّينِ، وأبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِشَدِّهِما، وعَلِيٌّ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وقَتادَةُ، وابْنُ أبِي لَيْلى: بِشَدِّ السِّينِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: فَأثَرْنَ بِالتَّشْدِيدِ، بِمَعْنى: فَأظْهَرْنَ بِهِ غُبارًا؛ لِأنَّ التَّأْثِيرَ فِيهِ مَعْنى الإظْهارُ، أوْ قَلَبَ ثَوَرْنَ إلى وثُرْنَ، وقَلَبَ الواوَ هَمْزَةً، وقُرِئَ: (فَوَسَّطْنَ) بِالتَّشْدِيدِ لِلتَّعْدِيَةِ، والباءُ مَزِيدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ، كَقَوْلِهِ: (فَأْتُوا بِهِ) وهي مُبالَغَةٌ في وسَطْنَ. انْتَهى. أمّا قَوْلُهُ: أوْ قَلَبَ، فَتَمَحُّلٌ بارِدٌ، وأمّا أنَّ التَّشْدِيدَ لِلتَّعْدِيَةِ، فَقَدْ نَقَلُوا أنَّ وسَطَ مُخَفَّفًا ومُثَقَّلًا بِمَعْنًى واحِدٍ، وأنَّهُما لُغَتانِ، والضَّمِيرُ في بِهِ عائِدٌ في الأوَّلِ عَلى الصُّبْحِ، أيْ هَيَّجْنَ في ذَلِكَ الوَقْتِ غُبارًا، وفي بِهِ الثّانِي عَلى الصُّبْحِ، قِيلَ: أوْ عَلى النَّقْعِ، أيْ وسَطْنَ النَّقْعَ الجَمْعَ، فَيَكُونُ وسَطَهُ بِمَعْنى تَوَسُّطِهِ، وقالَ عَلِيٌّ وعَبْدُ اللَّهِ: ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾ أيِ الإبِلُ، و”جَمْعًا“ اسْمٌ لِلْمُزْدَلِفَةِ، ولَيْسَ بِجَمْعٍ مِنَ النّاسِ. وقالَ بِشْرُ بْنُ أبِي حازِمٍ: ؎فَوَسَطْنَ جَمْعَهم وأفْلَتَ حاجِبٌ ∗∗∗ تَحْتَ العَجاجَةِ في الغُبارِ الأقْتَمِ وقِيلَ: الضَّمِيرُ في بِهِ مَعًا يَعُودُ عَلى العَدْوِ الدّالِّ عَلَيْهِ ﴿والعادِياتِ﴾ أيْضًا. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى المَكانِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ المَعْنى، وإنْ لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ لِدَلالَةِ والعادِياتِ وما بَعْدَها عَلَيْهِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالنَّقْعِ هُنا الصِّياحُ، والظّاهِرُ أنَّ المُقْسَمَ بِهِ هو جِنْسُ العادِياتِ، ولَيْسَتْ (ألْ) فِيهِ لِلْعَهْدِ، والمُقْسَمُ عَلَيْهِ: ﴿إنَّ الإنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ وفي الحَدِيثِ: (الكَنُودُ يَأْكُلُ وحْدَهُ ويَمْنَعُ رِفْدَهُ ويَضْرِبُ عَبْدَهُ) . وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ: هو الجَحُودُ لِنِعْمَةِ اللَّهِ تَعالى، وعَنِ الحَسَنِ أيْضًا: هو اللّائِمُ لِرَبِّهِ، يَعُدُّ السَّيِّئاتِ ويَنْسى الحَسَناتِ. وقالَ الفُضَيْلُ: هو الَّذِي تُنْسِيهِ سَيِّئَةٌ واحِدَةٌ حَسَناتٍ كَثِيرَةً، ويُعامِلُ اللَّهَ عَلى عَقْدِ عِوَضٍ، وقالَ عَطاءٌ: (p-٥٠٥)هُوَ الَّذِي لا يُعْطِي في النّائِباتِ مَعَ قَوْمِهِ. وقِيلَ: البَخِيلُ، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أرْضٌ كَنُودٌ: لا تُنْبِتُ شَيْئًا، والظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ في (وإنَّهُ) عَلى ذَلِكَ ﴿لَشَهِيدٌ﴾ أيْ يَشْهَدُ عَلى كُنُودِهِ، ولا يَقْدِرُ أنْ يَجْحَدَهُ لِظُهُورِ أمْرِهِ، وقالَهُ الحَسَنُ ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ: هو عائِدٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، أيْ ورَبُّهُ شاهِدٌ عَلَيْهِ، وهو عَلى سَبِيلِ الوَعِيدِ. وقالَ التَّبْرِيزِيُّ: هو عائِدٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، ورَبُّهُ شاهِدٌ عَلَيْهِ هو الأصَحُّ، لِأنَّ الضَّمِيرَ يَجِبُ عَوْدُهُ إلى أقْرَبِ المَذْكُورِينَ، ويَكُونُ ذَلِكَ كالوَعِيدِ والزَّجْرِ عَنِ المَعاصِي. انْتَهى. ولا يَتَرَجَّحُ بِالقُرْبِ إلّا إذا تَساوَيا مِن حَيْثُ المَعْنى، والإنْسانُ هُنا هو المُحَدَّثُ عَنْهُ والمُسْنَدُ إلَيْهِ الكَنُودُ، وأيْضًا فَتَناسُقُ الضَّمائِرِ لِواحِدٍ مَعَ صِحَّةِ المَعْنى أوْلى مِن جَعْلِهِما لِمُخْتَلِفَيْنِ، ولا سِيَّما إذا تَوَسَّطَ الضَّمِيرُ بَيْنَ ضَمِيرَيْنِ عائِدَيْنِ عَلى واحِدٍ. (وإنَّهُ) أيْ وإنَّ الإنْسانَ ﴿لِحُبِّ الخَيْرِ﴾ أيِ المالِ (لَشَدِيدٌ) أيْ قَوِيٌّ في حُبِّهِ، وقِيلَ: لَبَخِيلٌ بِالمالِ ضابِطٌ لَهُ، ويُقالُ لِلْبَخِيلِ: شَدِيدٌ ومُتَشَدِّدٌ، وقالَ طَرَفَةُ: ؎أرى المَوْتَ يَعْتامُ الكِرامَ ويَصْطَفِي ∗∗∗ عَقِيلَةَ مالِ الفاحِشِ المُتَشَدِّدِ وقالَ قَتادَةُ: الخَيْرُ مِن حَيْثُ وقَعَ في القُرْآنِ هو المالُ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ هَذا الخَيْرُ الدُّنْيَوِيُّ مِن مالٍ وصِحَّةٍ وجاهٍ عِنْدَ المُلُوكِ ونَحْوِهِ، لِأنَّ الكُفّارَ والجُهّالَ لا يَعْرِفُونَ غَيْرَ ذَلِكَ، فَأمّا المُحِبُّ في خَيْرِ الآخِرَةِ فَمَمْدُوحٌ مَرْجُوٌّ لَهُ الفَوْزُ، وقالَ الفَرّاءُ: نَظْمُ الآيَةِ أنْ يُقالَ: وإنَّهُ لَشَدِيدُ الحُبِّ لِلْخَيْرِ، فَلَمّا تَقَدَّمَ الحُبُّ قالَ لَشَدِيدٌ، وحَذَفَ مِن آخِرِهِ ذِكْرَ الحُبِّ؛ لِأنَّهُ قَدْ جَرى ذِكْرُهُ، ولِرُءُوسِ الآيِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِي يَوْمٍ عاصِفٍ﴾ [إبراهيم: ١٨]، والعُصُوفُ: لِلرِّيحِ لا لِلْأيّامِ، كَأنَّهُ قالَ: في يَوْمٍ عاصِفِ الرِّيحِ. انْتَهى. وقالَ غَيْرُهُ ما مَعْناهُ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ أصْلُهُ ذَلِكَ التَّرْكِيبَ، بَلِ اللّامُ في (لِحُبِّ) لامُ العِلَّةِ، أيْ وإنَّهُ لِأجْلِ حُبِّ المالِ لَبَخِيلٌ، أوْ وإنَّهُ لِحُبِّ المالِ وإيثارِهِ قَوِيٌّ مُطِيقٌ، وهو لِحُبِّ عِبادَةِ اللَّهِ وشُكْرِ نِعَمِهِ ضَعِيفٌ مُتَقاعِسٌ، تَقُولُ: هو شَدِيدٌ لِهَذا الأمْرِ وقَوِيٌّ لَهُ إذا كانَ مُطِيقًا لَهُ ضابِطًا. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ أرادَ: وإنَّهُ لِحُبِّ الخَيْراتِ غَيْرُ هَشٍّ مُنْبَسِطٍ، ولَكِنَّهُ شَدِيدٌ مُنْقَبِضٌ. ﴿أفَلا يَعْلَمُ﴾ تَوْقِيفٌ إلى ما يَئُولُ إلَيْهِ الإنْسانُ، ومَفْعُولُ يَعْلَمُ مَحْذُوفٌ وهو العامِلُ في الظَّرْفِ، أيْ أفَلا يَعْلَمُ مَآلَهُ ؟ ﴿إذا بُعْثِرَ﴾ وقالَ الحَوْفِيُّ: إذا ظَرْفٌ مُضافٌ إلى ﴿بُعْثِرَ﴾ والعامِلُ فِيهِ يَعْلَمُ. انْتَهى. ولَيْسَ بِمُتَّضِحٍ لِأنَّ المَعْنى: أفَلا يَعْلَمُ الآنَ ؟ وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿بُعْثِرَ﴾ بِالعَيْنِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: بِالحاءِ، وقَرَأ الأسْوَدُ بْنُ زَيْدٍ: (بَحَثَ)، وقَرَأ نَصْرُ بْنُ عاصِمٍ: (بَحْثَرَ) عَلى بِنائِهِ لِلْفاعِلِ، وقَرَأ ابْنُ يَعْمَرَ، ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ، ومُحَمَّدُ بْنُ أبِي سَعْدانَ: (وحَصَّلَ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، والجُمْهُورُ: مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ ابْنُ يَعْمَرَ أيْضًا ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ أيْضًا: (وحَصَلَ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ خَفِيفَ الصّادِ، والمَعْنى جُمِعَ ما في المُصْحَفِ، أيْ أُظْهِرَ مُحَصَّلًا مَجْمُوعًا، وقِيلَ: مُيِّزَ وكُشِفَ لِيَقَعَ الجَزاءُ عَلَيْهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: إنَّ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ (لَخَبِيرٌ) بِاللّامِ: هو اسْتِئْنافُ إخْبارٍ، والعامِلُ في (بِهِمْ) وفي ﴿يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ وهو تَعالى خَبِيرٌ دائِمًا لَكِنَّهُ ضَمَّنَ (خَبِيرٌ) مَعْنى مُجازٍ لَهم في ذَلِكَ اليَوْمِ، وقَرَأ أبُو السَّمّالِ والحَجّاجُ: بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وإسْقاطِ اللّامِ، ويَظْهَرُ في هَذِهِ القِراءَةِ تَسَلُّطُ يَعْلَمُ عَلى إنَّ، لَكِنَّهُ لا يُمْكِنُ إعْمالُ (خَبِيرٌ) في إذا لِكَوْنِهِ في صِلَةِ إنَّ المَصْدَرِيَّةِ، لَكِنَّهُ لا يُمْكِنُ أنْ يُقَدَّرَ لَهُ عامِلٌ فِيهِ مِن مَعْنى الكَلامِ، فَإنَّهُ قالَ: يَجْزِيهِمْ إذا بُعْثِرَ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ يَعْلَمُ مُعَلَّقَةً عَنِ العَمَلِ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ، وسَدَّتْ مَسَدَّ المَعْمُولِ في إنَّ، وفي خَبَرِها اللّامُ ظاهِرٌ، إذْ هي في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِيَعْلَمُ، وإذا العامِلُ فِيها مِن مَعْنى مَضْمُونِ الجُمْلَةِ تَقْدِيرُهُ: كَما قُلْنا يَجْزِيهِمْ إذا بُعْثِرَ.

العاديات 100:3

سُورَةُ العادِياتِ مَدَنِيَّةٌ، وهي إحْدى عَشْرَةَ آيَةً. ﷽ ﴿والعادِياتِ ضَبْحًا﴾ ﴿فالمُورِياتِ قَدْحًا﴾ ﴿فالمُغِيراتِ صُبْحًا﴾ ﴿فَأثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾ ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾ ﴿إنَّ الإنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ ﴿وإنَّهُ عَلى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ ﴿وإنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ ﴿أفَلا يَعْلَمُ إذا بُعْثِرَ ما في القُبُورِ﴾ ﴿وحُصِّلَ ما في الصُّدُورِ﴾ ﴿إنَّ رَبَّهم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ العادِيّاتُ: الجارِياتُ بِسُرْعَةٍ، وهو وصْفٌ، ويَأْتِي في التَّفْسِيرِ الخِلافُ في المَوْصُوفِ، الضَّبْحُ: تَصْوِيتٌ جَهِيرٌ عِنْدَ العَدْوِ الشَّدِيدِ، لَيْسَ بِصَهِيلٍ ولا رُغاءٍ ولا نُباحٍ، بَلْ هو غَيْرُ المُعْتادِ مِن صَوْتِ الحَيَوانِ الَّذِي يَضْبَحُ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: لَيْسَ يَضْبَحُ مِنَ الحَيَوانِ غَيْرَ الخَيْلِ والكِلابِ، قِيلَ: ولا يَصِحُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، لِأنَّ الإبِلَ تَضْبَحُ، والأسْوَدَ مِنَ الحَيّاتِ والبُومَ والصَّدى والأرْنَبَ والثَّعْلَبَ والقَوْسَ، كَما اسْتَعْمَلَتِ العَرَبُ لَها الضَّبْحَ، أنْشَدَ أبُو حَنِيفَةَ في صِفَةِ قَوْسٍ: ؎حَنّانَةٌ مِن نَشَمٍ أوْ تَألُّبٍ تَضْبَحُ في الكَفِّ ضِباحِ الثَّعْلَبِ وقالَ أهْلُ اللُّغَةِ: أصْلُهُ لِلثَّعْلَبِ، فاسْتُعِيرَ لِلْخَيْلِ، وهو مِن ضَبَحَتْهُ النّارُ: غَيَّرَتْ لَوْنَهُ ولَمْ تُبالِغْ فِيهِ، وانْضَبَحَ لَوْنُهُ: تَغَيَّرَ إلى السَّوادِ قَلِيلًا، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الضَّبْحُ والضَّبْعُ بِمَعْنى العَدْوِ الشَّدِيدِ، وكَذا قالَ المُبَرِّدُ: الضَّبْحُ مِن إضْباعِها في السَّيْرِ. القَدْحُ: الصَّكُّ، وقِيلَ: الِاسْتِخْراجُ، ومِنهُ قَدَحْتُ العَيْنَ: أخْرَجْتَ مِنها الفاسِدَ، والقَدّاحُ والقَدّاحَةُ والمِقْدَحَةُ: ما تُورى بِهِ النّارُ. أغارَ عَلى العَدُوِّ: قَصَدَهُ لِنَهْبٍ أوْ قَتْلٍ أوْ أسْرٍ. النَّقْعُ: الغُبارُ، قالَ الشّاعِرُ:(p-٥٠٣) ؎يَخْرُجْنَ مِن مُسْتَطارِ النَّقْعِ دامِيَةً ∗∗∗ كَأنَّ آذانَها أطْراقُ أقْلامِ وقالَ ابْنُ رَواحَةَ: ؎عَدِمْتُ بُنَيَّتِي إنْ لَمْ تَرَوْها ∗∗∗ تُثِيرُ النَّقْعَ مِن كَنَفَيْ كُداءِ وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: النَّقْعُ: رَفْعُ الصَّوْتِ، ومِنهُ قَوْلُ لَبِيدٍ: ؎فَمَتى يَنْقَعْ صُراخٌ صادِقٌ ∗∗∗ تَحْلِبُوها ذاتَ جَرْسٍ وزَجَلِ الكَنُودُ: الكَفُورُ لِلنِّعْمَةِ، قالَ الشّاعِرُ: ؎كَنُودٌ لِنَعْماءِ الرِّجالِ ومَن يَكُنْ ∗∗∗ كَنُودًا لِنَعْماءِ الرِّجالِ يَبْعُدُ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: الكَنُودُ، بِلِسانِ كِنْدَةَ وحَضْرَمَوْتَ: العاصِي، وبِلِسانِ رَبِيعَةَ ومُضَرَ: الكَفُورُ، وبِلِسانِ كِنانَةَ: البَخِيلُ السَّيِّئُ المَلَكَةِ، وقالَهُ مُقاتِلٌ، وقالَ الكَلْبِيُّ مِثْلَهُ إلّا أنَّهُ قالَ: وبِلِسانِ بَنِي مالِكٍ: البَخِيلُ، ولَمْ يَذْكُرْ حَضْرَمَوْتَ، ويُقالُ: كَنَدَ النِّعْمَةَ كُنُودًا، وقالَ أبُو زُبَيْدٍ في البَخِيلِ: ؎إنْ تَفُتْنِي فَلَمْ أطِبْ عَنْكَ نَفْسًا ∗∗∗ غَيْرَ أنِّي أُمْنى بِدَهْرٍ كَنُودِ حَصَّلَ الشَّيْءَ: جَمَعَهُ، وقِيلَ: مَيَّزَهُ مِن غَيْرِهِ، ومِنهُ قِيلَ لِلْمُنْخُلِ: المِحْصَلُ، وحَصَلَ الشَّيْءُ: ظَهَرَ واسْتَبانَ. ﴿والعادِياتِ ضَبْحًا﴾ ﴿فالمُورِياتِ قَدْحًا﴾ ﴿فالمُغِيراتِ صُبْحًا﴾ ﴿فَأثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾ ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾ ﴿إنَّ الإنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ ﴿وإنَّهُ عَلى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ ﴿وإنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ ﴿أفَلا يَعْلَمُ إذا بُعْثِرَ ما في القُبُورِ﴾ ﴿وحُصِّلَ ما في الصُّدُورِ﴾ ﴿إنَّ رَبَّهم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وجابِرٍ، والحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ، وعَطاءٍ، مَدَنِيَّةٌ في قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ، وأنَسٍ، وقَتادَةَ لِما ذَكَرَ فِيما قَبْلَها ما يَقْتَضِي تَهْدِيدًا ووَعِيدًا بِيَوْمِ القِيامَةِ، بِتَعْنِيفٍ لِمَن لا يَسْتَعِدُّ لِذَلِكَ اليَوْمِ، ومَن آثَرَ أمْرَ دُنْياهُ عَلى أمْرِ آخِرَتِهِ. والجُمْهُورُ مِن أهْلِ التَّفْسِيرِ واللُّغَةِ عَلى أنَّ العادِياتِ هُنا الخَيْلُ، تَعْدُو في سَبِيلِ اللَّهِ وتَضْبَحُ حالَةَ عَدْوِها، وقالَ عَنْتَرَةُ: ؎والخَيْلُ تَكْدَحُ حِينَ تَضْبَحُ ∗∗∗ في حِياضِ المَوْتِ ضَبْحا وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ، وعَلِيٌّ، وإبْراهِيمُ، والسُّدِّيُّ، ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: العادِياتُ: الإبِلُ، أقْسَمَ بِها حِينَ تَعْدُو مِن عَرَفَةَ ومِنَ المُزْدَلِفَةِ إذا دَفَعَ الحاجُّ، وبِأهْلِ غَزْوَةِ بَدْرٍ لَمْ يَكُنْ فِيها غَيْرُ فَرَسَيْنِ فَرَسٍ لِلزُّبَيْرِ وفَرَسٍ لِلْمِقْدادِ، وبِهَذا حَجَّ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ابْنَ عَبّاسٍ حِينَ تَمارَيا، فَرَجَعَ ابْنُ عَبّاسٍ إلى قَوْلِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وقالَتْ صَفِيَّةُ بِنْتُ عَبْدِ المُطَّلِبِ: ؎فَلا والعادِياتِ غَداةَ جَمْعٍ ∗∗∗ بِأيْدِيها إذا سَطَعَ الغُبارُ وانْتَصَبَ ﴿ضَبْحًا﴾ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ، أيْ يَضْبَحْنَ ضَبْحًا، أوْ عَلى أنَّهُ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ ضابِحاتٍ، أوْ عَلى المَصْدَرِ عَلى قَوْلِ أبِي عُبَيْدَةَ أنَّ مَعْناهُ العَدْوُ الشَّدِيدُ، فَهو مَنصُوبٌ بِالعادِياتِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ بِالعادِياتِ (p-٥٠٤)كَأنَّهُ قِيلَ: والضّابِحاتِ، لِأنَّ الضَّبْحَ يَكُونُ مَعَ العَدْوِ. انْتَهى. وإذا كانَ الضَّبْحُ مَعَ العَدْوِ، فَلا يَكُونُ مَعْنى (والعادِياتِ) مَعْنى الضّابِحاتِ، فَلا يَنْبَغِي أنْ يُفَسَّرَ بِهِ. ﴿فالمُورِياتِ قَدْحًا﴾ والإيراءُ: إخْراجُ النّارِ، أيْ تَقْدَحُ بِحَوافِرِها الحِجارَةَ فَيَتَطايَرُ مِنها النّارُ لِصَكِّ بَعْضِ الحِجارَةِ بَعْضًا، ويُقالُ: قَدَحَ فَأوْرى، وقَدَحَ فَأصْلَدَ، وتُسَمّى تِلْكَ النّارُ الَّتِي تَقْدَحُها الحَوافِرُ مِنَ الخَيْلِ أوِ الإبِلِ: نارَ الحُباحِبِ، قالَ الشّاعِرُ: ؎تَقُدُّ السَّلُوقِيَّ المُضاعَفَ نَسْجُهُ ∗∗∗ وتَوْقِدُ بِالصُّفّاحِ نارَ الحُباحِبِ وقِيلَ: ﴿فالمُورِياتِ قَدْحًا﴾ مَجازٌ، أوِ اسْتِعارَةٌ في الخَيْلِ تُشْعِلُ الحَرْبَ، قالَهُ قَتادَةُ، وقالَ تَعالى: ﴿كُلَّما أوْقَدُوا نارًا لِلْحَرْبِ أطْفَأها اللَّهُ﴾ [المائدة: ٦٤] . ويُقالُ: حَمِيَ الوَطِيسُ إذا اشْتَدَّ الحَرْبُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: المُورِياتُ: الجَماعَةُ الَّتِي تَمْكُرُ في الحَرْبِ، والعَرَبُ تَقُولُهُ إذا أرادَتِ المَكْرَ بِالرَّجُلِ: واللَّهِ لا يَكُونُ ذَلِكَ، ولَأُورِيَنَّ لَكَ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا: الَّتِي تُورِي نارَها بِاللَّيْلِ لِحاجَتِها وطَعامِها، وعَنْهُ أيْضًا: جَماعَةُ الغُزاةِ تُكْثِرُ النّارَ إرْهابًا، وقالَ عِكْرِمَةُ: ألْسِنَةُ الرِّجالِ تُورِي النّارَ مِن عَظِيمِ ما تَتَكَلَّمُ بِهِ، وتُظْهِرُ مِنَ الحُجَجِ والدَّلائِلِ، وإظْهارِ الحَقِّ وإبْطالِ الباطِلِ ﴿فالمُغِيراتِ صُبْحًا﴾ أيْ تُغِيرُ عَلى العَدُوِّ في الصُّبْحِ، ومَن قالَ هي الإبِلُ، قالَ العَرَبُ تَقُولُ: أغارَ إذا عَدا جَرْيًا، أيْ مِن مُزْدَلِفَةَ إلى مِنًى، أوْ في بَدْرٍ، وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ هَذِهِ الأوْصافَ لِذاتٍ واحِدَةٍ، لِعَطْفِها بِالفاءِ الَّتِي تَقْتَضِي التَّعْقِيبَ، والظّاهِرُ أنَّها الخَيْلُ الَّتِي يُجاهَدُ عَلَيْها العَدُوُّ مِنَ الكُفّارِ، ولا يُسْتَدَلُّ عَلى أنَّها الإبِلُ بِوَقْعَةِ بَدْرٍ، وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيها إلّا فَرَسانِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ أنَّ سَبَبَ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ هو وقْعَةُ بَدْرٍ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ لا يَكادُ يُوجَدُ أنَّ الإبِلَ جُوهِدَ عَلَيْها في سَبِيلِ اللَّهِ، بَلِ المَعْلُومُ أنَّهُ لا يُجاهَدُ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى إلّا عَلى الخَيْلِ في شَرْقِ البِلادِ وغَرْبِها. ﴿فَأثَرْنَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى اسْمِ الفاعِلِ الَّذِي هو صِلَةُ ألْ؛ لِأنَّهُ في مَعْنى الفِعْلِ، إذْ تَقْدِيرُهُ: فاللّاتِي عَدَوْنَ فَأغَرْنَ فَأثَرْنَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَعْطُوفٌ عَلى الفِعْلِ الَّذِي وُضِعَ اسْمُ الفاعِلِ مَوْضِعَهُ. انْتَهى. وتَقُولُ أصْحابُنا: هو مَعْطُوفٌ عَلى الِاسْمِ؛ لِأنَّهُ في مَعْنى الفِعْلِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فَأثَرْنَ﴾، ﴿فَوَسَطْنَ﴾ بِتَخْفِيفِ الثّاءِ والسِّينِ، وأبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِشَدِّهِما، وعَلِيٌّ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وقَتادَةُ، وابْنُ أبِي لَيْلى: بِشَدِّ السِّينِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: فَأثَرْنَ بِالتَّشْدِيدِ، بِمَعْنى: فَأظْهَرْنَ بِهِ غُبارًا؛ لِأنَّ التَّأْثِيرَ فِيهِ مَعْنى الإظْهارُ، أوْ قَلَبَ ثَوَرْنَ إلى وثُرْنَ، وقَلَبَ الواوَ هَمْزَةً، وقُرِئَ: (فَوَسَّطْنَ) بِالتَّشْدِيدِ لِلتَّعْدِيَةِ، والباءُ مَزِيدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ، كَقَوْلِهِ: (فَأْتُوا بِهِ) وهي مُبالَغَةٌ في وسَطْنَ. انْتَهى. أمّا قَوْلُهُ: أوْ قَلَبَ، فَتَمَحُّلٌ بارِدٌ، وأمّا أنَّ التَّشْدِيدَ لِلتَّعْدِيَةِ، فَقَدْ نَقَلُوا أنَّ وسَطَ مُخَفَّفًا ومُثَقَّلًا بِمَعْنًى واحِدٍ، وأنَّهُما لُغَتانِ، والضَّمِيرُ في بِهِ عائِدٌ في الأوَّلِ عَلى الصُّبْحِ، أيْ هَيَّجْنَ في ذَلِكَ الوَقْتِ غُبارًا، وفي بِهِ الثّانِي عَلى الصُّبْحِ، قِيلَ: أوْ عَلى النَّقْعِ، أيْ وسَطْنَ النَّقْعَ الجَمْعَ، فَيَكُونُ وسَطَهُ بِمَعْنى تَوَسُّطِهِ، وقالَ عَلِيٌّ وعَبْدُ اللَّهِ: ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾ أيِ الإبِلُ، و”جَمْعًا“ اسْمٌ لِلْمُزْدَلِفَةِ، ولَيْسَ بِجَمْعٍ مِنَ النّاسِ. وقالَ بِشْرُ بْنُ أبِي حازِمٍ: ؎فَوَسَطْنَ جَمْعَهم وأفْلَتَ حاجِبٌ ∗∗∗ تَحْتَ العَجاجَةِ في الغُبارِ الأقْتَمِ وقِيلَ: الضَّمِيرُ في بِهِ مَعًا يَعُودُ عَلى العَدْوِ الدّالِّ عَلَيْهِ ﴿والعادِياتِ﴾ أيْضًا. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى المَكانِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ المَعْنى، وإنْ لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ لِدَلالَةِ والعادِياتِ وما بَعْدَها عَلَيْهِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالنَّقْعِ هُنا الصِّياحُ، والظّاهِرُ أنَّ المُقْسَمَ بِهِ هو جِنْسُ العادِياتِ، ولَيْسَتْ (ألْ) فِيهِ لِلْعَهْدِ، والمُقْسَمُ عَلَيْهِ: ﴿إنَّ الإنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ وفي الحَدِيثِ: (الكَنُودُ يَأْكُلُ وحْدَهُ ويَمْنَعُ رِفْدَهُ ويَضْرِبُ عَبْدَهُ) . وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ: هو الجَحُودُ لِنِعْمَةِ اللَّهِ تَعالى، وعَنِ الحَسَنِ أيْضًا: هو اللّائِمُ لِرَبِّهِ، يَعُدُّ السَّيِّئاتِ ويَنْسى الحَسَناتِ. وقالَ الفُضَيْلُ: هو الَّذِي تُنْسِيهِ سَيِّئَةٌ واحِدَةٌ حَسَناتٍ كَثِيرَةً، ويُعامِلُ اللَّهَ عَلى عَقْدِ عِوَضٍ، وقالَ عَطاءٌ: (p-٥٠٥)هُوَ الَّذِي لا يُعْطِي في النّائِباتِ مَعَ قَوْمِهِ. وقِيلَ: البَخِيلُ، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أرْضٌ كَنُودٌ: لا تُنْبِتُ شَيْئًا، والظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ في (وإنَّهُ) عَلى ذَلِكَ ﴿لَشَهِيدٌ﴾ أيْ يَشْهَدُ عَلى كُنُودِهِ، ولا يَقْدِرُ أنْ يَجْحَدَهُ لِظُهُورِ أمْرِهِ، وقالَهُ الحَسَنُ ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ: هو عائِدٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، أيْ ورَبُّهُ شاهِدٌ عَلَيْهِ، وهو عَلى سَبِيلِ الوَعِيدِ. وقالَ التَّبْرِيزِيُّ: هو عائِدٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، ورَبُّهُ شاهِدٌ عَلَيْهِ هو الأصَحُّ، لِأنَّ الضَّمِيرَ يَجِبُ عَوْدُهُ إلى أقْرَبِ المَذْكُورِينَ، ويَكُونُ ذَلِكَ كالوَعِيدِ والزَّجْرِ عَنِ المَعاصِي. انْتَهى. ولا يَتَرَجَّحُ بِالقُرْبِ إلّا إذا تَساوَيا مِن حَيْثُ المَعْنى، والإنْسانُ هُنا هو المُحَدَّثُ عَنْهُ والمُسْنَدُ إلَيْهِ الكَنُودُ، وأيْضًا فَتَناسُقُ الضَّمائِرِ لِواحِدٍ مَعَ صِحَّةِ المَعْنى أوْلى مِن جَعْلِهِما لِمُخْتَلِفَيْنِ، ولا سِيَّما إذا تَوَسَّطَ الضَّمِيرُ بَيْنَ ضَمِيرَيْنِ عائِدَيْنِ عَلى واحِدٍ. (وإنَّهُ) أيْ وإنَّ الإنْسانَ ﴿لِحُبِّ الخَيْرِ﴾ أيِ المالِ (لَشَدِيدٌ) أيْ قَوِيٌّ في حُبِّهِ، وقِيلَ: لَبَخِيلٌ بِالمالِ ضابِطٌ لَهُ، ويُقالُ لِلْبَخِيلِ: شَدِيدٌ ومُتَشَدِّدٌ، وقالَ طَرَفَةُ: ؎أرى المَوْتَ يَعْتامُ الكِرامَ ويَصْطَفِي ∗∗∗ عَقِيلَةَ مالِ الفاحِشِ المُتَشَدِّدِ وقالَ قَتادَةُ: الخَيْرُ مِن حَيْثُ وقَعَ في القُرْآنِ هو المالُ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ هَذا الخَيْرُ الدُّنْيَوِيُّ مِن مالٍ وصِحَّةٍ وجاهٍ عِنْدَ المُلُوكِ ونَحْوِهِ، لِأنَّ الكُفّارَ والجُهّالَ لا يَعْرِفُونَ غَيْرَ ذَلِكَ، فَأمّا المُحِبُّ في خَيْرِ الآخِرَةِ فَمَمْدُوحٌ مَرْجُوٌّ لَهُ الفَوْزُ، وقالَ الفَرّاءُ: نَظْمُ الآيَةِ أنْ يُقالَ: وإنَّهُ لَشَدِيدُ الحُبِّ لِلْخَيْرِ، فَلَمّا تَقَدَّمَ الحُبُّ قالَ لَشَدِيدٌ، وحَذَفَ مِن آخِرِهِ ذِكْرَ الحُبِّ؛ لِأنَّهُ قَدْ جَرى ذِكْرُهُ، ولِرُءُوسِ الآيِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِي يَوْمٍ عاصِفٍ﴾ [إبراهيم: ١٨]، والعُصُوفُ: لِلرِّيحِ لا لِلْأيّامِ، كَأنَّهُ قالَ: في يَوْمٍ عاصِفِ الرِّيحِ. انْتَهى. وقالَ غَيْرُهُ ما مَعْناهُ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ أصْلُهُ ذَلِكَ التَّرْكِيبَ، بَلِ اللّامُ في (لِحُبِّ) لامُ العِلَّةِ، أيْ وإنَّهُ لِأجْلِ حُبِّ المالِ لَبَخِيلٌ، أوْ وإنَّهُ لِحُبِّ المالِ وإيثارِهِ قَوِيٌّ مُطِيقٌ، وهو لِحُبِّ عِبادَةِ اللَّهِ وشُكْرِ نِعَمِهِ ضَعِيفٌ مُتَقاعِسٌ، تَقُولُ: هو شَدِيدٌ لِهَذا الأمْرِ وقَوِيٌّ لَهُ إذا كانَ مُطِيقًا لَهُ ضابِطًا. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ أرادَ: وإنَّهُ لِحُبِّ الخَيْراتِ غَيْرُ هَشٍّ مُنْبَسِطٍ، ولَكِنَّهُ شَدِيدٌ مُنْقَبِضٌ. ﴿أفَلا يَعْلَمُ﴾ تَوْقِيفٌ إلى ما يَئُولُ إلَيْهِ الإنْسانُ، ومَفْعُولُ يَعْلَمُ مَحْذُوفٌ وهو العامِلُ في الظَّرْفِ، أيْ أفَلا يَعْلَمُ مَآلَهُ ؟ ﴿إذا بُعْثِرَ﴾ وقالَ الحَوْفِيُّ: إذا ظَرْفٌ مُضافٌ إلى ﴿بُعْثِرَ﴾ والعامِلُ فِيهِ يَعْلَمُ. انْتَهى. ولَيْسَ بِمُتَّضِحٍ لِأنَّ المَعْنى: أفَلا يَعْلَمُ الآنَ ؟ وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿بُعْثِرَ﴾ بِالعَيْنِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: بِالحاءِ، وقَرَأ الأسْوَدُ بْنُ زَيْدٍ: (بَحَثَ)، وقَرَأ نَصْرُ بْنُ عاصِمٍ: (بَحْثَرَ) عَلى بِنائِهِ لِلْفاعِلِ، وقَرَأ ابْنُ يَعْمَرَ، ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ، ومُحَمَّدُ بْنُ أبِي سَعْدانَ: (وحَصَّلَ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، والجُمْهُورُ: مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ ابْنُ يَعْمَرَ أيْضًا ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ أيْضًا: (وحَصَلَ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ خَفِيفَ الصّادِ، والمَعْنى جُمِعَ ما في المُصْحَفِ، أيْ أُظْهِرَ مُحَصَّلًا مَجْمُوعًا، وقِيلَ: مُيِّزَ وكُشِفَ لِيَقَعَ الجَزاءُ عَلَيْهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: إنَّ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ (لَخَبِيرٌ) بِاللّامِ: هو اسْتِئْنافُ إخْبارٍ، والعامِلُ في (بِهِمْ) وفي ﴿يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ وهو تَعالى خَبِيرٌ دائِمًا لَكِنَّهُ ضَمَّنَ (خَبِيرٌ) مَعْنى مُجازٍ لَهم في ذَلِكَ اليَوْمِ، وقَرَأ أبُو السَّمّالِ والحَجّاجُ: بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وإسْقاطِ اللّامِ، ويَظْهَرُ في هَذِهِ القِراءَةِ تَسَلُّطُ يَعْلَمُ عَلى إنَّ، لَكِنَّهُ لا يُمْكِنُ إعْمالُ (خَبِيرٌ) في إذا لِكَوْنِهِ في صِلَةِ إنَّ المَصْدَرِيَّةِ، لَكِنَّهُ لا يُمْكِنُ أنْ يُقَدَّرَ لَهُ عامِلٌ فِيهِ مِن مَعْنى الكَلامِ، فَإنَّهُ قالَ: يَجْزِيهِمْ إذا بُعْثِرَ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ يَعْلَمُ مُعَلَّقَةً عَنِ العَمَلِ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ، وسَدَّتْ مَسَدَّ المَعْمُولِ في إنَّ، وفي خَبَرِها اللّامُ ظاهِرٌ، إذْ هي في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِيَعْلَمُ، وإذا العامِلُ فِيها مِن مَعْنى مَضْمُونِ الجُمْلَةِ تَقْدِيرُهُ: كَما قُلْنا يَجْزِيهِمْ إذا بُعْثِرَ.

