Al-Basit — الفاتحة 1:1 – البقرة 2:21
المحتويات
الفاتحة 1:1
قوله عز وجل [[قوله (عز وجل) ساقط من (ج).]]: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ اختلفت عبارة النحويين في تسمية هذِه الباء الجارة، فسموها مرة: حرف إلصاق، ومرة: حرف استعانة، ومرة: حرف إضافة، وكل هذا صحيح من قولهم [[نقل الواحدي الكلام عن (الباء) من كتاب "سر صناعة الإعراب" لأبي الفتح ابن جني 1/ 122 بالنص في الغالب، وقد يتصرف بالعبارة أحيانا. وللباء معان كثيرة أوصلها المزني إلى واحد وعشرين معنى. انظر: "الحروف" للمزني ص 54، "حروف المعاني" للزجاجي ص 47، 86، 87، "مغني اللبيب" 1/ 101، "البحر المحيط" 1/ 14.]].
أما الإلصاق: فنحو قولك: تمسكت بزيد، وذلك أنك ألصقت محل قدرتك به، وبما اتصل به، فقد صح إذن معنى الإلصاق [["سر صناعة الإعراب" 1/ 123، وفيه (ألصقت محل قدرتك أو ما اتصل بمحل قدرتك به أو بما اتصل به ..). وسمى سيبويه هذا المعنى: إلزاقا واختلاطا "الكتاب" 4/ 217، قال ابن هشام: وهو معنى لا يفارقها، ولهذا لم يذكر سيبويه غيره. "مغني اللبيب" 1/ 101، ولكن نجد سيبويه ذكر معنى الإضافة في "الكتاب" 1/ 421.]].
وأما الاستعانة: فقولك: ضربت بالسيف، وكتبت بالقلم، وبريت بالمدية، أي: استعنت بهذِه الأدوات على هذِه الأفعال.
وأما الإضافة: فقولك: مررت بزيد، أضفت مرورك إلى زيد بالباء [["سر صناعة الإعراب" 1/ 123، انظر: "الكتاب" 1/ 121، "المقتضب" 1/ 177، "مغني اللبيب" 1/ 101، "البحر المحيط" 1/ 14.]].
وأما قول النحويين [["سر صناعة الإعراب" 1/ 120.]]: (الباء والكاف واللام الزوائد) فإنما قالوا فيهن: إنهن زوائد، لأنهن لما كن على حرف واحد، وقللن غاية القلة، واختلطن بما بعدهن خشي عليهن لقلتهن وامتزاجهن بما يدخلن عليه أن يظن بهن أنهن بعضه وأحد أجزائه، فوسموهن بالزيادة، ليعلموا [[في (ب): (لتعلموا).]] من حالهن أنهن لسن من أنفس ما وصلن به.
ألا ترى أن (اليوم تنساه) لا باء فيه، ولا كاف [[(اليوم تنساه) جملة يستعملها النحويون تجمع الحروف الزوائد وهي عشرة حروف، والمراد أن (الباء) و (الكاف) ليستا من الحروف الزوائد. انظر: "سر صناعة الإعراب" 1/ 120، "التبصرة والتذكرة" للصيمري 2/ 788.]].
وحذاق النحويين لا يسمونها زوائد، بل يقولون في الباء واللام: إنهما حرفا إضافة [[عند أبي الفتح: (فأما حذاق أصحابنا فلا يسمونها بذلك، يقولون في الباء واللام أنهما حرفا إضافة). "سر صناعة الإعراب" 1/ 121، وهذا قول سيبويه. انظر: "الكتاب" 1/ 421، وانظر: "المقتضب" 1/ 183، 4/ 136 - 143، ووسمها ابن هشام في "مغني اللبيب" بالزيادة 1/ 106.]]، وفي الكاف يقولون: حرف جر [[انظر: "الكتاب" 4/ 217، "المقتضب" 4/ 140، "مغني اللبيب" 1/ 176 - 179.]].
وهذِه حروف أدوات عاملة [[في (ب): (عاملات).]]، تجر ما تدخل عليه من الأسماء نحو: من وعن وفي [[قوله: (وهذِه حروف أدوات ..) ليس من كلام أبي الفتح والنص في "سر صناعة الإعراب": (وهذا موضع لابد فيه من ذكر العلة التي لها صارت حروف الإضافة هذِه جارة .. إلى أن قال: إنما جرت الأسماء ..) 1/ 123. وعن عمل حروف الجر، وهل هي حروف أو أسماء؟. انظر: "الكتاب" 1/ 419 - 420، "المقتضب" 4/ 136، "الأصول في النحو" لابن السراج 1/ 408. قال الصيمري في "التبصرة والتذكرة": الحروف تنقسم قسمين: أحدهما يستعمل حرفا وغير حرف، والآخر يكون حرفا لا غير. فأما== ما يستعمل حرفا وغير حرف فنحو (على) و (عن) و (كاف التشبيه) و (منذ) و (مذ) فهذِه تكون حروفا في حال، وأسماء في أخرى .. وأما ما لا يستعمل إلا حرفا في هذا الباب: فالباء الزائدة .. واللام الزائدة .. و (من) و (إلى) و (في) و (رب) و (حتى) إذا كانت غاية. "التبصرة والتذكرة" 1/ 282 - 285.]].
وإنما جرت [[في (ج): (وإنما تدخل جرت).]] الأسماء من قبل أن الأفعال التي قبلها ضعفت عن وصولها وإفضائها إلى الأسماء التي بعدها نحو قولك: (عجبت، ومررت، وذهبت) لو قلت: عجبت زيدًا، ومررت جعفرًا، وذهبت محمدًا، لم يجز كما بجوز ضربت زيدًا؛ لضعف هذِه الأفعال في العرف [[في (ج): (القرن).]] والعادة [[في (أ)، (ج): (في الاستعمال) وفي "سر صناعة الإعراب" (لضعف هذِه الأفعال في العرف والعاة والاستعمال عن إفضائها إلى هذِه الأسماء ..) 1/ 124.]] والاستعمال، فلما قصرت هذِه الأفعال عن الوصول إلى الأسماء رفدت بحرف الإضافة، فجعلت موصلة [[في (ج): (موصولة).]] لها إليها، فقالوا: عجبت من زيد، ونظرت إلى محمد [[في "سر صناعة الإعراب": (نظرت إلى عمرو) 1/ 124.]]، فلما احتاجت هذِه الأفعال إلى هذِه الحروف لتوصلها إلى بعض الأسماء جعلت تلك الحروف جارة، وأعملت هي في الأسماء [[هذا مذهب البصريين في سبب تسميتها حروف جر، أما الكوفيون فيسمونها حروف خفض، قالوا: لانخفاض الحنك الأسفل عند النطق به، انظر: "الإيضاح في علل النحو" ص 93.]]. ولم يفض إلى الأسماء النصب الذي يأتي من الأفعال؛ لأنهم أرادوا أن يجعلوا بين الفعل الواصل بنفسه وبين الفعل الواصل بغيره فرقًا، ولما هجروا لفظ النصب لما ذكرنا، لم يبق إلى الرفع والجر. فأما الرفع فقد استولى عليه الفاعل، فلم يبق إذا غير الجر، فعدلوا إليه ضرورة [[من "سر صناعة الإعراب" 1/ 124، 125، مع اختصار بعض الجمل.]] [و] [[الواو ساقطة من (ب).]] الجار والمجرور جميعا في موضع نصب [["سر صناعة الإعراب" 1/ 130، وانظر: "المقتضب" 4/ 33، قال النحاس عند قوله ﴿بسم الله﴾: (موضع الباء وما بعدها عند الفراء نصب، وعند البصريين رفع، وقال الكسائي: الباء لا موضع لها من الإعراب). "إعراب القرآن" 1/ 116، وانظر: "مشكل إعراب القرآن" 1/ 6، "إملاء ما من به الرحمن" 1/ 4.]]، ألا ترى أنهم عطفوا عليه بالنصب [[هذا أحد وجهين ذكرهما أبو الفتح للدلالة على صحة دعوى أن الفعل إذا أوصله حرف جر إلى الاسم، فإن الجار والمجرور في موضع نصب بالفعل الذي قبلهما. "سر صناعة الإعراب" 1/ 130.]] فقالوا: مررت بزيد ومحمدا، ونظرت إلى عمرو وخالدا، وعلى هذا [[(على هذا) مكرر في (ب).]] ما أنشده سيبويه:
مُعَاويَ إِنَّناَ بَشَرٌ فَأَسْجِحْ ... فَلَسْنَا بِالجِبَالِ ولَا الحَدِيدَا [[البيت لـ (عقيبة الأسدي) ونسبه بعضهم لعبد الله بن الزبير، ومعنى (أسجح) سهل علينا حتى نصبر، فلسنا بجبال ولا حديد. والبيت من شواهد سيبويه، استشهد به في مواضع من كتابه 1/ 67، 2/ 291، 2/ 344، 3/ 91، وورد في "المقتضب" 2/ 337، 4/ 112، 4/ 371، "جمل الزجاجي" ص 54، "شرح أبيات سيبويه" للسيرافي 1/ 22، 300، "مغني اللبيب" 2/ 477، "إعراب القرآن" للنحاس 3/ 440، "الإنصاف" ص 284، "شرح المفصل" 2/ 109، 4/ 9. والشاهد فيه: نصب الحديد، وعطفه على موضع الباء، وقد أنكر بعضهم على سيبويه استشهاده بالبيت، ورووه مجرورًا، ورد ذلك السيرافي وقال: إن البيت جاء بروايتين.
انظر: "شرح أبيات سيبويه" للسيرافي 1/ 22، 300، "الخزانة" 2/ 260 - 264.]] عطف الحديد على موضع بالجبال [[في (ب): (الجبال).]]، ولهذا قال سيبويه: (إنك إذا قلت: مررت بزيد [فكأنك قلت: مررت زيدا) [[انظر: "الكتاب" 1/ 92، والنص من "سر صناعة الإعراب" 1/ 131.]]، تريد [[في "سر صناعة الإعراب" (يريد) وهذا أقرب، فأبو الفتح يقول: يريد سيبويه.]] بذلك أنه لولا الباء الجارة لانتصب زيد، وعلى ذلك أجازوا مررت بزيد] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ج).]] الظريفَ، تنصبه على موضع (بزيد) [[بنصه من "سر صناعة الإعراب" 1/ 144.]].
(وجميع [[بنصه عن أبي الفتح من "سر صناعة الإعراب" 1/ 144.]] الحروف المفردة التي تقع في أوائل الكلم حكمها الفتح أبدًا. نحو (واو) العطف و (فائه) و (همزة) الاستفهام و (لام) الابتداء.
فأما (الباء) في (بزيد) فإنما كسرت لمضارعتها (اللام) الجارة [[قال الثعلبي العلة في كسرها أن (الباء) حرف ناقص ممال، والإمالة من دلائل الكسرة. "تفسير الثعلبي" 1/ 15.]] في قولك: (المال لزيد) وسنذكر العلة في كسر اللام في قوله ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [الفاتحة: 2] إن شاء الله [[في "سر صناعة الإعراب" وسنذكر العلة في كسر (اللام) في موضعها ... ، 1/ 144، وقد تكلم الواحدي عن العلة في كسر (اللام) عند الكلام عن اللام الجارة في لفظ الجلالة في قوله ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ ونقل في ذلك عن أبي الفتح ابن جني.]] ووجه المضارعة بينهما اجتماعهما في الجر ولزوم كل واحد منهما الحرفية [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 3، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 116، "تفسير الثعلبي" 1/ 15/ ب، "المشكل" لمكي 1/ 5، "الكشاف" 1/ 23.]]، وليست كذلك (كاف التشبيه)؛ لأنها قد تكون اسما في بعض المواضع).
فأما المتعلق به (الباء) في قوله ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾ فإنه محذوف، ويستغنى عن إظهارها لدلالة الحال عليه، وهو معنى الابتداء، كأنه قيل (بدأت بسم الله) [[في (ب): (إعراب باسم بالله).]] (وأبدأ بسم الله) والحال تبين أنك مبتدئ فاستغنيت عن ذكره [[قال الطبري: أغنت دلالة ما ظهر من قول القائل: (بسم الله)، على ما بطن من مراده الذي هو محذوف. ومفهوم أنه مريد بذلك: (أقرأ بسم الله الرحمن الرحيم). "تفسير الطبري" 1/ 50، وانظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 1، "الوسيط" للواحدي 1/ 14، "الكشاف" 1/ 26، "لباب التفسير" للكرماني 1/ 26 (رسالة دكتوراه).]].
وحذفت الألف من بسم الله؛ لأنها وقعت [[في (ب): (وقفت).]] في موضع معروف، لا يجهل القارئ معناها، فاستخف طرحها؛ لأن من شأن العرب الإيجاز إذا عرف المعنى، وأثبتت في قوله ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: 74، 96، الحاقة: 52] لأن هذا لا يكثر كثرة (بسم الله) ألا ترى أنك تقول: (بسم الله) عند ابتداء كل شيء [[أخذه عن "معاني القرآن" للفراء، مع اختلاف يسير في اللفظ ص 36، وانظر: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 117، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 3.]].
ولا تحذف الألف إذا أضيف (الاسم) إلى غير [[في (ص): (لغير).]] الله، ولا مع غير الباء من الحروف، فتقول: لاسم الله حلاوة في القلوب، وليس اسم كاسم الله، فتثبت الألف مع اللام والكاف [["معاني القرآن" للفراء 1/ 2، وانظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 3، "المشكل" لمكي 1/ 5، "تفسير ابن عطية" 1/ 84، "الكشاف" 1/ 35.]]. هذا في سقوطها في الكتابة، وأما سقوطها في اللفظ، فلأنها [[في (ب): (ولا منها).]] للوصل، وقد استغنى عنها بالباء [["معاني القرآن" للزجاج 1/ 1، وانظر: "معاني القرآن" للأخفش 1/ 147، "إعراب القرآن" للنحاس 117.]].
فأما معنى: (الاسم) واشتقاقه ومأخذه من اللغة، فقد كثر فيها الاختلاف، فقال [[في (ب): (فقالوا).]] نحويو [[(نحويو) مكانها بياض في (ب).]] الكوفة: (الاسم) مشتق من السمة، وهي العلامة، كالعدة والزنة من (الوزن) و (الوعد)، كذلك (السمة) من (الوسم) [[حذفت فاؤه اعتلالا على غير قياس، والأصل في اسم (وسم) فحذفت الفاء التي هي (الواو) من (وسم). انظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 2، "تفسير ابن عطية" 1/ 84، "الإنصاف في مسائل الخلاف" ص 4، "البيان في غريب إعراب القرآن" 1/ 32، "مشكل إعراب القرآن" 1/ 6.]]، ومن هذا قال أبو العباس (ثعلب): الاسم وسم وسمة توضع على الشيء يعرف به [[انظر: "تهذيب اللغة"، وفيه (الاسم رسم وسمة ..)، (سما) 2/ 1748، "اللسان" (سما) 4/ 2109، "الإنصاف" ص 4.]].
وقال مشيخة البصرة: (الاسم) مشتق من السمو، لأنه يعلو المسمى، فالاسم: ما علا وظهر [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 2، "تهذيب اللغة" للأزهري (سما) 2/ 1748، "اشتقاق أسماء الله" للزجاجي ص 255، "الإنصاف" ص 5، "تفسير ابن عطية" 1/ 84، "الكشاف" 1/ 34، 35، "مشكل إعراب القرآن" 1/ 6.]]، فصار علما للدلالة على ما تحته من المعنى [[هذا قول الزجاج، وفيه إشارة إلى أن الاسم هو المسمى، انظر: "معاني القرآن" 1/ 2، "الإنصاف" ص 5.]]. وقال بعضهم: العلة في اشتقاقه من السمو أن الكلام ثلاثة: اسم وفعل وحرف، فالاسم يصح أن يكون خبرا ويخبر عنه، والفعل يكون خبرا ولا يخبر عنه، والحرف لا يكون خبرا ولا يخبر عنه، فلما كان للاسم مزية على النوعين الآخرين وجب أن يشتق مما [[في (ب): (عما).]] ينبئ عن هذِه المزية، فاشتق من السمو ليدل على علوه وارتفاعه [[انظر: "الإيضاح في علل النحو" ص 49، "الإنصاف" ص 6.]].
وعند المتكلمين أنه اشتق من السمو؛ لأنه سما عن حد العدم إلى الوجود [[ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 16/ ب.]]. وقالوا: أصله سِمْو [[أو (سمو) بالضم. انظر: "المقتضب" 1/ 229، "مشكل إعراب القرآن" 1/ 6.]]، وجمعه (أسماء) مثل قنو وأقناء [[في (ب): (فتو أفتاء).]] وحنو وأحناء فحذفت الواو استثقالًا [[في (ب): (استقلالا).]] [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 2، "اشتقاق أسماء الله" ص 255، "المنصف" 1/ 60.]]، ولم تحذف من نظائره؛ لأنها لم تكثر [[في (ب): (تكن).]] كثرته، ثم سكنوا السين استخفافًا لكثرة ما تجري على لسانهم، واجتلبت ألف الوصل ليمكن الابتداء به، وكان هذا أخف عليهم من ترك الحرف متحركا، لأن الألف تسقط في الإدراج، وكان إثبات الحرف الذي يسقط كثيرا أخف من حركة السين التي [[في (ب): (الذي).]] تلزم أبدا [[انظر: "اشتقاق أسماء الله" ص 256، 257، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 117، "الكشاف" 1/ 34، قال الزمخشري: (ومنهم من لم يزدها، أي: الألف، واستغنى عنها بتحريك الساكن فقال: (سم) و (سم).]].
قالوا: و [[(الواو) ساقطة من (ج).]] لا يصح مذهب الكوفيين في هذا الحرف، لأنه لا يعرف شيء حذفت منه فاء الفعل، فدخلت عليه ألف الوصل كالعدة والزنة.
وأيضا فلو كان من الوسم لكان تصغيره (وسيما)، كما يقول: (وعيدة) و (وصيلة) في تصغير: صلة وعدة [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 2، "اشتقاق أسماء الله" ص 255 - 257، "المخصص" 17/ 134، "تفسير ابن عطية" 1/ 84، "الإنصاف" لابن الأنباري وقد ذكر خمسة وجوه في (بيان فساد مذهب الكوفيين) ص 4، "تهذيب اللغة" (سما) 2/ 1747.]].
وأما معنى (الاسم) ففيه مذهبان [[ذكر الرازي وابن كثير فيه ثلاثة مذاهب وهي:
1 - الاسم نفس المسمى وغير التسمية.
2 - الاسم غير المسمى ونفس التسمية.
3 - الاسم غير المسمى وغير التسمية. "التفسير الكبير" للرازي 1/ 108، "تفسير ابن كثير" 1/ 20، وقد كثر الخوض في هذِه المسألة، وجعل بعضهم كثرة الحديث فيها من باب العبث الذي لا طائل تحته. انظر: "تفسير الرازي" 1/ 109.
قال الطبري: (وليس هذا هو الموضع من مواضع الإكثار في الإبانة عن الاسم: أهو المسمى أم غيره، أم هو صفة له؟ فنطيل الكتابة، وإنما هذا موضع من مواضع الإنابة عن الاسم المضاف إلى الله، أهو اسم أم مصدر بمعنى التسمية؟ ..) ثم أخذ ابن جرير يرد على أبي عبيدة قوله: إن الاسم هو المسمى بتقريع مرير. وقد علق الأستاذ (محمود شاكر) على كلام الطبري بكلام جيد. انظر: "تفسير الطبري" 1/ 188 - 122. (تحقيق محمود شاكر) كما تكلم عن هذا ابن عطية في تفسير "المحرر الوجيز" 1/ 85. وقد أوضح العلامة ابن أبي العز في شرح "العقيدة الطحاوية" المنهج الصحيح في هذا حيث قال: قولهم: الاسم عين المسمى أو غيره؟ وطالما غلط كثير من الناس في ذلك، وجهلوا الصواب فيه، فالاسم يراد به المسمى تارة، ويراد به اللفظ الدال عليه أخرى، فإذا قلت: قال الله كذا، أو سمع الله لمن حمده، ونحو ذلك. فهذا المراد به المسمى== نفسه، وإذا قلت: الله اسم عربي، والرحمن اسم عربي، والرحيم من أسماء الله تعالى ونحو ذلك، فالاسم ها هنا هو المراد لا المسمى، ولا يقال غيره، لما في لفظ الغير من الإجمال ..)، "شرح الطحاوية" ص 82. وقد ذكر ابن عطية في "تفسيره" أن مالكا رحمه الله سئل عن الاسم أهو المسمى؟ فقال: ليس به ولا غيره، قال ابن عطية: يريد دائما في كل موضع 1/ 89.]]: أحدهما: أنه بمعنى التسمية [[قال الرازي: قالت المعتزلة: الاسم غير المسمى ونفس التسمية، 1/ 108، وانظر: "تفسير ابن كثير" 1/ 20.]]، وعلى هذا قول القائل: بسم الله: أي: بتسمية الله أفتتح تيمنا وتبركا.
والثاني وهو الصحيح: أن الاسم هو المسمى [[وبه أخذ شيخه الثعلبي في تفسيره "الكشف والبيان" 1/ 16/ أ، وقرره أبو عبيدة في "مجاز القرآن" 1/ 16، والزجاج في "معاني القرآن" 1/ 2. وقد رد الطبري هذا القول كما سبق، كما رد عليه ابن جني في كتابه "الخصائص" حيث أبان في (باب في إضافة الاسم إلى المسمى، والمسمى إلى الاسم) قال: (فيه دليل نحوي غير مدفوع يدل على فساد قول من ذهب إلى أن الاسم هو المسمى). "الخصائص" 3/ 24، والصحيح هنا أنه لا يقال: الاسم هو المسمى ولا غيره، بل قد يكون هو المسمى في موضع وغيره في موضع آخر، كما سبق في بيان كلام ابن أبي العز في "شرح الطحاولة".]] كقوله [[في (ب): (لقوله).]] تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النساء: 59] فلو كان الاسم غير المسمى وجب أن يكون المأمور بطاعته غير الله وغير الرسول، وإذا قال القائل: رأيت زيدا، وجب أن يكون لم ير شخص زيد.
وسئل أحمد بن يحيى [[المعروف بـ (ثعلب).]] عن الاسم أهو المسمى أو غيره؟ فقال: قال أبو عبيدة: الاسم هو المسمى [[انظر: "مجاز القرآن" 1/ 16.]]، وقال سيبويه: الاسم غير المسمى. قيل له: فما قولك؟ فقال: ليس لي فيه قول [[ذكره الأزهري في "تهذيب اللغة" (سما) 2/ 1747، "اللسان" 4/ 2107.]].
وإذا كان الاسم هو المسمى فمعنى قول القائل: (بسم الله) أي بالله، ومعناه بالله أفعل، أي بتوفيقه، أو بالله تكونت الموجودات، أو ما أشبه هذا من الإضمار [[ذكره الثعلبي في "الكشف والبيان" 1/ 16/ أ.]].
وأدخل الاسم ليكون فرقا بين اليمين والتيمن [[ذلك أن قولك (بالله) يمين، وقولك: (باسم الله) تيمن. انظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 16/ أ.]].
وأكثر ما يستعمل الاسم يستعمل بمعنى التسمية [[سبق قريبًا اختيار الواحدي أن الاسم هو المسمى وليس بمعنى التسمية.]]، وإذا استعمل بمعنى التسمية فهو كلمة تدل على المعنى دلالة الإشارة دون دلالة الإفادة [[قال ابن سيده في "المخصص": (والاسم كلمة تدل على المسمى دلالة الإشارة دون الإفادة .. الخ بنصه) 17/ 134. والإشارة عند الأصوليين: دلالة اللفظ على المعنى من غير سياق الكلام له مثل قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 233] ففي قوله ﴿له﴾ إشارة إلى أن النسب للأب. انظر: "التعريفات" للجرجاني ص 27، "كشاف اصطلاحات الفنون" للتهانوي 1/ 750.]]، وذلك أنك إذا قلت: زيد [[في (ب): (زيدًا).]]، فكأنك قلت: هذا، وإذا قلت: الرجل، فكأنك قلت: ذاك.
ودلالة الإفادة هو ما أفاد السامع معنى، كقولك: قام وذهب [[في "المخصص" بعد هذا الكلام: (.. فأما الأول -يريد دلالة الإشارة- فإنما الغرض فيه أن تشير إليه ليتنبه عليه ..) 17/ 134.]]، ووزن (الاسم) يصلح أن يكون (فِعْل)، ويصلح فيه (فُعْل) [[انظر: "المقتضب" 1/ 229، "المخصص" 17/ 135.]] لأنهم أنشدوا: باسم الذي في كل سورة سمه [[أنشده أبو زيد. قال: قال رجل زعموا أنه من كلب:
أَرْسَلَ فِيَهِا بَازِلا يُقرِّمه ... وَهْو بِهَا يَنْحو طَرِيقًا يَعْلَمْه
باسم الذي في كل سورة سِمُهْ
"نوادر أبي زيد" ص 461، 462.
ومعنى الرجز: يقول أرسل الراعي في الإبل للضراب بعيرا في التاسعة من عمره محجوزًا عن العمل ليقوى على الضِرَاب، أرسله باسم الله الذي يُذكر اسمه في كل سورة. ورد البيت في "المقتضب" 1/ 229، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 1، "تهذيب اللغة" (سما) 2/ 1747، "المنصف" 1/ 16، "المخصص" 17/ 135، "الإنصاف" 1/ 12، "اللسان" (سما) 4/ 2107.]]
بالكسر والضم
وقوله [[أي: قول الله عز وجل.]]: أما أصل هذِه الكلمة [[تكلم أبو علىِ الفارسي عن أصل لفظ الجلالة (الله) وأطال في كتابه "الإغفال" متعقبا الزجاج فيما ذكره في "معاني القرآن" ونقل عنه الواحدي ذلك مع تصرف يسير في العبارة، ولم يعزه له، ونقل كلام أبي علي ابن سيده في "المخصص" وعزاه له. "الإغفال" ص 4 - 49 (محقق رسالة ماجستير)، وانظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 5، "المخصص" 17/ 136 - 151.]]، فقد حكى أصحاب سيبويه عنه فيه [[في "الإغفال" ص 11: فقد حمله سيبويه على ضربين، "المخصص" 17/ 138، وذكر الزجاج فيه أربعة أقوال، أحدها: أنه غير مشتق، وعن الخليل: أن أصله (ولاه) من الوله والتحير، وقولان مثل قولي سيبويه. "اشتقاق أسماء الله" ص 23.]] قولين:
أحدهما: قال: كان أصل هذا الاسم إلاها [["الكتاب" 2/ 195.]]، ففاؤها (همزة)، وعينها (لام)، و (الألف) ألف فعال الزائدة، واللام (هاء)، ثم حذف (الفاء) حذفا لا على التخفيف القياسي في مثل قولك: (الخب) [[في (ب)، (ج): (بالحاء) المهملة في الموضعين. و (الخبء) ما خبِّئ، سمي بالمصدر، انظر: "اللسان" (خبأ) 2/ 1085.]] في (الخبء)، و (ضو) في (ضَوْء)، لأنه لو كان كذلك [[أي: على التخفيف القياسي، اختصر الواحدي كلام الفارسي، حيث افترض أن سائلا يسأل لماذا كان على هذا التقدير؟ ولم يكن على التخفيف، فأجاب عنه بما محصله ما ذكر. انظر: "الإغفال" ص 11.]] لما لزم أن يكون منها عوض؛ لأنها إذا حذفت على حد التخفيف كانت ملقاةً في اللفظ مبقاةً في النية، ومعاملةً معاملة المثبتة غير المحذوفة، يدلك على ذلك تركهم (الياء) مصححة في قولهم (جَيْأَل) [[(الجَيْأَل) الضبع. انظر: "معجم مقاييس اللغة" (جيل) 1/ 499.]] إذا خففوا قالوا: جَيَل، ولو كانت محذوفة في التقدير كما أنها محذوفة في اللفظ للزم قلب (الياء) (ألفا) ولما كانت (الياء) في نية السكون [[أي على نية بقائها ساكنة كما كانت قبل التخفيف (جَيْأَل).]] لم تقلب.
ويدل عليه [[ترك بعض حجج الفارسي. انظر: "الإغفال" ص 12.]] أيضًا تثبيتهم [[في "المخصص" (تبينهم) 17/ 138.]] (للواو) في (نُوْي) إذا خفف (نُؤي) [[في (ج): (بدون همز).]]، ولولا نية الهمزة لقلبت (ياء) وأدغمت [[في (ب): (أودعت).]] كما فعل في (مَرْمِيٍّ) وبابه [[في (ب): (ربابه) وباب مَرْمِي هو كل كلمة التقت فيها الواو والياء والأولى منهما ساكنة، تقلب فيها (الواو) (ياء) وتدغم في (الياء). انظر: "أوضح المسالك" ص 310.]].
وفي تعويضهم من همزة (إلاه) ما يدل على أن حذفها ليس على حد القياس [[أورد كلام أبي علي مختصرا. انظر: "الإغفال" ص 12، 13.]]، وذلك العوض هو (الألف واللام)، والدلالة على أنها عوض استجازتهم قطع الهمزة الموصولة الداخلة على (لام التعريف) في (القسم [[في (ج): (القيم).]] و (النداء) مثل: أَفَأَللهِ لَتَفْعَلَنَّ، ويا أَللهُ اغفر لي [[انظر: "الكتاب" 2/ 195.]].
فلو كانت غير عوض لم تثبت كما لم تثبت في غير هذا الاسم، ولما اختص هذا الاسم بقطع الهمزة فيه عَلِمنا أن ذلك لمعنى ليس في غيره، وهو كونها عوضا من المحذوف الذي هو (الفاء).
ألا ترى أنك إذا أثبت الهمزة في (الإله) لم تكن (الألف واللام) فيه على حدهما في قولنا: (الله) لأن قطع همزة الوصل لا يجوز في (الإله)، كما جاز في قولنا: (الله) لأنهما ليسا بعوض من شيء [[قوله: (ألا ترى .. إلى شيء) ورد في "الإغفال" في موضع آخر بعيدا عما قبله. وانظر: "الإغفال" ص 35، "المخصص" 17/ 146.]].
القول الثاني: في أصل هذِه الكلمة: أن أصله (لَاهٌ) ووزنه على هذا (فَعْلٌ) [["الإغفال" ص 26، "المخصص" 17/ 143، "اشتقاق أسماء الله" ص 27.]] (اللام) فاء الفعل، و (الألف) منقلبة عن الحرف الذي هو العين، و (الهاء) لام، والذي دلّه [[أي سيبويه فهذا قوله الثاني، قال في "الإغفال": (فأما القول الآخر الذي قاله سيبويه في اسم الله تعالى فهو أن الاسم أصله (لاه) .. والذي دله على ذلك أن بعضهم يقول: (لَهْيَ أبوك)، ... "الإغفال" ص 26، وانظر: "الكتاب" 3/ 498.]] على ذلك قول بعضهم: (لَهْيَ أبوك) بمعنى: لله أبوك، قال سيبويه: فقلب العين وجعل اللام ساكنة، وهو (الهاء) [[في (ج): (الاها).]] إذا صارت مكان العين، كما كانت العين ساكنة في (لاه) [[قوله (لاه) زيادة ليست في "الإغفال" ولا في "الكتاب".]]، وترك آخر الاسم مفتوحًا كما تركوا آخر (أين) مفتوحًا [[مبنية على الفتح، انظر: "المسائل الحلبيات" ص 103.]]، وإنما فعلوا ذلك به حيث غيروه لكثرته في كلامهم، فغيروا إعرابه كما غيروه [[انتهى كلام سيبويه، "الكتاب" 3/ 498، "الإغفال" ص 26، "المخصص" 17/ 143، "المسائل الحلبيات" للفارسي ص101، "المسائل البصريات" للفارسي 2/ 909.]].
فالألف -على هذا القول- في الاسم منقلبة عن (الياء) لظهورها في موضع (اللام) المقلوبة إلى موضع (العين) وهي في [[في (ب): (من).]] القول الأول زائدة لفعال غير منقلبة عن شيء. واللفظتان على هذا مختلفتان، وان كان في كل واحدة منهما بعض حروف الأخرى [[انظر بقية كلام أبي علي الفارسي في "الإغفال" ص 26 وما بعدها.]].
وحكى أبو بكر محمد بن السري [[في "الإغفال" (أبو بكر بن السراج) ص 34، وفي "المخصص" (أبو بكر) 17/ 145. وابن السراج: هو أبو بكر محمد بن السري بن السراج النحوي.]] أن أبا العباس محمد بن يزيد، اختار القول الثاني [[في (ب): (الأول) ولم يرد لفظ (الأول) أو (الثاني) في "الإغفال" وإنما فيه (اختار في هذا الاسم أن يكون أصله لاها ....) وهذا هو القول الثاني لسببويه. "الإغفال" ص 34، "المخصص" 17/ 145، وقد أورد المبرد في "المقتضب" القول الأول لسيبويه 4/ 240، وانظر: "اشتقاق أسماء الله" للزجاجي ص 25، "الخزانة" 2/ 266، 267.]] من القولين اللذين ذكرهما سيبويه.
وأما اشتقاق هذا الاسم من اللغة فذهبت طائفة منهم الخليل [[هو أبو عبد الرحمن الخليل بن أحمد الفراهيدي، البصري، صاحب العربية والعروض (100 - 175 هـ). انظر ترجمته في: "معجم الأدباء" 3/ 300، "طبقات النحويين == واللغويين" للزبيدي ص 47، "إنباه الرواة" 1/ 376، "وفيات الأعيان" 2/ 244، ومقدمة "تهذيب اللغة" 1/ 32، "إشارة التعيين" ص 114.]]، وابن كيسان [[هو أبو الحسين محمد بن أحمد بن كيسان، النحوي، كان يجمع بين المذهبين البصري والكوفي، وإلى مذهب البصريين أميل، توفي سنة تسع وتسعين ومائتين.
انظر ترجمته في "طبقات النحويين" للزبيدي ص 139، "تاريخ بغداد" 1/ 335، "إنباه الرواة" 3/ 57.]] وأبو بكر القفال [[هو محمد بن علي بن إسماعيل، أبو بكر الشاشي القفال، أحد أعلام المذهب الشافعي، يتكرر ذكره في التفسير والحديث والأصول والكلام، توفي سنة خمس وستين وثلاثمائة على الصحيح.
انظر ترجمته في "الأنساب" 7/ 244، "وفيات الأعيان" 4/ 200، "طبقات الشافعية" لابن قاضي شهبة 1/ 148.]]، والحسين [[في (ب): (الحسن).]] بن الفضل [[الحسين بن الفضل، هو أبو علي الحسين بن الفضل بن عمير البجَلِي الكوفي ثم النيسابوري، المفسر، توفي سنة اثنتين وثمانين ومائتين.
انظر ترجمته في: "العبر" 1/ 406، "طبقات المفسرين" للداودي 1/ 159.]] إلى أنه ليس بمشتق، وأنه اسم تفرد به الباري سبحانه وتعالى، يجري في وصفه مجرى الأسماء الأعلام، لا يشركه فيه أحد، قال الله عز وجل: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: 65] [[انظر: "تفسير أسماء الله" للزجاجي، وانظر: "اشتقاق اسماء الله" للزجاجي: ص 28 "تفسير الثعلبي" 1/ 18 أ "الزينة" 2/ 12.]] وأما الذين قالوا: إنه مشتق فاختلفوا، فذهب عُظْمُ أهل اللغة إلى أن معناه المستحق للعبادة، وذو العبادة الذي إليه تُوَجَّه، وبها يُقْصَد [[انظر: "الإغفال" ص 5، "المخصص" 17/ 136، "تفسير الثعلبي" 1/ 18/ أ، "تفسير أسماء الله" ص 26، "اشتقاق أسماء الله" ص 3023، "تهذيب اللغة" (الله) 1/ 189.]].
ورُويَ عن ابن عباس أنه كان يقرأ (ويذرك وإِلاهَتَك) [الأعراف: 127] قال معناه: عبادتك [[أخرجه الطبري عن ابن عباس ومجاهد، من طرق، 1/ 84، 9/ 25 - 26، وذكره ابن خالويه في "الشواذ" ص 50، وابن جني في "المحتسب" وعزاه كذلك إلى علي وابن مسعود وأنس بن مالك وعلقمة الجحدري والتيمي وأبي طالوت وأبي رجاء، 1/ 256، والفارسي في "الإغفال" ص 5، وانظر: "المخصص" 17/ 136، "تفسير الماوردي" 2/ 248، "تهذيب اللغة" (الله) 1/ 190، "البحر" 4/ 367.]]. وقال أبو زيد [[هو سعيد بن أوس بن ثابت، أبو زيد الأنصاري، صاحب النحو واللغة، مات سنة خمس عشرة ومائتين.
انظر ترجمته في مقدمة "تهذيب اللغة" 1/ 34 - 35، "تاريخ بغداد" 9/ 77، "طبقات النحويين واللغويين" ص 165، "إنباه الرواة" 2/ 30.]]: تَأله الرجل إذا نسك [["الإغفال" ص 6، "المخصص" 17/ 136.]]، وأنشد:
سَبَّحْنَ واسْتَرْجَعْنَ [[في (ج): (استرحبن).]] مِنْ تَأَلُّهِي [[البيت لرؤبة وقبله: لله دَرُّ الغَانِيَاتِ المُدَّهِ.
(المُدَّه) جمع مَادِه، بمعنى المادح، يقول: إن هؤلاء سبحن: وقلن إنا لله وإنا إليه راجعون، يقلنها حسرة كيف تنسك وهجر الدنيا.
ورد البيت في "الطبري" 1/ 54، "الإغفال" ص 6، "المخصص" 17/ 136، "المحتسب" 1/ 256، "تفسير أسماء الله" للزجاج ص 26، "اشتقاق أسماء الله" ص 24، "التهذيب" (الله) 1/ 189، "شرح المفصل" 1/ 3، "زاد المسير" 1/ 9، وابن عطية 1/ 57، "تفسير الثعلبي" 1/ 18/ أ، "ديوان رؤبة" ص 165.]]
وقد سَمَّت [[في (ج): (سمعت).]] العرب الشمس لما عبدت (إِلاهَةَ)، و (الإلاهة) قال عتيبة بن الحارث اليربوعي [[نسبه الطبري لبنت عتيبة 9/ 26، ونسبه بعضهم لـ (مية) وهو اسمها وكذا (أم البنين) وقيل: لنائحة عتيبة، والأقرب أنه لبنت عتيبة ترثي أباها حين قتله (بنو أسد) يوم (خَوّ) مع أبيات أخرى ذكرها في "معجم البلدان" 5/ 18.]]: تَرَوَّحْنَا مِنَ اللعْبَاءِ أَرْضًا ... وأَعْجَلْنَا الإلاَهَةَ أَنْ تَؤُوبَا [[(اللعباء) مكان بين الربذة وأرض بني سليم، وقيل: غير ذلك، وقوله: (أرضا) يروى (عصرا) ويروى (قصرا) أي: عشيا. ورد البيت في الطبري 9/ 26، "الإغفال" ص 8، 9، "المخصص" 17/ 137، "تهذيب اللغة" (الله) 1/ 190، "معجم ما استعجم" 4/ 1156، "معجم البلدان" 5/ 18، "تفسير الثعلبي" 1/ 18 ب، "المحتسب" 2/ 123، "اللسان" (لعب) 7/ 4041.]]
وإنما سموها الإلاَهَة على نحو تعظيمهم لها وعبادتهم إياها كفرا.
وعلى ذلك نهاهم الله وأمرهم بالتوجه في العبادة إليه في قوله جل وعلا: ﴿لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ﴾ [فصلت: 37] [فصلت: 37] الآية [[انظر: "الإغفال" ص 9.]]، وكذلك أيضًا كانوا يدعون معبوداتهم من الأصنام والأوثان (آلهة)، وهي جمع (إلاه) [[في (ب): (الإله).]] كإزار وآزرة، وإناء وآنية.
قال الله تعالى: ﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾ [الأعراف: 127] وهي أصنام كان يعبدها [[في (ب): (كانوا يعبدوها).]] قوم فرعون معه [[انظر: "الإغفال" ص 10، 11، "تهذيب اللغة" 1/ 190.]]، وعلى هذا قال قائلهم:
كَحَلْفَةٍ مِنْ أَبِي رِيَاحٍ ... يَسْمَعُهَا لاَهُهُ [[في (ب): (لأهه)]] الكُبارُ [[من قصيدة للأعشى، قالها فيما كان بينه وبين بني جحدر، و (أبو رياح) رجل من بني ضبيعة، قتل جارا لبني سعد بن ثعلبة، فسألوه الدية، فحلف لا يفعل، ثم قُتِل بعد حلفته، و (لاهه): الهه، (الكبار): العظيم، ويروى (بحلفة) ويروى (كدعوة).
انظر: "ديوان الأعشى" ص 72، "الجمهرة" 1/ 327، "اشتقاق أسماء الله" ص 27، "تفسير الثعلبي" 1/ 17 ب، "الزينة" 2/ 18، "معاني القرآن" للفراء 1/ 207، والقرطبي 4/ 53، "اللسان" (أله) 1/ 116، و (لوه) 7/ 4107، "شرح المفصل" 1/ 3، "الخزانة" 7/ 176.]] يريد: الصنم، وهذا البيت حجة للقول الثاني [[وهو أن أصل (الله): (لاه).]] من قول سيبويه.
قالوا: وهو [[في (ب): (وهم).]] اسم حدث، ثم جرى صفة للقديم سبحانه، ونظير هذا قولنا: (السلام)، والسلام من سَلَّم كالكلامِ من كَلَّم، والمعنى ذو السلام، أي: يُسَلم من عذابه من يشاء من عباده، كما أن المعنى في الأول أن العبادة تجب له [[بنصه في "الإغفال" ص 6، "المخصص" عن "الإغفال" 17/ 136.]]، فهذا وجه، وهو طريقة أهل اللغة [[انظر: "تهذيب اللغة" 1/ 189، "معجم مقاييس اللغة" (أله) 1/ 127، "الصحاح" (أله) 6/ 2223، "اللسان" (أله) 1/ 114.]].
وأخبرني أبو الفضل أحمد بن محمد بن عبد الله العروضي -رحمه الله- قال: أبنا [[(أبنا) ساقط من (ج).]] أبو منصور أحمد بن محمد الأزهري [[صاحب "تهذيب اللغة" سبقت ترجمته.]]، أبنا [[في (ج): (أن).]] أبو الفضل المنذري [[هو محمد بن أبي جعفر المنذري اللغوي (أبو الفضل) يروي عن أبي العباس ثعلب، وأبي الهيثم الرازي، روى عنه الأزهري كثيرًا. انظر مقدمة "تهذيب اللغة" 1/ 30، 41، "اللباب" 3/ 262.]]، قال: سألت أبا الهيثم خالد بن يزيد الرازي، عن اشتقاق اسم (الله) في اللغة، فقال (الله) أصله (إلاه)، قال الله جل ذكره: ﴿وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ﴾ [المؤمنون: 91] ولا يكون إلهًا حتى يكون معبودًا، وحتى يكون لعابده [[في (ب): (لعباده).]] خالقًا، ورازقًا، ومدبرًا، وعليه مقتدرًا، فمن لم يكن كذلك فليس بإله، وإن عَبِدَ ظلما، بل هو مخلوق [[في (ب): (وهو مخلوق).]] ومتعبد، قال: وأصل (إلاه) (ولاه) فقلبت الواو همزة، كما قالوا: للوشاح: إشاح، ولِلْوِجَاح: إِجَاح [[يقال ليس دونه وِجاح، ووَجاح، ووُجاح، وأجاح، إجاح: أي: ستر "اللسان" (وجح) 8/ 4769.]]، ومعنى وِلاه: أن الخلق يَوْلَهون إليه في حوائجهم، ويضرعون إليه فيما ينوبهم، ويفزعون إليه في كل ما يصيبهم كما يَوْلَه كل طفل إلى أمه [[كلام أبي الهيثم ورد في "التهذيب" ضمن كلام طويل له قال الأزهري: (وأخبرني المنذري عن أبي الهيثم أنه سأله عن اشتقاق اسم الله في اللغة فقال ..) ثم ذكره، "التهذيب" (الله والإله) 1/ 189، وانظر: "اللسان" (أله) 1/ 114.]].
وحكي عن أبي عمرو بن العلاء أنه مشتق من أَلِهْت في الشيء آلَهُ إلها إذا تحيرت فيه [[ذكره الثعلبي 1/ 18 أ.]].
وتسمى المفازة ميلها.
وقال الأعشى [[هو أبو بَصير، ميمون بن قيس، من فحول شعراء الجاهلية، ويدعى (الأعشى الكبير) تمييزًا له عن غيره ممن سمي (الأعشى)، أدرك الإسلام آخر عمره، وعزم على الدخول فيه، فصدته قريش في قصة مشهورة. انظر ترجمته في "الشعر والشعراء" ص 154، "معاهد التنصيص" 1/ 196، "خزانة الأدب" 1/ 175.]]:
وَبَهْمَاءَ تِيهٍ تَأْلهَ العَيْنُ وَسْطَهَا ... وَتَلْقَى بِهَا بَيْضَ النَّعَام تَرَائِكَا [[في (ج): (برائكا). البيت في وصف صحراء مطموسة المعالم، (ترائكا) متروكة، ورواية الشطر الأول في الديوان: وَيَهْمَاءَ قَفْرٍ تَخْرُجْ العَيْنَ وَسْطَهَا. وعليه فلا شاهد في البيت هنا. (الديوان) ص 130، والثعلبي بعد أن ذكر قول أبي عمرو ابن العلاء استشهد بقول زهير: == وَبَيْدَاء تِيهٍ تَألْهُ العَيْنُ وَسْطَهَا ... مُخَفَّقةٍ غَبْرَاءَ صَرْمَاءَ سَمْلَقِ
الثعلبي 1/ 18 أ، وكذا في "الزينة" 2/ 19.]] ومعناه: أن العقول تتحير في كنه صفته وعظمته [[الثعلبي 1/ 18 ب، وانظر: "الزينة" 2/ 19.]].
وعند متكلمي أصحابنا [[هم المتكلمون من الأشاعرة، الذين تكلموا في العقائد بالطرق العقلية. انظر: "درء تعارض العقل والنقل" 1/ 28، 38، "الرسالة التدمرية" لابن تيمية ص 147.]]: أن الإله من الإلَهية، والإلَهِية القدرة على اختراع الأعيان [[هذا التفسير لمعنى الإلَهية هو منهج المتكلمين، وعند أهل السنة هو المستحق للعبادة. قال ابن تيمية: (وليس المراد بـ) بالإله (هو القادر على الاختراع كما ظنه من ظنه من أئمة المتكلمين .. بل الإله الحق هو الذي يستحق أن يعبده فهو إله بمعنى مألوه لا إله بمعنى آله ..)، "الرسالة التدمرية" ص 186.]].
وقد أشار أبو الهيثم إلى هذا فيما ذكر، قالوا: وانما سَمَّت العرب معبوداتهم آلهة [[مرَّ كلام أبي الهيثم قريبا، وليس فيه دليل على أن الإلهية: القدرة على الاختراع، بل يدل على المعنى الثاني وهو أن الإلهية؛ استحقاق العبادة، وقوله: (لأنهم اعتقدوا فيها صفة التعظيم ..). ليس من كلام أبي الهيثم، انظر: "تهذيب اللغة" أله 1/ 189.]]؛ لأنهم اعتقدوا فيها صفة التعظيم، واستحقاق هذا الاسم فأصابوا في الجملة، وأخطؤوا في التعيين.
والإمالة في اسم الله تعالى جائزة في قياس العرب [[الكلام عن إمالة (الألف) من لفظ الجلالة نقله عن أبي علي الفارسي من "الإغفال" ص 46، قال الفارسي: (فأما الإمالة في الألف من اسم الله تعالى فجائزة في قياس العربية، والدليل على جوازها ..). ونقل ابن سيده كلام الفارسي. "المخصص" 17/ 150. ومعنى الإمالة: هو تقريب الألف نحو الياء والفتحة التي قبلها نحو الكسرة وهناك ثلاث علل للإمالة: هي الكسرة، وما أميل ليدل بالإمالة على أصله، والإمالة لإمالة بعده.
انظر: "الكشف عن وجوه القراءات السبع" لمكي 1/ 168، 170.]]، والدليل على جوازها أن هذِه (الألف) لا تخلو من أن تكون زائدة لفِعَال كالتي [[في (جـ): (كالذي).]] في (إزار) و (عِمَاد)، أو تكون عين الفعل.
فإن كانت زائدة جازت فيها الإمالة من وجهين:
أحدهما: أن الهمزة المحذوفة كانت مكسورة، وكسرها يوجب الإمالة في الألف، كما أن الكسرة في (عماد) توجب إمالة ألفه.
فإن قلت: كيف تمال الألف من أجل الكسرة في الهمزة وهي محذوفة؟ فالقول فيها إنها وإن كانت محذوفة، موجبة للإمالة [[في (أ)، (ج): (الإمالة) وما في (ب) موافق لـ"الإغفال" ص 47.]]، كما كانت توجبها قبل الحذف؛ لأنها -وإن كانت محذوفة- فهي من الكلمة، ونظير ذلك ما حكاه سيبويه من أن بعضهم يميل الألف في: مَادٍّ [[في (أ)، (ب)، (ج): (صاد) بالصاد، وصححت الكلمة على ما ورد في "الإغفال" ص 48، "المخصص" 17/ 150، ووردت كذلك عند سيبويه (جاد وماد) 7/ 132، ولا تصح بالصاد؛ لأن الإمالة تمنع بعد (الصاد) لأنه حرف مستعمل. انظر: "الكتاب" 4/ 128.]] وَشَاذٍّ، للكسرة المنوية [[في (ب): (المنونة).]] في عين الفعل عند ترك الإدغام، وإن لم يكن في لفظ الكلمة كسرة [[حكى كلام الفارسي بالمعنى، انظر: "الإغفال" ص 48، "الكتاب" 4/ 122، 132، "المخصص" 17/ 150.]]، كذلك الألف في اسم الله، تجوز إمالتها وإن لم تكن الكسرة ملفوظا بها.
والوجه الثاني: (لام) [[في "الإغفال" (وتجوز إمالتها من جهة أخرى، وهي أن لام الفعل منجرة ..) ص 48.]] الفعل منجرة، فتجوز الإمالة لانجرارها. وإن كانت الألف عينا ليست [[في (ب): (ليس).]] بزائدة جازت إمالتها، وحسنت فيها إذ كان انقلابها عن الياء [[في (ب): (الباء) وكذا قوله: (وظهور الباء).]] بدلالة قولهم: (لَهْيَ أبوك [[مرت هذِه الصيغة قريبا وهي بمعنى (لله أبوك) انظر ص 252.]]) وظهور الياء لما قلبت إلى موضع السلام [[انتهى عن "الإغفال" لأبي علي الفارسي، وقال بعده: (فإن ثبتت بها قراءة فهذِه جهة جوازها) ص 49، وانظر: "المخصص" 17/ 151.]].
وقوله: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. معنى الرحمة في صفة الله تعالى: إرادته الخير والنعمة بأهله، وهي صفة ذات، وفي صفة أحدنا تكون رقة قلب وشفقة [[الرحمة صفة من صفات الله تعالى، نثبتها له تعالى، كما أثبتها لنفسه، ولا يلزم من إثباتها مشابهة صفة المخلوقين، ولا نؤولها بإرادة الخير كما فعل الواحدي هنا.
انظر: "تفسير الطبري" 1/ 58 - 59، (الرسالة التدمرية) لابن تيمية ص 23، 30.]].
قال أبو بكر محمد بن القاسم بن [[هو أبو بكر بن الأنباري، سبقت ترجمته عند الحديث عن مصادر الواحدي.]] بشار: سألت أبا العباس [[هو أبو العباس ثعلب كما صرح بذلك الزجاجي في "اشتقاق أسماء الله" ص 42، وانظر: "الزاهر" 1/ 153، "تهذيب اللغة" (رحم) 2/ 1383، "الزينة" 2/ 25، "الاشتقاق" لابن دريد ص 58، ووهم القرطبي فقال: زعم المبرد فيما ذكر ابن الأنباري في كتاب "الزاهر" 1/ 104، وإنما هو ثعلب كما سبق وليس أبا العباس المبرد.]] لم جمع بين الرحمن والرحيم؟ فقال: لأن الرحمن عبراني فأتى معه الرحيم العربي، واحتج بقول جرير [[هو أبو حَرْزَة، جرير بن عطية بن حذيفة من بني كليب بن يربوع، أحد فحول الشعراء في صدر الإسلام، توفي سنة عشر ومائة. انظر ترجمته في "الشعر والشعراء" ص 304، "طبقات فحول الشعراء" 2/ 297، "الخزانة" 1/ 75.]]: أو تَتْرُكُونَ إِلَى القَسَّيْنِ [[في (ج): (القيز).]] هِجْرَتَكُم ... وَمَسْحَهُمْ صُلْبَهُمْ رَحَمَانَ قُرْبَانَا [[البيت من قصيدة له يهجو فيها الأخطل وهو نصراني، فحكى في البيت قول النصارى، ولهذا نصب (رحمن): (قربانا) أي قائلين ذلك، ويروى البيت (هل تتركن)، (مسحكم) وفي "الزينة" (رخمن) بالمعجمة وهو بمعنى: الحاء. انظر: "الزينة" 2/ 25، "الزاهر" 1/ 153، "اشتقاق أسماء الله" ص 43، "تهذيب اللغة" (رحم) 2/ 1383، "تفسير الماوردي" 1/ 52 "تفسير القرطبي" 1/ 91، "اللسان" (رحم) 3/ 1612.]]
فأنكر عليه بعض الناس [[ممن أنكر ذلك الطبري في "تفسيره" حيث قال: (وقد زعم بعض أهل الغباء أن العرب كانت لا تعرف (الرحمن) ولم يكن ذلك في لغتها ...) 1/ 57، والزجاجي في "اشتقاق أسماء الله" ص 42، وابن سيده في "المخصص" 17/ 151 وغيرهم.]]، وقال: لم تزل العرب تعرف الرحمن وتذكره في أشعارها، واحتج بقول الشاعر:
أَلاَ ضَرَبَت تِلْكَ الفَتَاة [[في (ب): (الفتاو).]] هَجِيَنَهَا ... أَلاَ قَضَبَ الرَّحْمَنُ رَبِّي يَميِنَهَا [[لم يعرف له قائل وقد ذكره الطبري في "تفسيره" 1/ 58، وابن سيده في "المخصص" 17/ 152، وقال محمد محمود التركزي الشنقيطي في تعليقه على "المخصص": إن البيت من صنع بعض الرجال الذين يحبون إيجاد الشواهد المعدومة لدعاويهم. ورد عليه ذلك محمود شاكر في حاشيته على الطبري 1/ 131، وذكره ابن دريد في "الاشتقاق"، وقال: (وقد روي بيت في الجاهلية، ولم ينقله الثقات وهو للشنفرى:
لَقَدْ لَطَمَتْ تَلِكَ الفَتَاةُ هَجِينَهَا ... أَلاَ بَتَرَ الرَّحْمَنُ رَبَّي يَمِينَهَا
"الاشتقاق" ص 58، ورواية هذا البيت تختلف قليلا عن البيت المستشهد به، وانظر (اشتقاق أسماء الله) ص 82، (تفسير الماوردي) 1/ 52.]]
فقال [[أي ثعلب، ولم أجده، ولعله في كتب ابن الأنباري المفقودة، وأورد نحوه الطبري في == "تفسيره" 1/ 58، وانظر: "الاشتقاق" ص 58، والماوردي في "تفسيره" 1/ 52، والقرطبي في "تفسيره" 1/ 104.]]: إن جمهور العرب كانوا لا يعرفون "الرحمن" في الجاهلية، الدليل على هذا أنهم لما سمعوا النبي ﷺ يذكره قالوا: ما نعرف الرحمن إلا رجلًا باليمامة [[انظر الطبري فىِ "تفسيره" 19/ 29، والقرطبي في "تفسيره" 13/ 64.]]، وذلك قوله تعالى: ﴿قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ﴾ [الفرقان: 60] وإنما يذكر بعض الشعراء الرحمن في الجاهلية، إذ [[في (ج): (إذا).]] لقنه [[في (ب): (لقيته)]] من أهل الكتاب، أو أخذه عن بعض من قرأ الكتب كأمية بن أبي الصلت [[واسمه عبد الله بن ربيعة بن عوف الثقفي، سمع النبي ﷺ شعره فقال: "آمن شعره وكفر قلبه" وكان يخبر أن نبيا يخرج قد أظل زمانه، فلما خرج النبي ﷺ كفر به حسدا، ومات كافرا سنة ثمان أو تسع.
انظر: "الشعر والشعراء" ص 300، "طبقات فحول الشعراء" ص 101، "الاشتقاق" ص 143، "الخزانة" 1/ 247.]] وزيد بن [[زيد بن عمرو بن نفيل، والد سعيد بن زيد أحد العشرة، مات قبل المبعث. انظر: "الإصابة" 1/ 569، "تجريد أسماء الصحابة" 1/ 200.]] عمرو، وورقة بن نوفل [[هو ورقة بن نوفل بن أسد، ابن عم خديجة رضي الله عنها، قال ابن منده: اختلف في إسلامه، والأظهر أنه مات قبل الرسالة، وبعد النبوة وكذا قال الذهبي في "تجريد أسماء الصحابة" 2/ 128، وانظر: "الإصابة" 3/ 633، "الخزانة" 3/ 391.]]، ولا تجعل هذا حجة على ما عليه أكثرهم.
ومراد أبي العباس أن الرحمن يتكلم به بالعبرانية [[في (ج): (بالعبراني).]]، وتتكلم به العرب، فلما لم يخلص في كلامهم، ولم ينفردوا به دون غيرهم، أتى [[في (ب): (أوتى).]] بعده بالرحيم الذي لا يكون إلى عربيا، ولا يلتبس بلغة غيرهم [[لعل هذا من قول ابن الأنباري، لأن كلام الواحدي بعد هذا يدل على ذلك، لأنه رجح أن أصله عربي، وأنه مشتق، وأورد بعض الردود على أبي العباس كما سيأتي. قال الزجاجي رادا على من قال: إن أصله غير عربي ... الرحمن معروف (الاشتقاق) والتصريف في كلام العرب، والأعجمي لا معنى له في كلام العرب ولا تصريف "اشتقاق أسماء الله" ص 42.
وقول أبي العباس: إنه أورد (الرحيم) لأنها تعرفه العرب، مع (الرحمن) الذي يلتبس بكلام غيرهم. فكأنه جعلهما بمعنى واحد. وجمهور العلماء على أن لكل واحد منهما معنى غير معنى الآخر، وأن (الرحمن) عربي، وانما الكلام لم قدم (الرحمن) على (الرحيم)؟ وأجاب عنه الطبري في "تفسيره" 1/ 58 - 59، ويرد قريبا في كلام الواحدي.]].
والصحيح أنه مشتق من الرحمة، وأنه اسم عربي لوجود هذا البناء في كلامهم، كاللهفان والندمان والغضبان [[انظر: "تفسير الطبري" 1/ 55، "اشتقاق أسماء الله" ص 38، "المخصص" 1/ 151.]]. قال الليث: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ اسمان، اشتقاقهما [[في (ب): (اشتقاقهم).]] من الرحمة [["تهذيب اللغة" (رحم) 2/ 1383.]].
وقال أبو عبيدة: هما صفتان لله تعالى، معناهما ذو الرحمة [["مجاز القرآن" 1/ 21، "تهذيب اللغة" (رحم) 2/ 1383، والنص من "التهذيب"، وقد رد الطبري على أبي عبيدة قوله وأغلظ له حيث قال: (وقد زعم بعض من ضعفت معرفته بتأويل أهل التأويل، وقلت روايته لأقوال السلف من أهل التفسير أن (الرحمن) مجازه: ذو الرحمة ..) الطبري في "تفسيره" 1/ 58.]]. وأما ما احتج به أبو العباس من قوله: ﴿وَمَا الرَّحْمَنُ﴾ [الفرقان: 60] فهو سؤال عن الصفة، ولذلك قالوا: ﴿وَمَا الرَّحْمَنُ﴾، ولم يقولوا: ومن، والقوم جهلوا صفته، والاسم كان معلوما لهم في الجملة [[وجعله الطبري من إنكار العناد والمكابرة، وإن كانوا عالمين بصحته، وليس ذلك منهم إنكارا لهذا الاسم، الطبري في "تفسيره" 1/ 57 - 58، وقال ابن عطية: وإنما وقفت العرب على تعيين الإله الذي أمروا بالسجود له، لا على نفس اللفظة 1/ 93، وانظر ابن كثير في "تفسيره" 1/ 23، والقرطبي في "تفسيره" 13/ 67.]]. وقيل: هذا على جهة ترك التعظيم منهم. واختلفوا في أن أي الاسمين من هذين أشد مبالغة، فقال قوم: الرحمن أشد مبالغة من الرحيم، كالعلام من العليم، ولهذا قيل: رحمن الدنيا ورحيم الآخرة، لأن رحمته في الدنيا عمت المؤمن والكافر والبر والفاجر، ورحمته في الآخرة اختصت بالمؤمنين [[انظر الطبري في "تفسيره" 1/ 55، "تهذيب اللغة" (رحم) 2/ 1383، "المخصص" 17/ 151، "معاني القرآن" للزجاج 58، "اشتقاق أسماء الله" ص 40.]].
فإن قيل: على هذا كان الرحمن أشد مبالغة، فلم بدئ بذكره [[هذا التساؤل والإجابة عنه بنصه في "المخصص" 17/ 151.]]؟ وإنما يبدأ في نحو هذا بالأقل ثم يتبع [[في (ج): (تتبع).]] الأكثر كقولهم: (فلان جواد يعطي العشرات والمئين [[في (أ)، (ج): (الماتين) وفي (ب): (المايتين) وما أثبت من "المخصص".]] والألوف).
والجواب: أنه بدئ [[في (ب): (بدأ).]] بذكر الرحمن، لأنه صار كالعلم، إذ كان لا يوصف به [[(به) ساقط من (ج).]] إلا الله عز وجل، وحكم الأعلام وما كان من الأسماء أعرف أن يبدأ به، ثم يتبع [[في (ج): (تتبع).]] الأنكر، وما كان في التعريف أنقص. هذا مذهب سيبويه وغيره من النحويين، فجاء هذا على منهاج كلام العرب [[إلى هنا بنصه في "المخصص" 17/ 151، وإلى نحوه ذهب الطبري في "تفسيره" == 1/ 58، وانظر: "اشتقاق أسماء الله" ص 40، وابن عطية في "تفسيره" 1/ 92.]].
وقال وكيع: الرحيم أشد مبالغة؛ لأنه ينبئ عن رحمته في الدنيا والآخرة ورحمة الرحمانية في الدنيا دون الآخرة [[لم أجده، عن وكيع فيما اطلعت عليه، والله أعلم.
قال ابن كثير: وقد زعم بعضهم أن (الرحيم) أشد مبالغة من (الرحمن)، ثم رد هذا القول ابن كثير في "تفسيره" 1/ 23، وعند جمهور العلماء أن (الرحمن) أشد مبالغة من (الرحيم) وأن (الرحمن) أعم فهو في الدنيا والآخرة ولجميع الخلق، و (الرحيم) خاص بالمؤمنين. انظر الطبري في "تفسيره" 1/ 55، "تفسير أسماء الله" للزجاج ص 29، "المخصص" 17/ 151، والثعلبي في "تفسيره" 1/ 19 أ، والماوردي في "تفسيره" 1/ 52 - 53، وابن عطية في "تفسيره" 1/ 91، والقرطبي في "تفسيره" 1/ 105، 106، "الدر" 1/ 29، وابن كثير في "تفسيره" 1/ 22 - 23.]].
وقال آخرون: إنهما بمعنى واحد كندمان ونديم، ولهفان ولهيف، وجيء بهما للتأكيد والإشباع، كقولهم: جادٌّ ومُجِدُّ [[هذا قول أبي عبيدة، ونسبه ابن الأنباري كذلك لقطرب، وبهذا النص مع الشواهد ذكره الثعلبي، أما أبو عبيدة فذكر شواهد غيرها، انظر: "مجاز القرآن" 1/ 21، والثعلبي في "تفسيره" 1/ 19 أ، "الزاهر" 1/ 153، "تفسير أسماء الله" ص 29، "اشتقاق أسماء الله" ص 38، 39، وقد رد الطبري على أبي عبيدة، وأغلظ له الرد، وسبق ذكر بعض كلامه. انظر: "تفسيره" 1/ 58.]]، وقول طَرْفَه [[هو الشاعر الجاهلي المشهور، عُدَّ بعد امرئ القيس في الشعر، واسمه (عمرو) ولقب بـ (طَرْفَه) وأحد الطرفاء لبيت قاله، قتل وهو ابن ست وعشرين سنة، وقيل: ابن عشرين. ترجمته في "الشعر والشعراء" ص 103، "الخزانة" 2/ 419.]]:
مَتَى أَدْنُ مِنْه يَنْأَ مِنِّي [[في (ب): (عنى).]] وَيَبْعُدِ [[صدره: مَالِي أَرَانِي وابْنَ عَمِّي مَالِكًا
والبيت من معلقة طرفة المشهورة، يتحدث عما كان بينه وبين ابن عمه (مالك) من == جفوة وخصام، (ينأ عني) و (يبعد) معناهما واحد، وإنما جاء بهما لأن اللفظين مختلفان، والمعنى يبعد ثم يبعد بعد ذلك، وقيل: ينأ: بالفعل، ويبعد: بالنفس لشدة بغضه لي. أورد البيت الثعلبي في "تفسيره" 1/ 19 أ، وانظر: "ديوان طرفة" ص 34 تحقيق وتحليل د. علي الجندي.]] وقول عدي [[عدي بن زيد بن حماد، من بني امرئ القيس بن زيد بن مناة بن تميم شاعر فصيح، من شعراء الجاهلية، وكان نصرانيا، قتله النعمان بن المنذر ملك الحيرة. ترجمته في "الشعر والشعراء" ص 130، "معاهد التنصيص" 1/ 325، "الخزانة" 1/ 381.]]:
وأَلْفى قَولَهَا كَذِبًا وَمَيْنَا [[من قصيدة قالها عدي بن زيد، في قصة طويلة مشهورة بين الزَّباء وجذيمة وردت في كتب التاريخ والأدب وصدر البيت:
وَقدَّدَت الأَدِيَم لِرَاهِشيْه ... .. .. .. ..
ويروي (قدمت) و (الراهش) عرق في باطن الذراع و (المين) بمعنى: الكذب، ورد البيت في "معاني القرآن" للفراء 1/ 37، "الشعر والشعراء" ص 132، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 175، "تفسير الثعلبي" 1/ 19 أ، 73 أ، "أمالي المرتضى" 2/ 258، "المستقصى" 1/ 243، "مغني اللبيب" 2/ 357، "الهمع" 5/ 226، "معاهد التنصيص" 1/ 310، "اللسان" (مين) 7/ 4311، والقرطبي في "تفسيره" 1/ 399، "الدر المصون" 1/ 358.
والشاهد (كذبا ومَيْنا) فأكد الكذب بالمين وهو بمعناه.]]
في أمثال لهذا، وروي عن ابن عباس أنه قال. الرحمن الرحيم، اسمان رقيقان أحدهما أرق من الآخر [[ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 19 ب، وابن الأنباري في "الزاهر" 1/ 152، والأزهري في "تهذيب اللغة" (رحم) 2/ 1383، والقرطبي في "تفسيره" 1/ 92، وابن كثير عن القرطبي في "تفسيره" 1/ 22، وقد أخرج الطبري وابن أبي حاتم بسنديهما عن ابن عباس، قال: (الرحمن الفعلان من الرحمة، وهو من كلام العرب قال: الرحمن الرحيم: الرقيق الرفيق بمن أحب أن يرحمه، والبعيد الشديد على من أحب أن يعنف == عليه) في سنده ضعف. انظر الطبري 1/ 57، "تفسير ابن أبي حاتم" (رسالة دكتوراه) 1/ 148، وابن كثير في "تفسيره" 1/ 23، "المفسر عبد الله بن عباس والمروي عنه" (رسالة ماجستير) 1/ 130.]].
قال الحسين [[في (ب): (الحسن).]] بن الفضل: غلط الراوي؛ لأن الرقة في صفة الباري لا تصح. وإنما هما أسمان رفيقان أحدهما أرفق من الآخر [[ذكره القرطبي، وذكر نحوه عن الخطابي 1/ 92، وذكره ابن كثير في "تفسيره" في القرطبي 1/ 22.]]. يدل على هذا ما روي في الخبر: "إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي [[(الواو) ساقطة من (ب).]] على الرفق مالا يعطي على العنف" [[أخرجه مسلم (2593) كتاب البر، باب: فضل الرفق، وأبو داود (4807) كتاب الأدب، باب: في الرفق، وأحمد في "مسنده" عن علي 1/ 112، وعن عبد الله بن مغفل 4/ 87، وأخرج البخاري عن عائشة وفيه: (إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله (6927) كتاب استتابة المرتدين، باب: إذا عرض الذمي وغيره بسب النبي ﷺ.]]، وسمعت من يقول [[في (ج): (تقول).]]: معنى قول ابن عباس (اسمان رقيقان) أي يدلان فينا على الرقة.
وقال بعضهم: الرحمن خاص اللفظ عام المعنى، والرحيم عام اللفظ خاص المعنى [[الثعلبي في "تفسيره" 1/ 19/ أ. ومعنى أن (الرحمن) خاص اللفظ لأنه لا يطلق إلا على الله، عام المعنى؛ لأنه لجميع الخلق في الدنيا والآخرة، و (الرحيم) عام اللفظ لأنه يطلق على الله بما يليق به، ويطلق على غيره بما يليق به، وخاص المعنى: لأنه خاص بالمؤمنين، أو بالآخرة. انظر الطبري في "تفسيره" 1/ 56 - 58، وابن كثير في "تفسيره" 1/ 22 - 23.]].
الفاتحة 1:2
قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾. قال ابن عباس: يعني الشكر لله، وهو أن صنع إلى خلقه فحمدوه [[ذكره الثعلبي في "تفسيره" 24 ب، وأخرج الطبري عن ابن عباس بمعناه، دون قوله (وهو أن صنع إلى خلقه فحمدوه) قال شاكر: إسناده ضعيف. الطبري في "تفسيره" 1/ 135 وبمثل رواية الطبري أخرجه ابن أبي حاتم، قال المحقق: سنده ضعيف 1/ 150، وانظر: "الدر" 1/ 34 - 35، وابن كثير في "تفسيره" 1/ 24 - 25.]].
وقال الأخفش: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾: الشكر لله [[في (ج): (والحمد لله) ومثله في "اللسان".]]، قال: والحمد [[نص كلام الأخفش في "تهذيب اللغة" (حمد) 1/ 913، وفيه (قال الأخفش ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ الشكر لله، قال والحمد أيضًا: الثناء)، وانظر: "اللسان" (حمد) 2/ 987، وفي "معاني القرآن" للأخفش ذكر اللغات فيها ولم يذكر المعنى 1/ 155، والنص في "اللسان".]] -أيضًا- الثناء، [وكأن [[في (ب): (فكأن)، وفي "التهذيب" مكانها (قلت ...) فهو من كلام الأزهري، ونص عليه في "اللسان" قال: قال الأزهري: الشكر لا يكون ... "اللسان" (حمد) 2/ 987، فكيف تصحف عند الواحدي، فصار كأنه من كلامه، أو من كلام الأخفش.]] الشكر لا يكون إلى ثناء ليد أوليتها [[في (ب): (أولاها).]]، والحمد قد يكون شكرا للصنيعة، ويكون ابتداء الثناء [[في "التهذيب" "اللسان" (للثناء).]] على الرجل، فحمد الله الثناء] [[مابين المعقوفتين ساقط من (ج).]] عليه والشكر لنعمه [[انتهى من "التهذيب" (حمد) 1/ 913، مع اختلاف يسير في العبارة، وانظر: "اللسان" (حمد) 2/ 987.]].
وقال أبو بكر [[هو ابن الأنباري، وقد نقل عنه الواحدي في هذا الموضع كثيرا، ولم أجده في كتبه الموجودة، ولعله ضمن كتبه المفقودة كـ "المشكل في معاني القرآن"، انظر الدراسة.]]: قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ يحتمل أن يكون هذا إخبارًا أخبر الله تعالى به، والفائدة فيه أنه يبين [[في (ب): (أن بين) وفي (ج): (أنه بين).]] أن حقيقة الحمد له، وتحصيل كل الحمد له [[في (ب): (لله).]] لا لغيره، وذلك أنا [[في (ب): (أنه).]] نرى بني الدنيا ينعم [[في (ب): (يُنَعَّم) بالتشديد.]] بعضهم على بعض، فيحمده على إنعامه، فيكون حقيقة الحمد في ذلك لله، إذ هو الذي أنعم على الذي أنعم بما أنعم به، ورزقه إياه، وهو الذي وفق المعطي للعطية، وأجراها على يديه، فكان حقيقة الإنعام من الله تعالى، ومكافأة المنعَم عليه بالشكر [[في (ب): (الشكر).]] والحمد راجعة إليه جل اسمه [[انظر: "الوسيط" للواحدي 1/ 17، "تفسير الثعلبي" 1/ 24/ ب، 25/ أ، "الزاهر" 2/ 84، "تفسير الطبري" 1/ 59، "تفسير ابن عطية" 1/ 99 - 100، "تفسير الماوردي" 1/ 53، "تفسير البغوي" 1/ 52، "القرطبي" 1/ 114 - 115، "الكشاف" 1/ 46، 47.]].
وعلى هذا فقد حُكِي أن ابن التوءم [[ابن التوءم لم أجد له ترجمة، وكلامه أورده ابن قتيبة في عيون الأخبار أوسع مما ذكره الواحدي هنا. "عيون الأخبار" 3/ 191، قال ابن قتيبة: (قال ابن التوءم: كل من كان جوده يرجع إليه ولولا رجوعه إليه لما جاد عليك .. وإنما يوصف بالجود في الحقيقة، ويشكر على النفع في حجة العقل، الذي إن جاد عليك فلك جاد ..).]] كان يقول: إنما يجب أن يشكر من إن جاد عليك فلك جاد، وإن [[(إن نفعك) ليس في "عيون الأخبار" 3/ 191.]] نفعك فنفعك أراد، من غير أن يرجع إليه من جوده بشيء [[في (ب): (شيء) بسقوط الباء وما في (أ)، (ج) موافق لما في "عيون الأخبار".]] من المنافع على جهة من الجهات، وهو الله [[في (ب): (اله).]] وحده لا شريك له. ألا [[بعد قوله: (وحده لا شريك له) كلام لابن التوءم تركه هنا، انظر: "عيون الأخبار" 3/ 191.]] ترى أن عطية الرجل لصاحبه لا تخلو من أن تكون لله أو لغيره فإن كانت [[في (ب): (كان).]] لله فثوابها على الله، فلا [[في (ب): (ولا معنى).]] معنى للشكر، وإن كانت [[في (ب): (كان).]] لغير الله فلا تخلو من أن تكون لطلب المجازاة، أو حب المكافأة، وهذِه تجارة معروفة، والتاجر لا يشكر على تجارته، وجر المنفعة إلى نفسه، وإما أن تكون لخوف يده أو لسانه، أو رجاء نصرته أو [[في (ب): (ومعونته).]] معونته، ولا معنى لشكر من هذِه إحدى أحواله، وإما أن تكون [[في (ب): (يكون).]] للرقة والرحمة، ولما يجد في قلبه من الألم، ومن جاد على هذا [[في (ب): (ومن حاد عن هذا).]] السبيل، فإنما داوى نفسه من دائها، وخفف عنها ثقل برحائها [[إلى هنا ما ذكره ابن قتيبة عن ابن التوءم مع اختلاف في بعض العبارات، انظر: "عيون الأخبار" 3/ 191.]].
فأما من مدحه بشار [[هو بشار بن برد بن يرجوخ العقيلي بالولاء، وأصله من (طخارستان)، أشعر الشعراء المولدين، نشأ بالبصرة، ومات سنة سبع أو ثمان وستين ومائة. انظر ترجمته في: == "الشعر والشعراء" ص 511، "طبقات الشعراء" لابن المعتز ص 21، "البيان والتبيين" 1/ 65، "خزانة الأدب" 3/ 230.]] بن برد بقوله: لَيْسَ [[في (ج): (لئن).]] يُعْطِيكَ لِلرَّجَاء ولِلْخَوْ ... فِ ولكن يَلَذُّ طَعْمَ العَطَاءِ [[من قصيدة قالها بشار يمدح عقبة بن سلم، ويروى (ولا الخوف) بدل (وللخوف) انظر: "ديوانه" ص 14، "طبقات الشعراء" لابن المعتز ص 30، "عيون الأخبار" لابن قتيبة 1/ 164، "شرح ديوان المتنبي" للعكبري 4/ 279.]]
فأي معنى لشكر [[في (ب): (فإن معنى الشكر).]] من يعطي لاجتلاب لذته، ويجيب [[في (ب): (ويحبب).]] داعي رأفته.
قال أبو بكر: ويحتمل أن يكون هذا ثناء أثنى به على نفسه، علم عباده في أول كتابه ثناء [[في (ب): (الثناء).]] عليه، وشكرا [[في (ب): (والشكرا).]] له، يكتسبون بقوله وتلاوته أكمل الثواب وأعظم الأجر، لطفا بهم، وحسن نظر لهم، فقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أي قولوا: يا معشر الناس ما إذا قلتموه علت منزلتكم [وارتفعت درجتكم بقوله] [[مابين المعقوفين ساقط من (ب).]] عند ربكم، فيضمر القول هاهنا كما أضمر في قوله: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: 3] معناه يقولون: ما نعبدهم [[انظر: "الوسيط" 1/ 17، ونحوه في "تفسير الطبري" 1/ 60، وانظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 23 ب، "تفسير أبي الليث" 1/ 79، "ابن عطية" 1/ 100، "القرطبي" 1/ 118.]].
ثم إذا قال القائل: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ فقد [[في (ب): (قد).]] أثنى على الله تعالى، فيكون بذلك متعرضًا لثواب الله، ومن أثنى على واحد فقد تعرض لإحسانه وثوابه.
يدل على صحة هذا أن بعض العلماء، سئل عن تفسير الحديث المروي: "أفضل الدعاء سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلى الله، والله أكبر" [[لم أجده بهذا اللفظ، وقد أخرج ابن ماجه عن سمرة بلفظ: "أربع أفضل الكلام لا يضرك بأيهن بدأت سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلى الله، والله أكبر" "سنن ابن ماجه" (3811) كتاب الأدب، باب: فضل التسبيح، ونحوه عند أحمد في "المسند" 5/ 20، وذكره البخاري معلقا (الفتح) 11/ 566، وأخرج ابن ماجه عن جابر: "أفضل الذكر لا إله إلا الله، وأفضل الدعاء الحمد لله" "سنن ابن ماجه" كتاب الأدب، باب: فضل الحامدين، قال العجلوني في "كشف الخفاء": رواه الترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وابن حبان، والحاكم، وصححاه 1/ 152، وانظر: "فيض القدير" 1/ 601.]] فقيل له: ما في هذا من [[(من) ساقطة من (ب).]] الدعاء؟ وإنما الدعاء: (اللهم اغفر لنا، وافعل بنا). فقال للسائل: أما سمعت قول أمية بن أبي الصلت لعبد الله بن [[عبد الله بن جدعان التيمي القرشي، أحد الأجواد المشهورين في الجاهلية، لهذا مدحه أمية بن أبي الصلت، أدرك النبي ﷺ قبل النبوة. انظر ترجمته وبعض أخباره في "المحبر" ص 138، "السيرة" لابن هشام 1/ 144، "الخزانة" 8/ 366، "الأعلام" 4/ 76.]] جدعان:
كَرِيمٌ لاَ يُغَيِّرُهُ صبَاحٌ ... عَنِ الخُلُقِ الجَمِيلِ وَلاَ مَسَاءُ
إِذاَ أَثْنى عَلَيْهِ المَرْءُ يَوْمًا ... كَفَاهُ مِنْ تَعَرُّضِهِ الثَّنَاءُ [[تروى الأبيات بروايات أخرى منها: (خليل) بدل (كريم)، و (السنى) بدل (الجميل) و (عليك) بدل (عليه). انظر: "ديوان أمية بن أبي الصلت" ص 254، "المحبر" ص 138، "طبقات فحول الشعراء" للجمحي 1/ 265، "ديوان الحماسة" 2/ 372، "العمدة" لابن رشيق 2/ 158.]] فهذا مخلوق اجتزأ من مسألة مخلوق مثله بالثناء عليه، فكيف يحتاج العبد مع ثنائه على ربه أن يسمي له حوائجه؟.
قال [[أبو بكر ابن الأنباري.]]: وإنما اختير (الحمد) على الشكر للمبالغة والعموم، وذلك أن الشكر لا يكون إلى مكافأة لنعمة سبقت إليك وأيضًا، فإنه لا يشكر أحد على ما فيه من الأوصاف الجميلة، وليس كذلك الحمد، فإنه يقع ابتداء قبل الصنيعة، ويقع على الأوصاف المحمودة فهو أبلغ وأعم وأجمع [[انظر: "الزاهر" 2/ 84، 85، وفيه تكلم ابن الأنباري عن الفرق بين الحمد والشكر بنحو هذا، وإلى هذا ذهب أكثر المفسرين، انظر: "تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة 1/ 3، "تفسير أبي الليث" 1/ 79، "تفسير الثعلبي" 1/ 24/ ب، "تفسير الماوردي" 153، وانظر: "تهذيب اللغة" (حمد) 1/ 913، "اشتقاق أسماء الله" ص 90، وذهب الطبري إلى أن الحمد والشكر بمعنى واحد، واستدل على هذا بصحة قول القائل: (الحمد لله شكرا). "تفسير الطبري" 1/ 60، وهذا قول المبرد، كما قال القرطبي في "تفسيره" 1/ 116، ونسبة في "اللسان" للحياني. "اللسان" (حمد) 2/ 987، وقد تكلم العلماء في نقض ما قاله الطبري ورده، منهم ابن عطية في "تفسيره" 1/ 99، والقرطبي في "تفسيره" 1/ 116، وابن كثير في "تفسيره" 1/ 201. قال محمود شاكر في حاشية "تفسير الطبري": والذي قاله الطبري أقوى حجة وأعرق عربية من الذين ناقضوه.]].
قال الشاعر:
يَا أَيُّهَا المَائِحُ دَلْوى دُونكا ... إِنِّي رَأَيْتُ النَّاسَ يَحْمَدُونكا [[نسبه الأكثر لراجز جاهلي من بني أسد بن عمرو بن تميم، ونسبه بعضهم لجارية في مازن، وقيل: روته وليس لها، ونسبه بعضهم لرؤبة. و (المائح) الرجل في جوف البئر يملأ الدلاء. ورد الرجز في "معاني القرآن" للفراء 1/ 260، "الزاهر" 2/ 85، "أمالي الزجاجي" ص 237، "أمالي القالي" 2/ 244، "الإنصاف" ص 187، "مغني اللبيب" 2/ 609، 618، "شرح شذور الذهب" ص 485، "شرح المفصل" 1/ 117، "الخزانة" 6/ 200.]] فترجم بالثناء [[ورد الثناء والتمجيد في بيت آخر لم يورده الواحدي هنا وهو قوله:
يُثْنُون خَيْرًا ويَمُجِّدُوَنَكاَ
أورد ابن الأنباري في "الزاهر" 2/ 85، وأنظر المصادر السابقة.]] والتمجيد [[في (أ)، (ج): التحميد، وما في (ب) أصح؛ لأنه أراد: الثناء والتمجيد الذين وردا في البيت الثالث الذي لم يذكره.]] عن الحمد، فدل هذا على عموم الحمد.
وقد أخبرنا أبو الحسين بن أبي عبد الله الفسوي [[أحد شيوخ الواحدي: عبد الغافر بن محمد بن عبد الغافر الفارسي أبو الحسين، حدث عن أبي سليمان الخطابي بغريب الحديث سبق ذكره في، وانظر المنتخب من السياق 106، "سير أعلام النبلاء" 18/ 19.]] -رضي الله عنه-، أنبا [[في (ب): (أنا) وفي (ج): (أن) في الموضعين.]] أحمد بن محمد الفقيه [[هو أبو سليمان أحمد بن محمد بن إبراهيم الخطابي البستي الشافعي، وقيل: اسمه: حمد، له مصنفات منها "غريب الحديث" "ت 388 هـ"، انظر ترجمته في "الأنساب" 5/ 158، 159، "إنباه الرواة" 1/ 125، "تذكرة الحفاظ" 3/ 1018.]]، أبنا محمد بن هاشم [[محمد بن هاشم أحد شيوخ الخطابي، روى عنه في "غريب الحديث" كثيرا، ولم أجد له ترجمة، حتى إن محقق "غريب الحديث" ترجم لجميع شيوخ الخطابي، ولم يذكر محمد بن هاشم مع كثرة روايته عنه، ولعله لم يجد له ذكرا. والله أعلم.]]، عن الدَّبَرِي [[أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم بن عباد الدَّبَرِي و (الدَّبَرِي) بفتح الدال والباء نسبة إلى (الدَّبَر) قرية من قرى صنعاء، راوية عبد الرزاق، (ت 285 هـ). انظر ترجمته في "اللباب" 1/ 489، "ميزان الاعتدال" 1/ 181، "سير أعلام النبلاء" 13/ 416.]]، عن عبد الرزاق [[هو عبد الرزاق بن همام بن نافع الحافظ، عالم اليمن، أبو بكر الحصيري بالولاء. حدث عن جماعة منهم الأوزاعي، وسفيان الثوري، ومالك بن أنس، وحدث عنه أحمد بن حنبل، وابن راهويه، وابن معين، وابن المديني وجماعة (ت 211 هـ) وانظر ترجمته في "طبقات ابن سعد" 5/ 548، "سير أعلام النبلاء" 9/ 568، "ميزان الاعتدال" 3/ 323.]]، عن مَعْمر [[هو الإمام الحافظ مَعْمَر بن راشد، أبو عروة، الأزدي بالولاء البصري، نزيل اليمن، حدث عن قتادة، والزهري وعمرو بن دينار، وهمام بن منبه وجماعة، وعنه السفيانان، وابن المبارك، وعبد الرزاق بن همام (ت 153 هـ)، انظر: "طبقات ابن سعد" 5/ 546، "الجرح والتعديل" 8/ 255، "سير أعلام النبلاء" 7/ 5.]]، عن قتادة، عن عبد الله بن عمر أن النبي ﷺ قال: (الحمد رأس الشكر، ما شكر الله عبدًا لا يحمده) [[أخرجه عبد الرزاق في "المصنف" 10/ 424 (19574) كتاب الجامع، باب: شكر الطعام، وذكره الخطابي في "غريب الحديث" 1/ 345، 346، وذكره السيوطي في "الجامع الصغير" ورمز له بالحسن، انظر: "فيض القدير شرح الجامع الصغير" 3/ 418، وقال الألباني: في "ضعيف الجامع" 3/ 411 (2790): ضعيف.]].
قال أحمد [[هو أحمد بن محمد الخطابي البستي، سبقت ترجمته. قال في "غريب الحديث" بعد أن ذكر الحديث. وقال أبو سليمان: الحمد نوع .. 1/ 346.]] على إثر هذا الحديث: الحمد نوع والشكر جنس [[الجنس: كلي دال على كثيرين مختلفين بالحقيقة في جواب (ماهو). والنوع: كلي دال على كثيرين متفقين في الحقيقة واقع في جواب (ما هو). انظر: "التعريفات" للجرجاني ص 78، 247، "المبين في شرح معاني ألفاظ الحكماء والمتكلمين" للآمدي ص 73.]]، وكل حمد شكر [[في (ج): (شكرا).]]، وليس كل شكر حمدا.
وهو على ثلاث منازل: شكر القلب، وهو الاعتقاد بأن الله ولي النعم، قال الله: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: 53]، وشكر اللسان وهو إظهار النعمة بالذكر لها، والثناء على مسديها، قال الله: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: 11] وهو رأس الشكر المذكور في الحديث. وشكر العمل، وهو [[في (ب): (وهو شكر اداب).]] إدآب النفس بالطاعة.
قال الله سبحانه [[في (ج): (تعالى).]]: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾ [[في (ب): (الى) تصحيف.]] [سبأ: 13].
وقام رسول الله ﷺ حتى تفطرت قدماه، فقيل: يا رسول الله أليس قد غفر الله [[لفظ الجلالة غير موجود في (ب).]] لك ماتقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: "أفلا أكون عبدا شكورا" [[متفق عليه من حديث المغيرة وعائشة، حديث المغيرة رواه البخاري (1130) كتاب: التهجد، باب: قيام النبي ﷺ الليل، ومسلم (2819) كتاب: صفة الجنة والنار، باب: إكثار الأعمال والإجتهاد في العبادة، وحديث عائشة رواه البخاري (4837) كتاب التفسير، باب: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ﴾، ومسلم (2820) كتاب صفة الجنة والنار، باب: إكثار الأعمال والاجتهاد في العبادة.]].
وقد جمع الشاعر أنواعه الثلاثة فقال:
أَفَادَتْكُمُ النَّعْمَاءُ مِنِّى ثَلاَثَةً ... يَدِي وَلِسَانِي والضمِيرَ المُحَجَّبَا [[يقول: إن نعمتكم علي أفادتكم مني يدي ولساني وجناني فهي وأعمالها لكم. ورد البيت بدون عزو في "غريب الحديث" للخطابي 1/ 346، " الكشاف" 1/ 47، "الفائق" 1/ 314، "الدر المصون" 1/ 36، وانظر: "مشاهد الإنصاف على شواهد الكشاف" ص 7.]] [[انتهى من "غريب الحديث" للخطابي 1/ 346، وانظر: "الكشاف" 1/ 47.]]
وبين الحمد والشكر فرق واضح [[سبق بيان خلاف العلماء في ذلك، وأن قول الأكثر على أن بينهما فرقا وقال الطبري ومعه طائفة: إنهما بمعنى واحد، انظر ص 275.]]، يظهر بالنقيض؛ لأن نقيض الشكر الكفر، ونقيض الحمد الذم [[انظر: "الزينة" 2/ 112، "تهذيب اللغة" (حمد) 1/ 913، "اللسان" (حمد) 2/ 987.]]، فهذا ما في معنى الحمد والشكر.
ولا بد من ذكر طرف من مذهب النحويين في (الألف واللام) اللتين للتعريف وحكمهما. ومذهب [[الكلام عن (أل) نقله الواحدي عن أبي الفتح بن جني من كتاب "سر صناعة الإعراب" وأذكر الفروق الهامة بين عبارة الواحدي وعبارة ابن جني في موضعه إن شاء الله.
قال ابن جني: (وذهب الخليل إلى أن (أل) حرف التعريف بمنزلة (قد) ..) 1/ 333.]] الخليل في هذا أن (ال) حرف التعريف، بمنزلة (قد [[انظر مذهب الخليل في "الكتاب" 3/ 324.]]) في الأفعال، فإن الهمزة واللام جميعا [[عند أبي الفتح: (إن الهمزة واللام جميعهما ..) 1/ 333.]] للتعريف، وحكي عنه أنه كان يسميها (أل) كقولنا: (قد)، وأنه لم يكن يقول: (الألف [[انظر: "الكتاب" 3/ 325.]] واللام) كما لا يقول في (قد) القاف والدال.
