Lafzullah

Al-Bahr Al-Muhit — القارعة 101:1 – قريش 106:4

المؤلف / المصدر: Al-Bahr Al-Muhit

المحتويات
  1. القارعة 101:1
  2. القارعة 101:2
  3. القارعة 101:3
  4. القارعة 101:4
  5. القارعة 101:5
  6. القارعة 101:6
  7. القارعة 101:7
  8. القارعة 101:8
  9. القارعة 101:9
  10. القارعة 101:10
  11. القارعة 101:11
  12. التكاثر 102:1
  13. التكاثر 102:2
  14. التكاثر 102:3
  15. التكاثر 102:4
  16. التكاثر 102:5
  17. التكاثر 102:6
  18. التكاثر 102:7
  19. التكاثر 102:8
  20. العصر 103:1
  21. العصر 103:2
  22. العصر 103:3
  23. الهمزة 104:1
  24. الهمزة 104:2
  25. الهمزة 104:3
  26. الهمزة 104:4
  27. الهمزة 104:5
  28. الهمزة 104:6
  29. الهمزة 104:7
  30. الهمزة 104:8
  31. الهمزة 104:9
  32. الفيل 105:1
  33. الفيل 105:2
  34. الفيل 105:3
  35. الفيل 105:4
  36. الفيل 105:5
  37. قريش 106:1
  38. قريش 106:2
  39. قريش 106:3
  40. قريش 106:4

القارعة 101:1

(p-٥٠٦)سُورَةُ القارِعَةِ مَكِّيَّةٌ وهي إحْدى عَشْرَةَ آيَةً ﷽ ﴿القارِعَةُ﴾ ﴿ما القارِعَةُ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما القارِعَةُ﴾ ﴿يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ كالفَراشِ المَبْثُوثِ﴾ ﴿وتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ المَنفُوشِ﴾ ﴿فَأمّا مَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾ ﴿فَهُوَ في عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ ﴿وأمّا مَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ﴾ ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما هِيَهْ﴾ ﴿نارٌ حامِيَةٌ﴾ الفَراشُ، قالَ الفَرّاءُ: هو الهَمَجُ الطّائِرُ مِن بَعُوضٍ وغَيْرِهِ، ومِنهُ الجَرادُ، ويُقالُ: هو أطْيَشُ مِن فَراشَةٍ، قالَ: وقَدْ كانَ أقْوامٌ رَدَدْتُ قُلُوبَهم عَلَيْهِمْ، وكانُوا كالفَراشِ مِنَ الجَهْلِ، وقِيلَ: فَراشَةُ الحِلْمِ نَفَشَتِ الصُّوفَ والقُطْنَ: فَرَّقَتْ ما كانَ مُلَبَّدًا مِن أجْزائِهِ. ﴿القارِعَةُ﴾ ﴿ما القارِعَةُ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما القارِعَةُ﴾ ﴿يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ كالفَراشِ المَبْثُوثِ﴾ ﴿وتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ المَنفُوشِ﴾ ﴿فَأمّا مَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾ ﴿فَهُوَ في عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ ﴿وأمّا مَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ﴾ ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما هِيَهْ﴾ ﴿نارٌ حامِيَةٌ﴾ هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها ظاهِرَةٌ؛ لِأنَّهُ ذَكَرَ وقْتَ بُعْثِرَتِ القُبُورُ، وذَلِكَ هو وقْتُ السّاعَةِ، وقالَ الجُمْهُورُ: (القارِعَةُ) القِيامَةُ نَفْسُها؛ لِأنَّها تَقْرَعُ القُلُوبَ بِهَوْلِها، وقِيلَ: صَيْحَةُ النَّفْخَةِ في الصُّورِ؛ لِأنَّها تَقْرَعُ الأسْماعَ وفي ضِمْنِ ذَلِكَ القُلُوبُ، وقالَ الضَّحّاكُ: هي النّارُ ذاتُ التَّغَيُّظِ والزَّفِيرِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿القارِعَةُ﴾ ﴿ما القارِعَةُ﴾ بِالرَّفْعِ، فَما اسْتِفْهامٌ فِيهِ مَعْنى الِاسْتِعْظامِ والتَّعَجُّبِ وهو مُبْتَدَأٌ، والقارِعَةُ خَبَرُهُ، وتَقَدَّمَ تَقْرِيرُ ذَلِكَ في ﴿الحاقَّةُ﴾ [الحاقة: ١] ﴿ما الحاقَّةُ﴾ [الحاقة: ٢] وقِيلَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ [الواقعة: ٨] وقالَ الزَّجّاجُ: هو تَحْذِيرٌ، والعَرَبُ تُحَذِّرُ وتُغْرِي بِالرَّفْعِ كالنَّصْبِ، قالَ الشّاعِرُ: ؎أخُو النَّجْدَةِ السِّلاحُ السِّلاحُ وقَرَأ عِيسى: بِالنَّصْبِ، وتَخْرِيجُهُ عَلى أنَّهُ مَنصُوبٌ بِإضْمارِ فِعْلٍ، أيِ اذْكُرُوا القارِعَةَ، وما زائِدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ، والقارِعَةُ تَأْكِيدٌ لَفْظِيٌّ لِلْأُولى، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يَوْمَ) بِالنَّصْبِ، وهو ظَرْفٌ، العامِلُ فِيهِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: القارِعَةُ، فَإنْ كانَ عَنى بِالقارِعَةِ اللَّفْظَ الأوَّلَ، فَلا يَجُوزُ لِلْفَصْلِ بَيْنَ العامِلِ، وهو في صِلَةِ ألْ، والمَعْمُولِ بِالخَبَرِ، وكَذا لَوْ صارَ القارِعَةُ عَلَمًا لِلْقِيامَةِ لا يَجُوزُ أيْضًا، وإنْ كانَ عَنى اللَّفْظَ الثّانِيَ أوِ الثّالِثَ، فَلا يَلْتَئِمُ مَعْنى الظَّرْفِ مَعَهُ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الظَّرْفُ نُصِبَ بِمُضْمَرٍ دَلَّ عَلَيْهِ القارِعَةُ، أيْ تَقْرَعُ يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ، وقالَ الحَوْفِيُّ: تَأْتِي يَوْمَ يَكُونُ، وقِيلَ: اذْكُرْ يَوْمَ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (يَوْمُ يَكُونُ) مَرْفُوعَ المِيمِ، أيْ وقْتُها ﴿يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ كالفَراشِ المَبْثُوثِ﴾ قالَ قَتادَةُ: هو الطَّيْرُ الَّذِي يَتَساقَطُ في النّارِ. وقالَ الفَرّاءُ: غَوْغاءُ الجَرادِ، وهو صَغِيرُهُ الَّذِي يَنْتَشِرُ في الأرْضِ يَرْكَبُ بَعْضُهُ بَعْضًا مِنَ الهَوْلِ. وقِيلَ: الفَراشُ طَيْرٌ دَقِيقٌ يَقْصِدُ النّارَ، ولا يَزالُ يَتَقَحَّمُ عَلى المِصْباحِ ونَحْوِهِ حَتّى يَحْتَرِقَ، شُبِّهُوا في الكَثْرَةِ والِانْتِشارِ والضَّعْفِ والذِّلَّةِ والمَجِيءِ والذَّهابِ عَلى غَيْرِ نِظامٍ، والتَّطايُرِ إلى الدّاعِي مِن كُلِّ جِهَةٍ حَتّى تَدْعُوَهم إلى ناحِيَةِ المَحْشَرِ، كالفَراشِ المُتَطايِرِ إلى النّارِ، قالَ جَرِيرٌ: ؎إنَّ الفَرَزْدَقَ ما عَلِمْتُ وقَوْمَهُ ∗∗∗ مِثْلُ الفَراشِ غَشَيْنَ نارَ المُصْطَلِي وقَرَنَ بَيْنَ النّاسِ والجِبالِ تَنْبِيهًا عَلى تَأْثِيرِ تِلْكَ القارِعَةِ في الجِبالِ حَتّى صارَتْ كالعِهْنِ المَنفُوشِ، (p-٥٠٧)فَكَيْفَ يَكُونُ حالُ الإنْسانِ عِنْدَ سَماعِها ؟ وتَقَدَّمَ الكَلامُ في المَوازِينِ وثِقَلِها وخِفَّتِها في الأعْرافِ، و”عِيشَةٍ راضِيَةٍ“ في الحاقَّةِ ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ الهاوِيَةُ دَرَكَةٌ مِن دَرَكاتِ النّارِ، وأُمُّهُ مَعْناهُ مَأْواهُ، كَما قِيلَ لِلْأرْضِ أُمُّ النّاسِ لِأنَّها تُئْوِيهِمْ، وكَما قالَ عُتْبَةُ بْنُ أبِي سُفْيانَ في الحَرْبِ: فَنَحْنُ بَنُوها وهي أُمُّنا، وقالَ قَتادَةُ وأبُو صالِحٍ وغَيْرُهُ: فَأُمُّ رَأْسِهِ هاوِيَةٌ في قَعْرِ جَهَنَّمَ لِأنَّهُ يُطْرَحُ فِيها مَنكُوسًا، وقِيلَ: هو تَفاؤُلٌ بِشَرٍّ، وإذا دَعَوْا بِالهَلَكَةِ قالُوا هَوَتْ أُمُّهُ، لِأنَّهُ إذا هَوى، أيْ سَقَطَ وهَلَكَ فَقَدْ هَوَتْ أُمُّهُ ثُكْلًا وحُزْنًا، قالَ الشّاعِرُ: ؎هَوَتْ أُمُّهُ ما يَبْعَثُ الصُّبْحُ غادِيًا ∗∗∗ وماذا يَوَدُّ اللَّيْلُ حِينَ يَئُوبُ وقَرَأ الجُمْهُورُ: (فَأُمُّهُ) بِضَمِّ الهَمْزَةِ، وطَلْحَةُ بِكَسْرِها، قالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: وحَكى ابْنُ دُرَيْدٍ أنَّها لُغَةٌ، وأمّا النَّحْوِيُّونَ فَإنَّهم يَقُولُونَ: لا يَجُوزُ كَسْرُ الهَمْزَةِ إلّا أنْ يَتَقَدَّمَها كَسْرَةٌ أوْ ياءٌ. انْتَهى. ﴿وما أدْراكَ ما هِيَهْ﴾ هي ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى هاوِيَةٍ إنْ كانَتْ كَما قِيلَ دَرَكَةٌ مِن دَرَكاتِ النّارِ مَعْرُوفَةٌ بِهَذا الِاسْمِ، وإنْ كانَتْ غَيْرَ ذَلِكَ مِمّا قِيلَ فَهي ضَمِيرُ الدّاهِيَةِ الَّتِي دَلَّ عَلَيْها قَوْلُهُ: ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ والهاءُ في ﴿ما هِيَهْ﴾ هاءُ السَّكْتِ، وحَذَفَها في الوَصْلِ ابْنُ أبِي إسْحاقَ والأعْمَشُ وحَمْزَةُ، وأثْبَتَها الجُمْهُورُ. (نارٌ) خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ هي نارٌ، أعاذَنا اللَّهُ مِنها بِمَنِّهِ وكَرَمِهِ.

القارعة 101:2

(p-٥٠٦)سُورَةُ القارِعَةِ مَكِّيَّةٌ وهي إحْدى عَشْرَةَ آيَةً ﷽ ﴿القارِعَةُ﴾ ﴿ما القارِعَةُ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما القارِعَةُ﴾ ﴿يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ كالفَراشِ المَبْثُوثِ﴾ ﴿وتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ المَنفُوشِ﴾ ﴿فَأمّا مَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾ ﴿فَهُوَ في عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ ﴿وأمّا مَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ﴾ ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما هِيَهْ﴾ ﴿نارٌ حامِيَةٌ﴾ الفَراشُ، قالَ الفَرّاءُ: هو الهَمَجُ الطّائِرُ مِن بَعُوضٍ وغَيْرِهِ، ومِنهُ الجَرادُ، ويُقالُ: هو أطْيَشُ مِن فَراشَةٍ، قالَ: وقَدْ كانَ أقْوامٌ رَدَدْتُ قُلُوبَهم عَلَيْهِمْ، وكانُوا كالفَراشِ مِنَ الجَهْلِ، وقِيلَ: فَراشَةُ الحِلْمِ نَفَشَتِ الصُّوفَ والقُطْنَ: فَرَّقَتْ ما كانَ مُلَبَّدًا مِن أجْزائِهِ. ﴿القارِعَةُ﴾ ﴿ما القارِعَةُ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما القارِعَةُ﴾ ﴿يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ كالفَراشِ المَبْثُوثِ﴾ ﴿وتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ المَنفُوشِ﴾ ﴿فَأمّا مَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾ ﴿فَهُوَ في عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ ﴿وأمّا مَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ﴾ ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما هِيَهْ﴾ ﴿نارٌ حامِيَةٌ﴾ هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها ظاهِرَةٌ؛ لِأنَّهُ ذَكَرَ وقْتَ بُعْثِرَتِ القُبُورُ، وذَلِكَ هو وقْتُ السّاعَةِ، وقالَ الجُمْهُورُ: (القارِعَةُ) القِيامَةُ نَفْسُها؛ لِأنَّها تَقْرَعُ القُلُوبَ بِهَوْلِها، وقِيلَ: صَيْحَةُ النَّفْخَةِ في الصُّورِ؛ لِأنَّها تَقْرَعُ الأسْماعَ وفي ضِمْنِ ذَلِكَ القُلُوبُ، وقالَ الضَّحّاكُ: هي النّارُ ذاتُ التَّغَيُّظِ والزَّفِيرِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿القارِعَةُ﴾ ﴿ما القارِعَةُ﴾ بِالرَّفْعِ، فَما اسْتِفْهامٌ فِيهِ مَعْنى الِاسْتِعْظامِ والتَّعَجُّبِ وهو مُبْتَدَأٌ، والقارِعَةُ خَبَرُهُ، وتَقَدَّمَ تَقْرِيرُ ذَلِكَ في ﴿الحاقَّةُ﴾ [الحاقة: ١] ﴿ما الحاقَّةُ﴾ [الحاقة: ٢] وقِيلَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ [الواقعة: ٨] وقالَ الزَّجّاجُ: هو تَحْذِيرٌ، والعَرَبُ تُحَذِّرُ وتُغْرِي بِالرَّفْعِ كالنَّصْبِ، قالَ الشّاعِرُ: ؎أخُو النَّجْدَةِ السِّلاحُ السِّلاحُ وقَرَأ عِيسى: بِالنَّصْبِ، وتَخْرِيجُهُ عَلى أنَّهُ مَنصُوبٌ بِإضْمارِ فِعْلٍ، أيِ اذْكُرُوا القارِعَةَ، وما زائِدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ، والقارِعَةُ تَأْكِيدٌ لَفْظِيٌّ لِلْأُولى، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يَوْمَ) بِالنَّصْبِ، وهو ظَرْفٌ، العامِلُ فِيهِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: القارِعَةُ، فَإنْ كانَ عَنى بِالقارِعَةِ اللَّفْظَ الأوَّلَ، فَلا يَجُوزُ لِلْفَصْلِ بَيْنَ العامِلِ، وهو في صِلَةِ ألْ، والمَعْمُولِ بِالخَبَرِ، وكَذا لَوْ صارَ القارِعَةُ عَلَمًا لِلْقِيامَةِ لا يَجُوزُ أيْضًا، وإنْ كانَ عَنى اللَّفْظَ الثّانِيَ أوِ الثّالِثَ، فَلا يَلْتَئِمُ مَعْنى الظَّرْفِ مَعَهُ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الظَّرْفُ نُصِبَ بِمُضْمَرٍ دَلَّ عَلَيْهِ القارِعَةُ، أيْ تَقْرَعُ يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ، وقالَ الحَوْفِيُّ: تَأْتِي يَوْمَ يَكُونُ، وقِيلَ: اذْكُرْ يَوْمَ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (يَوْمُ يَكُونُ) مَرْفُوعَ المِيمِ، أيْ وقْتُها ﴿يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ كالفَراشِ المَبْثُوثِ﴾ قالَ قَتادَةُ: هو الطَّيْرُ الَّذِي يَتَساقَطُ في النّارِ. وقالَ الفَرّاءُ: غَوْغاءُ الجَرادِ، وهو صَغِيرُهُ الَّذِي يَنْتَشِرُ في الأرْضِ يَرْكَبُ بَعْضُهُ بَعْضًا مِنَ الهَوْلِ. وقِيلَ: الفَراشُ طَيْرٌ دَقِيقٌ يَقْصِدُ النّارَ، ولا يَزالُ يَتَقَحَّمُ عَلى المِصْباحِ ونَحْوِهِ حَتّى يَحْتَرِقَ، شُبِّهُوا في الكَثْرَةِ والِانْتِشارِ والضَّعْفِ والذِّلَّةِ والمَجِيءِ والذَّهابِ عَلى غَيْرِ نِظامٍ، والتَّطايُرِ إلى الدّاعِي مِن كُلِّ جِهَةٍ حَتّى تَدْعُوَهم إلى ناحِيَةِ المَحْشَرِ، كالفَراشِ المُتَطايِرِ إلى النّارِ، قالَ جَرِيرٌ: ؎إنَّ الفَرَزْدَقَ ما عَلِمْتُ وقَوْمَهُ ∗∗∗ مِثْلُ الفَراشِ غَشَيْنَ نارَ المُصْطَلِي وقَرَنَ بَيْنَ النّاسِ والجِبالِ تَنْبِيهًا عَلى تَأْثِيرِ تِلْكَ القارِعَةِ في الجِبالِ حَتّى صارَتْ كالعِهْنِ المَنفُوشِ، (p-٥٠٧)فَكَيْفَ يَكُونُ حالُ الإنْسانِ عِنْدَ سَماعِها ؟ وتَقَدَّمَ الكَلامُ في المَوازِينِ وثِقَلِها وخِفَّتِها في الأعْرافِ، و”عِيشَةٍ راضِيَةٍ“ في الحاقَّةِ ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ الهاوِيَةُ دَرَكَةٌ مِن دَرَكاتِ النّارِ، وأُمُّهُ مَعْناهُ مَأْواهُ، كَما قِيلَ لِلْأرْضِ أُمُّ النّاسِ لِأنَّها تُئْوِيهِمْ، وكَما قالَ عُتْبَةُ بْنُ أبِي سُفْيانَ في الحَرْبِ: فَنَحْنُ بَنُوها وهي أُمُّنا، وقالَ قَتادَةُ وأبُو صالِحٍ وغَيْرُهُ: فَأُمُّ رَأْسِهِ هاوِيَةٌ في قَعْرِ جَهَنَّمَ لِأنَّهُ يُطْرَحُ فِيها مَنكُوسًا، وقِيلَ: هو تَفاؤُلٌ بِشَرٍّ، وإذا دَعَوْا بِالهَلَكَةِ قالُوا هَوَتْ أُمُّهُ، لِأنَّهُ إذا هَوى، أيْ سَقَطَ وهَلَكَ فَقَدْ هَوَتْ أُمُّهُ ثُكْلًا وحُزْنًا، قالَ الشّاعِرُ: ؎هَوَتْ أُمُّهُ ما يَبْعَثُ الصُّبْحُ غادِيًا ∗∗∗ وماذا يَوَدُّ اللَّيْلُ حِينَ يَئُوبُ وقَرَأ الجُمْهُورُ: (فَأُمُّهُ) بِضَمِّ الهَمْزَةِ، وطَلْحَةُ بِكَسْرِها، قالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: وحَكى ابْنُ دُرَيْدٍ أنَّها لُغَةٌ، وأمّا النَّحْوِيُّونَ فَإنَّهم يَقُولُونَ: لا يَجُوزُ كَسْرُ الهَمْزَةِ إلّا أنْ يَتَقَدَّمَها كَسْرَةٌ أوْ ياءٌ. انْتَهى. ﴿وما أدْراكَ ما هِيَهْ﴾ هي ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى هاوِيَةٍ إنْ كانَتْ كَما قِيلَ دَرَكَةٌ مِن دَرَكاتِ النّارِ مَعْرُوفَةٌ بِهَذا الِاسْمِ، وإنْ كانَتْ غَيْرَ ذَلِكَ مِمّا قِيلَ فَهي ضَمِيرُ الدّاهِيَةِ الَّتِي دَلَّ عَلَيْها قَوْلُهُ: ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ والهاءُ في ﴿ما هِيَهْ﴾ هاءُ السَّكْتِ، وحَذَفَها في الوَصْلِ ابْنُ أبِي إسْحاقَ والأعْمَشُ وحَمْزَةُ، وأثْبَتَها الجُمْهُورُ. (نارٌ) خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ هي نارٌ، أعاذَنا اللَّهُ مِنها بِمَنِّهِ وكَرَمِهِ.

القارعة 101:3

(p-٥٠٦)سُورَةُ القارِعَةِ مَكِّيَّةٌ وهي إحْدى عَشْرَةَ آيَةً ﷽ ﴿القارِعَةُ﴾ ﴿ما القارِعَةُ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما القارِعَةُ﴾ ﴿يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ كالفَراشِ المَبْثُوثِ﴾ ﴿وتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ المَنفُوشِ﴾ ﴿فَأمّا مَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾ ﴿فَهُوَ في عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ ﴿وأمّا مَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ﴾ ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما هِيَهْ﴾ ﴿نارٌ حامِيَةٌ﴾ الفَراشُ، قالَ الفَرّاءُ: هو الهَمَجُ الطّائِرُ مِن بَعُوضٍ وغَيْرِهِ، ومِنهُ الجَرادُ، ويُقالُ: هو أطْيَشُ مِن فَراشَةٍ، قالَ: وقَدْ كانَ أقْوامٌ رَدَدْتُ قُلُوبَهم عَلَيْهِمْ، وكانُوا كالفَراشِ مِنَ الجَهْلِ، وقِيلَ: فَراشَةُ الحِلْمِ نَفَشَتِ الصُّوفَ والقُطْنَ: فَرَّقَتْ ما كانَ مُلَبَّدًا مِن أجْزائِهِ. ﴿القارِعَةُ﴾ ﴿ما القارِعَةُ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما القارِعَةُ﴾ ﴿يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ كالفَراشِ المَبْثُوثِ﴾ ﴿وتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ المَنفُوشِ﴾ ﴿فَأمّا مَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾ ﴿فَهُوَ في عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ ﴿وأمّا مَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ﴾ ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما هِيَهْ﴾ ﴿نارٌ حامِيَةٌ﴾ هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها ظاهِرَةٌ؛ لِأنَّهُ ذَكَرَ وقْتَ بُعْثِرَتِ القُبُورُ، وذَلِكَ هو وقْتُ السّاعَةِ، وقالَ الجُمْهُورُ: (القارِعَةُ) القِيامَةُ نَفْسُها؛ لِأنَّها تَقْرَعُ القُلُوبَ بِهَوْلِها، وقِيلَ: صَيْحَةُ النَّفْخَةِ في الصُّورِ؛ لِأنَّها تَقْرَعُ الأسْماعَ وفي ضِمْنِ ذَلِكَ القُلُوبُ، وقالَ الضَّحّاكُ: هي النّارُ ذاتُ التَّغَيُّظِ والزَّفِيرِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿القارِعَةُ﴾ ﴿ما القارِعَةُ﴾ بِالرَّفْعِ، فَما اسْتِفْهامٌ فِيهِ مَعْنى الِاسْتِعْظامِ والتَّعَجُّبِ وهو مُبْتَدَأٌ، والقارِعَةُ خَبَرُهُ، وتَقَدَّمَ تَقْرِيرُ ذَلِكَ في ﴿الحاقَّةُ﴾ [الحاقة: ١] ﴿ما الحاقَّةُ﴾ [الحاقة: ٢] وقِيلَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ [الواقعة: ٨] وقالَ الزَّجّاجُ: هو تَحْذِيرٌ، والعَرَبُ تُحَذِّرُ وتُغْرِي بِالرَّفْعِ كالنَّصْبِ، قالَ الشّاعِرُ: ؎أخُو النَّجْدَةِ السِّلاحُ السِّلاحُ وقَرَأ عِيسى: بِالنَّصْبِ، وتَخْرِيجُهُ عَلى أنَّهُ مَنصُوبٌ بِإضْمارِ فِعْلٍ، أيِ اذْكُرُوا القارِعَةَ، وما زائِدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ، والقارِعَةُ تَأْكِيدٌ لَفْظِيٌّ لِلْأُولى، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يَوْمَ) بِالنَّصْبِ، وهو ظَرْفٌ، العامِلُ فِيهِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: القارِعَةُ، فَإنْ كانَ عَنى بِالقارِعَةِ اللَّفْظَ الأوَّلَ، فَلا يَجُوزُ لِلْفَصْلِ بَيْنَ العامِلِ، وهو في صِلَةِ ألْ، والمَعْمُولِ بِالخَبَرِ، وكَذا لَوْ صارَ القارِعَةُ عَلَمًا لِلْقِيامَةِ لا يَجُوزُ أيْضًا، وإنْ كانَ عَنى اللَّفْظَ الثّانِيَ أوِ الثّالِثَ، فَلا يَلْتَئِمُ مَعْنى الظَّرْفِ مَعَهُ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الظَّرْفُ نُصِبَ بِمُضْمَرٍ دَلَّ عَلَيْهِ القارِعَةُ، أيْ تَقْرَعُ يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ، وقالَ الحَوْفِيُّ: تَأْتِي يَوْمَ يَكُونُ، وقِيلَ: اذْكُرْ يَوْمَ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (يَوْمُ يَكُونُ) مَرْفُوعَ المِيمِ، أيْ وقْتُها ﴿يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ كالفَراشِ المَبْثُوثِ﴾ قالَ قَتادَةُ: هو الطَّيْرُ الَّذِي يَتَساقَطُ في النّارِ. وقالَ الفَرّاءُ: غَوْغاءُ الجَرادِ، وهو صَغِيرُهُ الَّذِي يَنْتَشِرُ في الأرْضِ يَرْكَبُ بَعْضُهُ بَعْضًا مِنَ الهَوْلِ. وقِيلَ: الفَراشُ طَيْرٌ دَقِيقٌ يَقْصِدُ النّارَ، ولا يَزالُ يَتَقَحَّمُ عَلى المِصْباحِ ونَحْوِهِ حَتّى يَحْتَرِقَ، شُبِّهُوا في الكَثْرَةِ والِانْتِشارِ والضَّعْفِ والذِّلَّةِ والمَجِيءِ والذَّهابِ عَلى غَيْرِ نِظامٍ، والتَّطايُرِ إلى الدّاعِي مِن كُلِّ جِهَةٍ حَتّى تَدْعُوَهم إلى ناحِيَةِ المَحْشَرِ، كالفَراشِ المُتَطايِرِ إلى النّارِ، قالَ جَرِيرٌ: ؎إنَّ الفَرَزْدَقَ ما عَلِمْتُ وقَوْمَهُ ∗∗∗ مِثْلُ الفَراشِ غَشَيْنَ نارَ المُصْطَلِي وقَرَنَ بَيْنَ النّاسِ والجِبالِ تَنْبِيهًا عَلى تَأْثِيرِ تِلْكَ القارِعَةِ في الجِبالِ حَتّى صارَتْ كالعِهْنِ المَنفُوشِ، (p-٥٠٧)فَكَيْفَ يَكُونُ حالُ الإنْسانِ عِنْدَ سَماعِها ؟ وتَقَدَّمَ الكَلامُ في المَوازِينِ وثِقَلِها وخِفَّتِها في الأعْرافِ، و”عِيشَةٍ راضِيَةٍ“ في الحاقَّةِ ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ الهاوِيَةُ دَرَكَةٌ مِن دَرَكاتِ النّارِ، وأُمُّهُ مَعْناهُ مَأْواهُ، كَما قِيلَ لِلْأرْضِ أُمُّ النّاسِ لِأنَّها تُئْوِيهِمْ، وكَما قالَ عُتْبَةُ بْنُ أبِي سُفْيانَ في الحَرْبِ: فَنَحْنُ بَنُوها وهي أُمُّنا، وقالَ قَتادَةُ وأبُو صالِحٍ وغَيْرُهُ: فَأُمُّ رَأْسِهِ هاوِيَةٌ في قَعْرِ جَهَنَّمَ لِأنَّهُ يُطْرَحُ فِيها مَنكُوسًا، وقِيلَ: هو تَفاؤُلٌ بِشَرٍّ، وإذا دَعَوْا بِالهَلَكَةِ قالُوا هَوَتْ أُمُّهُ، لِأنَّهُ إذا هَوى، أيْ سَقَطَ وهَلَكَ فَقَدْ هَوَتْ أُمُّهُ ثُكْلًا وحُزْنًا، قالَ الشّاعِرُ: ؎هَوَتْ أُمُّهُ ما يَبْعَثُ الصُّبْحُ غادِيًا ∗∗∗ وماذا يَوَدُّ اللَّيْلُ حِينَ يَئُوبُ وقَرَأ الجُمْهُورُ: (فَأُمُّهُ) بِضَمِّ الهَمْزَةِ، وطَلْحَةُ بِكَسْرِها، قالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: وحَكى ابْنُ دُرَيْدٍ أنَّها لُغَةٌ، وأمّا النَّحْوِيُّونَ فَإنَّهم يَقُولُونَ: لا يَجُوزُ كَسْرُ الهَمْزَةِ إلّا أنْ يَتَقَدَّمَها كَسْرَةٌ أوْ ياءٌ. انْتَهى. ﴿وما أدْراكَ ما هِيَهْ﴾ هي ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى هاوِيَةٍ إنْ كانَتْ كَما قِيلَ دَرَكَةٌ مِن دَرَكاتِ النّارِ مَعْرُوفَةٌ بِهَذا الِاسْمِ، وإنْ كانَتْ غَيْرَ ذَلِكَ مِمّا قِيلَ فَهي ضَمِيرُ الدّاهِيَةِ الَّتِي دَلَّ عَلَيْها قَوْلُهُ: ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ والهاءُ في ﴿ما هِيَهْ﴾ هاءُ السَّكْتِ، وحَذَفَها في الوَصْلِ ابْنُ أبِي إسْحاقَ والأعْمَشُ وحَمْزَةُ، وأثْبَتَها الجُمْهُورُ. (نارٌ) خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ هي نارٌ، أعاذَنا اللَّهُ مِنها بِمَنِّهِ وكَرَمِهِ.

القارعة 101:4

(p-٥٠٦)سُورَةُ القارِعَةِ مَكِّيَّةٌ وهي إحْدى عَشْرَةَ آيَةً ﷽ ﴿القارِعَةُ﴾ ﴿ما القارِعَةُ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما القارِعَةُ﴾ ﴿يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ كالفَراشِ المَبْثُوثِ﴾ ﴿وتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ المَنفُوشِ﴾ ﴿فَأمّا مَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾ ﴿فَهُوَ في عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ ﴿وأمّا مَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ﴾ ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما هِيَهْ﴾ ﴿نارٌ حامِيَةٌ﴾ الفَراشُ، قالَ الفَرّاءُ: هو الهَمَجُ الطّائِرُ مِن بَعُوضٍ وغَيْرِهِ، ومِنهُ الجَرادُ، ويُقالُ: هو أطْيَشُ مِن فَراشَةٍ، قالَ: وقَدْ كانَ أقْوامٌ رَدَدْتُ قُلُوبَهم عَلَيْهِمْ، وكانُوا كالفَراشِ مِنَ الجَهْلِ، وقِيلَ: فَراشَةُ الحِلْمِ نَفَشَتِ الصُّوفَ والقُطْنَ: فَرَّقَتْ ما كانَ مُلَبَّدًا مِن أجْزائِهِ. ﴿القارِعَةُ﴾ ﴿ما القارِعَةُ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما القارِعَةُ﴾ ﴿يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ كالفَراشِ المَبْثُوثِ﴾ ﴿وتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ المَنفُوشِ﴾ ﴿فَأمّا مَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾ ﴿فَهُوَ في عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ ﴿وأمّا مَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ﴾ ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما هِيَهْ﴾ ﴿نارٌ حامِيَةٌ﴾ هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها ظاهِرَةٌ؛ لِأنَّهُ ذَكَرَ وقْتَ بُعْثِرَتِ القُبُورُ، وذَلِكَ هو وقْتُ السّاعَةِ، وقالَ الجُمْهُورُ: (القارِعَةُ) القِيامَةُ نَفْسُها؛ لِأنَّها تَقْرَعُ القُلُوبَ بِهَوْلِها، وقِيلَ: صَيْحَةُ النَّفْخَةِ في الصُّورِ؛ لِأنَّها تَقْرَعُ الأسْماعَ وفي ضِمْنِ ذَلِكَ القُلُوبُ، وقالَ الضَّحّاكُ: هي النّارُ ذاتُ التَّغَيُّظِ والزَّفِيرِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿القارِعَةُ﴾ ﴿ما القارِعَةُ﴾ بِالرَّفْعِ، فَما اسْتِفْهامٌ فِيهِ مَعْنى الِاسْتِعْظامِ والتَّعَجُّبِ وهو مُبْتَدَأٌ، والقارِعَةُ خَبَرُهُ، وتَقَدَّمَ تَقْرِيرُ ذَلِكَ في ﴿الحاقَّةُ﴾ [الحاقة: ١] ﴿ما الحاقَّةُ﴾ [الحاقة: ٢] وقِيلَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ [الواقعة: ٨] وقالَ الزَّجّاجُ: هو تَحْذِيرٌ، والعَرَبُ تُحَذِّرُ وتُغْرِي بِالرَّفْعِ كالنَّصْبِ، قالَ الشّاعِرُ: ؎أخُو النَّجْدَةِ السِّلاحُ السِّلاحُ وقَرَأ عِيسى: بِالنَّصْبِ، وتَخْرِيجُهُ عَلى أنَّهُ مَنصُوبٌ بِإضْمارِ فِعْلٍ، أيِ اذْكُرُوا القارِعَةَ، وما زائِدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ، والقارِعَةُ تَأْكِيدٌ لَفْظِيٌّ لِلْأُولى، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يَوْمَ) بِالنَّصْبِ، وهو ظَرْفٌ، العامِلُ فِيهِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: القارِعَةُ، فَإنْ كانَ عَنى بِالقارِعَةِ اللَّفْظَ الأوَّلَ، فَلا يَجُوزُ لِلْفَصْلِ بَيْنَ العامِلِ، وهو في صِلَةِ ألْ، والمَعْمُولِ بِالخَبَرِ، وكَذا لَوْ صارَ القارِعَةُ عَلَمًا لِلْقِيامَةِ لا يَجُوزُ أيْضًا، وإنْ كانَ عَنى اللَّفْظَ الثّانِيَ أوِ الثّالِثَ، فَلا يَلْتَئِمُ مَعْنى الظَّرْفِ مَعَهُ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الظَّرْفُ نُصِبَ بِمُضْمَرٍ دَلَّ عَلَيْهِ القارِعَةُ، أيْ تَقْرَعُ يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ، وقالَ الحَوْفِيُّ: تَأْتِي يَوْمَ يَكُونُ، وقِيلَ: اذْكُرْ يَوْمَ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (يَوْمُ يَكُونُ) مَرْفُوعَ المِيمِ، أيْ وقْتُها ﴿يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ كالفَراشِ المَبْثُوثِ﴾ قالَ قَتادَةُ: هو الطَّيْرُ الَّذِي يَتَساقَطُ في النّارِ. وقالَ الفَرّاءُ: غَوْغاءُ الجَرادِ، وهو صَغِيرُهُ الَّذِي يَنْتَشِرُ في الأرْضِ يَرْكَبُ بَعْضُهُ بَعْضًا مِنَ الهَوْلِ. وقِيلَ: الفَراشُ طَيْرٌ دَقِيقٌ يَقْصِدُ النّارَ، ولا يَزالُ يَتَقَحَّمُ عَلى المِصْباحِ ونَحْوِهِ حَتّى يَحْتَرِقَ، شُبِّهُوا في الكَثْرَةِ والِانْتِشارِ والضَّعْفِ والذِّلَّةِ والمَجِيءِ والذَّهابِ عَلى غَيْرِ نِظامٍ، والتَّطايُرِ إلى الدّاعِي مِن كُلِّ جِهَةٍ حَتّى تَدْعُوَهم إلى ناحِيَةِ المَحْشَرِ، كالفَراشِ المُتَطايِرِ إلى النّارِ، قالَ جَرِيرٌ: ؎إنَّ الفَرَزْدَقَ ما عَلِمْتُ وقَوْمَهُ ∗∗∗ مِثْلُ الفَراشِ غَشَيْنَ نارَ المُصْطَلِي وقَرَنَ بَيْنَ النّاسِ والجِبالِ تَنْبِيهًا عَلى تَأْثِيرِ تِلْكَ القارِعَةِ في الجِبالِ حَتّى صارَتْ كالعِهْنِ المَنفُوشِ، (p-٥٠٧)فَكَيْفَ يَكُونُ حالُ الإنْسانِ عِنْدَ سَماعِها ؟ وتَقَدَّمَ الكَلامُ في المَوازِينِ وثِقَلِها وخِفَّتِها في الأعْرافِ، و”عِيشَةٍ راضِيَةٍ“ في الحاقَّةِ ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ الهاوِيَةُ دَرَكَةٌ مِن دَرَكاتِ النّارِ، وأُمُّهُ مَعْناهُ مَأْواهُ، كَما قِيلَ لِلْأرْضِ أُمُّ النّاسِ لِأنَّها تُئْوِيهِمْ، وكَما قالَ عُتْبَةُ بْنُ أبِي سُفْيانَ في الحَرْبِ: فَنَحْنُ بَنُوها وهي أُمُّنا، وقالَ قَتادَةُ وأبُو صالِحٍ وغَيْرُهُ: فَأُمُّ رَأْسِهِ هاوِيَةٌ في قَعْرِ جَهَنَّمَ لِأنَّهُ يُطْرَحُ فِيها مَنكُوسًا، وقِيلَ: هو تَفاؤُلٌ بِشَرٍّ، وإذا دَعَوْا بِالهَلَكَةِ قالُوا هَوَتْ أُمُّهُ، لِأنَّهُ إذا هَوى، أيْ سَقَطَ وهَلَكَ فَقَدْ هَوَتْ أُمُّهُ ثُكْلًا وحُزْنًا، قالَ الشّاعِرُ: ؎هَوَتْ أُمُّهُ ما يَبْعَثُ الصُّبْحُ غادِيًا ∗∗∗ وماذا يَوَدُّ اللَّيْلُ حِينَ يَئُوبُ وقَرَأ الجُمْهُورُ: (فَأُمُّهُ) بِضَمِّ الهَمْزَةِ، وطَلْحَةُ بِكَسْرِها، قالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: وحَكى ابْنُ دُرَيْدٍ أنَّها لُغَةٌ، وأمّا النَّحْوِيُّونَ فَإنَّهم يَقُولُونَ: لا يَجُوزُ كَسْرُ الهَمْزَةِ إلّا أنْ يَتَقَدَّمَها كَسْرَةٌ أوْ ياءٌ. انْتَهى. ﴿وما أدْراكَ ما هِيَهْ﴾ هي ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى هاوِيَةٍ إنْ كانَتْ كَما قِيلَ دَرَكَةٌ مِن دَرَكاتِ النّارِ مَعْرُوفَةٌ بِهَذا الِاسْمِ، وإنْ كانَتْ غَيْرَ ذَلِكَ مِمّا قِيلَ فَهي ضَمِيرُ الدّاهِيَةِ الَّتِي دَلَّ عَلَيْها قَوْلُهُ: ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ والهاءُ في ﴿ما هِيَهْ﴾ هاءُ السَّكْتِ، وحَذَفَها في الوَصْلِ ابْنُ أبِي إسْحاقَ والأعْمَشُ وحَمْزَةُ، وأثْبَتَها الجُمْهُورُ. (نارٌ) خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ هي نارٌ، أعاذَنا اللَّهُ مِنها بِمَنِّهِ وكَرَمِهِ.

القارعة 101:5

(p-٥٠٦)سُورَةُ القارِعَةِ مَكِّيَّةٌ وهي إحْدى عَشْرَةَ آيَةً ﷽ ﴿القارِعَةُ﴾ ﴿ما القارِعَةُ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما القارِعَةُ﴾ ﴿يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ كالفَراشِ المَبْثُوثِ﴾ ﴿وتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ المَنفُوشِ﴾ ﴿فَأمّا مَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾ ﴿فَهُوَ في عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ ﴿وأمّا مَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ﴾ ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما هِيَهْ﴾ ﴿نارٌ حامِيَةٌ﴾ الفَراشُ، قالَ الفَرّاءُ: هو الهَمَجُ الطّائِرُ مِن بَعُوضٍ وغَيْرِهِ، ومِنهُ الجَرادُ، ويُقالُ: هو أطْيَشُ مِن فَراشَةٍ، قالَ: وقَدْ كانَ أقْوامٌ رَدَدْتُ قُلُوبَهم عَلَيْهِمْ، وكانُوا كالفَراشِ مِنَ الجَهْلِ، وقِيلَ: فَراشَةُ الحِلْمِ نَفَشَتِ الصُّوفَ والقُطْنَ: فَرَّقَتْ ما كانَ مُلَبَّدًا مِن أجْزائِهِ. ﴿القارِعَةُ﴾ ﴿ما القارِعَةُ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما القارِعَةُ﴾ ﴿يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ كالفَراشِ المَبْثُوثِ﴾ ﴿وتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ المَنفُوشِ﴾ ﴿فَأمّا مَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾ ﴿فَهُوَ في عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ ﴿وأمّا مَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ﴾ ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما هِيَهْ﴾ ﴿نارٌ حامِيَةٌ﴾ هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها ظاهِرَةٌ؛ لِأنَّهُ ذَكَرَ وقْتَ بُعْثِرَتِ القُبُورُ، وذَلِكَ هو وقْتُ السّاعَةِ، وقالَ الجُمْهُورُ: (القارِعَةُ) القِيامَةُ نَفْسُها؛ لِأنَّها تَقْرَعُ القُلُوبَ بِهَوْلِها، وقِيلَ: صَيْحَةُ النَّفْخَةِ في الصُّورِ؛ لِأنَّها تَقْرَعُ الأسْماعَ وفي ضِمْنِ ذَلِكَ القُلُوبُ، وقالَ الضَّحّاكُ: هي النّارُ ذاتُ التَّغَيُّظِ والزَّفِيرِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿القارِعَةُ﴾ ﴿ما القارِعَةُ﴾ بِالرَّفْعِ، فَما اسْتِفْهامٌ فِيهِ مَعْنى الِاسْتِعْظامِ والتَّعَجُّبِ وهو مُبْتَدَأٌ، والقارِعَةُ خَبَرُهُ، وتَقَدَّمَ تَقْرِيرُ ذَلِكَ في ﴿الحاقَّةُ﴾ [الحاقة: ١] ﴿ما الحاقَّةُ﴾ [الحاقة: ٢] وقِيلَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ [الواقعة: ٨] وقالَ الزَّجّاجُ: هو تَحْذِيرٌ، والعَرَبُ تُحَذِّرُ وتُغْرِي بِالرَّفْعِ كالنَّصْبِ، قالَ الشّاعِرُ: ؎أخُو النَّجْدَةِ السِّلاحُ السِّلاحُ وقَرَأ عِيسى: بِالنَّصْبِ، وتَخْرِيجُهُ عَلى أنَّهُ مَنصُوبٌ بِإضْمارِ فِعْلٍ، أيِ اذْكُرُوا القارِعَةَ، وما زائِدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ، والقارِعَةُ تَأْكِيدٌ لَفْظِيٌّ لِلْأُولى، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يَوْمَ) بِالنَّصْبِ، وهو ظَرْفٌ، العامِلُ فِيهِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: القارِعَةُ، فَإنْ كانَ عَنى بِالقارِعَةِ اللَّفْظَ الأوَّلَ، فَلا يَجُوزُ لِلْفَصْلِ بَيْنَ العامِلِ، وهو في صِلَةِ ألْ، والمَعْمُولِ بِالخَبَرِ، وكَذا لَوْ صارَ القارِعَةُ عَلَمًا لِلْقِيامَةِ لا يَجُوزُ أيْضًا، وإنْ كانَ عَنى اللَّفْظَ الثّانِيَ أوِ الثّالِثَ، فَلا يَلْتَئِمُ مَعْنى الظَّرْفِ مَعَهُ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الظَّرْفُ نُصِبَ بِمُضْمَرٍ دَلَّ عَلَيْهِ القارِعَةُ، أيْ تَقْرَعُ يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ، وقالَ الحَوْفِيُّ: تَأْتِي يَوْمَ يَكُونُ، وقِيلَ: اذْكُرْ يَوْمَ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (يَوْمُ يَكُونُ) مَرْفُوعَ المِيمِ، أيْ وقْتُها ﴿يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ كالفَراشِ المَبْثُوثِ﴾ قالَ قَتادَةُ: هو الطَّيْرُ الَّذِي يَتَساقَطُ في النّارِ. وقالَ الفَرّاءُ: غَوْغاءُ الجَرادِ، وهو صَغِيرُهُ الَّذِي يَنْتَشِرُ في الأرْضِ يَرْكَبُ بَعْضُهُ بَعْضًا مِنَ الهَوْلِ. وقِيلَ: الفَراشُ طَيْرٌ دَقِيقٌ يَقْصِدُ النّارَ، ولا يَزالُ يَتَقَحَّمُ عَلى المِصْباحِ ونَحْوِهِ حَتّى يَحْتَرِقَ، شُبِّهُوا في الكَثْرَةِ والِانْتِشارِ والضَّعْفِ والذِّلَّةِ والمَجِيءِ والذَّهابِ عَلى غَيْرِ نِظامٍ، والتَّطايُرِ إلى الدّاعِي مِن كُلِّ جِهَةٍ حَتّى تَدْعُوَهم إلى ناحِيَةِ المَحْشَرِ، كالفَراشِ المُتَطايِرِ إلى النّارِ، قالَ جَرِيرٌ: ؎إنَّ الفَرَزْدَقَ ما عَلِمْتُ وقَوْمَهُ ∗∗∗ مِثْلُ الفَراشِ غَشَيْنَ نارَ المُصْطَلِي وقَرَنَ بَيْنَ النّاسِ والجِبالِ تَنْبِيهًا عَلى تَأْثِيرِ تِلْكَ القارِعَةِ في الجِبالِ حَتّى صارَتْ كالعِهْنِ المَنفُوشِ، (p-٥٠٧)فَكَيْفَ يَكُونُ حالُ الإنْسانِ عِنْدَ سَماعِها ؟ وتَقَدَّمَ الكَلامُ في المَوازِينِ وثِقَلِها وخِفَّتِها في الأعْرافِ، و”عِيشَةٍ راضِيَةٍ“ في الحاقَّةِ ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ الهاوِيَةُ دَرَكَةٌ مِن دَرَكاتِ النّارِ، وأُمُّهُ مَعْناهُ مَأْواهُ، كَما قِيلَ لِلْأرْضِ أُمُّ النّاسِ لِأنَّها تُئْوِيهِمْ، وكَما قالَ عُتْبَةُ بْنُ أبِي سُفْيانَ في الحَرْبِ: فَنَحْنُ بَنُوها وهي أُمُّنا، وقالَ قَتادَةُ وأبُو صالِحٍ وغَيْرُهُ: فَأُمُّ رَأْسِهِ هاوِيَةٌ في قَعْرِ جَهَنَّمَ لِأنَّهُ يُطْرَحُ فِيها مَنكُوسًا، وقِيلَ: هو تَفاؤُلٌ بِشَرٍّ، وإذا دَعَوْا بِالهَلَكَةِ قالُوا هَوَتْ أُمُّهُ، لِأنَّهُ إذا هَوى، أيْ سَقَطَ وهَلَكَ فَقَدْ هَوَتْ أُمُّهُ ثُكْلًا وحُزْنًا، قالَ الشّاعِرُ: ؎هَوَتْ أُمُّهُ ما يَبْعَثُ الصُّبْحُ غادِيًا ∗∗∗ وماذا يَوَدُّ اللَّيْلُ حِينَ يَئُوبُ وقَرَأ الجُمْهُورُ: (فَأُمُّهُ) بِضَمِّ الهَمْزَةِ، وطَلْحَةُ بِكَسْرِها، قالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: وحَكى ابْنُ دُرَيْدٍ أنَّها لُغَةٌ، وأمّا النَّحْوِيُّونَ فَإنَّهم يَقُولُونَ: لا يَجُوزُ كَسْرُ الهَمْزَةِ إلّا أنْ يَتَقَدَّمَها كَسْرَةٌ أوْ ياءٌ. انْتَهى. ﴿وما أدْراكَ ما هِيَهْ﴾ هي ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى هاوِيَةٍ إنْ كانَتْ كَما قِيلَ دَرَكَةٌ مِن دَرَكاتِ النّارِ مَعْرُوفَةٌ بِهَذا الِاسْمِ، وإنْ كانَتْ غَيْرَ ذَلِكَ مِمّا قِيلَ فَهي ضَمِيرُ الدّاهِيَةِ الَّتِي دَلَّ عَلَيْها قَوْلُهُ: ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ والهاءُ في ﴿ما هِيَهْ﴾ هاءُ السَّكْتِ، وحَذَفَها في الوَصْلِ ابْنُ أبِي إسْحاقَ والأعْمَشُ وحَمْزَةُ، وأثْبَتَها الجُمْهُورُ. (نارٌ) خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ هي نارٌ، أعاذَنا اللَّهُ مِنها بِمَنِّهِ وكَرَمِهِ.

القارعة 101:6

(p-٥٠٦)سُورَةُ القارِعَةِ مَكِّيَّةٌ وهي إحْدى عَشْرَةَ آيَةً ﷽ ﴿القارِعَةُ﴾ ﴿ما القارِعَةُ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما القارِعَةُ﴾ ﴿يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ كالفَراشِ المَبْثُوثِ﴾ ﴿وتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ المَنفُوشِ﴾ ﴿فَأمّا مَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾ ﴿فَهُوَ في عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ ﴿وأمّا مَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ﴾ ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما هِيَهْ﴾ ﴿نارٌ حامِيَةٌ﴾ الفَراشُ، قالَ الفَرّاءُ: هو الهَمَجُ الطّائِرُ مِن بَعُوضٍ وغَيْرِهِ، ومِنهُ الجَرادُ، ويُقالُ: هو أطْيَشُ مِن فَراشَةٍ، قالَ: وقَدْ كانَ أقْوامٌ رَدَدْتُ قُلُوبَهم عَلَيْهِمْ، وكانُوا كالفَراشِ مِنَ الجَهْلِ، وقِيلَ: فَراشَةُ الحِلْمِ نَفَشَتِ الصُّوفَ والقُطْنَ: فَرَّقَتْ ما كانَ مُلَبَّدًا مِن أجْزائِهِ. ﴿القارِعَةُ﴾ ﴿ما القارِعَةُ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما القارِعَةُ﴾ ﴿يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ كالفَراشِ المَبْثُوثِ﴾ ﴿وتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ المَنفُوشِ﴾ ﴿فَأمّا مَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾ ﴿فَهُوَ في عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ ﴿وأمّا مَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ﴾ ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما هِيَهْ﴾ ﴿نارٌ حامِيَةٌ﴾ هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها ظاهِرَةٌ؛ لِأنَّهُ ذَكَرَ وقْتَ بُعْثِرَتِ القُبُورُ، وذَلِكَ هو وقْتُ السّاعَةِ، وقالَ الجُمْهُورُ: (القارِعَةُ) القِيامَةُ نَفْسُها؛ لِأنَّها تَقْرَعُ القُلُوبَ بِهَوْلِها، وقِيلَ: صَيْحَةُ النَّفْخَةِ في الصُّورِ؛ لِأنَّها تَقْرَعُ الأسْماعَ وفي ضِمْنِ ذَلِكَ القُلُوبُ، وقالَ الضَّحّاكُ: هي النّارُ ذاتُ التَّغَيُّظِ والزَّفِيرِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿القارِعَةُ﴾ ﴿ما القارِعَةُ﴾ بِالرَّفْعِ، فَما اسْتِفْهامٌ فِيهِ مَعْنى الِاسْتِعْظامِ والتَّعَجُّبِ وهو مُبْتَدَأٌ، والقارِعَةُ خَبَرُهُ، وتَقَدَّمَ تَقْرِيرُ ذَلِكَ في ﴿الحاقَّةُ﴾ [الحاقة: ١] ﴿ما الحاقَّةُ﴾ [الحاقة: ٢] وقِيلَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ [الواقعة: ٨] وقالَ الزَّجّاجُ: هو تَحْذِيرٌ، والعَرَبُ تُحَذِّرُ وتُغْرِي بِالرَّفْعِ كالنَّصْبِ، قالَ الشّاعِرُ: ؎أخُو النَّجْدَةِ السِّلاحُ السِّلاحُ وقَرَأ عِيسى: بِالنَّصْبِ، وتَخْرِيجُهُ عَلى أنَّهُ مَنصُوبٌ بِإضْمارِ فِعْلٍ، أيِ اذْكُرُوا القارِعَةَ، وما زائِدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ، والقارِعَةُ تَأْكِيدٌ لَفْظِيٌّ لِلْأُولى، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يَوْمَ) بِالنَّصْبِ، وهو ظَرْفٌ، العامِلُ فِيهِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: القارِعَةُ، فَإنْ كانَ عَنى بِالقارِعَةِ اللَّفْظَ الأوَّلَ، فَلا يَجُوزُ لِلْفَصْلِ بَيْنَ العامِلِ، وهو في صِلَةِ ألْ، والمَعْمُولِ بِالخَبَرِ، وكَذا لَوْ صارَ القارِعَةُ عَلَمًا لِلْقِيامَةِ لا يَجُوزُ أيْضًا، وإنْ كانَ عَنى اللَّفْظَ الثّانِيَ أوِ الثّالِثَ، فَلا يَلْتَئِمُ مَعْنى الظَّرْفِ مَعَهُ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الظَّرْفُ نُصِبَ بِمُضْمَرٍ دَلَّ عَلَيْهِ القارِعَةُ، أيْ تَقْرَعُ يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ، وقالَ الحَوْفِيُّ: تَأْتِي يَوْمَ يَكُونُ، وقِيلَ: اذْكُرْ يَوْمَ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (يَوْمُ يَكُونُ) مَرْفُوعَ المِيمِ، أيْ وقْتُها ﴿يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ كالفَراشِ المَبْثُوثِ﴾ قالَ قَتادَةُ: هو الطَّيْرُ الَّذِي يَتَساقَطُ في النّارِ. وقالَ الفَرّاءُ: غَوْغاءُ الجَرادِ، وهو صَغِيرُهُ الَّذِي يَنْتَشِرُ في الأرْضِ يَرْكَبُ بَعْضُهُ بَعْضًا مِنَ الهَوْلِ. وقِيلَ: الفَراشُ طَيْرٌ دَقِيقٌ يَقْصِدُ النّارَ، ولا يَزالُ يَتَقَحَّمُ عَلى المِصْباحِ ونَحْوِهِ حَتّى يَحْتَرِقَ، شُبِّهُوا في الكَثْرَةِ والِانْتِشارِ والضَّعْفِ والذِّلَّةِ والمَجِيءِ والذَّهابِ عَلى غَيْرِ نِظامٍ، والتَّطايُرِ إلى الدّاعِي مِن كُلِّ جِهَةٍ حَتّى تَدْعُوَهم إلى ناحِيَةِ المَحْشَرِ، كالفَراشِ المُتَطايِرِ إلى النّارِ، قالَ جَرِيرٌ: ؎إنَّ الفَرَزْدَقَ ما عَلِمْتُ وقَوْمَهُ ∗∗∗ مِثْلُ الفَراشِ غَشَيْنَ نارَ المُصْطَلِي وقَرَنَ بَيْنَ النّاسِ والجِبالِ تَنْبِيهًا عَلى تَأْثِيرِ تِلْكَ القارِعَةِ في الجِبالِ حَتّى صارَتْ كالعِهْنِ المَنفُوشِ، (p-٥٠٧)فَكَيْفَ يَكُونُ حالُ الإنْسانِ عِنْدَ سَماعِها ؟ وتَقَدَّمَ الكَلامُ في المَوازِينِ وثِقَلِها وخِفَّتِها في الأعْرافِ، و”عِيشَةٍ راضِيَةٍ“ في الحاقَّةِ ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ الهاوِيَةُ دَرَكَةٌ مِن دَرَكاتِ النّارِ، وأُمُّهُ مَعْناهُ مَأْواهُ، كَما قِيلَ لِلْأرْضِ أُمُّ النّاسِ لِأنَّها تُئْوِيهِمْ، وكَما قالَ عُتْبَةُ بْنُ أبِي سُفْيانَ في الحَرْبِ: فَنَحْنُ بَنُوها وهي أُمُّنا، وقالَ قَتادَةُ وأبُو صالِحٍ وغَيْرُهُ: فَأُمُّ رَأْسِهِ هاوِيَةٌ في قَعْرِ جَهَنَّمَ لِأنَّهُ يُطْرَحُ فِيها مَنكُوسًا، وقِيلَ: هو تَفاؤُلٌ بِشَرٍّ، وإذا دَعَوْا بِالهَلَكَةِ قالُوا هَوَتْ أُمُّهُ، لِأنَّهُ إذا هَوى، أيْ سَقَطَ وهَلَكَ فَقَدْ هَوَتْ أُمُّهُ ثُكْلًا وحُزْنًا، قالَ الشّاعِرُ: ؎هَوَتْ أُمُّهُ ما يَبْعَثُ الصُّبْحُ غادِيًا ∗∗∗ وماذا يَوَدُّ اللَّيْلُ حِينَ يَئُوبُ وقَرَأ الجُمْهُورُ: (فَأُمُّهُ) بِضَمِّ الهَمْزَةِ، وطَلْحَةُ بِكَسْرِها، قالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: وحَكى ابْنُ دُرَيْدٍ أنَّها لُغَةٌ، وأمّا النَّحْوِيُّونَ فَإنَّهم يَقُولُونَ: لا يَجُوزُ كَسْرُ الهَمْزَةِ إلّا أنْ يَتَقَدَّمَها كَسْرَةٌ أوْ ياءٌ. انْتَهى. ﴿وما أدْراكَ ما هِيَهْ﴾ هي ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى هاوِيَةٍ إنْ كانَتْ كَما قِيلَ دَرَكَةٌ مِن دَرَكاتِ النّارِ مَعْرُوفَةٌ بِهَذا الِاسْمِ، وإنْ كانَتْ غَيْرَ ذَلِكَ مِمّا قِيلَ فَهي ضَمِيرُ الدّاهِيَةِ الَّتِي دَلَّ عَلَيْها قَوْلُهُ: ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ والهاءُ في ﴿ما هِيَهْ﴾ هاءُ السَّكْتِ، وحَذَفَها في الوَصْلِ ابْنُ أبِي إسْحاقَ والأعْمَشُ وحَمْزَةُ، وأثْبَتَها الجُمْهُورُ. (نارٌ) خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ هي نارٌ، أعاذَنا اللَّهُ مِنها بِمَنِّهِ وكَرَمِهِ.

