Lafzullah

Al-Bahr Al-Muhit — الماعون 107:1 – الفلق 113:5

المؤلف / المصدر: Al-Bahr Al-Muhit

المحتويات
  1. الماعون 107:1
  2. الماعون 107:2
  3. الماعون 107:3
  4. الماعون 107:4
  5. الماعون 107:5
  6. الماعون 107:6
  7. الماعون 107:7
  8. الكوثر 108:1
  9. الكوثر 108:2
  10. الكوثر 108:3
  11. الكافرون 109:1
  12. الكافرون 109:2
  13. الكافرون 109:3
  14. الكافرون 109:4
  15. الكافرون 109:5
  16. الكافرون 109:6
  17. النصر 110:1
  18. النصر 110:2
  19. النصر 110:3
  20. المسد 111:1
  21. المسد 111:2
  22. المسد 111:3
  23. المسد 111:4
  24. المسد 111:5
  25. الإخلاص 112:1
  26. الإخلاص 112:2
  27. الإخلاص 112:3
  28. الإخلاص 112:4
  29. الفلق 113:1
  30. الفلق 113:2
  31. الفلق 113:3
  32. الفلق 113:4
  33. الفلق 113:5

الماعون 107:1

(p-٥١٦)سُورَةُ الماعُونِ وهي سَبْعُ آياتٍ ﷽ ﴿أرَأيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ﴾ ﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ اليَتِيمَ﴾ ﴿ولا يَحُضُّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم يُراءُونَ﴾ ﴿ويَمْنَعُونَ الماعُونَ﴾ سَها عَنْ كَذا يَسْهُو سَهْوًا: لَها عَنْهُ وتَرَكَهُ عَنْ غَفْلَةٍ، الماعُونُ: فاعُولٌ مِنَ المَعْنِ، وهو الشَّيْءُ القَلِيلُ، تَقُولُ العَرَبُ: ما لَهُ مَعْنٌ، أيْ شَيْءٌ قَلِيلٌ، وقالَهُ قُطْرُبٌ، وقِيلَ: أصْلُهُ مَعُونَةٌ والألِفُ عِوَضٌ مِنَ الهاءِ، فَوَزْنُهُ مَفْعَلٌ في الأصْلِ عَلى مَكْرَمٍ، فَتَكُونُ المِيمُ زائِدَةً، ووَزْنُهُ بَعْدَ زِيادَةِ الألِفِ عِوَضًا مافُعْلٌ، وقِيلَ: هو اسْمُ مَفْعُولٍ مِن أعانَ يُعِينُ، جاءَ عَلى زِنَةِ مَفْعُولٍ، قُلِبَ فَصارَتْ عَيْنُهُ مَكانَ الفاءِ فَصارَ مَوْعُونَ، ثُمَّ قُلِبَتِ الواوُ ألِفًا، كَما قالُوا في بَوَبَ بابٌ فَصارَ ماعُونًا، فَوَزْنُهُ عَلى هَذا مَفْعُولٌ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ، والزَّجّاجُ، والمُبَرِّدُ: الماعُونُ في الجاهِلِيَّةِ: كُلُّ ما فِيهِ مَنفَعَةٌ حَتّى الفاسُ والدَّلْوُ والقِدْرُ والقَدّاحَةُ، وكُلُّ ما فِيهِ مَنفَعَةٌ مِن قَلِيلٍ أوْ كَثِيرٍ، وأنْشَدُوا بَيْتَ الأعْشى: ؎بِأجْوَدَ مِنهُ بِماعُونِهِ إذا ما سَماؤُهم لَمْ تَغِمِ وقالُوا: المُرادُ بِهِ في الإسْلامِ الطّاعَةُ، وتَأْتِي أقْوالُ أهْلِ التَّفْسِيرِ فِيهِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى عَزَّ وجَلَّ ﴿أرَءَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ﴾ ﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ اليَتِيمَ﴾ ﴿ولا يَحُضُّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم يُراءُونَ﴾ ﴿ويَمْنَعُونَ الماعُونَ﴾ هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الجُمْهُورِ، مَدَنِيَّةٌ في قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ، قالَ هِبَةُ اللَّهِ المُفَسِّرُ الضَّرِيرُ: نَزَلَ نِصْفُها بِمَكَّةَ في العاصِي بْنِ وائِلٍ، ونِصْفُها بِالمَدِينَةِ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ المُنافِقِ، ولَمّا عَدَّدَ تَعالى نِعَمَهُ عَلى قُرَيْشٍ، وكانُوا لا يُؤْمِنُونَ بِالبَعْثِ والجَزاءِ، أتْبَعَ امْتِنانَهُ عَلَيْهِمْ بِتَهْدِيدِهِمْ بِالجَزاءِ وتَخْوِيفِهِمْ مِن عَذابِهِ، ونَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ، أوِ الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، أوِ العاصِي بْنِ وائِلٍ، أوْ عُمَرَ بْنِ عائِذٍ، أوْ رَجُلَيْنِ مِنَ المُنافِقِينَ، أوْ أبِي سُفْيانَ بْنِ حَرْبٍ، كانَ يَنْحَرُ في كُلِّ أُسْبُوعٍ جَزُورًا، فَأتاهُ يَتِيمٌ فَسَألَهُ شَيْئًا فَقَرَعَهُ بِعَصًا، أقْوالٌ آخِرُها لِابْنِ جُرَيْجٍ، والظّاهِرُ أنَّ (أرَأيْتَ) هي الَّتِي بِمَعْنى أخْبِرْنِي، فَتَتَعَدّى لِاثْنَيْنِ، أحَدُهُما الَّذِي، والآخَرُ مَحْذُوفٌ، فَقَدَّرَهُ الحَوْفِيُّ: ألَيْسَ مُسْتَحِقًّا عَذابَ اللَّهِ، وقَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَن هو، ويَدُلُّ عَلى أنَّها بِمَعْنى أخْبِرْنِي، قِراءَةُ (p-٥١٧)عَبْدِ اللَّهِ أرَأيْتُكَ بِكافِ الخِطابِ، لِأنَّ كافَ الخِطابِ لا تَلْحَقُ البَصَرِيَّةَ، قالَ الحَوْفِيُّ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِن رُؤْيَةِ البَصَرِ، فَلا يَكُونُ في الكَلامِ حَذْفٌ، وهَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ تَدُلُّ عَلى التَّقْرِيرِ والتَّفْهِيمِ لِيَتَذَكَّرَ السّامِعُ مَن يَعْرِفُهُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ. والدِّينُ: الجَزاءُ بِالثَّوابِ والعِقابِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والمَعْنى هَلْ عَرَفْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالجَزاءِ ؟ هو الَّذِي ﴿يَدُعُّ اليَتِيمَ﴾ أيْ يَدْفَعُهُ دَفْعًا عَنِيفًا بِجَفْوَةٍ أوْ أذًى (ولا يَحُضُّ) أيْ ولا يَبْعَثُ أهْلَهُ عَلى بَذْلِ الطَّعامِ لِلْمِسْكِينِ، جَعَلَ عِلْمَ التَّكْذِيبِ بِالجَزاءِ مَنعَ المَعْرُوفِ والإقْدامَ عَلى إيذاءِ الضَّعِيفِ. انْتَهى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يَدُعُّ) بِضَمِّ الدّالِ وشَدِّ العَيْنِ، وعَلِيٌّ والحَسَنُ وأبُو رَجاءٍ واليَمانِيُّ: بِفَتْحِ الدّالِ وخَفِّ العَيْنِ، أيْ يَتْرُكُهُ بِمَعْنى لا يُحْسِنُ إلَيْهِ ويَجْفُوهُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (ولا يَحُضُّ) مُضارِعُ حَضَّ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (يَحاضُّ) مُضارِعُ حاضَضْتُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (بِالدِّينِ) بِحُكْمِ اللَّهِ، وقالَ مُجاهِدٌ: بِالحِسابِ، وقِيلَ: بِالجَزاءِ، وقِيلَ: بِالقُرْآنِ، وقالَ إبْراهِيمُ بْنُ عَرَفَةَ: ﴿يَدُعُّ اليَتِيمَ﴾ يَدْفَعُهُ عَنْ حَقِّهِ، وقالَ مُجاهِدٌ: يَدْفَعُهُ عَنْ حَقِّهِ ولا يُطْعِمُهُ، وفي قَوْلِهِ: (ولا يَحُضُّ) إشارَةٌ إلى أنَّهُ هو لا يُطْعِمُ إذا قَدَّرَهُ، وهَذا مِن بابِ الأوْلى؛ لِأنَّهُ إذا لَمْ يَحُضَّ غَيْرَهُ بُخْلًا، فَلَأنْ يَتْرُكَ هو ذَلِكَ فِعْلًا أوْلى وأحْرى، وفي إضافَةِ طَعامٍ إلى المِسْكِينِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ يَسْتَحِقُّهُ. ولَمّا ذَكَرَ أوَّلًا عَمُودَ الكُفْرِ، وهو التَّكْذِيبُ بِالدِّينِ، ذَكَرَ ما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِمّا يَتَعَلَّقُ بِالخالِقِ، وهو عِبادَتُهُ بِالصَّلاةِ، فَقالَ: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ والظّاهِرُ أنَّ المُصَلِّينَ هم غَيْرُ المَذْكُورِ، وقِيلَ: هو داعُّ اليَتِيمِ غَيْرُ الحاضِّ، وأنْ كُلًّا مِنَ الأوْصافِ الذَّمِيمَةِ ناشِئٌ عَنِ التَّكْذِيبِ بِالدِّينِ، فالمُصَلُّونَ هُنا، واللَّهُ أعْلَمُ، هُمُ المُنافِقُونَ، ثَبَتَ لَهُمُ الصَّلاةُ، وهي الهَيْئاتُ الَّتِي يَفْعَلُونَها، ثُمَّ قالَ: ﴿الَّذِينَ هم عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ﴾ نَظَرًا إلى أنَّهم لا يُوقِعُونَها، كَما يُوقِعُها المُسْلِمُ مِنَ اعْتِقادِ وُجُوبِها والتَّقَرُّبِ بِها إلى اللَّهِ تَعالى، وفي الحَدِيثِ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ: (يُؤَخِّرُونَها عَنْ وقْتِها تَهاوُنًا بِها) . قالَ مُجاهِدٌ: تَأْخِيرُ تَرْكٍ وإهْمالٍ. وقالَ إبْراهِيمُ: هو الَّذِي إذا سَجَدَ قالَ بِرَأْسِهِ هَكَذا مُلْتَفِتًا. وقالَ قَتادَةُ: هو التَّرْكُ لَها، أوْ هُمُ الغافِلُونَ الَّذِينَ لا يُبالِي أحَدُهم أصَلّى أمْ لَمْ يُصَلِّ. وقالَ قُطْرُبٌ: هو الَّذِي لا يُقِرُّ ولا يَذْكُرُ اللَّهَ تَعالى. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المُنافِقُونَ يَتْرُكُونَ الصَّلاةَ سِرًّا ويَفْعَلُونَها عَلانِيَةً ﴿وإذا قامُوا إلى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى﴾ [النساء: ١٤٢] ويَدُلُّ عَلى أنَّها في المُنافِقِينَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ هم يُراءُونَ﴾ وقالَهُ ابْنُ وهْبٍ عَنْ مالِكٍ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ولَوْ قالَ في صَلاتِهِمْ لَكانَتْ في المُؤْمِنِينَ. وقالَ عَطاءٌ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي قالَ عَنْ صَلاتِهِمْ ولَمْ يَقُلْ في صَلاتِهِمْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بَعْدَ أنْ قَدَّمَ فِيما نَقَلْناهُ مِن كَلامِهِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ ﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ﴾ في مَوْضِعِ رَفْعٍ، قالَ: وطَرِيقَةٌ أُخْرى أنْ يَكُونَ (فَذَلِكَ) عَطْفًا عَلى ﴿الَّذِي يُكَذِّبُ﴾، إمّا عَطْفُ ذاتٍ عَلى ذاتٍ، أوْ عَطْفُ صِفَةٍ عَلى صِفَةٍ، ويَكُونُ جَوابُ (أرَأيْتَ) مَحْذُوفًا لِدَلالَةِ ما بَعْدَهُ عَلَيْهِ، كَأنْ قالَ: أخْبِرْنِي وما تَقُولُ فِيمَن يُكَذِّبُ بِالجَزاءِ، وفِيمَن يُؤْذِي اليَتِيمَ ولا يُطْعِمُ المِسْكِينَ، أنِعْمَ ما يَصْنَعُ ؟ ثُمَّ قالَ: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ أيْ إذا عُلِمَ أنَّهُ مُسِيءٌ ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ عَلى مَعْنى: فَوَيْلٌ لَهم إلّا أنَّهُ وضَعَ صِفَتَهم مَوْضِعَ (p-٥١٨)ضَمِيرِهِمْ؛ لِأنَّهم كانُوا مَعَ التَّكْذِيبِ، وما أُضِيفَ إلَيْهِمْ ساهِينَ عَنِ الصَّلاةِ مُرائِينَ غَيْرَ مُزَكِّينَ أمْوالَهم، فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ جَعَلْتَ المُصَلِّينَ قائِمًا مَقامَ ضَمِيرِ ﴿الَّذِي يُكَذِّبُ﴾ وهو واحِدٌ ؟ قُلْتُ: مَعْناهُ الجَمْعُ، لِأنَّ المُرادَ بِهِ الجِنْسُ. انْتَهى. فَجَعَلَ (فَذَلِكَ) في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَطْفًا عَلى المَفْعُولِ، وهو تَرْكِيبٌ غَرِيبٌ، كَقَوْلِكَ: أكْرَمْتُ الَّذِي يَزُورُنا فَذَلِكَ الَّذِي يُحْسِنُ إلَيْنا، فالمُتَبادِرُ إلى الذِّهْنِ أنَّ (فَذَلِكَ) مَرْفُوعٌ بِالِابْتِداءِ، وعَلى تَقْدِيرِ النَّصْبِ يَكُونُ التَّقْدِيرُ: أكْرَمْتُ الَّذِي يَزُورُنا فَأكْرَمْتُ ذَلِكَ الَّذِي يُحْسِنُ إلَيْنا، فاسْمُ الإشارَةِ في هَذا التَّقْدِيرِ غَيْرُ مُتَمَكِّنٍ تَمَكُّنَ ما هو فَصِيحٌ، إذْ لا حاجَةَ إلى أنْ يُشارَ إلى الَّذِي يَزُورُنا، بَلِ الفَصِيحُ أكْرَمْتُ الَّذِي يَزُورُنا فالَّذِي يُحْسِنُ إلَيْنا، أوْ أكْرَمْتُ الَّذِي يَزُورُنا فَيُحْسِنُ إلَيْنا، وأمّا قَوْلُهُ: إمّا عَطْفُ ذاتٍ عَلى ذاتٍ فَلا يَصِحُّ؛ لِأنَّ (فَذَلِكَ) إشارَةٌ إلى ﴿الَّذِي يُكَذِّبُ﴾، فَلَيْسا بِذاتَيْنِ؛ لِأنَّ المُشارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (فَذَلِكَ) هو واحِدٌ، وأمّا قَوْلُهُ: ويَكُونُ جَوابُ (أرَأيْتَ) مَحْذُوفًا، فَلا يُسَمّى جَوابًا، بَلْ هو في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي لِأرَأيْتَ، وأمّا قَوْلُهُ: أنِعْمَ ما يَصْنَعُ ؟ فَهَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ لا نَعْلَمُ دُخُولَها عَلى نِعْمَ ولا بِئْسَ؛ لِأنَّهُما إنْشاءٌ، والِاسْتِفْهامُ لا يَدْخُلُ إلّا عَلى الخَبَرِ، وأمّا وضْعُهُ (المُصَلِّينَ) مَوْضِعَ الضَّمِيرِ، وأنَّ المُصَلِّينَ جَمْعٌ؛ لِأنَّ ضَمِيرَ الَّذِي يُكَذِّبُ مَعْناهُ الجَمْعُ، فَتَكَلُّفٌ واضِحٌ ولا يَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ القُرْآنُ إلّا عَلى ما اقْتَضاهُ ظاهِرُ التَّرْكِيبِ، وهَكَذا عادَةُ هَذا الرَّجُلِ يَتَكَلَّفُ أشْياءَ في فَهْمِ القُرْآنِ لَيْسَتْ بِواضِحَةٍ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في الرِّياءِ في سُورَةِ البَقَرَةِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يُراءُونَ) مُضارِعُ رَآى، عَلى وزْنِ فاعَلَ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ والأشْهَبُ: مَهْمُوزَةً مَقْصُورَةً مُشَدَّدَةَ الهَمْزَةِ، وعَنِ ابْنِ أبِي إسْحاقَ: بِغَيْرِ شَدٍّ في الهَمْزَةِ، فَتَوْجِيهُ الأُولى إلى أنَّهُ ضَعَّفَ الهَمْزَةَ تَعْدِيَةً، كَما عَدَّوْا بِالهَمْزَةِ فَقالُوا في رَأى: أرّى، فَقالُوا: رَآى، فَجاءَ المُضارِعُ يُرَإِّي كَيُصَلِّي، وجاءَ الجَمْعُ يُرَوُّونَ كَيُصَلُّونَ، وتَوْجِيهُ الثّانِيَةِ أنَّهُ اسْتَثْقَلَ التَّضْعِيفَ في الهَمْزَةِ فَخَفَّفَها، أوْ حَذَفَ الألِفَ مِن يُراءُونَ حَذْفًا لا لِسَبَبٍ. ﴿ويَمْنَعُونَ الماعُونَ﴾ قالَ ابْنُ المُسَيَّبِ وابْنُ شِهابٍ: الماعُونُ، بِلُغَةِ قُرَيْشٍ: المالُ. وقالَ الفَرّاءُ عَنْ بَعْضِ العَرَبِ: الماعُونُ: الماءُ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ الحَنَفِيَّةِ، والحَسَنُ، والضَّحّاكُ، وابْنُ زَيْدٍ: ما يَتَعاطاهُ النّاسُ بَيْنَهم، كالفَأْسِ والدَّلْوِ والآنِيَةِ. وفي الحَدِيثِ: «سُئِلَ ﷺ عَنِ الشَّيْءِ الَّذِي لا يَحُلُّ مَنعُهُ فَقالَ: الماءُ والمِلْحُ والنّارُ» . وفي بَعْضِ الطُّرُقِ: الإبْرَةُ والخَمِيرُ. وقالَ عَلِيٌّ وابْنُ عُمَرَ وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: الماعُونُ: الزَّكاةُ، ومِنهُ قَوْلُ الرّاعِي: ؎أخَلِيفَةَ الرَّحْمَنِ إنّا مَعْشَرٌ ∗∗∗ حُنَفاءُ نَسْجُدُ بُكْرَةً وأصِيلا ؎عَرَبٌ نَرى لِلَّهِ مِن أمْوالِنا ∗∗∗ حَقَّ الزَّكاةِ مُنَزَّلًا تَنْزِيلا ؎قَوْمٌ عَلى الإسْلامِ لَمّا يَمْنَعُوا ∗∗∗ ماعُونَهم ويُضَيِّعُوا التَّهْلِيلا يَعْنِي بِالماعُونِ الزَّكاةَ، وهَذا القَوْلُ يُناسِبُهُما، ذَكَرَهُ قُطْرُبٌ مِن أنَّ أصْلَهُ مِنَ المَعْنِ، وهو الشَّيْءُ القَلِيلُ، فَسُمِّيَتِ الزَّكاةُ ماعُونًا؛ لِأنَّها قَلِيلٌ مِن كَثِيرٍ، وكَذَلِكَ الصَّدَقَةُ غَيْرُها، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو العارِيَّةُ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ والكَلْبِيُّ: هو المَعْرُوفُ كُلُّهُ، وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: مَنعُ الحَقِّ، وقِيلَ: الماءُ والكَلَأُ.

الماعون 107:2

(p-٥١٦)سُورَةُ الماعُونِ وهي سَبْعُ آياتٍ ﷽ ﴿أرَأيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ﴾ ﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ اليَتِيمَ﴾ ﴿ولا يَحُضُّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم يُراءُونَ﴾ ﴿ويَمْنَعُونَ الماعُونَ﴾ سَها عَنْ كَذا يَسْهُو سَهْوًا: لَها عَنْهُ وتَرَكَهُ عَنْ غَفْلَةٍ، الماعُونُ: فاعُولٌ مِنَ المَعْنِ، وهو الشَّيْءُ القَلِيلُ، تَقُولُ العَرَبُ: ما لَهُ مَعْنٌ، أيْ شَيْءٌ قَلِيلٌ، وقالَهُ قُطْرُبٌ، وقِيلَ: أصْلُهُ مَعُونَةٌ والألِفُ عِوَضٌ مِنَ الهاءِ، فَوَزْنُهُ مَفْعَلٌ في الأصْلِ عَلى مَكْرَمٍ، فَتَكُونُ المِيمُ زائِدَةً، ووَزْنُهُ بَعْدَ زِيادَةِ الألِفِ عِوَضًا مافُعْلٌ، وقِيلَ: هو اسْمُ مَفْعُولٍ مِن أعانَ يُعِينُ، جاءَ عَلى زِنَةِ مَفْعُولٍ، قُلِبَ فَصارَتْ عَيْنُهُ مَكانَ الفاءِ فَصارَ مَوْعُونَ، ثُمَّ قُلِبَتِ الواوُ ألِفًا، كَما قالُوا في بَوَبَ بابٌ فَصارَ ماعُونًا، فَوَزْنُهُ عَلى هَذا مَفْعُولٌ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ، والزَّجّاجُ، والمُبَرِّدُ: الماعُونُ في الجاهِلِيَّةِ: كُلُّ ما فِيهِ مَنفَعَةٌ حَتّى الفاسُ والدَّلْوُ والقِدْرُ والقَدّاحَةُ، وكُلُّ ما فِيهِ مَنفَعَةٌ مِن قَلِيلٍ أوْ كَثِيرٍ، وأنْشَدُوا بَيْتَ الأعْشى: ؎بِأجْوَدَ مِنهُ بِماعُونِهِ إذا ما سَماؤُهم لَمْ تَغِمِ وقالُوا: المُرادُ بِهِ في الإسْلامِ الطّاعَةُ، وتَأْتِي أقْوالُ أهْلِ التَّفْسِيرِ فِيهِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى عَزَّ وجَلَّ ﴿أرَءَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ﴾ ﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ اليَتِيمَ﴾ ﴿ولا يَحُضُّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم يُراءُونَ﴾ ﴿ويَمْنَعُونَ الماعُونَ﴾ هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الجُمْهُورِ، مَدَنِيَّةٌ في قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ، قالَ هِبَةُ اللَّهِ المُفَسِّرُ الضَّرِيرُ: نَزَلَ نِصْفُها بِمَكَّةَ في العاصِي بْنِ وائِلٍ، ونِصْفُها بِالمَدِينَةِ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ المُنافِقِ، ولَمّا عَدَّدَ تَعالى نِعَمَهُ عَلى قُرَيْشٍ، وكانُوا لا يُؤْمِنُونَ بِالبَعْثِ والجَزاءِ، أتْبَعَ امْتِنانَهُ عَلَيْهِمْ بِتَهْدِيدِهِمْ بِالجَزاءِ وتَخْوِيفِهِمْ مِن عَذابِهِ، ونَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ، أوِ الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، أوِ العاصِي بْنِ وائِلٍ، أوْ عُمَرَ بْنِ عائِذٍ، أوْ رَجُلَيْنِ مِنَ المُنافِقِينَ، أوْ أبِي سُفْيانَ بْنِ حَرْبٍ، كانَ يَنْحَرُ في كُلِّ أُسْبُوعٍ جَزُورًا، فَأتاهُ يَتِيمٌ فَسَألَهُ شَيْئًا فَقَرَعَهُ بِعَصًا، أقْوالٌ آخِرُها لِابْنِ جُرَيْجٍ، والظّاهِرُ أنَّ (أرَأيْتَ) هي الَّتِي بِمَعْنى أخْبِرْنِي، فَتَتَعَدّى لِاثْنَيْنِ، أحَدُهُما الَّذِي، والآخَرُ مَحْذُوفٌ، فَقَدَّرَهُ الحَوْفِيُّ: ألَيْسَ مُسْتَحِقًّا عَذابَ اللَّهِ، وقَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَن هو، ويَدُلُّ عَلى أنَّها بِمَعْنى أخْبِرْنِي، قِراءَةُ (p-٥١٧)عَبْدِ اللَّهِ أرَأيْتُكَ بِكافِ الخِطابِ، لِأنَّ كافَ الخِطابِ لا تَلْحَقُ البَصَرِيَّةَ، قالَ الحَوْفِيُّ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِن رُؤْيَةِ البَصَرِ، فَلا يَكُونُ في الكَلامِ حَذْفٌ، وهَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ تَدُلُّ عَلى التَّقْرِيرِ والتَّفْهِيمِ لِيَتَذَكَّرَ السّامِعُ مَن يَعْرِفُهُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ. والدِّينُ: الجَزاءُ بِالثَّوابِ والعِقابِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والمَعْنى هَلْ عَرَفْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالجَزاءِ ؟ هو الَّذِي ﴿يَدُعُّ اليَتِيمَ﴾ أيْ يَدْفَعُهُ دَفْعًا عَنِيفًا بِجَفْوَةٍ أوْ أذًى (ولا يَحُضُّ) أيْ ولا يَبْعَثُ أهْلَهُ عَلى بَذْلِ الطَّعامِ لِلْمِسْكِينِ، جَعَلَ عِلْمَ التَّكْذِيبِ بِالجَزاءِ مَنعَ المَعْرُوفِ والإقْدامَ عَلى إيذاءِ الضَّعِيفِ. انْتَهى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يَدُعُّ) بِضَمِّ الدّالِ وشَدِّ العَيْنِ، وعَلِيٌّ والحَسَنُ وأبُو رَجاءٍ واليَمانِيُّ: بِفَتْحِ الدّالِ وخَفِّ العَيْنِ، أيْ يَتْرُكُهُ بِمَعْنى لا يُحْسِنُ إلَيْهِ ويَجْفُوهُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (ولا يَحُضُّ) مُضارِعُ حَضَّ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (يَحاضُّ) مُضارِعُ حاضَضْتُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (بِالدِّينِ) بِحُكْمِ اللَّهِ، وقالَ مُجاهِدٌ: بِالحِسابِ، وقِيلَ: بِالجَزاءِ، وقِيلَ: بِالقُرْآنِ، وقالَ إبْراهِيمُ بْنُ عَرَفَةَ: ﴿يَدُعُّ اليَتِيمَ﴾ يَدْفَعُهُ عَنْ حَقِّهِ، وقالَ مُجاهِدٌ: يَدْفَعُهُ عَنْ حَقِّهِ ولا يُطْعِمُهُ، وفي قَوْلِهِ: (ولا يَحُضُّ) إشارَةٌ إلى أنَّهُ هو لا يُطْعِمُ إذا قَدَّرَهُ، وهَذا مِن بابِ الأوْلى؛ لِأنَّهُ إذا لَمْ يَحُضَّ غَيْرَهُ بُخْلًا، فَلَأنْ يَتْرُكَ هو ذَلِكَ فِعْلًا أوْلى وأحْرى، وفي إضافَةِ طَعامٍ إلى المِسْكِينِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ يَسْتَحِقُّهُ. ولَمّا ذَكَرَ أوَّلًا عَمُودَ الكُفْرِ، وهو التَّكْذِيبُ بِالدِّينِ، ذَكَرَ ما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِمّا يَتَعَلَّقُ بِالخالِقِ، وهو عِبادَتُهُ بِالصَّلاةِ، فَقالَ: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ والظّاهِرُ أنَّ المُصَلِّينَ هم غَيْرُ المَذْكُورِ، وقِيلَ: هو داعُّ اليَتِيمِ غَيْرُ الحاضِّ، وأنْ كُلًّا مِنَ الأوْصافِ الذَّمِيمَةِ ناشِئٌ عَنِ التَّكْذِيبِ بِالدِّينِ، فالمُصَلُّونَ هُنا، واللَّهُ أعْلَمُ، هُمُ المُنافِقُونَ، ثَبَتَ لَهُمُ الصَّلاةُ، وهي الهَيْئاتُ الَّتِي يَفْعَلُونَها، ثُمَّ قالَ: ﴿الَّذِينَ هم عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ﴾ نَظَرًا إلى أنَّهم لا يُوقِعُونَها، كَما يُوقِعُها المُسْلِمُ مِنَ اعْتِقادِ وُجُوبِها والتَّقَرُّبِ بِها إلى اللَّهِ تَعالى، وفي الحَدِيثِ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ: (يُؤَخِّرُونَها عَنْ وقْتِها تَهاوُنًا بِها) . قالَ مُجاهِدٌ: تَأْخِيرُ تَرْكٍ وإهْمالٍ. وقالَ إبْراهِيمُ: هو الَّذِي إذا سَجَدَ قالَ بِرَأْسِهِ هَكَذا مُلْتَفِتًا. وقالَ قَتادَةُ: هو التَّرْكُ لَها، أوْ هُمُ الغافِلُونَ الَّذِينَ لا يُبالِي أحَدُهم أصَلّى أمْ لَمْ يُصَلِّ. وقالَ قُطْرُبٌ: هو الَّذِي لا يُقِرُّ ولا يَذْكُرُ اللَّهَ تَعالى. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المُنافِقُونَ يَتْرُكُونَ الصَّلاةَ سِرًّا ويَفْعَلُونَها عَلانِيَةً ﴿وإذا قامُوا إلى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى﴾ [النساء: ١٤٢] ويَدُلُّ عَلى أنَّها في المُنافِقِينَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ هم يُراءُونَ﴾ وقالَهُ ابْنُ وهْبٍ عَنْ مالِكٍ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ولَوْ قالَ في صَلاتِهِمْ لَكانَتْ في المُؤْمِنِينَ. وقالَ عَطاءٌ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي قالَ عَنْ صَلاتِهِمْ ولَمْ يَقُلْ في صَلاتِهِمْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بَعْدَ أنْ قَدَّمَ فِيما نَقَلْناهُ مِن كَلامِهِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ ﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ﴾ في مَوْضِعِ رَفْعٍ، قالَ: وطَرِيقَةٌ أُخْرى أنْ يَكُونَ (فَذَلِكَ) عَطْفًا عَلى ﴿الَّذِي يُكَذِّبُ﴾، إمّا عَطْفُ ذاتٍ عَلى ذاتٍ، أوْ عَطْفُ صِفَةٍ عَلى صِفَةٍ، ويَكُونُ جَوابُ (أرَأيْتَ) مَحْذُوفًا لِدَلالَةِ ما بَعْدَهُ عَلَيْهِ، كَأنْ قالَ: أخْبِرْنِي وما تَقُولُ فِيمَن يُكَذِّبُ بِالجَزاءِ، وفِيمَن يُؤْذِي اليَتِيمَ ولا يُطْعِمُ المِسْكِينَ، أنِعْمَ ما يَصْنَعُ ؟ ثُمَّ قالَ: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ أيْ إذا عُلِمَ أنَّهُ مُسِيءٌ ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ عَلى مَعْنى: فَوَيْلٌ لَهم إلّا أنَّهُ وضَعَ صِفَتَهم مَوْضِعَ (p-٥١٨)ضَمِيرِهِمْ؛ لِأنَّهم كانُوا مَعَ التَّكْذِيبِ، وما أُضِيفَ إلَيْهِمْ ساهِينَ عَنِ الصَّلاةِ مُرائِينَ غَيْرَ مُزَكِّينَ أمْوالَهم، فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ جَعَلْتَ المُصَلِّينَ قائِمًا مَقامَ ضَمِيرِ ﴿الَّذِي يُكَذِّبُ﴾ وهو واحِدٌ ؟ قُلْتُ: مَعْناهُ الجَمْعُ، لِأنَّ المُرادَ بِهِ الجِنْسُ. انْتَهى. فَجَعَلَ (فَذَلِكَ) في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَطْفًا عَلى المَفْعُولِ، وهو تَرْكِيبٌ غَرِيبٌ، كَقَوْلِكَ: أكْرَمْتُ الَّذِي يَزُورُنا فَذَلِكَ الَّذِي يُحْسِنُ إلَيْنا، فالمُتَبادِرُ إلى الذِّهْنِ أنَّ (فَذَلِكَ) مَرْفُوعٌ بِالِابْتِداءِ، وعَلى تَقْدِيرِ النَّصْبِ يَكُونُ التَّقْدِيرُ: أكْرَمْتُ الَّذِي يَزُورُنا فَأكْرَمْتُ ذَلِكَ الَّذِي يُحْسِنُ إلَيْنا، فاسْمُ الإشارَةِ في هَذا التَّقْدِيرِ غَيْرُ مُتَمَكِّنٍ تَمَكُّنَ ما هو فَصِيحٌ، إذْ لا حاجَةَ إلى أنْ يُشارَ إلى الَّذِي يَزُورُنا، بَلِ الفَصِيحُ أكْرَمْتُ الَّذِي يَزُورُنا فالَّذِي يُحْسِنُ إلَيْنا، أوْ أكْرَمْتُ الَّذِي يَزُورُنا فَيُحْسِنُ إلَيْنا، وأمّا قَوْلُهُ: إمّا عَطْفُ ذاتٍ عَلى ذاتٍ فَلا يَصِحُّ؛ لِأنَّ (فَذَلِكَ) إشارَةٌ إلى ﴿الَّذِي يُكَذِّبُ﴾، فَلَيْسا بِذاتَيْنِ؛ لِأنَّ المُشارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (فَذَلِكَ) هو واحِدٌ، وأمّا قَوْلُهُ: ويَكُونُ جَوابُ (أرَأيْتَ) مَحْذُوفًا، فَلا يُسَمّى جَوابًا، بَلْ هو في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي لِأرَأيْتَ، وأمّا قَوْلُهُ: أنِعْمَ ما يَصْنَعُ ؟ فَهَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ لا نَعْلَمُ دُخُولَها عَلى نِعْمَ ولا بِئْسَ؛ لِأنَّهُما إنْشاءٌ، والِاسْتِفْهامُ لا يَدْخُلُ إلّا عَلى الخَبَرِ، وأمّا وضْعُهُ (المُصَلِّينَ) مَوْضِعَ الضَّمِيرِ، وأنَّ المُصَلِّينَ جَمْعٌ؛ لِأنَّ ضَمِيرَ الَّذِي يُكَذِّبُ مَعْناهُ الجَمْعُ، فَتَكَلُّفٌ واضِحٌ ولا يَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ القُرْآنُ إلّا عَلى ما اقْتَضاهُ ظاهِرُ التَّرْكِيبِ، وهَكَذا عادَةُ هَذا الرَّجُلِ يَتَكَلَّفُ أشْياءَ في فَهْمِ القُرْآنِ لَيْسَتْ بِواضِحَةٍ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في الرِّياءِ في سُورَةِ البَقَرَةِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يُراءُونَ) مُضارِعُ رَآى، عَلى وزْنِ فاعَلَ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ والأشْهَبُ: مَهْمُوزَةً مَقْصُورَةً مُشَدَّدَةَ الهَمْزَةِ، وعَنِ ابْنِ أبِي إسْحاقَ: بِغَيْرِ شَدٍّ في الهَمْزَةِ، فَتَوْجِيهُ الأُولى إلى أنَّهُ ضَعَّفَ الهَمْزَةَ تَعْدِيَةً، كَما عَدَّوْا بِالهَمْزَةِ فَقالُوا في رَأى: أرّى، فَقالُوا: رَآى، فَجاءَ المُضارِعُ يُرَإِّي كَيُصَلِّي، وجاءَ الجَمْعُ يُرَوُّونَ كَيُصَلُّونَ، وتَوْجِيهُ الثّانِيَةِ أنَّهُ اسْتَثْقَلَ التَّضْعِيفَ في الهَمْزَةِ فَخَفَّفَها، أوْ حَذَفَ الألِفَ مِن يُراءُونَ حَذْفًا لا لِسَبَبٍ. ﴿ويَمْنَعُونَ الماعُونَ﴾ قالَ ابْنُ المُسَيَّبِ وابْنُ شِهابٍ: الماعُونُ، بِلُغَةِ قُرَيْشٍ: المالُ. وقالَ الفَرّاءُ عَنْ بَعْضِ العَرَبِ: الماعُونُ: الماءُ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ الحَنَفِيَّةِ، والحَسَنُ، والضَّحّاكُ، وابْنُ زَيْدٍ: ما يَتَعاطاهُ النّاسُ بَيْنَهم، كالفَأْسِ والدَّلْوِ والآنِيَةِ. وفي الحَدِيثِ: «سُئِلَ ﷺ عَنِ الشَّيْءِ الَّذِي لا يَحُلُّ مَنعُهُ فَقالَ: الماءُ والمِلْحُ والنّارُ» . وفي بَعْضِ الطُّرُقِ: الإبْرَةُ والخَمِيرُ. وقالَ عَلِيٌّ وابْنُ عُمَرَ وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: الماعُونُ: الزَّكاةُ، ومِنهُ قَوْلُ الرّاعِي: ؎أخَلِيفَةَ الرَّحْمَنِ إنّا مَعْشَرٌ ∗∗∗ حُنَفاءُ نَسْجُدُ بُكْرَةً وأصِيلا ؎عَرَبٌ نَرى لِلَّهِ مِن أمْوالِنا ∗∗∗ حَقَّ الزَّكاةِ مُنَزَّلًا تَنْزِيلا ؎قَوْمٌ عَلى الإسْلامِ لَمّا يَمْنَعُوا ∗∗∗ ماعُونَهم ويُضَيِّعُوا التَّهْلِيلا يَعْنِي بِالماعُونِ الزَّكاةَ، وهَذا القَوْلُ يُناسِبُهُما، ذَكَرَهُ قُطْرُبٌ مِن أنَّ أصْلَهُ مِنَ المَعْنِ، وهو الشَّيْءُ القَلِيلُ، فَسُمِّيَتِ الزَّكاةُ ماعُونًا؛ لِأنَّها قَلِيلٌ مِن كَثِيرٍ، وكَذَلِكَ الصَّدَقَةُ غَيْرُها، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو العارِيَّةُ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ والكَلْبِيُّ: هو المَعْرُوفُ كُلُّهُ، وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: مَنعُ الحَقِّ، وقِيلَ: الماءُ والكَلَأُ.

الماعون 107:3

(p-٥١٦)سُورَةُ الماعُونِ وهي سَبْعُ آياتٍ ﷽ ﴿أرَأيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ﴾ ﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ اليَتِيمَ﴾ ﴿ولا يَحُضُّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم يُراءُونَ﴾ ﴿ويَمْنَعُونَ الماعُونَ﴾ سَها عَنْ كَذا يَسْهُو سَهْوًا: لَها عَنْهُ وتَرَكَهُ عَنْ غَفْلَةٍ، الماعُونُ: فاعُولٌ مِنَ المَعْنِ، وهو الشَّيْءُ القَلِيلُ، تَقُولُ العَرَبُ: ما لَهُ مَعْنٌ، أيْ شَيْءٌ قَلِيلٌ، وقالَهُ قُطْرُبٌ، وقِيلَ: أصْلُهُ مَعُونَةٌ والألِفُ عِوَضٌ مِنَ الهاءِ، فَوَزْنُهُ مَفْعَلٌ في الأصْلِ عَلى مَكْرَمٍ، فَتَكُونُ المِيمُ زائِدَةً، ووَزْنُهُ بَعْدَ زِيادَةِ الألِفِ عِوَضًا مافُعْلٌ، وقِيلَ: هو اسْمُ مَفْعُولٍ مِن أعانَ يُعِينُ، جاءَ عَلى زِنَةِ مَفْعُولٍ، قُلِبَ فَصارَتْ عَيْنُهُ مَكانَ الفاءِ فَصارَ مَوْعُونَ، ثُمَّ قُلِبَتِ الواوُ ألِفًا، كَما قالُوا في بَوَبَ بابٌ فَصارَ ماعُونًا، فَوَزْنُهُ عَلى هَذا مَفْعُولٌ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ، والزَّجّاجُ، والمُبَرِّدُ: الماعُونُ في الجاهِلِيَّةِ: كُلُّ ما فِيهِ مَنفَعَةٌ حَتّى الفاسُ والدَّلْوُ والقِدْرُ والقَدّاحَةُ، وكُلُّ ما فِيهِ مَنفَعَةٌ مِن قَلِيلٍ أوْ كَثِيرٍ، وأنْشَدُوا بَيْتَ الأعْشى: ؎بِأجْوَدَ مِنهُ بِماعُونِهِ إذا ما سَماؤُهم لَمْ تَغِمِ وقالُوا: المُرادُ بِهِ في الإسْلامِ الطّاعَةُ، وتَأْتِي أقْوالُ أهْلِ التَّفْسِيرِ فِيهِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى عَزَّ وجَلَّ ﴿أرَءَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ﴾ ﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ اليَتِيمَ﴾ ﴿ولا يَحُضُّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم يُراءُونَ﴾ ﴿ويَمْنَعُونَ الماعُونَ﴾ هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الجُمْهُورِ، مَدَنِيَّةٌ في قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ، قالَ هِبَةُ اللَّهِ المُفَسِّرُ الضَّرِيرُ: نَزَلَ نِصْفُها بِمَكَّةَ في العاصِي بْنِ وائِلٍ، ونِصْفُها بِالمَدِينَةِ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ المُنافِقِ، ولَمّا عَدَّدَ تَعالى نِعَمَهُ عَلى قُرَيْشٍ، وكانُوا لا يُؤْمِنُونَ بِالبَعْثِ والجَزاءِ، أتْبَعَ امْتِنانَهُ عَلَيْهِمْ بِتَهْدِيدِهِمْ بِالجَزاءِ وتَخْوِيفِهِمْ مِن عَذابِهِ، ونَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ، أوِ الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، أوِ العاصِي بْنِ وائِلٍ، أوْ عُمَرَ بْنِ عائِذٍ، أوْ رَجُلَيْنِ مِنَ المُنافِقِينَ، أوْ أبِي سُفْيانَ بْنِ حَرْبٍ، كانَ يَنْحَرُ في كُلِّ أُسْبُوعٍ جَزُورًا، فَأتاهُ يَتِيمٌ فَسَألَهُ شَيْئًا فَقَرَعَهُ بِعَصًا، أقْوالٌ آخِرُها لِابْنِ جُرَيْجٍ، والظّاهِرُ أنَّ (أرَأيْتَ) هي الَّتِي بِمَعْنى أخْبِرْنِي، فَتَتَعَدّى لِاثْنَيْنِ، أحَدُهُما الَّذِي، والآخَرُ مَحْذُوفٌ، فَقَدَّرَهُ الحَوْفِيُّ: ألَيْسَ مُسْتَحِقًّا عَذابَ اللَّهِ، وقَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَن هو، ويَدُلُّ عَلى أنَّها بِمَعْنى أخْبِرْنِي، قِراءَةُ (p-٥١٧)عَبْدِ اللَّهِ أرَأيْتُكَ بِكافِ الخِطابِ، لِأنَّ كافَ الخِطابِ لا تَلْحَقُ البَصَرِيَّةَ، قالَ الحَوْفِيُّ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِن رُؤْيَةِ البَصَرِ، فَلا يَكُونُ في الكَلامِ حَذْفٌ، وهَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ تَدُلُّ عَلى التَّقْرِيرِ والتَّفْهِيمِ لِيَتَذَكَّرَ السّامِعُ مَن يَعْرِفُهُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ. والدِّينُ: الجَزاءُ بِالثَّوابِ والعِقابِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والمَعْنى هَلْ عَرَفْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالجَزاءِ ؟ هو الَّذِي ﴿يَدُعُّ اليَتِيمَ﴾ أيْ يَدْفَعُهُ دَفْعًا عَنِيفًا بِجَفْوَةٍ أوْ أذًى (ولا يَحُضُّ) أيْ ولا يَبْعَثُ أهْلَهُ عَلى بَذْلِ الطَّعامِ لِلْمِسْكِينِ، جَعَلَ عِلْمَ التَّكْذِيبِ بِالجَزاءِ مَنعَ المَعْرُوفِ والإقْدامَ عَلى إيذاءِ الضَّعِيفِ. انْتَهى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يَدُعُّ) بِضَمِّ الدّالِ وشَدِّ العَيْنِ، وعَلِيٌّ والحَسَنُ وأبُو رَجاءٍ واليَمانِيُّ: بِفَتْحِ الدّالِ وخَفِّ العَيْنِ، أيْ يَتْرُكُهُ بِمَعْنى لا يُحْسِنُ إلَيْهِ ويَجْفُوهُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (ولا يَحُضُّ) مُضارِعُ حَضَّ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (يَحاضُّ) مُضارِعُ حاضَضْتُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (بِالدِّينِ) بِحُكْمِ اللَّهِ، وقالَ مُجاهِدٌ: بِالحِسابِ، وقِيلَ: بِالجَزاءِ، وقِيلَ: بِالقُرْآنِ، وقالَ إبْراهِيمُ بْنُ عَرَفَةَ: ﴿يَدُعُّ اليَتِيمَ﴾ يَدْفَعُهُ عَنْ حَقِّهِ، وقالَ مُجاهِدٌ: يَدْفَعُهُ عَنْ حَقِّهِ ولا يُطْعِمُهُ، وفي قَوْلِهِ: (ولا يَحُضُّ) إشارَةٌ إلى أنَّهُ هو لا يُطْعِمُ إذا قَدَّرَهُ، وهَذا مِن بابِ الأوْلى؛ لِأنَّهُ إذا لَمْ يَحُضَّ غَيْرَهُ بُخْلًا، فَلَأنْ يَتْرُكَ هو ذَلِكَ فِعْلًا أوْلى وأحْرى، وفي إضافَةِ طَعامٍ إلى المِسْكِينِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ يَسْتَحِقُّهُ. ولَمّا ذَكَرَ أوَّلًا عَمُودَ الكُفْرِ، وهو التَّكْذِيبُ بِالدِّينِ، ذَكَرَ ما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِمّا يَتَعَلَّقُ بِالخالِقِ، وهو عِبادَتُهُ بِالصَّلاةِ، فَقالَ: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ والظّاهِرُ أنَّ المُصَلِّينَ هم غَيْرُ المَذْكُورِ، وقِيلَ: هو داعُّ اليَتِيمِ غَيْرُ الحاضِّ، وأنْ كُلًّا مِنَ الأوْصافِ الذَّمِيمَةِ ناشِئٌ عَنِ التَّكْذِيبِ بِالدِّينِ، فالمُصَلُّونَ هُنا، واللَّهُ أعْلَمُ، هُمُ المُنافِقُونَ، ثَبَتَ لَهُمُ الصَّلاةُ، وهي الهَيْئاتُ الَّتِي يَفْعَلُونَها، ثُمَّ قالَ: ﴿الَّذِينَ هم عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ﴾ نَظَرًا إلى أنَّهم لا يُوقِعُونَها، كَما يُوقِعُها المُسْلِمُ مِنَ اعْتِقادِ وُجُوبِها والتَّقَرُّبِ بِها إلى اللَّهِ تَعالى، وفي الحَدِيثِ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ: (يُؤَخِّرُونَها عَنْ وقْتِها تَهاوُنًا بِها) . قالَ مُجاهِدٌ: تَأْخِيرُ تَرْكٍ وإهْمالٍ. وقالَ إبْراهِيمُ: هو الَّذِي إذا سَجَدَ قالَ بِرَأْسِهِ هَكَذا مُلْتَفِتًا. وقالَ قَتادَةُ: هو التَّرْكُ لَها، أوْ هُمُ الغافِلُونَ الَّذِينَ لا يُبالِي أحَدُهم أصَلّى أمْ لَمْ يُصَلِّ. وقالَ قُطْرُبٌ: هو الَّذِي لا يُقِرُّ ولا يَذْكُرُ اللَّهَ تَعالى. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المُنافِقُونَ يَتْرُكُونَ الصَّلاةَ سِرًّا ويَفْعَلُونَها عَلانِيَةً ﴿وإذا قامُوا إلى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى﴾ [النساء: ١٤٢] ويَدُلُّ عَلى أنَّها في المُنافِقِينَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ هم يُراءُونَ﴾ وقالَهُ ابْنُ وهْبٍ عَنْ مالِكٍ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ولَوْ قالَ في صَلاتِهِمْ لَكانَتْ في المُؤْمِنِينَ. وقالَ عَطاءٌ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي قالَ عَنْ صَلاتِهِمْ ولَمْ يَقُلْ في صَلاتِهِمْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بَعْدَ أنْ قَدَّمَ فِيما نَقَلْناهُ مِن كَلامِهِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ ﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ﴾ في مَوْضِعِ رَفْعٍ، قالَ: وطَرِيقَةٌ أُخْرى أنْ يَكُونَ (فَذَلِكَ) عَطْفًا عَلى ﴿الَّذِي يُكَذِّبُ﴾، إمّا عَطْفُ ذاتٍ عَلى ذاتٍ، أوْ عَطْفُ صِفَةٍ عَلى صِفَةٍ، ويَكُونُ جَوابُ (أرَأيْتَ) مَحْذُوفًا لِدَلالَةِ ما بَعْدَهُ عَلَيْهِ، كَأنْ قالَ: أخْبِرْنِي وما تَقُولُ فِيمَن يُكَذِّبُ بِالجَزاءِ، وفِيمَن يُؤْذِي اليَتِيمَ ولا يُطْعِمُ المِسْكِينَ، أنِعْمَ ما يَصْنَعُ ؟ ثُمَّ قالَ: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ أيْ إذا عُلِمَ أنَّهُ مُسِيءٌ ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ عَلى مَعْنى: فَوَيْلٌ لَهم إلّا أنَّهُ وضَعَ صِفَتَهم مَوْضِعَ (p-٥١٨)ضَمِيرِهِمْ؛ لِأنَّهم كانُوا مَعَ التَّكْذِيبِ، وما أُضِيفَ إلَيْهِمْ ساهِينَ عَنِ الصَّلاةِ مُرائِينَ غَيْرَ مُزَكِّينَ أمْوالَهم، فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ جَعَلْتَ المُصَلِّينَ قائِمًا مَقامَ ضَمِيرِ ﴿الَّذِي يُكَذِّبُ﴾ وهو واحِدٌ ؟ قُلْتُ: مَعْناهُ الجَمْعُ، لِأنَّ المُرادَ بِهِ الجِنْسُ. انْتَهى. فَجَعَلَ (فَذَلِكَ) في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَطْفًا عَلى المَفْعُولِ، وهو تَرْكِيبٌ غَرِيبٌ، كَقَوْلِكَ: أكْرَمْتُ الَّذِي يَزُورُنا فَذَلِكَ الَّذِي يُحْسِنُ إلَيْنا، فالمُتَبادِرُ إلى الذِّهْنِ أنَّ (فَذَلِكَ) مَرْفُوعٌ بِالِابْتِداءِ، وعَلى تَقْدِيرِ النَّصْبِ يَكُونُ التَّقْدِيرُ: أكْرَمْتُ الَّذِي يَزُورُنا فَأكْرَمْتُ ذَلِكَ الَّذِي يُحْسِنُ إلَيْنا، فاسْمُ الإشارَةِ في هَذا التَّقْدِيرِ غَيْرُ مُتَمَكِّنٍ تَمَكُّنَ ما هو فَصِيحٌ، إذْ لا حاجَةَ إلى أنْ يُشارَ إلى الَّذِي يَزُورُنا، بَلِ الفَصِيحُ أكْرَمْتُ الَّذِي يَزُورُنا فالَّذِي يُحْسِنُ إلَيْنا، أوْ أكْرَمْتُ الَّذِي يَزُورُنا فَيُحْسِنُ إلَيْنا، وأمّا قَوْلُهُ: إمّا عَطْفُ ذاتٍ عَلى ذاتٍ فَلا يَصِحُّ؛ لِأنَّ (فَذَلِكَ) إشارَةٌ إلى ﴿الَّذِي يُكَذِّبُ﴾، فَلَيْسا بِذاتَيْنِ؛ لِأنَّ المُشارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (فَذَلِكَ) هو واحِدٌ، وأمّا قَوْلُهُ: ويَكُونُ جَوابُ (أرَأيْتَ) مَحْذُوفًا، فَلا يُسَمّى جَوابًا، بَلْ هو في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي لِأرَأيْتَ، وأمّا قَوْلُهُ: أنِعْمَ ما يَصْنَعُ ؟ فَهَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ لا نَعْلَمُ دُخُولَها عَلى نِعْمَ ولا بِئْسَ؛ لِأنَّهُما إنْشاءٌ، والِاسْتِفْهامُ لا يَدْخُلُ إلّا عَلى الخَبَرِ، وأمّا وضْعُهُ (المُصَلِّينَ) مَوْضِعَ الضَّمِيرِ، وأنَّ المُصَلِّينَ جَمْعٌ؛ لِأنَّ ضَمِيرَ الَّذِي يُكَذِّبُ مَعْناهُ الجَمْعُ، فَتَكَلُّفٌ واضِحٌ ولا يَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ القُرْآنُ إلّا عَلى ما اقْتَضاهُ ظاهِرُ التَّرْكِيبِ، وهَكَذا عادَةُ هَذا الرَّجُلِ يَتَكَلَّفُ أشْياءَ في فَهْمِ القُرْآنِ لَيْسَتْ بِواضِحَةٍ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في الرِّياءِ في سُورَةِ البَقَرَةِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يُراءُونَ) مُضارِعُ رَآى، عَلى وزْنِ فاعَلَ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ والأشْهَبُ: مَهْمُوزَةً مَقْصُورَةً مُشَدَّدَةَ الهَمْزَةِ، وعَنِ ابْنِ أبِي إسْحاقَ: بِغَيْرِ شَدٍّ في الهَمْزَةِ، فَتَوْجِيهُ الأُولى إلى أنَّهُ ضَعَّفَ الهَمْزَةَ تَعْدِيَةً، كَما عَدَّوْا بِالهَمْزَةِ فَقالُوا في رَأى: أرّى، فَقالُوا: رَآى، فَجاءَ المُضارِعُ يُرَإِّي كَيُصَلِّي، وجاءَ الجَمْعُ يُرَوُّونَ كَيُصَلُّونَ، وتَوْجِيهُ الثّانِيَةِ أنَّهُ اسْتَثْقَلَ التَّضْعِيفَ في الهَمْزَةِ فَخَفَّفَها، أوْ حَذَفَ الألِفَ مِن يُراءُونَ حَذْفًا لا لِسَبَبٍ. ﴿ويَمْنَعُونَ الماعُونَ﴾ قالَ ابْنُ المُسَيَّبِ وابْنُ شِهابٍ: الماعُونُ، بِلُغَةِ قُرَيْشٍ: المالُ. وقالَ الفَرّاءُ عَنْ بَعْضِ العَرَبِ: الماعُونُ: الماءُ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ الحَنَفِيَّةِ، والحَسَنُ، والضَّحّاكُ، وابْنُ زَيْدٍ: ما يَتَعاطاهُ النّاسُ بَيْنَهم، كالفَأْسِ والدَّلْوِ والآنِيَةِ. وفي الحَدِيثِ: «سُئِلَ ﷺ عَنِ الشَّيْءِ الَّذِي لا يَحُلُّ مَنعُهُ فَقالَ: الماءُ والمِلْحُ والنّارُ» . وفي بَعْضِ الطُّرُقِ: الإبْرَةُ والخَمِيرُ. وقالَ عَلِيٌّ وابْنُ عُمَرَ وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: الماعُونُ: الزَّكاةُ، ومِنهُ قَوْلُ الرّاعِي: ؎أخَلِيفَةَ الرَّحْمَنِ إنّا مَعْشَرٌ ∗∗∗ حُنَفاءُ نَسْجُدُ بُكْرَةً وأصِيلا ؎عَرَبٌ نَرى لِلَّهِ مِن أمْوالِنا ∗∗∗ حَقَّ الزَّكاةِ مُنَزَّلًا تَنْزِيلا ؎قَوْمٌ عَلى الإسْلامِ لَمّا يَمْنَعُوا ∗∗∗ ماعُونَهم ويُضَيِّعُوا التَّهْلِيلا يَعْنِي بِالماعُونِ الزَّكاةَ، وهَذا القَوْلُ يُناسِبُهُما، ذَكَرَهُ قُطْرُبٌ مِن أنَّ أصْلَهُ مِنَ المَعْنِ، وهو الشَّيْءُ القَلِيلُ، فَسُمِّيَتِ الزَّكاةُ ماعُونًا؛ لِأنَّها قَلِيلٌ مِن كَثِيرٍ، وكَذَلِكَ الصَّدَقَةُ غَيْرُها، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو العارِيَّةُ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ والكَلْبِيُّ: هو المَعْرُوفُ كُلُّهُ، وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: مَنعُ الحَقِّ، وقِيلَ: الماءُ والكَلَأُ.

