Lafzullah

Al-Basit — البقرة 2:22 – البقرة 2:59

المؤلف / المصدر: Al-Basit

المحتويات
  1. البقرة 2:22
  2. البقرة 2:23
  3. البقرة 2:24
  4. البقرة 2:25
  5. البقرة 2:26
  6. البقرة 2:27
  7. البقرة 2:28
  8. البقرة 2:29
  9. البقرة 2:30
  10. البقرة 2:31
  11. البقرة 2:32
  12. البقرة 2:33
  13. البقرة 2:34
  14. البقرة 2:35
  15. البقرة 2:36
  16. البقرة 2:37
  17. البقرة 2:38
  18. البقرة 2:39
  19. البقرة 2:40
  20. البقرة 2:41
  21. البقرة 2:42
  22. البقرة 2:43
  23. البقرة 2:44
  24. البقرة 2:45
  25. البقرة 2:46
  26. البقرة 2:47
  27. البقرة 2:48
  28. البقرة 2:49
  29. البقرة 2:50
  30. البقرة 2:51
  31. البقرة 2:52
  32. البقرة 2:53
  33. البقرة 2:54
  34. البقرة 2:55
  35. البقرة 2:56
  36. البقرة 2:57
  37. البقرة 2:58
  38. البقرة 2:59

البقرة 2:22

قوله تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا﴾: (الأرض): التي عليها الناس، وجمعها: (أَرَضُون) [[كذا ورد عند سيبويه، انظر "الكتاب" 3/ 599، "المذكر والمؤنث" لابن الأنبارى ص 188، "تهذيب اللغة" (أرض) 1/ 148، وقال ابن سيده في "المخصص": عن أبي حنيفة: (أرض) و (أَرْضُون) بالتخفيف و (أَرَضُون) بالتثقيل، (المخصص) 10/ 67.]] و (أَرَضَات) [[ذكره سيبويه وغيره، انظر "الكتاب" 3/ 599، قال ابن الأنباري (يجوز في القياس: أرضات ولم يسمع) "المذكر والمؤنث" ص 188.]]، وحكي: (أُرُوض) [[جمع تكسير، انظر "المخصص" 10/ 67 ، "تهذيب اللغة" (أرض) 1/ 148.]]. فإن قيل: الجمع بالواو والنون [إنما هو لأسماء الأعلام، فما بالهم جمعوا الأرض بالواو والنون؟] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب). وقد نقل الواحدي هذا السؤال والإجابة عنه من كتاب "سر صناعة الإعراب" لأبي الفتح ابن جني 2/ 613.]]. قيل: إن الأرض اسم مؤنث، وقد كان القياس في كل اسم مؤنث أن يقع فيه الفرق بينه وبين المذكر نحو: قائم وقائمة، وطريف وطريفة، وغير ذلك. فأما ما تركت [[في (ب): (تركب).]] فيه العلامة من المؤنث، فإنما ذلك اختصار لحقه، لاعتمادهم في الدلالة على تأنيثه على ما يليه من الكلام قبله وبعده، نحو: (هذه مِلْحٌ [[في (أ)، (ج): (صلح) وفي "سر صناعة الإعراب" (ريح) وفي الحاشية قال: في (ل) و (ش): (ملح)، 2/ 614. وهذا يوافق ما في (ب).]] طيبة)، و (كانت لهم عرس مباركة)، فلما كان الأمر في المذكر والمؤنث على ما ذكرنا، وكانت (الأرض) مؤنثة، وكأنّ فيها (هاء) مرادة، وكأنّ تقديرها: (أَرْضَة) فلما حذفت (الهاء) التي كان القياس يوجبها، عوضوا منها الجمع بالواو والنون. فقالوا: (أَرَضُون) [["سر صناعة الإعراب" 1/ 614، وانظر: "الكتاب" 3/ 599 "المخصص" 10/ 67، 68 و 17/ 4 "اللسان" (أرض) 1/ 61.]]. وإذا أدخل شيء مما [[في (ب): (ما).]] ليس مذكراً عاقلًا في هذا النوع من الجمع، فهو حظ ناله، وفضيلة خص بها [[انظر: "سر صناعة الإعراب" 2/ 63.]]، ولهذا نظائر كالسنين وعضين، ونذكرها في مواضعها إن شاء الله. وفتحوا (الراء) [["سر صناعة الإعراب" 2/ 614، وقال بعضهم: ربما سكنت فقيل: (أرضون)، انظر "الصحاح" (أرض) 3/ 1063، "المخصص" 10/ 67.]] في (أَرَضِين) ليدخل الكلمة ضرب من التكسير، استيحاشا من أن يوفوه لفظ التصحيح من جميع الوجوه، ومعنى التصحيح هو أنهم إنما جمعوا بالواو والنون الأسماء التي هم بها معنيون، ولتصحيح ألفاظها لفرط اهتمامهم بها مؤثرون، كيلا يقع في واحده إشكال، ألا ترى أن [[في (ب): (أن من مثال).]] مثال جمع التصحيح لا يعترض الشك في واحده [[انظر. "الكتاب" 3/ 598 - 600، "المخصص" 10/ 68، 17/ 4، "الصحاح" (أرض) 3/ 1063، "اللسان" (أرض) 1/ 61.]]. فإن قيل: إنما. يعوض من المحذوف إذا كان أصلا، فكيف جاز التعويض من الزائد، و (هاء التأنيث) زائدة؟ قيل: إن العرب قد [أجرت] [[في (أ)، (ج): (أحرها) وفي (ب): (أخرت) والصحيح ما أثبت كما في "سر صناعة الإعراب"، 2/ 614.]] (هاء التأنيث) مجرى [[في (ب): (لا مجرى).]] لام الفعل في أماكن [[اختصر الواحدي كلام أبي الفتح وترك بعض الوجوه، قال أبو الفتح: (فالجواب: أن العرب قد أجرت (هاء التأنيث) مجرى لام الفعل في أماكن: منها: أنهم حقروا ما كان من المؤنث على أربعة أحرف، نحو: (عقرب) و (عناق) ... وذلك قولهم: (عقيرب) .... ومنها: أنهم قد عاقبوا بين هاء التأنيث وبين اللام، وذلك نحو قولهم: (بُرَّة وبراً) و (لُفَة ولُفَى) ...). ومنها: أن الهاء وإن كانت أبدا في تقدير الانفصال فإن العرب قد أحلتها -أيضا- محل (اللام) وما هو الأصل أو جار مجرى الأصل وذلك نحو قولهم: (ترقوة)، و (عرقوة) ... ، "سر صناعة الإعراب" 2/ 614 - 616، وذكر الواحدي في جوابة على السؤال الوجه الأخير فقط.]]، منها أنهم قالوا: (عَرْقُوة) [[(الْعَرْقُوة) خشبة معروضة على الدلو. انظر "اللسان" (عرق) 5/ 2908.]]، و (تَرْقُوَة) [[(ترقوة) ساقط من (ب). والترقوة واحدة الترقوقان، وهما العظمان المشرفان بين تغرة النحر والعاتق، تكون للناس وغيرهم، ولا يقال (ترقوة) بالضم. انظر "اللسان" (ترق) 10/ 32.]]، فصححوا الواو، فلولا أن (الهاء) في هذه الحال في تقدير الاتصال والحرف الأصلي لوجب أن تقلب [[في (أ)، (ج): (يقلب) وما في (ب) موافق لـ "سر صناعة الإعراب" 2/ 616.]] (الواو)، لأنها كانت تقدر طرفا [[في (ج): (حرفا).]]، وتقلب [[(وتقلب) ساقط من (ج).]] (ياء) كما تقلب في نحو: (أَحْقٍ) جمع (حَقْو) [[(الحَقْوُ) بفتح الحاء وكسرها: الكشح، ومعقد الأزار، والخصر والجمع (أحْقٍ) و (أَحقَاء) و (حِقِى) و (حقا). انظر: "اللسان" (حقا) ص 948.]] و (أَدْلٍ) [[جمع (دلو)، انظر: "سر صناعة الإعراب" 2/ 616.]] و [(أَجْرٍ) [[في جميع النسخ (أحر) بالحاء، والتصحيح من "سر صناعة الإعراب" 2/ 616، و (أَجْرٍ): جمع جرو وهو الصغير من كل شيء. انظر "اللسان" (جراً) 1/ 609.]]]. فـ (الهاء) هاهنا كالراء [[أى كما صحت (الواو) قبل (الهاء) في (تَرْقُوة) و (عَرْقُوة) لأنها في تقدير الاتصال، وأجروها مجرى (الراء) و (الطاء) في (منصور) و (عضرفوط) فصحت الواو قبل الراء والطاء، فكما جاز أن تشبه (هاء التأنيث) في هذا باللام الأصلية، جاز أن تجرى الهاء المقدرة في أرض مجرى اللام الأصلية، فيعوض من حذفها في (أرض) أن يجمع بالواو والنون في (أرضون). "سر صناعة الإعراب" 2/ 616.]] في (منصور)، والطاء في (عَضْرَفوطْ) [[(الْعَضْرَفُوط) دويبة بيضاء ناعمة، أو ذكر العظاء. انظر "اللسان" (عضرط) 5/ 2986.]] لتصحيح [[في (أ)، (ج): (التصحيح) وعبارة أبي الفتح: (... وقد أجروا (الهاء) في (ترقوة) ... مجرى (الراء) في (منصور) و (الطاء) في (عضرفوط) فصحت (الواو) قبلها كما صحت قبل الراء والطاء ...)، "سر صناعة الإعراب" 2/ 616.]] الواو قبلها. وقوله تعالى: ﴿فِرَاشًا﴾ الأرض فراش الأنام على معنى أنها فرشت لهم، أي [[في (ب): (لهم أنبسطت).]]: بسطت، وهذا كقوله: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا (19)﴾ [نوح: 19] والمعنى أنه لم يجعلها حزنة غليظة لا يمكن [[في (أ): (لم يكن) وفي (ب): (ولا يمكن).]] الاستقرار عليها [[انظر: "تفسير الطبري" 1/ 161 - 162، "تفسير ابن عطية" 1/ 198، "تفسير القرطبي" 1/ 197.]]. وقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾. الأزهري: أصل الماء (مَاهَ) بوزن (قَاه) [[في (أ)، (ج) (فاة)، وفي "تهذيب اللغة" (تاه) 1/ 423، وفي "اللسان" (قاه) "اللسان" (موه) 7/ 4302. وهو موافق لما في (ب) وهو ما أثبته.]]، [فثقلت] [[في (أ)، (ب)، (ج) (فنقلت) وصححت العبارة على ما في "تهذيب اللغة" (الماء) 15/ 648.]] (الهاء) مع الساكن قبلها، فقلبوا الهاء مدة فقالوا: ماء [["تهذيب اللغة" (الماء) 4/ 3320، وانظر "الصحاح" (موه) 4/ 2250، "اللسان" (موه) 7/ 4302 (المنصف) 4/ 3320.]]. قال الليث: والمدة في (الماء) خَلَفٌ [[في (ب) (خلف خلف هاء).]] من (هاء) محذوفة، ويدل على أن الأصل في الماء (الهاء): التصغير، والتصريف، والجمع، فالتصغير (مُوَيْه) [[انتهى كلام الليث نقله الواحدي بمعناه. انظر "تهذيب اللغة" 15/ 648، وانظر "الصحاح" 6/ 2250، "اللسان" 13/ 543.]] ويقال: هذه مُوَيْهَة عذبة [[من كلام الأزهري، انظر "تهذيب اللغة" 15/ 648.]]. وقال [[في (ب): (قال) سقطت الواو.]] الأصمعي: مَاهَت البئر، وهي تَمَاه [وتَمُوه مَوْهاً إذا كثر ماؤها [[في "تهذيب اللغة": (قال الأصمعي: ماهت البئر تَمُوه وتَمَاه موها إذا كثر ماؤها)، "تهذيب اللغة" (ماه) 4/ 3331، وانظر "الصحاح" (موه) 6/ 2250، "اللسان" (موه) 7/ 4302.]]. ابن بزرج [[هو عبد الرحمن بن بزرج اللغوي، كان حافظا للغريب والنوادر، نقل عنه الأزهري في "تهذيب اللغة". انظر مقدمة "تهذيب اللغة"، "إنباه الرواة" 2/ 161.]]: مَوَهَت السماء، أي: سالت [[في "التهذيب" و"اللسان": (أسالت).]] ماءً كثيرًا. ومَاهَت البئر] [[ما بين المعقوفين ساقط من (أ، ج).]]، وأماهت في كثرة مائها، وهي تَمَاه وتَمُوه. ويقولون في حفر البئر: أَمْهَى وأَمَاه [["تهذيب اللغة" (ماه) 4/ 3331، "اللسان" (موه) 7/ 4302.]]. قال الليث: وأَماهت الأرض إذا ظهر فيها النَّزُّ [["تهذيب اللغة" (ماه)،4/ 3331وانظر "الصحاح" (موه) 6/ 2250، "اللسان" (موه) 7/ 4302.]]. والنسبة إلى الماء (ماهِيٌّ) [[نسب الواحدي الكلام لليث، وهو في "التهذيب" إما من كلام ابن الأعرابي أو من كلام الأزهري. انظر: "تهذيب اللغة" (ماه) ص 333، "اللسان" (موه) 7/ 4302.]]، وغيره [[أي: عند غير الليث.]] يقول: مَائِيٌّ [[في (ب) (ما هي). قال الجوهري: والنسبة للماء: (مَائِيٌّ) وإن شئت (مَاوِيٌّ) عند قول من يقول (عَطَاوِيٌّ)، "الصحاح" 6/ 2251، "اللسان" 7/ 4302.]]. وجمع الماء: (مياه) و (أمواه) [[انظر. "تهذيب اللغة" (ماه) 4/ 3331، قال الجوهري: بجمع على (أمواه) في القلة، و (مياه) في الكثرة. "الصحاح" 6/ 2250، وذكره في "اللسان" وقال: وحكى ابن جني في جمعه (أمواء) 7/ 4302.]]، قال الشاعر: سَقَى اللهُ أَمْوَاهاً عَرَفْتُ مَكَانها ... جُرَاباً ومَلْكُوماً وبَذَّرَ والْغَمْرَا [[البيت لكثير عزة ورد في (ديوانه) مع أبيات مفردة ص 503، وأورده عبد السلام هارون في حاشية "الكتاب"، لأنه ورد في بعض نسخ "الكتاب"، ولم يرد في الأصل. انظر "الكتاب" 3/ 207، 208، "المنصف" 3/ 150، 3/ 121، "شرح == المفصل" 1/ 61، "الخزانة" 2/ 355، "السيرة" لابن هشام 1/ 159. جراباً وما بعده: أسماء أماكن، ذكر ياقوت جرابا وقال: اسم ماء وقيل: بئر قديمة بمكة، وأورد بيت كثير. (معجم البلدان) 2/ 116، وذكر (مَلْكُوما) وقال: اسم ماء بمكة، وأورد البيت 5/ 194، وذكر (بَذَّرَ) وقال: اسم بئر بمكة لبني عبد الدار، وأورد البيت 1/ 361، و (الغمر) بئر قديمة بمكة. "معجم البلدان" 4/ 211.]] فإن قيل: كيف قال: ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ﴾، والماء ينزل من السحاب؟ قيل: هذا من باب حذف المضاف، والتقدير: من نحو السماء [[ذكره في "الوسيط"، 1/ 55، وانظر: "تفسير أبي السعود" 1/ 61.]]، كقول الشاعر: أَمِنْكِ بَرْقٌ أَبِيتُ [[في (ب): (أربك).]] اللَّيْلَ أَرْقُبُهُ ... كَأنَّه في عِرَاضِ الشَّأْمِ مِصْباحُ [[البيت لأبي ذؤيب الهذلي، قوله: (أمنك برق) أي: من نحو منزلك، من الشق الذي أنت به، (عراض الشأم) نواحيها. انظر "شرح أشعار الهذليين" للسكري 1/ 167، "شرح الأبيات المشكلة الإعراب" الفارسي ص 364.]] أي: من نَاحِيَتِك، ومثله كثير. وإن جعلت السماء بمعنى (السحاب) [[انظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 56 ب، "تفسير ابن عطية" 199، "تفسير البيضاوي" 1/ 14، والخازن 1/ 76، "تفسير أبي السعود" 1/ 61، "الفتوحات الإلهية" 1/ 26.]] لم يكن من باب حذف المضاف. وقوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾. الثمرات: جمع (الثمرة) وهي حمل الشجرة [[ذكره الأزهري عن الليث وغيره، "تهذيب اللغة" (ثمر) 1/ 497.]] في الأصل، ثم صارت اسمًا لكل [[في (ج): (اسما لما ينتفع به).]] ما ينتفع به، مما هو زيادة على أصل المال [[ذكره الواحدي في "الوسيط"، وانظر "تفسير ابن عطية" 1/ 199.]]. يقال: لبن مُثْمِر [[في (ب): (مثمراً).]] إذا ظهر زبده [[ذكر الأزهري نحوه عن الأصمعي "تهذيب اللغة" (ثمر) 1/ 497، وانظر: "اللسان" (ثمر) 1/ 503.]]، وقال النضر [[في (أ)، (ج). (النصر) والمراد النضر بن شميل.]]: هو [الثَّمِير] [[في (أ)، (ج): (التميز)، وفي (ب): (التميير) والصحيح (الثمير) كما في "تهذيب اللغة" (ثمر) 1/ 497.]]، وذلك إذا [مُخِض] [[في (أ)، (ج): (محص) وفي (ب): (محض)، و (مخض) في " التهذيب".]] اللبن فرئي عليه أمثال الحَصَف في الجلد ثم يجتمع فيصير زبداً. وقد ثَمَّر السقاء وأَثْمَر. وإن لبنك لحسن الثَّمَر [[انظر كلام النضر في "تهذيب اللغة" (ثمر) 1/ 497. وانظر: "الصحاح" (ثمر) 2/ 606، "اللسان" (ثمر) 4/ 108.]]. ويقال: ثمر الله مالك، وعقل مثمر، إذا كان يهدي صاحبه إلى الرشد [["تهذيب اللغة" (ثمر) 1/ 497.]]. فالثمرة تستعمل فيما ينتفع به ويستمتع مما هو فرع لأصل [[قال ابن فارس: (الثاء والميم والراء أصل واحد)، وهو شيء يتولد عن شيء متجمعا، ثم يحمل عليه غيره استعارة، "مقاييس اللغة" (ثمر) 1/ 388.]]. قال المفسرون في معنى الثمرات في هذه الآية: أراد جميع ما ينتفع به مما يخرج من الأرض [[انظر "الطبري" 1/ 162، "تفسير ابن عطية" 1/ 199، "تفسير القرطبي" 1/ 198.]]. وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾. روى شمر عن الأخفش قال: (الند) الضد والشبه. أي: لا تجعلوا [[في (ب): (جعلوا).]] لله أضدادا وأشباها، وفلان نِدُّ فلان ونَدِيدُه ونَدِيدَتُه أي: مثله وشبهه [[في (ب): (شبههه).]]. وأنشد للبيد [[في (ب): (وقال لبيد).]]: لِكَيْمَا [[في (ب): (لكي لا يكون) وهي رواية في البيت.]] يكُون السَّنْدَرِيُّ نَدِيدَتِي ... فَأَشتمَ [[في (ب): (فاستمر)، وفي "تهذيب اللغة" (واجعل) وفي حاشيته: في (د)، (ج) (أشتم) 4/ 3540.]] أقَوْاماً عُمُوماً [[في (ب): (عمواما).]] عَمَاعِمَا [[البيت من قصيدة قالها لما دعاه عامر بن الطفيل لينافر علقمة بن علاثة، و (السندري): شاعر معروف وهو ابن عيساء، ينسب لأمه، (العموم): جمع العم، و (العماعم): الجماعات. انظر "شرح ديوان لبيد" ص 286 "تهذيب اللغة" (ند) 4/ 3540، "الصحاح" (ندد) 2/ 543، "الأضداد" لابن الأنباري ص 24، "الأضداد" أبي حاتم ص 74 "اللسان" (ندد) 3/ 420 "مقاييس اللغة" (ند) 5/ 355، "تفسير القرطبي" 1/ 199. وكلام الأخفش في "تهذيب اللغة" (ند) 4/ 3540 نقله الواحدي بتصرف، وانظر "اللسان" (ندد) 7/ 3482.]] وقال أبو الهيثم: يقال للرجل إذا خالفك فأردت وجها تذهب فيه ونازعك في ضده، فأراد بخلاف الوجه الذي تريد، وهو مستقل من ذلك مثل ما [تستقل] [[في جميع النسخ (يستقل) وفي "تهذيب اللغة" (تستقل) وهو الصواب، "تهذيب اللغة" 4/ 3540.]] به: فلان نِدِّي ونَدِيدِي. قال حسان: أتَهْجُوهُ وَلَسْتَ لَهُ بِنِدٍّ ... فَشَرُّكُمَا لِخَيْركُمَا الفِدَاءُ [[البيت من قصيدة يهجو بها سفيان بن الحارث قبل فتح مكة، انظر "ديوانه" ص 76، "تهذيب اللغة" (ند) 4/ 3540 "الأضداد" لابن الأنباري ص 24، "الأضداد" لأبي حاتم ص 74، "مجاز القرآن" ص 34، "تفسير الطبري" 1/ 1063 "تفسير القرطبي" 1/ 198، "اللسان" (ندد) 7/ 3482.]] أي لست له بمثل في شيء من معانيه [[انتهى ما نقله عن أبي الهيثم. انظر: "تهذيب اللغة" (ندد) 4/ 3540، "اللسان" 7/ 3482.]]. فحقيقة (النِّد) المثل المناوئ، وأصله من قولهم: (ندّ) إذا نفر، ولهذا يقال للضد: ند، ثم استعمل في المثل وإن لم يكن هناك مخالفة [[انظر: "الأضداد" لابن الأنباري ص 24، "مجاز القرآن" ص 34، "الأضداد" للصاغاني ص 246، قال أبو حاتم: (زعم قوم أن بعض العرب يجعل (الضد) مثل (الند) ويقول: هو يضادني، ولا أعرف أنا ذلك ..) (الأضداد) لأبي حاتم السجستاني ص 75.]]. قال جرير: أتَيْماً يَجْعَلُونَ إليَّ نِدّاً ... وَمَا تَيْمٌ لِذِي حَسَبٍ نَدِيدُ [[قاله يهجو تيما. انظر: "ديوان جرير" ص 129، "الأضداد" لابن الأنباري ص 24، "الأضداد" لأبي حاتم ص 73، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 66، "ومجالس العلماء" للزجاجي ص 114، "تفسير الثعلبي" 1/ 56 ب]] أي مثل. قال ابن عباس، والسدي فيما ذكره عن ابن مسعود: معناه لا تجعلوا لله أكفاء من الرجال [تطيعونهم] [[في (أ)، (ج): (يطيعونهم)، وفي (ب): (تضيعونهم).]] في معصية الله [[أخرجه "الطبري" بسنده عن ابن عباس وعن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب النبي ﷺ "تفسير الطبري" 1/ 163، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 65 ب، وانظر: "الدر المنثور" 1/ 76.]]. وقال ابن زيد: الأنداد الآلهة [[في (ب): (الآله).]] التي جعلوها معه [[أخرجه "الطبري" في "تفسيره" 1/ 163، "زاد المسير" 1/ 49، والمراد عموم الأنداد والشركاء مع الله من الرجال أو الحجارة أو غير ذلك.]]. وقال أبو إسحاق: هذا احتجاج عليهم لإقرارهم بأن الله خالقهم، فقيل لهم: لا تجعلوا لله [[(لله) لفظ الجلالة غير موجود في (ب).]] أمثالًا وأنتم تعلمون [أنهم لا يخلقون والله الخالق [["معاني القرآن" للزجاج 1/ 65.]]. قال ابن [[(ابن) ساقط من (ج).]] الأنباري: قوله: ﴿وَأَنتُم تَعلَمُونَ﴾، [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]] لا تتنافى مع قوله: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾ [الزمر: 64] لأن هذا العلم الذي وصفهم به في هذه الآية لا يزيل عنهم الجهل؛ لأنه أراد: وأنتم تعلمون أن الأنداد التي تعبدونها لم ترفع لكم السماء ولم تمهد تحتكم [[في (ج): (لكم).]] الأرض، ولم ترزقكم رزقا. فعبدة الأصنام وغيرهم يتساوى علمهم في هذا المعنى، وإنما وصفهم الله جل ذكره بهذا العلم لتتأكد الحجة عليهم إذا اشتغلوا [[في (ب): (اشغلوا).]] بشىء [[في (ج): (في شيء).]] يعلمون [[في (ب): (يعلموا).]] أن الحق فى سواه [[نحو هذا المعنى ذكر "الطبري" عن ابن عباس وقتادة، ورجحه. انظر: "تفسير الطبري" 1/ 163. وانظر: "تفسير ابن عطية" 1/ 199، "زاد المسير" 1/ 49.]].

البقرة 2:23

وقوله [[في (ج): (قوله) بسقوط الواو.]] تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ﴾ الآية. قال النحويون: (إن) دخلت هاهنا لغير شك، لأن الله تعالى علم أَنهم مرتابون، ولكن هذا عادة العرب في خطابهم، كقولك: (إن كنت إنساناً فافعل كذا)، وأنت تعلم أنه إنسان، و (إن كنت ابني فاعطف علي) فالله تعالى خاطبهم على عادة خطابهم فيما بينهم [[ذكر ابن الجوزي نحوه، فربما نقله عن الواحدي، وربما نقله عن ابن الأنباري وهو الأقرب، حيث إنه كثيراً ما ينقل عنه، فيكون من كلام ابن الأنباري، انظر: "زاد المسير" 1/ 49.]]. وقيل: هو بمعنى (إذ) [[ذكره الثعلبي مع الأدلة من الآيات وبيت الأعشى. "تفسير الثعلبي" 1/ 57 أ، وانظر: "تهذيب اللغة" (إن) 1/ 224.]] قال أبو زيد: وتجيء [[في (أ)، (ج) (يجيء)، وأثبت ما في (ب) لأنه أنسب للسياق وموافق لما في "تهذيب اللغة".]] (إن) بمعنى (إذ) نحو قوله: ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة:278]، وقوله ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 139] ونحوهما [[قول أبي زيد في "تهذيب اللغة"، (إن) 1/ 224، وانظر: "زاد المسير" 1/ 49، "الدر المصون" 1/ 197. والقول: إنَّ (إنْ) تأتي بمعنى (إذ) قول الكوفيين، أما البصريون فمنعوا مجيئها بمعنى (إذ).انظر: "الإنصاف" ص50.]]. قال الأعشى: وسمعتَ حَلْفتَها التي حلفتْ ... إن كان سمعُك غيرَ ذي وَقْرِ [[البيت عند الثعلبي 1/ 57 أ، "الوسيط" للواحدي 1/ 57 منسوب للأعشى، ولم أجده في (ديوانه)، وهو في "الإنصاف" ص 502. غير منسوب، وذكره عبد السلام هارون في "معجم الشواهد العربية" ص 187، ولم ينسبه. (الحلفة): واحدة الحلف وهو القسم. (الوقر): ثقل السمع. والشاهد فيه عند الواحدي، وعند الكوفيين ورود (إنْ) بمعنى (إذ).]] وقوله تعالى: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ﴾. زعم أبو عبيدة أن (السورة) [[في (ج): (للسورة).]] مشتقة من سورة البناء، وأن السورة عرق من عروق [[في "تهذيب اللغة" (أعراق) 2/ 1593. وكذا "اللسان" 4/ 2147.]] الحائط، ويجمع سُوَراً وكذلك (الصورة) [[في (ج): (وكذلك قوله الصورة).]] تجمع (صوراً). واحتج بقوله: سِرْتُ إِلَيْهِ في أَعَالي السُّور [[الرجز للعجاج، ورد في "المجاز" لأبي عبيدة 1/ 5، وقبله: فرب ذي سرادق محور "ديوان العجاج": ص 224. رقم القصيدة (19)، وفي "الكتاب" 4/ 51، "غريب القرآن" لابن قتيبة 1/ 26، "تفسير الطبري" 1/ 46، "تهذيب اللغة" (سار) 2/ 1592، "اللسان" (سور) 4/ 2147، "الزاهر" 1/ 526. والسرادق: ما أحاط بالشيء من بناء أو خباء أو غيره، وسرت: من سار الحائط يسوره وتسوره، أي: تسلق. وكلام أبي عبيدة بنصه في "التهذيب" "سار" 2/ 1593. وانظر "مجاز القرآن" 1/ 3، 4، 43، "اللسان" (سور) 4/ 2147. (الزاهر) 1/ 170. "تفسير ابن عطية" 1/ 70.]] وأقرأني العروضي، قال: أقرأني الأزهري، قال [[في "تهذيب اللغة": وأخبرني المنذري عن أبي الهيثم: أنه رد على أبي عبيدة قوله ... الخ كلام أبي الهيثم. "التهذيب" (سار) 2/ 1593. وفي "اللسان" (سور) 4/ 2147.]]: أخبرني المنذري، عن أبي الهيثم أنه رد على أبي عبيدة قوله، وقال: إنما يجمع [[في "التهذيب": (تجمع) وكذا في "اللسان".]] (فُعْلَة) على (فُعْل)، بسكون العين، إذا سبق الجمعَ الواحدُ، مثل: صوفة وصوف، وسورة البناء وسورٌ [[في "اللسان" (وسُوْرُهُ).]]، والسور جمع سبق وحدانه [[في (التهذيب) (فالسورة جمع سبق وُحْدَانَه في هذا الموضع جمعه) 2/ 1593.]]، قال الله تعالى: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ﴾ [الحديد:13]. والسُّور عند العرب حائط المدينة، وهو أشرف الحيطان، وشبه الله تعالى الحائط الذي حجز بين أهل النار وأهل الجنة بأشرف حائط عرفناه في الدنيا، وهو اسم واحد لشيء [[في (ب): (كشيء).]] واحد، إلا أنا إذا أردنا أن نعرف [[في (أ)، (ج): (يعرف) واخترت ما في (ب)، لأنه أصح، وموافق لما في "تهذيب اللغة" 2/ 1593.]] العِرْقَ [[كذا في جميع النسخ، "اللسان" 4/ 2148. وفي "تهذيب اللغة" (الفرق) 2/ 1593.]] منه قلنا: سورة، كما تقول: التمر، وهو اسم جامع للجنس، فإذا أردنا أن نعرف الواحدة من التمر قلنا: تمرة، وكل منزلة رفيعة فهي سورة، مأخوذة من سورة البناء ومنه قول النابغة: ألم تر أنَّ الله أعطاك سورةً ... ترى كل مَلْكٍ دونها يتذبذبُ [[البيت للنابغة الذبياني من قصيدة يمدح النعمان، ويعتذر إليه. وقوله (السورة): المنزلة الرفيعة، (والملك بتذبذب): يتعلق ويضطرب، يريد أن منازل الملوك دون منزلته. انظر: "مجاز القرآن" 1/ 4. "غريب القرآن" لابن قتيبة 1/ 26. "تفسير الطبري" 1/ 46. "المصون في الأدب" للعسكري: ص 150، 151. "التهذيب" (سار) 2/ 1593. "اللسان" (سور) 4/ 2148. "تفسير ابن عطية" 1/ 201. "ديوان النابغة": ص 28. "الزاهر" 1/ 171.]] وجمعها (سُوْرٌ) [[في (أ): (سِوَر) وفي (ب): (سواري رفع).]] أي: رِفَعٌ. أما سورة القرآن، فإن الله تعالى جمعها على: (سُوَر) مثل: غُرْفَة وغُرَفُ، ورُتْبَة ورُتَب، وزُلفَة وزُلَف، فدل على أنه لم يجمعها كما قال [[قوله: (فدل على أنه لم يجمعها كما قال) ليس في "تهذيب اللغة" ولا "اللسان"، والمعنى لم يجمعها (سُوْرٌ) بالسكون كما قال أبو عبيدة.]]، ولم يجعلها من سُورِ [[في (ب): (سورة).]] البناء، لأنها لو كانت منه لقال: (بعشرِ سُوْر) ولم يقل: ﴿سُوَرٍ﴾ [هود: 13] [[في (أ)، (ج): (بسُوَر) وأثبت ما في (ب)، وفي "تهذيب اللغة" (بعشر سُوَرٍ) "تهذيب اللغة" 2/ 1593.]] والقراء مجمعون على ﴿سُوَرٍ﴾. وكذلك أجمعوا على قراءة (سُورٍ) [[في (ب): (بسوره).]] في قوله ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ﴾ [الحديد: 13]. فدل هذا على تمييز (سُورَةٍ) من سُوَرِ [[في (ب): (سوره).]] القرآن عن (سُوْرَة) من سُوْرِ البناء. وكأن أبا عبيدة أراد أن [يؤيد] [[في جميع النسخ (يريد) والتصحيح من "تهذيب اللغة" 2/ 1593. "اللسان" 4/ 2148.]] قوله في (الصور) أنه جمع (صورة) [[في "تهذيب اللغة" (فأخطأ في الصور والسور، وحرَّف (كلام العرب) عن صيغته ... إلخ). انظر "تهذيب اللغة" (سار) 2/ 1593. "اللسان" (سور) 4/ 2184.]]، وكان ينكر أن (الصور) قرن خلقه الله للنفخ فيه، ونذكر [[في (ب) (ويذكر).]] قوله ذلك والرد عليه إذا أتينا على ذكر (الصور) إن شاء الله. قال أبو الهيثم: والسورة [[في (ب) (السور).]] من سور [القرآن] [[(القرآن) غير موجود في جميع النسخ، والتصحيح من "تهذيب اللغة" 2/ 1593، "اللسان" 4/ 2148.]] عندنا: قطعة من القرآن، سبق وُحْدانُها جَمْعَها، كما أن الغرفة [[في (ب) (المعرفة).]] سابقة للغرف. وأنزل الله القرآن على نبيه ﷺ شيئاً بعد شيء، وجعله مفصلاً، وبيّن كل سورة بخاتمتها وبادئتها، وميزها من التي تليها [[انتهى كلام أبي الهيثم، "تهذيب اللغة" (سار) 2/ 1594، "اللسان" (سور) 4/ 2148.]]. قال الأزهري: وكأن أبا الهيثم جعل السورة من سور القرآن من سؤرة الشراب، وهي بقيته، إلا أنها لما كثرت في الكلام ترك فيها الهمز [[في "التهذيب": (.. جعل السورة من سور القرآن من أسأرت سؤرا، أي: أفضلت فضلا، إلا أنها لما كثرت في الكلام وفي كتاب الله ترك فيها الهمز أي السورة كما ترك في (الملك) وأصله (ملْأَك) وفي (النبي) وأصله الهمز، وكان أبو الهيثم طَوَّل الكلام فيهما رداً على أبي عبيدة، فاختصرت منه مجامع مقاصده، وربما غيرت بعض ألفاظه، والمعنى معناه). "تهذيب اللغة" (سار) 2/ 1594. "اللسان" 4/ 2148. وانظر: "الزاهر" 1/ 171.]]. قال [[أي: الأزهري.]]: وأخبرني المنذري، عن أبي العباس، عن ابن الأعرابي قال: (السورة) الرفعة وبها سميت السورة من القرآن، أي رفعة وخير [[ونحوه عند "الطبري" فإنه قال: (والسورة بغير همز: المنزلة من منازل الارتفاع). انظر: "تفسيره" 1/ 46. وقد ذكر هذين المعنيين للسورة ابن قتيبة في "غريب القرآن": 1/ 26. وانظر: "الزاهر" 1/ 171. "البرهان في علوم القرآن" 1/ 263، 264. "الإتقان" 1/ 186. "تفسير ابن كثير" 1/ 64.]]، فأرى ابن الأعرابي وافق قوله قول أبي عبيدة [["تهذيب اللغة" 2/ 1594. "اللسان" 4/ 2148.]]. قال: [[أي الأزهري. انظر: "تهذيب اللغة" 2/ 1594، وربما أوهم صنيع الواحدي أن الكلام لابن الأعرابي.]] والبصريون يجمعون (الصورة) و (السورة) وما أشبههما [[في (أ) و (ج): (وما أشبهها).]] على (صُوَر وصُوْر)، و (سُوَر وسُوْر) ولا يميزون بين ما سبق جمعه وحدانه وبين ما سبق وحدانه جمعه، والذي حكاه أبو الهيثم هو قول [[في "التهذيب": (والذي حكاه أبو الهيثم هو قول الكوفيين، وهو يقول به إن شاء الله) "تهذيب اللغة" 2/ 1594. "اللسان"4/ 2148.]] الفراء. وخص هذا القدر من القرآن بتسمية (سورة)، لأنه أقل قطعة وقع به التحدي [على قول أبي الهيثم، وعلى قول أبي عبيدة، لأنه أقل ما وقع به التحدي] [[مابين المعقوفين ساقط من (ب).]]، فهي شرف للنبي ﷺ من حيث إنها معجزة له. وقيل: سميت سورة، لأن من حفظها وعلمها حصل له شرف [[انظر: "الزاهر" 1/ 171. "الدر المصون" 1/ 201.]]. وقيل: لأن كل سورة بمنزلة درجة رفيعة ومنزل عال، يرتفع القارئ منها إلى منزلة أخرى إلى أن يستكمل القرآن [[وهذا القول كأنه يرجع إلى قول أبي عبيدة وابن الأعرابي، وفي معنى السورة أقوال أخرى. انظر: "الزاهر" 1/ 171، "جمهرة اللغة" 2/ 722، "تفسير الطبري" 1/ 46، وابن عطية 1/ 70، "تفسير ابن كثير" 1/ 64، "البرهان" 1/ 263، 264، "الكشاف" 1/ 239.]]. فإن قيل: فما [[في (ب): (ما).]] الفائدة في تفصيل القرآن على السور؟ قيل: فيه فوائد كثيرة، منها: أن القارئ إذا خرج من سورة إلى سورة كان أنشط لقراءته وأحلى في نفسه. ومنها: أن تخصيص كل سورة بقدر مخصوص كاختصاص القصائد. ومنها: أن الإنسان قد يضعف أو يكسل عن حفظ الجميع فيحفظ سورة تامة فربما كان ذلك سبباً يدعوه إلى حفظ غيرها [[وذكر بعض العلماء حكماً أخرى لتفصيل القرآن إلى سور، وكلها حكم وفوائد مستنبطة، والله أعلم بحكمة ذلك. انظر: "الكشاف" 1/ 240 - 241، "البرهان" 1/ 264 - 265.]]. قال المفسرون: ومعنى الآية: أن الله تعالى لما احتج عليهم [في إثبات توحيده احتج عليهم] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]] -أيضا- في إثبات نبوة محمد صلى الله عليه وسلم بما قطع عذرهم، فقال: وإن كنتم في شك من صدق هذا الكتاب الذي أنزلناه على محمد عليه الصلاة [[(الصلاة) ساقطة من (ب).]] والسلام، وقلتم: لا ندري هل هو من عند الله أم لا، ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾، أي من مثل القرآن [[ذكر نحوه "الطبري" عن قتادة ومجاهد، وذكر قولاً آخر، وهو: (من مثله) من مثل محمد من البشر، لأن محمداً بشراً مثلكم، ورجح القول الأول "الطبري" 1/ 165. وانظر "معاني القرآن" للزجاج 1/ 66، والثعلبي 1/ 57 أ، وذكر أبو الليث أن الخطاب في قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ﴾ لليهود، و (من مثله): من التوراة. (تفسير أبي الليث) 1/ 102، انظر: "القرطبي" 1/ 200.]]. والكناية [[في (ب): (فالكناية).]] في (مثله) تعود إلى (ما) قوله: ﴿مِمَّا نَزَّلْنَا﴾ [[وعلى القول الثاني: تعود على (عبدنا) ذكره ابن الأنباري في (البيان في غريب إعراب القرآن) 1/ 64. وقال "القرطبي": (وقيل: يعود على التوراة والإنجيل). انظر "القرطبي" 1/ 200.]]. ودليل هذا التأويل قوله: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾ [الطور: 34]. وقوله تعالى: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ [[في (أ) و (ج): ﴿مِنْ مِثْلِهِ﴾ تصحيف في الآية. والآية: 38، من سورة يونس.]]، وقوله: ﴿لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ [الإسراء: 88] كل ذلك يريد به مثل القرآن، ومعناه: فأتوا بسورة مثل ما أتى به محمد في الإعجاز وحسن النظم والإخبار عما كان وما يكون، على جهة الابتداء دون الاحتذاء، وتعلم الكتب ودراسة الأخبار. و (من) يكون للتبعيض [[انظر: "تفسير ابن عطية" 1/ 202.]] على هذا القول، لأن التحدي في هذه الآية وقع ببعض القرآن، وهو السورة. ويحتمل أن تكون للتجنيس [[انظر: "تفسير ابن عطية" 1/ 202، "زاد المسير" 1/ 50، "الدر المصون" 1/ 200.]]، أي: من جنس هذا الكتاب كقوله: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾. [الحج:30] وقيل: (من) هنا صلة [[في (ج): (من ههنا زائدة صلة). القول إنها صلة ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 57 أ، وبعضهم يسميها (زائدة) قاله ابن الأنباري ونسبه للأخفش، انظر "البيان" 1/ 64، "تفسير ابن عطية" 1/ 202، "إملاء ما من به الرحمن" 1/ 24. وفيه وجه آخر: أن تكون لابتداء الغاية، إذا كان الضمير يعود على النبي ﷺ، انظر "إملاء ما من به الرحمن" 1/ 24، "الدر المصون" 1/ 200.]]، معناه [[في (ب): (معناها).]]: فأتوا بسورة مثل القرآن، كقوله: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور: 30] أي: أبصارهم، وقال النابغة: وَمَا أُحَاشِي مِنَ الأقْوَامِ مِنْ أَحَدٍ [[البيت للنابغة من المعلقة التي يمدح بها النعمان، ويعتذر إليه، وصدره: ولا أَرى فَاعِلاً في النَّاس يُشْبِهُهُ يقول: لا أرى فاعلاً يفعل الخير يشبهه، والضمير للنعمان، وما أحاشي من أحد أي: لا أستثني أحداً. و (من) زائدة، وهذا وجه الاستشهاد عند الواحدي. وقد ورد في بعض المصادر (ولا أحاشي) ورد البيت في "الديوان": ص 12، و"جمل الزجاجي": ص 233، "الإنصاف" 1/ 241، "مغني اللبيب" 1/ 121، "شرح المفصل" 2/ 85، 8/ 48 - 49، "الخزانة" 3/ 403، "همع الهوامع" 3/ 288، شاهد رقم (918).]] أي: أحداً. قال النحويون: (مِنْ)، يكون على أربعة أوجه: أحدها: ابتداء الغاية، وهو أصلها [[قال ابن هشام: (هو أصلها، حتى ادعى جماعة أن سائر معانيها راجعة إليه)، "مغني اللبيب" 1/ 318.]]، كقولك: سرت [[في (ب): (سرق).]] من الكوفة إلى البصرة. والثاني: التبعيض، كقولك: خذ من الثياب ثوباً. والثالث: التجنيس، كقوله: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ [الحج: 30]. والرابع: الزيادة، كقولك: ما أتاني من أحد [[سبق أن ذكر الواحدي لـ (من) خمسة معان نقلها عن "تهذيب اللغة"، وانظر "التهذيب" (من) 4/ 3453، وقد ذكر الهروي المعاني الأربعة التي ذكرها الواحدي. انظر "الأزهية في علم الحروف": ص 224 - 225، وذكر بعض هذِه المعاني ابن الأنباري في (الأضداد): ص 152، أما ابن هشام في "مغني اللبيب" فذكر لـ (من) خمسة عشر وجها 1/ 318.]] وهاهنا فصل يحاج إليه في كثير من المواضع، وذكرته هاهنا [[هذا الفصل منقول بنصه من "سر صناعة الإعراب" لابن جني. قال: (اعلم أن الحروف لا يليق بها الزيادة ولا الحذف .. إلخ) 1/ 269.]]، وهو (أن الحروف عند النحويين لا يليق بها الزيادة ولا الحذف، وأن أعدل أحوالها [[في (ب): (أحولها).]] أن تستعمل غير مزيدة ولا محذوفة، فأما [[عند أبي الفتح بن جني (فأما وجه القياس في امتناع حذفها ...) 1/ 269.]] امتناع حذفها، فمن قبل أن الغرض في هذه الحروف إنما هو الاختصار، ألا ترى أنك إذا قلت: (ما قام زيد) فقد نابت (ما) عن (أنفي)، وإذا قلت: (هل قام زيد)؟ نابت (هل) عن (أستفهم) [[في (ج): (استفهام).]]، فوقوع الحرف مقام الفعل وفاعله غاية الاختصار، فلو ذهب [[عند أبي الفتح بن جني (فلو ذهبت تحذف ..) 1/ 269. وهو الأنسب للسياق.]] بحذف الحرف تخفيفا، لأفرطت في الإيجاز، لأن اختصار المختصر إجحاف [[في (ج): (حجازيه).]] به. وأما وجه ضعف زيادتها، فلأن الغرض [[عند أبي الفتح (فمن قبل أن الغرض في الحروف الاختصار ...) "سر صناعة الإعراب" 1/ 269.]] في الحروف الاختصار كما ذكرنا [[قال أبو الفتح (كما قد منا) "سر صناعة الإعراب" 1/ 269.]]، فلو ذهبت تزيدها لنقضت الغرض الذي قصدته، لأنك كنت تصير من الزيادة إلى ضد ما قصدته من الاختصار [[قال أبو الفتح بعده: (فاعرف هذا، فأن أبا علي حكاه عن الشيخ أبي بكر -يريد ابن سراج - رحمهما الله-، وهو نهاية في معناه، ولولا أن الحرف إذا زيد ... إلخ) "سر صناعة الإعراب" 1/ 270.]]، ولولا [[في (ب): (ولو).]] أن في الحرف إذا زيد ضرباً من التوكيد لما جازت زيادته البتة، كما أنه لولا قوة العلم بمكانه لما جاز حذفه البتة [[عند أبي الفتح: (لما جاز حذفه البتة، فإنما جاز فيه الحذف والزيادة من حيث أريتك، على ما به من ضعف القياس، وإذا كان الأمر كذلك ..) "سر صناعة الإعراب" 1/ 270.]]، وإذا كان الأمر كذلك فقد علمنا من هذا أنا [[عند أبي الفتح (أننا)، 1/ 270.]] متى رأيناهم قد [[في (ب): (فقد).]] زادوا فقد أرادوا غاية التوكيد [[في (ب): (للتوكيد).]]، كما أنا إذا رأيناهم قد حذفوا حرفاً فقد أرادوا غاية الاختصار، ولولا ذلك الذي أجمعوا عليه واعتزموه [[في (ب): (واعترفوه).]]، لما استجازوا زيادة ما الغرض فيه الإيجاز، وحذف [[عند أبي الفتح (ولا حذف) وفي الحاشية (لا) سقطت من (ب، ل، ش) "سر صناعة الإعراب" 1/ 270. لعل الواحدي اعتمد على إحدى هذِه النسخ.]] ما وضعه على نهاية الاختصار) [[انتهى ما نقله من "سر صناعة الإعراب" 1/ 269 - 270.]]. فإن قيل على هذا، فهل للقرآن مثل حتى يقال: ائت بمثله؟. قيل: أما في مقدور الله فنعم، وأما في مقدور البشر فلا، ولذلك [[في (ب): (وكذلك).]] صح أنه معجز والذي وقع به التحدي هو هذا النظم المخصوص والقراءة المعهودة، وهي مخلوقة [[هذا الكلام فيه إيهام وإشكال، حيث إن قوله: (والقراءة المعهودة، وهي مخلوقة) في احتمالان: أحدهما: أن يكون قوله: (والقراءة المعهودة مخلوقة) مستأنف -وهي كالجملة المعترضة- وعلى هذا الاحتمال: إن قصد بالقراءة. المقروء فهو باطل، لأن معناه القول بخلق القرآن، وإن قصد بالقراءة صوت القارئ فقوله: (وهي مخلوقة) صحيح، لكن إطلاق هذِه العبارة بدعة لم يستعملها السلف. وكان يمكن حمل كلام الواحدي على هذا، لولا قوله فيما بعد: (وما كان منظوما مؤلفا فمن الواجب أن يكون له في قدرة الله أمثال (فكأنه أراد الخلق، بينما الكلام صفة لله تعالى، والله يتكلم إذا شاء متى شاء. ثانيهما: أن يكون قوله: (والقراءة المعهودة) معطوف على قوله: (النظم المخصوص) فيكون قوله: (وهي مخلوقة) راجع إلى النظم والقراءة، وهذا على رأي الأشاعرة الذين يقولون بقدم الكلام النفسي، أما القرآن المتلو فهو عندهم حادث مخلوق، ولذلك صرح الإيجي في (المواقف) بأنهم يوافقون المعتزلة في أنه مخلوق قال: (قالت المعتزلة: أصوات وحروف يخلقها الله في غيره كاللوح المحفوظ، أو جبريل أو النبي، وهو حادث ..) ثم قال: (ونحن لا ننكره) وقال: (فاعلم أن ما يقوله المعتزلة وهو خلق الأصوات والحروف وكونها حادثة قائمة فنحن نقول به، ولا نزل بيننا وبينهم في ذلك ...) "المواقف": ص 293 - 294. وجمهور المفسرين وفي مقدمتهم ابن جرير على أن المراد: من مثله في (البيان)، لأنه نزل بلسان عربي مبين، فكلام العرب له مثل في معنى العربية، وأما المعنى الذي باين به القرآن سائر كلام المخلوقين فلا مثل له من ذلك الوجه، ولا == نظير ولا شبيه. انظر: "تفسير الطبري" 1/ 165، "تفسير ابن عطية" 1/ 201 - 202، والنسفي في "تفسيره" 1/ 28، والبيضاوي في "تفسيره" 1/ 15، والخازن "تفسيره"1/ 89 ضمن مجموعة من التفاسير.]]، وما كان منظوماً مؤلفاً، فمن الواجب أن يكون له في قدرة الله أمثال، ولو لم يكن له مثل مقدور، لم يصح التحدي به، ألا ترى أن [التحدي لأن يأتوا بمثل القديم محال. لأنه لا مثل له. ويجوز أن] [[مابين المعقوفين ساقط من (ب).]] يكون [[في (ب): (تكون).]] الكناية في مثله يعود إلى قوله: ﴿عَلَى عَبْدِنَا﴾ وهو النبي ﷺ ومعناه: فأتوا بسورة من رجل أميّ، لا يحسن الخط والكتابة ولم يدرس الكتب [[سبق ذكر هذا القول انظر الهامش: 2/ 241. والقول الأول هو قول جمهور المفسرين. انظر "الطبري" 1/ 165. وابن كثير في "تفسيره" 1/ 63.]]. وقوله تعالى: ﴿وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ﴾. (الشهداء): جمع شهيد والشهيد يجوز أن يكون بمعنى: مشاهد كالجليس والشريب [[في (أ) و (ج): (السريب)، وفي "الوسيط" للواحدي (الشريب) 1/ 59.]] والأكيل والشريك، ويجوز أن يكون بمعنى: شاهد كالعليم [[في (ب): (كالعلم).]] والعالم، والقدير القادر، ويجوز أن يكون بمعنى: مشهود فعيل بمعنى مفعول، والشهود: الحضور، ومنه قوله تعالى ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ﴾ [البقرة: 185] أي حضر، والمشاهد للشيء: الحاضر عنده، وسمي الشاهد شاهداً: لأنه يخبر عما شاهد [[انظر. "تفسير الطبري" 1/ 167. "تهذيب اللغة" (شهد) 2/ 1942. "معجم مقاييس اللغة" (شهد) 3/ 221. "اشتقاق أسماء الله" للزجاجي: ص 132. "مفردات الراغب" ص 268. "اللسان" (شهد) 4/ 2348.]] وسيأتي بيان معنى: الشهيد الذي قتل في سبيل الله، والشهادة على الشيء فيما بعد [[ذكر معنى الشهيد عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [آل عمران: 140]، "البسيط" 1/ ل 209 من "النسخة الأزهرية".]]. فأما التفسير، فقال ابن عباس: (شهداءكم) يعني: أعوانكم وأنصاركم الذين يظاهرونكم على تكذيبكم [[أخرجه ابن جرير بسنده عن ابن عباس في "تفسيره" 1/ 166. وابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 64. وذكره السيوطي في "الدر" 1/ 77. وانظر "زاد المسير" 1/ 51. "تفسير ابن عطية" 1/ 202 - 203.]]. فعل هذا القول (الشهيد) بمعنى: المشاهد [[في (ب): (الشاهد).]]، وسمى أعوانهم شهداء، لأنهم يشاهدونهم عند المعاونة [[انظر "الطبري" في "تفسيره" 1/ 166، "تفسير ابن عطية" 1/ 203، (غريب القرآن) لابن قتيبة: 1/ 26، "زاد المسير" 1/ 51.]]، وهذا القول اختيار أبي إسحاق [[أي: الزجاج.]]، لأنه قال في تفسيره: ادعوا من رجوتم معونته [["معاني القرآن" للزجاج 1/ 66.]]. و (الدعاء) على هذا القول بمعنى: الاستعانة، والعرب كثيراً ما تستعمل (الدعاء) في معنى الاستعانة، وذلك أن الإنسان إذا إستعان بغيره دعاه [[في (ب): (وعاه).]]، فلما كان في الاستعانة يحتاج إلى الدعاء، سمى الاستعانة دعاء [[انظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 57 أ، وأبي الليث في "تفسيره" 1/ 102. "القرطبي" في "تفسيره" 1/ 200. "زاد المسير" 1/ 50.]]. من ذلك قول الشاعر: دَعَوْتُ بني قَيْس إليَّ فَشَمَّرَتْ ... خَنَاذِيذُ مِنْ سَعْدٍ طِوَالُ السَّواعِدِ [[ورد البيت في "ديوان الحماسة" بشرح المرزوقي، وعزاه لبعض بنى فقعس 2/ 498، وورد في "البيان والتبيين"، وقال: قال القيسي، 2/ 11، وفي "الحيوان" وقال: قول بعض القيسيين من قيس بن ثعلبة 1/ 134، ومعنى البيت: يقول استغثت بهؤلاء القوم، فهب رجال لنصرتي كأنهم فحول، و (الخناذيذ): الكرام من الخيل، استعارها للكرام من الرجال.]] أي استعنت بهم. ألا تراه يقول: فَشَمَّرَتْ. وقالت امرأة من طيء: دَعَا دَعْوَةً يَوْمَ الشَّرى يَالَ مَالِكٍ ... ومَنْ لا يُجِبْ عِنْدَ الحَفِيظَة يُكْلَمِ [[ورد البيت في "ديوان الحماسة" بشرح المرزوقي 1/ 211، "معجم ما استعجم من البلدان" 3/ 785، "معجم البلدان" 3/ 330، وكلهم نسبوه لامرأة من طيئ. قيل: هي بنت بهدل بن قرفة الطائي، أحد لصوص العرب في زمن عبد الملك بن مروان. و (الشرى): مكان وقعت فيه الوقعة المذكورة، و (الحفيظة) الخصلة التي يحفظ الإنسان عندها أي يغضب. و (يكلم): يقتل أو يغلب.]] أي استعان بهم فلم ينصروه. وقال الفراء: يريد (آلهتهم)، يقول: استغيثوا بهم، وهو كقولك للرجل: إذا لقيت العدو خاليا فادع المسلمين، معناه استغث [[في (أ) و (ج): (استغيث) وأثبت ما في (ب) لأنه أصوب، ومثله ورد في "معاني القرآن" للفراء.]] بالمسلمين [[في (ب): (بالمسلمين فمعناه). وبهذا انتهى كلام الفراء. انظر: "معاني القرآن" 1/ 19.]]. فالدعاء هاهنا بمعنى الاستغاثة [[وممن قال الدعاء هاهنا بمعنى الاستغاثة: ابن قتيبة في "غريب القرآن": ص 26، وانظر: "الطبري" في "تفسيره" 1/ 167، "زاد المسير" 1/ 49.]] والاستعانة قريب من السواء، وعلى هذا (شهيد) بمعنى مشهود، وآلهتهم كانت مشهودة لهم، لأنهم كانوا يشهدونها ويحضرونها. وروى عن مجاهد والقرظي [[هو محمد بن كعب القرظي، تابعي، ولد في حياة النبي ﷺ كان عالما بالتفسير، سقط عليه سقف المسجد فمات سنة مائة وثمان، وقيل: سنة سبع عشرة، وقيل: سنة عشرين ومائة. انظر "تهذيب التهذيب" 3/ 684، "غاية النهاية في طبقات القراء" 2/ 233.]] في قوله: ﴿وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ﴾ أي: ناسا يشهدون لكم على صدق [[(صدق) ساقط من (ج).]] ما قلتم وما تأتون به من معارضة للقرآن [[ذكره الثعلبي في (تفسيره) 1/ 57 أ، والرواية عن مجاهد أخرجها "الطبري" من عدة طرق 1/ 167، وابن أبي حاتم 1/ 64، وذكرها ابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 51، وابن كثير 1/ 63.]]. فإن قيل: كان يمكنهم أن يعارضوه بما هو دونه في الفصاحة ثم يأتوا بقوم يشهدون لهم بالباطل أنه مثل القرآن. قيل: إن الله سبحانه أعجز الخلق عن الإتيان بمثل القرآن، وصرفهم أيضًا عن [[في (ب): (على).]] الشهادة على ما هو باطل وفاسد بأنه مثل القرآن، ألا ترى أنه لم يوجد منهم هذا [[عبارة الواحدي فيها إيهام حيث قال: (أعجز الخلق عن الإتيان بمثل القرآن ...) ثم عطف عليه وقال: (وصرفهم -أيضاً- عن الشهادة على ما هو باطل)، فقوله (أعجز) إن كان بمعنى: (تحدي) فصحيح، وإن كان بمعنى (منع) فباطل، إذ حقيقة == ذلك القول بالصرفة، وهو قول النظام من المعتزلة حيث قال: إن الله صرف العرب عن معارضته وسلب عقولهم، وكان مقدورا لهم، ولكن عاقهم أمر خارجي، وهذا القول مردود عند جماهير العلماء، انظر: "البرهان" 2/ 93 - 94، "البرهان الكاشف عن إعجاز القرآن": ص 53.]]، ولو أمكنهم ذلك [[(ذلك) ساقط من (ج).]] لفعلوا، ولا ترى للقرآن معارضة بوجه سواء كان فصيحاً أو ركيكاً، إلا شهد المخالف والموافق [[(الموافق) ساقط من (ب).]] بركاكته. وعلى هذا القول [[أي قول المجاهد: ادعوا ناسا يشهدون لكم. وقد ضعف ابن جرير هذا القول، وقال. لا وجه له، وقال: إن القوم كانوا على عهد رسول الله ﷺ ثلاثة أصناف، أهل إيمان صحيح، وأهل كفر صحيح، وأهل نفاق، فأهل الإيمان من المحال أن يدعي الكفار أنهم لهم شهداء، فمن أي الفريقين يكون شهداؤهم؟ انظر. "تفسير الطبري" 1/ 167.]] (شهيد) بمعنى: شاهد. وقوله تعالى: ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. (دون) يرد في الكلام على معان كثيرة [[ذكر هذِه (المعاني) مفصلة الأزهري حيث قال: لـ (دون) تسعة معان، ثم أخذ في شرحها كما نقل المؤلف هنا، انظر: "التهذيب" 2/ 1249، وانظر: "البرهان" 4/ 275، "الإتقان" 2/ 235، "اللسان" (دون) 3/ 1460. قال السمين الحلبيّ: (دون) من ظروف الأمكنة، ولا تتصرف على المشهور إلا بالجر بـ (من)، وزعم الأخفش أنها متصرفة .. وهو من الأسماء اللازمة للإضافة ... وأما (دون) التي بمعنى رديء فتلك صفة كسائر الصفات .. وليست مما نحن فيه. "الدر المصون" 1/ 202.]]، يكون بمعنى: (قبل) كقولك: دون النهر قتال. ودون قتل الأسد أهوال، وقمت دون فلان، إذا نضحت عنه [["تهذيب اللغة" (دون) 2/ 1249.]]، ومنه قول الحارثي [[في (ج): (الحاوي). والحارثي هو جعفر بن علبة، بضم العين، ينتهي نسبه إلى كعب ابن الحارث، شاعر غزل مقل، عاش في الدولة الأموية وأدرك العباسية. انظر: "الخزانة" 10/ 310.]]: ......... وأنَّى تَخَلَّصَتْ ... إليَّ وبابُ السَّجْنِ دُونِيَ مُغْلَقُ [[البيت من قصيدة لجعفر بن علبة وصدره: عَجِبْتُ لمسْرَاها وأنَّى تَخَلَّصَتْ يقول: عجبت من سير هذا الخيال إلي مع أن باب السجن موثق بيني وبينها. أورد القصيدة أبو تمام في "ديوان الحماسة" 1/ 51 - 52، بشرح المرزوقي، والبغدادي في "الخزانة" 10/ 307.]] ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: "المقتول دون ماله شهيد" [[أخرجه البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمرو "من قتل دون ماله فهو شهيد" البخاري في كتاب المظالم، باب من قتل دون ماله، حديث رقم (2480). ومسلم (141) كتاب الإيمان، باب: هدر دم من قصد أخذ مال غيره بغير حق. وأخرجه أحمد في "مسنده" 2/ 221 - 223. مع بعض الاختلاف في لفظه، وأبو داود عن سعيد بن زيد بنحو لفظ البخاري ومسلم، (4772) كتاب السنة، باب قتال اللصوص، والترمذي عن سعيد بن زيد وعبد الله بن عمرو (1419) (أبواب الديات)، باب ما جاء فيمن قتل دون ماله فهو شهيد، والنسائي عن عبد الله بن عمرو في كتاب تحريم الدم، باب من قتل دون ماله 7/ 114، وابن ماجه عن سعيد بن زيد وعن عبد الله بن عمرو، وأبي هريرة بلفظ آخر، في (2580) كتاب الحدود، باب من قتل دون ماله فهو شهيد).]]. ويكون (دون) بمعنى: (وراء)، كقولك: (هو أمير على ما دون جَيْحُون) [[(جيحون) نهر عظيم في خراسان. انظر: "معجم البلدان" 2/ 196.]]، أي على ما وراءه [["التهذيب" 2/ 1249، "اللسان" 3/ 1460.]]. ويكون بمعنى: (تحت)، يقال: هو دونه، أي تحته [["تهذيب اللغة" 2/ 1249. "اللسان" 3/ 1460.]]. ويكون بمعنى: (غير)، يقال: هذا دون ما ذكرت، أي غيره، قال الله تعالى ﴿وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ﴾ [الأنبياء: 82] يريد غير الغوص من البناء وغيره، والذي في هذه الآية بمعنى: غير [[في "تهذيب اللغة": عن الفراء: (.... ودون ذلك الغوص يريد سوى الغوص، من البناء ..)، (التهذيب) 2/ 1249، انظر "اللسان" 3/ 1460.]]. ويكون (دون) بمعنى: (خذ) وهو بمعنى الإغراء، يقال: دونك زيدا، أي خذه [["تهذيب اللغة" تكون بمعنى الأمر دونك الدرهم أن خذه وفي الإغراء دونك زيداً أي الزم زيدًا في حفظه.]]، قال الشاعر: يَا أيَّها المَائِحُ دَلْوِي دُوَنكَا [[سبق البيت وتخريجه: الفاتحة: 2، والشاهد فيه هنا: أنه استعمل (دون) بمعنى خذ، أي خذ دلوي، انظر: "مغني اللبيب" 2/ 618،609، "الخزانة" 6/ 200.]] ويكون بمعنى: (الوعيد)، كقولك: دونك فتمرس بي [[في "التهذيب": (الوعيد كقولك: دونك صراعي، ودونك فتمرس بي)، 2/ 1249، "اللسان" دون 3/ 1460.]]. قال الشاعر: فَدُوَنُكما فَمَا قَيْسٌ بِشَحْمٍ ... لمُخْتَلِس وَلاَ فقعٍ بِقَاع [[لم أعثر عليه، ولم أعرف قائله.]] ويكون (دون) بمعنى: (القريب)، يقال: اُدن دونك، أي اقترب [[ذكره الأزهري عن شمر عن أبن الأعرابي، "تهذيب اللغة" 2/ 1249، وانظر "اللسان" 3/ 1460.]]، قال زهير بن جناب [[في (ب): (حباب)، وفي "تهذيب اللغة" (خباب) 2/ 1249، ومثله في "اللسان" == 3/ 1460. وهو زهير بن جناب الكلبي شاعر جاهلي قديم، من المعمرين، انظر ترجمته في: "الشعراء والشعراء" 17/ 240. "طبقات الشعراء" للجمحي: ص 37.]]: وَإِنْ عِفْتَ هذا فَادْنُ دُوَنكَ إنَّني ... قَلِيلُ الغِرَارِ والشَّرِيجُ شِعَارِي [[ورد البيت في "تهذيب اللغة" (دون) 2/ 1249، "اللسان" (دون) 3/ 1460، وقوله: (الغرار): النوم، و (الشريج): القوس.]] (الشريج) القوس، وقول الأعشى: يَزِيدُ يَغُضُّ الطَّرْفَ دُونِي ... [[البيت من قصيدة للأعشى يهجو يزيد بن مسهر الشيباني، والبيت: يزيد يغض الطرف دوني كأنما ... زوى بين عينيه عليّ المحاجم انظر. "ديوانه": ص 178، "تهذيب اللغة" (دون) 2/ 1249، "اللسان" (دون) 3/ 1460.]] قال أبو الهيثم: أي: فيما بيني وبينه من المكان، يقال: اُدن دونك، أي: اقترب مني فيما بيني وبينك [["تهذيب اللغة" (دون) 2/ 1249، "اللسان" 3/ 1460.]]. ويكون (دون) بمعنى: (الخسيس) من قولهم: رجل دون، أي خسيس، ولم يصرّف فعله [[ذكر الأزهري نحوه عن الفراء وعن الأصمعي، "تهذيب اللغة" (دون) 2/ 1249، وانظر: "اللسان" 3/ 1460.]]. ويكون بمعنى: (أقل من ذا) [[ذكره الأزهري عن سلمة عن الفراء، "تهذيب اللغة" 2/ 1249، "اللسان" 3/ 1460.]]، كقولك: يكفيني [[في (ب): (يلقني).]] دون هذا. فأما قوله في هذه الآية: ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي غير الله [[انظر: "الطبري" 1/ 167، "القرطبي" 1/ 200، "الدر المصون" 1/ 201.]]، كما يقال: ما دون الله مخلوق، يريد: وادعوا من اتخذتموه معاونين من غير الله على تفسير ابن عباس [[وهو أن المراد بـ (شهدائكم) أنصاركم وأعوانكم الذين يظاهرونكم على تكذيبكم كما سبق: 2/ 247.]]. وعلى قول الفراء [[قول الفراء: (شهدائكم) آلهتكم سبق في 2/ 248، وانظر: "معاني القرآن" 1/ 19، "الدر المصون" 1/ 201.]] يقول: ادعوا من اتخذتم إلها من دونه. وعلى [[الواو ساقطة من (أ) و (ج)، وانظر قول القرظي ومجاهد: 2/ 249.]] قول القرظي ومجاهد، يقول: ادعوا من يشهد لكم دون الله، فإن الله تعالى لا يشهد [[في (ج): (لا شهد).]] لكم بالصدق، كما يشهد لمحمد، فاطلبوا غيره شهداء إن كنتم صادقين في أن هذا الكتاب يقوله محمد من نفسه، وأنه ليس من عند الله، وفي قولكم: لو أردنا لأتينا بمثله [[انظر: "تفسير الثعلبي"1/ 57 أ، و"تفسير الطبري" 1/ 167، "الدر المصون" 1/ 201.]]. وقال أبو علي الجرجاني [[هو أبو علي الجرجاني صاحب "نظم القرآن"، وكتابه مفقود.]]: نظم الآية: فأتوا بسورة من مثله من دون الله وادعوا شهداءكم، أي من مثل القرآن من غير الله، يريد أن محمدا يأتي بالقرآن من عند الله، فأتوا أنتم إن استطعتم بمثل القرآن من غير الله. قال. ومثل هذا قوله: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [[قوله: ﴿وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ﴾ ساقط من (ب).]] [هود: 13]، ونظمه: فأتوا بعشر سور مثله مفتريات من دون الله، وادعوا من استطعتم من الناس، معنى (ادعوا): استعينوا.

البقرة 2:24

قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ الآية. (لم) حرف يجزم الفعل المضارع، ويقع بعدها بمعنى الماضي، كما يقع الماضي بعد حرف [[في (ج): (حروف).]] الجزاء بمعنى الاستقبال، ولهذه المشابهة بينها وبين حروف الجزاء اختير الجزم بـ (لم) [[ذهب الزجاج إلى أنها جزمت الفعل بعدها، لأنها نقلته من المستقبل إلى الماضي، ولأن ما بعدها خرج من تأويل الاسم. انظر "معاني القرآن" 1/ 66 - 67، ونحوه قال الليث فيما نقل عنه الأزهري في "تهذيب اللغة" (لم) 4/ 3294، وكذا الرماني في "معاني الحروف": ص 100. وقد رد أبو علي الفارسي قول الزجاج وأطال في بيان عدم صحته. انظر. "الإغفال". ص 95 - 101.]] وإنما جزمت حروف الشرط والجزاء، لأنها تقتضي جملتين كقولك: (إن تضرب أضرب) فلطول ما يقتضيه الشرط والجزاء [[(الجزاء) ساقط (ب).]] اختير الجزم، لأنه حذف وتخفيف. وأما (لن) [[في (ب): (لم).]] فهي حرف قائم بنفسه، وضع لنفس الفعل المستقبل، ونصبه للفعل كنصب (أن). وليس ما بعد (لن) بصلة لها [[فلا تؤول معه بمصدر كما تؤول (أن) وما بعدها بمصدر.]]، لأن (لن يفعل) [[(لن) ساقطة من (ب).]] نفى سيفعل، وتُعْمِل ما بعدها فيما [[في (ب): (فما).]] قبلها، كقولك: (زيدا لن أضرب) [[ذكره الزجاج في "معاني القرآن" 1/ 134 - 135، وانظر: "تهذيب اللغة" (لن) 4/ 3303، "معاني الحروف" للرماني: ص 100، "البحر المحيط" 1/ 102، "الدر المصون" 1/ 203.]]. وروى سيبويه عن بعض أصحاب الخليل عنه أنه [[كذا قال الزجاج في "معاني القرآن" 1/ 134، وفي "الكتاب" (أما الخليل فزعم أنها (لا أن (..)، 3/ 5، وانظر: "المسائل الحلبيات": ص 45، "معاني الحروف" للرماني: ص 100، "تهذيب اللغة" (لن) 4/ 3303.]] قال: الأصل في (لن) [[في (ب): (أن).]]، (لا أن) ولكنها حذفت تخفيفا [[حذفت الهمزة استخفافا، ثم حذفت الألف من (لا) لالتقاء الساكنين فصارت الكلمة على حرفين، "المسائل الحلبيات": ص 45.]]. وزعم سيبويه أن هذا ليس بجيد، ولو كان كذلك لم يجز (زيدا لن أضرب) لأن ما بعد (أن) لا يعمل فيما قبلها، لأن ذلك يؤدي إلى تقديم الصلة على الموصول [[انظر رد سيبويه على الخليل في "الكتاب" 3/ 5، وانظر "معاني القرآن" الزجاج 1/ 134 - 135، "المسائل الحلبيات": ص 45، "معاني الحروف" للرماني: ص100، والرأي المشهور فيها كما عند سيبويه وغيره أنها حرف بسيط ثنائي غير مركب، انظر: "البحر" 1/ 102، "الدر المصون" 1/ 204.]]. وللخليل أن ينفصل من هذا بأن يقول: الحروف إذا ركبت خرجت عما كانت عليه، ألا ترى أن (هل) أصلها الاستفهام، ولا يجوز أن يعمل ما بعدها فيما قبلها، لو قلت [[(قلت) ساقطة من (ب).]]: (زيدا هل ضربت) لم يجز، فإذا زِيدَ [[(فإذا زيد) ساقط من (ب).]] على (هل) (لا)، ودخلها [[في (ب): (ولا دخلها).]] معنى التحضيض، جاز أن يتقدم ما بعدها عليها، كقولك: (زيدا هلا ضربت) [[ذكر هذا الدفاع عن قول الخليل الرماني في "معاني الحروف": ص 100، ونحوه قال أبو علي في "المسائل الحلبيات": ص 46.]] إلا أن قول الخليل ضعيف في الجملة من وجه آخر، وهو أن اللفظ متى جاء على صيغة [[في (ب): (صفة).]] ما، وأمكن استعمال معناه لم يجز أن يعدل عن ظاهره [[في (ب): (ظاهر).]] إلى غيره من غير ضرورة تدعو إلى ذلك، فلما وجدنا (لن) [[في (ب): (إن).]] معناها مفهوم بنفس لفظها، لم يجز أن يدعى أن [[(أن) ساقطة من (ج).]] أصلها شيء آخر من غير حجة قاطعة، ولا ضرورة [[فتكون (لن) حرف نفي بسيط ثنائي غير مركب، ولا يعدل بها عن هذا الأصل إلا بدليل، انظر: "البحر" 1/ 102.]]. ومعنى الآية: فإن لم تفعلوا فيما مضى، ولن تفعلوا فيما يستقبل أبدا [[ذكره الثعلبي 1/ 57ب، وانظر: "تفسير الطبري" 1/ 167، "تفسير أبي الليث" 1/ 103، "تفسير ابن عطية" 1/ 203، "زاد المسير" 1/ 51، "تفسير القرطبي" 1/ 201.]]. وقوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ كلام [[في (ب): (الكلام).]] معترض بين الشرط والجواب [[انظر: "الكشاف" 1/ 247، "البحر" 1/ 107، "الدر المصون" 1/ 203.]]. وقد يقع الاعتراض بين الشرط والجواب كهذا، وبين المبتدأ والخبر كقولك: (زيد فافهم ما أقول رجل صدق) وبين اسم (إن) وخبرها، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ﴾ الآية [الكهف: 30]. فقوله: (إنا لا نضيع) اعتراض، والخبر: (أولئك). وقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ﴾. أي: فاحذروا أن تصلوا النار بتكذيبكم، وإنما قيل لهم هذا بعد أن ثبتت الحجة عليهم في التوحيد وصدق محمد ﷺ [[انظر: "الطبري" 1/ 168.]]. و (الفاء) في قوله: ﴿فَإِنْ لَمْ﴾ للعطف، وفي قوله: ﴿فَاَتَّقُواْ﴾ للإتباع دون العطف [[ذكر أبو الفتح بن جني أن الفاء إذا وقعت في أوائل الكلم، وهي ليست من أصل الكلمة، فإنها على ثلاثة أضرب: ضرب تكون للعطف والإتباع جميعًا، وضرب تكون فيه للإتباع مجردا من العطف، وضرب تكون فيه زائدة، انظر "سر صناعة الإعراب" 2/ 251. وتكون للإتباع دون العطف إذا وقعت في جواب الشرط، كما في قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا﴾، انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 149، "الدر المصون" 1/ 203.]]. وإنما [[الكلام عن الفاء إذا وقعت في جواب الشرط، نقله الواحدي عن كتاب "سر صناعة الإعراب" لأبي الفتح بن جني، قال أبو الفتح: (... وإنما اختاروا الفاء هنا من قبل أن الجزاء سبيله أن يقع ثاني الشرط ... فإن قيل: وما كانت الحاجة إلى الفاء في جواب الشرط؟ فالجواب: أنه إنما دخلت الفاء في جواب الشرط توصلا إلى (المجازاة ..)، "سر صناعة الإعراب" 1/ 252.]] اختاروا (الفاء) من قبل أن الجزاء سبيله أن يقع ثاني الشرط، وليس في جميع حروف العطف حرف يوجد هذا المعنى فيه سوى (الفاء). فدخلت (الفاء) في جواب الشرط توصلا إلى المجازاة بالجملة المركبة من المبتدأ والخبر، والكلام [[في "سر صناعة الإعراب": (.. أو الكلام ..) وفي هامشه في (ل) و (ش): (والكلام) 1/ 253.]] الذي يجوز أن يبتدأ به نحو: الأمر والنهي [[قوله: (نحو: الأمر والنهي)، ليست عند أبي الفتح 1/ 253.]]، فالجملة [[في (ب): الجملة.]] نحو قولك: (إن تحسن إليّ فالله يكافئك) لولا (الفاء) لم يرتبط أول الكلام بآخره [[اختصار كلام أبي الفتح، انظر "سر صناعة الإعراب" 1/ 253.]]. ومن ذلك قولك [[(قولك) ساقط من (ب).]]: (إن يقم فاضربه) فالجملة التي هي: (اضربه) جملة أمرية، وكذلك: (إن [[في (ب): (إن تفعل).]] يقعد فلا تضربه) جملة [[عند أبي الفتح (فقولك لا تضربه جملة نهيية) 1/ 253.]] نهيية، وكل واحدة [[في (ب): (واحد).]] من الجملتين يجوز أن يبتدأ بهما [[في (ب): (بها) ومثله عند أبي الفتح 1/ 253.]]، فلما كان الابتداء بها يصح وقوعه في الكلام، احتاجوا إلى (الفاء) ليدلوا على أن مثالي الأمر والنهي ليسا على ما يعتد [[عند أبي الفتح: (يعهد).]] في الكلام [[في (ب): (ليسا على ما بعد بما قبلهما في الكلام).]] من وجودهما مبتدأين غير معقودين بما قبلهما [[انتهى نقل الواحدي من أبي الفتح من كتاب "سر صناعة الإعراب" 1/ 252 - 253.]]. وقوله تعالى: ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ﴾. قال ابن السكيت: (الوقود) بالضم، المصدر يقال: وَقَدت النار، تَقِدُ [[في (ج): (يقد) وفي (أ) غير منقوط. وأثبت ما في (ب).]] وُقُوداً [[في (ب): (وقود).]]. ويقال: ما أجود هذا الوَقُود للحطب [[في (ب): (الحطب). "إصلاح المنطق": ص 332، والنص من "تهذيب اللغة" (وقد) 4/ 3929.]]. وقال غيره [[في (التهذيب) (ويقال: وقدت ..)، "التهذيب" 4/ 3929.]]: وَقَدَت النار، تَقد وَقُوداً [[من قوله: (ويقال: ما أجود هذا الوقود ... إلى قوله: تقد وقودا) مكرر في (أ) و (ج).]] وَوُقُوداً، وكأن الوقود اسم وضع موضع المصدر. [فالضم: المصدر] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]]، والفتح [[في (ب) (وانفتح).]]: الاسم، ويجوز أن يكون مصدراً [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج: ص 67، "تهذيب اللغة" 4/ 3929، و"الطبري" 1/ 169، والثعلبي 1/ 57 ب.]]. و (الحجارة) جمع حجر، وليس بقياس، ولكنهم قالوه كما قالوا: جمل وجِمَالة، وذكر وذِكَارة، والقياس أحجار [[ذكر الأزهري نحوه عن الليث. "تهذيب اللغة" (حجر) 1/ 746، "اللسان" (حجر) 2/ 781.]]. وجاء في التفسير أن [[(أن) ساقط من (ب).]] الحجارة هاهنا: حجارة الكبريت، عن ابن عباس وغيره [[أخرجه "الطبري" بسنده عن ابن مسعود وابن عباس وابن جريج 1/ 168 - 169، وذكره ابن أبي حاتم عن مجاهد والسدي وعمرو بن دينار، 1/ 64/ 65، وانظر "معاني القرآن" للفراء 1/ 20، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 67، "تفسير الثعلبي" 1/ 57 ب. ذكر الثعلبي في الحجارة قولا آخر، وهو أن المراد بها: الأصنام، ودليله قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء: 98]، وذكره بعض المفسرين، انظر "الكشاف" 1/ 252، "القرطبي" 1/ 252، "الدر" 1/ 78. قال الزمخشري رادًا على من قال: إنها حجارة الكبريت: (وهو تخصيص بغير دليل، وذهاب عما هو المعنى == الصحيح الواقع المشهود له بمعاني التنزيل ...) "الكشاف" 1/ 252، وإليه مال الشنقيطي في "أضواء البيان"1/ 117. أما ابن كثير فمال للقول الأول، وقال في معرض رده على الرازي: (وهذا الذي قاله ليس بقوي، وذلك أن النار إذا أضرمت بحجارة الكبريت كان ذلك أشد لحرها وأقوى لسعيرها، ولاسيما على ما ذكره السلف من أنها حجارة من كبريت معدة لذلك ..) "تفسير ابن كثير" 1/ 64.]]. فهي [[في (ب) و (ج): (وهي).]] أشد لاتقاد النار. وقيل: ذكر الحجارة دليل على عظم تلك النار، لأنها لا تأكل الحجارة إلا كانت فظيعة [[انظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 57 ب، "الكشاف" 1/ 252، والرازي 1/ 122.]]. وقوله: ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ﴾ لا يدل [[في (ج): (لا تدل).]] على أنها غير مخلوقة بأن الناس لم [[في (ج): (لا).]] يدخلوها بعد، لأنها متقدة [[في (أ) و (ج) (متقد)، وأثبت ما في (ب)، لأنه أنسب للسياق.]] بغير الناس، فإذا دخلها الناس صاروا وقودها، وفي قوله: ﴿أُعِدَّتْ﴾ أوضح دلالة على وجودها، لأن المعدوم لا يسمى مُعَدَّا [[ذكره الثعلبي 1/ 57 ب، وهذا منهج أهل السنة وهو: أن الجنة والنار مخلوقتان موجودتان الآن، وذهب بعض المبتدعة من المعتزلة والجهمية إلى أنهما لم تخلقا بعد، وأنهما ستخلقان، انظر. "تفسير ابن عطية" 1/ 204 - 205. "لقرطبي" 1/ 203. وابن كثير 1/ 66. والبيضاوي 1/ 16. "البحر" 1/ 108.]]. وإنما قال: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ وإن [[في (ب): (فإن).]] كان العصاة من المسلمين يدخلونها، لأن الكافرين يخلدون فيها دون المؤمنين، وكأن النار ليست للمؤمنين لقلة كونهم فيها إذا قيس بالخلود [[انظر. "تفسير ابن عطية" 1/ 204 - 205. "القرطبي" 1/ 203. "البحر" 1/ 109.]]. وإنما لم يقل: (أعدت لكم) وإن كان المخاطبون كفارا، لأنه علم أن فيهم من يؤمن. ولما ذكر جزاء الكافرين لتكذيبهم [[قوله: (ذكر جزاء الكافرين لتكذيبهم) مكرر في (أ).]] ذكر جزاء المؤمنين لتصديقهم فقال عز من قائل:

البقرة 2:25

﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ الآية. و (التبشير) إيراد الخبر السارّ الذي يظهر [[في (ب) (يظهر أثر السرور).]] السرور في بشرة المخبر، ثم كثر استعماله حتى صار بمنزلة الإخبار، واستعمل في نقيضه كقوله: ﴿فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [[طرف من آية في آل عمران: 21، والتوبة: 34، والانشقاق: 24.]] إلا أنه [[(إلا أنه) ساقط من (ب).]] فيما يسرّ أكثر [[انظر "تفسير الطبري" 1/ 169، "الزاهر" 2/ 135، "تهذيب اللغة" (بشر) 1/ 338، "تفسير ابن عطية" 1/ 206، "زاد المسير" 1/ 52، "القرطبي" 1/ 204، "مفردات الراغب": ص 47 - 48.]]، ونظيره قول الشاعر: بَكَرَتْ تَلُومُكَ بَعْدَ وَهْنِ في النَّدى ... بَسْلٌ عَلَيْكِ مَلاَمَتِي وِعِتَابِي [[البيت لضَمْرة بن ضَمْرة مع أبيات أخرى قالها يخاطب امرأته لما لامته على البذل، بكرت: عجلت، بعد وهن: بعد النوم، الندى: السخاء، بسل عليك: حرام عليك. ورد البيت في "النوادر" لأبي زيد: ص 143، "أمالي القالي" 2/ 279، "الزاهر" == 1/ 452، "أضداد ابن الأنباري": ص 63، "أضداد السجستاني": ص104، والشاهد فيه هنا: (بكر) أصله من البكور بالصباح ثم استعمل في كل من عجل، كذلك (البشارة)، توسع فيه واستعمل في نقيض الخبر السار.]] بكر: أصله من البكور بالصباح، ثم كثر حتى قيل لكل من عجل (بكر) فكذلك صح أن يقول: بعد وهن. وقال قوم: أصله فيما يسر ويغم سواء، إذا [[(إذا) كذا ورد في جميع النسخ، ولعل الأولى (إذ).]] كان قد [[(قد) ساقطة من (ب).]] يظهر في بشرة الوجه أثر الغم كما يظهر أثر السرور [[انظر "الزاهر" 2/ 135. وقال ابن فارس: وربما حمل عليه غيره من الشر، وأظن ذلك جنسا من التبكيت، فأما إذا أطلق الكلام إطلاقا فالبشارة بالخير والنذارة بغيره، "مقاييس اللغة" (بشر) 1/ 251. وانظر "تفسير ابن عطية" 1/ 206. وانظر "الكشاف" 1/ 254، وقال أبو حيان: (وظاهر كلام الزمخشري أنه لا يكون إلا في الخير ... وهو محجوج بالنقل)، "البحر" 1/ 109.]]. وقوله تعالى: ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ أي: الفعلات أو الأعمال، فالموصوف بها محذوف. قال ابن عباس: عملوا الطاعات فيما بينهم وبين ربهم [[ذكره الثعلبي في "تفسيره" وذكر أقوالا أخرى عن عثمان وعلي ومعاذ بن جبل وسهل ابن عبد الله 1/ 57 ب، 58 أ، وانظر "تفسير أبي الليث" 1/ 103.]]. وقوله تعالى: ﴿أنَّ لَهُمْ﴾ موضع (أن) نصب، معناه: بشرهم بأن لهم فلما سقطت (الباء) وصل الفعل إلى (أن) فنصب [[ذكر الزجاج في "معاني القرآن"1/ 68. وفيه (فنصبت) وذكر قولا آخر وهو أنه يجوز أن، تكون (أن) في موضع خفض، إن سقطت الباء. انظر "تفسير ابن عطية" 1/ 207، "القرطبي" 1/ 205، "البحر" 1/ 112.]]. وقوله تعالى: ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾. (جنات) [[(جنات) ساقطة من (ب).]] جمع جنة، وهي الحديقة ذات الشجر، سميت جنة لكثرة شجرها ونباتها [[انظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 58 أ، "تفسير ابن عطية" 1/ 207، "القرطبي" 1/ 205.]]. يقال: جنت الرياض جنوناً، إذا اعتمّ نبتها حتى غطى الأرض [["تهذيب اللغة" (جن) 1/ 673، وانظر "الصحاح" (جنن) 5/ 2093، "اللسان" (جنن) 2/ 701.]]، قال [[(وقال) مكانها بياض في (أ) وساقط من (ج).]]: وَجْنَّ الخَازِبازِ بِه جُنُونَا [[البيت لابن أحمر وصدره: تَفَقَّأ فَوْقَه القَلَعُ السَّوَارِي ويروى (تَفَقَّع) و (تكسر فوقها) وهو يصف روضة، و (القلع): السحاب، ورد البيت في "تهذيب اللغة" (خزب) 1/ 1020، و (فقأ) 3/ 2811، و (جن) 1/ 673، (الآن) 1/ 98، وفي "الصحاح" (جن) 5/ 2093، وفي "مجمع الأمثال" للميداني 1/ 438، وفي "اللسان" (جنن) 2/ 705، و (قلع) 6/ 3724.]] جعل بعضهم (الخَازِبَازِ) نبتاً، وجنونه التفافه [[وقال بعضهم: هو (ذباب) وجنونه كثرة ترنمه في طيرانه. انظر: "تهذيب اللغة" (جن) 1/ 673، "الصحاح" (جنن) 5/ 2093.]]. ويقال لكل ما ستر: قد جنّ وأجنّ، ومنه جنون الليل، والجَنَانُ والجَنِينُ والْجَنَنُ [[(الجَنَان): روعُ القلب، و (الجنين): الولد في الرحم، و (الجنَنُ): القبر، انظر "تهذيب اللغة" (جن) 1/ 673.]]. وقوله تعالى: ﴿مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ أي: من تحت أشجارها ومساكنها [[انظر: "الطبري" 1/ 170، والثعلبي1/ 58 أ، وابن عطية 1/ 207، "زاد المسير" 1/ 52.]]، والنهر لا يجري [[في (أ)، (ب): (تجري).]]، وإنما يجري الماء فيه، ويستعمل الجري فيه توسعاً، لأنه موضع الجري [[انظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 58 أ، وابن عطية 1/ 207 - 208، "القرطبي" 1/ 205.]]. وجاء في الحديث: "أنهار الجنة تجري في غير أخدود" [[بهذا اللفظ ذكره الثعلبي قال: جاء في الحديث: "أنهار الجنة تجري في غير أخدود" "تفسير الثعلبي" 1/ 58 أ. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" موقوفاً على مسروق ولفظه. "أنهار الجنة في غير أخدود .. "، مصنف ابن أبي شيبة، كتاب "الجنة" 7/ 53 - 54، وكذا أخرجه "الطبري" موقوفاً على مسروق ولفظه: (... وماؤها يجري في غير أخدود) 1/ 170، وذكره. "القرطبي" قال: (روي أن أنهار الجنة ليست في أخاديد) "تفسير القرطبي" 1/ 206. وقال ابن كثير 1/ 67: جاء في الحديث أن أنهارها تجري في غير أخدود. وذكره السيوطي في "الدر" عن مسروق، وعزاه لابن المبارك، وابن أبي شيبة، وهناد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ، والبيهقي في "البعث"، "الدر" 1/ 82.]] وعلى هذا فالجري في النهر على ظاهره. وقوله تعالى: ﴿كُلَّمَا﴾. (كل) [[(كل) ساقط من (ب).]]: حرف جملة، ضم إلى (ما) الجزاء، فصار أداة للتكرار، وهي منصوبة على الظرف [[أنظر: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 151، "إملاء ما من به الرحمن": ص 23، "البيان في غريب إعراب القرآن": ص 62، "الدر المصون" 1/ 179.]]. ﴿رُزِقوُاْ﴾ أي: أطعموا [[انظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 58 أ.]]. ﴿مِن ثَمَرَةٍ﴾ (من) صلة [[في (ب): (طلة).]] أي: ثمرة [[انظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 58 أ.]]. ويجوز أن يكون للتبعيض، لأنهم إنما يرزقون بعض ثمار الجنة [[المشهور أن (من) في هذا، وفي قوله: (من قبل) لابتداء الغاية، وقيل: للبيان. انظر: "الكشاف" 1/ 260، "البحر" 1/ 114، "الدر المصون" 1/ 215.]]. وقوله تعالى: ﴿قَالُواْ هَذَا اَلَّذِى رُزِقنَا مِن قَبل﴾. [[(قالوا) ساقط (ب).]] لتشابه ما يؤتون به، ولم يريدوا بقولهم: (هذا الذي رزقنا من قبل) نفس ما أكلوه، ولكن أرادوا: هذا من نوع ما رزقنا من قبل [[ذكر ابن جرير في قوله: (هذا الذي رزقنا من قبل) قولين: أحدهما: هذا الذي رزقنا من قبل في الدنيا. ورجح هذا القول، لأن أول رزق في الجنة لم يسبقه شيء. الثاني: هذا الذي رزقنا من ثمار الجنة من قبل هذا. انظر "تفسير الطبري" 1/ 171 - 172، وانظر "القرطبي" 1/ 206، "البحر" 1/ 114.]]، كما يقول الرجل: فلان قد أعد لك الطبيخ والشواء، فيقول: هذا طعامي في منزلي كل يوم، يريد هذا الجنس [[ذكره "الطبري" في جواب سؤال أورده وهو قوله: فإن سألنا سائل، فقال: وكيف قال القوم: هذا الذي رزقنا من قبل، والذي رزقوه من قبل قد عدم بأكلهم إياه؟ وكيت يجوز أن يقول أهل الجنة قولا لا حقيقة له؟ ثم أجاب عنه بنحو ما ذكر الواحدي هنا، "الطبري" 1/ 172.]]. و (قبل) يبنى على الضم في مثل هذا الموضع، لأنها تضمنت معنيين، أحدهما: معناها في ذاتها، وهو السبق [[بنيت على الضم لأنها غاية، انظر "معاني القرآن" للفراء 2/ 320، والزجاج 4/ 176، "تهذيب اللغة" (قبل) 3/ 2875، "تفسير الثعلبي" 1/ 58 أ، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 151، "البحر" 1/ 114.]]. والآخر: معنى ما بعدها، لأن التأويل: هذا الذي رزقنا من قبله، فهو وإن لم يضف ففيه معنى الإضافة [[انظر المراجع السابقة.]]، فلما أدت عن معنيين قويت فحملت أثقل الحركات [[وهي الضمة، وقال الزجاج: وإنما بنيتا على الضم -أي قبل وبعد- لأن إعرابهما في الإضافة النصب والخفض ... فلما عدلا عن بابهما حركا بغير الحركتين اللتين كانتا تدخلان عليهما بحق الإعراب، "معاني القرآن" 4/ 176.]]، وكذلك قوله: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ [الروم: 4]، تأويله: من قبل كل شيء وبعده [[انظر. "معاني القرآن" للفراء 2/ 319، والزجاج 4/ 176، "القرطبي" 1/ 206.]]. وهذا مذهب الفراء [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 2/ 319، 320.]] والمبرد [[انظر: "المقتضب" 3/ 174، 175.]]، واختيار ابن الأنباري، لأنه قال: العرب إذا وجدت الحرف مؤدياً عن معنيين ألزموه الضم، كقولهم [[في (ب): (كقوله).]]: (نحن)، ألزموه الضم [[انظر ما سبق عن (نحن) في قوله: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ [البقرة: 11]: 2/ 158 - 159.]]، لأنه يؤدي معنى التثنية والجمع، وكذلك (قط) يؤدي عن زمانين كقوله: ما رأيته قط، معناه من أول أوقاتي [[في (أ) و (ج): (أوتاتي).]] إلى الساعة، وسمعت أبا الحسن [[أحد شيوخ الواحدي في النحو، وقد تقدمت ترجمته في الكلام عن شيوخه.]] الضرير النحوي -رحمه الله- يقول: إنما بني على الضم دون غيره من الحركات، لأنه لما أعرب [[في (ب): (أعرف).]] عند الإضافة نحو: (قبلك ومن قبلك) بالنصب والخفض لم يبق عند الإفراد والبناء إلا الضم فبني عليه [[وهو قول الزجاج في "معاني القرآن" 4/ 176، والنحاس في "إعراب القرآن" 1/ 151.]]، وهذا معنى قول الزجاج، لأنه يقول: ضم (قبل) لأنها غاية كان يدخلها بحق الإعراب الفتح والكسر، فلما عدلت عن بابها بنيت على ما لم يكن [[(يكن) سقط من (ب).]] يدخلها بحق الإعراب، وانما عدلت لأن أصلها الإضافة فجعلت مفردة تنبئ [[في (ب) و (ج): (تبنى).]] عن الإضافة [[انظر كلام الزجاج في "معاني القرآن" 4/ 176، نقله الواحدي بمعناه.]]. وقوله تعالى: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾. أي بعضها يشبه بعضاً في اللون والصورة مختلفاً في الطعم، وذلك أبلغ في باب الإعجاب وأدل على الحكمة، وهذا قول ابن عباس وابن مسعود وجماعة من الصحابة [[أخرجه "الطبري" بسنده عن طريق السدي عن أبي مالك، وعن أبي صالح عن ابن عباس، وعن مرة عن أبن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي ﷺ وعن الثوري، عن ابن أبي نجيح عن مجاهد 1/ 173، وذكر ابن أبي حاتم نحوه عن أبي العالية ومجاهد والضحاك والربيع بن أنس والسدي 1/ 67، وذكره الثعلبي عن ابن عباس ومجاهد والسدي 1/ 58 ب، وانظر: "الدر" 1/ 83، ابن كثير 1/ 67، "زاد المسير" 1/ 53، وأخرج ابن جرير عن مجاهد: (متشابهاً) في اللون والطعم 1/ 173.]]. وقال الحسن وقتادة وابن جريج: متشابها في الفضل، خيار كله لا رذال [[عند "الطبري" (لا رذل) 1/ 172.]] فيه [[أخرجه "الطبري" بسنده عن الحسن وقتادة وابن جريج، 1/ 172 - 173. وابن أبي حاتم عن قتادة 1/ 67، والثعلبي عن الحسن وقتادة 1/ 58 ب، وانظر (الدر) 1/ 83، "زاد المسير" 1/ 53، والبغوي 1/ 74.]]. كما يؤتى الرجل بأثواب ليختار منها، فإذا قلبها [[في (ب): (قبلها).]] قال: لا أدري أيها آخذ لأن كلها حسن مختار [[ذكره ابن الأنباري مع البيت في "الأضداد": ص 387.]]، كما قال الشاعر: مَنْ تَلْقَ مِنْهُمْ تقل [[في (ب) (تقول).]] لاقيت سيدهم ... مثل النجوم التي يسري بها الساري [[ذكره المبرد في "الكامل" مع أبيات أخرى، ونسبه لعبيد بن العرندس يصف قوما نزل بهم ضيفاً، "الكامل" 1/ 78، 79. وأنشده ابن الأنباري في "الأضداد": ص 387، وهو في شواهد "الكشاف"، ونسبه لعبيد بن الأبرص قال: وقيل: العرندس: ص 57، والصحيح: العرندس كما قال المبرد، وليس في ديوان عبيد بن الأبرص.]] أي هم متشابهون في الفضل [["الأضداد" لابن الأنباري: ص 387.]]. قال ابن الأنباري: وقول ابن عباس أدل على حكمة الله عز وجل ونفاذ قدرته، لأنا إذا وجدنا رُمَّاناً يؤدي عن [[في (ب): (من).]] طعم الكمثرى والتفاح والسفرجل كان أبدع وأغرب من أن لا يؤدي إلا عن طعمه المعروف له [[(الأضداد) لابن الأنباري. ص 386، وانظر "معاني القرآن" للزجاج 1/ 68، "زاد المسير" 1/ 53.]]. وقال بعض أهل المعاني: في الآية تقديم وتأخير في المعنى أي: وأتوا به متشابها قالوا: هذا الذي رزقنا من قبل [[لم أجد من قال به فيما اطلعت عليه.]]. وقوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾. (الأزواج) جمع زوج وزوجة، وشكل كل شيء: زوجه [[انظر: "تفسير الطبري" 1/ 175، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 69، (الأضداد) لابن الأنباري: ص 374، "تهذيب اللغة" (زاج) 2/ 1574.]]. وقوله تعالى: ﴿مُطَهَّرُةٌ﴾ أي: من كل أذى وقذر ممّا [[من (ب)، وفي غيرها: (مما).]] في نساء الدنيا [[ذكر ابن جرير عن عدد من الصحابة ومن بعدهم 1/ 175 - 176. وانظر "معاني القرآن" للزجاج 1/ 69، (تفسير أبي الليث) 1/ 104، "تفسير الثعلبي" 1/ 58 ب، وابن عطية 1/ 210.]]. وقيل: عن مساوئ الأخلاق [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 69، "تفسير أبي الليث" 1/ 104، والثعلبي 1/ 58 ب، "الكشاف" 1/ 262.]]، لما فيهمنّ من حسن التبعل، ودل على هذا قوله: ﴿فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا (36) عُرُبًا أَتْرَابًا (37)﴾ [الواقعة:36 - 37]. وقيل: من آفات الشيب والهرم [[والأولى أن يراد بها ما يعم كل طهارة، كما قال الزجاج: إن (مطهرة) أبلغ من (طاهرة) لأن (مطهرة) للتكثير 1/ 69. وانظر: "تفسير ابن عطية" 1/ 210.]]. ويقال: إنه أراد زوجاتهم من الآدميات، ويقال: أراد من الحور العين [[انظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 58 ب.]]. ﴿وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ لأن تمام النعمة بالخلود والبقاء فيها، كما أن التنغيص [[في (ب): (التبعيض).]] بالزوال والفناء [[انظر: "تفسير ابن كثير" 1/ 68.]].