القارعة 101:7

(p-٥٠٦)سُورَةُ القارِعَةِ مَكِّيَّةٌ وهي إحْدى عَشْرَةَ آيَةً ﷽ ﴿القارِعَةُ﴾ ﴿ما القارِعَةُ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما القارِعَةُ﴾ ﴿يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ كالفَراشِ المَبْثُوثِ﴾ ﴿وتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ المَنفُوشِ﴾ ﴿فَأمّا مَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾ ﴿فَهُوَ في عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ ﴿وأمّا مَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ﴾ ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما هِيَهْ﴾ ﴿نارٌ حامِيَةٌ﴾ الفَراشُ، قالَ الفَرّاءُ: هو الهَمَجُ الطّائِرُ مِن بَعُوضٍ وغَيْرِهِ، ومِنهُ الجَرادُ، ويُقالُ: هو أطْيَشُ مِن فَراشَةٍ، قالَ: وقَدْ كانَ أقْوامٌ رَدَدْتُ قُلُوبَهم عَلَيْهِمْ، وكانُوا كالفَراشِ مِنَ الجَهْلِ، وقِيلَ: فَراشَةُ الحِلْمِ نَفَشَتِ الصُّوفَ والقُطْنَ: فَرَّقَتْ ما كانَ مُلَبَّدًا مِن أجْزائِهِ. ﴿القارِعَةُ﴾ ﴿ما القارِعَةُ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما القارِعَةُ﴾ ﴿يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ كالفَراشِ المَبْثُوثِ﴾ ﴿وتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ المَنفُوشِ﴾ ﴿فَأمّا مَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾ ﴿فَهُوَ في عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ ﴿وأمّا مَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ﴾ ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما هِيَهْ﴾ ﴿نارٌ حامِيَةٌ﴾ هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها ظاهِرَةٌ؛ لِأنَّهُ ذَكَرَ وقْتَ بُعْثِرَتِ القُبُورُ، وذَلِكَ هو وقْتُ السّاعَةِ، وقالَ الجُمْهُورُ: (القارِعَةُ) القِيامَةُ نَفْسُها؛ لِأنَّها تَقْرَعُ القُلُوبَ بِهَوْلِها، وقِيلَ: صَيْحَةُ النَّفْخَةِ في الصُّورِ؛ لِأنَّها تَقْرَعُ الأسْماعَ وفي ضِمْنِ ذَلِكَ القُلُوبُ، وقالَ الضَّحّاكُ: هي النّارُ ذاتُ التَّغَيُّظِ والزَّفِيرِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿القارِعَةُ﴾ ﴿ما القارِعَةُ﴾ بِالرَّفْعِ، فَما اسْتِفْهامٌ فِيهِ مَعْنى الِاسْتِعْظامِ والتَّعَجُّبِ وهو مُبْتَدَأٌ، والقارِعَةُ خَبَرُهُ، وتَقَدَّمَ تَقْرِيرُ ذَلِكَ في ﴿الحاقَّةُ﴾ [الحاقة: ١] ﴿ما الحاقَّةُ﴾ [الحاقة: ٢] وقِيلَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ [الواقعة: ٨] وقالَ الزَّجّاجُ: هو تَحْذِيرٌ، والعَرَبُ تُحَذِّرُ وتُغْرِي بِالرَّفْعِ كالنَّصْبِ، قالَ الشّاعِرُ: ؎أخُو النَّجْدَةِ السِّلاحُ السِّلاحُ وقَرَأ عِيسى: بِالنَّصْبِ، وتَخْرِيجُهُ عَلى أنَّهُ مَنصُوبٌ بِإضْمارِ فِعْلٍ، أيِ اذْكُرُوا القارِعَةَ، وما زائِدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ، والقارِعَةُ تَأْكِيدٌ لَفْظِيٌّ لِلْأُولى، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يَوْمَ) بِالنَّصْبِ، وهو ظَرْفٌ، العامِلُ فِيهِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: القارِعَةُ، فَإنْ كانَ عَنى بِالقارِعَةِ اللَّفْظَ الأوَّلَ، فَلا يَجُوزُ لِلْفَصْلِ بَيْنَ العامِلِ، وهو في صِلَةِ ألْ، والمَعْمُولِ بِالخَبَرِ، وكَذا لَوْ صارَ القارِعَةُ عَلَمًا لِلْقِيامَةِ لا يَجُوزُ أيْضًا، وإنْ كانَ عَنى اللَّفْظَ الثّانِيَ أوِ الثّالِثَ، فَلا يَلْتَئِمُ مَعْنى الظَّرْفِ مَعَهُ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الظَّرْفُ نُصِبَ بِمُضْمَرٍ دَلَّ عَلَيْهِ القارِعَةُ، أيْ تَقْرَعُ يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ، وقالَ الحَوْفِيُّ: تَأْتِي يَوْمَ يَكُونُ، وقِيلَ: اذْكُرْ يَوْمَ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (يَوْمُ يَكُونُ) مَرْفُوعَ المِيمِ، أيْ وقْتُها ﴿يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ كالفَراشِ المَبْثُوثِ﴾ قالَ قَتادَةُ: هو الطَّيْرُ الَّذِي يَتَساقَطُ في النّارِ. وقالَ الفَرّاءُ: غَوْغاءُ الجَرادِ، وهو صَغِيرُهُ الَّذِي يَنْتَشِرُ في الأرْضِ يَرْكَبُ بَعْضُهُ بَعْضًا مِنَ الهَوْلِ. وقِيلَ: الفَراشُ طَيْرٌ دَقِيقٌ يَقْصِدُ النّارَ، ولا يَزالُ يَتَقَحَّمُ عَلى المِصْباحِ ونَحْوِهِ حَتّى يَحْتَرِقَ، شُبِّهُوا في الكَثْرَةِ والِانْتِشارِ والضَّعْفِ والذِّلَّةِ والمَجِيءِ والذَّهابِ عَلى غَيْرِ نِظامٍ، والتَّطايُرِ إلى الدّاعِي مِن كُلِّ جِهَةٍ حَتّى تَدْعُوَهم إلى ناحِيَةِ المَحْشَرِ، كالفَراشِ المُتَطايِرِ إلى النّارِ، قالَ جَرِيرٌ: ؎إنَّ الفَرَزْدَقَ ما عَلِمْتُ وقَوْمَهُ ∗∗∗ مِثْلُ الفَراشِ غَشَيْنَ نارَ المُصْطَلِي وقَرَنَ بَيْنَ النّاسِ والجِبالِ تَنْبِيهًا عَلى تَأْثِيرِ تِلْكَ القارِعَةِ في الجِبالِ حَتّى صارَتْ كالعِهْنِ المَنفُوشِ، (p-٥٠٧)فَكَيْفَ يَكُونُ حالُ الإنْسانِ عِنْدَ سَماعِها ؟ وتَقَدَّمَ الكَلامُ في المَوازِينِ وثِقَلِها وخِفَّتِها في الأعْرافِ، و”عِيشَةٍ راضِيَةٍ“ في الحاقَّةِ ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ الهاوِيَةُ دَرَكَةٌ مِن دَرَكاتِ النّارِ، وأُمُّهُ مَعْناهُ مَأْواهُ، كَما قِيلَ لِلْأرْضِ أُمُّ النّاسِ لِأنَّها تُئْوِيهِمْ، وكَما قالَ عُتْبَةُ بْنُ أبِي سُفْيانَ في الحَرْبِ: فَنَحْنُ بَنُوها وهي أُمُّنا، وقالَ قَتادَةُ وأبُو صالِحٍ وغَيْرُهُ: فَأُمُّ رَأْسِهِ هاوِيَةٌ في قَعْرِ جَهَنَّمَ لِأنَّهُ يُطْرَحُ فِيها مَنكُوسًا، وقِيلَ: هو تَفاؤُلٌ بِشَرٍّ، وإذا دَعَوْا بِالهَلَكَةِ قالُوا هَوَتْ أُمُّهُ، لِأنَّهُ إذا هَوى، أيْ سَقَطَ وهَلَكَ فَقَدْ هَوَتْ أُمُّهُ ثُكْلًا وحُزْنًا، قالَ الشّاعِرُ: ؎هَوَتْ أُمُّهُ ما يَبْعَثُ الصُّبْحُ غادِيًا ∗∗∗ وماذا يَوَدُّ اللَّيْلُ حِينَ يَئُوبُ وقَرَأ الجُمْهُورُ: (فَأُمُّهُ) بِضَمِّ الهَمْزَةِ، وطَلْحَةُ بِكَسْرِها، قالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: وحَكى ابْنُ دُرَيْدٍ أنَّها لُغَةٌ، وأمّا النَّحْوِيُّونَ فَإنَّهم يَقُولُونَ: لا يَجُوزُ كَسْرُ الهَمْزَةِ إلّا أنْ يَتَقَدَّمَها كَسْرَةٌ أوْ ياءٌ. انْتَهى. ﴿وما أدْراكَ ما هِيَهْ﴾ هي ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى هاوِيَةٍ إنْ كانَتْ كَما قِيلَ دَرَكَةٌ مِن دَرَكاتِ النّارِ مَعْرُوفَةٌ بِهَذا الِاسْمِ، وإنْ كانَتْ غَيْرَ ذَلِكَ مِمّا قِيلَ فَهي ضَمِيرُ الدّاهِيَةِ الَّتِي دَلَّ عَلَيْها قَوْلُهُ: ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ والهاءُ في ﴿ما هِيَهْ﴾ هاءُ السَّكْتِ، وحَذَفَها في الوَصْلِ ابْنُ أبِي إسْحاقَ والأعْمَشُ وحَمْزَةُ، وأثْبَتَها الجُمْهُورُ. (نارٌ) خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ هي نارٌ، أعاذَنا اللَّهُ مِنها بِمَنِّهِ وكَرَمِهِ.

القارعة 101:8

(p-٥٠٦)سُورَةُ القارِعَةِ مَكِّيَّةٌ وهي إحْدى عَشْرَةَ آيَةً ﷽ ﴿القارِعَةُ﴾ ﴿ما القارِعَةُ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما القارِعَةُ﴾ ﴿يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ كالفَراشِ المَبْثُوثِ﴾ ﴿وتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ المَنفُوشِ﴾ ﴿فَأمّا مَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾ ﴿فَهُوَ في عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ ﴿وأمّا مَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ﴾ ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما هِيَهْ﴾ ﴿نارٌ حامِيَةٌ﴾ الفَراشُ، قالَ الفَرّاءُ: هو الهَمَجُ الطّائِرُ مِن بَعُوضٍ وغَيْرِهِ، ومِنهُ الجَرادُ، ويُقالُ: هو أطْيَشُ مِن فَراشَةٍ، قالَ: وقَدْ كانَ أقْوامٌ رَدَدْتُ قُلُوبَهم عَلَيْهِمْ، وكانُوا كالفَراشِ مِنَ الجَهْلِ، وقِيلَ: فَراشَةُ الحِلْمِ نَفَشَتِ الصُّوفَ والقُطْنَ: فَرَّقَتْ ما كانَ مُلَبَّدًا مِن أجْزائِهِ. ﴿القارِعَةُ﴾ ﴿ما القارِعَةُ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما القارِعَةُ﴾ ﴿يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ كالفَراشِ المَبْثُوثِ﴾ ﴿وتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ المَنفُوشِ﴾ ﴿فَأمّا مَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾ ﴿فَهُوَ في عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ ﴿وأمّا مَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ﴾ ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما هِيَهْ﴾ ﴿نارٌ حامِيَةٌ﴾ هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها ظاهِرَةٌ؛ لِأنَّهُ ذَكَرَ وقْتَ بُعْثِرَتِ القُبُورُ، وذَلِكَ هو وقْتُ السّاعَةِ، وقالَ الجُمْهُورُ: (القارِعَةُ) القِيامَةُ نَفْسُها؛ لِأنَّها تَقْرَعُ القُلُوبَ بِهَوْلِها، وقِيلَ: صَيْحَةُ النَّفْخَةِ في الصُّورِ؛ لِأنَّها تَقْرَعُ الأسْماعَ وفي ضِمْنِ ذَلِكَ القُلُوبُ، وقالَ الضَّحّاكُ: هي النّارُ ذاتُ التَّغَيُّظِ والزَّفِيرِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿القارِعَةُ﴾ ﴿ما القارِعَةُ﴾ بِالرَّفْعِ، فَما اسْتِفْهامٌ فِيهِ مَعْنى الِاسْتِعْظامِ والتَّعَجُّبِ وهو مُبْتَدَأٌ، والقارِعَةُ خَبَرُهُ، وتَقَدَّمَ تَقْرِيرُ ذَلِكَ في ﴿الحاقَّةُ﴾ [الحاقة: ١] ﴿ما الحاقَّةُ﴾ [الحاقة: ٢] وقِيلَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ [الواقعة: ٨] وقالَ الزَّجّاجُ: هو تَحْذِيرٌ، والعَرَبُ تُحَذِّرُ وتُغْرِي بِالرَّفْعِ كالنَّصْبِ، قالَ الشّاعِرُ: ؎أخُو النَّجْدَةِ السِّلاحُ السِّلاحُ وقَرَأ عِيسى: بِالنَّصْبِ، وتَخْرِيجُهُ عَلى أنَّهُ مَنصُوبٌ بِإضْمارِ فِعْلٍ، أيِ اذْكُرُوا القارِعَةَ، وما زائِدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ، والقارِعَةُ تَأْكِيدٌ لَفْظِيٌّ لِلْأُولى، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يَوْمَ) بِالنَّصْبِ، وهو ظَرْفٌ، العامِلُ فِيهِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: القارِعَةُ، فَإنْ كانَ عَنى بِالقارِعَةِ اللَّفْظَ الأوَّلَ، فَلا يَجُوزُ لِلْفَصْلِ بَيْنَ العامِلِ، وهو في صِلَةِ ألْ، والمَعْمُولِ بِالخَبَرِ، وكَذا لَوْ صارَ القارِعَةُ عَلَمًا لِلْقِيامَةِ لا يَجُوزُ أيْضًا، وإنْ كانَ عَنى اللَّفْظَ الثّانِيَ أوِ الثّالِثَ، فَلا يَلْتَئِمُ مَعْنى الظَّرْفِ مَعَهُ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الظَّرْفُ نُصِبَ بِمُضْمَرٍ دَلَّ عَلَيْهِ القارِعَةُ، أيْ تَقْرَعُ يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ، وقالَ الحَوْفِيُّ: تَأْتِي يَوْمَ يَكُونُ، وقِيلَ: اذْكُرْ يَوْمَ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (يَوْمُ يَكُونُ) مَرْفُوعَ المِيمِ، أيْ وقْتُها ﴿يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ كالفَراشِ المَبْثُوثِ﴾ قالَ قَتادَةُ: هو الطَّيْرُ الَّذِي يَتَساقَطُ في النّارِ. وقالَ الفَرّاءُ: غَوْغاءُ الجَرادِ، وهو صَغِيرُهُ الَّذِي يَنْتَشِرُ في الأرْضِ يَرْكَبُ بَعْضُهُ بَعْضًا مِنَ الهَوْلِ. وقِيلَ: الفَراشُ طَيْرٌ دَقِيقٌ يَقْصِدُ النّارَ، ولا يَزالُ يَتَقَحَّمُ عَلى المِصْباحِ ونَحْوِهِ حَتّى يَحْتَرِقَ، شُبِّهُوا في الكَثْرَةِ والِانْتِشارِ والضَّعْفِ والذِّلَّةِ والمَجِيءِ والذَّهابِ عَلى غَيْرِ نِظامٍ، والتَّطايُرِ إلى الدّاعِي مِن كُلِّ جِهَةٍ حَتّى تَدْعُوَهم إلى ناحِيَةِ المَحْشَرِ، كالفَراشِ المُتَطايِرِ إلى النّارِ، قالَ جَرِيرٌ: ؎إنَّ الفَرَزْدَقَ ما عَلِمْتُ وقَوْمَهُ ∗∗∗ مِثْلُ الفَراشِ غَشَيْنَ نارَ المُصْطَلِي وقَرَنَ بَيْنَ النّاسِ والجِبالِ تَنْبِيهًا عَلى تَأْثِيرِ تِلْكَ القارِعَةِ في الجِبالِ حَتّى صارَتْ كالعِهْنِ المَنفُوشِ، (p-٥٠٧)فَكَيْفَ يَكُونُ حالُ الإنْسانِ عِنْدَ سَماعِها ؟ وتَقَدَّمَ الكَلامُ في المَوازِينِ وثِقَلِها وخِفَّتِها في الأعْرافِ، و”عِيشَةٍ راضِيَةٍ“ في الحاقَّةِ ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ الهاوِيَةُ دَرَكَةٌ مِن دَرَكاتِ النّارِ، وأُمُّهُ مَعْناهُ مَأْواهُ، كَما قِيلَ لِلْأرْضِ أُمُّ النّاسِ لِأنَّها تُئْوِيهِمْ، وكَما قالَ عُتْبَةُ بْنُ أبِي سُفْيانَ في الحَرْبِ: فَنَحْنُ بَنُوها وهي أُمُّنا، وقالَ قَتادَةُ وأبُو صالِحٍ وغَيْرُهُ: فَأُمُّ رَأْسِهِ هاوِيَةٌ في قَعْرِ جَهَنَّمَ لِأنَّهُ يُطْرَحُ فِيها مَنكُوسًا، وقِيلَ: هو تَفاؤُلٌ بِشَرٍّ، وإذا دَعَوْا بِالهَلَكَةِ قالُوا هَوَتْ أُمُّهُ، لِأنَّهُ إذا هَوى، أيْ سَقَطَ وهَلَكَ فَقَدْ هَوَتْ أُمُّهُ ثُكْلًا وحُزْنًا، قالَ الشّاعِرُ: ؎هَوَتْ أُمُّهُ ما يَبْعَثُ الصُّبْحُ غادِيًا ∗∗∗ وماذا يَوَدُّ اللَّيْلُ حِينَ يَئُوبُ وقَرَأ الجُمْهُورُ: (فَأُمُّهُ) بِضَمِّ الهَمْزَةِ، وطَلْحَةُ بِكَسْرِها، قالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: وحَكى ابْنُ دُرَيْدٍ أنَّها لُغَةٌ، وأمّا النَّحْوِيُّونَ فَإنَّهم يَقُولُونَ: لا يَجُوزُ كَسْرُ الهَمْزَةِ إلّا أنْ يَتَقَدَّمَها كَسْرَةٌ أوْ ياءٌ. انْتَهى. ﴿وما أدْراكَ ما هِيَهْ﴾ هي ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى هاوِيَةٍ إنْ كانَتْ كَما قِيلَ دَرَكَةٌ مِن دَرَكاتِ النّارِ مَعْرُوفَةٌ بِهَذا الِاسْمِ، وإنْ كانَتْ غَيْرَ ذَلِكَ مِمّا قِيلَ فَهي ضَمِيرُ الدّاهِيَةِ الَّتِي دَلَّ عَلَيْها قَوْلُهُ: ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ والهاءُ في ﴿ما هِيَهْ﴾ هاءُ السَّكْتِ، وحَذَفَها في الوَصْلِ ابْنُ أبِي إسْحاقَ والأعْمَشُ وحَمْزَةُ، وأثْبَتَها الجُمْهُورُ. (نارٌ) خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ هي نارٌ، أعاذَنا اللَّهُ مِنها بِمَنِّهِ وكَرَمِهِ.

القارعة 101:9

(p-٥٠٦)سُورَةُ القارِعَةِ مَكِّيَّةٌ وهي إحْدى عَشْرَةَ آيَةً ﷽ ﴿القارِعَةُ﴾ ﴿ما القارِعَةُ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما القارِعَةُ﴾ ﴿يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ كالفَراشِ المَبْثُوثِ﴾ ﴿وتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ المَنفُوشِ﴾ ﴿فَأمّا مَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾ ﴿فَهُوَ في عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ ﴿وأمّا مَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ﴾ ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما هِيَهْ﴾ ﴿نارٌ حامِيَةٌ﴾ الفَراشُ، قالَ الفَرّاءُ: هو الهَمَجُ الطّائِرُ مِن بَعُوضٍ وغَيْرِهِ، ومِنهُ الجَرادُ، ويُقالُ: هو أطْيَشُ مِن فَراشَةٍ، قالَ: وقَدْ كانَ أقْوامٌ رَدَدْتُ قُلُوبَهم عَلَيْهِمْ، وكانُوا كالفَراشِ مِنَ الجَهْلِ، وقِيلَ: فَراشَةُ الحِلْمِ نَفَشَتِ الصُّوفَ والقُطْنَ: فَرَّقَتْ ما كانَ مُلَبَّدًا مِن أجْزائِهِ. ﴿القارِعَةُ﴾ ﴿ما القارِعَةُ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما القارِعَةُ﴾ ﴿يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ كالفَراشِ المَبْثُوثِ﴾ ﴿وتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ المَنفُوشِ﴾ ﴿فَأمّا مَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾ ﴿فَهُوَ في عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ ﴿وأمّا مَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ﴾ ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما هِيَهْ﴾ ﴿نارٌ حامِيَةٌ﴾ هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها ظاهِرَةٌ؛ لِأنَّهُ ذَكَرَ وقْتَ بُعْثِرَتِ القُبُورُ، وذَلِكَ هو وقْتُ السّاعَةِ، وقالَ الجُمْهُورُ: (القارِعَةُ) القِيامَةُ نَفْسُها؛ لِأنَّها تَقْرَعُ القُلُوبَ بِهَوْلِها، وقِيلَ: صَيْحَةُ النَّفْخَةِ في الصُّورِ؛ لِأنَّها تَقْرَعُ الأسْماعَ وفي ضِمْنِ ذَلِكَ القُلُوبُ، وقالَ الضَّحّاكُ: هي النّارُ ذاتُ التَّغَيُّظِ والزَّفِيرِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿القارِعَةُ﴾ ﴿ما القارِعَةُ﴾ بِالرَّفْعِ، فَما اسْتِفْهامٌ فِيهِ مَعْنى الِاسْتِعْظامِ والتَّعَجُّبِ وهو مُبْتَدَأٌ، والقارِعَةُ خَبَرُهُ، وتَقَدَّمَ تَقْرِيرُ ذَلِكَ في ﴿الحاقَّةُ﴾ [الحاقة: ١] ﴿ما الحاقَّةُ﴾ [الحاقة: ٢] وقِيلَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ [الواقعة: ٨] وقالَ الزَّجّاجُ: هو تَحْذِيرٌ، والعَرَبُ تُحَذِّرُ وتُغْرِي بِالرَّفْعِ كالنَّصْبِ، قالَ الشّاعِرُ: ؎أخُو النَّجْدَةِ السِّلاحُ السِّلاحُ وقَرَأ عِيسى: بِالنَّصْبِ، وتَخْرِيجُهُ عَلى أنَّهُ مَنصُوبٌ بِإضْمارِ فِعْلٍ، أيِ اذْكُرُوا القارِعَةَ، وما زائِدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ، والقارِعَةُ تَأْكِيدٌ لَفْظِيٌّ لِلْأُولى، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يَوْمَ) بِالنَّصْبِ، وهو ظَرْفٌ، العامِلُ فِيهِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: القارِعَةُ، فَإنْ كانَ عَنى بِالقارِعَةِ اللَّفْظَ الأوَّلَ، فَلا يَجُوزُ لِلْفَصْلِ بَيْنَ العامِلِ، وهو في صِلَةِ ألْ، والمَعْمُولِ بِالخَبَرِ، وكَذا لَوْ صارَ القارِعَةُ عَلَمًا لِلْقِيامَةِ لا يَجُوزُ أيْضًا، وإنْ كانَ عَنى اللَّفْظَ الثّانِيَ أوِ الثّالِثَ، فَلا يَلْتَئِمُ مَعْنى الظَّرْفِ مَعَهُ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الظَّرْفُ نُصِبَ بِمُضْمَرٍ دَلَّ عَلَيْهِ القارِعَةُ، أيْ تَقْرَعُ يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ، وقالَ الحَوْفِيُّ: تَأْتِي يَوْمَ يَكُونُ، وقِيلَ: اذْكُرْ يَوْمَ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (يَوْمُ يَكُونُ) مَرْفُوعَ المِيمِ، أيْ وقْتُها ﴿يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ كالفَراشِ المَبْثُوثِ﴾ قالَ قَتادَةُ: هو الطَّيْرُ الَّذِي يَتَساقَطُ في النّارِ. وقالَ الفَرّاءُ: غَوْغاءُ الجَرادِ، وهو صَغِيرُهُ الَّذِي يَنْتَشِرُ في الأرْضِ يَرْكَبُ بَعْضُهُ بَعْضًا مِنَ الهَوْلِ. وقِيلَ: الفَراشُ طَيْرٌ دَقِيقٌ يَقْصِدُ النّارَ، ولا يَزالُ يَتَقَحَّمُ عَلى المِصْباحِ ونَحْوِهِ حَتّى يَحْتَرِقَ، شُبِّهُوا في الكَثْرَةِ والِانْتِشارِ والضَّعْفِ والذِّلَّةِ والمَجِيءِ والذَّهابِ عَلى غَيْرِ نِظامٍ، والتَّطايُرِ إلى الدّاعِي مِن كُلِّ جِهَةٍ حَتّى تَدْعُوَهم إلى ناحِيَةِ المَحْشَرِ، كالفَراشِ المُتَطايِرِ إلى النّارِ، قالَ جَرِيرٌ: ؎إنَّ الفَرَزْدَقَ ما عَلِمْتُ وقَوْمَهُ ∗∗∗ مِثْلُ الفَراشِ غَشَيْنَ نارَ المُصْطَلِي وقَرَنَ بَيْنَ النّاسِ والجِبالِ تَنْبِيهًا عَلى تَأْثِيرِ تِلْكَ القارِعَةِ في الجِبالِ حَتّى صارَتْ كالعِهْنِ المَنفُوشِ، (p-٥٠٧)فَكَيْفَ يَكُونُ حالُ الإنْسانِ عِنْدَ سَماعِها ؟ وتَقَدَّمَ الكَلامُ في المَوازِينِ وثِقَلِها وخِفَّتِها في الأعْرافِ، و”عِيشَةٍ راضِيَةٍ“ في الحاقَّةِ ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ الهاوِيَةُ دَرَكَةٌ مِن دَرَكاتِ النّارِ، وأُمُّهُ مَعْناهُ مَأْواهُ، كَما قِيلَ لِلْأرْضِ أُمُّ النّاسِ لِأنَّها تُئْوِيهِمْ، وكَما قالَ عُتْبَةُ بْنُ أبِي سُفْيانَ في الحَرْبِ: فَنَحْنُ بَنُوها وهي أُمُّنا، وقالَ قَتادَةُ وأبُو صالِحٍ وغَيْرُهُ: فَأُمُّ رَأْسِهِ هاوِيَةٌ في قَعْرِ جَهَنَّمَ لِأنَّهُ يُطْرَحُ فِيها مَنكُوسًا، وقِيلَ: هو تَفاؤُلٌ بِشَرٍّ، وإذا دَعَوْا بِالهَلَكَةِ قالُوا هَوَتْ أُمُّهُ، لِأنَّهُ إذا هَوى، أيْ سَقَطَ وهَلَكَ فَقَدْ هَوَتْ أُمُّهُ ثُكْلًا وحُزْنًا، قالَ الشّاعِرُ: ؎هَوَتْ أُمُّهُ ما يَبْعَثُ الصُّبْحُ غادِيًا ∗∗∗ وماذا يَوَدُّ اللَّيْلُ حِينَ يَئُوبُ وقَرَأ الجُمْهُورُ: (فَأُمُّهُ) بِضَمِّ الهَمْزَةِ، وطَلْحَةُ بِكَسْرِها، قالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: وحَكى ابْنُ دُرَيْدٍ أنَّها لُغَةٌ، وأمّا النَّحْوِيُّونَ فَإنَّهم يَقُولُونَ: لا يَجُوزُ كَسْرُ الهَمْزَةِ إلّا أنْ يَتَقَدَّمَها كَسْرَةٌ أوْ ياءٌ. انْتَهى. ﴿وما أدْراكَ ما هِيَهْ﴾ هي ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى هاوِيَةٍ إنْ كانَتْ كَما قِيلَ دَرَكَةٌ مِن دَرَكاتِ النّارِ مَعْرُوفَةٌ بِهَذا الِاسْمِ، وإنْ كانَتْ غَيْرَ ذَلِكَ مِمّا قِيلَ فَهي ضَمِيرُ الدّاهِيَةِ الَّتِي دَلَّ عَلَيْها قَوْلُهُ: ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ والهاءُ في ﴿ما هِيَهْ﴾ هاءُ السَّكْتِ، وحَذَفَها في الوَصْلِ ابْنُ أبِي إسْحاقَ والأعْمَشُ وحَمْزَةُ، وأثْبَتَها الجُمْهُورُ. (نارٌ) خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ هي نارٌ، أعاذَنا اللَّهُ مِنها بِمَنِّهِ وكَرَمِهِ.

القارعة 101:10

(p-٥٠٦)سُورَةُ القارِعَةِ مَكِّيَّةٌ وهي إحْدى عَشْرَةَ آيَةً ﷽ ﴿القارِعَةُ﴾ ﴿ما القارِعَةُ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما القارِعَةُ﴾ ﴿يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ كالفَراشِ المَبْثُوثِ﴾ ﴿وتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ المَنفُوشِ﴾ ﴿فَأمّا مَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾ ﴿فَهُوَ في عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ ﴿وأمّا مَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ﴾ ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما هِيَهْ﴾ ﴿نارٌ حامِيَةٌ﴾ الفَراشُ، قالَ الفَرّاءُ: هو الهَمَجُ الطّائِرُ مِن بَعُوضٍ وغَيْرِهِ، ومِنهُ الجَرادُ، ويُقالُ: هو أطْيَشُ مِن فَراشَةٍ، قالَ: وقَدْ كانَ أقْوامٌ رَدَدْتُ قُلُوبَهم عَلَيْهِمْ، وكانُوا كالفَراشِ مِنَ الجَهْلِ، وقِيلَ: فَراشَةُ الحِلْمِ نَفَشَتِ الصُّوفَ والقُطْنَ: فَرَّقَتْ ما كانَ مُلَبَّدًا مِن أجْزائِهِ. ﴿القارِعَةُ﴾ ﴿ما القارِعَةُ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما القارِعَةُ﴾ ﴿يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ كالفَراشِ المَبْثُوثِ﴾ ﴿وتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ المَنفُوشِ﴾ ﴿فَأمّا مَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾ ﴿فَهُوَ في عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ ﴿وأمّا مَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ﴾ ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما هِيَهْ﴾ ﴿نارٌ حامِيَةٌ﴾ هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها ظاهِرَةٌ؛ لِأنَّهُ ذَكَرَ وقْتَ بُعْثِرَتِ القُبُورُ، وذَلِكَ هو وقْتُ السّاعَةِ، وقالَ الجُمْهُورُ: (القارِعَةُ) القِيامَةُ نَفْسُها؛ لِأنَّها تَقْرَعُ القُلُوبَ بِهَوْلِها، وقِيلَ: صَيْحَةُ النَّفْخَةِ في الصُّورِ؛ لِأنَّها تَقْرَعُ الأسْماعَ وفي ضِمْنِ ذَلِكَ القُلُوبُ، وقالَ الضَّحّاكُ: هي النّارُ ذاتُ التَّغَيُّظِ والزَّفِيرِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿القارِعَةُ﴾ ﴿ما القارِعَةُ﴾ بِالرَّفْعِ، فَما اسْتِفْهامٌ فِيهِ مَعْنى الِاسْتِعْظامِ والتَّعَجُّبِ وهو مُبْتَدَأٌ، والقارِعَةُ خَبَرُهُ، وتَقَدَّمَ تَقْرِيرُ ذَلِكَ في ﴿الحاقَّةُ﴾ [الحاقة: ١] ﴿ما الحاقَّةُ﴾ [الحاقة: ٢] وقِيلَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ [الواقعة: ٨] وقالَ الزَّجّاجُ: هو تَحْذِيرٌ، والعَرَبُ تُحَذِّرُ وتُغْرِي بِالرَّفْعِ كالنَّصْبِ، قالَ الشّاعِرُ: ؎أخُو النَّجْدَةِ السِّلاحُ السِّلاحُ وقَرَأ عِيسى: بِالنَّصْبِ، وتَخْرِيجُهُ عَلى أنَّهُ مَنصُوبٌ بِإضْمارِ فِعْلٍ، أيِ اذْكُرُوا القارِعَةَ، وما زائِدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ، والقارِعَةُ تَأْكِيدٌ لَفْظِيٌّ لِلْأُولى، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يَوْمَ) بِالنَّصْبِ، وهو ظَرْفٌ، العامِلُ فِيهِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: القارِعَةُ، فَإنْ كانَ عَنى بِالقارِعَةِ اللَّفْظَ الأوَّلَ، فَلا يَجُوزُ لِلْفَصْلِ بَيْنَ العامِلِ، وهو في صِلَةِ ألْ، والمَعْمُولِ بِالخَبَرِ، وكَذا لَوْ صارَ القارِعَةُ عَلَمًا لِلْقِيامَةِ لا يَجُوزُ أيْضًا، وإنْ كانَ عَنى اللَّفْظَ الثّانِيَ أوِ الثّالِثَ، فَلا يَلْتَئِمُ مَعْنى الظَّرْفِ مَعَهُ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الظَّرْفُ نُصِبَ بِمُضْمَرٍ دَلَّ عَلَيْهِ القارِعَةُ، أيْ تَقْرَعُ يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ، وقالَ الحَوْفِيُّ: تَأْتِي يَوْمَ يَكُونُ، وقِيلَ: اذْكُرْ يَوْمَ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (يَوْمُ يَكُونُ) مَرْفُوعَ المِيمِ، أيْ وقْتُها ﴿يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ كالفَراشِ المَبْثُوثِ﴾ قالَ قَتادَةُ: هو الطَّيْرُ الَّذِي يَتَساقَطُ في النّارِ. وقالَ الفَرّاءُ: غَوْغاءُ الجَرادِ، وهو صَغِيرُهُ الَّذِي يَنْتَشِرُ في الأرْضِ يَرْكَبُ بَعْضُهُ بَعْضًا مِنَ الهَوْلِ. وقِيلَ: الفَراشُ طَيْرٌ دَقِيقٌ يَقْصِدُ النّارَ، ولا يَزالُ يَتَقَحَّمُ عَلى المِصْباحِ ونَحْوِهِ حَتّى يَحْتَرِقَ، شُبِّهُوا في الكَثْرَةِ والِانْتِشارِ والضَّعْفِ والذِّلَّةِ والمَجِيءِ والذَّهابِ عَلى غَيْرِ نِظامٍ، والتَّطايُرِ إلى الدّاعِي مِن كُلِّ جِهَةٍ حَتّى تَدْعُوَهم إلى ناحِيَةِ المَحْشَرِ، كالفَراشِ المُتَطايِرِ إلى النّارِ، قالَ جَرِيرٌ: ؎إنَّ الفَرَزْدَقَ ما عَلِمْتُ وقَوْمَهُ ∗∗∗ مِثْلُ الفَراشِ غَشَيْنَ نارَ المُصْطَلِي وقَرَنَ بَيْنَ النّاسِ والجِبالِ تَنْبِيهًا عَلى تَأْثِيرِ تِلْكَ القارِعَةِ في الجِبالِ حَتّى صارَتْ كالعِهْنِ المَنفُوشِ، (p-٥٠٧)فَكَيْفَ يَكُونُ حالُ الإنْسانِ عِنْدَ سَماعِها ؟ وتَقَدَّمَ الكَلامُ في المَوازِينِ وثِقَلِها وخِفَّتِها في الأعْرافِ، و”عِيشَةٍ راضِيَةٍ“ في الحاقَّةِ ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ الهاوِيَةُ دَرَكَةٌ مِن دَرَكاتِ النّارِ، وأُمُّهُ مَعْناهُ مَأْواهُ، كَما قِيلَ لِلْأرْضِ أُمُّ النّاسِ لِأنَّها تُئْوِيهِمْ، وكَما قالَ عُتْبَةُ بْنُ أبِي سُفْيانَ في الحَرْبِ: فَنَحْنُ بَنُوها وهي أُمُّنا، وقالَ قَتادَةُ وأبُو صالِحٍ وغَيْرُهُ: فَأُمُّ رَأْسِهِ هاوِيَةٌ في قَعْرِ جَهَنَّمَ لِأنَّهُ يُطْرَحُ فِيها مَنكُوسًا، وقِيلَ: هو تَفاؤُلٌ بِشَرٍّ، وإذا دَعَوْا بِالهَلَكَةِ قالُوا هَوَتْ أُمُّهُ، لِأنَّهُ إذا هَوى، أيْ سَقَطَ وهَلَكَ فَقَدْ هَوَتْ أُمُّهُ ثُكْلًا وحُزْنًا، قالَ الشّاعِرُ: ؎هَوَتْ أُمُّهُ ما يَبْعَثُ الصُّبْحُ غادِيًا ∗∗∗ وماذا يَوَدُّ اللَّيْلُ حِينَ يَئُوبُ وقَرَأ الجُمْهُورُ: (فَأُمُّهُ) بِضَمِّ الهَمْزَةِ، وطَلْحَةُ بِكَسْرِها، قالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: وحَكى ابْنُ دُرَيْدٍ أنَّها لُغَةٌ، وأمّا النَّحْوِيُّونَ فَإنَّهم يَقُولُونَ: لا يَجُوزُ كَسْرُ الهَمْزَةِ إلّا أنْ يَتَقَدَّمَها كَسْرَةٌ أوْ ياءٌ. انْتَهى. ﴿وما أدْراكَ ما هِيَهْ﴾ هي ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى هاوِيَةٍ إنْ كانَتْ كَما قِيلَ دَرَكَةٌ مِن دَرَكاتِ النّارِ مَعْرُوفَةٌ بِهَذا الِاسْمِ، وإنْ كانَتْ غَيْرَ ذَلِكَ مِمّا قِيلَ فَهي ضَمِيرُ الدّاهِيَةِ الَّتِي دَلَّ عَلَيْها قَوْلُهُ: ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ والهاءُ في ﴿ما هِيَهْ﴾ هاءُ السَّكْتِ، وحَذَفَها في الوَصْلِ ابْنُ أبِي إسْحاقَ والأعْمَشُ وحَمْزَةُ، وأثْبَتَها الجُمْهُورُ. (نارٌ) خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ هي نارٌ، أعاذَنا اللَّهُ مِنها بِمَنِّهِ وكَرَمِهِ.

القارعة 101:11

(p-٥٠٦)سُورَةُ القارِعَةِ مَكِّيَّةٌ وهي إحْدى عَشْرَةَ آيَةً ﷽ ﴿القارِعَةُ﴾ ﴿ما القارِعَةُ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما القارِعَةُ﴾ ﴿يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ كالفَراشِ المَبْثُوثِ﴾ ﴿وتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ المَنفُوشِ﴾ ﴿فَأمّا مَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾ ﴿فَهُوَ في عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ ﴿وأمّا مَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ﴾ ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما هِيَهْ﴾ ﴿نارٌ حامِيَةٌ﴾ الفَراشُ، قالَ الفَرّاءُ: هو الهَمَجُ الطّائِرُ مِن بَعُوضٍ وغَيْرِهِ، ومِنهُ الجَرادُ، ويُقالُ: هو أطْيَشُ مِن فَراشَةٍ، قالَ: وقَدْ كانَ أقْوامٌ رَدَدْتُ قُلُوبَهم عَلَيْهِمْ، وكانُوا كالفَراشِ مِنَ الجَهْلِ، وقِيلَ: فَراشَةُ الحِلْمِ نَفَشَتِ الصُّوفَ والقُطْنَ: فَرَّقَتْ ما كانَ مُلَبَّدًا مِن أجْزائِهِ. ﴿القارِعَةُ﴾ ﴿ما القارِعَةُ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما القارِعَةُ﴾ ﴿يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ كالفَراشِ المَبْثُوثِ﴾ ﴿وتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ المَنفُوشِ﴾ ﴿فَأمّا مَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾ ﴿فَهُوَ في عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ ﴿وأمّا مَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ﴾ ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما هِيَهْ﴾ ﴿نارٌ حامِيَةٌ﴾ هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها ظاهِرَةٌ؛ لِأنَّهُ ذَكَرَ وقْتَ بُعْثِرَتِ القُبُورُ، وذَلِكَ هو وقْتُ السّاعَةِ، وقالَ الجُمْهُورُ: (القارِعَةُ) القِيامَةُ نَفْسُها؛ لِأنَّها تَقْرَعُ القُلُوبَ بِهَوْلِها، وقِيلَ: صَيْحَةُ النَّفْخَةِ في الصُّورِ؛ لِأنَّها تَقْرَعُ الأسْماعَ وفي ضِمْنِ ذَلِكَ القُلُوبُ، وقالَ الضَّحّاكُ: هي النّارُ ذاتُ التَّغَيُّظِ والزَّفِيرِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿القارِعَةُ﴾ ﴿ما القارِعَةُ﴾ بِالرَّفْعِ، فَما اسْتِفْهامٌ فِيهِ مَعْنى الِاسْتِعْظامِ والتَّعَجُّبِ وهو مُبْتَدَأٌ، والقارِعَةُ خَبَرُهُ، وتَقَدَّمَ تَقْرِيرُ ذَلِكَ في ﴿الحاقَّةُ﴾ [الحاقة: ١] ﴿ما الحاقَّةُ﴾ [الحاقة: ٢] وقِيلَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ [الواقعة: ٨] وقالَ الزَّجّاجُ: هو تَحْذِيرٌ، والعَرَبُ تُحَذِّرُ وتُغْرِي بِالرَّفْعِ كالنَّصْبِ، قالَ الشّاعِرُ: ؎أخُو النَّجْدَةِ السِّلاحُ السِّلاحُ وقَرَأ عِيسى: بِالنَّصْبِ، وتَخْرِيجُهُ عَلى أنَّهُ مَنصُوبٌ بِإضْمارِ فِعْلٍ، أيِ اذْكُرُوا القارِعَةَ، وما زائِدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ، والقارِعَةُ تَأْكِيدٌ لَفْظِيٌّ لِلْأُولى، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يَوْمَ) بِالنَّصْبِ، وهو ظَرْفٌ، العامِلُ فِيهِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: القارِعَةُ، فَإنْ كانَ عَنى بِالقارِعَةِ اللَّفْظَ الأوَّلَ، فَلا يَجُوزُ لِلْفَصْلِ بَيْنَ العامِلِ، وهو في صِلَةِ ألْ، والمَعْمُولِ بِالخَبَرِ، وكَذا لَوْ صارَ القارِعَةُ عَلَمًا لِلْقِيامَةِ لا يَجُوزُ أيْضًا، وإنْ كانَ عَنى اللَّفْظَ الثّانِيَ أوِ الثّالِثَ، فَلا يَلْتَئِمُ مَعْنى الظَّرْفِ مَعَهُ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الظَّرْفُ نُصِبَ بِمُضْمَرٍ دَلَّ عَلَيْهِ القارِعَةُ، أيْ تَقْرَعُ يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ، وقالَ الحَوْفِيُّ: تَأْتِي يَوْمَ يَكُونُ، وقِيلَ: اذْكُرْ يَوْمَ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (يَوْمُ يَكُونُ) مَرْفُوعَ المِيمِ، أيْ وقْتُها ﴿يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ كالفَراشِ المَبْثُوثِ﴾ قالَ قَتادَةُ: هو الطَّيْرُ الَّذِي يَتَساقَطُ في النّارِ. وقالَ الفَرّاءُ: غَوْغاءُ الجَرادِ، وهو صَغِيرُهُ الَّذِي يَنْتَشِرُ في الأرْضِ يَرْكَبُ بَعْضُهُ بَعْضًا مِنَ الهَوْلِ. وقِيلَ: الفَراشُ طَيْرٌ دَقِيقٌ يَقْصِدُ النّارَ، ولا يَزالُ يَتَقَحَّمُ عَلى المِصْباحِ ونَحْوِهِ حَتّى يَحْتَرِقَ، شُبِّهُوا في الكَثْرَةِ والِانْتِشارِ والضَّعْفِ والذِّلَّةِ والمَجِيءِ والذَّهابِ عَلى غَيْرِ نِظامٍ، والتَّطايُرِ إلى الدّاعِي مِن كُلِّ جِهَةٍ حَتّى تَدْعُوَهم إلى ناحِيَةِ المَحْشَرِ، كالفَراشِ المُتَطايِرِ إلى النّارِ، قالَ جَرِيرٌ: ؎إنَّ الفَرَزْدَقَ ما عَلِمْتُ وقَوْمَهُ ∗∗∗ مِثْلُ الفَراشِ غَشَيْنَ نارَ المُصْطَلِي وقَرَنَ بَيْنَ النّاسِ والجِبالِ تَنْبِيهًا عَلى تَأْثِيرِ تِلْكَ القارِعَةِ في الجِبالِ حَتّى صارَتْ كالعِهْنِ المَنفُوشِ، (p-٥٠٧)فَكَيْفَ يَكُونُ حالُ الإنْسانِ عِنْدَ سَماعِها ؟ وتَقَدَّمَ الكَلامُ في المَوازِينِ وثِقَلِها وخِفَّتِها في الأعْرافِ، و”عِيشَةٍ راضِيَةٍ“ في الحاقَّةِ ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ الهاوِيَةُ دَرَكَةٌ مِن دَرَكاتِ النّارِ، وأُمُّهُ مَعْناهُ مَأْواهُ، كَما قِيلَ لِلْأرْضِ أُمُّ النّاسِ لِأنَّها تُئْوِيهِمْ، وكَما قالَ عُتْبَةُ بْنُ أبِي سُفْيانَ في الحَرْبِ: فَنَحْنُ بَنُوها وهي أُمُّنا، وقالَ قَتادَةُ وأبُو صالِحٍ وغَيْرُهُ: فَأُمُّ رَأْسِهِ هاوِيَةٌ في قَعْرِ جَهَنَّمَ لِأنَّهُ يُطْرَحُ فِيها مَنكُوسًا، وقِيلَ: هو تَفاؤُلٌ بِشَرٍّ، وإذا دَعَوْا بِالهَلَكَةِ قالُوا هَوَتْ أُمُّهُ، لِأنَّهُ إذا هَوى، أيْ سَقَطَ وهَلَكَ فَقَدْ هَوَتْ أُمُّهُ ثُكْلًا وحُزْنًا، قالَ الشّاعِرُ: ؎هَوَتْ أُمُّهُ ما يَبْعَثُ الصُّبْحُ غادِيًا ∗∗∗ وماذا يَوَدُّ اللَّيْلُ حِينَ يَئُوبُ وقَرَأ الجُمْهُورُ: (فَأُمُّهُ) بِضَمِّ الهَمْزَةِ، وطَلْحَةُ بِكَسْرِها، قالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: وحَكى ابْنُ دُرَيْدٍ أنَّها لُغَةٌ، وأمّا النَّحْوِيُّونَ فَإنَّهم يَقُولُونَ: لا يَجُوزُ كَسْرُ الهَمْزَةِ إلّا أنْ يَتَقَدَّمَها كَسْرَةٌ أوْ ياءٌ. انْتَهى. ﴿وما أدْراكَ ما هِيَهْ﴾ هي ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى هاوِيَةٍ إنْ كانَتْ كَما قِيلَ دَرَكَةٌ مِن دَرَكاتِ النّارِ مَعْرُوفَةٌ بِهَذا الِاسْمِ، وإنْ كانَتْ غَيْرَ ذَلِكَ مِمّا قِيلَ فَهي ضَمِيرُ الدّاهِيَةِ الَّتِي دَلَّ عَلَيْها قَوْلُهُ: ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ والهاءُ في ﴿ما هِيَهْ﴾ هاءُ السَّكْتِ، وحَذَفَها في الوَصْلِ ابْنُ أبِي إسْحاقَ والأعْمَشُ وحَمْزَةُ، وأثْبَتَها الجُمْهُورُ. (نارٌ) خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ هي نارٌ، أعاذَنا اللَّهُ مِنها بِمَنِّهِ وكَرَمِهِ.

التكاثر 102:1

سُورَةُ ألْهاكم مَكِّيَّةٌ وهي ثَمانِي آياتٍ ﷽ ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ ﴿حَتّى زُرْتُمُ المَقابِرَ﴾ ﴿كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿ثُمَّ كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿كَلّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اليَقِينِ﴾ ﴿لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ﴾ ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ اليَقِينِ﴾ ﴿ثُمَّ لَتُسْألُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ . هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ جَمِيعِ المُفَسِّرِينَ، وقالَ البُخارِيُّ: مَدَنِيَّةٌ، ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها ظاهِرَةٌ، وسَبَبُ نُزُولِها أنَّهُ فِيما رَوى الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ: كانَ بَيْنَ بَنِي سَهْمٍ وبَيْنَ بَنِي عَبْدِ مَنافٍ لِحاءٌ، فَتَعادُّوا الأشْرافَ الأحْياءَ أيُّهم أكْثَرُ، فَكَثُرَهم بَنُو عَبْدِ مَنافٍ، ثُمَّ تَعادُّوا الأمْواتَ، فَكَثُرَهم بَنُو سَهْمٍ؛ لِأنَّهم كانُوا أكْثَرَ عَدَدًا في الجاهِلِيَّةِ، وقالَ قَتادَةُ: نَزَلَتْ في اليَهُودِ، قالُوا: نَحْنُ أكْثَرُ مِن بَنِي فُلانٍ، وبَنُو فُلانٍ أكْثَرُ مَن بَنِي فُلانٍ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: نَزَلَتْ في بَطْنٍ مِنَ الأنْصارِ. ﴿ألْهاكُمُ﴾ شَغَلَكم فَعَلى ما رَوى الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ يَكُونُ المَعْنى: أنَّكم تَكاثَرْتُمْ بِالأحْياءِ حَتّى اسْتَوْعَبْتُمْ عَدَدَهم، صِرْتُمْ إلى المَقابِرِ فَتَكاثَرْتُمْ بِالأمْواتِ، عَبَّرَ عَنْ بُلُوغِهِمْ ذِكْرَ المَوْتى بِزِيارَةِ المَقابِرِ تَهَكُّمًا بِهِمْ، وهَذا مَعْنى يَنْبُو عَنْهُ لَفْظُ زُرْتُمْ، قِيلَ: ﴿حَتّى زُرْتُمُ﴾ أيْ مُتُّمْ وزُرْتُمْ بِأجْسادِكم مَقابِرَها، أيْ قَطَعْتُمْ بِالتَّكاثُرِ والمُفاخَرَةِ بِالأمْوالِ والأوْلادِ والعَدَدِ أعْمارَكم حَتّى مُتُّمْ، وسَمِعَ بَعْضُ الأعْرابِ ﴿حَتّى زُرْتُمُ﴾ فَقالَ: بَعَثَ القَوْمَ لِلْقِيامَةِ، ورَبِّ الكَعْبَةِ، فَإنَّ الزّائِرَ مُنْصَرِفٌ لا مُقِيمٌ، وعَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ نَحْوٌ مَن قَوْلِ الأعْرابِيِّ، وقِيلَ: هَذا تَأْنِيثٌ عَلى الإكْثارِ مِن زِيارَةٍ تَكَثُّرًا بِمَن سَلَفَ وإشادَةً بِذِكْرِهِ، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، نَهى عَنْ زِيارَةِ القُبُورِ، ثُمَّ قالَ: (فَزُورُوها) أمْرُ إباحَةٍ لِلِاتِّعاظِ بِها لا لِمَعْنى المُباهاةِ والتَّفاخُرِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: كَما يَصْنَعُ النّاسُ في مُلازَمَتِها وتَسْلِيمِها بِالحِجارَةِ والرُّخامِ، وتَلْوِينِها شَرَفًا، وبَيانِ النَّواوِيسِ عَلَيْهِ، وابْنُ عَطِيَّةَ لَمْ يَرَ إلّا قُبُورَ أهْلِ الأنْدَلُس، فَكَيْفَ لَوْ رَأى ما تَباهى بِهِ أهْلُ مِصْرَ في مَدافِنِهِمْ بِالقَرافَةِ الكُبْرى، والقَرافَةِ (p-٥٠٨)الصُّغْرى، وبابِ النَّصْرِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وما يَضِيعُ فِيها مِنَ الأمْوالِ لَتَعَجَّبَ مِن ذَلِكَ، ولَرَأى ما لَمْ يَخْطُرْ بِبالٍ ؟ وأمّا التَّباهِي بِالزِّيارَةِ، فَفي هَؤُلاءِ المُنْتَمِينَ إلى الصُّوفِ أقْوامٌ لَيْسَ لَهم شُغْلٌ إلّا زِيارَةَ القُبُورِ، زُرْتُ قَبْرَ سَيِّدِي فُلانٍ بِكَذا، وقَبْرَ فُلانٍ بِكَذا، والشَّيْخَ فُلانًا بِكَذا، والشَّيْخَ فُلانًا بِكَذا، فَيَذْكُرُونَ أقالِيمَ طافُوها عَلى قَدَمِ التَّجْرِيدِ، وقَدْ حَفِظُوا حِكاياتٍ عَنْ أصْحابِ تِلْكَ القُبُورِ وأُولَئِكَ المَشايِخِ بِحَيْثُ لَوْ كُتِبَتْ لَجاءَتْ أسْفارًا، وهم مَعَ ذَلِكَ لا يَعْرِفُونَ فُرُوضَ الوُضُوءِ ولا سُنَنَهُ، وقَدْ سَخَّرَ لَهُمُ المُلُوكُ وعَوامُّ النّاسِ في تَحْسِينِ الظَّنِّ بِهِمْ وبَذْلِ أمْوالِهِمْ لَهم، وأمّا مَن شَذَّ مِنهم لِأنْ يَتَكَلَّمَ لِلْعامَّةِ فَيَأْتِي بِعَجائِبَ، يَقُولُونَ هَذا فَتْحٌ هَذا مِنِ العِلْمِ اللَّدُنِّيِّ عِلْمِ الخَضِرِ، حَتّى إنَّ مَن يَنْتَمِي إلى العِلْمِ لَمّا رَأى رَواجَ هَذِهِ الطّائِفَةِ سَلَكَ مَسْلَكَهم ونَقَلَ كَثِيرًا مِن حِكاياتِهِمْ ومَزَجَ ذَلِكَ بِيَسِيرٍ مِنِ العِلْمِ طَلَبًا لِلْمالِ والجاهِ وتَقْبِيلِ اليَدِ، ونَحْنُ نَسْألُ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ أنْ يُوَفِّقَنا لِطاعَتِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ألْهاكم عَلى الخَبَرِ، وابْنُ عَبّاسٍ، وعائِشَةُ، ومُعاوِيَةُ، وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ، وأبُو صالِحٍ، ومالِكُ بْنُ دِينارٍ، وأبُو الجَوْزاءِ وجَماعَةٌ: بِالمَدِّ عَلى الِاسْتِفْهامِ، وقَدْ رُوِيَ كَذَلِكَ عَنِ الكَلْبِيِّ ويَعْقُوبَ، وعَنْ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، والشَّعْبِيِّ، وأبِي العالِيَةِ، وابْنِ أبِي عَبْلَةَ، والكِسائِيِّ في رِوايَةٍ: (أألْهاكم) بِهَمْزَتَيْنِ، ومَعْنى الِاسْتِفْهامِ التَّوْبِيخُ والتَّقْرِيرُ عَلى قُبْحِ فِعْلِهِمْ، والجُمْهُورُ: عَلى أنَّ التَّكْرِيرَ تَوْكِيدٌ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والتَّكْرِيرُ تَأْكِيدٌ لِلرَّدْعِ والإنْذارِ، و(ثُمَّ) دَلالَةٌ عَلى أنَّ الإنْذارَ الثّانِيَ أبْلَغُ مِنَ الأوَّلِ وأشَدُّ، كَما تَقُولُ لِلْمَنصُوحِ: أقُولُ لَكَ ثُمَّ أقُولُ لَكَ لا تَفْعَلْ، والمَعْنى: سَوْفَ تَعْلَمُونَ الخِطابَ فِيما أنْتُمْ عَلَيْهِ إذا عايَنْتُمْ ما قُدّامَكم مِن هَوْلِ لِقاءِ اللَّهِ تَعالى. وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ في القُبُورِ ثُمَّ كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ في البَعْثِ: غايَرَ بَيْنَهُما بِحَسَبِ التَّعَلُّقِ، وتَبْقى ثُمَّ عَلى بابِها مِنَ المُهْلَةِ في الزَّمانِ، وقالَ الضَّحّاكُ: الزَّجْرُ الأوَّلُ ووَعِيدُهُ لِلْكافِرِينَ، والثّانِي لِلْمُؤْمِنَيْنِ ﴿كَلّا لَوْ تَعْلَمُونَ﴾ أيْ ما بَيْنَ أيْدِيكم مِمّا تُقْدِمُونَ عَلَيْهِ ﴿عِلْمَ اليَقِينِ﴾ أيْ كَعِلْمِ ما تَسْتَيْقِنُونَهُ مِنَ الأُمُورِ لَما ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ أوِ العِلْمُ اليَقِينُ، فَأضافَ المَوْصُوفَ إلى صِفَتِهِ وحَذَفَ الجَوابَ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ وهو ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ وقِيلَ: اليَقِينُ هُنا المَوْتُ. وقالَ قَتادَةُ: البَعْثُ؛ لِأنَّهُ إذا جاءَ زالَ الشَّكُّ. ثُمَّ قالَ: ﴿لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ﴾ والظّاهِرُ أنَّ هَذِهِ الرُّؤْيَةَ هي رُؤْيَةُ الوُرُودِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وإنْ مِنكم إلّا وارِدُها﴾ [مريم: ٧١] ولا تَكُونُ رُؤْيَةٌ عِنْدَ الدُّخُولِ، فَيَكُونُ الخِطابُ لِلْكُفّارِ؛ لِأنَّهُ قالَ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿ثُمَّ لَتُسْألُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ . ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ اليَقِينِ﴾ تَأْكِيدٌ لِلْجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها، وزادَ التَّوْكِيدُ بِقَوْلِهِ: ﴿عَيْنَ اليَقِينِ﴾ نَفْيًا لِتَوَهُّمِ المَجازِ في الرُّؤْيَةِ الأُولى، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: هو خِطابٌ لِلْمُشْرِكِينَ، فالرُّؤْيَةُ رُؤْيَةُ دُخُولٍ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ والكِسائِيُّ: (لَتُرَوُنَّ) بِضَمِّ التّاءِ، وباقِي السَّبْعَةِ: بِالفَتْحِ، وعَلِيٌّ وابْنُ كَثِيرٍ في رِوايَةٍ، وعاصِمٌ في رِوايَةٍ: بِفَتْحِها في (لَتَرَوُنَّ) وضَمِّها في (لَتُرَوُنَّها) ومُجاهِدٌ والأشْهَبُ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِضَمِّها، ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ وأبِي عَمْرٍو بِخِلافٍ عَنْهُما أنَّهُما هَمَزا الواوَيْنِ، اسْتَثْقَلُوا الضَّمَّةَ عَلى الواوِ فَهَمَزُوا كَما هَمَزُوا في وُقِّتَتْ، وكانَ القِياسُ أنْ لا تُهْمَزَ، لِأنَّها حَرَكَةٌ عارِضَةٌ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ فَلا يُعْتَدُّ بِها، لَكِنَّها لَمّا تَمَكَّنَتْ مِنَ الكَلِمَةِ بِحَيْثُ لا تَزُولُ أشْبَهَتِ الحَرَكَةَ الأصْلِيَّةَ فَهَمَزُوا، وقَدْ هَمَزُوا مِنَ الحَرَكَةِ العارِضَةِ ما يَزُولُ في الوَقْفِ نَحْوَ اسْتَرْؤُا الصَّلاةَ، فَهَمْزُ هَذِهِ أوْلى. ﴿ثُمَّ لَتُسْألُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ الظّاهِرُ العُمُومُ في النَّعِيمِ، وهو كُلُّ ما يُتَلَذَّذُ بِهِ مِن مَطْعَمٍ ومَشْرَبٍ ومَفْرَشٍ ومَرْكَبٍ، فالمُؤْمِنُ يُسْألُ سُؤالَ إكْرامٍ وتَشْرِيفٍ، والكافِرُ سُؤالَ تَوْبِيخٍ وتَقْرِيعٍ، وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ والشَّعْبِيِّ وسُفْيانَ ومُجاهِدٍ: هو الأمْنُ والصِّحَّةُ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: البَدَنُ والحَواسُّ فِيمَ اسْتَعْمَلَها، وعَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ: كُلُّ ما يُتَلَذَّذُ بِهِ، وفي الحَدِيثِ: (بَيْتٌ يُكِنُّكَ وخِرْقَةٌ تُوارِيكَ وكِسْرَةٌ تَشُدُّ قَلْبَكَ وما سِوى ذَلِكَ فَهو نَعِيمٌ) .

