Lafzullah

Al-Basit — آل عمران 3:1 – آل عمران 3:60

المؤلف / المصدر: Al-Basit

المحتويات
  1. آل عمران 3:1
  2. آل عمران 3:3
  3. آل عمران 3:4
  4. آل عمران 3:6
  5. آل عمران 3:7
  6. آل عمران 3:8
  7. آل عمران 3:9
  8. آل عمران 3:10
  9. آل عمران 3:11
  10. آل عمران 3:12
  11. آل عمران 3:13
  12. آل عمران 3:14
  13. آل عمران 3:15
  14. آل عمران 3:16
  15. آل عمران 3:17
  16. آل عمران 3:18
  17. آل عمران 3:19
  18. آل عمران 3:20
  19. آل عمران 3:21
  20. آل عمران 3:22
  21. آل عمران 3:23
  22. آل عمران 3:24
  23. آل عمران 3:25
  24. آل عمران 3:26
  25. آل عمران 3:27
  26. آل عمران 3:28
  27. آل عمران 3:29
  28. آل عمران 3:30
  29. آل عمران 3:31
  30. آل عمران 3:32
  31. آل عمران 3:33
  32. آل عمران 3:34
  33. آل عمران 3:35
  34. آل عمران 3:36
  35. آل عمران 3:37
  36. آل عمران 3:38
  37. آل عمران 3:39
  38. آل عمران 3:40
  39. آل عمران 3:41
  40. آل عمران 3:42
  41. آل عمران 3:43
  42. آل عمران 3:44
  43. آل عمران 3:45
  44. آل عمران 3:46
  45. آل عمران 3:47
  46. آل عمران 3:48
  47. آل عمران 3:49
  48. آل عمران 3:50
  49. آل عمران 3:51
  50. آل عمران 3:52
  51. آل عمران 3:53
  52. آل عمران 3:54
  53. آل عمران 3:55
  54. آل عمران 3:56
  55. آل عمران 3:57
  56. آل عمران 3:58
  57. آل عمران 3:59
  58. آل عمران 3:60

آل عمران 3:1

﴿الم﴾ اجتمعت القرّاء على فتح الميم، وإدراج ألفِ اللهِ في الوصل [[أي: بأن تُفتح الميمُ، ولا تظهر همزةُ اسم الجلالة في الوصل، حال النطق. انظر: "معاني القرآن وإعرابه" للزجّاج 1/ 373، "السبعة في القراءات" لابن مجاهد 200، "الحجة للقراء السبعة" لأبي علي الفارسي 3/ 8، وكتاب "التبصرة في القراءات السبع" لمكي بن أبي طالب 455، "إتحاف فضلاء البشر" لأحمد البَنّا ص 170. ويجوز لكل القرّاء في "ميم" المدُّ والقصر؛ لتغير سبب المد، فيجوز الاعتداد بالعارض وعدمه. انظر: "إتحاف فضلاء البشر" ص 170، "البدور الزاهرة" لعبد الفتاح القاضي 58.]]، إلا ما رُويت [[في (ج)، (د): (روي).]] شاذًا عن عاصم: أنّه سكّن الميمَ وقَطَعَ الألف [[(قَطَع الألف) أي: ابتدأ بها. انظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 9، "السبعة" لابن مجاهد 200، "التبصرة" لمكي ص 455. وهذه القراءة عن عاصم، رواها ابنُ مجاهد من طرق عدّة عن أبي بكر عنه، كما رُويت عن الحسن، وعمرو بن عبيد، وأبي جعفر الرؤاسي، والأعمش، والأعشى، والبرجمي، وابن القعقاع. انظر: "السبعة" ص 200، "معاني القرآن" للفراء 1/ 9، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 307، "علل الوقوف" للسجاوندي: 1/ 220، "البحر المحيط" لأبي حيان: 2/ 374. ولكنَّ المعروف والمضبوط عن عاصم هو الوصلُ وفتح الميم، وهي == روايةُ حفصٍ عنه. ويقول الزجّاج: (والمضبوط عن عاصم في رواية أبي بكر بن عياش وأبي عمرو فتح الميم. وفتح الميم إجماعٌ). ويقول مكي: (والذي قرأت به في رواية يحيى بن آدم بالوصل، مثل الجماعة). يعني: رواية يحيى عن أبي بكر. انظر: "معاني القرآن" للزجّاج: 1/ 373، "التبصرة" لمكي 455، "السبعة" لابن مجاهد ص 200، "الحجة" للفارسي 3/ 5.]]. واختلفوا في عِلَّةِ فتح الميم: فقال الفراء [[في "معاني القرآن" له 1/ 9. نقله عنه بالمعنى. وقد تقدمت ترجمته.]]: طُرِحت عليها فتحةُ الهمزة؛ لأن نيّة حروف الهجاء الوقف. فَلَمَّا كان يُنوى بها الوقفُ، نُوي بما بعده الاستئنافُ، فكانت الهمزةُ في حُكْم الثَّبات [[يعني بـ "الثبات": عدم سقوط الهمزة في الوصل. وقد ذهب الزمخشريُّ مذهبَ الفرّاء، وناقشه أبو حيان ورَدَّ عليه. انظر: "الكشاف" للزمخشري 1/ 410، "البحر المحيط" لأبي حيان 2/ 375 "الدر المصون" للسمين الحلبي 3/ 812.]]. ومذهب سيبويه [[في "الكتاب" له 4/ 152.]]: أنه حُرَّك لالتقاء الساكِنَينِ [[قال السمين الحلبي: (وهو مذهب سيبويه وجمهور الناس). "الدر المصون" 3/ 6.]]، والساكن الذي حُرّك له الميمُ، لامُ التعريف؛ وذلك أنَّ حُكْمَ هذه الهمزة، أن تُجتلَبَ في الابتداء، إذا احتيجَ إلى اللفظ بحرفٍ ساكنٍ، دون الصِّلَةِ والإدْراج، فإذا اتَّصلَ الساكنُ المُجتَلَبُ له هذا الحرفُ بشيءٍ قبله، استُغنِيَ عنه، فحُذِفَ. فإن اتّصَلَ بمتحرِّكٍ، بُنيَ على حركته [[في (ج): (متحركة).]]، نحو: (ذهبَ ابْنُك). وإنْ كان حرفًا ساكنًا -غيرَ لَيِّنٍ- حُرّكَ، نَحْوَ: ﴿عَذَابٍ (41) ارْكُضْ﴾ [[يقول أبو علي الفارسي: (فإن كان الحرف الثاني من الكلمة التي فيها الساكن الثاني مضمومًا ضمة لازمة، جاز فيه التحريكُ بالضم والكسر جميعًا) وأتى بهذه الآية ضمن الشواهد على ذلك. ثم قال: وجميع هذا يجوز في الساكن الأول التحريك بالضم) أي أن تقرأ هكذا: ﴿عَذَابٍ (41) ارْكُضْ﴾ في حال الوصل. "التكملة" للفارسي 177، وانظر: "كتاب سيبويه" 4/ 153، "الكشف" لمكي 1/ 274. وقد قرأ بكسر الباء مع التنوين في ﴿عَذَابٌ﴾ في حال الوصل: عاصم، وحمزة، وأبو عمرو بن العلاء، وقنبل، وابن ذكوان، ويعقوب. وأجمعوا على ضم الهمزة في الابتداء. وقرأ الباقون بضم الباء مع التنوين. انظر: "الكشف" لمكي 1/ 274، 275، وقال: والضم في ذلك كلِّه الاختيارُ؛ لأن عليه أكثر القراء، ولأنه أخف. والكسر حسن؛ لأنه الأصل في حركة التقاء الساكنين. وانظر: "إتحاف فضلاء البشر" ص 372، "البدور الزاهرة" ص 272.]] [ص:41 - 42]، و ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا﴾ [[وقد وردت كتابتها في جميع النسخ: (وأن لو) بفصل (أن) عن (لو). وأثبتها وفق رسم المصحف.]] [الجن: 16]. فكذلك [[في (ج): (فلذلك).]] الهمزة في أسماءِ اللهِ عزّ وجلّ مِن قوله: ﴿الم﴾، إذا اتَّصَلَ بما قبلها لزم حذفُها، كما لزم إسقاطُها فيما [[في (ج): (في ما).]] ذكرنا. وإذا لزم حذفها، لزم حذفُ حركتها أيضًا؛ لأنك لا تجدُ هذه الهمزة المُجْتَلَبَة في موضع ملقاةً، وحركتَها مبقاةً. فإذا لزم حذفها، لم يجُزْ إلقاؤها على الحرف الساكن. فليس حركةُ الميم إذن [[في (ب)، (ج)، (د): (إذًا).]] حركةَ الهمزة، وإذا لم تكن حركةَ الهمزة، ثبت أنها حركةُ التقاء الساكنَيْنِ. وأمّا ما احتج به الفرّاءُ مِن أنّ هذه الحروف موضوعةٌ على الوقف، وإذا كان كذلك وجب أنْ تثبت الهمزةُ ولا تحذَف، كما تثبت في الابتداء، فإذا لزم أن لا [[(لا) ساقطة من: (ج)، (د).]] تحذف كما لا تحذف [[(كما لا تحذف): ساقط من (ج).]] في الابتداء، لم يمتنع أن تُلْقَى حركتُها على ما قبلها. قيل: إنَّ وضعَ هذه الحروف [[في (ج): (الحرف).]] على الوقف، لا توجب [[في (د): (يوجب).]] قطعَ ألفِ الوصل وإثباته [[في (ج): (وإثباتها).]] في المواضع التي تسقط فيها. وأنت إذا ألقيت حركته على الساكن، فقد وصلت الكلمة التي هي فيها بما قبلها، وإنْ كان ما قبلها موضوعًا على الوقف. فقولك: (ألقيت حركته عليه) بمنزلة قولك: (وَصَلْتُه)، ألا ترى أنك إذا خفَّفْتَ (مَنْ أَبُوكَ)، قلتَ: (مَنَ بُوك) فَوَصَلْتَ، ولو [[(ولو) ساقطة من (د).]] وَقَفْتَ لم تُلقِ الحركةَ عليها، فإذا [[في (ب): (وإذا).]] وصلْتَها بما قبلها، لَزِمَ إسقاطُها، وكان إثباتُها مخالفًا لأحكامها في سائرِ مُتَصَرفاتها [[يقول السمين الحلبي - بعد أن نقل ردّ الواحدي هذا على الفراء: (قلت: هذا الرد مردود؛ بأن ذلك معامل معاملة الموقوف عليه، والابتداء بما بعده، لا أنه موقوف عليه، ومبتدأ بما بعده حقيقةً، حتى يَرُدَّ عليه بما ذكر). "الدر المصون" 3/ 8. ورأي الفراء هذا رده آخرون غير المؤلف، ومنهم: أبو علي الفارسي، وابن جنِّي، وخطَّأه تاجُ القراء الكرماني، واستبعده العكبريُّ. انظر: "الحجة" للفارسي: 3/ 9، "المحتسب" لابن جني: 240، "غرائب التفسير وعجائب التأويل" للكرماني 1/ 139، "التبيان" للعكبري 1/ 173. قال الفارسي: (ولا يجوز أن تكون الفتحة لهمزة الوصل ألقيت على النون؛ لأن الهمزة إذا أوجب الإدراجُ إسقاطَها لم تبق لها حركة تلقى على شيء، فيما علمناه).]]. ويقوي قولَ الفراء ما حكاه سيبويه [[في "الكتاب" 3/ 265.]] مِن قولهم: (ثَلَثَهَرْبَعَة) [[(ثلثهربعة): مطموسة في (د).]] ألاَ ترى أنهم أجروا الوصل في هذا مجرى الوقف؛ حيث ألقَوا حركة الهمزة على التاء التي للتأنيث، وأبقوها هاءً، كما تكون في الوقف، ولم يقلبوها تاءً [[أي: أن أصلها (ثلاثة أربعة)، فلما وقفنا على (ثلاثة) أبدلنا التاء (هاءً) كما هو اللغة المشهورة، ثم أجرينا الوصل مجرى الوقف، فتركنا الهاءَ على حالها في الوصل، ثم نقلنا الهمزة إلى الهاء، فكذلك هذا. وانظر: "الدر المصون" 3/ 8]]؛كما يقولون في الوصل: (هذه ثلاثتك) كذلك ههنا لَمّا كانت النيّةُ في الميم الوقفَ، وفيما بعدها الاستئنافَ، كانت الهمزةُ في حُكْمِ الثَبَات، فأُلقِيَت حَرَكَتُها على الميم. فله حُكْم الوقف مِن وَجْهٍ، وحُكْمُ الوَصْلِ مِن وَجْهٍ؛ كما كان في (ثَلَثَهَرْبَعَة) [[(ثلثهربعة): مطموسة في (د).]]، له حُكْمُ الوصل؛ من حيث إلقاء حركةِ الهمزة على (الهاء)، وحُكْم الوقف، حيث أبقوا الهاءَ على حالها [[ولكن يلاحظ أن الهمزةَ في (أربعة) همزة قطع، فهي ثابتة في الابتداء والدرج، وعليه نقلت حركتها. أما همزة اسم الجلالة، فهي همزة وصل واجبة السقوط، فلا تنقل حركتها إلى ما قبلها. وهذا هو الفرق. انظر: "غرائب التفسير" للكرماني 1/ 240، "الدر المصون" 3/ 8.]]. والساكن الذي حُرِّكت لَهُ الميمُ في ﴿الم﴾، الساكنُ الثالث، وهو [[في (د): (فهو).]]: لام التعريف؛ وذلك أنّ حروف التَّهَجِّي يجتمع فيها ساكنان؛ كقوله: ﴿حم (1) عسق﴾ [الشورى:1 - 2]، ولا يُحرَّك الساكنُ الثاني منها. وجمعهم بين الساكِنَيْنِ في هذه الحروف، دليلٌ على أنها في ﴿الم﴾ ليس بمتحرك للساكن الثاني إذ لو كان للثاني [[في (ج): (الثاني).]] لم يُحرَّك كما لم يُحرَّك سائرُ ما ذكرنا [[انظر: "التكملة" للفارسي 179، "غرائب التفسير" للكرماني 1/ 239.]]. قال الأخفش [[في "معاني القرآن" له 1/ 22. نقله عنه بمعناه. وقد تقدمت ترجمته.]]: لو كسرت الميم لالتقاء الساكِنَيْن، فقيل: ﴿الم﴾، لَجَازَ. قال أبو إسحاق [[قوله في "معاني القرآن وإعرابه" له 1/ 373. نقله عنه بنصه.]]: هذا غلط من أبي الحسن؛ لأن قبل الميم ياءً، مكسورًا [[في (ج): (مكسور).]] ما قبلها، فحقها الفتح؛ لالتقاء الساكنين؛ لِثِقَلِ الكَسْرِ مع الياء [[في "معاني القرآن" (وذلك لثقل الكسرة مع الياء).]]. قال أبو علي [[لم أقف على مصدر قوله فيما رجعت إليه من كتبه المطبوعة، وقد أورد قوله السمين الحلبي في "الدر المصون" 3/ 14.]]: كَسْرُ الميم لو ورد بذلك [[في (ب): (به).]] سماعٌ، لم يدفعه قياس، بل كان يُثَبِّتُه ويُقَوِّيه؛ لأنَ الأصل [[في (ج): (الوصل).]] في التحريك لالتقاء الساكنين الكسرُ. وإنما يُترك الكسرُ [[في (ج): (القياس).]] إلى غير ذلك؛ لِمَا يَعْرِضُ مِن عِلّةٍ وكراهةٍ. فإذا جاء الشيء على ما به فلا وجه لِرَدِّهِ، ولا مَسَاغ [[في (ج): (امتناع).]] لِدَفْعِهِ. وقول أبي إسحاق: (إنَّ ما قبل الميم ياءً مكسورًا [[في (ج): (مكسورة).]] [قبلها] [[ما بين المعقوفين زيادة أضفتها من "الدر المصون" للسمين 3/ 14. حيث أورد السمين هذه العبارة ناقلًا لها عن الواحدي، وكذلك هي في الأصل المنقول عنه وهو "معاني الزجاج" حيث إن الزجاج لا يعني كسر الياء، وإنما كسر ما قبل الياء.]] فحقها الفتح)، ينتقضُ بقولهم: (جَيْرِ) وكان مِنَ الأَمْرِ) [[(جير وكان من الأمر): ساقط من (ج)، (جَيْر) بكسر الراء، وقد يُنَوَّن: يمينٌ، أي: حَقَّا. أو بمعنى نعم، أو أجل. انظر: "البسيط في شرح جمل الزجاجي" 2/ 937، 944، "مجمل اللغة" لابن فارس: 1/ 204، "القاموس المحيط" ص370 (جير).]] (ذَيْتِ وذِيْتِ) [[في (د): (ديت وديت).]] و (كَيْتِ وكِيْتِ) [[(ذيت وذيت) بفتح التاء أو كسرها أو ضمها: اسم كناية، يكنى بها عن الحديث أو القصة أي: الحديث عن شيء حصل أو قول وقع. ولا بد مع تكرارهما مع فصلهما بالواو، مع اعتبارهما كلمة واحدة في محل نصب أو جر أو رفع حسب حاجة الجملة. ويقال في (كيت وكيت) ما قيل في (ذيت وذيت). ولم أقف في المصادر التي رجعت إليها على كسر الذال من (ذيت) والكاف من (كيت). انظر: "الخصائص" لابن جني 1/ 202، "سر صناعة الإعراب" له: 1/ 152 - 153، "لسان العرب" 3/ 1528 (ذيت) 7/ 3964 (كيت)، "النحو الوافي" 4/ 583.]]. فَحُرِّك الساكنُ بعد الياء بالكسر، كما حُرِّك بعدها بالفتح في (أيْنَ). وكما جاز الفتح بعد الياء؛ لقولهم [[في (ج)، (د): (كقولهم). وفي "الدر المصون": (في قولهم).]]: (أيْنَ)، كذلك يجوز الكسرُ بعدها؛ لقولهم: (جَيْرِ) [[في (ج): (خبر).]]. ويدل على جواز التحريك بالكسر لالتقاء الساكنين في ما [[في (ب)، (ج)، (د)، "الدر المصون": (فيما).]] كان قبله ياء جوازُ تحريكه بالضم؛ كقولهم [[في (د): (لقولهم). وفي "الدر المصون" (نحو قولهم).]]: (حيثُ). وإذا [[في (د): (إذا). بدون واو.]] جازَ الضمُّ، كان الكسرُ أسهلَ، وأجْوَزَ. وأما [[من قوله: (وأما ..) إلى (.. للابتداء بها): نقله بنصه عن "الحجة" للفارسي: 3/ 9.]] ما رُوي عن عاصم، من قطعه الألف، فكأنّهُ قدّر الوقفَ [[في "الحجة": (الوقوف).]] على الميم، واستأنف (الله). فقطع [[في (د): (وقطع).]] الهمزة للابتداء بها. قال محمد بن إسحاق [[قوله في "سيرة ابن هشام" 2/ 175، "تفسير الطبري" 3/ 162، "المحرر الوجيز" 3/ 5، "تفسير ابن كثير" 1/ 368. وهو: محمد بن إسحاق بن يَسَار، المُطَّلِبي بالولاء، من أهل المدينة، سكن العراق، إمام في المغازي والسيرة النبوية، رُمَي بالتشيع والقدر، صدوق يُدلِّس، مات ببغداد سنة (151 هـ)، وقيل بعدها. انظر: "وفيات الأعيان" 4/ 276، "تذكرة الحفاظ" 1/ 172، "تهذيب التهذيب" 3/ 504.]]، والكَلْبِي [[قوله في "بحر العلوم" 2/ 8، "تفسير البغوي" 2/ 5.]]، والرَّبِيع [[قوله في "تفسير الطبري" 3/ 163، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 585، "تفسير البغوي" 2/ 5، "المحرر الوجيز": 3/ 5.]]: نزلت هذه الآية، إلى [[في (ج): (في).]] نيّف وثمانين من هذه السورة، في وفْدِ نَجْران [[نجران: هي الآن في أرض الحجاز من المملكة العربية السعودية، وكانت قديمًا من مدن اليمن، من ناحية مكة. انظر حولها "معجم ما استعجم" 4/ 1298، "معجم البلدان" 5/ 266.]]، مِنَ النَّصَارَى، لَمّا جاءُوا يُحَاجُّونَ النبي ﷺ [[انظر في خبر وفد نجران، وأنه سبب نزول هذه الآيات إضافة إلى المصادر السابقة: "أسباب النزول" للمؤلف ص 99، "امتناع الأسماع" للمقريزي 1/ 502، "وتفسيرات شيخ الإسلام ابن تيمية" جمع إقبال الأعظمي: 115، "زاد المعاد" لابن القيم: 3/ 629، "السيرة النبوية" لابن كثير: 1/ 367، "البداية والنهاية" له 5/ 52 - 56، "حدائق الأنوار" لابن الدَّيْبَع الشيباني 1/ 68، 2/ 709، "الدر== المنثور" للسيوطي: 2/ 66، "لباب النقول" له: 51، وزاد في نسبة إخراجه فيهما لابن المنذر، والبيهقي في "دلائل النبوة". وانظر: "تفسير ابن كثير" 1/ 395 - 398 فله توجيه لطيف حول قول محمد بن إسحاق هذا ومن معه في سبب نزول هذه الآية.]]. قال ابن عباس [[قوله في "تفسير الثعلبي" (مخطوط مصور في جامعة الإمام):1/ 23 ب.]] في رواية عَطَاء، والضحاك في قوله: ﴿الم﴾ يريد بالألف: الله، واللام [[في (ب): (والميم واللام).]]: جبريل، والميم: محمد ﷺ [[أورد الأثر هذا عنه الثعلبي في تفسيره "الكشف والبيان" 1/ 23 ب.]]. وقد مضى الكلام في حروف التَّهَجِّي، وفي معنى ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: 255].