العاديات 100:4

سُورَةُ العادِياتِ مَدَنِيَّةٌ، وهي إحْدى عَشْرَةَ آيَةً. ﷽ ﴿والعادِياتِ ضَبْحًا﴾ ﴿فالمُورِياتِ قَدْحًا﴾ ﴿فالمُغِيراتِ صُبْحًا﴾ ﴿فَأثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾ ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾ ﴿إنَّ الإنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ ﴿وإنَّهُ عَلى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ ﴿وإنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ ﴿أفَلا يَعْلَمُ إذا بُعْثِرَ ما في القُبُورِ﴾ ﴿وحُصِّلَ ما في الصُّدُورِ﴾ ﴿إنَّ رَبَّهم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ العادِيّاتُ: الجارِياتُ بِسُرْعَةٍ، وهو وصْفٌ، ويَأْتِي في التَّفْسِيرِ الخِلافُ في المَوْصُوفِ، الضَّبْحُ: تَصْوِيتٌ جَهِيرٌ عِنْدَ العَدْوِ الشَّدِيدِ، لَيْسَ بِصَهِيلٍ ولا رُغاءٍ ولا نُباحٍ، بَلْ هو غَيْرُ المُعْتادِ مِن صَوْتِ الحَيَوانِ الَّذِي يَضْبَحُ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: لَيْسَ يَضْبَحُ مِنَ الحَيَوانِ غَيْرَ الخَيْلِ والكِلابِ، قِيلَ: ولا يَصِحُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، لِأنَّ الإبِلَ تَضْبَحُ، والأسْوَدَ مِنَ الحَيّاتِ والبُومَ والصَّدى والأرْنَبَ والثَّعْلَبَ والقَوْسَ، كَما اسْتَعْمَلَتِ العَرَبُ لَها الضَّبْحَ، أنْشَدَ أبُو حَنِيفَةَ في صِفَةِ قَوْسٍ: ؎حَنّانَةٌ مِن نَشَمٍ أوْ تَألُّبٍ تَضْبَحُ في الكَفِّ ضِباحِ الثَّعْلَبِ وقالَ أهْلُ اللُّغَةِ: أصْلُهُ لِلثَّعْلَبِ، فاسْتُعِيرَ لِلْخَيْلِ، وهو مِن ضَبَحَتْهُ النّارُ: غَيَّرَتْ لَوْنَهُ ولَمْ تُبالِغْ فِيهِ، وانْضَبَحَ لَوْنُهُ: تَغَيَّرَ إلى السَّوادِ قَلِيلًا، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الضَّبْحُ والضَّبْعُ بِمَعْنى العَدْوِ الشَّدِيدِ، وكَذا قالَ المُبَرِّدُ: الضَّبْحُ مِن إضْباعِها في السَّيْرِ. القَدْحُ: الصَّكُّ، وقِيلَ: الِاسْتِخْراجُ، ومِنهُ قَدَحْتُ العَيْنَ: أخْرَجْتَ مِنها الفاسِدَ، والقَدّاحُ والقَدّاحَةُ والمِقْدَحَةُ: ما تُورى بِهِ النّارُ. أغارَ عَلى العَدُوِّ: قَصَدَهُ لِنَهْبٍ أوْ قَتْلٍ أوْ أسْرٍ. النَّقْعُ: الغُبارُ، قالَ الشّاعِرُ:(p-٥٠٣) ؎يَخْرُجْنَ مِن مُسْتَطارِ النَّقْعِ دامِيَةً ∗∗∗ كَأنَّ آذانَها أطْراقُ أقْلامِ وقالَ ابْنُ رَواحَةَ: ؎عَدِمْتُ بُنَيَّتِي إنْ لَمْ تَرَوْها ∗∗∗ تُثِيرُ النَّقْعَ مِن كَنَفَيْ كُداءِ وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: النَّقْعُ: رَفْعُ الصَّوْتِ، ومِنهُ قَوْلُ لَبِيدٍ: ؎فَمَتى يَنْقَعْ صُراخٌ صادِقٌ ∗∗∗ تَحْلِبُوها ذاتَ جَرْسٍ وزَجَلِ الكَنُودُ: الكَفُورُ لِلنِّعْمَةِ، قالَ الشّاعِرُ: ؎كَنُودٌ لِنَعْماءِ الرِّجالِ ومَن يَكُنْ ∗∗∗ كَنُودًا لِنَعْماءِ الرِّجالِ يَبْعُدُ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: الكَنُودُ، بِلِسانِ كِنْدَةَ وحَضْرَمَوْتَ: العاصِي، وبِلِسانِ رَبِيعَةَ ومُضَرَ: الكَفُورُ، وبِلِسانِ كِنانَةَ: البَخِيلُ السَّيِّئُ المَلَكَةِ، وقالَهُ مُقاتِلٌ، وقالَ الكَلْبِيُّ مِثْلَهُ إلّا أنَّهُ قالَ: وبِلِسانِ بَنِي مالِكٍ: البَخِيلُ، ولَمْ يَذْكُرْ حَضْرَمَوْتَ، ويُقالُ: كَنَدَ النِّعْمَةَ كُنُودًا، وقالَ أبُو زُبَيْدٍ في البَخِيلِ: ؎إنْ تَفُتْنِي فَلَمْ أطِبْ عَنْكَ نَفْسًا ∗∗∗ غَيْرَ أنِّي أُمْنى بِدَهْرٍ كَنُودِ حَصَّلَ الشَّيْءَ: جَمَعَهُ، وقِيلَ: مَيَّزَهُ مِن غَيْرِهِ، ومِنهُ قِيلَ لِلْمُنْخُلِ: المِحْصَلُ، وحَصَلَ الشَّيْءُ: ظَهَرَ واسْتَبانَ. ﴿والعادِياتِ ضَبْحًا﴾ ﴿فالمُورِياتِ قَدْحًا﴾ ﴿فالمُغِيراتِ صُبْحًا﴾ ﴿فَأثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾ ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾ ﴿إنَّ الإنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ ﴿وإنَّهُ عَلى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ ﴿وإنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ ﴿أفَلا يَعْلَمُ إذا بُعْثِرَ ما في القُبُورِ﴾ ﴿وحُصِّلَ ما في الصُّدُورِ﴾ ﴿إنَّ رَبَّهم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وجابِرٍ، والحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ، وعَطاءٍ، مَدَنِيَّةٌ في قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ، وأنَسٍ، وقَتادَةَ لِما ذَكَرَ فِيما قَبْلَها ما يَقْتَضِي تَهْدِيدًا ووَعِيدًا بِيَوْمِ القِيامَةِ، بِتَعْنِيفٍ لِمَن لا يَسْتَعِدُّ لِذَلِكَ اليَوْمِ، ومَن آثَرَ أمْرَ دُنْياهُ عَلى أمْرِ آخِرَتِهِ. والجُمْهُورُ مِن أهْلِ التَّفْسِيرِ واللُّغَةِ عَلى أنَّ العادِياتِ هُنا الخَيْلُ، تَعْدُو في سَبِيلِ اللَّهِ وتَضْبَحُ حالَةَ عَدْوِها، وقالَ عَنْتَرَةُ: ؎والخَيْلُ تَكْدَحُ حِينَ تَضْبَحُ ∗∗∗ في حِياضِ المَوْتِ ضَبْحا وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ، وعَلِيٌّ، وإبْراهِيمُ، والسُّدِّيُّ، ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: العادِياتُ: الإبِلُ، أقْسَمَ بِها حِينَ تَعْدُو مِن عَرَفَةَ ومِنَ المُزْدَلِفَةِ إذا دَفَعَ الحاجُّ، وبِأهْلِ غَزْوَةِ بَدْرٍ لَمْ يَكُنْ فِيها غَيْرُ فَرَسَيْنِ فَرَسٍ لِلزُّبَيْرِ وفَرَسٍ لِلْمِقْدادِ، وبِهَذا حَجَّ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ابْنَ عَبّاسٍ حِينَ تَمارَيا، فَرَجَعَ ابْنُ عَبّاسٍ إلى قَوْلِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وقالَتْ صَفِيَّةُ بِنْتُ عَبْدِ المُطَّلِبِ: ؎فَلا والعادِياتِ غَداةَ جَمْعٍ ∗∗∗ بِأيْدِيها إذا سَطَعَ الغُبارُ وانْتَصَبَ ﴿ضَبْحًا﴾ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ، أيْ يَضْبَحْنَ ضَبْحًا، أوْ عَلى أنَّهُ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ ضابِحاتٍ، أوْ عَلى المَصْدَرِ عَلى قَوْلِ أبِي عُبَيْدَةَ أنَّ مَعْناهُ العَدْوُ الشَّدِيدُ، فَهو مَنصُوبٌ بِالعادِياتِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ بِالعادِياتِ (p-٥٠٤)كَأنَّهُ قِيلَ: والضّابِحاتِ، لِأنَّ الضَّبْحَ يَكُونُ مَعَ العَدْوِ. انْتَهى. وإذا كانَ الضَّبْحُ مَعَ العَدْوِ، فَلا يَكُونُ مَعْنى (والعادِياتِ) مَعْنى الضّابِحاتِ، فَلا يَنْبَغِي أنْ يُفَسَّرَ بِهِ. ﴿فالمُورِياتِ قَدْحًا﴾ والإيراءُ: إخْراجُ النّارِ، أيْ تَقْدَحُ بِحَوافِرِها الحِجارَةَ فَيَتَطايَرُ مِنها النّارُ لِصَكِّ بَعْضِ الحِجارَةِ بَعْضًا، ويُقالُ: قَدَحَ فَأوْرى، وقَدَحَ فَأصْلَدَ، وتُسَمّى تِلْكَ النّارُ الَّتِي تَقْدَحُها الحَوافِرُ مِنَ الخَيْلِ أوِ الإبِلِ: نارَ الحُباحِبِ، قالَ الشّاعِرُ: ؎تَقُدُّ السَّلُوقِيَّ المُضاعَفَ نَسْجُهُ ∗∗∗ وتَوْقِدُ بِالصُّفّاحِ نارَ الحُباحِبِ وقِيلَ: ﴿فالمُورِياتِ قَدْحًا﴾ مَجازٌ، أوِ اسْتِعارَةٌ في الخَيْلِ تُشْعِلُ الحَرْبَ، قالَهُ قَتادَةُ، وقالَ تَعالى: ﴿كُلَّما أوْقَدُوا نارًا لِلْحَرْبِ أطْفَأها اللَّهُ﴾ [المائدة: ٦٤] . ويُقالُ: حَمِيَ الوَطِيسُ إذا اشْتَدَّ الحَرْبُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: المُورِياتُ: الجَماعَةُ الَّتِي تَمْكُرُ في الحَرْبِ، والعَرَبُ تَقُولُهُ إذا أرادَتِ المَكْرَ بِالرَّجُلِ: واللَّهِ لا يَكُونُ ذَلِكَ، ولَأُورِيَنَّ لَكَ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا: الَّتِي تُورِي نارَها بِاللَّيْلِ لِحاجَتِها وطَعامِها، وعَنْهُ أيْضًا: جَماعَةُ الغُزاةِ تُكْثِرُ النّارَ إرْهابًا، وقالَ عِكْرِمَةُ: ألْسِنَةُ الرِّجالِ تُورِي النّارَ مِن عَظِيمِ ما تَتَكَلَّمُ بِهِ، وتُظْهِرُ مِنَ الحُجَجِ والدَّلائِلِ، وإظْهارِ الحَقِّ وإبْطالِ الباطِلِ ﴿فالمُغِيراتِ صُبْحًا﴾ أيْ تُغِيرُ عَلى العَدُوِّ في الصُّبْحِ، ومَن قالَ هي الإبِلُ، قالَ العَرَبُ تَقُولُ: أغارَ إذا عَدا جَرْيًا، أيْ مِن مُزْدَلِفَةَ إلى مِنًى، أوْ في بَدْرٍ، وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ هَذِهِ الأوْصافَ لِذاتٍ واحِدَةٍ، لِعَطْفِها بِالفاءِ الَّتِي تَقْتَضِي التَّعْقِيبَ، والظّاهِرُ أنَّها الخَيْلُ الَّتِي يُجاهَدُ عَلَيْها العَدُوُّ مِنَ الكُفّارِ، ولا يُسْتَدَلُّ عَلى أنَّها الإبِلُ بِوَقْعَةِ بَدْرٍ، وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيها إلّا فَرَسانِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ أنَّ سَبَبَ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ هو وقْعَةُ بَدْرٍ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ لا يَكادُ يُوجَدُ أنَّ الإبِلَ جُوهِدَ عَلَيْها في سَبِيلِ اللَّهِ، بَلِ المَعْلُومُ أنَّهُ لا يُجاهَدُ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى إلّا عَلى الخَيْلِ في شَرْقِ البِلادِ وغَرْبِها. ﴿فَأثَرْنَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى اسْمِ الفاعِلِ الَّذِي هو صِلَةُ ألْ؛ لِأنَّهُ في مَعْنى الفِعْلِ، إذْ تَقْدِيرُهُ: فاللّاتِي عَدَوْنَ فَأغَرْنَ فَأثَرْنَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَعْطُوفٌ عَلى الفِعْلِ الَّذِي وُضِعَ اسْمُ الفاعِلِ مَوْضِعَهُ. انْتَهى. وتَقُولُ أصْحابُنا: هو مَعْطُوفٌ عَلى الِاسْمِ؛ لِأنَّهُ في مَعْنى الفِعْلِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فَأثَرْنَ﴾، ﴿فَوَسَطْنَ﴾ بِتَخْفِيفِ الثّاءِ والسِّينِ، وأبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِشَدِّهِما، وعَلِيٌّ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وقَتادَةُ، وابْنُ أبِي لَيْلى: بِشَدِّ السِّينِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: فَأثَرْنَ بِالتَّشْدِيدِ، بِمَعْنى: فَأظْهَرْنَ بِهِ غُبارًا؛ لِأنَّ التَّأْثِيرَ فِيهِ مَعْنى الإظْهارُ، أوْ قَلَبَ ثَوَرْنَ إلى وثُرْنَ، وقَلَبَ الواوَ هَمْزَةً، وقُرِئَ: (فَوَسَّطْنَ) بِالتَّشْدِيدِ لِلتَّعْدِيَةِ، والباءُ مَزِيدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ، كَقَوْلِهِ: (فَأْتُوا بِهِ) وهي مُبالَغَةٌ في وسَطْنَ. انْتَهى. أمّا قَوْلُهُ: أوْ قَلَبَ، فَتَمَحُّلٌ بارِدٌ، وأمّا أنَّ التَّشْدِيدَ لِلتَّعْدِيَةِ، فَقَدْ نَقَلُوا أنَّ وسَطَ مُخَفَّفًا ومُثَقَّلًا بِمَعْنًى واحِدٍ، وأنَّهُما لُغَتانِ، والضَّمِيرُ في بِهِ عائِدٌ في الأوَّلِ عَلى الصُّبْحِ، أيْ هَيَّجْنَ في ذَلِكَ الوَقْتِ غُبارًا، وفي بِهِ الثّانِي عَلى الصُّبْحِ، قِيلَ: أوْ عَلى النَّقْعِ، أيْ وسَطْنَ النَّقْعَ الجَمْعَ، فَيَكُونُ وسَطَهُ بِمَعْنى تَوَسُّطِهِ، وقالَ عَلِيٌّ وعَبْدُ اللَّهِ: ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾ أيِ الإبِلُ، و”جَمْعًا“ اسْمٌ لِلْمُزْدَلِفَةِ، ولَيْسَ بِجَمْعٍ مِنَ النّاسِ. وقالَ بِشْرُ بْنُ أبِي حازِمٍ: ؎فَوَسَطْنَ جَمْعَهم وأفْلَتَ حاجِبٌ ∗∗∗ تَحْتَ العَجاجَةِ في الغُبارِ الأقْتَمِ وقِيلَ: الضَّمِيرُ في بِهِ مَعًا يَعُودُ عَلى العَدْوِ الدّالِّ عَلَيْهِ ﴿والعادِياتِ﴾ أيْضًا. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى المَكانِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ المَعْنى، وإنْ لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ لِدَلالَةِ والعادِياتِ وما بَعْدَها عَلَيْهِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالنَّقْعِ هُنا الصِّياحُ، والظّاهِرُ أنَّ المُقْسَمَ بِهِ هو جِنْسُ العادِياتِ، ولَيْسَتْ (ألْ) فِيهِ لِلْعَهْدِ، والمُقْسَمُ عَلَيْهِ: ﴿إنَّ الإنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ وفي الحَدِيثِ: (الكَنُودُ يَأْكُلُ وحْدَهُ ويَمْنَعُ رِفْدَهُ ويَضْرِبُ عَبْدَهُ) . وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ: هو الجَحُودُ لِنِعْمَةِ اللَّهِ تَعالى، وعَنِ الحَسَنِ أيْضًا: هو اللّائِمُ لِرَبِّهِ، يَعُدُّ السَّيِّئاتِ ويَنْسى الحَسَناتِ. وقالَ الفُضَيْلُ: هو الَّذِي تُنْسِيهِ سَيِّئَةٌ واحِدَةٌ حَسَناتٍ كَثِيرَةً، ويُعامِلُ اللَّهَ عَلى عَقْدِ عِوَضٍ، وقالَ عَطاءٌ: (p-٥٠٥)هُوَ الَّذِي لا يُعْطِي في النّائِباتِ مَعَ قَوْمِهِ. وقِيلَ: البَخِيلُ، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أرْضٌ كَنُودٌ: لا تُنْبِتُ شَيْئًا، والظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ في (وإنَّهُ) عَلى ذَلِكَ ﴿لَشَهِيدٌ﴾ أيْ يَشْهَدُ عَلى كُنُودِهِ، ولا يَقْدِرُ أنْ يَجْحَدَهُ لِظُهُورِ أمْرِهِ، وقالَهُ الحَسَنُ ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ: هو عائِدٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، أيْ ورَبُّهُ شاهِدٌ عَلَيْهِ، وهو عَلى سَبِيلِ الوَعِيدِ. وقالَ التَّبْرِيزِيُّ: هو عائِدٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، ورَبُّهُ شاهِدٌ عَلَيْهِ هو الأصَحُّ، لِأنَّ الضَّمِيرَ يَجِبُ عَوْدُهُ إلى أقْرَبِ المَذْكُورِينَ، ويَكُونُ ذَلِكَ كالوَعِيدِ والزَّجْرِ عَنِ المَعاصِي. انْتَهى. ولا يَتَرَجَّحُ بِالقُرْبِ إلّا إذا تَساوَيا مِن حَيْثُ المَعْنى، والإنْسانُ هُنا هو المُحَدَّثُ عَنْهُ والمُسْنَدُ إلَيْهِ الكَنُودُ، وأيْضًا فَتَناسُقُ الضَّمائِرِ لِواحِدٍ مَعَ صِحَّةِ المَعْنى أوْلى مِن جَعْلِهِما لِمُخْتَلِفَيْنِ، ولا سِيَّما إذا تَوَسَّطَ الضَّمِيرُ بَيْنَ ضَمِيرَيْنِ عائِدَيْنِ عَلى واحِدٍ. (وإنَّهُ) أيْ وإنَّ الإنْسانَ ﴿لِحُبِّ الخَيْرِ﴾ أيِ المالِ (لَشَدِيدٌ) أيْ قَوِيٌّ في حُبِّهِ، وقِيلَ: لَبَخِيلٌ بِالمالِ ضابِطٌ لَهُ، ويُقالُ لِلْبَخِيلِ: شَدِيدٌ ومُتَشَدِّدٌ، وقالَ طَرَفَةُ: ؎أرى المَوْتَ يَعْتامُ الكِرامَ ويَصْطَفِي ∗∗∗ عَقِيلَةَ مالِ الفاحِشِ المُتَشَدِّدِ وقالَ قَتادَةُ: الخَيْرُ مِن حَيْثُ وقَعَ في القُرْآنِ هو المالُ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ هَذا الخَيْرُ الدُّنْيَوِيُّ مِن مالٍ وصِحَّةٍ وجاهٍ عِنْدَ المُلُوكِ ونَحْوِهِ، لِأنَّ الكُفّارَ والجُهّالَ لا يَعْرِفُونَ غَيْرَ ذَلِكَ، فَأمّا المُحِبُّ في خَيْرِ الآخِرَةِ فَمَمْدُوحٌ مَرْجُوٌّ لَهُ الفَوْزُ، وقالَ الفَرّاءُ: نَظْمُ الآيَةِ أنْ يُقالَ: وإنَّهُ لَشَدِيدُ الحُبِّ لِلْخَيْرِ، فَلَمّا تَقَدَّمَ الحُبُّ قالَ لَشَدِيدٌ، وحَذَفَ مِن آخِرِهِ ذِكْرَ الحُبِّ؛ لِأنَّهُ قَدْ جَرى ذِكْرُهُ، ولِرُءُوسِ الآيِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِي يَوْمٍ عاصِفٍ﴾ [إبراهيم: ١٨]، والعُصُوفُ: لِلرِّيحِ لا لِلْأيّامِ، كَأنَّهُ قالَ: في يَوْمٍ عاصِفِ الرِّيحِ. انْتَهى. وقالَ غَيْرُهُ ما مَعْناهُ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ أصْلُهُ ذَلِكَ التَّرْكِيبَ، بَلِ اللّامُ في (لِحُبِّ) لامُ العِلَّةِ، أيْ وإنَّهُ لِأجْلِ حُبِّ المالِ لَبَخِيلٌ، أوْ وإنَّهُ لِحُبِّ المالِ وإيثارِهِ قَوِيٌّ مُطِيقٌ، وهو لِحُبِّ عِبادَةِ اللَّهِ وشُكْرِ نِعَمِهِ ضَعِيفٌ مُتَقاعِسٌ، تَقُولُ: هو شَدِيدٌ لِهَذا الأمْرِ وقَوِيٌّ لَهُ إذا كانَ مُطِيقًا لَهُ ضابِطًا. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ أرادَ: وإنَّهُ لِحُبِّ الخَيْراتِ غَيْرُ هَشٍّ مُنْبَسِطٍ، ولَكِنَّهُ شَدِيدٌ مُنْقَبِضٌ. ﴿أفَلا يَعْلَمُ﴾ تَوْقِيفٌ إلى ما يَئُولُ إلَيْهِ الإنْسانُ، ومَفْعُولُ يَعْلَمُ مَحْذُوفٌ وهو العامِلُ في الظَّرْفِ، أيْ أفَلا يَعْلَمُ مَآلَهُ ؟ ﴿إذا بُعْثِرَ﴾ وقالَ الحَوْفِيُّ: إذا ظَرْفٌ مُضافٌ إلى ﴿بُعْثِرَ﴾ والعامِلُ فِيهِ يَعْلَمُ. انْتَهى. ولَيْسَ بِمُتَّضِحٍ لِأنَّ المَعْنى: أفَلا يَعْلَمُ الآنَ ؟ وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿بُعْثِرَ﴾ بِالعَيْنِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: بِالحاءِ، وقَرَأ الأسْوَدُ بْنُ زَيْدٍ: (بَحَثَ)، وقَرَأ نَصْرُ بْنُ عاصِمٍ: (بَحْثَرَ) عَلى بِنائِهِ لِلْفاعِلِ، وقَرَأ ابْنُ يَعْمَرَ، ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ، ومُحَمَّدُ بْنُ أبِي سَعْدانَ: (وحَصَّلَ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، والجُمْهُورُ: مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ ابْنُ يَعْمَرَ أيْضًا ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ أيْضًا: (وحَصَلَ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ خَفِيفَ الصّادِ، والمَعْنى جُمِعَ ما في المُصْحَفِ، أيْ أُظْهِرَ مُحَصَّلًا مَجْمُوعًا، وقِيلَ: مُيِّزَ وكُشِفَ لِيَقَعَ الجَزاءُ عَلَيْهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: إنَّ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ (لَخَبِيرٌ) بِاللّامِ: هو اسْتِئْنافُ إخْبارٍ، والعامِلُ في (بِهِمْ) وفي ﴿يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ وهو تَعالى خَبِيرٌ دائِمًا لَكِنَّهُ ضَمَّنَ (خَبِيرٌ) مَعْنى مُجازٍ لَهم في ذَلِكَ اليَوْمِ، وقَرَأ أبُو السَّمّالِ والحَجّاجُ: بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وإسْقاطِ اللّامِ، ويَظْهَرُ في هَذِهِ القِراءَةِ تَسَلُّطُ يَعْلَمُ عَلى إنَّ، لَكِنَّهُ لا يُمْكِنُ إعْمالُ (خَبِيرٌ) في إذا لِكَوْنِهِ في صِلَةِ إنَّ المَصْدَرِيَّةِ، لَكِنَّهُ لا يُمْكِنُ أنْ يُقَدَّرَ لَهُ عامِلٌ فِيهِ مِن مَعْنى الكَلامِ، فَإنَّهُ قالَ: يَجْزِيهِمْ إذا بُعْثِرَ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ يَعْلَمُ مُعَلَّقَةً عَنِ العَمَلِ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ، وسَدَّتْ مَسَدَّ المَعْمُولِ في إنَّ، وفي خَبَرِها اللّامُ ظاهِرٌ، إذْ هي في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِيَعْلَمُ، وإذا العامِلُ فِيها مِن مَعْنى مَضْمُونِ الجُمْلَةِ تَقْدِيرُهُ: كَما قُلْنا يَجْزِيهِمْ إذا بُعْثِرَ.