الماعون 107:4

(p-٥١٦)سُورَةُ الماعُونِ وهي سَبْعُ آياتٍ ﷽ ﴿أرَأيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ﴾ ﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ اليَتِيمَ﴾ ﴿ولا يَحُضُّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم يُراءُونَ﴾ ﴿ويَمْنَعُونَ الماعُونَ﴾ سَها عَنْ كَذا يَسْهُو سَهْوًا: لَها عَنْهُ وتَرَكَهُ عَنْ غَفْلَةٍ، الماعُونُ: فاعُولٌ مِنَ المَعْنِ، وهو الشَّيْءُ القَلِيلُ، تَقُولُ العَرَبُ: ما لَهُ مَعْنٌ، أيْ شَيْءٌ قَلِيلٌ، وقالَهُ قُطْرُبٌ، وقِيلَ: أصْلُهُ مَعُونَةٌ والألِفُ عِوَضٌ مِنَ الهاءِ، فَوَزْنُهُ مَفْعَلٌ في الأصْلِ عَلى مَكْرَمٍ، فَتَكُونُ المِيمُ زائِدَةً، ووَزْنُهُ بَعْدَ زِيادَةِ الألِفِ عِوَضًا مافُعْلٌ، وقِيلَ: هو اسْمُ مَفْعُولٍ مِن أعانَ يُعِينُ، جاءَ عَلى زِنَةِ مَفْعُولٍ، قُلِبَ فَصارَتْ عَيْنُهُ مَكانَ الفاءِ فَصارَ مَوْعُونَ، ثُمَّ قُلِبَتِ الواوُ ألِفًا، كَما قالُوا في بَوَبَ بابٌ فَصارَ ماعُونًا، فَوَزْنُهُ عَلى هَذا مَفْعُولٌ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ، والزَّجّاجُ، والمُبَرِّدُ: الماعُونُ في الجاهِلِيَّةِ: كُلُّ ما فِيهِ مَنفَعَةٌ حَتّى الفاسُ والدَّلْوُ والقِدْرُ والقَدّاحَةُ، وكُلُّ ما فِيهِ مَنفَعَةٌ مِن قَلِيلٍ أوْ كَثِيرٍ، وأنْشَدُوا بَيْتَ الأعْشى: ؎بِأجْوَدَ مِنهُ بِماعُونِهِ إذا ما سَماؤُهم لَمْ تَغِمِ وقالُوا: المُرادُ بِهِ في الإسْلامِ الطّاعَةُ، وتَأْتِي أقْوالُ أهْلِ التَّفْسِيرِ فِيهِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى عَزَّ وجَلَّ ﴿أرَءَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ﴾ ﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ اليَتِيمَ﴾ ﴿ولا يَحُضُّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم يُراءُونَ﴾ ﴿ويَمْنَعُونَ الماعُونَ﴾ هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الجُمْهُورِ، مَدَنِيَّةٌ في قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ، قالَ هِبَةُ اللَّهِ المُفَسِّرُ الضَّرِيرُ: نَزَلَ نِصْفُها بِمَكَّةَ في العاصِي بْنِ وائِلٍ، ونِصْفُها بِالمَدِينَةِ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ المُنافِقِ، ولَمّا عَدَّدَ تَعالى نِعَمَهُ عَلى قُرَيْشٍ، وكانُوا لا يُؤْمِنُونَ بِالبَعْثِ والجَزاءِ، أتْبَعَ امْتِنانَهُ عَلَيْهِمْ بِتَهْدِيدِهِمْ بِالجَزاءِ وتَخْوِيفِهِمْ مِن عَذابِهِ، ونَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ، أوِ الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، أوِ العاصِي بْنِ وائِلٍ، أوْ عُمَرَ بْنِ عائِذٍ، أوْ رَجُلَيْنِ مِنَ المُنافِقِينَ، أوْ أبِي سُفْيانَ بْنِ حَرْبٍ، كانَ يَنْحَرُ في كُلِّ أُسْبُوعٍ جَزُورًا، فَأتاهُ يَتِيمٌ فَسَألَهُ شَيْئًا فَقَرَعَهُ بِعَصًا، أقْوالٌ آخِرُها لِابْنِ جُرَيْجٍ، والظّاهِرُ أنَّ (أرَأيْتَ) هي الَّتِي بِمَعْنى أخْبِرْنِي، فَتَتَعَدّى لِاثْنَيْنِ، أحَدُهُما الَّذِي، والآخَرُ مَحْذُوفٌ، فَقَدَّرَهُ الحَوْفِيُّ: ألَيْسَ مُسْتَحِقًّا عَذابَ اللَّهِ، وقَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَن هو، ويَدُلُّ عَلى أنَّها بِمَعْنى أخْبِرْنِي، قِراءَةُ (p-٥١٧)عَبْدِ اللَّهِ أرَأيْتُكَ بِكافِ الخِطابِ، لِأنَّ كافَ الخِطابِ لا تَلْحَقُ البَصَرِيَّةَ، قالَ الحَوْفِيُّ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِن رُؤْيَةِ البَصَرِ، فَلا يَكُونُ في الكَلامِ حَذْفٌ، وهَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ تَدُلُّ عَلى التَّقْرِيرِ والتَّفْهِيمِ لِيَتَذَكَّرَ السّامِعُ مَن يَعْرِفُهُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ. والدِّينُ: الجَزاءُ بِالثَّوابِ والعِقابِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والمَعْنى هَلْ عَرَفْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالجَزاءِ ؟ هو الَّذِي ﴿يَدُعُّ اليَتِيمَ﴾ أيْ يَدْفَعُهُ دَفْعًا عَنِيفًا بِجَفْوَةٍ أوْ أذًى (ولا يَحُضُّ) أيْ ولا يَبْعَثُ أهْلَهُ عَلى بَذْلِ الطَّعامِ لِلْمِسْكِينِ، جَعَلَ عِلْمَ التَّكْذِيبِ بِالجَزاءِ مَنعَ المَعْرُوفِ والإقْدامَ عَلى إيذاءِ الضَّعِيفِ. انْتَهى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يَدُعُّ) بِضَمِّ الدّالِ وشَدِّ العَيْنِ، وعَلِيٌّ والحَسَنُ وأبُو رَجاءٍ واليَمانِيُّ: بِفَتْحِ الدّالِ وخَفِّ العَيْنِ، أيْ يَتْرُكُهُ بِمَعْنى لا يُحْسِنُ إلَيْهِ ويَجْفُوهُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (ولا يَحُضُّ) مُضارِعُ حَضَّ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (يَحاضُّ) مُضارِعُ حاضَضْتُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (بِالدِّينِ) بِحُكْمِ اللَّهِ، وقالَ مُجاهِدٌ: بِالحِسابِ، وقِيلَ: بِالجَزاءِ، وقِيلَ: بِالقُرْآنِ، وقالَ إبْراهِيمُ بْنُ عَرَفَةَ: ﴿يَدُعُّ اليَتِيمَ﴾ يَدْفَعُهُ عَنْ حَقِّهِ، وقالَ مُجاهِدٌ: يَدْفَعُهُ عَنْ حَقِّهِ ولا يُطْعِمُهُ، وفي قَوْلِهِ: (ولا يَحُضُّ) إشارَةٌ إلى أنَّهُ هو لا يُطْعِمُ إذا قَدَّرَهُ، وهَذا مِن بابِ الأوْلى؛ لِأنَّهُ إذا لَمْ يَحُضَّ غَيْرَهُ بُخْلًا، فَلَأنْ يَتْرُكَ هو ذَلِكَ فِعْلًا أوْلى وأحْرى، وفي إضافَةِ طَعامٍ إلى المِسْكِينِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ يَسْتَحِقُّهُ. ولَمّا ذَكَرَ أوَّلًا عَمُودَ الكُفْرِ، وهو التَّكْذِيبُ بِالدِّينِ، ذَكَرَ ما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِمّا يَتَعَلَّقُ بِالخالِقِ، وهو عِبادَتُهُ بِالصَّلاةِ، فَقالَ: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ والظّاهِرُ أنَّ المُصَلِّينَ هم غَيْرُ المَذْكُورِ، وقِيلَ: هو داعُّ اليَتِيمِ غَيْرُ الحاضِّ، وأنْ كُلًّا مِنَ الأوْصافِ الذَّمِيمَةِ ناشِئٌ عَنِ التَّكْذِيبِ بِالدِّينِ، فالمُصَلُّونَ هُنا، واللَّهُ أعْلَمُ، هُمُ المُنافِقُونَ، ثَبَتَ لَهُمُ الصَّلاةُ، وهي الهَيْئاتُ الَّتِي يَفْعَلُونَها، ثُمَّ قالَ: ﴿الَّذِينَ هم عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ﴾ نَظَرًا إلى أنَّهم لا يُوقِعُونَها، كَما يُوقِعُها المُسْلِمُ مِنَ اعْتِقادِ وُجُوبِها والتَّقَرُّبِ بِها إلى اللَّهِ تَعالى، وفي الحَدِيثِ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ: (يُؤَخِّرُونَها عَنْ وقْتِها تَهاوُنًا بِها) . قالَ مُجاهِدٌ: تَأْخِيرُ تَرْكٍ وإهْمالٍ. وقالَ إبْراهِيمُ: هو الَّذِي إذا سَجَدَ قالَ بِرَأْسِهِ هَكَذا مُلْتَفِتًا. وقالَ قَتادَةُ: هو التَّرْكُ لَها، أوْ هُمُ الغافِلُونَ الَّذِينَ لا يُبالِي أحَدُهم أصَلّى أمْ لَمْ يُصَلِّ. وقالَ قُطْرُبٌ: هو الَّذِي لا يُقِرُّ ولا يَذْكُرُ اللَّهَ تَعالى. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المُنافِقُونَ يَتْرُكُونَ الصَّلاةَ سِرًّا ويَفْعَلُونَها عَلانِيَةً ﴿وإذا قامُوا إلى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى﴾ [النساء: ١٤٢] ويَدُلُّ عَلى أنَّها في المُنافِقِينَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ هم يُراءُونَ﴾ وقالَهُ ابْنُ وهْبٍ عَنْ مالِكٍ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ولَوْ قالَ في صَلاتِهِمْ لَكانَتْ في المُؤْمِنِينَ. وقالَ عَطاءٌ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي قالَ عَنْ صَلاتِهِمْ ولَمْ يَقُلْ في صَلاتِهِمْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بَعْدَ أنْ قَدَّمَ فِيما نَقَلْناهُ مِن كَلامِهِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ ﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ﴾ في مَوْضِعِ رَفْعٍ، قالَ: وطَرِيقَةٌ أُخْرى أنْ يَكُونَ (فَذَلِكَ) عَطْفًا عَلى ﴿الَّذِي يُكَذِّبُ﴾، إمّا عَطْفُ ذاتٍ عَلى ذاتٍ، أوْ عَطْفُ صِفَةٍ عَلى صِفَةٍ، ويَكُونُ جَوابُ (أرَأيْتَ) مَحْذُوفًا لِدَلالَةِ ما بَعْدَهُ عَلَيْهِ، كَأنْ قالَ: أخْبِرْنِي وما تَقُولُ فِيمَن يُكَذِّبُ بِالجَزاءِ، وفِيمَن يُؤْذِي اليَتِيمَ ولا يُطْعِمُ المِسْكِينَ، أنِعْمَ ما يَصْنَعُ ؟ ثُمَّ قالَ: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ أيْ إذا عُلِمَ أنَّهُ مُسِيءٌ ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ عَلى مَعْنى: فَوَيْلٌ لَهم إلّا أنَّهُ وضَعَ صِفَتَهم مَوْضِعَ (p-٥١٨)ضَمِيرِهِمْ؛ لِأنَّهم كانُوا مَعَ التَّكْذِيبِ، وما أُضِيفَ إلَيْهِمْ ساهِينَ عَنِ الصَّلاةِ مُرائِينَ غَيْرَ مُزَكِّينَ أمْوالَهم، فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ جَعَلْتَ المُصَلِّينَ قائِمًا مَقامَ ضَمِيرِ ﴿الَّذِي يُكَذِّبُ﴾ وهو واحِدٌ ؟ قُلْتُ: مَعْناهُ الجَمْعُ، لِأنَّ المُرادَ بِهِ الجِنْسُ. انْتَهى. فَجَعَلَ (فَذَلِكَ) في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَطْفًا عَلى المَفْعُولِ، وهو تَرْكِيبٌ غَرِيبٌ، كَقَوْلِكَ: أكْرَمْتُ الَّذِي يَزُورُنا فَذَلِكَ الَّذِي يُحْسِنُ إلَيْنا، فالمُتَبادِرُ إلى الذِّهْنِ أنَّ (فَذَلِكَ) مَرْفُوعٌ بِالِابْتِداءِ، وعَلى تَقْدِيرِ النَّصْبِ يَكُونُ التَّقْدِيرُ: أكْرَمْتُ الَّذِي يَزُورُنا فَأكْرَمْتُ ذَلِكَ الَّذِي يُحْسِنُ إلَيْنا، فاسْمُ الإشارَةِ في هَذا التَّقْدِيرِ غَيْرُ مُتَمَكِّنٍ تَمَكُّنَ ما هو فَصِيحٌ، إذْ لا حاجَةَ إلى أنْ يُشارَ إلى الَّذِي يَزُورُنا، بَلِ الفَصِيحُ أكْرَمْتُ الَّذِي يَزُورُنا فالَّذِي يُحْسِنُ إلَيْنا، أوْ أكْرَمْتُ الَّذِي يَزُورُنا فَيُحْسِنُ إلَيْنا، وأمّا قَوْلُهُ: إمّا عَطْفُ ذاتٍ عَلى ذاتٍ فَلا يَصِحُّ؛ لِأنَّ (فَذَلِكَ) إشارَةٌ إلى ﴿الَّذِي يُكَذِّبُ﴾، فَلَيْسا بِذاتَيْنِ؛ لِأنَّ المُشارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (فَذَلِكَ) هو واحِدٌ، وأمّا قَوْلُهُ: ويَكُونُ جَوابُ (أرَأيْتَ) مَحْذُوفًا، فَلا يُسَمّى جَوابًا، بَلْ هو في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي لِأرَأيْتَ، وأمّا قَوْلُهُ: أنِعْمَ ما يَصْنَعُ ؟ فَهَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ لا نَعْلَمُ دُخُولَها عَلى نِعْمَ ولا بِئْسَ؛ لِأنَّهُما إنْشاءٌ، والِاسْتِفْهامُ لا يَدْخُلُ إلّا عَلى الخَبَرِ، وأمّا وضْعُهُ (المُصَلِّينَ) مَوْضِعَ الضَّمِيرِ، وأنَّ المُصَلِّينَ جَمْعٌ؛ لِأنَّ ضَمِيرَ الَّذِي يُكَذِّبُ مَعْناهُ الجَمْعُ، فَتَكَلُّفٌ واضِحٌ ولا يَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ القُرْآنُ إلّا عَلى ما اقْتَضاهُ ظاهِرُ التَّرْكِيبِ، وهَكَذا عادَةُ هَذا الرَّجُلِ يَتَكَلَّفُ أشْياءَ في فَهْمِ القُرْآنِ لَيْسَتْ بِواضِحَةٍ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في الرِّياءِ في سُورَةِ البَقَرَةِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يُراءُونَ) مُضارِعُ رَآى، عَلى وزْنِ فاعَلَ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ والأشْهَبُ: مَهْمُوزَةً مَقْصُورَةً مُشَدَّدَةَ الهَمْزَةِ، وعَنِ ابْنِ أبِي إسْحاقَ: بِغَيْرِ شَدٍّ في الهَمْزَةِ، فَتَوْجِيهُ الأُولى إلى أنَّهُ ضَعَّفَ الهَمْزَةَ تَعْدِيَةً، كَما عَدَّوْا بِالهَمْزَةِ فَقالُوا في رَأى: أرّى، فَقالُوا: رَآى، فَجاءَ المُضارِعُ يُرَإِّي كَيُصَلِّي، وجاءَ الجَمْعُ يُرَوُّونَ كَيُصَلُّونَ، وتَوْجِيهُ الثّانِيَةِ أنَّهُ اسْتَثْقَلَ التَّضْعِيفَ في الهَمْزَةِ فَخَفَّفَها، أوْ حَذَفَ الألِفَ مِن يُراءُونَ حَذْفًا لا لِسَبَبٍ. ﴿ويَمْنَعُونَ الماعُونَ﴾ قالَ ابْنُ المُسَيَّبِ وابْنُ شِهابٍ: الماعُونُ، بِلُغَةِ قُرَيْشٍ: المالُ. وقالَ الفَرّاءُ عَنْ بَعْضِ العَرَبِ: الماعُونُ: الماءُ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ الحَنَفِيَّةِ، والحَسَنُ، والضَّحّاكُ، وابْنُ زَيْدٍ: ما يَتَعاطاهُ النّاسُ بَيْنَهم، كالفَأْسِ والدَّلْوِ والآنِيَةِ. وفي الحَدِيثِ: «سُئِلَ ﷺ عَنِ الشَّيْءِ الَّذِي لا يَحُلُّ مَنعُهُ فَقالَ: الماءُ والمِلْحُ والنّارُ» . وفي بَعْضِ الطُّرُقِ: الإبْرَةُ والخَمِيرُ. وقالَ عَلِيٌّ وابْنُ عُمَرَ وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: الماعُونُ: الزَّكاةُ، ومِنهُ قَوْلُ الرّاعِي: ؎أخَلِيفَةَ الرَّحْمَنِ إنّا مَعْشَرٌ ∗∗∗ حُنَفاءُ نَسْجُدُ بُكْرَةً وأصِيلا ؎عَرَبٌ نَرى لِلَّهِ مِن أمْوالِنا ∗∗∗ حَقَّ الزَّكاةِ مُنَزَّلًا تَنْزِيلا ؎قَوْمٌ عَلى الإسْلامِ لَمّا يَمْنَعُوا ∗∗∗ ماعُونَهم ويُضَيِّعُوا التَّهْلِيلا يَعْنِي بِالماعُونِ الزَّكاةَ، وهَذا القَوْلُ يُناسِبُهُما، ذَكَرَهُ قُطْرُبٌ مِن أنَّ أصْلَهُ مِنَ المَعْنِ، وهو الشَّيْءُ القَلِيلُ، فَسُمِّيَتِ الزَّكاةُ ماعُونًا؛ لِأنَّها قَلِيلٌ مِن كَثِيرٍ، وكَذَلِكَ الصَّدَقَةُ غَيْرُها، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو العارِيَّةُ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ والكَلْبِيُّ: هو المَعْرُوفُ كُلُّهُ، وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: مَنعُ الحَقِّ، وقِيلَ: الماءُ والكَلَأُ.

الماعون 107:5

(p-٥١٦)سُورَةُ الماعُونِ وهي سَبْعُ آياتٍ ﷽ ﴿أرَأيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ﴾ ﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ اليَتِيمَ﴾ ﴿ولا يَحُضُّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم يُراءُونَ﴾ ﴿ويَمْنَعُونَ الماعُونَ﴾ سَها عَنْ كَذا يَسْهُو سَهْوًا: لَها عَنْهُ وتَرَكَهُ عَنْ غَفْلَةٍ، الماعُونُ: فاعُولٌ مِنَ المَعْنِ، وهو الشَّيْءُ القَلِيلُ، تَقُولُ العَرَبُ: ما لَهُ مَعْنٌ، أيْ شَيْءٌ قَلِيلٌ، وقالَهُ قُطْرُبٌ، وقِيلَ: أصْلُهُ مَعُونَةٌ والألِفُ عِوَضٌ مِنَ الهاءِ، فَوَزْنُهُ مَفْعَلٌ في الأصْلِ عَلى مَكْرَمٍ، فَتَكُونُ المِيمُ زائِدَةً، ووَزْنُهُ بَعْدَ زِيادَةِ الألِفِ عِوَضًا مافُعْلٌ، وقِيلَ: هو اسْمُ مَفْعُولٍ مِن أعانَ يُعِينُ، جاءَ عَلى زِنَةِ مَفْعُولٍ، قُلِبَ فَصارَتْ عَيْنُهُ مَكانَ الفاءِ فَصارَ مَوْعُونَ، ثُمَّ قُلِبَتِ الواوُ ألِفًا، كَما قالُوا في بَوَبَ بابٌ فَصارَ ماعُونًا، فَوَزْنُهُ عَلى هَذا مَفْعُولٌ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ، والزَّجّاجُ، والمُبَرِّدُ: الماعُونُ في الجاهِلِيَّةِ: كُلُّ ما فِيهِ مَنفَعَةٌ حَتّى الفاسُ والدَّلْوُ والقِدْرُ والقَدّاحَةُ، وكُلُّ ما فِيهِ مَنفَعَةٌ مِن قَلِيلٍ أوْ كَثِيرٍ، وأنْشَدُوا بَيْتَ الأعْشى: ؎بِأجْوَدَ مِنهُ بِماعُونِهِ إذا ما سَماؤُهم لَمْ تَغِمِ وقالُوا: المُرادُ بِهِ في الإسْلامِ الطّاعَةُ، وتَأْتِي أقْوالُ أهْلِ التَّفْسِيرِ فِيهِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى عَزَّ وجَلَّ ﴿أرَءَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ﴾ ﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ اليَتِيمَ﴾ ﴿ولا يَحُضُّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم يُراءُونَ﴾ ﴿ويَمْنَعُونَ الماعُونَ﴾ هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الجُمْهُورِ، مَدَنِيَّةٌ في قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ، قالَ هِبَةُ اللَّهِ المُفَسِّرُ الضَّرِيرُ: نَزَلَ نِصْفُها بِمَكَّةَ في العاصِي بْنِ وائِلٍ، ونِصْفُها بِالمَدِينَةِ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ المُنافِقِ، ولَمّا عَدَّدَ تَعالى نِعَمَهُ عَلى قُرَيْشٍ، وكانُوا لا يُؤْمِنُونَ بِالبَعْثِ والجَزاءِ، أتْبَعَ امْتِنانَهُ عَلَيْهِمْ بِتَهْدِيدِهِمْ بِالجَزاءِ وتَخْوِيفِهِمْ مِن عَذابِهِ، ونَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ، أوِ الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، أوِ العاصِي بْنِ وائِلٍ، أوْ عُمَرَ بْنِ عائِذٍ، أوْ رَجُلَيْنِ مِنَ المُنافِقِينَ، أوْ أبِي سُفْيانَ بْنِ حَرْبٍ، كانَ يَنْحَرُ في كُلِّ أُسْبُوعٍ جَزُورًا، فَأتاهُ يَتِيمٌ فَسَألَهُ شَيْئًا فَقَرَعَهُ بِعَصًا، أقْوالٌ آخِرُها لِابْنِ جُرَيْجٍ، والظّاهِرُ أنَّ (أرَأيْتَ) هي الَّتِي بِمَعْنى أخْبِرْنِي، فَتَتَعَدّى لِاثْنَيْنِ، أحَدُهُما الَّذِي، والآخَرُ مَحْذُوفٌ، فَقَدَّرَهُ الحَوْفِيُّ: ألَيْسَ مُسْتَحِقًّا عَذابَ اللَّهِ، وقَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَن هو، ويَدُلُّ عَلى أنَّها بِمَعْنى أخْبِرْنِي، قِراءَةُ (p-٥١٧)عَبْدِ اللَّهِ أرَأيْتُكَ بِكافِ الخِطابِ، لِأنَّ كافَ الخِطابِ لا تَلْحَقُ البَصَرِيَّةَ، قالَ الحَوْفِيُّ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِن رُؤْيَةِ البَصَرِ، فَلا يَكُونُ في الكَلامِ حَذْفٌ، وهَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ تَدُلُّ عَلى التَّقْرِيرِ والتَّفْهِيمِ لِيَتَذَكَّرَ السّامِعُ مَن يَعْرِفُهُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ. والدِّينُ: الجَزاءُ بِالثَّوابِ والعِقابِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والمَعْنى هَلْ عَرَفْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالجَزاءِ ؟ هو الَّذِي ﴿يَدُعُّ اليَتِيمَ﴾ أيْ يَدْفَعُهُ دَفْعًا عَنِيفًا بِجَفْوَةٍ أوْ أذًى (ولا يَحُضُّ) أيْ ولا يَبْعَثُ أهْلَهُ عَلى بَذْلِ الطَّعامِ لِلْمِسْكِينِ، جَعَلَ عِلْمَ التَّكْذِيبِ بِالجَزاءِ مَنعَ المَعْرُوفِ والإقْدامَ عَلى إيذاءِ الضَّعِيفِ. انْتَهى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يَدُعُّ) بِضَمِّ الدّالِ وشَدِّ العَيْنِ، وعَلِيٌّ والحَسَنُ وأبُو رَجاءٍ واليَمانِيُّ: بِفَتْحِ الدّالِ وخَفِّ العَيْنِ، أيْ يَتْرُكُهُ بِمَعْنى لا يُحْسِنُ إلَيْهِ ويَجْفُوهُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (ولا يَحُضُّ) مُضارِعُ حَضَّ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (يَحاضُّ) مُضارِعُ حاضَضْتُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (بِالدِّينِ) بِحُكْمِ اللَّهِ، وقالَ مُجاهِدٌ: بِالحِسابِ، وقِيلَ: بِالجَزاءِ، وقِيلَ: بِالقُرْآنِ، وقالَ إبْراهِيمُ بْنُ عَرَفَةَ: ﴿يَدُعُّ اليَتِيمَ﴾ يَدْفَعُهُ عَنْ حَقِّهِ، وقالَ مُجاهِدٌ: يَدْفَعُهُ عَنْ حَقِّهِ ولا يُطْعِمُهُ، وفي قَوْلِهِ: (ولا يَحُضُّ) إشارَةٌ إلى أنَّهُ هو لا يُطْعِمُ إذا قَدَّرَهُ، وهَذا مِن بابِ الأوْلى؛ لِأنَّهُ إذا لَمْ يَحُضَّ غَيْرَهُ بُخْلًا، فَلَأنْ يَتْرُكَ هو ذَلِكَ فِعْلًا أوْلى وأحْرى، وفي إضافَةِ طَعامٍ إلى المِسْكِينِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ يَسْتَحِقُّهُ. ولَمّا ذَكَرَ أوَّلًا عَمُودَ الكُفْرِ، وهو التَّكْذِيبُ بِالدِّينِ، ذَكَرَ ما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِمّا يَتَعَلَّقُ بِالخالِقِ، وهو عِبادَتُهُ بِالصَّلاةِ، فَقالَ: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ والظّاهِرُ أنَّ المُصَلِّينَ هم غَيْرُ المَذْكُورِ، وقِيلَ: هو داعُّ اليَتِيمِ غَيْرُ الحاضِّ، وأنْ كُلًّا مِنَ الأوْصافِ الذَّمِيمَةِ ناشِئٌ عَنِ التَّكْذِيبِ بِالدِّينِ، فالمُصَلُّونَ هُنا، واللَّهُ أعْلَمُ، هُمُ المُنافِقُونَ، ثَبَتَ لَهُمُ الصَّلاةُ، وهي الهَيْئاتُ الَّتِي يَفْعَلُونَها، ثُمَّ قالَ: ﴿الَّذِينَ هم عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ﴾ نَظَرًا إلى أنَّهم لا يُوقِعُونَها، كَما يُوقِعُها المُسْلِمُ مِنَ اعْتِقادِ وُجُوبِها والتَّقَرُّبِ بِها إلى اللَّهِ تَعالى، وفي الحَدِيثِ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ: (يُؤَخِّرُونَها عَنْ وقْتِها تَهاوُنًا بِها) . قالَ مُجاهِدٌ: تَأْخِيرُ تَرْكٍ وإهْمالٍ. وقالَ إبْراهِيمُ: هو الَّذِي إذا سَجَدَ قالَ بِرَأْسِهِ هَكَذا مُلْتَفِتًا. وقالَ قَتادَةُ: هو التَّرْكُ لَها، أوْ هُمُ الغافِلُونَ الَّذِينَ لا يُبالِي أحَدُهم أصَلّى أمْ لَمْ يُصَلِّ. وقالَ قُطْرُبٌ: هو الَّذِي لا يُقِرُّ ولا يَذْكُرُ اللَّهَ تَعالى. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المُنافِقُونَ يَتْرُكُونَ الصَّلاةَ سِرًّا ويَفْعَلُونَها عَلانِيَةً ﴿وإذا قامُوا إلى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى﴾ [النساء: ١٤٢] ويَدُلُّ عَلى أنَّها في المُنافِقِينَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ هم يُراءُونَ﴾ وقالَهُ ابْنُ وهْبٍ عَنْ مالِكٍ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ولَوْ قالَ في صَلاتِهِمْ لَكانَتْ في المُؤْمِنِينَ. وقالَ عَطاءٌ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي قالَ عَنْ صَلاتِهِمْ ولَمْ يَقُلْ في صَلاتِهِمْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بَعْدَ أنْ قَدَّمَ فِيما نَقَلْناهُ مِن كَلامِهِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ ﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ﴾ في مَوْضِعِ رَفْعٍ، قالَ: وطَرِيقَةٌ أُخْرى أنْ يَكُونَ (فَذَلِكَ) عَطْفًا عَلى ﴿الَّذِي يُكَذِّبُ﴾، إمّا عَطْفُ ذاتٍ عَلى ذاتٍ، أوْ عَطْفُ صِفَةٍ عَلى صِفَةٍ، ويَكُونُ جَوابُ (أرَأيْتَ) مَحْذُوفًا لِدَلالَةِ ما بَعْدَهُ عَلَيْهِ، كَأنْ قالَ: أخْبِرْنِي وما تَقُولُ فِيمَن يُكَذِّبُ بِالجَزاءِ، وفِيمَن يُؤْذِي اليَتِيمَ ولا يُطْعِمُ المِسْكِينَ، أنِعْمَ ما يَصْنَعُ ؟ ثُمَّ قالَ: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ أيْ إذا عُلِمَ أنَّهُ مُسِيءٌ ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ عَلى مَعْنى: فَوَيْلٌ لَهم إلّا أنَّهُ وضَعَ صِفَتَهم مَوْضِعَ (p-٥١٨)ضَمِيرِهِمْ؛ لِأنَّهم كانُوا مَعَ التَّكْذِيبِ، وما أُضِيفَ إلَيْهِمْ ساهِينَ عَنِ الصَّلاةِ مُرائِينَ غَيْرَ مُزَكِّينَ أمْوالَهم، فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ جَعَلْتَ المُصَلِّينَ قائِمًا مَقامَ ضَمِيرِ ﴿الَّذِي يُكَذِّبُ﴾ وهو واحِدٌ ؟ قُلْتُ: مَعْناهُ الجَمْعُ، لِأنَّ المُرادَ بِهِ الجِنْسُ. انْتَهى. فَجَعَلَ (فَذَلِكَ) في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَطْفًا عَلى المَفْعُولِ، وهو تَرْكِيبٌ غَرِيبٌ، كَقَوْلِكَ: أكْرَمْتُ الَّذِي يَزُورُنا فَذَلِكَ الَّذِي يُحْسِنُ إلَيْنا، فالمُتَبادِرُ إلى الذِّهْنِ أنَّ (فَذَلِكَ) مَرْفُوعٌ بِالِابْتِداءِ، وعَلى تَقْدِيرِ النَّصْبِ يَكُونُ التَّقْدِيرُ: أكْرَمْتُ الَّذِي يَزُورُنا فَأكْرَمْتُ ذَلِكَ الَّذِي يُحْسِنُ إلَيْنا، فاسْمُ الإشارَةِ في هَذا التَّقْدِيرِ غَيْرُ مُتَمَكِّنٍ تَمَكُّنَ ما هو فَصِيحٌ، إذْ لا حاجَةَ إلى أنْ يُشارَ إلى الَّذِي يَزُورُنا، بَلِ الفَصِيحُ أكْرَمْتُ الَّذِي يَزُورُنا فالَّذِي يُحْسِنُ إلَيْنا، أوْ أكْرَمْتُ الَّذِي يَزُورُنا فَيُحْسِنُ إلَيْنا، وأمّا قَوْلُهُ: إمّا عَطْفُ ذاتٍ عَلى ذاتٍ فَلا يَصِحُّ؛ لِأنَّ (فَذَلِكَ) إشارَةٌ إلى ﴿الَّذِي يُكَذِّبُ﴾، فَلَيْسا بِذاتَيْنِ؛ لِأنَّ المُشارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (فَذَلِكَ) هو واحِدٌ، وأمّا قَوْلُهُ: ويَكُونُ جَوابُ (أرَأيْتَ) مَحْذُوفًا، فَلا يُسَمّى جَوابًا، بَلْ هو في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي لِأرَأيْتَ، وأمّا قَوْلُهُ: أنِعْمَ ما يَصْنَعُ ؟ فَهَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ لا نَعْلَمُ دُخُولَها عَلى نِعْمَ ولا بِئْسَ؛ لِأنَّهُما إنْشاءٌ، والِاسْتِفْهامُ لا يَدْخُلُ إلّا عَلى الخَبَرِ، وأمّا وضْعُهُ (المُصَلِّينَ) مَوْضِعَ الضَّمِيرِ، وأنَّ المُصَلِّينَ جَمْعٌ؛ لِأنَّ ضَمِيرَ الَّذِي يُكَذِّبُ مَعْناهُ الجَمْعُ، فَتَكَلُّفٌ واضِحٌ ولا يَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ القُرْآنُ إلّا عَلى ما اقْتَضاهُ ظاهِرُ التَّرْكِيبِ، وهَكَذا عادَةُ هَذا الرَّجُلِ يَتَكَلَّفُ أشْياءَ في فَهْمِ القُرْآنِ لَيْسَتْ بِواضِحَةٍ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في الرِّياءِ في سُورَةِ البَقَرَةِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يُراءُونَ) مُضارِعُ رَآى، عَلى وزْنِ فاعَلَ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ والأشْهَبُ: مَهْمُوزَةً مَقْصُورَةً مُشَدَّدَةَ الهَمْزَةِ، وعَنِ ابْنِ أبِي إسْحاقَ: بِغَيْرِ شَدٍّ في الهَمْزَةِ، فَتَوْجِيهُ الأُولى إلى أنَّهُ ضَعَّفَ الهَمْزَةَ تَعْدِيَةً، كَما عَدَّوْا بِالهَمْزَةِ فَقالُوا في رَأى: أرّى، فَقالُوا: رَآى، فَجاءَ المُضارِعُ يُرَإِّي كَيُصَلِّي، وجاءَ الجَمْعُ يُرَوُّونَ كَيُصَلُّونَ، وتَوْجِيهُ الثّانِيَةِ أنَّهُ اسْتَثْقَلَ التَّضْعِيفَ في الهَمْزَةِ فَخَفَّفَها، أوْ حَذَفَ الألِفَ مِن يُراءُونَ حَذْفًا لا لِسَبَبٍ. ﴿ويَمْنَعُونَ الماعُونَ﴾ قالَ ابْنُ المُسَيَّبِ وابْنُ شِهابٍ: الماعُونُ، بِلُغَةِ قُرَيْشٍ: المالُ. وقالَ الفَرّاءُ عَنْ بَعْضِ العَرَبِ: الماعُونُ: الماءُ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ الحَنَفِيَّةِ، والحَسَنُ، والضَّحّاكُ، وابْنُ زَيْدٍ: ما يَتَعاطاهُ النّاسُ بَيْنَهم، كالفَأْسِ والدَّلْوِ والآنِيَةِ. وفي الحَدِيثِ: «سُئِلَ ﷺ عَنِ الشَّيْءِ الَّذِي لا يَحُلُّ مَنعُهُ فَقالَ: الماءُ والمِلْحُ والنّارُ» . وفي بَعْضِ الطُّرُقِ: الإبْرَةُ والخَمِيرُ. وقالَ عَلِيٌّ وابْنُ عُمَرَ وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: الماعُونُ: الزَّكاةُ، ومِنهُ قَوْلُ الرّاعِي: ؎أخَلِيفَةَ الرَّحْمَنِ إنّا مَعْشَرٌ ∗∗∗ حُنَفاءُ نَسْجُدُ بُكْرَةً وأصِيلا ؎عَرَبٌ نَرى لِلَّهِ مِن أمْوالِنا ∗∗∗ حَقَّ الزَّكاةِ مُنَزَّلًا تَنْزِيلا ؎قَوْمٌ عَلى الإسْلامِ لَمّا يَمْنَعُوا ∗∗∗ ماعُونَهم ويُضَيِّعُوا التَّهْلِيلا يَعْنِي بِالماعُونِ الزَّكاةَ، وهَذا القَوْلُ يُناسِبُهُما، ذَكَرَهُ قُطْرُبٌ مِن أنَّ أصْلَهُ مِنَ المَعْنِ، وهو الشَّيْءُ القَلِيلُ، فَسُمِّيَتِ الزَّكاةُ ماعُونًا؛ لِأنَّها قَلِيلٌ مِن كَثِيرٍ، وكَذَلِكَ الصَّدَقَةُ غَيْرُها، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو العارِيَّةُ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ والكَلْبِيُّ: هو المَعْرُوفُ كُلُّهُ، وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: مَنعُ الحَقِّ، وقِيلَ: الماءُ والكَلَأُ.

الماعون 107:6

(p-٥١٦)سُورَةُ الماعُونِ وهي سَبْعُ آياتٍ ﷽ ﴿أرَأيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ﴾ ﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ اليَتِيمَ﴾ ﴿ولا يَحُضُّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم يُراءُونَ﴾ ﴿ويَمْنَعُونَ الماعُونَ﴾ سَها عَنْ كَذا يَسْهُو سَهْوًا: لَها عَنْهُ وتَرَكَهُ عَنْ غَفْلَةٍ، الماعُونُ: فاعُولٌ مِنَ المَعْنِ، وهو الشَّيْءُ القَلِيلُ، تَقُولُ العَرَبُ: ما لَهُ مَعْنٌ، أيْ شَيْءٌ قَلِيلٌ، وقالَهُ قُطْرُبٌ، وقِيلَ: أصْلُهُ مَعُونَةٌ والألِفُ عِوَضٌ مِنَ الهاءِ، فَوَزْنُهُ مَفْعَلٌ في الأصْلِ عَلى مَكْرَمٍ، فَتَكُونُ المِيمُ زائِدَةً، ووَزْنُهُ بَعْدَ زِيادَةِ الألِفِ عِوَضًا مافُعْلٌ، وقِيلَ: هو اسْمُ مَفْعُولٍ مِن أعانَ يُعِينُ، جاءَ عَلى زِنَةِ مَفْعُولٍ، قُلِبَ فَصارَتْ عَيْنُهُ مَكانَ الفاءِ فَصارَ مَوْعُونَ، ثُمَّ قُلِبَتِ الواوُ ألِفًا، كَما قالُوا في بَوَبَ بابٌ فَصارَ ماعُونًا، فَوَزْنُهُ عَلى هَذا مَفْعُولٌ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ، والزَّجّاجُ، والمُبَرِّدُ: الماعُونُ في الجاهِلِيَّةِ: كُلُّ ما فِيهِ مَنفَعَةٌ حَتّى الفاسُ والدَّلْوُ والقِدْرُ والقَدّاحَةُ، وكُلُّ ما فِيهِ مَنفَعَةٌ مِن قَلِيلٍ أوْ كَثِيرٍ، وأنْشَدُوا بَيْتَ الأعْشى: ؎بِأجْوَدَ مِنهُ بِماعُونِهِ إذا ما سَماؤُهم لَمْ تَغِمِ وقالُوا: المُرادُ بِهِ في الإسْلامِ الطّاعَةُ، وتَأْتِي أقْوالُ أهْلِ التَّفْسِيرِ فِيهِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى عَزَّ وجَلَّ ﴿أرَءَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ﴾ ﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ اليَتِيمَ﴾ ﴿ولا يَحُضُّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم يُراءُونَ﴾ ﴿ويَمْنَعُونَ الماعُونَ﴾ هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الجُمْهُورِ، مَدَنِيَّةٌ في قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ، قالَ هِبَةُ اللَّهِ المُفَسِّرُ الضَّرِيرُ: نَزَلَ نِصْفُها بِمَكَّةَ في العاصِي بْنِ وائِلٍ، ونِصْفُها بِالمَدِينَةِ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ المُنافِقِ، ولَمّا عَدَّدَ تَعالى نِعَمَهُ عَلى قُرَيْشٍ، وكانُوا لا يُؤْمِنُونَ بِالبَعْثِ والجَزاءِ، أتْبَعَ امْتِنانَهُ عَلَيْهِمْ بِتَهْدِيدِهِمْ بِالجَزاءِ وتَخْوِيفِهِمْ مِن عَذابِهِ، ونَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ، أوِ الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، أوِ العاصِي بْنِ وائِلٍ، أوْ عُمَرَ بْنِ عائِذٍ، أوْ رَجُلَيْنِ مِنَ المُنافِقِينَ، أوْ أبِي سُفْيانَ بْنِ حَرْبٍ، كانَ يَنْحَرُ في كُلِّ أُسْبُوعٍ جَزُورًا، فَأتاهُ يَتِيمٌ فَسَألَهُ شَيْئًا فَقَرَعَهُ بِعَصًا، أقْوالٌ آخِرُها لِابْنِ جُرَيْجٍ، والظّاهِرُ أنَّ (أرَأيْتَ) هي الَّتِي بِمَعْنى أخْبِرْنِي، فَتَتَعَدّى لِاثْنَيْنِ، أحَدُهُما الَّذِي، والآخَرُ مَحْذُوفٌ، فَقَدَّرَهُ الحَوْفِيُّ: ألَيْسَ مُسْتَحِقًّا عَذابَ اللَّهِ، وقَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَن هو، ويَدُلُّ عَلى أنَّها بِمَعْنى أخْبِرْنِي، قِراءَةُ (p-٥١٧)عَبْدِ اللَّهِ أرَأيْتُكَ بِكافِ الخِطابِ، لِأنَّ كافَ الخِطابِ لا تَلْحَقُ البَصَرِيَّةَ، قالَ الحَوْفِيُّ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِن رُؤْيَةِ البَصَرِ، فَلا يَكُونُ في الكَلامِ حَذْفٌ، وهَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ تَدُلُّ عَلى التَّقْرِيرِ والتَّفْهِيمِ لِيَتَذَكَّرَ السّامِعُ مَن يَعْرِفُهُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ. والدِّينُ: الجَزاءُ بِالثَّوابِ والعِقابِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والمَعْنى هَلْ عَرَفْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالجَزاءِ ؟ هو الَّذِي ﴿يَدُعُّ اليَتِيمَ﴾ أيْ يَدْفَعُهُ دَفْعًا عَنِيفًا بِجَفْوَةٍ أوْ أذًى (ولا يَحُضُّ) أيْ ولا يَبْعَثُ أهْلَهُ عَلى بَذْلِ الطَّعامِ لِلْمِسْكِينِ، جَعَلَ عِلْمَ التَّكْذِيبِ بِالجَزاءِ مَنعَ المَعْرُوفِ والإقْدامَ عَلى إيذاءِ الضَّعِيفِ. انْتَهى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يَدُعُّ) بِضَمِّ الدّالِ وشَدِّ العَيْنِ، وعَلِيٌّ والحَسَنُ وأبُو رَجاءٍ واليَمانِيُّ: بِفَتْحِ الدّالِ وخَفِّ العَيْنِ، أيْ يَتْرُكُهُ بِمَعْنى لا يُحْسِنُ إلَيْهِ ويَجْفُوهُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (ولا يَحُضُّ) مُضارِعُ حَضَّ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (يَحاضُّ) مُضارِعُ حاضَضْتُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (بِالدِّينِ) بِحُكْمِ اللَّهِ، وقالَ مُجاهِدٌ: بِالحِسابِ، وقِيلَ: بِالجَزاءِ، وقِيلَ: بِالقُرْآنِ، وقالَ إبْراهِيمُ بْنُ عَرَفَةَ: ﴿يَدُعُّ اليَتِيمَ﴾ يَدْفَعُهُ عَنْ حَقِّهِ، وقالَ مُجاهِدٌ: يَدْفَعُهُ عَنْ حَقِّهِ ولا يُطْعِمُهُ، وفي قَوْلِهِ: (ولا يَحُضُّ) إشارَةٌ إلى أنَّهُ هو لا يُطْعِمُ إذا قَدَّرَهُ، وهَذا مِن بابِ الأوْلى؛ لِأنَّهُ إذا لَمْ يَحُضَّ غَيْرَهُ بُخْلًا، فَلَأنْ يَتْرُكَ هو ذَلِكَ فِعْلًا أوْلى وأحْرى، وفي إضافَةِ طَعامٍ إلى المِسْكِينِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ يَسْتَحِقُّهُ. ولَمّا ذَكَرَ أوَّلًا عَمُودَ الكُفْرِ، وهو التَّكْذِيبُ بِالدِّينِ، ذَكَرَ ما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِمّا يَتَعَلَّقُ بِالخالِقِ، وهو عِبادَتُهُ بِالصَّلاةِ، فَقالَ: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ والظّاهِرُ أنَّ المُصَلِّينَ هم غَيْرُ المَذْكُورِ، وقِيلَ: هو داعُّ اليَتِيمِ غَيْرُ الحاضِّ، وأنْ كُلًّا مِنَ الأوْصافِ الذَّمِيمَةِ ناشِئٌ عَنِ التَّكْذِيبِ بِالدِّينِ، فالمُصَلُّونَ هُنا، واللَّهُ أعْلَمُ، هُمُ المُنافِقُونَ، ثَبَتَ لَهُمُ الصَّلاةُ، وهي الهَيْئاتُ الَّتِي يَفْعَلُونَها، ثُمَّ قالَ: ﴿الَّذِينَ هم عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ﴾ نَظَرًا إلى أنَّهم لا يُوقِعُونَها، كَما يُوقِعُها المُسْلِمُ مِنَ اعْتِقادِ وُجُوبِها والتَّقَرُّبِ بِها إلى اللَّهِ تَعالى، وفي الحَدِيثِ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ: (يُؤَخِّرُونَها عَنْ وقْتِها تَهاوُنًا بِها) . قالَ مُجاهِدٌ: تَأْخِيرُ تَرْكٍ وإهْمالٍ. وقالَ إبْراهِيمُ: هو الَّذِي إذا سَجَدَ قالَ بِرَأْسِهِ هَكَذا مُلْتَفِتًا. وقالَ قَتادَةُ: هو التَّرْكُ لَها، أوْ هُمُ الغافِلُونَ الَّذِينَ لا يُبالِي أحَدُهم أصَلّى أمْ لَمْ يُصَلِّ. وقالَ قُطْرُبٌ: هو الَّذِي لا يُقِرُّ ولا يَذْكُرُ اللَّهَ تَعالى. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المُنافِقُونَ يَتْرُكُونَ الصَّلاةَ سِرًّا ويَفْعَلُونَها عَلانِيَةً ﴿وإذا قامُوا إلى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى﴾ [النساء: ١٤٢] ويَدُلُّ عَلى أنَّها في المُنافِقِينَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ هم يُراءُونَ﴾ وقالَهُ ابْنُ وهْبٍ عَنْ مالِكٍ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ولَوْ قالَ في صَلاتِهِمْ لَكانَتْ في المُؤْمِنِينَ. وقالَ عَطاءٌ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي قالَ عَنْ صَلاتِهِمْ ولَمْ يَقُلْ في صَلاتِهِمْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بَعْدَ أنْ قَدَّمَ فِيما نَقَلْناهُ مِن كَلامِهِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ ﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ﴾ في مَوْضِعِ رَفْعٍ، قالَ: وطَرِيقَةٌ أُخْرى أنْ يَكُونَ (فَذَلِكَ) عَطْفًا عَلى ﴿الَّذِي يُكَذِّبُ﴾، إمّا عَطْفُ ذاتٍ عَلى ذاتٍ، أوْ عَطْفُ صِفَةٍ عَلى صِفَةٍ، ويَكُونُ جَوابُ (أرَأيْتَ) مَحْذُوفًا لِدَلالَةِ ما بَعْدَهُ عَلَيْهِ، كَأنْ قالَ: أخْبِرْنِي وما تَقُولُ فِيمَن يُكَذِّبُ بِالجَزاءِ، وفِيمَن يُؤْذِي اليَتِيمَ ولا يُطْعِمُ المِسْكِينَ، أنِعْمَ ما يَصْنَعُ ؟ ثُمَّ قالَ: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ أيْ إذا عُلِمَ أنَّهُ مُسِيءٌ ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ عَلى مَعْنى: فَوَيْلٌ لَهم إلّا أنَّهُ وضَعَ صِفَتَهم مَوْضِعَ (p-٥١٨)ضَمِيرِهِمْ؛ لِأنَّهم كانُوا مَعَ التَّكْذِيبِ، وما أُضِيفَ إلَيْهِمْ ساهِينَ عَنِ الصَّلاةِ مُرائِينَ غَيْرَ مُزَكِّينَ أمْوالَهم، فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ جَعَلْتَ المُصَلِّينَ قائِمًا مَقامَ ضَمِيرِ ﴿الَّذِي يُكَذِّبُ﴾ وهو واحِدٌ ؟ قُلْتُ: مَعْناهُ الجَمْعُ، لِأنَّ المُرادَ بِهِ الجِنْسُ. انْتَهى. فَجَعَلَ (فَذَلِكَ) في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَطْفًا عَلى المَفْعُولِ، وهو تَرْكِيبٌ غَرِيبٌ، كَقَوْلِكَ: أكْرَمْتُ الَّذِي يَزُورُنا فَذَلِكَ الَّذِي يُحْسِنُ إلَيْنا، فالمُتَبادِرُ إلى الذِّهْنِ أنَّ (فَذَلِكَ) مَرْفُوعٌ بِالِابْتِداءِ، وعَلى تَقْدِيرِ النَّصْبِ يَكُونُ التَّقْدِيرُ: أكْرَمْتُ الَّذِي يَزُورُنا فَأكْرَمْتُ ذَلِكَ الَّذِي يُحْسِنُ إلَيْنا، فاسْمُ الإشارَةِ في هَذا التَّقْدِيرِ غَيْرُ مُتَمَكِّنٍ تَمَكُّنَ ما هو فَصِيحٌ، إذْ لا حاجَةَ إلى أنْ يُشارَ إلى الَّذِي يَزُورُنا، بَلِ الفَصِيحُ أكْرَمْتُ الَّذِي يَزُورُنا فالَّذِي يُحْسِنُ إلَيْنا، أوْ أكْرَمْتُ الَّذِي يَزُورُنا فَيُحْسِنُ إلَيْنا، وأمّا قَوْلُهُ: إمّا عَطْفُ ذاتٍ عَلى ذاتٍ فَلا يَصِحُّ؛ لِأنَّ (فَذَلِكَ) إشارَةٌ إلى ﴿الَّذِي يُكَذِّبُ﴾، فَلَيْسا بِذاتَيْنِ؛ لِأنَّ المُشارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (فَذَلِكَ) هو واحِدٌ، وأمّا قَوْلُهُ: ويَكُونُ جَوابُ (أرَأيْتَ) مَحْذُوفًا، فَلا يُسَمّى جَوابًا، بَلْ هو في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي لِأرَأيْتَ، وأمّا قَوْلُهُ: أنِعْمَ ما يَصْنَعُ ؟ فَهَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ لا نَعْلَمُ دُخُولَها عَلى نِعْمَ ولا بِئْسَ؛ لِأنَّهُما إنْشاءٌ، والِاسْتِفْهامُ لا يَدْخُلُ إلّا عَلى الخَبَرِ، وأمّا وضْعُهُ (المُصَلِّينَ) مَوْضِعَ الضَّمِيرِ، وأنَّ المُصَلِّينَ جَمْعٌ؛ لِأنَّ ضَمِيرَ الَّذِي يُكَذِّبُ مَعْناهُ الجَمْعُ، فَتَكَلُّفٌ واضِحٌ ولا يَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ القُرْآنُ إلّا عَلى ما اقْتَضاهُ ظاهِرُ التَّرْكِيبِ، وهَكَذا عادَةُ هَذا الرَّجُلِ يَتَكَلَّفُ أشْياءَ في فَهْمِ القُرْآنِ لَيْسَتْ بِواضِحَةٍ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في الرِّياءِ في سُورَةِ البَقَرَةِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يُراءُونَ) مُضارِعُ رَآى، عَلى وزْنِ فاعَلَ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ والأشْهَبُ: مَهْمُوزَةً مَقْصُورَةً مُشَدَّدَةَ الهَمْزَةِ، وعَنِ ابْنِ أبِي إسْحاقَ: بِغَيْرِ شَدٍّ في الهَمْزَةِ، فَتَوْجِيهُ الأُولى إلى أنَّهُ ضَعَّفَ الهَمْزَةَ تَعْدِيَةً، كَما عَدَّوْا بِالهَمْزَةِ فَقالُوا في رَأى: أرّى، فَقالُوا: رَآى، فَجاءَ المُضارِعُ يُرَإِّي كَيُصَلِّي، وجاءَ الجَمْعُ يُرَوُّونَ كَيُصَلُّونَ، وتَوْجِيهُ الثّانِيَةِ أنَّهُ اسْتَثْقَلَ التَّضْعِيفَ في الهَمْزَةِ فَخَفَّفَها، أوْ حَذَفَ الألِفَ مِن يُراءُونَ حَذْفًا لا لِسَبَبٍ. ﴿ويَمْنَعُونَ الماعُونَ﴾ قالَ ابْنُ المُسَيَّبِ وابْنُ شِهابٍ: الماعُونُ، بِلُغَةِ قُرَيْشٍ: المالُ. وقالَ الفَرّاءُ عَنْ بَعْضِ العَرَبِ: الماعُونُ: الماءُ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ الحَنَفِيَّةِ، والحَسَنُ، والضَّحّاكُ، وابْنُ زَيْدٍ: ما يَتَعاطاهُ النّاسُ بَيْنَهم، كالفَأْسِ والدَّلْوِ والآنِيَةِ. وفي الحَدِيثِ: «سُئِلَ ﷺ عَنِ الشَّيْءِ الَّذِي لا يَحُلُّ مَنعُهُ فَقالَ: الماءُ والمِلْحُ والنّارُ» . وفي بَعْضِ الطُّرُقِ: الإبْرَةُ والخَمِيرُ. وقالَ عَلِيٌّ وابْنُ عُمَرَ وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: الماعُونُ: الزَّكاةُ، ومِنهُ قَوْلُ الرّاعِي: ؎أخَلِيفَةَ الرَّحْمَنِ إنّا مَعْشَرٌ ∗∗∗ حُنَفاءُ نَسْجُدُ بُكْرَةً وأصِيلا ؎عَرَبٌ نَرى لِلَّهِ مِن أمْوالِنا ∗∗∗ حَقَّ الزَّكاةِ مُنَزَّلًا تَنْزِيلا ؎قَوْمٌ عَلى الإسْلامِ لَمّا يَمْنَعُوا ∗∗∗ ماعُونَهم ويُضَيِّعُوا التَّهْلِيلا يَعْنِي بِالماعُونِ الزَّكاةَ، وهَذا القَوْلُ يُناسِبُهُما، ذَكَرَهُ قُطْرُبٌ مِن أنَّ أصْلَهُ مِنَ المَعْنِ، وهو الشَّيْءُ القَلِيلُ، فَسُمِّيَتِ الزَّكاةُ ماعُونًا؛ لِأنَّها قَلِيلٌ مِن كَثِيرٍ، وكَذَلِكَ الصَّدَقَةُ غَيْرُها، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو العارِيَّةُ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ والكَلْبِيُّ: هو المَعْرُوفُ كُلُّهُ، وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: مَنعُ الحَقِّ، وقِيلَ: الماءُ والكَلَأُ.

الماعون 107:7

(p-٥١٦)سُورَةُ الماعُونِ وهي سَبْعُ آياتٍ ﷽ ﴿أرَأيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ﴾ ﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ اليَتِيمَ﴾ ﴿ولا يَحُضُّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم يُراءُونَ﴾ ﴿ويَمْنَعُونَ الماعُونَ﴾ سَها عَنْ كَذا يَسْهُو سَهْوًا: لَها عَنْهُ وتَرَكَهُ عَنْ غَفْلَةٍ، الماعُونُ: فاعُولٌ مِنَ المَعْنِ، وهو الشَّيْءُ القَلِيلُ، تَقُولُ العَرَبُ: ما لَهُ مَعْنٌ، أيْ شَيْءٌ قَلِيلٌ، وقالَهُ قُطْرُبٌ، وقِيلَ: أصْلُهُ مَعُونَةٌ والألِفُ عِوَضٌ مِنَ الهاءِ، فَوَزْنُهُ مَفْعَلٌ في الأصْلِ عَلى مَكْرَمٍ، فَتَكُونُ المِيمُ زائِدَةً، ووَزْنُهُ بَعْدَ زِيادَةِ الألِفِ عِوَضًا مافُعْلٌ، وقِيلَ: هو اسْمُ مَفْعُولٍ مِن أعانَ يُعِينُ، جاءَ عَلى زِنَةِ مَفْعُولٍ، قُلِبَ فَصارَتْ عَيْنُهُ مَكانَ الفاءِ فَصارَ مَوْعُونَ، ثُمَّ قُلِبَتِ الواوُ ألِفًا، كَما قالُوا في بَوَبَ بابٌ فَصارَ ماعُونًا، فَوَزْنُهُ عَلى هَذا مَفْعُولٌ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ، والزَّجّاجُ، والمُبَرِّدُ: الماعُونُ في الجاهِلِيَّةِ: كُلُّ ما فِيهِ مَنفَعَةٌ حَتّى الفاسُ والدَّلْوُ والقِدْرُ والقَدّاحَةُ، وكُلُّ ما فِيهِ مَنفَعَةٌ مِن قَلِيلٍ أوْ كَثِيرٍ، وأنْشَدُوا بَيْتَ الأعْشى: ؎بِأجْوَدَ مِنهُ بِماعُونِهِ إذا ما سَماؤُهم لَمْ تَغِمِ وقالُوا: المُرادُ بِهِ في الإسْلامِ الطّاعَةُ، وتَأْتِي أقْوالُ أهْلِ التَّفْسِيرِ فِيهِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى عَزَّ وجَلَّ ﴿أرَءَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ﴾ ﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ اليَتِيمَ﴾ ﴿ولا يَحُضُّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم يُراءُونَ﴾ ﴿ويَمْنَعُونَ الماعُونَ﴾ هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الجُمْهُورِ، مَدَنِيَّةٌ في قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ، قالَ هِبَةُ اللَّهِ المُفَسِّرُ الضَّرِيرُ: نَزَلَ نِصْفُها بِمَكَّةَ في العاصِي بْنِ وائِلٍ، ونِصْفُها بِالمَدِينَةِ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ المُنافِقِ، ولَمّا عَدَّدَ تَعالى نِعَمَهُ عَلى قُرَيْشٍ، وكانُوا لا يُؤْمِنُونَ بِالبَعْثِ والجَزاءِ، أتْبَعَ امْتِنانَهُ عَلَيْهِمْ بِتَهْدِيدِهِمْ بِالجَزاءِ وتَخْوِيفِهِمْ مِن عَذابِهِ، ونَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ، أوِ الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، أوِ العاصِي بْنِ وائِلٍ، أوْ عُمَرَ بْنِ عائِذٍ، أوْ رَجُلَيْنِ مِنَ المُنافِقِينَ، أوْ أبِي سُفْيانَ بْنِ حَرْبٍ، كانَ يَنْحَرُ في كُلِّ أُسْبُوعٍ جَزُورًا، فَأتاهُ يَتِيمٌ فَسَألَهُ شَيْئًا فَقَرَعَهُ بِعَصًا، أقْوالٌ آخِرُها لِابْنِ جُرَيْجٍ، والظّاهِرُ أنَّ (أرَأيْتَ) هي الَّتِي بِمَعْنى أخْبِرْنِي، فَتَتَعَدّى لِاثْنَيْنِ، أحَدُهُما الَّذِي، والآخَرُ مَحْذُوفٌ، فَقَدَّرَهُ الحَوْفِيُّ: ألَيْسَ مُسْتَحِقًّا عَذابَ اللَّهِ، وقَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَن هو، ويَدُلُّ عَلى أنَّها بِمَعْنى أخْبِرْنِي، قِراءَةُ (p-٥١٧)عَبْدِ اللَّهِ أرَأيْتُكَ بِكافِ الخِطابِ، لِأنَّ كافَ الخِطابِ لا تَلْحَقُ البَصَرِيَّةَ، قالَ الحَوْفِيُّ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِن رُؤْيَةِ البَصَرِ، فَلا يَكُونُ في الكَلامِ حَذْفٌ، وهَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ تَدُلُّ عَلى التَّقْرِيرِ والتَّفْهِيمِ لِيَتَذَكَّرَ السّامِعُ مَن يَعْرِفُهُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ. والدِّينُ: الجَزاءُ بِالثَّوابِ والعِقابِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والمَعْنى هَلْ عَرَفْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالجَزاءِ ؟ هو الَّذِي ﴿يَدُعُّ اليَتِيمَ﴾ أيْ يَدْفَعُهُ دَفْعًا عَنِيفًا بِجَفْوَةٍ أوْ أذًى (ولا يَحُضُّ) أيْ ولا يَبْعَثُ أهْلَهُ عَلى بَذْلِ الطَّعامِ لِلْمِسْكِينِ، جَعَلَ عِلْمَ التَّكْذِيبِ بِالجَزاءِ مَنعَ المَعْرُوفِ والإقْدامَ عَلى إيذاءِ الضَّعِيفِ. انْتَهى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يَدُعُّ) بِضَمِّ الدّالِ وشَدِّ العَيْنِ، وعَلِيٌّ والحَسَنُ وأبُو رَجاءٍ واليَمانِيُّ: بِفَتْحِ الدّالِ وخَفِّ العَيْنِ، أيْ يَتْرُكُهُ بِمَعْنى لا يُحْسِنُ إلَيْهِ ويَجْفُوهُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (ولا يَحُضُّ) مُضارِعُ حَضَّ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (يَحاضُّ) مُضارِعُ حاضَضْتُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (بِالدِّينِ) بِحُكْمِ اللَّهِ، وقالَ مُجاهِدٌ: بِالحِسابِ، وقِيلَ: بِالجَزاءِ، وقِيلَ: بِالقُرْآنِ، وقالَ إبْراهِيمُ بْنُ عَرَفَةَ: ﴿يَدُعُّ اليَتِيمَ﴾ يَدْفَعُهُ عَنْ حَقِّهِ، وقالَ مُجاهِدٌ: يَدْفَعُهُ عَنْ حَقِّهِ ولا يُطْعِمُهُ، وفي قَوْلِهِ: (ولا يَحُضُّ) إشارَةٌ إلى أنَّهُ هو لا يُطْعِمُ إذا قَدَّرَهُ، وهَذا مِن بابِ الأوْلى؛ لِأنَّهُ إذا لَمْ يَحُضَّ غَيْرَهُ بُخْلًا، فَلَأنْ يَتْرُكَ هو ذَلِكَ فِعْلًا أوْلى وأحْرى، وفي إضافَةِ طَعامٍ إلى المِسْكِينِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ يَسْتَحِقُّهُ. ولَمّا ذَكَرَ أوَّلًا عَمُودَ الكُفْرِ، وهو التَّكْذِيبُ بِالدِّينِ، ذَكَرَ ما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِمّا يَتَعَلَّقُ بِالخالِقِ، وهو عِبادَتُهُ بِالصَّلاةِ، فَقالَ: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ والظّاهِرُ أنَّ المُصَلِّينَ هم غَيْرُ المَذْكُورِ، وقِيلَ: هو داعُّ اليَتِيمِ غَيْرُ الحاضِّ، وأنْ كُلًّا مِنَ الأوْصافِ الذَّمِيمَةِ ناشِئٌ عَنِ التَّكْذِيبِ بِالدِّينِ، فالمُصَلُّونَ هُنا، واللَّهُ أعْلَمُ، هُمُ المُنافِقُونَ، ثَبَتَ لَهُمُ الصَّلاةُ، وهي الهَيْئاتُ الَّتِي يَفْعَلُونَها، ثُمَّ قالَ: ﴿الَّذِينَ هم عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ﴾ نَظَرًا إلى أنَّهم لا يُوقِعُونَها، كَما يُوقِعُها المُسْلِمُ مِنَ اعْتِقادِ وُجُوبِها والتَّقَرُّبِ بِها إلى اللَّهِ تَعالى، وفي الحَدِيثِ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ: (يُؤَخِّرُونَها عَنْ وقْتِها تَهاوُنًا بِها) . قالَ مُجاهِدٌ: تَأْخِيرُ تَرْكٍ وإهْمالٍ. وقالَ إبْراهِيمُ: هو الَّذِي إذا سَجَدَ قالَ بِرَأْسِهِ هَكَذا مُلْتَفِتًا. وقالَ قَتادَةُ: هو التَّرْكُ لَها، أوْ هُمُ الغافِلُونَ الَّذِينَ لا يُبالِي أحَدُهم أصَلّى أمْ لَمْ يُصَلِّ. وقالَ قُطْرُبٌ: هو الَّذِي لا يُقِرُّ ولا يَذْكُرُ اللَّهَ تَعالى. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المُنافِقُونَ يَتْرُكُونَ الصَّلاةَ سِرًّا ويَفْعَلُونَها عَلانِيَةً ﴿وإذا قامُوا إلى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى﴾ [النساء: ١٤٢] ويَدُلُّ عَلى أنَّها في المُنافِقِينَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ هم يُراءُونَ﴾ وقالَهُ ابْنُ وهْبٍ عَنْ مالِكٍ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ولَوْ قالَ في صَلاتِهِمْ لَكانَتْ في المُؤْمِنِينَ. وقالَ عَطاءٌ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي قالَ عَنْ صَلاتِهِمْ ولَمْ يَقُلْ في صَلاتِهِمْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بَعْدَ أنْ قَدَّمَ فِيما نَقَلْناهُ مِن كَلامِهِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ ﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ﴾ في مَوْضِعِ رَفْعٍ، قالَ: وطَرِيقَةٌ أُخْرى أنْ يَكُونَ (فَذَلِكَ) عَطْفًا عَلى ﴿الَّذِي يُكَذِّبُ﴾، إمّا عَطْفُ ذاتٍ عَلى ذاتٍ، أوْ عَطْفُ صِفَةٍ عَلى صِفَةٍ، ويَكُونُ جَوابُ (أرَأيْتَ) مَحْذُوفًا لِدَلالَةِ ما بَعْدَهُ عَلَيْهِ، كَأنْ قالَ: أخْبِرْنِي وما تَقُولُ فِيمَن يُكَذِّبُ بِالجَزاءِ، وفِيمَن يُؤْذِي اليَتِيمَ ولا يُطْعِمُ المِسْكِينَ، أنِعْمَ ما يَصْنَعُ ؟ ثُمَّ قالَ: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ أيْ إذا عُلِمَ أنَّهُ مُسِيءٌ ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ عَلى مَعْنى: فَوَيْلٌ لَهم إلّا أنَّهُ وضَعَ صِفَتَهم مَوْضِعَ (p-٥١٨)ضَمِيرِهِمْ؛ لِأنَّهم كانُوا مَعَ التَّكْذِيبِ، وما أُضِيفَ إلَيْهِمْ ساهِينَ عَنِ الصَّلاةِ مُرائِينَ غَيْرَ مُزَكِّينَ أمْوالَهم، فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ جَعَلْتَ المُصَلِّينَ قائِمًا مَقامَ ضَمِيرِ ﴿الَّذِي يُكَذِّبُ﴾ وهو واحِدٌ ؟ قُلْتُ: مَعْناهُ الجَمْعُ، لِأنَّ المُرادَ بِهِ الجِنْسُ. انْتَهى. فَجَعَلَ (فَذَلِكَ) في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَطْفًا عَلى المَفْعُولِ، وهو تَرْكِيبٌ غَرِيبٌ، كَقَوْلِكَ: أكْرَمْتُ الَّذِي يَزُورُنا فَذَلِكَ الَّذِي يُحْسِنُ إلَيْنا، فالمُتَبادِرُ إلى الذِّهْنِ أنَّ (فَذَلِكَ) مَرْفُوعٌ بِالِابْتِداءِ، وعَلى تَقْدِيرِ النَّصْبِ يَكُونُ التَّقْدِيرُ: أكْرَمْتُ الَّذِي يَزُورُنا فَأكْرَمْتُ ذَلِكَ الَّذِي يُحْسِنُ إلَيْنا، فاسْمُ الإشارَةِ في هَذا التَّقْدِيرِ غَيْرُ مُتَمَكِّنٍ تَمَكُّنَ ما هو فَصِيحٌ، إذْ لا حاجَةَ إلى أنْ يُشارَ إلى الَّذِي يَزُورُنا، بَلِ الفَصِيحُ أكْرَمْتُ الَّذِي يَزُورُنا فالَّذِي يُحْسِنُ إلَيْنا، أوْ أكْرَمْتُ الَّذِي يَزُورُنا فَيُحْسِنُ إلَيْنا، وأمّا قَوْلُهُ: إمّا عَطْفُ ذاتٍ عَلى ذاتٍ فَلا يَصِحُّ؛ لِأنَّ (فَذَلِكَ) إشارَةٌ إلى ﴿الَّذِي يُكَذِّبُ﴾، فَلَيْسا بِذاتَيْنِ؛ لِأنَّ المُشارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (فَذَلِكَ) هو واحِدٌ، وأمّا قَوْلُهُ: ويَكُونُ جَوابُ (أرَأيْتَ) مَحْذُوفًا، فَلا يُسَمّى جَوابًا، بَلْ هو في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي لِأرَأيْتَ، وأمّا قَوْلُهُ: أنِعْمَ ما يَصْنَعُ ؟ فَهَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ لا نَعْلَمُ دُخُولَها عَلى نِعْمَ ولا بِئْسَ؛ لِأنَّهُما إنْشاءٌ، والِاسْتِفْهامُ لا يَدْخُلُ إلّا عَلى الخَبَرِ، وأمّا وضْعُهُ (المُصَلِّينَ) مَوْضِعَ الضَّمِيرِ، وأنَّ المُصَلِّينَ جَمْعٌ؛ لِأنَّ ضَمِيرَ الَّذِي يُكَذِّبُ مَعْناهُ الجَمْعُ، فَتَكَلُّفٌ واضِحٌ ولا يَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ القُرْآنُ إلّا عَلى ما اقْتَضاهُ ظاهِرُ التَّرْكِيبِ، وهَكَذا عادَةُ هَذا الرَّجُلِ يَتَكَلَّفُ أشْياءَ في فَهْمِ القُرْآنِ لَيْسَتْ بِواضِحَةٍ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في الرِّياءِ في سُورَةِ البَقَرَةِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يُراءُونَ) مُضارِعُ رَآى، عَلى وزْنِ فاعَلَ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ والأشْهَبُ: مَهْمُوزَةً مَقْصُورَةً مُشَدَّدَةَ الهَمْزَةِ، وعَنِ ابْنِ أبِي إسْحاقَ: بِغَيْرِ شَدٍّ في الهَمْزَةِ، فَتَوْجِيهُ الأُولى إلى أنَّهُ ضَعَّفَ الهَمْزَةَ تَعْدِيَةً، كَما عَدَّوْا بِالهَمْزَةِ فَقالُوا في رَأى: أرّى، فَقالُوا: رَآى، فَجاءَ المُضارِعُ يُرَإِّي كَيُصَلِّي، وجاءَ الجَمْعُ يُرَوُّونَ كَيُصَلُّونَ، وتَوْجِيهُ الثّانِيَةِ أنَّهُ اسْتَثْقَلَ التَّضْعِيفَ في الهَمْزَةِ فَخَفَّفَها، أوْ حَذَفَ الألِفَ مِن يُراءُونَ حَذْفًا لا لِسَبَبٍ. ﴿ويَمْنَعُونَ الماعُونَ﴾ قالَ ابْنُ المُسَيَّبِ وابْنُ شِهابٍ: الماعُونُ، بِلُغَةِ قُرَيْشٍ: المالُ. وقالَ الفَرّاءُ عَنْ بَعْضِ العَرَبِ: الماعُونُ: الماءُ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ الحَنَفِيَّةِ، والحَسَنُ، والضَّحّاكُ، وابْنُ زَيْدٍ: ما يَتَعاطاهُ النّاسُ بَيْنَهم، كالفَأْسِ والدَّلْوِ والآنِيَةِ. وفي الحَدِيثِ: «سُئِلَ ﷺ عَنِ الشَّيْءِ الَّذِي لا يَحُلُّ مَنعُهُ فَقالَ: الماءُ والمِلْحُ والنّارُ» . وفي بَعْضِ الطُّرُقِ: الإبْرَةُ والخَمِيرُ. وقالَ عَلِيٌّ وابْنُ عُمَرَ وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: الماعُونُ: الزَّكاةُ، ومِنهُ قَوْلُ الرّاعِي: ؎أخَلِيفَةَ الرَّحْمَنِ إنّا مَعْشَرٌ ∗∗∗ حُنَفاءُ نَسْجُدُ بُكْرَةً وأصِيلا ؎عَرَبٌ نَرى لِلَّهِ مِن أمْوالِنا ∗∗∗ حَقَّ الزَّكاةِ مُنَزَّلًا تَنْزِيلا ؎قَوْمٌ عَلى الإسْلامِ لَمّا يَمْنَعُوا ∗∗∗ ماعُونَهم ويُضَيِّعُوا التَّهْلِيلا يَعْنِي بِالماعُونِ الزَّكاةَ، وهَذا القَوْلُ يُناسِبُهُما، ذَكَرَهُ قُطْرُبٌ مِن أنَّ أصْلَهُ مِنَ المَعْنِ، وهو الشَّيْءُ القَلِيلُ، فَسُمِّيَتِ الزَّكاةُ ماعُونًا؛ لِأنَّها قَلِيلٌ مِن كَثِيرٍ، وكَذَلِكَ الصَّدَقَةُ غَيْرُها، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو العارِيَّةُ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ والكَلْبِيُّ: هو المَعْرُوفُ كُلُّهُ، وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: مَنعُ الحَقِّ، وقِيلَ: الماءُ والكَلَأُ.