واحتج لهذا المذهب بفصلين [[في (ج): (بفضلين).]] [[عند أبي الفتح: (ويقول هذا المذهب قطع (أل) في أنصاف الأبيات، نحو قول عبيد ..) 1/ 333.]]:
أحدهما: أن العرب قد قطعت (أل) في أنصاف الأبيات، نحو قول عبيد [[هو عبيد بن الأبرص بن جُشْم، من بني أسد، يعد من فحول شعراء الجاهلية، قيل: إنه عمر طويلا. ترجمته في "الشعر والشعراء" ص 161، "طبقات فحول الشعرء" ص 58، "خزانة الأدب" 2/ 215.]]:
يا خَلِيلَيَّ ارْبَعَا واستَخبِرَا الـ ... مَنْزِلَ الدّارِس مِنَ أَهْلِ الحِلاَل
مِثْلَ سَحْقِ البُرْدِ عَفَّى بَعْدَكَ الـ ... قَطْرُ مَغْنَاهُ وتَأْوِيبُ الشَّمَالِ [[قوله: (اربعا) أقيما، (الحلاَل): جمع حال أي نازل، أو جمع حِلَّة وهو جماعة البيوت، (سحق البرد) الثوب البالي، (عفى) غطى، (القطر): المطر، (مغناه) المغنى: المنزل الذي غنى به أهله ثم ظعنوا، (التأويب) الرجوع وتردد هبوبها. وردت الأبيات وفي "ديوان عبيد" ص 115، "المنصف" 1/ 333، "شرح المفصل" 9/ 17، "الخزانة" == 7/ 198. والشاهد فيه فصل (أل) في البيتين، استدل به الخليل على أن (أل) جميعها حرف التعريف، ولو كانت اللام وحدها للتعريف لما جاز فصلها.]] قال [[من القائل؟ ظاهر كلام الواحدي أن القائل الخليل، لأنه هو المذكور قبله، والواقع أن الكلام لأبي الفتح ابن جني، حيث قال بعد الأبيات: (وهذِه قطعة لعبيد مشهورة عددها بضعة عشر بيتا يطرد جميعها على هذا القطع الذي تراه إلى بيتا واحدا من جملتها، ولو كانت اللام وحدها حرف التعريف لما جاز فصلها من الكلمة التي عرفتها .. "سر صناعة الإعراب" 1/ 333.]]: فلو كانت اللام وحدها حرف التعريف؛ لما جاز فصلها من الكلمة التي عرفتها، لاسيما واللام ساكنة، والساكن لا ينوي به الانفصال [[بعده كلام لأبي الفتح تركه الواحدي. انظر: "سر صناعة الإعراب" 1/ 333.]]. فصار قطعهم وهم يريدون الاسم بعدها كقطع النابغة [[في (ب): (لقطع التابعه). والنابغة: هو زياد بن معاوية الذبياني، أحد شعراء الجاهلية المشهورين، توفي في زمن النبي ﷺ قبل أن يبعث. انظر ترجمته في "الشعر والشعراء" ص 83، "طبقات فحول الشعراء" 1/ 51. "جمهرة أنساب العرب" ص 253، "الخزانة" 2/ 135.]] (قد) في قوله:
أَفِدَ [[في (ب): (أرف) وفي (جـ): (أفر) وفي نسخة من "سر صناعة الإعراب" (أزف) 1/ 334.]] التَّرحُّلُ [[في (ب): (الترجيل).]] غَيْرَ أَنَّ رِكَابَنَا ... لمَّا تَزُلْ بِرِحَالِهَا [[في (ب): (برجالها) وعند أبي الفتح (برحالنا) وفي الحاشية: في (ش): (برحالها)، والأكثر في رواية البيت (برحالنا).]] وَكَأَنْ قَدِ [[من قصيدة قالها النابغة في (المتجردة) امرأة النعمان بن المنذر (أفد الترحل): أي دنا الرحيل وقرب. و (الركاب): الإبل. و (كأن قد): (أي: زالت لقرب وقت زوالها ودنوه. انظر: "ديوان النابغة الذيباني" ص 89، "الخصائص" 2/ 361، 3/ 131، "مغنى اللبيب" 1/ 171، 2/ 342، "شرح المفصل" 8/ 5، 110، 148، 9/ 18، 52، "الأزهية" ص 211، "شرح ابن عقيل" 1/ 19، "الهمع" 2/ 188، 4/ 315، "الخزانة" 1/ 70، 7/ 197.]] ألا ترى أن التقدير: (كأن قد زالت)، فقطع (قد) من الفعل كقطع (ال) من الاسم.
وإذا [[ترك بعض كلام أبي الفتح. انظر: "سر صناعة الإعراب" 1/ 334.]] كان (ال) عند الخليل حرفا واحدا، فقد ينبغي أن تكون همزته مقطوعة ثابتة، كقاف (قد) وباء (بل)، إلى أنه لما كثر استعمالهم لهذا الحرف عرف موضعه، فحذفت همزته، كما حذفوا: (لم يَكُ) و (ولا أَدْرِ) [[والقياس فيهما: لم يكن (و) لا أدري (لكن لما كثر في الاستعمال حذفت النون في الأول والياء من الثاني، قال أبو الفتح: وحذفها شاذ انظر: "المنصف" 2/ 227.]].
والفصل [[في (ج): (الفضل).]] الثاني [[نص كلام أبي الفتح: (ويؤكد هذا القول عندك أيضا: أنهم قد أثبتوا ... الخ)، "سر صناعة الإعراب" 1/ 334.]]: أنهم قد أثبتوا هذِه الهمزة بحيث تحذف همزات الوصل، نحو قوله ﴿قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ﴾ [[في (ب) تصحيف في الآية، حيث حذف (أذن) وكرر (لكم).]] [يونس: 59] و ﴿قُلْ آلذَّكَرَيْنِ﴾ [الأنعام: 143]، ولم [[عند أبي الفتح: (... ونحو قولهم في القسم (أفألله) و (لا ها ألله ذا) ولم نر همزة الوصل تثبت في نحو هذا .... الخ)، "سر صناعة الإعراب" 1/ 335.]] تر همزة وصل تثبت في نحو هذا، فهذا يؤكد أن همزة (أل) ليست بهمزة وصل وأنها مع اللام كقد.
ومذهب الجمهور [[عند أبي الفتح: (وأما ما يدل على أن اللام وحدها هي حرف التعريف، وأن الهمزة إنما دخلت عليها لسكونها، فهو إيصالهم جر الجار إلى ما بعد حرف التعريف ....) "سر صناعة الإعراب" 1/ 335.
قال في "شرح المفصل": (واللام هي حرف التعريف وحدها، والهمزة وصلة إلى النطق بها ساكنة، هذا مذهب سيبويه، وعليه أكثر البصريين والكوفيين ما عدا الخليل ....)، 9/ 17، وانظر: "الخزانة" 7/ 198 - 199.]] في هذا أن اللام وحدها هي حرف التعريف، وأن الهمزة إنما دخلت عليها لسكونها، والدليل على هذا [[أي على مذهب الجمهور وهو أن حرف التعريف (اللام) وحدها.]] إيصالهم حرف الجار إلى ما بعد حرف التعريف نحو قولهم: (عجبت من الرجل) و (مررت بالغلام) فنفوذ الجر إلى ما بعد حرف التعريف يدل على أن حرف التعريف غير فاصل عندهم بين الجار والمجرور، وإنما كان كذلك لأنه في نهاية اللطافة والاتصال بما عرفه؛ لأنه على حرف واحد، ولاسيما ساكن، ولو كان حرف التعريف في نية الانفصال كـ [[عند أبي الفتح: (... ولو كان حرف التعريف عندهم حرفين كـ (قد) و (هل) لما جاز الفصل به بين الجار والمجرور به ....) ثم أخذ يشرح ولفصل في هذا في كلام طويل تركه الواحدي، ثم قال: (... وكذلك لو كان حرف التعريف في نية الانفصال لما جاز نفوذ الجر إلى ما بعد حرف التعريف، وهذا يدل على شدة امتزاج حرف التعريف بما عرفه ...) 1/ 336، 337.]] (قد) لما جاز نفوذ الجر إلى ما بعد حرف التعريف.
وأيضا فإن [[قال أبو الفتح: (.. ويزيدك تأنيسا بهذا أن حرف التعريف نقيض التنوين ..) 1/ 337.]] حرف التعريف نقيض التنوين، لأن التنوين دليل التنكير، كما أن هذا [[أي حرف التعريف.]] دليل التعريف، فكما [[في (ج): (وكما).]] أن التنوين في [آخر الاسم حرف واحد، كذلك حرف التعريف في] [[ما بين المعقوفتين ساقط من (ج).]] أوله ينبغي أن يكون حرفا واحدا.
فأما ما احتج به الخليل من قطع (أل) عن الحرف الذي بعده في الشعر فقد يقطعون [[في (ب): (يقطعونه).]] في المصراع الأول بعض الكلمة وما هو منها أصل، ويأتون بالبقية في أول المصراع الثاني، كما قال: يَا نَفْسِ أَكْلًا واضْطِجَا ... عًا نَفْسِ لَسْتِ بِخَالِدَه [[نسب البيت لكثير عزة، وليس في "ديوانه". انظر: "سر صناعة الإعراب" 1/ 340، "شرح المفصل" 9/ 19، "الخزانة" 7/ 202، وانظر: "معجم الشواهد العربية" لعبد السلام هارون 1/ 99. والشاهد فيه: أنه فصل الكلمة بين مصراعي البيت، وأورده ردا على ما ذهب إليه الخليل من أن قطع (أل) في المصراع الأول دليل على أن (الألف واللام) أداة تعريف، وليس اللام وحدها.]]
وهو كثير، وإذا جاز ذلك في أَنْفُسِ الكَلِم، ولم يدل على انفصال بعض الكلمة من بعض، فغير منكر أيضًا أن تفصل (لام المعرفة) في الأول [[أي: المصراع الأول من البيت، انظر: "سر صناعة الإعراب" 1/ 340.]].
وأما ما احتج به من قطع الهمزة في نحو: ﴿آللَّهُ﴾ [[أي قوله تعالى: ﴿آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ﴾ [يونس: 59].]] فإنما جاز ذلك لمخافة التباس الاستفهام بالخبر [[يلحظ أن الكلام من قوله: (فأما ما احتج به الخليل ....) إلى قوله: (بالخبر) ليس بهذا السياق والترتيب عند أبي الفتح، وانما تصرف فيه الواحدي. انظر: "سر صناعة الإعراب" 1/ 337، 340، انظر: "الخزانة" 7/ 201، 202.]].
وإنما جعل حرف التعريف حرفا واحدا؛ لأنهم أرادوا خلطه [[في (ب): (خالطه).]] بما بعده، فجعلوه على حرف واحد؛ ليضعف عن [[في (أ)، (جـ): (على)، وما في (ب) موافق لـ"سر صناعة الإعراب" 1/ 346.]] انفصاله مما بعده، فيعلم بذلك أنهم قد [[(قد) ساقط من (ج).]] اعتزموا [[في (أ)، (ج): (اعترفوا)، وما في (ب) موافق لـ"سر صناعة الإعراب" 1/ 346.]] على خلطه به، ولهذا سكنوه، لأنه أبلغ فيما قصدوا، لأن الساكن أضعف من المتحرك، وأشد حاجة وافتقارا إلى ما يتصل به [[من قوله (وإنما جعل حرف التعريف) ملخص من "سر صناعة الإعراب" 1/ 346.]].
وإنما اختاروا [[عند أبي الفتح (وأما لم اختاروا له اللام دون سائر حروف المعجم؟ فالجواب عنه أنهم إنما أرادوا ....) 1/ 346، قوله (له) أي: للتعريف.]] (اللام) دون سائر حروف المعجم؛ لأنهم أرادوا إدغام حرف التعريف فيما بعده؛ لأن الحرف المدغم أضعف من الحرف الساكن غير المدغم؛ ليكون إدغامه دليلا على شدة اتصاله، فلما آثروا إدغامه فيما بعده اعتبروا حروف المعجم، فلم يجدوا فيها حرفا أشد مشاركة لأكثر الحروف من (اللام) فعدلوا إليها؛ لأنها تجاور أكثر حروف الفم [[في (ب): (المعجم) والمراد بحروف الفم التي مخارجها في الفم.]] التي هي معظم الحروف، وليصلوا بذلك إلى الإدغام المترجم عما عزموه [[في (ج): (عرضوه) وعند أبي الفتح (اعتزموه) 1/ 347.]] من شدة وصل التعريف بما عرفه [[في (ب): (عرقوه).]] [[انظر: "سر صناعة الإعراب" 1/ 347، وفي كلام أبي الفتح زيادة عما هنا.]]، ولو جاؤوا بغير (اللام) للتعريف لما أمكنهم أن يكثر [[في (ب): (يكثروا).]] إدغامها، كما أمكنهم ذلك مع (اللام)، فإدغامهم إياها مع ثلاثة [[في (ب): (ثلاث). والرابع عشر اللام نفسها. ومثلها الليل]] عشر حرفا، وهي: (التاء، والثاء، والدال، والذال، والراء، والزاي، والسين، والشين، والصاد، والضاد، والطاء، والظاء، والنون) وذلك قولهم التمر، والثَّرِيد، والدِّبْس، والذَّوْق [[عند أبي الفتح: (الذرق)، وفي حاشيته: (ب): (الذوق). الذرق: نبات كالفسفسة، تُسميه الحاضرة: الحندقوقى. انظر: "تهذيب اللغة" (ذرق) 2/ 1280.]]، والرُّطَب، والزُّبْد، والسَّفَرْجَل، والشَّعِير، والصَّيْر، والصَّنَاب [[في (ج): (الضباب) وفي (ب): (الضناب) وعند أبي الفتح: (والصَّناب والضَّرْو) 1/ 347، وهو الصواب؛ لأنه تمثيل للصاد ثم للضاد. الصِّير: هو الشق، كما في الحديث: "من اطلع من صير باب"، والصير: الماء يحضره الناس، والصِّير: السمكات == المملوحة التي تعمل منها الصحناة. انظر: "تهذيب اللغة" (صير) 2/ 2075، "اللسان" (صير) 4/ 2535، الصَّنَاب: صباغ يتخذ من الخردل والزبيب. انظر: "تهذيب الغة" (صنب) 2/ 2062، "اللسان" (صنب) 4/ 2504.
الضِّرو والضَّرو: (شجر طيب الريح يستاك به، ويجعل ورقه في العطر. "اللسان" ضرا 14/ 483.]]، والطَّبِيخ، والظُّلْم [[عند أبي الفتح (الظبي)، وفي الحاشية: (ل): (الظئر) 1/ 347.]]، والنَّبِق، يدلك على [[اختصر الواحدي كلام أبي الفتح ونص كلامه: (.. ويدلك على إيثارهم الإدغام للام التعريف لما قصدوا من الإبانة عن غرضهم، أنك لا تجد لام التعريف مع واحد من هذِه الأحرف الثلاثة عشر إلا مدغمًا في جميع اللغات، ولا يجوز إظهارها ولا إخفاؤها معهن ما دامت للتعريف البتة، وأنك قد تجد اللام إذا كانت ساكنة وهي لغير التعريف مظهرة .. الخ)، 1/ 347.]] ما ذكرنا أنك [[في (ب): (أنا).]] تجد (اللام) ساكنة وهي لغير التعريف مظهرة غير مدغمة مع أكثر هذِه الحروف، وذلك نحو: (التقت) [[في (ب): (السقب) وعند أبي الفتح (التفت).]]، و (هل ثم أحد) [[في (ب): (أخذ).]]، و (الْزَمْ [[في (ج): (ولزم به): (وعند أبي الفتح (أُلْزِمَ به) وفي الحاشية ل (إِلْزَمْ به)، 1/ 348.]] بِه) و (أَلْسِنَة) هذا هو الكلام في (اللام) [[إلى هنا ما أخذ الواحدي من كتاب أبي الفتح "سر صناعة الإعراب" حرف اللام 1/ 333 - 348.]].
فأما الكلام في (الهمزة) الداخلة على هذِه (اللام): فاعلم أن (الهمزة) [[انتقل الواحدي إلى موضع آخر من نفس كتاب "سر صناعة الإعراب" 1/ 112 قال == أبو الفتح: (واعلم أن هذِه الهمزة إنما جيء بها توصلا إلى النطق بالساكن ....)، وسأذكر الفروق الهامة بين كلام أبي الفتح وكلام الواحدي في مواضعها.]] (إنما جيء بها توصلا إلى النطق بالساكن الذي بعدها، إذ لم يمكن [[في (ب): (يكن) وعند أبي الفتح (لما لم يمكن) 1/ 112.]] الابتداء به، وكان حكم هذِه (الهمزة) أن تكون ساكنة، لأنها حرف جاء لمعنى، ولا حظ له في الإعراب. وهي في أول الحرف كالهاء التي لبيان الحركة [[عند أبي الفتح (.. الحركة بعد الألف في آخر الحرف ..) 1/ 112.]] في آخر الحرف. نحو (وازيداه) و (واعمراه) فكما أن تلك ساكنة فكذلك كان ينبغي في الألف [[أي: الهمزة التي جيء بها للتوصل إلى النطق بالساكن.]] أن تكون ساكنة [[انظر: "سر صناعهَ الإعراب" 1/ 113، اختصر الواحدي بعض الكلام، وتصرف في بعض العبارات.]]، إلا أنها [[في (ب): (إنها) بكسر الهمزة.]] حركت لأجل الساكن الذي بعدها، ولم يجز أن يحرك ما بعدها لأجلها من قبل أنك لو فعلت ذلك لبقيت هي عليك [[(عليك): ليست في كلام أبي الفتح.]] أيضًا في أول الكلمة ساكنة، وكان يحتاج لسكونها إلى حرف قبلها محرك يقع به [[في (أ)، (ج): (يقع به الابتداء به) وعند أبي الفتح (يقع الابتداء به)، "سر صناعة الإعراب" 1/ 113.]] الابتداء.
وإنما اختاروا الهمزة لوقوع الابتداء [[هذا جواب تساؤل افترضه أبو الفتح، انظر: "سر صناعة الإعراب" 1/ 113.]] بها [[في (أ)، (ب)، (ج): (به) وصححتها على حسب ما عند أبي الفتح في "سر صناعة الإعراب" 1/ 113.]]؛ لأنهم أرادوا حرفا يتبلغ به في الابتداء، ويحذف في الوصل للاستغناء عنه بما قبله، فجعلوه الهمزة؛ لأن العادة فيها في أكثر الأحوال حذفها للتخفيف، وهي مع ذلك أصل، فكيف بها إذا كانت زائدة، ألا تراهم حذفوها في نحو: (خذ) و (مر) [[أصلها: (أُؤخُذُ) و (أؤْمُر) فلما اجتمعت همزتان وكثر استعمال الكلمة حذفت الهمزة الأصلية فزال الساكن، فاستغني عن الهمزة الزائدة. انظر: "سر صناعة الإعراب" 1/ 112.]] و (وَيْلُمِّه) [[الأصل فيها: (وَيْلٌ لِأُمِّه) فحذف التنوين فالتقت لام ويل ولام الخفض فأسكنت الأولى وأدغمت الثانية ثم حذفت الهمزة، ثم خفف بحذف أحد اللامين، فمنهم من جعل المحذوفة (لام) الخفض وأبقى (لام) ويل وأبقى لام الخفض مكسورة، ومنهم في جعل المحذوفة (لام) ويل على أصلها مضمومة، ففيها الوجهان. انظر: "المسائل الحلبيات" للفارسي ص 43، "الكتاب" 3/ 5، "سر صناعة الإعراب" 1/ 113، 235، "الخزانة" 3/ 275، 276.]] وفي قول الشاعر:
وَكَانَ حَاملُكُمْ مِنَّا وَرَافِدُكُمْ ... وَحَامِلُ المِينَ بَعْد المِينَ والْأَلَفِ [[ورد البيت غير منسوب في "سر صناعة الإعراب" 1/ 114، "الخصائص" 2/ 334، "اللسان" (ألف) 1/ 107، و (مأى) 7/ 4124.]]
أراد المئين، فحذف الهمزة، وأراد (الألف) فحرك اللام ضرورة [[وقيل: أراد: (الآلاف) فحذف للضرورة، قاله في "اللسان" 9/ 9.]].
وقالوا: (ذن [[في (ب): (اذن).]] لا أفعل) فحذفوا همزة (إذن) [["سر صناعة الإعراب" بتصرف 1/ 113، 114.]] ولو أنهم جعلوا مكان الهمزة غيرها لم يمكن حذفه؛ لأنه لم يحذف غيرها من الحروف كما حذفت هي، وكانت (الهمزة) بالزيادة في الابتداء أولى من سائر الحروف؛ لأنهم شرطوا على أنفسهم حرفا يحذف عند الغنى [[في حاشية "سر صناعة الإعراب": (ب) و (ش): (الغناء).]] عنه، وذلك في أكثر أحواله؛ لأن الوصل أكثر من الابتداء والقطع، ولم يجدوا حرفا يطرد فيه الحذف اطراده في الهمزة، فأتوا بها دون غيرها من سائر حروف المعجم.
والأصل في جميع (ألفات الوصل) أن تبدأ بالكسر؛ لأنها إنما دخلت وصلة إلى النطق بالساكن [[في (ج) كلام مقدم في غير موضعه ونص العبارة (بالساكن الآخر وإنما فتحت مع لام التعريف لأن اللام حرف فجعلوا حركة الهمزة معها فتحة لتخالف، وقد ذكرنا ...). وشطب الناسخ كلمة (والآخر) و (لتخالف) وهما أول ونهاية الكلام المكرر فلعله تنبه له بعد كتابته.]]، وقد ذكرنا أن حقها كان في الأصل السكون، فلما كان حقها السكون ودخلت على الساكن حركت بالكسرة تشبيها بحركة الساكن إذا لقيه ساكن، لأن تحريك أحد الساكنين في سائر المواضع إنما هو أيضًا ليتصل به إلى النطق بالساكن الآخر [[أخذه بمعناه من "سر صناعة الإعراب" 1/ 112، 113.]]. وإنما فتحت مع (لام التعريف) لأن (اللام) حرف، فجعلوا حركة الهمزة معها فتحة؛ لتخالف حركتها في الأسماء والأفعال [[حيث تكون مكسورة أو مضمومة مع الأسماء والأفعال.]] [[بنصه من "سر صناعة الإعراب" 1/ 117.]].
و (لام التعريف) تقع [[في (ب): (تقطع).]] في الكلام في أربعة مواضع [[مواضع لام التعريف، أخذه كذلك عن أبي الفتح بن جني من "سر صناعة الإعراب" (حرف اللام) 1/ 350، مع إعادة ترتيب الكلام والتصرف اليسير في العبارة.]] وهي:
1 - تعريف الواحد بعهد، نحو قولك لمن كنت معه في ذكر رجل: (قد وافى الرجل) أي: الرجل الذي كنا في حديثه وذكره.
2 - وتعريف الواحد بغير عهد نحو قولك لمن لم تره قط ولا ذكرته: (يا أيها الرجل أقبل) فهذا تعريف لم يتقدمه ذكر ولا عهد.
3 - الثالث: تعريف الجنس، نحو قولك: (العسل حلو والخل حامض) فهذا التعريف لا يجوز أن يكون عن إحاطة بجميع الجنس ولا مشاهدة له؛ لأن ذلك متعذر، وإنما معناه: أن كل واحد من هذا الجنس المعروف بالعقول دون حاسة المشاهدة [[في الكلام عدم وضوح، حيث إن قوله: (وإنما معناه أن كل واحد من هذا الجنس ... الخ) يعود على مثال لم يذكره الواحدي، ونص عبارة أبي الفتح: (الثالث: نحو قولك الملك أفضل من الإنسان، والعسل حلو، والخل حامض، وأهلك الناس الدينار والدرهم، فهذا التعريف لا يجوز أن يكون عن إحاطة بجميع الجنس ... الخ). ثم يقول: (... وإنما معناه أن كل واحد من هذا الجنس المعروف بالعقول دون حاسة المشاهدة أفضل من كل واحد من هذا الجنس الآخر، وأن كل جزء من العسل الشائع في الدنيا حلو، وكل جزء من الخل الذي لا تمكن مشاهدة جميعه حامض). "سر صناعة الإعراب" 1/ 350.]].
4 - الرابع: أن تكون زائدة، نحو قوله: (الآن، ولام الذي والتي وتثنيتهما وجمعهما، ولام اللات والعزى) وسنذكر كل واحد من هذِه الحروف إذا انتهينا إليه إن شاء [[قوله: (وسنذكر كل واحد من هذِه الحروف إذا انتهينا إليه ...) من كلام الواحدي، أما أبو الفتح فتكلم عنها في نفس الموضع، انظر: "سر صناعة الإعراب" 1/ 350 وما بعدها، ليت الواحدي لم يثقل الكتاب بهذِه النقول التي مكانها كتب النحو المطولة.]] الله.
فأما قوله: (الحمد) فـ (اللام) فيه تحتمل [[في (ج): (يحتمل).]]: أن تكون للجنس، أي جميع المحامد له؛ لأنه الموصوف بصفات الكمال في نعوته وأفعاله الحميدة [[وعليه أكثر المفسرين، انظر: "تفسير الطبري" 1/ 60، "تفسير ابن عطية" 1/ 99، "الكشاف" 1/ 49، "تفسير القرطبي" 1/ 116، "تفسير ابن كثير" 1/ 25، "البحر" 1/ 18.]]، وتحتمل: أن تكون للعهد، أي: الحمد الذي حمد به نفسه وحمده به أولياؤه [[ذكره الرازي في "تفسيره" 1/ 220، وأبو حيان في "البحر" 1/ 18.]].
ورفعه على معنى قولوا: (الحمد لله) على ما حكينا عن ابن الأنباري [[سبق كلام ابن الأنباري ص 271، وانظر: "تفسير الطبري" 1/ 61.]]، ويجوز أن يكون ابتداء، وخبره فيما بعده [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 119، "البيان في غريب القرآن" 1/ 34، "مشكل إعراب القرآن" لمكي 1/ 8، "الكشاف" 1/ 47، "إملاء ما من به الرحمن" 1/ 5.]].
وقوله تعالى: ﴿لِلَّهِ﴾: هذِه (اللام) تسمى لام الإضافة [[الكلام عن (اللام) نقله عن كتاب "سر صناعة الإعراب" 1/ 325، قال أبو الفتح: (فأما العاملة فلام الجر، وذلك قولك: المال لزيد، والغلام لعمرو. وموضعها في الكلام الإضافة، ولها في الإضافة معنيان: أحدهما الملك ..).]]، ولها في الإضافة معنيان [[ذكر الرازي لها ثلاثة معان في "تفسيره" 1/ 22، وانظر: "البحر" 1/ 18.]]:
أحدهما: الملك نحو: (المال لزيد).
والآخر: الاستحقاق [[عند أبي الفتح (الاستحقاق والملابسة) 1/ 325.]] نحو: (الجُلُّ [[(الجُلُّ): واحد جِلاَل الدواب، الذي تلبسه لتصان به. انظر: "الصحاح" (جلل) 4/ 1658، "اللسان" (جلل) 2/ 664.]] للدابة) أي: استحقته ولابسته، وكذلك (الباب للدار). وهذِه الجارة مكسورة مع المظهر، ومفتوحة مع المضمر، وإنما كسرت مع المظهر وكان من حقها الفتح؛ لأنا ذكرنا أن هذِه الحروف التي تستعمل على واحدة حقها الفتح [[ذكره الواحدي عند الحديث عن (الباء) في تفسير (بسم الله) ناقلا عن أبي الفتح من هذا الموضع. انظر: "سر صناعة الإعراب" 1/ 325.]]، وكسرت مع المظهر للفرق بينها [[في (ب): (بينهما).]] وبين (لام الابتداء) وذلك قولك في الملك: (إن زيدا لهذا) أي: في ملكه، و (إن زيدا لهذا) أي: هو [[عند أبي الفتح (أي هو هذا) 1/ 326.]] هو، فلو فتحت في الموضعين لالتبس [[في (ج): (للا لا لتبس).]] معنى [[في (ج): (بمعنى).]] الملك بمعنى الابتداء.
وإنما كسرت الجارة وتركت (لام الابتداء) بحالها مفتوحة [[هذا مضمون سؤال أثاره أبو الفتح حيث قال: (وهنا زيادة ما علمتها لأحد من أصحابنا، وهي أن يقال: إذا كان الفرق بين (اللام) الجارة و (لام) الابتداء واجبا لما ذكرته من المعنيين، فلم كسرت الجارة وتركت لام الابتداء بحالها مفتوحة؟. فالجواب عن هذا أن يقال: إن أول أحوال الاسم هو الابتداء ....) الخ 1/ 328.]]؛ لأن أول أحوال [[في (ب): (الأحوال).]] الاسم هو الابتداء، وإنما يدخل الناصب والجار والرافع على المبتدأ [[في (ب): (الابتداء).
نص كلام أبي الفتح: (وإنما يدخل الرافع أو الناصب سوى الابتداء والجار على المبتدأ وفي حاشيته: في ب (الناصب والرافع)، "سر صناعة الإعراب" 1/ 328 تأمل الفرق بينهما.]] فلما كان المبتدأ متقدما في المرتبة، وكان فتح هذِه اللام هو الأول المتقدم من حالتها [[عند أبي الفتح (حاليها) 1/ 328.]]، جعل الفتح الذي هو أول مع الابتداء الذي هو أول، ولما كان الكسر فيها إنما هو ثان غير أول، جعل مع الذي هو تبع للابتداء، هذا هو القياس [[انتهى من "سر صناعة الإعراب" 1/ 328.]].
وقوله تعالى ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: (الرب) في اللغة له معنيان [[ذكر ابن الأنباري أن الرب ثلاثة أقسام: السيد المطاع، والمالك، والمصلح. "الزاهر" 1/ 575. ونحوه عند ابن جرير ثم قال: "وقد يتصرف معنى (الرب) في وجوه غير ذلك، غير أنها تعود إلى بعض هذِه الوجوه الثلاثة ...) "تفسير الطبري" 1/ 62، وانظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 25/ ب، "المخصص" 17/ 154، "معجم مقاييس اللغة" (رب) 2/ 381، "الزينة" 2/ 27، "اللسان" (ربب) 1/ 404.]]: أحدهما: أن يكون معناه من الرب بمعنى التربية.
قال الأصمعي: (رب فلان الصنيعة يَرُبُّها رَبًّا إذا أتمها وأصلحها) قال: ويقال: فلان رَبَّ نِحْيَهُ يَرُبُّه رَبًّا [[(ربا) ساقط من (ب).]] إذا جعل فيه الرُّبَّ ومتَّنَهُ به، وهي [[في "تهذيب اللغة" (وهو نحى مربوب).]] نِحْيٌ مَرْبُوب [[انظر قولي الأصمعي في "تهذيب اللغة" (رب) 2/ 1336.]] وهذا -أيضًا- عائد إلى معنى التربية والإصلاح. قال الشاعر:
فَإِنْ كُنْتِ مِنِّي أَوْ تُرِيدِين صُحْبَتِي [[في (ب): (تريدن نصيحتي).]] ... فَكُونِي لَهُ كَالسَّمْنِ [[في (ب)، (ج): (كالشمس).]] رُبَّتْ لَهُ الأَدَم [[البيت لعمرو بن شأس، كان له ابن يقال له (عرار) من أمة سوداء، وكانت امرأته تؤذيه وتستخف به، فقال قصيدة يخاطبها، ومنها هذا البيت، يقول: إن كنت تريدين مودتي، فأحسني إليه كما تستصلحين وعاء السمن حتى لا يفسد عليك، و (الأَدَم) جمع أَدِيم: الجلد المدبوغ، و (الرُّبُّ): خلاصة التمر بعد طبخه وعصره. ورد البيت في "شعر عمرو" ص 71، "الشعر والشعراء" ص 274، "طبقات الشعراء" للجمحي ص 80، "أمالي القالي" 2/ 189، "اشتقاق أسماء الله" ص 33، "الصحاح" (ربب) 1/ 131، "اللسان" (ربب) 3/ 1550.]] وتقول: رَبَّ الشيء يَرُبُّه ربوبًا فهو رَبٌّ، مثل: (بَرّ وَطَبّ [[يقال: (رجل طب) أي: عالم. انظر: "الصحاح" (طبب) 1/ 171.]]) [[ذكر الثعلبي نحوه قال: (تقول العرب: رَبَّ يَرُبُّ رَبَابَةً ورُبُوبًا فهو رَبٌّ مثل بَرٌّ وَطبٌّ) "تفسير الثعلبي" 1/ 25/ ب، وانظر: "الزاهر" 1/ 576، "الصحاح" (ربب) 1/ 130، "الوسيط" للواحدي 1/ 17.]]، إذا تممه وأصلحه، قال الشاعر:
يَرُبُّ الذِّي يَأْتِي مِنَ الخَيْرِ أَنَّهُ ... إذَا فَعَلَ المَعْرُوفَ زَادَ وَتَمَّمَا [[ورد البيت بدون عزو في "الزاهر" 1/ 576، "تهذيب اللغة" (رب) 2/ 1336، "تفسير الثعلبي" 1/ 25/ ب، "الوسيط" للواحدي 1/ 17، "اللسان" (ربب) 3/ 1547، ورواية البيت في غير الثعلبي (من العرف) بدل (من الخير)، (سئل) بدل (فعل).]]
فالمعنى [[في (ب): (والمعنى).]] على هذا أنه يربي الخلق ويغذوهم [[في (ب): (ويعددهم).]] بما ينعم عليهم [[انظر: "تفسير الطبري" 1/ 119.]].
الثاني: أن يكون الرب بمعنى المالك، يقال: رب الشيء إذا ملكه، ورببت [[في (ب): (بيت).]] فلانا، أي: كنت فوقه [[انظر: "الزينة" 2/ 27، "تهذيب اللغة" (رب) 2/ 1336، "اللسان" (ربب) 3/ 1546.]].
ومنه قول صفوان بن أمية [[صفوان بن أمية بن خلف الجمحي القرشي، أسلم بعد الفتح، وروى أحاديث وشهد اليرموك، توفي سنة إحدى وأربعين. انظر ترجمته في "الإصابة" 2/ 187، "تجريد أسماء الصحابة" 1/ 266، "سير أعلام النبلاء" 2/ 562، "طبقات ابن سعد" 5/ 449.]]: لأن يَرُبَّنِي رجل من قريش أحب إِلي من أن يَرُبَّنِي رجل من هوازن [[ذكره الأزهري في "التهذيب"، وفيه: أن صفوان كان يرد بذلك على أبي سفيان. == "التهذيب" (رب) 2/ 1336، وذكره ابن هشام في "السيرة"، وذكر عن ابن إسحاق أنه كان يرد به على (جبلة بن الحنبل) وقال ابن هشام (كلدة بن الحنبل) "السيرة" لابن هشام 4/ 72 - 73.]] يعني: أن يكون ربًا فوقي، وسيدًا يملكني. وكل من ملك شيئا فهو ربّه [[في (ب): (رب).]]، يقال: هو ربّ الدار وربّ الضيعة [[انظر: "تهذيب اللغة" (رب) 2/ 1336، " الزينة" 2/ 27، "اشتقاق أسماء الله" ص 32.]]، وقال النبي ﷺ لرجل [[(لرجل) ساقط من (أ).]]: "أَرَبُّ إِبلٍ أنت أم رَبُّ غنم؟ " [[أخرجه أحمد في (مسنده) عن أبي الأحوص عن أبيه قال: أتيت النبي ﷺ فصعد في النظر وصوَّب وقال: "أَرَبُّ إبل .... " الحديث 4/ 136، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 25/ ب، والرازي في "الزينة" 2/ 29.]]، وقال النابغة:
فَإِنْ تَكُ رَبَّ أَذْوَادٍ بِحُزْوى ... أَصَابُوا مِنْ لِقَاحِكَ مَا أَصَابُوا [[رواية البيت في "الديوان":
فَإِنْ تَكُنِ الفَوَارِسُ يَوْمَ حِسْي ... أَصَابُوا مِنْ لِقَائِكَ مَا أَصَابُوا
"الديوان" ص 84، ونحو رواية الديوان في "مجاز القرآن" 1/ 311، "الزاهر" 1/ 575، "الزينة" 2/ 27، وبمثل رواية الواحدي ورد في "تفسير الثعلبي" 1/ 25/ ب، ولعله أخذه عنه، و (حُزْوى) بضم الحاء موضع بنجد، انظر: "معجم البلدان" 2/ 255.]]
ثم (السيد) يسمى ربًّا وإن لم يكن مالكا على الحقيقة [[انظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 25/ ب، "مجاز القرآن" 1/ 311، "الزينة" 2/ 27.]]، قال الله تعالى: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [يوسف: 42]. وقال الأعشى [[تبع الواحدي شيخه الثعلبي فنسب البيت للأعشى، والبيت للبيد كما نسبه الطبري وغيره في "ديوانه" كما سيأتي.]]:
وَأَهْلَكْنَ يَوْمًا رَبَّ كِنْدَةَ وابْنَه [[شطره الثاني: وَرَبَّ مَعَدًّ بَيْنَ خَبْتٍ وَعَرْعَرِ.
(رب كندة): ملكهم حجر أبو امرئ القيس، و (رب معد): ملكهم حذيفة بن بدر، (خبت): الأصل فيه المطمئن من الأرض ويطلق على عدة أماكن، و (عرعر) اسم == مكان. انظر البيت في "شرح ديوان لبيد" ص 55، "تفسير الطبري" 1/ 62، "الزينة" 2/ 27، "الزاهر" 1/ 576، "تفسير الثعلبي" 1/ 25/ ب.]].
أي: سيدها.
والله تعالى ربُّ كل شيء أي: مالكه، وهو السيد على الحقيقة.
وقال بعض أهل اللغة: المعنى الثاني راجع إلى الأول الذي هو بمعنى التربية [[انظر: "معجم مقاييس اللغة" (رب) 2/ 381، 382.]] وقيل للمالك: (رب) لأنه يرب مملوكه، ويملك تربيته وتنشئته، والسيد رب لأنه مالك.
فأما ما يذهب إليه المتكلمون أنه لم يزل ربًّا [[ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 26/ أ.]]، وأن هذا من صفة الذات، وقولهم: إن معناه الثابت الدائم، من قولهم: (ربُّ بالمكان) إذا أقام به [[ذكره الثعلبي عن الحسين بن الفضل في "تفسيره" 1/ 25/ ب.]]. فهذا لا يعرفه أهل اللغة، وليس يصح ربَّ [[في (ب): (في رب).]] بمعنى: أقام [[بل ورد عند بعض أهل اللغة (رب) بمعنى: أقام، قال ابن دريد في "الجمهرة" (... رب بالمكان وأرب به إذا أقام به) 1/ 28، وانظر: "الاشتقاق" له ص 536، وفي "اللسان": رب بالمكان وأرب: لزمه. "اللسان" (ربب) 3/ 1548، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 25/ ب.]]، وأربَّ بمعنى: أقام صحيح [[انظر: "تهذيب اللغة" (رب) 2/ 1339، "الصحاح" (ربب) 1/ 132، "اللسان" (ربب) 3/ 1548.]]، فان أمكن بناء [[في (ب): (بنى).]] هذا الاسم من الإرباب صح قولهم.
وقوله تعالى: ﴿الْعَالَمِينَ﴾: هو جمع (عالم) على وزن (فَاعَل) [[انظر: "تهذيب اللغة" (علم) 3/ 2554.]]، كما قالوا: خَاتَم [[الخاتم: ما يوضع على الطينة التي على الكتاب، وتكون علامة على أنه لم يفتح، والطابع بمعناه، انظر. "تهذيب اللغة" (ختم) 1/ 983، و (طبع) 3/ 2161.]]، وطَابَع، ودَانَق [[(الدانق) بفتح النون وكسرها: سدس الدرهم، انظر: "اللسان" (دنق) 3/ 1433.]]، وقَالَب [[(القالب) بفتح اللام وكسرها، الشيء الذي يفرغ فيه الجواهر، ليكون مثالا لما يصاغ منها، "اللسان" (قلب) 6/ 3715.]]، واختلفوا في اشتقاقه على وجهين: فمنهم من قال: اشتقاقه من (العَلَم) و (العلامة)، وذلك أن كل مخلوق دلالة وعلامة على وجود صانعه [[ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 26/ ب، وانظر: "معجم مقاييس اللغة" (علم) 4/ 110.]]، فالعالم اسم عام لجميع المخلوقات، يدل على هذا قول الناس: (العالم محدث) يريدون به جميع المخلوقات، وهذا قول الحسن [[هو أبو سعيد الحسن بن أبي الحسن يسار البصري، مولى الأنصار، ولد لسنتين بقيتا من خلافة عمر، وتوفي سنة عشر ومائة من الهجرة، كان غزير العلم بكتاب الله تعالى. ورعًا زاهدًا فصيحا. انظر ترجمته في "حلية الأولياء" 2/ 131، "طبقات القراء" لابن الجزري 1/ 235، "تذكرة الحفاظ" 1/ 71، "طبقات المفسرين" للداودي 1/ 150.]] ومجاهد وقتادة [[ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 26/ ب وذكره الطبري عن ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد وقتادة. "تفسير الطبري" 1/ 63، وكذا ابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 27.]] في تفسير العالم: إنه جميع المخلوقات. ولدل على هذا القول من التنزيل قوله: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (23) قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ [الشعراء: 23، 24] فسر [[في (ب): (فيفسر).]] العالمين بجميع المخلوقات. ومنهم من قال: إنه مشتق من العِلْم [[ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 26/ ب.]].
فالعالمون على هذا هم من يعقل، قال ابن عباس في رواية سعيد بن جبير: هم الجن والإنس [[أخرجه الطبري بسنده. قال شاكر: إسناه حسن. "تفسير الطبري" 1/ 144 (ط. شاكر)، وابن أبي حاتم. وقال المحقق: (إسناده ضعيف)، "تفسير ابن أبي حاتم" رسالة دكتوراه 1/ 154، والحاكم في "المستدرك"، وقال بعده: ليعلم طالب هذا العلم أن تفسير الصحابي الذي شهد الوحي والتنزيل عند الشيخين حديث مسند. ووافقه الذهبي، "المستدرك"، كتاب التفسير تفسير سورة الفاتحة 2/ 258، وانظر: "الدر المنثور" 1/ 36.]].
واختاره أبو الهيثم [[انظر: الثعلبي 1/ 26/ أ.]] والأزهري [[انظر: "تهذيب اللغة" (علم) 3/ 2554.]]، واحتجوا بقوله: ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: 1] وإنما بعث محمد نذيرا للجن والإنس [["التهذيب" (علم) 3/ 2554.]]. وقال الحسين بن الفضل وأبو معاذ [[أبو معاذ النحوي المقرئ اللغوي، له عناية باللغة والقراءات. انظر مقدمة "تهذيب اللغة" 1/ 44، "إنباه الرواة" 179.]] النحوي: هم بنو آدم [[قال الثعلبي في "تفسيره" (قال أبو معاذ النحوي: هم بنو آدم .. وقال الحسين بن الفضل: (العالمون): الناس واحتج بقوله تعالى: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ "تفسير الثعلبي" 1/ 26/ أ.]]، لقوله: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (165)﴾ [الشعراء: 165].
وقال الفراء [[أبو زكرياء يحي بن زياد الديلمي الفراء، كان أبرع أهل الكوفة في النحو، له كتب من أشهرها معاني القرآن، توفي سنة سبع ومائتين. انظر ترجمته في "طبقات النحويين واللغويين" للزبيدي ص 131، "تاريخ بغداد" 14/ 149، "اللباب" 2/ 414، "إنباه الرواة" 4/ 1.]] وأبو عبيدة: هو عبارة عما يعقل، وهو أربع أمم: الملائكة والإنس والجن والشياطين، ولا يقال للبهائم: عالم [[بنصه في "تفسير الثعلبي" 1/ 26/ ب.]].
وقد ذكر الله تعالى ﴿الْعَالَمِينَ﴾ وأراد به أهل عصر واحد، وهو قوله لبني إسرائيل: ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: 47] يعني عالمي زمانهم [[انظر: "تفسير الطبري" 1/ 264، "التصاريف" المنسوب ليحيى بن سلام ص 266، "إصلاح الوجوه والنظائر" للدامغاني ص 331.]].
وهذِه الأقوال صحيحة على أصل من يجعله مشتقًّا من العِلْم، والذين صححوا هذِه الطريقة قالوا في جواب موسى لفرعون: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ [[يشير بهذا إلى ما سبق في قوله تعالى: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (23) قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ [الشعراء: 23، 24] حيث استدل بالآيتين من قال: إن العالمين: جميع المخلوقات.]]: إنه لم يشتغل بتفسير العالمين، وإنما أراد تعريفه على وجه أظهر من الأول [[هو ما ورد في الآيات قبلها حين توجه موسى إلى فرعون بقوله تعالى: ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: 16].]]، ليصير الخصم مبهوتًا.
وأبو إسحاق [[الزجاج.]] اختار الطريقة الأولى، وقال: معنى العالمين: كل ما خلق الله. قال: وقوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ كقوله ﴿وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: 164] [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 8.]].
والعالم على كلا [[في (ج): (كل).]] الأصلين: اسم للجمع [[في (ج): (جمع).]]، ولا واحد له من لفظه، كالأنام والرهط والجيش [[انظر: "تفسير الطبري" 1/ 62، "تفسير الثعلبي" 1/ 26/ أ.]].
قال أبو إسحاق: وإنما لم يستعمل الواحد من لفظه؛ لأن (العالم) اسم لأشياء مختلفة، فإن جعل لواحد منها اسم من لفظه صار جمعا لأشياء متفقة [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 8، ذكر كلامه بتصرف.]].
وهذا النوع من الجمع [[أي: (العالمين) جمع (عالم)، انظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 8.]] يسمى (السالم) لسلامة لفظ الواحد فيه، ويجمع على الواو والياء [[انظر: "معاني القرآن" للأخفش 1/ 162، "شرح ابن عقيل" 1/ 63.]].
واختلف النحويون في (الواو والياء والألف) اللواتي تلحق التثنية والجمع [[نقل الواحدي في هذا الموضوع عن أبي الفتح ابن جني من "سر صناعة الإعراب" بعضه بنصه، وبعضه بمعناه. 2/ 695، ومثل هذا المبحث مكانه كتب النحو لا كتب التفسير.]]، فمذهب سيبويه فيها أنها حروف إعراب بمنزلة (الدال) من زيد [[انظر: "الكتاب" 1/ 17، 18.]].
والدليل على ذلك [[أي ما ذهب إليه سيبويه، انظر: "سر صناعة الإعراب" 2/ 696.]]: أن الذي أوجب للواحد المتمكن نحو: (زيد ورجل) حرف الإعراب، هو [[في (أ)، (ج): (فهو) وما في (ب) موافق لما في "سر صناعة الإعراب" 2/ 696.]] موجود في التثنية والجمع [[لم يرد في كلام أبي الفتح ذكر للجمع، وإنما الحديث عن المثنى، وأضاف الواحدي كلمة (الجمع) لكلامه في جميع المواضع؛ لأن حكمهما واحد. انظر: "سر صناعة الإعراب" 2/ 696.]]، وهو التمكن، فكما أن الواحد المعرب المتمكن يحتاج إلى حرف إعراب، فكذلك الاسم المثنى والمجموع إذا كان معربا متمكنا احتاج إلى حرف إعراب، وإذا كان كذلك فقولنا: (الزيدان والزيدون) [[عند أبي الفتح: (الزيدان والعمران، والرجلان والغلامان) 2/ 697، فهي أمثلة على المثنى وليس للجمع ذكر.]] لا يخلو حرف الإعراب، إما أن يكون ما قبل الألف والواو، أو هما، أو ما بعدهما.
ويفسد أن تكون (الدال) من زيد هي حرف الإعراب في التثنية؛ لأنها قد كانت في الواحد حرف الإعراب، وقد انقلبت عن الواحد الذي هو الأصل إلى التثنية التي هي فرع، كما تقول في (قائمة) لما انقلبت عن المذكر [[وهو (قائم)، انظر: "سر صناعة الإعراب" 2/ 697.]] الذي هو الأصل إلى المؤنث الذي هو الفرع، بطل أن تكون (الميم) التي كانت [[في (ب): (الذي كان).]] في المذكر حرف إعراب أن تكون [[في (ب): (يكون).]] في المؤنث حرف إعراب، وصار حرف الإعراب علم التأنيث وهو (الهاء) [[في كلمة (قائمة)، "سر صناعة الإعراب" 2/ 697.]] فكذلك ينبغي أن يكون علم التثنية والجمع [[(الجمع) زيادة من الواحدي على كلام أبي الفتح، 2/ 697.]] هو حرف الإعراب [[تكلم أبو الفتح بعد هذا عن المقارنة بين المثنى وجمع التكسير، ولماذا لا تكون (الدال) من (الزيدان) حرف إعراب كما في المفرد؟ مثل (فرس) فالسين حرف إعراب و (أفراس) السين حرف إعراب وهو جمع تكسير. انظر: "سر صناعة الإعراب" 2/ 697 - 698.]]. ولا يجوز أن يكون ما بعد الألف والواو حرف إعراب، وهو (النون) لأنها حرف صحيح يتحمل [[في (ب): (محمل).]] الحركة، فلو كانت حرف إعراب لوجب أن تعربه [[في (ب): (تعرفه).]] في الرفع والنصب والخفض [[قال أبو الفتح: تقول: (قام الزيدان، ورأيت الزيدان، ومررت بالزيدان)، "سر صناعة الإعراب" 2/ 699.]]، كما تعرب (الدال) من زيد، وكما تقول: هؤلاء غلمان، ورأيت غلمانا، ومررت بغلمان [[انظر: "سر صناعة الإعراب" 2/ 699 وما بعدها من الصفحات فقد أطال أبو الفتح بن جني الشرح حول هذِه المسألة.]].
وهذا الذي ذكرنا من مذهب سيبويه، مذهب أبي إسحاق وابن كيسان، وأبي بكر، وأبي علي [[انظر: "سر صناعة الإعراب" 2/ 695، قال أبو الفتح: (.. وهو قول أبي إسحاق، وابن كيسان، وأبي بكر، وأبي علي ..).]].
وإذا ثبت أن هذِه الحروف حروف إعراب [[قال أبو الفتح: (واعلم أن سيبويه يرى أن (الألف) في التثنية كما أنه ليس في لفظها إعراب، فكذلك لا تقدير إعراب فيها كما يقدر في الأسماء المقصورة المعربة نية الإعراب، ألا ترى أنك .. الخ) "سر صناعة الإعراب" 2/ 706.]] فلا إعراب في لفظها استثقالا للحركات فيها، ولا تقدير إعراب فيها -أيضًا- كما يقدر في الأسماء المقصورة المعربة نية الإعراب، ألا ترى أنك إذا قلت: هذا فتى، ففي الألف تقدير ضمة، وإذا قلت: رأيت فتى، ففي الألف تقدير فتحة، وإذا قلت: مررت بفتى، ففي الألف تقدير كسرة، وهو لا يرى [[في (ب): (لا ترى). والمراد (سيبويه) كما هو في النص السابق الذي نقلناه عن أبي الفتح 2/ 706.]] أنك إذا قلت: هذان الزيدان، أن في الألف تقدير ضمة، ولا إذا قلت: مررت بالزيدين، وضربت الزيدين، ففي الياء تقدير كسرة ولا فتحة [[في "سر صناعة الإعراب" (أن في الياء ..) وفي حاشيته: في (ش): (ففي) ويظهر أن الواحدي أخذ عن هذِه النسخة، والصحيح ما أثبت في أصل "سر صناعة الإعراب" 2/ 706.]].
قال أبو علي: [[عند أبي الفتح: (قال أبو علي: ويدل على صحة ما قال سيبويه من أنه ليس في حرف الإعراب من التثنية تقدير حركة في المعنى -كما أن ذلك ليس موجودا في اللفظ- صحة (الياء) في الجر والنصب ...) فلم يرد في كلامه لفظ الجمع، انظر: "سر صناعة الإعراب" 2/ 706.]] يدلك على أنه ليس في حرف الإعراب من التثنية والجمع تقدير حركة في المعنى، صحة (الياء) في الجر والنصب في قولك: (مررت برجلين) و (ضربت رجلين)، ولو كان في (الياء) منهما [[في (ب): (منها).]] تقدير حركة، لوجب أن تقلب ألفا كرحى وفتى، ألا ترى أن (الياء) إذا انفتح ما قبلها وكانت في تقدير حركة وجب أن تقلب ألفا [[لم أجده فيما اطلعت عليه من كتب أبي علي الفارسي، ولعل أبا الفتح أخذه من أبي علي مشافهة حيث قال: (وهذا أيضًا من لطيف ما حصلته عنه فافهمه). "سر صناعة الإعراب" 2/ 707.]].
وهذا استدلال من أبي علي في نهاية الحسن، وصحة المذهب وسداد الطريقة [[بنصه من "سر صناعة الإعراب" 2/ 706.]]. ودخلت النون فيهما عوضا من الحركة والتنوين، وذلك أن من شرط التثنية، والجمع -الذي على حد التثنية- أن يكون [[في (ب): (تكون).]] له علامة مزيدة على لفظ الواحد، والواحد فيه حركة وتنوين، فكان حق العلامة أن تدخل على لفظ الواحد، ثم تلحقها الحركة والتنوين، فلما وجب أن يدخل التنوين والحركة في التثنية والجمع، ثم عرض ما يمنع من دخولهما، وجب أن يعوض [[في (ج): (يعرض).]] منهما، وقد بينا أن الحركة إنما أسقطت استثقالا، والتنوين وجب إسقاطه لأنه ساكن، وهذِه الحروف سواكن ولم يمكن إسقاط هذِه الحروف لأنها علامات، ولا تحريكها للثقل، ولا تحريك التنوين؛ لأنه يخرج عن حكم العلامة ويصير نونا لازمة، فلم يبق إلا إسقاطه، فلما دخلت النون دخلت ساكنة؛ لأنه لا حظ لها من الإعراب فاجتمع ساكنان، فحركت نون التثنية بالكسرة ونون الجمع بالفتحة فرقا بينهما [[أخذه بمعناه من "سر صناعة الإعراب" 2/ 448 - 449.]]. وكانت نون التثنية أولى بالكسرة لأن قبلها (ألفا) وهي خفيفة والكسرة ثقيلة [[في (ب): (ثقيلا).]]، فاعتدلا، وقبل نون الجمع (واو [[عند أبي الفتح: (وقبل نون الجمع (واو) أو (ياء)) 2/ 488.]]) وهي ثقيلة ففتحوا النون ليعتدل الأمر.
فإن قلت: إنك تكسر النون مع (الياء) في النصب والجر، فهلا هربت إلى الفتحة لمكان (الياء) كما هربت إلى الفتحة لمكانها في (أين وكيف)؟. والجواب: أن (الياء) في التثنية ليست بلازمة كلزومها في (أين) لأن الأصل هو الرفع، والنصب والجر فرعان عليه، فأجروا الباب على حكم الرفع الذي هو الأصل [[انتهى ما نقله عن أبي الفتح ابن جني من كتاب "سر صناعة الإعراب" ملخصا قال أبو الفتح (فهذِه حال نون التثنية والجمع الذي على حد التثنية ولم يتقص أحد من أصحابنا القول عليها هذا التقصي، ولا علمته أشبعه هذا الإشباع) 2/ 487 - 489.]]، وصارت النون أولى بالزيادة من بين سائر الحروف، لشبهها بحروف المد. وسترى وجه الشبه بينهما فيما يمر بك من الكتاب إن شاء الله.
الفاتحة 1:4
قوله تعالى: ﴿مَالِكِ [[في (ج): (ملك).]] يَوْمِ الدِّينِ﴾. المالك في اللغة: (الفاعل) من الملك، يقال: ملك فلان الشيء يملِكُه مُلكا ومِلكا ومَلْكا ومَلَكة [[في (ب): (وملكا).]] ومَمْلَكة ومَمْلَكة [[ذكره الأزهري عن اللحياني: "التهذيب" (ملك) 4/ 3449، وانظر: "المحكم" (ملك) 7/ 45.]]، ويقال: إنه لحسن الملْكَة [[(المَلكة) بفتح الميم كذا ضبط في "التهذيب"، وفي حاشيته: وضبط في (ل) بكسر وتسكين اللام. "التهذيب" (ملك) 4/ 3449، وفي "المحكم" بالكسر 7/ 45.]] والمِلْك. وأصل المُلك والمِلك راجع إلى معنى واحد، وهو الربط والشد، فمالك الشيء من ربطه لنفسه وملكه ما يختص به، وشد بعقد يخرج به عن أن يكون مباحا لغيره، وملك القوم من غلبهم وربط أمرهم [[انظر: "الحجة" لأبي علي الفارسي 1/ 13، 17، "المخصص" لابن سيده 17/ 157، "تفسير أسماء الله" للزجاج ص 30، "اشتقاق أسماء لله" للزجاجي ص 43، 44.]].
ومن هذا يقال: ملكت العجين أي شددت عجنه، وقول أوس بن حجر [[أوس بن حجر من شعراء الجاهلية وفحولها، وأحد شعراء تميم، انظر ترجمته في "الشعر والشعراء" ص 114، "الخزانة" 4/ 379، "معاهد التنصيص" 1/ 132.]]:
فملك بالليط الذي تحت قشرها ... كغِرْقيء بَيضٍ كنه القَيضُ من عَلِ [[قوله (ملك): شدد، و (الليط): القشر، و (القيض): القشر الغليظ فوق البيضة، و (الغرقىء): القشر الرقيق للبيضة، وهو يصف قوسا يقول: إنه قواه وذلك حين قشره فترك القشر الرقيق ليقويه به. ورد البيت في "ديوان أوس" ص 97، "الحجة" للفارسي 1/ 17، "تهذيب اللغة" (ملك) 4/ 3450، " الخصائص" 2/ 363، 3/ 172، "اشتقاق أسماء الله" ص 46، "الصحاح" (ملك) 4/ 1610، "المحكم" (ملك) 7/ 46، "اللسان" (ملك) 7/ 4268، "الخزانة" 2/ 396.]] ملك: شدد. وقول قيس بن الخطيم [[هو قيس بن الخطيم بن عدي بن الخزرج، شاعر فارس، لقي النبي ﷺ ومات كافرا، ترجمته في "طبقات فحول الشعراء" 91/ 92، "الإصابة" 3/ 281، "الخزانة" 7/ 34.]]:
ملكت بها كفي فأنهرت فتقها [[من قصيدة لقيس قالها حين أصاب بثأره من قاتلي أبيه وجده، والشطر الثاني:
يرى قائم من خلفها ما وراءها
يقول: شددت بهذِه الطعنة كفى ووسعت خرقها، حتى يرى القائم من دونها الشيء وراءها. انظر: "ديوان قيس" ص 8، "تهذيب اللغة" (ملك) 4/ 3450، "الصحاح" 4/ 1609، "المحكم" 7/ 46، "تاج العروس" 13/ 653، "اللسان" 7/ 4268، (المعاني الكبير) 2/ 978، 983، "الحجة" للفارسي 1/ 13، 17، "الخزانة" 7/ 35.]]
أي: شددت بالطعنة كفي [[في (ب): (لفى).]].
ويقال: ما تمالك فلان أن فعل كذا، أي لم يستطع أن يضبط نفسه [["تهذيب اللغة" (ملك) 4/ 3450، "اللسان" (ملك) 7/ 4268.]]. وقال [[في (ج): (ويقال).]]:
فلا تمالك [[(تمالُك) بضم اللام في "تهذيب اللغة" وفي الحاشية: (جـ)، (ل) بفتح اللام، "تهذيب اللغة" 10/ 271، وبالفتح في "اللسان" 10/ 494.]] عن أرض لها عمدوا [[ورد في "التهذيب" (ملك) 10/ 271، غير منسوب، وكذا في "اللسان" (ملك) 10/ 494.]]
وملاك [[في (ب): (ملال).]] الأمر: ما يضبط به الأمر، يقال: القلب [[في (ج): (الا القلب).]] ملاك الجسد [[في (ج): (الجساد). ذكر الأزهري عن الليث نحوه. "التهذيب" (ملك) 4/ 2450، وانظر: "المحكم" 7/ 46، "اللسان" (ملك) 7/ 4268.]].
وأبو مالك: كنية الكبر والسن، كني به لأنه يغلب الإنسان ويشده عما يريد، فلا ينبسط انبساط الشاب [[نحوه في "التهذيب" عن ابن الأعرابي 4/ 3451، وانظر: "اللسان" (ملك) 7/ 4269.]]. قال:
أبا مالك إن الغواني هجرنني ... أبا مالك إني أظنك دائبا [[أورده الأزهري بدون نسبه في "التهذيب" (ملك) 4/ 3451 و (أبا) 1/ 104، "اللسان" (ملك) 7/ 4269، وكذا الزمخشري في "أساس البلاغة" (ملك) 2/ 401.]]
ويقال للرجل إذا تزوج: ملك فلان، يملك ملكا؛ لأنه شد عقد النكاح. وأملك إملاكا إذا زوج [["التهذيب" (ملك) 4/ 3449، وانظر: "اللسان" (ملك) 7/ 4268.]].
وفي هذا الحرف قراءتان (مالك) و (ملك) [[قراءة عاصم والكسائي (مالك) وبقية السبعة (ملك)، انظر: "السبعة" لابن مجاهد ص 104، "الحجة" للفارسي 1/ 7، "حجة القراءات" لابن زنجلة ص 77، "الكشف" لمكي 1/ 25.]]. فمن قرأ (ملك) قال: الملك أشمل وأتم؛ لأنه قد [[(قد) غير واضحة في (أ)، وفي (ب): (لا يكون).]] يكون مالك [[في (ج): (مالكا) وعليه تعتبر (يكون) ناقصة.]] ولا ملك له، ولا يكون مَلِك إلى وله مُلك، ولأنه لا يقال: مالك على الإطلاق، حتى يضاف إلى شيء، ويقال: ملك على الإطلاق [[انظر: "تفسير الطبري" 1/ 65، "الحجة" لأبي علي الفارسي 1/ 9، "حجة القراءات" لابن زنجلة ص 77 - 79، "الكشف" 1/ 26.]].
واحتج محمد بن جرير [[هو الإمام المفسر محمد بن جرير الطبري، سبقت ترجمته في الدراسة.]] لهذِه القراءة فقال: إن الله نبه على أنه مالكهم بقوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ فحمل قوله ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ على وصف زائد أحسن [[انظر: "تفسير الطبري" 1/ 150، نقل كلامه بمعناه، وابن جرير يرجح قراءة (ملك).]].
وقال محمد بن السري: الملك [[كلام ابن السري ورد في "الحجة" لأبي علي الفارسي ضمن كلام طويل له في ترجيح قراءة (ملك) حيث قال الفارسي: (قال أبو بكر محمد بن السري الاختيار عندي (ملك يوم الدين) والحجة في ذلك .. فالملك الذي يملك الكثير من الأشياء .. الخ)، "الحجة" 1/ 13، 14.]] الذي يملك الكثير من الأشياء، ويشارك غيره من الناس بالحكم عليه في ملكه [[في "الحجة" (.. ويشارك غيره من الناس، بأنه يشاركه في ملكه بالحكم عليه فيه ...).]]، وأنه لا يتصرف فيه إلا بما يطلقه له الملك ومع ذلك أن الملك يملك على الناس أمورهم، فلا يستحق اسم الملك حتى يجتمع له ملك هذا كله، فكل ملك مالك، وليس كل مالك ملكا.
ويقوي هذِه القراءة من التنزيل قوله ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ﴾ [[طه: 114، والمؤمنون: 116.]]، وقوله ﴿الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ﴾ [الحشر: 23]، و ﴿مَلِكِ النَّاسِ﴾ [الناس: 2]، و ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ [غافر: 16]، ولم يقل: (لمن المِلْك) [[قال أبو حاتم أحمد بن حمدان الرازي: كان أبو عبيد يختار (ملك يوم الدين) على (مالك) وذلك أن الله عز وجل قال: ﴿لمن الملك﴾ ولم يقل: (لمن المِلك). وذلك أن الملك مصدر الملك، والملك مصدر المالك. وخطأه أبو حاتم السجستاني في ذلك، فقال: أظنه احتج على نفسه ولم يشعر، لأن معنى (لمن الملك) يعني من يملك الملك ...) كتاب "الزينة" 2/ 100، وانظر: "الكشف" لمكي 1/ 26، "حجة القراءات" لابن زنجلة ص 78.]].
وأكثر أهل اللغة اختاروا (مالك) أبو عبيدة، وأبو حاتم [[أبو حاتم هو: سهل بن محمد الجشمي السجستاني. نزيل البصرة وعالمها، من أئمة == اللغة والشعر، والنحو إلى أنه لم يكن فيه حاذقًا، تلقى على أبي زيد، وأبي عبيدة والأصمعي، توفي سنة (255 هـ).
انظر: "تهذيب اللغة" 1/ 43، "أخبار النحويين" للسيرافي 102، "إنباه الرواة" 2/ 58.]]، والأصمعي، والأخفش، وأبو العباس [[انظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 28/ أ، "الزينة" 1/ 100، 101، "معاني القرآن" للأخفش 1/ 160، "التهذيب" (ملك) 4/ 3449.]]، وقالوا: إنه أجمع وأوسع، لأنه يقال: مالك الطير والدواب والوحوش وكل شيء، ولا يقال: ملك كل شيء، إنما يقال: ملك الناس [[فـ (مالك) أعم وأشمل. انظر: "حجة القراءات" لابن زنجلة ص 79، "تفسير الثعلبي" 1/ 28/ أ.]]، قالوا: ولا يكون مالك الشيء إلا وهو يملكه، وقد يكون ملك الشيء وهو لا يملكه كقولهم: (ملك العرب والعجم)، ولأنه يجمع الفعل والاسم [[ذلك أن (مالكا) يجمع لفظ الاسم ومعنى الفعل فلذلك يعمل (فاعل) فينصب كما ينصب الفعل. انظر: "الكشف" لمكي 1/ 26.]]، ولأن معنى الآية أنه يملك الحكم يوم الدين بين خلقه دون غيره، فالوصف يكون مالكا [[انظر: "الحجة" لأبي علي الفارسي 1/ 12، 15، 16، "الكشف" 1/ 25، 26.]].
واحتج أبو العباس لهذِه القراءة فقال: (مالك يوم الدين) معناه يملك إقامة يوم الدين، على معنى يملك أن يأتي به، وإذا كان المعنى على هذا فالوجه (مالك) لا (ملك) [[ذكر الأزهري نحوه عن المنذري عن أبي العباس. "التهذيب" (ملك) 4/ 3449، وانظر: "الحجة" 1/ 15.]].
ومما يقوي هذِه القراءة من التنزيل قوله ﴿وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الانفطار: 19] فقولك: الأمر له، وهو مالك الأمر بمعنى، ألا ترى أن لام الجر معناها [[في (ب): (معناه).]] الملك [[بنصه في "الحجة" 1/ 19.]].
ومن نصر هذِه القراءة أجاب [[أي من نصر قراءة (مالك) أجاب على دعوى ابن جرير السابقة -وهي قوله: (إن الله نبه على أنه مالكهم بقوله: ﴿رب العالمين﴾ فحمل قوله: ﴿ملك يوم الدين﴾ على وصف زائد أحسن). والكلام في "الحجة" ليس فيه ذكر لابن جرير حيث قال: (قال أبو علي: وأما ما حكاه أبو بكر ابن السري عن بعض من اختار القراءة بملك .. فإنه لا يرجع قراءة ملك على مالك، لأن في التنزيل أشياء على هذِه الصورة ..) 1/ 18.]] ابن جرير بأن قال: ما ذكرت لا يرجح قراءة ملك؛ لأن في التنزيل أشياء على هذِه الصورة قد تقدمها العام وذكر بعده الخاص، كقوله ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2)﴾ [العلق: 1 - 2].
وقوله: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة: 3]، ثم قال: ﴿وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ [البقرة: 4]. في أمثال كثيرة لهذا [[انظر: "الحجة" لأبي علي 1/ 18، 19.]].
فمن قرأ ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ فقد أضاف اسم الفاعل إلى الظرف وحذف المفعول من الكلام للدلالة [[في (ب). (الدلالة).]] عليه، تقديره: مالك يوم الدين الأحكام، لأن القديم سبحانه ينفرد في ذلك اليوم بالحكم. فأما الدنيا فإنه يحكم فيها -أيضًا- الولاة والقضاة [[في "الحجة" لأبي علي: (فإنه قد حذف المفعول به من الكلام للدلالة عليه، وإن هذا المحذوف قد جاء مثبتا في قوله ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا﴾ [الانفطار:19] فتقديره: (مالك يوم الدين الأحكام). وحسن هذا الاختصاص لتفرد القديم سبحانه في ذلك اليوم بالحكم ..)، "الحجة" 1/ 34.]].
وعلى ما ذكره أبو العباس، الآية تكون من باب حذف المضاف [[يعني بقوله فيما سبق (يملك إقامة يوم الدين ...) فحذف المضاف وهو (إقامة) وأقام المضاف إليه وهو (يوم الدين) مقامة. انظر: "تهذيب اللغة" (ملك) 4/ 3449، ورد ابن جرير هذا القول، انظر: "تفسيره" 1/ 67.]]، وإقامة المضاف إليه مقامه، وهو كثير في الكلام، وسترى منه مالا يحصى كثرة.
وأما إعراب ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ فالجر في القراءتين [["الحجة" لأبي علي 1/ 40.]]. وهو صفة الاسم، مجرور [[وهو لفظ الجلالة في قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.]]، والصفات تجري على موصوفاتها إذا لم تقطع عنها [[في "الحجة": (والصفات تجري على موصوفيها إذا لم تقطع عنهم لذم أو مدح ...)، "الحجة" 10/ 40.]] بمدح أو ذم. وأما العامل فيها، فزعم الأخفش أبو الحسن أن الوصف يجري على ما قبله، وليس معه لفظ يعمل فيه [[انظر: "معاني القرآن" للأخفش 1/ 160.]]، إنما يعمل فيه كونه نعتا [[في "الحجة": (وليس معه لفظ عمل فيه، إنما فيه أنه نعت ..)، 1/ 40.]]، وذلك الذي يرفعه وينصبه ويجره، كما أن المبتدأ [[في (ب): (المبتدى).]] إنما يرفعه الابتداء [[في "الحجة" لأبي علي: (كما أن المبتدأ إنما رفعه الابتداء ..) 1/ 40.]]، وإنما الابتداء معنى عمل [[(عمل) ساقط من (ب).]] فيه، وليس لفظا، فكذلك هذا [[انتهى من "الحجة"، 1/ 40.]].
وقوله تعالى: ﴿الدِّينِ﴾ قال الضحاك [[هو الضحاك بن مزاحم الهلالي، أبو محمد، من أوعية العلم، وكان مفسرا حدث عن == عدد من الصحابة، قال بعضهم: لم يلق ابن عباس، في وفاته أقوال قيل: (102 هـ) وقيل (105 هـ)، وقيل: (106 هـ). انظر ترجمته في "طبقات ابن سعد" 6/ 300، "طبقات خليفة" ص 568، 322، "سير أعلام النبلاء" 4/ 598.]] وقتادة: (الدين) الجزاء، يعني يوم يدين الله العباد بأعمالهم [[ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 28/ ب، وأخرجه الطبري في "تفسيره" عن قتادة، وأخرج نحوه عن ابن عباس وابن جريج 1/ 68، وقول قتادة ذكره السيوطي في "الدر" وعزاه لعبد الرزاق وعبد بن حميد. "الدر" 1/ 39.]]. تقول العرب: دنته بما فعل أي جازيته [[انظر: "تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة ص 38.]]. ومنه قوله: ﴿أَإِنَّا لَمَدِينُونَ﴾ [[وقد وردت الآية في جميع النسخ ﴿إنا لمدينون﴾ وكذا عند الثعلبي في "تفسير" 1/ 28/ ب.]] [الصافات: 53] أي مجزيون. وقال:
واعلم وأيقن أن ملكك زائل ... واعلم بأن كما تدين تدان [[نسبه بعضهم إلى يزيد بن الصعق الكلابي، وبعضهم: إلى خويلد بن نوفل الكلابي، وقال في (الخزانة): قال بعض الكلابين، والبيت مع بيتين قبله، قالهما يخاطب الحارث بن أبي شمر الغساني حين اغتصب ابنته. ورد البيت في "تفسير الطبري" 1/ 68، "الكامل" 1/ 328، "المخصص" 17/ 155، "اللسان" (دين) 3/ 1468، "التاج" 18/ 215، "الخزانة" 10/ 91.]]
أي تجزى بما تفعل. ويقوي هذا التفسير قوله ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ﴾ [غافر: 17].
وقوله: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية: 28]. وقال ابن عباس، والسدي، ومقاتل [[(مقاتل) ساقط من ب.]]، في معنى قوله ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾: قاضي يوم الحساب [[ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 28/ ب، وقد أخرج الطبري عن ابن عباس: يوم الدين: يوم حساب الخلائق. "تفسير الطبري" 1/ 68، وكذا أخرجه ابن أبي حاتم في "تفسيره" == 1/ 157 (رسالة دكتوراه)، وانظر: "تأويل مشكل القرآن" لابن قتيبة ص 453، "نزهة الأعين النواظر" لابن الجوزي ص 295.]]، واختار أبو عبيد هذا القول [[انظر: "غريب الحديث" لأبي عبيد 1/ 439.]]. ومن الدين بمعنى الحساب قوله: ﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [التوبة: 36] أي: ذلك الحساب [[انظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 28/ ب، وفسر الطبري (الدين) في آية التوبة ويوسف بأنه الدين القويم المستقيم الذي لا اعوجاج فيه، وفي آية الروم فسره: بالمستقيم، ثم قال: وقد وجه بعضهم معنى الدين في هذا الموضع إلى الحساب، (تفسير الطبري) 10/ 126، 12/ 220، 20/ 42، انظر: "تأويل مشكل القرآن" ص 454.]] الصحيح، والعدد المستوي [["تهذيب اللغة" (دان) 2/ 1136.]].
وقيل في قوله: "الكيس من دان نفسه [[الحديث أخرجه الترمذي عن شداد بن أوس، وقال: حديث حسن. الترمذي (2459)، أبواب صفة القيامة، وابن ماجه (4260) كتاب: الزهد، باب: ذكر الموت، والإمام أحمد في "مسنده" 4/ 122، وهو بنصه في "تهذيب اللغة" (دان) 2/ 1136.]] ": أي حاسبها. وخص هذا اليوم بأنه مالكه، تعظيما لشأنه وتهويلا لأمره، كقوله: ﴿إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ (11)﴾ [العاديات: 11] وهو خبير سائر الأيام. وللدين معان كثيرة في اللغة [[انظر: "تهذيب اللغة" (دان) 2/ 1136، "معجم مقاييس اللغة" (دين) 2/ 319، "إصلاح الوجوه والنواظر" للدامغاني ص 178، "نزهة الأعين النوظر في علم الوجوه والنظائر" ص 295.]]، وكل موضع انتهينا إليه من القرآن ذكرنا ما فيه.
الفاتحة 1:5
قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [[في (ج): (نحبد) تصحيف.]]. اختلفت [[في (ب): (اختلف).]] مذاهب النحويين في هذا الحرف، وأنا ذاكر لك هنا منها ما يحتمله هذا الكتاب [[ما ذكره الواحدي عن (إياك) نقله عن أبي الفتح ابن جني من كتاب "سر صناعة الإعراب" == مع تصرف يسير في العبارة، وأبو الفتح اعتمد على أبي علي الفارسي، وصرح بنقله عنه، وكلام الفارسي موجود في "الإغفال" قال أبو الفتح: (وهذِه مسألة لطيفة عنت لنا في أثناء هذا الفصل، نحن نشرحها ونذكر خلاف العلماء فيها، ونخبر بالصواب عندنا من أمرها إن شاء الله وهي قوله عز اسمه ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ وما كان مثله. أخبرني أبو علي، عن أبي بكر محمد بن السري، عن أبي العباس محمد بن يزيد: أن الخليل يذهب إلى أن (إيا) اسم مضمر مضاف إلى الكاف ...)، "سر صناعة الإعراب" 1/ 312، وانظر: "الإغفال" ص 52 (رسالة ماجستير).]]. ذهب الخليل إلى أن (إيا) اسم مضمر، مضاف إلى (الكاف) وهذا -أيضًا- مذهب أبي عثمان [[هو أبو عثمان بكر بن محمد المازني الشيباني، النحوي المشهور، أستاذ أبى العباس المبرد، اختلف في سنة وفاته فقيل: (236 هـ)، وقيل: (248 هـ)، وقيل: غير ذلك. انظر ترجمته في "طبقات النحويين واللغويين" ص 87، "تاريخ بغداد" 7/ 93، "إنباه الرواة" 1/ 246، "معجم الأدباء" 2/ 345، "نزهة الألباء" ص 140.]]. وحكى أبو بكر [[هو محمد بن السري كما في "سر صناعة الإعراب" 1/ 312.]] عن أبي العباس [[المبرد، "سر صناعة الإعراب" 1/ 312.]] عن أبي الحسن [[في (ب): (الخير).]] أنه اسم مفرد مضمر يتغير آخره كما تتغير [[في (ب): (يتغير).]] أواخر المضمرات، لاختلاف أعداد المضمرين، وأن الكاف في (إياك) كالكاف التي في (ذلك) في أنه دلالة على الخطاب فقط، مجردة من كونها علامة للضمير، ولا يجيز أبو الحسن فيما يحكى عنه: (إياك وإيا زيد) و (إياي وإيا الباطل) [[في (ج): (الباصل).]].
وقال سيبويه: حدثني من لا أتهم عن الخليل أنه سمع أعرابيا يقول: إذا بلغ الرجل ستين فإياه وإيا الشواب [["سر صناعة الإعراب" 1/ 313.
وانظر قول سيبويه في "الكتاب" 1/ 279 (تحقيق عبد السلام هارون)، وانظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 11، "اللسان" (إيا) 1/ 187.]].
وحكى ابن كيسان عن بعض النحويين أنه قال: (إياك) بكمالها: اسم. قال: وقال بعضهم: (الياء والكاف والهاء) هي الأسماء، و (إيا) عماد لها؛ لأنها لا تقوم بأنفسها [[انظر بقية كلام ابن كيسان في "سر صناعة الإعراب" 1/ 313.]].
وقال أبو إسحاق: (الكاف) في (إياك) في موضع جر بإضافة [[في (ب): (اضافة).]] (إيا) إليها، إلى أنه ظاهر يضاف إلى سائر المضمرات. [["سر صناعة الإعراب" 1/ 313، وانظر نص قول الزجاج في "معاني القرآن" 1/ 10، 11. قال الزجاج: (.. و (أيا) اسم للمضمر المنصوب إلى أنه يضاف إلى سائر المضمرات ..).]] وليس يصح من هذِه الأقوال إلا قول أبي الحسن [[قال أبو الفتح: (وتأملنا هذِه الأقوال على اختلافها والاعتدال لكل قول منها، فلم نجد فيها ما يصح مع الفحص والتنقيب غير قول أبي الحسن الأخفش ..)، "سر صناعة الإعراب" 1/ 314.]].
أما قول الخليل: إن (إيا) اسم مضمر مضاف فظاهر الفساد؛ وذلك أنه إذا ثبت أنه مضمر فلا سبيل إلى إضافة؛ لأن الغرض في الإضافة التعريف والتخصيص، والمضمر على نهاية الاختصاص فلا حاجة به إلى الإضافة، فهذا يفسد قول الخليل والمازني جميعا [["سر صناعة الإعراب" 1/ 315.]].
وحكاية سيبويه في إضافة [[عند أبي الفتح: (فأما ما حكاه سيبويه عنه (أي عن الخليل) من قولهم: فإياه وإيا الشواب، فليس سبيل مثله -مع قلته- أن يعترض به على السماع ... الخ)، "سر صناعة الإعراب" 1/ 315.]] (إيا [[في (ب): (إيا إليها) زيادة (إليها).]]) ليس سبيل مثله -مع قلته- أن يعترض به على السماع والقياس جميعا، ألا ترى أنه لم يسمع منهم: (إياك وإيا الباطل).
وأما قول من قال: (إياك) بكماله اسم، فليس [[في (ب): (فليست).]] بقوي، وذلك أن (إياك) في أن فتحة الكاف تفيد خطاب المذكر، وكسرتها تفيد خطاب المؤنث، بمنزلة (أنت) في أن الاسم هو الهمزة والنون، والتاء [[في (ب): (الياء) تصحيف.]] المفتوحة تفيد خطاب المذكر، والمكسورة خطاب [[عند أبي الفتح: (تفيد خطاب ..)، "سر صناعة الإعراب" 1/ 315.]] المؤنث، فكما أن ما قبل التاء في (أنت) هو الاسم، والتاء حرف خطاب، كذلك (إيا) هو الاسم، والكاف حرف خطاب [[فلا يكون (إياك) بكماله اسم.]].
وأما من قال: إن (الكاف والهاء والياء) [[عند أبي الفتح: (وأما من قال: إن (الكاف والهاء والياء) في إياك وإياه وإياي هي الأسماء وأن (إيا) إنما عمدت بها هذِه الأسماء لقلتها فغير مرضي أيضا) "سر صناعة الإعراب" 1/ 315.]] هي الأسماء و (إيا) عماد لها لقلتها، فغير مرضي أيضا وذلك أن (إيا) في أنه [[في (ب): (ايه).]] ضمير منفصل بمنزلة (أنت وأنا ونحن، وهو وهي) في أن هذِه مضمرات منفصلة، كما أن (أنا وأنت) ونحوهما مخالف للفظ المرفوع المتصل نحو (التاء) في قمت، و (النون) في قمنا، و (الألف) في قاما، و (الواو) في قاموا، بل هي ألفاظ أخر [[في (أ): (أخرى) وما في (ب)، (ج) موافق لما عند أبي الفتح، 1/ 316.]] غير ألفاظ الضمير المتصل، وليس شيء منها معمودًا به شيء من الضمير المتصل بل هو قائم بنفسه، فكذلك (إيا) مضمر [[عند أبي الفتح: (اسم مضمر منفصل) وفي الحاشية: (اسم) سقط من (ش)، "سر صناعة الإعراب" 1/ 316.]] منفصل، ليس معمودًا به غيره، كما أن (التاء) في (أنت) وإن كانت بلفظة (التاء) في (قمت)، فليست اسما مثلها [[فالتاء في (قمت) ضمير، وفي (أنت) التاء للخطاب و (الاسم) أن.]]، بل الاسم قبلها وهو (أن)، وهي بعده للخطاب، وليست [[في (ب): (ليس).]] (أن) عمادا للتاء [[في (ب): (التاء).]]، فكذلك (إيا) هي الاسم، وما بعدها يفيد الخطاب تارة، والغيبة تارة، والتكلم [[في ب، (ج): (والمتكلم) وعند أبي الفتح (التكلم) وفي الحاشية (ل)، (ب): (المتكلم) "سر صناعة الإعراب" 1/ 316.]] أخرى، وهذا محض القياس.
وأما قول أبي إسحاق: وإن (إيا) اسم مظهر، خص بالإضافة إلى المضمر [["سر صناعة الإعراب" 1/ 316، وانظر رأي أبي إسحاق في "معاني القرآن" 1/ 10، 11.]] ففاسد أيضًا وليست (إيا) بمظهر كما زعم، والدليل على أن (إيا) ليست باسم مظهر اقتصارهم به على ضرب واحد من الإعراب، وهو النصب، كما اقتصروا بـ (أنا وأنت) على ضرب واحد من الإعراب، وهو الرفع [[عند أبي الفتح: (... وهو الرفع، فكما أن (أنا وأنت وهو ونحن) وما أشبه ذلك أسماء مضمرة، فكذلك (إيا) اسم مضمر لاقتصارهم به على ضرب واحد من الإعراب، وهو النصب، ولم نعلم اسما مظهرا ... الخ) 1/ 316.]]، ولم نعلم اسمًا مظهرًا اقتصر به على النصب ألبتة، إلا ما كان ظرفا [[قال أبو الفتح: (ولم نعلم اسما مظهرا اقتصر به على النصب البتة إلى ما اقتصر به من الأسماء على الظرفية وذلك نحو: ذات مرة، وبعيدات بين، وذا صباح وما جرى مجراهن، شيئا من المصادر نحو: سبحان الله ... الخ)، "سر صناعة الإعراب" 1/ 316.]]، وليس (إيا) بظرف، فقد صح بما أوردناه سقوط هذِه الأقوال، ولم يبق قول يجب اعتقاده، ويلزم الدخول تحته غير قول أبي الحسن: إن (إيا) مضمر، وإن (الكاف) بعده ليست اسمًا، وإنما هي للخطاب، بمنزلة (كاف) ذلك، وأرأيتك [[في (ج): (ولرايتك).]] وأبصرك زيدا، وليسك عمرا [[في (ب): (عمروا). وقوله (ليسك عمرا) أي: (ليس عمرا) والكاف لتوكيد الخطاب، وكذا أبصرك زيدا، أى أبصر زيدا. انظر "سر صناعة الإعراب" 1/ 309.]]، والنجاءك [[(النجاءك): إذا أردت: انج، انظر: "تهذيب اللغة" (نجا) 4/ 3509، "سر صناعة الإعراب" 1/ 308.]]. فإن قيل: إذا كانت (الكاف) في إياك ليست اسمًا فكيف تقولون في (الهاء) و (الياء) في (إياه وإياي)؟ [[في "سر صناعة الإعراب" (... فكيف يصنع أبو الحسن بقولهم: إياه وإياي ...) 1/ 317.]]. قلنا: هما مثل الكاف، وإنما اختلف ما بعد (إيا) لاختلاف أعداد المضمرين وأحوالهم من الحضور والمغيب، ولسنا [[في (ج): (ولنا).]] نجد حالا سوغت هذا المعنى للكاف، وانكفت غير [[(غير) كنا في جميع النسخ، وعند أبي الفتح (عن) وهو الصحيح. "سر صناعة الإعراب" 1/ 317.]] (الهاء والياء) [[فكما كانت (الكاف) حرف خطاب في (إياك) تكون (الهاء) في (إياه) و (الياء) في (إياي) حرفين، ولا مسوغ لاختلافهما عن (الكاف).]]. وقد وجدنا غير (الكاف) لحقه من سلب الاسمية وإخلاصه للحرفية [[في (ب): (ولا خلاصة للحرفة).]] ما لحق (الكاف)، وهي (التاء) في أنت و (الألف) في قول من قال: قاما أخواك [[في (ج): (أخوك).]]، و (الواو) في: قاموا إخوتك، و (النون) في: قمن الهندات، ألا ترى أن من قال: (أخواك قاما) كانت الألف عنده علامة الضمير والتثنية، وإذا قال: (قاما أخواكا) كانت الألف مخلصة للدلالة على التثنية مجردة من مذهب الاسمية، لامتناع تقدم المضمر [[في (ب): (الضمير).]]، وخلو [[في (ج): (خلق).]] الفعل من علم الضمير بارتفاع الاسم الظاهر بعده، وكذلك الجمع والتأنيث على هذا القياس [[فصل أبو الفتح هذا بالأمثلة، انظر: "سر صناعة الإعراب" 1/ 318.]]، فلا ينكر أيضا أن تكون (الهاء) و (الياء) في ضربه وضربني على معنى الاسمية، فإذا قلت: (إياه) و (إياي) تجردتا من معنى الاسمية، وخلصتا [[في (ب): (واخلصا).]] لدلالة الحرفية، فاعرف هذا، فإنه من لطيف ما تضمنه هذا الفصل [[قال أبو الفتح: (... فاعرف هذا، فإنه من لطيف ما تضمنه هذا الفصل وبه كان أبو علي رحمه الله ينتصر لمذهب أبي الحسن ويذب عنه، ولا غاية في جودة الحجاج بعده)، "سر صناعة الإعراب" 1/ 318.]]، وهذا الذي ذكرنا كلام أبي علي وأبي الفتح [[انتهى ما نقله عن أبي الفتح من "سر صناعة الإعراب" 1/ 312 - 318، وانظر: "الإغفال" ص 50 - 57.]].
واعلم: أن الضمير ينقسم إلى ثلاثة أقسام [[هذا البحث لا علاقهَ له بتفسير الآية، ومكانه كتب النحو واللغة، وجرى الواحدي في == هذا على منهج شيخه الثعلبي حيث ذكر أقسام الضمير في هذا الموضع 1/ 129/ أ، وانظر أقسام الضمير في باب: الكنايات في (أصول النحو) لابن السرج 2/ 114، (التبصرة والتذكرة) للصيمري 1/ 493 - 511.]]: ظاهر منفصل، وظاهر متصل، ومستكن، وهو على ثلاثة [[في (ب): (ثلاثة أنواع أوجه) وكلمة (أنواع) جاءت في الجانب فلعلها شر من الكاتب]] أوجه: ضمير المرفوع، وضمير المنصوب، وضمير المجرور، وكل واحد منها على وجهين: متصل ومنفصل، إلا ضمير المجرور، فإنه متصل، ولا منفصل له.
أما ضمير المرفوع المتصل فنحو (تاء) فعلت وفعلت، وتثنيتهما، وجمعهما وتأنيثهما.
وأما ضمير المرفوع المنفصل فنحو (أنا وأنت وهو) وتثنيتها وجمعها، وتأنيثها [[في (ج): (وتثنيتهما وجمعهما وتأنيثهما).]].
وأما ضمير المنصوب المتصل فنحو (ياء) ضربني، و (كاف) ضربك و (هاء) ضربه [[في (ب): (ضربته).]]، وتثنيتها وجمعها وتأنيثها [[(تأنيثها) سقط من (ب).]]. وأما ضمير المجرور المتصل فنحو (ياء) بي، و (كاف) بك و (هاء) به، ولا منفصل له.
وأما المستكن فهو ما كان مستكنا في الفعل كقولك: قعد، وقام، فالضمير [[في (ب): (والضمير).]] مستفاد من الفعل وإن لم يصرح به، لأن الفعل لا يقوم إلا بفاعل.
واعلم: أن (إيا) مبنية على السكون؛ لأن فيها شبه الحرف، فهي مثل (أنت، وأنا، وهو) وهذِه كلها مبنية لشبه الحرف، والألف في آخرها غير منقلبة مثل ألف (لا) و (ما) و (حتى) و (كلا) [[انظر: "سر صناعة الإعراب" 2/ 655، 656.]].
قال أبو الفتح: وحكى لي حاك عن أبي إسحاق قال [[في "سر صناعة الإعراب": (أراه قال لي: سمعته ....) 2/ 656.]]: سمعته يقول وقد سئل عن معنى قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ ما تأويله؟ فقال: حقيقتك نعبد، قال: واشتقاقه من الآية، وهي العلامة، قال [[قال: المراد أبو الفتح. انظر: "سر صناعة الإعراب" 2/ 656.]]: وهذا القول عندي من أبي إسحاق غير مرضي، وذلك أن جميع [[في (ب): (جمع).]] الأسماء المضمرة مبني غير مشتق نحو: (أنا وأنت وهو وهي) وقد قامت الدلالة على كون (إيا) اسما مضمرًا [[وهو ما تقدم مما قرره الواحدي نقلا عن أبي الفتح ابن جني.]]، فيجب أن لا يكون مشتقا [[انظر بقية كلام أبي الفتح في "سر صناعة الإعراب" 2/ 656، وانظر (المحتسب) 1/ 40.]]. فإن قلت: فما مثال (إيا) من الفعل؟ فإن المضمر لا ينبغي أن يمثل؛ لأنه غير مشتق ولا متصرف [[ترك الواحدي بقية كلام أبي الفتح، فلم يرد جواب السؤال واضحا، قال أبو الفتح بعد هذا: (ولكنك إن تكلفت ذلك على تبيين حاله لو كان مما يصح تمثيله، لاحتمل أن يكون من ألفاظ مختلفة، وعلى أمثلة مختلفة فالألفاظ ثلاثة: أحدها: أن يكون من لفظ (أويت)، والآخر: من لفظ الآية، والآخر: من تركيب (أوو ...)، ثم أخذ في تفصيل ذلك في كلام طويل. انظر: "سر صناعة الإعراب" 2/ 656 - 664.]].
وقال صاحب "النظم" [[هو أبو علي الحسن بن يحيى الجرجاني، وكتابه هو "نظم القرآن" سبق الحديث عنه وعن كتابه في مصادر الواحدي في "البسيط"، وذكرت هناك: أن كتاب "نظم القرآن" مفقود، وقد نقل عنه الواحدي كثيرا.]]: معنى (إيا) الاختصاص، وقول القائل: (إياك ضربت) يعني: أن الضرب اختص بك وأردتك به، ولهذا وضعت العرب (إياك) في موضع التحذير لما فيه من تأويل الاختصاص، فقالوا: إياك والأسد، أي: احفظ نفسك واحذر الأسد، ومنه قول الشاعر:
فإياك والأمر الذي إن توسعت ... موارده ضاقت عليك المصادر [[ينسب البيت للطفيل الغنوي، وهو في (ديوانه) ص 102، قال المحقق: وهو قريب من شعر الطفيل، وينسب لمضرس بن ربعي الفقعسي، وكل المصادر روت البيت (فهياك) بدل (فإياك) وهو الشاهد عندهم حيث أبدل الهمزة هاء. ورد البيت في "المحتسب" 1/ 40، ("الإنصاف") 1/ 215، "ديوان الطفيل الغنوي" ص 102، "اللسان" (هيا) 8/ 4743، "الكشاف" 1/ 62، والقرطبي 1/ 127.]]
وربما قالوا: إياك الأسد، بلا (واو)، قال [[في (ب): (وقال).]] الشاعر:
عليك القصد فاقصده برفق ... وإياك المحاين أن تحينا [[أنشد الفراء شطره الثاني ولم ينسبه "معاني القرآن" 1/ 166، وكذا المزني في "معاني الحروف" ص 102، وابن قتيبة في (أدب الكاتب) ص 322 وشطره الأول عنده:
ألا أبلغ أبا عمرو رسولا
وقوله: المحاين: المهالك، تحين: تهلك أو يأتي حينها ووقتها.]]
فمن حذف (الواو)، فمعناه احذر على نفسك الأسد، وصن [[في (ج): (أوصن).]] نفسك منه. وهذا الضمير [[أي ضمير (إيا).]] يستعمل مقدما ولا يستعمل مؤخرا، إلى أن يفصل بينه وبين الفعل، فيقال: ما عنيت إلا إياك.