العاديات 100:5

سُورَةُ العادِياتِ مَدَنِيَّةٌ، وهي إحْدى عَشْرَةَ آيَةً. ﷽ ﴿والعادِياتِ ضَبْحًا﴾ ﴿فالمُورِياتِ قَدْحًا﴾ ﴿فالمُغِيراتِ صُبْحًا﴾ ﴿فَأثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾ ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾ ﴿إنَّ الإنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ ﴿وإنَّهُ عَلى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ ﴿وإنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ ﴿أفَلا يَعْلَمُ إذا بُعْثِرَ ما في القُبُورِ﴾ ﴿وحُصِّلَ ما في الصُّدُورِ﴾ ﴿إنَّ رَبَّهم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ العادِيّاتُ: الجارِياتُ بِسُرْعَةٍ، وهو وصْفٌ، ويَأْتِي في التَّفْسِيرِ الخِلافُ في المَوْصُوفِ، الضَّبْحُ: تَصْوِيتٌ جَهِيرٌ عِنْدَ العَدْوِ الشَّدِيدِ، لَيْسَ بِصَهِيلٍ ولا رُغاءٍ ولا نُباحٍ، بَلْ هو غَيْرُ المُعْتادِ مِن صَوْتِ الحَيَوانِ الَّذِي يَضْبَحُ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: لَيْسَ يَضْبَحُ مِنَ الحَيَوانِ غَيْرَ الخَيْلِ والكِلابِ، قِيلَ: ولا يَصِحُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، لِأنَّ الإبِلَ تَضْبَحُ، والأسْوَدَ مِنَ الحَيّاتِ والبُومَ والصَّدى والأرْنَبَ والثَّعْلَبَ والقَوْسَ، كَما اسْتَعْمَلَتِ العَرَبُ لَها الضَّبْحَ، أنْشَدَ أبُو حَنِيفَةَ في صِفَةِ قَوْسٍ: ؎حَنّانَةٌ مِن نَشَمٍ أوْ تَألُّبٍ تَضْبَحُ في الكَفِّ ضِباحِ الثَّعْلَبِ وقالَ أهْلُ اللُّغَةِ: أصْلُهُ لِلثَّعْلَبِ، فاسْتُعِيرَ لِلْخَيْلِ، وهو مِن ضَبَحَتْهُ النّارُ: غَيَّرَتْ لَوْنَهُ ولَمْ تُبالِغْ فِيهِ، وانْضَبَحَ لَوْنُهُ: تَغَيَّرَ إلى السَّوادِ قَلِيلًا، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الضَّبْحُ والضَّبْعُ بِمَعْنى العَدْوِ الشَّدِيدِ، وكَذا قالَ المُبَرِّدُ: الضَّبْحُ مِن إضْباعِها في السَّيْرِ. القَدْحُ: الصَّكُّ، وقِيلَ: الِاسْتِخْراجُ، ومِنهُ قَدَحْتُ العَيْنَ: أخْرَجْتَ مِنها الفاسِدَ، والقَدّاحُ والقَدّاحَةُ والمِقْدَحَةُ: ما تُورى بِهِ النّارُ. أغارَ عَلى العَدُوِّ: قَصَدَهُ لِنَهْبٍ أوْ قَتْلٍ أوْ أسْرٍ. النَّقْعُ: الغُبارُ، قالَ الشّاعِرُ:(p-٥٠٣) ؎يَخْرُجْنَ مِن مُسْتَطارِ النَّقْعِ دامِيَةً ∗∗∗ كَأنَّ آذانَها أطْراقُ أقْلامِ وقالَ ابْنُ رَواحَةَ: ؎عَدِمْتُ بُنَيَّتِي إنْ لَمْ تَرَوْها ∗∗∗ تُثِيرُ النَّقْعَ مِن كَنَفَيْ كُداءِ وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: النَّقْعُ: رَفْعُ الصَّوْتِ، ومِنهُ قَوْلُ لَبِيدٍ: ؎فَمَتى يَنْقَعْ صُراخٌ صادِقٌ ∗∗∗ تَحْلِبُوها ذاتَ جَرْسٍ وزَجَلِ الكَنُودُ: الكَفُورُ لِلنِّعْمَةِ، قالَ الشّاعِرُ: ؎كَنُودٌ لِنَعْماءِ الرِّجالِ ومَن يَكُنْ ∗∗∗ كَنُودًا لِنَعْماءِ الرِّجالِ يَبْعُدُ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: الكَنُودُ، بِلِسانِ كِنْدَةَ وحَضْرَمَوْتَ: العاصِي، وبِلِسانِ رَبِيعَةَ ومُضَرَ: الكَفُورُ، وبِلِسانِ كِنانَةَ: البَخِيلُ السَّيِّئُ المَلَكَةِ، وقالَهُ مُقاتِلٌ، وقالَ الكَلْبِيُّ مِثْلَهُ إلّا أنَّهُ قالَ: وبِلِسانِ بَنِي مالِكٍ: البَخِيلُ، ولَمْ يَذْكُرْ حَضْرَمَوْتَ، ويُقالُ: كَنَدَ النِّعْمَةَ كُنُودًا، وقالَ أبُو زُبَيْدٍ في البَخِيلِ: ؎إنْ تَفُتْنِي فَلَمْ أطِبْ عَنْكَ نَفْسًا ∗∗∗ غَيْرَ أنِّي أُمْنى بِدَهْرٍ كَنُودِ حَصَّلَ الشَّيْءَ: جَمَعَهُ، وقِيلَ: مَيَّزَهُ مِن غَيْرِهِ، ومِنهُ قِيلَ لِلْمُنْخُلِ: المِحْصَلُ، وحَصَلَ الشَّيْءُ: ظَهَرَ واسْتَبانَ. ﴿والعادِياتِ ضَبْحًا﴾ ﴿فالمُورِياتِ قَدْحًا﴾ ﴿فالمُغِيراتِ صُبْحًا﴾ ﴿فَأثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾ ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾ ﴿إنَّ الإنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ ﴿وإنَّهُ عَلى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ ﴿وإنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ ﴿أفَلا يَعْلَمُ إذا بُعْثِرَ ما في القُبُورِ﴾ ﴿وحُصِّلَ ما في الصُّدُورِ﴾ ﴿إنَّ رَبَّهم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وجابِرٍ، والحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ، وعَطاءٍ، مَدَنِيَّةٌ في قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ، وأنَسٍ، وقَتادَةَ لِما ذَكَرَ فِيما قَبْلَها ما يَقْتَضِي تَهْدِيدًا ووَعِيدًا بِيَوْمِ القِيامَةِ، بِتَعْنِيفٍ لِمَن لا يَسْتَعِدُّ لِذَلِكَ اليَوْمِ، ومَن آثَرَ أمْرَ دُنْياهُ عَلى أمْرِ آخِرَتِهِ. والجُمْهُورُ مِن أهْلِ التَّفْسِيرِ واللُّغَةِ عَلى أنَّ العادِياتِ هُنا الخَيْلُ، تَعْدُو في سَبِيلِ اللَّهِ وتَضْبَحُ حالَةَ عَدْوِها، وقالَ عَنْتَرَةُ: ؎والخَيْلُ تَكْدَحُ حِينَ تَضْبَحُ ∗∗∗ في حِياضِ المَوْتِ ضَبْحا وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ، وعَلِيٌّ، وإبْراهِيمُ، والسُّدِّيُّ، ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: العادِياتُ: الإبِلُ، أقْسَمَ بِها حِينَ تَعْدُو مِن عَرَفَةَ ومِنَ المُزْدَلِفَةِ إذا دَفَعَ الحاجُّ، وبِأهْلِ غَزْوَةِ بَدْرٍ لَمْ يَكُنْ فِيها غَيْرُ فَرَسَيْنِ فَرَسٍ لِلزُّبَيْرِ وفَرَسٍ لِلْمِقْدادِ، وبِهَذا حَجَّ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ابْنَ عَبّاسٍ حِينَ تَمارَيا، فَرَجَعَ ابْنُ عَبّاسٍ إلى قَوْلِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وقالَتْ صَفِيَّةُ بِنْتُ عَبْدِ المُطَّلِبِ: ؎فَلا والعادِياتِ غَداةَ جَمْعٍ ∗∗∗ بِأيْدِيها إذا سَطَعَ الغُبارُ وانْتَصَبَ ﴿ضَبْحًا﴾ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ، أيْ يَضْبَحْنَ ضَبْحًا، أوْ عَلى أنَّهُ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ ضابِحاتٍ، أوْ عَلى المَصْدَرِ عَلى قَوْلِ أبِي عُبَيْدَةَ أنَّ مَعْناهُ العَدْوُ الشَّدِيدُ، فَهو مَنصُوبٌ بِالعادِياتِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ بِالعادِياتِ (p-٥٠٤)كَأنَّهُ قِيلَ: والضّابِحاتِ، لِأنَّ الضَّبْحَ يَكُونُ مَعَ العَدْوِ. انْتَهى. وإذا كانَ الضَّبْحُ مَعَ العَدْوِ، فَلا يَكُونُ مَعْنى (والعادِياتِ) مَعْنى الضّابِحاتِ، فَلا يَنْبَغِي أنْ يُفَسَّرَ بِهِ. ﴿فالمُورِياتِ قَدْحًا﴾ والإيراءُ: إخْراجُ النّارِ، أيْ تَقْدَحُ بِحَوافِرِها الحِجارَةَ فَيَتَطايَرُ مِنها النّارُ لِصَكِّ بَعْضِ الحِجارَةِ بَعْضًا، ويُقالُ: قَدَحَ فَأوْرى، وقَدَحَ فَأصْلَدَ، وتُسَمّى تِلْكَ النّارُ الَّتِي تَقْدَحُها الحَوافِرُ مِنَ الخَيْلِ أوِ الإبِلِ: نارَ الحُباحِبِ، قالَ الشّاعِرُ: ؎تَقُدُّ السَّلُوقِيَّ المُضاعَفَ نَسْجُهُ ∗∗∗ وتَوْقِدُ بِالصُّفّاحِ نارَ الحُباحِبِ وقِيلَ: ﴿فالمُورِياتِ قَدْحًا﴾ مَجازٌ، أوِ اسْتِعارَةٌ في الخَيْلِ تُشْعِلُ الحَرْبَ، قالَهُ قَتادَةُ، وقالَ تَعالى: ﴿كُلَّما أوْقَدُوا نارًا لِلْحَرْبِ أطْفَأها اللَّهُ﴾ [المائدة: ٦٤] . ويُقالُ: حَمِيَ الوَطِيسُ إذا اشْتَدَّ الحَرْبُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: المُورِياتُ: الجَماعَةُ الَّتِي تَمْكُرُ في الحَرْبِ، والعَرَبُ تَقُولُهُ إذا أرادَتِ المَكْرَ بِالرَّجُلِ: واللَّهِ لا يَكُونُ ذَلِكَ، ولَأُورِيَنَّ لَكَ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا: الَّتِي تُورِي نارَها بِاللَّيْلِ لِحاجَتِها وطَعامِها، وعَنْهُ أيْضًا: جَماعَةُ الغُزاةِ تُكْثِرُ النّارَ إرْهابًا، وقالَ عِكْرِمَةُ: ألْسِنَةُ الرِّجالِ تُورِي النّارَ مِن عَظِيمِ ما تَتَكَلَّمُ بِهِ، وتُظْهِرُ مِنَ الحُجَجِ والدَّلائِلِ، وإظْهارِ الحَقِّ وإبْطالِ الباطِلِ ﴿فالمُغِيراتِ صُبْحًا﴾ أيْ تُغِيرُ عَلى العَدُوِّ في الصُّبْحِ، ومَن قالَ هي الإبِلُ، قالَ العَرَبُ تَقُولُ: أغارَ إذا عَدا جَرْيًا، أيْ مِن مُزْدَلِفَةَ إلى مِنًى، أوْ في بَدْرٍ، وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ هَذِهِ الأوْصافَ لِذاتٍ واحِدَةٍ، لِعَطْفِها بِالفاءِ الَّتِي تَقْتَضِي التَّعْقِيبَ، والظّاهِرُ أنَّها الخَيْلُ الَّتِي يُجاهَدُ عَلَيْها العَدُوُّ مِنَ الكُفّارِ، ولا يُسْتَدَلُّ عَلى أنَّها الإبِلُ بِوَقْعَةِ بَدْرٍ، وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيها إلّا فَرَسانِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ أنَّ سَبَبَ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ هو وقْعَةُ بَدْرٍ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ لا يَكادُ يُوجَدُ أنَّ الإبِلَ جُوهِدَ عَلَيْها في سَبِيلِ اللَّهِ، بَلِ المَعْلُومُ أنَّهُ لا يُجاهَدُ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى إلّا عَلى الخَيْلِ في شَرْقِ البِلادِ وغَرْبِها. ﴿فَأثَرْنَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى اسْمِ الفاعِلِ الَّذِي هو صِلَةُ ألْ؛ لِأنَّهُ في مَعْنى الفِعْلِ، إذْ تَقْدِيرُهُ: فاللّاتِي عَدَوْنَ فَأغَرْنَ فَأثَرْنَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَعْطُوفٌ عَلى الفِعْلِ الَّذِي وُضِعَ اسْمُ الفاعِلِ مَوْضِعَهُ. انْتَهى. وتَقُولُ أصْحابُنا: هو مَعْطُوفٌ عَلى الِاسْمِ؛ لِأنَّهُ في مَعْنى الفِعْلِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فَأثَرْنَ﴾، ﴿فَوَسَطْنَ﴾ بِتَخْفِيفِ الثّاءِ والسِّينِ، وأبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِشَدِّهِما، وعَلِيٌّ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وقَتادَةُ، وابْنُ أبِي لَيْلى: بِشَدِّ السِّينِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: فَأثَرْنَ بِالتَّشْدِيدِ، بِمَعْنى: فَأظْهَرْنَ بِهِ غُبارًا؛ لِأنَّ التَّأْثِيرَ فِيهِ مَعْنى الإظْهارُ، أوْ قَلَبَ ثَوَرْنَ إلى وثُرْنَ، وقَلَبَ الواوَ هَمْزَةً، وقُرِئَ: (فَوَسَّطْنَ) بِالتَّشْدِيدِ لِلتَّعْدِيَةِ، والباءُ مَزِيدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ، كَقَوْلِهِ: (فَأْتُوا بِهِ) وهي مُبالَغَةٌ في وسَطْنَ. انْتَهى. أمّا قَوْلُهُ: أوْ قَلَبَ، فَتَمَحُّلٌ بارِدٌ، وأمّا أنَّ التَّشْدِيدَ لِلتَّعْدِيَةِ، فَقَدْ نَقَلُوا أنَّ وسَطَ مُخَفَّفًا ومُثَقَّلًا بِمَعْنًى واحِدٍ، وأنَّهُما لُغَتانِ، والضَّمِيرُ في بِهِ عائِدٌ في الأوَّلِ عَلى الصُّبْحِ، أيْ هَيَّجْنَ في ذَلِكَ الوَقْتِ غُبارًا، وفي بِهِ الثّانِي عَلى الصُّبْحِ، قِيلَ: أوْ عَلى النَّقْعِ، أيْ وسَطْنَ النَّقْعَ الجَمْعَ، فَيَكُونُ وسَطَهُ بِمَعْنى تَوَسُّطِهِ، وقالَ عَلِيٌّ وعَبْدُ اللَّهِ: ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾ أيِ الإبِلُ، و”جَمْعًا“ اسْمٌ لِلْمُزْدَلِفَةِ، ولَيْسَ بِجَمْعٍ مِنَ النّاسِ. وقالَ بِشْرُ بْنُ أبِي حازِمٍ: ؎فَوَسَطْنَ جَمْعَهم وأفْلَتَ حاجِبٌ ∗∗∗ تَحْتَ العَجاجَةِ في الغُبارِ الأقْتَمِ وقِيلَ: الضَّمِيرُ في بِهِ مَعًا يَعُودُ عَلى العَدْوِ الدّالِّ عَلَيْهِ ﴿والعادِياتِ﴾ أيْضًا. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى المَكانِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ المَعْنى، وإنْ لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ لِدَلالَةِ والعادِياتِ وما بَعْدَها عَلَيْهِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالنَّقْعِ هُنا الصِّياحُ، والظّاهِرُ أنَّ المُقْسَمَ بِهِ هو جِنْسُ العادِياتِ، ولَيْسَتْ (ألْ) فِيهِ لِلْعَهْدِ، والمُقْسَمُ عَلَيْهِ: ﴿إنَّ الإنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ وفي الحَدِيثِ: (الكَنُودُ يَأْكُلُ وحْدَهُ ويَمْنَعُ رِفْدَهُ ويَضْرِبُ عَبْدَهُ) . وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ: هو الجَحُودُ لِنِعْمَةِ اللَّهِ تَعالى، وعَنِ الحَسَنِ أيْضًا: هو اللّائِمُ لِرَبِّهِ، يَعُدُّ السَّيِّئاتِ ويَنْسى الحَسَناتِ. وقالَ الفُضَيْلُ: هو الَّذِي تُنْسِيهِ سَيِّئَةٌ واحِدَةٌ حَسَناتٍ كَثِيرَةً، ويُعامِلُ اللَّهَ عَلى عَقْدِ عِوَضٍ، وقالَ عَطاءٌ: (p-٥٠٥)هُوَ الَّذِي لا يُعْطِي في النّائِباتِ مَعَ قَوْمِهِ. وقِيلَ: البَخِيلُ، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أرْضٌ كَنُودٌ: لا تُنْبِتُ شَيْئًا، والظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ في (وإنَّهُ) عَلى ذَلِكَ ﴿لَشَهِيدٌ﴾ أيْ يَشْهَدُ عَلى كُنُودِهِ، ولا يَقْدِرُ أنْ يَجْحَدَهُ لِظُهُورِ أمْرِهِ، وقالَهُ الحَسَنُ ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ: هو عائِدٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، أيْ ورَبُّهُ شاهِدٌ عَلَيْهِ، وهو عَلى سَبِيلِ الوَعِيدِ. وقالَ التَّبْرِيزِيُّ: هو عائِدٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، ورَبُّهُ شاهِدٌ عَلَيْهِ هو الأصَحُّ، لِأنَّ الضَّمِيرَ يَجِبُ عَوْدُهُ إلى أقْرَبِ المَذْكُورِينَ، ويَكُونُ ذَلِكَ كالوَعِيدِ والزَّجْرِ عَنِ المَعاصِي. انْتَهى. ولا يَتَرَجَّحُ بِالقُرْبِ إلّا إذا تَساوَيا مِن حَيْثُ المَعْنى، والإنْسانُ هُنا هو المُحَدَّثُ عَنْهُ والمُسْنَدُ إلَيْهِ الكَنُودُ، وأيْضًا فَتَناسُقُ الضَّمائِرِ لِواحِدٍ مَعَ صِحَّةِ المَعْنى أوْلى مِن جَعْلِهِما لِمُخْتَلِفَيْنِ، ولا سِيَّما إذا تَوَسَّطَ الضَّمِيرُ بَيْنَ ضَمِيرَيْنِ عائِدَيْنِ عَلى واحِدٍ. (وإنَّهُ) أيْ وإنَّ الإنْسانَ ﴿لِحُبِّ الخَيْرِ﴾ أيِ المالِ (لَشَدِيدٌ) أيْ قَوِيٌّ في حُبِّهِ، وقِيلَ: لَبَخِيلٌ بِالمالِ ضابِطٌ لَهُ، ويُقالُ لِلْبَخِيلِ: شَدِيدٌ ومُتَشَدِّدٌ، وقالَ طَرَفَةُ: ؎أرى المَوْتَ يَعْتامُ الكِرامَ ويَصْطَفِي ∗∗∗ عَقِيلَةَ مالِ الفاحِشِ المُتَشَدِّدِ وقالَ قَتادَةُ: الخَيْرُ مِن حَيْثُ وقَعَ في القُرْآنِ هو المالُ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ هَذا الخَيْرُ الدُّنْيَوِيُّ مِن مالٍ وصِحَّةٍ وجاهٍ عِنْدَ المُلُوكِ ونَحْوِهِ، لِأنَّ الكُفّارَ والجُهّالَ لا يَعْرِفُونَ غَيْرَ ذَلِكَ، فَأمّا المُحِبُّ في خَيْرِ الآخِرَةِ فَمَمْدُوحٌ مَرْجُوٌّ لَهُ الفَوْزُ، وقالَ الفَرّاءُ: نَظْمُ الآيَةِ أنْ يُقالَ: وإنَّهُ لَشَدِيدُ الحُبِّ لِلْخَيْرِ، فَلَمّا تَقَدَّمَ الحُبُّ قالَ لَشَدِيدٌ، وحَذَفَ مِن آخِرِهِ ذِكْرَ الحُبِّ؛ لِأنَّهُ قَدْ جَرى ذِكْرُهُ، ولِرُءُوسِ الآيِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِي يَوْمٍ عاصِفٍ﴾ [إبراهيم: ١٨]، والعُصُوفُ: لِلرِّيحِ لا لِلْأيّامِ، كَأنَّهُ قالَ: في يَوْمٍ عاصِفِ الرِّيحِ. انْتَهى. وقالَ غَيْرُهُ ما مَعْناهُ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ أصْلُهُ ذَلِكَ التَّرْكِيبَ، بَلِ اللّامُ في (لِحُبِّ) لامُ العِلَّةِ، أيْ وإنَّهُ لِأجْلِ حُبِّ المالِ لَبَخِيلٌ، أوْ وإنَّهُ لِحُبِّ المالِ وإيثارِهِ قَوِيٌّ مُطِيقٌ، وهو لِحُبِّ عِبادَةِ اللَّهِ وشُكْرِ نِعَمِهِ ضَعِيفٌ مُتَقاعِسٌ، تَقُولُ: هو شَدِيدٌ لِهَذا الأمْرِ وقَوِيٌّ لَهُ إذا كانَ مُطِيقًا لَهُ ضابِطًا. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ أرادَ: وإنَّهُ لِحُبِّ الخَيْراتِ غَيْرُ هَشٍّ مُنْبَسِطٍ، ولَكِنَّهُ شَدِيدٌ مُنْقَبِضٌ. ﴿أفَلا يَعْلَمُ﴾ تَوْقِيفٌ إلى ما يَئُولُ إلَيْهِ الإنْسانُ، ومَفْعُولُ يَعْلَمُ مَحْذُوفٌ وهو العامِلُ في الظَّرْفِ، أيْ أفَلا يَعْلَمُ مَآلَهُ ؟ ﴿إذا بُعْثِرَ﴾ وقالَ الحَوْفِيُّ: إذا ظَرْفٌ مُضافٌ إلى ﴿بُعْثِرَ﴾ والعامِلُ فِيهِ يَعْلَمُ. انْتَهى. ولَيْسَ بِمُتَّضِحٍ لِأنَّ المَعْنى: أفَلا يَعْلَمُ الآنَ ؟ وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿بُعْثِرَ﴾ بِالعَيْنِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: بِالحاءِ، وقَرَأ الأسْوَدُ بْنُ زَيْدٍ: (بَحَثَ)، وقَرَأ نَصْرُ بْنُ عاصِمٍ: (بَحْثَرَ) عَلى بِنائِهِ لِلْفاعِلِ، وقَرَأ ابْنُ يَعْمَرَ، ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ، ومُحَمَّدُ بْنُ أبِي سَعْدانَ: (وحَصَّلَ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، والجُمْهُورُ: مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ ابْنُ يَعْمَرَ أيْضًا ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ أيْضًا: (وحَصَلَ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ خَفِيفَ الصّادِ، والمَعْنى جُمِعَ ما في المُصْحَفِ، أيْ أُظْهِرَ مُحَصَّلًا مَجْمُوعًا، وقِيلَ: مُيِّزَ وكُشِفَ لِيَقَعَ الجَزاءُ عَلَيْهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: إنَّ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ (لَخَبِيرٌ) بِاللّامِ: هو اسْتِئْنافُ إخْبارٍ، والعامِلُ في (بِهِمْ) وفي ﴿يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ وهو تَعالى خَبِيرٌ دائِمًا لَكِنَّهُ ضَمَّنَ (خَبِيرٌ) مَعْنى مُجازٍ لَهم في ذَلِكَ اليَوْمِ، وقَرَأ أبُو السَّمّالِ والحَجّاجُ: بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وإسْقاطِ اللّامِ، ويَظْهَرُ في هَذِهِ القِراءَةِ تَسَلُّطُ يَعْلَمُ عَلى إنَّ، لَكِنَّهُ لا يُمْكِنُ إعْمالُ (خَبِيرٌ) في إذا لِكَوْنِهِ في صِلَةِ إنَّ المَصْدَرِيَّةِ، لَكِنَّهُ لا يُمْكِنُ أنْ يُقَدَّرَ لَهُ عامِلٌ فِيهِ مِن مَعْنى الكَلامِ، فَإنَّهُ قالَ: يَجْزِيهِمْ إذا بُعْثِرَ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ يَعْلَمُ مُعَلَّقَةً عَنِ العَمَلِ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ، وسَدَّتْ مَسَدَّ المَعْمُولِ في إنَّ، وفي خَبَرِها اللّامُ ظاهِرٌ، إذْ هي في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِيَعْلَمُ، وإذا العامِلُ فِيها مِن مَعْنى مَضْمُونِ الجُمْلَةِ تَقْدِيرُهُ: كَما قُلْنا يَجْزِيهِمْ إذا بُعْثِرَ.