البقرة 2:26

قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي﴾ الآية. قال ابن عباس في رواية أبي صالح: لما ضرب الله سبحانه هذين المثلين للمنافقين قالوا: الله أجل وأعلى من [[(من) ساقط من (ب).]] أن يضرب الأمثال فأنزل الله هذه الآية [[ذكره الواحدي في "أسباب النزول": ص 26، وأخرجه "الطبري" بسنده عن ابن عباس == ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي ﷺ 1/ 177، وأخرجه أبن أبي حاتم عن السدي 1/ 68، وذكره ابن كثير 1/ 68، وذكره السيوطي في "الدر" عن ابن مسعود وناس من الصحابة 1/ 88.]]. وقال [[(الواو) ساقطة من (ب).]] الحسن وقتادة: لما ذكر الله الذباب والعنكبوت في كتابه، وضرب للمشركين به المثل ضحكت اليهود وقالوا: ما يشبه هذا كلام الله، فأنزل الله هذه الآية [[ذكره الواحدي في "أسباب النزول": ص 26 - 27، وذكره ابن قتيبة في "تفسير غريب القرآن": ص 44 ولم ينسبه، وكذا الثعلبي بنحوه 1/ 59 أ. وأخرج ابن جرير عن قتادة وفيه: قال المشركون: ما بال العنكبوت والذباب يذكران ... إلخ، 1/ 177 - 178، ونحوه عند ابن أبي حاتم، وقال: روي نحوه عن الحسن 1/ 69. قال السيوطي في "لباب النقول" بعد أن ذكر قول قتادة: (وذكر المشركين لا يلائم كون الآية مدنية، وما أوردناه عن قتادة والحسن حكاه عنهما الواحدي بلا إسناد بلفظ: (قالت اليهود) وهو أنسب، "لباب النقول": ص 13، وانظر: ابن كثير 1/ 68، "زاد المسير" 1/ 54، "الكشاف" 1/ 236، "البحر" 1/ 120.]] قال أهل المعاني: قوله ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي﴾ خرج على لفظهم [[أي: لفظ اليهود أو المشركين الذين قالوا ذلك.]]، حيث قالوا: إن الله يستحي [[في (ب): (لا يستحيي).]] أن يضرب المثل بالذباب والعنكبوت [[ذكره الزمخشري في "الكشاف"، وجعله من باب (القابلة) "الكشاف" 1/ 236، " البحر" 1/ 121، 122.]]، كقوله: ﴿فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ﴾ [هود: 13] لما قالوا: إنه سحر مفترى [[ورد هذا فيما حكاه الله من رد قوم موسى في قوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى﴾ [القصص:36].]]. وقال بعضهم: معنى [[(معنى) ساقط من (ب).]] قوله: ﴿لَا يَسْتَحْيِي﴾ هو أن الذي يستحيا منه ما يكون قبيحا في نفسه، ويكون لفعله عيب في فعله فأخبر الله سبحانه أن ضرب المثل منه ببعوضة فما فوقها ليس بقبيح ولا نقص ولا عيب، حتى يستحيا منه، فوضع: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَستَحِى أَن يَضرِبَ مَثَلاً﴾ موضع ذلك، كأنه قيل: إن ما يضربه الله من المثل بالبعوض [[في (أ) و (ج): (بالتعرض) وما في (ب) هو الصحيح.]] لا يستحيا منه [[انظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 59 أ.]]، لأن حقيقة الاستحياء في وصفه لا يجوز، لأنه يخاف عيبا، ويستحيل في وصفه أن يحذر نقصًا [[ومن أجل هذا أول معنى الآية، وجميع الوجوه التي أوردها في تفسير الآية تأويل، وهذا وافق نهج المتكلمين في باب الصفات، الذين يستعملون تلك المقدمات العقلية لنفي بعض الصفات. أما السلف فإنهم يعتصمون بالنص في الإثبات والنفي، فما أثبته الله لنفسه أو أثبته له رسوله أثبتوه وما نفاه الله عن نفسه أو نفاه عنه رسوله نفوه. انظر: "شرح العقيدة الطحاوية": ص 178، "الرسالة التدمرية". ص 70، والأولى في معنى الآية ما ذكره "الطبري" قال: (.. معنى الكلام: إن الله لا يستحيي أن يصف شبها لما شبه به الذي هو ما بين البعوضة إلى ما فوق البعوضة). "الطبري" 1/ 178 - 179، وقد نقل الواحدي عن "الطبري" قولاً آخر وادعى أن اختاره والأمر بخلاف ذلك كما سيأتي.]]. وقيل: معنى: ﴿لَا يَسْتَحْيِي﴾: لا يترك، لأن أحدنا إذا استحيا من شيء تركه [[ذكره ابن عطية 1/ 212، "القرطبي" 1/ 242، وابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 54، والزمخشري (الكشاف) 1/ 263.]]، ومعناه أن الله لا يترك ضرب المثل ببعوضة فما فوقها إذا علم أن فيه عبرة لمن اعتبر، وحجة على من جحد [[في (ب) (حجه).]]. وقيل: معناه (لا يخشى) والخشية والاستحياء يقوم أحدهما مقام الآخر كقوله: ﴿وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ [الأحزاب: 37]، أي تستحي [[(تستحي) يتعدى بنفسه وبالجار وعداه الواحدي بنفسه، وهي عبارة "الطبري": (وتستحي الناس، والله أحق أن تستحيه ..) 1/ 179، انظر "البحر" 1/ 121.]] الناس] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]] والله أحق أن تستحيي [[في (ب): (يستحيا منه).]] منه، وهذا اختيار محمد بن جرير [[لقد وهم الواحدي في زعمه أن هذا اختيار "الطبري"، وتبعه على هذا الوهم أبو حيان في "البحر" 1/ 121. قال "الطبري": (وأما تأويل قوله: (إن الله لا يستحي) فإن بعض المنسوبين إلى المعرفة بلغة العرب كان يتأول معنى (إن الله لا يستحي): أن الله لا يخشى أن يضرب مثلاً ... فيقول: الاستحياء بمعنى الخشية، والخشية بمعنى الاستحياء ...). قال محمود شاكر: (... إن لفظ "الطبري" دال على أنه لم يحقق معناه ولم يرضه، ولم ينصره ...) 1/ 402، 403 (ط. شاكر). ثم قال محمود شاكر في موضع آخر: (هذا بقية تفسير الكلمة على مذهب من قال: إن الاستحياء بمعنى الخشية، لا ما أخذ به "الطبري"، "تفسير الطبري" صريح، بيّن في آخر الآية) 1/ 404. ونجد "الطبري" يقول في آخر الآية: (فقد تبين إذا بما وصفنا، أن معنى الكلام: إن الله لا يستحي أن يصف شبها لما شبه به الذي هو ما بين بعوضة إلى ما فوق البعوضة) 1/ 179. فلم نر "الطبري" يؤول (الاستحياء) بـ (الخشية) والله أعلم.]]. قال أهل اللغة: أصل الاستحياء من الحياة [[في (أ)، (ب): (الحيوة).]]، واستحيا الرجل لقوة الحياة فيه [[في (ب): (واستحيا الرجل لقلة الحياة، واستحيا الرجل لقوة الحياة فيه ...).]]، لشدة علمه بمواقع العيب [[في (ب): (الغيب).]]، فالحياء من قوة الحس ولطفه [[في (ب): (ولفظه).]] وقوة الحياة [[في (أ): (الحيوة).]] [[قال ابن فارس: (الحاء والياء والحرف المعتل أصلان: أحدهما خلاف الموت، والآخر الاستحياء الذي هو ضد الوقاحة) "مقاييس اللغة" (حي) 2/ 122، وانظر "تهذيب اللغة" (حي) 1/ 954، "الصحاح" (حيا) 6/ 2324، "اللسان" 2/ 1080، "مفردات الراغب": ص140، "التاج" (حي) 19/ 359، "الكشاف" 1/ 263.]]. وقوله تعالى: ﴿أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا﴾ الضرب في المثل مستعار، ومعناه [[في (ب): (ومعناه السير للمثل).]] التسيير للمثل، والجعل لها [[كذا ورد في جميع النسخ ولعل الصواب (له).]] يسير في البلاد [[قال "الطبري": (يبين ويصف)، 1/ 179، وذكر ابن الجوزي عن ابن عباس: أن يذكر شبها. "زاد المسير" 1/ 54، وقيل ومعنى يضرب: يذكر، أو يصير. انظر. "تفسير ابن عطية" 1/ 212 - 213، "القرطبي" 1/ 208، "البحر" 1/ 122.]]، وذكرنا معنى المثل مستقصى فيما [[في (ب): (مما).]] تقدم [[عند قوله تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ الآية [البقرة:17]، انظر: ص 186 - 188.]]. وقوله تعالى: ﴿مَا بَعُوضَةً﴾. النصب في بعوضة من جهتين [[ذكره الزجاج قال: (فأما إعراب (بعوضة) فالنصب من جهتين في قولنا وذكر بعض النحويين جهة ثالثة، فأما أجود هذِه الجهات فأن تكون (ما) زائدة مؤكدة ..) "معاني القرآن" 1/ 70.]]، أحدهما: أن تكون (ما) زائدة، كأنه قال: إن الله لا يستحيي أن يضرب بعوضة مثلا، ومثلا بعوضة، و (ما) زائدة مؤكدة كقوله ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: 159] فـ (ما) في التوكيد بمنزلة (حق) إلا أنه لا إعراب لها. والخافض والناصب يتعداها إلى ما بعدها، ومعناها التوكيد فقط [["معاني القرآن" للزجاج 1/ 70، وقد ذكره الفراء و"الطبري" واختارا غيره كما سيأتي، انظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 21، و"الطبري" 1/ 179 - 180، وانظر الثعلبي 1/ 59 أ، "البيان في غريب إعراب القرآن" 1/ 65، "الإملاء" 1/ 16، "الكشاف" 1/ 264.]]. فإذا جعلت (ما) زائدة نصبت بعوضة على أنها المفعول الثاني (ليضرب) [[في (ب): (كيضرب).]]، لأن (يضرب) [هاهنا معناه: يجعل. هذا هو الاختيار عند البصريين [[انظر: "الطبري" 1/ 180، "معاني القرآن" للفراء 1/ 21. وفيه وجه آخر: وهو أن (بعوضة) بدل من (المثل)، انظر الثعلبي 1/ 59 أ، "الإملاء" 1/ 26، "البيان" 1/ 65، "الكشاف" 1/ 264، "تفسير ابن عطية" 1/ 152، قاله الزجاج 1/ 71.]]. الوجه الثاني: أن تكون (ما)] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]] نكرة [[في (ب): (ذكره).]] بمنزلة شيء، فيكون المعنى: إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلاً شيئاً من الأشياء، ثم أبدل بعوضة من شيء [[في (أ)، (ج): (شيئاً).]]، فقال: ﴿بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ وهذا [[في (ب): (فهذا).]] قول الفراء [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 22، والقول الذي اختاره الفراء القول الآتي الذي نسبه الواحدي للكسائي، وانظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 70، و"الطبري" 1/ 180، والثعلبي 1/ 59 أ.]]. وقال الكسائي: معناه: أن يضرب مثلاً ما بين بعوضة إلى ما فوقها، ثم حذف (بين) و (إلى) ونصب بعوضة بإسقاط الخافض. وفي [[(والواو) ساقطة من (ب).]] كلام العرب: (مطرنا ما زُبَالَة فالثعلبية) بمعنى ما بين زُبَالَة إلى الثعلبية [[(زبالة) و (الثعلبية) موضوعان معروفان من المنازل في الطريق بين الكوفة ومكة. انظر: "معجم ما استعجم" 1/ 341،2/ 693، "معجم البلدان" 2/ 78، 3/ 129.]]، ويقولون: (له عشرون ما ناقة فجملا) أي ما بين ناقة وجمل، وهو [[في "معاني القرآن" للفراء (وهي) 1/ 22، وكذا في "الطبري" 1/ 180.]] أحسن الناس ما قَرْناً فقَدَماً [[المعنى: ما بين القرن والقدم. ورد الكلام في "معاني القرآن" للفراء ولم ينسبه للكسائي 1/ 22، وذكره "الطبري" ولم يعزه، وعزاه محمود شاكر في حاشية "الطبري" للفراء 1/ 405، وفي الآية وجه آخر ذكره بعض المفسرين: وهو أن تكون (ما) بمعنى (الذي) و (بعوضة) مرفوع، لأنه خبر مبتدأ مقدر، أي: الذي هو بعوضة، وأنكر الزجاج هذا الوجه، لأنه لم يثبت قراءة، وإن كان صحيحاً في الإعراب. انظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 71. أما "الطبري" فاختار هذا الوجه، ولكن على نصب (بعوضة) وذكر لنصبها وجهين ... انظر "تفسير الطبري" 1/ 179، وانظر: "البيان" 1/ 66، وابن عطية 1/ 213.]]. وأنكر المبرد هذين القولين فقال: أما قول الفراء: إنه يجعل (ما) اسما تاما، وينصب بعوضة بدلا منه [[الفراء لم يرجح هذا القول، وإنما رجح القول الذي نسبه الواحدي للكسائي حيث قال: (الوجه الثالث: -وهو أحبها إليَّ- فأن تجعل المعنى على: إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بين البعوضة إلى ما فوقها ..)، "معاني القرآن" 1/ 22.]]، فإن القول في ذاك ما قال الخليل وسيبويه، قالا جميعاً: إن (من) و (ما) يكونان [[(يكونان) ساقطة من (ج).]] نكرتين، فيلزمهما الصفة كلزوم الصلة [[في (ب): (الصفة).]] إذا كانا معرفتين، تقول [[في (أ)، (ج): (يقول).]]: مررت بمن صالحٍ، أي: بإنسان صالح. ومررت بما حسنٍ، أي بشيء حسن. فلا يكونان نكرتين إلا بوصفهما. كما لا يكونان [[في (أ)، (ج): (يكونان) بسقوط (لا).]] معرفتين إلا بصلتهما [[انظر: "الكتاب" 2/ 105 - 107.]]. والفراء جعل (ما) وحدها اسما [[الفراء اختار غير هذا القول كما سبق، وانظر: "معاني القرآن" 1/ 22.]]، لأن البعوضة ليست بصفة. وقال سيبويه [[(سيبويه) ساقط من (ب).]] في قوله تعالى: ﴿هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ [ق: 23] يجوز أن يكون (ما) نكرة، أي هذا شيء لدي عتيد، ويجوز أن يكون في معنى (الذي) [[انظر: "الكتاب" 2/ 106.]]. وأما قول الكسائي: (ما بين كذا إلى كذا) [[هذا الكلام في "معاني القرآن" ولم يعزه للكسائي، عزا إليه كلاما بمعناه قال: (قال الكسائي سمعت أعرابيًّا ورأى الهلال فقال: الحمد لله ما إهلالك إلى سَرارِك، يريد ما بين إهلالك إلى سرارك ... وحكا الكسائي عن بعض العرب: الشَّنَقُ ما خمسا إلى خمس وعشرين، يريد ما بين خمس إلى خمس وعشرين. والشَّنَقُ: ما لم تجب فيه الفريضة من الإبل ..)، "معاني القرآن" للفراء 1/ 22، 23.]] فإنما يحكى هذا الكلام عن أعرابي وحده، وإن صح فوجهه غير ما ذكر، وهو أن يكون (ما) صلة، فيكون الكلام: (مطرنا [[في (ب) (فيكون) (الكلام مثل ما زبالة).]] زبالة فالثعلبية) كما تقول: أتيت الكوفة فالبصرة. ولو كان معناه (ما بين)، لم يكن المطر بزبالة ولا الثعلبية، لأن ما بينهما غيرهما، وإضمار (بين) فبعيد جداً. و (البعوض) صغار البق، الواحدة بعوضة، وذلك لأنها كبعض البق في الصغر [[انظر: "الصحاح" (بعض) 3/ 1066، "زاد المسير" 1/ 55، "القرطبي" 1/ 209، ورجح الدميري: أن البعوض غير البق، انظر: "حياة الحيوان" 1/ 179.]]. وقوله تعالى: ﴿فَمَا فَوْقَهَا﴾ يعني ما هو أكبر منها، لأن البعوض نهاية في الصغر [[ذكره الفراء ورجحه، انظر "معاني القرآن" 1/ 20. "معاني القرآن" للزجاج 1/ 71، "معاني القرآن" للأخفش 1/ 215، "تفسير الطبري" 1/ 180، أبي الليث 1/ 104، والثعلبي 1/ 59 أ، "الكاشف" 1/ 265.]]. قال ابن عباس: يعني الذباب والعنكبوت [[ذكر الثعلبي 1/ 59 أ، وأبو الليث 1/ 104، وابن قتيبة في "غريب القرآن" ولم يعزه لابن عباس: ص 27.]]، وهما فوق البعوض. [وقيل: أراد بما فوق البعوض] [[ما بين المعقوفين مكرر في (ب).]] الفيل، وذلك أن الله تعالى خلق للبعوضة من الأعضاء مثل ما خلق للفيل [[في (ب): (الفيل).]] على عظمه، وزاد للبعوض جناحين، ففي ضربه المثل به أعظم عبرة وأتم دلالة على كمال قدرته وتمام حكمته. وقال بعضهم: فما فوقها، يعني في الصغر، يريد فما هو أصغر منها [[ذكره الفراء في "معاني القرآن" 1/ 20، والزجاج في "المعاني" 1/ 71، والأخفش في "المعاني" 1/ 215، و"الطبري" 1/ 180، وضعفه، وذكره أبو الليث 1/ 104، وأبو عبيده في "المجاز" 1/ 35، وابن قتيبة في "المشكل": ص 27، وابن الأنباري في "الأضداد": ص 250، والزمخشري في "الكشاف" 1/ 265.]]، لأنه يقال: فلان فوق فلان في الحقارة والدناءة. واختار قوم هذا [[كأبي عبيدة في "المجاز" 1/ 35، وابن قتيبة في "المشكل": ص 27.]]، لأن الغرض المطلوب هاهنا الصغر. فإن قيل: إذا كانت البعوضة هي النهاية في الصغر، فلا معنى في [[في (ب): (فلا معنى فيما).]] (فما فوقها) في الصغر، قيل: ليس الأمر على ما قلتم، لأن ما دون البعوضة في الصغر متوهم معقول، وإن لم ير، كما قال: ﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ (65)﴾ [الصافات: 65] [الصافات: 65] فالمشبه به معقول وإن لم ير، وكما قال الشاعر: وَمَسْنُونةٌ زُرْقٌ كَأنْيَابِ أغْوَالِ [[عجز بيت لامرئ القيس وصدره: أيقْتُلُنِي والمشْرَفِيُّ مُضَاجِعِي المشرفي: السيف، (مسنونة زرق): سهام محددة الأزجه صافية، شبهها بأنياب الأغوال، تشنيعا ومبالغة في الوصف، والأغوال: الشياطين، وقيل: الحيات. انظر "ديوان امرئ القيس": ص 125، "تهذيب اللغة" (غال) 8/ 193، "المخصص" 8/ 11، "اللسان" (غول) 6/ 3318، "البحر المحيط" 2/ 304.]] ولم ير ناب الغول. ويؤكد هذا التأويل قول أبي عبيدة في هذه الآية وهو أنه [[في (ب): (أن).]] قال: (فما فوقها) يعني: فما دونها [["مجاز القرآن" 1/ 35.]]. و (فوق) من الأضداد، لأنه لا فوق [[في (ب): (لا فرق).]] إلا ويصلح أن يكون دون، لأن من فوقك [[في (ب): (فوق الصلح).]] يصلح أن يكون دون غيرك فذلك فوق [[(فوق) ساقط من (ب).]] من وجه ودون من وجه [[انظر: "الأضداد" لأبي حاتم: ص101، ولابن الأنباري: ص 250، وقد ذكر عن قطرب: (أن فوق تكن بمعنى: (دون) مع الوصف، كقول العرب: إنه لقليل وفوق القليل، ولا تكون بمعنى: (دون) مع الأسماء، كقول العرب: هذِه نملة وفوق النملة ...) ورد أقوال المفسرين الذين قالوا: إن (فوقا) في الآية بمعنى (دون)، وغلّطه ابن الأنباري في هذا ورد عليه. والأقرب أن (فوق) في الآية تكون بمعنى: أعظم، وبمعنى: دون، وهذا هو اختيار ابن الأنباري، وانظر: "المشكل" لابن قتيبة: ص 27، "البحر" 1/ 123، وابن كثير 1/ 69.]]. وإذا كان (فوق) بمعنى (دون) كان المعنى (فما دونها) أي: ما هو أصغر منها. وقد استشهد على استحسان ضرب المثل بالحقير [في] [[(في) إضافة من "الوسيط" للواحدي 1/ 66، لاستقامة السياق.]] كلام العرب بقول الفرزدق: ضَرَبَتْ عَلَيْكَ العَنْكَبوُتُ بِنَسْجِهَا ... وَقَضَى [[في (ب): (ومعن).]] عَلَيْكَ بِهِ الكِتَابُ المُنْزَلُ [[استشهد الواحدي بالبيت في "الوسيط" 1/ 66، وهو في "ديوان الفرزدق" 2/ 155، من قصيدة طويلة ضمن نقائضه مع جرير.]] وبقوله أيضاً: وَهَل شَيءٌ يَكُوُن أذَل بَيتَاً [[(بيتا) ساقط من (ب).]] ... مِنَ اليَرْبُوعِ يَحْتَفِرُ التُّرَابَا [[استشهد الواحدي بالبيت في "الوسيط" 1/ 66، وهو في "ديوان الفرزدق" 1/ 103.]] وقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ﴾. مدحهم الله بعلمهم أن المثل وقع في [[(في) ساقط من (ب).]] حقه [[قال "الطبري": يعرفون أن المثل الذي ضربه الله، لما ضربه له مثل، ثم ذكر عن الربيع وقتادة أن هذا المثل الحق من ربهم، وأنه كلام الله 1/ 181، وانظر "معاني القرآن" للزجاج 1/ 71/ "تفسير الثعلبي" 1/ 59 أ.]] وذم الكافرين بإعراضهم عن طريق الاستدلال وإنكارهم ما هو صواب وحكمة. وقوله تعالى: ﴿مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾. قال أبو إسحاق: (ماذا) يجوز أن يكون (ما) و (ذا) اسماً واحداً، ويكون موضعها نصباً، المعنى: أي شيء أراد الله بهذا مثلًا؟ ويجوز أن يكون (ذا) مع (ما) بمنزلة (الذي) فيكون المعنى: ما الذي أراده [[في (ب): (أرا د).]] الله بهذا مثلا؟ فيكون (ما) رفعاً بالابتداء و (ذا) في معنى الذي وهو خبر الابتداء، انتهى كلامه [["معاني القرآن" للزجاج 1/ 42، وانظر: "مشكل إعراب القرآن" لمكي 1/ 32، "البيان" 1/ 66، "الإملاء" 1/ 26 ، وقد ذكر النحويون أن (ماذا) تأتي في ستة أوجه، لكن يجوز في الآية وجهان ذكرهما المؤلف ، انظر مغنى اللبيب 1/ 300 "البحر" 1/ 124، و"الدر المصون" 1/ 223.]]. وفائدة الوجهين يتبين في الجواب، فإنك إن جعلته اسمًا واحداً كان جوابه منصوبًا، وإن جعلت (ما) ابتداء و (ذا) خبره كان الجواب مرفوعا، مثاله أنَّ قائلا لو [[(لو) ساقطة من (ب).]] قال لك: ماذا أراد الله بهذا مثلا؟ قلت: البيانَ لحال [[في (أ)، (ج): (الحال) أتنبت ما في (ب) لمناسبته للسياق.]] الذي ضرب له المثل، لأنك أبدلته من (ماذا) وهو نصب. وفي الوجه الثاني قلت: البيانُ بالرفع؛ لأن (ذا) محله رفع بخبر الابتداء [[انظر: "الكتاب" 2/ 417، 418، "الكشاف" 1/ 266، "البحر" 1/ 124،.]]. وجاء في القرآن بالتقديرين [[في (ب): (التقدير).]] جميعًا في قوله: ﴿مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا﴾ [النحل: 30]، و ﴿مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [النحل:24] فعلى النصب كأنه قيل: أي شيء أنزل ربكم [[وعليه جاءت الآية الأولى: (قالوا خيرا).]]؟، وعلى الرفع [[وعليه جاءت الآية الثانية: (قالوا أساطير الأولين) انظر "الكتاب" 2/ 417.]]: أي شيء الذي [[(الذي) ساقط من (ب).]] أنزله [[في (ج): (أنزل).]] ربكم؟ واستشهد سيبويه [["الكتاب" 1/ 417.]] في الرفع بقول الشاعر: ألا تسألانِ المرءَ ماذا يُحاوِلُ ... أَنَحْبٌ فَيُقْضَى أمْ ضَلالٌ وَبَاطِلُ [[البيت مطلع قصيدة للبيد بن ربيعة، يرثي بها النعمان بن المنذر. النحب: النذر، يقول: ألا تسألان رجلًا مجتهداً في أمر الدنيا والسعي خلفها، كأنه أوجب على نفسه نذرا في ذلك، فهو يجري لقضاء ذلك النذر، أم هو ضلال وباطل من أمره. ورد البيت عند سيبوبه 2/ 417، "معاني القرآن" للفراء1/ 139، (المعاني الكبير) 3/ 1201، "جمل الزجاجي" ص 349، "المخصص" 14/ 103، "مغني اللبيب" 1/ 300، "شرح المفصل" 3/ 149، 4/ 23، "الخزانة" 2/ 252، 6/ 145، "الدر المصون" 1/ 229 (ديوان لبيد) ص 254، والشاهد (أنحب) حيث جاء مرفوعًا فدل على أن (ذا) في معني (الذي).]] وبقولهم: (عَمَّاذَا تَسْأَل) على أنهما بمنزلة اسم واحد ولو لم يكن كذلك لقالوا: (عم ذا تسأل) [[(عم ذا تسأل) بحذف ألف (ما) لأن (ما) إذا كانت استفهاما ودخل عليها حرف الجر حذفت ألفها، فلما ثبتت الألف دل على أنها مركبة مع (ذا)، انظر: "الكتاب" 2/ 418، "شرح المفصل" 3/ 150.]] وذكرنا هذه المسألة بأبلغ من هذا في الشرح، عند قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ [البقرة:219]. وفي نصب قوله: ﴿مَثَلًا﴾ وجوه، أحدها: الحال [[اختلف في صاحب الحال، فقيل: اسم الإشارة، وقيل لفظ الجلالة (الله)، انظر "تفسير الثعلبي" 1/ 418، "المشكل" لمكي 1/ 231، وبن عطية 1/ 213، "البيان" 1/ 67، "البحر" 1/ 125، "الدر المصون" 1/ 231.]]، لأنه جاء بعد تمام الكلام كأنه قيل: ماذا أراد الله بهذا مبينا. والثاني: التمييز والتفسير للمبهم [[في (ب) (للمتهم).]]، وهو (هذا) كأنه قيل ماذا أراد الله بهذا من الأمثال [[انظر: "المشكل" لمكي1/ 33، وابن عطية 1/ 213، "البيان" 1/ 67، "الإملاء" 1/ 26، "البحر" 1/ 125، "الدر المصون" 1/ 231.]]. والثالث: القطع، كأنه قيل: ماذا أراد الله بهذا المثل [[انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 154، والثعلبي 1/ 95 أ، "البحر" 1/ 125، وقال أبو حيان: إن هذا مذهب الكوفيين، والمراد بالقطع: أنه يجوز أن يعرب بإعراب الاسم الذي قبله، فإذا لم تتبعه في الإعراب وقطعته عنه نصب على القطع، وقال: وهذا كله عند البصريين منصوب على الحال، ولم يثبت البصريون النصب على القطع، انظر: "الدر المصون" 1/ 231.]]؟ إلا أنه لما جاء نكرة [[في (ب): (ذكره).]] نصب على القطع عن إتباع المعرفة، وهذا مذهب الفراء وأحمد بن يحيى [[انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 154، "البحر" 1/ 125.]]، ومعناه: إن الذين كفروا يقولون: أي فائدة في ضرب المثل بهذا؟ فأضلهم الله سبحانه فقال: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ [[قوله: (يهدي به كثيرا) ساقط من (أ)، (ج).]] أي: أراد الله بهذا المثل أن يضل به كثيرًا من الكافرين، وذلك [[في (ب): (وكذلك).]] أنهم ينكرونه ويكذبونه. ويهدي به كثيرًا من المؤمنين، لأنهم يعرفونه ويصدقون به [[انظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 59 ب.]]. قال [[في (ب): (كذلك قال الأزهري).]] الأزهري: (والإضلال) في كلام العرب ضد الهداية والإرشاد، يقال [[في (ب): (يقول).]]: أضللت فلانا، إذا وجهته للضلال عن الطريق فلم [[قوله: (فلم ترشده) ليس في "تهذيب اللغة".]] ترشده، وإياه أراد لبيد بقوله: مَنْ هَدَاهُ سُبُلَ الخَيْرِ اهْتَدى ... نَاعِمَ البَالِ ومَنْ شَاءَ أَضَل [[البيت ورد في "تهذيب اللغة" (ضل) 3/ 2130، "اللسان" (ضلل) 5/ 2601، "ديوان لبيد مع شرحه" ص 174، "الوسيط" للواحدي 1/ 67.]] قال لبيد هذا في الجاهلية، فوافق قوله التنزيل: ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [[في (ب): (تضل وتهدي).]] [[جزء من آية في النحل: 93، وسورة فاطر آية: 8]] [["تهذيب اللغة" (ضل) 3/ 2130، وانظر: "اللسان" (ضلل) 5/ 2601.]]. ولا يجوز أن يكون معنى الإضلال: الحكم والتسمية، لأن أحدنا إذا حكم بضلالة [[في (ب): (بضلال).]] إنسان لا يقال: أضله، وهذا لا يعرفه أهل اللغة [[يرد بهذا على المعتزلة الذين قالوا: إن الله لا يخلق الضلال، ومعناه الإضلال عندهم هنا: الحكم أو التسمية، أو أنه من إسناد الفعل إلى السبب كما قال الزمخشري في "الكشاف" 1/ 267. وعند أهل السنة: أن الله خالق العباد وخالق أفعالهم، انظر "تفسير أبي الليث" 1/ 105، وابن عطية 1/ 216 - 217، "الإنصاف" فيما تضمنه "الكشاف" من الاعتزال حاشية على "الكشاف" 1/ 267، "القرطبي" 1/ 209 - 210. قال ابن كثير: قال السدي في "تفسيره": عن أبي مالك، وعن أبي صالح عن ابن عباس، وعن مرة عن ابن مسعود، وعن ناس من الصحابة: (يضل به كثيرا) يعني به المنافقين (ويهدي به كثيرا) يعني به المؤمنين فيزيد هؤلاء ضلالة إلى ضلالتهم لتكذيبهم .. ويهدي به بمعنى: المثل كثيرا من أهل الإيمان والتصديق فيزيدهم هدى إلى هداهم وإيمانا إلى إيمانهم لتصديقهم ..) ابن كثير 1/ 69 - 70.]]. وقوله تعالى: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾. قال الليث: (الفسق) الترك لأمر الله، ومثله (الفسوق) [["تهذيب اللغة" (فسق) 3/ 2788.]]. قال أبو عبيدة: وأصله في اللغة الجور والميل عن الطاعة، يقال: (فسق) إذا جار. وأنشد [["مجاز القرآن" 1/ 406، "تهذيب اللغة" (فسق) 3/ 2788، والخص من "التهذيب".]]: فواسِقًا عَنْ قَصْدِهِ [[في (ب): (أمره) وهي رواية وردت في "اللسان" (فسق) 6/ 3414.]] جَوَائِرا [[البيت لرؤبة كما في "مجاز القرآن" وقبله: يهوِين في نَجد وغورًا غائرا يصف إبلا منعدلة عن قصد نجد ورد البيت في "مجاز القرآن" 1/ 406، وفيه (قصدها) بدل (قصده) ومثله عند "الطبري" 15/ 261، وبمثل رواية الواحدي ورد في "الزاهر" 1/ 218، "تهذيب اللغة" (فسق) 3/ 2788، "اللسان" 6/ 3414، "القرطبي" 1/ 210.]] وقال الفراء (الفسق) [[(الفسق) ساقط من (ب)]] الخروج عن الطاعة، قال: والعرب تقول: فسقت الرطبة من قشرها، لخروجها منه، وكأن الفأرة إنما سميت (فويسقة) لخروجها من جحرها على الناس [["معاني القرآن" للفراء 2/ 147، وفيه قوله: (ففسق عن أمر ربه) أي: خرج عن طاعة ربه، والعرب تقول: .. ونحوه في "التهذيب" (فسق).]]. وقال أبو العباس: (الفسوق) الخروج [["تهذيب اللغة" (فسق) 3/ 2778.]]. وقال أبو الهيثم: وقد يكون الفسوق شركًا، ويكون إثمًا [[في "التهذيب" وقال أبو الهيثم: الفسوق يكون الشرك ويكون الإثم (فسق) 3/ 2789، وانظر: "اللسان" (فسق) 6/ 3414.]]. والذي أريد به هاهنا الكفر [[انظر: "الطبري" 1/ 182، و"ابن كثير" 1/ 70، "زاد المسير" 1/ 56، و"القرطبي" 1/ 210.]] لقوله [[في (ب): (كقوله).]] تعالى:

البقرة 2:27

﴿الَّذِينَ ينَقُضُونَ﴾. (والذين) من صفة الفاسقين. و (النقض) في اللغة: الهدم، وإفساد ما أبرمته من حبل أو بناء [[ذكر نحوه الأزهري عن الليث، "تهذيب اللغة" (نقض) 4/ 3648، وانظر "اللسان" (نقض) 8/ 4524.]]، و (نقيض الشيء) [[في (أ): (نقيض).]]: ما ينقضه [[في (أ) و (ج): (ما تنقضه) وما في (ب) أصح، وموافق لما في "الوسيط" 1/ 68.]] اي: يهدمه ويرفع حكمه [[النقض: لغة: هو الكسر، وفي الاصطلاح: بيان تخلف الحكم المدعي عليه ثبوته أو نفيه عن دليل المعلل الدال عليه في بعض الصور. انظر "التعريفات" للجرجاني ص 245. والتناقض: (اختلاف قضيتين بالإيجاب والسلب بحيث يقتضي لذاته أن يكون إحداهما صادقة والأخرى كاذبة) انظر: "تيسير القواعد المنطقية شرح الرسالة الشمسية" 1/ 169.]]. والمناقضة في الشعر أن [[في (ب): (الشعر أو يقول ...).]] يقول الشاعر قصيدة، فينقض عليه شاعر آخر حتى يجيء بغير ما قال، والاسم النقيضة [[في (ب): (النقضة).]] ويجمع على النقائض، ولهذا المعنى قالوا: نقائض [[في (ب): (أنقاض).]] جرير والفرزدق [[ذكره الأزهري في "التهذيب" عن الليث (نقض) 8/ 364، انظر "اللسان" (نقض) 8/ 4524.]]. وقوله تعالى: ﴿عَهْدَ اللَّهِ﴾. (العهد) في اللغة يكون لأشياء مختلفة [[ذكر الأزهري عن أبي عبيد أن العهد يكون في أشياء مختلفة ثم ذكرها، انظر: "التهذيب" (عهد) 3/ 32607.]]، والذي أريد به هاهنا الوصية [[انظر: "تفسير ابن عطية" 1/ 217.]] والأمر من قولهم: عهد الخليفة إلى فلان كذا وكذا، أي [[في (ب): (أدا).]]: أمره. ومنه قوله تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ﴾ [يس: 60] أي ألم آمركم [[أنظر: "تهذيب اللغة" (عهد) 3/ 2607.]]. والعهد أيضًا [[في (ج): (أيضم).]] العقد الذي يتوثق به لما بعد [[انظر: "التهذيب" (عهد) 3/ 2607، "مفردات الراغب" ص 350.]]. وذكر أبو إسحاق للعهد [[في (ب): (العهد).]] المذكور في هذه الآية وجهين [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 73، 72، وقد ذكر ثلاثة أوجه، وجهان ذكرهما المؤلف هنا، والثالث حين قال: وقال قوم: إن عهد الله: هو الاستدلال على توحيده، وأن كل مميز يعلم أن الله خالق، فعليه الإيمان به، ثم قال: والقولان الأولان في القرآن ما يصدق تفسيرهما. وذكر "الطبري" هذِه الوجوه وغيرها.]] أحدهما: ما أخذه على النبيين ومن اتبعهم ألا يكفروا بالنبي ﷺ، وذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ﴾ [آل عمران: 81]. وقال [[هذا هو الوجه الثاني.]]: يجوز أن يكون عهد الله الذي أخذه من بين آدم من ظهورهم يوم الميثاق حين قال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: 172] ثم جحدوا ونقضوا ذلك العهد في حال كمال عقولهم. والوجه الأول أصحهما، من قبل أن الله لا يحتج عليهم بما لا يعرفون، لأنه بمنزلة ما لم يكن إذا كانوا لا يشعرون به، ولا لهم دلالة عليه. والثاني مع هذه صحيح، لأنهم [[في (أ)، (ج): (لأنه) وأثبت ما في (ب) لأنه أصح في السياق.]] عرفوا ذلك العهد بخبر الصادق، فكان كما لو كانوا يشعرون به [[وبهذا يستدرك الواحدي على كلامه السابق عن العهد الذي أخذه الله على بني آدم حين استخرج ذرية آدم من ظهره، فهذا العهد ثابت بالخبر الصحيح، أخرجه "الطبري" في (تفسيره)، وجمع محمود شاكر طرقه وانتهى إلى الأخذ بما قرره == أحمد شاكر من تصحيح الحديث انظر: "الطبري" 13/ 223 ،222. قال ابن الجوزي: (ونحن وإن لم نذكر ذلك العهد، فقد ثبت بخبر الصادق فيجب الإيمان به) "زاد المسير" 1/ 56. ويبقى السؤال هل الميثاق المأخوذ عليهم هو العهد المراد بهذِه الآية أم لا؟ رجح ابن جرير: أن المراد بالعهد في هذِه الآية العهد الذي أخذه الله على بني إسرائيل في التوراة من الإقرار بمحمد ﷺ بما جاء به وتبيين نبوته. انظر: "الطبري" 1/ 182 - 183. ورجح القرطبي وغيره. أنها عامة والعهد هو وصية الله تعالى إلى خلقه وأمره إياهم بطاعته وطاعة رسله، ونقضهم للعهد ترك ذلك. انظر: "القرطبي" 1/ 210، ابن كثير 1/ 70.]]. وهذا [[في (أ)، (ج): (هذِه) وأثبت ما في (ب) لأنه أصح في السياق.]] الوجه هو قول ابن عباس ذكره في قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾ [الرعد: 25] في سورة الرعد، قال: يريد الذي [[في (ب): (الذين).]] عهد إليهم في صلب آدم ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ [[سورة الأعراف: 172. الأثر عن ابن عباس ذكره الواحدي في "الوسيط" قال (وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء) "الوسيط" 1/ 68. ولم أجد الأثر عن ابن عباس في هذا المعنى في آية (البقرة) ولا في آية (الرعد) وقد وردت آثار عن ابن عباس من طريق عطاء في الميثاق الذي أخذه الله على بني آدم أوردها "الطبري" في تفسير قوله تعالى: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: 172] وليس في الآثار ذكر أنه هو العهد المراد بآية البقرة أو الرعد. انظر: "تفسير الطبري" 9/ 110 - 118.]]. وقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾. (من) صلة لأجل التأكيد [[وقيل: لابتداء الغاية، انظر: "إملاء ما من به الرحمن" 1/ 27، "زاد المسير" 1/ 56، "البحر" 1/ 127، قال أبو حيان: إن القول إنها زائدة بعيد.]]. والميثاق: ما وقع التوثيق [[في (ب): (للتوثيق).]] به، كما أن الميقات ما وقع التوقيت به، ومواقيت الحج من ذلك، لأنه وقع توقيت الإحرام ببلوغها. والكتاب أو الكلام الذي يستوثق به: ميثاق، الوقت الذي يعقد به الوعد: ميعاد [[في (ج): (من معاد).]]، وكذلك المصداق [[في (ب): (الصداق).]] ما انعقد الصدق به [[انظر. "الوسيط" 1/ 69، و"الطبري" 1/ 184، "تهذيب اللغة" (وثق) 4/ 3834، "الكشاف" 2/ 268، "البحر" 1/ 127، "القرطبي" 1/ 211.]]. و (الياء) في الميثاق منقلبة عن الواو [[انظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 59 ب، "القرطبي" 1/ 211.]]. وقال الفراء: يقال في جمع الميثاق: مياثق ومواثق، قال [[قول الفراء أورده الأزهري في "تهذيب اللغة"، قال: وأنشد في لغة (الياء)، أي (مياثق) "التهذيب" (وثق) 4/ 3834، وانظر "اللسان" (وثق) 8/ 4764.]]: حِمىً لاَ يُحَلُّ الدَّهْرَ إلَّا بِإذْنِنَا ... وَلَا نَسْأَلُ الأَقْواَمَ عَقْدَ المَيَاثِقِ [[البيت لعياض بن درة الطائي، وقيل: عياض بن أم درة، يصف قومه بالمنعة والقوة يقول: لنا حمى لا يحله احد إلا بإذننا، ولا نسأل أحدا عقد ميثاق حماية. ورد البيت في "تهذيب اللغة" (وثق) 4/ 3834، "إصلاح المنطق" ص 138، "الخصائص" 3/ 175، "اللسان" (وثق) 8/ 4764، "شرح المفصل" 5/ 221، وأورد أبو زيد البيت على رواية (المواثق) وقال عن راوية المياثق: إنها شاذة: انظر "النوادر" ص 271.]] والكناية في الميثاق يجوز أن تكون [[في (أ)، (ج): (يكون) واخترت ما في (ب) لأنه أصح في السياق.]] عائدة على الله، [أي: من بعد ميثاق الله ذلك العهد، بما أكد من إيجابه عليهم. ويجوز أن تعود على العهد] [[ما بين المعقوفين ساقط من (أ، ج) والزيادة في (ب) يقتضيها السياق وقد وردت في "الوسيط" 1/ 69.]]، أي: من بعد ميثاق العهد وتوكده [[انظر "الطبري" 1/ 184، وابن عطية 1/ 218، "زاد المسير" 1/ 56، "الإملاء" 1/ 27، "الكشاف" 1/ 268.]]. وقوله تعالى: ﴿وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ [الرعد: 25] يعني الأرحام [[رجح "الطبري" هذا القول 1/ 185، وانظر الثعلبي 1/ 555 ب، "تفسير أبي الليث" 1/ 105، "زاد المسير" 1/ 57، وابن كثير 1/ 70.]]، وذلك أنّ قريشاً قطعوا رحم النبي ﷺ بالمعاداة معه [[وهي عامة لكل قاطع لما أمر الله بوصله، انظر: "الطبري" 1/ 185.]]. وقيل: هو الإيمان بجميع الرسل والكتب، وهو نوع من الصلة، لأنهم قالوا: ﴿نُؤمِنُ بِبَعضٍ وَنَكفُرُ بِبَعضٍ﴾ [النساء: 150] فقطعوا. وهذا الوجه هو قول ابن عباس ذكره في الآية التي في (الرعد) [[وهي قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾.]]، وقال: المؤمن لا يفرق [بين أحد من رسله فوصلوا [[وصلوا بينهم الإيمان بجميع الرسل. انظر: "الوسيط" 1/ 69. والرواية عن ابن عباس ذكرها أبو الليث من طريق الضحاك وعطاء، في آية (البقرة) ولم أجد أحدًا - فيما اطلعت عليه- ذكرها في الرعد، الظر: "الطبري" 13/ 139 - 140، وقد ذكر الثعلبي1/ 59 ب، والبغوي 1/ 77، كلام ابن عباس بمعناه ولم ينسباه.]]. قال الزجاج: وموضع ﴿أَنْ يُوصَلَ﴾ خفض على، [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]] البدل من (الهاء) المعنى: ما أمر الله أن يوصل [[انتهي كلام الزجاج، "معاني القرآن" 1/ 73، وفيه (بأن يوصل).]]. ﴿وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ بالمعاصي، وتعويق الناس عن الإيمان بمحمد ﷺ [[انظر: "الطبري" 1/ 185، والثعلبي 1/ 59 ب.]]. وقوله تعالى: ﴿أُوْلئِكَ هُمُ الخاَسِرُونَ﴾. أصل الخسران في التجارة أن يبتاع الرجل شيئًا فيوضع من رأس ماله [[في (ب): (المال).]]، وهي الوضيعة فيه، والمصدر: الخسارة والخسر، وصفقة [[في (ب): (وصفقته).]] خاسرة غير مربحة، هذا هو الأصل [[انظر: "الطبري" 1/ 185، "التهذيب" (خسر) 1/ 1028، "مفردات الراغب" 147.]]، ثم قيل لكل صائر إلى مكروه: خاسر، لنقصان حظه من الخير، والقوم نقصوا [[في (ب): (نقضوا).]] بكفرهم راحة أنفسهم التي كانت لهم لو آمنوا، فاستحقوا العقوبة وفاتتهم المثوبة [[انظر: "الطبري" 1/ 185، والثعلبي 1/ 59 ب، "القرطبي" 1/ 212.]].

البقرة 2:28

قوله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ﴾ الآية. قال النحويون: (كيف) في الأصل سؤال عن الحال، لأن جوابه يكون بالحال، وهي منتظمة جميع الأحوال [[انظر: "الكتاب" 4/ 233، "المقتضب" 3/ 289، 63، "حروف المعاني" للزجاجي ص 35، 59، وقد ذكر الزجاجي أنها تقع في ثلاثة مواضع: تقع بمنزلة (كما)، واستفهاما عن حال، وبمعنى التعجب واستشهد على هذا المعنى بالآية ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ﴾، وانظر: "البرهان" 4/ 330، "مغني اللبيب" 1/ 204.]]. ونظيرها في الاستفهام (كم) لأنها تنتظم جميع الأعداد و (ما) [[(و) ساقطة من (ب).]] وهي تنتظم جميع الأجناس، و (أين) وهي تنتظم جميع الأماكن، و (متى) [وهي تنظم جميع الأزمان، و (من)] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]] وهي تنتظم جميع ما يعقل [[انظر: "الكتاب" 4/ 233، "المقتضب" 3/ 63، 289.]]. قال الزجاج: تأويل (كيف) هاهنا استفهام في معنى التعجب، وهذا التعجب إنما هو للخلق والمؤمنين، أي اعجبوا من هؤلاء كيف [يكفرون] [[في (أ)، (ج): (تكفرون) وفي (ب) غير منقوطة، والتصحيح من "معاني القرآن" للزجاج 1/ 47.]] وثبتت حجة الله عليهم [[في (ب): (عليكم). انتهى من "معاني القرآن" للزجاج 1/ 47، انظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 59ب، وابن عطية 1/ 220، وبمعناه كلام الفراء الآتي بعده.]]. وقال الفراء: هذا على وجه التعجب والتوبيخ لا على الاستفهام المحض، أي: ويحكم كيف تكفرون؟ وهو كقوله: ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ [["معاني القرآن" للفراء 1/ 23، وانظر: "تفسير الطبري" 1/ 190.]] [التكوير: 26]. وقوله تعالى: ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا﴾. قال النحويون: (كان) تقع [[في (أ): (يقع) وما في (ب، ج) أنسب للسياق.]] في الكلام على وجوه: تامة وناقصة وزائدة [[انظر: "تهذيب اللغة" (كان) 4/ 3083 - 3084. وذكر الهروي وجهاً رابعاً وهو: أن تكون (كان) مضمرا فيها اسمها (ضمير الشأن) وبعد كان جملة من مبتدأ وخبر مرفوعين. انظر: "الأزهية في علم الحروف" ص 179.]]. فالتامة: هي المكتفية باسمها دون خبرهما كقولك: كان القتال، أي وقع وحدث. والناقصة: هي التي لا تتم دون خبرها كقولك: كان زيد أميرا. والزائدة: هي التي تكون [[كذا في جميع النسخ الأولى (يكون).]] دخولها في الكلام كخروجها [[انظر: "تهذيب اللغة" (كان) 10/ 377، و"الأزهية في علم الحروف" ص183، و"مغني اللبيب" 2/ 559.]]. كقوله: ﴿مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ [مريم:29] [[وقد ذكر الأزهري عن ثعلب: أن للعلماء في الآية قولين: منهم من قال: (كان) == صلة أي، زائدة، وهذا ما أخذ به المؤلف هنا، ومنهم من قال (كان) هنا غير زائدة، وهو قول الفراء. انظر: "تهذيب اللغة" (كان) 4/ 3084. وجعلها المبرد زائدة مؤكدة. انظر: "المقتضب" 4/ 417. وقد قال ابن هشام: إن وجه الزيادة في (كان) هو أضعف الوجوه. انظر: "مغني اللبيب" 2/ 559.]]. و (كان) التي لها خبر تتصرف [[في (أ)، (ج): (ينصرف) واخترت ما في (ب)، لمناسبته للسياق.]] تصرف الفعل، وليست بفعل على الحقيقة، إنما تدل [[في (أ)، (ج): (يدل) واخترت ما في (ب)، لمناسبته للسياق.]] على الزمان وتدخل على الابتداء والخبر كقولك: زيد مسرور، [فإذا قلت كان زيد مسرورا، فكأنك قلت: زيد مسرور] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]] فيما مضى من الزمان [[انظر: "الإيضاح العضدي" للفارسي 1/ 95، "الأضداد" لابن الأنباري ص 65، "الأزهية في علم الحروف" ص183، "مغني اللبيب" 2/ 559. (833).]]. ويقال في مصدره الكَوْن والكَيْنُونَة [[ذكره الازهري وقال: و (الْكَيْنَونَة) أحسن. "التهذيب" 4/ 3084.]]. قال الفراء: [تقول] [[في (أ)، (ج) (يقول) وفي (ب) بدون نقط والعبارة كما في "التهذيب": قال الفراء: (العرب تقول ذوات الياء ... إلخ)، "التهذيب": 4/ 3083.]] في ذوات (الياء): الطَّيْرُوَرة والحَيْدوَدة [[في (ب) (الحيرورة)، وفي "التهذيب" (الحيدودة) وهذا الأقرب؛ لأنه قال: الطيرورة من طرت والحيدودة من حدت. "التهذيب" 4/ 3083.]] والزَّيْغُوغَة فيما لا يحصى من هذا الضرب. فأما ذوات (الواو) مثل: قلت ورضت، فإنهم لا يقولون ذلك فيه، وقد أتى عنهم في أربعة أحرف منها: الكَيُنونَة من (كُنْتُ) والدَّيْمُومَة من (دُمْتُ) والْهَيْعُوعَة من (الْهُوَاع) [[الهوع بالفتح والضم: سوء الحرص وشدته، والعداوة، وهاع: قاء من غير تكلف، == والاسم (الهَوْع) و (الهُواع) و (الهَيْعُوعة)، انظر "القاموس" (الهوع) ص 777.]]، والسَّيْدُودَة من (سُدْتُ) وكان ينبغي أن يكون (كونونة) ولكنها لما قلت في مصادر (الواو) وكثرت في مصادر (الياء) [ألحقوها بالذي هو أكثر مجيئًا منها، إذ كانت الواو والياء] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]] متقاربي المخرج. قال: وكان الخليل يقول: كَيْنُونَة (فَيْعَلُولَة)، وهي الأصل (كَيْوَنُونَة) [[في (ب): (في الاكونونه).]] التقت (ياء) و (واو)، والأولى منهما ساكنة فصيرتا [ياء] [[(ياء) ساقطة من جميع النسخ، والتصحيح من "تهذيب اللغة" 4/ 3084.]] مشددة [[فصارت (كَينُونَة) انظر "اللسان" (كون) 7/ 3959.]]، مثل ما قالوا: الهَيِّن، ثم خففوها، فقالوا: (كَيْنُونَة)، كما قالوا: هَيْن لَيْن. قال الفراء: وقد ذهب مذهبا، إلا أن القول عندي هو الأول [[انتهى كلام الفراء كما في "التهذيب" بنصه، 4/ 3084 (كان). وانظر "اللسان" (كون) 7/ 3959، وفيه عن ابن بري نحو كلام الخليل، وما بعد هذا من كلام الفراء لا ارتباط له بما سبق حيث الكلام السابق ورد بتهذيب اللغة ولعله أخذه عن كتاب المصادر للفراء وما بعده من كتاب "معاني القرآن" كما سيأتي.]]. قال: ويضمر [[في (ب): (ويضم).]] هاهنا (قد) والتقدير [[في "معاني القرآن" (وقوله: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا﴾ المعنى والله أعلم وقد كنتم، ولولا إضمار (قد) ... إلخ) 1/ 24.]]: (وقد كنتم أمواتا) ولولا إضمار (قد) لم يجز مثله في الكلام. وكذلك قوله: {وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ} [[الواو في قوله ﴿وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ﴾ ساقطة من (ب) وكذا وردت الآية في "معاني القرآن" 1/ 24.]] [يوسف: 27] المعنى: (فقد كذبت). وقولك للرجل: أصبحت كثر مالك، لا يجوز إلا وأنت تريد: قد كثر مالك، لأنهما جميعا قد كانا، فالثاني حال للأول، والحال لا يكون في الفعل إلا بإضمار (قد) أو بإظهارها [[انتهى ما نقله عن الفراء، انظر: "معاني القرآن" 1/ 24، وما ذكره الفراء يقرر القاعدة التي عند الجمهور وهي أن الجملة الفعلية، إذا كان فعلها ماض ووقعت حالا لابد من (قد) ظاهرة أو مقدرة، وبهذا قال "الطبري" في "تفسيره" 1/ 190، والزجاج في "المعاني" 1/ 74، الثعلبي 1/ 59 ب، أبو حيان في "البحر" 1/ 130 وغيرهم.]]. وحكى الكسائي: أصبحت [[[من هنا يبدأ سقط لوحة كاملة في نسخة (ب).]] نظرت إلى (ذات التنانير) يريد: قد نظرت، وذات التنانير) موضع [[(التنانير) جمع (تنور) وهو واد ذو شجر يقع بين الكوفة وبلاد غطفان، انظر "معجم ما استعجم" 1/ 320، "معجم البلدان" 2/ 47.]]. وتقدير الآية: كيف تكفرون وحالكم أنكم كنتم أمواتا. ومثل هذا قال الزجاج: فإنه قال: ومعنى (كنتم): وقد كنتم وهذه الواو، (واو الحال) [["معاني القرآن" للزجاج 1/ 74.]]. قال أبو الفتح: إنما احتيج إلى إضمار (قد) لأن (قد) تقرب الماضي من الحال حتى تلحقه بحكمه، ألا تراهم يقولون: (قد قامت الصلاة) قبل حال قيامها، وعلى هذا قول الشاعر: أُمَّ صَبِيٍّ قَدْ حَبَا [[في (ج): (جا).]] أَوْ دَارجِ [[الرجز لجندب بن عمرو يعرض بامرأة الشماخ في قصة أوردها البغدادي في "الخزانة" 4/ 238، وهي في "ديوان الشماخ" ص 353، و (أم صبي): هي امرأة الشماخ، ورد البيت في "معاني القرآن" للفراء 1/ 214، "سر صناعة الإعراب" 2/ 641، "الخزانة" 4/ 238، "ديوان الشماخ" ص 363، "اللسان" (درج) 3/ 1353، "أوضح المسالك" ص193.]] فكأنه قال: حابٍ [[في (أ) و (ج): (حباب) وما في (ب) موافق لما في "سر صناعة الإعراب" لأبي الفتح.]] أو دارج [[قال في "اللسان": وجاز له ذلك؛ لأن (قد) تقرب الماضي من الحال حتى تلحقه بحكمه أو تكاد. "اللسان" (درج) 3/ 1351.]]. ومثل هذه الآية قوله: ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ [النساء: 90] على معنى: قد حصرت [[انتهى ما نقله المؤلف -بتصرف- من كتاب "سر صناعة الإعراب" لأبي الفتح ابن جني 2/ 641.]]. فأما أحكام واو الحال فإنها مذكورة عند قوله: ﴿وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ﴾ [آل عمران: 154]. وقوله تعالى: ﴿أَمْوَاتًا﴾ قال ابن عباس في رواية الضحاك: أراد [[في (أ): (أرادوا)، وما في (ب، ج) هو الصحيح.]]: وكنتم تراباً ردّهم إلى أبيهم آدم [[الأثر عن ابن عباس أخرجه "الطبري" من طريق الضحاك عن ابن عباس، 1/ 187، وكذا ابن أبي حاتم 1/ 73، وذكره السيوطي في "الدر" وعزاه إلى ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه، (الدر) 1/ 89، وذكره ابن كثير عن الضحاك عن ابن عباس ثم قال: وهكذا روى السدي بسنده عن أبي مالك عن أبي صالح عن ابن عباس، وعن مُرة عن ابن مسعود، وعن ناس من الصحابة، وعن أبي العالية، والحسن، == ومجاهد، وقتادة، وأبي صالح والضحاك وعطاء. ابن كثير 1/ 71 - 72، انظر "الوسيط" 1/ 70.]]. وقال في رواية عطاء والكلبي: وكنتم نطفا، وكل ما فارق الجسد من نطفة أو شعر فهو ميت [[وبهذا النص ذكره الفراء في "معاني القرآن" ولم ينسبه لأحد، 1/ 25، والذي ورد عن ابن عباس من طريق عطاء: كنتم أمواتا فأحياكم في أصلاب آبائكم لم تكونوا شيئًا حتى خلقكم، ثم يميتكم موتة الحق، ثم يحييكم حين يبعثكم، أخرجه ابن أبي حاتم 1/ 73، وأخرج نحوه ابن جرير 1/ 189، وذكره السيوطي في "الدر" ونسبه إلى ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم. "الدر" 1/ 89، وذكره ابن كثير 1/ 71، وانظر: "تحقيق المروي عن ابن عباس" في سورة الفاتحة والبقرة وآل عمران 1/ 189 (رسالة ماجستير إعداد محمد العبد القادر). قال "الطبري" -بعد أن ذكر نحو هذا التفسير-: (وهذا قول ووجه من التأويل، لو كان به قائل من أهل القدوة الذين يرتضى للقرآن تأويلهم، ثم قال: وأولى ما ذكرنا من الأقوال: القول الذي ذكرنا عن ابن عباس وابن مسعود: من أن معنى قوله: ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا﴾ أموات الذكر خمولًا في أصلاب أبائكم نطفا، لا تعرفون ولا تذكرون: فأحياكم بإنشائكم بشرا سويا حتى ذكرتم وعرفتم وحييتم ...) 1/ 189.]] ﴿فَأَحْيَاكُمْ﴾ في الأرحام بأن خلقكم بشرا، وجعل فيكم الحياة ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ في الدنيا ﴿ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ للبعث ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ تردون فيفعل بكم ما يشاء مما سبق علمه وحكمه [[انظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 59 ب.]].

البقرة 2:29

قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ الآية قال المفسرون لما استعظم المشركون أمر الإعادة عرفهم خلق السموات والأرض، ليدل بذلك على أن إعادة الحياة فيهم وقد خلقهم أولاً ليس بأكثر من خلقه السموات والأرض وما فيهما [[ذكره أبو الليث عن الكلبي 1/ 309، والآية فيها دلائل نعمه عليهم مما يوجب عليهم شكره، ودلائل توحيده، انظر: "الطبري" 1/ 190، وابن كثير 1/ 72.]]. وقوله تعالى: ﴿لَكُمْ﴾ أي: لأجلكم، فما في الأرض مخلوق لهم بعضها للانتفاع، وبعضها للاعتبار [[في (أ): (الاعتبار)، وما في (ب)، (ج) أصح.]]، فإن السباع والعقارب والحيات، وكل ما يؤذي ويضر فيها منفعة للمكلفين وجهة ما فيها من العبرة والإرهاب؛ لأنه إذا رئي [[في (أ)، (ج): (أرى)، وأثبت ما في (ب) لأنه أنسب للسياق.]] طرف من المتوعد به كان أبلغ في الزجر عن المعصية وأدعى إلى التمسك بالطاعة، كما أنه إذا قدم طرف من الموعود به كانت النفس إليه [[في (ج): (عليه).]] أشوق، وعليه [[في (ج): (إليه).]] أحرص، والأصل في ذلك أن الخبر لا يقوم مقام المشاهدة فيما يصل إلى القلب ويبلغ إلى النفس [[وفي خلق هذِه الأشياء التي ذكر حكم كثيرة، منها ما علم للبشر، ومنها ما لم يعلم، وما ذكره بعض هذِه الحكم. انظر: "تفسير ابن عطية" 1/ 223، "الكشاف" 1/ 170، "زاد المسير" 1/ 58، "القرطبي" 1/ 216.]]. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾. أخبرني أبو سعيد بن أبي عمرو النيسابوري [[هو أبو سعيد، محمد بن موسى بن الفضل بن شاذان الصيرفي، بن أبي عمرو النيسابوري، سمع من الأصم وأكثر عنه، كان ثقةً مأمونًا، مات في سنة إحدى وعشرين وأربعمائة. انظر: "سير أعلام النبلاء" 17/ 350، "شذرات الذهب" 3/ 220.]] رحمه الله ثنا محمد بن يعقوب المعقلي [[هو الإمام المحدث محمد بن يعقوب المعقلي المعروف بالأصم، تقدمت ترجمته في المقدمة.]] أبنا [[في (ج): (ثنا).]] محمد ابن [[هو محمد بن الجهم السمري، أبو عبد الله، الكاتب، تلميذ الفراء وراوية كتبه، == كان من أئمة العربية العارفين بها، قال الدارقطني: ثقة، مات سنة سبع وسبعين ومائتين. انظر تاريخ بغداد 2/ 161، "معجم الأدباء" 18/ 109، "سير أعلام النبلاء" 31/ 163.]] الجهم عن الفراء قال: (الاستواء) في كلام العرب على جهتين، إحداهما: أن يستوي الرجل وينتهي شبابه وقوته، [[في "معاني القرآن" للفراء (أو) وهو أصح 1/ 25، وانظر "تهذيب اللغة" 2/ 1794.]] ويستوي من اعوجاج، وهذان وجهان، ووجه ثالث أن يقول: كان فلان مقبلا على فلان ثم استوى عليّ وإليّ [يشاتمني] [[في (أ)، (ج): (يكلمين) غير واضحة المعنى، والتصحيح من "معاني القرآن"، ومن "تهذيب اللغة" 2/ 1794.]] على معنى أقبل عليّ وإليّ، فهذا معنى قوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ [[انتهى ما نقله عن الفراء، وفي "معاني القرآن" قال: (وقال ابن عباس ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ صعد .. وكل كلام في كلام العرب جائزٌ، انظر: "معاني القرآن" 1/ 25، "تهذيب اللغة" (لفيف السين) 2/ 1794.]]. وأقرأني العروضي، عن الأزهري، قال: أخبرني المنذري، قال: سئل أحمد بن يحيى عن (الاستواء) في صفة الله، فقال: الاستواء الإقبال على الشيء [["تهذيب اللغة" (لفيف السين) 2/ 1794.]]. وأقرأني سعيد بن محمد الحيري [[أحد شيوخ الواحدي مضت ترجمته.]] رحمه الله عن أبي الحسن بن مقسم وأبي علي الفارسي عن الزجاج قال: قال قوم في قوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾: عمد وقصد إلى السماء، كما تقول: فرغ الأمير من بلد كذا، ثم استوى إلى بلد كذا، معناه: قصد بالاستواء إليه. قال: وقول ابن عباس: ﴿اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ أي صعد، معناه صعد أمره إلى السماء [[هذا تأويل وصرف لكلام ابن عباس.]]، انتهى كلامه [["معاني القرآن" للزجاج 1/ 75، 75، "تهذيب اللغة" (لفيف السين) 2/ 1794، ونص عبارة الواحدي أقرب إلى عبارة "التهذيب".]]] [[نهاية السقط من نسخة (ب).]]. وحكى أهل اللغة أن العرب تقول: كان الأمير يدبر أهل الشام ثم استوى إلى أهل الحجاز، أي: تحول فعله وتدبيره إليهم [[انظر: "معاني القرآن" للأخفش 1/ 218، "تفسير الطبري" 1/ 191، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 74. وكل هذِه "المعاني" التي ذكرها من باب التأويل، والمنهج السوي أن نثبت لله ما أثبته لنفسه، فهو سبحانه مستو على عرشه عال على خلقه، ولا يلزم لهذا أي لازم باطل مما يلزم لاستواء المخلوقين. قال الأشعري في "الإبانة عن أصول الديانة": (وإن قال قائل ما تقولون في الاستواء؟ قيل له: نقول إن الله عز وجل مستو على عرشه كما قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (5)﴾ [طه: 5]، وقد قال الله عز وجل: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: 10]، وقال: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء: 158] ..) ثم قال: (.. وقد قال قائلون من المعتزلة والجهمية والحروية: إن قول الله عز وجل: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:5]، إنه استولى وملك وقهر، وإن الله عز وجل في كل مكان وجحدوا أن يكون الله عز وجل على عرشه كما قال أهل الحق، وذهبوا في الاستواء إلى القدرة، ولو كان هذا كما ذكروه كان لا فرق بين العرش والأرض، فالله سبحانه قادر عليها وعلى الحشوش، وعلى كل ما في العالم ..) "الإبانة عن أصول الديانة" ص 81، انظر "شرح العقيدة الطحاوية" ص 343، "الرسالة التدمرية" ص 81، "مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية" 5/ 95، 144،136.]]. والأصل في (الاستواء) الاستقامة [[الاستواء في (كلام العرب) يأتي على وجوه كما مر قريبا في كلام الفراء ومن تلك الوجوه ما ذكره عن ابن عباس: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾: صعد، ثم قال: (وكل في (كلام العرب) جائز) انظر "معاني القرآن" للفراء1/ 25، "تفسير الطبري" 1/ 191، "تهذيب اللغة" (لفيف السين) 2/ 1794.]]، وإنما قيل للقصد إلى الشيء استواء لأن الاستواء يسمى قصدًا، يقال: أمر قاصد وعلى قصد، إذا كان على استواء واستقامة، فلما سمي الاستواء قصدًا، سمي القصد استواء، وإن لم يكن المراد بالقصد الاستقامة، ظنًّا منهم أن كليهما سواء لما اجتمعا في التسمية في موضع، هذا تعليل ذكره بعض أصحاب المعاني [[في (ب): (أهل المعاني).]] لتسميتهم القصد: استواءً وإن كانت اللغة لا تعلل. وأما استوى بمعنى: استولى، فقد يكون، وكأنه يقول: (استوت له الأمور فاستولى) [[في (ب): (واستولى).]]، ثم وضع (استوى) موضع (استولى) [[قال أبو الحسن الأشعري في (الإبانة): (... فلو كان الله مستويا على العرش بمعنى الاستيلاء، وهو عز وجل مستول على الأشياء كلها، لكان مستويا على العرش وعلى الأرض وعلى السماء .... لأنه قادر على الأشياء مستول عليها .. لم يجز أن يكون الاستواء على العرش: الاستيلاء الذي هو عام في الأشياء كلها، ووجب أن يكون معناه استواء يختص العرش دون الأشياء كلها ...) "الإبانة عن أصول الديانة" ص 49. وذكر ابن تيمية اثني عشر وجها في الرد على من فسر ﴿اسْتَوَى﴾ معنى (استولى) ومن تلك الوجوه: أنه لم يرد عن أحد من الصحابة ولا التابعين لهم، بل تفسير حدث من المبتدعة بعدهم. ثم هو ضعيف لغة. انظر: "مجموع الفتاوى" 5/ 144 - 149.]]. وقال الأخفش: استوى [[في (ب): (يقول: أي علا).]] أي: علا، تقول [[في (ب): (يقول) وفي "تهذيب اللغة" (وتقول) 2/ 1794.]]: استويت فوق الدابة وعلى ظهر البيت أي علوته [[انظر كلام الأخفش في "تهذيب اللغة" (لفيف السين) 2/ 1794.]]. وهذا القول اختيار محمد بن جرير قال: ومعناه [[(الواو) ساقطة من (ب).]] ارتفع ارتفاع ملك وسطان، لا ارتفاع انتقال وزوال [[رجح ابن جرير: أن الاستواء بمعنى العلو، فقال -بعد أن ذكر الأقوال في الاستواء-: (وأولى المعاني) بقول الله جل ثناؤه: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ﴾ علا عليهن وارتفع، فدبرهن بقدرته وخلقهن سبع سموات. والعجب ممن أنكر المعنى المفهوم من كلام العرب في تأويل قول الله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾، الذي هو بمعنى العلو والارتفاع، هربا عند نفسه من أن يلزمه بزعمه -إذا تأوله بمعناه المفهوم كذلك- أن يكون إنما علا وارتفع بعد أن كان تحتها، إلى أن تأوله بالمجهول من تأويله المستنكر، ثم لم ينج مما هرب منه!، فيقال له: زعمت أن تأويل قوله: (استوى) أقبل، أفكان مدبرا عن السماء فأقبل إليها؟ فإن زعم أن ذلك ليس بإقبال فعل، ولكنه إقبال تدبير، قيل له فكذلك، فقل: علا عليها علو ملك وسلطان، لا علو انتقال وزوال، ثم لن يقول في شيء من ذلك قولا إلا ألزم في الآخر مثله، ولولا أنا كرهنا إطالة الكتاب بما ليس من جنسه، لأنبأنا عن فساد قول كل قائل قال في ذلك قولا، لقول أهل الحق فيه مخالفا ....) "الطبري" 1/ 192. ونرى في سياق كلام الطبري أنه رجح في معنى (الاستواء) ما قال به السلف ثم أخذ يحاور المؤوّلين، ومن باب إلزام الحجة لهم قال: (قل: علا عليها علو ملك وسلطان ...) ولا شك أن هذِه العبارة ليس من نهج السلف في الإثبات والله أعلم.]]، وإنما هو ارتفاع تدبيره وحكمه وسلطانه، وهذا قريب من قول ابن عباس وتوجيه الزجاج لقوله [[قول ابن عباس: إنه بمعنى صعد، كما ذكر الفراء 1/ 25، وإنما أوله الزجاج بمعنى: يصعد أمره. انظر. "معاني القرآن" للزجاج 1/ 75.]]. وقوله تعالى ﴿فَسَوَّاهُنَّ﴾. حقيقة (التسوية) الجعل على الاستواء، يقال سويت الشيئين فاستويا، والفرق بينه وبين التقويم أن التسوية قد تكون بالحكم أن الشيئين يستويان، والتقويم لا يكون بالحكم، وإنما يكون بالفعل [[قال ابن جرير: ﴿فَسَوَّاهُنَّ﴾ يعني هيأهن وخلقهن ودبرهن وقومهن، والتسوية في (كلام العرب): التقويم والإصلاح والتوطئة ففسر (التسوية) بالاستقامة، انظر "الطبري" 1/ 192، وانظر: "الكشاف" 1/ 271.]]. وجمع الكناية [[الكناية: الضمير.]] في ﴿فَسَوَّاهُنَّ﴾ لأنه أراد بلفظ (السماء) جميع السموات كقولهم: كثر الدرهم والدينار في أيدي الناس، يراد الجمع [[ذكره الزجاج عن الأخفش، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 75، وانظر: "معاني القرآن" للأخفش 1/ 217، "معانىِ القرآن" للفراء 1/ 25، وذكر هذا الرأي "الطبري"، وأختار غيره كما يأتي 1/ 193.]]، وكثيراً ما يذكر الواحد والمراد به الجمع، كقوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي﴾ [الشعراء:77] وقوله: ﴿إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء:16]. وكما أنشده [[في (ب): (أنشد).]] قطرب: أَلاَ إِنَّ جِيرَانِي العَشِيَّة رَائِحٌ ... دَعَتْهُمْ دَوَاعٍ مِنْ هَوى وَمنَادِحُ [[البيت لحيان بن جُلْبَة المحاربي، جاهلي ذكره أبو زيد في "نوادره" مع بيت بعده ص 444، وكذا البكري في "معجم ما استعجم" 1/ 137، والسيوطي في "همع الهوامع" 6/ 119.]] ويجوز أن يراد بالسماء جمع سماة أو سماوة، على ما ذكرنا قبل [[ذكره عند قوله تعالى: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾ البقرة: 19، ص 547، وقد ذكر هذا الرأي "الطبري" واختاره 1/ 192، والزجاج 1/ 75.]]. وجائز أن تعود الكناية على أجزاء السماء ونواحيها [[فجمع باعتبار تعدد أجزائها ونواحيها، انظر "الطبري" 1/ 193.]]. وقوله تعالى: ﴿سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾. (السبع) عدد المؤنث، والسبعة للمذكر، وجاء التذكير والتأنيث في هذا على خلاف الأصل، لأنهم لما [[(لما) ساقط من (ب).]] وضعوا العدد في أول أمره قبل أن يعلق على معنى تحته وأكثر من العدد، قالوا: أربعة خمسة، ثم أرادوا بعد ذلك [[في (ب): (تعليقه بعد ذلك).]] تعليقه على المعدود، وكان المذكر هو الأول جعلوا الأول للأول، والثاني للثاني [[الأول في العدد (ثلاثة) وفي المعدود المذكر، والثاني في العدد (ثلاثة) وفي المعدود المؤنث.]]. ولهذا علل كثيرة يذكر [[(يذكر) ساقط من (ب)، والأولى للسياق تذكر.]] في غير هذا الكتاب [[اختلف النحويون في علة ذلك على أقوال كثيرة، انظر بعض هذِه العلل في "جمل الزجاجي" ص 125، "وشرح جمل الزجاجي" لابن عصفور 2/ 30.]]. وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾. أي من كفرهم ونفاقهم وكتمهم وصفك يا محمد. وقيل: إنه لما ذكر ما يدل على القدرة والاستيلاء [[هذا من التأويل، بل (الاستواء العلو).]] وصل [[في (ب): (وصف).]] ذلك بوصفه بالعلم، إذ به يصح الفعل المحكم المتقن. وقيل: هو [[في (ب): (وهو).]] بكل شي عليم من الخلق والتسوية [[والأولى عموم ذلك، فالذي خلقكم وخلق لكم ما في الأرض، وسوى السموات السبع فأحكمهن واستوى على عرشه، لا يخفى عليه منكم شيء، انظر. "الطبري" 1/ 195، "تفسير أبي الليث" 1/ 107، "الكشاف" 1/ 271، "القرطبي" 1/ 223.]]. والآية لا تدل على أنه خلق السماء بعد الأرض، إنما تدل على أنه جعلها سبعًا بعد ما خلق الأرض، وقد كانت السماء قبل ذلك مخلوقة، كما قال أهل التفسير: إنها كانت قبل دخانًا [[في هذِه المسألة نزاع بين المفسرين، وقول الجمهور على أن الله خلق الأرض أولا، ثم خلق السماء، لكن دحو الأرض كان بعد خلق السماء. وجمع "القرطبي" بين الأقوال بأن الدخان الذي خلقت منه السماء خلق أولا، ثم الأرض ثم سويت السماء من ذلك الدخان ثم دحيت الأرض بعد ذلك، وعلى هذا يدل كلام الواحدي، انظر. "تفسير الطبري" 1/ 193 - 195، "تفسير أبي الليث" 1/ 107، "زاد المسير" 1/ 58، "الكشاف" 1/ 271، "القرطبي" 1/ 219 - 221، و"ابن كثير" 1/ 72 - 73.]]. وكان أبو عمرو والكسائي يخففان (وهو)، (فهو) ويسكنان (الهاء) مع الواو والفاء واللام [[الهاء إذا سبقت بالواو أو الفاء أو اللام أو ثم (وهو، فهو، ولهو، وثم، هو) فابن كثير وعاصم وابن عامر وحمزة يقرؤون بتحريك الهاء في ذلك كله، والكسائي بتخفيف ذلك وإسكان الهاء، وأبو عمرو يسكنها في القرآن ماعدا قوله تعالى: ﴿ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [القصص: 61]، فيضم الهاء، وعن نافع روايتان التثقيل والتخفيف، انظر "السبعة" لابن مجاهد ص 151، "الحجة" لأبي علي 1/ 406، "الكشف" 1/ 234، "التيسير" ص 72، "النشر" 2/ 209.]]. وذلك أنهما يجعلان هذه الحروف كأنها من نفس الكلمة، لما [[في (ب): (مما لم).]] لم يكن لها إذا [[في (ب): (إذ).]] أفردت معنى، فأشبهت في حال دخولها الكلمة ما كان من نفسها [[في (ب): (تقسيمها).]]. وإذ كان كذلك خففت (الهاء) كما خففت (العينات) [[في (ب): (العينان).]] في (سَبُع) و (عَضُد) [[فيقال: (سَبْع) و (عَضْد) بتسكين العين. انظر: "الحجة" 1/ 407، "الكشف" لمكي 1/ 234.]] ونحوهما، ولا يخففان [[قوله: (ولا يخففان) يعود على الكسائي وأبي عمرو، والصحيح (ولا يخفف أبو عمرو، أما الكسائي فإنه يخفف (ثم هو) انظر: "الحجة" 1/ 407 - 409، فلعل العبارة تصحيف، أو وهم من المؤلف.]] ﴿ثُمَّ هُوَ﴾ [القصص: 61] لأنه لا يستقيم أن يجعل (ثم) بمنزلة (الفاء) وما كان على حرف. والحرف الواحد قل يجعل كأنه من نفس الكلمة [[إذا اتصل بالكلمة بخلاف (ثم)، انظر: "الحجة" 1/ 408.]]، وذلك قولهم: (لعمري وَرَعَمْلِي) فقلبوه مع اللام، واللام زائدة [[فجعلوا اللام كأنها من بنية الكلمة، وأبدلوها مكان (الراء).]]. ومثل تخفيفهم [[في (ب): (تحقيقهم).]] (لَهْو) قولهم: (أَرَاك مُنْتَفْخاً) [[في (ب): (مستحقا).]] لما كان (تَفِخًا) [[الأصل في (تفخا) كسر الفاء، وخففت في (مُنْتَفْخاً) بالإسكان.]]، مثل [كَتِف] [[في جميع النسخ (كيف) والتصحيح من "الحجة" 1/ 408، و (كتف) يخفف في لغة بإسكان الوسط فيقال. (كَتْف).]] خفف، وكذلك قراءة من قرأ [[وهي قراءة حفص عن عاصم (ويَتَّقْه)، انظر "السبعة" ص 408، "الكشف" 2/ 140.]] ﴿وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ﴾ [النور: 52]، لما كان (تَقِه) [[أي أنه شبه (تقه) (كتف) حيث خفف الثاني بالإسكان.]]، مثل (كتف) خفف. ومثل ذلك ما أنشده الخليل: أَلاَ رُبَّ مَوْلُودٍ وَلَيْسَ لَهُ أَبٌ ... وَذِي وَلَدٍ لَمْ يَلْدهُ أَبَوَانِ [[البيت لعمرو الجنبي، ونسبه سيبويه لرجل من أزد السراة، والمولود الذي ليس له == أب هو عيسى عليه السلام، والذي لم يلده أبوان هو آدم. والشاهد في البيت (يَلْدَه) أراد لم يلده بسكون الدال، فلما التقى ساكنان اللام والدال حرك الدال بحركة أقرب متحرك منها وهو الياء ففتحها. ورد البيت في "الكتاب" 2/ 266، "الكامل" 3/ 177، "الحجة" 1/ 66،409، "التكملة" ص 7، "المخصص" 14/ 221، 17/ 63، "الخصائص" 2/ 333، "شرح المفصل" 4/ 48، 9/ 123، 126، "مغنى اللبيب" 1/ 135، "الهمع" 1/ 186، "الخزانة" 2/ 381.]] لما كان (يلد)، مثل (كتف) [[في (أ)، (ج). (كيف) وأثبت ما في (ب) لأنه الصواب وموافق لما في "الحجة".]] خفف، ثم حرك الدال لالتقاء الساكنين، لأنه [[في (ب): (لا كان).]] كان يجب أن يسكن علامة للجزم، فهذه الأشياء متصلة، وقوله: (فهو وهو ولهو) في حكمها، وليس كذلك (ثم هو) [[في (ب): (هوى).]] ألا ترى أن (ثم) منفصل من (هو) [[في (أ)، (ج): (من ها ولا مكان) وأثبت ما في (ب) لأنه هو الصحيح وموافق لما في "الحجة" 1/ 409.]] لإمكان الوقف عليها وإفرادها مما بعدها، وليست الكلم التي على حرف واحد كذلك. ولمن [[في (ج): (ولم). ومن خفف هو الكسائي: انظر: "الحجة" 1/ 409.]] خفف (ثم هو) أن يقول [[في (ج): (تقول).]]: إن (ثم) مثل الفاء والواو واللام في أنهن لسن [[في (ب): (ليس).]] من الكلمة، كما أن (ثم) ليس منها، وقد جعلوا المنفصل بمنزلة المتصل في أشياء، ألا ترى أنهم أدغموا [[في (ب): (أقدموا).]] نحو (يدْ دّاود) و (وجَعَلْ [[فأدغموا الدال من (يد) في دال (داود) وهما في كلمتين منفصلتين وكذا (جعل لك).]] لَّك) كما أدغموا (رَدَّ) [[وهما في كلمة واحدة.]] و (عَدَّ)، ومثل هذا قول امرئ القيس: فَالْيَومَ أَشْرَبْ غَيْرَ [[(غير) ساقطة من (ج)]] مُسْتَحْقِبِ [[البيت لامرئ القيس وتمامه: إِثْمًا مِنَ الله وَلَاَ واغِل قاله بعد أن أدرك ثأره في أبيه، وكان قد نذر لا يشرب الخمر، فلما أدرك ثأره رأى أنه تحلل من نذره، والمستحقب: المتكسب، وأصل الاستحقاب حمل الشيء في الحقيبة، والواغل: الداخل على القوم يشربون ولم يدع. والبيت من "شواهد سيبويه" 4/ 204، "الحجة" 1/ 117/، 410، 2/ 80، "نوادر أبي زيد" ص187، "الخصائص" 1/ 74، 2/ 317، 340، 3/ 96، "شرح المفصل" 1/ 48، "الهمع" 1/ 187، "الخزانة" 1/ 152، 3/ 463، 4/ 106، 484، 8/ 339، وفي "ديوان امرئ القيس" ص 122، برواية (أسقى) بدل أشرب، وعليه فلا شاهد فيه، وبهذا أخذ المبرد، ولكنه في "الديوان" ص 134، برواية (أَشربْ) والشاهد فيه عند النحويين، تسكين الحرف في أشرب، وحذف الضمة.]] فـ (رَبْ غَيْ) [[في (ب): (على)، وفي "الحجة" فـ (رب غ) أي أنه جعل آخر كلمة (أشرب) مع أول كلية (غير) مثل كلمة واحد كـ (سبع) فأسكن.]] مثل: (سبع)، وقد أسكن. وأنشد أبو زيد على هذ: قَالَتْ سُلَيْمَى اشْتَرْ لَنَا دَقِيقًا [[الرجز لرجل من كندة يقال له: (العُذَاِفِر الكندي) وبعده: وهَات بُرَّ البَخْسِ أَوْ دَقِيقَا وفي جميع المصادر (سويقا) بدل (دقيقًا)، أورده أبو زيد في "النوادر" ص 170، وفي "الحجة" لأبي على1/ 67، 410، "التكملة" ص 8، "الخصائص" 2/ 340، 3/ 96، "المنصف" 2/ 237، "اللسان" (بخس) 6/ 25. وبهذا البيت ينتهي ما نقله الواحدي في هذا الموضع من (الحجة) أبي علي الفارس بتصرف 1/ 407، 410، وانظر: "الحجة في القراءات" لابن خالويه ص 73، "الكشف" لمكي 1/ 234، 235.]]