قال أبو بكر [[ابن الأنباري، انظر: "زاد المسير" 1/ 14.]]: وقوله: ﴿إِيَّاكَ﴾ بعد [[في (ب): (إياك نعبد قوله) وفي (ج) سقطت (بعد).]] قوله: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [[في (ب): (مالك).]] [الفاتحة: 4] رجوع من الغيبة إلى الخطاب، والعرب تفعل ذلك كثيرًا، وهو نوع من البلاغة والتصرف في الكلام [[انظر: "زاد المسير" 1/ 14، "مجاز القرآن" 1/ 23، والطبري 1/ 67، وابن عطية 1/ 104، "الكشاف" 1/ 62، والرازي 1/ 252.]]، ومثله قوله: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان: 21] ثم قال: ﴿إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً﴾ [الإنسان: 22] وقال الأعشى:
عنده البر والتقى وأسا الصد ... ع وحمل لمضلع الأثقال
ووفاء [[في (ج): (ووحاء).]] إذا أجرت فما غر ... ت حبال وصلتها بحبال [[البيتان من قصيدة للأعشى يمدح الأسود بن المنذر، وليس البيتان متواليين في القصيدة، وإنما بينهما أبيات، وفي "الديوان" ورد (الحزم) بدل (البر) و (الصرع) بدل (الصدع). قوله: (التقي) أي: الحذر، (أسا): دواء. انظر: "الديوان" ص 166 - 167، ولم أجدهما في غيره.]]
وأنشد أبو عبيدة [[انظر: "مجاز القرآن" 1/ 24.]]:
يا لهف نفسي كان جدة خالد ... وبياض وجهك للتراب الأعفر [[البيت لأبي كبير الهذلي، يرثي صديقا له اسمه خالد (جدة) يعني: شبابه، (الأعفر) يقول: دفن في أرض ترابها أعفر: أي: أبيض. ورد البيت في "مجاز القرآن" 1/ 24، "شرح أشعار الهذليين" للسكري 3/ 1081، والطبري 1/ 67، "أمالي ابن الشجري" 1/ 117، وابن عطية 1/ 104.]]
وقال كثير [[هو كثير بن عبد الرحمن بن أبي جمعة من خزاعة، كان أحد العشاق المشهورين، وصاحبته (عزة) وهي من ضمرة، وإليها ينسب، كان كثير رافضيا توفي في اليوم الذي توفي فيه عكرمة مولى ابن عباس. انظر ترجمته في: "الشعر والشعراء" ص 334، "طبقات فحول الشعراء" 2/ 534، "الخزانة" 5/ 221.]]: أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة ... لدينا ولا مقلية إن تقلت [[من قصيدة لكثير في ذكر (عزة) قوله (مقلية) من القلي وهو البغض، (تقلت) تبغضت، ورد البيت في "الشعر والشعراء" ص 343، "ديوان كثير" ص 101، نشر دار الثقافة بيروت، "أمالي ابن الشجري" 1/ 49، 118، "المحكم" 3/ 144، "الخزانة" 5/ 219.]]
وقوله تعالى: ﴿نَعْبُدُ﴾ معنى العبادة: الطاعة مع الخضوع والتذلل، وهو جنس من الخضوع، لا يستحقه إلى الله عز وجل، وهو خضوع ليس فوقه خضوع، وسمي العبد عبدا لذلته وانقياده لمولاه، ويقال: طريق معبد، إذا كان مذللا موطوءا [[في (ب): (بوطوا).]] بالأقدام [[ذكر هذِه المعاني الثعلبي في "تفسيره الكشاف" 1/ 29/ ب، وانظر الطبري 1/ 69.]]، وهو في شعر طرفة [[أراد أبيات طرفة التي ذكرها الثعلبي بعد الكلام السابق وهي:
قال طرفة:
تباري عتاقا ناجيات وأتبعت ... وظيفا وظيفا فوق مور معبد
وقوله:
إلى أن تحامتني العشيرة كلها ... وأفردت إفراد البعير المعبد
انظر الثعلبي 1/ 29/ ب، والطبري 1/ 69، "الأضداد" لابن الأنباري ص 35.]].
وقوله تعالى: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ قال أبو بكر: وإنما كرر (إياك) للتوكيد، كما تقول: بين زيد وبين عمرو خصومة، فتعيد (بين) [[ذكر نحوه الثعلبي 1/ 29/ ب وذكره ابن جرير ثم رده قال: (وقد ظن من لم ينعم النظر أن إعادة (إياك) مع (نستعين) بعد تقدمها في قوله: ﴿إياك نعبد﴾ بمعنى قول عدي بن زيد:
وجاعل الشمس مصرًا لا خفاء به ... بين النهار وبين الليل قد فصلا
وذكر بيتا آخر .. ثم قال: وذلك من قائله جهل، من أجل أن حظ إياك أن تكون مكررة مع كل فعل .. الخ). الطبري 1/ 71.]]. قال: ولأن كل واحد من الفعلين يطلب مفعولا على حدته، ولو أخر المكنيان [[يعني: الضميرين.]] إلى موضعهما بعد الفعل لقيل: (نعبدك ونستعينك) فلما كان كل واحد من الفعلين يقع على (الكاف) [[في (ج): (الكائن).]] في تأخرها وقع على (إياك) في تقدمه [[ذكر نحوه ابن جرير 1/ 71. قال أبو حيان: كرر (إياك) ليكون كل من العبادة والاستعانة سيقا في جملتين، وكل منهما مقصودة، وللتنصيص على طلب العون منه ...)، "البحر المحيط" 1/ 25. وقال أبو السعود: (تكرير الضمير المنصوب للتنصيص على تخصيصه تعالى بكل واحدة من العبادة والاستعانة)، أبو السعود 1/ 17، وانظر ابن كثير 1/ 28.]]. والقول هو الأول [[أي كرر للتوكيد، واختار ابن جرير الثاني 1/ 71.]]؛ لأن العرب إذا جمعت فعلين واقعين اكتفت بوقوع أحدهما من وقوع الآخر، فيقولون: قد أكرمتك وألطفت [[قال ابن جرير: إن الأفصح إعادة الضمير مع كل فعل اتصل به، فيقال: (اللهم إنا نعبدك ونستعينك ونحمدك ونشكرك) .. وإن كان ترك الإعادة جائزا. انظر الطبري 1/ 71.]]. قال الله تعالى: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى: 3] أراد (وما قلاك) فاكتفى بوقوع الأول من وقوع الثاني [[قال أبو حيان: حذف المفعول اختصارا في (قلى) إذ يعلم أنه ضمير المخاطب وهو الرسول ﷺ. "البحر المحيط" 8/ 485، وقال الرازي في حذف الكاف وجوه:
1 - اكتفاء بالكاف في (ودعك)، ولأن رؤوس الآيات بالياء، فأوجب اتفاق الفواصل حذف الكاف.
2 - الإطلاق، أنه ما قلاك، ولا أحدا من أصحابك، ولا أحدا ممن أحبك. الرازي 31/ 209، وانظر القرطبي 20/ 94.]].
ويقال: لم قدم ذكر العبادة على المعونة، وإنما المعونة بها تكون العبادة؟
والجواب: أن الواو عند النحويين لا توجب ترتيبا [[انظر: "الكتاب" 3/ 42، "سر صناعة الإعراب" 2/ 632.]]، وإنما هي للجمع [[وعليه فتقديم الخبر عن العبادة وتأخير مسألة طلب المعونة، ليس من باب الترتيب، واختار الطبري هذا قال: (.. كان سواء تقديم ما قدم منهما على صاحبه ... ثم قال: == وقد ظن بعض أهل الغفلة أن ذلك من المقدم الذي معناه التأخير ....). الطبري 1/ 70. وقال ابن كثير 1/ 28: (قدم ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ على ﴿إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ لأن العبادة له هي المقصودة والاستعانة وسيلة إليها والاهتمام والحزم تقديم ما هو الأهم فالأهم). وللرازي في هذا التقديم تعليلات يطول ذكرها. انظر (تفسيره) 1/ 254.]]، يدل على ذلك أنه لو اتفقت الأسماء لم نحتج [[في (ج): (يحتج).]] إليها، لا تقول: قام زيد وزيد، ولكن قام الزيدان. فكما لا يوجب (قام الزيدان) ترتيبا، كذلك لا يوجب قام زيد وعمرو ترتيبا، وسنقضي حق الواو، والكلام فيها في موضع آخر إن شاء الله.
الفاتحة 1:6
قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾
قال الأصمعي: هداه في الدين يهديه هدى [[في (ج): (هدي).]]، وهداه يهديه هداية، إذا دله على الطريق [["تهذيب اللغة" (هدى) 4/ 3737، وانظر: "تفسير الطبري" 1/ 73، "اللسان" (هدى) 8/ 4639.]].
وأصل الهداية في اللغة: الدلالة. وهوادي الخيل والوحش التي تتقدم للدلالة [[ذكر نحوه الأزهري عن الأصمعي. "التهذيب" (هدى) 4/ 3738، وانظر: "الصحاح" (هدى) 6/ 2534، "معجم مقاييس اللغة" (هدى) 6/ 42.]].
قال عبيد [[كذا في "تهذيب اللغة"، وفي الهامش، في المنسوخة: أبو عبيد 6/ 383، والصحيح (عبيد) فالبيت لعبيد بن الأبرص.]] يذكر الخيل [[في (ج): (الخليل).]]:
وغداة صبحن الجفار عوابسا [[في (ج): (عواسا).]] ... تهدى أوائلهن شُعثٌ شزَّبُ [[يذكر الخيل: صبحن الجفار: أتينه صبحا و (الجفار): موضع، (شعث): المغبرة == المتلبدة الشعر، (شزب): ضمر، انظر: "ديوان عبيد" ص 7، "تهذيب اللغة" (هدى) 4/ 3739، "اللسان" (هدى) 8/ 4641، "التاج" (هدى) 20/ 333.]] هذا هو الأصل، ثم سمي كل متقدم هاديا وإن لم يتقدم للدلالة [[انظر: "التهذيب" (هدى) 4/ 3739، "اللسان" (هدى) 8/ 4641.]]. ومنه:
كأن دماء الهاديات بنحره [[في (ب): (منجره) وفي (ج): (ينحر).
والبيت لامرئ القيس وعجزه:
... ... ... ... ... عصارة حناء بشيب مرجل
شبه دم الوحش بنحر هذا الفرس بعصارة الحناء على الشيب، ورد البيت في "ديوانه" ص 121، "الصحاح" (هدى) 6/ 2534، "اللسان" (هدى) 8/ 4641، "شرح القصائد المشهورات" للنحاس ص 39.]]
يريد أوائل الوحش ومتقدماتها. وتسمى العنق هادية لتقدمها على البدن، ويقال: أقبلت هوادي الخيل إذا بدت أعناقها؛ لأنها أول شيء من أجسادها [[انظر: "تهذيب اللغة" (هدى) 4/ 3738، "اللسان" (هدى) 8/ 4640.]]. وقول طرفة:
للفتى عقل يعيش به ... حيث تهدي ساقه [[في (ب): (فما ساقه).]] قدمه [[في (ج): (قدميه). ورد البيت في الطبري 1/ 73، "الصحاح" (هدى) 6/ 2534، "اللسان" 8/ 4641، "التاج" 20/ 333، "العقد الفريد" 5/ 479، "أمالي ابن الشجري" 2/ 262، "الهمع" 3/ 207، "الدرر اللوامع" 1/ 181، "الخزانة" 7/ 19.]]
أي: حيث تقودها قود الدليل. وسمى الأعشى العصا هاديا [[انظر: "تهذيب اللغة" (هدى) 4/ 3739.]] في قوله:
إذا كان هادي الفتى في البلاد ... صدر القناة أطاع الأميرا [[في (ج): (الأمير). قوله (صدر القناة): أعلى العصا التي يقبض عليها، لأنه أعمى، == (الأمير) الذي يأمره ويقوده، ورد البيت في "ديوان الأعشى" ص 87، "تهذيب اللغة" (هدى) 4/ 3739، "اللسان" 8/ 4641، "التاج" 20/ 331، "المحتسب" 1/ 126، 290.]] إما لأنها تتقدمه، وإما لأنها تدله على الطريق، والتقدم في هذا راجع إلى [[في (ب): (إلى المعونة الهداية).]] الهداية، لأن من دلك [[في (ج): (ذلل).]] على الطريق تقدمك، ثم سمي المتقدم هاديا وإن لم يدل [[انظر: "تهذيب اللغة" (هدى) 4/ 3739، "اللسان" 8/ 4641.]]. والفعل من (الهدى) [[في (ب): (الهادي).]] يتعدى إلى مفعولين، ويتعدى إلى الثاني بأحد حرفي جر (إلى) و (اللام [[انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 123، "الكشاف" 1/ 66 - 67، "البحر المحيط" 1/ 25، (تفسير أبي السعود) 1/ 17.]]) كقوله: ﴿فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ [[في (ج): (فاهدهم) تصحيف.]] [الصافات: 23]، وقوله: ﴿وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ﴾ [ص: 22]، وقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا﴾ [الأعراف: 43]، وقوله: ﴿قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ﴾ [يونس: 35]. ومثل هذا في التعدي [[أي: التعدي بأحد حرفي الجر (إلى) و (اللام).]] (الإيحاء) [[في (ب): (بالإيحا).]] قال الله تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ [النحل: 68]، وقال: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا (5)﴾ [الزلزلة: 5]. وقد يحذف حرف الجر من المفعول الثاني في (الهدى) فيصل الفعل إليه بغير حرف جر [[انظر: ابن كثير، 1/ 29، "البحر المحيط" 1/ 25.]]. كقوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: 6]. ومعناه: دلنا عليه، واسلك بنا فيه [[قال ابن جرير: معنى قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ في هذا الموضع، وفقنا == للثبات عليه. وضعف أن يكون المعنى: زدنا هدى، أو: أسلكنا طريق الجنة والمعاد. الطبري 1/ 71 - 72، وانظر: ابن كثير 1/ 29.]].
ويقال: ما معنى سؤال المسلمين الهداية في قولهم: (اهدنا) وهم مهتدون؟ والجواب عنه من وجوه: أحدها: أنه قد تعرض للعارف شبه ينتقل بها إلى الجهل، فيحسن أن يسأل اللطيفة التي يتمسك معها بالمعرفة [[انظر: "الكشاف" 1/ 67.]]، ولا ينتقل إلى الجهالة.
والثاني: أنهم لما كانوا لا يعلمون ما يكون منهم في المستأنف، حسن أن يسألوا الهداية على [[في (ب): (جهة).]] وجه التثبيت لما هم عليه من الحق، وقد تستعمل الهداية لا من الضلالة كما قال الحطيئة لعمر رضي الله عنه:
فلا تُعْجِلَنِّي هداك المليكُ ... فإنَّ لكلِّ مَقَامٍ مَقَالا [[ورد البيت في الطبري 1/ 72، "الكامل" 2/ 199، "المقتضب" 3/ 224، (الهمع) 3/ 110، "اللسان" (حنن) 2/ 1030، ورواية الطبري (ولا تعجلني) وبقية المصادر (تحنن علي).]]
لم يرد من ضلالتك؛ لأنه لو أراد ذلك قد هجاه، ولكنه على معنى التوفيق و [[في (ب)، (ج): (أو).]] التثبيت [[وهذا هو المعنى الذي ارتضاه الطبري 1/ 72، وذكره الزجاج في "المعاني" ص 12، والماوردي 1/ 58، والبغوي 1/ 54، وابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 15، والرازي 1/ 357، وقد ذكر الماوردي وابن الجوزي والرازي معاني أخرى.]].
وقال بعض أصحابنا: يجوز أن يحمل على سؤال الهداية ابتداء فيما يستقبل؛ لأن الهداية عرض لا يبقى، فهو يسأل أن [[في (ب): (فهم يسألون أن يخلق لهم).]] يخلق له أمثالها [[في (ج): (مثلها). ما ذكره مبني على مذهب أصحابه الأشاعرة: أن العرض لا يبقى زمانين، والهداية عرض فهي عندهم لا تبقى في الزمان الثاني، فهو يسأل أن تجدد له الهداية، وهذا مذهب رده جماهير العلماء. انظر: "مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية" 5/ 216، 6/ 41، 16/ 275.]].
وقال بعضهم: هذا سؤال، واستنجاز لما وعدوا به في قوله: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ﴾ [المائدة: 16].
وقوله تعالى: ﴿الصِّرَاطَ﴾ [الفاتحة: 6] [[في (ج): (صراط).]]، فيه لغات قد قرئ بها: السين، والصاد، والزاي، وإشمام [[الإشمام: هو إطباق الشفتين عقب تسكين الحرف المرفوع، والمراد هنا بإشمام الصاد الزاي هو خلط لفظ الصاد بالزاي. انظر: "الكشف" 1/ 122، (البدور الزاهرة) ص 15.]] الصاد الزاي [[روي عن ابن كثير: بالسين والصاد، وروي عن أبي عمرو: السين والصاد، والزاي والمضارعة بين الزاي والصاد.
وحمزة: يشم بين الصاد والزاي. وبقية السبعة بالصاد. انظر (السبعة) لابن مجاهد ص 105، 106، "الحجة" لأبي علي 1/ 49، (الكشف) لمكي 1/ 34.]].
فمن قرأ بالسين فإنه يقول: هو أصل الكلمة؛ لأنه من الاستراط بمعنى: الابتلاع [[يقال: استراط الطعام: إذا ابتلعه. انظر: "تهذيب اللغة" (سرط) 4/ 1993.]]، فالسراط يسترط السابلة [[السراط: الطريق، و (السابلة) المارة يسترطهم لكثرة مرورهم به. انظر: "اللسان" (سرط) 4/ 1993.]]. ولو لزم لغة من يجمعها صادا مع (الطاء [[في (ج): (الظاء).]]) لم يعلم [[في (ب): (ما يعلم).]] ما أصل الكلمة [[ذكره أبو علي في "الحجة" عن أبي بكر محمد بن السري 1/ 49، وانظر: "حجة == القراءات" لابن زنجلة ص 80، "الحجة" لابن خالويه ص 62، "الكشف" 1/ 34.]]. ويقول من يقرأ بالصاد: إنها أخف على اللسان، لأن (الصاد) حرف مطبق كـ (الطاء) فيتقاربان ويحسنان في السمع، والسين حرف مهموس فهو أبعد من الطاء [[بنصه في "الحجة" 1/ 49، 50، وانظر المراجع السابقة.]].
ويقول من قرأ بالزاي: أبدلت منها حرفًا مجهورًا [[أي: أبدلت من (الصاد) حرفا مجهورا وهو (الزاي).]] حتى يشبه (الطاء) في الجهر، ورمت الخفة، ويحتج بقول العرب: (زقر) في (صقر) [[في (ب): (زفر في صفر) وفي "الحجة": (صقر) و (سقر) و (زقر)، 1/ 50.]].
ويقول من قرأ بالمضارعة [[بين الزاي والصاد.]]: رمت الخفة، ولم أجعلها (زايا) خالصة، ولا (صادا) خالصة، فيلتبس أصل الكلمة بأحدهما [[بنصه من "الحجة" 1/ 50، وانظر: "الكشف" 1/ 34، 35.]].
قال ابن السراج [[هو أبو بكر محمد السري، المعروف بابن السراج، وكلامه في "الحجة" 1/ 50.]]: الاختيار (الصاد) للخفة والحسن في السمع، وهو غير ملتبس، لأن (السين) كأنها مهملة في الاستعمال مع [[(مع) غير واضحة في (ب).]] (الطاء) عند من (الصاد) لغته، ومع ذلك فهي قراءة الأكثر. وأما (الزاي) الخالصة فليست [[في (ج): (فليت).]] بمعروفة [[كلام ابن السراج في "الحجة": (وأما الزاي فأحسب الأصمعي لم يضبط عن أبي عمرو؛ لأن الأصمعي كان غير نحوي، ولست أحب أن تحمل القراءة على هذِه اللغة، وأحسب أنه سمع أبا عمرو يقرأ بالمضارعة للزاي فتوهمها زايا)، "الحجة" 1/ 51.]]، ولست أحب أن تحمل القراءة على هذِه اللغة.
وأما المضارعة [[كلام ابن السراج في "الحجة": (وأما القراءة بالمضارعة التي بين (الزاي) و (الصاد) == فعدلت عن القراءة بها؛ لأنه تكلف حرف بين حرفين). "الحجة" 1/ 51.]] فهو تكلف حرف بين حرفين، وذلك أصعب على اللسان؛ لأنه إنما استعمل في هذِه الحال فقط، وليس هو حرفا تبنى عليه الكلمة، ولا هو من حروف المعجم. وقال صاحب "الحجة" [[هو أبو علي الفارسي. وكتابه "الحجة للقراء السبعة أئمة الأمصار بالحجاز والعراق والشام الذين ذكرهم أبو بكر بن مجاهد" وهو مصدر رئيس للواحدي خصوصا في القراءات. انظر: مصادر الواحدي ص 78، انظر كلام الفارسي في "الحجة" 1/ 51.]]: الحجة لمن قرأ بالصاد: أن [[في "الحجة": (أن القراءة بالسين مضارعة ...)، 1/ 51.]] السين مضارعة لما أجمعوا على رفضه من كلامهم، ألا ترى أنهم تركوا إمالة (واقد) ونحوه كراهة أن يصعدوا بالمستعلي بعد التسفل [[في (ب): (السفل).]] بالإمالة. فكذلك يكره [[في "الحجة": (يكره على هذا أن يستفل ..)، "الحجة" 1/ 51.]] أن يتسفل [[في (ب): (يستقل).]] بالسين [[(بالسين) غير موجود في "الحجة" 1/ 51.]] ثم يتصعد [[لأن (السين) حرف منخفض، و (الطاء) من حروف الاستعلاء والتصعد. انظر: "سر صناعة الإعراب" 1/ 62.]] بالطاء في (سراط)، وإذا كانوا قد أبدلوا من (السين) (الصاد) مع القاف في: (صقت وصويق) [[في (ب): (صفه وصديق). أصل صقت: (سقت) و (صويق): (سويق). انظر: "سر صناعة الإعراب" 1/ 212. (السويق) ما يتخذ من الحنطة والشعير. ويقال: السويق: المقل الحتى، والسويق: السبق الفتي، والسويق: الخمر. "اللسان" (سوق) 4/ 2156.]] ليجعلوها في استعلاء (القاف) [[في "الحجة" (.. في استعلاء (القاف) مع بعد (القاف) من (السين) وقرب (الطاء) منها، فإن يبدلوا منها الصاد ...)، "الحجة" 1/ 52.]]، فلأن يبدلوا منها (الصاد) مع (الطاء) أجدر [[في (ب): (فصدر).]] من حيث كانت (الصاد) إلى (الطاء) أقرب منه إلى (القاف) [[(منه إلى القاف) ليست في "الحجة" 1/ 52.]].
ألا ترى أنهما جميعا من حروف طرف اللسان وأصول الثنايا [[انظر بقية كلام أبي علي في "الحجة" 1/ 52.]]. وأن [[قال أبو علي: (ويدلك على أن حسن إبدال (الصاد) من (السين) في (سراط) لما ذكرت لك: من كراهة التصعد بعد التسفل، أن من يقول: صويق وصقت ... الخ). "الحجة" 1/ 52.]] من يقول: (صويق) و (صقت)، إذا قال: (قست وقست) [[كذا في جميع النسخ، وفي "الحجة": (قست وقسوت) 1/ 52. وهذا هو الصواب.]] لم يبدل (الصاد) من [[في "الحجة" (منها) بدل (من السين).]] (السين)، لأنه الآن ينحدر بعد الإصعاد، وهذا يستخف ولا يستثقل كما استثقل عكسه.
واحتجاجهم بأن (السين) هو الأصل، قلنا: قد يترك ما هو الأصل في كلامهم إلى ما ليس بأصل؛ طلبا لاتفاق الصوتين [[من قوله: (واحتجاجهم إلى قوله (الصوتين) ملخص كلام أبي علي، انظر: "الحجة" 1/ 52، 53.]]. ألا تراهم قالوا: (شنباء)، و (من بكر) [[في (ب): (شبنا) و (من نكر) وفي "الحجة": (شمباء) و (مم بك) وفي الحاشية: في ط (شنباء ومن بك).
قال سيبويه: (... فجعلوا ما هو من موضع ما وافقها في الصوت بمنزلة ما قرب من أقرب الحروف منها في الموضع، ولم يجعلوا (النون): (باء) لبعدها في المخرج، وأنها ليست فيها غنة. ولكنهم أبدلوا من مكانها أشبه الحروف بالنون وهي الميم وذلك قولهم: (ممبك)، يريدون: (من بك). و (شمباء) و (عمبر) يريدون: (شنباء) و (عنبرا). انظر: "الكتاب" 4/ 453 تحقيق: عبد السلام هارون. "سر صناعة الإعراب" 1/ 421.]] فلم يبينوا [[في (ب): (يثبتوا).]] (النون) التي هي الأصل في (الشنب) [[الشنب (البرد والعذوبة في الفم). "اللسان" (شنب) 4/ 2336.]]، و (من عامر) [[في (ب): (غامر). يريد أن النون أصل في (الشنب) و (ومن عامر) ومع ذلك أبدلوها ميما في (شنباء) و (من بكر). أما (من عامر) فإن النون فيه يجب إظهارها.]]؟ لما أرادوا أن يوفقوا بين الصوتين [[ترك المؤلف بعض كلام أبي علي. انظر: "الحجة" 1/ 53.]]. فكما تركوا الأصل ههنا طلبًا للمشاكلة، كذلك يترك الأصل في (صراط) [[في "الحجة" (سراط) بالسين، 1/ 53، وهو الأقرب.]] فتترك السين [[(فتترك السين) ليس في "الحجة"، 1/ 53.]] ويختار إبدال الصاد من السين.
وأما القراءة (بالزاي) فليس بالوجه، وذلك أن من قال في: (أصدرت): (أزدرت) وفي (القصد): (القزد) [[في (أ)، (ج): (الفصد، الفرد) وفي (ب): (القصد، الفرد) وما أثبت من "الحجة" 1/ 53. وعند سيبويه: (الفصد: الفزد)، "الكتاب" 4/ 478.]] فأبدل [[في (ب): (وأبدل).]] من (الصاد الزاي)، فإنه إذا تحركت (الصاد) في نحو [[في (ب): (نحمد).]] (صدرت) و (قصدت [[في (أ): (فصدت) وفي "الحجة" (صدقت) 1/ 53، وفي "الكتاب" (صدقت) 4/ 478.]]) لم يبدل، فإذا لم يبدلوا (الصاد) (زايا) إذا تحركت مع (الدال)، وكانت (الطاء) في (الصراط) مثل الدال في (القصد) [[في (أ)، (ج): (الفصد) وما في (ب) موافق لما في "الحجة"، 1/ 53.]] في الجهر [[في "الحجة" (في حكم الجهر)، 1/ 53.]]، فكذلك ينبغي ألا يبدل من (السين) (الزاي) في (سراط)، من أجل (الطاء)، لأنها قد تحركت كما تحركت في (قصدت) [[في (أ)، (ج): (فصدت) وما في (ب) هو الموافق لما في "الحجة"، 1/ 54. وانظر: "الكتاب" 4/ 478.]] مع أن بينهما في (سراط) حاجزين [[وهما (الراء والألف)، انظر: "الكتاب" 478/ 4. وانظر بقية كلام أبي علي في "الحجة"، 1/ 54، 55.]].
ومما يحتج [[كذا في جميع النسخ وفي "الحجة" (ومما يحتج به من أخلص الصاد ...)، 1/ 56.]] من أخلص (الصاد [[في (ج): (الضاد).]]) على من ضارع بها (الزاي [[تكلم أبو علي قبل هذا على الحجة من (ضارع الصاد بالزاي) ولم ينقل الواحدي كلامه في ذلك. انظر: "الحجة" 1/ 55.]]) أن يقول: إن الحرف قد أعل مرة بالقلب، فلا تستقيم المضارعة؛ لأنها إعلال آخر، وقد رأيتهم كرهوا الإعلال في الحرفين إذا تواليا، فإذا لم يوالوا بين إعلالين في حرفين مفترقين [[في (ب): (متفرقين).]]، فألا [[في (ب): (بأن).]] يوالوا بين إعلالين في حرف واحد أجدر [[الإعلالان هنا: إبدال السين صادا، ثم مضارعة الصاد بالزاي.]]. مثاله [[في "الحجة": (ويقوي ذلك أنهم ....)، 1/ 56.]] أنهم حذفوا النون من نحو (بلعنبر) و (بلحرث [[قال سيبويه: (ومن الشاذ قولهم: في (بني العنبر) و (بني الحارث): بلعنبر وبلحارث، بحذف النون)، "الكتاب" 4/ 484. بنو العنبر: قبيلة تنسب إلى العنبر بن عمرو بن تميم. وانظر: "اللباب" لابن الأثير 2/ 360، "اللسان" (عنبر)، 5/ 3120. و (بلحرث) لبني الحرث بن كعب. قال في "اللسان": وهذا من شواذ الإدغام؛ لأن النون واللام قريبا المخرج .. وكذلك يفعلون بكل قبيلة تظهر فيها لام المعرفة. "اللسان" (حرث)، 2/ 821.]])، ولم يحذفوا من (بني النجار) [[بنو النجار قبيلة من (الخزرج) تنسب إلى النجار واسمه (تيم اللات بن ثعلبة بن عمرو بن الخزرج. انظر (اللباب) 3/ 298.]] مع توالي النونات حيث كانت (اللام) قد أعلت بالقلب (لئلا يتوالى إعلالان: [الحذف والقلب] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]]، وإن كانا من كلمتين مفترقتين [[في ب، (ج): (متفرقتين).]]، فإذا كره في هذا النحو، كان توالي إعلالين في حرف واحد أبعد [[في (ج): (بعد).]].
قوله تعالى: ﴿الْمُسْتَقِيمَ﴾: (الاستقامة) في اللغة: الاستواء، يقال: قام إذا استوى منتصبا، وأقامه: إذا سواه، وقاومه إذا ساواه في القوة. وقيمة الشيء ما يساويه من ثمنه، ومعنى الاستقامة استمرار الشيء في جهة واحدة [["تهذيب اللغة" (قام) 3/ 2865، وانظر: "اللسان" (قوم)، 6/ 3782.]].
وأما تفسير ﴿الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ فروى علي وابن مسعود رضي الله عنهما عن النبي ﷺ أنه قال: "الصراط المستقيم: كتاب الله عز وجل" [[حديث علي رضي الله عنه بهذا اللفظ: أخرجه الثعلبي بسنده 1/ 30/ ب، وبنحوه أخرجه الطبري، وقال شاكر: إسناده ضعيف جدا 1/ 171 (ط. شاكر)، وكذا ابن أبي حاتم في "تفسيره"، قال المحقق: ضعيف جدا 1/ 159، وهو جزء من حديث فضائل القرآن الطويل الذي أخرجه الترمذي في: أبواب فضائل القرآن، باب: ما جاء في فضل القرآن، قال الترمذي بعده: هذا حديث لا نعرفه إلى من هذا الوجه وإسناده مجهول وفي الحارث مقال. الترمذي (2906)، وأخرجه الدارمي في (سننه) كتاب فضائل القرآن، باب: فضل من قرأ القرآن 4/ 2098 (3374)، وذكره ابن كثير في كتابه "فضائل القرآن" ص 44 - 46، ونقل كلام الترمذي عليه، ثم قال: (وقصارى هذا == الحديث أن يكون من كلام أمير المؤمنين علي رضي الله عنه، وقد وهم بعضهم في رفعه، وهو كلام حسن صحيح، على أنه قد روي له شاهد عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي ﷺ) وذكره السيوطي في "الدر" 1/ 40 - 41.
أما حديث عبد الله بن مسعود: فأخرجه الطبري موقوفًا على ابن مسعود وكذا الثعلبي 1/ 30/ ب، والحاكم في "المستدرك" 1/ 258، وقال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وذكره السيوطي في "الدر" وعزاه إلى وكيع، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، والأنباري، والحاكم، والبيهقي في "شعب الإيمان". "الدر" 1/ 40، وذكره الشوكاني في "فتح القدير" 1/ 37. ولم يذكروا رفعه، وكلام ابن كثير السابق حول حديث علي يدل على أنه مرفوع، انظر: "فضائل القرآن" ص 44/ 46.]].
وقال جابر ومقاتل: (هو الإسلام) [[قول جابر ذكره الثعلبي بسنده 1/ 30/ أ، والطبري: قال شاكر: موقوف على جابر وإسناده صحيح، 1/ 173، وأخرجه الحاكم في "المستدرك"، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. "المستدرك" 2/ 259، وذكره السيوطي في "الدر" ونسبه لوكيع، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، والمحاملي في "أماليه"، والحاكم. "الدر" 1/ 14، 15. وقول مقاتل ذكره الثعلبي بدون سند 1/ 30/ أ، والبغوي 1/ 41.]].
وعن أبي العالية الرياحي [[رفيع بن مهران، أبو العالية الرياحي، بصري مقرئ فقيه، سمع من عداد من الصحابة، مات سنة تسعين أو ثلاث وتسعين. انظر ترجمته في "تهذيب التهذيب" 3/ 284، "غاية النهاية" 1/ 284، "طبقات المفسرين" للداودي 1/ 178، "معرفة القراء" 1/ 49.]]، قال: هو طريق رسول الله ﷺ وصاحبيه من بعده أبي بكر وعمر) [[ذكره الثعلبي 1/ 31/ أ، والأثر أخرجه الطبري بسنده، قال شاكر: شيخ الطبري لا أعرف من هو، ولعل فيه تحريفا، ووثق بقية رجاله الطبري 1/ 175، وأخرجه ابن أبي حاتم في "تفسيره"، قال المحقق: إسناده حسن. (رسالة دكتوراه) 1/ 160. وذكره السيوطي في، "الدر" ونسبه لعبد بن حميد، وابن جريج، وابن أبي حاتم، وابن عدي، == وابن عساكر. "الدر" 1/ 15. وذكره ابن كثير في "التفسير" 1/ 56. وأخرجه الحاكم في "المستدرك" بسنده عن أبي العالية عن ابن عباس. وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، "المستدرك" 1/ 259.]].
وقال بكر بن عبد الله المزني [[هو بكر بن عبد الله المزني، بصري تابعي ثقة، كثير الحديث، حجة، توفي سنة ست ومائة، وقيل: سنة ثمان ومائة. انظر: "طبقات ابن سعد" 7/ 209، "ذكر أسماء التابعين" 1/ 81، "تاريخ الثقات" 1/ 251، "تهذيب التهذيب" 1/ 244.]]: رأيت رسول الله ﷺ في المنام فسألته عن الصراط المستقيم، فقال: "سنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي" [[(بعدي) ساقط من (ج). والأثر ذكره الثعلبي في (تفسيره) 1/ 31/ أ، والبغوي 1/ 54. وهذِه الأقوال يصدق بعضها بعضا وتجتمع، قال الطبري: والذي هو أولى بتأويل هذِه الآية: وفقنا للثبات على ما ارتضيته ووفقت له من أنعمت عليه من عبادك من قول وعمل، وذلك هو الصراط المستقيم؛ لأن من وفق لما وفق له من أنعم الله عليه من النبيين والصديقين والشهداء فقد وفق للإسلام واتباع منهج النبي ﷺ ومنهاج أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وكل عبد صالح، وكل ذلك من الصراط المستقيم) 1/ 74، وانظر: "تفسير ابن عطية" 1/ 122، "فتح القدير" 1/ 38.]].
قال أهل المعاني: إنما وصف الدين الحق [[في (أ)، (ج): (والحق) زيادة (واو) وأثبت ما في (ب)، لأنه أصح.]] بأنه الصراط المستقيم؛ لأنه يؤدي إلى الغرض المطلوب من رضاء الله تعالى والخلود في النعيم المقيم، كما أن الصراط المستقيم يؤديك إلى مقصودك [[في (ب): (مقصدك). انظر: "تفسير ابن عطية" 1/ 121، قال الطبري: (وإنما وصفه الله بالاستقامة؛ لأنه صواب لا خطأ فيه، وقد زعم بعض أهل الغباء، أنه سماه مستقيما لاستقامته بأهله إلى الجنة. وذلك تأويل لتأويل جميع أهل التفسير خلاف، وكفى بإجماع جميعهم على خلافه دليلا على خطئه)، 1/ 75.]].
الفاتحة 1:7
قوله تعالى: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ﴾: (صراط) بدل من (الصراط) الأول [[انظر: "معاني القرآن" للأخفش 1/ 164، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 124، "تفسير ابن عطية" 1/ 121، "البيان في غريب القرآن" 1/ 39، "الكشاف" 1/ 68، وقال الزجاج: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ صفة لقوله ﴿الصراط المستقيم﴾، "معاني القرآن" 1/ 12.]]، وهو بدل الشيء من نفسه في المعنى [["البيان" 1/ 39، "الكشاف" 1/ 68.]]؛ لأن ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ هو ﴿الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ بعينه، وهو كقولك: جاءني أبوك زيد، فزيد هو الأب بعينه، وهو من بدل (المعرفة من المعرفة)، وللبدل باب معروف يذكر فيه وجوهه [[مكانه كتب (النحو).]].
وقوله: ﴿الَّذِينَ﴾ النحويون يسمون (الذي والتي) وتثنيتهما، وجمعهما: الأسماء الموصولة، والأسماء النواقص، والأسماء المبهمة، وذلك لأنها [[في (ب): (أنها).]] أسماء لا تتم إلا بصلاتها، إما من مبتدأ وخبر [[في (ب): (مبتداء لخير).]]، أو فعل وفاعل، أو ظرف، أو شرط وجزاء [[انظر: "الأصول في النحو" لابن السراج 2/ 266، "شرح جمل الزجاجي" لابن عصفور 1/ 179، "التبصرة والتذكرة" للصيمري 1/ 517.]] كقولك: جاءني الذي أبوه منطلق، والذي قام أبوه، والذي عندك، والذي إن تأته يأتك. ولا بد أن يكون في صلة (الذي) ضمير يرجع [[في (ب): (ترجع).]] إليه، وإلا فسد الكلام [[ويسمى (العائد) انظر: "الأصول في النحو" 2/ 266، "شرح جمل الزجاجي" 1/ 181، 182، "أوضح المسالك" ص 31، "شرح ابن عقيل" 1/ 153، ومحل مثل هذِه المباحث كتب النحو.]]. و (الذين) لا يظهر فيه الإعراب [[في (ج): (إعراب).]]، تقول [[من قوله (تقول ...) اختلف الخط في نسخة (ب) وفي هامشها تنبيه على ذلك.]] في الرفع والنصب والجر: (الذين) وكذلك (الذي) وإنما منع الإعراب؛ لأن الإعراب إنما يكون في أواخر الأسماء، و (الذين) من المبهمات لا تتم إلا بصلاتها، فلذلك منعت الإعراب [[من قوله (والذين لا يظهر فيه الإعراب ....) وكذا الكلام الآتي بعده أخذه عن الزجاج بتصرف يسير في العبارة. "معاني القرآن" 1/ 34.]].
فإن قيل فلم أعربته في التثنية؟. قيل: إن جميع ما لا يعرب في الواحد مشبه بالحرف الذي جاء لمعنى، فإذا ثنيته بطل شبه الحرف؛ لأن حروف المعاني لا تثنى [[أخذ الزجاج بقول الكوفيين أن تثنية (اللذين) تثنية حقيقية وأنه معرب، وعند البصريين أن تثنيته ليست على حد تثنية (زيد) و (عمرو) فهي صيغة مرتجلة على حد التثنية فهي تثنية لفظية لا معنوية. انظر: ("الإنصاف") ص 539، "البيان في غريب القرآن" 1/ 39.]].
فإن قيل: فلم منعته الإعراب في الجمع؟ قيل: الجمع الذي ليس على حد [[في (ب): (جمع).]] التثنية كالواحد، ألا ترى أنك تقول في جمع [[في (ب): (الجمع).]] هذا: هؤلاء، فتجعله اسما واحدا للجمع [[في (ب): (للجميع).]]. فكذلك قوله [[في (ب): (قول).]]: ﴿الَّذِينَ﴾ إنما هو اسم لجمع، فبنيته كما بنيت [[في (ب): (فثنيته كما ثنيت).]] الواحد، ونظير (الذي) (هذا)، فإنك لا تعربه ثم تعرب (هذين) ثم تترك الإعراب في (هؤلاء) [[عن "معاني القرآن" للزجاج، 1/ 34.]].
قال أبو إسحاق: وأصل (الذي)، (لذ) على وزن (عم)، كذلك قال سيبويه والخليل والأخفش [["معاني القرآن" للزجاج، 1/ 34، وهذا قول جمهور البصريين، انظر: "تفسير ابن عطية" 1/ 121، ("الإنصاف") ص 535.]].
وأما الألف واللام فيه [[أي: في (الذي).]]، فقال أبو الفتح الموصلي [[هو أبو الفتح عثمان بن جني سبقت ترجمته في الدراسة. نقل الواحدي عنه من كتاب "سر صناعة الإعراب" 1/ 353.]]: (الألف واللام) في (الذي) و (التي) وبابهما [[في (ج): (وبائهما).]] زيادة، ويدل على زيادتهما وجود أسماء موصولة مثلها معراة من (الألف واللام)، وهي مع ذلك معرفة، وتلك: (من) و (ما) و (أي) [[مثل أبو الفتح لـ (من وما وأي) ثم قال: (فتعرف هذِه الأسماء التي هي أخوات الذي والتي بغير اللام، وحصول ذلك لها بما تبعها من صلاتها دون اللام يدل على أن (الذي) إنما تعرفه ...)، "سر صناعة الإعراب" 1/ 353.]]. ويدل على ما قلنا: أن (الذي) إنما تعرفه [[في (ب): (يعرفه).]] بصلته دون (اللام) التي فيه، فبان أن [[عند أبي الفتح (وأن اللام ..)، "سر صناعة الإعراب" 1/ 353.]] (اللام) زائدة، إلى أنها [[في (ب): (أن زيادتها).]] زيادة لازمة لا يجوز [[في (أ)، (ج): (تجوز) وأثبت ما في (ب)، لمناسبته للسياق.]] حذفها [[(لا يجوز حذفها) ليست عند أبي الفتح، 1/ 353.]].
فإن قيل: وما كانت الحاجة إلى زيادة (اللام) [[عند أبي الفتح (في الذي والتي ونحوها)، 1/ 353.]] حتى إنها لما زيدت لزمت؟ قيل: إن (الذي) [[في (أ)، (ج): (الذين) واخترت ما في (ب) لأنه موافق لما عند أبي الفتح، وعبارته: (والجواب: أن (الذي) إنما وقع ... الخ)، انظر: "سر صناعة الإعراب" 1/ 353.]] إنما وقع في الكلام توصلا إلى وصف المعارف بالجمل، وذلك أن الجمل نكرات. ألا ترى أنها تجري أوصافا على النكرات، نحو [[عند أبي الفتح: (في نحو قولك ...)، 1/ 353.]]: مررت برجل أبوه زيد، ونظرت إلى غلام قامت أخته. فلما أريد مثل هذا في المعرفة لم يمكن أن يقول [[(يقول) في جميع النسخ، وعند أبي الفتح (تقول) 1/ 353. وهذا أصوب.]]: مررت بزيد أبوه كريم، على أن تكون الجملة وصفا لزيد [[حذف الواحدي بعض كلام أبي الفتح ونصه: (... وصفا لزيد، لأنه قد ثبت أن الجملة نكرة، ومحال أن توصف المعرفة بالنكرة، فجرى هذا في الامتناع مجرى امتناعهم أن يقولوا: مررت بزيد كريم، على الوصف، فإذا كان الوصف جملة نحو: مررت برجل أبوه كريم، لم يمكن إذا أرادوا وصف المعرفة بنحو ذلك أن يدخلوا اللام على الجملة ....)، "سر صناعة الإعراب" 1/ 353 - 354.]]، ولم يمكن [[في (ب): (يكن).]] إذا أرادوا وصف المعرفة بالجمل أن يدخلوا اللام على الجملة، لأن اللام من خواص الأسماء، فجاؤوا بـ (الذي) متوصلين به إلى وصف المعارف بالجمل، وجعلوا [[في (ب): (فجعلوا).]] الجملة التي كانت صفة للنكرة صلة لـ (الذي) فقالوا: مررت بزيد الذي أبوه منطلق، فألزموا (اللام) هذا الموضع لما أرادوا التعريف للوصف، ليعلموا أن الجملة قد صارت وصفا لمعرفة [[في (ب): (للمعرفه).]]). [[إلى هنا ما نقله عن أبي الفتح. "سر صناعة الإعراب" 1/ 354.]] وبيان ما ذكرنا [[هذا من كلام أبي الحسن الواحدي يبين فيه ما سبق ذكره عن (الألف واللام) في الاسم الموصول على لفظ الآية وهي قوله ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ فيربط إيراد هذِه المسألة النحوية بتفسير الآية.]] من الآية أن معنى قوله: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ صراط القوم الذين أنعمت عليهم، ولو أريد وصف القوم (بأنعمت عليهم) لم يسهل، لأنه يصلح وصفا للنكرة [[و (القوم) معرفة.]]، فيصح في الكلام أن يقول: [[في (ج): (تقول).]] (صراط قوم أنعمت عليهم) فلا يصلح أن يكون وصفا للمعرفة، فلما أريد ذلك [[أي: وصف المعرفة.]] توصلوا إلى ذلك بـ (الذي).
جاءوا [[الكلام من هنا لأبي الفتح، انظر: "سر صناعة الإعراب" 1/ 354.]] بالحرف الذي وضع للتعريف [[وهو (اللام) كما في "سر صناعة الإعراب" 1/ 354.]]، فأولوه (الذي) [[(فأولوه الذي) ساقط من (ب).]] ليحصل لهم بذلك لفظ التعريف الذي قصدوه، ويطابق اللفظ المعنى الذي حاولوه [[انظر بقية كلام أبي الفتح في "سر صناعة الإعراب" 1/ 354، وانظر: "أصول النحو" لابن السراج 1/ 261، 262.]].
وقوله تعالى: ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾، إنعام الله تعالى: مَنُّه [[في (ب): (منته).]] وعطاؤه، و (النعمة) بالكسر اسم من أنعم الله عليه إنعاما ونعمة، أقيم الاسم مقام الإنعام، كما يقال: أنفق إنفاقا ونفقة [[ذكره الأزهري في "تهذيب اللغة" مادة (نعم) 4/ 3615.]].
وقوله تعالى: ﴿عَلَيْهِمْ﴾ يجوز كسر (الهاء) فيه وضمه [[قرأ حمزة ويعقوب من العشرة (عليهم) بضم الهاء وقرأ الباقون (عليهم) بكسر الهاء مع اختلافهم في الميم، والأكثر بسكونها. انظر: "السبعة" لابن مجاهد ص 108، 109، "الغاية" لابن مهران ص 77، "الحجة" للفارسي 1/ 57، "التيسير" ص 40، 41، "الإقناع" 2/ 595، "النشر" 1/ 272، "إتحاف فضلاء البشر" ص 123.]]. فمن كسر فلأن الياء أخت الكسرة وبعضها، على معنى أنها تتولد من الكسرة، ألا ترى أن (الياء) كسرة مشبعة، كما أن (الواو) ضمة مشبعة، والألف فتحة مشبعة، وإذا كان كذلك فلو انكسر ما قبل (الهاء) وجب كسرها نحو: (بهم) و (من دونهم) وكذلك (عليهم وفيهم) وذلك أن إتباع (الياء) التي هي أخت الكسرة بالكسرة أولى من إتباعه بالضمة، لثقل الانتقال من الكسرة إلى الضمة. ألا ترى أنه ليس في كلامهم (فِعُل)، ولأن هذِه (الهاء) في (عليهم) هي التي في (عليه) وفي (عليه) كسر، لأن الأصل كان (عليهو [[في (ب): (علهو) وفي (ج): (عليه وكقولك).]]) كقولك [[في (ب): (كقوله).]] ضربته [[انظر: "الحجة" لأبي علي الفارسي 1/ 59، 60، 61، "حجة القراءات" لابن زنجله ص 82.]].
زعم [[ذكره الزجاج في "معاني القرآن" 1/ 13، وانظر: "الكتاب" 4/ 189.]] سيبويه أن [[في (ب): (إلى أن) بزيادة (إلى).]] (الواو) زيدت على (الهاء) في المذكر، كما زيدت (الألف) في [[في (ب): (على). وفي "معاني القرآن" 1/ 13 للزجاج: (... كما زيدت الألف في المؤنث في قولك: ضربتها ومررت بها ...).]] المؤنث ليستويا في باب الزيادة.
قال الزجاج: و [[(الواو) ساقطة من (ب).]] القول في هذِه (الواو [[في "معاني القرآن" 1/ 13 للزجاج: (والقول في هذِه (الواو) عند أصحاب سيبويه والخليل أنها إنما زيدت لخفاء (الهاء) ...) 1/ 13.]]) أنها زيدت لخفاء (الهاء)، وذلك أن (الهاء) تخرج من أقصى الحلق [[انظر: "الكتاب" 4/ 433، "سر صناعة الإعراب" 1/ 46.]]، و (الواو) حرف مد ولين، تخرج [[في (ب): (يخرج).]] من طرف الشفتين [[في "معاني القرآن": (.. و (الواو) بعد (الهاء) أخرجتها من الخفاء إلى الإبانة، فلهذا زيدت، وتسقط في الوقف ...) 1/ 13. وانظر: "الكتاب" 4/ 433، "سر صناعة الإعراب" 1/ 48.]]، فإذا زيدت (الواو) بعد (الهاء) أخرجتها من الخفاء، وتسقط في [[في (ب): (من).]] الوقف، كما تسقط الضمة والكسرة، ولأنها (واو [[في "معاني القرآن": (كما تسقط الضمة والكسرة في قولك: أتاني زيد، ومررت بزيد، إلا أنها (واو وصل)، فلا تثبت؛ لئلا يلتبس الوصل بالأصل ...)، وفي الهامش: عبارة ك: (.... ولأنها واو (وصل) ...) كما عند المؤلف ولعله أصوب.]] وصل) فلو ثبتت لالتبس [[في (ب): (لالتبست). وهذا أحسن للسياق.]] بالأصل. فإذا قلت: مررت به، قلبت [[في "المعاني": (فإذا قلت: مررت بهو يا فتى، فإن شئت قلت: مررت بهي، فقلبت الواو ياء ...)، 1/ 13.]] الواو (ياء) لانكسار ما قبلها [[في (ج): (بما قبلها).]] أعني (الباء) [[(الباء) كذا في جميع النسخ. وفي "معاني القرآن": (أعني (الياء) المنكسرة. فإن قال قائل: بين الكسرة والواو (الهاء)، قيل: (الهاء) ليست بحاجز حصين، فكأن ... الخ 1/ 13 ولعل ما في "المعاني" خطأ مطبعي.]]، و (الهاء) لا يعتد به حاجزا حصينا لخفائه، فكأن [[في (ج): (وكان).]] الكسرة تلي (الواو)، ولو كانت (الهاء) حاجزا حصينا ما زيدت (الواو) عليها.
وبهذه [[في (ب): (وهذِه).]] العلة كسرت الهاء في (عليه) وكان الأصل (عليهو) [[في (ب): (علهو).]] فقلبت [[في (ج): (فقلبت الواو بالياء).]] الواو (ياء) [[فتكون (عليهى) انظر: "معاني القرآن" 1/ 14.]] للياء التي قبلها ثم حذفت [[في (ب): (حذف).]] لسكونها، وسكون الياء قبل الهاء، والهاء ليس بحاجز، فإذا كسر في (عليه) أقر على الكسر في (عليهم) إذ [[في (ج): (اذا).]] كانت العلة واحدة [[انتهى ما نقله من الزجاج، وآخر كلامه نقله بمعناه. انظر: "معاني القرآن" 1/ 13، 14.]]. ومن ضم (الهاء) فقال: كان الأصل (عليهو) فحذفت الواو لسكونها وسكون (الياء) وبقيت الضمة لتدل على الواو [[ذكره الزجاج، انظر: "معاني القرآن" 1/ 14، "الحجة" لأبي علي 1/ 60، "حجة القراءات" ص 81، "الحجة" لابن خالويه ص 63، "الكشف" لمكي 1/ 35.]].
وأما حمزة [[هو حمزة بن حبيب بن عمارة، الكوفي، التيمي بالولاء، وقيل: من صميمهم، الزيات أحد القراء السبعة (80 - 156 هـ)، انظر ترجمته في "معرفة القراء الكبار" 1/ 111، "غاية النهاية" 1/ 261.]] فإنه يقرأ: (عليهم) و (إليهم) و (لديهم) بالضم في هذِه الثلاثة [[انظر: "السبعة" لابن مجاهد ص 108، "الحجة" لأبي علي الفارسي 1/ 57.]] وحجته [[ما سبق إنما هو حجة لحمزة في قراءته بالضم نقله الواحدي عن الزجاج، ثم نقل مزيدا == من الاحتجاج لقراءته بالضم من "الحجة" لأبي علي، حيث قال: (وحجة من قرأ (عليهم) -وهو قول حمزة- أنهم قالوا: ضم الهاء هو الأصل، وذلك أنها إذا انفردت من حروف تتصل بها قيل: (هم فعلوا). والواو هي القراءة القديمة، ولغة قريش، وأهل الحجاز، ومن حولهم من فصحاء اليمن. قالوا: وأما خص حمزة هذِه الحروف الثلاثة بالضم -، وهي: (عليهم) و (إليهم) و (لديهم) - لأنهن إن أولاهن ظاهرا صارت ... الخ ما ذكره المؤلف عنه. "الحجة" 1/ 60، وانظر: "الكشف" لمكي 1/ 35.]]: أن هذِه الحروف إن وليهن ظاهر صارت (ياءاتهن) ألفات، نحو: على زيد، وإلى عمرو، ولدى بكر [[في (ب): (آل زيد وآل عمر وكذا بكر) تصحيف.]]، ولا يجوز كسر (الهاء) إذا كان قبلها ألف [[انظر: "الحجة"، 1/ 60.]]، فلما كان الأصل في هذِه (الياءات) الألف اعتبره حمزة فيها الأصل [[فضم الهاء، ولم يكسرها.]] دون الرسم والخط [[انظر: "الحجة"، 1/ 83.]].
فإن قيل: ينقض هذا بالواحد والتثنية [[فلم يحصل الضم في الواحد والتثنية فيقال: عليه وعليهما بالكسر، كما سيأتي.]]؟ قلنا: لا ينقض، لأنه أراد أن يخالف بين بناء الواحد والتثنية، وبين بناء الجمع، وذلك أن الجمع يخالفهما في البناء في أكثر الأمر، ألا ترى أنك تقول: رجل ورجلان، وحمار وحماران، ثم تقول في الجمع: رجال وحمر، فاتفق بناء الواحد والتثنية، وخالف بناء الجمع بناءها، فلهذا ضم الهاء في (عليهم ولديهم وإليهم [[في (ب): (عليهم وإليهم ولديهم).]]) ولم يضم في (عليه وعليهما).
وأما من [[في (ب): (في).]] ضم من القراء كل هاء قبلها (ياء) ساكنة نحو: فيهم ويأتيهم [[وهي قراءة يعقوب من العشرة، انظر: "الغاية" ص 77، "النشر" 1/ 272، "إتحاف فضلاء البشر" ص 123، وهذا مخالف لنهج المؤلف في القراءات حيث ذكر قراءة عشرية، وعادته أن يذكر السبع فقط.]]، فحجته إجماعهم على ضمها إذا كان قبلها حرف ساكن سوى الياء، نحو (عنهم ومنهم) فكذلك الياء. هذا هو الكلام في (الهاء).
فأما (الميم) فأهل [[في (ج): (فإن أهل).]] الحجاز يضمون (ميم) كل جمع حتى يلحقوا بها (واوا) [[في (ب): (واو) بدون تنوين.]] في اللفظ [[قراءة ابن كثير: يصل الميم بواو انضمت الهاء قبلها أو انكسرت. انظر: "السبعة" لابن مجاهد ص 108، "الحجة" 1/ 57، "الكشف" 1/ 39.]]، وحجتهم: أن أصلها أن تكون مقرونة (بواو) في اللفظ والخط، لأن أكثر جموع المذكورين بالواو في الفعل [[في (ج): (في الاسم والفعل).]] والاسم، نحو: فعلوا [[في (ب): (يفعلوا).]] [[(الواو) ساقطة من (ج).]] ويفعلون ومسلمون وصالحون، فعاملوا المكني معاملة الأسماء الظاهرة المجموعة و [[(الواو) ساقطة من (ب).]] الأفعال من إلحاق الواو بها [[انظر: "الحجة" 1/ 104، 133، "الكشف" 1/ 39، "حجة القراءات" ص 81، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 13، 14، "المحتسب" 1/ 44، "البيان" 1/ 39.]].
والدليل على أن الأصل فيه ما ذكرنا، إجماعهم على إثبات الواو في اللفظ بعد الميم عند اتصاله بالمكني [[انظر: "الحجة" 1/ 106، "حجة القراءات" ص 81.]]، كقوله: ﴿أَنُلْزِمُكُمُوهَا﴾ [هود: 28] و ﴿وَاتَّخَذْتُمُوهُ﴾ [هود: 92].
وأما من أسكن الميم [[وعليه أكثر القراء كما سبق، وانظر: "الكشف" 1/ 40.]]، فحجته: خط المصاحف، وذلك أن هذِه الواوات حذفت من الخط اقتصارًا على الميم، واكتفاءً بها من علامة الجمع كما حذفت ياء الإضافة من الأسماء والأفعال اقتصارا على الكسرة والنون التي قبلها [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 14، "الحجة" 1/ 80، 82، "الحجة" لابن خالويه ص 63، "الكشف" 1/ 40.]].
وقال ابن السراج [[هو أبو بكر محمد بن السري سبقت ترجمته في الدراسة، وقد نقل عنه أبو علي في "الحجة" كثيرا، لأنه أول من بدأ في بيان حجج القراءات السبع التي جاءت في كتاب ابن مجاهد. ولم يتم الكتاب، وألف أبو علي كتاب "الحجة" وأتم ما شرع به ابن السراج وضمن أبو علي كتابه كلام ابن السراج. انظر مقدمة "الحجة" ص 7.]]: إنما أسكنوا لأنه قد أمن اللبس، إذ كانت (الألف) في التثنية قد دلت على الاثنين، ولا (ميم) في الواحد، فلما لزمت (الميم) الجمع حذفوا (الواو) وأسكنوا (الميم) طلبا للتخفيف، إذ كان لا يشكل [["الحجة" 1/ 59، 60.]].
وروى ورش [[هو عثمان بن سعيد القبطي، مولى آل الزبير بن العوام، كنيته: أبو سعيد، وقيل غير ذلك. أحد القراء المشهورين، وأشهر رواة نافع، أحد السبعة ولادته ووفاته (110 - 197 هـ). انظر ترجمته في "معرفة القراء الكبار" 1/ 152، "غاية النهاية" 1/ 502.]] عن نافع [[نافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم الليثي بالولاء، كنيته أبو رويم، وقيل غير ذلك. أحد القراء السبعة الذين اعتمدهم ابن مجاهد في كتابه، مات سنة تسع وستين ومائة، وقيل غير ذلك، وانظر ترجمته في "معرفة القراء" 1/ 107، "غاية النهاية" 2/ 330.]] ضم الميم ووصلها بواو إذا [[في (ب): (وإذا).]] استقبلها همزة [[قراءة نافع كسر الهاء، وأما الميم فالمشهور عنه الإسكان، وروى عنه الضم وروى ورش عن نافع أن الميم إذا لقيها همزة ألحق بها واوا. انظر: "السبعة" ص 108، 109، "الحجة" للفارسي 1/ 58، "الكشف" 1/ 39.]]، ومذهبه حذف الهمزة ونقل حركتها [إلى الساكن قبلها، فلما احتاج إلى تحريك الميم حركها [[في (ج): (حركتها).]]] [[مابين المعقوفين ساقط من (ب).]] بالحركة التي كانت لها في الأصل وهي (الضمة)، فلما أشبع ضمتها تولدت منها (واو)، فاحتاج إلى مدها لاستقبال الهمزة إياها [[انظر: "الحجة" للفارسي 1/ 107، "الكشف" 1/ 39.]].
وأيضا فإنه لو نقل فتحة الهمزة إلى ميم الجمع عند استقبال الهمزة المفتوحة نحو: ﴿عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ﴾ [[ووردت الآية في (ب) ﴿عليهم أنذرتهم أم لم﴾ وهو تصحيف.]] [البقرة: 6] وما أشبهه، لأشبه التثنية، فلما مدها عند الهمزة المفتوحة ولم ينقل حركتها إليها مخافة الالتباس فعل ذلك به عند الهمزة المضمومة والمكسورة؛ لئلا يختلف الطريق عليه [[في (ب): (إليه).]].
وكان حمزة والكسائي يضمان [[في (ج): (يضمون).]] (الهاء) و (الميم) عند ألف الوصل [[في (ج): (لوصل).]] نحو: ﴿عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾ [البقرة: 61] و ﴿إِإِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ﴾ [يس: 14] و ﴿مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ﴾ [القصص: 23] وحجتهما أنه لما احتيج إلى تحريك (الميم) لالتقاء الساكنين كان تحريكها بحركة الأصل، وهي الضم أولى [[في (ب): (أولا).]]، ثم أتبعت الهاء ضمة الميم استثقالًا للخروج من الكسر إلى الضم [[انظر: "حجة القراءات" لابن زنجلة ص 82، "الكشف" 1/ 37، قال أبو علي الفارسي في "الحجة" (تحريك حمزة الميم في (عليهم ولديهم وإليهم) خاصة بالضم مستقيم حسن، وذلك أنه يضم (الهاء) في هذِه الأحرف ولا يكسرها فإذا ضمها لم يكن في تحريك الميم إلى الضم ولم يجز الكسر ..)، ثم أخذ يحتج لموافقة الكسائي له في ذلك، "الحجة" 1/ 117، 118.]].
وكان أبو عمرو [[زبان بن العلاء، أحد السبعة سبقت ترجمته.]] يكسرها عند ألف الوصل؛ لأنه يكسر الميم على أصل تحريك الساكن بالكسر إذا لقيه ساكن آخر، ويكسر الهاء بتبع الكسر لثقل الضم بعد الكسر [[انظر: "الحجة" لأبي علي 1/ 110، "حجة القراءات" لابن زنجلة ص 82.]].
وأما من كسر (الهاء) وضم (الميم) عند ألف الوصل [[وهي قراءة ابن كثير ونافع وعاصم وابن عامر. انظر: "السبعة" ص 108، 109، "الحجة" لأبي علي 1/ 58.]]، فإنه يقول: لما احتجت إلى حركة الميم رددته إلى أصله، فضممت وتركت الهاء على كسرها، لأنه لم تأت ضرورة تحوج [[في (ج): (تخرج).]] إلى ردها إلى الأصل [[انظر: "الحجة" لأبي علي 1/ 108، "حجة القراءات" ص 82.]].
فأما التفسير: فقال ابن عباس: ﴿الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: 7]: هم قوم موسى وعيسى قبل أن يغيروا نعم الله عز وجل [[ذكره الثعلبي في "الكشف" 1/ 31/ ب، وذكره ابن عطية في "تفسيره" وقال: حكاه مكي وغيره عن فرقة من المفسرين، وقال ابن عباس: أصحاب موسى قبل أن يبدلوا. "تفسير ابن عطية" 1/ 122، وانظر: "لباب التفاسير" للكرماني 1/ 98 (رسالة دكتوراه).]].
وقال عكرمة: أنعمت عليهم بالثبات على الإيمان والاستقامة [[ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 31/ ب.]].
وقيل: هم الذين ذكرهم الله في قوله [[ذكره الثعلبي في "الكشف" ولم يعزه لأحد 1/ 31/ ب، وذكر الطبري بسنده عن ابن عباس: يقول: (طريق من أنعمت عليهم بطاعتك وعبادتك من الملائكة والنبيين والصديقين والشهداء والصالحين، الذين أطاعوك وعبدوك). "تفسير الطبري" 1/ 76، (قال شاكر: الخبر ضعيف الإسناد) "تفسير الطبري" 1/ 178، أخرجه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 31، وذكره السيوطي في "الدر" 1/ 42، قال ابن عطية في "تفسيره": هو قول ابن عباس وجمهور المفسرين 1/ 121، وانظر: "تفسير القرطبي" 1/ 129.]] سبحانه: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: 69].
وقال ابن جرير: في الآية اختصار، معناه: صراط الذين أنعمت عليهم بالهداية إلى الصراط. والعرب تحذف من الكلام إذا كان في الباقي دليل عليه [[انظر: "تفسير الطبري" 1/ 76. وذكر الواحدي كلام ابن جرير بالمعنى.]]. وستمر بك أشباه لهذا كثيرة.
وقوله تعالى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ (غير) [[قرأ نافع وعاصم وأبو عمرو وابن عامر وحمزة والكسائي (غير) بخفض (الراء). وروي عن ابن كثير النصب والرفع. انظر: "السبعة" لابن مجاهد ص 111، "الحجة" للفارسي 1/ 142، "البحر المحيط" 1/ 29.]] ينخفض على ضربين [[ذكره أبو علي في "الحجة" عن أبي بكر بن السراج، حيث قال: (قال أبو بكر في "الحجة" في الجر: إنهم قالوا: ينخفض على ضربين ..)، والكلام كله بنصه في "الحجة" 1/ 142، وانظر: "السبعة" لابن مجاهد ص 112.]]: على البدل من (الذين)، ويستقيم أن يكون صفة (الذين). و (غير) نكرة، وجاز [[في (ج): (ويجوز).]] أن يقع هاهنا صفة لـ (الذين)، لأن الذين هاهنا ليس بمقصود قصدهم [[أي: لم يقصد به قصد قوم بأعيانهم، لأن (الذين) مع كونه معرفة فهو قريب من النكرة == لأنه عام. انظر؛ "معاني القرآن" للفراء 1/ 7، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 16، "البحر" 1/ 29.]]، فهو بمنزلة قولك: إني لأمرُّ بالرجل مثلك فأكرمه.
ويجوز (النصب) على ضربين: على الحال، والاستثناء [[نسب ابن مجاهد (القول بالنصب على الاستثناء) إلى الأخفش، وقال: هذا غلط. ابن مجاهد ص 112، وانظر: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 125، "البحر" 1/ 29.]]، أما الاستثناء: فكأنك قلت: إلا المغضوب عليهم، وهو [[قوله: (وهو استثناء الشيء ... إلى قوله إذا كان ما بعد (إلا) منصوبا) ليس من كلام ابن السراج وما قبله وما بعده كله لابن السراج، انظر: "الحجة" 1/ 142.]] استثناء الشيء من غير جنسه، وحق (غير) في الاستثناء النصب إذا كان ما بعد (إلا) منصوبا [[انظر: "الأصول" لابن السراج 1/ 284، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 125، "البحر" 1/ 29.]].
وأما الحال: فكأنك قلت: (صراط الذين أنعمت عليهم لا مغضوبا عليهم).
قال ابن السراج [[هذا وما قبله بنصه مما نسبه أبو علي الفارسي في "الحجة"، لأبي بكر محمد بن سهل بن السراج، فالكلام كله لابن السراج، نقل الواحدي أوله بدون عزو ثم عزا آخره له، وهذا يلاحظ على منهج الواحدي في العزو. انظر: "الحجة" 1/ 142، 143.]]: ويجوز عندي النصب على [[في "الحجة": (قال: ويجوز عندي النصب أيضا على (أعني) ....) فذكر: (أيضا) لأنه عطفه على كلام قبله، ذكر فيه وجوها أخرى للنصب. انظر 1/ 143.]] (أعنى). وقد حكي عن الخليل نحو هذا، أنه أجازه على وجه [[في "الحجة": (.. على وجه الصفة والقطع من الأول ...) 1/ 143.]] القطع من الأول، كما يجيء المدح. ولمن نصب أن يقول [[في "الحجة": (.. ومما يحتج به لمن يفتح أن يقال: (غير) تكره، فكره أن يوصف به المعرفة) 1/ 143.]]: (غير) نكرة وكرهت أن أصف بها المعرفة.
والاختيار الكسر [[هذا من كلام أبي بكر بن السراج واختياره حيث قال: (والاختيار الذي لا خفاء به الكسر، ألا ترى أن ابن كثير قد اختلف عنه ...) وقد اختصر الواحدي كلام ابن السراج. انظر: "الحجة" 1/ 143.]]. ولا يلزم وصف المعرفة بالنكرة؛ لأن حكم كل مضاف إلى معرفة [[في (ب): (معرفته).]] أن يكون معرفة، وإنما تنكرت (غير) و (مثل) مع إضافتهما إلى المعارف من أجل معناهما، وذلك أنك إذا قلت: رأيت غيرك، فكل شيء يرى سوى المخاطب هو غيره [[في "الحجة": (فكل شيء ترى سوى المخاطب فهو غيره) وفي الهامش: ط: (تراه)، انظر: "الحجة" 1/ 143.]]، وكذلك إذا قال: رأيت مثلك، فما هو مثله لا يحصى، يجوز أن يكون مثله في خلقه، وخلقه، وفي جاهه، وفي نسبه، وفي علمه، فإنما صارا [[أي: (غير) و (مثل).]] نكرتين من أجل المعنى. فأما إذا كان شيء معرفة له ضد واحد، وأردت إثباته ونفي ضده، وعلم السامع [[في "الحجة": (... وعلم ذلك السامع فوصفته بغير ....)، 1/ 144.]] ذلك الضد فوصفته بـ (غير) وأضفت (غير [[في (أ): (غيرا).]]) إلى ضده، فهو معرفة، وذلك نحو قولك: عليك بالحركة غير السكون، فغير السكون معرفة، وهو [[في "الحجة" (وهي) 1/ 144.]] الحركة، فكأنك كررت الحركة تأكيدا.
وكذلك قوله: ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ فغير المغضوب عليهم، هم الذين أنعم عليهم، لأن من أنعم عليه بالإيمان، فهو غير مغضوب عليه، فهو مساو له في معرفته، ومتى كانت (غير) بهذِه الصفة، وقصد هذا القصد فهي معرفة [[في "الحجة": (.. فالذين أنعم عليهم لا عقيب لهم إلا المغضوب عليهم، فكل من أنعم عليه بالإيمان فهو غير مغضوب عليه، وكل من لم يغضب عليه فقد أنعم عليه. فغير المغضوب عليهم هم الذين أنعم عليهم، فهو مساو له في معرفته. هذا الذي يسبق إلى أفئدة الناس وعليه كرمهم. فمتى كانت (غير) بهذِه الصفة وقصد بها هذا القصد، فهي معرفة ...) فالواحدي نقل كلام ابن السراج بتصرف واختصار. انظر: "الحجة" 1/ 144.]]. وكذلك لو عرف إنسان بأنه مثلك في ضرب من الضروب لقيل فيه [[في (أ)، (ج): (منه) وما في (ب) موافق لما في "الحجة" 1/ 144.]]: قد جاء مثلك، لكان معرفة، إذا أردت المعروف بشبهك [[في (ج): (يشبهك).]]، والمعرفة والنكرة بمعانيهما [[جاء في "الحجة" بعده: (فكل شيء خلص لك بعينه من سائر أمته فهو معرفة ...)، 1/ 144.]]. ومن جعل (غير) بدلا استغنى عن هذا الاحتجاج [[في ب: (الاحتياج).]]، لأن النكرة قد تبدل من المعرفة)، انتهى كلام ابن السراج [[في (ب): (ابن الشهاب السراج) تصحيف. وفي "الحجة": (انتهت الحكاية عن أبي بكر) 1/ 144.]].
قال صاحب [[أبو علي الفارسي، "الحجة" 1/ 145.]] "الحجة": أما الخفض في [[في (ب): (من غير).]] (غير) فعلى البدل أو الصفة، والفصل بين البدل والصفة في قول سيبويه [[نص كلام أبي علي (.. والفصل بين البدل في تقدير تكرير العامل، وليس كالصفة ولكن كأنه في التقدير من جملتين بدلالة تكرير حرف الجر ... الخ)، فلم يرد ذكر قوله: (في قول سيبويه) وقد ورد ذكر سيبويه في كلام أبي علي بعد هذا الموضع. انظر: "الحجة" 1/ 145، "الكتاب" 2/ 14، 386.]] إن البدل في تقدير تكرير العامل، بدلالة [[في (ج): (بدلال).]] حرف الجر في قوله سبحانه: {قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ} [[الشاهد من الآية: قوله (لمن آمن) فهو بدل من (الذين استضعفوا) بإعادة حرف الجر وهي (اللام) بدل البعض من الكل، لأن في المستضعفين من ليس بمؤمن، هذا على عود الضمير في (منهم) إلى (الذين استضعفوا) فإن عاد الضمير إلى (قومه) كان بدل كل من المستضعفين، انظر: "فتح القدير" 2/ 321.]] فهو يفارق الصفة من هذا الوجه [[قوله: (فهو يفارق الصفة من هذا الوجه) ليس في "الحجة" 1/ 145، والوجه المراد هو ما ذكره: من أن البدل في تقدير تكرير العامل.]].
وأيضًا [[نص كلام أبي علي في "الحجة" قال بعد أن ذكر الآية (.... وبدلالة بدل النكرة من المعرفة)، 1/ 145.]] فإن النكرة تبدل من المعرفة، والمظهر من المضمر [[في (ب): (المظهر).]]، وهذا مما لا يجوز في الصفة، لا يجوز وصف المعرفة بالنكره، ولا وصف المضمر بالظاهر [[قوله: (لا يجوز وصف المعرفة بالنكرة، ولا وصف المضمر بالمظهر) ليس في "الحجة" 1/ 145.]].
وكما أعيدت اللام الجارة في البدل [[في "الحجة" (في الاسم) 1/ 145.]]، فكذلك يكون العامل الناصب [[في "الحجة" (الرافع أو الناصب) 1/ 145.]] والرافع في تقدير التكرير. ويشترك البدل مع الصفة في أن كل واحد منهما تبيين [[في (ب): (يبين).]] للأول [[ذكر كلام أبي علي بمعناه انظر: "الحجة" 1/ 145.]].
فمن جعل [[انتقل إلى موضع آخر في "الحجة" 1/ 149.]] (غير) في الآية [[أي: قوله تعالى: ﴿غير المغضوب عليهم﴾.]] بدلا، كان تأويله بيِّنًا، وذلك أنه لا يخلو من أن يجعل (غير [[في "الحجة" (غيرا).]]) معرفة [[في (ب): (معرفة في الآية بدل أو نكره).]] أو نكرة. فإن جعله معرفة فبدل المعرفة من المعرفة سائغ [[في (ب): (شائع)، وفي "الحجة" (سائغ مستقيم كقوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة:7،6]، ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: 97] 1/ 149.]]، وإن جعله نكرة فبدل النكرة من المعرفة مشهور [[انظر بقية كلام أبي علي في "الحجة" 1/ 149.]].
وأما من قدر (غير) صفة و (الذين [[أي: في قوله ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: 7].]] فإنما جاز أن يصف (الذين) بـ (غير) [[كلام أبي علي: (وأما من قدر (غير) صفة لـ (الذين)، وقدره معرفة لما ذكره أبو بكر - يريد ابن السراج كما نقل كلامه فيما سبق- فإن وصفه لـ (الذين) بـ (غير) كوصفه له بالصفات المخصوصة، وقد حمله سيبويه على أنه وصف. ومن لم يذهب بـ (غير) هذا المذهب، ولم يجعله مخصوصا استجاز أن يصف (الذين) بـ (غير) من حيث لم يكن الذين مقصودا قصدهم ..)، 1/ 153، فاختصر الواحدي كلام أبي علي فقارن بينهما.]] من حيث لم يكن (الذين) مقصودا قصدهم [[أي: لم يقصد به قصد قوم بأعيانهم.]]. فصار مشابها للنكرة، من حيث اجتمع معه في أنه لم يرد به شيء معين.
ونظير ذلك مما دخله (الألف واللام)، فلم يختص بدخولهما عليه [[أي: لم يختص بواحد بعينه وإنما عرفته (ال) تعريف جنس. انظر: "سر صناعة الإعراب" 1/ 350.]]، لما لم يكن مقصودا قصده [[أي: ما دخله (الألف واللام) لم يقصد به قصد قوم بأعيانهم، فلم يختص بدخول (الألف واللام) عليه.]]، قولهم: قد أمر [[في (ج): (أصر).]] بالرجل مثلك فيكرمني [[في "الحجة" (.. فيكرمني، عند سيبويه، فوصف الرجل ..)، "الحجة" 1/ 154. وانظر: "الكتاب" 2/ 13، وتعليق عبد السلام هارون عليه.]]، فوصف الرجل بمثلك لما لم يكن معينا [[انظر بقية كلام أبي علي في "الحجة" 1/ 154 وما بعدها.]].
ومما [[في (ب): (وما غير).
أورد أبو علي الآية، بعد أن تكلم عن نصب (غير) بالاستثناء. وخرج الآية على الوجهين الرفع والنصب. انظر: "الحجة" 1/ 160.]] جاء (غير) فيه صفة [[في (ج): (لا يستوي المؤمنون القاعدون من المؤمنين) تصحيف في الآية.]] قوله: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ [النساء: 95] فمن رفع (غير) [[كذا وردت بالنصب في جميع النسخ "الحجة" 1/ 160.]] كان وصفا للقاعدين، والقاعدون غير مقصود قصدهم [[أي: لم يقصد به قصد قوم بأعيانهم، وإنما المراد من اتصف بهذِه الصفة وهي القعود عن الجهاد وهو غير ذي ضرر.]]، كما كان قوله: ﴿الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ كذلك. والتقدير: لا يستوي القاعدون من المؤمنين الأصحاء، والمجاهدون [[في (ب): (المجاهدين).]].
وأما من نصب (غير) على الاستثناء، فإن الفراء ينكر جواز [[أنكر الفراء ذلك رادا على أبي عبيدة فيما ادعاه: أن (غير) في قوله: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ بمعنى (سوى) وأن (لا) في قوله: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ صلة. انظر كلام الفراء في "معاني القرآن" 1/ 8، وكذلك رد عليه الطبري ناقلا عن الفراء، انظر: "تفسير الطبري" == 1/ 81، وانظر: "مجاز القرآن" 1/ 25.
وأما أبو علي فيأخذ بقول أبي عبيدة كما سيأتي كلامه، ومنه قوله: (ومن جعل (غير) استثناء لم يمتنع على قوله دخول لا بعد الحرف العاطف ...) "الحجة" 1/ 163.]] ذلك، وقال: لو كان (غير) هاهنا منصوبا على الاستثناء كان بمعنى (سوى) فلم يجز أن يعطف عليه بقوله: (ولا [[يريد قوله ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾. انظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 8، والطبري 1/ 79، 190.]]) لأن (لا) نفي وجحد، ولا يعطف بجحد إلا على جحد، ولا يجوز في الكلام استثناء يعطف عليه بجحد، كما تقول: [رأيت القوم إلا زيدا ولا عمرا، وإنما يعطف الجحد على الجحد، كما تقول:] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]] ما قام أبوك ولا أخوك [[انظر: "تفسير الطبري" 1/ 79.]].
ومن أجاز [[هذا من كلام أبي علي في "الحجة" 1/ 163.]] الاستثناء فإنه يقول: لا يمتنع دخول (لا) [[في (ب): (إلا) تصحيف.]] بعد الحرف العاطف [[كما في قوله: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾.]] لأن الاستثناء يشبه النفي، ألا ترى أن قولك: جاءني القوم إلا زيدا، بمنزلة قولك: جاءني القوم لا زيد. فيجوز أن تعطف [[في (ب): (يعطف) وفي "الحجة": (أن تدخل "لا") 1/ 163.]] بـ (لا) حملا على المعنى، ويجوز أن تجعلها زيادة في هذا الوجه [[هذا رأي أبي عبيدة، انظر: "مجاز القرآن" 1/ 25، دافع عنه أبو علي في وجه المنكرين له كالفراء. انظر: "الحجة" 1/ 163.]]، كما تجعلها زيادة في قوله: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾ [[استدل أبو علي بالآية على أن (لا) زائدة، وهذا ليس بالاتفاق فهناك من يقول ليست زائدة. انظر: "تفسير الطبري" 22/ 129.]] [فاطر: 22].
وإذا جاز دخول (لا) [[في (ب): (الا) تصحيف.]] مع الاستثناء لهذين الوجهين [[والوجهان هما:
1 - أن الاستثناء يشبه النفي، فتدخل (لا) حملا على المعنى.
2 - جعلها زيادة، انظر: "الحجة" 1/ 163.]] فلا وجه لقول من أنكره [[ممن أنكره الفراء.]].
وكذلك [[في (ب): (ولذلك).]] يجوز زيادة (لا) في قول من جعل (غير) حالا أو صفة أو بدلا. وقد دخلت (لا) زائدة في مواضع كثيرة في التنزيل وغيره، من ذلك قوله [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 137، "الكتاب" 1/ 390.]]: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾ الآية [الحديد: 29]. والذين يجوزون زيادة (لا) يقولون: إنما تجوز إذا تقدمه نفي [[هذا قول الفراء. انظر: "معاني القرآن" 1/ 8، وكذا الطبري انظر: "تفسيره" 1/ 81. وقوله: (الذين يجوزون زيادة (لا) ... مع البيت بعده) لم يرد في كلام أبي علي الفارسي. انظر: "الحجة" 1/ 163، 164.]] كقوله:
ما كان يرضى رسول الله دينهم ... والطيبان أبو بكر ولا عمر [[البيت لجرير يهجو الأخطل، وقد استشهد الفراء بالبيت على جواز زيادة (لا) إذا تقدمها نفي. انظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 8، وورد البيت في "تفسير الطبري" 1/ 82، "الأضداد" لابن الأنباري ص 215، "نقائض جرير والأخطل" ص 174، "ديوان جرير" ص 201.]]
وليس الأمر كذلك [[هذا رأي الواحدي كما هو رأي أبي عبيدة وأبي علي الفارسي حيث اتفقوا على جواز زيادة (لا) في الإيجاب. انظر: "مجاز القرآن" 1/ 25 - 27، "الحجة" 1/ 164، والكلام منقول منها.]] فقد جاء زيادتهما في الإيجاب كما في النفي، قال ساعدة الهذلي [[هو ساعدة بن جؤية الهذلي، شاعر مخضرم أدرك الجاهلية والإسلام، وأسلم، وليست له صحبة. انظر ترجمته في "شرح أشعار الهذليين" للسكري 3/ 1097، "الإصابة" 2/ 4، "الخزانة" 3/ 86.]]:
أفعنك لا برق كأن وميضه ... غابٌ تشيَّمَه [[في (ب): (تسنمه) بالسين والنون، وفي (أ): (تشنيمه) على الروايتين، وقد وردت في "الحجة" (تسنمه) كما في (ب)، وأكثر المصادر (تشيمه).]] ضِرامٌ مثقَبُ [[قوله (أفعنك): عن ناحيتك، و (لا) زائدة، (تشيمه) أي: دخل في، و (الضرام): النار في الحطب الدقيق. ورد البيت في "شرح أشعار الهذليين" للسكري 3/ 1103، "الأضداد" لابن الأنباري ص 213، "الحجة" لأبي علي 1/ 164، "المخصص" 14/ 65، "اللسان" (شيم) 4/ 2380، "البحر المحيط" 4/ 273.]]
وأنشد أبو عبيدة:
ويلحينني في اللهو ألا أحبه ... وللهو داع دائب غير غافل [[البيت للأحوص، ومعنى قوله: (ويلحينني): يعذلنني، ورد البيت في "شعر الأحوص" ص 179، "جاز القرآن" 1/ 26، و"تفسير الطبري" 1/ 81، "الكامل" 1/ 80، "الأضداد" لابن الأنباري ص 214، "الحجة" لأبي علي 1/ 164.]]
وقال الله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾ [[في (ب): (أن تسجد).]] [الأعراف: 12]، وفي الأخرى ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ﴾ [ص: 75] وهذا الحرف [[من "الحجة" 1/ 166.]] -أعني: (لا) - يدخل [[في (أ)، (ج): (تدخل) وفي "الحجة" (يدخل) 1/ 166.]] في النكرة على وجهين:
أحدهما: أن يكون [[في (ب): (تكون) بالتاء، وفي "الحجة" (يكون) 1/ 166.]] زائدًا كما ذكرنا في بيت الهذلي [[بيت الهذلي قوله: ويلحينني في اللهو ألا أحبه. البيت. وفي "الحجة": (كما مر في بيت == جرير) وبيت جرير الذي يعنيه هو قوله:
ما بال جهلك بعد الحلم والدين ... وقد علاك مشيب حين لا حين
انظر: "الحجة" 1/ 164، 166.]].
والآخر: أن يكون [[في (ب): (بالتاء) في كل المواضع، وكذا في "الحجة": (أن تكون غير زائده، فإذا لم تكن زائدة ..) 1/ 166.]] غير زائد، فإذا لم يكن زائدا كان على ضربين:
أحدهما: أن يكون (لا) مع الاسم بمنزلة اسم واحد نحو: خمسة عشر [[انظر: "الكتاب" 2/ 276.]]، وذلك نحو قولهم: (غضب من لا شيء، وجئت بلا مال) فـ (لا) مع الاسم المنكور في موضع جر بمنزلة خمسة عشر [[(عشر) ساقط من (ب)، (ج).]].
والآخر: ألا تعمل [[في (ب): (يعمل).]] (لا) في اللفظ، ويراد بها معنى النفي، فيكون صورتها صورة الزيادة، ومعنى النفي فيه مع ذلك صحيح، وذلك كقول النابغة:
أمسى ببلدة لا عمٍّ ولا خالِ [[البيت للنابغة الذبياني يرثي أخاه وصدره:
بعد ابن عاتكة الثاوي لدى أبوى ... ... ... ... ...
و (عاتكة): أمه، و (أبوى): اسم موضع، انظر: "ديوان النابغة" ص 151، "الحجة" لأبي علي 1/ 167، "الخزانة" 4/ 50، "معجم البلدان" 1/ 80.]]
وقال الشماخ [[اسمه معقل بن ضرار الغطفاني، وهو مخضرم أدرك الجاهلية والإسلام وله صحبة، شهد وقعة القادسية، وتوفي في زمن عثمان رضي الله عنهما. انظر ترجمته في: "الشعر والشعراء" ص 195، "طبقات فحول الشعراء" 1/ 132، "الخزانة" 3/ 196.]]: إذا ما أدلجت وصفت يداها ... لها إدلاج ليلة لا هجوع [[(الإدلاج): السير من الليل، (وصفت يداها): أي أجادت السير. وصف الناقة في سيرها وجدها في السير، (ليلة لا هجوع): لا نوم فيها. ورد البيت في "ديوان الشماخ" ص 226، "الحجة" لأبي علي 1/ 168، وفي مادة (وصف) في "الصحاح" 4/ 1439، "أساس البلاغة" 2/ 511، "اللسان" 8/ 4850، " التاج" 12/ 523، وفي "الخزانة" 4/ 50. وبهذا البيت انتهى ما نقله عن "الحجة" 1/ 168.]]
وقال صاحب "النظم" [[هو أبو علي الحسن بن يحيى الجرجاني، سبق الحديث عنه في مصادر الواحدي.]]: دخلت (لا) في قوله: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ لمعنى من المعاني، وهو أنها منعت من ميل الوهم إلى غير ما نظم عليه الكلام، وذلك أن قوله: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ معطوف على قوله: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ وفي (غير) تأويل جحد، فدخلت (لا) على الضالين، ليعلم أنها معطوفة على (غير)، ولو لم تدخل (لا) لاحتمل أن يكون قوله: (والضالين) منسوقا [[في (ب): (مسبوقا).]] على قوله: (صراط الذين أنعمت عليهم والضالين}، فلما احتمل ذلك أدخل فيه (لا) ليحسم هذا الوهم [[انظر: "البحر المحيط" 1/ 29.]]، وهو كما قال:
ما كان يرضى رسول الله فعلهم والطيبان أبو بكر ولا عمر [[البيت لجرير يهجو الأخطل، وسبق تخريجه قريبا، والرواية هناك (دينهم) بدل (فعلهم).]]
أدخل (لا) [[(لا) ساقط من (ب).]] في قوله: (ولا عمر)؛ لأنه لو لم يدخل لاحتمل أن يكون انقطاع القصة عند تمام قوله: (ما كان يرضى رسول الله فعلهم)، ثم ابتدأ كلاما آخر على معنى المبتدأ وخبره، فيكون معناه حينئذ: (و [[(الواو) مكررة في (جـ).]] الطيبان أبو بكر وعمر) أي: أنهما هما الطيبان دون غيرهما. فلما دخلت (لا) علم أن عمر داخل في المعنى الذي أضيف إلى [[في (ب): (ان).]] رسول الله من أنه لا يرضى فعلهم على تأويل، ولا يرضى -أيضا- فعلهم الطيبان أبو بكر وعمر [[قوله: (وعمر) ساقط من (ب).]].
وأما معنى (الغضب) من الله تعالى فهو إرادة العقوبة، وتسمى العقوبة غضبا على التوسع [[بل نثبت الغضب لله كما أثبته لنفسه، ولا نؤوله بإرادة العقوبة، ومنهج السلف إثبات الصفات لله التي وصف بها نفسه، أو وصفه بها رسوله ﷺ من غير تأويل ولا تكييف ولا تشبيه، ولا يلزم من ثبوتها مشابهة الخلق. انظر: "الرسالة التدمرية" ص 31 - 33، "تفسير الطبري" 1/ 189.]]. وإنما لم يقل (المغضوبين) كما قال: (ولا الضالين) لأن كل فعل تعدى إلى المفعول بحرف الجر فإن جمعه وتثنيته وتأنيثه في المكنى المتصل بحرف الجر [[فلم يجمع فيقال (المغضوبين) لأنه لا يتعدى إلا بحرف الجر، فتعدى إلى الضمير بحرف الجر، وظهر جمعه في الضمير في قوله (عليهم). انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 125، "مشكل إعراب القرآن" لمكي 1/ 13، "البيان في غريب القرآن" 1/ 41.]]، كقولك [[في (ب): (كقوله).]]: المأخوذ منه، والمأخوذ منهما، والمأخوذ منهم، والمأخوذ منهن. وكذلك تقول في: الممرور [[في (ب): (المروية) وفي (ج): (الممسدوريه).]] به، والمقعود [[في ب (المفعور).]] عليه، والمتوجه [[في (ص): (التوجه).]] إليه وما أشبهها [[في (ب): (وما أشبههما). ما أشبهها مما فعله لازم يتعدى لمفعوله بحرف الجر، فإن جمعه وتثنيته في الضمير بعده المتصل بحرف الجر.]].
والعلة فيه أن تمام الاسم عند ذكر المكنى، علامة التثنية والجمع والتأنيث تلحق [[في (ب): (بجلق).]] آخر الأسماء عند تمامها. وقال النحويون: هذا وأمثاله بمنزلة الفعل المقدم، نحو قولك: (ضرب أخواك، وضرب إخوتك) [[فتلحق علامة التثنية والجمع آخر الفاعل عند تقدم الفعل عليه.]]. و (عليهم) في الموضع رفع، لأنه بمنزلة اسم ما لم يسم فاعله [[انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 125، "المشكل" لمكي 1/ 13، "البيان" 1/ 41.]].
وقوله: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ أصل الضلال في اللغة الغيبوبة، يقال: ضل الماء في اللبن إذا غاب، وضل الكافر: غاب عن المحجة [[ذكره الأزهري عن أبي عمرو. "تهذيب اللغة" (ضل) 3/ 2130، وانظر: "اللسان" (ضلل) 5/ 4604، وفي "اللسان" ضل الكافر إذا غاب عن الحجة، وكذا في "التهذيب".]]. ومن هذا قوله تعالى: ﴿أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ﴾ [السجدة: 10] أي: غبنا فيها بالموت وصرنا ترابا وعظاما فضللنا في الأرض، ولم يتبين [[في (ب): (نبين).]] شيء من خلقنا، ويقال: أضللت الشيء إذا غيبته، [وأضللت الميت إذا غيبته] [[ما بين المعكوفين ساقط من (ب).]] في التراب ودفنته [[انظر: "تهذيب اللغة" (ضل) 3/ 2130، "تأويل مشكل القرآن" ص 457، "معجم مقاييس اللغة" (ضل) 3/ 356، "اللسان" (ضلل) 5/ 4602.]]. وقال المخبل [[المخبل: المجنون، وبه لقب الشاعر، واسمه ربيع بن ربيعة بن عوف، شاعر مخضرم، أدرك الإسلام، توفي في خلافة عمر أو عثمان رضي الله عنهما انظر ترجمته في "الشعر والشعراء" ص 269، "طبقات فحول الشعراء" ص 61، "الإصابة" 1/ 491، "الخزانة" 6/ 93.]]: أضلت بنو قيس بن سعد عميدها ... وفارسها في الدهر قيس بن عاصم [[ورد البيت في "تهذيب اللغة" (ضل) 11/ 465، "اللسان" (ضلل) 4604، وقيس بن عاصم: هو قيس بن عاصم بن سنان بن خال بن منقر، سيد قومه ورد على النبي ﷺ فقال: "هذا سيد أهل الوبر". انظر: "الخزانة" 8/ 102.]]
فالضال هو الغائب عن الحق الزائغ عن الرشد، ويقال: ضَل يضِل، وضَل يضل لغتان، وضلِلنا وضلَلنا [[انظر: "معجم مقاييس اللغة" (ضل) 3/ 356، "اللسان" (ضلل) 5/ 2601، "القاموس" ص 1024.]].