التكاثر 102:2

سُورَةُ ألْهاكم مَكِّيَّةٌ وهي ثَمانِي آياتٍ ﷽ ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ ﴿حَتّى زُرْتُمُ المَقابِرَ﴾ ﴿كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿ثُمَّ كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿كَلّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اليَقِينِ﴾ ﴿لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ﴾ ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ اليَقِينِ﴾ ﴿ثُمَّ لَتُسْألُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ . هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ جَمِيعِ المُفَسِّرِينَ، وقالَ البُخارِيُّ: مَدَنِيَّةٌ، ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها ظاهِرَةٌ، وسَبَبُ نُزُولِها أنَّهُ فِيما رَوى الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ: كانَ بَيْنَ بَنِي سَهْمٍ وبَيْنَ بَنِي عَبْدِ مَنافٍ لِحاءٌ، فَتَعادُّوا الأشْرافَ الأحْياءَ أيُّهم أكْثَرُ، فَكَثُرَهم بَنُو عَبْدِ مَنافٍ، ثُمَّ تَعادُّوا الأمْواتَ، فَكَثُرَهم بَنُو سَهْمٍ؛ لِأنَّهم كانُوا أكْثَرَ عَدَدًا في الجاهِلِيَّةِ، وقالَ قَتادَةُ: نَزَلَتْ في اليَهُودِ، قالُوا: نَحْنُ أكْثَرُ مِن بَنِي فُلانٍ، وبَنُو فُلانٍ أكْثَرُ مَن بَنِي فُلانٍ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: نَزَلَتْ في بَطْنٍ مِنَ الأنْصارِ. ﴿ألْهاكُمُ﴾ شَغَلَكم فَعَلى ما رَوى الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ يَكُونُ المَعْنى: أنَّكم تَكاثَرْتُمْ بِالأحْياءِ حَتّى اسْتَوْعَبْتُمْ عَدَدَهم، صِرْتُمْ إلى المَقابِرِ فَتَكاثَرْتُمْ بِالأمْواتِ، عَبَّرَ عَنْ بُلُوغِهِمْ ذِكْرَ المَوْتى بِزِيارَةِ المَقابِرِ تَهَكُّمًا بِهِمْ، وهَذا مَعْنى يَنْبُو عَنْهُ لَفْظُ زُرْتُمْ، قِيلَ: ﴿حَتّى زُرْتُمُ﴾ أيْ مُتُّمْ وزُرْتُمْ بِأجْسادِكم مَقابِرَها، أيْ قَطَعْتُمْ بِالتَّكاثُرِ والمُفاخَرَةِ بِالأمْوالِ والأوْلادِ والعَدَدِ أعْمارَكم حَتّى مُتُّمْ، وسَمِعَ بَعْضُ الأعْرابِ ﴿حَتّى زُرْتُمُ﴾ فَقالَ: بَعَثَ القَوْمَ لِلْقِيامَةِ، ورَبِّ الكَعْبَةِ، فَإنَّ الزّائِرَ مُنْصَرِفٌ لا مُقِيمٌ، وعَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ نَحْوٌ مَن قَوْلِ الأعْرابِيِّ، وقِيلَ: هَذا تَأْنِيثٌ عَلى الإكْثارِ مِن زِيارَةٍ تَكَثُّرًا بِمَن سَلَفَ وإشادَةً بِذِكْرِهِ، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، نَهى عَنْ زِيارَةِ القُبُورِ، ثُمَّ قالَ: (فَزُورُوها) أمْرُ إباحَةٍ لِلِاتِّعاظِ بِها لا لِمَعْنى المُباهاةِ والتَّفاخُرِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: كَما يَصْنَعُ النّاسُ في مُلازَمَتِها وتَسْلِيمِها بِالحِجارَةِ والرُّخامِ، وتَلْوِينِها شَرَفًا، وبَيانِ النَّواوِيسِ عَلَيْهِ، وابْنُ عَطِيَّةَ لَمْ يَرَ إلّا قُبُورَ أهْلِ الأنْدَلُس، فَكَيْفَ لَوْ رَأى ما تَباهى بِهِ أهْلُ مِصْرَ في مَدافِنِهِمْ بِالقَرافَةِ الكُبْرى، والقَرافَةِ (p-٥٠٨)الصُّغْرى، وبابِ النَّصْرِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وما يَضِيعُ فِيها مِنَ الأمْوالِ لَتَعَجَّبَ مِن ذَلِكَ، ولَرَأى ما لَمْ يَخْطُرْ بِبالٍ ؟ وأمّا التَّباهِي بِالزِّيارَةِ، فَفي هَؤُلاءِ المُنْتَمِينَ إلى الصُّوفِ أقْوامٌ لَيْسَ لَهم شُغْلٌ إلّا زِيارَةَ القُبُورِ، زُرْتُ قَبْرَ سَيِّدِي فُلانٍ بِكَذا، وقَبْرَ فُلانٍ بِكَذا، والشَّيْخَ فُلانًا بِكَذا، والشَّيْخَ فُلانًا بِكَذا، فَيَذْكُرُونَ أقالِيمَ طافُوها عَلى قَدَمِ التَّجْرِيدِ، وقَدْ حَفِظُوا حِكاياتٍ عَنْ أصْحابِ تِلْكَ القُبُورِ وأُولَئِكَ المَشايِخِ بِحَيْثُ لَوْ كُتِبَتْ لَجاءَتْ أسْفارًا، وهم مَعَ ذَلِكَ لا يَعْرِفُونَ فُرُوضَ الوُضُوءِ ولا سُنَنَهُ، وقَدْ سَخَّرَ لَهُمُ المُلُوكُ وعَوامُّ النّاسِ في تَحْسِينِ الظَّنِّ بِهِمْ وبَذْلِ أمْوالِهِمْ لَهم، وأمّا مَن شَذَّ مِنهم لِأنْ يَتَكَلَّمَ لِلْعامَّةِ فَيَأْتِي بِعَجائِبَ، يَقُولُونَ هَذا فَتْحٌ هَذا مِنِ العِلْمِ اللَّدُنِّيِّ عِلْمِ الخَضِرِ، حَتّى إنَّ مَن يَنْتَمِي إلى العِلْمِ لَمّا رَأى رَواجَ هَذِهِ الطّائِفَةِ سَلَكَ مَسْلَكَهم ونَقَلَ كَثِيرًا مِن حِكاياتِهِمْ ومَزَجَ ذَلِكَ بِيَسِيرٍ مِنِ العِلْمِ طَلَبًا لِلْمالِ والجاهِ وتَقْبِيلِ اليَدِ، ونَحْنُ نَسْألُ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ أنْ يُوَفِّقَنا لِطاعَتِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ألْهاكم عَلى الخَبَرِ، وابْنُ عَبّاسٍ، وعائِشَةُ، ومُعاوِيَةُ، وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ، وأبُو صالِحٍ، ومالِكُ بْنُ دِينارٍ، وأبُو الجَوْزاءِ وجَماعَةٌ: بِالمَدِّ عَلى الِاسْتِفْهامِ، وقَدْ رُوِيَ كَذَلِكَ عَنِ الكَلْبِيِّ ويَعْقُوبَ، وعَنْ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، والشَّعْبِيِّ، وأبِي العالِيَةِ، وابْنِ أبِي عَبْلَةَ، والكِسائِيِّ في رِوايَةٍ: (أألْهاكم) بِهَمْزَتَيْنِ، ومَعْنى الِاسْتِفْهامِ التَّوْبِيخُ والتَّقْرِيرُ عَلى قُبْحِ فِعْلِهِمْ، والجُمْهُورُ: عَلى أنَّ التَّكْرِيرَ تَوْكِيدٌ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والتَّكْرِيرُ تَأْكِيدٌ لِلرَّدْعِ والإنْذارِ، و(ثُمَّ) دَلالَةٌ عَلى أنَّ الإنْذارَ الثّانِيَ أبْلَغُ مِنَ الأوَّلِ وأشَدُّ، كَما تَقُولُ لِلْمَنصُوحِ: أقُولُ لَكَ ثُمَّ أقُولُ لَكَ لا تَفْعَلْ، والمَعْنى: سَوْفَ تَعْلَمُونَ الخِطابَ فِيما أنْتُمْ عَلَيْهِ إذا عايَنْتُمْ ما قُدّامَكم مِن هَوْلِ لِقاءِ اللَّهِ تَعالى. وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ في القُبُورِ ثُمَّ كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ في البَعْثِ: غايَرَ بَيْنَهُما بِحَسَبِ التَّعَلُّقِ، وتَبْقى ثُمَّ عَلى بابِها مِنَ المُهْلَةِ في الزَّمانِ، وقالَ الضَّحّاكُ: الزَّجْرُ الأوَّلُ ووَعِيدُهُ لِلْكافِرِينَ، والثّانِي لِلْمُؤْمِنَيْنِ ﴿كَلّا لَوْ تَعْلَمُونَ﴾ أيْ ما بَيْنَ أيْدِيكم مِمّا تُقْدِمُونَ عَلَيْهِ ﴿عِلْمَ اليَقِينِ﴾ أيْ كَعِلْمِ ما تَسْتَيْقِنُونَهُ مِنَ الأُمُورِ لَما ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ أوِ العِلْمُ اليَقِينُ، فَأضافَ المَوْصُوفَ إلى صِفَتِهِ وحَذَفَ الجَوابَ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ وهو ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ وقِيلَ: اليَقِينُ هُنا المَوْتُ. وقالَ قَتادَةُ: البَعْثُ؛ لِأنَّهُ إذا جاءَ زالَ الشَّكُّ. ثُمَّ قالَ: ﴿لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ﴾ والظّاهِرُ أنَّ هَذِهِ الرُّؤْيَةَ هي رُؤْيَةُ الوُرُودِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وإنْ مِنكم إلّا وارِدُها﴾ [مريم: ٧١] ولا تَكُونُ رُؤْيَةٌ عِنْدَ الدُّخُولِ، فَيَكُونُ الخِطابُ لِلْكُفّارِ؛ لِأنَّهُ قالَ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿ثُمَّ لَتُسْألُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ . ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ اليَقِينِ﴾ تَأْكِيدٌ لِلْجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها، وزادَ التَّوْكِيدُ بِقَوْلِهِ: ﴿عَيْنَ اليَقِينِ﴾ نَفْيًا لِتَوَهُّمِ المَجازِ في الرُّؤْيَةِ الأُولى، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: هو خِطابٌ لِلْمُشْرِكِينَ، فالرُّؤْيَةُ رُؤْيَةُ دُخُولٍ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ والكِسائِيُّ: (لَتُرَوُنَّ) بِضَمِّ التّاءِ، وباقِي السَّبْعَةِ: بِالفَتْحِ، وعَلِيٌّ وابْنُ كَثِيرٍ في رِوايَةٍ، وعاصِمٌ في رِوايَةٍ: بِفَتْحِها في (لَتَرَوُنَّ) وضَمِّها في (لَتُرَوُنَّها) ومُجاهِدٌ والأشْهَبُ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِضَمِّها، ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ وأبِي عَمْرٍو بِخِلافٍ عَنْهُما أنَّهُما هَمَزا الواوَيْنِ، اسْتَثْقَلُوا الضَّمَّةَ عَلى الواوِ فَهَمَزُوا كَما هَمَزُوا في وُقِّتَتْ، وكانَ القِياسُ أنْ لا تُهْمَزَ، لِأنَّها حَرَكَةٌ عارِضَةٌ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ فَلا يُعْتَدُّ بِها، لَكِنَّها لَمّا تَمَكَّنَتْ مِنَ الكَلِمَةِ بِحَيْثُ لا تَزُولُ أشْبَهَتِ الحَرَكَةَ الأصْلِيَّةَ فَهَمَزُوا، وقَدْ هَمَزُوا مِنَ الحَرَكَةِ العارِضَةِ ما يَزُولُ في الوَقْفِ نَحْوَ اسْتَرْؤُا الصَّلاةَ، فَهَمْزُ هَذِهِ أوْلى. ﴿ثُمَّ لَتُسْألُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ الظّاهِرُ العُمُومُ في النَّعِيمِ، وهو كُلُّ ما يُتَلَذَّذُ بِهِ مِن مَطْعَمٍ ومَشْرَبٍ ومَفْرَشٍ ومَرْكَبٍ، فالمُؤْمِنُ يُسْألُ سُؤالَ إكْرامٍ وتَشْرِيفٍ، والكافِرُ سُؤالَ تَوْبِيخٍ وتَقْرِيعٍ، وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ والشَّعْبِيِّ وسُفْيانَ ومُجاهِدٍ: هو الأمْنُ والصِّحَّةُ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: البَدَنُ والحَواسُّ فِيمَ اسْتَعْمَلَها، وعَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ: كُلُّ ما يُتَلَذَّذُ بِهِ، وفي الحَدِيثِ: (بَيْتٌ يُكِنُّكَ وخِرْقَةٌ تُوارِيكَ وكِسْرَةٌ تَشُدُّ قَلْبَكَ وما سِوى ذَلِكَ فَهو نَعِيمٌ) .

التكاثر 102:3

سُورَةُ ألْهاكم مَكِّيَّةٌ وهي ثَمانِي آياتٍ ﷽ ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ ﴿حَتّى زُرْتُمُ المَقابِرَ﴾ ﴿كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿ثُمَّ كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿كَلّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اليَقِينِ﴾ ﴿لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ﴾ ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ اليَقِينِ﴾ ﴿ثُمَّ لَتُسْألُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ . هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ جَمِيعِ المُفَسِّرِينَ، وقالَ البُخارِيُّ: مَدَنِيَّةٌ، ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها ظاهِرَةٌ، وسَبَبُ نُزُولِها أنَّهُ فِيما رَوى الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ: كانَ بَيْنَ بَنِي سَهْمٍ وبَيْنَ بَنِي عَبْدِ مَنافٍ لِحاءٌ، فَتَعادُّوا الأشْرافَ الأحْياءَ أيُّهم أكْثَرُ، فَكَثُرَهم بَنُو عَبْدِ مَنافٍ، ثُمَّ تَعادُّوا الأمْواتَ، فَكَثُرَهم بَنُو سَهْمٍ؛ لِأنَّهم كانُوا أكْثَرَ عَدَدًا في الجاهِلِيَّةِ، وقالَ قَتادَةُ: نَزَلَتْ في اليَهُودِ، قالُوا: نَحْنُ أكْثَرُ مِن بَنِي فُلانٍ، وبَنُو فُلانٍ أكْثَرُ مَن بَنِي فُلانٍ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: نَزَلَتْ في بَطْنٍ مِنَ الأنْصارِ. ﴿ألْهاكُمُ﴾ شَغَلَكم فَعَلى ما رَوى الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ يَكُونُ المَعْنى: أنَّكم تَكاثَرْتُمْ بِالأحْياءِ حَتّى اسْتَوْعَبْتُمْ عَدَدَهم، صِرْتُمْ إلى المَقابِرِ فَتَكاثَرْتُمْ بِالأمْواتِ، عَبَّرَ عَنْ بُلُوغِهِمْ ذِكْرَ المَوْتى بِزِيارَةِ المَقابِرِ تَهَكُّمًا بِهِمْ، وهَذا مَعْنى يَنْبُو عَنْهُ لَفْظُ زُرْتُمْ، قِيلَ: ﴿حَتّى زُرْتُمُ﴾ أيْ مُتُّمْ وزُرْتُمْ بِأجْسادِكم مَقابِرَها، أيْ قَطَعْتُمْ بِالتَّكاثُرِ والمُفاخَرَةِ بِالأمْوالِ والأوْلادِ والعَدَدِ أعْمارَكم حَتّى مُتُّمْ، وسَمِعَ بَعْضُ الأعْرابِ ﴿حَتّى زُرْتُمُ﴾ فَقالَ: بَعَثَ القَوْمَ لِلْقِيامَةِ، ورَبِّ الكَعْبَةِ، فَإنَّ الزّائِرَ مُنْصَرِفٌ لا مُقِيمٌ، وعَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ نَحْوٌ مَن قَوْلِ الأعْرابِيِّ، وقِيلَ: هَذا تَأْنِيثٌ عَلى الإكْثارِ مِن زِيارَةٍ تَكَثُّرًا بِمَن سَلَفَ وإشادَةً بِذِكْرِهِ، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، نَهى عَنْ زِيارَةِ القُبُورِ، ثُمَّ قالَ: (فَزُورُوها) أمْرُ إباحَةٍ لِلِاتِّعاظِ بِها لا لِمَعْنى المُباهاةِ والتَّفاخُرِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: كَما يَصْنَعُ النّاسُ في مُلازَمَتِها وتَسْلِيمِها بِالحِجارَةِ والرُّخامِ، وتَلْوِينِها شَرَفًا، وبَيانِ النَّواوِيسِ عَلَيْهِ، وابْنُ عَطِيَّةَ لَمْ يَرَ إلّا قُبُورَ أهْلِ الأنْدَلُس، فَكَيْفَ لَوْ رَأى ما تَباهى بِهِ أهْلُ مِصْرَ في مَدافِنِهِمْ بِالقَرافَةِ الكُبْرى، والقَرافَةِ (p-٥٠٨)الصُّغْرى، وبابِ النَّصْرِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وما يَضِيعُ فِيها مِنَ الأمْوالِ لَتَعَجَّبَ مِن ذَلِكَ، ولَرَأى ما لَمْ يَخْطُرْ بِبالٍ ؟ وأمّا التَّباهِي بِالزِّيارَةِ، فَفي هَؤُلاءِ المُنْتَمِينَ إلى الصُّوفِ أقْوامٌ لَيْسَ لَهم شُغْلٌ إلّا زِيارَةَ القُبُورِ، زُرْتُ قَبْرَ سَيِّدِي فُلانٍ بِكَذا، وقَبْرَ فُلانٍ بِكَذا، والشَّيْخَ فُلانًا بِكَذا، والشَّيْخَ فُلانًا بِكَذا، فَيَذْكُرُونَ أقالِيمَ طافُوها عَلى قَدَمِ التَّجْرِيدِ، وقَدْ حَفِظُوا حِكاياتٍ عَنْ أصْحابِ تِلْكَ القُبُورِ وأُولَئِكَ المَشايِخِ بِحَيْثُ لَوْ كُتِبَتْ لَجاءَتْ أسْفارًا، وهم مَعَ ذَلِكَ لا يَعْرِفُونَ فُرُوضَ الوُضُوءِ ولا سُنَنَهُ، وقَدْ سَخَّرَ لَهُمُ المُلُوكُ وعَوامُّ النّاسِ في تَحْسِينِ الظَّنِّ بِهِمْ وبَذْلِ أمْوالِهِمْ لَهم، وأمّا مَن شَذَّ مِنهم لِأنْ يَتَكَلَّمَ لِلْعامَّةِ فَيَأْتِي بِعَجائِبَ، يَقُولُونَ هَذا فَتْحٌ هَذا مِنِ العِلْمِ اللَّدُنِّيِّ عِلْمِ الخَضِرِ، حَتّى إنَّ مَن يَنْتَمِي إلى العِلْمِ لَمّا رَأى رَواجَ هَذِهِ الطّائِفَةِ سَلَكَ مَسْلَكَهم ونَقَلَ كَثِيرًا مِن حِكاياتِهِمْ ومَزَجَ ذَلِكَ بِيَسِيرٍ مِنِ العِلْمِ طَلَبًا لِلْمالِ والجاهِ وتَقْبِيلِ اليَدِ، ونَحْنُ نَسْألُ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ أنْ يُوَفِّقَنا لِطاعَتِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ألْهاكم عَلى الخَبَرِ، وابْنُ عَبّاسٍ، وعائِشَةُ، ومُعاوِيَةُ، وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ، وأبُو صالِحٍ، ومالِكُ بْنُ دِينارٍ، وأبُو الجَوْزاءِ وجَماعَةٌ: بِالمَدِّ عَلى الِاسْتِفْهامِ، وقَدْ رُوِيَ كَذَلِكَ عَنِ الكَلْبِيِّ ويَعْقُوبَ، وعَنْ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، والشَّعْبِيِّ، وأبِي العالِيَةِ، وابْنِ أبِي عَبْلَةَ، والكِسائِيِّ في رِوايَةٍ: (أألْهاكم) بِهَمْزَتَيْنِ، ومَعْنى الِاسْتِفْهامِ التَّوْبِيخُ والتَّقْرِيرُ عَلى قُبْحِ فِعْلِهِمْ، والجُمْهُورُ: عَلى أنَّ التَّكْرِيرَ تَوْكِيدٌ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والتَّكْرِيرُ تَأْكِيدٌ لِلرَّدْعِ والإنْذارِ، و(ثُمَّ) دَلالَةٌ عَلى أنَّ الإنْذارَ الثّانِيَ أبْلَغُ مِنَ الأوَّلِ وأشَدُّ، كَما تَقُولُ لِلْمَنصُوحِ: أقُولُ لَكَ ثُمَّ أقُولُ لَكَ لا تَفْعَلْ، والمَعْنى: سَوْفَ تَعْلَمُونَ الخِطابَ فِيما أنْتُمْ عَلَيْهِ إذا عايَنْتُمْ ما قُدّامَكم مِن هَوْلِ لِقاءِ اللَّهِ تَعالى. وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ في القُبُورِ ثُمَّ كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ في البَعْثِ: غايَرَ بَيْنَهُما بِحَسَبِ التَّعَلُّقِ، وتَبْقى ثُمَّ عَلى بابِها مِنَ المُهْلَةِ في الزَّمانِ، وقالَ الضَّحّاكُ: الزَّجْرُ الأوَّلُ ووَعِيدُهُ لِلْكافِرِينَ، والثّانِي لِلْمُؤْمِنَيْنِ ﴿كَلّا لَوْ تَعْلَمُونَ﴾ أيْ ما بَيْنَ أيْدِيكم مِمّا تُقْدِمُونَ عَلَيْهِ ﴿عِلْمَ اليَقِينِ﴾ أيْ كَعِلْمِ ما تَسْتَيْقِنُونَهُ مِنَ الأُمُورِ لَما ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ أوِ العِلْمُ اليَقِينُ، فَأضافَ المَوْصُوفَ إلى صِفَتِهِ وحَذَفَ الجَوابَ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ وهو ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ وقِيلَ: اليَقِينُ هُنا المَوْتُ. وقالَ قَتادَةُ: البَعْثُ؛ لِأنَّهُ إذا جاءَ زالَ الشَّكُّ. ثُمَّ قالَ: ﴿لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ﴾ والظّاهِرُ أنَّ هَذِهِ الرُّؤْيَةَ هي رُؤْيَةُ الوُرُودِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وإنْ مِنكم إلّا وارِدُها﴾ [مريم: ٧١] ولا تَكُونُ رُؤْيَةٌ عِنْدَ الدُّخُولِ، فَيَكُونُ الخِطابُ لِلْكُفّارِ؛ لِأنَّهُ قالَ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿ثُمَّ لَتُسْألُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ . ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ اليَقِينِ﴾ تَأْكِيدٌ لِلْجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها، وزادَ التَّوْكِيدُ بِقَوْلِهِ: ﴿عَيْنَ اليَقِينِ﴾ نَفْيًا لِتَوَهُّمِ المَجازِ في الرُّؤْيَةِ الأُولى، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: هو خِطابٌ لِلْمُشْرِكِينَ، فالرُّؤْيَةُ رُؤْيَةُ دُخُولٍ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ والكِسائِيُّ: (لَتُرَوُنَّ) بِضَمِّ التّاءِ، وباقِي السَّبْعَةِ: بِالفَتْحِ، وعَلِيٌّ وابْنُ كَثِيرٍ في رِوايَةٍ، وعاصِمٌ في رِوايَةٍ: بِفَتْحِها في (لَتَرَوُنَّ) وضَمِّها في (لَتُرَوُنَّها) ومُجاهِدٌ والأشْهَبُ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِضَمِّها، ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ وأبِي عَمْرٍو بِخِلافٍ عَنْهُما أنَّهُما هَمَزا الواوَيْنِ، اسْتَثْقَلُوا الضَّمَّةَ عَلى الواوِ فَهَمَزُوا كَما هَمَزُوا في وُقِّتَتْ، وكانَ القِياسُ أنْ لا تُهْمَزَ، لِأنَّها حَرَكَةٌ عارِضَةٌ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ فَلا يُعْتَدُّ بِها، لَكِنَّها لَمّا تَمَكَّنَتْ مِنَ الكَلِمَةِ بِحَيْثُ لا تَزُولُ أشْبَهَتِ الحَرَكَةَ الأصْلِيَّةَ فَهَمَزُوا، وقَدْ هَمَزُوا مِنَ الحَرَكَةِ العارِضَةِ ما يَزُولُ في الوَقْفِ نَحْوَ اسْتَرْؤُا الصَّلاةَ، فَهَمْزُ هَذِهِ أوْلى. ﴿ثُمَّ لَتُسْألُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ الظّاهِرُ العُمُومُ في النَّعِيمِ، وهو كُلُّ ما يُتَلَذَّذُ بِهِ مِن مَطْعَمٍ ومَشْرَبٍ ومَفْرَشٍ ومَرْكَبٍ، فالمُؤْمِنُ يُسْألُ سُؤالَ إكْرامٍ وتَشْرِيفٍ، والكافِرُ سُؤالَ تَوْبِيخٍ وتَقْرِيعٍ، وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ والشَّعْبِيِّ وسُفْيانَ ومُجاهِدٍ: هو الأمْنُ والصِّحَّةُ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: البَدَنُ والحَواسُّ فِيمَ اسْتَعْمَلَها، وعَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ: كُلُّ ما يُتَلَذَّذُ بِهِ، وفي الحَدِيثِ: (بَيْتٌ يُكِنُّكَ وخِرْقَةٌ تُوارِيكَ وكِسْرَةٌ تَشُدُّ قَلْبَكَ وما سِوى ذَلِكَ فَهو نَعِيمٌ) .

التكاثر 102:4

سُورَةُ ألْهاكم مَكِّيَّةٌ وهي ثَمانِي آياتٍ ﷽ ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ ﴿حَتّى زُرْتُمُ المَقابِرَ﴾ ﴿كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿ثُمَّ كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿كَلّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اليَقِينِ﴾ ﴿لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ﴾ ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ اليَقِينِ﴾ ﴿ثُمَّ لَتُسْألُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ . هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ جَمِيعِ المُفَسِّرِينَ، وقالَ البُخارِيُّ: مَدَنِيَّةٌ، ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها ظاهِرَةٌ، وسَبَبُ نُزُولِها أنَّهُ فِيما رَوى الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ: كانَ بَيْنَ بَنِي سَهْمٍ وبَيْنَ بَنِي عَبْدِ مَنافٍ لِحاءٌ، فَتَعادُّوا الأشْرافَ الأحْياءَ أيُّهم أكْثَرُ، فَكَثُرَهم بَنُو عَبْدِ مَنافٍ، ثُمَّ تَعادُّوا الأمْواتَ، فَكَثُرَهم بَنُو سَهْمٍ؛ لِأنَّهم كانُوا أكْثَرَ عَدَدًا في الجاهِلِيَّةِ، وقالَ قَتادَةُ: نَزَلَتْ في اليَهُودِ، قالُوا: نَحْنُ أكْثَرُ مِن بَنِي فُلانٍ، وبَنُو فُلانٍ أكْثَرُ مَن بَنِي فُلانٍ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: نَزَلَتْ في بَطْنٍ مِنَ الأنْصارِ. ﴿ألْهاكُمُ﴾ شَغَلَكم فَعَلى ما رَوى الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ يَكُونُ المَعْنى: أنَّكم تَكاثَرْتُمْ بِالأحْياءِ حَتّى اسْتَوْعَبْتُمْ عَدَدَهم، صِرْتُمْ إلى المَقابِرِ فَتَكاثَرْتُمْ بِالأمْواتِ، عَبَّرَ عَنْ بُلُوغِهِمْ ذِكْرَ المَوْتى بِزِيارَةِ المَقابِرِ تَهَكُّمًا بِهِمْ، وهَذا مَعْنى يَنْبُو عَنْهُ لَفْظُ زُرْتُمْ، قِيلَ: ﴿حَتّى زُرْتُمُ﴾ أيْ مُتُّمْ وزُرْتُمْ بِأجْسادِكم مَقابِرَها، أيْ قَطَعْتُمْ بِالتَّكاثُرِ والمُفاخَرَةِ بِالأمْوالِ والأوْلادِ والعَدَدِ أعْمارَكم حَتّى مُتُّمْ، وسَمِعَ بَعْضُ الأعْرابِ ﴿حَتّى زُرْتُمُ﴾ فَقالَ: بَعَثَ القَوْمَ لِلْقِيامَةِ، ورَبِّ الكَعْبَةِ، فَإنَّ الزّائِرَ مُنْصَرِفٌ لا مُقِيمٌ، وعَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ نَحْوٌ مَن قَوْلِ الأعْرابِيِّ، وقِيلَ: هَذا تَأْنِيثٌ عَلى الإكْثارِ مِن زِيارَةٍ تَكَثُّرًا بِمَن سَلَفَ وإشادَةً بِذِكْرِهِ، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، نَهى عَنْ زِيارَةِ القُبُورِ، ثُمَّ قالَ: (فَزُورُوها) أمْرُ إباحَةٍ لِلِاتِّعاظِ بِها لا لِمَعْنى المُباهاةِ والتَّفاخُرِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: كَما يَصْنَعُ النّاسُ في مُلازَمَتِها وتَسْلِيمِها بِالحِجارَةِ والرُّخامِ، وتَلْوِينِها شَرَفًا، وبَيانِ النَّواوِيسِ عَلَيْهِ، وابْنُ عَطِيَّةَ لَمْ يَرَ إلّا قُبُورَ أهْلِ الأنْدَلُس، فَكَيْفَ لَوْ رَأى ما تَباهى بِهِ أهْلُ مِصْرَ في مَدافِنِهِمْ بِالقَرافَةِ الكُبْرى، والقَرافَةِ (p-٥٠٨)الصُّغْرى، وبابِ النَّصْرِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وما يَضِيعُ فِيها مِنَ الأمْوالِ لَتَعَجَّبَ مِن ذَلِكَ، ولَرَأى ما لَمْ يَخْطُرْ بِبالٍ ؟ وأمّا التَّباهِي بِالزِّيارَةِ، فَفي هَؤُلاءِ المُنْتَمِينَ إلى الصُّوفِ أقْوامٌ لَيْسَ لَهم شُغْلٌ إلّا زِيارَةَ القُبُورِ، زُرْتُ قَبْرَ سَيِّدِي فُلانٍ بِكَذا، وقَبْرَ فُلانٍ بِكَذا، والشَّيْخَ فُلانًا بِكَذا، والشَّيْخَ فُلانًا بِكَذا، فَيَذْكُرُونَ أقالِيمَ طافُوها عَلى قَدَمِ التَّجْرِيدِ، وقَدْ حَفِظُوا حِكاياتٍ عَنْ أصْحابِ تِلْكَ القُبُورِ وأُولَئِكَ المَشايِخِ بِحَيْثُ لَوْ كُتِبَتْ لَجاءَتْ أسْفارًا، وهم مَعَ ذَلِكَ لا يَعْرِفُونَ فُرُوضَ الوُضُوءِ ولا سُنَنَهُ، وقَدْ سَخَّرَ لَهُمُ المُلُوكُ وعَوامُّ النّاسِ في تَحْسِينِ الظَّنِّ بِهِمْ وبَذْلِ أمْوالِهِمْ لَهم، وأمّا مَن شَذَّ مِنهم لِأنْ يَتَكَلَّمَ لِلْعامَّةِ فَيَأْتِي بِعَجائِبَ، يَقُولُونَ هَذا فَتْحٌ هَذا مِنِ العِلْمِ اللَّدُنِّيِّ عِلْمِ الخَضِرِ، حَتّى إنَّ مَن يَنْتَمِي إلى العِلْمِ لَمّا رَأى رَواجَ هَذِهِ الطّائِفَةِ سَلَكَ مَسْلَكَهم ونَقَلَ كَثِيرًا مِن حِكاياتِهِمْ ومَزَجَ ذَلِكَ بِيَسِيرٍ مِنِ العِلْمِ طَلَبًا لِلْمالِ والجاهِ وتَقْبِيلِ اليَدِ، ونَحْنُ نَسْألُ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ أنْ يُوَفِّقَنا لِطاعَتِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ألْهاكم عَلى الخَبَرِ، وابْنُ عَبّاسٍ، وعائِشَةُ، ومُعاوِيَةُ، وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ، وأبُو صالِحٍ، ومالِكُ بْنُ دِينارٍ، وأبُو الجَوْزاءِ وجَماعَةٌ: بِالمَدِّ عَلى الِاسْتِفْهامِ، وقَدْ رُوِيَ كَذَلِكَ عَنِ الكَلْبِيِّ ويَعْقُوبَ، وعَنْ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، والشَّعْبِيِّ، وأبِي العالِيَةِ، وابْنِ أبِي عَبْلَةَ، والكِسائِيِّ في رِوايَةٍ: (أألْهاكم) بِهَمْزَتَيْنِ، ومَعْنى الِاسْتِفْهامِ التَّوْبِيخُ والتَّقْرِيرُ عَلى قُبْحِ فِعْلِهِمْ، والجُمْهُورُ: عَلى أنَّ التَّكْرِيرَ تَوْكِيدٌ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والتَّكْرِيرُ تَأْكِيدٌ لِلرَّدْعِ والإنْذارِ، و(ثُمَّ) دَلالَةٌ عَلى أنَّ الإنْذارَ الثّانِيَ أبْلَغُ مِنَ الأوَّلِ وأشَدُّ، كَما تَقُولُ لِلْمَنصُوحِ: أقُولُ لَكَ ثُمَّ أقُولُ لَكَ لا تَفْعَلْ، والمَعْنى: سَوْفَ تَعْلَمُونَ الخِطابَ فِيما أنْتُمْ عَلَيْهِ إذا عايَنْتُمْ ما قُدّامَكم مِن هَوْلِ لِقاءِ اللَّهِ تَعالى. وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ في القُبُورِ ثُمَّ كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ في البَعْثِ: غايَرَ بَيْنَهُما بِحَسَبِ التَّعَلُّقِ، وتَبْقى ثُمَّ عَلى بابِها مِنَ المُهْلَةِ في الزَّمانِ، وقالَ الضَّحّاكُ: الزَّجْرُ الأوَّلُ ووَعِيدُهُ لِلْكافِرِينَ، والثّانِي لِلْمُؤْمِنَيْنِ ﴿كَلّا لَوْ تَعْلَمُونَ﴾ أيْ ما بَيْنَ أيْدِيكم مِمّا تُقْدِمُونَ عَلَيْهِ ﴿عِلْمَ اليَقِينِ﴾ أيْ كَعِلْمِ ما تَسْتَيْقِنُونَهُ مِنَ الأُمُورِ لَما ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ أوِ العِلْمُ اليَقِينُ، فَأضافَ المَوْصُوفَ إلى صِفَتِهِ وحَذَفَ الجَوابَ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ وهو ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ وقِيلَ: اليَقِينُ هُنا المَوْتُ. وقالَ قَتادَةُ: البَعْثُ؛ لِأنَّهُ إذا جاءَ زالَ الشَّكُّ. ثُمَّ قالَ: ﴿لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ﴾ والظّاهِرُ أنَّ هَذِهِ الرُّؤْيَةَ هي رُؤْيَةُ الوُرُودِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وإنْ مِنكم إلّا وارِدُها﴾ [مريم: ٧١] ولا تَكُونُ رُؤْيَةٌ عِنْدَ الدُّخُولِ، فَيَكُونُ الخِطابُ لِلْكُفّارِ؛ لِأنَّهُ قالَ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿ثُمَّ لَتُسْألُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ . ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ اليَقِينِ﴾ تَأْكِيدٌ لِلْجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها، وزادَ التَّوْكِيدُ بِقَوْلِهِ: ﴿عَيْنَ اليَقِينِ﴾ نَفْيًا لِتَوَهُّمِ المَجازِ في الرُّؤْيَةِ الأُولى، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: هو خِطابٌ لِلْمُشْرِكِينَ، فالرُّؤْيَةُ رُؤْيَةُ دُخُولٍ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ والكِسائِيُّ: (لَتُرَوُنَّ) بِضَمِّ التّاءِ، وباقِي السَّبْعَةِ: بِالفَتْحِ، وعَلِيٌّ وابْنُ كَثِيرٍ في رِوايَةٍ، وعاصِمٌ في رِوايَةٍ: بِفَتْحِها في (لَتَرَوُنَّ) وضَمِّها في (لَتُرَوُنَّها) ومُجاهِدٌ والأشْهَبُ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِضَمِّها، ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ وأبِي عَمْرٍو بِخِلافٍ عَنْهُما أنَّهُما هَمَزا الواوَيْنِ، اسْتَثْقَلُوا الضَّمَّةَ عَلى الواوِ فَهَمَزُوا كَما هَمَزُوا في وُقِّتَتْ، وكانَ القِياسُ أنْ لا تُهْمَزَ، لِأنَّها حَرَكَةٌ عارِضَةٌ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ فَلا يُعْتَدُّ بِها، لَكِنَّها لَمّا تَمَكَّنَتْ مِنَ الكَلِمَةِ بِحَيْثُ لا تَزُولُ أشْبَهَتِ الحَرَكَةَ الأصْلِيَّةَ فَهَمَزُوا، وقَدْ هَمَزُوا مِنَ الحَرَكَةِ العارِضَةِ ما يَزُولُ في الوَقْفِ نَحْوَ اسْتَرْؤُا الصَّلاةَ، فَهَمْزُ هَذِهِ أوْلى. ﴿ثُمَّ لَتُسْألُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ الظّاهِرُ العُمُومُ في النَّعِيمِ، وهو كُلُّ ما يُتَلَذَّذُ بِهِ مِن مَطْعَمٍ ومَشْرَبٍ ومَفْرَشٍ ومَرْكَبٍ، فالمُؤْمِنُ يُسْألُ سُؤالَ إكْرامٍ وتَشْرِيفٍ، والكافِرُ سُؤالَ تَوْبِيخٍ وتَقْرِيعٍ، وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ والشَّعْبِيِّ وسُفْيانَ ومُجاهِدٍ: هو الأمْنُ والصِّحَّةُ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: البَدَنُ والحَواسُّ فِيمَ اسْتَعْمَلَها، وعَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ: كُلُّ ما يُتَلَذَّذُ بِهِ، وفي الحَدِيثِ: (بَيْتٌ يُكِنُّكَ وخِرْقَةٌ تُوارِيكَ وكِسْرَةٌ تَشُدُّ قَلْبَكَ وما سِوى ذَلِكَ فَهو نَعِيمٌ) .

التكاثر 102:5

سُورَةُ ألْهاكم مَكِّيَّةٌ وهي ثَمانِي آياتٍ ﷽ ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ ﴿حَتّى زُرْتُمُ المَقابِرَ﴾ ﴿كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿ثُمَّ كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿كَلّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اليَقِينِ﴾ ﴿لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ﴾ ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ اليَقِينِ﴾ ﴿ثُمَّ لَتُسْألُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ . هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ جَمِيعِ المُفَسِّرِينَ، وقالَ البُخارِيُّ: مَدَنِيَّةٌ، ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها ظاهِرَةٌ، وسَبَبُ نُزُولِها أنَّهُ فِيما رَوى الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ: كانَ بَيْنَ بَنِي سَهْمٍ وبَيْنَ بَنِي عَبْدِ مَنافٍ لِحاءٌ، فَتَعادُّوا الأشْرافَ الأحْياءَ أيُّهم أكْثَرُ، فَكَثُرَهم بَنُو عَبْدِ مَنافٍ، ثُمَّ تَعادُّوا الأمْواتَ، فَكَثُرَهم بَنُو سَهْمٍ؛ لِأنَّهم كانُوا أكْثَرَ عَدَدًا في الجاهِلِيَّةِ، وقالَ قَتادَةُ: نَزَلَتْ في اليَهُودِ، قالُوا: نَحْنُ أكْثَرُ مِن بَنِي فُلانٍ، وبَنُو فُلانٍ أكْثَرُ مَن بَنِي فُلانٍ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: نَزَلَتْ في بَطْنٍ مِنَ الأنْصارِ. ﴿ألْهاكُمُ﴾ شَغَلَكم فَعَلى ما رَوى الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ يَكُونُ المَعْنى: أنَّكم تَكاثَرْتُمْ بِالأحْياءِ حَتّى اسْتَوْعَبْتُمْ عَدَدَهم، صِرْتُمْ إلى المَقابِرِ فَتَكاثَرْتُمْ بِالأمْواتِ، عَبَّرَ عَنْ بُلُوغِهِمْ ذِكْرَ المَوْتى بِزِيارَةِ المَقابِرِ تَهَكُّمًا بِهِمْ، وهَذا مَعْنى يَنْبُو عَنْهُ لَفْظُ زُرْتُمْ، قِيلَ: ﴿حَتّى زُرْتُمُ﴾ أيْ مُتُّمْ وزُرْتُمْ بِأجْسادِكم مَقابِرَها، أيْ قَطَعْتُمْ بِالتَّكاثُرِ والمُفاخَرَةِ بِالأمْوالِ والأوْلادِ والعَدَدِ أعْمارَكم حَتّى مُتُّمْ، وسَمِعَ بَعْضُ الأعْرابِ ﴿حَتّى زُرْتُمُ﴾ فَقالَ: بَعَثَ القَوْمَ لِلْقِيامَةِ، ورَبِّ الكَعْبَةِ، فَإنَّ الزّائِرَ مُنْصَرِفٌ لا مُقِيمٌ، وعَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ نَحْوٌ مَن قَوْلِ الأعْرابِيِّ، وقِيلَ: هَذا تَأْنِيثٌ عَلى الإكْثارِ مِن زِيارَةٍ تَكَثُّرًا بِمَن سَلَفَ وإشادَةً بِذِكْرِهِ، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، نَهى عَنْ زِيارَةِ القُبُورِ، ثُمَّ قالَ: (فَزُورُوها) أمْرُ إباحَةٍ لِلِاتِّعاظِ بِها لا لِمَعْنى المُباهاةِ والتَّفاخُرِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: كَما يَصْنَعُ النّاسُ في مُلازَمَتِها وتَسْلِيمِها بِالحِجارَةِ والرُّخامِ، وتَلْوِينِها شَرَفًا، وبَيانِ النَّواوِيسِ عَلَيْهِ، وابْنُ عَطِيَّةَ لَمْ يَرَ إلّا قُبُورَ أهْلِ الأنْدَلُس، فَكَيْفَ لَوْ رَأى ما تَباهى بِهِ أهْلُ مِصْرَ في مَدافِنِهِمْ بِالقَرافَةِ الكُبْرى، والقَرافَةِ (p-٥٠٨)الصُّغْرى، وبابِ النَّصْرِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وما يَضِيعُ فِيها مِنَ الأمْوالِ لَتَعَجَّبَ مِن ذَلِكَ، ولَرَأى ما لَمْ يَخْطُرْ بِبالٍ ؟ وأمّا التَّباهِي بِالزِّيارَةِ، فَفي هَؤُلاءِ المُنْتَمِينَ إلى الصُّوفِ أقْوامٌ لَيْسَ لَهم شُغْلٌ إلّا زِيارَةَ القُبُورِ، زُرْتُ قَبْرَ سَيِّدِي فُلانٍ بِكَذا، وقَبْرَ فُلانٍ بِكَذا، والشَّيْخَ فُلانًا بِكَذا، والشَّيْخَ فُلانًا بِكَذا، فَيَذْكُرُونَ أقالِيمَ طافُوها عَلى قَدَمِ التَّجْرِيدِ، وقَدْ حَفِظُوا حِكاياتٍ عَنْ أصْحابِ تِلْكَ القُبُورِ وأُولَئِكَ المَشايِخِ بِحَيْثُ لَوْ كُتِبَتْ لَجاءَتْ أسْفارًا، وهم مَعَ ذَلِكَ لا يَعْرِفُونَ فُرُوضَ الوُضُوءِ ولا سُنَنَهُ، وقَدْ سَخَّرَ لَهُمُ المُلُوكُ وعَوامُّ النّاسِ في تَحْسِينِ الظَّنِّ بِهِمْ وبَذْلِ أمْوالِهِمْ لَهم، وأمّا مَن شَذَّ مِنهم لِأنْ يَتَكَلَّمَ لِلْعامَّةِ فَيَأْتِي بِعَجائِبَ، يَقُولُونَ هَذا فَتْحٌ هَذا مِنِ العِلْمِ اللَّدُنِّيِّ عِلْمِ الخَضِرِ، حَتّى إنَّ مَن يَنْتَمِي إلى العِلْمِ لَمّا رَأى رَواجَ هَذِهِ الطّائِفَةِ سَلَكَ مَسْلَكَهم ونَقَلَ كَثِيرًا مِن حِكاياتِهِمْ ومَزَجَ ذَلِكَ بِيَسِيرٍ مِنِ العِلْمِ طَلَبًا لِلْمالِ والجاهِ وتَقْبِيلِ اليَدِ، ونَحْنُ نَسْألُ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ أنْ يُوَفِّقَنا لِطاعَتِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ألْهاكم عَلى الخَبَرِ، وابْنُ عَبّاسٍ، وعائِشَةُ، ومُعاوِيَةُ، وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ، وأبُو صالِحٍ، ومالِكُ بْنُ دِينارٍ، وأبُو الجَوْزاءِ وجَماعَةٌ: بِالمَدِّ عَلى الِاسْتِفْهامِ، وقَدْ رُوِيَ كَذَلِكَ عَنِ الكَلْبِيِّ ويَعْقُوبَ، وعَنْ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، والشَّعْبِيِّ، وأبِي العالِيَةِ، وابْنِ أبِي عَبْلَةَ، والكِسائِيِّ في رِوايَةٍ: (أألْهاكم) بِهَمْزَتَيْنِ، ومَعْنى الِاسْتِفْهامِ التَّوْبِيخُ والتَّقْرِيرُ عَلى قُبْحِ فِعْلِهِمْ، والجُمْهُورُ: عَلى أنَّ التَّكْرِيرَ تَوْكِيدٌ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والتَّكْرِيرُ تَأْكِيدٌ لِلرَّدْعِ والإنْذارِ، و(ثُمَّ) دَلالَةٌ عَلى أنَّ الإنْذارَ الثّانِيَ أبْلَغُ مِنَ الأوَّلِ وأشَدُّ، كَما تَقُولُ لِلْمَنصُوحِ: أقُولُ لَكَ ثُمَّ أقُولُ لَكَ لا تَفْعَلْ، والمَعْنى: سَوْفَ تَعْلَمُونَ الخِطابَ فِيما أنْتُمْ عَلَيْهِ إذا عايَنْتُمْ ما قُدّامَكم مِن هَوْلِ لِقاءِ اللَّهِ تَعالى. وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ في القُبُورِ ثُمَّ كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ في البَعْثِ: غايَرَ بَيْنَهُما بِحَسَبِ التَّعَلُّقِ، وتَبْقى ثُمَّ عَلى بابِها مِنَ المُهْلَةِ في الزَّمانِ، وقالَ الضَّحّاكُ: الزَّجْرُ الأوَّلُ ووَعِيدُهُ لِلْكافِرِينَ، والثّانِي لِلْمُؤْمِنَيْنِ ﴿كَلّا لَوْ تَعْلَمُونَ﴾ أيْ ما بَيْنَ أيْدِيكم مِمّا تُقْدِمُونَ عَلَيْهِ ﴿عِلْمَ اليَقِينِ﴾ أيْ كَعِلْمِ ما تَسْتَيْقِنُونَهُ مِنَ الأُمُورِ لَما ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ أوِ العِلْمُ اليَقِينُ، فَأضافَ المَوْصُوفَ إلى صِفَتِهِ وحَذَفَ الجَوابَ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ وهو ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ وقِيلَ: اليَقِينُ هُنا المَوْتُ. وقالَ قَتادَةُ: البَعْثُ؛ لِأنَّهُ إذا جاءَ زالَ الشَّكُّ. ثُمَّ قالَ: ﴿لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ﴾ والظّاهِرُ أنَّ هَذِهِ الرُّؤْيَةَ هي رُؤْيَةُ الوُرُودِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وإنْ مِنكم إلّا وارِدُها﴾ [مريم: ٧١] ولا تَكُونُ رُؤْيَةٌ عِنْدَ الدُّخُولِ، فَيَكُونُ الخِطابُ لِلْكُفّارِ؛ لِأنَّهُ قالَ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿ثُمَّ لَتُسْألُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ . ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ اليَقِينِ﴾ تَأْكِيدٌ لِلْجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها، وزادَ التَّوْكِيدُ بِقَوْلِهِ: ﴿عَيْنَ اليَقِينِ﴾ نَفْيًا لِتَوَهُّمِ المَجازِ في الرُّؤْيَةِ الأُولى، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: هو خِطابٌ لِلْمُشْرِكِينَ، فالرُّؤْيَةُ رُؤْيَةُ دُخُولٍ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ والكِسائِيُّ: (لَتُرَوُنَّ) بِضَمِّ التّاءِ، وباقِي السَّبْعَةِ: بِالفَتْحِ، وعَلِيٌّ وابْنُ كَثِيرٍ في رِوايَةٍ، وعاصِمٌ في رِوايَةٍ: بِفَتْحِها في (لَتَرَوُنَّ) وضَمِّها في (لَتُرَوُنَّها) ومُجاهِدٌ والأشْهَبُ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِضَمِّها، ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ وأبِي عَمْرٍو بِخِلافٍ عَنْهُما أنَّهُما هَمَزا الواوَيْنِ، اسْتَثْقَلُوا الضَّمَّةَ عَلى الواوِ فَهَمَزُوا كَما هَمَزُوا في وُقِّتَتْ، وكانَ القِياسُ أنْ لا تُهْمَزَ، لِأنَّها حَرَكَةٌ عارِضَةٌ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ فَلا يُعْتَدُّ بِها، لَكِنَّها لَمّا تَمَكَّنَتْ مِنَ الكَلِمَةِ بِحَيْثُ لا تَزُولُ أشْبَهَتِ الحَرَكَةَ الأصْلِيَّةَ فَهَمَزُوا، وقَدْ هَمَزُوا مِنَ الحَرَكَةِ العارِضَةِ ما يَزُولُ في الوَقْفِ نَحْوَ اسْتَرْؤُا الصَّلاةَ، فَهَمْزُ هَذِهِ أوْلى. ﴿ثُمَّ لَتُسْألُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ الظّاهِرُ العُمُومُ في النَّعِيمِ، وهو كُلُّ ما يُتَلَذَّذُ بِهِ مِن مَطْعَمٍ ومَشْرَبٍ ومَفْرَشٍ ومَرْكَبٍ، فالمُؤْمِنُ يُسْألُ سُؤالَ إكْرامٍ وتَشْرِيفٍ، والكافِرُ سُؤالَ تَوْبِيخٍ وتَقْرِيعٍ، وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ والشَّعْبِيِّ وسُفْيانَ ومُجاهِدٍ: هو الأمْنُ والصِّحَّةُ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: البَدَنُ والحَواسُّ فِيمَ اسْتَعْمَلَها، وعَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ: كُلُّ ما يُتَلَذَّذُ بِهِ، وفي الحَدِيثِ: (بَيْتٌ يُكِنُّكَ وخِرْقَةٌ تُوارِيكَ وكِسْرَةٌ تَشُدُّ قَلْبَكَ وما سِوى ذَلِكَ فَهو نَعِيمٌ) .