البقرة 2:30

قوله تعالى ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ﴾. قال النحاة: (إذ) و (إذا) [حرفا توقيت، (إذ) للماضي و (إذا)] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]] لما يستقبل [[قال الثعلبي (إذ وإذا حرفا توقيت، إلا أن (إذ) للماضي و (إذا) للمستقبل وقد يوضع أحدهما موضع الآخر) "تفسير الثعلبي" 1/ 60 أ، وذكر نحوه ابن الأنباري في (الأضداد) ص 118، وكذا الأزهري في "تهذيب اللغة" 1/ 137، وقال سيبويه: (إذا لما يستقبل من الدهر ... وهي ظرف ... وتكون إذ مثلها، "الكتاب" 4/ 232، وانظر: "مغني اللبيب" 1/ 80، 87.]]. قال المبرد: إذا جاء (إذ) مع المستقبل كان معناه المضي نحو قوله: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ﴾ [الأنفال:30]، ﴿وَإِذْ تَقُولُ﴾ [الأحزاب:37] يريد: وإذ مكر، وإذ قلت. وإذا جاء (إذا) [[في (ب): (إذ).]] مع الماضي كان معناه الاستقبال [[في (ب) كان معناه الاستقبال في (المعنى وفي اللفظ)، وهذِه الزيادة غير موجودة في (أ)، (ج). ولا في "تفسير الثعلبي" الذي نقل الواحدي عنه.]] كقوله: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ﴾ [النازعات:34] و ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾ [النصر:1] أي يجيء [[في (أ)، (ج). (تجئ) وفي (ب) بدون إعجام، والتصحيح من "تفسير الثعلبي"، انظر كلام المبرد في "تفسير الثعلبي" 1/ 60 أ، "القرطبي" في "تفسيره" 1/ 223، ولم أجده بهذا النص فيما اطلعت عليه من كتب المبرد، انظر: "المقتضب" 2/ 52 - 57، 76، 77، 176، 178، "تهذيب اللغة" 1/ 137، "الأضداد" لابن الأنباري ص 118.]]. فإن قيل: إذا كانت (إذ) لما مضى [[سبق قريبًا أن (إذ)، قد تأتي للمستقبل إذا شهر المعنى، ذكر هذا ابن الأنباري واستشهد بقوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: 110] انظر "الأضداد" ص 118.]]، فكيف جاز [[في (ب): (جاد).]] {وَإِذ قَالَ اللهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ} [المائدة: 116] ، ﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ﴾ [غافر: 47]؟. والجواب أن هذا خرج على تقدير الاستقبال في المعنى، وفي اللفظ على صورة المضي [[من قوله: (على صورة المضي ..). وما بعده إلى نهاية تفسير لفظ (الملائكة) ورد مكررا في جميع النسخ الثلاث التي اعتمدت عليها، وقد علق الناسخ في نسخة (أ) على أول الكلام المكرر كلمة (مكرر) بينما الناسخ في (ج) أدخل كلمة (مكرر) وسط الكلام، وكأنه ظن أنها جزء من السياق. وبعد التمحيص للكلام المكرر وجدت في أوله بعض الفروقات اليسيرة أما في تفسير لفظ: (الملائكة) ففيه اختلاف كبير، وهو ملخص مما قبله بإتقان، ويظهر لي أن المؤلف أضرب عن كلامه السابق وأعاده مرة أخرى، ونقله النساخ على وضعه، وقد أثبت الكلام على حسب ما ورد في المخطوطات بدون تصرف في الأصل وعلقت على الفروق في مواضعها.]]، لأن ما تحقق كونه فهو بمنزلة ما قد كان، كقوله: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف:44]، ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ﴾ [الأعراف: 50] وأشباهه [[انظر: "الأضداد" لابن الأنباري ص 119، "تهذيب اللغة" 1/ 137.]]. وقال أبو عبيدة: (إذ) هاهنا [[في المكرر (في هذا الموضع).]] زائدة، معناه: وقال ربك للملائكة [[انظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 1/ 36، "تفسير الثعلبي" 1/ 59 ب، و"الطبري" في "تفسيره" 1/ 195، وبنحو قول أبي عبيدة قال ابن قتيبة، انظر: "غريب القرآن" ص 45.]]. وأنكر الزجاج وغيره هذا القول [[قال الزجاج في رده على أبي عبيدة (هذا إقدام من أبي عبيدة، لأن القرآن لا ينبغي أن يتكلم فيه إلا بغاية تجري إلى الحق و (إذ) معناها الوقت، وهي اسم، فكيف يكون لغوا ...)، "معاني القرآن" 1/ 75، وممن أنكر على أبي عبيدة النحاس في "إعراب القرآن"، 1/ 156، و"الطبري" في "تفسيره" 1/ 195.]]، وقالوا [[في المكرر (وهو أن الحرف إذا كان مفيدًا معنى ...)، وفي (ب) (مقيد).]]: إن الحرف إذا أفاد معنى صحيحا لم يجز إلغاؤه، قالوا: وفي الآية محذوف معناه: واذكر يا محمد إذ قال ربك [["تفسير الثعلبي" 1/ 59 ب، وانظر "تفسير الطبري" 1/ 196.]]. وقال أبو إسحاق [[في المكرر (الزجاج).]]: إن الله جل ذكره ذكر خلق الناس في هذه الآية فكأنه قال: ابتدأ خلقكم إذ قال ربك للملائكة [["معاني القرآن" للزجاج 1/ 76.]]. وأكثر المفسرين [[في (ب): (المفسرون) وفي المكرر (وعند غيره من المفسرين ...).]] على أن كل ما ورد في القرآن من هذا النحو فالذكر فيه مضمر [[انظر: "تفسير أبي الليث" 1/ 107، وابن عطية في "تفسيره" 1/ 240، "القرطبي" في "تفسيره" 1/ 224.]]. وأما [[(الواو) ساقطة من (ب).]] (الملائكة) فقال سيبويه [[انظر كلام سيبويه في (الكتاب) 4/ 379.]]: واحدها ملك، وأصله مَلْأَك، مهموز، حذف همزه لكثرة الاستعمال، وأنشد: فَلَسْتَ لإنْسِيٍّ ولكن لمَلْأَكٍ ... تَنَزَّلَ مِنْ جَوِّ السِّماء يَصُوبُ [[البيت لعلقمة الفحل، وقيل: لرجل من عبد القيس جاهلي، وقيل لأبي وجزة السعدي، وقد سبق تخريجه عند تفسير قوله تعالى: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾ [البقرة: 19] ص 572.]] وتابعه على هذا القول أكثر أهل العلم [[أصلها (ملْأك)، يحذفون الهمزة منه، وينقلون حركتها إلى اللام وكانت مسكنة في حال همز الاسم. فإذا جمع الاسم ردوا الهمزة على الأصل فقالوا: (ملائكة)، انظر: "تفسير الطبري" 1/ 197، والثعلبي في "تفسيره" 1/ 60 أ، "مجاز القرآن" 1/ 35، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 80، "تهذيب اللغة" (ملك) 4/ 3449، == و (ألك) 1/ 184، "الكشاف" 1/ 371. وذكر أبو البركات ابن الأنباري الأقوال في أصل (ملك) وهي: 1 - الملائكة جمع (ملك) على أصله في الهمز بعد القلب وهو (مَلْأَك) وأصل (مَلْأَك): (مَأْلكَ) لأنه من أَلكَ إذا أرسل، ووزنه على الأصل (مَفْعَل) فنقلت العين إلى موضع الفاء فصار (مَلْأكًا). 2 - أنه مشتق من (لَأَك) إذأ أرسل، فاللام (فاء) والهمز (عين) ولا قلب فيه. 3 - أنه مشتق من (مَلَكْت)، الميم أصلية ووزنه (فَعَلٌ) انظر "البيان في غريب إعراب القرآن" 1/ 70.]]. إلا أن المحدثين من البصريين ذكروا أن هذا من باب القلب [[أي قلب المكان.]] فقالوا: نقل همزة (الأَلُوك)، وهو (فاء) إلى عينه، وقدموا العين، فقالوا: (لؤُوك) [[في (ب): (لؤك).]] وبنوا (الْمَلْأَك) منه، وإنما قالوا ذلك لأنهم لم يجدوا لـ (مَلْأَك) [[في (ب): (الملاك).]] أصلاً يردّونه إليه. وكان ادعاء القلب في الكلمة أولى عندهم من إهمال أصل (الْمَلْأَك) إذ علموا أن (المَفْعَل) [[في (ج): (الفعل).]] وما يجري مجراه مما زيد في أوله ميم لابد له [[(له) ساقط من (ب).]] من أصل ثلاثي يرد إليه، ولم يمكن رد (الْمَلأَك) إلى (لَأَكَ) لأنه مهمل لم ينطق به [[قال مكي: قال أبو عبيد: هو مشتق -أي: ملك- من (لأك) إذا أرسل، فالهمزة عين ولا قلب فيه، انظر (مشكل إعراب القرآن) 1/ 36، وقد أورد صاحب "اللسان" مادة (لأك) وتكلم عنها، ولم يذكر أنها مهملة، انظر "اللسان" (لأك) 7/ 3975.]] فردوه إلى (أَلَك) لما [[(لما) ساقطة من (أ)، (ج)، والسياق يقتضيها.]] وجدوا في الكلام: (الْمألَك) [[في (ب): (المألكه).]]، و (الْمَأْلُك) و (الْمَاْلُكة) في معنى الرسالة [[انظر "غريب القرآن"، لابن قتيبة 1/ 37، "الزينة" لأبي حاتم الرازي 2/ 160، 161، "الزاهر" 2/ 267، "مشكل إعراب القرآن" 1/ 36، "مفردات الراغب" ص 21، "البيان في غريب إعراب القرآن" 1/ 70، "اللسان" (ألك) 1/ 110.]]. ومعنى (أَلكَ) في اللغة: علك، يقال الخيل تَأْلُك اللجم، بمعنى: تعلُك، والرسالة سميت (أَلُوكا) لأن الإنسان يَأْلُكُها، ويدير الكلام في فيه، كما يَأْلُك الفرس اللجام [[ذكره الأزهري عن الليث، انظر: "تهذيب اللغة" (ألك) 1/ 184، وانظر "اللسان" (ألك) 1/ 110.]]. فعلى هذا (ملك) وزنه (مَفَل) [[بل الصواب وزنه (مَعَل) لأن المحذوف فاء الكلمة وهي الهمزة، انظر "البيان" 1/ 70.]]، وكان في الأصل [[(في الأصل) ساقط من (ب).]] (مَعْفَل)، لأنه مَلْأَك، هو مقلوب من [[في (ج): (عن).]] (مأْلَك)، وأوردوا أن يكون مفعلًا من (الألوك)، إلا أنهم قلبوا كما ذكرنا [[انظر: "المحكم" (ل أك) 7/ 69، "مشكل إعراب القرآن" 1/ 36، "البيان في غريب إعراب القرآن"، 1/ 70.]]. هذا قول عامة أهل اللغة والنحو في هذا الحرف [[في (ب): (الحروف).]]. وذهب بعض [[في (ب): (ذهب المتأخرون).]] المتأخرين من أصحاب أبي علي الفارسي وهو أبو القاسم الزجاجي إلى خلاف ما ذهب إليه هؤلاء فقال: قول من يقول: إن تركيب ملك من (م، ل، ك) أولى من قول من يقول: إنه (مَفْعَل) [[انظر: "مشكل إعراب القرآن" 1/ 36، "البيان" 1/ 70، وقد رد ابن سيده القول == بأن الميم أصلية في (ملك)، انظر "المحكم" 7/ 47، 69، وانظر "اللسان" (لَأَك) 7/ 3975. والرد على هذا القول يرد في الكلام المكرر فيقول: (وقال بعض المتأخرين أصله (مَلك) كما هو الآن، وهو بمعنى المملوك ... فخالف بهذا القول جميع أهل اللغة، واحتج على ما ذهب إليه بما يطول ذكره) فلعل الواحدي أضرب عن كلامه الأول واعتمد الأخير. وهذا ولأبي القاسم الزجاجي قول يخالف هذا، قال في كتاب "اشتقاق أسماء الله": (وأما (الملك) واحد الملائكة، فليس من هذا، لأن ذاك أصله الهمز؛ لأن أصله (مَلْأَك) مَفْعَل من الأَلُوك وهي الرسالة ... فكان سبيله أن يقال: مَأْلَك، ثم قلب فقيل: (مَلْأَك) ثم استعمل بطرح الهمزة ....)، "اشتقاق أسماء الله" ص 45 وقول الزجاجي هذا يوافق الجمهور ويخالف ما نقل الواحدي عنه.]] من (الْأَلُوك) مقلوبًا، لأن (المَفْعَل) لا يكون حامل الرسالة، وهم يقولون: إنما قيل: (ملك) لحمله الرسالة، والذي يصلح من الأبنية له (فَاعِل) أو (فَعُول) [[في (ب): (مَفْعُول).]] أو (فَعِيل) أو (مُفْعَل) فأما (مَفْعَل) فإنه يصلح أن يكون موضعًا أو مصدرًا. وما يتركب من (م، ل، ك) هو في كلامهم الاستيلاء على الشيء وإجادته وإنعامه كملك الشيء وملك العجين، وإملاكه هو إنعام عجنه، ولا يصل إلى ذلك إلا بالاستيلاء عليه، وإملاك الرجل أن يجعله مالكًا لعقد النكاح، وكل شيء مكنت غيرك منه وجعلته له فقد أملكته [[في (ب): (أمكنته).]] إياه وملكته، وجميع ما يتركب من هذه الحروف راجع إلى ما ذكرنا، وهذا قد مر ذكره في قوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: 4]. فـ (الْمَلكَ) [[في (ب): (والملك).]] اسم الجنس يقع على الواحد والجمع [[من جعل (مَلَك) هو الأصل فهو مفرد جمعه (فعائلة) وهو جمع شاذ كما قال العكبري في (الإملاء) 1/ 28، وقال أبو البركات ابن الأنباري: (مجيء هذا == الوزن في الجمع يدل على فساد قول من جعل (ملكاً) على وزن (فَعَل) لأن فَعَلاً لا يجوز أن يجمع فعائلة ...)، "البيان" 1/ 71.]]، ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا﴾ [الحاقة: 17] وهو (فَعَل) في معنى مَفْعول، كالنشر والنقض والخبط. والله تعالى ذكره وإن كان قد ملك كل الخلق، فإنه أجرى هذه اللفظة على الجنس، لأنه [[في (ب): (لأنهم).]] وصفهم فقال: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: 16] وبهذه الصفة يجب أن يكون [[(يكون) ساقطة من (ج).]] كُلٌّ مملوكاً [[في الأصل (مملوك) والتصحيح من المحقق.]]، فلما وجد فيهم [[في (ب): (منهم).]] المعنى الذي يجب أن يكون عليه المملوك من الطاعة سماهم (الملك)، ومثل هذا الاختصاص كثير نحو: (ناقة الله) و (بيت الله). قال [[أي الزجاجي.]]: وذكر ابن دريد في الجمهرة فقال: (ويجمع (الْملَكُ) أمْلاَكًا وَملاَئِك) [["جمهرة اللغة" 2/ 981.]]، وهذا قد أزال [[في (ب): (ارال).]] الخلاف لأن (أَفْعَالاً)، لا يجوز أن يكون جمع ما في أوله ميم زائدة. وحكى أبو القاسم الآمدي [[هو الحسن بن بشر الآمدي البصري المنشأ، إمام في الأدب، قدم بغداد وأخذ عن الحسن بن علي بن سليمان الأخفش، والزجاج، وابن دريد، وفاتهم سنة سبعين وثلاثمائة، انظر ترجمته في: "إنباه الرواة" 1/ 285، "معجم الأدباء" 2/ 469، "بغية الوعاة" 1/ 500.]] عن علي بن سليمان الأخفش [[هو علي بن سليمان بن الفضل، أبو الحسن، المعروف (د) (الأخفش الصغير) == سمع من ثعلب والمبرد، كان ثقة، توفي سنة خمس عشرة وثلاثمائة، انظر ترجمته في: "تاريخ بغداد" 11/ 433، "إنباه الرواة" 2/ 276، "معجم الأدباء" 4/ 126.]] أنه قال: جمع الملك: أَمْلَاك [[انظر كلام الأخفش في "الزينة" 2/ 162.]]. وحكي عن العرب (مالك الموت) في (ملك الموت) فلولا أنهم عرفوا أن الأصل فيه (م ل ك) ما عبروا عن (ملَك) بمالك. قال رويشد بن حنظلة [[خطأ الأكثرون هذا الشاعر، قال ابن سيده: (ورأيت في بعض الأشعار: مالك الموت في ملك الموت ...) ثم ذكر البيت، ثم قال: (وهذا عندي خطأ، وقد يجوز أن يكون من جفاء الأعراب وجهلهم، لأن ملك الموت مخفف عن (مَلْأك) ...) "المحكم" 7/ 47. وقال في موضع آخر: (فإنه ظن ملك الموت من (م ل ك) فصاغ (مالكا) من ذلك، وهو غلط منه، وقد غلط بذلك في غير موضع من شعره ... وذلك أنه رآهم يقولون: (ملك) بغير همز، وهم يريدون: (مَلْأَك) فتوهم أن الميم أصل، وأن مثال ملك (فَعَل): كَفَلَك، وسَمَك، وإنما مثال (ملك): (مَفَل) والعين محذوفة ألزمت التخفيف إلا الشاذ .. ومثل غلط رويشد كثير في شعر الأعراب الجفاة) "المحكم" 7/ 69. وعقد ابن جني في "الخصائص" بابا في أغلاط العرب، وذكر أبيات رويشد، ثم قال: (وحقيقة لفظه غلط وفساد ..)، "الخصائص" 3/ 273، 274، انظر: "اللسان" (لأك) 7/ 3975. وروشيد بن حنظلة لم أجد له ترجمة.]]: غَدَا مالِكٌ يَبْغِي نِسَائِي كَأَنَّمَا ... نِسَائِي لسَهْمَيْ مَالِكٍ غَرَضَانِ فَيَارَبِّ فَاتْرُكْ لِي جُهَيْمةَ [[في (ب): (جهينة) وهي رواية في البيت.]] أَعْصُراً ... فَمَالِكُ مَوْتٍ بِالْفِرَاقِ دَهَانِي [[ورد البيتان في "المحكم" 7/ 47،7/ 69، "الخصائص" 2/ 72، 3/ 273، "اللسان" (لأك) 7/ 3975.]] وهذا الشاعر ماتت نساؤه [[في (أ)، (ج): (نساه) وأثبت ما في (ب) لأنه الأولى.]] وأطال التزوج فلم تلبث [[في (ج): (يلبث).]] عنده واحدة، فهذا كما ترى سمى المَلَك: (مَالِكاً)، وأما البيت الذي أُنشد في (الْمَلْأَك) [[في (ب): (الملك) والبيت هو ما احتج به سيبويه وغيره من أهل اللغة والنحو وهو قول علقمة الفحل أو غيره: فَلَسْتَ لِإنْسِيٍّ وَلَكِنْ لِمَلْأَكٍ. وقد سبق آنفاً.]] فليس فيه حجة قاطعة فإنه شاعر [[في (أ)، (ج): (لا شاعر) واخترت ما في (ب) لأنه أصح في السياق.]] واحد، ولم يسمع (الْمَلْأَك) إلا في ذلك البيت الواحد، ولعله همز ما ليس أصله الهمز كما قالوا: (رمح يَزْأَنِيَّ) [[(يَزْأَنِيّ) نسبة إلى ذي يزن من ملوك حمير نسبت الرماح له لأنه أول من عملت له، والأصل (يَزَنِيُّ) و (أزَنِي) وبعضهم زاد الهمزة فقال: (يَزْأَنِي) انظر "اللسان" (يزن) 8/ 4956.]] فزادوا الهمز، وقالوا: (حَلَّأْتُ [[الأصل (حَلَّيْت السويق) أي جعلته حلوا وهمزه شاذ، انظر "سر صناعة الإعراب" 1/ 90، 420، "اللسان" (حلا) 2/ 983.]] السَّويق) وليس أصله الهمز، ومثله كثير. وأما الجمع فالملائك (فعائل) كالجمائل في جمع الجمل [[قوله (في جمع الجمل) ساقط من (ب). وقوله: (فعائل) هذا عند من يرى أن (الميم) في (ملك) أصلية، أما على قول الجمهور فجمعه (معافله) أو (مفاعلة)، انظر "مشكل إعراب القرآن" 1/ 36، 37.]]. ويجوز أن يكون الملائك (مفاعلا)، وإن كان الواحد (فَعَلاً)، لأن باب الجمع ليس بمطرد ولا مقيس، ألا ترى أنهم قالوا في جمع القبح [[في (ب): (الفتح: مفاتح).]]: مقابح، وفي جمع الحسن: محاسن، وفي جمع الشبه: مشابه، وفي جمع العزف وهو اللهو معازف، وقالوا: أطعمني مطايب الجزور، لجمع [[في (أ)، (ج): (لجميع) واخترت ما في (ب) لأنه أصح في السياق.]] طيب، وهذا باب واسع [[في (ب): (وهذا جمع واجب يتبع).]]. والأمر فيه عند المحققين أن كل لفظة من هذه الألفاظ التي وردت في الجمع مخالفة للقياس هي موضوعة للجمع من غير أن كُسِّر [[أي: جمع تكسير.]] عليها الواحد، فالمحاسن لفظة نابت [[في (ب): (ثابت).]] عن جمع الحسن، وكذلك [[في (ب): (وذلك).]] أشباهها، هذا كلامه وهو طويل وقد [[في (ب): (وهو).]] اختصرته [[يريد كلام أبي القاسم الزجاجي وسيأتي في المكرر إشارة له بقوله: (وقال بعض المتأخرين أصله (ملك) كما هو الآن ... فخالف بهذا القول جميع أهل اللغة، واحتج على ما ذهب إليه بما يطول ذكره) ولعل الواحدي ترك ذكر كلام الزجاجي مفصلا واكتفى عن ذلك بالإشارة إليه.]]. وحكي عن النضر بن شميل، أنه قال في الملك: إن العرب لا تشتق فعله ولا تصرفه وهو مما فات [[في (أ)، (ج): (مات) وما في (ب) موافق لما عند الثعلبي فقد نقل عنه الواحدي كلام النضر والتعليق عليه. "تفسير الثعلبي" 1/ 60 أ.]] علمه، فهذا الذي ذكرنا طرف من الكلام في أصل هذا الحرف [[في (ب): (هذِه الحروف).]] على مقدار ما يليق بهذا الكتاب (على [[قوله: (على صورة الماضي) .. من هنا إلى قوله: (واحتج على ما ذهب إليه بما == يطول ذكره) مكرر مع ما سبق، ولعل الواحدي لم يرض عن كلامه الأول فأعرض عنه ثم أعاد الكتاب فيه، غير أن النساخ أثبتوا كل ما كتبه، انظر التنبيه السابق ص 312.]] صورة المضي، لأن ما تحقق كونه، فهو بمنزلة ما قد كان، كقوله تعالى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ﴾ [[سورة الأعراف: 44. وفي كلامه المكرر السابق أورد آيتين قال: (كقوله: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾، ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ﴾ ...)]] وأشباهه. وقال أبو عبيدة (إذ) في هذا الموضع [[هناك في المكرر قال: (هاهنا).]] زائدة. معناه: وقال ربك للملائكة. وأنكر الزجاج وغيره هذا القول، وهو [[كذا ورد في جميع النسخ وفي الموضع السابق: (وقالوا: إن الحرف ...).]] أن الحرف إذا كان مفيداً [[في (ب): (مقيدًا).]] معنى صحيحاً لم يجز إلغاؤه، قالوا: وفي الآية محذوف معناه: واذكر يا محمد إذ قال لربك. وقال الزجاج [[في كلامه المكرر السابق (أبو إسحاق).]]: إن الله جل ذكره ذكر خلق الناس [[في (ب): (السموات).]] في هذه الآية فكأنه قال: ابتدأ خلقكم إذ قال ربك للملائكة. وعند غيره من المفسرين [[في الكلام المكرر: (وأكثر المفسرين). وتخريج الأقوال والتعليق عليها ذكر في الكلام السابق فلا أطيل بإعادته.]]: أن كل ما ورد في القرآن من هذا النحو فالذكر فيه مضمر. و (الملائكة) [[تفسير لفظ (الملائكة) هنا مختلف عما سبق وأكثر اختصار منه.]]: الرسل واحدها مَلَك وأصله (مَأْلَك) وجمعها (مآلِك) [[(مآلك) جمع (مألك) على أصله قبل التغيير. قال الطبري: ولست أحفظ جمعهم كذلك سماعا، ولكنهم يجمعون: (ملائك وملائكة) "تفسير الطبري" 1/ 198، "مشكل إعراب القرآن" 1/ 36.]] ووزنه من الفعل (مَفْعَل) والهمزة فاء الفعل، واللام عينه ثم أخرت الهمزة بالقلب [[ويسمى قلبًا مكانيًا، انظر "مشكل إعراب القرآن" 1/ 36.]]، تأخيرهم للعين من (القوس) في جمعها حيث قالوا: (قُسِيّ) [[قال في "اللسان": (قُسي) و (قِسي) كلاهما على القلب عن (قُووس) وإن كان (قُووس) لم يستعمل استغنوا بقسيِّ عنه، فلم يأت إلا مقلوبا ...) "اللسان" (قوس) 6/ 3773.]] وقالوا: (شَمْأَل وشَأْمَل) [[في (أ) (شئمال وشأمل)، والصحيح ما أثبت كما في (ب) و (ج)، ومثله عند "الطبري"، وهو على القلب المكاني. انظر "تفسير الطبري" 1/ 198.]] كذلك هاهنا قلبت الهمزة. ثم خفف [[في (ج): (خففت).]] بالحذف فقيل: ملك وأصله من المأْلُكة والمَأْلَكَة [[(والمألكة) ساقطة من (ب).]] والألوك وهي: الرسالة، ويقال: ألِكْني [[في (ب): (اللي).]] إليه، أي: كن رسولي، وبلغ إليه رسالتي. قال لبيد: وغُلَامٍ أَرْسَلَتْهُ أُمُّهُ ... بِأَلُوكٍ فَبَذَلْنَا مَا سَأَلْ [[ورد البيت في (ديوان لبيد) مع شرحه: ص 178، "تفسير الطبري" 1/ 198، "المعاني الكبير" 1/ 410، 3/ 1238، "الزاهر" 2/ 267، "المحكم" (أَلك) 7/ 68، "الخصائص" 3/ 275، "المنصف" 2/ 104، "تفسير القرطبي" 1/ 224، "الدر المصون" 1/ 250، "إملاء ما مَنَّ به الرحمن" 1/ 27، "اللسان" (ألك) 1/ 110. يقول (أرسلت هذا الغلام أمُّه برسالة فأعطيناه ما طلب).]] وسميت الرسالة أَلوُكا، لأنه يؤلك في الفم، مشتقّاً [[كذا في جميع النسخ، ولعل الأولى (مشتق).]] من قول العرب: الفرس يألك [[في (ب): (تألك، وتعضه، وتمضع) بالتأنيث في المواضع الثلاثة.]] اللجام ويعضه بمعنى يمضغ الحديدة [[في (ب)، (ج): (الحديد).]]. ذكره الليث، قال: والمعروف: يَلُوك [["تهذيب اللغة" (ألك) 1/ 184.]]. وقال عبد بني الحسحاس [[هو سحيم عبد بني الحسحاس، أدرك الجاهلية والإسلام، ولا يعرف له صحبة، كان أسود شديد السواد وبنو الحسحاس: من بني أسد بن خزيمة. انظر ترجمته في: "الشعر والشعراء" ص 258، "الخزانة" 2/ 102.]]: أَلِكني إليْهَا عَمْرَكَ اللهُ يَا فَتَى ... بآيةِ [[في (أ)، (ج): (كآية) وما في (ب) تفسير موافق لجميع المصادر التي ورد فيها البيت.]] مَا جَاءَتْ إليْنَا تَهَادِيَا [[ورد البيت في (ديوان سحيم): ص 19، و"الطبري" 1/ 198، "الخصائص" 3/ 274، "معجم مقاييس اللغة" 1/ 133، "مجمل اللغة" (ألك) 1/ 102، أساس البلاغة (ألك): ص 8، "الخزانة" 2/ 104. قوله: ألكني إليها: بلغها عني رسالة، والآية: العلامة، والتهادي: التمايل في المشي.]] وقال آخر، فردّ الملك إلى الأصل [[قوله: (فرد الملك إلى الأصل) ورد في (ب) بعد البيت وهذا أولى، والمعنى رد الملك إلى أصله وهو (ملأك).]]: فَلَسْتَ لإنسيٍّ ولكن لمَلأَكٍ [[في (أ) و (ج): (لها لا ك) وهو تصحيف يخالف رواية البيت المشهورة.]] ... تَنَزَّلَ مِنْ جَوِّ السَّمَاءِ يَصُوبُ [[سبق تخريج البيت.]] وأصله مألك [[(مألك) قلبت الهمزة قلبًا مكانيًا، فوضعت مكان العين، ونقلت العين إلى الفاء وهي (اللام) فصار (ملأك) ثم خفف بحذف الهمزة، انظر (البيان في غريب إعراب القرآن) 1/ 70.]] فقلب الهمزة كما قالوا: شاك في شائك، ولاث في لائث [[انظر: "الكتاب" 3/ 466، 4/ 378، "سر صناعة الإعراب" 1/ 307.]]. ويقال في الجمع الملائكة والملائك، قال كثير: كَمَا قَدْ عَمَمْتَ المؤْمِنِينَ بِنَائِلٍ ... أَبَا [[في (ب): (اخالد).]] خَالِدٍ صَلَّتْ عَلَيْكَ المَلاَئِكُ [[ورد البيت في "المنصف" 2/ 103، "البحر" 1/ 127، "الدر المصون" 1/ 251، غير منسوب فيها كلها.]] هذا قول الجمهور من أهل اللغة [[انظر: "تهذيب اللغة" (ملك) 4/ 3449، (ألك) 1/ 184، "تفسير الطبري" 1/ 197، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 80، "مجاز القرآن" 1/ 35، "تفسير الثعلبي" 1/ 60 أ، "الكشاف" 1/ 371.]]. وقال النضر بن شميل في الملك: إن العرب لا تشتق فعله ولا تصرفه، وهو مما فات [[في (ج): (من مات عليه) وكلام النضر ورد في "تفسير الثعلبي" قال: وهو مما فات عليه 1/ 60 أ. وقد سبق كلام النضر. وانظر التعليق عليه.]] علمه. وقال بعض المتأخرين [[هو أبو القاسم الزجاجي ذكره فيما سبق قال: (وذهب بعض المتأخرين من أصحاب أبىِ علي الفارسي، وهو أبو القاسم الزجاجي ...). والتعليق عليه هناك، حيث إن للزجاجي قولاً آخر يوافق الجمهور.]]: أصله ملك كما [[(كما) ساقطة من (أ) و (ج) والسياق يقتضيها.]] هو الآن وهو بمعنى المملوك يذهب [[(يذهب) ساقطة من (ب).]] فيه إلى أنه لله بمنزلة العبد لغيره، فهو (فَعَل) بمعنى مفعول كالنقض [[في (ب): (بالنقض).]] والخبط، فخالف بهذا القول جميع أهل اللغة واحتج على ما ذهب إليه بما يطول ذكره [[وقد سبق ذكر احتجاجه مفصلاً في الكلام السابق.]]. و (الخليفة) الذي يخلف الذاهب أي يجيء بعده، ويقال للسلطان: خليفة لأنه يخلف من قبله، يقال: خلف فلان مكان فلان، يخلف [إذا كان في مكانه [[أنظر: "تفسير الطبري" 1/ 199، "تفسير الثعلبي" 1/ 60 أ.]]. اللحياني: خلف فلان فلانا في أهله وفي مكانه يخلفه، [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]] خلافة حسنة، وكذلك [[في "تهذيب اللغة" (ولذلك) 1/ 1089.]] قيل: أوصى له بالخلافة، ويقال: خلفني ربي في أهلي وولد في أحسن الخلافة [["تهذيب اللغة" (خلف) 1/ 1089.]]. وأصل الخليفة خليف بغير هاء، لأنه (فَعِيل) بمعنى: (فاعل)، كالعليم والسميع، فدخلت (الهاء) للمبالغة بهذا الوصف، كما قالوا: راوية [[وفي (ج): (رواية).]] وعلاَّمة [[انظر: "الزاهر" لابن الأنباري 2/ 241، "الصحاح" (خلف) 4/ 1356، "اللسان" (خلف) 2/ 1235.]]. وقال ابن السكيت: أما الخليفة فإنه وقع للرجال خاصة، وإن كان [[(كان) ساقط من (ب).]] فيه (الهاء)، ألا ترى أنهم قد جمعوه (خلفاء) كما يجمع فعيل. هذا فيمن ذَكَّر واستعمل المعنى، ومن أنث لتأنيث اللفظ قال في الجمع: (خلائف) [[انظر كلام ابن السكيت في "تهذيب اللغة" (خلف) 1/ 1090، وانظر: "المذكر والمؤنث" لابن الأنباري: ص 565، "الزاهر" 2/ 242]]. وقد ورد التنزيل بها، قال الله تعالى: ﴿خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ [الأعراف: 69]، وقال: ﴿خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ﴾ [[سورة يونس: 14، وفي فاطر: 39.]] ويجوز تأنيث الخليفة على اللفظ كما قال: أَبُوك خَلِيفَةٌ وَلَدَتْه أُخْرى ... وَأَنْتَ خَلِيفَةٌ ذَاكَ الكَمَالُ [[البيت استشهد به الفراء في "معاني القرآن" 1/ 208، ولم ينسبه، وورد في "الزاهر" 2/ 242، "والمذكر والمؤنث" لابن الأنباري: ص 565، ونسبه لـ (نُصيب) قال المحقق: ليس في شعره، وورد في "تهذيب اللغة" (خلف) 1/ 1090، "الصحاح" 4/ 1356، "اللسان" 2/ 1235، كلهم قالوا: أنشد الفراء. والشاهد فيه: قوله: (أخرى) فأنث لتأنيث اسم الخليفة، والوجه أن تقول: ولده آخر. قاله الفراء.]] قال ابن عباس وابن مسعود وابن زيد [[هو عبد الرحمن بن زيد بن أسلم العدوي، بالولاء، مدني روى عن أبيه زيد بن أسلم، ضعيف. مات سنة اثنتين وثمانين ومائة. انظر ترجمته في: "الجرح والتعديل" 5/ 233، "تهذيب التهذيب" 2/ 507، "طبقات المفسرين" للداودي 1/ 271.]]: أراد بالخليفة آدم عليه السلام جعله خليفة لنفسه، يحكم بالحق في أرضه [[ورد ضمن آثار رويت عن ابن عباس وابن مسعود وابن زيد ذكرها الطبري في "تفسيره" بسنده، وقد علق الأستاذ محمود شاكر على هذِه الآثار بكلام طويل، محصلته أن الطبري استدل بهذِه الآثار لبيان معنى لفظ (خليفة) وتحقيق معناه، ولم يبال بما في الإسناد من وهن لا يرتضيه، وقد رجح الطبري: أن المراد بالخلافة خلافة قرن منهم قرنًا غيرهم، وأن الذي يفسد ويسفك الدماء غير آدم. وانظر: "تفسير الطبري" 1/ 451 - 453، وذكر نحوه ابن كثير في "تفسيره" 1/ 75 وساق الآثار على هذا.]]. وروي عن ابن عباس أنه قال: جعله خليفة عن الملائكة الذين كانوا سكان الأرض بعد الجن [[أخرج "الطبري" نحوه من طريق الضحاك عن ابن عباس، وقال شاكر: في إسناده ضعف. "تفسير الطبري" 1/ 450، وذكره ابن كثير من طريق ابن جرير "تفسير ابن كثير" 1/ 75، وأخرج الحاكم في مستدركه نحوه عن مجاهد عن ابن عباس، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. "المستدرك" 2/ 261.]]. قال المفسرون: وذلك أن الله تعالى خلق السماء والأرض، وخلق الملائكة والجن، فأسكن الملائكة السماء وأسكن الجن [[(الجن) ساقط من (ب).]] الأرض، فغبروا دهراً طويلاً في الأرض، ثم ظهر فيهم الحسد والبغي، فاقتتلوا وأفسدوا، فبعث إليهم جندا من الملائكة يقال لهم: الجن ورأسهم إبليس، وهم خزان الجنان، اشتق لهم اسم من الجنة، فهبطوا إلى الأرض، وطردوا الجن عن وجوهها إلى شعوب الجبال، وجزائر البحور، وسكنوا الأرض، وكانوا أخف الملائكة عبادة، لأن أهل السماء الدنيا أخف عبادة من الذين فوقهم، وكذلك أهل كل سماء، وهؤلاء الملائكة لما صاروا سكان الأرض خفف الله عليهم العبادة، وخلقت الملائكة كلها من نور غير هذا الحي [[في (ب): (الجن).]] الذين يقال لهم: الجن [[في "تفسير الطبري": (الحن) بالمهملة. قال شاكر في هامش "الطبري": في المطبوعة في موضعين (الجن) بالجيم وهو خطأ، يدل عليه سياق الأثر، فقد ميز ما بين إبليس، وبين الجن الذين ذكروا في القرآن .. والجن (بالجيم) أول من سكن الأرض، وإبليس جاء لقتالهم في جند من الملائكة ..) "تفسير الطبري" 1/ 455 (ط. شاكر).]]، فأحبوا [[في (ب): (واحبوا).]] البقاء في الأرض. كان الله تعالى قد أعطى إبليس ملك الأرض وملك السماء الدنيا وخزانة الجنان، وكان يعبد الله عز وجل تارة في الأرض وتارة في السماء وتارة في الجنة، فأعجب بنفسه، وتداخله الكبر، فاطلع الله على ما انطوى عليه في الكبر، فقال له ولجنده: إني جاعل في الأرض خليفة [[ذكره الثعلبي في "تفسيره" قال: (وقال المفسرون ... ثم ذكره)، "تفسير الثعلبي" 1/ 60 أ، ب، ولعل الواحدي نقل عنه. وإن مما أخذ على الثعلبي في "تفسيره" أنه حاطبُ ليل جمع فيه الضعاف والإسرائيليات، ولقد تأثر الواحدي به ونقل عنه في، بعض المواضع. وحول ما أورده الواحدي هنا ورد أثر عن ابن عباس، أخرجه الطبري، قال شاكر في تعليقه عليه. (.. لم يروه لاعتماد صحته، بل رواه لبيان أن قول الله سبحانه: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ إنما هو خطاب فيه لفظ العموم للملائكة ..) "تفسير الطبري" 1/ 201. وأورد الأثر ابن كثير وقال: (هذا سياق غريب، وفيه أشياء فيها نظر، يطول مناقشتها، وهذا الإسناد إلى ابن عباس يُرْوى به تفسير مشهور)، "تفسير ابن كثير" 1/ 76. ومثل هذِه القضايا يجب الاعتماد فيها على النص من الكتاب، أو من السنة الصحيحة، وهي من المواطن التي كثر النقل فيها عن الإسرائيليات، وليت كتب التفسير صينت عن مثل هذِه القصص والروايات.]]. وإخبار [[في (ب): (واختار).]] الله تعالى الملائكة بهذا يكون على جهة البشارة لهم بمكان آدم كما جرت به سنته بالبشارة بالأنبياء قبل خلقهم وقبل إرسالهم [[أنظر: "تفسير ابن كثير" 1/ 74.]]. ولا يكون ذلك [[في (أ)، (ج): (على ذلك جهة) وأثبت ما في (ب)، لأنه أصح لاستقامة السياق.]] على جهة المشاورة معهم [[أورد ابن أبي حاتم في "تفسيره" أثرًا منكرا عن السدي، وفيه: (فاستشار الملائكة في خلق آدم) قال المحقق: هذا خبر منكر، انظر "تفسير ابن أبي حاتم" 1/ 76. وأورده ابن كثير في تفسير، وقال: وهذِه العبارة إن لم ترجع إلى معنى الإخبار == ففيها تساهل، وعبارة الحسن وقتادة في رواية ابن جرير أحسن. "تفسير ابن كثير" 1/ 75. عبارة الحسن وقتادة: إني فاعل، انظر: "تفسير الطبري" 1/ 205.]]، لامتناع المشاورة في وصفه، لوجوب كونه عالماً لا يخفى عليه شيء. وقوله تعالى: ﴿قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾. قال الفراء [[أنظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 44، وانظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 60 ب.]]: أراد: فقالوا فحذف فاء النسق كقول الشاعر: لمَّا رَأَيْتُ نَبَطاً أَنْصَارَا شَمَّرْتُ عَنْ رُكْبَتِي الإزَارَا كُنْتُ لَهْمْ مِنْ النَّصَارى جَارَا [[أنشد الفراء الرجز ونسبه لبعض الأعراب "معاني القرآن" 1/ 44، وأورده "الطبري" في "تفسيره" 1/ 318، والثعلبي 1/ 60 ب، وهو في "الزاهر" 1/ 225، "تفسير الماوردي" 1/ 132، "تفسير القرطبي" 1/ 369، "الدر المصون" 1/ 407.]] أي: فكنت لهم. واختلفوا [[في (ب): (فاختلوا).]] في قول الملائكة: (أتجعل فيها) على أي وجه حصل منهم هذا: فروي أن الذين قالوا هذا عشرة آلاف من الملائكة، فأرسل الله [[لفظ الجلالة غير موجود في (ب).]] عليهم نارا فأحرقتهم [[هذا الكلام ورد في رواية منكرة غريبة أخرجها ابن أبي حاتم في "تفسيره" عن يحيى بن أبي كثير عن أبيه. قال المحقق: (منكر غريب)، "تفسير ابن أبي حاتم" 1/ 78. وذكرها ابن كثير عن ابن أبي حاتم، وقال: (إسرائيلي منكر)، "تفسير ابن كثير" 1/ 76.]]. وقال بعض أهل المعاني: فيه إضمار واختصار، معناه: أتجعل فيها من يفسد فيها [ويسفك الدماء؟ أم تجعل فيها من لا يفسد فيها] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]] ولا يسفك الدماء؟ كقوله تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ﴾ [الزمر:9]، يعني كمن هو غير قانت [[هذا المعنى ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 60 ب.]]، وكقول أبي ذؤيب: عَصَيْتُ إليْها القَلْبَ إِنِّي لِأَمْرِهَا ... مُطِيعٌ فَمَا أَدْرِي أَرُشْدٌ طِلاَبُهَا [[سبق ذكر البيت وتخريجه وشرحه في: 2/ 55.]] أراد: أرشد [[في (ب): (رشد).]] أم غي، وعلى هذا فالملائكة أرادوا بالاستفهام أن يخبروا بما لا يعلمون، ولم يذهبوا إلى الإنكار والاعتراض [[في (أ): (ولاعتراض).]]، فقال الله: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [[ذكر نحوه الطبري ورجحه. انظر: "تفسير الطبرى" 1/ 209 وهو قريب من قول الزجاج الآتي ذكره، انظر: "معاني القرآن" 1/ 76، وانظر. "زاد المسير" 1/ 60، "تفسير القرطبي" 1/ 135.]]، لم يطلعهم على صفة أولاد آدم. ولم يبين لهم أنه يريد أن يخلق من يفسد أو لا يفسد [[رجح الطبري أن الله أطلع الملائكة على ما يكون من ولد آدم، لأن ذلك يفهم من السياق، انظر: "تفسير الطبري" 1/ 210.]]. وقيل: لما قال الله: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ أشكل على الملائكة أن الخليفة ممن يكون، قالوا: يا ربنا أتجعل في الأرض خليفة كما كان بنو الجان مفسدين؟ أم تجعل خليفة من الملائكة؟ فإنا نسبح بحمدك، فلم يطلعهم الله على ذلك، فقال: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ أي [[في (ب): (إذ فيهم).]]: أن فيهم المطيع والعاصي جميعاً [[انظر: "تفسير الطبري" 1/ 209، "تفسير الثعلبي" 1/ 60 ب، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 76، "تفسير القرطبي" 1/ 235.]]. وقال الزجاج حكاية عن غيره: المعنى في هذا هو [[(هو) ساقط من (ب). ولفظ الزجاج: (وقال قوم: المعنى فيه غير هذا وهو أن الله .. إلخ) والزجاج ذكر قبل هذا القول الذي يرتضيه، وسيورده الواحدي فيما بعد، كما سيأتي، انظر: "معاني القرآن" 1/ 76.]]: أن الله أعلم الملائكة أنه جاعل في الأرض خليفة، أن الخليفة [[كذا في جميع النسخ وفي "معاني القرآن" (بالقاف) في الموضعين.]] فرقة من بني آدم [تسفك] [[في (أ) و (ج): (يسفك)، و (ب) غير معجم، وفي "معاني القرآن" (تسفك) 1/ 76.]] الدماء، وأن الله أذن للملائكة أن يسألوه عن ذلك، وكان [[(الواو) ساقطة من (ج).]] إعلامه إياهم هذا زيادة في التثبيت [[في (أ) و (ج): (التثبت)، وما في (ب) موافق لما في "معاني القرآن" 1/ 76.]] في نفوسهم أنه يعلم الغيب، وكأنهم قالوا: أتخلق [[في النسخ: (الخلق)، تحريف، والصواب ما أثبتنا من "معاني القرآن".]] فيها قوماً يسفكون الدماء ويعصونك، وإنما ينبغي إذا عرفوا أنك خلقتهم أن يسبحوا بحمدك كما نسبح، ويقدسوا كما نقدس، ولم يقولوا هذا إلا وقد أذن لهم، لأن الله تعالى وصفهم بأنهم يفعلون ما يؤمرون [[انتهى كلام الزجاج، انظر: "المعاني": ص 77.]]. فإن قيل: فأين إخبار الله بذلك للملائكة فإنا لا نراه في القرآن؟ قيل: هو محذوف مكتفى بدلالة الكلام عليه، كأنه قال: (إني جاعل في الأرض خليفة) يكون من ولده إفساد [[(إفساد) مكرر في (أ) و (ج).]] في الأرض، وسفك للدماء [[في (ب): (الدماء).]]، فحذف هذا اكتفاء [[في (أ) و (ج): (اكتفى) وأثبت ما في (ب)، لأنه هو الأصوب.]] بما دل عليه من جواب الملائكة، كما قال الشنفرى [[الشنفرى: شاعر جاهلي من الأزد، والشنفرى اسمه، وقيل: لقبه ومعناه: العظيم الشفة، انظر: "الخزانة" 3/ 343، "الأعلام" 5/ 85.]]: فَلَا تَدْفِنُونِي إنَّ دَفْنِي مُحَرَّمٌ ... عَلَيْكُمْ ولكن خَامِري أُمَّ عَامِرِ [[البيت قاله الشنفرى الأزدي في قصة طويلة انظر تفاصيلها في "الخزانة" 3/ 344 - 348، ويروى البيت (لا تقتلوني)، (إن قبري)، (ولكن أبشري) وفي "ذيل الأمالي" (لا تقتلوني)، (إن قتلي). وأم عامر: كنية الضبع و (خامري) أي استتري، يريد دنو الضبع مستخفية ملازمة لمكانها حتى تخالط القتيل فتصيب منه. والمعنى: يقول لا تدفنوني بعد قتلي واتركوني للتي يقال لها (أم عامر). ورد البيت في "تفسير الطبري" 1/ 210، "الحماسة بشرح المرزوقي" 2/ 487، "الشعر والشعراء" ص 31، "ذيل الأمالي" للقالي 3/ 36، "الخزانة" 3/ 327.]] أراد: ولكن دعوني للتي يقال لها إذا أريد صيدها: خامري أم عامر، فحذف [[السؤال الذي ذكره الواحدي والإجابة عنه، ورد عند الطبري في "تفسيره" 1/ 210.]]. قال الزجاج: ويجوز أن يكون هذا القول من الملائكة على وجه استعلام وجه الحكمة، لا على الإنكار. معناه: كيف تجعل في الأرض من يفسد ويسفك الدماء ونحن نسبحك الآن إذ أجليناهم [[في (ب): (اخليناهم).]] وصرنا سكانها، فأخبِرْنا [[في (ب): (فأضرها).]] وجه الحكمة فيه [[نقل الواحدي كلام الزجاج بمعناه، ومنه قوله: (روي أن خلقًا يقال لهم: (الجان) كانوا في الأرض فأفسدوا وسفكوا الدماء. فبعث الله ملائكته فأجلتهم من الأرض، وقيل: إن هؤلاء الملائكة صاروا سكان الأرض بعد الجان .. إلخ) وهذا يوضح قول الواحدي: (ونحن نسبحك الآن إذ أجليناهم وصرنا سكانها). "معاني القرآن" للزجاج 1/ 76.]]. وقال ابن عباس وأكثر المفسرين: إن الله تعالى لما اطلع على كبر إبليس قال للملائكة الذين كانوا معه: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ فقالت [[في (ب): (فقال).]] الملائكة: أتجعل فيها من يفسد فيهما كما فعل [[في (ب): (فعلوا).]] بنو الجان، قاسوا بالشاهد على الغائب [[ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 60 ب.]]، فقال الله تعالى: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ من كبر إبليس واغتراره بفعله، ثم لما ظهر من أمر إبليس ما ظهر وعجزت هؤلاء الملائكة عن [[في (ب): (من).]] الإخبار عن أسماء الأشياء اعترفوا بالعجز، وقالوا: ﴿سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ [[ورد نحوه في رواية طويلة عن ابن عباس ساقها "الطبري" في "تفسيره"، وعلق عليها بأن الرواية أفادت أن القائل ذلك خاص من الملائكة وليس كلهم. وقد أخذ محمود شاكر من تعليق الطبري: أن الطبري لم يروه لاعتماد سنده وإنما لبيان أن الخطاب لبعض الملائكة، وأن قولهم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾ لم يكن عن علم بالغيب عرفوه، بل كان ظنا ظنوه). انظر: "تفسير الطبري" 1/ 455 - 458، "تفسير أبي الليث" 1/ 108، "الدر المصون" 1/ 45.]] ومع وضوح هذه الأقوال فإن ظاهر الخطاب يدل على أنه شق على الملائكة خلق الخليفة لأنهم لما سكنوا [[في (ب): (اسكنوا).]] الأرض خفت عنهم العبادة كما ذكرنا، فخافوا أن يردوا إلى السماء فتثقل عليهم العبادة فلهذا شق عليهم خلق الخليقة [[اعتمد الواحدي في هذا على ما ذكره شيخه الثعلبي في "تفسيره" 1/ 60 ب. وورد نحوه عند أبي الليث في "تفسيره" 1/ 108. وهذا لا يتناسب مع منزلة الملائكة == وما ذكره الله عنهم بقوله: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:6]. والأرجح في معنى الآية: أن الملائكة قالت ذلك على وجه الاسترشاد عما لم يعلموا، انظر: "تفسير الطبري" 1/ 221.]]. وقوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾. معنى التسبيح: تنزيه الله من كل سوء، وقد يكون بمعنى الصلاة، ويقال: سبح لله [[في (ب): (الله).]] أي صلى لله [[انظر: "تفسير الطبري" 1/ 221، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 77، "القرطبي" في "تفسيره" 1/ 236، "زاد المسير" 1/ 61.]]. قال الحسن: معناه: يقول سبحان الله وبحمده [[ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 60 ب.]]. قال الأزهري [["تهذيب اللغة" (سبح) 2/ 1609. نقل كلامه بتصرف.]]: أجمع المفسرون وأهل المعاني: أن معنى [[في (ب): (على أن المعنى). وقوله: (أجمع المفسرون وأهل المعاني) ليس في "تهذيب اللغة".]] تسبيح الله، تنزيه الله وتبرئته عن السوء. قال: وأصل التسبيح [[(التسبيح) ساقط من (ج).]] في اللغة، التبعيد من قولك: سبحت في الأرض، إذا تباعدت فيها، ومن هذا قوله تعالى: ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: 40]، فكل من أثنى على الله وبعّده من السوء، فقد سبح له [[في (ب): (فقد سبح الله).]] ونزهه. وقال بعض أهل المعاني: معنى قوله: ﴿نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾ نتكلم بالحمد لك، والنطق بالحمد لله تسبيح له، كما قال: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ [الشورى:5] وقال: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ [النصر:3] أي: احمده، ويكون حمد الحامد لله تسبيحا له، لأن معنى الحمد لله: الثناء عليه والشكر له، وهذا تنزيه له واعتراف بأنه أهل لأن ينزه [[في (ج): (ينزهه).]]، ويعظم، ويثنى عليه [[نحوه في "تفسير الطبري" 1/ 211، "زاد المسير" 1/ 61، "تفسير القرطبي" 1/ 237.]]. ومعنى قول القائل (سبحان الله): براءة الله من السوء [[انظر: "الكتاب" 1/ 324، "تهذيب اللغة" (سبح) 2/ 1609.]] وتنزيهه، وكثر لفظ (سبحان الله) في كلامهم، سيما عند التعجب، حتى صار كلمة للتعجب، قال الأعشى: أَقُولُ لمّا [[في (ج): (لمن).]] جَاءَنِي فَخْرُهُ ... سُبْحَانَ مِنْ [[(من) ساقطة من (ب).]] عَلْقَمَةَ الفَاخِرِ [[البيت للأعشى ضمن قصيدة يهجو بها علقمة بن علاثة العامري، ويمدح عامر بن الطفيل، لما تنازعا في الجاهلية على الرياسة في بني كلاب. وقد مات عامر مشركًا، وأسلم علقمة، ولهذا ورد أن النبي ﷺ نهى عن رواية القصيدة. يقول: أقول لما جاءني فخر علقمة على عامر: (سبحان من علقمة الفاخر)، أي أتعجب، سبحان الله منه، كذا خرجه بعضهم، وبهذا المعنى استشهد الواحدي به، وخرجه ابن فارس: بمعنى: ما أبعده، وبعضهم قال معنى (سبحان) في البيت: البراءة والتنزيه، وللراغب في "مفرداته" أقوال أخرى: ص 221. ورد البيت في "الكتاب" 1/ 324، "مجاز القرآن" 1/ 36، "المقتضب" في "تفسيره" 3/ 218، "مقاييس اللغة" (سبح) 3/ 125، "الزاهر" 1/ 144، و"الطبري" 1/ 211، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 78، "مفردات الراغب": ص 221، "الخصائص" 2/ 197، 435، "شرح المفصل" لابن يعيش 1/ 37، 120، "الديوان": ص 93.]] أي تعجب منه. ونحو هذا قال الزجاج في معنى: ﴿نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾ قال: نبرئك من السوء [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج: ص 77.]]. ويأتي بقية القول في معنى (سبحان) [[في (ج) (سبحانا).]] عند قوله: ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا﴾ [البقرة: 32]. وقوله تعالى: ﴿وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ [[(الواو) ساقطة من (ب).]]. أي: نطهرك وننزهك عما لا يليق بك من النقص. و (اللام)، فيه صلة [[ذكره الثعلبي 1/ 61 أ، وأجاز العكبري في (اللام) أن تكون بمعنى: لأجلك، أو زائدة أو تكون معدية للفعل مثل الباء، "الإملاء" 1/ 28.]]. و (التقديس): التطهير، والقدس: الطهارة، والبيت المقدس: المطهر [[انظر "معاني القرآن" للزجاج 1/ 78، "تهذيب اللغة" (قدس) 3/ 2900، "تفسير الثعلبي" 1/ 61 أ.]]. قال الزجاج: ومن هذا قيل للسطل: قدس، لأنه يتقدس منه، أي يتطهر [["شرح أسماء الله الحسنى" للزجاج: ص 30، وانظر "تهذيب اللغة" 3/ 2900، "اللسان" (قدس) 6/ 3549.]]. قال غيره [[هو الليث كما في "تهذيب اللغة" (قدس) 3/ 2900.]]: والقُداس هو [[(هو) ساقط من (ب).]] الجمان [[في (ب): (الجمال). والجمان: حب يتخذ من الفضة أمثال اللؤلؤ، وقيل: خرز يُبَيَّض بماء الفضة. "اللسان" (جمن) 2/ 689.]] من فضة، لأنه أبيض نقي. قال الشاعر في وصف الدموع: كَنَظْمِ قُدَاسٍ سَلْكُهُ مُتَقَطِّعُ [[صدره كما في "اللسان": تَحَدَّرَ دَمْعُ العَيْنِ مِنْهَا فَخِلْتُه يصف تحدر دمعة العين بنظم القُدَاس إذا انقطع سلكه، والبيت غير منسوب، ذكره الأزهري في "التهذيب" (قدس) 3/ 2900، والجوهري في "الصحاح" (قدس) 3/ 961، وابن فارس في "مجمل اللغة" (قدس) 1/ 745، "مقاييس اللغة" (قدس) 5/ 64، وورد في "اللسان" (قدس) 6/ 3550.]] قال أبو علي الفارسي: معنى نقدس لك: ننزهك عن السوء، فلا [[في (ب): (ولا).]] ننسبه إليك، و (اللام) فيه على حدها في قوله: ﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾ [النمل: 72] لأن المعنى تنزيهه، وليس المعنى أن ينزه شيء من أجله. فأما قولهم: (بيت المقدس) وقول الراجز: الحَمْدُ للهِ العَلِيِّ القَادِسِ [[ورد في "الحجة" لأبي علي بدون نسبة "الحجة" 2/ 152. ولم أجده في غيرها.]] يدل على أن الفعل قد استعمل من التقديس، بحذف الزيادة، فإذا كان كذلك، لم يخل (المَقْدِس) من أن يكون مصدرا أو مكانا، فإن كان مصدرا كان كقوله: ﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ [[سورة الأنعام: 60، ويونس: 4. وفي (الحجة): (كقوله: ﴿إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾)، (الحجة) 2/ 152. وهي جزء من آية في سورة آل عمران: 55، والعنكبوت: 8، ولقمان: 15.]] ونحوه من المصادر، والتي [[(والتي) كذا وردت في جميع النسخ والأولى حذف الواو كما في "الحجة" 2/ 152.]] جاءت على هذا المثال. وإن كان مكاناً، فالمعنى: بيت المكان الذي جعل فيه الطهارة أو بيت مكان الطهارة، وتطهيره على إخلائه من الأصنام وإبعاده منها، كما جاء ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ﴾ [[في الآيه تصحيف في (ب): (طهر) بدون (ألف)، وفي (ج): (طهري)]] [البقرة: 125]. انتهى كلامه [[أي كلام أبي علي، نقله بتصرف، انظر: "الحجة" 2/ 151، 152.]]. فعلى قول أبي علي (اللام) في (لك) صلة [[وهو قول الثعلبي كما مر قريبًا وذكر العكبري فيها أقوالًا أخرى، انظر: "الإملاء" ص 706، تعليق رقم 5.]]. وقال أبو إسحاق: معنى: (نقدس لك) أي نطهر أنفسنا لك. قال: ومن هذا: البيت المقدس، أي: البيت المطهر، وبيت المقدس أي بيت المكان الذي يتطهر فيه من الذنوب [[انظر كلام الزجاج في "معاني القرآن" 1/ 78، ليس فيه قوله: (البيت المقدس) أي (البيت المطهر).]]. فعلى هذا (اللام) لام أجل [[وبه أخذ العكبري، انظر: ص 706، تعليق 5، وانظر "الإملاء" "تفسير الطبري" 1/ 211، وابن عطية في "تفسيره" 1/ 231.]]، أي نطهر لأجلك قلوبنا من الشرك، وأبداننا من المعصية. وقوله تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. قال ابن عباس: يعني من إضمار إبليس العزم على المعصية، وما اطلع عليه من كبره [[أخرجه "الطبري" بسنده من طريق الضحاك، "تفسير الطبري" 1/ 212، وانظر "تفسير ابن عطية" 1/ 232، "الدر" 1/ 95، "زاد المسير" 1/ 61.]]. وقال ابن مسعود: ﴿مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ مما يؤول إليه أمر إبليس [[أخرجه "الطبري" من طريق السدي عن مرة عن ابن مسعود، وعن أبي صالح عن ابن عباس 1/ 212، وأخرج ابن أبي حاتم نحوه 1/ 79، وانظر: "تفسير ابن عطية" 1/ 232.]]. وقال قتادة [[أخرجه الطبري بسنده عن سعيد عن قتادة. "تفسير الطبري" 1/ 213، وأخرجه ابن أبي حاتم 1/ 79 - 80، قال المحقق: ضعيف، ولكن أخرجه "الطبري" من طريق آخر 1/ 284، وذكره ابن كثير في "تفسيره" 1/ 74، وانظر ابن عطية 1/ 233، "الدر" 1/ 96، "زاد المسير" 1/ 62.]]: ﴿أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ أنه يكون في أولاد آدم من هو من أهل الطاعة. وقال الزجاج: معناه أبتلي من تظنون أنه مطيع فيؤديه الابتلاء إلى المعصية، ومن تظنون أنه عاص فيؤديه إلى الطاعة [[ذكر كلام الزجاج بمعناه. انظر: "معاني القرآن" 1/ 77، وذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 62.]]. وقيل: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ من تفضيل آدم عليكم، وما أتعبدكم به من السجود له، وأفضله به عليكم من تعليمي الأسماء، وذلك أنهم قالوا فيما بينهم: ليخلق ربنا ما يشاء، فلن يخلق خلقاً أفضل ولا أكرم عليه منا [[لم أجد هذا القول فيما اطلعت عليه من كتب التفسير، والله أعلم.]]. وفتح أبو عمرو وابن كثير (الياء) في قوله: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ﴾ [البقرة: 30]، ﴿إِنِّي أَرَى﴾ [[سورة الأنفال: 48، وسورة يوسف: 43، وسورة الصافات:102.]] عند الهمزة المفتوحة. وزاد أبو عمرو عند الهمزة المكسورة، مثل: ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾ [[سورة يونس: 72، سورة هود: 29، وسورة سبأ: 47.]]. وزاد نافع عند المضمومة، مثل: ﴿عَذَابِي أُصِيبُ﴾ [الأعراف: 156]، ﴿فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ﴾ [المائدة: 115]، ﴿إِنِّي أُرِيدُ﴾ [[(إني) ساقط من (ب). سورة المائدة: 29، والقصص: 27. == اختلف القراء في حكم (ياء المتكلم)، فقرأ بعضهم بفتحها، وبعضهم بتسكينها، ولهم أصول في ذلك، ولكنها لا تطرد في كل موضع، لهذا نجد من ذكر أصولهم في (ياء المتكلم) يقول: ونذكر ما شذ عن هذا في موضعه. فعند أبي عمرو: كل ياء مكسور ما قبلها، إذا كان بعدها همزة مفتوحة أو مكسورة يفتحها. أما ابن كثير فيوافقه في بعضها، ويخالفه في بعضها فيسكنها. أما نافع فإنه يفتح هذِه الياء إذا كان بعدها همزة مفتوحة أو مكسورة أو مضمومة، وقد اختلف في بعض هذِه الحروف عنه. أما بقية (السبعة): وهم حمزة، والكسائي، وعاصم، وابن عامر، فأصلهم فيها الإسكان، وروي عنهم مواضع بالفتح. والياء في قوله تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ﴾ قرأ بفتحها في الوصل أبو عمرو وابن كثير ونافع من (السبعة). انظر: "السبعة" لابن مجاهد: ص 152، "الحجة" لأبي علي 1/ 411، "الكشف" لمكي 1/ 324، "تحبير التيسير": ص 79، "البدور الزاهرة": ص 28.]]. وحجتهم في ذلك [[أي حجة من قرأ بالفتح، والكلام منقول من "الحجة" بتصرف 1/ 414.]] أن هذه (الياء) أصلها الحركة، لأنها بإزاء الكاف للمخاطب، فكما فتحت الكاف، كذلك تفتح (الياء). فإن قيل: إن الحركة في حروف اللين مكروهة؟ قيل: الفتحة من بينها [[(بينها) ساقطة من (ج).]] لا تكره، وإن كرهت الضمة والكسرة، ألا ترى أن (القاضي) ونحوه يحرك بالفتح [[أي أن الاسم الذي آخره (ياء) مكسور ما قبلها لا يدخله جر ولا رفع لثقل ذلك، يدخله الفتح، ولذلك بني على الفتح، انظر "المقتضب" 4/ 248.]]، كما يحرك [[في (ج): (تحرك).]] سائر الحروف التي لا لين لها [[في (ج): (فيها) وهذا موافق لما في "الحجة" 1/ 414.]]، ألا ترى أن (غواشي) [[كذا في جميع النسخ وفي "الحجة": (.. أن الياء في (غواش) ..) 1/ 414، قال تعالى: ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾ [الأعراف: 41].]] تجري في النصب مجرى مساجد ونحوه [[في (ج): (ونحوها). والمراد أن (الياء) تثبت في (غواش) في حالة النصب، انظر: "الحجة" 1/ 414.]] من الصحيح. وقد اتفقوا أيضًا على تحركها بالفتح، إذا سكن ما قبلها، نحو بشراي [[(ب): (براى).]] وغلامي وقاضيّ، ورأيت غلاميّ [[الياء في (قاضي) ورأيت غلامي (مشددة) والأولى منهما ساكنة فتفتح (الياء) الثانية انظر: "الكتاب" 3/ 414، 4/ 187.]]، فاجتماعهم على تحريكها بالفتح [[في (ب): (نحو في هذا النحو).]] في هذا النحو يدل على أن ذلك أصلها إذا تحرك ما قبلها [[انتهى من بيان حجة من قرأ بفتح الياء في قوله: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ﴾ والكلام من "الحجة" بتصرف 1/ 414. وانظر: "الحجة" لابن خالويه: ص 74، "الكشف" لمكي 1/ 324، "البيان" لابن الأنباري 1/ 720.]]. وأما [[في (ب): (وإنما من).]] من أسكن هذه (الياءات) فحجته أن الفتحة مع (الياء) قد كرهت في [[في (ب): (بالكلام).]] الكلام، كما كرهت الحركتان [[في (ب): (الحركات). والحركات: هما الضمة والكسرة.]] الأخريان فيها، ألا ترى أنهم قد أسكنوها في الكلام في حال السعة إذا لزم تحريكها بالفتحة، كما أسكنوها إذا لزم تحريكها بالحركتين الأخريين [[في (أ) و (ج): (الأخرين) وأثبت ما في (ب) لأنه أصح وموافق لما في "الحجة" 1/ 415.]]، وذلك قولهم: (قالي قلا) [[(قالي قلا) اسم مدينة بأرمينة، سميت باسم امرأة ملكتهم وبنت تلك المدينة وإليها ينسب بعض العلماء كالقالي، انظر: "معجم البلدان" 4/ 299.]]، و (بادي بدا) [[قال الجوهري: أفعل ذاك بادئ بدء، وبادي بديٍّ، أي أولا، وأصله الهمزة، وإنما ترك لكثرة الاستعمال ... ، وهما اسمان جعلا اسما واحدا مثل: معد يكرب، وقالي قلا. "الصحاح" (بدا) 6/ 2279، وانظر: "اللسان" (بدا) 1/ 234.]]، و (معد يكرب) [[في (أ)، (ج): (معدي).]] و (حيري [[في (ب): (حرى).]] دهر) [[ومنه قول العرب (لا أفعل ذلك حيري دهر). أي: أبداً. انظر "الكتاب" 3/ 307.]]. و (الياء) في هذه المواضع في موضع الفتحة التي في آخر أول الاسمين، نحو: (حضر موت) و (بعلبك) وقد أسكنت كما أسكنت في الجر [[في (ب): (الخبر).]] والرفع [[يقول: إن الأسماء المركبة مثل (قالي قلا) مما آخر الاسم الأول (ياء) فالياء تسكن، لأنها في وسط الاسم، ولأنها لو كانت معربة بالجر أو الرفع سكنت، كما تقول: (مررت بالقاضي). وكان ينبغي في هذِه الياء أن تفتح، كما فتح آخر الاسم الأول من المركب نحو (حضرموت) والذي جعل الاسمان فيه كاسم واحد، لأن الحركة تستثقل عليه، والفتح أخف الحركات، ولما ثقلت الفتحة على الياء لم يبق بعد الفتح إلا السكون. انظر: "الكتاب" 3/ 304، 305، "المقتضب" 4/ 21، "البيان" 1/ 72.]]. ومما يؤكد الإسكان فيها أنها مشابهة [[في (ب): (متشابهه).]] للألف، والألف تسكن [[في (أ): (سكن) وفي (ب): (يسكن) وما في (ج) أصح في السياق وموافق لما في "الحجة" 1/ 416.]] في الأحوال الثلاث [[في (ب): (السبت).]]، كذلك (الياء) تسكن. والدليل على شبه (الياء) الألف قربها منها في المخرج، وإبدالهم إياها منها في نحو (طائيٍّ) و (حاريٍّ) في النسب [[في (ب): (النسبة).]] إلى (طيئ) [[قال سيبويه: ولا أراهم قالوا: طائي إلا فرارا من (طيئي) وكان القياس (طيئي) ولكنهم جعلوا الألف مكان الياء. "الكتاب" 3/ 371.]] و (الحيرة) وقوله: لَنَضْرِبَنْ بِسَيْفِنَا قَفَيْكَا [[البيت لأعرابي، ونسبه أبو زيد لراجز من حمير، يخاطب به عبد الله بن الزبير -رضي الله عنه- وقبله: يَابنَ الزُّبَيْرِطَالَمَا عَصَيْكَا ... وَطَالَمَا عَنَّيْتَنَا إِلَيْكَا لَنَضْرِبَنْ بِسَيْفِنَا قَفَيْكَا والشاهد (قفيكا) حيث أبدل الألف ياء مع الإضافة للضمير، والأصل قفاكا، وبعضهم يجعله من ضرورة الشعر. وردت الأبيات في "النوادر": ص 347، "الحجة" 1/ 416، "المسائل العسكرية" لأبي علي ص 158، "أمالي الزجاجي": ص 236، "المحكم" 6/ 354، "سر صناعة الإعراب" 1/ 285، "الخزانة" 4/ 428.]] كثر إسكان (الياء) في [[(في) ساقطة من (ب).]] موضع النصب في الشعر لهذه المشابهة [[أي مشابهة الياء للألف.]]، حتى ذهب بعضهم إلى استجازته في الكلام [[انتهى ما نقله المؤلف عن "الحجة" لأبي علي 1/ 415 - 417. في حجة من أسكن الياء في قوله: ﴿قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ﴾ وانظر "الحجة" لابن خالويه: ص 74.]]. فأما حجة أبي عمرو حيث لم يفتح عند المضمومة، وفتح عند المفتوحة والمكسورة [[مر بنا أن أبا عمرو يفتح (الياء) إذا وقع بعدها همزة مفتوحة أو مكسورة، ويسكنها إذا وقع بعدها همزة مضمومة.]]، هي: أن الهمزة قد فتحت لها [[في (ب): (قد فتحت لما لم تكن تفتح)، وفي "الحجة" (فتح لها ما لم يكن يفتح ..) 1/ 417. وهو الصواب.]] ما لم يكن يفتح لو لم تجاور الهمزة، ألا ترى أنهم فتحوا نحو: (يقرأ ويبرأ) ولولا الهمزة لم يفتح شيء من ذلك. فإذا فتحت لها ما لم [[في (ب): (ما لا يفتتح) ومثله في "الحجة" 1/ 417.]] يفتح إذا لم تجاور [[في (ب): (يجاوز)، وفي "الحجة": (يجاور) 1/ 417.]] الهمزة، فأن يفتح لها ما قد يفتح مع غيرها أحرى. والمفتوحة والمكسورة [[في (ب): (من المكسورة).]] سيّان [[في (أ): (شيان) وفي (ب): (سان) وأثبت ما في (ج)، لأنه أصوب وموافق للحجة 1/ 417.]] في إتباع (الياء) لها في التحريك بالفتح، ألا ترى أنهم قد غيروا للهمزة [[في (ب): (الهمزة).]] المكسورة الحرف [[في (ب): (للحرف).]] الذي قبلها، فقالوا: (الضِّئين) [[في (أ)، (ب) (الصيئن) وأثبت ما في (ج)، لأنه هو الصواب وموافق لما في (الحجة) 1/ 417.]] في جمع [الضَّائِن] [[في جميع النسخ (الضان) وفي (الحجة) (الضائن)، قال في "الصحاح": (الضائن) خلاف الماعز والجمع (الضأن) وقد يجمع على (ضئين) "الصحاح" (ضائن) 6/ 2153.]]، و (صأى صِئِيَّا [[في (أ). (صآ. صئيا) وفي (ب): (صاصا) وفي (ج): (صاصيا) وفي (الحجة): (صأي، صئيا)، "الحجة" 1/ 417. و (الصِّئي) مثلثة: صوت الفرخ، والفيل والخنزير والفأر كلها تَصْأَى صِئِيّاً، انظر: "تهذيب اللغة" (صآ) 2/ 1955، "القاموس" (صأي): ص 1301.]] ولم يفعلوا ذلك في (رؤوف) وكذلك لم تفتح (الياء) قبل الهمزة المضمومة [[كما في قوله تعالى: ﴿عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ﴾ [الأعراف: 156].]] كما فتحت قبل المفتوحة والمكسورة [[(الواو) ساقطة من (ب).]]. فإن قيل: إن ما ذكرته من التغيير للهمزة المفتوحة والمكسورة إنما جاز في المتصل نحو (يقرأ) و (يبرأ) و (الضَّئين) و (الضَّئِي) [[(الضئي) كذا وردت في (أ، ج) وكذا في "الحجة" 1/ 418، وفي (ب): (الضبي) ولم أعرف المراد به، والمعروف (ضأي): دق جسمه. انظر "تهذيب اللغة" (ضأي) 3/ 2083، "اللسان" (ضأي) 4/ 2542، "القاموس": ص1304. ولعل المراد (الصئي) كما سبق أن مثل بها مع (الضئين).]]، وما فعله أبو عمرو من فتح (الياء) مع المفتوحة والمكسورة منفصل. قيل: شبه [[في (أ)، (ج): (نشبه) وفي "الحجة": (يشبه) 1/ 418، وأثبت ما في (ب)، لأنه أولى بالسياق.]] المنفصل بالمتصل. وقد ذكرنا أشياء من هذا في الحجة لمن خفف: (وهو ولهو) [[في (أ)، (ج): (وهو وهو) وأثبت ما فىِ (ب). وعبارة أبي علي في (الحجة): (قد ذكرنا منها أشياء في هذا "الكتاب" 1/ 418، وقد سبق هذا في: 2/ 306 - 309.]]. ومن قال: إنه فتح (الياء) مع الهمزة، لتتبين [[في (أ)، (ج): (ليتبين) وما في (ب) أولى، وموافق لما في "الحجة" 1/ 418.]] (الياء) معها، لأنها خفية، كما بينوا (النون) مع حرف الحلق، وأخفوها مع غيرها، فإن هذه العلة لا تستقيم [[في (أ) (يستقيم). وعبارة أبي علي في (الحجة): (فإنا لا نرى أن أبا عمرو اعتبر هذا الذى سلكه هذا القائل، ولو كان كذلك لحرك (الياء) ... إلخ) 1/ 418.]]، لأنه [[في (ب): (لا يلزمه).]] يلزمه تحريك (الياء) مع الهمزة المضمومة لأن [النون تُبَيَّن مع الهمزة المضمومة كما تُبَيَّن مع المفتوحة والمكسورة، وأيضا فإن] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]] النون تُبيَّن [[في (أ)، (ج): (يتبين) وما في (ب) موافق للحجة.]] مع سائر حروف الحلق [، ولسنا نعلم أبا عمرو يفتح (الياء) مع سائر حروف الحلق.] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب). وبهذا ينتهي الجزء الأول من "الحجة"، وقوله: (فإن قلت ..) أول الجزء الثاني.]] فإن قلت: فإن الهمزة قد تفتح [[في (ب): (يفتح).]] لها ما قبلها وإن كانت مضمومة، نحو: (يقرأ) في موضع الرفع، فهلا فتح (الياء) في ﴿عَذَابِي أُصِيبُ﴾ [الأعراف: 156]. قلنا: الضمة إذا كانت للإعراب [[في (أ)، (ج): (الإعراب) وما في (ب) هو الصحيح وموافق للحجة 2/ 5.]] لم يكن في حكم الضمة عندهم، ألا ترى أنهم قد [[(ق) ساقطة من (ب).]] قالوا: نَمِرٌ وكَتِفٌ، ونحو ذلك في الرفع، ورفضوا الضمة مع الكسرة في كلامهم [[إذا لم تكن الضمة للإعراب، أما الضمة في (نمر وكتف) فهي للإعراب، فلم يمنعوا مجيء الكسرة قبلها.]] فلم يجئ فيه (فُعِل) [[هذا آخر ما نقله الواحدي عن كتاب "الحجة" لابن علي الفارسي في حجة أبي عمرو في فتح (ياء المتكلم) إذا لقيت همزة مفتوحة أو مكسورة، وتسكينها إذا لقيت همزة مضمومة. انظر: "الحجة" 1/ 417، 2/ 5.]].

البقرة 2:31

وقوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ الآية. قال ابن عباس والحسن وقتادة: لما قال الله عز وجل للملائكة: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ قالوا فيما بينهم: ليخلق ربنا ما شاء، فلن يخلق خلقًا أفضل ولا أكرم عليه منا، وإن كان خيرًا منا فنحن أعلم منه، لأنا خلقنا قبله ورأينا ما لم يره، فلما أعجبوا بعلمهم، فضل الله عز وجل آدم عليهم بالعلم فعلمه الأسماء كلها [[ذكره الثعلبي، وقال: وهذا معنى قول ابن عباس والحسن وقتادة، "تفسير الثعلبي" 1/ 61 ب. وأخرج الطبري في "تفسيره" نحوه عن قتادة والحسن 1/ 256. وأخرج ابن أبي حاتم في "تفسيره" عن قتادة والحسن نحوه 1/ 77. وانظر ابن كثير في "تفسيره" 1/ 76، "الدر" 1/ 101.]]. ووجه تعليمه آدم: أن خلق في قلبه علماً بالأسماء على سبيل الابتداء، وألهمه [[في (ب): (بالقاء).]] العلم بها [[(التعبير بـ (خلق) يوحي بما يذهب إليه الأشاعرة من القول بأزلية الصفات، ونفي ما يتعلق منها بمشيئة الله، ونفي أن الله متصف بالصفات الفعلية فيتكلم إذا شاء متى شاء، ويعلم عباده متى شاء. والله سبحانه أخبر أنه علم آدم الأسماء، فما المخول لتأويل ذلك بالخلق أو بالإلهام، قال ابن عطية. تعليم آدم عند قوم إلهام علمه ضرورة. وقال قوم: تعليم بقول، إما بواسطة ملك، أو بتكليم قبل هبوطه ...) "تفسير ابن عطية" 1/ 233. قال أبو حيان -بعد أن ذكر الأقوال في هذا-: (أظهرها أن الباري تعالى هو المعلم لا بواسطة ولا إلهام) "البحر" 1/ 145. وهذا هو الموافق لنص الآية.]]. وأما (آدم) فقال ابن عباس: إنما سمي آدم، لأنه خلق من أديم الأرض [[أخرجه الطبري في "تفسيره" قال شاكر: إسناده صحيح 1/ 480 (ط. شاكر)، وأخرجه ابن أبي حاتم في "تفسيره" بسند صحيح، كذا قال المحقق 1/ 297، وذكره السيوطي في "الدر"، وعزاه إلى الفريابي، وابن سعد، وابن جرير وابن حاتم، والحاكم، والبيهقي في "الأسماء والصفات". انظر: "الدر" 1/ 100.]]. ومثل هذا قال أهل اللغة فيما حكا الزجاج عنهم، قال: يقول أهل اللغة في آدم: إن اشتقاقه من أديم الأرض، لأنه خلق من تراب، وأديم الأرض: وجهها [["معاني القرآن" للزجاج 1/ 80، وانظر "تهذيب اللغة" (أدم) 1/ 134.]] [قال الليث: أديم كل شيء ظاهر جلده، وأدمة الأرض وجهها] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]] والأُدمة لون مشبه بلون التراب [[ونحوه قال الزجاج، انظر "تهذيب اللغة" (أدم) 1/ 134، وانظر "معاني القرآن" للزجاج 1/ 80.]]. أبو عبيد عن الفراء قال: الأُدمة في الناس شُرْبة من سواد، وفي الإبل والظباء بياض، يقال: ظبية [[في (ب): (صبية).]] أدماء، ولم أسمع [[في (ب): (يسمع).]] أحدا يقول للذكر من الظباء: آدم، ولو قيل، كان قياسا [[الكلام في "تهذيب اللغة" منسوب لليث، وكلام أبي عبيد عن الفراء قال: الأدمة: الوسيلة إلى الشيء، يقال: فلان أدمتي إليك أي: وسيلتي. "التهذيب" (أدم) 1/ 134.]]. وقال ذو الرمة: مِنَ المؤْلِفَاتِ الرَّمْلَ أَدْمَاءُ حُرَّةٌ ... شُعَاعُ الضُّحَى في مَتْنِهَا يَتَوَضَّحُ [[المُؤْلِفَات: التي اتخذت الرمال إلفا، يتوضح: يبرق، والبيت في وصف الظباء. ورد في "الكامل" 2/ 303. "تهذيب اللغة" (أدم) 1/ 134، "مقاييس اللغة" (ألف) 1/ 131، "اللسان" (أدم) 1/ 46، "ديوان ذي الرمة" 2/ 1197.]] وقال الأعشى في الناقة: فَقُلْتُ لَهُ هذه هَاتِهَا ... بِأَدْمَاءَ في حَبْلِ مُقْتَادِهَا [[قاله يخاطب خمارًا، يقول: هات الخمر بناقة برمتها، والأدماء: الناقة صادقة البياض سوداء الأشفار. ورد البيت في "التهذيب" (رم) 2/ 1474، "مقاييس اللغة" (رم) 2/ 379، "اللسان" (رمم) 3/ 1736، "ديوان الأعشى": ص 58، وفيه (فقلنا) بدل (فقلت).]] وقال النضر بن شميل: سمي آدم، لأنه كان أبيض اللون [[انظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 63 أ، "تفسير القرطبي" 1/ 240، "زاد المسير" 1/ 62، والراجح: أن آدم مشتق من (أديم الأرض) كما هو قول ابن عباس، وقول أئمة اللغة كما سبق. انظر: "الطبري" 1/ 214، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 80، "تهذيب اللغة" 1/ 134، "القرطبي" في "تفسيره" 1/ 240.]]. واختلف في هذه الأسماء التي علمها الله آدم، فقال ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك: علمه اسم كل شيء حتى القصعة والمغرفة [[انظر أقوالهم في "تفسير الطبري" 1/ 215 - 217، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 80، والثعلبي 1/ 62 أ، وابن عطية في "تفسيره" 1/ 234، "تفسير ابن كثير" 1/ 78.]]. وظاهر اللفظ يدل على هذا، وعلى أنه علمه جميع اللغات، لأنه قال: الأسماء كلها، فيما وقع عليه الاسم بأي لغة كان داخل تحت هذا الإطلاق [[وهذا ما رجحه ابن كثير حيث قال: (والصحيح أنه علمه أسماء الأشياء كلها ذواتها وصفاتها وأفعالها كما قال ابن عباس: حتى الفسوة والفسية، يعني أسماء الذوات والأفعال المكبر والمصغر ..) واستدل ابن كثير على هذا بالحديث الذي أخرجه البخاري وفيه: "فيأتون آدم فيقولون له: أنت أبو الناس، خلقك الله بيده، وأسجد لك ملائكته، وعلمك أسماء كل شيء .. " "تفسير ابن كثير" 1/ 78. أما ابن جرير "الطبري" فرجح أن المراد: أسماء ذريته وأسماء الملائكة دون أساء سائر أجناس الخلق، واستدل على هذا بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ﴾ وبأن العرب لا تكاد تكني بالهاء والميم إلا عن أسماء بني آدم والملائكة، أما إذا كنت عن أسماء البهائم وسائر الخلق سوى من ذكر فإنها تكنى عنها بالهاء والألف، أو بالهاء والنون فتقول: (عرضهن) أو (عرضها)، انظر "تفسير الطبري" 1/ 216. وقد رد ابن كثير هذا الاحتجاج وقال: ليس بلازم، فإنه لا ينفي أن يدخل معهم غيرهم ويعبر عن الجميع بصيغة من يعقل للتغليب. ابن كثير في "تفسيره" 1/ 78، وانظر "تفسير أبي الليث" 1/ 108 - 109، "البيان" 1/ 72، "القرطبي" في "تفسيره" 1/ 241 - 242.]]، على أنه قد قال جماعة من أهل التأويل: إن الله تعالى علم آدم جميع اللغات، ثم إن أولاده تكلم كل واحد منهم بلغة [أخرى، فلما تفرقوا في البلاد اختص كل فرقة منهم بلغة] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب). حول هذا المعنى انظر "تفسير ابن عطية" 1/ 234 - 235، والبغوي في "تفسيره" 1/ 80، "القرطبي" في "تفسيره" 1/ 242 - 243، "البحر" 1/ 145.]]، فاللغات كلها إنما سمعت من آدم وأخذت عنه [[هذا على قول من يرى أن أصل اللغة وحي لا اصطلاح، وقد أطال ابن جني في كتاب "الخصائص" بحث هذِه المسألة، ورجح أنها (وحي)، "الخصائص" 1/ 40 - 47.]]. وقال الزجاجي في قوله: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾: الأسماء [[(الأسماء) ساقط من (ب).]] على كثرتها عشرة أقسام [[لم أجد هذا الكلام بهذا النص فيما اطلعت عليه من كتب الزجاجي، وهذا التقسيم اجتهادي، وللزجاجي تقسيم للأسماء غير هذا، قال في كتاب (اشتقاق أسماء الله)، (.... فالأسماء تنقسم أولا قسمين معرفة ونكرة ... هذا أول انقسام الأسماء، ثم تتنوع بعد ذلك فتصير ستين نوعا ...) ثم دخل في تفصيل هذِه التقسيمات، وقال في موضع آخر (... وقد ذكرنا أنواع الأسماء الستين في شرح كتاب الجمل مفسرة ...) قال المحقق: لم يرد كتاب شرح الجمل ضمن كتب الزجاجي المعروفة، ولعل المراد به (الجمل الكبرى)، انظر: "شرح أسماء الله": ص 267 - 274. وذكر الثعلبي في "تفسيره" أن أقسام الاسم ثمانية ثم ذكرها، "تفسير الثعلبي" 1/ 63 أ.]]، فمنها: أسماء الأشخاص التي نسميها الأعيان نحو: الشجر والجبل والأرض والمدر. ومنها: أسماء المعاني، وهي [[في (ب): (وهو).]] أسماء الحوادث، ويسميها [[في (أ) و (ج): (وتسميتها).]] النحويون المصادر، لأن الأفعال تصدر عنها، وذلك نحو: الضرب والقتل. ومنها: أسماء الألقاب، نحو: زيد وعمرو فيمن يعقل، وفيما لا يعقل نحو: يحموم وسكاب وداحس [[في (ب): (وداحسن).]]، أسماء أفراس الأعراب، أجريت عليها لقبا لا لمعنى، وهذا القسم [[في (ب): (الأسمر).]] غير الأول الذي هو من أسماء الأشخاص لأن أسماء الأشخاص لا يخلو من أن تكون جارية على مسمياتها لمعنى، لولا ذلك ما أجريت عليها، وزيد لم يسم زيدا لمعنى فيه [[(فيه) ساقط من (ب).]]، لأنه كان يجوز أن يسمى [[(أن يسمى) ساقط من (ب).]] بكرا وخالدا. ومنها: أسماء الأزمنة، كاليوم والليلة، والساعة وغد، وأمس. ومنها: أسماء الأمكنة، وهي الجهات الست، نحو: قدام وخلف وفوق وتحت ويمنة ويسرة. ومنها: أسماء الفاعلين نحو: الضارب والقاتل والآكل والشارب. ومنها: أسماء المفعولين نحو: المضروب والمقتول. ومنها: أسماء الحلي والشيات نحو: الأحمر والأصفر والأعرج والأحدب وما يجري مجراها. ومنها: أسماء المكاني [[في (ب): (العاني).]] والمضمرات نحو: أنا ونحن [[(نحن) ساقطة من (ب).]]، وأنت، وهو وهي وهم [[(هم) ساقطة من (ب).]] وهن، وهذا وذاك وأولئك وهؤلاء. والقسم العاشر خاص للعرب وهو أسماء الأفعال نحو قولهم: (صه) هو اسم موضوع لقولك [[في (ب): (كقولك سلت).]]: (اسكت)، و (هيهات) لقولك: [[في (ب): (موضوع كقولك).]] (ما أبعد)، و (مهلا) موضوع لقولك: (أمهل) وهذا الجنس قليل. وكل هذه الأسماء، [قصد واضع اللغة فيها إلى أن يجريها على مسمياتها لمعان يتضمنها، إلا [[في (أ): (الأسماء).]] أسماء] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]] الألقاب نحو: زيد وعمرو، فإن قولنا: (زيد) وإن كان مأخوذا من الزيادة فليس بحاو على مسماه لهذا المعنى، وليس فيه إلا تعريف شخص من شخص. ولما صدقت العناية ببعض الأسماء دون بعض، أدرك معاني بعضها وموضوعه وحقيقته ومجازه وأصله وفرعه، وما لم يصدق [[في (ب): (تصدق).]] العناية به أو قل التصرف فيه صار كالجامد الذي لا يعرف له أصل، ولا يخلو من أن يكون له معنى صحيح، لذلك المعنى ما سمي [[العبارة فيها غموض، ولعل فيها سقط أو زيادة، ولو حذفنا (ما) لاستقام المعنى.]] به، وإن لم يدركه الناس. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ﴾. يقال [[في (ب): (فقال).]]: عرضت المتاع على البيع عرضا، وكذلك عرض الجند والكتاب. ومعنى العرض في اللغة: الإظهار، ومنه عرض الجارية وعرض الجند [[انظر: "تهذيب اللغة" (عرض) 1/ 2396، 2398، 2402، "الصحاح" (عرض) 3/ 1082.]]. الليث: ويقال: أعرض الشيء أي: بدا وظهر، وأنشد: إِذَا أَعْرَضَت [[في (ب)، (ج) (عرضت).]] دَاوِيَّةٌ [[في (ب): (دويه).]] مُدْلَهِمَّةٌ [[تمامه. وغَرَّدَ حَادِيَها فَرَيْنَ بِهَا فِلْقَا نسبه في "الصحاح" إلى (سويد بن كرُاع العكلي)، قال: و (كرع) اسم أمه، واسم أبيه عمير و (الداوية): الفلاة الواسعة، والفلق: بالكسر الداهية والأمر العجب، ورد في "تهذيب اللغة" (عرض) 1/ 2398، "الصحاح" (فلق) 4/ 1544، "اللسان" (غرد) 6/ 3232، و (عرض) 5/ 2886.]] أي بدت [[الكلام في "تهذيب اللغة" منسوب لشمر وليس لليث. "التهذيب" (عرض) 1/ 2398، وفي "اللسان" (عرض) 5/ 2886، غير منسوب.]]. وقال الفراء في قوله تعالى: ﴿وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا (100)﴾ [الكهف: 100]، أي أبرزناها حتى رأوها. قالوا [[كذا في جميع النسخ (قالوا) والصحيح (قال) كما في "تهذيب اللغة" 1/ 2398.]]: ولو جعلت الفعل لها زدت ألفا، فقلت: أعرضت، أي [[في (ب): (على أي).]]: استبانت وظهرت [["معاني القرآن" للفراء 2/ 160، و"تهذيب للغة" (عرض) 1/ 2398، والعبارة نقلها الواحدي عن (التهذيب)، انظر "الصحاح" (عرض) 3/ 1084.]]. فجاء من هذا أنه يقال: عرضت الشيء فأعرض، أي أظهرته فظهر، وأعرض بوجهه أي أزاله عن جهة الظهور، وعرض بالشيء، حرفه من جهة الظهور [[انظر: "الصحاح" (عرض) 3/ 1082 - 1084، "معجم مقاييس اللغة" (عرض) 4/ 272.]]. فإن قيل: فلم قال: ﴿عَرَضَهُمْ﴾ فجمع الكناية وهي عائدة على [[في (ب): (إلى)]] الأسماء؟ فالجواب ما قال مقاتل: وهو أن الله تعالى خلق كل شيء، الحيوان والجماد ثم علم آدم أسماءها، ثم عرض تلك الشخوص الموجودات على الملائكة [[ذكر قول مقاتل الثعلبي في "تفسيره" 1/ 62 أ.]]. وكنى عن الشخوص والمسميات [بقوله: ﴿هُمْ﴾ لأن فيها ما يعقل من الجن والإنس والملائكة، فالعرض يعود إلى المسميات] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]] لا إلى الأسماء [[ذكر نحوه الزجاج في "المعاني" 1/ 78، وانظر "تفسير الطبري" 1/ 216 - 217، وابن كثير في "تفسيره" 1/ 78. وقد قيل: إن الضمير (هم) يعود على الأسماء لا على المسميات. انظر: "تفسير ابن عطية" 1/ 235 - 236، "القرطبي" 1/ 241.]]. وقال ابن زيد: علمه أسماء ذريته [[ذكره الطبري في "تفسيره" 1/ 216، والثعلبي في "تفسيره" 1/ 62 أ، وابن كثير في "تفسيره" 1/ 78، والسيوطي في "الدر" 1/ 101، والشوكاني في "فتح القدير" 1/ 103.]]، وعلى هذا العرض يعود إلى الذرية. وقوله تعالى: ﴿فَقَالَ أَنْبِئُونِي﴾. أمر تعجيز [[ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 62 أ، والخازن 1/ 102، وأكثر المفسرين على أنه للتقرير والتوقيف، كما قال الطبري: إنه مثل عتاب الله لنبيه نوح. انظر: "تفسير الطبري" 1/ 219، "ابن عطية" 1/ 236، "القرطبي" 1/ 243.]]، كقوله: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة: 23] أراد الله تعالى أن يبين عجزهم [[قال الطبري: (وقد زعم بعض نحويي أهل البصرة أن قوله: ﴿أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ لم يكن ذلك لأن الملائكة ادعوا شيئا، إنما أخبر الله عن جهلهم بعلم الغيب ... كما يقول الرجل للرجل: (أنبئني بهذا إذ كنت تعلم) وهو يعلم أنه لا يعلم ...) ثم أخذ يرد عليه. "تفسير الطبري" 1/ 219.]]، وذلك أن الملائكة أخبروا عن شيء لم يخلق لهم العلم به، وقالوا شيئاً بظن [[في (أ): (يظن)، وفي (ب): (نظن) وأثبت ما في (ج)، لأنه أصح.]] منهم وحسبان، فخلق سبحانه لآدم [[في (ج): (العد لادم).]] العلم بالأسماء [[انظر التعليق السابق على ما ذكر الواحدي في معنى تعليم الله آدم، وأنه بمعنى خلق به العلم بذلك: ص 348.]] دونهم تفضيلاً له، ثم استخبرهم عن ذلك، أراد كيف تدعون علم ما لم يكن بعد، وأنتم لا تعلمون ما ترون وتعاينون [[انظرت "تفسير الطبري" 1/ 218، و"تفسير ابن كثير" 1/ 79.]]. وقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. أي: إن صدقتم أن الخليفة الذي أجعله في الأرض يفسد فيها ويسفك الدماء قاله ابن عباس، [وناس من الصحابة] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب). والرواية عن ابن عباس، وعن ابن مسعود وعن ناس من الصحابة أخرجها الطبري بسنده، انظر: "تفسير الطبري" 1/ 218، وانظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 62 أ، و"تفسير ابن كثير" 1/ 79، "الدر" 1/ 101.]]. وقال الحسن: إن كنتم صادقين أني لا أخلق خلقاً إلا كنتم أعلم وأفضل منه، وكذلك قال قتادة [[ذكر قوليهما الطبري في "تفسيره" 1/ 218، و"تفسير الثعلبي" 1/ 62 أ، و"تفسير ابن كثير" 1/ 79، "الدر" 1/ 101.]].