فأما التفسير فروى عدي بن حاتم [[عدي بن حاتم بن عبد الله الطائي، الأمير الشريف، وأبوه حاتم الطائي المشهور بالجود، وفد على النبي ﷺ في وسط سنة تسع فأكرمه، له أحاديث، في وفاته أقوال، أشهرها سنة سبع وستين. انظر ترجمته في: "تاريخ بغداد" 1/ 189، "جمهرة أنساب العرب" ص 402، "طبقات ابن سعد" 6/ 22، "الإصابة" 2/ 468، "سير أعلام النبلاء" 3/ 162.]] عن النبي ﷺ في تفسير ﴿الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ قال: اليهود، ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قال: النصارى [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 1/ 82 بسنده من طرق، قال أحمد شاكر في تعليقه على "تفسير الطبري": إسناده صحيح، الطبري 1/ 185، 186، وأخرجه ابن أبي حاتم بسنده في "تفسيره" 1/ 31، وقال: لا أعلم بين المفسرين في هذا الحرف اختلافا. "تفسير ابن أبي حاتم" 1/ 163، وأخرجه الثعلبي بسنده في "تفسيره" 1/ 32/ ب، وهو جزء من حديث طويل أخرجه الترمذي في "سننه" (2953) أبواب تفسير القرآن، تفسير سورة الفاتحة، قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. وأخرجه أحمد في "مسنده" 4/ 378.]].
وروي أن رسول الله ﷺ كان بوادي القرى [[واد بين المدينة والشام من أعمال المدينة كئير القرى، فتحها النبي ﷺ سنة سبع عنوة، ثم صولحوا على الجزية. انظر: "معجم البلدان" 5/ 345.]] على فرسه [[في (ب): (قرينه).]]، [فسأله رجل [[ما بين المعكوفين ساقط من (ب).]]] من بلقين [[كذا جاءت في "تفسير الثعلبي" 1/ 33/ أ، و"تفسير الطبري" (من بني القين) قال في "الصحاح": يقال لبني القين من بني أسد: (بلقين). "الصحاح" (قين) 6/ 2185.]] فقال: يا رسول [[في (ب): (لرسول الله ﷺ).]] الله، من هؤلاء الذين يقاتلونك؟ قال: "المغضوب عليهم" وأشار إلى اليهود، فقال: من هؤلاء الطائفة الأخرى؟ قال: "الضالون" وأشار إلى النصارى [[ذكره الثعلبي بسنده في "تفسيره" 1/ 33/ أ، وأخرجه الطبري في "تفسيره" 1/ 80 بروايات مختلفة بعضها مرسلة وبعضها متصلة بإسناد صحيح. وانظر: "تفسير الطبري" مع تحقيق محمود شاكر 1/ 186، 187.
وأخرجه أحمد في "مسنده" 5/ 77، وذكره ابن كثير موصولا في "تفسيره" 1/ 32، وانظر: "الدر" 1/ 42.]].
قال المفسرون: وتصديق هذا حكم الله عز وجل بالغضب على اليهود [[انظر: "تفسير الطبري" 1/ 79، 81، و"تفسير الثعلبي" 1/ 33/ أ، و"تفسير ابن عطية" 1/ 126، و"تفسير البغوي" 1/ 55، و"الكشاف" 1/ 71، و"تفسير القرطبي" 1/ 130، و"تفسير وابن كثير" 1/ 32.]] في قوله: ﴿مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: 60] وحكمه على النصارى بالضلال في قوله: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ﴾ [المائدة: 77] الآية، وهذا قول ابن عباس وابن مسعود ومجاهد وغيرهم [[انظر أقوالهم في "تفسير الطبري" 1/ 80، 83، و"تفسير ابن عطية" 1/ 126، و"تفسير ابن كثير" 1/ 32، "الدر" 1/ 42 - 43. قال ابن أبي حاتم بعد أن ذكر قول ابن عباس: لا أعلم بين المفسرين في هذا الحرف اختلافا. "تفسير ابن أبي حاتم" 1/ 31، وللرازي أقوال في تفسير المغضوب عليهم والضالين، تخالف ما ورد بالنص، وما عليه جمهور المفسرين، انظر: "تفسيره" 1/ 261.]].
وهذا التفسير يوافق في ظاهر اللفظ قراءة من قرأ (غير) بالنصب على معنى الاستثناء [[قراءة (غير) بالنصب مروية عن ابن كثير، انظر: "السبعة" لابن مجاهد ص 112، "الحجة" لأبي علي 1/ 142، قال في "البحر": وهي قراءة عمر وابن مسعود وعلي وعبد الله بن الزبير. "البحر" 1/ 29، واختلف في تخريجها، فيرى الزجاج والأخفش وبعض البصريين: أنه منصوب على الاستثناء، ونصره أبو علي الفارسي في "الحجة"، ومنعه الفراء، والأرجح: أنها حال من الضمير في (عليهم).
انظر: "تفسير الطبري" 1/ 78، "الحجة" 1/ 142، "معاني القرآن" للأخفش 1/ 166، والفراء 1/ 8، والزجاج 1/ 16، "البحر" 1/ 29.]]، [كأنه استثنى] [[ما بين المعكوفين ساقط من (ب).]] اليهود والنصارى من الذين أنعم عليهم، وكأن المسلمين [[في (أ)، (ج): (المسلمون).]] سألوا أن يهديهم طريق المنعم عليهم لا طريق اليهود والنصارى. وهذِه قراءة شاذة [[ممن قال بشذوذها الطبري حيث قال: (وقد يجوز نصب (غير) في ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ وإن كنت للقراءة بها كارها لشذوذها عن قراءة القراء ..) "تفسير الطبري" 1/ 78، وكذلك عدها عبد الفتاح القاضي من الشواذ، حيث ذكرها في كتابه "القراءات الشاذة" ص 19. وقراءة النصب مروية عن ابن كثير. انظر: "السبعة" لابن مجاهد ص 112، "الحجة" لأبي علي 142، وقال في "الكشاف": (وهي قراءة رسول الله ﷺ وعمر بن الخطاب، ورويت عن ابن كثير، "الكشاف" 1/ 71، وانظر: "البحر" 1/ 29. وأنكر بعضهم أن تكون منصوبة على الاستثناء، ورجحوا نصبها على الحال وعلى هذا حملها الطبري، انظر: "تفسيره" 1/ 78، وانظر: "الكشاف" 1/ 71، و"تفسير ابن كثير" 1/ 31.]].
وتصحيح هذا التفسير على القراءة المعروفة هو أن [[(أن) ساقط من (ب).]] المعنى: اهدنا صراط المنعم عليهم، الذين لم تغضب [[في (ب): (يغضب).]] عليهم ولم يضلوا [[انظر: "تفسير الطبري" 1/ 78، و"تفسير ابن كثير" 1/ 31.]]. فلما وصفوا بنفي الغضب عليهم والضلال كان في ضمن ذلك [[(ذلك) ساقط من (ب).]] إثباتهما لغيرهم، كما تقول في الكلام: أنا غير كاذب، يجوز أن تريد بنفي الكذب عنك إثباته لغيرك ممن تخاطبه، وفي هذا حجة للقائلين بالمفهوم وفحوى الخطاب [[في (ج): (فحو).
والخطاب عند الأصوليين منطوق ومفهوم، والمفهوم قسمان: مفهوم موافقة، وهو ما كان المسكوت عنه موافقا للمنطوق في الحكم ويسمى: فحوى الخطاب ولحن الخطاب، وهو حجة عند الأكثر.
ومفهوم مخالفة: وهو أن يكون المسكوت عنه مخالفا للمنطوق في الحكم ويسمى دليل الخطاب، وهو أقسام، وفيه خلاف.
انظر: "المختصر في أصول الفقه" لابن اللحام ص 132.]]. ثم من المغضوب عليهم؟ ومن الضالون؟ [[في (ب): (فقد).]] قد بينه النبي ﷺ وذكره المفسرون [[سبق بيان ذلك.]].
البقرة 2:1
قوله عزّ وجلّ ﴿الم﴾: إجماع النحويين أن [[من هذا الموضع نقل المؤلف هذا الكلام من كتاب "سر صناعة الإعراب" لأبي الفتح عثمان بن جني، فصل: في تصريف حروف المعجم واشتقاقها وجمعها. قال: اعلم أن هذِه الحروف مادامت حروف هجاء غير معطوفة ولا ... الخ 2/ 781 - 784.]] هذه الحروف ما دامت حروف هجاء غير معطوفة، ولا موقعة موقع الأسماء، أنها سواكن الأواخر في الإدراج والوقف، وذلك قولك [[في (ب): (قوله).]]: (ألف [[في (أ)، (ج): (أ) وما في (ب) موافق لـ "سر صناعة الإعراب" 2/ 781]]، با تا ثا) إلى آخرها، وذلك أنها أسماء الحروف الملفوظة بها في صيغ الكلم، بمنزلة أسماء الأعداد، نحو: ثلاثة، أربعة، خمسة. ولا تجد لها رافعاً، ولا ناصباً، ولا جاراً، وإذا [[في (ب): فإذا.]] جرت مجرى الحروف لم يجز تصريفها، ولا اشتقاقها [[في (ج): (اشقاقها).]]، ولا تثنيتها، ولا جمعها، كما أن الحروف كذلك. ويدلك [[في (ب): (وبذلك).]] على كونها بمنزلة (هل، وبل، وقد، وحتى، وسوف) أنك [[في (ب): (أنها).]] تجد فيها ما هو على حرفين الثاني منهما ألف نحو: (با، تا، طا) ولا تجد [[في (ب): (ولا يجوز).]] في الأسماء المعربة ما هو على حرفين الثاني منهما حرف لين، إنما ذلك في الحروف نحو: (ما، ولا، ويا [[(ويا) ساقط من (ب).]]، وأو، ولو، وكي، وأي) فلا تزال [[في (ب): (فلا يزال)، وفي (ج): (فلا تنال).]] هذِه الحروف هكذا مبنية غير معربة؛ لأنها أصوات بمنزلة: (صه) [[اسم فعل بمعنى: اسكت. انظر "المقتضب" 3/ 202، "سر صناعة الإعراب" 2/ 494، 600.]]، و (مه) [[اسم فعل بمعنى. اكفف. انظر المصدرين السابقين.]]، و (غاق) [[في (ب): (عاقه). و (غاق) حكايته لصوت الغراب. انظر "الكتاب" 3/ 302، "المقتضب" 3/ 180، "سر صناعة الإعراب" 2/ 494.]]، و (إيه) [[اسم فعل. تقول: إيه يا فتى: إذا أردت أن يزيدك من الحديث. انظر "المقتضب" 3/ 25، "سر صناعة الإعراب" 2/ 494.]]. حتى توقعها مواقع الأسماء فتعربها حينئذٍ كما تفعل بالأسماء، وذلك قولك [[في (ب): (قول).]]: أول الجيم (جيم) وآخر الصاد (دال) وأوسط الكاف (ألف) وكتبتُ جيمًا حسنةً [[انظر: "سر صناعة الإعراب" 2/ 782، وانظر: "المقتضب" 1/ 371.]].
وكذلك العطف [[عند أبي الفتح (العاطف) 2/ 782.]]، لأنه نظير التثنية، فتقول: ما هجاء بكر؟ فيقول المجيب: (باء، وكاف، وراء) فيعرب، لأنه قد عطف، فإن لم يعطف بني، فقال: (باء، كاف، را). ونظير هذِه الحروف في أنها موقوفة غير موصولة، أسماء العدد نحو ثلاثة وأربعة [["سر صناعة الإعراب" 2/ 782، وانظر "معاني القرآن" للأخفش1/ 168، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 21، (الأصول في النحو) لابن السراج 2/ 139.]].
وإذا أخبرت عن حروف الهجاء، أو أسماء الأعداد فقد أخرجتها بذلك عن حيز الأصوات، وأدخلتها في جملة الأسماء المتمكنة [[غير واضح في (ب). (المتمكن) هو الاسم الذي يتغير آخره بتغير العوامل، ولم يشبه الحرف، انظر "معجم المصطلحات النحوية" ص 213.]]، فاستحقت أن تعرب للإخبار عنها، فإنه لا معنى [للحرفية فيها إذا] [[ما بين المعقوفين غير واضح في (ب).]] زال إدارة الحكاية بها، فدخل بذلك في حد [المتمكنات، وخرج] [[ما بين المعقوفين غير واضح في (ب).]] من باب الأصوات.
وكذلك العدد إذا أردت به معدودًا، ولم ترد به العدد وحده دون المعدود أعربت كقولك [[في (ب): (كقوله).]]: ثمانية ضعف أربعة، وسبعة أكثر من أربعة بثلاثة، فأعربت هذه الأسماء ولم تصرفها لاجتماع التأنيث والتعريف فيها، ألا ترى أن [[في (ج): (أنك).]] (ثلاثة) عدد معروف القدر، وأنه أكثر من اثنين بواحد، وكذلك سائر الأعداد [["سر صناعة الإعراب" 2/ 783، وانظر: "الكتاب" 3/ 264 - 266، "الأصول في النحو" 2/ 139.]].
وأنشدوا قول أبي النجم [[هو الفضل بن قدامة بن عجل، كان ينزل الكوفة، أحد رجاز الإسلام المتقدمين من الطبقة التاسعة. انظر "الشعر والشعراء" ص400، "طبقات فحول الشعراء" 2/ 737، "الخزانة" 1/ 103.]]:
أقبلت من عند زياد كالخرف ... تخطّ رجلاي بخط مختلف
تكتبان في الطريق لامَ الف [[معنى الأبيات: كان لأبي النجم صديق يسقيه الخمر، فينصرف من عنده ثملًا. لا يملك نفسه، مثل الخرف وهو الذي فسد عقله من الكبر، وكان يتمايل فتخط رجلاه في الطريق ما يشبه: لام ألف، أو أنه تارة يمشي معوجاً فتخط رجلاه ما يشبه: اللام، وتارة يمشي مستقيماً فتخط رجلاه خطأ مستقيما يشبه: الألف. والأبيات في "ديوان أبي النجم" ص 141، وهي عند أبي عبيدة في "المجاز" 1/ 28 والمبرد في "المقتضب" 1/ 237، 3/ 357، والزجاج في "معاني القرآن" 1/ 22، و"المخصص" 14/ 95،17/ 53، و"سر صناعة الإعراب" 2/ 651، و"الخزانة" 1/ 99 - 102، والبيت الثالث عند سيبويه 3/ 266.]]
كأنه قال [[(قال) ساقط من (ج).]]: (لام ألف) إلا أنه ألقى حركة (الهمزة) على (الميم) للوزن ولم يعرب [[في (ب) (يعرف). أي أنها ساكنة، لم يجر عليها الإعراب، وعلى هذا استشهد بها سيبويه، ومكان إيراد هذِه الأبيات بعد ذكر وجه البناء، كما هو عند سيبويه والزجاج وغيرهما. ولابن جني توجيه آخر للأبيات غير ما ذكر، رده البغدادي في (الخزانة). انظر "سر صناعة الإعراب" 2/ 652، (الخزانة) 1/ 99.]].
قال أبو إسحاق [[هو الزجاج. انظر "معاني القرآن" 1/ 22، نقل عنه بتصرف.]]: وهذه الحروف ليست كالحروف [[في "معاني القرآن": (.. ليست تجري مجرى الأسماء المتمكنة، والأفعال المضارعة ..) 1/ 22، فقوله هنا (ليست كالحروف المتمكنة) لعله تصحيف.]] المتمكنة، والأفعال المضارعة التي يجب لها الإعراب، وإنما هي تقطيع الاسم المؤلف الذي لا يجب الإعراب إلا مع كماله [[في (ب): (كمالها) وفي (ج): (طاسما).]]، فقولك: (جعفر) لا يعرب منه حرف دون تكميل الاسم.
فأما قول الشاعر:
كافاً وميمَين وسينًا طاسما [[(ب): (كاسما). الرجز استشهد به سيبويه 3/ 260، وابن الأنباري في "المذكر والمؤنث" ص 450، والزجاج في "معاني القرآن" 1/ 23، والأزهري في "التهذيب" 1/ 91، وابن سيده في "المخصص" 17/ 49، "اللسان" 1/ 16. والشاهد عندهم أنه ذكر (طاسما) وهي صفة (للسين) فذكره، ولو أنثه لجاز ذلك. واستشهد به ابن جني في "سر صناعة الإعراب" على أنه أعرب الحروف وأجراها مجرى الأسماء، كما عند المؤلف هنا 2/ 782. ولم ينسب البيت أحد. ومعنى البيت. أنه يشبه آثار الديار بحروف الكتاب. والطاسم: الدارس. وقد روى (طامسا) انظر: "الكتاب" 3/ 260 (مع هامش عبد السلام هارون).]]
فإنما أعرب لأنه أجرى الحروف مجرى الأسماء. وقال يزيد بن الحكم [[هو يزيد بن الحكم بن أبي العاص الثقفي البصري، من فصحاء الشعراء، وقد على سليمان بن عبد الملك فوصله وأكرمه. وكان قد عُيِّن لإمرة فارس. انظر ترجمته في "الجرح والتعديل" 4/ 2/ 257، "سير أعلام النبلاء" 4/ 519، "الخزانة" 1/ 113.]]:
إذا اجتمعوا على ألف وياء [[في (ب): (وباء).]] ... وواو هاج بينهم جدال [[أورده المبرد في "المقتضب" 1/ 236، قال: قال رجل من الأعراب يذم النحويين إذ سمع خصومتهم فيه:
إذا اجتمعوا على ألف وباء ... وتاء هاج بينهم قتال
وأورده في 4/ 43، وقافيته (جدال) وأورده الزجاج في "المعاني" 1/ 23، ونصه:
إذا اجتمعوا على ألف وواو ... وياء لاح بينهمُ جدال
ونسبه لزيد بن الحكم، وأورده ابن سيده في "المخصص" 14/ 95، وابن جني في == "سر صناعة الإعراب" 2/ 782، والبغدادي في "الخزانة" 1/ 110، 113.والبيت آخر ما نقله عن الزجاج بتصرف. انظر: "معاني القرآن" 1/ 22، 23.]] فأعرب لأنه أدخل حرف العطف، وجعلها في حكم الأسماء.
ويجوز [[في (ب): (وبجو).]] تأنيث هذه الحروف وتذكيرها، فمن أنث فلمعنى [الكلمة. ومن ذكر فلمعنى] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]] الحرف [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 22، "المذكر والمؤنث" لابن الأنباري ص 449، 450، "المخصص" 17/ 49.]]. ولا محل لها من الإعراب لأنها حكايات وضعت على هذه الحروف، ولم تجر مجرى الأسماء المتمكنة، ولا الأفعال المضارعة، وإنما هي كقولهم: (غاق يا فتى) إذا حكوا صوت الغراب، فهذه الحروف وإن كانت إشارات إلى معان فلا موضع لها من الإعراب [[انظر: "الكتاب" 3/ 266، "المقتضب" 1/ 236 - 238، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 22، "سر صناعة الإعراب" 2/ 781، 782. قال السمين الحلبي: في إعراب الحروف المتقطعة في أوائل السور ثلاثة أقوال: إحداها: أنها أسماء حروف التهجي لا محل لها من الإعراب، وهو أصحها، والثاني: أنها معربة بمعنى أنها صالحة للإعراب، وإنما فات شرط وهو التركيب، وإليه مال الزمخشري، والثالث: أنها موقوفة لا معربة ولا مبنية. "الدر المصون" 1/ 79.]].
ومن قال: إنها أسماء للسور [[في (ب): (اسما للسورة)، و (جـ): (لسور).]] والقرآن، قال: محلها رفع [[انظر: "تفسير الطبري" 1/ 90، و"ابن عطية" 1/ 96، "البحر المحيط" 1/ 141، "البيان في غريب القرآن" 1/ 43، و"القرطبي" 1/ 157، "الدر المصون" 1/ 81 قال الزمخشري: ومن لم يجعلها أسماء للسور لم يتصور أن تكون لها محل في مذهبه، كما لا محل للجمل المبتدأة وللمفردات المعددة. "الكشاف" 1/ 107، 108، ونحوه قال الرازي 2/ 12.]]، كأنه قيل: هذه ألم، كما تقول: هذا زيد، أو يكون رفعًا على الابتداء، وخبره ﴿ذَلِكَ اَلكِتَابُ﴾ كما تقول [[في (أ): (يقول) وأثبت ما في (ب، جـ) لأنه أنسب للسياق.]]: زيد ذلك الرجل، ويحتمل أن يكون رفعًا على أنه خبر مقدم، كأنه قال: ذلك الكتاب الذي وعدتك [[في (ب): (وعد بك).]] أن أنزله إليك [[في (ج): (عليك).]] ﴿الم﴾ [[ذكر الواحدي بعض الأوجه في إعراب الحروف المقطعة في أوائل السور وهناك أوجه أخرى، فقيل: إنها في محل نصب بتقدير: أقرأ (ألم)، وقيل: في موضع خفض بالقسم، لقول ابن عباس: إنها قسم أقسم الله بها. انظر ابن عطية 1/ 141، "البحر المحيط" 1/ 35، "البيان في غريب القرآن" 1/ 43، والقرطبي 1/ 136، "الدر المصون" 1/ 81.]].
فأما التفسير: فقد كثر اختلاف الناس في هذه الحروف المقطعة وأشباهها في القرآن. فذهب قوم إلى أن الله لم يجعل لأحد سبيلا إلى إدراك معانيها، وأنها مما استأثر الله بعلمها، فنحن نؤمن بظاهرها ونكل [[في (ب): (وبكل).]] علمها إلى الله تعالى [[ذكره الثعلبي في "الكشف" 1/ 37/ أ. انظر الطبري 1/ 88، "تفسير أبي الليث" 1/ 87، وذكره ابن عطية ونسبه للشعبي وسفيان الثوري وجماعة من المحدثين 1/ 138، وذكره في "البحر المحيط"، ومال إليه. 1/ 35، والقرطبي 1/ 154، وقال: روي عن أبي بكر وعلي، وابن كثير1/ 38.]].
وعن الشعبي [[هو عامر بن شراحيل بن عبد، تابعي شهر بالرواية والحفظ، ولد ونشأ بالكوفة. والشعبي نسبة إلى (شعب) بطن من همدان، مات سنة خمس ومائة، وقيل: غير ذلك، انظر: "تاريخ بغداد" 12/ 227، "حلية الأولياء" 4/ 310.]] أنه قال: لله في كل كتاب سر، وسره في القرآن حروف التهجي [[قال الواحدي في "الوسيط" 1/ 25، قال داود بن أبي هند: كنت أسأل الشعبي عن فواتح السور، فقال: يا داود: إن لكل كتاب سرا وإن سر القرآن فواتح السور، فدعها وسل عما سوى ذلك. وبهذا اللفظ ذكره السيوطي في (الدر) وعزاه لابن المنذر، وأبي الشيخ، ابن حبان في "التفسير". "الدر" 1/ 56، وذكره الطبري ولم يعزه لأحد 1/ 88، وذكره أبو الليث عن الشعبي1/ 87، والزجاج في "المعاني" 1/ 19، وانظر: القرطبي 1/ 133، 134. وقد روي عن الشعبي أنه فسرها: بأنها من أسماء الله. كما في الطبري 1/ 87، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 33، وذكره الأزهري في "التهذيب" 1/ 90.]].
ومثل هذا روي عن أبي بكر الصديق وعلي [[انظر أقوالهم في "تفسير الثعلبي" 1/ 40/ أ، و"القرطبي" 1/ 134، و"ابن كثير" 1/ 38. روي عن علي: أنها اسم الله الأعظم. انظر: "تفسير أبي الليث" 1/ 87، و"ابن عطية" 1/ 138، و"ابن كثير" 1/ 39.]] رضي الله عنهما.
والأكثرون من أهل التفسير تكلموا في معاني هذه الحروف واستنبطوا لها وجوها من التأويل [[انظر: الطبري 1/ 86 - 93، و"ابن عطية" 1/ 140، و"البحر المحيط" 1/ 35، و"القرطبي" 1/ 155.]]، وقالوا: لا يجوز أن يلغى شيء من كتاب الله تعالى، لأنه قال: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: 195].
فيروى عن ابن عباس في ﴿الم﴾ ثلاثة أوجه [[انظر. "معاني القرآن" للزجاج 1/ 19، 20، "تهذيب اللغة" 1/ 88.]]:
أحدها: أن الله تعالى أقسم بهذه الحروف، أن هذا الكتاب الذي أنزل على محمد الكتاب الذي عند الله، لا شك فيه [[بهذا اللفظ ذكره الزجاج في "معاني القرآن" 1/ 19، والأزهري في "تهذيب اللغة" 1/ 88، وأبو الليث ونسبه للكلبي1/ 87. وأخرج ابن جرير بسنده عن ابن عباس قال: هو قسم أقسم الله به، وهو من أسماء الله، وذكره السيوطي في "الدر" == وعزاه لابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في "الأسماء والصفات". "الدر" 1/ 54، وانظر "تفسير ابن عطية" 1/ 138، وابن كثير 1/ 39، وروي عن عكرمة أنها قسم. انظر: الطبري 1/ 207وابن أبي حاتم 1/ 170.]].
وهذا الوجه من تفسير ابن عباس اختيار [[في (ب): (اختاره).]] الأخفش، لأنه قال: أقسم الله تعالى بهذه الحروف لشرفها [[في (ب): (وشرفها).]] وفضلها [[في (ب): (وفضّلها).]]، لأنها [[في (ب): (أنها).]] مباني كتبه المنزلة بالألسنة [[في (ب): (بالألسن).]] المختلفة، ومباني أسمائه الحسنى وصفاته العلى، وأصول كلام الأمم، بها يتعارفون ويذكرون الله عزّ وجلّ ويوحدونه، فكأنه [[في (ب): (وكأنه).]] أقسم بهذه الحروف أن القرآن كتابه وكلامه لا ريب فيه [[كلام الأخفش ذكره الثعلبي 1/ 40 ب، ولم أجده في "معاني القرآن" للأخفش.]].
الوجه الثاني: أن هذه الحروف وإن كانت متفرقة في النزول، فإذا ألّفت ضربًا من التأليف كانت [[في (ب). (كان).]] اسمًا لله، وإن كنا لا نقف على تأويلها، فـ (ألف، لام، را)، و (حم)، و (ن) [[في (ب): (كألف لام حاميم نون).]] اسمه: الرحمن [[في "معاني القرآن" للزجاج (الر)، و (حم)، و (نون) اسم للرحمن، مقطع في اللفظ موصول في المعنى 1/ 20، ونحوه في "تهذيب اللغة" 1/ 88، وقد أخرج ابن جرير بسنده عن ابن عباس في قوله: (ألم) و (حم) و (ن) قال اسم مقطع. وفي سنده (الباهلي) قال شاكر: لم أقف له على ترجمة. انظر الطبري مع تحقيق شاكر 1/ 207، وأخرجه ابن أبي حاتم، وفي سنده الباهلي قال محققه: لم أقف له على == ترجمة. "تفسير ابن أبي حاتم" مع الهامش 1/ 168 رسالة دكتوراه. وذكره السيوطي في "الدر" وعزاه إلى ابن جرير، وابن أبي حاتم وابن مردويه. "الدر" 1/ 54 انظر ابن عطية 1/ 138.]]. إلا أنا لا نقف على كيفية نظمها.
قال سعيد بن جبير [[هو سعيد بن جبير بن هشام الأسدي بالولاء، كان من سادات التابعين علمًا وفضلًا وورعًا وفقهًا، قتله الحجاج سنة خمس وتسعين. انظر ترجمته في: "تذكرة الحفاظ" 1/ 76، "طبقات المفسرين" للداودي 1/ 188.]]: لو أحسن الناس تأليفها لعلموا [[في (ب): (تعلموا).]] اسم الله الأعظم [[ذكره الثعلبي بدون سند. 1/ 40 أ، وأبو حيان في "البحر المحيط" 1/ 34.]].
الوجه الثالث عنه [[أي عن ابن عباس.]]: ﴿الم﴾: أنا الله أعلم، و ﴿الر﴾ [[في (ب): (الرا).]]: أنا الله أرى، و ﴿المص﴾ [الأعراف: 1]: أنا الله أعلم وأفصل [[في (ب): (وأفضل).]]، و ﴿المر﴾ [الرعد: 1]: أنا الله أعلم وأرى [[ذكره الزجاج بنصه حيث قال: والثالث عنه: ثم ذكره 1/ 20، وفي تهذيب القول الثالث: (الم) معناه: أنا الله أعلم وأرى 15/ 677، وأخرج ابن جرير بسنده عن ابن عباس: (الم) قال: أنا الله أعلم. الطبري 1/ 88، وأخرجه ابن أبي حاتم بنحو رواية ابن جرير. قال المحقق: في سنده عطاء وشريك، اختلطا وساء حفظهما. (تفسير ابن أبي حاتم) 1/ 32، وأخرجه أبو جعفر النحاس في "القطع والائتناف" قال: (الم) أنا الله أعلم. و (المر) قال أنا الله أرى، و (المص) قال أنا الله أفصل. ص 111، وذكره السيوطي في "الدر" بمثل رواية ابن جرير وعزاه إلى وكيع وعبد ابن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والنحاس 1/ 54.]]. وهذا الوجه اختيار الزجاج.
قال: المختار: ما روي عن ابن عباس وهو أن معنى: (الم) أنا الله أعلم، وأن كل حرف منها له تفسير [[في (المعاني): (تفسيره) 1/ 24.]]. قال: والدليل على ذلك أن العرب تنطق بالحرف الواحد تدل به على الكلمة التي هو [[(هو) ساقط من (ب).]] فيها، وأنشد:
قلت لها قفي فقالت قاف [[البيت بتمامه في (المعاني):
قلنا لها قفي قالت: قاف ... لا تحسبي أنا نسينا الإيجاف
"معاني القرآن" 1/ 24 ومثله عند الطبري 1/ 90، وكذا في "الخصائص" 1/ 30، 80، 426، 2/ 361، وهو في (تأويل مشكل القرآن) وفيه (... قالت لي: قاف ...) ص 308، وورد في "معاني القرآن" للفراء3/ 75، "اللسان" (وقف) 8/ 4898، "البحر المحيط" 1/ 35. والرجز للوليد بن عقبة خرج يريد عثمان بن عفان - رضي الله عنه - لما طلبه حين شهد عليه عنده أنه يشرب الخمر، فخرج الوليد مع بعض رفقته ونزل يسوق الإبل بهم ويرتجز بأبيات منها المذكورة هنا.]] ... ................
فنطق [[في (ج). (تنطق).]] - بقاف- فقط، يريد قالت: أقف [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 24.]]. وقال الفراء: معنى هذه الحروف [المقطعة في أوائل السور: أن هذه الحروف] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]] ذلك الكتاب الذي وعدتك أن أنزله عليك، لأن قوله: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى﴾ [الأعلى: 6] وعد من الله تعالى أن ينزل عليه كتابا، فلما أنزل عليه القرآن قال: ﴿الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ الذي وعدتك أن أقرئكه فلا تنسى، فاكتفى من حروف (أ، ب، ت، ث) بـ ﴿الم﴾، و ﴿المص﴾، وأشباه ذلك؛ لأن هذه الحروف لما كانت موضوعة للكتاب معروفة، كان الحرفان [[في (ج): (الجرفان) بالجيم.]] والثلاثة منها يدل على الجمع، والعرب تعبر ببعض الشيء عن كله. كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اُرْكَعُواْ لَا يَرْكَعُونَ﴾ [المرسلات: 48] أي: صلوا لا يصلون، وقال: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَت يَدَاكَ﴾ [الحج: 10] وقال الشاعر:
لما رأيت أنها في حُطِّي ... أخذتُ منها بقرونٍ شُمْطِ [[الأبيات لبعض بني أسد، وسماه بعضهم بأبي القماقم الأسدي، يتحدث عن امرأة لا يرضى خلقها، حاول إصلاحها فلم تنقد له، كأنها تستمر في أول تعلمها كالصبي الذي لا يعدو في تعلمه حروف الهجاء. و (القرون الشمط). خصل الشعر المختلط فيه السواد والبياض. والأبيات عند الفراء:
لما رأيت أمرها في حُطِّي ... وفَنَكَتْ في كذب ولَطِّ
أخذتُ منها بقرون شمط ... ولم يزل ضربي لها ومَعْطِي
حتى علا الرأس دم يغُطِّي
"معاني القرآن" للفراء 1/ 369، وذكر منها في "تأويل مشكل القرآن" البيتين اللذين ذكرهما الواحدي ص 30، وكذا الثعلبي 1/ 41، وذكر الطبري الأبيات مثل ما عند الفراء مع اختلاف يسير 1/ 89، ووردت في "كنز الحفاظ في كتاب تهذيب الألفاظ" ص 447، "أمالي القالي" 2/ 200، "تفسير السجاوندي" ص 24.]]
فعبر بفظة (حطى) عن جميع حروف (أبجد) [[الكلام الذي نسبه للفراء لم أجده بهذا النص في "معاني القرآن"، وللفراء كلام بمعناه 1/ 368، 2/ 3، وذكر الثعلبي قريبا مما ذكر الواحدي هنا، قال بعده: هذا قول المبرد وجماعة من أهل (المعاني). الثعلبي 1/ 40/ ب، 41/ أوذكر الواحدي في "البسيط" نحو الكلام الذي نسبه للفراء، وعزاه لابن الأنباري. انظر "الوسيط" 1/ 26.]].
وهذا القول اختيار الحسن [[في (ب): (الحسين).]] بن محمد بن نصر الجرجاني [[هو الحسن بن محمد أو ابن يحيى بن نصر الجرجاني، أبو علي، صاحب "نظم القرآن" نقل عنه الواحدي كثيرا، انظر ما تقدم في مصادر الواحدي في تفسيره.]]، فإنه قال: ﴿الم﴾ مبتدأ مرصد لخبر [[في (ب): (بخير).]]، أو لأن يبنى عليه خبر، أي: أن هذه الحروف التي منها (الم) الكتاب الذي [[في (ب): (التي).]] وعدتك إنزاله عليك، فتكون هذه الحروف الثلاثة اسما لجميع الحروف المعجمة، كما يستدل ببعض الشيء على كله، يقول الرجل: قرأت (نون) و (صاد) و (حم) [[في (ب): (ص) و (حم) و (نون).]] وهو لا يريد [[في (ب): (لا يريد به).]] هذه الحروف بعينها، وإنما يريد كلّ ما اتصل به مما [[(مما) ساقط من (ب).]] بعده.
ومنه قول النبي ﷺ "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله" [[الحديث بلفظ: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ... الحديث). عن أبي هريرة: قال السيوطي: متواتر: "فيض القدير" 2/ 238، وكذا قال الألباني. انظر "الأحاديث الصحيحة" 1/ 691 (407). والحديث أخرجه البخاري (1399) كتاب الزكاة، باب: وجوب الزكاة، "الفتح" 3/ 262، و"كتاب استتابة المرتدين" باب (قتل من أبى قبول الفرائض) 12/ 275، وكتاب "الاعتصام بالكتاب والسنة" باب "الإقتداء بسنن رسول الله ﷺ" 13/ 250، ومسلم 20، 21 كتاب الإيمان، باب: الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، وأبو داود (1556) كتاب الزكاة، والترمذي (2607) كتاب الإيمان، باب: أمرت أن أقاتل الناس .. ، والنسائي 5/ 14 كتاب الزكاة، باب: مانع الزكاة. وأحمد في "المسند" 1/ 19، 35، 48، 2/ 423، 528. والأحاديث بنحو لفظه كثيرة عن ابن عمر وأنس وغيرهم.]] وقد كان ﷺ يقاتل اليهود والنصارى، وهم يقولون: لا إله إلا الله، [وهو أراد (لا إله إلا الله)] [[مابين المعقوفين ساقط من (ب).]] وما اتصل بها من أسبابها، فجعل (لا إله إلا الله) اسماً لجميع الإيمان.
وعلى هذا قوله: ﴿وذلك﴾ مبتدأ ثان و ﴿الكتاب﴾ [[في (ج): (بالكتاب).]] خبره، وهما جميعا خبر للمبتدأ الأول [[انظر "تفسير الثعلبي" 1/ 42/ ب، "مشكل إعراب القرآن" 1/ 16، وابن عطية 1/ 143، "البحر" 1/ 36.]]، لأنهما صارا قصة وشأنا، مثل قولك: (زيد أبوه قائم) و (عمرو وجهه حسن).
وزعم قطرب [[هو محمد بن المستنير المعروف بـ (قطرب) أحد العلماء المشهورين بالنحو واللغة، أخذ عن سيبويه، مات سنة ست ومائتين. انظر ترجمته في: "طبقات النحويين واللغويين" ص 99، "تاريخ بغداد" 3/ 298، "معجم الأدباء" 19/ 52، "إنباه الرواة" 3/ 219، "المزهر" 2/ 405.]]: أن هذه الحروف المقطعة ذكرت في القرآن لتدل على أن هذا القرآن المؤلف من هذه الحروف المقطعة التي هي مقدورة للمشركين في تخاطبهم، فلولا أنه من عند الله نزل وأنه معجز في نفسه، وإلا وهلا جئتم بمثله لأنكم [[في (ب): (وأنتم).]] متمكنون من المخاطبة بهذه الحروف. [[ذكر المؤلف قول قطرب بمعناه، وتصرفه في اللفظ أخل به، انظر نص قوله في "معاني القرآن" للزجاج 1/ 19، "تهذيب اللغة" 1/ 89، "اللسان" 1/ 15.]]
وحكي عنه- أيضا- قول آخر، وهو أنه قال [[(قال) ساقط من (ب).]]: يجوز أن يكون لما لغا القوم في القرآن فلم يتفهموه [[في (ب): (يتفهموا).]] حين قالوا: ﴿لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ [[في (ب): (القول) تصحيف في الآية.]] وَالْغَوْا فِيهِ﴾ [فصلت: 26] أنزل الله سبحانه هذه الحروف المقطعة، ولم تجر لهم عادة بسماع مثلها حتى إذا سكتوا واستمعوا إلى ذلك، هجم القرآن أسماعهم وقرع [[في (ب): (وقرعت).]] المعاني آذانهم، فيكون في إنزال هذه الحروف [[هذا آخر وجه (أ) من لوحة (39) في نسخة (ب) وفي أسفل الصفحة في الهامش كتب بخط مختلف: (هذا آخر الاختلاف وليس في هذِه النسخة غيره).]] المقطعة نوع من المبالغة في الدعوة وتأكيد [[في (ب) (وتأكيداً).]] للحجة عليهم [[انظر نص كلام قطرب في: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 24، "تهذيب اللغة" 1/ 89، "اللسان" 1/ 11، "تفسير أبي الليث" 1/ 87، وذكره الطبري ولم يعزه 1/ 89، وذكره الرازي ونسبه لابن روق وقطرب 2/ 6، ومال إليه 2/ 11.]].
ويروى عن الحسن أنه قال: ﴿الم﴾ وسائر حروف التهجي في القرآن أسماء للسور [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 26، وأبو حيان في "البحر" 1/ 34، وأورد الطبري هذا القول ونسبه لزيد بن أسلم 1/ 206، وكذا الثعلبي 1/ 40/ أ، وابن عطية 1/ 138، وابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 21، وأبو حيان في (البحر) 1/ 34، والسيوطي في "الدر" 1/ 55.]].
فعلى هذا إذا قال القائل [[نقل عن الطبري بتصرف. انظر الطبري 1/ 90.]]: قرأت (المص) عرف السامع أنه قرأ السورة المخصوصة التي افتتحت بـ (المص) كما أنه إذا قال: لقيت عمرا، علم السامع أنه يريد شخصاً معلومًا عنده.
ويجوز أن يكون ﴿الم﴾ اسما للسورة المفتتحة بها، ثم لا تعرف تلك السورة بعينها ما لم يقرن بـ ﴿الم﴾ لفظ آخر، فيقال: سورة ﴿الم ذَلِكَ﴾، وسورة (الم الله) [[عند الطبري (.. قرأت (الم البقرة). وفي آل عمران: قرأت (الم آل عمران) و (الم ذلك الكتاب) و (الم الله لا إله إلا هو الحي القيوم) الطبري 1/ 90.]]، لأنه وقع الاشتراك، ولا يمنع احتياجهم [[في (ب). (احتاجهم).]] إلى ذكر القرينة أن يكون ذلك اسما له في الأصل. ألا ترى أنه إذا قال: رأيت زيدا، والسامع عرف [[(عرف) ساقط من (ب).]] رجلين اسمهما زيد، فيقول: أيما [[في (ب): (أبا).]] زيد؟ فيقول: الأزدي أو [[في (ب): (و).]] التميمي [[انظر الطبري 1/ 90، وانظر "تأويل المشكل" لابن قتيبة ص 300.]]. فلا يمنع هذا أن يكون (زيد) اسما [[في (ب): (زيدا في الأصل).]] في الأصل لذلك الشخص، وإن [[في (ب): (فإن).]] لم يحصل به التمييز حتى ذكر معه النسبة [[في (ب). (التشبه).]] عند وقوع الاشتراك، ويجوز تسمية الشيء ببعضه، أو بما هو من جملة معناه، كالقصائد التي تسمى بما افتتحت به كقولهم: (لخولة أطلال)، و (قفا نبك)، و (أما صحا) [[قوله: (لخولة أطلال) مطلع معلقة طرفة بن العبد. انظر "شرح القصائد المشهورات" للنحاس ص 53. و (قفا نبك) مطلع معلقة امرئ القيس. انظر "شرح القصائد" ص 3. وقوله "أما صحا" لم أعثر عليها فيما قرأت.]].
وقول الحسن [[وهو أن الحروف المقطعة أسماء للسور، وهذا القول نسبه أكثر المفسرين لعبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه. انظر ما سبق ص 389.]] هذا مختار عند النحويين، من قبل أن الأسماء الأعلام منقولة عن معانيها للتفرقة بين المسميات [[انظر "شرح المفصل" 1/ 29.]]، ونقلت هاهنا حروف المعجم إلى التسمية. وقد جاء نظير ذلك [[في (ب): (ذاك).]] في أسماء العرب، قالوا: (أوس بن حارثة بن لأم الطائي) [[ذكره ابن دريد قال: أوس بن حارثة بن لأم، رأس طييء، عاش مائتي سنة. وفسر (لأم) فقال: (اللأم) السهم المريش إذا استوت قذذه. (الاشتقاق) ص 382، 383. وانظر مادة (لأم) في "اللسان" 7/ 3976، "القاموس" ص1156. وقد أورد الواحدى الاسم على أن المراد (لام) الحرف، نقل فأصبح علمًا على اسم معين، وعلى ما ذكر ابن دريد لا شاهد فيه للواحدي.]].
ولا خلاف بينهم أن لك أن تسمي بحروف المعجم كما أن لك أن تسمي بالجمل [[تحكى الجملة على حالها فتصبح علمًا للمسمى انظر "الكتاب" 3/ 326 "المقتضب" 4/ 9، "شرح المفصل" 1/ 28.]] كقولهم [[في (ب): (كقولك).]]: (تأبط شرًّا [[في (ب): (سابط).
قيل: سمي بذلك لأنه تأبط حية. انظر (شرح المفصل) 1/ 28.]])، و (ذرّى حبًّا [[دي (ب): (وروا حبا). وذرى حبا: اسم رجل. انظر: "الكتاب" 3/ 326، "المقتضب" 4/ 9، "شرح المفصل" 1/ 28، و"اللسان" (حبب) 1/ 296.]])، قال الشاعر:
إن لها لَرَكَبًا [[في (ب). (الركبا).]] إرزَبَّا [[في (ج). (اردبا).]] ... كأنه جبهةُ ذرّى حَبَّا [[نسبه سيبويه لرجل من بني طهية. يروى (مركبا) و (مركنا) وهو منبت المعانة == و (الإرزب) الضخم شبهه بجبهة ذلك الرجل المسمى (ذرى حبا). ورد البيت في "الكتاب" 3/ 326، "المقتضب" 4/ 9، "معجم مقاييس اللغة" 2/ 391، "اللسان" (حبب) 2/ 746، و (رزب) 3/ 1634، و"شرح المفصل" 1/ 28.]] فكل [[في (ب): (كل).]] كلمة لم تكن على معنى الأصل فهي منقولة إلى التسمية للفرق، فمن ذلك (زيد [[(زيد) ساقط من (ب).]]) لما لم يرد به معنى الزيادة، لم يكن إلا منقولا [[انظر: "شرح المفصل" 1/ 30.]]. وكذلك جميع الأسماء الأعلام ولو سميت رجلا: (ب ت ث)، [لقلت (هذا ب ت ث)] [[مابين المعقوفتين ساقط من (ب).]]، ورأيت: (ب ت ث) فحكيت هذا القول كان جائزا.
وقال أبو العالية: ليس منها حرف إلا وهو مفتاح اسم من أسماء الله عز وجل، وليس منها حرف إلا وهو في آلائه وبلائه، وليس منها حرف إلا وهو في مدة قوم وآجال آخرين [[بهذا النصر ذكره الثعلبي في "تفسيره" بدون نسبه 1/ 40 أ، وأخرجه ابن أبي حاتم في "تفسيره" بسنده عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية: في قوله (الم) قال: (هذِه الأحرف الثلاثة من التسعة والعشرين حرفا، دارت فيها الألسن كلها. ليس منها حرف ...) الخ الأثر كما عند المؤلف هنا. قال المحقق: رجال هذا الإسناد يحتج بروايتهم، لكن أبا العالية يرسل كثيراً، ورواية أبي جعفر الرازي عن أنس مضطربة والمتن في بعض ألفاظه نكارة. "تفسير ابن أبي حاتم" 1/ 168 (رسالة دكتوراه). وأخرجه ابن جرير بسنده عن الربيع بن أنس، بنفس اللفظ1/ 88، وذكره ابن كثير في " تفسيره" عن أبي العالية، وتكلم فيه من جهة معناه. ابن كثير 1/ 41، وذكره == السيوطي في "الدر" وعزاه لابن جرير وابن أبي حاتم. "الدر" 1/ 56، وذكره أبو حيان في "البحر المحيط" 1/ 34.]].
فالاختلاف في هذه الحروف كما ترى، وقد ذكرت عيون أقاويل أهل [[في (ب): (هذا).]] التأويل. وليس يبعد أن يقال: إن جميع ما ذكر من هذه التأويلات كلها مرادة بهذه الحروف مودعة فيها، ولا تنافي في هذه الأقوال، لأنه ليس كون هذه الحروف مفاتح أسماء الله تعالى بمانع أن تكون [[في (ب): (يكون).]] مما [[في (ب). (ما).]] أقسم الله بها، ولا أن يشير بها إلى مدة قوم وآجال أناس عرف الله نبيه عليه السلام ذلك على الخصوص [[وإلى نحو هذا مال ابن جرير حيث قال: (والصواب من القول عندي في تأويل مفاتيح السور، التي هي حروف المعجم: أن الله جل ثناؤه جعلها حروفا مقطعة، ولم يصل بعضها ببعض -فيجعلها كسائر الكلام المتصل الحروف- لأنه عز ذكره أراد بلفظه الدلالة بكل حرف منه على معان كثيرة، لا على معنى واحد، كما قال الربيع بن أنس. وإن كان الربيع قد اقتصر به على معان ثلاثة، دون ما زاد عليها. والصواب في تأويل ذلك عندي: أن كل حرف منه يحوي ما قاله الربيع، وما قاله سائر المفسرين غيره فيه .... الخ. واستثنى بعض الأقوال لضعفها. انظر الطبري 1/ 93، وانظر "تأويل المشكل" لابن قتيبة ص 299، 300، وقد ذكر ابن كثير كلام الطبري، ولم يرضه، ثم ذكر أقوالاً أخرى وبين ضعفها ثم قال: وقال آخرون: بل إنما ذكرت هذِه الحروف في أوائل السور التي ذكرت فيها بيانا لإعجاز القرآن وأن الخلق عاجزون عن معارضته بمثله، هذا مع أنه مركب من هذِه الحروف المقطعة التي يتخاطبون بها، وقد حكى هذا المذهب الرازي في "تفسيره" عن المبرد وجمع من المحققين، وحكى القرطبي عن الفراء وقطرب نحو هذا، وقرره الزمخشري في "كشافه" ونصره أتم نصر، واليه ذهب الشيخ الإمام العلامة أبو العباس ابن تيمية، == شيخنا الحافظ المجتهد أبو الحجاج المزي، وحكاه لي عن ابن تيمية. ابن كثير 1/ 40.]].
فإن قيل: كيف كتبوا في المصحف هذه الحروف موصولة، والهجاء منقطع لا يتصل بعضه ببعض؟
قلنا: لأنه لم يقصد به الهجاء، إنما هي حروف اجتمعت يراد بكل حرف منها معنى، فهي وإن كانت في صورة الهجاء فإن تحتها معاني، فكانت من هذا الوجه في معنى الكلمات الموصولة [[هذا السؤال والإجابة عليه ذكره ابن الأنباري في "إيضاح الوقف والابتداء" ص 479، وانظر: "القطع والائتناف" للنحاس ص 109، "البرهان في علوم القرآن" 1/ 431.]].
فإن قيل: فلم قطعت ﴿حم عسق﴾ ولم تقطع ﴿كهيعص﴾.
قلنا: لأن (حم) قد ذكرت في أوائل سور أخرى، فقطعت مما [[في (ب): (ما).]] بعدها، لأن هذه السور كغيرها [[في (ب): (لغيرها).]] مما افتتح بـ (حم) [[ذكره ابن الأنباري في "إيضاح الوقف والابتداء" ص 479، والنحاس في "القطع والائتناف" ص 109، والزركشي في "البرهان" 1/ 431.]].
هذا هو الكلام في الحروف المقطعة في هذه السورة. [[أي في سورة (البقرة) (الم).]] فأما في سائر السور فسنأتي على بيانها إن شاء الله.
البقرة 2:2
وقوله تعالى: ﴿ذَالِكَ اَلكِتَبُ﴾. قال أبو الهيثم [[قول أبي الهيثم ذكره الأزهري في (التهذيب) في مواضع متعددة أخذ الواحدي منه بالاختصار وجمعه مع بعضه. قال الأزهري: أخبرني المنذرى عن أبي الهيثم أنه قال: ذا اسم كل مشار إليه ..) "التهذيب" (ذا) 2/ 1258.]]: (ذا) اسم كل مشار إليه يراه المتكلم والمخاطب كقولك: ذا الرجل، وذا الفرس، فإذا [[قال الأزهري: قال أبو الهيثم فيما أخبرني عنه المنذري: (إذا بعد المشار إليه من المخاطب، وكان المخاطب بعيدا ممن يشار إليه، (زادوا) (كافا) فقالوا. ذاك أخوك ..) "التهذيب" تفسير (ذاك وذلك) 2/ 1258.]] بعد المشار إليه زادوا (كافا) فقالوا: ذاك [[في (ج): (ذلك).]] الرجل، وهذه (الكاف) ليست في موضع نصب ولا خفض [[في "التهذيب": (ليست في موضع خفض ولا نصب، إنما أشبهت ..) 2/ 1258.]] ولا رفع، إنما أشبهت كاف (أخاك) و (عصاك) فتوهم السامع أنها في موضع خفض [[في "التهذيب": (فتوهم السامعون أن قول القائل: ذاك أخوك كأنها في موضع خفض لاشباهها (كاف)، (أخاك). وليس ذلك كذلك، إنما تلك (كاف) ضمت إلى (ذا) لبعد (ذا) من المخاطب، فلما دخل ...) "التهذيب" 2/ 1258.]]، فلما دخل فيها هذا اللبس زادوا (لاما) فقالوا: ذلك أخوك [[في "التهذيب": (وفي الجماعة: أولئك اخوتك). مراتب المشار اليه عند بعضهم اثنتان:
الأولى: القربى ويشار لها بذا.
الثانية: البعدى سواء كان البعد قليلاً أو كثيرًا ويشار لها بذاك. وعلى هذا الرأي زيدت اللام لرفع اللبس، كما ذكر الواحدي، أو لتأكيد بعد المشار إليه. أما عند الجمهور فمراتب المشار إليه ثلاث: قريب يشار له بذا، ومتوسط يشار له بذاك، وبعيد ويشار له بذلك، وعلى هذا: اللام لبعد المشار اليه، وليست لرفع اللبس. انظر "حاشية الصبان" 1/ 139، 142.]]، فإن اللام إذا دخلت ذهبت بمعنى الإضافة. و (ذا) مبني [[في (ب): (مبين).]]، نصبه وخفضه ورفعه سواء، لأن فيه معنى الإشارة إلى معرفة فكأنه قد تضمن معنى من الحروف [[هذا الكلام عن أبي الهيثم بمعناه، "التهذيب" 2/ 1258.]]. وهذا الذي ذكره أبو الهيثم في ذلك، إجماع من النحويين [[انظر "التهذيب" حيث نقل الأزهري عن بعض الأئمة2/ 1258 - 1259، وانظر "معاني القرآن" للزجاج 1/ 30.]].
وقال الزجاج [[قول الزجاج في "معاني القرآن" 1/ 31، إلا قوله: (قال: ولم يذكر الكوفيون ...
إلخ)، ونقله الأزهري في "التهذيب"، 15/ 34، 35.]]: كسرت (اللام) في (ذلك) لالتقاء الساكنين [[المراد بالساكنين: (الألف) من (ذا) واللام التي بعدها. انظر "المعاني" للزجاج 1/ 31.]]، قال: ولم يذكر الكوفيون كسرة هذه (اللام).
قال أبو الفتح الموصلي [[كلام أبي الفتح في "سر صناعة الإعراب" 1/ 321، وقد تصرف المؤلف فيه، ونقله بالمعنى مع الاختصار. قال أبو الفتح: (وإذا كانت اللام زائدة فهي على ضربين: أحدهما: أن تزاد في الكلمة مبنية معها غير مفارقة لها، والآخر أن تزاد فيها لمعنى، ولا تكون من صيغة الكلمة ....).]]:
(اللام) قد تزاد في الكلمة مبنية [[في (ب): (مبينة).]] معها، غير مفارقة لها، كقولهم: (ذلك) و (ألالك) [[كذا في (أ)، وفي (ب)، (ج): (إلا لك) وفي "سر صناعة الإعراب" (أولا لك) 1/ 321. وهذا هو الصواب، ولعل ما أثبت في النسخ اختلاف في الرسم.]]، و (هنالك) و (عبدل) [[في (ب): (عندك).]]، و (زيدل) [[في (ب): (زيدك).]]، و (فيشله) [[في (ج): (فشيله). في "اللسان": (الفيشلة) كالفيشه، واللام فيها عند بعضهم زائدة، وقيل اللام أصل. والفيشة: أعلى الهامة، أو الكمرة، أو الذكر المنتفخ. "اللسان" (فيش) 6/ 3499.]]. والذي يدل على زيادة (اللام) في هذه الحروف قولهم: (ذاك) [[في (ب): (ذلك).]] بمعنى: (ذلك)، و (أولئك) بمعنى: (ألالك) [[كذا في (أ) وفي (ب)، (ج) (بدون تشكيل)، وفي "سر صناعة الإعراب" (أولالك) وهو الصواب، وانظر التعليق في الصفحة قبلها.]]، و (هناك) بمعنى: (هنالك)، ومعنى (عبدل) كمعنى (عبد) [[في (ب): (ومعنى عندك كمعنى عند).]]، ومعنى: (زيدل) كمعنى: (زيد) [[في (ب): (ومعنى زيد كمعنى زيدك).]]، ومعنى: (فيشلة) كمعنى [[في (ب): (بمعنى).]]: (فيشة) [[انظر. "سر صناعة الإعراب" 1/ 322، (معنى الفيشة) مر قريبا.]].
وأما [[الكلام عن (الكاف) أخذه المؤلف عن أبي الفتح من موضع آخر 1/ 309، بتصرف واختصار.]] (الكاف) فهي في (ذاك)، و (ذلك)، و (تلك)، و (تانك) [[في (ب): (تاتك).]]، و (ذانك)، و (أولئك) حرف يفيد الخطاب، وليست باسم [[انظر: "الأصول في النحو" 2/ 127.]].
والدليل [["سر صناعة الإعراب" 1/ 315.]] على ذلك ثبوت النون [في (ذانك، وتانك) ولو كانت اسما لوجب حذف النون] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]] قبلها، وجرها بالإضافة، كما تقول: غلاماك وصاحباك.
والعرب قد تزيد (الكاف) للخطاب كقولهم: (النجاءك) أي: انج، ولو كانت [["سر صناعة الإعراب" 1/ 309 - 310.]] (الكاف) اسما لما جازت إضافة ما فيه (الألف واللام) إليهما [[انظر "الكتاب" 1/ 245.]]، وكذلك قولهم: أبصرك زيدا. ولا يجوز أن تكون (الكاف) اسما لأن هذا الفعل لا يتعدى إلى ضمير المأمور [[عند أبي الفتح: (لا يجوز أن تكون (الكاف) اسما لأن هذا الفعل لا يتعدى إلى ضمير المأمور به ..) 1/ 311.]]، ألا ترى أنك لا تقول: أضربك، ولا أقتلك، إذا أمرته بضرب نفسه وقتله إياها [[انظر كلام أبي الفتح 1/ 310، 311.]].
وزاد غيره بيانا فقال: (الكاف) في (ذلك) حرف، وفي (غلامك) وأشباهه اسم، الدليل على هذا أنك تؤكد (الكاف) في غلامك، كما تؤكد الاسم، فتقول: جاءني غلامك نفسك، ولا تؤكد (الكاف) في ذلك، فلا يجوز أن تقول: ذلك نفسك، على معنى تأكيد (الكاف) بالنفس [[ذكره سيبويه. انظر: "الكتاب" 1/ 245، وانظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 30، "تهذيب اللغة" (ذاك) 2/ 1259.]].
قوله تعالى: ﴿الْكِتَابُ﴾ يقال: كتب يكتب كتابًا وكَتْبًا وكتابةً. و (الكتاب) أيضا اسم لما كتب، وهو من باب تسمية المفعول بالمصدر، وهو كثير [[انظر: "تهذيب اللغة" للأزهري (كتب) 4/ 3597، "معجم مقاييس اللغة" (كتب) 5/ 158، "الكشف" للثعلبي 1/ 42/ب.]]. وأصل (الكتب) في اللغة جمعك بين الشيئين، يقال: اكتب بغلتك، وهو أن يضم بين شفريها بحلقة [[في (ب): (لحلقة).]]، ومن ذلك سميت (الكتيبة) لأنها تكتبت واجتمعت [[في (ب): (فاجتمعت). ذكره الأزهري عن شمر، "تهذيب اللغة" 4/ 3097.]].
ويقال: كتبت السقاء أكتبه كَتْبًا إذا خرزته [[في (ب): (جررته). ذكره الأزهري عن أبي عبيد عن أبي زيد. "التهذيب" (كتب) 2/ 2079.]]. وهي الكُتْبة وجمعها كُتَب للخروز [[في (ب): (للحزور). الأزهري عن الليث، "التهذيب" 2/ 2079.]]. ومنه قيل: كتبت الكتاب، لأنه يجمع حرفا إلى حرف [[الأزهري عن شمر 2/ 2079.]].
فأما التفسير فقوله [[في (ب). (وقوله).]]: ﴿ذلك﴾ يجوز أن يكون بمعنى: (هذا) عند كثير من المفسرين وأهل المعاني [[انظر: الطبري 1/ 96، "معاني القرآن" للفراء 1/ 10، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 29، ونسب القول فيه للأخفش وأبي عبيدة، و"مجاز القرآن" 1/ 28، وابن عطية 1/ 141.]].
قال الفراء: وإنما يجوز (ذلك) بمعنى: (هذا) لما مضى، وقرب وقت تقضيه، أو تقضي ذكره، فأما الموجود الحاضر [[الموجود الحاضر لا يقال فيه (ذلك) لأنك تراه بعينه، بل تشير له بهذا، الدالة على الحاضر في الذهن. انظر "معاني القرآن" للفراء1/ 11.]] فلا يقال فيه (ذلك) [[في (ج): (ذاك).]] مثاله أنك تقول [[في "معاني القرآن" للفراء: (يصلح (ذلك) من جهتين، وتصلح فيه (هذا) من جهة، فأما أحد الوجهين من (ذاك) فعلى معنى: هذِه الحروف يا أحمد، ذلك الكتاب الذي وعدتك أن أوحيه إليك. والآخر أن يكون (ذلك) على معنى يصلح فيه (هذا) لأن قوله: (هذا) و (ذلك) يصلحان في كل كلام، إذا ذكر ثم أتبعته بأحدهما بالإخبار عنه. ألا ترى أنك تقول: قد قدم فلان ... الخ.) 1/ 10.]]: قد قدم فلان، فيقول السامع: قد بلغنا ذلك، وبلغنا هذا الخبر، فصلحت فيه (هذا)، لأنه قرب من جوابه [[في (ب): (حركه).]]، فصار كالحاضر الذي تشير [[في (ب): (يشير).]] إليه، وصلحت (ذلك) لانقضائه، والمنقضي كالغائب [[وقال الفراء (.. ولو كان شيئًا قائمًا يُرى لم يجز مكان (ذلك)، (هذا) ولا مكان (هذا)، (ذلك) ..) "معاني القرآن" 1/ 10، وقد نقل الواحدي كلامه بتصرف.]].
وتقول: أنفقت ثلاثة وثلاثة، فذلك ستة، وإن شئت قلت: فهذا ستة، وقد قال الله عز وجل: ﴿فَحَشَرَ فَنَادَى﴾ [النازعات: 23] تْم قال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾ [النازعات: 26]، وقال: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ﴾ [[في (ج) تصحيف في الآية (من بعد ما الذكر).]] [الأنبياء: 105]، ثم قال: ﴿إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا﴾ [الأنبياء: 106] [[الكلام بنصه في "معاني القرآن" للزجاج 1/ 30. وانظر "معاني القرآن" للفراء 1/ 11.]].
وقال محمد بن جرير: أشار بقوله: ﴿ذلك﴾ إلى ما تقدم ومضى من قوله: ﴿الم﴾ لأن كل ما تقضى [[في (ب). (ما يقضى). في الطبري: (لأن كل ما تقضى بقرب تقضيه ..) وفي الحاشية في المطبوعة (وقرب تقضيه) يريد: أن ذكر ما نقضى، وانقضاؤه قريب من إخبارك عنه. (تفسير الطبري) 1/ 96.]] وقرب تقضيه من الأخبار فهو في حكم الحاضر، كالرجل يحدث الرجل الحديث، فيقول السامع: (إن ذلك لكما [[في (ب): (كما).]] قلت)، و (هذا والله كما قلت)، فيخبر مرة عنه بمعنى الغائب [[أي إذا أشار إليه بـ (ذلك) وبمعنى الحاضر إذا أشار إليه بـ (هذا).]]، إذا كان قد تقضى، ومرة بالحاضر لقرب جوابه من كلامه، كأنه غير متقض [[في (ب). (مقتض) وفي الطبري: (منقض).]]، فكذلك لما ذكر الله سبحانه ﴿الم﴾ التي ذكرنا تصرفها في وجوهها من المعاني، قال: يا محمد هذا الذي ذكرته وبينته لك: الكتاب، [فحسن وضع (ذلك) في موضع (هذا) [["تفسير الطبري" 1/ 96، وذكر المؤلف كلام الطبري بتصرف واختصار، واختار== الطبري هذا القول وهو: أن (ذلك) بمعنى (هذا) 1/ 96، ورجحه ابن كثير، وقال: ذكره ابن جريج عن ابن عباس، وهو قول مجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، والسدي، ومقاتل بن حيان، وزيد بن أسلم، وابن جريج 1/ 42.]] وروى عن ابن عباس أنه قال: معنا ذلك الكتاب] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]] الذي أخبرتك أنى أوحيه [[في (ب): (أوجه).]] إليك [[ذكره الثعلبي عن أبي الضحى عن ابن عباس1/ 43/أ، وذكره أبو الليث في "تفسيره" ولم يسنده لأحد 1/ 89، وانظر "البحر المحيط" 1/ 36، والقرطبي 1/ 137، "زاد المسير" 1/ 23.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: هذا الكتاب. الطبري 1/ 96.]].
وقال يمان بن رباب [[(يمان بن رباب) مكانه بياض في (ب)، وفي (أ): (رياب) بالياء و (رباب) بالباء في (ج) وهو عند الثعلبي 1/ 43 أ، ولم أجد (يمان بن رباب) ولا (رياب) سوى ما ذكره البغدادي في "هدية العارفين" قال: (اليمان بن رباب البصري من رءوساء الخوارج، له: "إثبات إمامة أبي بكر الصديق". و"أحكام المؤمنين".) ولم يذكر سنة وفاته. "هدية العارفين" 1/ 735، فلا أدرى هل هو المذكور، أو شخص غيره؟ والله أعلم.]]: ذلك [[في (ب): (كل).]] الكتاب الذي ذكرته في التوراة [[في (ج): (التوريه).]] والإنجيل [[ذكره الثعلبي في "تفسيره" بعد قول ابن عباس السابق، "تفسير الثعلبي" 1/ 43أ، وذكر الزجاج بمعناه ولم ينسبه 1/ 39، وابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 23، القرطبي 1/ 137، وأبو حيان في "البحر" ونسبه لابن رئاب 1/ 36.]].
وهذان القولان [[أي: قول ابن عباس وقول يمان بن رباب.]] متقاربان، والأول [[أي قول ابن عباس: ذلك الكتاب الذي أخبرتك أني أوحيه إليك.]] اختيار ابن الانباري، والثاني [[وهو قول يمان: ذلك الكتاب الذي ذكرته في التوراة والإنجيل.]] اختيار الزجاج [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 29.]].
أما ابن الانباري فقال: إنما قال عز [[في (ب): (عن).]] ذكره: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾، فأشار إلى غائب، لأنه [[في (ب): (كأنه).]] أراد هذه الكلمات يا محمد: ذلك الكتاب الذي وعدتك أن أوحيه إليك، لأن الله تعالى لما أنزل على نبيه ﷺ ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزمل: 5]، كان عليه السلام واثقا بوعد الله إياه، فلما أنزل عليه ﴿الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة:1، 2]. دله على [[في (ب): (ذله الوعد).]] الوعد المتقدم [[ذكر نحوه ابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 23، والقرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" 1/ 137 - 138.]].
وقال الزجاج: القرآن، ذلك الكتاب الذي وعدوا به على لسان موسى وعيسى [["معاني القرآن" للزجاج 1/ 29.]].
فجعل ﴿الم﴾ بمعنى القرآن، لأنه من القرآن فهو قرآن.
والمراد بالكتاب هاهنا: القرآن في [[في (ب): (فهو في).]] قول ابن عباس، والحسن، وقتادة، ومجاهد والضحاك، ومقاتل [[ذكره الثعلبي فىِ "تفسيره" 1/ 43 ب، وذكر ابن أبي حاتم قول الحسن، وابن عباس 1/ 34، وانظر: "تفسير الطبري" 1/ 96، و"ابن كثير" 1/ 42.]].
والمراد به المفعول [[أي: المكتوب. انظر الثعلبي 1/ 42/ ب.]]، كقولهم: الخلق، يريدون: المخلوق [[في ج (الخلوق)، وهذا المعنى ذكره الثعلبي 1/ 42 ب.]]، لا الحدث الذي هو اختراع وإبداع.
وهذا [[في (أ)، (ج): (قال: وهذا أرجح .. إلخ) واخترت ما في (ب) لأني لم أجد لوجود (قال) معنى. فكلام الزجاج قد انتهى، وما بعده أخذه عن الثعلبي بمعناه ولم يصرح باسمه، وليس الكلام بعد (قال) في "تفسيره"، ولم يكن من نهج الواحدي أن يفتتح قوله هو بـ (قال) لذلك اعتبرتها زيادة في (أ)، (ج).]] أرجح عندي من قول من قال: إنه سمي به لما فرض فيه [[في (ب): (به).]]، وأوجب العمل به [[أي أن المراد بالكتاب: المكتوب، بمعنى المفعول، أرجح ممن قال: إنه سمي كتابا لما فرض فيه، وأوجب العمل به، فإن الكتاب يطلق على معان كثيرة منها: الفرض، والأمر، والجعل. انظر "مشكل القرآن" لابن قتيبة ص 11، "معرفة اشتقاق أسماء نطق بها القرآن" لأبي بكر محمد بن عزيز السجستاني 1/ 461 رسالة ماجستير، "تهذيب اللغة" (كتب) 4/ 3097، "تفسير الرازي" 2/ 14، والقرطبي 1/ 138.]]، ألا ترى أن جميع التنزيل مكتوب، وليس كله فروضًا، وإذا كان كذلك كان العام [[أي أن الكتاب بمعنى المكتوب.]] الشامل [بجميع المسمى أولى مما كان بخلاف ذلك. فإن جعلت ﴿الم﴾ متعلقا بما بعده، فهو ابتداء، وخبره] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]] ﴿ذلك﴾، والكتاب تفسير وبيان [[أي: عطف بيان، أو بدل. انظر "معاني القرآن" للزجاج 1/ 35، "إعراب القرآن" للنحاس1/ 128، "تفسير ابن عطية" 1/ 143.]] للمشار إليه [[(إليه) ساقط من (ج).]]. ويصح أن يقال: ﴿الم﴾ ابتداء، ﴿وذلك﴾ ابتداء آخر، و ﴿الكتاب﴾ خبره، وجملة الكلام خبر الابتداء الأول. وإن [[في (ب): (فإن).]] جعلت ﴿الم﴾ منقطعًا مما بعده، فـ ﴿ذلك﴾ ابتداء، وخبره ﴿هُدًى﴾ [["تفسير الثعلبي" 1/ 42 ب، وانظر "إيضاح الوقف والابتداء" لابن الأنباري 1/ 484، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 30 - 33، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 128، "مشكل إعراب القرآن" 1/ 17،15، وقد ذكر الواحدي بعض الوجوه في إعراب (الم. ذلك الكتاب).]].
وقوله تعالى: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾. الريب: الشك يقال: رابني فلن يريبني أي: علمت من الريبة، وأرابني [[في (ب): (فأرابني).]] أوهمنيها ولم يحققها [[ذكره الزجاج في "معاني القرآن" 1/ 31، والأزهري، وقال: وأنشد أبو زيد ثم ذكر البيت. "تهذيب اللغة" (راب) 2/ 1306 - 1307.]]، وقال:
أَخُوكَ الذي إنْ رِبْتَهُ قَالَ إنَّمَا ... أرَابَ وإنْ عَاتَبْتَهُ [[في (ب): (عاينته).]] لاَنَ جَانِبُه [[نسب البيت للفرزدق، ولم أجده في "ديوانه"، ونسب للمتلمس، ولبشار، وهو الصحيح، حيث ورد في "ديوانه" من قصيدة يمدح بها عمر بن هبيرة قوله: (أراب) كذا ورد في جميع النسخ، وفي "الديوان" وغيره من المصادر (اربت) ومعناه: أخوك الذي إن ربته بريبة قال: أنا الذي أربت، أي: أنا صاحب الريبة، وروي (أربت) بفتح التاء، أي: أوجبت له الريبة. وقوله: (عاتبته) كذا وردت عند الزجاج، وفي المصادر الأخرى (لاينته) بمعنى: عاتبته، انظر "ديوان بشار" ص 44، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 31، "تهذيب اللغة" (راب) 2/ 1306 - 1307، "اللسان" (ريب) 3/ 1788 - 1789.]]
أراد أنه [[في (ب): (به).]] مع اليقين بالريبة يتوهمها [[في (ب): (سموهمها).]] منك، جريا على حكم المودة، هذا قول جمهور أهل اللغة [[انظر: "التهذيب" (راب) 2/ 1306 - 1307، "معجم مقاييس اللغة" (ريب) 2/ 463، "الصحاح" (ريب) 1/ 141، "اللسان" (ريب) 3/ 1788 - 1789.]].
وقال سيبويه: (أراب) الرجل أي: صار صاحب ريبة. كما قالوا: ألام أي: استحق أن يلام [[في (ب) (تلام).]]. وأما (رابني) فمعناه: جعل في ريبة [[في "الكتاب" (وأما رابني فإنه يقول: جعل لي ريبة ..) 4/ 60.]]، كما تقول: قطعت النخل، أي: أوصلت إليه القطع، واستعملته فيه [["الكتاب" 4/ 60، والنص في "الحجة" لأبي علي1/ 179.]].
وقال أبو زيد [[في (ب) (يزيد). وأبو زيد هو سعيد بن أوس بن ثابت الأنصاري، صاحب النحو واللغة، توفي سنة خمس عشرة ومائتين. انظر "طبقات النحويين واللغويين" ص156، "تاريخ بغداد" 9/ 77، "إبناه الرواة" 2/ 30.]]: قد رابني من فلان أمر رأيته منه رَيْبًا، إذا كنت مستيقنا منه بالريبة، فإذا أسأت به الظن ولم تستيقن بالريبة منه قلت: قد أرابني من فلان أمر هو فيه، إذا ظننته من غير أن تستيقنه [[ذكره أبو علي في "الحجة" 1/ 179، ونحوه عند الأزهري قال: هذا قول أبي زيد (راب) 15/ 252، ولم أجده في "نوادر أبي زيد".]]. وقوم على أن: (راب) و (أراب) بمعنى واحد [[انظر: "تهذيب اللغة" (راب) 2/ 1306 - 1307، "الصحاح" (ريب) 1/ 141، "اللسان" (ريب) 3/ 1788 - 1789.]]، وينشدون قول الهذلي [[في ج (الهزلي). و (الهذلي) هو خالد بن زهير الهذلي أحد شعراء الهذليين المشهورين عشق امرأة كان يأتيها أبو ذؤيب الهذلي خاله، وجرت بينهما أشعار في ذلك منها، "بيت الشاهد" وقتل خالد بسبب تلك المرأة في قصة طويلة. انظر "شرح أشعار الهذليين" للسكري 1/ 207، "الخزانة" للبغدادي 5/ 76 - 86.]]: كأنَّما أَرَبْتُهُ بِرَيْبِ [[البيت من رجز لخالد بن زهير، يخاطب أبا ذؤيب، ويروى (كأنني) والأبيات في أشعار الهذليين:
ياقوم ما بال أبي ذؤيب ... يمس رأسي ويشم ثوبي
كأنني أتوته بريب
انظر "شرح أشعار الهذليين" 1/ 207، "الحجة" لأبي على 1/ 180، "تهذيب اللغة" (أتى) 1/ 116 - 117، "المخصص" 12/ 303، 14/ 24، 28، "الصحاح" 1/ 141، "اللسان" (ريب) 3/ 1788 - 1789، "الخزانة" 5/ 84.]]
والحذاق [[في (ب): (فالحلاف).]] على الفرق بينهما، كما أخبرتك، قال الأزهري: والقول في (راب وأراب) قول أبي زيد [[في "التهذيب" (قول أبي زيد أحسن) 2/ 1306.]].
وموضح (ريب) نصب [["معاني القرآن" للزجاج 1/ 31، وانظر "مشكل إعراب القرآن" 1/ 16.]]، قال سيبويه: (لا) تعمل فيما بعدها فتنصبه، ونصبها لما بعدها كنصب (إن) إلا أنها تنصب بغير تنوين [[أي مبنى على الفتح لأن (لا) نافية للجنس، "الكتاب" 2/ 274، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 31، والعبارة للزجاج، وانظر "مشكل إعراب القرآن" 1/ 16.]]. وإنما شبه (لا) بـ (إن)، لأن (إن) للتحقيق في الإثبات، و (لا) في النفي، فلما كان (لا) تقتضي [[في (ب): (يقتضي).]] تحقيق النفي، كما تقتضي (إن) تحقيق الإثبات أجري مجراه. وزعم سيبويه أنها مع ما بعدها بمنزلة شيء واحد [["معاني القرآن" للزجاج 1/ 31، "الكتاب" 2/ 274، "مشكل إعراب القرآن" 1/ 16، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 128.]]؛ لأنها جواب لما يكون بمنزلة شيء واحد، ولذلك لم ينون وبني على الفتحة، كأنها جواب قول القائل: هل من رجل في الدار؟، فـ (من) مع رجل كشيء واحد. فإن قيل: فما [[في (ب): (مما).]] أنكرت أن يكون جواب هل رجل في الدار؟ قيل: معنى (لا رجل في الدار)، عمهم [[في "المعاني" للزجاج (عموم) 1/ 32، ولعله أصوب.]] النفي، لا يجوز أن يكون في الدار رجل، ولا أكثر منه، وكذلك (هل من رجل في الدار) استفهام عن الواحد وأكثر منه.
فإن قلت: (هل رجل في الدار) أو (لا رجلٌ في الدار)، جاز أن يكون في الدار رجلان، لأنك إنما أخبرت أنه ليس فيها واحد، فيجوز أن يكون فيها أكثر منه، فإذا قلت: (لا رجلَ في الدار)، فهو نفي عام، وكذلك ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [[الكلام للزجاج، انظر "المعاني" 1/ 32، وانظر "الكتاب" 2/ 274 - 276، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 129.]] وموضع ﴿لا رَيْبَ﴾ رفع بالابتداء عند سيبويه، لأنه بمنزلة خمسة [[في (ب): (خمس).]] عشر [[قال سيبويه: (لا وما عملت فيه في موضع ابتداء) "الكتاب" 2/ 275، 284، وانظر "مشكل إعراب القرآن" 1/ 16.]]، إذا ابتدأت به، ولهذا جاز العطف عليه بالرفع في قوله:
لا أُمَّ لي إنْ [[في (ب): (وان).]] كان ذَاكَ ولا أَبُ [[اختلف في نسبة البيت، فقيل: لضمرة بن ضمرة، وقيل: لهمام بن مرة، وقيل: لبعض مذحج، وقيل: لزرافة الباهلي، وقيل: لهني بن أحمر، وفيه أقوال أخرى. قيل: إن هذا الشاعر كان بارًّا بأمه، وكان له أخ تؤثره عليه، فقال هذِه الأبيات، والشطر الأول:
هذا وجدكم الصغار بعينه
والشاهد فيه: رفع الاسم الثاني مع فتح الأول، إما بإلغاء الثانية ورفع ما بعدها بالعطف== على محل الأولى مع اسمها، فخبرهما واحد، وعلى هذا استشهد به الواحدي. وهناك تقدير آخر: وهو أن تكون الثانية عاملة عمل ليس، فيكون لكل واحدة خبر يخصها. انظر "الخزانة" 2/ 38 - 41، وقد ورد البيت عند سيبويه 2/ 292، وفي "المقتضب" 4/ 371، "شرح المفضل" 2/ 115، "شرح أبيات سيبويه" للنحاس ص54، "الحجة" لأبي علي 1/ 190، "الهمع" 5/ 288، "اللسان" (حيس) 2/ 1069.]] ومن نصب المعطوف [[في (ب): (العطوف).]] فهو عاطف على اللفظ [[انظر "الكتاب" 2/ 291، 292، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 31، 265، "المشكل" لمكي1/ 16، "الدر المصون" للسمين1/ 80، "شرح المفصل" لابن يعيش 2/ 109.]]. وسنستقصي الكلام في هذا عند قوله: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ (197)﴾ [البقرة: 197]، إن شاء الله.
وقوله تعالى: ﴿فِيهِ﴾. يجوز [[أخذه عن أبي علي الفارسي، "الحجة" 1/ 189.]]: أن تجعله خبرا للابتداء الذي هو ﴿لَا رَيْبَ﴾ ويجوز: أن تجعله صفة لقوله ﴿لَا رَيْبَ﴾، وإذا جعلته صفة أضمرت الخبر، كأنه قيل: لا ريب فيه واقع أو كائن، فإن جعلته خبرا كان موضعه رفعا من وجهين:
أحدهما: بكونه خبرًا [[في (ب): (خبر).]] للمبتدأ [[في "الحجة" (وإن جعلته خبرا كان موضعه رفعا في قياس قول سيبويه من حيث يرتفع خبر المبتدأ ....) 1/ 189، فيكون خبر لـ (لا) مع اسمها، حيث أنهما في محل رفع مبتدأ.]]. والثاني: من حيث كان خبر إن رفعا [[في "الحجة": (.. وعلى قول أبي الحسن موضعه رفع من حيث كان خبر (إن) == رفعا ..) 1/ 189، فجعل (لا) بمنزلة (إن) وجعل خبرها مرفوعا مثل خبر (إن).]]، وقد ذكرنا أن (لا) بمنزلة (إن).
وإن جعلت (فيه) صفة، ولم تجعله خبرا، كان موضعه نصبا في قول من وصف على اللفظ [[يقول: إن جعلت (فيه) صفة جاز فيها النصب على الوصف للفظ اسم (لا) وهو (ريب) كما عطف عليه بالنصب في قول الشاعر: (فلا أب وابنا ...) وجاز رفع الصفة على موضع (لا ريب) كما عطف عليه بالرفع كما سبق.]]، [كما عطف [[في (ج) (ثم أعطف).]] على اللفظ] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]] في قوله:
فلا أبَ وابْنًا مِثْلُ مَرْوانَ [[في (أ)، ج (مثل مر) والجملة ساقطة من ب. والبيت من شواهد سيبويه، وهو:
لا أب وابنا مثل مروان وابنه ... إذا هو بالمجد ارتدى وتأزرا
يقول لا أب وابنا مثل مروان ابن الحكم وابنه عبد الملك، لشهرتهما صارا كاللابسين لرداء المجد، والشاهد عطف (ابن) مع تنوينه على لفظ اسم (لا). انظر "الكتاب" 2/ 285، "الحجة" 1/ 189، "شرح المفصل" 2/ 110، "المقتضب" 4/ 372، "الهمع" 5/ 287.]]
ومن وصفه على الموضع [[في (ج) (ومن وصف على اللفظ الموضع).]]، كما عطف على الموضع في قوله:
لا أمَّ لي إنْ كان ذَاكَ ولا أَبُ [[مر تخريج البيت قريبًا. انظر ص 39.]]
كان موضعه على هذا رفعا [[في ج (رفع).]]. وفي قوله: ﴿فِيهِ﴾: قراءتان، إشباع (الهاء) حتى تلحق به (ياء) وكذلك في (الهاء) المضمومة [[في (أ)، (ج) (المضموم).]] مثل (منهو) و (عنهو)، وهو مذهب ابن كثير [[انظر: "السبعة" لابن مجاهد ص 132، "الحجة" 1/ 177. وابن كثير هو عبد الله == أبو معبد العطار الداري الفارسي الأصل، إمام أهل مكة في القراءة، من التابعين، أحد السبعة الذين أثبت ابن مجاهد قراءتهم في كتابه. (45 - 120)، انظر ترجمته في "معرفة القراء الكبار" 1/ 86، "غاية النهاية" 1/ 443.]].
والباقون يقتصرون على الضمة والكسرة [[انظر: "السبعة" ص131،130، "الحجة" 1/ 175 - 177، "الكشف" لمكي 1/ 42.]].
وأصل (الهاء) في ﴿فيه﴾ الضم، لأن الأصل (فيهو) كما ذكرنا في (عليهو) ثم كسرت (الهاء) للعلة التي ذكرنا في (عليهم) [[إشارة إلى ما سبق في الفاتحة في القراءات في قوله (عليهم) وانظر العلة التي ذكرها أبو علي في "الحجة" 1/ 207.]] فمن اقتصر على الضمة والكسرة قال: إن (الهاء) حرف خفي [[نقل المؤلف من "الحجة"، قال أبو علي: (ومما يحسن الحذف هاهنا -مع ما ذكرنا من اجتماع المتشابهة- أن (الهاء) حرف خفي ..... إلخ) "الحجة" 1/ 209.]]، فإذا اكتنفها [[في (ج): (فإذا كثفها).]] ساكنان من حروف اللين صار كأن الساكنين قد التقيا [[في (ب). (التقتا).]]؛ لخفاء (الهاء)، وأنهم لم يعتدّوا بها حاجزًا [[كلمة (حاجزا) ليست عند أبي علي1/ 209.]] للخفاء في مواضع.
ألا ترى أن من قال: (رُدُّ)، فأتبع الضمة الضمة، فإذا وصل الفعل بضمير [[في (ب): (لضمير).]] المؤنث قال: (ردَّها)، فلم يتبع الضم الضم، كما كان يتبع قبل، لأنه جعله بمنزلة (رُدَّا) وفي (رُدَّا) لا يمكن إتباع الضم الضم، وفي (رُدَّها) [[عبارة أبي علي: (.. بمنزلة (ردَّا)، فكما لم يعتد بها هاهنا، وجعلت الدال في حكم الملازقة للألف، كذلك إذا لم يعتد بها في نحو: فيهي ..) "الحجة" 1/ 209.]] جعلت الدال [[في (ب): (الدار).]] في حكم الملازمة للألف، إذ [[في (ب): (إذا).]] لم يعتد بها حاجزا، كذلك إذا لم يعتد بها في نحو (فيهي)، و (عصاهو)، و (خذوهو) صار كأن الساكنين قد التقيا. ولهذه العلة -أيضًا- حذف حرف اللين بعد (الهاء) من حذف، وإن كان الساكن الذي قبلها ليس من حروف اللين نحو: (منه) و (عنه) [[انظر بقية كلام أبي علي في "الحجة" 1/ 209.]].
ومثل (الهاء) [["الحجة" 1/ 210، والمعنى: مثل الهاء النون في كونه حرفا خفيا لا يعتد به حاجزا.]] في أنه [[في (ب): (إيه).]] لما كان حرفا خفيًّا لم يعتدوا به حاجزًا (النون)، وذلك في قولهم: (هو [[في (ب): (هط).]] ابن عمي دِنْيا) [[يقال: هو ابن عمه دُنْيَا مقصور، ودِنْيَةً ودِنْياً منون وغير منون، إذا كان ابن عمه لَحَّا أي أقرب من غيره ويقال ذلك في ابن العمة وابن الخال والخالة. انقلبت فيها (الواو)، (ياء) لمجاورة الكسرة، ولأن (النون) حاجز ضعيف. انظر "تهذيب اللغة" (دنا) 2/ 1233، و"اللسان" (دنا) 3/ 1436.]] و (قِنْيَة) [[في "الحجة": (وفي قولهم: "هو ابن عمي دنيا" وفي "غنية") 1/ 210، والقنية والقنوة بكسر القاف وضمها بالياء وبالواو: الكسبة، وهي كل ما اكتسبه الإنسان لنفسه ولم يعده للتجارة، وإذا كانت واوية الأصل فقد جرى فيها القلب، وعلى هذا سار أبو علي وتبعه الواحدي، ومنهم من قال أصلها يائية فلا تغيير فيها. انظر: "الحجة" 1/ 210، "تهذيب اللغة" (قنا) 3/ 3050، "مقاييس اللغة" 5/ 29، "سر صناعة الإعراب" 2/ 736، "اللسان" (قنا) 6/ 2759.]]، لما كانت (النون) خفية صارت (الواو) كأنها وليت الكسرة، فقلبتها كما قلبتها في (غازية)، و (محنية) [[الحنو: الاعوجاج، و (المحنية). منحنى الوادي. انظر "اللسان" (حنا) 2/ 1034 - 1035. وأصل (غازية): (غازوة) و (محنية): (محنوة) قلبت الواو فيهما ياء للكسرة قبلها. انظر "سر صناعة الإعراب" 2/ 587، 588.]]، ولو كان مكان (النون) [[(النون) ساقط من (ب).]] حرف غيره لم يكن فيما بعده القلب، نحو: (جرو) و (عدوة) [[(العدوة): صلابة من شاطئ الوادي. انظر "معجم مقاييس اللغة" (عدو) 4/ 252.]]. فهذا [[أي (النون) في مثل (دنيا) و (قنية).]] مثل (الهاء) في أنه للخفاء لم يعتد به حاجزا [["الحجة" 1/ 210.]].
وأما ابن كثير: فإنه يتبع هذه (الهاء) في الوصل (الواو) و (الياء) [[قال أبو علي في "الحجة": (الحجة لابن كثير في إتباعه هذِه (الهاء) في الوصل (الواو) أو (الياء) وتسويته بين حروف اللين وبين غيرها من الحروف إذا وقعت قبل (الهاء) من حجته أن (الهاء) وإن كانت خفية ... إلخ) 1/ 211.]] ويسوى بين حروف اللين وبين [[(بين) ساقط من (ب).]] غيرها من الحروف، إذا [[في (ب): (وإذا).]] وقعت قبل (الهاء) وحجته: أن (الهاء) وإن كانت خفية [[في (ب): (خفيفة).]] فليس يخرجها [[في (ب): (مخرجها).]] ذلك من أن تكون كغيرها من حروف المعجم التي لاخفاء فيها، نحو: (الدال) و (الصاد) و (الهاء).
و (النون) عند الجميع في وزن الشعر بمنزلة الدال والصاد [[عبارة أبي علي في "الحجة": (.. من حروف المعجم التي لا خفاء فيها - نحو: == الراء والضاد -وإن كان في الراء تكرير وفي الضاد استطالة- وإذا كان كذلك كان حجزها بين الساكنين كحجز غيرها من الحروف التي لا خفاء فيها .. إلخ). "الحجة" 1/ 211.]]، وإذا كان كذلك كان حجزها [بين الساكنين كحجز] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ج).]] غيرها [["الحجة"1/ 211، وانظر: "الكشف" لمكي 1/ 42، 43.]].
وقوله تعالى ﴿هُدًى﴾:
قال سيبويه: قلّما [[(قل) ساقط من (ب).]] يكون ما ضم أوله من المصدر إلا منقوصًا، لأن (فُعَل) لا تكاد [[في (ب): (لا يكاد).]] تراه مصدرًا من غير بنات [[في (ب): (من غير أن تران).]] (الياء) و (الواو) [[(غير بنات الواو والياء، أي: الصحيح اللام، فـ (فُعَل) لا يكون مصدرا في الصحيح اللام إلا قليلا، والمعتل يجري مجرى الصحيح.
انظر "الحجة" 1/ 180، وانظر كلام سيبويه في "الكتاب" 4/ 46.]] كالهُدى والسُّرى، والنُّهى [[(النهى) ساقط من (ب).]]، والتُّقَى، والقِرى، والقِلَى [[في "الحجة": (قالوا: هَدَيْته هُدى ولم يكن هذا في غير (هدى)، وذلك لأن (الفِعَل) لا يكون مصدراً في هديته، فصار (هُدى) عوضا منه، قالوا: قريته قِرى وقليته قِلَى فأشركوا بينهما في هذا ..) 1/ 181 فأشركوا بين (فُعَل) و (فِعَل) انظر "الكتاب" 4/ 46.]]، وقالوا: كِسْوَة، ورِشْوَة، وجِذْوَة، وصُوَّة [[(الصوة) جماعة السباع، والحجر يكون علامة في الطريق، ومختلف الريح وصوت الصدى، وما غلظ وارتفع من الأرض. انظر "اللسان" (صوى) 14/ 471، "القاموس" ص 1304.]]، وإذا [[في (ب): (فإذا).]] جمعوا جمعوها على (فِعَل) و (فُعَل)، ومنهم من يضم في الواحد ويكسر في الجمع [[فيقولون: رشوة ورشا. انظر: "الكتاب" 4/ 46.]]، ويجوز [[في (ب): (ونحوه).]] الكسر في واحده، والضم في الجمع [[في أ (الجميع). مثال المكسور في الواحد والمضموم في الجمع: (رشوة ورشا) "الكتاب" 4/ 46.]]، وهذا مما يدلك على اشتراكهما.
وقال أناس من النحويين [[في "الحجة". (ويقويه -أيضًا- أن ناسًا من النحويين يزعمون أنه قد يجري الأسماء التي ليست لمصادر ... إلخ) 1/ 182.]]: إنه قد تجرى الأسماء التي ليست بمصادر مجرى المصادر فيقولون: جلس جلسة، وركب ركبة، ويقولون: عجبت من دهنك لحيتك [[قوله. (جلسة) و (ركبة) و (دهن) ليست مصادر وأجريت مجرى المصادر.]]، وينشدون:
وبعد عطائك المائة الرتاعا [[البيت من قصيدة للقطامي يمدح بها زفر بن الحارث الكلابي، وصدر البيت:
أَكُفْراً بَعْدَ رَدِّ المَوْتِ عَنِّي
يقول: لا أكفر معروفك بعد أن أطلقتني من الأسر، وأعطيتني مائة من الإبل الرتاع أي الراعية، ورد البيت في "الشعر والشعراء" ص 483، "الحجة" 1/ 182، "الخصائص" 2/ 221، "شرح المفصل" 1/ 20، "شرح شذور الذهب" ص 491، "الهمع" 3/ 103، "الخزانة" 8/ 136، والشاهد: إعمال العطاء على أنه بمعنى الإعطاء.]]
فيجري [[في (ب): (فتجرى) وفي "الحجة": (فيجرونه مجرى الإعطاء) 1/ 182.]] مجرى الإعطاء، وقال لبيد [[هو لبيد بن ربيعة بن مالك بن كلاب العامري، كان من شعراء الجاهلية وأدرك الإسلام وأسلم، وقدم على رسول الله ﷺ في وفد بني كلاب، مات بالكوفة في خلافة معاوية، وهو ابن مائة وسبع وخمسين سنة. انظر: "الشعر والشعراء" ص167، "طبقات ابن سعد" 6/ 33، "الإصابة" 3/ 326، "الخزانة" 2/ 246.]]: بَادَرْتُ حَاجَتَها [[في (ب): (باكرت حنامها).]] الدَّجَاج [[البيت من معلقة لبيد وتمامه:
بادرتُ حاجَتها الدجاجَ بسحرة ... لِأُعَلَّ منها حين هبّ نيامُها
ويروى (باكرت) يذكر الخمر يقول: سابقت صياح الدجاج لحاجتي إليها، لِأُعَلَّ منها: أي أسقي منها مرة بعد مرة، حين هب نيامها، انظر "شرح ديوان لبيد" ص 315، "الحجة" 1/ 182، "المعاني الكبير" 1/ 453، "شرح القصائد المشهورات" للنحاس1/ 163، "اللسان" (بكر) 1/ 332، "الخزانة" 3/ 104.]]