العاديات 100:6

سُورَةُ العادِياتِ مَدَنِيَّةٌ، وهي إحْدى عَشْرَةَ آيَةً. ﷽ ﴿والعادِياتِ ضَبْحًا﴾ ﴿فالمُورِياتِ قَدْحًا﴾ ﴿فالمُغِيراتِ صُبْحًا﴾ ﴿فَأثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾ ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾ ﴿إنَّ الإنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ ﴿وإنَّهُ عَلى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ ﴿وإنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ ﴿أفَلا يَعْلَمُ إذا بُعْثِرَ ما في القُبُورِ﴾ ﴿وحُصِّلَ ما في الصُّدُورِ﴾ ﴿إنَّ رَبَّهم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ العادِيّاتُ: الجارِياتُ بِسُرْعَةٍ، وهو وصْفٌ، ويَأْتِي في التَّفْسِيرِ الخِلافُ في المَوْصُوفِ، الضَّبْحُ: تَصْوِيتٌ جَهِيرٌ عِنْدَ العَدْوِ الشَّدِيدِ، لَيْسَ بِصَهِيلٍ ولا رُغاءٍ ولا نُباحٍ، بَلْ هو غَيْرُ المُعْتادِ مِن صَوْتِ الحَيَوانِ الَّذِي يَضْبَحُ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: لَيْسَ يَضْبَحُ مِنَ الحَيَوانِ غَيْرَ الخَيْلِ والكِلابِ، قِيلَ: ولا يَصِحُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، لِأنَّ الإبِلَ تَضْبَحُ، والأسْوَدَ مِنَ الحَيّاتِ والبُومَ والصَّدى والأرْنَبَ والثَّعْلَبَ والقَوْسَ، كَما اسْتَعْمَلَتِ العَرَبُ لَها الضَّبْحَ، أنْشَدَ أبُو حَنِيفَةَ في صِفَةِ قَوْسٍ: ؎حَنّانَةٌ مِن نَشَمٍ أوْ تَألُّبٍ تَضْبَحُ في الكَفِّ ضِباحِ الثَّعْلَبِ وقالَ أهْلُ اللُّغَةِ: أصْلُهُ لِلثَّعْلَبِ، فاسْتُعِيرَ لِلْخَيْلِ، وهو مِن ضَبَحَتْهُ النّارُ: غَيَّرَتْ لَوْنَهُ ولَمْ تُبالِغْ فِيهِ، وانْضَبَحَ لَوْنُهُ: تَغَيَّرَ إلى السَّوادِ قَلِيلًا، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الضَّبْحُ والضَّبْعُ بِمَعْنى العَدْوِ الشَّدِيدِ، وكَذا قالَ المُبَرِّدُ: الضَّبْحُ مِن إضْباعِها في السَّيْرِ. القَدْحُ: الصَّكُّ، وقِيلَ: الِاسْتِخْراجُ، ومِنهُ قَدَحْتُ العَيْنَ: أخْرَجْتَ مِنها الفاسِدَ، والقَدّاحُ والقَدّاحَةُ والمِقْدَحَةُ: ما تُورى بِهِ النّارُ. أغارَ عَلى العَدُوِّ: قَصَدَهُ لِنَهْبٍ أوْ قَتْلٍ أوْ أسْرٍ. النَّقْعُ: الغُبارُ، قالَ الشّاعِرُ:(p-٥٠٣) ؎يَخْرُجْنَ مِن مُسْتَطارِ النَّقْعِ دامِيَةً ∗∗∗ كَأنَّ آذانَها أطْراقُ أقْلامِ وقالَ ابْنُ رَواحَةَ: ؎عَدِمْتُ بُنَيَّتِي إنْ لَمْ تَرَوْها ∗∗∗ تُثِيرُ النَّقْعَ مِن كَنَفَيْ كُداءِ وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: النَّقْعُ: رَفْعُ الصَّوْتِ، ومِنهُ قَوْلُ لَبِيدٍ: ؎فَمَتى يَنْقَعْ صُراخٌ صادِقٌ ∗∗∗ تَحْلِبُوها ذاتَ جَرْسٍ وزَجَلِ الكَنُودُ: الكَفُورُ لِلنِّعْمَةِ، قالَ الشّاعِرُ: ؎كَنُودٌ لِنَعْماءِ الرِّجالِ ومَن يَكُنْ ∗∗∗ كَنُودًا لِنَعْماءِ الرِّجالِ يَبْعُدُ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: الكَنُودُ، بِلِسانِ كِنْدَةَ وحَضْرَمَوْتَ: العاصِي، وبِلِسانِ رَبِيعَةَ ومُضَرَ: الكَفُورُ، وبِلِسانِ كِنانَةَ: البَخِيلُ السَّيِّئُ المَلَكَةِ، وقالَهُ مُقاتِلٌ، وقالَ الكَلْبِيُّ مِثْلَهُ إلّا أنَّهُ قالَ: وبِلِسانِ بَنِي مالِكٍ: البَخِيلُ، ولَمْ يَذْكُرْ حَضْرَمَوْتَ، ويُقالُ: كَنَدَ النِّعْمَةَ كُنُودًا، وقالَ أبُو زُبَيْدٍ في البَخِيلِ: ؎إنْ تَفُتْنِي فَلَمْ أطِبْ عَنْكَ نَفْسًا ∗∗∗ غَيْرَ أنِّي أُمْنى بِدَهْرٍ كَنُودِ حَصَّلَ الشَّيْءَ: جَمَعَهُ، وقِيلَ: مَيَّزَهُ مِن غَيْرِهِ، ومِنهُ قِيلَ لِلْمُنْخُلِ: المِحْصَلُ، وحَصَلَ الشَّيْءُ: ظَهَرَ واسْتَبانَ. ﴿والعادِياتِ ضَبْحًا﴾ ﴿فالمُورِياتِ قَدْحًا﴾ ﴿فالمُغِيراتِ صُبْحًا﴾ ﴿فَأثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾ ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾ ﴿إنَّ الإنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ ﴿وإنَّهُ عَلى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ ﴿وإنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ ﴿أفَلا يَعْلَمُ إذا بُعْثِرَ ما في القُبُورِ﴾ ﴿وحُصِّلَ ما في الصُّدُورِ﴾ ﴿إنَّ رَبَّهم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وجابِرٍ، والحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ، وعَطاءٍ، مَدَنِيَّةٌ في قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ، وأنَسٍ، وقَتادَةَ لِما ذَكَرَ فِيما قَبْلَها ما يَقْتَضِي تَهْدِيدًا ووَعِيدًا بِيَوْمِ القِيامَةِ، بِتَعْنِيفٍ لِمَن لا يَسْتَعِدُّ لِذَلِكَ اليَوْمِ، ومَن آثَرَ أمْرَ دُنْياهُ عَلى أمْرِ آخِرَتِهِ. والجُمْهُورُ مِن أهْلِ التَّفْسِيرِ واللُّغَةِ عَلى أنَّ العادِياتِ هُنا الخَيْلُ، تَعْدُو في سَبِيلِ اللَّهِ وتَضْبَحُ حالَةَ عَدْوِها، وقالَ عَنْتَرَةُ: ؎والخَيْلُ تَكْدَحُ حِينَ تَضْبَحُ ∗∗∗ في حِياضِ المَوْتِ ضَبْحا وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ، وعَلِيٌّ، وإبْراهِيمُ، والسُّدِّيُّ، ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: العادِياتُ: الإبِلُ، أقْسَمَ بِها حِينَ تَعْدُو مِن عَرَفَةَ ومِنَ المُزْدَلِفَةِ إذا دَفَعَ الحاجُّ، وبِأهْلِ غَزْوَةِ بَدْرٍ لَمْ يَكُنْ فِيها غَيْرُ فَرَسَيْنِ فَرَسٍ لِلزُّبَيْرِ وفَرَسٍ لِلْمِقْدادِ، وبِهَذا حَجَّ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ابْنَ عَبّاسٍ حِينَ تَمارَيا، فَرَجَعَ ابْنُ عَبّاسٍ إلى قَوْلِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وقالَتْ صَفِيَّةُ بِنْتُ عَبْدِ المُطَّلِبِ: ؎فَلا والعادِياتِ غَداةَ جَمْعٍ ∗∗∗ بِأيْدِيها إذا سَطَعَ الغُبارُ وانْتَصَبَ ﴿ضَبْحًا﴾ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ، أيْ يَضْبَحْنَ ضَبْحًا، أوْ عَلى أنَّهُ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ ضابِحاتٍ، أوْ عَلى المَصْدَرِ عَلى قَوْلِ أبِي عُبَيْدَةَ أنَّ مَعْناهُ العَدْوُ الشَّدِيدُ، فَهو مَنصُوبٌ بِالعادِياتِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ بِالعادِياتِ (p-٥٠٤)كَأنَّهُ قِيلَ: والضّابِحاتِ، لِأنَّ الضَّبْحَ يَكُونُ مَعَ العَدْوِ. انْتَهى. وإذا كانَ الضَّبْحُ مَعَ العَدْوِ، فَلا يَكُونُ مَعْنى (والعادِياتِ) مَعْنى الضّابِحاتِ، فَلا يَنْبَغِي أنْ يُفَسَّرَ بِهِ. ﴿فالمُورِياتِ قَدْحًا﴾ والإيراءُ: إخْراجُ النّارِ، أيْ تَقْدَحُ بِحَوافِرِها الحِجارَةَ فَيَتَطايَرُ مِنها النّارُ لِصَكِّ بَعْضِ الحِجارَةِ بَعْضًا، ويُقالُ: قَدَحَ فَأوْرى، وقَدَحَ فَأصْلَدَ، وتُسَمّى تِلْكَ النّارُ الَّتِي تَقْدَحُها الحَوافِرُ مِنَ الخَيْلِ أوِ الإبِلِ: نارَ الحُباحِبِ، قالَ الشّاعِرُ: ؎تَقُدُّ السَّلُوقِيَّ المُضاعَفَ نَسْجُهُ ∗∗∗ وتَوْقِدُ بِالصُّفّاحِ نارَ الحُباحِبِ وقِيلَ: ﴿فالمُورِياتِ قَدْحًا﴾ مَجازٌ، أوِ اسْتِعارَةٌ في الخَيْلِ تُشْعِلُ الحَرْبَ، قالَهُ قَتادَةُ، وقالَ تَعالى: ﴿كُلَّما أوْقَدُوا نارًا لِلْحَرْبِ أطْفَأها اللَّهُ﴾ [المائدة: ٦٤] . ويُقالُ: حَمِيَ الوَطِيسُ إذا اشْتَدَّ الحَرْبُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: المُورِياتُ: الجَماعَةُ الَّتِي تَمْكُرُ في الحَرْبِ، والعَرَبُ تَقُولُهُ إذا أرادَتِ المَكْرَ بِالرَّجُلِ: واللَّهِ لا يَكُونُ ذَلِكَ، ولَأُورِيَنَّ لَكَ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا: الَّتِي تُورِي نارَها بِاللَّيْلِ لِحاجَتِها وطَعامِها، وعَنْهُ أيْضًا: جَماعَةُ الغُزاةِ تُكْثِرُ النّارَ إرْهابًا، وقالَ عِكْرِمَةُ: ألْسِنَةُ الرِّجالِ تُورِي النّارَ مِن عَظِيمِ ما تَتَكَلَّمُ بِهِ، وتُظْهِرُ مِنَ الحُجَجِ والدَّلائِلِ، وإظْهارِ الحَقِّ وإبْطالِ الباطِلِ ﴿فالمُغِيراتِ صُبْحًا﴾ أيْ تُغِيرُ عَلى العَدُوِّ في الصُّبْحِ، ومَن قالَ هي الإبِلُ، قالَ العَرَبُ تَقُولُ: أغارَ إذا عَدا جَرْيًا، أيْ مِن مُزْدَلِفَةَ إلى مِنًى، أوْ في بَدْرٍ، وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ هَذِهِ الأوْصافَ لِذاتٍ واحِدَةٍ، لِعَطْفِها بِالفاءِ الَّتِي تَقْتَضِي التَّعْقِيبَ، والظّاهِرُ أنَّها الخَيْلُ الَّتِي يُجاهَدُ عَلَيْها العَدُوُّ مِنَ الكُفّارِ، ولا يُسْتَدَلُّ عَلى أنَّها الإبِلُ بِوَقْعَةِ بَدْرٍ، وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيها إلّا فَرَسانِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ أنَّ سَبَبَ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ هو وقْعَةُ بَدْرٍ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ لا يَكادُ يُوجَدُ أنَّ الإبِلَ جُوهِدَ عَلَيْها في سَبِيلِ اللَّهِ، بَلِ المَعْلُومُ أنَّهُ لا يُجاهَدُ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى إلّا عَلى الخَيْلِ في شَرْقِ البِلادِ وغَرْبِها. ﴿فَأثَرْنَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى اسْمِ الفاعِلِ الَّذِي هو صِلَةُ ألْ؛ لِأنَّهُ في مَعْنى الفِعْلِ، إذْ تَقْدِيرُهُ: فاللّاتِي عَدَوْنَ فَأغَرْنَ فَأثَرْنَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَعْطُوفٌ عَلى الفِعْلِ الَّذِي وُضِعَ اسْمُ الفاعِلِ مَوْضِعَهُ. انْتَهى. وتَقُولُ أصْحابُنا: هو مَعْطُوفٌ عَلى الِاسْمِ؛ لِأنَّهُ في مَعْنى الفِعْلِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فَأثَرْنَ﴾، ﴿فَوَسَطْنَ﴾ بِتَخْفِيفِ الثّاءِ والسِّينِ، وأبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِشَدِّهِما، وعَلِيٌّ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وقَتادَةُ، وابْنُ أبِي لَيْلى: بِشَدِّ السِّينِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: فَأثَرْنَ بِالتَّشْدِيدِ، بِمَعْنى: فَأظْهَرْنَ بِهِ غُبارًا؛ لِأنَّ التَّأْثِيرَ فِيهِ مَعْنى الإظْهارُ، أوْ قَلَبَ ثَوَرْنَ إلى وثُرْنَ، وقَلَبَ الواوَ هَمْزَةً، وقُرِئَ: (فَوَسَّطْنَ) بِالتَّشْدِيدِ لِلتَّعْدِيَةِ، والباءُ مَزِيدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ، كَقَوْلِهِ: (فَأْتُوا بِهِ) وهي مُبالَغَةٌ في وسَطْنَ. انْتَهى. أمّا قَوْلُهُ: أوْ قَلَبَ، فَتَمَحُّلٌ بارِدٌ، وأمّا أنَّ التَّشْدِيدَ لِلتَّعْدِيَةِ، فَقَدْ نَقَلُوا أنَّ وسَطَ مُخَفَّفًا ومُثَقَّلًا بِمَعْنًى واحِدٍ، وأنَّهُما لُغَتانِ، والضَّمِيرُ في بِهِ عائِدٌ في الأوَّلِ عَلى الصُّبْحِ، أيْ هَيَّجْنَ في ذَلِكَ الوَقْتِ غُبارًا، وفي بِهِ الثّانِي عَلى الصُّبْحِ، قِيلَ: أوْ عَلى النَّقْعِ، أيْ وسَطْنَ النَّقْعَ الجَمْعَ، فَيَكُونُ وسَطَهُ بِمَعْنى تَوَسُّطِهِ، وقالَ عَلِيٌّ وعَبْدُ اللَّهِ: ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾ أيِ الإبِلُ، و”جَمْعًا“ اسْمٌ لِلْمُزْدَلِفَةِ، ولَيْسَ بِجَمْعٍ مِنَ النّاسِ. وقالَ بِشْرُ بْنُ أبِي حازِمٍ: ؎فَوَسَطْنَ جَمْعَهم وأفْلَتَ حاجِبٌ ∗∗∗ تَحْتَ العَجاجَةِ في الغُبارِ الأقْتَمِ وقِيلَ: الضَّمِيرُ في بِهِ مَعًا يَعُودُ عَلى العَدْوِ الدّالِّ عَلَيْهِ ﴿والعادِياتِ﴾ أيْضًا. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى المَكانِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ المَعْنى، وإنْ لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ لِدَلالَةِ والعادِياتِ وما بَعْدَها عَلَيْهِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالنَّقْعِ هُنا الصِّياحُ، والظّاهِرُ أنَّ المُقْسَمَ بِهِ هو جِنْسُ العادِياتِ، ولَيْسَتْ (ألْ) فِيهِ لِلْعَهْدِ، والمُقْسَمُ عَلَيْهِ: ﴿إنَّ الإنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ وفي الحَدِيثِ: (الكَنُودُ يَأْكُلُ وحْدَهُ ويَمْنَعُ رِفْدَهُ ويَضْرِبُ عَبْدَهُ) . وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ: هو الجَحُودُ لِنِعْمَةِ اللَّهِ تَعالى، وعَنِ الحَسَنِ أيْضًا: هو اللّائِمُ لِرَبِّهِ، يَعُدُّ السَّيِّئاتِ ويَنْسى الحَسَناتِ. وقالَ الفُضَيْلُ: هو الَّذِي تُنْسِيهِ سَيِّئَةٌ واحِدَةٌ حَسَناتٍ كَثِيرَةً، ويُعامِلُ اللَّهَ عَلى عَقْدِ عِوَضٍ، وقالَ عَطاءٌ: (p-٥٠٥)هُوَ الَّذِي لا يُعْطِي في النّائِباتِ مَعَ قَوْمِهِ. وقِيلَ: البَخِيلُ، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أرْضٌ كَنُودٌ: لا تُنْبِتُ شَيْئًا، والظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ في (وإنَّهُ) عَلى ذَلِكَ ﴿لَشَهِيدٌ﴾ أيْ يَشْهَدُ عَلى كُنُودِهِ، ولا يَقْدِرُ أنْ يَجْحَدَهُ لِظُهُورِ أمْرِهِ، وقالَهُ الحَسَنُ ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ: هو عائِدٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، أيْ ورَبُّهُ شاهِدٌ عَلَيْهِ، وهو عَلى سَبِيلِ الوَعِيدِ. وقالَ التَّبْرِيزِيُّ: هو عائِدٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، ورَبُّهُ شاهِدٌ عَلَيْهِ هو الأصَحُّ، لِأنَّ الضَّمِيرَ يَجِبُ عَوْدُهُ إلى أقْرَبِ المَذْكُورِينَ، ويَكُونُ ذَلِكَ كالوَعِيدِ والزَّجْرِ عَنِ المَعاصِي. انْتَهى. ولا يَتَرَجَّحُ بِالقُرْبِ إلّا إذا تَساوَيا مِن حَيْثُ المَعْنى، والإنْسانُ هُنا هو المُحَدَّثُ عَنْهُ والمُسْنَدُ إلَيْهِ الكَنُودُ، وأيْضًا فَتَناسُقُ الضَّمائِرِ لِواحِدٍ مَعَ صِحَّةِ المَعْنى أوْلى مِن جَعْلِهِما لِمُخْتَلِفَيْنِ، ولا سِيَّما إذا تَوَسَّطَ الضَّمِيرُ بَيْنَ ضَمِيرَيْنِ عائِدَيْنِ عَلى واحِدٍ. (وإنَّهُ) أيْ وإنَّ الإنْسانَ ﴿لِحُبِّ الخَيْرِ﴾ أيِ المالِ (لَشَدِيدٌ) أيْ قَوِيٌّ في حُبِّهِ، وقِيلَ: لَبَخِيلٌ بِالمالِ ضابِطٌ لَهُ، ويُقالُ لِلْبَخِيلِ: شَدِيدٌ ومُتَشَدِّدٌ، وقالَ طَرَفَةُ: ؎أرى المَوْتَ يَعْتامُ الكِرامَ ويَصْطَفِي ∗∗∗ عَقِيلَةَ مالِ الفاحِشِ المُتَشَدِّدِ وقالَ قَتادَةُ: الخَيْرُ مِن حَيْثُ وقَعَ في القُرْآنِ هو المالُ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ هَذا الخَيْرُ الدُّنْيَوِيُّ مِن مالٍ وصِحَّةٍ وجاهٍ عِنْدَ المُلُوكِ ونَحْوِهِ، لِأنَّ الكُفّارَ والجُهّالَ لا يَعْرِفُونَ غَيْرَ ذَلِكَ، فَأمّا المُحِبُّ في خَيْرِ الآخِرَةِ فَمَمْدُوحٌ مَرْجُوٌّ لَهُ الفَوْزُ، وقالَ الفَرّاءُ: نَظْمُ الآيَةِ أنْ يُقالَ: وإنَّهُ لَشَدِيدُ الحُبِّ لِلْخَيْرِ، فَلَمّا تَقَدَّمَ الحُبُّ قالَ لَشَدِيدٌ، وحَذَفَ مِن آخِرِهِ ذِكْرَ الحُبِّ؛ لِأنَّهُ قَدْ جَرى ذِكْرُهُ، ولِرُءُوسِ الآيِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِي يَوْمٍ عاصِفٍ﴾ [إبراهيم: ١٨]، والعُصُوفُ: لِلرِّيحِ لا لِلْأيّامِ، كَأنَّهُ قالَ: في يَوْمٍ عاصِفِ الرِّيحِ. انْتَهى. وقالَ غَيْرُهُ ما مَعْناهُ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ أصْلُهُ ذَلِكَ التَّرْكِيبَ، بَلِ اللّامُ في (لِحُبِّ) لامُ العِلَّةِ، أيْ وإنَّهُ لِأجْلِ حُبِّ المالِ لَبَخِيلٌ، أوْ وإنَّهُ لِحُبِّ المالِ وإيثارِهِ قَوِيٌّ مُطِيقٌ، وهو لِحُبِّ عِبادَةِ اللَّهِ وشُكْرِ نِعَمِهِ ضَعِيفٌ مُتَقاعِسٌ، تَقُولُ: هو شَدِيدٌ لِهَذا الأمْرِ وقَوِيٌّ لَهُ إذا كانَ مُطِيقًا لَهُ ضابِطًا. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ أرادَ: وإنَّهُ لِحُبِّ الخَيْراتِ غَيْرُ هَشٍّ مُنْبَسِطٍ، ولَكِنَّهُ شَدِيدٌ مُنْقَبِضٌ. ﴿أفَلا يَعْلَمُ﴾ تَوْقِيفٌ إلى ما يَئُولُ إلَيْهِ الإنْسانُ، ومَفْعُولُ يَعْلَمُ مَحْذُوفٌ وهو العامِلُ في الظَّرْفِ، أيْ أفَلا يَعْلَمُ مَآلَهُ ؟ ﴿إذا بُعْثِرَ﴾ وقالَ الحَوْفِيُّ: إذا ظَرْفٌ مُضافٌ إلى ﴿بُعْثِرَ﴾ والعامِلُ فِيهِ يَعْلَمُ. انْتَهى. ولَيْسَ بِمُتَّضِحٍ لِأنَّ المَعْنى: أفَلا يَعْلَمُ الآنَ ؟ وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿بُعْثِرَ﴾ بِالعَيْنِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: بِالحاءِ، وقَرَأ الأسْوَدُ بْنُ زَيْدٍ: (بَحَثَ)، وقَرَأ نَصْرُ بْنُ عاصِمٍ: (بَحْثَرَ) عَلى بِنائِهِ لِلْفاعِلِ، وقَرَأ ابْنُ يَعْمَرَ، ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ، ومُحَمَّدُ بْنُ أبِي سَعْدانَ: (وحَصَّلَ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، والجُمْهُورُ: مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ ابْنُ يَعْمَرَ أيْضًا ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ أيْضًا: (وحَصَلَ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ خَفِيفَ الصّادِ، والمَعْنى جُمِعَ ما في المُصْحَفِ، أيْ أُظْهِرَ مُحَصَّلًا مَجْمُوعًا، وقِيلَ: مُيِّزَ وكُشِفَ لِيَقَعَ الجَزاءُ عَلَيْهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: إنَّ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ (لَخَبِيرٌ) بِاللّامِ: هو اسْتِئْنافُ إخْبارٍ، والعامِلُ في (بِهِمْ) وفي ﴿يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ وهو تَعالى خَبِيرٌ دائِمًا لَكِنَّهُ ضَمَّنَ (خَبِيرٌ) مَعْنى مُجازٍ لَهم في ذَلِكَ اليَوْمِ، وقَرَأ أبُو السَّمّالِ والحَجّاجُ: بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وإسْقاطِ اللّامِ، ويَظْهَرُ في هَذِهِ القِراءَةِ تَسَلُّطُ يَعْلَمُ عَلى إنَّ، لَكِنَّهُ لا يُمْكِنُ إعْمالُ (خَبِيرٌ) في إذا لِكَوْنِهِ في صِلَةِ إنَّ المَصْدَرِيَّةِ، لَكِنَّهُ لا يُمْكِنُ أنْ يُقَدَّرَ لَهُ عامِلٌ فِيهِ مِن مَعْنى الكَلامِ، فَإنَّهُ قالَ: يَجْزِيهِمْ إذا بُعْثِرَ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ يَعْلَمُ مُعَلَّقَةً عَنِ العَمَلِ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ، وسَدَّتْ مَسَدَّ المَعْمُولِ في إنَّ، وفي خَبَرِها اللّامُ ظاهِرٌ، إذْ هي في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِيَعْلَمُ، وإذا العامِلُ فِيها مِن مَعْنى مَضْمُونِ الجُمْلَةِ تَقْدِيرُهُ: كَما قُلْنا يَجْزِيهِمْ إذا بُعْثِرَ.