البقرة 2:32

فقالت الملائكة إقراراً بالعجز واعتذاراً: ﴿سُبْحَانَكَ﴾ [[في (ج): (قالوا سبحانك).]]. قال ابن عباس: تنزيهاً لك وتعظيماً عن أن يعلم الغيب أحد [[في (ب): (أحدا).]] سواك [[أخرجه الطبري في "تفسيره" من طريق الضحاك عن ابن عباس 1/ 221، وذكره السيوطي في "الدر" وعزاه لابن جرير 1/ 101.]]. وقيل: تنزيهاً لك عن الاعتراض عليك في حكمك وتدبيرك [[ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 62 أ.]]. وهو منصوب على المصدر عند الخليل والفراء، إذا قلت: (سبحان الله) [[عبارة الفراء: (سبحانك) منصوب على المصدر، كأنك قلت: سبحت لله تسبيحا ..) "الزاهر" 1/ 145.]] فكأنك قلت: سبّحتُ الله تسبيحاً، فجعل السبحان موضع التسبيح، كما تقول: كفرت عن يميني تكفيراً، ثم يجعل الكفران في موضع التكفير فتقول: كفَّرت عن يميني كُفراناً [[كلام الفراء في "الزاهر" 1/ 145، وقول الخليل في "تفسير الثعلبي" 1/ 62 أ، وانظر: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 160، "البيان" 1/ 72، "الإملاء" 1/ 29.]]. وقد ينوب الاسم عن المصدر وتقول [[في (ج): (ويقوله).]]: كلمته كلاماً، وسلم سلاماً، قال الله تعالى: ﴿وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب: 49]. وقال سيبويه: يقال: سبحت الله تسبيحاً وسبحاناً بمعنى واحد، فالمصدر: تسبيح، وسبحان اسم يقوم مقام المصدر. قال: وقال أبو الخطاب الكبير [[هو عبد الحميد بن عبد المجيد، أبو الخطاب، الأخفش الكبير النحوي، شيخ سيبويه في النحو، انظر ترجمته في: "طبقات النحويين واللغويين" للزبيدي: ص 40، "إنباه الرواة" 2/ 157، "بغية الوعاة" 2/ 74.]]: سبحان الله، كقولك: براءةَ الله من السوء، ومنه قول الأعشى: سُبْحَانَ مِنْ عَلْقَمَةَ الفَاخِرِ [[البيت سبق تخريجه في تفسير قوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾ [البقرة: 30]: 2/ 336.]] أي براءةً منه [[انظر كلام سيبويه في "الكتاب" 1/ 322 - 1/ 324، "تهذيب اللغة" (سبح) 2/ 1609، والنص من "التهذيب".]]. وقال النضر: رأيت في المنام كأن إنساناً فسر لي سبحان الله، قال: أما ترى الفرس يسبح، يريد السرعة، سبحان الله: السرعة إليه [[ذكره الأزهري في "تهذيب اللغة" (سبح) 2/ 2610.]]. وقد ذكرنا معنى التسبيح عند قوله: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾ [[سورة البقرة: 30، انظر: 2/ 335 - 337.]]. وقوله تعالى: ﴿لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾. قال المفسرون وأهل المعاني: هذا اعتراف (عن) [[(عن) في جميع النسخ ولو كانت (من) كان أولى.]] الملائكة بالعجز عن علم ما لم يعلموه فكأنهم قالوا: لا علم لنا إلا ما علمتنا [[انظر "تفسير الطبري" 1/ 220، "البحر المحيط" 1/ 147، "ابن كثير" 1/ 79، " البيضاوي" 1/ 21.]]، وليس هذا مما علمتنا [في الكلام مختصرًا] [[قوله: (في الكلام مختصرًا) كذا وردت في النسخ الثلاث، وفيها تصحيف، والعبارة في "الوسيط" (فجاء الكلام مختصرًا) وفي الحاشية: في (ب): (فجاء في الكلام)، "الوسيط" 1/ 79.]]. ولو قالوا: (لا علم لنا بهذا) كان جواباً، ولكن لا يكون متضمناً تعظيم الله والاعتراف بأن جميع علمهم من عنده. وقيل: إنه تلطّف في طلب علم ما لم يعلموه، وتوبة عن قولهم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا﴾ من غير علم لهم بذلك، نبههم الله تعالى بعجزهم عن أسماء الموجودات على أن من جهلها فهو أجهل بأحكام الغائبات، وفي هذا التنبيه إشارة إلى نهيهم عن الحكم لأنفسهم بالطاعة، فإنه لا علم لهم بالعواقب، فإن أمر العواقب [[قوله (فإن أمر العواقب) ساقط من (ب).]] مستور، ففيه تنبيه عن [[في (ب): (على) وهو أولى.]] خطئهم في الأمرين جميعا. وقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ﴾. أي العالم غير المعلم [[انظر: "تفسير الطبري" 1/ 221.]]. (الحكيم) [[(الحكيم) مكرر في (ب).]] في خلقك الخليقة، ومعنى: (الحكيم) هو المحكم للأشياء [[في (ب): (الأشياء).]] صرف من (مُفْعل) إلى (فَعِيل) كالسميع في قوله: أَمِنْ رَيْحانَةَ الدَّاعي [[في (أ)، (ب) (الراعي) وهذا خلاف المشهور في البيت.]] السَّمِيعُ [[البيت لعمرو بن معد يكرب، وقد سبق تخريجه عند تفسير قوله تعالى: ﴿فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة: 10]: 2/ 154.]] و (الأليم) بمعنى: المؤلم [[يريد أن (حكيم) بمعنى: محكم مثل (أليم) بمعنى مؤلم كذا قال الثعلبي في "تفسيره" 1/ 62 أ. وانظر: "شرح أسماء الله" للزجاج: ص 52، "اشتقاق أسماء الله" للزجاجي: ص 60.]]. قال ابن المظفر [[هو الليث. انظر كلامه في "تهذيب اللغة" (حكم) 1/ 885]]: والحُكم: العِلم [[في "تهذيب اللغة": (العلم والفقه).]]، قال الله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ [مريم: 12]. أي: العلم، والحكم: القضاء بالعدل أيضا. قال النابغة: وَاحْكُمْ كَحُكْمِ فَتَاةِ الحَيِّ إذْ نَظَرَتْ ... إِلَى حَمَامٍ سِرَاعٍ وَارِدِ الثَّمَدِ [[البيت للنابغة الذبياني من قصيدة يمدح فيها النعمان، ويعتذر إليه مما بلغه عنه فيما وشي إليه به. وقد ألحقت بالمعلقات السبع لما فيها من الجودة. يقال: احكم، أي: كن حكيمًا في أمرك مصيبًا في الرأي وهذا هو المعنى المشهور في البيت ذكره الأزهري في "التهذيب" عن ابن السكيت، واستشهد الليث به على أن معنى (احكم) من القضاء بالعدل. كحكم فتاة الحي إذ أصابت ووضعت الأمر موضعه حينما نظرت إلى الحمام فاحصتها ولم تخطئ في عددها. ويروى (سراع) و (شراع) بالشين، وهي الواردة للماء. والثمد: الماء القليل، ورد البيت في "التهذيب" (حكم) 1/ 885، "الصحاح" (حكم) 5/ 1902، "اللسان" (حكم) 2/ 951، "ديوان النابغة" ص 14.]] فالوصف لله تعالى بأنه (حكيم) يجوز أن يكون بمعنى: محكم كما ذكرنا، ويجوز أن يكون بمعنى: حاكم، كالقدير والقادر، والعليم والعالم، ويكون معناه العالم أو الذي يحكم بالعدل ويقضي به [[(به) ساقط من (ب). بهذا المعنى أخذ الطبري في "تفسيره" 1/ 221، وانظر == "تهذيب اللغة" (حكم) 1/ 885، "اشتقاق أسماء الله" ص60.]]. قال الأصمعي: أصل الحكومة: رَدُّ الرجل عن الظلم، ومنه سُمِّيت حَكَمَةُ اللجام، لأنها تَرَدُّ الدابة، قال [[(قال) ساقط من (ب).]] ومنه قول لبيد: أَحْكَمَ الجِنْثِيَّ مِنْ عَوْرَاتِهَا [[في (ب): (عوارتها).]] ... كُلُّ حِرْبَاءٍ إِذَا أُكْرِهَ [[في (ب): (احكم ضل).]] صَلّ [[للبيت روايتان: نصب (الجنثي) ورفع (كل) -وهي رواية الأصمعي التي ذكرها الأزهري- فيكون المراد بالجنثي السيف، وأَحْكَمَ بمعنى: منع ورد، فلم يصل السيف، ومنعه الحرباء، والعورات: الفتوق واحدها عورة، والحِرْبَاء: المسمار في حلق (الدرع)، إذا أكره ليدخل في الحلق سمعت له صليلا. والرواية الثانية: رفع (الجنثي) ونصب (كل) فيكون المراد بالجنثي: الحداد أو الزراد، ويكون أحكم من الإحكام للصنعة، كذا خرَّجه ابن قتيبة في "المعاني الكبير" 2/ 1030، وانظر "التهذيب" (حكم) 1/ 885، "اللسان" (صلل) 4/ 2486، و (حكم) 2/ 951، "شرح ديوان لبيد": ص 192.]] والجِنْثِيُّ: السيف، أي: رد السيف عن عورات [[في (ب): (عوارت).]] الدرع، وهي: فُرَجها، كل حِرْبَاء: وهو المسمار الذي يُسَمَّر به حلقها. هذه رواية الأصمعي [[انظر كلام الأصمعي في "التهذيب" (حكم) 1/ 885.]]. قال الأزهري: والعرب تقول: حَكَمْتُ وأَحْكَمْتُ وحَكَّمْتُ بمعنى: رَدَدْتُ ومَنَعْتُ، ومن هذا قيل للحاكم: حاكم، لأنه يمنع الظالم من الظلم [["تهذيب اللغة" (حكم) 1/ 885.]]. وقال جرير: أَبَنِي حَنِيفَةَ أَحْكِمُوا سُفَهَاءَكُمْ [[تمامه: إني أخاف عليكم أن أغضبا ورد البيت في "تهذيب اللغة" (حكم) 1/ 885. وفيه (بني حنيفة) "الكامل" 3/ 26، وفيه (نهنهوا) بدل (أحكموا)، أي أزجروا، "غريب الحديث" لأبي عبيد 2/ 421، "الزاهر" 1/ 503، "مجمل اللغة" (حكم) 1/ 246، "اشتقاق أسماء الله": ص 61، "الصحاح" (حكم) 5/ 1902، و"تفسير الثعلبي" 1/ 62 ب، و"تفسير القرطبي" 1/ 246، "الدر المصون" 1/ 268، "الخزانة" 9/ 236.]] يقول: امنعوهم من التعرض [["التهذيب" (حكم) 1/ 885.]]. وروي عن النخعي أنه قال: حَكِّم اليَتِيم كما تُحَكَم ولدك [[ذكره أبو عبيد قال: حدثنيه ابن مهدي عن سفيان عن منصور عن إبراهيم. "غريب الحديث" 2/ 421، "تهذيب اللغة" 1/ 885.]]. قال أبو عبيد: يقول: امنعه من الفساد، قال: وكل من منعته من شيء فقد حَكّمْتَه وأَحْكَمْتَه [[المراجع السابقة.]]، وأنشد بيت جرير [[أي: أبني حنيفة .. البيت.]]. والحِكْمَة: هي العلم الذي يمنع [صاحبه] [[(صاحبه) ساقط من (ب).]] من الجهل، والحاكم الذي يمنع من الجور، وكل عمل مُحَكَم [[في (ب): (متحكم).]] فقد منع من الفساد [[انظر: "تهذيب اللغة" (حكم) 1/ 885. "الصحاح" (حكم) 5/ 1901. "المجمل" (حكم) 1/ 246. "اللسان" (حكم) 2/ 951.]].

البقرة 2:33

قوله تعالى: ﴿قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ﴾. قال المفسرون: لما ظهر عجز الملائكة، قال الله عز وجل: ﴿يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ﴾ فسمى كل شيء باسمه، وألحق كل شيء بجنسه ﴿فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ﴾ أي: أخبرهم بتسمياتهم قال: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ﴾ [[انظر الطبري في "تفسيره" 1/ 221، والبغوي في "تفسيره" 1/ 80، والخازن "في تفسيره" 1/ 103، وأبي السعود "في تفسيره" 1/ 86.]]. وفي الآية اختصار، معناه: فلما أنبأهم بأسمائهم، تحقق عندهم أن الله يعلم من العواقب ما لا يعلمون، فلما علموا ذلك [[وما ذكره مفهوم من السياق.]]، قال الله: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ﴾ و (لم) حرف نفي وصل بألف الاستفهام، فصار بمعنى الإيجاب والتقرير [[انظر: "الوسيط" للمؤلف 1/ 80، "معاني القرآن" للأخفش1/ 219، "البحر" 1/ 150، "الدر المصون" 1/ 270، "شرح المفصل" 8/ 123، "مغني اللبيب" 1/ 17.]]، كقول جرير: أَلَسْتُمْ خَيْرَ مَنْ رَكِبَ المَطَايَا [[البيت من قصيدة لجرير يمدح عبد الملك بن مروان وعجزه: وَأَنْدى العَالمِينَ بُطُونَ رَاح أندى: أكثرهم جوداً، الراح: جمع راحة وهي الكف، ورد البيت في "معاني القرآن" للأخفش 1/ 219، وفي (الخصائص) 2/ 643، 3/ 269، "المصون في الأدب": ص 21، "شرح المفصل" 8/ 123، "مغني اللبيب" 1/ 17، و"شرح ديوان جرير" ص 74.]] وفيه أيضًا معنى التوبيخ [[(التوبيخ) ساقط من (ب).]] لهم على ما سلف من خطاهم [[كذا في جميع النسخ ولعل الصواب (من خطئهم) أو (من أخطائهم). انظر معنى الآية في "تفسير الطبري" 1/ 221.]]. وقوله تعالى: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. (الغيب) مصدر مضاف إلى المفعول [[في (ب): (المفعول به).]] على الاتساع، وحذف حرف الجر، لأنك تقول: غبت في الأرض، وغبت ببلد كذا، فتعديه بحرف الجر، فحذف الحرف وأضيف المصدر إلى المفعول به في المعنى، نحو: ﴿مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ﴾ [فصلت: 49] و ﴿بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ﴾ [ص: 24] وكقولك: (أعجبني منك دخول الدار). وفيه أيضا مضاف مقدر، والمعنى: إني أعلم ذوي غيب السموات والأرض ما غاب فيها [عنكم، ومثله على هذا التقدير قوله: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [[سورة هود: 132، وسورة النحل: 77.]] أي: له ما غاب فيها] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]] ملكاً وخلقاً. ويجوز أن يكون له علم ما غاب [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 3/ 214.]] فيها، فيكون المضاف محذوفاً. وقوله تعالى: ﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾. أي: أعلم سرّكم وعلانيتكم، لا يخفى علي شيء من أموركم [[انظر: "تفسير الطبري" 1/ 222، و"تفسير ابن كثير" 1/ 80]]. وقال ابن عباس: ما تبدون من قولكم: (أتجعل فيها من يفسد فيها)، (وما كنتم تكتمون) من إضمار إبليس الكفر [[أخرجه ابن جرير بسنده من طريق السدي، عن ابن عباس وابن مسعود وناس من الصحابة في "تفسيره" 1/ 222، وابن كثير في "تفسيره" 1/ 80، "الدر" 1/ 101.]]. وعلى هذا التأويل قال: (تكتمون) بلفظ الجمع، وإن كان المراد به إبليس، لأن الخطاب للجماعة، وهو من جملتهم [[انظر الطبري في "تفسيره" 1/ 222، وابن عطية في "تفسيره" 1/ 241.]]. وقال الحسن وقتادة في قوله: ﴿مَا تُبْدُونَ﴾ كقول ابن عباس، (وما تكتمون) يعني قولهم: لن يخلق [[في (ب): (لن يخلق الله ..).]] خلقاً أفضل ولا أعلم منا [[ذكره الثعلبي 1/ 62 ب، وأخرجه الطبري عنهما 1/ 222، وابن أبي حاتم 1/ 82، وذكره السيوطي في "الدر" 1/ 102، و"ابن كثير" 1/ 80.]]. وقد يبقى في هذه الآية سؤال لم يجد [[كذا في جميع النسخ، والمعنى: لم يتعرض أحد لهذا السؤال.]] أحداً ممن تكلم في تفسير القرآن ولا في معانيه تعرض [له] [[(له) ساقطة من (ب).]]، وهو من مهم ما يسأل عنه [[بل إن في هذا السؤال شيئاً من التكلف، ولا فائدة كبيرة من معرفة جوابه، ولا ينبني عليه حكم، وقد ذكر الرازي هذا السؤال والإجابة عنه بنحو ما ذكر الواحدي هنا فلعله نقل عنه 2/ 177.]]. وذلك أن يقال: من أين علمت الملائكة لما خبرها [[في (ب): (حرها).]] آدم عليه السلام بتلك الأسماء صحة قوله، ومطابقة الأسماء المسميات؟ وهي لم تكن [[في (أ): (يكن) وما في (ب) و (ج) أصح في السياق.]] عالمة بذلك من قبل، إذ لو كانت عالمة لأخبرت بالأسماء، ولم تعترف بفقد العلم. والكلام يقضي أنهم لما أنبأهم آدم بالأسماء، علموا صحتها ومطابقتها للمسميات [[يمكن أن يعلموا صحتها بمجرد إخبار آدم عليه السلام بالأسماء، وإقرار الله له على ذلك، وعلى هذا فلا داعي لتحمل الإجابة عن هذا السؤال.]]، ولولا ذلك لم يكن لقوله [[في (ب): (كقوله).]]: {أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} معنى. والجواب: أنه [[في (ب): (له).]] غير ممتنع أن تكون الملائكة في الأول غير عارفين بتلك الأسماء فلما أنبأهم آدم عليه السلام بها، خلق الله تعالى [[انظر التعليق السابق على ما ذكر الواحدي عن معنى تعليم الله آدم، وأنه بمعنى: خلق له العلم بذلك: 2/ 348.]] لهم في الحال العلم الضروري بصحتها ومطابقتها للمسميات، إما من طريق، أو ابتداء بلا طريق، فعلموا بذلك تمييزه [[في (ب): (تميزه) وهو الأصوب.]] واختصاصه [[قال الرازي: (.. ولا يمتنع أن يقال: إنه تعالى عرفهم قبل أن يسمعوا من آدم عليه السلام تلك الأسماء، ما استدلوا به على صدق آدم).]]. ووجه آخر: وهو أنه لا يمتنع أن تكون للملائكة لغات مختلفة، فكل قبيل منهم يعرف أسماء الأجناس في لغته دون لغة غيرها، فلما أراد الله تعالى التنبيه على فضيلة آدم، علمه [[في (ب): (علمهم).]] تلك الأسماء، فلما أخبرهم بها علم كل فريق [[في (أ): (فريق منهم).]] مطابقة ما أخبر به من الأسماء للغته وعلم مطابقة ذلك لباقي اللغات بخبر كل فريق وإذا أخبر كل قبيل صاحبه علم بذلك من لغة غيره ما علمه من لغته [[هذا من التكلف الذي لا دليل عليه.]]، وهذا الجواب يقتضي أن يكون معنى قوله: ﴿أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ﴾ أي: ليخبرني كل قبيل منكم بجميع الأسماء.

البقرة 2:34

قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ الآية. (إذ) في موضع نصب نسقاً على (إذ) [[في (ج): (إذا) وهو خطأ.]] التي قبلها [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 180، و"تفسير الطبري" 1/ 224، و"تفسير ابن عطية" 1/ 243، وقال مكي: منصوب بفعل مقدر (اذكر) مثل (إذ) قلبها. انظر: "مشكل إعراب القرآن" 1/ 35. وقيل: زائدة، قاله أبو عبيدة في "المجاز" 1/ 37، وضعفه أبو حيان. انظر: "البحر" 1/ 152، "الدر المصون" 1/ 271.]]. وقوله: ﴿قُلْنَا﴾ [هو من خطاب الأكابر والعظماء، يقول الواحد منهم: فعلنا وقلنا، لعلمه بأن أتباعه يفعلون] [[ما بين المعقوفين مكرر في (أ).]] كفعله، ويجرون على مثل أمره، فأخبر الله تعالى عن نفسه على الجمع، لأنه ملك الملوك، وكل من في السموات والأرض له خلقاً [[في (أ): (خلفاء) وما في (ب)، (ج) أصح.]] وملكاً [[انظر: "مجاز القرآن" 1/ 38، والقرطبي 1/ 248، (البحر) 1/ 152.]]. وعلى هذا خوطب في الجواب في قوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المؤمنون: 99] معناه: يا رب ارجعني، فلما أخبر جل اسمه [[(جل اسمه) ساقط من (ب).]] عن نفسه [بالجمع خوطب بمثل ذلك [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 21.]]. وقوله: ﴿لِلْمَلَائِكَةِ﴾ اختلفوا في] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]] الملائكة الذين أمروا بالسجود لآدم من هم؟ فقال بعضهم: هم الذين كانوا مع إبليس في الأرض [[ورد هذا ضمن الخبر الطويل عن ابن عباس، الذي أخرجه الطبري، وهو ضعيف == الإسناد، كما ذكر ذلك شاكر في تعليقه، انظر: "الطبري" 1/ 224. وذكره ابن أبي حاتم بسنده عن أبي العالية، قال محقق "الكتاب": إسناده ضعيف، والخبر لم أقف عليه، "تفسير ابن أبي حاتم" 1/ 83، وانظر القرطبي في "تفسيره" 1/ 248، والرازي في "تفسيره" 2/ 138، وابن كثير في "تفسيره" 1/ 80.]]. وقال بعضهم: هم جميع الملائكة حتى جبريل وميكائيل، لأنه قال: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ [الحجر: 30]، وفي هذا [[(هذا) ساقط من (ب).]] تأكيد للعموم، وتحقيق له [[وهذا هو الأرجح، انظر: في "تفسير الطبري" 1/ 224، وفي "تفسيرالرازي" 2/ 238، وقد ذكر وجوها كثيرة في ترجيح هذا القول وانظر: "تفسيرالقرطبي" 1/ 248، ورجحه ابن كثير في "تفسيره" 1/ 80.]]. وقوله: ﴿اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ أصل السجود في اللغة الخضوع والتذلل، وكل من ذل وخضع لما أمر به فقد سجد، ومنه قوله تعالى: ﴿يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ﴾ [النحل: 48] أي: خُضَّعاً مسخرة [[في "تهذيب اللغة": (مسخرة) 2/ 1650.]] لما سخرت له، وسجود كل موات في القرآن، طاعته لما سخر له [[ذكره الأزهري في "تهذيب اللغة" (سجد) 2/ 1630، وانظر "اللسان" (سجد) 4/ 1940]]. وقال أبو عبيدة: عين ساجدة إذا كانت فاترة، والسُّجَّد من النساء الفاترات الأعين، ونخلة ساجدة إذا مالت لكثرة حملها [[قال الأزهري: (روى ابن هاني لأبي عبيدة .. ثم ذكره دون قوله: (والسجد من النساء الفاترات الأعين) "تهذيب اللغة" (سجد) 2/ 1630.]]. ومنه قول الشاعر: تَرى الأُكْمَ [[في (ب): (الالم).]] فِيِه سُجَّداً لِلْحَوَافِرِ [[البيت لزيد الخيل وصدره: بِجَمْعٍ تَضِلُّ البُلْقُ في حَجَرَاتِه ويروى: بجيش، البلق: جمع أبلق، وهو الفرس المحجل، الحجرات: الناحية، الأكم: جمع أكمة، وهي تل أشد ارتفاعا مما حوله ودون الجبل. يصف كثرة هذا الجيش وأن الأكم قد خشعت من وقع الحوافر. ورد البيت في الطبري في "تفسيره" 1/ 365، "المعاني الكبير" 2/ 890، و"الأضداد" لابن الأنباري: ص 295، و"الزاهر" 1/ 141، "معرفة اشتقاق أسماء نطق بها القرآن" 2/ 542، و"تأويل مشكل القرآن": ص 417، و"الصحاح" (سجد) 2/ 483، و"اللسان" 4/ 1940، والقرطبي في "تفسيره" 1/ 248، والبيضاوي في "تفسيره" 1/ 21، "البحر المحيط" 1/ 51، "الدر المصون" 1/ 274.]] أي ذليلة خاضعة. قال الأعشى: مَنْ يَرَ هَوْذَةَ يَسْجُدْ غَيرَ مُتَّئِبٍ [[في (ب): (منيب).]] ... إِذَا تَعَمَّمَ [[في (أ)، (ج): (تعم) وما في (ب) هو الصحيح، ومثله ورد في "المخصص" 13/ 107.]] فَوْقَ الرَّأْسِ أَوْ وَضَعَا [[البيت من قصيدة طويلة للأعشى يمدح (هوذة بن علي الحنفي) ويروى البيت (من يلق) بدل (من ير) و (تعصب فوق التاج) بدل (تعمم فوق الرأس). وقوله: (غير متئب): أي لا يستحي أن يسجد لطلعته المهيبة وفد تعمم فوق الرأس، أو وضع الإكليل. ورد البيت في ديوان الأعشى: ص 108، "المخصص" 13/ 107.]] أي يخضع له ويتذلل. وأنشد ابن الأنباري لابن مقبل: ثُمَّ نَوَّمَنْ وَنِمْنَا سَاعَةً ... خُشَّعَ الطَّرْفِ سُجُوداً لِلْخُطَم [[قوله: (نوَّمن) أي الإبل نومت. الخطم: جمع خطام، وهو الحبل الذي يقاد به == البعير. ورد البيت في (ذيل ديوان ابن مقبل) مع القصائد المنسوبة له، وليست في "الديوان": ص403. وورد في "أساس البلاغة" (نوّم): 2/ 483.]] يعني الإبل، فسجودها خضوعها. ويقال -أيضا-: (أسجد) بهذا [[في (ب): (بها).]] المعنى: أي طأطأ رأسه وانحنى [[في "تهذيب اللغة": أبو عبيد عن أبي عمرو: أسجد الرجل إذا طأطأ رأسه وانحنى. "تهذيب اللغة" (سجد) 2/ 1630، وانظر: "مقاييس اللغة" (سجد) 3/ 133.]]. هذا أصل السجود في اللغة، ثم قيل لكل من وضع جبهته على الأرض: سجد، لأنه غاية الخضوع [["تهذيب اللغة" (سجد) 2/ 1630، "الصحاح" (سجد) 2/ 483، "اللسان" (سجد) 4/ 1940.]]. وإذا ابتدأت بقوله: ﴿اسْجُدُوا﴾ ضممت الألف [[إذا ابتدأت بهمزة الوصل أخذت حركة الحرف الثالث، انظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 81.]]، والألف [[(والألف) ساقط من (ج).]] لا حظ لها من الإعراب، وإنما أدخلت ليتوصل بها إلى النطق بالساكن، فكان حظها الكسر، لأن [[في (ج): (لان ما بعدها).]] بعدها ساكنا، ولكنها ضمت لاستثقال الضمة بعد الكسرة، وليس في كلامهم مثل (فِعُل)، ولا مثل (إفْعُل) [["معاني القرآن" للزجاج 1/ 81، "تفسير الثعلبي" 1/ 60 أ، وانظر: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 163.]]. واختلفوا في كيفية سجود الملائكة لآدم فقال جماعة: كان سجود الملائكة لآدم على جهة التكريم، فكان ذلك تكريماً لآدم وطاعةً لله سبحانه، ولم يكن عبادة لآدم [[هذا قول جمهور المفسرين، قالوا: إنه سجود حقيقي ولكنه ليس سجود عبادة، فالتكريم لآدم، والعبادة والطاعة لله. ذكره الطبري في "تفسيره"، وروى في ذلك أثرا عن قتادة، ولم يذكر غير هذا القول. انظر "تفسير الطبري" 1/ 229، وذكره ابن كثير في "تفسيره" ورجحه، ضعف ما عداه 1/ 81، وكذا الرازي في "تفسيره" 1/ 212، وانظر "زاد المسير" 1/ 64، والقرطبي في "تفسيره" 1/ 248.]]. وحكى [[(الواو) ساقطة من (ج).]] ابن الأنباري عن الفراء وجماعة من الأئمة أن سجود الملائكة لآدم كان تحية ولم يكن عبادة، وكان ذلك سجود تعظيم وتسليم وتحية، لا سجود صلاة وعبادة، وكان ذلك تحية الناس وتعظيم بعضهم بعضا [[قوله (وكان ذلك تحية الناس ...) هل كان قبل آدم ناس؟ أم هو تجاوز في العبارة؟]]، ولم يكن وضع الوجه على الأرض، إنما كان الانحناء والتكفير [[التكفير: هو أن يضع الرجل يده أو يديه على صدره وطأطأ برأسه، وهو كالتحية عند أهل "الكتاب"، انظر: "اللسان" (كفر) 7/ 3897.]]، فلما جاء الإسلام أبطل ذلك بالسلام [[ذكره الثعلبي في "تفسيره"، ولم يعزه 1/ 63 أ. وذكره الرازي في "تفسيره" وضعفه، وقال: (السجود لاشك أنه في عرف الشرع عبارة عن وضع الجبهة على الأرض، فوجب أن يكون في أصل اللغة كذلك، لأن الأصل عدم التغيير، فإن قيل: السجود عبادة، والعبادة لغير الله لا تجوز، قلنا: لا نسلم أنه عبادة وبيانه أن الفعل قد يصير بالمواضعة مفيدا كالقول ...). "تفسير الرازي" 2/ 213، وضعفه ابن كثير في "تفسيره" 1/ 83، وانظر القرطبي في "تفسيره" 1/ 250، و"زاد المسير" 1/ 64.]]. وقيل: كان سجود على الحقيقة [[في (ب): (بالحقيقة).]]، جعل آدم قبلة لهم، والسجود لله عز وجل [[ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 63 أ. والرازي وضعفه في "تفسيره" 2/ 212، 213. وابن كثير وضعفه كذلك 1/ 83. و"تفسير القرطبي" 1/ 250.]]، إلا أن هذا ضعيف، لأنه لو كان، لقيل: اسجدوا إلى آدم. وقال أبي بن كعب: معناه: أقروا لآدم أنه خير وأكرم عليّ منكم، واخضعوا له وكونوا تحت أمره [[ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 59 أ.]]، وهذا المعنى موافق لأصل اللغة. وقوله: ﴿لِآدَمَ﴾ حقه الكسر، إلا أنه لا يجري [[أي: يمنع من الصرف.]] ما كان من هذا الباب نحو: الأحمر [[أى وزن (أفعل).]] والأصفر في معرفة ولا نكرة، لاجتماع علتين فيه في حال نكرته، وهو وزن الفعل، وكونه صفة، فإن سميت به لم تصرفه في حال المعرفة أيضا للتعريف، ووزن الفعل، فإن نكرته لم تنصرف [[(تنصرف) كذا في (أ، ج)، وفي (ب): (بدون إعجام)، والأولى (ينصرف).]] -أيضا - عند سيبويه [[انظر "الكتاب" 3/ 193،198، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 81، وانظر: "مشكل إعراب القرآن" 1/ 38.]]، [وانصرف عند الأخفش [[انظر "معاني القرآن" للزجاج 1/ 81، و"الكتاب" 3/ 198 (الهامش)، "المقتضب" 3/ 312، 377، وقد نصر المبرد رأي الأخفش ورجحه.]]. وحجة سيبويه] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]] أنه قبل أن يسمى به اسم وإن كان صفة، فقد كان في حال [[في (ب): (كل).]] التنكير قبل التسمية به [غير منصرف، فإذا سميت به فحكم الصفة لم يرتفع عنه، ويصير التسمية به] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]] كالعارية، فإذا نكِّر عاد إلى موضع قد [[(قد) ساقطة من (ب).]] كان فيه لا ينصرف [["معاني القرآن" للزجاج 1/ 81]]. والدليل على صحة ذلك، إجماع النحويين على قولهم: مررت بنسوة أربع، فيصرفون (أربعا)، لأنه اسم استعمل وصفا، ولو راعوا فيه حكم الصفة لم ينصرف في هذه الحال، لأنه على وزن الفعل وهو صفة، فلما نفوا حكم الاسم فيه وإن استعملوه صفة، كذلك أحمر وبابه وإن استعمل اسما [[انظر: "المقتضب" 3/ 312، "الكتاب" 3/ 194.]]، فحكم الصفة باق فيه، لأنه صفة لا اسم. وأما الأخفش فإنه يقول: إذا سمي به زال حكم الصفة فلا ينصرف في المعرفة للتعريف ووزن الفعل، فإذا نكرته بقيت علة واحدة، وهو وزن الفعل فينصرف [["معاني القرآن" للزجاج 1/ 81، "المقتضب" 3/ 312.]]. وهذا فاسد، لأن حكم الصفة مراعى، وإن سمي به كما أن حكم الاسم مراعى في (أربع) وإن وصف به [[انظر رد المبرد على ذلك في المسائل التي رد بها المبرد على سيبويه كما نقله عضيمة في هامش "المقتضب" 3/ 312.]]. وقوله تعالى: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ﴾. قال أكثر أهل اللغة والتفسير: سمي إبليس بهذا الاسم، لأنه أبلس من رحمة الله تعالى أي أيس، والمبلس المكتئب الحزين الآيس [["تهذيب اللغة" (بلس) 1/ 384، و"تفسير الطبري" 1/ 224.]]، وفي القرآن ﴿فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام: 44]. قال يونس وأبو عبيدة: يقال للذي يسكت عند انقطاع حجته، ولا يكون عنده جواب: قد أبلس [["تهذيب اللغة" (بلس) 1/ 384.]]. قال العجاج [[هو الراجز المشهور عبد الله بن رؤبة، لقي أبا هريرة وسمع منه أحاديث. انظر "الشعر والشعراء" ص 392، "طبقات فحول الشعراء" للجمحي 2/ 753.]]: يَا صَاحِ هَلْ تَعْرِفُ رسْماً مُكْرَسَا قَالَ نَعَمْ أَعْرِفُهُ وأبلسا [[المكرس: الذي صار فيه الكرس. وهو أبوال الإبل وأبعارها يتلبد بعضها على بعض في الدار، أبلسا: أي سكت لكآبته. ورد الرجز في "ديوان العجاج". ص 132، "معاني القرآن" للفراء 1/ 335، و"مجاز القرآن" 1/ 192، و"الزينة" 2/ 192، والطبري في "تفسيره" 1/ 224، و"الكامل" 2/ 191، و"تهذيب اللغة" (بلس) 1/ 384، و"الصحاح" 3/ 909، و"مقاييس اللغة" 5/ 169، و"اللسان" 1/ 343، و"تفسير ابن عطية" 1/ 244.]] أي: لم يحر إليَّ جواباً لكآبته. فقيل: إن إبليس سمي بهذا الاسم، لأنه لما أويس من رحمة الله أبلس يأسا [[ذكره الأزهري في "تهذيب اللغة" 1/ 384، وانظر: "تفسير الطبري" 1/ 224، "غريب القرآن" لابن قتيبة: 1/ 37، و"زاد المسير" 1/ 65.]]. ومثل هذا الوزن من العربية (الإجْفِيل) اسم للظليم [[الظليم: الذكر من النعام، "القاموس" (ظلم): ص 1464.]]، يقال: أجفل الظليم فهو مجفل وإجفيل [["تهديب اللغة" (جفل) 1/ 622.]]، وكذلك الإغريض [[الإغريض: الطلع، ويقال لكل أبيض طري، انظر: "الصحاح" (غرض) 3/ 1094.]] والإضريج [[(الإضريج) بالجيم: صبغ أحمر، ونوع من الأكسية، ومن الخيل الجواد. انظر: "تهذيب اللغة" (ضرج) 3/ 2106، "الصحاح" 1/ 326، "اللسان" 5/ 2570.]]، في أشباه لهذا [[انظر: "إملاء ما من به الرحمن" 1/ 30، "الدر المصون" 1/ 276.]]. وروى أبو روق [[هو عطية بن الحارث الهمداني أبو روق، ورى عن الشعبي والضحاك، قال أبو حاتم: ليس به بأس، وقال ابن معين: صالح، انظر "الجرح والتعديل" 6/ 382، "تهذيب التهذيب" 3/ 114، "طبقات المفسرين" للداودي 1/ 386.]] عن الضحاك عن ابن عباس قال: إنما سمي إبليس، لأن الله أبلسه من الخير، أي: أيأسه [[أخرجه الطبري بسنده، وفيه ضعف، انظر "تفسير الطبري" 1/ 509. (مع تحقيق محمود شاكر)، وأخرجه ابن أبي حاتم في "تفسيره"، قال المحقق: ضعيف الإسناد 1/ 294، وذكره السيوطي في "الدر" 1/ 102. وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن الأنباري.]]. وهذا متعد كما ترى، ورواه الليث -أيضا- متعديا فقال: لأنه أُبلِس من رحمة الله أي: أُويس [[ذكره الأزهري في "تهذيب اللغة" (بلس) 1/ 384، والثعلبي في "تفسيره" 1/ 63 ب، وانظر "العين" 7/ 262، ولم أجده منسوبًا لليث.]]، فحصل من هذا أنه عربي مشتق، وأن الإبلاس واقع ومطاوع [[(الواو) ساقطة من (ب). اختلف الذين قالوا: إنه مشتق هل هو مشتق من (أبلس) إذا انقطع ولم تكن له حجة، أو من الإبلاس وهو اليأس، ذكر هذا الرازي في كتاب "الزينة" 1/ 192، 193.]]. قال أبو بكر بن الأنباري: لا يجوز أن يكون مشتقا من (أبلس)، لأنه لو كان كذلك لجرى، [ألا ترى أن (إسحاق) إذا كان عربيا مأخوذا من أسحقه الله إسحاقا يجري، فيقال: قام إسحاق، ورأيت إسحاقاً [[انظر: "المقتضب" 3/ 326.]]. فلو كان إبليس من (أَبلس) أو (أُبلس) لجرى] [[مابين المعقوفين ساقط من (ب).]] كما يجرى إكليل وبابه، وترك تنوينه في القرآن يدل على أنه أعجمي معرفة، والأعجمي لا يعرف له اشتقاق [[هذا الكلام بمعناه في "الأضداد" لابن الأنباري: ص 336، وبنحوه قال أبو عبيدة في "المجاز" 1/ 38، والزجاج في "المعاني" 1/ 82، والثعلبي 1/ 63 ب، وذكر هذا القول مكي في "المشكل" 1/ 37، وابن عطية 1/ 246، وابن الأنباري أبو البركات في "البيان" ورجحه 1/ 74، على أن مكيا وغيره ذكروا عن أبي عبيدة أنه قال: إنه مشتق، وهذا خلاف قوله في "المجاز". وقد أجاب الذين قالوا: إنه مشتق بأنه منع من الصرف لأنه أشبه الأسماء الأعجمية لعدم نظيره في الأسماء العربية كما سيأتي في كلام ابن جرير، انظر: "البحر" 1/ 151، و"الدر المصون" 1/ 276.]]. وقال محمد بن جرير: إنما منع صرفه وإن [[في (ب): (فان).]] كان عربيًّا استثقالًا، لأنه لما قل نظيره في كلام العرب شبهوه بالأسماء الأعجمية كإسحاق لم يصرف، وهو من أسحقه الله، و (أيوب) من: (آب يؤوب) [[انتهى كلام ابن جرير بمعناه 1/ 228، وانظر "تفسير ابن عطية" 1/ 246.]]، نظيره قيوم، من قام يقوم. وهذا الذي قال [[في (ب): (قاله) وهو أصوب.]] ابن جرير: يبطل بباب (إفْعِيل) فإنه مصروف كله إلا إبليس [[في (ج): (ابلس). انظر: "مشكل إعراب القرآن" 1/ 37، "البيان" 1/ 74، "البحر المحيط" 1/ 151، "الدر المصون" 1/ 276.]]. وأما [[في (ب): (فأما).]] أيوب وإسحاق، فمن لم يصرفهما لم [[في (ب): (يصرفها لم يجعلها).]] يجعلهما مشتقين [[انظر: "المقتضب" 3/ 326، "أصول النحو" لابن السراج 2/ 94.]]. والاختيار في هذا الحرف أنه غير مشتق، لإجماع النحويين على أنه منع الصرف للعجمة والمعرفة، فلو جعلناه مشتقّاً بطلت العجمة ووجب صرفه [[بهذا أخذ أبو عبيدة في "المجاز" 1/ 38، والزجاج في "معاني القرآن" 1/ 82، والثعلبي في "تفسيره" 1/ 63 ب، وابن الأنباري في "البيان" 1/ 74، والعكبري في "الإملاء" 1/ 30، والسمين في "الدر المصون" 1/ 276. وعلى قول ابن جرير ومن معه لا يلزم صرفه، ولو كان مشتقًّا، لأنه لا سمي له فاستثقل. انظر "تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة: ص 23، و"تفسير الطبري" 1/ 228، و"تفسير ابن عطية" 1/ 246، و"تفسير القرطبي" 1/ 251.]] واختلفوا في أن إبليس هل هو مستثنى من الملائكة أو [[في (ب): (أم لا).]] لا؟ فروى مجاهد وطاوس عن ابن عباس قال: كان إبليس قبل أن يركب المعصية ملكاً من الملائكة، اسمه (عزازيل)، وكان من سكان الأرض وعمارها، وكان سكان الأرض من الملائكة يسمون: (الجن)، ولم يكن من الملائكة أشد اجتهادا ولا أكثر علمًا منه. فلما تكبر على الله عز وجل وأبى السجود لآدم وعصاه، لعنه وجعله شيطاناً مريداً، وسماه: إبليس [[أخرجه الطبري بسنده عن عطاء، عن طاوس، عن ابن عباس، وعن عطاء عن طاوس أو مجاهد أبي الحجاج، عن ابن عباس. "تفسير الطبري" 1/ 224، وكذلك أخرجه ابن الأنباري بسنده عن طاوس أو عن مجاهد أبي الحجاج، عن ابن عباس. "الأضداد": ص 334. وانظر: "تفسير ابن أبي حاتم" 1/ 84، و"تفسير ابن كثير" 1/ 8.]]. وعلى هذا القول أيضا ابن مسعود، وابن المسيب، وابن جريج، وقتادة، وابن جرير [[انظر أقوالهم في "تفسير الطبري" 1/ 224.]]، وقالوا: إنه استثني من جنس المستثنى منه، وكان إبليس من جملة الملائكة الذين أمروا بالسجود. وهؤلاء أولوا قوله: ﴿كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الكهف: 50] أي: كان من قبيل من الملائكة، يقال لهم: الجن [[ذكره الطبري في "تفسيره" عن قتادة 1/ 225. قال ابن كثير في "تفسيره" بعد أن نقل الآثار في هذا عند قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ الآية [الكهف: 50]. قال: وقد روي في هذا آثار كثيرة عن السلف، وغالبها من الإسرائيليات التي تنقل، لينظر فيها، والله أعلم بحال كثير منها، ومنها ما قد يقطع بكذبه لمخالفته للحق الذي بأيدينا، وفي القرآن غنية عن كل ما عداه من الأخبار المتقدمة ... إلخ) انظر "ابن كثير" 3/ 100.]]، سموا جناً لاستتارهم عن الناس. قال الأعشى يذكر سليمان ابن داود عليه السلام: وَسَخَّرَ مِنْ جِنِّ الملائِكِ تِسْعَةً ... قِيَاماً لَدَيْهِ يَعْمَلُونَ بِلَا أَجْرِ [[ورد البيت في "تفسير الطبري" 1/ 225، "الزاهر" 2/ 334، و"الأضداد" لابن الأنباري: ص 335، و"الغريب" لابن قتيبة: ص21، و"الزينة" 2/ 176، و"معرفة اشتقاق أسماء نطق بها القرآن" 1/ 195، و"اللسان" (جنن) 1/ 751، وفي "تفسير القرطبي" 1/ 251، و"خزانة الأدب" 6/ 176.]] فجعل الملائكة جنّاً [[وهذا ما رجحه ابن جرير الطبري في "تفسيره"، وابن عطية في "تفسيره" والبغوي في "تفسيره"، وغيرهم، وهو أن إبليس كان من الملائكة أو من طائفة منهم يقال لهم: الجن. قال الطبري في "تفسيره" بعد أن ذكر الأقوال في هذِه المسألة: (وهذِه علل تنبئ عن ضعف معرفة أهلها، ذلك أنه غير مستنكر أن يكون الله جل ثناؤه خلق أصناف ملائكته من أصناف من خلقه شتى. فخلق بعضا من نور، وبعضا من نار وبعضا مما شاء من غير ذلك. وليس في ترك الله جل ثناؤه الخبر عما خلق منه ملائكته، وإخباره عما خلق منه إبليس ما يوجب أن يكون إبليس خارجا عن معناهم ... وقال: وأما خبر الله عنه أنه (من الجن) لغير مدفوع أن يسمى ما اجتن من الأشياء عن الأبصار كلها جنّاً كما قد ذكرنا في شعر الأعشى -فيكون إبليس والملائكة == منهم، لاجتنانهم عن أبصار بني آدم، في "تفسيرالطبري" 1/ 227، وانظر: "الأضداد" لابن الأنباري: ص 334، وفي "تفسيرابن عطية" 1/ 246، وفي "تفسيرالبغوي" 1/ 82، و"البحر" 1/ 153، وفي "تفسير القرطبي" 1/ 251، فعلى هذا القول: الاستثناء متصل.]]. وقد روى عكرمة عن ابن عباس قال: إنما قيل لإبليس: الجني، لأنه كان من خزنة الجنة [[أخرجه الطبري في "تفسيره" عن ابن جريج عن ابن عباس، وعن أبي صالح عنه، وعن الضحاك عنه. الطبري في "تفسيره" 1/ 525.]]. وقال الزجاج وابن الأنباري: معنى قوله: ﴿كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ أي كان [[في (ب): (أي صار).]] ضالّاً كما أن الجن الذين كانوا سكان الأرض قبل الملائكة كانوا ضُلَّالاً، فلما فعل إبليس مثل فعلهم أدخل في جملتهم كما [[(كما) ساقطة من (ب).]] قال الله سبحانه: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ [[قول ابن الأنباري في "الأضداد" ص337، وقد ذكر هذا توجيهًا لمعنى الآية على قول من قال: إن إبليس من الملائكة وكذا الزجاج في "المعاني" 1/ 82 ويلحظ هنا أن الزجاج يرجح القول الآخر حيث قال لما ذكر القول الثاني: وهذا القول هو الذي نختاره، لأن إبليس كان من الجن كما قال الله عز وجل.]] [التوبة: 67]. فعلى قول هؤلاء هو مستثنى من الملائكة، وهو استثناء الجنس من الجنس. وقال عبد الرحمن بن زيد، وشهر بن حوشب [[هو شهر بن حوشب الأشعري الشامي، مولى أسماء بنت يزيد بن السكن روى عن أبي هريرة وعائشة وأم سلمة وأم حبيبة وغيرهم، اختلف في سنة وفاته، فقيل: مائة، وقيل غير ذلك، انظر: "تهذيب التهذيب" 2/ 182، "غاية النهاية" 1/ 329.]]: ما كان إبليس من الملائكة قط [[أقوالهم في الطبري في "تفسيره" 1/ 227، وانظر: "تفسير ابن عطية" 1/ 246، == والقرطبي في "تفسيره" 1/ 251، وابن كثير في "تفسيره" 1/ 81، "البحر" 1/ 153.]]. وروى عوف عن الحسن قال: ما كان إبليس من [[(من الملائكة) ساقط من (ج).]] الملائكة قط، طرفة عين [[ذكره الطبري في "تفسيره" 1/ 227، وابن الأنباري في "الأضداد": ص 337، وابن عطية في "تفسيره" 1/ 246، والقرطبي في "تفسيره" 1/ 251، وابن كثير في "تفسيره" 1/ 81، "البحر" 1/ 153.]]. وهؤلاء قالوا: إنه استثني من الملائكة، وليس منهم، لأنه أمر بالسجود كما أمروا، فخالف وأطاعوا، فاستثني من فعلهم [["الأضداد" لابن الأنباري: ص 337، وانظر "معاني القرآن" للزجاج 1/ 82، وقد مال إلى نحو هذا ابن كثير في "تفسيره" 1/ 81.]]، ويجوز أن يكون استثناء منقطعا [[انظر "المشكل" لمكي 1/ 37، "البيان" 1/ 74، "البحر" 1/ 153.]] كقول [[في (أ)، (ج): (لقول)، وقوله (منقطعا) ساقط من (ب).]] العرب: ارتحل العسكر إلا الأثقال، وسار الناس إلَّا الخيام [[قال أبن الأنباري: (... ونصب على الاستثناء وهو من غير جنسهم. كما تقول العرب: سار الناس إلا الأثقال، وارتحل أهل العسكر إلا الأبنية والخيام)، "الأضداد" لابن الأنباري: ص 337.]]. وقال سعيد بن المسيب. إن إبليس سبي من الجن حين اقتتلوا [[هكذا في جميع النسخ وهذا على لغة (أكلوني البراغيث).]] الملائكة، وكان صغيرا فنشأ بين الملائكة [[أخرج نحوه ابن جرير عن شهر بن حوشب وسعد بن مسعود 1/ 227، وذكره ابن عطية والقرطبي، وقالا: حكاه الطبري عن ابن مسعود، وظاهر كلامهما أنه عبد الله ابن مسعود، ولم يرووه عنه، وإنما عن سعد بن مسعود ولعل القرطبي نقل ذلك عن ابن عطية. انظر. "تفسير ابن عطية" 1/ 246، و"تفسير القرطبي" 1/ 251، وذكره ابن كثير عن سعد بن مسعود، "تفسير ابن كثير" 1/ 81، ولم أجده عن، سعيد فيما اطلعت عليه.]]. وهذا اختيار الحسين بن الفضل. وإليه ذهبت المعتزلة [[أي: إلى أن إبليس ليس من الملائكة. انظر: "تفسير الرازي" 1/ 213. قال الزمخشري: إنه كان جنيا واحد بين أظهر الألوف من الملائكة مغمورا بهم، فغلبوا عليه في قوله: "فسجدوا". "الكشاف" 1/ 273.]]. وقوله [[في (ب): (وكان).]] تعالى: ﴿أَبَى وَاسْتَكْبَرَ﴾. هما بمعنى واحد، وكرر للتأكيد [[(أبى) امتنع عن السجود، و (استكبر) تكبر وتعاظم في نفسه فهو من أفعال القلوب، والإباء: الامتناع من السجود، والامتناع نابع من الكبر. انظر "تفسير ابن عطية" 1/ 248، "البحر" 1/ 153، وأبي السعود في "تفسيره" 1/ 85.]]، وحقيقة الاستكبار: الأنفة مما لا ينبغي أن يؤنف منه [[ذكر الأزهري عن ابن الأنباري: الاستكبار: الامتناع عن قبول الحق معاندة وتكبرا. "التهذيب" (كبر) 4/ 3090، "مفردات الراغب": ص 421.]]. وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾. أي وصار [[في (ب): (وصار من الكافرين). هذا هو القول الأول أن (كان) بمعنى: صار، انظر. "تفسير أبي الليث" 1/ 110، و"تفسيرالثعلبي" 1/ 64 أ، و"تفسير ابن عطية" 1/ 248، و"زاد المسير" 1/ 65، و"تفسير القرطبي" 1/ 252، و"البحر" 1/ 154، وفي "تفسير ابن كثير" 1/ 81، قال ابن عطية بعد أن ذكر هذا القول: قال ابن فورك: وهذا خطأ ترده الأصول، ونقل هذا القرطبي وابن كثير.]]،. كقوله: ﴿وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾ [هود: 43]. وقال الأكثرون معناه: وكان في سابق علم الله من الكافرين [[قول جمهور المفسرين على أن (كان) على بابها، انظر: "تفسير أبي الليث" 1/ 110، و"الثعلبي" 1/ 64 أ، و"ابن عطية" 1/ 248، و"القرطبي" 1/ 252، و"زاد المسير" 1/ 65، و"ابن كثير" 1/ 81، "البحر" 1/ 321. قال ابن جرير: (ومعنى قوله: ﴿وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾: أنه كان حين أبى السجود من الكافرين حينئذ). "تفسير الطبري" 1/ 228.]]. وقيل: كان من الجن الذين كانوا قبله [[(قبله) ساقطة من (ب).]] على مذهب من جعله منهم [[انظر "تفسير الثعلبي" 1/ 64 أ، وابن عطية في "تفسيره" 1/ 248، والقرطبي في "تفسيره" 1/ 252، "البحر" 1/ 154.]]. فإن قيل: كيف جمع، ولم يكن في ذلك الوقت كافر غير إبليس [[يرد هذا السؤال على قول من قال: إن إبليس أول كافر. ولم يسبقه كفر، أما عند من قال: إنه سبقه كفار وهم الجن سكان الأرض. فلا يرد أصلا، انظر "تفسير ابن عطية" 1/ 248، و"تفسير القرطبي" 1/ 255، و"تفسير الرازي" 2/ 237، و"البحر" 1/ 154.]]؟ فيقال: إن الله سبحانه علم أنه يكون [[في (ب): (سيكون).]] بعد إبليس كافرون، كقول إبراهيم [[في (ب): (إبراهيم عليه السلام).]] ﴿وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [الأنبياء: 56] معناه: أنه علم [[في (ب): (عالم).]] أنه سيكون بعده من يشهد على قومه بمثل شهادته [[انظر: "تفسير الرازي" 2/ 238.]]. وقيل: كان من القوم الذين إذا فعل واحد منهم مثل فعله كان مثله [[ذكره الرازي في "تفسيره" 2/ 238.]]. وعلى ما قاله سعيد بن المسيب [[قول سعيد الذي سبق: هو: أن إبليس سبي من الجن فنشأ بين الملائكة. فعلى هذا القول يتوجه أنه ليس أول كافر كما سبق.]]، لا يتوجه هذا السؤال.

البقرة 2:35

قوله تعالى: ﴿وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ﴾ الآية. (اسكن الجنة) [[في (ب): (معنى اسكن الجنة).]] أي: اتخذها مأوى ومنزلا [[انظر: "تفسير ابن عطية" 1/ 249، و"القرطبى" 1/ 255، "البحر" 1/ 155.]]، وليس معناه: استقر في مكانك ولا تتحرك، وهذا اللفظ مشترك، يقال: أسكنه، أي: أزال حركته، وأسكنه مكان كذا [[في (أ): (وكذا) وفي (ج)، كتبت ثم شطبت والصحيح حذفها.]]، أي جعله مأوى ومنزلا له، والأول الأصل، قالوا [[(قالوا) ساقط من (ج).]]: ومنه السكين [[في (ب): (التسكين).]]، لأنه الآلة التي تسكن حركة الحيوان [[انظر: "التهذيب" (سكن) 2/ 1723، "مقاييس اللغة" (سكن) 3/ 88، والقرطبي في "تفسيره" 1/ 255، "البحر" 1/ 155.]]. وقوله: (أنت) تأكيد للضمير الذي في الفعل [[انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 163، و"تفسير ابن عطية" 1/ 249، و"تفسير القرطبي" 1/ 256، "البحر" 1/ 156.]]، وإنما أكد به ليحسن العطف عليه، فإن العرب لا تكاد تعطف إلا على ظاهر، يقولون: اخرج أنت وزيد، ولا يكادون يقولون: اخرج وزيد، إلا في الضرورة [[مذهب البصريين أنه لا يجوز العطف إلا في الضرورة، وأجاز الكوفيون ذلك. انظر "الإنصاف" ص 380، "البحر" 1/ 156.]]، ومثله قوله: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ﴾ [المائدة: 24]. وقوله: ﴿وَزَوْجُكَ﴾ لفظه مذكر، ومعناه مؤنث، وذلك أن الإضافة تلزم هذا الاسم في أكثر الكلام، وكانت مبينة [[في (ج): (مبنية).]] له فكان [[في (ب): (وكان).]] طرح الهاء أخف مع الاستغناء بدلالة الإضافة. وكان الأصمعي يؤثر ترك [[(ترك) ساقطة من (ب).]] الهاء في الزوجة، ويرى أن أكثر كلام العرب عليه. والكسائي على خلاف ذلك [[في (أ)، (ج): (ذكر) وما في (ب) هو الصحيح. وانظر اختلافهم في "اللسان" (زوج) 3/ 1885، والقرطبي في "تفسيره" 1/ 257.]]، والاختيار ما قاله الأصمعي، لأن القرآن كله عليه [[قال الفراء (الزوج) يقع على المرأة والرجل. هذا قول أهل الحجاز. قال عز وجل ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ [الأحزاب: 37]. وأهل نجد يقولون: (زوجة) وهو أكثر من (زوج) والأول أفصح عند العلماء). (المذكر والمؤنث): ص 95، وانظر (المذكر والمؤنث) لابن الأنباري: ص 503، "تفسير الطبري" 1/ 229. ومما جاء على (زوجة) قول عمار في شأن عائشة (إني لأعلم أنها زوجته في الدنيا والآخرة). وانظر: "تفسير ابن عطية" 1/ 249، وقال القرطبي: (وقد جاء في صحيح مسلم لفظ (زوجة) في حديث أنس وفيه يا فلان هذِه زوجتي فلانة). "تفسير القرطبي" 1/ 256.]]. والمراد بقوله: ﴿الْجَنَّةَ﴾ جنة الخلد من قبل أن التعريف فيها بالألف واللام يجعلها كالعلم على جنة الخلد، فلا يجوز العدول عنها بغير دلالة، ألا ترى أنك لو قلت: نسأل الله الجنة، لم يكن ذلك إلا جنة الخلد [[وإلى هذا ذهب جمهور المفسرين، وفيه الرد على من قال: إنها جنة في الدنيا وهو قول المعتزلة والقدرية. انظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 64 ب، و"تفسير ابن عطية" 1/ 249، و"تفسير القرطبي" 1/ 258، و"تفسير ابن كثير" 1/ 84. قال ابن الجوزي وقيل: جنة عدن، "زاد المسير" 1/ 66.]]. وقوله تعالى: ﴿وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا﴾ [[في (ج): (فكلا) تصحيف.]]. (الرّغَد) و (الرَّغْد): سعة المعيشة، يقال: عيش رَغَدٌ ورَغْدٌ. ورَغِدَ عيشهم أي: اتسع [[انظر: "الصحاح" (رغد) 2/ 475، "تهذيب اللغة" 2/ 1433، "مقاييس اللغة" 2/ 417، "تفسير الطبري" 1/ 230،، "اللسان" 3/ 1680.]]، قال [[في (ب): (وقال).]] امرؤ القيس: بَيْنَما المَرْءُ تَرَاهُ نَاعِماً ... يَأْمَنُ الأحْدَاثَ فِي عَيْشٍ رَغَدْ [[ورد البيت منسوبًا لامرئ القيس في الطبري 1/ 230، وفي "الوسيط" للمؤلف 1/ 83، و"تفسير ابن عطية" 1/ 251، و"البحر" 1/ 155، و"الدر المصون" 1/ 281، قال محمود شاكر في حاشية الطبري: لم أجده فيما جمع من شعر امرئ القيس، وقد بحثت في (الديوان) فلم أجده.]] وقال ابن دريد: عيش رَاغِد ورَغَد ورَغِيد، والرَّغِيدَة: الزبدة، ويقال: أَرْغَد القوم إذا وقعوا في عيش رغد [["الجمهرة" 2/ 633.]]. الليث: (الرغد): أن يأكل ما شاء إذا شاء حيث شاء [[لم أجده عن الليث، انظر: "العين" (رغد) 4/ 392، و"تهذيب اللغة" (رغد) 2/ 1433، و"الصحاح" (رغد) 2/ 475، و"اللسان" (رغد) 3/ 1680.]]. وقوله تعالى: ﴿حَيْثُ شِئْتُمَا﴾. (حيث) بني على الضم تشبيها بالغاية، نحو: (قبل) و (بعد) وذلك أنه منع الإضافة إلى الاسم المفرد كما منعت الغاية الإضافية، فبني لأجل الشبه على الضم بالغاية [[وقد ذكر سيبويه فيها وجها آخر وهو الفتح وقال الكسائي: الضم لغة قيس وكنانة، والفتح لغة بني تميم، وقال: وبنو أسد يخفضونها في موضع الخفض وينصبونها في موضع النصب، ويقال: حوث. انظر: "الكتاب" 3/ 286، و"إعراب القرآن" للنحاس1/ 163، و"تهذيب اللغة" (حيث) 1/ 949، "تفسير ابن عطية" 1/ 251، وقد ذكر الواحدي هذِه الوجوه عند تفسير قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: 199]. كما وعد هنا.]]، ونذكر الكلام في هذا بأبلغ من هذا الشرح عند قوله: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾. وقوله: ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾. قيل معناه: لا تقرباها بالأكل، لأن آدم عصى بالأكل منها، لا بأن قربها [[وبهذا قال الزجاج في "المعاني" 1/ 83، وابن عطية في "تفسيره" 1/ 252، وابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 66، والقرطبي في "تفسيره" 1/ 265.]]. وقيل: إن النهي عن الأكل داخل في قوله: ﴿وَلَا تَقْرَبَا﴾ فهو نهي بأبلغ لفظ يكون [[ذكره ابن عطية في "تفسيره" 1/ 252، والقرطبي في "تفسيره" 1/ 265، وبه أخذ أبو حيان في "البحر" 1/ 158.]]. وقيل: قربَ فلانٌ أهلَه قربانًا، أي [غشيها] [[في (أ)، (ج): (عيشها)، وفي (ب): (ان عشيها)، والتصحيح من "تهذيب اللغة" 3/ 2914.]] وما قرِبْتُ هذا الأمر ولا قَرَبتُه قُرْبَاناً وقُرْباً [[ذكره الأزهري في الليث. "التهذيب" (قرب) 3/ 2914. "اللسان" (قرب) 6/ 3566.]]. و (الشجرة) في اللغة: ما لها ساق يبقى في الشتاء، و (النجم) ما ليس على ساق، ومنه قوله: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾ [[قيل إن المراد بالنجم في الآية نجم السماء، والأرجح أنه مالا ساق له من الشجر، انظر: "تفسير الطبري" 27/ 116، و"القرطبي" 17/ 154.]] [الرحمن: 6]. وسميت شجرة لتشابك أغصانها [[في (أ)، (ج): (أعضائها)، وما في (ب) هو الصحيح.]]، وتداخل بعضها في بعض، والشجرة تعم النخلة والتينة والكرمة وغيرها [[انظر: "تفسير الطبري" 1/ 231، "التهذيب" (شجر) 2/ 1830، "تفسير ابن عطية" 1/ 252، "مفردات الراغب" ص 256، و"تفسير القرطبي" 1/ 266، و"تفسير الرازي" 1/ 6.]]، واليقطين قد سمي شجراً في قوله: ﴿وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ﴾ [الصافات: 146]. قال الحسين بن الفضل: إن آدم نهي عن أكل الشجرة فعصى بذوقها، وهو دون الأكل، فدل على أن الذي نهي عن شرب المسكر يعصي بشرب اليسير منه قدر ما يقع عليه اسم الذوق. واختلفوا في الشجرة التي نهي آدم عنها، فقال ابن عباس، وعطية، ووهب، وقتادة: إنها السنبلة، قال وهب: وكانت الحبة منها ككلية البقر، ألين من الزبد، وأحلى من العسل [[أقوالهم في الطبري في "تفسيره" 1/ 231 - 232، و"ابن أبي حاتم" 1/ 86، و"الثعلبي" 1/ 64 ب.]]. وقال ابن مسعود والسدي: هي الكرم [[وروى هذا عن ابن عباس وسعيد بن جرير والشعبي وغيرهم. انظر: "تفسير الطبري" 1/ 232، و"تفسير ابن أبي حاتم" 1/ 86، و"تفسير الثعلبي" 1/ 64 ب.]]. وقال ابن جريج [[هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، أحد العلماء المشهورين، ثقة فقيه فاضل، وكان يدلس ويرسل. توفي سنة تسع وأربعين ومائة، انظر: "تاريخ بغداد" 10/ 400، "وفيات الأعيان" 3/ 163.]]: إنها التين [["تفسير الطبري" 1/ 232، و"تفسير ابن أبي حاتم" 1/ 86. وفي اسم الشجرة أقوال كثيرة غير هذه. انظر: "تفسير ابن أبي حاتم" 1/ 86 - 87، والثعلبي 1/ 60 ب، "تفسير ابن عطية" 1/ 252، "زاد المسير" 1/ 66، "التعريف والإعلام" للسهيلي: ص 19، "غرر التبيان في مبهمات القرآن": ص 39، رسالة ماجستير، "مفحمات الأقران في مبهمات القرآن" للسيوطي ص 12.]]. وقال محمد بن [[(محمد) ساقط من (ب).]] جرير والحسين بن الفضل: إن الله سبحانه أخبر أنه نهى آدم عن أكل شجرة ما، ولم ينصب لنا دلالة عليها بعينها، فنحن نعلم أنه كان منهياً عن أكل شجرة ما، وليس علينا من الجهل بتفصيله شيء [[ومما قاله الطبري (.. وذلك علم إذا علم لم ينفع العالم به علمه، وإن جهله جاهل لم يضره جهله به)، "تفسير الطبري" 1/ 232. وبهذا قال أكثر المفسرين، إن الإطالة في هذا من التكلف الذي لا فائدة فيه، ولكفينا ما ذكر الله في كتابه: أنه نهى آدم عن أكل الشجرة، وأن آدم عصى ربه وأكل منها، ثم تاب عليه. انظر: "تفسير ابن عطية" 1/ 252، و"تفسير الرازي" 3/ 5. و"تفسير ابن كثير" 1/ 84.]]. واختلفوا في كيفية أكل آدم من الشجرة. فقال بعضهم: [انهى] [[كذا في جميع النسخ ولعلها (إنه).]] نهي عن جنس من الشجرة، ونص له على واحد بعينه، فتأول أن التحريم في واحدة بعينها فأكل من جنسها [[انظر "تفسير الثعلبي" 1/ 64 ب، "أحكام القرآن" لابن العربي 1/ 18، والقرطبي في "تفسيره" 1/ 260، "زاد المسير" 1/ 68.]]. وقال بعضهم: إنه نسي الوجوب وحمل النهي فيه على التنزيه، وإن كان فيه ما يدل على أنه للتحريم، وهو اقترانه بذكر الوعيد في قوله: ﴿فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [[انظر "أحكام القرآن" لابن العربي 1/ 18، و"زاد المسير" 1/ 68، ورجع الرازي أن النهي للتنزيه، وقال: إن كل مذهب كان أفضى إلى عصمة الأنبياء -عليهم السلام- كان أولى، وأجاب عن أدلة الذين قالوا: إنه للتحريم. انظر "تفسير الرازي" 3/ 5.]]. وكان سعيد بن المسيب يحلف بالله ما يستثني ما أكل آدم من الشجرة وهو يعقل، ولكن حواء سقته الخمر حتى إذا سكر قادته إليها، فأكل [[ذكره الطبري في "تفسيره" 1/ 237، والثعلبي في "تفسيره" 1/ 65 أ، وابن العربي في "أحكام القرآن" 1/ 18، والقرطبي 1/ 260.]]. ورُدّ هذا على سعيد بأن قيل: لو كان الأمر على ما وصف لم يكن عاصياً، والله تعالى، أخبر عنه بالعصيان [[وقد رده ابن العربي ردَّا قويًّا حيث قال: (أما القول بأن آدم أكلها سكران ففاسد نقلا وعقلا: أما النقل: فلأن هذا لم يصح بحال، وقد نقل عن ابن عباس أن == الشجرة التي نهي عنها الكرم، فكيف ينهى عنها ويوقعه الشيطان فيها، وقد وصف الله خمر الجنة بأنها لا غول فيها، فكيف توصف بغير صفتها التي أخبر الله تعالى عنها. وأما العقل: فلأن الأنبياء بعد النبوة منزهون عما يؤدي إلى الإخلال بالفرائض واقتحام الجرائم "أحكام القرآن" 1/ 19. وأقول: لا داعي لكل هذه التوجيهات لفعل آدم -عليه السلام- بل الأولى أن نجيب بما قال الله عنه: ﴿فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (121) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى (122)﴾ [طه: 121 - 122].]]، وفي الجملة كان ذلك الأكل معصية من آدم، ولكنه كان قبل النبوة. وقوله تعالى: ﴿فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾. قال الفراء: إن شئت جعلت (فتكونا) جواباً نصباً، لأنه جواب النهي بالفاء. وإن شئت عطفته على أول الكلام، فكان جزماً مثل قول امرئ القيس [[كذا منسوبًا إلى امرئ القيس في أكثر المصادر، ونسبه سيبويه إلى (عمرو ابن عمار الطائي) قال عبد السلام هارون معلقا على نسبته إلى امرئ القيس: ليس في "ديوانه". قلت: هو في "ديوانه" ص 106.]]: فَقُلْتُ لَهُ صَوِّب ولا تُجْهِدَنَّه ... فَيُذْرِكَ [[في (أ)، (ج): (فيدرك) بالدال، وفي (ب): (فتدرك)، وكلاهما تصحيف.]] مِنْ أُخْرى القَطَاةِ فَتزْلَقِ [[يروى (فيدنك) كذا عند سيبويه. يقول مخاطبًا للغلام الذي سبق ذكره في الأبيات قبله: صوب الفرس ولا تجهده، لا تحمله على العدو فيصرعك، يقال: أذراه عن فرسه: إذا صرعه وألقاه، والقطاة من الفرس: موضع الردف. انظر: "ديوان امرئ القيس" ص 174، "الكتاب" 3/ 101، "معاني القرآن" للفراء 1/ 26، و"تفسير الطبري" 1/ 234، "اللسان" (ذرا) 3/ 1491، "الخزانة" 8/ 526، "الدر المصون" 1/ 286، "البحر" 1/ 159. والشاهد عند سيبويه: جزم (فيدنك) حملا على النهي، ولو أمكنه النصب بالفاء على جواب النهي لجاز.]] فجزم [[(جزم) ساقط من (ج).]]، ومعناه: كأنه تكرير النهي. ومعنى الفاء والنصب جزاء [[في "المعاني" للفراء: (ومعنى الجواب والنصب لا تفعل هذا فيفعل بك مجازاة، فلما عطف حرف .. إلخ) 1/ 27.]]، أي لا تفعل هذا فيفعل بك، فلما عطف حرف على غير ما يشاكله، وكان في أوله حادث لا يصلح في الثاني نصب [[انتهى ما نقله عن الفراء، ويعود للنقل منه بعد كلام الزجاج. "معاني القرآن" 1/ 26، 27، وما ذكره هو مذهب الكوفيين في الفعل المضارع الواقع بعد الفاء في جواب: الأمر والنهي والنفي والاستفهام والتمني والعرض. ينصب بالخلاف، أي أن الجواب مخالف لما قبله. انظر: "الإنصاف" 2/ 557، "الدر المصون" 1/ 286، ونصر هذا القول الطبري في "تفسيره" 1/ 234.]]. وقال الزجاج: إنما نصب بإضمار (أن) [["معاني القرآن" للزجاج 1/ 83. وقال: نصبه عند سيبويه والخليل بإضمار (أن). وما ذكر هو مذهب البصريين كما في "الإنصاف" 2/ 557، 558، وبهذا قال الأخفش في "المعاني" 1/ 222، وانظر: "الدر المصون" 1/ 286، وقد رد هذا القول الطبري في "تفسيره" 1/ 234.]]. ومثله [[هذا عود على كلام الفراء.]] مما نصب بالفاء قوله: ﴿وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ﴾ [طه: 81] ﴿لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ﴾ [طه: 61]، [[والآيتان وردتا ضمن كلام الفراء.]]. وما كان من نهي [[في "معاني القرآن" للفراء: (وما كان من نفي ففيه ما في هذا (يريد ما في النهي) ولا يجوز الرفع في أحد الوجهين (النفي والنهي) إلا أن تريد الاستئناف .. إلخ) "معاني القرآن" للفراء 1/ 27.]] ففيه الوجهان، ولا يجوز الرفع إلا أن تريد الاستئناف ولا تجعله جواباً، كقولك: لا تركبْ إلى فلان فيركبُ إليك، يريد [[في جميع النسخ (يريد) وبالتاء جاء في "معاني القرآن" للفراء 1/ 27.]] لا تركب إليه فإنه سيركب إليك. قال الأعشى [[البيت لجميل بن معمر العذري، كما في "الخزانة" 8/ 526. وفي "ديوانه": ص 145. وكذا نسبه أكثرهم، ولم أجد من نسبه للأعشى، ولعله اشتبه عند الواحدي بقول الأعشى: وإن أمرا أسرى أليك ودونه ... من الأرض موماة وبيداء سملق]]: ألمْ تَسْأَلِ الرَّبْعَ القَدِيَم فَيَنْطِقُ ... وهَلْ تُخْبِرَنْكَ اليَومَ بَيْدَاءُ سَمْلَقُ [[يروى البيت (القواء) مكان (القديم)، معنى الربع: الدار بعينها حيثما كانت. والقواء: القفر، وكذا البيداء، والسملق: الأرض المستوية، أو الجرداء لا شجر فيها، يقول: وقد تخيل القواء ناطقا، ألا تسأله، ثم نفى ذلك عنه وحقق أنه لا يجيب سائله لعدم القاطنين به. ورد البيت في "الكتاب" 3/ 37، "معاني القرآن" للفراء 1/ 27، "الجمل" للزجاجي: ص 194، "شرح المفصل" 7/ 36، "همع الهوامع" 4/ 122، 5/ 235، وشرح "شذرات الذهب": ص 367، "الخزانة" 8/ 524، "مغني اللبيب" 1/ 168، "ديوان جميل ": ص 70.]] أراد ألم تسأل الربع، فإنه يخبرك عن أهله [["معاني القرآن" للفراء 1/ 27.]]. وقوله تعالى: ﴿مِنَ الظَّالِمِينَ﴾. يقال: ظَلَمَه يَظْلِمُه ظُلمًا، فالظلم مصدر حقيقي، والظلم الاسم يقوم مقام المصدر. ومن أمثال [[ذكره الأزهري عن الليث. "تهذيب اللغة" 3/ 2248، وانظر: "لسان العرب" (ظلم) 5/ 2757.]] العرب: (من أشبه أباه فما ظلم). قال الأصمعي: أي ما وضع الشبه غير موضعه [[ويجوز أن يكون المعنى: فما ظلم الأب: أي لم يظلم حين وضع زرعه حيث أدى إليه الشبه، انظر: "جمهرة الأمثال" للعسكري 2/ 244، "الوسيط" في الأمثال == للمؤلف ص 155، "المستقصي" 2/ 352، "مجمع الأمثال" 2/ 300، "تهذيب اللغة" (ظلم) 3/ 2248، "اللسان" (ظلم) 5/ 2757.]]. وقال أحمد بن يحيى وأبو الهيثم: يقال: ظلمت السّقاء، وظلمت اللبن إذا شربته أو سقيته قبل إدراكه وإخراج زبدته [[في "تهذيب اللغة": أخبرني المنذري عن أحمد بن يحيى وعن أبي الهيثم أنهما قالا: ثم ذكره 3/ 2249، "اللسان" (ظلم) 5/ 2758.]]. وقال ابن السكيت: ظلمت وطبي [[الوطب: سقاء اللبن. انظر (القاموس) (وطب): ص 142.]] للقوم بهذا المعنى [[انظر "إصلاح المنطق": ص 352، "تهذيب اللغة" (ظلم) 3/ 2249، "اللسان" (ظلم) 5/ 2758.]]. قال أبو عبيد: ويقال لذلك اللبن المظلوم والظليم [[في "التهذيب": المظلوم والظليمة، 3/ 2249، وكذا "اللسان" (ظلم) 5/ 2757.]]، وأنشد شمر: وقَائِلةٍ ظَلَمْتُ لَكُمْ سِقَائِي ... وهَلْ يَخْفَى عَلَى العَكِدِ الظَّليِمُ [[البيت غير منسوب في "تهذيب اللغة" (ظلم) 3/ 2249، وكذا في "الصحاح" 5/ 1978، "مقاييس اللغة" 3/ 469، "اللسان" 5/ 2757، والقرطبي في "تفسيره" 1/ 264، والعكد: أصل (اللسان).]] وقال الفراء: ظلم الوادي إذا بلغ الماء منه موضعاً لم يكن ناله فيما خلا، وأنشد: يَكَاد يَطْلُعُ ظُلْماً ثُمَّ يَمْنَعُه ... عَنِ الشَّوَاهِقِ فَالوَادِي بِهِ شَرِقُ [[البيت في "معاني القرآن" للفراء1/ 397، "تهذيب اللغة" (ظلم) 3/ 2249، "اللسان" 5/ 2758، غير منسوب.]] قال: ويقال: هو أظلم من حية، لأنها تأتي الجحر لم تحفره فتسكنه [["معاني القرآن" للفراء 1/ 397، "تهذيب اللغة" (ظلم) 3/ 2249، وانظر "الصحاح" (ظلم) 5/ 1978، "اللسان" (ظلم) 5/ 2758.]]. وقال ابن السكيت في قول النابغة: والنُّؤْيُ كَالحَوْضِ بِالمظْلُومَةِ الجَلَدِ [[عجز بيت للنابغة الذبياني من قصيدة يمدح بها النعمان بن المنذر وصدره: إلاَّ أَوَاريُ لَأْيًا ما أُبَيِّنُهَا الأواري: محابس الخيل، وتروى (الأواري) بالرفع على البدل، وبالنصب على الاستثناء، لأياً: بطئا، والمعنى أبينها بعد لأي لتغير معالمها، والنُّؤْي: حاجز حول الخباء يمنع عنه الماء، والمظلومة: أرض حفر فيها الحوض لغير إقامة، فظلمت لذلك، والجلد: الصلبة. ورد البيت في "الكتاب" 2/ 321، "معاني القرآن" للفراء 1/ 288، 480، "تفسير الطبري" 1/ 234، "المقتضب" 4/ 414، "التهذيب" "ظلم" 3/ 2249، "الجمل" للزجاجي ص 236، "الإنصاف" ص 234، "الأزهية في علم الحروف" 80، "الهمع" 3/ 250، 255، "شرح المفصل" 2/ 80، "الخزانة" 4/ 121، "الدر المصون" 1/ 286، "ديوان النابغة": ص 9.]] يعني بالمظلومة أرضاً في برية حوّضوا فيها حوضاً سقوا فيه إبلهم، وليست بموضوع تحويض. قال: وأصل الظلم، وضع الشيء غير [[في "تهذيب اللغة" (في غير) 3/ 2249.]] موضعه، قال: ومنه قول ابن مقبل: هُرْتُ الشَّقَاشِقِ ظَلَّامُونَ للجُزُرِ [[وصدره: عَادَ الأذِلَّةُ في دَارٍ وَكَان بِهَا قوله: هرت الشقاشق: أي: ماهرون في الخطابة والكلام، تقول العرب للخطيب الجهير الصوت الماهر بالكلام: هو أهرت الشِّقْشِقَة. والشِّقْشِقَة: لحمة كالرئة يخرجها البعير الفحل من فيه عند هياجه. == ورد البيت في "ديوان ابن مقبل": ص 81، "التهذيب" (ظلم) 3/ 2249، "اللسان" (هرت) 8/ 4647، "شقق" 4/ 2300، (ظلم) 1/ 2758. "الصحاح" (ظلم) 3/ 1978، "جمهرة اللغة" 1/ 138، "مقاييس اللغة" (ظلم) 3/ 469، و"تفسير القرطبي" 1/ 264، "أمالي القالي" 2/ 101.]] وظلم الجزور أنهم نحروها من غير مرض، فوضعوا النحر في غير موضعه [[انتهى كلام ابن السكيت ملخصًا من "تهذيب اللغة" (ظلم) 3/ 2249. ولم أجده في "إصلاح المنطق".]]. وقول زهير: ... وَيُظْلَمُ أَحْيَاناً فَيَنْظَلِمُ [[جزء من بيت، وصدره: هُوَ الجَوَادُ الذِي يُعْطِيكَ نَائلَهُ ... عَفْواَ وَيُظلَمُ .............. ويروى (هذا الجواد)، (فيطلم) و (فيظلم) والبيت قاله زهير في مدح هرم بن سنان ورد في "الكتاب" 4/ 468، "تهذيب اللغة" (ظلم) 1/ 2250، "الصحاح" (ظلم) 5/ 1977، "مقاييس اللغة" (ظلم) 3/ 469، "اللسان" (ظلم) 5/ 2759، "شرح المفصل" 10/ 47، "شرح ديوان زهير" ص 152.]] أي يطلب منه في غير موضع الطلب [[في "تهذيب اللغة" 1/ 2250 (ظلم): (وقال الأصمعي في قول زهير ..).]]. ومعنى قوله: ﴿فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ أي من العاصين الذين وضعوا الأمر غير موضعه [[انظر: "تفسير الطبري" 1/ 234.]]. والعاصي ظالم لوضعه أمر الله في غير موضعه، ووضعه المعصية حيث يجب أن يطيع. وقال بعضهم: معنى [[(معنى قوله) ساقط من (ب).]] قوله: ﴿فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ أي [[في (ب): (أي من).]]: الباخسين حقوقكما [[انظر: "تفسير أبي الليث" 1/ 111، و"الثعلبي" 1/ 64 ب، و"البيضاوي" 1/ 22، و"النسفي" 1/ 38.]]، والظلم قد يكون بمعنى بخس الحق [[(الحق) ساقط من (ب).]]، قال الله تعالى: ﴿آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [الكهف: 33] أي: لم تنقص. ومنه يقال: ظلمه حقه، أي: نقصه [[انظر: "التهذيب" (ظلم) 3/ 2248، "معاني القرآن" للفراء 1/ 397، "اللسان" (ظلم) 5/ 2757.]]. وقال الفراء في قوله تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [[سورة البقرة: 57، سورة الأعراف: 160.]] أي: ما نقصونا شيئاً بما فعلوا ولكن نقصوا حظ أنفسهم [["معاني القرآن" 1/ 397، "تهذيب اللغة" (ظلم) 3/ 2248.]].