وفسروه على حاجتي [[(حاجتي) ساقط من (ب).]] إليها [[في "الحجة". (وفسروه على باكرت حاجتي إليها ..) وروايته للبيت (باكرت) 1/ 183.]]، فأضيف إلى المفعول كما يضاف المصدر إليه، فعند هؤلاء (الهُدى والسُّرى والتُّقَى) أسماء أجريت مجرى المصادر [[فتضاف للمفعول كما يضاف المصدر إليه. انظر "الحجة" 1/ 183.]]، وليست مصادر [[في (ج): (مصاد).]] حقيقة.
وزعم الأخفش: أن من العرب [[هم بنو أسد. انظر (المذكر والمؤنث) للفراء ص 87.]] من يؤنث الهدى [[في "الحجة": وقال أبو الحسن: زعموا أن من العرب من يؤنث الهدى. "الحجة" 1/ 183، وانظر: "معاني القرآن" للاخفش 1/ 179.]].
ومعنى الهدى: البيان، لأنه قد قوبل به الضلال في قوله عز وجل ﴿وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾ [البقرة: 198]، [أي من قبل هداه] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب) والكلام أخذه عن أبي علي في "الحجة" 1/ 186، وانظر: "الطبري" 1/ 98، "معاني الزجاج" 1/ 33، "تفسير أبي الليث" 1/ 90.]].
وقوله تعالى: ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾. الاتقاء في اللغة: الحجز بين الشيئين، يقال: اتقاه بترسه، أي: جعل الترس حاجزا بينه وبينه، واتقاه بحقه، إذا وفاه [[في (ب): (وقاه).]]، فجعل الإعطاء وقاية بينه وبين خصمه عن نيله إياه بيده أو لسانه، ومنه (التقية في الدين) بجعل ما يظهره حاجزا بينه وبين ما يخشاه من المكروه [[انظر: "تهذيب اللغة" (تقي)، (وقى) 1/ 44، "الصحاح" (وقى) 6/ 2527، "اللسان" (وقى) 8/ 4902، (لباب التفاسير) للكرماني 1/ 111، (رسالة دكتوراه).]]، ومنه الحديث: كنا إذا احمرّ البأس اتقينا برسول الله ﷺ، وكان أقربنا إلى العدو [[أخرجه مسلم في "صحيحه" في قصة غزوة حنين وفيه: (... قال البراء: كنا والله إذا أحمر البأس نتقى به وإن الشجاع منا للذي يحاذى به، يعني رسول الله ﷺ) مسلم 1776/ 79، كتاب الجهاد، غزوة حنين، وذكره البيهقي في "دلائل النبوة" 5/ 135.]]. فالمتقي هو الذي يتحرز بطاعته عن العقوبة، ويجعل اجتنابه عما نهى، وفعله ما [[في (ب): (عما أمر) تصحيف.]] أمر، حاجزًا بينه وبين العقوبة التي توعد [[في (ب): (يدعو).]] بها العصاة.
وكان (اتقى) [[في (ب): (من في).]] في الأصل (اوْتقى) [[بكسر الهمزة وسكون الواو.]] لأنه (افتعل) [[في (ج): (لا افتعل).]] من الوقاية، وأصل هذا الباب بالواو [[في (ج): (من الواو).]]، كالاتزان [[في (ب): (كالا يزان).]] من الوزن، والاتضاح من الوضوح، إلا أن الواو صارت (ياء) لانكسار ما قبلها وهي ساكنة، ثم اندغمت (الياء) في (تاء) [[في (ب): (مما).]] الافتعال بعدما صارت (تاء)، فتولدت التشديدة لذلك [[انظر. "تهذيب اللغة" (تقى) 1/ 444، "الصحاح" (وقى) 6/ 2526، "سر صناعة الإعراب" 1/ 147.]].
وقال أبو الفتح الموصلي [["سر صناعة الإعراب" 1/ 147.]]: إن (افْتَعَل) إذا كانت فاؤه (واوا)، فإن (واوه) تقلب [[في (ج): (تقلب الفاتا).]] (تاء)، وتدغم في (تاء) (افْتَعَل) مثل (اتَّعد) [[في (ب): (ما اتعد).]] و (اتَّلج) (اتَّصف).
والعلة في قلب هذه الواو (تاء)، أنهم لو لم يقلبوها (تاء) لوجب أن يقلبوها إذا انكسر ما قبلها (ياء)، فيقولوا: [[في جميع النسخ (فيقولون). وفي "سر صناعة الإعراب" (فيقولوا) وفي الحاشية قال: في ل (فيقولون) 1/ 147.]] (ايتقى) [[عند أبي الفتح فيقولوا: (أيتزن، ايتعد، ايتلج) 1/ 147، فلم يرد لفظ (أيتقى).]] وإذا [[في (ج): (إذا) مكررة.]] انضم ما قبلها ردت إلى (الواو) فقالوا: (مُوتَق) [[عند أبي الفتح (مُوتَعِد) و (مُوتَزِن) و (مُوتَلج) 1/ 147.]]، وإذا انفتح ما قبلها قلبت (ألفا)، فقالوا: (ياتقي) [[عند أبي الفتح: يَا تَعِدُ، ويَا تَزِنُ، ويَا تَلِجُ 1/ 148.]]، فلما [[في (ج): (فكانوا).]] كانوا لو لم يقلبوها (تاء) صائرين من قلبها [[في جميع النسخ (قبلها): والتصحيح من "سر صناعة الإعراب" 1/ 148.]] مرة (ياء) ومرة (ألفا)، ومرة (واوا)، أرادوا أن يقلبوها حرفا جلدا تغير أحوال ما قبله، وهو باق بحاله، وكانت (التاء) [[في (ب): (الباء).]] قريبة المخرج من (الواو)، لأنها من أصول الثنايا، والواو من الشفة، فأبدلوها (تاء) وأدغموها في لفظ ما بعدها وهو (التاء) وقالوا: اتقى [[في (ب): (أتقا) وعند أبي الفتح (أتعد، واتزن) 1/ 148.]]، وقد فعلوا هذا أيضًا في (الياء) وأجروها مجرى (الواو) فقالوا في (افتعل) من اليسر: أتسر [[في (ب): (السر).]]، ومن اليبس: اتبس [[في (ج): (التبس).]]، لهذه العلة [[عند أبي الفتح: (.. وذلك لأنهم كرهوا انقلابها (واوا) متى انضم ما قبلها في نحو: (موتبس) وألفا في (يا تبس)، فأجروها مجرى الواو فقالوا: اتَّبَس وأتَّسَر. ومن العرب من لا يبدلهما (تاء) ويجري عليهما من القلب ماتنكبه الآخرون فيقول: إيتَعد أيتَزن ايتبس ... واللغة الأولى أكثر وأقيس ...)، "سر صناعة الإعراب" 1/ 148، وانظر "المنصف" 1/ 222، 228.]].
وإدغام (الياء) في (التاء) على هذه الجهة، إنما يجوز إذا كانت [[كذا ورد في جميع النسخ ولعل الأولى (إذا كانتا).]] في كلمة واحدة، فإذا التقتا من كلمتين لم يجز الإدغام، نحو قولك: (في تبيانه)، و (في تمثاله)، وذلك أنه [[(أنه) ساقط من (ج).]] لو أجرى [[في (ب): (أجرا).]] الكلام هاهنا على الإدغام، أشبه الألف واللام. هذا هو الأصل، ثم صارت التاء لازمة حتى صارت كالأصلية [[في (ب): (كالا مطيه).]]، لأنه لا يجوز إظهار [[في (ب): (إظهارها).]] هذا الإدغام في حال [[انظر "تهذيب اللغة" (تقى) 1/ 444.]].
وقد بني على هذا الإدغام أسماء كثيرة، وهي: التُّخَمَة والتُّجَاه [[في (ب): (التحافه).]]، والتُّرَاث، والتّقوى، والتُّكْلَان، والتُّكَلَة، والتُّؤَدَة، والتُّهمَة [[انظر: "الكتاب" 4/ 332.]].
الحراني [[أبو شعيب عبد الله بن الحسن الحراني اللغوي، لغوي صدوق، أخذ عن ابن السكيت، ونقل عنه الأزهري في "التهذيب" من طريق المنذري، توفي سنة خمس وتسعين ومائتين. انظر ترجمته في: "تاريخ بغداد" 13/ 536، "إنباه الرواه" 2/ 115، "سير أعلام النبلاء"13/ 536.]] عن ابن السكيت [[أبو يوسف يعقوب بن إسحاق السكيت، النحوي اللغوي، كان موثقا بروايته، مات سنة أربع وأربعين ومائتين. انظر ترجمته في: "تاريخ بغداد" 14/ 273، "وفيات الأعيان" 6/ 395، "إنباه الرواة" 4/ 50، "معجم الأدباء" 20/ 50.]] يقال: اتَّقَاه بِحَقِّه يَتَّقِيه، وتَقَاهُ يَتَّقِيه، وأنشد عن الأصمعي [[في "التهذيب": (وأخبرني المنذري، عن الحراني، عن ابن السكيت، قال: يقال: اتقاه ... الخ. وأنشد ثم ذكر بيتين غير ما ذكر المؤلف، ثم قال: وقال الأصمعي: أنشدني عيسى بن عمر) (التهذيب) (تقى) 1/ 444، وانظر كلام ابن السكيت في "إصلاح المنطق" ص 24.]] قال:
أنشدني عيسى بن عمر [[ورد اسمه في "التهذيب": (عيسى بن عمرو) وهو تصحيف، والصحيح (ابن عمر) وهو عيسى بن عمر البصري الثقفي المقرئ النحوي، كان في طبقة أبي عمرو بن العلاء، وعنه أخذ الخليل، توفي سنة تسع وأربعين ومائة. انظر ترجمته في: "طبقات النحويين واللغويين" ص 40، "نزهة الألباء" ص 28، "إنباه الرواة" 2/ 374، "معجم الأدباء" 4/ 519، "وفيات الأعيان" 3/ 486.]]:
جَلَاهَا الصَّيْقَلُونَ فَأخْلَصوهَا ... خِفَافاً كُلُّهَا يَتَّقِي بِأَثْرِ [[البيت لخفاف بن ندبة، يذكر السيف. والصيقلون: جمع صيقل وهو شحاذ السيوف == وجلاؤها، يقول: جلوا تلك السيوف حتى إذا انظر الناظر إليها اتصل شعاعها بعينه فلم يتمكن من النظر إليها، فكلها يستقبلك بفرنده، و (يتقى) مخفف (يتقى) وهذا مكان الشاهد من البيت. ورد البيت في (إصلاح المنطق) ص 23، "تهذيب اللغة" (تقى) 1/ 444، "الصحاح" (وقى) 6/ 2527، "معجم مقاييس اللغة" (أثر) 1/ 56، "الخصائص" 2/ 286، "اللسان" (أثر) 1/ 26، (وقى) 8/ 4902.]] أي: كلها يستقبلك بفرنده [[في (ج): (بفيرنده). (إصلاح المنطق) ص 4، "التهذيب" (تقى) 1/ 444.]].
وقال أوس بن حجر:
تَقَاكَ بِكَعْب وَاحِدٍ وَتَلَذُّهُ ... يَدَاكَ إذَا مَا هُزَّ بالكَفِّ يَعْسِلُ [[يصف رمحاً يقول: اتقاك برمح تلذه يداك: أي لا يثقلهما، إذا هز بالكف يعسل أي. يضطرب ويهتز. ورد البيت في "إصلاح المنطق" ص 24، "الخصائص" 2/ 286، "الصحاح" (عسل) 5/ 1765، (وقى) 5/ 2527، "المحكم" 1/ 170، "اللسان" (عسل) 5/ 2946، (وقى) 15/ 403، (أساس البلاغة) (كعب) 2/ 312، "الحجة" لأبي علي3/ 28.]]
أي اتقاك، ومعناه: جعل بينك وبينه كعبا واحدا [[(واحدا) ساقط من (ب).]]، يصف رمحا، يقول [[في (ب). (يقال).]]:كأنه كعب واحد، إذا هززته اهتز [[في (ب): (يهتر) في (ج): (كأنه يقول كأنه كعب).]] كله. وقال أبو سعيد السكري [[هو الحسن بن الحسين بن عبد الله بن عبد الرحمن بن العلاء بن أبي صفرة بن المهلب بن أبي صفرة السكري النحوي، كان ثقة دينا صادقا، انتشر عنه من كتب الأدب شيء كثير (212 - 275 هـ). انظر ترجمته في: "تاريخ بغداد" 7/ 296، "معجم الأدباء" 2/ 478، "إنباه الرواة" 1/ 291، "نزهة الألباء" ص 160.]]: تقاك: وليك منه كعب.
قال: ويقال: إبلك [[في (ب): (ابنك).]] اتقت كبارها بصغارها، أي جعلت الصغار مما يليك [[في (ب): (للصفار ما يليك).]] ووقت أنفسها بها.
وقوله: (تقاك) تقديره [[في (ج): (تقريره).]] (تَعَلَكَ) [[في (ب): (تعلل).]] والأصل: (اتَقَاك)، فحذف (فاء) الفعل المدغمة، فسقطت همزة الوصل المجتلبة لسكونها [[في "الحجة" لأبي علي: (... وأعللتها بالحذف كما أعللتها بالقلب، وليس ذلك بالمطرد وقولهم في المضارع ... إلخ) 3/ 29.]]. وقولهم في المضارع (يتقى) تقديره (يَتَعِل) [[انظر قول السكري في "الحجة" لأبي علي3/ 29.]].
قال الأزهري: اتَّقَى كان في الأصل (اوْتَقَى) فأدغمت الواو في التاء وشددت فقيل (اتَّقَى) ثم حذفوا ألف الوصل، والواو التي انقلبت تاء، فقيل: تَقَى يَتَقِى، بمعنى [[في "التهذيب" (بمعنى: توقي). "التهذيب" (تقى) 1/ 444.]]: استقبل الشيء بالشيء وتوقاه.
قال السكري: وتَقَى يَتَقِى بفتح (التاء) شاذ جدا، لأنه لا يقال: تَضح بمعنى اتَّضح [[في (ب): (بفتح معنى الفتح).]]، ولا تَزَن بمعنى اتَّزَن [[انظر "اللسان" (وقى) 8/ 4902.]].
قال [[(قال) ساقط من (أ) و (ج).]] الأزهري: وإذا قالوا: تَقِيَ يَتْقَى [[في (ب): (تقى يقي).]] فالمعنى: أنه صار تقيا [["تهذيب اللغة" (تقى) 1/ 444.]].
والمراد بالمتقين في هذه الآية: المؤمنون، كذلك قال أهل التفسير في قوله: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ أي: للمؤمنين [[ذكر ابن جرير بسنده عن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب النبي ﷺ (للمتقين): هم المؤمنون، 1/ 100، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 42/ أ.]]، كأنه قال: القرآن بيان وهدى لمن اتقى الشرك، فخص المؤمنين بأن الكتاب بيان لهم دون الكفار الذين لم يهتدوا بهذا الكتاب، فأما من آمن ولم يجتنب الكبائر، فهو داخل في جملة المتقين [[رجح ابن جرير: أن المراد عموم التقوى، ولا تخص معنى دون معنى، ثم قال: فقد تبين إذا فساد قول من زعم أن تأويل ذلك إنما هو. الذين اتقوا الشرك وبرئوا من النفاق، لأنه قد يكون كذلك، وهو فاسق غير مستحق أن يكون من المتقين ... الخ. "تفسير الطبري" 1/ 101، وانظر "تفسير أبي الليث" 1/ 90، وابن عطية 1/ 144]] أيضًا لأنه آمن بموجب الكتاب، واتقى الشرك.
وقيل: إن الكتاب بيان بنفسه ودلالة على الحق، ولكنه أضافه إلى المؤمنين خصوصا، لانتفاعهم به، والكافر لو تأمل القرآن لوجده بيانا، فهو في كونه بيانا في نفسه لا يتخصص بقوم دون قوم، ولكنه أضيف إلى المؤمنين على الخصوص لانتفاعهم به دون الكفار [[ذكره أبو الليث في "تفسيره" 1/ 90، ونحوه في القرطبي 1/ 140 - 141، "زاد المسير" 1/ 24.]] كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا﴾ [النازعات: 45]، وكان ﷺ منذرا لمن يخشى ولمن لم يخش.
وقال ابن الأنباري: معناه: هدى للمتقين والكافرين، فاكتفى بأحد [[في (ب): (بإحدى).]] الفريقين من [[في (ب): (عن).]] الآخر، كقوله: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: 81] وقوله: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾ [آل عمران: 113] أراد وأخرى غير قائمة [[ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" ولم ينسبه لابن الأنباري 1/ 24.]].
وقال أبو ذؤيب [[هو خويلد بن خالد الهذلي، شاعر مجيد مخضرم، أدرك الإسلام وقدم المدينة عند وفاة النبي ﷺ وأسلم، توفي في غزوة افريقية مع ابن الزبير، انظر ترجمته في "الشعر والشعراء" ص 435، "الاستيعاب" 4/ 65، "معجم الأدباء" 3/ 306، "الخزانة" 1/ 422.]]:
فَمَا أَدْرى أَرُشْدٌ طِلابُهَا [[جزء من بيت لأبي ذؤيب الهذلي، من الطويل. وتمامه:
عصاني إليها القلب إني لأمره ... سميع فما أدرى أرشد طلابها
يقول: إن قلبه عصاه فلا يقبل منه، فيذهب إليها قلبه سفها، فأنا اتبع ما يأمرني به، فما أدرى أرشد أم غي. ويروى البيت (عصيت إليها القلب ...). ورد البيت عند الفراء في "معاني القرآن" 1/ 230، وابن قتيبة في "المشكل" ص 215، والسكري في "شرح أشعار الهذليين" 1/ 43، وابن هشام في "مغني اللبيب" 1/ 14، 43، 2/ 628، والبغدادي في "خزانة الأدب" 11/ 251]]
(وأراد: أم غيّ).
والدليل على هذا: أنه قال في موضع آخر: ﴿هُدًى لِّلنَّاسَ﴾ [[سورة آل عمران: 4، كما ورد هذا في ذكر الكتاب الذي أنزل على موسى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ﴾ [الأنعام: 91].]] فجعله هدى للناس عاما، على أنه ليس في الإخبار أنه ﴿هُدًى للِمُتَّقِينَ﴾ ما يدل على أنه ليس هدى لغيرهم.
فأما إعراب ﴿هُدًى﴾ فقال أبو إسحاق [["معاني القرآن" 1/ 33.]]: موضعه نصب من وجهين: أحدهما: أن يكون منصوبا على الحال من قولك: القرآن ذلك الكتاب هدى، فيكون حالا من الكتاب، كأنك قلت: هاديا؛ لأن (هدى) جاء بعد تمام الكلام، والعامل فيه يكون معنى الإشارة في ذلك [[من قوله: فيكون حالا من الكتاب ... إلى (في ذلك) ليس في "المعاني" 1/ 33.]].
والثاني: أن يكون منصوبا على الحال من (الهاء) في قوله: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ كأنك قلت: لا شك فيه هاديا، والعامل فيه معنى ريب [[ذكر قول الزجاج بمعناه 1/ 33، وانظر: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 180، "إملاء ما من به الرحمن" للعكبري1/ 16، "مشكل إعراب القرآن" المكي 1/ 17.]].
والفراء يسمي الحال هاهنا: قطعا [[وبهذا أخذ الكوفيون. انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 130.]]، لأنه قال [["معاني القرآن" للفراء 1/ 45، وانظر "تفسير الطبري" 1/ 99، وقد رد الطبري على الفراء قوله.]]: تجعل ﴿الكتاب﴾ خبرا لـ ﴿ذلك﴾ وتنصب ﴿هدى﴾ [[(هدى) ساقط من (أ) و (ج) وثابت في (ب)، "معاني القرآن" للفراء 1/ 12.]] على القطع، لأن ﴿هدى﴾ نكرة اتصلت بمعرفة، والنكرة لا تكون دليلا على معرفة.
قال: وإن شئت قطعته [[عبارة الفراء: (وإن شئت نصبت (هدى) على القطع من الهاء التي في (فيه) ...) 1/ 12.]] من الهاء التي [[في (ب): (إلى).]] في ﴿فيه﴾، كأنك قلت: لا شك فيه هاديا.
قال أبو إسحاق [["معاني القرآن" 1/ 33.]]: ويجوز أن يكون موضعه رفعا من جهات:
إحداها: أن يكون [[في (ب): (تكون).]] خبرا بعد خبر، كأنه قال: (ذلك الكتاب هدى)، أي قد جمع أنه الكتاب الموعود، وأنه هدى، كما تقول: هذا حلو حامض، أي قد جمع الطعمين [[تعقب أبو علي الفارسي الزجاج في هذا وقال: فالقول في هذا على هذا الوجه مشكل ... ثم شرح وجه إشكاله. انظر: "الحجة" 1/ 198.]].
ويجوز: أن يكون رفعا على إضمار (هو) كأنه لما تم الكلام قيل: هو هدى [[عبارة الزجاج: (.. كأنه لما تم الكلام فقيل: ﴿الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ قيل: هو هدى) 1/ 33.]].
ويجوز: أن يكون الوقف على قولك [[في (ج): (قوله).]]: ﴿لَا رَيْبَ﴾، [أي: ذلك الكتاب لا ريب] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]] ولا شك [[عبارة الزجاج كما في المطبوع: (ويجوز أن يكون رفعه على قولك: (ذلك الكتاب لا ريب فيه) كأنك قلت: ذلك الكتاب حقا ... إلخ) فلعل وجود (فيه) في المطبوع تصحيف. والله أعلم. انظر "المعاني" 1/ 33.]]، كأنك قلت: ذلك الكتاب حقا، لأن (لا شك) بمعنى: حق، ثم قيل [[(قيل) ساقط من (ب).]] بعد (فيه هدى) [[انتهى كلام الزجاج. أنظر "المعاني" 1/ 33، وانظر "معاني القرآن" للفراء ص 44، "تفسير الطبري" 1/ 99، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 129 - 130، "المشكل" لمكي1/ 17، و"إملاء ما من به الرحمن" 1/ 11.]].
فإن قيل: كيف قال: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [[(فيه) ساقط من (ب).]]، وقد ارتاب فيه المرتابون؟ قيل: معناه أنه حق في نفسه وصدق، وإن ارتاب المبطلون [[ذكره بمعناه أبو الليث 1/ 90، وابن الجوزي في "زاد المسير" واستشهد بالبيت 1/ 24.]]، كما [[(كما) ساقط من (ب).]] قال الشاعر: ليس في الحق يا أُمَيمةَ [[في (ب): (أمية).]] رَيْبٌ ... إنَّما الرَّيْبُ ما يَقُول الكَذُوبُ [[البيت لعبد الله بن الزبعرى ورد في الماوردي 1/ 67، رسالة دكتوراة "زاد المسير" 1/ 24، والقرطبي1/ 138، "البحر المحيط" 1/ 33، "الدر المصون" 1/ 86.]]
فنفى الريب عن الحق، وإن كان المتقاصر في العلم يرتاب [[أي فالاعتبار لمن كان معه من الأدلة ما لو تأمله المنصف المحق لم يرتب فيه، ولا
اعتبار لمن وجد منه الريب، لأنه لم ينظر حق النظر. "الفتوحات الإلهية" 1/ 11.]]. ويجوز: أن يكون خبرا في معنى النهي [[في (ب): (الأمر).]]، ومعناه: لا ترتابوا [[في (ب): (لا يرتابوا).]]، كقوله: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ [[في (ب) لفظ (ولا فسوق) مكرر.]] وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [[ذكر هذا الكلام ابن الجوزي في "زاد المسير"، ونسبه للخليل، وابن الأنباري 10/ 23، وقد أجاب الواحدي عن السؤال بجوابين، وهناك جواب ثالث: وهو أنه مخصوص والمعنى (لا ريب فيه عند المؤمنين)، والجواب الأول أحسنها. ذكر ذلك الجمل في "الفتوحات الإلهية" 1/ 11.]] [البقرة: 197].
البقرة 2:3
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ﴾.
قال الزجاج [["معاني القرآن" 1/ 33.]]: موضع ﴿الَّذِين﴾ جر، تبعا ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾، ويجوز أن يكون موضعه [[في "معاني القرآن" (موضعهم) قال المحقق: وهو ناظر فيه إلى معنى الكلمة 1/ 33.]] رفعا على المدح، كأنه لما قيل: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾، قيل: من هم؟ فقيك: هم ﴿الَّذِينَ﴾، ويجوز أن يكون موضعه نصبا على المدح، كأنه قيل: أذكر [[في (ب): (اذكروا) مكررة.]] الذين [[انتهى من "معاني القرآن" للزجاج 1/ 33، 34، وانظر: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 131، "الإملاء" للعكبري 1/ 11.]].
وقوله تعالى: ﴿يُؤمِنوُنَ﴾ قال الأزهري: اتفق العلماء أن (الإيمان) معناه: التصديق، كقوله [[في "تهذيب اللغة": (اتفق العلياء من اللغويين وغيرهم أن الإيمان معناه: التصديق، وقال تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا﴾ "تهذيب اللغة" (أمن) 1/ 210. وقد اعترض بعض العلماء على دعوى الإجماع على أن الإيمان معناه في اللغة التصديق. قال ابن أبي العز في "شرح العقيدة الطحاوية": (وقد اعترض على استدلالهم بأن الإيمان في اللغة عبارة عن التصديق، بمنع الترادف بين التصديق والإيمان، وهب أنه يصح في موضع فلم قلتم إنه يوجب الترادف مطلقا؟) "شرح الطحاوية" ص 321. وقال ابن تيمية في معرض رده على من ادعى إجماع أهل اللغة على أن الإيمان معناه التصديق، قال: (... قوله إجماع أهل اللغة قاطبة على أن الإيمان قبل نزول القرآن هو التصديق، فيقال له: من نقل هذا الإجماع ومن أين يعلم هذا الإجماع؟ وفي أي كتاب ذكر هذا الإجماع؟ ...) ثم ذكر وجوها كثيرة في رد هذِه الدعوى. انظر كتاب الإيمان ضمن "مجموع الفتاوى" 7/ 123 - 130. وعلى فرض أن معنى الإيمان في اللغة (التصديق) فإن الشارع استعمله في معنى اصطلاحي خاص، كما استعمل الصلاة والزكاة في معان شرعية خاصة زائدة على المعنى اللغوي. انظر. "مجموع الفتاوى" 7/ 298.]]: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ [يوسف: 17]. أي: بمصدق.
ومعنى التصديق: هو اعتقاد السامع صدق [[في (ب): (مع صدق).]] المخبر فيما يخبر، وأصله في اللغة: الطمأنينة إلى الشيء، من قولهم: أمن يأمن أمنا، إذا اطمأن وزال [[في (ب): (وزوال).]] الخوف عنه.
وآمنت فلانا، إذا جعلته يطمئن وتسكن نفسه. وآمن بالله ورسوله إذا صدقهما واثقا [[في (ب): (واقي).]] بذلك مطمئنا إليه.
قال الأزهري: وإنما قلت: إن المؤمن معناه: المصدق، لأن الإيمان مآخوذ من الأمانة، والله يتولى علم السرائر ونية العقد [[في (ب): (العبد).]]، وجعل تصديقه أمانة ائتمن كل من أسلم على [[في (ب): (عن).]] تلك الأمانة، فمن [[في (ب): (فقد).]] صدق بقلبه فقد أدى الأمانة، ومن كان قلبه على خلاف ما يظهره بلسانه فقد خان، والله حسيبه.
وإنما قيل للمصدق: مؤمن، وقد آمن؛ لأنه دخل في أداء الأمانة التي ائتمنه الله عليها [[نقل كلام الأزهري بمعناه، انظر "التهذيب" (أمن) 1/ 211.]].
وأنشد ابن الأنباري على أن (آمن) معناه: صدّق [["تهذيب اللغة" (أمن) 1/ 211، وانظر "الزاهر" 1/ 203.]] قول الشاعر:
وَمِنْ قَبْلُ آمنَّا وَقَدْ كَانَ قَوْمُنَا ... يُصلُون للأوْثَانِ قَبْلُ مُحَمَّدَا [[البيت أنشده ابن الأنباري في "الزاهر" بدون عزو 1/ 203، وكذلك الأزهري في "التهذيب"، (أمن) 1/ 212، "اللسان" (أمن) 1/ 142.]]
معناه: من قبل آمنا محمدا، [أي صدقنا محمدا] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب) و (ج).]] فمحمدا منصوب بمعنى التصديق [[انظر كلام ابن الأنباري في "الزاهر" 1/ 202، 203.]].
قال أبو علي الفارسي [["الحجة" 1/ 220.]]: ويجوز من حيث قياس اللغة، أن يكون (آمن) [صار ذا أمن] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب) وفي (ج) (ذا أمر).]]، مثل: أجدب، وأعاه [[في "الحجة": (أجرب، وأقطف، وأعاه) 1/ 220.]]، أي: صار ذا عاهة في ماله، فكذلك (آمن) صار ذا (أمن) في نفسه وماله بإظهار الشهادتين، كقولهم: أسلم، أي: صار ذا سلم، وخرج عن أن يكون حربا مستحل المال والدم [[انتهى ما نقله عن "الحجة" لأبي علي 1/ 220، وانظر بقية كلام أبي علي ص 226 حيث أفاد أن الإيمان بمعنى التصديق ليس على إطلاقه في كل موضع.]].
والقول في معنى الإيمان: ما قاله الأزهري [[أي بمعنى التصديق، فإن أراد المعنى اللغوي، فقد سبق ذكر اعتراض بعض العلماء عليه، وإن أراد المعنى اللغوي والشرعي فهذا مردود، فإن معنى الإيمان عند السلف: تصديق القلب ونطق (اللسان)، وعمل الجوارح. ولو قلنا: إن الإيمان في اللغة التصديق، فإن الشارع استعمله في معنى أوسع من ذلك، كما استعمل الصلاة والزكاة وغيرها من المصطلحات الشرعية التي نقلت من معناها اللغوي إلى معنى شرعي خاص، أو أن الشارع لم ينقلها ولم يغيرها، ولكن استعملها مقيدة لا مطلقة.
انظر: "شرح العقيدة الطحاوية" ص314 - 332، "مجموع الفتاوى" 7/ 170، 287، 298.]].
على أن أبا القاسم الزجاجي شرح معنى الإيمان بما هو أظهر مما ذكره الأزهري، وهو أنه قال [[لم أجده فيما اطلعت عليه من كتب الزجاجي والله أعلم.]]: معنى التصديق في الإيمان لا يعرف من طريق اللغة إلا بالاعتبار والنظر، لأن حقيقته ليست للتصديق، ألا ترى أنك إذا صدقت إنسانا فيما يخبرك به، لا تقول: آمنت به، لكنك إذا نظرت في موضوع [[في (ب): (موضع).]] هذه الكلمة وصرّفته حق التصريف، ظهر لك من باطنها معنى يرجع إلى التصديق [[إذا حقيقة الإيمان في أصلها ليست للتصديق فقط، وإن كان التصديق أحد معانيها، == كما ذكر: أنك إذا صدقت إنسانا فيما يخبرك به لا تقول: آمنت، وبهذا استدل من قال. إن الإيمان والتصديق ليسا مترادفين على الإطلاق.
قال شارح الطحاوية: (ومما يدل على عدم الترادف، أنه يقال للمُخْبَر إذا صدَّق: صدقه، ولا يقال: آمنه، ولا آمن به، بل يقال: آمن له، كما قال تعالى: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ [العنكبوت:26]. ﴿فَمَآءَامَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِيَّهُ مِّن قَومِهِ عَلىَ خَوْفٍ﴾ [يونس:83]. وقال تعالى: ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: 61] ففرق بين المعدى بالباء والمعدى باللام، فالأول يقال للمُخْبَر به، والثاني للمُخْبِر ..) "شرح الطحاوية" ص321، وانظر: "مجموع الفتاوى" 7/ 290.]].
وذلك أن (آمن) أَفْعَل، من (أَمِنَ)، والواحد إذا قال: آمنت بالله. [فإن (آمنت) فعل متعد، ومعناه: آمنت نفسي، أي: جعلتها في أمان الله بتصديقي [[في (ب): (تصديقي).]] إياه، لأن الأمن من عذاب الله لا يحصل إلا بتصديقه، فإذا صدقه فقد آمن نفسه [[في (ب). (آمن من نفسه).]]، فصار التصديق إيمانا للعبد، وجاز أن يعبر عن الإيمان بالتصديق، لأن أحدهما سبب للآخر [[في (ب): (الآخر).]].
و (الباء) في قولك: (آمنت بالله)] [[ما بين المعقوفين مكرر في (ب).]] ليست (باء) التعدية، إنما هي (باء) الإلصاق التي يسميها [[في (ب): (يسموها).]] النحويون (باء) الاستعانة [[سماها شارح الطحاوية باء التعدية، لكن هناك فرق بين المعدى بالباء والمعدى باللام، فالمعدى بالباء للمخبر به، وباللام للمخبر. انظر: "شرح الطحاوية" ص 321، "مجموع الفتاوى" 7/ 288.]]، كما تقول: قطعت القلم بالسكين.
كذلك وقع إيمان النفس من العذاب بتصديق الله، وحذف المفعول من قولهم: (آمنت بالله) لدلالة المعنى عليه، كقولهم: حمل فلان على العدو، أي: سلاحه أو نفسه، هذا هو الأصل في الإيمان، ثم جعل الإيمان بمعنى التصديق في قوله: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ [يوسف: 17] أي: بمصدق [[قال الفارسي: (وأما قوله: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ فليس المعنى على: ما أنت بمصدق لنا ولو كنا صادقين عندك؛ لأن الأنبياء لا تكذب الصادقين، ولكن المعنى: ما أنت واثقا، ولا غير خائف الكذب في قولنا ... فمؤمن هنا من آمن، أي صار ذا أمن أو صار ذا ثقة ...). "الحجة" 1/ 226، 227، ونحو هذا قال ابن تيمية في الآية، إنها بمعنى: أي بمقر لنا ومصدق لنا، لأنهم أخبروه عن غائب ...). "الإيمان الأوسط" ص 71.]]، ولم يقل: (بنا) لأنه أريد ها هنا التصديق الخالص، لا إيمان بالنفس من العذاب، كما أريد ذلك في قولهم: (آمنت بالله)
وأما الفرق بين الإيمان والإسلام فسنذكره عند قوله: ﴿قُل لم تُؤمِنُواْ وَلَكن قُولُوا أسلمَنَا﴾ [[في (ب): ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾.]] [الحجرات: 14] إن شاء الله.
وسمي أحدهما [[أي: الإيمان والإسلام.]] باسم الآخر [[ذكره أبو علىِ الفارسي، انظر: "الحجة" 1/ 220. قال ابن كثير -رادا على من قال ذلك- عند تفسير قوله تعالى: ﴿فأَخرَجنا مَن كاَنَ فِيهَا مِنَ المُؤمنِينَ (35) فما وَجدنَا﴾ الآية قال: (احتج بهذِه من ذهب إلى رأي المعتزلة ممن لا يفرق بين مسمى الإيمان والإسلام، لأنه أطلق عليهم المؤمنين والمسلمين، وهذا الاستدلال ضعيف، لأن هؤلاء كانوا قوما مؤمنين، وعندنا أن كل مؤمن مسلم، ولا ينعكس، فاتفق الإسمان هاهنا لخصوصية الحال، ولا يلزم ذلك في كل حال)، "ابن كثير" 4/ 2498. ط. دار الفكر.]] مجازا وتوسعا، كقوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (35) فَمَا وَجَدْنَاَ﴾ الآية [الذاريات: 35، 36].
وفي بعض القراءات ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾ [المنافقون: 2] بكسر الألف [[قراءة الجمهور بالفتح، وبالكسر قراءة الحسن. انظر: "المحتسب" 2/ 315، 322، "البحر" 8/ 271، "القراءات الشاذة" للقاضي ص 72.]]، بمعنى الشهادة باللسان [[في (ب): (اللسان). انظر: "الحجة" 1/ 222.]].
وفي قوله ﴿يُؤمِنُونَ﴾ قراءتان، تحقيق الهمزة وتليينها [[قرأ ورش عن نافع، وأبو عمرو (يومنون) بغير همز، وبقية السبعة يهمزون. انظر "الحجة" لأبي علي1/ 214، "حجة القراءات" لابن زنجلة ص 84.]].
فمن حقق، فحجته [[نقله عن "الحجة" لأبي علي، قال في "الحجة": (الإعراب: لا تخلو الألف في (آمن) من أن تكون زائدة، أو منقلبة، وليس في القسمة أن تكون أصلا. فلا يجوز أن تكون زائدة لأنها ...) 1/ 235.]]: أن الألف في (آمن) لا تخلو إما أن تكون زائدة، أو منقلبة، فلا [[في (ب): (ولا يجوز).]] يجوز أن تكون زائدة، لأنها لو كانت كذلك لكان (فَاعَل) [ولو كان (فَاعَل)،] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ج).]] كان مضارعه (يُفَاعِل) فلما كان مضارعه (يؤمن) دل على أنها غير زائدة، فإذا لم تكن زائدة كانت منقلبة، ولا يخلو أنقلابها من أن يكون عن: (الواو) أو عن (الياء) أو عن (الهمزة)، ولا يجوز أن تكون منقلبة عن (الواو)، لأنها في موضع سكون، [وإذا كانت في موضع سكون] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]] وجب تصحيحها، وبمثل هذه الدلالة لا يجوز انقلابها عن (الياء)، فإذا [[في (ب): (وإذا).]] لم يجز انقلابها عن (الواو) ولا عن (الياء) ثبت أنها منقلبة عن (الهمزة)، وإنما انقلبت عنها ألفا لوقوعها ساكنة بعد حرف مفتوح، كما أنها إذا خففت في: (بأس) و (رأس) [[في (ج): (ووأس).]] و (فأس) انقلبت عنها ألفا لسكونها وانفتاح ما قبلها [[بنصه في "الحجة" 1/ 235، وانظر "الكتاب" 3/ 543.]]، كذلك قلبت في نحو: (آمن) و (آتى) [[في جميع النسخ (ااتى) ورسمتها حسب ما في "الحجة" 1/ 235.]]، وفي الأسماء: نحو (آدر) [[الآدر: وهو المنتفخ الخصية. انظر: "اللسان" (أدر) 1/ 44.]] و (آدم)، و (آخر) إلا أن الانقلاب هاهنا لزمها لاجتماع الهمزتين، والهمزتان إذا اجتمعتا في كلمة لزم الثانية منهما القلب بحسب الحركة التي قبلها إذا كانت ساكنة، نحو: (آمن) و (اوتمن) و (ايذن) [[(ائذن) مكانها بياض في (ب).]]، و (ايتنا) [[انظر بقية كلام أبي علي في "الحجة" 1/ 236، وما بعده نقله من موضع آخر 1/ 238 حيث قال أبو علي: (أما حجة من قرأ (يؤمنون) بتحقيق الهمز، فلأنه إنما ترك الهمز في (أومن) لاجتماع الهمزتين ...)، 1/ 238، 239.]].
فمن حقق [[في (ج): (خفف).]] (الهمز) في ﴿يؤمنون﴾ فلأنه إنما ترك (الهمز) من (أومن) لاجتماع الهمزتين، كما أن تركها في (آمن) كذلك [[في (أ)، (ج): (لذلك) واخترت ما في ب، لأنه أصح وموافق ما في "الحجة" 1/ 238.]]، فلما زال اجتماعها مع سائر الحروف المضارعة سوى [[في (ب): (سرى).]] الهمزة، رد [[في (ب): (ورد).]] الكلمة إلى الأصل فهمز؛ لأن الهمز من (الأمن) و (الأمنة) فاء الفعل.
ومما [[في (ب): (وما).]] يقوي الهمزة [[في (ج): (أن الهمزة أن من تركها).]] أن من تركها إنما يقلبها (واوا) [[في (ب): (واو).]] ساكنة وما قبلها متحرك بالضم، و (الواو) الساكنة إذا انضم ما قبلها فقد استجازوا قلبها [[في (ب): (قبلها).]] همزة.
يدل [[في (ب): (نيل).]] على هذا، ما ذكره المازني عن الأخفش، قال [[في "الحجة": (قال محمد بن يزيد: أخبرني أبو عثمان، قال: أخبرني الأخفش قال: كان أبو حية النميري يهمز كل واو ساكنة قبلها ضمة وينشد:
لَحُبَّ المُؤقِدَانِ إلى مُؤْسَى
وتقدير ذلك أن الحركة ... إلخ) 1/ 239.]]: كان أبو حية النميري يهمز كل واو ساكنة قبلها ضمة نحو: (مؤسى) [[(موسى) غير مهموزة في جميع النسخ، وهمزتها كما في "الحجة" 1/ 139.]] وأشباهه.
وتقدير ذلك: أن الحركة لما كانت تلي الواو من (مؤسى) [[انظر التعليق السابق.]] صارت كأنها عليها، والواو إذا تحركت بالضمة أبدل منها الهمزة.
وإذا جاز إبدال (الهمزة) من (الواو الساكنة) التي قبلها ضمة، واجتلابها وإن لم تكن من الكلمة، فالهمزة التي هي أصل في الكلمة أولى بالتحقيق، وأن لا يبدل منها الواو.
وحجة من لم يهمز [["الحجة" 1/ 240.]]: أن هذه الهمزة قد لزمها البدل في مثالين من الفعل المضارع والماضي، نحو [[في "الحجة" (فالماضي نحو: ..) 1/ 240.]]: (آمن) و (أُومِنَ)، والمضارع نحو: (أُومِنُ) ولم يجز تحقيقها في هذه المواضع، وهذا القلب الذي يلزمنا [[في "الحجة" (يلزمها) 1/ 240.]] في المثالين إعلال لها، والإعلال إذا لزم مثالا أتبع سائر الأمثلة العارية من موجب الإعلال كإعلالهم: (يقوم)، و (لقام)، و (يُكْرِم) [[في (ب): (يلزم).]] من أجل (أُكْرِمُ) [[أصل (أُكْرِم) (أُؤكْرِمُ) مضارع (أَكْرَمَ)، ثم حذفت الهمزة في (أُؤَكْرِم) لاجتماع الهمزتين، ثم حملت الياء في (يُكرم) على الهمزة في (أكرم) فحذفت الهمزة معه مثل حذفها مع (أُكْرِم) ليتفق الباب. انظر "سر صناعة الإعراب" 1/ 385.]] و (أَعِدُ) (لِيَعِد) [[لأن الواو في (يَعِد) حذفت لوقوعها بين ياء وكسرة، وحملت الهمزة في (أعد) على ذلك، وحذفت الواو معها حتى لا يختلف الباب. انظر: "سر صناعة الإعراب" 1/ 385.]]، فوجب على هذا أن يختار [[في (ج): (تختاريتك).]] ترك الهمزة في ﴿يؤمنون﴾، ليتبع قولهم ﴿يؤمنون﴾ في الإعلال المثالين الآخرين [[أي الإعلال في الماضي نحو (آمن)، والمضارع (أُومِنُ).]]، لا على التخفيف القياسي [[أي أن حذف الهمزة في (يؤمنون) إعلال لا تخفيف قياسي. والتخفيف القياسي ما ذكره سيبويه بقوله: (وإن كان ما قبلها مضموماً -أي الهمزة- فأردت أن تخفف، أبدلت مكانها واوا، وذلك قولك في (الجؤنة) و (البؤس) و (المؤمن): الجونة والبوس والمومن) "الكتاب" 3/ 543.]] نحو: (جونة) في (جؤنة) [[في (ب): (جونة). و (الجؤنة): سليلة مستديرة مغشاة بجلد، يستعملها العطار ظرفا للطيب. انظر: "تهذيب اللغة" (جون) 1/ 6893.]]، و (بوس) في (بؤس) [[إلى هنا انتهى ما نقله الواحدي عن "الحجة" 1/ 240.]].
وأيضًا فإن [[في (ب) سقط وتصحيف فالنص فيها: (وأيضًا، قال في حرف المضارعة انقلب ذلك الألف صادق حرفاً).]] حرف المضارعة المضموم صادف حرفا منقلبا ألف قبل أن يلحقه حرف المضارعة، فلما ولي المضموم من حرف المضارعة، انقلب ذلك الألف واوا، وأي [[(الواو) ساقطة من (ب).]] مرضع للهمزة [[في (ب): (للهمز).]] هاهنا.
وقوله تعالى: ﴿بِالْغَيْبِ﴾ [[في (ب): (الغيب) تصحيف.]] الغيب: مصدر غاب يغيب غيبا، وكل [[في (ب): (وكلما)]] ما غاب عنك فلم تشهده فهو غيب [[انظر: " تفسير الطبري" 1/ 102، و"ابن عطية" 1/ 146، و"تفسير القرطبي" 1/ 142.]]، قال الله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ [[هذا جزء من آية وردت في مواضع وهي: 73 من الأنعام، و 94 و 105 من التوبة و 9 من الرعد، و 92 من المؤمنون، و 6 من السجدة و 46 من الزمر، و 22 من الحشر، و 8 من الجمعة، و 18 من التغابن.]] والعرب تسمى [[(تسمى) ساقط من (ج).]] المطمئن من الأرض: الغيب [["تهذيب اللغة" (غاب) 3/ 2616.]]، لأنه غاب عن الأبصار.
ومه قول لبيد:
وَتَسمَّعَت رِزَّ الأَنِيس فرَاعَها ... عَن ظَهْرِ [[في (ج): (صهر).]] غَيْبٍ والأنيسُ سَقَامُها [[البيت في "ديوان لبيد"، وروايتة: (وتوجست رز ..) ويروى: (.. ركز الأنيس) == وهو يصف بقر الوحش، والرز والركز: الصوت الخفي، عن ظهر غيب: من وراء حجاب، وقوله: والأنيس سقامها: لأنهم يصيدونها فهم داؤها. انظر "شرح ديوان لبيد" ص 311، وهو في "المخصص" لابن سيده 2/ 137. بمثل رواية الديوان، وبدل (راعها) (رابها). وفي "البحر المحيط" 6/ 198.]] قال شمر [[هو شمر بن حمدويه الهروي، اللغوي الأديب، لقي أبا عبيدة، وابن الأعرابي، والأصمعي والفراء وغيرهم، ألف كتابا كبيرا في اللغة على حروف المعجم، وفقد بعده، توفي سنة خمس وخمسين ومائتين.
انظر: "إنباه الرواة" 2/ 77، "معجم الأدباء" 3/ 410، "إشارة التعيين" ص141.]]: وكل مكان لا يدرى ما فيه فهو غيب، وكذلك الموضع الذي لا يدرى ما وراءه وجمعه غيوب [[ذكره الأزهري في "تهذيب اللغة" (غاب) 3/ 2621.]]، ومنه قوله:
وللفؤاد وجيب تحت أبهره ... لدم [[في (ب): (دم).]] الغلام وراء الغيب بالحجر [[البيت لابن مقبل. (الوجيب): تحرك القلب تحت الأبهر، و (اللدم): الضرب، و (الغيب): ما كان بينك وبينه حجاب، يقول: إن للقلب صوتا يسمعه ولا يراه، كما يسمع صوت الحجر الذي يرمى به الصبي ولا يراه. ورد البيت في "تهذيب اللغة" (بهر) 1/ 401، "الصحاح" (بهر) 2/ 598، "معجم مقاييس اللغة" (لدم) 5/ 243، "الزاهر" 1/ 398، 552، "أساس البلاغة" (لدم) 2/ 338، و"اللسان" (بهر) 1/ 370، (لدم) 4/ 3255.]]
وقال أبو زيد: يقال: بدا غَيَّبَان العود، إذا بدت عروقه التي تغيبت في الأرض لحفر السيل [[لم أجده في "نوادر أبي زيد"، وذكره الأزهري نحوه ولم ينسجه لأبي زيد. "تهذيب اللغة" (غاب) 3/ 2616.]].
والمراد بالغيب المذكور هاهنا: ما غاب علمه [[في (ب): (محله).]] وعن الحس والضرورة [[قال البيضاوي: والمراد به: الخفي الذي لا يدركه الحس، ولا يقتضيه بديهة العقل 1/ 7.]] مما يدرك بالدليل [[الغيب قسمان. قسم لا دليل عليه وهو المعني بقوله: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام: 59]، وقسم نص عليه دليل كوجود الخالق سبحانه، واليوم الآخر، وغير ذلك من أمور الغيب، وهو المراد هنا، أي: يستدلون عليه فيؤمنوا به. انظر البيضاوي 1/ 7، والرازي 2/ 23.]]،
ولذلك [[في (ب): (وكذلك).]] استوجبوا حسن الثناء بالإيمان بالغيب، لأنه تصديق بما أخبروا به مما لا يعلم حسا وضرورة، ويكون العلم به مكتسبا، فيدخل [[في (ج): (يدخل).]] في جملة هذا ما أخبر عنه الرسول عليه السلام من أمر الجنة والنار والوعد وغير ذلك [[انظر "معاني القرآن" للزجاج 1/ 35.]].
قال أبو العالية في قوله: ﴿يُؤمِنوُنَ بِالغيَب﴾ قال: يؤمنون بالله [[في (ب): (به).]]، وملائكته وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وجنته، وناره، ولقائه [[(الواو) ساقطة من (ب).]]، وبالبعث بعد [[في (ب): (هذا).]] الموت [[ذكره الثعلبي بسنده عن الربيع عن أبي العالية 1/ 46 أ، وأخرجه ابن جرير عن الربيع بن أنس. قال شاكر: لعل ذكر: عن أبي العالية سقط من الإسناد من نسخ الطبري، لثبوته عند الناقلين عنه. الطبري 1/ 237 (ط. شاكر)، وأخرجه ابن أبي حاتم في (تفسيره) 1/ 36، وذكره ابن كثير 1/ 44، "الدر" 1/ 60.]].
وكأن هذا إجمال ما فصل في قوله: ﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ [البقرة: 285] وقال عطاء [[هو عطاء بن أبي رباح، المكي، القرشي مولاهم، روى عن عدد من الصحابة، كان ثقة فقيهًا عالمًا، توفي سنة أربع عشرة ومائة من الهجرة. انظر ترجمته في "طبقات ابن سعد" 5/ 467، "سير أعلام النبلاء" 5/ 78، "تهذيب التهذيب" 3/ 101.]]: من آمن بالله آمن بالغيب [[أخرجه ابن أبي حاتم عن عطاء بن أبي رباح، قال المحقق: رجال إسناده ثقات ابنِ أبي حاتم 1/ 178 (رسالة دكتوراه). وأخرجه الثعلبي بسنده عن عطاء قال: ﴿الًذِين يُؤمنوُنَ بِالغيبِ﴾ قال: هو الله عز وجل من آمن بالله فقد آمن بالغيب. الثعلبي في 1/ 46 ب، وذكره ابن كثير 1/ 181.]].
وكذلك روى أبو العباس عن ابن الأعرابي [[هو محمد بن زياد الأعرابي، مولى العباس بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس، كان راوية للأشعار نحويا، كثير الحفظ، توفي سنة إحدى وثلاثين ومائتين. انظر ترجمته في: "طبقات النحويين واللغويين" ص 195، "إنباه الرواة" 3/ 128، "نزهة الألباء" ص 119.]] في قوله: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ قال [[في (ب): (ملا).]]: يؤمنون بالله. قال [[(قال) ساقط من (ب).]]: والغيب- أيضًا- ما غاب عن العيون وإن كان محصلا في القلوب [["تهذيب اللغة" (غاب) 3/ 2616.]].
قال أبو إسحاق: وكل ما غاب عنهم مما أخبرهم به النبي ﷺ فهو غيب. [["معاني القرآن" للزجاج 1/ 35.]]. هذا طريق المفسرين في معنى (الغيب).
ولأهل المعاني فيه طريق آخر [[ما ذكره قال به عدد من المفسرين، ولم أجد أحدا من أهل المعاني فيما اطلعت عليه قال به، بل كلام الزجاج السابق بخلافه وهو أحد أهل المعاني، فلا وجه لتخصيص أهل المعاني بالذكر.]]، وهو أن معنى قوله: {يُؤِمنوُنَ بِالغَيْبِ} أي: يؤمنون إذا غابوا عنكم، ولم يكونوا كالمنافقين [[ذكره ابن عطية 1/ 145، والزمخشري في "الكشاف" 1/ 128، والرازي 2/ 27، وابن كثير 1/ 44، والبيضاوي 1/ 7.]] الذين يقولون إذا خلوا إلى شياطينهم: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة: 14]، ويقوي هذا الوجه قوله: ﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾ [الملك: 12]، وقوله: ﴿من خشي الرحمن بالغيب﴾ [ق:33]، والجار والمجرور هاهنا في موضع (الحال)، أي: يؤمنون غائبين عن مراءاة الناس، لا يريدون بإيمانهم تصنعا لأحد.
وقوله تعالى: ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾:
أي: يديمونها [[أنظر: "تفسير أبي الليث" قال: يقيمون الصلاة يحافظون على الصلوات، وقد قيل: معنى يقيمون أي: يديمون الصلاة، 1/ 980. وذكره ابن الجوزي وعزاه لابن كيسان، "زاد المسير" 1/ 25.]]، ويحافظون عليها، ويقال: قام الشيء إذا دام وثبت، وأقامه إذا أدامه [[في (ب): (دام).]]، والذي يدل على أن قيام الشيء إنما يعنى به دوامه وثباته [[انظر. "التهذيب" (قام) 3/ 2864، "اللسان" (قوم) 6/ 3782.]] ما أنشده أبو زيد:
إنِّي إذَا لم يُنْدِ حَلْقاً رِيقُه ... وَرَكَدَ السَّبُّ فَقَامَتْ سُوقُهْ [[أبيات من الرجز أنشدها أبو زيد في "النوادر" مع أبيات أخرى ولم يعزها، "النوادر" ص 169، وذكر ابن الأنباري في "المذكر والمؤنث" البيت الثاني (وركد السب .. إلخ) مع بيت آخر ص355، وكذا ورد البيت الثاني في "المخصص" 17/ 21.]]
والراكد: الدائم الثابت [[في "غريب الحديث" لأبي عبيد: الدائم الراكد الساكن، 1/ 137، وانظر: "تهذيب اللغة" (دام) 2/ 1134، (الزاهر) 2/ 372.]]، ومن ثم قيل: ماء راكد، وماء دائم.
ومن هذا يقال: أقام القوم سوقهم إذا أداموها وواظبوا [[في (ب): (ووضبوا).]] عليها [[انظر: "تفسير الطبري" 1/ 104.]].
قال أبو علي الفارسي: وهذا التفسير أشبه من أن يفسر بـ (يتمونها) [[وبهذا أخذ الزجاج حيث قال: معناه يتمون الصلاة، كما قال: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: 196]. "المعاني" 1/ 35. وقال ابن جرير: إقامتها. أداؤها بحدودها وفروضها والواجب فيها، على ما فرضت عليهم 1/ 104، وانظر ابن كثير 1/ 45.]]. وأما (الصلاة) فمعناها في اللغة: الدعاء [[أنظر: الطبري 1/ 104، "تهذيب اللغة" (صلى) 2/ 2049.]]، ومنه الحديث: "إذا دعي أحدكم إلى طعام فليجب، فإن كان مفطرا فليطعم وإن كان صائما فليصل" [[الحديث أخرجه مسلم عن أبي هريرة (14312) في كتاب النكاح، باب: الأمر بإجابة الدعوة دون قوله (إلى طعام)، وأبو داود بمثل رواية مسلم (2460) في كتاب الصوم، باب. في الصائم يدعى إلى وليمة، وأخرج (3736) في كتاب الأطعمة، باب: ما جاء في إجابة الدعوة، نحوه عن ابن عمر.
وأخرجه الترمذي (7980) في كتاب الصيام، باب: ما جاء في إجابة الدعوة دون قوله: (فإن كان مفطرا فليطعم) في لفظه (إلى طعام)، وأحمد في "مسنده" 2/ 507، 2/ 489 دون قوله (فإن كان مفطرا فليطعم).]] قال أبو عبيد: قوله: "فليصل" أي: فليدع له بالبركة والخير، وكل داع فهو مصل [[في "غريب الحديث": (قال: قوله: فليصل ... قال أبو عبيد: كل داع فهو مصل) في الهامش: قالا: أي ابن علية ويزيد. أنظر "غريب الحديث" لأبي عبيد 1/ 110. فالكلام الأول نقله أبو عبيد، والمؤلف هنا نقل من الأزهري وتابعه في نسبة النص لأبي عبيد، "التهذيب" (صلى) 2/ 2049.]].
قال الأعشى: عَلَيْكِ مثل الذي صَلَّيْتِ فَاغْتَمِضي ... نَومًا [[في (ب): (يوما) وهي رواية للبيت.]] فإنَّ لِجَنْبِ المرءِ مُضْطَجعا [[البيت في "ديوان الأعشى" ص 106، وهو من قصيدة يمدح بها (هوذة بن علي الحنفي) ويروى: (يوما) بدل (نوما) ذكره أبو عبيدة في "المجاز"، وقال: فمن رفع (مثل) جعله. عليك مثل الذي قلت لي ودعوت لي به، ومن نصبه جعله. أمرا، يقول: عليك بالترحم والدعاء لي، وذكره الزجاج في "معاني القرآن" 1/ 214، وابن الأنباري في "الزاهر" 1/ 139، وأبو بكر بن عزيز في "معرفة اشتقاق أسماء نطق بها القرآن" 2/ 539 رسالة ماجستير، وأبو عبيد في "غريب الحديث" 1/ 111، والأزهري في "التهذيب" (صلى) 2/ 2049، وورد في "الدر المصون" 1/ 92 و"القرطبي" 1/ 146، و"ابن كثير" 1/ 46، "البحر المحيط" 1/ 38.]]
وقال أبو العباس في قوله:
وصَلَّى عَلى دَنِّهَا وارْتَسَمْ [[البيت للأعشى من قصيدة يمدح به قيس بن معد يكرب، وصدره:
قابلها الريح في دنها
يصف الخمر، صلى: دعا، ارتسم: كبَّر ودعا وتعوَّذ مخافة أن يجدها فسدت، فتبور تجارته. انظر: "ديوان الأعشى" ص 196، "غريب الحديث" لأبي عبيد 1/ 111 والطبري 1/ 104، "تهذيب اللغة" (صلى) 2/ 2049، وابن كثير 1/ 46.]]
قال: دعا لها أن لا تحمض ولا تفسد [["تهذيب اللغة" (صلى) 2/ 2049.]].
هذا معنى الصلاة في اللغة، ثم ضمت إليها هيئات وأركان سميت بمجموعها صلاة، هذا مذهب الأكثرين.
وقال الزجاج [["معاني القرآن" 1/ 215.]]: الأصل في الصلاة اللزوم، يقال: قد صلى واصطلى [[في (أ) و (ج): (واصطلا) وفي (المعاني) (يقال: صلى وأصلى واصطلى ...) 1/ 215، ونص المؤلف في "التهذيب" فلعله نقل منه، 2/ 2049.]]: إذا لزم، ومن هذا من يصلى في النار أي: يلزم، قال: والقول عندي هذا؛ لأن الصلاة من أعظم الفرض الذي أمر بلزومه، وألزم ما أمر به من العبادات [["معاني القرآن" للزجاج، دون قوله: (وألزم ما أمرت به من العبادات) 1/ 215، وذكره في "تهذيب اللغة" 2/ 2049.]].
ومن اختار هذه الطريقة [[أي: أن الصلاة بمعنى اللزوم.]] قال: معنى قولهم للداعي إذا دعا: (صلى) معناه: أنه لزم الدعاء لشدة حاجته إلى الإجابة.
و (الصَّلَوَان) من الفرس، العظمان اللذان في العجز [[انظر. "معاني القرآن" للزجاج 1/ 215، "تهذيب اللغة" (صلى) 2/ 2049، "مجمل اللغة" (صلى) 2/ 538.]]، والواحد: (صلا)، سميا للزوم كل واحد منهما الآخر [[في (ب): (للآخر).]]، والمُصَلِّي: الذي يأتي في أثر السابق من هذا، لأنه يأتي ورأسه مع ذلك المكان من السابق [[المراجع السابقة.]]، ومنه حديث علي - رضي الله عنه -: (سبق رسول الله ﷺ وصلى أبو بكر) [[أخرجه أحمد في "المسند": (عن علي -رضي الله عنه- قال: سبق رسول الله ﷺ وصلى أبو بكر وثلث عمر، ثم خبطتنا فتنة بعدهم يصنع الله فيها ما يشاء) "المسند" 1/ 112، 124، 132، 147. وأخرجه ابن سعد في "الطبقات الكبرى" 6/ 130، وذكره أبو عبيد في "غريب الحديث" 2/ 142، والأزهري في "تهذيب اللغة" (صلى) 2/ 2050.]].
وقوله تعالى: ﴿وَمِمَّا رزَقنَهُم﴾. يقال: رَزَق الله الخلق رَزْقا ورِزْقا، فالرَّزْقُ بالفتح: هو المصدر الحقيقي، والرِّزْق: الاسم، ويجوز أن يوضع موضع المصدر [["تهذيب اللغة" (رزق) 2/ 1401.]]، وكل ما انتفع به العبد هو رزقه، من مال وولد وغيره.
وقوله تعالى: ﴿يُنفِقُونَ﴾ معنى الإنفاق في اللغة: إخراج المال من اليد. ومن هذا يقال: نفق المبيع إذا كثر مشتروه، فخرج عن يد البائع، ونفقت الدابة إذا خرجت روحها [[ذكره الثعلبي 1/ 47 أ، ب. وانظر. "تهذيب اللغة" (نفق) 4/ 3634.]]، والنفق [[في (ب): (النعفق).]] سرب له مخلص إلى مكان آخر يخرج منه [[في (ب): (منه إذا)، وعند الثعلبي (يخرج إليه) 1/ 47 ب، وهو في "التهذيب" دون قوله: (يخرج منه نفق) 4/ 3635.]]، والنافقاء من جحرة اليربوع: وهو الذي يخرج منه إذا أخذ من جهة أخرى، ومنه المنافق، لخروجه عن الإيمان بما ينطوي عليه من الكفر [[انظر: "التهذيب" (نفق) 4/ 3635.]].
والمراد بالإنفاق هاهنا: إنفاق فيما يكون طاعة فرضا أو نفلا؛ لأن الله تعالى مدحهم بهذا الإنفاق [[ذكر الطبري نحوه، 1/ 105.]].
البقرة 2:4
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾. قال مجاهد: الآيات الأربع من أول هذه السورة نزلت في جميع المؤمنين [[الأثر عن مجاهد أخرجه الطبري 1/ 103، وذكره الثعلبي 1/ 47ب، وابن كثير، وقال: قاله مجاهد، وأبو العالية، والربيع بن أنس، وقتادة 1/ 46.]] سواء كانوا من العرب، أو من أهل الكتاب.
فعلى هذا القول (الواو) في قوله ﴿وَالَّذِينَ﴾ لتعديد صفاتهم، فهو عطف صفة على صفة، والموصوف واحد [[انظر: "الطبري" 1/ 107، و"ابن كثير" 1/ 46، "الكشاف" 1/ 133، 135.]]، كما قال:
إلى الملكِ القَرْم وابنِ [[في (ج): (بن).]] الهُمام ... وليثِ الكتيبةِ في المُزْدحَمْ [[البيت غير منسوب في "معاني القرآن" للفراء1/ 105، و"الثعلبي" 1/ 73 أ، "الكشاف" 1/ 133، و"القرطبي" 1/ 328، وابن كثير 1/ 46، "خزانة الأدب" 1/ 451 ، 5/ 107 ،6/ 91، "البحر" 1/ 202، "الدر المصون" 1/ 97.
القرم: الفحل المكرم الذي لا يحمل عليه، ويسمى السيد من الناس قرما، والهُمام: من أسماء الملوك، لعظم همتهم، أو لأنه إذا هم بأمر فعله، والكتيبة. الجيش، المزدحم. المعركة، لأنها موضع المزاحمة والمدافعة.]]
ولم يرد إلا شخصا واحدا.
وقال ابن عباس في رواية أبي صالح، وابن مسعود في رواية مرة [[ذكره ابن جرير بسنده من طريق السدي عن أبي مالك، وعن أبي صالح عن ابن عباس، وعن مرة عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي ﷺ 1/ 105 - 106، وانظر ابن كثير 1/ 46. وأبو صالح هو مولى أم هانئ بنت أبي طالب، اسمه (باذان) تابعي وثقه أكثرهم. انظر ترجمته في "الجرح والتعديل" 2/ 431، "تهذيب التهذيب" 1/ 211. ومُرَّة هو مُرَّة بن شراحيل الهمداني الكوفي، من كبار التابعين ثقة. انظر ترجمته في "الجرح والتعديل" 8/ 366، "تهذيب التهذيب" 4/ 48. وقد تكلم أحمد شاكر كلامًا جيدًا وأطال حول هذا الإسناد في حاشية الطبري 1/ 156 - 159 (ط. شاكر). أفاد فيه أن للسدي كتابا في التفسير جمع فيه مفرق == هذِه التفاسير عن الصحابة الذين ذكرهم، ذكر في أوله هذِه الأسانيد، "تفسيره" من أوائل الكتب التي ألفت في هذا وهو من طبقةِ عالية من طبقة شيوخ مالك.]]: (إن آيتين من أول السورة نزلتا في مؤمني العرب، والآيتان بعدهما نزلتا في مؤمني أهل الكتاب)، لأنه لم يكن للعرب كتاب كانوا مؤمنين به قبل محمد ﷺ [[ذكره ابن جرير واستدل على هذا بقوله: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾. وذكر قولا ثالثا. أن الآيات الأربع في مؤمني أهل الكتاب خاصة. وقد رجح أن الآيتين من أول السورة في مؤمني العرب، والآيتين بعدهما في مؤمني أهل الكتاب. انظر: "تفسير الطبري" 1/ 102، 106، 107.
ورجَّح ابن كثير في "تفسيره" قول مجاهد 1/ 47.]].
فعلى هذا (الواو) [[(الواو) ساقطة من (ب).]] لعطف مؤمني أهل الكتاب على مؤمني العرب [[انظر: "الكشاف" 1/ 135.]].
وقوله تعالى: ﴿إِليْكَ﴾ الأصل في (إليك) و (عليك): (إلاك) و (علاك)، كما تقول: إلى زيد، وعلى زيد، إلا أن (الألف) غيرت مع الضمير [[في (ب): (المضمر) ومثله عند الزجاج في "المعاني" 1/ 37.]]، وأبدلت (ياء) ليفصل بين (الألف) التي في آخر المتمكنة مثل: القفا والعصا، وبين الألف في أواخر غير المتمكنة [التي] [[في جميع النسخ (إلى) وفي "معاني القرآن" للزجاج (التي) والكلام بنصه منقول منه 1/ 37.]] الإضافة لازمة لها، ألا ترى أن (إلى) و (على) و (لدى) [[في (ب): (لدن).]] لا تنفرد من الإضافة [["معاني القرآن" للزجاج1/ 37.]].
وقوله تعالى: ﴿هُمْ يُوقِنُونَ﴾. دخلت (هم) توكيدًا، يسميه الكوفيون: عمادا، والبصريون: فصلاً [[ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 47 ب، ويجوز: في (هم) أن تكون ابتداءً ثانيًا == للتوكيد و (المفلحون) خبره، والجملة خبر (أولئك) ويجوز: أن يكون (هم) عمادًا، أو فصلاً. انظر "معاني القرآن" للزجاج 1/ 37، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 133.]].
و ﴿يُوقِنُونَ﴾ أصله (يُيْقِنون)، لأنه (يُفْعِلون) من اليَقين، فلما سكنت (الياء) وانضم ما قبلها صارت (واوا) [[انظر: "الكتاب" 4/ 338، "سر صناعة الإعراب" 2/ 584، وقال العكبري: (أصله (يؤيقنون) لأن ماضيه (أيقن) والأصل أن يؤتى في المضارع بحروف الماضي، إلا أن الهمزة حذفت لما ذكرنا في (يؤمنون) وأبدلت الياء واوا لسكونها وانضمام ما قبلها) (الإملاء) 1/ 13.]]، كما صارت (الواو) (ياء) لكسرة ما قبلها [[مع سكون (الياء) انظر "الكتاب" 4/ 335، "سر صناعة الإعراب" 2/ 732.]] في قولك: إيثاق وإيشال [[في (ب): (اسياق) ولم أجدها فيما اطلعت عليه من كتب اللغة.]] وميثاق وميعاد.
واليقين: هو العلم الذي يحصل بعد [[في (ب): (به).]] استدلال ونظر، لغموض المنظور [[في (ب): (المقصود).]] فيه أو لإشكاله على الناظر [[قال ابن عطية: (اليقين أعلى درجات العلم وهو الذي لا يمكن أن يدخله شك بوجه) 1/ 149، وعرفه الراغب فقال: (هو سكون الفهم مع ثبات الحكم) مفردات الراغب ص 552. وانظر كتاب "معرفة أسماء نطق بها القرآن" 2/ 618 (رسالة ماجستير)، "تفسير الرازي" 2/ 32، 35.]]، يقوي ذلك قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ [الأنعام: 75] ولذلك [[في (ب): (وكذلك).]] لم يجز أن يوصف القديم سبحانه به، لأن علمه لم يحصل عن نظر واستدلال [[انظر: "تفسير الرازي" 2/ 32. ومذهب السلف: أن الله لا يوصف بذلك لعدم ورود النص به.]].
ويقال: أَيْقَن بالأمر واسْتَيْقَن وتَيَقَّن كله واحد. ويقال في الثلاثي: يَقِنَ يَيْقَن يَقَناً فهو يَقِنٌ، واليَقِنُ: اليَقِين [[انظر: "العين" 5/ 220، "تهذيب اللغة" (يقن) 4/ 49983، "اللسان" (يقن) 98/ 4964.]].
وقوله تعالى: ﴿وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾. تخصيص بعد التعميم على قول مجاهد [[هو ما سبق من قوله: إن الآيات الأربع في جميع المؤمنين. انظر ص 445.]]، لأن الإيقان بالآخرة داخل في قوله: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ على التفسير الأول في [[التفسير الأول للغيب هو ما ذكره عن أبي العالية. يؤمنون بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وجنته وناره ولقائه وبالبعث بعد الموت.]] (الغيب) [[في (أ)، (ب): (للغيب).]] ومثل هذا قوله: ﴿الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2)﴾ [العلق: 1، 2] عمَّ بقوله: ﴿خَلَقَ﴾ جميع المخلوقات، ثم خص بعد.
البقرة 2:5
قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى﴾ الآية. (أولاء) كلمة معناها الكناية عن جماعة، وهي لا تعرب لأنها اسم الإشارة، وكسرت الهمزة فيها لالتقاء الساكنين [[انظر. "معاني القرآن" للزجاج 1/ 37.]]، قال الله تعالى: ﴿هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي﴾ [طه: 84] ودخلت الكاف للمخاطبة كما ذكرنا في قوله (ذلك)، وفيه ثلاث لغات: (أولئك) و (أولاك) و (أولالك) [[انظر: "الأصول في النحو" 2/ 128، "سر صناعة الإعراب" 1/ 322، "تهذيب اللغة" 1/ 74، "المنصف" 1/ 165، 166، 3/ 26، "تفسير القرطبي" 1/ 157 "الدر المصون" 1/ 102.]].
قال الشاعر: أولئك قومي لم يكونوا أُشابةً ... وهل يَعِظُ الضِّلِّيلَ إلا أولالكا [[نسب أبو زيد البيت في "النوادر" لأخي الكلحبة وروايته له.
ألم تك قد جربت ما الفقر والغنى ... ولا يعظ الضليل إلا ألالكا
"نوادر أبي زيد" ص 438، ومثل ذلك في "الخزانة" 1/ 394، بينما نسبه في "شرح المفصل" للأعشى وروايته له مثل ما ورد عند الواحدي "شرح المفصل"، 10/ 6 ويروى البيت عند أكثر النحاة (أولالك قومي ...) بدل (أولئك)، و (الأشابة) بضم الهمزة: الجمع المختلط من هنا وهناك، والضليل: الضال، يصف قومه بالصفاء والنصح، ورد البيت كذلك في "المنصف" 1/ 166، 3/ 26، "الهمع" 1/ 216، و"تفسير القرطبي" 1/ 158 "الدر المصون" 1/ 102.]]
وقال آخر:
أولاكَ بنو [[في جميع النسخ (بني) والتصحيح حسب المصادر التي ورد فيها البيت.]] خير وشرٍّ كليهما [[في (ب): (كلاهما) وفي (ج): (كله هما).]] ... جميعًا ومعروفٍ ألمَّ ومُنكرِ [[في (ج): (وينكر).
البيت لمسافع بن حذيفة العبسي، شاعر جاهلي، قوله (أولاك) مبتدأ و (بنو) خبر المبتدأ، أراد أنهم ملازمون لفعل الخير والشر مع الأصدقاء والأعداء، و (معروف) و (منكر) معطوف على خير، وهما أخص من الخير والشر، و (ألم). نزل. انظر. "الخزانة" 1/ 171 وانظر: "حاشية يس على التصريح" 2/ 124، (مطبوع في هامش التصريح)، "الحماسة بشرح المرزوقي" 2/ 990.]]
فمن قال: (أولاك) قال: (هؤلا) مقصورًا [[انظر: "الأصول في النحو" 2/ 127.]]، قال أوس بن حجر:
لعمرك إنّا والأحاليف هؤلا ... لَفي فتنةٍ أظفارُها لم تُقَلَّمِ [[رواية البيت (حقبة) بدل (فتنة) يقول: نحن في حرب، والأظفار: كناية عن السلاح. انظر: "ديوان أوس" ص120، "المعاني الكبير" 2/ 898، "الخزانة" 3/ 17، 7/ 18.]] وكتبت [[في (ب): (يشبه في الكناية إليك). انظر: "البحر المحيط" 1/ 43.]] الواو في ﴿أُولَئِكَ﴾ لئلا يشتبه في الكتابة بـ (إليك) وأشار بقوله: (أولئك) إلى الموصوفين بالصفات المتقدمة [[انظر: "تفسير الطبري" 1/ 106، وابن "تفسير كثير" 1/ 47.]]. ومحله رفع بالاستئناف [[في محل ﴿أُولَئِكَ﴾ من الإعراب أقوال وهي: أنها مبتدأ وخبره الجار والمجرور بعده، والجملة إما مستأنفة، أو خبر عن قوله: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ﴾ الأولى أو الثانية، ويجوز. أن تكون ﴿أُولَئِكَ﴾ وحدها خبراً عن ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ﴾ الأولى أو الثانية، ويجوز: أن يكون ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ﴾ مبتدأ، و ﴿أُولَئِكَ﴾ بدل أو بيان. انظر "الدر المصون" 1/ 102.]].
وقوله تعالى: ﴿عَلَى هُدًى﴾ معنى: (على) كمعنى: (فوق) [[تكون بمعنى (فوق) إذا كانت اسما. انظر: "الكتاب" 1/ 268، "مغني اللبيب" 1/ 145.]]. وهي [[في (ب): (وهو).]] تكون: اسما وحرفا [[وإذا كانت حرفا فلها عدة معان. انظر: "مغني اللبيب" 1/ 143.]]، يقول: عليه مال [[انظر: "تهذيب اللغة": (على) 3/ 2559.]]، فهذا حرف، وكأنه شيء اعتلاه. وقول الشاعر:
غَدَتْ مِنْ عليه تنفُضُ الطَّلَّ بعدما ... رأتْ حاجبَ الشمسِ استوى فترفَّعا [[نسبه أبو زيد في "النوادر" لبعض القشيريين، ونسب في "اللسان" ليزيد ابن الطثرية، يقول: غدت الظبية من فوقه. والشاهد فيه (من عليه) استعمل (على) اسما بمعنى: فوق لما دخل عليها حرف الجر (من). ورد البيت في "نوادر أبي زيد" ص 453، "المقتضب" 2/ 320، 3/ 53، "الأزهية" ص 194، "اللسان" (علا) 5/ 3092، "شرح المفصل" 8/ 38.]] فهذا اسم لدخول (من) عليها [[انظر: "الكتاب" 1/ 268، "مغني اللبيب" 1/ 145، "شرح المفصل" 8/ 38.]]، كأنه قال: غدت تنفض الطل من فوقه.
وقوله تعالى: ﴿هُمُ اَلمُفلِحُونَ﴾. (هم) دخلت فصلا [[نقله الواحدي عن الزجاج بتصرف يسير. انظر: "معاني القرآن" 1/ 37.]]، وإن شئت كان تكريرا للاسم، كما تقول: زيد هو العالم، ترفع [[مكانها بياض في (ب).]] (زيدا [[في (ب): (زيد).]]) بالابتداء، و (هو) ابتداء ثان، و (العالم) خبر له [[أي خبر هو. انظر: "معاني القرآن" 1/ 37.]]، وهما جميعا خبر لزيد، وكذلك قوله: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. وإن شئت جعلت (هو) فصلا، وترفع (زيدا)، و (العالم) على الابتداء والخبر، والفصل هو الذي يسميه [[في (أ): (تسمية) وما في (ب، ج) أصح في السياق.]] الكوفيون عماداً.
قال سيبويه [[في "معاني القرآن": (وسيبويه يقول: إن الفصل لا يصلح إلا مع الأفعال التي لا تتم، نحو: كان زيد هو العالم، وظننت زيدا هو العالم. وقال سيبويه. دخل الفصل في قوله عز وجل .. إلخ)، وقوله: (وسيبويه يقول ... إلى: وظننت زيدا هو العالم (ليس موجودا في بعض مخطوطات المعاني.
انظر: حاشية "معاني القرآن" 1/ 38، وانظر كلام سيبويه في "الكتاب" 2/ 389 - 395.]]: دخل الفصل في قوله: ﴿تَجِدُوهُ عنِدَ اللهِ هُوَ خَيراً﴾ [المزمل:20].
وفي قوله: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ [[سقط (لهم) من (أ)، (ب)، والآية (180) من آل عمران.]] [آل عمران: 180].
وفي قوله: {وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ} [سبأ: 6]، وفي قوله: ﴿إِن كاَنَ هَذَا هُوَ اَلحَقَّ مِن عِندِكَ﴾ [الأنفال:32]. وذكر أن [هذا] [[قوله: ذكر، أي. سيبويه، وقوله: (هذا) كذا وردت في جميع النسخ، وفي "معاني القرآن" للزجاج (هو) وهو الصواب.]] بمنزلة (ما) [[في (ج): (وذان هذا بمنزلة ها).]] اللغو [["معاني القرآن" 1/ 38، كلام سيبويه في "الكتاب" 2/ 391، ولم يذكر سيبويه الآية.]] في قوله: ﴿فبَمَا رحمَةٍ﴾ [آل عمران: 159].
وقوله ﴿الْمُفْلِحُونَ﴾ قال أبو عبيد [[في (ب) (أبو عبيدة) وهو خطأ. وكلام أبي عبيد في "غريب الحديث" 4/ 38، وانظر "تهذيب اللغة" (فلح) 3/ 2826.]]: أصل الفلاح: البقاء [[في (ب) (التقى).]]، وأنشد للأضبط [[في (ب)، (ج). (وأنضد الأضبط) وما في (أ) موافق لـ"تهذيب اللغة" (فلح) 3/ 2826، وعبارة "غريب الحديث": قال الأضبط ... ، 2/ 183.]] بن قريع [[في (ب): (فيع). وهو الأضبط بن قريع بن عوف بن كعب بن سعد، السعدي شاعر جاهلي قديم. انظر ترجمته في "الشعر والشعراء" ص 242، "الخزانة" 11/ 455.]] السعدي:
لِكلِّ هَمِّ من الهموم سَعَةْ ... والمُسْيُ والصبحُ لا فلاحَ مَعَهْ [[البيت في "غريب الحديث" لأبي عبيد 2/ 183، "الزاهر" 1/ 31، "تهذيب اللغة" (فلح) 3/ 2826، و"تفسير الثعلبي" 1/ 69/أ، "اللسان" 6/ 3458، "تفسير ابن عطية" 1/ 150، و"تفسير القرطبي" 1/ 158، "الدر المصون" 1/ 104 "الخزانة" 11/ 452، وقد ذكره في "الشعر والشعراء" ونصه:
ياقوم من عاذرى من الخدعة ... والمسى .......... إلخ 1/ 390]]
يقول: ليس مع كر الليل والنهار بقاء. ومنه قول عَبِيد [[هو عبيد بن الأبرص كما في "غريب الحديث" 4/ 183.]]: أفلِحْ بما شئتَ فقد يُبلَغ بالـ ... ـضَّعف [[في (ب): (بالضغت).]] وقد يُخْدَعُ الأريبُ [[البيت يروى (يدرك) بدل (يبلغ) و (يخدع) بالتشديد، وهو في "غريب الحديث" 2/ 183، 200، "ديوان عبيد" ص14، و"تفسير الطبري" 1/ 108، (مجاز القرآن) 1/ 30، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 39، "الزاهر" 1/ 132، وفيه (يفلح) بدل يبلغ، "تهذيب اللغة" (فلح) 3/ 2826، "اللسان" (فلح) 6/ 3458، وفيه (بالنوك) بدل (بالضعف)، و"تفسير القرطبي" 1/ 158، "الدر المصون" 1/ 104.]]
يقول: عش بما [[في (ب): (ما).]] شئت من عقل أو حمق، فقد يرزق الأحمق ويحرم العاقل.
قال: وإنما قيل لأهل الجنة: مفلحون، لفوزهم ببقاء الأبد، ومن هذا يقال للسحور [[في (ب): (السحور).]]: الفلح والفلاح، أي: أن [[في (ب): (اذ به).]] به بقاء الصوم [[انتهى كلام أبي عبيد، "غريب الحديث" 2/ 183، وانظر: "تهذيب اللغة" (فلح) 3/ 2826.]]. الحراني عن ابن السكيت [["تهذيب اللغة" (فلح) 3/ 2826، وفيه بيت الأعشى مقدم على بيت عدي.]] الفلح والفلاح: البقاء، وأنشد لعدي بن زيد:
ثم بعد الفلاح والرشد والإ ... مَّة وارَتْهمُ هناك القبورُ [[من قصيدة لعدي بن زيد، ذكرها ابن قتيبة في "الشعر والشعراء"، وتعتبر من غرر شعره، ويروى (الملك) بدل (الرشد) و (الإمه) بكسر الهمزة: غضارة العيش والنعمة. انظر "الشعر والشعراء" ص130، "تهذيب اللغة" (فلح) 3/ 2826، "اللسان" (فلح) 6/ 3458.]]
وقال الأعشى: ولَئن كُنَّا كقومٍ [[في (ب): (القوم).]] هلكوا ... ما لِحَيٍّ يا لَقومٍ مِنْ فَلَحْ [[البيت في (غريب الحديث) للخطابي1/ 523، "تهذيب اللغة" (فلح) 3/ 2826، "اللسان" (فلح) 6/ 3458، (الصحاح) (فلح) 1/ 392، "ديوان الأعشى" ص 38، وفيه (أو لئن)، (يا لقومي) وهو من قصيدة يمدح بها إياس بن قبيصة الطائي، ومعنى (فلح): بقاء.]]
وقال لبيد:
نَحُلّ بلاداً كلُّها [[في (ب): (حلها).]] حُلَّ قبلنا ... ونرجو الفلاحَ بعد عادٍ وحِمْيَرِ [[البيت في ديوان لبيد (مع شرحه) ص 57، "مجاز القرآن" 1/ 30، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 39، والطبري 1/ 108، والثعلبي 1/ 47/ب، والقرطبي 1/ 158، وابن عطية 1/ 150، (زاد المسير) 1/ 27، "الدر المصون" 1/ 104.]]
هذا معنى الفلاح في اللغة.
ثم يقال لكل من ظفر ببغيته وأصاب خيرا: أفلح [[انظر "تفسير الطبري" 1/ 108، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 39.]]، وقال [[في (ب): (وقال).]] لبيد:
اعْقِلي إن كنت لمّا تَعْقِلي ... ولقد أفلحَ مَنْ كان عَقَلْ [["ديوان لبيد مع شرحه" ص 177، "مجاز القرآن" 1/ 31، و"تفسير الطبري" 1/ 180، و"تفسير أبن عطية" 1/ 104، "الزاهر" 1/ 131، وقوله: (أعقلي) يخاطب عاذلته، أو نفسه.]]
يعني: ظفر بحاجته ووصل إلى بغيته [[في (ب): (ببغيته).
انظر: "تفسير الطبري" 1/ 108، "مجاز القرآن" 1/ 31.]]، وهو راجع إلى معنى البقاء، لأن البقاء هو سبب إدراك البغية ونيل المطلوب.
فمعنى قوله: ﴿الْمُفْلِحُونَ﴾ أي: هم الذين أدركوا البغية، ووجدوا البقاء في الدار الآخرة في النعيم المقيم [[انظر: "تفسير الطبري" 1/ 108، "تفسير أبي الليث" 1/ 91، و"تفسير القرطبي" 1/ 159، و"تفسير ابن عطية" 1/ 150.]]. وحكم لهم بالفلاح ولم يصلوا بعد إلى الجنة، لأن المعنى أنهم يصلون إلى البغية والبقاء بكونهم على الهدى، أو كأنهم قد وصلوا للثقة بالموعود لهم. وقيل: هم على هدى في الحال، وهم المفلحون في المآل.
البقرة 2:6
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الذين كَفَرُوا﴾ الآية. ﴿إِنَّ﴾ الثقيلة تكون منصوبة الألف وتكون مكسورة الألف. فإذا [[في (ب): (وإذا).]] كانت مبتدأة ليس قبلها شيء تعتمد [[في (ب)، (ج): (يعتمد) وهو موافق لـ"تهذيب اللغة" 1/ 222، والكلام منقول منه.]] عليه، أو جاءت بعدها (لام) مؤكدة يعتمد عليه [[(عليه) في جميع النسخ. وفي "تهذيب اللغة" (عليها) 1/ 222.]] أو جاءت بعد القول وما تصرف [[في (ب): (يصرف).]] منه، وكانت حكاية: كسرت الألف، وفيما سوى ذلك تنصب [[في (ب). (ينصب) وفي "تهذيب اللغة" (تنصب الألف).
والكلام بنصه ذكره الأزهري عن الليث عن الخليل، سوى قوله: أو جاءت بعد القول فذكره عن الفراء. "تهذيب اللغة" (أن) 1/ 222، وانظر مواضع فتح وكسر همزة (إن) في "الكتاب" 3/ 134 وما بعدها، "الأصول في النحو" 1/ 262 وما بعدها.]]. ومعناها في الكلام: التوكيد، وهي التي تنصب الأسماء وترفع الأخبار، وإنما نصبت ورفعت، لأنها تشبه بالفعل، وشبهها أنها لا تلي الأفعال ولا تعمل فيها، وأنها يذكر بعدها الاسم والخبر، كما يذكر بعد الفعل الفاعل والمفعول، إلا أنه قدم المفعول فيها ليفصل بين ما يشبه بالفعل وليس لفظه لفظ الفعل [[من هنا بدأ سقط لوحة كاملة من (ب).]]، وبين ما يشبه بالفعل ولفظه لفظ الفعل، نحو (كان) وبابه [[ذكره الزجاج في "معاني القرآن" 1/ 40، وانظر: "الأصول في النحو" 1/ 23، "الإيضاح في علل النحو" ص 135، "الإنصاف" ص 153 - 155.]].
وقوله تعالى: ﴿كَفَرُوا﴾ معنى الكفر في اللغة: التغطية.
أقرأني أحمد بن محمد بن عبد الله بن يوسف العروضي [[شيخ الواحدي، تقدمت ترجيته مع شيوخه.]] -رحمه الله- قال: أخبرني الأزهري، عن المنذري، عن الحراني، عن ابن السكيت قال: إذا لبس الرجل فوق درعه ثوباً فهو كافر، وقد كفر فوق درعه، وكل ما غطى شيئاً فقد كفره. ومنه قيل لليل: كافر، لأنه ستر بظلمته وغطى، وأنشد لثعلبة بن صُعَير المازني [[هو ثعلبة بن صعير بن خزاعي المازني، شاعر جاهلي قديم، قال الأصمعي: لو قال ثعلبة بن صعير مثل قصيدته خمساً كان فحلاً، انظر "فحولة الشعراء" الأصمعي ص 12، "الأعلام" للزركلي 2/ 99.]]:
فتذكّرا ثَقَلًا رثيداً بعدما ... ألقت ذكاءُ يمينَها في كافرِ [[البيت من قصيدة له، ذكرها المفضل الضبي في "المفضليات" ص 128 - 131، والبيت في "إصلاح المنطق" ص 49، 339، وفي "تهذيب اللغة" (كفر) 4/ 3162، "المشوف المعلم في ترتيب الإصلاح" 1/ 332، 2/ 679، "أمالي القالي" 2/ 145، "الصحاح" (كفر) 2/ 808، "مقاييس اللغة" (كفر) 5/ 191، "المخصص" 6/ 78 ، 9/ 19،7/ 17، "اللسان" (رثد) 3/ 15981، و (كفر) 7/ 3899، و (ذكا) 3/ 1510، و"تفسير ابن عطية" 1/ 151، و"تفسير القرطبي" 1/ 159، و"تفسير الطبري" 1/ 110، "الدر المصون" 1/ 107.
وفي هذا البيت يذكر الظليم والنعامة، والثقل: بيضهما، والرثد: المتاع المرثود، وذكاء. الشمس، أي بدأت في المغيب، والكافر: الليل.]]
أي: الليل.
ومنه يسمى الكافر كافراً، لأنه ستر نعم الله.
ويقال: رماد مكفور، أي: سَفَت عليه الريح التراب حتى وارته، قال الراجز:
قد درسَتْ [[في (ج): (رزشت).]] غير رمادٍ مكفورْ ... مكتئبِ اللون مَريحٍ ممطورْ [[الرجز لمنظور بن مرثد الأسدي، وقيل: لأبي مهدي. وقبله:
هل تعرف الدار بأعلى ذى القور؟
يقول: درست معالم الدار إلا رماداً مكفوراً، أي: سفت عليه الريح، والأبيات في "إصلاح المنطق" ص 340، وفي "التهذيب" (كفر) 4/ 3162، "الصحاح" (كفر) 2/ 807، "المخصص" 6/ 78، "المشوف المعلم في ترتيب الإصلاح" 2/ 679، "مقاييس اللغة" (كفر) 10/ 198، "اللسان" (كفر) 7/ 3900. وكلهم رووه (مروح ممطور) سوى (المخصص) فنصه مثل رواية المؤلف هنا.]]
وقال آخر [[هو حميد الأرقط.]]:
فوردَتْ قبلَ انبلاجِ [[في (ج): (ابلاج).]] الفَجْرِ ... وابنُ ذُكاءٍ كامنٌ فى كَفْرِ [[قال ابن السكيت. ويروى: (في كفر) وهما لغتان. وابن ذكاء: يعني الصبح، "إصلاح المنطق" ص 340، وانظر: "تهذيب اللغة" (كفر) 4/ 3162، ورد البيت كذلك في "الصحاح" (كفر) 7/ 3900، "المخصص" 6/ 78، "المشوف المعلم" 2/ 679، "اللسان" (كفر) 7/ 3900، و"تفسير القرطبي" 1/ 160، "الدر المصون" 1/ 106.]]
أي: فيما يواريه من سواد الليل، وقد كفر الرجل متاعه [أي:] [[في (أ)، (ج): (إلى)، وفي "إصلاح المنطق"، "التهذيب": (أي) وهو الصحيح. "الإصلاح" ص 340، "التهذيب" (كفر) 4/ 3162.]] أوعاه في وعاء [[انتهى كلام ابن السكيت وهو في "الإصلاح" ص 339،340، "تهذيب اللغة" (كفر) 4/ 3162، ونص الواحدي من "التهذيب".]].
وقال ابن المظفر [[هو الليث. انظر: "التهذيب" (كفر) 4/ 3161، ومقدمة "التهذيب" 1/ 47.]]: سمي الكافر: كافراً، لأن الكفر غطى قلبه كله.
قال الأزهري: وهذا يحتاج إلى إيضاح. وهو: أن (الكفر) في اللغة:
التغطية، فالكافر معناه: ذو الكفر، ذو تغطية لقلبه بكفره، كما يقال للابس السلاح: كافر، وهو الذي غطاه السلاح. ومثله: رجل كاس أي: ذو كسوة، وناعل: ذو نعل [[في (التهذيب) بدل (فاعل: ذو نعل)، وماء دافق: ذو دفق 4/ 3161.]].
وقول ابن [[في (ج): (بن).]] السكيت في معنى الكافر أبين وأصح [[قال الأزهري: قلت: وما قاله ابن السكيت بيِّن صحيح، 4/ 3161.]]. والنعمة التي أنعم الله على العبد فكفرها [[في "التهذيب": (والنعم التي سترها الكافر هي الآيات التي أبانت لذي التمييز .. إلخ) 4/ 3162.]] الكافر، أي: سترها، هي الهدى والآيات التي أبانت لذوي التمييز أن الله واحد لا شريك له، فمن لم يصدق بها وردها فقد كفر النعمة، أي: سترها وغطاها.