الكوثر 108:1

سُورَةُ الكَوْثَرِ وهي ثَلاثُ آياتٍ ﷽ ﴿إنّا أعْطَيْناكَ الكَوْثَرَ﴾ ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وانْحَرْ﴾ ﴿إنَّ شانِئَكَ هو الأبْتَرُ﴾ انْحَرْ: أمْرٌ مِنَ النَّحْرِ، (p-٥١٩)وهُوَ ضَرْبُ النَّحْرِ لِلْإبِلِ بِما يُفِيتُ الرُّوحَ مِن مَحْدُودٍ، الأبْتَرُ: الَّذِي لا عَقِبَ لَهُ، والبَتْرُ: القَطْعُ، بَتَرْتُ الشَّيْءَ: قَطَعْتُهُ، وبَتِرَ بِالكَسْرِ فَهو أبْتَرُ: انْقَطَعَ ذَنَبُهُ، وخَطَبَ زِيادٌ خُطْبَتَهُ البَتْراءَ، لِأنَّهُ لَمْ يَحْمَدْ فِيها اللَّهَ تَعالى، ولا صَلّى عَلى رَسُولِهِ ﷺ، ورَجُلٌ أُباتِرٌ بِضَمِّ الهَمْزَةِ: الَّذِي يَقْطَعُ رَحِمَهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎لَئِيمٌ بَدَتْ في أنْفِهِ خُنْزُوانَةٌ عَلى قَطْعِ ذِي القُرْبى أجَذُّ أُباتِرُ والبَتْرِيَّةُ: قَوْمٌ مِنَ الزَّيْدِيَّةِ نُسِبُوا إلى المُغِيرَةِ بْنِ سَعْدٍ، ولَقَبُهُ الأبْتَرُ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. ﴿إنّا أعْطَيْناكَ الكَوْثَرَ﴾ ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وانْحَرْ﴾ ﴿إنَّ شانِئَكَ هو الأبْتَرُ﴾ . هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ في المَشْهُورِ، وقَوْلُ الجُمْهُورِ: مَدَنِيَّةٌ في قَوْلِ الحَسَنِ وعِكْرِمَةَ وقَتادَةَ. ولَمّا ذَكَرَ فِيما قَبْلَها وصْفَ المُنافِقِ بِالبُخْلِ وتَرْكِ الصَّلاةِ والرِّياءِ ومَنعِ الزَّكاةِ، قابَلَ في هَذِهِ السُّورَةِ البُخْلَ بـِ ﴿إنّا أعْطَيْناكَ الكَوْثَرَ﴾ والسَّهْوَ في الصَّلاةِ بِقَوْلِهِ: (فَصَلِّ) والرِّياءَ بِقَوْلِهِ: (لِرَبِّكَ) ومَنعَ الزَّكاةِ بِقَوْلِهِ: ﴿وانْحَرْ﴾ أرادَ بِهِ التَّصَدُّقَ بِلَحْمِ الأضاحِي، فَقابَلَ أرْبَعًا بِأرْبَعٍ، ونَزَلَتْ في العاصِي بْنِ وائِلٍ، كانَ يُسَمِّي الرَّسُولَ بِالأبْتَرِ، وكانَ يَقُولُ: دَعُوهُ إنَّما هو رَجُلٌ أبْتَرُ لا عَقِبَ لَهُ، لَوْ هَلَكَ انْقَطَعَ ذِكْرُهُ واسْتَرَحْتُمْ مِنهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿أعْطَيْناكَ﴾ بِالعَيْنِ، والحَسَنُ وطَلْحَةُ وابْنُ مُحَيْصِنٍ والزَّعْفَرانِيُّ: أنْطَيْناكَ بِالنُّونِ، وهي قِراءَةٌ مَرْوِيَّةٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قالَ التِّبْرِيزِيُّ: هي لُغَةٌ لِلْعَرَبِ العارِبَةِ مِن أُولى قُرَيْشٍ، ومِن كَلامِهِ: (اليَدُ العَلْياءُ المُنْطِيَةُ، واليَدُ السُّفْلى المُنْطاةُ) ومِن كَلامِهِ أيْضًا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: (وأنْطُوا المَنِيحَةَ)، وقالَ الأعْشى: ؎جِيادُكَ خَيْرُ جِيادِ المُلُوكِ ∗∗∗ تُصانُ الحَلالَ وتُنْطى السَّعِيرا قالَ أبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ، وأبُو زَكَرِيّا التِّبْرِيزِيُّ: أبْدَلَ مِنَ العَيْنِ نُونًا، فَإنْ عَيَّنّا النُّونَ في هَذِهِ اللُّغَةِ مَكانَ العَيْنِ في غَيْرِها فَحَسَنٌ، وإنْ عَيَّنّا البَدَلَ الصِّناعِيَّ فَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ كُلُّ واحِدٍ مِنَ اللُّغَتَيْنِ أصْلٌ بِنَفْسِها لِوُجُودِ تَمامِ التَّصَرُّفِ مِن كُلِّ واحِدَةٍ، فَلا يَقُولُ: الأصْلُ العَيْنُ، ثُمَّ أُبْدِلَتِ النُّونُ مِنها. وذَكَرَ في التَّحْرِيرِ في الكَوْثَرِ سِتَّةً وعِشْرِينَ قَوْلًا، والصَّحِيحُ هو ما فَسَّرَهُ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ: (هُوَ نَهْرٌ في الجَنَّةِ، حافَّتاهُ مِن ذَهَبٍ، ومَجْراهُ عَلى الدُّرِّ والياقُوتِ، تُرْبَتُهُ أطْيَبُ مِنِ المِسْكِ، وماؤُهُ أحْلى مِنَ العَسَلِ وأبْيَضُ مِنَ الثَّلْجِ) . قالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، واقْتَطَعْنا مِنهُ، قالَ: (أتَدْرُونَ ما الكَوْثَرُ ؟ قُلْنا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ. قالَ: نَهْرٌ وعَدَنِيهِ رَبِّي عَلَيْهِ خَيْرٌ كَثِيرٌ، هو حَوْضٌ تَرِدُ عَلَيْهِ أُمَّتِي يَوْمَ القِيامَةِ، آنِيَتُهُ عَدَدُ النُّجُومِ) انْتَهى. قالَ ذَلِكَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عِنْدَما نَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ وقَرَأها. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الكَوْثَرُ: الخَيْرُ الكَثِيرُ، وقِيلَ لِابْنِ جُبَيْرٍ: إنَّ ناسًا يَقُولُونَ: هو نَهْرٌ في الجَنَّةِ، فَقالَ: هو مِنَ الخَيْرِ الكَثِيرِ، وقالَ الحَسَنُ: الكَوْثَرُ: القُرْآنُ، وقالَ أبُو بَكْرِ بْنُ عَبّاسٍ، ويَمانُ بْنُ وثّابٍ: كَثْرَةُ الأصْحابِ والأتْباعِ. وقالَ هِلالُ بْنُ يَسافٍ: هو التَّوْحِيدُ، وقالَ جَعْفَرٌ الصّادِقُ: نُورُ قَلْبِهِ دَلَّهُ عَلى اللَّهِ تَعالى وقَطَعَهُ عَمّا سِواهُ، وقالَ عِكْرِمَةُ: النُّبُوَّةُ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ الفَضْلِ: تَيْسِيرُ القُرْآنِ وتَخْفِيفُ الشَّرائِعِ، وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: الإيثارُ، ويَنْبَغِي حَمْلُ هَذِهِ الأقْوالِ عَلى التَّمْثِيلِ، لا أنَّ الكَوْثَرَ مُنْحَصِرٌ في واحِدٍ مِنها، والكَوْثَرُ فَوْعَلٌ مِنَ الكَثْرَةِ، وهو المُفْرِطُ (p-٥٢٠)الكَثْرَةِ، قِيلَ لِأعْرابِيَّةٍ رَجَعَ ابْنُها مِنَ السَّفَرِ: بِمَ آبَ ابْنُكَ ؟ قالَتْ: آبَ بِكَوْثَرٍ، وقالَ الشّاعِرُ: ؎وأنْتَ كَثِيرٌ يابْنَ مَرْوانَ طَيِّبُ ∗∗∗ وكانَ أبُوكَ ابْنُ العَقائِلِ كَوْثَرا ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وانْحَرْ﴾ الظّاهِرُ أنَّ (فَصَلِّ) أمْرٌ بِالصَّلاةِ يَدْخُلُ فِيها المَكْتُوباتُ والنَّوافِلُ، والنَّحْرُ: نَحْرُ الهَدْيِ والنُّسُكِ والضَّحايا، قالَهُ الجُمْهُورُ، ولَمْ يَكُنْ في ذَلِكَ الوَقْتِ جِهادٌ فَأُمِرَ بِهَذَيْنِ، قالَ أنَسٌ: كانَ يَنْحَرُ يَوْمَ الأضْحى قَبْلَ الصَّلاةِ، فَأُمِرَ أنْ يُصَلِّيَ ويَنْحَرَ، وقالَهُ قَتادَةُ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: نَزَلَتْ وقْتَ صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ، قِيلَ لَهُ: صَلِّ وانْحَرِ الهَدْيَ، فَعَلى هَذا الآيَةُ مِنَ المَدَنِيِّ، وفي قَوْلِهِ: (لِرَبِّكَ) تَنْذِيرٌ بِالكُفّارِ حَيْثُ كانَتْ صَلاتُهم مُكاءً وتَصْدِيَةً، ونَحْرُهم لِلْأصْنامِ، وعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: صَلِّ لِرَبِّكَ وضَعْ يَمِينَكَ عَلى شِمالِكَ عِنْدَ نَحْرِكَ في الصَّلاةِ. وقِيلَ: ارْفَعْ يَدَيْكَ في اسْتِفْتاحِ صَلاتِكَ عِنْدَ نَحْرِكَ. وعَنْ عَطِيَّةَ وعِكْرِمَةَ: هي صَلاةُ الفَجْرِ بِجَمْعٍ، والنَّحْرُ بِمِنًى. وقالَ الضَّحّاكُ: اسْتَوِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ جالِسًا حَتّى يَبْدُوَ نَحْرُكَ. وقالَ أبُو الأحْوَصِ: اسْتَقْبِلِ القِبْلَةَ بِنَحْرِكَ. ﴿إنَّ شانِئَكَ﴾ أيْ مُبْغَضُكَ، تَقَدَّمَ أنَّهُ العاصِي بْنُ وائِلٍ، وقِيلَ: أبُو جَهْلٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمّا ماتَ إبْراهِيمُ ابْنُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، خَرَجَ أبُو جَهْلٍ إلى أصْحابِهِ فَقالَ: بَتِرَ مُحَمَّدٌ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّ شانِئَكَ هو الأبْتَرُ﴾ . وقالَ شِمْرُ بْنُ عَطِيَّةَ: هو عُقْبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ، وقالَ قَتادَةُ: الأبْتَرُ هُنا يُرادُ بِهِ الحَقِيرُ الذَّلِيلُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿شانِئَكَ﴾ بِالألِفِ، وابْنُ عَبّاسٍ: (شَيْنَكَ) بِغَيْرِ ألِفٍ، فَقِيلَ: مَقْصُورٌ مِن شانِي، كَما قالُوا: بَرَّرَ وبَرَّ في بارَرَ وبارَّ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِناءً عَلى فَعَلَ، وهو مُضافٌ لِلْمَفْعُولِ إنْ كانَ بِمَعْنى الحالِ أوْ الِاسْتِقْبالِ، وإنْ كانَ بِمَعْنى الماضِي فَتَكُونُ إضافَتُهُ لا مِن نَصْبٍ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ، وقَدْ قالُوا: حَذِرٌ أُمُورًا ومَزِقُونَ عِرْضِي، فَلا يُسْتَوْحَشُ مِن كَوْنِهِ مُضافًا لِلْمَفْعُولِ، وهو مُبْتَدَأٌ، والأحْسَنُ الأعْرَفُ في المَعْنى أنْ يَكُونَ فَصْلًا، أيْ هو المُنْفَرِدُ بِالبَتْرِ المَخْصُوصُ بِهِ لا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَجَمِيعُ المُؤْمِنِينَ أوْلادُهُ، وذِكْرُهُ مَرْفُوعٌ عَلى المَنائِرِ والمَنابِرِ، ومَسْرُودٌ عَلى لِسانِ كُلِّ عالِمٍ وذاكِرٍ إلى آخِرِ الدَّهْرِ، يُبْدَأُ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعالى ويُثَنّى بِذِكْرِهِ، ولَهُ في الآخِرَةِ ما لا يَدْخُلُ تَحْتَ الوَصْفِ ﷺ، وعَلى آلِهِ وشَرَّفَ وكَرَّمَ.

الكوثر 108:2

سُورَةُ الكَوْثَرِ وهي ثَلاثُ آياتٍ ﷽ ﴿إنّا أعْطَيْناكَ الكَوْثَرَ﴾ ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وانْحَرْ﴾ ﴿إنَّ شانِئَكَ هو الأبْتَرُ﴾ انْحَرْ: أمْرٌ مِنَ النَّحْرِ، (p-٥١٩)وهُوَ ضَرْبُ النَّحْرِ لِلْإبِلِ بِما يُفِيتُ الرُّوحَ مِن مَحْدُودٍ، الأبْتَرُ: الَّذِي لا عَقِبَ لَهُ، والبَتْرُ: القَطْعُ، بَتَرْتُ الشَّيْءَ: قَطَعْتُهُ، وبَتِرَ بِالكَسْرِ فَهو أبْتَرُ: انْقَطَعَ ذَنَبُهُ، وخَطَبَ زِيادٌ خُطْبَتَهُ البَتْراءَ، لِأنَّهُ لَمْ يَحْمَدْ فِيها اللَّهَ تَعالى، ولا صَلّى عَلى رَسُولِهِ ﷺ، ورَجُلٌ أُباتِرٌ بِضَمِّ الهَمْزَةِ: الَّذِي يَقْطَعُ رَحِمَهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎لَئِيمٌ بَدَتْ في أنْفِهِ خُنْزُوانَةٌ عَلى قَطْعِ ذِي القُرْبى أجَذُّ أُباتِرُ والبَتْرِيَّةُ: قَوْمٌ مِنَ الزَّيْدِيَّةِ نُسِبُوا إلى المُغِيرَةِ بْنِ سَعْدٍ، ولَقَبُهُ الأبْتَرُ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. ﴿إنّا أعْطَيْناكَ الكَوْثَرَ﴾ ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وانْحَرْ﴾ ﴿إنَّ شانِئَكَ هو الأبْتَرُ﴾ . هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ في المَشْهُورِ، وقَوْلُ الجُمْهُورِ: مَدَنِيَّةٌ في قَوْلِ الحَسَنِ وعِكْرِمَةَ وقَتادَةَ. ولَمّا ذَكَرَ فِيما قَبْلَها وصْفَ المُنافِقِ بِالبُخْلِ وتَرْكِ الصَّلاةِ والرِّياءِ ومَنعِ الزَّكاةِ، قابَلَ في هَذِهِ السُّورَةِ البُخْلَ بـِ ﴿إنّا أعْطَيْناكَ الكَوْثَرَ﴾ والسَّهْوَ في الصَّلاةِ بِقَوْلِهِ: (فَصَلِّ) والرِّياءَ بِقَوْلِهِ: (لِرَبِّكَ) ومَنعَ الزَّكاةِ بِقَوْلِهِ: ﴿وانْحَرْ﴾ أرادَ بِهِ التَّصَدُّقَ بِلَحْمِ الأضاحِي، فَقابَلَ أرْبَعًا بِأرْبَعٍ، ونَزَلَتْ في العاصِي بْنِ وائِلٍ، كانَ يُسَمِّي الرَّسُولَ بِالأبْتَرِ، وكانَ يَقُولُ: دَعُوهُ إنَّما هو رَجُلٌ أبْتَرُ لا عَقِبَ لَهُ، لَوْ هَلَكَ انْقَطَعَ ذِكْرُهُ واسْتَرَحْتُمْ مِنهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿أعْطَيْناكَ﴾ بِالعَيْنِ، والحَسَنُ وطَلْحَةُ وابْنُ مُحَيْصِنٍ والزَّعْفَرانِيُّ: أنْطَيْناكَ بِالنُّونِ، وهي قِراءَةٌ مَرْوِيَّةٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قالَ التِّبْرِيزِيُّ: هي لُغَةٌ لِلْعَرَبِ العارِبَةِ مِن أُولى قُرَيْشٍ، ومِن كَلامِهِ: (اليَدُ العَلْياءُ المُنْطِيَةُ، واليَدُ السُّفْلى المُنْطاةُ) ومِن كَلامِهِ أيْضًا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: (وأنْطُوا المَنِيحَةَ)، وقالَ الأعْشى: ؎جِيادُكَ خَيْرُ جِيادِ المُلُوكِ ∗∗∗ تُصانُ الحَلالَ وتُنْطى السَّعِيرا قالَ أبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ، وأبُو زَكَرِيّا التِّبْرِيزِيُّ: أبْدَلَ مِنَ العَيْنِ نُونًا، فَإنْ عَيَّنّا النُّونَ في هَذِهِ اللُّغَةِ مَكانَ العَيْنِ في غَيْرِها فَحَسَنٌ، وإنْ عَيَّنّا البَدَلَ الصِّناعِيَّ فَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ كُلُّ واحِدٍ مِنَ اللُّغَتَيْنِ أصْلٌ بِنَفْسِها لِوُجُودِ تَمامِ التَّصَرُّفِ مِن كُلِّ واحِدَةٍ، فَلا يَقُولُ: الأصْلُ العَيْنُ، ثُمَّ أُبْدِلَتِ النُّونُ مِنها. وذَكَرَ في التَّحْرِيرِ في الكَوْثَرِ سِتَّةً وعِشْرِينَ قَوْلًا، والصَّحِيحُ هو ما فَسَّرَهُ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ: (هُوَ نَهْرٌ في الجَنَّةِ، حافَّتاهُ مِن ذَهَبٍ، ومَجْراهُ عَلى الدُّرِّ والياقُوتِ، تُرْبَتُهُ أطْيَبُ مِنِ المِسْكِ، وماؤُهُ أحْلى مِنَ العَسَلِ وأبْيَضُ مِنَ الثَّلْجِ) . قالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، واقْتَطَعْنا مِنهُ، قالَ: (أتَدْرُونَ ما الكَوْثَرُ ؟ قُلْنا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ. قالَ: نَهْرٌ وعَدَنِيهِ رَبِّي عَلَيْهِ خَيْرٌ كَثِيرٌ، هو حَوْضٌ تَرِدُ عَلَيْهِ أُمَّتِي يَوْمَ القِيامَةِ، آنِيَتُهُ عَدَدُ النُّجُومِ) انْتَهى. قالَ ذَلِكَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عِنْدَما نَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ وقَرَأها. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الكَوْثَرُ: الخَيْرُ الكَثِيرُ، وقِيلَ لِابْنِ جُبَيْرٍ: إنَّ ناسًا يَقُولُونَ: هو نَهْرٌ في الجَنَّةِ، فَقالَ: هو مِنَ الخَيْرِ الكَثِيرِ، وقالَ الحَسَنُ: الكَوْثَرُ: القُرْآنُ، وقالَ أبُو بَكْرِ بْنُ عَبّاسٍ، ويَمانُ بْنُ وثّابٍ: كَثْرَةُ الأصْحابِ والأتْباعِ. وقالَ هِلالُ بْنُ يَسافٍ: هو التَّوْحِيدُ، وقالَ جَعْفَرٌ الصّادِقُ: نُورُ قَلْبِهِ دَلَّهُ عَلى اللَّهِ تَعالى وقَطَعَهُ عَمّا سِواهُ، وقالَ عِكْرِمَةُ: النُّبُوَّةُ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ الفَضْلِ: تَيْسِيرُ القُرْآنِ وتَخْفِيفُ الشَّرائِعِ، وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: الإيثارُ، ويَنْبَغِي حَمْلُ هَذِهِ الأقْوالِ عَلى التَّمْثِيلِ، لا أنَّ الكَوْثَرَ مُنْحَصِرٌ في واحِدٍ مِنها، والكَوْثَرُ فَوْعَلٌ مِنَ الكَثْرَةِ، وهو المُفْرِطُ (p-٥٢٠)الكَثْرَةِ، قِيلَ لِأعْرابِيَّةٍ رَجَعَ ابْنُها مِنَ السَّفَرِ: بِمَ آبَ ابْنُكَ ؟ قالَتْ: آبَ بِكَوْثَرٍ، وقالَ الشّاعِرُ: ؎وأنْتَ كَثِيرٌ يابْنَ مَرْوانَ طَيِّبُ ∗∗∗ وكانَ أبُوكَ ابْنُ العَقائِلِ كَوْثَرا ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وانْحَرْ﴾ الظّاهِرُ أنَّ (فَصَلِّ) أمْرٌ بِالصَّلاةِ يَدْخُلُ فِيها المَكْتُوباتُ والنَّوافِلُ، والنَّحْرُ: نَحْرُ الهَدْيِ والنُّسُكِ والضَّحايا، قالَهُ الجُمْهُورُ، ولَمْ يَكُنْ في ذَلِكَ الوَقْتِ جِهادٌ فَأُمِرَ بِهَذَيْنِ، قالَ أنَسٌ: كانَ يَنْحَرُ يَوْمَ الأضْحى قَبْلَ الصَّلاةِ، فَأُمِرَ أنْ يُصَلِّيَ ويَنْحَرَ، وقالَهُ قَتادَةُ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: نَزَلَتْ وقْتَ صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ، قِيلَ لَهُ: صَلِّ وانْحَرِ الهَدْيَ، فَعَلى هَذا الآيَةُ مِنَ المَدَنِيِّ، وفي قَوْلِهِ: (لِرَبِّكَ) تَنْذِيرٌ بِالكُفّارِ حَيْثُ كانَتْ صَلاتُهم مُكاءً وتَصْدِيَةً، ونَحْرُهم لِلْأصْنامِ، وعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: صَلِّ لِرَبِّكَ وضَعْ يَمِينَكَ عَلى شِمالِكَ عِنْدَ نَحْرِكَ في الصَّلاةِ. وقِيلَ: ارْفَعْ يَدَيْكَ في اسْتِفْتاحِ صَلاتِكَ عِنْدَ نَحْرِكَ. وعَنْ عَطِيَّةَ وعِكْرِمَةَ: هي صَلاةُ الفَجْرِ بِجَمْعٍ، والنَّحْرُ بِمِنًى. وقالَ الضَّحّاكُ: اسْتَوِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ جالِسًا حَتّى يَبْدُوَ نَحْرُكَ. وقالَ أبُو الأحْوَصِ: اسْتَقْبِلِ القِبْلَةَ بِنَحْرِكَ. ﴿إنَّ شانِئَكَ﴾ أيْ مُبْغَضُكَ، تَقَدَّمَ أنَّهُ العاصِي بْنُ وائِلٍ، وقِيلَ: أبُو جَهْلٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمّا ماتَ إبْراهِيمُ ابْنُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، خَرَجَ أبُو جَهْلٍ إلى أصْحابِهِ فَقالَ: بَتِرَ مُحَمَّدٌ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّ شانِئَكَ هو الأبْتَرُ﴾ . وقالَ شِمْرُ بْنُ عَطِيَّةَ: هو عُقْبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ، وقالَ قَتادَةُ: الأبْتَرُ هُنا يُرادُ بِهِ الحَقِيرُ الذَّلِيلُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿شانِئَكَ﴾ بِالألِفِ، وابْنُ عَبّاسٍ: (شَيْنَكَ) بِغَيْرِ ألِفٍ، فَقِيلَ: مَقْصُورٌ مِن شانِي، كَما قالُوا: بَرَّرَ وبَرَّ في بارَرَ وبارَّ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِناءً عَلى فَعَلَ، وهو مُضافٌ لِلْمَفْعُولِ إنْ كانَ بِمَعْنى الحالِ أوْ الِاسْتِقْبالِ، وإنْ كانَ بِمَعْنى الماضِي فَتَكُونُ إضافَتُهُ لا مِن نَصْبٍ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ، وقَدْ قالُوا: حَذِرٌ أُمُورًا ومَزِقُونَ عِرْضِي، فَلا يُسْتَوْحَشُ مِن كَوْنِهِ مُضافًا لِلْمَفْعُولِ، وهو مُبْتَدَأٌ، والأحْسَنُ الأعْرَفُ في المَعْنى أنْ يَكُونَ فَصْلًا، أيْ هو المُنْفَرِدُ بِالبَتْرِ المَخْصُوصُ بِهِ لا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَجَمِيعُ المُؤْمِنِينَ أوْلادُهُ، وذِكْرُهُ مَرْفُوعٌ عَلى المَنائِرِ والمَنابِرِ، ومَسْرُودٌ عَلى لِسانِ كُلِّ عالِمٍ وذاكِرٍ إلى آخِرِ الدَّهْرِ، يُبْدَأُ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعالى ويُثَنّى بِذِكْرِهِ، ولَهُ في الآخِرَةِ ما لا يَدْخُلُ تَحْتَ الوَصْفِ ﷺ، وعَلى آلِهِ وشَرَّفَ وكَرَّمَ.

الكوثر 108:3

سُورَةُ الكَوْثَرِ وهي ثَلاثُ آياتٍ ﷽ ﴿إنّا أعْطَيْناكَ الكَوْثَرَ﴾ ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وانْحَرْ﴾ ﴿إنَّ شانِئَكَ هو الأبْتَرُ﴾ انْحَرْ: أمْرٌ مِنَ النَّحْرِ، (p-٥١٩)وهُوَ ضَرْبُ النَّحْرِ لِلْإبِلِ بِما يُفِيتُ الرُّوحَ مِن مَحْدُودٍ، الأبْتَرُ: الَّذِي لا عَقِبَ لَهُ، والبَتْرُ: القَطْعُ، بَتَرْتُ الشَّيْءَ: قَطَعْتُهُ، وبَتِرَ بِالكَسْرِ فَهو أبْتَرُ: انْقَطَعَ ذَنَبُهُ، وخَطَبَ زِيادٌ خُطْبَتَهُ البَتْراءَ، لِأنَّهُ لَمْ يَحْمَدْ فِيها اللَّهَ تَعالى، ولا صَلّى عَلى رَسُولِهِ ﷺ، ورَجُلٌ أُباتِرٌ بِضَمِّ الهَمْزَةِ: الَّذِي يَقْطَعُ رَحِمَهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎لَئِيمٌ بَدَتْ في أنْفِهِ خُنْزُوانَةٌ عَلى قَطْعِ ذِي القُرْبى أجَذُّ أُباتِرُ والبَتْرِيَّةُ: قَوْمٌ مِنَ الزَّيْدِيَّةِ نُسِبُوا إلى المُغِيرَةِ بْنِ سَعْدٍ، ولَقَبُهُ الأبْتَرُ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. ﴿إنّا أعْطَيْناكَ الكَوْثَرَ﴾ ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وانْحَرْ﴾ ﴿إنَّ شانِئَكَ هو الأبْتَرُ﴾ . هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ في المَشْهُورِ، وقَوْلُ الجُمْهُورِ: مَدَنِيَّةٌ في قَوْلِ الحَسَنِ وعِكْرِمَةَ وقَتادَةَ. ولَمّا ذَكَرَ فِيما قَبْلَها وصْفَ المُنافِقِ بِالبُخْلِ وتَرْكِ الصَّلاةِ والرِّياءِ ومَنعِ الزَّكاةِ، قابَلَ في هَذِهِ السُّورَةِ البُخْلَ بـِ ﴿إنّا أعْطَيْناكَ الكَوْثَرَ﴾ والسَّهْوَ في الصَّلاةِ بِقَوْلِهِ: (فَصَلِّ) والرِّياءَ بِقَوْلِهِ: (لِرَبِّكَ) ومَنعَ الزَّكاةِ بِقَوْلِهِ: ﴿وانْحَرْ﴾ أرادَ بِهِ التَّصَدُّقَ بِلَحْمِ الأضاحِي، فَقابَلَ أرْبَعًا بِأرْبَعٍ، ونَزَلَتْ في العاصِي بْنِ وائِلٍ، كانَ يُسَمِّي الرَّسُولَ بِالأبْتَرِ، وكانَ يَقُولُ: دَعُوهُ إنَّما هو رَجُلٌ أبْتَرُ لا عَقِبَ لَهُ، لَوْ هَلَكَ انْقَطَعَ ذِكْرُهُ واسْتَرَحْتُمْ مِنهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿أعْطَيْناكَ﴾ بِالعَيْنِ، والحَسَنُ وطَلْحَةُ وابْنُ مُحَيْصِنٍ والزَّعْفَرانِيُّ: أنْطَيْناكَ بِالنُّونِ، وهي قِراءَةٌ مَرْوِيَّةٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قالَ التِّبْرِيزِيُّ: هي لُغَةٌ لِلْعَرَبِ العارِبَةِ مِن أُولى قُرَيْشٍ، ومِن كَلامِهِ: (اليَدُ العَلْياءُ المُنْطِيَةُ، واليَدُ السُّفْلى المُنْطاةُ) ومِن كَلامِهِ أيْضًا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: (وأنْطُوا المَنِيحَةَ)، وقالَ الأعْشى: ؎جِيادُكَ خَيْرُ جِيادِ المُلُوكِ ∗∗∗ تُصانُ الحَلالَ وتُنْطى السَّعِيرا قالَ أبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ، وأبُو زَكَرِيّا التِّبْرِيزِيُّ: أبْدَلَ مِنَ العَيْنِ نُونًا، فَإنْ عَيَّنّا النُّونَ في هَذِهِ اللُّغَةِ مَكانَ العَيْنِ في غَيْرِها فَحَسَنٌ، وإنْ عَيَّنّا البَدَلَ الصِّناعِيَّ فَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ كُلُّ واحِدٍ مِنَ اللُّغَتَيْنِ أصْلٌ بِنَفْسِها لِوُجُودِ تَمامِ التَّصَرُّفِ مِن كُلِّ واحِدَةٍ، فَلا يَقُولُ: الأصْلُ العَيْنُ، ثُمَّ أُبْدِلَتِ النُّونُ مِنها. وذَكَرَ في التَّحْرِيرِ في الكَوْثَرِ سِتَّةً وعِشْرِينَ قَوْلًا، والصَّحِيحُ هو ما فَسَّرَهُ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ: (هُوَ نَهْرٌ في الجَنَّةِ، حافَّتاهُ مِن ذَهَبٍ، ومَجْراهُ عَلى الدُّرِّ والياقُوتِ، تُرْبَتُهُ أطْيَبُ مِنِ المِسْكِ، وماؤُهُ أحْلى مِنَ العَسَلِ وأبْيَضُ مِنَ الثَّلْجِ) . قالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، واقْتَطَعْنا مِنهُ، قالَ: (أتَدْرُونَ ما الكَوْثَرُ ؟ قُلْنا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ. قالَ: نَهْرٌ وعَدَنِيهِ رَبِّي عَلَيْهِ خَيْرٌ كَثِيرٌ، هو حَوْضٌ تَرِدُ عَلَيْهِ أُمَّتِي يَوْمَ القِيامَةِ، آنِيَتُهُ عَدَدُ النُّجُومِ) انْتَهى. قالَ ذَلِكَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عِنْدَما نَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ وقَرَأها. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الكَوْثَرُ: الخَيْرُ الكَثِيرُ، وقِيلَ لِابْنِ جُبَيْرٍ: إنَّ ناسًا يَقُولُونَ: هو نَهْرٌ في الجَنَّةِ، فَقالَ: هو مِنَ الخَيْرِ الكَثِيرِ، وقالَ الحَسَنُ: الكَوْثَرُ: القُرْآنُ، وقالَ أبُو بَكْرِ بْنُ عَبّاسٍ، ويَمانُ بْنُ وثّابٍ: كَثْرَةُ الأصْحابِ والأتْباعِ. وقالَ هِلالُ بْنُ يَسافٍ: هو التَّوْحِيدُ، وقالَ جَعْفَرٌ الصّادِقُ: نُورُ قَلْبِهِ دَلَّهُ عَلى اللَّهِ تَعالى وقَطَعَهُ عَمّا سِواهُ، وقالَ عِكْرِمَةُ: النُّبُوَّةُ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ الفَضْلِ: تَيْسِيرُ القُرْآنِ وتَخْفِيفُ الشَّرائِعِ، وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: الإيثارُ، ويَنْبَغِي حَمْلُ هَذِهِ الأقْوالِ عَلى التَّمْثِيلِ، لا أنَّ الكَوْثَرَ مُنْحَصِرٌ في واحِدٍ مِنها، والكَوْثَرُ فَوْعَلٌ مِنَ الكَثْرَةِ، وهو المُفْرِطُ (p-٥٢٠)الكَثْرَةِ، قِيلَ لِأعْرابِيَّةٍ رَجَعَ ابْنُها مِنَ السَّفَرِ: بِمَ آبَ ابْنُكَ ؟ قالَتْ: آبَ بِكَوْثَرٍ، وقالَ الشّاعِرُ: ؎وأنْتَ كَثِيرٌ يابْنَ مَرْوانَ طَيِّبُ ∗∗∗ وكانَ أبُوكَ ابْنُ العَقائِلِ كَوْثَرا ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وانْحَرْ﴾ الظّاهِرُ أنَّ (فَصَلِّ) أمْرٌ بِالصَّلاةِ يَدْخُلُ فِيها المَكْتُوباتُ والنَّوافِلُ، والنَّحْرُ: نَحْرُ الهَدْيِ والنُّسُكِ والضَّحايا، قالَهُ الجُمْهُورُ، ولَمْ يَكُنْ في ذَلِكَ الوَقْتِ جِهادٌ فَأُمِرَ بِهَذَيْنِ، قالَ أنَسٌ: كانَ يَنْحَرُ يَوْمَ الأضْحى قَبْلَ الصَّلاةِ، فَأُمِرَ أنْ يُصَلِّيَ ويَنْحَرَ، وقالَهُ قَتادَةُ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: نَزَلَتْ وقْتَ صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ، قِيلَ لَهُ: صَلِّ وانْحَرِ الهَدْيَ، فَعَلى هَذا الآيَةُ مِنَ المَدَنِيِّ، وفي قَوْلِهِ: (لِرَبِّكَ) تَنْذِيرٌ بِالكُفّارِ حَيْثُ كانَتْ صَلاتُهم مُكاءً وتَصْدِيَةً، ونَحْرُهم لِلْأصْنامِ، وعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: صَلِّ لِرَبِّكَ وضَعْ يَمِينَكَ عَلى شِمالِكَ عِنْدَ نَحْرِكَ في الصَّلاةِ. وقِيلَ: ارْفَعْ يَدَيْكَ في اسْتِفْتاحِ صَلاتِكَ عِنْدَ نَحْرِكَ. وعَنْ عَطِيَّةَ وعِكْرِمَةَ: هي صَلاةُ الفَجْرِ بِجَمْعٍ، والنَّحْرُ بِمِنًى. وقالَ الضَّحّاكُ: اسْتَوِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ جالِسًا حَتّى يَبْدُوَ نَحْرُكَ. وقالَ أبُو الأحْوَصِ: اسْتَقْبِلِ القِبْلَةَ بِنَحْرِكَ. ﴿إنَّ شانِئَكَ﴾ أيْ مُبْغَضُكَ، تَقَدَّمَ أنَّهُ العاصِي بْنُ وائِلٍ، وقِيلَ: أبُو جَهْلٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمّا ماتَ إبْراهِيمُ ابْنُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، خَرَجَ أبُو جَهْلٍ إلى أصْحابِهِ فَقالَ: بَتِرَ مُحَمَّدٌ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّ شانِئَكَ هو الأبْتَرُ﴾ . وقالَ شِمْرُ بْنُ عَطِيَّةَ: هو عُقْبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ، وقالَ قَتادَةُ: الأبْتَرُ هُنا يُرادُ بِهِ الحَقِيرُ الذَّلِيلُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿شانِئَكَ﴾ بِالألِفِ، وابْنُ عَبّاسٍ: (شَيْنَكَ) بِغَيْرِ ألِفٍ، فَقِيلَ: مَقْصُورٌ مِن شانِي، كَما قالُوا: بَرَّرَ وبَرَّ في بارَرَ وبارَّ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِناءً عَلى فَعَلَ، وهو مُضافٌ لِلْمَفْعُولِ إنْ كانَ بِمَعْنى الحالِ أوْ الِاسْتِقْبالِ، وإنْ كانَ بِمَعْنى الماضِي فَتَكُونُ إضافَتُهُ لا مِن نَصْبٍ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ، وقَدْ قالُوا: حَذِرٌ أُمُورًا ومَزِقُونَ عِرْضِي، فَلا يُسْتَوْحَشُ مِن كَوْنِهِ مُضافًا لِلْمَفْعُولِ، وهو مُبْتَدَأٌ، والأحْسَنُ الأعْرَفُ في المَعْنى أنْ يَكُونَ فَصْلًا، أيْ هو المُنْفَرِدُ بِالبَتْرِ المَخْصُوصُ بِهِ لا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَجَمِيعُ المُؤْمِنِينَ أوْلادُهُ، وذِكْرُهُ مَرْفُوعٌ عَلى المَنائِرِ والمَنابِرِ، ومَسْرُودٌ عَلى لِسانِ كُلِّ عالِمٍ وذاكِرٍ إلى آخِرِ الدَّهْرِ، يُبْدَأُ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعالى ويُثَنّى بِذِكْرِهِ، ولَهُ في الآخِرَةِ ما لا يَدْخُلُ تَحْتَ الوَصْفِ ﷺ، وعَلى آلِهِ وشَرَّفَ وكَرَّمَ.

الكافرون 109:1

سُورَةُ الكافِرُونَ مَكِّيَّةٌ وهي سِتُّ آياتٍ ﷽ ﴿قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ﴾ ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ ﴿ولا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ﴾ ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ ﴿لَكم دِينُكم ولِيَ دِينِ﴾ . (p-٥٢١)هَذِهِ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الجُمْهُورِ، ورُوِيَ عَنْ قَتادَةَ أنَّها مَدَنِيَّةٌ، وذَكَرُوا مِن أسْبابِ نُزُولِها أنَّهم قالُوا لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: دَعْ ما أنْتَ فِيهِ ونَحْنُ نُمَوِّلُكَ ونُزَوِّجُكَ مَن شِئْتَ مِن كَرائِمِنا، ونُمَلِّكُكَ عَلَيْنا، وإنْ لَمْ تَفْعَلْ هَذا فَلْتَعْبُدْ آلِهَتَنا ونَحْنُ نَعْبُدُ إلَهَكَ حَتّى نَشْتَرِكَ، فَحَيْثُ كانَ الخَيْرُ نِلْناهُ جَمِيعًا، ولَمّا كانَ أكْثَرُ شانِئِهِ قُرَيْشًا، وطَلَبُوا مِنهُ أنْ يَعْبُدَ آلِهَتَهم سَنَةً ويَعْبُدُوا إلَهَهُ سَنَةً، أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ السُّورَةَ تَبَرِّيًا مِنهم وإخْبارًا لا شَكَّ فِيهِ أنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ، وفي قَوْلِهِ: (قُلْ) دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ مَأْمُورٌ بِذَلِكَ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وخِطابُهُ لَهم بـِ ﴿ياأيُّها الكافِرُونَ﴾ في نادِيهِمْ، ومَكانِ بَسْطَةِ أيْدِيهِمْ مَعَ ما في الوَصْفِ مِنِ الإرْذالِ بِهِمْ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ مَحْرُوسٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى لا يُبالِي بِهِمْ، والكافِرُونَ ناسٌ مَخْصُوصُونَ، وهُمُ الَّذِينَ قالُوا لَهُ تِلْكَ المَقالَةَ: الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، والعاصِي بْنُ وائِلٍ، والأسْوَدُ بْنُ المُطَّلِبِ، وأُمِّيَّةُ وأُبَيٌّ ابْنا خَلَفٍ، وأبُو جَهْلٍ، وابْنا الحَجّاجِ ونُظَراؤُهم مِمَّنْ لَمْ يُسْلِمْ، ووافى عَلى الكُفْرِ تَصْدِيقًا لِلْإخْبارِ في قَوْلِهِ: ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ . ولِلْمُفَسِّرِينَ في هَذِهِ الجُمَلِ أقْوالٌ: أحَدُها: أنَّها لِلتَّوْكِيدِ، فَقَوْلُهُ: ﴿ولا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ﴾ تَوْكِيدٌ لِقَوْلِهِ: ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ . وقَوْلُهُ: ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ ثانِيًا تَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ: ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ أوَّلًا، والتَّوْكِيدُ في لِسانِ العَرَبِ كَثِيرٌ جِدًّا، وحَكَوْا مِن ذَلِكَ نَظْمًا ونَثْرًا ما لا يَكادُ يُحْصَرُ، وفائِدَةُ هَذا التَّوْكِيدِ قَطْعُ أطْماعِ الكُفّارِ، وتَحْقِيقُ الإخْبارِ بِمُوافاتِهِمْ عَلى الكُفْرِ، وأنَّهم لا يُسْلِمُونَ أبَدًا. والثّانِي: أنَّهُ لَيْسَ لِلتَّوْكِيدِ، واخْتَلَفُوا، فَقالَ الأخْفَشُ: المَعْنى لا أعْبُدُ السّاعَةَ ما تَعْبُدُونَ، ولا أنْتُمْ عابِدُونَ السَّنَةَ ما أعْبُدُ، ولا أنا عابِدٌ في المُسْتَقْبَلِ ما عَبَدْتُمْ، ولا أنْتُمْ عابِدُونَ في المُسْتَقْبَلِ ما أعْبُدُ، فَزالَ التَّوْكِيدُ، إذْ قَدْ تَقَيَّدَتْ كُلُّ جُمْلَةٍ بِزَمانٍ مُغايِرٍ. وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: ما في الأُولَيَيْنِ بِمَعْنى الَّذِي، والمَقْصُودُ المَعْبُودُ، وما في الأُخْرَيَيْنِ مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ لا أعْبُدُ عِبادَتَكُمُ المَبْنِيَّةَ عَلى الشَّكِّ وتَرْكِ النَّظَرِ، ولا أنْتُمْ تَعْبُدُونَ مِثْلَ عِبادَتِي المَبْنِيَّةِ عَلى اليَقِينِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لَمّا كانَ قَوْلُهُ: (لا أعْبُدُ) مُحْتَمِلًا أنْ يُرادَ بِهِ الآنَ، ويَبْقى المُسْتَأْنَفُ مُنْتَظَرًا ما يَكُونُ فِيهِ، جاءَ البَيانُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ﴾ أبَدًا وما حَيِيتُ، ثُمَّ جاءَ قَوْلُهُ: ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ الثّانِي حَتْمًا عَلَيْهِمْ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِهِ أبَدًا، كالَّذِي كَشَفَ الغَيْبَ، فَهَذا كَما قِيلَ لِنُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿أنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إلّا مَن قَدْ آمَنَ﴾ [هود: ٣٦] . أمّا أنَّ هَذا في مُعَيَّنِينَ، وقَوْمُ نُوحٍ عُمُّوا بِذَلِكَ، فَهَذا مَعْنى التَّرْدِيدِ الَّذِي في السُّورَةِ، وهو بارِعُ الفَصاحَةِ، ولَيْسَ بِتَكْرارٍ فَقَطْ، بَلْ فِيهِ ما ذَكَرْتُهُ. انْتَهى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (لا أعْبُدُ) أُرِيدَتْ بِهِ العِبادَةُ فِيما يُسْتَقْبَلُ، لِأنَّ (لا) لا تَدْخُلُ إلّا عَلى مُضارِعٍ في مَعْنى الِاسْتِقْبالِ، كَما أنَّ (ما) لا تَدْخُلُ إلّا عَلى مُضارِعٍ في مَعْنى الحالِ، والمَعْنى: لا أفْعَلُ في المُسْتَقْبَلِ ما تَطْلُبُونَهُ مِنِّي مِن عِبادَةِ آلِهَتِكم، ولا أنْتُمْ فاعِلُونَ فِيهِ ما أطْلُبُ مِنكم مِن عِبادَةِ إلَهِي. (p-٥٢٢)﴿ولا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ﴾ أيْ وما كُنْتُ قَطُّ عابِدًا فِيما سَلَفَ ما عَبَدْتُمْ فِيهِ، يَعْنِي: لَمْ تُعْهَدْ مِنِّي عِبادَةُ صَنَمٍ في الجاهِلِيَّةِ، فَكَيْفَ تُرْجى مِنِّي في الإسْلامِ ؟ ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ أيْ وما عَبَدْتُمْ في وقْتٍ ما أنا عَلى عِبادَتِهِ، فَإنْ قُلْتَ: فَهَلّا قِيلَ ما عَبَدْتُ كَما قِيلَ ما عَبَدْتُمْ ؟ قُلْتُ: لِأنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَ الأصْنامَ قَبْلَ البَعْثِ، وهو لَمْ يَكُنْ يَعْبُدُ اللَّهَ تَعالى في ذَلِكَ الوَقْتِ. انْتَهى. أمّا حَصْرُهُ في قَوْلِهِ: لِأنَّ (لا) لا تَدْخُلُ، وفي قَوْلِهِ: (ما) لا تَدْخُلُ، فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ، بَلْ ذَلِكَ غالِبٌ فِيهِما لا مُتَحَتِّمٌ. وقَدْ ذَكَرَ النُّحاةُ دُخُولَ (لا) عَلى المُضارِعِ يُرادُ بِهِ الحالُ، ودُخُولَ (ما) عَلى المُضارِعِ يُرادُ بِهِ الِاسْتِقْبالُ، وذَلِكَ مَذْكُورٌ في المَبْسُوطاتِ مِن كُتُبِ النَّحْوِ، ولِذَلِكَ لَمْ يُورِدْ سِيبَوَيْهِ ذَلِكَ بِأداةِ الحَصْرِ، إنَّما قالَ: وتَكُونُ لا نَفْيًا لِقَوْلِهِ يَفْعَلُ، ولَمْ يَقَعِ الفِعْلُ، وقالَ: وأمّا ما فَهي نَفْيٌ لِقَوْلِهِ هو يَفْعَلُ إذا كانَ في حالِ الفِعْلِ، فَذَكَرَ الغالِبَ فِيهِما. وأمّا قَوْلُهُ: في قَوْلِهِ ﴿ولا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ﴾ أيْ وما كُنْتُ قَطُّ عابِدًا فِيما سَلَفَ ما عَبَدْتُمْ فِيهِ، فَلا يَسْتَقِيمُ؛ لِأنَّ عابِدًا اسْمُ فاعِلٍ قَدْ عَمِلَ في ﴿ما عَبَدْتُمْ﴾، فَلا يُفَسَّرُ بِالماضِي، إنَّما يُفَسَّرُ بِالحالِ أوْ الِاسْتِقْبالِ، ولَيْسَ مَذْهَبُهُ في اسْمِ الفاعِلِ مَذْهَبَ الكِسائِيِّ وهِشامٍ مِن جَوازِ إعْمالِهِ ماضِيًا. وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ أيْ وما عَبَدْتُمْ في وقْتٍ ما أنا عَلى عِبادَتِهِ، فَعابِدُونَ قَدْ أعْمَلَهُ فِيما أعْبُدُ، فَلا يُفَسَّرُ بِالماضِي، وأمّا قَوْلُهُ: وهو لَمْ يَكُنْ إلى آخِرِهِ، فَسُوءُ أدَبٍ مِنهُ عَلى مَنصِبِ النُّبُوَّةِ، وهو أيْضًا غَيْرُ صَحِيحٍ، لِأنَّهُ ﷺ، لَمْ يَزَلْ مُوَحِّدًا لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ مُنَزِّهًا لَهُ عَنْ كُلِّ ما لا يَلِيقُ بِجَلالِهِ، مُجْتَنِبًا لِأصْنامِهِمْ بِحَجِّ بَيْتِ اللَّهِ، ويَقِفُ بِمَشاعِرِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وهَذِهِ عِبادَةٌ لِلَّهِ تَعالى، وأيُّ عِبادَةٍ أعْظَمُ مِن تَوْحِيدِ اللَّهِ تَعالى ونَبْذِ أصْنامِهِمْ، والمَعْرِفَةُ بِاللَّهِ تَعالى مِن أعْظَمِ العِباداتِ، قالَ تَعالى: ﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] قالَ المُفَسِّرُونَ: مَعْناهُ لِيَعْرِفُونِ، فَسَمّى اللَّهُ تَعالى المَعْرِفَةَ بِهِ عِبادَةً. والَّذِي أخْتارُهُ في هَذِهِ الجُمَلِ أنَّهُ أوَّلًا: نَفى عِبادَتَهُ في المُسْتَقْبَلِ؛ لِأنَّ لا الغالِبُ أنَّها تَنْفِي المُسْتَقْبَلَ، قِيلَ: ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ نَفْيًا لِلْمُسْتَقْبَلِ عَلى سَبِيلِ المُقابَلَةِ، ثُمَّ قالَ: ﴿ولا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ﴾ نَفْيًا لِلْحالِ، لِأنَّ اسْمَ الفاعِلِ العامِلَ الحَقِيقَةُ فِيهِ دَلالَتُهُ عَلى الحالِ، ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ نَفْيًا لِلْحالِ عَلى سَبِيلِ المُقابَلَةِ، فانْتَظَمَ المَعْنى أنَّهُ ﷺ، لا يَعْبُدُ ما يَعْبُدُونَ، لا حالًا ولا مُسْتَقْبَلًا، وهم كَذَلِكَ، إذْ قَدْ حَتَّمَ اللَّهُ مُوافاتَهم عَلى الكُفْرِ، ولَمّا قالَ: ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ فَأطْلَقَ ما عَلى الأصْنامِ، قابَلَ الكَلامَ بِما في قَوْلِهِ: (ما أعْبُدُ) وإنْ كانَتْ يُرادُ بِها اللَّهُ تَعالى، لِأنَّ المُقابَلَةَ يَسُوغُ فِيها ما لا يَسُوغُ مَعَ الِانْفِرادِ، وهَذا عَلى مَذْهَبِ مَن يَقُولُ: إنَّ ما لا تَقَعُ عَلى آحادِ مَن يَعْلَمُ، أمّا مَن جَوَّزَ ذَلِكَ، وهو مَنسُوبٌ إلى سِيبَوَيْهِ، فَلا يَحْتاجُ إلى اسْتِعْذارٍ بِالتَّقابُلِ، وقِيلَ: ما مَصْدَرِيَّةٌ في قَوْلِهِ: (ما أعْبُدُ)، وقِيلَ: فِيها جَمِيعِها، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: المُرادُ الصِّفَةُ، كَأنَّهُ قِيلَ: لا أعْبُدُ الباطِلَ، ولا تَعْبُدُونَ الحَقَّ. ﴿لَكم دِينُكم ولِيَ دِينِ﴾ أيْ لَكم شِرْكُكم ولِيَ تَوْحِيدِي، وهَذا غايَةٌ في التَّبَرُّؤِ، ولَمّا كانَ الأهَمُّ انْتِفاءَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن دِينِهِمْ، بَدَأ بِالنَّفْيِ في الجُمَلِ السّابِقَةِ بِالمَنسُوبِ إلَيْهِ، ولَمّا تَحَقَّقَ النَّفْيُ رَجَعَ إلى خِطابِهِمْ في قَوْلِهِ: ﴿لَكم دِينُكُمْ﴾ عَلى سَبِيلِ المُهادَنَةِ، وهي مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ، وقَرَأ سَلامٌ: (دِينِي) بِياءٍ وصْلًا ووَقْفًا، وحَذَفَها القُرّاءُ السَّبْعَةُ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

الكافرون 109:2

سُورَةُ الكافِرُونَ مَكِّيَّةٌ وهي سِتُّ آياتٍ ﷽ ﴿قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ﴾ ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ ﴿ولا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ﴾ ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ ﴿لَكم دِينُكم ولِيَ دِينِ﴾ . (p-٥٢١)هَذِهِ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الجُمْهُورِ، ورُوِيَ عَنْ قَتادَةَ أنَّها مَدَنِيَّةٌ، وذَكَرُوا مِن أسْبابِ نُزُولِها أنَّهم قالُوا لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: دَعْ ما أنْتَ فِيهِ ونَحْنُ نُمَوِّلُكَ ونُزَوِّجُكَ مَن شِئْتَ مِن كَرائِمِنا، ونُمَلِّكُكَ عَلَيْنا، وإنْ لَمْ تَفْعَلْ هَذا فَلْتَعْبُدْ آلِهَتَنا ونَحْنُ نَعْبُدُ إلَهَكَ حَتّى نَشْتَرِكَ، فَحَيْثُ كانَ الخَيْرُ نِلْناهُ جَمِيعًا، ولَمّا كانَ أكْثَرُ شانِئِهِ قُرَيْشًا، وطَلَبُوا مِنهُ أنْ يَعْبُدَ آلِهَتَهم سَنَةً ويَعْبُدُوا إلَهَهُ سَنَةً، أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ السُّورَةَ تَبَرِّيًا مِنهم وإخْبارًا لا شَكَّ فِيهِ أنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ، وفي قَوْلِهِ: (قُلْ) دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ مَأْمُورٌ بِذَلِكَ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وخِطابُهُ لَهم بـِ ﴿ياأيُّها الكافِرُونَ﴾ في نادِيهِمْ، ومَكانِ بَسْطَةِ أيْدِيهِمْ مَعَ ما في الوَصْفِ مِنِ الإرْذالِ بِهِمْ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ مَحْرُوسٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى لا يُبالِي بِهِمْ، والكافِرُونَ ناسٌ مَخْصُوصُونَ، وهُمُ الَّذِينَ قالُوا لَهُ تِلْكَ المَقالَةَ: الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، والعاصِي بْنُ وائِلٍ، والأسْوَدُ بْنُ المُطَّلِبِ، وأُمِّيَّةُ وأُبَيٌّ ابْنا خَلَفٍ، وأبُو جَهْلٍ، وابْنا الحَجّاجِ ونُظَراؤُهم مِمَّنْ لَمْ يُسْلِمْ، ووافى عَلى الكُفْرِ تَصْدِيقًا لِلْإخْبارِ في قَوْلِهِ: ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ . ولِلْمُفَسِّرِينَ في هَذِهِ الجُمَلِ أقْوالٌ: أحَدُها: أنَّها لِلتَّوْكِيدِ، فَقَوْلُهُ: ﴿ولا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ﴾ تَوْكِيدٌ لِقَوْلِهِ: ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ . وقَوْلُهُ: ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ ثانِيًا تَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ: ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ أوَّلًا، والتَّوْكِيدُ في لِسانِ العَرَبِ كَثِيرٌ جِدًّا، وحَكَوْا مِن ذَلِكَ نَظْمًا ونَثْرًا ما لا يَكادُ يُحْصَرُ، وفائِدَةُ هَذا التَّوْكِيدِ قَطْعُ أطْماعِ الكُفّارِ، وتَحْقِيقُ الإخْبارِ بِمُوافاتِهِمْ عَلى الكُفْرِ، وأنَّهم لا يُسْلِمُونَ أبَدًا. والثّانِي: أنَّهُ لَيْسَ لِلتَّوْكِيدِ، واخْتَلَفُوا، فَقالَ الأخْفَشُ: المَعْنى لا أعْبُدُ السّاعَةَ ما تَعْبُدُونَ، ولا أنْتُمْ عابِدُونَ السَّنَةَ ما أعْبُدُ، ولا أنا عابِدٌ في المُسْتَقْبَلِ ما عَبَدْتُمْ، ولا أنْتُمْ عابِدُونَ في المُسْتَقْبَلِ ما أعْبُدُ، فَزالَ التَّوْكِيدُ، إذْ قَدْ تَقَيَّدَتْ كُلُّ جُمْلَةٍ بِزَمانٍ مُغايِرٍ. وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: ما في الأُولَيَيْنِ بِمَعْنى الَّذِي، والمَقْصُودُ المَعْبُودُ، وما في الأُخْرَيَيْنِ مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ لا أعْبُدُ عِبادَتَكُمُ المَبْنِيَّةَ عَلى الشَّكِّ وتَرْكِ النَّظَرِ، ولا أنْتُمْ تَعْبُدُونَ مِثْلَ عِبادَتِي المَبْنِيَّةِ عَلى اليَقِينِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لَمّا كانَ قَوْلُهُ: (لا أعْبُدُ) مُحْتَمِلًا أنْ يُرادَ بِهِ الآنَ، ويَبْقى المُسْتَأْنَفُ مُنْتَظَرًا ما يَكُونُ فِيهِ، جاءَ البَيانُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ﴾ أبَدًا وما حَيِيتُ، ثُمَّ جاءَ قَوْلُهُ: ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ الثّانِي حَتْمًا عَلَيْهِمْ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِهِ أبَدًا، كالَّذِي كَشَفَ الغَيْبَ، فَهَذا كَما قِيلَ لِنُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿أنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إلّا مَن قَدْ آمَنَ﴾ [هود: ٣٦] . أمّا أنَّ هَذا في مُعَيَّنِينَ، وقَوْمُ نُوحٍ عُمُّوا بِذَلِكَ، فَهَذا مَعْنى التَّرْدِيدِ الَّذِي في السُّورَةِ، وهو بارِعُ الفَصاحَةِ، ولَيْسَ بِتَكْرارٍ فَقَطْ، بَلْ فِيهِ ما ذَكَرْتُهُ. انْتَهى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (لا أعْبُدُ) أُرِيدَتْ بِهِ العِبادَةُ فِيما يُسْتَقْبَلُ، لِأنَّ (لا) لا تَدْخُلُ إلّا عَلى مُضارِعٍ في مَعْنى الِاسْتِقْبالِ، كَما أنَّ (ما) لا تَدْخُلُ إلّا عَلى مُضارِعٍ في مَعْنى الحالِ، والمَعْنى: لا أفْعَلُ في المُسْتَقْبَلِ ما تَطْلُبُونَهُ مِنِّي مِن عِبادَةِ آلِهَتِكم، ولا أنْتُمْ فاعِلُونَ فِيهِ ما أطْلُبُ مِنكم مِن عِبادَةِ إلَهِي. (p-٥٢٢)﴿ولا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ﴾ أيْ وما كُنْتُ قَطُّ عابِدًا فِيما سَلَفَ ما عَبَدْتُمْ فِيهِ، يَعْنِي: لَمْ تُعْهَدْ مِنِّي عِبادَةُ صَنَمٍ في الجاهِلِيَّةِ، فَكَيْفَ تُرْجى مِنِّي في الإسْلامِ ؟ ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ أيْ وما عَبَدْتُمْ في وقْتٍ ما أنا عَلى عِبادَتِهِ، فَإنْ قُلْتَ: فَهَلّا قِيلَ ما عَبَدْتُ كَما قِيلَ ما عَبَدْتُمْ ؟ قُلْتُ: لِأنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَ الأصْنامَ قَبْلَ البَعْثِ، وهو لَمْ يَكُنْ يَعْبُدُ اللَّهَ تَعالى في ذَلِكَ الوَقْتِ. انْتَهى. أمّا حَصْرُهُ في قَوْلِهِ: لِأنَّ (لا) لا تَدْخُلُ، وفي قَوْلِهِ: (ما) لا تَدْخُلُ، فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ، بَلْ ذَلِكَ غالِبٌ فِيهِما لا مُتَحَتِّمٌ. وقَدْ ذَكَرَ النُّحاةُ دُخُولَ (لا) عَلى المُضارِعِ يُرادُ بِهِ الحالُ، ودُخُولَ (ما) عَلى المُضارِعِ يُرادُ بِهِ الِاسْتِقْبالُ، وذَلِكَ مَذْكُورٌ في المَبْسُوطاتِ مِن كُتُبِ النَّحْوِ، ولِذَلِكَ لَمْ يُورِدْ سِيبَوَيْهِ ذَلِكَ بِأداةِ الحَصْرِ، إنَّما قالَ: وتَكُونُ لا نَفْيًا لِقَوْلِهِ يَفْعَلُ، ولَمْ يَقَعِ الفِعْلُ، وقالَ: وأمّا ما فَهي نَفْيٌ لِقَوْلِهِ هو يَفْعَلُ إذا كانَ في حالِ الفِعْلِ، فَذَكَرَ الغالِبَ فِيهِما. وأمّا قَوْلُهُ: في قَوْلِهِ ﴿ولا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ﴾ أيْ وما كُنْتُ قَطُّ عابِدًا فِيما سَلَفَ ما عَبَدْتُمْ فِيهِ، فَلا يَسْتَقِيمُ؛ لِأنَّ عابِدًا اسْمُ فاعِلٍ قَدْ عَمِلَ في ﴿ما عَبَدْتُمْ﴾، فَلا يُفَسَّرُ بِالماضِي، إنَّما يُفَسَّرُ بِالحالِ أوْ الِاسْتِقْبالِ، ولَيْسَ مَذْهَبُهُ في اسْمِ الفاعِلِ مَذْهَبَ الكِسائِيِّ وهِشامٍ مِن جَوازِ إعْمالِهِ ماضِيًا. وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ أيْ وما عَبَدْتُمْ في وقْتٍ ما أنا عَلى عِبادَتِهِ، فَعابِدُونَ قَدْ أعْمَلَهُ فِيما أعْبُدُ، فَلا يُفَسَّرُ بِالماضِي، وأمّا قَوْلُهُ: وهو لَمْ يَكُنْ إلى آخِرِهِ، فَسُوءُ أدَبٍ مِنهُ عَلى مَنصِبِ النُّبُوَّةِ، وهو أيْضًا غَيْرُ صَحِيحٍ، لِأنَّهُ ﷺ، لَمْ يَزَلْ مُوَحِّدًا لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ مُنَزِّهًا لَهُ عَنْ كُلِّ ما لا يَلِيقُ بِجَلالِهِ، مُجْتَنِبًا لِأصْنامِهِمْ بِحَجِّ بَيْتِ اللَّهِ، ويَقِفُ بِمَشاعِرِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وهَذِهِ عِبادَةٌ لِلَّهِ تَعالى، وأيُّ عِبادَةٍ أعْظَمُ مِن تَوْحِيدِ اللَّهِ تَعالى ونَبْذِ أصْنامِهِمْ، والمَعْرِفَةُ بِاللَّهِ تَعالى مِن أعْظَمِ العِباداتِ، قالَ تَعالى: ﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] قالَ المُفَسِّرُونَ: مَعْناهُ لِيَعْرِفُونِ، فَسَمّى اللَّهُ تَعالى المَعْرِفَةَ بِهِ عِبادَةً. والَّذِي أخْتارُهُ في هَذِهِ الجُمَلِ أنَّهُ أوَّلًا: نَفى عِبادَتَهُ في المُسْتَقْبَلِ؛ لِأنَّ لا الغالِبُ أنَّها تَنْفِي المُسْتَقْبَلَ، قِيلَ: ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ نَفْيًا لِلْمُسْتَقْبَلِ عَلى سَبِيلِ المُقابَلَةِ، ثُمَّ قالَ: ﴿ولا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ﴾ نَفْيًا لِلْحالِ، لِأنَّ اسْمَ الفاعِلِ العامِلَ الحَقِيقَةُ فِيهِ دَلالَتُهُ عَلى الحالِ، ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ نَفْيًا لِلْحالِ عَلى سَبِيلِ المُقابَلَةِ، فانْتَظَمَ المَعْنى أنَّهُ ﷺ، لا يَعْبُدُ ما يَعْبُدُونَ، لا حالًا ولا مُسْتَقْبَلًا، وهم كَذَلِكَ، إذْ قَدْ حَتَّمَ اللَّهُ مُوافاتَهم عَلى الكُفْرِ، ولَمّا قالَ: ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ فَأطْلَقَ ما عَلى الأصْنامِ، قابَلَ الكَلامَ بِما في قَوْلِهِ: (ما أعْبُدُ) وإنْ كانَتْ يُرادُ بِها اللَّهُ تَعالى، لِأنَّ المُقابَلَةَ يَسُوغُ فِيها ما لا يَسُوغُ مَعَ الِانْفِرادِ، وهَذا عَلى مَذْهَبِ مَن يَقُولُ: إنَّ ما لا تَقَعُ عَلى آحادِ مَن يَعْلَمُ، أمّا مَن جَوَّزَ ذَلِكَ، وهو مَنسُوبٌ إلى سِيبَوَيْهِ، فَلا يَحْتاجُ إلى اسْتِعْذارٍ بِالتَّقابُلِ، وقِيلَ: ما مَصْدَرِيَّةٌ في قَوْلِهِ: (ما أعْبُدُ)، وقِيلَ: فِيها جَمِيعِها، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: المُرادُ الصِّفَةُ، كَأنَّهُ قِيلَ: لا أعْبُدُ الباطِلَ، ولا تَعْبُدُونَ الحَقَّ. ﴿لَكم دِينُكم ولِيَ دِينِ﴾ أيْ لَكم شِرْكُكم ولِيَ تَوْحِيدِي، وهَذا غايَةٌ في التَّبَرُّؤِ، ولَمّا كانَ الأهَمُّ انْتِفاءَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن دِينِهِمْ، بَدَأ بِالنَّفْيِ في الجُمَلِ السّابِقَةِ بِالمَنسُوبِ إلَيْهِ، ولَمّا تَحَقَّقَ النَّفْيُ رَجَعَ إلى خِطابِهِمْ في قَوْلِهِ: ﴿لَكم دِينُكُمْ﴾ عَلى سَبِيلِ المُهادَنَةِ، وهي مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ، وقَرَأ سَلامٌ: (دِينِي) بِياءٍ وصْلًا ووَقْفًا، وحَذَفَها القُرّاءُ السَّبْعَةُ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