البقرة 2:36

وقوله تعالى: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا﴾ الآية. قال أبو علي الفارسي [["الحجة" 2/ 17.]]: ﴿فَأَزَلَّهُمَا﴾ يحتمل تأويلين: أحدهما: كسبهما الزلة [[أي كان سببًا لهما لكسب الخطيئة التي عاقبهما الله عليها، انظر: "تفسير الطبري" 1/ 234.]] وحملهما عليها. والآخر: أن يكون (أزل) من (زلّ) الذي يراد به عثر [[انظر: "تهذيب اللغة" (زل) 2/ 1550، و"معاني القرآن" للزجاج 1/ 83،]]. فالدلالة [[في (ب): (بالدلالة).]] على الوجه الأول ما جاء في التنزيل من تزيينه لهما [[في (ب): (إنما).]] تناوُلَ ما حظر عليهما جنسه، بقوله: ﴿مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ﴾ [الأعراف: 20] الآية. وقد نسب كسب الإنسان الزلة إلى الشيطان [[انظر: "تفسير الطبري" 1/ 234، "غريب القرآن" لابن قتيبة ص 37، "العمدة في الغريب" لمكي ص 73، فإبليس سبب ارتكابهما الخطيئة التي عاقبهما الله عليها بإخراجهما من الجنة، والله هو خالق الإنسان وخالق فعله.]]، كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ﴾ [آل عمران: 155]، و (استزلّ) و (أزلَّ) واحد، كقولهم: استجاب وأجاب، واستخلف لأهله وأخلف، فكما [[في (ب): (وكما).]] أن استزلهم من الزلة، والمعنى فيه كسبهم الزلة، وكذلك قوله: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ﴾ [[انتهى ما نقله المؤلف من "الحجة" عن الوجه الأول، ويعود مرة أخرى ينقل منه الوجه الثاني، "الحجة" 2/ 18.]]. وقوله تعالى: ﴿عَنْهَا﴾ على هذا التأويل يكون بمعنى (عليها) والكناية تعود إلى (الزلة) [[ذكر جمهور المفسرين أن الكناية تعود على واحد من أمور: (1) الشجرة، (2) الجنة، (3) الطاعة، (4) الحالة التي هما عليها، (5) السماء، وهو بعيد، وأقربها: إما للشجرة فتكون (عن) للسبب، أو للجنة وهذا متعين على قراءة حمزة (أزالهما)، انظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 46 ب، و"ابن عطية" 1/ 254، "الكشاف" 1/ 273، "زاد المسير" 1/ 67، "البحر" 1/ 162، و"تفسير ابن كثير" 1/ 85، "الدر المصون" 1/ 288.]] وإن لم يجر لها ذكر، لأن المصدر والاسم يدل عليهما الفعل، فقوله: (أزلهما) يدل على: (الزلة) فكان معناه حملهما [[في (ب): (حملها).]] على الزلة، ويجوز أن يقع [[في (ب): (تقع).]] (عن) موقع (على) و (على) موقع (عن) [[انظر: "الأزهية في علم الحروف" ص 276، 279، "حروف المعاني" ص 79.]]. قال ذو الإصبع: لَاهِ ابن عَمِّكَ [[في (أ)، (ج): (عمتك).]] مَا أَفْضَلْتَ فِي حَسَبٍ ... عَنِّي وَلَا أَنْتَ دَيَّانِي فَتَخْزُونِي [[لاه: أراد الله فحذف لام الجر ولام التعريف، يقول: لم بفضل علي في الحسب، ولا انت دياني: مالك أمري، فتخزوني: تقهرني. ورد البيت في "المفضليات" ص160،162، "الخصائص" 2/ 288. "الأزهية" ص 279 "حروف المعاني" ص 79 "مجالس العلماء" للزجاجي ص 71، و"شرح جمل الزجاجي" لابن عصفور 1/ 483، "أمالي المرتضى" 1/ 252، "الإنصاف" ص 335، "مغني اللبيب" 1/ 147، "الخزانة" 7/ 173، "اللسان" (دين) 3/ 1469، (عنن) 5/ 3143، (لوه) 7/ 4107.]] (عني) معنى (عليّ). [وقال آخر، فجعل (علي) بمعنى: (عني)] [[ما بين المعقوقين ساقط من (ب). والمثبت في (أ)، (ج)، وغير مستقيم والأولى أن يؤخر قوله: (فجعل (عليّ) بمعنى (عني) بعد البيت.]]: إِذَا رَضِيَتْ عَليّ بَنُو قُشَيْرٍ ... لَعَمْرُ اللهِ أَعْجَبَنِي رِضَاهَا [[البيت لقُحَيف العُقَيْلِي، ورد في "النوادر" ص 481، "الكامل" 2/ 190، 3/ 98، "الخصائص" 2/ 311، 389، "المخصص" 14/ 65، 17/ 164، "الأزهية" ص 277، "الهمع" 4/ 176، "اللسان" (رضى) 3/ 1663، "الخزانة"10/ 132.]] والوجه الآخر [[(الحجة) 2/ 18.]]: أن يكون (أزلهما) من زل عن المكان إذا عثر ولم يثبت عليه، يقال: زلت قدمه زَلَلاً وزَليِلًا، إذا لم تثبت [[قوله: ويقال: زلت قدمه ..) وبيت لبيد ليس في "الحجة"، انظر: "تهذيب اللغة" (زل) 2/ 1550.]] قال لبيد: لَوْ يَقُومُ الفِيلُ أَوْ فَيَّالُهُ ... زَلَّ عَنْ مِثْلِ مَقَاسِي وَزَحَل [[وقوله: (أو فياله): هو صاحب الفيل الذي يسوسه، زحل: زل، يقول: لو يقوم الفيل أو صاحبه زل عن مكاني، قيل: هذا البيت مما عيب على لبيد، لظنه القوة الهائلة في صاحب الفيل، انظر: "ديوان لبيد" مع شرحه ص 194.]] ويدل على هذا التأويل قوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجَهُمَا﴾ فَكما أن خروجه عن الموضع الذي كان فيه انتقال منه إلى غيره، كذلك عثاره فيه وزليله [["الحجة" لأبي علي2/ 18.]]. وقرأ حمزة: (فأزالهما) [["السبعة" لابن مجاهد ص 154، "الحجة" لأبي علي 2/ 14، "النشر" 2/ 211، "البدور الزاهرة" ص 30.]]. وحجته أن قوله: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة: 35] أمر لهما بالثبات، وتأويله: (اثبتا) فثبتا، فأزالهما الشيطان، فقابل الثبات بالزوال الذي هو خلافه. وفي الآية على هذا التقدير إضمار، كقوله: ﴿أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ﴾ [الشعراء:63] أي: فضرب فانفلق، ومثله: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ﴾ [البقرة: 196]، أي: فحلق ففدية. ونُسب الفعل إلى الشيطان، لأن زوالهما عنها إنما كان بتزيينه وتسويله فلما كان ذلك منه بسبب، أسند الفعل إليه، كقوله: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: 17] لما كان الرمي بتقوية الله وإرادته وخلقه نسبه إلى نفسه. ومما يقوي هذه القراءة قوله: ﴿فَأَخْرَجَهُمَا﴾ وأخرجهما في المعنى قريب من (فأزالهما) [[في (ب): (فأزلهما). "الحجة" لأبي علي 2/ 15، وانظر: "حجة القراءات" لابن زنجلة ص 94، "الكشف عن وجوه القراءات" لمكي1/ 236، "الحجة" لابن خالويه ص 74.]]. فإن قيل: على هذه القراءة يكون قوله: ﴿فَأَخْرَجَهُمَا﴾ تكريرا [[أورد هذا السؤال والإجابة عنه أبو علي في "الحجة"، ونقله الواحدي هنا بنصه، وممن قال إن فيها تكريرا الطبري في "تفسيره"، حيث احتج بذلك على ترجيح قراءة عامة القراء، "تفسير الطبري" 1/ 235.]]؟ قيل: إنه [[في (ب): (لأنه).]] لا يكون تكريراً لا فائدة فيه، ألا ترى أنه يجوز أن يزيلهما عن مواضعهما ولا يخرجهما مما كانا فيه من الرغد والرفاهية، وإذا كان كذلك لم يكن تكريرا غير مفيد، على أن التكرير في مثل هذا الموضع لتفخيم القصة ليس بمكروه بل هو مستحب، كقول القائل: أزلت نعمته وأخرجته من ملكه، غلظت عقوبته [["الحجة" لأبي علي 2/ 16.]]. وقوله تعالى: ﴿مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾. أي: من الطاعة إلى المعصية. وقيل: من الرتبة والمنزلة [[انظر: "تفسير ابن عطية" 1/ 256، والقرطبي 1/ 266.]]. وقيل: من الرفاهية ولين العيش [[انظر: "تفسير الطبري" 1/ 239، و"أبي الليث" 1/ 111، و"ابن عطية" 1/ 256، "البغوي" 1/ 83، "ابن كثير" 1/ 85، ويمكن حمل الآية على القولين الأخيرين.]]. واختلفوا في كيفية وسوسة إبليس ووصوله [[الواو ساقطة من (ب)]] إلى آدم: فقال الأكثرون ومنهم ابن عباس ووهب: إن الحية أدخلت إبليس الجنة [[في (ب): (إلى الجنة).]] حتى قال لآدم ﴿هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى﴾ [طه: 120]، فأبى أن يقبل منه، فقاسمهما بالله إنه لهما لمن الناصحين، فاغترّا [[في (ب)، (ج): (فاغتروا).]] وما كانا يظنان أنّ أحداً يحلف بالله كاذبًا، فبادرت حواء إلى أكل الشجرة ثم ناولت آدم حتى أكلها [[هذا لفظ رواية ابن عباس، وبمعناه رواية وهب وقد أخرجهما الطبري 1/ 240، ذكر رواية ابن عباس: الليث في "تفسيره" 1/ 111، وانظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 65 أ، و"البغوي" 1/ 83، و"ابن عطية" 1/ 256، و"القرطبي" 1/ 266.]]. وقال الحسن: إنما رآهما على باب الجنة لأنهما كانا يخرجان من الجنة [[ذكره البغوي في "تفسيره" 1/ 63، وابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 67. وهناك قول ثالث: أنه دخل الجنة في صورة حية، وهذا يرجع لأصول القول الأول، وقول رابع ذكره ابن جرير الطبري عن ابن إسحاق وهو: أنه وصل إليهما بطرق الوسوسة، وأنه يخلص إلى ابن آدم في حال نومه ويقظته، ولدعوه إلى المعصية، ويوقع في نفسه الشهوة، وأيد قوله بما ورد عن النبي ﷺ: أنه قال، "إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم". كذا ذكر الطبري عن ابن إسحاق، ثم رد قوله ورجح أن الشيطان كلم آدم مشافهة لا وسوسة كما قال: ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾ [الأعراف: 21]، ثم قال: (فالقول في ذلك أنه وصل إلى خطابهما على ما أخبر الله جل ثناؤه، وممكن أن يكون وصل على ذلك بنحو الذي قاله المتأولون بل ذلك إن شاء الله كذلك، لتتابع أقوال أهل التأويل على تصحيح ذلك)، "تفسير الطبري" 1/ 240، قال ابن عطية 1/ 256: القول: أنه أغواهما مشافهة قول جمهور العلماء، ومثله قال القرطبي 1/ 266. وإذا نظرنا إلى حال الروايات في كيفية دخول إبليس الجنة وقصة الحية مع إبليس وجدناها أخبارًا إسرائيلية كما قال ذلك ابن كثير في "تفسيره" 1/ 85، وقال "الرازي" بعد ذكره للقول الأول: واعلم أن هذا وأمثاله مما يجب أن لا يلتفت إليه. الرازي 3/ 15، قلت: الله سبحانه وتعالى أخبرنا أن إبليس أزل آدم وكان سببًا في إخراجه من الجنة كما قال ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾. وكيف حصل ذلك، هل بالمشافهة وما طريق المشافهة، أو بالوسوسة؟ كل هذا من علم الغيب الذي لا يثبت إلا بالخبر عن الله سبحانه، أو رسوله، ولا خبر في ذلك يعتمد عليه، ولا ينبني على العلم به كبير فائدة فلا داعي للانشغال بمثله.]]. وقوله تعالى: ﴿وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾. (الهبوط) النزول من علو إلى سفل، وهو ضد الصعود [[انظر: "تهذيب اللغة" (هبط) 4/ 2706، "تفسير ابن عطية" 1/ 257، و"القرطبي" 1/ 272، "زاد المسير" 1/ 68.]]، وهو خطاب لآدم، وحواء، والحية، وإبليس [[أخرجه ابن جرير عن ابن عباس وأبي صالح، والسدي، ومجاهد، انظر "تفسير الطبري" 1/ 240، "تفسير وابن أبي حاتم" من طريق السدي عن ابن عباس 1/ 88 - 89، وذكره أبو الليث في "تفسيره" 1/ 112، و"الثعلبي" 1/ 61 أ، و"ابن عطية" عن السدي 1/ 257، وانظر: "التعريف والإعلام" للسهيلي ص 19، "غرر التبيان" ص 201، و"زاد المسير" 1/ 68.]] على قول من يقول: إن إبليس أدخلته الحية الجنة [[وهي روايات إسرائيلية كما قال ابن كثير في "تفسيره" 1/ 85، انظر ما سبق.]]. وقال أبو إسحاق: كان إبليس أهبط أولاً، لأنه قال: ﴿فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ﴾ [الحجر: 34]، وأهبط آدم وحواء بعد ذلك، فجمع الخبر للنبي -عليه [الصلاة] [[(الصلاة): ساقط من جميع النسخ.]] والسلام لأنهم اجتمعوا في الهبوط وإن اختلف بهم الوقت [["معاني القرآن" للزجاج ص 48.]]. وقال ابن الأنباري: مذهب الفراء أن ﴿اهْبِطُوا﴾ خطاب لآدم وحواء وذريتهما لأن الأب يدل على الذرية إذ كانوا منه [["معاني القرآن" للفراء: (قوله: ﴿وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ فإنه خاطب آدم وامرأته، ويقال أيضًا: آدم وإبليس، وقال (اهبطوا) يعنيه ويعني ذريته فكأنه خاطبهم) 1/ 31.]]. وقيل: إنه خطاب لآم وحواء. والعرب تخاطب الاثنين بالجمع، لأن التثنية أول الجمع، ومثله من التنزيل قوله: ﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ [الأنبياء:78]، يريد حكم داود وسليمان، وقوله: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ [النساء:11]، أراد أخوين [[ذكر قول ابن الأنباري ابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 68.]]. وقوله تعالى: ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾. بعض الشيء طائفة منه [[انظر "تهذيب اللغة" (بعض) 1/ 359، "اللسان" (بعض) 1/ 312.]]. وأنكر الأصمعي وأبو حاتم إدخال (الألف واللام) في بعض وكل وقالا: إنهما معرفتان بغير الألف واللام، [والعرب لا تدخل فيهما الألف واللام] [[مابين المعقوفين ساقط من (ب).]]، قال الله تعالى: ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ [النمل: 87] [[انظر كلام الأصمعي وأبي حاتم في "تهذيب اللغة" وقال أبو حاتم: ولا تقول العرب (الكل ولا البعض) وقد استعمله الناس حتى سيبوبه والأخفش في كتبهما لقلة علمهما بهذا النحو فاجتنب ذلك فإنه ليس من كلام العرب "التهذيب" (بعض) 1/ 491، و"اللسان" (بعض) 7/ 119.]]. والنحويون مجمعون على جواز إدخال الألف واللام عليهما [[ورد في "اللسان" بعد كلام أبي حاتم منسوباً للأزهري، ولم أجده في "تهذيب اللغة"، ولعله سقط من المطبوع، وفي "اللسان" عن ابن سيده: (استعمل الزجاجي بعضا بالألف واللام)، "اللسان" (بعض) 1/ 312.]]. وسنذكر ما قيل في (بعض) عند قوله ﴿يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ [غافر: 28] إن شاء الله. و (العدو) اسم جامع للواحد والجميع وللذكر والأنثى، إذا جعلته في مذهب الاسم والمصدر فإن جعلته نعتاً محضاً ثنيت وجمعت وأنثت [[في "التهذيب": (وقال أبو عمر: .. و (العداوة) اسم عام من (العدو) يقال: عدو بيِّن العداوة وهو عدو، وهما عدو، وهن عدو، وهذا إذا جعلته في مذهب الاسم والمصدر. فإذا جعلته نعتا محضا قلت: هو عدوك، وهي عدوتك، وهم أعداؤك، وهن عدواتك، "تهذيب اللغة" (عدا) 3/ 2347.]]. ومنه قول عمر لنساء النبي ﷺ: (أي عدوات أنفسهن) [[قطعة من حديث طويل في قصة دخول عمر على رسول الله ﷺ وعنده نساء من قريش، وفيه: (أي عدوات أنفسهن، أتهبنني ولا تهبن رسول الله ﷺ؟ أخرجه البخاري عن سعد بن أبي وقاص (3294) كتاب (بدء الخلق) باب (صفة إبليس وجنوده)، وفي (3683) كتاب (فضائل الصحابة) باب (مناقب عمر)، وفي (6085) كتاب (الأدب) باب (التبسم والضحك)، ومسلم (2389) كتاب (الفضائل) باب: (فضائل عمر) "شرح النووي"، وأحمد في "المسند" 1/ 182.]]. قال المفسرون: وأراد بهذه العداوة التي بين آدم وحواء والحية، وبين ذرية آدم من المؤمنين وبين إبليس، فإبليس عدو المؤمنين من ولد آدم، وعداوته لهم كفر، والمؤمنون [[في (أ)، (ج): (المؤمنين) وأثبت ما في (ب) لأنه هو الصواب.]] أعداء إبليس، وعداوتهم له إيمان [["معاني القرآن" للزجاج 1/ 84، وانظر: "تفسير الطبري" 1/ 235.]]. وروى سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ أنه [[(أنه) ساقط من (ب).]] سئل عن قتل الحيات، فقال: "خلقتهن [[في (ب): (خلقت هي والإنسان)، وهذا يوافق ما في الطبري، ومجمع الزوائد كما سيأتي. وهو الصواب.]] والإنسان كل واحد منهما عدو لصاحبه، إن رآها أفزعته، وإن لدغته أوجعته فاقتلها حيث وجدتها" [[أخرجه الطبري بسنده في "تفسيره" 1/ 538، وهو في "مجمع الزوائد" ولفظه: (خلقت هي والإنسان سواء فإن رأته أفزعته ..) الحديث بمثل رواية الطبري قال الهيثمي: رواه الطبراني في "الأوسط"، وفيه (جابر) غير مسمى، والظاهر أنه الجعفي، وثقة الثوري وشعبة، وضعفه الأئمة أحمد وغيره، 4/ 45 و (جابر) من رجال الطبري كذلك، وذكر الحديث السيوطي في "الدر" وعزاه إلى الطبري في "تفسيره" 1/ 108.]]. وروى ابن عجلان عن أبيه، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "ما سالمناهن [[(هن) ساقطة من (ب).]] منذ حاربناهن، فمن ترك شيئا منهن خيفةً فليس منا" [[أخرجه الطبري بسنده، قال شاكر: (إسناده جيد والحديث مروي بأسانيد أخر صحاح)، "تفسير الطبري" 1/ 537، وأخرجه أبو داود (5248) كتاب (الأدب) باب (في قتل الحيات) عن أبي هريرة، وأخرج نحوه عن ابن مسعود (5249) وابن عباس "سنن أبي داود" معه "معالم السنن" (5250)، وأخرجه أحمد في "مسنده" 2/ 247، 432، 520، وأخرجه نحوه عن ابن عباس 1/ 320، وقد حكم شاكر على أسانيد أبي داود وأحمد بأنها صحيحة كما في تحقيقه على الطبري.]] وأراد النبي ﷺ بالمحاربة قصة آدم وإدخالها إبليس الجنة [[قال الطبري: (وأحسب أن الحرب التي بيننا، كان أصله ما ذكره علماؤنا الذين قدمنا الرواية عنهم، في إدخالها إبليس الجنة) 1/ 240 - 241، قال العظيم آبادي شارح سنن أبي داود: (منذ حاربناهن) أي منذ وقع بيننا وبينهن الحرب، فإن المحاربة والمعاداة بين الحية والإنسان جبلية، لأن كلا منهما مجبول على طلب قتل الآخر، وقيل: أراد العداوة التي بينها وبين آدم عليه السلام ما يقال: إن إبليس قصد دخول الجنة فمنعت الخزنة فأدخلته الحية في فيها ...) عون المعبود 14/ 109. وفي هامش سنن أبي داود قال يحيى بن أيوب: سئل أحمد بن صالح عن تفسير قوله: (ما سالمنا هن منذ حاربناهن) متى كانت العداوة؟ قال: حين أخرج آدم من الجنة، قال الله: ﴿اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [طه: 123]، قال هم قالوا: آدم وحواء، وإبليس والحية، قال: والذي صح: أنهم الثلاثة فقط، بإسقاط الحية، سنن أبي داود "معه معالم السنن" 5/ 410.]]. وقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾. موضع قرار أحياءً وأمواتاً [[انظر: "تفسير الطبري" 1/ 241، و"ابن عطية" 1/ 258.]]. (ومتاع) المتاع: ما تمتعت به، أي شيء كان، فكل ما حصل التمتع به فهو متاع من زينة أو لذة أو عمر أو مال [[انظر: "تفسير الطبري" 1/ 242، و"ابن عطية" 1/ 258.]]. ومعنى التمتع: التلذذ [[قال ابن فارس (الميم والتاء والعين) أصل صحيح يدل على منفعة وامتداد مدة في خير .... وذهب من أهل التحقيق بعضهم إلى أن الأصل في الباب (التلذذ) ... وذهب منهم آخر إلى أن الأصل الامتداد والارتفاع ... (معجم مقاييس اللغة) (متع) 2/ 293، 294.]]، والمتعة أيضا من [[في (ب): (مثل).]] المتاع، وجمعها مُتعَ [[قال الليث: ومنهم من يقول: متعة، وجمعها (متع)، "تهذيب اللغة" (متع) 4/ 3337.]]. قال الأعشى: حَتَّى إِذَا ذَرَّ قَرْنُ الشَّمْسِ صَبَّحهَا ... زَوَالُ نَبْهَانَ يَبْغِي أَهْلَهُ مُتَعَا [[البيت للأعشى يصف صائدا، ويروى (ذؤال) و (من آل) و (ذوآل) بدل (زوال) وفي جميع النسخ (زوال) ولعلها تصحيف، ويروى (صحبه) بدل (أهله) وهوله: ذر قرن الشمس: أول ما يشرق منها، وذؤال: ذأل: أسرع ومشى في خفة، والذؤال: الصائد، متعا: جمع متعة: يعني يطلب لهم زادا وطعاما، ورد البيت في "تهذيب اللغة" (متع) 4/ 3337، "اللسان" (متع) 7/ 4129، (ديوان الأعشى) ص108.]] أي يبغيهم صيداً يتمتعون به، ويأتي الكلام في متعة المطلقة [[عند قوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ الآية [البقرة: 236].]] ومتعة الحج [[عند قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ الآية [البقرة: 196].]] مستقصى إن شاء الله. قال المفسرون: قلنا [[كذا في جميع النسخ، وفي "الوسيط" (فلنا) بالفاء 1/ 86، وهذا أولى.]] في الأرض متاع من حيث الاستقرار عليها، والاغتذاء بما تنبتها [[في (ج): (ينبتها).]] من الثمار والأقوات [[انظر: "تفسير الطبري" 1/ 242.]]. وقوله تعالى: ﴿إِلَى حِينٍ﴾. (الحين) وقت من الزمان، يصلح للأوقات كلها طالت أو قصرت [[ذكره الأزهري عن الزجاج، "تهذيب اللغة" (حين) 1/ 714، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 84، "اللسان" (حين) 2/ 1073.]]، ويجمع على (الأحيان) ثم يجمع (الأحيان) أحايين [[ذكره الازهري عن الليث، "تهذيب اللغة" 1/ 714، انظر: "اللسان" (حين) 2/ 1074.]]. قال الليث: وَحيَّنْتَ الشيء، جعلته له حِينًا [[المراجع السابقة.]]. والمراد بالحين هاهنا فيما ذكره أهل التفسير: (حين الموت) [[ذكره ابن جرير في "تفسيره" عن ابن عباس والسدي 1/ 242، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 65 أ، وأبو الليث في "تفسيره" 1/ 112، والزجاج في "المعاني" 1/ 84، وابن عطية في "تفسيره" 1/ 259.]]. وقيل: إلى قيام الساعة [[ذكره ابن جرير في "تفسيره" عن مجاهد 1/ 242، والزجاج في "معاني القرآن" 1/ 84، وابن عطية في "تفسيره" 1/ 259.]]. وإنما قال [[في (ب): (قيل).]]: (إلى حين) إشارة إلى أن الدنيا دار زوال [[انظر: "تفسير ابن عطية" 1/ 259، و"تفسير القرطبي" 1/ 275.]].

البقرة 2:37

قوله تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ الآية. (التلقي) في اللغة معناه: الاستقبال، [منه الحديث: (أنه نهى عن تلقي الركبان [[حديث النهي عن تلقي الركبان، أخرجه البخاري عن أبي هريرة رقم (2150) كتاب (البيوع) باب (النهي للبائع أن لا يحفل الإبل والبقر والغنم ..). وأخرج البخاري عن ابن عباس رقم (2158) باب (هل يبيع حاضر لباد)، وعن أبي هريرة رقم (2162) باب (النهي عن تلقي الركبان، وعن ابن عباس (2274) كتاب (الإجارة) باب (أجر السمسرة)، وأخرجه مسلم عن ابن عباس (1521) كتاب (البيوع) باب: (تحريم بيع الحاضر للباد). وأخرجه أحمد في "مسنده" 1/ 368، 2/ 42. وأخرجه النسائي في كتاب (البيوع) 7/ 256، 257.]] قالوا: معناه: الاستقبال [[ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، (ج) وأثبته من (ب).]]]. والليث يقول: خرجنا نتلقى الحاج، أي نستقبلهم [[في (أ): (يستقبلهم)، وما في (ب)، (ج) أصح. والكلام لم أجده منسوبًا لليث، انظر: "تهذيب اللغة" (لقى) 4/ 3291، و (العين) (لقو) 5/ 212 و (لقى) 5/ 215، "اللسان" (لقا) 7/ 4067.]]. وفي حديث آخر "لا تتلقوا الركبان والأجلاب" [[ذكره الأزهري في "تهذيب اللغة" بسنده، "تهذيب اللغة" (لقى) 4/ 3291، وسبق تخريج حديث النهي عن تلقي الركبان. وأخرج مسلم عن أبي هريرة: (أنه نهى أن يتلقى الجلب) رقم (1519) كتاب (البيوع) باب: (تحريم تلقي الجلب). وأخرجه النسائي في كتاب (البيوع) 7/ 257، واخرجه أبو داود رقم (3437) (البيوع) باب (التلقي). وأخرجه الدارمي (البيوع) 3/ 1671 (2608). وأخرجه أحمد في "المسند" بلفظ (الأجلاب) 2/ 284، 410. وأخرجه ابن ماجه في (البيوع) رقم (2178) باب: النهي عن تلقي الجلب.]]. وهذا معنى التلقي في اللغة [[انظر: "تهذيب اللغة" (لقى) 4/ 3291، "الصحاح" (لقي) 6/ 2484، "اللسان" (لقا) 7/ 4066.]]، وأصله أنه (تَفَعُّل) [[في (أ)، (ج): (يفعل).]] من اللقاء، فالتلقي معناه: التعرض للقاء الشيء، ولما كان الاستقبال للشيء تعرض للقائه قيل له: (تلقٍّ) [[انظر: "تفسير الطبري" 1/ 242 - 243.]]. ويقال لَقَّيْتُه الشيء فَتَلَقَّى، أي عرضته لأن يراه فتعرض له، فَلَقَّيْتُه من (لقى) مثل: رَأيْتُه من (يري)، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ [فصلت: 35] ثم صار التلقي بمعنى الأخذ، لأن الإنسان إنما يستقبل ما يحرص عليه، فكل كلام استقبلته فأنت مريد أخذه، وإلا أعرضت عنه [[(عنه) ساقطة من (ب).]]. وجميع أهل اللغة والمعاني فسروا (التلقي) هاهنا بالأخذ والقبول [[انظر: "تهذيب اللغة" (لقي) 4/ 3291، والطبري فىِ "تفسيره" 1/ 242 - 243، (تفسير أبي الليث) 1/ 112، "غريب القرآن" لابن قتيبة 1/ 38، وابن عطية في "تفسيره" 1/ 260. ومنهم من فسر تلقي آدم للكلمات: بأنه تعلمها ودعا بها، انظر "معاني القرآن" للزجاج 1/ 85، "تهذيب اللغة" 4/ 3291.]]، ومنه الحديث: (أن رسول الله ﷺ كان يتلقى الوحي من جبريل) [[بهذا النص ذكره ابن قتيبة في "غريب القرآن" 1/ 38. وبهذا المعنى أخرج أحمد في "مسنده" بسنده عن ابن عباس: أن أبيا قال لعمر يا أمير المؤمنين إني تلقيت القرآن ممن تلقاه، وقال عفان: ممن يتلقاه من جبريل عليه السلام وهو رطب، "المسند" 5/ 117، وعفان أحد رواة الحديث والأحاديث بمعناه في البخاري رقم (5044) كتاب (فضائل القرآن) باب (الترتيل في القراءة)، ونحوه في مسلم رقم (448) كتاب الصلاة، باب: الاستماع للقراءة.]] أي يتقبله ويأخذه [["غريب القرآن" لابن قتيبة 1/ 38.]]. الأصمعي: تلقت الرحم ماء الفحل، إذا قبلته وارْتَجَّت عليه [["تهذيب اللغة" (لقي) 4/ 3291، "اللسان" (لقا) 7/ 4066.]]. فمعنى قوله تعالى ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ أي: أخذها عنه وتلقنها [[انظر: "تفسير الطبري" 1/ 242 - 243، "غريب القرآن" لابن قتيبة 1/ 38، "تفسير ابن عطية" 1/ 260، "تهذيب اللغة" (لقى) 4/ 3291.]]. والرجل يُلَقَّى الكلام فيتلقاه، أي يُلَقَّنه فَيَتَلقَّنه [[انظر: "تهذيب اللغة" (لقي) 4/ 3291، "اللسان" (لقا) 7/ 4066.]]. وبعض الناس يقولون: تلقى هاهنا: تلقن فجعل النون (ياء) كما قالوا تَظَنَّى من الظن [[في "تفسير القرطبي": (تظني من تطنن) 1/ 276، وكذا في "البحر" 1/ 165.]]، وذلك غلط لأن النون إنما يجوز إبدالها بالياء إذا اجتمع نونان، وكذلك هذا الباب إذا اجتمع حرفان من جنس واحد جاز إبدال الثاني بالياء. كقول العجاج: تَقَضِّي البَازِي إِذَا [[(إذا البازى) ساقط من (ب).]] البَازِي كَسَره [[من أرجوزة يمدح فيها عمر بن عبيد الله بن معمر، يقول: انقض انقاض البَازِي ضم جناحيه، فهو في سرعته سرعة انقاض البَازي إذا كسر، أي ضم جناحيه، وهذا أسرع ما يكون في انقضاضه، ورد البيت في "الخصائص" 2/ 90، "همع الهوامع" 5/ 340، "اللسان" (قضض) 6/ 3661، "المشوف المعلم" 2/ 646، "ديوان العجاج" ص 28.]] بمعنى تقضض، فأما إذا لم يجتمع [[في (أ)، (ج): (تجتمع) والصحيح بالياء.]] حرفان، فلا يجوز الإبدال، لا يجوز أن تقول: تقبى بمعنى تقبل، وهذا ظاهر [[انظر: "تفسير القرطبي" 1/ 276، "البحر" 1/ 165، "الدر المصون" 1/ 295.]]. وتفسير التلقي [[في (ب): (الثاني).]] بالتلقن جائز صحيح [[(صحيح) ساقط من (ب).]] كما بينا، فأما أن يكون التلقي من لفظ التلقن فلا. و (الكلمات): جمع الكلمة، والكلمة تقع على الكثير والقليل، وتقع على الحرف الواحد من الهجاء. قال ابن الأعرابي: يقال: لفلان كلمة شاعرة، أي: قصيدة، وقالوا [[(قالوا) ساقط من (ب).]]: قال امرؤ القيس في كلمته أي: قصيدته، وقال قس [[هو قس بن ساعدة بن جدامة بن زفر الإيادي، الخطيب البليغ، سمع النبى ﷺ حكمته، ومات قبل البعثة، انظر ترجمته في "الإصابة" 3/ 279، "الخزانة" 2/ 89]] في قصدته، يعنون خطبته [[عن "الحجة" لأبي علي بتصرف 2/ 31، وانظر: "تهذيب اللغة" (كلم) 4/ 3180]]. وتجمع (الكلمة)، (كَلِمًا) [[في (ب): (كما). قال الجوهري (الكلم لا يكون أقل من ثلاث من كلمات، لأنه جمع كلمة، "الصحاح" (كلم) 5/ 2043.]]، قال رؤبة [[مكان البيت بعد قوله: (تميم تقول: (كِلْمَة) وفي الجمع (كِلَمُ) لأنه شاهد على هذه اللغة. انظر: "تهذيب اللغة" (كلم) 4/ 3180، "اللسان" (كلم) 7/ 3922]]: لَا يَسْمَعُ [[في (أ)، (ج): (تسمع)، وفي (ب) غير منقوط وضبطته مثل "التهذيب" وغيره.]] الرَّكْبُ بها رَجْعَ الكِلَم [[ورد البيت في ملحق ديوان رؤبة مع الأبيات المنسوبة له وليست في "ديوانه" ص 182، وفي "تهذيب اللغة" (هنم) 4/ 3807، و (كلم) 4/ 3180، وفي "اللسان" (كلم) 7/ 3922.]] وتميم تقول: (كِلْمَة)، وفي الجمع (كِلَم). وأما استعمال الكلمة في القليل فإن سيبويه [قد أوقعها على الاسم المفرد، والفعل المفرد، والحرف المفرد، فأما الكلام فإن سيبويه] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]] استعمله فيما كان مؤلفًا من هذه الكَلِم [["الحجة" لأبي علي 2/ 32، وانظر "الصحاح" (كلم) 5/ 2023.]]، فالحرف الواحد لا يكون كلامًا، ولهذا لا يقطع [[(لا) ساقطة من (ب).]] الحرف الواحد الصلاة. واختلف القراء في هذه الآية، فقرأ ابن كثير (آدم) بالنصب، (كلمات) بالرفع [[قرأ ابن كثير وحده بنصب (آدم) ورفع (كلمات) وبقية العشرة برفع (آدم) ونصب (كلمات)، انظر: "السبعة" لابن مجاهد ص 154، "التبصرة" ص 250، "النشر" 2/ 211، "الإقناع" لابن الباذش 2/ 597، "البدور الزاهرة" ص30.]]، وحجته في ذلك: أن الأفعال المتعدية إلى المفعول به على ثلاثة أضرب، منها: ما يجوز أن يكون الفاعل له مفعولا به، ويجوز أن يكون المفعول به فاعلا له [[في "الحجة": (منها ما يجوز فيه أن يكون الفاعل له مفعولًا به، ومنها ما يجوز أن يكون المفعول به فاعلًا له)، 2/ 40، وما عند الواحدي هو صحيح.]] نحو اكْرَمَ بِشْرٌ بكرا، وشتم زيد عمرًا، وضرب عبد الله زيدًا. ومنها: ما لا يكون [فيه] [[(فيه) ساقطة من (ب)، (ج)، وثابت في (أ)، "الحجة" 1/ 40.]] المفعول فاعلًا له، نحو: دققت الثوب، وأكلت الخبز. ومنها: ما يكون إسناده إلى الفاعل في المعنى كإسناده إلى المفعول به، [وذلك] [[(وذلك) ساقط من (ب)]] نحو: أَصَبْت [[في (ب): (أصب).]] وَنِلْت وتَلَقَّيْتُ، تقول: نالني خير [[في (ب): (خيرًا) في كل المواضع الأربعة بالنصب.]] ونلت خيراً، وأصابني خير وأصبت خيراً. قال الله تعالى: {لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} [البقرة: 124] وفي قراءة عبد الله [[ذكر قراءة ابن مسعود الطبري في "تفسيره" 1/ 532. والفراء في "المعاني" 1/ 28. وانظر. "الكشاف" 1/ 309. "البحر" 1/ 377.]] ﴿الظَّالِمُونَ﴾ [[الاستشهاد بهذه القراءة ورد في "الحجة" في غير هذا الموضوع فنقله الواحدي بين هذه الأمثلة. انظر: "الحجة" 2/ 41، 42.]]. وتقول: لقيت زيدا، وتلقاني وتلقيته، قال: إِذَا أَنْتَ لَمْ تُعْرِضْ عَنِ الفُحْشِ واْلخَنَا ... أَصَبْتَ حَلِيمًا أَوْ أَصَابَكَ جَاهِلُ [[البيت ينسب لزهير، وينسب لابنه كعب كذا قال ابن قتيبة في "الشعر والشعراء" ص 77. وورد البيت في "الحجة" 2/ 41. "المخصص" 15/ 161. وفي "ديوان زهير بن أبي سلمى" وراوية: (إذا أنت لم تقصر عن الجهل.) من قصيدة في سنان ابن أبي حارثة المُري، "ديوان زهير" مع شرحه ص 300، وورد في "ديوان كعب بن زهير مع قصائد لكعب لم تذكر في ديوانه" ص 257.]] قال الله تعالى: ﴿وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ﴾ [[في (أ): (قد) سقطت الواو من الآية، وكذا من الآية التي تليها.]] [آل عمران: 40] وقال: ﴿وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا﴾، [مريم:8] وإذا كانت معاني هذه الأفعال على ما ذكرنا [[من أن بعض الأفعال المتعدية إسنادها إلى الفاعل في المعنى كإسنادها إلى المفعول به.]]، فنصب ابن كثير (آدم) ورفعه (الكلمات) في المعنى [[أي أن قراءة ابن كثير في المعنى كقراءة الجمهور.]] كقول من رفع (آدم) ونصب الكلمات [[بنصه من "الحجة" لأبي علي 2/ 40، 41، وانظر: "حجة القراءات" لابن زنجلة ص 94، "الحجة" لابن خالويه ص 75. أما مكي فقال في توجيه قراءة ابن كثير: (علَّه من نصب (آدم) ورفع (الكلمات) أنه جعل (الكلمات) استنقذت (آدم) بتوفيق الله له لقوله إياها الدعاء بها فتاب الله عليه .. فهي الفاعلة وهو المُسْتَنْقَذ بها ..)، "الكشف" 1/ 237.]]، وحجة من رفع (آدم) ونصب (الكلمات) [[وهي قراءة العشرة عدا ابن كثير كما سبق.]] قوله [[في "الحجة": (ومن حجة من رفع أن عليه الأكثر، ومما يشهد للرفع قوله ..) 2/ 41.]]: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ﴾ [النور: 15]، فأسند الفعل إلى المخاطبين، والمفعول به كلام يُتَلَقَّى [[في (ج): (تلقى).]]، كما أن الذي تَلَقَّى آدم كلام يتلقى، فكما أسند الفعل إلى المخاطبين، فجعل التلقي لهم، كذلك يلزم أن يسند الفعل إلى آدم، فيجعل التلقي له [[(له) ساقط من (ج).]] دون الكلمات [[(الحجة) لأبي علي 2/ 41، 42، وقال مكي: وعلة من قرأ برفع (آدم) ونصب (الكلمات) أنه جعل (آدم) هو الذي تلقى الكلمات، لأنه هو قبلها ودعا بها، وعمل بها، فتاب الله عليه، فهو الفاعل لقبول الكلمات ...) "الكشف" 1/ 237، وانظر "حجة القراءات" لابن زنجلة ص 95، "الحجة" لابن خالويه ص 75.]]. ومعنى التلقي للكلمات هو أن الله تعالى ألهم [[وكذا قال أبو الليث في "تفسيره" 1/ 112، وقال ابن قتيبة: كأن الله أوحى إليه أن يستغفره ويستقبله بكلام من عنده، "غريب القرآن" ص 38، وقال ابن جرير: (... كأنه استقبله، فتلقاه بالقبول حين أوحى إليه وأخبره ..)، "تفسير الطبري" 1/ 242 - 243، فهو وحي، انظر: "تفسير ابن عطية" 1/ 260 - 261، و"زاد المسير" 1/ 69.]] آدم حتى اعترف بذنبه، وقال: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا﴾ الآية [الأعراف: 23]، فهذه الآية هي المعنية بالكلمات في قول الحسن، وسعيد بن جبير، ومجاهد [[أخرجه ابن جرير في "تفسيره" عن مجاهد وقتادة وابن زيد والحسن وأبي العالية 1/ 243 - 244، وأخرجه ابن أبي حاتم في "تفسيره" عن مجاهد وسعيد بن جبير والحسن وقتادة ومحمد بن كعب وخالد بن معدان وعطاء الخرساني، والربيع 1/ 90 - 91، وأخرجه الثعلبي في "تفسيره" بسنده عن ابن عباس قال: وكذلك قال مجاهد والحسن 1/ 66 أ، وانظر: "زاد المسير" 1/ 69، و"تفسير ابن كثير" 1/ 86 - 87. ورجح ابن جرير هذا القول، قال: (والذي يدل عليه كتاب الله أن == الكلمات التي تلقاهن آدم من ربه هن الكلمات التي أخبر الله عنه أنه قالها متنصلا بقيلها إلى ربه، معترفا بذنبه، وهو قوله ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: 23]، وليس ما قاله من خالف قولنا هذا -من الأقوال التي حكيناها- بمدفوع قوله، ولكنه قول لا شاهد عليه من حجة يجب التسليم لها، فيجوز لنا إضافته إلى آدم ..) "تفسير الطبري" 1/ 244.]]، وأخذ آدم من الله إلهامه إياه، حتى أخذ بإلهامه. وقال ابن عباس: الكلمات هي: أن آدم قال: يا رب ألم تخلقني بيدك؟ قال: بلى، قال: ألم تنفخ فيّ من روحك؟ قال: بلى، قال: ألم تسبق رحمتك لي غضبك؟ قال: بلى، قال ألم تسكني جنتك؟ قال: بلى، قال: فلم أخرجتني منها؟ قال: بشؤم معصيتك، قال يا رب أرأيت إن تبت وأصلحت أراجعي أنت إلى الجنة؟ قال: نعم قال: فهو الكلمات [[أخرجه ابن جرير عن ابن عباس بنحوه من عدة طرق، وأخرج نحوه عن أبي العالية والسدي في "تفسيره" 1/ 243، وأخرج ابن أبي حاتم في "تفسيره" عن ابن عباس نحوه، قال المحقق: في سنده ضعف وانقطاع 1/ 311، وأخرج الحاكم في "مستدركه" عن ابن عباس نحوه، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، "المستدرك" 2/ 545، وذكر الثعلبي 1/ 65 ب، وذكره ابن كثير في "تفسيره"، وفي الهامش قال المحقق: (سنده حسن من أجل الحسن بن عطية .. وهذا الأثر كغيره من الآثار المتلقاة عن أهل الكتاب التي لا يجوز الاعتماد عليها في تفسير كتاب الله) 1/ 149. ذكر الواحدي أشهر الأقوال في المراد بالكلمات، وفيها أقوال أخرى، انظر: "تفسير ابن جرير" 1/ 243 - 244، و"تفسير ابن أبي حاتم" 1/ 90 - 91، و"الثعلبي" 1/ 65 ب، و"ابن عطية" 1/ 261، "زاد المسير" 1/ 69، و"تفسير ابن كثير" 1/ 87، و"الرازي" 3/ 19.]]. قال أبو إسحاق: وفي الآية تعريف للمذنب، كف السبيل إلى التنصل من الذنوب، وأنه لا ينفع إلا الاعتراف [["معاني القرآن" للزجاج 1/ 85]]. وسئل بعض السلف عما يقوله المذنب، فقال: يقول ما قال أبوه: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا﴾ [الأعراف: 23] وما قاله [[في (ب): (وما قال).]] موسى: ﴿ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي﴾ [القصص: 16] وما قاله [[في (ج): (وما قال).]] يونس: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [[قوله (لا إله إلا أنت) ساقط من (ب).]] [الأنبياء: 87]، وما قالته الملكة: ﴿إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ﴾ [النمل: 44] [[الأثر أورده أبو حيان في البحر 1/ 165.]]. وقوله تعالى: ﴿فَتَابَ عَلَيْهِ﴾. معنى التوبة في اللغة: الرجوع. وفي الشريعة: رجوع العبد من المعصية إلى الطاعة [[التوبة في الشرع: ترك الذنب، والندم على ما فات، والعزيمة على عدم العودة إليه، وتدارك ما أمكنه من عمل الصالحات، فهذه أركان التوبة وشرائطها، (مفردات الراغب) ص 76، وانظر: "شرح أسماء الله" للزجاج ص 61، "تهذيب اللغة" (تاب) 1/ 416 - 417، "تفسير الطبري" 1/ 246، و"ابن عطية" 1/ 261 - 262، و"القرطبي" 1/ 277 - 278، "زاد المسير" 1/ 70، "البحر" 1/ 166.]]، فالعبد يتوب إلى الله والله يتوب عليه، أي يرجع عليه [[في (ب): (إليه).]] بالمغفرة، [والعبد تواب إلى الله أي راجع إليه بالندم، والله تواب يعود عليه بالكرم] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]] والعبد تواب إلى الله بالسؤال، والله تواب عليه بالنوال [[ذكر الأزهري نحوه عن الليث، "تهذيب اللغة" (تاب) 1/ 416 - 417.]]. فمعنى قوله: ﴿فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ أي عاد عليه بالمغفرة [[(تاب عليه) أي وفقه للتوبة وقبلها منه، وعاد عليه بالمغفرة، انظر: "تفسير الطبري" == 1/ 246، و"تفسير ابن عطية" 1/ 262، "زاد المسير" 1/ 70، و"تفسير ابن كثير" 1/ 87.]]، ولا يحتاج إلى ذكر المغفرة، لأن هذا اللفظ وضع لرجوع العبد إلى الله بالطاعة والندم ورجوع الله عليه بالعفو والمغفرة، وكما لا يحتاج [[في (ب): (يحتاج) في الموضعين.]] إذا قلت: تاب الله عليه، أن تقول بالندم أو بالطاعة، فكذلك لا تحتاج في قولك: (تاب الله عليه) إلى شيء آخر [[انظر: "تفسير البيضاوي" 1/ 22، و"النسفي" و"الرازي" 3/ 22.]]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [[(إنه) ساقط من (ب).]]. أي يتوب على عبده بفضله إذا تاب إليه من ذنبه.

البقرة 2:38

وقوله تعالى: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا﴾ الآية. إعادة الأمر بالهبوط يحتمل وجهين، أحدهما: أنه أراد بالأول هبوطاً من الجنة إلى السماء. وبالثاني هبوطًا من السماء إلى الأرض [[ذكره ابن عطية عن النقاش في "تفسيره" 1/ 262 - 263، و"القرطبي" 1/ 279، "البحر" 1/ 167، وضعف أبو حيان هذا الوجه: لأن الله قال في الهبوط الأول: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾ ولم يحصل الاستقرار على هذا القول إلا بالهبوط الثاني فكان يمبغي أن يذكر الاستقرار فيه، وقال في الهبوط الثاني: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا﴾، وظاهر الضمير أنه يعود إلى الجنة.]]، والثاني: أنه كرر للتأكيد [[المراجع السابقة، وذكر الماوردي وجهًا ثالثًا: وهو أنه كرر الهبوط، لأنه علق بكل واحد منهما حكما غير الحكم الآخر، فعلق بالأول العداوة، وعلق بالثاني إتيانه الهدى، "تفسير الماوردي" 1/ 262.]]. وقوله تعالى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ﴾. قال أبو إسحاق [["معاني القرآن" 1/ 86.]]: (إما) في [هذا] [[(هذا) ساقط من (ب). ولفظ الزجاج في "المعاني": (إعراب (إما) في هذا الموضع إعراب حروف الشرط والجزاء ...) 1/ 86.]] الموضع بمعنى حرف الشرط والجزاء، إلا أن الجزاء إذا جاء معها [[في "معاني القرآن" (معه) 1/ 86، وهو الأولى.]] (النون الثقيلة) لزمتها (ما) [[(ما) ساقطة من (ب). والزجاج بهذا يرى أن فعل الشرط الواقع بعد (إن) الشرطية المؤكدة بـ (ما) يجب تأكيده بالنون، وهذا ما يوضح معنى قوله: (إلا أن الجزاء إذا جاء معها النون الثقيلة لزمتها (ما)، أي أن (إن) الشرطية إذا اتصل فعل الشرط معها بـ (نون التوكيد) وجب زيادة (ما) معها، وبهذا قال المبرد، قال السمين: ليس في كلامهما ما يدل على لزوم (النون) غاية ما فيه أنهما شرطا في صحة تأكيده بالنون زيادة (ما) "الدر المصون" 1/ 300، 301، وقال سيبويه والفارسي وطائفة: لا يلزم تأكيده، وسيأتي رد الفارسي على الزجاج، انظر: "المقتضب" 3/ 13، "تفسير ابن عطية" 1/ 262 - 263، "البحر" 1/ 167.]] وإنما يلزمها لأجل التأكيد، وكذلك دخل (النون) في الشرط لأجل التأكيد. وجواب الجزاء في (الفاء) مع الشرط الثاني وجوابه، وهما جملة جواب للشرط في (إما) [[في "معاني القرآن": (وجواب الشرط في (الفاء) مع الشرط الثاني وجوابه وهو ﴿فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ﴾ وجواب ﴿فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ﴾ قوله: ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 86 وما أخذ به الزجاج في جواب الشرط: هو قول سيبويه كما ذكر ابن عطية وقال: وحكي عن الكسائي أن قوله: ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ جواب الشرطين جميعا ..) قال ابن عطية: (حكي هذا وفيه نظر ..) "تفسير ابن عطية" 1/ 264، وقيل جواب الشرط الأول محذوف تقديره: فإما يأتينكم مني هدى فاتبعوه وقوله: ﴿فَمَنْ تَبِعَ﴾ جملة مستقلة، قال السمين: وهو بعيد، انظر: "الدر المصون" 1/ 301.]]. فعلى هذا أصل (إما) (إن) التي للشرط، ألحق بها (ما) [[(ما) ساقطة من (أ)، (ج)، وأثبتها كما في (ب) لاقتضاء السياق لها.]] التأكيد [[قوله: (التأكيد) كذا في جميع النسخ ولعل الصواب (للتأكيد)، انظر: "مشكل إعراب القرآن" 1/ 39،"البيان في غريب إعراب القرآن" 1/ 76.]]. قال أبو بكر بن السراج: الشرط وجوابه نظير المبتدأ والخبر، إذ كان الشرط لا يتم إلا بجوابه، ولك أن تجعل خبر المبتدأ جملة، هي أيضا مبتدأ وخبر، نحو قولك: (زيد أبوه منطلق) كذلك في الشرط [[(لك) ساقطة من (ب).]] لك أن تجيبه بجملة [[(بجملة) ساقط من (ب).]] هي جزاء وجواب، نحو قولك: (إن تأتني فمن يكرمني أكرمه) كذلك قوله: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى﴾ لآية [[كلمة (الآية) ساقطة من (ب) لم أقف على كلام ابن السراج بهذا النص، ولكن انظر معناه في كتابه "الأصول في النحو" 2/ 158.]]. وهذا الذي ذكره ابن السراج بيان ما أجمله أبو إسحاق. قال أبو علي [[ورد كلام أبي علي في كتاب "الإغفال فيما أغفله الزجاج من المعاني" متعقبا فيه الزجاج وقد نقل عنه الواحدي طويلا، انظر: "الإغفال" ص 103 - 113.]]: قول أبي إسحاق: (الجزاء إذا جاء في الفعل معه النون الثقيلة أو [[في (ب): (والخفيفة) بالواو ومثله في "الإغفال" ص 104.]] الخفيفة لزمه (ما) [[في (ب): (أن).]] يوهم [[في "الإغفال": (نوهم) ص 104.]] أن (ما) لزم لدخول (النون)، وأن سبب لحاق (ما) لحاق (النون). والأمر بعكس ذلك وخلافه، لأن السبب الذي دخلت (النون) الشرط في قوله: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ﴾ و ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا﴾ [مريم: 26]، ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ﴾ [الإسراء: 28] ونحو ذلك عند النحويين إنما هو لحاق (ما) أول الفعل بعد (إن) فلذلك صار موضعا للنونين [[أي: نون التوكيد الثقيلة، ونون التوكيد الخفيفة.]]، بعد أن لم يكن لهما موضعا. وإنما كان كذلك عند سيبويه [[انظر: "الكتاب" 3/ 514، 515.]] وأصحابه لمشابهة فعل الشرط، بلحاق (ما) به بعد (إن)، الفعل المقسم عليه. وجهة المشابهة: أن (ما) [[(ما) ساقطة من (ب).]] حرف تأكيد كما أن (اللام) [[أي لام القسم في مثل (لتفعلن). قال سيبوبه: (... ومن مواضعها أي نون التوكيد حروف الجزاء إذا وقعت بينها وبين الفعل (ما) للتوكيد، وذلك لأنهم شبهوا (ما) بـ (اللام) التي في (لتفعلن) لما وقع التوكيد قبل الفعل ألزموا (النون) آخره كما ألزموا هذه (اللام) ..) "الكتاب" 3/ 514، 515.]] تكون تأكيداً، والفعل وقع بعد (ما) كما [[في (ب): (كان).]] وقع في القسم بعد (اللام). فلما شابهت (اللام) في ذلك، لزم الفعل مع (ما) [[في (ب): (لزم الفعل معها في الشرط).]] في الشرط (النون)، كما لزمته [[في (ب): (لزمه).]] في (ليفعلن)، فسبب [[في (ج): (بسبب).]] لحاق (النون) دخول (ما) على ما يذهب إليه النحويون [["الإغفال" ص 104، وانظر: "الكتاب" 3/ 515.]]. قال أبو إسحاق: وفتح ما قبل النون ﴿يَأْتِيَنَّكُمْ﴾ لسكونه [[في "معاني القرآن": السكون الياء وسكون النون الأولى) "معاني القرآن" 1/ 86 يذكر الزجاج هنا أن الفعل المؤكد بنون التوكيد في قوله: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ﴾ يفتح ما قبل النون لتفادي التقاء ساكنين (الياء) التي هي آخر الفعل، والنون الأولى من نون التوكيد المشددة. وهذا التعليل غير كاف عند بعض النحويين، بل يرون أن الفعل المضارع الذي لم يتصل بضمير رفع ساكن إذا أكد بالنون اعتبر معها مركبا وبني على الفتح، وبهذا اعترض أبو علي على الزجاج كما في كلامه الآتي الذي نقله الواحدي عن "الإغفال" ص 114.]]، وسكون النون الأولى. قال أبو علي: لا يخلو [[في (ب): (لا تخلوا) (أن تكون) (أو تكون) بالتاء في المواضع الثلاثة ومثله في "الإغفال" ص 114، وهذا أولى.]] حركة (الياء) بالفتح من أن يكون لالتقاء الساكنين، كما ذكر أبو إسحاق، أو يكون حركة بنى الفعل عليها، لانضمام الحرف إليه. فلو كانت الحركة بالفتح لالتقاء الساكنين في ﴿يَأْتِيَنَّكُمْ﴾ ونحوه لما حرك به في (هل تضربن) [[في (ج): (هل تضربين).]] و (هل تذهبن) [[في (ج): (هل تكرهين).]] ونحوه من الصحيح. ألا ترى أن الساكنين لا يلتقيان في هذا كما يلتقيان في المعتل، والتحرك بالفتح مع [[في (ب): (من ذلك).]] ذلك لازم له، ولو كانت الحركة لالتقاء الساكنين ما لزمت هنا. وفي تحرك هذا الضرب بالفتح أعني: (الصحيح) [[في "الإغفال": (أعني: الذي لا ساكنين فيه ... إلخ) ص 115.]] ما يدل على أن المتحرك بالفتح في: ﴿يَأْتِيَنَّكُمْ﴾ ونحوه للبناء، دون التقاء الساكنين، فثبت بهذا فساد قوله. ويدل أيضًا على فساد قولِه قولُهم: (قُولَنَّ) و (بيعنَّ) ولا تخلو [[في (ج): (يخلو).]] اللام في: (قولن) من أن تكون [[من (ب): وفي غيرها: (يكون).]] محركة لالتقاء الساكنين [أو لبناء الفعل مع الحرف بالفتح، فالذي يفسد القول بأنها محركة لالتقاء [[في "الإغفال": (محركة للساكنين) ص 116.]] الساكنين] [[ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، (ج) وأثبته من (ب) وهو ثابت في "الإغفال" ص 115 وصحة السياق تقتضيه.]] ردك العين في: (قولن) و (بيعنَّ)، ألا ترى أن (اللام لو كانت حركتها [[في (ج): (لو كانت لالتقاء الساكنين).]] للساكنين لم يلزم رد العين، كما أن حركتها لما كانت في: (قل الحق) و (بع الثوب) لالتقاء الساكنين لم يلزم رد العين فيه، فردنا للعين [[في (ب): (العين).]] في: (قولن) ونحوه وحذفنا لها في: (قل الحق) دليل بَيِّن أن الحركة في (قولن) لبناء الفعل مع الحرف على الفتح، إذ لو كانت لالتقاء الساكنين ما رُدَّت العين كما لم ترد في (قل الحق) [[في "الإغفال": .. (كما لم ترد في (قل الحق) لما كانت الحركة فيه لالتقاء الساكنين، وإنما لم ترد (العين) المحذوفة للساكنين من (قل) ونحوه، وإن تحركت اللام، لأن النية بحركتها ... إلخ) "الإغفال" ص 116.]]، وإنما لم ترد في (قل الحق) [[قوله: (قل الحق) ساقط من (ب).]] لأن النية بحركتها السكون، وما تحرك لها من الساكن الثاني غير لازم [[انتهى ما نقله عن "الإغفال"، بتصرف يسير في بعض الكلمات، وانظر بقية كلام أبي علي في "الإغفال" ص 116 - 119.]]. ومعنى قوله: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى﴾ أي: فإن يأتكم مني شريعة ورسول وبيان ودعوة [[انظر: "تفسير الطبري" 1/ 246، "تفسير أبي الليث" 1/ 113، "تفسير ابن عطية" 1/ 263 - 264، "تفسير ابن كثير" 1/ 87 - 88.]]. ﴿فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ﴾ أي: قبل أمري واتبع ما آمر به، فلا خوف عليه في الآخرة ولا حزن [[قوله: (ولا هم يحزنون) قال الطبري: (ولا هم يحزنون يومئذ على ما خلفوا بعد وفاتهم في الدنيا) الطبري في "تفسيره" 1/ 247، وبهذا قال أكثر المفسرين، انظر: "تفسير أبي الليث" 1/ 113، و"تفسير ابن كثير" في 1/ 88، وذكر ابن عطية في معنى الآية وجها آخر: أي لا خوف عليهم يوم القيامة، ولا هم يحزنون فيه 1/ 2658، والأولى عموم الآية. والله أعلم.]]. والخطاب لآدم وحواء وذريتهما [[ذكره ابن جرير، وذكر وجها آخر: وهو أن الخطاب لمن أهبط من السماء وهم آدم وحواء وإبليس ورجح هذا الوجه، انظر: "الطبري" 1/ 246، ورجحه ابن عطية في "تفسيره" 1/ 262، وبه قال ابن كثير في "تفسيره" 1/ 87.]]، أعلمهم أنه يبتليهم بالطاعة ويجازيهم بالجنة عليها، وبالنار على تركها، وأن هذا الابتلاء وقع عند الهبوط إلى الأرض [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 85]]. وقوله تعالى: ﴿هُدَايَ﴾ فتحت (الياء) فيه [[من "معاني القرآن" للزجاج بتصرف 1/ 86، 87.]]، لأنها أتت بعد ساكن، وأصلها الحركة التي هي الفتح، والأصل أن تقول: (غلامي) فتفتح [[في (ج): (بفتح) ومثله في "معاني القرآن" 1/ 87.]] (الياء)، لأنها حرف في موضع اسم مضمر [[أي أن (الياء) ضمير جاء على حرف واحد فيأخذ حكم الحرف في أنه يفتح إذا جاء بعد ساكن، "معاني القرآن" 1/ 87.]] منع الإعراب فألزم الحركة، كما ذكرنا في قوله: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 30] فيمن [[في (ج): (فمن).]] فتح (الياء). وحذف الحركة [[في (ب): (الياء).]] جائز لأن (الياء) من حروف المد واللين، وفي ﴿هُدَايَ﴾ سكن ما قبلها، ولم [[في (ب): (فلم).]] يكن بد من تحريكها، فجعل حظها ما كان لها في الأصل من الحركة وهو الفتح [["معاني القرآن" للزجاج 1/ 87.]]. وروى ابن الأنباري أن النبي ﷺ قرأ ﴿فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ﴾ قال [[في (ب): (وقال).]]: وهي لغة طيئ [[لغة هذيل، انظر: "المحتسب" 1/ 76، و"تفسير ابن عطية" 1/ 264، و"تفسير القرطبي" 1/ 280.]]، يقولون: هذه عصيَّ ورحَيَّ [[ذكر هذه القراءة ابن جني في "المحتسب" قال: (قراءة النبي ﷺ وأبي الطفيل، وعبد الله بن أبي إسحاق، وعاصم الجحدري، وعيسى ابن عمر الثقفي (هُدَيَّ) ..) "المحتسب" 1/ 76 ونحوه في "البحر المحيط" 1/ 169، وانظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 87، "البيان" 1/ 76، و"تفسير ابن عطية" 1/ 264، و"تفسير القرطبي" 1/ 280.]]. وقرأ ابن أبي إسحاق [[هو عبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي النحوي البصري، أخذ القراءة عن يحيى بن يعمر ويعمر ونصر بن عاصم، وتوفي سنة تسع وعشرين ومائة، انظر: "غاية النهاية" 1/ 410.]]: ﴿هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا﴾ [[(هي) ساقطة من (ب).]] [طه: 18] وقال أبو ذؤيب: تَرَكُوا هَوَيَّ وَأَعْنَقُوا لِهَواهُمُ ... فَتُخُرِّمُوا وَلِكُلِّ جَنْبٍ مَصْرَعُ [[البيت من قصيدة قالها أبو ذؤيب يرثي بنيه، حيث ذهبوا للجهاد، وكان هواه أن يقيموا معه، وأن يموت قبلهم، قوله: فَتُخُرِّمُوا: أخذوا واحدًا واحدًا، تخرمتهم المنية، ولكل جنب مصرع: أي كل إنسان يموت، انظر: "شرح أشعار الهذليين" 1/ 7، "المحتسب" 1/ 76، "المفضليات" ص 421، "شرح المفصل" 3/ 33، "تفسير ابن عطية" 1/ 264، و"تفسير القرطبي" 1/ 280، "البحر" 1/ 169. والراوية للبيت في المصادر كلها (سبقوا) بدل (تركوا).]] وقال آخر [[البيتان للمُنَخَّل اليَشْكري، وقال في "الصحاح": (المتَنخِّل اليَشْكُري)، وفي الهامش: اسم اليَشُكري (المنخل) وأما (المنتخل) فهو الهذلي، "الصحاح" 1/ 188، وكان من قصة المُنخل (أنه كان بينه وبين المتجردة امرأة النعمان بن المنذر علاقة ولما علم النعمان دفعه إلى سجانه واسمه (عِكب) فقيده وعذبه.]]: يُطَوَّفُ بِي عِكَبٌّ [[في (ب): (كعب) في الموضعين.]] فِي مَعَدٍّ ... وَيَطْعَنُ بِالصُّمُلَّةِ فِي قَفَيَّا فَإِنْ لَمْ تَثْأَرُوا لِي مِنْ عِكَبٍّ ... فَلَا أَرْوَيْتُم أبَدًا صَدَيَّا [[يروي البيت: (تثأران) و (فلا رَوَّيْتُما) وقوله: (صَدَيَّا): الصدى في زعم الجاهلية طائر يصيح إذا لم يتأر بالمقتول، وقيل هو اسم ماد والصملة هي العصا. وشاهد (صديا) و (قفيا) حيث استعملهما على لغة هذيل، الأبيات في "المحتسب" 1/ 76، "الخصائص" 1/ 177، "شرح المفصل" 3/ 188، "ترتيب الإصلاح" 1/ 185، والبيت الأول في "الصحاح" (عكب) 1/ 188، "اللسان" (عكب) 5/ 3054.]] وقال أبو دواد [[هو أبو دواد الإيادي، وكان قد جاور هلال بن كعب من تميم، فلعب غلام له مع غلمان الحي في غدير فغطسوه في الماء ومات، فعزم أبو دواد على مفارقتهم وذم جوارهم، وحاولوا إرضاءه فقال البيت وبيتًا قبله.]]: فَأَبْلُونِي بَلِيَّتكُم [[في (ج): (بليكم).]] لَعَلِّي ... أُصالِحُكُم وأَسْتَدْرِجْ نَوَيَّا [[قوله: فأبلوني: يقال: أبلاه إذا صنع به جميلا، والبلية: الاسم، وقيل: البلية: الناقة تربط على قبر صاحبها بدون طعام ولا شراب حتى تموت، ونَوَيَّا: يريد (نَوَاي) وهي النية، والمراد الوجه الذي يقصد، انظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 88، "تأويل مشكل القرآن" ص 56، "الخصائص" 1/ 176، 2/ 341، 424، "مغني اللبيب" 2/ 423، 477، "اللسان" (علل) 50/ 3082.]] قال الفراء: وإنما فعلت طيئ هذا لأن العرب اعتادت كسر ما قبل (ياء) [[(ياء) ساقطة من (ج).]] الإضافة نحو قولهم: (غلامِيَ) و (دارِيَ) فلما قالوا: (رحاي) [[في (ج): (راحاي).]] و (عصاي) طلبوا من الألف ذلك الكسر فقلبوها (ياء) وأدغموها في (ياء) الإضافة، فجعلوا بدل كسرة ما قبل (ياء) الإضافة قلب الألف (ياء)، إذ [[في (ب): (إذا).]] كانت الألف لا يكسر [[في (أ)، (ج): (لا تكسر).]] ما قبلها، ولا تكسر هي [[لم أجده للفراء، وذكر ابن جني عن أبي علي نحوه في تخريج لغة هذيل، انظر "المحتسب" 1/ 76، وذكر النحاس هذه العلة عن الخليل وسيبويه، "إعراب القرآن" 1/ 166، وانظر: "معاني القرآن" للأخفش 1/ 236، والزجاج في "تفسيره" 1/ 78.]].

البقرة 2:39

وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ الآية. الآيات جمع آية، ومعنى الآية في اللغة: العلامة [[انظر: "تفسير الطبري" 1/ 47، "معجم مقاييس اللغة" (أبي) 1/ 168، "الزاهر" 1/ 172، "مفردات الراغب" ص 33، "اللسان" (أيا) 1/ 185، و"فوائد في مشكل القرآن" ص 68، "البرهان في علوم القرآن" 1/ 266.]]، ومنه قوله: {تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ} [المائدة: 114] أي علامة منك لإجابتك دعاءنا، فكل آية من الكتاب علامة ودلالة على المضمون فيها. وقال أبو عبيدة: معنى الآية: أنها علامة لانقطاع الكلام الذي قبلها، وانقطاعه من الذي بعدها [[في "المجاز" لأبي عبيدة. (إنما سميت آية لأنها كلام متصل إلى انقطاعه، انقطاع معناه قصة ثم قصة (1/ 5) وانظر: "الزاهر" 1/ 172.]]. ثعلب عن ابن الأعرابي: الآية العلامة [[لم أجده عن ابن الأعرابي، ويظهر أن الواحدي نقل الكلام وما بعده من "تهذيب اللغة"، ولم أجد بحث (آية) في المطبوع من "تهذيب اللغة"، انظر: "الغربيين" للهروي 1/ 116، 117، "اللسان" (أيا) 1/ 185.]]. الليث: الآية العلامة، والآية من آيات القرآن، والجميع: الآي [[في "الصحاح" جمع الآية: آي وآياي، آيات، "الصحاح" (أيا) 6/ 2275، انظر: "اللسان" (أيا) 1/ 185، وقيل: آياي جمع الجمع.]]، ولم يزد على هذا. فالآية بمعنى العلامة في اللغة صحيحة [[انظر: "الصحاح" (أيا) 6/ 2275، "مقاييس اللغة" (أي) 1/ 168، "مفردات الراغب" ص 33، "اللسان" (أيا) 1/ 185.]]. قال الأحوص [[هو الأحوص بن محمد بن عبد الله بن عاصم بن ثابت، لشعره رونق وحلاوة أكثر في الغزل، وكان يشبب بنساء أشراف المدينة، فنفاه سليمان بن عبد الملك إلى (دهلك)، انظر: "الشعر والشعراء" ص 345، "الخزانة" 2/ 16.]]: أَمِنْ رَسْمِ آيَاتٍ عَفَوْنَ وَمَنْزِلٍ ... قَدِيمٍ تُعَفِّيهِ [[في (ج): (يعفيه).]] الأَعاَصِيرُ مُحْوِلِ [[ورد البيت في "الزاهر" 1/ 172، ولم أجده في شعر الأحوص جمع (عادل سليمان جمال)، والمُحْوِل: المنزل الذي رحل عنه أهله وتغير حاله، انظر: "اللسان" (حول) 2/ 1060.]] قال ابن السكيت [["إصلاح المنطق" ص 304، وانظر: "الزاهر" 1/ 173، "غريب القرآن" لابن قتيبة ص 34، "زاد المسير" 1/ 71.]] وحكاه لنا أبو عمرو [[هو أبو عمرو إسحاق بن مرار الشيباني، جاور بني شيبان في الكوفة ونسب اليهم، شهر بالغريب، أخذ عنه ابن السكيت، انظر ترجمته في: مقدمة "تهذيب اللغة" 1/ 33، "طبقات النحويين واللغويين" ص 194.]] يقال [[في (ب): (فقال).]]: خرج القوم بآيتهم، أي بجماعتهم، لم يدعوا وراءهم شيئا [[ذكر البغدادي في "الخزانة": أن علي بن حمزة البصري رد قول ابن السكيت واستشهاده بكلام أبي عمرو الشيباني، ورجح أن الآية: العلامة، انظر: "الخزانة" 6/ 515.]]، وقال بُرْج بن مُسْهِر [[في (ج): (مرج بن شهر). وهو البرج بن مُسْهِر بن جلاس الطائي شاعر معمر. قال ابن دريد. وفد إلى النبي ﷺ، انظر: "الاشتقاق" لابن دريد ص 382، "الأعلام" 2/ 47.]]: خَرَجْنَا مِنَ النَّقْبَيْنِ لَا حَيَّ مْثِلُنَا ... بآِيَتِناَ نُزْجِي اللِّقَاحَ المطَافِلاَ [[قوله: نزجي: نسوق، واللقاح: النوق ذوات اللبن، والمطافل: النوق معها أولادها. ورد البيت في "إصلاح المنطق" ص 304، "الزاهر" 1/ 172، "مقاييس اللغة" (أي) 1/ 169، "تفسير القرطبي" 1/ 57، "زاد المسير" 1/ 71، (الخزانة) 6/ 515، "اللسان" (أيا) 1/ 185، "الدر المصون" 1/ 308.]] معناه: خرجنا بجماعتنا. فعلى هذا القول معنى الآية من كتاب الله جماعة حروف دالة على معنى مخصوص [[سبق ذكر رد علي بن حمزة البصري على هذا القول، وانظر: "غريب القرآن" لابن قتيبة ص 34، "الزاهر" 1/ 172، "اللسان" (أيا) 1/ 185.]]. وبعض أصحابنا [[أي من علماء الشافعية.]] يجوّز على هذا القول أن يسمَّى أقل من الآية آية، لولا أن التوقيف ورد بما هي الآن معدودة آيات [[أنظر: "البرهان في علوم القرآن" 1/ 267، "الإتقان" 1/ 230. قال الزمخشري: (هذا علم توقيفي لا مجال للقياس فيه كمعرفة السور) "الكشاف" 1/ 105.]]. قال ابن الأنباري: وفي الآية قول ثالث: وهو أن تكون [[في (أ)، (ج): (يكون) واخترت ما في (ب) لأنه هو الصواب موافق لكلام ابن الأنباري في "الزاهر" 1/ 173.]] سميت آية، لأنها عجب، وذلك أن قارئها إذا قرأها يستدل على مباينتها [[في (أ): (مبانيتها) وما في (ب)، (ج) هو الصواب وموافق لما في "الزاهر".]] كلام المخلوقين، ويعلم أن العالم يعجزون عن التكلم بمثلها، فتكون الآية العجب من قولهم: (فلان آية من الآيات) أي عجب من العجائب [["الزاهر" 1/ 173، وانظر: "زاد المسير" 1/ 72. وخلاصة القول في معنى الآية: أنها تطلق في اللغة على: 1 - المعجزة، 2 - العلامة، 3 - العبرة، 4 - الأمر العجيب، 5 - الجماعة، 6 - البرهان والدليل.]] فهذا هو القول في معنى الآية. فأما وزنها من [[(من) ساقطة من (ج).]] الفعل، فقال الفراء [[كلام الفراء ورده على الكسائي ذكره ابن منظور في "لسان العرب" عن كتاب (المصادر) للفراء، ولعله نقله عن "تهذيب اللغة"، ولم أجد مبحث (آية) في المطبوع من "تهذيب اللغة"، انظر: "اللسان" (ايا) 1/ 185. (والآية) وزنها من الفعل - عند الفراء: (فَعْلَة) وعند الخليل (فَعَلَة) أصلها (أَيَيَة)، وعند الكسائي (فَاعِلَة)، أنظر: "الزاهر" 1/ 342، "تفسير ابن عطية" 1/ 71 - 72، "المفردات في غريب القرآن" ص 33، "فوائد في تأويل المشكل" ص 68، "البرهان" 1/ 266، "الدر المصون" 1/ 308، "الخزانة" 6/ 517، وقد ذكر في أصلها ستة وجوه.]]: إنما تركت العرب همز (ياء) آية، كما يهمزون كل (ياء) بعد الألف ساكنة نحو: قائل وغائب [[(قائل وغائب) مكانها بياض في (ج).]] وبابه، لأنها كانت فيما يرى [[في (ج): (ترى).]] (أَيَّة) على وزن (فَعْلَة) فثقل عليهم التشديد فأبدلوه ألفا، لانفتاح ما قبل التشديد كما قالوا: أَيْمَا [في (أَمَّا)، وكما فعلوا بدينار وقيراط لما استثقلوا التشديد أبدلوا من الحرف الأول (ياء) لانكسار ما قبله. [[(دينار) و (قيراط) أصلهما (دَنَّار) و (قَرَّاط) فاستثقلوا التشديد فأبدلوا من الحرف الأول (ياء) لانكسار ما قبله فصار: دينار وقيراط. انظر "الزاهر" 1/ 173، "الصحاح" (أيا) 6/ 2275.]] وقال] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ج).]] الكسائي: آية [وزنها (فَاعِلَة)، أصلها آيِيَة، فنقصت [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]]]. الكسائي يقول: استثقلت الكسرة على الياء الأولى فسكنت، ثم حذفت لاجتماع الساكنين [[انظر (الزاهر) 1/ 342.]]، هذا معنى قوله: (فنقصت). قال الفراء: ولو كانت (آية) فَاعِلَة ما صغروها [[في (أ): (ما صنعوها) وما في (ب)، (ج) هو الصحيح، وفي "اللسان" (ما صغرها).]] أيَيَّة، لأن (فاعلة) تصغّر (فُوَيْعِلَة). فقال الكسائي: قد صغروا: عاتكة وفاطمة عُتَيكة وفُطَيْمة، فالآية مثلها. فقال الفراء: العرب لا تصغر (فاعلة) (فُعَيلة) إلا أن يكون اسماً في مذهب (فلانة) فيقولون هذه فُطَيْمة قد جاءت، إذا كان [[في (ب): (كانت).]] اسمها [[في "اللسان" (اسما) 1/ 185.]]، فلو قلت: (هذه فَاطِمة ابنها) ثم صغرتها لم يجز الا فويطمة [[في "اللسان" (فإذا قلت هذه فُطَيْمة ابنها، يعني فاطمته من الرضاع لم يجز)، "اللسان" (أيا) 1/ 185.]]، ومثل: (هذا صُلَيْح قد جاء)، لرجل اسمه صالح، ولو قال قائل: كيف بُنَيُّك [[في "اللسان" (بنتك).]]؟ قلت: صويلح ولم يجز صليح لأنه ليس باسم له. وكذلك رجل اسمه أسود يقول: هذا سويد [قد جاء، لأنه فلان، فإن كان نعتًا قلت: (أُسَيْد) و (أُسَيْوِيد) ولا يجوز هذا رجل سُوَيد] [[ما بين المعقوفين ساقط من (أ، ج)، وأثبته من (ب)، لأن صحة السياق تقتضيه.]]. والفرق بين الحالين أن في الاسم العلم روعي التخفيف [فصغر تصغير الترخيم] [[في (ج): (الرخيم). وما بين المعقوفين ساقط من (ب).]]. وفي النعت صُغِّر على الأصل، فعلى قول الفراء آيات [[(آيات) ساقطة من (ب).]] وزنها (فَعْلات)، وعلى قول الكسائى وزنها (فَاعِلات) [[في (ب): (علامات).]]. ومعنى آيات الله في هذه الآية: دلائله، ويدخل فيها كتبه التي أنزلها على أنبيائه [[انظر: "تفسير الطبري" 1/ 253 - 254، "تفسير أبي الليث" 1/ 114، "البحر المحيط" 1/ 170.]]. فإن قيل: لم دخلت الفاء في سورة الحج: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [[في (ب): (أولئك)، تصحيف.]] [الحج: 57]، وسقطت هاهنا؟ قيل: إنما دخل فيه "الفاء" من خبر الذي وأخواته مشبه [[في (ج): (شبه).]] بالجزاء، وما لم يكن [[في (ب): (تكن)]] فيه (الفاء) فعلى أصل الخبر مثال ذلك من الكلام أن تقول: (مالي فهو لك) [على أن يكون (ما) بمعنى (الذي) ولو أردت واحد الأموال لم يجز دخول الفاء، كما لا تقول: غلامي فهو لك، [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]]، وهذه المسألة [[انظر شرح هذه المسألة في "سر صناعة الأعراب" 1/ 258.]] يأتي بيانها في مواضع من هذا الكتاب إن شاء الله.

البقرة 2:40

قوله تعالى: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾. الكلام في (الابن) وأصله يذكر عند قوله: ﴿يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ﴾ [[سورة البقرة: 49، وقد تكلم عن (ابن) هناك وتوسع في البحث.]]. و (إسرائيل) هو يعقوب [[انظر: "تفسير الطبري" 1/ 254، و"تفسير ابن عطية" 1/ 267، "زاد المسير" 1/ 72.]] عليه السلام ولا يتصرف لاجتماع العجمة والمعرفة [[أي: العلمية.]]، وكل اسم اجتمعتا فيه وزاد على ثلاثة أحرف لم ينصرف عند أحد من النحويين [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 88، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 167، "المشكل" لمكي 1/ 41، "الإملاء" 1/ 33، "الدر المصون" 1/ 310.]]. وذكر في التفسير وجوه في اشتقاق هذا الاسم [[من هذه الوجوه: أنه مركب من (إسرا) وهو العبد، و (إيل) اسم من أسماء الله تعالى، فكأنه عبد الله، وقيل معنا: "إسرا" صفوة، و"إيل" الله تعالى، ومعناه صفوة الله، وفيه وجوه أخرى ذكرها أبو حيان في "البحر" 1/ 171، وقال بعدها: (وهذه أقاويل ضعاف)، وانظر: "تفسير الطبري" 1/ 248 - 249، و"تفسير الثعلبي" 1/ 66 ب، "التعريف والأعلام" للسهيلي ص20 و"تفسير القرطبي" 1/ 281 - 282.]]، والأصح عند أهل اللغة: أنه أعجمي لا اشتقاق له. وقوله تعالى: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾. أراد نعمي [[في (ج): (أراد بالنعمة: نعمي)]]، فأوقع الواحد موقع الجماعة [[ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 67 أ، وانظر: "تفسير ابن عطية" 1/ 267، و"تفسير البغوي" 1/ 66، و"تفسير القرطبي" 1/ 282، "زاد المسير" 1/ 72.]]، كقوله: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ﴾ [[سورة إبراهيم: 34، والنحل: 18.]]. وذلك أن الله تعالى فلق لهم البحر، وأنجاهم من فرعون، وظلل عليهم الغمام إلى سائر ما أنعم الله به عليهم [[انظر "تفسير الطبري" 1/ 249، و"تفسير الثعلبي" 1/ 67 أ، قال ابن عطية - بعد أن ذكر الأقوال في المراد بالنعمة: (وهذه الأقوال على جهة المثال، والعموم في اللفظة هو الحسن) 1/ 267.]]، وهو في قوله عز وجل: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ﴾ الآية [المائدة: 20]. وأراد بقوله: ﴿عَلَيْكُمْ﴾ أي على آبائكم وأسلافكم، وجعلها عليهم لأن النعمة على آبائهم نعمة عليهم، ومثله في الكلام كثير، يفاخر الرجل الرجل فيقول هزمناكم يوم ذي قار، بمعنى [[في (أ)، (ج): (معناه)]]: هزم آباؤنا آباءكم [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 90، و"تفسير القرطبي" 1/ 282، و"تفسير الثعلبي" 1/ 67 أ، و"تفسير ابن عطية" 1/ 167، "زاد المسير" 1/ 73.]]. قال الفرزدق: وَبَيْتَانِ: بَيْتُ اللهِ نَحْنُ وُلاَتُهُ ... وَبَيْتٌ بأعْلَى إِيلِيَاءَ مُشَرَّفُ [[البيت في "ديوان الفرزدق" 2/ 32، "معجم البلدان" 1/ 293، وإيلياء: بيت المقدس.]] يريد أن آباءه في القديم كانوا يلونهما، لا أنه كان يليه. وقال آخر: إِذا افْتَخَرَتْ يَوْمًا تَمِيمٌ بِقَوْسِهَا [[في (ج): (نفوسها)]] ... فَخَارًا عَلَى مَا أَطَّدَتْ مِنْ مَنَاقِبِ فَأَنْتُم بِذِي قَارٍ أَمَالَتْ سُيُوفُكُم ... عُرُوشَ الذِينَ اسْتَرْهَنُوا قَوْسَ حَاجِبِ [[البيتان لأبي تمام، وقوله: "ذي قار" يوم من أيام العرب، كان لهم على الفرس، وحاجب: هو ابن زرارة بن عدس، كان أرهن سيفه لكسرى، انظر: "ديوان أبي تمام مع شرحه" 1/ 109، "معجم البلدن" 4/ 294.]] أراد آباؤكم فعلوا ذلك، لأن المخاطبين بهذا البيت كانوا بعد ذي قار بدهر طويل. فإن قيل: هذه النعم التي أنعم الله بها على اليهود هم [[(هم) ساقطة من (ب).]] أبداً يذكرونها ويفخرون بها، فلم ذُكِّروا ما لم ينسوه؟ قيل: المراد بقوله: (اذكروا) اشكروا، وذكر النعمة شكرها، واذا لم يشكروها [[في (ب): (يشكرها).]] حق شكرها، فكأنهم نسوها وإن أكثروا ذكرها [[انظر: "الكشاف" 1/ 275، "زاد المسير" 1/ 73، "تفسير البيضاوي" 1/ 23، "تفسير الخازن" 1/ 112، "تفسير النسفي" 1/ 40، "تفسير القرطبي" 1/ 282.]]. وقال ابن الأنباري: أراد اذكروا ما أنعمت عليكم [[في (ب): (أنعمت به عليكم).]] فيما استودعتكم من علم التوراة وبينت لكم من صفة محمد، وألزمتكم من تصديقه واتباعه [[ذكره ابن الجوزي وعزاه لابن عباس، "زاد المسير" 1/ 73، وانظر "تفسير القرطبي" 1/ 282.]]، فلما بعث ﷺ ولم يتبعوه كانوا كالناسين لهذه النعمة [[في (ب): (النعم).]]. والأجود في ﴿نِعْمَتِيَ الَّتِي﴾ فتح الياء [[أجمع القراء العشرة على فتح (الياء) في قوله تعالى: ﴿نِعْمَتِيَ الَّتِي﴾ في مواضعها الثلاثة في البقرة، وقرأ بتسكينها الحسن وابن محيصن، انظر: "الإقناع" 1/ 542، "النشر" 2/ 162، "البدور الزاهرة" ص 30، "القراءات الشاذة" للقاضي ص 23، وقد سبق ذكر أصول القراء في ياءات الإضافة عند قوله تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ﴾ [البقرة: 30] ص 341.]]، وكل (ياء) كانت من المتكلم ففيها [[في (ب): (فيه).]] لغتان: الإرسال [[قوله: (الإرسال) أي: تسكينها ثم حذفها لالتقاء الساكنين، وفي "معاني القرآن" للفراء: (وأما نصب الياء من (نعمتي) فإن كل ياء كانت من المتكلم ففيها لغتان: الإرسال والسكون والفتح، 1/ 29.]] والفتح، فإذا لقيها ألف [[(ألف) ساقط من (ب).]] ولام اختارت العرب اللغة التي حركت فيها الياء، وكرهوا الأخرى، لأن اللام ساكنة [[في "معاني القرآن" للفراء: (لأن اللام ساكنة فتسقط الياء عندها لسكونها فاستقبحوا أن يقولوا: (نعمتي التي) فتكون كأنها مخفوضة على غير إضافة) 1/ 29.]] فلو لم يفتحوا لأشبه [[في (ب): (الا شبه).]] أن تكون النعمة مجرورة على غير الإضافة [[المراد: أن الياء من (نعمتي) لو سكنت لحذفت لالتقاء الساكنين فتبقى النعمة مجرورة من دون إضافة للياء فيقال (نعمت).]]، فأخذوا بأوثق الوجهين وأبينهما [[في (ب): (وأبينها).]]، لأنه أدل على الأصل وأشكل بما يلزم في الاستئناف من فتح ألف الوصل [["معاني القرآن" للفراء 1/ 29، وانظر: "معاني القرآن" للأخفش 1/ 238، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 89، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 167، "تفسير ابن عطية" 1/ 167.]]. وقد يجوز إسكانها مع الألف واللام أيضا كقوله: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ [الزمر: 53] قرئ بإرسال (الياء) وبنصبها [[في (ب): (ونصها). قرأ بسكون الياء حمزة والكسائي وأبو عمرو، ويعقوب وخلف، والبقية بالفتح، انظر: "التيسير" ص 66، "الإقناع" 1/ 541، "النشر" 2/ 170.]]، وإنما اختير الإرسال هاهنا لأن الاختيار ألا تثبت [[(أ)، (ج): (يثبت) في المواضع الثلاثة واثبت ما في (ب)، لأنه أنسب للسياق.]] (ياء) الإضافة في النداء نحو قولك: (يا غلام أقبل) وإذا لم تثبت لم يكن سبيل إلى التحريك. فأما قوله: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ (17) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ﴾ [الزمر: 17، 18] الاختيار هاهنا الإرسال [[قال الداني: (تفرد أبو شعيب بفتح الياء وإثباتها في الوقف ساكنة وحذفها الباقون في الحالين) يريد بقية السبعة ورواتهم، "التيسير" ص 67، وانظر "النشر" 2/ 189.]]، لأن (الياء) لا تثبت في الفواصل، وقوله: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ﴾ آخر الآية [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 29.]]. قال الزجاج: اختير فتح الياء مع اللام لالتقاء الساكنين، ويجوز أن تحذف [[في (أ)، (ج): (يحذف) وأثبتها بالتاء كما في (ب) و"معاني القرآن" للزجاج 1/ 81.]] الياء في اللفظ لالتقاء الساكنين، والاختيار الفتح، فأما قوله: ﴿أَخِي (30) اشْدُدْ﴾ [طه: 30، 31] فلم يكثر القراء فتح هذه الياء [[قوله تعالى: (أخي اشدد) قرأ بفتح الياء أبو عمرو وابن كثير والبقية على إسكانها، انظر: "التيسير" ص 67، "النشر" 2/ 171، 323.]]، وأكثرهم يفتحها مع الألف واللام، ولعمري إن لام المعرفة أكثر استعمالا، ولكني أقول: فتح الياء هاهنا كفتحه [[في (ج): (الفتحة مع اللام) وفي (ب): (لفتحة اللام)، وقد نقل الواحدي كلام الزجاج بتصرف، يقول الزجاج: (ولعمري إن اللام المعرفة أكثر في الاستعمال، ولكني أقول: الاختيار (أخِيَ اشدد) بفتح الياء لالتقاء الساكنين، كما فتحوا مع اللام، لأن اجتماع ساكنين مع اللام وغيرها معنى واحد ..) "معاني القرآن" 1/ 89.]] مع اللام، لأن اجتماع الساكنين مع اللام وغيرها واحد. وقوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾. أبو عبيد عن الكسائي وأبي عبيدة: وفيت بالعهد وأوفيت به سواء [["تهذيب اللغة" (وفا) 4/ 3923 - 3924، وانظر: "اللسان" (وفي) 8/ 5885.]]. وقال شمر: يقال: وَفَى وأَوفْى، فمن قال: (وَفَى) فإنه يقول تَمَّ، كقولك: وَفَى لنا فلان، أي: تَمَّ لنا قوله ولم يغدر، وَوَفَى هذا الطعامُ قفيزا [[في (أ)، (ج): (قفيز)، (ب): (فقيرا)]] أى: تم. قال: ومن قال: (أَوْفَى) فمعناه: أوفاني حقه، أي: أتمه ولم ينقص منه شيئا، وكذلك أَوْفَى الكيل أي أتمه ولم ينقص منه شيئا [["تهذيب اللغة" (وفا) 4/ 3924، وانظر: "اللسان" (وفى) 8/ 5885. وقوله: (وكذلك أوفى الكيل ..) غير موجود في "التهذيب" ضمن كلام شمر ومثبت في "اللسان" مع كلامه.]]. وقال أبو الهيثم فيما رد على شمر: الذي قال شمر [[قوله: (الذي قال شمر) ساقط من (ب).]] في (وَفَى) و (أَوْفَى): باطل، إنما يقال: أَوْفَيْت بالعهد ووفيت بالعهد، وكل شيء في كتاب الله من هذا فهو بالألف قال الله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [[(الواو) ساقطة من (أ، ج).]] [البقرة: 40] [[في "التهذيب" مكان الآية قوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ﴾ [الإسراء: 34] وفي "اللسان" آية البقرة.]] وقال: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1] [[كلام أبي الهيثم في "تهذيب اللغة" (وفا) 15/ 886، وانظر "معاني القرآن" للزجاج 1/ 91، و"اللسان" (وفى) 8/ 4884.]]. وقال الشاعر [[هو طفيل الغنوي.]] في الجمع بين اللغتين: أَمَّا ابنُ طَوْقٍ فَقَدْ أَوْفَى بِذِمَّتِه ... كَمَا وَفَى بِقِلاَصِ النَّجْمِ حَادِيهَا [[في "الكامل" (بيض) بدل (طوق) وعند الزجاج (عوف) وهو رجل شهر بالوفاء، وقلاص النجوم: هي كما تزعم العرب، أن الدبران جاء خاطبا للثريا وساق مهرها كواكبا صغارا تسمى القلاص، انظر (الكامل) 2/ 187، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 91، "الخصائص" 1/ 370، 3/ 316، "شرح المفصل" 1/ 42، "اللسان" (وفى) 8/ 4884، "زاد المسير" 1/ 73، "تفسير القرطبي" 6/ 32، "الدر المصون" 1/ 312.]] قال ابن عباس: هذا العهد هو أن الله عز وجل [[في (ب): (جل وعلى).]] عهد إليهم في التوراة أنه باعث نبيا يقال له: محمد، فمن تبعه كان له أجران اثنان، أجر باتباعه موسى وإيمانه بالتوراة، وأجر باتباعه محمدًا وإيمانه بالقرآن، ومن كفر به تكاملت أوزاره، وكانت النار جزاءه [[في (ب): (جزاؤه).]]، فقال الله جل وعز [[في (ب)، (ج): (عز وجل).]]: أوفوا بعهدي في محمد، أوف بعهدكم وأدخلكم الجنة [[ذكره الرازي في "تفسيره" عن ابن عباس 3/ 35، وابن كثير في "تفسيره" ولم يعزه == 1/ 88، وذكر نحوه الثعلبي في "تفسيره" عن الكلبي 1/ 67 ب، وأخرجه ابن جرير بسنده عن ابن عباس ونحوه، وليس فيه قوله: فمن تبعه كان له أجران .. ، الطبري في "تفسيره" 1/ 250، وكذا ابن أبي حاتم في "تفسيره" بنحو رواية الطبري 1/ 96، انظر: " الدر" 1/ 124.]]. وقوله تعالى: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾. موضع (إياي) نصب بإضمار فعل [[قال مكي: هذا هو الاختيار لأنه أمر، ويجوز: أنا فارهبون على الابتداء والخبر، "المشكل" 1/ 42، وانظر "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 167.]] تفسيره [[في (ب): (يفسره) وهو أولى.]] المذكور بعده [[في (ج): (بعهده).]] كأنه قيل: (إياي فارهبوا [[في (ب): (فارهبون).]] فارهبون) ولكنه يستغني عنه بما يفسره فلا يظهر، وإن صح أنه مقدر، ولا يجوز أن يعمل فيه المذكور، لأنه مشغول بضمير [[في (ب): (بضميره) وهو أصح. الضمير هو (الياء) التي حذفت لأنها رأس آية، انظر. "معاني القرآن" للزجاج 1/ 33، "معاني القرآن" للأخفش 1/ 246، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 167، "المشكل" لمكي 1/ 42، "الإملاء" 1/ 90.]]. وحذفت (الياء) من ﴿فَارْهَبُونِ﴾ لأنها فاصلة أي رأس آية، ليكون النظم على لفظ متسق، وسمى أهل اللغة أواخر الآي الفواصل، وأواخِر الأبيات [[في (ب): (الايات).]] القوافي [["معاني القرآن" للزجاج 1/ 90، وانظر "اللسان" (فصل) 6/ 3424، وبعضهم فرق بين رأس الآية والفاصلة، فكل رأس آية فاصلة ولا عكس. انظر "المكتفي في الوقف والابتداء" ص140، "البرهان" 1/ 53، "الإتقان" 2/ 284، "الفاصلة في القرآن" لمحمد الحسناوي ص 26.]]. ومعناه: فخافوني في نقض العهد [["تفسير الثعلبي" 1/ 67 ب، وانظر: "الطبري" 1/ 251، "زاد المسير" 1/ 73.]].