التكاثر 102:6

سُورَةُ ألْهاكم مَكِّيَّةٌ وهي ثَمانِي آياتٍ ﷽ ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ ﴿حَتّى زُرْتُمُ المَقابِرَ﴾ ﴿كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿ثُمَّ كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿كَلّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اليَقِينِ﴾ ﴿لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ﴾ ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ اليَقِينِ﴾ ﴿ثُمَّ لَتُسْألُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ . هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ جَمِيعِ المُفَسِّرِينَ، وقالَ البُخارِيُّ: مَدَنِيَّةٌ، ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها ظاهِرَةٌ، وسَبَبُ نُزُولِها أنَّهُ فِيما رَوى الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ: كانَ بَيْنَ بَنِي سَهْمٍ وبَيْنَ بَنِي عَبْدِ مَنافٍ لِحاءٌ، فَتَعادُّوا الأشْرافَ الأحْياءَ أيُّهم أكْثَرُ، فَكَثُرَهم بَنُو عَبْدِ مَنافٍ، ثُمَّ تَعادُّوا الأمْواتَ، فَكَثُرَهم بَنُو سَهْمٍ؛ لِأنَّهم كانُوا أكْثَرَ عَدَدًا في الجاهِلِيَّةِ، وقالَ قَتادَةُ: نَزَلَتْ في اليَهُودِ، قالُوا: نَحْنُ أكْثَرُ مِن بَنِي فُلانٍ، وبَنُو فُلانٍ أكْثَرُ مَن بَنِي فُلانٍ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: نَزَلَتْ في بَطْنٍ مِنَ الأنْصارِ. ﴿ألْهاكُمُ﴾ شَغَلَكم فَعَلى ما رَوى الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ يَكُونُ المَعْنى: أنَّكم تَكاثَرْتُمْ بِالأحْياءِ حَتّى اسْتَوْعَبْتُمْ عَدَدَهم، صِرْتُمْ إلى المَقابِرِ فَتَكاثَرْتُمْ بِالأمْواتِ، عَبَّرَ عَنْ بُلُوغِهِمْ ذِكْرَ المَوْتى بِزِيارَةِ المَقابِرِ تَهَكُّمًا بِهِمْ، وهَذا مَعْنى يَنْبُو عَنْهُ لَفْظُ زُرْتُمْ، قِيلَ: ﴿حَتّى زُرْتُمُ﴾ أيْ مُتُّمْ وزُرْتُمْ بِأجْسادِكم مَقابِرَها، أيْ قَطَعْتُمْ بِالتَّكاثُرِ والمُفاخَرَةِ بِالأمْوالِ والأوْلادِ والعَدَدِ أعْمارَكم حَتّى مُتُّمْ، وسَمِعَ بَعْضُ الأعْرابِ ﴿حَتّى زُرْتُمُ﴾ فَقالَ: بَعَثَ القَوْمَ لِلْقِيامَةِ، ورَبِّ الكَعْبَةِ، فَإنَّ الزّائِرَ مُنْصَرِفٌ لا مُقِيمٌ، وعَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ نَحْوٌ مَن قَوْلِ الأعْرابِيِّ، وقِيلَ: هَذا تَأْنِيثٌ عَلى الإكْثارِ مِن زِيارَةٍ تَكَثُّرًا بِمَن سَلَفَ وإشادَةً بِذِكْرِهِ، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، نَهى عَنْ زِيارَةِ القُبُورِ، ثُمَّ قالَ: (فَزُورُوها) أمْرُ إباحَةٍ لِلِاتِّعاظِ بِها لا لِمَعْنى المُباهاةِ والتَّفاخُرِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: كَما يَصْنَعُ النّاسُ في مُلازَمَتِها وتَسْلِيمِها بِالحِجارَةِ والرُّخامِ، وتَلْوِينِها شَرَفًا، وبَيانِ النَّواوِيسِ عَلَيْهِ، وابْنُ عَطِيَّةَ لَمْ يَرَ إلّا قُبُورَ أهْلِ الأنْدَلُس، فَكَيْفَ لَوْ رَأى ما تَباهى بِهِ أهْلُ مِصْرَ في مَدافِنِهِمْ بِالقَرافَةِ الكُبْرى، والقَرافَةِ (p-٥٠٨)الصُّغْرى، وبابِ النَّصْرِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وما يَضِيعُ فِيها مِنَ الأمْوالِ لَتَعَجَّبَ مِن ذَلِكَ، ولَرَأى ما لَمْ يَخْطُرْ بِبالٍ ؟ وأمّا التَّباهِي بِالزِّيارَةِ، فَفي هَؤُلاءِ المُنْتَمِينَ إلى الصُّوفِ أقْوامٌ لَيْسَ لَهم شُغْلٌ إلّا زِيارَةَ القُبُورِ، زُرْتُ قَبْرَ سَيِّدِي فُلانٍ بِكَذا، وقَبْرَ فُلانٍ بِكَذا، والشَّيْخَ فُلانًا بِكَذا، والشَّيْخَ فُلانًا بِكَذا، فَيَذْكُرُونَ أقالِيمَ طافُوها عَلى قَدَمِ التَّجْرِيدِ، وقَدْ حَفِظُوا حِكاياتٍ عَنْ أصْحابِ تِلْكَ القُبُورِ وأُولَئِكَ المَشايِخِ بِحَيْثُ لَوْ كُتِبَتْ لَجاءَتْ أسْفارًا، وهم مَعَ ذَلِكَ لا يَعْرِفُونَ فُرُوضَ الوُضُوءِ ولا سُنَنَهُ، وقَدْ سَخَّرَ لَهُمُ المُلُوكُ وعَوامُّ النّاسِ في تَحْسِينِ الظَّنِّ بِهِمْ وبَذْلِ أمْوالِهِمْ لَهم، وأمّا مَن شَذَّ مِنهم لِأنْ يَتَكَلَّمَ لِلْعامَّةِ فَيَأْتِي بِعَجائِبَ، يَقُولُونَ هَذا فَتْحٌ هَذا مِنِ العِلْمِ اللَّدُنِّيِّ عِلْمِ الخَضِرِ، حَتّى إنَّ مَن يَنْتَمِي إلى العِلْمِ لَمّا رَأى رَواجَ هَذِهِ الطّائِفَةِ سَلَكَ مَسْلَكَهم ونَقَلَ كَثِيرًا مِن حِكاياتِهِمْ ومَزَجَ ذَلِكَ بِيَسِيرٍ مِنِ العِلْمِ طَلَبًا لِلْمالِ والجاهِ وتَقْبِيلِ اليَدِ، ونَحْنُ نَسْألُ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ أنْ يُوَفِّقَنا لِطاعَتِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ألْهاكم عَلى الخَبَرِ، وابْنُ عَبّاسٍ، وعائِشَةُ، ومُعاوِيَةُ، وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ، وأبُو صالِحٍ، ومالِكُ بْنُ دِينارٍ، وأبُو الجَوْزاءِ وجَماعَةٌ: بِالمَدِّ عَلى الِاسْتِفْهامِ، وقَدْ رُوِيَ كَذَلِكَ عَنِ الكَلْبِيِّ ويَعْقُوبَ، وعَنْ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، والشَّعْبِيِّ، وأبِي العالِيَةِ، وابْنِ أبِي عَبْلَةَ، والكِسائِيِّ في رِوايَةٍ: (أألْهاكم) بِهَمْزَتَيْنِ، ومَعْنى الِاسْتِفْهامِ التَّوْبِيخُ والتَّقْرِيرُ عَلى قُبْحِ فِعْلِهِمْ، والجُمْهُورُ: عَلى أنَّ التَّكْرِيرَ تَوْكِيدٌ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والتَّكْرِيرُ تَأْكِيدٌ لِلرَّدْعِ والإنْذارِ، و(ثُمَّ) دَلالَةٌ عَلى أنَّ الإنْذارَ الثّانِيَ أبْلَغُ مِنَ الأوَّلِ وأشَدُّ، كَما تَقُولُ لِلْمَنصُوحِ: أقُولُ لَكَ ثُمَّ أقُولُ لَكَ لا تَفْعَلْ، والمَعْنى: سَوْفَ تَعْلَمُونَ الخِطابَ فِيما أنْتُمْ عَلَيْهِ إذا عايَنْتُمْ ما قُدّامَكم مِن هَوْلِ لِقاءِ اللَّهِ تَعالى. وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ في القُبُورِ ثُمَّ كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ في البَعْثِ: غايَرَ بَيْنَهُما بِحَسَبِ التَّعَلُّقِ، وتَبْقى ثُمَّ عَلى بابِها مِنَ المُهْلَةِ في الزَّمانِ، وقالَ الضَّحّاكُ: الزَّجْرُ الأوَّلُ ووَعِيدُهُ لِلْكافِرِينَ، والثّانِي لِلْمُؤْمِنَيْنِ ﴿كَلّا لَوْ تَعْلَمُونَ﴾ أيْ ما بَيْنَ أيْدِيكم مِمّا تُقْدِمُونَ عَلَيْهِ ﴿عِلْمَ اليَقِينِ﴾ أيْ كَعِلْمِ ما تَسْتَيْقِنُونَهُ مِنَ الأُمُورِ لَما ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ أوِ العِلْمُ اليَقِينُ، فَأضافَ المَوْصُوفَ إلى صِفَتِهِ وحَذَفَ الجَوابَ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ وهو ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ وقِيلَ: اليَقِينُ هُنا المَوْتُ. وقالَ قَتادَةُ: البَعْثُ؛ لِأنَّهُ إذا جاءَ زالَ الشَّكُّ. ثُمَّ قالَ: ﴿لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ﴾ والظّاهِرُ أنَّ هَذِهِ الرُّؤْيَةَ هي رُؤْيَةُ الوُرُودِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وإنْ مِنكم إلّا وارِدُها﴾ [مريم: ٧١] ولا تَكُونُ رُؤْيَةٌ عِنْدَ الدُّخُولِ، فَيَكُونُ الخِطابُ لِلْكُفّارِ؛ لِأنَّهُ قالَ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿ثُمَّ لَتُسْألُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ . ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ اليَقِينِ﴾ تَأْكِيدٌ لِلْجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها، وزادَ التَّوْكِيدُ بِقَوْلِهِ: ﴿عَيْنَ اليَقِينِ﴾ نَفْيًا لِتَوَهُّمِ المَجازِ في الرُّؤْيَةِ الأُولى، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: هو خِطابٌ لِلْمُشْرِكِينَ، فالرُّؤْيَةُ رُؤْيَةُ دُخُولٍ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ والكِسائِيُّ: (لَتُرَوُنَّ) بِضَمِّ التّاءِ، وباقِي السَّبْعَةِ: بِالفَتْحِ، وعَلِيٌّ وابْنُ كَثِيرٍ في رِوايَةٍ، وعاصِمٌ في رِوايَةٍ: بِفَتْحِها في (لَتَرَوُنَّ) وضَمِّها في (لَتُرَوُنَّها) ومُجاهِدٌ والأشْهَبُ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِضَمِّها، ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ وأبِي عَمْرٍو بِخِلافٍ عَنْهُما أنَّهُما هَمَزا الواوَيْنِ، اسْتَثْقَلُوا الضَّمَّةَ عَلى الواوِ فَهَمَزُوا كَما هَمَزُوا في وُقِّتَتْ، وكانَ القِياسُ أنْ لا تُهْمَزَ، لِأنَّها حَرَكَةٌ عارِضَةٌ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ فَلا يُعْتَدُّ بِها، لَكِنَّها لَمّا تَمَكَّنَتْ مِنَ الكَلِمَةِ بِحَيْثُ لا تَزُولُ أشْبَهَتِ الحَرَكَةَ الأصْلِيَّةَ فَهَمَزُوا، وقَدْ هَمَزُوا مِنَ الحَرَكَةِ العارِضَةِ ما يَزُولُ في الوَقْفِ نَحْوَ اسْتَرْؤُا الصَّلاةَ، فَهَمْزُ هَذِهِ أوْلى. ﴿ثُمَّ لَتُسْألُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ الظّاهِرُ العُمُومُ في النَّعِيمِ، وهو كُلُّ ما يُتَلَذَّذُ بِهِ مِن مَطْعَمٍ ومَشْرَبٍ ومَفْرَشٍ ومَرْكَبٍ، فالمُؤْمِنُ يُسْألُ سُؤالَ إكْرامٍ وتَشْرِيفٍ، والكافِرُ سُؤالَ تَوْبِيخٍ وتَقْرِيعٍ، وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ والشَّعْبِيِّ وسُفْيانَ ومُجاهِدٍ: هو الأمْنُ والصِّحَّةُ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: البَدَنُ والحَواسُّ فِيمَ اسْتَعْمَلَها، وعَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ: كُلُّ ما يُتَلَذَّذُ بِهِ، وفي الحَدِيثِ: (بَيْتٌ يُكِنُّكَ وخِرْقَةٌ تُوارِيكَ وكِسْرَةٌ تَشُدُّ قَلْبَكَ وما سِوى ذَلِكَ فَهو نَعِيمٌ) .

التكاثر 102:7

سُورَةُ ألْهاكم مَكِّيَّةٌ وهي ثَمانِي آياتٍ ﷽ ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ ﴿حَتّى زُرْتُمُ المَقابِرَ﴾ ﴿كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿ثُمَّ كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿كَلّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اليَقِينِ﴾ ﴿لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ﴾ ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ اليَقِينِ﴾ ﴿ثُمَّ لَتُسْألُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ . هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ جَمِيعِ المُفَسِّرِينَ، وقالَ البُخارِيُّ: مَدَنِيَّةٌ، ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها ظاهِرَةٌ، وسَبَبُ نُزُولِها أنَّهُ فِيما رَوى الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ: كانَ بَيْنَ بَنِي سَهْمٍ وبَيْنَ بَنِي عَبْدِ مَنافٍ لِحاءٌ، فَتَعادُّوا الأشْرافَ الأحْياءَ أيُّهم أكْثَرُ، فَكَثُرَهم بَنُو عَبْدِ مَنافٍ، ثُمَّ تَعادُّوا الأمْواتَ، فَكَثُرَهم بَنُو سَهْمٍ؛ لِأنَّهم كانُوا أكْثَرَ عَدَدًا في الجاهِلِيَّةِ، وقالَ قَتادَةُ: نَزَلَتْ في اليَهُودِ، قالُوا: نَحْنُ أكْثَرُ مِن بَنِي فُلانٍ، وبَنُو فُلانٍ أكْثَرُ مَن بَنِي فُلانٍ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: نَزَلَتْ في بَطْنٍ مِنَ الأنْصارِ. ﴿ألْهاكُمُ﴾ شَغَلَكم فَعَلى ما رَوى الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ يَكُونُ المَعْنى: أنَّكم تَكاثَرْتُمْ بِالأحْياءِ حَتّى اسْتَوْعَبْتُمْ عَدَدَهم، صِرْتُمْ إلى المَقابِرِ فَتَكاثَرْتُمْ بِالأمْواتِ، عَبَّرَ عَنْ بُلُوغِهِمْ ذِكْرَ المَوْتى بِزِيارَةِ المَقابِرِ تَهَكُّمًا بِهِمْ، وهَذا مَعْنى يَنْبُو عَنْهُ لَفْظُ زُرْتُمْ، قِيلَ: ﴿حَتّى زُرْتُمُ﴾ أيْ مُتُّمْ وزُرْتُمْ بِأجْسادِكم مَقابِرَها، أيْ قَطَعْتُمْ بِالتَّكاثُرِ والمُفاخَرَةِ بِالأمْوالِ والأوْلادِ والعَدَدِ أعْمارَكم حَتّى مُتُّمْ، وسَمِعَ بَعْضُ الأعْرابِ ﴿حَتّى زُرْتُمُ﴾ فَقالَ: بَعَثَ القَوْمَ لِلْقِيامَةِ، ورَبِّ الكَعْبَةِ، فَإنَّ الزّائِرَ مُنْصَرِفٌ لا مُقِيمٌ، وعَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ نَحْوٌ مَن قَوْلِ الأعْرابِيِّ، وقِيلَ: هَذا تَأْنِيثٌ عَلى الإكْثارِ مِن زِيارَةٍ تَكَثُّرًا بِمَن سَلَفَ وإشادَةً بِذِكْرِهِ، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، نَهى عَنْ زِيارَةِ القُبُورِ، ثُمَّ قالَ: (فَزُورُوها) أمْرُ إباحَةٍ لِلِاتِّعاظِ بِها لا لِمَعْنى المُباهاةِ والتَّفاخُرِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: كَما يَصْنَعُ النّاسُ في مُلازَمَتِها وتَسْلِيمِها بِالحِجارَةِ والرُّخامِ، وتَلْوِينِها شَرَفًا، وبَيانِ النَّواوِيسِ عَلَيْهِ، وابْنُ عَطِيَّةَ لَمْ يَرَ إلّا قُبُورَ أهْلِ الأنْدَلُس، فَكَيْفَ لَوْ رَأى ما تَباهى بِهِ أهْلُ مِصْرَ في مَدافِنِهِمْ بِالقَرافَةِ الكُبْرى، والقَرافَةِ (p-٥٠٨)الصُّغْرى، وبابِ النَّصْرِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وما يَضِيعُ فِيها مِنَ الأمْوالِ لَتَعَجَّبَ مِن ذَلِكَ، ولَرَأى ما لَمْ يَخْطُرْ بِبالٍ ؟ وأمّا التَّباهِي بِالزِّيارَةِ، فَفي هَؤُلاءِ المُنْتَمِينَ إلى الصُّوفِ أقْوامٌ لَيْسَ لَهم شُغْلٌ إلّا زِيارَةَ القُبُورِ، زُرْتُ قَبْرَ سَيِّدِي فُلانٍ بِكَذا، وقَبْرَ فُلانٍ بِكَذا، والشَّيْخَ فُلانًا بِكَذا، والشَّيْخَ فُلانًا بِكَذا، فَيَذْكُرُونَ أقالِيمَ طافُوها عَلى قَدَمِ التَّجْرِيدِ، وقَدْ حَفِظُوا حِكاياتٍ عَنْ أصْحابِ تِلْكَ القُبُورِ وأُولَئِكَ المَشايِخِ بِحَيْثُ لَوْ كُتِبَتْ لَجاءَتْ أسْفارًا، وهم مَعَ ذَلِكَ لا يَعْرِفُونَ فُرُوضَ الوُضُوءِ ولا سُنَنَهُ، وقَدْ سَخَّرَ لَهُمُ المُلُوكُ وعَوامُّ النّاسِ في تَحْسِينِ الظَّنِّ بِهِمْ وبَذْلِ أمْوالِهِمْ لَهم، وأمّا مَن شَذَّ مِنهم لِأنْ يَتَكَلَّمَ لِلْعامَّةِ فَيَأْتِي بِعَجائِبَ، يَقُولُونَ هَذا فَتْحٌ هَذا مِنِ العِلْمِ اللَّدُنِّيِّ عِلْمِ الخَضِرِ، حَتّى إنَّ مَن يَنْتَمِي إلى العِلْمِ لَمّا رَأى رَواجَ هَذِهِ الطّائِفَةِ سَلَكَ مَسْلَكَهم ونَقَلَ كَثِيرًا مِن حِكاياتِهِمْ ومَزَجَ ذَلِكَ بِيَسِيرٍ مِنِ العِلْمِ طَلَبًا لِلْمالِ والجاهِ وتَقْبِيلِ اليَدِ، ونَحْنُ نَسْألُ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ أنْ يُوَفِّقَنا لِطاعَتِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ألْهاكم عَلى الخَبَرِ، وابْنُ عَبّاسٍ، وعائِشَةُ، ومُعاوِيَةُ، وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ، وأبُو صالِحٍ، ومالِكُ بْنُ دِينارٍ، وأبُو الجَوْزاءِ وجَماعَةٌ: بِالمَدِّ عَلى الِاسْتِفْهامِ، وقَدْ رُوِيَ كَذَلِكَ عَنِ الكَلْبِيِّ ويَعْقُوبَ، وعَنْ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، والشَّعْبِيِّ، وأبِي العالِيَةِ، وابْنِ أبِي عَبْلَةَ، والكِسائِيِّ في رِوايَةٍ: (أألْهاكم) بِهَمْزَتَيْنِ، ومَعْنى الِاسْتِفْهامِ التَّوْبِيخُ والتَّقْرِيرُ عَلى قُبْحِ فِعْلِهِمْ، والجُمْهُورُ: عَلى أنَّ التَّكْرِيرَ تَوْكِيدٌ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والتَّكْرِيرُ تَأْكِيدٌ لِلرَّدْعِ والإنْذارِ، و(ثُمَّ) دَلالَةٌ عَلى أنَّ الإنْذارَ الثّانِيَ أبْلَغُ مِنَ الأوَّلِ وأشَدُّ، كَما تَقُولُ لِلْمَنصُوحِ: أقُولُ لَكَ ثُمَّ أقُولُ لَكَ لا تَفْعَلْ، والمَعْنى: سَوْفَ تَعْلَمُونَ الخِطابَ فِيما أنْتُمْ عَلَيْهِ إذا عايَنْتُمْ ما قُدّامَكم مِن هَوْلِ لِقاءِ اللَّهِ تَعالى. وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ في القُبُورِ ثُمَّ كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ في البَعْثِ: غايَرَ بَيْنَهُما بِحَسَبِ التَّعَلُّقِ، وتَبْقى ثُمَّ عَلى بابِها مِنَ المُهْلَةِ في الزَّمانِ، وقالَ الضَّحّاكُ: الزَّجْرُ الأوَّلُ ووَعِيدُهُ لِلْكافِرِينَ، والثّانِي لِلْمُؤْمِنَيْنِ ﴿كَلّا لَوْ تَعْلَمُونَ﴾ أيْ ما بَيْنَ أيْدِيكم مِمّا تُقْدِمُونَ عَلَيْهِ ﴿عِلْمَ اليَقِينِ﴾ أيْ كَعِلْمِ ما تَسْتَيْقِنُونَهُ مِنَ الأُمُورِ لَما ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ أوِ العِلْمُ اليَقِينُ، فَأضافَ المَوْصُوفَ إلى صِفَتِهِ وحَذَفَ الجَوابَ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ وهو ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ وقِيلَ: اليَقِينُ هُنا المَوْتُ. وقالَ قَتادَةُ: البَعْثُ؛ لِأنَّهُ إذا جاءَ زالَ الشَّكُّ. ثُمَّ قالَ: ﴿لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ﴾ والظّاهِرُ أنَّ هَذِهِ الرُّؤْيَةَ هي رُؤْيَةُ الوُرُودِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وإنْ مِنكم إلّا وارِدُها﴾ [مريم: ٧١] ولا تَكُونُ رُؤْيَةٌ عِنْدَ الدُّخُولِ، فَيَكُونُ الخِطابُ لِلْكُفّارِ؛ لِأنَّهُ قالَ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿ثُمَّ لَتُسْألُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ . ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ اليَقِينِ﴾ تَأْكِيدٌ لِلْجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها، وزادَ التَّوْكِيدُ بِقَوْلِهِ: ﴿عَيْنَ اليَقِينِ﴾ نَفْيًا لِتَوَهُّمِ المَجازِ في الرُّؤْيَةِ الأُولى، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: هو خِطابٌ لِلْمُشْرِكِينَ، فالرُّؤْيَةُ رُؤْيَةُ دُخُولٍ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ والكِسائِيُّ: (لَتُرَوُنَّ) بِضَمِّ التّاءِ، وباقِي السَّبْعَةِ: بِالفَتْحِ، وعَلِيٌّ وابْنُ كَثِيرٍ في رِوايَةٍ، وعاصِمٌ في رِوايَةٍ: بِفَتْحِها في (لَتَرَوُنَّ) وضَمِّها في (لَتُرَوُنَّها) ومُجاهِدٌ والأشْهَبُ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِضَمِّها، ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ وأبِي عَمْرٍو بِخِلافٍ عَنْهُما أنَّهُما هَمَزا الواوَيْنِ، اسْتَثْقَلُوا الضَّمَّةَ عَلى الواوِ فَهَمَزُوا كَما هَمَزُوا في وُقِّتَتْ، وكانَ القِياسُ أنْ لا تُهْمَزَ، لِأنَّها حَرَكَةٌ عارِضَةٌ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ فَلا يُعْتَدُّ بِها، لَكِنَّها لَمّا تَمَكَّنَتْ مِنَ الكَلِمَةِ بِحَيْثُ لا تَزُولُ أشْبَهَتِ الحَرَكَةَ الأصْلِيَّةَ فَهَمَزُوا، وقَدْ هَمَزُوا مِنَ الحَرَكَةِ العارِضَةِ ما يَزُولُ في الوَقْفِ نَحْوَ اسْتَرْؤُا الصَّلاةَ، فَهَمْزُ هَذِهِ أوْلى. ﴿ثُمَّ لَتُسْألُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ الظّاهِرُ العُمُومُ في النَّعِيمِ، وهو كُلُّ ما يُتَلَذَّذُ بِهِ مِن مَطْعَمٍ ومَشْرَبٍ ومَفْرَشٍ ومَرْكَبٍ، فالمُؤْمِنُ يُسْألُ سُؤالَ إكْرامٍ وتَشْرِيفٍ، والكافِرُ سُؤالَ تَوْبِيخٍ وتَقْرِيعٍ، وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ والشَّعْبِيِّ وسُفْيانَ ومُجاهِدٍ: هو الأمْنُ والصِّحَّةُ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: البَدَنُ والحَواسُّ فِيمَ اسْتَعْمَلَها، وعَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ: كُلُّ ما يُتَلَذَّذُ بِهِ، وفي الحَدِيثِ: (بَيْتٌ يُكِنُّكَ وخِرْقَةٌ تُوارِيكَ وكِسْرَةٌ تَشُدُّ قَلْبَكَ وما سِوى ذَلِكَ فَهو نَعِيمٌ) .

التكاثر 102:8

سُورَةُ ألْهاكم مَكِّيَّةٌ وهي ثَمانِي آياتٍ ﷽ ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ ﴿حَتّى زُرْتُمُ المَقابِرَ﴾ ﴿كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿ثُمَّ كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿كَلّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اليَقِينِ﴾ ﴿لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ﴾ ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ اليَقِينِ﴾ ﴿ثُمَّ لَتُسْألُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ . هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ جَمِيعِ المُفَسِّرِينَ، وقالَ البُخارِيُّ: مَدَنِيَّةٌ، ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها ظاهِرَةٌ، وسَبَبُ نُزُولِها أنَّهُ فِيما رَوى الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ: كانَ بَيْنَ بَنِي سَهْمٍ وبَيْنَ بَنِي عَبْدِ مَنافٍ لِحاءٌ، فَتَعادُّوا الأشْرافَ الأحْياءَ أيُّهم أكْثَرُ، فَكَثُرَهم بَنُو عَبْدِ مَنافٍ، ثُمَّ تَعادُّوا الأمْواتَ، فَكَثُرَهم بَنُو سَهْمٍ؛ لِأنَّهم كانُوا أكْثَرَ عَدَدًا في الجاهِلِيَّةِ، وقالَ قَتادَةُ: نَزَلَتْ في اليَهُودِ، قالُوا: نَحْنُ أكْثَرُ مِن بَنِي فُلانٍ، وبَنُو فُلانٍ أكْثَرُ مَن بَنِي فُلانٍ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: نَزَلَتْ في بَطْنٍ مِنَ الأنْصارِ. ﴿ألْهاكُمُ﴾ شَغَلَكم فَعَلى ما رَوى الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ يَكُونُ المَعْنى: أنَّكم تَكاثَرْتُمْ بِالأحْياءِ حَتّى اسْتَوْعَبْتُمْ عَدَدَهم، صِرْتُمْ إلى المَقابِرِ فَتَكاثَرْتُمْ بِالأمْواتِ، عَبَّرَ عَنْ بُلُوغِهِمْ ذِكْرَ المَوْتى بِزِيارَةِ المَقابِرِ تَهَكُّمًا بِهِمْ، وهَذا مَعْنى يَنْبُو عَنْهُ لَفْظُ زُرْتُمْ، قِيلَ: ﴿حَتّى زُرْتُمُ﴾ أيْ مُتُّمْ وزُرْتُمْ بِأجْسادِكم مَقابِرَها، أيْ قَطَعْتُمْ بِالتَّكاثُرِ والمُفاخَرَةِ بِالأمْوالِ والأوْلادِ والعَدَدِ أعْمارَكم حَتّى مُتُّمْ، وسَمِعَ بَعْضُ الأعْرابِ ﴿حَتّى زُرْتُمُ﴾ فَقالَ: بَعَثَ القَوْمَ لِلْقِيامَةِ، ورَبِّ الكَعْبَةِ، فَإنَّ الزّائِرَ مُنْصَرِفٌ لا مُقِيمٌ، وعَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ نَحْوٌ مَن قَوْلِ الأعْرابِيِّ، وقِيلَ: هَذا تَأْنِيثٌ عَلى الإكْثارِ مِن زِيارَةٍ تَكَثُّرًا بِمَن سَلَفَ وإشادَةً بِذِكْرِهِ، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، نَهى عَنْ زِيارَةِ القُبُورِ، ثُمَّ قالَ: (فَزُورُوها) أمْرُ إباحَةٍ لِلِاتِّعاظِ بِها لا لِمَعْنى المُباهاةِ والتَّفاخُرِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: كَما يَصْنَعُ النّاسُ في مُلازَمَتِها وتَسْلِيمِها بِالحِجارَةِ والرُّخامِ، وتَلْوِينِها شَرَفًا، وبَيانِ النَّواوِيسِ عَلَيْهِ، وابْنُ عَطِيَّةَ لَمْ يَرَ إلّا قُبُورَ أهْلِ الأنْدَلُس، فَكَيْفَ لَوْ رَأى ما تَباهى بِهِ أهْلُ مِصْرَ في مَدافِنِهِمْ بِالقَرافَةِ الكُبْرى، والقَرافَةِ (p-٥٠٨)الصُّغْرى، وبابِ النَّصْرِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وما يَضِيعُ فِيها مِنَ الأمْوالِ لَتَعَجَّبَ مِن ذَلِكَ، ولَرَأى ما لَمْ يَخْطُرْ بِبالٍ ؟ وأمّا التَّباهِي بِالزِّيارَةِ، فَفي هَؤُلاءِ المُنْتَمِينَ إلى الصُّوفِ أقْوامٌ لَيْسَ لَهم شُغْلٌ إلّا زِيارَةَ القُبُورِ، زُرْتُ قَبْرَ سَيِّدِي فُلانٍ بِكَذا، وقَبْرَ فُلانٍ بِكَذا، والشَّيْخَ فُلانًا بِكَذا، والشَّيْخَ فُلانًا بِكَذا، فَيَذْكُرُونَ أقالِيمَ طافُوها عَلى قَدَمِ التَّجْرِيدِ، وقَدْ حَفِظُوا حِكاياتٍ عَنْ أصْحابِ تِلْكَ القُبُورِ وأُولَئِكَ المَشايِخِ بِحَيْثُ لَوْ كُتِبَتْ لَجاءَتْ أسْفارًا، وهم مَعَ ذَلِكَ لا يَعْرِفُونَ فُرُوضَ الوُضُوءِ ولا سُنَنَهُ، وقَدْ سَخَّرَ لَهُمُ المُلُوكُ وعَوامُّ النّاسِ في تَحْسِينِ الظَّنِّ بِهِمْ وبَذْلِ أمْوالِهِمْ لَهم، وأمّا مَن شَذَّ مِنهم لِأنْ يَتَكَلَّمَ لِلْعامَّةِ فَيَأْتِي بِعَجائِبَ، يَقُولُونَ هَذا فَتْحٌ هَذا مِنِ العِلْمِ اللَّدُنِّيِّ عِلْمِ الخَضِرِ، حَتّى إنَّ مَن يَنْتَمِي إلى العِلْمِ لَمّا رَأى رَواجَ هَذِهِ الطّائِفَةِ سَلَكَ مَسْلَكَهم ونَقَلَ كَثِيرًا مِن حِكاياتِهِمْ ومَزَجَ ذَلِكَ بِيَسِيرٍ مِنِ العِلْمِ طَلَبًا لِلْمالِ والجاهِ وتَقْبِيلِ اليَدِ، ونَحْنُ نَسْألُ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ أنْ يُوَفِّقَنا لِطاعَتِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ألْهاكم عَلى الخَبَرِ، وابْنُ عَبّاسٍ، وعائِشَةُ، ومُعاوِيَةُ، وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ، وأبُو صالِحٍ، ومالِكُ بْنُ دِينارٍ، وأبُو الجَوْزاءِ وجَماعَةٌ: بِالمَدِّ عَلى الِاسْتِفْهامِ، وقَدْ رُوِيَ كَذَلِكَ عَنِ الكَلْبِيِّ ويَعْقُوبَ، وعَنْ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، والشَّعْبِيِّ، وأبِي العالِيَةِ، وابْنِ أبِي عَبْلَةَ، والكِسائِيِّ في رِوايَةٍ: (أألْهاكم) بِهَمْزَتَيْنِ، ومَعْنى الِاسْتِفْهامِ التَّوْبِيخُ والتَّقْرِيرُ عَلى قُبْحِ فِعْلِهِمْ، والجُمْهُورُ: عَلى أنَّ التَّكْرِيرَ تَوْكِيدٌ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والتَّكْرِيرُ تَأْكِيدٌ لِلرَّدْعِ والإنْذارِ، و(ثُمَّ) دَلالَةٌ عَلى أنَّ الإنْذارَ الثّانِيَ أبْلَغُ مِنَ الأوَّلِ وأشَدُّ، كَما تَقُولُ لِلْمَنصُوحِ: أقُولُ لَكَ ثُمَّ أقُولُ لَكَ لا تَفْعَلْ، والمَعْنى: سَوْفَ تَعْلَمُونَ الخِطابَ فِيما أنْتُمْ عَلَيْهِ إذا عايَنْتُمْ ما قُدّامَكم مِن هَوْلِ لِقاءِ اللَّهِ تَعالى. وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ في القُبُورِ ثُمَّ كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ في البَعْثِ: غايَرَ بَيْنَهُما بِحَسَبِ التَّعَلُّقِ، وتَبْقى ثُمَّ عَلى بابِها مِنَ المُهْلَةِ في الزَّمانِ، وقالَ الضَّحّاكُ: الزَّجْرُ الأوَّلُ ووَعِيدُهُ لِلْكافِرِينَ، والثّانِي لِلْمُؤْمِنَيْنِ ﴿كَلّا لَوْ تَعْلَمُونَ﴾ أيْ ما بَيْنَ أيْدِيكم مِمّا تُقْدِمُونَ عَلَيْهِ ﴿عِلْمَ اليَقِينِ﴾ أيْ كَعِلْمِ ما تَسْتَيْقِنُونَهُ مِنَ الأُمُورِ لَما ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ أوِ العِلْمُ اليَقِينُ، فَأضافَ المَوْصُوفَ إلى صِفَتِهِ وحَذَفَ الجَوابَ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ وهو ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ وقِيلَ: اليَقِينُ هُنا المَوْتُ. وقالَ قَتادَةُ: البَعْثُ؛ لِأنَّهُ إذا جاءَ زالَ الشَّكُّ. ثُمَّ قالَ: ﴿لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ﴾ والظّاهِرُ أنَّ هَذِهِ الرُّؤْيَةَ هي رُؤْيَةُ الوُرُودِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وإنْ مِنكم إلّا وارِدُها﴾ [مريم: ٧١] ولا تَكُونُ رُؤْيَةٌ عِنْدَ الدُّخُولِ، فَيَكُونُ الخِطابُ لِلْكُفّارِ؛ لِأنَّهُ قالَ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿ثُمَّ لَتُسْألُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ . ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ اليَقِينِ﴾ تَأْكِيدٌ لِلْجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها، وزادَ التَّوْكِيدُ بِقَوْلِهِ: ﴿عَيْنَ اليَقِينِ﴾ نَفْيًا لِتَوَهُّمِ المَجازِ في الرُّؤْيَةِ الأُولى، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: هو خِطابٌ لِلْمُشْرِكِينَ، فالرُّؤْيَةُ رُؤْيَةُ دُخُولٍ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ والكِسائِيُّ: (لَتُرَوُنَّ) بِضَمِّ التّاءِ، وباقِي السَّبْعَةِ: بِالفَتْحِ، وعَلِيٌّ وابْنُ كَثِيرٍ في رِوايَةٍ، وعاصِمٌ في رِوايَةٍ: بِفَتْحِها في (لَتَرَوُنَّ) وضَمِّها في (لَتُرَوُنَّها) ومُجاهِدٌ والأشْهَبُ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِضَمِّها، ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ وأبِي عَمْرٍو بِخِلافٍ عَنْهُما أنَّهُما هَمَزا الواوَيْنِ، اسْتَثْقَلُوا الضَّمَّةَ عَلى الواوِ فَهَمَزُوا كَما هَمَزُوا في وُقِّتَتْ، وكانَ القِياسُ أنْ لا تُهْمَزَ، لِأنَّها حَرَكَةٌ عارِضَةٌ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ فَلا يُعْتَدُّ بِها، لَكِنَّها لَمّا تَمَكَّنَتْ مِنَ الكَلِمَةِ بِحَيْثُ لا تَزُولُ أشْبَهَتِ الحَرَكَةَ الأصْلِيَّةَ فَهَمَزُوا، وقَدْ هَمَزُوا مِنَ الحَرَكَةِ العارِضَةِ ما يَزُولُ في الوَقْفِ نَحْوَ اسْتَرْؤُا الصَّلاةَ، فَهَمْزُ هَذِهِ أوْلى. ﴿ثُمَّ لَتُسْألُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ الظّاهِرُ العُمُومُ في النَّعِيمِ، وهو كُلُّ ما يُتَلَذَّذُ بِهِ مِن مَطْعَمٍ ومَشْرَبٍ ومَفْرَشٍ ومَرْكَبٍ، فالمُؤْمِنُ يُسْألُ سُؤالَ إكْرامٍ وتَشْرِيفٍ، والكافِرُ سُؤالَ تَوْبِيخٍ وتَقْرِيعٍ، وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ والشَّعْبِيِّ وسُفْيانَ ومُجاهِدٍ: هو الأمْنُ والصِّحَّةُ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: البَدَنُ والحَواسُّ فِيمَ اسْتَعْمَلَها، وعَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ: كُلُّ ما يُتَلَذَّذُ بِهِ، وفي الحَدِيثِ: (بَيْتٌ يُكِنُّكَ وخِرْقَةٌ تُوارِيكَ وكِسْرَةٌ تَشُدُّ قَلْبَكَ وما سِوى ذَلِكَ فَهو نَعِيمٌ) .

العصر 103:1

(p-٥٠٩)سُورَةُ العَصْرِ مَكِّيَّةٌ وهي ثَلاثُ آياتٍ ﷽ ﴿والعَصْرِ﴾ ﴿إنَّ الإنْسانَ لَفي خُسْرٍ﴾ ﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وتَواصَوْا بِالحَقِّ وتَواصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ . هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ الزُّبَيْرِ والجُمْهُورِ، ومَدَنِيَّةٌ في قَوْلِ مُجاهِدٍ وقَتادَةَ ومُقاتِلٍ. لَمّا قالَ فِيما قَبْلَها: ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ [التكاثر: ١] ووَقَعَ التَّهْدِيدُ بِتَكْرارِ ﴿كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [التكاثر: ٣] بَيَّنَ حالَ المُؤْمِنِ والكافِرِ. ﴿والعَصْرِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو الدَّهْرُ، يُقالُ فِيهِ عَصْرٌ وعِصْرٌ وعُصْرٌ، أقْسَمَ بِهِ تَعالى لِما في مُرُورِهِ مِن أصْنافِ العَجائِبِ. وقالَ قَتادَةُ: العَصْرُ: العَشِيُّ، أقْسَمَ بِهِ كَما أقْسَمَ بِالضُّحى لِما فِيهِما مِن دَلائِلِ القُدْرَةِ. وقِيلَ: العَصْرُ: اليَوْمُ واللَّيْلَةُ، ومِنهُ قَوْلُ حُمَيْدِ بْنِ ثَوْرٍ: ؎ولَنْ يَلْبَثَ العَصْرانِ يَوْمًا ولَيْلَةً إذا طَلَبا أنْ يُدْرِكا ما تَيَمَّما وقِيلَ: العَصْرُ بُكْرَةٌ، والعَصْرُ عَشِيَّةٌ، وهُما الأبْرَدانِ، فَعَلى هَذا والقَوْلِ قَبْلَهُ يَكُونُ القَسَمُ بِواحِدٍ مِنهُما غَيْرَ مُعَيَّنٍ، وقالَ مُقاتِلٌ: العَصْرُ: الصَّلاةُ الوُسْطى، أقْسَمَ بِها. وبِهَذا القَوْلِ بَدَأ الزَّمَخْشَرِيُّ قالَ: لِفَضْلِها بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿والصَّلاةِ الوُسْطى﴾ [البقرة: ٢٣٨] صَلاةِ العَصْرِ، في مُصْحَفِ حَفْصَةَ، وقَوْلِهِ: (مَن فاتَتْهُ صَلاةُ العَصْرِ فَكَأنَّما وُتِرَ أهْلَهُ ومالَهُ) لِأنَّ التَّنْكِيفَ في أدائِها أشَقُّ لِتَهافُتِ النّاسِ في تِجاراتِهِمْ وتَحاسُبِهِمْ آخِرَ النَّهارِ واشْتِغالِهِمْ بِمَعايِشِهِمْ. انْتَهى. وقَرَأ سَلّامٌ: ﴿والعَصْرِ﴾ بِكَسْرِ الصّادِ، (الصَّبِرِ) بِكَسْرِ الباءِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا لا يَجُوزُ إلّا في الوَقْفِ عَلى نَقْلِ الحَرَكَةِ. ورُوِيَ عَنْ أبِي عَمْرٍو: (بِالصَّبْرِ) بِكَسْرِ الباءِ إشْمامًا، وهَذا أيْضًا لا يَكُونُ إلّا في الوَقْفِ. انْتَهى. وفي الكامِلِ لِلْهُزَلِيِّ: (والعِصْرِ، والصِّبْرِ، والفِجْرِ، والوِتْرِ)، بِكَسْرِ ما قَبْلَ السّاكِنِ في هَذِهِ كُلِّها هارُونُ، وابْنُ مُوسى عَنْ أبِي عَمْرٍو، والباقُونَ: بِالإسْكانِ كالجَماعَةِ. انْتَهى. وقالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: ﴿وتَواصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ بِنَقْلِ الحَرَكَةِ عَنْ أبِي عَمْرٍو. وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ عِيسى البَصْرَةِ: (بِالصَّبِرِ)، بِنَقْلِ حَرَكَةِ الرّاءِ إلى الباءِ لِئَلّا يَحْتاجَ أنْ يَأْتِيَ بِبَعْضِ الحَرَكَةِ في الوَقْفِ، ولا إلى أنْ يُسَكِّنَ فَيَجْمَعَ بَيْنَ ساكِنَيْنِ، وذَلِكَ لُغَةٌ شائِعَةٌ، ولَيْسَتْ شاذَّةً بَلْ مُسْتَفِيضَةٌ، وذَلِكَ دَلالَةٌ عَلى الإعْرابِ، وانْفِصالٌ عَنِ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ، ومادَّتُهُ حَقُّ المَوْقُوفِ عَلَيْهِ مِنَ السُّكُونِ. انْتَهى. وقَدْ أنْشَدْنا في الدَّلالَةِ عَلى هَذا في شَرْحِ التَّسْهِيلِ عِدَّةَ أبْياتٍ، كَقَوْلِ الرّاجِزِ: ؎أنا جَرِيرٌ كُنْيَتِي أبُو عَمِرْ ∗∗∗ أضْرِبُ بِالسَّيْفِ وسَعْدٌ في العَصِرْ يُرِيدُ: أبُو عَمْرٍو. والعَصْرُ. والإنْسانُ اسْمُ جِنْسٍ يَعُمُّ، ولِذَلِكَ صَحَّ الِاسْتِثْناءُ مِنهُ، والخُسْرُ: الخُسْرانُ، كالكُفْرِ والكُفْرانِ، وأيُّ خُسْرانٍ أعْظَمُ مِمَّنْ خَسِرَ الدُّنْيا والآخِرَةَ ؟ وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزَ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وهارُونُ عَنْ أبِي بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ”خُسُرٍ“ بِضَمِّ السِّينِ، والجُمْهُورُ بِالسُّكُونِ، ومَن باعَ آخِرَتَهُ بِدُنْياهُ فَهو في غايَةِ الخُسْرانِ، بِخِلافِ المُؤْمِنِ، فَإنَّهُ اشْتَرى الآخِرَةَ بِالدُّنْيا، فَرَبِحَ وسَعِدَ. ﴿وتَواصَوْا بِالحَقِّ﴾ أيْ بِالأمْرِ الثّابِتِ مِنَ الَّذِينَ عَمِلُوا بِهِ وتَواصَوْا بِهِ ﴿وتَواصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ في طاعَةِ اللَّهِ تَعالى، وعَنِ المَعاصِي.

العصر 103:2

(p-٥٠٩)سُورَةُ العَصْرِ مَكِّيَّةٌ وهي ثَلاثُ آياتٍ ﷽ ﴿والعَصْرِ﴾ ﴿إنَّ الإنْسانَ لَفي خُسْرٍ﴾ ﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وتَواصَوْا بِالحَقِّ وتَواصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ . هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ الزُّبَيْرِ والجُمْهُورِ، ومَدَنِيَّةٌ في قَوْلِ مُجاهِدٍ وقَتادَةَ ومُقاتِلٍ. لَمّا قالَ فِيما قَبْلَها: ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ [التكاثر: ١] ووَقَعَ التَّهْدِيدُ بِتَكْرارِ ﴿كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [التكاثر: ٣] بَيَّنَ حالَ المُؤْمِنِ والكافِرِ. ﴿والعَصْرِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو الدَّهْرُ، يُقالُ فِيهِ عَصْرٌ وعِصْرٌ وعُصْرٌ، أقْسَمَ بِهِ تَعالى لِما في مُرُورِهِ مِن أصْنافِ العَجائِبِ. وقالَ قَتادَةُ: العَصْرُ: العَشِيُّ، أقْسَمَ بِهِ كَما أقْسَمَ بِالضُّحى لِما فِيهِما مِن دَلائِلِ القُدْرَةِ. وقِيلَ: العَصْرُ: اليَوْمُ واللَّيْلَةُ، ومِنهُ قَوْلُ حُمَيْدِ بْنِ ثَوْرٍ: ؎ولَنْ يَلْبَثَ العَصْرانِ يَوْمًا ولَيْلَةً إذا طَلَبا أنْ يُدْرِكا ما تَيَمَّما وقِيلَ: العَصْرُ بُكْرَةٌ، والعَصْرُ عَشِيَّةٌ، وهُما الأبْرَدانِ، فَعَلى هَذا والقَوْلِ قَبْلَهُ يَكُونُ القَسَمُ بِواحِدٍ مِنهُما غَيْرَ مُعَيَّنٍ، وقالَ مُقاتِلٌ: العَصْرُ: الصَّلاةُ الوُسْطى، أقْسَمَ بِها. وبِهَذا القَوْلِ بَدَأ الزَّمَخْشَرِيُّ قالَ: لِفَضْلِها بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿والصَّلاةِ الوُسْطى﴾ [البقرة: ٢٣٨] صَلاةِ العَصْرِ، في مُصْحَفِ حَفْصَةَ، وقَوْلِهِ: (مَن فاتَتْهُ صَلاةُ العَصْرِ فَكَأنَّما وُتِرَ أهْلَهُ ومالَهُ) لِأنَّ التَّنْكِيفَ في أدائِها أشَقُّ لِتَهافُتِ النّاسِ في تِجاراتِهِمْ وتَحاسُبِهِمْ آخِرَ النَّهارِ واشْتِغالِهِمْ بِمَعايِشِهِمْ. انْتَهى. وقَرَأ سَلّامٌ: ﴿والعَصْرِ﴾ بِكَسْرِ الصّادِ، (الصَّبِرِ) بِكَسْرِ الباءِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا لا يَجُوزُ إلّا في الوَقْفِ عَلى نَقْلِ الحَرَكَةِ. ورُوِيَ عَنْ أبِي عَمْرٍو: (بِالصَّبْرِ) بِكَسْرِ الباءِ إشْمامًا، وهَذا أيْضًا لا يَكُونُ إلّا في الوَقْفِ. انْتَهى. وفي الكامِلِ لِلْهُزَلِيِّ: (والعِصْرِ، والصِّبْرِ، والفِجْرِ، والوِتْرِ)، بِكَسْرِ ما قَبْلَ السّاكِنِ في هَذِهِ كُلِّها هارُونُ، وابْنُ مُوسى عَنْ أبِي عَمْرٍو، والباقُونَ: بِالإسْكانِ كالجَماعَةِ. انْتَهى. وقالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: ﴿وتَواصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ بِنَقْلِ الحَرَكَةِ عَنْ أبِي عَمْرٍو. وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ عِيسى البَصْرَةِ: (بِالصَّبِرِ)، بِنَقْلِ حَرَكَةِ الرّاءِ إلى الباءِ لِئَلّا يَحْتاجَ أنْ يَأْتِيَ بِبَعْضِ الحَرَكَةِ في الوَقْفِ، ولا إلى أنْ يُسَكِّنَ فَيَجْمَعَ بَيْنَ ساكِنَيْنِ، وذَلِكَ لُغَةٌ شائِعَةٌ، ولَيْسَتْ شاذَّةً بَلْ مُسْتَفِيضَةٌ، وذَلِكَ دَلالَةٌ عَلى الإعْرابِ، وانْفِصالٌ عَنِ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ، ومادَّتُهُ حَقُّ المَوْقُوفِ عَلَيْهِ مِنَ السُّكُونِ. انْتَهى. وقَدْ أنْشَدْنا في الدَّلالَةِ عَلى هَذا في شَرْحِ التَّسْهِيلِ عِدَّةَ أبْياتٍ، كَقَوْلِ الرّاجِزِ: ؎أنا جَرِيرٌ كُنْيَتِي أبُو عَمِرْ ∗∗∗ أضْرِبُ بِالسَّيْفِ وسَعْدٌ في العَصِرْ يُرِيدُ: أبُو عَمْرٍو. والعَصْرُ. والإنْسانُ اسْمُ جِنْسٍ يَعُمُّ، ولِذَلِكَ صَحَّ الِاسْتِثْناءُ مِنهُ، والخُسْرُ: الخُسْرانُ، كالكُفْرِ والكُفْرانِ، وأيُّ خُسْرانٍ أعْظَمُ مِمَّنْ خَسِرَ الدُّنْيا والآخِرَةَ ؟ وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزَ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وهارُونُ عَنْ أبِي بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ”خُسُرٍ“ بِضَمِّ السِّينِ، والجُمْهُورُ بِالسُّكُونِ، ومَن باعَ آخِرَتَهُ بِدُنْياهُ فَهو في غايَةِ الخُسْرانِ، بِخِلافِ المُؤْمِنِ، فَإنَّهُ اشْتَرى الآخِرَةَ بِالدُّنْيا، فَرَبِحَ وسَعِدَ. ﴿وتَواصَوْا بِالحَقِّ﴾ أيْ بِالأمْرِ الثّابِتِ مِنَ الَّذِينَ عَمِلُوا بِهِ وتَواصَوْا بِهِ ﴿وتَواصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ في طاعَةِ اللَّهِ تَعالى، وعَنِ المَعاصِي.

العصر 103:3

(p-٥٠٩)سُورَةُ العَصْرِ مَكِّيَّةٌ وهي ثَلاثُ آياتٍ ﷽ ﴿والعَصْرِ﴾ ﴿إنَّ الإنْسانَ لَفي خُسْرٍ﴾ ﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وتَواصَوْا بِالحَقِّ وتَواصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ . هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ الزُّبَيْرِ والجُمْهُورِ، ومَدَنِيَّةٌ في قَوْلِ مُجاهِدٍ وقَتادَةَ ومُقاتِلٍ. لَمّا قالَ فِيما قَبْلَها: ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ [التكاثر: ١] ووَقَعَ التَّهْدِيدُ بِتَكْرارِ ﴿كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [التكاثر: ٣] بَيَّنَ حالَ المُؤْمِنِ والكافِرِ. ﴿والعَصْرِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو الدَّهْرُ، يُقالُ فِيهِ عَصْرٌ وعِصْرٌ وعُصْرٌ، أقْسَمَ بِهِ تَعالى لِما في مُرُورِهِ مِن أصْنافِ العَجائِبِ. وقالَ قَتادَةُ: العَصْرُ: العَشِيُّ، أقْسَمَ بِهِ كَما أقْسَمَ بِالضُّحى لِما فِيهِما مِن دَلائِلِ القُدْرَةِ. وقِيلَ: العَصْرُ: اليَوْمُ واللَّيْلَةُ، ومِنهُ قَوْلُ حُمَيْدِ بْنِ ثَوْرٍ: ؎ولَنْ يَلْبَثَ العَصْرانِ يَوْمًا ولَيْلَةً إذا طَلَبا أنْ يُدْرِكا ما تَيَمَّما وقِيلَ: العَصْرُ بُكْرَةٌ، والعَصْرُ عَشِيَّةٌ، وهُما الأبْرَدانِ، فَعَلى هَذا والقَوْلِ قَبْلَهُ يَكُونُ القَسَمُ بِواحِدٍ مِنهُما غَيْرَ مُعَيَّنٍ، وقالَ مُقاتِلٌ: العَصْرُ: الصَّلاةُ الوُسْطى، أقْسَمَ بِها. وبِهَذا القَوْلِ بَدَأ الزَّمَخْشَرِيُّ قالَ: لِفَضْلِها بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿والصَّلاةِ الوُسْطى﴾ [البقرة: ٢٣٨] صَلاةِ العَصْرِ، في مُصْحَفِ حَفْصَةَ، وقَوْلِهِ: (مَن فاتَتْهُ صَلاةُ العَصْرِ فَكَأنَّما وُتِرَ أهْلَهُ ومالَهُ) لِأنَّ التَّنْكِيفَ في أدائِها أشَقُّ لِتَهافُتِ النّاسِ في تِجاراتِهِمْ وتَحاسُبِهِمْ آخِرَ النَّهارِ واشْتِغالِهِمْ بِمَعايِشِهِمْ. انْتَهى. وقَرَأ سَلّامٌ: ﴿والعَصْرِ﴾ بِكَسْرِ الصّادِ، (الصَّبِرِ) بِكَسْرِ الباءِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا لا يَجُوزُ إلّا في الوَقْفِ عَلى نَقْلِ الحَرَكَةِ. ورُوِيَ عَنْ أبِي عَمْرٍو: (بِالصَّبْرِ) بِكَسْرِ الباءِ إشْمامًا، وهَذا أيْضًا لا يَكُونُ إلّا في الوَقْفِ. انْتَهى. وفي الكامِلِ لِلْهُزَلِيِّ: (والعِصْرِ، والصِّبْرِ، والفِجْرِ، والوِتْرِ)، بِكَسْرِ ما قَبْلَ السّاكِنِ في هَذِهِ كُلِّها هارُونُ، وابْنُ مُوسى عَنْ أبِي عَمْرٍو، والباقُونَ: بِالإسْكانِ كالجَماعَةِ. انْتَهى. وقالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: ﴿وتَواصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ بِنَقْلِ الحَرَكَةِ عَنْ أبِي عَمْرٍو. وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ عِيسى البَصْرَةِ: (بِالصَّبِرِ)، بِنَقْلِ حَرَكَةِ الرّاءِ إلى الباءِ لِئَلّا يَحْتاجَ أنْ يَأْتِيَ بِبَعْضِ الحَرَكَةِ في الوَقْفِ، ولا إلى أنْ يُسَكِّنَ فَيَجْمَعَ بَيْنَ ساكِنَيْنِ، وذَلِكَ لُغَةٌ شائِعَةٌ، ولَيْسَتْ شاذَّةً بَلْ مُسْتَفِيضَةٌ، وذَلِكَ دَلالَةٌ عَلى الإعْرابِ، وانْفِصالٌ عَنِ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ، ومادَّتُهُ حَقُّ المَوْقُوفِ عَلَيْهِ مِنَ السُّكُونِ. انْتَهى. وقَدْ أنْشَدْنا في الدَّلالَةِ عَلى هَذا في شَرْحِ التَّسْهِيلِ عِدَّةَ أبْياتٍ، كَقَوْلِ الرّاجِزِ: ؎أنا جَرِيرٌ كُنْيَتِي أبُو عَمِرْ ∗∗∗ أضْرِبُ بِالسَّيْفِ وسَعْدٌ في العَصِرْ يُرِيدُ: أبُو عَمْرٍو. والعَصْرُ. والإنْسانُ اسْمُ جِنْسٍ يَعُمُّ، ولِذَلِكَ صَحَّ الِاسْتِثْناءُ مِنهُ، والخُسْرُ: الخُسْرانُ، كالكُفْرِ والكُفْرانِ، وأيُّ خُسْرانٍ أعْظَمُ مِمَّنْ خَسِرَ الدُّنْيا والآخِرَةَ ؟ وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزَ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وهارُونُ عَنْ أبِي بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ”خُسُرٍ“ بِضَمِّ السِّينِ، والجُمْهُورُ بِالسُّكُونِ، ومَن باعَ آخِرَتَهُ بِدُنْياهُ فَهو في غايَةِ الخُسْرانِ، بِخِلافِ المُؤْمِنِ، فَإنَّهُ اشْتَرى الآخِرَةَ بِالدُّنْيا، فَرَبِحَ وسَعِدَ. ﴿وتَواصَوْا بِالحَقِّ﴾ أيْ بِالأمْرِ الثّابِتِ مِنَ الَّذِينَ عَمِلُوا بِهِ وتَواصَوْا بِهِ ﴿وتَواصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ في طاعَةِ اللَّهِ تَعالى، وعَنِ المَعاصِي.