الكافرون 109:3

سُورَةُ الكافِرُونَ مَكِّيَّةٌ وهي سِتُّ آياتٍ ﷽ ﴿قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ﴾ ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ ﴿ولا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ﴾ ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ ﴿لَكم دِينُكم ولِيَ دِينِ﴾ . (p-٥٢١)هَذِهِ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الجُمْهُورِ، ورُوِيَ عَنْ قَتادَةَ أنَّها مَدَنِيَّةٌ، وذَكَرُوا مِن أسْبابِ نُزُولِها أنَّهم قالُوا لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: دَعْ ما أنْتَ فِيهِ ونَحْنُ نُمَوِّلُكَ ونُزَوِّجُكَ مَن شِئْتَ مِن كَرائِمِنا، ونُمَلِّكُكَ عَلَيْنا، وإنْ لَمْ تَفْعَلْ هَذا فَلْتَعْبُدْ آلِهَتَنا ونَحْنُ نَعْبُدُ إلَهَكَ حَتّى نَشْتَرِكَ، فَحَيْثُ كانَ الخَيْرُ نِلْناهُ جَمِيعًا، ولَمّا كانَ أكْثَرُ شانِئِهِ قُرَيْشًا، وطَلَبُوا مِنهُ أنْ يَعْبُدَ آلِهَتَهم سَنَةً ويَعْبُدُوا إلَهَهُ سَنَةً، أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ السُّورَةَ تَبَرِّيًا مِنهم وإخْبارًا لا شَكَّ فِيهِ أنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ، وفي قَوْلِهِ: (قُلْ) دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ مَأْمُورٌ بِذَلِكَ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وخِطابُهُ لَهم بـِ ﴿ياأيُّها الكافِرُونَ﴾ في نادِيهِمْ، ومَكانِ بَسْطَةِ أيْدِيهِمْ مَعَ ما في الوَصْفِ مِنِ الإرْذالِ بِهِمْ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ مَحْرُوسٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى لا يُبالِي بِهِمْ، والكافِرُونَ ناسٌ مَخْصُوصُونَ، وهُمُ الَّذِينَ قالُوا لَهُ تِلْكَ المَقالَةَ: الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، والعاصِي بْنُ وائِلٍ، والأسْوَدُ بْنُ المُطَّلِبِ، وأُمِّيَّةُ وأُبَيٌّ ابْنا خَلَفٍ، وأبُو جَهْلٍ، وابْنا الحَجّاجِ ونُظَراؤُهم مِمَّنْ لَمْ يُسْلِمْ، ووافى عَلى الكُفْرِ تَصْدِيقًا لِلْإخْبارِ في قَوْلِهِ: ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ . ولِلْمُفَسِّرِينَ في هَذِهِ الجُمَلِ أقْوالٌ: أحَدُها: أنَّها لِلتَّوْكِيدِ، فَقَوْلُهُ: ﴿ولا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ﴾ تَوْكِيدٌ لِقَوْلِهِ: ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ . وقَوْلُهُ: ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ ثانِيًا تَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ: ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ أوَّلًا، والتَّوْكِيدُ في لِسانِ العَرَبِ كَثِيرٌ جِدًّا، وحَكَوْا مِن ذَلِكَ نَظْمًا ونَثْرًا ما لا يَكادُ يُحْصَرُ، وفائِدَةُ هَذا التَّوْكِيدِ قَطْعُ أطْماعِ الكُفّارِ، وتَحْقِيقُ الإخْبارِ بِمُوافاتِهِمْ عَلى الكُفْرِ، وأنَّهم لا يُسْلِمُونَ أبَدًا. والثّانِي: أنَّهُ لَيْسَ لِلتَّوْكِيدِ، واخْتَلَفُوا، فَقالَ الأخْفَشُ: المَعْنى لا أعْبُدُ السّاعَةَ ما تَعْبُدُونَ، ولا أنْتُمْ عابِدُونَ السَّنَةَ ما أعْبُدُ، ولا أنا عابِدٌ في المُسْتَقْبَلِ ما عَبَدْتُمْ، ولا أنْتُمْ عابِدُونَ في المُسْتَقْبَلِ ما أعْبُدُ، فَزالَ التَّوْكِيدُ، إذْ قَدْ تَقَيَّدَتْ كُلُّ جُمْلَةٍ بِزَمانٍ مُغايِرٍ. وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: ما في الأُولَيَيْنِ بِمَعْنى الَّذِي، والمَقْصُودُ المَعْبُودُ، وما في الأُخْرَيَيْنِ مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ لا أعْبُدُ عِبادَتَكُمُ المَبْنِيَّةَ عَلى الشَّكِّ وتَرْكِ النَّظَرِ، ولا أنْتُمْ تَعْبُدُونَ مِثْلَ عِبادَتِي المَبْنِيَّةِ عَلى اليَقِينِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لَمّا كانَ قَوْلُهُ: (لا أعْبُدُ) مُحْتَمِلًا أنْ يُرادَ بِهِ الآنَ، ويَبْقى المُسْتَأْنَفُ مُنْتَظَرًا ما يَكُونُ فِيهِ، جاءَ البَيانُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ﴾ أبَدًا وما حَيِيتُ، ثُمَّ جاءَ قَوْلُهُ: ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ الثّانِي حَتْمًا عَلَيْهِمْ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِهِ أبَدًا، كالَّذِي كَشَفَ الغَيْبَ، فَهَذا كَما قِيلَ لِنُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿أنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إلّا مَن قَدْ آمَنَ﴾ [هود: ٣٦] . أمّا أنَّ هَذا في مُعَيَّنِينَ، وقَوْمُ نُوحٍ عُمُّوا بِذَلِكَ، فَهَذا مَعْنى التَّرْدِيدِ الَّذِي في السُّورَةِ، وهو بارِعُ الفَصاحَةِ، ولَيْسَ بِتَكْرارٍ فَقَطْ، بَلْ فِيهِ ما ذَكَرْتُهُ. انْتَهى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (لا أعْبُدُ) أُرِيدَتْ بِهِ العِبادَةُ فِيما يُسْتَقْبَلُ، لِأنَّ (لا) لا تَدْخُلُ إلّا عَلى مُضارِعٍ في مَعْنى الِاسْتِقْبالِ، كَما أنَّ (ما) لا تَدْخُلُ إلّا عَلى مُضارِعٍ في مَعْنى الحالِ، والمَعْنى: لا أفْعَلُ في المُسْتَقْبَلِ ما تَطْلُبُونَهُ مِنِّي مِن عِبادَةِ آلِهَتِكم، ولا أنْتُمْ فاعِلُونَ فِيهِ ما أطْلُبُ مِنكم مِن عِبادَةِ إلَهِي. (p-٥٢٢)﴿ولا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ﴾ أيْ وما كُنْتُ قَطُّ عابِدًا فِيما سَلَفَ ما عَبَدْتُمْ فِيهِ، يَعْنِي: لَمْ تُعْهَدْ مِنِّي عِبادَةُ صَنَمٍ في الجاهِلِيَّةِ، فَكَيْفَ تُرْجى مِنِّي في الإسْلامِ ؟ ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ أيْ وما عَبَدْتُمْ في وقْتٍ ما أنا عَلى عِبادَتِهِ، فَإنْ قُلْتَ: فَهَلّا قِيلَ ما عَبَدْتُ كَما قِيلَ ما عَبَدْتُمْ ؟ قُلْتُ: لِأنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَ الأصْنامَ قَبْلَ البَعْثِ، وهو لَمْ يَكُنْ يَعْبُدُ اللَّهَ تَعالى في ذَلِكَ الوَقْتِ. انْتَهى. أمّا حَصْرُهُ في قَوْلِهِ: لِأنَّ (لا) لا تَدْخُلُ، وفي قَوْلِهِ: (ما) لا تَدْخُلُ، فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ، بَلْ ذَلِكَ غالِبٌ فِيهِما لا مُتَحَتِّمٌ. وقَدْ ذَكَرَ النُّحاةُ دُخُولَ (لا) عَلى المُضارِعِ يُرادُ بِهِ الحالُ، ودُخُولَ (ما) عَلى المُضارِعِ يُرادُ بِهِ الِاسْتِقْبالُ، وذَلِكَ مَذْكُورٌ في المَبْسُوطاتِ مِن كُتُبِ النَّحْوِ، ولِذَلِكَ لَمْ يُورِدْ سِيبَوَيْهِ ذَلِكَ بِأداةِ الحَصْرِ، إنَّما قالَ: وتَكُونُ لا نَفْيًا لِقَوْلِهِ يَفْعَلُ، ولَمْ يَقَعِ الفِعْلُ، وقالَ: وأمّا ما فَهي نَفْيٌ لِقَوْلِهِ هو يَفْعَلُ إذا كانَ في حالِ الفِعْلِ، فَذَكَرَ الغالِبَ فِيهِما. وأمّا قَوْلُهُ: في قَوْلِهِ ﴿ولا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ﴾ أيْ وما كُنْتُ قَطُّ عابِدًا فِيما سَلَفَ ما عَبَدْتُمْ فِيهِ، فَلا يَسْتَقِيمُ؛ لِأنَّ عابِدًا اسْمُ فاعِلٍ قَدْ عَمِلَ في ﴿ما عَبَدْتُمْ﴾، فَلا يُفَسَّرُ بِالماضِي، إنَّما يُفَسَّرُ بِالحالِ أوْ الِاسْتِقْبالِ، ولَيْسَ مَذْهَبُهُ في اسْمِ الفاعِلِ مَذْهَبَ الكِسائِيِّ وهِشامٍ مِن جَوازِ إعْمالِهِ ماضِيًا. وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ أيْ وما عَبَدْتُمْ في وقْتٍ ما أنا عَلى عِبادَتِهِ، فَعابِدُونَ قَدْ أعْمَلَهُ فِيما أعْبُدُ، فَلا يُفَسَّرُ بِالماضِي، وأمّا قَوْلُهُ: وهو لَمْ يَكُنْ إلى آخِرِهِ، فَسُوءُ أدَبٍ مِنهُ عَلى مَنصِبِ النُّبُوَّةِ، وهو أيْضًا غَيْرُ صَحِيحٍ، لِأنَّهُ ﷺ، لَمْ يَزَلْ مُوَحِّدًا لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ مُنَزِّهًا لَهُ عَنْ كُلِّ ما لا يَلِيقُ بِجَلالِهِ، مُجْتَنِبًا لِأصْنامِهِمْ بِحَجِّ بَيْتِ اللَّهِ، ويَقِفُ بِمَشاعِرِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وهَذِهِ عِبادَةٌ لِلَّهِ تَعالى، وأيُّ عِبادَةٍ أعْظَمُ مِن تَوْحِيدِ اللَّهِ تَعالى ونَبْذِ أصْنامِهِمْ، والمَعْرِفَةُ بِاللَّهِ تَعالى مِن أعْظَمِ العِباداتِ، قالَ تَعالى: ﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] قالَ المُفَسِّرُونَ: مَعْناهُ لِيَعْرِفُونِ، فَسَمّى اللَّهُ تَعالى المَعْرِفَةَ بِهِ عِبادَةً. والَّذِي أخْتارُهُ في هَذِهِ الجُمَلِ أنَّهُ أوَّلًا: نَفى عِبادَتَهُ في المُسْتَقْبَلِ؛ لِأنَّ لا الغالِبُ أنَّها تَنْفِي المُسْتَقْبَلَ، قِيلَ: ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ نَفْيًا لِلْمُسْتَقْبَلِ عَلى سَبِيلِ المُقابَلَةِ، ثُمَّ قالَ: ﴿ولا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ﴾ نَفْيًا لِلْحالِ، لِأنَّ اسْمَ الفاعِلِ العامِلَ الحَقِيقَةُ فِيهِ دَلالَتُهُ عَلى الحالِ، ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ نَفْيًا لِلْحالِ عَلى سَبِيلِ المُقابَلَةِ، فانْتَظَمَ المَعْنى أنَّهُ ﷺ، لا يَعْبُدُ ما يَعْبُدُونَ، لا حالًا ولا مُسْتَقْبَلًا، وهم كَذَلِكَ، إذْ قَدْ حَتَّمَ اللَّهُ مُوافاتَهم عَلى الكُفْرِ، ولَمّا قالَ: ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ فَأطْلَقَ ما عَلى الأصْنامِ، قابَلَ الكَلامَ بِما في قَوْلِهِ: (ما أعْبُدُ) وإنْ كانَتْ يُرادُ بِها اللَّهُ تَعالى، لِأنَّ المُقابَلَةَ يَسُوغُ فِيها ما لا يَسُوغُ مَعَ الِانْفِرادِ، وهَذا عَلى مَذْهَبِ مَن يَقُولُ: إنَّ ما لا تَقَعُ عَلى آحادِ مَن يَعْلَمُ، أمّا مَن جَوَّزَ ذَلِكَ، وهو مَنسُوبٌ إلى سِيبَوَيْهِ، فَلا يَحْتاجُ إلى اسْتِعْذارٍ بِالتَّقابُلِ، وقِيلَ: ما مَصْدَرِيَّةٌ في قَوْلِهِ: (ما أعْبُدُ)، وقِيلَ: فِيها جَمِيعِها، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: المُرادُ الصِّفَةُ، كَأنَّهُ قِيلَ: لا أعْبُدُ الباطِلَ، ولا تَعْبُدُونَ الحَقَّ. ﴿لَكم دِينُكم ولِيَ دِينِ﴾ أيْ لَكم شِرْكُكم ولِيَ تَوْحِيدِي، وهَذا غايَةٌ في التَّبَرُّؤِ، ولَمّا كانَ الأهَمُّ انْتِفاءَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن دِينِهِمْ، بَدَأ بِالنَّفْيِ في الجُمَلِ السّابِقَةِ بِالمَنسُوبِ إلَيْهِ، ولَمّا تَحَقَّقَ النَّفْيُ رَجَعَ إلى خِطابِهِمْ في قَوْلِهِ: ﴿لَكم دِينُكُمْ﴾ عَلى سَبِيلِ المُهادَنَةِ، وهي مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ، وقَرَأ سَلامٌ: (دِينِي) بِياءٍ وصْلًا ووَقْفًا، وحَذَفَها القُرّاءُ السَّبْعَةُ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

الكافرون 109:4

سُورَةُ الكافِرُونَ مَكِّيَّةٌ وهي سِتُّ آياتٍ ﷽ ﴿قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ﴾ ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ ﴿ولا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ﴾ ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ ﴿لَكم دِينُكم ولِيَ دِينِ﴾ . (p-٥٢١)هَذِهِ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الجُمْهُورِ، ورُوِيَ عَنْ قَتادَةَ أنَّها مَدَنِيَّةٌ، وذَكَرُوا مِن أسْبابِ نُزُولِها أنَّهم قالُوا لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: دَعْ ما أنْتَ فِيهِ ونَحْنُ نُمَوِّلُكَ ونُزَوِّجُكَ مَن شِئْتَ مِن كَرائِمِنا، ونُمَلِّكُكَ عَلَيْنا، وإنْ لَمْ تَفْعَلْ هَذا فَلْتَعْبُدْ آلِهَتَنا ونَحْنُ نَعْبُدُ إلَهَكَ حَتّى نَشْتَرِكَ، فَحَيْثُ كانَ الخَيْرُ نِلْناهُ جَمِيعًا، ولَمّا كانَ أكْثَرُ شانِئِهِ قُرَيْشًا، وطَلَبُوا مِنهُ أنْ يَعْبُدَ آلِهَتَهم سَنَةً ويَعْبُدُوا إلَهَهُ سَنَةً، أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ السُّورَةَ تَبَرِّيًا مِنهم وإخْبارًا لا شَكَّ فِيهِ أنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ، وفي قَوْلِهِ: (قُلْ) دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ مَأْمُورٌ بِذَلِكَ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وخِطابُهُ لَهم بـِ ﴿ياأيُّها الكافِرُونَ﴾ في نادِيهِمْ، ومَكانِ بَسْطَةِ أيْدِيهِمْ مَعَ ما في الوَصْفِ مِنِ الإرْذالِ بِهِمْ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ مَحْرُوسٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى لا يُبالِي بِهِمْ، والكافِرُونَ ناسٌ مَخْصُوصُونَ، وهُمُ الَّذِينَ قالُوا لَهُ تِلْكَ المَقالَةَ: الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، والعاصِي بْنُ وائِلٍ، والأسْوَدُ بْنُ المُطَّلِبِ، وأُمِّيَّةُ وأُبَيٌّ ابْنا خَلَفٍ، وأبُو جَهْلٍ، وابْنا الحَجّاجِ ونُظَراؤُهم مِمَّنْ لَمْ يُسْلِمْ، ووافى عَلى الكُفْرِ تَصْدِيقًا لِلْإخْبارِ في قَوْلِهِ: ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ . ولِلْمُفَسِّرِينَ في هَذِهِ الجُمَلِ أقْوالٌ: أحَدُها: أنَّها لِلتَّوْكِيدِ، فَقَوْلُهُ: ﴿ولا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ﴾ تَوْكِيدٌ لِقَوْلِهِ: ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ . وقَوْلُهُ: ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ ثانِيًا تَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ: ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ أوَّلًا، والتَّوْكِيدُ في لِسانِ العَرَبِ كَثِيرٌ جِدًّا، وحَكَوْا مِن ذَلِكَ نَظْمًا ونَثْرًا ما لا يَكادُ يُحْصَرُ، وفائِدَةُ هَذا التَّوْكِيدِ قَطْعُ أطْماعِ الكُفّارِ، وتَحْقِيقُ الإخْبارِ بِمُوافاتِهِمْ عَلى الكُفْرِ، وأنَّهم لا يُسْلِمُونَ أبَدًا. والثّانِي: أنَّهُ لَيْسَ لِلتَّوْكِيدِ، واخْتَلَفُوا، فَقالَ الأخْفَشُ: المَعْنى لا أعْبُدُ السّاعَةَ ما تَعْبُدُونَ، ولا أنْتُمْ عابِدُونَ السَّنَةَ ما أعْبُدُ، ولا أنا عابِدٌ في المُسْتَقْبَلِ ما عَبَدْتُمْ، ولا أنْتُمْ عابِدُونَ في المُسْتَقْبَلِ ما أعْبُدُ، فَزالَ التَّوْكِيدُ، إذْ قَدْ تَقَيَّدَتْ كُلُّ جُمْلَةٍ بِزَمانٍ مُغايِرٍ. وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: ما في الأُولَيَيْنِ بِمَعْنى الَّذِي، والمَقْصُودُ المَعْبُودُ، وما في الأُخْرَيَيْنِ مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ لا أعْبُدُ عِبادَتَكُمُ المَبْنِيَّةَ عَلى الشَّكِّ وتَرْكِ النَّظَرِ، ولا أنْتُمْ تَعْبُدُونَ مِثْلَ عِبادَتِي المَبْنِيَّةِ عَلى اليَقِينِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لَمّا كانَ قَوْلُهُ: (لا أعْبُدُ) مُحْتَمِلًا أنْ يُرادَ بِهِ الآنَ، ويَبْقى المُسْتَأْنَفُ مُنْتَظَرًا ما يَكُونُ فِيهِ، جاءَ البَيانُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ﴾ أبَدًا وما حَيِيتُ، ثُمَّ جاءَ قَوْلُهُ: ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ الثّانِي حَتْمًا عَلَيْهِمْ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِهِ أبَدًا، كالَّذِي كَشَفَ الغَيْبَ، فَهَذا كَما قِيلَ لِنُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿أنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إلّا مَن قَدْ آمَنَ﴾ [هود: ٣٦] . أمّا أنَّ هَذا في مُعَيَّنِينَ، وقَوْمُ نُوحٍ عُمُّوا بِذَلِكَ، فَهَذا مَعْنى التَّرْدِيدِ الَّذِي في السُّورَةِ، وهو بارِعُ الفَصاحَةِ، ولَيْسَ بِتَكْرارٍ فَقَطْ، بَلْ فِيهِ ما ذَكَرْتُهُ. انْتَهى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (لا أعْبُدُ) أُرِيدَتْ بِهِ العِبادَةُ فِيما يُسْتَقْبَلُ، لِأنَّ (لا) لا تَدْخُلُ إلّا عَلى مُضارِعٍ في مَعْنى الِاسْتِقْبالِ، كَما أنَّ (ما) لا تَدْخُلُ إلّا عَلى مُضارِعٍ في مَعْنى الحالِ، والمَعْنى: لا أفْعَلُ في المُسْتَقْبَلِ ما تَطْلُبُونَهُ مِنِّي مِن عِبادَةِ آلِهَتِكم، ولا أنْتُمْ فاعِلُونَ فِيهِ ما أطْلُبُ مِنكم مِن عِبادَةِ إلَهِي. (p-٥٢٢)﴿ولا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ﴾ أيْ وما كُنْتُ قَطُّ عابِدًا فِيما سَلَفَ ما عَبَدْتُمْ فِيهِ، يَعْنِي: لَمْ تُعْهَدْ مِنِّي عِبادَةُ صَنَمٍ في الجاهِلِيَّةِ، فَكَيْفَ تُرْجى مِنِّي في الإسْلامِ ؟ ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ أيْ وما عَبَدْتُمْ في وقْتٍ ما أنا عَلى عِبادَتِهِ، فَإنْ قُلْتَ: فَهَلّا قِيلَ ما عَبَدْتُ كَما قِيلَ ما عَبَدْتُمْ ؟ قُلْتُ: لِأنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَ الأصْنامَ قَبْلَ البَعْثِ، وهو لَمْ يَكُنْ يَعْبُدُ اللَّهَ تَعالى في ذَلِكَ الوَقْتِ. انْتَهى. أمّا حَصْرُهُ في قَوْلِهِ: لِأنَّ (لا) لا تَدْخُلُ، وفي قَوْلِهِ: (ما) لا تَدْخُلُ، فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ، بَلْ ذَلِكَ غالِبٌ فِيهِما لا مُتَحَتِّمٌ. وقَدْ ذَكَرَ النُّحاةُ دُخُولَ (لا) عَلى المُضارِعِ يُرادُ بِهِ الحالُ، ودُخُولَ (ما) عَلى المُضارِعِ يُرادُ بِهِ الِاسْتِقْبالُ، وذَلِكَ مَذْكُورٌ في المَبْسُوطاتِ مِن كُتُبِ النَّحْوِ، ولِذَلِكَ لَمْ يُورِدْ سِيبَوَيْهِ ذَلِكَ بِأداةِ الحَصْرِ، إنَّما قالَ: وتَكُونُ لا نَفْيًا لِقَوْلِهِ يَفْعَلُ، ولَمْ يَقَعِ الفِعْلُ، وقالَ: وأمّا ما فَهي نَفْيٌ لِقَوْلِهِ هو يَفْعَلُ إذا كانَ في حالِ الفِعْلِ، فَذَكَرَ الغالِبَ فِيهِما. وأمّا قَوْلُهُ: في قَوْلِهِ ﴿ولا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ﴾ أيْ وما كُنْتُ قَطُّ عابِدًا فِيما سَلَفَ ما عَبَدْتُمْ فِيهِ، فَلا يَسْتَقِيمُ؛ لِأنَّ عابِدًا اسْمُ فاعِلٍ قَدْ عَمِلَ في ﴿ما عَبَدْتُمْ﴾، فَلا يُفَسَّرُ بِالماضِي، إنَّما يُفَسَّرُ بِالحالِ أوْ الِاسْتِقْبالِ، ولَيْسَ مَذْهَبُهُ في اسْمِ الفاعِلِ مَذْهَبَ الكِسائِيِّ وهِشامٍ مِن جَوازِ إعْمالِهِ ماضِيًا. وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ أيْ وما عَبَدْتُمْ في وقْتٍ ما أنا عَلى عِبادَتِهِ، فَعابِدُونَ قَدْ أعْمَلَهُ فِيما أعْبُدُ، فَلا يُفَسَّرُ بِالماضِي، وأمّا قَوْلُهُ: وهو لَمْ يَكُنْ إلى آخِرِهِ، فَسُوءُ أدَبٍ مِنهُ عَلى مَنصِبِ النُّبُوَّةِ، وهو أيْضًا غَيْرُ صَحِيحٍ، لِأنَّهُ ﷺ، لَمْ يَزَلْ مُوَحِّدًا لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ مُنَزِّهًا لَهُ عَنْ كُلِّ ما لا يَلِيقُ بِجَلالِهِ، مُجْتَنِبًا لِأصْنامِهِمْ بِحَجِّ بَيْتِ اللَّهِ، ويَقِفُ بِمَشاعِرِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وهَذِهِ عِبادَةٌ لِلَّهِ تَعالى، وأيُّ عِبادَةٍ أعْظَمُ مِن تَوْحِيدِ اللَّهِ تَعالى ونَبْذِ أصْنامِهِمْ، والمَعْرِفَةُ بِاللَّهِ تَعالى مِن أعْظَمِ العِباداتِ، قالَ تَعالى: ﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] قالَ المُفَسِّرُونَ: مَعْناهُ لِيَعْرِفُونِ، فَسَمّى اللَّهُ تَعالى المَعْرِفَةَ بِهِ عِبادَةً. والَّذِي أخْتارُهُ في هَذِهِ الجُمَلِ أنَّهُ أوَّلًا: نَفى عِبادَتَهُ في المُسْتَقْبَلِ؛ لِأنَّ لا الغالِبُ أنَّها تَنْفِي المُسْتَقْبَلَ، قِيلَ: ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ نَفْيًا لِلْمُسْتَقْبَلِ عَلى سَبِيلِ المُقابَلَةِ، ثُمَّ قالَ: ﴿ولا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ﴾ نَفْيًا لِلْحالِ، لِأنَّ اسْمَ الفاعِلِ العامِلَ الحَقِيقَةُ فِيهِ دَلالَتُهُ عَلى الحالِ، ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ نَفْيًا لِلْحالِ عَلى سَبِيلِ المُقابَلَةِ، فانْتَظَمَ المَعْنى أنَّهُ ﷺ، لا يَعْبُدُ ما يَعْبُدُونَ، لا حالًا ولا مُسْتَقْبَلًا، وهم كَذَلِكَ، إذْ قَدْ حَتَّمَ اللَّهُ مُوافاتَهم عَلى الكُفْرِ، ولَمّا قالَ: ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ فَأطْلَقَ ما عَلى الأصْنامِ، قابَلَ الكَلامَ بِما في قَوْلِهِ: (ما أعْبُدُ) وإنْ كانَتْ يُرادُ بِها اللَّهُ تَعالى، لِأنَّ المُقابَلَةَ يَسُوغُ فِيها ما لا يَسُوغُ مَعَ الِانْفِرادِ، وهَذا عَلى مَذْهَبِ مَن يَقُولُ: إنَّ ما لا تَقَعُ عَلى آحادِ مَن يَعْلَمُ، أمّا مَن جَوَّزَ ذَلِكَ، وهو مَنسُوبٌ إلى سِيبَوَيْهِ، فَلا يَحْتاجُ إلى اسْتِعْذارٍ بِالتَّقابُلِ، وقِيلَ: ما مَصْدَرِيَّةٌ في قَوْلِهِ: (ما أعْبُدُ)، وقِيلَ: فِيها جَمِيعِها، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: المُرادُ الصِّفَةُ، كَأنَّهُ قِيلَ: لا أعْبُدُ الباطِلَ، ولا تَعْبُدُونَ الحَقَّ. ﴿لَكم دِينُكم ولِيَ دِينِ﴾ أيْ لَكم شِرْكُكم ولِيَ تَوْحِيدِي، وهَذا غايَةٌ في التَّبَرُّؤِ، ولَمّا كانَ الأهَمُّ انْتِفاءَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن دِينِهِمْ، بَدَأ بِالنَّفْيِ في الجُمَلِ السّابِقَةِ بِالمَنسُوبِ إلَيْهِ، ولَمّا تَحَقَّقَ النَّفْيُ رَجَعَ إلى خِطابِهِمْ في قَوْلِهِ: ﴿لَكم دِينُكُمْ﴾ عَلى سَبِيلِ المُهادَنَةِ، وهي مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ، وقَرَأ سَلامٌ: (دِينِي) بِياءٍ وصْلًا ووَقْفًا، وحَذَفَها القُرّاءُ السَّبْعَةُ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

الكافرون 109:5

سُورَةُ الكافِرُونَ مَكِّيَّةٌ وهي سِتُّ آياتٍ ﷽ ﴿قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ﴾ ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ ﴿ولا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ﴾ ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ ﴿لَكم دِينُكم ولِيَ دِينِ﴾ . (p-٥٢١)هَذِهِ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الجُمْهُورِ، ورُوِيَ عَنْ قَتادَةَ أنَّها مَدَنِيَّةٌ، وذَكَرُوا مِن أسْبابِ نُزُولِها أنَّهم قالُوا لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: دَعْ ما أنْتَ فِيهِ ونَحْنُ نُمَوِّلُكَ ونُزَوِّجُكَ مَن شِئْتَ مِن كَرائِمِنا، ونُمَلِّكُكَ عَلَيْنا، وإنْ لَمْ تَفْعَلْ هَذا فَلْتَعْبُدْ آلِهَتَنا ونَحْنُ نَعْبُدُ إلَهَكَ حَتّى نَشْتَرِكَ، فَحَيْثُ كانَ الخَيْرُ نِلْناهُ جَمِيعًا، ولَمّا كانَ أكْثَرُ شانِئِهِ قُرَيْشًا، وطَلَبُوا مِنهُ أنْ يَعْبُدَ آلِهَتَهم سَنَةً ويَعْبُدُوا إلَهَهُ سَنَةً، أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ السُّورَةَ تَبَرِّيًا مِنهم وإخْبارًا لا شَكَّ فِيهِ أنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ، وفي قَوْلِهِ: (قُلْ) دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ مَأْمُورٌ بِذَلِكَ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وخِطابُهُ لَهم بـِ ﴿ياأيُّها الكافِرُونَ﴾ في نادِيهِمْ، ومَكانِ بَسْطَةِ أيْدِيهِمْ مَعَ ما في الوَصْفِ مِنِ الإرْذالِ بِهِمْ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ مَحْرُوسٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى لا يُبالِي بِهِمْ، والكافِرُونَ ناسٌ مَخْصُوصُونَ، وهُمُ الَّذِينَ قالُوا لَهُ تِلْكَ المَقالَةَ: الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، والعاصِي بْنُ وائِلٍ، والأسْوَدُ بْنُ المُطَّلِبِ، وأُمِّيَّةُ وأُبَيٌّ ابْنا خَلَفٍ، وأبُو جَهْلٍ، وابْنا الحَجّاجِ ونُظَراؤُهم مِمَّنْ لَمْ يُسْلِمْ، ووافى عَلى الكُفْرِ تَصْدِيقًا لِلْإخْبارِ في قَوْلِهِ: ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ . ولِلْمُفَسِّرِينَ في هَذِهِ الجُمَلِ أقْوالٌ: أحَدُها: أنَّها لِلتَّوْكِيدِ، فَقَوْلُهُ: ﴿ولا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ﴾ تَوْكِيدٌ لِقَوْلِهِ: ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ . وقَوْلُهُ: ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ ثانِيًا تَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ: ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ أوَّلًا، والتَّوْكِيدُ في لِسانِ العَرَبِ كَثِيرٌ جِدًّا، وحَكَوْا مِن ذَلِكَ نَظْمًا ونَثْرًا ما لا يَكادُ يُحْصَرُ، وفائِدَةُ هَذا التَّوْكِيدِ قَطْعُ أطْماعِ الكُفّارِ، وتَحْقِيقُ الإخْبارِ بِمُوافاتِهِمْ عَلى الكُفْرِ، وأنَّهم لا يُسْلِمُونَ أبَدًا. والثّانِي: أنَّهُ لَيْسَ لِلتَّوْكِيدِ، واخْتَلَفُوا، فَقالَ الأخْفَشُ: المَعْنى لا أعْبُدُ السّاعَةَ ما تَعْبُدُونَ، ولا أنْتُمْ عابِدُونَ السَّنَةَ ما أعْبُدُ، ولا أنا عابِدٌ في المُسْتَقْبَلِ ما عَبَدْتُمْ، ولا أنْتُمْ عابِدُونَ في المُسْتَقْبَلِ ما أعْبُدُ، فَزالَ التَّوْكِيدُ، إذْ قَدْ تَقَيَّدَتْ كُلُّ جُمْلَةٍ بِزَمانٍ مُغايِرٍ. وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: ما في الأُولَيَيْنِ بِمَعْنى الَّذِي، والمَقْصُودُ المَعْبُودُ، وما في الأُخْرَيَيْنِ مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ لا أعْبُدُ عِبادَتَكُمُ المَبْنِيَّةَ عَلى الشَّكِّ وتَرْكِ النَّظَرِ، ولا أنْتُمْ تَعْبُدُونَ مِثْلَ عِبادَتِي المَبْنِيَّةِ عَلى اليَقِينِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لَمّا كانَ قَوْلُهُ: (لا أعْبُدُ) مُحْتَمِلًا أنْ يُرادَ بِهِ الآنَ، ويَبْقى المُسْتَأْنَفُ مُنْتَظَرًا ما يَكُونُ فِيهِ، جاءَ البَيانُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ﴾ أبَدًا وما حَيِيتُ، ثُمَّ جاءَ قَوْلُهُ: ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ الثّانِي حَتْمًا عَلَيْهِمْ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِهِ أبَدًا، كالَّذِي كَشَفَ الغَيْبَ، فَهَذا كَما قِيلَ لِنُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿أنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إلّا مَن قَدْ آمَنَ﴾ [هود: ٣٦] . أمّا أنَّ هَذا في مُعَيَّنِينَ، وقَوْمُ نُوحٍ عُمُّوا بِذَلِكَ، فَهَذا مَعْنى التَّرْدِيدِ الَّذِي في السُّورَةِ، وهو بارِعُ الفَصاحَةِ، ولَيْسَ بِتَكْرارٍ فَقَطْ، بَلْ فِيهِ ما ذَكَرْتُهُ. انْتَهى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (لا أعْبُدُ) أُرِيدَتْ بِهِ العِبادَةُ فِيما يُسْتَقْبَلُ، لِأنَّ (لا) لا تَدْخُلُ إلّا عَلى مُضارِعٍ في مَعْنى الِاسْتِقْبالِ، كَما أنَّ (ما) لا تَدْخُلُ إلّا عَلى مُضارِعٍ في مَعْنى الحالِ، والمَعْنى: لا أفْعَلُ في المُسْتَقْبَلِ ما تَطْلُبُونَهُ مِنِّي مِن عِبادَةِ آلِهَتِكم، ولا أنْتُمْ فاعِلُونَ فِيهِ ما أطْلُبُ مِنكم مِن عِبادَةِ إلَهِي. (p-٥٢٢)﴿ولا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ﴾ أيْ وما كُنْتُ قَطُّ عابِدًا فِيما سَلَفَ ما عَبَدْتُمْ فِيهِ، يَعْنِي: لَمْ تُعْهَدْ مِنِّي عِبادَةُ صَنَمٍ في الجاهِلِيَّةِ، فَكَيْفَ تُرْجى مِنِّي في الإسْلامِ ؟ ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ أيْ وما عَبَدْتُمْ في وقْتٍ ما أنا عَلى عِبادَتِهِ، فَإنْ قُلْتَ: فَهَلّا قِيلَ ما عَبَدْتُ كَما قِيلَ ما عَبَدْتُمْ ؟ قُلْتُ: لِأنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَ الأصْنامَ قَبْلَ البَعْثِ، وهو لَمْ يَكُنْ يَعْبُدُ اللَّهَ تَعالى في ذَلِكَ الوَقْتِ. انْتَهى. أمّا حَصْرُهُ في قَوْلِهِ: لِأنَّ (لا) لا تَدْخُلُ، وفي قَوْلِهِ: (ما) لا تَدْخُلُ، فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ، بَلْ ذَلِكَ غالِبٌ فِيهِما لا مُتَحَتِّمٌ. وقَدْ ذَكَرَ النُّحاةُ دُخُولَ (لا) عَلى المُضارِعِ يُرادُ بِهِ الحالُ، ودُخُولَ (ما) عَلى المُضارِعِ يُرادُ بِهِ الِاسْتِقْبالُ، وذَلِكَ مَذْكُورٌ في المَبْسُوطاتِ مِن كُتُبِ النَّحْوِ، ولِذَلِكَ لَمْ يُورِدْ سِيبَوَيْهِ ذَلِكَ بِأداةِ الحَصْرِ، إنَّما قالَ: وتَكُونُ لا نَفْيًا لِقَوْلِهِ يَفْعَلُ، ولَمْ يَقَعِ الفِعْلُ، وقالَ: وأمّا ما فَهي نَفْيٌ لِقَوْلِهِ هو يَفْعَلُ إذا كانَ في حالِ الفِعْلِ، فَذَكَرَ الغالِبَ فِيهِما. وأمّا قَوْلُهُ: في قَوْلِهِ ﴿ولا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ﴾ أيْ وما كُنْتُ قَطُّ عابِدًا فِيما سَلَفَ ما عَبَدْتُمْ فِيهِ، فَلا يَسْتَقِيمُ؛ لِأنَّ عابِدًا اسْمُ فاعِلٍ قَدْ عَمِلَ في ﴿ما عَبَدْتُمْ﴾، فَلا يُفَسَّرُ بِالماضِي، إنَّما يُفَسَّرُ بِالحالِ أوْ الِاسْتِقْبالِ، ولَيْسَ مَذْهَبُهُ في اسْمِ الفاعِلِ مَذْهَبَ الكِسائِيِّ وهِشامٍ مِن جَوازِ إعْمالِهِ ماضِيًا. وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ أيْ وما عَبَدْتُمْ في وقْتٍ ما أنا عَلى عِبادَتِهِ، فَعابِدُونَ قَدْ أعْمَلَهُ فِيما أعْبُدُ، فَلا يُفَسَّرُ بِالماضِي، وأمّا قَوْلُهُ: وهو لَمْ يَكُنْ إلى آخِرِهِ، فَسُوءُ أدَبٍ مِنهُ عَلى مَنصِبِ النُّبُوَّةِ، وهو أيْضًا غَيْرُ صَحِيحٍ، لِأنَّهُ ﷺ، لَمْ يَزَلْ مُوَحِّدًا لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ مُنَزِّهًا لَهُ عَنْ كُلِّ ما لا يَلِيقُ بِجَلالِهِ، مُجْتَنِبًا لِأصْنامِهِمْ بِحَجِّ بَيْتِ اللَّهِ، ويَقِفُ بِمَشاعِرِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وهَذِهِ عِبادَةٌ لِلَّهِ تَعالى، وأيُّ عِبادَةٍ أعْظَمُ مِن تَوْحِيدِ اللَّهِ تَعالى ونَبْذِ أصْنامِهِمْ، والمَعْرِفَةُ بِاللَّهِ تَعالى مِن أعْظَمِ العِباداتِ، قالَ تَعالى: ﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] قالَ المُفَسِّرُونَ: مَعْناهُ لِيَعْرِفُونِ، فَسَمّى اللَّهُ تَعالى المَعْرِفَةَ بِهِ عِبادَةً. والَّذِي أخْتارُهُ في هَذِهِ الجُمَلِ أنَّهُ أوَّلًا: نَفى عِبادَتَهُ في المُسْتَقْبَلِ؛ لِأنَّ لا الغالِبُ أنَّها تَنْفِي المُسْتَقْبَلَ، قِيلَ: ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ نَفْيًا لِلْمُسْتَقْبَلِ عَلى سَبِيلِ المُقابَلَةِ، ثُمَّ قالَ: ﴿ولا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ﴾ نَفْيًا لِلْحالِ، لِأنَّ اسْمَ الفاعِلِ العامِلَ الحَقِيقَةُ فِيهِ دَلالَتُهُ عَلى الحالِ، ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ نَفْيًا لِلْحالِ عَلى سَبِيلِ المُقابَلَةِ، فانْتَظَمَ المَعْنى أنَّهُ ﷺ، لا يَعْبُدُ ما يَعْبُدُونَ، لا حالًا ولا مُسْتَقْبَلًا، وهم كَذَلِكَ، إذْ قَدْ حَتَّمَ اللَّهُ مُوافاتَهم عَلى الكُفْرِ، ولَمّا قالَ: ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ فَأطْلَقَ ما عَلى الأصْنامِ، قابَلَ الكَلامَ بِما في قَوْلِهِ: (ما أعْبُدُ) وإنْ كانَتْ يُرادُ بِها اللَّهُ تَعالى، لِأنَّ المُقابَلَةَ يَسُوغُ فِيها ما لا يَسُوغُ مَعَ الِانْفِرادِ، وهَذا عَلى مَذْهَبِ مَن يَقُولُ: إنَّ ما لا تَقَعُ عَلى آحادِ مَن يَعْلَمُ، أمّا مَن جَوَّزَ ذَلِكَ، وهو مَنسُوبٌ إلى سِيبَوَيْهِ، فَلا يَحْتاجُ إلى اسْتِعْذارٍ بِالتَّقابُلِ، وقِيلَ: ما مَصْدَرِيَّةٌ في قَوْلِهِ: (ما أعْبُدُ)، وقِيلَ: فِيها جَمِيعِها، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: المُرادُ الصِّفَةُ، كَأنَّهُ قِيلَ: لا أعْبُدُ الباطِلَ، ولا تَعْبُدُونَ الحَقَّ. ﴿لَكم دِينُكم ولِيَ دِينِ﴾ أيْ لَكم شِرْكُكم ولِيَ تَوْحِيدِي، وهَذا غايَةٌ في التَّبَرُّؤِ، ولَمّا كانَ الأهَمُّ انْتِفاءَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن دِينِهِمْ، بَدَأ بِالنَّفْيِ في الجُمَلِ السّابِقَةِ بِالمَنسُوبِ إلَيْهِ، ولَمّا تَحَقَّقَ النَّفْيُ رَجَعَ إلى خِطابِهِمْ في قَوْلِهِ: ﴿لَكم دِينُكُمْ﴾ عَلى سَبِيلِ المُهادَنَةِ، وهي مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ، وقَرَأ سَلامٌ: (دِينِي) بِياءٍ وصْلًا ووَقْفًا، وحَذَفَها القُرّاءُ السَّبْعَةُ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

الكافرون 109:6

سُورَةُ الكافِرُونَ مَكِّيَّةٌ وهي سِتُّ آياتٍ ﷽ ﴿قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ﴾ ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ ﴿ولا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ﴾ ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ ﴿لَكم دِينُكم ولِيَ دِينِ﴾ . (p-٥٢١)هَذِهِ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الجُمْهُورِ، ورُوِيَ عَنْ قَتادَةَ أنَّها مَدَنِيَّةٌ، وذَكَرُوا مِن أسْبابِ نُزُولِها أنَّهم قالُوا لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: دَعْ ما أنْتَ فِيهِ ونَحْنُ نُمَوِّلُكَ ونُزَوِّجُكَ مَن شِئْتَ مِن كَرائِمِنا، ونُمَلِّكُكَ عَلَيْنا، وإنْ لَمْ تَفْعَلْ هَذا فَلْتَعْبُدْ آلِهَتَنا ونَحْنُ نَعْبُدُ إلَهَكَ حَتّى نَشْتَرِكَ، فَحَيْثُ كانَ الخَيْرُ نِلْناهُ جَمِيعًا، ولَمّا كانَ أكْثَرُ شانِئِهِ قُرَيْشًا، وطَلَبُوا مِنهُ أنْ يَعْبُدَ آلِهَتَهم سَنَةً ويَعْبُدُوا إلَهَهُ سَنَةً، أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ السُّورَةَ تَبَرِّيًا مِنهم وإخْبارًا لا شَكَّ فِيهِ أنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ، وفي قَوْلِهِ: (قُلْ) دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ مَأْمُورٌ بِذَلِكَ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وخِطابُهُ لَهم بـِ ﴿ياأيُّها الكافِرُونَ﴾ في نادِيهِمْ، ومَكانِ بَسْطَةِ أيْدِيهِمْ مَعَ ما في الوَصْفِ مِنِ الإرْذالِ بِهِمْ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ مَحْرُوسٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى لا يُبالِي بِهِمْ، والكافِرُونَ ناسٌ مَخْصُوصُونَ، وهُمُ الَّذِينَ قالُوا لَهُ تِلْكَ المَقالَةَ: الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، والعاصِي بْنُ وائِلٍ، والأسْوَدُ بْنُ المُطَّلِبِ، وأُمِّيَّةُ وأُبَيٌّ ابْنا خَلَفٍ، وأبُو جَهْلٍ، وابْنا الحَجّاجِ ونُظَراؤُهم مِمَّنْ لَمْ يُسْلِمْ، ووافى عَلى الكُفْرِ تَصْدِيقًا لِلْإخْبارِ في قَوْلِهِ: ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ . ولِلْمُفَسِّرِينَ في هَذِهِ الجُمَلِ أقْوالٌ: أحَدُها: أنَّها لِلتَّوْكِيدِ، فَقَوْلُهُ: ﴿ولا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ﴾ تَوْكِيدٌ لِقَوْلِهِ: ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ . وقَوْلُهُ: ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ ثانِيًا تَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ: ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ أوَّلًا، والتَّوْكِيدُ في لِسانِ العَرَبِ كَثِيرٌ جِدًّا، وحَكَوْا مِن ذَلِكَ نَظْمًا ونَثْرًا ما لا يَكادُ يُحْصَرُ، وفائِدَةُ هَذا التَّوْكِيدِ قَطْعُ أطْماعِ الكُفّارِ، وتَحْقِيقُ الإخْبارِ بِمُوافاتِهِمْ عَلى الكُفْرِ، وأنَّهم لا يُسْلِمُونَ أبَدًا. والثّانِي: أنَّهُ لَيْسَ لِلتَّوْكِيدِ، واخْتَلَفُوا، فَقالَ الأخْفَشُ: المَعْنى لا أعْبُدُ السّاعَةَ ما تَعْبُدُونَ، ولا أنْتُمْ عابِدُونَ السَّنَةَ ما أعْبُدُ، ولا أنا عابِدٌ في المُسْتَقْبَلِ ما عَبَدْتُمْ، ولا أنْتُمْ عابِدُونَ في المُسْتَقْبَلِ ما أعْبُدُ، فَزالَ التَّوْكِيدُ، إذْ قَدْ تَقَيَّدَتْ كُلُّ جُمْلَةٍ بِزَمانٍ مُغايِرٍ. وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: ما في الأُولَيَيْنِ بِمَعْنى الَّذِي، والمَقْصُودُ المَعْبُودُ، وما في الأُخْرَيَيْنِ مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ لا أعْبُدُ عِبادَتَكُمُ المَبْنِيَّةَ عَلى الشَّكِّ وتَرْكِ النَّظَرِ، ولا أنْتُمْ تَعْبُدُونَ مِثْلَ عِبادَتِي المَبْنِيَّةِ عَلى اليَقِينِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لَمّا كانَ قَوْلُهُ: (لا أعْبُدُ) مُحْتَمِلًا أنْ يُرادَ بِهِ الآنَ، ويَبْقى المُسْتَأْنَفُ مُنْتَظَرًا ما يَكُونُ فِيهِ، جاءَ البَيانُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ﴾ أبَدًا وما حَيِيتُ، ثُمَّ جاءَ قَوْلُهُ: ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ الثّانِي حَتْمًا عَلَيْهِمْ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِهِ أبَدًا، كالَّذِي كَشَفَ الغَيْبَ، فَهَذا كَما قِيلَ لِنُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿أنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إلّا مَن قَدْ آمَنَ﴾ [هود: ٣٦] . أمّا أنَّ هَذا في مُعَيَّنِينَ، وقَوْمُ نُوحٍ عُمُّوا بِذَلِكَ، فَهَذا مَعْنى التَّرْدِيدِ الَّذِي في السُّورَةِ، وهو بارِعُ الفَصاحَةِ، ولَيْسَ بِتَكْرارٍ فَقَطْ، بَلْ فِيهِ ما ذَكَرْتُهُ. انْتَهى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (لا أعْبُدُ) أُرِيدَتْ بِهِ العِبادَةُ فِيما يُسْتَقْبَلُ، لِأنَّ (لا) لا تَدْخُلُ إلّا عَلى مُضارِعٍ في مَعْنى الِاسْتِقْبالِ، كَما أنَّ (ما) لا تَدْخُلُ إلّا عَلى مُضارِعٍ في مَعْنى الحالِ، والمَعْنى: لا أفْعَلُ في المُسْتَقْبَلِ ما تَطْلُبُونَهُ مِنِّي مِن عِبادَةِ آلِهَتِكم، ولا أنْتُمْ فاعِلُونَ فِيهِ ما أطْلُبُ مِنكم مِن عِبادَةِ إلَهِي. (p-٥٢٢)﴿ولا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ﴾ أيْ وما كُنْتُ قَطُّ عابِدًا فِيما سَلَفَ ما عَبَدْتُمْ فِيهِ، يَعْنِي: لَمْ تُعْهَدْ مِنِّي عِبادَةُ صَنَمٍ في الجاهِلِيَّةِ، فَكَيْفَ تُرْجى مِنِّي في الإسْلامِ ؟ ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ أيْ وما عَبَدْتُمْ في وقْتٍ ما أنا عَلى عِبادَتِهِ، فَإنْ قُلْتَ: فَهَلّا قِيلَ ما عَبَدْتُ كَما قِيلَ ما عَبَدْتُمْ ؟ قُلْتُ: لِأنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَ الأصْنامَ قَبْلَ البَعْثِ، وهو لَمْ يَكُنْ يَعْبُدُ اللَّهَ تَعالى في ذَلِكَ الوَقْتِ. انْتَهى. أمّا حَصْرُهُ في قَوْلِهِ: لِأنَّ (لا) لا تَدْخُلُ، وفي قَوْلِهِ: (ما) لا تَدْخُلُ، فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ، بَلْ ذَلِكَ غالِبٌ فِيهِما لا مُتَحَتِّمٌ. وقَدْ ذَكَرَ النُّحاةُ دُخُولَ (لا) عَلى المُضارِعِ يُرادُ بِهِ الحالُ، ودُخُولَ (ما) عَلى المُضارِعِ يُرادُ بِهِ الِاسْتِقْبالُ، وذَلِكَ مَذْكُورٌ في المَبْسُوطاتِ مِن كُتُبِ النَّحْوِ، ولِذَلِكَ لَمْ يُورِدْ سِيبَوَيْهِ ذَلِكَ بِأداةِ الحَصْرِ، إنَّما قالَ: وتَكُونُ لا نَفْيًا لِقَوْلِهِ يَفْعَلُ، ولَمْ يَقَعِ الفِعْلُ، وقالَ: وأمّا ما فَهي نَفْيٌ لِقَوْلِهِ هو يَفْعَلُ إذا كانَ في حالِ الفِعْلِ، فَذَكَرَ الغالِبَ فِيهِما. وأمّا قَوْلُهُ: في قَوْلِهِ ﴿ولا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ﴾ أيْ وما كُنْتُ قَطُّ عابِدًا فِيما سَلَفَ ما عَبَدْتُمْ فِيهِ، فَلا يَسْتَقِيمُ؛ لِأنَّ عابِدًا اسْمُ فاعِلٍ قَدْ عَمِلَ في ﴿ما عَبَدْتُمْ﴾، فَلا يُفَسَّرُ بِالماضِي، إنَّما يُفَسَّرُ بِالحالِ أوْ الِاسْتِقْبالِ، ولَيْسَ مَذْهَبُهُ في اسْمِ الفاعِلِ مَذْهَبَ الكِسائِيِّ وهِشامٍ مِن جَوازِ إعْمالِهِ ماضِيًا. وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ أيْ وما عَبَدْتُمْ في وقْتٍ ما أنا عَلى عِبادَتِهِ، فَعابِدُونَ قَدْ أعْمَلَهُ فِيما أعْبُدُ، فَلا يُفَسَّرُ بِالماضِي، وأمّا قَوْلُهُ: وهو لَمْ يَكُنْ إلى آخِرِهِ، فَسُوءُ أدَبٍ مِنهُ عَلى مَنصِبِ النُّبُوَّةِ، وهو أيْضًا غَيْرُ صَحِيحٍ، لِأنَّهُ ﷺ، لَمْ يَزَلْ مُوَحِّدًا لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ مُنَزِّهًا لَهُ عَنْ كُلِّ ما لا يَلِيقُ بِجَلالِهِ، مُجْتَنِبًا لِأصْنامِهِمْ بِحَجِّ بَيْتِ اللَّهِ، ويَقِفُ بِمَشاعِرِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وهَذِهِ عِبادَةٌ لِلَّهِ تَعالى، وأيُّ عِبادَةٍ أعْظَمُ مِن تَوْحِيدِ اللَّهِ تَعالى ونَبْذِ أصْنامِهِمْ، والمَعْرِفَةُ بِاللَّهِ تَعالى مِن أعْظَمِ العِباداتِ، قالَ تَعالى: ﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] قالَ المُفَسِّرُونَ: مَعْناهُ لِيَعْرِفُونِ، فَسَمّى اللَّهُ تَعالى المَعْرِفَةَ بِهِ عِبادَةً. والَّذِي أخْتارُهُ في هَذِهِ الجُمَلِ أنَّهُ أوَّلًا: نَفى عِبادَتَهُ في المُسْتَقْبَلِ؛ لِأنَّ لا الغالِبُ أنَّها تَنْفِي المُسْتَقْبَلَ، قِيلَ: ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ نَفْيًا لِلْمُسْتَقْبَلِ عَلى سَبِيلِ المُقابَلَةِ، ثُمَّ قالَ: ﴿ولا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ﴾ نَفْيًا لِلْحالِ، لِأنَّ اسْمَ الفاعِلِ العامِلَ الحَقِيقَةُ فِيهِ دَلالَتُهُ عَلى الحالِ، ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ نَفْيًا لِلْحالِ عَلى سَبِيلِ المُقابَلَةِ، فانْتَظَمَ المَعْنى أنَّهُ ﷺ، لا يَعْبُدُ ما يَعْبُدُونَ، لا حالًا ولا مُسْتَقْبَلًا، وهم كَذَلِكَ، إذْ قَدْ حَتَّمَ اللَّهُ مُوافاتَهم عَلى الكُفْرِ، ولَمّا قالَ: ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ فَأطْلَقَ ما عَلى الأصْنامِ، قابَلَ الكَلامَ بِما في قَوْلِهِ: (ما أعْبُدُ) وإنْ كانَتْ يُرادُ بِها اللَّهُ تَعالى، لِأنَّ المُقابَلَةَ يَسُوغُ فِيها ما لا يَسُوغُ مَعَ الِانْفِرادِ، وهَذا عَلى مَذْهَبِ مَن يَقُولُ: إنَّ ما لا تَقَعُ عَلى آحادِ مَن يَعْلَمُ، أمّا مَن جَوَّزَ ذَلِكَ، وهو مَنسُوبٌ إلى سِيبَوَيْهِ، فَلا يَحْتاجُ إلى اسْتِعْذارٍ بِالتَّقابُلِ، وقِيلَ: ما مَصْدَرِيَّةٌ في قَوْلِهِ: (ما أعْبُدُ)، وقِيلَ: فِيها جَمِيعِها، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: المُرادُ الصِّفَةُ، كَأنَّهُ قِيلَ: لا أعْبُدُ الباطِلَ، ولا تَعْبُدُونَ الحَقَّ. ﴿لَكم دِينُكم ولِيَ دِينِ﴾ أيْ لَكم شِرْكُكم ولِيَ تَوْحِيدِي، وهَذا غايَةٌ في التَّبَرُّؤِ، ولَمّا كانَ الأهَمُّ انْتِفاءَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن دِينِهِمْ، بَدَأ بِالنَّفْيِ في الجُمَلِ السّابِقَةِ بِالمَنسُوبِ إلَيْهِ، ولَمّا تَحَقَّقَ النَّفْيُ رَجَعَ إلى خِطابِهِمْ في قَوْلِهِ: ﴿لَكم دِينُكُمْ﴾ عَلى سَبِيلِ المُهادَنَةِ، وهي مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ، وقَرَأ سَلامٌ: (دِينِي) بِياءٍ وصْلًا ووَقْفًا، وحَذَفَها القُرّاءُ السَّبْعَةُ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

النصر 110:1

سُورَةُ النَّصْرِ مَدَنِيَّةٌ وهي ثَلاثُ آياتٍ ﷽ ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحُ﴾ ﴿ورَأيْتَ النّاسَ يَدْخُلُونَ في دِينِ اللَّهِ أفْواجًا﴾ ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ واسْتَغْفِرْهُ إنَّهُ كانَ تَوّابًا﴾ . (p-٥٢٣)هَذِهِ مَدَنِيَّةٌ، نَزَلَتْ مُنْصَرَفَهُ ﷺ، مِن غَزْوَةِ خَيْبَرَ، وعاشَ بَعْدَ نُزُولِها سَنَتَيْنِ، وقالَ ابْنُ عُمَرَ: نَزَلَتْ في أوْسَطِ أيّامِ التَّشْرِيقِ بِمِنًى في حِجَّةِ الوَداعِ، وعاشَ بَعْدَها ثَمانِينَ يَوْمًا أوْ نَحْوَها، ﷺ، ولَمّا كانَ في قَوْلِهِ: ﴿لَكم دِينُكُمْ﴾ [الكافرون: ٦] مُوادَعَةٌ، جاءَ في هَذِهِ بِما يَدُلُّ عَلى تَخْوِيفِهِمْ وتَهْدِيدِهِمْ، وأنَّهُ آنَ مَجِيءُ نَصْرِ اللَّهِ، وفَتْحُ مَكَّةَ، واضْمِحْلالُ مِلَّةِ الأصْنامِ، وإظْهارُ دِينِ اللَّهِ تَعالى. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إذا مَنصُوبٌ بِسَبِّحْ، وهو لِما يُسْتَقْبَلُ، والإعْلامُ بِذَلِكَ قَبْلَ كَوْنِهِ مِن أعْلامِ النُّبُوَّةِ. انْتَهى. وكَذا قالَ الحَوْفِيُّ، ولا يَصِحُّ إعْمالُ (فَسَبِّحْ) في (إذا) لِأجْلِ الفاءِ؛ لِأنَّ الفاءَ في جَوابِ الشَّرْطِ لا يَتَسَلَّطُ الفِعْلُ الَّذِي بَعْدَها عَلى اسْمِ الشَّرْطِ، فَلا تَعْمَلُ فِيهِ، بَلِ العامِلُ في إذا الفِعْلُ الَّذِي بَعْدَها عَلى الصَّحِيحِ المَنصُورِ في عِلْمِ العَرَبِيَّةِ، وقَدِ اسْتَدْلَلْنا عَلى ذَلِكَ في شَرْحِ التَّسْهِيلِ وغَيْرِهِ، وإنْ كانَ المَشْهُورُ غَيْرَهُ، والنَّصْرُ: الإعانَةُ والإظْهارُ عَلى العَدُوِّ، والفَتْحُ: فَتْحُ البِلادِ، ومُتَعَلِّقُ النَّصْرِ والفَتْحِ مَحْذُوفٌ، فالظّاهِرُ أنَّهُ نَصْرُ رَسُولِهِ ﷺ، والمُؤْمِنِينَ عَلى أعْدائِهِمْ، وفَتْحُ مَكَّةَ وغَيْرِها عَلَيْهِمْ، كالطّائِفِ ومُدُنِ الحِجازِ وكَثِيرٍ مِنَ اليَمَنِ. وقِيلَ: نَصْرُهُ، ﷺ عَلى قُرَيْشٍ وفَتْحُ مَكَّةَ، وكانَ فَتْحُها لِعَشْرٍ مَضَيْنَ مِن رَمَضانَ سَنَةَ ثَمانٍ، ومَعَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَشَرَةُ آلافٍ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يَدْخُلُونَ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وابْنُ كَثِيرٍ في رِوايَةٍ: مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. ﴿فِي دِينِ اللَّهِ﴾ في مِلَّةِ الإسْلامِ الَّذِي لا دِينَ لَهُ يُضافُ غَيْرُها (أفْواجًا) أيْ جَماعاتٍ كَثِيرَةً، كانَتْ تَدْخُلُ فِيهِ القَبِيلَةُ بِأسْرِها بَعْدَما كانُوا يَدْخُلُونَ فِيهِ واحِدًا بَعْدَ واحِدٍ، واثْنَيْنِ اثْنَيْنِ. قالَ الحَسَنُ: لَمّا فَتَحَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَكَّةَ أقْبَلَتِ العَرَبُ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ فَقالُوا: أمّا الظَّفَرُ بِأهْلِ الحَرَمِ فَلَيْسَ بِهِ يَدانِ، وقَدْ كانَ اللَّهُ تَعالى أجارَهم مِن أصْحابِ الفِيلِ. وقالَ أبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ البَرِّ: لَمْ يَمُتْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وفي العَرَبِ رَجُلٌ كافِرٌ، بَلْ دَخَلَ الكُلُّ في الإسْلامِ بَعْدَ حُنَيْنٍ، مِنهم مَن قَدِمَ، ومِنهم مَن قَدِمَ وافِدُهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والمُرادُ، واللَّهُ أعْلَمُ، العَرَبُ عَبْدَةُ الأوْثانِ، وأمّا نَصارى بَنِي ثَعْلَبٍ فَما أراهم أسْلَمُوا قَطُّ في حَياةِ الرَّسُولِ ﷺ، لَكِنْ أعْطَوُا الجِزْيَةَ، وقالَ مُقاتِلٌ وعِكْرِمَةُ: المُرادُ بِالنّاسِ أهْلُ اليَمَنِ، وفَدَ مِنهم سَبْعُمِائَةِ رَجُلٍ، وقالَ الجُمْهُورُ: وُفُودُ العَرَبِ، وكانَ دُخُولُهم بَيْنَ فَتْحِ مَكَّةَ ومَوْتِهِ ﷺ، و(أفْواجًا) جَمْعُ فَوْجٍ، قالَ الحَوْفِيُّ: وقِياسُ جَمْعِهِ أفْوُجٌ، ولَكِنِ اسْتُثْقِلَتِ الضَّمَّةُ عَلى الواوِ فَعُدِلَ إلى أفْواجٍ كَأنَّهُ يَعْنِي أنَّهُ كانَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ مُعْتَلَّ العَيْنِ كالصَّحِيحِ، فَكَما أنَّ قِياسَ فَعْلٍ صَحِيحُها أنْ يُجْمَعَ عَلى أفْعُلٍ لا عَلى أفْعالٍ، فَكَذَلِكَ هَذا، والأمْرُ في هَذا المُعْتَلِّ بِالعَكْسِ، القِياسُ فِيهِ أفْعالٌ، كَحَوْضٍ وأحْواضٍ، وشَذَّ فِيهِ أفْعُلٌ، كَثَوْبٍ وأثْوُبٍ، وهو حالٌ، ويَدْخُلُونَ حالٌ أوْ مَفْعُولٌ ثانٍ إنْ كانَ (أرَأيْتَ) بِمَعْنى ”عَلِمْتَ“ المُتَعَدِّيَةِ لِاثْنَيْنِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إمّا عَلى الحالِ عَلى أنَّ (أرَأيْتَ) بِمَعْنى أبْصَرْتَ أوْ عَرَفْتَ. انْتَهى. ولا نَعْلَمُ رَأيْتَ جاءَتْ بِمَعْنى عَرَفْتَ، فَنَحْتاجُ في ذَلِكَ إلى اسْتِثْباتٍ. ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ أيْ مُلْتَبِسًا بِحَمْدِهِ عَلى هَذِهِ النِّعَمِ الَّتِي (p-٥٢٤)خَوَّلَكَها، مِن نَصْرِكَ عَلى الأعْداءِ وفَتْحِكَ البِلادَ وإسْلامِ النّاسِ، وأيُّ نِعْمَةٍ أعْظَمُ مِن هَذِهِ، إذْ كُلُّ حَسَنَةٍ يَعْمَلُها المُسْلِمُونَ فَهي في مِيزانِهِ. وعَنْ عائِشَةَ: «كانَ ﷺ، يُكْثِرُ قَبْلَ مَوْتِهِ أنْ يَقُولَ: (سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ أسْتَغْفِرُكَ وأتُوبُ إلَيْكَ») . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والأمْرُ بِالِاسْتِغْفارِ مَعَ التَّسْبِيحِ تَكْمِيلٌ لِلْأمْرِ بِما هو قِوامُ أمْرِ الدِّينِ مِنَ الجَمْعِ بَيْنَ الطّاعَةِ والِاحْتِراسِ مِنَ المَعْصِيَةِ، ولِيَكُونَ أمْرُهُ بِذَلِكَ مَعَ عِصْمَتِهِ لُطْفًا لِأُمَّتِهِ؛ ولِأنَّ الِاسْتِغْفارَ مِنَ التَّواضُعِ وهَضْمِ النَّفْسِ، فَهو عِبادَةٌ في نَفْسِهِ. وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ: (إنِّي لَأسْتَغْفِرُ اللَّهَ في اليَوْمِ واللَّيْلَةِ مِائَةَ مَرَّةٍ) انْتَهى. وقَدْ عَلِمَ هو مِن هَذِهِ السُّورَةِ دُنُوَّ أجَلِهِ، وحِينَ قَرَأها عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، اسْتَبْشَرَ الصَّحابَةُ وبَكى العَبّاسُ، فَقالَ: (وما يُبْكِيكَ يا عَمُّ ؟ قالَ: نُعِيَتْ إلَيْكَ نَفْسُكَ، فَقالَ: إنَّها لَكَما تَقُولُ) فَعاشَ بَعْدَها سَنَتَيْنِ ﴿إنَّهُ كانَ تَوّابًا﴾ فِيهِ تَرْجِئَةٌ عَظِيمَةٌ لِلْمُسْتَغْفِرِينَ.