البقرة 2:41

قوله تعالى: ﴿وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾. أي موافقًا للتوراة في التوحيد والنبوة [[انظر: "تفسير الطبري" 1/ 251، "تفسير الثعلبي" 1/ 68 أ.]]، وهو حال من الهاء المحذوفة من (أنزلت) كأنه قيل أنزلته مصدقا [[ذكره الطبري وعبر عن الحال بقوله: قطع من الهاء المتروكة في (أنزلته) من ذكر (ما) 1/ 252، وذكره مكي وقال: وإن شئت جعلته حالا من (ما) في (بما) "المشكل" 1/ 42، وانظر: "تفسير ابن عطية" 1/ 269، "الإملاء" 1/ 33، "البحر المحيط" 1/ 177.]]. و [[(الواو) ساقطة من (ب).]] قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾. قال الليث: الأول والأولى: بمنزلة (أَفْعَل) و (فُعْلَى)، وجمع الأول: أولون، وجمع أولى: أوليات. [["تهذيب اللغة" (أول) 1/ 230، "اللسان" (وأل) 8/ 4747، وقوله: (وجمع أول: أولون) سقط من "التهذيب"، وهو في "اللسان" ضمن كلام الليث.]]. قال الأزهري: وقد جمع (أَوَّل) على أُول، مثل أَكْبَر وكُبر، وكذلك الأُولَى، ومنهم من شدد الواو مجموعا من (أَوَّل) [["تهذيب اللغة" (أول) 1/ 230، "اللسان" (وأل) 8/ 4747، وفيه: (ومنهم من شدد الواو من (أوَّل) مجموعًا.]]. واختلفوا في وزنه وتأليفه [[(تأليفه) ساقط من (ب).]]. فذكر الليث فيه وجهين: أحدهما: أن تأليفه من: (همزة) و (واو) و (لام)، وعلى هذا ينبغي أن يكون (أَفْعَل) منه (أَأْوَل) بهمزتين [[في ج: (همزتين).]]، لأنك لو بنيت [[في (ب): (ثنيت).]] (أَفْعَل) من (آب يؤوب) قلت: (أَأْوَب)، ثم قلبت إحدى [[في (ج): (أحد).]] الهمزتين واوا، ثم أدغمت في الواو الأخرى [[قال مكي: (أَوَّل) اسم لم ينطق منه بفعل عند سيبويه ووزنه (أَفْعَل) فاؤه واو، وعينه واو، ولذلك لم يستعمل منه فعل لاجتماع الواوات. وقال الكوفيون: هو أفعل من (وَأَل) إذا لجأ فأصله (أَوْأل)، ثم خففت الهمزة بأن أبدل منها واو وأدغمت الأولى فيها ... وقيل: إن (أول) أَفْعَل من (آل يَؤُل) فأصله: أأْول، ثم قلب فردت الفاء في موضع (العين)، فصار (أَوْأَل) فصنع به من التخفيف والبدل والإدغام ما صنع بالقول الأول، فوزنه بعد القلب (أعفل)، "مشكل إعراب القرآن" 1/ 42، 43، وانظر: "البيان" 1/ 78.]]، وهذا الوجه اختيار الأزهري، قال: إنه (أَفْعَل) من: (آل يَؤول) و (أُولَى) فُعْلى منه، قال وأراه قول سيبويه [[قال سيبويه: (وأما (أَوَّل) فهو أَفْعَل، يدل على ذلك قولهم: هو أول منه ومررت بأوَّلَ منك، والأولى) "الكتاب" 3/ 195.]]، وكأنه من قولهم: (آل يؤول) إذا نجا وسبق، ومثله: (وَأَل يئل) [[في (ب): (آل) بسقوط الواو.]] بمعناه، فمعنى (الأول) السابق الذي هو الابتداء. الوجه الثاني [[عند الليث.]]: أن أصل تأسيسه: واوان ولام، وأدغم إحدى الواوين في الأخرى وشدد، والهمزة فيه ألف (أفعل) [[كلام الليث والأزهري في "تهذيب اللغة" (أول) 1/ 231، "اللسان" (وأل) 8/ 4747، وعبارة المؤلف أقرب إلى "اللسان"، وهذا راجع إلى تقارب نسخة ابن منظور التي اعتمد عليها مع نسخة الواحدي، والله أعلم.]]. وقال ابن دريد: (أَوَّل) فَوْعَل، قال: وكان في الأصل: (وَوْوَل) [[في (ب): (وَوَّل) وكذا في الجمهرة، وما في (أ، ج) ورد على الأصل بفك الإدغام.]] فقلبت الواو الأولى همز وأدغمت إحدى الواوين في الأخرى، فقيل: أول [["الجمهرة" 2/ 1177، والنص من "تهذيب اللغة" (أول) 1/ 232.]]. وقال المبرد في كتاب "المقتضب": أول يكون على ضربين: يكون اسماً، ويكون نعتاً [موصولاً به (من كذا). فأما كونه نعتاً] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]]، فكقولك: هذا رجل أوَّلُ منك مجيئاً، كما تقول أحسن منك وجهاً، وجاءني زيد أَوَّلَ من مجيئك، كما تقول: أسبق من مجيئك، وجئتك أَوَّلَ من أمس. وأما كونه اسماً فقولك: ما تركت أَوَّلاً ولا آخرًا كما تقول: ما تركت له قديماً ولا حديثاً، وعلى أي الوجهين سميت به رجلاً انصرف في النكره، لأنه في باب الأسماء بمنزلة (أَفْكَل)، وفي باب النعوت بمنزلة (أَحْمَر) [["المقتضب" 3/ 340، "التهذيب" (أول) 1/ 232، "اللسان" (وأل) 8/ 4748. قال محمد عضيمة في حاشية "المقتضب": (والخلاصة أن أول لها استعمالات ثلاثة: - تكون أفعل تفضيل ذكرت معها (من) أو حذفت، على أن تقدرها في الكلام فتمنع من الصرف. - وتكون اسمًا منصرفًا وذلك عند حذف (من) وعدم تقديرها. - وتكون ظرفًا منصوبًا أو مبنيا على الضم كالغايات. "المقتضب" 3/ 34.]]. قال الفراء: ووحد الكافر، وقبله جمع، وذلك من كلام العرب فصيح جائز، إذا جاء في الاسم المشتق من الفعل كالفاعل والمفعول به، يريدون [[في "المعاني": (يراد به) 1/ 32.]] به: ولا تكونوا أول من يكفر به، فيحذف [[في "المعاني": (فتحذف).]] (من) ويقوم الاسم المشتق من الفعل مقامها [[في "المعاني": (ويقوم الفعل مقامها).]]، فيؤدي عن مثل ما أدت (من) عنه من التأنيث والجمع، وهو في لفظ توحيد، ولا يجوز في مثله من الكلام: (أنتم أَفْضَلُ رجل)، ولا (أنتما خير رجل)؛ لأن الرجل يثني ويجمع ويفرد، فيعرف واحده من جمعه، واسم الفاعل قد يكون لـ (من) فيؤدي عنه [[عبارة الفراء في "المعاني": (و (القائم) قد يكون لشيء، ولـ (من) فيؤدي عنهما وهو موحد) 1/ 33.]]، وهو موحد، ألا ترى أنك تقول: الجيش [مقبل، والجند منهزم، فتوحد الفعل لتوحيده، فإذا صرت إلى الأسماء قلت: الجيش] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]] رجال، والجند رجال. وقد قال الشاعر: وإِذَا هُمُ [[في (ب): (وهو اطعموا).]] طَعِمُوا فَأَلْأمُ طَاعِمٍ ... وَإِذَا هُمُ [[في (ب): (هموا).]] جَاعُوا فَشَرُّ جِيَاعِ [["معاني القرآن" للفراء 1/ 33، وورد البيت مع بيتين قبله في (نوادر أبي زيد)، وقال: قال رجل جاهلي، ص 434، وذكره الطبري 1/ 252، وابن عطية 1/ 270، "الدر المصون" 1/ 318.]] فجمعه وتوحيده جائز حسن [["معاني القرآن" للفراء 1/ 33، وانظر "تفسير الطبري" 1/ 252، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 168، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 92، "تفسير ابن عطية" 1/ 670.]]. وقال البصريون في هذا: معناه: ولا تكونوا أول فريق كافر، أو أول حزب، أو أول قبيل كافر، ثم حذف المنعوت، وأقيم نعته مقامه، [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 29، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 168، "المشكل" لمكي 1/ 43، "تفسير ابن عطية" 1/ 199، "البحر المحيط" 1/ 177، == وقال ابن عطية: (وسيبويه يرى أنها نكرة مختصرة من معرفة كأنه قال: (ولا تكونوا أول كافرين به) 1/ 199، ونحوه قال أبو حيان في "البحر" 1/ 177.]] وهذا قول المبرد. وقوله (به) [[في (ب): (والأظهر).]] الأظهر أن الكناية عائدة [[في (ج): (عائد).]] إلى (ما) في قوله: (بما أنزلت) وهو القرآن [[ذكره الطبري في "تفسيره" ورجحه 1/ 251، والزجاج في "معاني القرآن" 1/ 92، وابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 74، "تفسير القرطبي" 1/ 283، وأبو حيان في "البحر" 1/ 178، ورجحه وضعف الأقوال الأخرى.]]. ويجوز أن يعود إلى (ما) في قوله: ﴿لِمَا مَعَكُمْ﴾ والمراد به التوراة، وذلك أنهم إذا [[(إذا) ساقط من (ب).]] كتموا أمر النبي ﷺ من كتابهم، فقد كفروا بكتابهم، كما أن من كتم آية من القرآن فقد كفر به [[ذكره الزجاج في "معاني القرآن" 1/ 92، وانظر: "تفسير ابن عطية" 1/ 269، "زاد المسير" 1/ 74، و"القرطبي" 1/ 283، و"البحر" 1/ 178، وضعفه ابن جرير، وقال: لا معنى لقول من زعم أن العائد من الذكر في (به) على (ما) التي في قوله: (لما معكم) لأن ذلك، وإن كان محتملاً ظاهر الكلام، فإنه بعيد، مما يدل عليه ظاهر التلاوة والتنزيل ... إلخ. "تفسير الطبري" 1/ 251.]]. وإذا قلنا: الكناية تعود إلى القرآن، كان المعنى: ولا تكونوا أول كافر بالقرآن من أهل الكتاب لأن قريشاً كفرت قبلهم بمكة [[انظر: "تفسير الطبري" 1/ 252، و"تفسير أبي الليث" 1/ 1114، و"تفسير ابن عطية" 1/ 269، و"تفسير البغوي" 1/ 87، و"تفسير القرطبي" 1/ 283، "البحر المحيط" 1/ 177، "تفسير ابن كثير" 1/ 89.]] وحكي عن أبي العالية أنه قال: الكناية تعود إلى محمد - صلى الله عليه وسلم [[ذكره الطبري في "تفسيره" 1/ 252، "تفسير أبي الليث" 1/ 114، وتفسير ابن عطية في "تفسيره" 1/ 271، و"تفسير القرطبي" 1/ 283، وكذا أبو حيان في "البحر المحيط" 1/ 178.]]. وإنما قيل لهم: ﴿وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾ لأن الخطاب لعلماء اليهود، فإذا كفروا كفر معهم الأتباع [["معاني القرآن" للزجاج 1/ 92، وانظر: "تفسير أبي الليث" 1/ 114، و"تفسير الثعلبي" 1/ 68 أ، و"تفسير البغوي" 1/ 87.]]. فإن قيل: ما في [[في (ج): (ما في قوله: وأن تكونوا) ولعله أولى.]] (أن تكونوا أول كافر به) من العظم، على ثان كافر؟ قيل: إنهم إذا كانوا أئمة في الضلالة كانت ضلالتهم أعظم [[انظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 68 أ، و"تفسير البغوي" 1/ 87، "زاد المسير" 1/ 47، و"تفسير الرازي" 1/ 42، "البحر المحيط" 1/ 178.]]. قال الزجاج: اللغة القُدمى فتح الكاف من (كافر) والإمالة في الكاف -أيضا- جيد [[قال ابن الجزري في "النشر": (انفرد صاحب المبهج عن أبي عثمان الضرير عن الدوري بإمالة (أول كافر به) فخالف سائر الرواة ..) "النشر" 2/ 66. وقال عبد الفتاح القاضي: (لا إمالة لأحد في ﴿أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾ "البدور الزاهرة في القراءات العشر المتواترة" ص 31.]]، لأن (فاعلاً) إذا سلم من حروف الإطباق، والحروف المستعلية كانت الإمالة فيه سائغة إلا في لغة أهل الحجاز، والإمالة لغة تميم [[انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 168.]]، وحروف الإطباق (الطاء والظاء والصاد الضاد) فلا تجوز الإمالة [[في (ب): (الا في).]] في ظالم وطالب وضابط وصابر، وحروف الاستعلاء (الخاء، والغين، والقاف) [[ذكر سيبويه حروف الاستعلاء سبعة حروف هي المذكورة هنا، وأربعة منها فيها مع استعلائها إطباق، و (الخاء)، و (الغين)، و (القاف) لا إطباق فيها مع أستعلائها، "الكتاب" 4/ 128، "سر صناعة الأعراب" 1/ 61، 62.]] لأنها من أعلى الحنك واللهاة، فلا تجوز الإمالة في: غافل وخادم وقاهر [["معاني القرآن" للزجاج 1/ 93، نقل الواحدي كلامه بتصرف.]]. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾. أي: ببيان صفة محمد ﷺ ونعته عرضاً يسيراً من الدنيا، وذلك أن رؤساء [[في (ج): (راسا).]] اليهود كانت لهم مآكل يصيبونها من سفلتهم وعوامهم، فخافوا إن هم بينوا صفة محمد ﷺ، وتابعوه أن تفوتهم تلك المآكل والرئاسة، فاختاروا الدنيا على الآخرة [["تفسير الثعلبي" 1/ 68 أ، ونحوه ذكر الطبري 1/ 253، وأبو الليث 1/ 114. قال ابن كثير 1/ 89: (يقول: لا تعتاضوا عن الإيمان بآياتي وتصديق رسولي بالدنيا وشهواتها فإنها قليلة فانية ..)، وقد ذكر ابن عطية أقوالا في الثمن الذي نهوا أن يشتروه بالآيات، 1/ 171 - 172، وكذا أبو حيان في "البحر" 1/ 178.]]. قال أبو علي: المعنى [[(المعنى) ساقط من (ب).]] (ذا ثمن) فهو من باب حذف المضاف، لأنه إنما يشتري ما هو ذو ثمن لا الثمن [[قال الفراء: (وكل ما كان في القرآن من هذا قد نصب فيه الثمن وأدخلت الباء في المبيوع أو المشترى، فإن ذلك أكثر ما يأتي في الشيئين ولا يكونان ثمنا معلوما مثل الدنانير والدراهم .. فإن جئت إلى (الدراهم والدنانير وضعت الباء في الثمن ..) "معاني القرآن" 1/ 30، ومعنى كلامه: أنه إذا لم يكن دنانير ولا دراهم في البيع صح أن يكون كل واحد من المبذول ثمنا ومثمنا، انظر: "البحر" 1/ 178، "الدر المصون" 1/ 319.]]. ويجوز أن يكون معنى الاشتراء الاستبدال، فيكون المعنى: ولا تستبدلوا بآياتي ثمنا قليلا فيستغنى عن تقدير المضاف [[انظر: "البحر" 1/ 178، "الدر المصون" 1/ 319.]]. و (القليل) نقيض [[في "اللسان": (القلة خلاف الكثرة) "اللسان" (قل) 6/ 3726.]] الكثير، قَلَّ الشيء يَقِلُّ قِلَّة [[انظر: "تهذيب اللغة" (قلل) 3/ 3036، "اللسان" (قل) 6/ 3726.]]. ﴿وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾ فاخشون في أمر محمد، لا ما يفوتكم من الرئاسة [[الثعلبي في "تفسيره" 1/ 68 أ، ونحوه عند أبي الليث في "تفسيره" 1/ 114، وقال ابن جرير: (فاتقون) في بيعكم آياتي بالخسيس من الثمن وشرائكم بها القليل من العرض، وكفركم بما أنزلت على رسولي وجحودكم نبوة نبيّ أن أحل بكم ما أحللت بأسلافكم ..) 1/ 254، وانظر: "تفسيرابن كثير" 1/ 89.]].

البقرة 2:42

قوله تعالى: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾ الآية. يقال: لَبَسْتُ الأمر أَلْبِسُه لَبْساً، إذا خلطته وشبهته [[انظر: "تهذيب اللغة" (لبس) 4/ 3228، "اللسان" (لبس) 7/ 3986.]]. وقال ابن دريد: لَبَسْتُ الأمر ولَبَّستُه، إذا عميتُه، ومنه ﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ [الأنعام: 9]، ويقال: في أمره لُبْسَة أي ليس بواضح [[(الجمهرة) 1/ 289.]]. قال ابن السكيت يقال (في أمره لَبْسٌ، أي: اختلاط) [["إصلاح المنطق" ص 11، وانظر: "تهذيب اللغة" (لبس) 4/ 3228، والنص من "التهذيب".]]. و (اللباس) ما واريت به جسدك. هذا هو الأصل في اللباس [[انظر: "تهذيب اللغة" (لبس) 4/ 3228، "مجمل اللغة" (لبس) 3/ 801، "اللسان" (لبس) 7/ 3986.]]، ثم يقال: لَبِسْتُ فلاناً، أي استمتعت به [[في "التهذيب": لَبِسْت امرأة: أي: تمتعت بها زمانا، ولَبِسْت قوما، أي: تمليت بهم دهرا. (لبس) 4/ 3228.]]. قال: وَحُقَّة مِسْكٍ مِنْ نَسَاءٍ لَبِسْتُها ... شَبَابِي وَكَأسٍ بَاكَرَتْنِي شَمُولُهَا [[البيت لعبد الله بن عجلان النهدي في "الحماسة بشرح المرزوقي" 3/ 1259، "الكامل" 2/ 292.]] وفي فلان مَلْبَس، إذا كان فيه مستمتع [[في (ب): (مستمع). انظر: "المجمل" "لبس" 3/ 808، "مقاييس اللغة" (لبس) 5/ 230، "اللسان" (لبس) 7/ 3986.]]. قال امرؤ القيس: أَلَا إن بَعْدَ الفَقِرْ لِلْمَرْءِ قِنْوَةً ... وَبَعْدَ المشِيبِ طُولَ عُمْرٍ وَمَلْبَسَا [[يقول بعد الشدة رخاء، وبعد الشيب عمر ومستمتع، وهذا مثل ضربه لنفسه، و (الْقِنْيِة: ما اقتنيت من شىِء فاتخذته أصل مال. والْمَلْبَس: المستمتع والمنتفع، وفي "الديوان" وأكثر المصادر (بعد العدم) بدل (الفقر)، انظر: "ديوان امرئ القيس" ص 87، "تهذيب اللغة" (لبس) 4/ 3229، "مجمل اللغة" 3/ 801، "مقاييس اللغة" 5/ 230، "اللسان" 7/ 3987، و"القرطبي" 1/ 290.]] و (الباطل) الذاهب الزائل، يقال: بطل الشيء يبطل بُطُولًا وبُطْلَانًا، و (البُطْل) - أيضًا مثل الباطل، وأبطل الشيء جعله باطلا، وأبطل فلان جاء بالكذب وادعى باطلا [[انظر: "تهذيب اللغة" (بطل) 1/ 350، "اللسان" 1/ 302، و"القرطبي" 1/ 341.]]. ومعنى الآية: لا تخلطوا الحق الذي أنزلت عليكم من صفة محمد ﷺ بالباطل الذي تكتبونه بأيديكم، من تغيير صفته وتبديل نعته [["تفسير الثعلبي" 1/ 68 ب، انظر: "تفسير ابن أبي حاتم" 1/ 98، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 49، و"ابن عطية" 1/ 272، و"القرطبي" 1/ 291.]]. قال مقاتل: إن اليهود أقروا ببعض صفة محمد ﷺ وكتموا بعضا لِيُصَدَّقوا في ذلك، فقال الله عز وجل: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ﴾ الذي تُقرّون به وتبينونه ﴿بِالْبَاطِلِ﴾، يعني بما [[(بما) ساقط من (أ)، (ج)، وأثبها من (ب) لأن السياق يقتضيها، وهي ثابتة في (تفسير الثعلبي) 1/ 68 أ.]] تكتمونه، فالحق بيانهم والباطل كتمانهم [["تفسير الثعلبي" 1/ 68 أ، وذكره أبو الليث ولم يعزه لمقاتل 1/ 338. وفي الآية أقوال أخرى منها: قيل: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾ اليهودية والنصرانية بالإسلام، انظر: "تفسير الطبري" 1/ 255، و"ابن أبي حاتم" 1/ 98، و"ابن عطية" 1/ 273.]]. وقوله تعالى: ﴿وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ﴾. قال الفراء [["معاني القرآن" للفراء 1/ 33.]]: إن شئت جعلت ﴿وَتَكْتُمُوا﴾ في موضع جزم بالعطف [[قوله: (بالعطف)، أي على (تلبسوا).]]، وإن شئت جعلتها في موضع نصب [[قوله: في موضع نصب على (الصرف) وباضمار أن على رأى البصريين كما سيأتي.]] على (الصرف)، ومثله [[في (ج): (ومثله قوله)]]: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا﴾ [البقرة: 188]، وقوله تعالى: ﴿لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا﴾ [الأنفال: 27]، ومعنى (الصرف) أن تأتي [[في (أ)، (ج): (يأتي). وما في (ب) أصح في السياق وموافق لما في "معاني القرآن" 1/ 34.]] بالواو معطوفاً [[في "المعاني": (معطوفة).]] على كلام في أوله حادث لا تستقيم [[في (ب)، (ج): (لا يستقيم).]] إعادتها في المعطوف [[ذكره الطبري في "تفسيره" 1/ 255، وقد عرف أبو البركات ابن الأنباري الصرف عند الكوفيين: بأنه ما كان الثاني مخالفا لأول، ولا يحسن معه تكرار العامل الذي ورد مع الأول، "الإنصاف" 1/ 556.]]، كقوله: لَاتَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وَتَأتِيَ مِثْلَه [[صدر بيت وعجزه: عَارٌ عَلَيْكَ إِذا فَعَلْتَ عَظِيمُ وقد اختلف في نسبته، فنسبه سيبويه للأخطل، ونسبه بعضهم لأبي الأسود الدؤلي، ونسبه بعضهم إلى المتوكل الكناني، وبعضهم إلى حسان، وبعضهم إلى الطرماح بن حكيم، وإلى سابق البربري، والبيت ورد في أغلب كتب النحو. ورد في "الكتاب" 1/ 42، و"المقتضب" 2/ 25، و"معاني القرآن" للفراء 1/ 34، والطبري 1/ 255، و"الإيضاح العضدي" 1/ 314، و"الجمل" للزجاجي ص 187، و"الأزهية" ص 234، و"الرصف" ص 486، و"شرح المفصل" 7/ 24، و"الخزانة" 8/ 564، و"شرح شذور الذهب" ص 360، و"مغني اللبيب" 2/ 316، و"أدب الدنيا والدين" ص 39، و"شرح ابن عقيل" ص 233، و"أوضح المسالك" 4/ 181، وغيرها كثير.]] ألا ترى أنه لا يجوز إعادة (لا) في و (تأتي)، ولذلك سمي صرفا إذ [[في (ب): (إذا).]] كان معطوفا [[في (ج): (مطوفا).]] ولم يستقم أن يعاد فيه الحادث الذي فيما [[كذا في جميع النسخ وفي "معاني القرآن" للفراء (الحادث الذي قبله) 1/ 34.]] قبله. ومثله من الأسماء التي نصبتها العرب وهي معطوفة على مرفوع، قولهم: لو تُرِكْتَ والأسدَ لأكلك [[في (ج): (لا كان).]]، ولو خُلِّيتَ ورَأْيَك لضللت، لما لم يحسن في الثاني أن تقول [[في (أ)، (ج): (يقول وما في (ب) أولى وموافق لما في "المعاني" 1/ 34.]]: لو تركت وترك [[في (ج): (ويترك).]] رأيك، تهيبوا أن يعطفوا حرفا لا يستقيم فيه ما حدث في الذي قبله، على الذي قبله، فنصبوا [[انتهى من "معاني القرآن" للفراء1/ 33، 34، بتصرف، وانظر: "تفسير الطبري" 1/ 255.]]. ومذهب البصريين أن جميع ما انتصب في هذا الباب فبإضمار (أن) كأنه قيل: لا يكن منكم لبس للحق وأن تكتموه [["معاني القرآن" للزجاج 1/ 94، وانظر تفاصيل الخلاف في هذه المسألة في "الإنصاف" ص 442، وقد ذكر قولاً ثالثاً لأبي عمر الجرمي، وهو أن (الواو) هي الناصبة بنفسها؛ لأنها خرجت عن باب العطف، وانظر: "البحر المحيط" 1/ 179.]]. وقوله: ﴿وَأَنتُم تَعْلَمُونَ﴾. أكثر المفسرين على أن المعنى: وأنتم تعلمون أنه الحق، أنه نبي مرسل قد أنزل عليكم ذكره في كتابكم، فليس بمشتبه عليكم شيء من أمره ونسبه، وعلى هذا إنما كفروا لأنهم جحدوا نبوته فلم ينفعهم علمهم [[انظر: "تفسير الطبري" 1/ 256، و"تفسير ابن كثير" 1/ 90، و"القرطبي" 1/ 291، "البحر" 1/ 180.]]. والأمة اجتمعت [[في (ب): (اجتمعت).]] على أن جاحد النبوة كافر، فإذا علموا بقلوبهم، ولم يكن لنا سبيل إلى أن نعلم أنهم علموا [[حتى ولو علمنا أنهم علموا فكفرهم كفر عناد، انظر: "تفسير القرطبي" 1/ 291.]]، وظهر منهم جحود، أجمعنا على أنهم كفار. وقال الزجاج في قوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي: تأتون لبسكم الحق وكتمانه على علم منكم وبصيرة أنكم تلبسون الحق [["معاني القرآن" للزجاج 1/ 94، وانظر: "تفسير أبي الليث" 1/ 155، "الكشاف" 1/ 277، وابن كثير في "تفسيره" 1/ 90، وقال: ويجوز أن يكون المعنى: (وأنتم تعلمون ما في ذلك من الضرر العظيم على الناس، من إضلالهم عن الهدى المفضي بهم إلى النار).]].

البقرة 2:43

قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾. الزكاة [[(الزكاة) ساقط من (ب)، (ج).]]: تطهير للمال وإصلاح له، وتثمير ونماء، كل ذلك قد قيل [[انظر: "تهذيب اللغة" (زكا) 2/ 1542، و"تفسير الطبري" 1/ 257، "اللسان" (زكا) 3/ 1849.]]. والأظهر أن أصلها من الزيادة، يقال: زكا الزرع يزكو زكاء، ممدود وكل شيء يزداد فهو يزكو زكاء [["تهذيب اللغة" (زكا) 2/ 1542، وانظر: "الزاهر" 2/ 187.]]. قال النابغة [[هو نابغة بني شيبان، انظر: "الزاهر" 2/ 187.]]: وَمَا أَخَّرْتَ مِنْ دُنْيَاكَ نَقْصٌ ... وَإِن قَدَّمْتَ عَادَ [[في (ج): (كان اعاد).]] لَكَ الزَّكاءُ [[ورد البيت في "الزاهر" 2/ 187، "شمس العلوم" 2/ 223.]] أراد بالزكاء الزيادة، وهو حرف ممدود، فإذا قصر فقيل: (زكا) فمعناه الزوج [["الزاهر" 2/ 187، وانظر: "تهذيب اللغة" (زكا) 2/ 1543.]]. والعرب تقول للفرد: خسا، وللزوجين [[في (ب): (للزوج).]] اثنين: زكا، قيل لهما: زكا، لأن الاثنين أكثر [[في "تهذيب اللغة" (زكا) 2/ 1542.]] من الواحد [["تهذيب اللغة" (زكا) 2/ 1542، وانظر: "تفسير الطبري" 1/ 257، "اللسان" (زكا) 3/ 1849.]]، قال الشاعر: إِذا نَحْنُ في تِعْدَادِ خَصْلِكَ لَمْ نَقُلْ ... خَسَا وَزَكا أَعْيَيْن مِنَّا المُعَدِّدَا [[في (ب): (المعواد). ورد البيت في "الزاهر" 2/ 187، وفي شعر الكميت جمع دواد سلوم 1/ 162، وفيه: (إذا نحن في تكرار وصفك ...).]] و (الزكاة): الصلاح [["تهذيب اللغة" (زكا) 2/ 1542.]]، وأصله أيضا من زيادة الخير، يقال: رجل زَكِيٌّ أي زائد الخير [[في (أ): (الخبر) وما في (ب)، (ج) هو الصواب.]] من قوم أزكياء، وَزكَّى القاضي الشهود إذا بين زيادتهم في الخير، وسمي ما يخرجه من المال للمساكين بإيجاب الشرع زكاة، لأنها تزيد في المال الذي تخرج منه وتوفره وتقيه الآفات [[(الآفات) ساقط من (ب). انظر (الزاهر) 2/ 187، وانظر الطبري 1/ 257.]]. وقوله تعالى: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾. أصل الركوع في اللغة الانحناء، وكل شيء ينكب لوجهه وتمس ركبته الأرض أو لا تمسها بعد أن يخفض [[في (ج): (ينخفض).]] رأسه فهو راكع، ويقال للشيخ إذا انحنى [[في (ب): (حنا).]] من الكبر: قد ركع [[انظر: "تهذيب اللغة" (ركع) 1/ 1462، "الزاهر" 1/ 140، "مقاييس اللغة" (ركع) 2/ 434، "اللسان" (ركع) 3/ 1719.]]. قال لبيد: أَدِبُّ كَأَني كُلَّماَ قُمْتُ رَاكِعُ [[عجز بيت صدره: أُخَبِّرُ أَخْبَارَ القُرُونِ التِي مَضَتْ ورد في "الزاهر" 1/ 140، "تهذيب اللغة" (ركع) 1/ 1462، و"تفسير الثعلبي" 1/ 68 ب، "المجمل" (ركع) 2/ 397، "مقاييس اللغة" 2/ 435، و"تفسير ابن عطية" 1/ 275، و"القرطبي" 1/ 293، "ديوان لبيد" مع شرحه ص 171.]] فالراكع: المنحني في قول لبيد. وقال [[في (ج): (وقا).]] آخر: وَلَكِنِّي أَنُصُّ العِيَس تَدمَى ... أَظلتها [[في (ج): (اضلعها).]] وَترْكَعُ بِالْحُزُون [[البيت للطرماح، ويروى: وَلَكِنيِّ أَسِيرُ العَنْسَ يَدْمَى ... أَظَلاَّها ................ العيس: الإبل، الأَظَل: باطن مَنْسم الناقة والبعير، ويدمى أظلاها من شدة السير، الحزون: جمع حزن، ما غلظ من الأرض في ارتفاع وخشونة، فهي تعثر وتقع في الحزون: فقال: تركع على التشبيه، انظر: "العين" 1/ 227، "الأضداد" لابن الأنباري ص 296، "ديوان الطرماح" ص 532.]] أي تنكب لوجوهها. قال المفسرون: معناه [[(معناه) سقط من (ب).]]، وصلوا مع المصلين محمد وأصحابه، فعبر بالركوع عن جميع الصلاة،، إذ كان ركناً من أركانها، كما عبر باليد عن الجسد [[ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 68، انظر: "تفسير أبي الليث" 1/ 115، و"ابن عطية" 1/ 274، و"البغوي" 1/ 88، "زاد المسير" 1/ 75، و"القرطبي" 1/ 293.]] في قوله ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ﴾ [الحج: 10]. وقيل: إنما عبر بالركوع عن الصلاة، لأنه أول ما يشاهد مما يدل على أن الإنسان في صلاة، وإنما قال: (واركعوا) بعد قوله: (وأقيموا الصلاة) وكان الركوع داخلا في الصلاة، لأنه أراد الحث على إقامة الصلاة جماعة [[انظر: "تفسير ابن عطية" 1/ 275، و"الكشاف" 1/ 277، و"تفسير البغوي" 1/ 88]]. وقيل: لأنه لم يكن في دين اليهود ولا في صلاتهم ركوع، فذكر ما اختص بشريعة الإسلام، والآية خطاب لليهود [[انظر: "تفسير ابن عطية" 1/ 274 - 275، "الكشاف" 1/ 277، و"تفسير البغوي" 1/ 88، "زاد المسير" 1/ 75، و"تفسير القرطبي" 1/ 293. وفسر الطبري الركوع: بالخضوع لله بالطاعة فهو أمر لبني إسرائيل بالخضوع لله بالطاعة 1/ 257، وذكر نحوه الزمخشري 1/ 277.]].

البقرة 2:44

قوله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ الآية. قال أبو عبيد [[في (ب): (أبو عبيدة). والصحيح: أبو عبيد، انظر: "غريب الحديث" 1/ 155.]]: أصل الصبر الحبس، وكل من حبس شيئا فقد صبره، ومنه الحديث في رجل أمسك رجلا وقتله آخر، فقال: (اقتلوا القاتل، واصبروا الصابر) [[الحديث ذكره أبو عبيد في "غريب الحديث" بدون سند، وفي الهامش قال المحقق: زاد في (ر). قال سمعت عبد الله بن المبارك يحدثه عن إسماعيل بن أميه يرفعه. "غريب الحديث" 1/ 155، وذكره الثعلبي 1/ 69 أ، والأزهري في "تهذيب اللغة" عن أبي عبيد 2/ 1972، وهو في "الفائق" 2/ 276، "النهاية في غريب الحديث" 3/ 8، "غريب الحديث" لابن الجوزي 1/ 578، وذكره في "كنز العمال" عن أبي عبيدة عن إسماعيل بن أمية مرسلا، 15/ 10.]] أي: احبسوا الذي حبسه حتى يموت، ومنه قيل للرجل يُقدَّم فتضرب [[في (ج): (فيضرب) وكذا في "الغريب" لأبي عبيد.]] عنقه: قُتل صبراً، يعني أنه أُمسِكَ على الموت، وكذلك لو حبسَ رجل [[في (ب): (رجلا).]] نفسه على شيء يريده قال: صبرتُ نفسي. قال عنترة: فَصَبَرْتُ عَارِفَةً لِذَلِكَ حُرَّةً ... تَرْسُو إذَا نَفْسُ الجَبَانِ تَطَلَّعُ [[يقول: صبرت عارفة: أي حبست نفسًا عارفة لذلك، أي نفسه، والعارفة الصابرة، ترسو: أي تثبت وتستقر، تطلع: تطلع نفس الجبان إلى حلقه من الفزع والخوف، البيت في "غريب الحديث" لأبي عبيد 1/ 155، "تهذيب اللغة" (صبر) 2/ 1972، "مقاييس اللغة" (صبر) 3/ 329، و"تفسير الثعلبي" 1/ 69 أ، "اللسان" (صبر) 4/ 2391، و (عرف) 5/ 2899، و"تفسير القرطبي" 1/ 317، "فتح القدير" 1/ 124، "ديوان عنترة" ص 264.]] ومن هذا (يمين الصبر) وهو أن يحبس على اليمين حتى حلف بها [[انتهى كلام أبي عبيد، "غريب الحديث" 1/ 155، "تهذيب اللغة" (صبر) 2/ 1972.]]. ومعنى الآية: استعينوا بالصبر على أداء الفرائض واجتناب المحارم واحتمال الأذى وجهاد العدو وعلى المصائب والصلاة [[قال الثعلبي: واستعينوا على ما يستقبلكم من أنواع البلايا، وقيل: على طلب الآخرة بالصبر على أداء الفرائض ، وبالصلاة على تحميص الذنوب "تفسير الثعلبى" 1/ 68 ب، وعند الطبري الاستعانة تكون بالصبر والصلاة، 1/ 259، وانظر: "معانى القرآن" للزجاج 1/ 95، "تفسير ابن عطية" 1/ 276، و"البغوي" 1/ 89، "زاد المسير" 1/ 75، و"ابن كثير" 1/ 92 - 93.]]، لأنها تنهى عن الفحشاء والمنكر. وقال مجاهد: الصبر في هذه الآية الصوم، ويقال لشهر رمضان شهر الصبر، وللصائم صابر [[انظر: "تفسير الطبري" 1/ 259، "غريب القرآن" لابن قتيبة ص 38، "تفسير الثعلبي" 1/ 69 أ، و" تفسير ابن عطية" 1/ 277، و"تفسير البغوي" 1/ 89، و"تفسير ابن كثير" 1/ 92.]]. وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ﴾. قال الحسن والضحاك: ثقيلة [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 1/ 261، عن الضحاك في "تفسيره" 1/ 261، وذكره ابن الجوزى عن الحسن والضحاك، "زاد المسير" 1/ 76، وانظر: "تفسير ابن عطية" 1/ 278، "تفسير القرطبي" 1/ 318.]]. والأصل في ذلك أن ما يكبر [[في (أ) ، (ج): (ماما يكبر) وأثبت ما في (ب) ، لأنه هو الصواب.]] يثقل على الإنسان حمله. فقيل لكل ما يصعب على النفس -وإن لم يكن من جهة الحمل-: يكبر عليها، كقوله: ﴿كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾ [الشورى: 13]. وقوله: (وإنها) ولم يقل: (وإنهما) بعد ذكر الصبر والصلاة، لأنه كنى عن الأغلب والأفضل والأهم [[في (ج): (الأعم).]]، وهو الصلاة، كقوله: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا} [التوبة: 34] [[في الآية رد الكناية إلى الفضة، لأنها أعم وأغلب. "تفسير الثعلبي" 1/ 69 أ.]]، وقال: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ [الجمعة: 11]، هذا قول المُؤَرِّج [[كلام المؤرج أورده الثعلبي في "تفسيره" 1/ 69/ أ. المؤرج هو أبو فَيْد مؤرِّج بن عمرو بن الحارث بن ثور السدوسي النحوي البصري، أخذ عن الخليل، توفي سنة خمس وتسعين ومائة، انظر ترجمته في: "طبقات النحويين واللغويين" للزبيدي ص 75، "تاريخ بغداد" 13/ 258، "وفيات الأعيان" 5/ 304، "إنباه الرواة" 3/ 327.]]. وقال الأخفش [["معاني القرآن" للأخفش 1/ 252، "تفسير الثعلبي" 1/ 69 أ.]]: الكناية راجعة إلى كل واحد منهما، أراد وإن كل خصلة منها لكبيرة، كقوله: ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً﴾ [المؤمنون: 50]، أراد كل واحد منهما قال الشاعر [[هو الأضبط بن قريع السعدي.]]: والْمُسْيُ والصُّبْحُ [[في (ج): (الصباح).]] لاَ فَلَاحَ مَعَهْ [[سبق البيت وتخريجه في تفسير قوله تعالى: ﴿هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [البقرة:5] ص 84، والشاهد قوله: (معه) والمراد: "معهما".]] وقيل: رد الهاء إلى الصلاة، لأن الصبر داخل في الصلاة، كقوله: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: 62]، لأن رضى الرسول داخل في رضى الله تعالى [[فلم يقل (يرضوهما) الثعلبي 1/ 69 أ.]]. وقال حسان: إِنَ شَرْخَ الشَّبَابِ والشَّعْرِ الأَسْـ ... ـوَدِ ما لم يُعَاصَ كَانَ جُنُونَا [[قوله: شرخ الشباب: أوله، ما لم يعاص: أي ما لم يُعْصْ. ورد البيت في "تفسير الثعلبي" 1/ 69 ب، "تهذيب اللغة" (شرح) 2/ 1851، "تأويل المشكل" ص 288، "مجاز القرآن" 1/ 258، "اللسان" (شرخ) 4/ 2229،== "مقاييس اللغة" 3/ 269، "تفسير القرطبي" 1/ 319، "فتح القدير" 1/ 124، "البحر" 1/ 185، "الدر المصون" 1/ 331، "ديوان حسان" ص252.]] ولم يقل: يعاصيا، لأن الشَّعر الأسود داخل في الشباب [[انظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 69 أ، ب، "تأويل مشكل القرآن" ص 288، "البيان في غريب إعراب القرآن" 1/ 79، و"القرطبي" 1/ 319، "البحر" 1/ 185، "الدر المصون" 1/ 330.]]. وقال الحسين بن الفضل: رد الكناية إلى الاستعانة، لأن (استعينوا) يدل على المصدر [["تفسير الثعلبي" 1/ 69 ب، "تفسير البغوي" 1/ 89، وانظر: "البيان في غريب إعراب القرآن" 1/ 79، و"تفسير القرطبي" 1/ 319.]]. والأصل في هذا وأمثاله أن العرب تذكر شيئين، ثم تخبر عن أيهما شاءت، فتكتفي بالخبر عن أحدهما عن الثاني، لأن فيه دلالة على الثاني [[انظر: "مجاز القرآن" 1/ 39، "تأويل مشكل القرآن" ص 288، "البيان في غريب إعراب القرآن" 1/ 79.]] كقوله تعالى: ﴿فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ [البقرة: 259]، وقوله: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا﴾ [النساء: 112] وقول الشاعر: نَحْنُ بِمَا عِنْدَنَا وَأَنْتَ بِمَا ... عِنْدَكَ رَاضٍ والرَّأيُ مُخْتَلِفُ [[اختلف في نسبة هذا البيت، فنسب لقيس بن الخَطِيم، وهو في ملحقات "ديوانه" ص173، ونسبه في "الخزانة" 4/ 275، لعمرو بن امرئ القيس، وكذا في "جمهرة أشعار العرب" ص 237، ونسبه في "الإنصاف" ص 85 إلى درهم بن زيد الأنصاري، وورد البيت في "الكتاب" 1/ 75، "مجاز القرآن" 1/ 39، "شرح أبيات سيبويه" لابن السيرافي 1/ 279، "المقتضب" 3/ 112، "تهذيب اللغة" == 3/ 3003، "اللسان" (فجر) 6/ 3351، و (قعد) 6/ 3686، "مغنى اللبيب" 2/ 622، "الهمع" 5/ 140، (معاهد التنصيص) 1/ 189، "تفسير القرطبي" 8/ 127، "شرح ابن عقيل" 1/ 244.]]

البقرة 2:45

وقوله تعالى: ﴿إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾. أصل الخشوع في اللغة: السكون [[انظر "تهذيب اللغة" (خشع) 1/ 1034، قال ابن فارس "الخاء والشين والعين" أصل واحد يدل على التطامن ... وهو قريب من الخضوع) 2/ 128. ونحوه قال الطبري: (أصل الخشوع: التواضع والتذلل والاستكانة) "تفسير الطبري" 1/ 261.]]، قال الله تعالى ﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ﴾ [طه: 108]، أي سكنت، ويقال: جدار خاشع، إذا تداعى واستوى مع الأرض [["تهذيب اللغة" (خشع) 1/ 1034.]]. قال النابغة: وَنُؤْيٌ كَجِذْمِ الحَوْضِ أَثْلَمُ خَاشِعُ [[من قصيدة للنابغة الذيباني يمدح النعمان وصدره: رَماَدٌ كَكُحِل العين لَأْياً أُبِينُه يقول من الآيات التي عرف بها الدار (رماد ككحل العين، لَاْياً أبينه (أي بصعوبة بطء أتبينه، و (النُّؤْيُّ): حاجز حول البيت لئلا يدخله الماء، و (الْجِذْم): أصل الشيء (أثلم): تثلم: تهدم، و (الخاشع): المطمئن اللاصق بالأرض، ورد البيت في "تفسير الثعلبي" 1/ 69 ب، "التهذيب" (خشع) 1/ 1034، "اللسان" (خشع) 2/ 1166، والقرطبي 1/ 320، "ديوان النابغة" ص 53.]] ومنه الحديث (كانت الكعبة خُشعة على الماء) [[أخرجه الأزرقي في "أخبار مكة" بسنده عن عطاء عن ابن عباس، في رواية طويلة عن خلق الأرض وفيها (.. فبعث الله ريحًا هفافة فصفقت الماء فأبرز خشفة في موضع هذا البيت ..) قال المحقق: (حشفة) في جميع الأصول "الأعلام"، ورواها ابن ظهيرة عن عمر بن شبة (خشعة) "أخبار مكة" 1/ 32. أخرجه الخطابي من طريق الأزرقي بنحوه، "غريب الحديث" 2/ 496، وذكره الأزهري في "تهذيب اللغة" 1/ 1034، وابن الأثير في "النهاية في غريب الحديث" 2/ 35.]] أي: ساكنة، وهذا أصله في اللغة. ثم استعمل في أشياء تعود [[في (ج): (يعود).]] إلى هذا الأصل، فقيل: خشعت الأرض، إذا لم تمطر، فلم تهتز [[في (ب): (فتهتز).]] بالنبات، قال الله تعالى: ﴿تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ﴾ [[وقد ورد سياق الآية في (أ)، (ج) (وترى) وهو تصحيف في الآية، وفي "تهذيب اللغة" وردت آية الحج: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ [الحج: 5] انظر: "تهذيب اللغة" 1/ 1034، والواحدي نقل كلام عنه.]] [فصلت: 39]. وخشع السنام، إذا ذهب شحمه وتطأطأ شرفه. وخشعت الأبصار، إذا سكنت ونظرت في الأرض من غير التفات. وقيل: للمطيع [[في (ج): (للماصع).]] المخبت: خاشع، لسكونه إلى الطاعة [["تهذيب اللغة" (خشع) 1/ 1034، وانظر: "مقاييس اللغة" (خشع) 2/ 182، "اللسان" (خشع) 2/ 1166.]]. قال المفسرون وأصحاب المعاني: إن [[(إن) ساقطة من (ب).]] جميع العبادات داخلة تحت قوله: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ﴾ لأنه أراد الصبر عليها [[أكثر المفسرين على أن المراد الاستعانة بالصلاة مع الصبر، لا الاستعانة بالصبر عليها، وقد تقدم الكلام على ذلك، وانظر: "تفسير الطبري" 1/ 260، "تفسير ابن عطية" 1/ 278، "الكشاف" 1/ 277، و"القرطبي" 1/ 317.]]، ولكن خصت الصلاة بالذكر تخصيصا وتفضيلا [[خصت الصلاة بالاستعانة بها من بين سائر العبادات لفضلها ولما يتلى فيها، انظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 95، و"القرطبي" 1/ 317.]]، كقوله: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ [الرحمن: 68]، وقوله ﴿وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البقرة: 98]. وعلى قول من يقول: الصبر هو الصوم [[هو قول مجاهد كما سبق.]]، فإنما خص الصوم والصلاة، لأن القوم إنما كان يمنعهم عن الإسلام الشره وخوف ذهاب مأكلتهم [[في (ب): (مآكلهم) ولعله أولى.]] وحب الرئاسة وخوف زوالها، فأمروا بالصوم الذي يذهب الشره [[في (ج): (الشر).]]، وبالصلاة التي تورث الخشوع وتنفي الكبر والشرف [[(الشرف) كذا جاءت في جميع النسخ ولعل المراد حب الرئاسة والشرف المذموم. انظر "معاني القرآن" للزجاج 1/ 65، "تفسير ابن عطية" 1/ 278، "زاد المسير" 1/ 75، و"تفسير الرازي" 3/ 49.]]. وأريد بالصلاة الصلاة التي معها الإيمان بحمد ﷺ لأنها كانت تكبر [[في (أ): (تكفر) وما في (ب، ج) هو المثبت وهو الصواب.]] على [[في (ب): (عن).]] الكفار [["معاني القرآن" للزجاج 1/ 95.]]. وعند أكثر أهل العلم أن الآية خطاب لأهل الكتاب [[انظر: "الطبري" 1/ 261، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 95، "زاد المسير" 1/ 75، "تفسير الرازي" 3/ 48، "تفسير الخازن" 1/ 118، و"ابن كثير" 1/ 93.]]، وهو مع ذلك أدب لجميع العباد [[قال ابن كثير: (الظاهر أن الآية وإن كانت خطابا في سياق إنذار بني إسرائيل فإنهم لم يقصدوا بها على سبيل التخصيص، وإنما هي عامة لهم ولغيرهم) 1/ 93.]]. وقال بعضهم: يرجع هذا القول إلى خطاب المسلمين فأمروا أن يستعينوا على ما يطلبونه من رضا الله وثوابه ونيل [[في (ج): (قبل).]] جنته بالصبر على أداء فرائضه، والقول الأول أظهر [[انظر: "تفسير الرازي" 3/ 48، و"تفسير الخازن" 1/ 118، "البحر" 1/ 185.]].

البقرة 2:46

وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾ الآية. أبو عبيد [[في (ب): (أبو عبيدة).]] عن أبي عبيدة قال: (الظن) يقين وشك [["مجاز القرآن" 1/ 39، "التهذيب" (ظن) 3/ 2253، "الأضداد" لابن الأنباري ص14، والأصمعي ص 34، والسجستاني ص 77، وابن السكيت ص 188، والصغاني ص 238 (ضمن ثلاثة كتب في الأضداد).]]، وأنشد: ظَنِّي بِهِمْ كَعَسَى وَهُمْ بِتَنوُفَةٍ ... يَتَنَازَعُونَ جَوَانِبَ الأَمْيَالِ [[يروى البيت (ظن) و (ظنوا) بدل (ظني) وفي "الجمهرة": (عهدي بهم) في موضع: (ظني بهم) وفي عدد من المصادر "جوائز الأمثال" وفي "الجمهرة" (جوائب) ويروى (سوائر). ولم أجد رواية (جوانب الأميال) والتنوفة: الفلاة، يتنازعون، يتجاذبون، جوائز الأمثال: (الأمثال السائرة) في البلاد، وبمعناه: (جوائب الأمثال) من جاب يجوب. ورد البيت في "الأضداد" لابن الأنباري ص 23، "الأضداد" للأصمعي ص 35، والسجستاني ص 95، وابن السكيت ص 188، "تهذيب اللغة" (ظن) 3/ 2253، "اللسان" 2/ 724 (جوز)، و5/ 2762 (ظن)، و5/ 2950 (عسا)، "الجمهرة" 1/ 154، 2/ 935، "الخزانة" 9/ 333.]] البيت لابن مقبل، وفسر الظن فيه بالوجهين، فقال: أبو عبيدة يقول: اليقين فيهم كعسى، وعسى شك [["تهذيب اللغة" (ظن) 3/ 2253.]]. وقال شمر عن أبي عمرو الشيباني: معناه ما يظن بهم من الخير فهو واجب، وعسى من الله واجب [["تهذيب اللغة" (ظن) 3/ 2253، وانظر: "الأضداد" لابن السكيت ص 188، "الخزانة" 9/ 313.]]. والعرب تقول لليقين: ظن، وللشك: ظن [[قوله: (وللشك ظن) ساقط من (ب).]]، لأن في الظن طرفا [[في (ج): (طرف).]] من اليقين [[انظر: "تفسير الطبري" 1/ 262.]]. قال الله تعالى: ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (20)﴾ [الحاقة: 20]، وقال: ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا﴾ [الكهف: 53]، وقال [[في (أ)، (ج): (وان ظنا) بسقوط (قال).]]: ﴿إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا﴾ [البقرة: 230] كل هذا بمعنى اليقين [[انظر: "تفسير الطبري" 1/ 262، "تهذيب اللغة" (ظن) 3/ 2253، "الأضداد" لابن الأنباري ص 14.]]. وقال دريد بن [[(بن) ساقط من (ج). ودريد: مصغر: أدرد واسمه معاوية بن الحارث من هوازن، كان شجاعا شاعرًا فحلًا، قتل في حنين مشركًا. انظر ترجمته في "الشعر والشعراء" ص 504، "الخزانة" 11/ 118.]] الصمة: فَقُلْتُ لَهُمْ ظُنُّوا بَأَلْفَيْ مُدَجَّجٍ ... سَرَاتُهُمُ فِي الفَارِسِيِّ المُسَرَّدِ [[ظنوا: أيقنوا، و (المدجج): التام السلاح، سَرَاتُهم: خيارهم وأشرافهم، الفارسي المسرد: الدروع. ورد البيت في "تفسير الطبري" 1/ 262. "المجاز" 1/ 40، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 96، و"تفسير الثعلبي" 1/ 69 ب، "الأصمعيات" ص 199، "الأضداد" لابن الأنباري ص 14، "الجمل" للزجاجي ص 199، "جمهرة أشعار العرب" ص211، "اللسان" (ظن) 5/ 2762، "شرح المفصل" 7/ 81، "الخزانة" 11/ 279، و"تفسير القرطبي" 1/ 321، "فتح القدير" 1/ 125، "ديوان دريد" ص 47.]] أي: أيقنوا. وحكى الزجاج عن بعض أهل اللغة: أن الظن يقع في معنى العلم [الذي لم تشاهده، وإن كان قد قام في نفسك حقيقة [["معاني القرآن" للزجاج 1/ 96. وقال: وهذا مذهب، إِلا أن أهل اللغة لم يذكروا هذا. قال أبو إسحاق: وهذا سمعته من إسماعيل بن إسحاق القاضي -رحمه الله- رواه عن زيد بن أسلم.]]. وقال أبو عباس: إذا كانت براهين العلم] [[ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، (ج)، والعبارة في (أ): (أن الظن يقع في معنى العلم أكثر من ..) وفي (ج): (يقع في معنى العلم اعتراضات العلم .... (وعدم استقامة السياق يدل على المحذوف، وما في "معاني القرآن" للزجاج يدل على ما ذكر، 1/ 96.]] أكثر من اعتراضات الشك، كان الظن يقينًا وعلمًا. وإذا كانت اعتراضات الشك أكثر من اعتراضات اليقين كان الظن كذباً. وإذا كانت اعتراضات اليقين واعتراضات الشك سواء كان ذلك ظنا، أي: كان الظن شكا [[ذكره ابن الأنباري في (الأضداد) مع اختلاف العبارة ص 16.]]. وقال الليث: الظن يكون [[في (ج): (يكو).]] اسما ومصدرا، تقول: ظننت ظنا، هذا مصدر، وتقول [[في (أ)، (ج): (يقول) مع سقوط الواو.]]: ظني به حسن، وما هذه الظنون، لما صيرته اسمًا جمعته، كقول النابغة [[هو الذبياني.]]: أَتَيتُك عَارِيًا خَلَقًا ثِيَابِي ... عَلَى خَوْفٍ تُظَنُّ بِيَ الظُّنُونُ [[ورد البيت في "الشعر والشعراء" ص 84، وفي "تهذيب اللغة" (عرا) 3/ 2373، وفيه (على عجل) بدل (خوف)، وورد الشطر الأول في "اللسان" (عرا) 5/ 298، وهو في "ديوان النابغة" ص 73، وفيه (فجئتك).]] وحدُّ الظن: الشك الذي يرجح [[في (ب): (ترحح).]] فيه أحد النقيضين على الآخر، الظن: اليقين، لأنه يقوي أحد النقيضين بعد الشك حتى يصير إلى اليقين [[انظر: "الوجوه والنظائر" لابن الجوزي ص 424.]]، وقد أفصح عن ذلك أوس بن حجر في قوله: الأَلمَعِيُّ الذِي يَظُنُ لَكَ الظَّـ ... ـنَّ كَمَنْ قَدْ رَأى وَقَدْ سَمِعَا [[البيت من قصيدة لأوس بن حجر يرثي بها فضالة بن كلدة، ويروي البيت (كأن) بدل (كمن)، وقوله: (الألمعي): المتوقد ذكاء. ورد البيت في (الخصائص) 2/ 112، "المصون في الأدب" ص 123، (عيون الأخبار) 1/ 91، "معاهد التنصيص" 1/ 128، "ديوان أوس" ص 53.]] وذكر أبو القاسم الزجاجي حقيقة [[في (ج): (وحقيقة)]] الظن في اللغة، فقال: هو اعتقاد الشيء على طريقة التقدير والحدس، فإن أصاب فيما ظن صار يقينا، وإن لم يصب كان مخطئا في تقديره، ولهذا ذكر أهل اللغة هذه اللفظة في باب الأضداد، فقالوا: الظن: يقين وشك [[انظر: "الأضداد" لابن الأنباري ص 14، "الأضداد" لقطرب ص 71، "الأضداد" للأصمعي ص 34، وللسجستاني ص 76، ولابن السكيت ص 188، (والثلاثة الأخيرة ضمن ثلاثة كتب في الأضداد) "تهذيب اللغة" (ظن) 3/ 2253، "اللسان" (ظن) 5/ 2762.]]، لأنه وضع لمعنى بالاعتبار يؤول [[في (ج): (يوو).]] إلى أحدهما، كما يقال: الظن يخطئ ويصيب، فإن أصاب الظان فيما اعتقد وقدر، عبر عن ذلك باليقين؛ وإن [[في (أ)، (ج): (فإن)، وأثبت ما في (ب) لأنه أولى في السياق]] لم يصب كان ظنه شكًّا [[انظر: "غريب الحديث" للخطابي 3/ 26، "اللسان" (ظن) 5/ 2762.]]. وسئل أبو عمرو بن العلاء عن الظن، فقال: النظر في المطلوب بضرب من الأمارة، بمعنى أن الأمارة لما كانت مترددة بين يقين وشك، فتقرب [[في (أ): (فنفرت)، وفي (ج): (فيقرب) وأثبت ما في (ب).]] تارة [[(تارة) ساقط من (ب).]] من طرف الشك وتارة من طرف اليقين صار [[قوله: (اليقين صار) ساقط من (ب).]] أهل اللغة يفسرونه بهما [[انظر: "مفردات الراغب" ص 317.]]. وقال الأخفش في قوله: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾: إنما استعمل الظن بمعنى العلم في هذا الموضع لأمرين: أحدهما: أنه تنبيه أن علم أكثر الناس بالله في الدنيا، بالإضافة إلى علمه به في الآخرة كالظن في جنب العلم. والثاني. أن العلم الحقيقي في الدنيا بأمور الآخرة لا يكاد يحصل إلا للنبيين والصديقين. (والملاقاة) و (اللقاء) يحتمل معاني العيان والاجتماع والمحاذاة، والمصير [[انظر: "مقاييس اللغة" (لقى) 5/ 261، "الفائق" 3/ 325، "مفردات الراغب" ص 453، "اللسان" (لقا) 7/ 4064.]]. كقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا﴾ [يونس: 7]، أي المصير إلينا، وقال: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ﴾ [الجمعة: 8]، أي مجتمع معكم وصائر إليكم. قال ابن عباس: يريد الذين يستيقنون أنهم مبعوثون، وأنهم محاسبون، وأنهم راجعون إلى الله سبحانه [[أورده الواحدي في "الوسيط" عن ابن عباس، ولم أجده عند غيره فيما اطلعت عليه والله أعلم، وبمعناه عن السدي وابن جريج، وانظر: "تفسير الطبري" 1/ 263، و"تفسير ابن أبي حاتم" 1/ 103.]]. و (اللقاء) و (الملاقاة) حيث ذكر في القرآن يحمله المفسرون على البعث والمصير إلى الله كقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا﴾ [يونس: 7]، وقوله: ﴿بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ﴾ [السجدة: 10]، ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا﴾ [الفرقان: 21]. ولا يمكن حمل الملاقاة في هذه الآية على المعاينة والرؤية [[قال بعض المفسرين: إن المراد بالملاقاة في الآية: الرؤية. انظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 69 ب، و"تفسير ابن عطية" 1/ 279، و"تفسير البغوي" 1/ 95، "لباب التفسير" للكرماني 1/ 227، "البحر" 1/ 186.]]، لأن أحداً لا يستيقن [[في (ج): (الاستيقان).]] أنه يرى ربه ويعاينه، بل كل واحد منا يرجو ذلك من فضل الله أن يرزقه. وقد فسر الظن هاهنا بمعنى اليقين [[وعلى هذا أكثر المفسرين، انظر: "تفسير الطبري" 1/ 263، و"تفسير ابن أبي حاتم" 1/ 103، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 96، و"تفسير الثعلبي" 1/ 69/ ب، و"تفسير ابن عطية" 1/ 279، و"تفسير ابن كثير" 1/ 93.]] فيحمل اللقاء على ما فسره ابن عباس [[أي: أن المراد به البعث والرجعة إلى الله والجزاء على ما عملوا. انظر: "تفسير أبي الليث" 1/ 116، و"ابن عطية" 1/ 279، و"البغوي" 1/ 69، و"ابن كثير" 1/ 93، "البحر" 1/ 186.]]، ورحمة الله [[لفظ الجلالة غير موجود في (ب).]]. وقال أبو علي: معنى قوله: ﴿مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾ ملاقو ثواب ربهم [[ذكر هذا التقدير بعض المفسرين كابن عطية في "تفسيره" 1/ 279، و"تفسير القرطبي" 1/ 321، وأبو حيان في "البحر" 1/ 186، وإن كانت الآية محتملة له، فالأولى عدم صرفها عن ظاهرها كما قال أبو حيان، وقد قالت المعتزلة بنفي رؤية الله تعالى في الآخرة. وقالوا: لفظ اللقاء لا يفيد الرؤية وأولوا الآية على أن المراد: ملاقو ثواب ربهم، كما قال الزمخشري في "الكشاف" 1/ 278، فإن قصد بتأويل الآية على هذا نفي الرؤية فهو مردود، انظر: "تفسير ابن عطية" 1/ 279، "تفسير الرازي" 3/ 51، "البحر" 1/ 186.]]، خلاف من وصف [[في (ب): (من وصفه). والمعنى: يقول: إن المذكورين في قوله: ﴿مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾ لهم ثواب يلقونه، أما الذين ذكرهم الله بقوله: ﴿لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا﴾ فليس لهم ثواب يلقونه.]] بقوله: ﴿لَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا﴾ [البقرة: 264]، وقوله: ﴿إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ [النور: 39]، ومثله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ﴾ [البقرة: 223]، أي: ملاَقو جزائه إن ثوابا، وإن عقابا. وأراد (ملاقون ربهم) لأنه فيما يستقبل فتثبت [[في (ب): (فيثبت).]] النون [[اسم الفاعل إذا كان بمعنى الماضي يضاف لما بعده وتحذف النون، وإذا كان بمعنى الاستقبال أو الحال فعند البصريين لا يضاف، ولهذا قالوا هنا: إن النون حذفت تخفيفا، ثم تتمكن به الإضافة، وهي إضافة غير محضة. أما عند الكوفيين فيجوز إضافته ولو كان بمعنى الاستقبال، انظر: "معاني القرآن" للأخفش 1/ 254، و"تفسير الطبري" 3/ 263، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 97، "تفسير ابن عطية" 1/ 280.]]، لأنك تقول: هو ضارب زيدا، إذا كان فيما يستقبل؛ وإذا كان قد مضى حذفت التنوين [[في (ب): (النون).]] لا غير، ويجوز حذفه أيضا وإن كان لما يستقبل، كقوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [[آل عمران: 185، والأنبياء: 35، والعنكبوت: 57.]] و ﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ﴾ [الدخان: 15] و ﴿إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ﴾ [العنكبوت: 33] نصبت [[في (ب): (نصب).]] (وأهلك) على تقدير النون [[أي على تقدير أن النون لم تحذف للإضافة، وأهلك منصوب بالعطف على الكاف في (منجوك)، وقيل: أهلك منصوب بفعل مقدر، أي وننجي أهلك، وهذا عند من جعل الكاف في موضع جرّ، انظر: "معاني القرآن" للأخفش 1/ 255، "البحر" 1/ 151.]]. وإنما كان كذلك [[قوله: وإنما كان كذلك .. الخ هذا تعليل لإضافة اسم الفاعل إذا كان بمعنى الماضي، وعدم، إضافته إذا كان بمعنى الحال والاستقبال.]] لأن الفعل الماضي لم يشابه [[في (ب): (يشابهه).]] الاسم، ولذلك [[في (ب): (كذلك).]] بني، فالاسم الذي [[أي اسم الفاعل الذي بمعنى الماضي.]] بمعناه وجب أيضًا أن لا يزال عن أصله، وأصل الأسماء أن تعمل إلا جرّاً، فبقى اسم الفاعل إذا أريد به الماضي على أصله، وإذا أريد به الحال والاستقبال حمل على المضارع لما [[في (أ)، (ج): (إلى) وأثبت ما في (ب)، لأنه الصواب.]] بينهما من الشبه، وجاز الجر به إذا أريد به الاستقبال وإن استقرت مشابهته للفعل، لأنه لم يخرج عن حكم الاسمية، لأجل [[في (ب): ولاجله.]] كونه اسما جاز أن يجر ما بعده، ولأجل ما بينه وبين المضارع من الشبه جاز أن ينصب [[هذا التعليل على مذهب الكوفيين، أما البصريون فيقولون: تحذف النون أو التنوين منه استثقالاً، وهو مراد، انظر: "تفسير الطبري" 1/ 263، و"ابن عطية" 1/ 280.]]. وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾. أي يصدقون بالبعث ولا يكذبون. ومعنى (إليه): إلى أمره وإحيائه ومسألته [[وقيل: الضمير يرجع إلى الله تعالى. انظر: "تفسير الطبري" 1/ 264، و"تفسير ابن عطية" 1/ 280، "البيان" 1/ 80، و"القرطبي" 1/ 321، "البحر" 1/ 187.]]، لأنهم لم يخرجوا عن قبضته قط، وملكته ومثله قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ [الفرقان: 45] أراد إلى أمر ربك [[قال ابن جرير: (ألم تر يا محمد كيف مد ربك الظل) 19/ 18، وقال البغوي: (ألم تر إلى مد ربك الظل) 6/ 86.]]، والمعنى في الجملة إنهم يقرون بالنشأة الثانية، فجعل رجوعهم بعد الموت إلى المحشر رجوعا إليه [[أخرج ابن جرير عن أبي العالية: قال: (يستيقنون أنهم يرجعون إليه يوم القيامة) قال ابن جرير: (وقال آخرون: أنهم إليه يرجعون بموتهم) 1/ 264، وانظر: "تفسير ابن عطية" 1/ 280، و"القرطبي" 1/ 321.]]. وقال بعض أهل العلم: معنى الرجوع هاهنا العود [[في (ب): (إلى العود).]] إلى الحال الأولى، فمعنى: ﴿وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ أنهم يرجعون إلى أن لا يكون لهم مالك سواه، يملك نفعهم وضرهم كما كانوا في بدء [[في (ب): (بدو) وقد وردت هكذا في "لباب التفسير" للكرماني 1/ 228.]] الخلق، لأنهم في أيام حياتهم قد يملك غيرهم الحكم عليهم [[انظر: "تفسير الرازي" 3/ 51، "لباب التفسير" للكرماني 1/ 228، "البحر" 1/ 187.]].

البقرة 2:47

قوله تعالى: ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾. (التفضيل) نقيض التسوية، يقال: فضله إذا أعطاه الزيادة، وفضله إذا حكم له بالزيادة في الفضل. و (التفضل) لبس المفضل من الثوب، وهو ما يتخفف به الإنسان في بيته، ورجل فُضُل متفضل [[انظر: "تهذيب اللغة" (فضل) 3/ 2801، "الصحاح" (فضل) / 1791، "اللسان" (فضل) 6/ 3429 - 3430، "مفردات الراغب" 318.]]، ومنه: ...... إِلَّا لِبْسَةَ المُتَفَضِّلِ [[جزء من بيت لامرئ القيس يقول: فَجِئْتُ وَقَدْ نَضَتْ لَنَوْمٍ ثِيَابَهَا ... لَدى السِّتْرِ إلاَّ لِبْسَةَ المُتَفَضِّلِ (نضت): نزعت، (المتفضل): اللابس ثوبًا واحدًا. البيت في "تهذيب اللغة" (نضا) 4/ 3589، "اللسان" (نضا) 7/ 4457، "أوضح المسالك" ص 105،"شرح شذور الذهب" ص 286، "الهمع" 3/ 123، 4/ 94، "الخزانة" 10/ 130، "ديوان امرئ القيس" ص 114.]] وذلك أن ذلك الثوب فضل على سائر الثياب التي تصان وتدخر. وهذا التفضيل [[انظر: "تفسير الرازي" 3/ 52، و"ابن كثير" 1/ 94.]] هو ما ذكر في قوله ﴿إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ﴾ الآية [المائدة:20]. وأراد بـ (العالمين) عالمي زمانهم [[ذكره ابن جرير عن قتادة وأبي العالية ومجاهد وابن زيد، وقال ابن جرير: أخرج مخرج العموم ويراد به الخصوص 1/ 264 - 265، وكذا قال ابن قتيبة في "غريب القرآن" ص 38، وانظر. "تفسير الثعلبي" 1/ 69 ب، وابن عطية 1/ 281، و"تفسير القرطبي" 1/ 321، "زاد المسير" 1/ 76، و"تفسير ابن كثير" 1/ 94.]]، والخطاب للموجودين منهم في ذلك الوقت والمراد به سلفهم، ولكن في تفضيل الآباء شرفا للأبناء، ولذلك قال لهم: ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [[انظر: "تفسير الطبري" 1/ 264، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 97، "تفسير ابن عطية" 1/ 281.]].

البقرة 2:48

قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي﴾ الآية. لا تجزي معناه: لا تقضي ولا يغني [[كذا في (أ)، (ج) وفي (ب) بدون إعجمام، وفي "الوسيط": (لا يقضي ولا يغني) وفي الحاشية قال: في (أ)، (ب): (لا تقضي ولا تعني) 1/ 99، وفي "تفسير الطبري": (لا تقضي ولا تغني)،1/ 266، وانظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 69 ب، "تهذيب اللغة" (جزى) 1/ 601.]]، ومنه قوله ﷺ لأبي بردة بن نِيَار [[هو أبو بُردة بن نِيَار بن عمرو الأنصاري، من حلفاء الأوس، صحابي جليل شهد العقبة وبدرا والمشاهد النبوية الأخرى، توفي سنة اثنتين وأربعين، انظر "طبقات ابن سعد" 3/ 451، "الإصابة" 4/ 18، 3/ 596، "سير أعلام النبلاء" 2/ 35.]]: (ولا تجزي عن أحد بعدك) [[قطعة من حديث في قصة أبي بردة بن نِيَار، حينما ذبح قبل صلاة العيد، فأذن له النبي ﷺ أن يضحي بالجذعة المعزى. أخرجه البخاري في عدة == مواضع، فأورده (955) كتاب (العيدين) باب (الأكل يوم النحر). و (965) باب (الخطبة بعد العيد)، و (968) باب: (التبكير إلى العيد)، و (983) باب (كلام الإمام والناس في خطبة العيد). و (5545) كتاب (الأضاحي) باب (سنة الأضحية)، و (5556) باب (قول النبي ﷺ لأبي بردة ضح بالجذع من المعز)، و (5560) باب (الذبح بعد الصلاة). و (5563) باب (من ذبح قبل صلاة وأعاد). أخرجه مسلم من عدة طرق (1961) كتاب الأضاحي، وأخرجه أبو داود (2800) كتاب: (الأضاحي) باب (ما يجوز من السن في الضحايا)، وأحمد في "مسنده" 4/ 282، 298، 303 كلهم عن البراء.]]، معناه: ولا تقضي [[ذكره أبو عبيد عن الأصمعي. "غريب الحديث" 1/ 43، وانظر: "تهذيب اللغة" (جزى) 1/ 601.]]، ومنه أيضا ما روي (أن رجلا كان يداين للناس، وكان له كاتب ومتجاز، وكان يقول له: إذا رأيت الرجل معسرا فأنظره، فغفر الله له [[الحديث بهذا النص ذكره أبو عبيد في الغريب قال: (ومنه حديث يروى عن عبيد ابن عمير: (أن رجلا كان يداين الناس ..) الحديث. "غريب الحديث" 1/ 43. ولم أجده بهذا اللفظ، وقد أخرج البخاري عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "كان تاجر يداين الناس فإذا رأى معسرًا قال لفتيانه: تجاوزوا عنه لعل الله أن يتجاوز عنا، فتجاوز الله عنه" (2078) كتاب البيوع باب (من أنظر معسرًا)، وأخرج مسلم (1562) كتاب (البيع)، باب (فضل إنظار المعسر). ذكره الألباني في "صحيح الجامع الصغير" "وزيادته" (4454).]]، فالمتجازي: المتقاضي [["غريب الحديث" لأبي عبيد 1/ 43، "الصحاح" (جزى) 6/ 2302.]]. ومنه الجزية، لأن معناها في كلام العرب: الخراج المجعول على الذمي، سمي جزية لأنها قضاء منه [["تهذيب اللغة" (جزى) 1/ 602.]]. قال أهل [[في (ب): (وقال) و (أهل) ساقط.]] العربية: وأصل هذا الحرف من الجزاء الذي هو المكافأة، ومقابلة الشيء بالشيء، فيجزي بمعنى: يكفى، لأنه يقابل فيه الشىء بمقداره [[قال الأزهري: (وبعض الفقهاء يقول: أجزى عنك بمعنى جزى، أي: قضى. وأهل اللغة يقولون: أجزأ بالهمز، وهو عندهم بمعنى: كفى "تهذيب اللغة" (جزى) 1/ 601، وانظر: "الصحاح" (جزى) 6/ 2302، "اللسان" (جزى) 2/ 621، قال الطبري في "تفسيره": (وأصل (الجزاء) في (كلام العرب): القضاء والتعويض .. ، وقال قوم من أهل العلم بلغة العرب: (يقال: أجزيت عنه كذا): إذا أعنته عليه، وجزيت عنك فلانا: إذا كافأته. وقال آخرون منهم: بل (جزيت عنك): قضيت عنك، و (أجزيت): كفيت، وقال آخرون منهم: (بل هما بمعنى واحد ..) وزعم آخرون أن (جزى) بلا همز: قضى. و (أجزأ) بالهمز: كافأ. "تفسير الطبري" 1/ 226، وانظر. "غريب القرآن" لابن قتيبة ص 38 - 39.]]. ومعنى (لا تجزي نفس عن نفس) أي لا يقابل مكروهها بشيء يدرؤه عنها [[قال ابن جرير في "تفسيره": (واتقوا يومًا لا تقضي نفس عن نفس شيئًا ولا تغني عنها عنى) الطبري في "تفسيره" 1/ 266، و"تفسير أبي الليث" 1/ 116، و"تفسير الثعلبي" 1/ 69ب، و"تفسير ابن عطية" 1/ 282، و"تفسير البغوي" 1/ 90، و"تفسير الرازي" 3/ 54، و"تفسير ابن كثير" 1/ 95.]]. وموضع (لا تجزي) نصب، لأنه صفة ليوم [[انظر: "مشكل إعراب القرآن" 1/ 44، "البيان" 1/ 80، "الإملاء" 1/ 35، وقال النحاس: قوله: (لا تجزى) في موضع نصب عند البصريين على نعت لليوم، وعند الكوفيين صلة. "إعراب القرآن" 1/ 171.]]. والعائد على اليوم محذوف من الآية، واختلف النحويون فيه، فقال الفراء [[انظر "معاني القرآن" الفراء 1/ 31.]]: التأويل: (لا تجزي فيه نفس عن نفس) ثم حذفت الصفة [[مراده بالصفة حرف الجر، كما هو في اصطلاح الكوفيين، وهو هنا (في) المتصل == بالضمير العائد على اليوم. انظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 31، "الحجة" لأبي علي 2/ 44، 45.]]، ومثله قوله: {وَأَنذِرْهُم يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ} [غافر: 18] والمعنى: ما للظالمين فيه من حميم [[انظر: "الحجة" 2/ 45.]]، وكذلك قوله: ﴿يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا﴾ [الدخان: 41] أي: فيه، وهذا أيضا مذهب سيبويه [[وهو مذهب البصريين وجماعة من الكوفيين، انظر "معاني القرآن" للزجاج 1/ 89، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 171، "معاني القرآن" للأخفش 1/ 258، "المشكل" لمكي 1/ 44، "تفسير ابن عطية" 1/ 282، "البحر" 1/ 189، 190، قال أبو حيان. والوجهان يعني تقديره: لا تجزى فيه ولا تجزيه، جائزان عند سيبويه والأخفش والزجاج، انظر: "تفسير القرطبي" 1/ 321 - 322.]]. وكان الكسائي لا يجيز إضمار الصفة، ويقول: إن المحذوف هاهنا [[في (ج): (هنا).]] (الهاء) وتقديره كأنك قلت: (واتقوا يوما لا تجزيه نفس عن نفس) فجعل اليوم مفعولا على السعة، ثم ألقيت الهاء، كما تقول: رأيت رجلاً أحبّ، تريد (أحبه) [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 32، والزجاج 1/ 98، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 171، "تفسير الطبري" 1/ 265، و"البيان" 1/ 80، و"تفسير القرطبي" 1/ 321، "البحر" 1/ 190.]] وينشد على هذا [[في (ب): (على هذا قال).]]: قَدْ صبَّحَتْ صَبحَهَا السَّلاَمُ ... بِكَبِدٍ خَاَلطَهَا السَّنَامُ في ساعة يُحَبُّهَا الطَعَامُ [[الرجز لم ينسب، والرواية في جميع المصادر (سنام)، ومعنى: (صبحت): أتت بالصبوح، واستعمله في الطعام الذي أتته به مجازا، ويدعوا لها بالخير: (صبحها السلام)، لأنها أتته به على حاجة شديدة للطعام. ورد الزجر في "معاني القرآن" == للفراء 1/ 32، و"تفسير الطبري" 1/ 265، "الكامل" 1/ 34، "الحجة" لأبي علي 2/ 45، "المخصص" 12/ 243، 14/ 75.]] يعني يُحَبُّ فيها، فجعل الظرف مفعولا على السعة، وهذا أيضا مذهب الأخفش [[مذهب الأخفش جواز الوجهين كما سبق، انظر: "معاني القرآن" للأخفش 1/ 258 - 260.]]. قال الكسائي: ولو أجزت إضمار الصفة هاهنا لأجزت: أنت الذي كلمت، وأنا أريد: كلمت فيه، وهذا رجل قصدت، وأنا أريد: إليه، وهذا رجل أرغب، وأنا أريد: فيه، ولم يجز إضمار حرف الصفة في هذه المواضع كذلك في الآية [[انظر: "معاني القرآن" للأخفش 1/ 260، و"معاني الفراء" 1/ 32، و"إعراب القرآن" للنحاس 1/ 171، و"تفسير القرطبي" 1/ 321، و"البحر" 1/ 190.]]. قال الفراء والزجاج وجماعة النحويين: لا يلزم ما ذكره الكسائي، لأن الصفة مع الظروف جائزة الحذف، ألا ترى أنك تقول: أتيتك يوم الخميس [وفي يوم الخميس] [[(وفي يوم الخميس) ساقط من (أ)، (ج) والواو من قوله: (وفي) ساقطة من (ب) وثوبتها يقتضيه السياق، الجملة بهذا النص في "معاني القرآن" للفراء 1/ 32.]] فيكون المعنى واحد، وإذا قلت: كلمتك، كان غير معنى كلمت فيك، فلما اختلف المعنى مع الأسماء التي لا تكون ظروفا لم يجز إضمار الصفة معها. و (اليوم) من أسماء الزمان، وأسماء الزمان يكون فيها ما لا يكون في غيرها [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 32، و"معاني الأخفش" 1/ 260، و"معاني الزجاج" 1/ 99.]]. قال أبو علي [[نقل الواحدي عن "الإغفال" ص 174 (رسالة ماجستير).]]: الظروف نوع من أنواع المفعولات المنتصبة عن تمام الكلام، وهو زمان أو مكان [[في "الإغفال": (أو مشبه بهما) ص 174.]]. فأما أسماء الزمان: فالفعل يتعدى إلى مختصه ومبهمه ومعرفته ونكرته وكل نوع منه، كما يتعدى إلى المصدر، وكل ضرب منه. وإنما كان كذلك لاجتماعهما [[في (أ)، (ج): (لاجتماعها) وأثبت ما في (ب) لأنه أصوب وموافق لما في "الإغفال" ص 174.]] في دلالة الفعل عليهما. ألا ترى أن في لفظ [[في (ب) تكرار ونصها: (ألا ترى أن لفظ الفعل دلالة الفعل عليهما ألا ترى أن في لفظ الفعل دلالة على الزمان ..).]] الفعل دلالة على الزمان كما أن في لفظه دلالة على الحدث. وأما أسماء المكان فإن الفعل يتعدى إلى المبهم منها بغير حرف الجر دون [[(دون) ساقط من (ب).]] المختص [[ذكر كلام أبي علي بمعناه. "الإغفال" ص 175، وانظر: "الكتاب" 1/ 412 - 417.]]. ومعنى المبهم منها ما كان شائعاً ولم يكن له حدود معلومة نحو: خلف وقدام وسائر الجهات الست، وعند. ألا ترى أنه لا حدود لهذه المسميات تقف عندها، كما للمسجد والسوق [[نص كلام أبي علي: (.. ألا ترى أنه لا حدود لهذه المسميات تقف عندها فتحصرها بها، كما تحصر بها المختصة منها نحو: المسجد والسوق ..) "الإغفال" ص 174، وكلامه أوضح من عبارة الواحدي.]] والبيت وبغداد والبصرة، تقول: (قمت خلفك) فتعدي إليه الفعل، و (قمت في المسجد)، ولا تقول: (قمت المسجد)، وإنما كان كذلك لأن الفعل لا يدل على ظروف المكان بلفظه وإنما يدل عليها بالمعنى كما يدل على المفعول، والمفعول إذا تعدى الفعل إليه بحرف جر لا يجوز حذف حرف الجر منه إلا أن يسمع ذلك من العرب [["الإغفال" ص 174 - 175، نقل كلامه بالمعنى.]]. ألا ترى أنك تقول: مررت بزيد، ولا يجوز أن تقول: مررت زيداً [[في (ب): (مزيدا).]]، فكذلك كان القياس في جميع ظروف المكان أن يتعدى الفعل إليها [[(اليها) ساقط من (ب).]] بحرف الجر، إلا أن المبهمة جاز حذف الجر منها، لأنها قد أشبهت ظروف الزمان، وذلك أنه ليس لها خلق [[أي ليس لها مدلول محسوس وحيز وهيئة، إنما مدلولها معنوي، كالقدام والخلف، وهذه العبارة لم ترد في "الإغفال".]] كما أن الزمان لا خلقة له، فباين ظروف المكان بعضها بعضا [[في (أ)، (ج): (بعضها بعضها) وأثبت ما في (ب)، لأنه أصوب، المراد أن ظروف المكان تختلف، فظروف المكان غير المختصة لها حكم ظروف الزمان، بخلاف ظروف المكان المختصة غير المبهمة فلا يتعدى الفعل إليها إلا بحرف الجر.]]. فالخلف والقدام وهذه المبهمة يجوز أن تنقلب كلها فيصير الخلف قداما، والقدام خلفا، كما يجوز أن ينقلب ظرف [[في (ب): (تنقلب ظروف).]] الزمان فيصير اليوم أمس. فلما شبهت المبهمة من ظروف المكان بظروف الزمان عَدَّوْا إليها الفعل من غير توسط حرف الجر. وأما المختصة كالدار والبيت والمسجد فلها خلق [[في (ج): (حلف).]] كزيد وعمرو، ألا ترى أنه لا يسمى كل بقعة مسجدا ولا دارا، فلما جرت هذه الظروف مجرى زيد وعمرو، وجب أن لا يعدى الفعل إليها إلا [[في (ب): (اليها لا).]] بحرف جر، فأما قولهم: (ذهبت الشام) يريدون إلى الشام، فهو شاذ عند سيبويه، وقولهم: (دخلت البيت) فهو - أيضا شاذ عنده [[انظر: "الكتاب" 1/ 414.]]. وهو عند أصحابه مفعول به، لأنه ظرف صير مفعولا، فهو عندهم بمنزلة: هدمت البيت [[انظر: "الإغفال" ص 175 - 176، نقل الكلام بمعناه.]]. قال أبو علي [["الإغفال" ص 176.]]: والجائز عندي من هذه الأقاويل التي قيلت في الآية قول من قال: إن (اليوم) جعل [[(جعل) ساقط من (ب).]] مفعول (تجزي) على السعة، كقول الشاعر: وَيَوْمٍ شَهِدْنَاهُ [[في (ج): (شهدنا).]] سُلَيْماً وَعَامِرًا [[البيت لم يرد ضمن كلام أبي علي في هذا الموضع، وإنما ورد في كلام أبي إسحاق الزجاج، الذي نقله أبو علي، واستدرك عليه، انظر: "الإغفال" ص 172، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 98، والبيت من (شواهد سيبويه) 1/ 178، وورد في "المقتضب" 3/ 105، "الكامل" 1/ 33، "مغني اللبيب" 2/ 503، "شرح المفصل" 2/ 46، "همع الهوامع" 3/ 166، والقرطبي في "تفسيره" 1/ 321، وقد نسبه سيبويه لرجل من بني عامر، وعجزه: قَلِيلٍ سِوى الطَّعْنِ النِّهَال نَوَافِلُه == ويروي البيت (يوما) و (يوم) مجرور برب المحذوفة، وسُلَيْم وعامر: قبيلتان من قيس عيلان، وقليل: مجرورة صفة ليوم، والنِّهال: المرتوية بالدم، والنوافل: الغنائم. والشاهد فيه نصب ضمير العائد على (يوم) بالفعل على التشبيه بالمفعول به اتساعًا ومجازًا.]] ثم حذفت (الهاء) من الصفة كما تحذف من الصلة، وحذف (الهاء) من الصفة كحذفها [[في (أ)، (ب): (لحذفها) وأثبت ما في (ب)، لأنه هو الصواب، وأقرب إلى عبارة أبي علي في "الإغفال" ونص كلامه: (والجائز عندي من هذه الأقاويل التي قيلت في الآية قول من قال: إن اليوم جعل مفعولًا على السعة ثم حذفت الهاء من الصفة، كما تحذف من الصلة، لأن حذفها منها في الكثرة والقياس كحذفها منها. أما القياس فلأن الصفة تخصص الموصوف ..) ص 176.]] من الصلة، وذلك أن الصفة تخصص الموصوف كما أن الصلة تخصص الموصول، ومرتبتها أن تكون بعد الموصوف، كما أن مرتبة الصلة [[في (ج): (كما أن الصلة تكون كذلك).]] كذلك، وتتضمن الصفة ذكرا من موصوفها كما تتضمنه الصلة من موصولها، فشدة مشابهتهما على [[في (ج): (مشابهتها كما تراه).]] ما تراه. وقد كثر مجيء الصلة محذوفاً منها العائد، كقولك: (الذي رأيت زيد) والصفة كالصلة على ما ذكرنا من المشابهة، وإذا [قال] [[كذا وردت في جميع النسخ، وهو تصحيف والنص في "الإغفال" (فإذا كان كذلك) ص 177، وهذا هو الصواب.]] كذلك حسن الحذف منها حسنه من الصلة. فإن قال قائل: إذا جاز حذف الضمير المتصل من الصفة في نحو قولك: (هذا رجل ضربت)، و (الناس رجلان: رجل أكرمت ورجل أهنت) فلم لا يجوز حذف الجار والمجرور من حيث جاز حذف الهاء؟ قيل: إنما جاز حذف الضمير المتصل من الصفة [[في (ب): (الصلة).]] لمشابهتها الصلة، وقد كثر حذف ذلك في الصلة وحسن، فلما كثر ذلك في الصلة وشابهتها الصفة شبهت بها أيضًا في حذف الضمير منها. ولا اختلاف بين الجميع [[في (ب): (الجمع). وفي "الإغفال": (.. بين الجميع من البصريين ..) ص 178.]] في أن الضمير إذا خرج عن الفعل إلى الحرف فلم يتصل به لم يحذف من الصلة، فمن قال: (الذي ضربت زيد) لم يقل: (الذي رغبت زيد)، ولا (الذي مررت زيد) [[في (ج): (زيدا).]]، إذا أراد (فيه) و (به) وإذا لم يجز ذلك في الأصل الذي هو الصلة المشبه به الصفة، كان في الصفة أبعد من الجواز [[أنتهى ما نقله عن أبي علي الفارسي من كتاب "الإغفال" ص 174 - 178. (رسالة ماجستير) وقد نقل الواحدي كلام أبي علي بتصرف.]]. وقوله تعالى: ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾. قبول الشيء: تلقيه، والأخذ به، وخلاف الإعراض عنه [[بنصه في "الحجة" لأبي علي 2/ 46.]]. اللحياني: يقال [[في (ب): (يقول).]]: قبلت الشيء أَقْبلَه قَبُولاً وقُبُولاً، وعلى فلان قَبُول، أي تقبله العين [[في (ج): (ليس).]]، ومثل ذلك قال ابن الأعرابي [["تهذيب اللغة" (قبل) 3/ 2875.]]. وقوله: ﴿شَفَاعَةٌ﴾ قال المبرد وثعلب: الشفاعة: كلام الشفيع الملك [[كذا في جميع النسخ، وفي "تهذيب اللغة"، و"اللسان": (للملك).]] في حاجة يسألها لغيره [["تهذيب اللغة" (شفع) 2/ 1897، وانظر: "اللسان" (شفع) 4/ 2289.]]. وهو من الشفع الذي هو خلاف الوتر، وكأنه سؤال من الشفيع يشفع سؤال المشفوع له [[انظر: "تفسير الطبري" 1/ 267، "تهذيب اللغة" (شفع) 2/ 1898، "اللسان" (شفع) 4/ 2289.]]. قال أحمد بن يحيى: الشفعة [[في (ج): (الشفاعة).]] من هذا، ومعناها في اللغة كالزيادة، وهو أن يُشَفِّعَك فيما تطلب [[في (ج): (يطلب).]] حتى تضمه إلى ما عندك فتزيده [[في (ج): (فتزيده بها).]] وتشفعه بها، أي أنه كان وترا فضم إليه ما زاده وشفعه به [["تهذيب اللغة" (شفع) 2/ 1898، وفيه: (قال المنذري وسمعت أبا العباس وسئل عن اشتقاق الشفعة في اللغة فقال: الشفعة: الزيادة ..)، وانظر: "اللسان" (شفع) 4/ 2290.]]. ومن هذا يقال: شاة [[قوله: (يقال شاة) ساقط من (ب).]] شافع، إذا كان معها ولدها [[ذكره أبو عبيدة في "غريب الحديث" 1/ 257، وذكره عنه الأزهري، "تهذيب اللغة" (شفع) 2/ 1898.]]. قال أصحاب المعاني: ليس معنى: ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾ أن هناك [[في (ب): (وأن هناك).]] شفاعة لا تقبل، وإنما المعنى لا يكون [[في (ب): (تكون) ومثله في "الحجة" لأبي علي 2/ 47.]] شفاعة فيكون لها قبول، كما أن قوله: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: 273]، معناه: لا يكون منهم سؤال فيكون إلحاف [[نقله عن أبي علي من "الحجة" 2/ 46، 47، - ولم أجده عن أحد من أهل (المعاني) فيما اطلعت عليه وظاهر كلام أبي علي نفي أصل الشفاعة، حيث قال == بعده فأما قوله: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا﴾ [النجم: 26]، فالمعنى لا تغني شفاعتهم أن لو شفعوا، ليس أن هناك شفاعة مثبتة ..) "الحجة" 2/ 48. ونفى أصل الشفاعة هو مذهب المعتزلة، كما قرره الزمخشري في "الكشاف" في تفسير هذه الآية، ورد عليه أحمد بن محمد بن المنير في كتاب "الإنصاف" في "حاشية الكشاف" 1/ 278. ومعنى الآية عند الجمهور: أنه وإن كان ظاهرها العموم فهي مخصوصة بمن مات على كفره غير تائب. انظر: "تفسير الطبري" 1/ 268، و"تفسير البغوي" 1/ 900، و"تفسير ابن كثير" 1/ 95. ولم ينبه الواحدي على كلام أبي علي الموهم لنفي الشفاعة، مع أن الواحدي ذكر المعنى الصحيح في الآية في موضع آخر كما سيأتي.]]، ويقول امرؤ القيس: عَلَى لاَحِبٍ لاَ يُهْتَدى لِمَنَارِه ... إِذَا سَافَهُ العَوْدُ الدِّيَافِيُّ جَرْجَرَا [[يروي البيت في جميع المصادر (بمناره) وفي "ديوان امرئ القيس" (النباطي) بدل (الديافي) قوله (على لاَحِبٍ): اللاحب الطريق البين الذي لحبتته الحوافر، ثم يستعمل لكل طريق بين وخفي، و (لا يهتدي لمناره): ليس فيه علم ولا منار يهتدى به، (سافه العَوْد) أي شمه المسن النجائب، (جرجرا): صوت ورغاء الإبل. ورد البيت في "تهذيب اللغة" (لحف) 2/ 1598، (ساف) 2/ 1132، (داف) "الحجة" 2/ 47، "شرح أشعار الهذليين" 1/ 36، "الخصائص" 3/ 165، 321، "مقاييس اللغة" 2/ 318، "اللسان" (ديف) 3/ 1466، (سوف) 4/ 2153، "الخزانة" 10/ 258، "ديوان امرئ القيس" ص 64.]] أي ليس هناك (منار) فيكون اهتداء، وكقوله أيضًا-: وَلاَ تَرى الضَّبَّ بهَا يَنْجَحِرْ [[عجز بيت نسبه بعضهم لعمرو بن أحمر وصدره: لاَ يُفْزِعُ الأَرْنَبَ أَهْوَالُهَا يقول ليس ثم هول تفزع منه الأرنب، وليس هناك ضب فيكون منه انجحار. ورد البيت في "شرح أشعار الهذليين" 1/ 36، "الخصائص" 3/ 146، 321، "الحجة" لأبي علي 2/ 47.]] أي ليس هناك (ضب) فيكون منه [[في (ب): (هناك).]] انجحار. وقرئ قوله: ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾ بالياء والتاء [[قرأ ابن كثير وأبو عمرو بالتاء، وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي ونافع بالياء، وروى الوجهان عن عاصم. انظر "السبعة" ص 155، "الحجة" 2/ 43، "التيسير" ص 73.]]، فمن قرأ بالتاء قال: الاسم الذي أسند إليه هذا الفعل مؤنث، فيلزم أن يلحق المسند [[في (ج): (بالمسند).]] أيضا علامة التأنيث، ليؤذن لحاق العلامة [[في (ب): (علامة لحاق).]] بتأنيث الاسم. ومما يقوي هذا أن كثيرا من العرب إذا أسند الفعل إلى المثنى أو المجموع ألحقوه علامة التثنية والجمع [[هذا على اللغة المعروفة بلغة (أكلوني البراغيث) وهي لغة قليلة مشهورة. انظر: "الأشموني مع حاشية الصبان" 2/ 47 - 48.]]، كقوله: أُلْفِيَتَا عَيْنَاكَ عِنْدَ القَفَا [[شطر البيت من قصيدة لعمرو بن ملقط، أوردها أبو زيد، وعجزه: أوْلَى فَأوْلَى لَكَ ذَا وَاقِيَةْ وأورد صاحب "الخزانة" وشرحها. قوله: (اولى لك): كلمة وعيد وتهديد، و (الواقية): مصدرها بمعنى الوقاية، يصفه بالهروب، ويقول أنت ذو وقاية من عينك عند فرارك تحترس بهما، ولكثرة تلفتك حينئذٍ، صارت عيناك كأنهما في قفاك. انظر: "النوادر" ص 268، "الحجة" 2/ 51، "مجمل اللغة" 1/ 483، "الخزانة" 9/ 31. والشاهد لحاق ألف التثنية في قوله: (الفيتا).]] وقول آخر: ... يَعْصِرْنَ السَّلِيَط أَقَارِبُهْ [[قطعة من بيت من قصيدة للفرزدق يهجو عمرو بن عفراء الضبي، وتمامه: ولكن دِيَافِيٌّ أَبُوهُ وَأُمُّهُ ... بِخَوْرَانَ يَعْصِرْنَ السَّلِيَط أقَارِبُهْ يقول: هو قروي من (دياف) قرية بالشام يعتمل لإقامة عيشه، وليس كما عليه == العرب من الانتجاع والحرب، و"السليط": الزيت. ورد البيت في "الكتاب" 2/ 40، "وشرح أبياته للسيرافي" 1/ 491، "الخصائص" 2/ 194، "الحجة" 1/ 132، 2/ 52، "الخزانة" 5/ 163، 234، 235، 237، 239، 7/ 346، 446، 11/ 373، "شرح المفصل" 3/ 89، 7/ 7، "الهمع" 2/ 257، "اللسان" (سلط) 4/ 2065، (ديف) 3/ 1466، "ديوان الفرزدق" 1/ 46. والشاهد: لحاق نون الجمع في قوله (يعصرن).]] فكما ألحقوا هاتين العلامتين لتؤذنا بالتثنية والجمع، كذلك ألحقت علامة التأنيث الفعل لتؤذن بما في الاسم منه، وكان لحاق هذه العلامة أولى من لحاق علامتي التثنية والجمع، للزوم علامة التأنيث [[في (ج): (الفعل الاسم).]] الاسم، وانتقاء لزوم هاتين العلامتين الاسم، لأنه إذا وحد [[في (ب): (وجدو).]] زالت علامة التثنية والجمع. ولا يتوهم سقوط الهاء من الشفاعة [[فإذا لزمت علامة التأنيث في الاسم يحسن إلحاقه الفعل. "الحجة" 2/ 52.]]، وبحسب لزوم المعنى تلزم [[(أ)، (ج): (يلزم)، وما في (ب) موافق للحجة.]] علامته [[من "الحجة" لأبي علي بنصه 2/ 51، 52، وانظر: "الحجة" لابن خالويه ص 76، "الحجة" لابن زنجلة ص 95، "الكشف" لمكي 1/ 238.]]. ومن قرأ بالياء، فلأن التأنيث في الاسم ليس بحقيقي، وإذا كان كذلك حمل على المعنى فذكّر، ألا ترى أن الشفاعة [[في (ب): (الشفيع).]] والتشفع بمنزلة [[أي: أن تأنيث الشفاعة ليس حقيقيًّا، فلفظ (الشفاعة) وهو مؤنث مثل لفظ (التشفع) وهو مذكر. انظر: "الحجة" لابن زنجلة ص 95.]]، كما أن الموعظة والوعظ، والصيحة والصوت كذلك، وقد قال: {فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ} [البقرة: 275]، ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ [هود: 67] فكما لم يُلحق [[في "الحجة": (لم تلحق) 2/ 52. وهو الأولى.]] العلامة هاهنا كذلك يحسن أن لا تُلحق [[في (أ)، (ب): (يلحق) وأثبت ما في (ج)، لأنه أصوب وموافق لما في "الحجة".]] في هذه الآية. ومما يقوي التذكير أنه فصل بين الفعل والاسم، والتذكير يحسن مع الفصل كما حكي من قولهم: (حضر القاضي اليوم [[(اليوم) ساقط من (ب).]] امرأة)، فإذا جاء التذكير في [[في (ب): (يحسن في الحقيقي).]] الحقيقي مع الفصل فغيره أجدر بذلك [[كذا بنصه من "الحجة" 2/ 52، 53، وذكر هذه الحجج ابن خالويه ص 76 وابن زنجلة ص 95، ومكي في "الكشف" 1/ 238، وذكر مكي أربع علل وهي داخلة فيما ذكر أبو علي، والرابعة ما روي عن ابن مسعود: ذكروا القرآن. وهذه العلة ذكرها أبو علي، ثم ردها كما سيأتي.]]. قال أبو علي [[(الحجة) لأبي علي 2/ 53.]]: فأما ما قاله أحمد بن يحيى من أن التذكير أجود، لقول ابن مسعود (ذَكِّروُا القرآن) [[ذكره مكي في "الكشف" قال: ذكر أبو عبيد عن ابن مسعود أنه قال (ذَكِّروا القرآن، وإذا اختلفتم ... إلخ فاجعلوها ياء)، وذكر أن هذه اللفظة: وإذا اختلفتم .. إلخ رواية عن ابن عباس. "الكشف" 1/ 238، وذكر ابن خالويه: وإذا اختلفتم .. إلخ عن ابن مسعود. "الحجة" ص 76. وذكره في (الفائق) بلفظ في الحديث (القرآن ذكر فذكروه) ولم يعزه. "الفائق" 2/ 13، وفي "النهاية في غريب الحديث" قال: وفيه: (القرآن ذكر فذكروه) أي أنه جليل خطير فأجلوه. "النهاية في غريب الحديث" 2/ 163.]] لا يجوز حمله على تذكير التأنيث، لأنه لا يخلو إما أن أراد تذكير [[في (ب): (أراد بتذكير).]] التأنيث الحقيقي أو غير الحقيقي [[نص كلام أبي علي في "الحجة": (لا يخلو من أن يريد به التذكير الذي هو خلاف التأنيث، أو يريد معنى غير ذلك. فإن أراد به خلاف التأنيث فليس يخلو من أن يريد: ذكروا فيه التأنيث الذي هو غير حقيقي أو التأنيث الذي هو حقيقي .. 2/ 53.]]. ولا يجوز أن يريد تذكير الذي هو غير الحقيقي، لأن ذلك قد جاء في القرآن ما لا يحصى كثرة، كقوله: ﴿وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ﴾ [[في (ج): (والدار) وهي آية الأعراف: 169.]] [الأنعام: 32] و ﴿النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ﴾ [الحج: 72]، ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (29)﴾ [القيامة: 29]، و ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ﴾ [إبراهيم: 10]، و ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ [الحاقة: 7]، و ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ﴾ [ق: 10] فإذا [[في (ب): (وإذا).]] كان هذا النحو على الكثرة التي تراها، فلا يجوز أن يريد هذا. وإذا لم يجز أن يريد هذا كان إرادة تذكير التأنيث الحقيقي أبعد، كقوله: ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ﴾ [آل عمران: 35]، وقوله: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾ [التحريم: 12]، ﴿وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ﴾ [القصص: 11]. فإن قلت: إنما يريد: [إذا] [[(إذا) ساقطة من كل النسخ وأثبتها كما في "الحجة" لاقتضاء السياق لها والنص في "الحجة": (فإن قلت: إنما يريد: إذا احتمل) 2/ 54.]] احتمل الشيء التذكير والتأنيث، فاستعملوا التذكير وغلبوه. قيل هذا أيضا لا يستقيم، ألا ترى أن فيما تلونا ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ﴾ و ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ فأنث مع جواز التذكير فيه، يدل على ذلك في الأخرى: ﴿أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ [القمر: 20]، وقوله: ﴿مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ﴾ [يس: 80] ولم يقل الخضر [[في (أ)، (ج): (والخضراء) وأثبت ما في (ب) لأنه أولى، وفي "الحجة": (الخضر ولا الخضراء) 2/ 45.]] أو الخضراء، فهذه المواضع يعلم منها أن ما ذكر ليس بمراد ولا مذهب، فإذا لم يصح أن يريد به تذكير التأنيث كان معنى غيره. فمما [[في (ب): (فما لا يجوز).]] يجوز أن يصرف إليه، أنه يريد به الموعظة والدعاء إليه كما قال: ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ﴾ [ق: 45] إلا أنه [[في (ب): (أن).]] حذف الجار [[وهذا قريب من المعنى الذي ذكره ابن الأثير في "النهاية في غريب الحديث" قال: وفيه القرآن ذَكَر فذكروه (أي: أنه جليل خطير فأجلّوه) 2/ 163.]]. أو [[في (ب): (وأراد).]] أراد: ذكروا الناس القرآن، أي: ابعثوهم على حفظه كيلا ينسوه [[وهذا المعنى (ذكروا الناس القرآن، أي: ابعثوهم على حفظه) غير موجود في "الحجة"، ولعله سقط من المطبوع لأن الكلام يدل عليه، 2/ 55.]]. ويمكن أن يكون المعنى قوله: (ذكروا القرآن) لا تجحدوه ولا تنكروه [[في (ب): (لا يجحدوه ولا ينكروه).]]، كما أنكره من قال: ﴿إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [[الأنعام: 25، والأنفال: 31، والنحل: 24، والمؤمنون: 83، والفرقان: 5، والنمل: 68، الأحقاف: 17، والقلم: 15، والمطففين: 13.]] لإطلاقهم عليه لفظ التأنيث فهؤلاء لم يُذَكِّروه لكنهم أنثوه بإطلاقهم التأنيث، وما كان مؤنث [[في (أ)، (ج): (يؤنث) وأثبت ما في (ب)، لأنه أولى، والنص فى "الحجة": (.. لكنهم أنثوه بإطلاقهم التأنيث على ما كان مؤنث اللفظ كقوله ..) 2/ 55.]] اللفظ عليه، وهذا كقوله: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا﴾ [النساء: 117]، فإناث جمع أنثى، وإنما يعني به ما اتخذوه آلهة، كقوله: {أَفَرَأَيْتُمْ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (19) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى} [النجم:19، 20] وقال [[في (ب) (قال) بسقوط الواو.]] العجاج: وكُلُّ أُنثَى حمَلَتْ أَحجَارَا [[الرجز في (الحجة) وقبله: أَوْرَدَ حُذًّا تَسْبِقُ الأَبْصَاراَ. وليسا متتاليين في (الديوان) ، بل بينهما أبيات وفيها يصف المنجنيق والْحُذْ: السهام البُترْ، وكل انثى: يعنى المنجنيق، يقول: يُرْمي بالمنجنيق فيخرج الحجر من بطن الجلد، كما يبقر بطن الحامل عن الولد. ورد في "الحجة" 2/ 55، "المخصص" 13/ 189، "اللسان" (حجر) 2/ 785، "ديوان العجاج" ص 416.]] فسماها أنثى لتأنيثهم لفظها. وكذلك قول الفرزدق: وَكُنَّا إذَا الجَبَّار صَعَّر خَدَّه ... ضَرَبْنَاهُ دونَ الأنْثَيَيْنِ علَى الكَرْدِ [[رواية البيت في "ديوان الفرزدق" وبعض المصادر: وكُنَّا إذا القيسي نب عتوده ... ضربناه فوق ............... "ديوان الفرزدق" 1/ 178، وله بيت آخر: وَكُنَّا إِذَا القيسى صَعَّر خَدَهُ ... ضَرَبْنَاهُ حَتَّى تَسْتَقِيمَ الأَخادِعُ "الديوان" 1/ 420، ويظهر انه حصل خلط بين البيتين فكثرت الرواية فيهما. قال ابن قتيبه في "المعاني الكبير": ويروي لذي الرمة. وقوله: نب عَتُودُه: تكبر، والعَتُودُ: الجدي الذى بلغ السفاد، صعر خده: أماله كبرا. الأنثيان: شحمتا الأذن، والكَرْد: أصل العنق. انظر: "المعانى الكبير" 2/ 994، "الحجة" 2/ 56، "جمهرة اللغة" 3/ 1322، "إعراب ثلاثين سورة" ص 277،"المخصص" 1/ 82، 5/ 190، 16/ 203، "المجمل" (أنث) 1/ 104، "اللسان" 7/ 4317، (نبب) 1/ 146 (أنث) ، 7/ 3849 (كرد) ، 7/ 3961 (كون).]] أراد بالأنثيين الأذنين [[انتهى ما نقله عن أبي علي من "الحجة" 2/ 53 - 56.]]. قلت: أطال أبو علي الكلام في تأويل قول ابن مسعود، وهو ما ذهب إليه أحمد بن يحيى [[أي: أن المراد بكلام ابن مسعود، التذكير الذي هو خلاف التأنيث، وبهذا أخذ ابن خالويه في "الحجة" ص 76، ومكي في "الكشف" 1/ 238، ومما يرجع هذا ما ورد في الرواية عن ابن مسعود: (فإذا اختلفتم في التاء والياء فاجعلوه بالياء).]]، وأراد ابن مسعود أنه إذا احتمل اللفظ التأنيث والتذكير، ولا يحتاج في التذكير إلى تغيير الخط ومخالفة المصحف فَذَكِّر، كقوله: ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾ لست تحتاج إلى مخالفة الخط في التذكير، ويدل على أنه أراد هذا، وأن أصحاب عبد الله من قراء [[في (ب): (قر).]] الكوفة كحمزة والكسائي ذهبوا إلى هذا، فقرؤوا ما كان من هذا القبيل بالتذكير، كقوله: (يوم يشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم) [[قرأ حمزة والكسائي (بالياء)، وبقية السبعة (بالتاء). انظر: "السبعة" 454، و"الكشف" على 2/ 135، "والتسير" ص 161.]] [[في (ج): (تشهد)، وفي (أ)، (ب): (يشهد) على قراءة حمزة والكسائي.]] [النور: 24]، و ﴿يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ﴾ [[قرأ حمزة والكسائي (بالتاء) وبقية السبعة (بالياء). انظر: "السبعة" ص 217، و"الكشف" 1/ 630 و"التسير" ص 91.]] [[في (ج): (تغشى) بالتاء على قراءة حمزة والكسائي.]] [آل عمران: 154] وأشباههما بالتذكير هذا الذي ذكرنا كله في التأنيث غير الحقيقي. وأما الحقيقي: فهو ما يكون منه النسل، ويقبح في مؤنثه لفظ التذكير [[نقل الواحدي عن الزجاج من "معاني القرآن"، والنص في "المعاني": (وأما ما يعقل ويكون منه النسل والولادة نحو امرأة ورجل، وناقة وجمل فيصح في مؤنثه لفظ التذكير، ولو قلت قام جارتك، ونحر ناقتك كان قبيحًا ..) إلخ. والبقية بنصه. "المعاني" 1/ 99. وقد تصرف الواحدي في عبارة الزجاج. وقوله: (ويقبح في مؤنثه لفظ التذكير) أي: فإنه يقبح في مؤنثه ...]]، لو قلت: قام جاريتك ونحر ناقتك، كان قبيحا، وهو جائز على قبحه، لأن الناقة والجارية تدلان على معنى التأنيث، فاجتزئ بلفظهما عن تأنيث الفعل [[المشهور عند النحويين أن المؤنث الحقيقي الذي لم يفصل عن فعله بفاصل يجب تأنيث الفعل له. انظر: (شرح ابن عقيل) 2/ 88.]]. فأما الأسماء التي تقع للمذكرين [[في "المعاني" للزجاج: (للمذكرين وأصحاب المؤنث فلا بد فيها من علم التأنيث ..) 1/ 100، وعبارة الواحدي أوضح.]] لو سميت بها مؤنثا فلا، بد فيها من علم التأنيث، لأن الكلام للفائدة والقصد [[في (ب): (القصيدة).]] به الإبانة [[في (ج): (الاباله).]]، فلو سميت امرأة بقاسم لم يجز أن تقول: جاءني قاسم، فلا يعلم أمذكرا عنيت أم مؤنثا، وليس إلى حذف هذه التاء -إذا كانت فارقة [[في (ج): (ذار قعين).]] بين معنيين- سبيل، كما أنه إذا جرى ذكر رجلين لم يجز أن تقول: قد قام، إلا أن تقول: قاما [[في (ب): (قد قاما).]]، فعلامة التأنيث فيما فيه اللبس كعلامة التثنية [[في (ج): (التثنية والجمع ههنا).]] هاهنا [["معاني القرآن" للزجاج 1/ 100.]]. وقوله تعالى: ﴿وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾. عَدْلُ [[(عدل) ساقط من (ب).]] الشيء وعِدْله: مثله [[(العَدْل)، و (العِدْل) بمعنى المثل ومعناهما سواء، وقال الفراء: (العِدْل): المثل، (والعَدْل): ما عادل الشيء من غير جنسه. انظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 320، و"تفسير الطبري" 1/ 269، "تهذيب اللغة" (عدل) 3/ 2358، "ومعاني الزجاج" 2/ 229.]]، قال الله تعالى: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ [المائدة: 95]، أي: ما يماثله [[في (ج): (ماماثله).]] من الصيام [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 2/ 229.]]، قال كعب بن مالك [[هو كعب بن مالك بن أبي كعب، الأنصاري الخزرجي، شاعر الرسول ﷺ وصاحبه، وأحد الثلاثة الذين خلفوا، فتاب الله عليه، ومات سنة خمسين، وقيل: سنة أربعين، وقيل: غير ذلك، انظر: "الاستيعاب" 3/ 286، حاشية على "الإصابة"، "سير أعلام النبلاء" 2/ 523، "الجرح والتعديل" 7/ 160، "تهذيب التهذيب" 3/ 471.]]: صَبَرْنَا [[في (ج): (الا ترى).]] لاَنَرى لله عَدْلاً ... عَلَى مَانَابنَا مُتَوَكِّلِينَا [[أورد الواحدي البيت فى "الوسيط" 1/ 100، وهو من قصيدة لكعب يرد بها على ضرار بن الخطاب بن مرداس، يوم الخندق؛ أورد ابن هشام القصيدتين في "السيرة" 3/ 277.]] أي: لا نرى له مثلا. وذكر [[(وذكر) ساقط من (ب).]] في التفسير أن العدل هاهنا: (الفداء) [[ذكره الطبري 1/ 268 - 269، وابن أبي حاتم 1/ 105، وابن قتيبة في "الغريب" ص 39، والثعلبي 1/ 70 أ، والبغوي 1/ 90، وابن كثير 1/ 95. وذكر ابن أبي حاتم عن علي وعمير بن هانئ: المراد: التطوع والفريضة، "تفسير ابن أبي حاتم" 1/ 105، و"ابن كثير" 1/ 95.]]، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا﴾ [الأنعام: 70]، قال يونس: العدل الفداء [[ذكره الأزهري، قال: أخبرني ابن فهم عن محمد بن سلام عن يونس. "تهذيب اللغة" (عدل) 3/ 2358.]] [وسمي الفداء] [[ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، (ج).]] عدلا، أنه يعادل المفدي ويماثله، وأصل هذا الباب المساواة والمماثلة. يقال: فلان يعدل فلانا، أي يساويه، ويقال: ما يعدلك عندنا شيء، [أي ما يقع عندنا شيء] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]] موقعك، ولا يساويك. والعِدْل: اسم حِمْل معدول [يحصل] [[كذا في جميع النسخ (يحصل) والصواب (يحمل) كما في "التهذيب" (عدل) 3/ 2358.]] أي: مسوى به [["تهذيب اللغة" (عدل) 3/ 2358، وانظر: "الطبري" 1/ 269، "اللسان" (عدل) 5/ 2839.]]. ونذكر ما قيل في العَدْل، والْعِدْل عند قوله: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ [المائدة: 95] إن شاء الله. وقوله تعالى: ﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾. قال المفسرون: أي ولا هم يمنعون من عذاب الله [[ذكره الثعلبي 1/ 70 أ، والبغوي 1/ 90، وابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 77، وقال الطبري: لا ينصرهم ناصر ولا يشفع لهم شافع، ولا يقبل منهم عدل ولا فدية، 1/ 269، ونحوه ذكر ابن كثير 1/ 95.]]. ومعنى (النصر) في اللغة: المعونة [[انظر: "تهذيب اللغة" (نصر) 4/ 3584، "الجمهرة" 2/ 744، "اللسان" (نصر) 7/ 4439.]]، وبينهما فرق، وهو أن المعونة قد تكون على صناعة النصرة لا تكون إلا مع منازعة. وانتصر بمعنى: انتقم، معناه بلغ حال النصرة [[انظر: "اللسان" (نصر) 7/ 4439.]]. قال المفسرون: نزلت [[في (ب): (هذه الآية).]] الآية في اليهود، وذلك أنهم كانوا يقولون: يشفع لنا آباؤنا الأنبياء، فآيسهم الله عن ذلك [[ذكره الطبري في "تفسيره" 1/ 269، والثعلبي في "تفسيره" 1/ 70 أ، والزجاج في "معاني القرآن" 1/ 98.]]. والآية وإن عمت في نفي [[(نفى) ساقط من (ب).]] الشفاعة فمعناها الخصوص فيمن [[في (أ)، (ج): (فمن) وأثبت ما في (ب)، لأنه الصواب.]] مات على الكفر، بدلالة الأخبار الصحيحة في الشفاعة [[انظر: "تفسير الطبري" 1/ 268، و"تفسير أبي الليث" 1/ 116، و"تفسير أبن عطية" 1/ 283، و"تفسير البغوي" 1/ 90، "زاد المسير" 1/ 76، وهذا قول أهل السنة والجماعة في الشفاعة، بخلاف قول المعتزلة الذين ينفون الشفاعة، وقد نقل الواحدي قولهم فيما سبق وعزاه لأهل "المعاني".]]، وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء:28] وقوله: ﴿لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ﴾ [النجم: 26] [[وفي (ج): ﴿لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا﴾ وهذه آية: 23 من يس.]].