ويجوز أن يقال: إن الكافر لما دعاه الله إلى توحيده فقد دعاه إلى نعمة أوجبها له إذا أجابه إلى ما دعاه إليه، فإذا لم [[في "التهذيب": (.. فقد دعاه إلى نعمة ينعم بها عليه إذا قبلها، فلما رد ما دعاه إليه من توحيده كان كافرا نعمة الله ..)، 4/ 3161.]] يجب كان كافرا لتلك النعمة، أي: مغطيا لها، مكذبًا بها، حاجبا لها عنه [["التهذيب" (كفر) 4/ 3160، وقد تصرف الواحدي في نقل كلام الأزهري.]].
قال شمر: قال بعض أهل العربية [[في "التهذيب" (قال شمر: قال بعض أهل العلم)، 4/ 3160.]]: الكفر على أربعة أنحاء: كفر إنكار، وكفر جحود، وكفر معاندة، وكفر نفاق، من لقي ربه بشيء من ذلك لم يغفر له.
فأما كفر الإنكار: فهو أن يكفر بقلبه ولسانه ولا يعرف ما يذكر له من التوحيد.
وكذلك روي في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ﴾ [البقرة: 6]، أي: الذين كفروا بتوحيد الله.
وأما كفر الجحود: فأن يعرف بقلبه ولا يقر بلسانه، فهذا كافر جاحد ككفر إبليس، وكفر أمية بن أبي الصلت [[شاعر جاهلي أدرك النبي ﷺ وكفر به حسدًا، كان له شعر جيد، وكان يخبر أن نبيًّا قد أظل زمانه، وكان يؤمل أن يكون ذلك النبي، فلما بلغه خروج النبي ﷺ كفر به حسداً، ولما أنشد النبي ﷺ شعره قال: "آمن لسانه وكفر قلبه". وسبقت ترجمته، وانظر: "الخزانة" 1/ 249.]]، ومنه قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: 89]، يعني: كفر الجحود. وأما كفر المعاندة: فهو أن يعرف بقلبه ويقر بلسانه، ويأبى أن يقبل، ككفر أبي طالب حيث يقول:
ولقد علمتُ بأنّ [[في (ج): (أن).]] دين محمد ... من خير أديان البرية دينا [[إلى هنا ينتهي السقط من (ب).]]
لولا الملامةُ أو حِذارُ مسَبّةٍ ... لوجدتَني سمحاً [[في (ب): (سحا).]] بذاك متينا [[كذا جاءت الأبيات في "التهذيب" 4/ 3160، "اللسان" (كفر) 7/ 3898، و"تفسير البغوي" 1/ 64، وفي "تفسير النسفي" 1/ 50، (ضمن مجموعة من التفاسير) وفيها (سمحا بذلك مبينا) وفي "تفسير القرطبي" (بقينا) 6/ 406. وذكرها المؤلف في "أسباب النزول" بمثل روايته لها هنا. ص 210.]] وأما كفر النفاق: فأن يقر بلسانه ويكفر بقلبه.
قال [[أي: شمر. "التهذيب" 4/ 3160.]]: والكفر -أيضا- يكون بمعنى: البراءة، كقول الله عز وجل خبرًا عن الشيطان ﴿إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ﴾ [إبراهيم: 22]، أي تبرأت [[كلام شمر جميعه في "تهذيب اللغة" (كفر) 4/ 3160، "اللسان" (كفر) 7/ 3898، وانظر أنواع الكفر في "التصاريف" المنسوب ليحيى بن سلام ص 104، 105، و"النسفي" 1/ 50 (ضمن مجموعة من التفاسير).]]. ويقال: كفر كفراً وكفوراً، كما يقال: شكر شكراً وشكوراً [["الحجة" لأبي علي1/ 245، وانظر "تهذيب اللغة" 4/ 3160.]] قال الله تعالى: ﴿فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾ [الإسراء:89].
وقوله تعالى: ﴿سَوَآءُ عَلَيهِم﴾. السواء [[الكلام في "الحجة" بنصه 1/ 245. وانظر "التصاريف" ص 111، 112، "تهذيب اللغة" 2/ 1795، "الصحاح" (سوا) 6/ 2384.]]، والعدل، والوسط، والقصد، والنصف: ألفاظ متقاربة في المعنى. يقال للعدل: السواء، قال زهير [[هو زهير بن أبي سلمى، أحد فحول شعراء الجاهلية، توفي قبل المبعث بسنة. انظر ترجمته في "الشعر والشعراء" ص 69، "الخزانة" 2/ 332.]].
أرُوني [[في "الحجة" (أرونا) وفي الهامش في ط (أرني) 1/ 246.]] خُطَّةً لا خَسْفَ فيها ... يُسَوِّي [[في (ب): (يسوا).]] بيننا فيها السَّوَاءُ [[رواية البيت في الديوان: أرونا سنة لا عيب فيها.
يقول: أرونا سنة لا عيب فيها ولا ظلم، تسوى بيننا بالحق، "ديوان زهير" ص 84، "الحجة" 1/ 246، "تهذيب اللغة" "لفيف السين" 2/ 1795، "البحر" 1/ 347، "الدر المصون" 1/ 108.]] وأنشد أبو زيد لعنترة [[هو عنترة بن عمرو بن شداد العبسي، كان شاعرًا، وكان أشجع أهل زمانه وأجودهم. انظر ترجمته في: "الشعر والشعراء" ص 149، "طبقات فحول الشعراء" 1/ 152، "الخزانة" 1/ 128.]]:
أبَينا فلا نُعطي السَّواءَ عدوَّنا ... قيامًا بأعضاد السَّراءِ المُعَطَّفِ [[البيت من قصيدة قالها عنترة يوم (عرار) يخاطب فيها بني حنيفة، قوله: السواء: الصلح، أعضاد: جمع عضد، وهو القوس، والسراء: شجر يتخذ منه القسي، المعطف: المعوج، انظر. "ديوان عنترة" ص 52، "نوادر أبي زيد" ص 377، "الحجة" 1/ 246.]]
و (السواء): وسط الشيء، ومنه قوله: ﴿فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾ [[كلمة (في) في الآية ساقط من (أ).]] [الصافات: 55].
و (سواء) مأخوذ من الاستواء والتساوي، وهو الاعتدال [["الأضداد" لابن الأنباري ص 43.]]، قال الشاعر:
وليلٍ يقولُ المرءُ من ظلماته ... سواءٌ صحيحاتُ العيونِ وعُورُها [[البيت للأعشى كما في "ديوانه" ص 68، وفيه: "يقول القوم" سواء بصيرات .. " وهو في "الأضداد" لابن الأنباري ص 43، وفيه "يقول القوم"، "الطبري" 1/ 111، "البحر المحيط" 1/ 47، "القرطبي" 1/ 160، "الدر المصون" 1/ 107.]]
أي: معتدلة في البصر والإدراك.
وقالوا: سِيٌّ بمعنى: سواء، كما قالوا: قِيّ وقَواء [[(القي) بالكسر والتشديد (فعل) من القوا (وهي الأرض القفر) "اللسان" (قوا) 6/ 3789، انظر: "الصحاح" 6/ 2470، "مقاييس اللغة" (قوي) 5/ 37.]]، ولا يثنى (سواء) كما ثني (سيان) وإن كانوا قد جمعوه جمع التكسير في قولهم: (سواسية) [[في (ج): (سواء سييه). الكلام في "الحجة" لأبي علي 1/ 246، 247.]].
قال أبو الهيثم [["تهذيب اللغة" 2/ 1793.]]: يقال فلان وفلان سواء [[في "التهذيب": (فلان وفلان سواعد، أي: متساويان) وهو تصحيف 2/ 1795.]]، أي: متساويان، وقوم سواء، لأنه مصدر، لا يثنى ولا يجمع. قال الله عز وجل: ﴿لَيسُواْ سَوَآء﴾ [آل عمران: 113] أي: ليسوا مستوين [[في (ب): (مستويين).]]، وإذا قلت: سواء عليّ، احتجت أن تترجم عنه بشيئين، كقولك: سواء حرمتني أو أعطيتني.
وحكى السكري عن أبي حاتم إجازة تثنية (سواء) [[ذكره أبو علي في "الحجة" 1/ 268.]].
قال أبو علي الفارسي: لم يصب ابن [[في (ب): (لم يصف ممن).]] السجستاني في ذلك، لأن الأخفش وأبا عمر الجرمي [[هو صالح بن إسحاق، أبو عمر الجرمي، النحوي، بصري، قدم بغداد، لقي الفراء، وأخذ عن الأخفش وأبي عبيدة والأصمعي، وكان ذا دين وورع، توفى سنة خمس وعشرين ومائتين. انظر ترجمته في: "تاريخ بغداد" 9/ 313، "طبقات النحويين واللغويين" ص 174، (إنباه الرواة) 2/ 80، "وفيات الأعيان" 2/ 485.]] زعما [[في (ب): (زعموا).]] أن ذلك لا يثنى، كأنهم استغنوا بتثنية (سي) [[في (ب): (بتثنيته شي).]] عن تثنية (سواء)، كما استغنوا عن (ودع)، بـ (ترك) [[في (ب) (بكرا). "الحجة" 1/ 268، وما بعده في "الحجة" في موضع آخر.]]. وأنشد أبو زيد: هلاّ، [[في (ب): (مهلا).]] كوصل ابن عمّارٍ تُواصلني ... ليس الرجالُ وإن سُوُّوا بأسواءِ [[أنشده أبو زيد في (النوادر) قال: (وقال رافع بن هريم، وأدرك الإسلام، ثم ذكر البيت وبيتين قبله، "النوادر" ص 282، وانظر: "الحجة" 1/ 247، "اللسان" (سوا) 4/ 2160.]]
فـ (أسواء): ليس يخلو من [[(من) ساقطة من (ب).]] أن يكون جمع (سي) [أو (سواء) فإن كان جمع (سي)] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]] فهو كـ (مثل) و (أمثال) و (نقض) و (أنقاض)، وإن كان جمع (سواء) فهو كقولهم في النعت [[في "الحجة": (وإن كان جمع سواء فهو مثل ما حكاه أبو زيد من قولهم: جواد وأجواد ..)، 1/ 247.]]: جواد وأجواد، وفي الاسم: حياء الناقة وأحياء، ولا يمتنع جمعه، وإن كانوا لم يثنوه كما لم يمتنعوا من جمعه على سواسية [[انتهى من "الحجة" 1/ 247، 248.]].
وقوله تعالى: ﴿ءَأَنذَرتَهُم﴾ [[في (أ) رسمت: (آنذرتهم).]]. الإنذار: إعلام مع تخويف، فكل منذر معلم، وليس كل معلم منذراً [[ذكره أبو علي في "الحجة" 1/ 253، وانظر (تفسير أبي الليث) 1/ 92، "تفسير الثعلبي" 1/ 48/أ.]]. وأنذرت يتعدى إلى مفعولين كقوله تعالى: ﴿فَقُل أَنذَرتُكُم صعِقَةً﴾ [فصلت: 13] وقوله: ﴿إِنَّا أَنذَرناكم عَذَابًا قَرِيبًا﴾ [النبأ: 40] ويقال: أنذرتُه فنَذِرَ، أي: علم بموضع الخوف [["الحجة" 1/ 253، "تفسير الثعلبي" 1/ 48 أ.]].
و (النذر) ما يجعله الإنسان على نفسه إن سلم مما يخافه [[تعريف النذر اصطلاحًا: التزام قربة غير لازمة في أصل الشرع، بلفظ يشعر بذلك، انظر: "الروض المربع مع حاشية ابن قاسم" 7/ 496، "التعريفات" للجرجاني ص240، و"فقه السنة" 2/ 22.]].
وقد جاء: النذير والنذر مصدرين كالإنذار [[في "الحجة": (وقالوا: النذير والنذر، كما قالوا: النكير والنكر، فجاء المصدر على فعيل وعلى فعل ..) 1/ 254.]]، فجاء المصدر على: (فعيل) و (فعل). وفي القرآن ﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ [[جزء من آية في الحج: 44، وسبأ: 45، وفاطر:26، والملك: 18.]] وفيه ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ [القمر: 16]. وقيل في قوله: ﴿نَذِيَرًا لِلْبَشَرِ﴾ [المدثر: 36]: إنه مصدر في موضع الحال من قوله: ﴿إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ﴾ [المدثر: 35]، كما تقول [[(تقول) ساقط من (ب).]]: جاء [[في (ج): (أجاء).]] ركضاً. فتجعل المصدر حالاً [[في "الحجة": (فأما قوله تعالى: ﴿نَذِيَرًا لِلْبَشَرِ﴾ فقد قيل فيه قولان: أحدهما: أن يكون حالا من (قم) المذكورة في أول السورة والآخر: أن يكون حالا من قوله: ﴿إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ﴾ فإذا جعل (نذيرا) حالا مما في (قم) فإن (النذير) اسم فاعل بمعنى المنذر .. وإن جعلته حالا من قوله: ﴿لَإِحْدَى الْكُبَرِ﴾ فليس يخلو الحال أن يكون من المضاف أومن المضاف إليه .. وفي كلا الوجهين ينبغي أن يكون (نذيرا) مصدرا، والمصدر يكون حالا من الجميع كما يكون حالا من المفرد. تقول: جاؤوا ركضًا، كما تقول: جاء ركضًا ..) 1/ 255.]].
وجعل (نذير) أيضًا مصدراً في قوله: ﴿وَجَآءكُمُ اَلنذِير﴾ [فاطر: 37] إذا فسر بأنه الشيب [[في "الحجة". (.. فمن قال: إن النذير النبي ﷺ كان اسم فاعل كالمنذر، ومن قال: إنه الشيب كان الأولى أن يكون مصدرًا كالإنذار)، "الحجة" 1/ 255.]].
وفي قوله: ﴿ءَأَنذَرتَهُم﴾ وجهان من القراءة [[(من القراءة) ساقط من (ب).]] تحقيق الهمزتين، وتليين الثانية [[بالتحقيق قرأ عاصم، وحمزة، والكسائي، وابن عامر. "السبعة" لابن مجاهد ص 137، "الكشف عن وجوه القراءات" 1/ 73. وبتليين الثانية قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو. "السبعة" لابن مجاهد ص 137، "الكشف" 1/ 73 قال في (السبعة). من قول أبي عمرو أنه يدخل بين الهمزتين ألفا.]].
فمن حققهما [[في (ب): (حققها) وفي (ج): (حقق).]] فحجته [["الحجة" 1/ 274.]]: أن الهمزة حرف من حروف الحلق، فجاز أن يجتمع مع مثله كسائر الحروف الحلقية، نحو: فَهَّ [[الفهّ: الكليل اللسان العيي، وفه عن الشيء: نسيه، وقد فهه كفرح. عيي. انظر: "اللسان" (فهه) 6/ 3481، "القاموس" (فهه) ص 1251.]] وفَهِهْتُ، وكَعَّ [[الكع. الضعيف العاجز، وكع الوجه: رقيقه، وكع يكع: جبن وضعف. انظر. "اللسان" (كعع) 8/ 312، "القاموس" (كع) ص 759.]] وكَعَعْتُ، كذلك حكم الهمزة.
ومما يقوّي ذلك قولهم: (رَأّس) [[وهو الذي يبيع الرؤوس. إصلاح المنطق ص 148.]] وسأّل، (تذأَّبت الريح) [[(تذأبت الريح) إذا جاءت مرة من هاهنا، ومرة من هاهنا. "إصلاح المنطق" ص 144، " اللسان" (ذأب) 3/ 1479.]]، و (رأيت [[رأيته: إذا أريته على خلاف ما أنا عليه. انظر: "القاموس" ص 1285.]] الرجل). وكما جمع الجميع بينهما إذا كانتا عينين، كذلك يجوز الجمع بينهما في غير هذا الموضع [["الحجة" 1/ 275، وانظر: "الكشف" لمكي 1/ 73.]].
وحجة من خفف [[في (ب): (حقق).]] الثانية: أن القرب قد رفضت جمعهما [[في (ب): (جمعها).]] في مواضع من كلامهم، من ذلك أنهما [[في "الحجة" (أنهم لما اجتمعتا ...)، 1/ 275.]] لما اجتمعتا في (آدم) و (آدر) و (آخر) ألزموا جميعا الثانية البدل [[أبدلوا مكانها الألف، انظر "الكتاب" 3/ 552.]] ولم يحققوها.
ولما كسروا وحقروا جعلوا هذه المبدلة بمنزلة مالا أصل له في الهمزة فقالوا: أواخر وأويخر [[وقالوا في آدم: أوادم في الجمع، وفي التصغير: أويدم. انظر "الكتاب" 3/ 552.]]، فأبدلوا منها (الواو)، كما أبدلوها مما هو ألفط لا يناسب [[في (أ): (تناسب) وما في (ب)، (ج) موافق لما في "الحجة" 1/ 276.]] الهمزة، نحو: ضوارب وضويرب، وفي هذا دلالة بينة على رفضهم اجتماعهما.
ألا تراهم لم يرجعوها [[في (ب): (يرجعوا لها).]] في التحقير والتكسير، كما رجعوا (الواو) في: ميقات وميعاد [[(وميعاد) ساقط من (ب).]]، و (الياء) في: موسر [[في (ب): (مولس)]]، في قولهم: مواقيت ومياسير، وفي ذلك دلالة بينة على رفضهم لجمعها [[(لجمعها) كذا في جميع النسخ، وفي "الحجة" (لجمعهما) 1/ 276، وهذا هو الصحيح أي: جمع الهمزتين.]].
ومن ذلك أيضا أنا لم نجد كلمة عينها همزة ولامها كذلك، كما وجدنا في سائر أخوات الهمزة من الحلقية كقولهم: مهاه [[المهه والمهاه. النضارة والحسن، وقيل: الشيء الحقير اليسير، والهاء فيها لا تصير تاء، إلا إذا أردت بالمهاة. البقرة. انظر: "اللسان" (مهه) 7/ 4290.]]، فهّ [[في (أ): (فة) وفي "الحجة" (فه) بدون نقط وهو الصحيح 1/ 276، فه عن الشيء: إذا نسيه، والفه: اللسان العيى. "اللسان" (فهه) 6/ 3481.]]، و ﴿يَدُعُّ الْيَتِيمَ﴾ [الماعون: 2]، و (مح) [[(مح): المح: الثوب الخلق، مح: أخلق. "اللسان" (محح) 7/ 4143.]] و (ألح) و (مخ) [[في (أ): (مح) وفي (ب)، (ج) بدون نقط أو تشكيل. وفي "الحجة" (مخ) 1/ 276.]]. فإذا لم يجمعوا بين الهمزتين في المواضع [[في "الحجة": (الموضع) 1/ 276.]] التي جمع فيها بين أخواتها [[في "الحجة": (وكررت) 1/ 276، أي جمع بين حروف الحلق وكررت]]، دل ذلك على رفضهم [[في (ب). (بعصهم).]] لجمعها [[في "الحجة": (لجمعهما) 1/ 276 أي الهمزتين.]].
ومن ذلك [[انظر بقية كلام أبي علي في "الحجة" 1/ 277.]] أنهم ألزموا باب (رزيئة) و (خطيئة) [[في (ج): (ذربه) و (خطئه).]] القلب [[في "الحجة": (.. عما يؤدي إلى اجتماع همزتين فيه، فقالوا ...) 1/ 277.]] في الجمع، لما يؤدي اجتماع الهمزتين، فقالوا: (خطايا) و (رزايا) [[قال المازني: (اعلم أنك إذا جمعت (خطيئة) و (رزيئة) على (فعائل) قلت: (خطايا) و (رزايا) وما أشبه هذا مما لامه همزة في الأصل، لأنك همزت ياء (خطيئة) و (رزيئة) في الجمع كما همزت ياء (قبيلة) و (سفينة) حين قلت: (قبائل) و (سفائن) وموضع اللام من (خطيئة) مهموز فاجتمع همزتان، فقلبت الثانية ياء، لاجتماع الهمزتين فصارت (خطائى) ثم أبدلت مكان الياء ألفاء ... فصارت (خطاءا) وتقديرها: (خطاءا) والهمزة قريبة المخرج من الألف فكأنك جمعت == بين ثلاث ألفات فلما كان كذلك أبدلوا من الهمزة (ياء) فصار (خطايا)، "المنصف" 2/ 54، 55.]]، فلو كان لاجتماعهما عندهم مساغ ما رفضوا ذلك الأصل، كما أنه لو كان لتحرك العينات في نحو: (قال) و (باع) مجاز، ما ألزموها القلب [[(القلب) ساقط من (ب).]]. فإن قيل: فقد حكى عن بعضهم: (خطائئ) بتحقيق الهمزتين [[انظر "المقتضب" 1/ 159، "المنصف" 2/ 57، "سر صناعة الإعراب" 1/ 71، قال ابن جني: حكاه أبو زيد.]]؟
قيل: هذا يجري مجرى الأصول المرفوضة [[قال أبو الفتح ابن جني: شاذ لا يقاس عليه. "سر صناعة الإعراب" 1/ 72.]] نحو:
............. ضننوا [[جزء من بيت كما في "الحجة" 1/ 277 وتمامه:
مهلا أعاذل قد جربت من خلقي ... أني أجود لأقوام وإن ضننوا
أراد. ضنوا، فأظهر التضعيف لضرورة الشعر. انظر "الكتاب" 1/ 29، 3/ 535، "النوادر" لأبي زيد ص 230، "المقتضب" 1/ 142، 253، "المنصف" 1/ 339 "اللسان" (ضنن) 5/ 2614، "ظلل" 5/ 2756.]]
........... والأظلل [[المراد بالأظلل ما ورد في قول الراجز: تشكو الوجى من أظلل وأظلل ففك الإدغام في (أظلل) ضرورة، والبيت للعجاج، وبعضهم نسبه لأبي النجم. وهو في "ديوان العجاج" ص 155، "الكتاب" 3/ 535، "النوادر" ص 230، "المقتضب" 1/ 252،3/ 354، "الخصائص" 1/ 161، 3/ 87، "المنصف" 1/ 339 "اللسان" (ظلل) 4/ 2756، و (ملل) 7/ 4271، وقوله (تشكو): أي: الإبل و (الوجى): الحفى، الأظلل: باطن الخف.]]
ولا يعتد بذلك [["الحجة" 1/ 277، 278.]].
ومن ذلك أيضا أنهم إذا بنوا اسم فاعل من [[في (ب): (على من) زيادة (على).]] (ناء) و (شاء) [و (جاء) [[في "الحجة" (ناء وساء وشاء).]] قالوا: (شاءٍ) [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]]] و (ناءٍ) [[في (ب): (تا). وترك التمثيل لاسم الفاعل من (جاء) وهو: (جاء) والأصل فيها (شائئ) و (جائئ) و (نائئ) فلما التقت همزتان أبدلت الثانية (ياء) ثم عوملت مثل (قاض). انظر: "المنصف" 2/ 52.]]، فرفضوا الجمع بينهما ورفضوه في هذا الطرف كما رفضوه أولا في: (آدم) و (آخر) [[انظر بقية كلام أبي علي في: "الحجة" 1/ 278.]].
ومن ذلك أيضًا أن من قال: هذا فرجّ، وهو يجعلّ، فضاعف [[في (ب): (تضاعف).]] في الوقف حرصاً على البيان، في يضاعف نحو: (البناء) [[في "الحجة" (النبأ).]]، و (الرشاء)، لكنه رفض [[في (ب): (نفض).]] هذا الضرب [[في (ب): (الصوت).]] من الوقف، وما كان يحرص عليه من البيان لما كان يلزمه الأخذ بما تركوه، والاستعمال لما رفضوه من اجتماع الهمزتين [["الحجة" 1/ 279.]].
وإذا كان الأمر على هذا [[أي: رفض اجتماع الهمزتين. قال أبو علي بعد سياق تلك الحجج، (فهذِه الأشياء تدل على رفض اجتماع الهمزتين في كلامهم. فأما جمعهما وتحقيقهما في (أأنذرتهم) فهو أقبح ....) 1/ 280.]]، فالجمع في: ﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ﴾ [[في (أ)، (ب): (أنذرتهم) بهمزة واحدة، وما في (ج) موافق لما في "الحجة".]] أقبح من الجمع في كلمتين منفصلتين، نحو: قرأ أبوك، ورشاء أخيك، لأن الهمزة الأولى من ﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ﴾ تنزل منزلة ما هو من الكلمة نفسها، لكونها على حرف مفرد [[في (ب): (منفرد).]]، ألا ترى أنهم قالوا [[في (ب): (إذا قالوا).]]: لهو ولهي، فخففوا كما خففوا: عضدا [[أصلها: (عضد).]]، فكذلك الهمزة الأولى، لما لم تنفصل من الكلمة صارت بمنزلة التي في آخر [[في (ب): (آخرها).]].
فأما إذا كانتا [[أي: (الهمزتان)]] من كلمتين، فاجتماعهما في القياس أحسن من هذا [[قال سيبويه: (وأعلم أن الهمزتين إذا التقتا وكانت كل واحدة منهما من كلمة فإن أهل التحقيق يخففون إحداهما ويستثقلون تحقيقهما ...)، "الكتاب" 3/ 548.]]، ألا ترى أن المثلين إذا كانا في كلمة نحو: يرد ويعض، لا يكون فيها [[في "الحجة" (فيهما) 1/ 280.]] إلا الإدغام.
ولو كانا منفصلين نحو: (يد داود)، لكنت [[في (ب): (الكنت).]] في الإدغام والبيان بالخيار. فعلى هذا تحقيق الهمزتين في: ﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ﴾ [[في جميع النسخ (أنذرتهم) بهمزة واحدة والتصحيح من "الحجة" 1/ 281.]] -وما أشبهه- أبعد منه في الكلمتين المنفصلتين.
ومما يقوي ترك الجمع بين الهمزتين: أنهم قالوا في جمع (ذؤابة): ذوائب، فأبدلوا [[في (ب): (وأبدلوا).]] من الهمزة التي هي عين [[في (ب): (غير).]] (واوا) في التكسير كراهة للهمزتين مع فصل حرف بينهما. فإذا كرهوهما مع فصل حرف بينهما حتى أبدلوا الأولى منهما، فأن [[في (ب): (وإن).]] يكرهوهما غير مفصول بينهما بشيء أجدر [[في (ب): (واحد). "الحجة" لأبي علي 1/ 281.]].
وأيضاً فإنهم كرهوا [[الضمير يعود على من يقول بتخفيف الهمزة، قال في "الحجة": (من ذلك أن الهمزة إذا كانت مفردة غير متكررة، كرهها أهل التخفيف، حتى قلبوها أو حذفوها، لئلا، يلزمهم تحقيقها، وقد وافقهم في بعض ذلك أهل التحقيق، كموافقتهم لهم في: (يرى) ..)، 1/ 279.]] الهمزة المفردة حتى قلبوها أو حذفوها، وذلك إجماعهم [[أي. أهل التخفيف والتحقيق. انظر كلام أبي علي السابق.]] في [[(في) ساقطة من (ج).]] (يرى) [[في (ب): (ترى).]] على حذف الهمزة [[(يرى) مضارع (رأى) اتفق أهل تحقيق الهمزة، وتخفيفها، على حذفها على التخفيف. انظر "الكتاب" 3/ 546، "المسائل الحلبيات" لأبي علي ص 83، "سر صناعة الإعراب" 1/ 76.]]، فلما كرهوا ذلك في الإفراد وجب أن لا يجوز في المتكرر [[أي: الهمزة المكررة. "الحجة" 1/ 279.]] إلا التغيير.
وإذا كان الجمع بينهما في [البعد على هذا، فالجمع بينهما في] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]]: (أئمة) [[في (أ): (أأيمة) وفي (ب)، (ج): (أئمة) ومثله في "الحجة" 1/ 281.]] أبعد، لأن الهمزتين لا تفارقان الكلمة [[في (ب): (الضمة).]]، وهمزة الاستفهام قد تسقط في الإخبار وغيره، فلما كانت أشد لزومًا للكلمة كان التحقيق فيها أبعد [[يشير إلى أن التحقيق في (أئمة) أبعد، لأن الهمزتين لا تفارقان الكلمة، بينما الهمزة الأولى في (أأنذرتهم) همزة استفهام قد تسقط، فهي كالمنفصلة، ومع ذلك كرهوا تحقيقها. وبعد هذا الاحتجاج الطويل لمن يرى تخفيف الهمزة الثانية الذي نقله الواحدي عن أبي علي من كتاب "الحجة"، والذي هو مذهب أكثر النحويين وعليه أكثر العرب، كما قال سيبويه: (فليس من كلام العرب أن تلتقى همزتان فتحققا ...) انظر "الكتاب" 3/ 548، 549، وانظر "المقتضب" 1/ 158، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 41 - 45، مع ذلك فقراءة التحقيق قراءة سبعية متواترة من حيث السند، ولها حجتها من اللغة. انظر "الكشف" لمكي1/ 73، ولا يقال فيها ما قال أبو الفتح عثمان بن جني: قراءة أهل الكوفة أئمة شاذة عندنا. "سر صناعة الإعراب" 1/ 72 وإن كان يريد من الناحية اللغوية.]].
وأما أبو عمرو فكان يلين الثانية ويجعل بينهما مدة [[انظر "السبعة" ص 136، "الحجة" لأبي علي 1/ 385، "الكتاب" 3/ 551، قال في "الكشف": وهو مذهب أبي عمرو، وقالون عن نافع، وهشام عن عامر 1/ 74.]]. وحجته: أنه وإن خفف الثانية بأن جعلها بين الألف والهمز، فذلك لا يخرجها عن أن تكون همزة متحركة، وإن كان الصوت بها أضعف؛ ألا ترى أنها إذا كانت مخففة في الوزن مثلها إذا كانت محققة [[في (ب) ، (ج): (مخففة).]]، فلولا ذلك لم يتزن [[في (ب): (تبرز).]] قوله [[أي: لو لم تكن الهمزة المخففة بزنة المحققة لا نكسر وزن الشعر. انظر "الكتاب" 3/ 550، "الحجة" 1/ 385.]]:
.... آأنتَ [[في (ب) (أنت).]] زيد الأراقم [[الكلام بنصه في "الحجة"، قال: (.. ولولا ذلك لم يتزن قوله: أأن رأت رجلاً == أعشى "الحجة" 1/ 285، 286. فاستشهد أبو علي ببيت الأعشى، وهو شاهد سيبويه على هذِه المسألة انظر "الكتاب" 3/ 550. أما الواحدي فاستشهد ببيت ذي الرمة، الذي استشهد به الثعلبي في (تفسيره) ونصه:
تطاللت فاستشرفته فعرفته ... فقلت له: آأنت زيد الأراقم
وروايته في "ديوان ذي الرمة"، وفي "الحجة" وغيرهما (زيد الأرانب). نظر "تفسير الثعلبي" 1/ 48/ أ، "الحجة" 1/ 279، "تهذيب اللغة" (اجتماع الهمزتين) 1/ 73، "اللسان" (حرف الهمزة) 1/ 18، "ديوان ذى الرمة" 3/ 1849.]] لأنه يجتمع [[في (ب): (لأنه كان تجتمع) مثله في "الحجة": (لأنه كان يجتمع فيه ساكنان) 1/ 286، وقصد الواحدي بثلاثة سواكن هي: السكون الذي في مدة الهمزة الأولى وسكون الثانية على الاحتمال الممنوع، وسكون النون.]] ثلاث سواكن، وإذا كان كذلك فتجعل [[في (ب): (يجعل)، (ويكون) بالياء في الموضعين.]] بينهما (مدة)، لئلا تكون جامعاً بين الهمزتين.
وقوله تعالى: ﴿ءَأَنذَرتَهُم﴾: لفظه لفظ الاستفهام [[من قوله: وقوله تعالى ﴿ءَأَنذَرْتَهُم﴾ .. نقله من "الحجة" بنصه، 1/ 264.]]، ومعناه الخبر، ومثل ذلك قولك: ما أبالي [[في (ب): (لا أبالي).]] أشهدت أم غبت، وما أدري أأقبلت [[في (ب): (أقبلت).]] أم أدبرت.
وإنما جرى عليه لفظ الاستفهام وإن كان خبرا، لأن فيه التسوية التي في الاستفهام، ألا ترى أنك إذا استفهمت فقلت: أخرج زيد أم أقام؟ فقد استوى الأمران عندك في الاستفهام، وعدم علم أحدهما بعينه، كما أنك [[في (ب): (أنت).]] إذا أخبرت [[في (ب): (اختبرت).]] فقلت. سواء عليّ أقعدت أم قمت، فقد سويت الأمرين عليك، فلما عمتهما التسوية، جرى على هذا الخبر لفظ الاستفهام، لمشاركته له في الإبهام، فكل استفهام تسوية، وإن لم يكن كل تسوية استفهاما [[انتهى ما نقله عن أبي علي من "الحجة" 1/ 264، 265، ونحوه قال أبو عبيدة في "المجاز" 1/ 31 وانظر. الطبري 1/ 111، وابن عطية 1/ 154 - 155.]].
وحرر أبو إسحاق هذا الفصل فقال [[في "معاني القرآن" 1/ 41.]]: إنما [[في (ب): (إذا).]] دخلت ألف الاستفهام وأم التي هي للاستفهام [[في (ب): (الاستفهام).]]، والكلام خبر، لمعنى التسوية، والتسوية آلتها [[في "معاني القرآن": (والكلام خبر فإنما وقع ذلك لمعنى التسوية، والتسوية آلتها (ألف) الاستفهام و (أم)، تقول: أزيد في الدار أم عمر.). 1/ 41.]] الاستفهام وأم. تقول من ذلك [[في (ب): (في ذلك) وفي (ج) (يقول).]]: أزيد في الدار أم عمرو؟ فإنما دخلت الألف وأم، لأن علمك [[في (ب): (عليك).]] قد استوى في زيد وعمرو، وقد علمت أن أحدهما في الدار لا محالة، ولكنك استدعيت [[في "المعاني": (أردت) 1/ 41.]] أن يبين [[في (ب): (تبين).]] لك الذي علمت ويلخص [[كذا رسمت في (أ)، (ج)، وفي (ب) (ويلحظ) وفي "المعاني" (ويخلص) وهو الأصوب.]] لك علمه من غيره، ولهذا تقول [[في (ج): (يقول).]]. قد علمت أزيد في الدار أم عمرو، وإنما تريد أن تسوي عند من تخبره العام الذي قد خلص عندك [[انتهى كلام الزجاج 1/ 41، وانظر الطبري 1/ 111.]].
ولا يجوز هاهنا (أو) مكان (أم) لأن (أم) للتسوية بين الشيئين، و (أو) إنما هي لأحد شيئين [[انظر: "الحجة" 1/ 265، 266، "مغني اللبيب" 1/ 43.]]، يدلك [[في (ب): (فذلك).]] على هذا أن (أم) [[في (ب): (لم).]] تكون مع الألف بتأويل (أي) فإذا قلت: أزيد عندك أم عمرو؟ فكأنك قلت: أيهما [[في (ب): (أنهما).]] عندك، [وإذا قلت: أزيد عندك أو عمرو؟ لم يكن على معنى: أيهما عندك [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]]]، هذا اختلاف الجواب، لأنك إذا قلت: أزيد عندك أم عمرو؟ فجوابه: زيد أو عمرو [[في (ب): (ونحوا به زيدا وعمرا).]]، وكذلك في (أي) جوابه أن يذكر أحد الاسمين بعينه، فأما إذا قلت: أزيد عندك أو عمرو؟ فجوابه: نعم أو لا، فهذا فرق بينهما واضح [[انظر: "الكتاب" 3/ 169، 170، 171، "مغني اللبيب" 1/ 42.]].
ومثل هذه الآية قوله [[انظر: "الحجة" 1/ 271.]]: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [المنافقون: 6]، وقوله: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا﴾ [إبراهيم: 21]
و ﴿سَوَاءٌ﴾ في الآية رفع بالابتداء، ويقوم ﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ مقام الخبر في المعنى، كأنه بمنزلة قولك: (سواء عليهم الإنذار وتركه) لا في الإعراب، لأنك إذا قدرت هذا التقدير في الإعراب صار ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ﴾ خبراً مقدَّمًا [[قال أبو علي. (.. فإن رفعته بأنه خبر لم يجز، لأنه ليس في الكلام مخبر عنه، فإذا لم يكن مخبر عنه بطل أن يكون خبرا .. وأيضا فإنه لا يجوز أن يكون خبرا لأنه قبل الاستفهام، وما قبل الاستفهام لا يكون داخلا في حيز الاستفهام، فلا يجوز إذن أن يكون الخبر عما في الاستفهام متقدما على الاستفهام ..)، "الحجة" 1/ 269،]].
والجملة في موضع رفع، بأنها [[في (ب): (بأن).]] خبر ﴿إن﴾ [["الحجة"، 1/ 268، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 41.]].
ويجوز أن يكون خبر ﴿إن﴾ قوله: ﴿لَا يؤْمِنُونَ﴾ كأنه قيل: (إن الذين كفروا لا يؤمنون سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم). فيكون قوله: ﴿سَوَآءٌ عَلَيهمءَأَنذَرتَهُم﴾ جملة معترضة بين الاسم والخبر، وجاز ذلك، لأنه تأكيد لامتناعهم عن الإيمان [["الحجة" 1/ 268، 269، وانظر "معاني القرآن" للزجاج 1/ 41، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 134، "المشكل" لمكي 1/ 20، "الدر المصون" للسمين الحلبي 1/ 105.]]، ولو كان كلاماً أجنبياً لم يجز اعتراضه بينهما، وسترى لهذا [[في (ب): (لها).]] نظائر.
ومعنى: ﴿سَوَآءٌ عَلَيْهِم﴾ أي: معتدل متساو، و ﴿سَوَآءٌ﴾ اسم مشتق من التساوي. يقول: هما عندي سواء، ومنه قوله ﴿فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ [الأنفال: 58]، يعني: أعلمهم [[في (أ)، (ج): (علمهم). وأثبت ما في (ب)، لأنه المناسب للسياق.]] حتى يستوي علمك وعلمهم [[ذكره الطبري 10/ 27، وانظر: "الثعلبي" 1/ 48 أ.]]. و ﴿سَوَآءٌ اَلْجَحِيمِ﴾ [الصافات:55] وسطه، لاستواء مقادير نواحيه إليه.
وقول القائل: (سواك وسواءك) [[في (أ): (سواؤك) و (ب): (سواك) و (ج): (سوائك)، والتصحيح من "الحجة" 1/ 250، 251، وانظر "الأضداد" لابن الأنباري ص 40، وقد سبق كلام الواحدي عن (سواء) في أول تفسير الآية.]] أي [[(أي) ساقطة من (ب).]]: من هو في مكانك بدلا منك لاستوائه [[في (ب): (لاستوائك).]] في مكانك.
قال ابن عباس: نزلت هذه الآية في اليهود الذين كانوا بنواحي المدينة [[ذكره الطبري 1/ 108، وابن أبي حاتم 1/ 186 - 187 وذكره الثعلبي عن الكلبي 1/ 47 ب، ومثله أبو الليث 1/ 92، والبغوي 1/ 64، وانظر ابن كثير 1/ 48.]] على عهد رسول الله ﷺ. وهذا القول اختيار ابن جرير، قال: لأن الله تعالى إنما ذكر هؤلاء عقيب مؤمني أهل الكتاب، فذكر بعد مؤمنيهم كافريهم، والكلام بعضه لبعض تبع [["تفسير الطبري" 1/ 109.]].
وقال الضحاك: نزلت في أبي جهل وخمسة [[في (ب): (وحمته).]] من أهل بيته [[ذكره الثعلبي1/ 47 ب.]].
وقال الربيع: نزلت في قادة الأحزاب يوم بدر [[أخرجه الطبري بسنده عن الربيع 1/ 109، وأخرجه ابن أبي حاتم بسنده عن الربيع ابن أنس عن أبي العالية 1/ 40، وفي حاشيته: قال المحقق: في سنده اضطراب وذكره ابن كثير، قال: قال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية ثم ذكره، 1/ 48. وذكره السيوطي في "الدر" عن أبي العالية ونسبه إلى ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، 1/ 65، وهو عند ابن جرير عن الربيع بن أنس ولم يوصله لأبي العالية كما سبق.]]، وكذلك الآية التي بعدها.
قال أبو العالية: لم يسلم منهم إلا رجلان، وكانا مغموصاً عليهما في دينهما [[هذِه الزيادة عن أبي العالية، ذكرها النحاس في "القطع والائتناف" ص 116، والسيوطي في "الدر" ولفظه: (ولم يدخل من القادة أحد في الإسلام إلا رجلان أبو سفيان، والحكم بن أبي العاص)، ولم ترد عند ابن جرير ولا ابن أبي حاتم، كما أن قوله (وكان مغموصاً عليهما في دينهما) لم يذكرها السيوطي. "الدر" 1/ 65.]]، أحدهما: أبو سفيان [[أبو سفيان هو صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، رأس قريش وقائدهم في يوم الأحزاب، أسلم يوم الفتح، كان من دهاة العرب، توفي بالمدينة سنة إحدى وثلاثين. انظر ترجمته في "الإصابة" 2/ 178 - 179، "سير أعلام النبلاء" 2/ 105 - 107.]]، والأخر: الحكم بن أبي العاص [[الحكم بن أبي العاص بن أمية، ابن عم أبي سفيان، من مسلمة الفتح، وله نصيب من الصحبة، نفاه النبي ﷺ إلى الطائف، وأقدمه للمدينة عثمان - رضي الله عنه - مات سنة إحدى وثلاثين. انظر ترجمته في: "الإصابة" 1/ 345، "سير أعلام النبلاء" 2/ 107، "الجرح والتعديل" 3/ 120.]]. ثم ذكر الله تعالى سبب تركهم الإيمان فقال:
البقرة 2:7
﴿خَتَمَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِم﴾ الآية. (الختم) في اللغة بمعنى: الطبع، والخاتم: الفاعل. وأصله من آخر الشيء [[انظر: "تهذيب اللغة" (ختم) 1/ 983 - 984، وفيه: خاتم كل شيء: آخره.]]، ومنه قوله تعالى: ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾ [المطففين: 26]، قال ابن مسعود: عاقبته [[في (ج): (عاقبه).]] طعم المسك [[ذكره الأزهري في "التهذيب" (ختم) 1/ 984، وأخرج الطبري عن ابن مسعود في تفسير الآية: قال: (خلطه مسك) وعنه: (طعمه وريحه) وأخرج عن إبراهيم، والحسن: عاقبته مسك. الطبري 30/ 106، 107، وفي "الدر": أخرج سعيد بن منصور، وهناد؛ وابن أبي حاتم، وابن أبي شيبة، وابن المنذر، والبيهقي في "البعث"، عن ابن مسعود، وفيه: (يجدون عاقبتها طعم المسك)، 6/ 544.]] وروي عن الحسن: مقطعه مسك [[ذكره أبو علي الفارسي في "الحجة" 1/ 292.]]. و ﴿رَّحِيقٍ مَخْتُومٍ﴾ [المطففين: 25]: له ختام، أي عاقبه، قاله أبو عبيد [[لعل المراد أبو عبيدة كما في "الحجة" حيث قال: (وأظن أبا عبيدة اعتبر ما روي عن الحسن في تفسير الآية، لأنه قال في قوله: ﴿يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ﴾: له ختام، أي: عاقبة ختامه مسك، أي: عاقبته، وأنشد لابن مقبل ... فتأول الختام على العاقبة، ليس على الختم الذي هو الطبع، وهذا قول الحسن، مقطعه مسك)، "الحجة" 1/ 292، وانظر: "مجاز القرآن" 2/ 290.]]، ومنه: خاتم النبيين، أي آخرهم [["معاني القرآن" للفراء 2/ 344، "التهذيب" (ختم) 1/ 984.]].
قال الليث: وخاتمة السورة: آخرها، وخاتم كل شيء: آخره [[ذكره الأزهري عن الليث، "تهذيب اللغة" (ختم) 1/ 984.]]. ومنه ختم القرآن، لأنه حال الفراغ من قراءته، وختم الكتاب عند طيه والفراغ منه [[انظر: "العين" 4/ 242، "الصحاح" (ختم) 5/ 1908، "معجم مقاييس اللغة" (ختم) 2/ 245.]]. وقيل في قول ابن مقبل [[هو: الشاعر تميم بن أبي بن مقبل العجلاني، شاعر مخضرم، أدرك الجاهلية والإسلام، وبلغ مائة وعشرين سنة. انظر ترجمته في "الشعر والشعراء" ص 297، "الإصابة" 1/ 187، "الخزانة" 1/ 231.]] يصف الخمر:
بالفُلْفُلِ الجَوْنِ والرُّمَّانِ مَخْتومُ [[صدره في "الحجة":
مما يفتق في الحانوت ناطفها
وورد صدره في "ديوانه":
صرف ترقرق في الناجود ناطلها
يفتق: يشق، الحانوت: دكان الخمار، ناطفها: النطف سيلان الماء، الجون: يطلق على الأبيض والأسود، وقوله (ترقرق): تترقرق أي: تتلألأ، الناجون: == راووق الخمر الذي يصفي به، الناطل: مكيال الخمر. انظر: "الحجة" 1/ 292، 294، "ديوان ابن مقبل" ص 268، "المخصص" 2/ 149.]] أي لآخرها طعم الفلفل والرمان. قال الأزهري: أصل الختم: التغطية، وختم البذر [[في (ب): (النذر).]] في الأرض إذا غطاه [["التهذيب" (ختم) 1/ 985، وفيه: (ختم البذر: تغطية).]].
وقال أبو إسحاق: معنى: ختم وطبع [[في (ب): (تطبع).]] في اللغة واحد، وهو التغطية على الشيء، والاستيثاق منه بأن لا يدخله شيء، كما قال: ﴿أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: 24]، وكذلك قوله: ﴿طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [[جاءت في عدة آيات في التوبة ﴿وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [التوبة: 93]، وفي النحل: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [النحل: 108]، وفي محمد: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [محمد: 16]. والآية وردت في "تهذيب اللغة" ضمن كلام أبي إسحاق، "التهذيب" (ختم) 1/ 984، ويظهر أن الواحدي نقل كلام الزجاج عنه، وفي "معاني القرآن" للزجاج ورد مكانها: (طبع عليها بكفرهم) ووضع المحقق لها رقم (النساء:155)، وسياق آية النساء: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾. انظر "معاني القرآن" للزجاج1/ 46.]] هذا كلام أبي إسحاق.
واعلم أن الختم على الوعاء يمنع [[في (ب): (ممنع).]] الدخول فيه والخروج منه، كذلك الختم على قلوب الكفار يمنع دخول الإيمان فيها وخروج الكفر منها، وإنما يكون ذلك بأن يخلق الله الكفر فيها [[قال ابن كثير: (.. ختم على قلوبهم، وحال بينهم وبين الهدى، جزاء وفاقا على تماديهم في الباطل، وتركهم الحق، وهذا عدل منه تعالى حسن، وليس بقبيح ...)، == 1/ 49، وأما ما عبر به الواحدي من قوله: (بأن يخلق الله الكفر فيها ..) المعنى صحيح، فإن الله خالق كل شيء من الطاعات والكفر والمعاصي، لكن السلف لم يستعملوا هذا اللفظ تأدبا مع الله تعالى كما قال: ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ [الجن: 10]، فلم ينسب الشر إليه، مع أنه خالقه ونسب إليه الخير.]]، ويصدهم عن الهدى، ولا [[في (ب): (فلا يدخل). ولعله أولى.]] يدخل الإيمان في قلوبهم كما قال: ﴿وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ﴾ [الجاثية: 23].
فأما قول من قال: معنى ﴿خَتَمَ اَللَّهُ عَلىَ قُلُوبِهِم﴾: حكم الله بكفرهم [[ذكره الفارسي في "الحجة" 1/ 309، والثعلبي 1/ 48 ب، وهذا قول المعتزلة ذكره القاضي عبد الجبار بن أحمد الهمذاني، أحد علمائهم في كتابه "متشابه القرآن" 1/ 51، 52 تحقيق عدنان زرزور. وانظر "الكشاف" للزمخشري 1/ 157 - 162، وانظر رد الأسكندري عليه في "الحاشية"، "البحر المحيط" 1/ 48.]]، فغير صحيح، لأن أحدنا يحكم بكفر الكافر، ولا يقال [[في (ب): (ولان يقال).]]: ختم على قلبه.
وذهب بعض المتأولين من القدرية إلى أن معنى ﴿ختم الله على قلوبهم﴾: وسمها سمة [[في (ج): (وسمة).]] تدل [[في (ب): (يدل).]] على أن فيها الكفر، لتعرفهم الملائكة بتلك السمة، وتفرق [[في (ب): (يفرق)]] بينهم وبين المؤمنين الذين في قلوبهم الشرع [[في (ب): (السرح) وفي (ج): (الشرح). == وهذا قول ثانٍ للمعتزلة. انظرة "متشابه القرآن" للهمذاني 1/ 51، 52، "البحر المحيط" 1/ 48.]].
قال: والختم والطبع واحد، وهما سمة وعلامة في قلب المطبوع على قلبه [[ذكره أبو علي الفارسي في "الحجة" عن قوم من المتأولين، 1/ 301.]]. وهذا باطل، لأن الختم في اللغة ليس هو الإعلام، ولا يقال: ختمت على الشيء بمعنى: أعلمت عليه ومن حمل الختم على الإعلام فقد تشهى على أهل اللغة، وجر كلامهم إلى موافقة عقيدته.
وقوله تعالى ﴿عَلىَ قُلُوبِهِم﴾. قال الليث: القلب مضغة من الفؤاد، معلقة بالنياط [["تهذيب اللغة" (قلب) 3/ 3026.]]. وكأنه أخص من الفؤاد، ولذلك [[في (ب): (وكذلك).]] قالوا: أصبت حبة قلبه، وسويداء قلبه.
وقيل: القلوب والأفئدة: قريبان من السواء [[في (ب): (العوا).]]. وقال بعضهم: سمي القلب قلبا لتقلبه [["تهذيب اللغة" (قلب) 3/ 3026.]]، وأنشد:
ما سمي القلب [[في (ج): (ما سمي القلب قلبا إلا من ..).]] إلا من تقلبه ... والرأي [[في (ب): (الذي).]] يصرف بالإنسان أطوارا [[البيت في "التهذيب" (قلب) 3/ 3026، وكذا "اللسان" (قلب) 6/ 3714، بهذا النص، وورد في القرطبي 1/ 163، و"الدر المصون" 1/ 114، "روح المعاني" 1/ 135، شطره الثاني: == فاحذر على القلب من قلب وتحويل
غير منسوب في جميع المصادر.]]
وقوله تعالى: ﴿وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾. وحد السمع، لأنه مصدر، والمصادر لا تثنى ولا تجمع، [لأن المصدر ينبئ عن الفعل، فهو بمنزلة الفعل، والفعل لا يثنى ولا يجمع [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 47، "تهذيب اللغة" (سمع) 2/ 1756، والثعلبي 1/ 48/ب، "تفسير أبي الليث" 1/ 93، "زاد المسير" 1/ 28، والقرطبي 1/ 165. وقيل: وحد السمع، لأن المسموع واحد وهو الصوت، وقرئ شاذا ﴿وعلى أسماعهم﴾. انظر. "الفتوحات الإلهية" 1/ 15.]]] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]].
وقال ابن الأنباري: أراد [[في جميع النسخ (أرادوا على) زيادة ألف بعد الواو والصحيح حذفها.]]: وعلى مواضع سمعهم، فحذف المضاف، كما تقول العرب: تكلم المجلس، وهم يريدون أهله، وحذف المضاف كثير في التنزيل والكلام [[لم أجده منسوبا لابن الأنباري. وورد بمعناه في "تفسير أبي الليث" 1/ 93، والقرطبي 1/ 166، "تهذيب اللغة" (سمع) 2/ 1757.]].
وقيل: اكتفى من الجمع بالواحد [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 47، والثعلبي 1/ 48 ب، و"تفسير أبي الليث" 1/ 93، و"تهذيب اللغة" (سمع) ص 1757.]]، كما قال الراعي [[كذا نسبه الثعلبي 1/ 48 ب، والبيت لعلقمة بن عبدة الفحل كما في "الكتاب" وغيره.]]:
بها جيف الحسرى فأما عظامها ... فبيض وأما جلدها فصليب [[البيت لعلقمة بن عبدة الفحل، قاله يصف طريقاً شاقًّا، قطعه لممدوحه. الحسرى: جمع حسير، والحسير: البعير المعيب يتركه أصحابه فيموت، وابيضت عظامه لما أكلت السباع والطير ما عليه من لحم، صليب: يابس لم يدبغ. الشاهد (جلدها) مفرد أريد به الجمع، أي: جلودها. == انظر: "الكتاب" 1/ 209، و"معاني القرآن" للزجاج1/ 47، "تفسير الثعلبي" 1/ 48 ب، والقرطبي 1/ 165، "الخزانة" 7/ 559، وفيها: (به جيف الحسرى ..)، "الدر المصون" 1/ 114، والرازي 2/ 53، وفيه: (الحيدى) بدل (الحسرى).]] وقال الله تعالى: ﴿يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ [الشورى: 45]، وهو كثير جدًّا.
وقال سيبويه [[انظر. "الكتاب" 1/ 209، والنص من الثعلبي 1/ 48/ب.]]: توحيد السمع يدل على الجمع، لأنه توسط جمعين، كقوله: ﴿يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة: 257]، وقوله: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ﴾ [النحل: 48].
وتم الكلام [[في (ج): (السلام).]] ههنا [[انظر. "معاني القرآن" للفراء1/ 13، "مجاز القرآن" 1/ 13 "تفسير الطبري" 113 - 114، "تفسير الثعلبي" 1/ 48/ ب، وذكر النحاس عن الأخفش سعيد، ويعقوب: أن وقف على (قلوبهم) كان أيضا تاما، وتعقبه النحاس فقال: (إذا وقف على (قلوبهم) وقدره بمعنى: وختم على سمعهم لم يكن الوقت على قلوبهم تماماً، لآن الثاني معطوف على الأول، وإن قدر الختم على القلوب خاصة فهو (تام) ..)، "القطع والائتناف" ص 116.]].
ثم قال: ﴿وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ الأبصار جمع البصر، والبصر العين، إلا أنه مذكر، ويقال: تبصرت الشيء بمعنى رمقته [["تهذيب اللغة" (بصر) 1/ 340.]]، ومنه قول زهير:
تبصر خليلي هل ترى من ظعائن ... ............. البيت [[وتمامه كما في الديوان:
تحملن بالعليا من فوق جرثم
"ديوان زهير" ص 9. == الظعائن: جمع ظعينة، وهي المرأة في الهودج تحمل على الإبل، بالعلياء: الأرض المرتفعة، جرثم: ماء معين.]] والغشاوة الغطاء [[في (ب): (والعطاء).]]، ويقال للجلدة التي على الولد: غشاوة، ومنه غشى على المريض إذا دير به، لأنه لبسةٌ من حال المرض، ومنه غاشية السرج [[انظر: "تهذيب اللغة" (غشى) 3/ 2668، "اللسان" (غشى) 6/ 3261.]].
وفيه ثلاث لغات: ضم الغين وفتحها وكسرها [[ذكره في "الحجة"، قال: روى لنا عن الكسائي وعن غيره 1/ 31، وانظر: "اللسان" 6/ 3261.]]. والأفصح الكسر، لأن كل ما كان مشتملاً على شيء فهو مبني على (فعالة) كالعمامة والقلادة والعصابة. وكذلك أسماء الصناعات، لأن معنى الصناعة الاشتمال على [[(على) ساقطة من (ب).]] كل ما فيها، نحو: الخياطة والقصارة، وكذلك كل من استولى، فاسم ما استولى عليه الفعالة نحو: الخلافة والإمارة [[في (ج): (الامارمه). والكلام بنصه في "معاني القرآن" للزجاج 1/ 48، وانظر "تهذيب اللغة" (غشى) 3/ 2668، و"اللسان" (غشى) 6/ 3261 ..]].
قال أبو علي الفارسي: ولم أسمع منه فعلاً متصرفا بالواو، ولامه (ياء) لأنك تقول: غشي يغشى، والغشيان وغشيته أي: ألبسته وسترته، والغشاوة من الغشيان كالجباوة من جبيت، في أن (الواو) كأنها بدل من (الياء) إذ [[في (أ)، (ج): (إذا) وفي (ب) و"الحجة": (إذ). وهو الأولى لصحة السياق.]] لم يصرف منه فعل بالواو كما لم يصرف من الجباوة [[في (ب): (الجباره). انظر كلام أبي علي في "الحجة" 1/ 300، نقله الواحدي بتصرف، قال ابن فارس (غشى): الغين والشين والحرف المعتل، أصل صحيح == يدل على تغطية شيء بشيء. "معجم مقاييس اللغة" 1/ 425.
قال السمين الحلبي بعد أن ذكر كلام أبي علي: وظاهر عبارته أن الواو بدل من الياء، فالياء أصل؛ بدليل تصرف الفعل منها دون مادة الواو، والذي يظهر أن لهذا المعنى مادتين: غ ش و، غ ش ى، ثم تصرفوا في إحدى المادتين واستغنوا بذلك عن التصرف في المادة الأخرى، وهذا أقرب من ادعاء قلب الواو ياء من غير سبب ..)، "الدر المصون" 1/ 116.]].
والأشهر في القراءة رفع الغشاوة [[قرأ السبعة كلهم برفع الغشاوة، إلا ما روى المفضل الضبي، عن عاصم أنه قرأ بالنصب. انظر "الحجة" لأبي علي 1/ 291، 312، وقال الطبري: إن قراءة الرفع هي الصحيحة، والنصب شاذة، 1/ 262، ونحوه قال أبو الليث في "تفسيره" 1/ 93.]]، لأنها لم تحمل على (ختم)، ألا ترى أنه قد جاء في الأخرى ﴿وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً﴾ [الجاثية: 23]، فلما [[في "الحجة": (فكما) 1/ 309.]] لم تحمل في هذه على (ختم) كذلك لا تحمل هاهنا [[في "الحجة" (كذلك لا تحمل في هذِه التي في مسألتنا) 1/ 309.]]، وبقطعها عن ختم فتكون مرفوعة [[فى (ب): (فتكون من موسه بعلى).]] بعلى [[في "الحجة": (ملها على (ختم) قطعها عنه وإذا قطعها عن (ختم) كانت مرفوعة إما بالظرف، وإما بالابتداء، "الحجة" 1/ 309. قال مكي: (غشاوة: رفع بالابتداء، والخبر. وعلى أبصارهم)، (المشكل) 1/ 20، وقال العكبري: (وعلى قول الأخفش (غشاوة) مرفوع بالجار كارتفاع الفاعل بالفعل)، "الإملاء" 1/ 15.]].
وقرأ المفضل [[هو المفضل بن محمد الضبي الكوفي، إمام مقرئ، نحوي، إخباري، أخذ القراءة عن عاصم، ومات سنة ثمان وستين ومائة.
انظر ترجمته في: "تاريخ بغداد" 13/ 121، "الأنساب" 8/ 385، "إنباه الرواة" 3/ 298، "غاية النهاية" 2/ 307.]] ﴿غِشَاوَةٌ﴾ بالنصب [[قال ابن مجاهد: "قرأوا كلهم (غشاوة) في (البقرة) رفعا وبالألف، إلا أن المفضل == ابن محمد الضبي روى عن عاصم (وعلى أبصارهم غشاوة) نصبا"، "السبعة" ص 141، "معاني القرآن" للفراء1/ 13، "الحجة" 1/ 291 "زاد المسير" 1/ 28.]]. وله وجهان: أحدهما [[في (ج): (أحدها).]]: أن تحمل على الفعل، كأنه قال: وختم على قلبه غشاوة، أي: بغشاوة فلما حذف الحرف وصل الفعل، ومعنى ختم عليه بغشاوة: مثل جعل على بصره غشاوة. ألا ترى أنه إذا ختمها بالغشاوة فقد جعلها فيها، والدليل على جواز حمل غشاوة على ختم هذا الظاهر قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾ [النحل: 108]، وطبع في المعنى كختم، وقد حملت الأبصار على (طبع)، فكذلك [[(فكذلك) ساقطة من (ب).]] تحمل [[في (ب): (حمل).]] على (ختم) [[بنصه في "الحجة"،1/ 309، 310.]].
والوجه الثاني: ما قاله الفراء [["معاني القرآن" 1/ 13، 14، ونقله بتصرف يسير.]]، وهو أنه نصبها بإضمار (وجعل)، كقوله في الجاثية: ﴿وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً﴾ [الجاثية: 23].
والكلام إذا اجتمع ودل أوله على آخره حسن الإضمار، كقولك: أصاب فلان المال، فبنى الدور والعبيد والإماء واللباس، فـ (بنى) لا يقع على العبيد [[في (ب) (العبد).]] وإلاماء، واللباس فبنى لا يقع على العبيد والإماء ولكنه [[في (ب): (لكن).]]، صفات اليسار، فحسن الإضمار لما عرف، ومثله كثير. والذي لا يحسن من الإضمار [[في (ب): (لا يشتبه).]] ما يشتبه ولا يعرف المعنى، كقولك: ضربت فلانًا وفلانًا، وأنت تريد بالثاني: قتلت، لأنه ليس هاهنا دليل، وكذلك قولك: قد أعتقت يساراً أمس وآخر اليوم، وأنت تريد: واشتريت آخر اليوم، فهذا لا يجوز، لأنه مختلف [[انتهى ما نقله عن الفراء، انظر "المعاني" 1/ 14.]].
قال الزجاج في هذه الآية: إنهم كانوا يسمعون ويبصرون ويعقلون، ولكن لم يستعملوا [[في (ب): (لا يسمعوا).]] هذه الحواس استعمالاً يجدي عليهم، فصاروا كمن لا يعقل ولا يسمع ولا يبصر [["معاني القرآن" للزجاج 1/ 47.]].
وقوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾. (العذاب): كل ما يُعَنَي الإنسان ويشق عليه، وذكرت اشتقاقه عند قوله: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [البقرة: 10].
و (العظيم) فعيل من العظم، ومعنى العظم: هو كثرة المقدار في الجثة [[في (ب): (الجنة).]]، ثم استعير ذلك في الصفات، فقيل: كلام عظيم، [وأمر عظيم، أي: عظيم [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]]] القدر، يريدون به المبالغة في وصفه، ومن هذا الباب العظام، لأنها من [[(من) ساقطة من (ب).]] أكبر ما ركب منه البدن، فالعظم في الأصل الزيادة على المقدار [[انظر: "تهذيب اللغة" (عظم) 3/ 2488، "معجم المقاييس" (عظم) 4/ 355، "اللسان" (عظم) 5/ 3004.]]، ثم ينقسم إلى عظم الأجسام، وعظم الشأن [[في (ب): "اللسان".]]، وهو منقول إلى عظم الشأن [[في (ب): "اللسان".]] من عظم الجثة، وكثر استعماله حتى صار حقيقة في الموضعين [[انظر: "تفسير الرازي" 2/ 54.]].
ومعنى وصف العذاب بالعظم، هو المواصلة بين أجزاء الآلام بحيث لا تتخللها [[في (ب): (لا محللها).]] فرجة، أو إحداث ألم في كل جزء، أو [[في (ب): (جزوو أو يحلو).]] يخلق ألما أشد من ألم.
البقرة 2:8
قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ الآية. روى ثعلب عن سلمه [[هو سلمة بن عاصم النحوي، روى عن الفراء، كان أديبا فاضلا، سمع منه ثعلب كتاب "لمعاني" للفراء، توفي بعد السبعين ومائتين. انظر ترجمته في: "طبقات النحويين واللغويين" ص 137، "معجم الأدباء" 3/ 391، "إنباه الرواة" 2/ 56، "غاية النهاية" 1/ 311.]] عن الفراء [[في "تهذيب اللغة" (سلمه عن الفراء ثم ذكره بنصه). "التهذيب" (من) 4/ 3453.]] قال: يكون [[في "التهذيب": (تكون) في المواضع الثلاثة.]] (من) ابتداء غاية، ويكون بعضًا، ويكون صلة، قال الله: ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ﴾ [يونس: 61]. المعنى: مثقال ذرة [[في "التهذيب": (أي: ما يعزب عن علمه من مثقال ذرة) 4/ 3453.]].
قال أبو عبيد [["تهذيب اللغة" (من) 4/ 3454.]]: والعرب تضع (من) مواضع (مذ) يقال: ما رأيته من [سنة، أي:] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]] مذ سنة. قال زهير: أقوين من حجج ومن شهر [[مطلع قصيدة لزهير يمدح هرم بن سنان وصدره:
لمن الديار بقنة الحجر
القنة: أعلى الجبل، الحجر: بكسر الحاء منازل ثمود، ويروى بالفتح موضع باليمامة، أقوين: أقفرت، الحجج: بكسر الحاء جمع حجة وهي السنة، ومن شهر: واحد الشهور، ويروى ومن دهر. ورد البيت في "تهذيب اللغة" (من) 4/ 3454، "الجمل المنسوب" للخليل ص 161، "الجمل" للزجاجي ص 139، "مغني اللبيب" 1/ 335، "الهمع" 3/ 226، "شرح المفصل" 4/ 293،8/ 11، "الإنصاف" ص 315، "الخزانة" 9/ 439، "شرح ديوان زهير" ص 86.]]
أي: مذ حجج [[أي: مذ حجج ومذ شهر.]]. ويكون [[في "التهذيب": (من) 4/ 3454.]] (من) بمعنى البدل، كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً﴾ [الزخرف: 60]. معناه: بدلكم [[في (ب): (بدله).]]، وسنذكره في موضعه. [[عند أبي عبيد وتكون (من) بمعنى: اللام الزائدة. انظر بقية كلامه في "التهذيب" (من) 4/ 3454، وذكر ابن هشام في "مغني اللبيب": أن (من) تأتي على خمسة عشر وجها، 1/ 318.]] وأما الأصل [في (الناس) [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]]] فقد أقرأني العروضي قال: أقرأني الأزهري قال [[(التهذيب) (أنس) 1/ 216.]]: (أخبرني المنذري عن أبي الهيثم [[في (ب) (أبي القاسم).]] أنه سأله [[في (ج) (سأل).]] عن (الناس) [[(عن الناس) ساقط من (ب).]] ما أصله؟ قال: أصله أناس [[في (التهذيب): (فقال أصله (الأناس)، لأن أصله (أناس) فالألف فيه أصلية .....) 1/ 217.]]، والألف فيه أصلية، ثم زيدت عليه اللام التي نزاد مع الألف للتعريف [[في (ب): (التعريف).]]، وأصل تلك اللام سكون أبدا [[في "التهذيب" (وأصل تلك اللام سكون أبدا إلا في أحرف قليلة، مثل: الاسم والابن، وما أشبهها من الألفات الوصلية، فلما زادوهما على أناس صار الاسم: الأناس. ...) 1/ 217.]]، فصار (الأناس) ثم كثر في الكلام، وكانت الهمزة واسطة فاستثقلوها [[في (ب): (فاستقلوها).]] فتركوها [[في "التهذيب": (..... فتركوها وصار باقي الاسم (ألناس) بتحريك اللام في الضمة، فلما تحركت اللام والنون أدغموا اللام في النون ...) 1/ 217.]]، ثم أدغموا اللام في النون فقالوا: الناس، فلما طرحوا الألف واللام قالوا: (ناس) [[في "التهذيب": (فلما طرحوا الألف واللام ابتداء والاسم فقالوا: قال ناس من الناس. انتهى كلام أبي الهيثم في "التهذيب"، وقول الواحدي: وقد استعمله الشاعر ... الخ مع البيت ليس في "التهذيب" 1/ 217.]]. وقد استعمله الشاعر على الأصل فقال:
إن المنايا يَطّلعـ ... ـنَ على الأناس الآمنينا [[البيت لذي جدن الحميري، ورد في "مجالس العلماء" للزجاجي ص 70، "الخزانة" 2/ 280، "الخصائص" 3/ 151، "تفسير البيضاوي" 1/ 99، "الدر المصون" 1/ 119، "اللسان" (نوس) 8/ 4575.]]
قال الأزهري: وهذا قول حذاق [[في (ب): (خلاف).]] النحويين [[في "التهذيب": (قلت: وهذا الذي قاله أبو الهيثم تعليل النحويين) وفي الهامش في (ج) (قول حذاق النحويين)، "التهذيب" 1/ 217.]]. و (الناس) لفظ وضع للجمع، ولا واحد له من لفظه [[قال الطبري: (في الناس وجهان: أحدهما: أن يكون جمعا لا واحد له من لفظه، وإنما واحدهم (إنسان) وواحدتهم (إنسانة). والوجه الأخر: أن يكون أصله (أناس) أسقطت الهمزة منها لكثرة الكلام بها، ثم دخلتها الألف واللام المعرفتان ...) 1/ 116، وانظر "تفسير ابن عطية" 1/ 158 - 159، (البحر) 1/ 52 (الدر المصون) 1/ 118.]]، كالقوم والرهط والجيش، واختلفوا في تصغيره، فقيل: (أنيس) و (نويس).
فمن قال: (أنيس) وهو قول أكثر النحويين [[قال سيبويه: (ليس من العرب أحد إلا ويقول: نويس)، انظر "الكتاب" 3/ 457، وانظر "المسائل الحلبيات" لأبي علي الفارسي ص 171، 172.]]، دل على [[(دل على) مطموس في (ب).]] أن أصله (أناس) لثبوت الهمزة في التصغير. ومن قال: نويس، جعل اشتقاق الناس من (النوس) وهو الاضطراب والحركة [[(الحركة) ساقطة من (ب).]] يقال ناس ينوس إذا تذبذب وتحرك، وأناس إذا حرك [[في (ب): (إذ بريدت).]]. ومنه قول المرأة في حديث أم زرع: (أناس من حلي أذني) [[في (ب): (أرلى). قطعة من حديث طويل، فقد أخرج البخاري بسنده عن عائشة، قالت (جلس إحدى عشرة امرأة، فتعاهدن وتعاقدن أن لا يكتمن من أخبار أزواجهن شيئاً ...)، وفيه: (قالت الحادية عشرة: زوجي أبو زرع فما أبو زرع أناس من حلي أذني .....). أخرجه البخاري (5189) كتاب النكاح، باب: حسن المعاشرة مع الأهل، ومسلم (2448) كتاب فضائل الصحابة، باب: فضائل عائشة، قال ابن حجر اختلف في رفعه ووقفه، ثم ذكر الخلاف في ذلك، وقال: (قلت: المرفوع منه في الصحيحين: (كنت لك كأبي زرع لأم زرع) وباقيه من قول عائشة، وجاء خارج الصحيحين مرفوعا كله ...). (الفتح) 9/ 255 - 257. وقد == ذكر علماء اللغة وغريب الحديث أجزاء من الحديث، لما فيه من الألفاظ، فذكره أبو عبيد في "غريب الحديث"، 1/ 364 - 376، وورد في "الفائق" 3/ 48، 49، وذكر قطعة منه الأزهري في "التهذيب" 3/ 2451، وذكره السيوطي من طرق كثيرة في "المزهر" 2/ 449.]].
قال [[المراد الأزهري فبعد كلامه السابق الذي ذكره الواحدي وهو قوله: (قلت: وهذا الذي قاله أبو الهيثم تعليل النحويين ... قال: وإنسان في الأصل: إنسيان وهو فعليان من الإنس ... إلخ) وما بينهما ليس في "التهذيب". انظر "التهذيب" 1/ 216.]]: وسمي الناس ناسًا، لأن من [[في (ب): (معنى).]] شأنهم الحركة على الاختيار العقلي، والواو في التصغير يدل على هذا الاشتقاق، وواحد الناس: إنسان، لا من لفظه. وكان في الأصل (إنسيان)، وهو فعليان، والألف فيه (فاء) الفعل، ومثله في الكلام (حرصيان) وهو الجلد الذي يلي الجلد الأعلى من [[في (ج): (بين).]] الحيوان، ورجل حذريان، إذا كان حذرا، وإنما قلنا: إن أصله إنسيان، لأن العرب لم تختلف في تصغيره على أنيسيان [[انظر "تهذيب اللغة" (أنس) 1/ 216، وانظر "الكتاب" 3/ 486.]].
قال الأزهري [["تهذيب اللغة" (أنس).]]: وأصل الإنس، والإنسان، والناس، من آنس يؤنس [[في "التهذيب" (قلت: واصل الإنس والأنس والإنسان من الإيناس وهو الإبصار)، وفي الهامش في (ج) (وأصل الإنسان والناس من أنس يؤنس إذا أبصر)، 216 - 217.]] إذا أبصر، لأنهم يؤنسون، أي: يبصرون، كما قيل للجن: جن، لأنهم مجتنّون، لا يؤنسون أي: لا يبصرون [[انتهى كلام الأزهري. انظر: "التهذيب" 1/ 216 - 217.]]. وقد روي عن ابن عباس أنه قال: عهد الله سبحانه إلى آدم فنسي فسمي إنساناً [[ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 49 أ، والقرطبي 1/ 168.]] وإن صح هذا فالهمزة تكون زائدة [[انظر: "المسائل الحلبيات" ص 171، والقرطبي 1/ 168، "الدر المصون" 1/ 119 ،120.]].
وذكر أبو علي في "المسائل الحلبية" [[في (ب): (الجلسه).
"المسائل الحلبيات" أحد كتب أبي علي المشهورة، طبع بتحقيق د/ حسن هنداوي، وقد نقل الواحدي كلام أبي علي بمعناه. انظر: "المسائل الحلبيات" ص 168 - 173.]]: أن الكسائي قال: إن الأناس [[في (ب): (الإنسان).]] لغة، والناس لغة أخرى [[لم أجد هذا القول للكسائي في "المسائل الحلبيات". انظر: "المسائل الحلبيات" ص168 - 173، وانظر "تهذيب اللغة" (أنس) 1/ 216 - 217.]]، كأنه يذهب إلى أن (الفاء) محذوف من الناس، كما يذهب إليه سيبويه [[انظر "الكتاب" 2/ 196.]]، والدلالة على أنهما من لفظ واحد، وليسا من كلمتين مختلفتين أنهم قالوا: (الأناس) في المعنى الذي قالوا فيه (الناس) وقالوا: الإنس والأنس والإنسي والأناسي [[قوله: (وقالوا: الإنس والأنس والأنسي والأناسي) ليس فىِ "الحلبيات"، انظر ص 168 - 173.]]، وإذا كان كذلك ثبت أن الهمزة (فاء) الفعل، وأن الألف من (أناس) زائدة [[في (ب): (فائده).]]، وأن (فاء) الفعل من الناس هي الهمزة المحذوفة، وهذا من مبادئ التصريف وأوائله [[في (ج): (وأوئله). أنظر: "المسائل الحلبيات" ص 168.]].
ولو جاز لقائل أن [[(أن) ساقطة من (ب).]] يقول: إن (ناسا) لسقوط الهمزة منه ليس من لفظ أناس، للزمه أن يقول: [قولهم (ويل أمه [[إذا حذفت الهمزة منه يصير (ويلمه) الأصل فيها (ويل لأمه) أدغمت (لام) ويل في الجارة في (لأمه) ثم حذفت (لام) ويل لكثرة الاستعمال ثم حذفت الهمزة. انظر "المسائل الحلبيات" ص 43.]]) إذا حذفت الهمزة منه: ليست التي في (أمه) وأن يقول [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]]]: (عدة) ليس من الوعد، لسقوط الواو منه التي هي (فاء) [[في (ج): (فاء العمل).]].
وقوله تعالى: ﴿مَن يَقُولُ﴾. روى سلمة، عن الفراء، عن الكسائي [[في "التهذيب" سلمة عن الفراء عن الكسائي قال: (من) تكون اسما، وتكون جحدا، وتكون استفهاما، وتكون شرطا، وتكون معرفة، وتكون نكرة، وتكون للواحد، وتكون للأثنين، وتكون خصوصا، وتكون للأناس، والملائكة والجن وتكون للبهائم إذا خلطت بغيرها. "التهذيب" (من) 4/ 3453، وذكر في "مغني اللبيب" أن (من) تأتي على خمسة أوجه 1/ 327.]] قال: ﴿مِنَ﴾ يكون اسماً، ويكون شرطاً ويكون معرفة، ويكون نكرة، ويكون للواحد والاثنين [[في (ب): وللأثنين.]] وللجميع، ويكون [[في (ب): (تكون).]] للإنس [[في (أ)، (ج): (الأنس).]] والملائكة والجن [[في (ب): (للملائكة وللجن).]]، وهذه الوجوه كلها موجودة في التنزيل [[في "التهذيب" (قلت: هذِه الوجوه التي ذكرها الكسائي موجودة فىِ الكتاب ...)، ثم ذكر الأزهري أمثلة لها من القرآن. "التهذيب" 4/ 3453.]]، ستمر بك مشروحة إن شاء الله. وإعرابها: الوقف [[أي: السكون.]]، لأنها لا تتم إلا بصلة، فلا يكون الإعراب في [[في (ب): (من).]] بعض الاسم [[قال الزجاج في (المعاني): (لأنها لا تكون اسما تاما في الخبر إلا بصلة، فلا يكون الإعراب في بعض الاسم)، 1/ 49.]].
وقوله تعالى: ﴿وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (اليوم) مقداره من لدن طلوع الشمس إلى غروبها، وجمعه: أيام، وكان الأصل (أيوام) واجتمعت الياء والواو، وسبقت إحداهما الأخرى بالسكون، فأدغمت [[ذكره الأزهري في "تهذيب اللغة" وفيه: (وجعلوا الياء هي الغالبة) أي: غلبوا (الياء) فقلبوا (الواو) (ياء) وأدغموها في (الياء). انظر "تهذيب اللغة" (يوم)، 4/ 3990.]]. والآخر: نقيض المتقدم [[ذكره الأزهري عن الليث. "التهذيب" (أخر) 1/ 131.]]، يعني باليوم الآخر: يوم القيامة، ويسمى [[في (ب): (وسمى).]] آخراً، لأنه [[في (ب): (إلا أنه).]] بعد أيام الدنيا، وقيل: لأنه [[في (ب): (أنه).]] آخر يوم ليس بعده ليلة، والأيام إنما تتميز بالليالي [[قال الطبري: فإن قال قائل: وكيف لا يكون بعده يوم، ولا انقطاع للآخرة، ولا فناء ولا زوال؟ قيل: إن اليوم عند العرب، إنما سمي يوما بليلته التي قبله، فإذا لم يتقدم النهار ليل لم يسم، فيوم القيامة يوم لا ليل بعده .... 1/ 117.]]، فإذا لم يكن بعده ليل لم يكن بعده يوم على الحقيقة [[انظر: "تفسير ابن عطية" 1/ 159.]].
وقوله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾. دخلت (الباء) مؤكدة لمعنى النفي، لأنك إذا قلت: (ما زيد أخوك) فلم يسمع السامع (ما) ظن أنك موجب، فإذا قلت: (ما زيد بأخيك) [[في (ب): (أخيك).]]، علم السامع أنك تنفي، وإن لم يسمع (ما) [[ذكره الزجاج بنصه، دون قوله. وإن لم يسمع (ما)، "معاني القرآن" 1/ 50.]]. وجمع في قوله: ﴿وَمَا هُمْ﴾ بعد التوحيد في ﴿مَنْ يَقُولُ﴾ لأن لفظ [[(لفظ) ساقط من (ب).]] (من) يصلح للواحد وللجميع [[(من) لها لفظ ومعنى، فلفظها مفرد مذكر، ومعناها يصلح للجمع وغيره، فيجوز مراعاة اللفظ فيعود الضمير مفردا، ويجوز مراعاة المعنى فيعود الضمير جمعا. انظر"الدر المصون" 1/ 121.]].
قال المفسرون: نزلت هذه الآيات في المنافقين [[في (ب): (للمنافقين).]] حين أظهروا كلمة الإيمان وأسرّوا الكفر [[قال الطبري: أجمع جميع أهل التأويل على أن الآية نزلت في قوم من أهل النفاق. الطبري 1/ 268، وانظر "معاني القرآن" للزجاج 1/ 49، "تفسير أبي الليث" 1/ 94، وابن عطية1/ 159، وابن كثير 1/ 50.]]. فأخبر الله سبحانه أنهم يقولون: إنا مؤمنون، ويظهرون كلمة الإيمان، ثم نفى عنهم الإيمان فقال ﴿وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ فدل أن حقيقة الإيمان ليس الإقرار فقط [[قال الطبري: (وفي هذِه الآية دلالة واضحة على بطول ما زعمته الجهمية من أن الإيمان هو التصديق بالقول دون سائر المعاني غيره ...)، 1/ 117، وانظر "تفسير أبي الليث" 1/ 94، وابن عطية 1/ 159.]].
البقرة 2:9
قوله تعالى: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية. ﴿يُخَادِعُونَ﴾: يفاعلون من الخدع والخداع.
واختلف أهل اللغة في أصل الخداع، فقال قوم: [[فيه طمس في (ب).]] أصله من إخفاء الشيء [[انظر "العين" 1/ 133، "معجم مقاييس اللغة" 2/ 161، "تهذيب اللغة" (خدع) 1/ 993.]]، قال الليث [["تفسير الثعلبي" 1/ 49 ب، "تهذيب اللغة" (خدع) 1/ 993.]]: أخدعت الشيء، أي أخفيته، قال: [[(قال ومن) فيه طمس في (ب).]] ومن أمثال العرب (أخدَعُ من ضبِّ حرشتَه) [[في (أ)، (ج) (جرشته). الخدع: التواري، وخَدْعُ الضب إنما يكون من شدة حذره، وصفة خدعه أنه يعمد بذنبه باب جحره ليضرب به من يعتدى عليه، فيجئ المحترش: أي المعتدى فيخرج الضب ذنبه إلى نصف الجحر، فإن دخل عليه شيء ضربه، وإلا بقى في جحره. وقد ورد المثل (أخدع من ضب)، انظر "المستقصى في أمثال العرب" 1/ 92، 95، "مجمع الأمثال" 1/ 260، "تهذيب اللغة" (خدع) 1/ 994.]]، وهو من قولك: خدع مني [[(منى) غير واضح في (ب).]] فلان، إذا توارى ولم يظهر [[انتهى كلام الليث. "تهذيب اللغة" (خدع) 1/ 994.]]. والضبّ [[في (ب) (والضب).]] إذا أروَحَ ريحَ الإنسان خَدَع [[(خدع) غير واضح في (ب).]] في جحره [[في (ب) (حجر) وفي (ج) (حجره).]] فلم يخرج. وقال أبو العميثل [[في (ج) (العميثك). وأبو العميثل أعرابي، اسمه: عبد الله بن خالد، مولى جعفر ابن سليمان، كان يؤدب ولد عبد الله بن طاهر بخراسان، وكان يفخم كلامه ويعربه. توفي سنة أربعين ومائتين. انظر ترجمته في "إنباه الرواة" 4/ 143، "وفيات الأعيان" 3/ 89.]]: خدع [[في (ب) (أجدع).]] الضب إذا [[(أذا دخل) غير واضح في (ب).]] دخل في وجاره [["تهذيب اللغة" (خدع) 1/ 994، وفيه: (إذا دخل في وجاره ملتويا)، والوجار بكسر الواو وفتحها: جحر الضب وغيره.]]. ومنه قول الأعرابي لعمر -رضي الله عنه- يصف قحوط المطر: خدعت الضباب وجاعت الأعراب [[ذكره الأزهري. "تهذيب اللغة" (خدع) 1/ 994، وهو في "الفائق" 1/ 256، وفي "النهاية في غريب الحديث" 2/ 14.]].
ويقال: خدع خير [[في (أ)، (ج): (خبر) وفي (ب) بدون نقط، وفي "التهذيب" (خدع خير الرجل أي: قل) 1/ 158.]] الرجل، أي: قل وخفي. وخدعت الضبع في وجارها، وخدع الثعلب إذا أخذ في الروغان [["تهذيب اللغة" (خدع) 1/ 994.]]. قال [[(قال) ساقط من (أ)، (ج).]] الليث: والأخدعان: عرقان في صفحتي العنق قد خفيا وبطنا [["تهذيب اللغة" (خدع) 1/ 994، وانظر (العين) 1/ 133.]].
وطريق خدوع وخادع، إذا كان يبين [[في (أ)، (ج): (يتبين) وما في (ب) موافق لما في "تهذيب اللغة".]] مرة ويخفى أخرى [[ذكره الأزهري في "التهذيب"، وأنشد بعده بيتا غير بيت الطرماح الذي ذكره المؤلف هنا.
انظر: " التهذيب" (خدع) 1/ 994، (العين) (خدع) 1/ 132.]]، ومنه قول الطرماح [[الطرماح بن حكيم الطائي، والطرماح بكسر الطاء والراء المهملتين، شاعر إسلامي في الدولة المروانية، ولد ونشأ بالشام، ثم انتقل إلى الكوفة، واعتنق مذهب الشراة من الخوارج.
انظر ترجمته في "الشعر والشعراء" ص 388، "الخزانة" 8/ 74.]]: خَادِعَةُ المسلَكِ أرْصَادُهَا ... تُمسي [[في (ب): (بمسى).]] وُكُوَنًا فَوْقَ آرَامِهَا [[البيت من قصيدة للطرماح، يمدح المهلب بن أبي صفرة الأزدي، وقوله: (خادعة المسلك): تخدع سالكها فلا يهتدي، و (الأرصاد): القوم يرصدون الطرق من المرتفعات، وكون: جالسون، من الوكن وهو موقع الطائر، (الآرام): (الأعلام)، ورد البيت في "العين" (خدع) 1/ 132، "اللسان" (خدع) 2/ 113، "ديوان الطرماح" ص 453.]]
قال أبو عبيد: قال أبو زيد: خدعته خِدْعا بكسر الخاء وخديعة، وأنشد قول رؤبة [[هو الراجز المشهور ابن الراجز، رؤبة بن العجاج من بني مالك بن سعد بن مناة بن تميم، كان أكثر شعرا من أبيه وأفصح، كان مقيما بالبصرة، ولحق الدولة العباسية كبيرا، ومات بالبادية سنة خمس وأربعين ومائة. انظر "الشعر والشعراء" ص 392، "تهذيب التهذيب" 1/ 993، "الخزانة" 1/ 89.]]:
فَقَدْ أُدَاهى [[في (ب): (أوداهى).]] خِدْعَ من تَخَدَّعَا [[ورد الرجز في (ديوان رؤبة) ص 88، "تهذيب اللغة" (خدع) 1/ 993، "اللسان" (خدع) 2/ 1112.]]
وأجاز غيره (خَدْعا) بالفتح [["التهذيب" (خدع) 1/ 993، "اللسان" (خدع) 2/ 112.]].
وعلى هذا الأصل [[وهو أن الخداع من إخفاء الشيء.]] معنى قوله: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ﴾ أي: يظهرون غير ما في نفوسهم، ليدرؤوا عنهم أحكام الكفار في ظاهر الشريعة من القتل والجزية وغيرهما.
ولما كان القوم عملوا [[(عملوا) ساقطة من (ب).]] عمل المخادع [قال الله تعالى: {يُخَادِعُونَ اللَّهَ} أي: يعملون عمل المخادع، ليس أن خداعهم يخفى على الله [[انظر (تفسير الطبري) 1/ 119، وابن كثير 1/ 51.]].
وقال آخرون: أصل الخداع والخدع من الفساد [["تفسير الثعلبي" 1/ 49 أ، وانظر. "تهذيب اللغة" (خدع) 1/ 994، "الحجة" 1/ 313، والقرطبي في "تفسير" 1/ 170.]] روى ثعلب عن ابن الأعرابي [["الحجة" 1/ 313، وفي "التهذيب" روى ابن الأنباري عن ثعلب عن ابن الأعرابي ثم ذكره، 1/ 994.]] قال: الخادع [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]]:] الفاسد من الطعام وغيره، وأنشد قوله:
................. .... إذا الرِّيقُ خَدَعْ [[البيت لسويد بن أبي كاهل اليشكرى، يصف ثغر امرأة وتمامه:
أبْيَضُ اللَّوْنِ لَذِيذٌ طَعْمُهُ ... طَيِّبُ الرِّيقِ إذا الرِّيقُ خَدَعْ
البيت ورد في "الحجة" 1/ 313، "التهذيب" (خدع) 1/ 994، والثعلبي في "تفسيره" 1/ 49 أ، (معجم مقاييس اللغة) (خدع) 2/ 161، "الصحاح" (خدع) 3/ 1202، "اللسان" (خدع) 2/ 1113، "زاد المسير" 1/ 30، والقرطبي في "تفسيره" 1/ 170، "الدر المصون" 1/ 125.]]
قال ابن الأعرابي: خدع الريق أي: فسد [[قال في (الصحاح): خدع الريق، أي: يبس، ثم ذكر البيت وقال: لأنه يغلظ وقت السحر فييبس وينتن. "الصحاح" (خدع) 3/ 1202.]]
ومنه الحديث: "يكون قبل خروج الدجال سنون خداعة" [[بهذا اللفظ ذكره الخطابي في "غريب الحديث" 1/ 530، والازهري في "تهذيب اللغة" (خدع) 1/ 994، وابن الجوزي في "غريب الحديث" 1/ 267، وابن الأثير في "النهاية" 2/ 14. وأخرج ابن ماجه عن أبي هريرة: "سيأتي على الناس سنوات خداعات ... "، ابن ماجه (4036) كتاب الفتن، باب: شدة الزمان، وأخرجه أحمد في "المسند" ولفظه: "ستأتي على الناس سنون خداعة ... " الحديث، 2/ 291، == 338، وأخرجه عن أنس بلفظ "إن أمام الدجال سنين خداعة .. " الحديث، 3/ 220، وذكره الهيثمي في (مجمع الزوائد) عن عوف بن مالك: (يكون أمام الدجال سنون خوادع ...)، قال: رواه الطبراني بأسانيد، وفي أحسنها ابن اسحاق وهو مدلس، وبقية رجاله ثقات. "مجمع الزوائد" 7/ 330، وانظر: "المطالب العالية" 18/ 426.]].
قال شمر: هي الفواسد، قال: ويقال: السوق خادعة، إذا لم يقدر على الشيء إلا بغلاء فهي فاسدة [["تهذيب اللغة" (خدع) 1/ 994.]]. وعلى هذا الأصل [[أي: أن أصل الخداع من الفساد.]]، قال [ابن] [[في (أ)، (ب): قال لي الأنباري، وفي (ج): (قال لي ابن الأنباري) وصححت العبارة على ما في "التهذيب" حيث قال: (قال أبو بكر) 1/ 994.]] الأنباري: معنى قوله ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ﴾ وتأويله [[في (أ): (معنى تأويله)، وفي (ج) (معنى قوله) وأثبت ما في (ب) لأنه الأنسب.]]: يفسدون [[في (أ)، (ج): (تفسدون)، وما في (ب) موافق لما في "تهذيب اللغة" وفيه: (قال أبو بكر: فتأويل قوله: (يخادعون الله) يفسدون .. الخ. (خدع) 1/ 994.]] ما يظهرون من الإيمان بما يضمرون من الكفر. فإن قيل: المفاعلة تكون بين اثنين، والله تعالى يجل عن أن يشاركهم في الخدع، فما وجه قوله: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ﴾؟ والجواب عن هذا من وجوه: قال محمد بن القاسم [[هو أبو بكر بن الأنباري.]]: إن الخداع منهم يقع بالاختيال [[في (ب): (بالاحتيال) ولعلها أولى.]] والمكر، ومن الله تعالى بأن يظهر ويعجل لهم من الأموال والأولاد ما يدخر [[في (أ)، (ج): (ما يذخر).]]، ويؤخر [[(ويؤخر) ساقط من (ب).]] خلافه، فأشبه هذا فعلهم [[في (ب): (فعله).]]، إذ [[في (ب): (إذا).]] كانوا يظهرون الإيمان بالله [[(بالله) مكرر في (ج).]] ورسوله، ويضمرون خلاف [[في (ج): (خلافه).]] ما يظهرون، والله عز وجل يظهر لهم من الإحسان في الدنيا خلاف ما يغيب عنهم ويستر من عذاب الآخرة، فجمع الفعلان لتشابههما من هذه الجهة [[وإلى هذا المعنى مال الطبري حيث قال رادًّا على أبي عبيدة في دعواه. أن (يخادع) بمعنى يخدع (قال: (قد قال بعض المنسوبين إلى العلم بلغات العرب: إن ذلك الحرف جاء بهذِه الصورة أعني (يخادع) بصورة (يفاعل)، وهو بمعنى (يفعل) في حروف أمثالها شاذة من منطق العرب نظير قولهم: قاتلك الله، بمعنى قتلك الله)، ثم ذكر رأيه: وليس القول في ذلك عندي كالذي قال، بل ذلك من (التفاعل) الذي لا يكون إلا من اثنين، كسائر ما يعرف من معنى (يفاعل ومفاعل) في كل كلام العرب. وذلك أن المنافق يخادع الله جل ثناؤه بكذبه بلسانه -على ما تقدم وصفه- والله تبارك اسمه خادعه بخذلانه عن حسن البصيرة بما فيه نجاة نفسه في آجل معاده، كالذي أخبر في قوله: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾ [آل عمران: 178]، "تفسيرالطبري" 1/ 119، وانظر: "تفسير البغوي" 1/ 65.]].