النصر 110:2

سُورَةُ النَّصْرِ مَدَنِيَّةٌ وهي ثَلاثُ آياتٍ ﷽ ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحُ﴾ ﴿ورَأيْتَ النّاسَ يَدْخُلُونَ في دِينِ اللَّهِ أفْواجًا﴾ ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ واسْتَغْفِرْهُ إنَّهُ كانَ تَوّابًا﴾ . (p-٥٢٣)هَذِهِ مَدَنِيَّةٌ، نَزَلَتْ مُنْصَرَفَهُ ﷺ، مِن غَزْوَةِ خَيْبَرَ، وعاشَ بَعْدَ نُزُولِها سَنَتَيْنِ، وقالَ ابْنُ عُمَرَ: نَزَلَتْ في أوْسَطِ أيّامِ التَّشْرِيقِ بِمِنًى في حِجَّةِ الوَداعِ، وعاشَ بَعْدَها ثَمانِينَ يَوْمًا أوْ نَحْوَها، ﷺ، ولَمّا كانَ في قَوْلِهِ: ﴿لَكم دِينُكُمْ﴾ [الكافرون: ٦] مُوادَعَةٌ، جاءَ في هَذِهِ بِما يَدُلُّ عَلى تَخْوِيفِهِمْ وتَهْدِيدِهِمْ، وأنَّهُ آنَ مَجِيءُ نَصْرِ اللَّهِ، وفَتْحُ مَكَّةَ، واضْمِحْلالُ مِلَّةِ الأصْنامِ، وإظْهارُ دِينِ اللَّهِ تَعالى. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إذا مَنصُوبٌ بِسَبِّحْ، وهو لِما يُسْتَقْبَلُ، والإعْلامُ بِذَلِكَ قَبْلَ كَوْنِهِ مِن أعْلامِ النُّبُوَّةِ. انْتَهى. وكَذا قالَ الحَوْفِيُّ، ولا يَصِحُّ إعْمالُ (فَسَبِّحْ) في (إذا) لِأجْلِ الفاءِ؛ لِأنَّ الفاءَ في جَوابِ الشَّرْطِ لا يَتَسَلَّطُ الفِعْلُ الَّذِي بَعْدَها عَلى اسْمِ الشَّرْطِ، فَلا تَعْمَلُ فِيهِ، بَلِ العامِلُ في إذا الفِعْلُ الَّذِي بَعْدَها عَلى الصَّحِيحِ المَنصُورِ في عِلْمِ العَرَبِيَّةِ، وقَدِ اسْتَدْلَلْنا عَلى ذَلِكَ في شَرْحِ التَّسْهِيلِ وغَيْرِهِ، وإنْ كانَ المَشْهُورُ غَيْرَهُ، والنَّصْرُ: الإعانَةُ والإظْهارُ عَلى العَدُوِّ، والفَتْحُ: فَتْحُ البِلادِ، ومُتَعَلِّقُ النَّصْرِ والفَتْحِ مَحْذُوفٌ، فالظّاهِرُ أنَّهُ نَصْرُ رَسُولِهِ ﷺ، والمُؤْمِنِينَ عَلى أعْدائِهِمْ، وفَتْحُ مَكَّةَ وغَيْرِها عَلَيْهِمْ، كالطّائِفِ ومُدُنِ الحِجازِ وكَثِيرٍ مِنَ اليَمَنِ. وقِيلَ: نَصْرُهُ، ﷺ عَلى قُرَيْشٍ وفَتْحُ مَكَّةَ، وكانَ فَتْحُها لِعَشْرٍ مَضَيْنَ مِن رَمَضانَ سَنَةَ ثَمانٍ، ومَعَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَشَرَةُ آلافٍ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يَدْخُلُونَ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وابْنُ كَثِيرٍ في رِوايَةٍ: مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. ﴿فِي دِينِ اللَّهِ﴾ في مِلَّةِ الإسْلامِ الَّذِي لا دِينَ لَهُ يُضافُ غَيْرُها (أفْواجًا) أيْ جَماعاتٍ كَثِيرَةً، كانَتْ تَدْخُلُ فِيهِ القَبِيلَةُ بِأسْرِها بَعْدَما كانُوا يَدْخُلُونَ فِيهِ واحِدًا بَعْدَ واحِدٍ، واثْنَيْنِ اثْنَيْنِ. قالَ الحَسَنُ: لَمّا فَتَحَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَكَّةَ أقْبَلَتِ العَرَبُ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ فَقالُوا: أمّا الظَّفَرُ بِأهْلِ الحَرَمِ فَلَيْسَ بِهِ يَدانِ، وقَدْ كانَ اللَّهُ تَعالى أجارَهم مِن أصْحابِ الفِيلِ. وقالَ أبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ البَرِّ: لَمْ يَمُتْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وفي العَرَبِ رَجُلٌ كافِرٌ، بَلْ دَخَلَ الكُلُّ في الإسْلامِ بَعْدَ حُنَيْنٍ، مِنهم مَن قَدِمَ، ومِنهم مَن قَدِمَ وافِدُهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والمُرادُ، واللَّهُ أعْلَمُ، العَرَبُ عَبْدَةُ الأوْثانِ، وأمّا نَصارى بَنِي ثَعْلَبٍ فَما أراهم أسْلَمُوا قَطُّ في حَياةِ الرَّسُولِ ﷺ، لَكِنْ أعْطَوُا الجِزْيَةَ، وقالَ مُقاتِلٌ وعِكْرِمَةُ: المُرادُ بِالنّاسِ أهْلُ اليَمَنِ، وفَدَ مِنهم سَبْعُمِائَةِ رَجُلٍ، وقالَ الجُمْهُورُ: وُفُودُ العَرَبِ، وكانَ دُخُولُهم بَيْنَ فَتْحِ مَكَّةَ ومَوْتِهِ ﷺ، و(أفْواجًا) جَمْعُ فَوْجٍ، قالَ الحَوْفِيُّ: وقِياسُ جَمْعِهِ أفْوُجٌ، ولَكِنِ اسْتُثْقِلَتِ الضَّمَّةُ عَلى الواوِ فَعُدِلَ إلى أفْواجٍ كَأنَّهُ يَعْنِي أنَّهُ كانَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ مُعْتَلَّ العَيْنِ كالصَّحِيحِ، فَكَما أنَّ قِياسَ فَعْلٍ صَحِيحُها أنْ يُجْمَعَ عَلى أفْعُلٍ لا عَلى أفْعالٍ، فَكَذَلِكَ هَذا، والأمْرُ في هَذا المُعْتَلِّ بِالعَكْسِ، القِياسُ فِيهِ أفْعالٌ، كَحَوْضٍ وأحْواضٍ، وشَذَّ فِيهِ أفْعُلٌ، كَثَوْبٍ وأثْوُبٍ، وهو حالٌ، ويَدْخُلُونَ حالٌ أوْ مَفْعُولٌ ثانٍ إنْ كانَ (أرَأيْتَ) بِمَعْنى ”عَلِمْتَ“ المُتَعَدِّيَةِ لِاثْنَيْنِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إمّا عَلى الحالِ عَلى أنَّ (أرَأيْتَ) بِمَعْنى أبْصَرْتَ أوْ عَرَفْتَ. انْتَهى. ولا نَعْلَمُ رَأيْتَ جاءَتْ بِمَعْنى عَرَفْتَ، فَنَحْتاجُ في ذَلِكَ إلى اسْتِثْباتٍ. ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ أيْ مُلْتَبِسًا بِحَمْدِهِ عَلى هَذِهِ النِّعَمِ الَّتِي (p-٥٢٤)خَوَّلَكَها، مِن نَصْرِكَ عَلى الأعْداءِ وفَتْحِكَ البِلادَ وإسْلامِ النّاسِ، وأيُّ نِعْمَةٍ أعْظَمُ مِن هَذِهِ، إذْ كُلُّ حَسَنَةٍ يَعْمَلُها المُسْلِمُونَ فَهي في مِيزانِهِ. وعَنْ عائِشَةَ: «كانَ ﷺ، يُكْثِرُ قَبْلَ مَوْتِهِ أنْ يَقُولَ: (سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ أسْتَغْفِرُكَ وأتُوبُ إلَيْكَ») . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والأمْرُ بِالِاسْتِغْفارِ مَعَ التَّسْبِيحِ تَكْمِيلٌ لِلْأمْرِ بِما هو قِوامُ أمْرِ الدِّينِ مِنَ الجَمْعِ بَيْنَ الطّاعَةِ والِاحْتِراسِ مِنَ المَعْصِيَةِ، ولِيَكُونَ أمْرُهُ بِذَلِكَ مَعَ عِصْمَتِهِ لُطْفًا لِأُمَّتِهِ؛ ولِأنَّ الِاسْتِغْفارَ مِنَ التَّواضُعِ وهَضْمِ النَّفْسِ، فَهو عِبادَةٌ في نَفْسِهِ. وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ: (إنِّي لَأسْتَغْفِرُ اللَّهَ في اليَوْمِ واللَّيْلَةِ مِائَةَ مَرَّةٍ) انْتَهى. وقَدْ عَلِمَ هو مِن هَذِهِ السُّورَةِ دُنُوَّ أجَلِهِ، وحِينَ قَرَأها عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، اسْتَبْشَرَ الصَّحابَةُ وبَكى العَبّاسُ، فَقالَ: (وما يُبْكِيكَ يا عَمُّ ؟ قالَ: نُعِيَتْ إلَيْكَ نَفْسُكَ، فَقالَ: إنَّها لَكَما تَقُولُ) فَعاشَ بَعْدَها سَنَتَيْنِ ﴿إنَّهُ كانَ تَوّابًا﴾ فِيهِ تَرْجِئَةٌ عَظِيمَةٌ لِلْمُسْتَغْفِرِينَ.

النصر 110:3

سُورَةُ النَّصْرِ مَدَنِيَّةٌ وهي ثَلاثُ آياتٍ ﷽ ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحُ﴾ ﴿ورَأيْتَ النّاسَ يَدْخُلُونَ في دِينِ اللَّهِ أفْواجًا﴾ ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ واسْتَغْفِرْهُ إنَّهُ كانَ تَوّابًا﴾ . (p-٥٢٣)هَذِهِ مَدَنِيَّةٌ، نَزَلَتْ مُنْصَرَفَهُ ﷺ، مِن غَزْوَةِ خَيْبَرَ، وعاشَ بَعْدَ نُزُولِها سَنَتَيْنِ، وقالَ ابْنُ عُمَرَ: نَزَلَتْ في أوْسَطِ أيّامِ التَّشْرِيقِ بِمِنًى في حِجَّةِ الوَداعِ، وعاشَ بَعْدَها ثَمانِينَ يَوْمًا أوْ نَحْوَها، ﷺ، ولَمّا كانَ في قَوْلِهِ: ﴿لَكم دِينُكُمْ﴾ [الكافرون: ٦] مُوادَعَةٌ، جاءَ في هَذِهِ بِما يَدُلُّ عَلى تَخْوِيفِهِمْ وتَهْدِيدِهِمْ، وأنَّهُ آنَ مَجِيءُ نَصْرِ اللَّهِ، وفَتْحُ مَكَّةَ، واضْمِحْلالُ مِلَّةِ الأصْنامِ، وإظْهارُ دِينِ اللَّهِ تَعالى. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إذا مَنصُوبٌ بِسَبِّحْ، وهو لِما يُسْتَقْبَلُ، والإعْلامُ بِذَلِكَ قَبْلَ كَوْنِهِ مِن أعْلامِ النُّبُوَّةِ. انْتَهى. وكَذا قالَ الحَوْفِيُّ، ولا يَصِحُّ إعْمالُ (فَسَبِّحْ) في (إذا) لِأجْلِ الفاءِ؛ لِأنَّ الفاءَ في جَوابِ الشَّرْطِ لا يَتَسَلَّطُ الفِعْلُ الَّذِي بَعْدَها عَلى اسْمِ الشَّرْطِ، فَلا تَعْمَلُ فِيهِ، بَلِ العامِلُ في إذا الفِعْلُ الَّذِي بَعْدَها عَلى الصَّحِيحِ المَنصُورِ في عِلْمِ العَرَبِيَّةِ، وقَدِ اسْتَدْلَلْنا عَلى ذَلِكَ في شَرْحِ التَّسْهِيلِ وغَيْرِهِ، وإنْ كانَ المَشْهُورُ غَيْرَهُ، والنَّصْرُ: الإعانَةُ والإظْهارُ عَلى العَدُوِّ، والفَتْحُ: فَتْحُ البِلادِ، ومُتَعَلِّقُ النَّصْرِ والفَتْحِ مَحْذُوفٌ، فالظّاهِرُ أنَّهُ نَصْرُ رَسُولِهِ ﷺ، والمُؤْمِنِينَ عَلى أعْدائِهِمْ، وفَتْحُ مَكَّةَ وغَيْرِها عَلَيْهِمْ، كالطّائِفِ ومُدُنِ الحِجازِ وكَثِيرٍ مِنَ اليَمَنِ. وقِيلَ: نَصْرُهُ، ﷺ عَلى قُرَيْشٍ وفَتْحُ مَكَّةَ، وكانَ فَتْحُها لِعَشْرٍ مَضَيْنَ مِن رَمَضانَ سَنَةَ ثَمانٍ، ومَعَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَشَرَةُ آلافٍ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يَدْخُلُونَ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وابْنُ كَثِيرٍ في رِوايَةٍ: مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. ﴿فِي دِينِ اللَّهِ﴾ في مِلَّةِ الإسْلامِ الَّذِي لا دِينَ لَهُ يُضافُ غَيْرُها (أفْواجًا) أيْ جَماعاتٍ كَثِيرَةً، كانَتْ تَدْخُلُ فِيهِ القَبِيلَةُ بِأسْرِها بَعْدَما كانُوا يَدْخُلُونَ فِيهِ واحِدًا بَعْدَ واحِدٍ، واثْنَيْنِ اثْنَيْنِ. قالَ الحَسَنُ: لَمّا فَتَحَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَكَّةَ أقْبَلَتِ العَرَبُ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ فَقالُوا: أمّا الظَّفَرُ بِأهْلِ الحَرَمِ فَلَيْسَ بِهِ يَدانِ، وقَدْ كانَ اللَّهُ تَعالى أجارَهم مِن أصْحابِ الفِيلِ. وقالَ أبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ البَرِّ: لَمْ يَمُتْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وفي العَرَبِ رَجُلٌ كافِرٌ، بَلْ دَخَلَ الكُلُّ في الإسْلامِ بَعْدَ حُنَيْنٍ، مِنهم مَن قَدِمَ، ومِنهم مَن قَدِمَ وافِدُهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والمُرادُ، واللَّهُ أعْلَمُ، العَرَبُ عَبْدَةُ الأوْثانِ، وأمّا نَصارى بَنِي ثَعْلَبٍ فَما أراهم أسْلَمُوا قَطُّ في حَياةِ الرَّسُولِ ﷺ، لَكِنْ أعْطَوُا الجِزْيَةَ، وقالَ مُقاتِلٌ وعِكْرِمَةُ: المُرادُ بِالنّاسِ أهْلُ اليَمَنِ، وفَدَ مِنهم سَبْعُمِائَةِ رَجُلٍ، وقالَ الجُمْهُورُ: وُفُودُ العَرَبِ، وكانَ دُخُولُهم بَيْنَ فَتْحِ مَكَّةَ ومَوْتِهِ ﷺ، و(أفْواجًا) جَمْعُ فَوْجٍ، قالَ الحَوْفِيُّ: وقِياسُ جَمْعِهِ أفْوُجٌ، ولَكِنِ اسْتُثْقِلَتِ الضَّمَّةُ عَلى الواوِ فَعُدِلَ إلى أفْواجٍ كَأنَّهُ يَعْنِي أنَّهُ كانَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ مُعْتَلَّ العَيْنِ كالصَّحِيحِ، فَكَما أنَّ قِياسَ فَعْلٍ صَحِيحُها أنْ يُجْمَعَ عَلى أفْعُلٍ لا عَلى أفْعالٍ، فَكَذَلِكَ هَذا، والأمْرُ في هَذا المُعْتَلِّ بِالعَكْسِ، القِياسُ فِيهِ أفْعالٌ، كَحَوْضٍ وأحْواضٍ، وشَذَّ فِيهِ أفْعُلٌ، كَثَوْبٍ وأثْوُبٍ، وهو حالٌ، ويَدْخُلُونَ حالٌ أوْ مَفْعُولٌ ثانٍ إنْ كانَ (أرَأيْتَ) بِمَعْنى ”عَلِمْتَ“ المُتَعَدِّيَةِ لِاثْنَيْنِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إمّا عَلى الحالِ عَلى أنَّ (أرَأيْتَ) بِمَعْنى أبْصَرْتَ أوْ عَرَفْتَ. انْتَهى. ولا نَعْلَمُ رَأيْتَ جاءَتْ بِمَعْنى عَرَفْتَ، فَنَحْتاجُ في ذَلِكَ إلى اسْتِثْباتٍ. ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ أيْ مُلْتَبِسًا بِحَمْدِهِ عَلى هَذِهِ النِّعَمِ الَّتِي (p-٥٢٤)خَوَّلَكَها، مِن نَصْرِكَ عَلى الأعْداءِ وفَتْحِكَ البِلادَ وإسْلامِ النّاسِ، وأيُّ نِعْمَةٍ أعْظَمُ مِن هَذِهِ، إذْ كُلُّ حَسَنَةٍ يَعْمَلُها المُسْلِمُونَ فَهي في مِيزانِهِ. وعَنْ عائِشَةَ: «كانَ ﷺ، يُكْثِرُ قَبْلَ مَوْتِهِ أنْ يَقُولَ: (سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ أسْتَغْفِرُكَ وأتُوبُ إلَيْكَ») . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والأمْرُ بِالِاسْتِغْفارِ مَعَ التَّسْبِيحِ تَكْمِيلٌ لِلْأمْرِ بِما هو قِوامُ أمْرِ الدِّينِ مِنَ الجَمْعِ بَيْنَ الطّاعَةِ والِاحْتِراسِ مِنَ المَعْصِيَةِ، ولِيَكُونَ أمْرُهُ بِذَلِكَ مَعَ عِصْمَتِهِ لُطْفًا لِأُمَّتِهِ؛ ولِأنَّ الِاسْتِغْفارَ مِنَ التَّواضُعِ وهَضْمِ النَّفْسِ، فَهو عِبادَةٌ في نَفْسِهِ. وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ: (إنِّي لَأسْتَغْفِرُ اللَّهَ في اليَوْمِ واللَّيْلَةِ مِائَةَ مَرَّةٍ) انْتَهى. وقَدْ عَلِمَ هو مِن هَذِهِ السُّورَةِ دُنُوَّ أجَلِهِ، وحِينَ قَرَأها عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، اسْتَبْشَرَ الصَّحابَةُ وبَكى العَبّاسُ، فَقالَ: (وما يُبْكِيكَ يا عَمُّ ؟ قالَ: نُعِيَتْ إلَيْكَ نَفْسُكَ، فَقالَ: إنَّها لَكَما تَقُولُ) فَعاشَ بَعْدَها سَنَتَيْنِ ﴿إنَّهُ كانَ تَوّابًا﴾ فِيهِ تَرْجِئَةٌ عَظِيمَةٌ لِلْمُسْتَغْفِرِينَ.

المسد 111:1

سُورَةُ اللَّهَبِ مَكِّيَّةٌ وهي خَمْسُ آياتٍ ﷽ ﴿تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ وتَبَّ﴾ ﴿ما أغْنى عَنْهُ مالُهُ وما كَسَبَ﴾ ﴿سَيَصْلى نارًا ذاتَ لَهَبٍ﴾ ﴿وامْرَأتُهُ حَمّالَةَ الحَطَبِ﴾ ﴿فِي جِيدِها حَبْلٌ مِن مَسَدٍ﴾ الحَطَبُ مَعْرُوفٌ، ويُقالُ: فُلانٌ يَحْطِبُ عَلى فُلانٍ إذا وشى عَلَيْهِ. الجِيدُ: العُنُقُ. المَسَدُ: الحَبْلُ مِن لِيفٍ، وقالَ أبُو الفَتْحِ: لِيفُ المُقْلِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هو شَجَرٌ بِاليَمَنِ يُسَمّى المَسَدَ. انْتَهى. وقَدْ يَكُونُ مِن جُلُودِ الإبِلِ ومِن أوْبارِها، قالَ الرّاجِزُ: ؎ومَسَدُ أمْرٍ مِن أيانِقَ ورَجُلٌ مَمْسُودُ الخَلْقِ: أيْ مَجْدُولُهُ شَدِيدُهُ. ﴿تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ وتَبَّ﴾ ﴿ما أغْنى عَنْهُ مالُهُ وما كَسَبَ﴾ ﴿سَيَصْلى نارًا ذاتَ لَهَبٍ﴾ ﴿وامْرَأتُهُ حَمّالَةَ الحَطَبِ﴾ ﴿فِي جِيدِها حَبْلٌ مِن مَسَدٍ﴾ . (p-٥٢٥)هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، ولَمّا ذَكَرَ فِيما قَبْلَها دُخُولَ النّاسِ في دِينِ اللَّهِ تَعالى، أتْبَعَ بِذِكْرِ مَن لَمْ يَدْخُلْ في الدِّينِ، وخَسِرَ ولَمْ يَدْخُلْ فِيما دَخَلَ فِيهِ أهْلُ مَكَّةَ مِنِ الإيمانِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى التَّبابِ في سُورَةِ غافِرٍ، وهُنا قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: خابَتْ، وقَتادَةُ: خَسِرَتْ، وابْنُ جُبَيْرٍ: هَلَكَتْ، وعَطاءٌ: ضَلَّتْ، ويَمانُ بْنُ رِيابٍ: صَفِرَتْ مِن كُلِّ خَيْرٍ، وهَذِهِ الأقْوالُ مُتَقارِبَةٌ في المَعْنى، وقالُوا فِيما حَكى: أشابَّةٌ أمْ تابَّةٌ أيْ هالِكَةٌ مِنَ الهَرَمِ والتَّعْجِيزِ، وإسْنادُ الهَلاكِ إلى اليَدَيْنِ؛ لِأنَّ العَمَلَ أكْثَرُ ما يَكُونُ بِهِما، وهو في الحَقِيقَةِ لِلنَّفْسِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ﴾ [الحج: ١٠] وقِيلَ: أخَذَ بِيَدَيْهِ حَجَرًا لِيَرْمِيَ بِهِ الرَّسُولَ ﷺ، فَأسْنَدَ التَّبَّ إلَيْهِما، والظّاهِرُ أنَّ التَّبَّ دُعاءٌ، وتَبَّ: إخْبارٌ بِحُصُولِ ذَلِكَ، كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎جَزانِي جَزاهُ اللَّهُ شَرَّ جَزائِهِ ∗∗∗ جَزاءَ الكِلابِ العاوِياتِ وقَدْ فَعَلْ ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ: وقَدْ تَبَّ. رُوِيَ أنَّهُ لَمّا نَزَلَ: ﴿وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] قالَ: (يا صَفِيَّةُ بِنْتَ عَبْدِ المُطَّلِبِ، يا فاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ، لا أُغْنِي لَكُما مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، سَلانِي مِن مالِي ما شِئْتُما) . ثُمَّ صَعِدَ الصَّفا، فَنادى بُطُونَ قُرَيْشٍ: (يا بَنِي فُلانٍ يا بَنِي فُلانٍ) . ورُوِيَ «أنَّهُ صاحَ بِأعْلى صَوْتِهِ: (يا صَباحاهُ) . فاجْتَمَعُوا إلَيْهِ مِن كُلِّ وجْهٍ، فَقالَ لَهم: (أرَأيْتُمْ لَوْ قُلْتُ لَكم إنِّي أُنْذِرُكم خَيْلًا بِسَفْحِ هَذا الجَبَلِ، أكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ ؟) قالُوا: نَعَمْ، قالَ: (فَإنِّي نَذِيرٌ لَكم بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ) فَقالَ أبُو لَهَبٍ: تَبًّا لَكَ سائِرَ اليَوْمِ، ألِهَذا جَمَعْتَنا ؟ فافْتَرَقُوا عَنْهُ، ونَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ» . وأبُو لَهَبٍ اسْمُهُ عَبْدُ العُزّى، ابْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ عَمُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ وابْنُ كَثِيرٍ: ﴿أبِي لَهَبٍ﴾ بِسُكُونِ الهاءِ، وفَتَحَها باقِي السَّبْعَةِ ولَمْ يَخْتَلِفُوا في ﴿ذاتَ لَهَبٍ﴾، لِأنَّها فاصِلَةُ، والسُّكُونُ يُزِيلُها عَلى حُسْنِ الفاصِلَةِ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهو مِن تَغْيِيرِ الأعْلامِ، كَقَوْلِهِمْ: شُمْسُ مالِكٍ بِالضَّمِّ. انْتَهى. يَعْنِي: سُكُونَ الهاءِ في لَهْبٍ وضَمَّ الشِّينَ في شُمْسٍ، ويَعْنِي في قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎وإنِّي لَمُهْدٍ مِن ثَنائِي فَقاصِدٌ بِهِ ∗∗∗ لِابْنِ عَمِّي الصِّدْقِ شُمْسِ بْنِ مالِكِ فَأمّا في (لَهَبٍ)، فالمَشْهُورُ في كُنْيَتِهِ فَتْحُ الهاءِ، وأمّا شُمْسُ بْنُ مالِكٍ، فَلا يَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ مِن تَغْيِيرِ الأعْلامِ، بَلْ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مُسَمًّى بِشُمْسٍ المَنقُولِ مِن شُمْسٍ الجَمْعِ، كَما جاءَ أذْنابُ خَيْلٍ شُمْسٍ، قِيلَ: وكُنِّيَ بِأبِي لَهَبٍ لِحُسْنِهِ وإشْراقِ وجْهِهِ، ولَمْ يَذْكُرْهُ تَعالى بِاسْمِهِ لِأنَّ اسْمَهُ عَبْدُ العُزّى، فَعَدَلَ عَنْهُ إلى الكُنْيَةِ، أوْ لِأنَّ الكُنْيَةَ كانَتْ أغْلَبَ عَلَيْهِ مِنَ الِاسْمِ، أوْ لِأنَّ مَآلَهُ إلى النّارِ، فَوافَقَتْ حالَتُهُ كُنْيَتَهُ، كَما يُقالُ لِلشِّرِّيرِ: أبُو الشَّرِّ، ولِلْخَيِّرِ أبُو الخَيْرِ، أوْ لِأنَّ الِاسْمَ أشْرَفُ مِنَ الكُنْيَةِ، فَعَدَلَ إلى الأنْقَصِ، ولِذَلِكَ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى الأنْبِياءَ، عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، بِأسْمائِهِمْ ولَمْ يُكَنِّ أحَدًا مِنهم. والظّاهِرُ أنَّ ما في ﴿ما أغْنى عَنْهُ مالُهُ﴾ نَفْيٌ، أيْ لَمْ يُغْنِ عَنْهُ مالُهُ المَوْرُوثُ عَنْ آبائِهِ، ﴿وما كَسَبَ﴾ هو بِنَفْسِهِ، أوْ ماشِيَتُهُ وما كَسَبَ مِن نَسْلِها ومَنافِعِها، أوْ ما كَسَبَ مِن أرْباحِ مالِهِ الَّذِي يَتَّجِرُ بِهِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ما اسْتِفْهامًا في مَوْضِعِ نَصْبٍ، أيْ: أيُّ شَيْءٍ يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ عَلى وجْهِ التَّقْرِيرِ والإنْكارِ ؟ والمَعْنى: أيْنَ الغِنى الَّذِي لِمالِهِ ولِكَسْبِهِ ؟ والظّاهِرُ أنَّ ما في قَوْلِهِ: ﴿وما كَسَبَ﴾ مَوْصُولَةٌ، وأُجِيزَ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، وإذا كانَتْ ما في ﴿ما أغْنى﴾ اسْتِفْهامًا، فَيَجُوزُ أنْ تَكُونَ ما في ﴿وما كَسَبَ﴾ اسْتِفْهامًا أيْضًا، أيْ: وأيُّ شَيْءٍ كَسَبَ ؟ أيْ لَمْ يَكْسِبْ شَيْئًا، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿وما كَسَبَ﴾ ولَدُهُ. وفِي الحَدِيثِ: (ولَدُ الرَّجُلِ مِن كَسْبِهِ) . وعَنِ الضَّحّاكِ: ﴿وما كَسَبَ﴾ هو عَمَلُهُ الخَبِيثُ في عَداوَةِ الرَّسُولِ، ﷺ . وعَنْ قَتادَةَ: وعَمَلُهُ الَّذِي ظَنَّ أنَّهُ مِنهُ عَلى شَيْءٍ. ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ كانَ يَقُولُ: إنْ كانَ ما يَقُولُ ابْنُ أخِي حَقًّا، فَأنا أفْتَدِي مِنهُ نَفْسِي بِمالِي ووَلَدِي. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: (وما اكْتَسَبَ) بِتاءِ الِافْتِعالِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ وابْنُ مِقْسَمٍ، وعَبّاسٌ في اخْتِيارِهِ، وهو أيْضًا ﴿سَيَصْلى﴾ بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الصّادِ وشَدِّ اللّامِ، (ومُرَيْئَتُهُ)، وعَنْهُ أيْضًا: (ومُرَيَّتُهُ) عَلى التَّصْغِيرِ فِيهِما بِالهَمْزِ وبِإبْدالِها ياءً وإدْغامِ ياءِ التَّصْغِيرِ (p-٥٢٦)فِيها، وقَرَأ أيْضًا: (حَمّالَةٌ لِلْحَطَبِ)، بِالتَّنْوِينِ في ﴿حَمّالَةَ﴾، وبِلامِ الجَرِّ في الحَطَبِ، وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ: ﴿سَيَصْلى﴾ بِضَمِّ الياءِ وسُكُونِ الصّادِ، وأبُو قِلابَةَ: (حامِلَةُ الحَطَبِ) عَلى وزْنِ فاعِلَةٍ مُضافًا، واخْتَلَسَ حَرَكَةَ الهاءِ في (وامْرَأتُهُ) أبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ، والحَسَنُ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، والأعْرَجُ، وأبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وعاصِمٌ: ﴿حَمّالَةَ﴾ بِالنَّصْبِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿سَيَصْلى﴾ بِفَتْحِ الياءِ وسُكُونِ الصّادِ (وامْرَأتُهُ) عَلى التَّكْبِيرِ ﴿حَمّالَةَ﴾ عَلى وزْنِ فَعّالَةٍ لِلْمُبالَغَةِ مُضافًا إلى الحَطَبِ مَرْفُوعًا، والسِّينُ لِلِاسْتِقْبالِ وإنْ تَراخى الزَّمانُ، وهو وعِيدٌ كائِنٌ إنْجازُهُ لا مَحالَةَ، وارْتَفَعَ (وامْرَأتُهُ) عَطْفًا عَلى الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في ﴿سَيَصْلى﴾ وحَسَّنَهُ وُجُودُ الفَصْلِ بِالمَفْعُولِ وصَفَتِهِ (وحَمّالَةُ) في قِراءَةِ الجُمْهُورِ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أوْ صِفَةٌ لِـ(امْرَأتُهُ)، لِأنَّهُ مِثالٌ ماضٍ فَيُعْرَفُ بِالإضافَةِ، وفَعّالٌ أحَدُ الأمْثِلَةِ السِّتَّةِ وحُكْمُها كاسْمِ الفاعِلِ، وفي قِراءَةِ النَّصْبِ، انْتَصَبَ عَلى الذَّمِّ، وأجازُوا في قِراءَةِ الرَّفْعِ أنْ يَكُونَ (وامْرَأتُهُ) مُبْتَدَأٌ، و﴿حَمّالَةَ﴾ واسْمُها أُمُّ جَمِيلٍ بِنْتُ حَرْبٍ أُخْتُ أبِي سُفْيانَ، وكانَتْ عَوْراءَ. والظّاهِرُ أنَّها كانَتْ تَحْمِلُ الحَطَبَ، أيْ ما فِيهِ شَوْكٌ، لِتُؤْذِيَ بِإلْقائِهِ في طَرِيقِ الرَّسُولِ ﷺ، وأصْحابِهِ لِتَعْقُرَهم، فَذُمَّتْ بِذَلِكَ وسُمِّيَتْ حَمّالَةَ الحَطَبِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، فَحَمّالَةٌ مَعْرِفَةٌ، فَإنْ كانَ صارَ لَقَبًا لَها جازَ فِيهِ حالَةُ الرَّفْعِ أنْ يَكُونَ عَطْفَ بَيانٍ، وأنْ يَكُونَ بَدَلًا، قِيلَ: وكانَتْ تَحْمِلُ حُزْمَةً مِنَ الشَّوْكِ والحَسَكِ والسَّعْدانِ فَتَنْشُرُها بِاللَّيْلِ في طَرِيقِ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ . وقالابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ: كانَتْ تَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ، ويُقالُ لِلْمَشّاءِ بِها: يَحْمِلُ الحَطَبَ بَيْنَ النّاسِ، أيْ يُوقِدُ بَيْنَهُمُ النّائِرَةَ ويُورِثُ الشَّرَّ، قالَ الشّاعِرُ: ؎مِنِ البِيضِ لَمْ يَصْطَدْ عَلى ظَهْرِ لِأمَةٍ ∗∗∗ ولَمْ تَمْشِ بَيْنَ الحَيِّ بِالحَطَبِ الرَّطْبِ جَعَلَهُ رَطْبًا لِيَدُلَّ عَلى التَّدْخِينِ الَّذِي هو زِيادَةٌ في الشَّرِّ. وقالَ الرّاجِزُ: ؎إنَّ بَنِي الأرْزَمِ حَمّالُو الحَطَبِ ∗∗∗ هُمُ الوُشاةُ في الرِّضا وفي الغَضَبِ وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: حَمّالَةُ الخَطايا والذُّنُوبِ، مِن قَوْلِهِمْ: يَحْطِبُ عَلى ظَهْرِهِ، قالَ تَعالى: ﴿وهم يَحْمِلُونَ أوْزارَهم عَلى ظُهُورِهِمْ﴾ [الأنعام: ٣١] وقِيلَ: الحَطَبُ جَمْعُ حاطِبٍ، كَحارِسٍ وحَرَسٍ، أيْ بِحَمْلِ الجُناةِ عَلى الجِناياتِ، والظّاهِرُ أنَّ الحَبْلَ مِن مَسَدٍ، وقالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ومُجاهِدٌ وسُفْيانُ: اسْتِعارَةٌ، والمُرادُ سِلْسِلَةٌ مِن حَدِيدٍ في جَهَنَّمَ، وقالَ قَتادَةُ: قِلادَةٌ مِن ودَعٍ، وقالَ ابْنُ المُسَيَّبِ: قِلادَةٌ فاخِرَةٌ مِن جَوْهَرٍ، فَقالَتْ: واللّاتِ والعُزّى لِأُنْفِقَنَّها عَلى عَداوَةِ مُحَمَّدٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وإنَّما عَبَّرَ عَنْ قِلادَتِها بِحَبْلٍ مِن مَسَدٍ عَلى جِهَةِ التَّفاؤُلِ لَها، وذَكَرَ تَبَرُّجَها في هَذا السَّعْيِ الخَبِيثِ. انْتَهى. وقالَ الحَسَنُ: إنَّما كانَتْ خَرَزًا، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والمَعْنى في جِيدِها حَبْلٌ مِمّا مَسَدٍ مِنِ الحِبالِ، وأنَّها تَحْمِلُ الحُزْمَةَ مِنَ الشَّوْكِ وتَرْبِطُها في جِيدِها، كَما يَفْعَلُ الحَطّابُونَ تَحْسِيسًا لِحالِها وتَحْقِيرًا لَها بِصُورَةِ بَعْضِ الحَطّاباتِ مِنَ المَواهِنِ لِتَمْتَعِضَ مِن ذَلِكَ ويَمْتَعِضَ بَعْلُها وهُما في بَيْتِ العِزِّ والشَّرَفِ وفي مَنصِبِ الثَّرْوَةِ والجَدَّةِ، ولَقَدْ عَيَّرَ بَعْضُ النّاسِ الفَضْلَ بْنَ العَبّاسِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ أبِي لَهَبٍ بِحَمّالَةِ الحَطَبِ، فَقالَ: ؎ماذا أرَدْتَ إلى شَتْمِي ومَنقَصَتِي ∗∗∗ أمْ ما تُعَيِّرُ مِن حَمّالَةِ الحَطَبِ ؎غَرْساءُ شاذِخَةٌ في المَجْدِ سامِيَةٌ ∗∗∗ كانْتَ سَلِيلَةَ شَيْخٍ ثاقِبِ الحَسَبِ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: إنَّ حالَها يَكُونُ في نارِ جَهَنَّمَ عَلى الصُّورَةِ الَّتِي كانَتْ عَلَيْها حِينَ كانَتْ تَحْمِلُ حُزْمَةَ الشَّوْكِ، فَلا يَزالُ عَلى ظَهْرِها حُزْمَةٌ مِن حَطَبِ النّارِ مِن شَجَرِ الزَّقُّومِ أوِ الضَّرِيعِ، وفي جِيدِها حَبْلٌ مِمّا مُسِدَ مِن سَلاسِلِ النّارِ، كَما يُعَذَّبُ كُلُّ مُجْرِمٍ بِما يُجانِسُ حالَهُ في جُرْمِهِ. انْتَهى. ولَمّا سَمِعَتْ أُمُّ جَمِيلٍ هَذِهِ السُّورَةَ أتَتْ أبا بَكْرٍ، وهو مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، في المَسْجِدِ وبِيَدِها فِهْرٌ، فَقالَتْ: (p-٥٢٧)بَلَغَنِي أنَّ صاحِبَكَ هَجانِي، ولَأفْعَلَنَّ وأفْعَلَنَّ، وأعْمى اللَّهُ تَعالى بَصَرَها عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَرُوِيَ أنَّ أبا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، قالَ لَها: هَلْ تَرَيْ مَعِي أحَدًا ؟ فَقالَتْ: أتَهْزَأُ بِي ؟ لا أرى غَيْرَكَ، وإنْ كانَ شاعِرًا فَأنا مِثْلُهُ أقُولُ: ؎مُذَمَّمًا أبَيْنا ودِينَهُ ∗∗∗ قَلَيْنا وأمْرَهُ عَصَيْنا فَسَكَتَ أبُو بَكْرٍ ومَضَتْ هي، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَقَدْ حَجَبَتْنِي عَنْها مَلائِكَةٌ فَما رَأتْنِي وكَفى اللَّهُ شَرَّها» . وذُكِرَ أنَّها ماتَتْ مَخْنُوقَةً بِحَبْلِها، وأبُو لَهَبٍ رَماهُ اللَّهُ تَعالى بِالعَدَسَةِ بَعْدَ وقْعَةِ بَدْرٍ بِسَبْعِ لَيالٍ.

المسد 111:2

سُورَةُ اللَّهَبِ مَكِّيَّةٌ وهي خَمْسُ آياتٍ ﷽ ﴿تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ وتَبَّ﴾ ﴿ما أغْنى عَنْهُ مالُهُ وما كَسَبَ﴾ ﴿سَيَصْلى نارًا ذاتَ لَهَبٍ﴾ ﴿وامْرَأتُهُ حَمّالَةَ الحَطَبِ﴾ ﴿فِي جِيدِها حَبْلٌ مِن مَسَدٍ﴾ الحَطَبُ مَعْرُوفٌ، ويُقالُ: فُلانٌ يَحْطِبُ عَلى فُلانٍ إذا وشى عَلَيْهِ. الجِيدُ: العُنُقُ. المَسَدُ: الحَبْلُ مِن لِيفٍ، وقالَ أبُو الفَتْحِ: لِيفُ المُقْلِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هو شَجَرٌ بِاليَمَنِ يُسَمّى المَسَدَ. انْتَهى. وقَدْ يَكُونُ مِن جُلُودِ الإبِلِ ومِن أوْبارِها، قالَ الرّاجِزُ: ؎ومَسَدُ أمْرٍ مِن أيانِقَ ورَجُلٌ مَمْسُودُ الخَلْقِ: أيْ مَجْدُولُهُ شَدِيدُهُ. ﴿تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ وتَبَّ﴾ ﴿ما أغْنى عَنْهُ مالُهُ وما كَسَبَ﴾ ﴿سَيَصْلى نارًا ذاتَ لَهَبٍ﴾ ﴿وامْرَأتُهُ حَمّالَةَ الحَطَبِ﴾ ﴿فِي جِيدِها حَبْلٌ مِن مَسَدٍ﴾ . (p-٥٢٥)هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، ولَمّا ذَكَرَ فِيما قَبْلَها دُخُولَ النّاسِ في دِينِ اللَّهِ تَعالى، أتْبَعَ بِذِكْرِ مَن لَمْ يَدْخُلْ في الدِّينِ، وخَسِرَ ولَمْ يَدْخُلْ فِيما دَخَلَ فِيهِ أهْلُ مَكَّةَ مِنِ الإيمانِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى التَّبابِ في سُورَةِ غافِرٍ، وهُنا قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: خابَتْ، وقَتادَةُ: خَسِرَتْ، وابْنُ جُبَيْرٍ: هَلَكَتْ، وعَطاءٌ: ضَلَّتْ، ويَمانُ بْنُ رِيابٍ: صَفِرَتْ مِن كُلِّ خَيْرٍ، وهَذِهِ الأقْوالُ مُتَقارِبَةٌ في المَعْنى، وقالُوا فِيما حَكى: أشابَّةٌ أمْ تابَّةٌ أيْ هالِكَةٌ مِنَ الهَرَمِ والتَّعْجِيزِ، وإسْنادُ الهَلاكِ إلى اليَدَيْنِ؛ لِأنَّ العَمَلَ أكْثَرُ ما يَكُونُ بِهِما، وهو في الحَقِيقَةِ لِلنَّفْسِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ﴾ [الحج: ١٠] وقِيلَ: أخَذَ بِيَدَيْهِ حَجَرًا لِيَرْمِيَ بِهِ الرَّسُولَ ﷺ، فَأسْنَدَ التَّبَّ إلَيْهِما، والظّاهِرُ أنَّ التَّبَّ دُعاءٌ، وتَبَّ: إخْبارٌ بِحُصُولِ ذَلِكَ، كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎جَزانِي جَزاهُ اللَّهُ شَرَّ جَزائِهِ ∗∗∗ جَزاءَ الكِلابِ العاوِياتِ وقَدْ فَعَلْ ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ: وقَدْ تَبَّ. رُوِيَ أنَّهُ لَمّا نَزَلَ: ﴿وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] قالَ: (يا صَفِيَّةُ بِنْتَ عَبْدِ المُطَّلِبِ، يا فاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ، لا أُغْنِي لَكُما مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، سَلانِي مِن مالِي ما شِئْتُما) . ثُمَّ صَعِدَ الصَّفا، فَنادى بُطُونَ قُرَيْشٍ: (يا بَنِي فُلانٍ يا بَنِي فُلانٍ) . ورُوِيَ «أنَّهُ صاحَ بِأعْلى صَوْتِهِ: (يا صَباحاهُ) . فاجْتَمَعُوا إلَيْهِ مِن كُلِّ وجْهٍ، فَقالَ لَهم: (أرَأيْتُمْ لَوْ قُلْتُ لَكم إنِّي أُنْذِرُكم خَيْلًا بِسَفْحِ هَذا الجَبَلِ، أكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ ؟) قالُوا: نَعَمْ، قالَ: (فَإنِّي نَذِيرٌ لَكم بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ) فَقالَ أبُو لَهَبٍ: تَبًّا لَكَ سائِرَ اليَوْمِ، ألِهَذا جَمَعْتَنا ؟ فافْتَرَقُوا عَنْهُ، ونَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ» . وأبُو لَهَبٍ اسْمُهُ عَبْدُ العُزّى، ابْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ عَمُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ وابْنُ كَثِيرٍ: ﴿أبِي لَهَبٍ﴾ بِسُكُونِ الهاءِ، وفَتَحَها باقِي السَّبْعَةِ ولَمْ يَخْتَلِفُوا في ﴿ذاتَ لَهَبٍ﴾، لِأنَّها فاصِلَةُ، والسُّكُونُ يُزِيلُها عَلى حُسْنِ الفاصِلَةِ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهو مِن تَغْيِيرِ الأعْلامِ، كَقَوْلِهِمْ: شُمْسُ مالِكٍ بِالضَّمِّ. انْتَهى. يَعْنِي: سُكُونَ الهاءِ في لَهْبٍ وضَمَّ الشِّينَ في شُمْسٍ، ويَعْنِي في قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎وإنِّي لَمُهْدٍ مِن ثَنائِي فَقاصِدٌ بِهِ ∗∗∗ لِابْنِ عَمِّي الصِّدْقِ شُمْسِ بْنِ مالِكِ فَأمّا في (لَهَبٍ)، فالمَشْهُورُ في كُنْيَتِهِ فَتْحُ الهاءِ، وأمّا شُمْسُ بْنُ مالِكٍ، فَلا يَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ مِن تَغْيِيرِ الأعْلامِ، بَلْ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مُسَمًّى بِشُمْسٍ المَنقُولِ مِن شُمْسٍ الجَمْعِ، كَما جاءَ أذْنابُ خَيْلٍ شُمْسٍ، قِيلَ: وكُنِّيَ بِأبِي لَهَبٍ لِحُسْنِهِ وإشْراقِ وجْهِهِ، ولَمْ يَذْكُرْهُ تَعالى بِاسْمِهِ لِأنَّ اسْمَهُ عَبْدُ العُزّى، فَعَدَلَ عَنْهُ إلى الكُنْيَةِ، أوْ لِأنَّ الكُنْيَةَ كانَتْ أغْلَبَ عَلَيْهِ مِنَ الِاسْمِ، أوْ لِأنَّ مَآلَهُ إلى النّارِ، فَوافَقَتْ حالَتُهُ كُنْيَتَهُ، كَما يُقالُ لِلشِّرِّيرِ: أبُو الشَّرِّ، ولِلْخَيِّرِ أبُو الخَيْرِ، أوْ لِأنَّ الِاسْمَ أشْرَفُ مِنَ الكُنْيَةِ، فَعَدَلَ إلى الأنْقَصِ، ولِذَلِكَ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى الأنْبِياءَ، عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، بِأسْمائِهِمْ ولَمْ يُكَنِّ أحَدًا مِنهم. والظّاهِرُ أنَّ ما في ﴿ما أغْنى عَنْهُ مالُهُ﴾ نَفْيٌ، أيْ لَمْ يُغْنِ عَنْهُ مالُهُ المَوْرُوثُ عَنْ آبائِهِ، ﴿وما كَسَبَ﴾ هو بِنَفْسِهِ، أوْ ماشِيَتُهُ وما كَسَبَ مِن نَسْلِها ومَنافِعِها، أوْ ما كَسَبَ مِن أرْباحِ مالِهِ الَّذِي يَتَّجِرُ بِهِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ما اسْتِفْهامًا في مَوْضِعِ نَصْبٍ، أيْ: أيُّ شَيْءٍ يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ عَلى وجْهِ التَّقْرِيرِ والإنْكارِ ؟ والمَعْنى: أيْنَ الغِنى الَّذِي لِمالِهِ ولِكَسْبِهِ ؟ والظّاهِرُ أنَّ ما في قَوْلِهِ: ﴿وما كَسَبَ﴾ مَوْصُولَةٌ، وأُجِيزَ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، وإذا كانَتْ ما في ﴿ما أغْنى﴾ اسْتِفْهامًا، فَيَجُوزُ أنْ تَكُونَ ما في ﴿وما كَسَبَ﴾ اسْتِفْهامًا أيْضًا، أيْ: وأيُّ شَيْءٍ كَسَبَ ؟ أيْ لَمْ يَكْسِبْ شَيْئًا، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿وما كَسَبَ﴾ ولَدُهُ. وفِي الحَدِيثِ: (ولَدُ الرَّجُلِ مِن كَسْبِهِ) . وعَنِ الضَّحّاكِ: ﴿وما كَسَبَ﴾ هو عَمَلُهُ الخَبِيثُ في عَداوَةِ الرَّسُولِ، ﷺ . وعَنْ قَتادَةَ: وعَمَلُهُ الَّذِي ظَنَّ أنَّهُ مِنهُ عَلى شَيْءٍ. ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ كانَ يَقُولُ: إنْ كانَ ما يَقُولُ ابْنُ أخِي حَقًّا، فَأنا أفْتَدِي مِنهُ نَفْسِي بِمالِي ووَلَدِي. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: (وما اكْتَسَبَ) بِتاءِ الِافْتِعالِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ وابْنُ مِقْسَمٍ، وعَبّاسٌ في اخْتِيارِهِ، وهو أيْضًا ﴿سَيَصْلى﴾ بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الصّادِ وشَدِّ اللّامِ، (ومُرَيْئَتُهُ)، وعَنْهُ أيْضًا: (ومُرَيَّتُهُ) عَلى التَّصْغِيرِ فِيهِما بِالهَمْزِ وبِإبْدالِها ياءً وإدْغامِ ياءِ التَّصْغِيرِ (p-٥٢٦)فِيها، وقَرَأ أيْضًا: (حَمّالَةٌ لِلْحَطَبِ)، بِالتَّنْوِينِ في ﴿حَمّالَةَ﴾، وبِلامِ الجَرِّ في الحَطَبِ، وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ: ﴿سَيَصْلى﴾ بِضَمِّ الياءِ وسُكُونِ الصّادِ، وأبُو قِلابَةَ: (حامِلَةُ الحَطَبِ) عَلى وزْنِ فاعِلَةٍ مُضافًا، واخْتَلَسَ حَرَكَةَ الهاءِ في (وامْرَأتُهُ) أبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ، والحَسَنُ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، والأعْرَجُ، وأبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وعاصِمٌ: ﴿حَمّالَةَ﴾ بِالنَّصْبِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿سَيَصْلى﴾ بِفَتْحِ الياءِ وسُكُونِ الصّادِ (وامْرَأتُهُ) عَلى التَّكْبِيرِ ﴿حَمّالَةَ﴾ عَلى وزْنِ فَعّالَةٍ لِلْمُبالَغَةِ مُضافًا إلى الحَطَبِ مَرْفُوعًا، والسِّينُ لِلِاسْتِقْبالِ وإنْ تَراخى الزَّمانُ، وهو وعِيدٌ كائِنٌ إنْجازُهُ لا مَحالَةَ، وارْتَفَعَ (وامْرَأتُهُ) عَطْفًا عَلى الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في ﴿سَيَصْلى﴾ وحَسَّنَهُ وُجُودُ الفَصْلِ بِالمَفْعُولِ وصَفَتِهِ (وحَمّالَةُ) في قِراءَةِ الجُمْهُورِ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أوْ صِفَةٌ لِـ(امْرَأتُهُ)، لِأنَّهُ مِثالٌ ماضٍ فَيُعْرَفُ بِالإضافَةِ، وفَعّالٌ أحَدُ الأمْثِلَةِ السِّتَّةِ وحُكْمُها كاسْمِ الفاعِلِ، وفي قِراءَةِ النَّصْبِ، انْتَصَبَ عَلى الذَّمِّ، وأجازُوا في قِراءَةِ الرَّفْعِ أنْ يَكُونَ (وامْرَأتُهُ) مُبْتَدَأٌ، و﴿حَمّالَةَ﴾ واسْمُها أُمُّ جَمِيلٍ بِنْتُ حَرْبٍ أُخْتُ أبِي سُفْيانَ، وكانَتْ عَوْراءَ. والظّاهِرُ أنَّها كانَتْ تَحْمِلُ الحَطَبَ، أيْ ما فِيهِ شَوْكٌ، لِتُؤْذِيَ بِإلْقائِهِ في طَرِيقِ الرَّسُولِ ﷺ، وأصْحابِهِ لِتَعْقُرَهم، فَذُمَّتْ بِذَلِكَ وسُمِّيَتْ حَمّالَةَ الحَطَبِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، فَحَمّالَةٌ مَعْرِفَةٌ، فَإنْ كانَ صارَ لَقَبًا لَها جازَ فِيهِ حالَةُ الرَّفْعِ أنْ يَكُونَ عَطْفَ بَيانٍ، وأنْ يَكُونَ بَدَلًا، قِيلَ: وكانَتْ تَحْمِلُ حُزْمَةً مِنَ الشَّوْكِ والحَسَكِ والسَّعْدانِ فَتَنْشُرُها بِاللَّيْلِ في طَرِيقِ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ . وقالابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ: كانَتْ تَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ، ويُقالُ لِلْمَشّاءِ بِها: يَحْمِلُ الحَطَبَ بَيْنَ النّاسِ، أيْ يُوقِدُ بَيْنَهُمُ النّائِرَةَ ويُورِثُ الشَّرَّ، قالَ الشّاعِرُ: ؎مِنِ البِيضِ لَمْ يَصْطَدْ عَلى ظَهْرِ لِأمَةٍ ∗∗∗ ولَمْ تَمْشِ بَيْنَ الحَيِّ بِالحَطَبِ الرَّطْبِ جَعَلَهُ رَطْبًا لِيَدُلَّ عَلى التَّدْخِينِ الَّذِي هو زِيادَةٌ في الشَّرِّ. وقالَ الرّاجِزُ: ؎إنَّ بَنِي الأرْزَمِ حَمّالُو الحَطَبِ ∗∗∗ هُمُ الوُشاةُ في الرِّضا وفي الغَضَبِ وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: حَمّالَةُ الخَطايا والذُّنُوبِ، مِن قَوْلِهِمْ: يَحْطِبُ عَلى ظَهْرِهِ، قالَ تَعالى: ﴿وهم يَحْمِلُونَ أوْزارَهم عَلى ظُهُورِهِمْ﴾ [الأنعام: ٣١] وقِيلَ: الحَطَبُ جَمْعُ حاطِبٍ، كَحارِسٍ وحَرَسٍ، أيْ بِحَمْلِ الجُناةِ عَلى الجِناياتِ، والظّاهِرُ أنَّ الحَبْلَ مِن مَسَدٍ، وقالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ومُجاهِدٌ وسُفْيانُ: اسْتِعارَةٌ، والمُرادُ سِلْسِلَةٌ مِن حَدِيدٍ في جَهَنَّمَ، وقالَ قَتادَةُ: قِلادَةٌ مِن ودَعٍ، وقالَ ابْنُ المُسَيَّبِ: قِلادَةٌ فاخِرَةٌ مِن جَوْهَرٍ، فَقالَتْ: واللّاتِ والعُزّى لِأُنْفِقَنَّها عَلى عَداوَةِ مُحَمَّدٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وإنَّما عَبَّرَ عَنْ قِلادَتِها بِحَبْلٍ مِن مَسَدٍ عَلى جِهَةِ التَّفاؤُلِ لَها، وذَكَرَ تَبَرُّجَها في هَذا السَّعْيِ الخَبِيثِ. انْتَهى. وقالَ الحَسَنُ: إنَّما كانَتْ خَرَزًا، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والمَعْنى في جِيدِها حَبْلٌ مِمّا مَسَدٍ مِنِ الحِبالِ، وأنَّها تَحْمِلُ الحُزْمَةَ مِنَ الشَّوْكِ وتَرْبِطُها في جِيدِها، كَما يَفْعَلُ الحَطّابُونَ تَحْسِيسًا لِحالِها وتَحْقِيرًا لَها بِصُورَةِ بَعْضِ الحَطّاباتِ مِنَ المَواهِنِ لِتَمْتَعِضَ مِن ذَلِكَ ويَمْتَعِضَ بَعْلُها وهُما في بَيْتِ العِزِّ والشَّرَفِ وفي مَنصِبِ الثَّرْوَةِ والجَدَّةِ، ولَقَدْ عَيَّرَ بَعْضُ النّاسِ الفَضْلَ بْنَ العَبّاسِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ أبِي لَهَبٍ بِحَمّالَةِ الحَطَبِ، فَقالَ: ؎ماذا أرَدْتَ إلى شَتْمِي ومَنقَصَتِي ∗∗∗ أمْ ما تُعَيِّرُ مِن حَمّالَةِ الحَطَبِ ؎غَرْساءُ شاذِخَةٌ في المَجْدِ سامِيَةٌ ∗∗∗ كانْتَ سَلِيلَةَ شَيْخٍ ثاقِبِ الحَسَبِ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: إنَّ حالَها يَكُونُ في نارِ جَهَنَّمَ عَلى الصُّورَةِ الَّتِي كانَتْ عَلَيْها حِينَ كانَتْ تَحْمِلُ حُزْمَةَ الشَّوْكِ، فَلا يَزالُ عَلى ظَهْرِها حُزْمَةٌ مِن حَطَبِ النّارِ مِن شَجَرِ الزَّقُّومِ أوِ الضَّرِيعِ، وفي جِيدِها حَبْلٌ مِمّا مُسِدَ مِن سَلاسِلِ النّارِ، كَما يُعَذَّبُ كُلُّ مُجْرِمٍ بِما يُجانِسُ حالَهُ في جُرْمِهِ. انْتَهى. ولَمّا سَمِعَتْ أُمُّ جَمِيلٍ هَذِهِ السُّورَةَ أتَتْ أبا بَكْرٍ، وهو مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، في المَسْجِدِ وبِيَدِها فِهْرٌ، فَقالَتْ: (p-٥٢٧)بَلَغَنِي أنَّ صاحِبَكَ هَجانِي، ولَأفْعَلَنَّ وأفْعَلَنَّ، وأعْمى اللَّهُ تَعالى بَصَرَها عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَرُوِيَ أنَّ أبا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، قالَ لَها: هَلْ تَرَيْ مَعِي أحَدًا ؟ فَقالَتْ: أتَهْزَأُ بِي ؟ لا أرى غَيْرَكَ، وإنْ كانَ شاعِرًا فَأنا مِثْلُهُ أقُولُ: ؎مُذَمَّمًا أبَيْنا ودِينَهُ ∗∗∗ قَلَيْنا وأمْرَهُ عَصَيْنا فَسَكَتَ أبُو بَكْرٍ ومَضَتْ هي، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَقَدْ حَجَبَتْنِي عَنْها مَلائِكَةٌ فَما رَأتْنِي وكَفى اللَّهُ شَرَّها» . وذُكِرَ أنَّها ماتَتْ مَخْنُوقَةً بِحَبْلِها، وأبُو لَهَبٍ رَماهُ اللَّهُ تَعالى بِالعَدَسَةِ بَعْدَ وقْعَةِ بَدْرٍ بِسَبْعِ لَيالٍ.