آل عمران 3:3

قوله تعالى: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾. إنّما قال: ﴿نَزَّلَ﴾، وقال: ﴿وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾؛ لأن التنزيل للتكثير. والقرآن نزل نجومًا، شيء بعد شيء، والتوراة والإنجيل نزلتا دفعةً واحدةً [[وقد ذهب كثير من المفسرين، إلى ما ذهب إليه المؤلفُ، من تخصيص القرآن، هنا بلفظ التنزيل، الدال على التكثير؛ نظرًا لنزوله منجمًا، وأن التوراة والإنجيل خُصَّا بالإنزال؛ لأنهما نزلا دفعة واحدة ومن هؤلاء المفسرين: الثعلبي، والبغوي، والزمخشري، وبيان الحق النيسابوري، وابن الجوزي، والقرطبي، والنسفي، وأبو جعفر بن الزبير الغرناطي، وابن جماعة، والبيضاوي، والمهايمي، وأبو السعود. انظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 4 أ، "تفسير البغوي" 2/ 6، "الكشاف" للزمخشري: 1/ 238،412، "وضح البرهان" لبيان الحق: 1/ 233، "زاد المسير" 1/ 349، "تفسير القرطبي" 4/ 5، "تفسير النسفي" 1/ 141، "ملاك التأويل" لابن الزبير: 1/ 141، "كشف المعاني" لابن جماعة: 123، "تفسير اليضاوي" 1/ 62، "تفسير المهايمي" 1/ 102، "تفسير أبي السعود" 2/ 4. ولكن رُدَّ هذا القول بالآتي: إن التضعيف الدال على الكثرة، شرطه أن يكون في الأفعال المتعدية قبل التضعيف غالبًا؛ نحو: (فتَّحت الباب)، وفعل (نَزَل) لم== يكن متعديًا قبل التضعيف. وقولهم: (غالبًا): لأن التضعيف جاء دالًا على الكثرة في اللازم؛ نحو: (موَّت المالُ): إذا كثر. إن التضعيف الدال على الكثرة، لا يجعل اللازم متعديًا كما في (مَوَّت المال). ولما كان (نزل) لازما، وصار بالتضعيف متعديًا، دلَّ على أن تضعيفه للنقل لا للتكثير. إنه لو كان (نَزَّل) للتكثير، لاحتاج قولُهُ تعالى: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ [الفرقان: 32] إلى تأويل، إنه ورد فعل (نَزَّل) المضعَّف، في آيات كثيرة، ولا يمكن أن يدل على التكثير، إلا بتأويل بعيد جدًا، ومن ذلك قوله تعالى ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ﴾ [الأنعام: 37] وقوله: ﴿لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: 95]. كما أن (أنزل) قد ورد خاصًّا بالقرآن، فقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ﴾ [النحل: 44] فلو كان أحدهما يدل على التنجيم، والآخر على النزول دفعة واحدة، لكان في ذلك تناقض في الإخبار، وهو محال. انظر: "الحجة" للفارسي: 2/ 158 - 162، "البحر المحيط" 1/ 103، "الدر المصون" 3/ 198، 3/ 21. ويرى ابن عاشور أن التضعيف في ﴿نَزَّلَ﴾ كالهمز فيه، إلا أن التضعيفَ يؤذن بقوة الفعل في كيفيته وكمِّيَتِه، وأن ﴿نَزَّلَ﴾ أهم من (أنزل)؛ حيث يدل على عِظَم شأن نزول القرآن. ويرى بأنه لا دلالة على أن التوراة والإنجيل نزلا دفعة واحدة، بل نزلا مفرقَيْن؛ كحال كل ما نزل على الرسل في مدة الرسالة. انظر تفسير "التحرير والتنوير" 3/ 147، 148.]]. و ﴿وَالكِتَابِ﴾؛ يعني: القرآن [[ذهب سعيد بن جبير إلى أن الكتاب هنا: خواتيم سورة البقرة. انظر: "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 587. أما جمهور المفسرين، فقد ذهبوا إلى أن المراد به القرآن، كما فَسَّره المؤلف. يقول أبو حيان (الكتاب هنا: القرآن، باتفاق المفسرين). "البحر المحيط" 2/ 377. وانظر: "تفسير الطبري" 3/ 166، 167 "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 587، "تفسير البغوي" 2/ 6، "تفسير ابن جزي" 73، "زاد المسير" 1/ 349، "تفسير ابن كثير" 1/ 369، "الدر المنثور" 2/ 5.]]. فهو مصدرٌ، سُمِّي به المكتوب. وقوله تعالى: ﴿بِاَلحَقِّ﴾. أي: بالصدق في أخباره، وجميع دلالاته. وقوله تعالى: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾. أي: موافقًا لِمَا تقدم الخبرُ به في سائر الكتب. وفي ذلك دليل على صحة نبوة محمد ﷺ. وقيل [[هو معنى قول: مجاهد، والحسن، وقتادة، والربيع، ومقاتل، والطبري، والثعلبي، والبغوي. انظر: "تفسير مقاتل" 1/ 262، "تفسير الطبري" 3/ 166، 167، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 587، "تفسير البغوي" 2/ 6، "تفسير الثعلبي" 3/ 4 أ.]]: مصدقًا لشرائع الأنبياء المتقدمين فيما أتوا به، خلاف مَن يقول: نؤمن ببعض ونكفر ببعض. وقوله تعالى: ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾. مِن مَجَازِ الكلام؛ وذلك أنَّ ما بينَ يَدَيْك، فهو أمَامَك. فقيل لكل ما تقدم على الشيء: (هو بين يديه)؛ كما جاء في الحديث: "إنَّ بينَ يَدَي الساعة سنين خَدّاعَة" [[الحديث، أخرجه: البزار (انظر كشف الأستار عن زوائد البزار: رقم الحديث: (3373)، وأحمد في "المسند" 3/ 220. وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد" 7/ 284، من رواية عمرو بن عوف، عن النبي ﷺ، ومن رواية ابن إسحاق، عن عبد الله بن دينار، عن أنس، عن النبي ﷺ. قال الهيثمي: (وقد صرح ابن إسحاق بالسماع من عبد الله بن دينار، وبقية رجاله ثقات). وأورده المتقي الهندي في "كنز العمال" 14/ 229 رقم (38511) وعزاه للطبراني في "المعجم الكبير" والحاكم في "الكنى" وابن عساكر، عن عوف بن مالك الأشجعي. وورد الحديث بلفظ آخر من رواية أنس بن مالك: "إن أمام الدجال سنين خدَّاعة .. ". أخرجه أحمد في "المسند" 3/ 220 (انظر: "الفتح الرباني" للبنا: 24/ 35). وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" 7/ 284: (رواه أحمد، وأبو يعلى، والطبراني في "الأوسط" وفيه ابن إسحاق، وهو مدلس، وابن لهيعة، وهو لين). وورد من رواية أبي هريرة بلفظ: "إنها ستأتي على الناس سنون خداعة". رواه أحمد في "المسند" 2/ 291. وانظر: "المسند" بشرح شاكر: 15/ 37 رقم (8799)، وقال الشيخ أحمد شاكر: (إسناده حسن، ومتنه صحيح).]] ، أي: أمامها، تتقدم عليها. وقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ﴾. قال الفراء [[قوله: في "الزاهر" لابن الأنباري: 1/ 168، وأورد الأزهريُ طرفا منه، وعزاه لكتاب (المصادر) للفراء. انظر: "تهذيب اللغة" 4/ 3880.]]: أصل (التوراة): (تَوْرَيَةٌ)، على وزن (تَفْعَلَة)، فصارت الياءُ ألفًا، لِتَحَرُّكها وانفتاح ما قبلها. قال: ويجوز أن تكون (تَفْعِلَة)، فيكون أصلها: (تَوْرِيَة)، فتنقل الراء مِن الكَسْر إلى الفتح؛ كما تقول طَيِّئ [[في (ج): (ظبي). (طيئ) هي القبيلة العربية المشهورة، التي تنسب إلى طيئ بن أدَد ابن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان، وهي من القبائل القحطانية، كانت مساكنهم في اليمن، ثم خرجوا منها، ونزلوا بنجد والحجاز، ثم انتشروا في الجزيرة العربية. انظر: "جمهرة أنساب العرب" 398، 399، 476، و"صبح الأعشى": 1/ 320، و"معجم قبائل العرب": 2/ 689 - 691، 5/ 345.]] في (جاريَة): جَارَاة. وفي (ناصيةٍ): نَاصَاة [[الناصية، أو الناصاة: قصاص الشعر في مقدم الرأس. انظر: (نصا) في "اللسان" 7/ 4447، "القاموس المحيط" (1339). قال الأزهري (والناصية عند العرب: منبت الشعر في مقدم الرأس ... وسمي الشعرُ ناصيةً؛ لنباته في ذلك الموضع). "تهذيب اللغة" 4/ 3581.]]. قال الشاعر: بِحَرْبٍ كَنَاصاةِ الأغَرِّ المُشَهَّرِ [[عجز بيت، وصدره: لقد آذَنَتْ أهلَ اليَمَامَةِ طيِّئٌ وهو لحُرَيْث بن عَنَاب الطائي. وقد ورد منسوبًا له، في كتاب "المعاني الكبير" لابن قتيبة: 2/ 1048، "اللسان" 7/ 4447 (نصا). وورد غير منسوب، في "تهذيب اللغة" 4/ 3581، "الدر المصون" 3/ 18. وردت كلمة (الحِصان) بدلًا من (الأغر) في كل المصادر السابقة، ما عدا "الدر المصون". المُشَهَّر: المشهور. انظر: (شهر) في "تهذيب اللغة" 4/ 1945، "اللسان" 4/ 2352.]] وأنشد الفراء: فَمَا الدنيَا بِبَاقَاةٍ لِحَيٍّ ... وما حَيٌّ على الدنيا بِبَاق [[في (د): (باقي). أورده الزمخشري في "ربيع الأبرار" 1/ 38، ونسبه لخالد بن الطَّيِّفان الدارمي، وكذا نسبه الجاحظ له في: كتاب "الحيوان" 5/ 105، وسماه خالد بن علقمة بن الطيفان. إلا أن الزمخشري في "ربيع الأبرار" في: 1/ 13 نسبه لنهشل بن حري النهشلي، وروايته فيه: وما الدنيا بباقية لحي ... وما حي على الحَدَثان باقي وهو في الموضعين في "ربيع الأبرار" (بباقية لحي). وورد البيت غير منسوب، في "الزاهر" لابن الأنباري: 1/ 168، ورسالة الصاهل والشاحج، للمعري: 407، "الإنصاف في مسائل الخلاف" للأنباري: ص 69، "الدر المصون" 2/ 637، 3/ 19. والشاهد فيه: قوله: (بباقاة)، وأراد: بباقية.]] وقال الخليل [[انظر: "كتاب سيبويه" 4/ 333.]] وهو مذهب البصريين [[انظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 4 ب. والبصريون، هم: أصحاب المدرسة النحوية بالبصرة، الذين نشأ النحو على أيديهم وتطور. وقد وضعوا قواعدهم على الأعم الأغلب مما نقل عن العرب، ومن قواعدهم المنهجية في النحو: التشدد في السماع، فلا يأخذون إلا من ثقات العربية، ممن سلمت لغاتهم من التأثر بلغة أو بلهجة أجنبية، ولا يعتمدون الشاهد النحوي مقياسًا، إلا إذا جرى على ألسنة العرب، وكثر استعمالهم له، وغير ذلك من القواعد، وهم أسبق من أصحاب المدرسة الكوفية، وأكثر تشددًا منهم. وهناك البغداديون، الذين ينتخبون من المدرستين. ومن علماء المذهب البصري: أبو عمرو بن العلاء، والخليل بن أحمد، وسيبويه، وقطرب، والأخفش الأوسط، والمازني، والمبرد، وغيرهم. انظر: "طبقات النحويين" للزبيدي: 21 - 211، والمدراس النحوية، لشوقي ضيف: 11 وما بعدها، "معجم المصطلحات النحوية والصرفية" د. محمود اللبدي: 21، 87، "موسوعة النحو والصرف" د. أميل يعقوب: 362، 616.]]: (تَورَيَةٌ، أصلها: (فَوْعَلَةٌ)، وأصلها: (وَوْرَيَةٌ)، ولكنَّ الواو الأولى قُلِبت تاءً، كما قُلِبت في (تَوْلَج) [[تَوْلَج: كِناس الوحش، وهو الموضع الذي يستتر فيه. انظر: (ولج) في "أساس البلاغة" للزمخشري: 2/ 526، "القاموس المحيط" ص 209. وانظر: (كنس) في "الصحاح" 3/ 971.]]، فهو (فَوْعَل)، مِنْ (وَلَجْت). وقُلِبت الياء ألِفًا؛ لتحركها [[في (د): (لحركتها).]] وانفتاح ما قبلها، فصارت (تَوْرَاةً) [[في (ج): (توراية).]]، وكُتِبَت بالياء على أصل الكلمة. قالوا: ولا يجوز أن يكون أصلها (تَفعَلَة) كما قال الفرّاء؛ لأن [[من قوله: (لأن ..) إلى (.. ولا إشكال): ساقط من: (د). ومن قوله: (لأن ..) إلى (.. وعومرة قد كثر): نقله بتصرف في بعض عباراته عن "الحجة" للفارسي: 3/ 1315.]] هذا البناء يَقِل، وإن (فَوْعَلة) من الكثرة بحيث لا يتناسبان [[انظر: "كتاب سيبويه" 4/ 333، "إعراب القرآن" المنسوب للزجاج: 3/ 879، "الممتع في التصريف" لابن عصفور: 1/ 383، 384.]]. ولا إشكال في أن الحَمْل على الأكثر الأشْيع أولى، وأيضًا فإن التاء لم تكثر زائدةً أوّلًا، والواو إذا كانت أوّلًا فقد استمرّ البدل فيها؛ نحو: (وُجُوه)، و (أُجُوه) [[في (ج): (وأوجه).]]، و (وُقِّتَتْ)، و (أُقِّتَتْ)، و (وشاح)، و (إشاح) [[الوشاح: شيء ينسج من أديم عريضًا، يرصع بالجوهر، وتشده المرأة بين عاتقيها. يقال: (وِشاح، وإشاح، ووُشاح، وُأشاح). الجمع: وُشُح، وأوْشِحة. انظر: "الصحاح" للجوهري: 1/ 415 (وشح).]]، و (وَنَاة)، و (أَنَاة) [[(امرأة أناة، ووناة): فيها فتور. و (نساءق أنَوات). و (قد وَني في الأمر): ضعف وفتر. انظر: "أساس البلاغة" 1/ 23 (أنى)، 2/ 529 (ونى).]]. فإذا اجتمع واوان لزم الأوّلَ منهما البدلُ: إما همزة، وإما تاء؛ نحو: (أَوَاقٍ) [[في (د): (واق). وقوله: (نحو أواق): ساقط من: ب. انظر: "لسان العرب" 8/ 4903 (وقي).]] في جمع (واقِيَةٍ). وقد أُبدِلت التاءُ من الواو، إذا [[في (أ): (فإذا). وفي (ب)، (ج): (وإذا) والمثبت من مصدر المؤلف؛ لأنه لا يستقيم الكلام إلا به. ومن قوله: (إذا ..) إلى (.. من الواو) ساقط من: (د).]] كانت مفردةً؛ نحو: (تُجَاه) و (تُرَاث) [[في (أ): (تَراث) بفتح التاء. والصواب ما أثبت وهو ضمها. انظر: "تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة: 527، "مفردات ألفاظ القرآن" للراغب: 863 (ورث).]] و (تُخَمَة) [[في (أ): (تُخْمَة) بسكون الخاء. والصواب بفتحها. انظر: "مجمل اللغة" لابن فارس: ص 920، "المصباح المنير" للفيومي: ص 250 (وخم).]] و (تُكْلاَن). فإذا كثر [[في (ج): (أكثر).]] إبدال التاء مِنَ الواو هذه [[في (أ)، (ب): وهذه. والمثبت من: (ج) (د). وهو الصواب؛ حيث لا تستقيم العبارة إلا به، كما أنه هكذا في مصدر المؤلف، وهو "الحجة" للفارسي: 3/ 14.]] الكثرة كانَ حملها على هذا الكثير [[في (د): (الكثير).]]، أوْلى من حمله على ما لم يكثر ولم يتسع هذا الاتساع، ولا يقرب أيضًا حملُها على (تَفْعِلَة)؛ لأنه لا يخلو مِن أن يجعلها [[في (د): (تجعلها).]] اسمًا؛ نحو: (تَوْدِيَة) [[في (ب): (تردية). والتودية: واحدة التوادي، وهي: الخشبات التي نشد على خِلْفِ الناقة إذا صُرَّت. انظر: "غريب الحديث" للحربي: 1/ 263، "الصحاح" 6/ 21،25 (ودى)، "اللسان" 8/ 8804 (ودى).]] أو مصدرًا؛ نحو: (تَوْصِية). فأما باب (تَوْدِيَةٍ) فقليل؛ كما أن (تَفْعَلَة) كذلك، وباب (تَوْصِيَة) فيه اتساع؛ لكن إذا حملها على لُغَةِ طَيِّئٍ، فقد حملها على لغةٍ لم نعلم شيئًا منها في التنزيل. فإذا لم يكن الوجهان اللّذان ذكرهما الفراءُ بالسّهلين، حَمَلْتَهُ على (فَوْعَلَةٍ) دونها؛ للكثرة؛ ألا ترى أنّ نحو: (صَومَعَة) [[الصومعة: منار الراهب، وبيت للنصارى. انظر: (صمع) في "اللسان" 4/ 2498، "القاموس" ص 738.]] و (حَوجَلَة) [[الحوجلة: هي ما كان من القوارير الصغار واسعة الرأس وقيل: هي القارورة الغليظة الأسفل. وقيل: هي القارورة فقط. انظر: (حجل) في "تهذيب اللغة" 1/ 752، "اللسان" 2/ 789.]] و (دَوسَرَة) [[الدَوْسَر: الجمل الضخم، ذو الهامة والمناكب. ولا أنثى: دَوْسَرٌ، ودَوْسَرةٌ. و (كتيبة دوسر، ودوسرة): مجتمعة. وقيل: الدوسر: النوق العظيمة. وقيل: الدوسر: القديم. انظر: (دسر) في "تهذيب اللغة" 2/ 1183، "اللسان" 3/ 1372، "القاموس" ص 391.]] و (عَومَرَة) [[في (ب): (عوصرة). والعَوْمَرة: الاختلاط. يقال: (تركت الناس في عومرة)؛ أي: في صياح وجلبة. "تهذيب اللغة" 3/ 2567، "اللسان" 5/ 3103.]]، قد كثر؟. ونظير (التوراة) مِمّا قلبت الواوُ فيه تاءً [[في (ب): (الياء في ثاء).]]، قولُهم [[من قوله: (قولهم ..) إلى (.. فكأن الطهر أخرجه): نقله بتصرف في بعض عباراته عن "الحجة" للفارسي: 3/ 12.]]: (التَّرِيَّة): لِمَا تَرَاهُ المرأةُ في الطُّهْرِ بعد الحَيْضِ [["تهذيب اللغة" 2/ 1328 (رأى).]]، وهي (فَعِيلةٌ) مِنَ (الوَرَاءِ)؛ لأنها تُرى بعد الصُّفْرَةِ والكُدْرَة. ويجوز أن تكون (فَعِيلَة) [[في (د): (فيعلة).]]؛ مِن: (وَريَ الزَّنْدُ)؛ فكأن الطُّهْرَ أَخرجه [[انظر مبحث إبدال التاء من الواو، وأصل كلمة (التوراة) في "المقتضب" للمبرد 1/ 63، "نزهة القلوب" للسجستاني 154، "مجالس العلماء" للزجاجي 95، وكتاب "التكملة" للفارسي 571، "سر صناعة الإعراب" لابن جني 1/ 145، "المنصف" له 1/ 226، "المشكل" لمكي: 1/ 149، "شرح المفصل" لابن يعيش: 9/ 142، 10/ 36، "نزهة الطرف في علم الصرف" لابن هشام: 160.]]. فأما اشتقاقها: فقال الفرّاءُ فيما حكاه ابنُ الأنباري: التوراة [[من قوله: (التوراة ..) إلى (قول العرب): نقله عن "الزاهر" لابن الأنباري: 1/ 168.]]؛ معناها: الضياءُ والنُّورُ؛ من قول العرب: (وَرِيَ الزَّنْدُ [[من قوله: (وري الزند ..) إلى: (.. لم يجاوز به غيره): نقله عن "الحجة" للفارسي: 3/ 10 مع بعض التصرف.]]، يَرِي): إذا قَدَحَ [[يقال: (وَرِيَ الزَنْدُ يَرِي)، و (وَرَى يَرِي)، و (وَرِيَ يَوْرَى). انظر: (وري) في: "كتاب العين" للخليل بن أحمد: 8/ 304، "تهذيب اللغة" 4/ 3880، "الصحاح" 6/ 2522. والزَنْدُ: العود الذي تُقدَح به النارُ، وهو يكون في الأعلى، والزندة: السفلى. انظر: "الصحاح" 2/ 481 (زند).]]، فَلَم يَكْبُ [[في (أ): (يثب). (ب): (يتب). وفي (ج): ينب. وفي (د) كما في النسخ السابقة، ولكن بدون إعجام، ولا وجه لجميعها. والمثبت هو ما استصوبته؛ فقد جاء في "اللسان" (كبا الزَنْدُ): إذا لم يخرج ناره. انظر 6/ 3814 (كبا). وفي "مفردات ألفاظ القرآن" (ويقال: (فلانٌ واري الزند): إذا كان مُنْجِحا. و (كابي الزند): إذا كان مُخفِقًا) 558 (وري).]]، و (أورْيتُه أنا)؛ قال الله تعالى: ﴿فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا﴾ [العاديات: 2] ويقولونَ: (وَرِيتْ [[في (ج): (وَريْتُ). ووردت الكلمةُ كما أثبَتُّ، في "مجالس العلماء" للزجاجي: 82. وجاء في "كتاب العين" للخليل: 8/ 304: (وتقول للرجل الكريم: (إنه لواري الزِّناد، وورَّيْتُ بك زِنادي)؛ أي: رأيت منك ما أحب، مِنَ النُّصْح والنجابة والسماحة).]] بل زِنَادِي)، على مثال: (شَرِيَتْ) [[في (ج): (شربت). ومعنى (شَرِيَت)؛ أي: لجَّت، مِن: (شَرِيَ يَشرَى شرًى)،== و (استشرى فلان في غيِّه): إذا تَمَادَى ولَجَّ فيه. و (شَرِيَ البَرْقُ): إذا تتابع لَمَعانُه. و (شَرِيَتْ عينُه): إذا لجت وتابعت الهملان. و (شَرِيَت)؛ بمعنى: أصابها الشَّرِي، وهو: مرض جلدي له لذع شديد. انظر: "الأضداد" لابن الأنباري: 228، 229، ومادة (شري) في "الصحاح" 6/ 2391، "اللسان" 4/ 2253.]]. وزعم أبو عثمان [[في (ج): (ابن عثمان). وهو: بكر بن بقية، وقيل: بكر بن محمد بن عديِّ بن حبيب. أبو عثمان المازني. من أهل البصرة، أستاذ المبرد، روى عن أبي عبيدة والأصمعي وأبي زيد. قال عنه المبرد: (لم يكن بعد سيبويه أعلم بالنحو من أبي عثمان). قيل إنه توفي: (248 هـ)، وقيل: (249 هـ). انظر: "أخبار النحويين البصريين" 85، و"معجم الأدباء" 7/ 107، و"الأعلام" 2/ 69.]]: أنه استُعْمِل في هذا الكلام فقط، لم يُجاوَزْ به غيره. ومعنى (وَرِيَت بك زِنَادِي)؛ أي: ظَهَر بك الخيرُ لي. فالتوراة سُمِّيت [بذلك] [[زيادة يقتضيها السياق.]]؛ لظهور الحق بها. يدل على هذا المعنى قولُه: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً﴾ [الأنبياء: 48]. وقال المُؤَرّج [[قوله في "تفسير الثعلبي" 3/ 4 ب.]]: هو من (التَّوْرِيَةِ) [[في (د): (التوراة).]]، وهي: التعريض بالشيء؛ وكان أكثر التوراة معاريضَ وتلويحًا، مِن غير إيضاحٍ وتصريح. وفي (التوراة) قراءتان: الإمالة، والتفخيم [[الإمالة: أن تُمِيل الفتحةَ نحو الكسرةِ، وتُمِيل الألفَ نحو الياء، مِن غير قلْبٍ خالص، ولا إشباع مبالغ. وهي كبرى وصغرى؛ فالكبرى: أن يُصرف الفتح إلى الكسر كثيرًا. وُيعبَّر عنهابـ (الكسر) مجازًا، أو (البطح) أو (الإضجاع)، وعند سيبويه: (الإجناح). والصغرى: أن يُصرف الفتح إلى الكسر قليلاً، ويسمى (بين اللفظين)؛ أي: بين الفتح وبين الإمالة الكبرى، أو يعبر عنها بـ (التقليل) و (التلطيف)، أو (بين بين). والتفخيم، أو الفتح هو النطق بالألف مركبة على== فتحة خالصة غير مُمالة. وهو شديد ومتوسط؛ فالشديد: فتح القاريء لِفِيهِ بلفظ الحرف الذي يأتي بعده ألف، وهو مكروهٌ. والمتوسط: ما بين الشديد، والإمالة المتوسطة، وهو المستعمل عند أصحاب الفتح من القراء. انظر: "الرعاية" لمكي: 129، "جمال القراء" للسخاوي: 2/ 500، "التمهيد" لابن الجزري: 57. ووردت الإمالة في قراءة ﴿التَّوْرَاةَ﴾ عن: أبي عمرو، والكسائي، وابن ذكوان، وخلف. ووردت الإمالة بين اللفظين، والإمالة المحضة، عن: حمزة. ووردت الإمالة بين اللفظين عن نافع. أما التفخيم: فورد عن: ابن كثير، وعاصم، وابن عامر. انظر: "السبعة" لابن مجاهد: 201، "الكشف" لمكي: 1/ 183، "التبصرة" لمكي:455، "التيسير" للداني: 86، "الإقناع" لابن الباذش: 1/ 282 - 284، "النشر" لابن الجزري: 2/ 61.]]. فَمَنْ فَخَّم؛ فلأن الراءَ [[من قوله: (فلأن الراء ..) إلى (.. كذلك يميلون الراء): نقله بتصرف يسير عن "الحجة" للفارسي: 3/ 15.]] حَرفٌ يَمْنُعُ الإمالة؛ لِما فيه مِنَ التكرير، كما يمنعه المستعلي [[حروف الاستعلاء: الخاء، والصاد، والضاء، والطاء، والظاء، والغين، والقاف. انظر: "الرعاية" لمكي: 123، "التمهيد" لابن الجزري: 9.]]، ولو كان مكان [[في (أ): (مكان مكان).]] الراء مُستَعْلٍ مفتوحٌ، لمْ تَحْسُنْ الإمالةُ، كذلك إذا كانت الرّاءُ مفتوحةً. ومَنْ أمالَهَا؛ فَلأنّ الألف لَمّا كانت رابعةً، لم تخلُ مِنْ أن تشبه ألِفَ التأنيث، أو الألف المنقلبةَ عن الواو، وعن [[في (د): (أو من).]] الياء. وألِفُ [[في (د): (والألف).]] التأنيث تُمالُ [[في (د): (قال).]]، وإنْ كان قبلها مستعْلٍ؛ كقولهم: (فَوْضى) [[في (أ): (قوضى). (ب): (قوضي). (د) قوصي. والمثبت من: (ج)؛ لموافقته للمصدر المنقول عنه، وهو "الحجة" للفارسي: 3/ 15؛ ولأن ما لم أثْبِتْهُ لم أقف عليه في معاجم اللغة التي بين يدي.]]، و (جَوْخَى) [[في (ب): (جوخي). (د): (حوحي).]] وهي مدينة [[في (ج): (وهما مدينتان). وجوْخى: قرية من أعمال واسط بالعراق. انظر: "معجم ما استعجم" للبكري: 403، "القاموس المحيط" 250 (جاخ).]]، [فـ] [[ما بين المعقوفين زيادة ليستقيم بها الكلام، وهي موجودة في "الحجة" 3/ 15.]] كما أمالوا المستعليةَ معها، كذلك يميلون الرَّاءَ [[قال الفارسي: (وإذا أمالوا مع المستعلي، كانت الإمالة مع الراء أجود؛ لأن الإمالة على الراء أغلب منها على المستعلي، ألا ترى أنه قد حكي الإمالة في نحو: (عمران)، ونحو: (فِراش)، و (جِراب). ولو كان مكان الراء المستعلي، لم تكن فيه إمالة؟ ..). "الحجة" 3/ 16، وانظر: "كتاب سيبويه" 4/ 141، 142.]] والألِفَ المنقلبةَ عن الياء والواو، وتمال نحو: ﴿رَمَى﴾ [[من قوله تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ سورة الأنفال: 17. وقد أمالها: أبو بكر، وحمزة، والكسائي. انظر: "الكشف" لمكي: 1/ 177، 184.]] و ﴿سَجى﴾ [[الضحى: 2. وقد أمالها الكسائي. انظر: "الكشف" 1/ 189، "التيسير" للداني 49.]]، وأشباههما. وقوله تعالى: ﴿وَالْإِنْجِيلَ﴾. قال الزجَّاجُ [[في "معاني القرآن" له: 1/ 375.]]: الإنجيْل، (إفْعِيل)، مِنَ (النَّجْل)، وهو [[في (د): (وهي).]]: الأصل. هكذا كان [[(كان): ساقطة من: (ج).]] يقول جميع أهل اللغة في (إنجيل). قال ابن الأنباري [[في "الزاهر" 1/ 168. نقله عنه، مع التصرف في بعض عباراته.]]: معنى قولهم: (إنجيل) لِكِتاب الله: أصْلٌ للقوم [[في (د): (القوم).]] الذين [[في (ج): (الذي).]] نزل عليهم؛ لأنهم يَعْمَلونَ بما فيه. ويقال [[في (ج): (ويقولون).]]: (لَعَنَ اللهُ ناجِلَيْهِ)؛ أي: والِدَيْهِ. وأنشد قولَ الأعشى: إذْ نَجَلاهُ فَنِعْمَ مَا نَجَلا [[عجز بيت، وصدره: أنجب أيامَ والداه به وهو في: ديوانه: 171، وقد ورد منسوبًا له، في "مجالس ثعلب" 1/ 77، "الزاهر" 1/ 169، "البارع" لأبي علي القالي: 625، "تهذيب اللغة" 4/ 3522 (نجل)، "المحتسب" لابن جني: 1/ 153، "الإفصاح" للفارقي: 332، "اللسان" 7/ 4355 (نجل)، "أوضح المسالك" لابن هشام: ص153، "همع الهوامع" للسيوطي: 4/ 297. ويروى البيت: (أنجب أيامُ والديه به)، و (أزمان) بدلًا من: (أيام). والبيت من قصيدة يمدح بها سلامة ذا فائش الحميري. ومعنى البيت: ولدا ولدا نجيبا. فيكون سياق البيت كالتالي: أنجب والداه به -أيام إذ نجلاه- فنعم ما نجلا.]] أي: كان أصلًا له إذ وَلَدَاهُ. وقال قومٌ [[ممن قال ذلك: ابن دريد في "جمهرة اللغة" 1/ 492 (نجل). وانظر: "المعرب" للجواليقي: 123.]]: (الإنجيل)، مأخوذ من قول العرب: (نَجَلْتُ الشيء): إذا استخرجته وأظهرتُه. يقال للماء الذي يخرج من النَّزِّ [[النَزُّ، والنِزُّ: ما تَحَلَّبَ من الأرض من الماء. و (نَزَّت الأرض): صارت ذا نَزً. انظر: (نزز) في "تهذيب اللغة" 4/ 3550، "مجمل اللغة" 843، "القاموس" 527.]]: (نَجْلٌ). ويقال: (قد استَنْجَلَ الوادي): إذا أخرج الماء من النزِّ. فسمّي الإنجيلُ إنجيلًا؛ لأن الله تعالى أظهره للناس بعد طموس الحق ودُرُوسِهِ. قال: وفي (الإنجيل) قولٌ ثالث: وهو أن يكون سُمّيَ إنجيلًا؛ لأن الناس اختلفوا فيه، وتنازعوا. قال أبو عمرو الشيباني [[انظر: "تهذيب اللغة" 4/ 3522 (نجل).]]: التَّنَاجُل: التنازع. يقال: (تناجلَ القومُ): إذا تنازعوا [[انظر: اشتقاقات ومعاني الإنجيل في "نزهة القلوب" للسجستاني: 123، "تهذيب الأسماء واللغات" للنووي: 3/ 161، "عمدة الحفاظ" للسمين الحلبي: 562، إضافة إلى بقية معاجم اللغة في مادة (نجل).]]. وقال جماعة من أهل التحقيق: التوراة والإنجيل والزَّبُور، أسماء عُرِّبت مِنَ السريانية، وليس يُطّردُ فيها قياس الأسماء العربيّة؛ ألا تراهم يقَولون لها بالسريانية: (تُورَيْ)، (انْكِليُون) [[في (ج): (ان كليون). قيل إنه معرب من الرومية وليس من السريانية أي الآرامية، وأصله: (إثانْجَليُوم)؛ أي: الخبر الطيب. فمدلوله مدلول اسم الجنس؛ ولذ أدخلوا عليه كلمة التعريف في الرومية. وعربه العرب فأدخلوا عليه لام التعريف. ويرى ابن عاشور أن من ذهب إلى كونه منقول من السريانية، قد تكون العبارة اشتبهت عليه، وأن الصواب (اليونانية)؛ لأن فيها (أووَانَيْليُون) (أي: اللفظ الفصيح. انظر: "التحرير والتنوير" لابن عاشور: 3/ 149.]]، (زَفُوتَا) [[وممن ذهب إلى أن (الإنجيل) و (التوراة) اسمان أعجميان: الزمخشري، والجواليقي، والنسفي، وابن جزي، والبيضاوي، وأبو السعود، والسمين الحلبي، والطاهر بن عاشور. قال الزمخشري: (وتكلف اشتقاقهما من (الوَرْي) و (النَّجْل)، ووزنهما بـ (تفعلة)، و (إفعيل)، إنما يصح بعد كونهما عربيين). "الكشاف" 1/ 410. وانظر: "المعرب" للجواليقي: 123، "تفسير النسفي" 1/ 141، "تفسير ابن جزي" 73، "تفسير البيضاوي" 1/ 62، "تفسير أبي السعود" 2/ 4، "عمدة الحفاظ" للسمين: 562، "التحرير والتنوير" 3/ 149. وقد استدل بعضهم بقراءة الحسن: (والأَنجيل) بفتح الهمزة، على أنه أعجمي؛ لأنه ليس == في أبنية العرب (أفعيل). انظر: "الزاهر" 1/ 169، "البحر المحيط" 2/ 378، "اللسان" 7/ 4356 (نجل).]].

آل عمران 3:4

وقوله تعالى: ﴿وَأَنزَلَ اَلفُرْقَانَ﴾. أي: ما فرق بين الحق والباطل [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج: 1/ 375، "معاني القرآن" للنحاس: 1/ 343، "تفسير البغوي" 2/ 6.]]. قال ابن عباس في رواية عطاء [[لم أقف على مصدر هذه الرواية عنه.]]: يريد به جميع الكتب؛ لأنه فرّق فيها بين الحق والباطل [[إضافة إلى هذا القول، فقد وردت الأقوال التالية في (الفرقان): أنه القرآن، وهو قول: قتادة والربيع وعطاء ومجاهد ومِقْسم والجمهور. أنه مصدر لكل ما يفرق بين الحق والباطل في أمر عيسى عليه السلام، وغير ذلك من أموره. وهو قول محمد بن جعفر ابن الزبير، ورجحه الطبريُّ؛ محتَجًّا بتقدم ذِكْر القرآن في آية: 3. من هذه السورة، فلا داعي لإعادته. أنه التوراة، وهو قول أبي صالح، ورَدَّه ابن كثير؛ نظرًا لِتقدم ذِكْر التوراة أنه خواتيم سورة البقرة، قاله سعيد بن جبير. انظر: "تفسير الطبري" 3/ 167، "معاني القرآن" للزجاج: 1/ 375، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 588، "معاني القرآن" للنحاس: 1/ 343، "تفسير البغوي" 2/ 6، "زاد المسير" 1/ 350، "تفسير ابن كثير" 1/ 369.]]. وقال السُّدِّي [[قوله في "تفسير الثعلبي" 3/ 5، "تفسير البغوي" 2/ 6، "زاد المسير" 1/ 350.]]: في هذه الآية تقديم وتأخير، وتقديرها: ونَزَّلَ التوراة والإنجيل وأنزل الفرقان؛ هُدًى للناس. وقوله تعالى: ﴿ذُو انْتِقَامٍ﴾ أي: مِمَّن كَفَرَ به، (لأن) [[في (أ): (لال). والمثبت من: (ب)، (ج)، (د).]] ذِكْرَ الكافرين جرى ههنا. والانتقام: العقوبَة. يقال: (انتقم منه انتقامًا)؛ أي: عاقبه [[انظر: (نقم) في "تهذيب اللغة" 4/ 3654، "الصحاح" 5/ 2045، "مفردات ألفاظ القرآن" للراغب (تحقيق عدنان داودي): 822.]]. وقال اللَّيْث [[قوله في "تهذيب اللغة" 4/ 3654 (نقم).]]: يقال: (لَمْ أرْضَ منه حتى نَقِمتُ، وانتقمْتُ): إذا كافأه؛ عقوبةً بما صنع.

آل عمران 3:6

قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ﴾ [[لم يتعرض المؤلف لتفسير آية: 5.]]. التصويرُ: جعل الشيء على صورةٍ. والصورة: هيئة يكون [[في (أ): (تلون). (ج) يلون. والمثبت من: (ب)، (د).]] عليها الشيء بالتأليف. وأصلها مِن: (صارَه، يَصُوره): إذا أماله [[يقال: (صارَهُ يَصُورُه، ويَصِيرُه) انظر: "تهذيب اللغة" 2/ 1958 (صار)، "غريب الحديث" لأبي عبيد بن سلّام: 2/ 309، "اللسان" 4/ 2524.]]. فهي صورَةٌ؛ لأنها مائلة إلى بِنْيَةٍ بالشَبَه لها. وقوله تعالى: ﴿فِي الْأَرْحَامِ﴾. جَمْعُ رَحِم. وأصلها مِنَ: الرَّحْمَة [[انظر: "مفردات ألفاظ القرآن" للراغب (تحقيق عدنان داودي): 347. وورد في الحديث: (قال الله: أنا الله، وأنا الرحمن، خَلَقْت الرَّحِمَ، وشَقَقْت لها اسمًا من اسمي، فَمَن وَصَلَها وصَلْتُه، ومَنْ قَطَعَها بَتَتُّه). أخرجه الترمذي في "السنن" رقم (1907) كتاب: البر والصلة، باب: ما جاء في قطيعة الرحم، وقال الترمذي: (حديث صحيح)، والحاكم في "المستدرك" 4/ 157. وصححه، ووافقه الذهبي، وأحمد في "المسند" 1/ 194. وعند البزار: (أنا الرحمن الرحيم، وإني شققت الرَّحِمَ من اسمي ..). انظر: "كشف الأستار عن زوائد البزار": 2/ 379، تحقيق الأعظمي، وقال عنه الهيثمي: (وإسناده حسن). "مجمع الزوائد" 8/ 151.]]؛ وذلك لأنها مما يُتَراحم بالاشتراك فيها، ويُتَعاطف. وقوله تعالى: ﴿كَيْفَ يَشَاءُ﴾. أي: ذكرًا (و) [[في (ج): (أو). وكذا كُتِبت (أو) بدلا من (و) في (ج) فيما بعدها.]] أنثى؛ قصيرًا وطويلًا؛ أسودَ وأبيض؛ سعيدًا وشقِيًّا. ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ﴾ في مُلْكه، ﴿الْحَكِيمُ﴾ في خَلْقِه.