الهمزة 104:1

سُورَةُ الهُمَزَةِ مَكِّيَّةٌ وهي تِسْعُ آياتٍ ﷽ ﴿ويْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ ﴿الَّذِي جَمَعَ مالًا وعَدَّدَهُ﴾ ﴿يَحْسَبُ أنَّ مالَهُ أخْلَدَهُ﴾ ﴿كَلّا لَيُنْبَذَنَّ في الحُطَمَةِ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما الحُطَمَةُ﴾ ﴿نارُ اللَّهِ المُوقَدَةُ﴾ ﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلى الأفْئِدَةِ﴾ ﴿إنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾ ﴿فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ (p-٥١٠)الحُطَمَةُ: أصْلُهُ الوَصْفُ مِن قَوْلِهِمْ رَجُلٌ حُطَمَةٌ: أيْ أكُولٌ، قالَ الرّاجِزُ: ؎قَدْ لَفَّها اللَّيْلُ بِسَوّاقِ الحُطَمِ وقالَ آخَرُ: ؎إنّا حَطَمْنا بِالقَضِيبِ مُصْعَبًا ∗∗∗ يَوْمَ كَسَرْنا أنْفَهُ لِيَغْضَبا ﴿ويْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ ﴿الَّذِي جَمَعَ مالًا وعَدَّدَهُ﴾ ﴿يَحْسَبُ أنَّ مالَهُ أخْلَدَهُ﴾ ﴿كَلّا لَيُنْبَذَنَّ في الحُطَمَةِ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما الحُطَمَةُ﴾ ﴿نارُ اللَّهِ المُوقَدَةُ﴾ ﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلى الأفْئِدَةِ﴾ ﴿إنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾ ﴿فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ . هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، لَمّا قالَ فِيما قَبْلَها: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَفي خُسْرٍ﴾ [العصر: ٢] بَيَّنَ حالَ الخاسِرِ فَقالَ: ﴿ويْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ﴾ ونَزَلَتْ في الأخْنَسِ بْنِ شُرَيْقٍ، أوِ العاصِي بْنِ وائِلٍ، أوْ جَمِيلِ بْنِ مَعْمَرٍ، أوِ الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، أوْ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، أقْوالٌ، ويُمْكِنُ أنْ تَكُونَ نَزَلَتْ في الجَمِيعِ، وهي مَعَ ذَلِكَ عامَّةٌ فِيمَنِ اتَّصَفَ بِهَذِهِ الأوْصافِ، وقالَ السُّهَيْلِيُّ: هو أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ الجُمَحِيُّ، كانَ يَهْمِزُ النَّبِيَّ ﷺ، ويُعَيِّنُهُ ذَكَرَهُ ابْنُ إسْحاقَ، وإنَّما ذَكَرْتُهُ، وإنْ كانَ اللَّفْظُ عامًّا، لِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى تابَعَ في أوْصافِهِ والخَبَرِ عَنْهُ حَتّى فُهِمَ أنَّهُ يُشِيرُ إلى شَخْصٍ بِعَيْنِهِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ في سُورَةِ ن: ﴿ولا تُطِعْ كُلَّ حَلّافٍ مَهِينٍ﴾ [القلم: ١٠] . تابَعَ في الصِّفاتِ حَتّى عُلِمَ أنَّهُ يُرِيدُ إنْسانًا بِعَيْنِهِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في الهُمَزَةِ في سُورَةِ ن، وفي اللَّمْزِ في سُورَةِ بَراءَةَ، وفِعْلُهُ مِن أبْنِيَةِ المُبالَغَةِ، كَنُوَمَةٍ وعُيَبَةٍ وسُحَرَةٍ وضُحَكَةٍ، وقالَ زِيادٌ الأعْجَمُ: ؎تُدْلِي بِوُدِّي إذا لاقَيْتَنِي كَذِبًا ∗∗∗ وإنْ أغِيبُ فَأنْتَ الهامِزُ اللُّمَزَهْ وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِفَتْحِ المِيمِ فِيهِما، والباقُونَ: بِسُكُونِها، وهو المَسْخَرَةُ الَّذِي يَأْتِي بِالأضاحِيكِ مِنهُ، ويَشْتُمُ ويَهْمِزُ ويَلْمِزُ. (الَّذِي) بَدَلٌ، أوْ نَصْبٌ عَلى الذَّمِّ، وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو جَعْفَرٍ وابْنُ عامِرٍ والأخَوانِ: جَمْعٌ مُشَدَّدُ المِيمِ، وباقِي السَّبْعَةِ: بِالتَّخْفِيفِ، والجُمْهُورُ: (وعَدَّدَهُ) بِشَدِّ الدّالِ الأُولى: أيْ أحْصاهُ وحافَظَ عَلَيْهِ، وقِيلَ: جَعَلَهُ عِدَّةً لِطَوارِقِ الدَّهْرِ، والحَسَنُ والكَلْبِيُّ: بِتَخْفِيفِهِما، أيْ جَمَعَ المالَ وضَبَطَ عَدَدَهُ، وقِيلَ: وعَدَدًا مِن عَشِيرَتِهِ، وقِيلَ: وعَدَدَهُ عَلى تَرْكِ الإدْغامِ، كَقَوْلِهِ: ؎إنِّي أجُودُ لِأقْوامٍ وإنْ ضَنِنُوا (أخْلَدَهُ) أيْ أبْقاهُ حَيًّا، إذْ بِهِ قِوامُ حَياتِهِ وحِفْظُهُ مُدَّةَ عُمْرِهِ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ طَوَّلَ المالُ أمَلَهُ ومَنّاهُ الأمانِيَّ البَعِيدَةَ، حَتّى أصْبَحَ لِفَرْطِ غَفْلَتِهِ وطُولِ أمَلِهِ يَحْسَبُ أنَّ المالَ تَرَكَهُ خالِدًا في الدُّنْيا لا يَمُوتُ، قِيلَ: وكانَ لِلْأخْنَسِ أرْبَعَةُ آلافِ دِينارٍ، وقِيلَ: عَشَرَةُ آلافِ دِينارٍ. (كَلّا) رَدْعٌ لَهُ عَنْ حُسْبانِهِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (لَيُنْبَذَنَّ) فِيهِ ضَمِيرُ الواحِدِ، وعَلِيٌّ والحَسَنُ: بِخِلافٍ عَنْهُ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وحُمَيْدٌ، وهارُونُ عَنْ أبِي عَمْرٍو: (ولَيُنْبَذانِ)، بِألِفِ ضَمِيرِ اثْنَيْنِ، الهُمَزَةُ ومالُهُ. وعَنِ الحَسَنِ أيْضًا: لَيُنْبَذُنَّ بِضَمِّ الذّالِ، أيْ هو وأنْصارُهُ. وعَنْ أبِي عَمْرٍو: لَيَنْبُذَنَّهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فِي الحُطَمَةِ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما الحُطَمَةُ﴾ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: في الحاطِمَةِ وما أدْراكَ ما الحاطِمَةُ، وهي النّارُ الَّتِي مِن شَأْنِها أنْ تُحَطِّمَ كُلَّ ما يُلْقى فِيها، قالَ الضَّحّاكُ: الحُطَمَةُ: الدَّرْكُ الرّابِعُ مِنَ النّارِ. وقالَ الكَلْبِيُّ: الطَّبَقَةُ السّادِسَةُ مِن جَهَنَّمَ، وحَكى عَنْهُ القُشَيْرِيُّ أنَّها الدَّرَكَةُ الثّانِيَةُ، وعَنْهُ أيْضًا: البابُ الثّانِي، وقالَ الواحِدِيُّ: بابٌ مِن أبْوابِ جَهَنَّمَ. انْتَهى. ﴿نارُ اللَّهِ﴾ أيْ هي، أيِ الحُطَمَةُ ﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلى الأفْئِدَةِ﴾ ذُكِرَتِ الأفْئِدَةُ لِأنَّها ألْطَفُ ما في البَدَنِ وأشَدُّهُ تَألُّمًا بِأدْنى شَيْءٍ مِنَ الأذى، واطِّلاعُ النّارِ عَلَيْها هو أنَّها تَعْلُوها وتَشْتَمِلُ عَلَيْها، وهي تَعْلُو الكُفّارَ في جَمِيعِ أبْدانِهِمْ، لَكِنْ نَبَّهَ عَلى الأشْرَفِ؛ لِأنَّها مَقَرُّ العَقائِدِ، وقَرَأ الأخَوانِ وأبُو بَكْرٍ: في (عُمُدٍ) بِضَمَّتَيْنِ جَمْعُ عَمُودٍ، وهارُونُ عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِضَمِّ العَيْنِ وسُكُونِ المِيمِ، وباقِي السَّبْعَةِ: بِفَتْحِها، (p-٥١١)وهُوَ اسْمُ جَمْعٍ، الواحِدُ عَمُودٌ، وقالَ الفَرّاءُ: جَمْعُ عَمُودٍ، كَما قالُوا: أدِيمٌ وأُدُمٌ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: جَمْعُ عِمادٍ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: في عَمَدٍ حَدِيدٍ مَغْلُولِينَ بِها. وقالَ أبُو صالِحٍ: هَذِهِ النّارُ هي قُبُورُهم، والظّاهِرُ أنَّها نارُ الآخِرَةِ، إذْ يَئِسُوا مِنَ الخُرُوجِ بِإطْباقِ الأبْوابِ عَلَيْهِمْ وتَمَدُّدِ العَمَدِ، كُلُّ ذَلِكَ إيذانًا بِالخُلُودِ إلى غَيْرِ نِهايَةٍ. وقالَ قَتادَةُ: كُنّا نُحَدَّثُ أنَّها عَمَدٌ يُعَذَّبُونَ بِها في النّارِ. وقالَ أبُو صالِحٍ: هي القُيُودُ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

الهمزة 104:2

سُورَةُ الهُمَزَةِ مَكِّيَّةٌ وهي تِسْعُ آياتٍ ﷽ ﴿ويْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ ﴿الَّذِي جَمَعَ مالًا وعَدَّدَهُ﴾ ﴿يَحْسَبُ أنَّ مالَهُ أخْلَدَهُ﴾ ﴿كَلّا لَيُنْبَذَنَّ في الحُطَمَةِ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما الحُطَمَةُ﴾ ﴿نارُ اللَّهِ المُوقَدَةُ﴾ ﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلى الأفْئِدَةِ﴾ ﴿إنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾ ﴿فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ (p-٥١٠)الحُطَمَةُ: أصْلُهُ الوَصْفُ مِن قَوْلِهِمْ رَجُلٌ حُطَمَةٌ: أيْ أكُولٌ، قالَ الرّاجِزُ: ؎قَدْ لَفَّها اللَّيْلُ بِسَوّاقِ الحُطَمِ وقالَ آخَرُ: ؎إنّا حَطَمْنا بِالقَضِيبِ مُصْعَبًا ∗∗∗ يَوْمَ كَسَرْنا أنْفَهُ لِيَغْضَبا ﴿ويْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ ﴿الَّذِي جَمَعَ مالًا وعَدَّدَهُ﴾ ﴿يَحْسَبُ أنَّ مالَهُ أخْلَدَهُ﴾ ﴿كَلّا لَيُنْبَذَنَّ في الحُطَمَةِ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما الحُطَمَةُ﴾ ﴿نارُ اللَّهِ المُوقَدَةُ﴾ ﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلى الأفْئِدَةِ﴾ ﴿إنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾ ﴿فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ . هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، لَمّا قالَ فِيما قَبْلَها: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَفي خُسْرٍ﴾ [العصر: ٢] بَيَّنَ حالَ الخاسِرِ فَقالَ: ﴿ويْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ﴾ ونَزَلَتْ في الأخْنَسِ بْنِ شُرَيْقٍ، أوِ العاصِي بْنِ وائِلٍ، أوْ جَمِيلِ بْنِ مَعْمَرٍ، أوِ الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، أوْ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، أقْوالٌ، ويُمْكِنُ أنْ تَكُونَ نَزَلَتْ في الجَمِيعِ، وهي مَعَ ذَلِكَ عامَّةٌ فِيمَنِ اتَّصَفَ بِهَذِهِ الأوْصافِ، وقالَ السُّهَيْلِيُّ: هو أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ الجُمَحِيُّ، كانَ يَهْمِزُ النَّبِيَّ ﷺ، ويُعَيِّنُهُ ذَكَرَهُ ابْنُ إسْحاقَ، وإنَّما ذَكَرْتُهُ، وإنْ كانَ اللَّفْظُ عامًّا، لِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى تابَعَ في أوْصافِهِ والخَبَرِ عَنْهُ حَتّى فُهِمَ أنَّهُ يُشِيرُ إلى شَخْصٍ بِعَيْنِهِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ في سُورَةِ ن: ﴿ولا تُطِعْ كُلَّ حَلّافٍ مَهِينٍ﴾ [القلم: ١٠] . تابَعَ في الصِّفاتِ حَتّى عُلِمَ أنَّهُ يُرِيدُ إنْسانًا بِعَيْنِهِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في الهُمَزَةِ في سُورَةِ ن، وفي اللَّمْزِ في سُورَةِ بَراءَةَ، وفِعْلُهُ مِن أبْنِيَةِ المُبالَغَةِ، كَنُوَمَةٍ وعُيَبَةٍ وسُحَرَةٍ وضُحَكَةٍ، وقالَ زِيادٌ الأعْجَمُ: ؎تُدْلِي بِوُدِّي إذا لاقَيْتَنِي كَذِبًا ∗∗∗ وإنْ أغِيبُ فَأنْتَ الهامِزُ اللُّمَزَهْ وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِفَتْحِ المِيمِ فِيهِما، والباقُونَ: بِسُكُونِها، وهو المَسْخَرَةُ الَّذِي يَأْتِي بِالأضاحِيكِ مِنهُ، ويَشْتُمُ ويَهْمِزُ ويَلْمِزُ. (الَّذِي) بَدَلٌ، أوْ نَصْبٌ عَلى الذَّمِّ، وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو جَعْفَرٍ وابْنُ عامِرٍ والأخَوانِ: جَمْعٌ مُشَدَّدُ المِيمِ، وباقِي السَّبْعَةِ: بِالتَّخْفِيفِ، والجُمْهُورُ: (وعَدَّدَهُ) بِشَدِّ الدّالِ الأُولى: أيْ أحْصاهُ وحافَظَ عَلَيْهِ، وقِيلَ: جَعَلَهُ عِدَّةً لِطَوارِقِ الدَّهْرِ، والحَسَنُ والكَلْبِيُّ: بِتَخْفِيفِهِما، أيْ جَمَعَ المالَ وضَبَطَ عَدَدَهُ، وقِيلَ: وعَدَدًا مِن عَشِيرَتِهِ، وقِيلَ: وعَدَدَهُ عَلى تَرْكِ الإدْغامِ، كَقَوْلِهِ: ؎إنِّي أجُودُ لِأقْوامٍ وإنْ ضَنِنُوا (أخْلَدَهُ) أيْ أبْقاهُ حَيًّا، إذْ بِهِ قِوامُ حَياتِهِ وحِفْظُهُ مُدَّةَ عُمْرِهِ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ طَوَّلَ المالُ أمَلَهُ ومَنّاهُ الأمانِيَّ البَعِيدَةَ، حَتّى أصْبَحَ لِفَرْطِ غَفْلَتِهِ وطُولِ أمَلِهِ يَحْسَبُ أنَّ المالَ تَرَكَهُ خالِدًا في الدُّنْيا لا يَمُوتُ، قِيلَ: وكانَ لِلْأخْنَسِ أرْبَعَةُ آلافِ دِينارٍ، وقِيلَ: عَشَرَةُ آلافِ دِينارٍ. (كَلّا) رَدْعٌ لَهُ عَنْ حُسْبانِهِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (لَيُنْبَذَنَّ) فِيهِ ضَمِيرُ الواحِدِ، وعَلِيٌّ والحَسَنُ: بِخِلافٍ عَنْهُ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وحُمَيْدٌ، وهارُونُ عَنْ أبِي عَمْرٍو: (ولَيُنْبَذانِ)، بِألِفِ ضَمِيرِ اثْنَيْنِ، الهُمَزَةُ ومالُهُ. وعَنِ الحَسَنِ أيْضًا: لَيُنْبَذُنَّ بِضَمِّ الذّالِ، أيْ هو وأنْصارُهُ. وعَنْ أبِي عَمْرٍو: لَيَنْبُذَنَّهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فِي الحُطَمَةِ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما الحُطَمَةُ﴾ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: في الحاطِمَةِ وما أدْراكَ ما الحاطِمَةُ، وهي النّارُ الَّتِي مِن شَأْنِها أنْ تُحَطِّمَ كُلَّ ما يُلْقى فِيها، قالَ الضَّحّاكُ: الحُطَمَةُ: الدَّرْكُ الرّابِعُ مِنَ النّارِ. وقالَ الكَلْبِيُّ: الطَّبَقَةُ السّادِسَةُ مِن جَهَنَّمَ، وحَكى عَنْهُ القُشَيْرِيُّ أنَّها الدَّرَكَةُ الثّانِيَةُ، وعَنْهُ أيْضًا: البابُ الثّانِي، وقالَ الواحِدِيُّ: بابٌ مِن أبْوابِ جَهَنَّمَ. انْتَهى. ﴿نارُ اللَّهِ﴾ أيْ هي، أيِ الحُطَمَةُ ﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلى الأفْئِدَةِ﴾ ذُكِرَتِ الأفْئِدَةُ لِأنَّها ألْطَفُ ما في البَدَنِ وأشَدُّهُ تَألُّمًا بِأدْنى شَيْءٍ مِنَ الأذى، واطِّلاعُ النّارِ عَلَيْها هو أنَّها تَعْلُوها وتَشْتَمِلُ عَلَيْها، وهي تَعْلُو الكُفّارَ في جَمِيعِ أبْدانِهِمْ، لَكِنْ نَبَّهَ عَلى الأشْرَفِ؛ لِأنَّها مَقَرُّ العَقائِدِ، وقَرَأ الأخَوانِ وأبُو بَكْرٍ: في (عُمُدٍ) بِضَمَّتَيْنِ جَمْعُ عَمُودٍ، وهارُونُ عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِضَمِّ العَيْنِ وسُكُونِ المِيمِ، وباقِي السَّبْعَةِ: بِفَتْحِها، (p-٥١١)وهُوَ اسْمُ جَمْعٍ، الواحِدُ عَمُودٌ، وقالَ الفَرّاءُ: جَمْعُ عَمُودٍ، كَما قالُوا: أدِيمٌ وأُدُمٌ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: جَمْعُ عِمادٍ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: في عَمَدٍ حَدِيدٍ مَغْلُولِينَ بِها. وقالَ أبُو صالِحٍ: هَذِهِ النّارُ هي قُبُورُهم، والظّاهِرُ أنَّها نارُ الآخِرَةِ، إذْ يَئِسُوا مِنَ الخُرُوجِ بِإطْباقِ الأبْوابِ عَلَيْهِمْ وتَمَدُّدِ العَمَدِ، كُلُّ ذَلِكَ إيذانًا بِالخُلُودِ إلى غَيْرِ نِهايَةٍ. وقالَ قَتادَةُ: كُنّا نُحَدَّثُ أنَّها عَمَدٌ يُعَذَّبُونَ بِها في النّارِ. وقالَ أبُو صالِحٍ: هي القُيُودُ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

الهمزة 104:3

سُورَةُ الهُمَزَةِ مَكِّيَّةٌ وهي تِسْعُ آياتٍ ﷽ ﴿ويْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ ﴿الَّذِي جَمَعَ مالًا وعَدَّدَهُ﴾ ﴿يَحْسَبُ أنَّ مالَهُ أخْلَدَهُ﴾ ﴿كَلّا لَيُنْبَذَنَّ في الحُطَمَةِ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما الحُطَمَةُ﴾ ﴿نارُ اللَّهِ المُوقَدَةُ﴾ ﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلى الأفْئِدَةِ﴾ ﴿إنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾ ﴿فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ (p-٥١٠)الحُطَمَةُ: أصْلُهُ الوَصْفُ مِن قَوْلِهِمْ رَجُلٌ حُطَمَةٌ: أيْ أكُولٌ، قالَ الرّاجِزُ: ؎قَدْ لَفَّها اللَّيْلُ بِسَوّاقِ الحُطَمِ وقالَ آخَرُ: ؎إنّا حَطَمْنا بِالقَضِيبِ مُصْعَبًا ∗∗∗ يَوْمَ كَسَرْنا أنْفَهُ لِيَغْضَبا ﴿ويْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ ﴿الَّذِي جَمَعَ مالًا وعَدَّدَهُ﴾ ﴿يَحْسَبُ أنَّ مالَهُ أخْلَدَهُ﴾ ﴿كَلّا لَيُنْبَذَنَّ في الحُطَمَةِ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما الحُطَمَةُ﴾ ﴿نارُ اللَّهِ المُوقَدَةُ﴾ ﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلى الأفْئِدَةِ﴾ ﴿إنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾ ﴿فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ . هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، لَمّا قالَ فِيما قَبْلَها: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَفي خُسْرٍ﴾ [العصر: ٢] بَيَّنَ حالَ الخاسِرِ فَقالَ: ﴿ويْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ﴾ ونَزَلَتْ في الأخْنَسِ بْنِ شُرَيْقٍ، أوِ العاصِي بْنِ وائِلٍ، أوْ جَمِيلِ بْنِ مَعْمَرٍ، أوِ الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، أوْ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، أقْوالٌ، ويُمْكِنُ أنْ تَكُونَ نَزَلَتْ في الجَمِيعِ، وهي مَعَ ذَلِكَ عامَّةٌ فِيمَنِ اتَّصَفَ بِهَذِهِ الأوْصافِ، وقالَ السُّهَيْلِيُّ: هو أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ الجُمَحِيُّ، كانَ يَهْمِزُ النَّبِيَّ ﷺ، ويُعَيِّنُهُ ذَكَرَهُ ابْنُ إسْحاقَ، وإنَّما ذَكَرْتُهُ، وإنْ كانَ اللَّفْظُ عامًّا، لِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى تابَعَ في أوْصافِهِ والخَبَرِ عَنْهُ حَتّى فُهِمَ أنَّهُ يُشِيرُ إلى شَخْصٍ بِعَيْنِهِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ في سُورَةِ ن: ﴿ولا تُطِعْ كُلَّ حَلّافٍ مَهِينٍ﴾ [القلم: ١٠] . تابَعَ في الصِّفاتِ حَتّى عُلِمَ أنَّهُ يُرِيدُ إنْسانًا بِعَيْنِهِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في الهُمَزَةِ في سُورَةِ ن، وفي اللَّمْزِ في سُورَةِ بَراءَةَ، وفِعْلُهُ مِن أبْنِيَةِ المُبالَغَةِ، كَنُوَمَةٍ وعُيَبَةٍ وسُحَرَةٍ وضُحَكَةٍ، وقالَ زِيادٌ الأعْجَمُ: ؎تُدْلِي بِوُدِّي إذا لاقَيْتَنِي كَذِبًا ∗∗∗ وإنْ أغِيبُ فَأنْتَ الهامِزُ اللُّمَزَهْ وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِفَتْحِ المِيمِ فِيهِما، والباقُونَ: بِسُكُونِها، وهو المَسْخَرَةُ الَّذِي يَأْتِي بِالأضاحِيكِ مِنهُ، ويَشْتُمُ ويَهْمِزُ ويَلْمِزُ. (الَّذِي) بَدَلٌ، أوْ نَصْبٌ عَلى الذَّمِّ، وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو جَعْفَرٍ وابْنُ عامِرٍ والأخَوانِ: جَمْعٌ مُشَدَّدُ المِيمِ، وباقِي السَّبْعَةِ: بِالتَّخْفِيفِ، والجُمْهُورُ: (وعَدَّدَهُ) بِشَدِّ الدّالِ الأُولى: أيْ أحْصاهُ وحافَظَ عَلَيْهِ، وقِيلَ: جَعَلَهُ عِدَّةً لِطَوارِقِ الدَّهْرِ، والحَسَنُ والكَلْبِيُّ: بِتَخْفِيفِهِما، أيْ جَمَعَ المالَ وضَبَطَ عَدَدَهُ، وقِيلَ: وعَدَدًا مِن عَشِيرَتِهِ، وقِيلَ: وعَدَدَهُ عَلى تَرْكِ الإدْغامِ، كَقَوْلِهِ: ؎إنِّي أجُودُ لِأقْوامٍ وإنْ ضَنِنُوا (أخْلَدَهُ) أيْ أبْقاهُ حَيًّا، إذْ بِهِ قِوامُ حَياتِهِ وحِفْظُهُ مُدَّةَ عُمْرِهِ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ طَوَّلَ المالُ أمَلَهُ ومَنّاهُ الأمانِيَّ البَعِيدَةَ، حَتّى أصْبَحَ لِفَرْطِ غَفْلَتِهِ وطُولِ أمَلِهِ يَحْسَبُ أنَّ المالَ تَرَكَهُ خالِدًا في الدُّنْيا لا يَمُوتُ، قِيلَ: وكانَ لِلْأخْنَسِ أرْبَعَةُ آلافِ دِينارٍ، وقِيلَ: عَشَرَةُ آلافِ دِينارٍ. (كَلّا) رَدْعٌ لَهُ عَنْ حُسْبانِهِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (لَيُنْبَذَنَّ) فِيهِ ضَمِيرُ الواحِدِ، وعَلِيٌّ والحَسَنُ: بِخِلافٍ عَنْهُ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وحُمَيْدٌ، وهارُونُ عَنْ أبِي عَمْرٍو: (ولَيُنْبَذانِ)، بِألِفِ ضَمِيرِ اثْنَيْنِ، الهُمَزَةُ ومالُهُ. وعَنِ الحَسَنِ أيْضًا: لَيُنْبَذُنَّ بِضَمِّ الذّالِ، أيْ هو وأنْصارُهُ. وعَنْ أبِي عَمْرٍو: لَيَنْبُذَنَّهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فِي الحُطَمَةِ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما الحُطَمَةُ﴾ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: في الحاطِمَةِ وما أدْراكَ ما الحاطِمَةُ، وهي النّارُ الَّتِي مِن شَأْنِها أنْ تُحَطِّمَ كُلَّ ما يُلْقى فِيها، قالَ الضَّحّاكُ: الحُطَمَةُ: الدَّرْكُ الرّابِعُ مِنَ النّارِ. وقالَ الكَلْبِيُّ: الطَّبَقَةُ السّادِسَةُ مِن جَهَنَّمَ، وحَكى عَنْهُ القُشَيْرِيُّ أنَّها الدَّرَكَةُ الثّانِيَةُ، وعَنْهُ أيْضًا: البابُ الثّانِي، وقالَ الواحِدِيُّ: بابٌ مِن أبْوابِ جَهَنَّمَ. انْتَهى. ﴿نارُ اللَّهِ﴾ أيْ هي، أيِ الحُطَمَةُ ﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلى الأفْئِدَةِ﴾ ذُكِرَتِ الأفْئِدَةُ لِأنَّها ألْطَفُ ما في البَدَنِ وأشَدُّهُ تَألُّمًا بِأدْنى شَيْءٍ مِنَ الأذى، واطِّلاعُ النّارِ عَلَيْها هو أنَّها تَعْلُوها وتَشْتَمِلُ عَلَيْها، وهي تَعْلُو الكُفّارَ في جَمِيعِ أبْدانِهِمْ، لَكِنْ نَبَّهَ عَلى الأشْرَفِ؛ لِأنَّها مَقَرُّ العَقائِدِ، وقَرَأ الأخَوانِ وأبُو بَكْرٍ: في (عُمُدٍ) بِضَمَّتَيْنِ جَمْعُ عَمُودٍ، وهارُونُ عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِضَمِّ العَيْنِ وسُكُونِ المِيمِ، وباقِي السَّبْعَةِ: بِفَتْحِها، (p-٥١١)وهُوَ اسْمُ جَمْعٍ، الواحِدُ عَمُودٌ، وقالَ الفَرّاءُ: جَمْعُ عَمُودٍ، كَما قالُوا: أدِيمٌ وأُدُمٌ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: جَمْعُ عِمادٍ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: في عَمَدٍ حَدِيدٍ مَغْلُولِينَ بِها. وقالَ أبُو صالِحٍ: هَذِهِ النّارُ هي قُبُورُهم، والظّاهِرُ أنَّها نارُ الآخِرَةِ، إذْ يَئِسُوا مِنَ الخُرُوجِ بِإطْباقِ الأبْوابِ عَلَيْهِمْ وتَمَدُّدِ العَمَدِ، كُلُّ ذَلِكَ إيذانًا بِالخُلُودِ إلى غَيْرِ نِهايَةٍ. وقالَ قَتادَةُ: كُنّا نُحَدَّثُ أنَّها عَمَدٌ يُعَذَّبُونَ بِها في النّارِ. وقالَ أبُو صالِحٍ: هي القُيُودُ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

الهمزة 104:4

سُورَةُ الهُمَزَةِ مَكِّيَّةٌ وهي تِسْعُ آياتٍ ﷽ ﴿ويْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ ﴿الَّذِي جَمَعَ مالًا وعَدَّدَهُ﴾ ﴿يَحْسَبُ أنَّ مالَهُ أخْلَدَهُ﴾ ﴿كَلّا لَيُنْبَذَنَّ في الحُطَمَةِ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما الحُطَمَةُ﴾ ﴿نارُ اللَّهِ المُوقَدَةُ﴾ ﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلى الأفْئِدَةِ﴾ ﴿إنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾ ﴿فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ (p-٥١٠)الحُطَمَةُ: أصْلُهُ الوَصْفُ مِن قَوْلِهِمْ رَجُلٌ حُطَمَةٌ: أيْ أكُولٌ، قالَ الرّاجِزُ: ؎قَدْ لَفَّها اللَّيْلُ بِسَوّاقِ الحُطَمِ وقالَ آخَرُ: ؎إنّا حَطَمْنا بِالقَضِيبِ مُصْعَبًا ∗∗∗ يَوْمَ كَسَرْنا أنْفَهُ لِيَغْضَبا ﴿ويْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ ﴿الَّذِي جَمَعَ مالًا وعَدَّدَهُ﴾ ﴿يَحْسَبُ أنَّ مالَهُ أخْلَدَهُ﴾ ﴿كَلّا لَيُنْبَذَنَّ في الحُطَمَةِ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما الحُطَمَةُ﴾ ﴿نارُ اللَّهِ المُوقَدَةُ﴾ ﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلى الأفْئِدَةِ﴾ ﴿إنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾ ﴿فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ . هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، لَمّا قالَ فِيما قَبْلَها: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَفي خُسْرٍ﴾ [العصر: ٢] بَيَّنَ حالَ الخاسِرِ فَقالَ: ﴿ويْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ﴾ ونَزَلَتْ في الأخْنَسِ بْنِ شُرَيْقٍ، أوِ العاصِي بْنِ وائِلٍ، أوْ جَمِيلِ بْنِ مَعْمَرٍ، أوِ الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، أوْ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، أقْوالٌ، ويُمْكِنُ أنْ تَكُونَ نَزَلَتْ في الجَمِيعِ، وهي مَعَ ذَلِكَ عامَّةٌ فِيمَنِ اتَّصَفَ بِهَذِهِ الأوْصافِ، وقالَ السُّهَيْلِيُّ: هو أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ الجُمَحِيُّ، كانَ يَهْمِزُ النَّبِيَّ ﷺ، ويُعَيِّنُهُ ذَكَرَهُ ابْنُ إسْحاقَ، وإنَّما ذَكَرْتُهُ، وإنْ كانَ اللَّفْظُ عامًّا، لِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى تابَعَ في أوْصافِهِ والخَبَرِ عَنْهُ حَتّى فُهِمَ أنَّهُ يُشِيرُ إلى شَخْصٍ بِعَيْنِهِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ في سُورَةِ ن: ﴿ولا تُطِعْ كُلَّ حَلّافٍ مَهِينٍ﴾ [القلم: ١٠] . تابَعَ في الصِّفاتِ حَتّى عُلِمَ أنَّهُ يُرِيدُ إنْسانًا بِعَيْنِهِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في الهُمَزَةِ في سُورَةِ ن، وفي اللَّمْزِ في سُورَةِ بَراءَةَ، وفِعْلُهُ مِن أبْنِيَةِ المُبالَغَةِ، كَنُوَمَةٍ وعُيَبَةٍ وسُحَرَةٍ وضُحَكَةٍ، وقالَ زِيادٌ الأعْجَمُ: ؎تُدْلِي بِوُدِّي إذا لاقَيْتَنِي كَذِبًا ∗∗∗ وإنْ أغِيبُ فَأنْتَ الهامِزُ اللُّمَزَهْ وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِفَتْحِ المِيمِ فِيهِما، والباقُونَ: بِسُكُونِها، وهو المَسْخَرَةُ الَّذِي يَأْتِي بِالأضاحِيكِ مِنهُ، ويَشْتُمُ ويَهْمِزُ ويَلْمِزُ. (الَّذِي) بَدَلٌ، أوْ نَصْبٌ عَلى الذَّمِّ، وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو جَعْفَرٍ وابْنُ عامِرٍ والأخَوانِ: جَمْعٌ مُشَدَّدُ المِيمِ، وباقِي السَّبْعَةِ: بِالتَّخْفِيفِ، والجُمْهُورُ: (وعَدَّدَهُ) بِشَدِّ الدّالِ الأُولى: أيْ أحْصاهُ وحافَظَ عَلَيْهِ، وقِيلَ: جَعَلَهُ عِدَّةً لِطَوارِقِ الدَّهْرِ، والحَسَنُ والكَلْبِيُّ: بِتَخْفِيفِهِما، أيْ جَمَعَ المالَ وضَبَطَ عَدَدَهُ، وقِيلَ: وعَدَدًا مِن عَشِيرَتِهِ، وقِيلَ: وعَدَدَهُ عَلى تَرْكِ الإدْغامِ، كَقَوْلِهِ: ؎إنِّي أجُودُ لِأقْوامٍ وإنْ ضَنِنُوا (أخْلَدَهُ) أيْ أبْقاهُ حَيًّا، إذْ بِهِ قِوامُ حَياتِهِ وحِفْظُهُ مُدَّةَ عُمْرِهِ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ طَوَّلَ المالُ أمَلَهُ ومَنّاهُ الأمانِيَّ البَعِيدَةَ، حَتّى أصْبَحَ لِفَرْطِ غَفْلَتِهِ وطُولِ أمَلِهِ يَحْسَبُ أنَّ المالَ تَرَكَهُ خالِدًا في الدُّنْيا لا يَمُوتُ، قِيلَ: وكانَ لِلْأخْنَسِ أرْبَعَةُ آلافِ دِينارٍ، وقِيلَ: عَشَرَةُ آلافِ دِينارٍ. (كَلّا) رَدْعٌ لَهُ عَنْ حُسْبانِهِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (لَيُنْبَذَنَّ) فِيهِ ضَمِيرُ الواحِدِ، وعَلِيٌّ والحَسَنُ: بِخِلافٍ عَنْهُ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وحُمَيْدٌ، وهارُونُ عَنْ أبِي عَمْرٍو: (ولَيُنْبَذانِ)، بِألِفِ ضَمِيرِ اثْنَيْنِ، الهُمَزَةُ ومالُهُ. وعَنِ الحَسَنِ أيْضًا: لَيُنْبَذُنَّ بِضَمِّ الذّالِ، أيْ هو وأنْصارُهُ. وعَنْ أبِي عَمْرٍو: لَيَنْبُذَنَّهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فِي الحُطَمَةِ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما الحُطَمَةُ﴾ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: في الحاطِمَةِ وما أدْراكَ ما الحاطِمَةُ، وهي النّارُ الَّتِي مِن شَأْنِها أنْ تُحَطِّمَ كُلَّ ما يُلْقى فِيها، قالَ الضَّحّاكُ: الحُطَمَةُ: الدَّرْكُ الرّابِعُ مِنَ النّارِ. وقالَ الكَلْبِيُّ: الطَّبَقَةُ السّادِسَةُ مِن جَهَنَّمَ، وحَكى عَنْهُ القُشَيْرِيُّ أنَّها الدَّرَكَةُ الثّانِيَةُ، وعَنْهُ أيْضًا: البابُ الثّانِي، وقالَ الواحِدِيُّ: بابٌ مِن أبْوابِ جَهَنَّمَ. انْتَهى. ﴿نارُ اللَّهِ﴾ أيْ هي، أيِ الحُطَمَةُ ﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلى الأفْئِدَةِ﴾ ذُكِرَتِ الأفْئِدَةُ لِأنَّها ألْطَفُ ما في البَدَنِ وأشَدُّهُ تَألُّمًا بِأدْنى شَيْءٍ مِنَ الأذى، واطِّلاعُ النّارِ عَلَيْها هو أنَّها تَعْلُوها وتَشْتَمِلُ عَلَيْها، وهي تَعْلُو الكُفّارَ في جَمِيعِ أبْدانِهِمْ، لَكِنْ نَبَّهَ عَلى الأشْرَفِ؛ لِأنَّها مَقَرُّ العَقائِدِ، وقَرَأ الأخَوانِ وأبُو بَكْرٍ: في (عُمُدٍ) بِضَمَّتَيْنِ جَمْعُ عَمُودٍ، وهارُونُ عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِضَمِّ العَيْنِ وسُكُونِ المِيمِ، وباقِي السَّبْعَةِ: بِفَتْحِها، (p-٥١١)وهُوَ اسْمُ جَمْعٍ، الواحِدُ عَمُودٌ، وقالَ الفَرّاءُ: جَمْعُ عَمُودٍ، كَما قالُوا: أدِيمٌ وأُدُمٌ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: جَمْعُ عِمادٍ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: في عَمَدٍ حَدِيدٍ مَغْلُولِينَ بِها. وقالَ أبُو صالِحٍ: هَذِهِ النّارُ هي قُبُورُهم، والظّاهِرُ أنَّها نارُ الآخِرَةِ، إذْ يَئِسُوا مِنَ الخُرُوجِ بِإطْباقِ الأبْوابِ عَلَيْهِمْ وتَمَدُّدِ العَمَدِ، كُلُّ ذَلِكَ إيذانًا بِالخُلُودِ إلى غَيْرِ نِهايَةٍ. وقالَ قَتادَةُ: كُنّا نُحَدَّثُ أنَّها عَمَدٌ يُعَذَّبُونَ بِها في النّارِ. وقالَ أبُو صالِحٍ: هي القُيُودُ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

الهمزة 104:5

سُورَةُ الهُمَزَةِ مَكِّيَّةٌ وهي تِسْعُ آياتٍ ﷽ ﴿ويْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ ﴿الَّذِي جَمَعَ مالًا وعَدَّدَهُ﴾ ﴿يَحْسَبُ أنَّ مالَهُ أخْلَدَهُ﴾ ﴿كَلّا لَيُنْبَذَنَّ في الحُطَمَةِ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما الحُطَمَةُ﴾ ﴿نارُ اللَّهِ المُوقَدَةُ﴾ ﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلى الأفْئِدَةِ﴾ ﴿إنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾ ﴿فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ (p-٥١٠)الحُطَمَةُ: أصْلُهُ الوَصْفُ مِن قَوْلِهِمْ رَجُلٌ حُطَمَةٌ: أيْ أكُولٌ، قالَ الرّاجِزُ: ؎قَدْ لَفَّها اللَّيْلُ بِسَوّاقِ الحُطَمِ وقالَ آخَرُ: ؎إنّا حَطَمْنا بِالقَضِيبِ مُصْعَبًا ∗∗∗ يَوْمَ كَسَرْنا أنْفَهُ لِيَغْضَبا ﴿ويْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ ﴿الَّذِي جَمَعَ مالًا وعَدَّدَهُ﴾ ﴿يَحْسَبُ أنَّ مالَهُ أخْلَدَهُ﴾ ﴿كَلّا لَيُنْبَذَنَّ في الحُطَمَةِ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما الحُطَمَةُ﴾ ﴿نارُ اللَّهِ المُوقَدَةُ﴾ ﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلى الأفْئِدَةِ﴾ ﴿إنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾ ﴿فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ . هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، لَمّا قالَ فِيما قَبْلَها: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَفي خُسْرٍ﴾ [العصر: ٢] بَيَّنَ حالَ الخاسِرِ فَقالَ: ﴿ويْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ﴾ ونَزَلَتْ في الأخْنَسِ بْنِ شُرَيْقٍ، أوِ العاصِي بْنِ وائِلٍ، أوْ جَمِيلِ بْنِ مَعْمَرٍ، أوِ الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، أوْ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، أقْوالٌ، ويُمْكِنُ أنْ تَكُونَ نَزَلَتْ في الجَمِيعِ، وهي مَعَ ذَلِكَ عامَّةٌ فِيمَنِ اتَّصَفَ بِهَذِهِ الأوْصافِ، وقالَ السُّهَيْلِيُّ: هو أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ الجُمَحِيُّ، كانَ يَهْمِزُ النَّبِيَّ ﷺ، ويُعَيِّنُهُ ذَكَرَهُ ابْنُ إسْحاقَ، وإنَّما ذَكَرْتُهُ، وإنْ كانَ اللَّفْظُ عامًّا، لِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى تابَعَ في أوْصافِهِ والخَبَرِ عَنْهُ حَتّى فُهِمَ أنَّهُ يُشِيرُ إلى شَخْصٍ بِعَيْنِهِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ في سُورَةِ ن: ﴿ولا تُطِعْ كُلَّ حَلّافٍ مَهِينٍ﴾ [القلم: ١٠] . تابَعَ في الصِّفاتِ حَتّى عُلِمَ أنَّهُ يُرِيدُ إنْسانًا بِعَيْنِهِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في الهُمَزَةِ في سُورَةِ ن، وفي اللَّمْزِ في سُورَةِ بَراءَةَ، وفِعْلُهُ مِن أبْنِيَةِ المُبالَغَةِ، كَنُوَمَةٍ وعُيَبَةٍ وسُحَرَةٍ وضُحَكَةٍ، وقالَ زِيادٌ الأعْجَمُ: ؎تُدْلِي بِوُدِّي إذا لاقَيْتَنِي كَذِبًا ∗∗∗ وإنْ أغِيبُ فَأنْتَ الهامِزُ اللُّمَزَهْ وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِفَتْحِ المِيمِ فِيهِما، والباقُونَ: بِسُكُونِها، وهو المَسْخَرَةُ الَّذِي يَأْتِي بِالأضاحِيكِ مِنهُ، ويَشْتُمُ ويَهْمِزُ ويَلْمِزُ. (الَّذِي) بَدَلٌ، أوْ نَصْبٌ عَلى الذَّمِّ، وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو جَعْفَرٍ وابْنُ عامِرٍ والأخَوانِ: جَمْعٌ مُشَدَّدُ المِيمِ، وباقِي السَّبْعَةِ: بِالتَّخْفِيفِ، والجُمْهُورُ: (وعَدَّدَهُ) بِشَدِّ الدّالِ الأُولى: أيْ أحْصاهُ وحافَظَ عَلَيْهِ، وقِيلَ: جَعَلَهُ عِدَّةً لِطَوارِقِ الدَّهْرِ، والحَسَنُ والكَلْبِيُّ: بِتَخْفِيفِهِما، أيْ جَمَعَ المالَ وضَبَطَ عَدَدَهُ، وقِيلَ: وعَدَدًا مِن عَشِيرَتِهِ، وقِيلَ: وعَدَدَهُ عَلى تَرْكِ الإدْغامِ، كَقَوْلِهِ: ؎إنِّي أجُودُ لِأقْوامٍ وإنْ ضَنِنُوا (أخْلَدَهُ) أيْ أبْقاهُ حَيًّا، إذْ بِهِ قِوامُ حَياتِهِ وحِفْظُهُ مُدَّةَ عُمْرِهِ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ طَوَّلَ المالُ أمَلَهُ ومَنّاهُ الأمانِيَّ البَعِيدَةَ، حَتّى أصْبَحَ لِفَرْطِ غَفْلَتِهِ وطُولِ أمَلِهِ يَحْسَبُ أنَّ المالَ تَرَكَهُ خالِدًا في الدُّنْيا لا يَمُوتُ، قِيلَ: وكانَ لِلْأخْنَسِ أرْبَعَةُ آلافِ دِينارٍ، وقِيلَ: عَشَرَةُ آلافِ دِينارٍ. (كَلّا) رَدْعٌ لَهُ عَنْ حُسْبانِهِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (لَيُنْبَذَنَّ) فِيهِ ضَمِيرُ الواحِدِ، وعَلِيٌّ والحَسَنُ: بِخِلافٍ عَنْهُ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وحُمَيْدٌ، وهارُونُ عَنْ أبِي عَمْرٍو: (ولَيُنْبَذانِ)، بِألِفِ ضَمِيرِ اثْنَيْنِ، الهُمَزَةُ ومالُهُ. وعَنِ الحَسَنِ أيْضًا: لَيُنْبَذُنَّ بِضَمِّ الذّالِ، أيْ هو وأنْصارُهُ. وعَنْ أبِي عَمْرٍو: لَيَنْبُذَنَّهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فِي الحُطَمَةِ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما الحُطَمَةُ﴾ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: في الحاطِمَةِ وما أدْراكَ ما الحاطِمَةُ، وهي النّارُ الَّتِي مِن شَأْنِها أنْ تُحَطِّمَ كُلَّ ما يُلْقى فِيها، قالَ الضَّحّاكُ: الحُطَمَةُ: الدَّرْكُ الرّابِعُ مِنَ النّارِ. وقالَ الكَلْبِيُّ: الطَّبَقَةُ السّادِسَةُ مِن جَهَنَّمَ، وحَكى عَنْهُ القُشَيْرِيُّ أنَّها الدَّرَكَةُ الثّانِيَةُ، وعَنْهُ أيْضًا: البابُ الثّانِي، وقالَ الواحِدِيُّ: بابٌ مِن أبْوابِ جَهَنَّمَ. انْتَهى. ﴿نارُ اللَّهِ﴾ أيْ هي، أيِ الحُطَمَةُ ﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلى الأفْئِدَةِ﴾ ذُكِرَتِ الأفْئِدَةُ لِأنَّها ألْطَفُ ما في البَدَنِ وأشَدُّهُ تَألُّمًا بِأدْنى شَيْءٍ مِنَ الأذى، واطِّلاعُ النّارِ عَلَيْها هو أنَّها تَعْلُوها وتَشْتَمِلُ عَلَيْها، وهي تَعْلُو الكُفّارَ في جَمِيعِ أبْدانِهِمْ، لَكِنْ نَبَّهَ عَلى الأشْرَفِ؛ لِأنَّها مَقَرُّ العَقائِدِ، وقَرَأ الأخَوانِ وأبُو بَكْرٍ: في (عُمُدٍ) بِضَمَّتَيْنِ جَمْعُ عَمُودٍ، وهارُونُ عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِضَمِّ العَيْنِ وسُكُونِ المِيمِ، وباقِي السَّبْعَةِ: بِفَتْحِها، (p-٥١١)وهُوَ اسْمُ جَمْعٍ، الواحِدُ عَمُودٌ، وقالَ الفَرّاءُ: جَمْعُ عَمُودٍ، كَما قالُوا: أدِيمٌ وأُدُمٌ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: جَمْعُ عِمادٍ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: في عَمَدٍ حَدِيدٍ مَغْلُولِينَ بِها. وقالَ أبُو صالِحٍ: هَذِهِ النّارُ هي قُبُورُهم، والظّاهِرُ أنَّها نارُ الآخِرَةِ، إذْ يَئِسُوا مِنَ الخُرُوجِ بِإطْباقِ الأبْوابِ عَلَيْهِمْ وتَمَدُّدِ العَمَدِ، كُلُّ ذَلِكَ إيذانًا بِالخُلُودِ إلى غَيْرِ نِهايَةٍ. وقالَ قَتادَةُ: كُنّا نُحَدَّثُ أنَّها عَمَدٌ يُعَذَّبُونَ بِها في النّارِ. وقالَ أبُو صالِحٍ: هي القُيُودُ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

الهمزة 104:6

سُورَةُ الهُمَزَةِ مَكِّيَّةٌ وهي تِسْعُ آياتٍ ﷽ ﴿ويْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ ﴿الَّذِي جَمَعَ مالًا وعَدَّدَهُ﴾ ﴿يَحْسَبُ أنَّ مالَهُ أخْلَدَهُ﴾ ﴿كَلّا لَيُنْبَذَنَّ في الحُطَمَةِ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما الحُطَمَةُ﴾ ﴿نارُ اللَّهِ المُوقَدَةُ﴾ ﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلى الأفْئِدَةِ﴾ ﴿إنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾ ﴿فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ (p-٥١٠)الحُطَمَةُ: أصْلُهُ الوَصْفُ مِن قَوْلِهِمْ رَجُلٌ حُطَمَةٌ: أيْ أكُولٌ، قالَ الرّاجِزُ: ؎قَدْ لَفَّها اللَّيْلُ بِسَوّاقِ الحُطَمِ وقالَ آخَرُ: ؎إنّا حَطَمْنا بِالقَضِيبِ مُصْعَبًا ∗∗∗ يَوْمَ كَسَرْنا أنْفَهُ لِيَغْضَبا ﴿ويْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ ﴿الَّذِي جَمَعَ مالًا وعَدَّدَهُ﴾ ﴿يَحْسَبُ أنَّ مالَهُ أخْلَدَهُ﴾ ﴿كَلّا لَيُنْبَذَنَّ في الحُطَمَةِ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما الحُطَمَةُ﴾ ﴿نارُ اللَّهِ المُوقَدَةُ﴾ ﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلى الأفْئِدَةِ﴾ ﴿إنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾ ﴿فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ . هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، لَمّا قالَ فِيما قَبْلَها: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَفي خُسْرٍ﴾ [العصر: ٢] بَيَّنَ حالَ الخاسِرِ فَقالَ: ﴿ويْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ﴾ ونَزَلَتْ في الأخْنَسِ بْنِ شُرَيْقٍ، أوِ العاصِي بْنِ وائِلٍ، أوْ جَمِيلِ بْنِ مَعْمَرٍ، أوِ الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، أوْ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، أقْوالٌ، ويُمْكِنُ أنْ تَكُونَ نَزَلَتْ في الجَمِيعِ، وهي مَعَ ذَلِكَ عامَّةٌ فِيمَنِ اتَّصَفَ بِهَذِهِ الأوْصافِ، وقالَ السُّهَيْلِيُّ: هو أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ الجُمَحِيُّ، كانَ يَهْمِزُ النَّبِيَّ ﷺ، ويُعَيِّنُهُ ذَكَرَهُ ابْنُ إسْحاقَ، وإنَّما ذَكَرْتُهُ، وإنْ كانَ اللَّفْظُ عامًّا، لِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى تابَعَ في أوْصافِهِ والخَبَرِ عَنْهُ حَتّى فُهِمَ أنَّهُ يُشِيرُ إلى شَخْصٍ بِعَيْنِهِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ في سُورَةِ ن: ﴿ولا تُطِعْ كُلَّ حَلّافٍ مَهِينٍ﴾ [القلم: ١٠] . تابَعَ في الصِّفاتِ حَتّى عُلِمَ أنَّهُ يُرِيدُ إنْسانًا بِعَيْنِهِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في الهُمَزَةِ في سُورَةِ ن، وفي اللَّمْزِ في سُورَةِ بَراءَةَ، وفِعْلُهُ مِن أبْنِيَةِ المُبالَغَةِ، كَنُوَمَةٍ وعُيَبَةٍ وسُحَرَةٍ وضُحَكَةٍ، وقالَ زِيادٌ الأعْجَمُ: ؎تُدْلِي بِوُدِّي إذا لاقَيْتَنِي كَذِبًا ∗∗∗ وإنْ أغِيبُ فَأنْتَ الهامِزُ اللُّمَزَهْ وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِفَتْحِ المِيمِ فِيهِما، والباقُونَ: بِسُكُونِها، وهو المَسْخَرَةُ الَّذِي يَأْتِي بِالأضاحِيكِ مِنهُ، ويَشْتُمُ ويَهْمِزُ ويَلْمِزُ. (الَّذِي) بَدَلٌ، أوْ نَصْبٌ عَلى الذَّمِّ، وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو جَعْفَرٍ وابْنُ عامِرٍ والأخَوانِ: جَمْعٌ مُشَدَّدُ المِيمِ، وباقِي السَّبْعَةِ: بِالتَّخْفِيفِ، والجُمْهُورُ: (وعَدَّدَهُ) بِشَدِّ الدّالِ الأُولى: أيْ أحْصاهُ وحافَظَ عَلَيْهِ، وقِيلَ: جَعَلَهُ عِدَّةً لِطَوارِقِ الدَّهْرِ، والحَسَنُ والكَلْبِيُّ: بِتَخْفِيفِهِما، أيْ جَمَعَ المالَ وضَبَطَ عَدَدَهُ، وقِيلَ: وعَدَدًا مِن عَشِيرَتِهِ، وقِيلَ: وعَدَدَهُ عَلى تَرْكِ الإدْغامِ، كَقَوْلِهِ: ؎إنِّي أجُودُ لِأقْوامٍ وإنْ ضَنِنُوا (أخْلَدَهُ) أيْ أبْقاهُ حَيًّا، إذْ بِهِ قِوامُ حَياتِهِ وحِفْظُهُ مُدَّةَ عُمْرِهِ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ طَوَّلَ المالُ أمَلَهُ ومَنّاهُ الأمانِيَّ البَعِيدَةَ، حَتّى أصْبَحَ لِفَرْطِ غَفْلَتِهِ وطُولِ أمَلِهِ يَحْسَبُ أنَّ المالَ تَرَكَهُ خالِدًا في الدُّنْيا لا يَمُوتُ، قِيلَ: وكانَ لِلْأخْنَسِ أرْبَعَةُ آلافِ دِينارٍ، وقِيلَ: عَشَرَةُ آلافِ دِينارٍ. (كَلّا) رَدْعٌ لَهُ عَنْ حُسْبانِهِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (لَيُنْبَذَنَّ) فِيهِ ضَمِيرُ الواحِدِ، وعَلِيٌّ والحَسَنُ: بِخِلافٍ عَنْهُ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وحُمَيْدٌ، وهارُونُ عَنْ أبِي عَمْرٍو: (ولَيُنْبَذانِ)، بِألِفِ ضَمِيرِ اثْنَيْنِ، الهُمَزَةُ ومالُهُ. وعَنِ الحَسَنِ أيْضًا: لَيُنْبَذُنَّ بِضَمِّ الذّالِ، أيْ هو وأنْصارُهُ. وعَنْ أبِي عَمْرٍو: لَيَنْبُذَنَّهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فِي الحُطَمَةِ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما الحُطَمَةُ﴾ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: في الحاطِمَةِ وما أدْراكَ ما الحاطِمَةُ، وهي النّارُ الَّتِي مِن شَأْنِها أنْ تُحَطِّمَ كُلَّ ما يُلْقى فِيها، قالَ الضَّحّاكُ: الحُطَمَةُ: الدَّرْكُ الرّابِعُ مِنَ النّارِ. وقالَ الكَلْبِيُّ: الطَّبَقَةُ السّادِسَةُ مِن جَهَنَّمَ، وحَكى عَنْهُ القُشَيْرِيُّ أنَّها الدَّرَكَةُ الثّانِيَةُ، وعَنْهُ أيْضًا: البابُ الثّانِي، وقالَ الواحِدِيُّ: بابٌ مِن أبْوابِ جَهَنَّمَ. انْتَهى. ﴿نارُ اللَّهِ﴾ أيْ هي، أيِ الحُطَمَةُ ﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلى الأفْئِدَةِ﴾ ذُكِرَتِ الأفْئِدَةُ لِأنَّها ألْطَفُ ما في البَدَنِ وأشَدُّهُ تَألُّمًا بِأدْنى شَيْءٍ مِنَ الأذى، واطِّلاعُ النّارِ عَلَيْها هو أنَّها تَعْلُوها وتَشْتَمِلُ عَلَيْها، وهي تَعْلُو الكُفّارَ في جَمِيعِ أبْدانِهِمْ، لَكِنْ نَبَّهَ عَلى الأشْرَفِ؛ لِأنَّها مَقَرُّ العَقائِدِ، وقَرَأ الأخَوانِ وأبُو بَكْرٍ: في (عُمُدٍ) بِضَمَّتَيْنِ جَمْعُ عَمُودٍ، وهارُونُ عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِضَمِّ العَيْنِ وسُكُونِ المِيمِ، وباقِي السَّبْعَةِ: بِفَتْحِها، (p-٥١١)وهُوَ اسْمُ جَمْعٍ، الواحِدُ عَمُودٌ، وقالَ الفَرّاءُ: جَمْعُ عَمُودٍ، كَما قالُوا: أدِيمٌ وأُدُمٌ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: جَمْعُ عِمادٍ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: في عَمَدٍ حَدِيدٍ مَغْلُولِينَ بِها. وقالَ أبُو صالِحٍ: هَذِهِ النّارُ هي قُبُورُهم، والظّاهِرُ أنَّها نارُ الآخِرَةِ، إذْ يَئِسُوا مِنَ الخُرُوجِ بِإطْباقِ الأبْوابِ عَلَيْهِمْ وتَمَدُّدِ العَمَدِ، كُلُّ ذَلِكَ إيذانًا بِالخُلُودِ إلى غَيْرِ نِهايَةٍ. وقالَ قَتادَةُ: كُنّا نُحَدَّثُ أنَّها عَمَدٌ يُعَذَّبُونَ بِها في النّارِ. وقالَ أبُو صالِحٍ: هي القُيُودُ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