العاديات 100:7

سُورَةُ العادِياتِ مَدَنِيَّةٌ، وهي إحْدى عَشْرَةَ آيَةً. ﷽ ﴿والعادِياتِ ضَبْحًا﴾ ﴿فالمُورِياتِ قَدْحًا﴾ ﴿فالمُغِيراتِ صُبْحًا﴾ ﴿فَأثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾ ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾ ﴿إنَّ الإنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ ﴿وإنَّهُ عَلى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ ﴿وإنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ ﴿أفَلا يَعْلَمُ إذا بُعْثِرَ ما في القُبُورِ﴾ ﴿وحُصِّلَ ما في الصُّدُورِ﴾ ﴿إنَّ رَبَّهم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ العادِيّاتُ: الجارِياتُ بِسُرْعَةٍ، وهو وصْفٌ، ويَأْتِي في التَّفْسِيرِ الخِلافُ في المَوْصُوفِ، الضَّبْحُ: تَصْوِيتٌ جَهِيرٌ عِنْدَ العَدْوِ الشَّدِيدِ، لَيْسَ بِصَهِيلٍ ولا رُغاءٍ ولا نُباحٍ، بَلْ هو غَيْرُ المُعْتادِ مِن صَوْتِ الحَيَوانِ الَّذِي يَضْبَحُ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: لَيْسَ يَضْبَحُ مِنَ الحَيَوانِ غَيْرَ الخَيْلِ والكِلابِ، قِيلَ: ولا يَصِحُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، لِأنَّ الإبِلَ تَضْبَحُ، والأسْوَدَ مِنَ الحَيّاتِ والبُومَ والصَّدى والأرْنَبَ والثَّعْلَبَ والقَوْسَ، كَما اسْتَعْمَلَتِ العَرَبُ لَها الضَّبْحَ، أنْشَدَ أبُو حَنِيفَةَ في صِفَةِ قَوْسٍ: ؎حَنّانَةٌ مِن نَشَمٍ أوْ تَألُّبٍ تَضْبَحُ في الكَفِّ ضِباحِ الثَّعْلَبِ وقالَ أهْلُ اللُّغَةِ: أصْلُهُ لِلثَّعْلَبِ، فاسْتُعِيرَ لِلْخَيْلِ، وهو مِن ضَبَحَتْهُ النّارُ: غَيَّرَتْ لَوْنَهُ ولَمْ تُبالِغْ فِيهِ، وانْضَبَحَ لَوْنُهُ: تَغَيَّرَ إلى السَّوادِ قَلِيلًا، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الضَّبْحُ والضَّبْعُ بِمَعْنى العَدْوِ الشَّدِيدِ، وكَذا قالَ المُبَرِّدُ: الضَّبْحُ مِن إضْباعِها في السَّيْرِ. القَدْحُ: الصَّكُّ، وقِيلَ: الِاسْتِخْراجُ، ومِنهُ قَدَحْتُ العَيْنَ: أخْرَجْتَ مِنها الفاسِدَ، والقَدّاحُ والقَدّاحَةُ والمِقْدَحَةُ: ما تُورى بِهِ النّارُ. أغارَ عَلى العَدُوِّ: قَصَدَهُ لِنَهْبٍ أوْ قَتْلٍ أوْ أسْرٍ. النَّقْعُ: الغُبارُ، قالَ الشّاعِرُ:(p-٥٠٣) ؎يَخْرُجْنَ مِن مُسْتَطارِ النَّقْعِ دامِيَةً ∗∗∗ كَأنَّ آذانَها أطْراقُ أقْلامِ وقالَ ابْنُ رَواحَةَ: ؎عَدِمْتُ بُنَيَّتِي إنْ لَمْ تَرَوْها ∗∗∗ تُثِيرُ النَّقْعَ مِن كَنَفَيْ كُداءِ وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: النَّقْعُ: رَفْعُ الصَّوْتِ، ومِنهُ قَوْلُ لَبِيدٍ: ؎فَمَتى يَنْقَعْ صُراخٌ صادِقٌ ∗∗∗ تَحْلِبُوها ذاتَ جَرْسٍ وزَجَلِ الكَنُودُ: الكَفُورُ لِلنِّعْمَةِ، قالَ الشّاعِرُ: ؎كَنُودٌ لِنَعْماءِ الرِّجالِ ومَن يَكُنْ ∗∗∗ كَنُودًا لِنَعْماءِ الرِّجالِ يَبْعُدُ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: الكَنُودُ، بِلِسانِ كِنْدَةَ وحَضْرَمَوْتَ: العاصِي، وبِلِسانِ رَبِيعَةَ ومُضَرَ: الكَفُورُ، وبِلِسانِ كِنانَةَ: البَخِيلُ السَّيِّئُ المَلَكَةِ، وقالَهُ مُقاتِلٌ، وقالَ الكَلْبِيُّ مِثْلَهُ إلّا أنَّهُ قالَ: وبِلِسانِ بَنِي مالِكٍ: البَخِيلُ، ولَمْ يَذْكُرْ حَضْرَمَوْتَ، ويُقالُ: كَنَدَ النِّعْمَةَ كُنُودًا، وقالَ أبُو زُبَيْدٍ في البَخِيلِ: ؎إنْ تَفُتْنِي فَلَمْ أطِبْ عَنْكَ نَفْسًا ∗∗∗ غَيْرَ أنِّي أُمْنى بِدَهْرٍ كَنُودِ حَصَّلَ الشَّيْءَ: جَمَعَهُ، وقِيلَ: مَيَّزَهُ مِن غَيْرِهِ، ومِنهُ قِيلَ لِلْمُنْخُلِ: المِحْصَلُ، وحَصَلَ الشَّيْءُ: ظَهَرَ واسْتَبانَ. ﴿والعادِياتِ ضَبْحًا﴾ ﴿فالمُورِياتِ قَدْحًا﴾ ﴿فالمُغِيراتِ صُبْحًا﴾ ﴿فَأثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾ ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾ ﴿إنَّ الإنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ ﴿وإنَّهُ عَلى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ ﴿وإنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ ﴿أفَلا يَعْلَمُ إذا بُعْثِرَ ما في القُبُورِ﴾ ﴿وحُصِّلَ ما في الصُّدُورِ﴾ ﴿إنَّ رَبَّهم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وجابِرٍ، والحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ، وعَطاءٍ، مَدَنِيَّةٌ في قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ، وأنَسٍ، وقَتادَةَ لِما ذَكَرَ فِيما قَبْلَها ما يَقْتَضِي تَهْدِيدًا ووَعِيدًا بِيَوْمِ القِيامَةِ، بِتَعْنِيفٍ لِمَن لا يَسْتَعِدُّ لِذَلِكَ اليَوْمِ، ومَن آثَرَ أمْرَ دُنْياهُ عَلى أمْرِ آخِرَتِهِ. والجُمْهُورُ مِن أهْلِ التَّفْسِيرِ واللُّغَةِ عَلى أنَّ العادِياتِ هُنا الخَيْلُ، تَعْدُو في سَبِيلِ اللَّهِ وتَضْبَحُ حالَةَ عَدْوِها، وقالَ عَنْتَرَةُ: ؎والخَيْلُ تَكْدَحُ حِينَ تَضْبَحُ ∗∗∗ في حِياضِ المَوْتِ ضَبْحا وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ، وعَلِيٌّ، وإبْراهِيمُ، والسُّدِّيُّ، ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: العادِياتُ: الإبِلُ، أقْسَمَ بِها حِينَ تَعْدُو مِن عَرَفَةَ ومِنَ المُزْدَلِفَةِ إذا دَفَعَ الحاجُّ، وبِأهْلِ غَزْوَةِ بَدْرٍ لَمْ يَكُنْ فِيها غَيْرُ فَرَسَيْنِ فَرَسٍ لِلزُّبَيْرِ وفَرَسٍ لِلْمِقْدادِ، وبِهَذا حَجَّ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ابْنَ عَبّاسٍ حِينَ تَمارَيا، فَرَجَعَ ابْنُ عَبّاسٍ إلى قَوْلِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وقالَتْ صَفِيَّةُ بِنْتُ عَبْدِ المُطَّلِبِ: ؎فَلا والعادِياتِ غَداةَ جَمْعٍ ∗∗∗ بِأيْدِيها إذا سَطَعَ الغُبارُ وانْتَصَبَ ﴿ضَبْحًا﴾ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ، أيْ يَضْبَحْنَ ضَبْحًا، أوْ عَلى أنَّهُ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ ضابِحاتٍ، أوْ عَلى المَصْدَرِ عَلى قَوْلِ أبِي عُبَيْدَةَ أنَّ مَعْناهُ العَدْوُ الشَّدِيدُ، فَهو مَنصُوبٌ بِالعادِياتِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ بِالعادِياتِ (p-٥٠٤)كَأنَّهُ قِيلَ: والضّابِحاتِ، لِأنَّ الضَّبْحَ يَكُونُ مَعَ العَدْوِ. انْتَهى. وإذا كانَ الضَّبْحُ مَعَ العَدْوِ، فَلا يَكُونُ مَعْنى (والعادِياتِ) مَعْنى الضّابِحاتِ، فَلا يَنْبَغِي أنْ يُفَسَّرَ بِهِ. ﴿فالمُورِياتِ قَدْحًا﴾ والإيراءُ: إخْراجُ النّارِ، أيْ تَقْدَحُ بِحَوافِرِها الحِجارَةَ فَيَتَطايَرُ مِنها النّارُ لِصَكِّ بَعْضِ الحِجارَةِ بَعْضًا، ويُقالُ: قَدَحَ فَأوْرى، وقَدَحَ فَأصْلَدَ، وتُسَمّى تِلْكَ النّارُ الَّتِي تَقْدَحُها الحَوافِرُ مِنَ الخَيْلِ أوِ الإبِلِ: نارَ الحُباحِبِ، قالَ الشّاعِرُ: ؎تَقُدُّ السَّلُوقِيَّ المُضاعَفَ نَسْجُهُ ∗∗∗ وتَوْقِدُ بِالصُّفّاحِ نارَ الحُباحِبِ وقِيلَ: ﴿فالمُورِياتِ قَدْحًا﴾ مَجازٌ، أوِ اسْتِعارَةٌ في الخَيْلِ تُشْعِلُ الحَرْبَ، قالَهُ قَتادَةُ، وقالَ تَعالى: ﴿كُلَّما أوْقَدُوا نارًا لِلْحَرْبِ أطْفَأها اللَّهُ﴾ [المائدة: ٦٤] . ويُقالُ: حَمِيَ الوَطِيسُ إذا اشْتَدَّ الحَرْبُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: المُورِياتُ: الجَماعَةُ الَّتِي تَمْكُرُ في الحَرْبِ، والعَرَبُ تَقُولُهُ إذا أرادَتِ المَكْرَ بِالرَّجُلِ: واللَّهِ لا يَكُونُ ذَلِكَ، ولَأُورِيَنَّ لَكَ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا: الَّتِي تُورِي نارَها بِاللَّيْلِ لِحاجَتِها وطَعامِها، وعَنْهُ أيْضًا: جَماعَةُ الغُزاةِ تُكْثِرُ النّارَ إرْهابًا، وقالَ عِكْرِمَةُ: ألْسِنَةُ الرِّجالِ تُورِي النّارَ مِن عَظِيمِ ما تَتَكَلَّمُ بِهِ، وتُظْهِرُ مِنَ الحُجَجِ والدَّلائِلِ، وإظْهارِ الحَقِّ وإبْطالِ الباطِلِ ﴿فالمُغِيراتِ صُبْحًا﴾ أيْ تُغِيرُ عَلى العَدُوِّ في الصُّبْحِ، ومَن قالَ هي الإبِلُ، قالَ العَرَبُ تَقُولُ: أغارَ إذا عَدا جَرْيًا، أيْ مِن مُزْدَلِفَةَ إلى مِنًى، أوْ في بَدْرٍ، وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ هَذِهِ الأوْصافَ لِذاتٍ واحِدَةٍ، لِعَطْفِها بِالفاءِ الَّتِي تَقْتَضِي التَّعْقِيبَ، والظّاهِرُ أنَّها الخَيْلُ الَّتِي يُجاهَدُ عَلَيْها العَدُوُّ مِنَ الكُفّارِ، ولا يُسْتَدَلُّ عَلى أنَّها الإبِلُ بِوَقْعَةِ بَدْرٍ، وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيها إلّا فَرَسانِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ أنَّ سَبَبَ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ هو وقْعَةُ بَدْرٍ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ لا يَكادُ يُوجَدُ أنَّ الإبِلَ جُوهِدَ عَلَيْها في سَبِيلِ اللَّهِ، بَلِ المَعْلُومُ أنَّهُ لا يُجاهَدُ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى إلّا عَلى الخَيْلِ في شَرْقِ البِلادِ وغَرْبِها. ﴿فَأثَرْنَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى اسْمِ الفاعِلِ الَّذِي هو صِلَةُ ألْ؛ لِأنَّهُ في مَعْنى الفِعْلِ، إذْ تَقْدِيرُهُ: فاللّاتِي عَدَوْنَ فَأغَرْنَ فَأثَرْنَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَعْطُوفٌ عَلى الفِعْلِ الَّذِي وُضِعَ اسْمُ الفاعِلِ مَوْضِعَهُ. انْتَهى. وتَقُولُ أصْحابُنا: هو مَعْطُوفٌ عَلى الِاسْمِ؛ لِأنَّهُ في مَعْنى الفِعْلِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فَأثَرْنَ﴾، ﴿فَوَسَطْنَ﴾ بِتَخْفِيفِ الثّاءِ والسِّينِ، وأبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِشَدِّهِما، وعَلِيٌّ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وقَتادَةُ، وابْنُ أبِي لَيْلى: بِشَدِّ السِّينِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: فَأثَرْنَ بِالتَّشْدِيدِ، بِمَعْنى: فَأظْهَرْنَ بِهِ غُبارًا؛ لِأنَّ التَّأْثِيرَ فِيهِ مَعْنى الإظْهارُ، أوْ قَلَبَ ثَوَرْنَ إلى وثُرْنَ، وقَلَبَ الواوَ هَمْزَةً، وقُرِئَ: (فَوَسَّطْنَ) بِالتَّشْدِيدِ لِلتَّعْدِيَةِ، والباءُ مَزِيدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ، كَقَوْلِهِ: (فَأْتُوا بِهِ) وهي مُبالَغَةٌ في وسَطْنَ. انْتَهى. أمّا قَوْلُهُ: أوْ قَلَبَ، فَتَمَحُّلٌ بارِدٌ، وأمّا أنَّ التَّشْدِيدَ لِلتَّعْدِيَةِ، فَقَدْ نَقَلُوا أنَّ وسَطَ مُخَفَّفًا ومُثَقَّلًا بِمَعْنًى واحِدٍ، وأنَّهُما لُغَتانِ، والضَّمِيرُ في بِهِ عائِدٌ في الأوَّلِ عَلى الصُّبْحِ، أيْ هَيَّجْنَ في ذَلِكَ الوَقْتِ غُبارًا، وفي بِهِ الثّانِي عَلى الصُّبْحِ، قِيلَ: أوْ عَلى النَّقْعِ، أيْ وسَطْنَ النَّقْعَ الجَمْعَ، فَيَكُونُ وسَطَهُ بِمَعْنى تَوَسُّطِهِ، وقالَ عَلِيٌّ وعَبْدُ اللَّهِ: ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾ أيِ الإبِلُ، و”جَمْعًا“ اسْمٌ لِلْمُزْدَلِفَةِ، ولَيْسَ بِجَمْعٍ مِنَ النّاسِ. وقالَ بِشْرُ بْنُ أبِي حازِمٍ: ؎فَوَسَطْنَ جَمْعَهم وأفْلَتَ حاجِبٌ ∗∗∗ تَحْتَ العَجاجَةِ في الغُبارِ الأقْتَمِ وقِيلَ: الضَّمِيرُ في بِهِ مَعًا يَعُودُ عَلى العَدْوِ الدّالِّ عَلَيْهِ ﴿والعادِياتِ﴾ أيْضًا. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى المَكانِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ المَعْنى، وإنْ لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ لِدَلالَةِ والعادِياتِ وما بَعْدَها عَلَيْهِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالنَّقْعِ هُنا الصِّياحُ، والظّاهِرُ أنَّ المُقْسَمَ بِهِ هو جِنْسُ العادِياتِ، ولَيْسَتْ (ألْ) فِيهِ لِلْعَهْدِ، والمُقْسَمُ عَلَيْهِ: ﴿إنَّ الإنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ وفي الحَدِيثِ: (الكَنُودُ يَأْكُلُ وحْدَهُ ويَمْنَعُ رِفْدَهُ ويَضْرِبُ عَبْدَهُ) . وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ: هو الجَحُودُ لِنِعْمَةِ اللَّهِ تَعالى، وعَنِ الحَسَنِ أيْضًا: هو اللّائِمُ لِرَبِّهِ، يَعُدُّ السَّيِّئاتِ ويَنْسى الحَسَناتِ. وقالَ الفُضَيْلُ: هو الَّذِي تُنْسِيهِ سَيِّئَةٌ واحِدَةٌ حَسَناتٍ كَثِيرَةً، ويُعامِلُ اللَّهَ عَلى عَقْدِ عِوَضٍ، وقالَ عَطاءٌ: (p-٥٠٥)هُوَ الَّذِي لا يُعْطِي في النّائِباتِ مَعَ قَوْمِهِ. وقِيلَ: البَخِيلُ، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أرْضٌ كَنُودٌ: لا تُنْبِتُ شَيْئًا، والظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ في (وإنَّهُ) عَلى ذَلِكَ ﴿لَشَهِيدٌ﴾ أيْ يَشْهَدُ عَلى كُنُودِهِ، ولا يَقْدِرُ أنْ يَجْحَدَهُ لِظُهُورِ أمْرِهِ، وقالَهُ الحَسَنُ ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ: هو عائِدٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، أيْ ورَبُّهُ شاهِدٌ عَلَيْهِ، وهو عَلى سَبِيلِ الوَعِيدِ. وقالَ التَّبْرِيزِيُّ: هو عائِدٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، ورَبُّهُ شاهِدٌ عَلَيْهِ هو الأصَحُّ، لِأنَّ الضَّمِيرَ يَجِبُ عَوْدُهُ إلى أقْرَبِ المَذْكُورِينَ، ويَكُونُ ذَلِكَ كالوَعِيدِ والزَّجْرِ عَنِ المَعاصِي. انْتَهى. ولا يَتَرَجَّحُ بِالقُرْبِ إلّا إذا تَساوَيا مِن حَيْثُ المَعْنى، والإنْسانُ هُنا هو المُحَدَّثُ عَنْهُ والمُسْنَدُ إلَيْهِ الكَنُودُ، وأيْضًا فَتَناسُقُ الضَّمائِرِ لِواحِدٍ مَعَ صِحَّةِ المَعْنى أوْلى مِن جَعْلِهِما لِمُخْتَلِفَيْنِ، ولا سِيَّما إذا تَوَسَّطَ الضَّمِيرُ بَيْنَ ضَمِيرَيْنِ عائِدَيْنِ عَلى واحِدٍ. (وإنَّهُ) أيْ وإنَّ الإنْسانَ ﴿لِحُبِّ الخَيْرِ﴾ أيِ المالِ (لَشَدِيدٌ) أيْ قَوِيٌّ في حُبِّهِ، وقِيلَ: لَبَخِيلٌ بِالمالِ ضابِطٌ لَهُ، ويُقالُ لِلْبَخِيلِ: شَدِيدٌ ومُتَشَدِّدٌ، وقالَ طَرَفَةُ: ؎أرى المَوْتَ يَعْتامُ الكِرامَ ويَصْطَفِي ∗∗∗ عَقِيلَةَ مالِ الفاحِشِ المُتَشَدِّدِ وقالَ قَتادَةُ: الخَيْرُ مِن حَيْثُ وقَعَ في القُرْآنِ هو المالُ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ هَذا الخَيْرُ الدُّنْيَوِيُّ مِن مالٍ وصِحَّةٍ وجاهٍ عِنْدَ المُلُوكِ ونَحْوِهِ، لِأنَّ الكُفّارَ والجُهّالَ لا يَعْرِفُونَ غَيْرَ ذَلِكَ، فَأمّا المُحِبُّ في خَيْرِ الآخِرَةِ فَمَمْدُوحٌ مَرْجُوٌّ لَهُ الفَوْزُ، وقالَ الفَرّاءُ: نَظْمُ الآيَةِ أنْ يُقالَ: وإنَّهُ لَشَدِيدُ الحُبِّ لِلْخَيْرِ، فَلَمّا تَقَدَّمَ الحُبُّ قالَ لَشَدِيدٌ، وحَذَفَ مِن آخِرِهِ ذِكْرَ الحُبِّ؛ لِأنَّهُ قَدْ جَرى ذِكْرُهُ، ولِرُءُوسِ الآيِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِي يَوْمٍ عاصِفٍ﴾ [إبراهيم: ١٨]، والعُصُوفُ: لِلرِّيحِ لا لِلْأيّامِ، كَأنَّهُ قالَ: في يَوْمٍ عاصِفِ الرِّيحِ. انْتَهى. وقالَ غَيْرُهُ ما مَعْناهُ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ أصْلُهُ ذَلِكَ التَّرْكِيبَ، بَلِ اللّامُ في (لِحُبِّ) لامُ العِلَّةِ، أيْ وإنَّهُ لِأجْلِ حُبِّ المالِ لَبَخِيلٌ، أوْ وإنَّهُ لِحُبِّ المالِ وإيثارِهِ قَوِيٌّ مُطِيقٌ، وهو لِحُبِّ عِبادَةِ اللَّهِ وشُكْرِ نِعَمِهِ ضَعِيفٌ مُتَقاعِسٌ، تَقُولُ: هو شَدِيدٌ لِهَذا الأمْرِ وقَوِيٌّ لَهُ إذا كانَ مُطِيقًا لَهُ ضابِطًا. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ أرادَ: وإنَّهُ لِحُبِّ الخَيْراتِ غَيْرُ هَشٍّ مُنْبَسِطٍ، ولَكِنَّهُ شَدِيدٌ مُنْقَبِضٌ. ﴿أفَلا يَعْلَمُ﴾ تَوْقِيفٌ إلى ما يَئُولُ إلَيْهِ الإنْسانُ، ومَفْعُولُ يَعْلَمُ مَحْذُوفٌ وهو العامِلُ في الظَّرْفِ، أيْ أفَلا يَعْلَمُ مَآلَهُ ؟ ﴿إذا بُعْثِرَ﴾ وقالَ الحَوْفِيُّ: إذا ظَرْفٌ مُضافٌ إلى ﴿بُعْثِرَ﴾ والعامِلُ فِيهِ يَعْلَمُ. انْتَهى. ولَيْسَ بِمُتَّضِحٍ لِأنَّ المَعْنى: أفَلا يَعْلَمُ الآنَ ؟ وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿بُعْثِرَ﴾ بِالعَيْنِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: بِالحاءِ، وقَرَأ الأسْوَدُ بْنُ زَيْدٍ: (بَحَثَ)، وقَرَأ نَصْرُ بْنُ عاصِمٍ: (بَحْثَرَ) عَلى بِنائِهِ لِلْفاعِلِ، وقَرَأ ابْنُ يَعْمَرَ، ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ، ومُحَمَّدُ بْنُ أبِي سَعْدانَ: (وحَصَّلَ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، والجُمْهُورُ: مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ ابْنُ يَعْمَرَ أيْضًا ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ أيْضًا: (وحَصَلَ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ خَفِيفَ الصّادِ، والمَعْنى جُمِعَ ما في المُصْحَفِ، أيْ أُظْهِرَ مُحَصَّلًا مَجْمُوعًا، وقِيلَ: مُيِّزَ وكُشِفَ لِيَقَعَ الجَزاءُ عَلَيْهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: إنَّ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ (لَخَبِيرٌ) بِاللّامِ: هو اسْتِئْنافُ إخْبارٍ، والعامِلُ في (بِهِمْ) وفي ﴿يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ وهو تَعالى خَبِيرٌ دائِمًا لَكِنَّهُ ضَمَّنَ (خَبِيرٌ) مَعْنى مُجازٍ لَهم في ذَلِكَ اليَوْمِ، وقَرَأ أبُو السَّمّالِ والحَجّاجُ: بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وإسْقاطِ اللّامِ، ويَظْهَرُ في هَذِهِ القِراءَةِ تَسَلُّطُ يَعْلَمُ عَلى إنَّ، لَكِنَّهُ لا يُمْكِنُ إعْمالُ (خَبِيرٌ) في إذا لِكَوْنِهِ في صِلَةِ إنَّ المَصْدَرِيَّةِ، لَكِنَّهُ لا يُمْكِنُ أنْ يُقَدَّرَ لَهُ عامِلٌ فِيهِ مِن مَعْنى الكَلامِ، فَإنَّهُ قالَ: يَجْزِيهِمْ إذا بُعْثِرَ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ يَعْلَمُ مُعَلَّقَةً عَنِ العَمَلِ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ، وسَدَّتْ مَسَدَّ المَعْمُولِ في إنَّ، وفي خَبَرِها اللّامُ ظاهِرٌ، إذْ هي في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِيَعْلَمُ، وإذا العامِلُ فِيها مِن مَعْنى مَضْمُونِ الجُمْلَةِ تَقْدِيرُهُ: كَما قُلْنا يَجْزِيهِمْ إذا بُعْثِرَ.