آل عمران 3:7

قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ﴾ إلى قوله: ﴿مُتَشَابِهَاتٌ﴾ اختلف المفسرون في المُحْكَمِ والمُتَشابِه. واختلفت (فيهما) [[في (ج): (فيها).]] الروايات عن ابن عبّاس، فقال في روايةِ عَطِيّة: المُحْكَم: الناسخ الذي يُعمل به. والمُتشابه: المَنْسُوخُ الذي يُؤمَنُ به، ولا يُعمل [به] [[ما بين المعقوفين: زيادة من: (ج). وهذا الأثر عن ابن عباس من رواية عَطِية، في "تفسير الطبري" 3/ 172، "تفسير الثعلبي" 2/ 5/ ب، "الدر المنثور" للسيوطي: 3/ 8. وسند هذا الأثر عن ابن عباس من طريق عطية قال عنه الشيخ أحمد شاكر: (إسنادٌ مُسَلْسَلٌ بالضعفاء). انظر: "تفسير الطبري" 1/ 263 هامش (1) (ط. شاكر)، وقد تكلم على السَّنَدِ بإسهاب. وانظر كذلك السندَ، في "تفسير الثعلبي" 1/ 4 أ. وقد أخرج الطبريُ أثرًا آخرَ عن ابن عباس، في نفس المعنى من رواية السُّدِّي الكبير، عن أبي مالك، وأبي صالح، عن ابن عباس. انظر: "تفسير الطبري" 3/ 172، وانظر تعليق الشيخ أحمد شاكر على سنده، في: 1/ 156 - 160 هامش (2) (ط. شاكر).]]. وهذا قول قتادة، والربيع [[انظر الأثر عنهما في "تفسير القرآن" لعبد الرزاق الصنعاني (تحقيق د. مصطفى مسلم): 1/ 115، "تفسير الطبري" 3/ 172، "تفسير الثعلبي" 3/ 5 ب، "تفسير البغوي" 1/ 17، " المحرر الوجيز" 3/ 17 - 18.]]. وقال في رواية عطاء: المُحْكَمَات: (هي) [[(هي): ساقطة من: (ج).]] الثلاثُ (الآيات) [[في (ب): (آيات).]] في (آخر) [[في (ج): (أواخر).]] سورة الأنعام: ﴿قُلْ تَعَالَوْا﴾ [الأنعام: 151]، إلى آخر الآيات الثلاث [[لم أجد هذا الأثر عن ابن عباس من رواية عطاء فيما رجعت إليه من مصادر، وإنما الوارد عنه هو من رواية أبي إسحاق السبيعي، عن عبد الله بن قيس. وقد أخرجه الحاكم في "المستدرك" 2/ 288، وصححه، ووافقه الذهبي، وأخرجه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 592 كما أورده السيوطيُّ في "الدر المنثور" 2/ 6، وعزا إخراجه لسعيد بن منصور، وابن مردوية وورد من نفس الطريق بلفظ آخر: (قال: هي الثلاث الآيات، مِنْ ههنا: ﴿قُلْ تَعَالَوْا﴾ [الأنعام: 151]، إلى ثلاث آيات، والتي في (بني إسرائيل): ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: 23] إلى آخر الآيات). أخرجه الطبريُّ في "تفسيره" 3/ 172، وابن أبي حاتم 2/ 592، والثعلبي 3/ 5/ ب، من رواية أبي إسحاق. وأورده السيوطيُّ في "الدر المنثور" 2/ 6 وزاد نسبة إخراجه لعبد بن حميد، وابن المنذر. وانظر: "الإتقان" له: 3/ 5. وقال ابن عطية فى "المحرر الوجيز" 3/ 17 - 18: (وهذا عندي مِثالٌ أعطاه في المُحكَمَات).]]. ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ يريد: (التي) [[في (ج): (الذي).]] تشابهت اليهود؛ وهي حُرُوف التَّهَجِّي في أوائل السُّوَرِ؛ وذلك أنهم أوَّلُوها على حِسَابِ الجُمَّلِ، وطلبوا أن يَسْتَخرِجوا منها مُدَّة بقاء هذه الأمَّةِ، فاختلط عليهم واشْتَبَه [[موقف اليهود من حروف أوائل السور، ورد في أثر طويل رواه محمد بن إسحاق، عن الكَلْبِيُّ، عن أبي صالح، عن ابن عباس، عن جابر بن عبد الله، وروايته له بصيغة التمريض؛ حيث قال: (.. فيما ذُكر لي عن عبد الله بن عباس، وجابر بن عبد الله ..). انظر: "سيرة ابن هشام" 2/ 170 - 171. فسنده ضعيف لِمَا فيه مِنْ مجهول. وأخرجه الطبري في "تفسيره" 3/ 174، وقال عنه الشيخ أحمد شاكر: (ضعيف الإسناد). وقد أورد شاكر أسانيد هذا الأثر وبَيَّن اضطرابَها، ثم قال: (وعندي أن هذا الاضطراب، إنما هو من ابن إسحاق، أو لَعَلَّه رواهُ بهذه الأسانيد كمَا سَمِعَه، وكلها ضعيف مضطرب). "تفسير الطبري" 1/ 179 (ط. شاكر). وأورده الثعلبي في "تفسيره" 3/ 6 ب، وابن كثير في "تفسيره" 1/ 370، وقال عنه: (مداره== على محمد بن السائب الكلبي، وهو مِمَّن لا يُحتج بما انفرد به). وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 2/ 8، وأشار إلى ضعفه، والشوكانى في "فتح القدير" 1/ 480 وَرَدَّه هذا وقد استدل الطبري بهذه الرواية على أن هذه الحروف هي من حساب الجُمّل، مع أن الرواية التي أوردها مدارها على الكلبي، الذي ضعفه الطبري نفسُهُ، وعدّه ممن لا يجوز الاحتجاج بنقله. وقال عنه ابن تيمية: (فهذا نقلٌ باطلٌ)، وبيَّن بطلانَه من ثلاثة وجوه، منها: أنه من رواية الكلبي. وقال ابن كثير: (وأمّا مَنْ زَعَم أنها دالَةٌ على معرفة المُدَدِ، وأنه يُستخرجُ من ذلك أوقاتُ الحوادث والفِتَنِ والمَلاحِمِ، فقد ادّعَى ما ليس له، وطار في غير مطاره)، ثم قال: (كان مقتضى هذا المسلك إن كان صحيحًا أن يُحسب ما لكل حرف من الحروف الأربعة عشر التي ذكرناها، وذلك يبلغ منه جملة كثيرة، وإنْ حُسِبت مع التكرار فأطم وأعظم). انظر: "تفسير الطبري" 3/ 175، "تفسير سورة الإخلاص" لابن تيمية: 191. "تفسير ابن كثير" 1/ 370.]]. وهذا القول، اختيار الفرّاء [[في "معاني القرآن" له 1/ 190.]]. وقال في رواية الوالبي [[يريد المؤلف بـ (الوالبي) والله أعلم: علي بن أبي طلحة، الراوي عن ابن عباس، وهكذا سماه الثعلبي شيخ المؤلف في مقدمة تفسيره "الكشف والبيان" 1/ 5 أ، وساق سنده إليه، فقال: (.. أن معاوية بن صالح حدثه عن علي بن طلحة [هكذا في المخطوط، والصواب: ابن أبي طلحة] الوالبي، عن ابن عباس)، وهو نفس السند الذي روى به ابن أبي طلحة التفسير عن ابن عباس، وهو نفس السند الذي جاءت به هذه الرواية عنه في هذا الموضع في "تفسير الطبري" "تفسير ابن أبي حاتم". ولم أقف في المصادر التي رجعت إليها، على مَنْ سَمَّاه بـ (الوالبي) سوى الثعلبي والواحدي، والزركشي في "البرهان" 2/ 158. وهو: علي بن أبي طلحة "سالم" بن المخارق الهاشمي، أبو الحسن. أرسل عن ابن عباس ولم يره، عالم بالتفسير، رواه عن ابن عباس مرسلًا، والواسطة بينهما مجاهد، أو سعيد بن جبير. وتُعَدُّ هذه الطريقة إلى ابن عباس في التفسير من أقوى== الطرق إليه. واعتمد عليها البخاريُّ في صحيحه قال الإمام أحمد: (بمصر صحيفة تفسير رواها علي بن أبي طلحة، لو رحل رجل فيها إلى مصر قاصدًا، ما كان كثيرًا) مات سنة (143هـ). انظر: "الجرح والتعديل" 6/ 191، و"المراسيل" 140، و"تاريخ بغداد" 11/ 428، و"ميزان الاعتدال" 3/ 143، و"تهذيب التهذيب" 7/ 339، و"الإتقان" 2/ 414 - 415.]]: محكمات القرآن: ما فيه من الحلال والحرام، والحُدُود والفرائض، مِمّا يُعمل به. والمتشابهات: مُقَدَّمُه ومُؤَخَّرُه، وأمثالُهُ وأقسامه، وما يُؤمَنُ به (ولا يُعمل به) [[في (ج): (وما لم يُعمل به) والأثر أخرجه الطبري في "تفسيره" 3/ 172، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 593، والبغوي في "تفسيره" 2/ 8. وأورده السيوطى في "الدر" 2/ 9، وزاد نسبة إخراجه كذلك لابن المنذر، وأورده كذلك في: "الإتقان": 3/ 4.]]. وقال ابن كَيْسَان [[قوله في "تفسير الثعلبي" 3/ 6 ب، وأورده بالمعنى النحاسُ في "معاني القرآن" له: 1/ 345. وابن كسيان، أكثر من واحد، وهو هنا: عبد الرحمن بن كيسان، أبو بكر الأصم المعتزلي. كان من أفصح الناس، وأورعهم، وأفقههم، وله تفسير للقرآن، وكتب كثيرة ذكرها ابن النديم. قال ابن حجر: (هو من طبقة أبي الهذيل العلاف، وأقدم منه)، توفي سنة (200 هـ)، وقيل: (201 هـ). وقد نَصّ الثعلبيُّ على اسمه في مقدمة تفسيره "الكشف والبيان" وجعله من مصادره، وعليه اعتمد الواحديُّ. انظر: "الفهرست" لابن النديم: 120، "لسان الميزان" لابن حجر: 4/ 288، "طبقات المفسرين" للداودي: 1/ 274، "تفسير الثعلبي" (المقدمة) 1/ 10.]]: المُحْكَمَات: حُجَجُها واضحةٌ، ودَلائِلُها لائحة، (لا) [[في (ج): (ولا).]] حاجة بمن سمعها إلى طلب معانيها. والمتشابه: ما يُدرَك عِلْمُهُ بالنظر. وهذا القول؛ اختيار أبي إسحاق؛ لأنه حكى هذا القول، وقال [[في "معاني القرآن وإعرابه" له: 1/ 376. نقله عنه باختصار وتصرف يسير.]]: معنى ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾: أي: أُحكِمت في الإبانة، فإذا سمعها السامعُ لَمْ يَحْتَجْ إلى تأويلها؛ لأنها ظاهرة بَيِّنةٌ؛ نحو: ما قَصّ اللهُ تعالى مِنْ أقاصيص الأنبياء، مِمّا اعترف به أهلُ الكِتَاب، وما أخبر اللهُ جلّ وعزَّ به مِنْ إنشاءِ الخَلْقِ، في قوله: ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً﴾ [المؤمنون: 14] الآية. ومِنْ خَلْقِهِ مِنَ الماءِ (كلَّ) [[في (ج): (كل كل).]] شيءٍ (حَيٍّ) [[(حي): ساقطة من: (د).]]، وما خلق مِنَ الثمار، وهذا (ما) [[في (ب): (مما).]] لَمْ يُنْكِروا، (وأنكروا) [[في (ج): (ولو أنكروا).]] ما احتاجوا فيه إلى النَّظَرِ مِنْ أنَّ اللهَ يبعثهم بعد أنْ يَصِيروا تُرابًا، (ولُوْ نَظَرُوا وتَدَبَّروا) [[(ولو نظروا وتدبروا): ساقطة من: (ج).]] لَصَارَ المُتَشابِهُ عندهم كالظاهر؛ لأنَّ مَنْ قَدَرَ على الإنشاء أوّلًا، قَدَرَ على الإعادَةِ. وقد نَبَّهَ اللهُ تعالى بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا﴾ [يونس: 79]. وقال محمد بن جعفر بن الزبير [[هو: محمد بن جعفر بن الزبير بن العوام الأسدي المدني. من أتباع التابعين، كان من فقهاء أهل المدينة، ثقة، مات ما بين (110 هـ و 12 هـ). انظر: "الجرح والتعديل" 7/ 221، "تهذيب التهذيب" 3/ 530، "تقريب التهذيب" ص 471 (5782).]]: المُحْكَم: ما لا يَحْتَمِل مِنَ التأويل غير وَجْهٍ واحدٍ. والمُتَشابه: ما احتمل من التأويل أوجُهًا [[هذا معنى كلام محمد بن جعفر، ذكره: الطبري في "تفسيره" 3/ 173، ولفظه عنده من رواية محمد بن إسحاق: (قال: حدثني محمد بن جعفر بن الزبير: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾: فيهن حُجَّةُ الرَّبِّ، وعصمةُ العباد، ودفعُ الخصوم والباطل؛ ليس لها تصريف ولا تحريف عما وُضِعت عليه. ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾: في الصدق؛ لَهُنَّ تصريفٌ وتحريف وتأويل، ابتلى اللهُ فيهن العبادَ، كما ابتلاهم في الحلال والحرام؛ لا يُصرَفْنَ إلى الباطل، ولا يُحرفن عن الحق).== وانظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 6 أ، "تفسير البغوي" 2/ 8، "تفسير القرطبي" 4/ 10، "الدر المنثور" 2/ 7. وقال ابنُ عَطيَّة في "المحرر الوجيز" 3/ 18: (وهذا أحسن الأقوال في هذه الآية).]]. وهذا اختيار ابن الأنباري، وكثيرٍ مِنَ العلماء [[ونسبه الماورديُّ، وابنُ الجوزي للشافعي رحمه الله. انظر: "النكت والعيون" 1/ 369، "زاد المسير" 1/ 381.]]. [و] [[ما بين المعقوفين: زيادة من: (ج).]] قال ابن الأنباري [[لم أقف على مصدر قوله.]]: الآية المُحْكَمَةُ: التي مَنَعَتْ كَثْرَةَ التأويلات؛ لأنها لا تَحْتَمِلُ إلّا تفسيرًا واحدا. والعرب تقول [[من قوله: (والعرب ..) إلى نهاية بيت الشعر: (.. أحكموا سفهاءكم): نقله بتصرف واختصار عن "تهذيب اللغة" للأزهري: 1/ 886.]]: (حَكَمتُ) و (أحكمتُ) و (حَكَّمْتُ)؛ بمعنى: (رَدَدْت) [[في (أ): رَدّدت. والمثبت من: بقية النسخ، ومن "التهذيب".]]، ومَنَعْتُ. والحاكم يَمْنَعُ (الظالمَ) [[في (ج): (الظلم).]] من الظُلْم. قال الأصمعي [[قوله: في "جمهرة اللغة" لابن دريد: 1/ 143 (أبواب النوادر)، وفي "تهذيب اللغة" كما سبق.]]: وأصلُ الحُكُومَةِ: رَدُّ الرَّجُلِ عَنِ الظُّلْمِ، ومِنْهُ قولُ لَبِيد: أَحْكَمَ الجِنْثِيَّ مِنْ عَوْراتِها ... كُلُّ حِرْباءٍ إذا أُكْرِهَ صَلْ [[البيت في "ديوان لبيد" 192. وقد ورد منسوبًا له، في: كتاب "المعاني الكبير" لابن قتيبة: 2/ 1030، "جمهرة اللغة" لابن دريد: 1/ 143، "تهذيب اللغة" 1/ 886 (حكم)، "شرح الأبيات المشكلة الإعراب" للفارسي: 541، "الصحاح" 1/ 109 (حرب)، "مجمل اللغة" لابن فارس: 1/ 199 (جنث)، "اللسان" 1/ 306 == (حرب)، 12/ 141 (حكم). وورد غير منسوب في "المخصص" لابن سيده: 12/ 240. وللبيت رواية ثانية: برفع (الجِنْثِيُّ)، ونصب (كلَّ). ومعنى (إذا أكرِهَ صَلّ): إذا أكره لِيُدْخَلَ في الحِلَقِ، سمعت له صليلًا. وعلى الرواية الثانية، يكون معنى الإحكام في البيت: إحكام الصنعة، و (الجِنْثِي): الزَّرَّاد (الحداد)؛ أي: أحْكَمَ الزَّرَّادُ مساميرها. انظر: "كتاب المعاني الكبير" 2/ 1030، "شرح الأبيات المشكلة" 541، "جمهرة اللغة" 3/ 1322.]] قال: (الجِنْثِيّ): السَّيْف [[في "القاموس" (الجُنْثي بالضم: السيف، والزَّرَّاد، وأجود الحديد، ويُكسر). ص 166 (جنث)، وانظر: "مجمل اللغة" 1/ 199 (جنث).]]؛ أي: ردَّ السيفَ عن [[في (ب): (من).]] عوراتِ (الدرع) [[في (ج): (الدروع).]] (وهي) [[في (ب): (وهو).]] فُرَجُها، كلُّ حِرْباءٍ وهُوَ المِسْمَارُ الذي يُسَمَّرُ به حَلَقُها [[انظر: (حرب) في "الصحاح" 1/ 108، "اللسان" 2/ 818.]]. ومِنْهُ حديثُ النَّخَعِيِّ: (حَكّمْ اليتيمَ كما تُحَكِّم وَلَدكَ) [[الأثر في "غريب الحديث" لأبي عبيد: 2/ 240، وقال: (حدثنيه ابنُ مهدي، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم ..)، "تهذيب اللغة" 1/ 886، "الفائق في غريب الحديث" للزمخشري: 1/ 303، "غريب الحديث" لابن الجوزي: 1/ 231، "النهاية في غريب الحديث" لابن الأثير: 1/ 420.]]، أي: امنعه من الفَسَاد [[وقيل: حكمه في ماله ومِلْكِهِ إذا صَلَح، كما تحَكِّم وَلدَكَ في مِلْكه. ولم يرتض الأزهريُّ هذا المعنى، ورجح المعنى السابق. انظر: "تهذيب اللغة" 1/ 886 (حكم)، "الزاهر" لابن الأنباري: 1/ 503، "النهاية في غريب الحديث" 1/ 420، والمراجع السابقة.]]. وقال جرير: .. أَحْكِمُوا [[في (ج): (حكموا).]] سُفهاءَكُمْ [[البيت في: ديوانه: 47. وتمامه: أَبنِي حَنِيفَةَ أحْكِمُوا سُفَهاءَكمْ ... إنِّي أخافُ عليكُمُ أنْ أغْضَبَا وقد ورد منسوبًا له، في "غريب الحديث" لأبي عبيد: 2/ 421، "الكامل" للمبرد: 3/ 26، "الزاهر" 1/ 503، ومادة (حكم) في "تهذيب اللغة" 1/ 886، "الصحاح" 5/ 1902، "مجمل اللغة" 1/ 246، "أساس البلاغة" للزمخشري: 1/ 191، "اللسان" 2/ 953. وورد غير منسوب، في "غريب الحديث" للخطابي: 2/ 462، "الفائق" للزمخشري: 1/ 303. وقد وردت روايته في "الكامل" (أبني حنيفة نَهْنِهُو).]] ... يقول: امنعوهم [[في (ج): (امنعوا السفهاء).]] من التَعرُّض. قال أبو بكر [[هو ابن الأنباري، ولم أقف على مصدر قوله.]]: والمُتَشَابِهُ، ما اعتَوَرَتْهُ تأويلات. وسُمِّيَ مُتشابهًا؛ لأن لفظَهُ يُشْبِهُ لفظَ غيره، ومعناه يخالف معناه. وقال بعضهم [[من قوله: (وقال ..) إلى (.. وعلم الروح): نقله بتصرف يسير عن "تفسير الثعلبي" 3/ 6 أ، كما أن هذا القول موجود في "تفسير الطبري" 3/ 173، مع اختلاف يسير جدًّا، إلا أن سياق المؤلف له أقرب إلى سياق الثعلبي.]]: المُحْكَمُ: ما عرفَ العلماءُ تأويلَهُ، وفهموا معناه. والمتشابه: ما ليس لأحدٍ إلى عِلْمِهِ سبيلٌ، مِمَّا استأثرَ اللهُ بِعِلْمِهِ؛ وذلك نحو: وقت خروج يأجوج ومأجوج، وخروج الدجّال، ونزول عيسى، وقيام الساعة، وعِلْم الرُّوح. ويُسْأَلُ (فيقال) [[في (د): (فيقول).]]: ماذا [[من قوله: (ماذا ..) إلى (.. يقع العجز والبلادة): نقله عن "تأويل مشكل القرآن" لابن قتيبة: 86.]] أراد اللهُ بإنزال المُتشابِهِ في القرآن؛ وأراد بالقرآن لِعِبادِهِ الهُدَى والبيان؟ فيقال: إنَّ القرآن نَزَلَ بألفاظِ العَرَبِ ومذاهبها في: الإيجاز؛ (للاختصار) [[في (د)، "وتأويل المشكل": (والاختصار).]]، والإطالَةِ؛ (للتوكيد) [[في "تأويل المشكل": (والتوكيد).]]، والإشارة إلى الشيء، واغماض بعض المعاني؛ حتى لا يظهر عليه إلا اللَقِن [[في (د): (الكفر). واللَّقِن، هو: سريع الفهم. انظر: "القاموس" ص 12321 (لقن).]]. ولو كانَ القرآنُ كلُّهُ ظاهرًا مكشوفًا، حتى يستوي في معرفته العالمُ والجاهلُ، لَبَطَلَ التفاضُلُ بين الناس، وسقطت المِحْنَةُ، وماتت الخواطرُ. ومَعَ الحاجَةِ تَقَعُ الفِكْرةُ [[في (ج): (النكر).]] والحِيلَةُ، ومع الكفاية يقع العَجْزُ والبَلاَدَةُ [[انظر الحكمة في ورود المحكم والمتشابه في القرآن، في "الكشاف" 1/ 412، "تفسير الفخر الرازي" 7/ 185 - 186، "البرهان في علوم القرآن" للزركشي: 2/ 75، "الفوائد الجميلة على الآيات الجليلة" للرجراجي: 161، "أقاويل الثقات في تأويل الأسماء والصفات" للكرمي: 50، "نور من القرآن" لعبد الوهاب خلاف: 67، "علوم القرآن" د. عدنان زرزور: 177، "الناسخ والمنسوخ بين الإثبات والنفي" لعبد المتعال الجبري: 135.]]. وأصل التشابه [[من قوله: (وأصل التشابه ..) إلى (.. وإن لم يكن غموضه من هذه الجهة، مشكل): نقله بتصرف واختصار يسيرين عن "تأويل مشكل القرآن" 101 - 102.]]: أن يُشْبِهَ اللفظُ اللّفظَ في (الظاهر) [[(الظاهر): ساقطة من: (ج).]]، والمَعْنَيَانِ مُخْتَلِفان. قال اللهُ عز وجل في وَصْفِ ثِمَارِ الجَنَّةِ: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ [البقرة: 25]؛ أي: مُتَّفِقَ المَنَاظِرِ، [و] [[ما بين المعقوفين: زيادة من: (ج).]] مُخْتَلِفَ الطُعُوم [[ممن قال هذا: ابن مسعود، وابن عباس، ومجاهد، والحسن، والربيع، وغيرهم.== انظر: "تفسير الطبري" 1/ 173، "تفسير القرطبي" 1/ 206،"تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة: 26، "تفسير المشكل" لمكي: 25، "تذكرة الأريب في تفسير الغريب" لابن الجوزي: 1/ 53، "عمدة الحفاظ" للسمين الحلبي: 259.]]. ثم يقال لكل ما غَمُضَ ودَقّ: (مُتشابهٌ)، وإنْ لم تقع الحَيْرَةُ فيه، مِنْ جِهَةِ (الشَّبَهِ) [[في (ج): (الشيء).]] بغيره ألا تَرَى أنه قد قيل للحروف المقَطَّعَةِ في أوائل السُّوَر: متشابهة؟ (وليس) [[في (ج): (ولبس).]] الشكُّ [[قوله: (الشك ..) إلى (ومثل المتشابه): ساقط من: (ج).]] فيها. والوقوف فيها؛ لمشاكَلَتِها غيرَهَا والتباسِها به. ومثل المتشابه: المُشكِلُ. واعلَمْ [[من قوله: (واعلم ..) إلى (.. ويصدق بعضه بعضا) نقله عن "تفسير الثعلبي" 3/ 6ب.]] أنَّ القرآن كُلَّهُ محكَمٌ مِنْ وَجْهٍ؛ على معنى: أنه (حقٌّ) [[(حق): ساقطة من: (ج).]] ثابت [[تدور معاني الإحكام العام هنا على المعنى اللغوي للكلمة، أي: بمعنى الاتقان، والتدعيم، ومنع تطرق الخلل إلى ألفاظه وأساليبه ومعانيه؛ فهو محكم الألفاظ، لا يعتريها خلل ولا خطأ؛ ومحكم الأساليب، لا يعتورها رِكَّةٌ ولا تعقيد؛ ومحكم المعاني، فكلها حق ورسوخ، وثبات.]]. قال اللهُ تعالى: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ [هود: 1]. ومُتَشابِهٌ مِنْ وَجْهٍ؛ وهو أن يشبه بعضه بعضًا في الحُسْنِ، ويُصدّق بَعْضُه بعضًا [[قوله: (في الحسن ويصدق بعضه بعضًا): ساقط من: (ج).]]، وهو قوله تعالى: ﴿كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ [[قال ابن العربي: (وأما كونه متشابها) فبمعنى واحد، وهو ما وصفناه من الأحكام الذي يجري في جميع سوره وآياته). "قانون التأويل" له: 665. ويقول: "والمعنى الذي صار به القرآن كله محكما، بذلك المعنى، صار كله متشابهًا). المرجع السابق: 665. ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (فالتشابه هنا: تماثل الكلام، وتناسبه؛ بحيث يصدق بعضه بعضًا. فالإحكام العام في معنى التشابه العام، بخلاف الإحكام الخاص والتشابه الخاص؛ فإنهما متنافيان). ذكره ابن الوزير في "إيثار الحق على الخلق" 92. وانظر في هذا المعنى: "الرسالة التدميرية" لابن تيمية: 65، "القائد إلى تصحيح العقائد"، لعبد الرحمن المعلمي: 161، "ترجيح أساليب القرآن على أساليب اليونان" لابن الوزير: 124، "أقاويل الثقات"، للكرمي: 48.]] [الزمر: 23]. وقوله تعالى: ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾. أي: أصل الكتاب الذي يُعْمَل عليه [[والعرب تطلق (الأم) على كلِّ ما جُعِلَ مُقَدَّما لأمْرٍ، وله توابعُ تَتْبَعُه، وكلِّ جامعٍ لأمْرٍ؛ ومِنْ ذلك: رايَةُ الجيش، والجِلْدَة التي تجمع الدِّمَاغ، وتسمى: (أم الرأس)، ومكة المكرمة، وتسمى: (أم القرى)؛ لِتقدمها أمام جميعها، أو لأن الأرض دُحِيت منها، فصارت لجميعها أمَّا .. وهكذا. انظر: "تفسير الطبري" 3/ 170، "الصحاح" 5/ 1864 - 1865 (أمم)، "تفسير الثعلبي" 3/ 5 أ.]]. فَمَنْ جَعَلَ (المُحْكَمَات): الآيات الثلاث في (الأنعام)، قال: يريد: هُنّ أم كلِّ كِتَابٍ أنزله الله على نَبِيٍّ، فيهن كلُّ ما أحلّ، وفيهن كلُّ ما حرّم. ووحَّد (الأمَّ) بعد قوله: ﴿هُنَّ﴾؛ لأن [[من قوله: (لأن ..) إلى (.. وكلام الله واحد): نقله بنصه عن "تفسير الثعلبي" 3/ 5 ب. وانظر: "تفسير الطبري" 3/ 170.]] الآياتِ كلَّها في تكامُلِها واجتماعها، كالآية الواحدة، وكلام الله واحد. وقال أبو العباس [[لم أقف على مصدر قوله.]]: لأنهن بكمالِهِنَّ (أُمٌّ)، وليست كلُّ واحدِةٍ منهن (أُمَّ الكتاب)، على انفرادها. وقال الأخفش [[في "معاني القرآن" له: 1/ 193. نقله عنه بالمعنى.]]: وَحَّدَ ﴿أُمُّ الْكِتَابِ﴾ بالحكاية؛ على تقدير الجواب؛ كأنه قيل [[في (ج): (قيل له).]]: ما أمُّ الكتاب؟ فقيل: هنّ أم الكتاب؛ كما تقول: مَنْ نَظِيرُ زيد؟ فيقول قومٌ: نحن نظيرُه [[العبارة في "معاني القرآن" للأخفش: (.. كما يقول الرجل: ما لي نصير. فيقول: نحن نصيرك).]]؛ كأنهم حَكَوا ذلك اللفظ. وهذا على قولهم [[في (ج)، (د): (وعلى هذا قولهم).]]: دَعْنِى مِنْ (تَمْرَتان) [[في (ب): تمراتان.]]؛ أي: مِمَّا يقالُ له (تمرتان). قال أبو بكر [[لم أقف على مصدر قوله. وقد أورده السمين الحلبي في "الدر المصون" 3/ 26.]]: وقولُ الأخفش بِعيدٌ مِنَ الصواب في الآية؛ لأن الإضمار لمْ يَقُمْ عليه دليلٌ، ولم تَدْعُ إليه حاجةٌ. وقيل [[هو قول ابن كيسان. انظر: "معاني القرآن" للنحاس: 1/ 348.]]: أراد: كل آية منهنّ أمُّ الكتاب؛ كما قال: ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً﴾ [المؤمنون: 50]؛ أي: كلُّ واحدٍ منهما آية [[فعيسى عليه السلام وأمَّه، مشتركان جميعا في الأمر العجيب الخارق للعادة، فهي قد جاءت به مِنْ غير زوج، وهو مِنْ غير أبٍ. فلم تكن الآيةُ لها إلّا بِهِ، ولا لَهُ إلّا بها. انظر: "تفسير الطبري" 3/ 171، "معاني القرآن" للنحاس: 1/ 348، "تفسير الفخر الرازي" 23/ 103.]]. قال العلماءُ، وأصحابُ المعاني: معنى قوله: ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ أي: أصلُ الكتاب الذي يُسْتَدَلُّ به على المتشابه وغيره مِنْ أمور الدين. فإذا وردت الآية المتشابهة رُدَّت إلى المحْكَمَةِ، فكانت المُحْكَمَةُ [[(فكانت المحكمة): ساقطة من: (د).]] مُفَسِّرَةً لها، وقاضِيَةً على معناها. فـ ﴿أُمُّ الْكِتَابِ﴾ معناه: أصل الكتاب الذي ترجع إليه التأويلات، وتضم جميع المعاني، لأن الأم يرجع إليها بنوها فتضمهم. مثال ما ذكرنا: قوله تعالى: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ [فاطر: 3]. هذه آيةٌ [[في (ب): (الآية).]] مُحْكَمَةٌ، لا تحتمل تأويلًا غير ظاهرها [[في (د): (غير ظاهر).]]، لأن معناها: لا ينشئ الصُّوَرَ [[في (د): (الصورة).]]، ولا يُرَكِّبُ الأرواحَ في الأجسام غيره عز وجل. وأما الآية المتشابهة: فقوله عزَّ ذِكْرُه: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: 14]؛ يقع هذا متنافيًا عند الجاهل؛ إذْ كان قالَ في ذلك الموضع: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ [فاطر: 3]، وَجَعَلَ في [[(في) ساقطة من: (ج).]] هذا الموضع مع الله خالِقِين، فاحتجنا إلى رَدِّ هذه الآية، إلى الآية المحكمة؛ لِتَحْكُمَ [[في (ج): (ليحكم)، وفي (د): (لنحكم).]] عليها، فقلنا: قد نَفَت الآيةُ المُحْكَمة أن يكون مع الله تعالى خالق يُنْشئ وُيحْيي. ووجدنا العربَ تجعل (الخَلْقَ) على مَعْنيَيْن: أحدهما: (الإنشاء)، والآخر: (التقدير). [[انظر: "الأضداد" للأصمعي (ضمن ثلاثة كتب في الأضداد): 55، "تأويل مشكل القرآن " 507، "تفسير أسماء الله الحسنى" للزجاج: 35، "الزاهر" 1/ 84، "تهذيب اللغة"1/ 1093، "قاموس القرآن" للدامغاني: 163، 164، "مفردات ألفاظ القرآن". للراغب: 296 (خلق)، "نزهة الأعين النواظر" لابن الجوزي: 283، "اللسان" 2/ 1243 (خلق).]] فنفت الآيةُ المُحْكَمة (الخَلْقَ) الذي بمعنى: (الإنشاء)، فبقي الذي معناه [[(الذي معناه): ساقط من: (ج).]]: (التقدير). فَحَمَلْنا المُتشابِهَ عليه، وقلنا: تأويلُهُ: فتباركَ اللهُ أحْسَن المُقَدِّرِين؛ كما قال: ﴿وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾ [العنكبوت: 17]، أي: ويُقَدِّرُون [[في (د): (وتعبدون). وفي "تهذيب اللغة" 1/ 1093: (وتقدرون). وانظر: "تفسير الطبري"20/ 137، "تهذيب اللغة" 1/ 1093 (خلق)، "تفسير أسماء الله الحسنى" للزجاج: 36، "تفسير القرطبي" 13/ 335، "لسان العرب" 2/ 1243 (خلق)، "تفسير أبي السعود" 7/ 34، "الدر المنثور" 6/ 457، "فتح القدير" 4/ 197. وقد سبق أن ذكر المؤلف عند تفسير آية: 21 من سورة البقرة: أن الخلق المنسوب لغير الله، إنما هو قياس وتشبيه وافتراء ومحاكاة وتقدير، على قدر قدره غيره، فخلق الله ذاتي، وخلق غيره على سبيل الاستعارة والتقدير.]]. ومن هذا القَبِيل أيضًا، قولُه: ﴿لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾ [طه: 52]؛ هذه مُحْكَمَةٌ لا تَحْتَمِل التأويلات. ثم قال: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: 67]؛ فَأَثْبَتَ في المُتَشَابِهِ [[في (د): (المتشابهة).]] ما نفاهُ في المحكمة؛ فكانت المُحْكَمة قاضيةً عليها؛ لأنا وجدنا النسيان في كلام العرب على مَعْنيَيْنِ: أحدهما: (الإغفال)، والآخر: (التَّعَمُّدُ والتَّرْكُ) [[يعني أن النسيان، إما ترك الشيء عن غفلة وسهو وعدم ذكر، أو ترك الشيء مع التعمد. انظر: "الأضداد" لابن الأنباري: 399، "الأضداد" لأبي حاتم السجستاني (ضمن ثلاثة كتب في "الأضداد" 156، "قاموس القرآن" للدامغاني: 454، "نزهة الأعين النواظر" 579، "الوجوه والنظائر في القرآن" د. سليمان القرعاوي: 614، "المصباح المنير" 231 (نسو).]]. فقلنا في قوله عز وجل: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: 67]: تركوا [[في (ج): (ترك).]] العَمَلَ لله، فَتَرَكَ أنْ يُثِيبهم [[انظر: "تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة: 198، "تفسير الطبري" 10/ 175، "الأضداد" لابن الأنباري: 399، وتذكرة الأريب "في تفسير الغريب" لابن الجوزي: 1/ 220.]]؛ فكان في المُحْكَمِ بَيانُ المُتَشابِهِ. ومن هذا: قولُ اللهِ عز وجل: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [[سورة الأعراف: 54، ويونس: 3، والرعد: 2، والفرقان: 59، والسجدة: 4، والحديد: 4.]]، احتمل في اللغة أنْ يكونَ كاستواءِ الجالِسِ على سَرِيرِهِ، واحتَمَلَ أن يكون بمعنى الاستيلاءِ؛ وأحَدُ الوَجْهَيْنِ لا يجوز على الله؛ لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: 11] وهذا من المُحْكم، الذي هو أصلٌ يُردُّ إليه المتشابهُ، فقلنا: إنَّ استواءَهُ بمعنى: الاستيلاء [[لقد أبعد المؤلف -رحمه الله- النجعةَ، في حمل الاستواء على الاستيلاء، وجانبه الصواب في ذلك؛ حيث لم يرد عن العرب أنَّ مِنْ معاني (الاستواء): الاستيلاء. وإنما الوارد عنهم في معاني الاستواء، التالي: الاستقرار، والقَصْدُ، والعُلُوّ، والإقبالُ على الشيء وإليه، والصُّعود. وقد ذَكَرَ ابنُ القيِّم أن للسلف أربع تفسيرات للاستواء، وهي: الاستقرار، والعلو، والارتفاع، والصعود، وهو ما يتناسب مع المعنى اللغوي. انظر: "توضيح المقاصد" في "شرح قصيدة الإمام ابن القيم" لأحمد بن عيسى: 1/ 440. أما (الاستيلاء) فقد أورده الجوهري في "الصحاح" مستدلًا بقول الشاعر: قد استوى بِشْرٌ على العراق ... من غير سيفٍ ودَمٍ مِهْراقِ وقد نسب الزبيديُ في "تاج العروس" البيتَ للأخطل. وتبع الجوهريَّ في ذكر هذا المعنى، صاحبُ "لسان العرب" وصاحبُ "القاموس المحيط". أما بيت الشعر السابق، فقد قال عنه ابن تيمية كما في "مجموع الفتاوى" 5/ 146: (ولم يثبت نقل صحيح أنه شعر عربي، وكان غير واحد من أئمة اللغة أنكروه، وقالوا: إنه بيت مصنوع لا يعرف في اللغة ..). وقد رَدَّ ابن الأعرابي وهو من أئمة اللغة على مَنْ فَسَّر الاستواء بـ (الاستيلاء) هنا، بقوله: (.. لا يقال: استولى على الشيء، إلا أن يكون له مضادّ، فإذا غلب أحدُهما، قيل: استولى ..). "شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة" لللالكائي: 3/ 442. والله تعالى لا منازع له في مُلْكه. ورَدَّه كذلك الخليل بن أحمد. ذكَرَ ذلك الكرميُّ == في "أقاويل الثقات" 124. فمعنى لفظ (الاستواء) من ناحية اللغة معروفٌ، وليس متشابها، ولا حرج في تفسيره بالألفاظ التي جاءت في اللغة، وليس في ذلك إيهام بالكيف، أو التجسيم ومشابهة الخلق؛ لأننا عندما نفسر هذه الصفة، إنما نذكر المعنى اللغوي، ونُجري هذه المعاني بما يليق بجلال الله تعالى وعظمته، ونقطع الطمع عن إدراك الكيفية، وذلك لعجز وقصور عقولنا عن إدراك ذلك. ومنهج السلف الصالح إزاء صفة الاستواء، وغيرها من صفات الباري تعالى: أن تمر كما جاءت، من غير تكييف ولا تمثيل، ولا تحريف، ولا تعطيل؛ فيثبتون له الأسماء والصفات، وينفون عنه مشابهة المخلوقات، إثباتًا منزهًا عن التشبيه، منزهًا عن التعطيل، فمن نفى حقيقة الاستواء فهو مُعطّل، ومَنْ شبهه باستواء المخلوق على المخلوق، فهو مُمَثِّل. وقد قال الإمام مالك بن أنس، لَمَّا سُئل عن كيفية الاستواء، فقال: (الكيف غير معقول، والاستواء منه غير مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة)، وقد وَرَدَ مثلُ ذلك عن أم سلمة رضي الله عنها، وربيعة الرأي. انظر: "شرح أصول الاعتقاد" 3/ 440 - 443. وانظر مادة (سوا) في "تهذيب اللغة" 2/ 1794، "الصحاح" 6/ 2385 - 2386، "اللسان" 4/ 2160، "القاموس المحيط" 1297، "قاموس القرآن" للدامغاني: 255، "تاج العروس" للزبيدي: 1/ 179. وانظر حول موضوع صفة الاستواء: "تأويل مختلف الحديث" لابن قتيبة: 394، "الرد على الجهمية" للدارمي: ص 40، "الاعتقاد والهداية إلى سبيل الرشاد" للبيهقي: ص 116، "الأسماء والصفات" للبيهقي: 2/ 303، "مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية" 5/ 146، 365 ،404، 519 - 520 "العقائد السلفية" لأحمد بن حجر: 1/ 124 - 125، 164 - 167، "رسائل في العقيدة" لمحمد بن عثيمين: 70.]] ومثل هذا كثيرٌ، وفيما أوردتُهُ كِفَايَةٌ لِمَنْ رُزِقَ الفَهْمَ. وقوله تعالى: ﴿وَأُخَرُ﴾ زعم [[من قوله: (زعم ..) إلى (.. إلا صفة منعت الصرف): نقله عن "معاني القرآن" للزجاج: 1/ 377. وانظر: "كتاب سيبويه" 3/ 224، 283.]] سِيبَويه والخليلُ أنَّ (أُخَرَ) فارقت أخواتها، والأصلَ الذي عليه بِنَاءُ أَخَواتِها؛ لأن (أُخَرَ) أصلُها أن تكون بالألف واللّام [[في "معاني القرآن" (أن تكون صفة بالألف واللام).]]؛ كما تقول: (الصُّغْرى) و (الصُغَر)، و (الكُبْرَى) و (الكُبَر). فلما عُدِلَت عن مُجْرَى الألِفِ واللام، وأصلِ (أَفْعَلَ مِنْكَ) وهي مِمَّا لا يكونُ [[في (د): (وهي لا تكون).]] إلا صِفَةً، مُنِعَت الصَّرْفَ. وقد شرحنا هذه المسألة عند قوله: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [[يريد المؤلف (والله أعلم) أن (أخَر) مُنِعت مِنَ الصَّرْفِ؛ لأنها جاءت صفة بغير الألف واللام، ولم تلحقها (مِنْ) كأفعل التفضيل (أفعل منك)؛ حيث إن (أُخَر) جمعٌ، ومفرده (أُخْرَى). و (أخْرَى) مؤنث لِلَفْظٍ مُذَكَّرٍ، هو: (آخِر)؛ الذي أصله (أأخَر) بفتح الهمزة الأولى، وتسكين الثانية، على وزن (أفْعَل) الدال على التفضيل. وهو مُجَرَّدٌ من (أل) والإضافة. وحقُّه أنْ يكون مفردًا مذكرًا في جميع استعمالاته. ولكنْ عَدَلَ العربُ عنه إلى لفظ (أُخَر) بصيغة الجمع، ومنعوه من الصرف؛ للوصفية والعَدْل. انظر آراء النحويين حول منع (أخر) من الصرف، في "المقتضب" للمبرد: 3/ 246، 376، "إعراب القرآن" للنحاس: 1/ 235، "البيان في غريب إعراب القرآن" للأنباري:1/ 143، "شرح المفصل" لابن يعيش: 6/ 99، "التبيان في إعراب القرآن" للعكبري: 1/ 116، "شذور الذهب" لابن هشام (بشرح محمد محي الدين عبد الحميد): ص 537، "همع الهوامع" للسيوطي: 1/ 80، "النحو الوافي" لعباس حسن: 3/ 408، 4/ 224.]] [البقرة: 184]. قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾. الزَّيْغُ: المَيْلُ. يعني: مَيْلًا عن الحقِّ؛ (زاغ، يَزِيغ، زَيْغًا، وزَيْغُوغَةً، وزَيَغانًا، وزيوغًا [[انظر: (زيغ) في "تهذيب اللغة" 2/ 1502، "اللسان" 3/ 1890.]]. قال الفراء [[قوله في "تهذيب اللغة" 4/ 3083. وأورده بمعناه ابن جني في "المنصف" 2/ 12.]]: والعرب تقول في عامةِ ذوات الياء، مِمَّا يُشْبِهُ (زِغتُ)؛ مثل: (سِرْتُ)، و (صرْتُ)، و (طِرتُ): (سَيْرُورَةً)، و (صَيْرُورَةً)، و (طَيْرُورَةً)، و (حِدْتُ حَيْدُودَةً)، و (مِلْتُ مَيْلُولَةً)، لا أحصى ذلك، وهو كثير. فأمّا ذوات الواو؛ مثل: (قلتُ)، و (رُضْتُ)، فإنهم لمْ يقولوا ذلك إلا في أربعة أحْرُف، منها: الكَيْنُونة [[مصدر (كان يكون كَوْنًا وكيْنُونة).]]، والدَّيْمُومَةُ، مِنْ: (دُمْتُ)، والهَيْعُوعَةُ، من: (الهُواع) [[في "القاموس المحيط": (والهواع بالضم، والهيعوعة، والمِهْوع، والمهواع بكسرها: الصياح في الحرب). ص 777 (هوع). وجعلها في "لسان العرب" من مصادر ذوات الياء، فقال: (هاعَ، يَهاع، ويَهِيع، وهَيْعًا، وهَاعًا، وهُيُوعًا، وهَيعَة، وهَيَعانًا، وهَيْعُوعة: جَبُن وفَزع. وقيل: استخف عند الجزع). 8/ 4721 (هيع). والهُواع: القيءُ. يقال: (هاع، يهوع هواعًا. وهيعوتة): أي: قاء. انظر: (هوع) في "الصحاح" 3/ 1309، "المجموع المغيث في غريبي القرآن والحديث" لأبي موسى الأصفهاني:3/ 516، "اللسان" 8/ 4721، "المعجم الوسيط" 2/ 1010.]]، والسيْدُودَةُ، من: (سُدْتُ). وكان ينبغي أن يكونَ -في القياس-: (كَوْنُونَة) بالواو [[ويرى الخليل بن أحمد أن (كيْنُونة): (فَيْعُولة)، هي في الأصل: (كَيْوَنُونَه)؛ التقت منها ياءٌ وواوٌ، والأولى منهما ساكنة، فَصُيِّرَتا ياءً مشدَّدَةً [أي: كيَّنُونة]، مثلما قالوا: (الهيِّن) من (هُنْت)، ثم خففوها فقالوا: (كيْنُونة)؛ كما قالوا: (هَيْنٌ، لَيْنٌ). قال الفراء: وقد ذهب مذهبًا، إلا أن القول عندي هو الأول). "تهذيب اللغة" 4/ 3084 (كان).]]، ولكنها لَمَّا قَلَّت في مصادر الواو، وكثرت في مصادر الياء، ألحقوها بالذي هو أكثر مجيئًا منهما؛ إذ كانت الواوُ والياءُ مُتَقارِبَتَينِ في المَخْرَج. ومثل هذا: أنهم يقولون في ذوات الياء: (سَعَيْتُ به سِعَايةً)، و (رَمَيْتُهُمْ رِمَايَةً)، و (دَرَيْتُ بِهِ [[في (د): (بهم).]] دِرايةً)، فتأتي المصادرُ في ذوات الياء، على هذا النحو، كثيرةً، ولا تكاد تأتي في ذوات الواو؛ نحو: (خَلَوْتُ)، و (دَعَوْتُ). فَنَدَرَ حرفٌ مِنْ ذوات الواو فألْحِقَ بذوات الياء، وهو قولُهم: (شَكَوْتُ فُلانًا شِكَايَةً)، ولم يقولوا: (شِكاوَةً)، فألحقوها بالمصادر من الياء [[انظر في هذا الموضوع: "المنصف" لابن جني: 2/ 10، "الممتع في التصريف" لابن عصفور: 2/ 502، 504، "شرح شافية ابن الحاجب" للاستراباذي: 1/ 152.]]. واختلفوا في هؤلاء الذي عُنُوا بقوله: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾: فقال الربِيع [[قوله في "تفسير الطبري" 3/ 177، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 596، "تفسير البغوي" 2/ 9، "زاد المسير" 1/ 353.]]: هم [[(هم): ساقطة من: (ج).]] وَفْدُ نَجْرَانَ؛ لَمَّا حَاجُّوا رسولَ الله ﷺ، في المَسِيح، فقالوا: أليسَ [[في (أ)، (ب): (ليس). والمثبت من: (ج) و (د).]] هُوَ كَلِمَة اللهِ، وروح منه؟ قال: "بَلَى". قالوا: حَسْبُنا. فأنزلَ اللهُ تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾، الآية. ثمّ أنزل: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ﴾ الآية. وقال الكَلْبِيُّ [[قول الكلبي، أخرجه الطبري 1/ 92، 93 من رواية محمد بن إسحاق، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، عن جابر بن عبد الله، وأخرجه البخاري في: تاريخه: 1/ 2/ 208، والبغوي 2/ 9، وذكره بمعناه أبو الليث في "بحر العلوم" 1/ 247، وابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 353، والسيوطي في "الدر" 2/ 78.]]: هم اليهود، طَلَبُوا [[في (ج): (طالبوا).]] عِلْمَ أكْلِ [[في (ج): إقامة. (د) أجل. وحقيقة (الأُكْل) بضم الهمزة: التنَقّص. ومعناها هنا: الرزق، والحظ من الدنيا. يقال للميت: (قد انقطع أكْلُه)، أي: انقضت مدته في الدنيا. فاليهود أرادوا معرفة == مدة بقاء أمة محمد ﷺ، وأجلها. انظر: (أكل) في "مجمل اللغة" 1/ 100، "القاموس المحيط" ص 961.]] هذه الأُمَّةِ، واستِخْراجِهِ مِنَ الحُرُوف المُقَطَّعَةِ في أوائل السُّوَرِ [[انظر: "سيرة ابن هشام" 2/ 170، 171 فقد ذكره عن ابن إسحاق. وأخرجه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 595 عن مقاتل بن حيان، وأورده السيوطي في "الدر" 2/ 7 وزاد نسبة إخراجه لابن المنذر في "تفسيره" عن ابن جريج معضلا.]]. وهذا معنى قول ابن عباس في رواية عطاء [[لم أقف على رواية عطاء عن ابن عباس.]]. وقيل: هم جميع المُبْتَدِعَةِ، وكلُّ من احتَجَّ لِباطِلِهِ بالمتشابه [[روت عائشة رضي الله عنها قائلة: (تلا رسول الله ﷺ، ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ إلى ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾، قالت: قال رسول الله ﷺ: "فإذا رأيت الذين بتبعون ما تشابه منه، فأولئك الذين سَمَّى الله فاحذروهم". أخرجه البخاريُّ (4547). كتاب: التفسير. سورة آل عمران باب: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾، ومسلم رقم (2665). كتاب: العلم. باب: النهي عن اتباع متشابه القرآن. وفي رواية الإمام أحمد: "فإذا رأيتم الذين يجادلون فيه، فهم الذين عنى الله فاحذروهم". "المسند" 6/ 48، 256. وأخرجه أبو داود رقم (47). كتاب: السنة. باب: النهي عن الجدال، والترمذي رقم (2993)، (2994). كتاب: التفسير. باب: ومن سورة آل عمران، وابن ماجة رقم (47). في المقدمة، وابن حبان في "صحيحه" 1/ 274، 277 (73)، (76). وأخرجه: عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 116، والطبري في "تفسيره" 6/ 189 - 195، والطيالسي في "المسند" 3/ 50 (1535)، والآجري في "الشريعة" 26، 27.]]. وهذا معنى قول قتادة [[كان قتادة إذا قرأ هذه الآية ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾، قال: (إنْ لم يكونوا الحَرُورِيَّة والسَّبَئِيَّة، فلا أدري مَن هم! ..). و (الحرورية) هم: الخوارج، و (السبئية): نسبة إلى عبد الله بن سبأ اليهودي، الذي غالى في الإمام عليٍّ، وادَّعى فيه الألوهية. انظر الأثر، في "تفسير عبد الرزاق": 1/ 115، "تفسير الطبري" 3/ 178، "تفسير == البغوي" 2/ 8، "المحرر الوجيز" 3/ 23. وورد كذلك عن أبي أمامة رضي الله عنه: أنهم الخوارج. يرويه عن رسول الله ﷺ وقد رجح ابن كثيرٍ وقفَهُ على أبي أمامة. انظر الأثر في: "مسند الإمام أحمد" 5/ 262، "مصنف عبد الرزاق" 10/ 152رقم (18663)، و"سنن البيهقي" 8/ 188، و"مسند الحميدي" 2/ 404 رقم (908)، "المعجم الكبير" للطبراني: 8/ 274 وما بعدها، "المعجم الصغير" له: 1/ 42 (33)، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 594، و"الشريعة" للآجرِّي: 36، "تفسير ابن كثير" 1/ 371.]]. وقولُ الزَّجَّاج في هذه الآية، يَدُلُّ على أنّ هؤلاء، هم الكفار الذين يُنْكِرُون البَعْثَ، لأنه قال [[في "معاني القرآن" له:1/ 378.]] في سياق الآية: معنى ابتغائهم تأويله: أنهم طلبوا تأويل بَعثِهِمْ وإحيائهم. وقوله تعالى: ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾. قال عطاءٌ، عن ابن عباس [[لم أقف على مصدر قوله. وقد ورد في "تنوير المقباس" المنسوب إلى ابن عباس: 43.]]: يريد: الكفر. وقال الرَّبِيع [[قوله في "تفسير الطبري" 3/ 180، "ابن أبي حاتم" 2/ 596، "الثعلبي" 3/ 7 ب، "البغوي" 2/ 10، "المحرر الوجيز" "زاد المسير" 1/ 354.]]، والسدي [[قوله في: المصادر السابقة، عدا "المحرر الوجيز". والسُدِّيُّ هنا هو: السُدِّي الكبير (إسماعيل بن عبد الرحمن بن أبي كريمة، ت: 182 هـ). وليس هو السُدِّي الصغير (محمد بن مروان، ت: 186 هـ)؛ وذلك أن هذا الأثر ورد من رواية أسباط عن السدي، وأسباط إنما يروي عن السدي الكبير. انظر: "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 596، " الطبقات الكبرى" لابن سعد: 6/ 376، "تهذيب التهذيب" لا بن حجر: 1/ 158في ترجمة أسباط، "معجم المفسرين" لعادل نويهض: 1/ 90، 2/ 635.]]: طلب الشرك [[وهو قول: مقاتل في "تفسيره" 1/ 264، وابن قتيبة في "تفسير غريب القرآن" 101.]]. وقال مجاهد [[قوله في "تفسيره" 1/ 122، والمصادر السابقة.]]: اللَّبْسِ [[هكذا وردت في الأصل بالكسر على تقدير: ابتغاء، أو طَلَبِ اللَّبْسِ. == ونصُّ قول مجاهد كما في "تفسير الطبري" (الشبهات، مِمَّا أهلكوا به)، وفي تفسيره: (الهلكات التي أهلكوا بها).]]؛ لِيُضِلُّوا به جُهَّالَهم. وقال أبو إسحاق [[هو الزجاج في "معاني القرآن" له: 1/ 377. نقله عنه بتصرف يسير جدًا في بعض الألفاظ.]]: الفِتْنَةُ في اللغة على ضُرُوب: فالضَّرْبُ الذي ابتغاه هؤلاء: إفسادُ ذوات [[في (ج) و"معاني القرآن": (ذات).]] البَيْن في الدِين، والحرب. والفتنة في اللغة: الاستهتار بالشيء والغُلُوُّ فيه؛ يقال: (فلانٌ مَفْتُونٌ بِطَلَب الدُّنْيا)؛ أي: قد غلا في طَلَبِها، وتجاوز القَدر [[في "معاني القرآن" للزجاج: (وتجاوز القُدْرة). وانظر: "اللسان" 6/ 3345 (فتن)، "تفسير الفخر الرازي" 7/ 189. ويقول النحاس في هذا الموضع: (أي: ابتغاء الاختبار الذي فيه غُلوٌّ، وإفْسادُ ذاتِ البَيْن؛ ومنه: (فلانٌ مَفْتُونٌ بِفُلانة)؛ أي: قد غَلا في حبها). "إعراب القرآن" له: 1/ 310.]]. وقوله تعالى: ﴿وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾. التأويل: التفسير. وأصلُهُ في اللغة: المرجِعُ والمَصِيرُ؛ مِنْ قولهم: (آل الأمْرُ إلى كذا): إذا [[في (ب): (أي).]] صار إليه. و (أوَّلْته تأويلًا): إذا صَيَّرته إليه، فتأول [[في (ب): (فتأوله).]]؛ أي: رَجَعَ، وصار. قال الأعشى: على أَنَّها كانتْ تَأوُّلُ حُبِّها ... تأؤُّلَ رِبْعيِّ السِّقابِ فَأَصْحَبَا [[البيت، في: "ديوانه": ص 7. وقد ورد منسوبًا له، في: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة: 1/ 86، "تفسير الطبري" 3/ 184، "تهذيب اللغة" 2/ 1349 (ربع)، "الصحاح" 4/ 1627 (أول)، "الصاحبي" لابن فارس: 315، "اللسان" 3/ 1566 (ربع)، 1/ 172 (أول)، وفي: 4/ 2401 (صحب) أورد الشطر الثاني ولم ينسبه. وورد == البيت في الديوان كالتالي: (.. تأوَّلُ حبَّها ..). وورد في "التهذيب" 2/ 1349 (ربع)، "اللسان" 3/ 1566 (صحب)، كالتالي: ولكنها كانت نَوًى أجنبيَّةً ... توالِيَ رِبْعِيِّ السِّقاب فأصحبا وينشد كما في "تفسير الطبري" 3/ 184: على أنها كانت تَوَابعُ حُبِّها ... توالي رِبْعِيِّ السِّقاب فأصحبا ومعنى: (ربعي السقاب): ذلك أن الفصيل الذي يُنتَج في أول النتاج، يقال له: (رُبَع)، والجمع: (رِباع). ورِبْعِيُّ كل شيء: أوله. والسَّقْب: ولد الناقة، أو ساعة يولد، إذا كان ذكرًا. والجمع: (سِقاب). ويقال: (سقبٌ رِبْعِيٌّ)، و (سقاب رِبعية)، وهي: التي ولدت في أول النتاج. و (أصحب): ذَلَّ وانقاد. انظر: "كتاب الفرق" لقطرب: 100، "الفرق" لابن فارس: 87، "اللسان" 1/ 172 (أول)، "القاموس" ص 97 (سقب). وسيأتي تفسير المؤلف للبيت على الرواية التي أوردها. أما على الرواية الثانية، التي أوردها الأزهريُّ، وصاحب "اللسان" فمعنى (توالي ربعي السقاب) هنا: من (الموالاة). وهي: تمييز شيء من شيء، وفصله عنه؛ أي: إن نَوَى صاحبته اشتَدَّ عليه، فحن إليها حنين ربعي السقاب، إذا فُصِل عن أمِّهِ ومُيِّز عنها. وأن هذا الفصيل يستمر على الموالاة ويُصْحب، أما هو فقد دام على حنينه الأول، ولم يصحب إصحاب السقب. انظر: "تهذيب اللغة" 1349.]] أي: كان حُبُّها صغيرًا، فآل إلى العِظَم، كما آل السَّقْبُ إلى الكِبَرِ [[انظر: "تفسير الطبري" 3/ 284؛ حيث قال في تفسيره: (ويعني بقوله: (تأوُّلُ حبِّها): تفسير حبِّها ومرجعه. وإنما يريد بذلك أنَّ حبَّها كان صغيرًا في قلبه، فآلَ من الصِّغَرِ إلى العِظَم، فلَمْ يزلْ ينبت حتى أصْحَبَ فَصَارَ قديمًا، كالسَّقْبِ الصغير الذي لم يزل يشبُّ حتى أصحبَ فَصَارَ كبيرًا مثلَ أمِّهِ) ويبدو أن المؤلف نقل هذا المعنى عن الطبري، متصرفًا في عبارَتِه هذه]]. هذا معنى (التأويل) في اللغة [[انظر: (أول) في "الصحاح" 4/ 1626، 1628، "مجمل اللغة" 1/ 107، "اللسان" 1/ 172، "المصباح المنير" 12، "القاموس المحيط" 963.]]. ثم تُسَمَّى (العاقبةُ): (تأويلا)؛ لأنَّ الأمرَ يصيرُ إليها. و (التفسير) يُسمَّى: (تأويلًا)، وهو قوله: ﴿سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف: 78]؛ أي: بِعِلْمِهِ وتفسيره؛ لأن التَّأويل: إخبارٌ عَمَّا يَرْجِعُ إليه اللفظُ مِنَ المعنى. وذكرنا معنى التَّأوِيل [بأبلغ] [[ما بين المعقوفين زيادة من: (ج)، (د).]] مِنْ هذا، في سورة النساء، عند قوله: ﴿وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: 59] [[وقد تكلم ابنُ القيم عن معاني (التأويل) بإسهاب، وبَيَّن الصحيح منه والباطل. انظر: "الصواعق المرسلة": 175 وما بعدها.]]. قال ابن عباس في رواية عطاء [[لم أقف على مصدر هذه الرواية. وقد ورد هذا القول في: "تنوير المقباس": 43.]]: ﴿وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ أي: طَلَبِ مُدَّةِ أُكْلِ مُحَمَّد ﷺ. وفي قول الزجاج [[في "معاني القرآن" له: 1/ 378.]]: المراد به: الكفار [[في (ب): (المراد به الزج الكفار).]]؛ طلبوا متى يُبْعثون؟ وكيف يكون إحياؤُهم بعد الموت؟ وفي قول الباقِين: معناه: طَلَبُ تفسير المُتَشابِهِ، وعِلْمِهِ. قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ يريد: ما يَعلَمُ انقضاءَ مُلْكِ أُمَّة [[(أمة): ساقطة من: (ج).]] محمد ﷺ إلّا الله؛ لأن انقضاءَ مُلك هذه الأُمَّةِ مع قيام الساعَةِ، ولا [[في (ج): (لا) بدون واو.]] يَعْلَم ذلك مَلَكٌ مُقَرَّبٌ ولا نَبِيٌ مُرْسَلٌ. وهذا قولُ عطاء [[لم أقف على مصدر قوله.]]. وعلى هذا؛ يَحْسُنُ الوقفُ على قوله: ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾، وكذلك على قول الزجاج؛ لأن وقت البعثِ لا يَعلَمُهُ إلا الله. ثم ابتدأ، فقال: {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} أي: الثابتون فيه. والرُّسُوخُ في اللغة [[في (ج): (في العلم).]]: الثُّبُوتُ في الشيء [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج: 1/ 378، "الصحاح" 421 (رسخ)، "تفسير القرطبي" 4/ 19.]]. وعند أكثر المفَسِّرين [[قول المؤلف أعلاه: (عند أكثر المفسرين)، غير مُسَلَّم؛ لأنني لم أجد من قال بهذا القول إلا مقاتل بن حيان، كما في "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 600. ولو كان قال به أكثر المفسرين، لتناقلته كتب التفسير والحديث، مما أُلِّف قبل المؤلف وبعده. وقد أورد هذا القولَ الثعلبيُّ وهو شيخ المصنف في "تفسيره" 1/ 280 بصيغة (قيل) ولم يذكر قائله. وأورده أبو حيان في "البحر المحيط" 2/ 385 بصيغة (قيل) ولم يذكر القائل، ولكنه استبعده بقوله: (وهذا فيه بعد).]]: المرادُ بـ (الراسخين علمًا): مُؤْمِني أهل الكتاب؛ دليله: قوله: ﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ﴾ [النساء: 162]. قال ابن عباس [[قوله في "تفسير الطبري" 6/ 208. "تفسير الثعلبي" 3/ 10 أ، "تفسير البغوي" 1/ 280. ومن قوله: (قال ابن عباس ..) إلى (.. وما لم نعلمه): نقله بنصه عن "تفسير الثعلبي" 3/ 10 أ.]]، ومجاهد [[قوله في المصادر السابقة. وهو من روايته عن ابن عباس.]]، والسُّدِّي [[قوله في المصادر السابقة.]]: بقولهم: ﴿آمَنَّا بِهِ﴾، سَمَّاهُم اللهُ (راسخينَ في العِلْم). فَرُسُوخُهم [[في (د): فرسخهم.]] في العِلْمِ؛ قولُهم: ﴿آمَنَّا بِهِ﴾ أي: بالمُتَشَابِهِ. ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ المُحْكَم والمُتشابه؛ الناسخُ والمنسوخ؛ وما عَلِمْناه وما لَمْ نعْلَمْه. وقال الزجاج [[في "معاني القرآن" له: 1/ 378. نقله عنه بالنص.]]: أي: يقولون: صَدَّقنا بأن الله عز وجل يبعثنا، ويؤمنون بأنَّ البَعْثَ حَقٌّ، كما أنَّ الإنشاءَ حَقٌّ. وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾. قال عطاء [[لم أقف على مصدر قوله.]]: هذا ثَنَاءٌ مِن الله تعالى على الذين قالوا: ﴿آمَنَّا بِهِ﴾، معناه: ما يَتَّعِظُ [بما] [[ما بين المعقوفين زيادة من: (ج).]] في القُرْآن، إلّا ذَوُو العُقُول. وقال الزَّجَّاج [[في "معاني القرآن" له: 1/ 379. نقله عنه بتصرف يسير.]]: هذا دليلٌ على أن الأمرَ الذي اشْتَبَهَ عليه من البَعْثِ، لمْ يَتَدَبَّرُوه، ومعناه: ما يَتَدَّبر القرآنَ، وما أتَى به الرسولُ ﷺ، إلّا أوْلُوا الألباب. والأظهر في تفسير هذه الآية: قولُ عطاء: إنَّ هذا في اليهود، حين طلبوا تفسيرَ الحروف المُقَطَّعَة، والقولُ الذي حكاه الزجَّاج: إن هذه في منكري البعث. ويقال: هل يجوز أن يكون في القرآن شيءٌ، لا يعلمه إلا الله؟ فيقال: اختلف الصحابة والناسُ في هذا: فذهب الأكثرون: إلى أنَّ تَمَامَ الوَقْفِ على قوله: ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾، وأن جميع المتشابه لا يعلمه إلا الله؛ مثل: وقت قيام الساعة، وطلوع الشمس من المغرب، ونزول عيسى، وخروج الدجَّال. وقال قومٌ: في القرآن أشياء لا يَعْرِف حقيقَتَها إلا الله؛ كالحروف المُقَطَّعة، وقوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [المائدة: 64]، وقوله: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: 75]، وقوله: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾، وأشباه هذا. والله تعالى مُخْتَصٌّ [[في (أ)، (ب): (يختص). والمثبت من: (ج)، (د)؛ لمناسبته لسياق العبارة.]] مُستأثِرٌ بِعِلْم هذه، والإيمانُ بها حَقٌّ، وحقائقُ عُلُومِها مُفَوَّضَةٌ إلى الله تعالى. وهذا مذهب: عائشة، وابن مسعود، وابن عباس، وأُبَي، وكثير من التابعين، واختيار [[في (أ): (واختار). والمثبت من: (ب)، (ج)، (د). وهو الصواب.]] الفَرّاء، والكسائي [[تقدمت ترجمته.]]، والمُفَضَّل [[هو: المُفَضَّل بن محمد بن يعلى الضَبِّي، الكوفي. تقدم 2/ 119.]]، وابن الأنباري، وأَبي عُبَيد [[في "الأضداد" لابن الأنباري: أبو عبيدة. وورد في أكثر المصادر: أبو عبيد. وهو: أبو عُبَيد، القاسم بن سَلّام الهَرَوي الأزدي الخزاعي.]]، وأحمد بن يحيى [[هو: أبو العباس، أحمد بن يحيى (ثعلب). وقد بَيَّن النحاسُ أن نَيِّفًا وعشرين رجلًا من الصحابة والتابعين والقراء وأهل اللغة، ذهبوا إلى الوقف التام على لفظ الجلالة (الله)، وأن ما بعده منقطع منه، ثم ذكر إضافة إلى من ذكرهم المؤلف: الحسن، وأبانهيك، والضحاك، ومالك بن أنس، وسهل بن محمد، وعمر بن عبد العزيز، وعروة بن الزبير، والطبري، والزجاج، وابن كيسان، وأحمد بن جعفر بن الزبير، والسدي. انظر: "القطع والائتناف" للنحاس: 212، "تفسير الطبري" 3/ 182 - 184، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 599 - 601، "معاني القرآن" للنحاس: 1/ 351، "تفسير الثعلبي" 3/ 8 ب، "المحرر الوجيز" 3/ 24، "تفسير القرطبي" 4/ 16، "البحر المحيط" 2/ 384، "الدر المنثور" 2/ 10، 11، "معترك الأقران" للسيوطي: 1/ 138، "فتح القدير" للشوكاني: 1/ 476، "فتح البيان" لصديق حسن خان: 2/ 15 - 16.]]. ودليل هذا القول: قراءة عبد الله [[يعني: عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.]]: (إنْ تَأويلُهُ إلّا عِنْدَ الله. والرّاسخون في العِلْم يقولون آمَنّا به) [[انظر هذه القراءة في "معاني القرآن" للفراء: 1/ 191، "كتاب المصاحف" لأبي بكر بن أبي داود: 59، "تفسير الطبري" 3/ 184، "الأضداد" لابن الأنباري:== 426، "تفسير الثعلبي" 3/ 9 أ، "تفسير البغوي" 2/ 10، "البحر المحيط" 2/ 384، "الدر المنثور" 2/ 10، والإتقان، للسيوطي: 2/ 15. وقد وردت القراءة في: كتاب المصاحف، لابن أبي داود، كالتالي: (وإنْ حقيقةُ تأويلِهِ إلا عند الله ..).]]. وفي [[من قوله: (وفي ..) إلى (.. آمنا به): ساقط من: (ج).]] حرف أُبَيٍّ، وابن عباس: (ويقول [[في (ب): (ويقولون).]] الراسخون في العلم آمَنّا به) [[انظر هذه القراءة، في "معاني القرآن" للفراء: 1/ 191، "الأضداد" لابن الأنباري: 426، "القطع والائتناف" للنحاس: 212، "المستدرك" للحاكم: 2/ 289 كتاب: التفسير، سورة آل عمران. وقال: (صحيح) ووافقه الذهبي، "تفسير الثعلبي" 3/ 9 أ، "الدر المنثور" 2/ 10 وزاد نسبة إخراج الأثر لعبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن المنذر. قال النحاس عن هذه القراءة: (وهي قراءة على التفسير).]]. وهذا هو الأشبه بظاهر الآية؛ لأنه لو كان ﴿الرَّاسِخُونَ﴾ عَطْفًا، لَقَال: ويقولون آمنّا به. وفي قوله أيضًا: ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾، دليلٌ على أنهم لَمْ يَعْرِفوا البعضَ فآمَنُوا بظاهره، وقالوا: إنه من عند الله. وقد رُوي عن ابن عباس، أنه قال: تفسير القرآن على أربعة أوجه: تفسيرٌ [[(تفسير): ساقطة من: (ج).]] لا يَسَعُ أحدًا جَهْلُه، وتفسيرٌ تَعرِفُهُ العربُ بألسنتها، وتفسيرٌ يَعْلَمُهُ العلماءُ، وتفسيرٌ لا يعلمه إلا الله [[الأثر، في "تفسير الطبري" 1/ 34، أخرجه موقوفًا على ابن عباس، من رواية محمد بن بشار، قال: (حدثنا مؤمل، قال: حدثنا سفيان [بن عيينة]، عن أبي الزناد ..) والسند صحيح، ما عدا مؤمل بن إسماعيل، فقد اختلف فيه. انظر: "ميزان الاعتدال" للذهبي: 5/ 353، 354. وأورده النحاس في "القطع والائتناف" 213، كما أخرجه الطبري مرفوعًا بلفظ آخر عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ، قال: "أنزل الله القرآن على أربعة أحرف حلال وحرام، لا يُعذَر أحدٌ بالجهالة به،== وتفسير تفسره العرب، وتفسير تفسره العلماء، ومتشابه لا يعلمه إلا الله تعالى ذكره ومن ادَّعَى علمَهُ سوى الله، فهو كاذب". وقال الطبري: (في إسناده نظر)؛ وذلك أنه من رواية الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، وهي أوهى الأسانيد عن ابن عباس. انظر: "تفسير الطبري" 1/ 34. وانظر: الحُكْمَ على الكلبي، وأبي صالح، في "تهذيب التهذيب" 3/ 569، "تقريب التهذيب" ص 479 (5901)، "ميزان الاعتدال" 5/ 2 (7574)، "الاتقان" للسيوطي: 4/ 238.]]. وعلى هذا المذهب؛ إنما [[في (د): (إن ما).]] أنزل الله -تعالى- ما [[(ما) ساقطة من: (د).]] لا [[: ساقطة من: (ج).]] يعلمه إلّا هو؛ اختبارًا [[في (د): (اختبار).]] للعباد، لِيُؤمِنَ به المُؤْمِنُ فَيَسْعَد، ويكفر به الكافرُ فَيَشْقَى؛ لأن سبيلَ المُؤْمِنِ إذا قرأ من هذا شيئًا، أنْ يُصَدِّق رَبه عز وجل، ولا يعترض فيه بسؤال وإنكار؛ فَيَعْظُمَ -بذلك- ثوابُهُ على الله عز وجل. فإن [[في (أ)، (ب): (بان). والمثبت من: (ج)، (ء).]] قيل: وأي [[في (أ)، (ب): (وإلى). والمثبت من: (ج)، (ء).]] تخصيصٍ لِلرَّاسخين إذا [[في (د): (فإذا).]] لم يَعرِفوا، فإنَّ غيرَهم أيضًا يقولون: ﴿آمَنَّا بِهِ﴾، فَلِمَ خَصَّ [[في (أ): خُصَّ بالبناء للمجهول. وفي (ب)، (ج).، (د) غير مضبوطة بالشكل. وما أثبتُّه يتناسب مع ما بعده، من نصب (الراسخين).]] الراسخينَ [[في (د): (الراسخون).]] بالذكر؟ قلنا: المراد بـ (الراسخين): كلُّ مَنْ يقول: ﴿آمَنَّا﴾ وليس المراد بهم الذين يدأبون في التَّعَلُّمِ [[في (د): (التعليم).]] ويَجْتَهِدُون. وقد ذكرنا عن ابن عباس، أنه قال: سمَّاهم (راسخين)، بقولهم: ﴿آمَنَّا﴾. وقال مجاهد [[قوله في "تفسيره" 1/ 122، "تأويل مشكل القرآن" 100، "تفسير الطبري" 3/ 183، "الأضداد" لابن الأنباري: 424، "تفسير الثعلبي" 3/ 8 ب، "المحرر الوجيز" 3/ 24، "تفسير القرطبي" 4/ 16. وقد رَدَّ ابن الأنباري رواية هذا القول عن مجاهد؛ زاعمًا بأن الراوي عن مجاهد هو ابن أبي نَجِيح، وهو لم يسمع التفسير عن مجاهد. ولكن أئمة الجرح والتعديل على توثيق ابن أبي نجيح، وتصحيح تفسيره عن مجاهد، بل عدَّه ابنُ تيمية مِنْ أصح التفاسير. انظر: "الأضداد" لابن الأنباري: 427، "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم: 5/ 203، ومجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية: 17/ 409، "سير أعلام النبلاء" للذهبي: 6/ 125، 126، "تهذيب التهذيب" 2/ 444، "تقريب التهذيب" ص 326 (3662).]]، والربيع [[قوله في "تفسير الطبري" 3/ 183، "القطع والائتناف" للنحاس: 215، "تفسير الثعلبي" 3/ 8 ب، "المحرر الوجيز" 3/ 25، "تفسير القرطبي" 4/ 17.]]، ومحمد بن جعفر بن الزبير [[قوله في المصادر السابقة.]]: المتشابه يعلمه الله، ويعلمه الراسخون. ولا يجوز أن يكون في القرآن شيءٌ، لا يعرفه [[في (د): (لا يعلمه).]] أحدٌ مِنَ الأُمَّةِ. وهذا اختيار ابن قتيبة [[في "تأويل مشكل القرآن" له: 98. قال مرعي الكرمي: (ورجح هذا جماعات من المحققين؛ كابن فورك، والغزالي، والقاضي أبي بكر بن الطيب، وقال النووي: إنه الأصح، وابن الحاجب: إنه المختار ..). "أقاويل الثقات" 53. وانظر: "مشكل الحديث" لابن فورك: 522 - 525، وشرح صحيح مسلم، للنووي: 16/ 218، "معترك الأقران" للسيوطي: 1/ 138، "والإتقان" له: 3/ 3537.]]، وزَعَمَ أنَّ الراسخينَ في العِلْمِ عَلِمُوا تأويل القرآن مع الله تعالى؛ لأنه لم يُنْزِلْ كتابَهُ، إلا لِيَنْفَعَ به عِبَادَه، ويدل على المعنى الذي أراده. وتأوَّلَ قولَهُ: ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾، على أنه حالٌ صُرِفَت إلى المُضَارَعَةِ؛ أي [[في (أ)، (ب): (إلى). والمثبت من: (ج)، (ء).]]: (والراسخون [[في (ج): (والراسخين).]] في العلم، قائلين [[في (د): (قايلون).]] آمَنَّا به). قال: ومثله من [[في (ج): (في).]] الكلام: (لا يَأتِيك إلا عبدُ الله، وزَيْدٌ يقول: أنا مسرورٌ بزيارتك)، تريد [[من قوله: (تريد ..) إلى (.. بزيارتك): ساقط من: (ج)، (ء).]]: (لا يأتيك إلا عبدُ الله، وزيدٌ قائلًا: أنا مسرورٌ بزيارتك). فـ (زيد) عطفٌ على (عبد الله) [[أورد الشوكاني، والشنقيطي إشكالًا على من يمنع كون جملة ﴿يَقُولُونَ﴾ حالًا، وخلاصته: أن الحال قَيْدٌ لِعامِلِها. ووصف لصاحبها، فتقييد عِلْمِهم بتأويله، بحال كونهم قائلين: ﴿آمَنَّا بِهِ﴾، لا وجه له؛ لأن مفهومه: أنهم في حال عدم قولهم ﴿آمَنَّا بِهِ﴾، لا يعلمون تأويله، وهو باطل؛ حيث إنهم يعلمونه في كل حال. ويرى الشنقيطي أن جملة ﴿وَالرَّاسِخُونَ﴾ في حال كونها معطوفة، فإن ﴿يَقُولُونَ﴾ تكون معطوفة كذلك بحرف محذوف. واستدل على ذلك بأقوال المحققين من أهل العربية، واستشهد عليه بآيات من القرآن؛ كقوله تعالى ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ﴾ فإنها معطوفة على قوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ﴾ بالواو. انظر: "فتح القدير" للشوكاني: 1/ 482، "أضواء البيان" للشنقيطي: 1/ 131.]]. واحتج لهذه الطريقة في كتابه (المُشْكل) بما يطول ذِكْرُه [[انظر: "تأويل مشكل القرآن" 86101. إن الخلاف الواقع بين العلماء في تبني أحَدِ المذهبَيْنِ المذكورَيْن للسَّلَفِ؛ في الوقف أو العطف على لفظ الجلالة في هذه الآية، مرجعه وسببه: الاشتراك في لفظ التأويل؛ حيث إنَّ له معانٍ عِدَّة. ولكنَّه إذا أطْلِقَ عند السَّلَفِ، إنَّما يُرادُ به أمران: == الأول: تفسيرُ الكلام وبيان معناه؛ كقوله تعالى: ﴿نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ﴾ [يوسف: 36]؛ أي: بتفسيره. فيجوز بهذا المعنى عطفُ جُملَةِ ﴿وَالرَّاسِخُونَ﴾ على لفظ الجلالة؛ لأن الراسخين يعلمون تفسيره، ويفهمون ما أريد منهم بالخطاب القرآني. الثاني: حقيقةُ الشيء، وما يؤول أمرُهُ إليه. ومنه قوله تعالى: ﴿هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ﴾ [يوسف: 100]، و ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾ [الأعراف: 53]؛ أي: حقيقة ما أخبرهم الله به مِنْ أمر القيامة والبعث. فيجوز بهذا الاعتبار الوقف على لفظ الجلالة؛ لأن حقائق الأشياء وكنهها، لا يعلمها إلا الله تعالى. وهناك معنى ثالث للتأويل عند الأصوليين والفقهاء المتأخرين عن عصر السَّلَف، وهو: صَرْفُ اللفظ عن ظاهره المتبادرِ منه، إلى مُحتَمَلٍ مرجوح، بدليل يدل عليه. وهذا المعنى ليس مُرادًا في إطلاقات السَّلَف، فهو خارجٌ عن دلالة الآية هنا. فبسبب الاشتراك في لفظ التأويل، اعتَقَدَ كلُّ مَنْ فَهمَ مِنْهُ معنًى، أنَّ ذلك هو المذكور في القرآن. ولا شكَّ أنَّ في القرآن أمورًا لا يعلمها إلا الله: كوقت قيام الساعة، وحقيقة الروح وغيرها ... وهي الأمور المتشابهة في نفسها. وهناك أمورٌ، العِلْمُ بها نِسْبيٌّ، يعلمها الراسخون في العلم دون غيرهم، وهو المتشابه الإضافي، الذي قد يَشْتَبِه على أناسٍ دون آخرين. فلا مُنافاة بين الرأيَيْنِ عند التحقق. انظر: "مفردات ألفاظ القرآن" 443445 (شبه)، والإكليل في المتشابه والتأويل، لابن تيمية: 89، 2025، والرسالة كلها حول هذا المعنى، وتفسير سورة الإخلاص، لابن تيمية: 174، 179، 183، 188، 193، "الرسالة التدميرية" لابن تيمية:5963، "تفسير ابن كثير" 1/ 372، "بصائر ذوي التمييز" للفيروز آبادي: 3/ 296، "أقاويل الثقات" للكرمي: 5355، "فتح القدير" للشوكاني: 1/ 482، "فتح البيان" لصديق خان: 2/ 1517، و"مباحث في علوم القرآن" لمناع القطان: 218، 219.]].