الهمزة 104:7

سُورَةُ الهُمَزَةِ مَكِّيَّةٌ وهي تِسْعُ آياتٍ ﷽ ﴿ويْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ ﴿الَّذِي جَمَعَ مالًا وعَدَّدَهُ﴾ ﴿يَحْسَبُ أنَّ مالَهُ أخْلَدَهُ﴾ ﴿كَلّا لَيُنْبَذَنَّ في الحُطَمَةِ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما الحُطَمَةُ﴾ ﴿نارُ اللَّهِ المُوقَدَةُ﴾ ﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلى الأفْئِدَةِ﴾ ﴿إنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾ ﴿فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ (p-٥١٠)الحُطَمَةُ: أصْلُهُ الوَصْفُ مِن قَوْلِهِمْ رَجُلٌ حُطَمَةٌ: أيْ أكُولٌ، قالَ الرّاجِزُ: ؎قَدْ لَفَّها اللَّيْلُ بِسَوّاقِ الحُطَمِ وقالَ آخَرُ: ؎إنّا حَطَمْنا بِالقَضِيبِ مُصْعَبًا ∗∗∗ يَوْمَ كَسَرْنا أنْفَهُ لِيَغْضَبا ﴿ويْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ ﴿الَّذِي جَمَعَ مالًا وعَدَّدَهُ﴾ ﴿يَحْسَبُ أنَّ مالَهُ أخْلَدَهُ﴾ ﴿كَلّا لَيُنْبَذَنَّ في الحُطَمَةِ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما الحُطَمَةُ﴾ ﴿نارُ اللَّهِ المُوقَدَةُ﴾ ﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلى الأفْئِدَةِ﴾ ﴿إنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾ ﴿فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ . هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، لَمّا قالَ فِيما قَبْلَها: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَفي خُسْرٍ﴾ [العصر: ٢] بَيَّنَ حالَ الخاسِرِ فَقالَ: ﴿ويْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ﴾ ونَزَلَتْ في الأخْنَسِ بْنِ شُرَيْقٍ، أوِ العاصِي بْنِ وائِلٍ، أوْ جَمِيلِ بْنِ مَعْمَرٍ، أوِ الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، أوْ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، أقْوالٌ، ويُمْكِنُ أنْ تَكُونَ نَزَلَتْ في الجَمِيعِ، وهي مَعَ ذَلِكَ عامَّةٌ فِيمَنِ اتَّصَفَ بِهَذِهِ الأوْصافِ، وقالَ السُّهَيْلِيُّ: هو أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ الجُمَحِيُّ، كانَ يَهْمِزُ النَّبِيَّ ﷺ، ويُعَيِّنُهُ ذَكَرَهُ ابْنُ إسْحاقَ، وإنَّما ذَكَرْتُهُ، وإنْ كانَ اللَّفْظُ عامًّا، لِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى تابَعَ في أوْصافِهِ والخَبَرِ عَنْهُ حَتّى فُهِمَ أنَّهُ يُشِيرُ إلى شَخْصٍ بِعَيْنِهِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ في سُورَةِ ن: ﴿ولا تُطِعْ كُلَّ حَلّافٍ مَهِينٍ﴾ [القلم: ١٠] . تابَعَ في الصِّفاتِ حَتّى عُلِمَ أنَّهُ يُرِيدُ إنْسانًا بِعَيْنِهِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في الهُمَزَةِ في سُورَةِ ن، وفي اللَّمْزِ في سُورَةِ بَراءَةَ، وفِعْلُهُ مِن أبْنِيَةِ المُبالَغَةِ، كَنُوَمَةٍ وعُيَبَةٍ وسُحَرَةٍ وضُحَكَةٍ، وقالَ زِيادٌ الأعْجَمُ: ؎تُدْلِي بِوُدِّي إذا لاقَيْتَنِي كَذِبًا ∗∗∗ وإنْ أغِيبُ فَأنْتَ الهامِزُ اللُّمَزَهْ وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِفَتْحِ المِيمِ فِيهِما، والباقُونَ: بِسُكُونِها، وهو المَسْخَرَةُ الَّذِي يَأْتِي بِالأضاحِيكِ مِنهُ، ويَشْتُمُ ويَهْمِزُ ويَلْمِزُ. (الَّذِي) بَدَلٌ، أوْ نَصْبٌ عَلى الذَّمِّ، وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو جَعْفَرٍ وابْنُ عامِرٍ والأخَوانِ: جَمْعٌ مُشَدَّدُ المِيمِ، وباقِي السَّبْعَةِ: بِالتَّخْفِيفِ، والجُمْهُورُ: (وعَدَّدَهُ) بِشَدِّ الدّالِ الأُولى: أيْ أحْصاهُ وحافَظَ عَلَيْهِ، وقِيلَ: جَعَلَهُ عِدَّةً لِطَوارِقِ الدَّهْرِ، والحَسَنُ والكَلْبِيُّ: بِتَخْفِيفِهِما، أيْ جَمَعَ المالَ وضَبَطَ عَدَدَهُ، وقِيلَ: وعَدَدًا مِن عَشِيرَتِهِ، وقِيلَ: وعَدَدَهُ عَلى تَرْكِ الإدْغامِ، كَقَوْلِهِ: ؎إنِّي أجُودُ لِأقْوامٍ وإنْ ضَنِنُوا (أخْلَدَهُ) أيْ أبْقاهُ حَيًّا، إذْ بِهِ قِوامُ حَياتِهِ وحِفْظُهُ مُدَّةَ عُمْرِهِ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ طَوَّلَ المالُ أمَلَهُ ومَنّاهُ الأمانِيَّ البَعِيدَةَ، حَتّى أصْبَحَ لِفَرْطِ غَفْلَتِهِ وطُولِ أمَلِهِ يَحْسَبُ أنَّ المالَ تَرَكَهُ خالِدًا في الدُّنْيا لا يَمُوتُ، قِيلَ: وكانَ لِلْأخْنَسِ أرْبَعَةُ آلافِ دِينارٍ، وقِيلَ: عَشَرَةُ آلافِ دِينارٍ. (كَلّا) رَدْعٌ لَهُ عَنْ حُسْبانِهِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (لَيُنْبَذَنَّ) فِيهِ ضَمِيرُ الواحِدِ، وعَلِيٌّ والحَسَنُ: بِخِلافٍ عَنْهُ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وحُمَيْدٌ، وهارُونُ عَنْ أبِي عَمْرٍو: (ولَيُنْبَذانِ)، بِألِفِ ضَمِيرِ اثْنَيْنِ، الهُمَزَةُ ومالُهُ. وعَنِ الحَسَنِ أيْضًا: لَيُنْبَذُنَّ بِضَمِّ الذّالِ، أيْ هو وأنْصارُهُ. وعَنْ أبِي عَمْرٍو: لَيَنْبُذَنَّهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فِي الحُطَمَةِ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما الحُطَمَةُ﴾ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: في الحاطِمَةِ وما أدْراكَ ما الحاطِمَةُ، وهي النّارُ الَّتِي مِن شَأْنِها أنْ تُحَطِّمَ كُلَّ ما يُلْقى فِيها، قالَ الضَّحّاكُ: الحُطَمَةُ: الدَّرْكُ الرّابِعُ مِنَ النّارِ. وقالَ الكَلْبِيُّ: الطَّبَقَةُ السّادِسَةُ مِن جَهَنَّمَ، وحَكى عَنْهُ القُشَيْرِيُّ أنَّها الدَّرَكَةُ الثّانِيَةُ، وعَنْهُ أيْضًا: البابُ الثّانِي، وقالَ الواحِدِيُّ: بابٌ مِن أبْوابِ جَهَنَّمَ. انْتَهى. ﴿نارُ اللَّهِ﴾ أيْ هي، أيِ الحُطَمَةُ ﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلى الأفْئِدَةِ﴾ ذُكِرَتِ الأفْئِدَةُ لِأنَّها ألْطَفُ ما في البَدَنِ وأشَدُّهُ تَألُّمًا بِأدْنى شَيْءٍ مِنَ الأذى، واطِّلاعُ النّارِ عَلَيْها هو أنَّها تَعْلُوها وتَشْتَمِلُ عَلَيْها، وهي تَعْلُو الكُفّارَ في جَمِيعِ أبْدانِهِمْ، لَكِنْ نَبَّهَ عَلى الأشْرَفِ؛ لِأنَّها مَقَرُّ العَقائِدِ، وقَرَأ الأخَوانِ وأبُو بَكْرٍ: في (عُمُدٍ) بِضَمَّتَيْنِ جَمْعُ عَمُودٍ، وهارُونُ عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِضَمِّ العَيْنِ وسُكُونِ المِيمِ، وباقِي السَّبْعَةِ: بِفَتْحِها، (p-٥١١)وهُوَ اسْمُ جَمْعٍ، الواحِدُ عَمُودٌ، وقالَ الفَرّاءُ: جَمْعُ عَمُودٍ، كَما قالُوا: أدِيمٌ وأُدُمٌ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: جَمْعُ عِمادٍ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: في عَمَدٍ حَدِيدٍ مَغْلُولِينَ بِها. وقالَ أبُو صالِحٍ: هَذِهِ النّارُ هي قُبُورُهم، والظّاهِرُ أنَّها نارُ الآخِرَةِ، إذْ يَئِسُوا مِنَ الخُرُوجِ بِإطْباقِ الأبْوابِ عَلَيْهِمْ وتَمَدُّدِ العَمَدِ، كُلُّ ذَلِكَ إيذانًا بِالخُلُودِ إلى غَيْرِ نِهايَةٍ. وقالَ قَتادَةُ: كُنّا نُحَدَّثُ أنَّها عَمَدٌ يُعَذَّبُونَ بِها في النّارِ. وقالَ أبُو صالِحٍ: هي القُيُودُ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

الهمزة 104:8

سُورَةُ الهُمَزَةِ مَكِّيَّةٌ وهي تِسْعُ آياتٍ ﷽ ﴿ويْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ ﴿الَّذِي جَمَعَ مالًا وعَدَّدَهُ﴾ ﴿يَحْسَبُ أنَّ مالَهُ أخْلَدَهُ﴾ ﴿كَلّا لَيُنْبَذَنَّ في الحُطَمَةِ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما الحُطَمَةُ﴾ ﴿نارُ اللَّهِ المُوقَدَةُ﴾ ﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلى الأفْئِدَةِ﴾ ﴿إنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾ ﴿فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ (p-٥١٠)الحُطَمَةُ: أصْلُهُ الوَصْفُ مِن قَوْلِهِمْ رَجُلٌ حُطَمَةٌ: أيْ أكُولٌ، قالَ الرّاجِزُ: ؎قَدْ لَفَّها اللَّيْلُ بِسَوّاقِ الحُطَمِ وقالَ آخَرُ: ؎إنّا حَطَمْنا بِالقَضِيبِ مُصْعَبًا ∗∗∗ يَوْمَ كَسَرْنا أنْفَهُ لِيَغْضَبا ﴿ويْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ ﴿الَّذِي جَمَعَ مالًا وعَدَّدَهُ﴾ ﴿يَحْسَبُ أنَّ مالَهُ أخْلَدَهُ﴾ ﴿كَلّا لَيُنْبَذَنَّ في الحُطَمَةِ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما الحُطَمَةُ﴾ ﴿نارُ اللَّهِ المُوقَدَةُ﴾ ﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلى الأفْئِدَةِ﴾ ﴿إنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾ ﴿فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ . هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، لَمّا قالَ فِيما قَبْلَها: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَفي خُسْرٍ﴾ [العصر: ٢] بَيَّنَ حالَ الخاسِرِ فَقالَ: ﴿ويْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ﴾ ونَزَلَتْ في الأخْنَسِ بْنِ شُرَيْقٍ، أوِ العاصِي بْنِ وائِلٍ، أوْ جَمِيلِ بْنِ مَعْمَرٍ، أوِ الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، أوْ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، أقْوالٌ، ويُمْكِنُ أنْ تَكُونَ نَزَلَتْ في الجَمِيعِ، وهي مَعَ ذَلِكَ عامَّةٌ فِيمَنِ اتَّصَفَ بِهَذِهِ الأوْصافِ، وقالَ السُّهَيْلِيُّ: هو أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ الجُمَحِيُّ، كانَ يَهْمِزُ النَّبِيَّ ﷺ، ويُعَيِّنُهُ ذَكَرَهُ ابْنُ إسْحاقَ، وإنَّما ذَكَرْتُهُ، وإنْ كانَ اللَّفْظُ عامًّا، لِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى تابَعَ في أوْصافِهِ والخَبَرِ عَنْهُ حَتّى فُهِمَ أنَّهُ يُشِيرُ إلى شَخْصٍ بِعَيْنِهِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ في سُورَةِ ن: ﴿ولا تُطِعْ كُلَّ حَلّافٍ مَهِينٍ﴾ [القلم: ١٠] . تابَعَ في الصِّفاتِ حَتّى عُلِمَ أنَّهُ يُرِيدُ إنْسانًا بِعَيْنِهِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في الهُمَزَةِ في سُورَةِ ن، وفي اللَّمْزِ في سُورَةِ بَراءَةَ، وفِعْلُهُ مِن أبْنِيَةِ المُبالَغَةِ، كَنُوَمَةٍ وعُيَبَةٍ وسُحَرَةٍ وضُحَكَةٍ، وقالَ زِيادٌ الأعْجَمُ: ؎تُدْلِي بِوُدِّي إذا لاقَيْتَنِي كَذِبًا ∗∗∗ وإنْ أغِيبُ فَأنْتَ الهامِزُ اللُّمَزَهْ وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِفَتْحِ المِيمِ فِيهِما، والباقُونَ: بِسُكُونِها، وهو المَسْخَرَةُ الَّذِي يَأْتِي بِالأضاحِيكِ مِنهُ، ويَشْتُمُ ويَهْمِزُ ويَلْمِزُ. (الَّذِي) بَدَلٌ، أوْ نَصْبٌ عَلى الذَّمِّ، وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو جَعْفَرٍ وابْنُ عامِرٍ والأخَوانِ: جَمْعٌ مُشَدَّدُ المِيمِ، وباقِي السَّبْعَةِ: بِالتَّخْفِيفِ، والجُمْهُورُ: (وعَدَّدَهُ) بِشَدِّ الدّالِ الأُولى: أيْ أحْصاهُ وحافَظَ عَلَيْهِ، وقِيلَ: جَعَلَهُ عِدَّةً لِطَوارِقِ الدَّهْرِ، والحَسَنُ والكَلْبِيُّ: بِتَخْفِيفِهِما، أيْ جَمَعَ المالَ وضَبَطَ عَدَدَهُ، وقِيلَ: وعَدَدًا مِن عَشِيرَتِهِ، وقِيلَ: وعَدَدَهُ عَلى تَرْكِ الإدْغامِ، كَقَوْلِهِ: ؎إنِّي أجُودُ لِأقْوامٍ وإنْ ضَنِنُوا (أخْلَدَهُ) أيْ أبْقاهُ حَيًّا، إذْ بِهِ قِوامُ حَياتِهِ وحِفْظُهُ مُدَّةَ عُمْرِهِ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ طَوَّلَ المالُ أمَلَهُ ومَنّاهُ الأمانِيَّ البَعِيدَةَ، حَتّى أصْبَحَ لِفَرْطِ غَفْلَتِهِ وطُولِ أمَلِهِ يَحْسَبُ أنَّ المالَ تَرَكَهُ خالِدًا في الدُّنْيا لا يَمُوتُ، قِيلَ: وكانَ لِلْأخْنَسِ أرْبَعَةُ آلافِ دِينارٍ، وقِيلَ: عَشَرَةُ آلافِ دِينارٍ. (كَلّا) رَدْعٌ لَهُ عَنْ حُسْبانِهِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (لَيُنْبَذَنَّ) فِيهِ ضَمِيرُ الواحِدِ، وعَلِيٌّ والحَسَنُ: بِخِلافٍ عَنْهُ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وحُمَيْدٌ، وهارُونُ عَنْ أبِي عَمْرٍو: (ولَيُنْبَذانِ)، بِألِفِ ضَمِيرِ اثْنَيْنِ، الهُمَزَةُ ومالُهُ. وعَنِ الحَسَنِ أيْضًا: لَيُنْبَذُنَّ بِضَمِّ الذّالِ، أيْ هو وأنْصارُهُ. وعَنْ أبِي عَمْرٍو: لَيَنْبُذَنَّهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فِي الحُطَمَةِ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما الحُطَمَةُ﴾ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: في الحاطِمَةِ وما أدْراكَ ما الحاطِمَةُ، وهي النّارُ الَّتِي مِن شَأْنِها أنْ تُحَطِّمَ كُلَّ ما يُلْقى فِيها، قالَ الضَّحّاكُ: الحُطَمَةُ: الدَّرْكُ الرّابِعُ مِنَ النّارِ. وقالَ الكَلْبِيُّ: الطَّبَقَةُ السّادِسَةُ مِن جَهَنَّمَ، وحَكى عَنْهُ القُشَيْرِيُّ أنَّها الدَّرَكَةُ الثّانِيَةُ، وعَنْهُ أيْضًا: البابُ الثّانِي، وقالَ الواحِدِيُّ: بابٌ مِن أبْوابِ جَهَنَّمَ. انْتَهى. ﴿نارُ اللَّهِ﴾ أيْ هي، أيِ الحُطَمَةُ ﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلى الأفْئِدَةِ﴾ ذُكِرَتِ الأفْئِدَةُ لِأنَّها ألْطَفُ ما في البَدَنِ وأشَدُّهُ تَألُّمًا بِأدْنى شَيْءٍ مِنَ الأذى، واطِّلاعُ النّارِ عَلَيْها هو أنَّها تَعْلُوها وتَشْتَمِلُ عَلَيْها، وهي تَعْلُو الكُفّارَ في جَمِيعِ أبْدانِهِمْ، لَكِنْ نَبَّهَ عَلى الأشْرَفِ؛ لِأنَّها مَقَرُّ العَقائِدِ، وقَرَأ الأخَوانِ وأبُو بَكْرٍ: في (عُمُدٍ) بِضَمَّتَيْنِ جَمْعُ عَمُودٍ، وهارُونُ عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِضَمِّ العَيْنِ وسُكُونِ المِيمِ، وباقِي السَّبْعَةِ: بِفَتْحِها، (p-٥١١)وهُوَ اسْمُ جَمْعٍ، الواحِدُ عَمُودٌ، وقالَ الفَرّاءُ: جَمْعُ عَمُودٍ، كَما قالُوا: أدِيمٌ وأُدُمٌ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: جَمْعُ عِمادٍ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: في عَمَدٍ حَدِيدٍ مَغْلُولِينَ بِها. وقالَ أبُو صالِحٍ: هَذِهِ النّارُ هي قُبُورُهم، والظّاهِرُ أنَّها نارُ الآخِرَةِ، إذْ يَئِسُوا مِنَ الخُرُوجِ بِإطْباقِ الأبْوابِ عَلَيْهِمْ وتَمَدُّدِ العَمَدِ، كُلُّ ذَلِكَ إيذانًا بِالخُلُودِ إلى غَيْرِ نِهايَةٍ. وقالَ قَتادَةُ: كُنّا نُحَدَّثُ أنَّها عَمَدٌ يُعَذَّبُونَ بِها في النّارِ. وقالَ أبُو صالِحٍ: هي القُيُودُ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

الهمزة 104:9

سُورَةُ الهُمَزَةِ مَكِّيَّةٌ وهي تِسْعُ آياتٍ ﷽ ﴿ويْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ ﴿الَّذِي جَمَعَ مالًا وعَدَّدَهُ﴾ ﴿يَحْسَبُ أنَّ مالَهُ أخْلَدَهُ﴾ ﴿كَلّا لَيُنْبَذَنَّ في الحُطَمَةِ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما الحُطَمَةُ﴾ ﴿نارُ اللَّهِ المُوقَدَةُ﴾ ﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلى الأفْئِدَةِ﴾ ﴿إنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾ ﴿فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ (p-٥١٠)الحُطَمَةُ: أصْلُهُ الوَصْفُ مِن قَوْلِهِمْ رَجُلٌ حُطَمَةٌ: أيْ أكُولٌ، قالَ الرّاجِزُ: ؎قَدْ لَفَّها اللَّيْلُ بِسَوّاقِ الحُطَمِ وقالَ آخَرُ: ؎إنّا حَطَمْنا بِالقَضِيبِ مُصْعَبًا ∗∗∗ يَوْمَ كَسَرْنا أنْفَهُ لِيَغْضَبا ﴿ويْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ ﴿الَّذِي جَمَعَ مالًا وعَدَّدَهُ﴾ ﴿يَحْسَبُ أنَّ مالَهُ أخْلَدَهُ﴾ ﴿كَلّا لَيُنْبَذَنَّ في الحُطَمَةِ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما الحُطَمَةُ﴾ ﴿نارُ اللَّهِ المُوقَدَةُ﴾ ﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلى الأفْئِدَةِ﴾ ﴿إنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾ ﴿فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ . هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، لَمّا قالَ فِيما قَبْلَها: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَفي خُسْرٍ﴾ [العصر: ٢] بَيَّنَ حالَ الخاسِرِ فَقالَ: ﴿ويْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ﴾ ونَزَلَتْ في الأخْنَسِ بْنِ شُرَيْقٍ، أوِ العاصِي بْنِ وائِلٍ، أوْ جَمِيلِ بْنِ مَعْمَرٍ، أوِ الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، أوْ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، أقْوالٌ، ويُمْكِنُ أنْ تَكُونَ نَزَلَتْ في الجَمِيعِ، وهي مَعَ ذَلِكَ عامَّةٌ فِيمَنِ اتَّصَفَ بِهَذِهِ الأوْصافِ، وقالَ السُّهَيْلِيُّ: هو أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ الجُمَحِيُّ، كانَ يَهْمِزُ النَّبِيَّ ﷺ، ويُعَيِّنُهُ ذَكَرَهُ ابْنُ إسْحاقَ، وإنَّما ذَكَرْتُهُ، وإنْ كانَ اللَّفْظُ عامًّا، لِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى تابَعَ في أوْصافِهِ والخَبَرِ عَنْهُ حَتّى فُهِمَ أنَّهُ يُشِيرُ إلى شَخْصٍ بِعَيْنِهِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ في سُورَةِ ن: ﴿ولا تُطِعْ كُلَّ حَلّافٍ مَهِينٍ﴾ [القلم: ١٠] . تابَعَ في الصِّفاتِ حَتّى عُلِمَ أنَّهُ يُرِيدُ إنْسانًا بِعَيْنِهِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في الهُمَزَةِ في سُورَةِ ن، وفي اللَّمْزِ في سُورَةِ بَراءَةَ، وفِعْلُهُ مِن أبْنِيَةِ المُبالَغَةِ، كَنُوَمَةٍ وعُيَبَةٍ وسُحَرَةٍ وضُحَكَةٍ، وقالَ زِيادٌ الأعْجَمُ: ؎تُدْلِي بِوُدِّي إذا لاقَيْتَنِي كَذِبًا ∗∗∗ وإنْ أغِيبُ فَأنْتَ الهامِزُ اللُّمَزَهْ وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِفَتْحِ المِيمِ فِيهِما، والباقُونَ: بِسُكُونِها، وهو المَسْخَرَةُ الَّذِي يَأْتِي بِالأضاحِيكِ مِنهُ، ويَشْتُمُ ويَهْمِزُ ويَلْمِزُ. (الَّذِي) بَدَلٌ، أوْ نَصْبٌ عَلى الذَّمِّ، وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو جَعْفَرٍ وابْنُ عامِرٍ والأخَوانِ: جَمْعٌ مُشَدَّدُ المِيمِ، وباقِي السَّبْعَةِ: بِالتَّخْفِيفِ، والجُمْهُورُ: (وعَدَّدَهُ) بِشَدِّ الدّالِ الأُولى: أيْ أحْصاهُ وحافَظَ عَلَيْهِ، وقِيلَ: جَعَلَهُ عِدَّةً لِطَوارِقِ الدَّهْرِ، والحَسَنُ والكَلْبِيُّ: بِتَخْفِيفِهِما، أيْ جَمَعَ المالَ وضَبَطَ عَدَدَهُ، وقِيلَ: وعَدَدًا مِن عَشِيرَتِهِ، وقِيلَ: وعَدَدَهُ عَلى تَرْكِ الإدْغامِ، كَقَوْلِهِ: ؎إنِّي أجُودُ لِأقْوامٍ وإنْ ضَنِنُوا (أخْلَدَهُ) أيْ أبْقاهُ حَيًّا، إذْ بِهِ قِوامُ حَياتِهِ وحِفْظُهُ مُدَّةَ عُمْرِهِ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ طَوَّلَ المالُ أمَلَهُ ومَنّاهُ الأمانِيَّ البَعِيدَةَ، حَتّى أصْبَحَ لِفَرْطِ غَفْلَتِهِ وطُولِ أمَلِهِ يَحْسَبُ أنَّ المالَ تَرَكَهُ خالِدًا في الدُّنْيا لا يَمُوتُ، قِيلَ: وكانَ لِلْأخْنَسِ أرْبَعَةُ آلافِ دِينارٍ، وقِيلَ: عَشَرَةُ آلافِ دِينارٍ. (كَلّا) رَدْعٌ لَهُ عَنْ حُسْبانِهِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (لَيُنْبَذَنَّ) فِيهِ ضَمِيرُ الواحِدِ، وعَلِيٌّ والحَسَنُ: بِخِلافٍ عَنْهُ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وحُمَيْدٌ، وهارُونُ عَنْ أبِي عَمْرٍو: (ولَيُنْبَذانِ)، بِألِفِ ضَمِيرِ اثْنَيْنِ، الهُمَزَةُ ومالُهُ. وعَنِ الحَسَنِ أيْضًا: لَيُنْبَذُنَّ بِضَمِّ الذّالِ، أيْ هو وأنْصارُهُ. وعَنْ أبِي عَمْرٍو: لَيَنْبُذَنَّهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فِي الحُطَمَةِ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما الحُطَمَةُ﴾ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: في الحاطِمَةِ وما أدْراكَ ما الحاطِمَةُ، وهي النّارُ الَّتِي مِن شَأْنِها أنْ تُحَطِّمَ كُلَّ ما يُلْقى فِيها، قالَ الضَّحّاكُ: الحُطَمَةُ: الدَّرْكُ الرّابِعُ مِنَ النّارِ. وقالَ الكَلْبِيُّ: الطَّبَقَةُ السّادِسَةُ مِن جَهَنَّمَ، وحَكى عَنْهُ القُشَيْرِيُّ أنَّها الدَّرَكَةُ الثّانِيَةُ، وعَنْهُ أيْضًا: البابُ الثّانِي، وقالَ الواحِدِيُّ: بابٌ مِن أبْوابِ جَهَنَّمَ. انْتَهى. ﴿نارُ اللَّهِ﴾ أيْ هي، أيِ الحُطَمَةُ ﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلى الأفْئِدَةِ﴾ ذُكِرَتِ الأفْئِدَةُ لِأنَّها ألْطَفُ ما في البَدَنِ وأشَدُّهُ تَألُّمًا بِأدْنى شَيْءٍ مِنَ الأذى، واطِّلاعُ النّارِ عَلَيْها هو أنَّها تَعْلُوها وتَشْتَمِلُ عَلَيْها، وهي تَعْلُو الكُفّارَ في جَمِيعِ أبْدانِهِمْ، لَكِنْ نَبَّهَ عَلى الأشْرَفِ؛ لِأنَّها مَقَرُّ العَقائِدِ، وقَرَأ الأخَوانِ وأبُو بَكْرٍ: في (عُمُدٍ) بِضَمَّتَيْنِ جَمْعُ عَمُودٍ، وهارُونُ عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِضَمِّ العَيْنِ وسُكُونِ المِيمِ، وباقِي السَّبْعَةِ: بِفَتْحِها، (p-٥١١)وهُوَ اسْمُ جَمْعٍ، الواحِدُ عَمُودٌ، وقالَ الفَرّاءُ: جَمْعُ عَمُودٍ، كَما قالُوا: أدِيمٌ وأُدُمٌ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: جَمْعُ عِمادٍ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: في عَمَدٍ حَدِيدٍ مَغْلُولِينَ بِها. وقالَ أبُو صالِحٍ: هَذِهِ النّارُ هي قُبُورُهم، والظّاهِرُ أنَّها نارُ الآخِرَةِ، إذْ يَئِسُوا مِنَ الخُرُوجِ بِإطْباقِ الأبْوابِ عَلَيْهِمْ وتَمَدُّدِ العَمَدِ، كُلُّ ذَلِكَ إيذانًا بِالخُلُودِ إلى غَيْرِ نِهايَةٍ. وقالَ قَتادَةُ: كُنّا نُحَدَّثُ أنَّها عَمَدٌ يُعَذَّبُونَ بِها في النّارِ. وقالَ أبُو صالِحٍ: هي القُيُودُ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

الفيل 105:1

سُورَةُ الفِيلِ مَكِّيَّةٌ ﷽ ﴿ألَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأصْحابِ الفِيلِ﴾ ﴿ألَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهم في تَضْلِيلٍ﴾ ﴿وأرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أبابِيلَ﴾ ﴿تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِن سِجِّيلٍ﴾ ﴿فَجَعَلَهم كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ الفِيلُ أكْبَرُ ما رَأيْناهُ مِن وُحُوشِ البَرِّ يُجْلَبُ إلى مَلِكِ مِصْرَ، ولَمْ نَرَهُ بِالأنْدَلُسِ بِلادِنا، ويُجْمَعُ في القِلَّةِ عَلى أفْيالٍ، وفي الكَثْرَةِ عَلى فُيُولٍ وفِيَلَةٍ. الأبابِيلُ: الجَماعاتُ تَجِيءُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، قالَ الشّاعِرُ: ؎كادَتْ تَهُدُّ مِنَ الأصْواتِ راحِلَتِي إذْ سالَتِ الأرْضُ بِالجُرْدِ الأبابِيلِ وقالَ الأعْشى: ؎طَرِيقٌ وجَبّارٌ رِواءٌ أُصُولُهُ ∗∗∗ عَلَيْهِ أبابِيلٌ مِنَ الطَّيْرِ تَنْعَبُ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ والفَرّاءُ: لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ، فَيَكُونُ مِثْلَ عَبابِيدَ وبَيادِيرَ. وقِيلَ: واحِدُهُ إبُّولٌ مِثْلُ عِجُّولٍ، وقِيلَ: إبِّيلٌ مِثْلُ سِكِّينٍ، وقِيلَ: وذَكَرَ الرَّقاشِيُّ، وكانَ ثِقَةً، أنَّهُ سَمِعَ في واحِدِهِ: إبّالَةٌ، وحَكى الفَرّاءُ: إبالَةٌ مُخَفَّفًا. ﴿ألَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأصْحابِ الفِيلِ﴾ ﴿ألَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهم في تَضْلِيلٍ﴾ ﴿وأرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أبابِيلَ﴾ ﴿تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِن سِجِّيلٍ﴾ ﴿فَجَعَلَهم كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ . هَذِهِ (p-٥١٢)السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، ولَمّا ذَكَرَ فِيما قَبْلَها عَذابَ الكُفّارِ في الآخِرَةِ أخْبَرَ هُنا بِعَذابِ ناسٍ مِنهم في الدُّنْيا، والظّاهِرُ أنَّ الخِطّابَ لِلرَّسُولِ ﷺ، يَذْكُرُ نِعْمَتَهُ عَلَيْهِ، إذْ كانَ صَرَفَ ذَلِكَ العَدُوَّ العَظِيمَ عامَ مَوْلِدِهِ السَّعِيدِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وإرْهاصًا بِنُبُوَّتِهِ، إذْ مَجِيءُ تِلْكَ الطُّيُورِ عَلى الوَصْفِ المَنقُولِ، مِن خَوارِقِ العاداتِ والمُعْجِزاتِ المُتَقَدِّمَةِ بَيْنَ أيْدِي الأنْبِياءِ، عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ومَعْنى (ألَمْ تَرَ) ألَمْ تَعْلَمْ قَدَّرَهُ عَلى وُجُودِ عِلْمِهِ بِذَلِكَ ؟ إذْ هو أمْرٌ مَنقُولٌ نَقْلَ التَّواتُرِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: قَدْ عَلِمْتَ فِعْلَ اللَّهِ رَبِّكَ بِهَؤُلاءِ الَّذِينَ قَصَدُوا حَرَمَهُ، ضَلَّلَ كَيْدَهم وأهْلَكَهم بِأضْعَفِ جُنُودِهِ، وهي الطَّيْرُ الَّتِي لَيْسَتْ مَن عادَتِها أنَّها تَقْتُلُ. وقِصَّةُ الفِيلِ ذَكَرَها أهْلُ السِّيَرِ والتَّفْسِيرِ مُطَوَّلَةً ومُخْتَصَرَةً، وتُطالَعُ في كُتُبِهِمْ، وأصْحابُ الفِيلِ: أبْرَهَةُ بْنُ الصَّبّاحِ الحَبَشِيُّ ومَن كانَ مَعَهُ مِن جُنُودِهِ، والظّاهِرُ أنَّهُ فِيلٌ واحِدٌ، وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ. وقالَ الضَّحّاكُ: ثَمانِيَةُ فِيَلَةٍ، وقِيلَ: اثْنا عَشَرَ فِيلًا، وقِيلَ: ألْفُ فِيلٍ، وهَذِهِ أقْوالٌ مُتَكاذِبَةٌ، وكانَ العَسْكَرُ سِتِّينَ ألْفًا، لَمْ يَرْجِعْ أحَدٌ مِنهم إلّا أمِيرُهم في شِرْذِمَةٍ قَلِيلَةٍ، فَلَمّا أخْبَرُوا بِما رَأوْا هَلَكُوا، وكانَ الفِيلُ يُوَجِّهُونَهُ نَحْوَ مَكَّةَ لَمّا كانَ قَرِيبًا مِنها فَيَبْرُكُ، ويُوَجِّهُونَهُ نَحْوَ اليَمَنِ والشّامِ فَيُسْرِعُ، وقالَ الواقِدِيُّ: أبْرَهَةُ جَدُّ النَّجاشِيِّ الَّذِي كانَ في زَمَنِ الرَّسُولِ، ﷺ . وقَرَأ السُّلَمِيُّ: (ألَمْ تَرْ) بِسُكُونٍ، وهو جَزْمٌ بَعْدَ جَزْمٍ، ونُقِلَ عَنْ صاحِبِ اللَّوامِحِ (تَرْأ) بِهَمْزَةٍ مَفْتُوحَةٍ مَعَ سُكُونِ الرّاءِ عَلى الأصْلِ، وهي لُغَةٌ لَتَيْمٍ، و”تَرَ“ مُعَلَّقَةٌ، والجُمْلَةُ الَّتِي فِيها الِاسْتِفْهامُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِهِ، وكَيْفَ مَعْمُولٌ لِفِعْلٍ، وفي خِطابِهِ تَعالى لِنَبِيِّهِ ﷺ، بِقَوْلِهِ: ﴿فَعَلَ رَبُّكَ﴾ تَشْرِيفٌ لَهُ ﷺ، وإشادَةٌ مِن ذِكْرِهِ، كَأنَّهُ قالَ: رَبُّكَ مَعْبُودُكَ هو الَّذِي فَعَلَ ذَلِكَ لا أصْنامُ قُرَيْشٍ إسافُ ونائِلَةُ وغَيْرُهُما. ﴿ألَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهم في تَضْلِيلٍ﴾ وإبْطالٍ، يُقالُ: ضَلَّلَ كَيْدَهم إذا جَعَلَهُ ضالًّا ضائِعًا، وقِيلَ لِامْرِئِ القَيْسِ: الضِّلِّيلُ، لِأنَّهُ ضَلَّلَ مُلْكَ أبِيهِ، أيْ ضَيَّعَهُ، وتَضْيِيعُ كَيْدِهِمْ هو بِأنْ أحْرَقَ اللَّهُ تَعالى البَيْتَ الَّذِي بَنَوْهُ قاصِدِينَ أنْ يَرْجِعَ حَجُّ العَرَبِ إلَيْهِ، وبِأنْ أهْلَكَهم لَمّا قَصَدُوا هَدْمَ بَيْتِ اللَّهِ الكَعْبَةَ بِأنْ أرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا جاءَتْ مِن جِهَةِ البَحْرِ، لَيْسَتْ نَجْدِيَّةً ولا تِهامِيَّةً ولا حِجازِيَّةً سَوْداءَ، وقِيلَ: خَضْراءَ عَلى قَدْرِ الخُطّافِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (تَرْمِيهِمْ) بِالتّاءِ، والطَّيْرُ اسْمُ جَمْعٍ بِهَذِهِ القِراءَةِ، وقَوْلُهُ: كالطَّيْرِ يَنْجُو مِنَ الشُّؤْبُوبِ ذِي البَرَدِ وتُذَكَّرُ كَقِراءَةِ أبِي حَنِيفَةَ وابْنِ يَعْمَرَ وعِيسى وطَلْحَةَ في رِوايَةٍ عَنْهُ: يَرْمِيهِمْ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى (رَبِّكَ) . (بِحِجارَةٍ) كانَ كُلُّ طائِرٍ في مِنقارِهِ حَجَرٌ، وفي رِجْلَيْهِ حَجَرانِ، كُلُّ حَجَرٍ فَوْقَ حَبَّةِ العَدَسِ ودُونَ حَبَّةِ الحِمَّصِ، مَكْتُوبٌ في كُلِّ حَجَرٍ اسْمُ مَرْمِيِّهِ، يَنْزِلُ عَلى رَأْسِهِ ويَخْرُجُ مِن دُبُرِهِ، ومَرِضَ أبْرَهَةُ، فَتَقَطَّعَ أُنْمُلَةً أُنْمُلَةً، وما ماتَ حَتّى انْصَدَعَ صَدْرُهُ عَنْ قَلْبِهِ، وانْفَلَتَ أبُو مَكْسُومٍ وزِيرُهُ، وطائِرُهُ يَتْبَعُهُ حَتّى وصَلَ إلى النَّجاشِيِّ وأخْبَرَهُ بِما جَرى لِلْقَوْمِ، فَرَماهُ الطّائِرُ بِحَجَرِهِ فَماتَ بَيْنَ يَدَيِ المَلِكِ، وتَقَدَّمَ شَرْحُ سِجِّيلٍ في سُورَةِ هُودٍ، والعَصْفِ في سُورَةِ الرَّحْمَنِ، شُبِّهُوا بِالعَصْفِ ورَقِ الزَّرْعِ الَّذِي أُكِلَ، أيْ وقَعَ فِيهِ الأُكّالُ، وهو أنْ يَأْكُلَهُ الدُّودُ، والتِّبْنِ الَّذِي أكَلَتْهُ الدَّوابُّ وراثَتُهُ، وجاءَ عَلى آدابِ القُرْآنِ نَحْوَ قَوْلِهِ: ﴿كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ﴾ [المائدة: ٧٥] أوِ الَّذِي أُكِلَ حَبُّهُ فَبَقِيَ فارِغًا، فَنَسَبَهُ أنَّهُ أكْلُ مَجازٍ، إذِ المَأْكُولُ حَبُّهُ لا هو، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (مَأْكُولٍ) بِسُكُونِ الهَمْزَةِ وهو الأصْلُ، لِأنَّ صِيغَةَ مَفْعُولٍ مِن فَعَلَ، وقَرَأ أبُو الدَّرْداءِ، فِيما نَقَلَ ابْنُ خالَوَيْهِ: بِفَتْحِ الهَمْزَةِ إتْباعًا لِحَرَكَةِ المِيمِ وهو شاذٌّ، وهَذا كَما اتَّبَعُوهُ في قَوْلِهِمْ: مَحَمُومٌ بِفَتْحِ الحاءِ لِحَرَكَةِ المِيمِ، قالَ ابْنُ إسْحاقَ: لَمّا رَدَّ اللَّهُ الحَبَشَةَ عَنْ مَكَّةَ، عَظَّمَتِ العَرَبُ قُرَيْشًا وقالُوا: أهْلُ اللَّهِ قاتَلَ عَنْهم وكَفاهم مَئُونَةَ عَدُوِّهم، فَكانَ ذَلِكَ نِعْمَةً مِنَ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: هو إجابَةٌ لِدُعاءِ الخَلِيلِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

الفيل 105:2

سُورَةُ الفِيلِ مَكِّيَّةٌ ﷽ ﴿ألَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأصْحابِ الفِيلِ﴾ ﴿ألَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهم في تَضْلِيلٍ﴾ ﴿وأرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أبابِيلَ﴾ ﴿تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِن سِجِّيلٍ﴾ ﴿فَجَعَلَهم كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ الفِيلُ أكْبَرُ ما رَأيْناهُ مِن وُحُوشِ البَرِّ يُجْلَبُ إلى مَلِكِ مِصْرَ، ولَمْ نَرَهُ بِالأنْدَلُسِ بِلادِنا، ويُجْمَعُ في القِلَّةِ عَلى أفْيالٍ، وفي الكَثْرَةِ عَلى فُيُولٍ وفِيَلَةٍ. الأبابِيلُ: الجَماعاتُ تَجِيءُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، قالَ الشّاعِرُ: ؎كادَتْ تَهُدُّ مِنَ الأصْواتِ راحِلَتِي إذْ سالَتِ الأرْضُ بِالجُرْدِ الأبابِيلِ وقالَ الأعْشى: ؎طَرِيقٌ وجَبّارٌ رِواءٌ أُصُولُهُ ∗∗∗ عَلَيْهِ أبابِيلٌ مِنَ الطَّيْرِ تَنْعَبُ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ والفَرّاءُ: لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ، فَيَكُونُ مِثْلَ عَبابِيدَ وبَيادِيرَ. وقِيلَ: واحِدُهُ إبُّولٌ مِثْلُ عِجُّولٍ، وقِيلَ: إبِّيلٌ مِثْلُ سِكِّينٍ، وقِيلَ: وذَكَرَ الرَّقاشِيُّ، وكانَ ثِقَةً، أنَّهُ سَمِعَ في واحِدِهِ: إبّالَةٌ، وحَكى الفَرّاءُ: إبالَةٌ مُخَفَّفًا. ﴿ألَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأصْحابِ الفِيلِ﴾ ﴿ألَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهم في تَضْلِيلٍ﴾ ﴿وأرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أبابِيلَ﴾ ﴿تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِن سِجِّيلٍ﴾ ﴿فَجَعَلَهم كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ . هَذِهِ (p-٥١٢)السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، ولَمّا ذَكَرَ فِيما قَبْلَها عَذابَ الكُفّارِ في الآخِرَةِ أخْبَرَ هُنا بِعَذابِ ناسٍ مِنهم في الدُّنْيا، والظّاهِرُ أنَّ الخِطّابَ لِلرَّسُولِ ﷺ، يَذْكُرُ نِعْمَتَهُ عَلَيْهِ، إذْ كانَ صَرَفَ ذَلِكَ العَدُوَّ العَظِيمَ عامَ مَوْلِدِهِ السَّعِيدِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وإرْهاصًا بِنُبُوَّتِهِ، إذْ مَجِيءُ تِلْكَ الطُّيُورِ عَلى الوَصْفِ المَنقُولِ، مِن خَوارِقِ العاداتِ والمُعْجِزاتِ المُتَقَدِّمَةِ بَيْنَ أيْدِي الأنْبِياءِ، عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ومَعْنى (ألَمْ تَرَ) ألَمْ تَعْلَمْ قَدَّرَهُ عَلى وُجُودِ عِلْمِهِ بِذَلِكَ ؟ إذْ هو أمْرٌ مَنقُولٌ نَقْلَ التَّواتُرِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: قَدْ عَلِمْتَ فِعْلَ اللَّهِ رَبِّكَ بِهَؤُلاءِ الَّذِينَ قَصَدُوا حَرَمَهُ، ضَلَّلَ كَيْدَهم وأهْلَكَهم بِأضْعَفِ جُنُودِهِ، وهي الطَّيْرُ الَّتِي لَيْسَتْ مَن عادَتِها أنَّها تَقْتُلُ. وقِصَّةُ الفِيلِ ذَكَرَها أهْلُ السِّيَرِ والتَّفْسِيرِ مُطَوَّلَةً ومُخْتَصَرَةً، وتُطالَعُ في كُتُبِهِمْ، وأصْحابُ الفِيلِ: أبْرَهَةُ بْنُ الصَّبّاحِ الحَبَشِيُّ ومَن كانَ مَعَهُ مِن جُنُودِهِ، والظّاهِرُ أنَّهُ فِيلٌ واحِدٌ، وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ. وقالَ الضَّحّاكُ: ثَمانِيَةُ فِيَلَةٍ، وقِيلَ: اثْنا عَشَرَ فِيلًا، وقِيلَ: ألْفُ فِيلٍ، وهَذِهِ أقْوالٌ مُتَكاذِبَةٌ، وكانَ العَسْكَرُ سِتِّينَ ألْفًا، لَمْ يَرْجِعْ أحَدٌ مِنهم إلّا أمِيرُهم في شِرْذِمَةٍ قَلِيلَةٍ، فَلَمّا أخْبَرُوا بِما رَأوْا هَلَكُوا، وكانَ الفِيلُ يُوَجِّهُونَهُ نَحْوَ مَكَّةَ لَمّا كانَ قَرِيبًا مِنها فَيَبْرُكُ، ويُوَجِّهُونَهُ نَحْوَ اليَمَنِ والشّامِ فَيُسْرِعُ، وقالَ الواقِدِيُّ: أبْرَهَةُ جَدُّ النَّجاشِيِّ الَّذِي كانَ في زَمَنِ الرَّسُولِ، ﷺ . وقَرَأ السُّلَمِيُّ: (ألَمْ تَرْ) بِسُكُونٍ، وهو جَزْمٌ بَعْدَ جَزْمٍ، ونُقِلَ عَنْ صاحِبِ اللَّوامِحِ (تَرْأ) بِهَمْزَةٍ مَفْتُوحَةٍ مَعَ سُكُونِ الرّاءِ عَلى الأصْلِ، وهي لُغَةٌ لَتَيْمٍ، و”تَرَ“ مُعَلَّقَةٌ، والجُمْلَةُ الَّتِي فِيها الِاسْتِفْهامُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِهِ، وكَيْفَ مَعْمُولٌ لِفِعْلٍ، وفي خِطابِهِ تَعالى لِنَبِيِّهِ ﷺ، بِقَوْلِهِ: ﴿فَعَلَ رَبُّكَ﴾ تَشْرِيفٌ لَهُ ﷺ، وإشادَةٌ مِن ذِكْرِهِ، كَأنَّهُ قالَ: رَبُّكَ مَعْبُودُكَ هو الَّذِي فَعَلَ ذَلِكَ لا أصْنامُ قُرَيْشٍ إسافُ ونائِلَةُ وغَيْرُهُما. ﴿ألَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهم في تَضْلِيلٍ﴾ وإبْطالٍ، يُقالُ: ضَلَّلَ كَيْدَهم إذا جَعَلَهُ ضالًّا ضائِعًا، وقِيلَ لِامْرِئِ القَيْسِ: الضِّلِّيلُ، لِأنَّهُ ضَلَّلَ مُلْكَ أبِيهِ، أيْ ضَيَّعَهُ، وتَضْيِيعُ كَيْدِهِمْ هو بِأنْ أحْرَقَ اللَّهُ تَعالى البَيْتَ الَّذِي بَنَوْهُ قاصِدِينَ أنْ يَرْجِعَ حَجُّ العَرَبِ إلَيْهِ، وبِأنْ أهْلَكَهم لَمّا قَصَدُوا هَدْمَ بَيْتِ اللَّهِ الكَعْبَةَ بِأنْ أرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا جاءَتْ مِن جِهَةِ البَحْرِ، لَيْسَتْ نَجْدِيَّةً ولا تِهامِيَّةً ولا حِجازِيَّةً سَوْداءَ، وقِيلَ: خَضْراءَ عَلى قَدْرِ الخُطّافِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (تَرْمِيهِمْ) بِالتّاءِ، والطَّيْرُ اسْمُ جَمْعٍ بِهَذِهِ القِراءَةِ، وقَوْلُهُ: كالطَّيْرِ يَنْجُو مِنَ الشُّؤْبُوبِ ذِي البَرَدِ وتُذَكَّرُ كَقِراءَةِ أبِي حَنِيفَةَ وابْنِ يَعْمَرَ وعِيسى وطَلْحَةَ في رِوايَةٍ عَنْهُ: يَرْمِيهِمْ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى (رَبِّكَ) . (بِحِجارَةٍ) كانَ كُلُّ طائِرٍ في مِنقارِهِ حَجَرٌ، وفي رِجْلَيْهِ حَجَرانِ، كُلُّ حَجَرٍ فَوْقَ حَبَّةِ العَدَسِ ودُونَ حَبَّةِ الحِمَّصِ، مَكْتُوبٌ في كُلِّ حَجَرٍ اسْمُ مَرْمِيِّهِ، يَنْزِلُ عَلى رَأْسِهِ ويَخْرُجُ مِن دُبُرِهِ، ومَرِضَ أبْرَهَةُ، فَتَقَطَّعَ أُنْمُلَةً أُنْمُلَةً، وما ماتَ حَتّى انْصَدَعَ صَدْرُهُ عَنْ قَلْبِهِ، وانْفَلَتَ أبُو مَكْسُومٍ وزِيرُهُ، وطائِرُهُ يَتْبَعُهُ حَتّى وصَلَ إلى النَّجاشِيِّ وأخْبَرَهُ بِما جَرى لِلْقَوْمِ، فَرَماهُ الطّائِرُ بِحَجَرِهِ فَماتَ بَيْنَ يَدَيِ المَلِكِ، وتَقَدَّمَ شَرْحُ سِجِّيلٍ في سُورَةِ هُودٍ، والعَصْفِ في سُورَةِ الرَّحْمَنِ، شُبِّهُوا بِالعَصْفِ ورَقِ الزَّرْعِ الَّذِي أُكِلَ، أيْ وقَعَ فِيهِ الأُكّالُ، وهو أنْ يَأْكُلَهُ الدُّودُ، والتِّبْنِ الَّذِي أكَلَتْهُ الدَّوابُّ وراثَتُهُ، وجاءَ عَلى آدابِ القُرْآنِ نَحْوَ قَوْلِهِ: ﴿كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ﴾ [المائدة: ٧٥] أوِ الَّذِي أُكِلَ حَبُّهُ فَبَقِيَ فارِغًا، فَنَسَبَهُ أنَّهُ أكْلُ مَجازٍ، إذِ المَأْكُولُ حَبُّهُ لا هو، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (مَأْكُولٍ) بِسُكُونِ الهَمْزَةِ وهو الأصْلُ، لِأنَّ صِيغَةَ مَفْعُولٍ مِن فَعَلَ، وقَرَأ أبُو الدَّرْداءِ، فِيما نَقَلَ ابْنُ خالَوَيْهِ: بِفَتْحِ الهَمْزَةِ إتْباعًا لِحَرَكَةِ المِيمِ وهو شاذٌّ، وهَذا كَما اتَّبَعُوهُ في قَوْلِهِمْ: مَحَمُومٌ بِفَتْحِ الحاءِ لِحَرَكَةِ المِيمِ، قالَ ابْنُ إسْحاقَ: لَمّا رَدَّ اللَّهُ الحَبَشَةَ عَنْ مَكَّةَ، عَظَّمَتِ العَرَبُ قُرَيْشًا وقالُوا: أهْلُ اللَّهِ قاتَلَ عَنْهم وكَفاهم مَئُونَةَ عَدُوِّهم، فَكانَ ذَلِكَ نِعْمَةً مِنَ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: هو إجابَةٌ لِدُعاءِ الخَلِيلِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

الفيل 105:3

سُورَةُ الفِيلِ مَكِّيَّةٌ ﷽ ﴿ألَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأصْحابِ الفِيلِ﴾ ﴿ألَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهم في تَضْلِيلٍ﴾ ﴿وأرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أبابِيلَ﴾ ﴿تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِن سِجِّيلٍ﴾ ﴿فَجَعَلَهم كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ الفِيلُ أكْبَرُ ما رَأيْناهُ مِن وُحُوشِ البَرِّ يُجْلَبُ إلى مَلِكِ مِصْرَ، ولَمْ نَرَهُ بِالأنْدَلُسِ بِلادِنا، ويُجْمَعُ في القِلَّةِ عَلى أفْيالٍ، وفي الكَثْرَةِ عَلى فُيُولٍ وفِيَلَةٍ. الأبابِيلُ: الجَماعاتُ تَجِيءُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، قالَ الشّاعِرُ: ؎كادَتْ تَهُدُّ مِنَ الأصْواتِ راحِلَتِي إذْ سالَتِ الأرْضُ بِالجُرْدِ الأبابِيلِ وقالَ الأعْشى: ؎طَرِيقٌ وجَبّارٌ رِواءٌ أُصُولُهُ ∗∗∗ عَلَيْهِ أبابِيلٌ مِنَ الطَّيْرِ تَنْعَبُ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ والفَرّاءُ: لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ، فَيَكُونُ مِثْلَ عَبابِيدَ وبَيادِيرَ. وقِيلَ: واحِدُهُ إبُّولٌ مِثْلُ عِجُّولٍ، وقِيلَ: إبِّيلٌ مِثْلُ سِكِّينٍ، وقِيلَ: وذَكَرَ الرَّقاشِيُّ، وكانَ ثِقَةً، أنَّهُ سَمِعَ في واحِدِهِ: إبّالَةٌ، وحَكى الفَرّاءُ: إبالَةٌ مُخَفَّفًا. ﴿ألَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأصْحابِ الفِيلِ﴾ ﴿ألَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهم في تَضْلِيلٍ﴾ ﴿وأرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أبابِيلَ﴾ ﴿تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِن سِجِّيلٍ﴾ ﴿فَجَعَلَهم كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ . هَذِهِ (p-٥١٢)السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، ولَمّا ذَكَرَ فِيما قَبْلَها عَذابَ الكُفّارِ في الآخِرَةِ أخْبَرَ هُنا بِعَذابِ ناسٍ مِنهم في الدُّنْيا، والظّاهِرُ أنَّ الخِطّابَ لِلرَّسُولِ ﷺ، يَذْكُرُ نِعْمَتَهُ عَلَيْهِ، إذْ كانَ صَرَفَ ذَلِكَ العَدُوَّ العَظِيمَ عامَ مَوْلِدِهِ السَّعِيدِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وإرْهاصًا بِنُبُوَّتِهِ، إذْ مَجِيءُ تِلْكَ الطُّيُورِ عَلى الوَصْفِ المَنقُولِ، مِن خَوارِقِ العاداتِ والمُعْجِزاتِ المُتَقَدِّمَةِ بَيْنَ أيْدِي الأنْبِياءِ، عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ومَعْنى (ألَمْ تَرَ) ألَمْ تَعْلَمْ قَدَّرَهُ عَلى وُجُودِ عِلْمِهِ بِذَلِكَ ؟ إذْ هو أمْرٌ مَنقُولٌ نَقْلَ التَّواتُرِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: قَدْ عَلِمْتَ فِعْلَ اللَّهِ رَبِّكَ بِهَؤُلاءِ الَّذِينَ قَصَدُوا حَرَمَهُ، ضَلَّلَ كَيْدَهم وأهْلَكَهم بِأضْعَفِ جُنُودِهِ، وهي الطَّيْرُ الَّتِي لَيْسَتْ مَن عادَتِها أنَّها تَقْتُلُ. وقِصَّةُ الفِيلِ ذَكَرَها أهْلُ السِّيَرِ والتَّفْسِيرِ مُطَوَّلَةً ومُخْتَصَرَةً، وتُطالَعُ في كُتُبِهِمْ، وأصْحابُ الفِيلِ: أبْرَهَةُ بْنُ الصَّبّاحِ الحَبَشِيُّ ومَن كانَ مَعَهُ مِن جُنُودِهِ، والظّاهِرُ أنَّهُ فِيلٌ واحِدٌ، وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ. وقالَ الضَّحّاكُ: ثَمانِيَةُ فِيَلَةٍ، وقِيلَ: اثْنا عَشَرَ فِيلًا، وقِيلَ: ألْفُ فِيلٍ، وهَذِهِ أقْوالٌ مُتَكاذِبَةٌ، وكانَ العَسْكَرُ سِتِّينَ ألْفًا، لَمْ يَرْجِعْ أحَدٌ مِنهم إلّا أمِيرُهم في شِرْذِمَةٍ قَلِيلَةٍ، فَلَمّا أخْبَرُوا بِما رَأوْا هَلَكُوا، وكانَ الفِيلُ يُوَجِّهُونَهُ نَحْوَ مَكَّةَ لَمّا كانَ قَرِيبًا مِنها فَيَبْرُكُ، ويُوَجِّهُونَهُ نَحْوَ اليَمَنِ والشّامِ فَيُسْرِعُ، وقالَ الواقِدِيُّ: أبْرَهَةُ جَدُّ النَّجاشِيِّ الَّذِي كانَ في زَمَنِ الرَّسُولِ، ﷺ . وقَرَأ السُّلَمِيُّ: (ألَمْ تَرْ) بِسُكُونٍ، وهو جَزْمٌ بَعْدَ جَزْمٍ، ونُقِلَ عَنْ صاحِبِ اللَّوامِحِ (تَرْأ) بِهَمْزَةٍ مَفْتُوحَةٍ مَعَ سُكُونِ الرّاءِ عَلى الأصْلِ، وهي لُغَةٌ لَتَيْمٍ، و”تَرَ“ مُعَلَّقَةٌ، والجُمْلَةُ الَّتِي فِيها الِاسْتِفْهامُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِهِ، وكَيْفَ مَعْمُولٌ لِفِعْلٍ، وفي خِطابِهِ تَعالى لِنَبِيِّهِ ﷺ، بِقَوْلِهِ: ﴿فَعَلَ رَبُّكَ﴾ تَشْرِيفٌ لَهُ ﷺ، وإشادَةٌ مِن ذِكْرِهِ، كَأنَّهُ قالَ: رَبُّكَ مَعْبُودُكَ هو الَّذِي فَعَلَ ذَلِكَ لا أصْنامُ قُرَيْشٍ إسافُ ونائِلَةُ وغَيْرُهُما. ﴿ألَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهم في تَضْلِيلٍ﴾ وإبْطالٍ، يُقالُ: ضَلَّلَ كَيْدَهم إذا جَعَلَهُ ضالًّا ضائِعًا، وقِيلَ لِامْرِئِ القَيْسِ: الضِّلِّيلُ، لِأنَّهُ ضَلَّلَ مُلْكَ أبِيهِ، أيْ ضَيَّعَهُ، وتَضْيِيعُ كَيْدِهِمْ هو بِأنْ أحْرَقَ اللَّهُ تَعالى البَيْتَ الَّذِي بَنَوْهُ قاصِدِينَ أنْ يَرْجِعَ حَجُّ العَرَبِ إلَيْهِ، وبِأنْ أهْلَكَهم لَمّا قَصَدُوا هَدْمَ بَيْتِ اللَّهِ الكَعْبَةَ بِأنْ أرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا جاءَتْ مِن جِهَةِ البَحْرِ، لَيْسَتْ نَجْدِيَّةً ولا تِهامِيَّةً ولا حِجازِيَّةً سَوْداءَ، وقِيلَ: خَضْراءَ عَلى قَدْرِ الخُطّافِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (تَرْمِيهِمْ) بِالتّاءِ، والطَّيْرُ اسْمُ جَمْعٍ بِهَذِهِ القِراءَةِ، وقَوْلُهُ: كالطَّيْرِ يَنْجُو مِنَ الشُّؤْبُوبِ ذِي البَرَدِ وتُذَكَّرُ كَقِراءَةِ أبِي حَنِيفَةَ وابْنِ يَعْمَرَ وعِيسى وطَلْحَةَ في رِوايَةٍ عَنْهُ: يَرْمِيهِمْ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى (رَبِّكَ) . (بِحِجارَةٍ) كانَ كُلُّ طائِرٍ في مِنقارِهِ حَجَرٌ، وفي رِجْلَيْهِ حَجَرانِ، كُلُّ حَجَرٍ فَوْقَ حَبَّةِ العَدَسِ ودُونَ حَبَّةِ الحِمَّصِ، مَكْتُوبٌ في كُلِّ حَجَرٍ اسْمُ مَرْمِيِّهِ، يَنْزِلُ عَلى رَأْسِهِ ويَخْرُجُ مِن دُبُرِهِ، ومَرِضَ أبْرَهَةُ، فَتَقَطَّعَ أُنْمُلَةً أُنْمُلَةً، وما ماتَ حَتّى انْصَدَعَ صَدْرُهُ عَنْ قَلْبِهِ، وانْفَلَتَ أبُو مَكْسُومٍ وزِيرُهُ، وطائِرُهُ يَتْبَعُهُ حَتّى وصَلَ إلى النَّجاشِيِّ وأخْبَرَهُ بِما جَرى لِلْقَوْمِ، فَرَماهُ الطّائِرُ بِحَجَرِهِ فَماتَ بَيْنَ يَدَيِ المَلِكِ، وتَقَدَّمَ شَرْحُ سِجِّيلٍ في سُورَةِ هُودٍ، والعَصْفِ في سُورَةِ الرَّحْمَنِ، شُبِّهُوا بِالعَصْفِ ورَقِ الزَّرْعِ الَّذِي أُكِلَ، أيْ وقَعَ فِيهِ الأُكّالُ، وهو أنْ يَأْكُلَهُ الدُّودُ، والتِّبْنِ الَّذِي أكَلَتْهُ الدَّوابُّ وراثَتُهُ، وجاءَ عَلى آدابِ القُرْآنِ نَحْوَ قَوْلِهِ: ﴿كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ﴾ [المائدة: ٧٥] أوِ الَّذِي أُكِلَ حَبُّهُ فَبَقِيَ فارِغًا، فَنَسَبَهُ أنَّهُ أكْلُ مَجازٍ، إذِ المَأْكُولُ حَبُّهُ لا هو، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (مَأْكُولٍ) بِسُكُونِ الهَمْزَةِ وهو الأصْلُ، لِأنَّ صِيغَةَ مَفْعُولٍ مِن فَعَلَ، وقَرَأ أبُو الدَّرْداءِ، فِيما نَقَلَ ابْنُ خالَوَيْهِ: بِفَتْحِ الهَمْزَةِ إتْباعًا لِحَرَكَةِ المِيمِ وهو شاذٌّ، وهَذا كَما اتَّبَعُوهُ في قَوْلِهِمْ: مَحَمُومٌ بِفَتْحِ الحاءِ لِحَرَكَةِ المِيمِ، قالَ ابْنُ إسْحاقَ: لَمّا رَدَّ اللَّهُ الحَبَشَةَ عَنْ مَكَّةَ، عَظَّمَتِ العَرَبُ قُرَيْشًا وقالُوا: أهْلُ اللَّهِ قاتَلَ عَنْهم وكَفاهم مَئُونَةَ عَدُوِّهم، فَكانَ ذَلِكَ نِعْمَةً مِنَ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: هو إجابَةٌ لِدُعاءِ الخَلِيلِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