وهذا الذي قاله محمد بن القاسم مطرد [[في (ب): (مطردا).]] على الأصلين [[المرأد بالأصلين في الخداع، هل هو من الفساد أو من الإخفاء؟]]، أما الإخفاء فقد ذكره [[حيث قال: ويضمرون خلاف ما يظهرون والله عز وجل يظهر لهم من الإحسان في الدنيا خلاف ما يغيب عنهم ويستر من عذاب الآخرة.]]، وأما الفساد، فكما أنهم يفسدون ما يظهرون من الإيماد بما يضمرون، كذلك الله تعالى أفسد عليهم نعيمهم في الدنيا بما أصارهم إليه من عذاب الآخرة [[هذا من قول أبي بكر محمد بن القاسم بن الأنباري كذلك، وقد سبق أن نقل المؤلف جزءًا منه، وانظر بقيته في "التهذيب" (خدع) 2/ 1112.]]. وقيل: يخادعون الله، أي: (يخدعون)، قال اللحياني [[هو علي بن حازم اللحياني، لغوي معروف، عاصر الفراء وتصدر في أيامه. انظر ترجمته في "طبقات النحويين واللغويين" ص 195، "إنباه الرواة" 2/ 255، "معجم الأدباء" 14/ 106.]] وأبو عبيدة: خادعت الرجل بمعنى خدعته، والمفاعلة كثيرًا ما تقع من الواحد، كالمعافاة والمعاقبة وطارقت النعل، ومعناه على هذا: يقدرون في أنفسهم أنهم يخدعون الله [[انظر كلام اللحياني في: "التهذيب" (خدع) 1/ 994، وكلام أبي عبيدة في "مجاز القرآن" ص 31 ونحو هذا المعنى ذكر الزجاج في "المعاني" 1/ 50، وسبق ذكر رد الطبري على أبي عبيدة، انظر "تفسير الطبري" 1/ 119، "تفسير البغوي" 1/ 65.]].
وقال الحسن: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ﴾ أي: نبيه، لأن الله بعث نبيه [[(نبيه) ساقط من (ب).]] بدينه، فمن أطاعه فقد أطاع الله، كما قال: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: 80]. وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ [الفتح: 10] فعلى هذا من خادعه فقد خادع الله، كقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ﴾ [الأحزاب: 57] أي أولياءه، وعلى [[(الواو) ساقطة من (ب).]] هذا التأويل (المخادعة) أيضًا من الواحد [[ذكره أبو علي في "الحجة"، حيث قال: قال بعض المتأولين أظنه الحسن، ثم ذكره، ووجه هذا القول، كما نقل المؤلف هنا، 1/ 314، 315، ونسب القول للحسن ابن عطية 1/ 163، والبغوي 1/ 65، والقرطبي 1/ 170، وذكره ابن الجوزي ونسبه للزجاج. "زاد المسير" 1/ 29.]].
وقيل: إن ذكر الله ههنا تحسين وتزيين لافتتاح الكلام، والقصد [[في (ب): (الفصل).]] بالمخادعة الذين آمنوا [[ذكره الثعلبي 1/ 49 ب، وفي الأقوال الثلاثة الأخيرة، محاولة تأويل الآية، لنفي الخداع عن الله، وقد انتصر لبعضها أبو علي الفارسي في "الحجة" 1/ 314 - 316. كما انتصر لها الزمخشري في "الكشاف" وذكر في تفسير الآية وجوها أخرى قريبة منها في المعنى، وقد رد عليه صاحب "الإنصاف فيما تضمنه الكشاف من الاعتزال". ومما قاله في رده: (.. ومع ذلك يمنع أن ينسب الخداع إلى الله تعالى لما يوهم ظاهره من أنه يكون عن عجز عن المكافحة وإظهار المكتوم هذا هو الموهم منه في الاطلاق، ولكن حيث أطلقه تعالى مقابلا لما ذكره من خداع المنافقين كمقابلة المكر بمكرهم، علمنا أن المراد منه أنه فعل معهم فعلا سماه خداعا مقابلة ومشاكلة ... هذا معتقد أهل السنة في هذِه الآية وأمثالها، لا كالزمخشري وشيعته الذين يزعمون أنهم يوحدون فيجحدون وينزهون فيشركون والله الموفق للحق. "الكشاف" 1/ 171. و"الإنصاف" بهامشه.
وقد ذكرت فيما سبق قريبا رد الطبري على أبي عبيدة، وذكرت القول الذى ارتضاه في معنى الآية.]]، فصار كقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الأنفال: 41].
وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾. قرئ بوجهين [[قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو (يخادعون)، (وما يخادعون) بالألف والياء المضمومة. وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي (يخادعون) (وما يخدعون) بفتح الياء من غير ألف. أنظر "السبعة" ص 141، "الحجة" لأبي علي 1/ 313،312، "الكشف" 1/ 224.]]. فمن قرأ بالألف قال: هو من المفاعلة التي تقع [[في (ب): (تضع).]] من الواحد كقوله: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ﴾ فلما وقع الاتفاق على الألف في قوله: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ﴾ أجري الثاني على [[في (ب): (أجزى الثاني عن الأول).]] الأول طلبا للتشاكل، وقد أجري على التشاكل ما لا يصح [[عبارة أبي علي في "الحجة": (وإذا كانوا قد استجازوا لتشاكل الألفاظ وتشابهها أن يجروا على الثاني طلبا للتشاكل ما لا يصح في المعنى على الحقيقة، فأن يلزم ذلك ويحافظ عليه فيما يصح في المعنى أجدر وأولى، وذلك نحو: ألا لا يجهلن ...) 1/ 315، 316.]] في المعنى كقوله:
فَنَجْهَلَ فوْقَ جَهْلِ الجَاهِلِينَا [[عجز بيت من معلقة عمرو بن كلثوم وصدره:
ألا لا يجهلن أحد علينا
والشاهد فيه: أنه جعل انتصاره جهلا طلبا للمشاكلة، وتسمية للفعل الثاني بالفعل الأول المسبب له. انظر: "الحجة" 1/ 316، "شرح القصائد المشهورات" للنحاس 2/ 125، "البحر المحيط" 1/ 57.]]
وقوله تعالى: ﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [[والشاهد فيها: أنه سمى القصاص عدوانا، من باب التشاكل اللفظي.]] [البقرة: 194] فلأن يجرى للتشاكل ما يصح في المعنى أولى [[في (ب) (أولا) ذكره أبو علي في "الحجة" 1/ 315، 316، وانظر "الكشف عن وجوه القراءات" 1/ 225، "البحر المحيط" 1/ 57.]]. وأيضا فإنهم كانوا يخادعون أنفسهم بالتسويف والتشكيك إذ [[في (ب): (إذا) ولعله أصوب.]] نازعتهم دواعي الإيمان، ودعتهم خواطر الحق، كانوا يقابلون [[في (أ)، (ج): (يقاتلون).]] ذلك بالجحد والتكذيب وترك النظر، والخاطران في قلب واحد إذا كانا يتعارضان جعلا بمنزلة نفسين [[في (ب): (تفسير). انظر: "الحجة" 1/ 317، "البحر المحيط" 1/ 57.]] ألا ترى الكميت [[في "الحجة": (ألا ترى الكميت أو غيره ..)، 1/ 317، وفي "اللسان" نسبه للكميت (أبل) 1/ 10. والكميت. هو الكميت بن زيد بن الأخنس من بني أسد، كوفي شاعر، مقدم، عالم بلغات العرب، كان متشيعا (60 - 126هـ). انظر ترجمته في: "الشعر والشعراء" ص 385، "طبقات فحول الشعراء" 2/ 318، "الخزانة" 1/ 144.]] قال [[في (ب) (ألا ترى الكميت في ذلك ذكر حمار).]] في ذكر حمار أراد الورود [[في (أ)، (ج) (في ذكر حمار أباد الورود).]]:
تذكر من أنّى ومن أين شربه ... يؤامر نفسَيه كذي الهَجْمة الأَبِلْ [[يؤامر: يشاور الهجمة: القطعة من الإبل، والأبل: على وزن (فَعِل) بفتح الفاء وكسر العين من صيغ المبالغة، وهو من حذق مصلحة الإبل، ورد البيت في "الحجة" 1/ 317 "تفسير ابن عطية" 1/ 161، "اللسان" (أبل) 1/ 10، "البحر المحيط" 1/ 57، فيه (البهجة) والبيت نسبه بعضهم للكميت كما فعل الواحدي، أما أبو علي في "الحجة" فقال: للكميت أو غيره، وهو في "شعر الكميت" جمع داود سلوم ص 396.]]
فجعل ما يكون من ورود الماء [[في (ب): (للماء).]] أو ترك الورود والتمييل [[في (ب): (التمثيل) ومثله فى "الحجة" 1/ 318.]] بينهما بمنزلة نفسين، وعلى هذا يتوجه قراءة من قرأ: ﴿قَالَ اعْلَمْ أَنَ اَللَّهَ عَلىَ كلِّ شئٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: 259] بالجزم [[وهي قراءة حمزة والكسائي: (اعلم) ألف وصل وسكون الميم (فعل أمر)، وقراءة ابن كثير ونافع وعاصم وأبي عمرو وابن عامر: (أعلم) بقطع الألف وضم الميم، (فعل مضارع). انظر "السبعة" لابن مجاهد ص 189، "الكشف" 1/ 312.]]، فنزل نفسه عند الخاطر الذي يخطر له عند نظره منزلة مناظر له [[الكلام في "الحجة"1/ 318، وانظر: "الكشف" لمكي 1/ 312.]].
ومن قرأ ﴿يَخْدَعُونَ﴾ قال: إن فَعَلَ [أولى بفعل] [[في جميع النسخ جاءت الجملة: (أن فعل أو لن يفعل الواحد ..) فصححتها على عبارة "الحجة"، لأن المؤلف نقل الكلام منه. انظر: "الحجة" 1/ 317.]] الواحد من (فاعَلَ) من حيث كان أخص به، وكان أليق من (فاعَل) الذي هو لأكثر الأمر [[في (أ)، (ج): الأكثر إلا من أن يكون ..)، وعبارة "الحجة" (الذي في أكثر الأمر أن يكون لفاعلين) وهي أوضح 1/ 317. وانظر: "الكشف" لمكي 1/ 224.]] أن يكون لفاعلين [[رجح ابن جرير قراءة ﴿وما يخدعون﴾ بدون ألف، وقال: هي أولى بالصحة من قراءة من قرأ ﴿وما يخادعون﴾، 1/ 120، وكذا مكي حيث قال: وقراءة من قرأ بغير ألف أقوى في نفسي. ثم ذكر حججه على ذلك، وقال: والقراءة الأخري حسنة ..) وقال: وحمل القراءتين على معنى واحد أحسن وهو أن (خادع) و (خدع) بمعنى واحد في اللغة. "الكشف" 1/ 225، 227.]].
وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ [[على قراءة نافع وأبن كثير وأبي عمرو.]]. معناه أنهم راموا الخداع فلم يخدعوا الله ولا المؤمنين، وما خدعوا إلا أنفسهم؛ لأن وبال خداعهم عاد عليهم، وهذا كقولك: قاتل فلان فلانا فما قتل إلا نفسه، أي: رام قتل صاحبه فلم يتمكن وعاد وبال فعله إليه، كذلك المنافقون في الحقيقة إنما يخدعون أنفسهم [["تفسير الطبري" 1/ 119، وانظر "تفسير القرطبي" 1/ 171، "زاد المسير" 1/ 30، "تفسير ابن كثير" 1/ 51.]]، لأن الله سبحانه يطلع نبيه -عليه الصلاة والسلام- على أسرارهم ونفاقهم [[انظر: "تفسير أبي الليث" 1/ 95.]]، فيفتضحون في الدنيا، ويستوجبون العقاب [[في (ب): (العذاب).]] في العقبى [[انظر: "زاد المسير" 1/ 30، "تفسير البغوي" 1/ 66.]].
وقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾. النفس: تستعمل [[في (ج): (مستعمل).]] في اللغة على معان: النفس: عين الشيء وذاته [[انظر: "تهذيب اللغة" (نفس) 4/ 3630، "الصحاح" (نفس) 3/ 984.]]. والنفس: بمعنى الروح، يقولون: خرجت نفسه، إذا فارقه الروح [[انطر المراجع السابقة.]]. والنفس: بمعنى الدم، يقال: هذا ليس له نفس سائلة، وذلك أنه لما كان قوام البدن بالدم سمي الدم باسم الروح الذي هو النفس [[في (ب) (اليقين).]]، ومنه يقال: نفست المرأة [[في أ (للمرأة) وما في (ب، ج) موافق لما في "تهذيب اللغة".]]: إذا حاضت [[انظر: "تهذيب اللغة" (نفس) 4/ 3631، "الصحاح" (نفس) 3/ 984، وللنفس معان أخرى منها: الجسد، والعين وغير ذلك. انظر: "الصحاح" (نفس) 3/ 984، "مقاييس اللغة" (نفس) 5/ 460.]].
وقال ابن الأنباري: سميت النفس نفسا لتولد النفس منها، كما سموا الروح روحا؛ لأن الروح موجود به [["الزاهر" لابن الأنباري 2/ 386، وانظر "تهذيب اللغة" (نفس) 4/ 3629.]]. وسنذكر [[في (ب): (وسنذكره).]] معاني النفس بأبلغ من هذا عند قوله: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ [[لفظ الجلالة، ليس في (ج).]] [الزمر: 42]. إن شاء الله.
وفي قوله: ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ [[على قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو.]] تحقيق أن المخادعة وقعت بهم لا بغيرهم، كما تقول: رأيت نفس الشيء، أخبرت أن الرؤية وقعت عليه لا على مثاله [[انظر: "تفسير الطبري" 1/ 119 - 120، "البحر المحيط" 1/ 58، "الدر المصون" 1/ 127، 128.]].
وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ أي ما يعلمون أنهم يخدعون أنفسهم، وأن وبال خداعهم يعود إليهم، وفي هذا دليل على أنهم كانوا جهالاً بالله سبحانه وبدينه. و (الشِّعْر): العلم، وهو في الأصل (شِعْرَة) [[وقوله: (وهو في الأصل شعرة ... إلخ) من كلام أبي علي الفارسي أورده ابن سيده في "المخصص" قال (قال أبو علي: .. فأما شعرت فمصدره: شعرة، بكسر الأول كالفطنة والدرية. وقالوا: ليت شعري ... إلخ) "المخصص" 3/ 32، وانظر: "الصحاح" (شعر) 2/ 699، "مقاييس اللغة" 3/ 194، "اللسان" 4/ 2273، "القاموس" ص 416.]] كالفطنة والدِّرية [[في (ب): (الدربة) بالباء الموحدة ن وكذا ورد عند ابن فارس في "المقاييس" 3/ 194. وعند سيبويه 4/ 44، وابن سيده في "المخصص" 3/ 32، (الدرية) كما هنا.]]، وقالوا: ليت شعري، فحذفوا (التاء) مع الإضافة للكثرة، وقد قالوا: ذهب بعذرتها، [وهو أبو عذرها [[قال سيبويه: (هذا باب ما تجيء فيه الفعلة تريد بها ضربا من الفعل)، ثم قال: (.. وقد تجيء الفعلة لا يراد بها هذا المعنى وذلك نحو: الشدة، والشعرة، والدرية .. وقالوا: ليت شعري في هذا الموضع، استخفافا، لأنه كثر في كلامهم، كما قالوا: ذهب بعذرتها، وقالوا: هو أبو عذرها لأن هذا أكثر ...)، "الكتاب" 4/ 44، وانظر "الصحاح" (شعره) 2/ 699، "اللسان" 4/ 409.]]] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]] وكأن شعرت من الشعار، وهو ما يلي الجسد، وكأن شعرت به، علمت علم حسّ [[في (ب): (حسن).]].
قال الفرزدق [[هو الشاعر المشهور همام بن غالب بن صعصعة بن تميم البصري، مات سنة عشر ومائة. انظر ترجمته في "الشعر والشعراء" ص 310، "طبقات فحول الشعراء" 2/ 298، "الخزانة" 1/ 217.]]: لَبِسْنَ [[في (ب): (ليبس).]] الفِرِنْدَ الخُسْرُوَانِي فَوْقَهُ ... مَشَاعِرَ مِنْ خَزِّ العِرَاقِ المُفَوَّفُ [[البيت في "ديوان الفرزدق" وفيه (دونه) بدل (فوقه) 2/ 24، "المخصص" 3/ 32، "شرح الأبيات المشكلة الإعراب" للفارسي ص 299، "جمهرة أشعار العرب" ص 314، وفيه (الفريد) بدل (الفراند)، و (خزي) بدل (من خز)، و (الفراند): يطلق على وشى السيف، وعلى السيف نفسه، وعلى الورد الأحمر، وقال في "اللسان" (فرند): دخيل معرب اسم ثوب، "اللسان" (فرند) 6/ 3405، و (الفريد): قلائد اللؤلؤ، و (الخسرواني): الذي يشتري بالمال الكثير، ولا تحسب فيه خسارة، و (المشاعر). الثياب التي يلي البدن، و (المفوف): المُوَشَّى.]]
أراد: لبسن الفرند الخسرواني مشاعر فوقه المفوف من خز العراق، أي جعلنها الشعار. فالشعر ضرب من العلم مخصوص، وكل مشعور به معلوم، وليس كل معلوم مشعورا [[فبينهما عموم وخصوص مطلق.]] به، ولهذا لم يجز في وصف الله تعالى [[في "المخصص": (... ولهذا لم يجز في وصف الله تعالى كما لم يجز في وصفه (دوى)، وكان قوله تعالى في وصف الكافرين ...).، 3/ 32.]].
وقوله في وصف الكافرين ﴿لَا يَشْعُرُونَ﴾ أبلغ في الذم من وصفهم بأنهم لا يعلمون؛ لأن البهيمة قد تشعر من حيث تحس [[في (ب): (لا تحس). وفي "المخصص": (.. من حيث كانت تحس ..)،3/ 32.]]، فكأنهم وصفوا بنهاية الذهاب عن الفهم، وعلى هذا قال: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: 154] ولم يقل: (ولكن لا تعلمون) لأن المؤمنين إذا أخبرهم الله تعالى بأنهم أحياء علموا أنهم أحياء، فلا يجوز أن ينفي الله العلم عنهم بحياتهم، إذ [[في (ب): (إذا).]] كانوا [قد علموا ذلك بإخباره إياهم. ولكن يجوز أن يقال: [(ولكن لا)] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]] تشعرون [[في (أ)، (ب) يشعرون (بالياء) وما في (ج) موافق لـ"المخصص" 3/ 32. وهو الوارد في الآية، وهو ما أثبته.]]، لأنه ليس كل ما علموه يشعرونه، كما أنه ليس كل ما علموه يحسونه بحواسهم، فلما كانوا لا يعلمون بحواسهم حياته [[في "المخصص" (حياتهم) 3/ 32، والمراد الشهداء.]]، وإن كانوا قد علموه بإخبار الله إياهم وجب أن يقال: ﴿لَا يَشْعُرُونَ﴾ [[في (المخصص) (لا تشعرون). انتهى ما نقله الواحدي من كلام أبي علي. انظر "المخصص" 3/ 32.]].
البقرة 2:10
قوله تعالى ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾:
قال أبو بكر بن الأنباري [[انظر: "الزاهر" 1/ 585، وانظر: "تفسير القرطبي" 1/ 171، "تفسير النسفي" 1/ 18، "البحر اليحيط" 1/ 53. قال ابن فارس: (الميم والراء والضاد) أصل صحيح يدل على ما يخرج به الإنسان عن حد الصحة في أي شيء كان، ..) ، "مقاييس اللغة" (مرض) 5/ 311، "تهذيب اللغة" (مرض) 4/ 3378.]]: أصل المرض في اللغة: الفساد، ومرض فلان، فسد جسمه، وتغيرت حالته، وكذلك مرضت الأرض معناه [[(معناه) مكرر في (ب).]] تغيرت وفسدت [[في "التهذيب" (أرض مريضة، إذا ضاقت بأهلها، وأرض مريضة: إذا كثر بها الهرج والفتن والقتل "تهذيب اللغة" مرض) 12/ 35.]].
قالت ليلى الأخيلية [[هي ليلى بنت الأخيل من عقيل بن كعب، أشعر النساء، لا يقدم عليها غير الخنساء، رثت عثمان -رضي الله عنه- ودخلت على عبد الملك بن مروان وقد أسنت. انظر ترجمتها في: "الشعر والشعراء" ص 291، "الأعلام" 5/ 249.]]:
إذا هبط الحَجَّاج أرضًا مريضةً ... تتبَّع أقصى [[في (ب): (دهاء).]] دائها فشفاها [[ورد البيت في "الزاهر" 1/ 560، 586، "أساس البلاغة" (مرض) 2/ 379، "جواهر البلاغة" للهاشمي ص 315.]]
أرادت: أرضا فاسدة. وقال آخر:
ألم تر أن الأرض أضحت مريضة ... لفقد الحسين والبلاد اقشعرت [[البيت من قصيدة لسليمان بن قَنَّة يرثي الحسين بن علي -رضي الله عنه- وردت في "الاستيعاب" 1/ 444، "سير أعلام النبلاء" 3/ 319، "والبداية والنهاية" 8/ 211، والقصيدة في حماسة أبي تمام بشرح المرزوقي، دون البيت المستشهد به هنا 2/ 961.]]
وقال غيره: أصل المرض الضعف، يقال [[في (ب): (فقال يقال).]]: مرَّض الرجل في الأمر إذا ضعف فيه، ولم يبالغ، و [عين] [[في (أ)، (ج): (غير) وفي (ب) (عن) والصواب (عين) قال الثعلبي: (المرض في العين: فتورالنظر) "تفسير الثعلبي" 1/ 50 أ، وانظر "الصحاح" (مرض) 3/ 1106 "البحر المحيط" 1/ 53.]] مريضة النظر أي [[(أي) ساقطة من (ب).]]: فاترة ضعيفة، وريح مريضة إذا ضعف هبوبها، وعلى هذا تفسير [[في (ب): (يفسر).]] قول المحدث:
رَاحَتْ لأربعك الرياح مريضة [[لم أعثر عليه ولم أعرف قائله فيما اطلعت عليه والله أعلم.]] أي: لينة ضعيفة حتى لا تعفوها.
ثعلب عن ابن الأعرابي [[في "التهذيب" ثعلب عن ابن الأعرابي .. ثم ذكره، "تهذيب اللغة" (مرض) 4/ 3378.]]: أصل المرض: النقصان. بدن مريض: ناقص القوة. و [[(الواو) ساقطة من (ب).]] قلب مريض: ناقص الدين، ومَرَّض [[في "التهذيب": (مرض فلان في حاجتى) 4/ 3378.]] في حاجتي إذا نقصت حركته فيها.
وقال الأزهري: أخبرني المنذري، عن بعض أصحابه قال: المرض إظلام الطبيعة واضطرابها بعد صفائها، قال: والمرض: الظلمة، وأنشد [[في "التهذيب": (وأنشد أبو العباس)، 4/ 3378، وذكره ابن الأنباري في "الزاهر" قال: أنشدنا أبو العباس 1/ 585.]]:
ولَيْلَةٍ مَرِضَتْ مِنْ كُلِّ ناحيةٍ ... فما يُضيءُ لها شَمْسٌ ولا قَمَرُ [[البيت لأبي حية النميري ولفظه في "التهذيب" (فلا يضيء) 4/ 3778، وذكره ابن الأنباري في "الزاهر" 1/ 585 والكرماني في "لباب التفسير" 1/ 126 (رسالة دكتوراه)، وورد في "اللسان" (مرض) 7/ 4180، "البحر المحيط" 1/ 35، "الدر المصون" 1/ 129.]]
هذا [[(هذا) ساقط من (ب).]] هو الكلام في أصل المرض ومعناه في اللغة، ثم الشك والجهل [[في (ب): (والجهل هذا والحيرة) وفي ج (والحيرة والجهل).]] والحيرة في القلب كلها تعود إلى هذه الأصول.
قال ابن عباس في قلوبهم مرض: أي شك ونفاق [[أخرج ابن جرير بسنده عن عكرمة أو عن سعيد بن جبير عن ابن عباس (في قلوبهم مرض) أي شك وأخرج بسنده عن الضحاك عن ابن عباس قال: المرض: النفاق، "تفسير الطبري" 1/ 280، وأخرجهما ابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 43، وانظر "تفسير ابن كثير" 1/ 52، "الدر" 1/ 67 - 68.]]، وهو قول ابن مسعود والحسن وقتادة [[انظر أقوالهم والآثار عنهم في: "تفسير الطبري" 1/ 122، "تفسير ابن أبي حاتم" 1/ 43 - 44، "تفسير ابن كثير" 1/ 52، "الدر" 1/ 67 - 68.]] وجميع أهل التأويل.
وقال ابن جرير [["تفسير الطبري" 1/ 122، نقل الواحدي كلامه بتصرف.]]: معناه في اعتقاداتهم مرض، أي: شك وشبه، فاستغنى بذكر القلوب عن ذكر الاعتقادات؛ لأن محلها القلوب كقولهم: (يا خيل الله اركبي) [[قوله: (كقولهم: يا خيل الله اركبي) ذكره ابن الأنباري في "الزاهر"، قال ومعناه. فرسان خيل الله اركبوا وابشروا بالجنة. "الزاهر" 2/ 100، ومنه الحديث (يا خيل الله اركبي) ذكره ابن الأثير في "النهاية" 2/ 94، وذكره السيوطي في "الدرر المنتثرة"، وعزاه للعسكري في "الأمثال"، "الدرر المنتثرة" ص 144 (463)، وذكره العجلوني في "كشف الخفاء" وعزاه لأبي الشيخ في "الناسخ والمنسوخ"، وللعسكري ولابن عائذ في "المغازي" وغيرهم. انظر "كشف الخفاء" 2/ 379، 380، وقد رجعت إلى "جمهرة الأمثال" للعسكري ولم أجده، وترجم أبو داود في "سننه" (باب في النداء عند النفير: يا خيل الله اركبي) كتاب (الجهاد) وساق حديث سمرة بن جندب: أما بعد: فإن النبي -ﷺ- سمى خيلنا خيل الله (2560)، "سنن أبي داوود" 3/ 55 معه "معالم السنن".]].
وليس الأمر على ما قال؛ لأن الشك في القلب على الحقيقة، فأي فائدة لتقدير الاعتقاد ههنا؛ ولأن الشك ينافي الاعتقاد، وهم ليسوا معتقدين [[في (ب): (بمعتقدين).]] إذا كانوا شاكّين [[وفيما قاله الواحدي وجاهة وقوة.]].
وقوله تعالى: ﴿فَزَادَهُمُ اَللَّهُ مَرَضًا﴾. يقال: زاد يزيد زيادة وزيدا [["الحجة" لأبي علي 1/ 322.]]، أنشد أبو زيد:
كذلك زَيْدُ المَرْءِ بعدَ انتِقَاصِه [[أنشده أبو زيد مع ثلاثة أبيات قبله ونسبها لحسان السعدي ورواية أبي زيد له مع عجزه:
كذلك زيد المرء ثم انتقاصه ... وتكراره في إثره بعد ما مضى
"النوادر" ص 358 وأنشد الأبيات المرتضى في "أماليه" ونسبها لبعض شعراء طيى والشطر الأخير عنده: (يعود إلى مثل الذي كان قد بدا) 1/ 416. وهو في "الحجة" وفيه (ثم) بدل (بعد) وفي الحاشية في ط (بعد) مكان (ثم) 1/ 322، ويظهر أن نسخة (ط) هي التي اعتمد المؤلف عليها.]]
وقال ذو الإصبع [[هو حرثان بن محرث ذو الإصبع العدواني شاعر جاهلي معمر عاش ثلاثمائة سنة انظر ترجمته في "الشعر والشعراء" ص 473، "الخزانة" 5/ 284.]]:
وأنتمُ معشرٌ زَيْدٌ على مائة ... فأجمِعُوا أمركم طُرًّا فكيدوني [[البيت ضمن قصيدة لذى الإصبع العدواني في "المفضليات" ص 161، وفيه بدل (طرا)، (كلا) ووردت في ص 163، وفيه (شتى)، وهي في "الأمالي" لأبي علي القالي1/ 256، وفي "شرح المفصل" لابن يعيش 1/ 30.]]
كأنه [[في (ب): (كان).]] قال: معشر زيادة على مائة [[في (ب): (على مائة فأجمعوا).]]. وهو [[أي: (زاد).]] فعل يتعدى إلى مفعولين كما قال: ﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ [[في (ب): (تعدى) تصحيف والآية من سورة الكهف: 13.]] [الكهف: 13] وقال: ﴿زِدْنَاهُمْ عَذَابًا﴾ [[الكلام نقله عن "الحجة" لأبي علي1/ 322.]] [النحل: 88].
وكان حمزة يميل (زاد) في جميع القرآن [[قال ابن مجاهد: (قرأ حمزة [وحده] ﴿فَزَادَهُمُ اللَّهُ﴾ بكسر الزاي [المراد الإمالة] وكذلك (شاء) و (جاء) و (خاب) و (طاب) و (ضاق) و (خاف) و (حاق) ... ثم قال. وكان ابن عامر يكسر من ذلك كله ثلاثة أحرف: (فزادهم) و (شاء) و (جاء)، "السبعة" لابن مجاهد ص 141، 142، وذكر نحوه مكي، وقال: ووافقه ابن ذكوان في (جاء) و (شاء) حيث وقعا وعلى إمالة (زاد) في أول سورة البقرة خاصة. "الكشف" 1/ 174، وانظر: "الحجة" لأبي علي 1/ 320.]] كأنه أراد أن يدل بالإمالة على أن العين [[في (ب): (المعين).]] (ياء) [ليحافظ] [[في جميع النسخ (لتحافظ) بالتاء، وكتبتها بالياء حسب ما ورد في "الحجة" والكلام منقول منه وهو الصحيح، انظر "الحجة"1/ 326، 327.]] على الحرف الذي هو أصل، كما أنهم قالوا في جمع أبيض وأعين: بيض وعين، فأبدلوا [[في (أ)، جـ، (فأبدوا) وأثبت ما في (ب).]] من الضمة كسرة، لأن جمع (أَفْعَل) [[في (ب): (أفضل).]] (فُعْل) لتصح [[في (ب): (النصح).]] (الياء) ولا تنقلب إلى (الواو) [[جمع (أبيض) على القياس (بوض) فأبدلوا ضمة (الباء) كسرة حتى لا تقلب الياء واوا.]] فكما حوفظ على تصحيح [[في (ب): (الصحيح).]] (الياء) في هذه الحروف كذلك حوفظ على (الياء) في (زاد) بإمالة الألف نحوها [[نحو (الياء).]] يدلك على ذلك: أن الذين أمالوا نحو: (زاد) [[أي ما كان أصل العين فيه ياء.]] و (زاغ) و (خاب) و (طاب) [[في "الحجة": (زاد وباع وناب وعاب) 1/ 327.]] لم يميلوا نحو (عاذ، وعاد) ولا (بابا) ولا (مالا) ولا ما أشبه ذلك مما العين منه (واو) حيث لم تكن في الكلمة [[(في الكلمة) ساقط من (ب).]] (ياء) ولا (كسرة) فتنحى الألف بالإمالة نحوهما.
ومما يقوي الإمالة في (زاد) ونحوه: أنه اجتمع فيه أمران كل واحد يوجب الإمالة:
أحدهما: ما ذكرنا [[وهو أن تمال الألف ليعلم أنها من الياء،. "الحجة" 1/ 328.]] والثاني: لحَاقُ الكسرة أول فَعَلْتَ [[كذا ورد في "الحجة" 1/ 328 والمراد أن الحرف الأول من فعل زاد يكون مكسورا إذ أسند هذا الفعل إلى تاء المتكلم أو المخاطب أو المخاطبة فتقول: زدتُ، زِدتَ، زِدتِ انظر "الكشف" 1/ 174.]]، وكل واحدة من هاتين الحالتين توجب الإمالة بانفرادها [[الكلام بتصرف يسير من "الحجة" 1/ 327، 328.]].
ومعنى قوله. ﴿فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ أى: شكًّا على شكٍّ وفسادَا على فساد [[انظر: "تفسير الطبري" 1/ 122 - 123، و"تفسير البغوي" 1/ 66، "تفسير ابن كثير" 1/ 52.]]. وهذا يدل على أن كفرهم كان مخلوقًا لله تعالى [[المعنى صحيح فإن الله خالق كل شيء من الطاعات والكفر لكن السلف لم يستعملوا هذا اللفظ تأدبا مع الله تعالى انظر التعليق السابق عند تفسير قوله تعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلىَ قُلوُبِهِم﴾ [البقرة: 7].]]؛ لأنه لو لم يخلق مرض [[في (ب): (سمرص).]] قلوبهم ما زادهم المرض ثانياً، وهو كقوله: ﴿وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾ [هود: 52].
قال أبو إسحاق [[هو الزجاج.]]: المرض [[(المرض) ساقط من (ب).]] في القلب يصلح لكل ما خرج به الإنسان عن الصحة في الدين [[في (ب): (على).]].
وقوله تعالى ﴿فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ [[كلام الزجاج: (وقوله: ﴿فَزَادهمُ الله مَرَضًا﴾ فيه جوابان قال بعضهم زادهم الله بكفرهم كما قال عز وجل: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ [النساء: 155] وقال بعض أهل اللغة: فزادهم الله بما أنزل عليهم من القرآن ...)، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 51.]] أي بما أنزل من القرآن، فشكّوا فيه كما شكّوا في الذي قبله كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ﴾ الآية [التوبة: 124].
وقوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ﴾. أصل العذاب في كلام العرب: من العذب، وهو المنع؛ يقال: عَذَبتَه عَذْبًا أي منعتَه مَنْعَا، فعَذَبَ عُذوبًا أي امتنع [[انظر. "تهذيب اللغة" (عذب) 3/ 2365، "تفسير الدر المصون" 1/ 178 "تفسير البيضاوي" 1/ 10.]]، ومنه يقال للفرس إذا قام في المِعْلف ولم يتناول العلف وامتنع عنه: عَذُوبٌ وعَاذِبٌ، ومنه الماء العَذْب؛ لأنه يمنع العطش [[انظر: "تهذيب اللغة" (عذب) 3/ 2364، "الصحاح" (عذب) 1/ 178، "تفسير الثعلبي" 1/ 48 ب، "الكشاف" 1/ 164.]]. فسمي العذاب عذابًا؛ لأنه يَعْذُبُ المعاقب عن معاودة ما عوقب عليه، ويعذب غيره [[في (ب): (في).]] من أرتكاب مثله [[انظر: "مقاييس اللغة" (عذب) 4/ 260، "تفسير الثعلبي" 1/ 48 ب، "الكشاف" 1/ 165، "تفسير البيضاوي" 1/ 10، "تفسير القرطبي" 1/ 172.]].
وقوله تعالى: ﴿أَلِيمٌ﴾ الأليم بمعنى المؤلم [[انظر. "تفسير الطبري" 1/ 123، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 51، "تفسير أبي الليث" 1/ 95.]] كالسميع: بمعنى المسمع [[في (أ)، (ج) (السمع) وأثبت ما في (ب).]]، وقال ذو الرمة [[هو غيلان بن عقبة من بني صعب بن مالك بن عدي بن عبد مناة، و (الرُّمَّة) بضم الراء وتشديد الميم: قطعة من الحبل الخلق، قيل إن مية لقبته بذلك، شاعر إسلامي عاصر جرير والفرزدق. انظر ترجمته في: "الشعر والشعراء" ص 350، "وفيات الأعيان" 4/ 11، "الخزانة" 1/ 106.]]:
وترفع [[كذا في (أ)، (ج) وفي (ب) محتملة ونحوه في "تفسير الطبري" وما عداه من المصادر فيها: (نرفع).]] من صدور شَمَرْدَلاتٍ ... يصُكُّ وجوهَها وَهَجٌ [[في (ب) (هجم).]] أليمُ [[قوله: الشمردلات الإبل الحسان الجميلة الخلق، يصك: يضرب، وهج أليم: شدة الحرارة، البيت في "ديوانه" 2/ 677، "مجاز القرآن" 1/ 32 و"تفسير الطبري" 1/ 123، وفيه (يصد) بدل (يصك)، "تفسير القرطبي" 1/ 198، و"الدر المصون" 1/ 130.]]
وقال عمرو [[هو عمرو بن معد يكرب، وفد على النبي ﷺ سنة تسع أو عشر، فأسلم، فارس مشهور، له وقائع في الجاهلية والإسلام، انظر ترجمته في: "الشعر والشعراء" ص 235، "الإصابة" 3/ 18، "الخزانة" 2/ 444.]]: أَمِنْ ريحانة الدَّاعي السَّميع [[تمامه:
يؤرقني وأصحابي هجوع
وريحانة: أخت عمرو، وكان الصمة أبو دريد قد غزا بني زبيد وسباها، وغزاهم عمرو مرارًا ولم يقدر عليها، وقيل: ريحانة امرأة أراد أن يتزوجها فهو يشبب بها. البيت في "الشعر والشعراء" ص 235، و"تفسير الطبري" 1/ 123، "معاني القرآن" للزجاج1/ 51، و"تفسير الثعلبي" 1/ 50 أ، و"تفسير ابن عطية" 1/ 165، "الأصمعيات" ص 172، "البحر المحيط" 1/ 59.]]
أي: المسمع. ومعنى العذاب الأليم [[في (ب): (هو العذاب الذي ...).]]: الذي يخلص وجعه إلى قلوبهم.
"قوله تعالى: ﴿بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾. (ما) في تأويل المصدر [[هذا على قول من يجعل لـ (كان) مصدرًا ومن لا يجيز ذلك يجعل ما بمعنى الذي وسيأتي للمسألة مزيد إيضاح عند قوله ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا﴾ [البقرة:28]، وقد ذكر المذهبين الطبري في "تفسيره" 1/ 123، وأبو حيان في "البحر" 1/ 60 والسمين الحلبي في "الدر المصون" 1/ 130.]] كأنه قيل: بكونهم مكذبين وبتكذيبهم. وسنذكر القول في ذلك عند قوله: ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا﴾ [البقرة:28]، إن شاء الله.
وحقيقة الكذب: الإخبار عن الشيء بخلاف ما هو به، وقد يستعار لفظ الكذب فيما ليس بكذب في الحقيقة [[قال أبو حيان: والكذب له محامل في لسان العرب، أحدها: الإخبار بالشيء على خلاف ما هو عليه. والثاني: الإخبار بالذي يشبه الكذب ولا يقصد به إلا الحق. والثالث: الخطأ. الرابع: البطول. الخامس: الإغراء بلزوم المخاطب الشيء المذكور. "البحر المحيط" 1/ 60، وانظر: "الكشاف" 1/ 178، "الدر المصون" 1/ 132.]]، كقول الأخطل [[هو غياث بن غوث بن الصلت بن طارقة التغلبي، الشاعر المشهور كان نصرانيًّا == ومات على ذلك، مدح بني أمية وكان مقدما عندهم. انظر ترجمته في: "الشعر والشعراء" ص 319، "الخزانة" 1/ 459.]]: كَذَبتكَ عينُك أَمْ رَأَيتَ بواسطٍ [[البيت مطلع قصيدة للأخطل يهجو بها جريرا وقوله (كذبتك عينك): أي خيل إليك، وواسط: مكان بين البصرة والكوفة. البيت من شواهد سيبويه 3/ 174. وورد في "المقتضب" 3/ 295، "تهذيب اللغة" (الكذب) 4/ 3114، "مغنى اللبيب" 1/ 45.]]
كأنها لما أوهمته خلاف الحقيقة كانت بمنزلة ما كذبته [[انظر: "تهذيب اللغة" (كذب) 4/ 3114.]].
وقرأ أهل الكوفة [[عاصم وحمزة والكسائي انظر "السبعة" لابن مجاهد ص 143، "الحجة" لأبي علي 1/ 329، "الكشف" لمكي1/ 227، و"تفسير الطبري" 1/ 121 - 123.]] ﴿يَكْذِبُونَ﴾ بالتخفيف من الكذب، وهو أشبه بما قبله وبما بعده؛ لأن قبله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ [البقرة: 8] وهذا كذب منهم، وبعده قوله: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ﴾ [البقرة: 14] وهذا يدل على كذبهم في دعوى الإيمان.
وأيضا فإن قوله تعالى ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ لا يخلو إما أن يراد به المنافقون، أو المشركون، أو الفريقان جميعاً. فإن أراد المنافقين فقد [[في (أ)، (ج): (وقد) وأثبت ما في (ب) ومثله في "الحجة" 1/ 338.]] قال فيهم: ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (1)﴾ [المنافقون: 1].
وإن كانوا المشركين فقد قال: ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (90) مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ﴾ [المؤمنون: 90 - 91]. وإن كانوا الفريقين فقد أخبر عنهم جميعا بالكذب الذي يلزم [[في (ب): (يلتزم).]] أن يكون فعله (يكذبون) بالتخفيف.
ومن شدد [[وهي قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو وابن عامر "السبعة" لابن مجاهد ص 43.]] فلكثرة ما في القرآن مما يدل على التثقيل [[في (أ)، (ج): (الثقيل) وأثبت ما في (ب) ومثله في "الحجة" 1/ 338.]] كقوله: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ﴾ [الأنعام: 34] وقوله: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾ [يونس: 39]، ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي﴾ [يونس: 41] ونحوها من الآيات [[أخذه عن "الحجة" لأبي علي، بتصرف 1/ 337. وانظر "الكشف" لمكي 1/ 228، وقد رجح مكي قراءة (التشديد) ورجح الطبري قراءة (التخفيف) 1/ 123.]].
البقرة 2:11
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ الآية. موضع (إذا) من الإعراب نصب لأنه اسم للوقت كأنك قلت: (وحين قيل لهم) أو (ويوم قيل لهم) إلا أنها تشبه حرف الجزاء [[انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 137، "البيان" 1/ 55، 56، "الدر المصون" 1/ 132.]] وسيأتي الكلام في (إذ) و (إذا) بعد هذا إن شاء الله.
وكان الكسائي يُشِمّ ﴿قِيلَ﴾ [[وروي عن هشام مثل الكسائي، وعن نافع وابن عامر الإشمام في بعض أخوات (قيل) دونها. انظر: "السبعة" لابن مجاهد ص 143، "الحجة" 1/ 340، "الكشف" لمكي 1/ 229.]] وأخواتها [[في (أ)، (ج): وأخواته. وأثبت ما في (ب).
والمراد بأخواتها: سيء وسيق وحيل وجيء وغيض والسادس قيل فهي ستة أفعال معتلة العين. انظر: "الكشف" لمكي 1/ 229 والإشمام سبق تعريفه.]] (الضم)، ليدل بذلك على أنه كان في الأصل (فُعِل) [[فعل: مبني للمجهول.]]، كما أنهم قالوا: أنت تغزُين، فألزموا الزاي إشمام الضمة، و (زين) من (تغزين) بمنزلة: (قيل). ومن قال (قُيل) بإشمام الضم قال: (بُيع) أو (اختُير) و (انقُيد) [[في (أ)، (ج) رسمت أن قيد وفي (ب) إن قيل والصحيح ما أثبت كما في "الحجة" قال: (... ألا ترى من قال: قيل وبيع، قال: اختير وانقيد فأشم ما بعد الخاء والنون لما كان بمنزلة: قيل وبيع ...) 1/ 346، وانظر: "الكشف" 1/ 230.]] بالإشمام؛ لأنها بمنزلة واحدة.
وأما من [[وهم ابن كثير وعاصم وأبو عمرو وحمزة هؤلاء كسروا أوائل (قيل) وأخواتها ونافع وابن عامر وافقاهم في بعضها ومنها (قيل)، انظر: "السبعة" لابن مجاهد ص 143، 144، "الحجة" 1/ 340 - 341، "الكشف" 1/ 229.]] حرك الفاء بالكسر ولم يشم الضمة، قال [[في (ب): (كان).]]: هذا كان في الأصل (قُوِلَ) فنقلت كسرة الواو إلى القاف، فسكنت الواو وانكسر ما قبلها، فصارت (ياء) فلزم كسر القاف وصار الأصل هذا [[انظر: "الحجة" 1/ 349 - 350 "الكشف" 1/ 230.]].
قال المفسرون: ومعنى الآية: وإذا قيل لهؤلاء المنافقين: لا تفسدوا في الأرض بالكفر وتعويق الناس عن الإيمان بمحمد ﷺ [[انظر. "تفسير الطبري" 1/ 125، "تفسير أبي الليث" 1/ 96، "تفسير الثعلبي" 1/ 50 ب، "تفسير ابن كثير" 1/ 53، و"تفسير البغوي" 1/ 66، "تفسير الخازن" 1/ 58.]]. ويقال: أفسد الشيء يفسده إفساداً، ومفعول الإفساد محذوف [[في (ب): (محذوف).]] على معنى: (لا تفسدوا أنفسكم بالكفر، أو [[في (ب): (بالواو).]] الناس بالتعويق عن الإيمان)، على ما ذكره المفسرون.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾. [[في (ج): (قالوا إنما نحن مصلحون).]] (نحن) تدل على جماعة.
وجماعة المضمرين تدل عليهم (الميم أو [[في "معاني القرآن" للزجاج (الميم والواو) 1/ 54.]] الواو)، نحو [[في (ب): (ونحن).]]: فعلوا وأنتم، [فـ (الواو)] [[في (أ)، (ب)، (ج): (قالوا ومن) والتصحيح من "معاني القرآن" للزجاج 1/ 55.]] من جنس الضمة. وحركت نحن (بالضم)؛ لأن الضم من الواو [[ذكره الزجاج في "معاني القرآن" 1/ 54. وانظر: "مشكل إعراب القرآن" لمكي 1/ 241.]]. وهو جمع (أنا) [[في (ب): (أناس).]] من غير لفظها [["الأضداد" لابن الأنباري ص 184، "تهذيب اللغة" (أنا) 1/ 213.]].
وقال بعضهم. ضم آخرها تشبيهاً بالغاية، نحو: قبلُ وبعدُ [[ذكره النحاس ونسبه لمحمد بن يزيد، "إعراب القرآن" للنحاس1/ 138 - 139، "مشكل إعراب القرآن" 1/ 24.]]، ووجه الشبه بينهما [[(بينهما) ساقط من (ب) وفي ج (بينهم).]] ذكرنا في قوله: ﴿هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ﴾ [البقرة: 25]. وقال قوم: كان أصلها (نَحُنْ) [[في (أ): (نَحْنُ) وفي ب، ج غير مشكولة والصحيح (نَحُنْ) كما في "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 138 - 139، "مشكل إعراب القرآن" 1/ 25، وفي (نحن) نقلت الضمة إلى (النون) وسكنت (الحاء).]] ثم فعل بها ما فعل بـ (قط) لتشبه أخواتها [[أخوات (قط): (قبل) و (بعد) و (حسب) لأنها غاية مثلهن: انظر "تهذيب اللغة" (قط) 3/ 2991، "الكتاب" 3/ 276.]]، وأصل (قط): (قطط)، والقياس عند الإدغام يوجب نقل ضمة العين إلى اللام، دلالة على حركة العين في الأصل.
ومعنى الآية: يظهرون أنهم مصلحون، كما أنهم يقولون: آمنا، وهم كاذبون. ويحتمل أنهم قالوا: إنما نحن مصلحون، أي: الذي نحن عليه هو صلاح عند أنفسنا [[ذكر القولين الزجاج في "معاني القرآن" 1/ 52، وانظر "تفسير الطبري" 1/ 126 - 127، "زاد المسير" 1/ 32، "تفسير البغوي" 1/ 67.]].
والتأويل: إنما نحن مصلحون أنفسنا أو الناس، على ما ذكرنا في
قوله: ﴿لَا تُفْسِدُوا﴾ لأن الإصلاح واقع، ولا بد له من مفعول، وقولهم: فلان مصلح، يراد أنه مصلح لأعماله وأموره.
البقرة 2:12
وقوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ﴾. رد الله عليهم قولهم: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ و (ألا) كلمة يستفتح [[في (أ) (تستفتح).]] بها الخطاب [[انظر "معاني الحروف" للرماني ص 113، "البيان في غريب إعراب القرآن" 1/ 57، "البحر المحيط" 1/ 62، "الدر المصون" 1/ 139.]].
قال الكسائي: وهي تنبيه، ويكون بعدها أمر أو نهي أو إخبار، نحو قولك: ألا قم، ألا لا تقم، ألا إن زيدا قد قام [[ذكره الأزهري عن سلمة عن الفراء عن الكسائي "تهذيب اللغة" (ألا) 15/ 422.]]. وقال النحاة: أصلها (لا) دخلت عليها ألف [[في ج (همزة).]] الاستفهام [[انظر: "الكتاب" 2/ 307، "الجمل في النحو" للزجاجي ص 240، "الكشاف" 1/ 180، واختار أبو حيان. أنه حرف بسيط غير مركب ورد على الزمخشري في ذلك، "البحر" 1/ 61، وأخذ يقول أبي حيان السمين الحلبي في "الدر المصون" 1/ 139.]] والألف إذا دخلت على الجحد [[أي النفي.]] أخرجته إلى معنى التقرير [[في (ج): (التقدير).]] والتحقيق [[انظر: "الكشاف" 1/ 180.]] نحو: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ﴾ [القيامة: 40]، ثم كثر (ألا) في الكلام فصار تنبيها ليتحقق السامع ما بعده، فمعنى الأصل فيه موجود وهو التحقيق كما بينا. وقد يكون للعرض والتحضيض [[العرض: هو الطلب بلين ورفق، والتحضيض: هو الطلب بحث وإزعاج، والمثال المذكور للعرض. و (ألا) تأتي على أوجه أخرى، انظر "حروف المعاني" للرماني ص113، "الأزهية" ص163، "تهذيب اللغة" (ألا) 1/ 178، "مغني اللبيب" 1/ 68.]]، كقولهم: ألا تنزل عندنا.
وقال الزجاج: (ألا) كلمة يبتدأ بها، ينبه بها المخاطب توكيدا، يدل على صحة ما بعدها.
ذكر هذا في آخر سورة: (حم السجدة) [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 392 (ط: عالم الكتب).]].
وقوله تعالى: ﴿هُمُ﴾ إن شئت جعلته تأكيدا [[في (ج) (توكيد). وهو توكيد للضمير في أنهم فيكون في محل نصب. انظر "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 139، "تفسير ابن عطية" 1/ 168، "الدر المصون" 1/ 139.]]، وإن شئت جعلته ابتداء، و (المفسدون) خبره، وجعلتهما خبر (إن) [[ويجوز وجه ثالث. وهو أن يكون (هم) فصلا ويسميه الكوفيون (عمادا) فلا موضع له من الإعراب انظر "معاني القرآن" للزجاج 1/ 53، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 178، "تفسير ابن عطية" 1/ 167 - 168، "الدر المصون" 1/ 139.]]. ودخلت الألف واللام في (المفسدين) للجنس، كأنه جعلهم جنس المفسدين تعظيماً لفسادهم، كأنه لا يعتد بفساد غيرهم مع فسادهم، وكل فساد يصغر في جنب فسادهم، حتى كان المفسد في الحقيقة هم دون غيرهم، وإن كان غيرهم قد يفسد [[ولهذا جاء في هذِه الجملة عدة مؤكدات منها: الاستفتاح، والتنبيه والتأكيد بإنّ وبضمير الفصل، وتعريف الخبر. انظر "تفسير ابن عطية" 1/ 168، "الكشاف" 1/ 181 "الدر المصون" 1/ 139.]].
وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾. أصل ﴿لكن﴾، (لا، ك، إن)، (لا) للنفي و (الكاف) للخطاب و (إن) للإثبات. فحذفت الهمزة استخفافا [[في (ب): (استحقاقا). والقول الذي حكاه الواحدي هو رأي الكوفيين أما البصريون فيرون أنها بسيطة غير مركبة. انظر "الإنصاف" ص 171 - 178، "مغني اللبيب" 1/ 291.]]. ومعناها: استدراك [[في (ب): (استدرك).]] بإيجاب بعد نفي [[في (ب): (بعد بعد).]]، أو نفي بعد إيجاب [[قال النحويون: (لكن) لا يتدارك بها بعد إياب إلا إذا وقع بعدها جملة، كما سيأتي في كلام المبرد الذي نقله المؤلف. انظر "الكتاب" 1/ 435، 4/ 232، "المقتضب" 1/ 12، "معاني الحروف" للرماني ص 133، "حروف المعاني" للزجاج ص 15، 33.]]، فإذا قيل: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ [[(هم) ساقطة من (ب).]] الْمُفْسِدُونَ﴾ سبق إلى الوهم أنهم يفعلون [[في (ب): (يضلون).]] ذلك من حيث يشعرون. فقال: ﴿وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [[انظر: "تفسير الطبري" 1/ 127، "تفسير ابن عطية" 1/ 168، "الدر المصون" 1/ 140.]].
وكذلك [[في (ب): (لذلك).]] إذا قال: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [الأحزاب: 40] أوهم ذلك استبهام صفاته، فقال: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ﴾، [والمعنى: ولكن كان [[قال في "تهذيب اللغة": (.. فإنك أضمرت كان بعد: (ولكن) فنصب بها ..) "تهذيب اللغة" (لكن) 4/ 3294.]] رسول الله] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]]، فهذا استدراك [[في (ب): (اشتراك).]] لا يجاب بعد نفي.
وقال المبرد: (لكن) من حروف العطف، وهي للاستدراك [[في (ب): (استدراك).]] بعد النفي، ولا يجوز أن يدخل بعد واجب [[أي موجب والمراد غير منفي.]]، إلا لترك قصة إلى قصة تامة [نحو قولك: جاءني زيد لكن عبد الله لم يأت، وما جاءني زيد لكن عمرو [["المقتضب" 1/ 12.]].
وفي الآية أتت بعد الإيجاب لترك قصة إلى قصة [[أي جملة تامة إلى جملة تامة.]] تامة] [[ما بين المعقوقين ساقط من (ب).]]، وهو قوله: ﴿إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ﴾. فأما التشديد والتخفيف في ﴿لكن﴾ استعماله [[في (ب): (استعمال).]] بالواو وبغير الواو، فقد ذكرناها عند قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة: 102].
ومعنى قوله: ﴿وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ أي: لا يعلمون أنهم مفسدون، بل يحسبون أنهم مصلحون.
وقيل: ولكن لا يعلمون ما عقوبة فعلهم وما يحل بهم، وذلك أن مفعول العلم محذوف فيحتمل القولين [[وهناك قول ثالث: أنهم يعلمون الفساد سرا ويظهرون الصلاح، وهم لا يشعرون أن أمرهم يظهر عند النبي ﷺ. انظر: "تفسير ابن عطية" 1/ 168، "تفسير البغوي" 1/ 66، "زاد المسير" 1/ 33، "تفسير القرطبي" 1/ 177 - 178.]].
البقرة 2:13
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ﴾. المراد بالناس في هذه الآية أصحاب محمد ﷺ والذين آمنوا به، في قول الجميع [[ذكر أبو الليث من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس. أن المراد بالآية اليهود، والناس: عبد الله بن سلام وأصحابه. "تفسير أبي الليث" 1/ 96. والمشهور: أن الآية خطاب للمنافقين، والمراد بالناس، أصحاب محمد كما ذكر المؤلف. انظر: "تفسير الطبري" 1/ 127 - 128، "تفسير ابن أبي حاتم" 1/ 46، "تفسير ابن عطية" 1/ 168 - 169، "تفسير ابن كثير" 1/ 54.]].
و (الألف واللام) فيه للمعرفة [[أي العهد الخارجي العلمي، أو (الألف واللام) للجنس، والمراد الكاملون في الإنسانية، انظر "الفتوحات الإلهية" 1/ 18، 19.]]؛ لأن أولئك كانوا معروفين عند المخاطبين بهذا [[انظر: "تفسير الطبري" 1/ 127 - 128.]].
وقوله تعالى: ﴿أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾. (الألف) في أنؤمن استفهام [معناه: الجحد والإنكار [[انظر: "الوسيط" للمؤلف 1/ 42، "الكشاف" 1/ 182، "تفسير البيضاوي" 1/ 9، "الدر المصون" 1/ 134.]]، لا نفعل كما فعلوا، وسيأتي وقوع الاستفهام، [[ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، (ج).]] موقع الجحد مشروحاً بعد هذا. والسفهاء: الجهال [[في (أ)، (ج): (الححال الحهال) معناها غير واضح فلعل أحد النساخ كتب الجهال وطمسها فنقلت وما في (ب) يوافق عبارة المؤلف في "الوسيط": (السفهاء: الجهال الذين قلت عقولهم)، 1/ 42.]] الذين قلت عقولهم، جمع (السفيه) ومصدره: (السَّفَه والسَّفَاه والسَّفَاهَةُ) [[انظر. "اللسان" (سفه) 4/ 2032.]].
قال أهل اللغة [[ذكره الأزهري في "تهذيب اللغة" (سفه) 2/ 1709.]]: معنى السفه: الخفة، والسفيه: الخفيف العقل، ومن هذا قيل: تسفهت [[في (ب): (سفهت).]] الرياح الشيء، إذا حركته واستخفته. وقال:
مَشَيْنَ كَمَا اهْتَزَّتْ رِمَاحٌ تَسَفَّهَتْ ... أَعَالِيهَا [[في (ب): (من).]] مَرُّ الرِّيَاحِ النَّوَاسِمِ [[البيت لذي الرمة يصف نسوة، جعل النساء في اهتزازهن في المشي بمنزلة الرماح، تستخفها الرياح فتزعزعها، والنواسم: الرياح الضعيفة في أول هبوبها. البيت في "الديوان" 2/ 754، وفيه (رويدا) بدل (مشين)، "الكتاب" 1/ 52، 65، "المقتضب" 4/ 197، "تهذيب اللغة" (سفه) 2/ 1710، "معجم مقاييس اللغة" (سفه) 3/ 79، "اللسان" (سفه) 4/ 2034، (الخصائص) لابن جني 2/ 417، "تفسير ابن عطية" 1/ 169، "تفسير القرطبي" 1/ 178.]]
ويقال: ناقة سفيهة الزمام، إذا كانت خفيفة السير، ومنه قول ذي الرمة:
........ سفيهٍ جديلُها [[جزء من بيت وتمامه:
وأبيض موشيَّ القميص نصبته ... على خصر مِقْلاتِ سَفِيهٍ جَدِيلُهَا
أبيض: يعني السيف، نصبته على خصر مقلات: ناقة لا يعيش لها ولد، فهو أصلب لها، والجديل: الزمام، والمراد أن الناقة نشيطة، انظر: "ديوان ذي الرمة" 2/ 922، "تهذيب اللغة" (سفه) 2/ 1710، وفيها (سفيهة) بدل (سفيه)، "معجم مقاييس اللغة" (سفه) 3/ 79، "اللسان" 4/ 2034.
وبهذا انتهى ما نقله من "تهذيب اللغة" (سفه) 2/ 1171.]]
ولهذا المعنى سمى الله تعالى الصبيان والنساء: السفهاء في قوله ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ [النساء: 5] لجهلهم وخفة عقلهم [[انظر: "تهذيب اللغة" (سفه) 2/ 1171.]].
وعنوا بالسفهاء أصحاب محمد [[ذكرها ابن جرير عن ابن عباس، وابن مسعود، وعن ناس من أصحاب رسول الله ﷺ، وعن الربيع بن أنس، وزيد بن أسلم. انظر: "تفسير الطبري" 1/ 128، "تفسير ابن كثير" 1/ 54.]] ﷺ و (الألف واللام) فيها [[(فيها) غير واضحة في (ب).]] مثلهما في (الناس) [[يريد ما سبق في قوله: ﴿كَمَا آمَنَ النَّاسُ﴾ حيث قال: الألف واللام للمعرفة لأن أولئك كانوا معروفين عند المخاطبين بهذا.]]. فإن قيل: كيف يصح النفاق مع المجاهرة [[في (أ)، (ج): (المجاهدة) وما في (ب) موافق لما في "الوسيط" 1/ 43 وهو ما أثبته.]] بقولهم: أنؤمن كما آمن السفهاء؟ قيل: إنهم كانوا يظهرون هذا القول فيما بينهم، لا عند المؤمنين؛ لأن الله تعالى قد قال: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا﴾ [البقرة: 14]. أو [[في (ب): (وأنهم).]] أنهم لم يفصحوا بهذا القول، وإنما أتوا بما يفهم عنهم به هذا المعنى، ولا يقوم به حجة توجب الحكم من جهة المشاهدة، كقوله تعالى: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [محمد: 30]، وهو خلاف الإفصاح [[انظر. "تفسير ابن عطية" 1/ 169، و"تفسير القرطبي" 1/ 178.]].
البقرة 2:14
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾. قال المفسرون: يعني: أبا بكر -رضي الله عنه- وأصحابه [[لعل المؤلف هنا يثير إلى الأثر الطويل الذي أخرجه في (أسباب النزول) بسنده عن محمد بن مروان عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، والذي ورد فيه قصة لقاء عبد الله بن أبي ومعه طائفة من أصحابه بأبي بكر ومعه نفر من الصحابة .. الأثر. "أسباب النزول" للواحدي ص 25. وأخرجه الثعلبي في "تفسيره" 1/ 51 أ، وأورده == السيوطي في "الدر المنثور" 1/ 69، وذكره في "لباب النقول" وقال: هذا الإسناد واهٍ جداً فإن السدي الصغير كذاب وكذا الكلبي وأبو صالح ضعيف ص 17. وفي "تفسير الطبري"، عن ابن عباس المراد: أصحاب محمد، 1/ 129 - 130، وانظر "تفسير ابن كثير" 1/ 54.]]. و (لقوا) في الأصل (لقيوا) فاستثقلت الضمة على (الياء)، فحذفت ونقلت ضمتها إلى القاف [[في "الكشف" للثعلبي (فاشتقلت الضمة على (الياء) فنقلت إلى القاف، وسكنت، و (الواو) ساكنة فحذفت لاجتماعها) 1/ 51 أ، وانظر: "تفسير ابن عطية" 1/ 169، "تفسير القرطبي" 1/ 179.]]. الحراني عن ابن السكيت:
لَقِيتُه لقَاءً ولِقْيَاناً ولُقِيًّا [[(ولقيا) ساقط من (ب).]] ولُقًى [["تهذيب اللغة" (لقى) 4/ 3290، وانظر كلام ابن السكيت في "إصلاح المنطق" ص 311. قال أبو حيان: (سمع لـ (لقى) أربعة عشر مصدرًا)، "البحر" 1/ 62، "الدر المصون" 1/ 144.]].
الليث: وكل شيء استقبل شيئا أو صادفه فقد لقيه من الأشياء كلها [["تهذيب اللغة" (لقى) 4/ 3290.]].
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾. يقال: خَلاَ المكان يَخْلُو [[في (أ)، (ج): (مخلو) وأثبت ما في (ب).]] خَلَاءً وهو خَلاَء [[في (ب): (يخلو خلاوة وخلاء).]] وخَالٍ [[في "التهذيب" قال الليث: خلا المكان والشيء يَخْلُو خُلْوَّا وخَلاَءً وأَخْلَى إذا لم يكن فيه أحد ولا شيء فيه، وهو خال. "التهذيب" (خلا) 1/ 1073، وانظر "اللسان" (خلا) 2/ 1254، "القاموس" (خلا) ص 1280.]]، وخَلَوْتُ بفلان، أَخْلُو به خَلْوَةً وَخَلاَءً [[ذكره الأزهري عن اللحياني. "التهذيب" (خلا) 1/ 1073.]]، ويقال: خَلَا به وخَلَا معه وخَلَا إليه بمعنى واحد [[انظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 51 أ، "تهذيب اللغة" (خلا) 1/ 1073، "اللسان" (خلا) 2/ 1254، "القاموس" ص 1280.]]. وقال النضر [[هو النضر بن شميل بن خَرَشة بن يزيد التميمي، من أهل مرو، كان صاحب غريب وشعر، ورواية للحديث، من أصحاب الخليل بن أحمد، توفي سنة ثلاث ومائتين. انظر ترجمته في: "إنباه الرواة" 3/ 348، "نزهة الألباء" ص 73، "وفيات الأعيان" 5/ 397، "إشارة إلى التعيين" ص 364.]]: (إلى) هاهنا بمعنى: (مع) [[ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 51 أ، وذكره الجوهري ولم ينسبه للنضر. "الصحاح" (خلا) 6/ 2330، "اللسان" (خلا) 2/ 1254، وانظر: "تفسير الطبري" 1/ 131.]] كقوله: ﴿الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة: 187] و ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ [[وردت في سورة آل عمران: 52 قال تعالى: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ الآية. وفي سورة الصف: 14 ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ الآية.]] [آل عمران: 52، الصف: 14]، ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء:2] [[انظر: "تأويل مشكل القرآن" ص 571.]].
وقال النحويون: معنى الآية: إذا انصرفوا من لقاء المؤمنين إلى شياطينهم، فدخلت (إلى) لدلالة [[في (أ)، (ج) (الدلالة) وأثبت ما في (ب).]] الكلام على معنى الابتداء [[في (ب): (الابتدار الانتهاء).]] والانتهاء؛ لأن أول لقائهم للمؤمنين ثم للشياطين، فكأنه [[في (ب): (فكانوا).]] قال: وإذا خلوا من المؤمنين وانصرفوا [[في (ب): (فانصرفوا).]] إلى شياطينهم. وهذا أحسن من إخراج (إلى) عن حدها [[(خلا) تتعدى بـ (إلى) وبـ (الباء) فإذا عديت بـ (إلى) كان معناها الانفراد في حاجة خاصة، وإذا عديت بـ (الباء) كان لها معنيان: أحدهما: ما سبق، والآخر: بمعنى السخرية به، فتعديتها بـ (إلى) أفصح، لأنه يخلو من الالتباس. وبعضهم يجعل (إلى) في الآية بمعنى (مع)، وبعضهم يجعلها بمعنى (الباء)، وهذان ضعيفان عند بعض العلماء؛ لأن الحروف لا يجوز تحويلها عن معانيها إلا بحجة، وبعضهم قال: ضُمِّن (خلا) معنى (ذهبوا) و (انصرفوا) وهذا قول الكوفيين، وقد رجحه الواحدي والطبري وكثير من المفسرين؛ لأنه يُبقي (إلى) على معناها. انظر: "تفسير الطبري" 1/ 131، و"تفسير أبن عطية" 1/ 174، "الدر المصون" 1/ 145، "مغني اللبيب" 1/ 75.]].
والشيطان كل متمرد عات من الجن والإنس [[انظر: "مجاز القرآن" 1/ 32، "تفسير الطبري" 1/ 49، "تفسير الثعلبي" 1/ 15 ب.]]، قال الله تعالى. ﴿شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ [الأنعام: 112]. واختلفوا في اشتقاقه: فقال الليث: الشيطان فَيْعَال من شَطَن أي: بعد، يقال: نَوى شَطُون [[النوى: الدار، ويطلق على التحول من مكان إلى آخر. "اللسان" (نوى) 15/ 347. والكلام لأبي عبيد أدخله المؤلف في كلام الليث، قال في "التهذيب" (أبو عبيد: نوى شطون: أي بعيدة شَاطَّة، وقال الليث: غزوة شطون: أي بعيدة، وشَطَنَت الدار شُطُونا، إذا بعدت ...). "التهذيب" (شطن) 2/ 1877.]] وشَطَنَت [[في (ب): (وشطين الداري) ولفظ الداري بخط مخالف كبير.]] الدار، أي: بعدت، ويقال: شَيْطَن [[في (ب): (شيطان).]] الرجل وتَشَيْطَن [[في (ب): (شيطن).]] إذا صار [[في (ب): (صاب).]] كالشيطان وفعل فعله.
وقال رؤبة: شَافٍ لِبَغْي الكَلْبِ المُشَيْطِنِ [[ورد الرجز في "ديوان رؤبة" ص165، "تهذيب اللغة" (شطن) 2/ 1877، "اللسان" (شطن) 4/ 2264، "البحر المحيط" 1/ 62. وبهذا انتهى كلام الليث. "تهذيب اللغة" (شطن) 2/ 1877، وانظر "تفسير الطبري" 1/ 49، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 83، "الحجة" لأبي علي2/ 22، "تفسير ابن عطية" 1/ 76، "تفسير الثعلبي" 1/ 51 ب، وقال أبو حيان: وهو قول البصريين. "البحر المحيط" 1/ 62، "الدر المصون" 1/ 10.]]
فمعنى الشيطان: البعيد من الجنة. وقال قوم: الشيطان فعلان من شاط يشيط إذا هلك واحترق، بوزن: هَيْمَان وعَيْمَان [[في (ب) (عثمان) وفي "التهذيب" (غيمان) 2/ 1877.]]، من هام وعام [[الكلام بنصه في "التهذيب" (شطن) 2/ 1878، ونسب أبو حيان القول للكوفيين. "البحر" 1/ 62، وانظر "تفسير الطبري" 1/ 49، "الحجة" 2/ 22، "تفسير ابن عطية" 1/ 76.]] وقال الأعشى:
وقد يشيط على أرماحنا البطل [[صدره:
قد نخضب العير من مكنون فائله
العير: حمار الوحش، الفائل: عرق يجرى من الجوف إلى الفخذ، ومكنون الفائل: الدم، يشيط: يهلك. انظر (ديوان الأعشى) ص 149، "الحجة" لأبي علي 2/ 22، "شرح المفصل" 5/ 64، "البحر المحيط" 1/ 62، "تفسير القرطبي" 1/ 79.]]
قال أبو علي: هو (فَيْعَال) من شَطَن [[في (ب): (شيطن).]] مثل: البَيْطَار والغَيْدَاق [[(الغيداق) الكريم، وولد الضب، والطويل من الخيل. "القاموس" ص 914. و (البيطار): الخياط. "القاموس" ص 352.]]. وليس بفَعْلَان من قوله: وقد يَشِيُط البيت.
لأن سيبويه قد حكى: (شيطن) [[في (ب) (شيطان).]] وهو (فَيْعَل) لا (فَعْلَن)، لأنا لا
نعلم أن [[في (ب) (لأن).]] هذا الوزن جاء في كلامهم [[نص كلام أبي علي في "الحجة": (ألا ترى أن سيبويه حكى: شَيْطَنتُه فَتَشَيْطَن، فلو كان من يَشِيطُ لكان شَيْطَنَتُه (فَعْلَنْتُه)، وفي أنا لا نعلم هذا الوزن جاء في كلامهم ما يدلك أنه. (فَيْعَلْتُه)، مثل: بَيْطَرتُه ومثل: هَيْنَم. وفي قول أمية أيضا دلالة عليه، وهو قوله: ...) 2/ 22. وانظر كلام سيبويه في "الكتاب" 3/ 217، 218.]]. ومثل (فَيْعَل) بَيْطَر وَهَيْنَم [[الهينمة: (الصوت الخفي) "القاموس" ص1172.]]،
والحجة القاطعة قول أمية:
أيُّمَا شاطنٍ عصاهُ عكاهُ ... ثُمَّ يُلْقَى في السِّجْنِ والأكْبَالِ [[البيت لأمية بن أبي الصلت يذكر سليمان -عليه السلام- يقول: أيما شيطان عصى سليمان، عكاه: شده بالأكبال، وهي القيود ثم يلقى في السجن. انظر "تفسير الطبري" 1/ 49، "الحجة" 2/ 22، "التهذيب" (شطن) 2/ 1878، (إعراب ثلاثين سورة) لابن خالويه ص 7، "تفسير ابن عطية" 1/ 76، "زاد المسير" 1/ 34، و"تفسير القرطبي" 1/ 79، "البحر المحيط" 1/ 62، "اللسان" (شطن) 4/ 2265، "الدر المصون" 1/ 10.]]
فكما أن (شاطناً) فاعل، والنون لام، كذلك (شَيْطان) فَيْعَال، ولا بكون (فَعْلَان) من يَشِيط [[انتهى ما نقله عن أبي علي من "الحجة" 1/ 22، وقد نصر جمهور العلماء هذا الرأي وأن شيطان (فَيْعَال) من شَطن، منهم ابن جرير في "تفسيره" 1/ 49، والأزهري في "تهذيب اللغة" (شطن) 2/ 1878، وابن عطية في "تفسيره" 1/ 760.
قال السمين الحلبي: قال جمهورهم: هو مشتق من شَطَن يَشْطُن، أي بعد. "الدر المصون" 1/ 10.]].
قال أبو إسحاق: ومعنى الشيطان: الغالي في الكفر المتبعد فيه من الجن والإنس [["معاني القرآن" 1/ 83.]].
قال ابن عباس: أراد بشياطينهم كبراءهم وقادتهم [[أخرج ابن جرير بسنده عن السدي خبرا ذكره عن أبي مالك، وعن أبي صالح عن ابن عباس. وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب رسول الله ﷺ: أما شياطينهم: فهم رؤوسهم في الكفر. وأخرج نحوه عن قتادة ومجاهد وغيرهم.
انظر: "تفسير الطبري" 1/ 130، وأخرج هذِه الآثار ابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 47 - 48، وانظر "الدر" 1/ 69 - 70.]].
وقوله تعالى ﴿إِنَّا مَعَكُمْ﴾. (مع) كلمة تضم الشيء إلى الشيء، ونصبها كنصب الظروف؛ لأن تأويل قولك: (أنا معك): أنا مستقر معك، كما تقول: أنا خلفك [[في (ب): (جعلك). انظر "معاني القرآن" للزجاج 1/ 54، "تهذيب اللغة" (مع) 4/ 3417، "مغني اللبيب"1/ 333.]].
وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾. (الهُزْءُ): السخرية، يقول: هَزِئَ به يَهْزَأُ [[في (ب): (هزاته يهزئ).]] وتَهَزَّأ به واسْتَهْزَأَ به [[ذكره الأزهري عن الليث. "التهذيب" (هزأ) 4/ 3755، "الصحاح" (هزأ) 1/ 84.]]، وهو أن يظهر غير ما يضمر استصغارا وعبثا [[انظر: "الكشاف" 1/ 186، و"تفسير الرازي" 2/ 69، "لباب التفاسير" للكرماني 1/ 134 (رسالة دكتوراه).]].
البقرة 2:15
قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾. قال ابن عباس: (هو [[(هو أنهم) ساقط من (ب).]] أنهم كلما أحدثوا خطيئة جدد الله لهم نعمة) [[لم أجده بهذا النص منسوبا إلى ابن عباس، وذكره القرطبي في "تفسيره" ولم ينسبه 1/ 181.]]. فشبه هذا من الله بالاستهزاء والمكر؛ لأنه غيب عنهم غير ما أظهر لهم، كالمستهزئ منا يظهر أمرا يضمر غيره. [[انظر: "تفسير الطبري" 1/ 134، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 55، و"تفسير الثعلبي" 1/ 52 أ، و"تفسير ابن عطية" 1/ 177، "زاد المسير" 1/ 36، و"تفسير الرازي" 2/ 70، وقد ضعف الرازي هذا وقال: لأن الله أظهر الأدلة الواضحة بما يعاملون به في الدار الآخرة.]].
وقال ابن الأنباري: الاستهزاء من الله جل وعز مخالف الاستهزاء من المخلوقين؛ لأن استهزاءه أن يستدرجهم من حيث لا يعلمون [[ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 36.]].
وقال جماعة أهل المعاني: معنى الله يستهزئ بهم: يجازيهم [[(يجازيهم) ساقط من (أ)، (ج).]] جزاء استهزائهم، فسمى الجزاء باسم المجازى عليه، كقوله: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى:40] وقوله: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾ [البقرة: 194] ومنه قول عمرو:
فنجهل فوق جهل الجاهلينا [[البيت لعمرو بن كلثوم وصدره:
ألا لا يجهلن أحد علينا
وقد سبق تخريجه عند تفسير قوله تعالى: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ﴾.]]
وهذا هو الاختيار [[هذا القول ذكره الطبري ورده كما سيأتي، وذكره الزجاج في "معاني القرآن" 1/ 56، وأبو الليث في "تفسيره" 1/ 97، و"تفسير ابن عطية" 1/ 177، و"تفسير == ابن الجوزي" 1/ 36، و"تفسير الثعلبي" 1/ 47 ب، و"تفسير القرطبي" 1/ 185، وغيرهم من المفسرين. وصرح الواحدي باختياره له، وفي هذا القول تفسير للسخرية بالمجاز، وتأويل لها، ورده ابن جرير، ورجح أن المراد: أن الله يستهزئ بهم حقيقة، ولا يلزم لها اللوازم الباطلة، حيث قال: (وإذا كان معنى الاستهزاء والسخرية والمكر والخديعة ما وصفنا قبل، دون أن يكون ذلك معناه في حال فيها المستهزئ بصاحبه له ظالم، أو عليه فيها غير عادل، ... ثم قال: وأما الذين زعموا أن قول الله تعالى ذكره: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ إنما هو على وجه الجواب، وأنه لم يكن من الله استهزاء ولا مكر ولا خديعة، فنافون عن الله عز وجل ما قد أثبته الله عز وجل لنفسه، وأوجبه لها ...) "تفسير الطبري" 1/ 133. وإلى هذا المعنى أشار ابن تيمية -رحمه الله- حيت قال: (وكذلك ما ادعوه أنه مجاز في القرآن، كلفظ (المكر) و (الاستهزاء) و (السخرية) المضاف إلى الله، وزعموا أنه مسمى باسم ما يقابله على طريق المجاز، وليس كذلك، بل مسميات هذِه الأسماء إذا فعلت بمن لا يستحق العقوبة كانت ظلما له، وأما إذا فعلت بالمجني عليه عقوبة له بمثل فعله كانت عدلًا ... إلى أن قال: ولهذا كان الاستهزاء بهم فعلا يستحق هذا الاسم، كما روي عن ابن عباس: أنه يُفْتح لهم باب إلى الجنة وهم في النار فيسرعون إليه فيغلق ... ثم ذكر قولًا عن الحسن البصري بمعناه ... وقيل: إنه يظهر لهم في الدنيا خلاف ما أبطن في الآخرة، وقيل: هو تجهيلهم وتخطيئهم فيما فعلوه، وهذا كله حق، وهو استهزاء بهم حقيقة)، "مجموع الفتاوى" 7/ 111، 112. وما يقال في هذا يقال عند قوله ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ﴾ وما قيل هناك يقال هنا.]]؛ لأنه [[في (ب): (لأن).]] حمل الكلام على المزاوجة، ولأنه أظهر وأشكل بما جاء من نظائره في القرآن، وكل ذلك على المجاز الذي يحسن في الاستعمال للمبالغة في البيان والتصرف في الكلام.
وقوله تعالى: ﴿وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾. أصل (المد) في اللغة: الزيادة، والمد: الجذب [[انظر. "اللسان" (مدد) 7/ 4156، "القاموس" ص 318.]]: لأنه سبب الزيادة في الطول.
قال الفراء: والشيء إذا مَدَّ الشَّيءَ كان زيادة فيه. تقول: دجلة تَمُدُّ بئارنا [[في (أ)، (ج) (بيارنا) وما في (ب) موافق لـ "معاني القرآن" للفراء 2/ 329.]] وأنهارنا، أي: يزيد فيها [["معاني القرآن" للفراء 2/ 329، وانظر "التهذيب" (مد) 4/ 3361. وقد نقل المؤلف كلام الفراء بتصرف.]].
(والمادة) كل شيء يكون مددا [[في "التهذيب": (مدادا).]] لغيره [[ذكره الأزهري عن الليث. "التهذيب" (مد) 4/ 3361.]]. و (المُدَّةُ) [[في (أ)، (ج): (المد)، وأثبت ما في (ب).]] الأوقات المتزايدة إلى غاية، ومنه مد الله في عمرك [[انظر "تهذيب اللغة" (مد) 4/ 3361، "الصحاح" (مدد) 2/ 537.]].
الأصمعي: امتد النهر ومد إذا امتلأ بالزيادة، ومده نهر آخر [["تهذيب اللغة" (مد) 4/ 3361.]].
ابن المظفر [[هو الليث بن المظفر، ويقال له. الليث بن نصر، صاحب الخليل، ينقل الواحدي كلامه كثيرًا من طريق "تهذيب اللغة". انظر مقدمة "تهذيب اللغة" 1/ 47، "إنباه الرواة" 3/ 42.]]: وادي كذا يمد في نهر كذا. أي: يزيد فيه [[في (أ)، (ج): (يزيده)، وما في (ب) موافق لما في "تهذيب اللغة" وهو ما أثبته.]] وأنشد [[الكلام في "التهذيب" ويظهر أنه من كلام الأصمعي حيث عطفه عليه، ولم يرد ذكر الليث في هذا الموضع. "التهذيب" (مد) 4/ 3361، وأنظر: "اللسان" (مدد) 3/ 397.]]:
سَيْلٌ أَتِيٌّ مَدَّهُ أَتيُّ [[البيت منسوب للعجاج، وهو في "التهذيب" (مد) 4/ 3361، "الصحاح" (مدد) 2/ 537، "اللسان" (مدد) 7/ 4157، وقد نسبه للعجاج وأنشد بعده: == غِبَّ سَمَاءٍ فَهْوَ رَقَرَاقِيُّ
وفي "ديوان العجاج":
مَاءٌ قَريٍّ مَدَهُ قَرِيُّ ... غِبَّ سَمَاءٍ فَهْوَ رَقَرَاقِيُّ
القَري: المسيل، الرقراقِي: المُتَرَقْرِق الذي يتكفأ. (الديوان) ص 318.]] والمدّ: أن [[في (ب): (والمداد يمد).]] يمُدّ الرجلُ الرجلَ [[في (ب): (للرجل).]] في غيّه [[ذكره في "التهذيب" عن ابن أبي حاتم عن الأصمعي (مد) 4/ 3361.]].
قال أهل التفسير في قوله ﴿يَمُدُّهُمْ﴾: أي يمهلهم [[في (ب): (يهملهم) تصحيف.]] ويطول في أعمارهم ومدتهم [[اختلف العلماء في ﴿يَمُدُّهُمْ﴾ هل هي من المد بمعنى الإمهال والتطويل فىِ العمر. أو من المدد بمعنى: الزيادة. وقد رجح هذا الطبري حيث قال: وأولى الأقوال بالصواب أن يكون بمعنى: يزيدهم على وجه الإملاء والترك لهم في عتوهم وتمردهم. "تفسير الطبري" 1/ 135، وانظر: "تفسير أبن عطية" 1/ 177 - 178، "الكشاف" 1/ 188، و"تفسير القرطبي" 1/ 182.]].
و (الطغيان): مصدر كالرجحان والكفران والعدوان [["الحجة" لأبي علي 1/ 366.]]. قال الليث: [والطُّغْوَان لغة فيه] [[ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، (ج).]] والفعل: طَغَوْت وطَغَيْتُ، ومعناه مجاوزة القدر، وكل شيء جاوز القدر فقد طغى، كما طغى الماء على قوم نوح. قال الله تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ﴾ [الحاقة: 12] وطغت الصيحة على ثمود [[انتهى كلام الليث وقد نقله المؤلف بتصرف، "تهذيب اللغة" 3/ 2196، "العين" 4/ 435.]]، فقيل فيهم: ﴿فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ﴾ [[كتبت في جميع النسخ (أهلكوا) وسياق الآية: ﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ﴾.]]. وقيل لفرعون: ﴿إِنَّهُ طَغَى﴾ [النازعات: 17] [[(طغى) ساقط من (ب).]] أي أسرف حيث ادعى الربوبية [[انظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 52 ب.]].
فأما الطغوى والطاغية والطاغوت فهي مذكورة في مواضعها مشروحة. وكان الكسائي يميل ﴿طُغْيَانِهِمْ﴾ في رواية أبي عمر [[هو حفص بن عمر عبد العزيز المقرئ النحوي البغدادي الضرير، قرأ عن الكسائي ويحيى اليزيدي، توفي سنة ست وأربعين ومائتين. انظر ترجمته في "معرفة القراء الكبار" 1/ 191، "غاية النهاية" 1/ 255.]] ونصير [[ونصير ساقط من (ب). ونصير هو: نصير بن أبي نصر الرازي ثم البغدادي النحوي، أبو المنذر، صاحب الكسائي، مات في حدود الأربعين ومائتين. انظر ترجمته في: "معرفة القراء الكبار" 1/ 213، "غاية النهاية" 1/ 255.]] [[انظر: "السبعة" لابن مجاهد ص 144، "الحجة" لأبي علي1/ 365، "الكشف" لمكي 1/ 171.]]. وذلك لأن [[في (ب): (أن).]] الألف قد اكتنفها شيئان كل واحد منهما يجلب الإمالة [وهما، الياء التي قبلها، والكسرة التي بعدها.
فإن قلت: إن أول الكلمة حرف [مستعل] [[في (ب): (مستعمل) وصححت الكلمة من "الحجة" 1/ 368.]] مضموم، وكل واحد من هذين يمنع الإمالة] [[ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، (ج). الكلام في "الحجة" مع الاختصار 1/ 367، 368، وانظر: "الكشف" 1/ 171.]]. قيل: إن المستعلي تراخى عن الألف بحرفين فلم يمنع الإمالة.
وقوله تعالى: ﴿يَعْمَهُونَ﴾. قال أهل اللغة: (الْعَمِه والعَامِه) الذي يتردد متحيراً لا يهتدي لطريقه ومذهبه، ومعنى [[في (ب): (معي).]] ﴿يَعْمَهُونَ﴾: يتحيرون، وقد عَمِه يَعْمَه عَمَهاً فهو عَمِه إذا حار عن الحق [["تهذيب اللغة" (عمه) 3/ 2575، وانظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 56، "تفسير الثعلبي" 1/ 48 ب.]].
قال أهل المعاني: قوله: ﴿وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ كالتفسير لقوله: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ لأن معناه يطول أعمارهم ومدتهم ليتحيروا في طغيانهم وكفرهم، مكراً [[في (ب): (ومكرا).]] بهم، وهم يحسبون أن ذلك مسارعة لهم في الخيرات، ولا يشعرون أنه عقوبة لهم في الحقيقة [[هذا على أن (يمدهم) من المد بمعنى الإمهال والتطويل، وقد سبق بيان ذلك عند قوله ﴿وَيَمُدُّهُمْ﴾، وأنظر "تفسير الطبري" 1/ 135، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 56، "الكشاف" 1/ 188.]].
البقرة 2:16
قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى﴾ الآية. حقيقة الاشتراء: الاستبدال، وكل اشتراء استبدال، وليس كل استبدال اشتراء، ووضع الاشتراء موضع الاستبدال هاهنا، لأنه أدل على الرغبة [[في (أ): (الرعية).]]، وذلك أن المشتري للشيء [[في (ب): (التي).]] محتاج إليه راغب فيه، فهو أبلغ من لفظ الأصل مع ما فيه من حسن التصرف في الكلام، والرب تجعل من آثر شيئاً على شيء مشترياً له وبائعاً للآخر، وإن لم يكن ثم شراء ولا بيع ظاهر [[انظر. "تفسير الطبري" 1/ 138، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 57، "الأضداد" لابن الأنباري ص 72، "تفسير ابن عطية" 1/ 180، و"تفسير القرطبي" 1/ 183، == و"تفسير البيضاوي" 1/ 11، "تفسير الخازن" 1/ 63، (ضمن مجموعة من التفاسير)، "الدر المصون" 1/ 135.]].
قال ابن عباس في هذه الآية: أخذوا الضلالة وتركوا الهدى [[أخرج ابن جرير بسنده عن السدي عن أبي مالك، وعن أبي صالح عن ابن عباس، وعن مرة عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي ﷺ: أخذوا الضلالة وتركوا الهدى. "تفسير الطبري" 1/ 137، وأخرجه ابن أبي حاتم في "تفسيره" عن السدي 1/ 50، وانظر. "تفسير ابن كثير" 1/ 56.]].
قال أهل المعاني: هؤلاء المنافقون لم يكونوا على الهدى قط، لكنهم [[في (ب): (ولكنهم).]] لما تركوا الواجب عليهم من الهدى، واستبدلوا به الضلالة قيل في صفتهم: اشتروا الضلالة بالهدى [[للعلماء في معنى الآية أقوال ذكرها ابن جرير في "تفسيره" وهي: منهم من قال إن معنى اشتروا استحبوا كما قال: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت: 17]، فالمعنى اختاروا الضلالة على الهدى. ومنهم من قال: إنهم كانوا مؤمنين وكفروا، ولو كان الأمر على ذلك لكان هؤلاء تركوا الإيمان واستبدلوا به الكفر، وهو المفهوم من معاني الشراء والبيع، ولكن دلائل الآيات في نعوتهم دالة على أنهم لم يكونوا مؤمنين قط، إنما أظهروا الإيمان كذباً. ومنهم من قال: المراد أخذوا الضلالة وتركوا الهدى، فكل كافر مستبدل بالإيمان كفرا، وهذا ما اختاره ابن جرير وهو أختيار أكثر المفسرين. انظر "تفسير الطبري" 1/ 137 - 139، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 57، "تفسير ابن عطية" 1/ 180، و"تفسير القرطبي" 1/ 182 - 183، و"تفسير ابن كثير" 1/ 56.]].
وأصل ﴿اشْتَرَوُا﴾ اشتريوا، فلما تحركت (الياء) وانفتح ما قبلها صارت (ألفا)، فاجتمع ساكنان، فحذفت (الألف) [[لأن حذفها أولى لأن الواو دخلت لمعنى والألف لم تدخل لمعنى "البيان" لابن الأنباري 1/ 58.]] فصار (اشتروا) ساكنة (الواو) [[قيل في إعلالها: استثقلت الضمة على الياء فحذفت تخفيفا، فاجتمع ساكنان: الياء والواو. فحذفت الياء لالتقاء الساكنين. وما ذكره المؤلف أولى.
انظر: "البيان" لابن الأنباري 1/ 58، "تفسير ابن عطية" 1/ 179، "الدر المصون" 1/ 152.]]. وسقطت همزة الوصل من الضلالة للدرج، فالتقت الواو الساكنة مع الساكن المبدل من لام المعرفة، فحركت الأولى بالضم [[ذكره أبو علي في "الحجة" 1/ 369.]]. واختلفوا في العلة الموجبة لضم الواو [[اتفقوا على أن (الواو) في (اشتروا) تحرك لالتقاء الساكنين، ثم اختلفوا لماذا اختبر الضم على الكسر؟ انظر: "الحجة" 1/ 369.]] في ﴿اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ﴾ فقال أكثر النحويين: إن واوات الجمع كلها [[في (ب): (كأنها).]] تحرك بالضم نحو: ﴿لَتُبلَوُنَّ﴾ [آل عمران: 186] و ﴿لَتَرَوُنَّ﴾ [التكاثر: 6].
وقالوا: مُصْطَفَوُ الله؛ لأن الضم أدل على الجمع وأشكل به، وهذه الواو للجمع فحرك بما هو أدل على الجمع [["الحجة" لأبي علي 1/ 369، وانظر: "الكتاب" 4/ 155، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 55، "معاني القرآن" للأخفش 1/ 204، "تفسير الثعلبي" 1/ 49 أ، "البيان" لابن الأنباري 1/ 58، "تفسير ابن عطية" 1/ 179.]]. ألا ترى أن [[(أن) ساقطة من (ب).]] الواو في (أو) أو (لو) لما لم تكن للجمع لم تحرك بالضم، بل حركت بالكسر، فقرئ [[في (ب): (فقرا)]] ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا﴾ [الجن: 16] [[قراءة الجمهور بالكسر، وقرئ في الشاذ بضم الواو، روى عن الأعمش وابن وثاب. انظر: "البحر المحيط" 8/ 352.]].
وقد أجازوا الكسر [[قراءة الجمهور بالضم، وبالكسر قراءة شاذة، قرأ بها يحيى بن يعمر، وابن أبي إسحاق.
انظر: "الحجة" 1/ 370، "معاني القرآن" للأخفش 1/ 204، "تفسير ابن عطية" 1/ 179، و"تفسير القرطبي" 1/ 182، "الدر المصون" 1/ 151.]] في ﴿اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ﴾ تشبيهاً بمثل: ﴿لَوِ اسْتَطَعْنَا﴾ [التوبة: 42] و ﴿أَلَّوِ اسْتَقَامُوا﴾. وأجازوا [[في (أ)، (ج): (وجازوا) وأثبت ما في (ب).]] الضم [[وهي قراءة شاذة حيث قرأ بالضم الأعمش وزيد بن علي، انظر "البحر" 5/ 46.]] في ﴿لَوِ اسْتَطَعْنَا﴾ تشبيها بواو الجمع [[انتهى من "الحجة" لأبي علي 1/ 369.]].
وقال ناس: إن [[(إن) ساقطة من (ب).]] (الواو) ضمت ههنا لأنه فاعل في المعنى [[في (ب): (بالمعنى).]] فجعلت حركة التقاء الساكنين فيه كحركة الإعراب. وهذا لا يستقيم، لأنهم كسرو (الياء) في قولهم: (أخْشَيِ الله يا امرأة) والياء فاعلة في المعنى [[(المعنى) ساقط من (ب). أي: وسع كونها فاعلا في المعنى لم تحرك بالضم، انظر "الحجة" لأبي علي 1/ 371، "الكتاب" 4/ 155، "الدر المصون" 1/ 151.]].