العاديات 100:8

سُورَةُ العادِياتِ مَدَنِيَّةٌ، وهي إحْدى عَشْرَةَ آيَةً. ﷽ ﴿والعادِياتِ ضَبْحًا﴾ ﴿فالمُورِياتِ قَدْحًا﴾ ﴿فالمُغِيراتِ صُبْحًا﴾ ﴿فَأثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾ ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾ ﴿إنَّ الإنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ ﴿وإنَّهُ عَلى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ ﴿وإنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ ﴿أفَلا يَعْلَمُ إذا بُعْثِرَ ما في القُبُورِ﴾ ﴿وحُصِّلَ ما في الصُّدُورِ﴾ ﴿إنَّ رَبَّهم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ العادِيّاتُ: الجارِياتُ بِسُرْعَةٍ، وهو وصْفٌ، ويَأْتِي في التَّفْسِيرِ الخِلافُ في المَوْصُوفِ، الضَّبْحُ: تَصْوِيتٌ جَهِيرٌ عِنْدَ العَدْوِ الشَّدِيدِ، لَيْسَ بِصَهِيلٍ ولا رُغاءٍ ولا نُباحٍ، بَلْ هو غَيْرُ المُعْتادِ مِن صَوْتِ الحَيَوانِ الَّذِي يَضْبَحُ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: لَيْسَ يَضْبَحُ مِنَ الحَيَوانِ غَيْرَ الخَيْلِ والكِلابِ، قِيلَ: ولا يَصِحُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، لِأنَّ الإبِلَ تَضْبَحُ، والأسْوَدَ مِنَ الحَيّاتِ والبُومَ والصَّدى والأرْنَبَ والثَّعْلَبَ والقَوْسَ، كَما اسْتَعْمَلَتِ العَرَبُ لَها الضَّبْحَ، أنْشَدَ أبُو حَنِيفَةَ في صِفَةِ قَوْسٍ: ؎حَنّانَةٌ مِن نَشَمٍ أوْ تَألُّبٍ تَضْبَحُ في الكَفِّ ضِباحِ الثَّعْلَبِ وقالَ أهْلُ اللُّغَةِ: أصْلُهُ لِلثَّعْلَبِ، فاسْتُعِيرَ لِلْخَيْلِ، وهو مِن ضَبَحَتْهُ النّارُ: غَيَّرَتْ لَوْنَهُ ولَمْ تُبالِغْ فِيهِ، وانْضَبَحَ لَوْنُهُ: تَغَيَّرَ إلى السَّوادِ قَلِيلًا، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الضَّبْحُ والضَّبْعُ بِمَعْنى العَدْوِ الشَّدِيدِ، وكَذا قالَ المُبَرِّدُ: الضَّبْحُ مِن إضْباعِها في السَّيْرِ. القَدْحُ: الصَّكُّ، وقِيلَ: الِاسْتِخْراجُ، ومِنهُ قَدَحْتُ العَيْنَ: أخْرَجْتَ مِنها الفاسِدَ، والقَدّاحُ والقَدّاحَةُ والمِقْدَحَةُ: ما تُورى بِهِ النّارُ. أغارَ عَلى العَدُوِّ: قَصَدَهُ لِنَهْبٍ أوْ قَتْلٍ أوْ أسْرٍ. النَّقْعُ: الغُبارُ، قالَ الشّاعِرُ:(p-٥٠٣) ؎يَخْرُجْنَ مِن مُسْتَطارِ النَّقْعِ دامِيَةً ∗∗∗ كَأنَّ آذانَها أطْراقُ أقْلامِ وقالَ ابْنُ رَواحَةَ: ؎عَدِمْتُ بُنَيَّتِي إنْ لَمْ تَرَوْها ∗∗∗ تُثِيرُ النَّقْعَ مِن كَنَفَيْ كُداءِ وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: النَّقْعُ: رَفْعُ الصَّوْتِ، ومِنهُ قَوْلُ لَبِيدٍ: ؎فَمَتى يَنْقَعْ صُراخٌ صادِقٌ ∗∗∗ تَحْلِبُوها ذاتَ جَرْسٍ وزَجَلِ الكَنُودُ: الكَفُورُ لِلنِّعْمَةِ، قالَ الشّاعِرُ: ؎كَنُودٌ لِنَعْماءِ الرِّجالِ ومَن يَكُنْ ∗∗∗ كَنُودًا لِنَعْماءِ الرِّجالِ يَبْعُدُ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: الكَنُودُ، بِلِسانِ كِنْدَةَ وحَضْرَمَوْتَ: العاصِي، وبِلِسانِ رَبِيعَةَ ومُضَرَ: الكَفُورُ، وبِلِسانِ كِنانَةَ: البَخِيلُ السَّيِّئُ المَلَكَةِ، وقالَهُ مُقاتِلٌ، وقالَ الكَلْبِيُّ مِثْلَهُ إلّا أنَّهُ قالَ: وبِلِسانِ بَنِي مالِكٍ: البَخِيلُ، ولَمْ يَذْكُرْ حَضْرَمَوْتَ، ويُقالُ: كَنَدَ النِّعْمَةَ كُنُودًا، وقالَ أبُو زُبَيْدٍ في البَخِيلِ: ؎إنْ تَفُتْنِي فَلَمْ أطِبْ عَنْكَ نَفْسًا ∗∗∗ غَيْرَ أنِّي أُمْنى بِدَهْرٍ كَنُودِ حَصَّلَ الشَّيْءَ: جَمَعَهُ، وقِيلَ: مَيَّزَهُ مِن غَيْرِهِ، ومِنهُ قِيلَ لِلْمُنْخُلِ: المِحْصَلُ، وحَصَلَ الشَّيْءُ: ظَهَرَ واسْتَبانَ. ﴿والعادِياتِ ضَبْحًا﴾ ﴿فالمُورِياتِ قَدْحًا﴾ ﴿فالمُغِيراتِ صُبْحًا﴾ ﴿فَأثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾ ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾ ﴿إنَّ الإنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ ﴿وإنَّهُ عَلى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ ﴿وإنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ ﴿أفَلا يَعْلَمُ إذا بُعْثِرَ ما في القُبُورِ﴾ ﴿وحُصِّلَ ما في الصُّدُورِ﴾ ﴿إنَّ رَبَّهم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وجابِرٍ، والحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ، وعَطاءٍ، مَدَنِيَّةٌ في قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ، وأنَسٍ، وقَتادَةَ لِما ذَكَرَ فِيما قَبْلَها ما يَقْتَضِي تَهْدِيدًا ووَعِيدًا بِيَوْمِ القِيامَةِ، بِتَعْنِيفٍ لِمَن لا يَسْتَعِدُّ لِذَلِكَ اليَوْمِ، ومَن آثَرَ أمْرَ دُنْياهُ عَلى أمْرِ آخِرَتِهِ. والجُمْهُورُ مِن أهْلِ التَّفْسِيرِ واللُّغَةِ عَلى أنَّ العادِياتِ هُنا الخَيْلُ، تَعْدُو في سَبِيلِ اللَّهِ وتَضْبَحُ حالَةَ عَدْوِها، وقالَ عَنْتَرَةُ: ؎والخَيْلُ تَكْدَحُ حِينَ تَضْبَحُ ∗∗∗ في حِياضِ المَوْتِ ضَبْحا وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ، وعَلِيٌّ، وإبْراهِيمُ، والسُّدِّيُّ، ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: العادِياتُ: الإبِلُ، أقْسَمَ بِها حِينَ تَعْدُو مِن عَرَفَةَ ومِنَ المُزْدَلِفَةِ إذا دَفَعَ الحاجُّ، وبِأهْلِ غَزْوَةِ بَدْرٍ لَمْ يَكُنْ فِيها غَيْرُ فَرَسَيْنِ فَرَسٍ لِلزُّبَيْرِ وفَرَسٍ لِلْمِقْدادِ، وبِهَذا حَجَّ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ابْنَ عَبّاسٍ حِينَ تَمارَيا، فَرَجَعَ ابْنُ عَبّاسٍ إلى قَوْلِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وقالَتْ صَفِيَّةُ بِنْتُ عَبْدِ المُطَّلِبِ: ؎فَلا والعادِياتِ غَداةَ جَمْعٍ ∗∗∗ بِأيْدِيها إذا سَطَعَ الغُبارُ وانْتَصَبَ ﴿ضَبْحًا﴾ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ، أيْ يَضْبَحْنَ ضَبْحًا، أوْ عَلى أنَّهُ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ ضابِحاتٍ، أوْ عَلى المَصْدَرِ عَلى قَوْلِ أبِي عُبَيْدَةَ أنَّ مَعْناهُ العَدْوُ الشَّدِيدُ، فَهو مَنصُوبٌ بِالعادِياتِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ بِالعادِياتِ (p-٥٠٤)كَأنَّهُ قِيلَ: والضّابِحاتِ، لِأنَّ الضَّبْحَ يَكُونُ مَعَ العَدْوِ. انْتَهى. وإذا كانَ الضَّبْحُ مَعَ العَدْوِ، فَلا يَكُونُ مَعْنى (والعادِياتِ) مَعْنى الضّابِحاتِ، فَلا يَنْبَغِي أنْ يُفَسَّرَ بِهِ. ﴿فالمُورِياتِ قَدْحًا﴾ والإيراءُ: إخْراجُ النّارِ، أيْ تَقْدَحُ بِحَوافِرِها الحِجارَةَ فَيَتَطايَرُ مِنها النّارُ لِصَكِّ بَعْضِ الحِجارَةِ بَعْضًا، ويُقالُ: قَدَحَ فَأوْرى، وقَدَحَ فَأصْلَدَ، وتُسَمّى تِلْكَ النّارُ الَّتِي تَقْدَحُها الحَوافِرُ مِنَ الخَيْلِ أوِ الإبِلِ: نارَ الحُباحِبِ، قالَ الشّاعِرُ: ؎تَقُدُّ السَّلُوقِيَّ المُضاعَفَ نَسْجُهُ ∗∗∗ وتَوْقِدُ بِالصُّفّاحِ نارَ الحُباحِبِ وقِيلَ: ﴿فالمُورِياتِ قَدْحًا﴾ مَجازٌ، أوِ اسْتِعارَةٌ في الخَيْلِ تُشْعِلُ الحَرْبَ، قالَهُ قَتادَةُ، وقالَ تَعالى: ﴿كُلَّما أوْقَدُوا نارًا لِلْحَرْبِ أطْفَأها اللَّهُ﴾ [المائدة: ٦٤] . ويُقالُ: حَمِيَ الوَطِيسُ إذا اشْتَدَّ الحَرْبُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: المُورِياتُ: الجَماعَةُ الَّتِي تَمْكُرُ في الحَرْبِ، والعَرَبُ تَقُولُهُ إذا أرادَتِ المَكْرَ بِالرَّجُلِ: واللَّهِ لا يَكُونُ ذَلِكَ، ولَأُورِيَنَّ لَكَ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا: الَّتِي تُورِي نارَها بِاللَّيْلِ لِحاجَتِها وطَعامِها، وعَنْهُ أيْضًا: جَماعَةُ الغُزاةِ تُكْثِرُ النّارَ إرْهابًا، وقالَ عِكْرِمَةُ: ألْسِنَةُ الرِّجالِ تُورِي النّارَ مِن عَظِيمِ ما تَتَكَلَّمُ بِهِ، وتُظْهِرُ مِنَ الحُجَجِ والدَّلائِلِ، وإظْهارِ الحَقِّ وإبْطالِ الباطِلِ ﴿فالمُغِيراتِ صُبْحًا﴾ أيْ تُغِيرُ عَلى العَدُوِّ في الصُّبْحِ، ومَن قالَ هي الإبِلُ، قالَ العَرَبُ تَقُولُ: أغارَ إذا عَدا جَرْيًا، أيْ مِن مُزْدَلِفَةَ إلى مِنًى، أوْ في بَدْرٍ، وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ هَذِهِ الأوْصافَ لِذاتٍ واحِدَةٍ، لِعَطْفِها بِالفاءِ الَّتِي تَقْتَضِي التَّعْقِيبَ، والظّاهِرُ أنَّها الخَيْلُ الَّتِي يُجاهَدُ عَلَيْها العَدُوُّ مِنَ الكُفّارِ، ولا يُسْتَدَلُّ عَلى أنَّها الإبِلُ بِوَقْعَةِ بَدْرٍ، وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيها إلّا فَرَسانِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ أنَّ سَبَبَ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ هو وقْعَةُ بَدْرٍ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ لا يَكادُ يُوجَدُ أنَّ الإبِلَ جُوهِدَ عَلَيْها في سَبِيلِ اللَّهِ، بَلِ المَعْلُومُ أنَّهُ لا يُجاهَدُ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى إلّا عَلى الخَيْلِ في شَرْقِ البِلادِ وغَرْبِها. ﴿فَأثَرْنَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى اسْمِ الفاعِلِ الَّذِي هو صِلَةُ ألْ؛ لِأنَّهُ في مَعْنى الفِعْلِ، إذْ تَقْدِيرُهُ: فاللّاتِي عَدَوْنَ فَأغَرْنَ فَأثَرْنَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَعْطُوفٌ عَلى الفِعْلِ الَّذِي وُضِعَ اسْمُ الفاعِلِ مَوْضِعَهُ. انْتَهى. وتَقُولُ أصْحابُنا: هو مَعْطُوفٌ عَلى الِاسْمِ؛ لِأنَّهُ في مَعْنى الفِعْلِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فَأثَرْنَ﴾، ﴿فَوَسَطْنَ﴾ بِتَخْفِيفِ الثّاءِ والسِّينِ، وأبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِشَدِّهِما، وعَلِيٌّ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وقَتادَةُ، وابْنُ أبِي لَيْلى: بِشَدِّ السِّينِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: فَأثَرْنَ بِالتَّشْدِيدِ، بِمَعْنى: فَأظْهَرْنَ بِهِ غُبارًا؛ لِأنَّ التَّأْثِيرَ فِيهِ مَعْنى الإظْهارُ، أوْ قَلَبَ ثَوَرْنَ إلى وثُرْنَ، وقَلَبَ الواوَ هَمْزَةً، وقُرِئَ: (فَوَسَّطْنَ) بِالتَّشْدِيدِ لِلتَّعْدِيَةِ، والباءُ مَزِيدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ، كَقَوْلِهِ: (فَأْتُوا بِهِ) وهي مُبالَغَةٌ في وسَطْنَ. انْتَهى. أمّا قَوْلُهُ: أوْ قَلَبَ، فَتَمَحُّلٌ بارِدٌ، وأمّا أنَّ التَّشْدِيدَ لِلتَّعْدِيَةِ، فَقَدْ نَقَلُوا أنَّ وسَطَ مُخَفَّفًا ومُثَقَّلًا بِمَعْنًى واحِدٍ، وأنَّهُما لُغَتانِ، والضَّمِيرُ في بِهِ عائِدٌ في الأوَّلِ عَلى الصُّبْحِ، أيْ هَيَّجْنَ في ذَلِكَ الوَقْتِ غُبارًا، وفي بِهِ الثّانِي عَلى الصُّبْحِ، قِيلَ: أوْ عَلى النَّقْعِ، أيْ وسَطْنَ النَّقْعَ الجَمْعَ، فَيَكُونُ وسَطَهُ بِمَعْنى تَوَسُّطِهِ، وقالَ عَلِيٌّ وعَبْدُ اللَّهِ: ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾ أيِ الإبِلُ، و”جَمْعًا“ اسْمٌ لِلْمُزْدَلِفَةِ، ولَيْسَ بِجَمْعٍ مِنَ النّاسِ. وقالَ بِشْرُ بْنُ أبِي حازِمٍ: ؎فَوَسَطْنَ جَمْعَهم وأفْلَتَ حاجِبٌ ∗∗∗ تَحْتَ العَجاجَةِ في الغُبارِ الأقْتَمِ وقِيلَ: الضَّمِيرُ في بِهِ مَعًا يَعُودُ عَلى العَدْوِ الدّالِّ عَلَيْهِ ﴿والعادِياتِ﴾ أيْضًا. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى المَكانِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ المَعْنى، وإنْ لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ لِدَلالَةِ والعادِياتِ وما بَعْدَها عَلَيْهِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالنَّقْعِ هُنا الصِّياحُ، والظّاهِرُ أنَّ المُقْسَمَ بِهِ هو جِنْسُ العادِياتِ، ولَيْسَتْ (ألْ) فِيهِ لِلْعَهْدِ، والمُقْسَمُ عَلَيْهِ: ﴿إنَّ الإنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ وفي الحَدِيثِ: (الكَنُودُ يَأْكُلُ وحْدَهُ ويَمْنَعُ رِفْدَهُ ويَضْرِبُ عَبْدَهُ) . وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ: هو الجَحُودُ لِنِعْمَةِ اللَّهِ تَعالى، وعَنِ الحَسَنِ أيْضًا: هو اللّائِمُ لِرَبِّهِ، يَعُدُّ السَّيِّئاتِ ويَنْسى الحَسَناتِ. وقالَ الفُضَيْلُ: هو الَّذِي تُنْسِيهِ سَيِّئَةٌ واحِدَةٌ حَسَناتٍ كَثِيرَةً، ويُعامِلُ اللَّهَ عَلى عَقْدِ عِوَضٍ، وقالَ عَطاءٌ: (p-٥٠٥)هُوَ الَّذِي لا يُعْطِي في النّائِباتِ مَعَ قَوْمِهِ. وقِيلَ: البَخِيلُ، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أرْضٌ كَنُودٌ: لا تُنْبِتُ شَيْئًا، والظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ في (وإنَّهُ) عَلى ذَلِكَ ﴿لَشَهِيدٌ﴾ أيْ يَشْهَدُ عَلى كُنُودِهِ، ولا يَقْدِرُ أنْ يَجْحَدَهُ لِظُهُورِ أمْرِهِ، وقالَهُ الحَسَنُ ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ: هو عائِدٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، أيْ ورَبُّهُ شاهِدٌ عَلَيْهِ، وهو عَلى سَبِيلِ الوَعِيدِ. وقالَ التَّبْرِيزِيُّ: هو عائِدٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، ورَبُّهُ شاهِدٌ عَلَيْهِ هو الأصَحُّ، لِأنَّ الضَّمِيرَ يَجِبُ عَوْدُهُ إلى أقْرَبِ المَذْكُورِينَ، ويَكُونُ ذَلِكَ كالوَعِيدِ والزَّجْرِ عَنِ المَعاصِي. انْتَهى. ولا يَتَرَجَّحُ بِالقُرْبِ إلّا إذا تَساوَيا مِن حَيْثُ المَعْنى، والإنْسانُ هُنا هو المُحَدَّثُ عَنْهُ والمُسْنَدُ إلَيْهِ الكَنُودُ، وأيْضًا فَتَناسُقُ الضَّمائِرِ لِواحِدٍ مَعَ صِحَّةِ المَعْنى أوْلى مِن جَعْلِهِما لِمُخْتَلِفَيْنِ، ولا سِيَّما إذا تَوَسَّطَ الضَّمِيرُ بَيْنَ ضَمِيرَيْنِ عائِدَيْنِ عَلى واحِدٍ. (وإنَّهُ) أيْ وإنَّ الإنْسانَ ﴿لِحُبِّ الخَيْرِ﴾ أيِ المالِ (لَشَدِيدٌ) أيْ قَوِيٌّ في حُبِّهِ، وقِيلَ: لَبَخِيلٌ بِالمالِ ضابِطٌ لَهُ، ويُقالُ لِلْبَخِيلِ: شَدِيدٌ ومُتَشَدِّدٌ، وقالَ طَرَفَةُ: ؎أرى المَوْتَ يَعْتامُ الكِرامَ ويَصْطَفِي ∗∗∗ عَقِيلَةَ مالِ الفاحِشِ المُتَشَدِّدِ وقالَ قَتادَةُ: الخَيْرُ مِن حَيْثُ وقَعَ في القُرْآنِ هو المالُ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ هَذا الخَيْرُ الدُّنْيَوِيُّ مِن مالٍ وصِحَّةٍ وجاهٍ عِنْدَ المُلُوكِ ونَحْوِهِ، لِأنَّ الكُفّارَ والجُهّالَ لا يَعْرِفُونَ غَيْرَ ذَلِكَ، فَأمّا المُحِبُّ في خَيْرِ الآخِرَةِ فَمَمْدُوحٌ مَرْجُوٌّ لَهُ الفَوْزُ، وقالَ الفَرّاءُ: نَظْمُ الآيَةِ أنْ يُقالَ: وإنَّهُ لَشَدِيدُ الحُبِّ لِلْخَيْرِ، فَلَمّا تَقَدَّمَ الحُبُّ قالَ لَشَدِيدٌ، وحَذَفَ مِن آخِرِهِ ذِكْرَ الحُبِّ؛ لِأنَّهُ قَدْ جَرى ذِكْرُهُ، ولِرُءُوسِ الآيِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِي يَوْمٍ عاصِفٍ﴾ [إبراهيم: ١٨]، والعُصُوفُ: لِلرِّيحِ لا لِلْأيّامِ، كَأنَّهُ قالَ: في يَوْمٍ عاصِفِ الرِّيحِ. انْتَهى. وقالَ غَيْرُهُ ما مَعْناهُ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ أصْلُهُ ذَلِكَ التَّرْكِيبَ، بَلِ اللّامُ في (لِحُبِّ) لامُ العِلَّةِ، أيْ وإنَّهُ لِأجْلِ حُبِّ المالِ لَبَخِيلٌ، أوْ وإنَّهُ لِحُبِّ المالِ وإيثارِهِ قَوِيٌّ مُطِيقٌ، وهو لِحُبِّ عِبادَةِ اللَّهِ وشُكْرِ نِعَمِهِ ضَعِيفٌ مُتَقاعِسٌ، تَقُولُ: هو شَدِيدٌ لِهَذا الأمْرِ وقَوِيٌّ لَهُ إذا كانَ مُطِيقًا لَهُ ضابِطًا. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ أرادَ: وإنَّهُ لِحُبِّ الخَيْراتِ غَيْرُ هَشٍّ مُنْبَسِطٍ، ولَكِنَّهُ شَدِيدٌ مُنْقَبِضٌ. ﴿أفَلا يَعْلَمُ﴾ تَوْقِيفٌ إلى ما يَئُولُ إلَيْهِ الإنْسانُ، ومَفْعُولُ يَعْلَمُ مَحْذُوفٌ وهو العامِلُ في الظَّرْفِ، أيْ أفَلا يَعْلَمُ مَآلَهُ ؟ ﴿إذا بُعْثِرَ﴾ وقالَ الحَوْفِيُّ: إذا ظَرْفٌ مُضافٌ إلى ﴿بُعْثِرَ﴾ والعامِلُ فِيهِ يَعْلَمُ. انْتَهى. ولَيْسَ بِمُتَّضِحٍ لِأنَّ المَعْنى: أفَلا يَعْلَمُ الآنَ ؟ وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿بُعْثِرَ﴾ بِالعَيْنِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: بِالحاءِ، وقَرَأ الأسْوَدُ بْنُ زَيْدٍ: (بَحَثَ)، وقَرَأ نَصْرُ بْنُ عاصِمٍ: (بَحْثَرَ) عَلى بِنائِهِ لِلْفاعِلِ، وقَرَأ ابْنُ يَعْمَرَ، ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ، ومُحَمَّدُ بْنُ أبِي سَعْدانَ: (وحَصَّلَ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، والجُمْهُورُ: مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ ابْنُ يَعْمَرَ أيْضًا ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ أيْضًا: (وحَصَلَ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ خَفِيفَ الصّادِ، والمَعْنى جُمِعَ ما في المُصْحَفِ، أيْ أُظْهِرَ مُحَصَّلًا مَجْمُوعًا، وقِيلَ: مُيِّزَ وكُشِفَ لِيَقَعَ الجَزاءُ عَلَيْهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: إنَّ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ (لَخَبِيرٌ) بِاللّامِ: هو اسْتِئْنافُ إخْبارٍ، والعامِلُ في (بِهِمْ) وفي ﴿يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ وهو تَعالى خَبِيرٌ دائِمًا لَكِنَّهُ ضَمَّنَ (خَبِيرٌ) مَعْنى مُجازٍ لَهم في ذَلِكَ اليَوْمِ، وقَرَأ أبُو السَّمّالِ والحَجّاجُ: بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وإسْقاطِ اللّامِ، ويَظْهَرُ في هَذِهِ القِراءَةِ تَسَلُّطُ يَعْلَمُ عَلى إنَّ، لَكِنَّهُ لا يُمْكِنُ إعْمالُ (خَبِيرٌ) في إذا لِكَوْنِهِ في صِلَةِ إنَّ المَصْدَرِيَّةِ، لَكِنَّهُ لا يُمْكِنُ أنْ يُقَدَّرَ لَهُ عامِلٌ فِيهِ مِن مَعْنى الكَلامِ، فَإنَّهُ قالَ: يَجْزِيهِمْ إذا بُعْثِرَ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ يَعْلَمُ مُعَلَّقَةً عَنِ العَمَلِ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ، وسَدَّتْ مَسَدَّ المَعْمُولِ في إنَّ، وفي خَبَرِها اللّامُ ظاهِرٌ، إذْ هي في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِيَعْلَمُ، وإذا العامِلُ فِيها مِن مَعْنى مَضْمُونِ الجُمْلَةِ تَقْدِيرُهُ: كَما قُلْنا يَجْزِيهِمْ إذا بُعْثِرَ.

العاديات 100:9

سُورَةُ العادِياتِ مَدَنِيَّةٌ، وهي إحْدى عَشْرَةَ آيَةً. ﷽ ﴿والعادِياتِ ضَبْحًا﴾ ﴿فالمُورِياتِ قَدْحًا﴾ ﴿فالمُغِيراتِ صُبْحًا﴾ ﴿فَأثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾ ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾ ﴿إنَّ الإنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ ﴿وإنَّهُ عَلى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ ﴿وإنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ ﴿أفَلا يَعْلَمُ إذا بُعْثِرَ ما في القُبُورِ﴾ ﴿وحُصِّلَ ما في الصُّدُورِ﴾ ﴿إنَّ رَبَّهم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ العادِيّاتُ: الجارِياتُ بِسُرْعَةٍ، وهو وصْفٌ، ويَأْتِي في التَّفْسِيرِ الخِلافُ في المَوْصُوفِ، الضَّبْحُ: تَصْوِيتٌ جَهِيرٌ عِنْدَ العَدْوِ الشَّدِيدِ، لَيْسَ بِصَهِيلٍ ولا رُغاءٍ ولا نُباحٍ، بَلْ هو غَيْرُ المُعْتادِ مِن صَوْتِ الحَيَوانِ الَّذِي يَضْبَحُ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: لَيْسَ يَضْبَحُ مِنَ الحَيَوانِ غَيْرَ الخَيْلِ والكِلابِ، قِيلَ: ولا يَصِحُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، لِأنَّ الإبِلَ تَضْبَحُ، والأسْوَدَ مِنَ الحَيّاتِ والبُومَ والصَّدى والأرْنَبَ والثَّعْلَبَ والقَوْسَ، كَما اسْتَعْمَلَتِ العَرَبُ لَها الضَّبْحَ، أنْشَدَ أبُو حَنِيفَةَ في صِفَةِ قَوْسٍ: ؎حَنّانَةٌ مِن نَشَمٍ أوْ تَألُّبٍ تَضْبَحُ في الكَفِّ ضِباحِ الثَّعْلَبِ وقالَ أهْلُ اللُّغَةِ: أصْلُهُ لِلثَّعْلَبِ، فاسْتُعِيرَ لِلْخَيْلِ، وهو مِن ضَبَحَتْهُ النّارُ: غَيَّرَتْ لَوْنَهُ ولَمْ تُبالِغْ فِيهِ، وانْضَبَحَ لَوْنُهُ: تَغَيَّرَ إلى السَّوادِ قَلِيلًا، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الضَّبْحُ والضَّبْعُ بِمَعْنى العَدْوِ الشَّدِيدِ، وكَذا قالَ المُبَرِّدُ: الضَّبْحُ مِن إضْباعِها في السَّيْرِ. القَدْحُ: الصَّكُّ، وقِيلَ: الِاسْتِخْراجُ، ومِنهُ قَدَحْتُ العَيْنَ: أخْرَجْتَ مِنها الفاسِدَ، والقَدّاحُ والقَدّاحَةُ والمِقْدَحَةُ: ما تُورى بِهِ النّارُ. أغارَ عَلى العَدُوِّ: قَصَدَهُ لِنَهْبٍ أوْ قَتْلٍ أوْ أسْرٍ. النَّقْعُ: الغُبارُ، قالَ الشّاعِرُ:(p-٥٠٣) ؎يَخْرُجْنَ مِن مُسْتَطارِ النَّقْعِ دامِيَةً ∗∗∗ كَأنَّ آذانَها أطْراقُ أقْلامِ وقالَ ابْنُ رَواحَةَ: ؎عَدِمْتُ بُنَيَّتِي إنْ لَمْ تَرَوْها ∗∗∗ تُثِيرُ النَّقْعَ مِن كَنَفَيْ كُداءِ وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: النَّقْعُ: رَفْعُ الصَّوْتِ، ومِنهُ قَوْلُ لَبِيدٍ: ؎فَمَتى يَنْقَعْ صُراخٌ صادِقٌ ∗∗∗ تَحْلِبُوها ذاتَ جَرْسٍ وزَجَلِ الكَنُودُ: الكَفُورُ لِلنِّعْمَةِ، قالَ الشّاعِرُ: ؎كَنُودٌ لِنَعْماءِ الرِّجالِ ومَن يَكُنْ ∗∗∗ كَنُودًا لِنَعْماءِ الرِّجالِ يَبْعُدُ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: الكَنُودُ، بِلِسانِ كِنْدَةَ وحَضْرَمَوْتَ: العاصِي، وبِلِسانِ رَبِيعَةَ ومُضَرَ: الكَفُورُ، وبِلِسانِ كِنانَةَ: البَخِيلُ السَّيِّئُ المَلَكَةِ، وقالَهُ مُقاتِلٌ، وقالَ الكَلْبِيُّ مِثْلَهُ إلّا أنَّهُ قالَ: وبِلِسانِ بَنِي مالِكٍ: البَخِيلُ، ولَمْ يَذْكُرْ حَضْرَمَوْتَ، ويُقالُ: كَنَدَ النِّعْمَةَ كُنُودًا، وقالَ أبُو زُبَيْدٍ في البَخِيلِ: ؎إنْ تَفُتْنِي فَلَمْ أطِبْ عَنْكَ نَفْسًا ∗∗∗ غَيْرَ أنِّي أُمْنى بِدَهْرٍ كَنُودِ حَصَّلَ الشَّيْءَ: جَمَعَهُ، وقِيلَ: مَيَّزَهُ مِن غَيْرِهِ، ومِنهُ قِيلَ لِلْمُنْخُلِ: المِحْصَلُ، وحَصَلَ الشَّيْءُ: ظَهَرَ واسْتَبانَ. ﴿والعادِياتِ ضَبْحًا﴾ ﴿فالمُورِياتِ قَدْحًا﴾ ﴿فالمُغِيراتِ صُبْحًا﴾ ﴿فَأثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾ ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾ ﴿إنَّ الإنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ ﴿وإنَّهُ عَلى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ ﴿وإنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ ﴿أفَلا يَعْلَمُ إذا بُعْثِرَ ما في القُبُورِ﴾ ﴿وحُصِّلَ ما في الصُّدُورِ﴾ ﴿إنَّ رَبَّهم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وجابِرٍ، والحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ، وعَطاءٍ، مَدَنِيَّةٌ في قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ، وأنَسٍ، وقَتادَةَ لِما ذَكَرَ فِيما قَبْلَها ما يَقْتَضِي تَهْدِيدًا ووَعِيدًا بِيَوْمِ القِيامَةِ، بِتَعْنِيفٍ لِمَن لا يَسْتَعِدُّ لِذَلِكَ اليَوْمِ، ومَن آثَرَ أمْرَ دُنْياهُ عَلى أمْرِ آخِرَتِهِ. والجُمْهُورُ مِن أهْلِ التَّفْسِيرِ واللُّغَةِ عَلى أنَّ العادِياتِ هُنا الخَيْلُ، تَعْدُو في سَبِيلِ اللَّهِ وتَضْبَحُ حالَةَ عَدْوِها، وقالَ عَنْتَرَةُ: ؎والخَيْلُ تَكْدَحُ حِينَ تَضْبَحُ ∗∗∗ في حِياضِ المَوْتِ ضَبْحا وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ، وعَلِيٌّ، وإبْراهِيمُ، والسُّدِّيُّ، ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: العادِياتُ: الإبِلُ، أقْسَمَ بِها حِينَ تَعْدُو مِن عَرَفَةَ ومِنَ المُزْدَلِفَةِ إذا دَفَعَ الحاجُّ، وبِأهْلِ غَزْوَةِ بَدْرٍ لَمْ يَكُنْ فِيها غَيْرُ فَرَسَيْنِ فَرَسٍ لِلزُّبَيْرِ وفَرَسٍ لِلْمِقْدادِ، وبِهَذا حَجَّ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ابْنَ عَبّاسٍ حِينَ تَمارَيا، فَرَجَعَ ابْنُ عَبّاسٍ إلى قَوْلِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وقالَتْ صَفِيَّةُ بِنْتُ عَبْدِ المُطَّلِبِ: ؎فَلا والعادِياتِ غَداةَ جَمْعٍ ∗∗∗ بِأيْدِيها إذا سَطَعَ الغُبارُ وانْتَصَبَ ﴿ضَبْحًا﴾ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ، أيْ يَضْبَحْنَ ضَبْحًا، أوْ عَلى أنَّهُ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ ضابِحاتٍ، أوْ عَلى المَصْدَرِ عَلى قَوْلِ أبِي عُبَيْدَةَ أنَّ مَعْناهُ العَدْوُ الشَّدِيدُ، فَهو مَنصُوبٌ بِالعادِياتِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ بِالعادِياتِ (p-٥٠٤)كَأنَّهُ قِيلَ: والضّابِحاتِ، لِأنَّ الضَّبْحَ يَكُونُ مَعَ العَدْوِ. انْتَهى. وإذا كانَ الضَّبْحُ مَعَ العَدْوِ، فَلا يَكُونُ مَعْنى (والعادِياتِ) مَعْنى الضّابِحاتِ، فَلا يَنْبَغِي أنْ يُفَسَّرَ بِهِ. ﴿فالمُورِياتِ قَدْحًا﴾ والإيراءُ: إخْراجُ النّارِ، أيْ تَقْدَحُ بِحَوافِرِها الحِجارَةَ فَيَتَطايَرُ مِنها النّارُ لِصَكِّ بَعْضِ الحِجارَةِ بَعْضًا، ويُقالُ: قَدَحَ فَأوْرى، وقَدَحَ فَأصْلَدَ، وتُسَمّى تِلْكَ النّارُ الَّتِي تَقْدَحُها الحَوافِرُ مِنَ الخَيْلِ أوِ الإبِلِ: نارَ الحُباحِبِ، قالَ الشّاعِرُ: ؎تَقُدُّ السَّلُوقِيَّ المُضاعَفَ نَسْجُهُ ∗∗∗ وتَوْقِدُ بِالصُّفّاحِ نارَ الحُباحِبِ وقِيلَ: ﴿فالمُورِياتِ قَدْحًا﴾ مَجازٌ، أوِ اسْتِعارَةٌ في الخَيْلِ تُشْعِلُ الحَرْبَ، قالَهُ قَتادَةُ، وقالَ تَعالى: ﴿كُلَّما أوْقَدُوا نارًا لِلْحَرْبِ أطْفَأها اللَّهُ﴾ [المائدة: ٦٤] . ويُقالُ: حَمِيَ الوَطِيسُ إذا اشْتَدَّ الحَرْبُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: المُورِياتُ: الجَماعَةُ الَّتِي تَمْكُرُ في الحَرْبِ، والعَرَبُ تَقُولُهُ إذا أرادَتِ المَكْرَ بِالرَّجُلِ: واللَّهِ لا يَكُونُ ذَلِكَ، ولَأُورِيَنَّ لَكَ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا: الَّتِي تُورِي نارَها بِاللَّيْلِ لِحاجَتِها وطَعامِها، وعَنْهُ أيْضًا: جَماعَةُ الغُزاةِ تُكْثِرُ النّارَ إرْهابًا، وقالَ عِكْرِمَةُ: ألْسِنَةُ الرِّجالِ تُورِي النّارَ مِن عَظِيمِ ما تَتَكَلَّمُ بِهِ، وتُظْهِرُ مِنَ الحُجَجِ والدَّلائِلِ، وإظْهارِ الحَقِّ وإبْطالِ الباطِلِ ﴿فالمُغِيراتِ صُبْحًا﴾ أيْ تُغِيرُ عَلى العَدُوِّ في الصُّبْحِ، ومَن قالَ هي الإبِلُ، قالَ العَرَبُ تَقُولُ: أغارَ إذا عَدا جَرْيًا، أيْ مِن مُزْدَلِفَةَ إلى مِنًى، أوْ في بَدْرٍ، وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ هَذِهِ الأوْصافَ لِذاتٍ واحِدَةٍ، لِعَطْفِها بِالفاءِ الَّتِي تَقْتَضِي التَّعْقِيبَ، والظّاهِرُ أنَّها الخَيْلُ الَّتِي يُجاهَدُ عَلَيْها العَدُوُّ مِنَ الكُفّارِ، ولا يُسْتَدَلُّ عَلى أنَّها الإبِلُ بِوَقْعَةِ بَدْرٍ، وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيها إلّا فَرَسانِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ أنَّ سَبَبَ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ هو وقْعَةُ بَدْرٍ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ لا يَكادُ يُوجَدُ أنَّ الإبِلَ جُوهِدَ عَلَيْها في سَبِيلِ اللَّهِ، بَلِ المَعْلُومُ أنَّهُ لا يُجاهَدُ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى إلّا عَلى الخَيْلِ في شَرْقِ البِلادِ وغَرْبِها. ﴿فَأثَرْنَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى اسْمِ الفاعِلِ الَّذِي هو صِلَةُ ألْ؛ لِأنَّهُ في مَعْنى الفِعْلِ، إذْ تَقْدِيرُهُ: فاللّاتِي عَدَوْنَ فَأغَرْنَ فَأثَرْنَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَعْطُوفٌ عَلى الفِعْلِ الَّذِي وُضِعَ اسْمُ الفاعِلِ مَوْضِعَهُ. انْتَهى. وتَقُولُ أصْحابُنا: هو مَعْطُوفٌ عَلى الِاسْمِ؛ لِأنَّهُ في مَعْنى الفِعْلِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فَأثَرْنَ﴾، ﴿فَوَسَطْنَ﴾ بِتَخْفِيفِ الثّاءِ والسِّينِ، وأبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِشَدِّهِما، وعَلِيٌّ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وقَتادَةُ، وابْنُ أبِي لَيْلى: بِشَدِّ السِّينِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: فَأثَرْنَ بِالتَّشْدِيدِ، بِمَعْنى: فَأظْهَرْنَ بِهِ غُبارًا؛ لِأنَّ التَّأْثِيرَ فِيهِ مَعْنى الإظْهارُ، أوْ قَلَبَ ثَوَرْنَ إلى وثُرْنَ، وقَلَبَ الواوَ هَمْزَةً، وقُرِئَ: (فَوَسَّطْنَ) بِالتَّشْدِيدِ لِلتَّعْدِيَةِ، والباءُ مَزِيدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ، كَقَوْلِهِ: (فَأْتُوا بِهِ) وهي مُبالَغَةٌ في وسَطْنَ. انْتَهى. أمّا قَوْلُهُ: أوْ قَلَبَ، فَتَمَحُّلٌ بارِدٌ، وأمّا أنَّ التَّشْدِيدَ لِلتَّعْدِيَةِ، فَقَدْ نَقَلُوا أنَّ وسَطَ مُخَفَّفًا ومُثَقَّلًا بِمَعْنًى واحِدٍ، وأنَّهُما لُغَتانِ، والضَّمِيرُ في بِهِ عائِدٌ في الأوَّلِ عَلى الصُّبْحِ، أيْ هَيَّجْنَ في ذَلِكَ الوَقْتِ غُبارًا، وفي بِهِ الثّانِي عَلى الصُّبْحِ، قِيلَ: أوْ عَلى النَّقْعِ، أيْ وسَطْنَ النَّقْعَ الجَمْعَ، فَيَكُونُ وسَطَهُ بِمَعْنى تَوَسُّطِهِ، وقالَ عَلِيٌّ وعَبْدُ اللَّهِ: ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾ أيِ الإبِلُ، و”جَمْعًا“ اسْمٌ لِلْمُزْدَلِفَةِ، ولَيْسَ بِجَمْعٍ مِنَ النّاسِ. وقالَ بِشْرُ بْنُ أبِي حازِمٍ: ؎فَوَسَطْنَ جَمْعَهم وأفْلَتَ حاجِبٌ ∗∗∗ تَحْتَ العَجاجَةِ في الغُبارِ الأقْتَمِ وقِيلَ: الضَّمِيرُ في بِهِ مَعًا يَعُودُ عَلى العَدْوِ الدّالِّ عَلَيْهِ ﴿والعادِياتِ﴾ أيْضًا. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى المَكانِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ المَعْنى، وإنْ لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ لِدَلالَةِ والعادِياتِ وما بَعْدَها عَلَيْهِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالنَّقْعِ هُنا الصِّياحُ، والظّاهِرُ أنَّ المُقْسَمَ بِهِ هو جِنْسُ العادِياتِ، ولَيْسَتْ (ألْ) فِيهِ لِلْعَهْدِ، والمُقْسَمُ عَلَيْهِ: ﴿إنَّ الإنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ وفي الحَدِيثِ: (الكَنُودُ يَأْكُلُ وحْدَهُ ويَمْنَعُ رِفْدَهُ ويَضْرِبُ عَبْدَهُ) . وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ: هو الجَحُودُ لِنِعْمَةِ اللَّهِ تَعالى، وعَنِ الحَسَنِ أيْضًا: هو اللّائِمُ لِرَبِّهِ، يَعُدُّ السَّيِّئاتِ ويَنْسى الحَسَناتِ. وقالَ الفُضَيْلُ: هو الَّذِي تُنْسِيهِ سَيِّئَةٌ واحِدَةٌ حَسَناتٍ كَثِيرَةً، ويُعامِلُ اللَّهَ عَلى عَقْدِ عِوَضٍ، وقالَ عَطاءٌ: (p-٥٠٥)هُوَ الَّذِي لا يُعْطِي في النّائِباتِ مَعَ قَوْمِهِ. وقِيلَ: البَخِيلُ، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أرْضٌ كَنُودٌ: لا تُنْبِتُ شَيْئًا، والظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ في (وإنَّهُ) عَلى ذَلِكَ ﴿لَشَهِيدٌ﴾ أيْ يَشْهَدُ عَلى كُنُودِهِ، ولا يَقْدِرُ أنْ يَجْحَدَهُ لِظُهُورِ أمْرِهِ، وقالَهُ الحَسَنُ ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ: هو عائِدٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، أيْ ورَبُّهُ شاهِدٌ عَلَيْهِ، وهو عَلى سَبِيلِ الوَعِيدِ. وقالَ التَّبْرِيزِيُّ: هو عائِدٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، ورَبُّهُ شاهِدٌ عَلَيْهِ هو الأصَحُّ، لِأنَّ الضَّمِيرَ يَجِبُ عَوْدُهُ إلى أقْرَبِ المَذْكُورِينَ، ويَكُونُ ذَلِكَ كالوَعِيدِ والزَّجْرِ عَنِ المَعاصِي. انْتَهى. ولا يَتَرَجَّحُ بِالقُرْبِ إلّا إذا تَساوَيا مِن حَيْثُ المَعْنى، والإنْسانُ هُنا هو المُحَدَّثُ عَنْهُ والمُسْنَدُ إلَيْهِ الكَنُودُ، وأيْضًا فَتَناسُقُ الضَّمائِرِ لِواحِدٍ مَعَ صِحَّةِ المَعْنى أوْلى مِن جَعْلِهِما لِمُخْتَلِفَيْنِ، ولا سِيَّما إذا تَوَسَّطَ الضَّمِيرُ بَيْنَ ضَمِيرَيْنِ عائِدَيْنِ عَلى واحِدٍ. (وإنَّهُ) أيْ وإنَّ الإنْسانَ ﴿لِحُبِّ الخَيْرِ﴾ أيِ المالِ (لَشَدِيدٌ) أيْ قَوِيٌّ في حُبِّهِ، وقِيلَ: لَبَخِيلٌ بِالمالِ ضابِطٌ لَهُ، ويُقالُ لِلْبَخِيلِ: شَدِيدٌ ومُتَشَدِّدٌ، وقالَ طَرَفَةُ: ؎أرى المَوْتَ يَعْتامُ الكِرامَ ويَصْطَفِي ∗∗∗ عَقِيلَةَ مالِ الفاحِشِ المُتَشَدِّدِ وقالَ قَتادَةُ: الخَيْرُ مِن حَيْثُ وقَعَ في القُرْآنِ هو المالُ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ هَذا الخَيْرُ الدُّنْيَوِيُّ مِن مالٍ وصِحَّةٍ وجاهٍ عِنْدَ المُلُوكِ ونَحْوِهِ، لِأنَّ الكُفّارَ والجُهّالَ لا يَعْرِفُونَ غَيْرَ ذَلِكَ، فَأمّا المُحِبُّ في خَيْرِ الآخِرَةِ فَمَمْدُوحٌ مَرْجُوٌّ لَهُ الفَوْزُ، وقالَ الفَرّاءُ: نَظْمُ الآيَةِ أنْ يُقالَ: وإنَّهُ لَشَدِيدُ الحُبِّ لِلْخَيْرِ، فَلَمّا تَقَدَّمَ الحُبُّ قالَ لَشَدِيدٌ، وحَذَفَ مِن آخِرِهِ ذِكْرَ الحُبِّ؛ لِأنَّهُ قَدْ جَرى ذِكْرُهُ، ولِرُءُوسِ الآيِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِي يَوْمٍ عاصِفٍ﴾ [إبراهيم: ١٨]، والعُصُوفُ: لِلرِّيحِ لا لِلْأيّامِ، كَأنَّهُ قالَ: في يَوْمٍ عاصِفِ الرِّيحِ. انْتَهى. وقالَ غَيْرُهُ ما مَعْناهُ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ أصْلُهُ ذَلِكَ التَّرْكِيبَ، بَلِ اللّامُ في (لِحُبِّ) لامُ العِلَّةِ، أيْ وإنَّهُ لِأجْلِ حُبِّ المالِ لَبَخِيلٌ، أوْ وإنَّهُ لِحُبِّ المالِ وإيثارِهِ قَوِيٌّ مُطِيقٌ، وهو لِحُبِّ عِبادَةِ اللَّهِ وشُكْرِ نِعَمِهِ ضَعِيفٌ مُتَقاعِسٌ، تَقُولُ: هو شَدِيدٌ لِهَذا الأمْرِ وقَوِيٌّ لَهُ إذا كانَ مُطِيقًا لَهُ ضابِطًا. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ أرادَ: وإنَّهُ لِحُبِّ الخَيْراتِ غَيْرُ هَشٍّ مُنْبَسِطٍ، ولَكِنَّهُ شَدِيدٌ مُنْقَبِضٌ. ﴿أفَلا يَعْلَمُ﴾ تَوْقِيفٌ إلى ما يَئُولُ إلَيْهِ الإنْسانُ، ومَفْعُولُ يَعْلَمُ مَحْذُوفٌ وهو العامِلُ في الظَّرْفِ، أيْ أفَلا يَعْلَمُ مَآلَهُ ؟ ﴿إذا بُعْثِرَ﴾ وقالَ الحَوْفِيُّ: إذا ظَرْفٌ مُضافٌ إلى ﴿بُعْثِرَ﴾ والعامِلُ فِيهِ يَعْلَمُ. انْتَهى. ولَيْسَ بِمُتَّضِحٍ لِأنَّ المَعْنى: أفَلا يَعْلَمُ الآنَ ؟ وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿بُعْثِرَ﴾ بِالعَيْنِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: بِالحاءِ، وقَرَأ الأسْوَدُ بْنُ زَيْدٍ: (بَحَثَ)، وقَرَأ نَصْرُ بْنُ عاصِمٍ: (بَحْثَرَ) عَلى بِنائِهِ لِلْفاعِلِ، وقَرَأ ابْنُ يَعْمَرَ، ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ، ومُحَمَّدُ بْنُ أبِي سَعْدانَ: (وحَصَّلَ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، والجُمْهُورُ: مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ ابْنُ يَعْمَرَ أيْضًا ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ أيْضًا: (وحَصَلَ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ خَفِيفَ الصّادِ، والمَعْنى جُمِعَ ما في المُصْحَفِ، أيْ أُظْهِرَ مُحَصَّلًا مَجْمُوعًا، وقِيلَ: مُيِّزَ وكُشِفَ لِيَقَعَ الجَزاءُ عَلَيْهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: إنَّ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ (لَخَبِيرٌ) بِاللّامِ: هو اسْتِئْنافُ إخْبارٍ، والعامِلُ في (بِهِمْ) وفي ﴿يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ وهو تَعالى خَبِيرٌ دائِمًا لَكِنَّهُ ضَمَّنَ (خَبِيرٌ) مَعْنى مُجازٍ لَهم في ذَلِكَ اليَوْمِ، وقَرَأ أبُو السَّمّالِ والحَجّاجُ: بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وإسْقاطِ اللّامِ، ويَظْهَرُ في هَذِهِ القِراءَةِ تَسَلُّطُ يَعْلَمُ عَلى إنَّ، لَكِنَّهُ لا يُمْكِنُ إعْمالُ (خَبِيرٌ) في إذا لِكَوْنِهِ في صِلَةِ إنَّ المَصْدَرِيَّةِ، لَكِنَّهُ لا يُمْكِنُ أنْ يُقَدَّرَ لَهُ عامِلٌ فِيهِ مِن مَعْنى الكَلامِ، فَإنَّهُ قالَ: يَجْزِيهِمْ إذا بُعْثِرَ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ يَعْلَمُ مُعَلَّقَةً عَنِ العَمَلِ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ، وسَدَّتْ مَسَدَّ المَعْمُولِ في إنَّ، وفي خَبَرِها اللّامُ ظاهِرٌ، إذْ هي في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِيَعْلَمُ، وإذا العامِلُ فِيها مِن مَعْنى مَضْمُونِ الجُمْلَةِ تَقْدِيرُهُ: كَما قُلْنا يَجْزِيهِمْ إذا بُعْثِرَ.