آل عمران 3:8

قوله [[في (د): (وقوله).]] تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾. أي: ويقول الراسخون: ربنا، كقوله: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا﴾ [آل عمران: 191]. وقوله: ﴿لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾ أي: لا تُمِلْنَا [[في (د): (لا تملها).]] عن الهدى والقصد، كما أزغت قلوب اليهود والنصارى، والذين في قلوبهم زيغ، بعد إذ هديتنا للإيمان بالمُحْكَمِ والمُتَشَابِهِ مِنْ كِتَابِكَ. وروت أم سلمة [[هي: هند بنت أبي أمية المعروف بـ (زاد الراكب) بن المغيرة، القرشية المخزومية، زوج النبي ﷺ، وهي ممن أسلم قديمًا، وهاجرت إلى الحبشة، ثم المدينة، وشهدت غزوة خيبر، ماتت سنة (61 هـ)، أو (62 هـ)، وهي آخر أمهات المؤمنين موتًا. انظر: "الاستيعاب" 4/ 493 (3594)، و"الإصابة" 4/ 458 (1309).]]: أن النبي ﷺ كان يُكثر في دعائه أن يقول: "اللهم مُقَلب [[في (د): (مثبت). وقد وردت هذه اللفظة في الحديث من رواية أنس عند ابن أبي شيبة في: "المصنف": 6/ 25.]] القلوب، ثبِّت قلبي على دينك" [[الحديث من رواية أم سلمة رضي الله عنها: أخرجه أحمد في "المسند" 6/ 91، 294، 302، 315، والترمذي برقم (3522) كتاب الدعوات، وقال عنه: (حديث حسن). وابن أبي شيبة في: "المصنف": 6/ 25 برقم (29197)، وابن أبي عاصم في: "السنة": 100 برقم (223)، وقال الألباني محقق الكتاب عنه: (حديث صحيح). وابن خزيمة في: كتاب التوحيد: 1/ 191، والطبري في "تفسيره" 3/ 178، 179، وابن أبي حاتم 2/ 602، 603، والآجرِّي في "الشريعة" 316. وأورده السيوطي في "الدر" 2/ 13 وزاد نسبة إخراجه للطبراني، وابن مردويه، وأورده المتقي الهندي في "كنز العمال" 1/ 391 برقم (1686). وقد أوردت المصادر السابقة الحديث كذلك عن عائشة، والنواس بن سمعان، وأنس، وجابر، وعبد الله بن عمرو، رضي الله عنهم.]].