المسد 111:3

سُورَةُ اللَّهَبِ مَكِّيَّةٌ وهي خَمْسُ آياتٍ ﷽ ﴿تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ وتَبَّ﴾ ﴿ما أغْنى عَنْهُ مالُهُ وما كَسَبَ﴾ ﴿سَيَصْلى نارًا ذاتَ لَهَبٍ﴾ ﴿وامْرَأتُهُ حَمّالَةَ الحَطَبِ﴾ ﴿فِي جِيدِها حَبْلٌ مِن مَسَدٍ﴾ الحَطَبُ مَعْرُوفٌ، ويُقالُ: فُلانٌ يَحْطِبُ عَلى فُلانٍ إذا وشى عَلَيْهِ. الجِيدُ: العُنُقُ. المَسَدُ: الحَبْلُ مِن لِيفٍ، وقالَ أبُو الفَتْحِ: لِيفُ المُقْلِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هو شَجَرٌ بِاليَمَنِ يُسَمّى المَسَدَ. انْتَهى. وقَدْ يَكُونُ مِن جُلُودِ الإبِلِ ومِن أوْبارِها، قالَ الرّاجِزُ: ؎ومَسَدُ أمْرٍ مِن أيانِقَ ورَجُلٌ مَمْسُودُ الخَلْقِ: أيْ مَجْدُولُهُ شَدِيدُهُ. ﴿تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ وتَبَّ﴾ ﴿ما أغْنى عَنْهُ مالُهُ وما كَسَبَ﴾ ﴿سَيَصْلى نارًا ذاتَ لَهَبٍ﴾ ﴿وامْرَأتُهُ حَمّالَةَ الحَطَبِ﴾ ﴿فِي جِيدِها حَبْلٌ مِن مَسَدٍ﴾ . (p-٥٢٥)هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، ولَمّا ذَكَرَ فِيما قَبْلَها دُخُولَ النّاسِ في دِينِ اللَّهِ تَعالى، أتْبَعَ بِذِكْرِ مَن لَمْ يَدْخُلْ في الدِّينِ، وخَسِرَ ولَمْ يَدْخُلْ فِيما دَخَلَ فِيهِ أهْلُ مَكَّةَ مِنِ الإيمانِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى التَّبابِ في سُورَةِ غافِرٍ، وهُنا قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: خابَتْ، وقَتادَةُ: خَسِرَتْ، وابْنُ جُبَيْرٍ: هَلَكَتْ، وعَطاءٌ: ضَلَّتْ، ويَمانُ بْنُ رِيابٍ: صَفِرَتْ مِن كُلِّ خَيْرٍ، وهَذِهِ الأقْوالُ مُتَقارِبَةٌ في المَعْنى، وقالُوا فِيما حَكى: أشابَّةٌ أمْ تابَّةٌ أيْ هالِكَةٌ مِنَ الهَرَمِ والتَّعْجِيزِ، وإسْنادُ الهَلاكِ إلى اليَدَيْنِ؛ لِأنَّ العَمَلَ أكْثَرُ ما يَكُونُ بِهِما، وهو في الحَقِيقَةِ لِلنَّفْسِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ﴾ [الحج: ١٠] وقِيلَ: أخَذَ بِيَدَيْهِ حَجَرًا لِيَرْمِيَ بِهِ الرَّسُولَ ﷺ، فَأسْنَدَ التَّبَّ إلَيْهِما، والظّاهِرُ أنَّ التَّبَّ دُعاءٌ، وتَبَّ: إخْبارٌ بِحُصُولِ ذَلِكَ، كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎جَزانِي جَزاهُ اللَّهُ شَرَّ جَزائِهِ ∗∗∗ جَزاءَ الكِلابِ العاوِياتِ وقَدْ فَعَلْ ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ: وقَدْ تَبَّ. رُوِيَ أنَّهُ لَمّا نَزَلَ: ﴿وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] قالَ: (يا صَفِيَّةُ بِنْتَ عَبْدِ المُطَّلِبِ، يا فاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ، لا أُغْنِي لَكُما مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، سَلانِي مِن مالِي ما شِئْتُما) . ثُمَّ صَعِدَ الصَّفا، فَنادى بُطُونَ قُرَيْشٍ: (يا بَنِي فُلانٍ يا بَنِي فُلانٍ) . ورُوِيَ «أنَّهُ صاحَ بِأعْلى صَوْتِهِ: (يا صَباحاهُ) . فاجْتَمَعُوا إلَيْهِ مِن كُلِّ وجْهٍ، فَقالَ لَهم: (أرَأيْتُمْ لَوْ قُلْتُ لَكم إنِّي أُنْذِرُكم خَيْلًا بِسَفْحِ هَذا الجَبَلِ، أكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ ؟) قالُوا: نَعَمْ، قالَ: (فَإنِّي نَذِيرٌ لَكم بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ) فَقالَ أبُو لَهَبٍ: تَبًّا لَكَ سائِرَ اليَوْمِ، ألِهَذا جَمَعْتَنا ؟ فافْتَرَقُوا عَنْهُ، ونَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ» . وأبُو لَهَبٍ اسْمُهُ عَبْدُ العُزّى، ابْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ عَمُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ وابْنُ كَثِيرٍ: ﴿أبِي لَهَبٍ﴾ بِسُكُونِ الهاءِ، وفَتَحَها باقِي السَّبْعَةِ ولَمْ يَخْتَلِفُوا في ﴿ذاتَ لَهَبٍ﴾، لِأنَّها فاصِلَةُ، والسُّكُونُ يُزِيلُها عَلى حُسْنِ الفاصِلَةِ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهو مِن تَغْيِيرِ الأعْلامِ، كَقَوْلِهِمْ: شُمْسُ مالِكٍ بِالضَّمِّ. انْتَهى. يَعْنِي: سُكُونَ الهاءِ في لَهْبٍ وضَمَّ الشِّينَ في شُمْسٍ، ويَعْنِي في قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎وإنِّي لَمُهْدٍ مِن ثَنائِي فَقاصِدٌ بِهِ ∗∗∗ لِابْنِ عَمِّي الصِّدْقِ شُمْسِ بْنِ مالِكِ فَأمّا في (لَهَبٍ)، فالمَشْهُورُ في كُنْيَتِهِ فَتْحُ الهاءِ، وأمّا شُمْسُ بْنُ مالِكٍ، فَلا يَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ مِن تَغْيِيرِ الأعْلامِ، بَلْ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مُسَمًّى بِشُمْسٍ المَنقُولِ مِن شُمْسٍ الجَمْعِ، كَما جاءَ أذْنابُ خَيْلٍ شُمْسٍ، قِيلَ: وكُنِّيَ بِأبِي لَهَبٍ لِحُسْنِهِ وإشْراقِ وجْهِهِ، ولَمْ يَذْكُرْهُ تَعالى بِاسْمِهِ لِأنَّ اسْمَهُ عَبْدُ العُزّى، فَعَدَلَ عَنْهُ إلى الكُنْيَةِ، أوْ لِأنَّ الكُنْيَةَ كانَتْ أغْلَبَ عَلَيْهِ مِنَ الِاسْمِ، أوْ لِأنَّ مَآلَهُ إلى النّارِ، فَوافَقَتْ حالَتُهُ كُنْيَتَهُ، كَما يُقالُ لِلشِّرِّيرِ: أبُو الشَّرِّ، ولِلْخَيِّرِ أبُو الخَيْرِ، أوْ لِأنَّ الِاسْمَ أشْرَفُ مِنَ الكُنْيَةِ، فَعَدَلَ إلى الأنْقَصِ، ولِذَلِكَ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى الأنْبِياءَ، عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، بِأسْمائِهِمْ ولَمْ يُكَنِّ أحَدًا مِنهم. والظّاهِرُ أنَّ ما في ﴿ما أغْنى عَنْهُ مالُهُ﴾ نَفْيٌ، أيْ لَمْ يُغْنِ عَنْهُ مالُهُ المَوْرُوثُ عَنْ آبائِهِ، ﴿وما كَسَبَ﴾ هو بِنَفْسِهِ، أوْ ماشِيَتُهُ وما كَسَبَ مِن نَسْلِها ومَنافِعِها، أوْ ما كَسَبَ مِن أرْباحِ مالِهِ الَّذِي يَتَّجِرُ بِهِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ما اسْتِفْهامًا في مَوْضِعِ نَصْبٍ، أيْ: أيُّ شَيْءٍ يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ عَلى وجْهِ التَّقْرِيرِ والإنْكارِ ؟ والمَعْنى: أيْنَ الغِنى الَّذِي لِمالِهِ ولِكَسْبِهِ ؟ والظّاهِرُ أنَّ ما في قَوْلِهِ: ﴿وما كَسَبَ﴾ مَوْصُولَةٌ، وأُجِيزَ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، وإذا كانَتْ ما في ﴿ما أغْنى﴾ اسْتِفْهامًا، فَيَجُوزُ أنْ تَكُونَ ما في ﴿وما كَسَبَ﴾ اسْتِفْهامًا أيْضًا، أيْ: وأيُّ شَيْءٍ كَسَبَ ؟ أيْ لَمْ يَكْسِبْ شَيْئًا، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿وما كَسَبَ﴾ ولَدُهُ. وفِي الحَدِيثِ: (ولَدُ الرَّجُلِ مِن كَسْبِهِ) . وعَنِ الضَّحّاكِ: ﴿وما كَسَبَ﴾ هو عَمَلُهُ الخَبِيثُ في عَداوَةِ الرَّسُولِ، ﷺ . وعَنْ قَتادَةَ: وعَمَلُهُ الَّذِي ظَنَّ أنَّهُ مِنهُ عَلى شَيْءٍ. ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ كانَ يَقُولُ: إنْ كانَ ما يَقُولُ ابْنُ أخِي حَقًّا، فَأنا أفْتَدِي مِنهُ نَفْسِي بِمالِي ووَلَدِي. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: (وما اكْتَسَبَ) بِتاءِ الِافْتِعالِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ وابْنُ مِقْسَمٍ، وعَبّاسٌ في اخْتِيارِهِ، وهو أيْضًا ﴿سَيَصْلى﴾ بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الصّادِ وشَدِّ اللّامِ، (ومُرَيْئَتُهُ)، وعَنْهُ أيْضًا: (ومُرَيَّتُهُ) عَلى التَّصْغِيرِ فِيهِما بِالهَمْزِ وبِإبْدالِها ياءً وإدْغامِ ياءِ التَّصْغِيرِ (p-٥٢٦)فِيها، وقَرَأ أيْضًا: (حَمّالَةٌ لِلْحَطَبِ)، بِالتَّنْوِينِ في ﴿حَمّالَةَ﴾، وبِلامِ الجَرِّ في الحَطَبِ، وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ: ﴿سَيَصْلى﴾ بِضَمِّ الياءِ وسُكُونِ الصّادِ، وأبُو قِلابَةَ: (حامِلَةُ الحَطَبِ) عَلى وزْنِ فاعِلَةٍ مُضافًا، واخْتَلَسَ حَرَكَةَ الهاءِ في (وامْرَأتُهُ) أبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ، والحَسَنُ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، والأعْرَجُ، وأبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وعاصِمٌ: ﴿حَمّالَةَ﴾ بِالنَّصْبِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿سَيَصْلى﴾ بِفَتْحِ الياءِ وسُكُونِ الصّادِ (وامْرَأتُهُ) عَلى التَّكْبِيرِ ﴿حَمّالَةَ﴾ عَلى وزْنِ فَعّالَةٍ لِلْمُبالَغَةِ مُضافًا إلى الحَطَبِ مَرْفُوعًا، والسِّينُ لِلِاسْتِقْبالِ وإنْ تَراخى الزَّمانُ، وهو وعِيدٌ كائِنٌ إنْجازُهُ لا مَحالَةَ، وارْتَفَعَ (وامْرَأتُهُ) عَطْفًا عَلى الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في ﴿سَيَصْلى﴾ وحَسَّنَهُ وُجُودُ الفَصْلِ بِالمَفْعُولِ وصَفَتِهِ (وحَمّالَةُ) في قِراءَةِ الجُمْهُورِ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أوْ صِفَةٌ لِـ(امْرَأتُهُ)، لِأنَّهُ مِثالٌ ماضٍ فَيُعْرَفُ بِالإضافَةِ، وفَعّالٌ أحَدُ الأمْثِلَةِ السِّتَّةِ وحُكْمُها كاسْمِ الفاعِلِ، وفي قِراءَةِ النَّصْبِ، انْتَصَبَ عَلى الذَّمِّ، وأجازُوا في قِراءَةِ الرَّفْعِ أنْ يَكُونَ (وامْرَأتُهُ) مُبْتَدَأٌ، و﴿حَمّالَةَ﴾ واسْمُها أُمُّ جَمِيلٍ بِنْتُ حَرْبٍ أُخْتُ أبِي سُفْيانَ، وكانَتْ عَوْراءَ. والظّاهِرُ أنَّها كانَتْ تَحْمِلُ الحَطَبَ، أيْ ما فِيهِ شَوْكٌ، لِتُؤْذِيَ بِإلْقائِهِ في طَرِيقِ الرَّسُولِ ﷺ، وأصْحابِهِ لِتَعْقُرَهم، فَذُمَّتْ بِذَلِكَ وسُمِّيَتْ حَمّالَةَ الحَطَبِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، فَحَمّالَةٌ مَعْرِفَةٌ، فَإنْ كانَ صارَ لَقَبًا لَها جازَ فِيهِ حالَةُ الرَّفْعِ أنْ يَكُونَ عَطْفَ بَيانٍ، وأنْ يَكُونَ بَدَلًا، قِيلَ: وكانَتْ تَحْمِلُ حُزْمَةً مِنَ الشَّوْكِ والحَسَكِ والسَّعْدانِ فَتَنْشُرُها بِاللَّيْلِ في طَرِيقِ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ . وقالابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ: كانَتْ تَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ، ويُقالُ لِلْمَشّاءِ بِها: يَحْمِلُ الحَطَبَ بَيْنَ النّاسِ، أيْ يُوقِدُ بَيْنَهُمُ النّائِرَةَ ويُورِثُ الشَّرَّ، قالَ الشّاعِرُ: ؎مِنِ البِيضِ لَمْ يَصْطَدْ عَلى ظَهْرِ لِأمَةٍ ∗∗∗ ولَمْ تَمْشِ بَيْنَ الحَيِّ بِالحَطَبِ الرَّطْبِ جَعَلَهُ رَطْبًا لِيَدُلَّ عَلى التَّدْخِينِ الَّذِي هو زِيادَةٌ في الشَّرِّ. وقالَ الرّاجِزُ: ؎إنَّ بَنِي الأرْزَمِ حَمّالُو الحَطَبِ ∗∗∗ هُمُ الوُشاةُ في الرِّضا وفي الغَضَبِ وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: حَمّالَةُ الخَطايا والذُّنُوبِ، مِن قَوْلِهِمْ: يَحْطِبُ عَلى ظَهْرِهِ، قالَ تَعالى: ﴿وهم يَحْمِلُونَ أوْزارَهم عَلى ظُهُورِهِمْ﴾ [الأنعام: ٣١] وقِيلَ: الحَطَبُ جَمْعُ حاطِبٍ، كَحارِسٍ وحَرَسٍ، أيْ بِحَمْلِ الجُناةِ عَلى الجِناياتِ، والظّاهِرُ أنَّ الحَبْلَ مِن مَسَدٍ، وقالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ومُجاهِدٌ وسُفْيانُ: اسْتِعارَةٌ، والمُرادُ سِلْسِلَةٌ مِن حَدِيدٍ في جَهَنَّمَ، وقالَ قَتادَةُ: قِلادَةٌ مِن ودَعٍ، وقالَ ابْنُ المُسَيَّبِ: قِلادَةٌ فاخِرَةٌ مِن جَوْهَرٍ، فَقالَتْ: واللّاتِ والعُزّى لِأُنْفِقَنَّها عَلى عَداوَةِ مُحَمَّدٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وإنَّما عَبَّرَ عَنْ قِلادَتِها بِحَبْلٍ مِن مَسَدٍ عَلى جِهَةِ التَّفاؤُلِ لَها، وذَكَرَ تَبَرُّجَها في هَذا السَّعْيِ الخَبِيثِ. انْتَهى. وقالَ الحَسَنُ: إنَّما كانَتْ خَرَزًا، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والمَعْنى في جِيدِها حَبْلٌ مِمّا مَسَدٍ مِنِ الحِبالِ، وأنَّها تَحْمِلُ الحُزْمَةَ مِنَ الشَّوْكِ وتَرْبِطُها في جِيدِها، كَما يَفْعَلُ الحَطّابُونَ تَحْسِيسًا لِحالِها وتَحْقِيرًا لَها بِصُورَةِ بَعْضِ الحَطّاباتِ مِنَ المَواهِنِ لِتَمْتَعِضَ مِن ذَلِكَ ويَمْتَعِضَ بَعْلُها وهُما في بَيْتِ العِزِّ والشَّرَفِ وفي مَنصِبِ الثَّرْوَةِ والجَدَّةِ، ولَقَدْ عَيَّرَ بَعْضُ النّاسِ الفَضْلَ بْنَ العَبّاسِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ أبِي لَهَبٍ بِحَمّالَةِ الحَطَبِ، فَقالَ: ؎ماذا أرَدْتَ إلى شَتْمِي ومَنقَصَتِي ∗∗∗ أمْ ما تُعَيِّرُ مِن حَمّالَةِ الحَطَبِ ؎غَرْساءُ شاذِخَةٌ في المَجْدِ سامِيَةٌ ∗∗∗ كانْتَ سَلِيلَةَ شَيْخٍ ثاقِبِ الحَسَبِ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: إنَّ حالَها يَكُونُ في نارِ جَهَنَّمَ عَلى الصُّورَةِ الَّتِي كانَتْ عَلَيْها حِينَ كانَتْ تَحْمِلُ حُزْمَةَ الشَّوْكِ، فَلا يَزالُ عَلى ظَهْرِها حُزْمَةٌ مِن حَطَبِ النّارِ مِن شَجَرِ الزَّقُّومِ أوِ الضَّرِيعِ، وفي جِيدِها حَبْلٌ مِمّا مُسِدَ مِن سَلاسِلِ النّارِ، كَما يُعَذَّبُ كُلُّ مُجْرِمٍ بِما يُجانِسُ حالَهُ في جُرْمِهِ. انْتَهى. ولَمّا سَمِعَتْ أُمُّ جَمِيلٍ هَذِهِ السُّورَةَ أتَتْ أبا بَكْرٍ، وهو مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، في المَسْجِدِ وبِيَدِها فِهْرٌ، فَقالَتْ: (p-٥٢٧)بَلَغَنِي أنَّ صاحِبَكَ هَجانِي، ولَأفْعَلَنَّ وأفْعَلَنَّ، وأعْمى اللَّهُ تَعالى بَصَرَها عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَرُوِيَ أنَّ أبا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، قالَ لَها: هَلْ تَرَيْ مَعِي أحَدًا ؟ فَقالَتْ: أتَهْزَأُ بِي ؟ لا أرى غَيْرَكَ، وإنْ كانَ شاعِرًا فَأنا مِثْلُهُ أقُولُ: ؎مُذَمَّمًا أبَيْنا ودِينَهُ ∗∗∗ قَلَيْنا وأمْرَهُ عَصَيْنا فَسَكَتَ أبُو بَكْرٍ ومَضَتْ هي، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَقَدْ حَجَبَتْنِي عَنْها مَلائِكَةٌ فَما رَأتْنِي وكَفى اللَّهُ شَرَّها» . وذُكِرَ أنَّها ماتَتْ مَخْنُوقَةً بِحَبْلِها، وأبُو لَهَبٍ رَماهُ اللَّهُ تَعالى بِالعَدَسَةِ بَعْدَ وقْعَةِ بَدْرٍ بِسَبْعِ لَيالٍ.

المسد 111:4

سُورَةُ اللَّهَبِ مَكِّيَّةٌ وهي خَمْسُ آياتٍ ﷽ ﴿تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ وتَبَّ﴾ ﴿ما أغْنى عَنْهُ مالُهُ وما كَسَبَ﴾ ﴿سَيَصْلى نارًا ذاتَ لَهَبٍ﴾ ﴿وامْرَأتُهُ حَمّالَةَ الحَطَبِ﴾ ﴿فِي جِيدِها حَبْلٌ مِن مَسَدٍ﴾ الحَطَبُ مَعْرُوفٌ، ويُقالُ: فُلانٌ يَحْطِبُ عَلى فُلانٍ إذا وشى عَلَيْهِ. الجِيدُ: العُنُقُ. المَسَدُ: الحَبْلُ مِن لِيفٍ، وقالَ أبُو الفَتْحِ: لِيفُ المُقْلِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هو شَجَرٌ بِاليَمَنِ يُسَمّى المَسَدَ. انْتَهى. وقَدْ يَكُونُ مِن جُلُودِ الإبِلِ ومِن أوْبارِها، قالَ الرّاجِزُ: ؎ومَسَدُ أمْرٍ مِن أيانِقَ ورَجُلٌ مَمْسُودُ الخَلْقِ: أيْ مَجْدُولُهُ شَدِيدُهُ. ﴿تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ وتَبَّ﴾ ﴿ما أغْنى عَنْهُ مالُهُ وما كَسَبَ﴾ ﴿سَيَصْلى نارًا ذاتَ لَهَبٍ﴾ ﴿وامْرَأتُهُ حَمّالَةَ الحَطَبِ﴾ ﴿فِي جِيدِها حَبْلٌ مِن مَسَدٍ﴾ . (p-٥٢٥)هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، ولَمّا ذَكَرَ فِيما قَبْلَها دُخُولَ النّاسِ في دِينِ اللَّهِ تَعالى، أتْبَعَ بِذِكْرِ مَن لَمْ يَدْخُلْ في الدِّينِ، وخَسِرَ ولَمْ يَدْخُلْ فِيما دَخَلَ فِيهِ أهْلُ مَكَّةَ مِنِ الإيمانِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى التَّبابِ في سُورَةِ غافِرٍ، وهُنا قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: خابَتْ، وقَتادَةُ: خَسِرَتْ، وابْنُ جُبَيْرٍ: هَلَكَتْ، وعَطاءٌ: ضَلَّتْ، ويَمانُ بْنُ رِيابٍ: صَفِرَتْ مِن كُلِّ خَيْرٍ، وهَذِهِ الأقْوالُ مُتَقارِبَةٌ في المَعْنى، وقالُوا فِيما حَكى: أشابَّةٌ أمْ تابَّةٌ أيْ هالِكَةٌ مِنَ الهَرَمِ والتَّعْجِيزِ، وإسْنادُ الهَلاكِ إلى اليَدَيْنِ؛ لِأنَّ العَمَلَ أكْثَرُ ما يَكُونُ بِهِما، وهو في الحَقِيقَةِ لِلنَّفْسِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ﴾ [الحج: ١٠] وقِيلَ: أخَذَ بِيَدَيْهِ حَجَرًا لِيَرْمِيَ بِهِ الرَّسُولَ ﷺ، فَأسْنَدَ التَّبَّ إلَيْهِما، والظّاهِرُ أنَّ التَّبَّ دُعاءٌ، وتَبَّ: إخْبارٌ بِحُصُولِ ذَلِكَ، كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎جَزانِي جَزاهُ اللَّهُ شَرَّ جَزائِهِ ∗∗∗ جَزاءَ الكِلابِ العاوِياتِ وقَدْ فَعَلْ ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ: وقَدْ تَبَّ. رُوِيَ أنَّهُ لَمّا نَزَلَ: ﴿وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] قالَ: (يا صَفِيَّةُ بِنْتَ عَبْدِ المُطَّلِبِ، يا فاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ، لا أُغْنِي لَكُما مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، سَلانِي مِن مالِي ما شِئْتُما) . ثُمَّ صَعِدَ الصَّفا، فَنادى بُطُونَ قُرَيْشٍ: (يا بَنِي فُلانٍ يا بَنِي فُلانٍ) . ورُوِيَ «أنَّهُ صاحَ بِأعْلى صَوْتِهِ: (يا صَباحاهُ) . فاجْتَمَعُوا إلَيْهِ مِن كُلِّ وجْهٍ، فَقالَ لَهم: (أرَأيْتُمْ لَوْ قُلْتُ لَكم إنِّي أُنْذِرُكم خَيْلًا بِسَفْحِ هَذا الجَبَلِ، أكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ ؟) قالُوا: نَعَمْ، قالَ: (فَإنِّي نَذِيرٌ لَكم بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ) فَقالَ أبُو لَهَبٍ: تَبًّا لَكَ سائِرَ اليَوْمِ، ألِهَذا جَمَعْتَنا ؟ فافْتَرَقُوا عَنْهُ، ونَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ» . وأبُو لَهَبٍ اسْمُهُ عَبْدُ العُزّى، ابْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ عَمُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ وابْنُ كَثِيرٍ: ﴿أبِي لَهَبٍ﴾ بِسُكُونِ الهاءِ، وفَتَحَها باقِي السَّبْعَةِ ولَمْ يَخْتَلِفُوا في ﴿ذاتَ لَهَبٍ﴾، لِأنَّها فاصِلَةُ، والسُّكُونُ يُزِيلُها عَلى حُسْنِ الفاصِلَةِ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهو مِن تَغْيِيرِ الأعْلامِ، كَقَوْلِهِمْ: شُمْسُ مالِكٍ بِالضَّمِّ. انْتَهى. يَعْنِي: سُكُونَ الهاءِ في لَهْبٍ وضَمَّ الشِّينَ في شُمْسٍ، ويَعْنِي في قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎وإنِّي لَمُهْدٍ مِن ثَنائِي فَقاصِدٌ بِهِ ∗∗∗ لِابْنِ عَمِّي الصِّدْقِ شُمْسِ بْنِ مالِكِ فَأمّا في (لَهَبٍ)، فالمَشْهُورُ في كُنْيَتِهِ فَتْحُ الهاءِ، وأمّا شُمْسُ بْنُ مالِكٍ، فَلا يَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ مِن تَغْيِيرِ الأعْلامِ، بَلْ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مُسَمًّى بِشُمْسٍ المَنقُولِ مِن شُمْسٍ الجَمْعِ، كَما جاءَ أذْنابُ خَيْلٍ شُمْسٍ، قِيلَ: وكُنِّيَ بِأبِي لَهَبٍ لِحُسْنِهِ وإشْراقِ وجْهِهِ، ولَمْ يَذْكُرْهُ تَعالى بِاسْمِهِ لِأنَّ اسْمَهُ عَبْدُ العُزّى، فَعَدَلَ عَنْهُ إلى الكُنْيَةِ، أوْ لِأنَّ الكُنْيَةَ كانَتْ أغْلَبَ عَلَيْهِ مِنَ الِاسْمِ، أوْ لِأنَّ مَآلَهُ إلى النّارِ، فَوافَقَتْ حالَتُهُ كُنْيَتَهُ، كَما يُقالُ لِلشِّرِّيرِ: أبُو الشَّرِّ، ولِلْخَيِّرِ أبُو الخَيْرِ، أوْ لِأنَّ الِاسْمَ أشْرَفُ مِنَ الكُنْيَةِ، فَعَدَلَ إلى الأنْقَصِ، ولِذَلِكَ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى الأنْبِياءَ، عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، بِأسْمائِهِمْ ولَمْ يُكَنِّ أحَدًا مِنهم. والظّاهِرُ أنَّ ما في ﴿ما أغْنى عَنْهُ مالُهُ﴾ نَفْيٌ، أيْ لَمْ يُغْنِ عَنْهُ مالُهُ المَوْرُوثُ عَنْ آبائِهِ، ﴿وما كَسَبَ﴾ هو بِنَفْسِهِ، أوْ ماشِيَتُهُ وما كَسَبَ مِن نَسْلِها ومَنافِعِها، أوْ ما كَسَبَ مِن أرْباحِ مالِهِ الَّذِي يَتَّجِرُ بِهِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ما اسْتِفْهامًا في مَوْضِعِ نَصْبٍ، أيْ: أيُّ شَيْءٍ يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ عَلى وجْهِ التَّقْرِيرِ والإنْكارِ ؟ والمَعْنى: أيْنَ الغِنى الَّذِي لِمالِهِ ولِكَسْبِهِ ؟ والظّاهِرُ أنَّ ما في قَوْلِهِ: ﴿وما كَسَبَ﴾ مَوْصُولَةٌ، وأُجِيزَ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، وإذا كانَتْ ما في ﴿ما أغْنى﴾ اسْتِفْهامًا، فَيَجُوزُ أنْ تَكُونَ ما في ﴿وما كَسَبَ﴾ اسْتِفْهامًا أيْضًا، أيْ: وأيُّ شَيْءٍ كَسَبَ ؟ أيْ لَمْ يَكْسِبْ شَيْئًا، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿وما كَسَبَ﴾ ولَدُهُ. وفِي الحَدِيثِ: (ولَدُ الرَّجُلِ مِن كَسْبِهِ) . وعَنِ الضَّحّاكِ: ﴿وما كَسَبَ﴾ هو عَمَلُهُ الخَبِيثُ في عَداوَةِ الرَّسُولِ، ﷺ . وعَنْ قَتادَةَ: وعَمَلُهُ الَّذِي ظَنَّ أنَّهُ مِنهُ عَلى شَيْءٍ. ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ كانَ يَقُولُ: إنْ كانَ ما يَقُولُ ابْنُ أخِي حَقًّا، فَأنا أفْتَدِي مِنهُ نَفْسِي بِمالِي ووَلَدِي. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: (وما اكْتَسَبَ) بِتاءِ الِافْتِعالِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ وابْنُ مِقْسَمٍ، وعَبّاسٌ في اخْتِيارِهِ، وهو أيْضًا ﴿سَيَصْلى﴾ بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الصّادِ وشَدِّ اللّامِ، (ومُرَيْئَتُهُ)، وعَنْهُ أيْضًا: (ومُرَيَّتُهُ) عَلى التَّصْغِيرِ فِيهِما بِالهَمْزِ وبِإبْدالِها ياءً وإدْغامِ ياءِ التَّصْغِيرِ (p-٥٢٦)فِيها، وقَرَأ أيْضًا: (حَمّالَةٌ لِلْحَطَبِ)، بِالتَّنْوِينِ في ﴿حَمّالَةَ﴾، وبِلامِ الجَرِّ في الحَطَبِ، وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ: ﴿سَيَصْلى﴾ بِضَمِّ الياءِ وسُكُونِ الصّادِ، وأبُو قِلابَةَ: (حامِلَةُ الحَطَبِ) عَلى وزْنِ فاعِلَةٍ مُضافًا، واخْتَلَسَ حَرَكَةَ الهاءِ في (وامْرَأتُهُ) أبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ، والحَسَنُ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، والأعْرَجُ، وأبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وعاصِمٌ: ﴿حَمّالَةَ﴾ بِالنَّصْبِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿سَيَصْلى﴾ بِفَتْحِ الياءِ وسُكُونِ الصّادِ (وامْرَأتُهُ) عَلى التَّكْبِيرِ ﴿حَمّالَةَ﴾ عَلى وزْنِ فَعّالَةٍ لِلْمُبالَغَةِ مُضافًا إلى الحَطَبِ مَرْفُوعًا، والسِّينُ لِلِاسْتِقْبالِ وإنْ تَراخى الزَّمانُ، وهو وعِيدٌ كائِنٌ إنْجازُهُ لا مَحالَةَ، وارْتَفَعَ (وامْرَأتُهُ) عَطْفًا عَلى الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في ﴿سَيَصْلى﴾ وحَسَّنَهُ وُجُودُ الفَصْلِ بِالمَفْعُولِ وصَفَتِهِ (وحَمّالَةُ) في قِراءَةِ الجُمْهُورِ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أوْ صِفَةٌ لِـ(امْرَأتُهُ)، لِأنَّهُ مِثالٌ ماضٍ فَيُعْرَفُ بِالإضافَةِ، وفَعّالٌ أحَدُ الأمْثِلَةِ السِّتَّةِ وحُكْمُها كاسْمِ الفاعِلِ، وفي قِراءَةِ النَّصْبِ، انْتَصَبَ عَلى الذَّمِّ، وأجازُوا في قِراءَةِ الرَّفْعِ أنْ يَكُونَ (وامْرَأتُهُ) مُبْتَدَأٌ، و﴿حَمّالَةَ﴾ واسْمُها أُمُّ جَمِيلٍ بِنْتُ حَرْبٍ أُخْتُ أبِي سُفْيانَ، وكانَتْ عَوْراءَ. والظّاهِرُ أنَّها كانَتْ تَحْمِلُ الحَطَبَ، أيْ ما فِيهِ شَوْكٌ، لِتُؤْذِيَ بِإلْقائِهِ في طَرِيقِ الرَّسُولِ ﷺ، وأصْحابِهِ لِتَعْقُرَهم، فَذُمَّتْ بِذَلِكَ وسُمِّيَتْ حَمّالَةَ الحَطَبِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، فَحَمّالَةٌ مَعْرِفَةٌ، فَإنْ كانَ صارَ لَقَبًا لَها جازَ فِيهِ حالَةُ الرَّفْعِ أنْ يَكُونَ عَطْفَ بَيانٍ، وأنْ يَكُونَ بَدَلًا، قِيلَ: وكانَتْ تَحْمِلُ حُزْمَةً مِنَ الشَّوْكِ والحَسَكِ والسَّعْدانِ فَتَنْشُرُها بِاللَّيْلِ في طَرِيقِ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ . وقالابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ: كانَتْ تَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ، ويُقالُ لِلْمَشّاءِ بِها: يَحْمِلُ الحَطَبَ بَيْنَ النّاسِ، أيْ يُوقِدُ بَيْنَهُمُ النّائِرَةَ ويُورِثُ الشَّرَّ، قالَ الشّاعِرُ: ؎مِنِ البِيضِ لَمْ يَصْطَدْ عَلى ظَهْرِ لِأمَةٍ ∗∗∗ ولَمْ تَمْشِ بَيْنَ الحَيِّ بِالحَطَبِ الرَّطْبِ جَعَلَهُ رَطْبًا لِيَدُلَّ عَلى التَّدْخِينِ الَّذِي هو زِيادَةٌ في الشَّرِّ. وقالَ الرّاجِزُ: ؎إنَّ بَنِي الأرْزَمِ حَمّالُو الحَطَبِ ∗∗∗ هُمُ الوُشاةُ في الرِّضا وفي الغَضَبِ وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: حَمّالَةُ الخَطايا والذُّنُوبِ، مِن قَوْلِهِمْ: يَحْطِبُ عَلى ظَهْرِهِ، قالَ تَعالى: ﴿وهم يَحْمِلُونَ أوْزارَهم عَلى ظُهُورِهِمْ﴾ [الأنعام: ٣١] وقِيلَ: الحَطَبُ جَمْعُ حاطِبٍ، كَحارِسٍ وحَرَسٍ، أيْ بِحَمْلِ الجُناةِ عَلى الجِناياتِ، والظّاهِرُ أنَّ الحَبْلَ مِن مَسَدٍ، وقالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ومُجاهِدٌ وسُفْيانُ: اسْتِعارَةٌ، والمُرادُ سِلْسِلَةٌ مِن حَدِيدٍ في جَهَنَّمَ، وقالَ قَتادَةُ: قِلادَةٌ مِن ودَعٍ، وقالَ ابْنُ المُسَيَّبِ: قِلادَةٌ فاخِرَةٌ مِن جَوْهَرٍ، فَقالَتْ: واللّاتِ والعُزّى لِأُنْفِقَنَّها عَلى عَداوَةِ مُحَمَّدٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وإنَّما عَبَّرَ عَنْ قِلادَتِها بِحَبْلٍ مِن مَسَدٍ عَلى جِهَةِ التَّفاؤُلِ لَها، وذَكَرَ تَبَرُّجَها في هَذا السَّعْيِ الخَبِيثِ. انْتَهى. وقالَ الحَسَنُ: إنَّما كانَتْ خَرَزًا، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والمَعْنى في جِيدِها حَبْلٌ مِمّا مَسَدٍ مِنِ الحِبالِ، وأنَّها تَحْمِلُ الحُزْمَةَ مِنَ الشَّوْكِ وتَرْبِطُها في جِيدِها، كَما يَفْعَلُ الحَطّابُونَ تَحْسِيسًا لِحالِها وتَحْقِيرًا لَها بِصُورَةِ بَعْضِ الحَطّاباتِ مِنَ المَواهِنِ لِتَمْتَعِضَ مِن ذَلِكَ ويَمْتَعِضَ بَعْلُها وهُما في بَيْتِ العِزِّ والشَّرَفِ وفي مَنصِبِ الثَّرْوَةِ والجَدَّةِ، ولَقَدْ عَيَّرَ بَعْضُ النّاسِ الفَضْلَ بْنَ العَبّاسِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ أبِي لَهَبٍ بِحَمّالَةِ الحَطَبِ، فَقالَ: ؎ماذا أرَدْتَ إلى شَتْمِي ومَنقَصَتِي ∗∗∗ أمْ ما تُعَيِّرُ مِن حَمّالَةِ الحَطَبِ ؎غَرْساءُ شاذِخَةٌ في المَجْدِ سامِيَةٌ ∗∗∗ كانْتَ سَلِيلَةَ شَيْخٍ ثاقِبِ الحَسَبِ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: إنَّ حالَها يَكُونُ في نارِ جَهَنَّمَ عَلى الصُّورَةِ الَّتِي كانَتْ عَلَيْها حِينَ كانَتْ تَحْمِلُ حُزْمَةَ الشَّوْكِ، فَلا يَزالُ عَلى ظَهْرِها حُزْمَةٌ مِن حَطَبِ النّارِ مِن شَجَرِ الزَّقُّومِ أوِ الضَّرِيعِ، وفي جِيدِها حَبْلٌ مِمّا مُسِدَ مِن سَلاسِلِ النّارِ، كَما يُعَذَّبُ كُلُّ مُجْرِمٍ بِما يُجانِسُ حالَهُ في جُرْمِهِ. انْتَهى. ولَمّا سَمِعَتْ أُمُّ جَمِيلٍ هَذِهِ السُّورَةَ أتَتْ أبا بَكْرٍ، وهو مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، في المَسْجِدِ وبِيَدِها فِهْرٌ، فَقالَتْ: (p-٥٢٧)بَلَغَنِي أنَّ صاحِبَكَ هَجانِي، ولَأفْعَلَنَّ وأفْعَلَنَّ، وأعْمى اللَّهُ تَعالى بَصَرَها عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَرُوِيَ أنَّ أبا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، قالَ لَها: هَلْ تَرَيْ مَعِي أحَدًا ؟ فَقالَتْ: أتَهْزَأُ بِي ؟ لا أرى غَيْرَكَ، وإنْ كانَ شاعِرًا فَأنا مِثْلُهُ أقُولُ: ؎مُذَمَّمًا أبَيْنا ودِينَهُ ∗∗∗ قَلَيْنا وأمْرَهُ عَصَيْنا فَسَكَتَ أبُو بَكْرٍ ومَضَتْ هي، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَقَدْ حَجَبَتْنِي عَنْها مَلائِكَةٌ فَما رَأتْنِي وكَفى اللَّهُ شَرَّها» . وذُكِرَ أنَّها ماتَتْ مَخْنُوقَةً بِحَبْلِها، وأبُو لَهَبٍ رَماهُ اللَّهُ تَعالى بِالعَدَسَةِ بَعْدَ وقْعَةِ بَدْرٍ بِسَبْعِ لَيالٍ.

المسد 111:5

سُورَةُ اللَّهَبِ مَكِّيَّةٌ وهي خَمْسُ آياتٍ ﷽ ﴿تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ وتَبَّ﴾ ﴿ما أغْنى عَنْهُ مالُهُ وما كَسَبَ﴾ ﴿سَيَصْلى نارًا ذاتَ لَهَبٍ﴾ ﴿وامْرَأتُهُ حَمّالَةَ الحَطَبِ﴾ ﴿فِي جِيدِها حَبْلٌ مِن مَسَدٍ﴾ الحَطَبُ مَعْرُوفٌ، ويُقالُ: فُلانٌ يَحْطِبُ عَلى فُلانٍ إذا وشى عَلَيْهِ. الجِيدُ: العُنُقُ. المَسَدُ: الحَبْلُ مِن لِيفٍ، وقالَ أبُو الفَتْحِ: لِيفُ المُقْلِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هو شَجَرٌ بِاليَمَنِ يُسَمّى المَسَدَ. انْتَهى. وقَدْ يَكُونُ مِن جُلُودِ الإبِلِ ومِن أوْبارِها، قالَ الرّاجِزُ: ؎ومَسَدُ أمْرٍ مِن أيانِقَ ورَجُلٌ مَمْسُودُ الخَلْقِ: أيْ مَجْدُولُهُ شَدِيدُهُ. ﴿تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ وتَبَّ﴾ ﴿ما أغْنى عَنْهُ مالُهُ وما كَسَبَ﴾ ﴿سَيَصْلى نارًا ذاتَ لَهَبٍ﴾ ﴿وامْرَأتُهُ حَمّالَةَ الحَطَبِ﴾ ﴿فِي جِيدِها حَبْلٌ مِن مَسَدٍ﴾ . (p-٥٢٥)هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، ولَمّا ذَكَرَ فِيما قَبْلَها دُخُولَ النّاسِ في دِينِ اللَّهِ تَعالى، أتْبَعَ بِذِكْرِ مَن لَمْ يَدْخُلْ في الدِّينِ، وخَسِرَ ولَمْ يَدْخُلْ فِيما دَخَلَ فِيهِ أهْلُ مَكَّةَ مِنِ الإيمانِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى التَّبابِ في سُورَةِ غافِرٍ، وهُنا قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: خابَتْ، وقَتادَةُ: خَسِرَتْ، وابْنُ جُبَيْرٍ: هَلَكَتْ، وعَطاءٌ: ضَلَّتْ، ويَمانُ بْنُ رِيابٍ: صَفِرَتْ مِن كُلِّ خَيْرٍ، وهَذِهِ الأقْوالُ مُتَقارِبَةٌ في المَعْنى، وقالُوا فِيما حَكى: أشابَّةٌ أمْ تابَّةٌ أيْ هالِكَةٌ مِنَ الهَرَمِ والتَّعْجِيزِ، وإسْنادُ الهَلاكِ إلى اليَدَيْنِ؛ لِأنَّ العَمَلَ أكْثَرُ ما يَكُونُ بِهِما، وهو في الحَقِيقَةِ لِلنَّفْسِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ﴾ [الحج: ١٠] وقِيلَ: أخَذَ بِيَدَيْهِ حَجَرًا لِيَرْمِيَ بِهِ الرَّسُولَ ﷺ، فَأسْنَدَ التَّبَّ إلَيْهِما، والظّاهِرُ أنَّ التَّبَّ دُعاءٌ، وتَبَّ: إخْبارٌ بِحُصُولِ ذَلِكَ، كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎جَزانِي جَزاهُ اللَّهُ شَرَّ جَزائِهِ ∗∗∗ جَزاءَ الكِلابِ العاوِياتِ وقَدْ فَعَلْ ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ: وقَدْ تَبَّ. رُوِيَ أنَّهُ لَمّا نَزَلَ: ﴿وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] قالَ: (يا صَفِيَّةُ بِنْتَ عَبْدِ المُطَّلِبِ، يا فاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ، لا أُغْنِي لَكُما مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، سَلانِي مِن مالِي ما شِئْتُما) . ثُمَّ صَعِدَ الصَّفا، فَنادى بُطُونَ قُرَيْشٍ: (يا بَنِي فُلانٍ يا بَنِي فُلانٍ) . ورُوِيَ «أنَّهُ صاحَ بِأعْلى صَوْتِهِ: (يا صَباحاهُ) . فاجْتَمَعُوا إلَيْهِ مِن كُلِّ وجْهٍ، فَقالَ لَهم: (أرَأيْتُمْ لَوْ قُلْتُ لَكم إنِّي أُنْذِرُكم خَيْلًا بِسَفْحِ هَذا الجَبَلِ، أكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ ؟) قالُوا: نَعَمْ، قالَ: (فَإنِّي نَذِيرٌ لَكم بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ) فَقالَ أبُو لَهَبٍ: تَبًّا لَكَ سائِرَ اليَوْمِ، ألِهَذا جَمَعْتَنا ؟ فافْتَرَقُوا عَنْهُ، ونَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ» . وأبُو لَهَبٍ اسْمُهُ عَبْدُ العُزّى، ابْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ عَمُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ وابْنُ كَثِيرٍ: ﴿أبِي لَهَبٍ﴾ بِسُكُونِ الهاءِ، وفَتَحَها باقِي السَّبْعَةِ ولَمْ يَخْتَلِفُوا في ﴿ذاتَ لَهَبٍ﴾، لِأنَّها فاصِلَةُ، والسُّكُونُ يُزِيلُها عَلى حُسْنِ الفاصِلَةِ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهو مِن تَغْيِيرِ الأعْلامِ، كَقَوْلِهِمْ: شُمْسُ مالِكٍ بِالضَّمِّ. انْتَهى. يَعْنِي: سُكُونَ الهاءِ في لَهْبٍ وضَمَّ الشِّينَ في شُمْسٍ، ويَعْنِي في قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎وإنِّي لَمُهْدٍ مِن ثَنائِي فَقاصِدٌ بِهِ ∗∗∗ لِابْنِ عَمِّي الصِّدْقِ شُمْسِ بْنِ مالِكِ فَأمّا في (لَهَبٍ)، فالمَشْهُورُ في كُنْيَتِهِ فَتْحُ الهاءِ، وأمّا شُمْسُ بْنُ مالِكٍ، فَلا يَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ مِن تَغْيِيرِ الأعْلامِ، بَلْ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مُسَمًّى بِشُمْسٍ المَنقُولِ مِن شُمْسٍ الجَمْعِ، كَما جاءَ أذْنابُ خَيْلٍ شُمْسٍ، قِيلَ: وكُنِّيَ بِأبِي لَهَبٍ لِحُسْنِهِ وإشْراقِ وجْهِهِ، ولَمْ يَذْكُرْهُ تَعالى بِاسْمِهِ لِأنَّ اسْمَهُ عَبْدُ العُزّى، فَعَدَلَ عَنْهُ إلى الكُنْيَةِ، أوْ لِأنَّ الكُنْيَةَ كانَتْ أغْلَبَ عَلَيْهِ مِنَ الِاسْمِ، أوْ لِأنَّ مَآلَهُ إلى النّارِ، فَوافَقَتْ حالَتُهُ كُنْيَتَهُ، كَما يُقالُ لِلشِّرِّيرِ: أبُو الشَّرِّ، ولِلْخَيِّرِ أبُو الخَيْرِ، أوْ لِأنَّ الِاسْمَ أشْرَفُ مِنَ الكُنْيَةِ، فَعَدَلَ إلى الأنْقَصِ، ولِذَلِكَ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى الأنْبِياءَ، عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، بِأسْمائِهِمْ ولَمْ يُكَنِّ أحَدًا مِنهم. والظّاهِرُ أنَّ ما في ﴿ما أغْنى عَنْهُ مالُهُ﴾ نَفْيٌ، أيْ لَمْ يُغْنِ عَنْهُ مالُهُ المَوْرُوثُ عَنْ آبائِهِ، ﴿وما كَسَبَ﴾ هو بِنَفْسِهِ، أوْ ماشِيَتُهُ وما كَسَبَ مِن نَسْلِها ومَنافِعِها، أوْ ما كَسَبَ مِن أرْباحِ مالِهِ الَّذِي يَتَّجِرُ بِهِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ما اسْتِفْهامًا في مَوْضِعِ نَصْبٍ، أيْ: أيُّ شَيْءٍ يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ عَلى وجْهِ التَّقْرِيرِ والإنْكارِ ؟ والمَعْنى: أيْنَ الغِنى الَّذِي لِمالِهِ ولِكَسْبِهِ ؟ والظّاهِرُ أنَّ ما في قَوْلِهِ: ﴿وما كَسَبَ﴾ مَوْصُولَةٌ، وأُجِيزَ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، وإذا كانَتْ ما في ﴿ما أغْنى﴾ اسْتِفْهامًا، فَيَجُوزُ أنْ تَكُونَ ما في ﴿وما كَسَبَ﴾ اسْتِفْهامًا أيْضًا، أيْ: وأيُّ شَيْءٍ كَسَبَ ؟ أيْ لَمْ يَكْسِبْ شَيْئًا، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿وما كَسَبَ﴾ ولَدُهُ. وفِي الحَدِيثِ: (ولَدُ الرَّجُلِ مِن كَسْبِهِ) . وعَنِ الضَّحّاكِ: ﴿وما كَسَبَ﴾ هو عَمَلُهُ الخَبِيثُ في عَداوَةِ الرَّسُولِ، ﷺ . وعَنْ قَتادَةَ: وعَمَلُهُ الَّذِي ظَنَّ أنَّهُ مِنهُ عَلى شَيْءٍ. ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ كانَ يَقُولُ: إنْ كانَ ما يَقُولُ ابْنُ أخِي حَقًّا، فَأنا أفْتَدِي مِنهُ نَفْسِي بِمالِي ووَلَدِي. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: (وما اكْتَسَبَ) بِتاءِ الِافْتِعالِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ وابْنُ مِقْسَمٍ، وعَبّاسٌ في اخْتِيارِهِ، وهو أيْضًا ﴿سَيَصْلى﴾ بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الصّادِ وشَدِّ اللّامِ، (ومُرَيْئَتُهُ)، وعَنْهُ أيْضًا: (ومُرَيَّتُهُ) عَلى التَّصْغِيرِ فِيهِما بِالهَمْزِ وبِإبْدالِها ياءً وإدْغامِ ياءِ التَّصْغِيرِ (p-٥٢٦)فِيها، وقَرَأ أيْضًا: (حَمّالَةٌ لِلْحَطَبِ)، بِالتَّنْوِينِ في ﴿حَمّالَةَ﴾، وبِلامِ الجَرِّ في الحَطَبِ، وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ: ﴿سَيَصْلى﴾ بِضَمِّ الياءِ وسُكُونِ الصّادِ، وأبُو قِلابَةَ: (حامِلَةُ الحَطَبِ) عَلى وزْنِ فاعِلَةٍ مُضافًا، واخْتَلَسَ حَرَكَةَ الهاءِ في (وامْرَأتُهُ) أبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ، والحَسَنُ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، والأعْرَجُ، وأبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وعاصِمٌ: ﴿حَمّالَةَ﴾ بِالنَّصْبِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿سَيَصْلى﴾ بِفَتْحِ الياءِ وسُكُونِ الصّادِ (وامْرَأتُهُ) عَلى التَّكْبِيرِ ﴿حَمّالَةَ﴾ عَلى وزْنِ فَعّالَةٍ لِلْمُبالَغَةِ مُضافًا إلى الحَطَبِ مَرْفُوعًا، والسِّينُ لِلِاسْتِقْبالِ وإنْ تَراخى الزَّمانُ، وهو وعِيدٌ كائِنٌ إنْجازُهُ لا مَحالَةَ، وارْتَفَعَ (وامْرَأتُهُ) عَطْفًا عَلى الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في ﴿سَيَصْلى﴾ وحَسَّنَهُ وُجُودُ الفَصْلِ بِالمَفْعُولِ وصَفَتِهِ (وحَمّالَةُ) في قِراءَةِ الجُمْهُورِ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أوْ صِفَةٌ لِـ(امْرَأتُهُ)، لِأنَّهُ مِثالٌ ماضٍ فَيُعْرَفُ بِالإضافَةِ، وفَعّالٌ أحَدُ الأمْثِلَةِ السِّتَّةِ وحُكْمُها كاسْمِ الفاعِلِ، وفي قِراءَةِ النَّصْبِ، انْتَصَبَ عَلى الذَّمِّ، وأجازُوا في قِراءَةِ الرَّفْعِ أنْ يَكُونَ (وامْرَأتُهُ) مُبْتَدَأٌ، و﴿حَمّالَةَ﴾ واسْمُها أُمُّ جَمِيلٍ بِنْتُ حَرْبٍ أُخْتُ أبِي سُفْيانَ، وكانَتْ عَوْراءَ. والظّاهِرُ أنَّها كانَتْ تَحْمِلُ الحَطَبَ، أيْ ما فِيهِ شَوْكٌ، لِتُؤْذِيَ بِإلْقائِهِ في طَرِيقِ الرَّسُولِ ﷺ، وأصْحابِهِ لِتَعْقُرَهم، فَذُمَّتْ بِذَلِكَ وسُمِّيَتْ حَمّالَةَ الحَطَبِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، فَحَمّالَةٌ مَعْرِفَةٌ، فَإنْ كانَ صارَ لَقَبًا لَها جازَ فِيهِ حالَةُ الرَّفْعِ أنْ يَكُونَ عَطْفَ بَيانٍ، وأنْ يَكُونَ بَدَلًا، قِيلَ: وكانَتْ تَحْمِلُ حُزْمَةً مِنَ الشَّوْكِ والحَسَكِ والسَّعْدانِ فَتَنْشُرُها بِاللَّيْلِ في طَرِيقِ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ . وقالابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ: كانَتْ تَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ، ويُقالُ لِلْمَشّاءِ بِها: يَحْمِلُ الحَطَبَ بَيْنَ النّاسِ، أيْ يُوقِدُ بَيْنَهُمُ النّائِرَةَ ويُورِثُ الشَّرَّ، قالَ الشّاعِرُ: ؎مِنِ البِيضِ لَمْ يَصْطَدْ عَلى ظَهْرِ لِأمَةٍ ∗∗∗ ولَمْ تَمْشِ بَيْنَ الحَيِّ بِالحَطَبِ الرَّطْبِ جَعَلَهُ رَطْبًا لِيَدُلَّ عَلى التَّدْخِينِ الَّذِي هو زِيادَةٌ في الشَّرِّ. وقالَ الرّاجِزُ: ؎إنَّ بَنِي الأرْزَمِ حَمّالُو الحَطَبِ ∗∗∗ هُمُ الوُشاةُ في الرِّضا وفي الغَضَبِ وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: حَمّالَةُ الخَطايا والذُّنُوبِ، مِن قَوْلِهِمْ: يَحْطِبُ عَلى ظَهْرِهِ، قالَ تَعالى: ﴿وهم يَحْمِلُونَ أوْزارَهم عَلى ظُهُورِهِمْ﴾ [الأنعام: ٣١] وقِيلَ: الحَطَبُ جَمْعُ حاطِبٍ، كَحارِسٍ وحَرَسٍ، أيْ بِحَمْلِ الجُناةِ عَلى الجِناياتِ، والظّاهِرُ أنَّ الحَبْلَ مِن مَسَدٍ، وقالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ومُجاهِدٌ وسُفْيانُ: اسْتِعارَةٌ، والمُرادُ سِلْسِلَةٌ مِن حَدِيدٍ في جَهَنَّمَ، وقالَ قَتادَةُ: قِلادَةٌ مِن ودَعٍ، وقالَ ابْنُ المُسَيَّبِ: قِلادَةٌ فاخِرَةٌ مِن جَوْهَرٍ، فَقالَتْ: واللّاتِ والعُزّى لِأُنْفِقَنَّها عَلى عَداوَةِ مُحَمَّدٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وإنَّما عَبَّرَ عَنْ قِلادَتِها بِحَبْلٍ مِن مَسَدٍ عَلى جِهَةِ التَّفاؤُلِ لَها، وذَكَرَ تَبَرُّجَها في هَذا السَّعْيِ الخَبِيثِ. انْتَهى. وقالَ الحَسَنُ: إنَّما كانَتْ خَرَزًا، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والمَعْنى في جِيدِها حَبْلٌ مِمّا مَسَدٍ مِنِ الحِبالِ، وأنَّها تَحْمِلُ الحُزْمَةَ مِنَ الشَّوْكِ وتَرْبِطُها في جِيدِها، كَما يَفْعَلُ الحَطّابُونَ تَحْسِيسًا لِحالِها وتَحْقِيرًا لَها بِصُورَةِ بَعْضِ الحَطّاباتِ مِنَ المَواهِنِ لِتَمْتَعِضَ مِن ذَلِكَ ويَمْتَعِضَ بَعْلُها وهُما في بَيْتِ العِزِّ والشَّرَفِ وفي مَنصِبِ الثَّرْوَةِ والجَدَّةِ، ولَقَدْ عَيَّرَ بَعْضُ النّاسِ الفَضْلَ بْنَ العَبّاسِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ أبِي لَهَبٍ بِحَمّالَةِ الحَطَبِ، فَقالَ: ؎ماذا أرَدْتَ إلى شَتْمِي ومَنقَصَتِي ∗∗∗ أمْ ما تُعَيِّرُ مِن حَمّالَةِ الحَطَبِ ؎غَرْساءُ شاذِخَةٌ في المَجْدِ سامِيَةٌ ∗∗∗ كانْتَ سَلِيلَةَ شَيْخٍ ثاقِبِ الحَسَبِ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: إنَّ حالَها يَكُونُ في نارِ جَهَنَّمَ عَلى الصُّورَةِ الَّتِي كانَتْ عَلَيْها حِينَ كانَتْ تَحْمِلُ حُزْمَةَ الشَّوْكِ، فَلا يَزالُ عَلى ظَهْرِها حُزْمَةٌ مِن حَطَبِ النّارِ مِن شَجَرِ الزَّقُّومِ أوِ الضَّرِيعِ، وفي جِيدِها حَبْلٌ مِمّا مُسِدَ مِن سَلاسِلِ النّارِ، كَما يُعَذَّبُ كُلُّ مُجْرِمٍ بِما يُجانِسُ حالَهُ في جُرْمِهِ. انْتَهى. ولَمّا سَمِعَتْ أُمُّ جَمِيلٍ هَذِهِ السُّورَةَ أتَتْ أبا بَكْرٍ، وهو مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، في المَسْجِدِ وبِيَدِها فِهْرٌ، فَقالَتْ: (p-٥٢٧)بَلَغَنِي أنَّ صاحِبَكَ هَجانِي، ولَأفْعَلَنَّ وأفْعَلَنَّ، وأعْمى اللَّهُ تَعالى بَصَرَها عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَرُوِيَ أنَّ أبا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، قالَ لَها: هَلْ تَرَيْ مَعِي أحَدًا ؟ فَقالَتْ: أتَهْزَأُ بِي ؟ لا أرى غَيْرَكَ، وإنْ كانَ شاعِرًا فَأنا مِثْلُهُ أقُولُ: ؎مُذَمَّمًا أبَيْنا ودِينَهُ ∗∗∗ قَلَيْنا وأمْرَهُ عَصَيْنا فَسَكَتَ أبُو بَكْرٍ ومَضَتْ هي، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَقَدْ حَجَبَتْنِي عَنْها مَلائِكَةٌ فَما رَأتْنِي وكَفى اللَّهُ شَرَّها» . وذُكِرَ أنَّها ماتَتْ مَخْنُوقَةً بِحَبْلِها، وأبُو لَهَبٍ رَماهُ اللَّهُ تَعالى بِالعَدَسَةِ بَعْدَ وقْعَةِ بَدْرٍ بِسَبْعِ لَيالٍ.

الإخلاص 112:1

سُورَةُ الإخْلاصِ مَكِّيَّةٌ وهي أرْبَعُ آياتٍ ﷽ ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ ﴿لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ﴾ ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ﴾ . الصَّمَدُ: فَعَلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ مِن صَمَدَ إلَيْهِ إذا قَصَدَهُ، وهو السَّيِّدُ المَصْمُودُ إلَيْهِ في الحَوائِجِ ويَسْتَقِلُّ بِها، قالَ: ؎ألا بَكَّرَ النّاعِي بِخَيْرِ بَنِي أسَدِ بِعَمْرِو بْنِ مَسْعُودٍ بِالسَّيِّدِ الصَّمَدِ وقالَ آخَرُ: ؎عَلَوْتُهُ بِحُسامٍ ثُمَّ قُلْتُ لَهُ ∗∗∗ خُذْها خَزِيتَ فَأنْتَ السَّيِّدُ الصَّمَدُ الكُفُوُ: النَّظِيرُ. ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ ﴿لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ﴾ ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ﴾ هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ، والحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ، وعَطاءٍ، ومُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، مَدَنِيَّةٌ في قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ وأبِي العالِيَةِ والضَّحّاكِ. ولَمّا تَقَدَّمَ فِيما قَبْلَها عَداوَةُ أقْرَبِ النّاسِ إلى الرَّسُولِ ﷺ، وهو عَمُّهُ أبُو لَهَبٍ، وما كانَ يُقاسِي مِن عُبّادِ الأصْنامِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مَعَ اللَّهِ آلِهَةً، جاءَتْ هَذِهِ السُّورَةُ مُصَرِّحَةً بِالتَّوْحِيدِ، رادَّةً عَلى عُبّادِ الأوْثانِ والقائِلِينَ بِالثَّنَوِيَّةِ وبِالتَّثْلِيثِ وبِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ (p-٥٢٨)المَذاهِبِ المُخالِفَةِ لِلتَّوْحِيدِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ اليَهُودَ قالُوا: يا مُحَمَّدُ صِفْ لَنا رَبَّكَ وانْسُبْهُ، فَنَزَلَتْ، وعَنْ أبِي العالِيَةِ، قالَ قادَةُ الأحْزابِ: انْسُبْ لَنا رَبَّكَ، فَنَزَلَتْ، فَإنْ صَحَّ هَذا السَّبَبُ، كانَ هو ضَمِيرًا عائِدًا عَلى الرَّبِّ، أيْ ﴿قُلْ هو اللَّهُ﴾ أيْ رَبِّي اللَّهُ، ويَكُونُ مُبْتَدَأً وخَبَرًا، وأحَدٌ خَبَرٌ ثانٍ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وأحَدٌ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: (اللَّهُ) أوْ عَلى هو أحَدٌ. انْتَهى. وإنْ لَمْ يَصِحَّ السَّبَبُ، فَهو ضَمِيرُ الأمْرِ، والشَّأْنُ مُبْتَدَأٌ، والجُمْلَةُ بَعْدَهُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ في مَوْضِعِ خَبَرِ هو، وأحَدٌ بِمَعْنى واحِدٍ، أيْ فَرْدٌ مِن جَمِيعِ جِهاتِ الوَحْدانِيَّةِ، أيْ في ذاتِهِ وصِفاتِهِ لا يَتَجَزَّأُ، وهَمْزَةُ أحَدٍ هَذا بَدَلٌ مِن واوٍ، وإبْدالُ الهَمْزَةِ مَفْتُوحَةً مِنَ الواوِ قَلِيلٌ، مِن ذَلِكَ امْرَأةٌ أناةٌ، يُرِيدُونَ وناةً؛ لِأنَّهُ مِنَ الوَنْيِ وهو الفُتُورُ، كَما أنَّ أحَدًا مِنَ الوَحْدَةِ. وقالَ ثَعْلَبٌ: بَيْنَ واحِدٍ وأحَدٍ فَرْقٌ، الواحِدُ يَدْخُلُهُ العَدَدُ والجَمْعُ والِاثْنانِ، والأحَدُ لا يَدْخُلُهُ، يُقالُ: اللَّهُ أحَدٌ، ولا يُقالُ: زَيْدٌ أحَدٌ؛ لِأنَّ اللَّهَ خُصُوصِيَّةٌ لَهُ الأحَدُ، وزَيْدٌ تَكُونُ مِنهُ حالاتٌ. انْتَهى. وما ذَكَرَ مِن أنْ أحَدًا لا يَدْخُلُهُ ما ذُكِرَ مَنقُوضٌ بِالعَدَدِ، وقَرَأ أبانُ بْنُ عُثْمانَ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ، وابْنُ سِيرِينَ، والحَسَنُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، وأبُو السَّمّالِ، وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ يُونُسَ، ومَحْبُوبٌ، والأصْمَعِيُّ، واللُّؤْلُؤِيُّ، وعُبَيْدٌ، وهارُونُ عَنْهُ: (أحَدُ اللَّهُ) بِحَذْفِ التَّنْوِينِ لِالتِقائِهِ مَعَ لامِ التَّعْرِيفِ وهو مَوْجُودٌ في كَلامِ العَرَبِ وأكْثَرُ ما يُوجَدُ في الشِّعْرِ نَحْوَ قَوْلِهِ: ؎ولا ذاكِرا اللَّهَ إلّا قَلِيلا ونَحْوَ قَوْلِهِ: ؎عَمْرُو الَّذِي هَشَّمَ الثَّرِيدَ لِقَوْمِهِ ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، والأفْصَحُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ جُمَلًا مُسْتَقِلَّةً بِالأخْبارِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِئْنافِ، كَما تَقُولُ: زَيْدٌ العالِمُ زَيْدٌ الشُّجاعُ، وقِيلَ: الصَّمَدُ صِفَةٌ، والخَبَرُ في الجُمْلَةِ بَعْدَهُ، وتَقَدَّمَ شَرْحُ الصَّمَدِ في المُفْرَداتِ، وقالَ الشَّعْبِيُّ، ويَمانُ بْنُ رِيابٍ: هو الَّذِي لا يَأْكُلُ ولا يَشْرَبُ. وقالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ، وهو قَوْلُهُ: ﴿لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ﴾ . وقالَ الحَسَنُ: ﴿الصَّمَدُ﴾: المُصْمَتُ الَّذِي لا جَوْفَ لَهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ؎شِهابُ حُرُوبٍ لا تَزالُ جِيادُهُ ∗∗∗ عَوابِسَ يَعْلِكْنَ الشَّكِيمَ المُصْمَدا وفِي كِتابِ التَّحْرِيرِ أقْوالٌ غَيْرُ هَذِهِ لا تُساعِدُ عَلَيْها اللُّغَةُ، وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: لا خِلافَ بَيْنِ أهْلِ اللُّغَةِ أنَّ الصَّمَدَ هو السَّيِّدُ الَّذِي لَيْسَ فَوْقَهُ أحَدٌ، الَّذِي يَصْمِدُ إلَيْهِ النّاسُ في أُمُورِهِمْ وحَوائِجِهِمْ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ لِأنَّهُ لا يُجانَسُ حَتّى تَكُونَ لَهُ مِن جِنْسِهِ صاحِبَةٌ فَيَتَوالَدا، ودَلَّ عَلى هَذا المَعْنى بِقَوْلِهِ: ﴿أنّى يَكُونُ لَهُ ولَدٌ ولَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ﴾ [الأنعام: ١٠١] . ﴿ولَمْ يُولَدْ﴾ لِأنَّ كُلَّ مَوْلُودٍ مُحْدَثٌ وجِسْمٌ، وهو قَدِيمٌ لا أوَّلَ لِوُجُودِهِ، ولَيْسَ بِجِسْمٍ ولَمْ يُكافِئْهُ أحَدٌ، يُقالُ لَهُ كُفُوٌ، بِضَمِّ الكافِ وكَسْرِها وفَتْحِها مَعَ سُكُونِ الفاءِ، وبِضَمِّ الكافِ مَعَ ضَمِّ الفاءِ، وقَرَأ حَمْزَةُ وحَفْصٌ: بِضَمِّ الكافِ وإسْكانِ الفاءِ، وهَمَزَ حَمْزَةُ، وأبْدَلَها حَفْصٌ واوًا، وباقِي السَّبْعَةِ: بِضَمِّهِما والهَمْزِ، وسَهَّلَ الهَمْزَةَ الأعْرَجُ وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ ونافِعٌ، وفي رِوايَةٍ عَنْ نافِعٍ أيْضًا (كُفًا) مِن غَيْرِ هَمْزٍ، نَقَلَ حَرَكَةَ الهَمْزَةِ إلى الفاءِ وحَذَفَ الهَمْزَةَ، وقَرَأ سُلَيْمانُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبّاسٍ: (كِفاءً) بِكَسْرِ الكافِ وفَتْحِ الفاءِ والمَدِّ، كَما قالَ النّابِغَةُ: ؎لا تَقْذِفَنِّي بِرُكْنٍ لا كِفاءَ لَهُ الأعْلَمُ لا كِفاءَ لَهُ: لا مَثِيلَ لَهُ، وقالَ مَكِّيٌّ: سِيبَوَيْهِ يَخْتارُ أنْ يَكُونَ الظَّرْفُ خَبَرًا إذا قَدَّمَهُ، وقَدْ خَطَّأهُ المُبَرِّدُ بِهَذِهِ الآيَةِ، لِأنَّهُ قَدَّمَ الظَّرْفَ ولَمْ يَجْعَلْهُ خَبَرًا، والجَوابُ أنَّ سِيبَوَيْهِ لَمْ يَمْنَعْ إلْغاءَ الظَّرْفِ إذا تَقَدَّمَ، إنَّما أجازَ أنْ يَكُونَ خَبَرًا وأنْ لا يَكُونَ خَبَرًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ النَّكِرَةِ، وهي أحَدٌ لَمّا تَقَدَّمَ نَعْتُها عَلَيْها نُصِبَ عَلى الحالِ، فَيَكُونُ لَهُ الخَبَرُ عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ واخْتِيارِهِ، ولا يَكُونُ لِلْمُبَرِّدِ حُجَّةٌ عَلى هَذا القَوْلِ. انْتَهى. وخَرَّجَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ أيْضًا عَلى الحالِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: الكَلامُ العَرَبِيُّ الفَصِيحُ أنْ يُؤَخَّرَ الظَّرْفُ الَّذِي هو لَغْوٌ غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ ولا يُقَدَّمُ، وقَدْ نَصَّ سِيبَوَيْهِ عَلى ذَلِكَ في كِتابِهِ، فَما بالُهُ مُقَدَّمًا في أفْصَحِ الكَلامِ وأعْرَبِهِ ؟ قُلْتُ: هَذا (p-٥٢٩)الكَلامُ إنَّما سِيقَ لِنَفْيِ المُكافَأةِ عَنْ ذاتِ البارِي سُبْحانَهُ وتَعالى، وهَذا المَعْنى مَصَبُّهُ ومَرْكَزُهُ هو هَذا الظَّرْفُ، فَكانَ لِذَلِكَ أهَمُّ شَيْءٍ وأعْناهُ وأحَقُّهُ بِالتَّقْدِيمِ وأحْراهُ. انْتَهى. وهَذِهِ الجُمْلَةُ لَيْسَتْ مِن هَذا البابِ، وذَلِكَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ﴾ لَيْسَ الجارُّ والمَجْرُورُ فِيهِ تامًّا، إنَّما هو ناقِصٌ لا يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا لِكانَ، بَلْ هو مُتَعَلِّقٌ بِ ﴿كُفُوًا﴾ وقُدِّمَ عَلَيْهِ، فالتَّقْدِيرُ: ولَمْ يَكُنْ أحَدٌ كُفُوًا لَهُ، أيْ مُكافِئَهُ، فَهو في مَعْنى المَفْعُولِ مُتَعَلِّقٌ بِكُفُوًا، وتَقَدَّمَ عَلى كُفُوًا لِلِاهْتِمامِ بِهِ، إذْ فِيهِ ضَمِيرُ البارِي تَعالى، وتَوَسَّطَ الخَبَرُ، وإنْ كانَ الأصْلُ التَّأخُّرَ؛ لِأنَّ تَأخُّرَ الِاسْمِ هو فاصِلَةٌ فَحَسُنَ ذَلِكَ، وعَلى هَذا الَّذِي قَرَّرْناهُ يَبْطُلُ إعْرابُ مَكِّيٍّ وغَيْرِهِ أنَّ لَهُ الخَبَرَ وكُفُوًا حالٌ مِن أحَدٍ؛ لِأنَّهُ ظَرْفٌ ناقِصٌ لا يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا، وبِذَلِكَ يَبْطُلُ سُؤالُ الزَّمَخْشَرِيِّ وجَوابُهُ. وسِيبَوَيْهِ إنَّما تَكَلَّمَ في هَذا الظَّرْفِ الَّذِي يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا، ويَصْلُحُ أنْ يَكُونَ غَيْرَ خَبَرٍ، قالَ سِيبَوَيْهِ: وتَقُولُ: ما كانَ فِيها أحَدٌ خَيْرًا مِنكَ، وما كانَ أحَدٌ مِثْلَكَ فِيها، ولَيْسَ أحَدٌ فِيها خَيْرٌ مِنكَ، إذا جَعَلْتَ فِيها مُسْتَقِرًّا ولَمْ تَجْعَلْهُ عَلى قَوْلِكَ: فِيها زَيْدٌ قائِمٌ، أُجْرِيَتِ الصِّفَةُ عَلى الِاسْمِ، فَإنْ جَعَلْتَهُ عَلى: فِيها زَيْدٌ قائِمٌ، نَصَبْتَ فَتَقُولُ: ما كانَ فِيها أحَدٌ خَيْرًا مِنكَ، وما كانَ أحَدٌ خَيْرًا مِنكَ فِيها، إلّا أنَّكَ إذا أرَدْتَ الإلْغاءَ، فَكُلَّما أخَّرْتَ المُلْغى كانَ أحْسَنَ، وإذا أرَدْتَ أنْ يَكُونَ مُسْتَقِرًّا، فَكُلَّما قَدَّمْتَهُ كانَ أحْسَنَ، والتَّقْدِيمُ والتَّأْخِيرُ والإلْغاءُ والِاسْتِقْرارُ عَرَبِيٌّ جَيِّدٌ كَثِيرٌ، قالَ تَعالى: ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ﴾، وقالَ الشّاعِرُ: ؎ما دامَ فِيهِنَّ فَصِيلٌ حَيًّا انْتَهى، وما نَقَلْناهُ مُلَخَّصًا، وهو بِألْفاظِ سِيبَوَيْهِ، فَأنْتَ تَرى كَلامَهُ وتَمْثِيلَهُ بِالظَّرْفِ الَّذِي يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا، ومَعْنى قَوْلِهِ: مُسْتَقِرًّا، أيْ خَبَرًا لِلْمُبْتَدَأِ ولِكانَ، فَإنْ قُلْتَ: فَقَدْ مَثَّلَ بِالآيَةِ الكَرِيمَةِ، قُلْتُ: هَذا الَّذِي أوْقَعَ مَكِّيًّا والزَّمَخْشَرِيَّ وغَيْرَهُما فِيما وقَعُوا فِيهِ، وإنَّما أرادَ سِيبَوَيْهِ أنَّ الظَّرْفَ التّامَّ وهو في قَوْلِهِ: ؎ما دامَ فِيهِنَّ فَصِيلٌ حَيًّا أجْرى فَضْلَةً لا خَبَرًا، كَما أنَّ لَهُ في الآيَةِ أجْرى فَضْلَةً، فَجَعَلَ الظَّرْفَ القابِلَ أنْ يَكُونَ خَبَرًا كالظَّرْفِ النّاقِصِ في كَوْنِهِ لَمْ يُسْتَعْمَلْ خَبَرًا، ولا يَشُكُّ مَن لَهُ ذِهْنٌ صَحِيحٌ أنَّهُ لا يَنْعَقِدُ كَلامٌ مِن قَوْلِهِ: ولَمْ يَكُنْ لَهُ أحَدٌ، بَلْ لَوْ تَأخَّرَ ”كُفُوًا“ وارْتَفَعَ عَلى الصِّفَةِ وجُعِلَ لَهُ خَبَرًا، لَمْ يَنْعَقِدْ مِنهُ كَلامٌ، بَلْ أنْتَ تَرى أنَّ النَّفْيَ لَمْ يَتَسَلَّطْ إلّا عَلى الخَبَرِ الَّذِي هو كُفُوٌ، ولَهُ مُتَعَلِّقٌ بِهِ، والمَعْنى: ولَمْ يَكُنْ لَهُ أحَدٌ مُكافِئَهُ، وقَدْ جاءَ في فَضْلِ هَذِهِ السُّورَةِ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ، ومِنها أنَّها تَعْدِلُ ثُلُثَ القُرْآنِ، وقَدْ تَكَلَّمَ العُلَماءُ عَلى ذَلِكَ، ولَيْسَ هَذا مَوْضِعَهُ، واللَّهُ المُوَفِّقُ.