الفيل 105:4

سُورَةُ الفِيلِ مَكِّيَّةٌ ﷽ ﴿ألَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأصْحابِ الفِيلِ﴾ ﴿ألَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهم في تَضْلِيلٍ﴾ ﴿وأرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أبابِيلَ﴾ ﴿تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِن سِجِّيلٍ﴾ ﴿فَجَعَلَهم كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ الفِيلُ أكْبَرُ ما رَأيْناهُ مِن وُحُوشِ البَرِّ يُجْلَبُ إلى مَلِكِ مِصْرَ، ولَمْ نَرَهُ بِالأنْدَلُسِ بِلادِنا، ويُجْمَعُ في القِلَّةِ عَلى أفْيالٍ، وفي الكَثْرَةِ عَلى فُيُولٍ وفِيَلَةٍ. الأبابِيلُ: الجَماعاتُ تَجِيءُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، قالَ الشّاعِرُ: ؎كادَتْ تَهُدُّ مِنَ الأصْواتِ راحِلَتِي إذْ سالَتِ الأرْضُ بِالجُرْدِ الأبابِيلِ وقالَ الأعْشى: ؎طَرِيقٌ وجَبّارٌ رِواءٌ أُصُولُهُ ∗∗∗ عَلَيْهِ أبابِيلٌ مِنَ الطَّيْرِ تَنْعَبُ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ والفَرّاءُ: لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ، فَيَكُونُ مِثْلَ عَبابِيدَ وبَيادِيرَ. وقِيلَ: واحِدُهُ إبُّولٌ مِثْلُ عِجُّولٍ، وقِيلَ: إبِّيلٌ مِثْلُ سِكِّينٍ، وقِيلَ: وذَكَرَ الرَّقاشِيُّ، وكانَ ثِقَةً، أنَّهُ سَمِعَ في واحِدِهِ: إبّالَةٌ، وحَكى الفَرّاءُ: إبالَةٌ مُخَفَّفًا. ﴿ألَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأصْحابِ الفِيلِ﴾ ﴿ألَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهم في تَضْلِيلٍ﴾ ﴿وأرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أبابِيلَ﴾ ﴿تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِن سِجِّيلٍ﴾ ﴿فَجَعَلَهم كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ . هَذِهِ (p-٥١٢)السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، ولَمّا ذَكَرَ فِيما قَبْلَها عَذابَ الكُفّارِ في الآخِرَةِ أخْبَرَ هُنا بِعَذابِ ناسٍ مِنهم في الدُّنْيا، والظّاهِرُ أنَّ الخِطّابَ لِلرَّسُولِ ﷺ، يَذْكُرُ نِعْمَتَهُ عَلَيْهِ، إذْ كانَ صَرَفَ ذَلِكَ العَدُوَّ العَظِيمَ عامَ مَوْلِدِهِ السَّعِيدِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وإرْهاصًا بِنُبُوَّتِهِ، إذْ مَجِيءُ تِلْكَ الطُّيُورِ عَلى الوَصْفِ المَنقُولِ، مِن خَوارِقِ العاداتِ والمُعْجِزاتِ المُتَقَدِّمَةِ بَيْنَ أيْدِي الأنْبِياءِ، عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ومَعْنى (ألَمْ تَرَ) ألَمْ تَعْلَمْ قَدَّرَهُ عَلى وُجُودِ عِلْمِهِ بِذَلِكَ ؟ إذْ هو أمْرٌ مَنقُولٌ نَقْلَ التَّواتُرِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: قَدْ عَلِمْتَ فِعْلَ اللَّهِ رَبِّكَ بِهَؤُلاءِ الَّذِينَ قَصَدُوا حَرَمَهُ، ضَلَّلَ كَيْدَهم وأهْلَكَهم بِأضْعَفِ جُنُودِهِ، وهي الطَّيْرُ الَّتِي لَيْسَتْ مَن عادَتِها أنَّها تَقْتُلُ. وقِصَّةُ الفِيلِ ذَكَرَها أهْلُ السِّيَرِ والتَّفْسِيرِ مُطَوَّلَةً ومُخْتَصَرَةً، وتُطالَعُ في كُتُبِهِمْ، وأصْحابُ الفِيلِ: أبْرَهَةُ بْنُ الصَّبّاحِ الحَبَشِيُّ ومَن كانَ مَعَهُ مِن جُنُودِهِ، والظّاهِرُ أنَّهُ فِيلٌ واحِدٌ، وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ. وقالَ الضَّحّاكُ: ثَمانِيَةُ فِيَلَةٍ، وقِيلَ: اثْنا عَشَرَ فِيلًا، وقِيلَ: ألْفُ فِيلٍ، وهَذِهِ أقْوالٌ مُتَكاذِبَةٌ، وكانَ العَسْكَرُ سِتِّينَ ألْفًا، لَمْ يَرْجِعْ أحَدٌ مِنهم إلّا أمِيرُهم في شِرْذِمَةٍ قَلِيلَةٍ، فَلَمّا أخْبَرُوا بِما رَأوْا هَلَكُوا، وكانَ الفِيلُ يُوَجِّهُونَهُ نَحْوَ مَكَّةَ لَمّا كانَ قَرِيبًا مِنها فَيَبْرُكُ، ويُوَجِّهُونَهُ نَحْوَ اليَمَنِ والشّامِ فَيُسْرِعُ، وقالَ الواقِدِيُّ: أبْرَهَةُ جَدُّ النَّجاشِيِّ الَّذِي كانَ في زَمَنِ الرَّسُولِ، ﷺ . وقَرَأ السُّلَمِيُّ: (ألَمْ تَرْ) بِسُكُونٍ، وهو جَزْمٌ بَعْدَ جَزْمٍ، ونُقِلَ عَنْ صاحِبِ اللَّوامِحِ (تَرْأ) بِهَمْزَةٍ مَفْتُوحَةٍ مَعَ سُكُونِ الرّاءِ عَلى الأصْلِ، وهي لُغَةٌ لَتَيْمٍ، و”تَرَ“ مُعَلَّقَةٌ، والجُمْلَةُ الَّتِي فِيها الِاسْتِفْهامُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِهِ، وكَيْفَ مَعْمُولٌ لِفِعْلٍ، وفي خِطابِهِ تَعالى لِنَبِيِّهِ ﷺ، بِقَوْلِهِ: ﴿فَعَلَ رَبُّكَ﴾ تَشْرِيفٌ لَهُ ﷺ، وإشادَةٌ مِن ذِكْرِهِ، كَأنَّهُ قالَ: رَبُّكَ مَعْبُودُكَ هو الَّذِي فَعَلَ ذَلِكَ لا أصْنامُ قُرَيْشٍ إسافُ ونائِلَةُ وغَيْرُهُما. ﴿ألَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهم في تَضْلِيلٍ﴾ وإبْطالٍ، يُقالُ: ضَلَّلَ كَيْدَهم إذا جَعَلَهُ ضالًّا ضائِعًا، وقِيلَ لِامْرِئِ القَيْسِ: الضِّلِّيلُ، لِأنَّهُ ضَلَّلَ مُلْكَ أبِيهِ، أيْ ضَيَّعَهُ، وتَضْيِيعُ كَيْدِهِمْ هو بِأنْ أحْرَقَ اللَّهُ تَعالى البَيْتَ الَّذِي بَنَوْهُ قاصِدِينَ أنْ يَرْجِعَ حَجُّ العَرَبِ إلَيْهِ، وبِأنْ أهْلَكَهم لَمّا قَصَدُوا هَدْمَ بَيْتِ اللَّهِ الكَعْبَةَ بِأنْ أرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا جاءَتْ مِن جِهَةِ البَحْرِ، لَيْسَتْ نَجْدِيَّةً ولا تِهامِيَّةً ولا حِجازِيَّةً سَوْداءَ، وقِيلَ: خَضْراءَ عَلى قَدْرِ الخُطّافِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (تَرْمِيهِمْ) بِالتّاءِ، والطَّيْرُ اسْمُ جَمْعٍ بِهَذِهِ القِراءَةِ، وقَوْلُهُ: كالطَّيْرِ يَنْجُو مِنَ الشُّؤْبُوبِ ذِي البَرَدِ وتُذَكَّرُ كَقِراءَةِ أبِي حَنِيفَةَ وابْنِ يَعْمَرَ وعِيسى وطَلْحَةَ في رِوايَةٍ عَنْهُ: يَرْمِيهِمْ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى (رَبِّكَ) . (بِحِجارَةٍ) كانَ كُلُّ طائِرٍ في مِنقارِهِ حَجَرٌ، وفي رِجْلَيْهِ حَجَرانِ، كُلُّ حَجَرٍ فَوْقَ حَبَّةِ العَدَسِ ودُونَ حَبَّةِ الحِمَّصِ، مَكْتُوبٌ في كُلِّ حَجَرٍ اسْمُ مَرْمِيِّهِ، يَنْزِلُ عَلى رَأْسِهِ ويَخْرُجُ مِن دُبُرِهِ، ومَرِضَ أبْرَهَةُ، فَتَقَطَّعَ أُنْمُلَةً أُنْمُلَةً، وما ماتَ حَتّى انْصَدَعَ صَدْرُهُ عَنْ قَلْبِهِ، وانْفَلَتَ أبُو مَكْسُومٍ وزِيرُهُ، وطائِرُهُ يَتْبَعُهُ حَتّى وصَلَ إلى النَّجاشِيِّ وأخْبَرَهُ بِما جَرى لِلْقَوْمِ، فَرَماهُ الطّائِرُ بِحَجَرِهِ فَماتَ بَيْنَ يَدَيِ المَلِكِ، وتَقَدَّمَ شَرْحُ سِجِّيلٍ في سُورَةِ هُودٍ، والعَصْفِ في سُورَةِ الرَّحْمَنِ، شُبِّهُوا بِالعَصْفِ ورَقِ الزَّرْعِ الَّذِي أُكِلَ، أيْ وقَعَ فِيهِ الأُكّالُ، وهو أنْ يَأْكُلَهُ الدُّودُ، والتِّبْنِ الَّذِي أكَلَتْهُ الدَّوابُّ وراثَتُهُ، وجاءَ عَلى آدابِ القُرْآنِ نَحْوَ قَوْلِهِ: ﴿كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ﴾ [المائدة: ٧٥] أوِ الَّذِي أُكِلَ حَبُّهُ فَبَقِيَ فارِغًا، فَنَسَبَهُ أنَّهُ أكْلُ مَجازٍ، إذِ المَأْكُولُ حَبُّهُ لا هو، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (مَأْكُولٍ) بِسُكُونِ الهَمْزَةِ وهو الأصْلُ، لِأنَّ صِيغَةَ مَفْعُولٍ مِن فَعَلَ، وقَرَأ أبُو الدَّرْداءِ، فِيما نَقَلَ ابْنُ خالَوَيْهِ: بِفَتْحِ الهَمْزَةِ إتْباعًا لِحَرَكَةِ المِيمِ وهو شاذٌّ، وهَذا كَما اتَّبَعُوهُ في قَوْلِهِمْ: مَحَمُومٌ بِفَتْحِ الحاءِ لِحَرَكَةِ المِيمِ، قالَ ابْنُ إسْحاقَ: لَمّا رَدَّ اللَّهُ الحَبَشَةَ عَنْ مَكَّةَ، عَظَّمَتِ العَرَبُ قُرَيْشًا وقالُوا: أهْلُ اللَّهِ قاتَلَ عَنْهم وكَفاهم مَئُونَةَ عَدُوِّهم، فَكانَ ذَلِكَ نِعْمَةً مِنَ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: هو إجابَةٌ لِدُعاءِ الخَلِيلِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

الفيل 105:5

سُورَةُ الفِيلِ مَكِّيَّةٌ ﷽ ﴿ألَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأصْحابِ الفِيلِ﴾ ﴿ألَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهم في تَضْلِيلٍ﴾ ﴿وأرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أبابِيلَ﴾ ﴿تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِن سِجِّيلٍ﴾ ﴿فَجَعَلَهم كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ الفِيلُ أكْبَرُ ما رَأيْناهُ مِن وُحُوشِ البَرِّ يُجْلَبُ إلى مَلِكِ مِصْرَ، ولَمْ نَرَهُ بِالأنْدَلُسِ بِلادِنا، ويُجْمَعُ في القِلَّةِ عَلى أفْيالٍ، وفي الكَثْرَةِ عَلى فُيُولٍ وفِيَلَةٍ. الأبابِيلُ: الجَماعاتُ تَجِيءُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، قالَ الشّاعِرُ: ؎كادَتْ تَهُدُّ مِنَ الأصْواتِ راحِلَتِي إذْ سالَتِ الأرْضُ بِالجُرْدِ الأبابِيلِ وقالَ الأعْشى: ؎طَرِيقٌ وجَبّارٌ رِواءٌ أُصُولُهُ ∗∗∗ عَلَيْهِ أبابِيلٌ مِنَ الطَّيْرِ تَنْعَبُ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ والفَرّاءُ: لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ، فَيَكُونُ مِثْلَ عَبابِيدَ وبَيادِيرَ. وقِيلَ: واحِدُهُ إبُّولٌ مِثْلُ عِجُّولٍ، وقِيلَ: إبِّيلٌ مِثْلُ سِكِّينٍ، وقِيلَ: وذَكَرَ الرَّقاشِيُّ، وكانَ ثِقَةً، أنَّهُ سَمِعَ في واحِدِهِ: إبّالَةٌ، وحَكى الفَرّاءُ: إبالَةٌ مُخَفَّفًا. ﴿ألَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأصْحابِ الفِيلِ﴾ ﴿ألَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهم في تَضْلِيلٍ﴾ ﴿وأرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أبابِيلَ﴾ ﴿تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِن سِجِّيلٍ﴾ ﴿فَجَعَلَهم كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ . هَذِهِ (p-٥١٢)السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، ولَمّا ذَكَرَ فِيما قَبْلَها عَذابَ الكُفّارِ في الآخِرَةِ أخْبَرَ هُنا بِعَذابِ ناسٍ مِنهم في الدُّنْيا، والظّاهِرُ أنَّ الخِطّابَ لِلرَّسُولِ ﷺ، يَذْكُرُ نِعْمَتَهُ عَلَيْهِ، إذْ كانَ صَرَفَ ذَلِكَ العَدُوَّ العَظِيمَ عامَ مَوْلِدِهِ السَّعِيدِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وإرْهاصًا بِنُبُوَّتِهِ، إذْ مَجِيءُ تِلْكَ الطُّيُورِ عَلى الوَصْفِ المَنقُولِ، مِن خَوارِقِ العاداتِ والمُعْجِزاتِ المُتَقَدِّمَةِ بَيْنَ أيْدِي الأنْبِياءِ، عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ومَعْنى (ألَمْ تَرَ) ألَمْ تَعْلَمْ قَدَّرَهُ عَلى وُجُودِ عِلْمِهِ بِذَلِكَ ؟ إذْ هو أمْرٌ مَنقُولٌ نَقْلَ التَّواتُرِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: قَدْ عَلِمْتَ فِعْلَ اللَّهِ رَبِّكَ بِهَؤُلاءِ الَّذِينَ قَصَدُوا حَرَمَهُ، ضَلَّلَ كَيْدَهم وأهْلَكَهم بِأضْعَفِ جُنُودِهِ، وهي الطَّيْرُ الَّتِي لَيْسَتْ مَن عادَتِها أنَّها تَقْتُلُ. وقِصَّةُ الفِيلِ ذَكَرَها أهْلُ السِّيَرِ والتَّفْسِيرِ مُطَوَّلَةً ومُخْتَصَرَةً، وتُطالَعُ في كُتُبِهِمْ، وأصْحابُ الفِيلِ: أبْرَهَةُ بْنُ الصَّبّاحِ الحَبَشِيُّ ومَن كانَ مَعَهُ مِن جُنُودِهِ، والظّاهِرُ أنَّهُ فِيلٌ واحِدٌ، وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ. وقالَ الضَّحّاكُ: ثَمانِيَةُ فِيَلَةٍ، وقِيلَ: اثْنا عَشَرَ فِيلًا، وقِيلَ: ألْفُ فِيلٍ، وهَذِهِ أقْوالٌ مُتَكاذِبَةٌ، وكانَ العَسْكَرُ سِتِّينَ ألْفًا، لَمْ يَرْجِعْ أحَدٌ مِنهم إلّا أمِيرُهم في شِرْذِمَةٍ قَلِيلَةٍ، فَلَمّا أخْبَرُوا بِما رَأوْا هَلَكُوا، وكانَ الفِيلُ يُوَجِّهُونَهُ نَحْوَ مَكَّةَ لَمّا كانَ قَرِيبًا مِنها فَيَبْرُكُ، ويُوَجِّهُونَهُ نَحْوَ اليَمَنِ والشّامِ فَيُسْرِعُ، وقالَ الواقِدِيُّ: أبْرَهَةُ جَدُّ النَّجاشِيِّ الَّذِي كانَ في زَمَنِ الرَّسُولِ، ﷺ . وقَرَأ السُّلَمِيُّ: (ألَمْ تَرْ) بِسُكُونٍ، وهو جَزْمٌ بَعْدَ جَزْمٍ، ونُقِلَ عَنْ صاحِبِ اللَّوامِحِ (تَرْأ) بِهَمْزَةٍ مَفْتُوحَةٍ مَعَ سُكُونِ الرّاءِ عَلى الأصْلِ، وهي لُغَةٌ لَتَيْمٍ، و”تَرَ“ مُعَلَّقَةٌ، والجُمْلَةُ الَّتِي فِيها الِاسْتِفْهامُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِهِ، وكَيْفَ مَعْمُولٌ لِفِعْلٍ، وفي خِطابِهِ تَعالى لِنَبِيِّهِ ﷺ، بِقَوْلِهِ: ﴿فَعَلَ رَبُّكَ﴾ تَشْرِيفٌ لَهُ ﷺ، وإشادَةٌ مِن ذِكْرِهِ، كَأنَّهُ قالَ: رَبُّكَ مَعْبُودُكَ هو الَّذِي فَعَلَ ذَلِكَ لا أصْنامُ قُرَيْشٍ إسافُ ونائِلَةُ وغَيْرُهُما. ﴿ألَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهم في تَضْلِيلٍ﴾ وإبْطالٍ، يُقالُ: ضَلَّلَ كَيْدَهم إذا جَعَلَهُ ضالًّا ضائِعًا، وقِيلَ لِامْرِئِ القَيْسِ: الضِّلِّيلُ، لِأنَّهُ ضَلَّلَ مُلْكَ أبِيهِ، أيْ ضَيَّعَهُ، وتَضْيِيعُ كَيْدِهِمْ هو بِأنْ أحْرَقَ اللَّهُ تَعالى البَيْتَ الَّذِي بَنَوْهُ قاصِدِينَ أنْ يَرْجِعَ حَجُّ العَرَبِ إلَيْهِ، وبِأنْ أهْلَكَهم لَمّا قَصَدُوا هَدْمَ بَيْتِ اللَّهِ الكَعْبَةَ بِأنْ أرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا جاءَتْ مِن جِهَةِ البَحْرِ، لَيْسَتْ نَجْدِيَّةً ولا تِهامِيَّةً ولا حِجازِيَّةً سَوْداءَ، وقِيلَ: خَضْراءَ عَلى قَدْرِ الخُطّافِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (تَرْمِيهِمْ) بِالتّاءِ، والطَّيْرُ اسْمُ جَمْعٍ بِهَذِهِ القِراءَةِ، وقَوْلُهُ: كالطَّيْرِ يَنْجُو مِنَ الشُّؤْبُوبِ ذِي البَرَدِ وتُذَكَّرُ كَقِراءَةِ أبِي حَنِيفَةَ وابْنِ يَعْمَرَ وعِيسى وطَلْحَةَ في رِوايَةٍ عَنْهُ: يَرْمِيهِمْ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى (رَبِّكَ) . (بِحِجارَةٍ) كانَ كُلُّ طائِرٍ في مِنقارِهِ حَجَرٌ، وفي رِجْلَيْهِ حَجَرانِ، كُلُّ حَجَرٍ فَوْقَ حَبَّةِ العَدَسِ ودُونَ حَبَّةِ الحِمَّصِ، مَكْتُوبٌ في كُلِّ حَجَرٍ اسْمُ مَرْمِيِّهِ، يَنْزِلُ عَلى رَأْسِهِ ويَخْرُجُ مِن دُبُرِهِ، ومَرِضَ أبْرَهَةُ، فَتَقَطَّعَ أُنْمُلَةً أُنْمُلَةً، وما ماتَ حَتّى انْصَدَعَ صَدْرُهُ عَنْ قَلْبِهِ، وانْفَلَتَ أبُو مَكْسُومٍ وزِيرُهُ، وطائِرُهُ يَتْبَعُهُ حَتّى وصَلَ إلى النَّجاشِيِّ وأخْبَرَهُ بِما جَرى لِلْقَوْمِ، فَرَماهُ الطّائِرُ بِحَجَرِهِ فَماتَ بَيْنَ يَدَيِ المَلِكِ، وتَقَدَّمَ شَرْحُ سِجِّيلٍ في سُورَةِ هُودٍ، والعَصْفِ في سُورَةِ الرَّحْمَنِ، شُبِّهُوا بِالعَصْفِ ورَقِ الزَّرْعِ الَّذِي أُكِلَ، أيْ وقَعَ فِيهِ الأُكّالُ، وهو أنْ يَأْكُلَهُ الدُّودُ، والتِّبْنِ الَّذِي أكَلَتْهُ الدَّوابُّ وراثَتُهُ، وجاءَ عَلى آدابِ القُرْآنِ نَحْوَ قَوْلِهِ: ﴿كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ﴾ [المائدة: ٧٥] أوِ الَّذِي أُكِلَ حَبُّهُ فَبَقِيَ فارِغًا، فَنَسَبَهُ أنَّهُ أكْلُ مَجازٍ، إذِ المَأْكُولُ حَبُّهُ لا هو، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (مَأْكُولٍ) بِسُكُونِ الهَمْزَةِ وهو الأصْلُ، لِأنَّ صِيغَةَ مَفْعُولٍ مِن فَعَلَ، وقَرَأ أبُو الدَّرْداءِ، فِيما نَقَلَ ابْنُ خالَوَيْهِ: بِفَتْحِ الهَمْزَةِ إتْباعًا لِحَرَكَةِ المِيمِ وهو شاذٌّ، وهَذا كَما اتَّبَعُوهُ في قَوْلِهِمْ: مَحَمُومٌ بِفَتْحِ الحاءِ لِحَرَكَةِ المِيمِ، قالَ ابْنُ إسْحاقَ: لَمّا رَدَّ اللَّهُ الحَبَشَةَ عَنْ مَكَّةَ، عَظَّمَتِ العَرَبُ قُرَيْشًا وقالُوا: أهْلُ اللَّهِ قاتَلَ عَنْهم وكَفاهم مَئُونَةَ عَدُوِّهم، فَكانَ ذَلِكَ نِعْمَةً مِنَ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: هو إجابَةٌ لِدُعاءِ الخَلِيلِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

قريش 106:1

(p-٥١٣)سُورَةُ لِإيلافِ قُرَيْشٍ مَكِّيَّةٌ وهي أرْبَعُ آياتٍ ﷽ ﴿لِإيلافِ قُرَيْشٍ﴾ ﴿إيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ والصَّيْفِ﴾ ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذا البَيْتِ﴾ ﴿الَّذِي أطْعَمَهم مِن جُوعٍ وآمَنَهم مِن خَوْفٍ﴾ قُرَيْشٌ: عَلَمٌ اسْمُ قَبِيلَةٍ، وهم بَنُو النَّضْرِ بْنِ كِنانَةَ، فَمَن كانَ مِن بَنِي النَّضْرِ فَهو مِن قُرَيْشٍ دُونَ بَنِي كِنانَةَ، وقِيلَ: هم بَنُو فِهْرِ بْنِ مالِكِ بْنِ النَّضْرِ، فَمَن لَمْ يَلِدْهُ فِهْرٌ فَلَيْسَ بِقُرَشِيٍّ، قالَ القُرْطُبِيُّ: والقَوْلُ الأوَّلُ أصَحُّ وأثْبَتُ، وسُمُّوا بِذَلِكَ لِتَجَمُّعِهِمْ بَعْدَ التَّفَرُّقِ، والتَّقْرِيشُ: التَّجَمُّعُ والِالئِتامُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎إخْوَةٌ قَرَّشُوا الذُّنُوبَ عَلَيْنا في حَدِيثٍ مِن دَهْرِهِمْ وقَدِيمِ كانُوا مُتَفَرِّقِينَ في غَيْرِ الحَرَمِ، فَجَمَعَهم قُصَيُّ بْنُ كِلابٍ في الحَرَمِ حَتّى اتَّخَذُوهُ مَسْكَنًا، ومِنهُ قَوْلُهُ: ؎أبُونا قُصَيُّ كانَ يُدْعى مُجَمِّعًا ∗∗∗ بِهِ جَمَعَ اللَّهُ القَبائِلَ مِن فِهْرِ وقالَ الفَرّاءُ: التَّقَرُّشُ: التَّكَسُّبُ، وقَدْ قَرَشَ يَقْرِشُ قَرْشًا، إذا كَسَبَ وجَمَعَ، ومِنهُ سُمِّيَتْ قُرَيْشٌ، وقِيلَ: كانُوا يُفَتِّشُونَ عَلى ذِي الخَلَّةِ مِنَ الحاجِّ لِيَسُدُّوها، والقَرْشِ: التَّفْتِيشُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎أيُّها النّاطِقُ المُقَرِّشُ عَنّا ∗∗∗ عِنْدَ عَمْرٍو وهَلْ لِذاكَ بَقاءُ وسَألَ مُعاوِيَةُ ابْنَ عَبّاسٍ: بِمَ سُمِّيَتْ قُرَيْشٌ قُرَيْشًا ؟ فَقالَ: بِدابَّةٍ في البَحْرِ أقْوى دَوابِّهِ يُقالُ لَها القِرْشُ، تَأْكُلُ ولا تُؤْكَلُ، وتَعْلُو ولا تُعْلى، ومِنهُ قَوْلُ تُبَّعٍ: ؎وقُرَيْشٌ هي الَّتِي تَسْكُنُ البَحْرَ ∗∗∗ بِها سُمِّيَتْ قُرَيْشٌ قُرَيْشا ؎تَأْكُلُ الغَثَّ والسَّمِينَ ولا تَتْرُكُ ∗∗∗ فِيها لِذِي جَناحَيْنِ رِيشا ؎هَكَذا في البِلادِ حَيُّ قُرَيْشٍ ∗∗∗ يَأْكُلُونَ البِلادَ أكْلًا كَمِيشا ؎ولَهم آخِرُ الزَّمانِ نَبِيٌّ ∗∗∗ يُكْثِرُ القَتْلَ فِيهِمْ والخُمُوشا وفِي الكَشّافِ: دابَّةٌ تَعْبَثُ بِالسُّفُنِ ولا تُطاقُ إلّا بِالنّارِ، فَإنْ كانَ قُرَيْشٌ مِن مَزِيدٍ فِيهِ فَهو تَصْغِيرُ تَرْخِيمٍ، وإنْ كانَ مِن ثُلاثِيٍّ مُجَرَّدٍ فَهو تَصْغِيرٌ عَلى أصْلِ التَّصْغِيرِ. الشِّتاءُ والصَّيْفُ فَصْلانِ مَعْرُوفانِ مِن فُصُولِ السَّنَةِ الأرْبَعَةِ، وهَمْزَةُ الشِّتاءِ مُبْدَلَةٌ مِن واوٍ، قالُوا: شَتا يَشْتُو، وقالُوا: شَتْوَةً، والشِّتاءُ مُفْرَدٌ ولَيْسَ بِجَمْعِ شَتْوَةٍ. ﴿لِإيلافِ قُرَيْشٍ﴾ ﴿إيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ والصَّيْفِ﴾ ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذا البَيْتِ﴾ ﴿الَّذِي أطْعَمَهم مِن جُوعٍ وآمَنَهم مِن خَوْفٍ﴾ . هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الجُمْهُورِ، مَدَنِيَّةٌ في قَوْلِ الضَّحّاكِ وابْنِ السّائِبِ، ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها ظاهِرَةٌ، ولا سِيَّما أنْ جُعِلَتِ اللّامُ مُتَعَلِّقَةً بِنَفْسِ فَجَعَلَهم، وهو قَوْلُ الأخْفَشِ، أوْ بِإضْمارِ فَعَلْنا ذَلِكَ لِإيلافِ قُرَيْشٍ، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ الأخْفَشِ حَتّى تَطْمَئِنَّ في بَلَدِها، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِلِامْتِنانِ عَلَيْهِمْ، إذْ لَوْ سُلِّطَ عَلَيْهِمْ أصْحابُ الفِيلِ لَتَشَتَّتُوا في البِلادِ والأقالِيمِ، ولَمْ تَجْتَمِعْ لَهم كَلِمَةٌ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهَذا بِمَنزِلَةِ التَّضْمِينِ في الشِّعْرِ، وهو أنْ يَتَعَلَّقَ مَعْنى البَيْتِ بِالَّذِي قَبْلَهُ تَعَلُّقًا لا يَصِحُّ إلّا بِهِ، وهُما في مُصْحَفِ أُبَيٍّ سُورَةٌ واحِدَةٌ بِلا فَصْلٍ. وعَنْ عُمَرَ: أنَّهُ قَرَأهُما في الثّانِيَةِ مِن صَلاةِ (p-٥١٤)المَغْرِبِ، وقَرَأ في الأُولى والتِّينِ، والمَعْنى أنَّهُ أهْلَكَ أهْلَ الحَبَشَةِ الَّذِينَ قَصَدُوهم لِيَتَسامَعَ النّاسُ بِذَلِكَ، فَيَتَهَيَّبُوهم زِيادَةَ تَهَيُّبٍ، ويَحْتَرِمُوهم فَضْلَ احْتِرامٍ حَتّى يَنْتَظِمَ لَهُمُ الأمْنُ في رِحْلَتِهِمْ. انْتَهى. قالَ الحَوْفِيُّ: ورَّدَ هَذا القَوْلَ جَماعَةٌ، وقالُوا: لَوْ كانَ كَذا لَكانَ لِإيلافِ بَعْضَ سُورَةِ ألَمْ تَرَ، وفي إجْماعِ الجَمِيعِ عَلى الفَصْلِ بَيْنَهُما ما يَدُلُّ عَلى غَيْرِ ما قالَ، يَعْنِي الأخْفَشَ والكِسائِيَّ والفَرّاءَ، تَتَعَلَّقُ بِاعْجَبُوا مُضْمِرَةً، أيْ اعَجَبُوا لِإيلافِ قُرَيْشٍ رِحْلَةَ الشِّتاءِ والصَّيْفِ، وتَرْكِهِمْ عِبادَةَ رَبِّ هَذا البَيْتِ، ثُمَّ أمْرَهم بِالعِبادَةِ بَعْدُ وأعْلَمَهم أنَّ اللَّهَ هو الَّذِي أطْعَمَهم وآمَنَهم لا إسافُهم، أيْ فَلْيَعْبُدُوا الَّذِي أطْعَمَهم بِدَعْوَةِ أبِيهِمْ حَيْثُ قالَ: ﴿وارْزُقْهم مِنَ الثَّمَراتِ﴾ [إبراهيم: ٣٧] وآمَنَهم بِدَعْوَتِهِ حَيْثُ قالَ: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذا البَلَدَ آمِنًا﴾ [إبراهيم: ٣٥] ولا تَشْتَغِلُوا بِالأسْفارِ الَّتِي إنَّما هي طَلَبُ كَسْبٍ وعَرْضِ دُنْيا. وقالَ الخَلِيلُ بْنُ أحْمَدَ: تَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلْيَعْبُدُوا﴾ والمَعْنى لِأنْ فَعَلَ اللَّهُ بِقُرَيْشٍ هَذا ومَكَّنَهم مِن إلْفِهِمْ هَذِهِ النِّعْمَةَ ﴿فَلْيَعْبُدُوا﴾ أمَرَهم أنْ يَعْبُدُوهُ لِأجْلِ إيلافِهِمْ الرِّحْلَةَ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: فَلِمَ دَخَلَتِ الفاءُ ؟ قُلْتُ: لِما في الكَلامِ مِن مَعْنى الشَّرْطِ؛ لِأنَّ المَعْنى: إمّا لا فَلْيَعْبُدُوا لِإيلافِهِمْ عَلى مَعْنى أنَّ نِعَمَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ لا تُحْصى، فَإنْ لَمْ يَعْبُدُوهُ لِسائِرِ نِعَمِهِ، فَلْيَعْبُدُوهُ لِهَذِهِ النِّعْمَةِ الواحِدَةِ الَّتِي هي نِعْمَةٌ ظاهِرَةٌ. انْتَهى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿لِإيلافِ قُرَيْشٍ﴾ مَصْدَرُ آلَفَ رُباعِيًّا، وابْنُ عامِرٍ: (لِإلافِ) عَلى وزْنِ فِعالٍ، مَصْدَرُ ألِفَ ثُلاثِيًّا، يُقالُ: ألِفَ الرَّجُلُ الأمْرَ إلْفًا وإلافًا، وآلَفَهُ غَيْرُهُ إيّاهُ إيلافًا، وقَدْ يَأْتِي آلَفَ مُتَعَدِّيًا لِواحِدٍ كَألِفَ، قالَ الشّاعِرُ: ؎مِنَ المُؤَلَّفاتِ الرَّمْلِ أدْماءُ حُرَّةٌ ∗∗∗ شُعاعُ الضُّحى في مَتْنِها يَتَوَضَّحُ ولَمْ يَخْتَلِفِ القُرّاءُ السَّبْعَةُ في قِراءَةِ إيلافِهِمْ مَصْدَرًا لِلرُّباعِيِّ. ورُوِيَ عَنْ أبِي بَكْرٍ، عَنْ عاصِمٍ أنَّهُ قَرَأ بِهَمْزَتَيْنِ، فِيهِما الثّانِيَةُ ساكِنَةٌ، وهَذا شاذٌّ، وإنْ كانَ الأصْلَ أبْدَلُوا الهَمْزَةَ الَّتِي هي فاءُ الكَلِمَةِ لِثِقَلِ اجْتِماعِ هَمْزَتَيْنِ، ولَمْ يُبْدِلُوا في نَحْوٍ يُؤَلَّفُ عَلى جِهَةِ اللُّزُومِ لِزَوالِ الِاسْتِثْقالِ بِحَذْفِ الهَمْزَةِ فِيهِ، وهَذا المَرْوِيُّ عَنْ عاصِمٍ هو مِن طَرِيقِ الشُّمُنِّيِّ عَنِ الأعْشى عَنْ أبِي بَكْرٍ، ورَوى مُحَمَّدُ بْنُ داوُدَ النَّقّارُ عَنْ عاصِمٍ: (إإيلافِهِمْ) بِهَمْزَتَيْنِ مَكْسُورَتَيْنِ بَعْدَهُما ياءٌ ساكِنَةٌ ناشِئَةٌ عَنْ حَرَكَةِ الهَمْزَةِ الثّانِيَةِ لَمّا أشْبَعَ كَسْرَتَها، والصَّحِيحُ رُجُوعُ عاصِمٍ عَنِ الهَمْزَةِ الثّانِيَةِ، وأنَّهُ قَرَأ كالجَماعَةِ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ فِيما حَكى الزَّمَخْشَرِيُّ: (لِإلْفِ قُرَيْشٍ)، وقَرَأ فِيما حَكى ابْنُ عَطِيَّةَ (إلْفَهم)، قالَ الشّاعِرُ: ؎زَعَمْتُمْ أنَّ إخْوَتَكم قُرَيْشًا ∗∗∗ لَهم إلْفٌ ولَيْسَ لَكم إلافُ جَمَعَ بَيْنَ مَصْدَرِي ألِفَ الثُّلاثِيِّ، وعَنْ أبِي جَعْفَرٍ وابْنِ عامِرٍ: (إلافَهم) عَلى وزْنِ فِعالٍ، وعَنْ أبِي جَعْفَرٍ وابْنِ كَثِيرٍ: (إلْفَهم) عَلى وزْنِ فِعْلٍ، وبِذَلِكَ قَرَأ عِكْرِمَةُ، وعَنْ أبِي جَعْفَرٍ أيْضًا: (لِيلافِ) بِياءٍ ساكِنَةٍ بَعْدَ اللّامِ أتْبَعَ لَمّا أبْدَلَ الثّانِيَةَ ياءً حَذْفَ الأُولى حَذْفًا عَلى غَيْرِ قِياسٍ، وعَنْ عِكْرِمَةَ: (لِيَأْلَفَ قُرَيْشٌ)، وعَنْهُ أيْضًا: (لِتَأْلَفْ قُرَيْشٌ) عَلى الأمْرِ، وعَنْهُ وعَنْ هِلالِ بْنِ فِتْيانَ: بِفَتْحِ لامِ الأمْرِ، وأجْمَعُوا هُنا عَلى صَرْفِ قُرَيْشٍ، راعَوْا فِيهِ مَعْنى الحَيِّ، ويَجُوزُ مَنعُ صَرْفِهِ مَلْحُوظًا فِيهِ مَعْنى القَبِيلَةِ لِلتَّأْنِيثِ والعَلَمِيَّةِ، قالَ الشّاعِرُ: ؎وكَفى قُرَيْشَ المُعْضِلاتِ وسادَها جَعَلَهُ اسْمًا لِلْقَبِيلَةِ سِيبَوَيْهِ في نَحْوِ مَعَدَّ وقُرَيْشَ وثَقِيفَ، وكَيْنُونَةُ هَذِهِ لِلْأحْياءِ أكْثَرُ، وإنْ جَعَلْتَها اسْمًا لِلْقَبائِلِ فَجائِزٌ حَسَنٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿رِحْلَةَ﴾ بِكَسْرِ الرّاءِ، وأبُو السَّمّالِ: بِضَمِّها، فَبِالكَسْرِ مَصْدَرٌ، وبِالضَّمِّ الجِهَةُ الَّتِي يُرْحَلُ إلَيْها، والجُمْهُورُ عَلى أنَّهُما رِحْلَتانِ، فَقِيلَ: إلى الشّامِ في التِّجارَةِ ونَيْلِ الأرْباحِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎سَفَرَيْنِ بَيْنَهُما لَهُ ولِغَيْرِهِ ∗∗∗ سَفَرَ الشِّتاءِ ورِحْلَةَ الأصْيافِ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: رِحْلَةٌ إلى اليَمَنِ، ورِحْلَةٌ إلى بُصْرى، وقالَ: يَرْحَلُونَ في الصَّيْفِ إلى الطّائِفِ (p-٥١٥)حَيْثُ الماءُ والظِّلُّ، ويَرْحَلُونَ في الشِّتاءِ إلى مَكَّةَ لِلتِّجارَةِ وسائِرِ أغْراضِهِمْ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وأرادَ رِحْلَتَيِ الشِّتاءِ والصَّيْفِ، فَأفْرَدَ لِأمْنِ الإلْباسِ، كَقَوْلِهِ: ؎كُلُوا في بَعْضِ بَطْنِكم تَعِفُّوا ∗∗∗ فَإنَّ زَمانَكم زَمَنٌ خَمِيصُ انْتَهى. وهَذا عِنْدَ سِيبَوَيْهِ لا يَجُوزُ إلّا في الضَّرُورَةِ، ومِثْلُهُ: ؎حَمامَةَ بَطْنِ الوادِيَيْنِ تَرَنَّمِي يُرِيدُ: بَطْنَيِ الوادِيَيْنِ، أنْشَدَهُ أصْحابُنا عَلى الضَّرُورَةِ، وقالَ النَّقّاشُ: كانَتْ لَهم أرْبَعُ رِحَلٍ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا قَوْلٌ مَرْدُودٌ. انْتَهى. ولا يَنْبَغِي أنْ يَرِدَ، فَإنَّ أصْحابَ الإيلافِ كانُوا أرْبَعَةَ إخْوَةٍ وهم بَنُو عَبْدِ مَنافٍ: هاشِمٌ كانَ يُؤَلِّفُ مَلِكَ الشّامِ، أخَذَ مِنهُ خَيْلًا، فَأمِنَ بِهِ في تِجارَتِهِ إلى الشّامِ، وعَبْدُ شَمْسٍ يُؤَلِّفُ إلى الحَبَشَةِ، والمُطَّلِبُ إلى اليَمَنِ، ونَوْفَلٌ إلى فارِسَ، فَكانَ هَؤُلاءِ يُسَمَّوْنَ المُجْبِرِينَ، فَتَخْتَلِفُ تَجْرُ قُرَيْشٍ إلى الأمْصارِ بِحَبْلِ هَؤُلاءِ الإخْوَةِ، فَلا يُتَعَرَّضُ لَهم. قالَ الأزْهَرِيُّ: الإيلافُ شِبْهُ الإجارَةِ بِالخِفارَةِ، فَإذا كانَ كَذَلِكَ جازَ أنْ يَكُونَ لَهم رِحَلٌ أرْبَعٌ، بِاعْتِبارِ هَذِهِ الأماكِنِ الَّتِي كانَتِ التُّجّارُ في خِفارَةِ هَؤُلاءِ الأرْبَعَةِ فِيها، وفِيهِمْ يَقُولُ الشّاعِرُ يَمْدَحُهم: ؎يا أيُّها الرَّجُلُ المُحَوِّلُ رَحْلَهُ ∗∗∗ هَلّا نَزَلْتَ بِآلِ عَبْدِ مَنافِ ؎الآخِذُونَ العَهْدَ مِن آفاقِها ∗∗∗ والرّاحِلُونَ لِرِحْلَةِ الإيلافِ ؎والرّائِشُونَ ولَيْسَ يُوجَدُ رائِشٌ ∗∗∗ والقائِلُونَ هَلُمَّ لِلْأضْيافِ ؎والخالِطُونَ غَنِيَّهم لِفَقِيرِهِمْ ∗∗∗ حَتّى يَصِيرَ فَقِيرُهم كالكافِ فَتَكُونُ (رِحْلَةَ) هُنا اسْمَ جِنْسٍ يَصْلُحُ لِلْواحِدِ ولِأكْثَرَ، وإيلافُهم بَدَلٌ مِن ﴿لِإيلافِ قُرَيْشٍ﴾ أطْلَقَ المُبْدَلَ مِنهُ وقَيَّدَ البَدَلَ بِالمَفْعُولِ بِهِ، وهو رِحْلَةٌ، أيْ لِأنْ ألِفُوا رِحْلَةً تَفْخِيمًا لِأمْرِ الإيلافِ وتَذْكِيرًا بِعَظِيمِ النِّعْمَةِ فِيهِ ﴿هَذا البَيْتِ﴾ هو الكَعْبَةُ، وتَمَكَّنَ هُنا هَذا اللَّفْظُ لِتَقَدُّمِ حِمايَتِهِ في السُّورَةِ الَّتِي قَبْلَها، ومِن هُنا لِلتَّعْلِيلِ، أيْ لِأجْلِ الجُوعِ، كانُوا قُطّانًا بِبَلَدٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عُرْضَةً لِلْجُوعِ والخَوْفِ لَوْلا لُطْفُ اللَّهِ تَعالى بِهِمْ، وذَلِكَ بِدَعْوَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، قالَ تَعالى: ﴿يُجْبى إلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [القصص: ٥٧] . ﴿الَّذِي أطْعَمَهم مِن﴾ فَضَّلَهم عَلى العَرَبِ بِكَوْنِهِمْ يَأْمَنُونَ حَيْثُ ما حَلُّوا، فَيُقالُ: هَؤُلاءِ قُطّانُ بَيْتِ اللَّهِ، فَلا يَتَعَرَّضُ إلَيْهِمْ أحَدٌ، وغَيْرُهم خائِفُونَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ: ﴿الَّذِي أطْعَمَهم مِن﴾ مَعْناهُ مِنَ الجُذامِ، فَلا تَرى بِمَكَّةَ مَجْذُومًا، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والتَّنْكِيرُ في جُوعٍ وخَوْفٍ لِشِدَّتِهِما، يَعْنِي أطْعَمَهم بِالرِّحْلَتَيْنِ مِن جُوعٍ شَدِيدٍ كانُوا فِيهِ قَبْلَهُما، وآمَنَهم مِن خَوْفٍ عَظِيمٍ، وهو خَوْفُ أصْحابِ الفِيلِ، أوْ خَوْفُ التَّخَطُّفِ في بَلَدِهِمْ ومَسايِرِهِمْ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿مِن خَوْفٍ﴾ بِإظْهارِ النُّونِ عِنْدَ الخاءِ، والمُسَيَّبِيُّ عَنْ نافِعٍ: بِإخْفائِها، وكَذَلِكَ مَعَ العَيْنِ، نَحْوَ: مِن عَلى، وهي لُغَةٌ حَكاها سِيبَوَيْهِ، وقالَ ابْنُ الأسْلَتِ يُخاطِبُ قُرَيْشًا: ؎فَقُومُوا فَصِلُوا رَبَّكم وتَمَسَّحُوا ∗∗∗ بِأرْكانِ هَذا البَيْتِ بَيْنَ الأخاشِبِ ؎فَعِنْدَكم مِنهُ بَلاءٌ ومُصَدِّقٌ ∗∗∗ غَداةَ أبى مَكْسُومٍ هادِي الكَتائِبِ ؎كَثِيبَةٌ بِالسَّهْلِ تَمْشِي ورِحْلَةٌ ∗∗∗ عَلى العادِقاتِ في رُءُوسِ المَناقِبِ ؎فَلَمّا أتاكم نَصْرُ ذِي العَرْشِ رَدَّهم ∗∗∗ جُنُودُ المَلِيكِ بَيْنَ ساقٍ وحاجِبِ ؎فَوَلَّوْا سِراعًا هارِبِينَ ولَمْ يَؤُبْ ∗∗∗ إلى أهْلِهِ مِلْجَيْشِ غَيْرُ عَصائِبِ