آل عمران 3:9

قوله [[في (د): (وقوله).]] تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾. تقديره: جامع الناس للجزاء في يوم لا ريب فيه [[وقيل: إن اللام بمعنى: (في)؛ أي: في يوم. ويكون المجموع لأجله لم يُذكر. فظاهره أن هذا الجمع للحشر من القبور للمجازاة وقيل: اللام بمعنى: (إلى)،== أي: جامعهم في القبور إلى يوم ... انظر: "البحر المحيط" 2/ 387، "روح المعاني" للآلوسي: 3/ 91.]]؛ فلما حذف لفظ الجزاء، دخلت اللام على ما يليه، وأغنت عن (في) [[في (د): (فيه).]]؛ لأن حروف الإضافة متآخية؛ لما يجمعها من معنى الإضافة [[حروف الإضافة عند البصريين: هي حروف الجر، وسميت بذلك: (لأنها تضيف معنى الفعل الذي هي صلته إلى الإسماء المجرور بها) "شرح المفصل" لابن يعيش: 2/ 117، وانظر: "الإيضاح في علل النحو" للزجاجي: 93. وفي تناوب حروف الجر وتآخيها، مذهبان للنحويين: أ- مذهب جمهرة البصريين: أنها لا تنوب عن بعضها البعض قياسًا، فإن لكل حرف معنى واحدًا أصليًا، يؤديه على سبيل الحقيقة لا المجاز، فإذا أدى معنى آخر، فيقال حينها: إنه أداه على سبيل المجاز أو التضمين. ب- مذهب الكوفيين ومن وافقهم: أنها تنوب عن بعضها البعض؛ لأن الحرف إذا اشتهر معناه اللغوي الحقيقي، وشاعت دلالته بحيث تفهم بلا غموض، كان المعنى حقيقيًا لا مجازيًّا، ودلالته أصلية، وليست من قبيل المجاز أو التضمين. قال ابن جنّي ويحسبه البعضُ على البصريين بعد أن خطّأ المذهب الثاني: (ولسنا ندفع أن يكون ذلك كما قالوا، لاكِنّا نقول: إنه يكون بمعناه في موضع دون موضع، على حسب الأحوال الداعية إليه، والمسوِّغة له، فأمّا في كل موضع، وعلى كل حال، فلا) "الخصائص" لابن جنّي: 2/ 308. وقال المالقي: (والحروف لا يوضع بعضها موضع بعض قياسًا، إلّا إذا كان معنياهما واحدًا، ومعنى الكلام الذي يدخلان فيه واحدًا، أو راجعًا إليه، ولو على بعد) "رصف المباني" للمالقي: 297. وانظر حول الموضوع "مغني اللبيب" لابن هشام: 656، "همع الهوامع" للسيوطي: 1/ 27، "النحو الوافي" لعباس حسن: 2/ 537، و"تناوب حروف الجر" د. محمد عواد: 1310 وما بعدها، و"من أسرار حروف الجر في الذكر الكريم" د. محمد الخضري: 12.]]. قال الزجّاج [[في "معاني القرآن" له: 1/ 379. نقله عنه بالمعنى.]]: وهذا إقرارٌ من المؤمنين بالبعث، ومخالفةٌ لمن اتبع المتشابه ممن ينكر أمر البعث. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [يجوز أن يكون إخبارًا عن المؤمنين أنهم قالوا ذلك، فيكون متصلًا بما قبله، لكنه على تلوين الخِطاب [[يعني بتلوين الخطاب، أي: الانتقال من أسلوب الخطاب في قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ﴾ إلى أسلوب الغيبة في قوله: ﴿إنَّ الله﴾. قال أبو حيان ذاكرًا الحكمة في تغيير الأسلوب، هنا: (لِمَا في ذكره باسمه الأعظم من التفخيم والتعظيم والهيبة ..) "البحر المحيط" 2/ 387.]]، و] [[ما بين المعقوفين زيادة من: (ج)، (د).]] يجوز أن يكون استئنافًا، أخبر الله تعالى أنه لا يخلف الميعاد. ولا يدلُّ هذا على تخليد مرتكبي الكبائر من المسلمين في النار، وإنْ وعد ذلك بقوله: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [النساء: 14]. الآية؛ لأن المراد بالميعاد [[في (ب): (المعاد).]] ههنا يوم القيامة [[ومما يؤكد ذلك لغة أن الميعاد هو: وقت الوعد وموضعه، ففي "تهذيب اللغة" (والميعاد، لا يكون إلا وقتًا أو موضعًا) وفي "اللسان" (والموعد: موضع التواعد، وهو الميعاد). انظر مادة (وعد) في "تهذيب اللغة" 4/ 3915، "الصحاح" 2/ 552، و"اللسان" 8/ 4871، و"القاموس المحيط" 326. لكنَّ أبا عبيدة في "مجاز القرآن" 2/ 149، 189: ذكر أن الوعد والميعاد والوعيد، واحد. وعلى الرغم من هذا، فإن سياق الآية وأقوال من سبق من أهل اللغة، يؤكد ما ذكره المؤلف من أن الآية لا دلالة فيها على تخليد مرتكبي الكبائر من المسلمين في النار.]] لأن الآية وردت في ذكره. أو يُحمل [هذا [[أي: على فرض التسليم بدلالة الآية على ما ذكر.]] على ميعاد الأولياء دون وعيد الأعداء؛ لأن خلف الوعيد كرم [[في (د): (لزم).]] عند العرب] [[ما بين المعقوفين زيادة من: (ج)، (د).]]، والدليل: أنهم يمدحون بذلك، ومنه قول الشاعر: إذا وعد السرّاءَ أَنجز [[(أنجز): غير مقروءة في: (أ).]] وعدَه ... وإنْ وَعَدَ الضرّاءَ فالعَفْوُ مانَعُهْ [[البيت، لأبي الحسن، السري بن أحمد بن السري الكندي الرفّاء الموصلي. وهو في: "ديوانه" 2/ 368. وورد منسوبًا له، في "يتيمة الدهر" 2/ 156. وروايته في "الديوان" "واليتيمة": (.. وإن أوْعَدَ الضراء ..).]] قال الأصمعي: جمعنا بين أبي عمرو بن العلاء، وبين محمد بن مسعود الفدكي [[ولكن في "الوسيط في التفسير" للمؤلف: 670 (رسالة ماجستير. تحقيق بالطيور): ورد عمرو بن عبيد المعتزلي بدلًا من محمد بن مسعود الفدكي، وكذا بقية المصادر التي أوردت الحكاية والتي سأذكرها فيما بعد، أجمعت كلُّها على أن المُحاوِر لأبي عمرو بن العلاء، هو عمروُ بنُ عبيد المعتزلي، حتى إن الرازي في "تفسيره" 7/ 187 نقل الحكاية عن "تفسير البسيط" للواحدي، وذكر اسم عمرو بن عبيد، وليس محمد بن مسعود، والذي يبدو لي والله أعلم أنَّ اسم عمرو بن عبيد المعتزلي قد حوِّر إلى محمد بن مسعود الفدكي، وقد يرجع السبب إلى أن جميع النسخ التي بين يدي، قد تكون نقلت عن نسخة رئيسة واحدة لم يستبن فيها الاسم لسبب ما، فكان الخط أقرب إلى أن يقرأ هذه القراءة، أو لاجتهاد من الناسخ الأول في كتابة الاسم السابق. وعمرو بن عبيد، هو شيخ المعتزلة في عصره، ولد سنة (80 هـ)، وتوفي سنة (144 هـ)، وقيل غير ذلك. انظر ترجمته في "تاريخ بغداد" 12/ 166، "وفيات الأعيان" 3/ 460.]]، فقال أبو عمرو: ما تقول؟ قال: أقول: إن الله وعد وعدًا، وأوعد إيعادًا [[(إيعادا): مطموسة في: (ج).]]، فهو منجز إيعاده، كما هو منجز وعده. فقال أبو عمرو: إنك رجل أعجم، لا [[: (لا) مطموسة في: (ج).]] أقول: أعجم اللسان، ولكن أعجم القلب. إن العرب تعُدُّ الرجوع عن الوعد لُؤمًا، وعن الإيعاد كرمًا، وأنشد: وإنِّي وإنْ أوْعَدْتُهُ أو وَعَدْتُهُ ... لَيَكذِبُ إيعادي ويصدقُ موعدي [[البيت لعامر بن الطفيل، وهو في "ديوانه" 58. وقد ورد منسوبًا له، في "العقد الفريد" لابن عبد ربه: 1/ 284، وأورده بنفس رواية المؤلف: "يتيمة الدهر" للثعالبي: 2/ 157، "لسان العرب" 2/ 1098 (ختأ)، 8/ 4871 (وعد)، 2/ 1103 (ختا)، "تاج العروس" 1/ 143 (ختأ)، 19/ 369 (ختا). كما ورد غير معزوٍ، في "عيون الأخبار" لابن قتيبة: 2/ 142، "ضرورة الشعر" للسيرافي، تحقيق د. رمضان عبد التواب: 138، "مجالس العلماء" للزجّاجي: 62، "تهذيب اللغة" 4/ 3915 (وعد)، "الصحاح" 2/ 551 (وعد) "طبقات النحويين واللغويين" للزبيدي: 39، "العمدة" لابن رشيق: 1/ 589، "الحماسة البصرية" لصدر الدين البصري: 2/ 30. وروايته في "الديوان": وإنِّيَ إن أوعدتُه أو وعدتُه ... لأخلِفُ إيعادي وأنجز موعدي وبرواية أخرى: لمخلِفُ إيعادي ومنجز موعدي كما ورد في "اللسان" 1/ 63 كالتالي: لَيأمَنُ ميعادي ومنجز موعدي وانظر الفرق بين (وعد) و (أوعد) في: "ما تلحن فيه العامة" للكسائي: 110، "مجاز القرآن" لأبي عبيدة: 2/ 189، "أدب الكاتب" لابن قتيبة: 1/ 272، "مجالس ثعلب" 1/ 227، "والخاطريات" لابن جني: 198، "خزانة الأدب" للبغدادي: 5/ 189، 190. وانظر مادة (وعد) في "تهذيب اللغة" "الصحاح" "اللسان". وقد وردت هذه المحاورة في "عيون الأخبار" 2/ 142، "مجالس العلماء" 62، "طبقات النحويين واللغويين" 39، "إنباه الرواة" 4/ 133، "مدارج السالكين" لابن القيم: 1/ 396، "ميزان الاعتدال" للذهبي: 4/ 198، 199، "لوامع الأنوار" للسفاريني: 1/ 371.]] أو تقول: هذا عامٌّ في وعيد الأولياء، ووعيد الكفار، فأما مرتكبو الكبائر، فهم مخصوصون بقوله تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: 48].

آل عمران 3:10

قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قال ابن عباس: يعني: اليهود من قُريظة والنضير [[لم أهتد إلى قول ابن عباس هذا في المصادر التي رجعت إليها. وقد ذهب ابن جرير الطبري إلى أن المراد بهم: (يهود بني إسرائيل ومنافقيهم ومنافقي العرب وكفارهم) "تفسيره": 3/ 189. وقال أبو السعود: (والمراد بالموصول: جنس الكفرة الشامل لجميع الأصناف). تفسيره: 2/ 10. وإلى عموم الآية وتناولها لكل كافر، ذهب كذلك أبو حيان في "تفسيره" 2/ 187.]]. ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ﴾ أي: لن تنفع، ولن تدفع. وإنما ذُكرَ (عن) مع الإغناء؛ لأنه يراد به الدفع، و (الغِنَى): ما يدفع عن صاحبه الفقر. وقوله تعالى: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ قال الكلبي [[من قوله: (قال الكلبي) إلى: (بمعنى: عند) نقله بالنص عن "الثعلبي" 3/ 11 ب.]]: من عذاب الله [[قوله في "تفسيرالثعلبي" في الموضع السابق.]]. وقال أبو عبيدة [[في "مجاز القرآن" 1/ 87.]]: معناه: عند الله. [[وضعَّف أبو حيان، والسمينُ الحلبي قولَ أبي عبيدة. انظر: "البحر المحيط" 2/ 388، "الدر المصون" 3/ 35. ولكن ابن هشام وافق أبا عبيدة في جعل (مِن) موافقة لـ (عند) وكذلك جعلها بمعنى البدل؛ أي: بدل طاعة الله، أو بدل رحمة الله. انظر: "المغني" 422، 424.]] (مِنْ) بمعنى: (عند) وحروف الصفات تتعاقب [[حروف الصفات هي حروف الجر. قال عنها ابن يعيش في "شرح المفصل" 8/ 7: (وقد يسميها الكوفيون: حروف الصفات؛ لأنها تقع صفاتًا لما قبلها من النكرات). وقد عقد لها ابن قتيبة بابًا في "تأويل المشكل" ص 565 فقال (باب دخول بعض حروف الصلات مكان بعض)، وانظر: "أدب الكاتب" له 1/ 392، "من أسرار حروف الجر في الذكر الحكيم" ص 12، وانظر التعليق السابق على حروف الإضافة في هامش تفسير قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ آية: 9.]].

آل عمران 3:11

﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾. الآية. يقال: (دَأبتُ، أَدْأَبُ، دَأبًا) [[في (ب): (داءبًا).]]. و (دَأَبًا)، و (دُؤُوبًا): إذا اجتهدتَ في الشيء وتعبتَ فيه [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج: 1/ 380، "تهذيب اللغة" 2/ 1127 (دأب).]]. قال الفراء [[قوله بمعناه في "معاني القرآن" له: 2/ 47. وورد بمعناه في "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 313، ونسبه لكتاب (المصادر) للفراء. وأورده السمين الحلبي في "الدر المصون" 3/ 40.]]: والعرب تُثقِّلُ [[في (أ): (تَثَقَّلُ). ولم تضبط بالشكل في بقية النسخ، وصوبته من: "الدر المصون" 3/ 40.]] ما كان ثانيه أحد حروف الحلق [[حروف الحلق هي: الهمزة، والهاء، والعين، والحاء، والغين، والخاء. انظر: "سر صناعة الإعراب" 1/ 46 - 47، "الممتع في التصريف" 2/ 668 - 669، "التمهيد" لابن الجزري ص 83.وقد قال الفراء في "معاني القرآن" 2/ 47 عند قوله تعالى: (دأبا) آية: 47 من سورة يوسف بعد ذكر القراءتين فيها، بتسكين الهمزة وفتحها: (وكذلك كل حرف فُتِح أوله، وسُكِّن ثانيه، فتثقيله جائز إذا كان ثانيه همزةً أو عينًا أو غينًا أو حاءً أو خاءً أو هاءً). وانظر: "تفسير الطبري" 3/ 191، "البيان" لأبي البركات الأنباري: 2/ 42.]]: كـ (النَعْلِ)، و (الصَخْرِ)، و (النَهْرِ)، و (الشأْمِ) [[في (ب)، (أ): (والشام) في (ج): (والسام). وقصد المؤلف هنا أن هذه الكلمات تُنطق بتسكين الحرف الثاني، أو بفتحه.]]، وأنشدَ: قد سار شرقِيّهُمْ حتى أتى سبأَ ... وانساحَ غربِيُّهُمْ حتى هو الشأَمُ [[لم أهتد إلى قائله، وقد نقله السمين الحلبي في "الدر المصون" 3/ 40 عن "البسيط" للواحدي بالرواية التالية: قد سار شرقيهم حتى أتى سبأ ... وانساح غربيهم حتى هوى الشأما.]] ويقال: (سار فلان يومًا دائِبًا): إذا اجتهد في السير يومه كله. هذا معناه في اللغة. ثم يصير الدأْب عبارة عن: الحال، والشأن، والأمر، والعادة؛ لاشتمال العمل والجهد على هذا كله [[انظر: "مجمل اللغة" 2/ 342، "اللسان" 3/ 1310.]]. واختلفوا في معنى الكاف في قوله: ﴿كَدَأْبِ﴾: فقال ابن عباس، وعكرمة [[تقدمت ترجمته.]]، ومجاهد، والسدِّي، وابن زيد [[انظر أقوالهم في "تفسير الطبري" 3/ 690، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 603، "تفسير ابن كثير" 1/ 375.]]: كفعل آل فرعون، وصنيعهم في الكفر والتكذيب. يريد: إن اليهود كفرت بمحمد ﷺ كعادة آل فرعون مع فرعون، عرفوا كَذِبَهُ وصِدْقَ موسى، وكذلك كفار الأمم الخالية. وعلى هذا التقدير: دأبهم في الكفر، كدأب آل فرعون، فيكون الكافُ في موضع رفعٍ بخبر الابتداء [[انظر: "معاني القرآن" للزجَّاج 1/ 380.]]. و (الدأب) على هذا التفسير والتقدير إن شِئت قلت: معناه: الأمر والشأن. وهو قول الأخفش [[في "معاني القرآن" له 1/ 194.]]. وإن شئت قلت: العادة. وهو قول النضر [[لم أهتد إلى مصدر قوله.]] والمبَرِّد [[في "الكامل" له 1/ 376.]]. وأما الزجَّاج، فإنه أجرى (الدأب) على ما هو موضوع عليه في اللغة، فقال [[في "معاني القرآن" له: 1/ 380. نقله المؤلف عنه بتصرف يسير.]]: القول فيه عندي: إنَّ دأب هؤلاء أي [[(أي): ساقطة من: (ج).]]: اجتهادهم في كفرهم، وتظاهرهم على النبي ﷺ، كتظاهر آل فرعون على موسى عليه السلام. قال ابنُ الأنباري [[لم أقف على مصدر قوله.]]: لم يخاطب الله تعالى العرب إلَّا بما تَعْقِل [[في (د): (تفعل).]]، وقد يكون من عادتها أن تحذف المُشَبَّهَ، وتذكر المشَبَّهَ به [[(به): ساقطة من: (ج).]]، وتكون كاف التشبيه دليلًا على المحذوف، كقول امرئ القيس: كَدَأبِك من أُمِّ الحْوَيْرِث .... البيت [[البيت من معلقته، وهو في: "ديوانه": ص 111. وروايته في "الديوان": كَدِينك من أمِّ الحوَيْرِثِ قَبْلَها ... وجارَتِها أُمِّ الرَّباب بِمَأسَلِ وورد كذلك في "تفسير الطبري" 3/ 191، "شرح القصائد السبع" لابن الأنباري 27، "إيضاح الوقف والابتداء" لابن الأنباري 2/ 569، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 314، "الأمالي" للقالي 2/ 295، "المنصف" لابن جني 1/ 150، "شرح المعلقات السبع" للزوزني ص 10، "شرح القصائد العشر" للتبريزي ص 10، "خزانة الأدب" 3/ 223. والدأب في البيت: العادة. وكذا قوله: (كدينك) أي: كعادتك. و (أم الحويرث) هي: أخت الحارث الكلبي، وهي امرأة أبي الشاعر، كما صَوَّبَ ذلك البغداديُّ في "خزانة الأدب" وقيل: هي أم الحارث الكلبي. و (أم الرَّبَاب): امرأةٌ من بني كلب أيضًا، و (مَأسِل): إسم جبل.]]. أي لَقِيتَ من هذه المنازل، كما لَقِيتَ من هاتين المرأتين [[أي: لقيت من وقوفك على هذه الديار وتذكرك أهلها، كما لقيت من أم الحويرث وجارتها. وقيل: أصابك من التعب من هذه المرأة، كما أصابك من هاتين المرأتين أي: أصبحت عادتك في حب هذه، كعادتك من تَيْنك في قلة حظك من وصالهما ومعاناتك الوجْد بهما.]]، فحذف، وهذا مشهور في الكلام. وقال بعض أهل المعاني [[ممن قال بذلك النحاس في "معاني القرآن" 1/ 359.]]: يجوز أن يكون الكاف في محل النصب، متصلة بقوله: ﴿وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ (10) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾؛ لأن (الوقود) وإن كان اسما، ففيه معنى الفعل، ويكون التقدير: تَتَّقد النارُ بأجسامهم [كما تَتَّقدم بأجسام] [[زيادة من: (ج)، (د).]] آل فرعون، ولم تغن عنهم أموالهم ولا أولادهم عند حلول [[في (ب): (طول).]] النقمة والعقوبة، مثل آل فرعون، أخذناهم وعاقبناهم، فلم يغن عنهم أموالهم ولا أولادهم [[من قوله: (عند حلول) إلى (أولدهم): ساقطة من: (ج)، (د).]]. وعلى هذا القول: شُبِّه حال كفار اليهود بحال آل فرعون في العقوبة، وقلة غناء أسوالهم عنهم، وفي القول الأول: التشبيه وقع بين الحالتين في الكفر والتكذيب. قال النحويون: ولا يجوز أن تكون الكاف من صلة (كفروا) في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ لما وقع بينهما من الفصل بخبر (إنَّ) [[ممن قال: إن الكاف متعلقة بـ ﴿كَفَرُوا﴾ الفرَّاء. وممن أنكر هذا الوجه الزجَّاج، والنَّحاس. انظر: "معاني القرآن" للزجَّاج 1/ 380، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 313. وتعليل رأييِهما أن الخبر قد تم بقوله (لن تغني ..) فانقطع تعلق الفعل بالكاف، ولا يُعطَف على صلة الموصول بعد تمام الجملة. وانظر: "البيان" لأبي البركات الأنباري 1/ 192، "التبيان" للعكبري 1/ 177. "الكشاف" 1/ 414، "المحرر الوجيز" 3/ 32، "البحر المحيط" 1/ 389 وقد ذكر عشرة أقوال في إعراب الكاف.]]. وقوله تعالى: ﴿فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾. قال بعض أهل اللغة: معنى الذَّنْب: التُّلُوُّ للشيء. (ذنَبَه، يذْنِبهُ، ذنْبًا): إذا تلاه. و (الذَّنُوبُ): الدَّلْو؛ لأنها تالية للحبل في الجذب، وأصله من (الذَّنَبِ)؛ لأنه تالٍ لصاحبه [[انظر: (ذنب) في "تهذيب اللغة" 2/ 1295، "اللسان" (ذنب) 3/ 1520.]]. فالذَّنْب: الجُرْم [[في (ج): (والحرم).]]؛ لأن تبعته تتلو صاحبه من استحقاق الذم [[في (ج)، (د): (الدم).]]. وقوله تعالى: ﴿شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾. إنما سُمِّي عقابًا؛ لأنه يعقب الذنب.

آل عمران 3:12

قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾. قال ابن عباس في رواية عكرمة، وسعيد بن جبير، وأبي صالح [[هو: باذام، أو باذان، مولى أم هانىء. تقدمت ترجمته.]]، وعطاء [[(عطاء): غير مقروءة في: (ج).]]: يعني يهود المدينة [[أثر ابن عباس هذا برواية عكرمة وسعيد بن جُبير في: "سنن أبي داود": برقم (3001) كتاب "الخراج" باب: كيف كان إخراج اليهود من المدينة "تفسير الطبري" 3/ 192، "سيرة ابن هشام" 2/ 179، "تفسير الثعلبي" 3/ 12 أ، "أسباب النزول" للواحدي: ص 100 - 101، "تفسير البغوي" 2/ 13، "لباب النقول" للسيوطي ص 51. وورد من رواية الكلبي عن أبي صالح في "تفسير الثعلبي" 3/ 12 أ، "أسباب النزول" للواحدي ص 100، "تفسير البغوي" 2/ 13. أما رواية عطاء عن ابن عباس، فلم أهتد إلى مصدرها. ونص الأثر في: "سنن أبي داود": (لما أصاب رسولُ الله ﷺ قريشًا يوم بدر، وقدم المدينة، جَمَع اليهود في سوق بني قينقاع، فقال: "يا معشَرَ يهودَ، أسلموا قبل أن يصيبكم مثلُ ما أصاب قريشا" قالوا: يا محمدُ، لا يغرَّنَّكَ من نفسك أنك قتلت نفرًا من قريش كانوا أغمارًا لا يعرفون القتال، إنك لو قاتلتنا لعرفتَ أنَّا نحن الناس، وأنك لم تلق مثلنا، فأنزل الله عز وجل في ذلك ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ﴾]]. وقال مقاتل [[قوله في "تفسيره" 1/ 265، "تفسير الثعلبي" 3/ 12 أ، "تفسير البغوي" 2/ 12.]]: هم مشركو مكة. واللفظ يحتمل الفريقين جميعًا. يدل على ذلك قوله: ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ﴾ [البقرة: 105] فَفَسَّرَ ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بالقبيلين، وكذلك قوله: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ﴾ [البينة: 1]. وقوله تعالى: ﴿سَتُغْلَبُونَ﴾. يقال: غَلَبَ، غَلَبةً، وغَلَبًا. والغَلَبة أكثر [[انظر: (غلب) في: كتاب "العين": 4/ 420 "تهذيب اللغة" 3/ 2682، "اللسان" 6/ 3278.]]. قال الفرَّاء [[في "معاني القرآن" 2/ 319.]]: وكان قوله: ﴿مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ﴾ [الروم: 3]، حُذفت منها الهاء لمَّا أُضيفت [[في (ب)، (د): (أضيف).]]، كما قال: ﴿وَإِقَامِ الصَّلَاةِ﴾ [النور: 37] فحُذفت منها الهاء للإضافة. وفيه قراءتان: الياء والتاء [[في (د): (التاء والياء). قرأ حمزة والكسائي من السبعة بالياء، وقرأ الباقون بالتاء. انظر: "الحجة" للفارسي 3/ 17، "المبسوط" لابن مهران 140، "حجة القراءات" لابن زنجلة 154 - 155، وكتاب "الإقناع" لابن الباذش 2/ 618.]]، وكذلك قوله: ﴿تُحْشَرُونَ﴾. فمن قرأ بالتاء: فللمخاطبة. ويدل [[في (د): (يدل).]] على حُسن [[في (ج): (صحة).]] التاء [[من قوله: (ويدل على ..) إلى (.. ولم يقل غضوا): نقله عن "الحجة" للفارسي 3/ 18 بتصرف واختصار.]]: قوله تعالى [[من قوله: (تعالى ..) إلى (.. صحة الياء): ساقط من: (ج).]]: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ﴾ [النور: 3]. ومن قرأ بالياء، فالمعنى: بلِّغهم أنهم سيُغلَبون. ويدل على صحة الياء: قوله: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا﴾ [الجاثية: 14]، وقوله: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور: 30]، ولم يقل: (غُضُّوا). قال الفرَّاء [[في "معاني القرآن" 1/ 191.]]: مَن [[في (ج): (ومن).]] قرأ بالتاء: جعل اليهود والمشركين [[في (ج): (المشركين واليهود).]] داخلين في الخطاب، ثم يجوز في هذا المعنى: الياء، والتاء؛ كما تقول في الكلام: (قل لعبد الله إنه قائم، وإنك قائم) [[(وإنك قائم): ساقط م: ن (ج).]]. وفي حرف عبد الله [[هو عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.]]: (قل للذين كفروا إن ينتَهوا [[في (ب): (تنتهوا).]] يُغفَر لكم [[في (ج): (د): (لهم).]] ما قد سلف) [[انظر هذه القراءة، في "المحرر الوجيز" 6/ 300، "البحر المحيط" 4/ 494، ووردت فيه: (تنتهوا). والقراءة المتواترة: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: 38].]]. ومن قرأ بالياء: فإنه ذهب إلى مخاطبة اليهود، وإلى أن الغلبة تقع على المشركين، كأنه قيل: (قل يا محمد لليهود: سَيُغلَبُ المُشركون، ويُحشَرون) فليس يجوز في هذا المعنى [[في (ج): (الموضع).]] إلَّا الياء؛ لأن المشركين غَيبٌ. وقال غير الفرَّاء [[القائل هو: أبو علي الفارسي في "الحجة" 3/ 19، ونقله المؤلف عنه بتصرف.]]: جعل المخاطبة للفريقين أحسن؛ لجواز وقوع (الذين كفروا) عليهما ولأنهما جميعًا مغلوبان: فاليهود غُلِبوا بوضع الجِزْيِ [[في (ج): (د): (الخزى) وفي "الحجة" الجِزَى، وما أثبته صحيح كذلك؛ لأن الجزي، والجِزى، جمعٌ للجزية وهي: خراج الأرض، وما يؤخذ من أهل الذمة من مال. انظر: "اللسان" 2/ 621 (جزى).]] عليهم، والمشركون غُلِبوا بالسيف. وقال صاحب النظم [[هو: أبو علي، الحسن بن حييى بن نَصْر الجُرْجاني، وكتابه "نظم القرآن".]]: من قرأ بالتاء، فالأمر واقع على هذه اللفظة بعينها، أي [[من قوله: (أي ..) إلى (.. هذه اللفظة بعينها) ساقطة من (د).]]: قل لهم هذا القول، ومن قرأ بالياء، فالأمر واقع على المعنى دون اللفظ أي قل لهم ما يكون هذا معناه، وإن لم تكن هذه اللفظة بعينها [[وانظر في توجيه القراءة بالتاء والياء: "الحجة في القراءات السبع" لابن خالويه ص 106، "الكشف" لمكي 1/ 335.]]. قال مقاتل [[قوله في "تفسيره" 1/ 256، "تفسير الثعلبي" 3/ 12 أ.]]: لما نزلت هذه الآية، قال النبي ﷺ للكفار يوم بدر: "إن الله غالبكم وحاشركم إلى جهنم". وقوله تعالى: ﴿وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ قال مجاهد [[انظر: "تفسير مجاهد": 1/ 122، "تفسير الطبري" 3/ 193، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 604.]]: بئس ما مَهَدوا لأنفسهم. وقال الحسن [[لم أهتد إلى مصدر قوله.]]: بئس القرار. وقيل [[ممن قال بذلك: الزجاج في "معاني القرآن" 1/ 380.]]: بئس الفراش المُمَهَّدُ لهم. وقال ابن عباس في رواية عطاء [[لم أقف على هذه الرواية عن ابن عباس، والذي في "الدر المنثور" 1/ 430 هو قوله: (بئس ما مهدوا لأنفسهم). ونسب إخراجه لابن المنذر، وابن أبي حاتم، ولم يذكر الرواي عنه.]]: بئس ما مُهِّدَ لكم، وبئس ما مَهَّدتم لأنفسكم. وقال أصحاب المعاني: ليس [[في (ج): (وليس).]] هناك تمهيد، ولكن المعنى: إنها بدلُ المهاد؛ كما أن البشارة بالعذاب بدل البشارة بالنعيم في قوله: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [[سورة آل عمران: 21، التوبة: 34، والانشقاق: 24. وأصل المَهْد لغة: التوثير، ويقال: (مَهَدْت لنفسي مهدًا) و (مَهَّدت لنفسي) أي: جعلت لها مكانا وطيئًا سهلًا، و (مَهَد لمسه خيرًا)، و (امْتَهده): هيأه وتوطأه. والمِهاد: الفراش، سمي بذلك لوثارته، و (مهدت الفراش مهدًا): بسطته ووطأته، والجمع: (أمهِدة) و (مُهُد)، و (مهْد الصبي): موضعه الذي يُهَيَّأ له لينام فيه، وجمعه: مُهود. انظر: (مهد) في: "الجمهرة" لابن دريد ص 685، "اللسان" 7/ 4286.]].