العاديات 100:10

سُورَةُ العادِياتِ مَدَنِيَّةٌ، وهي إحْدى عَشْرَةَ آيَةً. ﷽ ﴿والعادِياتِ ضَبْحًا﴾ ﴿فالمُورِياتِ قَدْحًا﴾ ﴿فالمُغِيراتِ صُبْحًا﴾ ﴿فَأثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾ ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾ ﴿إنَّ الإنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ ﴿وإنَّهُ عَلى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ ﴿وإنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ ﴿أفَلا يَعْلَمُ إذا بُعْثِرَ ما في القُبُورِ﴾ ﴿وحُصِّلَ ما في الصُّدُورِ﴾ ﴿إنَّ رَبَّهم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ العادِيّاتُ: الجارِياتُ بِسُرْعَةٍ، وهو وصْفٌ، ويَأْتِي في التَّفْسِيرِ الخِلافُ في المَوْصُوفِ، الضَّبْحُ: تَصْوِيتٌ جَهِيرٌ عِنْدَ العَدْوِ الشَّدِيدِ، لَيْسَ بِصَهِيلٍ ولا رُغاءٍ ولا نُباحٍ، بَلْ هو غَيْرُ المُعْتادِ مِن صَوْتِ الحَيَوانِ الَّذِي يَضْبَحُ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: لَيْسَ يَضْبَحُ مِنَ الحَيَوانِ غَيْرَ الخَيْلِ والكِلابِ، قِيلَ: ولا يَصِحُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، لِأنَّ الإبِلَ تَضْبَحُ، والأسْوَدَ مِنَ الحَيّاتِ والبُومَ والصَّدى والأرْنَبَ والثَّعْلَبَ والقَوْسَ، كَما اسْتَعْمَلَتِ العَرَبُ لَها الضَّبْحَ، أنْشَدَ أبُو حَنِيفَةَ في صِفَةِ قَوْسٍ: ؎حَنّانَةٌ مِن نَشَمٍ أوْ تَألُّبٍ تَضْبَحُ في الكَفِّ ضِباحِ الثَّعْلَبِ وقالَ أهْلُ اللُّغَةِ: أصْلُهُ لِلثَّعْلَبِ، فاسْتُعِيرَ لِلْخَيْلِ، وهو مِن ضَبَحَتْهُ النّارُ: غَيَّرَتْ لَوْنَهُ ولَمْ تُبالِغْ فِيهِ، وانْضَبَحَ لَوْنُهُ: تَغَيَّرَ إلى السَّوادِ قَلِيلًا، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الضَّبْحُ والضَّبْعُ بِمَعْنى العَدْوِ الشَّدِيدِ، وكَذا قالَ المُبَرِّدُ: الضَّبْحُ مِن إضْباعِها في السَّيْرِ. القَدْحُ: الصَّكُّ، وقِيلَ: الِاسْتِخْراجُ، ومِنهُ قَدَحْتُ العَيْنَ: أخْرَجْتَ مِنها الفاسِدَ، والقَدّاحُ والقَدّاحَةُ والمِقْدَحَةُ: ما تُورى بِهِ النّارُ. أغارَ عَلى العَدُوِّ: قَصَدَهُ لِنَهْبٍ أوْ قَتْلٍ أوْ أسْرٍ. النَّقْعُ: الغُبارُ، قالَ الشّاعِرُ:(p-٥٠٣) ؎يَخْرُجْنَ مِن مُسْتَطارِ النَّقْعِ دامِيَةً ∗∗∗ كَأنَّ آذانَها أطْراقُ أقْلامِ وقالَ ابْنُ رَواحَةَ: ؎عَدِمْتُ بُنَيَّتِي إنْ لَمْ تَرَوْها ∗∗∗ تُثِيرُ النَّقْعَ مِن كَنَفَيْ كُداءِ وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: النَّقْعُ: رَفْعُ الصَّوْتِ، ومِنهُ قَوْلُ لَبِيدٍ: ؎فَمَتى يَنْقَعْ صُراخٌ صادِقٌ ∗∗∗ تَحْلِبُوها ذاتَ جَرْسٍ وزَجَلِ الكَنُودُ: الكَفُورُ لِلنِّعْمَةِ، قالَ الشّاعِرُ: ؎كَنُودٌ لِنَعْماءِ الرِّجالِ ومَن يَكُنْ ∗∗∗ كَنُودًا لِنَعْماءِ الرِّجالِ يَبْعُدُ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: الكَنُودُ، بِلِسانِ كِنْدَةَ وحَضْرَمَوْتَ: العاصِي، وبِلِسانِ رَبِيعَةَ ومُضَرَ: الكَفُورُ، وبِلِسانِ كِنانَةَ: البَخِيلُ السَّيِّئُ المَلَكَةِ، وقالَهُ مُقاتِلٌ، وقالَ الكَلْبِيُّ مِثْلَهُ إلّا أنَّهُ قالَ: وبِلِسانِ بَنِي مالِكٍ: البَخِيلُ، ولَمْ يَذْكُرْ حَضْرَمَوْتَ، ويُقالُ: كَنَدَ النِّعْمَةَ كُنُودًا، وقالَ أبُو زُبَيْدٍ في البَخِيلِ: ؎إنْ تَفُتْنِي فَلَمْ أطِبْ عَنْكَ نَفْسًا ∗∗∗ غَيْرَ أنِّي أُمْنى بِدَهْرٍ كَنُودِ حَصَّلَ الشَّيْءَ: جَمَعَهُ، وقِيلَ: مَيَّزَهُ مِن غَيْرِهِ، ومِنهُ قِيلَ لِلْمُنْخُلِ: المِحْصَلُ، وحَصَلَ الشَّيْءُ: ظَهَرَ واسْتَبانَ. ﴿والعادِياتِ ضَبْحًا﴾ ﴿فالمُورِياتِ قَدْحًا﴾ ﴿فالمُغِيراتِ صُبْحًا﴾ ﴿فَأثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾ ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾ ﴿إنَّ الإنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ ﴿وإنَّهُ عَلى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ ﴿وإنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ ﴿أفَلا يَعْلَمُ إذا بُعْثِرَ ما في القُبُورِ﴾ ﴿وحُصِّلَ ما في الصُّدُورِ﴾ ﴿إنَّ رَبَّهم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وجابِرٍ، والحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ، وعَطاءٍ، مَدَنِيَّةٌ في قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ، وأنَسٍ، وقَتادَةَ لِما ذَكَرَ فِيما قَبْلَها ما يَقْتَضِي تَهْدِيدًا ووَعِيدًا بِيَوْمِ القِيامَةِ، بِتَعْنِيفٍ لِمَن لا يَسْتَعِدُّ لِذَلِكَ اليَوْمِ، ومَن آثَرَ أمْرَ دُنْياهُ عَلى أمْرِ آخِرَتِهِ. والجُمْهُورُ مِن أهْلِ التَّفْسِيرِ واللُّغَةِ عَلى أنَّ العادِياتِ هُنا الخَيْلُ، تَعْدُو في سَبِيلِ اللَّهِ وتَضْبَحُ حالَةَ عَدْوِها، وقالَ عَنْتَرَةُ: ؎والخَيْلُ تَكْدَحُ حِينَ تَضْبَحُ ∗∗∗ في حِياضِ المَوْتِ ضَبْحا وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ، وعَلِيٌّ، وإبْراهِيمُ، والسُّدِّيُّ، ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: العادِياتُ: الإبِلُ، أقْسَمَ بِها حِينَ تَعْدُو مِن عَرَفَةَ ومِنَ المُزْدَلِفَةِ إذا دَفَعَ الحاجُّ، وبِأهْلِ غَزْوَةِ بَدْرٍ لَمْ يَكُنْ فِيها غَيْرُ فَرَسَيْنِ فَرَسٍ لِلزُّبَيْرِ وفَرَسٍ لِلْمِقْدادِ، وبِهَذا حَجَّ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ابْنَ عَبّاسٍ حِينَ تَمارَيا، فَرَجَعَ ابْنُ عَبّاسٍ إلى قَوْلِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وقالَتْ صَفِيَّةُ بِنْتُ عَبْدِ المُطَّلِبِ: ؎فَلا والعادِياتِ غَداةَ جَمْعٍ ∗∗∗ بِأيْدِيها إذا سَطَعَ الغُبارُ وانْتَصَبَ ﴿ضَبْحًا﴾ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ، أيْ يَضْبَحْنَ ضَبْحًا، أوْ عَلى أنَّهُ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ ضابِحاتٍ، أوْ عَلى المَصْدَرِ عَلى قَوْلِ أبِي عُبَيْدَةَ أنَّ مَعْناهُ العَدْوُ الشَّدِيدُ، فَهو مَنصُوبٌ بِالعادِياتِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ بِالعادِياتِ (p-٥٠٤)كَأنَّهُ قِيلَ: والضّابِحاتِ، لِأنَّ الضَّبْحَ يَكُونُ مَعَ العَدْوِ. انْتَهى. وإذا كانَ الضَّبْحُ مَعَ العَدْوِ، فَلا يَكُونُ مَعْنى (والعادِياتِ) مَعْنى الضّابِحاتِ، فَلا يَنْبَغِي أنْ يُفَسَّرَ بِهِ. ﴿فالمُورِياتِ قَدْحًا﴾ والإيراءُ: إخْراجُ النّارِ، أيْ تَقْدَحُ بِحَوافِرِها الحِجارَةَ فَيَتَطايَرُ مِنها النّارُ لِصَكِّ بَعْضِ الحِجارَةِ بَعْضًا، ويُقالُ: قَدَحَ فَأوْرى، وقَدَحَ فَأصْلَدَ، وتُسَمّى تِلْكَ النّارُ الَّتِي تَقْدَحُها الحَوافِرُ مِنَ الخَيْلِ أوِ الإبِلِ: نارَ الحُباحِبِ، قالَ الشّاعِرُ: ؎تَقُدُّ السَّلُوقِيَّ المُضاعَفَ نَسْجُهُ ∗∗∗ وتَوْقِدُ بِالصُّفّاحِ نارَ الحُباحِبِ وقِيلَ: ﴿فالمُورِياتِ قَدْحًا﴾ مَجازٌ، أوِ اسْتِعارَةٌ في الخَيْلِ تُشْعِلُ الحَرْبَ، قالَهُ قَتادَةُ، وقالَ تَعالى: ﴿كُلَّما أوْقَدُوا نارًا لِلْحَرْبِ أطْفَأها اللَّهُ﴾ [المائدة: ٦٤] . ويُقالُ: حَمِيَ الوَطِيسُ إذا اشْتَدَّ الحَرْبُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: المُورِياتُ: الجَماعَةُ الَّتِي تَمْكُرُ في الحَرْبِ، والعَرَبُ تَقُولُهُ إذا أرادَتِ المَكْرَ بِالرَّجُلِ: واللَّهِ لا يَكُونُ ذَلِكَ، ولَأُورِيَنَّ لَكَ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا: الَّتِي تُورِي نارَها بِاللَّيْلِ لِحاجَتِها وطَعامِها، وعَنْهُ أيْضًا: جَماعَةُ الغُزاةِ تُكْثِرُ النّارَ إرْهابًا، وقالَ عِكْرِمَةُ: ألْسِنَةُ الرِّجالِ تُورِي النّارَ مِن عَظِيمِ ما تَتَكَلَّمُ بِهِ، وتُظْهِرُ مِنَ الحُجَجِ والدَّلائِلِ، وإظْهارِ الحَقِّ وإبْطالِ الباطِلِ ﴿فالمُغِيراتِ صُبْحًا﴾ أيْ تُغِيرُ عَلى العَدُوِّ في الصُّبْحِ، ومَن قالَ هي الإبِلُ، قالَ العَرَبُ تَقُولُ: أغارَ إذا عَدا جَرْيًا، أيْ مِن مُزْدَلِفَةَ إلى مِنًى، أوْ في بَدْرٍ، وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ هَذِهِ الأوْصافَ لِذاتٍ واحِدَةٍ، لِعَطْفِها بِالفاءِ الَّتِي تَقْتَضِي التَّعْقِيبَ، والظّاهِرُ أنَّها الخَيْلُ الَّتِي يُجاهَدُ عَلَيْها العَدُوُّ مِنَ الكُفّارِ، ولا يُسْتَدَلُّ عَلى أنَّها الإبِلُ بِوَقْعَةِ بَدْرٍ، وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيها إلّا فَرَسانِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ أنَّ سَبَبَ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ هو وقْعَةُ بَدْرٍ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ لا يَكادُ يُوجَدُ أنَّ الإبِلَ جُوهِدَ عَلَيْها في سَبِيلِ اللَّهِ، بَلِ المَعْلُومُ أنَّهُ لا يُجاهَدُ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى إلّا عَلى الخَيْلِ في شَرْقِ البِلادِ وغَرْبِها. ﴿فَأثَرْنَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى اسْمِ الفاعِلِ الَّذِي هو صِلَةُ ألْ؛ لِأنَّهُ في مَعْنى الفِعْلِ، إذْ تَقْدِيرُهُ: فاللّاتِي عَدَوْنَ فَأغَرْنَ فَأثَرْنَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَعْطُوفٌ عَلى الفِعْلِ الَّذِي وُضِعَ اسْمُ الفاعِلِ مَوْضِعَهُ. انْتَهى. وتَقُولُ أصْحابُنا: هو مَعْطُوفٌ عَلى الِاسْمِ؛ لِأنَّهُ في مَعْنى الفِعْلِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فَأثَرْنَ﴾، ﴿فَوَسَطْنَ﴾ بِتَخْفِيفِ الثّاءِ والسِّينِ، وأبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِشَدِّهِما، وعَلِيٌّ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وقَتادَةُ، وابْنُ أبِي لَيْلى: بِشَدِّ السِّينِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: فَأثَرْنَ بِالتَّشْدِيدِ، بِمَعْنى: فَأظْهَرْنَ بِهِ غُبارًا؛ لِأنَّ التَّأْثِيرَ فِيهِ مَعْنى الإظْهارُ، أوْ قَلَبَ ثَوَرْنَ إلى وثُرْنَ، وقَلَبَ الواوَ هَمْزَةً، وقُرِئَ: (فَوَسَّطْنَ) بِالتَّشْدِيدِ لِلتَّعْدِيَةِ، والباءُ مَزِيدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ، كَقَوْلِهِ: (فَأْتُوا بِهِ) وهي مُبالَغَةٌ في وسَطْنَ. انْتَهى. أمّا قَوْلُهُ: أوْ قَلَبَ، فَتَمَحُّلٌ بارِدٌ، وأمّا أنَّ التَّشْدِيدَ لِلتَّعْدِيَةِ، فَقَدْ نَقَلُوا أنَّ وسَطَ مُخَفَّفًا ومُثَقَّلًا بِمَعْنًى واحِدٍ، وأنَّهُما لُغَتانِ، والضَّمِيرُ في بِهِ عائِدٌ في الأوَّلِ عَلى الصُّبْحِ، أيْ هَيَّجْنَ في ذَلِكَ الوَقْتِ غُبارًا، وفي بِهِ الثّانِي عَلى الصُّبْحِ، قِيلَ: أوْ عَلى النَّقْعِ، أيْ وسَطْنَ النَّقْعَ الجَمْعَ، فَيَكُونُ وسَطَهُ بِمَعْنى تَوَسُّطِهِ، وقالَ عَلِيٌّ وعَبْدُ اللَّهِ: ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾ أيِ الإبِلُ، و”جَمْعًا“ اسْمٌ لِلْمُزْدَلِفَةِ، ولَيْسَ بِجَمْعٍ مِنَ النّاسِ. وقالَ بِشْرُ بْنُ أبِي حازِمٍ: ؎فَوَسَطْنَ جَمْعَهم وأفْلَتَ حاجِبٌ ∗∗∗ تَحْتَ العَجاجَةِ في الغُبارِ الأقْتَمِ وقِيلَ: الضَّمِيرُ في بِهِ مَعًا يَعُودُ عَلى العَدْوِ الدّالِّ عَلَيْهِ ﴿والعادِياتِ﴾ أيْضًا. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى المَكانِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ المَعْنى، وإنْ لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ لِدَلالَةِ والعادِياتِ وما بَعْدَها عَلَيْهِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالنَّقْعِ هُنا الصِّياحُ، والظّاهِرُ أنَّ المُقْسَمَ بِهِ هو جِنْسُ العادِياتِ، ولَيْسَتْ (ألْ) فِيهِ لِلْعَهْدِ، والمُقْسَمُ عَلَيْهِ: ﴿إنَّ الإنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ وفي الحَدِيثِ: (الكَنُودُ يَأْكُلُ وحْدَهُ ويَمْنَعُ رِفْدَهُ ويَضْرِبُ عَبْدَهُ) . وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ: هو الجَحُودُ لِنِعْمَةِ اللَّهِ تَعالى، وعَنِ الحَسَنِ أيْضًا: هو اللّائِمُ لِرَبِّهِ، يَعُدُّ السَّيِّئاتِ ويَنْسى الحَسَناتِ. وقالَ الفُضَيْلُ: هو الَّذِي تُنْسِيهِ سَيِّئَةٌ واحِدَةٌ حَسَناتٍ كَثِيرَةً، ويُعامِلُ اللَّهَ عَلى عَقْدِ عِوَضٍ، وقالَ عَطاءٌ: (p-٥٠٥)هُوَ الَّذِي لا يُعْطِي في النّائِباتِ مَعَ قَوْمِهِ. وقِيلَ: البَخِيلُ، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أرْضٌ كَنُودٌ: لا تُنْبِتُ شَيْئًا، والظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ في (وإنَّهُ) عَلى ذَلِكَ ﴿لَشَهِيدٌ﴾ أيْ يَشْهَدُ عَلى كُنُودِهِ، ولا يَقْدِرُ أنْ يَجْحَدَهُ لِظُهُورِ أمْرِهِ، وقالَهُ الحَسَنُ ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ: هو عائِدٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، أيْ ورَبُّهُ شاهِدٌ عَلَيْهِ، وهو عَلى سَبِيلِ الوَعِيدِ. وقالَ التَّبْرِيزِيُّ: هو عائِدٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، ورَبُّهُ شاهِدٌ عَلَيْهِ هو الأصَحُّ، لِأنَّ الضَّمِيرَ يَجِبُ عَوْدُهُ إلى أقْرَبِ المَذْكُورِينَ، ويَكُونُ ذَلِكَ كالوَعِيدِ والزَّجْرِ عَنِ المَعاصِي. انْتَهى. ولا يَتَرَجَّحُ بِالقُرْبِ إلّا إذا تَساوَيا مِن حَيْثُ المَعْنى، والإنْسانُ هُنا هو المُحَدَّثُ عَنْهُ والمُسْنَدُ إلَيْهِ الكَنُودُ، وأيْضًا فَتَناسُقُ الضَّمائِرِ لِواحِدٍ مَعَ صِحَّةِ المَعْنى أوْلى مِن جَعْلِهِما لِمُخْتَلِفَيْنِ، ولا سِيَّما إذا تَوَسَّطَ الضَّمِيرُ بَيْنَ ضَمِيرَيْنِ عائِدَيْنِ عَلى واحِدٍ. (وإنَّهُ) أيْ وإنَّ الإنْسانَ ﴿لِحُبِّ الخَيْرِ﴾ أيِ المالِ (لَشَدِيدٌ) أيْ قَوِيٌّ في حُبِّهِ، وقِيلَ: لَبَخِيلٌ بِالمالِ ضابِطٌ لَهُ، ويُقالُ لِلْبَخِيلِ: شَدِيدٌ ومُتَشَدِّدٌ، وقالَ طَرَفَةُ: ؎أرى المَوْتَ يَعْتامُ الكِرامَ ويَصْطَفِي ∗∗∗ عَقِيلَةَ مالِ الفاحِشِ المُتَشَدِّدِ وقالَ قَتادَةُ: الخَيْرُ مِن حَيْثُ وقَعَ في القُرْآنِ هو المالُ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ هَذا الخَيْرُ الدُّنْيَوِيُّ مِن مالٍ وصِحَّةٍ وجاهٍ عِنْدَ المُلُوكِ ونَحْوِهِ، لِأنَّ الكُفّارَ والجُهّالَ لا يَعْرِفُونَ غَيْرَ ذَلِكَ، فَأمّا المُحِبُّ في خَيْرِ الآخِرَةِ فَمَمْدُوحٌ مَرْجُوٌّ لَهُ الفَوْزُ، وقالَ الفَرّاءُ: نَظْمُ الآيَةِ أنْ يُقالَ: وإنَّهُ لَشَدِيدُ الحُبِّ لِلْخَيْرِ، فَلَمّا تَقَدَّمَ الحُبُّ قالَ لَشَدِيدٌ، وحَذَفَ مِن آخِرِهِ ذِكْرَ الحُبِّ؛ لِأنَّهُ قَدْ جَرى ذِكْرُهُ، ولِرُءُوسِ الآيِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِي يَوْمٍ عاصِفٍ﴾ [إبراهيم: ١٨]، والعُصُوفُ: لِلرِّيحِ لا لِلْأيّامِ، كَأنَّهُ قالَ: في يَوْمٍ عاصِفِ الرِّيحِ. انْتَهى. وقالَ غَيْرُهُ ما مَعْناهُ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ أصْلُهُ ذَلِكَ التَّرْكِيبَ، بَلِ اللّامُ في (لِحُبِّ) لامُ العِلَّةِ، أيْ وإنَّهُ لِأجْلِ حُبِّ المالِ لَبَخِيلٌ، أوْ وإنَّهُ لِحُبِّ المالِ وإيثارِهِ قَوِيٌّ مُطِيقٌ، وهو لِحُبِّ عِبادَةِ اللَّهِ وشُكْرِ نِعَمِهِ ضَعِيفٌ مُتَقاعِسٌ، تَقُولُ: هو شَدِيدٌ لِهَذا الأمْرِ وقَوِيٌّ لَهُ إذا كانَ مُطِيقًا لَهُ ضابِطًا. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ أرادَ: وإنَّهُ لِحُبِّ الخَيْراتِ غَيْرُ هَشٍّ مُنْبَسِطٍ، ولَكِنَّهُ شَدِيدٌ مُنْقَبِضٌ. ﴿أفَلا يَعْلَمُ﴾ تَوْقِيفٌ إلى ما يَئُولُ إلَيْهِ الإنْسانُ، ومَفْعُولُ يَعْلَمُ مَحْذُوفٌ وهو العامِلُ في الظَّرْفِ، أيْ أفَلا يَعْلَمُ مَآلَهُ ؟ ﴿إذا بُعْثِرَ﴾ وقالَ الحَوْفِيُّ: إذا ظَرْفٌ مُضافٌ إلى ﴿بُعْثِرَ﴾ والعامِلُ فِيهِ يَعْلَمُ. انْتَهى. ولَيْسَ بِمُتَّضِحٍ لِأنَّ المَعْنى: أفَلا يَعْلَمُ الآنَ ؟ وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿بُعْثِرَ﴾ بِالعَيْنِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: بِالحاءِ، وقَرَأ الأسْوَدُ بْنُ زَيْدٍ: (بَحَثَ)، وقَرَأ نَصْرُ بْنُ عاصِمٍ: (بَحْثَرَ) عَلى بِنائِهِ لِلْفاعِلِ، وقَرَأ ابْنُ يَعْمَرَ، ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ، ومُحَمَّدُ بْنُ أبِي سَعْدانَ: (وحَصَّلَ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، والجُمْهُورُ: مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ ابْنُ يَعْمَرَ أيْضًا ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ أيْضًا: (وحَصَلَ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ خَفِيفَ الصّادِ، والمَعْنى جُمِعَ ما في المُصْحَفِ، أيْ أُظْهِرَ مُحَصَّلًا مَجْمُوعًا، وقِيلَ: مُيِّزَ وكُشِفَ لِيَقَعَ الجَزاءُ عَلَيْهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: إنَّ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ (لَخَبِيرٌ) بِاللّامِ: هو اسْتِئْنافُ إخْبارٍ، والعامِلُ في (بِهِمْ) وفي ﴿يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ وهو تَعالى خَبِيرٌ دائِمًا لَكِنَّهُ ضَمَّنَ (خَبِيرٌ) مَعْنى مُجازٍ لَهم في ذَلِكَ اليَوْمِ، وقَرَأ أبُو السَّمّالِ والحَجّاجُ: بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وإسْقاطِ اللّامِ، ويَظْهَرُ في هَذِهِ القِراءَةِ تَسَلُّطُ يَعْلَمُ عَلى إنَّ، لَكِنَّهُ لا يُمْكِنُ إعْمالُ (خَبِيرٌ) في إذا لِكَوْنِهِ في صِلَةِ إنَّ المَصْدَرِيَّةِ، لَكِنَّهُ لا يُمْكِنُ أنْ يُقَدَّرَ لَهُ عامِلٌ فِيهِ مِن مَعْنى الكَلامِ، فَإنَّهُ قالَ: يَجْزِيهِمْ إذا بُعْثِرَ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ يَعْلَمُ مُعَلَّقَةً عَنِ العَمَلِ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ، وسَدَّتْ مَسَدَّ المَعْمُولِ في إنَّ، وفي خَبَرِها اللّامُ ظاهِرٌ، إذْ هي في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِيَعْلَمُ، وإذا العامِلُ فِيها مِن مَعْنى مَضْمُونِ الجُمْلَةِ تَقْدِيرُهُ: كَما قُلْنا يَجْزِيهِمْ إذا بُعْثِرَ.