وقوم كسروا الواو في مسألتنا [[المراد قوله: (اشتروا) وقد سبق بيان أن قراءة الكسر شاذة.]] وفي قوله: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: 237] [[قال أبو حيان: قرأ يحيى بن يعمر: (ولا تَنْسَوِ الفضل) بكسر الواو على أصل التقاء الساكنين تشبيها للواو التي هي (ضمير) بواو (لو) في قوله تعالى: ﴿لَوِ اسْتَطَعْنَا﴾، كما شبهوا واو (لو) بـ (واو) الضمير فضموها. "البحر" 2/ 238.]] فلو كان كما ذكروا [[ما ذكروه: هو أن (الواو) ضمت لأنها فاعل في المعنى.]]، لم يجز الاختلاف [[أي لم يجز الاختلاف في حركة الواو هل هي بالضم أو بالكسر.]] فيه كما لم يجز [[(يجز) ساقط من (ج).]] في حركة الإعراب [[ذكره أبو علي في "الحجة" 1/ 372.]].
وقال الفراء: إنهم إنما حركوا (الواو) هاهنا بالحركة التي كانت تجب للام الفعل من الضمة [[ذكره أبو علي قال: حكاه أحمد بن يحيى عن الفراء. "الحجة" 1/ 372.]].
قال أبو علي [["الحجة" 1/ 372، وما قبله كله من كلام أبي علي وقد اعتمد الواحدي في هذا المبحث على "الحجة".]]: الذي ذهب إليه الفراء هو أن الحركة في (الواو) ليست لالتقاء الساكنين كما يذهب إليه سيبويه وأصحابه [[انظر: "الكتاب" 4/ 155.]]. ولا يستقيم ما ذهب إليه؛ لأنا رأينا الحركات إنما تلقى على الحروف التي تكون قبل الحرف الذي ينقل منه، ولا ينقل إلى ما بعد الحروف المنقولة منها الحركة، كما تقول في: (بِعت)، و (قُلت)، و (خِفت)، و (مِست) [[الميس: التبختر، ماس يَميِس مَيْسا ومَيَسَانا: تبختر واختال. انظر. "اللسان" (مَيَس) 6/ 224، "القاموس" (مَيَس) ص 576.]]، و (ظِلْت)، و (أَحَسْت) [[أصلها: أحسست، حذفت السين الثانية، وهي بمعنى: علمت. انظر. "تهذيب اللغة" (حس) 1/ 817، "اللسان" (حسس) 2/ 871. في هذِه الكلمات نقلت حركة العين إلى الفاء، ولم تنقل إلى ما بعدها. انظر: "الحجة" 1/ 372، 373. ولكن نلحظ فيما سبق عند الكلام على (نحن) أنه ورد في أحد الأقوال: إن حركة الضمة نقلت من الحاء إلى النون.]]، و (أَصَمّ) [[في (أ): (أضم) وكذا في (ج) بدون شكل، وما في (ب) موافق لما في "الحجة".]]، و (أَعَدّ)، و (أَخِلَة). وكذلك نقل حركات الهمز في التخفيف نحو: (جَيَل) [[في (ج): (جل). و (جيل) أصلها جَيْأَل، ولكن خففت بحذف الهمزة في اللفظ، مبقاة في النية، ونقلوا حركة الهمزة إلى الياء. والجيأل: الضبع، والضخم من كل شيء. انظر. "اللسان" (جأل) 1/ 259، "القاموس" (جأل) ص 974.]] و (المرَة) [[(المَرَة) أصلها (المرأة) خففت الكلمة بحذف الهمزة، ونقلت حركتها إلى الراء، بعضهم قال: تخفيف قياسي مطرد، وبعضهم قال: غير مطرد. "اللسان" (مرأ) 7/ 4166.]]. وكذلك قولهم: (قَاضُون)، و (غَازُون)، و (مُشْتَرُون)، ونحو ذلك، فإذا كان الأمر على ما وصفنا، ولم نجد في هذه الأصول شيئا على ما [[(ما) ساقطة من (ب).]] ادعاه، ثبت [[في (أ)، (ج) (وثبت) زيادة واو.]] فساد ما ذهب إليه لدفع [[في (ب) (لرفع).]] الأصول ذلك، وقوله [[في (أ)، (ج) (وقوله تعالى)، وفي (أ) كتبت بخط كبير.]] يوجب أن ضمة الياء في (اشتريوا) نقل إلى الواو [[في (ب) (الياء).]] بعد الياء، وإنما ينقل حيث ينقل إلى ما قبل المنقول منه لا إلى ما بعده كما بينا [[قوله (ذلك وقوله يوجب .... إلى قوله: لا إلى ما بعده كما بينا) ليس في "الحجة". انظر: "الحجة" 1/ 373.]]. وأيضا فإنه لو كان كما ذكر، لوجب أن يتحرك الحرف الذي نقلت إليه [[عبارة أبي علي: (فلو كانت حركة نقل كما قال، لوجب أن يتحرك الحرف الذي نقلت إليه بها، التقى مع ساكن، أو لم يلتق ...) "الحجة" 1/ 374.]]، التقى مع الساكن أو لم يلتق [[في (ب): (يليق).]]، ألا ترى أن سائر ما نقلت إليه الحركة مما ذكرنا، يتحرك [[في (ب): (لتحرك).]] بالحركة المنقولة إليه، فلما لم تتحرك الواو في ﴿اشْتَرَوُا﴾ إلا عند التقاء ساكن، ثبت أن حركتها حركة الحروف الساكنة الملتقية [[في (ب): (المتلقية).]] مع سواكن أخر [[في (أ): (آخر) وفي (ب)، (ج)، بدون همز، وما أثبت موافق لما في "الحجة". بهذا انتهى رد أبي علي على الفراء، وقد اختصر الواحدي بعض كلامه. انظر "الحجة" 1/ 372 - 374.]].
قال أبو أسحاق: من أبدل واو [[نص كلام الزجاج: (فأما من يبدل من الضمة همزة فيقول: (اشترؤ الضلالة) فغالط ...)، "معاني القرآن" 1/ 57.]] ﴿اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ﴾ همزة، غالط؛ لأن الواو المضمومة إنما تبدل همزة إذا لزمت ضمتها، نحو: ﴿وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾ [[قال الزجاج: الأصل وقتت 1/ 57.]] [المرسلات: 11] وكذلك: (أَدْؤُرٌ) [[قال الزجاج: وكذلك (أَدْؤر) إنما أصلها (أَدْوُر) 1/ 57.]] فيمن همزها، والضمة هاهنا إنما هي لالتقاء الساكنين فلا يلزم [[انتهى كلام الزجاج. انظر "معاني القرآن" 1/ 57، وقوله: (فلا يلزم) ليس من كلام الزجاج، والمعنى: أن ضمة (اشتروا) إنما هي لالتقاء الساكنين فليست ضمة لازمة، فلا تقلب الواو المضمومة همزة، لعدم لزوم الضمة فيها.]].
وقوله تعالى: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾. (الربح) الزيادة على أصل المال [[انظر: "لباب التفسير" 1/ 142، "البحر" 1/ 63، "الدر المصون" 1/ 154، "تفسير أبي السعود" 1/ 49.]]. و (التجارة) تقليب الأموال وتصريفها لطلب النماء [[انظر: "مفردات الراغب" ص 73، وانظر المصادر السابقة.]]. يقال: تَجَرَ الرجل يَتْجُر تِجَارَة فهو تَاجِر [[انظر: "مجمل اللغة" (تجر) 1/ 49، "مقاييس اللغة" 1/ 341، "مفردات الراغب" ص 73، وقالوا: ليس في كلام العرب تاء بعدها جيم إلا هذا اللفظ.]].
قال الشاعر:
قَدْ تَجَرَتْ في سُوقِنَا عَقْرَبٌ ... لا مَرْحَبًا بالعَقْرَبِ التَّاجِرَه [[البيت للفضل بن عباس بن أبي لهب، وكان (عقرب بن أبي عقرب) رجل من تجار المدينة، مشهور بالمطل حتى قيل: (هو أمطل من عقرب) فعامله الفضل، فمطله فقال قصيدة يهجوه بها مطلعها هذا البيت المذكور، وردت القصيدة في "الدرة الفاخرة في الأمثال السائرة" 1/ 98، "جمهرة الأمثال" للعسكري 1/ 281، "المستقصى في أمثال العرب" 1/ 33، "مجمع الأمثال" 1/ 260، "اللسان" (عقرب) 5/ 3039.]]
ومعنى قوله ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾ أي ما ربحوا في تجارتهم، وأضاف الربح إلى التجارة، لأن الربح يكون فيها، وهذا كلام العرب يقولون: ربح بيعك وخسر بيعك [[(خسر بيعك) ساقط من (ب).]]، ونام ليلك، وخاب سعيك، قال الله تعالى ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [سبأ: 33] أي مكرهم فيهما. وقال: ﴿فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ﴾ [محمد: 21] وإنما العزيمة للرجال في الأمر [[انظر "تفسير الطبري" 1/ 139، "معاني القرآن" للفراء 1/ 14، "معاني القرآن" للأخفش 1/ 207، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 58، "تأويل مشكل القرآن" ص 138، "تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة ص 42، "زاد المسير" 1/ 38.]].
وقال جرير:
وأعْوَر مِنْ نَبْهَان أمَّا نَهاره ... فَأعْمَى وأمَّا لَيْلُهُ فَبَصِيرُ [[من قصيدة له هجا فيها النبهاني، وكان قد هجا جريرا، ورد البيت في "الطبرى" 1/ 140، "ديوان جرير" ص 203.]]
فأضاف العمى والإبصار إلى الليل والنهار، ومراده بهما الموصوف من نبهان [[ذكره " الطبري" في "تفسيره" 1/ 140.]].
قال الفراء: وهذا إنما يجوز إذا عرف الكلام ولم يشكل، فإذا أشكل لم يجز، كما لو قال: خسر عبدك، وأراد أن يجعل العبد تجارة يربح فيه، أو يوضع [[أي: يخسر فيه.]]، لأنه قد يكون العبد تاجرا فيربح، فلا يعرف معناه إذا ربح [[في "معاني القرآن" للفراء: (إذا ربح هو) 1/ 15.]] من معناه إذا كان مَتْجُورًا [[في (ب): (متجوزا).]] فيه [[نقل كلام الفراء بمعناه انظر "معاني القرآن" للفراء 1/ 15.]].
البقرة 2:17
قوله تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ الآية. قال أبو عبيد عن الفراء: يقال [[في (ب): (ويقال).]]: مَثَل ومِثْل وشَبَه وشِبْه بمعنى واحد [["تهذيب اللغة" (مثل) 4/ 3341.]].
وقال الليث: المثل: الشيء الذي يضرب [[في (ب): (لا يضرب) و (ج) (ضرب).]] مثلا لشيء، فيجعل مثله [["تهذيب اللغة" (مثل) 4/ 3341.]]. وقال المبرد [[أورد الميداني كلام المبرد في "مجمع الأمثال" 1/ 7.]]: (المثل): مأخوذ من المثال، والمثل من الكلام: قول سائر نشبه [[في "مجمع الأمثال" (يشبه به).]] به حال الثاني بالأول، والأصل فيه التشبيه، فمعنى قولهم: (مثل بين يديه) إذا انتصب، معناه: أشبه الصورة المنتصبة بين يديه، والأماثل: الأفاضل. و (هذا أمثل من ذاك) [[في (ب): (ذلك). وفي "مجمع الأمثال": (فلان أمثل من فلان) 1/ 7.]]، أي: أشبه بما له [[في "مجمع الأمثال" (أشبه بما له [من] الفضل) 1/ 7، ويظهر أن (من) مضافة من المحقق لاستقامة المعنى.]] الفضل.
والِمثَال: القصاص لتسوية [[في (أ) (لتشويه). وقوله: (المثال القصاص لتسوية الحالتين) ليس في "مجمع الأمثال" 1/ 7.]] الحالتين، وتشبيه حال المقتص منه بحال الأول، والامتثال: الاقتصاص من هذا.
و (الأمثال) [[في (ب): (الامتثال).]]: أصل كبير في بيان الأشياء، لأن الشيء يعرف بشبهه ونظيره. [و (الأمثال): يخرج ما يخفى تصوره إلى ما يظهر تصوره، و (المثل): بيان ظاهر على أن الثاني مثل الأول] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]].
و (الأمثال): متداولة سائرة في البلاد، وفيها حكم عجيبة وفوائد كثيرة، وقد ذكر الله تعالى الأمثال في غير موضع من كتابه، لما [[في (ب): (التي فيها).]] فيها من حسن البيان وقرب الاستدلال.
والمقصود بالمثل: البيان عن حال الممثل [[في (ب): (الممتثل).]]. وحقيقته: ما جعل من القول كالعلم للتشبيه بحال الأول، مثال ذلك قول كعب بن زهير [[هو كعب بن زهير بن أبي سلمى المزني، شاعر مشهور، وصحابي معروف، قدم على رسول الله صلى الله عيه وسلم وأسلم وأنشده قصيدته المشهورة (بانت سعاد). انظر ترجمته في "الشعر والشعراء" ص 890، "الإصابة" 3/ 295.]]: كَانَتْ مَوَاعِيدُ عُرْقُوبٍ لَنا [[في (ب): (لها) وهي رواية للبيت.]] مَثَلاً ... وَمَا مَوَاعِيدُهُ إلاَّ الأَبَاطِيلُ [[بيت من قصيدة كعب (بانت سعاد) المشهورة التي قالها أمام الرسول ﷺ فأعطاه بردته، و (عرقوب): اسم رجل مشهور بخلف الوعد فيضرب به المثل، فيقال: (مواعيد عرقوب)، أورد القصيدة ابن هشام في "السيرة" 4/ 152، وأورد بعضها ابن قتيبة في "الشعر والشعراء" ص 80، وورد البيت المستشهد به في "الدرة الفاخرة في الأمثال السائرة" 1/ 177، "مجمع الأمثال" للميداني 1/ 7.]]
فمواعيد عرقوب علم [[في (ج): (مثالا).]] في كل ما لا يصح من المواعيد [[انتهى كلام المبرد، وقد ذكره الميداني في مقدمة "مجمع الأمثال" واختصر بعضه، 1/ 7.]]. وورد المثل في معان كثيرة في التنزيل، فَذِكْرُ كل واحد في موضعه، إن شاء الله.
وذُكِر لفظ (المثل) لأن المراد تشبيه الحالة بالحالة، وذكرنا أن لفظ المثل [[في (ب): (الملك).]] قد صار كالعلم للتشبيه بحال الأول، ولو قيل ﴿كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ لم يُعرف ما الغرض من التشبيه، فإذا ذكر لفظ المثل عُلم أن المراد تشبيه الحال بالحال [[انظر: "الطبري" 1/ 140، "معاني القرآن" للفراء 1/ 15، "الكشاف" 1/ 197.]].
و ﴿اسْتَوْقَدَ﴾ بمعنى: أوقد [[(أوقد) ساقط من (ب).]] في قول أكثر أهل اللغة [[فعلى هذا (السين) و (التاء) زائدتان: انظر "معاني القرآن" للأخفش 1/ 208، "تأويل مشكل القرآن" ص 362، "تفسير الطبري" 1/ 143، "تفسير ابن عطية" 1/ 183، "زاد المسير" 1/ 39، "القرطبي" 1/ 183، "البحر" 1/ 75.]].
وقال بعضهم: استوقد، معناه: استدعى بالنار الضياء [[وقيل: المراد طلب من غيره أن يوقد له. انظر "تفسير ابن عطية" 1/ 184، "زاد == المسير" 1/ 39. وقيل: طلب الوقود وسعى في تحصيله، وهو سطوع النار وأرتفاع لهبها. انظر: "تفسير البيضاوي" 1/ 11، "تفسير أبي السعود" 1/ 50، وانظر. "البحر" 1/ 78.]]، والأول الصحيح [[وهو اختيار الأخفش وابن جرير وغيرهم كما سبق.]]. و (النار) من النور [[وبعضهم جعلها مشتقة من نار ينور إذا نفر، لأن فيها حركة واضطرابا، والنور مشتق منها. ذكره الزمخشري في "الكشاف" 1/ 197، انظر: "معجم مقاييس اللغة" (نور) 5/ 368.]]، وجمعها نيران [[انظر "تهذيب اللغة" (نار) 4/ 3479، وفي "القرطبي" جمعها (نور وأنوار ونيران)، "القرطبي" في "تفسيره" 1/ 184.]]، والنار تستعار لكل شدة، فيقال: أوقد نار الفتنة، وألقى بينهم نارا: إذا ألقى عداوة. و (أضاء) يكون واقعا ومطاوعا [[الفعل الواقع هو المتعدي إلى مفعول به أو أكثر.
والمطاوعة: هي قبول فاعل فعل أثر فاعل فعل آخر يلتقيان في الاشتقاق، مثل: أدبته فتأدب، فالتأدب أثر التأديب. انظر (معجم المصطلحات النحوية والصرفية) ص 141، 245.]]، يقال: أَضَاءَ الشيء بنفسه، وأضاءه غيره [[انظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 35 أ، ب، "الصحاح" (ضوأ) 1/ 60، وابن عطية في "تفسيره" 1/ 184، "القرطبي" في "تفسيره" 1/ 185، "زاد المسير" 1/ 39، "الكشاف" 1/ 198.]].
وقال أبو عبيد: أَضَاءَت النار، وأَضَاءَها غيرها [["تهذيب اللغة" (ضاء) 3/ 2077.]]. والنار تضيء في نفسها، وتضيء غيرها من الأشياء، قال الشاعر:
أَضاءتْ لهم أَحَسابُهُم وَوُجُوههم ... دُجَى الليْلِ حتَّى نَظَّم الجَزْعَ ثَاقِبُهْ [[في (أ)، (ج) (ناقبه) بالنون وما في (ب) موافق لجميع المصادر. والبيت نسبه بعضهم لأبي الطمحان القيني، وبعضهم للقيط بن زرارة، يقول: إن أحسابهم == طاهرة زكية، فدجى الليل تنكشف من نور أحسابهم، حتى إن ثاقب الضوء يسهل نظم الجزع لناظمه، ورد البيت في "الكامل" 3/ 129، "الحماسة بشرح المرزوقي" 4/ 1598، "أمالي المرتضى" 1/ 257، "الشعر والشعراء" ص 475، "الصناعتين" ص 360، "خزانة الأدب" 8/ 95، "اللسان" (خضض) 2/ 1186، "القرطبي" في "تفسيره" 1/ 185.]] ويقال: ضَاءَت النار، وأضاءت، لغتان [[انظر "الصحاح" (ضوأ) 1/ 60، "تهذيب اللغة" (ضاء) 3/ 2077، "اللسان" (ضوأ) 5/ 2618.]]، وأضاء السبيل إذا وضح، وكل ما وضح فقد أضاء، وأضاءت الشمس وأضاء القمر [[انظر: "القرطبي" في: "تفسيره" 1/ 185، "زاد المسير" 1/ 39.]]. والذي في الآية واقع [[أي متعد، وقيل: لازم، انظر "تفسير ابن عطية" 1/ 184، "الكشاف" 1/ 198، "زاد المسير" 1/ 39، "البحر المحيط" 1/ 78، "الدر المصون" 1/ 160.]].
وقوله تعالى: ﴿مَا حَوْلَهُ﴾. محل (ما) منصوب بوقوع الإضاءة عليه، و (حوله) نصب على الظرف [[هذا على أن (أضاء) متعد، فإن كان لازما، فالفاعل ضمير النار، و (ما) زائدة، وأجاز الزمخشري: أن تكون موصولة فاعله، وحوله منصوب على الظرفية. انظر (إعراب القرآن) للنحاس 1/ 143، "إملاء ما من به الرحمن" 1/ 21، "تفسير ابن عطية" 1/ 184، "الكشاف" 1/ 198، "البحر المحيط" 1/ 178، "الدر المصون" 1/ 160.]]. والعرب تقول: رأيت الناس حَوْلَه، وحَوْلَيْه، وحَوَالَهُ، وحَوَالَيْهِ. فَحَوَالَهُ وُحْدَان حَوَالَيْه، وَحَوْلَيْه تَثْنِيةُ حَوْلَه وينشد: مَاءٌ رَوَاهٌ ونَصيٌّ حَوْلَيَه [[الرِجز للزَّفَيَان السعدي، يروى البيت (حَوْلَيَه) و (حَولِيه) و (حَوْلَيْهْ) ورد البيت عند أبي زيد ص331، وفي "التهذيب" (حال) 1/ 710، "الخصائص" 1/ 332، وليس في "كلام العرب" لابن خالويه ص 41، "اللسان" (روى) 2/ 1055. قال محقق "نوادر أبي زيد": المثبت هنا رواية أبي زيد والبصريين على أنه من الرجز وهي == (حَوْلَيَهْ) وأما رواية الكوفيين للأبيات فعلى أنها من السريع (حَوْلَيْهْ ...)، ص 331.]] ومما ينشد على لسان البهائم أن الضب قال لِلْحِسْل [[في (ب): (للحسك) والحِسْل: ولد الضب. "تهذيب اللغة" (حسل) 4/ 303.]]:
أهَدَمُوا بَيْتَكَ لا أبَالَكا ... وأنا أمْشِي [[في (ب): (استي).]] الدَّأَلَى حَوَالَكَا [[الرجز من "شواهد سيبويه" 1/ 351، وهو في "الكامل" 2/ 198، "المخصص" 13/ 226، "أمالي الزجاجي" ص130، "همع الهوامع" 1/ 135، "اللسان" (حول) 2/ 1055 الدألي. مشية فيها تثاقل، وهو من تكاذيب الأعراب يزعمون أنه من قول الضب لولده أيام كانت الأشياء تتكلم.]]
و (النور) ضد الظلمة، ويقال: نار الشيء وأنار واستنار بمعنى واحد، وأنار الشيء [[في (ب): (للشيء).]] أي أوضحه [[انظر: "تهذيب اللغة" (نار) 4/ 3482.]] ومنه الحديث: (فرض عمر بن الخطاب [[(بن الخطاب) سقط من (ب).]] -رضي الله عنه- فريضة فأنارها زيد بن ثابت) [[ذكره الأزهري في "تهذيب اللغة" ولفظه: (فرض عمر بن الخطاب للجد ثم أنارها زيد بن ثابت)، أي: نورها وأوضحها "تهذيب اللغة" (نار) 4/ 3479، ونحوه عند ابن الجوزي في "غريب الحديث" 2/ 440، وعند ابن الأثير في "النهاية" 5/ 125. وأخرج عبد الرزاق في "المصنف" بسنده عن الزهري نحوه ولفظه: (إنما هذِه فرائض عمر، ولكن زيدا أثارها بعده وفشت عنه)، "المصنف" 10/ 266، 267 رقم (19060) و (19061)، ونحوه في "كنز العمال" عن عبد الرزاق 11/ 62.]].
فأما التفسير: فقال ابن عباس وقتادة والضحاك ومقاتل والسدي: يقول: مثل هؤلاء المنافقين كمثل رجل أوقد ناراً في ليلة [[في (ب): (ليل).]] مظلمة في مفازة فاستضاء بها واستدفأ، ورأى ما حوله فاتقى ما يحذر ويخاف وأمن، فبينما هو كذلك إذ طفئت ناره فبقي مظلما خائفا متحيرا، كذلك المنافقون لما أظهروا كلمة الإيمان استناروا بنورها، واعتزوا بعزها، وأمنوا، فناكحوا المسلمين ووارثوهم [[في (ب): (واورثوهم).]] وقاسموهم الغنائم وأمنوا على أموالهم وأولادهم، فلما ماتوا عادوا إلى الظلمة والخوف، وبقوا في العذاب والنقمة [[ذكره "الطبري" 1/ 143 - 144، من طريق علي بن طلحة عن ابن عباس، وعن قتادة والضحاك ورجحه. وذكره ابن أبي حاتم 1/ 50 عن ابن عباس. وذكره ابن كثير عن قتادة. انظر: "تفسير ابن كثير" 1/ 58، "الدر المصون" 1/ 32.]].
وهذا القول اختيار الزجاج، لأنه قال: هذا المثل ضربه الله للمنافقين في تجملهم بظاهر الإسلام، فمثل ما تجملوا به من الإسلام كمثل النار التي يستضيء [[في (أ)، (ج): (تستضيء)، وأثبت ما في (ب) لمناسبته للسياق.]] بها المستوقد [["معاني القرآن" للزجاج 1/ 58.]].
وعلى ما قاله أبو إسحاق: التمثيل وقع بين تجملهم [[في (ب): (تحكمهم).]] بالإسلام، وبين النار التي [[في (ب): (الذي).]] يستضاء بها.
وقال غيره: معنى الآية: مثل استضاءتهم [[في (ب) (استضابهم).]] بكلمة الإيمان كمثل استضاءة الموقد بالنار. فالتمثيل وقع بين الاستضاءتين، وحذف الاستضاءة، لأنه مضاف فأقيم المضاف إليه مقامه [[ذكره "الطبري" 1/ 141.]].
وهذا قول الفراء، لأنه قال: شبههم وهم جماعة بالذي استوقد نارًا وهو واحد؛ لأنه تشبيه [[في (ب) (وهو لا تشبيه).]] للفعل بالفعل، لا للذوات [[في (ب) (للذات).]] بالذوات، ومحل هذا قوله: ﴿تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ [الأحزاب: 19] يعني كدوران عين الذي يغشى عليه، وكقوله: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [لقمان: 28]، يعني إلا كخلق وكبعث نفس واحدة.
قال: ولو أراد تشبيه الذوات لقال: (كالذين)، كما قال: ﴿كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾ [المنافقون 40] وقال: ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ [الحاقة:7] وعلى هذا ﴿الَّذِي﴾ في قوله: ﴿الَّذِي اسْتَوْقَدَ﴾ واحد [[انظر كلام الفراء في: "معاني القرآن" 1/ 15، نقله الواحدي بمعناه، وانظر "الطبري" في تفسيره 1/ 141.]].
وقوله تعالى بعد هذا: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾. قال الزجاج: معناه والله أعلم إطلاع الله المؤمنين على كفرهم، فقد ذهب منهم نور الإسلام بما أظهر الله عز وجل من كفرهم، ويجوز أن يكون ذهب الله بنورهم في الآخرة، لأن الله عز وجل قد جعل للمؤمنين في الآخرة نورا، وسلب الكافرين ذلك النور، وهو قوله: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا﴾ [[كلام الزجاج في "معاني القرآن" 1/ 59.]] [الحديد: 13].
ومثل هذا قال الفراء، فقال: إنما قال: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ لأن المعنى ذهب إلى المنافقين [[قال الفراء بعد هذا: (... فجمع لذلك، ولو وحد لكان صوابًا ...) "معاني القرآن" 1/ 15. ومعنى كلام الفراء: أن المعنى انصرف إلى المنافقين، وليس للذي استوقد نارًا، ولو كان المعنى له لقال: بنوره. وقول الفراء (لو وحد لكان صوابًا) == أسلوب لا يتناسب مع كلام الله، لأن ما قال الله هو الصواب لا غيره.]].
فعلى قول هذين [[أي: قول الزجاج والفراء.]] النور كان للمنافقين فأذهبه الله، والكناية راجعة إليهم [[وإلى هذا ذهب "الطبري" وغيره. والمعنى عند "الطبري": فلما أضاءت ما حوله: ذلك أن المنافق لم يزل مستضيئا بضوء القول الذي قاله منافقا في حياته، ثم في يوم القيامة أنطفأ ذلك النور، وقال: الهاء والميم في (بنورهم) عائد على (الهاء والميم) في قوله: (مثلهم). "الطبري" في "تفسيره" 1/ 145، وبعضهم قال: (الهاء والميم) تعود على (الذي). انظر "القرطبي" في "تفسيره" 1/ 183.]].
وكان يجب في حق النظم أن يكون اللفظ [[(أن يكون اللفظ) ساقط من (ب).]]: (فلما أضاءت ما حوله أطفأ الله ناره) ليشاكل جواب (لما) معنى هذه القصة [[هذا التعبير لا يناسب مقام كتاب الله، وإن كان للعبارة وجه من الاحتمال، لكن الأولى استعمال الألفاظ والأساليب التي تليق بكلام الله الذي هو في قمة الفصاحة والبلاغة، والله سبحانه قال ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ وهذا أبلغ مما ذكر الواحدي في قوله: (أطفأ الله ناره) فالنار إذا انطفأت يمكن إيقادها، ولكن إذا ذهب نورها وسلب فلا فائدة فيها. وكذا قوله: (وهذا طريق حسن في الآية) وهل هناك أحسن مما تكلم الله به؟!.]]. ولكن لما كان إطفاء النار مثلا لإذهاب نورهم، أقيم ذهاب النور مقام الإطفاء، وجعل جواب (لما) [[للعلماء في جواب (لما) قولان: أحدهما: أنه محذوف تقديره (خمدت وانطفأت) وهذا رأي "الطبري" في "تفسيره" 1/ 145، والزمخشري في "الكشاف" 1/ 198، وقد انتصرا لهذا الوجه ورجحاه. ورد أبو حيان قول الزمخشري، وقال: لا ينبغي آن يفسر كلام الله بغير ما يحتمله ولا أن يزاد فيه، بل يكون الشرح طبق المشروح == من غير زيادة عليه ولا نقص منه ...)، انظر "البحر المحيط" 1/ 79، وانظر "القرطبي" في "تفسييره" 1/ 129، و"الدر المصون" 1/ 162.]] اختصارا وإيجازا، وهذا طريق حسن في الآية.
وفيها طريق آخر: وهو أن ﴿الَّذِي﴾ في قوله: ﴿الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ المراد به الجماعة. وهو مذهب ابن قتيبة [[هو أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري، وقيل: المروزي، النحوي اللغوي، سكن بغداد، له المصنفات المشهورة (223 - 276 هـ) انظر "طبقات النحويين واللغويين" ص183، "إنباه الرواة" 2/ 143، "تاريخ بغداد" 10/ 170، "وفيات الأعيان" 3/ 42.]] وابن الأنباري. أما ابن قتيبة فقال: ﴿الَّذِي﴾ قد يأتي مؤديا عن الجمع [[انظر "تأويل مشكل القرآن" ص 361، وانظر "الكشاف" 1/ 196، "إملاء ما من به الرحمن" 1/ 20.]]، واحتج بقول الشاعر:
وإنَّ الذي حَانَتْ بِفَلْجٍ دِمَاؤُهُم ... هُمُ القَوْمُ كُل القَوْمِ يا أُمَّ خَالِد [[البيت للأشهب بن رميلة، وهو من "شواهد سيبويه"، استشهد به على حذف النون من (الذين) عند طول الصلة. "الكتاب" 1/ 187، وكذا في "المقتضب" 4/ 146، وفي "تأويل مشكل القرآن" ص 361، "تفسير الطبري" 1/ 141، "المنصف" 1/ 67، "زاد المسير" 1/ 40، "القرطبي" في "تفسيره" 1/ 129، (الخزانة) 6/ 25، (شرح المفصل) 3/ 154 - 155، (همع الهوامع) 1/ 68،4/ 380، "الدر المصون" 1/ 157، "مغني اللبيب" 1/ 194، "البحر المحيط" 1/ 76، "معجم البلدان" 4/ 272، قال ياقوت: فَلْج: واد بين البصرة وحمى ضرية، وقيل: طريق تأخذ من طريق البصرة إلى اليمامة. وقعت فيه الوقعة التي يصفها الشاعر، هم القوم كل القوم: أي الكاملون في قوميتهم. فاعلمي ذلك وابكي عليهم يا أم خالد.]]
ويقال في الواحد: (اللذ) وفي التثنية: (اللذا) وهو لغة لبعض العرب قد وردت في الأشعار [[في (الذي) لغات منها: إثبات الياء، وحذفها مع بقاء الكسرة، وحذف الياء مع إسكان الذال، وتشديد الياء مكسورة، ومضمومة. انظر "البحر المحيط" 1/ 74، == "الدر المصون" 1/ 159، وقال: (قال بعضهم: وقولهم: هذِه لغات ليس جيدًا؛ لأن هذِه لم ترد إلا ضرورة، فلا ينبغي أن تسمى لغات) 1/ 159، وانظر (شرح المفصل) 3/ 154.]].
وقال ابن الأنباري: (الذي) في هذه الآية، واحد في معنى الجمع [[ذكر نحوه الأخفش في "معاني القرآن" 1/ 209، وانظر "زاد المسير" 1/ 39، "الدر المصون" 1/ 156.]]، وليس على ما ذكره ابن قتيبة، لأن (الذي) في البيت الذي احتج به جمع واحد (اللذ)، والذي في الآية واحد في اللفظ لا [[في (ج) (في اللفظ واحد له) وفي (أ)، صححت في الهامش بإضافة (لا).]] واحد له، ولكن المراد منه الجمع [[وقد رد على ابن قتيبة "الطبري" حيث قال: (وقد زعم بعض أهل العربية من أهل البصرة: أن (الذي) في قوله: ﴿كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ بمعنى (الذين) كما قال جل ثناؤه: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ [الزمر: 33]. وكما قال الشاعر: فإن الذي ... البيت (ثم قال: (وقد أغفل قائل ذلك فرق ما بين (الذي) في الآيتين والبيت .... وغير جائز لأحد نقل الكلمة التي هي الأغلب في استعمال العرب على معنى، إلى غيره إلا بحجة يجب التسليم لها). "تفسير الطبري" 1/ 141، وانظر "البحر" 1/ 77، "الدر المصون" 1/ 157.]]. وجاز أن يوضع (الذي) موضع (الذين) لأنه مبهم يحتمل الوجوه في مثل [[(مثل) ساقط من (ب).]] قول الناس: (أوصي بمالي للذي [[في (ب) الذي.]] غزا وحج) معناه: للغازين والحاجين. [ومثله: (من) و (ما) [[انظر "البحر" 1/ 74.]]. ووحد الفعل في (استوقد) لأن (الذي) وإن أريد به الجمع فهو موضوع للواحد [[فأعاد الضمير في استوقد إلى لفظ الذي انظر "الدر المصون" 1/ 157.]]. فهذا الاختلاف بينهما [[بين أبي قتيبة وابن الأنباري.]] في لفظ (الذي) واتفقا أن المراد به الجمع] [[ما بين المعقوفين فيه سقط وتقديم وتأخير في (ب).]].
وعلى هذا القول، الكناية في قوله: ﴿بِنُورِهِم﴾ راجعة إلى المستوقدين [[وقيل يعود على معنى الذي انظر "تفسير ابن عطية" 1/ 182، "الدر المصون" 1/ 163.]]، وهو جواب (فلما) في الظاهر والمعنى جميعا [[وهذا بخلاف قول الفراء والزجاج فإنه جواب فلما حسب الظاهر فقط لأن المعنى على قوليهما راجع إلى المنافقين لا إلى المستوقدين ولهذا ادعى البعض أن جواب لما محذوف وهو طفئت أو خمدت كما مر قريبا وهو قول "الطبري" والزمخشري انظر "الطبري" في "تفسيره" 1/ 143، "الكشاف" 1/ 198.]].
وإنما قال: بنورهم والمذكور في أول الآية النار، لأن النار شيئان، النور والحرارة، والنور هاهنا كان أجدى [[في (ج) أحدى.]] المنفعتين [["تفسير الثعلبي" 1/ 53 ب، وانظر "تفسير البيضاوي" 1/ 11، وأبي السعود في "تفسيره" 1/ 50، والقاسمي في "تفسيره" 2/ 62.]].
وذكر صاحب النظم في الآية طريقة ثالثة، وهو أنه قال: العلة في توحيد ﴿الَّذِي﴾ [[الذي ساقطة من (ب).]] وجمع الكناية في قوله: ﴿بِنُورِهِم﴾ أن المستوقد كان واحداً من جماعة تولى الاستيقاد لهم، وكانت الكناية في الاستيقاد عنه خصوصا دون أصحابه لتوليه ذلك دونهم، فلما ذهب الضوء، رجع ذهابه عليهم جميعا، فرجع الخبر إلى جماعتهم لما عموا به.
البقرة 2:18
قوله تعالى: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾. (الصم): جمع الأصم، وهو الذي به صمم، وهو انسداد الأذن، ويقال: رمح أصم: إذا لم يكن أجوف، وصخرة صماء: إذا كانت صلبة، والصمام ما يسد [[في (أ)، (ج) (يشد) بالشين، وما في (ب) موافق لما في كتب اللغة وهو ما أثبته،]] به رأس القارورة، هذا أصله في اللغة [[انظر "تهذيب اللغة" (صم) 2/ 2058، "الصحاح" (صمم) 5/ 1967، "مقاييس اللغة" (صمم) 3/ 278، "مفردات الراغب" ص 286، (تفسير "القرطبي") 1/ 185.]]. ولما كان الانسداد يؤدي إلى الشدة والصلابة قيل للصخرة الشديدة: صماء. وارتفع (صم) على الاستئناف، كأنه لما تم الكلام الأول استأنف فقال: صم، أي: هم صم [[قال ابن جرير: (... يأتيه الرفع من وجهين، والنصب من وجهين. فأما أحد وجهي الرفع: فعلى الاستئناف لما فيه من الذم ... والوجه الآخر: على نية التكرار من (أولئك) ... فأما على تأويل ما روينا عن ابن عباس من غير وجه رواية علي بن أبي طلحة عنه، فإنه لا يجوز فيه الرفع إلا من وجه واحد، وهو الاستئناف ... والقراءه التي هي القراءة، الرفع دون النصب ...) "تفسير الطبري" 1/ 146.]].
وقال أبو إسحاق [[الزجاج.]]: كأنه قال: هؤلاء الذين قصتهم ما مضى (صم) [["معاني القرآن" للزجاج 1/ 59، نقل كلام الزجاج بمعناه.]]. ويجوز الاستئناف قبل تمام القصة، كقوله تعالى: ﴿جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابً﴾ [النبأ: 36]، ثم قال: ﴿رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [[قال الفراء: (ولو تم الكلام ولم تكن آية، لجاز أيضا الاستئناف، قال تعالى: ﴿جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا (36) رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ﴾ (الرحمن) يرفع ويخفض في الإعراب وليس الذي قبله بآخر آية). "معاني القرآن" 1/ 16. وما ذكره الواحدي يتم على قراءة الرفع في (رب) وبها قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو. انظر "السبعة" ص 669، "القطع والاستئناف" للنحاس ص 759، "الغاية" ص 286.]] وقال أيضا ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾ [[(وأموالهم) ساقط من (أ)، (ج).]] [التوبة: 112] ثم قال: ﴿التَّائِبُونَ﴾ [التوبة:113] [[ذكره الفراء حيث قال: فأما ما جاء في رؤوس الآيات مستأنفا فكثير، من ذلك - ثم ذكره "معاني القرآن" 1/ 16.]]. وقال النابغة:
تَوَهَّمْتُ آياتٍ لها فَعَرَفْتُها ... لستَّةِ أعوامٍ وَذَا العَامُ سَابِع [[البيت للنابغة الذبياني يمدح النعمان، ومعنى توهمت: أي لم يعرفها إلا توهما لخفاء معالمها، آيات: علامات للدار وما بقى من آثارها، لستة أعوام: أي بعد ستة أعوام ثم قال بعده:
رَمَادٌ كَكُحل العَيْنِ لأيًا أُبِينُهُ ... ونؤى كجذْمِ الحَوْضِ أَثْلَمُ خَاشِعُ
ومعنى لأيا أبينه: أي أتبينه بصعوبة لخفائه. البيت من "شواهد سيبويه" 2/ 86، "المقتضب" 4/ 322، وهو في "ديوان النابغة" ص 53، "مجاز القرآن" ص 33.]]
ثم قال: (رماد) [[أي: في البيت الذي بعد سبق ذكره.]] فاستأنف، ولم يبدل [[ذكره أبو عبيدة. انظر: "مجاز القرآن" ص 33.]].
قال أهل المعاني: وإنما وصفهم الله تعالى بالصم [[في (ب): (بالصم).]] لتركهم قبول ما يسمعون، والعرب تقول لمن يسمع ولا يعمل على ما يسمعه: أصم. قال الشاعر:
أَصَمُّ عَمَّا سَاءَهُ سَمِيعُ [[ورد هذا الرجز في "تهذيب اللغة" (صمم) 2/ 2058، "اللسان" (صمم) 4/ 2500، "شرح الحماسة" للمرزوقي 3/ 1450، "الكشاف" 1/ 204، "القرطبي" في "تفسيره" 1/ 186. جميعها بدون نسبة، ومعناه: هو أصم عما لا يليق به، معرض عما ساءه مع أنه يملك السمع.]]
و (بكم) عن الخير، فلا [[في (أ)، (ج) (ولا) وما في (ب) أولى لصحة المعنى.]] يقولونه، و (عمي)، لأنهم في تركهم ما يبصرون من الهداية بمنزلة العمى [[انظر "تفسير الطبري" 1/ 146، (تفسير أبي الليث) 1/ 99، والبغوي في "تفسيره" 1/ 69، (تفسير أبي الليث) 1/ 54 أ، "البحر" 1/ 81، 82.]].
وقوله تعالى: ﴿لَا يَرْجِعُونَ﴾ أي إلى الإسلام، أو عن الجهل والعمى [[انظر "الطبري" في "تفسيره" 1/ 146، والثعلبي في "تفسيره" 1/ 54 أ.]]. قال محمد بن جرير: هذه الآية معناها التقديم والتأخير، والتقدير (وما كانوا مهتدين صم بكم ...) الآية، ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي﴾ [البقرة: 17]، ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾ [البقرة: 19]، مثل آخر عطف على الأول.
قال: لأن قوله ﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ﴾ [البقرة: 17] في الآخرة، إذا قلنا: إنه وصف المنافقين [[في (ج) (للمنافقين).]]، والخبر بأنهم صم بكم في الدنيا، فلهذا قلنا: إن هذا على التقَديم والتأخير [[ذكر كلام ابن جرير بمعناه انظر (تفسيره) 1/ 146.]]. وقال غيره: يجوز أن يعترض ذكر حالهم في الدنيا بعد وصف حالهم في الآخرة.
البقرة 2:19
قوله تعالى: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ﴾. ﴿أَوْ﴾ دخلت هاهنا للإباحة [[وقيل: للتخيير، انظر "تفسير أبي الليث" 1/ 99، وابن عطية في "تفسيره" 1/ 189، "القرطبي" في "تفسيره" 1/ 186، "الدر المصون" 1/ 167، "الكشاف" 1/ 213.]]، لا للشك [[ذكر السمين الحلبي أحد الأقوال فيها: أنها للشك. "الدر المصون" 1/ 167.]]، ومعناه أن التمثيل مباح لكم، إن مثلتموهم بالذي استوقد نارا، فهو مثلهم، [أو بأصحاب الصيب فهو مثلهم] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]]، أو بهما جميعا فهما مثلاهم [[في (ج) (مثالهم).]]، كما تقول: جالس الحسن أو ابن سيرين، إن [[في (ب) (إذا).]] جالست أحدهما فأنت مطيع، [وإن جمعتهما فأنت مطيع] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]].
ومثله قوله: ﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ [البقرة: 74]، هذا قول جميع أصحاب المعاني [[بل قول بعضهم، وما ذكره الواحدي هو كلام الزجاج. انظر "معاني القران" 1/ 62، 129، وانظر "البيان في غريب إعراب القرآن" 1/ 60، ونسب الثعلبي لأهل (المعاني) أنها بمعنى (الواو) 1/ 54 أ.]].
وقال ابن الأنباري: ﴿أو﴾ دخلت للتمييز والتفصيل [[في (ب) (فالتفضيل).]]، المعنى بعضهم يشبهون الذي استوقد نارا، وبعضهم يشبهون أصحاب الصيب. ومثله قوله: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ [البقرة: 135] [معناه: قال بعضهم: كونوا هودا، وهم اليهود، وقال بعضهم: كونوا نصارى] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]]، وهم النصارى، فدخلت (أو) لمعنى التفصيل، ومثله قوله: ﴿فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ﴾ [الأعراف: 4] معناه [[قوله: (﴿أَوْ هُمْ قَائِلُونَ﴾: معناه ...) ساقط من (ب).]]: فجاء [[في (ب): (وجاء).]] بعض أهلها بأسنا بياتًا، وجاء بعض أهلها في وقت القيلولة [[ذكره المرتضى في "أماليه" 2/ 54، 55، ولم ينسب لأبن الأنباري، وذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 42، وذكره السمين الحلبي، وقال: وهو الأظهر، "الدر المصون" 1/ 167.]].
وقيل: إن (أو) هاهنا بمعنى الواو [[في (ب) (بمعنى الواحد). وهو قول "الطبري" في "تفسيره" 1/ 149، وذكره أبو الليث في "تفسيره" 1/ 99، والفراء في "تفسيره" 1/ 17، والثعلبي في "تفسيره" 1/ 54 أ، == "القرطبي" في "تفسيره" 1/ 186، والسمين في "الدر المصون" 1/ 167. وقد رد ابن عطية على "الطبري" قوله (إنها بمعنى: الواو) وقال: (وهذِه عجمة). انظر "تفسير ابن عطية" 1/ 189. قلت: كيف تكون عجمة وقد قال به جمهور من المفسرين، وهو أحد (المعاني) التي تأتي (أو) عليها. انظر "تأويل مشكل القرآن" ص 543، "الأضداد" لابن الأنباري ص 279، "زاد المسير" 1/ 42، "مغنى اللبيب" 1/ 61. والقول إن (أو) تأتي بمعنى (الواو) هو مذهب الكوفيين، أما البصريون فيمنعون ذلك. انظر "الإنصاف" ص 383. وخلاصة الأقوال في (أو) في الآية هي:
1 - أنها للشك بمعنى أن الناظر يشك في تشبيههم.
2 - أو للتخيير.
3 - أنها للتفصيل.
4 - بمعنى الواو.
5 - بمعنى بل.]]، كقول جرير: نَال الخِلاَفَة أوْ كَانَتْ لَهُ قَدَرًا ... كَمَا أتى رَبَه مُوسَى عَلَى قَدَرِ [[البيت لجرير من قصيدة يمدح بها عمر بن عبد العزيز، انظر (الديوان) ص 211، وفيه: (إذا كانت له قدرا) فلا شاهد فيه هنا، وورد البيت في "الطبري" في "تفسيره" 1/ 149، (الأضداد) لابن الأنباري ص 279، "أمالي المرتضى" 2/ 57، "تفسير السجاوندي" 1/ 32 (مخطوط)، "همع الهوامع" 1/ 167، "مغني اللبيب" 1/ 62، "الدر المصون" 1/ 167.]]
وقال توبة [[هو توبة بن الحُمَيِّر من بني عقيل بن كعب، وكان شاعرا لصا، أحد العشاق، صاحب ليلى. انظر: "الشعر والشعراء" ص 289.]]:
وقَد زَعَمَتْ سَلْمَى بِأَنِّي فَاجِرٌ ... لِنَفْسِي تُقَاهَا أوْ عَلَيْهَا فُجُورُهَا [[رواية البيت المشهورة (وقد زعمت ليلى ...) فهو يذكر محبوبته ليلى الأخيلية. انظر "أمالي المرتضى" 2/ 57، و"الطبري" في "تفسيره" 1/ 149، "الأضداد" لابن الأنباري ص 279، والثعلبي في "تفسيره" 1/ 54 أ، "أمالي القالي" 1/ 88، 131، "همع الهوامع" 5/ 248، "مغني اللبيب" 1/ 61.]]
قال النحويون: المعنى أو كأصحاب صيب [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 60، "البيان في غريب إعراب القرآن" 1/ 60، == وقال الفراء: (أو كمثل صيب) "معاني القرآن" 1/ 17، ونحوه ذكر "الطبري" في "تفسيره" 1/ 149.]]، فحذف المضاف لدلالة باقي الكلام عليه [[لأن الواو في (يجعلون) تدل على المضاف المقدر وهو (أصحاب) فهو وإن حذف فمعناه باق فيجوز أن يعود عليه الضمير.]] وهو قوله تعالى: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ﴾.
و (الصيب) من المطر: الشديد، من قولهم: صاب يصوب، إذا نزل من علو إلى أسفل [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 60، و"الطبري" في "تفسيره" 1/ 148، (غريب القرآن) لابن قتيبة 1/ 25، "غريب القرآن" لليزيدي ص 65.]].
قال:
تَنَزَّلَ مِنْ جَوِّ السَّمَاء يَصُوبُ [[عجز بيت وشطره الأول:
فَلَسْتَ لإنْسِيٍّ ولكِنْ لمَلأكٍ
نسبه بعضهم لعلقمة بن الفحل، يمدح الحارث بن جبلة، وقيل: لرجل من عبد القيس جاهلي، يمدح بعض الملوك، قاله أبو عبيدة، وقيل: لأبي وجزة السعدي يمدح عبد الله بن الزبير. ورد البيت في "الكتاب" 4/ 380، و"الطبري" في "تفسيره" 1/ 148، "المفضليات" ص 394، "مجاز القرآن" ص 33، "المنصف" 2/ 102، "الجمل" للزجاجي ص 47، "إملاء ما من به الرحمن" 1/ 28، "تفسير ابن عطية" 1/ 189، "الاشتقاق" لابن دريد ص 26، "اللسان" (صوب) 1/ 2519، و (ألك) 1/ 111، "الدر المصون" 1/ 168.]]
وأصله (صَيْوِب) [[في (ب): (صيبوب).]] فسبقت الياء الواو [بالسكون، فصيرتا (ياء مشددة) كما قالوا: سيِّد وميِّت وهيِّن، وهو أصل مطرد في الياء والواو] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]] إذا [[في (ب): (وإذا).]] اجتمعتا وإحداهما [[في (ب): (وأحديهما).]] ساكنة، تقدمت الواو وتأخرت [[هكذا في جميع النسخ ولعل الصواب (أو تأخرت) والله أعلم.]]، فالمتأخرة كما ذكرنا، والمتقدمة كقولهم: (لويت يده [[في (أ)، (ب): (مده ليا). أصل (ليّا) (لويا) فقلبت الواو ياء وإدغمت في الياء، انظر "سر صناعة الإعراب" 2/ 585.]] ليّا). هذا مذهب البصريين [[انظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 54 ب، و"الطبري" في "تفسيره" 1/ 148، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 143 - 144، "الإملاء" 1/ 22، وابن عطية في "تفسيره" 1/ 189، "الإنصاف" ص 639.]]. وعند الكوفيين: أن أصله (صييب) [[في (أ)، (ب): (صيب) وما في (ج) موافق لما عند الثعلبي، وهو ما أثبته. وقيل: أصله عندهم (صوِيب) وردَّ بأنه لو كان كذلك لصحت (الواو) كما تصح في (طويل). انظر "إعراب القرآن" للنحاس1/ 143 - 144، "الإملاء" 1/ 22، "الإنصاف" ص 639، وابن عطية في "تفسيره" 1/ 189، "القرطبي" في "تفسيره" 1/ 186.]] على وزن (فَعِيل)، فاستثقلت [[في (ب): (فاستقلت).]] الكسرة على الياء فسكنت، وأدغمت إحداهما في الأخرى، وحركت إلى الكسرة.
وقوله تعالى: ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾. قال [الزجاج] [[في جميع النسخ (الرجال) والصحيح (الزجاج) كما في "تهذيب اللغة" (سما) 2/ 1747.]]: السماء في اللغة: يقال لكل ما ارتفع وعلا قد سما يسمو، وكل سقف فهو سماء، ومن هذا قيل للسحاب: سماء، لأنها عالية [[انظر كلام الزجاج في "معاني القرآن" 1/ 75، "التهذيب" (سما) 2/ 1748، والنص من "التهذيب".]].
الأزهري: و (السماء) عند العرب مؤنثة، لأنها جمع (سماءة) [[في "التهذيب" (وسبق الجمع الوحدان فيها) 2/ 1747.]]، و (السماءة) أصلها سَمَاوَة فاعلم. وإذا ذكرت العرب السماء عنوا بها السقف [["تهذيب اللغة" (سما) 2/ 1748.]].
وأما (الرعد)، فقال ابن عباس: الرعد ملك يسوق السحاب، كما يسوق الحادي الإبل بحدائه [[في (ج): (بحاديه). ذكره "الطبري" بسنده عن الضحاك، وعن السدي عن أبي مالك، وعن مجاهد، وعن شهر بن حوشب، وكلهم عن ابن عباس. انظر "الطبري" في "تفسيره" 1/ 150 - 151، وقد أخرج أبن أبي حاتم عن ابن عباس مرفوعا في سؤال اليهود للرسول ﷺ وفيه: (ملك من ملائكة الله موكل بالسحاب) قال المحقق. إسناده حسن. انظر: "تفسير ابن أبي حاتم" 1/ 221 (رسالة دكتوراه)، وأخرجه أحمد في "مسنده"، قال أحمد شاكر: (إسناده صحيح). انظر: "مسند أحمد بتحقيق أحمد شاكر" 4/ 161 ح (3483)، وذكر الحديث الشوكاني في "فتح القدير" وقال: في إسناده مقال. "فتح القدير" 1/ 77.]].
وكذلك قال مجاهد وطاووس [[هو أبو عبد الرحمن طاووس بن كيسان الخولاني الهمداني اليماني، من أبناء الفرس، أحد أعلام التابعين، ومن كبار أصحاب ابن عباس، توفي سنة خمس ومائة، وقيل: ست. انظر ترجمته في: (وفيات الأعيان) 2/ 509، "سير أعلام النبلاء" 5/ 38، "تهذيب التهذيب" 2/ 235، "غاية النهاية" 1/ 341.]] وعكرمة وأصحاب ابن عباس: إن الرعد ملك يسوق السحاب، والرعد الذي هو الصوت سمي باسمه [[انظر الروايات عنهم في "الطبري" في "تفسيره" 1/ 150 - 151، والثعلبي في "تفسيره" 1/ 55 أ، "زاد المسير" 1/ 43، وابن عطية في "تفسيره" 1/ 189، والبغوي في "تفسيره" 1/ 69، "القرطبي" في "تفسيره" 1/ 217، (فتح القدير) 1/ 77.]].
وكتب ابن عباس إلى أبي [[في (ب): (أبي الخلد) هو أبو الجَلْد بفتح الجيم وسكون اللام، جيلان بن أبي فروة الأسدي البصري، وجِيلان بكسر الجيم، وثقه أحمد. انظر "الجرح والتعديل" 2/ 547، "طبقات ابن سعد" 7/ 222.]] الجَلْد يسأله عن الرعد، فقال: هو ريح يختنق تحت السماء وفوق السحاب [[أخرجه "الطبري" من طرق في "تفسيره" 1/ 152، وأبن أبي حاتم، وقال المحقق إسناده حسن "تفسير ابن أبي حاتم" 1/ 222.]].
وسئل علي -رضي الله عنه- عن الرعد، فقال: ملك، وعن البرق، فقال: مخاريق بأيدى الملائكة من حديد [[أخرجه "الطبري" بروايتين، إحداهما عن الرعد، والأخرى عن البرق، "الطبري" 1/ 151 - 152، وأخرج ابن أبي حاتم عنه في (البرق) في "تفسيره" 1/ 55، ونحوه في الثعلبي في "تفسيره" 1/ 55 أ، وانظر "القرطبي" في "تفسيره" 1/ 187 - 188.]].
وسئل وهب بن منبه [[أبو عبد الله، وهب بن منبه اليماني، صاحب القصص والأخبار، كانت له معرفة بأخبار الأوائل والأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه وثقه أكثرهم، وضعفه عمرو بن علي الفلاس. توفي سنة عشر ومائة. وقيل: ست عشرة، وبينهما أقوال. انظر "طبقات ابن سعد" 5/ 543، "حلية الأولياء" 4/ 23، "وفيات الأعيان" 6/ 35، "تهذيب التهذيب" 4/ 332.]] عن الرعد، فقال: الله أعلم [[مما أحسن هذا الجواب!، والله لم يكلف الأمة بعلمه، لاسيما أن مثل هذا لا يثبت إلا بنص صحيح صريح، أو بدلالة حسية جازمة، والعلم به لا يتعلق به حكم من الأحكام، والله أخبر أن الرعد يسبح بحمده، وهو دلالة على عظمة الخالق سبحانه.]].
ويقال: برقت السماء ورعدت، ومنه يقال: برق الرجل ورعد، إذا تهدد وأوعد [[ذكره الأزهري عن الأصمعي. "التهذيب" (برق) 1/ 315، وانظر "مقاييس اللغة" (برق) 1/ 223.]]. وأبرق وأرعد - أيضا في قول أبي عبيدة، وأنكره الأصمعي.
وكلهم يقول: أبرقنا وأرعدنا بمكان كذا، أي رأينا البرق والرعد [["التهذيب" (برق) 1/ 315، "معجم مقاييس اللغة" 1/ 223.]]. والبارق السحاب ذو البرق، وكذلك البارقة [["تهذيب اللغة" (برق) 9/ 132، "معجم مقاييس اللغة" 1/ 222.]].
وأما (الصواعق)، فهي جمع صاعقة، والصاعقة والصعقة: الصيحة يغشى منها على من يسمعها أو يموت [[وقيل: الصاعقة قطعة من نار تسقط بأثر الرعد، لا تأتي على شيء إلا أحرقته. انظر "اللسان" (صعق) 4/ 2450.]]. قال الله عز وجل: ﴿وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ﴾ [الرعد: 13] يعني أصوات الرعد، ويقال لها: الصواقع [[بتقديم القاف على العين.]] أيضا ومنه قول الأخطل:
كَأنَّمَا كانُوا غُرَاباً وَاقِعا ... فَطارَ لمَّا أبْصَرَ الصَّوَاقِعا [[أنشده الأزهري في "تهذيب اللغة" (صعق) 2/ 1018، وورد في "اللسان" (صقع) 4/ 2471، وفي شعر الأخطل ورد شطره الأول ص 310. نقله من "تهذيب اللغة" (صعق) 2/ 1018.]]
ويقال: أصعقته الصيحة، أي: قتلته. وأنشد الفراء:
أُحادَ وَمثنى أصْعَقَتْهَا صَوَاهِلُه [[البيت لابن مقبل، يصف فرساً بشدة الصهيل، وأن صهيله يقتل الذباب، وهي
النعرات: ذباب يسقط على الدواب، واللبان: الصدر. وشطر البيت الأول:
تَرى النُّعَرَاتِ الزُّرْقَ تَحْتَ لَبَانِه
انظر: "أمالي المرتضى" 2/ 191، "المشوف المعلم في ترتيب الإصلاح" 2/ 778، "تهذيب اللغة" (صعق) 2/ 2018، "الصحاح" (صعق) 4/ 1507، "اللسان" (صعق) 4/ 2450، "همع الهوامع" 1/ 83، "القرطبي" 1/ 190، "ديوان ابن مقبل" ص 252.]] أي قتلها صوته.
ويقال للرعد والبرق إذا [قتلا] [[في جميع النسخ (قتل) وأثبت ما في "تهذيب اللغة" 2/ 2018.]] إنسانا: أصابته صاعقة، وقال لبيد يرثي أخاه أَرْبَد [[(أرْبَد) أخوه لأمه، وهو ابن عمه، وكانت قد أصابته صاعقة، لما دعا عليه الرسول صلى الله عيه وسلم انظر "الشعر والشعراء" ص 169، "سيرة ابن هشام" 2/ 236، "الخزانة" 2/ 250، 3/ 81.]]:
فَجَّعَنِي الرَّعْدُ والصَوَاعِقُ بالْـ ... ـفَارِس يَوْمَ الكَرِيَهةِ النَّجُدِ [[البيت للبيد يرثي أخاه وقد أصابته صاعقة، انظر "التهذيب" (صعق) 2/ 2018، "اللسان" (صعق) 4/ 2450، "شرح ديوان لبيد" ص 158.]]
أراد بالصواعق صوت الرعد، يدل على هذا قوله [[في (ب): (قول الله).]] عز وجل: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ﴾ ولا يسدّون الآذان إلا من شدة صوت الرعد [["تهذيب اللغة" (صعق) 2/ 2018.]].
وقال آخرون: الصاعقة: كل عذاب مهلك [["اللسان" (صعق) 4/ 2450.]].
وقيل: الصاعقة: الصوت الشديد من الرعد، يسقط معها قطعة نار [["الصحاح" (صعق) 4/ 1506، "اللسان" 4/ 2450، "تفسير ابن عطية" 1/ 191 - 192.]].
فأما معنى الآية، فقال المفسرون: إن الله تعالى ضرب للمنافقين مثلًا آخر، وشبههم بأصحاب مطر. وأراد بالمطر: القرآن [[انظر: "تفسير أبي الليث" 1/ 100، وابن عطية في "تفسيره" 1/ 192، وبعضهم قال: الإسلام، انظر "الكشاف" 1/ 209، وأما ابن جرير فقال: (فالصيب مثل لظاهر ما أظهر المنافقون بألسنتهم من الإقرار والتصديق، والظلمات التي هي فيه == لظلمات ما هم مستبطنون من الشك والتكذيب ومرض القلب. وأما الرعد والصواعق، فلما هم عليه من الوجل من وعيد الله إياهم على لسان رسوله ﷺ في آي كتابه ...) "الطبري" في "تفسيره" 1/ 156.]]، وشبهه [[في (ب): (وشبه).]] بالمطر لما فيه من حياة القلوب، وعنى بالظلمات: ما في القرآن من ذكر الكفر والشرك وبيان الفتن والأهوال، فشبهها بما في المطر من الظلمات، وشبه ما خوفوا به من الوعيد وذكر النار بما في المطر من الرعد، وشبه حجج القرآن وما فيه من البيان والنور والشفاء والهدى بما في المطر من البرق. وشبه جعل المنافقين أصابعهم في آذانهم لكيلا يسمعوا [[في (أ)، (ج): (يسمعون).]] القرآن مخافة ميل القلب إلى القرآن فيؤدي ذلك إلى الإيمان بمحمد ﷺ وذلك عندهم كفر، والكفر موت [[ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 56 أ.]]، أو لكيلا يسمعوا ما ينزل من القرآن بما فيه افتضاحهم بجعل [[قوله: (بجعل الذي في هذا المطر ... إلخ) متعلق بقوله: (وشبه جعل المنافقين ... إلخ) وقد ضعف هذا المعنى ابن جرير ورجح أن المراد بجعل أصابعهم في آذانهم مثلا لاتقائهم رسول الله ﷺ والمؤمنين، بالإقرار بما جاء به محمد ﷺ مخافة على أنفسهم من الهلاك ونزول النقمات فيتقون بما يبدون بألسنتهم من ظاهر الإقرار، كما يتقي الخائف أصوات الرعد بتصيير أصابعه في أذنيه. "الطبري" 1/ 157.]] الذي في هذا المطر أصابعه في أذنه. وتلخيص معناه: أن أصحاب الصيب إذا اشتد [[في (ب): (استدعاهم).]] عليهم وقع الصاعقة وصوت الرعد خافوا على أنفسهم الهلاك، فسدّوا آذانهم بأصابعهم، كذلك هؤلاء المنافقين يسدّون آذانهم للمعنيين اللذين ذكرنا.
وأمال الكسائي: ﴿فِي آذَانِهِمْ﴾ [[رواية أبي عمر الدوري ونصير بن يوسف النحوي عن الكسائي، وقال أبو الحارث الليث بن خالد وغيره: كان الكسائي لا يميل هذا وأشباهه، وبقية (السبعة) على الفتح. انظر "السبعة" لابن مجاهد ص 144، "الحجة" 1/ 365، "الكشف" 1/ 171.]]. قال أبو علي: (وهي حسنة لمكان كسرة [[في (الحجة) (كثرة) ولعله خطأ مطبعي.]] الإعراب [[في (ب): (الأعراف).]] في النون [[فهو يميل الألف نحو الياء لمكان الكسرة بعدها التي على النون. انظر "الكشف" 1/ 171.]]، كما جازت في مررت ببابه [[في (ب): (سانه)، "الحجة" 1/ 368.]]. ونصب ﴿حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ لأنه مفعول له [[(له) ساقطة من (ج).
انظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 63، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 144، "البيان في غريب إعراب القرآن" 1/ 61.]].
قال الزجاج: وليس نصبه لسقوط اللام، وإنما نصبه أنه في تأويل المصدر، كأنه [[في (أ)، (ج) (لأنه) وما في (ب) أصح في السياق، وموافق لما في "معاني القرآن" للزجاج 1/ 63.]] قال: يحذرون حذرا [[الزجاج يرى أنه منصوب على أنه مفعول لأجله، حيث قال: (وإنما نصبت (حذر الموت) لأنه مفعول له، والمعنى يفعلون ذلك لحذر الموت ...)، ثم قال: (... كأنه قال يحذرون حذرا ...). وهذا التقدير لا يتناسب مع الكلام الأول، لأنه في الأخير مفعول مطلق. انظر "معاني القرآن" 1/ 63.]]، لأن جعل الأصابع في الآذان يدل على الحذر، كما قال:
وَأَغْفِر عَوْرَاءَ الكَرِيِم ادِّخَارَهُ [[صدر بيت لحاتم الطائي وعجزه: == وأُعْرِضُ عَنْ شَتْمِ اللَّئِيم تَكَرُّمَا
ومعنى قوله عوراء: الكلمة القبيحة أو الفعلة، ادخاره: إبقاء عليه. ورد البيت في "نوادر أبي زيد" ص 355، وسيبويه 1/ 368، "المقتضب" 2/ 347 "الكامل" 1/ 291، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 63، "الجمل" للزجاجي ص 319، "شرح المفصل" 2/ 54، "الخزانة" 3/ 122، "ديوانه" ص 81، وفيه (اصطناعه) بدل (ادخاره) وهي رواية عند أبي زيد، "الكشاف" 1/ 218.]] المعنى لادخاره. قوله: أغفر عوراء الكريم، معناه: أدخر الكريم [[انتهى من "معاني القرآن" للزجاج 1/ 63.]].
وقال الفراء: نصبه على التفسير كقوله: ﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ [الأنبياء:90] وكقوله: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف:55].
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾. يقال: أُحِيط بفلان، إذا دنا هلاكه، وهو [[في "التهذيب" (فهو محاط به).]] محاط به، قال الله تعالى: ﴿وَأُحِيطَ بثَمَرِهِ﴾ [الكهف: 42]، أي: أصابه ما أهلكه وأفسده [["تهذيب اللغة" (حاط) 1/ 707.]].
والإحاطة تستعمل بمعنى العلم [[انظر "الصحاح" (حوط) 3/ 1121، والبغوي في "تفسيره" 1/ 70.]] كقوله: ﴿أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: 12] أي: لم يشذ عن علمه شيء. ويستعمل بمعنى القدرة، كأن قدرته أحاطت بهم [[انظر "تفسير الثعلبي" 1/ 55 أ، و"الطبري" في تفسيره 1/ 158.]]، فلا محيص [[في (ب) (له).]] لهم عنه.
وجاء في التفسير أن معناه: والله مهلكهم وجامعهم في النار [[ذكره "الطبري" عن مجاهد انظر "الطبري" في "تفسيره" 1/ 158، والثعلبي في "تفسيره" 1/ 55 أ، وابن عطية في "تفسيره" 1/ 193، في تفسيره والبغوي 1/ 70، (أضواء البيان) 1/ 114.]]. دليله قوله: ﴿إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾ [يوسف: 66] أي تهلكوا [[في (أ)، (ج) (يهلكوا)، وفي (ب) (تهلكوا) وكذا في الثعلبي في "تفسيره" 1/ 55 أ.]] جميعاً.
وأمال أبو عمرو والكسائي (الكافرين) [[وذلك إذا كان جمعا في موضع نصب أو خفض، أما إذا كان مفردا أو جمعا في موضع رفع لم يمل، وبهذا قرأ أبو عمرو، والكسائي في رواية أبي عمر الدوري ونصير بن يوسف. انظر "السبعة" ص147، "الحجة" 1/ 379، "الكشف" 1/ 173. وبهذا قرأ قتيبة ورويس، وورش بين بين، والبقية على الفتح للكاف. انظر "الغاية" ص 91، "وتحبير التيسير" للجزري ص 70، 71.]] في جميع القرآن: لأن الكسرة لزمت الراء بعد الفاء المكسورة، والراء بما فيها من التكرير يجرى مجرى الحرفين المكسورين، وكلما كثرت الكسرات حسنت الإمالة، ولا يميلان نحو [[وهو المفرد المجرور. انظر "الحجة" 1/ 389، "الكشف" 1/ 197.]]: ﴿أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾ [البقرة: 41] وذلك لأن كسرة الراء غير لازمة [[لأنها كسرة إعراب فتتغير.]] لزومها في (الكافرين) [["الحجة" لأبي علي 1/ 389، وانظر "الحجة" لابن خالويه ص 73، "الكشف" 1/ 197.]].
البقرة 2:20
قوله تعالى: ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ﴾ [البقرة: 20]. (كاد) موضوع عند العرب لمقاربة [[في (ب): (لمفارقه).]] الفعل [[انظر "تهذيب اللغة" (كاد) 4/ 3076، "مشكل إعراب القرآن" 1/ 29، "البيان في غريب إعراب القرآن" 1/ 61، "حروف المعاني" للزجاجي ص 67.]]، فإذا نفيت [[في (ب): (بقيت).]] في اللفظ كان في المعنى إثباتا، وإذا أثبت كان نفيًا [[في (ب): (بقى).]]، بيانه أنك تقول: كاد يضربني، فهذا إثبات في اللفظ نفي للضرب [[في (ب): (في الضرب).]]، لأن معناه قرب من الضرب ولم يضرب، وإذا قلت: ما كاد يفعل كذا، فهذا نفي في اللفظ، إثبات في المعنى، لأنه قرب من ترك الفعل، وقد فعله بعد بطء [[انظر: "مشكل إعراب القرآن" 1/ 29، "البيان في غريب إعراب القرآن" 1/ 61، "إملاء ما من به الرحمن" 1/ 22، وذكر السمين الحلبي: أنها إذا كانت منفية انتفى خبرها بطريق الأولى. انظر "الدر المصون" 1/ 176.]].
قال ابن الأنباري: (قال اللغويون: كدت أفعل، معناه عند العرب: قاربت الفعل ولم أفعل، وما كدت أفعل، معناه: فعلت بعد إبطاء [[انظر: "تهذيب اللغة" (كاد) 10/ 329.]] هذا معنى (كاد)، وقد تستعمل [[في (أ)، (ب) (يستعمل) وأثبت ما في (ج).]] بغير هذا المعنى [[(المعنى) ساقط من (ب). قال ابن الأنباري: (وقد يكون ما كدت أفعل بمعنى: ما فعلت ولا قاربت إذا أكد الكلام بـ (أكاد)، انظر "التهذيب" 4/ 3077، وهو بقية كلامه الذي نقل الواحدي بعضه. وفي "الخزانة": (قال صاحب اللباب: وإذا دخل النفي على (كاد) فهو كسائر الأفعال على الصحيح، وقيل. يكون للإثبات، وقيل: يكون في الماضي دون المستقبل ...)، "الخزانة" 9/ 309.]]، وسنذكر ذلك عند قوله: ﴿إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ [النور: 40].
وذكر أبو بكر بإسناده أن ذا الرمة الشاعر قدم الكوفة فأنشد [بالكُناسة] [[في (أ)، (ج): (ما الكناسة) وهي ساقطة من (ب) والصحيح (بالكناسة) كما في "أمالي المرتضى" "الخزانة" كما سيأتي. و (الكناسة) بضم أوله محلة معروفة بالكوفة، كان بنو أسد وبنو تميم يطرحون فيها كناستهم. انظر "معجم ما استعجم" 4/ 1136، "معجم البلدان" 4/ 481.]] وهو على راحلته قصيدته (الحائية)، فلما انتهى إلى قوله:
إِذَا غَيَّرَ النَّأيُ المُحِبِّينَ لَمْ يَكَدْ ... رَسيِسُ الهَوى مِنْ حُبِّ مَيَّةَ يَبْرَح [[قوله (النأي): البعد، (رسيس الهوى): مسه، ورد البيت في (ديوان ذي الرمة) == وفيه (لم أجد) وفي (أمالي المرتضى) 1/ 332، "زاد المسير" 1/ 45، "الدر المصون" 1/ 176، "الخزانة" 9/ 309، "شرح المفصل" لابن يعيش 7/ 124.]] قال له عبد الله بن شبرمة [[هو عبد الله بن شبرمة بن حسان الضبي الكوفي، أبو شبرمة، كان شاعراً فقيهاً ثقة (72 - 144هـ). انظر (طبقات ابن خياط) ص 283، (الجرح والتعديل) 5/ 82، (تهذيب التهذيب) 2/ 351.]]: فقد برح يا ذا الرمة! ففكر ساعة ثم قال:
........ لَمْ أَجِدْ رسيِسَ ... الهَوى مِنْ حُبِّ مَيَّهَ يَبْرَحُ [[وردت القصة مسندة في "أمالي المرتضى" 1/ 332، "الخزانة" 1/ 311، ويستشهد العلماء بهذا البيت على أن النفي إذ دخل على (كاد) تكون في الماضي للإثبات، وفي المستقبل كالأفعال، وبعضهم قال: كالأفعال في الماضي والمستقبل، وقيل: تكون للإثبات في الماضي والمستقبل. انظر: "الخزانة" 9/ 39، "شرح المفصل" 7/ 125.]]
ومعنى الآية: يكاد ما في القرآن من الحجج تخطف [[في (ج): (بخطف).]] قلوبهم من شدة إزعاجها [[في (ب) (ازعاجها لهم).]] إلى النظر في أمر دينهم [[ذكر هذا المعنى في "الوسيط" وقال: من تمام التمثيل 1/ 52، وفي "الوجيز" 1/ 6. قال ابن عطية: تكاد حجج القرآن وبراهينه وآياته الساطعة تبهرهم، ومن جعل (البرق) في المثل: الزجر والوعيد، قال: يكاد ذلك يصيبهم. "تفسير ابن عطية" 1/ 194، ونحوه في "تفسير القرطبي" 1/ 192.]].
وقال ابن عباس في رواية مقاتل والضحاك: معناه: يكاد الإيمان يدخل في قلوبهم [[لم أجد هذِه الرواية عن ابن عباس، وفي "الطبري" عن الضحاك عن ابن عباس. قال: يلتمع أبصارهم ولما يفعل 1/ 158، "وتفسير ابن أبي حاتم" 1/ 57، == "الدر" 1/ 73، وأخرج ابن أبي حاتم عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: يكاد محكم القرآن يدل على عورات المنافقين "تفسير ابن أبي حاتم" 1/ 57.]].
وقوله تعالى: ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ﴾. ﴿أَضَاءَ﴾ هاهنا إن كان متعديا فالمفعول محذوف، وكأنه قيل: كلما أضاء لهم الطريق، ويجوز أن يكون لازما بمعنى (ضاء) [[انظر "معاني القرآن" للفراء1/ 18، "تفسير ابن عطية" 1/ 194، "وتفسير القرطبي" 1/ 193.]].
قال ابن عباس: يقول: إذا قرئ عليهم شيء من القرآن مما يحبون صدقوا، وإذا سمعوا شيئاً من شرائع النبي ﷺ مما يكرهون وقفوا عنه، وذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾ [[ذكره ابن الجوزي عن ابن عباس والسدي، "زاد المسير" 1/ 46، وأبو حيان في "البحر" 1/ 91، وذكر ابن عطية عن ابن عباس نحوه 1/ 195، وكذا "القرطبي" 1/ 193.]].
وقال قتادة: هو المنافق إذا كثر ماله وأصاب رخاء وعافية قال للمسلمين: أنا معكم وعلى دينكم، وإذا أصابته النوائب قام متحيرا؛ لأنه لا يحتسب أجرها [[ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 56 أ، وأخرجه "الطبري" في "تفسيره" 1/ 155، وذكره السيوطي في "الدر" وعزاه إلى عبد بن حميد وابن جرير 1/ 72، وقد ورد نحوه عن ابن عباس. انظر: "تفسير الطبري" 1/ 154، و"تفسير ابن أبي حاتم" 1/ 59، "الدر" 1/ 72.]]. كأصحاب الصيب إذا أضاء لهم البرق فأبصروا الطريق مشوا، فإذا عادت الظلمة وقفوا متحيرين. ومثله قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ [الحج:11]. وقيل: شبه الغنيمة بالبرق، يقول [[في (ب): (لقول).]]: الطمع في الغنيمة يزعج قلوبهم، ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ﴾: أي كثرت الغنائم وأصابوا الخير، ﴿مَشَوْا فِيهِ﴾: أي رضوا به، ﴿وَإِذَا [[في (ب): (فإذا).]] أَظْلَمَ عَلَيْهِم﴾: قلت [[في (ب): (فله).]] الغنيمة وكانت بدلها الهزيمة، (قاموا): اعتلوا وقعدوا عن نصرة الرسول [[ذكر نحوه "الطبري"، إلا أنه قال: (جعل البرق لإيمانهم مثلا، وإنما أراد بذلك أنهم كلما أضاء لهم الإيمان، وإضاءته لهم: أن يروا ما يعجبهم في عاجل الدنيا ....)، "تفسير الطبري" 1/ 158، وانظر: "تفسير الخازن" 1/ 71، 72، "البحر" 1/ 91.]].
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾. خص هاتين الجارحتين لما تقدم ذكرهما في قوله: ﴿آذَانِهِمْ﴾ و ﴿يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾ فيقول: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾ عقوبة لهم على نفاقهم، فليحذروا عاجل عقوبة الله وآجله، فإن الله على كل شيء قدير من ذلك [[ذكره "الطبري" في "تفسيره" 1/ 159، وانظر: "تفسير ابن عطية" 1/ 195.]].
وقيل: ولو شاء الله لذهب بأسماعهم الظاهرة، وأبصارهم الظاهرة كما ذهب بأسماعهم وأبصارهم الباطنة، حتى صاروا صُمًّا عُمْيًا [["تفسير الثعلبي" 1/ 56 ب، وانظر: "تفسير أبي الليث" 1/ 101، و"تفسير البغوي" 1/ 71.]].
وكان حمزة يسكت على الياء في ﴿شَيْءٍ﴾ [[من قوله: ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، وكذلك يفعل بكل حرف سكن قبل الهمزة.]] قبل الهمزة سكتة خفيفة، ثم يهمز [[انظر: "السبعة" ص 148، "الحجة" لأبي علي 1/ 391، "الحجة" لابن خالويه ص72، "الكشف" 1/ 234، "التيسير" ص 62.]]. وذلك [[في (ب): (من ذلك).]] أنه أراد بتلك الوقيفة [في صورة لا يجوز فيها معها إلا التحقيق لأن] [[ما بين المعقوفين ساقط من (أ، ج)، وفي (أ) أراد بتلك الوقيفة تحقيق الهمزة، قد صارت ... ، والعبارة غير واضحة، ونص كلام أبي علي في (الحجة) (أنه أراد بهذِه الوقيفة التي وقفها تحقيق الهمزة وتبيينها، فجعل الهمزة بهذِه الوقيفة التي وقفها قبلها على صورة لا يجوز فيها معها إلا التحقيق، لأن الهمزة قد صارت بالوقيفة مضارعة للمبتدأ بها ....)، "الحجة" 1/ 391.]] الهمزة قد صارت بالوقيفة مضارعة للمبتدأ بها والمبتدأ بها لا يجوز تخفيفها [[في (ب): (تحقيقها). الكلام لأبي علي كما في "الحجة" 1/ 391، ويريد حمزة بهذا أن يحقق الهمزة وينطق بها صحيحة، وبقية السبعة على عدم الوقف، لأنه لا يوقف على بعض الاسم دون الإتيان على آخره، ولذلك فالإعراب في آخر الاسم. انظر "الحجة" لابن خالويه ص 72.]].
البقرة 2:21
قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا اَلنَّاسُ أعبُدُواْ رَبَّكُمُ﴾ الآية. (يا) حرف ينادي به [[قال أبو حيان: زعم بعضهم: أنها اسم فعل معناها (أنادي). "البحر" 1/ 92، وانظر "الدر المصون" 1/ 184.]]، ولا تكاد تجد في كلام العرب حرفاً تألف مع اسم فكانا جملة كاملة سوى حرف النداء.
و (أي) [[نقله من "معاني القرآن" للزجاج 1/ 64.]] اسم مبهم مبني على الضم، لأنه منادى مفرد، و ﴿النَّاسُ﴾ صفة لأي لازمة، تقول: يا أيها الرجل أقبل، ولا يجوز [[في (أ)، (ج): (لا يجوز) بسقوط الواو.]]: يا الرجل، لأن (يا) تنبيه بمنزلة التعريف في الرجل، فلا يجمع بين (يا) وبين الألف واللام [[انظر: "إملاء ما من به الرحمن" 1/ 23.]]. و (ها) لازمة لأي [[في "المعاني" (للتنبيه) 1/ 64.]]، وهي عوض من الإضافة في (أي) لأن الأصل في (أي) أن تكون [[في (أ)، (ج): (يكون) وما في (ب) أصح للسياق.]] مضافة في الاستفهام والخبر. والمازني يجيز [[في (أ)، (ج): (تخير) واخترت ما في (ب) لأنه أصح وموافق لما في "معاني القرآن" للزجاج 1/ 64.]] في (يا أيها الرجل) النصب في (الرجل) ولا يوافقه على هذا غيره [["معاني القرآن" للزجاج 1/ 64، وحذف الواحدي بعض كلام الزجاج ونص عبارة الزجاج: (وزعم سيبويه عن الخليل أن المنادي المفرد مبني، وصفته مرفوعة رفعاً صحيحاً لأن النداء يطرد في كل اسم مفرد، فلما كانت البنية مطردة في المفرد خاصة، شبه المرفوع فرفعت صفته، والمازني يجيز في (يا أيها الرجل) النصب في (الرجل) ولم يقل بهذا القول أحد من البصريين غيره). وانظر "البيان في غريب إعراب القرآن" 1/ 62 "الإملاء" 1/ 23، قال العبكري -بعد أن ذكر قول المازني-: وهو ضعيف. وقد رد الزجاج نفسه هذا القول في موضوع آخر فقال: (فهذا مطروح مرذول). انظر "معاني القرآن" 1/ 211.]].
قال أبو إسحاق: وقوله قياس؛ لأن موضوع المنادى المفرد نصب، فحمل [[في "المعاني" (فحملت) وفي الهامش: (في الأصل) (فحمل) أي: (المازني) "معاني القرآن" 1/ 64.]] صفته على موضعه، وهذا في غير [[في (ب): (غيره).]] (يا أيها الرجل) جائز عند جميع النحويين، نحو قولك: (يا زيد الظريفُ والظريفَ) [[(الظريف) ساقط من (ب).]] والنحويون غيره [[في (ب): (في غيره). والمعنى: النحويون غير المازني.]] لا يقولون في هذا إلا الرفع، والعرب لغتها في هذا الرفع، لأن المنادي في الحقيقة (الرجل) و (أي) وصلة له [[انتهى كلام الزجاج. "معاني القرآن" 1/ 64، 65، نقله بتصرف.]]. وذلك أنهم لما أرادوا نداء ما فيه لام التعريف، ولم يمكنهم أن يباشروه بـ (يا) لما فيها من التعريف والإشارة توصلوا إلى ذلك بإدخال (أي) بينهما فقالوا: يا أيها الرجل، والمقصود بالنداء هو الرجل، و (أي) وصلة له [[(له) ساقطة من (ب).]]. ولأن (أيا) وإن كان اسما منادى مفردا فهو ناقص، والنصب بالحمل على الموضوع إنما يجوز بعد تمام الاسم [[وعليه فلا يجوز النصب (للناس) حملا على الموضع كما سبق، انظر "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 147، "البيان في غريب إعراب القرآن" 1/ 62، "إملاء ما من به الرحمن" 1/ 23، "البحر المحيط" 1/ 94، "الدر المصون" 1/ 185.]]. و ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ عموم في كل مكلف من مؤمن وكافر [[انظر "تفسير الطبري" 1/ 160، "تفسير الثعلبي" 1/ 65 ب، "تفسير أبي الليث" 1/ 101.]]. ويروى عن الحسن وعلقمة [[الإمام الحافظ، أبو شبل، علقمة بن قيس بن عبد الله النخعي الكوفي، لازم ابن مسعود حتى رأس في العلم، وحدث عن عدد من الصحابة، اختلف في سنة وفاته. فقيل سنة إحدى وستين وقيل: خمس وستين، وقيل: غير ذلك. انظر "تاريخ بغداد" 13/ 296، "حلية الأولياء" 2/ 68، "سير أعلام النبلاء" 4/ 53.]]. أن ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ خطاب أهل مكة، و ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ خطاب أهل المدينة [[أخرجه الواحدي بسنده في كتابه "أسباب نزول القرآن" عن علقمة، ص 26، وذكره في (الوسيط) 1/ 53، وذكره السيوطي في "الدر" وغزاه لأبي عبيد، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن الضريس وابن المنذر، وأبي الشيخ أبن حيان في "التفسير". وورد في "الدر" نحوه عن ابن مسعود، والضحاك، وميمون بن مهران، وعروة وعكرمة. "الدر" 1/ 73، وذكره الثعلبي في "تفسيره" عن ابن عباس 1/ 56، وابن عطية عن مجاهد، وقال: وقد يجيء في المدني ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ وأما ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فصحيح. "تفسير ابن عطية" 1/ 179، ونحوه قال "القرطبي" في "تفسيره" 1/ 194، وانظر "البرهان" 1/ 189 - 190.]].
وقوله تعالى: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ أي اخضعوا له بالطاعة، ولا يجوز ذلك إلا لمالك الأعيان [[انظر: "الطبري" 1/ 160، "تفسير ابن عطية" 1/ 197، "تفسير القرطبي" 1/ 194.]].
وقوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾. (الخلق): ابتداع شيء لم يسبق إليه [[انظر: "تهذيب اللغة" (خلق) 1/ 1093.]]. وكل شيء خلقه الله فهو مبتدئه على غير مثال سبق إليه [[انظر: كتاب "الزينة" 2/ 52، "معرفة اشتقاق أسماء نطق بها القرآن" 1/ 101، 102، (رسالة ماجستير).]]. والعرب تقول: خلقت الأديم إذا قدرته [[في (ب): (قدته).]]. لتقطع منه مزادة أو قِرْبةً أو خُفًّا [["تهذيب اللغة" (خلق)، 1/ 1093.]]. قال زهير:
وَلَأنْتَ تَفْرِي [[في (ب): (تقوى).]] ما خَلَقْتَ وَبَعْـ ... ـضُ القَوْمِ يَخْلُقُ ثُمَّ لا يَفْري [[في (ب): (لا يقوى). ورد البيت في "الكتاب" 4/ 185، "الزاهر" 1/ 184، "الجمهرة" 2/ 240، "تفسير أسماء الله" للزجاج ص 36، "اشتقاق أسماء الله" ص 166، "إعراب ثلاثين سورة" ص 45، "غريب الحديث" لأبي عبيد 2/ 292، "تأويل مشكل القرآن" ص 507، "تهذيب اللغة" (خلق) 1/ 1093، "معجم مقاييس اللغة" (خلق) 2/ 214، (فرى) 4/ 497، "البحر" 1/ 93، "القرطبي" 1/ 195، "ديوان زهير" ص 94. ومعناه: أنت مضاء العزيمة، وغيرك ليس بماضي العزم.]]
وقيل للمقدر: خالق على الاستعارة لا على استحقاق اسم الخلق، وذلك أن المقدر إنما يقدر ليفعل، فسمى الفعل باسم التقدير، كما يسمى الشيء باسم الشيء إذا كان معه أو من سببه، فالخلق الحقيقي هو خلق الله الذي أبتدع ما خلق وأنشأ ما أراد على غير مثال، وخلق غيره [قياس وتشبيه وافتراء ومحاكاة وتقدير على قدر قدرة غيره، فخلق الله ذاتي وخلق غيره] [[ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، (ج).]] على سبيل الاستعارة والتقدير [[انظر: كتاب "الزينة" 2/ 53،52، "معرفة اشتقاق أسماء نطق بها القرآن" 1/ 101، 102، "تفسير أسماء الله" للزجاج ص 35، "اشتقاق أسماء الله" للزجاجي ص 166، "معجم مقاييس اللغة" (خلق) 2/ 214، "الجمهرة" (خ ق ل) 1/ 619، "تهذيب اللغة"، خلق1/ 1093، "مفردات الراغب" ص 157.]].
ومعنى الآية: أن الله تعالى احتج على العرب بأنه خالقهم وخالق من قبلهم، لأنهم كانوا مُقِرّين بأنه خالقهم، والدليل على ذلك قوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: 87]، فقيل لهم: إذ [[كذا وردت في جميع النسخ، ولعلها (إذا).]] كنتم معترفين بأنه خالقكم فاعبدوه ولا تعبدوا الأصنام، فإن عبادة الخالق أولى من عبادة المخلوقين من الأصنام [[انظر: "تفسير الطبري" 1/ 160، "القرطبي" 1/ 195.]].
وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. قال ابن الأنباري: (لعل) يكون [[في (ب): (تكون) في المواضع الثلاثة.]]: ترجياً، ويكون بمعنى: (كي)، ويكون: ظناً كقولك: لعلي أحج العام، معناه: أظنني سأحج [[ذكره الأزهري حيث قال: (وأثبت عن ابن الأنباري ...) ثم ذكر لها خمسة وجوه، ذكر الواحدي منها ثلاثة، والرابع: بمعنى: (عسى)، والخاص: بمعنى: (الاستفهام)، "تهذيب اللغة" (عل) 3/ 2553.]].
وقال يونس [[ذكره الأزهري بسنده قال: (أخبرني المنذري عن الحسين بن فهم أن محمد بن سلام أخبره عن يونس ..)، "تهذيب اللغة" (عل) 3/ 2553. ويونس: هو يونس بن حبيب أو عبد الرحمن الضبي بالولاء، كان النحو يغلب عليه، أخذ عن أبي عمرو بن == العلاء وحماد بن سلمة، توفي سنة اثنتين وثمانين ومائة، انظر ترجمته في: "طبقات النحويين واللغويين" للزبيدي ص 51، "إنباه الرواة" 4/ 68، "وفيات الأعيان" 7/ 244، "معجم الأدباء" 2/ 64.]]: (لعل) يأتي في كلام العرب بمعنى: (كي)، من ذلك [[في (ب): (من قولك).]] قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [[الآية:21، 179،63، 183 من سورة البقرة، و171 من سورة الأعراف. وفي "تهذيب اللغة" (لعلهم يتقون).]] و ﴿لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ [[(لعلهم يذكرون) جزء من آية في الأعراف: 26، 130، وفي الأنفال: 57. وفي (ب): (لعلكم تذكرون) وكذا في "تهذيب اللغة"، وهي جزء من آية في الأنعام: 152، والأعراف: 57 والنحل: 90، والنور:1، 27، والذاريات 49.]] ويقول [[كذا وردت في (أ)، (ج)، وفي (ب) بدون نقط، وفي "تهذيب اللغة" (كقولك) والأولى (تقول).]]: (أعرني دابتك لعلي أركبها) بمعنى (كي).
قال [[(قال) ساقط من (ب).]]: وتقول [[في (أ)، (ج): (ويقول) وأثبت ما في (ب).]]: انطلق بنا لعلنا نتحدث، أي: كي نتحدث [[آخر ما نقله الواحدي من كلام يونس، وانظر بقية كلامه في "تهذيب اللغة" (عل) 3/ 2553، وانظر معاني (لعل) في "الأزهية في علم الحروف" للهوري ص 217، "مغني اللبيب" 1/ 287.]]. ومثل هذا قال قطرب في (لعل) [[قال أبو حيان لا تكون بمعنى (كي) خلافا لقطرب وابن كيسان. "البحر" 1/ 93،]].
وقال سيبويه: (لعل) كلمة ترجية وتطميع للمخاطبين [[في "الكتاب": فإذا قلت: (لعل) فأنت ترجوه أو تخافه في حال ذهابه 2/ 148، وقال: (لعل وعسى طمع واشفاق) 4/ 233. وانظر "تفسير الثعلبي" 1/ 56 ب.]]. أي كونوا على رجاء وطمع أن تتقوا بعبادتكم عقوبة الله أن تحل بكم [[فتكون لعل على بابها للترجي، كما هو رأي سيبويه، وبعض المفسرين يقول: إذا == جاءت من الله فهي واجبة. انظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 56ب، "وتفسير ابن عطية" 1/ 179، قال السيين الحلبي: إذا وردت في كلام الله فللناس فيها ثلاثة أقوال. أحدها: أنها على بابها من الترجي والطمع، قاله سيبويه، الثاني: للتعليل، قاله قطرب و"الطبري" وغيرهما، والثالث. أنها للتعرض للشيء، وإليه مال المهدوي وأبو البقاء. "الدر المصون" 1/ 189، وانظر "تفسير الطبري" 1/ 161، (الإملاء) 1/ 23.]]، كما قال في قصة فرعون ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: 44]، كأنه قال: اذهبا أنتما على رجائكما وطمعكما [[ذكره "القرطبي" في "تفسيره" 1/ 195، وذكر ابن هشام في "مغني اللبيب": أن بعضهم جعل من معاني "لعل" التعليل كالأخفش والكسائي، وحملوا عليه قوله: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ ومن لم يثبت لها معنى "التعليل" يحمله على الرجاء ويصرفه للمخاطبين، أي: اذهبا على رجائكما، 1/ 288.]]، والله عز وجل من وراء ذلك وعالم بما يؤول إليه أمره.