البقرة 2:49

قوله تعالى: ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ الآية. (نجيناكم): أصله على النجوة، وهي ما ارتفع واتسع من الأرض، ثم يسمى [[في (ب): (سمى).]] كل فائز ناجيا، كأنه خرج من الضيق والشدة إلى الرخاء والراحة، ومنه قوله: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾ [يونس: 92]، أي نلقيك على نجوة [["تفسير الثعلبي" 1/ 70 أ، انظر: "تهذيب اللغة" (نجا) 4/ 3510، و"تفسير القرطبي" 1/ 325.]]. وقوله تعالى: ﴿مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ [[في (ب): (وقوله: لال (اختلف ..).]]. اختلف أهل العربية في (الآل)، واشتقاقه من اللغة، وأصله. فقال جماعة: أصله [[في (أ)، (ج): (وأصله) بزيادة واو، وأثبت ما في (ب)، لأنه أصح في السياق.]] من [[(من) مكررة في (ج).]] الأَوْل بمعنى الرجوع، فال الرجل كأنه شيعته الذين يؤولون إليه ويؤول إليهم، ومن هذا سمى السراب (آلا)، لأنه يتردد كأنه يرجع بعضه إلى بعض كالماء، وآل الرجل: شخصه، لأنه يتردد معه لا يفارقه، والآلة: الحالة [[انظر: "التهذيب" (آل) 1/ 185، "مقاييس اللغة" (أَوَل) 1/ 159 - 161، "نزهة الأعين النواظر في علم الوجوه والنظائر" ص 122، "اللسان" 1/ 175.]] في قول الخنساء [[في (ج): (الخنسى الخنسا). والخنساء هي: تُماضر: بضم التاء وكسر الضاد، بنت عمرو بن الشريد بن سليم، قدمت على الرسول ﷺ مع قومها من بني سليم، وأسلمت معهم. شاعرة مشهور، استحسن النبي ﷺ شعرها، وانظر ترجمتها في "الشعر والشعراء" ص213، "الإصابة" 4/ 287.]]: سأَحْمِلُ نَفْسِي عَلَى آلَةٍ ... فَإِمَّا عَلَيْهَا وَإِمَّا لَهَا [[من قصيدة من غرر مراثيها في أخيها معاوية، وقيل: في رثاء صخر، وقولها: على آلة: على حالة وعلى خطة، فإما ظفرت وإما هلكت، انظر: "شرح ديوان الخنساء" ص 84، "مقاييس اللغة" (أول) 1/ 162.]] لأنها تنقلب فتعود تارة إلى إنسان وتذهب تارة، هذا معنى الآل في اللغة. ثم شبه بآل الرجل أشياء تسمى بهذا الاسم وإن لم فيه معنى الأول، كعمد الخيمة [[انظر: "مقاييس اللغة" (أول) 1/ 161، "اللسان" (أول) 1/ 174 - 175.]] تسمى آلا، تشبيها بآل الإنسان. وآل البعير: ألواحه [[في (أ)، (ج): (الوجه) وأثبت ما في (ب) لأنه موافق لما في كتب اللغة. قال ابن فارس: آل البعير ألواحه وما أشرف من أقطار جسمه "مقاييس اللغة" (أول) 1/ 161، وانظر: "اللسان" (أول) 1/ 173.]]، وقال [[(الواو) ساقطة من (ب).]] الشاعر: تَعَلَّمْتُ با جاد [[كذا في جميع النسخ، ومثله في "معاني القرآن" للفراء1/ 369، وفي "اللسان" (باجادا) 7/ 4178.]] وآلَ مُرَامِرٍ ... وَسَوَّدْتُ أَثْوابِي وَلَسْتُ بِكَاتِبِ [[مرامر بن مرة رجل من طيئ، قيل: إنه أول من وضع الهجاء، وآل: حروف الهجاء، لأنه شهر بها أو لأنه سمى أولاد الثمانية بأسماء جملها. ذكر البيت الفراء في "معاني القرآن"، وقال: أنشدني الحارثي 1/ 369، وهو في "اللسان" (مرر) 7/ 4178.]] ومرامر رجل وضع الهجاء، فسمى حروف الهجاء آل مرامر. ويقال للحواميم آل حم، ومنه قول الكميت: وَجَدْنَا لَكُمْ فِي آلِ [[كذا في جميع النسخ، وفي بعض المصادر، (حميم).]] حم آيةً ... فَأَوَّلَهَا [[في (ب): (بأولها) والرواية المشهورة للبيت (تأولها).]] مِنَّا تَقِيٌّ وَمُعْرِبُ [[البيت في ذكر بني هاشم، وكان الكميت متشيعا، يقول: وجدنا في سور (آل حميم) وهي التي أولها (حم) والآية: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى: 23]، يقول: من تأول هذه الآية لم يسعه إلا التشيع لآل البيت، على تقية، أو على غير تقية، والمعرب: المعلن لما في نفسه، انظر: "الكتاب" 3/ 257، "المقتضب" 1/ 238، 3/ 356، "الحجة" لابن خالوية ص312، "تهذيب اللغة" (عرب) 3/ 2379، (طسن) 3/ 2192، "المخصص" 17/ 37، "اللسان": (عرب) 5/ 2865، (حمم) 2/ 1006، ولم أجده في شعر الكميت.]] فعلى قول هؤلاء [[أي: على قول الذين قالوا: أصله (من آل يؤول أولاً) من الرجوع.]] تصغير الآل (أُويَلْ)، حكاه الفراء عن الكسائي [["تهذيب اللغة" (آل) 15/ 438، "المشكل" لمكي 1/ 46، و"الدر المصون" 1/ 341.]]، وكان أصله همزتان، فعوضت من أحدهما مدة. وقال أبو الفتح الموصلي (آل) [[في (ب): (ان). أخذ كلام أبي الفتح من "سر صناعة الأعراب" 1/ 101.]] أصله: أهل، ثم أبدلت الهاء همزة، كما قيل: هَنَرْتُ الثوب [[في (ب): (هيرت الثوب وايرته). قوله. (هنرت الثوب وأنزته وإياك وهياك) وردت في "سر صناعة الأعراب" 2/ 551 عند كلامه عن إبدال الهاء من الهمزة ومعنى (هنرت الثوب): جعلت له علما، ثم قلبوا الهاء همزة فقالوا: أنرت الثوب. انظر: "تهذيب اللغة" (آل) 15/ 438، "البيان" 1/ 37.]] وأنَرْتُه، وإياك وهِيَّاك. فصار: (أَأْل) فلما توالت الهمزتان، أبدلت الثانية ألفا، كما قالوا: آدم وآخر، وفي الفعل: آمن ونحوه. فالألف في (آل) [[في (ج): (الال).]] بدل من بدل [[(بدل من) ساقط من (ب).]] من الأصل [[الألف في (آل) بدل من الهمزة، والهمزة بدل من الهاء والهاء أصل. انظر "سر صناعة الأعراب" 1/ 101. وذهب أبو جعفر النحاس إلى أن (الألف) في (آل) بدل من الهاء مباشرة، انظر: "إعراب القرآن" 1/ 172 - 1732.]]، فجرت في ذلك مجرى التاء في القسم، فلذلك لا يستعمل (آل) في كل موضع يستعمل فيه (أهل) فلا يقال: انصرف إلى آلك، كما يقال: انصرف إلى أهلك، وكذلك لا يقال: آلك والليل، كما يقال أهلك والليل، وغير ذلك مما يطول ذكره. بل خصوا بالآل الأشرف والأخص دون الشائع الأعم، حتى لا يقال إلا في نحو قولهم القراء آل الله، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد [[انظر: "معاني القرآن" للأخفش 1/ 265، و"تفسير الطبري" 1/ 37.]]، ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ [غافر: 28]، وكذلك ما أنشده أبو العباس للفرزدق: نَجَوْتَ وَلَمْ يَمْنُنْ عَلَيْكَ [[في (ب): (ومن يمن على).]] طَلاَقَةً ... سِوى رَبِذِ [[في (ب) (زبد).]] التَّقْرِيبِ مِنْ آلِ أَعْوَجَا [[في "الديوان": (خرجت) بدل (نجوت) ومعنى (الرَّبِذ): المشي الخفيف، (التقريب): ضرب من السير يقارب فيه الخطو، (أعوج): فرس مشهور. ورد البيت في "سر صناعة الأعراب" 1/ 102، "ديوان الفرزدق" 1/ 117.]] لأن أعوج فيهم فرس [[في (ب): (فرش).]] مشهوَر، فلذلك قال: آل أعوج، ولا يقال: آل الخياط كما يقال: أهل الخياط، ولا آل الإسكاف [[(الإسكاف) نوع من الصناع، واسم لموضعين بنواحي النهروان من عمل بغداد. انظر: "القاموس" (سكف) ص 820، "معجم البلدان" 1/ 181.]] كما يقال: أهل الإسكاف. كما أن التاء في القسم لما كانت بدلا من بدل [[قال أبو الفتح (.. فجرت في ذلك مجرى التاء في القسم، لأنها بدل من الواو فيه، والواو بدل من الباء ..) "سر صناعة الأعراب" 1/ 102.]] وكانت فرع الفرع اختصت بأشرف الأسماء وأشهرها، وهو الله [[لفظ الجلالة غير موجود في (ب).]] عز اسمه. ولا يجوز أن يكون، ألف (آل) بدلا من الهاء، لأن الهاء لم تقلب ألفا في غير هذا الموضع، فيقاس [[في (ب): (فقياس).]] هذا عليه، وإنما تقلب الهاء همزة [[ذكر أبو الفتح قلب الهاء همزة في "سر صناعة الأعراب" 2/ 551، ونقل الواحدي عنه بعض الجمل في هذا الموضع.]] كما ذكرنا [[هذا آخر ما نقله المؤلف عن أبي الفتح بتصرف، "سر صناعة الأعراب" 1/ 100 - 102 والخلاصة أن في (آل) ثلاثة أقوال: 1 - أصله (أهل) أبدلت الهاء همزة، ثم أبدلت الهمزة ألفًا. == 2 - أصله: (أهل) ثم قلبت الهاء ألفا من دون قلبها همزة وهو قول النحاس كما سبق. 3 - وقيل: أصله: (أأول) من (آل يؤل). انظر "البيان" 1/ 81، "الإملاء" 1/ 35، "الدر المصون" 1/ 341.]]. وهذا الذي ذكره أبو الفتح مذهب البصريين، ويقولون في التصغير: (أُهَيْل) [[وقيل: يصغر على (أُوَيْل) انظر: "تفسير الطبري" 1/ 270، "سر صناعة الأعراب" 1/ 105، "تهذيب اللغة" 15/ 438، "البيان" 1/ 81.]] بالهاء. فمعنى (آل فرعون) أتباعه وأهل دينه [[انظر: "تفسير الطبري" 1/ 270، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 100.]]. (وفرعون) اسم لملوك العمالقة، كما يقال لملك الروم: (قيصر)، ولملك الفرس: (كسرى) ولملك الترك (خاقان) [[انظر: "تفسير الطبري" 1/ 270، "الكشاف" 1/ 279، "القرطبي" 1/ 327.]]. وقال بعض أهل اللغة: فرعون بلغة القبط، وهو التمساح [[انظر: "تهذيب اللغة" 3/ 2777، (الرباعي من حرف العين)، قال السهيلي عن المسعودي ولا يعرف له تفسير بالعربية. "التعريف والأعلام" ص 21، وانظر: "تفسير القرطبي" 1/ 327.]]، ويقال: تفرعن الرجل إذا تشبه بفرعون في سوء أفعاله [[انظر: "الصحاح" (فرعن) 6/ 2177، "الكشاف" 1/ 279.]]. وقوله تعالى: ﴿يَسُومُونَكُمْ﴾. (السوم) أن تُجشّم [[في (ج): (شجبتم).]] إنساناً مشقةً وسوءاً أو ظلماً [[ذكره الأزهري عن الليث، وفيه (.. أو سوءا ..) "تهذيب اللغة" (سام) 2/ 1600، "اللسان" (سوم) 4/ 2158.]]. وقال شمر: ساموهم سوء العذاب، أي: أرادوهم به. وقيل: عرضوا عليهم من السوم الذي هو عرض السلعة على البيع [["تهذيب اللغة" (سام) 2/ 1600، "اللسان" (سوم) 4/ 2157.]]. وقال أبو عبيدة: يسومونكم: يولونكم، يقال: سُمْته الذل، أي: أوليته إياه [["مجاز القرآن" 1/ 40، "تفسير الغريب" لابن قتيبة ص 48.]]. و ﴿سُوءَ العَذَابِ﴾: ما ساءهم، والسوء اسم جامع للآفات والدواء [[ذكره الأزهري عن الليث. "التهذيب" (ساء) 2/ 1583، وانظر: "تفسير الطبري" 1/ 271.]]. والزجاج وغيره: سوء العذاب: شديد العذاب [["معاني القرآن" للزجاج 1/ 100، وانظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 70 أ، و"تفسير أبي الليث" 1/ 117، و"العمدة في غريب القرآن" لمكي ص 75. قال الطبري: وقد قال بعضهم: أشد العذاب، ولو كان ذلك معناه لقيل أسوأ العذاب. "الطبري" 1/ 271.]]، وقد فسره بقوله: ﴿يُذَبِّحُونَ أَبْنَائَكُمْ﴾. وأصل الذبح في اللغة: الشق [["تهذيب اللغة" (ذبح) 2/ 1267، "اللسان" (ذبح) 3/ 1488.]]، ومنه: فَأْرَةَ مِسْكٍ ذُبِحتْ فِي سُكِّ [[بيت من الرجز لمنظور بن مرثد الأسدي، وقبله: كَأَنَّ بَيْنَ فَكِّهَا وَالْفَكِّ يصف طيب رائحة فم امرأة. و (الفك): عظم الحنك. (فأرة المسك): الأناء الذي يكون به المسك شبه بالفأرة، (ذبحت): شقت. (في سك): نوع من الطيب. ورد في "التهذيب" (ذبح) 2/ 1268، "المخصص" 11/ 200، 13/ 39، "اللسان" (ذبح) 3/ 1486، "شرح المفصل" 4/ 138، 8/ 91، "الخزانة" 7/ 468.]] وقال الهذلي [[هو أبو ذؤيب.]]: نَامَ الخَلِيُّ وَبِتُّ اللَيْلَ مُشُتَجِراً [[في جميع النسخ: (مستجراً) بالسين، و (فيه) والتصحيح من مصادر التخريج.]] ... كَأَنَّ عَيْنَيَّ فِيهَا الصَّابُ مَذْبُوحُ [[(الخلي): الذي ليس به هم. و (المشتجر): الذي قد شجر نفسه ووضع يده تحت خده ورأسه لا ينام من الهم، و (الشجر): ملتقى اللحيين، و (الصاب): شجر يخرج منه سائل مثل اللبن، إذا أصاب (العين) أحرقها، (مذبوح): مشقوق. انظر: "شرح أشعار الهذليين" 1/ 120، "تهذيب اللغة" (ذبح) 2/ 1268، "اللسان" (ذبح) 3/ 1488، "شرح المفصل" 10/ 124، "الخزانة" 3/ 143.]] أي: مشقوق. والذُبَاح والذُّبَّاح بالتخفيف والتشديد تشقق [[في (أ): (تشق) و (ج): (شق)، وأثبت ما في (ب)، لأنه أصوب، وموافق لما في "تهذيب اللغة".]] في الرجل [[انظر: "التهذيب" (ذبح) 2/ 1268، "اللسان" (ذبح) 3/ 1487.]]. ومن هذا سمى الكوكب: (سعدٌ الذَّابح)، لأنه يطلع في وقت يحدث فيه الشقاق في الرجل لأجل البرد [[في "التهذيب": (سمي ذابحًا لأن بحذائه كوكبًا صغيرًا كأنه قد ذبحه) 2/ 1269، "الصحاح" (ذبح) 2/ 44.]]، ولهذا تقول العرب: إذا طلع الذابح انجحر النابح. وسمي فري الأوداج ذبحاً، لأنه نوع شقّ، والتفعيل على التكثير [[انظر "اللسان" (ذبح) 3/ 1485.]]. و (الأبناء) جمع ابن. قال الزجاج: وأصله: بَنَا [[في "معاني القرآن" للزجاج: (والأصل كأنه إنما جمع بني وبنو ..) 1/ 101. وفي "القاموس": أصله: (بَنَى أو بَنَوٌ) "القاموس" (بنى) ص 1264.]] أو بِنْوٌ، فهو يصلح أن يكون (فِعْل)، وبَنَا أصله يكون بَنَوَ [[كذا ورد في (أ)، (ج)، وفي (ب): (وقال الزجاج: وأصله. بنا أو بنو فهو يصلح أن يكون فعل)، ويصلح أن يكون أصله بنو ...). ونص كلام الزجاج في (المعاني): (و (أبناءكم) جمع ابن، والأصل كأنه إنما جمع بني وبنو، ويقال: ابن بين البنوة، فهي تصلح أن تكون (فَعَل) و (فِعْل) كأن أصله بِناية، والذين قالوا: (بنون) كأنهم جمعوا (بنا) وبنون، فأبناء جمع (فَعَل) و (فِعْل) ..) 1/ 101. وقال الأزهري في "تهذيب اللغة": (وقال الزجاج (ابن) كان في الأصل: (بِنوٌ) أو (بَنَوٌ) .. ويحتمل أن يكون أصله: (بَنَيَا) ..) "تهذيب اللغة" (بنى) 1/ 396، وانظر: "الإغفال" ص 187، "المخصص" 13/ 192. وفي "الأشموني مع الصبان": أما ابن فأصله: بَنَوٌ، كقلم حذفت لامه تخفيفًا وسكن أوله وأتي بالهمز توصلًا وتعويضًا، ودليل فتح فائه قولهم في جمعه: بَنُون، وفي النسب: بَنَوِي بفتحها فيهما .. ودليل كون لامه (واوا) لا (ياء) ثلاثة أمور: أحدها: أن الغالب على ما حذف لامه الواو لا الياء. ثانيها: أنهم قالوا في مؤنثه: بنت فأبدلوها (التاء) من اللام، وإبدال التاء من الواو أكثر من إبدالها من الياء. ثالثها: قولهم: البنوة. ونقل ابن الشجري في "أماليه" أن بعضهم ذهب إلى أن المحذوف (ياء) واشتقه من بنى بامرأته يبني، لأن الابن مسبب عن بناء الأب بالأم. وهذا يدل على أن (الابن) لامه (ياء) .. وأجاز الزجاج الوجهين. انظر: "الأشموني مع حاشية الصبان" 4/ 275.]]، وإنما صارت ألفا، لأنها سكنت لتحرك ما قبلها ثم جرتها الفتحة التي قبلها فصيرتها ألفا، ومثله: قفا ورحا. قال: فالذين قالوا: (بنون) كأنهم جمعوا (بَنا) والذين قالوا: (أبناء) كأنه جمع (بِنْوُ)، مثل: حِنْو وأحناء وقِنْو وأقناء [["معاني القرآن" للزجاج 1/ 101، نقل كلامه بتصرف، انظر التعليق السابق.]]. قال أبو علي [["الإغفال" ص 189، نقل الواحدي عنه طويلا، وكلام أبي علي نقله ابن سيده في "المخصص" 13/ 192.]] لا يجوز في (ابن) أن يكون وزنه (فِعْلا) لأنه لا دلالة على أن الفاء منه مكسورة، بل الدليل قد قام على أن الفاء مفتوحة، وذلك قولهم: (بَنُون) فلو كان أصله: (بِنْوٌ) لأن (أَفْعال) لا تختص بجمع (فِعْل) [[في (ب)، (ج): (تفتح)، وفي (الحاشية) في (ج): (يفتح) ص 189.]] بل تكون [[(فعل) ساقط من (ج).]] -أيضا- جمعا لـ (فُعْل) و (فَعَل) و (فِعَل) و (فَعُل) [[(فعل) ساقط من (أ)، (ج) وأثبتهما كما في (ب)، والأمثلة بعدها تدل على ثبوتها، ولم ترد هذه الأوزان في كلام أبي علي وإنما ذكر بعضها قال: (.. لزمه أن يجيز في بنائه: (فعلا) و (فعلا) وغير ذلك ..) "الإغفال" ص 189.]]، و (فَعِل) نحو: بُرْد [[البرد، بالضم: ثوب مخطط، جمعه أَبْراد، وأَبْردُ. "القاموس المحيط" (برد) ص 267.]] وأَبْراد، وقَتَبٍ [[القَتَبَ، والقِتْبُ: إكاف البعير. "اللسان" (قتب) 3/ 2881.]]، وأَقْتَاب، وعِنَب وأَعْنَاب وعَضُد وأَعْضَاد، ونَمِر وأَنْمَار، فيلزمه أن يجيز في أصله هذه الأبنية، لأنها تجمع على (أَفْعَال) كما يجمع (فِعْل)، فليس (أَفْعَال) بدليل على أن (ابن) أصله فِعْل). فأما العين فالدليل على أنها مفتوحة أيضا قولهم في جمعه (أبناء) [[على وزن (أَفْعَال).]]، و (أَفْعَال) بابه أن يكون لـ (فَعَل) [[في (ب): (الفعل).]] نحو: جَبَل. وليس يجب أن يعدل بالشيء عن أصله وبابه حتى يقوم دليل يسوغ ذلك، ولم نعلم شيئا دل على أن العين ساكنة من (ابن) وعلمنا أنه ينبغي أن تكون متحركة لقولهم: (أَفْعَال) [[اختصر بعض كلام أبي علي، انظر: "الإغفال" ص 191.]]. ولا دلالة في قولهم: (بنت) على أن (ابنا) وزنه (فِعْل) لأن (بنتا) من (ابن) ليست كصعبة من صعب، فيحكم بأن (الفاء) من ابن مكسورة كما كان [[في (ب): (أن).]] في بنت مكسورة، لأن هذا البناء أعني: بناء (بنت) صيغ للتأنيث على غير بناء التذكير، فهو كحمراء من أحمر، غُيِّر بناء التأنيث عما كان يجب أن يكون عليه في أصل التذكير، وأبدل من الواو تاء، وألحق الاسم بِنِكْس [[النِّكْس: السهم الضعيف، الذي يَنْكَّس، أو ينكسر فُوقُه فيجعل أعلاه أسفله، والنِّكسْ الرجل الضعيف، وأصله المنِّكسْ من السهام. "اللسان" (نكس) 8/ 4541.]] وجذْع وما أشبه ذلك. فأما بنات في جمع بنت فهو مما يدل على ما قلنا من أصل الفاء من (ابن) الفتح، وَرُدَّ في الجمع إلى أصل بناء المذكر، كما رد (أخت) إلى أصل بناء المذكر، فقيل: أخوات، لأن أصل المذكر من كل واحد منهما (فَعَل)، فكما ردوا الحرف الأصلي في جمع (الأخت) وهو الواو فقالوا: (أخوات)، كذلك ردت الحركة التي كانت في أصل بناء المذكر في (ابن)، وقالوا: بنات [["الإغفال" ص193 - 195. (بتصرف واختصار)، وانظر: "المخصص" 13/ 193.]]. قال أبو علي: والمحذوف من (ابن) (الواو) دون (الياء) [[في "الإغفال": (فأما قوله -أي الزجاج- في اللام المحذوفة من (ابن) إنه يحتمل عنده أن يكون واوًا أو ياءً، وأنهما عنده متساويان في الحذف، فليس الأمر -عندي- كما قال، والمحذوف (الواو) دون (الياء) ..) "الإغفال" ص 195، وانظر "المخصص" 13/ 195.]]، الدليل على ذلك: أن المحذوف إذا أريد أن يعلم ما هو؟ نظر في التثنية أو الجمع [[في (ب): (والجمع).]]، أو فعل مأخوذ من ذلك اللفظ، أو جمعه المكسر، فإن وُجد في أحد ذلك واو أو ياء، حكم أن المحذوف هو ما يظهر في أحد هذه الأشياء. كما حكمت بـ (إخوة) أن المحذوف من (أخ) واو [[(واو) ساقطة من (ب).]]، وبـ (غدوت) أن المحذوف من (غد) واو، وبـ (دَمَيَان) أن المحذوف من (دم) ياء، وبـ (يدين) أن المحذوف من (يد) ياء. وليس في (الابن) [[في (ب): (بن).]] شيء يستدل به على أن المحذوف (ياء) أو (واو)، فوجب أن يحمل على نظيره، ونظيره (أخت)، لأنه صفة ألحقت في التأنيث بـ (قُفْل) [[في "الإغفال" (فُعْل) ص 196، وفي "المخصص" (قُفل) 13/ 195.]]، كما ألحقت (بنت) بـ (عِدْل). والمحذوف من (أخت) الواو لقولهم: (إخوة) [[استدل بجمع التكسير على أن المحذوف من (أخت) واو.]] كذلك ينبغي أن يكون المحذوف من (بنت) الواو. وأيضًا فإن التاء في (بنت) ليست علامة للتأنيث [[في "الإغفال": (وهذه التاء لا تخلو من أن تكون بدلا من لام الفعل، أو علامة للتأنيث، فلو كانت علامة للتأنيث لا نفتح ما قبلها ..) ص 197.]]، وإنما هي بدل من اللام، لأنها لو كانت علامة للتأنيث لانفتح ما قبلها، كما ينفتح ما قبلها في غير هذا الموضع، نحو: طلحة وحمزة وتمرة، فلما لم تنفتح [[في (ب): (يفتح).]] علمنا أنه بدل، وإبدال التاء من الواو كثير، كالتاء في أخت، وكذلك في كلتا [[الأصل فيهما (كِلْوَا) انظر: "صناعة الإعراب" 1/ 149.]]، وكذلك مثّله سيبويه [[انظر: "الكتاب" 3/ 364، وانظر: "الإغفال" ص 198، "المخصص" 13/ 195، 196.]] بِشَرْوى. ونذكر الكلام في (كلتا) إذا انتهينا إليه إن شاء الله. فإن قيل: لو كان الأمر على ما قلتم، لقيل في جمع الأخت والبنت: أختات وبنتات، فلما حذفوا التاء في الجمع دل أنها للتأنيث، وكذلك حذفهم إياها عند النسبة إليها يدل على أنها للتأنيث، كما قالوا: طلحات وطلحي. قلنا: هذا البناء الذي وقع [إلحاق] [[في (أ): (الحاق) بدون إعجام، وفي ب، ج (الحاو) وفي "الإغفال" (والجواب أن هذه التاء للإلحاق كما قلنا، والدليل ما قدمنا، وإنما حذف في الإضافة وهذا الضرب من الجمع لأن هذا البناء الذي وقع الإلحاق فيه، وإنما وقع في بناء المؤنث دون المذكر ..) ص 199، "المخصص" 13/ 196.]] التاء [[في (ج): (التاء).]] فيه، وإنما وقع في بناء المؤنث دون بناء المذكر، فصار البناء في الموضعين لذلك، لا لأنه للتأنيث، وغُيِّر البناء في هذين الموضعين وَرُدَّ إلى التذكير من حيث حذفت علامة [[في "الإغفال": (علامات) ص 199، "المخصص" 13/ 196.]] التأنيث في هذين الموضعين، لأن الصيغة قامت مقام العلامة، فكما غُيِّرت [[في "الإغفال": (غير) ص 199، ومثله في "المخصص" 13/ 196]] ما فيه علامة بحذفها، كذلك غُيِّرت هذه الصيغة بردها إلى المذكر، وإذ [[في (ب): (إذا).]] كانت الصيغة قد قامت مقام العلامة، فمن حيث وجب أن يقال: طَلْحَات وطَلْحِيّ، وجب أن يقال: أَخوَات وأَخَوَيّ. وتعقب أبو الفتح هذه المسألة [[تكلم أبو الفتح ابن جني عن هذه المسألة في كتاب "سر صناعة الأعراب" أثناء كلامه عن إبدال التاء من الواو، وقد تصرف الواحدي في كلامه واستل منه ما يناسب هذا المبحث. انظر: "سر صناعة الأعراب" 1/ 149.]] وزاد بياناً فقال: قد أبدلت التاء من الواو (لاماً) في: أخت وبنت، وأصلهما أخوة وبِنْوَة، فنقلوا، ووزنهما [[في (ب): (ووزنها). هكذا ورد في جميع النسخ، وفيه غموض، والنص في "سر صناعة الأعراب" (.. فنقلوا أخوة وبنوة، ووزنهما (فَعَلٌ) إلى (فُعْل) و (فِعْل) ..) "سر صناعة الأعراب" 1/ 149.]]: (فَعَل) إلى (فُعْل) و (فِعل) وألحقوهما بالتاء [[في (ب): (المبدلة).]] المبدلة من لامهما [[في (ب): (لامها) وهو الثابت في صلب "سر صناعة الأعراب"، وفي الحاشية (ب) (لامهما) "سر صناعة الأعراب" 1/ 149.]] بوزن (قُفْل) و (حِلْس)، فقالوا: أخت وبنت، وليست التاء فيهما بعلامة التأنيث كما يظن من لا خبرة له بهذا الشأن، لسكون ما قبلها، هكذا مذهب سيبويه، وهو الصحيح، وقد نص عليه في باب مالا ينصرف، فقال: لو سميت بهما رجلا لصرفتهما معرفة، ولو كانت للتأنيث لما أنصرف الاسم [[انظر: "الكتاب" 3/ 221، 361 - 364، "سر صناعة الأعراب" 1/ 149.]]. وعلامة التأنيث في الأخت والبنت صيغتهما [[هذا جواب سؤال أثاره أبو الفتح قال: (فإن قيل: فما علامة التأنيث في أخت وبنت؟) فأجاب عنه بما نقله الواحدي هنا. انظر: "سر صناعة الأعراب" 1/ 150.]] وهو بناؤهما على (فُعْل) و (فِعْل) وأصلهما (فَعَل) وإبدال الواو فيهما لاما، وهذا عمل اختص به المؤنث، لأنه لم يوجد إلا في هذين وفي كلتا [[قوله: (لأنه لم يوجد في هذين وفي كلتا) ليس من كلام أبي الفتح في "سر صناعة الأعراب" 1/ 150.]]، ويدل أيضا على إقامتهم (البنت) [[في "سر صناعة الإعراب" (إقامتهم إياه مقام ..) 1/ 150.]] مقام ما فيه [[في (ب): (ما في).]] العلامة الصريحة، وتعاقبهما على الكلمة الواحدة، وذلك نحو: ابنة وبنت، فالصيغة في (بنت) قامت مقام (الهاء) في ابنة، فكما أن (الهاء) علم تأنيث لا محالة، وكذلك صيغة (بنت) علم تأنيث لا محالة، وليس (ابن) من (بنت)، كصعب من صعبة [[في "سر صناعة الإعراب": (وليس بنت من ابن كصعبة من صعب ..) "سر صناعة الإعراب" 1/ 150.]]، إنما نظير صعبة من صعب ابنة من ابن. ويدل على أن (ابن) [[كذا في جميع النسخ، وفي "سر صناعة الإعراب" (أن أخا وابنا) وفي الحاشية: (في ش: أن أخ وابن) 1/ 150.]] و (أخ) (فَعَل) مفتوحة، جمعهم إياهما على أَفْعَال نحو أبناء وآخاء، حكى سيبويه [["الكتاب" 3/ 363، "سر صناعة الإعراب" 1/ 150.]] (آخاء) عن يونس. قال أبو إسحاق: والأخفش يختار أن يكون المحذوف من ابن (الواو). قال [[أي أبو إسحاق.]]: والبُنُوَّة [[في (أ) ، (ج): (البنُو) وأثبت ما في (ب) لأنه موافق لما في "معاني القرآن" للزجاج 1/ 102.]] ليس بشاهد قاطع للواو، لأنهم يقولون: الفُتُوَّة، والتثنية [[(والواو) ساقطة من (ب).]]: فتيان، فابن يجوز أن يكون المحذوف منه (الواو) [[في "معاني للزجاج": (الواو) أو (الياء) 1/ 102.]] و (الياء)، وهما عندنا متساويان. وأبو علي ينكر أن يكون المحذوف الياء دون الواو [[قال أبو علي: (ما أعلم الأخفش نص على هذه المسألة، أن الاختيار عنده أن يكون (الواو)، وأنه يجيز أن المحذوف الياء ..) "الإغفال" ص 202 - 203.]]، وقد دل فيما ذكرنا من كلامه أن المحذوف هو الواو. فأما إدخال ألف الوصل في (ابن)، فإنما أدخلت كما أدخلت في الاسم، وقد فرغنا منه في أول الكتاب [[انظر ما سبق في أول تفسير الفاتحة.]]. قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَحْيُونَ نِسَائَكُمْ﴾. (يستحيون) يستفعلون من الحياة، ومعناه: يَسْتَبْقُونهن [[في (ب): (يستبقوهن).]]، ولا يقتلونهن [[انظر: "تفسير الطبري" 1/ 372، و"الثعلبي" 1/ 70 ب، "زاد المسير" 1/ 78، وذكر الطبري عن أبي العالية وضعفه: (يستحيون) يسترقون. "الطبري" 1/ 372.]]، ومنه قوله ﷺ: "اقتلوا شيوخ المشركين واستحيوا شرخهم" [[أخرجه أبو داود عن سمرة بن جندب، وفيه (استبقوا) بدل (استحيوا) انظر: "سنن أبي داود" 2670 كتاب (الجهاد)، باب (في قتل النساء)، والترمذي (1583) أبواب (السير) باب (ما جاء في النزول عن الحكم) وفيه: الشرخ: الغلمان الذين لم ينبتوا. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب. عارضه الأحوزي وأخرجه أحمد في "مسنده" 5/ 12، 20. ورمز السيوطي له بالصحة في "الجامع الصغير". انظر: "فيض القدير شرح الجامع" 2/ 76.]]. واسم النساء يقع على الكبار والصغار، وذلك أنهم كانوا يستبقون البنات [[في (ب): (جميع البنات).]] لا يقتلونهن. وقيل: سمى البنات نساء على تقدير أنهن يكن نساء، وقيل: جمع الكبار والصغار بلفظ النساء، لأنهم كانوا يستبقون جميع [[(جميع) ساقط من (ب).]] الإناث، فجرى اللفظ على التغليب كما يطلق الرجال على الذكور وإن كان فيهم صغار [[واختار هذا الوجه ابن جرير في "تفسيره" 1/ 274، انظر: "تفسير ابن عطية" 1/ 286، " القرطبي" 1/ 330، "البحر" 1/ 164.]]. فإن قيل: فما في استحياء النساء من سوء العذاب؟ قيل: إن استحياء النساء على ما كانوا يعملون بهن أشد في المحنة من قتلهن، لأنهن يستعبدن وينكحن على الاسترقاق، والاستبقاء للإذلال استبقاء محنة [[انظر: "تفسير ابن عطية" 1/ 286، "زاد المسير" 1/ 78، "الرازي" 1/ 68، "البحر" 1/ 19.]]. قوله تعالى: ﴿وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾. البلاء: اسم ممدود من البلو، وهو الاختبار والتجربة [[انظر: "التهذيب" (بلا) 1/ 379، "اللسان" (بلا) 1/ 355.]]. يقال: بَلاَه يَبْلُوه بَلْواً إذا جَرَّبَه، وَبَلاَه يَبْلُوهُ بَلْواً إذا ابتلاه الله ببلاء [[ذكره الأزهري عن الأصمعي. "التهذيب" (بلا) 1/ 379.]]. قال أبو الهيثم: البلاء يكون حسنا ويكون سيئا، وأصله: المحنة، والله عز وجل يبلو عباده بالصنيع الحسن، ليمتحن شكرهم عليه، ويبلوهم بالبلوى الذي يكرهون، ليمتحن صبرهم، فقيل للحسن: بلاء، وللسيئ: بلاء [[ذكره الهروي عن أبي الهيثم، ولفظه: (يبلو عبده) بلفظ المفرد "الغريبين" 1/ 209، 210، وذكره القرطبي في "تفسيره" عن الهروي 1/ 330.]] لأن أصلهما: المحنة، ومنه قوله: ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ﴾ [الأعراف: 168]، وقال: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [[(الواو) ساقطة من (ب)]] [الأنبياء: 35]، وقال في الخير: بلاه الله، وأبلاه [[انظر: "تفسير الطبري" 1/ 275، "الصحاح" (بلا) 6/ 2285.]]. قال زهير: [[في (ج): (زهير بن جناب).]] جَزى اللهُ بِالْإِحْسَانِ مَا فَعَلاَ بِكُم ... وَأَبلاَهُمَا خَيْرَ البَلاَءِ الذي يَبْلُو [[من قصيدة لزهير يمدح سناد بن أبي حارثة ويروى بالديوان (رأى الله) ورد البيت في: "معانى القرآن" للزجاج 1/ 102، "التهذيب" (بلا) 1/ 379، "الصحاح" (بلا) 6/ 2285، "اللسان" (بلا) 1/ 355، "الخصائص" 1/ 137، و"القرطبي" 1/ 330، و"الرازي" 3/ 70، و"ابن كثير" 1/ 96، "الدر المصون" 1/ 348، "فتح القدير" 1/ 131، "شرح ديوان زهير" ص 109.]] أي: صنع بهما خير الصنيع الذي يبلو به عباده [["تهذيب اللغة" (بلا) 1/ 379.]]. قال الليث: ويقال من الشر أيضا يُبْلِيه إِبْلاَء [[في "تهذيب اللغة" عن الليث: (الله يبلى العبد بلاءً حسنًا، ويبليه بلاءً سيئًا، (بلا) 1/ 379، قال الطبري: الأكثر في الشر أن يقال: (بلوته أبلوه بلاء) وفي الخير: (أَبْلَيْته أُبْلِيه إِبْلاَءً وبَلاَءً).]]. والذي في هذه الآية يحتمل الوجيهن، فإن حملته على الشدة، كان معناه: في أستحياء البنات للخدمة وذبح البنين بلاء ومحنة [[ذكره أبو الليث في "تفسيره" 1/ 117، وابن الأنباري في "الزاهر" 1/ 348، و"الثعلبي" 1/ 70 ب، و"الكشاف" 1/ 279، و"البغوي" 1/ 91، "زاد المسير" 1/ 78، و"الرازي" 3/ 70، و"القرطبي" 1/ 330، ونسبة للجمهور، و"ابن كثير" 1/ 97، و"البيضاوي" 1/ 25، و"النسفي" 1/ 43، و"الخازن" 1/ 121.]]. وهو قول ابن عباس من رواية عطاء والكلبي [[أخرج الطبري في "تفسيره" بسنده عن عكرمة عن ابن عباس نحوه 1/ 272، ولم أجده من طريق عطاء والكلبي.]]. وإن حملته على النعمة، كان المعنى: وفي [[(الواو) ساقطة من (ب).]] تنجيتكم من هذه المحن نعمة عظيمة، وهو قول مجاهد والسدي [[ذكره ابن جرير بسنده عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وعن السدي، وعن مجاهد، وعن ابن جريح. "تفسير الطبري" 2/ 274، و"ابن أبي حاتم" 1/ 106، والزجاج في "معاني القرآن" 1/ 102، وابن قتيبة في "الغريب" ص 40، ورجح هذا القول الرازي في "تفسيره" 3/ 70. انظر: "تفسير القرطبي" 1/ 330، و"ابن كثير" 1/ 96.]]، ومثل هذا في احتمال الوجهين، قوله في قصة إبراهيم: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ﴾ [الصافات: 106].

البقرة 2:50

قوله تعالى: ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ﴾ وذلك [[في هوامش نسخة (أ) زيادة من الكاتب صدرها بقوله (ش من ك) أي شرح من الكاتب، وهي في جميع المواضيع منقولة بنصها من "الكشاف" للزمخشري، وأثبت ما ذكره في هذا الموضع للاطلاع والفائدة: (ش من ك. فرقنا: فصلنا بين بعضه وبعض، حتى صار فيه مسالك لكم، وقرئ (فرَّقنا) بمعنى: فصلنا. يقال: فرق بين الشيئين، وفرق بين الأشياء، لأن المسالك كانت اثني عشر، على عدد الأسباط. وأما (بكم) ففيه أوجه: أن يراد كانوا يسلكونه ويتفرق الماء عند سلوكهم فكأنما فرق بهم كما يفرق بين الشيئين بما يوسط بينهما. وأن يراد فرقناه بسببكم، وبسبب إنجائكم. وأن يكون في موضع الحال، بمعنى: فرقناه ملتبسا بكم كقوله: تدوس بِنَا الجَمَاجِمَ والتَّرِيبَا أي: تدرسها ونحن راكبوها. انتهى تعليق الكاتب، والكلام بنصه في "الكشاف" 1/ 280. == قوله: وقرئ (فرَّقنا): بها قرأ الزهري، انظر: "تفسير ابن عطية" 1/ 288، والقرطبي في "تفسيره" 1/ 330، "البحر" 1/ 197. - وقوله: (تدوس بِنَا الجَمَاجِمَ والتَّرِيبَا): البيت للمتنبي، وصدره: فَمَرَّتْ غَيْرَ نَافِرَةٍ عَلَيْهِم و (التريبا): لغة في التراب. انظر: "ديوان المتنبي شرح العكبري" 1/ 138، "الكشاف" 1/ 506، "البحر" 1/ 127، "الدر المصون" 1/ 349.]] أن الله تعالى فرق البحر اثني عشر طريقا، حتى خاض بنو إسرائيل، وكان [[(كان) ساقط من (ج).]] ذلك فرقا بهم، لأنهم كانوا حشو البحر، والماء منفصل بعضه عن بعض، وهم يمرون فيما بينه [[انظر: "تفسير الطبري" 1/ 275، و"أبي الليث" 1/ 117، و"معاني القرآن" للزجاج 1/ 103، و"تفسير ابن عطية" 1/ 228.]]. وأما (البحر) فقال الليث: سمي بحراً لاستبحاره، وهو سعته وانبساطه، ويقال: استبحر فلان في العلم، إذا اتسع فيه، وتبحر الراعي في رعي كثير، وتبحر فلان في المال [["تهذيب اللغة" (بحر) 1/ 282.]]. وقال غيره: سمي البحر بحراً، لأنه شق في الأرض، والبحر: الشق [[ذكره الأزهري، "تهذيب اللغة" (بحر) 1/ 282.]]، ومنه البحِيرَة [[قال الأزهري: قال أبو إسحاق النحوي: وأثبت ما روينا عن أهل اللغة في البَحِيرَة: أنها الناقة، كانت إذا نتجت خمسة أبطن فكان آخرها ذكرا، بحروا أذنها، أي: شقوها، وأعفوا ظهرها من الركوب والحمل، والذبح، ولا تُحَلَّأ عن ماء ترده، ولا تمنع من مرعى، وإذا لقيها المُعْيي المنقطع به لم يركبها. "تهذيب اللغة" (بحر) 1/ 282، وانظر: "اللسان" (بحر) 1/ 215.]]. أبو عبيد، عن الأموي [[هو عبد الله بن سعيد بن أبان بن سعيد بن العاص، القرشي، الأموي، كان متمكنا في علم النحو واللغة، وكان ثقة، حكى عنه أبو عبيد كثيرا، مات بعد سنة ثلاث ومائتين. انظر: "تاريخ بغداد" 9/ 470، "الأنساب" 1/ 350، "إنباه الرواة" 2/ 120.]]: أن البحر: هو الملح [[في (ب): (إن الماء البحر) وفي "تهذيب اللغة": (والماء البحر هو الملح) 1/ 282.]]، ويقال: أبحر الماء، أي صار ملحا [["تهذيب اللغة" (بحر) 1/ 282، وانظر: "الغريبين" 1/ 134.]]. قال نُصَيْب [[هو نُصَيب بن رباح مولى عبد العزيز بن مروان، شاعر من فحول الشعراء الإسلاميين، انظر ترجمته في "الشعر والشعراء" ص260، "معجم الأدباء" 19/ 228.]]: وَقَدْ عَادَ مَاءُ الأَرْضِ بَحْراً فَرَدَّنِي ... إِلَى مَرَضِى أَنْ أَبْحَرَ المَشْربُ العَذْبُ [[ورد البيت في "تهذيب اللغة" (بحر) 1/ 282، "الصحاح" (بحر) 2/ 585، "مقاييس اللغة" (بحر) 1/ 215، "الغريبين" 1/ 134، "مفردات الراغب" ص 37، "اللسان" (بحر) 1/ 215، "فتح القدير" 1/ 132، وفي أكثر المصادر: (فزادني) بدل: (فردني).]] وقوله تعالى: ﴿وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ﴾. ولم يذكر غرق فرعون نفسه، لأنه قد ذكره في مواضع كقوله: ﴿فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا﴾ [الإسراء: 103]. ويجوز أن يريد بآل فرعون نفسه [[في (ب): (عن نفسه). أو يدخل معهم، ووجوده معهم مستقر ومعلوم. انظر: "تفسير أبي الليث" 1/ 117، "زاد المسير" 1/ 78، "البحر" 1/ 198.]]، وبيان هذا [[أي أنه يطلق (آل فرعون) ويراد به نفسه كما في (آل موسى).]] يذكر عند قوله: {مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ} [البقرة: 248]، إن شاء الله. وقوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾. وذلك أنهم لما خرجوا من [[في (ب): (عن).]] البحر رأوا انطباق البحر على فرعون وقومه. وقال محمد بن جرير: (وأنتم تنظرون) إلى فرق الله البحر وإنجائكم من عدوكم [[وهذا على تفسير (النظر) هنا بالمشاهدة، وقد قال بعضهم: إنه بمعنى العلم، كالفراء ورد عليه ابن جرير هذا. انظر: "الطبري" 1/ 278، "معاني القرآن" للفراء 1/ 36، "تفسير أبي الليث" 1/ 118، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 103.]].

البقرة 2:51

قوله تعالى: ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ الآية. يقال: وَعَدْتُه وَعْدَا وعِدَةً [[في (أ): (وعدء) وأثبت ما في (ب)، (ج) لأنه الصواب.]] وَموْعِداً وَموْعِدةً [[الكلام عن لفظ (وعد) واشتقاقه واستعمالاته نقله عن "الحجة" لأبي علي 2/ 56، وانظر: "تهذيب اللغة" (وعد) 4/ 3915، "اللسان" 8/ 4871.]]، قال الله: ﴿إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ﴾ [التوبة: 114]، وقال: ﴿وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا﴾ [الكهف: 59]. ويقال: وعدني الخير والشر [[انظر: "تهذيب اللغة" (وعد) 4/ 3915.]]، قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا﴾ [طه: 86] ﴿النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الحج: 72]. فأما الإيعاد فهو في التهديد. قال الشاعر: أَوْعَدَنِي بِالسِّجْنِ والْأَداَهِمِ [[في (ب): (الاداهمى). البيت لعُدَيْل بن الفَرْخ، وبعده: رِجْلِي وَرِجْلِي شثنة المْنَاَسِمِ الأداهم: جمع أدهم، وهو القيد، شثنة: غليظة، المناسم: طرف خف البعير استعارة للإنسان. ورد البيت في "الحجة" لأبي علي 2/ 57، وفي كتب اللغة مادة == (وعد) في "تهذيب اللغة" 4/ 3915، "الصحاح" 2/ 551، "المحكم" 2/ 137، "مقاييس اللغة" 3/ 134، "اللسان"، 8/ 4871، وفي "معاني القرآن" للفراء 1/ 197، "الحروف" لابن السكيت ص 97، "الهمع" 5/ 217، "شرح المفصل" 3/ 70، "شرح ابن عقيل" 3/ 251، "الخزانة" 5/ 188، "شرح شذور الذهب" ص 524.]] والوعيد كالإيعاد، قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ﴾ [إبراهيم: 14] وأكثر ما يستعمل الإيعاد بالباء [[في (ب)، (ج): (بالياء).]]، فيقال: أوعدته بالشر، ويجوز أن تقول [[في (أ)، (ج) (يقول) ما في (ب) أنسب للسياق.]] أوعدته، من غير ذكر الشر، ولا يكون إلا في الشر [[ذكره أبو علي عن أحمد بن يحيى، "الحجة" 2/ 57، وانظر "تهذيب اللغة" (وعد) 4/ 3915.]]. والميعاد من: الوعد [[في (ب): (الوعيد).]] [لأنه لم يرد في الخير [[في (أ): (الخبر) وما في (ب)، (ج) هو الصواب.]]، ولذلك قلنا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [آل عمران: 9]، [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]] ويجوز أن يخلف الوعيد فيكون ذلك منه كرما [[اختصر كلام أبي علي، انظر: "الحجة" 2/ 57، 58، وسياق أبي علي أوضح.]]. و (الوعد) [[في (ب): (الوعيد) وفي "الحجة": (وعدت) فعل يتعدى إلى مفعولين ...) 2/ 59.]] يتعدى إلى مفعولين، ويجوز أن يقتصر على أحدهما كأعطيت، وليس كظننت، قال الله تعالى: ﴿وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ﴾ [طه: 80]، فـ (جانب) مفعول ثان، ولا يكون ظرفا لاختصاصه [[ولا يسمى ظرفًا في اصطلاح النحويين، وانما يسمى اسم مكان فقط، لأن == الظرف الاصطلاحي: هو الذي يتضمن معنى: لفظا أو تقريرا، فالوعد وقع على الجانب ولم يقع فيه، بمعنى الموعد به هو الجانب نفسه لا شيء آخر يكون فيه، وهذا يسمى مفعولا به ولا يسمى ظرفا على الراجح. انظر: "الأشموني مع حاشية الصبان" 2/ 126. والظرف المختص من المكان ماله صورة وحدود محصورة نحو الدار والمسجد، والظرف غير المختص من المكان وهو المبهم، ما ليس كذلك نحو الجهات الست. انظر: "حاشية الصبان على الأشموني" 2/ 129، "وحاشية الخضري على شرح ابن عقيل" 1/ 198.]]، والتقدير: وعدناكم إتيانه أو مكثًا [[في (ج): (سكنا).]] فيه. [وقوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ [المائدة: 9] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]] وقوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ [النور: 55] [[(منكم) سقط من (أ)، (ج).]] فإن الفعل لم يعد منه [[كذا في جميع النسخ، وفي "الحجة" (فيه) 2/ 60.]] إلى مفعول ثان، وقوله: ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ و ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ﴾ تفسير للوعد وتبيين له كقوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: 11] فقوله: ﴿لِلذَّكَرِ﴾ تبيين للوصية، وليس بمفعول ثان، وقوله [[في "الحجة": وأما قوله: ﴿أَلَمْ يَعِدْكُمْ﴾ ..) 2/ 60.]]: ﴿أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا﴾ [طه: 86] وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ﴾ [إبراهيم: 22] فإن هذا ونحوه يحتمل أمرين: يجوز أن يكون انتصاب الوعد بالمصدر. ويجوز أن يكون انتصابه بأنه المفعول الثاني. وسمي الموعود به وعدا [[في "الحجة": (الوعد) 2/ 60.]]، كما سمي المخلوق خلقاً. وقوله [[في "الحجة": (وأما قوله: ..) 2/ 61.]]: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ﴾ [الأنفال: 7] فـ ﴿إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ﴾ في موضح نصب بأنه المفعول الثاني و ﴿أَنَّهَا لَكُمْ﴾ بدل منه، والتقدير: وإذ يعدكم الله ثبات إحدى الطائفتين أو ملكها [["الحجة" 2/ 61.]]. فأما قوله: ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ [[في (ب): (وعدنا).]] فتعلق (الأربعين) بالوعد على أنه المفعول الثاني لا بالظرف، لأن الوعد لم يكن في جميع الأربعين كلها، ولا في بعضها، وإنما الوعد تقضي الأربعين، والتقدير: وعدنا موسى انقضاء أربعين ليلة أو تتمة أربعين ليلة، فحذفت المضاف، كما تقول: اليوم خمسة عشر من [[في (ج): (ض).]] الشهر، أي تمامه [["الحجة" 2/ 64، 65، وانظر: "معاني القرآن" للأخفش 1/ 264، "المشكل" لمكي 1/ 47، "الإملاء" 1/ 36، "البحر" 1/ 199، وقد ذكر الطبري هذا القول، ثم رده، ورجح: أن الأربعين كلها داخلة في الميعاد، قال: (وقد زعم بعض نحويي البصرة: أن معناه: وإذ واعدنا موسى انقضاء أربعين ليلة، أي رأس الأربعين ....). ثم قال: (وذلك خلاف ما جاءت الرواية عن أهل التأويل، وخلاف ظاهر التلاوة ..) الطبري 1/ 280. ونحوه قال ابن عطية: (وكل المفسرين على أن الأربعين كلها ميعاد) "تفسير ابن عطية" 1/ 292، وانظر: "القرطبي" 1/ 337.]]. ويكون في الكلام محذوف به يتم [[في (ب): (تم).]] المعنى، كأنه قال: وعدناه انقضاء أربعين ليلة للتكلم [[في (ب): (للمتكلم).]] معه، أو لإيتائه التوراة أو ما أشبه هذا. واختلف القراء في قوله تعالى: ﴿وَاعَدْنَا﴾ فقرأ أكثرهم [[قرأ أبو عمرو بغير ألف ووافقه من العشرة أبو جعفر ويعقوب، والباقون بالألف انظر: "السبعة" ص 155، "الحجة" لأبي علي 2/ 56، "التيسير" ص73، "التبصرة" ص25، "الغاية" ص 101، "النشر" 2/ 212، "تحبير التيسير" ص87.]] بالألف من المواعدة، لأن ما كان من موسى من قبول الوعد والتحري لإنجازه والوفاء به يقوم مقام الوعد، وإذا كان كذلك حسن القراءة بـ (واعدنا) لثبات التواعد من الفاعلين، كما قال: ﴿وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ [[(لكن) ساقط من (أ) و (ج) تصحيف في الآية.]] [البقرة: 235] و-أيضا- فإن المفاعلة قد تقع من الواحد كسافر، وعافاه الله [[قال أبو علي: (.. فإذا كان الوعد من الله سبحانه، ولم يكن من موسى، كان من هذا الباب) "الحجة" 2/ 67.]]، وقد مر [[مر في تفسير قوله تعالى: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: 9] ، وانظر: "الحجة" لأبي علي 2/ 66، "حجة القراءات" لابن زنجلة: ص96، "الحجة" لابن خالويه: ص77، "الكشف" لمكي 1/ 240.]]. وقرأ أبو عمرو [[في (ب): (أبو عمر).]] (وعدنا) لكثرة ما جاء في القرآن من هذا القبيل بغير ألف، كقوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا﴾ [[المائدة:9، والنور: 55، والفتح:29.]]، ﴿أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ﴾ [طه: 86]، ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ﴾ [الأنفال: 7]، ﴿إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ﴾ [إبراهيم: 22]، ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ﴾ [الفتح: 20]، فرد المختلف في إلى المتفق عليه [["الحجة" لأبي علي 2/ 67. وقال ابن زنجلة: وحجة أن المواعدة إنما تكون بين الآدميين. "حجة القراءات": ص96، انظر: "الحجة" لابن خالويه: ص77، == "الكشف" لمكي 1/ 239، قال الطبري: (.. والصواب عندنا في ذلك من القول: أنهما قراءتان قد جاءت بهما الأمة وقرأت بهما القَرَأة، وليس في القراءة بأحدهما إبطال معنى الأخرى ..) ثم رد على من قال: إنما تكون المواعدة بين البشر. "تفسير الطبري" 1/ 279.]]. وأما (أربعين) فقال أبو الفتح الموصلي [["سر صناعة الأعراب" 2/ 626.]]: إن العقود من (عشرين) إلى (تسعين) كأن (عشرين) جمع (عِشْر)، و (ثلاثين) جمع (ثلاث)، و (أربعين) جمع (أربع). وليس الأمر كذلك؛ لأن (العِشْر) غير معروف إلا في أظماء الإبل [[(العِشْر) بكسر العين خاص بورود الإبل اليوم العاشر أو التاسع. انظر: "القاموس" (عشر): ص 440.]]، ولو كان (ثلاثون) جمع (ثلاثة) [[في "سر صناعة الأعراب": (ثلاث) 2/ 626]] لوجب أن يستعمل في (تسعة) وفي (اثني عشر) وفي كل عدد الواحد من تثليثها (ثلاث) [[في "سر صناعة الأعراب": (.. لوجب أن يستعمل في (تسعة) وفي (اثني عشر) وفي (خمسة عشر) وكذلك إلى (سبعة) ولجاز أن يتجاوز به إلى ما فوق الثلاثين من الأعداد التي الواحد من تثليثها فوق العشرة ..) 2/ 626.]]. وكذلك القول في (أربعين) و (خمسين) إلى (التسعين) فقد ثبت بهذا أن (أربعين) ليس جمع (أربع) وكذلك سائر العقود، ولكنه جار مجرى (فلسطين) و (قِنَّسْرين) [[(قِنَّسْرين) بكسر أوله وفتح ثانيه وتشديده، مدينة بالشام. انظر: "معجم البلدان" 4/ 403.]] في أنه اسم واحد لهذا العدد المخصوص [[نص عبارة أبي الفتح: (فقد ثبت بهذا أن (ثلاثين) ليس جمع (ثلاث) وأن (أربعين) ليس جمع (أربع)، ولكنه جرى مجرى (فلسطين) في أن اعتقد له واحد مقدر وإن لم يجر به استعمال فكأن (ثلاثين) جمع (ثلاث) و (ثلاث) جماعة فكأنه قد كان ينبغي أن تكون فيه (الهاء) ..) "سر صناعة الأعراب" 2/ 626.]]، ولكنه أشبه في الظاهر أنه جمع (أربع) ولو اعتقد له واحد مفرد وإن لم يجز به استعمال كان (أربعا)، (أربع) جماعة فكأنه قد كان ينبغي أن يكون فيه (الهاء) فعوض من ذلك [[في (ب): (هذا).]] الجمع بالواو والنون، وعاد الأمر فيه إلى قصة (أرض) و [[(الواو) ساقطة من (ب).]] (أرضون) [[انتهى ما نقله عن أبي الفتح ابن جني الموصلي بتصرف. انظر: "سر صناعة الأعراب" 2/ 626، 627. ورأي أبي الفتح أن (أربعين) يجري مجرى جمع المذكر السالم فيعرب بالحروف، وهذا قول بعض النحويين، ومنهم في قال: يعرب بالحركات. انظر: "المقتضب" 3/ 332، "الخزانة" 8/ 67، "الدر المصون" 1/ 353.]]، وقد ذكرنا الكلام فيه [[(فيه) ساقط من (ج). والكلام في: (أرض) و (أرضون) ذكره في تفسير قوله تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا﴾ [البقرة: 22].]]. وقال غيره: إنما جمعوا [[في (ب): (واجمعوا).]] بالواو والنون، لأنه يقع على ما يعقل وعلى ما لا يعقل، وإذا اجتمعا فالذي يعقل أولى بالغلبة، فجمعوه جمع ما يعقل. وقوله تعالى: ﴿لَيْلَةً﴾ [[(ليلة) ساقط من (ج).]] ولم يقل: (يوما) لأن عدد الشهور [[في (ج): (الشهر).]] يحسب من لياليها، وشهور العرب وضعت على سير القمر، والهلال يهل بالليل [["تفسير الثعلبي" 1/ 70 ب. وانظر: "تفسير ابن عطية" 1/ 291، "تفسير البغوي" 1/ 94، "زاد المسير" 1/ 80، "تفسير القرطبي" 1/ 337.]]. وقوله [[في (ج): (له تعالى).]] تعالى: ﴿ثُمَّ أتَّخَذتُمُ العِجلَ﴾. يقال: اتّخذ يتّخذ، وتَخِذَ يتخذ [[(يتخذ) بسكون التاء، وفتح الخاء، كذا في "تهذيب اللغة" (أخذ) 7/ 530، "مجالس العلماء" للزجاجي: ص 333، "اللسان" (أخذ) 3/ 374، وانظر "الحجة" لأبي علي 2/ 68.]]، قال الله تعالى: ﴿لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ [الكهف: 77] [[الكهف: 77، والاستشهاد بالآية ورد في "الحجة" على قراءة أبي عمرو وابن كثير (لتخذت) كما هنا. انظر "الحجة" 2/ 68، "السبعة" لابن مجاهد ص 396، "تهذيب اللغة" (أخذ) 1/ 129.]]. قال الشاعر [[هو الممزق العبدي، واسمه شأس بن نهار.]]: وقد تخِذَتْ رجلي إلى جنب غَرزها ... نسيفاً كأُفحوص [[في (ج): (كما نحوص).]] القطاة المطرِّقِ [[قوله: غرزها: الغرز للناقة مثل الحزام للفرس، و (النسيف): أثر ركض الرجل بجبني البعير، و (الأفحوص): المبيض، و (المطرِّق): وصف للقطاة، إذا حان خروج بيضها. ورد البيت في "الحجة" 2/ 68، "الأصمعيات" ص165، "تهذيب اللغة" (نسف) 4/ 3562، "الخصائص" 2/ 287، "مجالس العلماء" للزجاجي ص 333، "المخصص" 1/ 21، 8/ 125، 12/ 272، 16/ 97، 134، 17/ 22، "التكملة": ص117، "اللسان" (حدب) 2/ 796، و (فحص) 6/ 3356، و (طرق) 5/ 2666، و (نسف) 7/ 4411.]] و (تخذ) [[قال أبو علي: (اتخذ): افتعل، فعلت منه: تخذت ..) ولم أعلم (تخذت) تعدى إلا إلى مفعول واحد. "الحجة" 2/ 68. قال ابن عطية: (اتخذ وزنه: افتعل من الأخذ، وقال أبو علي: هو من تخذ لا من أخذ 1/ 216، وانظر: "تفسير القرطبي" 1/ 338 - 339، "الدر المصون" 1/ 354.]] من (اتخذ) مثل تقي من اتقى وقد مرّ [[مر في تفسير قوله تعالى: ﴿هُدًى للِمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 2].]]. وأما (اتخذ) فإنه على ضربين [[نقله من "الحجة" لأبي علي 2/ 68. وانظر: "البحر" 1/ 200، "الدر المصون" 1/ 354.]]: أحدهما: أن يتعدى إلى مفعول واحد. والثاني: أن يتعدى إلى مفعولين. فأما تعديه إلى واحد فكقوله: ﴿يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: 27] و ﴿أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ﴾ [الزخرف: 16] وقوله: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً﴾ [الفرقان: 3] [[وفي "الحجة" ذكر قوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً﴾ [مريم:81] [يس: 74].]]، ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا﴾ [الأنبياء: 17]. وأما تعديه إلى مفعولين، فإن الثاني منهما هو الأول في المعنى، كقوله: ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾ [[المجادلة: 16، المنافقون: 2.]] وقال: ﴿لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الممتحنة: 1]، ﴿فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا﴾ [المؤمنون: 110]. ونظير (اتخذت) في تعديه إلى مفعول واحد مرة، وإلى مفعولين: (الجعل) [[في (ب): (أنجعل) وفي "الحجة": (جعلت) 2/ 69.]] قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام: 1] أي: خلقهما [[في (ب): (خلقها). والمؤلف يشير بقوله (خلقها) إلى أن (جعل) التي تتعدى إلى مفعول واحد هي التي بمعنى: خلق، أو أوجب، أو وجب، وهي تتعدى إلى مفعول واحد بنفسها. وإلى الثاني بحرف الجر. وأما التي تتعدى إلى مفعولين فهي التي بمعنى: (اعتقد) و (صير). انظر: "الأشموني مع حاشية الصبان" 2/ 23.]]، فإذا تعدى إلى مفعولين كان الثاني الأول في المعنى، قال: ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾ [يونس: 87]، ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً﴾ [القصص: 41]. فأما قوله: ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ﴾ [البقرة: 51] وقوله: ﴿بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ﴾ [البقرة: 54]، ﴿اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ﴾ [الأعراف: 148]، ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ﴾ [الأعراف: 152]، فالتقدير في هذا كله: (اتخذوه إلها) فحذف المفعول الثاني [[في (ب): (لي الثاني).]]. الدليل على ذلك أنه لو كان على ظاهره، لكان من صاغ عجلا، أو نجره، أو عمله بضرب من الأعمال، استحق الغضب من الله [[تابع الواحدي أبا علي في قوله: (.. أنه لو كان على ظاهره، لكان من صاغ عجلًا، أو نجره، أو عمله بضرب من الأعمال، استحق الغضب من الله)، وكأن فاعل ذلك لا يستحق العقوبة على تصوير المجسمات من ذوات الأرواح، الذي هو محرم عند جمهور العلماء، وإنما وقع الخلاف بينهم في الصور غير المجسمة. أما أبو علي فلا يرى تحريم ذلك كله، ويحمل الأحاديث الواردة في وعيد المصورين على المشبهة -حسب زعمه- قال في "الحجة" 2/ 71: (.. قيل: يعذب المصورون، يكون على من صور الله تصوير الأجسام، وأما الزيادة فمن أخبار الآحاد التي لا توجب العلم). وقد تعقبه ابن حجر ورد عليه قوله، انظر: "فتح الباري" 10/ 384.]]، لقوله: ﴿سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ﴾ [الأعراف: 152]. و (الاتخاذ) أصله: (اأتخاذ) [[(اأتخاد) ساقط من (ب)، وفي (ج): (اتخاذ).]]، فلما التقى الهمزة التي هي الفاء مع همزة الوصل لينت فصارت (ياء) لانكسار ما قبلها، فأدغمت في (تاء) [[في (ب): (ياء).]] الافتعال كقولهم: اتسروا الجزور [[اتسروا الجزور: إذا نحروها واقتسموها. (القاموس) (يسر): ص 500.]]، وإنما هو من الميسر واليسر [[أورد أبو علي هذا القول ورده، لأن أصله عنده (تخذ) لا (اخذ). انظر: "الحجة" 2/ 71، "تفسير ابن عطية" 1/ 292، "تفسير القرطبي" 1/ 339، "الدر المصون" 1/ 354.]]. وباب (الاتخاذ) يجوز أنه يكون أصله الواو كالاتزان والاتقاء و [[(الواو) ساقطة من (ج)]] الاتضاح؛ لأن الأخذ، قد جاء فيه لغتان [[ذكره أبو علي في "الحجة" حيث قال: (أخذ) قد جاء فيه لغتان في (الفاء): الواو والهمز، كما جاء: آكدت ووكدت ..) "الحجة" 2/ 73، 74.]]، كما قالوا: أكدت ووكدت، وأوصدت وآصدت [[في (ب): (ووصدت).]]، وقد مر هذا مشروحاً في قوله: ﴿هُدًى لِلمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:2] [[البقرة: 2.]]. واختلف القراء في هذا الحرف، فقرأ بعضهم بالإظهار [[قرأ بالإظهار ابن كثير وعاصم في رواية حفص، انظر "السبعة":ص155، "الحجة" لأبي علي 2/ 67، "التيسير": ص 44.]]؛ لأن (الذال) ليس من مخرج (التاء) [[في "الحجة" (ليس من مخرج التاء والطاء) 2/ 75.]] إنما هي من مخرج (الظاء)، و (الثاء) فتفاوت ما بينهما إذ كان لكل واحد من الذال والتاء مخرج غير مخرج الآخر [["الحجة" لأبي علي 2/ 75. وانظر:"الحجة" لابن خالويه: ص77."الكشف" لمكي 1/ 160.]]. وأما من [[قرأ بالإدغام بقية السبعة عدا ابن كثير وعاصم في رواية حفص، انظر"السبعة" ص 155، "الحجة" لأبي علي 2/ 67، "التيسير": ص 44، "الكشف" 1/ 160.]] أدغم فحجته: أن هذين الحرفين لما تقاربا فاجتمعا في أنهما [[في (ب): (فاجتمع أنها).]] من طرف اللسان وأصول الثنايا، حسن الإدغام، لقرب حيز كل واحد منهما من الحيز [[في (ب): (حيز). "الحجة" لأبي علي 2/ 75. وانظر: "الحجة" لابن خالوية: ص 77، "الكشف" 1/ 160، وقال مكي: إنهما (اعتدلا في القوة والضعف).]] الآخر. فأما معنى الآية: فإن الله تعالى نبههم بهذه الآية على أن كفرهم بمحمد ﷺ ليس بأعجب من كفرهم وعبادتهم العجل [[انظر: "تفسير الطبري" 1/ 281، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 104.]]، وأراد به كفر سلفهم، وخاطبهم بهذا على ما بينا قبل [[يريد ما سبق في تفسير قوله تعالى: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: 40]، فجعل النعمة على آبائهم نعمة عليهم، وهذا يجري في (كلام العرب) كثيرًا. وانظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 97، 104.]]. قال المفسرون: إن الله تعالى لما أنجى موسى وبني إسرائيل وأغرق فرعون، وآمن بنو إسرائيل من عدوهم ودخلوا مصر، لم يكن لهم كتاب ولا شريعة ممهدة، فواعد الله موسى أن يؤتيه الكتاب، فيه بيان ما يأتون [[في (ج): (ما يؤتون).]] وما يذرون، وأمره أن يصوم ثلاثين يوماً، فصامه وصالاً، ولم يطعم شيئاً، فتغيرت رائحة فمه، فعمد إلى لحاء شجرة فمضغها، فأوحى الله إليه: أما علمت أن خلوف فم الصائم أطيب عندي من ريح المسك، وأمره أن يصل بها عشراً، فتم ميقات ربه أربعين ليلة، وخرج موسى من بين [[(بين) ساقط من (ج).]] بني إسرائيل تلك الأيام، فاتخذ السامري عجلاً، وقال لبني إسرائيل: هذا إلهكم وإله موسى، فافتتن بالعجل ثمانية آلاف رجل منهم، وعكفوا عليه يعبدونه [[بنحو هذا السياق ذكره الثعلبي في "تفسيره" دون قوله: (وأمره أن يصوم ثلاثين يومًا ..) 1/ 71 أ، وأخرج الطبري في "تفسيره" مقاطع منه في عدة آثار 1/ 283، وانظر: "تفسير ابن عطية" 1/ 294، "تفسير البغوي" 1/ 95، "ابن كثير" 1/ 98.]]، وسنذكر طرفاً من هذه القصة في موضعها [[في (ب): (موضها).]]، إن شاء الله. وقوله تعالى: ﴿وَأَنتُم ظَالِمُونَ﴾ أي: ضارون لأنفسكم، وواضعون العبادة في غير موضعها [["تفسير الثعلبي" 1/ 71 ب، وانظر: "تفسير الطبري" 1/ 284. و"تفسير البغوي" 1/ 95، و"لباب التفسير" 1/ 239، و"تفسير الرازي" 3/ 76، "البحر المحيط" 1/ 201، و"تفسير البيضاوي" 1/ 25، و"تفسير النسفي" 1/ 43، و"تفسير الخازن" 1/ 125.]]. وقيل: وأنتم ظالمون اليوم بمخالفة محمد ﷺ [[لم أجد من ذكر هذا القول -فيما اطلعت عليه- ومعناه يرجع للقول الأول، والله أعلم.]].

البقرة 2:52

قوله تعالى: ﴿ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ قال الليث: كل من استحق عقوبة فتركته [[في (ب): (فتركة عنه) وفي "تهذيب اللغة" (عفا) 3/ 2489.]] فقد عفوت عنه [["تهذيب اللغة" (عفا) 3/ 2489. وانظر: "تفسير أسماء الله" للزجاج ص 62، "اشتقاق أسماء الله" للزجاجي ص 134.]]. فكأن معنى العفو عنده: الترك، ومنه قوله: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ [البقرة: 178]، أي ترك [[وقيل: إن معنى (فمن عفي): فمن فضل له فضل، انظر "تفسير الطبري" 1/ 107 - 109، وانظر كلام الأزهري على الآية في "تهذيب اللغة" (عفا) 3/ 226.]]. وقال ابن الأنباري: أصل: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ﴾ [التوبة: 43] محا الله عنك، مأخوذ من قولهم: عفت الرياح الآثار، إذا درستها ومحتها، فعفت تعفو عفوا، لفظ [[في (ب): (اللفظ).]] اللازم والمتعدى سواء [["تهذيب اللغة" (عفا) 3/ 2489، "اللسان" (عفا) 5/ 3018، وانظر "الأضداد" لابن الأنباري: ص 86، "الزاهر" 1/ 535.]] إلا في المصدر [[قوله: (إلا في المصدر) لم يرد ضمن كلام ابن الأنباري في "تهذيب اللغة"، قال الأزهري وقرأت بخط شمر لأبي زيد: عفا الله عن العبد عفوا، وعفت الرياح الأثر عفاء، فعفا الأثر عفوا "تهذيب اللغة" (عفا) 3/ 2489.]]. فعفو الله تعالى: محوه الذنوب عن العبيد [[انظر: "اشتقاق أسماء الله" للزجاجي ص 134، "تهذيب اللغة" (عفا) 3/ 2489.]]. وقال بعض أصحاب المعاني: العفو في اللغة: ما فضل عن الكفاية، وسهلت النفس ببذله [[انظر: "تهذيب اللغة" (عفا) 3/ 2491.]] ومنه قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ العَفوَ﴾ [[الواو ساقطة من (أ)، (ج).]] [البقرة: 219] أي: ما فضل عن [[في (ب): (من).]] القوت، ثم كثر ذلك وطال ترداده حتى صار على التدريج والتراخي: الصفح [[في (ب): (والصفح).]] عن الشيء والإعراض عن المؤاخذة به. قال المفسرون: والمراد بالعفو في هذه الآية: قبوله التوبة من عبدة العجل، وأمره برفع السيف عنهم [[انظر: "تفسير أبي الليث" 1/ 353. و"تفسير الثعلبي" 1/ 72 أ، وقال ابن جرير: المراد بالعفو: ترك معاجلتهم بالعقوبة، "تفسير الطبري" 1/ 284.]]. وقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ أي من بعد عبادة العجل [[انظر: "تفسير الطبري" 1/ 284، "تفسير الثعلبي" 1/ 72 أ، "تفسير القرطبي" 1/ 338.]]. وإنما وحد والخطاب [[في (ب): (وجد الخطاب).]] للجميع، لاتصال الخطاب بذا وهو مبهم، فمرة يجمع على الأصل في مخاطبة الجميع، ومرة يوحد على مشاكلة اللفظ، إذا [[في (أ)، (ج): (إذ)، وأثبت ما في (ب) لأنه أنسب للسياق.]] كان لفظ المبهم على الواحد، وإن كان معناه على الجمع [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 286.]]. وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُم تَشكُرُونَ﴾ إنما ذكرت هاهنا وفي سائر المواضع من القرآن نحو ﴿ولَعَلَّكُم تَهتَدُونَ﴾ [البقرة:53] والله عز وجل يعلم أيشكرون أم لا، على ما يفعل [[في (أ)، (ب): (يعقل)، وما في (ج) أولى، وموافق لما في "معاني القرآن" للزجاج، والكلام منقول منه.]] العباد ويتخاطبون به، أي: أن هذا يرجى به الشكر [["معاني القرآن" للزجاج 1/ 105، وأكثر المفسرين على أن (لعل) تفيد الإيجاب، وقيل: هي بمعنى (كي). انظر: "تفسير الطبري" 1/ 161، 1/ 284، "تفسير ابن عطية" 1/ 296، "تفسير القرطبي" 1/ 336.]]، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم [[ذكر الوجوه التي تأتي عليها (لعل) في تفسير قوله ﴿لَعَلَّكُم تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 21].]]. ومعنى الشكر في اللغة: عرفان الإحسان ونشره، وهو الشكور [[في (ب): (الشكر).]] أيضًا [[ذكره الأزهري عن الليث. "تهذيب اللغة" (شكر) 2/ 1911، وانظر: "اللسان" (شكر) 4/ 2305.]]. وقال بعض أهل اللغة: معنى الشكر إظهار النعمة بالاعتراف بها، ومن هذا يقال: دابة شكور [[في (ب): (شكورا).]]، إذا أظهرت السمن فوق [[في (ب): (من الثمن فوق ما علفت).]] ما يعلف [[انظر: "التهذيب" (شكر) 2/ 1911، "اللسان" 4/ 2306، "تفسير الثعلبي" 1/ 72.]]. وقد ذكرنا أقسام الشكر في ابتداء الفاتحة. وأما معنى الشكور في وصف الله تعالى فمذكور وفي موضعه.