آل عمران 3:13

قوله تعالى: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ﴾ قال الفراء [[لم أهتد إلى مصدر قوله. ومن قوله: (أراد بالآية ..) إلى (.. في الدنيا لمغرور): ورد في "تفسير الثعلبي" 3/ 13أ، مع اختلاف في بعض عباراته.]]: أراد بالآية البيان [[أي قد كان لكم بيان.]]؛ فلذلك ذَكَّرَ الفِعْلَ كأن ذهب إلى المعنى، وترك اللفظ كقول الشاعر: كَخُرْعُوبَةِ البانَةِ المنفطرْ [[عجز بيت، وصدره كما في "الديوان": بَرَهْرَهَةٌ رُؤدَةٌ رَخصَةٌ وهو لامرئ القيس، في: "ديوانه": ص 69، كما ورد منسوبًا له في "تهذيب == اللغة" 1/ 1014 (خرعبة)، "الصحاح" 1/ 119 (خرعب)، "والمخصص": 10/ 214، 3/ 11، "اللسان" 2/ 1138 (خرعب)،1/ 391 (بون)، 1/ 270 (بره). ويروى كذلك: (.. رَخصَةٌ رُودَةٌ) في "تهذيب اللغة" وورد في "الصحاح": (رأدة) بدلًا من (رُؤدة)، ويروى: (رُودَةٌ). والبرهرهة: الجارية البيضاء، وقيل: التي لها بريق من صفائها، وقيل: الرقيقة الجلد؛ كأن الماء يجري فيها من النعمة، وهي معان متقاربة. والرخصة: الناعمة البَشرة. والرُّؤْدَة، والرَّأدَة، والرَّؤودة: الشابة الحسنة السريعة الشباب مع حسن غذاء. وسُمِّيت بذلك تشبيهًا لها بالغصن الرؤود، وهو الذي نبت من سنته أرطب ما يكون. والخرْعُوبة، والخرْعُوب، والخرعب: الغصن الطري السامق المتثني، وبه شُبِّهت المرأة الرقيقة الحسنة القوام، الكثيرة اللحم. والبانة: واحدة البان، وهو ضرب من الشجر. انظر: "اللسان" 1/ 270 (بره) 3/ 1616 (رخص) 3/ 1532 (رأد) 2/ 1138 (خرعب) 1/ 391 (بون). والشاهد فيه: أنه ذكَّر لفظ (المنفطرْ) مع أن الأصل فيه التأنيث. لأنه صفة للفظ (خرعوبة) المؤنث لفظًا، إلا أنه لما أراد وقصد معنى (الغصن) أو (القضيب) ذكَّر الصفة لتتناسب مع مراده.]] [ولم يقل المنفطرة] [[ما بين المعقوفين زيادة من: (ج)، (د). وهي في "تفسير الثعلبي" كذلك 3/ 13أ.]] لأنه ذهب إلى القضيب. ويجوز أن يكون التذكير للفصل [الواقع] [[ما بين المعقوفين زيادة من: (ج) و (د).]] بينهما بحرف الصفة؛ كقول الشاعر: إنَّ [[(إن): ساقطة من: (ج).]] امرءَّاَ غرَّه مِنْكُنَّ واحدةٌ [[في (أ): (واحدةً) وبقية النسخ غير مضبوطة بالشكل، والصواب ما أثبت.]] ... بعدي وبعدك في الدنيا لَمَغْرُورُ [[لم أهتد إلى قائله. وهو في "معاني القرآن" للفراء: 2/ 308، "الخصائص" لابن جني 2/ 414، "واللمع" له ص 81، "الأمالي الشجرية" لابن الشجري 2/ 413، "الإنصاف" لأبي البركات الأنباري ص 152، "شرح المفصل" 5/ 93، "اللسان" 6/ 3232 (غرر)، "شرح شذور الذهب" ص 233، "وتخليص الشواهد" لابن == هشام 481، "المقاصد النحوية" للعيني 2/ 476، "منهج السالك إلى ألفية ابن مالك" شرح الأشموني 2/ 52، "همع الهوامع" 7/ 66، "الدرر اللوامع على همع الهوامع" للشنقيطي 2/ 225. والشاهد فيه قوله: (غرَّه منكن واحدةٌ) حيث لم يؤنث الفعل (غرَّ) مع أن إسناده إلى اسم ظاهر حقيقي التأنيث، وهو (واحدة) نظرًا للفصل بين الفعل والفاعل بالمفعول، وهو الضمير المتصل، وبالجار والمجرور، وهو (منكن).]] والخطاب في هذه الآية للمعنيِّينَ بقوله: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وأراد بالآية عَلاَمَةً تدل على صدق النبي ﷺ. وقوله تعالى: ﴿فِي فِئَتَيْنِ﴾ أراد بالفئتين: رسول الله ﷺ وأصحابه يوم بدر، ومشركي مكة حين خرجوا لقتاله، في قول جميع المفسرين. وقوله تعالى: ﴿فِئَةٌ تُقَاتِلُ﴾ الرفع [[من قوله: (الرفع ..) إلى (.. والنصب جائز): نقله عن "معاني القرآن" للفراء: 1/ 192، 193 بتصرف.]]، وجْه الكلام، لأن المعنى: إحداهما تقاتل في سبيل الله، فهو رفع على استئناف من الكلام كما أنشدهُ [[في (د): (أنشد).]] الفرَّاء: إذا مُتُّ كانَ الناسُ صِنْفَيْنِ [[في (ج): (صنفان). وفي "معاني القرآن" نصفين.]]: شامتٌ ... وآخرُ مُثْنٍ بالذي كنت أفعل [[البيت للعُجَيْر بن عبد الله السَّلُولي. وقد ورد منسوبًا له في "كتاب سيبويه" 1/ 70، "والنوادر" لأبي زيد 156، "والأزهية في علم الحروف" للهروي 199، "الإفصاح" للفارقي 281، "والبسيط في شرح جمل الزجّاجي" لابن أبي الربيع السبتي 2/ 760، "المقاصد النحوية" للعيني 2/ 85، "خزانة الأدب" 9/ 72، "الدرر اللوامع" 1/ 46. وورد غير منسوب في "إعراب القرآن" للنحاس 2/ 10، "شرح أبيات سيبويه" للنحاس ص 40، "أسرار العربية" لأبي البركات الأنباري== ص 136، "شرح المفصل" 1/ 77، 3/ 116، 7/ 100، "منهج السالك" للأشموني 1/ 239، "همع الهوامع" 1/ 235. وقد انتهت قافية البيت في أكثر المصادر بكلمة (أصنعُ) بدلا من (أفعلُ) وقد جاءت رواياته مختلفة في بعض كلماتها، فورد (نصفين) و (نصفان) و (وصنفان) بدلًا من (صنفين) وورد (.. ومثنٍ بنِيرَيْ بعض)، و (النِيران): العَلَمان في الثوب. انظر: "الخزانة" 9/ 73. والشاهد فيه، قوله وفق رواية المؤلف: (شامتُ وآخر) بالرفع؛ ناويًا ابتداء الكلام بعد (صنفين)؛ ليفَسِّر؛ وأراد: بعضٌ شامتٌ، وآخر مثنٍ. وعلى الرواية الثانية: (.. كان الناس صنفان: شامت ..)، الشاهد فيه: (صنفان: شامت ..) وأراد: كان الشأن والأمر: الناس صنفان.]] ابتدأ الكلام بعد الصنفين، ولو كُسِرت على البدل من [[(من): ساقطة من: (د).]] ﴿فِئَتَيْنِ﴾ جاز؛ كما قال كُثَيِّر [[هو: أبو صخر، كُثَيِّر بن عبد الرحمن بن أبي جمعة. من خزاعة، كان رافضيًّا مُغاليًا، عَدَّه ابنُ سلام من الطبقة الثانية من الشعراء الإسلاميين. عاش في العصر الأموي. انظر: "طبقات فحول الشعراء" 2/ 534، "الشعر والشعراء" ص 334، "وفيات الأعيان" 1/ 547.]]: وكنت كذي رِجلين: رجلٍ صحيحة ... ورِجْلٍ رَمى فيها الزمانُ فَشَلَّت [[البيت في: (ديوانه): 99، كما ورد منسوبًا له في كتاب "الجمل في النحو" للخليل ص207، "كتاب سيبويه" 1/ 433، "مجاز القرآن" 1/ 87، "الأمالي" للقالي 2/ 108، "أمالي المرتضى" للشريف المرتضى 1/ 46، "العمدة" لابن رشيق 2/ 1048، "والإيضاح" للفارقي 232، 282، و"نتاج الفكر" للسهيلي 315، "المقاصد النحوية" 4/ 204، "البسيط في شرح جمل الزجاجي" 1/ 398، "شرح شواهد المغني" للسيوطي 2/ 814، .. كما ورد غير منسوب في "المقتضب" 4/ 290، "المحلى" (وجوه النصب)، لأبي بكر بن شقير 163 و"إيضاح الوقف == والابتداء" لابن الأنباري 2/ 570، و"المخصص" ص 58، و"ارتشاف الضرب من لغة العرب" لأبي حيان 2/ 621، و"المغني" لابن هشام 2/ 143. ومعنى البيت: أنه لما لم تثبت معشوقته عَزَّة على العهد، وثبت هو على عهدها؛ صار كذي رِجلين: رجلٍ صحيحة، ويعني بها: ثباته على عهدها، ورِجل مريضة، ويعني بها: خيانتها للعهد. ومعنى (شَلَّت): أصابها الشلل، وأصل الفعل: (شَلِلَت، تَشَلُّ، شَلَلًا)، ويقال: (شَلت يدُه)، و (أشلها الله). انظر: "الخزانة" 5/ 212. والشاهد فيه قوله: (رِجْلٍ ..) كُسرت على البدل من (رِجلين) وهو ما يسمى: بدل المفضَّل من المُجْمل، ويجوز الخفض على النعت.]] [يُنشَدُ البيتُ على وجهين [[أي: في (رِجْل) الوجه الأول: الخفض، كما سبق بيانه. والوجه الثاني: الرفع، على أنه خبر مبتدأ محذوفٍ، وتقديره: هما: رِجلٌ صحيحةٌ، ورجلٌ أخرى ... ، أو: إحداهما رِجلٌ .. انظر: "الخزانة" 5/ 211.]]. ومما فُسِّر به الأول، فتبعه في الإعراب، ما أنشده] [[ما بين المعقوفين زيادة من: (ج)، (د).]] الفرَّاء: حتى إذا ما استقلَّ النجمُ [[في (ج): (استقل النجمَ).]] في غَلَسٍ ... وغُودر البقْلُ [[في (ج): (النفل).]] مَلْويٌّ ومحصودُ [[البيت لذي الرمة، وهو في: "ديوانه": 1366، "والسمط" 1/ 354. وأورده الفرَّاء في "معاني القرآن" 2/ 410 برواية أخرى: حتى إذا ما أضاء الصبح في غَلَسٍ وكذا نقله عن الفرَّاء بهذه الرواية النحاسُ في "إعراب القرآن" 2/ 801 وروايته في "الديوان" (.. وأحْصَدَ البقلُ أوْ مُلوٍ ومحصودُ). ومعنى (استقل): ارتفع، و (النجم) أراد به هنا الثريا. و (الغَلَس): ظلمة آخر الليل. وقوله (ملويٌّ)؛ يقال: (ألوَى النبتُ إلواءً): إذا جف. وقوله في رواية الديوان: (وأحْصَدَ البقلُ): أي: حان أن يحصد. انظر: "ديوانه" بشرح الباهلي: 1367، "القاموس" 1049 (قلل)، 561 (غلس).]] ففسر، فقال: بعض البقل كذا، وبعضه كذا، والنَّصْب جائز [[أي على الحال؛ سواء كان يقصد جواز النصب من الناحية الإعرابية في قوله: ﴿فِئَةٌ﴾ أي: التقتا مختلفتَيْن، أو يقصد جواز النصب في قوله: (ملوي ومحصود) في البيت، فيكون المعنى: حال كونه ملويًا ومحصودًا.]]. وقوله تعالى: ﴿يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ﴾ الرؤية [[من قوله: (الرؤية ..) إلى نهاية قول الله تعالى: (ثم لا يكونوا أمثالكم) نقله عن "الحجة" للفارسي 3/ 9 - 20 بتصرف.]] ههنا متعدية إلى مفعول واحد، يدلك على ذلك تقييده بـ ﴿رَأْيَ الْعَيْنِ﴾. وإذا كان كذلك كان انتصاب ﴿مِثْلَيْهِمْ﴾ على الحال [[انظر: "المشكل" لمكي 1/ 150، "البيان" للأنباري 1/ 193.]]، لا على أنه مفعول ثانٍ كما تقول: (رأيت زيدًا راكبًا). وقوله (مثليهم): المِثْل: يجوز إفراده في موضع التثنية والجمع؛ كقول الشاعر: وساقِيَيْنِ مثلِ زيدٍ وجُعَلْ [[صدر بيت من الرجز، وتمامه: سَقْبانِ ممشوقان مكنوزا العَضَلْ ولم أقف على قائله، وقد ورد غير منسوب في "كتاب سيبويه" 2/ 17، والفرق بين الحروف الخمسة، لابن السيد البطليُوسي ص 370، "اللسان" 4/ 2036 (سقب) 7/ 3937 (كنز)، "التاج" 2/ 78 (سقب). وروي بلفظ: (.. صَقْبان) بدلًا من (سقبان). و (السَّقْب): ولد الناقة الذكر ساعة يُولد، وقد سبق بيانه. و (الصَّقْب، والصَّقَب): يُطلق على الطويل الممتلئ من كل شيء، ومنه الغصن الريَّان الغليظ الطويل، و (صَقْب الناقة): ولدها، وعمود يُعمد به البيت، و (رجل صقْب): ممتلئ الجسم ناعمه. انظر: "كتاب العين" 5/ 68، "الفرق بين الحروف الخمسة" ص270، "اللسان" 4/ 2469 (صقب)، و (الممشوق): الذي فيه طول مع خفة لحم. و (مكنوزًا العضل): مجتمعًا، وممتلئًا العَضَل باللحم. انظر: "اللسان" 7/ 4211 (مشق)، 7/ 3937 (كنز).= والشاهد في البيت: إفراد (مثل) وهي في موضع التثنية.]] وقال الله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ [[فأفرِدَت (مثل) في الآية، وهي في موضع الجمع.]] [النساء: 140] ولم يقل: أمثالهم. وقد جمع في قوله ﴿ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد: 38]. وقوله تعالى: ﴿رَأْيَ الْعَيْنِ﴾. يقال: (رَأَيْتُه [[من قوله: (رأيته ..) إلى (.. مجراة): نقله عن "تفسير الطبري" 3/ 198 مع التصرف.]] رَأيًا)، و (رُؤْية)، و (رأيته في المنام رُؤيا حَسَنَةً) غَيْر مُجْراةٍ [[في (ج): (محزاة) ، (د): (مجزاة). ومعنى: (غير مُحجْراة): أي أن كلمة (رُؤْيا)، غير مصروفة، والإجراء: المنع من الصرف. وهو من اصطلاحات الكوفيين. يقولون: (ما يجرى وما لا يجرى)، و (الجاري وغير الجاري). قال ابن حجر: (وهذا اصطلاح قديم، يقولون للاسم المصروف: مُجْرى). "فتح الباري" 8/ 684. وقد وردت هذه اللفظة كثيرًا عند الفرَّاء. انظر: "معاني القرآن" 3/ 150، 214، 218، "والحروف" لأبي الحسين المزني 59، "النحو وكتب التفسير" 1/ 186، "دراسة في النحو الكوفي" ص 233.]]. فالرؤيا تختص بالمنام، وهو مصدرٌ لـ (رأيت) [[في (د): (مصدرًا رأيت).]]، ويقول: (هو منى رأْيَ العَيْنِ) أي: حيث يقع عليه بصري. فقوله: ﴿رَأْيَ الْعَيْنِ﴾ يجوز [[في (ج): (ويجوز).]] أن يَنْتَصِبَ عدى المصدر [[والنصب هنا على المصدر: إمَّا المصدر التوكيدي، أو المصدر التشبيهي أي: رأيا مثلَ رأي العين أي: يشبه رأي العين.]]، ويجوز أن يكون ظرفًا للمكان [[أي: يجوز نصبه لكونه ظرف مكانٍ.]]، كما تقول: (تروْنهم أَمامَكم). ومثله: (هو مِنِّى مَزْجَرَ الكَلْبِ) [[انظر هذا المَثَل في "كتاب سيبويه" 1/ 413، 416، "الأصول" لابن السراج 1/ 199، "المسائل الحلبيات" للفارسي 59، "اللسان" 3/ 1813 (زجر). والمَزْجَر: اسمٌ لمكان الزَجْر. والزَّجْر: المنع والنهي والانتهار. ومعنى هذا المثل: أنه مني في القرب بتلك المنزلة. انظر: (زجر) في "اللسان" 3/ 1813، "المعجم الوسيط" 1/ 390.]]، و (مَنَاطَ العَيُّوقِ) [[المَناط: موضع التعليق. والعيُّوق: نجم أحمرُ مضيءٌ في طرف المجرَّة الأيمن، يتلو الثريا، لا يتقدمها، ويطلع قبل الجوزاء. ومعنى المَثَل: هو مني شديد البعد، كبعد مكان هذا النجم. انظر: "القاموس" ص 913 (عوق)، "المعجم الوسيط" 2/ 643 (عاق) 2/ 972 (ناط). وقد ورد المَثَل في "مجمع الأمثال" للميداني 1/ 201، "المستقصى في الأمثال" للزمخشري 1/ 24، "الدرة الفاخرة" لحمزة الأصفهاني 1/ 75، 76. وورد بلفظ: (أبعد من العيوق) في "جمهرة الأمثال" للعسكري 1/ 204، 238. وورد: (وهو مني مناط الثريا) في "الأصول" لابن السراج 1/ 199. ولم يرتض السمينُ الحلبي رأيَ الواحدي بالنصب على الظرفية، فقال بعد أن نقل قول الواحدي السابق: (وهذا إخراجٌ للفظ عن موضوعه مع عدم المساعد معنًى وصناعةً). انظر: "الدر المصون" 3/ 55.]]. وفي قوله: ﴿يَرَوْنَهُمْ﴾ قراءتان: التَّاءُ [[قوله: (التاء والياء، فمن قرأ بالتاء) ساقط من: (ج).]]، والياء [[قرأ نافع بالتاء، وقرأ باقي القرَّاء السبعة بالياء. انظر: "السبعة" ص 201 - 202، "الحجة" للفارسي 3/ 17.]]. فمن قرأ بالتَّاء؛ فلأن ما قبله خطاب لليهود؛ والمعنى: تَرَوْن أيها اليهود المسلمينَ مِثْلي ما كانوا، أي: مِثْلي الفئة الكافرة؛ وذلك أن الله تعالى كَثَّر المسلمين في أعينهم يوم بَدْر. فذلك الآية، والأُعجوبة، وهو أنهم رَأَوا القليلَ كثيرًا. ويجوز أن تكون الكناية عن الفئة الكافرة، وهم المشركون، والمعنى: تَرَوْنَ المشركين ضِعفي المؤمنين. ونذكر بعد هذا كيف رأَوْهم مِثْلَيهم، وهم كانوا ثلاثةَ أمثالهم؟! [[وهناك وجهٌ إذا كان الخطاب لليهود، إضافة إلى ما ذكره المؤلف، وهو: ترون أيها اليهودُ الكفارَ مثلي عدد الكفار، أي أن الله كثَّر الكفار في أعين اليهود، ومع ذلك كان النصر عليهم للمسلمين، وفيه دلالة على تأييد الله للمؤمنين. ويرى السمينُ الحلبي، أن كون الخطاب هنا لليهود استتباعًا لخطابهم في قوله تعالى: ﴿لَكُمْ﴾ يرى أن (تكلفٌ لا حاجة إليه). ويعلل ذلك بقوله: (لأن اليهود لم يكونوا حاضري الواقعة حتى يُخاطَبوا برؤيتهم لهم ذلك). "الدر المصون" 3/ ص 50 - 51. كما أن هناك وجوهًا أخرى وُجِّهَتْ بها القراءة بالتاء، وهي: أن الخطاب في قوله: ﴿لَكُمْ﴾ و ﴿تَرَوْنَهُمْ﴾ للمؤمنين، أي: كان لكم أيها المؤمنون آية ... حيث ترون الكفارَ مِثْلَيْ ما أنتم عليه في العدد، واستُبعِدَ هذا بأنه خلاف ما ذكره الله في آية 44 من سورة الأنفال ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ﴾ حيث قلل الله المشركين في أعين المؤمنين. أن الخطاب في قوله: ﴿تَرَوْنَهُمْ﴾ للمؤمنين، أي: ترون أيها المؤمنون الكافرين مثلي عدد أنفسكم. و ﴿مِثْلَيْهِمْ﴾ هنا انتقالٌ من الخطاب إلى الغيبة، والمعنى: ترونهم مثلي الفئة المقاتلة في سبيل الله. أو ترون أيها المسلمون المسلمين، أي: ترون أنفسكم مثلي عددكم. أن الخطاب في ﴿لَكُمْ﴾ و ﴿تَرَونَهُمْ﴾ للكفار، أي: قد كان لكم أيها المشركون آية .. حيث ترون المؤمنين مثلي أنفسهم في العدد، ورُدَّ هذا بما رُدَّ به الوجه الأول. ترون أيها المشركون المؤمنين مثلي فئتكم الكافرة و ﴿مِثْلَيْهِمْ﴾ هنا انتقال من الخطاب إلى الغيبة، وحول هذه الوجوه المذكورة نقاشات، تراجع في الكشف لحمكي 1/ 336. "الحجة" للفارسي 3/ 20، "حجة القراءات" ص 154، "الدر المصون" 3/ 48 - 51.]]. ومن قرأ بالياء؛ فَلِلْمُغايَبَةِ [[في (ج)، (د): (فللمعاينة).]] التي جاءت بعد الخطاب، وهو قوله: ﴿فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ﴾. فقوله: ﴿يَرَوْنَهُمْ﴾ يعود إلى الإخبار عن إحدى الفِئتين: يجوز أن يكون خَبرًا عن الفئة المسلمة، ويجوز [[من قوله: (ويجوز) إلى (.. عن الفئة المسلمة) ساقط من: (د).]] أن يكون خبرًا عن الفئة الكافرة [[في (ج): (المسلمة).]]. فإن جعلته خبرًا عن الفئة المُسْلمة [[فإن جعلته خبرًا عن الفئة المسلمة) ساقط من: (ج).]]، فالمعنى: يرى المسلمونَ المشركينَ مِثْلَيهم. فإن قيل: المسلمون يوم بَدر كانوا ثلاثمائة وثلاثةَ عشر رجلًا، والكفار كانوا تسعمائة وخمسين رجلًا [[انظر: "صحيح البخاري" (3957) كتاب المغازي، باب: عدة أصحاب بدر، "صحيح مسلم" برقم (1763): كتاب الجهاد. باب: الإمداد بالملائكة في غزوة بدر، "زاد المعاد" 3/ 175، "حدائق الأنوار" لابن الديبع 2/ 498 - 499، "السيرة النبوية" لابن كثير 2/ 404، 422.]]، فكيف رأى المسلمون [[في (ج): (المسلمين).]] المشركين مِثْليهم، وهم كانوا ثلاثة أمثالهم؟! فزعم الفرَّاءُ [[في "معاني القرآن" 1/ 194. نقله عنه بتصرف، واختصار.]]: أن المعنى: يرونهم ثلاثة أمثالهم. قال: لأنك إذا قلت: (عندي ألف، وأحتاج إلى مِثليه). فأنت تحتاج إلى ثلاثة [[من قوله: (ثلاثة ..) إلى (.. في المثل، كان) ساقط من: (ج).]] آلاف [[في (د): (ألف).]]؛ لأنك لمَّا نَوَيْتَ أن يكون الألف الذي عندكَ داخلًا في المِثْل، كان (المِثْل): اثنين، و (المثلان): ثلاثة. وعلى هذا [[في (د): (هذه).]] الآية كانت في أن المسلمينَ رَأَوْا المشركين على ما هم عليه مِنْ وُفُورِ العَدَدِ، ومع ذلك كانت قلوبهم مملوءةً جُرْأةً عليهم، واحتقارًا لهم، وشهوةً لملابستهم [[الملابسة: المخالطة. وهنا بمعنى: الاشتباك مع الكفار في ساحة المعركة. انظر: "اللسان" 7/ 3987 (لبس).]]. قال الزجاج [[في "معاني القرآن" له 1/ 381 نقله عنه بتصرف واختصار.]]: وهذا غلط؛ لأنَّا إنما نعقل (مِثْل الشيء): مساويًا له، و (مثليه): ما يساويه مَرَّتَيْن. والذي قاله الفرَّاءُ يَبْطُل في معنى الدلالة على الآية المعجزة؛ لأن المسلمين إذا رأوهم على هيئتهم، فليس في هذا آيةً، وإنما المعنى في هذا: أن الله عز وجل أرى المسلمين أنَّ المشركين إنما هم [[في (ج): (سماهم).]] ستمائة وكَسْر، وذلك [[قوله (وكسر، وذلك): بياض في: (د).]]، ان الله عز وجل كان قد أعلم المسلمين أن المائة منهم تغلب المائتين من الكفار [[وذلك في قول الله تعالى: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ آية: 66 من سورة الأنفال.]]، فأراهم المشركين على قَدْرِ ما أعلمهم أنهم يغلبونهم؛ ليُقَوِّي قلوبَهم. والدليل على صحة هذا المعنى: قوله: ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ﴾ [الأنفال: 44]، فرأى كلُّ واحدٍ من الفريقين الآخرَ أقلَّ مِمّا كانوا؛ لِيَطْمَعَ كلُّ واحد منهما في الآخر، فيتقدم ويُلابِسَ. وهذا [[في (ب): (هذا).]] هو الذي فيه الآية المعجزة، وهو رؤية الشيء بخلاف صورته. انتهى كلامه [[ومما يدفع قول الفراء الآنف: أن (المِثل) في اللغة: شِبْه الشيء، والمعادل له في المثال والقَدْر والمعنى. كتاب "العين": 8/ 228، وذيل كتاب "الأضداد" للصَّغاني: 245.]]. هذا إذا جعلنا قوله: ﴿يَرَوْنَهُمْ﴾ إخبارًا عن المؤمنين، فإنْ جعلته إخبارًا عن الفئة الكافرة [[من (الكافرة ..) إلى (.. الفئة الكافرة): ساقط من (ج).]]، فيكون المعنى: يُرِي الفئةَ الكافرةَ الفئةَ المقاتلةَ في سبيل الله مِثْلَيهم أي: مِثْلي ما كانوا، أو [[في (أ)، (ب): (و). والتصويب من (ج) و (د).]] مِثْلي أنفسهم، على ما ذكرنا مِنْ تكثير الله إيَّاهم. فإن قيل: كيف يصح تكثير الله المسلمينَ في أعينِ الكافرين، وقد قال: ﴿وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ﴾ [الأنفال: 44]. فالجواب: ما قاله أبو عبيد [[لم أهتد إلى مصدر قوله.]]، وهو إنَّ التقليل كان في حالة أخرى، فالله [[في (د): (والله).]] تعالى كثَّر المسلمين في أعين الكافرين، كما قَلَّل الكافرين في أعينهم، ثم في حالة أخرى، قَلَّل المسلمين في أعينهم؛ لِيَطْمَعوا [[في (أ): (ليطعموا)، والمثبت من (ب)، (ج)، (د)، وهو الصواب.]] فيهم، فإذا لابسوهم، كانت العاقبةُ للمسلمين عليهم. فَكِلا [[في (د): (فكان).]] الأمرين فيه دلالة على لُطْف الله عز وجل للمؤمنين [[(للمؤمنين): ساقطة من (ج) و (د).]]، وحُسْن مَعُونَتِه إياهم. والقراءة الصحيحة الموافقة للآية التي في الأنفال من غير اختلاف حالين: قراءة العامة، وهي الياء المُعْجَمة، على المعنى الذي ذكره الزجَّاج. على أنَّ الفرَّاء [[في "معاني القرآن" 1/ 195.]] قال: يجوز أن يكون التقليل الذي ذُكِر [[في (ج): (ذكره).]] في الأنفال لم يكن من طريق تقليل العَدَد، ولكن معناه: التهوين، كما تقول: (إني لأرى كثيرَكم قليلًا)، أي: قد هُوِّن علي، لا [[(لا): ساقطة من: (ج).]] أنك ترى الثلاثةَ اثنين [[وقد دافع ابن الأنباري عن قول الفرَّاء هذا مبينًا أن الأعجوبة لم تكن في العَدَد، وإنما كانت في الجزع الذي أوقعه الله تعالى في قلوب المشركين على كثرتهم، وقلة المسلمين، ولِما قذفه الله من شجاعة في قلوب المسلمين، فهانت بها كثرة عدد المشركين عليهم، فكان احتقار المسلمين للكافرين على وفرة عددهم أعجب من احتقارهم لهم على نقصان عددهم. انظر: "الأضداد" ص 133.]]. وإذا كان كذلك صَحَّ تكثيرُ الله المسلمين في أعين الكافرين، على ما ذكرنا. وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ نَصْرُ الله تعالى المسلمين على وجهين: نَصْرٌ بالغَلَبَةِ، كنصرهم يوم بدر. ونَصْرٌ بالحُجَّة. ولو هُزِمَ قومٌ مِنَ المؤمنين لجاز أن يقال: هم المنصورون بالحُجَّة، ومحمودِ العاقبة. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً﴾ العِبْرَة: الاعتبار [[وفي "الصحاح": (العِبْرَة: الاسم من الاعتبار) 2/ 732 (عبر).]]، وهي: الآية التي يُعْبَر [[في (د): (يُعتبر).]] بها من منزلة الجهل إلى العلم؛ لأن المعتبر بالشيء، تاركٌ جهلَه، وواصلٌ إلى عِلْمِهِ بما رأى. وأصلُه من: (العُبُور)، وهو: النفوذ من أحد [[في (د): (إحدى).]] الجانبين إلى الآخر. ومنه: (العِبارة) وهو: الكلام الذي يَعْبرُ [[في (أ): (يُعْبَرُ). وفي بقية النسخ غير مضبوطة بالشكل. والصواب ما أثبته ليستقيم المعنى.]] بالمعنى إلى المخاطَب، و (عبارة الرُّؤْيا) من ذلك؛ لأنه تفسير لها، يَعْبُر بها من حال النَوْم إلى حال اليَقَظَةِ بإظهار التأويل [[وقد أخذت الكلمة من (العِبْر) وهو جانب النهر. (وعبرت النهرَ والطريقَ): إذا قطعته من هذا الجانب إلى الجانب الآخر. انظر: (عبر) في "التهذيب" 3/ 2305، "مجمل اللغة" 2/ 643، "مفردات ألفاظ القرآن" ص 543، "التوقيف على مهمات التعاريف" للمناوي ص 499.]]. وقوله تعالى: ﴿لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ أي: لأولي [[في (ج): (أولي).]] العقول؛ كما يقال: (لِفُلانٌ [[في (ج): (فلان).]] بَصَرٌ بهذا الأمر)، أي: على علم ومعرفة. وليس بالأبصار التي يشترك فيها سائرُ الحيوان.

آل عمران 3:14

قوله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ﴾. يقال: مَن الذي زَيَّن للناس ذلك؟ فيقال: اللهُ تعالى زَيَّن للناس؛ بما جعل [[في (ب): (بحب أجعل).]] في الطِبَاع من المنازعة إلى هذه الأشياء محنةً، كما قال الله عز وجل: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ﴾ [الكهف: 7]. وقال بعضهم [[انظر: "معاني القرآن" للزجَّاج 1/ 383 حيث اقتبس منه المؤلف بعض العبارات.]]: الشيطان زينها؛ لأن الله تعالى زهَّد فيها؛ بأنْ أعلم وأرى زوالها [[في (د): (والها).]]، ولو زهَّد فيها [[(فيها): ساقطة من: (ج).]] حقيقةً؛ لوُجد ذلك في الخَلْقِ كلِّهم، كما وُجِد التزيين؛ فإنَّ حُبَّ هذه الأشياء موجودٌ في طِبَاع البَشَر [[وممن قال بهذا القول: الحسن البصري رضي الله عنه وممن قال بالقول الأول:== عمر بن الخطاب رضي الله عنه. انظر: "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 607، "تفسير الطبري" 3/ 199، "المحرر الوجيز" 3/ 40، "الدر المنثور" 2/ 1718. وقال الخازن في "تفسيره" 1/ 274: (قال أهل السنة: المُزيِّنُ: هو الله تعالى؛ لأنه تعالى خالق جميع أفعال العباد، ولأن الله تعالى خلق جميع ملاذ الدنيا، وأباحها لعبيده، وإباحتها للعبيد تزيين لها) ثم ذكر من الآيات ما يدل على ذلك، ثم قال: (ومما يؤيد ذلك: قراءةُ مجاهد: (زَيَّنَ) بفتح الزاي على تسمية الفاعل. وقال الحسن: المزين: هو الشيطان. وهو قول طائفة من المعتزلة، ويدل على ذلك: أن الله تعالى ... أطلق حب الشهوات، فيدخل فيه الشهوات المحرمة، والمُزَيِّن لذلك هو الشيطان، ولأن الله تعالى ذكر هذه الأشياء في معرض الذم للدنيا، ويدل عليه آخر هذه الآية، وهو قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ ونقل عن أبي علي الجبَّائي من المعتزلة أن كل ما كان حرامًا، كان المزين له هو الشيطان، وكل ما كان مباحًا كان المزين له هو الله تعالى. والصحيح: ما ذهب إليه أهل السنة، لأن الله تعالى خالق كل شيء، ولا شريك له في ملكه). ولكن الآية هنا تحتمل الأمرين؛ لأن تزيين الله لها، حقيقة، كما سبق إيضاح المؤلف له، وكما ورد في قول الخازن، أما تزيين الشيطان لها فبالوسوسة والخديعة وتحسين أخذها من غير وجهها، والحض على تعاطي الشهوات المحضورة فيها، وعلى هذا الوجه يُحمل كلام الحسن رضي الله عنه. انظر: "المحرر الوجيز" 3/ 40، "البحر المحيط" 2/ 396، "تفسير الرازي" 7/ 209، "الإنصاف" فيما تضمنه "الكشاف" من الاعتزال، لابن المنير (مطبوع على هامش "الكشاف" 1/ 416، "روح المعاني" 3/ 99.]]. والشهوة: تَوَقان النفس إلى الشيء، وقد ذكرناها في سورة الأعراف، عند قوله: ﴿شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ﴾ [الأعراف: 81]. وقوله تعالى: ﴿وَالْقَنَاطِيرِ﴾. جَمْعُ (قِنْطار)، وكثر الاختلاف في معنى (القنطار): فروى أبو هريرة [[هو: أبو هريرة بن عامر الدوسي. واختلف في اسمه كثيرًا، ولم يُختَلَف في اسم آخر مثله ولا ما يقاربه. فقيل: عمير، وقيل: عبد الله، وقيل: عبد الرحمن، وقيل غير ذلك. وقيل: إن اسم والده: صخر. وقيل: دومة، وقيل غير ذلك. أسلم بين == الحديبية وخيبر، وهاجر وسكن الصُّفَّة، وكان من ألزم الصحابة للنبي ﷺ، وأحفظهم للحديث عنه، وأكثرهم رواية. توفي سنة (57 هـ). انظر: "أسد الغابة" 6/ 318، "الإصابة" 4/ 202.]] عن النبي ﷺ، أنه قال: "القنطار: اثنا [[في (ب)، (ج)، (د): (اثني).]] عشر ألف أوقية" [[الحديث أخرجه: أحمد في "المسند" 2/ 363، وابن ماجه (3660) "كتاب الأدب" باب: (بر الوالدين)، وقال البوصيري في "زوائد ابن ماجه" مما نقله محقق "السنن": (إسناده صحيح، رجاله ثقات) ولكن ضعفه الألباني في "صحيح سنن ابن ماجه" 2/ 494 برقم (2953)، وأخرجه الدارمي في "السنن" 4/ 2177 (3507) باب: (كم يكون القنطار). وأوقفه على أبي هريرة، وأخرجه ابن حبان في "صحيحه" انظر: "الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان" 6/ 311 برقم: 2573، وقال محققه، شعيب الأرنؤوط: (إسناده حسن)، وأخرجه البيهقي في "السنن" 7/ 233 وأورده الثعلبي في "تفسيره" 3/ 15 ب، وابن كثير في "تفسيره" 1/ 377، ونسب إخراجه لوكيع في "تفسيره" وأورده السيوطي في "الدر" 2/ 18، والمتقي الهندي، في "كنز العمال" 2/ 5 برقم (2892).]]. وروى أنس عنه أيضًا: أن القنطار: ألف دينار [[أخرجه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 608، وقال محقق التفسير: إسناده ضعيف، ولم يصح رفعه. وأورده ابن كثير في "تفسيره" 1/ 377 ونسب إخراجه للطبراني، وأخرجه الثعلبي في "تفسيره" 3/ 15 ب، وأورده السيوطي في "الدر" 2/ 18، ونسب إخراجه كذلك لابن مردويه. وقد ورد عن أنس رضي الله عنه بلفظ آخر، يرفعه: (القنطار: ألفا أوقية). رواه الحاكم في "المستدرك" 2/ 178 كتاب النكاح. وقال: صحيح الإسناد على شرط الشيخين، وأقرَّه الذهبيُّ، وأورده السيوطي في "الدر" 2/ 18، والمتقي الهندي في "كنز العمال" 2/ 5 برقم (2891).]]. وروى أُبَيُّ بن كعب، أنه قال: القنطار [[في (ج): (إن القنطار).]]: ألف ومائتا أوقية [[أخرجه ابن جرير في "تفسيره" 3/ 200، وأورده ابن كثير في "تفسيره" 1/ 377،== وأورده السيوطي في "الدر" 2/ 18، والمتقي الهندي في "كنز العمال" 2/ 5 برقم (2893)، وقال عنه ابن كثير: (وهذا حديث منكر أيضًا، والأقرب أن يكون موقوفًا على أبي بن كعب، كغيره من الصحابة).]] وهو قول ابن عمر [[الأثر عنه، في "تفسير الطبري" 3/ 200، "تفسير الثعلبي" 13/ 15 ب، "المحرر الوجيز" 3/ 41، "زاد المسير" 1/ 359. وورد عنه: أن القنطار سبعون ألفًا. انظر: "تفسير الطبري" 3/ 201، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 609.]]، ومعاذ بن جبل [[الأثر عنه، في "سنن الدارمي" 4/ 2178 (3512) كتاب: فضائل القرآن، باب: (كم يكون القنطار)، "تفسير الطبري" 3/ 200، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 608، "غريب الحديث" لأبي عبيد: 2/ 260، "تفسير الثعلبي" 3/ 15 ب، "سنن البيهقي": 7/ 233، كتاب الصداق، باب: (لا وقت في الصداق)، "تفسير البغوي" 2/ 15، "المحرر الوجيز" 3/ 41، "زاد المسير" 1/ 359، "الدر المنثور" 2/ 18، ونسب إخراجه لعبد بن حميد. ومعاذ بن جبل، هو: أبو عبد الرحمن، الأنصاري الخزرجي. من كبار الصحابة، شهد العقبة والمشاهد كلها، بعثه النبي ﷺ قاضيًا على منطقة (الجَنَدِ) من اليَمَن، وهو مُقَدَّمٌ في علم الحلال والحرام، وممن جمع القرآن على عهد النبي ﷺ، توفي بالطاعون سنة (17هـ). انظر: "الاستيعاب" 3/ 459، "الإصابة" 3/ 426.]] وابن عبَّاس في [[في (ج): (وفي).]] رواية عَطيَّة [[الأثر عنه، في "تفسير الطبري" 3/ 20، "تفسير الثعلبي" 3/ 15 ب، "سنن البيهقي" 7/ 233، "الدر المنثور" 2/ 18.]]. وقال في رواية الوالبي: القنطار: اثنا [[في (ج): (د): (اثني).]] عشر ألفَ درهم، أو ألفُ دينار، دِيَةُ أحدِكم [[الأثر عنه، في "تفسير الطبري" 3/ 200، "تفسير الثعلبي" 3/ 16 أ، "سنن البيهقي" 7/ 233، "الدر المنثور" 2/ 18.]]. وبه قال: الحسن [[الأثر عنه، في "سنن الدرامي" 4/ 2174 (3501) كتاب: فضائل القرآن، باب: من قرأ من مائة آية إلى الألف، رواه مرة مرسلًا عنه، ومرة موقوفًا عليه. وورد في "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 608، "تفسير الثعلبي" 3/ 16 أ، "تفسير البغوي" 2/ 15، "المحرر الوجيز" 3/ 41، "زاد المسير" 1/ 359.]] [وقتادة] [[ما بين المعقوفين: زيادة من: د. ولم أهتد إلى مصدر الأثر عنه، وإنما الوارد عنه في المعنى المذكور: روايته عن الحسن، وهي في "تفسير الطبري" 3/ 200. أما الوارد عنه من قوله هو: أن المثقال: ثمانون ألفًا من الورق، وهي الفضة، أو مائة رطل من ذهب. وقد ورد هذا الأثر في "تفسير الطبري" 3/ 199، "الزاهر" 1/ 432، "تفسير الثعلبي" 3/ 16 أ، "زاد المسير" 1/ 359، "المحرر الوجيز" 3/ 42، "الدر المنثور" 2/ 18، ونسب روايته لعبد بن حميد.]]. وقال الكلبي [[أورد قوله: أبو عبيدة في "مجاز القرآن" 1/ 89، وأورده نقلًا عن النقَّاش ابن عطية، في "المحرر الوجيز" 3/ 42، والقرطبي في "تفسيره" 4/ 31، وفي "الزاهر" 1/ 432، ينقل عن الكلبي، أن القنطار: ألف مثقال، ذهب أو فضة، وكذا في "زاد المسير" 1/ 359.]]: القنطار بلسان الروم: مِلْءُ [[في (ب): (ملاء)، وفي (ج): (ملو).]] مَسْكِ ثَوْر [[المَسْكُ: هو الجلد. انظر: "النهاية في غريب الحديث" 4/ 331.]]، من ذهب أو فضة. وهو قول أبي نَضْرة [[في (ج) في (د) أبي (نصرة). الأثر عنه، في "سنن الدارمي" 4/ 2177 (3508) كتاب: فضائل القرآن، باب: كم يكون القنطار، "تفسير الطبري" 3/ 201، "الزاهر" 1/ 432، "تفسير الثعلبي" 3/ 16 أ، "المحرر الوجيز" 3/ 42، "ابن كثير" 1/ 377. ولكن أبو منصور الثعلبي، في "فقه اللغة" 1/ 199، ذكر أن مقداره في لغة الروم: اثنا عشر ألف أوقية. وأبو نضرة هو: المنذر بن ملك بن قُطَعة العبدي، العَوَقي، البصري. عده ابن حجر من الطبقة الوسطى من التابعين، ثقة، توفي سنة (108هـ) أو (109هـ). انظر: "سير أعلام النبلاء" 4/ 129، "تقريب التهذيب" (6890)، "تهذيب التهذيب" 4/ 154.]]. ويقال: إنَّه في التوراة كذا. وبلسان أفريقية، وأندلس: ثمانية ألف [[هكذا جاءت كتابتها في جميع النسخ. وهي كذلك في "الزاهر" 1/ 432، "تفسير الثعلبي" 3/ 16 أ، "المهذب فيما وقع في القرآن من المعرب" للسيوطي: 132.]] مثقال من ذهب أو فضة [[ممن قال بهذا القول أبو حمزة الثُّمالي. انظر المصادر السابقة، "تفسير القرطبي" 4/ 31.]]. قال الزجَّاج [[في "معاني القرآن" 1/ 383، نقله عنه بتضرف.]]: والذي يخرج من اللغة أن (القنطار) مأخوذ من عَقْدِ الشيء وإحكامه، و (القَنْطَرة) من ذلك؛ لتوثيقها بعَقْدِ الطَّاق [[الطَّاق: ما عُطِف من الأبنية، والجمع: طاقات، أو عقد البناء حيث كان، والجمع: أطواق وطيقان. انظر: "اللسان" 5/ 2725 (طوق).]]. وكأن القنطار [[(القنطار): ساقطة من: (د).]]: هي الجملة التي تكُونُ عقْدَةً وثيقةً منه [[يعني: أن القنطار: الجملة من المال.]]. وهذا قول الربيع [[الأثر عنه، في "تفسير الطبري" 3/ 200، "تفسير الثعلبي" 3/ 15 أ، "زاد المسير" 1/ 359، "الدر المنثور" 2/ 18.]]، وابن كيسان [[قوله في "تفسير الثعلبي" 3/ 15 أ.]]، وأبي عبيدة [[في "مجاز القرآن" 1/ 88.]]؛ فإنهم لم يحدُّوا القنطار، فقالوا: إنه المال [[في (ج): (مال).]] الكثير. وحكى أبو عبيدة عن العرب: أنهم يقولون: هو وزن لا يُحَدُّ [[وقد رجح الطبري هذا في "تفسيره" 3/ 200.]]. وقوله تعالى: ﴿الْمُقَنْطَرَة﴾ قال أهل اللغة: [[من قوله: (قال ..) إلى (.. القنطار): ساقط من: (د). والقائل هو أبو عبيدة، كما في "تفسير الثعلبي" 3/ 16ب.]] هو (مُفَعْلَلَة)، من: (القنطار)؛ كما قالوا: (إبلٌ مُؤبَّلةٌ)؛ أي: مجموعة، و (ألفٌ مؤلَّفٌ). فمعنى: ﴿الْمُقَنْطَرَة﴾: أنها جُمعت حتى صارت قناطير؛ كما يقال: (دراهم مُدَرْهَمَة)؛ أي: مجعولة كذلك. وقال يَمَان [[لم أقف على مصدر قوله. ويمان، أكثر من واحد، إلا أن المؤلف قد صَرَّح باسمه في أكثر من موضع من تفسيره، وسماه: يَمَان بن رَبَاب. انظر: "تفسير البسيط" تحقيق: د. الفوزان 91، 402، 903، 1084. وقد ورد في بعض النسخ (رياب)، وأثبَتَها المحققُ: (رباب)، وقال بأنه لم يقف على حاله، سوى ما ذكره عنه البغدادي في "هداية العارفين" 2/ 548، وقول البغدادي فيه: هو اليمان بن رباب البصري، من رؤساء الخوارج ... له "إثبات إمامة أبي بكر الصديق"، "أحكام المؤمنين"، "الرد على المعتزلة في القدر"، "كتاب التوحيد"، "كتاب المخلوق"، "كتاب المقالات". "التفسير البسيط" 402. وقد وقفت عليه كذلك في "المغني في الضعفاء" للذهبي: 2/ 760، وسماه: (يَمَان بن رِئَاب)، وقال عنه: (خراساني. قال الدارقطني: ضعيفٌ، من الخوارج). وذكره ابن حجر في "لسان الميزان" 7/ 521، وسماه: (يَمَان بن رَبَاب)، وقال عنه مثل القول السابق.]]: قَنطر، أي: كَنَزَ [[في (د): (كثر).]]. وقال أبو العباس [[هو أحمد بن يحيى (ثعلب). وقد ورد قوله بأطول مما هنا في "اللسان" 6/ 3752 (قنطر)، وقد اختصره الواحدي قليلًا.]]: اختلف الناس في القنطار، والمعمول عليه عند العرب: أنه أربعة آلاف [[في (ج): (د): (الألف).]] دينار [قال: وقوله ﴿الْمُقَنْطَرَة﴾، يقال: (قد قنطر فلان): إذا مَلَكَ أربعةَ آلاف دينار] [[ما بين المعقوفين زيادة من: (د).]]، فإذا قالوا: مقنطرة؛ فمعناها: ثلاثة أدوار؛ دَوْرٌ، ودور، ودور. فمحصولها: اثنا عَشَرَ ألف دينار. وقوله تعالى: ﴿مِنَ اَلذَّهَبِ﴾ الذهب: التِّبْر. والقِطْعَةُ ذَهَبَة [[في "الصحاح": (التِّبْر: ما كان من الذهب غير مضروب .. ولا يقال: (تِبْرٌ) إلَّا للذهب، وبعضهم بقوله للفظة، أيضًا) ص 600 (تبر).]]. ﴿وَالْفِضَّةِ﴾ الفَضُّ في اللغة معناه: التفريق، والكسر [[انظر: "كتاب العين" 7/ 13، "تهذيب اللغة" 3/ 2799.]]. ومنه: (لا يَفْضُض [[في (أ): يَفْضَضِ، بفتح الضاد الأولى. ولم تضبط بالشكل في بقية النسخ.]] الله فاكَ) [[فاك: ساقطة من: (ج). وهذه العبارة، دعاء؛ بمعنى: لا يسقط الله أسنانَك، وتقديره: لا يكسر الله أسنان فيك، فحذف المضاف. ويقال: لا يُفضِ الله ... ، من: (أفضيت)، والإفضاء: سقوط الثنايا من تحت ومن فوق. انظر كتاب "العين" 7/ 13، "النهاية في غريب الحديث" 2/ 453، "تهذيب اللغة" 3/ 2799، "الفائق" للزمخشري: 2/ 382. وقد رُوي أن النبي ﷺ قال: "لا يفضض الله فاك" للعباس؛ لَمَّا مدحه شعرًا، وللنابغة الجعدي؛ لما أنشده بعض شعره انظر المصادر السابقة، "غريب الحديث" للخطابي: 1/ 189، "الاستيعاب" لابن عبد البَر: 2/ 358، "غريب الحديث" لابن الجوزي: 2/ 197، "أسد الغابة" لابن الأثير: 4/ 164، "الإصابة" لابن حجر: 2/ 271، وعزاه للبزَّار، والحسن بن سفيان، في مسنديهما، وأبي نعيم في "تاريخ أصبهان" والشيرازي في "الألقاب" "المؤتلف == والمختلف" للدارقطني، "الصحابة" لابن السكن، وغيرهم. وبَيَّن ابنُ حجر طرق روايتها عن النابغة. وأورده المتقي الهندي في "كنز العمال" 13/ 600 برقم (37541) ونسب إخراجه لابن عساكر، وابن النجار.]]، فالفضة سُمِّيت؛ لأن من شأنها أن تُفَرَّق بضرب الدراهم. وقوله تعالى: ﴿وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾ الخيل: جَمْعٌ لا واحد له من لفظه، كـ (القَوْلِ)، و (النساءِ)، و (الرَّهْطِ) [[انظر: "جمهرة اللغة" 1056 (خيل)، وكتاب "فقه اللغة" للثعالبي: 252.]]. سُمِّيت الأفراسُ (خيلًا)؛ لاختيالها في مِشْيتها بطول أذنابها؛ ألا ترى إلى قول امرئ القيس: لها ذَنَبٌ مِثْلُ ذيلِ العروسِ ... تَسُدُّ [[في (د): (تشد).]] به فَرْجَها من دُبُرْ [[البيت، في: ديوانه: 164. وورد منسوبًا له في "أدب الكاتب" 155، وكتاب "المعاني الكبير" 1/ 149، "شرح أدب الكاتب" للجواليقي: 151، "الاقتضاب" للبطليوسي:3/ 111، "خزانة الأدب" 9/ 176، 177. وجاء في "الاقتضاب" (هذا البيت يروى لامرئ القيس، ويروى لرجل من النمر بن قاسط) 3/ 111. والشاعر هنا يصف فرسه ويذكر محاسن صفاتها، ومنها طول ذنبها ووفرته. وقال ابن قتيبة في "أدب الكاتب" 155: (لم يرد بالفرج هنا الرحم، وإنما أراد ما بين رجليها، تسدُّه بذنبها).]]. والاختيال: مأخوذ من (التَّخَيُّل)، والتخيُّل: التَّشَبُّه بالشيء [[في "أدب الكاتب" 58، "المجمل" 1/ 309: (أفعل ذلك على ما خيَّلت، أي: على ما شبَّهت)، وفي "اللسان" 4/ 2299: (وتخيل الشيءُ له): تشبَّه. و (وتخيَّل له أنه كذا)، أي: تشبَّه وتخايل).]]، ومنه يقال: (أخال عليه الأمرُ): إذا اشتبه، فالمختال [[في (د): (والمختال).]]، يَتَخيَّل في صورة من هو أعظم منه كِبْرًا، والخيال: صورة الشيء. والأخْيَلُ [[في (أ): (الأخيَّل). والمثبت من كتب اللغة.]]: الشِّقِرَّاقُ [[في (ج): (السقراق)، في (د) الشفراق. والشِّقِرَّاق: طائر، وهو مشئوم عند العرب، ويقولون: أشأم من أخيَل. ونقل الأزهري عن الليث أنه طائر يكون في منابت النخيل، كقدر الهدهد، مرقَّط بحمرة وخضرة، وبمِاض وسواد. ويقال له: الشِّرقْراق، والشَّقِراق. ونقل صاحب "اللسان" عن ثعلب أنه يقع على دَبَر البعير، وينقُره، فيؤذي ظهره؛ ولهذا تشاءموا منه. انظر كتاب "العين" 4/ 305، "أدب الكاتب" 191، "جمهرة اللغة" 1056، "تهذيب اللغة" 2/ 1905، "اللسان" 4/ 2299 (خيل).]]؛ لأنه يَتَخيَّلُ، مرةً أخضر، ومرةً أحمر. واختلفوا في معنى ﴿الْمُسَوَّمَةِ﴾: فقال ابن عباس في رواية عطية [[هذه الرواية، في "تفسير الطبري" 6/ 252، "تفسير الثعلبي" 3/ 16 ب، "زاد المسير" 1/ 360.]]: هي الراعية؛ يقال: (أَسَمْتُ الماشيةَ)، و (سوَّمتُها): إذا رَعَيتُها، فهي (مُسَامةٌ)، و (مُسَوَّمة) [[انظر: "تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة: 98، "نزهة القلوب" للسجستاني: 419.]]، ومنه ﴿فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ [النحل: 10]. وقال في رواية الوالبي [[هذه الرواية، في "تفسير الطبري" 3/ 201، "زاد المسير" 1/ 360.]]: هي المُعْلَمَةُ. وأصلها من: (السِّيْما)، التي هي: العلامة. ومعنى العلامة ههنا: (الكَيُّ) في قول المؤرِّج [[انظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 17 أ، "زاد المسير" 1/ 360.]]، والبَلَقُ [[البَلَقُ: سواد وبياض، وفي الفرس: أن يرتفع التحجيل وهو البياض في قوائمه إلى أن يتجاوز البطن، ويظهر في جسده دون رأسه وعنقه، ويكون في بياض بلقه استطالة وتَفَرُّق. انظر: "المنتخب من غريب كلام العرب" لكراع النمل: 1/ 312، "القاموس" (869) (بلق).]] في قول ابن كَيْسان [[انظر: قوله في "تفسير الثعلبي" 3/ 17 أ، "زاد المسير" 1/ 360.]]، والشِّيَةُ [[في (أ)، (ب): (المشبه)، في (ج): (السه). والتصويب من: (د). و (الشِّيَة)، هي: اللون المخالف للون سائر الجسد، وأصلها من: (وشَى الثوبَ، وشْيا، وشِيَةً): إذا نسجه على لونين. واستعير للحديث؛ فقيل: و (شَى كلامه)؛ أي: زَيَّنه ونمَّقه. انظر: (وشى) في "مفردات ألفاظ القرآن" للراغب: 872، "عمدة الحفاظ" 632.]]، في قول قتادة [[انظر: قوله في "تفسير عبد الرزاق" 1/ 117، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 610، "الطبري" 3/ 202، "تفسير الثعلبي" 3/ 17 أ، "زاد المسير" 1/ 360.]]. وقال مجاهد [[انظر قوله في "تفسيره" 123، "تفسير سفيان الثوري" 75، "تفسير عبد الرزاق" 1/ 117، ورواه البخاري تعليقًا في "الصحيح" 6/ 165 كتاب التفسير، سورة آل عمران، وأخرجه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 610، والطبري في "تفسيره" 6/ 253، وأورده السيوطي في "الدر" 2/ 19، ونسب إخراجه كذلك لعبد بن حميد.]]، وعكرمة [[انظر: قوله في "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 610، "تفسير الطبري" 3/ 201، "زاد المسير" 1/ 360، "الدر المنثور" 2/ 19، وزاد نسبة إخراجه كذلك لعبد بن حميد.]]: الخيل المُسوَّمة: هي الحسان المُطَهَّمَةُ [[(المُطَهَّم) هنا: الحَسَنُ، الذي تمَّ كل شيء منه على حدته، فهو بارع الجمال، ويقال للناس والخيل. انظر: (طهم) في "أساس البلاغة" 2/ 86، "اللسان" 5/ 2714.]]، يُراد: أنها ذات سيما؛ أي: ذات حُسن. يقال: (لفلان سِيما)، و (له شارةٌ حَسَنة) [[(السَّيما): العلامة. ويقال: (سيما فلان حسنةٌ)؛ أي: علامة. وهي مأخوذة من: (وسَمْتُ، أسِمُ)، والأصل فيها: (وِسْمى)، فَحُوِّلت الواوُ من موضع الفاء إلى موضع العين، فصارت: (سِوْمى)، وجُعلت الواو ياءً؛ لسكونها وانكسار ما قبلها، فصارت (سِيما). ويقال كذلك: (سِيماء)، و (سيمياء). انظر: "الزاهر" 2/ 144، "اللسان" 4/ 2157 (سوم). قال الطبري في "تفسيره" 3/ 202: (وأولى هذه الأقوال بالصواب .. المعلَمة بالشِّيات، الحسان، الرائعة حسْنًا من رآها. لأن == (التسويم) في كلام العرب: هو الإعلام. فالخيل الحسان مُعلَمةٌ بإعلام الله إياها بالحسن، من ألوانها وشِياتها وهيئاتها، وهي (المُطَهمة) أيضًا).]]. وقوله تعالى: ﴿وَالْأَنْعَامِ﴾ جمع (نَعَم)، والنَّعَم: الإبل والبقر والغنم. ولا يُقال لجنس منها: (نَعَمٌ)، إلَّا للإبل خاصة؛ لأنه غلب عليها [[انظر: كتاب "العين" 2/ 162، "معاني القرآن" للزجّاج: 1/ 384، "المذكر والمؤنث" لابن الأنباري: 1428 - 429.]]. ومضى فيما قبل اشتقاق (النَعَم). وقوله تعالى: ﴿حُسْنُ الْمَآبِ﴾ المآب في اللغة: المرجعُ. يقال: (آب الرَّجُلُ، إِيابًا)، و (أَوْبَةً)، و (أبيَةً) [[في (أ)، (ب): أبية، والمثبت من: (ج) د، وهو الصواب. ويقال: أيْبَةً، وإيبَةً. انظر: "اللسان" 1/ 166 (أوب).]]، و (مآبًا) [[انظر: "تفسير الطبري" 3/ 205، "تهذيب اللغة" 1/ 94.]]. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ﴾ [الغاشية: 25]. قال الفرَّاء [[لم أهتد إلى مصدر قوله والذي في "معاني القرآن" 3/ 259: (سُئل الفراء عن (إيَّابهم) فقال: لا يجوز [أي: تشديد الياء] على جهة من الجهات)، وفي "تهذيب اللغة" 15/ 609 ينقل عن الفرَّاء، فيقول: (قال: هو بتخفيف الياء، والتشديد فيه خطأ).]]: ولا يجوز التشديد [[من قوله (التشديد ..) إلى (.. من أبت): ساقط من: (ج).]] في (الإياب)، وقارِئُه [[يعني بقارئه: أبا جعفر، يزيد بن القعقاع المدني. أحد القراء العشرة، تابعي، توفي سنة (130 هـ). انظر: "معرفة القراء الكبار" 1/ 72، "النشر" 1/ 187. وقد قرأها: ﴿إِيَابَهُمْ﴾ في سورة الغاشية: 25. انظر: "معاني القرآن" للزجاج: 5/ 319، "إعراب القرآن" للنحاس: 3/ 691، "المحتسب" 2/ 357.]] لعله ذهب على الإفعال، والإفعال من (أُبْتُ)، إنما [[في (ج): (أن).]] يأتي على مثل: (أقَمْتُه إقامَةً)، و (أزَغتُه إزاغةً). فلو أردت ذلك، قلتَ: (أَأَبْتهُ إآبَةً) [[في (ج): (ابته ابه).]]، ولو أردت أن تُخرجَ المصدرَ [[في (أ): (المصدرُ).]] تامًا، قلت: (إيوابًا). ثم أعلم الله عز وجل أن خيرًا من جميع ما في الدنيا ما أعدَّه الله لأوليائه، فقال:

آل عمران 3:15

﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ﴾ الذي ذَكَرتُ [[(الذي ذكرت): ساقطة من: (د).]]. قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء [[لم أعثر على هذه الرواية فيما رجعت إليه من مراجع، إلَّا في "تفسير الخازن" 1/ 275، وعبارته قريبة جدًا من عبارة الواحدي. وفي "تنوير المقباس" 44: (يعني: أبا بكر وأصحابه).]]: يريد: المهاجرين والأنصار، أراد الله أن يعزِّيَهم، ويشوقهم إلى المعاد. قال العلماء: ويدخل تحت هذا الخطاب كلُّ [[(كل): ساقطة من: (د).]] من اتقى الشرك، بظاهر هذا الكلام [[وممن ذهب للعموم فيها: الإمام الطبري في "تفسيره" 3/ 206، حيث قال عن معنى: ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ (للذين خافوا الله فأطاعوه بأداء فرائضه، واجتناب معاصيه).]]. وقوله تعالى: ﴿جَنَّاتٌ﴾ يرتفع على وجهين: أحدهما: بخبر الصفة، ويكون تمام الكلام عند قوله: ﴿بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ﴾. والثاني: على تقدير الجواب، ويكون تمام الكلام عند قوله [[من قوله: (بخير ..) إلى: (.. تمام الكلام عند قوله): ساقط من: (ج)، (د).]]: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾، فكأنه قيل: ما ذلك الخير؟ فقيل: هو جنَّات، ومثله: ﴿قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّارُ﴾ [الحج: 72]؛ أي: هو النار. وقوله تعالى: ﴿وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ قد ذكرنا ما فيه عند قوله: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ [البقرة: 25]. وقوله تعالى: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ﴾. ويُقرأ [[(ويُقرأ): ساقطة من: (ج).]] بضم الراء [[هي قراءة عاصم برواية أبي بكر بن عيَّاش عنه، أمَّا رواية حفص عن عاصم فهي بالكسر كبقية السبعة. انظر: "السبعة" 202، "الحجة" للفارسي: 3/ 21.]]، وهو لغة قيس وتميم [[(وتميم): ساقطة من: (ج). انظر: "تفسير الطبري" 6/ 206. وقيس: قبيلة عظيمة من قبائل العرب، تنتسب إلى قيس بن غيلان بن مضر بن نِزار بن معد بن عدنان. وغلب اسم قيس على سائر العدنانية. انظر حولها "معجم قبائل العرب" 3/ 972. وتميم: قبيلة عظيمة من العدنانية، تنتسب إلى تميم بن مُر بن أدّ بن طابخة بن إلياس ابن مضر بن نزار بن معد عدنان. وكانت منازلهم بنجد، دائرة من هنالك إلى البصرة واليمامة، حتى تتصل بالبحرين، وانتشروا في الكوفة، ثم تفرقوا في الحواضر. انظر المرجع السابق 1/ 126.]]. قال الفراء [[لم أهتد إلى مصدر قوله، وقد يكون في كتابه (المصادر).]]: يقال: (رضيت رضًا)، منقوص، و (رِضوانًا، ورُضوانًا [[(ورضوانًا): ساقطة من: (د).]]، ومَرْضاةً). ومثل (الرِّضوانِ) بالكسر من المصادر: (الرِّئْمان) [[الرِّئْمان: الالتئام، يقال: (رَئِمَ الجُرْح رَأمًا، ورِئْمانًا حسنًا): التأم. انظر: "تهذيب اللغة" 2/ 1332 (ريم)، "اللسان" 3/ 1536 (رأم).]]، و (الحِرْمان). وبالضمِّ: (الطُّغْيان)، و (الرُّجْحان)، و (الكُفْران). وقال [[في (ج): (قال).]] سيبويه [[في "الكتاب" له: 4/ 11.]]: (الشُّكْران).

آل عمران 3:16

قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ﴾ موضع ﴿الَّذِينَ﴾ [[في (د): (الذين).]]: خفض؛ صفةً ﴿الَّذِينَ اتَّقَوا﴾. [و] [[ما بين المعقوفين زيادة من: (د).]] المعنى: للمتقين القائلين [[ويجوز أن يكون كذلك في موضع جر، بدلًا من قوله: (للذين اتقوا). وجوَّز أبو البركات الأنباري كونه نعتًا لـ (العباد) في قوله: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾، وضعَّف هذا الوجهَ العكبريُّ؛ لأن فيه تخصيصًا لعلم الله تعالى، ولكنه جوَّزه على ضعفه ويحتمل أن يكون في محل رفع؛ على أنه مبتدأ محذوف الخبر، أو خبرٌ لمتبدأ محذوف. ويحتمل أن يكون في محل نصب بإضمار: (أعني) أو (أمدح). انظر: "البيان" لأبي البركات الأنباري: 1/ 194، "التبيان" للعكبري: ص 180، "الدر المصون" 3/ 69.]].

آل عمران 3:17

[و] [[ما بين المعقوفين زيادة من: (د).]] قوله تعالى: ﴿الصَّابِرِينَ﴾ قال ابن عباس [[لم أقف على مصدر قوله.]]: يريد: على دينهم، وعلى [ما] [[ما بين المعقوفين زيادة من: (ب)، (ج)، (د).]] أصابهم. ﴿وَالصَّادِقِيَن﴾: قال قتادة [[قوله في "تفسير الطبري" 3/ 207 - 208، و"ابن أبي حاتم" 2/ 614، "الثعلبي" 3/ 20 أ، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 2/ 20، ونسب إخراجه لعبد بن حميد.]]: هم قوم صدقت نيَّاتهم، واستقامت قلوبُهم وألسنتهم، فصدقوا في السرِّ والعلانية. ومعنى الصدق: الإخبار بالشيء على ما هو به [[انظر: "مفردات ألفاظ القرآن" للراغب: 478 (صدق)، و"التوقيف على مهمات التعاريف" 450.]]، وذكرنا أصله في اللغة عند ذكر اشتقاق الصدقة في سورة البقرة. ﴿وَالْقَانِتِينَ﴾ [[في (د): (والقانتين).]] الطائعين لله، عن أكثر المفسرين [[وبه قال: ابن عباس، وعكرمة، ومجاهد، وقتادة، والسدي، والشعبي، وجابر بن زيد، وعطاء، وابن جبير، والضحاك، والحسن البصري، وعطية، وطاوس، وغيرهم. انظر: "تفسير الطبري" 1/ 507 - 508، 2/ 568 - 571. ومن معاني (القنوت): السكوت، وبه فُسر قوله تعالى ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: 238]. ومنها: طول القيام، وبه فُسِّر قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ﴾ الزمر: 9؛ أي: مصلٍّ، فسمى الصلاة قنوتًا؛ لأنها تكون بالقيام. وقيل للدعاء: (قُنُوت)؛ لأنه يُفْعَل أثناء القيام في الصلاة. ومن معانيه: الإقرار بالعبودية؛ كقوله: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ [الروم: 26]. ولكن ابن قتيبة أرجع كل هذه الوجوه إلى معنى: (الطاعة)، وقال معللًا: الأن جميع هذه الخلال: من الصلاة، والقيام فيها، والدعاء، وغير ذلك يكون عنها). وإليه ذهب الطبري، وجعل الطاعة هي أصل القنوت، وكل المعاني راجعة إليها. انظر: "تأويل مشكل القرآن" 451 - 452، "تفسير الطبري" 5/ 571 - 572، "تحصيل نظائر القرآن" للحكيم الترمذي: 50، "مفردات ألفاظ القرآن" 684 - 685 (قنت)، "نزهة الأعين النواظر" لابن الجوزي: 483.]]. ومضى الكلام في معنى القانتين. ﴿وَالْمُنْفِقِينَ﴾ قال ابن عباس [[لم أقف على مصدر قوله.]]: يريد: الذين ينفقون الحلال في طاعة الله [تعالى] [[ما بين المعقوفين زيادة من: (د).]]. ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾. السَّحَر: الوقت الذي قبيل [[في (د): (قبل). وهكذا وردت هذه العبارة في "معاني القرآن" للزجَّاج: 1/ 385.]] طلوع الفجر. و (تَسَحَّر): إذا أكل في ذلك الوقت. و (استَحَرَ)؛ أي [[في (د): (إذا).]]: سار فيه [[انظر: (سحر) في "تهذيب اللغة" 2/ 1641، "اللسان" 4/ 1952 - 1953.]]. قال زهير [[هو: زهير بن أبي سلمى (ربيعة) بن رباح. شاعر جاهلي، تقدمت ترجمته.]]: بَكَرْنَ بُكورًا، واسْتَحَرْنَ بسُحْرَةٍ [[تمامه: فَهُنَّ ووادي الرَّسِّ كاليد للفَمِ وهو، في "ديوانه" ص 10، "شرح القصائد السبع" لابن الأنباري: 250، "تهذيب اللغة" 2/ 1640 (سحر)، "شرح المعلقات السبع" للزوزني: ص 76، "شرح القصائد العشر" للتبريزي: 109.]] والمُسْتَحِرُ من الطَّيْرِ: ما يَصيحُ [[في (أ): (يُصبح). والمثبت من بقية النسخ، وهو ما استصوبته لموافقته للمعنى المساق.]]، ويتحرك فيه [[(فيه): ساقطة من: (ج). وانظر هذا المعنى في "جمهرة اللغة" 511.]]. قال امرؤ القيس: إذا طَرَّبَ الطائرُ المُسْتَحِرْ [[عجز بيت، وصدره: يُعَلُّ به بَرْدُ أنيابها وهو في (ديوانه) ص 69، "جمهرة اللغة" 511، "اللسان" 5/ 2649 (طرب)، 4/ 1953 (سحر)، 6/ 3670 (قطر) "خزانة الأدب" 9/ 231. وورد في "الجمهرة" (.. إذا غَرَّد ..) وفي "اللسان" 5/ 2649 (كما طرَّبَ ..)، وفي: 6/ 3670 (يُعَلُّ بها ..)، ويروى: (إذا صوت الطائر ..). وقوله: (يُعَلُّ)؛ من: (عَلَّه، يَعِلُّه، ويَعُلُّه، عَلَّا، وعلَلا)، وهو: السقيا بالخمر، مرةً بعد مرة. انظر: "ديوانه" ص 69.]] وأسْحَرَ [[في (أ): (داسحر)، (ب): (ذاسحر)، والمثبت من: (ج)، (د)، وهو الصواب.]] دخل [[في (د): (رحل).]] في وقت السَّحَر [[انظر: "تهذيب اللغة" 2/ 1640. وفي "جمهرة اللغة" 511 (وأسْحرَ القومُ إسْحارًا: إذا خرجوا في وقت السَّحر).]]. ونذكر كلام النحويين في ترك إجراء (سحر) عند قوله: ﴿نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ﴾ [القمر: 34] إن شاء الله. قال ابن عباس [[لم أقف على مصدر قوله.]] في قوله: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾: يريد: المصلين صلاة الصبح [[ويريد هنا المصلين صلاة الصبح في جماعة.]]، وهو قول زيد بن أسلم [[الأثر عنه في "مصنف ابن أبي شيبة" 7/ 193 (35176)، "تفسير الطبري" 3/ 209، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 615 - 616، "تفسير الثعلبي" 3/ 20 ب، "النكت والعيون" للماوردي: 1/ 378، "تفسير البغوي" 2/ 16. وهو: أبو عبد الله، أو أبو أسامة، زيد بن أسلم العَدوي المدني، مولى عمر رضي الله عنه، ثقة عالم كثير الحديث، كانت له حلقة علم في مسجد النبي ﷺ، وله تفسير يرويه ابنه عبد الرحمن، توفي سنة 136 هـ). انظر: "الطبقات الكبرى" (القسم المتمم لتابعي أهل المدينة. تحقيق د. زياد منصور) 314، "تقريب التهذيب" ص 222 (2117)، "طبقات المفسرين" للداودي: 1/ 182.]]، وابن كيسان [[الأثر عنه في "تفسير الثعلبي" 3/ 20 ب. ولكن يرد على هذ القول: أن صلاة الصبح يبدأ وقتها بعد انتهاء وقت السَّحر، فكيف تدخل في المعنى؟! اللهم إلا أن يُراد أن التصاق وقت صلاة الصبح بوقت السحر وقربه المباشر له أدخل صلاة الصبح فيه استتباعًا، والعرب تقول: (لقيته بأعلى سَحرَين)، و (أعلى السَّحرَين)، لأنه أول تنفس الصبح. انظر: "اللسان" 4/ 1953. ولكن هذا التخريج أرى فيه تكلفًا، والله أعلم. ولذا استغربَ الكرمانيُّ إيرادَ الواحدي لهذا القول، فقال: والعجيب: قول الواحدي: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾: المصلين صلاة الصبح، فإن == الإجماع على أن الصائم يتناول الطعام في السحر، فكيف تصح صلاة الصبح فيه؟). "غرائب التفسير" 1/ 247. ويقصد الكرماني: أن وقت السَّحر متميز ومختلف عن وقت صلاة الصبح، الذي يَحرُمُ فيه الأكلُ على الصائم، وتصح فيه صلاة الصبح، فجواز أكل الطعام للصائم في السحر، فيِه دلالة على عدم دخول وقت الصبح، فكيف تصح فيه صلاة الصبح؟! فافترق وقت الصبح عن السحر، لغة، واصطلاحًا؛ بما ميَّز الشرعُ كلَّ وقت بحكم. هذا والله أعلم.]]. وقال مجاهد [[الأثر عنه في "تفسير الثعلبي" 3/ 20 ب، "زاد المسير" 1/ 361.]]، وقتادة [[الأثر عنه في "تفسير الطبري" 3/ 208، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 615، "تفسير الثعلبي" 3/ 20 ب، "النكت والعيون" 1/ 378، "تفسير البغوي" 2/ 16.]]: يعني: المصلين بالأسحار [[قال ابن عطية في "المحرر الوجيز" 3/ 51 بعد أن ذكر بعض الوجوه في تفسير معنى الاستغفار هنا، ومنها ما سبق معنا: (وهذا كله يقترن به الاستغفار).]]. قال الزجَّاج [[في "معاني القرآن" له: 1/ 385 نقله عنه بتصرف واختصار.]]: وصف الله - تعالى [[في (ج): عز وجل.]] هؤلاء بما وصف، ثمَّ بيَّن أنهم مع ذلك لشدة خوفهم ووجلهم يستغفرون بالأسحار.

آل عمران 3:18

قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ قال أبو إسحاق [[هو الزجَّاج، في "معاني القرآن" له: 1/ 385.]]، وأبو العباس [[هو أحمد بن يحيى (ثعلب): وقوله في "تهذيب اللغة" 2/ 1942 - 1943، وبعضه في "الزاهر" 1/ 125.]]: معنى ﴿شَهِدَ اللَّهُ﴾: بيَّن وأظهر [[هذه العبارة بنصها في "تهذيب اللغة". ومما ذكره العلماء في معنى ﴿شَهِدَ اللَّهُ﴾ إضافة إلى ما ذكره المؤلف: قضى، وحكم، وأعلم، وأخبر. وقد ردَّ الطبريُّ في "تفسيره" 3/ 209، وابنُ عطية في "المحرر الوجيز" 3/ 52 من المعاني السابقة المذكورة، معنى (قضى) الذي قاله أبو عبيدة في "مجاز القرآن" 1/ 89 ولكن شيخ الإسلام ابن تيمية بعد أن ذكر الأقوال السابقة في معنى (شهد) قال: (وكل هذه == الأقوال وما في معناها، صحيحة، وذلك أن الشهادة تتضمن كلامَ الشاهد وقولَه وخبرَه عمَّا شهد به، ... وإن لم يكن معْلِمًا به لغيره، ولا مُخْبِرًا به لسواه، فهذه أول مراتب الشهادة. ثم قد يخبره ويُعْلِمه بذلك، فتكون الشهادة إعلامًا لغيره وإخبارًا له ..)، وتابع: (.. فمن قال: (حكم) و (قضى) فهذا من باب اللازم، فإن الحكم والقضاء هو إلزام وأمر؛ ولا ريب أن الله ألزم الخلق التوحيد وأمرهم به وقضى وحكم)، وتابع: (فإذا شهد الله أنه لا إله إلا هو، فقد حكم وقضى أن لا يعبد إلا إيَّاه). "المسير الكبير" لابن تيمية: 3/ 137 - 142. وانظر: "التفسير القيم" لابن القيم: 178.]]؛ لأنَّ الشاهد [[من قوله: (لأن الشاهد ..) إلى (.. مما أنشأ): نقله بالنص عن الزجَّاج.]]: هو العالم الذي يبين ما علمه. فالله عز وجل قد دلَّ على توحيده بجميع ما خلق، فبيِن أنه لا يقدر أحدٌ أن ينشيء شيئًا واحدًا مما أنشأ. قال أبو العباس [[قوله في "تهذيب اللغة" 2/ 1942 - 1934 نقله المؤلف بالمعنى.]]: ونظير هذا في القرآن مما أُريد فيه بالشهادةِ: التبيينُ، وإن لم يقارنه القولُ: قولُه عز وجل: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ﴾ [التوبة: 17]، معناه: مبيِّنين على أنفسهم الكفر؛ وذلك أنهم يؤمنون بأنبياء [[في (ج): (بالأنبياء).]]، كلهم شاهد لمحمدٍ ﷺ بالصِّدق، فلما آمنوا بأنبياء [[في (ج): (بالأنبياء).]] بشَّروا بمحمد، وحثُّوا على اتباعه، ثم خالفوا عليه فكذبوه وحاربوه، بيَّنوا بذلك الكفر على أنفسهم، فوُصفوا بأنهم شَهِدوا به، وإنْ لم يكونوا قالوا: نحن كفار [[هذا الوجه في تفسير شهادة المشركين على أنفسهم بالكفر المذكور في آية (17) من سورة التوبة، ذكره كذلك ابنُ الجوزي في "زاد المسير" 3/ 408، ونسبه لابن الأنباري. ومما قيل كذلك في تفسيرها: هو قول اليهودي: أنا يهودي، == والنصراني: أنا نصراني، والصابئ: أنا صابئ، والمشرك: أنا مشرك. وقيل: إنَّ إظهار عبادتهم للأوثان، وتكذيب القرآن، وإنكار نبوة النبي محمد ﷺ، كل هذا كفر يمارسونه، وهو إقرار منهم على أنفسهم به، وإن أبوا ذلك بألسنتهم. وقيل: قولهم في الطواف: (لبيك لا شريك لك، إلا شريك هو لك، تملكه وما ملك). وقيل غير ذلك. فكيف يستقيم زعمُهم بعمارة المساجد وهي من صفات المؤمنين وشأنهم، والشهادة على أنفسهم بالكفر؟! وهما أمران متنافيان. انظر: "تفسير الفخر الرازي" 16/ 9، "تفسير أبي السعود" 4/ 51، "فتح القدير" 2/ 500.]]. وقوله تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ﴾ أي: وشهدت الملائكة، بمعنى: أقرَّت بتوحيد الله -تعالى-؛ لما عاينت من عظيم قدرته؛ كقوله: ﴿شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا﴾ [الأنعام: 130]؛ أي: أقررنا. فَنَسَق شهادة الملائكة وأولي العلم على شهادة الله سبحانه، والشهادتان مختلفتان معنًى لا لفظًا، كقوله عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: 56]، والصلاة من الله: الرحمة، ومن الملائكة: الاستغفار والدعاء [[عن أبي العالية رضي الله عنه قال: (صلاة الله: ثناؤه عليه عند الملائكة، وصلاة الملائكة الدعاء). أخرجه البخاري في: "الصحيح" تعليقًا: "الفتح" 8/ 532 كتاب التفسير، سورة الأحزاب، وأخرجه إسماعيل القاضي في: "فضل الصلاة على النبي ﷺ": 82، 83، وقال عنه الألباني: (إسناده موقوف حسن)، وأورده السيوطي في "الدر" 6/ 646، ونسب إخراجه لعبد بن حميد، وابن أبي حاتم. وقال ابن عباس: (يصلون: يُبَرِّكون). أخرجه البخاري تعليقًا في: "الصحيح" في الموضع السابق، والطبري في "تفسيره" 22/ 43، وأورده السيوطي في " الدر" 6/ 647، ونسب إخراجه لابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردوية. وقال الضحاك: (صلاة الله: رحمته، وصلاة الملائكة: الدعاء)، وفي رواية: (صلاة الله: مغفرته ..) أخرجه إسماعيل القاضي في: "فضل الصلاة على النبي" 82، 83 وقال محققه الألباني عن الروايتين: (إسناده موقوف ضعيف جدًا). وعن ابن عباس قال: (صلاة الله على النبي: هي مغفرته ... وأما صلاة الناس على النبي ﷺ فهي الاستغفار) أورده السيوطي في "الدر" 6/ 646 ونسبه لابن مردويه. وقال الطبري: (وقد يحتمل أن يقال: إن معنى ذلك: أن الله يرحم النبي، وتدعو== له ملائكته ويستغفرون؛ وذلك أن الصلاة في كلام العرب من غير الله إنما هو دعاء). "تفسيره" 22/ 43. وقال القاسمي: (وبالجملة، فالصلاة تكون بمعنى التمجيد والدعاء والرحمة، على حسب ما أضيفت إليه في التنزيل أو الأثر) "محاسن التأويل" 13/ 4901. وانظر: "تفسير ابن كثير" 3/ 557، "فتح الباري" 8/ 533، "فتح القدير" للشوكاني 4/ 310.]]. وقال ابن الأنباري [[لم أهتد إلى مصدر قوله.]]: إنما عَطَف الملائكةَ وأولي [[في (ب): (وأولوا).]] العلمِ على اسمه؛ لأن الشهادة معناها في اللغة: إظهارُ المعلوم وتبَيُّنُه. فلمَّا بيَّن أولوا العلم المعلومَ [[(المعلوم): ساقط من (ج).]] [عندهم؛ كما بيَّنه الله عز وجل، عطفهم على اسمه؛ للاتفاق في إظهار المعلوم] [[زيادة من (ج)، (د).]]. وقوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْعِلْمِ﴾ أي: وشهد بتوحيده أولوا العلم؛ بما ثبت عندهم. وشهادة أولي [[في ب، (د): (أولوا).]] العلم: يجوز أن تكون بمعنى: الإقرار، ويجوز أن تكون بمعنى: التبيين [[قال ابن القيِّم رحمه الله بعد أن ذكر الوجهين: (والصحيح، أنها تتضمن الأمرين. فشهادتهم إقرار وإظهار وإعلام، وهم شهداء الله على الناس إلى يوم القيامة ..). "التفسير القيم" 199.]]. واختلفوا في المعنيين بـ (أولي العلم) ههنا: فقيل [[ورد هذا القول في "تفسير الثعلبي" 3/ 23 ب، "تفسير البغوي" 2/ 19، "فتح القدير" 1/ 491، ولم ينسبوه لقائل.]]: هم الأنبياء، وقال مقاتل [[قوله في "تفسيره" 1/ 276، والمصادر السابقة.]]: هم مؤمنو أهل الكتاب؛ لأن الله تعالى وصفهم بالعلم في مواضع من كتابه، كقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ﴾ [الإسراء: 107]، وقوله: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [العنكبوت: 49]. قال ابن كيسان [[قوله: في: المصادر السابقة]]: يعني: المهاجرين والأنصار، وهو قول ابن عباس فى رواية عطاء [[لم أهتد إلى مصدر هذه الرواية.]]. وقال السدي والكلبي [[انظر قوليهما في المصادر السابقة، والأثر عن السدي ورد كذلك في "تفسير الطبري" 3/ 210، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 617.]]: يعني [[في (أ)، (ب): (معنى). والمثبت من: (ج)، (د).]]: علماء المؤمنين كلهم [[قال الشوكاني عن هذا القول: (وهو الحق، إذ لا وجه للتخصيص). "فتح القدير" 1/ 491.]]. وقوله تعالى: ﴿قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾. ينتصب على الحال من اسم الله جل وعز، على تقدير: شهد الله قائمًا بالقسط. ويجوز أن يكون حالًا من: هو؛ تقديره: لا إله إلَّا هو قائمًا بالقسط [[وقد رجح هذا ابن تيمية. انظر: "التفسير القيم" لابن القيم 183.]]. وقال الفراء [[في "معاني القرآن" 1/ 200.]]: هو نصب على القطع [[استعمل الفراءُ كثيرا مصطلح (القطع) في كتابه "معاني القرآن" وهو في الغالب يريد به الحال، وقد يستعمله ولا يقصد به الحال، ولا أن يكون في النصب فقط، وكأنه يريد به قطع الكلمة عما قبلها من الإعراب، أيا كان هذا الإعراب. انظر حول مذهبه في ذلك: "النحو وكتب التفسير" 1/ 195 - 197. وكذا استعمل الطبري هذا المصطلح في تفسيره كثيرًا. راجع فهرس المصطلحات من "تفسيره" (تحقيق محمود شاكر): (ج) 1، 2، 5، 6، 7، 9. وانظر تعليق محمود شاكر على هذا المصطلح في هامش "تفسير الطبري" 6/ 270. وانظر هذا التفسير، في إعراب قوله تعالى: (.. وجيهًا في الدنيا والآخرة) [من آية: 45 من آل عمران].]]، لأنه نكرة نُعِت [[في (ج): (نصب).]] به معرفة، كان [[من قوله (كان ..) إلى (.. نُصِب) ينقله عن الثعلبي: 3/ 24 ب، باختصار يسير.]] أصلها: (القائم بالقسط)؛ فلما [[من قوله (فلما ..) إلى (.. قائمًا بالقسط): ساقط من: (ج).]] قُطعت الألفُ واللامُ نصب [[ومعنى كلام الفرَّاء: أنَّ الأصل أن تكون (القائم ..) معرفة مرفوعة؛ لكونها نعتا للفظ الجلالة المرفوع، وهو معرفة، لكن، لمّا نكرت (القائم)، انقطعت تبعية النعت للمنعوت، فتُرِك الرفعُ إلى النصب. وفي إعرابها وجوه أخر. انظر: "معاني القرآن" للأخفش: 1/ 199، "تفسير الطبري" 3/ 210، "إعراب القرآن" للنحاس: 1/ 316، "التفسير القيم" 182 - 183، "الدر المصون" 3/ 75 وما بعدها.]]. ومعنى قوله: ﴿قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾: قائمًا بالعدل [[القِسْطُ بكسر القاف: العدل، والنصيب. ويقال: (أقسط، يُقْسِط، إقساطًا)، فـ (هو مُقْسِط). والقَسْطُ بفتح القاف: الجَوْر. ويقال قَسَطَ، يَقْسِطُ، قَسْطًا، وقُسوطًا، فهو قاسِط. انظر: (قسط) في "تهذيب اللغة" 3/ 2959، و"المجمل" 752.]]، كما يقال: (فلان قائم بالتدبير)؛ أي: يُجْرِيه على الاستقامة. فالله [[قوله: (فالله تعالى يجري التدبير على الاستقامة): ساقط من: (ج).]] تعالى يُجري التدبير على الاستقامة في جميع الأمور [[انظر: "تفسير الرازي" 7/ 222 - 223.]].