الإخلاص 112:2

سُورَةُ الإخْلاصِ مَكِّيَّةٌ وهي أرْبَعُ آياتٍ ﷽ ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ ﴿لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ﴾ ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ﴾ . الصَّمَدُ: فَعَلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ مِن صَمَدَ إلَيْهِ إذا قَصَدَهُ، وهو السَّيِّدُ المَصْمُودُ إلَيْهِ في الحَوائِجِ ويَسْتَقِلُّ بِها، قالَ: ؎ألا بَكَّرَ النّاعِي بِخَيْرِ بَنِي أسَدِ بِعَمْرِو بْنِ مَسْعُودٍ بِالسَّيِّدِ الصَّمَدِ وقالَ آخَرُ: ؎عَلَوْتُهُ بِحُسامٍ ثُمَّ قُلْتُ لَهُ ∗∗∗ خُذْها خَزِيتَ فَأنْتَ السَّيِّدُ الصَّمَدُ الكُفُوُ: النَّظِيرُ. ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ ﴿لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ﴾ ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ﴾ هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ، والحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ، وعَطاءٍ، ومُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، مَدَنِيَّةٌ في قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ وأبِي العالِيَةِ والضَّحّاكِ. ولَمّا تَقَدَّمَ فِيما قَبْلَها عَداوَةُ أقْرَبِ النّاسِ إلى الرَّسُولِ ﷺ، وهو عَمُّهُ أبُو لَهَبٍ، وما كانَ يُقاسِي مِن عُبّادِ الأصْنامِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مَعَ اللَّهِ آلِهَةً، جاءَتْ هَذِهِ السُّورَةُ مُصَرِّحَةً بِالتَّوْحِيدِ، رادَّةً عَلى عُبّادِ الأوْثانِ والقائِلِينَ بِالثَّنَوِيَّةِ وبِالتَّثْلِيثِ وبِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ (p-٥٢٨)المَذاهِبِ المُخالِفَةِ لِلتَّوْحِيدِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ اليَهُودَ قالُوا: يا مُحَمَّدُ صِفْ لَنا رَبَّكَ وانْسُبْهُ، فَنَزَلَتْ، وعَنْ أبِي العالِيَةِ، قالَ قادَةُ الأحْزابِ: انْسُبْ لَنا رَبَّكَ، فَنَزَلَتْ، فَإنْ صَحَّ هَذا السَّبَبُ، كانَ هو ضَمِيرًا عائِدًا عَلى الرَّبِّ، أيْ ﴿قُلْ هو اللَّهُ﴾ أيْ رَبِّي اللَّهُ، ويَكُونُ مُبْتَدَأً وخَبَرًا، وأحَدٌ خَبَرٌ ثانٍ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وأحَدٌ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: (اللَّهُ) أوْ عَلى هو أحَدٌ. انْتَهى. وإنْ لَمْ يَصِحَّ السَّبَبُ، فَهو ضَمِيرُ الأمْرِ، والشَّأْنُ مُبْتَدَأٌ، والجُمْلَةُ بَعْدَهُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ في مَوْضِعِ خَبَرِ هو، وأحَدٌ بِمَعْنى واحِدٍ، أيْ فَرْدٌ مِن جَمِيعِ جِهاتِ الوَحْدانِيَّةِ، أيْ في ذاتِهِ وصِفاتِهِ لا يَتَجَزَّأُ، وهَمْزَةُ أحَدٍ هَذا بَدَلٌ مِن واوٍ، وإبْدالُ الهَمْزَةِ مَفْتُوحَةً مِنَ الواوِ قَلِيلٌ، مِن ذَلِكَ امْرَأةٌ أناةٌ، يُرِيدُونَ وناةً؛ لِأنَّهُ مِنَ الوَنْيِ وهو الفُتُورُ، كَما أنَّ أحَدًا مِنَ الوَحْدَةِ. وقالَ ثَعْلَبٌ: بَيْنَ واحِدٍ وأحَدٍ فَرْقٌ، الواحِدُ يَدْخُلُهُ العَدَدُ والجَمْعُ والِاثْنانِ، والأحَدُ لا يَدْخُلُهُ، يُقالُ: اللَّهُ أحَدٌ، ولا يُقالُ: زَيْدٌ أحَدٌ؛ لِأنَّ اللَّهَ خُصُوصِيَّةٌ لَهُ الأحَدُ، وزَيْدٌ تَكُونُ مِنهُ حالاتٌ. انْتَهى. وما ذَكَرَ مِن أنْ أحَدًا لا يَدْخُلُهُ ما ذُكِرَ مَنقُوضٌ بِالعَدَدِ، وقَرَأ أبانُ بْنُ عُثْمانَ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ، وابْنُ سِيرِينَ، والحَسَنُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، وأبُو السَّمّالِ، وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ يُونُسَ، ومَحْبُوبٌ، والأصْمَعِيُّ، واللُّؤْلُؤِيُّ، وعُبَيْدٌ، وهارُونُ عَنْهُ: (أحَدُ اللَّهُ) بِحَذْفِ التَّنْوِينِ لِالتِقائِهِ مَعَ لامِ التَّعْرِيفِ وهو مَوْجُودٌ في كَلامِ العَرَبِ وأكْثَرُ ما يُوجَدُ في الشِّعْرِ نَحْوَ قَوْلِهِ: ؎ولا ذاكِرا اللَّهَ إلّا قَلِيلا ونَحْوَ قَوْلِهِ: ؎عَمْرُو الَّذِي هَشَّمَ الثَّرِيدَ لِقَوْمِهِ ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، والأفْصَحُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ جُمَلًا مُسْتَقِلَّةً بِالأخْبارِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِئْنافِ، كَما تَقُولُ: زَيْدٌ العالِمُ زَيْدٌ الشُّجاعُ، وقِيلَ: الصَّمَدُ صِفَةٌ، والخَبَرُ في الجُمْلَةِ بَعْدَهُ، وتَقَدَّمَ شَرْحُ الصَّمَدِ في المُفْرَداتِ، وقالَ الشَّعْبِيُّ، ويَمانُ بْنُ رِيابٍ: هو الَّذِي لا يَأْكُلُ ولا يَشْرَبُ. وقالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ، وهو قَوْلُهُ: ﴿لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ﴾ . وقالَ الحَسَنُ: ﴿الصَّمَدُ﴾: المُصْمَتُ الَّذِي لا جَوْفَ لَهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ؎شِهابُ حُرُوبٍ لا تَزالُ جِيادُهُ ∗∗∗ عَوابِسَ يَعْلِكْنَ الشَّكِيمَ المُصْمَدا وفِي كِتابِ التَّحْرِيرِ أقْوالٌ غَيْرُ هَذِهِ لا تُساعِدُ عَلَيْها اللُّغَةُ، وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: لا خِلافَ بَيْنِ أهْلِ اللُّغَةِ أنَّ الصَّمَدَ هو السَّيِّدُ الَّذِي لَيْسَ فَوْقَهُ أحَدٌ، الَّذِي يَصْمِدُ إلَيْهِ النّاسُ في أُمُورِهِمْ وحَوائِجِهِمْ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ لِأنَّهُ لا يُجانَسُ حَتّى تَكُونَ لَهُ مِن جِنْسِهِ صاحِبَةٌ فَيَتَوالَدا، ودَلَّ عَلى هَذا المَعْنى بِقَوْلِهِ: ﴿أنّى يَكُونُ لَهُ ولَدٌ ولَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ﴾ [الأنعام: ١٠١] . ﴿ولَمْ يُولَدْ﴾ لِأنَّ كُلَّ مَوْلُودٍ مُحْدَثٌ وجِسْمٌ، وهو قَدِيمٌ لا أوَّلَ لِوُجُودِهِ، ولَيْسَ بِجِسْمٍ ولَمْ يُكافِئْهُ أحَدٌ، يُقالُ لَهُ كُفُوٌ، بِضَمِّ الكافِ وكَسْرِها وفَتْحِها مَعَ سُكُونِ الفاءِ، وبِضَمِّ الكافِ مَعَ ضَمِّ الفاءِ، وقَرَأ حَمْزَةُ وحَفْصٌ: بِضَمِّ الكافِ وإسْكانِ الفاءِ، وهَمَزَ حَمْزَةُ، وأبْدَلَها حَفْصٌ واوًا، وباقِي السَّبْعَةِ: بِضَمِّهِما والهَمْزِ، وسَهَّلَ الهَمْزَةَ الأعْرَجُ وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ ونافِعٌ، وفي رِوايَةٍ عَنْ نافِعٍ أيْضًا (كُفًا) مِن غَيْرِ هَمْزٍ، نَقَلَ حَرَكَةَ الهَمْزَةِ إلى الفاءِ وحَذَفَ الهَمْزَةَ، وقَرَأ سُلَيْمانُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبّاسٍ: (كِفاءً) بِكَسْرِ الكافِ وفَتْحِ الفاءِ والمَدِّ، كَما قالَ النّابِغَةُ: ؎لا تَقْذِفَنِّي بِرُكْنٍ لا كِفاءَ لَهُ الأعْلَمُ لا كِفاءَ لَهُ: لا مَثِيلَ لَهُ، وقالَ مَكِّيٌّ: سِيبَوَيْهِ يَخْتارُ أنْ يَكُونَ الظَّرْفُ خَبَرًا إذا قَدَّمَهُ، وقَدْ خَطَّأهُ المُبَرِّدُ بِهَذِهِ الآيَةِ، لِأنَّهُ قَدَّمَ الظَّرْفَ ولَمْ يَجْعَلْهُ خَبَرًا، والجَوابُ أنَّ سِيبَوَيْهِ لَمْ يَمْنَعْ إلْغاءَ الظَّرْفِ إذا تَقَدَّمَ، إنَّما أجازَ أنْ يَكُونَ خَبَرًا وأنْ لا يَكُونَ خَبَرًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ النَّكِرَةِ، وهي أحَدٌ لَمّا تَقَدَّمَ نَعْتُها عَلَيْها نُصِبَ عَلى الحالِ، فَيَكُونُ لَهُ الخَبَرُ عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ واخْتِيارِهِ، ولا يَكُونُ لِلْمُبَرِّدِ حُجَّةٌ عَلى هَذا القَوْلِ. انْتَهى. وخَرَّجَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ أيْضًا عَلى الحالِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: الكَلامُ العَرَبِيُّ الفَصِيحُ أنْ يُؤَخَّرَ الظَّرْفُ الَّذِي هو لَغْوٌ غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ ولا يُقَدَّمُ، وقَدْ نَصَّ سِيبَوَيْهِ عَلى ذَلِكَ في كِتابِهِ، فَما بالُهُ مُقَدَّمًا في أفْصَحِ الكَلامِ وأعْرَبِهِ ؟ قُلْتُ: هَذا (p-٥٢٩)الكَلامُ إنَّما سِيقَ لِنَفْيِ المُكافَأةِ عَنْ ذاتِ البارِي سُبْحانَهُ وتَعالى، وهَذا المَعْنى مَصَبُّهُ ومَرْكَزُهُ هو هَذا الظَّرْفُ، فَكانَ لِذَلِكَ أهَمُّ شَيْءٍ وأعْناهُ وأحَقُّهُ بِالتَّقْدِيمِ وأحْراهُ. انْتَهى. وهَذِهِ الجُمْلَةُ لَيْسَتْ مِن هَذا البابِ، وذَلِكَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ﴾ لَيْسَ الجارُّ والمَجْرُورُ فِيهِ تامًّا، إنَّما هو ناقِصٌ لا يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا لِكانَ، بَلْ هو مُتَعَلِّقٌ بِ ﴿كُفُوًا﴾ وقُدِّمَ عَلَيْهِ، فالتَّقْدِيرُ: ولَمْ يَكُنْ أحَدٌ كُفُوًا لَهُ، أيْ مُكافِئَهُ، فَهو في مَعْنى المَفْعُولِ مُتَعَلِّقٌ بِكُفُوًا، وتَقَدَّمَ عَلى كُفُوًا لِلِاهْتِمامِ بِهِ، إذْ فِيهِ ضَمِيرُ البارِي تَعالى، وتَوَسَّطَ الخَبَرُ، وإنْ كانَ الأصْلُ التَّأخُّرَ؛ لِأنَّ تَأخُّرَ الِاسْمِ هو فاصِلَةٌ فَحَسُنَ ذَلِكَ، وعَلى هَذا الَّذِي قَرَّرْناهُ يَبْطُلُ إعْرابُ مَكِّيٍّ وغَيْرِهِ أنَّ لَهُ الخَبَرَ وكُفُوًا حالٌ مِن أحَدٍ؛ لِأنَّهُ ظَرْفٌ ناقِصٌ لا يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا، وبِذَلِكَ يَبْطُلُ سُؤالُ الزَّمَخْشَرِيِّ وجَوابُهُ. وسِيبَوَيْهِ إنَّما تَكَلَّمَ في هَذا الظَّرْفِ الَّذِي يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا، ويَصْلُحُ أنْ يَكُونَ غَيْرَ خَبَرٍ، قالَ سِيبَوَيْهِ: وتَقُولُ: ما كانَ فِيها أحَدٌ خَيْرًا مِنكَ، وما كانَ أحَدٌ مِثْلَكَ فِيها، ولَيْسَ أحَدٌ فِيها خَيْرٌ مِنكَ، إذا جَعَلْتَ فِيها مُسْتَقِرًّا ولَمْ تَجْعَلْهُ عَلى قَوْلِكَ: فِيها زَيْدٌ قائِمٌ، أُجْرِيَتِ الصِّفَةُ عَلى الِاسْمِ، فَإنْ جَعَلْتَهُ عَلى: فِيها زَيْدٌ قائِمٌ، نَصَبْتَ فَتَقُولُ: ما كانَ فِيها أحَدٌ خَيْرًا مِنكَ، وما كانَ أحَدٌ خَيْرًا مِنكَ فِيها، إلّا أنَّكَ إذا أرَدْتَ الإلْغاءَ، فَكُلَّما أخَّرْتَ المُلْغى كانَ أحْسَنَ، وإذا أرَدْتَ أنْ يَكُونَ مُسْتَقِرًّا، فَكُلَّما قَدَّمْتَهُ كانَ أحْسَنَ، والتَّقْدِيمُ والتَّأْخِيرُ والإلْغاءُ والِاسْتِقْرارُ عَرَبِيٌّ جَيِّدٌ كَثِيرٌ، قالَ تَعالى: ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ﴾، وقالَ الشّاعِرُ: ؎ما دامَ فِيهِنَّ فَصِيلٌ حَيًّا انْتَهى، وما نَقَلْناهُ مُلَخَّصًا، وهو بِألْفاظِ سِيبَوَيْهِ، فَأنْتَ تَرى كَلامَهُ وتَمْثِيلَهُ بِالظَّرْفِ الَّذِي يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا، ومَعْنى قَوْلِهِ: مُسْتَقِرًّا، أيْ خَبَرًا لِلْمُبْتَدَأِ ولِكانَ، فَإنْ قُلْتَ: فَقَدْ مَثَّلَ بِالآيَةِ الكَرِيمَةِ، قُلْتُ: هَذا الَّذِي أوْقَعَ مَكِّيًّا والزَّمَخْشَرِيَّ وغَيْرَهُما فِيما وقَعُوا فِيهِ، وإنَّما أرادَ سِيبَوَيْهِ أنَّ الظَّرْفَ التّامَّ وهو في قَوْلِهِ: ؎ما دامَ فِيهِنَّ فَصِيلٌ حَيًّا أجْرى فَضْلَةً لا خَبَرًا، كَما أنَّ لَهُ في الآيَةِ أجْرى فَضْلَةً، فَجَعَلَ الظَّرْفَ القابِلَ أنْ يَكُونَ خَبَرًا كالظَّرْفِ النّاقِصِ في كَوْنِهِ لَمْ يُسْتَعْمَلْ خَبَرًا، ولا يَشُكُّ مَن لَهُ ذِهْنٌ صَحِيحٌ أنَّهُ لا يَنْعَقِدُ كَلامٌ مِن قَوْلِهِ: ولَمْ يَكُنْ لَهُ أحَدٌ، بَلْ لَوْ تَأخَّرَ ”كُفُوًا“ وارْتَفَعَ عَلى الصِّفَةِ وجُعِلَ لَهُ خَبَرًا، لَمْ يَنْعَقِدْ مِنهُ كَلامٌ، بَلْ أنْتَ تَرى أنَّ النَّفْيَ لَمْ يَتَسَلَّطْ إلّا عَلى الخَبَرِ الَّذِي هو كُفُوٌ، ولَهُ مُتَعَلِّقٌ بِهِ، والمَعْنى: ولَمْ يَكُنْ لَهُ أحَدٌ مُكافِئَهُ، وقَدْ جاءَ في فَضْلِ هَذِهِ السُّورَةِ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ، ومِنها أنَّها تَعْدِلُ ثُلُثَ القُرْآنِ، وقَدْ تَكَلَّمَ العُلَماءُ عَلى ذَلِكَ، ولَيْسَ هَذا مَوْضِعَهُ، واللَّهُ المُوَفِّقُ.

الإخلاص 112:3

سُورَةُ الإخْلاصِ مَكِّيَّةٌ وهي أرْبَعُ آياتٍ ﷽ ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ ﴿لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ﴾ ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ﴾ . الصَّمَدُ: فَعَلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ مِن صَمَدَ إلَيْهِ إذا قَصَدَهُ، وهو السَّيِّدُ المَصْمُودُ إلَيْهِ في الحَوائِجِ ويَسْتَقِلُّ بِها، قالَ: ؎ألا بَكَّرَ النّاعِي بِخَيْرِ بَنِي أسَدِ بِعَمْرِو بْنِ مَسْعُودٍ بِالسَّيِّدِ الصَّمَدِ وقالَ آخَرُ: ؎عَلَوْتُهُ بِحُسامٍ ثُمَّ قُلْتُ لَهُ ∗∗∗ خُذْها خَزِيتَ فَأنْتَ السَّيِّدُ الصَّمَدُ الكُفُوُ: النَّظِيرُ. ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ ﴿لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ﴾ ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ﴾ هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ، والحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ، وعَطاءٍ، ومُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، مَدَنِيَّةٌ في قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ وأبِي العالِيَةِ والضَّحّاكِ. ولَمّا تَقَدَّمَ فِيما قَبْلَها عَداوَةُ أقْرَبِ النّاسِ إلى الرَّسُولِ ﷺ، وهو عَمُّهُ أبُو لَهَبٍ، وما كانَ يُقاسِي مِن عُبّادِ الأصْنامِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مَعَ اللَّهِ آلِهَةً، جاءَتْ هَذِهِ السُّورَةُ مُصَرِّحَةً بِالتَّوْحِيدِ، رادَّةً عَلى عُبّادِ الأوْثانِ والقائِلِينَ بِالثَّنَوِيَّةِ وبِالتَّثْلِيثِ وبِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ (p-٥٢٨)المَذاهِبِ المُخالِفَةِ لِلتَّوْحِيدِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ اليَهُودَ قالُوا: يا مُحَمَّدُ صِفْ لَنا رَبَّكَ وانْسُبْهُ، فَنَزَلَتْ، وعَنْ أبِي العالِيَةِ، قالَ قادَةُ الأحْزابِ: انْسُبْ لَنا رَبَّكَ، فَنَزَلَتْ، فَإنْ صَحَّ هَذا السَّبَبُ، كانَ هو ضَمِيرًا عائِدًا عَلى الرَّبِّ، أيْ ﴿قُلْ هو اللَّهُ﴾ أيْ رَبِّي اللَّهُ، ويَكُونُ مُبْتَدَأً وخَبَرًا، وأحَدٌ خَبَرٌ ثانٍ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وأحَدٌ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: (اللَّهُ) أوْ عَلى هو أحَدٌ. انْتَهى. وإنْ لَمْ يَصِحَّ السَّبَبُ، فَهو ضَمِيرُ الأمْرِ، والشَّأْنُ مُبْتَدَأٌ، والجُمْلَةُ بَعْدَهُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ في مَوْضِعِ خَبَرِ هو، وأحَدٌ بِمَعْنى واحِدٍ، أيْ فَرْدٌ مِن جَمِيعِ جِهاتِ الوَحْدانِيَّةِ، أيْ في ذاتِهِ وصِفاتِهِ لا يَتَجَزَّأُ، وهَمْزَةُ أحَدٍ هَذا بَدَلٌ مِن واوٍ، وإبْدالُ الهَمْزَةِ مَفْتُوحَةً مِنَ الواوِ قَلِيلٌ، مِن ذَلِكَ امْرَأةٌ أناةٌ، يُرِيدُونَ وناةً؛ لِأنَّهُ مِنَ الوَنْيِ وهو الفُتُورُ، كَما أنَّ أحَدًا مِنَ الوَحْدَةِ. وقالَ ثَعْلَبٌ: بَيْنَ واحِدٍ وأحَدٍ فَرْقٌ، الواحِدُ يَدْخُلُهُ العَدَدُ والجَمْعُ والِاثْنانِ، والأحَدُ لا يَدْخُلُهُ، يُقالُ: اللَّهُ أحَدٌ، ولا يُقالُ: زَيْدٌ أحَدٌ؛ لِأنَّ اللَّهَ خُصُوصِيَّةٌ لَهُ الأحَدُ، وزَيْدٌ تَكُونُ مِنهُ حالاتٌ. انْتَهى. وما ذَكَرَ مِن أنْ أحَدًا لا يَدْخُلُهُ ما ذُكِرَ مَنقُوضٌ بِالعَدَدِ، وقَرَأ أبانُ بْنُ عُثْمانَ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ، وابْنُ سِيرِينَ، والحَسَنُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، وأبُو السَّمّالِ، وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ يُونُسَ، ومَحْبُوبٌ، والأصْمَعِيُّ، واللُّؤْلُؤِيُّ، وعُبَيْدٌ، وهارُونُ عَنْهُ: (أحَدُ اللَّهُ) بِحَذْفِ التَّنْوِينِ لِالتِقائِهِ مَعَ لامِ التَّعْرِيفِ وهو مَوْجُودٌ في كَلامِ العَرَبِ وأكْثَرُ ما يُوجَدُ في الشِّعْرِ نَحْوَ قَوْلِهِ: ؎ولا ذاكِرا اللَّهَ إلّا قَلِيلا ونَحْوَ قَوْلِهِ: ؎عَمْرُو الَّذِي هَشَّمَ الثَّرِيدَ لِقَوْمِهِ ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، والأفْصَحُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ جُمَلًا مُسْتَقِلَّةً بِالأخْبارِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِئْنافِ، كَما تَقُولُ: زَيْدٌ العالِمُ زَيْدٌ الشُّجاعُ، وقِيلَ: الصَّمَدُ صِفَةٌ، والخَبَرُ في الجُمْلَةِ بَعْدَهُ، وتَقَدَّمَ شَرْحُ الصَّمَدِ في المُفْرَداتِ، وقالَ الشَّعْبِيُّ، ويَمانُ بْنُ رِيابٍ: هو الَّذِي لا يَأْكُلُ ولا يَشْرَبُ. وقالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ، وهو قَوْلُهُ: ﴿لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ﴾ . وقالَ الحَسَنُ: ﴿الصَّمَدُ﴾: المُصْمَتُ الَّذِي لا جَوْفَ لَهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ؎شِهابُ حُرُوبٍ لا تَزالُ جِيادُهُ ∗∗∗ عَوابِسَ يَعْلِكْنَ الشَّكِيمَ المُصْمَدا وفِي كِتابِ التَّحْرِيرِ أقْوالٌ غَيْرُ هَذِهِ لا تُساعِدُ عَلَيْها اللُّغَةُ، وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: لا خِلافَ بَيْنِ أهْلِ اللُّغَةِ أنَّ الصَّمَدَ هو السَّيِّدُ الَّذِي لَيْسَ فَوْقَهُ أحَدٌ، الَّذِي يَصْمِدُ إلَيْهِ النّاسُ في أُمُورِهِمْ وحَوائِجِهِمْ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ لِأنَّهُ لا يُجانَسُ حَتّى تَكُونَ لَهُ مِن جِنْسِهِ صاحِبَةٌ فَيَتَوالَدا، ودَلَّ عَلى هَذا المَعْنى بِقَوْلِهِ: ﴿أنّى يَكُونُ لَهُ ولَدٌ ولَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ﴾ [الأنعام: ١٠١] . ﴿ولَمْ يُولَدْ﴾ لِأنَّ كُلَّ مَوْلُودٍ مُحْدَثٌ وجِسْمٌ، وهو قَدِيمٌ لا أوَّلَ لِوُجُودِهِ، ولَيْسَ بِجِسْمٍ ولَمْ يُكافِئْهُ أحَدٌ، يُقالُ لَهُ كُفُوٌ، بِضَمِّ الكافِ وكَسْرِها وفَتْحِها مَعَ سُكُونِ الفاءِ، وبِضَمِّ الكافِ مَعَ ضَمِّ الفاءِ، وقَرَأ حَمْزَةُ وحَفْصٌ: بِضَمِّ الكافِ وإسْكانِ الفاءِ، وهَمَزَ حَمْزَةُ، وأبْدَلَها حَفْصٌ واوًا، وباقِي السَّبْعَةِ: بِضَمِّهِما والهَمْزِ، وسَهَّلَ الهَمْزَةَ الأعْرَجُ وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ ونافِعٌ، وفي رِوايَةٍ عَنْ نافِعٍ أيْضًا (كُفًا) مِن غَيْرِ هَمْزٍ، نَقَلَ حَرَكَةَ الهَمْزَةِ إلى الفاءِ وحَذَفَ الهَمْزَةَ، وقَرَأ سُلَيْمانُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبّاسٍ: (كِفاءً) بِكَسْرِ الكافِ وفَتْحِ الفاءِ والمَدِّ، كَما قالَ النّابِغَةُ: ؎لا تَقْذِفَنِّي بِرُكْنٍ لا كِفاءَ لَهُ الأعْلَمُ لا كِفاءَ لَهُ: لا مَثِيلَ لَهُ، وقالَ مَكِّيٌّ: سِيبَوَيْهِ يَخْتارُ أنْ يَكُونَ الظَّرْفُ خَبَرًا إذا قَدَّمَهُ، وقَدْ خَطَّأهُ المُبَرِّدُ بِهَذِهِ الآيَةِ، لِأنَّهُ قَدَّمَ الظَّرْفَ ولَمْ يَجْعَلْهُ خَبَرًا، والجَوابُ أنَّ سِيبَوَيْهِ لَمْ يَمْنَعْ إلْغاءَ الظَّرْفِ إذا تَقَدَّمَ، إنَّما أجازَ أنْ يَكُونَ خَبَرًا وأنْ لا يَكُونَ خَبَرًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ النَّكِرَةِ، وهي أحَدٌ لَمّا تَقَدَّمَ نَعْتُها عَلَيْها نُصِبَ عَلى الحالِ، فَيَكُونُ لَهُ الخَبَرُ عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ واخْتِيارِهِ، ولا يَكُونُ لِلْمُبَرِّدِ حُجَّةٌ عَلى هَذا القَوْلِ. انْتَهى. وخَرَّجَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ أيْضًا عَلى الحالِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: الكَلامُ العَرَبِيُّ الفَصِيحُ أنْ يُؤَخَّرَ الظَّرْفُ الَّذِي هو لَغْوٌ غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ ولا يُقَدَّمُ، وقَدْ نَصَّ سِيبَوَيْهِ عَلى ذَلِكَ في كِتابِهِ، فَما بالُهُ مُقَدَّمًا في أفْصَحِ الكَلامِ وأعْرَبِهِ ؟ قُلْتُ: هَذا (p-٥٢٩)الكَلامُ إنَّما سِيقَ لِنَفْيِ المُكافَأةِ عَنْ ذاتِ البارِي سُبْحانَهُ وتَعالى، وهَذا المَعْنى مَصَبُّهُ ومَرْكَزُهُ هو هَذا الظَّرْفُ، فَكانَ لِذَلِكَ أهَمُّ شَيْءٍ وأعْناهُ وأحَقُّهُ بِالتَّقْدِيمِ وأحْراهُ. انْتَهى. وهَذِهِ الجُمْلَةُ لَيْسَتْ مِن هَذا البابِ، وذَلِكَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ﴾ لَيْسَ الجارُّ والمَجْرُورُ فِيهِ تامًّا، إنَّما هو ناقِصٌ لا يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا لِكانَ، بَلْ هو مُتَعَلِّقٌ بِ ﴿كُفُوًا﴾ وقُدِّمَ عَلَيْهِ، فالتَّقْدِيرُ: ولَمْ يَكُنْ أحَدٌ كُفُوًا لَهُ، أيْ مُكافِئَهُ، فَهو في مَعْنى المَفْعُولِ مُتَعَلِّقٌ بِكُفُوًا، وتَقَدَّمَ عَلى كُفُوًا لِلِاهْتِمامِ بِهِ، إذْ فِيهِ ضَمِيرُ البارِي تَعالى، وتَوَسَّطَ الخَبَرُ، وإنْ كانَ الأصْلُ التَّأخُّرَ؛ لِأنَّ تَأخُّرَ الِاسْمِ هو فاصِلَةٌ فَحَسُنَ ذَلِكَ، وعَلى هَذا الَّذِي قَرَّرْناهُ يَبْطُلُ إعْرابُ مَكِّيٍّ وغَيْرِهِ أنَّ لَهُ الخَبَرَ وكُفُوًا حالٌ مِن أحَدٍ؛ لِأنَّهُ ظَرْفٌ ناقِصٌ لا يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا، وبِذَلِكَ يَبْطُلُ سُؤالُ الزَّمَخْشَرِيِّ وجَوابُهُ. وسِيبَوَيْهِ إنَّما تَكَلَّمَ في هَذا الظَّرْفِ الَّذِي يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا، ويَصْلُحُ أنْ يَكُونَ غَيْرَ خَبَرٍ، قالَ سِيبَوَيْهِ: وتَقُولُ: ما كانَ فِيها أحَدٌ خَيْرًا مِنكَ، وما كانَ أحَدٌ مِثْلَكَ فِيها، ولَيْسَ أحَدٌ فِيها خَيْرٌ مِنكَ، إذا جَعَلْتَ فِيها مُسْتَقِرًّا ولَمْ تَجْعَلْهُ عَلى قَوْلِكَ: فِيها زَيْدٌ قائِمٌ، أُجْرِيَتِ الصِّفَةُ عَلى الِاسْمِ، فَإنْ جَعَلْتَهُ عَلى: فِيها زَيْدٌ قائِمٌ، نَصَبْتَ فَتَقُولُ: ما كانَ فِيها أحَدٌ خَيْرًا مِنكَ، وما كانَ أحَدٌ خَيْرًا مِنكَ فِيها، إلّا أنَّكَ إذا أرَدْتَ الإلْغاءَ، فَكُلَّما أخَّرْتَ المُلْغى كانَ أحْسَنَ، وإذا أرَدْتَ أنْ يَكُونَ مُسْتَقِرًّا، فَكُلَّما قَدَّمْتَهُ كانَ أحْسَنَ، والتَّقْدِيمُ والتَّأْخِيرُ والإلْغاءُ والِاسْتِقْرارُ عَرَبِيٌّ جَيِّدٌ كَثِيرٌ، قالَ تَعالى: ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ﴾، وقالَ الشّاعِرُ: ؎ما دامَ فِيهِنَّ فَصِيلٌ حَيًّا انْتَهى، وما نَقَلْناهُ مُلَخَّصًا، وهو بِألْفاظِ سِيبَوَيْهِ، فَأنْتَ تَرى كَلامَهُ وتَمْثِيلَهُ بِالظَّرْفِ الَّذِي يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا، ومَعْنى قَوْلِهِ: مُسْتَقِرًّا، أيْ خَبَرًا لِلْمُبْتَدَأِ ولِكانَ، فَإنْ قُلْتَ: فَقَدْ مَثَّلَ بِالآيَةِ الكَرِيمَةِ، قُلْتُ: هَذا الَّذِي أوْقَعَ مَكِّيًّا والزَّمَخْشَرِيَّ وغَيْرَهُما فِيما وقَعُوا فِيهِ، وإنَّما أرادَ سِيبَوَيْهِ أنَّ الظَّرْفَ التّامَّ وهو في قَوْلِهِ: ؎ما دامَ فِيهِنَّ فَصِيلٌ حَيًّا أجْرى فَضْلَةً لا خَبَرًا، كَما أنَّ لَهُ في الآيَةِ أجْرى فَضْلَةً، فَجَعَلَ الظَّرْفَ القابِلَ أنْ يَكُونَ خَبَرًا كالظَّرْفِ النّاقِصِ في كَوْنِهِ لَمْ يُسْتَعْمَلْ خَبَرًا، ولا يَشُكُّ مَن لَهُ ذِهْنٌ صَحِيحٌ أنَّهُ لا يَنْعَقِدُ كَلامٌ مِن قَوْلِهِ: ولَمْ يَكُنْ لَهُ أحَدٌ، بَلْ لَوْ تَأخَّرَ ”كُفُوًا“ وارْتَفَعَ عَلى الصِّفَةِ وجُعِلَ لَهُ خَبَرًا، لَمْ يَنْعَقِدْ مِنهُ كَلامٌ، بَلْ أنْتَ تَرى أنَّ النَّفْيَ لَمْ يَتَسَلَّطْ إلّا عَلى الخَبَرِ الَّذِي هو كُفُوٌ، ولَهُ مُتَعَلِّقٌ بِهِ، والمَعْنى: ولَمْ يَكُنْ لَهُ أحَدٌ مُكافِئَهُ، وقَدْ جاءَ في فَضْلِ هَذِهِ السُّورَةِ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ، ومِنها أنَّها تَعْدِلُ ثُلُثَ القُرْآنِ، وقَدْ تَكَلَّمَ العُلَماءُ عَلى ذَلِكَ، ولَيْسَ هَذا مَوْضِعَهُ، واللَّهُ المُوَفِّقُ.

الإخلاص 112:4

سُورَةُ الإخْلاصِ مَكِّيَّةٌ وهي أرْبَعُ آياتٍ ﷽ ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ ﴿لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ﴾ ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ﴾ . الصَّمَدُ: فَعَلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ مِن صَمَدَ إلَيْهِ إذا قَصَدَهُ، وهو السَّيِّدُ المَصْمُودُ إلَيْهِ في الحَوائِجِ ويَسْتَقِلُّ بِها، قالَ: ؎ألا بَكَّرَ النّاعِي بِخَيْرِ بَنِي أسَدِ بِعَمْرِو بْنِ مَسْعُودٍ بِالسَّيِّدِ الصَّمَدِ وقالَ آخَرُ: ؎عَلَوْتُهُ بِحُسامٍ ثُمَّ قُلْتُ لَهُ ∗∗∗ خُذْها خَزِيتَ فَأنْتَ السَّيِّدُ الصَّمَدُ الكُفُوُ: النَّظِيرُ. ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ ﴿لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ﴾ ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ﴾ هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ، والحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ، وعَطاءٍ، ومُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، مَدَنِيَّةٌ في قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ وأبِي العالِيَةِ والضَّحّاكِ. ولَمّا تَقَدَّمَ فِيما قَبْلَها عَداوَةُ أقْرَبِ النّاسِ إلى الرَّسُولِ ﷺ، وهو عَمُّهُ أبُو لَهَبٍ، وما كانَ يُقاسِي مِن عُبّادِ الأصْنامِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مَعَ اللَّهِ آلِهَةً، جاءَتْ هَذِهِ السُّورَةُ مُصَرِّحَةً بِالتَّوْحِيدِ، رادَّةً عَلى عُبّادِ الأوْثانِ والقائِلِينَ بِالثَّنَوِيَّةِ وبِالتَّثْلِيثِ وبِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ (p-٥٢٨)المَذاهِبِ المُخالِفَةِ لِلتَّوْحِيدِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ اليَهُودَ قالُوا: يا مُحَمَّدُ صِفْ لَنا رَبَّكَ وانْسُبْهُ، فَنَزَلَتْ، وعَنْ أبِي العالِيَةِ، قالَ قادَةُ الأحْزابِ: انْسُبْ لَنا رَبَّكَ، فَنَزَلَتْ، فَإنْ صَحَّ هَذا السَّبَبُ، كانَ هو ضَمِيرًا عائِدًا عَلى الرَّبِّ، أيْ ﴿قُلْ هو اللَّهُ﴾ أيْ رَبِّي اللَّهُ، ويَكُونُ مُبْتَدَأً وخَبَرًا، وأحَدٌ خَبَرٌ ثانٍ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وأحَدٌ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: (اللَّهُ) أوْ عَلى هو أحَدٌ. انْتَهى. وإنْ لَمْ يَصِحَّ السَّبَبُ، فَهو ضَمِيرُ الأمْرِ، والشَّأْنُ مُبْتَدَأٌ، والجُمْلَةُ بَعْدَهُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ في مَوْضِعِ خَبَرِ هو، وأحَدٌ بِمَعْنى واحِدٍ، أيْ فَرْدٌ مِن جَمِيعِ جِهاتِ الوَحْدانِيَّةِ، أيْ في ذاتِهِ وصِفاتِهِ لا يَتَجَزَّأُ، وهَمْزَةُ أحَدٍ هَذا بَدَلٌ مِن واوٍ، وإبْدالُ الهَمْزَةِ مَفْتُوحَةً مِنَ الواوِ قَلِيلٌ، مِن ذَلِكَ امْرَأةٌ أناةٌ، يُرِيدُونَ وناةً؛ لِأنَّهُ مِنَ الوَنْيِ وهو الفُتُورُ، كَما أنَّ أحَدًا مِنَ الوَحْدَةِ. وقالَ ثَعْلَبٌ: بَيْنَ واحِدٍ وأحَدٍ فَرْقٌ، الواحِدُ يَدْخُلُهُ العَدَدُ والجَمْعُ والِاثْنانِ، والأحَدُ لا يَدْخُلُهُ، يُقالُ: اللَّهُ أحَدٌ، ولا يُقالُ: زَيْدٌ أحَدٌ؛ لِأنَّ اللَّهَ خُصُوصِيَّةٌ لَهُ الأحَدُ، وزَيْدٌ تَكُونُ مِنهُ حالاتٌ. انْتَهى. وما ذَكَرَ مِن أنْ أحَدًا لا يَدْخُلُهُ ما ذُكِرَ مَنقُوضٌ بِالعَدَدِ، وقَرَأ أبانُ بْنُ عُثْمانَ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ، وابْنُ سِيرِينَ، والحَسَنُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، وأبُو السَّمّالِ، وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ يُونُسَ، ومَحْبُوبٌ، والأصْمَعِيُّ، واللُّؤْلُؤِيُّ، وعُبَيْدٌ، وهارُونُ عَنْهُ: (أحَدُ اللَّهُ) بِحَذْفِ التَّنْوِينِ لِالتِقائِهِ مَعَ لامِ التَّعْرِيفِ وهو مَوْجُودٌ في كَلامِ العَرَبِ وأكْثَرُ ما يُوجَدُ في الشِّعْرِ نَحْوَ قَوْلِهِ: ؎ولا ذاكِرا اللَّهَ إلّا قَلِيلا ونَحْوَ قَوْلِهِ: ؎عَمْرُو الَّذِي هَشَّمَ الثَّرِيدَ لِقَوْمِهِ ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، والأفْصَحُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ جُمَلًا مُسْتَقِلَّةً بِالأخْبارِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِئْنافِ، كَما تَقُولُ: زَيْدٌ العالِمُ زَيْدٌ الشُّجاعُ، وقِيلَ: الصَّمَدُ صِفَةٌ، والخَبَرُ في الجُمْلَةِ بَعْدَهُ، وتَقَدَّمَ شَرْحُ الصَّمَدِ في المُفْرَداتِ، وقالَ الشَّعْبِيُّ، ويَمانُ بْنُ رِيابٍ: هو الَّذِي لا يَأْكُلُ ولا يَشْرَبُ. وقالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ، وهو قَوْلُهُ: ﴿لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ﴾ . وقالَ الحَسَنُ: ﴿الصَّمَدُ﴾: المُصْمَتُ الَّذِي لا جَوْفَ لَهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ؎شِهابُ حُرُوبٍ لا تَزالُ جِيادُهُ ∗∗∗ عَوابِسَ يَعْلِكْنَ الشَّكِيمَ المُصْمَدا وفِي كِتابِ التَّحْرِيرِ أقْوالٌ غَيْرُ هَذِهِ لا تُساعِدُ عَلَيْها اللُّغَةُ، وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: لا خِلافَ بَيْنِ أهْلِ اللُّغَةِ أنَّ الصَّمَدَ هو السَّيِّدُ الَّذِي لَيْسَ فَوْقَهُ أحَدٌ، الَّذِي يَصْمِدُ إلَيْهِ النّاسُ في أُمُورِهِمْ وحَوائِجِهِمْ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ لِأنَّهُ لا يُجانَسُ حَتّى تَكُونَ لَهُ مِن جِنْسِهِ صاحِبَةٌ فَيَتَوالَدا، ودَلَّ عَلى هَذا المَعْنى بِقَوْلِهِ: ﴿أنّى يَكُونُ لَهُ ولَدٌ ولَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ﴾ [الأنعام: ١٠١] . ﴿ولَمْ يُولَدْ﴾ لِأنَّ كُلَّ مَوْلُودٍ مُحْدَثٌ وجِسْمٌ، وهو قَدِيمٌ لا أوَّلَ لِوُجُودِهِ، ولَيْسَ بِجِسْمٍ ولَمْ يُكافِئْهُ أحَدٌ، يُقالُ لَهُ كُفُوٌ، بِضَمِّ الكافِ وكَسْرِها وفَتْحِها مَعَ سُكُونِ الفاءِ، وبِضَمِّ الكافِ مَعَ ضَمِّ الفاءِ، وقَرَأ حَمْزَةُ وحَفْصٌ: بِضَمِّ الكافِ وإسْكانِ الفاءِ، وهَمَزَ حَمْزَةُ، وأبْدَلَها حَفْصٌ واوًا، وباقِي السَّبْعَةِ: بِضَمِّهِما والهَمْزِ، وسَهَّلَ الهَمْزَةَ الأعْرَجُ وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ ونافِعٌ، وفي رِوايَةٍ عَنْ نافِعٍ أيْضًا (كُفًا) مِن غَيْرِ هَمْزٍ، نَقَلَ حَرَكَةَ الهَمْزَةِ إلى الفاءِ وحَذَفَ الهَمْزَةَ، وقَرَأ سُلَيْمانُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبّاسٍ: (كِفاءً) بِكَسْرِ الكافِ وفَتْحِ الفاءِ والمَدِّ، كَما قالَ النّابِغَةُ: ؎لا تَقْذِفَنِّي بِرُكْنٍ لا كِفاءَ لَهُ الأعْلَمُ لا كِفاءَ لَهُ: لا مَثِيلَ لَهُ، وقالَ مَكِّيٌّ: سِيبَوَيْهِ يَخْتارُ أنْ يَكُونَ الظَّرْفُ خَبَرًا إذا قَدَّمَهُ، وقَدْ خَطَّأهُ المُبَرِّدُ بِهَذِهِ الآيَةِ، لِأنَّهُ قَدَّمَ الظَّرْفَ ولَمْ يَجْعَلْهُ خَبَرًا، والجَوابُ أنَّ سِيبَوَيْهِ لَمْ يَمْنَعْ إلْغاءَ الظَّرْفِ إذا تَقَدَّمَ، إنَّما أجازَ أنْ يَكُونَ خَبَرًا وأنْ لا يَكُونَ خَبَرًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ النَّكِرَةِ، وهي أحَدٌ لَمّا تَقَدَّمَ نَعْتُها عَلَيْها نُصِبَ عَلى الحالِ، فَيَكُونُ لَهُ الخَبَرُ عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ واخْتِيارِهِ، ولا يَكُونُ لِلْمُبَرِّدِ حُجَّةٌ عَلى هَذا القَوْلِ. انْتَهى. وخَرَّجَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ أيْضًا عَلى الحالِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: الكَلامُ العَرَبِيُّ الفَصِيحُ أنْ يُؤَخَّرَ الظَّرْفُ الَّذِي هو لَغْوٌ غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ ولا يُقَدَّمُ، وقَدْ نَصَّ سِيبَوَيْهِ عَلى ذَلِكَ في كِتابِهِ، فَما بالُهُ مُقَدَّمًا في أفْصَحِ الكَلامِ وأعْرَبِهِ ؟ قُلْتُ: هَذا (p-٥٢٩)الكَلامُ إنَّما سِيقَ لِنَفْيِ المُكافَأةِ عَنْ ذاتِ البارِي سُبْحانَهُ وتَعالى، وهَذا المَعْنى مَصَبُّهُ ومَرْكَزُهُ هو هَذا الظَّرْفُ، فَكانَ لِذَلِكَ أهَمُّ شَيْءٍ وأعْناهُ وأحَقُّهُ بِالتَّقْدِيمِ وأحْراهُ. انْتَهى. وهَذِهِ الجُمْلَةُ لَيْسَتْ مِن هَذا البابِ، وذَلِكَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ﴾ لَيْسَ الجارُّ والمَجْرُورُ فِيهِ تامًّا، إنَّما هو ناقِصٌ لا يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا لِكانَ، بَلْ هو مُتَعَلِّقٌ بِ ﴿كُفُوًا﴾ وقُدِّمَ عَلَيْهِ، فالتَّقْدِيرُ: ولَمْ يَكُنْ أحَدٌ كُفُوًا لَهُ، أيْ مُكافِئَهُ، فَهو في مَعْنى المَفْعُولِ مُتَعَلِّقٌ بِكُفُوًا، وتَقَدَّمَ عَلى كُفُوًا لِلِاهْتِمامِ بِهِ، إذْ فِيهِ ضَمِيرُ البارِي تَعالى، وتَوَسَّطَ الخَبَرُ، وإنْ كانَ الأصْلُ التَّأخُّرَ؛ لِأنَّ تَأخُّرَ الِاسْمِ هو فاصِلَةٌ فَحَسُنَ ذَلِكَ، وعَلى هَذا الَّذِي قَرَّرْناهُ يَبْطُلُ إعْرابُ مَكِّيٍّ وغَيْرِهِ أنَّ لَهُ الخَبَرَ وكُفُوًا حالٌ مِن أحَدٍ؛ لِأنَّهُ ظَرْفٌ ناقِصٌ لا يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا، وبِذَلِكَ يَبْطُلُ سُؤالُ الزَّمَخْشَرِيِّ وجَوابُهُ. وسِيبَوَيْهِ إنَّما تَكَلَّمَ في هَذا الظَّرْفِ الَّذِي يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا، ويَصْلُحُ أنْ يَكُونَ غَيْرَ خَبَرٍ، قالَ سِيبَوَيْهِ: وتَقُولُ: ما كانَ فِيها أحَدٌ خَيْرًا مِنكَ، وما كانَ أحَدٌ مِثْلَكَ فِيها، ولَيْسَ أحَدٌ فِيها خَيْرٌ مِنكَ، إذا جَعَلْتَ فِيها مُسْتَقِرًّا ولَمْ تَجْعَلْهُ عَلى قَوْلِكَ: فِيها زَيْدٌ قائِمٌ، أُجْرِيَتِ الصِّفَةُ عَلى الِاسْمِ، فَإنْ جَعَلْتَهُ عَلى: فِيها زَيْدٌ قائِمٌ، نَصَبْتَ فَتَقُولُ: ما كانَ فِيها أحَدٌ خَيْرًا مِنكَ، وما كانَ أحَدٌ خَيْرًا مِنكَ فِيها، إلّا أنَّكَ إذا أرَدْتَ الإلْغاءَ، فَكُلَّما أخَّرْتَ المُلْغى كانَ أحْسَنَ، وإذا أرَدْتَ أنْ يَكُونَ مُسْتَقِرًّا، فَكُلَّما قَدَّمْتَهُ كانَ أحْسَنَ، والتَّقْدِيمُ والتَّأْخِيرُ والإلْغاءُ والِاسْتِقْرارُ عَرَبِيٌّ جَيِّدٌ كَثِيرٌ، قالَ تَعالى: ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ﴾، وقالَ الشّاعِرُ: ؎ما دامَ فِيهِنَّ فَصِيلٌ حَيًّا انْتَهى، وما نَقَلْناهُ مُلَخَّصًا، وهو بِألْفاظِ سِيبَوَيْهِ، فَأنْتَ تَرى كَلامَهُ وتَمْثِيلَهُ بِالظَّرْفِ الَّذِي يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا، ومَعْنى قَوْلِهِ: مُسْتَقِرًّا، أيْ خَبَرًا لِلْمُبْتَدَأِ ولِكانَ، فَإنْ قُلْتَ: فَقَدْ مَثَّلَ بِالآيَةِ الكَرِيمَةِ، قُلْتُ: هَذا الَّذِي أوْقَعَ مَكِّيًّا والزَّمَخْشَرِيَّ وغَيْرَهُما فِيما وقَعُوا فِيهِ، وإنَّما أرادَ سِيبَوَيْهِ أنَّ الظَّرْفَ التّامَّ وهو في قَوْلِهِ: ؎ما دامَ فِيهِنَّ فَصِيلٌ حَيًّا أجْرى فَضْلَةً لا خَبَرًا، كَما أنَّ لَهُ في الآيَةِ أجْرى فَضْلَةً، فَجَعَلَ الظَّرْفَ القابِلَ أنْ يَكُونَ خَبَرًا كالظَّرْفِ النّاقِصِ في كَوْنِهِ لَمْ يُسْتَعْمَلْ خَبَرًا، ولا يَشُكُّ مَن لَهُ ذِهْنٌ صَحِيحٌ أنَّهُ لا يَنْعَقِدُ كَلامٌ مِن قَوْلِهِ: ولَمْ يَكُنْ لَهُ أحَدٌ، بَلْ لَوْ تَأخَّرَ ”كُفُوًا“ وارْتَفَعَ عَلى الصِّفَةِ وجُعِلَ لَهُ خَبَرًا، لَمْ يَنْعَقِدْ مِنهُ كَلامٌ، بَلْ أنْتَ تَرى أنَّ النَّفْيَ لَمْ يَتَسَلَّطْ إلّا عَلى الخَبَرِ الَّذِي هو كُفُوٌ، ولَهُ مُتَعَلِّقٌ بِهِ، والمَعْنى: ولَمْ يَكُنْ لَهُ أحَدٌ مُكافِئَهُ، وقَدْ جاءَ في فَضْلِ هَذِهِ السُّورَةِ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ، ومِنها أنَّها تَعْدِلُ ثُلُثَ القُرْآنِ، وقَدْ تَكَلَّمَ العُلَماءُ عَلى ذَلِكَ، ولَيْسَ هَذا مَوْضِعَهُ، واللَّهُ المُوَفِّقُ.

الفلق 113:1

سُورَةُ الفَلَقِ مَكِّيَّةٌ وهي خَمْسُ آياتٍ ﷽ ﴿قُلْ أعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ﴾ ﴿مِن شَرِّ ما خَلَقَ﴾ ﴿ومِن شَرِّ غاسِقٍ إذا وقَبَ﴾ ﴿ومِن شَرِّ النَّفّاثاتِ في العُقَدِ﴾ ﴿ومِن شَرِّ حاسِدٍ إذا حَسَدَ﴾ الفَلَقُ: فَعَلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، وتَأْتِي أقْوالُ أهْلِ التَّفْسِيرِ فِيهِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وقَبَ اللَّيْلُ: أظْلَمَ، والشَّمْسُ: غابَتْ، والعَذابُ: حَلَّ، قالَ الشّاعِرُ: ؎وقَبَ العَذابُ عَلَيْهِمْ فَكَأنَّهم لَحِقَتْهم نارُ السَّمُومِ فَأُحْصِدُوا (p-٥٣٠)النَّفْثُ: شِبْهُ النَّفْخِ دُونَ تَفْلٍ بِرِيقٍ، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقِيلَ: نَفْخٌ بِرِيقٍ مَعَهُ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: شِبْهُ النَّفْخِ مِنَ الفَمِ في الرَّقَبَةِ ولا رِيقَ مَعَهُ، فَإذا كانَ بِرِيقٍ فَهو التَّفْلُ، قالَ الشّاعِرُ: ؎فَإنْ أبْرَأْ فَلَمْ أنْفِثْ عَلَيْهِ ∗∗∗ وإنْ يُفْقَدْ فَحَقَّ لَهُ الفُقُودُ ﴿قُلْ أعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ﴾ ﴿مِن شَرِّ ما خَلَقَ﴾ ﴿ومِن شَرِّ غاسِقٍ إذا وقَبَ﴾ ﴿ومِن شَرِّ النَّفّاثاتِ في العُقَدِ﴾ ﴿ومِن شَرِّ حاسِدٍ إذا حَسَدَ﴾ . هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الحَسَنِ وعَطاءٍ وعِكْرِمَةَ وجابِرٍ، ورِوايَةُ كُرَيْبٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَدَنِيَّةٌ، في قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ في رِوايَةِ صالِحٍ وقَتادَةَ وجَماعَةٍ، قِيلَ: وهو الصَّحِيحُ، وسَبَبُ نُزُولِ المُعَوِّذَتَيْنِ قِصَّةُ سَحْرِ لَبِيدِ بْنِ الأعْصَمِ اليَهُودِيِّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، وهو جُفٌّ، والجُفُّ قِشْرُ الطَّلْعِ فِيهِ مُشاطَةُ رَأْسِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وأسْنانُ مُشْطِهِ، ووَتَرٌ مَعْقُودٌ فِيهِ إحْدى عَشْرَةَ عُقْدَةً مَغْرُوزٌ بِالإبَرِ، فَأُنْزِلَتْ عَلَيْهِ المُعَوِّذَتانِ، فَجَعَلَ كُلَّما قَرَأ آيَةً انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، ووَجَدَ في نَفْسِهِ خِفَّةً حَتّى انْحَلَّتِ العُقْدَةُ الأخِيرَةُ، فَقامَ فَكَأنَّما نُشِطَ مِن عِقالٍ، ولَمّا شَرَحَ أمْرَ الإلَهِيَّةِ في السُّورَةِ قَبْلَها، شَرَحَ ما يُسْتَعاذُ مِنهُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّرِّ الَّذِي في العالَمِ ومَراتِبِ مَخْلُوقاتِهِ، والفَلَقُ: الصُّبْحُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وجابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ وابْنُ جُبَيْرٍ والقُرْطُبِيُّ وابْنُ زَيْدٍ، وفي المَثَلِ: هو أبْيَنُ مِن فَلَقِ الصُّبْحِ ومِن فَرَقِ الصُّبْحِ، وقالَ الشّاعِرُ: ؎يا لَيْلَةً لَمْ أنَمْها بِتُّ مُرْتَقِبًا ∗∗∗ أرْعى النُّجُومَ إلى أنْ قُدِّرَ الفَلَقُ وقالَ الشّاعِرُ يَصِفُ الثَّوْرَ الوَحْشِيَّ: ؎حَتّى إذا ما انْجَلى عَنْ وجْهِهِ فَلَقٌ ∗∗∗ هادِيهِ في أُخْرَياتِ اللَّيْلِ مُنْتَصِبُ وقِيلَ: الفَلَقُ: كُلُّ ما يَفْلِقُهُ اللَّهُ تَعالى، كالأرْضِ والنَّباتِ والجِبالِ عَنِ العُيُونِ، والسَّحابِ عَنِ المَطَرِ، والأرْحامِ عَنِ الأوْلادِ، والحَبِّ والنَّوى وغَيْرِ ذَلِكَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا وجَماعَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ: الفَلَقُ: جُبٌّ في جَهَنَّمَ، ورَواهُ أبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وقالُوا: لِما اطْمَأنَّ مِنَ الأرْضِ الفَلَقُ، وجَمْعُهُ فُلْقانٌ، وقِيلَ: وادٍ في جَهَنَّمَ. وقالَ بَعْضُ الصَّحابَةِ: بَيْتٌ في جَهَنَّمَ، إذا فُتِحَ صاحَ جَمِيعُ أهْلِ النّارِ مِن شِدَّةِ حَرِّهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿مِن شَرِّ ما خَلَقَ﴾ بِإضافَةِ شَرٍّ إلى ما، وما عامٌّ يَدْخُلُ فِيهِ جَمِيعُ مَن يُوجَدُ مِنهُ الشَّرُّ مِن حَيَوانٍ مُكَلَّفٍ وغَيْرِ مُكَلَّفٍ وجَمادٍ، كالإحْراقِ بِالنّارِ، والإغْراقِ بِالبَحْرِ، والقَتْلِ بِالسُّمِّ، وقَرَأ عَمْرُو بْنُ فايِدٍ: (مِن شَرٍّ) بِالتَّنْوِينِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَرَأ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ، وبَعْضُ المُعْتَزِلَةِ القائِلِينَ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَخْلُقِ الشَّرَّ: (مِن شَرٍّ) بِالتَّنْوِينِ، ما خَلَقَ عَلى النَّفْيِ، وهي قِراءَةٌ مَرْدُودَةٌ مَبْنِيَّةٌ عَلى مَذْهَبٍ باطِلٍ، اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ، ولِهَذِهِ القِراءَةِ وجْهٌ غَيْرُ النَّفْيِ، فَلا يَنْبَغِي أنْ تُرَدَّ، وهو أنْ يَكُونَ (ما خَلَقَ) بَدَلًا مِن (شَرٍّ) عَلى تَقْدِيرِ مَحْذُوفٍ، أيْ مِن شَرٍّ شَرِّ ما خَلَقَ، فَحُذِفَ لِدَلالَةِ شَرٍّ الأوَّلِ عَلَيْهِ، أطْلَقَ أوَّلًا ثُمَّ عَمَّ ثانِيًا. والغاسِقُ: اللَّيْلُ، ووَقَبَ: أظْلَمَ ودَخَلَ عَلى النّاسِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ ومُجاهِدٌ، وزَمَّكَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ عَلى عادَتِهِ فَقالَ: والغاسِقُ: اللَّيْلُ إذا اعْتَكَرَ ظَلامُهُ، مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ [الإسراء: ٧٨] ومِنهُ: غَسَقَتِ العَيْنُ: امْتَلَأتْ دَمْعًا، وغَسَقَتِ الجِراحَةُ: امْتَلَأتْ دَمًا، ووُقُوبُهُ: دُخُولُ ظَلامِهِ في كُلِّ شَيْءٍ. انْتَهى. وقالَ الزَّجّاجُ: هو اللَّيْلُ؛ لِأنَّهُ أبْرَدُ مِنَ النَّهارِ، والغاسِقُ: البارِدُ، اسْتُعِيذَ مِن شَرِّهِ لِأنَّهُ فِيهِ تَنْبَثُّ الشَّياطِينُ والهَوامُّ والحَشَراتُ وأهْلُ الفَتْكِ، قالَ الشّاعِرُ:(p-٥٣١) ؎يا طَيْفَ هِنْدٍ لَقَدْ أبْقَيْتَ لِي أرَقا ∗∗∗ إذْ جِئْتَنا طارِقًا واللَّيْلُ قَدْ غَسَقا وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: النَّهارُ دَخَلَ في اللَّيْلِ، وقالَ ابْنُ شِهابٍ: المُرادُ بِالغاسِقِ: الشَّمْسُ إذا غَرَبَتْ. وقالَ القُتَبِيُّ وغَيْرُهُ: هو القَمَرُ إذا دَخَلَ في ساهُورِهِ فَخُسِفَ. وفي الحَدِيثِ: (نَظَرَ ﷺ إلى القَمَرِ فَقالَ: يا عائِشَةُ، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِن هَذا، فَإنَّهُ الغاسِقُ إذا وقَبَ) . وعَنْهُ ﷺ: (الغاسِقُ النَّجْمُ) . وقالَ ابْنُ زَيْدٍ عَنِ العَرَبِ: الغاسِقُ: الثُّرَيّا إذا سَقَطَتْ، وكانَتِ الأسْقامُ والطّاعُونُ تَهِيجُ عِنْدَ ذَلِكَ، وقِيلَ: الحَيَّةُ إذا لَدَغَتْ، والغاسِقُ سُمُّ نابِها لِأنَّهُ يَسِيلُ مِنهُ، والنَّفّاثاتُ: النِّساءُ، أوِ النُّفُوسُ، أوِ الجَماعاتُ السَّواحِرُ، يَعْقِدْنَ عُقَدًا في خُيُوطٍ ويَنْفُثْنَ عَلَيْها ويَرْقِينَ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (النَّفّاثاتِ)، والحَسَنُ: بِضَمِّ النُّونِ، وابْنُ عُمَرَ والحَسَنُ أيْضًا وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ القاسِمِ، ويَعْقُوبُ في رِوايَةٍ (النّافِثاتِ)، والحَسَنُ أيْضًا وأبُو الرَّبِيعِ: (النَّفَّثاتُ) بِغَيْرِ ألِفٍ، نَحْوَ (الخَدَّراتِ)، والِاسْتِعاذَةُ مِن شَرِّهِنَّ هو ما يُصِيبُ اللَّهُ تَعالى بِهِ مِنَ الشَّرِّ عِنْدَ فِعْلِهِنَّ ذَلِكَ. وسَبَبُ نُزُولِ هاتَيْنِ المُعَوِّذَتَيْنِ يَنْفِي ما تَأوَّلَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِن قَوْلِهِ: ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ النِّساءُ ذاتُ الكِياداتِ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ [يوسف: ٢٨] تَشْبِيهًا لِكَيْدِهِنَّ بِالسِّحْرِ والنَّفْثِ في العُقَدِ، أوِ اللّاتِي يَفْتِنَّ الرِّجالَ بِتَعَرُّضِهِنَّ لَهم، وعَرْضِهِنَّ مَحاسِنَهُنَّ، كَأنَّهُنَّ يَسْحَرْنَهم بِذَلِكَ. انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا النَّفْثُ هو عَلى عُقَدٍ تُعْقَدُ في خُيُوطٍ ونَحْوِها عَلى اسْمِ المَسْحُورِ فَيُؤْذى بِذَلِكَ، وهَذا الشَّأْنُ في زَمانِنا مَوْجُودٌ شائِعٌ في صَحْراءِ المَغْرِبِ، وحَدَّثَنِي ثِقَةٌ أنَّهُ رَأى عِنْدَ بَعْضِهِمْ خَيْطًا أحْمَرَ قَدْ عُقِدَتْ فِيهِ عُقَدٌ عَلى فُصْلانٍ، فَمُنِعَتْ مِن رِضاعِ أُمَّهاتِها بِذَلِكَ، فَكانَ إذا حَلَّ عُقْدَةً جَرى ذَلِكَ الفَصِيلُ إلى أُمِّهِ في الحِينِ فَرَضَعَ. انْتَهى. وقِيلَ: الغاسِقُ الحاسِدُ بِالطَّرْفِ؛ لِأنَّهُ إذا لَمْ يَدْخُلِ اللَّيْلُ لا يَكُونُ مَنسُوبًا إلَيْهِ، وكَذا كُلُّ ما فُسِّرَ بِهِ الغاسِقُ، وكَذَلِكَ الحاسِدُ، لا يُؤَثِّرُ حَسَدُهُ إذا أظْهَرَهُ بِأنْ يَحْتالَ لِلْمَحْسُودِ فِيما يُؤْذِيهِ، أمّا إذا لَمْ يَظْهَرِ الحَسَدُ، فَإنَّما يَتَأذّى بِهِ هو لا المَحْسُودُ، لِاغْتِمامِهِ بِنِعْمَةِ غَيْرِهِ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِشَرِّ الحاسِدِ إثْمُهُ وسَماجَةُ حالِهِ في وقْتِ حَسَدِهِ وإظْهارِ أثَرِهِ. انْتَهى. وعَمَّ أوَّلًا فَقالَ: ﴿مِن شَرِّ ما خَلَقَ﴾ ثُمَّ خَصَّ هَذِهِ لِخَفاءِ شَرِّها، إذْ يَجِيءُ مِن حَيْثُ لا يُعْلَمُ، وقالُوا: شَرُّ العُداةِ المَراجِي بِكَيْدِكَ مِن حَيْثُ لا تَشْعُرُ، ونَكَّرَ (غاسِقٍ، وحاسِدٍ) وعَرَّفَ (النَّفّاثاتِ)؛ لِأنَّ كُلَّ نَفّاثَةٍ شِرِّيرَةٌ، وكُلَّ غاسِقٍ لا يَكُونُ فِيهِ الشَّرُّ إنَّما يَكُونُ في بَعْضٍ دُونَ بَعْضٍ، وكَذَلِكَ كُلُّ حاسِدٍ لا يَضُرُّ، ورُبَّ حَسَدٍ مَحْمُودٌ، وهو الحَسَدُ في الخَيْراتِ، ومِنهُ: لا حَسَدَ إلّا في اثْنَتَيْنِ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي تَمّامٍ: ؎وما حاسِدٌ في المَكْرُماتِ بِحاسِدِ وقالَ آخَرُ: ؎إنَّ العُلا حَسُنَ في مِثْلِها الحَسَدُ وقَوْلُ المَنظُورِ إلَيْهِ لِلْحاسِدِ، إذا نَظَرَ الخَمْسُ عَلى عَيْنَيْكَ يَعْنِي بِهِ هَذِهِ السُّورَةَ، لِأنَّها خَمْسُ آياتٍ، وعَيْنُ الحاسِدِ في الغالِبِ واقِعَةٌ نَعُوذُ بِاللَّهِ مِن شَرِّها.