البقرة 2:53

قوله تعالى: ﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ﴾ الآية. الفرقان: مصدر فرَقت بين الشيئين أفرُق فَرْقًا وفُرْقانًا، كالرجحان والنقصان، هذا هو الأصل [[انظر: "الصحاح" (فرق) 4/ 1540، "اللسان" (فرق) 6/ 3399.]]. ثم يسمى كل فارق: فرقانًا، كتسميتهم الفاعل بالمصدر، كما سمى كتاب الله الفرقان لفصله بحججه وأدلته بين المحقّ والمبطل، وسمى الله تعالى يوم بدر: يوم الفرقان في قوله ﴿يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ [الأنفال: 41]، لأنه فرق في ذلك اليوم بين الحق والباطل، فكان ذلك اليوم يوم الفرقان [[انظر: "تفسير الطبري" 1/ 43، 44، 1/ 285 "معاني القرآن" للزجاج 2/ 461، "تهذيب اللغة" (فرق) 3/ 2779، "الصحاح" (فرق) 4/ 1541، "اللسان" (فرق) 6/ 3399.]]. وقوله تعالى: ﴿إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ [الأنفال: 29]، أي: يفرق بينكم وبين ذنوبكم، أو بينكم وبين ما تخافون [[ذكر الطبري في المراد بالفرقان ثلاثة أقوال: مخرجها، أو نجاة، أو فصلا، 13/ 488.]]. فأما [[في (ب): (وأما).]] معنى الفرقان في هذه الآية: فقال مجاهد: هو بمعنى الكتاب، وهما شيء واحد [[ذكره الطبري في "تفسيره" عن مجاهد وعن ابن عباس وأبي العالية ورجحه 2/ 70، 71، وكذا "تفسير ابن أبي حاتم" 1/ 350، والنحاس في "إعراب القرآن" 1/ 225، "تفسير الثعلبي" 1/ 73 أ، انظر "تفسير ابن عطية" 1/ 216، والبغوي في "تفسيره" 1/ 73، وابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 81، "تفسير ابن كثير" 1/ 97.]]. وهو اختيار الفراء [[ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 73 أ، وذكر الفراء في المراد بالفرقان عدة أقوال، والقول المذكور هنا أحد الأقوال. انظر "معاني القرآن" 1/ 37.]]. قال: العرب تكرر الشيء إذا اختلفت [[في (ب): (اختلف).]] ألفاظه، قال عدي بن زيد: وأَلْفَى قَوْلَهَا كَذِبًا وَمَينَا [[سبق البيت وتخريجه، والشاهد هنا قوله: (كذبًا ومينًا) فعطف المين على الكذب، وهو بمعناه.]] وقال عنترة: أَقْوَى وَأَقْفَرَ بَعْدَ أُمِّ الهَيْثَمِ [[البيت من معلقة عنترة المشهورة وصدره: حُيِّيتَ مِنْ طَلَلٍ تَقَادَمَ عَهْدُهُ (الطلل): ما شخص من الدار من وتد وغيره، (تقادم): طال عهده بأهله فتغير، (أقوى): خلا من أهله، ورد البيت في "تهذيب اللغة" (شرع) 2/ 1857، "اللسان" (شرع) 4/ 2238، "تفسير الثعلبي" 1/ 73 أ، "تفسير القرطبي" 1/ 341، "الدر المصون" 1/ 358، "فتح القدير" 1/ 135، و"ديوان عنترة" ص 189.]] وارتضى الزجاج هذا القول، قال [["معاني القرآن" للزجاج 1/ 105.]]: لأن الله تعالى ذكر لموسى الفرقان في غير هذا الموضع وهو قوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ﴾ [الأنبياء: 48]. فعلى هذا الفرقان هو الكتاب، والكتاب هو الفرقان، ولكن ذكر بلفظين مختلفين نحو ما ذكرنا. قال الزجاج: ويجوز أن يريد بالفرقان انفراق البحر [[لم أجد هذا القول في "معاني القرآن" للزجاج، وممن نسبه للزجاج ابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 81، وهذا القول ذكره الفراء في "المعاني" 1/ 37، وأبو الليث في "تفسيره" 1/ 354، انظر: "تفسير ابن عطية" ونسبه لابن زيد 1/ 295، "تفسير القرطبي" 1/ 341.]]، وهو من عظيم الآيات، كأنه قيل: آتيناه فرق البحر وهذا قول يمان بن رباب [[ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 73 أ، والبغوي في "تفسيره" 1/ 73.]]. وقال ابن عباس: أراد بالفرقان النصر على الأعداء [[ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 73 أ، وابن الجوزي في "زاد المسير" عن ابن == عباس وابن زيد 1/ 81، وذكر الطبري نحوه عن ابن زيد 1/ 285، وذكره أبو الليث في "تفسيره" ولم يعزه 1/ 354، وكذا ابن عطية في "تفسيره" 1/ 295.]]، لأن الله عز وجل نصر [[(نصر) ساقط من (ب).]] موسى وقومه. وقال حسان يذكر ذلك، يخاطب [[في (ج): (مخاطب).]] النبي -ﷺ: فَثَبَّتَ اللهُ مَا آتاكَ [[في (ب): (ما أتاك الله ما أتاك).]] مِنْ حَسَنٍ ... تَثْبِيتَ مُوسَى وَنَصْرًا كَالَّذِي نُصِرُوا [[البيت ليس لحسان وإنما هو لعبد الله بن رواحة كما في ديوانه ص 159، وكذلك ورد في "طبقات ابن سعد" 3/ 528، "سيرة ابن هشام" 3/ 428، "سير أعلام النبلاء" 1/ 234، و"الاستيعاب" 3/ 35، "الدر المصون" 1/ 591، "البحر المحيط" 2/ 311، 227، 6/ 84.]] فعلى هذا سمى نصره على فرعون وقومه فرقانًا؛ لأن في ذلك فرقًا بين الحق والباطل. وقال الكسائي: الفرقان نعت للكتاب، يريد: وإذا آتينا موسى الكتاب الفرقان، أي [[في (أ): (أن) وفي (ج): (إذ).]]: الفارق بين الحلال والحرام، ثم زيدت الواو كما تزاد في النعوت فيقال: فلان حسن وطويل وسخي [[ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 73 أ، وانظر "تفسير البغوي" 1/ 73، "الكشاف" 1/ 281، وذكره أبو حيان في البحر، وقال: هو ضعيف 1/ 202، وذكر الفراء نحوه ولم يعزه للكسائي، "معاني القرآن" 1/ 37.]]، وأنشد: إِلَى المَلِكِ الْقَرْمِ وَابْنِ الهُمَامِ ... وَلَيْثِ الْكَتِيبَةِ في المُزْدَحَم [[سبق البيت وتخريجه في تفسير قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾.]] وقال قطرب: أراد بالفرقان: القرآن، وفي الآية إضمار معناه: وإذ آتينا موسى الكتاب ومحمدا الفرقان، لعلكم تهتدون بهذين الكتابين، فترك أحد الاسمين [[الثعلبي في "تفسيره" 1/ 73 أ، وذكره الزجاج في "المعاني" 1/ 104، 105، وهو قول للفراء كما في المعاني 1/ 37، وانظر: "أمالي المرتضى" 2/ 259، "تفسير ابن عطية" 1/ 296، "زاد المسير" 1/ 81، "البحر المحيط" 1/ 202.]]، كقوله: تَرَاهُ كَأَنَّ اللهَ يَجْدَعُ أَنْفَهُ ... وَعَيْنَيْهِ إِنْ مَوْلاَهُ ثَابَ لَهُ وَفْرُ [[البيت ينسب إلى خالد بن الطيفان، ونسبه بعضهم إلى الزبرقان بن بدر، ورد البيت في "الزاهر" 1/ 119، و"أمالي المرتضى" 2/ 259، 375، "تفسير الثعلبي" 1/ 73 أ، "الخصائص" 2/ 431، "الإنصاف" 1/ 406، "اللسان" (جدع) 1/ 567. والوفر: المال الكثير الوافر.]] أراد ويفقأ عينيه، فاكتفى بـ (يجدع) من يفقأ [[في (ج): (فاكتفى يجدع من تفقأ).]]. قال ابن الأنباري: هذا البيت لا يشاكل ما احتج به؛ لأن الشاعر اكتفى بفعل من فعل، وعلى ما ذكر في الآية اكتفى من اسم باسم [[في (ب)، (ج): (باسم من اسم). وقول ابن الأنباري ذكره المرتضى في "أماليه" 2/ 260.]]، ولكنه يصح قول قطرب عندي من وجه آخر، وهو [[(وهو) ساقط من (ب).]] أنه لما ذكر الفرقان وهو اسم للقرآن، دل على محمد ﷺ فحذف اتكالًا على علم المخاطبين [[ذكر المرتضى في أماليه نحوه ردا على قول ابن الأنباري السابق. "أمالي المرتضى" 2/ 260.]].

البقرة 2:54

وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ﴾ يعني [[بعد سياق الآية كاملة في (ب) كما هو النهج في هذه النسخة ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ﴾ يعني ...]] الذين عبدوا العجل. (يا قوم) نداء مضاف حذفت منه الياء، لأن النداء باب حذف، ألا ترى أنه يحذف فيه [[في (ج): (منه).]] التنوين، ويحذف بعض الاسم للترخيم [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 105، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 226.]] والمنادى إذا أضفته إلى نفسك [[أي: إلى ياء المتكلم.]] جاز فيه ثلاث لغات [[انظر: "الكتاب" 2/ 209، وذكر الزجاج في المنادى المضاف إلى ياء المتكلم أربع لغات، انظر: "معاني القرآن" 1/ 105، وذكر النحاس لست لغات، "إعراب القرآن" 1/ 226، وكذا أبو حيان في البحر 1/ 106، "السمين في الدر" 1/ 359، وهذا في غير القرآن.]] حذف الياء، وإثباتها [[يعني إثباتها ساكنة.]] وفتحها [[في (ب): (وحذفها).]]، فحذف الياء كقوله: ﴿يَا قَوْمِ﴾ والإثبات كقوله: ﴿يَا عِبَادِ [[قراءة جمهور القراء حذف الياء منها، وقرأ بالإثبات رويس وروح. انظر: "النشر" 2/ 364، "وتحبير التيسير" ص 174.]] فَاتَّقُونِ﴾ [[في (ج): (عباد) وهي قراءة السبعة.]] [الزمر: 16] والفتح كقوله: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ [الزمر: 53] على قراءة من فتح [[في (ب): (حذف). قرأ بالفتح نافع وابن كثير وابن عامر وعاصم، وأبو جعفر من العشرة والبقية على الإسكان في الوقف، وحذفها في الوصل. انظر: "التيسير" ص 190، "تحبير التيسير" ص 174.]] الياء. والأجود الحذف والاجتزاء بالكسرة [[قال الزجاج: فأما في القرآن فالكسر وحذف الياء لأنه أجود الأوجه، وهو إجماع القراء 1/ 105، وانظر: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 175، "البحر المحيط" 1/ 206.]]، والعرب تفعل ذلك كثيرًا في الموضع [[في (ب): (المواضع).]] الذي يكون [[في (ب): (تكون).]] الياء فيه أصلاً، وكما أنشده [[في (ب): (أنشد).]] سيبويه: وَطِرْتُ بِمُنْصُلِي [[في (أ)، (ج) (لمنصلي) وما في (ب) موافق لرواية البيت في أكثر المصادر.]] فِي يَعْمَلاَتٍ ... دَوَامِي الأَيْدِ يَخْبِطْنَ السَّريِحَا [[البيت غير منسوب في "الكتاب"، ونسبه في اللسان لمضرس بن ربعي. (المنصل): السيف، و (اليعملات): جمع يعملة، وهي الناقة القوية على العمل و (السريح): جلود أو خرق تشد على أخفاف الناقة إذا حفيت من شدة السير، ورد البيت في "الكتاب" 1/ 27، 4/ 190، "المنصف" 2/ 73، "الخصائص" 2/ 269. 3/ 133، "الإنصاف" 2/ 429، "الخزانة" 1/ 242، "اللسان" (جزز) 1/ 615، و (خبط) 1039، و (ثمن) 1/ 59 و (يدى) 8/ 4951.]] يريد: الأيدي [[فحذف (الياء) لضرورة الشعر وبقيت الكسرة تدل عليها. انظر:"الكتاب" 1/ 27.]]. وأنشد أيضًا: وَأخُو الغَوَانِ مَتى يَشَأْ يَصْرِمْنَهُ ... وَيَكُنَّ أَعْدَاءً بُعَيْدَ وِدَادِ [[في (ب): (واداد). البيت للأعشى (قيس من ميمون) وفيه يصف النساء بالغدر وقلة الوفاء والصبر، يقول: من كان مشغوفًا بهن مواصلاً لهن، إذا تعرض لما يسبب صرمهن سارعن إليه لتغير أخلاقهن. البيت من شواهد سيبويه 1/ 28، وورد في "المنصف" 2/ 73، "الإنصاف" ص 329، ص 419، و"الهمع" 5/ 344، "الخزانة" 1/ 242، "اللسان" (غنا) 6/ 3310، وديوان لأعشى ص 51.]] يريد: الغواني فاجتزأ بالكسرة من الياء، والنداء بهذا أولى لأنه باب حذف. وقوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ أي نقصتم حظ أنفسكم باتخادكم العجل إلها [[انظر: الثعلبي في "تفسيره" 1/ 73 ب، والبغوي في "تفسيره" 1/ 73.]]، فحذف أحد المفعولين، وقد مضى بيانه [[مضى في تفسير قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [البقرة: 51].]]. ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ﴾ خالقكم، يقال: برأ الله الخلق، أي: خلقهم [[انظر: "غريب القرآن" للزبيدي 1/ 70، والطبري في "تفسيره" 2/ 78، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 106، "تفسير الثعلبي" 1/ 73 ب.]]، وكان أبو عمرو يختلس حركة الهمزة في بارئكم كأنه مخفف الحركة ويقربها من الجزم [[هذا على رواية العراقيين عنه بالاختلاس، وروي عنه إسكان الهمزة، وبقية السبعة على كسر الهمزة من غير اختلاس ولا تخفيف، انظر "السبعة" ص 155، و"الحجة" لأبي على 2/ 76، "التيسير" ص 73، "الكشف" 1/ 240.]]، وحجته في ذلك: أن الحركات على ضربين [[أخذه عن "الحجة" 2/ 78. قال أبو علي: (حروف المعجم على ضربين: ساكن ومتحرك، والساكن على ضربين: أحدهما: ما أصله في الاستعمال السكون .. ، والآخر: ما أصله الحركة في الاستعمال فيسكن عنها، وما كان أصله الحركة يسكن على ضربين: أحدهما أن تكون حركته حركة بناء، والآخر: أن تكون حركته حركة إعراب ..) وانظر: "حجة القراءات" لابن زنجلة ص 97، "الحجة" لابن خالويه ص 78، "الكشف" 1/ 241.]]: حركة بناء، وحركة إعراب، فحركة البناء يجوز تخفيفه، وذلك نحو: سَبُع وإِبِل وضُرِبَ وعَلِمَ. يقول [[في "الحجة" (يقول من يخفف) 2/ 79.]] في التخفيف: سَبْع وفَخْذٌ وعَلْم وضُرْب، وقد خفف من كلمتين على هذا المثال تشبيها للمنفصل [[أي: شبهوا المنفصل في كلمتين بالمتصل في كلمة.]] بالمتصل، وذلك نحوما أنشده أبو زيد: قَالَتْ سُلَيْمَى اشْتَرْ لَنَا دَقِيقَا [[الرجز لرجل من كندة يقال له: (العذافر الكندي) وسبق تخريجه في تفسير قوله تعالى: ﴿وَهُوَ بكل شَىءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 29].]] [فَنُزِّل] [[في جميع النسخ (فترك) وفي "الحجة" (فنزل) وهذا أقرب، والمعنى: أن (اشتر) == سكن آخره ونزل منزلة المتصل مثل (كتف) انظر "الحجة" 2/ 79، و"النوادر" لأبي زيد ص170، "الخصائص" 1/ 73 - 75.]] مثل كتف، ولا خلاف في تجويز إسكان حركة البناء عند النحويين. وأما حركة الإعراب فمختلف في تجويز إسكانها، فمن النحويين من يقول: إن إسكانها لا يجوز، لأنها علم الإعراب، وسيبويه يجوز ذلك [[انظر: "الكتاب" 4/ 203، وانظر: "الخصائص" 1/ 73 - 75.]]، ولا يفصل بين القبيلين [[في (ب): (القبيلتين).]] في الشعر. وقد روي ذلك عن العرب، وإذا جاءت الرواية لم ترد بالقياس [[وكأنه يشير إلى رد أبي العباس المبرد لهذه المسألة، انظر: "الخصائص" 1/ 75، "تفسير ابن عطية" 1/ 297، "الخزانة" 4/ 484.]]، فمما أنشده في ذلك قوله [[(قوله) ساقط من (ب).]]: وَقَدْ بَدَا [[في (ب). (زيد).]] هَنْكِ مِنَ المِئْزَرِ [[البيت للأقيشر الأسدي وصدره: رُحْتِ وَفِي رِجْلَيْكِ مَا فِيهِمَا قاله يخاطب زوجته حين لامته لما شرب الخمر وبدت عورته، وقوله: (ما فيهما): من الاضطراب، و (الهن) كناية عن كل ما يقبح ذكره، وهو هنا كناية عن (الفرج). البيت من شواهد سيبويه 4/ 203، وفي "الحجة" لأبي علي 2/ 80، "الخصائص" 1/ 74، 3/ 95، و"الهمع" 1/ 187، "شرح المفصل" 1/ 48، "الخزانة" 4/ 484، 485، 8/ 351، "تفسير ابن عطية"1/ 298.]] وقوله: فَالْيَوْمُ أَشْرَبْ غَيْرَ مُسْتَحْقِبٍ [[سبق تخريجه.]] .. البيت. وقول جرير: سِيرُوا بَنِي الْعَمِّ فَالْأَهْوَازُ [[في (ج): (فالهواني).]] مَنْزِلُكُمْ ... وَنَهْرُ تِيرَى وَلَا تَعْرِفْكُمُ [[في (أ)، (ج): (لايعرفكم) وما في (ب) موافق للحجة، والمصادر الأخرى التي ورد فيها البيت.]] الْعَرَبُ [[(الأهواز): مكان معروف في بلاد الفرس، وهو اسم للكورة بأسرها، ثم غلب على سوقها الذي أصبح مدينة يعينها، وفي الأهواز (نهر تيرى) المذكور في البيت. انظر "معجم البلدان" 1/ 284، 5/ 319، ورد البيت في "الحجة" 2/ 80، "الخصائص" 1/ 74، 2/ 317، "المخصص" 15/ 188، "تفسير ابن عطية" 1/ 298، "معجم البلدان" 5/ 319، "الخزانة" 4/ 484، "ديوان جرير" ص 45. والشاهد (ولا تعرفكم) بالضم فأسكن الشاعر مضطرًّا. انظر "الخصائص" 1/ 74، 2/ 317.]] وجاز إسكان حركة الإعراب كما جاز إسكان [[(إسكان) ساقط من (ب). وعبارة أبي علي: (وجاز إسكان حركة الإعراب، كما جاز تحريك إسكان البناء ...) "الحجة" 2/ 81.]] حركة البناء في نحو ما ذكرنا. والذي ذهب إليه أبو عمرو هو إسكان حركة الإعراب [[أو اختلاسها كما سبق، قال أبو علي: (ذهب سيبويه إلى أن أبا عمرو اختلس الحركة ولم يشبعها فهو بزنة حرف متحرك، فمن روى عن أبي عمرو الإسكان في هذا النحو، فلعله سمعه يختلس فحسبه لضعف الصوت به والخفاء إسكانًا 2/ 84، وانظر "معاني القرآن" للزجاج 1/ 107، "الحجة" لابن خالويه ص 78.]]. فأما من زعم أن حذف هذه الحركة لا يجوز من حيث كانت عَلَمًا للإعراب، فليس قوله بمستقيم، وذلك أن حركات [[في (ب) (حركة).]] الإعراب قد تحذف لأشياء [[في (ب) (الأشياء).]]، ألا ترى أنها تحذف للوقف، وتحذف من الأسماء والأفعال المعتلة. فإذا جاز حذفها في هذه المواضع، جاز حذفها فيما ذهب إليه سيبويه، وهو التشبيه بحركة البناء، والجامع بينهما أنهما جميعا زائدتان، وأن حركة الإعراب قد تسقط في الوقف والاعتلال، كما تسقط التي للبناء للتخفيف. واعلم أن الحركات التي تكون للبناء والإعراب يستعملون في الضمة والكسرة منهما على ضربين: أحدهما: الإشباع والتمطيط، والآخر: اللاختلاس والتخفيف. وهذا الاختلاس والتخفيف، إنما يكون في الضمة والكسرة، وأما الفتحة [[في (ب) (فأما الضمة).]] فليس فيها إلا الإشباع ولم تخفف الفتحة بالاختلاس، كما لم تخفف بالحذف [[في (أ)، (ج) (بالمحذوف) وما في (ب) أولى، وموافق لما في "الحجة" 2/ 83.]] من نحو: جَمَل وجَبَل، كما حذف [[في "الحجة" (خفف) وهو أولى.]] من نحو: سَبُع وكَتِف، وكما [[(الواو) ساقطة من (ب).]] لم يحذفوا الألف في الفواصل من حيث حذفت الياء والواومنها، نحو: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ﴾ [الفجر: 4]. وكما لم يبدل الأكثر من التنوين الياء والواوفي الجر والرفع كما أبدلوا [[في "الحجة": (كما أبدلوا الألف في النصب) 2/ 83.]] منه في النصب، فهذا الاختلاس وإن كان الصوت فيه أضعف من التمطيط وأخفى، فإن الحرف المختلس حركته بزنة المتحرك، وعلى هذا حمل سيبويه قول أبي عمرو ﴿إِلَى بَارِئِكُمْ﴾ فذهب إلى أنه اختلس الحركة ولم يشبعها، فهو بزنة حرف متحرك [[انتهى من "الحجة" لأبي علي الفارسي 2/ 78 - 83. مع التصرف اليسير باختصار بعض المواضع.]]. وفي الآية إضمار واختصار، كأنه لما قال لهم: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ﴾ قالوا: كيف؟ فقال [[في (ب) (قال).]]: ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [[انظر الثعلبي في "تفسيره" 1/ 73ب، والبغوي في "تفسيره" 1/ 73.]]. قال أبو العباس: أصل القتل: إماتة الحركة [[نحوه في "التهذيب" عن الليث (قتل) 3/ 2884، انظر "الصحاح" (قتل) 5/ 1797، "اللسان" (قتل) 6/ 3528.]]. ومنه يقال: قتلت الخمر إذا [[في (ج) (اوا).]] مزجتها بالماء، لأنك كسرت شدتها، كأنك قتلت حركتها، قال حسان: إِنَّ الَّتِي نَاوَلْتَنِي فَرَدَدْتُهَا قُتِلَتْ ... قُتِلَتْ فَهَاتِهَا [[في (أ)، (ج) (نهاتها) وما في (ب) موافق لنا في ديوان حسان، والمصادر الأخرى التي ذكر فيها البيت.]] لَمْ تُقْتَلِ [[ورد البيت في الصحاح (قتل) 5/ 1797، "اللسان" 6/ 3530، "ديوان حسان" ص 181، "الخزانة" 4/ 385، 390.]] وتقول [[في (ج): (ويقول).]]: قتلته علما: إذا أتقنته وتحققته، وذلك أنك أزلت اضطرابه في نفسك. وقلب مُقَتَّل: إذا ذلل بالعشق [[انظر " التهذيب" (قتل) 3/ 2884، "الصحاح" (قتل) 5/ 1797، 1798، "المحكم" (قتل) 6/ 204، 205.]]، ومنه قوله: ...... أَعْشَارِ [[في (ب): (في أعشار).]] قَلْبٍ مُقَتَّلِ [[البيت لامرئ القيس، وسبق تخريجه وشرحه في مقدمة المؤلف.]] وكذلك المُقَتَّل من الدواب: المذلل بكثرة العمل [[انظر: "تهذيب اللغة" (قتل) 1/ 2884. "المحكم" (قتل) 6/ 205.]]. قال زهير. كَأَنَّ عيْنَيَّ فِي غَرْبَيْ مُقَتَّلَةٍ ... مَن النَّوَاضِحِ تَسْقِي جَنَّةً [[في (ب): (جنها).]] سُحُقَا [[قوله: (غربي) الغرب: الدلو الكبير من جلد ثور وجمعه غروب، و (المقتلة): التي ذللت بكثرة العمل، لأنها ماهرة تخرج الدلو ملأى فتسيل من نواحيها، (الجنة) البستان، وأراد النخل. (السحق): الواحد (سحوق) النخلة التي ذهبت جريدتها، وطالت، ورد البيت في المجمل (جنن) 1/ 175، "مقاييس اللغة" 1/ 421، "المخصص" 11/ 111،"اللسان" (سحق) 4/ 1956، و (قتل) 6/ 3530. و (جنن) 2/ 705.]] [قوله: جنة سُحُقا قال أبو علي [[انظر: "المخصص" 11/ 111.]]: أراد نخيل جنة، لأن السحق يكون من صفة النخيل لا من صفة الجنة، وهي التي بسقت فطالت] [[مابين المعقوفين ساقط من (ب).]]. ومعنى قوله: ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ أي: ليقتل البريء المجرم [[الثعلبي في "تفسيره" 1/ 73ب، وانظر "تفسير أبي الليث" 1/ 355. والبغوي في "تفسيره" 1/ 73، الخازن في "تفسيره" 1/ 126، وقيل: ليقتل بعضكم بعضا، انظر: "غريب القرآن" لابن قتيبه ص 49. والطبري 2/ 73، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 108، "الكشاف" 1/ 281، "زاد المسير" 1/ 82، "البحر" 1/ 207. ابن كثير في "تفسيره" 1/ 98.]] ، وجاز هذا؛ لأن من قتل أخاه أباه [[(وأباه) ساقط من (ب).]] وجاره وحليفه [[في (ج): (خليفه).]] فكأنه قتل نفسه، ومنه قوله: ﴿فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ [[كذا في (أ) (قتلوكم) بغير ألف، وهي قراءة حمزة والكسائي، وفي (ب)، (ج) (قاتلوكم) بالألف على قراءة بقية السبعة. انظر "السبعة" لابن مجاهد ص 179.]] [البقرة: 191] أي: قتلوا منكم بعضكم الذين هم كأنفسكم [[انظر: "تأويل مشكل القرآن" ص 152، "تفسير أبي الليث" 1/ 355، "تفسير الرازي" 3/ 81.]]. وقال بعض أهل المعاني: معنى (فاقتلوا أنفسكم) أي: استسلموا للقتل، فجعل استسلامهم للقتل قتلًا منهم لأنفسهم على التوسع [[ذكره الماوردي عن أبي إسحاق 1/ 327، وكذا الرازي في "تفسيره" 3/ 82، وأبو حيان في البحر 1/ 207.]]، فعلى هذا لا تحتاج إلى تأويل الأنفس. وقوله تعالي: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ﴾ أي: توبتكم خير لكم عند بارئكم من إقامتكم على عبادة العجل [[أو المعنى (توبتكم) خير لكم من إقامتكم على المعصية، ولو سلمتم من القتل. انظر "تفسير الطبري" 1/ 209، "تفسير أبي الليث" 1/ 355، والنسفي في "تفسيره" 1/ 126، "البحر المحيط" 1/ 209، "الدر المصون" 1/ 366.]]، والإشارة في ذلك تعود إلى القتل [[وقيل: تعود إلى التوبة، وقيل: إلى القتل والتوبة، فأوقع المفرد موقع التثنية. انظر "تفسير الثعلبي" 1/ 73 ب، والبغوي في "تفسيره" 1/ 73، "البيان في غريب إعراب القرآن" 1/ 83، "زاد المسير" 1/ 82، "البحر المحيط" 1/ 209، "الدر المصون" 1/ 366.]]، وهو توبتهم، وقيل [[(وقيل) ساقط من (ب).]]: معناه: توبتكم خير لكم، أي فعل خير، لأنه يثيبكم عليه، وليس "خير" على طريق المبالغة والتفضيل [[انظر: "البحر المحيط" 1/ 209.]]، وذلك أن خيرًا يستعمل بمعنيين: أحدهما: التفضيل، وقال: فلان خير من فلان، أي أفضل، وهذا يحتاج معه إلى من. والثاني: بمعنى الفاضل، يقال أردت خيرا، أو فعلت خيرا [[انظر: "البحر المحيط" 1/ 209، "الدر المصون" 1/ 366.]]. قال ابن عباس: أبي الله عز وجل أن يقبل توبة عبدة العجل إلا بالحال التي كره من لم يعبد العجل، وذلك أنهم كرهوا أن يقاتلوا عبدة العجل على عبادة العجل فجعل الله توبتهم أن يقتلهم هؤلاء الذين كرهوا قتالهم [[ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 73 ب، وذكره الطبري في "تفسيره" عن السدي 1/ 286، "تفسير الماوردي" عن جريج 1/ 327.]]، والقصة فى ذلك معروفه مشهورة. وقوله تعالى: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ في الآية اختصار، تقديره: ففعلتم ما أمرتم به [[في (ب): (فعلتم ذلك).]]، فتاب عليكم [[الثعلبي في "تفسيره" 1/ 74 أ، وانظر "تفسير الطبري" 1/ 288، انظر "تفسير ابن عطية" 1/ 299، والبغوي في "تفسيره" 1/ 74، "البحر المحيط" 1/ 209.]].

البقرة 2:55

قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ قال ابن عباس: حتى نراه علانية [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 2/ 81، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 355، وذكره القرطبي في "تفسيره" 1/ 136، "تفسير ابن كثير" 1/ 170، والسيوطي في الدر 1/ 70.]]، وقال قتادة: عيانا [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 1/ 289، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 356.]]. وقد تكون الرؤية غير جهرة كالرؤية في النوم [[بياض في (ب).]]، وكرؤية القلب، فإذا قيل [[في (ب) (قال).]]: رآه جهرة، لم يكن إلا على رؤية العين على التحقيق دون التخييل [[انظر "الغريب" لابن قتيبة ص 49، "تفسير البغوي" 1/ 74، "البحر المحيط" 1/ 210، "تفسير القرطبي" 1/ 344 - 345.]]. قال أهل اللغة: معنى قوله: جهرةً أي غير مستتر عنَّا بشيء، وأصل الجهر في اللغة: الكشف والإظهار، يقال: جهرت البئر، إذا كشفت الطين عن الماء ليظهر الماء [[انظر "معاني القرآن" للأخفش 1/ 267، "تهذيب اللغة" (جهر) 1/ 676، "مقاييس اللغة" (جهر) 1/ 487، "الصحاح" (جهر) 2/ 618.]]، قال: إِذَا وَرَدْنَا آجِنًا جَهَرْنَاه ... أَو خَالِيًا مِنْ أَهْلِهِ عَمَرْنَاهْ [[الرجز ذكره أبو زيد في "النوادر"، قال: أنشدتني شماء، وهي أعرابية فصيحة من بني كلاب. تقول: إنهم من كثرتهم نزفوا مياه الآبار الآجنة من كثرة المكث، وعمروا المكان الخالي. "نوادر أبي زيد" ص 574)، والبيتان في "تهذيب اللغة" (جهر) 1/ 676، "الصحاح" (جهر) 2/ 618، "اللسان" (جهر) 2/ 711.]] أبو زيد يقال: جهرت بالقول أجهر به، إذا أعلنته، وجاهرني فلان جِهَارًا أي [[(أي) ساقط من (ب).]] عَالَنَنِي، والجهر: العلانية [["تهذيب اللغة" (جهر) 1/ 677.]]. والجَهَارَةُ: ظهور الجَمَال [[في (ج): (الحال).]] وأنكشافه ببياض اللون [[في (ب): (المال). انظر: "الصحاح" (جهر) 2/ 619، "اللسان" 2/ 711.]]، قال الأعشى: وَسَبَتْكَ حِيَنَ تَبَسَّمتْ ... بَيْنَ الأَرِيكَةِ والسِّتَارَهْ بِقَوَامِهَا الحَسَنِ الَّذِي .. جَمَعَ المَدَادَةَ [[في (ب)، (ج): (المدارة).]] والجَهَارَةْ [[قوله: (الأريكة): سرير منجد مزين، و (المداد): طول القامة، والبيتان من قصيدة == للأعشى يهجو بها شيبان بن شهاب، انظر ديوانه ص 153، والبيت الأول في "الزاهر" 1/ 562، "الخزانة" 3/ 311، وروايته في "الزاهر": (وسبتك يوم تزينت).]] فالجهرة في هذه الآية: فعلة من الجهر، وهو مصدر يراد به المفعول [[قوله: (يراد به المفعول) لم أجده فيما اطلعت عليه-، قال القرطبي: (جهرة: مصدر في موضع الحال) "تفسير القرطبي" 1/ 345، وانظر "فتح القدير" 1/ 137، وفي "الفتوحات الإلهية" قال: (إنه مفعول مطلق، لأن الجهرة نوع من مطلق الرؤية فيلاقي عامله في المعنى) 1/ 55. والجهرة: قد تكون من صفات الرؤية، فهو مصدر من جهر أي: عيانا، ويحتمل: أن تكون من صفة الرائين، أي ذوي جهرة، أو مجاهرين بالرؤية، ويحتمل: أن تكون راجعة إلى معنى القول أو القائلين، أي قولا جهرة أو جاهرين بذلك. انظر: "البحر المحيط" 1/ 210، 211.]]. وقوله تعالى: ﴿فَأَخَذَتكُمُ الصَّاعِقَةُ﴾ يعني ما تصعقون منه، أي: تموتون، لأنه قال: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾ [البقرة: 56]. وقال مقاتل: الصاعقة: الموت [[أخرج ابن جرير عن قتادة والربيع نحوه 2/ 82، وكذا "تفسير ابن أبي حاتم" 1/ 356، وانظر "الدر" 1/ 70. بعضهم فسر الصاعقة: بالموت، وبعضهم قال: هي سبب الموت، ثم اختلفوا فيها: هل هي نار أو صيحة أو جنود من السماء. انظر "تفسير الرازي" 3/ 86.]]، ومضى الكلام في الصاعقة [[عند تفسير آية 19 من سورة البقرة.]]. قال المفسرون: إن الله تعالى أمر موسى أن يأتيه في ناس من بني إسرائيل يعتذرون إليه [[(إليه) ساقط من (ج).]] من عبادة العجل، فاختار موسى سبعين رجلًا من خيارهم، وخرج بهم إلى طور سيناء، وسمعوا كلام الله، وكان موسى إذا كلمه ربه وقع على وجهه نور ساطع، لا يستطيع أحد من بني آدم [[في (ب): (بني اسرائيل).]] أن ينظر إليه، ويغشاه عمود من غمام. فلما فرغ موسى وانكشف الغمام [[(الغمام) ساقط من (ب).]]، قالوا له: لن نؤمن لك، أي: لن نصدقك، حتى نرى الله جهرة، فأخذتهم الصاعقة، وهي نار جاءت [[(جاءت) ساقط من (ب).]] من السماء فأحرقتهم [[في (أ)، (ج): (فأحرقهم) وما في (ب) أولى للسياق، وموافق لما عند الثعلبي في "تفسيره"، والكلام أخذه ملخصا عن الثعلبي في "تفسيره" 1/ 74 أ، وأخرج الطبري نحوه عن محمد ابن إسحاق وعن السدي 1/ 291 - 292. ثم قال الطبري في "تفسيره" بعد أن ذكر بعض الآثار: (فهذا ما روي في السبب الذي من أجله قالوا لموسى: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ ولا خبر عندنا بصحة شيء مما قاله من ذكرنا قوله في سبب قيلهم لموسى تقوم به حجة فيسلم له، وجائز أن يكون ذلك بعض ما قالوه ..) 1/ 89، وانظر: "تفسير أبي الليث" 1/ 293، "تفسير ابن عطية" 1/ 301، "تفسير ابن كثير" 1/ 99.]] جميعًا. ﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ يريد نظر بعضهم إلى بعض عند نزول الصاعقة [[ذكره الطبري ولم يعزه 1/ 290، وانظر "تفسير البغوي" 1/ 74، "زاد المسير" 1/ 83، "تفسير القرطبي" 1/ 345، "تفسير ابن كثير" 1/ 99.]]، قاله [[في (ب) (قال).]] ابن زيد. وإنما أخذتهم الصاعقة؛ لأنهم امتنعوا من الإيمان بموسى بعد ظهور معجزته حتى يريهم ربهم جهرة، والإيمان بالأنبياء واجب بعد ظهور معجزتهم، ولا يجوز لهم اقتراح المعجزات عليهم، فلهذا [[في (ج) (فهكذا).]] عاقبهم الله [[انظر "تفسير الرازي" 3/ 86، "تفسير القرطبي" 1/ 344، و"تفسير النسفي" 1/ 128، "البحر المحيط" 1/ 211، 212.]]، ولما كان سؤال موسى إيمانًا منه وتصديقًا واشتياقًا لم يعاقب عليه، وهؤلاء سألوه [[في (ب): (يسألوه).]] شاكّين منكرين متعنتين فعوقبوا عليه. وقال بعضهم: إن أصحاب موسى اعتقدوا إحالة الرؤية [[في (ج): (الرؤيا).]] على الله فعلقوا إيمانهم على الرؤية [[المعتزلة هي التي تقول بإحالة الرؤية وقد تمسكوا بمثل هذه الآية. قال الزمخشري: (وفي هذا الكلام دليل على أن موسى عليه الصلاة والسلام رادهم القول وعرفهم أن رؤية ما لا يجوز عليه أن يكون في جهة محال ...) "الكشاف" 1/ 282، ورد عليه صاحب "الإنصاف" في حاشية على "الكشاف" بما أبطل زعمه، كما رد عليه الرازي في "تفسيره" 3/ 85، وانظر "تفسير القرطبي" 1/ 344 - 345، "البحر المحيط" 1/ 211.]]: ومرادهم: لن نؤمن لك قط، كقوله: ﴿حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف: 40]، فلهذا عاقبهم الله عليه. وهذه الآية تتضمن التوبيخ لهم على مخالفة الرسول عليه السلام مع قيام معجزته، كما خالف أسلافهم [موسى مع ما أتى به من الآيات الباهرة، والتحذير لهم أن ينزل بهم كما نزل بأسلافهم] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب). انظر "تفسير الطبري" 1/ 290، "تفسير الرازي" 3/ 83.]].

البقرة 2:56

قوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ الآية. البعث في كلام العرب على وجهين: أحدهما: الإرسال كقوله: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى﴾ [[في (ب) (من بعد) تصحيف في الآية.]] [الأعراف: 103، يونس:75]. والثاني: إثارة بارك أو قاعد، يقال: بعثت البعير عن مبركه، وبعثت النائم، ونشر الميت: بعث، لأنه كبعث النائم، وذلك إثارته عن مكانه [["تهذيب اللغة" (بعث) 1/ 354، وانظر "اللسان" (بعث) 1/ 307.]]. قال قتادة: بعثهم الله ليستوفوا بقية آجالهم وأرزاقهم [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 1/ 292، وابن أبي حاتم 1/ 358، وانظر "تفسير الثعلبي" 1/ 74 ب، انظر "تفسير ابن عطية" 1/ 352، والبغوي 1/ 75، "تفسير ابن كثير" 1/ 100، "الدر المنثور" 1/ 136.]]، ولو ماتوا بآجالهم لم يبعثوا، ولكنه كان ذلك الموت عقوبة لهم على ما قالوا. وقال ابن الأنباري: كل موت حصل البعث بعده في الدنيا كهذا، وكقوله: ﴿فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ [[لفظ الجلالة غير موجود في (ب) تصحيف.]] مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ﴾ [البقرة: 243] يكون حكمه حكم النوم، ويجري مجرى موت النائم؛ لأن الله تعالى أثبت للخلق الإماتة في دار الدنيا مرة واحدة [[قول جمهور المفسرين أنه موت حقيقي، لكنها غير الموتة التي كتبت عليهم في الدنيا، انظر "تفسير الطبري" 1/ 291، "تفسير الثعلبي" 1/ 74 ب، قال ابن العربي: ميتة العقوبة بعدها حياة، وميتة الأجل لا حياة بعدها، انظر "أحكام القرآن" لابن العربي 2/ 228، "زاد المسير" 1/ 85، "تفسير القرطبي" 1/ 345 - 346، 3/ 231، "تفسير الرازي" 3/ 86.]]، وهوقوله: ﴿قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [[في (أ) (يبعثكم) تصحيف.]] [الجاثية: 26]. قال الزجاج: والآية احتجاج على مشركي العرب الذين كفروا بالبعث، واحتج النبي ﷺ بإحياء من بعث بعد موته في الدنيا فيما يوافقه اليهود والنصارى [["معاني القرآن" للزجاج 1/ 109، نقله بمعناه.]]. وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أي نعمة البعث [[أي: البعث بعد موتهم بالصاعقة. انظر "تفسير الطبري" 1/ 291، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 109، "تفسير أبي الليث" 1/ 357، "الكشاف" 1/ 283، "تفسير القرطبي" 1/ 345، و"تفسير البيضاوي" 1/ 26، و"تفسير النسفي" 1/ 128، "البحر المحيط" 1/ 213.]]، وقيل: تأويله: لعلكم تؤمنون؛ لأن الشكر من فعل المؤمنين وصفاتهم، وأظهر الآيات الموجبة للإيمان بعثهم بعد موتهم.

البقرة 2:57

قوله تعالى: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ﴾ الآية. معناه: سترناكم عن الشمس بالغمام [[انظر "تفسير أبي الليث" 1/ 357، "تفسير الثعلبي" 1/ 74 ب، و"تفسير البغوي" 1/ 75، "تفسير القرطبي" 1/ 346.]]. والظل [[في (ب): (الظلل).]] في اللغة، معناه الستر، يقال: لا أزال الله عنا ظل [[في (ب): (ظلل).]] فلان، أي: ستره، وظل الشجرة: سترها، ويقال لظلمة [[في (ب): (الظلمة).]] الليل: ظل [[في (ج): (سترطل).]]، لأنها تستر الأشياء [[انظر "تهذيب اللغة" (ظل) 3/ 2246، "الصحاح" (ظل) 5/ 1755، "مقاييس اللغة" (ظل) 13/ 461.]]. ومنه قوله [[(قوله) ساقط من (ب).]]: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ [الفرقان: 45]. قال ذوالرمة: قَدْ أَعْسِفُ النَّازِحَ الْمَجْهُولَ [[في (ب): (المعسوف).]] مَعْسِفُهُ ... فِي ظِلِّ أَخْضَرَ يَدْعُو هَامَهُ الْبُومُ [[ورد في "مفردات الراغب": (المجهود) بدل (المجهول)، وفي "الديوان" وبعض == المصادر (في ظل أغضف)، وقوله: (أَعْسِف): آخذ في غير هدى، و (النازح): الْخَرْقُ البعيدة، وهي الأرض القفر الواسعة، (في ظل أخضر) في ستر ليل أسود، (يدعو هامه البوم): يتجاوب هامه وبومه، والهام ذكر البوم. ورد البيت في "التهذيب" (خضر) 1/ 1046، "الصحاح" (ظلل) 5/ 1755، و (هيم) 5/ 2063، "مقاييس اللغة" (بوم) 1/ 223، (ظلل) 3/ 461، و (عسف) 4/ 311، و (غضف) 426، "الأضداد" لابن الأنباري ص 348، "مفردات الراغب" ص 150، و"شرح العكبري لديوان المتنبي" 2/ 153، "الخزانة" 7/ 100، "اللسان" (خضر) 2/ 1185، و (عسف) 5/ 2943، و (ظلل) 5/ 2754، و (هوم) 8/ 2724، و"ديوان ذي الرمة" 1/ 401.]] يريد بالأخضر [[في (ب)، (ج): (الأخضر) بسقوط الباء.]]: الليل. قال الفراء: والظلة: ما سترك من فوق، ويقال: أظل يومنا، إذا كان ذا سحاب، لأنه يستر الشمس [[انظر: "تهذيب اللغة" (ظل) 3/ 2246، "اللسان" (ظلل) 5/ 2754.]]. الغمام جمع غمامة، وهي السحاب سمي غمامًا لأنه يغمّ السماء أي: يسترها، وكل ما ستر شيئًا فقد غمّه [[انظر: "تفسير الطبري" 1/ 392، "تفسير الثعلبي" 1/ 74 ب، "مفردات الراغب" ص 365، "تفسير القرطبي" 1/ 346، "اللسان" (غمم) 6/ 3303.]]، قال الحطيئة: إذَا غِبْتَ عَنَّا [[(عنا) ساقطة من (ب).]] غَابَ عنَّا ربيِعُنَا ... ونُسْقَى [[في (ب): (تسقى).]] الْغَمَامَ الْغُرَّ حِينَ تَؤُوبُ [[قاله الحطيئة يمدح سعيد بن العاص بن أمية، ورد في "اللسان" (غمم) 6/ 3303، وفي "ديوان الحطيئة" ص 248.]] قال شمر: يجوز أن يسمى غمامًا لتغمغمه [[في (ب): (لتغممه).]]، وهو صوته [[في (ج): (صونه).]]. وقيل: سمي غمامًا، لأنه يغمّ الماء في جوفه، أي: يستره. قال المفسرون: هذا كان حين أبوا على موسى دخول بلقاء [[(البلقاء) كورة من أعمال دمشق بين الشام ووادي القرى، وفيها قرى كثيرة ومزارع، قال ياقوت: ومن البلقاء قرية الجبارين. "معجم البلدان" 1/ 489، وذكر ابن جرير في هذه الآية عن السدي أنها (أريحا). وفي القرية التي أمروا بدخولها خلاف يأتي في الآية بعدها.]] مدينة الجبارين فتاهوا في الأرض ثم ندموا على ذلك [[انظر "تفسير الطبري" 1/ 269، "تفسير أبي الليث" 1/ 357، "الثعلبي" 1/ 74 ب، والبغوي في "تفسيره" 1/ 75، "تفسير القرطبي" 1/ 406.]]. وكانت العزيمة [[هكذا في جميع النسخ، وهذا اللفظ فيه تجوز، إذ لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه من الصفات الذاتية الفعلية، ثم نحن لا نعرف ما هي إرادة الله ببني إسرائيل. والله أعلم.]] من الله أن يحبسهم في التيه، فلما ندموا لطف الله لهم [[في (ب): (بهم).]] بالغمام والمن والسلوى كرامة لهم ومعجزة لنبيهم. والمن: الصحيح أنه التَّرَنْجَبِين [[ذكره الطبري 1/ 293، والزجاج في المعاني 2/ 109، والأزهري في "التهذيب" (منن) 4/ 3459، وقال ابن قتيبة (الطرنْجبين)، "غريب القرآن" ص 49، وقال الجوهري. شيء حلو كالطَّرَنْجَبِيَن، الصحاح (منن) 6/ 2207، وقد قيل في المن: أقوال كثيرة ذكر الطبري في "تفسيره" بعضها، منها: قيل: إنه شراب مثل العسل، وقيل: هو العسل وقيل: الخبز الرقائق، وقيل: الزنجبيل، وقيل: هو ما يسقط على الشجر، انظر الآثار في الطبري 1/ 293 - 295 وانظر الثعلبي في "تفسيره" 1/ 74 ب، "زاد المسير" 1/ 84، وقال ابن كثير بعد أن ذكر الأقوال: (والغرض أن عبارات المفسرين متقاربة في شرح المن، فمنهم من فسره بالطعام، ومنهم من فسره بالشراب، والظاهر والله أعلم: أنه كل ما امتن الله به عليهم من طعام وشراب وغير ذلك، مما ليس لهم فيه عمل ولا كد ..) ابن كثير 1/ 101/ 102.]]، وكان كالعسل الجامس [[الجامس: الجامد. "اللسان" (جمس) 2/ 677، وفي "تهذيب اللغة" (الحامس) == بالحاء، (من) 4/ 3459، وكذا في "اللسان" (منن) 7/ 4279. وفي "الوسيط" (الجامس) 1/ 112.]] حلاوة، كان يقع على أشجارهم [[في (أ)، (ج): (أسحارهم) وما في (ب) هو الصواب.]] بالأسحار عفوًا بلا علاج منهم، ولا مقاساة مشقة [[ذكره الأزهري في "تهذيب اللغة" عن الليث من 4/ 3459، وانظر "اللسان" (منن) 7/ 4279.]]، ومنه قوله ﷺ: "الكمأة من المن" [[الحديث أخرجه البخاري (4478) كتاب (التفسير) تفسير سورة البقرة باب ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ﴾ عن سعيد بن زيد قال: قال رسول الله ﷺ: "الكمأة من المن وماؤها شفاء للعين" الفتح (4639)، وفي تفسير سورة الأعراف، باب ﴿الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾ (5708) كتاب (الطب) باب (المن شفاء للعين)، وأخرجه مسلم (2049) كتاب (الأشربة) (فضل الكمأة) عن سعيد بن زيد من عدة طرق، والترمذي (2066)، (2067)، (2068) أبواب (الطب) باب (الكمأة والعجوة) عن أبي سعيد وجابر وسعيد بن زيد وأبي هريرة. عارضة الأحوذي بشرح الترمذي، وابن ماجة في كتاب الطب باب الكمأه والعجوة عن أبي سعيد وجابر وسعيد بن زيد وأبي هريرة وأحمد في مسندة عن سعيد بن زيد 1/ 187، 188، وعن أبي هريرة 2/ 301، 305، 325، 356، 357، 421، 488، 490، 511، وقد جمع طرقه ابن كثير في "تفسيره".]]. قال أبو عبيدة [[في (أ)، (ج): (أبو عبيد) والكلام لأبي عبيدة كما في "تهذيب اللغة" (من) 4/ 3459.]]: إنما شبهها بالمن الذي كان يسقط على بني إسرائيل؛ لأنه كان ينزل عليهم عفوا بلا علاج، إنما يصبحون وهو بأفنيتهم فيتناولونه، وكذلك الكمأة لا مؤنة فيه ببذر ولا سقى. قال أبو إسحاق: جملة المن ما يمن الله به مما لا تعب فيه ولا نصب [["معاني القرآن" للزجاج 1/ 110، وانظر "تهذيب اللغة" (من) 4/ 3459.]]، وأما السلوى فقال المفسرون: إنه طائر كالسمانى [[في (أ) (السمان). ذكره ابن جرير عن ابن عباس، والسدي، وقتادة، ومجاهد، ووهب، وابن زيد، والربيع بن أنس، وعامر، والضحاك. الطبري في "تفسيره" 1/ 293 - 295، نحوه في "تفسير ابن أبي حاتم" 1/ 365، وانظر "معاني القرآن" للزجاج 1/ 110، "تفسير الثعلبي" 1/ 75 أ، انظر "تفسير ابن عطية" 1/ 305.]]. قال الليث: الواحدة سلواة [["تهذيب اللغة" (سلا) 2/ 1726، وانظر "اللسان" (سلا) 4/ 2085، وقال الأخفش: لم يسمع له بواحد، وهو شبيه أن يكون واحده (سلوى) مثل جماعته. "معاني القرآن" للأخفش 1/ 268، وكذا قال الفراء انظر "معاني القرآن"1/ 38.]] وأنشد: كَمَا انْتَفَضَ السَّلْواَةُ مِنْ بَلَلِ [[في (ج): (تلك).]] الْقَطْرِ [[صدره: وَإنِّي لَتَعْرُونِي لِذِكْرَاكِ هِزَّةٌ. وورد في "تهذيب اللغة" (سلا) 2/ 1726، "اللسان" (سلا) 4/ 2085، والوسيط للمؤلف 1/ 112، "تفسير القرطبي" 1/ 408، "البحر المحيط" 1/ 205، "الدر المصون" 1/ 307، وهو غير منسوب في هذه المصادر.]] وهذا قول أكثرهم. وقال بعضهم: السلوى: العسل بلغة كنانة [[ذكره الثعلبي في "تفسيره" عن المؤرج السدوسي 1/ 75 أ، وعن ابن الأعرابي: السلوى: طائر، وهو في غير القرآن: العسل، ونحوه عن ابن الأنباري "التهذيب" (سلا) 2/ 1726.]]، ومثله قال أبو عبيدة [[في (ب) (أبو عبيدة). وكلام أبي عبيد في "تهذيب اللغة" (سلا) 2/ 1726، وانظر "اللسان" (سلا) 4/ 2085.]] وأنشد لخالد بن زهير الهذلي: وَقَاسَمَها [[في (ب): (وقاسمهما).]] بالله جَهْدًا لَأَنْتُمُ ... أَلَذُّ مِنَ السَّلْوَى إِذَا مَا نَشُورُهَا [[البيت من قصيدة لخالد بن زهير يخاطب أبا ذؤيب الهذلي، في قصة حصلت بينهما == حول امرأة كانا يترددان عليها، ذكرها السكري في "شرح أشعار الهذليين". و (السلوى) هاهنا: العسل، و (الشور): أخذ العسل من مكانه. ورد البيت في "شرح أشعار الهذليين" 1/ 215، "تهذيب اللغة" (سلا) 2/ 1726، "تفسير الطبري" 8/ 141، "الصحاح" (سلا) 6/ 2381، "تفسير الثعلبي" 1/ 75 أ، "المخصص" 5/ 15، 14/ 241، "اللسان" (سلا) 4/ 2086، "تفسير القرطبي" 1/ 347، "البحر المحيط" 1/ 205، 4/ 279، "الدر المصون" 1/ 370، "فتح القدير" 1/ 138، "الخزانة" 5/ 82، "زاد المسير" 1/ 84.]] قال أبو علي الفارسي: قرئ على أبي إسحاق في مصنف القاسم [[في (ب): (بالقسيم). والقاسم: هو أبو عبيد القاسم بن سلام، وكتابه هو (الغريب المصنف) من أجل كتب اللغة. انظر: "طبقات النحويين واللغويين" ص 201، "إنباه الرواة" 3/ 14.]]: السلوى: العسل، مع بيت خالد بن زهير. فقال لنا أبو إسحاق: السلوى طائر، وغلط خالد بن زهير، وظن أنه العسل [[وقد غلط كذلك ابن عطية في "تفسيره" 1/ 306، وانظر "تفسير القرطبي" 1/ 348.]]، قال أبو علي: والذي عندي في ذلك: أن السلوى كأنه ما يسلي عن غيره لفضيلة [فيه، من فرط طيبه، أو قلة علاج ومعاناة، العسل [[كذا ورد في (ب)، ولعل الصواب (والعسل ..).]] لا يمتنع أن يسمى سلوى لجمعه الأمرين كما يسمى الطائر] [[ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، (ج).]] الذي كان يسقط مع المن به. قلت: والسلوى بمعنى العسل صحيح في اللغة [[ونحوه قال القرطبي في "تفسيره" في معرض رده على ابن عطية في تخطئته للهذلي: (وما ادعاه من الإجماع لا يصح، وقد قال المؤرج أحد علماء اللغة والتفسير: إنه العسل ... وقال الجوهري: السلوى: العسل، وذكر بيت الهذلي ...) القرطبي 1/ 347 - 348، وقد مر قريبًا كلام المؤرج وأبي عبيد أنه بمعنى: العسل، انظر "الصحاح" (سلا) 6/ 2381.]]، وإن أنكره أبو إسحاق، ولكن الذي في الآية المراد به الطائر، لإجماع أهل التفسير عليه. قال أبو العالية ومقاتل: بعث الله عز وجل سحابة فمطرت [[قوله: (سحابة فمطرت) ساقط من (ب).]] السمانى في عرض ميل، وقدر طول رمح في السماء، بعضه على بعض [["تفسير الثعلبي" 1/ 75 ب، وانظر: "تفسير البغوي" 1/ 75، "البحر المحيط" 1/ 214.]]. وقوله تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ﴾ أي: وقلنا لهم [[انظر "تفسير الطبري"، انظر "تفسير ابن عطية" 1/ 306، "تفسير القرطبي" 1/ 348.]]: كلوا من طيبات، أي: حلالات [[في (ب). (حلالا).]]، فالطيب: الحلال، لأنه طاب، والحرام يكون خبيثًا، وأصل الطيب: الطاهر، فسمى الحلال طيبًا، لأنه طاهر لم يتدنس بكونه حرامًا [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 110، "تفسير أبي الليث" 1/ 395، انظر "تفسير ابن عطية" 1/ 306، والبغوي في "تفسيره" 1/ 75، ورجح ابن جرير أن المعنى: كلوا من شهيات الذي رزقناكموه، قال: (لأنه وصف ما كان فيه القوم من هنئ العيش الذي أعطاهم، فوصف ذلك بـ (الطيب) الذي هو بمعنى اللذة أحرى من وصفه بأنه حلال مباح).]]. ﴿وَمَا ظَلَمُوَنا﴾: بإبائهم على موسى دخول هذه القرية، ولكنهم ظلموا أنفسهم حين تركوا أمرنا فحبسناهم في التيه، فكانوا إذا أصبحوا وجدوا أنفسهم حيث ارتحلوا منذ أربعين سنة [[نحوه في "البحر المحيط" 1/ 215، وجمهور المفسرين على عموم المعنى، قالوا: وما ظلمونا بفعلهم المعصية وعدم شكرهم تلك النعم، ولكن كانوا أنفسهم يظلمون. انظر "تفسير الطبري"، انظر "تفسير ابن عطية" 1/ 306، "الكشاف" 1/ 283، "زاد المسير" 1/ 48، "تفسير القرطبي" 1/ 348، والبيضاوي 1/ 26، والنسفي في "تفسيره" 1/ 129، "تفسير ابن كثير" 1/ 104.]]. وقال جماعة من المفسرين: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ أي: كلوا من الوجه الذي أمرتم وأحل لكم، وذلك أنهم نهوا أن يدخروا لغد، لأن الله تعالى كان يجدد لهم كل يوم من المن والسلوى إلا يوم السبت، فكانوا يأخذون يوم الجمعة ما يكفيهم، فتعدّوا وادخروا وقدّدوا وملّحوا، فعصوا فقال الله تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمُوَنا﴾ أي: ما نقصونا بالمعصية، ولكن نقصوا حظ أنفسهم باستيجابهم عذابي [[ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 75 أ، وانظر "تفسير أبي الليث" 1/ 360، و"البغوي " 1/ 75، "البحر المحيط" 1/ 215، و"الخازن" 1/ 129.]]. وقيل: معناه: وما ضرّونا ولم يَعُد ضرر ظلمهم [[في (ج): (طالمهم).]] إلينا وإنما عاد إليهم. وابن عباس في رواية عطاء جعل قوله تعالى: [﴿وَمَا ظَلَمُوَنا﴾ إخبارا عن الموجودين في زمن النبي ﷺ، لأنه قال:] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]] ﴿وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ يريد حيث كذبوا نبيي وكفروا نعمتي، وخالفوا ما أنزلت في التوراة والإنجيل، ونقضوا عهدي [[لم أجده عن ابن عباس فيما اطلعت عليه، والله أعلم.]].

البقرة 2:58

وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ﴾ الآية. قال الليث: هي القَرْيَةُ، والقِرْيَة لغتان [[(لغتان) ساقط من (ب).]]، المكسورة يمانية، ومن ثم اجتمعوا في جمعها على القُرَى، فحملوها على لغة من يقول: كسْوه وكُسَى [["تهذيب اللغة" (قرا) 3/ 3911، وانظر "جمهرة أمثال العرب" 2/ 411، "اللسان" 6/ 3617.]]. وقال غيره [[في (ب): (عكرمة).]]: القَرْية بالفتح لا غير، وكسرها خطأ، وجمعها قُرَى جاءت نادرة [[انظر "تهذيب اللغة" (قرا) 3/ 3911، "اللسان" 6/ 3617.]]. ابن السكيت: ما كان من جمع فَعْلَة من الياء والواو على فِعَال كان ممدودًا مثل رَكوةَ ورِكَاء وشَكْوَة وشِكَاء، ولم يسمع في شيء من هذا القصر إلا كَوَّة وكُوًى وقَرْيَة وقُرى جاءتا على غير قياس [[قال الأزهري: أخبرني المنذري عن الحراني عن ابن السكيت ثم ذكره، "تهذيب اللغة" (قرا) 3/ 3911، وانظر "اللسان" (قرأ) 6/ 3617.]]. وقال أصحاب الاشتقاق: اشتقاق القرية من قريت، أي جمعت، والمقراة: الحوض يجمع فيه الماء، والقَرِيّ: مسيل يجتمع الماء إليه [[انظر "الزاهر" 2/ 107، "جمهرة أمثال العرب" 2/ 411، "تهذيب اللغة" (قرأ) 3/ 3911، "مقاييس اللغة" (قرى) 5/ 78، "المحكم" 6/ 307.]]، ويقال لبيت النمل: قرية، لأنه يجمع النمل [[قال ابن سيده: قرية النمل: ما تجمعه من التراب، "المحكم" 6/ 307، وانظر "اللسان" (قرأ) 6/ 3617. والبيت الذي ذكره يؤيد قول ابن سيده.]]. قال: كَأَنَّ قُرَى نَمْلٍ عَلَى سَرَوَاتِهَا ... يُلَبِّدُهَا [[في (ج): (يلرها).]] فِي لَيْلِ سَارِيَةٍ قَطْرُ [[لم أعثر عليه، ولم أعرف قائله.]] فالقرية تجمع أهلها، ومنه يقال للظهر: القرى، لأنه مجتمع [[في (ب): (مجتمع)، وفي (ج) (يجمع).]] القوى. قال المفسرون: إن بني إسرائيل لما خرجوا من التيه، قال الله [[في (ج): (قالهم الله).]] لهم ادخلوا هذه القرية [[انظر "تفسير أبي الليث" 1/ 361، "تفسير الثعلبي" 1/ 75ب، "تفسير ابن عطية" 1/ 306، "زاد المسير" 1/ 84، "تفسير ابن كثير" 1/ 104.]]. قال ابن عباس: هي أريحا [[ذكره الطبري عن ابن زيد 1/ 299، وأبو الليث عن الكلبي 1/ 360، قال ابن كثير بعد أن ذكره عن ابن عباس وابن زيد: (وهذا بعيد، لأنها ليست على طريقهم وهم قاصدون بيت المقدس)، 1/ 177.]]. وقال ابن كيسان: هي الشام [[ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 75 أ، والبغوي في "تفسيره" 1/ 76.]]. وقال قتادة والسدي والربيع: هي بيت المقدس [[ذكره الطبري في "تفسيره" عنهم 1/ 299 وابن أبي حاتم في "تفسيره"1/ 368، وذكره الثعلبي في "تفسيره" عن مجاهد 1/ 75 ب. قال ابن عطية: هي بيت المقدس، في قول الجمهور 1/ 306، وانظر "زاد المسير" 1/ 84، "تفسير القرطبي" 1/ 349، "البحر المحيط" 1/ 220، "تفسير ابن كثير" 1/ 104.]]. وقوله تعالى: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ هي فِعْلَةٌ من الحَطّ، وضع الشيء من أعلى إلى أسفل، يقال: حط الحمل عن الدابة، والسيل يحط الحجر عن الجبل [[انظر: "تفسير الطبري" 1/ 300، "تهذيب اللغة" (حط) 1/ 853، "مقاييس اللغة" 2/ 13، "مفردات الراغب" ص 122، "اللسان" (حطط) 2/ 914.]]، قال [[هو امرؤ القيس.]]: كَجُلْمُودِ صَخْرٍ حَطَّهُ [[(حطه) ساقط من (ب).]] السَّيْلُ مِنْ عَلِ [[صدره: مكرٍّ مفرٍّ مقبل مدبر معًا. يصف الفرس يقول: إذا أردت الكر والفر على العدو فهو كذلك، والمقبل: هو المكر، والمدبر: هو المفر، ثم وصف سرعته وصلابته بالجلمود الساقط من علو، والبيت من الشواهد العربية والنحوية ورد في "الكتاب" 4/ 227، وشرح أبياته للسيرافي 2/ 339، "تهذيب اللغة" (حط) 1/ 853، "المخصص" 13/ 202، == "اللسان" (حطط) 7/ 914. (علا) 15/ 84، "شرح المفصل" 4/ 89، "شرح شذور الذهب" ص 107، "مغني اللبيب" 1/ 155، و"الهمع" 3/ 196، "الخزانة" 2/ 397، 3/ 158 ،242، 6/ 506، "ديوان امرئ القيس" ص 11.]] ويقال في الدعاء: حط الله عنك وزرك، أي وضعه عنك، فالحِطّة من الحَطّ مثل الرِّدّة من الرَّدّ، يجوز أن يكون اسمًا، ويجوز أن يكون مصدرًا [[انظر: "تفسير الطبري" 1/ 300، "تهذيب اللغة" (حط) 1/ 853، "اللسان" (حطط) 2/ 914. قال أبو عبيدة: هي مصدر من حط عنا ذنوبنا. "المجاز" 1/ 41، وعلى حاشية (أ) إضافة من الكتاب، صدرها بـ (ش ك)، أي شرح من الكاتب وأذكرها للفائدة (حطة: فِعْلة من الحط، كالجلسة والركبة، وهي خبر مبتدأ محذوف، أي: مسألتنا حطة، أو أمرك حطة، والأصل: النصب بمعنى حط عنا ذنوبنا حطة، وإنما رفعت لتعطى معنى الثبات كقوله: صبر جميل فكلانا مبتلى. والأصل: صبرًا علي، أصبر صبرًا، وقرأ ابن أبي عبلة بالنصب على الأصل، وقيل معناه: أمرنا حطة، أي: أن نحط في هذه القرية ونستقيم فيها، وهل يجوز أن ينصب (حطة في قراءة من نصبها بقولوا، على معنى: قولوا هذه الكلمة؟ فالجواب. لا يبعده والأجود أن ينصب بإضمار فعلها، وينتصب محل ذلك المضمر بقولوا وقُرئ (يُغفر لكم خطاياكم) على البناء للمفعول بالياء والتاء) وهو منقول بنصه من "الكشاف" 1/ 283.]]. قال ابن عباس في رواية سعيد بن جبير في قوله: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ أي مغفرة، فقالوا: حنطة [[أخرجه الطبري 1/ 300، 303، 304، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 372، والحاكم في المستدرك وقال: على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي 2/ 262، وانظر "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 178، "تفسير القرطبي" 1/ 350، "تفسير ابن كثير" 1/ 105، والرواية بنصها في "تهذيب اللغة" (حط) 1/ 853.]]. وقال مقاتل: إنهم أصابوا خطيئة بإبائهم على موسى دخول الأرض التي فيها الجبارون، فأراد الله أن يغفرها لهم، فقيل لهم. قولوا حطة. قال أبو إسحاقا معناه: قولوا: مسألتنا حطة، أي: حط ذنوبنا عنا، والقراءة بالرفع على هذا التأويل. قال: ولو قرئت حطة [[قراءة النصب شاذة، وهي قراءة ابن أبي عبلة. انظر "تفسير ابن عطية" 1/ 307، "الكشاف" 1/ 283، "البحر المحيط" 1/ 222.]] كان وجهًا في العربية، كأنه قيل لهم: قولوا [[(قولوا) ساقط من (ب).]]: احطط عنا ذنوبنا حطة [["معاني القرآن" للزجاج 1/ 110، وانظر "تهذيب اللغة" (حط) 1/ 853.]]. وقال الليث: بلغنا أن بني إسرائيل حيث قيل لهم: وقولوا حطة، إنما قيل لهم ذلك حتى يستحِطّوا بها أوزارهم فَتُحَطَّ عنهم [["تهذيب اللغة" (حط) 1/ 853.]]. وقال عكرمة: وقولوا حطة، أي: كلمة يحط [[في (ب): (تحط).]] بها عنكم خطاياكم، وهي: لا إله إلا الله، لأنها تحط الذنوب [[أخرج الطبري في "تفسيره" لسنده عن عكرمة: قال قولوا: (لا إله إلا الله) 1/ 301، 300، ونحوه في "تفسير ابن أبي حاتم" 1/ 382، وذكره السيوطي في "الدر" وعزاه إلى عبد بن حميد والطبري في "تفسيره" وابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 285.]]. قال الفراء: فإن يك كذلك فينبغي أن يكون حطة منصوبة [[نص كلام الفراء: قال: (وبلغني أن ابن عباس قال: أمروا أن يقولوا: نستغفر الله، فإن يك كذلك فينبغي أن تكون (حطة) منصوبة ...) "المعاني" 1/ 38. قال الطبري في "تفسيره": (وأما على تأويل قول عكرمة فإن الواجب أن تكون القراءة بالنصب في (حطة) ...) ثم قال: (وفي إجماع القراءة على رفع (الحطة) بيان واضح على خلاف الذي قاله عكرمة من التأويل في قوله: (وقولوا حطة) ...) 2/ 108.]] في القراءة، لأنك [[(لأنك) ساقط من (ب).]] تقول: قلت: لا إله إلا الله، فيقول السامع: قلت كلمة صالحة، وإنما يكون الرفع والحكاية إذا صلح قبلها إضمار، فإذا لم يصلح كان منصوبًا، كما تقول [[في (أ)، (ج) (يقول) وما في (ب). موافق لما في معاني القرآن 1/ 38، وهو الأنسب للسياق.]]: قلت كلاما حسنا [[في المعاني: (وإنما تكون الحكاية إذا صلح قبلها إضمار ما يرفع أو يخفض أو ينصب، فإذا ضممت ذلك كله فجعلته كلمة، كان منصوباً بالقول كقولك: مررت بزيد، ثم تجعل هذا كلمة، فتقول: قلت كلامًا حسنًا ...) 1/ 38.]]. وقوله تعالى: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ﴾ [الكهف:22] هو رفع، لأن قبله ضمير أسمائهم، المعنى: هم ثلاثة، وقوله: ﴿وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ﴾ [النساء: 171] أي: ولا تقولوا الآلهة ثلاثة [["معاني القرآن" للفراء 1/ 39.]]. وقال ابن الأنباري: إذا جاء بعد القول حرف مفرد يجوز أن يكون نعتا للقول نصبت كقولك: قلت حقا؛ لأنه يحسن أن يقال: قلت قولا حقا، وكذلك: قلت صوابًا وقلت خطأ، وإذا جاء حرف مفرد لا يجوز أن يكون نعتًا للقول رفعت، كقوله: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ﴾ معناه: سيقولون هم ثلاثة، ولا وجه للنصب [[انظر "معاني القرآن" للفراء 1/ 38، "تفسير الطبري" 1/ 301.]]. وقوله: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ [[في (ب) (وقولوا).]] فحوى الكلام، وإجماع القراء على رفعها، دليل على أنهم أمروا بهذه اللفظة بعينها [[ذكر الطبري في الوجه الذي رفعت من أجله (حطة) عدة أقوال: فقيل: رفعت على معنى: (قولوا) ليكن منك حطة لذنوبنا. وقيل: هي كلمة مرفوعة أمروا بقولها كذلك، وهذان القولان لنحويي البصرة. وقيل: رفعت بتقدير: هذه حطة. وقيل: رفعت بضمير معناه الخبر، كأنه قال: قولوا ما هو حطة فتكون حطة خبر (ما) ونسب هذين القولين لنحويي الكوفة. الطبري في "تفسيره" 1/ 300، وانظر "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 1/ 41، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 178، و"تفسير الغريب" لابن قتيبة ص 50، "مشكل إعراب القرآن" 1/ 48.]]. فإن كانوا لم يؤمروا بهذه اللفظة بعينها فنصبها جائز على معنى: قولوا قولًا حاطًّا لذنوبكم. ويجوز نصبها أيضًا وإن كانوا قد أمروا بها على معنى: وقولوا: احطط عنا يا ربنا ذنوبنا حطة [[انظر "معاني القرآن" للفراء 1/ 38، والأخفش 1/ 269، والزجاج 1/ 110.]]، كقراءة من قرأ ﴿قَالُوا مَعْذِرَةً﴾ [[قراءة حفص عن عاصم بالنصب وبقية السبعة بالرفع، انظر "السبعة" لابن مجاهد ص 296، و"التيسير" ص 144.]] [الأعراف: 164] بالنصب. وإذا جاء بعد القول جملة من الكلام، لم يكن للقول فيها عمل، كقولك: قلت: عبد الله عالم، فهو عامل [[في (ب): (عالم).]] في موضع الجملة؛ لأنها مجعولة في موضع الكلام، ولو قلت: قلت [[(قلت) ساقط من (ب).]] كلاما، نصبت. وسنذكر بيانا لهذا زائدا عند قوله: ﴿قُلِ الْعَفْوَ﴾ [البقرة: 219] إن شاء الله. والأصح والذي عليه الجمهور: أنهم أمروا بهذه اللفظة بعينها، وقد روي لنا عن الأزهري [[في (ب): (الزهري).]]، عن المنذري عن ابن فهم [[هو الحافظ العلامة، أبو علي الحسين بن محمد بن فهم بن محرز البغدادي، روى عن محمد بن سلام وغيره، قال الدارقطني: ليس بالقوي، وفاته سنة تسع وثمانين ومائتين. انظر "تاريخ بغداد" 8/ 92، "سير أعلام النبلاء" 13/ 427، و"تذكرة الحفاظ" 2/ 680.]]، عن محمد بن سلام [[هو محمد بن سلام بن عبيد الله بن سالم، أبو عبد الله الجمحي، البصري، مولى قدامة بن مظعون، كان من أهل اللغة والأدب، روى عنه الجم الغفير، مات سنة اثنتين وثلاثين ومائتين. انظر "طبقات اللغويين والنحويين" ص 180، "تاريخ بغداد" 5/ 327، "إنباه الرواة" 3/ 143.]]، عن يونس قال: قوله: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ [[(الواو) ساقطة من (ب).]] هذه حكاية، هكذا أمروا [["تهذيب اللغة" (حط) 1/ 853، وذكره الأخفش عن يونس في "معاني القرآن" 1/ 270، ونحوه عند أبي عبيدة في "مجاز القرآن" 1/ 41، وذكر هذا القول الطبري في "تفسيره" 1/ 301، وانظر: "تفسير أبي الليث" 1/ 362.]]. وقوله تعالى: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ﴾ [[في (ب): (سجدا).]] يعني بابًا من أبوابها [[أي: أبواب القرية. انظر الثعلبي في "تفسيره" 1/ 75 ب.]]. ﴿سُجَّدًا﴾: قال ابن عباس: ركعا [[أخرجه الطبري 1/ 300، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 370، وأخرجه الحاكم في "المستدرك"، وقال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. "المستدرك" 2/ 262، وذكره السيوطي في "الدر" وعزاه إلى ابن جرير، والحاكم وابن أبي حاتم ووكيع والفريابي، وعبد بن حميد وابن المنذر. "الدر" 1/ 138.]]، وهو شدة الانحناء، والمعنى: منحنين متواضعين [[انظر الثعلبي في "تفسيره" 1/ 75 ب، انظر "تفسير ابن عطية" 1/ 307.]]. قال مجاهد: هو باب حطة من بيت المقدس، طوطئ لهم الباب؛ ليخفضوا رؤوسهم، فلم يخفضوا ولم يركعوا، ودخلوا متزحفين على استاههم [[في (ب): (أستاتهم). أخرجه الطبري في "تفسيره" 1/ 300، 325، وانظر "تفسير ابن أبي حاتم" 1/ 375، "تفسير الثعلبي" 1/ 75 ب، "الدر المنثور" 1/ 138. وقد ورد عن ابن عباس نحوه في روايات كثيرة، انظر "تفسير الطبري" 1/ 304. كما ورد بهذا المعنى حديث مرفوع عن أبي هريرة، أخرجه البخاري، انظر: "الفتح" 8/ 164، و"تفسير الطبري" 1/ 138.]]. قال الحسين بن الفضل: لو لم يسجدوا لذكر الله ذلك منهم وذمهم به كما ذمهم بتبديل الكلمة لما قالوا خلاف ما أمروا به [[قول الحسين لم أجده فيما اطلعت عليه، والله أعلم. والحديث الصحيح، والآثار ترد قوله، ففي البخاري عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -ﷺ- قال: "قيل: لبني إسرائيل: (ادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة) فدخلوا يزحفون على استاههم، فبدلوا"، وقالوا: حطة حبة في شعرة. "الفتح" 8/ 164، وكذا الآثار عن ابن عباس ومجاهد في هذا المعنى كلها ترد قول الحسين بن الفضل. انظر "تفسير الطبري" 1/ 301.]]. والله أعلم. وقوله تعالى: ﴿نَغْفِرْ [[بالياء على قراءة نافع، انظر: "السبعة" ص 157.]] لَكُمْ خَطَايَاكُمْ﴾ أصل الغفر: الستر والتغطية، وغفر الله ذنوبه، أي: سترها، كل شيء سترته قد غفرته. والمغفر يكون تحت بيضة الحديد يغفر الرأس [["تهذيب اللغة" (غفر) 3/ 2679، وانظر: "تفسير الطبري" 1/ 302، "الزاهر" 1/ 192، "الصحاح" (غفر) 2/ 770، "مقاييس اللغة" (غفر) 4/ 385، "اللسان" (غفر) 6/ 3272.]]. قال ابن شميل: هي حلق تجعل أسفل البيضة تسبغ على العنق فتقيه، وربما جعل من ديباج وخز أسفل البيضة. الأصمعي: غفر الرجل متاعه يغفر غفرًا: إذا أوعاه. ويقال: اصبغ ثوبك فإنه أغفر للوسخ أي: أغطى له [[كلام ابن شميل والأصمعي ذكره الأزهري في "تهذيب اللغة" (غفر) 3/ 2679، وانظر: "الزاهر" 1/ 109.]]. والغفارة: خرقة تستر رأس المرأة تقي بها الخمار من الدهن [[ذكره الأزهري عن أبي عبيد عن أبي الوليد الكلابي "تهذيب اللغة" (غفر) 3/ 2679.]]، وكل ثوب يغطى به شيء فهو غفارة، ومنه غفارة البزيون [[(البزيون) كذا ورد في "تهذيب اللغة" 3/ 2679، وفي "اللسان" (الزنون) 1/ 277 - 278، وقال في "الصحاح" (البزيون) بالضم السندس (بزن) 5/ 2078، وأورد صاحب اللسان 1/ 278 كلام الجوهري ثم قال: وقال ابن بري: هو رقيق الديباج.]] يغشى بها الرحال [[في (ب): (الرجال). والكلام ذكره الأزهري عن أبي عبيد عن الأموي. "تهذيب اللغة" (غفر) 3/ 2679، وانظر: "اللسان" (غفر) 6/ 3274.]]. وأجمع القراء على إظهار الراء عند اللام، إلا ما روى عن أبي عمرو من إدغامه الراء عند اللام [[نقل بعضهم عن أبي عمرو إدغام الراء بدون اختلاف، بعضهم نقل عنه باختلاف. انظر "السبعة" ص 121، "التيسير" ص 44، "الكشف" 1/ 157، "النشر" 2/ 12.]]. قال الزجاج: وهوخطأ فاحش، وأحسب الذين رووا [[في (ب): (رووا ذلك) والزيادة ليست في المعاني للزجاج 1/ 400.]] عن أبي عمرو غالطين [[وعلى نهجه سار الزمخشري في تفسير قوله تعالى: ﴿فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ قال: (فإن قلت: كيف يقرأ الجازم؟ قلت: يظهر الراء؛ ويدغم الباء، ومدغم الراء في اللام لاحن مخطئ خطأً فاحشًا، وراويه عن أبي عمرو مخطئ مرتين؛ لأنه يلحن وينسب إلى أعلم الناس بالعربية ما يؤذن بجهل عظيم، والسبب في نحو هذه الروايات قلة ضبط الرواة، والسبب في قلة الضبط قلة الدراية، ولا يضبط نحو هذا إلا أهل النحو) "الكشاف" 1/ 407، وانطر: "البيان" 1/ 83، ومذهب سيبويه وأصحابه: أنه لا يجوز إدغام الراء في اللام كما في "الكتاب" 4/ 448، "الكشف" 1/ 157. لكن هذا لا يلزم منه رد قراءة سبعية، وهي مسألة خلافية، فقد ذكر أبو حيان في "البحر" أن الكسائي والفراء أجازا ذلك وحكياه سماعًا، وقد تصدى أبو حيان للرد على الزمخشري وأجاد في ذلك، انظر: "البحر المحيط" 2/ 361، 362، وانظر تعليق عضيمة على "المقتضب"1/ 347.]]، ولا يدغم الراء في اللام إذا قلت: مر لي بشيء؛ لأن الراء حرف مكرر، ولا يدغم الزائد في الناقص [[قوله: (ولا يدغم الزائد في الناقص للإخلال به) ليس في "المعاني" 1/ 400.]] للإخلال به، فأما اللام فيجوز إدغامه في الراء، ولو أدغمت الراء في اللام لذهب التكرير من الراء وهذا إجماع النحويين [[انظر كلام الزجاج في "المعاني" 1/ 400. عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾.]]. وقال أبو الفتح الموصلي: الراء لما فيها من التكرير لا يجوز إدغامها فيما يليها من الحروف؛ لأن إدغامها في غيرها يسلبها ما فيها من التكرير. وأما قراءة أبي عمرو ﴿نَغْفِرْ لَكُمْ﴾ [[البقرة: 58، الأعراف: 161، وفي "سر صناعة الإعراب": ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ﴾ بدون واو، جزء من آية في الأحقاف: 31، الصف: 12، ونوح: 4.]] بإدغام الراء في اللام فمدفوع عندنا [وغير معروف عند أصحابنا، وإنما هو شيء رواه القراء، ولا قوة له في القياس [["سر صناعة الإعراب" لأبي الفتح ابن جني 1/ 193، والرواية إذا ثبتت فهي أقوى من القياس، وانظر التعليق السابق على كلام الزجاج.]]. والخطايا: جمع خطيئة [[ذهب بعض الكوفيين إلى أنه: جمع (خطية) دون همز، واختاره الطبري 1/ 302، وانظر "تفسير ابن عطية" 1/ 308، "تفسير القرطبي" 1/ 353، 354.]]] [[ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، (ج).]] وهي [[في (ب): (وهو).]] الذنب على عمد قال أبو الهيثم: يقال: خطئ: ما صنعه عمدا، وهو الذنب، وأخطأ: ما صنعه خطأ غير عمد [[نص الكلام في "التهذيب" (خطئت) لما صنعه عمدا وهو الذنب، (أخطأت) لما صنعه خطأ غير عمد. "تهذيب اللغة" (خطئ) 1/ 1061، وانظر "اللسان" (خطأ) 1/ 1061.]]. ويأتي بيان هذا مشروحًا عند قوله: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ [[البقرة: 81، وهناك بيَّن الواحدي الفرق بين (أخطأ) و (خطئ).]]. قال الزجاج: الأصل في خطايا كان خطايؤ [[كذا وردت في (أ)، (ج) وفي (ب): (كل خطاييا) وهو خطأ، وفي "معاني القرآن" للزجاج رسمت (خطائِى) وكلامه يدل على أن المراد خطائئ، فلم يذكر أصل الكلمة خَطَايئ كما في "تهذيب اللغة"، انظر "معاني القرآن" للزجاج 1/ 111، "تهذيب اللغة" (خطئ) 1/ 1060 - 1061.]] مثل خطائع، لأنها جمع خطيئة، فأبدل من هذه الياء همزة؛ فصارت [خطائئ] [[في (أ)، (ج): (خطايو) وفي (ب): (خطاي) وما أثبت هو المثبت في "تهذيب اللغة" 1/ 1060 - 1061، وقريب مما في (ب)، وفي "اللسان" (خطائي). "اللسان" (خطأ) 2/ 1193.]] مثل خطاعع. قلت: وإنما أبدلت هذه [[في (ج): (همزة).]] الياء همزة، لأن هذه الياء إذا وقعت في الجمع صارت همزة، مثل: ترائب وسحائب، وعلة ذلك نذكرها في قراءة من قرأ: معائش [[الأعراف: 10، والحجر: 20.]] بالهمزة [[الجمهور على القراءة بالياء، وقرأ الأعرج وزيد بن علي والأعمش وخارجة عن نافع، وابن عامر في رواية بالهمز، والقياس القراءة بدون همز، لأن الياء التي في المفرد إذا كانت أصلا فلا تهمز مثل معايش وإذا كانت زائدة همزت مثل: صحيفة وصحائف، قال أبو حيان: لكن رواه ثقات فوجب قبوله. انظر "البحر المحيط" 4/ 271، وانظر هذه المسألة في "معاني القرآن" للفراء 1/ 373، والزجاج 2/ 353، "تفسير ابن عطية" 1/ 309.]]. رجعنا إلى كلام الزجاج: فاجتمعت همزتان، فقلبت الثانية ياء فصار خَطَائِي مثل خَطَاعِي ثم قلبت الياء والكسرة إلى الفتحة والألف، فصار خَطاءَا، مثل خَطاعا [[في "تهذيب اللغة" (خطاءى) مثل (خطئ) 1/ 1061، والمثبت هنا مثل ما في "معاني القرآن" 1/ 111، وكذا في "اللسان" 1/ 1193.]] فأبدلت الهمزة ياء، لوقوعها بين ألفين، وإنما أبدلت الهمزة حين وقعت بين ألفين؛ لأن الهمزة مجانسة للألفات، فاجتمعت ثلاثة أحرف من جنس واحد، فأبدلت الهمزة ياء فصارت خَطايَا [["معاني القرآن" للزجاج 1/ 111، والنص من "لتهذيب" (خطئ) 1/ 1061، "اللسان" (خطأ) 2/ 1193، وانظر "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 179، انظر "تفسير ابن عطية" 1/ 309، و"البيان" 1/ 84 والقرطبي في "تفسيره" 1/ 353.]]. وقوله تعالى: ﴿سَنَزِيدُ اَلمُحسِنِينَ﴾ أي: الذين لم يكونوا من أهل تلك الخطيئة إحسانا وثوابا [[وقيل: المراد العموم من أهل الخطيئة وغيرهم فمن كان محسنا زيد في إحسانه ومن كان مخطئا غفر له خطيئته. انظر "تفسير الطبري" 1/ 302، انظر "تفسير ابن عطية" 1/ 309، "البحر المحيط" 1/ 224.]].

البقرة 2:59

قوله تعالى: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ الآية. (التبديل) معناه: التغيير إلى بدل، وذكرناه مستقصى عند قوله: ﴿بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ [النساء: 56]، والمعنى: أنهم غيروا تلك الكلمة التي أمروا بها، وقالوا بدل حطة: حنطة، وهذا [[في (ب): (وهو).]] قول ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير والمفسرين [[انظر الآثار عنهم في الطبري في "تفسيره" 1/ 302 - 305، وكذا في "تفسير ابن أبي حاتم" 1/ 375، ولم يرد عندهما عن سعيد، انظر "زاد المسير" 1/ 86، "تفسير ابن كثير" 1/ 106.]]. وقال أبو إسحاق: حرفوا وقالوا كلمة غير هذه التي أمروا بها، وجملة ما قالوا إنه أمر عظيم سماهم الله به فاسقين [["معاني القرآن" للزجاج 1/ 110.]]. وقوله تعالى: ﴿فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾. أظهر الكناية هاهنا تأكيدا [[قال الزمخشري: (وفي تكرير (الذين ظلموا) زيادة في تقبيح أمرهم وإيذان بأن إنزال الرجز عليهم لظلمهم، وقد جاء في سورة الأعراف بالإضمار)، "الكشاف" 1/ 283، وانظر "تفسير القرطبي" 1/ 354، "الدر المصون" 1/ 381.]]، وكنىَّ في سورة الأعراف فقال: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ﴾ [الأعراف: 162]. والعرب تظهر الكنايات توكيدًا، قال: لَا [[في (ج): (ألا ترى).]] أَرَى الْمَوْتَ يَسْبِقُ الموتَ شَيْءٌ ... نَغَّص الْمَوْتُ ذَا الْغِنَى وَالْفَقِيَرا [[البيت نسب لعدي بن زيد، ونسبه بعضهم لسواد بن عدي، وبعضهم لأمية بن أبي الصلت. وهو من "شواهد سيبويه" 1/ 62، وانظر "شرح شواهد سيبويه" للسيرافي 1/ 125، "الخصائص" 3/ 53، "الإملاء" 1/ 45، "تفسير القرطبي" 1/ 355، "مغني اللبيب" 2/ 500، "الخزانة" 1/ 378، 379، 6/ 90، 11/ 366، "اللسان" (نغص) 8/ 4488، "الدر المصون" 1/ 381، "فتح القدير" 1/ 141.]] أراد لا أرى الموت يسبقه شيء، فأظهر الكناية. وأنشد ابن الأنباري: فَيَارَبَّ لَيْلَى أَنْتَ فِي كُلِّ مَوْطِنٍ ... وَأَنْتَ الَّذِي فِي رَحْمَةِ اللهِ أَطْمَعُ [[ورد البيت في "همع الهوامع" 1/ 301، و"الدر اللوامع على همع الهوامع" و"شرح شواهد المغني" للسيوطي: قال: قيل: إنه لمجنون ليلى، وبحثت عنه في شعر مجنون ليلى، الذي جمعه عبد الستار أحمد فرج، ولم أجده، والله أعلم.]] أراد في رحمته أطمع، فأظهر الهاء. والرجز: العذاب [[انظر: "غريب القرآن" لليزيدي ص 70، "غريب القرآن" لابن قتيبة ص 43، "العمدة في غريب القرآن" لمكي ص 76.]]، [قال رؤبة] [[ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، (ج).]]: كَمْ رَامَنَا مِنْ ذِي عَدِيدٍ مُبْرِ [[في (ج): (رجز).]] حَتَّى وَقَمْنَا كَيْدَهُ بِالرِّجْزِ [[الرجز ورد في "الزاهر" 2/ 214، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 111، وورد الثاني في "تهذيب اللغة"، وبعده بيت آخر (جرز) 1/ 580، وكذا في "اللسان" (جزر) == 1/ 597، وفي "زاد المسير" 1/ 86، "البحر المحيط" 1/ 218، وفي ديوان رؤبة ص 64. ومعنى (مبزي) أي: متفاخر، (وقمنا): رددنا كيده.]] وقال الله تعالى: ﴿لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ﴾ [الأعراف: 134]، أي العذاب، ثم يسمى كيد الشيطان رجزًا لأنه سبب العذاب، قال الله تعالى: ﴿وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ﴾ [[في (أ)، (ج): (وليذهب) تصحيف.]] [الأنفال: 11]. وقوله: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثر: 5]، قيل: إنه عبادة الأوثان؛ لأنه سبب العذاب [[انظر "الوسيط" 1/ 115، "مفردات الراغب" ص 188.]]. قال أهل اللغة: وأصل الرجز في اللغة: تتابع الحركات، ومن ذلك قولهم: ناقة رجزاء إذا كانت قوائمها ترتعد عند قيامها، ومن هذا رجز الشعر؛ لأنه أقصر أبيات الشعر، فالانتقال من بيت إلى بيت سريع [[ذكره الأزهري عن الليث. "تهذيب" (رجز) 2/ 1356، وانظر: "مفردات الراغب" ص 187.]]. أو؛ لأن الرجز في الشعر متحرك وساكن ثم متحرك وسكن في كل أجزائه، فهو كالرعدة في رجل الناقة تتحرك ثم تسكن وتستمر [[في (ج): (ويستمر).]] على ذلك [[انظر: "اللسان" (رجز) 3/ 1588.]]. فحقيقة معنى الرجز: أنه العذاب المقلقل لشدته [[في (ب): (لشدة).]] قلقلة شديدة متتابعة [[قال الأزهري: (قال أبو إسحاق: ومعنى الرجز في العذاب. وهو العذاب المقلقل ...) "التهذيب" (رجز) 2/ 1365 "اللسان" (رجز) 3/ 1588.]]. قال الضحاك: أرسل الله عليهم ظلمةً وطاعونًا فهلك منهم في ساعة واحدة سبعون ألفًا، عقوبة لهم بتبديلهم ما أمروا [[ذكره الثعلبي في "تفسيره" ولم يعزه 1/ 75 ب، وكذا البغوي في "تفسيره" 1/ 76، ولم أجده منسوبا للضحاك فيما اطلعت عليه، والله أعلم. قال ابن جرير بعد أن ذكر الآثار في معنى الآية: (وقد دللنا على أن تأويل (الرجز) العذاب، وعذاب الله جل ثناؤه أصناف مختلفة. وقد أخبر الله جل ثناؤه أنه أنزل على الذين وصفنا أمرهم الرجز من السماء، وجائز أن يكون طاعونًا، وجائز أن يكون غيره، ولا دلالة في ظاهر القرآن ولا في أثر عن الرسول ثابت، أي الأصناف ذلك كان) الطبري في "تفسيره" 1/ 306، وانظر "البحر المحيط" 1/ 225.]] به.