قريش 106:2

(p-٥١٣)سُورَةُ لِإيلافِ قُرَيْشٍ مَكِّيَّةٌ وهي أرْبَعُ آياتٍ ﷽ ﴿لِإيلافِ قُرَيْشٍ﴾ ﴿إيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ والصَّيْفِ﴾ ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذا البَيْتِ﴾ ﴿الَّذِي أطْعَمَهم مِن جُوعٍ وآمَنَهم مِن خَوْفٍ﴾ قُرَيْشٌ: عَلَمٌ اسْمُ قَبِيلَةٍ، وهم بَنُو النَّضْرِ بْنِ كِنانَةَ، فَمَن كانَ مِن بَنِي النَّضْرِ فَهو مِن قُرَيْشٍ دُونَ بَنِي كِنانَةَ، وقِيلَ: هم بَنُو فِهْرِ بْنِ مالِكِ بْنِ النَّضْرِ، فَمَن لَمْ يَلِدْهُ فِهْرٌ فَلَيْسَ بِقُرَشِيٍّ، قالَ القُرْطُبِيُّ: والقَوْلُ الأوَّلُ أصَحُّ وأثْبَتُ، وسُمُّوا بِذَلِكَ لِتَجَمُّعِهِمْ بَعْدَ التَّفَرُّقِ، والتَّقْرِيشُ: التَّجَمُّعُ والِالئِتامُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎إخْوَةٌ قَرَّشُوا الذُّنُوبَ عَلَيْنا في حَدِيثٍ مِن دَهْرِهِمْ وقَدِيمِ كانُوا مُتَفَرِّقِينَ في غَيْرِ الحَرَمِ، فَجَمَعَهم قُصَيُّ بْنُ كِلابٍ في الحَرَمِ حَتّى اتَّخَذُوهُ مَسْكَنًا، ومِنهُ قَوْلُهُ: ؎أبُونا قُصَيُّ كانَ يُدْعى مُجَمِّعًا ∗∗∗ بِهِ جَمَعَ اللَّهُ القَبائِلَ مِن فِهْرِ وقالَ الفَرّاءُ: التَّقَرُّشُ: التَّكَسُّبُ، وقَدْ قَرَشَ يَقْرِشُ قَرْشًا، إذا كَسَبَ وجَمَعَ، ومِنهُ سُمِّيَتْ قُرَيْشٌ، وقِيلَ: كانُوا يُفَتِّشُونَ عَلى ذِي الخَلَّةِ مِنَ الحاجِّ لِيَسُدُّوها، والقَرْشِ: التَّفْتِيشُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎أيُّها النّاطِقُ المُقَرِّشُ عَنّا ∗∗∗ عِنْدَ عَمْرٍو وهَلْ لِذاكَ بَقاءُ وسَألَ مُعاوِيَةُ ابْنَ عَبّاسٍ: بِمَ سُمِّيَتْ قُرَيْشٌ قُرَيْشًا ؟ فَقالَ: بِدابَّةٍ في البَحْرِ أقْوى دَوابِّهِ يُقالُ لَها القِرْشُ، تَأْكُلُ ولا تُؤْكَلُ، وتَعْلُو ولا تُعْلى، ومِنهُ قَوْلُ تُبَّعٍ: ؎وقُرَيْشٌ هي الَّتِي تَسْكُنُ البَحْرَ ∗∗∗ بِها سُمِّيَتْ قُرَيْشٌ قُرَيْشا ؎تَأْكُلُ الغَثَّ والسَّمِينَ ولا تَتْرُكُ ∗∗∗ فِيها لِذِي جَناحَيْنِ رِيشا ؎هَكَذا في البِلادِ حَيُّ قُرَيْشٍ ∗∗∗ يَأْكُلُونَ البِلادَ أكْلًا كَمِيشا ؎ولَهم آخِرُ الزَّمانِ نَبِيٌّ ∗∗∗ يُكْثِرُ القَتْلَ فِيهِمْ والخُمُوشا وفِي الكَشّافِ: دابَّةٌ تَعْبَثُ بِالسُّفُنِ ولا تُطاقُ إلّا بِالنّارِ، فَإنْ كانَ قُرَيْشٌ مِن مَزِيدٍ فِيهِ فَهو تَصْغِيرُ تَرْخِيمٍ، وإنْ كانَ مِن ثُلاثِيٍّ مُجَرَّدٍ فَهو تَصْغِيرٌ عَلى أصْلِ التَّصْغِيرِ. الشِّتاءُ والصَّيْفُ فَصْلانِ مَعْرُوفانِ مِن فُصُولِ السَّنَةِ الأرْبَعَةِ، وهَمْزَةُ الشِّتاءِ مُبْدَلَةٌ مِن واوٍ، قالُوا: شَتا يَشْتُو، وقالُوا: شَتْوَةً، والشِّتاءُ مُفْرَدٌ ولَيْسَ بِجَمْعِ شَتْوَةٍ. ﴿لِإيلافِ قُرَيْشٍ﴾ ﴿إيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ والصَّيْفِ﴾ ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذا البَيْتِ﴾ ﴿الَّذِي أطْعَمَهم مِن جُوعٍ وآمَنَهم مِن خَوْفٍ﴾ . هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الجُمْهُورِ، مَدَنِيَّةٌ في قَوْلِ الضَّحّاكِ وابْنِ السّائِبِ، ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها ظاهِرَةٌ، ولا سِيَّما أنْ جُعِلَتِ اللّامُ مُتَعَلِّقَةً بِنَفْسِ فَجَعَلَهم، وهو قَوْلُ الأخْفَشِ، أوْ بِإضْمارِ فَعَلْنا ذَلِكَ لِإيلافِ قُرَيْشٍ، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ الأخْفَشِ حَتّى تَطْمَئِنَّ في بَلَدِها، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِلِامْتِنانِ عَلَيْهِمْ، إذْ لَوْ سُلِّطَ عَلَيْهِمْ أصْحابُ الفِيلِ لَتَشَتَّتُوا في البِلادِ والأقالِيمِ، ولَمْ تَجْتَمِعْ لَهم كَلِمَةٌ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهَذا بِمَنزِلَةِ التَّضْمِينِ في الشِّعْرِ، وهو أنْ يَتَعَلَّقَ مَعْنى البَيْتِ بِالَّذِي قَبْلَهُ تَعَلُّقًا لا يَصِحُّ إلّا بِهِ، وهُما في مُصْحَفِ أُبَيٍّ سُورَةٌ واحِدَةٌ بِلا فَصْلٍ. وعَنْ عُمَرَ: أنَّهُ قَرَأهُما في الثّانِيَةِ مِن صَلاةِ (p-٥١٤)المَغْرِبِ، وقَرَأ في الأُولى والتِّينِ، والمَعْنى أنَّهُ أهْلَكَ أهْلَ الحَبَشَةِ الَّذِينَ قَصَدُوهم لِيَتَسامَعَ النّاسُ بِذَلِكَ، فَيَتَهَيَّبُوهم زِيادَةَ تَهَيُّبٍ، ويَحْتَرِمُوهم فَضْلَ احْتِرامٍ حَتّى يَنْتَظِمَ لَهُمُ الأمْنُ في رِحْلَتِهِمْ. انْتَهى. قالَ الحَوْفِيُّ: ورَّدَ هَذا القَوْلَ جَماعَةٌ، وقالُوا: لَوْ كانَ كَذا لَكانَ لِإيلافِ بَعْضَ سُورَةِ ألَمْ تَرَ، وفي إجْماعِ الجَمِيعِ عَلى الفَصْلِ بَيْنَهُما ما يَدُلُّ عَلى غَيْرِ ما قالَ، يَعْنِي الأخْفَشَ والكِسائِيَّ والفَرّاءَ، تَتَعَلَّقُ بِاعْجَبُوا مُضْمِرَةً، أيْ اعَجَبُوا لِإيلافِ قُرَيْشٍ رِحْلَةَ الشِّتاءِ والصَّيْفِ، وتَرْكِهِمْ عِبادَةَ رَبِّ هَذا البَيْتِ، ثُمَّ أمْرَهم بِالعِبادَةِ بَعْدُ وأعْلَمَهم أنَّ اللَّهَ هو الَّذِي أطْعَمَهم وآمَنَهم لا إسافُهم، أيْ فَلْيَعْبُدُوا الَّذِي أطْعَمَهم بِدَعْوَةِ أبِيهِمْ حَيْثُ قالَ: ﴿وارْزُقْهم مِنَ الثَّمَراتِ﴾ [إبراهيم: ٣٧] وآمَنَهم بِدَعْوَتِهِ حَيْثُ قالَ: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذا البَلَدَ آمِنًا﴾ [إبراهيم: ٣٥] ولا تَشْتَغِلُوا بِالأسْفارِ الَّتِي إنَّما هي طَلَبُ كَسْبٍ وعَرْضِ دُنْيا. وقالَ الخَلِيلُ بْنُ أحْمَدَ: تَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلْيَعْبُدُوا﴾ والمَعْنى لِأنْ فَعَلَ اللَّهُ بِقُرَيْشٍ هَذا ومَكَّنَهم مِن إلْفِهِمْ هَذِهِ النِّعْمَةَ ﴿فَلْيَعْبُدُوا﴾ أمَرَهم أنْ يَعْبُدُوهُ لِأجْلِ إيلافِهِمْ الرِّحْلَةَ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: فَلِمَ دَخَلَتِ الفاءُ ؟ قُلْتُ: لِما في الكَلامِ مِن مَعْنى الشَّرْطِ؛ لِأنَّ المَعْنى: إمّا لا فَلْيَعْبُدُوا لِإيلافِهِمْ عَلى مَعْنى أنَّ نِعَمَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ لا تُحْصى، فَإنْ لَمْ يَعْبُدُوهُ لِسائِرِ نِعَمِهِ، فَلْيَعْبُدُوهُ لِهَذِهِ النِّعْمَةِ الواحِدَةِ الَّتِي هي نِعْمَةٌ ظاهِرَةٌ. انْتَهى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿لِإيلافِ قُرَيْشٍ﴾ مَصْدَرُ آلَفَ رُباعِيًّا، وابْنُ عامِرٍ: (لِإلافِ) عَلى وزْنِ فِعالٍ، مَصْدَرُ ألِفَ ثُلاثِيًّا، يُقالُ: ألِفَ الرَّجُلُ الأمْرَ إلْفًا وإلافًا، وآلَفَهُ غَيْرُهُ إيّاهُ إيلافًا، وقَدْ يَأْتِي آلَفَ مُتَعَدِّيًا لِواحِدٍ كَألِفَ، قالَ الشّاعِرُ: ؎مِنَ المُؤَلَّفاتِ الرَّمْلِ أدْماءُ حُرَّةٌ ∗∗∗ شُعاعُ الضُّحى في مَتْنِها يَتَوَضَّحُ ولَمْ يَخْتَلِفِ القُرّاءُ السَّبْعَةُ في قِراءَةِ إيلافِهِمْ مَصْدَرًا لِلرُّباعِيِّ. ورُوِيَ عَنْ أبِي بَكْرٍ، عَنْ عاصِمٍ أنَّهُ قَرَأ بِهَمْزَتَيْنِ، فِيهِما الثّانِيَةُ ساكِنَةٌ، وهَذا شاذٌّ، وإنْ كانَ الأصْلَ أبْدَلُوا الهَمْزَةَ الَّتِي هي فاءُ الكَلِمَةِ لِثِقَلِ اجْتِماعِ هَمْزَتَيْنِ، ولَمْ يُبْدِلُوا في نَحْوٍ يُؤَلَّفُ عَلى جِهَةِ اللُّزُومِ لِزَوالِ الِاسْتِثْقالِ بِحَذْفِ الهَمْزَةِ فِيهِ، وهَذا المَرْوِيُّ عَنْ عاصِمٍ هو مِن طَرِيقِ الشُّمُنِّيِّ عَنِ الأعْشى عَنْ أبِي بَكْرٍ، ورَوى مُحَمَّدُ بْنُ داوُدَ النَّقّارُ عَنْ عاصِمٍ: (إإيلافِهِمْ) بِهَمْزَتَيْنِ مَكْسُورَتَيْنِ بَعْدَهُما ياءٌ ساكِنَةٌ ناشِئَةٌ عَنْ حَرَكَةِ الهَمْزَةِ الثّانِيَةِ لَمّا أشْبَعَ كَسْرَتَها، والصَّحِيحُ رُجُوعُ عاصِمٍ عَنِ الهَمْزَةِ الثّانِيَةِ، وأنَّهُ قَرَأ كالجَماعَةِ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ فِيما حَكى الزَّمَخْشَرِيُّ: (لِإلْفِ قُرَيْشٍ)، وقَرَأ فِيما حَكى ابْنُ عَطِيَّةَ (إلْفَهم)، قالَ الشّاعِرُ: ؎زَعَمْتُمْ أنَّ إخْوَتَكم قُرَيْشًا ∗∗∗ لَهم إلْفٌ ولَيْسَ لَكم إلافُ جَمَعَ بَيْنَ مَصْدَرِي ألِفَ الثُّلاثِيِّ، وعَنْ أبِي جَعْفَرٍ وابْنِ عامِرٍ: (إلافَهم) عَلى وزْنِ فِعالٍ، وعَنْ أبِي جَعْفَرٍ وابْنِ كَثِيرٍ: (إلْفَهم) عَلى وزْنِ فِعْلٍ، وبِذَلِكَ قَرَأ عِكْرِمَةُ، وعَنْ أبِي جَعْفَرٍ أيْضًا: (لِيلافِ) بِياءٍ ساكِنَةٍ بَعْدَ اللّامِ أتْبَعَ لَمّا أبْدَلَ الثّانِيَةَ ياءً حَذْفَ الأُولى حَذْفًا عَلى غَيْرِ قِياسٍ، وعَنْ عِكْرِمَةَ: (لِيَأْلَفَ قُرَيْشٌ)، وعَنْهُ أيْضًا: (لِتَأْلَفْ قُرَيْشٌ) عَلى الأمْرِ، وعَنْهُ وعَنْ هِلالِ بْنِ فِتْيانَ: بِفَتْحِ لامِ الأمْرِ، وأجْمَعُوا هُنا عَلى صَرْفِ قُرَيْشٍ، راعَوْا فِيهِ مَعْنى الحَيِّ، ويَجُوزُ مَنعُ صَرْفِهِ مَلْحُوظًا فِيهِ مَعْنى القَبِيلَةِ لِلتَّأْنِيثِ والعَلَمِيَّةِ، قالَ الشّاعِرُ: ؎وكَفى قُرَيْشَ المُعْضِلاتِ وسادَها جَعَلَهُ اسْمًا لِلْقَبِيلَةِ سِيبَوَيْهِ في نَحْوِ مَعَدَّ وقُرَيْشَ وثَقِيفَ، وكَيْنُونَةُ هَذِهِ لِلْأحْياءِ أكْثَرُ، وإنْ جَعَلْتَها اسْمًا لِلْقَبائِلِ فَجائِزٌ حَسَنٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿رِحْلَةَ﴾ بِكَسْرِ الرّاءِ، وأبُو السَّمّالِ: بِضَمِّها، فَبِالكَسْرِ مَصْدَرٌ، وبِالضَّمِّ الجِهَةُ الَّتِي يُرْحَلُ إلَيْها، والجُمْهُورُ عَلى أنَّهُما رِحْلَتانِ، فَقِيلَ: إلى الشّامِ في التِّجارَةِ ونَيْلِ الأرْباحِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎سَفَرَيْنِ بَيْنَهُما لَهُ ولِغَيْرِهِ ∗∗∗ سَفَرَ الشِّتاءِ ورِحْلَةَ الأصْيافِ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: رِحْلَةٌ إلى اليَمَنِ، ورِحْلَةٌ إلى بُصْرى، وقالَ: يَرْحَلُونَ في الصَّيْفِ إلى الطّائِفِ (p-٥١٥)حَيْثُ الماءُ والظِّلُّ، ويَرْحَلُونَ في الشِّتاءِ إلى مَكَّةَ لِلتِّجارَةِ وسائِرِ أغْراضِهِمْ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وأرادَ رِحْلَتَيِ الشِّتاءِ والصَّيْفِ، فَأفْرَدَ لِأمْنِ الإلْباسِ، كَقَوْلِهِ: ؎كُلُوا في بَعْضِ بَطْنِكم تَعِفُّوا ∗∗∗ فَإنَّ زَمانَكم زَمَنٌ خَمِيصُ انْتَهى. وهَذا عِنْدَ سِيبَوَيْهِ لا يَجُوزُ إلّا في الضَّرُورَةِ، ومِثْلُهُ: ؎حَمامَةَ بَطْنِ الوادِيَيْنِ تَرَنَّمِي يُرِيدُ: بَطْنَيِ الوادِيَيْنِ، أنْشَدَهُ أصْحابُنا عَلى الضَّرُورَةِ، وقالَ النَّقّاشُ: كانَتْ لَهم أرْبَعُ رِحَلٍ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا قَوْلٌ مَرْدُودٌ. انْتَهى. ولا يَنْبَغِي أنْ يَرِدَ، فَإنَّ أصْحابَ الإيلافِ كانُوا أرْبَعَةَ إخْوَةٍ وهم بَنُو عَبْدِ مَنافٍ: هاشِمٌ كانَ يُؤَلِّفُ مَلِكَ الشّامِ، أخَذَ مِنهُ خَيْلًا، فَأمِنَ بِهِ في تِجارَتِهِ إلى الشّامِ، وعَبْدُ شَمْسٍ يُؤَلِّفُ إلى الحَبَشَةِ، والمُطَّلِبُ إلى اليَمَنِ، ونَوْفَلٌ إلى فارِسَ، فَكانَ هَؤُلاءِ يُسَمَّوْنَ المُجْبِرِينَ، فَتَخْتَلِفُ تَجْرُ قُرَيْشٍ إلى الأمْصارِ بِحَبْلِ هَؤُلاءِ الإخْوَةِ، فَلا يُتَعَرَّضُ لَهم. قالَ الأزْهَرِيُّ: الإيلافُ شِبْهُ الإجارَةِ بِالخِفارَةِ، فَإذا كانَ كَذَلِكَ جازَ أنْ يَكُونَ لَهم رِحَلٌ أرْبَعٌ، بِاعْتِبارِ هَذِهِ الأماكِنِ الَّتِي كانَتِ التُّجّارُ في خِفارَةِ هَؤُلاءِ الأرْبَعَةِ فِيها، وفِيهِمْ يَقُولُ الشّاعِرُ يَمْدَحُهم: ؎يا أيُّها الرَّجُلُ المُحَوِّلُ رَحْلَهُ ∗∗∗ هَلّا نَزَلْتَ بِآلِ عَبْدِ مَنافِ ؎الآخِذُونَ العَهْدَ مِن آفاقِها ∗∗∗ والرّاحِلُونَ لِرِحْلَةِ الإيلافِ ؎والرّائِشُونَ ولَيْسَ يُوجَدُ رائِشٌ ∗∗∗ والقائِلُونَ هَلُمَّ لِلْأضْيافِ ؎والخالِطُونَ غَنِيَّهم لِفَقِيرِهِمْ ∗∗∗ حَتّى يَصِيرَ فَقِيرُهم كالكافِ فَتَكُونُ (رِحْلَةَ) هُنا اسْمَ جِنْسٍ يَصْلُحُ لِلْواحِدِ ولِأكْثَرَ، وإيلافُهم بَدَلٌ مِن ﴿لِإيلافِ قُرَيْشٍ﴾ أطْلَقَ المُبْدَلَ مِنهُ وقَيَّدَ البَدَلَ بِالمَفْعُولِ بِهِ، وهو رِحْلَةٌ، أيْ لِأنْ ألِفُوا رِحْلَةً تَفْخِيمًا لِأمْرِ الإيلافِ وتَذْكِيرًا بِعَظِيمِ النِّعْمَةِ فِيهِ ﴿هَذا البَيْتِ﴾ هو الكَعْبَةُ، وتَمَكَّنَ هُنا هَذا اللَّفْظُ لِتَقَدُّمِ حِمايَتِهِ في السُّورَةِ الَّتِي قَبْلَها، ومِن هُنا لِلتَّعْلِيلِ، أيْ لِأجْلِ الجُوعِ، كانُوا قُطّانًا بِبَلَدٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عُرْضَةً لِلْجُوعِ والخَوْفِ لَوْلا لُطْفُ اللَّهِ تَعالى بِهِمْ، وذَلِكَ بِدَعْوَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، قالَ تَعالى: ﴿يُجْبى إلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [القصص: ٥٧] . ﴿الَّذِي أطْعَمَهم مِن﴾ فَضَّلَهم عَلى العَرَبِ بِكَوْنِهِمْ يَأْمَنُونَ حَيْثُ ما حَلُّوا، فَيُقالُ: هَؤُلاءِ قُطّانُ بَيْتِ اللَّهِ، فَلا يَتَعَرَّضُ إلَيْهِمْ أحَدٌ، وغَيْرُهم خائِفُونَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ: ﴿الَّذِي أطْعَمَهم مِن﴾ مَعْناهُ مِنَ الجُذامِ، فَلا تَرى بِمَكَّةَ مَجْذُومًا، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والتَّنْكِيرُ في جُوعٍ وخَوْفٍ لِشِدَّتِهِما، يَعْنِي أطْعَمَهم بِالرِّحْلَتَيْنِ مِن جُوعٍ شَدِيدٍ كانُوا فِيهِ قَبْلَهُما، وآمَنَهم مِن خَوْفٍ عَظِيمٍ، وهو خَوْفُ أصْحابِ الفِيلِ، أوْ خَوْفُ التَّخَطُّفِ في بَلَدِهِمْ ومَسايِرِهِمْ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿مِن خَوْفٍ﴾ بِإظْهارِ النُّونِ عِنْدَ الخاءِ، والمُسَيَّبِيُّ عَنْ نافِعٍ: بِإخْفائِها، وكَذَلِكَ مَعَ العَيْنِ، نَحْوَ: مِن عَلى، وهي لُغَةٌ حَكاها سِيبَوَيْهِ، وقالَ ابْنُ الأسْلَتِ يُخاطِبُ قُرَيْشًا: ؎فَقُومُوا فَصِلُوا رَبَّكم وتَمَسَّحُوا ∗∗∗ بِأرْكانِ هَذا البَيْتِ بَيْنَ الأخاشِبِ ؎فَعِنْدَكم مِنهُ بَلاءٌ ومُصَدِّقٌ ∗∗∗ غَداةَ أبى مَكْسُومٍ هادِي الكَتائِبِ ؎كَثِيبَةٌ بِالسَّهْلِ تَمْشِي ورِحْلَةٌ ∗∗∗ عَلى العادِقاتِ في رُءُوسِ المَناقِبِ ؎فَلَمّا أتاكم نَصْرُ ذِي العَرْشِ رَدَّهم ∗∗∗ جُنُودُ المَلِيكِ بَيْنَ ساقٍ وحاجِبِ ؎فَوَلَّوْا سِراعًا هارِبِينَ ولَمْ يَؤُبْ ∗∗∗ إلى أهْلِهِ مِلْجَيْشِ غَيْرُ عَصائِبِ

قريش 106:3

(p-٥١٣)سُورَةُ لِإيلافِ قُرَيْشٍ مَكِّيَّةٌ وهي أرْبَعُ آياتٍ ﷽ ﴿لِإيلافِ قُرَيْشٍ﴾ ﴿إيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ والصَّيْفِ﴾ ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذا البَيْتِ﴾ ﴿الَّذِي أطْعَمَهم مِن جُوعٍ وآمَنَهم مِن خَوْفٍ﴾ قُرَيْشٌ: عَلَمٌ اسْمُ قَبِيلَةٍ، وهم بَنُو النَّضْرِ بْنِ كِنانَةَ، فَمَن كانَ مِن بَنِي النَّضْرِ فَهو مِن قُرَيْشٍ دُونَ بَنِي كِنانَةَ، وقِيلَ: هم بَنُو فِهْرِ بْنِ مالِكِ بْنِ النَّضْرِ، فَمَن لَمْ يَلِدْهُ فِهْرٌ فَلَيْسَ بِقُرَشِيٍّ، قالَ القُرْطُبِيُّ: والقَوْلُ الأوَّلُ أصَحُّ وأثْبَتُ، وسُمُّوا بِذَلِكَ لِتَجَمُّعِهِمْ بَعْدَ التَّفَرُّقِ، والتَّقْرِيشُ: التَّجَمُّعُ والِالئِتامُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎إخْوَةٌ قَرَّشُوا الذُّنُوبَ عَلَيْنا في حَدِيثٍ مِن دَهْرِهِمْ وقَدِيمِ كانُوا مُتَفَرِّقِينَ في غَيْرِ الحَرَمِ، فَجَمَعَهم قُصَيُّ بْنُ كِلابٍ في الحَرَمِ حَتّى اتَّخَذُوهُ مَسْكَنًا، ومِنهُ قَوْلُهُ: ؎أبُونا قُصَيُّ كانَ يُدْعى مُجَمِّعًا ∗∗∗ بِهِ جَمَعَ اللَّهُ القَبائِلَ مِن فِهْرِ وقالَ الفَرّاءُ: التَّقَرُّشُ: التَّكَسُّبُ، وقَدْ قَرَشَ يَقْرِشُ قَرْشًا، إذا كَسَبَ وجَمَعَ، ومِنهُ سُمِّيَتْ قُرَيْشٌ، وقِيلَ: كانُوا يُفَتِّشُونَ عَلى ذِي الخَلَّةِ مِنَ الحاجِّ لِيَسُدُّوها، والقَرْشِ: التَّفْتِيشُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎أيُّها النّاطِقُ المُقَرِّشُ عَنّا ∗∗∗ عِنْدَ عَمْرٍو وهَلْ لِذاكَ بَقاءُ وسَألَ مُعاوِيَةُ ابْنَ عَبّاسٍ: بِمَ سُمِّيَتْ قُرَيْشٌ قُرَيْشًا ؟ فَقالَ: بِدابَّةٍ في البَحْرِ أقْوى دَوابِّهِ يُقالُ لَها القِرْشُ، تَأْكُلُ ولا تُؤْكَلُ، وتَعْلُو ولا تُعْلى، ومِنهُ قَوْلُ تُبَّعٍ: ؎وقُرَيْشٌ هي الَّتِي تَسْكُنُ البَحْرَ ∗∗∗ بِها سُمِّيَتْ قُرَيْشٌ قُرَيْشا ؎تَأْكُلُ الغَثَّ والسَّمِينَ ولا تَتْرُكُ ∗∗∗ فِيها لِذِي جَناحَيْنِ رِيشا ؎هَكَذا في البِلادِ حَيُّ قُرَيْشٍ ∗∗∗ يَأْكُلُونَ البِلادَ أكْلًا كَمِيشا ؎ولَهم آخِرُ الزَّمانِ نَبِيٌّ ∗∗∗ يُكْثِرُ القَتْلَ فِيهِمْ والخُمُوشا وفِي الكَشّافِ: دابَّةٌ تَعْبَثُ بِالسُّفُنِ ولا تُطاقُ إلّا بِالنّارِ، فَإنْ كانَ قُرَيْشٌ مِن مَزِيدٍ فِيهِ فَهو تَصْغِيرُ تَرْخِيمٍ، وإنْ كانَ مِن ثُلاثِيٍّ مُجَرَّدٍ فَهو تَصْغِيرٌ عَلى أصْلِ التَّصْغِيرِ. الشِّتاءُ والصَّيْفُ فَصْلانِ مَعْرُوفانِ مِن فُصُولِ السَّنَةِ الأرْبَعَةِ، وهَمْزَةُ الشِّتاءِ مُبْدَلَةٌ مِن واوٍ، قالُوا: شَتا يَشْتُو، وقالُوا: شَتْوَةً، والشِّتاءُ مُفْرَدٌ ولَيْسَ بِجَمْعِ شَتْوَةٍ. ﴿لِإيلافِ قُرَيْشٍ﴾ ﴿إيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ والصَّيْفِ﴾ ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذا البَيْتِ﴾ ﴿الَّذِي أطْعَمَهم مِن جُوعٍ وآمَنَهم مِن خَوْفٍ﴾ . هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الجُمْهُورِ، مَدَنِيَّةٌ في قَوْلِ الضَّحّاكِ وابْنِ السّائِبِ، ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها ظاهِرَةٌ، ولا سِيَّما أنْ جُعِلَتِ اللّامُ مُتَعَلِّقَةً بِنَفْسِ فَجَعَلَهم، وهو قَوْلُ الأخْفَشِ، أوْ بِإضْمارِ فَعَلْنا ذَلِكَ لِإيلافِ قُرَيْشٍ، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ الأخْفَشِ حَتّى تَطْمَئِنَّ في بَلَدِها، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِلِامْتِنانِ عَلَيْهِمْ، إذْ لَوْ سُلِّطَ عَلَيْهِمْ أصْحابُ الفِيلِ لَتَشَتَّتُوا في البِلادِ والأقالِيمِ، ولَمْ تَجْتَمِعْ لَهم كَلِمَةٌ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهَذا بِمَنزِلَةِ التَّضْمِينِ في الشِّعْرِ، وهو أنْ يَتَعَلَّقَ مَعْنى البَيْتِ بِالَّذِي قَبْلَهُ تَعَلُّقًا لا يَصِحُّ إلّا بِهِ، وهُما في مُصْحَفِ أُبَيٍّ سُورَةٌ واحِدَةٌ بِلا فَصْلٍ. وعَنْ عُمَرَ: أنَّهُ قَرَأهُما في الثّانِيَةِ مِن صَلاةِ (p-٥١٤)المَغْرِبِ، وقَرَأ في الأُولى والتِّينِ، والمَعْنى أنَّهُ أهْلَكَ أهْلَ الحَبَشَةِ الَّذِينَ قَصَدُوهم لِيَتَسامَعَ النّاسُ بِذَلِكَ، فَيَتَهَيَّبُوهم زِيادَةَ تَهَيُّبٍ، ويَحْتَرِمُوهم فَضْلَ احْتِرامٍ حَتّى يَنْتَظِمَ لَهُمُ الأمْنُ في رِحْلَتِهِمْ. انْتَهى. قالَ الحَوْفِيُّ: ورَّدَ هَذا القَوْلَ جَماعَةٌ، وقالُوا: لَوْ كانَ كَذا لَكانَ لِإيلافِ بَعْضَ سُورَةِ ألَمْ تَرَ، وفي إجْماعِ الجَمِيعِ عَلى الفَصْلِ بَيْنَهُما ما يَدُلُّ عَلى غَيْرِ ما قالَ، يَعْنِي الأخْفَشَ والكِسائِيَّ والفَرّاءَ، تَتَعَلَّقُ بِاعْجَبُوا مُضْمِرَةً، أيْ اعَجَبُوا لِإيلافِ قُرَيْشٍ رِحْلَةَ الشِّتاءِ والصَّيْفِ، وتَرْكِهِمْ عِبادَةَ رَبِّ هَذا البَيْتِ، ثُمَّ أمْرَهم بِالعِبادَةِ بَعْدُ وأعْلَمَهم أنَّ اللَّهَ هو الَّذِي أطْعَمَهم وآمَنَهم لا إسافُهم، أيْ فَلْيَعْبُدُوا الَّذِي أطْعَمَهم بِدَعْوَةِ أبِيهِمْ حَيْثُ قالَ: ﴿وارْزُقْهم مِنَ الثَّمَراتِ﴾ [إبراهيم: ٣٧] وآمَنَهم بِدَعْوَتِهِ حَيْثُ قالَ: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذا البَلَدَ آمِنًا﴾ [إبراهيم: ٣٥] ولا تَشْتَغِلُوا بِالأسْفارِ الَّتِي إنَّما هي طَلَبُ كَسْبٍ وعَرْضِ دُنْيا. وقالَ الخَلِيلُ بْنُ أحْمَدَ: تَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلْيَعْبُدُوا﴾ والمَعْنى لِأنْ فَعَلَ اللَّهُ بِقُرَيْشٍ هَذا ومَكَّنَهم مِن إلْفِهِمْ هَذِهِ النِّعْمَةَ ﴿فَلْيَعْبُدُوا﴾ أمَرَهم أنْ يَعْبُدُوهُ لِأجْلِ إيلافِهِمْ الرِّحْلَةَ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: فَلِمَ دَخَلَتِ الفاءُ ؟ قُلْتُ: لِما في الكَلامِ مِن مَعْنى الشَّرْطِ؛ لِأنَّ المَعْنى: إمّا لا فَلْيَعْبُدُوا لِإيلافِهِمْ عَلى مَعْنى أنَّ نِعَمَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ لا تُحْصى، فَإنْ لَمْ يَعْبُدُوهُ لِسائِرِ نِعَمِهِ، فَلْيَعْبُدُوهُ لِهَذِهِ النِّعْمَةِ الواحِدَةِ الَّتِي هي نِعْمَةٌ ظاهِرَةٌ. انْتَهى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿لِإيلافِ قُرَيْشٍ﴾ مَصْدَرُ آلَفَ رُباعِيًّا، وابْنُ عامِرٍ: (لِإلافِ) عَلى وزْنِ فِعالٍ، مَصْدَرُ ألِفَ ثُلاثِيًّا، يُقالُ: ألِفَ الرَّجُلُ الأمْرَ إلْفًا وإلافًا، وآلَفَهُ غَيْرُهُ إيّاهُ إيلافًا، وقَدْ يَأْتِي آلَفَ مُتَعَدِّيًا لِواحِدٍ كَألِفَ، قالَ الشّاعِرُ: ؎مِنَ المُؤَلَّفاتِ الرَّمْلِ أدْماءُ حُرَّةٌ ∗∗∗ شُعاعُ الضُّحى في مَتْنِها يَتَوَضَّحُ ولَمْ يَخْتَلِفِ القُرّاءُ السَّبْعَةُ في قِراءَةِ إيلافِهِمْ مَصْدَرًا لِلرُّباعِيِّ. ورُوِيَ عَنْ أبِي بَكْرٍ، عَنْ عاصِمٍ أنَّهُ قَرَأ بِهَمْزَتَيْنِ، فِيهِما الثّانِيَةُ ساكِنَةٌ، وهَذا شاذٌّ، وإنْ كانَ الأصْلَ أبْدَلُوا الهَمْزَةَ الَّتِي هي فاءُ الكَلِمَةِ لِثِقَلِ اجْتِماعِ هَمْزَتَيْنِ، ولَمْ يُبْدِلُوا في نَحْوٍ يُؤَلَّفُ عَلى جِهَةِ اللُّزُومِ لِزَوالِ الِاسْتِثْقالِ بِحَذْفِ الهَمْزَةِ فِيهِ، وهَذا المَرْوِيُّ عَنْ عاصِمٍ هو مِن طَرِيقِ الشُّمُنِّيِّ عَنِ الأعْشى عَنْ أبِي بَكْرٍ، ورَوى مُحَمَّدُ بْنُ داوُدَ النَّقّارُ عَنْ عاصِمٍ: (إإيلافِهِمْ) بِهَمْزَتَيْنِ مَكْسُورَتَيْنِ بَعْدَهُما ياءٌ ساكِنَةٌ ناشِئَةٌ عَنْ حَرَكَةِ الهَمْزَةِ الثّانِيَةِ لَمّا أشْبَعَ كَسْرَتَها، والصَّحِيحُ رُجُوعُ عاصِمٍ عَنِ الهَمْزَةِ الثّانِيَةِ، وأنَّهُ قَرَأ كالجَماعَةِ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ فِيما حَكى الزَّمَخْشَرِيُّ: (لِإلْفِ قُرَيْشٍ)، وقَرَأ فِيما حَكى ابْنُ عَطِيَّةَ (إلْفَهم)، قالَ الشّاعِرُ: ؎زَعَمْتُمْ أنَّ إخْوَتَكم قُرَيْشًا ∗∗∗ لَهم إلْفٌ ولَيْسَ لَكم إلافُ جَمَعَ بَيْنَ مَصْدَرِي ألِفَ الثُّلاثِيِّ، وعَنْ أبِي جَعْفَرٍ وابْنِ عامِرٍ: (إلافَهم) عَلى وزْنِ فِعالٍ، وعَنْ أبِي جَعْفَرٍ وابْنِ كَثِيرٍ: (إلْفَهم) عَلى وزْنِ فِعْلٍ، وبِذَلِكَ قَرَأ عِكْرِمَةُ، وعَنْ أبِي جَعْفَرٍ أيْضًا: (لِيلافِ) بِياءٍ ساكِنَةٍ بَعْدَ اللّامِ أتْبَعَ لَمّا أبْدَلَ الثّانِيَةَ ياءً حَذْفَ الأُولى حَذْفًا عَلى غَيْرِ قِياسٍ، وعَنْ عِكْرِمَةَ: (لِيَأْلَفَ قُرَيْشٌ)، وعَنْهُ أيْضًا: (لِتَأْلَفْ قُرَيْشٌ) عَلى الأمْرِ، وعَنْهُ وعَنْ هِلالِ بْنِ فِتْيانَ: بِفَتْحِ لامِ الأمْرِ، وأجْمَعُوا هُنا عَلى صَرْفِ قُرَيْشٍ، راعَوْا فِيهِ مَعْنى الحَيِّ، ويَجُوزُ مَنعُ صَرْفِهِ مَلْحُوظًا فِيهِ مَعْنى القَبِيلَةِ لِلتَّأْنِيثِ والعَلَمِيَّةِ، قالَ الشّاعِرُ: ؎وكَفى قُرَيْشَ المُعْضِلاتِ وسادَها جَعَلَهُ اسْمًا لِلْقَبِيلَةِ سِيبَوَيْهِ في نَحْوِ مَعَدَّ وقُرَيْشَ وثَقِيفَ، وكَيْنُونَةُ هَذِهِ لِلْأحْياءِ أكْثَرُ، وإنْ جَعَلْتَها اسْمًا لِلْقَبائِلِ فَجائِزٌ حَسَنٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿رِحْلَةَ﴾ بِكَسْرِ الرّاءِ، وأبُو السَّمّالِ: بِضَمِّها، فَبِالكَسْرِ مَصْدَرٌ، وبِالضَّمِّ الجِهَةُ الَّتِي يُرْحَلُ إلَيْها، والجُمْهُورُ عَلى أنَّهُما رِحْلَتانِ، فَقِيلَ: إلى الشّامِ في التِّجارَةِ ونَيْلِ الأرْباحِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎سَفَرَيْنِ بَيْنَهُما لَهُ ولِغَيْرِهِ ∗∗∗ سَفَرَ الشِّتاءِ ورِحْلَةَ الأصْيافِ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: رِحْلَةٌ إلى اليَمَنِ، ورِحْلَةٌ إلى بُصْرى، وقالَ: يَرْحَلُونَ في الصَّيْفِ إلى الطّائِفِ (p-٥١٥)حَيْثُ الماءُ والظِّلُّ، ويَرْحَلُونَ في الشِّتاءِ إلى مَكَّةَ لِلتِّجارَةِ وسائِرِ أغْراضِهِمْ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وأرادَ رِحْلَتَيِ الشِّتاءِ والصَّيْفِ، فَأفْرَدَ لِأمْنِ الإلْباسِ، كَقَوْلِهِ: ؎كُلُوا في بَعْضِ بَطْنِكم تَعِفُّوا ∗∗∗ فَإنَّ زَمانَكم زَمَنٌ خَمِيصُ انْتَهى. وهَذا عِنْدَ سِيبَوَيْهِ لا يَجُوزُ إلّا في الضَّرُورَةِ، ومِثْلُهُ: ؎حَمامَةَ بَطْنِ الوادِيَيْنِ تَرَنَّمِي يُرِيدُ: بَطْنَيِ الوادِيَيْنِ، أنْشَدَهُ أصْحابُنا عَلى الضَّرُورَةِ، وقالَ النَّقّاشُ: كانَتْ لَهم أرْبَعُ رِحَلٍ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا قَوْلٌ مَرْدُودٌ. انْتَهى. ولا يَنْبَغِي أنْ يَرِدَ، فَإنَّ أصْحابَ الإيلافِ كانُوا أرْبَعَةَ إخْوَةٍ وهم بَنُو عَبْدِ مَنافٍ: هاشِمٌ كانَ يُؤَلِّفُ مَلِكَ الشّامِ، أخَذَ مِنهُ خَيْلًا، فَأمِنَ بِهِ في تِجارَتِهِ إلى الشّامِ، وعَبْدُ شَمْسٍ يُؤَلِّفُ إلى الحَبَشَةِ، والمُطَّلِبُ إلى اليَمَنِ، ونَوْفَلٌ إلى فارِسَ، فَكانَ هَؤُلاءِ يُسَمَّوْنَ المُجْبِرِينَ، فَتَخْتَلِفُ تَجْرُ قُرَيْشٍ إلى الأمْصارِ بِحَبْلِ هَؤُلاءِ الإخْوَةِ، فَلا يُتَعَرَّضُ لَهم. قالَ الأزْهَرِيُّ: الإيلافُ شِبْهُ الإجارَةِ بِالخِفارَةِ، فَإذا كانَ كَذَلِكَ جازَ أنْ يَكُونَ لَهم رِحَلٌ أرْبَعٌ، بِاعْتِبارِ هَذِهِ الأماكِنِ الَّتِي كانَتِ التُّجّارُ في خِفارَةِ هَؤُلاءِ الأرْبَعَةِ فِيها، وفِيهِمْ يَقُولُ الشّاعِرُ يَمْدَحُهم: ؎يا أيُّها الرَّجُلُ المُحَوِّلُ رَحْلَهُ ∗∗∗ هَلّا نَزَلْتَ بِآلِ عَبْدِ مَنافِ ؎الآخِذُونَ العَهْدَ مِن آفاقِها ∗∗∗ والرّاحِلُونَ لِرِحْلَةِ الإيلافِ ؎والرّائِشُونَ ولَيْسَ يُوجَدُ رائِشٌ ∗∗∗ والقائِلُونَ هَلُمَّ لِلْأضْيافِ ؎والخالِطُونَ غَنِيَّهم لِفَقِيرِهِمْ ∗∗∗ حَتّى يَصِيرَ فَقِيرُهم كالكافِ فَتَكُونُ (رِحْلَةَ) هُنا اسْمَ جِنْسٍ يَصْلُحُ لِلْواحِدِ ولِأكْثَرَ، وإيلافُهم بَدَلٌ مِن ﴿لِإيلافِ قُرَيْشٍ﴾ أطْلَقَ المُبْدَلَ مِنهُ وقَيَّدَ البَدَلَ بِالمَفْعُولِ بِهِ، وهو رِحْلَةٌ، أيْ لِأنْ ألِفُوا رِحْلَةً تَفْخِيمًا لِأمْرِ الإيلافِ وتَذْكِيرًا بِعَظِيمِ النِّعْمَةِ فِيهِ ﴿هَذا البَيْتِ﴾ هو الكَعْبَةُ، وتَمَكَّنَ هُنا هَذا اللَّفْظُ لِتَقَدُّمِ حِمايَتِهِ في السُّورَةِ الَّتِي قَبْلَها، ومِن هُنا لِلتَّعْلِيلِ، أيْ لِأجْلِ الجُوعِ، كانُوا قُطّانًا بِبَلَدٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عُرْضَةً لِلْجُوعِ والخَوْفِ لَوْلا لُطْفُ اللَّهِ تَعالى بِهِمْ، وذَلِكَ بِدَعْوَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، قالَ تَعالى: ﴿يُجْبى إلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [القصص: ٥٧] . ﴿الَّذِي أطْعَمَهم مِن﴾ فَضَّلَهم عَلى العَرَبِ بِكَوْنِهِمْ يَأْمَنُونَ حَيْثُ ما حَلُّوا، فَيُقالُ: هَؤُلاءِ قُطّانُ بَيْتِ اللَّهِ، فَلا يَتَعَرَّضُ إلَيْهِمْ أحَدٌ، وغَيْرُهم خائِفُونَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ: ﴿الَّذِي أطْعَمَهم مِن﴾ مَعْناهُ مِنَ الجُذامِ، فَلا تَرى بِمَكَّةَ مَجْذُومًا، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والتَّنْكِيرُ في جُوعٍ وخَوْفٍ لِشِدَّتِهِما، يَعْنِي أطْعَمَهم بِالرِّحْلَتَيْنِ مِن جُوعٍ شَدِيدٍ كانُوا فِيهِ قَبْلَهُما، وآمَنَهم مِن خَوْفٍ عَظِيمٍ، وهو خَوْفُ أصْحابِ الفِيلِ، أوْ خَوْفُ التَّخَطُّفِ في بَلَدِهِمْ ومَسايِرِهِمْ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿مِن خَوْفٍ﴾ بِإظْهارِ النُّونِ عِنْدَ الخاءِ، والمُسَيَّبِيُّ عَنْ نافِعٍ: بِإخْفائِها، وكَذَلِكَ مَعَ العَيْنِ، نَحْوَ: مِن عَلى، وهي لُغَةٌ حَكاها سِيبَوَيْهِ، وقالَ ابْنُ الأسْلَتِ يُخاطِبُ قُرَيْشًا: ؎فَقُومُوا فَصِلُوا رَبَّكم وتَمَسَّحُوا ∗∗∗ بِأرْكانِ هَذا البَيْتِ بَيْنَ الأخاشِبِ ؎فَعِنْدَكم مِنهُ بَلاءٌ ومُصَدِّقٌ ∗∗∗ غَداةَ أبى مَكْسُومٍ هادِي الكَتائِبِ ؎كَثِيبَةٌ بِالسَّهْلِ تَمْشِي ورِحْلَةٌ ∗∗∗ عَلى العادِقاتِ في رُءُوسِ المَناقِبِ ؎فَلَمّا أتاكم نَصْرُ ذِي العَرْشِ رَدَّهم ∗∗∗ جُنُودُ المَلِيكِ بَيْنَ ساقٍ وحاجِبِ ؎فَوَلَّوْا سِراعًا هارِبِينَ ولَمْ يَؤُبْ ∗∗∗ إلى أهْلِهِ مِلْجَيْشِ غَيْرُ عَصائِبِ

قريش 106:4

(p-٥١٣)سُورَةُ لِإيلافِ قُرَيْشٍ مَكِّيَّةٌ وهي أرْبَعُ آياتٍ ﷽ ﴿لِإيلافِ قُرَيْشٍ﴾ ﴿إيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ والصَّيْفِ﴾ ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذا البَيْتِ﴾ ﴿الَّذِي أطْعَمَهم مِن جُوعٍ وآمَنَهم مِن خَوْفٍ﴾ قُرَيْشٌ: عَلَمٌ اسْمُ قَبِيلَةٍ، وهم بَنُو النَّضْرِ بْنِ كِنانَةَ، فَمَن كانَ مِن بَنِي النَّضْرِ فَهو مِن قُرَيْشٍ دُونَ بَنِي كِنانَةَ، وقِيلَ: هم بَنُو فِهْرِ بْنِ مالِكِ بْنِ النَّضْرِ، فَمَن لَمْ يَلِدْهُ فِهْرٌ فَلَيْسَ بِقُرَشِيٍّ، قالَ القُرْطُبِيُّ: والقَوْلُ الأوَّلُ أصَحُّ وأثْبَتُ، وسُمُّوا بِذَلِكَ لِتَجَمُّعِهِمْ بَعْدَ التَّفَرُّقِ، والتَّقْرِيشُ: التَّجَمُّعُ والِالئِتامُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎إخْوَةٌ قَرَّشُوا الذُّنُوبَ عَلَيْنا في حَدِيثٍ مِن دَهْرِهِمْ وقَدِيمِ كانُوا مُتَفَرِّقِينَ في غَيْرِ الحَرَمِ، فَجَمَعَهم قُصَيُّ بْنُ كِلابٍ في الحَرَمِ حَتّى اتَّخَذُوهُ مَسْكَنًا، ومِنهُ قَوْلُهُ: ؎أبُونا قُصَيُّ كانَ يُدْعى مُجَمِّعًا ∗∗∗ بِهِ جَمَعَ اللَّهُ القَبائِلَ مِن فِهْرِ وقالَ الفَرّاءُ: التَّقَرُّشُ: التَّكَسُّبُ، وقَدْ قَرَشَ يَقْرِشُ قَرْشًا، إذا كَسَبَ وجَمَعَ، ومِنهُ سُمِّيَتْ قُرَيْشٌ، وقِيلَ: كانُوا يُفَتِّشُونَ عَلى ذِي الخَلَّةِ مِنَ الحاجِّ لِيَسُدُّوها، والقَرْشِ: التَّفْتِيشُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎أيُّها النّاطِقُ المُقَرِّشُ عَنّا ∗∗∗ عِنْدَ عَمْرٍو وهَلْ لِذاكَ بَقاءُ وسَألَ مُعاوِيَةُ ابْنَ عَبّاسٍ: بِمَ سُمِّيَتْ قُرَيْشٌ قُرَيْشًا ؟ فَقالَ: بِدابَّةٍ في البَحْرِ أقْوى دَوابِّهِ يُقالُ لَها القِرْشُ، تَأْكُلُ ولا تُؤْكَلُ، وتَعْلُو ولا تُعْلى، ومِنهُ قَوْلُ تُبَّعٍ: ؎وقُرَيْشٌ هي الَّتِي تَسْكُنُ البَحْرَ ∗∗∗ بِها سُمِّيَتْ قُرَيْشٌ قُرَيْشا ؎تَأْكُلُ الغَثَّ والسَّمِينَ ولا تَتْرُكُ ∗∗∗ فِيها لِذِي جَناحَيْنِ رِيشا ؎هَكَذا في البِلادِ حَيُّ قُرَيْشٍ ∗∗∗ يَأْكُلُونَ البِلادَ أكْلًا كَمِيشا ؎ولَهم آخِرُ الزَّمانِ نَبِيٌّ ∗∗∗ يُكْثِرُ القَتْلَ فِيهِمْ والخُمُوشا وفِي الكَشّافِ: دابَّةٌ تَعْبَثُ بِالسُّفُنِ ولا تُطاقُ إلّا بِالنّارِ، فَإنْ كانَ قُرَيْشٌ مِن مَزِيدٍ فِيهِ فَهو تَصْغِيرُ تَرْخِيمٍ، وإنْ كانَ مِن ثُلاثِيٍّ مُجَرَّدٍ فَهو تَصْغِيرٌ عَلى أصْلِ التَّصْغِيرِ. الشِّتاءُ والصَّيْفُ فَصْلانِ مَعْرُوفانِ مِن فُصُولِ السَّنَةِ الأرْبَعَةِ، وهَمْزَةُ الشِّتاءِ مُبْدَلَةٌ مِن واوٍ، قالُوا: شَتا يَشْتُو، وقالُوا: شَتْوَةً، والشِّتاءُ مُفْرَدٌ ولَيْسَ بِجَمْعِ شَتْوَةٍ. ﴿لِإيلافِ قُرَيْشٍ﴾ ﴿إيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ والصَّيْفِ﴾ ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذا البَيْتِ﴾ ﴿الَّذِي أطْعَمَهم مِن جُوعٍ وآمَنَهم مِن خَوْفٍ﴾ . هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الجُمْهُورِ، مَدَنِيَّةٌ في قَوْلِ الضَّحّاكِ وابْنِ السّائِبِ، ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها ظاهِرَةٌ، ولا سِيَّما أنْ جُعِلَتِ اللّامُ مُتَعَلِّقَةً بِنَفْسِ فَجَعَلَهم، وهو قَوْلُ الأخْفَشِ، أوْ بِإضْمارِ فَعَلْنا ذَلِكَ لِإيلافِ قُرَيْشٍ، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ الأخْفَشِ حَتّى تَطْمَئِنَّ في بَلَدِها، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِلِامْتِنانِ عَلَيْهِمْ، إذْ لَوْ سُلِّطَ عَلَيْهِمْ أصْحابُ الفِيلِ لَتَشَتَّتُوا في البِلادِ والأقالِيمِ، ولَمْ تَجْتَمِعْ لَهم كَلِمَةٌ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهَذا بِمَنزِلَةِ التَّضْمِينِ في الشِّعْرِ، وهو أنْ يَتَعَلَّقَ مَعْنى البَيْتِ بِالَّذِي قَبْلَهُ تَعَلُّقًا لا يَصِحُّ إلّا بِهِ، وهُما في مُصْحَفِ أُبَيٍّ سُورَةٌ واحِدَةٌ بِلا فَصْلٍ. وعَنْ عُمَرَ: أنَّهُ قَرَأهُما في الثّانِيَةِ مِن صَلاةِ (p-٥١٤)المَغْرِبِ، وقَرَأ في الأُولى والتِّينِ، والمَعْنى أنَّهُ أهْلَكَ أهْلَ الحَبَشَةِ الَّذِينَ قَصَدُوهم لِيَتَسامَعَ النّاسُ بِذَلِكَ، فَيَتَهَيَّبُوهم زِيادَةَ تَهَيُّبٍ، ويَحْتَرِمُوهم فَضْلَ احْتِرامٍ حَتّى يَنْتَظِمَ لَهُمُ الأمْنُ في رِحْلَتِهِمْ. انْتَهى. قالَ الحَوْفِيُّ: ورَّدَ هَذا القَوْلَ جَماعَةٌ، وقالُوا: لَوْ كانَ كَذا لَكانَ لِإيلافِ بَعْضَ سُورَةِ ألَمْ تَرَ، وفي إجْماعِ الجَمِيعِ عَلى الفَصْلِ بَيْنَهُما ما يَدُلُّ عَلى غَيْرِ ما قالَ، يَعْنِي الأخْفَشَ والكِسائِيَّ والفَرّاءَ، تَتَعَلَّقُ بِاعْجَبُوا مُضْمِرَةً، أيْ اعَجَبُوا لِإيلافِ قُرَيْشٍ رِحْلَةَ الشِّتاءِ والصَّيْفِ، وتَرْكِهِمْ عِبادَةَ رَبِّ هَذا البَيْتِ، ثُمَّ أمْرَهم بِالعِبادَةِ بَعْدُ وأعْلَمَهم أنَّ اللَّهَ هو الَّذِي أطْعَمَهم وآمَنَهم لا إسافُهم، أيْ فَلْيَعْبُدُوا الَّذِي أطْعَمَهم بِدَعْوَةِ أبِيهِمْ حَيْثُ قالَ: ﴿وارْزُقْهم مِنَ الثَّمَراتِ﴾ [إبراهيم: ٣٧] وآمَنَهم بِدَعْوَتِهِ حَيْثُ قالَ: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذا البَلَدَ آمِنًا﴾ [إبراهيم: ٣٥] ولا تَشْتَغِلُوا بِالأسْفارِ الَّتِي إنَّما هي طَلَبُ كَسْبٍ وعَرْضِ دُنْيا. وقالَ الخَلِيلُ بْنُ أحْمَدَ: تَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلْيَعْبُدُوا﴾ والمَعْنى لِأنْ فَعَلَ اللَّهُ بِقُرَيْشٍ هَذا ومَكَّنَهم مِن إلْفِهِمْ هَذِهِ النِّعْمَةَ ﴿فَلْيَعْبُدُوا﴾ أمَرَهم أنْ يَعْبُدُوهُ لِأجْلِ إيلافِهِمْ الرِّحْلَةَ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: فَلِمَ دَخَلَتِ الفاءُ ؟ قُلْتُ: لِما في الكَلامِ مِن مَعْنى الشَّرْطِ؛ لِأنَّ المَعْنى: إمّا لا فَلْيَعْبُدُوا لِإيلافِهِمْ عَلى مَعْنى أنَّ نِعَمَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ لا تُحْصى، فَإنْ لَمْ يَعْبُدُوهُ لِسائِرِ نِعَمِهِ، فَلْيَعْبُدُوهُ لِهَذِهِ النِّعْمَةِ الواحِدَةِ الَّتِي هي نِعْمَةٌ ظاهِرَةٌ. انْتَهى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿لِإيلافِ قُرَيْشٍ﴾ مَصْدَرُ آلَفَ رُباعِيًّا، وابْنُ عامِرٍ: (لِإلافِ) عَلى وزْنِ فِعالٍ، مَصْدَرُ ألِفَ ثُلاثِيًّا، يُقالُ: ألِفَ الرَّجُلُ الأمْرَ إلْفًا وإلافًا، وآلَفَهُ غَيْرُهُ إيّاهُ إيلافًا، وقَدْ يَأْتِي آلَفَ مُتَعَدِّيًا لِواحِدٍ كَألِفَ، قالَ الشّاعِرُ: ؎مِنَ المُؤَلَّفاتِ الرَّمْلِ أدْماءُ حُرَّةٌ ∗∗∗ شُعاعُ الضُّحى في مَتْنِها يَتَوَضَّحُ ولَمْ يَخْتَلِفِ القُرّاءُ السَّبْعَةُ في قِراءَةِ إيلافِهِمْ مَصْدَرًا لِلرُّباعِيِّ. ورُوِيَ عَنْ أبِي بَكْرٍ، عَنْ عاصِمٍ أنَّهُ قَرَأ بِهَمْزَتَيْنِ، فِيهِما الثّانِيَةُ ساكِنَةٌ، وهَذا شاذٌّ، وإنْ كانَ الأصْلَ أبْدَلُوا الهَمْزَةَ الَّتِي هي فاءُ الكَلِمَةِ لِثِقَلِ اجْتِماعِ هَمْزَتَيْنِ، ولَمْ يُبْدِلُوا في نَحْوٍ يُؤَلَّفُ عَلى جِهَةِ اللُّزُومِ لِزَوالِ الِاسْتِثْقالِ بِحَذْفِ الهَمْزَةِ فِيهِ، وهَذا المَرْوِيُّ عَنْ عاصِمٍ هو مِن طَرِيقِ الشُّمُنِّيِّ عَنِ الأعْشى عَنْ أبِي بَكْرٍ، ورَوى مُحَمَّدُ بْنُ داوُدَ النَّقّارُ عَنْ عاصِمٍ: (إإيلافِهِمْ) بِهَمْزَتَيْنِ مَكْسُورَتَيْنِ بَعْدَهُما ياءٌ ساكِنَةٌ ناشِئَةٌ عَنْ حَرَكَةِ الهَمْزَةِ الثّانِيَةِ لَمّا أشْبَعَ كَسْرَتَها، والصَّحِيحُ رُجُوعُ عاصِمٍ عَنِ الهَمْزَةِ الثّانِيَةِ، وأنَّهُ قَرَأ كالجَماعَةِ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ فِيما حَكى الزَّمَخْشَرِيُّ: (لِإلْفِ قُرَيْشٍ)، وقَرَأ فِيما حَكى ابْنُ عَطِيَّةَ (إلْفَهم)، قالَ الشّاعِرُ: ؎زَعَمْتُمْ أنَّ إخْوَتَكم قُرَيْشًا ∗∗∗ لَهم إلْفٌ ولَيْسَ لَكم إلافُ جَمَعَ بَيْنَ مَصْدَرِي ألِفَ الثُّلاثِيِّ، وعَنْ أبِي جَعْفَرٍ وابْنِ عامِرٍ: (إلافَهم) عَلى وزْنِ فِعالٍ، وعَنْ أبِي جَعْفَرٍ وابْنِ كَثِيرٍ: (إلْفَهم) عَلى وزْنِ فِعْلٍ، وبِذَلِكَ قَرَأ عِكْرِمَةُ، وعَنْ أبِي جَعْفَرٍ أيْضًا: (لِيلافِ) بِياءٍ ساكِنَةٍ بَعْدَ اللّامِ أتْبَعَ لَمّا أبْدَلَ الثّانِيَةَ ياءً حَذْفَ الأُولى حَذْفًا عَلى غَيْرِ قِياسٍ، وعَنْ عِكْرِمَةَ: (لِيَأْلَفَ قُرَيْشٌ)، وعَنْهُ أيْضًا: (لِتَأْلَفْ قُرَيْشٌ) عَلى الأمْرِ، وعَنْهُ وعَنْ هِلالِ بْنِ فِتْيانَ: بِفَتْحِ لامِ الأمْرِ، وأجْمَعُوا هُنا عَلى صَرْفِ قُرَيْشٍ، راعَوْا فِيهِ مَعْنى الحَيِّ، ويَجُوزُ مَنعُ صَرْفِهِ مَلْحُوظًا فِيهِ مَعْنى القَبِيلَةِ لِلتَّأْنِيثِ والعَلَمِيَّةِ، قالَ الشّاعِرُ: ؎وكَفى قُرَيْشَ المُعْضِلاتِ وسادَها جَعَلَهُ اسْمًا لِلْقَبِيلَةِ سِيبَوَيْهِ في نَحْوِ مَعَدَّ وقُرَيْشَ وثَقِيفَ، وكَيْنُونَةُ هَذِهِ لِلْأحْياءِ أكْثَرُ، وإنْ جَعَلْتَها اسْمًا لِلْقَبائِلِ فَجائِزٌ حَسَنٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿رِحْلَةَ﴾ بِكَسْرِ الرّاءِ، وأبُو السَّمّالِ: بِضَمِّها، فَبِالكَسْرِ مَصْدَرٌ، وبِالضَّمِّ الجِهَةُ الَّتِي يُرْحَلُ إلَيْها، والجُمْهُورُ عَلى أنَّهُما رِحْلَتانِ، فَقِيلَ: إلى الشّامِ في التِّجارَةِ ونَيْلِ الأرْباحِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎سَفَرَيْنِ بَيْنَهُما لَهُ ولِغَيْرِهِ ∗∗∗ سَفَرَ الشِّتاءِ ورِحْلَةَ الأصْيافِ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: رِحْلَةٌ إلى اليَمَنِ، ورِحْلَةٌ إلى بُصْرى، وقالَ: يَرْحَلُونَ في الصَّيْفِ إلى الطّائِفِ (p-٥١٥)حَيْثُ الماءُ والظِّلُّ، ويَرْحَلُونَ في الشِّتاءِ إلى مَكَّةَ لِلتِّجارَةِ وسائِرِ أغْراضِهِمْ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وأرادَ رِحْلَتَيِ الشِّتاءِ والصَّيْفِ، فَأفْرَدَ لِأمْنِ الإلْباسِ، كَقَوْلِهِ: ؎كُلُوا في بَعْضِ بَطْنِكم تَعِفُّوا ∗∗∗ فَإنَّ زَمانَكم زَمَنٌ خَمِيصُ انْتَهى. وهَذا عِنْدَ سِيبَوَيْهِ لا يَجُوزُ إلّا في الضَّرُورَةِ، ومِثْلُهُ: ؎حَمامَةَ بَطْنِ الوادِيَيْنِ تَرَنَّمِي يُرِيدُ: بَطْنَيِ الوادِيَيْنِ، أنْشَدَهُ أصْحابُنا عَلى الضَّرُورَةِ، وقالَ النَّقّاشُ: كانَتْ لَهم أرْبَعُ رِحَلٍ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا قَوْلٌ مَرْدُودٌ. انْتَهى. ولا يَنْبَغِي أنْ يَرِدَ، فَإنَّ أصْحابَ الإيلافِ كانُوا أرْبَعَةَ إخْوَةٍ وهم بَنُو عَبْدِ مَنافٍ: هاشِمٌ كانَ يُؤَلِّفُ مَلِكَ الشّامِ، أخَذَ مِنهُ خَيْلًا، فَأمِنَ بِهِ في تِجارَتِهِ إلى الشّامِ، وعَبْدُ شَمْسٍ يُؤَلِّفُ إلى الحَبَشَةِ، والمُطَّلِبُ إلى اليَمَنِ، ونَوْفَلٌ إلى فارِسَ، فَكانَ هَؤُلاءِ يُسَمَّوْنَ المُجْبِرِينَ، فَتَخْتَلِفُ تَجْرُ قُرَيْشٍ إلى الأمْصارِ بِحَبْلِ هَؤُلاءِ الإخْوَةِ، فَلا يُتَعَرَّضُ لَهم. قالَ الأزْهَرِيُّ: الإيلافُ شِبْهُ الإجارَةِ بِالخِفارَةِ، فَإذا كانَ كَذَلِكَ جازَ أنْ يَكُونَ لَهم رِحَلٌ أرْبَعٌ، بِاعْتِبارِ هَذِهِ الأماكِنِ الَّتِي كانَتِ التُّجّارُ في خِفارَةِ هَؤُلاءِ الأرْبَعَةِ فِيها، وفِيهِمْ يَقُولُ الشّاعِرُ يَمْدَحُهم: ؎يا أيُّها الرَّجُلُ المُحَوِّلُ رَحْلَهُ ∗∗∗ هَلّا نَزَلْتَ بِآلِ عَبْدِ مَنافِ ؎الآخِذُونَ العَهْدَ مِن آفاقِها ∗∗∗ والرّاحِلُونَ لِرِحْلَةِ الإيلافِ ؎والرّائِشُونَ ولَيْسَ يُوجَدُ رائِشٌ ∗∗∗ والقائِلُونَ هَلُمَّ لِلْأضْيافِ ؎والخالِطُونَ غَنِيَّهم لِفَقِيرِهِمْ ∗∗∗ حَتّى يَصِيرَ فَقِيرُهم كالكافِ فَتَكُونُ (رِحْلَةَ) هُنا اسْمَ جِنْسٍ يَصْلُحُ لِلْواحِدِ ولِأكْثَرَ، وإيلافُهم بَدَلٌ مِن ﴿لِإيلافِ قُرَيْشٍ﴾ أطْلَقَ المُبْدَلَ مِنهُ وقَيَّدَ البَدَلَ بِالمَفْعُولِ بِهِ، وهو رِحْلَةٌ، أيْ لِأنْ ألِفُوا رِحْلَةً تَفْخِيمًا لِأمْرِ الإيلافِ وتَذْكِيرًا بِعَظِيمِ النِّعْمَةِ فِيهِ ﴿هَذا البَيْتِ﴾ هو الكَعْبَةُ، وتَمَكَّنَ هُنا هَذا اللَّفْظُ لِتَقَدُّمِ حِمايَتِهِ في السُّورَةِ الَّتِي قَبْلَها، ومِن هُنا لِلتَّعْلِيلِ، أيْ لِأجْلِ الجُوعِ، كانُوا قُطّانًا بِبَلَدٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عُرْضَةً لِلْجُوعِ والخَوْفِ لَوْلا لُطْفُ اللَّهِ تَعالى بِهِمْ، وذَلِكَ بِدَعْوَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، قالَ تَعالى: ﴿يُجْبى إلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [القصص: ٥٧] . ﴿الَّذِي أطْعَمَهم مِن﴾ فَضَّلَهم عَلى العَرَبِ بِكَوْنِهِمْ يَأْمَنُونَ حَيْثُ ما حَلُّوا، فَيُقالُ: هَؤُلاءِ قُطّانُ بَيْتِ اللَّهِ، فَلا يَتَعَرَّضُ إلَيْهِمْ أحَدٌ، وغَيْرُهم خائِفُونَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ: ﴿الَّذِي أطْعَمَهم مِن﴾ مَعْناهُ مِنَ الجُذامِ، فَلا تَرى بِمَكَّةَ مَجْذُومًا، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والتَّنْكِيرُ في جُوعٍ وخَوْفٍ لِشِدَّتِهِما، يَعْنِي أطْعَمَهم بِالرِّحْلَتَيْنِ مِن جُوعٍ شَدِيدٍ كانُوا فِيهِ قَبْلَهُما، وآمَنَهم مِن خَوْفٍ عَظِيمٍ، وهو خَوْفُ أصْحابِ الفِيلِ، أوْ خَوْفُ التَّخَطُّفِ في بَلَدِهِمْ ومَسايِرِهِمْ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿مِن خَوْفٍ﴾ بِإظْهارِ النُّونِ عِنْدَ الخاءِ، والمُسَيَّبِيُّ عَنْ نافِعٍ: بِإخْفائِها، وكَذَلِكَ مَعَ العَيْنِ، نَحْوَ: مِن عَلى، وهي لُغَةٌ حَكاها سِيبَوَيْهِ، وقالَ ابْنُ الأسْلَتِ يُخاطِبُ قُرَيْشًا: ؎فَقُومُوا فَصِلُوا رَبَّكم وتَمَسَّحُوا ∗∗∗ بِأرْكانِ هَذا البَيْتِ بَيْنَ الأخاشِبِ ؎فَعِنْدَكم مِنهُ بَلاءٌ ومُصَدِّقٌ ∗∗∗ غَداةَ أبى مَكْسُومٍ هادِي الكَتائِبِ ؎كَثِيبَةٌ بِالسَّهْلِ تَمْشِي ورِحْلَةٌ ∗∗∗ عَلى العادِقاتِ في رُءُوسِ المَناقِبِ ؎فَلَمّا أتاكم نَصْرُ ذِي العَرْشِ رَدَّهم ∗∗∗ جُنُودُ المَلِيكِ بَيْنَ ساقٍ وحاجِبِ ؎فَوَلَّوْا سِراعًا هارِبِينَ ولَمْ يَؤُبْ ∗∗∗ إلى أهْلِهِ مِلْجَيْشِ غَيْرُ عَصائِبِ