العاديات 100:11

سُورَةُ العادِياتِ مَدَنِيَّةٌ، وهي إحْدى عَشْرَةَ آيَةً. ﷽ ﴿والعادِياتِ ضَبْحًا﴾ ﴿فالمُورِياتِ قَدْحًا﴾ ﴿فالمُغِيراتِ صُبْحًا﴾ ﴿فَأثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾ ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾ ﴿إنَّ الإنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ ﴿وإنَّهُ عَلى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ ﴿وإنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ ﴿أفَلا يَعْلَمُ إذا بُعْثِرَ ما في القُبُورِ﴾ ﴿وحُصِّلَ ما في الصُّدُورِ﴾ ﴿إنَّ رَبَّهم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ العادِيّاتُ: الجارِياتُ بِسُرْعَةٍ، وهو وصْفٌ، ويَأْتِي في التَّفْسِيرِ الخِلافُ في المَوْصُوفِ، الضَّبْحُ: تَصْوِيتٌ جَهِيرٌ عِنْدَ العَدْوِ الشَّدِيدِ، لَيْسَ بِصَهِيلٍ ولا رُغاءٍ ولا نُباحٍ، بَلْ هو غَيْرُ المُعْتادِ مِن صَوْتِ الحَيَوانِ الَّذِي يَضْبَحُ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: لَيْسَ يَضْبَحُ مِنَ الحَيَوانِ غَيْرَ الخَيْلِ والكِلابِ، قِيلَ: ولا يَصِحُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، لِأنَّ الإبِلَ تَضْبَحُ، والأسْوَدَ مِنَ الحَيّاتِ والبُومَ والصَّدى والأرْنَبَ والثَّعْلَبَ والقَوْسَ، كَما اسْتَعْمَلَتِ العَرَبُ لَها الضَّبْحَ، أنْشَدَ أبُو حَنِيفَةَ في صِفَةِ قَوْسٍ: ؎حَنّانَةٌ مِن نَشَمٍ أوْ تَألُّبٍ تَضْبَحُ في الكَفِّ ضِباحِ الثَّعْلَبِ وقالَ أهْلُ اللُّغَةِ: أصْلُهُ لِلثَّعْلَبِ، فاسْتُعِيرَ لِلْخَيْلِ، وهو مِن ضَبَحَتْهُ النّارُ: غَيَّرَتْ لَوْنَهُ ولَمْ تُبالِغْ فِيهِ، وانْضَبَحَ لَوْنُهُ: تَغَيَّرَ إلى السَّوادِ قَلِيلًا، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الضَّبْحُ والضَّبْعُ بِمَعْنى العَدْوِ الشَّدِيدِ، وكَذا قالَ المُبَرِّدُ: الضَّبْحُ مِن إضْباعِها في السَّيْرِ. القَدْحُ: الصَّكُّ، وقِيلَ: الِاسْتِخْراجُ، ومِنهُ قَدَحْتُ العَيْنَ: أخْرَجْتَ مِنها الفاسِدَ، والقَدّاحُ والقَدّاحَةُ والمِقْدَحَةُ: ما تُورى بِهِ النّارُ. أغارَ عَلى العَدُوِّ: قَصَدَهُ لِنَهْبٍ أوْ قَتْلٍ أوْ أسْرٍ. النَّقْعُ: الغُبارُ، قالَ الشّاعِرُ:(p-٥٠٣) ؎يَخْرُجْنَ مِن مُسْتَطارِ النَّقْعِ دامِيَةً ∗∗∗ كَأنَّ آذانَها أطْراقُ أقْلامِ وقالَ ابْنُ رَواحَةَ: ؎عَدِمْتُ بُنَيَّتِي إنْ لَمْ تَرَوْها ∗∗∗ تُثِيرُ النَّقْعَ مِن كَنَفَيْ كُداءِ وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: النَّقْعُ: رَفْعُ الصَّوْتِ، ومِنهُ قَوْلُ لَبِيدٍ: ؎فَمَتى يَنْقَعْ صُراخٌ صادِقٌ ∗∗∗ تَحْلِبُوها ذاتَ جَرْسٍ وزَجَلِ الكَنُودُ: الكَفُورُ لِلنِّعْمَةِ، قالَ الشّاعِرُ: ؎كَنُودٌ لِنَعْماءِ الرِّجالِ ومَن يَكُنْ ∗∗∗ كَنُودًا لِنَعْماءِ الرِّجالِ يَبْعُدُ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: الكَنُودُ، بِلِسانِ كِنْدَةَ وحَضْرَمَوْتَ: العاصِي، وبِلِسانِ رَبِيعَةَ ومُضَرَ: الكَفُورُ، وبِلِسانِ كِنانَةَ: البَخِيلُ السَّيِّئُ المَلَكَةِ، وقالَهُ مُقاتِلٌ، وقالَ الكَلْبِيُّ مِثْلَهُ إلّا أنَّهُ قالَ: وبِلِسانِ بَنِي مالِكٍ: البَخِيلُ، ولَمْ يَذْكُرْ حَضْرَمَوْتَ، ويُقالُ: كَنَدَ النِّعْمَةَ كُنُودًا، وقالَ أبُو زُبَيْدٍ في البَخِيلِ: ؎إنْ تَفُتْنِي فَلَمْ أطِبْ عَنْكَ نَفْسًا ∗∗∗ غَيْرَ أنِّي أُمْنى بِدَهْرٍ كَنُودِ حَصَّلَ الشَّيْءَ: جَمَعَهُ، وقِيلَ: مَيَّزَهُ مِن غَيْرِهِ، ومِنهُ قِيلَ لِلْمُنْخُلِ: المِحْصَلُ، وحَصَلَ الشَّيْءُ: ظَهَرَ واسْتَبانَ. ﴿والعادِياتِ ضَبْحًا﴾ ﴿فالمُورِياتِ قَدْحًا﴾ ﴿فالمُغِيراتِ صُبْحًا﴾ ﴿فَأثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾ ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾ ﴿إنَّ الإنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ ﴿وإنَّهُ عَلى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ ﴿وإنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ ﴿أفَلا يَعْلَمُ إذا بُعْثِرَ ما في القُبُورِ﴾ ﴿وحُصِّلَ ما في الصُّدُورِ﴾ ﴿إنَّ رَبَّهم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وجابِرٍ، والحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ، وعَطاءٍ، مَدَنِيَّةٌ في قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ، وأنَسٍ، وقَتادَةَ لِما ذَكَرَ فِيما قَبْلَها ما يَقْتَضِي تَهْدِيدًا ووَعِيدًا بِيَوْمِ القِيامَةِ، بِتَعْنِيفٍ لِمَن لا يَسْتَعِدُّ لِذَلِكَ اليَوْمِ، ومَن آثَرَ أمْرَ دُنْياهُ عَلى أمْرِ آخِرَتِهِ. والجُمْهُورُ مِن أهْلِ التَّفْسِيرِ واللُّغَةِ عَلى أنَّ العادِياتِ هُنا الخَيْلُ، تَعْدُو في سَبِيلِ اللَّهِ وتَضْبَحُ حالَةَ عَدْوِها، وقالَ عَنْتَرَةُ: ؎والخَيْلُ تَكْدَحُ حِينَ تَضْبَحُ ∗∗∗ في حِياضِ المَوْتِ ضَبْحا وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ، وعَلِيٌّ، وإبْراهِيمُ، والسُّدِّيُّ، ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: العادِياتُ: الإبِلُ، أقْسَمَ بِها حِينَ تَعْدُو مِن عَرَفَةَ ومِنَ المُزْدَلِفَةِ إذا دَفَعَ الحاجُّ، وبِأهْلِ غَزْوَةِ بَدْرٍ لَمْ يَكُنْ فِيها غَيْرُ فَرَسَيْنِ فَرَسٍ لِلزُّبَيْرِ وفَرَسٍ لِلْمِقْدادِ، وبِهَذا حَجَّ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ابْنَ عَبّاسٍ حِينَ تَمارَيا، فَرَجَعَ ابْنُ عَبّاسٍ إلى قَوْلِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وقالَتْ صَفِيَّةُ بِنْتُ عَبْدِ المُطَّلِبِ: ؎فَلا والعادِياتِ غَداةَ جَمْعٍ ∗∗∗ بِأيْدِيها إذا سَطَعَ الغُبارُ وانْتَصَبَ ﴿ضَبْحًا﴾ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ، أيْ يَضْبَحْنَ ضَبْحًا، أوْ عَلى أنَّهُ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ ضابِحاتٍ، أوْ عَلى المَصْدَرِ عَلى قَوْلِ أبِي عُبَيْدَةَ أنَّ مَعْناهُ العَدْوُ الشَّدِيدُ، فَهو مَنصُوبٌ بِالعادِياتِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ بِالعادِياتِ (p-٥٠٤)كَأنَّهُ قِيلَ: والضّابِحاتِ، لِأنَّ الضَّبْحَ يَكُونُ مَعَ العَدْوِ. انْتَهى. وإذا كانَ الضَّبْحُ مَعَ العَدْوِ، فَلا يَكُونُ مَعْنى (والعادِياتِ) مَعْنى الضّابِحاتِ، فَلا يَنْبَغِي أنْ يُفَسَّرَ بِهِ. ﴿فالمُورِياتِ قَدْحًا﴾ والإيراءُ: إخْراجُ النّارِ، أيْ تَقْدَحُ بِحَوافِرِها الحِجارَةَ فَيَتَطايَرُ مِنها النّارُ لِصَكِّ بَعْضِ الحِجارَةِ بَعْضًا، ويُقالُ: قَدَحَ فَأوْرى، وقَدَحَ فَأصْلَدَ، وتُسَمّى تِلْكَ النّارُ الَّتِي تَقْدَحُها الحَوافِرُ مِنَ الخَيْلِ أوِ الإبِلِ: نارَ الحُباحِبِ، قالَ الشّاعِرُ: ؎تَقُدُّ السَّلُوقِيَّ المُضاعَفَ نَسْجُهُ ∗∗∗ وتَوْقِدُ بِالصُّفّاحِ نارَ الحُباحِبِ وقِيلَ: ﴿فالمُورِياتِ قَدْحًا﴾ مَجازٌ، أوِ اسْتِعارَةٌ في الخَيْلِ تُشْعِلُ الحَرْبَ، قالَهُ قَتادَةُ، وقالَ تَعالى: ﴿كُلَّما أوْقَدُوا نارًا لِلْحَرْبِ أطْفَأها اللَّهُ﴾ [المائدة: ٦٤] . ويُقالُ: حَمِيَ الوَطِيسُ إذا اشْتَدَّ الحَرْبُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: المُورِياتُ: الجَماعَةُ الَّتِي تَمْكُرُ في الحَرْبِ، والعَرَبُ تَقُولُهُ إذا أرادَتِ المَكْرَ بِالرَّجُلِ: واللَّهِ لا يَكُونُ ذَلِكَ، ولَأُورِيَنَّ لَكَ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا: الَّتِي تُورِي نارَها بِاللَّيْلِ لِحاجَتِها وطَعامِها، وعَنْهُ أيْضًا: جَماعَةُ الغُزاةِ تُكْثِرُ النّارَ إرْهابًا، وقالَ عِكْرِمَةُ: ألْسِنَةُ الرِّجالِ تُورِي النّارَ مِن عَظِيمِ ما تَتَكَلَّمُ بِهِ، وتُظْهِرُ مِنَ الحُجَجِ والدَّلائِلِ، وإظْهارِ الحَقِّ وإبْطالِ الباطِلِ ﴿فالمُغِيراتِ صُبْحًا﴾ أيْ تُغِيرُ عَلى العَدُوِّ في الصُّبْحِ، ومَن قالَ هي الإبِلُ، قالَ العَرَبُ تَقُولُ: أغارَ إذا عَدا جَرْيًا، أيْ مِن مُزْدَلِفَةَ إلى مِنًى، أوْ في بَدْرٍ، وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ هَذِهِ الأوْصافَ لِذاتٍ واحِدَةٍ، لِعَطْفِها بِالفاءِ الَّتِي تَقْتَضِي التَّعْقِيبَ، والظّاهِرُ أنَّها الخَيْلُ الَّتِي يُجاهَدُ عَلَيْها العَدُوُّ مِنَ الكُفّارِ، ولا يُسْتَدَلُّ عَلى أنَّها الإبِلُ بِوَقْعَةِ بَدْرٍ، وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيها إلّا فَرَسانِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ أنَّ سَبَبَ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ هو وقْعَةُ بَدْرٍ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ لا يَكادُ يُوجَدُ أنَّ الإبِلَ جُوهِدَ عَلَيْها في سَبِيلِ اللَّهِ، بَلِ المَعْلُومُ أنَّهُ لا يُجاهَدُ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى إلّا عَلى الخَيْلِ في شَرْقِ البِلادِ وغَرْبِها. ﴿فَأثَرْنَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى اسْمِ الفاعِلِ الَّذِي هو صِلَةُ ألْ؛ لِأنَّهُ في مَعْنى الفِعْلِ، إذْ تَقْدِيرُهُ: فاللّاتِي عَدَوْنَ فَأغَرْنَ فَأثَرْنَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَعْطُوفٌ عَلى الفِعْلِ الَّذِي وُضِعَ اسْمُ الفاعِلِ مَوْضِعَهُ. انْتَهى. وتَقُولُ أصْحابُنا: هو مَعْطُوفٌ عَلى الِاسْمِ؛ لِأنَّهُ في مَعْنى الفِعْلِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فَأثَرْنَ﴾، ﴿فَوَسَطْنَ﴾ بِتَخْفِيفِ الثّاءِ والسِّينِ، وأبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِشَدِّهِما، وعَلِيٌّ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وقَتادَةُ، وابْنُ أبِي لَيْلى: بِشَدِّ السِّينِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: فَأثَرْنَ بِالتَّشْدِيدِ، بِمَعْنى: فَأظْهَرْنَ بِهِ غُبارًا؛ لِأنَّ التَّأْثِيرَ فِيهِ مَعْنى الإظْهارُ، أوْ قَلَبَ ثَوَرْنَ إلى وثُرْنَ، وقَلَبَ الواوَ هَمْزَةً، وقُرِئَ: (فَوَسَّطْنَ) بِالتَّشْدِيدِ لِلتَّعْدِيَةِ، والباءُ مَزِيدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ، كَقَوْلِهِ: (فَأْتُوا بِهِ) وهي مُبالَغَةٌ في وسَطْنَ. انْتَهى. أمّا قَوْلُهُ: أوْ قَلَبَ، فَتَمَحُّلٌ بارِدٌ، وأمّا أنَّ التَّشْدِيدَ لِلتَّعْدِيَةِ، فَقَدْ نَقَلُوا أنَّ وسَطَ مُخَفَّفًا ومُثَقَّلًا بِمَعْنًى واحِدٍ، وأنَّهُما لُغَتانِ، والضَّمِيرُ في بِهِ عائِدٌ في الأوَّلِ عَلى الصُّبْحِ، أيْ هَيَّجْنَ في ذَلِكَ الوَقْتِ غُبارًا، وفي بِهِ الثّانِي عَلى الصُّبْحِ، قِيلَ: أوْ عَلى النَّقْعِ، أيْ وسَطْنَ النَّقْعَ الجَمْعَ، فَيَكُونُ وسَطَهُ بِمَعْنى تَوَسُّطِهِ، وقالَ عَلِيٌّ وعَبْدُ اللَّهِ: ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾ أيِ الإبِلُ، و”جَمْعًا“ اسْمٌ لِلْمُزْدَلِفَةِ، ولَيْسَ بِجَمْعٍ مِنَ النّاسِ. وقالَ بِشْرُ بْنُ أبِي حازِمٍ: ؎فَوَسَطْنَ جَمْعَهم وأفْلَتَ حاجِبٌ ∗∗∗ تَحْتَ العَجاجَةِ في الغُبارِ الأقْتَمِ وقِيلَ: الضَّمِيرُ في بِهِ مَعًا يَعُودُ عَلى العَدْوِ الدّالِّ عَلَيْهِ ﴿والعادِياتِ﴾ أيْضًا. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى المَكانِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ المَعْنى، وإنْ لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ لِدَلالَةِ والعادِياتِ وما بَعْدَها عَلَيْهِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالنَّقْعِ هُنا الصِّياحُ، والظّاهِرُ أنَّ المُقْسَمَ بِهِ هو جِنْسُ العادِياتِ، ولَيْسَتْ (ألْ) فِيهِ لِلْعَهْدِ، والمُقْسَمُ عَلَيْهِ: ﴿إنَّ الإنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ وفي الحَدِيثِ: (الكَنُودُ يَأْكُلُ وحْدَهُ ويَمْنَعُ رِفْدَهُ ويَضْرِبُ عَبْدَهُ) . وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ: هو الجَحُودُ لِنِعْمَةِ اللَّهِ تَعالى، وعَنِ الحَسَنِ أيْضًا: هو اللّائِمُ لِرَبِّهِ، يَعُدُّ السَّيِّئاتِ ويَنْسى الحَسَناتِ. وقالَ الفُضَيْلُ: هو الَّذِي تُنْسِيهِ سَيِّئَةٌ واحِدَةٌ حَسَناتٍ كَثِيرَةً، ويُعامِلُ اللَّهَ عَلى عَقْدِ عِوَضٍ، وقالَ عَطاءٌ: (p-٥٠٥)هُوَ الَّذِي لا يُعْطِي في النّائِباتِ مَعَ قَوْمِهِ. وقِيلَ: البَخِيلُ، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أرْضٌ كَنُودٌ: لا تُنْبِتُ شَيْئًا، والظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ في (وإنَّهُ) عَلى ذَلِكَ ﴿لَشَهِيدٌ﴾ أيْ يَشْهَدُ عَلى كُنُودِهِ، ولا يَقْدِرُ أنْ يَجْحَدَهُ لِظُهُورِ أمْرِهِ، وقالَهُ الحَسَنُ ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ: هو عائِدٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، أيْ ورَبُّهُ شاهِدٌ عَلَيْهِ، وهو عَلى سَبِيلِ الوَعِيدِ. وقالَ التَّبْرِيزِيُّ: هو عائِدٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، ورَبُّهُ شاهِدٌ عَلَيْهِ هو الأصَحُّ، لِأنَّ الضَّمِيرَ يَجِبُ عَوْدُهُ إلى أقْرَبِ المَذْكُورِينَ، ويَكُونُ ذَلِكَ كالوَعِيدِ والزَّجْرِ عَنِ المَعاصِي. انْتَهى. ولا يَتَرَجَّحُ بِالقُرْبِ إلّا إذا تَساوَيا مِن حَيْثُ المَعْنى، والإنْسانُ هُنا هو المُحَدَّثُ عَنْهُ والمُسْنَدُ إلَيْهِ الكَنُودُ، وأيْضًا فَتَناسُقُ الضَّمائِرِ لِواحِدٍ مَعَ صِحَّةِ المَعْنى أوْلى مِن جَعْلِهِما لِمُخْتَلِفَيْنِ، ولا سِيَّما إذا تَوَسَّطَ الضَّمِيرُ بَيْنَ ضَمِيرَيْنِ عائِدَيْنِ عَلى واحِدٍ. (وإنَّهُ) أيْ وإنَّ الإنْسانَ ﴿لِحُبِّ الخَيْرِ﴾ أيِ المالِ (لَشَدِيدٌ) أيْ قَوِيٌّ في حُبِّهِ، وقِيلَ: لَبَخِيلٌ بِالمالِ ضابِطٌ لَهُ، ويُقالُ لِلْبَخِيلِ: شَدِيدٌ ومُتَشَدِّدٌ، وقالَ طَرَفَةُ: ؎أرى المَوْتَ يَعْتامُ الكِرامَ ويَصْطَفِي ∗∗∗ عَقِيلَةَ مالِ الفاحِشِ المُتَشَدِّدِ وقالَ قَتادَةُ: الخَيْرُ مِن حَيْثُ وقَعَ في القُرْآنِ هو المالُ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ هَذا الخَيْرُ الدُّنْيَوِيُّ مِن مالٍ وصِحَّةٍ وجاهٍ عِنْدَ المُلُوكِ ونَحْوِهِ، لِأنَّ الكُفّارَ والجُهّالَ لا يَعْرِفُونَ غَيْرَ ذَلِكَ، فَأمّا المُحِبُّ في خَيْرِ الآخِرَةِ فَمَمْدُوحٌ مَرْجُوٌّ لَهُ الفَوْزُ، وقالَ الفَرّاءُ: نَظْمُ الآيَةِ أنْ يُقالَ: وإنَّهُ لَشَدِيدُ الحُبِّ لِلْخَيْرِ، فَلَمّا تَقَدَّمَ الحُبُّ قالَ لَشَدِيدٌ، وحَذَفَ مِن آخِرِهِ ذِكْرَ الحُبِّ؛ لِأنَّهُ قَدْ جَرى ذِكْرُهُ، ولِرُءُوسِ الآيِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِي يَوْمٍ عاصِفٍ﴾ [إبراهيم: ١٨]، والعُصُوفُ: لِلرِّيحِ لا لِلْأيّامِ، كَأنَّهُ قالَ: في يَوْمٍ عاصِفِ الرِّيحِ. انْتَهى. وقالَ غَيْرُهُ ما مَعْناهُ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ أصْلُهُ ذَلِكَ التَّرْكِيبَ، بَلِ اللّامُ في (لِحُبِّ) لامُ العِلَّةِ، أيْ وإنَّهُ لِأجْلِ حُبِّ المالِ لَبَخِيلٌ، أوْ وإنَّهُ لِحُبِّ المالِ وإيثارِهِ قَوِيٌّ مُطِيقٌ، وهو لِحُبِّ عِبادَةِ اللَّهِ وشُكْرِ نِعَمِهِ ضَعِيفٌ مُتَقاعِسٌ، تَقُولُ: هو شَدِيدٌ لِهَذا الأمْرِ وقَوِيٌّ لَهُ إذا كانَ مُطِيقًا لَهُ ضابِطًا. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ أرادَ: وإنَّهُ لِحُبِّ الخَيْراتِ غَيْرُ هَشٍّ مُنْبَسِطٍ، ولَكِنَّهُ شَدِيدٌ مُنْقَبِضٌ. ﴿أفَلا يَعْلَمُ﴾ تَوْقِيفٌ إلى ما يَئُولُ إلَيْهِ الإنْسانُ، ومَفْعُولُ يَعْلَمُ مَحْذُوفٌ وهو العامِلُ في الظَّرْفِ، أيْ أفَلا يَعْلَمُ مَآلَهُ ؟ ﴿إذا بُعْثِرَ﴾ وقالَ الحَوْفِيُّ: إذا ظَرْفٌ مُضافٌ إلى ﴿بُعْثِرَ﴾ والعامِلُ فِيهِ يَعْلَمُ. انْتَهى. ولَيْسَ بِمُتَّضِحٍ لِأنَّ المَعْنى: أفَلا يَعْلَمُ الآنَ ؟ وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿بُعْثِرَ﴾ بِالعَيْنِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: بِالحاءِ، وقَرَأ الأسْوَدُ بْنُ زَيْدٍ: (بَحَثَ)، وقَرَأ نَصْرُ بْنُ عاصِمٍ: (بَحْثَرَ) عَلى بِنائِهِ لِلْفاعِلِ، وقَرَأ ابْنُ يَعْمَرَ، ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ، ومُحَمَّدُ بْنُ أبِي سَعْدانَ: (وحَصَّلَ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، والجُمْهُورُ: مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ ابْنُ يَعْمَرَ أيْضًا ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ أيْضًا: (وحَصَلَ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ خَفِيفَ الصّادِ، والمَعْنى جُمِعَ ما في المُصْحَفِ، أيْ أُظْهِرَ مُحَصَّلًا مَجْمُوعًا، وقِيلَ: مُيِّزَ وكُشِفَ لِيَقَعَ الجَزاءُ عَلَيْهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: إنَّ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ (لَخَبِيرٌ) بِاللّامِ: هو اسْتِئْنافُ إخْبارٍ، والعامِلُ في (بِهِمْ) وفي ﴿يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ وهو تَعالى خَبِيرٌ دائِمًا لَكِنَّهُ ضَمَّنَ (خَبِيرٌ) مَعْنى مُجازٍ لَهم في ذَلِكَ اليَوْمِ، وقَرَأ أبُو السَّمّالِ والحَجّاجُ: بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وإسْقاطِ اللّامِ، ويَظْهَرُ في هَذِهِ القِراءَةِ تَسَلُّطُ يَعْلَمُ عَلى إنَّ، لَكِنَّهُ لا يُمْكِنُ إعْمالُ (خَبِيرٌ) في إذا لِكَوْنِهِ في صِلَةِ إنَّ المَصْدَرِيَّةِ، لَكِنَّهُ لا يُمْكِنُ أنْ يُقَدَّرَ لَهُ عامِلٌ فِيهِ مِن مَعْنى الكَلامِ، فَإنَّهُ قالَ: يَجْزِيهِمْ إذا بُعْثِرَ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ يَعْلَمُ مُعَلَّقَةً عَنِ العَمَلِ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ، وسَدَّتْ مَسَدَّ المَعْمُولِ في إنَّ، وفي خَبَرِها اللّامُ ظاهِرٌ، إذْ هي في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِيَعْلَمُ، وإذا العامِلُ فِيها مِن مَعْنى مَضْمُونِ الجُمْلَةِ تَقْدِيرُهُ: كَما قُلْنا يَجْزِيهِمْ إذا بُعْثِرَ.