الفلق 113:2

سُورَةُ الفَلَقِ مَكِّيَّةٌ وهي خَمْسُ آياتٍ ﷽ ﴿قُلْ أعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ﴾ ﴿مِن شَرِّ ما خَلَقَ﴾ ﴿ومِن شَرِّ غاسِقٍ إذا وقَبَ﴾ ﴿ومِن شَرِّ النَّفّاثاتِ في العُقَدِ﴾ ﴿ومِن شَرِّ حاسِدٍ إذا حَسَدَ﴾ الفَلَقُ: فَعَلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، وتَأْتِي أقْوالُ أهْلِ التَّفْسِيرِ فِيهِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وقَبَ اللَّيْلُ: أظْلَمَ، والشَّمْسُ: غابَتْ، والعَذابُ: حَلَّ، قالَ الشّاعِرُ: ؎وقَبَ العَذابُ عَلَيْهِمْ فَكَأنَّهم لَحِقَتْهم نارُ السَّمُومِ فَأُحْصِدُوا (p-٥٣٠)النَّفْثُ: شِبْهُ النَّفْخِ دُونَ تَفْلٍ بِرِيقٍ، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقِيلَ: نَفْخٌ بِرِيقٍ مَعَهُ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: شِبْهُ النَّفْخِ مِنَ الفَمِ في الرَّقَبَةِ ولا رِيقَ مَعَهُ، فَإذا كانَ بِرِيقٍ فَهو التَّفْلُ، قالَ الشّاعِرُ: ؎فَإنْ أبْرَأْ فَلَمْ أنْفِثْ عَلَيْهِ ∗∗∗ وإنْ يُفْقَدْ فَحَقَّ لَهُ الفُقُودُ ﴿قُلْ أعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ﴾ ﴿مِن شَرِّ ما خَلَقَ﴾ ﴿ومِن شَرِّ غاسِقٍ إذا وقَبَ﴾ ﴿ومِن شَرِّ النَّفّاثاتِ في العُقَدِ﴾ ﴿ومِن شَرِّ حاسِدٍ إذا حَسَدَ﴾ . هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الحَسَنِ وعَطاءٍ وعِكْرِمَةَ وجابِرٍ، ورِوايَةُ كُرَيْبٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَدَنِيَّةٌ، في قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ في رِوايَةِ صالِحٍ وقَتادَةَ وجَماعَةٍ، قِيلَ: وهو الصَّحِيحُ، وسَبَبُ نُزُولِ المُعَوِّذَتَيْنِ قِصَّةُ سَحْرِ لَبِيدِ بْنِ الأعْصَمِ اليَهُودِيِّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، وهو جُفٌّ، والجُفُّ قِشْرُ الطَّلْعِ فِيهِ مُشاطَةُ رَأْسِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وأسْنانُ مُشْطِهِ، ووَتَرٌ مَعْقُودٌ فِيهِ إحْدى عَشْرَةَ عُقْدَةً مَغْرُوزٌ بِالإبَرِ، فَأُنْزِلَتْ عَلَيْهِ المُعَوِّذَتانِ، فَجَعَلَ كُلَّما قَرَأ آيَةً انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، ووَجَدَ في نَفْسِهِ خِفَّةً حَتّى انْحَلَّتِ العُقْدَةُ الأخِيرَةُ، فَقامَ فَكَأنَّما نُشِطَ مِن عِقالٍ، ولَمّا شَرَحَ أمْرَ الإلَهِيَّةِ في السُّورَةِ قَبْلَها، شَرَحَ ما يُسْتَعاذُ مِنهُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّرِّ الَّذِي في العالَمِ ومَراتِبِ مَخْلُوقاتِهِ، والفَلَقُ: الصُّبْحُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وجابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ وابْنُ جُبَيْرٍ والقُرْطُبِيُّ وابْنُ زَيْدٍ، وفي المَثَلِ: هو أبْيَنُ مِن فَلَقِ الصُّبْحِ ومِن فَرَقِ الصُّبْحِ، وقالَ الشّاعِرُ: ؎يا لَيْلَةً لَمْ أنَمْها بِتُّ مُرْتَقِبًا ∗∗∗ أرْعى النُّجُومَ إلى أنْ قُدِّرَ الفَلَقُ وقالَ الشّاعِرُ يَصِفُ الثَّوْرَ الوَحْشِيَّ: ؎حَتّى إذا ما انْجَلى عَنْ وجْهِهِ فَلَقٌ ∗∗∗ هادِيهِ في أُخْرَياتِ اللَّيْلِ مُنْتَصِبُ وقِيلَ: الفَلَقُ: كُلُّ ما يَفْلِقُهُ اللَّهُ تَعالى، كالأرْضِ والنَّباتِ والجِبالِ عَنِ العُيُونِ، والسَّحابِ عَنِ المَطَرِ، والأرْحامِ عَنِ الأوْلادِ، والحَبِّ والنَّوى وغَيْرِ ذَلِكَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا وجَماعَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ: الفَلَقُ: جُبٌّ في جَهَنَّمَ، ورَواهُ أبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وقالُوا: لِما اطْمَأنَّ مِنَ الأرْضِ الفَلَقُ، وجَمْعُهُ فُلْقانٌ، وقِيلَ: وادٍ في جَهَنَّمَ. وقالَ بَعْضُ الصَّحابَةِ: بَيْتٌ في جَهَنَّمَ، إذا فُتِحَ صاحَ جَمِيعُ أهْلِ النّارِ مِن شِدَّةِ حَرِّهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿مِن شَرِّ ما خَلَقَ﴾ بِإضافَةِ شَرٍّ إلى ما، وما عامٌّ يَدْخُلُ فِيهِ جَمِيعُ مَن يُوجَدُ مِنهُ الشَّرُّ مِن حَيَوانٍ مُكَلَّفٍ وغَيْرِ مُكَلَّفٍ وجَمادٍ، كالإحْراقِ بِالنّارِ، والإغْراقِ بِالبَحْرِ، والقَتْلِ بِالسُّمِّ، وقَرَأ عَمْرُو بْنُ فايِدٍ: (مِن شَرٍّ) بِالتَّنْوِينِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَرَأ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ، وبَعْضُ المُعْتَزِلَةِ القائِلِينَ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَخْلُقِ الشَّرَّ: (مِن شَرٍّ) بِالتَّنْوِينِ، ما خَلَقَ عَلى النَّفْيِ، وهي قِراءَةٌ مَرْدُودَةٌ مَبْنِيَّةٌ عَلى مَذْهَبٍ باطِلٍ، اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ، ولِهَذِهِ القِراءَةِ وجْهٌ غَيْرُ النَّفْيِ، فَلا يَنْبَغِي أنْ تُرَدَّ، وهو أنْ يَكُونَ (ما خَلَقَ) بَدَلًا مِن (شَرٍّ) عَلى تَقْدِيرِ مَحْذُوفٍ، أيْ مِن شَرٍّ شَرِّ ما خَلَقَ، فَحُذِفَ لِدَلالَةِ شَرٍّ الأوَّلِ عَلَيْهِ، أطْلَقَ أوَّلًا ثُمَّ عَمَّ ثانِيًا. والغاسِقُ: اللَّيْلُ، ووَقَبَ: أظْلَمَ ودَخَلَ عَلى النّاسِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ ومُجاهِدٌ، وزَمَّكَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ عَلى عادَتِهِ فَقالَ: والغاسِقُ: اللَّيْلُ إذا اعْتَكَرَ ظَلامُهُ، مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ [الإسراء: ٧٨] ومِنهُ: غَسَقَتِ العَيْنُ: امْتَلَأتْ دَمْعًا، وغَسَقَتِ الجِراحَةُ: امْتَلَأتْ دَمًا، ووُقُوبُهُ: دُخُولُ ظَلامِهِ في كُلِّ شَيْءٍ. انْتَهى. وقالَ الزَّجّاجُ: هو اللَّيْلُ؛ لِأنَّهُ أبْرَدُ مِنَ النَّهارِ، والغاسِقُ: البارِدُ، اسْتُعِيذَ مِن شَرِّهِ لِأنَّهُ فِيهِ تَنْبَثُّ الشَّياطِينُ والهَوامُّ والحَشَراتُ وأهْلُ الفَتْكِ، قالَ الشّاعِرُ:(p-٥٣١) ؎يا طَيْفَ هِنْدٍ لَقَدْ أبْقَيْتَ لِي أرَقا ∗∗∗ إذْ جِئْتَنا طارِقًا واللَّيْلُ قَدْ غَسَقا وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: النَّهارُ دَخَلَ في اللَّيْلِ، وقالَ ابْنُ شِهابٍ: المُرادُ بِالغاسِقِ: الشَّمْسُ إذا غَرَبَتْ. وقالَ القُتَبِيُّ وغَيْرُهُ: هو القَمَرُ إذا دَخَلَ في ساهُورِهِ فَخُسِفَ. وفي الحَدِيثِ: (نَظَرَ ﷺ إلى القَمَرِ فَقالَ: يا عائِشَةُ، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِن هَذا، فَإنَّهُ الغاسِقُ إذا وقَبَ) . وعَنْهُ ﷺ: (الغاسِقُ النَّجْمُ) . وقالَ ابْنُ زَيْدٍ عَنِ العَرَبِ: الغاسِقُ: الثُّرَيّا إذا سَقَطَتْ، وكانَتِ الأسْقامُ والطّاعُونُ تَهِيجُ عِنْدَ ذَلِكَ، وقِيلَ: الحَيَّةُ إذا لَدَغَتْ، والغاسِقُ سُمُّ نابِها لِأنَّهُ يَسِيلُ مِنهُ، والنَّفّاثاتُ: النِّساءُ، أوِ النُّفُوسُ، أوِ الجَماعاتُ السَّواحِرُ، يَعْقِدْنَ عُقَدًا في خُيُوطٍ ويَنْفُثْنَ عَلَيْها ويَرْقِينَ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (النَّفّاثاتِ)، والحَسَنُ: بِضَمِّ النُّونِ، وابْنُ عُمَرَ والحَسَنُ أيْضًا وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ القاسِمِ، ويَعْقُوبُ في رِوايَةٍ (النّافِثاتِ)، والحَسَنُ أيْضًا وأبُو الرَّبِيعِ: (النَّفَّثاتُ) بِغَيْرِ ألِفٍ، نَحْوَ (الخَدَّراتِ)، والِاسْتِعاذَةُ مِن شَرِّهِنَّ هو ما يُصِيبُ اللَّهُ تَعالى بِهِ مِنَ الشَّرِّ عِنْدَ فِعْلِهِنَّ ذَلِكَ. وسَبَبُ نُزُولِ هاتَيْنِ المُعَوِّذَتَيْنِ يَنْفِي ما تَأوَّلَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِن قَوْلِهِ: ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ النِّساءُ ذاتُ الكِياداتِ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ [يوسف: ٢٨] تَشْبِيهًا لِكَيْدِهِنَّ بِالسِّحْرِ والنَّفْثِ في العُقَدِ، أوِ اللّاتِي يَفْتِنَّ الرِّجالَ بِتَعَرُّضِهِنَّ لَهم، وعَرْضِهِنَّ مَحاسِنَهُنَّ، كَأنَّهُنَّ يَسْحَرْنَهم بِذَلِكَ. انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا النَّفْثُ هو عَلى عُقَدٍ تُعْقَدُ في خُيُوطٍ ونَحْوِها عَلى اسْمِ المَسْحُورِ فَيُؤْذى بِذَلِكَ، وهَذا الشَّأْنُ في زَمانِنا مَوْجُودٌ شائِعٌ في صَحْراءِ المَغْرِبِ، وحَدَّثَنِي ثِقَةٌ أنَّهُ رَأى عِنْدَ بَعْضِهِمْ خَيْطًا أحْمَرَ قَدْ عُقِدَتْ فِيهِ عُقَدٌ عَلى فُصْلانٍ، فَمُنِعَتْ مِن رِضاعِ أُمَّهاتِها بِذَلِكَ، فَكانَ إذا حَلَّ عُقْدَةً جَرى ذَلِكَ الفَصِيلُ إلى أُمِّهِ في الحِينِ فَرَضَعَ. انْتَهى. وقِيلَ: الغاسِقُ الحاسِدُ بِالطَّرْفِ؛ لِأنَّهُ إذا لَمْ يَدْخُلِ اللَّيْلُ لا يَكُونُ مَنسُوبًا إلَيْهِ، وكَذا كُلُّ ما فُسِّرَ بِهِ الغاسِقُ، وكَذَلِكَ الحاسِدُ، لا يُؤَثِّرُ حَسَدُهُ إذا أظْهَرَهُ بِأنْ يَحْتالَ لِلْمَحْسُودِ فِيما يُؤْذِيهِ، أمّا إذا لَمْ يَظْهَرِ الحَسَدُ، فَإنَّما يَتَأذّى بِهِ هو لا المَحْسُودُ، لِاغْتِمامِهِ بِنِعْمَةِ غَيْرِهِ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِشَرِّ الحاسِدِ إثْمُهُ وسَماجَةُ حالِهِ في وقْتِ حَسَدِهِ وإظْهارِ أثَرِهِ. انْتَهى. وعَمَّ أوَّلًا فَقالَ: ﴿مِن شَرِّ ما خَلَقَ﴾ ثُمَّ خَصَّ هَذِهِ لِخَفاءِ شَرِّها، إذْ يَجِيءُ مِن حَيْثُ لا يُعْلَمُ، وقالُوا: شَرُّ العُداةِ المَراجِي بِكَيْدِكَ مِن حَيْثُ لا تَشْعُرُ، ونَكَّرَ (غاسِقٍ، وحاسِدٍ) وعَرَّفَ (النَّفّاثاتِ)؛ لِأنَّ كُلَّ نَفّاثَةٍ شِرِّيرَةٌ، وكُلَّ غاسِقٍ لا يَكُونُ فِيهِ الشَّرُّ إنَّما يَكُونُ في بَعْضٍ دُونَ بَعْضٍ، وكَذَلِكَ كُلُّ حاسِدٍ لا يَضُرُّ، ورُبَّ حَسَدٍ مَحْمُودٌ، وهو الحَسَدُ في الخَيْراتِ، ومِنهُ: لا حَسَدَ إلّا في اثْنَتَيْنِ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي تَمّامٍ: ؎وما حاسِدٌ في المَكْرُماتِ بِحاسِدِ وقالَ آخَرُ: ؎إنَّ العُلا حَسُنَ في مِثْلِها الحَسَدُ وقَوْلُ المَنظُورِ إلَيْهِ لِلْحاسِدِ، إذا نَظَرَ الخَمْسُ عَلى عَيْنَيْكَ يَعْنِي بِهِ هَذِهِ السُّورَةَ، لِأنَّها خَمْسُ آياتٍ، وعَيْنُ الحاسِدِ في الغالِبِ واقِعَةٌ نَعُوذُ بِاللَّهِ مِن شَرِّها.

الفلق 113:3

سُورَةُ الفَلَقِ مَكِّيَّةٌ وهي خَمْسُ آياتٍ ﷽ ﴿قُلْ أعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ﴾ ﴿مِن شَرِّ ما خَلَقَ﴾ ﴿ومِن شَرِّ غاسِقٍ إذا وقَبَ﴾ ﴿ومِن شَرِّ النَّفّاثاتِ في العُقَدِ﴾ ﴿ومِن شَرِّ حاسِدٍ إذا حَسَدَ﴾ الفَلَقُ: فَعَلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، وتَأْتِي أقْوالُ أهْلِ التَّفْسِيرِ فِيهِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وقَبَ اللَّيْلُ: أظْلَمَ، والشَّمْسُ: غابَتْ، والعَذابُ: حَلَّ، قالَ الشّاعِرُ: ؎وقَبَ العَذابُ عَلَيْهِمْ فَكَأنَّهم لَحِقَتْهم نارُ السَّمُومِ فَأُحْصِدُوا (p-٥٣٠)النَّفْثُ: شِبْهُ النَّفْخِ دُونَ تَفْلٍ بِرِيقٍ، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقِيلَ: نَفْخٌ بِرِيقٍ مَعَهُ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: شِبْهُ النَّفْخِ مِنَ الفَمِ في الرَّقَبَةِ ولا رِيقَ مَعَهُ، فَإذا كانَ بِرِيقٍ فَهو التَّفْلُ، قالَ الشّاعِرُ: ؎فَإنْ أبْرَأْ فَلَمْ أنْفِثْ عَلَيْهِ ∗∗∗ وإنْ يُفْقَدْ فَحَقَّ لَهُ الفُقُودُ ﴿قُلْ أعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ﴾ ﴿مِن شَرِّ ما خَلَقَ﴾ ﴿ومِن شَرِّ غاسِقٍ إذا وقَبَ﴾ ﴿ومِن شَرِّ النَّفّاثاتِ في العُقَدِ﴾ ﴿ومِن شَرِّ حاسِدٍ إذا حَسَدَ﴾ . هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الحَسَنِ وعَطاءٍ وعِكْرِمَةَ وجابِرٍ، ورِوايَةُ كُرَيْبٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَدَنِيَّةٌ، في قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ في رِوايَةِ صالِحٍ وقَتادَةَ وجَماعَةٍ، قِيلَ: وهو الصَّحِيحُ، وسَبَبُ نُزُولِ المُعَوِّذَتَيْنِ قِصَّةُ سَحْرِ لَبِيدِ بْنِ الأعْصَمِ اليَهُودِيِّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، وهو جُفٌّ، والجُفُّ قِشْرُ الطَّلْعِ فِيهِ مُشاطَةُ رَأْسِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وأسْنانُ مُشْطِهِ، ووَتَرٌ مَعْقُودٌ فِيهِ إحْدى عَشْرَةَ عُقْدَةً مَغْرُوزٌ بِالإبَرِ، فَأُنْزِلَتْ عَلَيْهِ المُعَوِّذَتانِ، فَجَعَلَ كُلَّما قَرَأ آيَةً انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، ووَجَدَ في نَفْسِهِ خِفَّةً حَتّى انْحَلَّتِ العُقْدَةُ الأخِيرَةُ، فَقامَ فَكَأنَّما نُشِطَ مِن عِقالٍ، ولَمّا شَرَحَ أمْرَ الإلَهِيَّةِ في السُّورَةِ قَبْلَها، شَرَحَ ما يُسْتَعاذُ مِنهُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّرِّ الَّذِي في العالَمِ ومَراتِبِ مَخْلُوقاتِهِ، والفَلَقُ: الصُّبْحُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وجابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ وابْنُ جُبَيْرٍ والقُرْطُبِيُّ وابْنُ زَيْدٍ، وفي المَثَلِ: هو أبْيَنُ مِن فَلَقِ الصُّبْحِ ومِن فَرَقِ الصُّبْحِ، وقالَ الشّاعِرُ: ؎يا لَيْلَةً لَمْ أنَمْها بِتُّ مُرْتَقِبًا ∗∗∗ أرْعى النُّجُومَ إلى أنْ قُدِّرَ الفَلَقُ وقالَ الشّاعِرُ يَصِفُ الثَّوْرَ الوَحْشِيَّ: ؎حَتّى إذا ما انْجَلى عَنْ وجْهِهِ فَلَقٌ ∗∗∗ هادِيهِ في أُخْرَياتِ اللَّيْلِ مُنْتَصِبُ وقِيلَ: الفَلَقُ: كُلُّ ما يَفْلِقُهُ اللَّهُ تَعالى، كالأرْضِ والنَّباتِ والجِبالِ عَنِ العُيُونِ، والسَّحابِ عَنِ المَطَرِ، والأرْحامِ عَنِ الأوْلادِ، والحَبِّ والنَّوى وغَيْرِ ذَلِكَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا وجَماعَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ: الفَلَقُ: جُبٌّ في جَهَنَّمَ، ورَواهُ أبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وقالُوا: لِما اطْمَأنَّ مِنَ الأرْضِ الفَلَقُ، وجَمْعُهُ فُلْقانٌ، وقِيلَ: وادٍ في جَهَنَّمَ. وقالَ بَعْضُ الصَّحابَةِ: بَيْتٌ في جَهَنَّمَ، إذا فُتِحَ صاحَ جَمِيعُ أهْلِ النّارِ مِن شِدَّةِ حَرِّهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿مِن شَرِّ ما خَلَقَ﴾ بِإضافَةِ شَرٍّ إلى ما، وما عامٌّ يَدْخُلُ فِيهِ جَمِيعُ مَن يُوجَدُ مِنهُ الشَّرُّ مِن حَيَوانٍ مُكَلَّفٍ وغَيْرِ مُكَلَّفٍ وجَمادٍ، كالإحْراقِ بِالنّارِ، والإغْراقِ بِالبَحْرِ، والقَتْلِ بِالسُّمِّ، وقَرَأ عَمْرُو بْنُ فايِدٍ: (مِن شَرٍّ) بِالتَّنْوِينِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَرَأ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ، وبَعْضُ المُعْتَزِلَةِ القائِلِينَ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَخْلُقِ الشَّرَّ: (مِن شَرٍّ) بِالتَّنْوِينِ، ما خَلَقَ عَلى النَّفْيِ، وهي قِراءَةٌ مَرْدُودَةٌ مَبْنِيَّةٌ عَلى مَذْهَبٍ باطِلٍ، اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ، ولِهَذِهِ القِراءَةِ وجْهٌ غَيْرُ النَّفْيِ، فَلا يَنْبَغِي أنْ تُرَدَّ، وهو أنْ يَكُونَ (ما خَلَقَ) بَدَلًا مِن (شَرٍّ) عَلى تَقْدِيرِ مَحْذُوفٍ، أيْ مِن شَرٍّ شَرِّ ما خَلَقَ، فَحُذِفَ لِدَلالَةِ شَرٍّ الأوَّلِ عَلَيْهِ، أطْلَقَ أوَّلًا ثُمَّ عَمَّ ثانِيًا. والغاسِقُ: اللَّيْلُ، ووَقَبَ: أظْلَمَ ودَخَلَ عَلى النّاسِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ ومُجاهِدٌ، وزَمَّكَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ عَلى عادَتِهِ فَقالَ: والغاسِقُ: اللَّيْلُ إذا اعْتَكَرَ ظَلامُهُ، مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ [الإسراء: ٧٨] ومِنهُ: غَسَقَتِ العَيْنُ: امْتَلَأتْ دَمْعًا، وغَسَقَتِ الجِراحَةُ: امْتَلَأتْ دَمًا، ووُقُوبُهُ: دُخُولُ ظَلامِهِ في كُلِّ شَيْءٍ. انْتَهى. وقالَ الزَّجّاجُ: هو اللَّيْلُ؛ لِأنَّهُ أبْرَدُ مِنَ النَّهارِ، والغاسِقُ: البارِدُ، اسْتُعِيذَ مِن شَرِّهِ لِأنَّهُ فِيهِ تَنْبَثُّ الشَّياطِينُ والهَوامُّ والحَشَراتُ وأهْلُ الفَتْكِ، قالَ الشّاعِرُ:(p-٥٣١) ؎يا طَيْفَ هِنْدٍ لَقَدْ أبْقَيْتَ لِي أرَقا ∗∗∗ إذْ جِئْتَنا طارِقًا واللَّيْلُ قَدْ غَسَقا وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: النَّهارُ دَخَلَ في اللَّيْلِ، وقالَ ابْنُ شِهابٍ: المُرادُ بِالغاسِقِ: الشَّمْسُ إذا غَرَبَتْ. وقالَ القُتَبِيُّ وغَيْرُهُ: هو القَمَرُ إذا دَخَلَ في ساهُورِهِ فَخُسِفَ. وفي الحَدِيثِ: (نَظَرَ ﷺ إلى القَمَرِ فَقالَ: يا عائِشَةُ، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِن هَذا، فَإنَّهُ الغاسِقُ إذا وقَبَ) . وعَنْهُ ﷺ: (الغاسِقُ النَّجْمُ) . وقالَ ابْنُ زَيْدٍ عَنِ العَرَبِ: الغاسِقُ: الثُّرَيّا إذا سَقَطَتْ، وكانَتِ الأسْقامُ والطّاعُونُ تَهِيجُ عِنْدَ ذَلِكَ، وقِيلَ: الحَيَّةُ إذا لَدَغَتْ، والغاسِقُ سُمُّ نابِها لِأنَّهُ يَسِيلُ مِنهُ، والنَّفّاثاتُ: النِّساءُ، أوِ النُّفُوسُ، أوِ الجَماعاتُ السَّواحِرُ، يَعْقِدْنَ عُقَدًا في خُيُوطٍ ويَنْفُثْنَ عَلَيْها ويَرْقِينَ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (النَّفّاثاتِ)، والحَسَنُ: بِضَمِّ النُّونِ، وابْنُ عُمَرَ والحَسَنُ أيْضًا وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ القاسِمِ، ويَعْقُوبُ في رِوايَةٍ (النّافِثاتِ)، والحَسَنُ أيْضًا وأبُو الرَّبِيعِ: (النَّفَّثاتُ) بِغَيْرِ ألِفٍ، نَحْوَ (الخَدَّراتِ)، والِاسْتِعاذَةُ مِن شَرِّهِنَّ هو ما يُصِيبُ اللَّهُ تَعالى بِهِ مِنَ الشَّرِّ عِنْدَ فِعْلِهِنَّ ذَلِكَ. وسَبَبُ نُزُولِ هاتَيْنِ المُعَوِّذَتَيْنِ يَنْفِي ما تَأوَّلَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِن قَوْلِهِ: ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ النِّساءُ ذاتُ الكِياداتِ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ [يوسف: ٢٨] تَشْبِيهًا لِكَيْدِهِنَّ بِالسِّحْرِ والنَّفْثِ في العُقَدِ، أوِ اللّاتِي يَفْتِنَّ الرِّجالَ بِتَعَرُّضِهِنَّ لَهم، وعَرْضِهِنَّ مَحاسِنَهُنَّ، كَأنَّهُنَّ يَسْحَرْنَهم بِذَلِكَ. انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا النَّفْثُ هو عَلى عُقَدٍ تُعْقَدُ في خُيُوطٍ ونَحْوِها عَلى اسْمِ المَسْحُورِ فَيُؤْذى بِذَلِكَ، وهَذا الشَّأْنُ في زَمانِنا مَوْجُودٌ شائِعٌ في صَحْراءِ المَغْرِبِ، وحَدَّثَنِي ثِقَةٌ أنَّهُ رَأى عِنْدَ بَعْضِهِمْ خَيْطًا أحْمَرَ قَدْ عُقِدَتْ فِيهِ عُقَدٌ عَلى فُصْلانٍ، فَمُنِعَتْ مِن رِضاعِ أُمَّهاتِها بِذَلِكَ، فَكانَ إذا حَلَّ عُقْدَةً جَرى ذَلِكَ الفَصِيلُ إلى أُمِّهِ في الحِينِ فَرَضَعَ. انْتَهى. وقِيلَ: الغاسِقُ الحاسِدُ بِالطَّرْفِ؛ لِأنَّهُ إذا لَمْ يَدْخُلِ اللَّيْلُ لا يَكُونُ مَنسُوبًا إلَيْهِ، وكَذا كُلُّ ما فُسِّرَ بِهِ الغاسِقُ، وكَذَلِكَ الحاسِدُ، لا يُؤَثِّرُ حَسَدُهُ إذا أظْهَرَهُ بِأنْ يَحْتالَ لِلْمَحْسُودِ فِيما يُؤْذِيهِ، أمّا إذا لَمْ يَظْهَرِ الحَسَدُ، فَإنَّما يَتَأذّى بِهِ هو لا المَحْسُودُ، لِاغْتِمامِهِ بِنِعْمَةِ غَيْرِهِ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِشَرِّ الحاسِدِ إثْمُهُ وسَماجَةُ حالِهِ في وقْتِ حَسَدِهِ وإظْهارِ أثَرِهِ. انْتَهى. وعَمَّ أوَّلًا فَقالَ: ﴿مِن شَرِّ ما خَلَقَ﴾ ثُمَّ خَصَّ هَذِهِ لِخَفاءِ شَرِّها، إذْ يَجِيءُ مِن حَيْثُ لا يُعْلَمُ، وقالُوا: شَرُّ العُداةِ المَراجِي بِكَيْدِكَ مِن حَيْثُ لا تَشْعُرُ، ونَكَّرَ (غاسِقٍ، وحاسِدٍ) وعَرَّفَ (النَّفّاثاتِ)؛ لِأنَّ كُلَّ نَفّاثَةٍ شِرِّيرَةٌ، وكُلَّ غاسِقٍ لا يَكُونُ فِيهِ الشَّرُّ إنَّما يَكُونُ في بَعْضٍ دُونَ بَعْضٍ، وكَذَلِكَ كُلُّ حاسِدٍ لا يَضُرُّ، ورُبَّ حَسَدٍ مَحْمُودٌ، وهو الحَسَدُ في الخَيْراتِ، ومِنهُ: لا حَسَدَ إلّا في اثْنَتَيْنِ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي تَمّامٍ: ؎وما حاسِدٌ في المَكْرُماتِ بِحاسِدِ وقالَ آخَرُ: ؎إنَّ العُلا حَسُنَ في مِثْلِها الحَسَدُ وقَوْلُ المَنظُورِ إلَيْهِ لِلْحاسِدِ، إذا نَظَرَ الخَمْسُ عَلى عَيْنَيْكَ يَعْنِي بِهِ هَذِهِ السُّورَةَ، لِأنَّها خَمْسُ آياتٍ، وعَيْنُ الحاسِدِ في الغالِبِ واقِعَةٌ نَعُوذُ بِاللَّهِ مِن شَرِّها.

الفلق 113:4

سُورَةُ الفَلَقِ مَكِّيَّةٌ وهي خَمْسُ آياتٍ ﷽ ﴿قُلْ أعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ﴾ ﴿مِن شَرِّ ما خَلَقَ﴾ ﴿ومِن شَرِّ غاسِقٍ إذا وقَبَ﴾ ﴿ومِن شَرِّ النَّفّاثاتِ في العُقَدِ﴾ ﴿ومِن شَرِّ حاسِدٍ إذا حَسَدَ﴾ الفَلَقُ: فَعَلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، وتَأْتِي أقْوالُ أهْلِ التَّفْسِيرِ فِيهِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وقَبَ اللَّيْلُ: أظْلَمَ، والشَّمْسُ: غابَتْ، والعَذابُ: حَلَّ، قالَ الشّاعِرُ: ؎وقَبَ العَذابُ عَلَيْهِمْ فَكَأنَّهم لَحِقَتْهم نارُ السَّمُومِ فَأُحْصِدُوا (p-٥٣٠)النَّفْثُ: شِبْهُ النَّفْخِ دُونَ تَفْلٍ بِرِيقٍ، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقِيلَ: نَفْخٌ بِرِيقٍ مَعَهُ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: شِبْهُ النَّفْخِ مِنَ الفَمِ في الرَّقَبَةِ ولا رِيقَ مَعَهُ، فَإذا كانَ بِرِيقٍ فَهو التَّفْلُ، قالَ الشّاعِرُ: ؎فَإنْ أبْرَأْ فَلَمْ أنْفِثْ عَلَيْهِ ∗∗∗ وإنْ يُفْقَدْ فَحَقَّ لَهُ الفُقُودُ ﴿قُلْ أعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ﴾ ﴿مِن شَرِّ ما خَلَقَ﴾ ﴿ومِن شَرِّ غاسِقٍ إذا وقَبَ﴾ ﴿ومِن شَرِّ النَّفّاثاتِ في العُقَدِ﴾ ﴿ومِن شَرِّ حاسِدٍ إذا حَسَدَ﴾ . هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الحَسَنِ وعَطاءٍ وعِكْرِمَةَ وجابِرٍ، ورِوايَةُ كُرَيْبٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَدَنِيَّةٌ، في قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ في رِوايَةِ صالِحٍ وقَتادَةَ وجَماعَةٍ، قِيلَ: وهو الصَّحِيحُ، وسَبَبُ نُزُولِ المُعَوِّذَتَيْنِ قِصَّةُ سَحْرِ لَبِيدِ بْنِ الأعْصَمِ اليَهُودِيِّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، وهو جُفٌّ، والجُفُّ قِشْرُ الطَّلْعِ فِيهِ مُشاطَةُ رَأْسِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وأسْنانُ مُشْطِهِ، ووَتَرٌ مَعْقُودٌ فِيهِ إحْدى عَشْرَةَ عُقْدَةً مَغْرُوزٌ بِالإبَرِ، فَأُنْزِلَتْ عَلَيْهِ المُعَوِّذَتانِ، فَجَعَلَ كُلَّما قَرَأ آيَةً انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، ووَجَدَ في نَفْسِهِ خِفَّةً حَتّى انْحَلَّتِ العُقْدَةُ الأخِيرَةُ، فَقامَ فَكَأنَّما نُشِطَ مِن عِقالٍ، ولَمّا شَرَحَ أمْرَ الإلَهِيَّةِ في السُّورَةِ قَبْلَها، شَرَحَ ما يُسْتَعاذُ مِنهُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّرِّ الَّذِي في العالَمِ ومَراتِبِ مَخْلُوقاتِهِ، والفَلَقُ: الصُّبْحُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وجابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ وابْنُ جُبَيْرٍ والقُرْطُبِيُّ وابْنُ زَيْدٍ، وفي المَثَلِ: هو أبْيَنُ مِن فَلَقِ الصُّبْحِ ومِن فَرَقِ الصُّبْحِ، وقالَ الشّاعِرُ: ؎يا لَيْلَةً لَمْ أنَمْها بِتُّ مُرْتَقِبًا ∗∗∗ أرْعى النُّجُومَ إلى أنْ قُدِّرَ الفَلَقُ وقالَ الشّاعِرُ يَصِفُ الثَّوْرَ الوَحْشِيَّ: ؎حَتّى إذا ما انْجَلى عَنْ وجْهِهِ فَلَقٌ ∗∗∗ هادِيهِ في أُخْرَياتِ اللَّيْلِ مُنْتَصِبُ وقِيلَ: الفَلَقُ: كُلُّ ما يَفْلِقُهُ اللَّهُ تَعالى، كالأرْضِ والنَّباتِ والجِبالِ عَنِ العُيُونِ، والسَّحابِ عَنِ المَطَرِ، والأرْحامِ عَنِ الأوْلادِ، والحَبِّ والنَّوى وغَيْرِ ذَلِكَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا وجَماعَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ: الفَلَقُ: جُبٌّ في جَهَنَّمَ، ورَواهُ أبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وقالُوا: لِما اطْمَأنَّ مِنَ الأرْضِ الفَلَقُ، وجَمْعُهُ فُلْقانٌ، وقِيلَ: وادٍ في جَهَنَّمَ. وقالَ بَعْضُ الصَّحابَةِ: بَيْتٌ في جَهَنَّمَ، إذا فُتِحَ صاحَ جَمِيعُ أهْلِ النّارِ مِن شِدَّةِ حَرِّهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿مِن شَرِّ ما خَلَقَ﴾ بِإضافَةِ شَرٍّ إلى ما، وما عامٌّ يَدْخُلُ فِيهِ جَمِيعُ مَن يُوجَدُ مِنهُ الشَّرُّ مِن حَيَوانٍ مُكَلَّفٍ وغَيْرِ مُكَلَّفٍ وجَمادٍ، كالإحْراقِ بِالنّارِ، والإغْراقِ بِالبَحْرِ، والقَتْلِ بِالسُّمِّ، وقَرَأ عَمْرُو بْنُ فايِدٍ: (مِن شَرٍّ) بِالتَّنْوِينِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَرَأ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ، وبَعْضُ المُعْتَزِلَةِ القائِلِينَ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَخْلُقِ الشَّرَّ: (مِن شَرٍّ) بِالتَّنْوِينِ، ما خَلَقَ عَلى النَّفْيِ، وهي قِراءَةٌ مَرْدُودَةٌ مَبْنِيَّةٌ عَلى مَذْهَبٍ باطِلٍ، اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ، ولِهَذِهِ القِراءَةِ وجْهٌ غَيْرُ النَّفْيِ، فَلا يَنْبَغِي أنْ تُرَدَّ، وهو أنْ يَكُونَ (ما خَلَقَ) بَدَلًا مِن (شَرٍّ) عَلى تَقْدِيرِ مَحْذُوفٍ، أيْ مِن شَرٍّ شَرِّ ما خَلَقَ، فَحُذِفَ لِدَلالَةِ شَرٍّ الأوَّلِ عَلَيْهِ، أطْلَقَ أوَّلًا ثُمَّ عَمَّ ثانِيًا. والغاسِقُ: اللَّيْلُ، ووَقَبَ: أظْلَمَ ودَخَلَ عَلى النّاسِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ ومُجاهِدٌ، وزَمَّكَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ عَلى عادَتِهِ فَقالَ: والغاسِقُ: اللَّيْلُ إذا اعْتَكَرَ ظَلامُهُ، مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ [الإسراء: ٧٨] ومِنهُ: غَسَقَتِ العَيْنُ: امْتَلَأتْ دَمْعًا، وغَسَقَتِ الجِراحَةُ: امْتَلَأتْ دَمًا، ووُقُوبُهُ: دُخُولُ ظَلامِهِ في كُلِّ شَيْءٍ. انْتَهى. وقالَ الزَّجّاجُ: هو اللَّيْلُ؛ لِأنَّهُ أبْرَدُ مِنَ النَّهارِ، والغاسِقُ: البارِدُ، اسْتُعِيذَ مِن شَرِّهِ لِأنَّهُ فِيهِ تَنْبَثُّ الشَّياطِينُ والهَوامُّ والحَشَراتُ وأهْلُ الفَتْكِ، قالَ الشّاعِرُ:(p-٥٣١) ؎يا طَيْفَ هِنْدٍ لَقَدْ أبْقَيْتَ لِي أرَقا ∗∗∗ إذْ جِئْتَنا طارِقًا واللَّيْلُ قَدْ غَسَقا وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: النَّهارُ دَخَلَ في اللَّيْلِ، وقالَ ابْنُ شِهابٍ: المُرادُ بِالغاسِقِ: الشَّمْسُ إذا غَرَبَتْ. وقالَ القُتَبِيُّ وغَيْرُهُ: هو القَمَرُ إذا دَخَلَ في ساهُورِهِ فَخُسِفَ. وفي الحَدِيثِ: (نَظَرَ ﷺ إلى القَمَرِ فَقالَ: يا عائِشَةُ، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِن هَذا، فَإنَّهُ الغاسِقُ إذا وقَبَ) . وعَنْهُ ﷺ: (الغاسِقُ النَّجْمُ) . وقالَ ابْنُ زَيْدٍ عَنِ العَرَبِ: الغاسِقُ: الثُّرَيّا إذا سَقَطَتْ، وكانَتِ الأسْقامُ والطّاعُونُ تَهِيجُ عِنْدَ ذَلِكَ، وقِيلَ: الحَيَّةُ إذا لَدَغَتْ، والغاسِقُ سُمُّ نابِها لِأنَّهُ يَسِيلُ مِنهُ، والنَّفّاثاتُ: النِّساءُ، أوِ النُّفُوسُ، أوِ الجَماعاتُ السَّواحِرُ، يَعْقِدْنَ عُقَدًا في خُيُوطٍ ويَنْفُثْنَ عَلَيْها ويَرْقِينَ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (النَّفّاثاتِ)، والحَسَنُ: بِضَمِّ النُّونِ، وابْنُ عُمَرَ والحَسَنُ أيْضًا وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ القاسِمِ، ويَعْقُوبُ في رِوايَةٍ (النّافِثاتِ)، والحَسَنُ أيْضًا وأبُو الرَّبِيعِ: (النَّفَّثاتُ) بِغَيْرِ ألِفٍ، نَحْوَ (الخَدَّراتِ)، والِاسْتِعاذَةُ مِن شَرِّهِنَّ هو ما يُصِيبُ اللَّهُ تَعالى بِهِ مِنَ الشَّرِّ عِنْدَ فِعْلِهِنَّ ذَلِكَ. وسَبَبُ نُزُولِ هاتَيْنِ المُعَوِّذَتَيْنِ يَنْفِي ما تَأوَّلَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِن قَوْلِهِ: ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ النِّساءُ ذاتُ الكِياداتِ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ [يوسف: ٢٨] تَشْبِيهًا لِكَيْدِهِنَّ بِالسِّحْرِ والنَّفْثِ في العُقَدِ، أوِ اللّاتِي يَفْتِنَّ الرِّجالَ بِتَعَرُّضِهِنَّ لَهم، وعَرْضِهِنَّ مَحاسِنَهُنَّ، كَأنَّهُنَّ يَسْحَرْنَهم بِذَلِكَ. انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا النَّفْثُ هو عَلى عُقَدٍ تُعْقَدُ في خُيُوطٍ ونَحْوِها عَلى اسْمِ المَسْحُورِ فَيُؤْذى بِذَلِكَ، وهَذا الشَّأْنُ في زَمانِنا مَوْجُودٌ شائِعٌ في صَحْراءِ المَغْرِبِ، وحَدَّثَنِي ثِقَةٌ أنَّهُ رَأى عِنْدَ بَعْضِهِمْ خَيْطًا أحْمَرَ قَدْ عُقِدَتْ فِيهِ عُقَدٌ عَلى فُصْلانٍ، فَمُنِعَتْ مِن رِضاعِ أُمَّهاتِها بِذَلِكَ، فَكانَ إذا حَلَّ عُقْدَةً جَرى ذَلِكَ الفَصِيلُ إلى أُمِّهِ في الحِينِ فَرَضَعَ. انْتَهى. وقِيلَ: الغاسِقُ الحاسِدُ بِالطَّرْفِ؛ لِأنَّهُ إذا لَمْ يَدْخُلِ اللَّيْلُ لا يَكُونُ مَنسُوبًا إلَيْهِ، وكَذا كُلُّ ما فُسِّرَ بِهِ الغاسِقُ، وكَذَلِكَ الحاسِدُ، لا يُؤَثِّرُ حَسَدُهُ إذا أظْهَرَهُ بِأنْ يَحْتالَ لِلْمَحْسُودِ فِيما يُؤْذِيهِ، أمّا إذا لَمْ يَظْهَرِ الحَسَدُ، فَإنَّما يَتَأذّى بِهِ هو لا المَحْسُودُ، لِاغْتِمامِهِ بِنِعْمَةِ غَيْرِهِ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِشَرِّ الحاسِدِ إثْمُهُ وسَماجَةُ حالِهِ في وقْتِ حَسَدِهِ وإظْهارِ أثَرِهِ. انْتَهى. وعَمَّ أوَّلًا فَقالَ: ﴿مِن شَرِّ ما خَلَقَ﴾ ثُمَّ خَصَّ هَذِهِ لِخَفاءِ شَرِّها، إذْ يَجِيءُ مِن حَيْثُ لا يُعْلَمُ، وقالُوا: شَرُّ العُداةِ المَراجِي بِكَيْدِكَ مِن حَيْثُ لا تَشْعُرُ، ونَكَّرَ (غاسِقٍ، وحاسِدٍ) وعَرَّفَ (النَّفّاثاتِ)؛ لِأنَّ كُلَّ نَفّاثَةٍ شِرِّيرَةٌ، وكُلَّ غاسِقٍ لا يَكُونُ فِيهِ الشَّرُّ إنَّما يَكُونُ في بَعْضٍ دُونَ بَعْضٍ، وكَذَلِكَ كُلُّ حاسِدٍ لا يَضُرُّ، ورُبَّ حَسَدٍ مَحْمُودٌ، وهو الحَسَدُ في الخَيْراتِ، ومِنهُ: لا حَسَدَ إلّا في اثْنَتَيْنِ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي تَمّامٍ: ؎وما حاسِدٌ في المَكْرُماتِ بِحاسِدِ وقالَ آخَرُ: ؎إنَّ العُلا حَسُنَ في مِثْلِها الحَسَدُ وقَوْلُ المَنظُورِ إلَيْهِ لِلْحاسِدِ، إذا نَظَرَ الخَمْسُ عَلى عَيْنَيْكَ يَعْنِي بِهِ هَذِهِ السُّورَةَ، لِأنَّها خَمْسُ آياتٍ، وعَيْنُ الحاسِدِ في الغالِبِ واقِعَةٌ نَعُوذُ بِاللَّهِ مِن شَرِّها.

الفلق 113:5

سُورَةُ الفَلَقِ مَكِّيَّةٌ وهي خَمْسُ آياتٍ ﷽ ﴿قُلْ أعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ﴾ ﴿مِن شَرِّ ما خَلَقَ﴾ ﴿ومِن شَرِّ غاسِقٍ إذا وقَبَ﴾ ﴿ومِن شَرِّ النَّفّاثاتِ في العُقَدِ﴾ ﴿ومِن شَرِّ حاسِدٍ إذا حَسَدَ﴾ الفَلَقُ: فَعَلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، وتَأْتِي أقْوالُ أهْلِ التَّفْسِيرِ فِيهِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وقَبَ اللَّيْلُ: أظْلَمَ، والشَّمْسُ: غابَتْ، والعَذابُ: حَلَّ، قالَ الشّاعِرُ: ؎وقَبَ العَذابُ عَلَيْهِمْ فَكَأنَّهم لَحِقَتْهم نارُ السَّمُومِ فَأُحْصِدُوا (p-٥٣٠)النَّفْثُ: شِبْهُ النَّفْخِ دُونَ تَفْلٍ بِرِيقٍ، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقِيلَ: نَفْخٌ بِرِيقٍ مَعَهُ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: شِبْهُ النَّفْخِ مِنَ الفَمِ في الرَّقَبَةِ ولا رِيقَ مَعَهُ، فَإذا كانَ بِرِيقٍ فَهو التَّفْلُ، قالَ الشّاعِرُ: ؎فَإنْ أبْرَأْ فَلَمْ أنْفِثْ عَلَيْهِ ∗∗∗ وإنْ يُفْقَدْ فَحَقَّ لَهُ الفُقُودُ ﴿قُلْ أعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ﴾ ﴿مِن شَرِّ ما خَلَقَ﴾ ﴿ومِن شَرِّ غاسِقٍ إذا وقَبَ﴾ ﴿ومِن شَرِّ النَّفّاثاتِ في العُقَدِ﴾ ﴿ومِن شَرِّ حاسِدٍ إذا حَسَدَ﴾ . هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الحَسَنِ وعَطاءٍ وعِكْرِمَةَ وجابِرٍ، ورِوايَةُ كُرَيْبٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَدَنِيَّةٌ، في قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ في رِوايَةِ صالِحٍ وقَتادَةَ وجَماعَةٍ، قِيلَ: وهو الصَّحِيحُ، وسَبَبُ نُزُولِ المُعَوِّذَتَيْنِ قِصَّةُ سَحْرِ لَبِيدِ بْنِ الأعْصَمِ اليَهُودِيِّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، وهو جُفٌّ، والجُفُّ قِشْرُ الطَّلْعِ فِيهِ مُشاطَةُ رَأْسِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وأسْنانُ مُشْطِهِ، ووَتَرٌ مَعْقُودٌ فِيهِ إحْدى عَشْرَةَ عُقْدَةً مَغْرُوزٌ بِالإبَرِ، فَأُنْزِلَتْ عَلَيْهِ المُعَوِّذَتانِ، فَجَعَلَ كُلَّما قَرَأ آيَةً انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، ووَجَدَ في نَفْسِهِ خِفَّةً حَتّى انْحَلَّتِ العُقْدَةُ الأخِيرَةُ، فَقامَ فَكَأنَّما نُشِطَ مِن عِقالٍ، ولَمّا شَرَحَ أمْرَ الإلَهِيَّةِ في السُّورَةِ قَبْلَها، شَرَحَ ما يُسْتَعاذُ مِنهُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّرِّ الَّذِي في العالَمِ ومَراتِبِ مَخْلُوقاتِهِ، والفَلَقُ: الصُّبْحُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وجابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ وابْنُ جُبَيْرٍ والقُرْطُبِيُّ وابْنُ زَيْدٍ، وفي المَثَلِ: هو أبْيَنُ مِن فَلَقِ الصُّبْحِ ومِن فَرَقِ الصُّبْحِ، وقالَ الشّاعِرُ: ؎يا لَيْلَةً لَمْ أنَمْها بِتُّ مُرْتَقِبًا ∗∗∗ أرْعى النُّجُومَ إلى أنْ قُدِّرَ الفَلَقُ وقالَ الشّاعِرُ يَصِفُ الثَّوْرَ الوَحْشِيَّ: ؎حَتّى إذا ما انْجَلى عَنْ وجْهِهِ فَلَقٌ ∗∗∗ هادِيهِ في أُخْرَياتِ اللَّيْلِ مُنْتَصِبُ وقِيلَ: الفَلَقُ: كُلُّ ما يَفْلِقُهُ اللَّهُ تَعالى، كالأرْضِ والنَّباتِ والجِبالِ عَنِ العُيُونِ، والسَّحابِ عَنِ المَطَرِ، والأرْحامِ عَنِ الأوْلادِ، والحَبِّ والنَّوى وغَيْرِ ذَلِكَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا وجَماعَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ: الفَلَقُ: جُبٌّ في جَهَنَّمَ، ورَواهُ أبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وقالُوا: لِما اطْمَأنَّ مِنَ الأرْضِ الفَلَقُ، وجَمْعُهُ فُلْقانٌ، وقِيلَ: وادٍ في جَهَنَّمَ. وقالَ بَعْضُ الصَّحابَةِ: بَيْتٌ في جَهَنَّمَ، إذا فُتِحَ صاحَ جَمِيعُ أهْلِ النّارِ مِن شِدَّةِ حَرِّهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿مِن شَرِّ ما خَلَقَ﴾ بِإضافَةِ شَرٍّ إلى ما، وما عامٌّ يَدْخُلُ فِيهِ جَمِيعُ مَن يُوجَدُ مِنهُ الشَّرُّ مِن حَيَوانٍ مُكَلَّفٍ وغَيْرِ مُكَلَّفٍ وجَمادٍ، كالإحْراقِ بِالنّارِ، والإغْراقِ بِالبَحْرِ، والقَتْلِ بِالسُّمِّ، وقَرَأ عَمْرُو بْنُ فايِدٍ: (مِن شَرٍّ) بِالتَّنْوِينِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَرَأ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ، وبَعْضُ المُعْتَزِلَةِ القائِلِينَ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَخْلُقِ الشَّرَّ: (مِن شَرٍّ) بِالتَّنْوِينِ، ما خَلَقَ عَلى النَّفْيِ، وهي قِراءَةٌ مَرْدُودَةٌ مَبْنِيَّةٌ عَلى مَذْهَبٍ باطِلٍ، اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ، ولِهَذِهِ القِراءَةِ وجْهٌ غَيْرُ النَّفْيِ، فَلا يَنْبَغِي أنْ تُرَدَّ، وهو أنْ يَكُونَ (ما خَلَقَ) بَدَلًا مِن (شَرٍّ) عَلى تَقْدِيرِ مَحْذُوفٍ، أيْ مِن شَرٍّ شَرِّ ما خَلَقَ، فَحُذِفَ لِدَلالَةِ شَرٍّ الأوَّلِ عَلَيْهِ، أطْلَقَ أوَّلًا ثُمَّ عَمَّ ثانِيًا. والغاسِقُ: اللَّيْلُ، ووَقَبَ: أظْلَمَ ودَخَلَ عَلى النّاسِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ ومُجاهِدٌ، وزَمَّكَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ عَلى عادَتِهِ فَقالَ: والغاسِقُ: اللَّيْلُ إذا اعْتَكَرَ ظَلامُهُ، مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ [الإسراء: ٧٨] ومِنهُ: غَسَقَتِ العَيْنُ: امْتَلَأتْ دَمْعًا، وغَسَقَتِ الجِراحَةُ: امْتَلَأتْ دَمًا، ووُقُوبُهُ: دُخُولُ ظَلامِهِ في كُلِّ شَيْءٍ. انْتَهى. وقالَ الزَّجّاجُ: هو اللَّيْلُ؛ لِأنَّهُ أبْرَدُ مِنَ النَّهارِ، والغاسِقُ: البارِدُ، اسْتُعِيذَ مِن شَرِّهِ لِأنَّهُ فِيهِ تَنْبَثُّ الشَّياطِينُ والهَوامُّ والحَشَراتُ وأهْلُ الفَتْكِ، قالَ الشّاعِرُ:(p-٥٣١) ؎يا طَيْفَ هِنْدٍ لَقَدْ أبْقَيْتَ لِي أرَقا ∗∗∗ إذْ جِئْتَنا طارِقًا واللَّيْلُ قَدْ غَسَقا وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: النَّهارُ دَخَلَ في اللَّيْلِ، وقالَ ابْنُ شِهابٍ: المُرادُ بِالغاسِقِ: الشَّمْسُ إذا غَرَبَتْ. وقالَ القُتَبِيُّ وغَيْرُهُ: هو القَمَرُ إذا دَخَلَ في ساهُورِهِ فَخُسِفَ. وفي الحَدِيثِ: (نَظَرَ ﷺ إلى القَمَرِ فَقالَ: يا عائِشَةُ، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِن هَذا، فَإنَّهُ الغاسِقُ إذا وقَبَ) . وعَنْهُ ﷺ: (الغاسِقُ النَّجْمُ) . وقالَ ابْنُ زَيْدٍ عَنِ العَرَبِ: الغاسِقُ: الثُّرَيّا إذا سَقَطَتْ، وكانَتِ الأسْقامُ والطّاعُونُ تَهِيجُ عِنْدَ ذَلِكَ، وقِيلَ: الحَيَّةُ إذا لَدَغَتْ، والغاسِقُ سُمُّ نابِها لِأنَّهُ يَسِيلُ مِنهُ، والنَّفّاثاتُ: النِّساءُ، أوِ النُّفُوسُ، أوِ الجَماعاتُ السَّواحِرُ، يَعْقِدْنَ عُقَدًا في خُيُوطٍ ويَنْفُثْنَ عَلَيْها ويَرْقِينَ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (النَّفّاثاتِ)، والحَسَنُ: بِضَمِّ النُّونِ، وابْنُ عُمَرَ والحَسَنُ أيْضًا وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ القاسِمِ، ويَعْقُوبُ في رِوايَةٍ (النّافِثاتِ)، والحَسَنُ أيْضًا وأبُو الرَّبِيعِ: (النَّفَّثاتُ) بِغَيْرِ ألِفٍ، نَحْوَ (الخَدَّراتِ)، والِاسْتِعاذَةُ مِن شَرِّهِنَّ هو ما يُصِيبُ اللَّهُ تَعالى بِهِ مِنَ الشَّرِّ عِنْدَ فِعْلِهِنَّ ذَلِكَ. وسَبَبُ نُزُولِ هاتَيْنِ المُعَوِّذَتَيْنِ يَنْفِي ما تَأوَّلَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِن قَوْلِهِ: ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ النِّساءُ ذاتُ الكِياداتِ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ [يوسف: ٢٨] تَشْبِيهًا لِكَيْدِهِنَّ بِالسِّحْرِ والنَّفْثِ في العُقَدِ، أوِ اللّاتِي يَفْتِنَّ الرِّجالَ بِتَعَرُّضِهِنَّ لَهم، وعَرْضِهِنَّ مَحاسِنَهُنَّ، كَأنَّهُنَّ يَسْحَرْنَهم بِذَلِكَ. انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا النَّفْثُ هو عَلى عُقَدٍ تُعْقَدُ في خُيُوطٍ ونَحْوِها عَلى اسْمِ المَسْحُورِ فَيُؤْذى بِذَلِكَ، وهَذا الشَّأْنُ في زَمانِنا مَوْجُودٌ شائِعٌ في صَحْراءِ المَغْرِبِ، وحَدَّثَنِي ثِقَةٌ أنَّهُ رَأى عِنْدَ بَعْضِهِمْ خَيْطًا أحْمَرَ قَدْ عُقِدَتْ فِيهِ عُقَدٌ عَلى فُصْلانٍ، فَمُنِعَتْ مِن رِضاعِ أُمَّهاتِها بِذَلِكَ، فَكانَ إذا حَلَّ عُقْدَةً جَرى ذَلِكَ الفَصِيلُ إلى أُمِّهِ في الحِينِ فَرَضَعَ. انْتَهى. وقِيلَ: الغاسِقُ الحاسِدُ بِالطَّرْفِ؛ لِأنَّهُ إذا لَمْ يَدْخُلِ اللَّيْلُ لا يَكُونُ مَنسُوبًا إلَيْهِ، وكَذا كُلُّ ما فُسِّرَ بِهِ الغاسِقُ، وكَذَلِكَ الحاسِدُ، لا يُؤَثِّرُ حَسَدُهُ إذا أظْهَرَهُ بِأنْ يَحْتالَ لِلْمَحْسُودِ فِيما يُؤْذِيهِ، أمّا إذا لَمْ يَظْهَرِ الحَسَدُ، فَإنَّما يَتَأذّى بِهِ هو لا المَحْسُودُ، لِاغْتِمامِهِ بِنِعْمَةِ غَيْرِهِ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِشَرِّ الحاسِدِ إثْمُهُ وسَماجَةُ حالِهِ في وقْتِ حَسَدِهِ وإظْهارِ أثَرِهِ. انْتَهى. وعَمَّ أوَّلًا فَقالَ: ﴿مِن شَرِّ ما خَلَقَ﴾ ثُمَّ خَصَّ هَذِهِ لِخَفاءِ شَرِّها، إذْ يَجِيءُ مِن حَيْثُ لا يُعْلَمُ، وقالُوا: شَرُّ العُداةِ المَراجِي بِكَيْدِكَ مِن حَيْثُ لا تَشْعُرُ، ونَكَّرَ (غاسِقٍ، وحاسِدٍ) وعَرَّفَ (النَّفّاثاتِ)؛ لِأنَّ كُلَّ نَفّاثَةٍ شِرِّيرَةٌ، وكُلَّ غاسِقٍ لا يَكُونُ فِيهِ الشَّرُّ إنَّما يَكُونُ في بَعْضٍ دُونَ بَعْضٍ، وكَذَلِكَ كُلُّ حاسِدٍ لا يَضُرُّ، ورُبَّ حَسَدٍ مَحْمُودٌ، وهو الحَسَدُ في الخَيْراتِ، ومِنهُ: لا حَسَدَ إلّا في اثْنَتَيْنِ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي تَمّامٍ: ؎وما حاسِدٌ في المَكْرُماتِ بِحاسِدِ وقالَ آخَرُ: ؎إنَّ العُلا حَسُنَ في مِثْلِها الحَسَدُ وقَوْلُ المَنظُورِ إلَيْهِ لِلْحاسِدِ، إذا نَظَرَ الخَمْسُ عَلى عَيْنَيْكَ يَعْنِي بِهِ هَذِهِ السُّورَةَ، لِأنَّها خَمْسُ آياتٍ، وعَيْنُ الحاسِدِ في الغالِبِ واقِعَةٌ نَعُوذُ بِاللَّهِ مِن شَرِّها.