آل عمران 3:19

قوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: 19]. القُرَّاءُ على كسرِ (إنَّ)، إلَّا الكسائي؛ فإنه فتح (أنَّ) [[انظر: "السبعة" 202 - 203، "الحجة" للفارسي 3/ 22.]]. والوجه [[من قوله: (الوجه ..) إلى نهاية قول الله تعالى: (.. والصابرين): نقله عن "الحجة" للفارسي: 3/ 22 بتصرف يسير جدًّا.]]، الكسر [[(الكسر): ساقطة من (ج).]]؛ لأن الكلام الذي قبله قد تمَّ [[في (ج): (قديم).]]، وهذا النحو من الكلام الذي يراد به التنزيه، أن يكون بجُمَلٍ متباينة أحسن؛ من حيث كان أبلغ في الثناء [[في (ج): (البناء).]]، وأذهب في باب المدح؛ ومن ثمَّ جاء: ﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: 177]. فأما وجه قراءة الكسائي، فإن النحويين ذكروا فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن تكون الشهادة واقعة على ﴿إِنَّ الدِّينَ﴾ [[في (ب): (الذين).]]، وفَتح ﴿أَن﴾ في قوله: ﴿أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ على تقدير: حذف حرف الجر؛ كأنه قيل: (شهد الله؛ لأنه [[في (ج): (أنه).]] لا إله إلَّا هو، أنَّ الدين عند الله الإسلام). وهذا معنى قول الفرَّاء، حيث يقول [[في "معاني القرآن": 1/ 199، نقله عنه بتصرف يسير جدًّا.]] - في الاحتجاج للكسائي: إن شِئتَ جعلتَ (أنه) على الشرط [[ويعني بقوله (على الشرط)، أي: على العلة، وسماه شرطًا؛ لأن المشروط متوقف عليه، كتوقف المعلول على علته، إلا أنه خلاف اصطلاح النحويين، ولما كان (أنه) على الشرط لم يقع عليه الفعل، وإنما وقع على (أن الدين). انظر: "الدر المصون" 3/ 86.]]، وجعلت الشهادة واقعة على قوله: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾. وتكون ﴿أَن﴾ [[(أنَّ): ساقطة من: (ج).]] الأولى يصلح فيها الخفض، كقولك: شهد الله بتوحيده، أنَّ الدين عند الله الإسلام. الوجه الثاني: أنه فتحهما على أن الواو تُراد [[في (ج)، (د): (تزاد).]] في قوله: ﴿إِنَّ الدِّينَ﴾؛ كأنه قيل: (شهد الله أنه لا إله إلَّا هو: وأنَّ الدين عند الله الإسلام). فيكون قوله [[(قوله): ساقطة من: (ج)، (د).]]: (أنَّ الدين عند الله الإسلام) جملةً استغني فيها عن حرف العطف؛ بما تضمنت من ذكر الأول المعطوف عليه، وهو التوحيد، كما استغني عنه بذلك في قوله: ﴿ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف: 22]، ولو كانت (الواو) لكان ذلك حسنًا [[قول المؤلف: (ولو كانت (الواو) لكان ذلك حسنًا) قد يريد به: أن الواو لو كانت ظاهرة في الآية؛ لكان هذا الوجه والتخريج النحوي حسنًا، وقد يفهم كلام المؤلف أن الواو لو كانت في الآية لكان ذلك أفضل من حيث استقامة التركيب، وهذا لا يجوز لأنه يبدو كأنه اقتراح على الله، والقراءات الصحيحة المتواترة قرآن، ودورنا إزاءها أن نذكر الوجوه النحوية لها، لا أن نعترض أو نقترح أو نفضل أو نحبذ. ولذا فإني أرجح أن قصد المؤلف هو الأول، لأنه حاشاه أن يقصد الثاني.]]، كما قال: ﴿وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ [[ما بين المعقوفين زيادة من: (د).]] [الكهف:22]. الوجه الثالث: وهو مذهب البصريين: أن تجعل (أنَّ) الثانية بدلًا من الأولى، فكأنَّ [[ضعف ابن عطية هذا الوجه في "المحرر الوجيز" 3/ 53، وبين أبو حيان وجه الضعف في هذا التخريج، فقال: "وجه ضعفه أنه متنافر التركيب مع إضمار حرف العطف، فيفصل بين المتعاطفين المرفوعين بالمنصوب المفعول، وبين المتعاطفين المنصوبين بالمرفوع المشارك الفاعل في الفاعلية، وبجملتي الاعتراض، وصار في التركيب دون مراعاه الفصل نحو: (أكل زيد خبزًا وعمرو سمكًا) وأصل التركيب: (أكل زيد وعمرو خبزا وسمكًا .. وإضمار حرف العطف لا يجوز على الأصح): "البحر المحيط" 2/ 408.]] التقدير: (شهد الله أنَّه، أنَّ الدِّينَ عند الله الإسلام). فيكون هذا من الضرب الذي الشيء فيه، هو هو [[وهو ما يسمى: البدل المطابق، أو بدل كلِّ من كل، وهو الذي يساوي المبدل منه في المعنى مساواة تامة.]]، نحو قولك: (ضربت زيدًا نفسَه). ألا ترى أنَّ الدين الذي هو الإسلام، يتضمنُ التوحيد، وهو هو في المعنى. وإن [[في (ج): (فإن).]] شئت، جعلته مِنْ بدل الاشتمال؛ لأن الإسلام يشتمل على التوحيد [[من قوله: (فكأن ..) إلى (.. يشتمل على التوحيد): نقله عن "الحجة" للفارسي 3/ 23 بتصرف يسير.]]، فيكون كقولك: (ضربت زيدًا، رأسَه) [[انظر هذه التوجيهات، وغيرها لقراءة الكسائي -إضافة إلى ما سبق من مراجع- في: "إيضاح الوقف والابتداء" لابن الأنباري 2/ 572، "معاني القرآن" للنحاس 1/ 370، "القطع والائتناف" له:218، "الحجة" لابن خالويه:107، "المشكل" لمكي 1/ 152، "الكشف" له 1/ 338، "البيان" للأنباري 1/ 195، "الدر المصون" 3/ 83 - 88.]]. فإن قيل: على هذه القراءة، لو جاز إيقاع الشهادة على (أنَّ الدين)، لم يحسن إعادة اسم الله، ولكان: (أنَّ الدين عنده [[في (ج): (عند الله).]] الإسلام)؛ لأن الاسم قد سبق، فالوجه الكِنَايةُ عنه. قيل: إنَّ العرب ربما أعادت الاسم في موضع الكناية [[يعني بـ (الكناية): (الضمير).]]؛ كقول الشاعر: لا أرى الموتَ، يسبقُ الموتَ شيءٌ [[صدر بيت، وعجزه: نغَّص الموتُ ذا الغنى والفقيرا وهو لعدي بن زيد، في "ديوانه" 65. وورد منسوبًا له في "شرح ديوان الحماسة" للمرزوقي: 1/ 36، "أمالي ابن الشجري" 1/ 379، 2/ 6، "الأشباه والنظائر في النحو" للسيوطي: 8/ 30، "الخزانة" 1/ 378، 379، 6/ 90، 11/ 366. وقيل: البيت لسوادة بن عدي، وورد منسوبًا له في "كتاب سيبويه" 1/ 62، والنكت في تفسير "كتاب سيبويه" للشنتمري: 1/ 198، "شرح شواهد المغني" 2/ 876،== "الاقتضاب" 368، وقال في "لسان العرب": (لعدي أو سوادة بن عدي). 8/ 4488 (نغص). وصحح البغداديُّ في "خزانة الأدب" 1/ 381 أن البيت لعدي بن زيد. وورد غير منسوب في "الخصائص" 3/ 53، "إيضاح الوقف والابتداء" 1/ 320، 2/ 694، "شرح أبيات الكتاب" للنحاس: 67، " القطع والائتناف" له: 218، "ضرورة الشعر" للسيرافي 190، "العمدة" لابن رشيق: 686، "البيان" للأنباري: 1/ 63، 122، 144، 379، 2/ 44، 107، "مغني اللبيب"650. والبيت دليل على جواز إعادة الظاهر موضع المضمرة حيث كرر (الموت) في جملة واحدة. فـ (الموت) الأول مفعول لـ (أرى)، و (يسبق الموت) مفعول ثانٍ، وكان ينبغي أن يقول: يسبقه شيءٌ؛ لأن الاسم الظاهر متى احتيج إلى تكرير ذكره في جملة واحدة، كان الاختيار أن يُذكر ضميرُهُ، ولكن التكرير قد يراد به التعظيم والتفخيم. انظر في هذ المعنى "القطع والائتناف" 218، "شرح ديوان الحماسة" 1/ 118، "النكت" للشنتمري: 1/ 197 - 198.]] ومثله كثير [[انظر: "الكتاب": 1/ 61 - 62.]]. فأما المعنى: فقال ابن عباس [[لم أهتد إلى مصدر قوله.]]: افتخر المشركون بآبائهم، فقال كلُّ فريق منهم: لا دين إلَّا ديننا، وهو دين الله منذ بعث الله [[(الله): ليست في: (ج).]] آدَم، فكذبهم الله -تعالى-، فقال: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾، يعني الذي جاء به محمد ﷺ [[(ﷺ): ساقطة من: (ب).]]. وأصل الدين في اللغة: الجزاء. ثم الطاعة تسمى دينًا؛ لأنها [[(لأنها): ساقطة من: (د).]] للجزاء، وكل ما [[في (د): (كلما).]] يطاع الله تعالى به فهو دين [[انظر المعاني السابقة لـ (الدين) وغيرها، في "تأويل مشكل القرآن" 455، "الكامل" للمبرد: 1/ 328، "تهذيب اللغة" 14/ 181، "الأمالي" للقالي: 2/ 295، "والوجوه والنظائر في القرآن الكريم" د. سليمان القرعاوي: 323 - 328. إلا أن ابن فارس جعل أصل (الدين): الانقياد والذل، وجعل كون الدين بمعنى (الطاعة)؛ أن مرد الطاعة إلى الانقياد. وهكذا خرج بقية المعاني الواردة لـ (الدين). انظر: "معجم المقاييس" 2/ 319 (دين).]]، فاليهود يدَّعون أنهم يطيعون [[في (ج): (د): (يطيعونه).]] بما أتاهم به موسى، فذلك دين اليهودية، وكذلك النصارى، وكل فرقة. والمسلمون يطيعونه بما أتاهم به محمد ﷺ، فهو دين الإسلام [[في (د): (دين الله الإسلام).]]، والله تعالى يقول: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ ومعنى (الإسلام) في اللغة: الدخول [[من قوله: (الدخول ..) إلى (.. وتابعكم): نقله بنصه عن "تأويل مشكل القرآن" 479.]] في السَّلَمِ؛ أي: في الانقياد والمتابعة. قال الله عز وجل: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ﴾ [[وفي: نسخة (د)، وتأويل المشكل: ورد (السلام) بدلا من: (السلم)، وكذلك هي في مصاحفنا. وما أثبته، وردت به القراءة الصحيحة عن نافع، وابن عامر وحمزة، وكذلك وردت عن عاصم من رواية المفضل عنه، وعن ابن كثير من رواية عبيد عن شبل عنه، ويناسب مع إراده المؤلف من معنى بعده وقرأ بقية السبعة: السلام) بالألف الممدوة انظر: "السبعة" 236، "الكسف" لمكي 1/ 395، "حجة القراءات" لابن زنجلة 209.]] [النساء: 94]؛ أي: انقاد لكم وتابعكم [[انظر: "تفسير الطبري" 5/ 226. وقال الخطابي في "غريب الحديث" 2/ 411: (السَّلَمُ: الاستسلام) وقال بعد أن أورد آية 94 من النساء بقرأءة (السَّلَم): (أي: من استسلم وأعطى المقادة، وكذلك (الإسلام)؛ إنما هو: الطاعة لله، والانقياد لأمره، وأحدهما مشتق من الآخر). وانظر: "النهاية في غريب الحديث" 2/ 394، "اللسان" 4/ 2077 (سلم).]]. وقيل: أصله: السِّلْم [[في "اللسان" 4/ 2077 (سلم): (والسَّلْمُ والسِّلْمُ: الصلح. يُفتح ويكسَر وُيؤنَّث ... والسَّلْمُ، والسلام: كالسِّلْم؛ وقد سالمه مُسالَمَة وسلامًا ... والسِّلْم: المُسالِم ... وقوم سِلْمٌ، وسَلْمٌ: مسالمون).]]. فـ (أَسْلَمَ): دخل في السِّلْم؛ كقولهم: (أشْتى)، و (أَقْحَطَ)، و (أرْبَعَ) [[انظر: "تأويل مشكل القرآن" 479، "تفسير الطبري" 3/ 212. وقد يكون المؤلف نقله عنه مع اختصار وتصرف. وأشتى أي: دخل في الشتاء، وأقحط: دخل في القحط، وأربع: دخل في الربيع. انظر المرجع السابق.]]. وأصل السِّلْم: السَّلامة؛ لأنه انقياد على السلامة. ثم من [[من قوله: (من الإسلام ..) إلى (قال أسلمت لرب العالمين): نقله بتصرف واختصار عن "تأويل مشكل القرآن" 479.]] الإسلام [[في (ب): (أسلم).]] ما هو متابعة وانقياد باللسان دون القلب، وهو قوله: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [[الإسلام هنا: هو الإسلام بالمعنى اللغوي، وهو: الانقياد بالجوارح دون القلب. وانقياد اللسان والجوارح في الظاهر يُعد إسلامًا لغةً، وفي نفس الوقت يُكتَفى به شرعًا عن البحث عن خبايا القلوب. (وكل انقياد واستسلام واذعان، يسمى: إسلامًا لغةً) والأعراب المذكورون في الآية هم بعض الأعراب؛ لأنه تعالى قال: ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [التوبة: 99] انظر: "أضواء البيان" 7/ 636، 639.]] [الحجرات: 14]؛ أي: انقدنا [[في (د): (أنقذنا).]]؛ من خوف السيف. ومنه، ما هو متابعة وانقياد باللسان والقلب، وهو قوله: ﴿قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، فهذا معنى الإسلام. وذكر ابن الأنباري [[في "الزاهر" 2/ 203. ولكن المؤلف ينقل قول ابن الأنباري عن "تهذيب اللغة" 2/ 1742 نظرًا لتطابق العبارة مع "التهذيب". وعبارة ابن الأنباري: (المسلم: المخلص لله العبادة، وقالوا: هو مأخوذ من قول العرب: (قد سَلم الشيءُ لفلان): إذا خلص له).]] في المسلم قولًا آخر، وهو: أنَّ المسلم معناه: المُخْلِصُ لله العبادة. من قولهم: (سَلَّمَ الشيءَ لفلان)؛ أي: خلَّصه [[في (أ)، (ب): (خلَّفته). والمثبت من: (ج)، (د). نظرًا لموافقته لما في "الزاهر" و"التهذيب" ولموافقته للمعنى المراد وهو الإخلاص.]] له، و (سَلِمَ له الشيءُ) [[(الشيء): ساقطة من (ج).]]؛ أي: خَلصَ له. فعلى هذا الإسلام معناه: إخلاص الدين والعقيدة لله تعالى، وهو التبريء عن الشرك. وأصله أيضًا من السلامة؛ لأنه يعود إلى أن يُسْلِم دينَه لله، حتى يكون له سالمًا من غير شريك. وقوله تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾. معنى الاختلاف في اللغة، هو: ذهابُ أحدِ النَفسَيْنِ إلى نقيض ما ذهب إليه الآخر [[قال الراغب: (والاختلاف والمخالفةُ: أن يأخذ كلُّ واحدٍ طريقًا غير طريق== الآخر، في حاله أو قوله) "مفردات ألفاظ القرآن" للراغب: ص 294 (خلف). وانظر: "التوقيف" للمناوي 322.]]. والاختلاف في الأجناس: امتناعُ أحدِ الشيئين أن يَسُدَّ مَسَدَّ الآخر. وأراد بـ ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾: اليهود [[وممن قال بأنهم اليهود: الربيع بن أنس، وسعيد بن جبير. وقال محمد بن جعفر بن الزبير: إنهم النصارى. وقال ابن السائب: إنهم اليهود والنصارى. ولفظ ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ يعم الفريقين. انظر: "تفسير الطبري" 3/ 212، "تفسير ابن أبي حاتم" 8/ 612، "النكت والعيون" 1/ 380، "زاد المسير" 1/ 363، "تفسير الفخر الرازي" 7/ 226، "تفسير القرطبي" 4/ 44.]]. قال ابن عباس [[لم أهتد إلى مصدر قوله.]]: يعني: قريظة والنضير وأتباعهم. يقول: لم يختلف اليهود [[(اليهود): ساقطة من: (ب).]] في صدق نبوَّةِ محمد ﷺ لما كانوا يجدونه في كتابهم من نعته وصفته. ﴿إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ﴾ قال ابن عباس [[لم أهتد على مصدر قوله.]]: يريد: النبي ﷺ. وعلى هذا؛ سَمَّى النبي ﷺ (العِلْمَ)، وهو يريد المعلوم. والمصدر يقع على المفعول كثيرًا. والمعنى: أنهم كانوا يصدقونه بنعته وصفته قبل بعثه [[(قبل بعثه): ساقطة من: (د).]]، فلما جاءهم اختلفوا فآمن به بعضُهم، وكفر به الآخرون، فقالوا: لست الذي وُعِدْناهُ [[في (ج) و (د): (وعدنا به).]]، كقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: 89]. ويجوز أن يريد بـ (العِلْم): بيان ما جاء في التوراة من نعت محمد ﷺ وصفته، وبيان ما جاء في شأنه. يعني: أنهم ما اختلفوا إلَّا بعد صحة علمهم بنبوَّتِه، وإذا كان الاختلاف بعد العِلْم، كان ذلك أبلغ في الكفر والعناد، ودليل هذا التأويل قوله في سورة البقرة: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ [البقرة: 213]. وقوله تعالى: ﴿بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ معنى البغي: طَلَبٌ للاستعلاء [[هكذا ورد (أ). وورد في: (ب)، (ج)، (د): (الاستعلاء). وأثبَتُّ ما في نسخة الأصل؛ نظرًا لِمُوافقته لما سيأتي بعده من طلبهم للرئاسة. وما ذكره المؤلف من معنى (البغي)، إنما هو في موضعه في هذه الآية؛ لأن لـ (البغي) معانٍ عدة، وأصله: مجاوزة الحد. ومن وجوهه: الحسد، والظلم. انظر: "اللسان" 1/ 321 (بغى)، "الوجوه والنظائر في القرآن الكريم" د. القرعاوي 226.]] بالظلم. أخبر الله تعالى عن عِلَّةِ اختلافهم، فقال: فعلوا ذلك طلبًا للرئاسة، وحسدًا له على النُبُوَّةِ. فانتصب [[في (ج)، (د): (وانتصب).]] ﴿بَغْيًا﴾ في قول الأخفش [[في "معاني القرآن" له:1/ 199.]] على تقدير: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ [[من قوله: (إلا ..) إلى (.. اختلفوا بغيًا بينهم): ساقط من: (د).]]. وقال الزجَّاج [[في "معاني القرآن" له 1/ 387، نقله عنه بنصه.]]: والذي هو الأجود؛ أن يكون ﴿بَغْيًا﴾ منصوبًا بما دلَّ عليه: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ﴾. فيكون المعنى: اختلفوا بغيًا بينهم. قال أبو علي [[في "الإغفال فيما أغفله الزجاج من المعاني"، له: 1/ 573 - 575. تَصَرّف في بعض عباراته، ونقل بعضَها بالمعنى.]]: وجهُ قولِ الأخفش: أنَّ ﴿بَغْيًا﴾ انتصب [[قوله: (وجه قول الأخفش: أن بغيًا انتصب): ساقط من: (ج).]] على أنه مفعول له؛ أي: للبغي؛ كقولك: (جئتُ مَخافةَ الشرِّ، وابتغاءَ الخير). [قال] [[ما بين المعقوفين زيادة من: (د).]]: وأَغْفِرُ عَوْراءَ الكريمِ ادِّخارَهُ [[صدر بيت. وعجزه: وأصْفَح عن شتمِ اللئيمِ تَكَرُّما وهو لحاتم الطائي، وهو في: "ديوانه" (ن: دار مكتبة الهلال): 72، وورد منسوبًا له، في "كتاب سيبويه" 1/ 368، "الإفصاح" 279، "شرح المفصل" 2/ 54، "اللسان" 5/ 3165 (عور)، "التصريح بمضمون التوضيح" للأزهري: 1/ 392، "شرح شواهد المغنى" 2/ 952، "الخزانة" 3/ 115، 122. "الجمل" للخليل: 95، "معاني القرآن" للفرَّاء: 2/ 5، "معاني القرآن" للأخفش: 1/ 167، "الكامل" 1/ 291، "المقتضب" 2/ 348، "المحلى" (وجوه النصب)، لابن شقير: 69، "وأسرار العربية" للأنباري: 187، "الاقتضاب" 109. وورد في بعض المصادر بالروايات التالية: (.. اصطناعه وأعرض عن ذات ..) و (.. اصطناعه وأصفح عن ذات ..) و (.. وأصفح عن شتم ..). ومعنى (أغفر): استُر. و (العَوْراء): الكلمة، أو الفعلة القبيحة، و (الادِّخار)، افتعال من (الذُّخر)، بمعنى: الاتخاذ والحفظ، وأصلها: (اذتخار)، فقلبت التاء ذالًا، وأدْغِمَت فيها الذالُ الأصليةُ، فصارت ذالًا مشدوةً، ثم أبدِلَت الذالُ دالًا. انظر: "اللسان" 3/ 1490 (ذخر)، 5/ 3165 (عور)، 6/ 3274 (غفر). ومعنى البيت: إذا جهل علي الكريمُ بكلمة أو فعلةٍ قبيحة، سترتها عليه، وسامحته، واحتملتها منه؛ للإبقاء على صداقته، ولادِّخاره ليوم احتاج إليه فيه. وإن شتمني اللئيمُ أعرضت عن شتمه والرد عليه؛ إكرامًا لنفسي. والشاهد في البيت: نصب (ادِّخارَه)، و (تكَرُّما) على المفعول لأجله، والأصل فيه: (لادخارِه)، و (للتكرمِ)، فلما حُذِف حرفُ الجرِّ، انتصب الاسمُ.]] ووجه قول الزجَّاج: أنَّه انتصب على المصدر؛ كأنه لمَّا قيل: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ دلَّ [[(دل): ساقطة من: (ج).]] على: (وما بغى [[في (أ)، (ج): (بغا). والمثبت من: (ب)، (د).]] الذين أوتوا الكتاب). فحُمِلَت ﴿بَغْيًا﴾ عليه [[أي أنَّ (بغيًا) مصدر مؤكِّد (مفعول مطلق)، ويكون التقدير: (وما بغى الذين أوتوا الكتاب ... بغيًا). والمعنى بناء على رأي الأخفش: أن الاختلاف بينهم حاصل قبل مجيء العلم وبعده، ولكن سببه بعد مجيء العلم هو البغي، فهو المفعول لأجله. والمعنى على رأي الزجاج: أن الخلاف بينهم حصل بعد مجيء العلم فقط وسببه البغي. هذا والله أعلم.]]. فإن قيل: ما الفصل [[في (ب): (الفعل).]] بين ما ينتصب على المصدرة نحو: ﴿صُنْعَ الله﴾ [[وقد انتصبت (صُنْعَ) بفعلٍ مضمرٍ دلَّ عليه ما قبله؛ لأن معنى الجملة: (صَنَعَ اللهُ ذلك صُنْعًا)، أو (صنع صنعًا، الله). ثم أضاف المصدر إلى الفاعل. ويجوز نصبها على الإغراء؛ أي: (انظروا صنع اللهِ). ولكن ليس هذا الوجه محل الشاهد. انظر: "إعراب القرآن" المنسوب للزجاج: 2/ 768، "إعراب القرآن" للنحاس: 2/ 536، "البيان" للأنباري: 2/ 228.]]، وما ينتصب على أنَّه مفعول له؛ نحو: (ادِّخاره)، وبابه؟ فالقول: إنَّ الجميع وإن كانا يجتمعان في أنهما ينتصبان عن تمام الكلام؛ فالمفعول له؛ معناه: الإخبارُ بالغرض الذي من أجله فُعِل الفعلُ، والسبب له. والعامل فيه؛ هو هذا الفعل [[في (د): (السبب).]] الظاهر. وأما [[في (د): (فأما).]] المصدر: فالنحويون يُسَّمونه مفعولًا مطلقًا؛ لأن الفاعل أحدثه. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾. هذا شرطٌ وجوابُ، يتضمن وعيدًا لليهود الذين كفروا بمحمد ﷺ. وذكرنا معنى ﴿سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ في سورة البقرة [[انظر تفسير آية: 202 من سورة البقرة.]].

آل عمران 3:20

قوله تعالى: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: 20]. قال ابنُ عباس [[لم أهتد إلى مصدر قوله إلا ما ورد في "تنوير المقباس" 44، فقد قال بعد قوله تعالى: ﴿حَاجُّوكَ﴾ (يعني: اليهود والنصارى)، وقال بعد ﴿وَالْأُمِّيِّينَ﴾: (يعني: العرب).]]: نزلت في يهود المدينة، ونصارى نَجْرَان، والأمِّيِّين من العرب. قال الكلبي [[قوله في "تفسير الثعلبي" 3/ 25 أ.]]: وذلك أن اليهود والنصارى قالت: لسنا على ما سميتنا به يا محمد، إنما اليهودية والنصرانية نَسَبٌ، والدِّين هو الإسلام، ونحن عليه. قال الزَّجَّاج [[في "معاني القرآن" له 1/ 388، نقله عنه بتصرف.]]: فأمر الله تعالى نبيَّه بأن يحتجَّ عليهم؛ أنه اتَّبع أمرَ اللهِ، الذي هم مُجْمِعون [[في "معاني القرآن": (أجمعون).]] مُقرُّون بأنه خالقُهم، وأمَرَه بقوله: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ﴾ الآية بأن يدعوهم إلى ما هو عليه من الإسلام. قال أهل المعاني [[لم أعثر على من نصَّ على هذا القول، ممن سبق المؤلف.]]: وإنما لزمتهم الحُجَّة من حيث إن النبي ﷺ أراهم الدلالة على صدقه ونبوَّته، ثم دعاهم إلى اتباع أمر من أقروا بأنه خالقهم، فإذا لم يطيعوه، صاروا محجوجين. فهذا وجه الحجة للنبي ﷺ في قوله: ﴿فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ﴾. ومعنى ﴿أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ﴾: أي: انقدت له بقلبي ولساني وجوارحي. وذكرنا أن الإسلام معناه -في اللغة-: الانقياد [[انظر ما سبق عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ من آية 19 من هذه السورة.]]. وذُكِرَ (الوجه) هاهنا؛ لأنه أكرم جوارح الإنسان، فإذا خضع وجهُهُ لشيء، فقد خضع له سائرُ جوارحه [[انظر: "تفسير الطبري" 3/ 214، "تفسير الثعلبي" 3/ 25 ب.]]. وقال ابن عباس في هذه الآية [[لم أهتد إلى مصدر قوله.]]: يريد: كما قال أبوك إبراهيم: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: 131]. وقد ذكرنا هناك معنى (أسلم) و (أسلمْتُ). وقال الفرَّاء [[لم أهتد إلى مصدر قوله وهو موجود في "تفسير الثعلبي" 3/ 25 ب.]]: معنى [أسلمت وجهي لله: أخلصت عملي لله؛ يقال [[في (ج): (فقال).]]] [[ما بين المعقوفين ساقط من: (ج)، (د).]]: (أسلمتُ الشيءَ لفلان)؛ أي: أخلصته لهُ، فسلم له الشيء، ولم يشاركه غيره [[في (ج): (فيه).]]. قال: ومعنى (الوجه) ههنا: العمل، كقوله: ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام: 52 - الكهف: 28]، أي: قصده والعمل. وقول الشاعر: ... إليه الوجهُ والعَمَلُ [[عجز بيت، وتمامه: أستغفرُ الله ذنبًا لست مُحصِيَهُ ... رب العباد إليه الوجه والعمل لم أهتد إلى قائله، وقد ورد غير منسوب في المصادر التالية "كتاب سيبويه" 1/ 37، "معاني القرآن" للفرَّاء: 2/ 314، "تأويل مشكل القرآن" 177، "أدب الكاتب" 524، "المقتضب" 2/ 321، "الأصول في النحو" 1/ 178، "المحلى" لابن شقير: 68، "الخصائص" 3/ 247، "الصاحبي" 291، 339، "أمالي المرتضى" 1/ 591، "تفسير الثعلبي" 25/ 3 ب، "المخصص" 14/ 71، "الاقتضاب" 3/ 400، "شرح المفصل" 7/ 63، 8/ 51، "اللسان" 5/ 26 (غفر)، "شرح شذور الذهب" ص 445، "المقاصد النحوية" 3/ 226، "منهج السالك" (شرح الأشموني): 2/ 194، "التصريح" للأزهري: 1/ 394، "الهمع" 5/ 17، ورد فيه الشطر الأول فقط. "خزانة الأدب" 3/ 111، "الدرر اللوامع" 2/ 106. ومعنى البيت: أطلب المغفرة؛ أي: الستر على ذنوبي، ويريد بـ (الذنب) هنا اسم الجنس؛ أي: جميع الذنوب؛ لأنه قال بعده: (لست محصِيَهُ)؛ أي: لا أحصي عدد ذنوبي التي عملتها، وأستغفر الله من جميعها. و (الوجه) هنا القصد، وهو بمعنى: التوجُّه؛ أي: إليه التوجه في الدعاء.]] نسق بالعمل على الوجه، وهما واحدٌ؛ لاختلاف اللفْظَيْن. ومضى الكلام في هذا عند قوله: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾ [البقرة: 112]، الآية. وقوله تعالى: ﴿وَمنِ اَتَّبَعَنِ﴾. ﴿مَنِ﴾ عطف على الضمير في ﴿أَسْلَمْتُ﴾ من غير أن يؤكده؛ لأن الكلام طال بقوله: ﴿وَجْهِىَ للهِ﴾، فصار عِوَضًا من تأكيد الضمير المُتَّصِل. ولو قيل: (أسْلَمْتُ وزيدٌ)، لم يَحْسُن حتى يقول: (أسلمتُ أنا وزيدٌ). فإن قال: (أسلمتُ اليوم [[(اليوم): ساقطة من (د).]] بانشراح صدرٍ ومن جاء معي)، جاز وحَسُنَ [[وفي إعراب ﴿وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾، وجوهٌ أخرى، وهي: أنها مرفوعة على الابتداء، وخبره محذوف، والتقدير: (ومن اتَّبعني أسلم وجهه لله). أنها منصوبة على المعيَّة، والواو واو المعية؛ أي: (أسلمت وجهي لله مع من اتبعني)، أو (مصاحبًا لمن أسلم وجهه لله). أنها في محل جر عطفا على اسم الله تعالى، على تأويل: (جعلت مقصدي لله بالإيمان به والطاعة له، ولمن اتَّبعني بالحفظ له والاحتفاء بعمله وبرأيه وبصحبته). ويظهر على الوجه التكلف والتعسف. انظر هذه الوجوه، في "الفريد في إعراب القرآن المجيد" للمنتجب الهمداني 1/ 555، "البحر المحيط" 2/ 421، "الدر المصون" 3/ 90 - 92، "الفتوحات الإلهية" 1/ 253.]]. [قال أبو إسحاق [[في "معاني القرآن" له 1/ 389، نقله عنه بتصرف واختصار قليل.]]: حذفت الياء من (اتبعن)، وهذه الياء إذا وقعت في آخر آية، حسن] [[ما بين المعقوفين زيادة من: (ج)، (د).]] حذفها [[(حذفها): ساقطة من: (د).]]؛ لأن أواخر الآي تُشَبَّهُ [[(تشبه): مطموسة في (ج).]] بقوافي الشِّعْر، وأهل اللغة يسمونها الفواصل. قال الأعشى: ومن شانئٍ كاسِفٍ بالُهُ ... إذا ما انتسَبْتُ له أنكَرَنْ [[البيت في "ديوانه" ص 207. وورد منسوبًا له في "الكتاب" 4/ 187، "أمالي ابن الشجري" 2/ 291، و"مجاز القرآن" 2/ 195، و"الأمالي" للقالي 2/ 263، و"إيضاح الوقف والابتداء" لابن الأنباري 259، و"فقه اللغة" للثعالبي 218،== "شرح المفصل" 9/ 83، 86. وورد غير منسوب في "غريب الحديث" للحربي: 2/ 874، "وشرح أبيات سيبويه" للنحاس: 189. وروايته في الديوان وبعض المصادر: (.. كاسف وجهه ..)، وورد في بعض المصادر: (.. ومن كاشح ظاهِرٍ غِمْرُهُ ..). و (الشانئ): المُبغِض، و (كاسف البال): سيِّء الحال، و (كاسف الوجه): عابِسُه؛ من سوء الحال، و (رجل كاسف): مهمومٌ، قد تغير لونه، وهزل من الحزن. و (أنكرن): أنكرني بادِّعائه أنه لا يعرفني؛ لكراهيته لي. أما في الرواية الثانية: فمعنى (كاشح)؛ أي عدو مبغض، وهو الذي يضمر لك العداوة في كَشْحه؛ أي: باطنه، أو يطوية عنك كشحُهُ وُيعرض عنك، و (الكشح): الخَصْر. و (الغَمْرُ) بفتح الغين وكسرها: الحقد والغِل. انظر: "اللسان" 4/ 2335 (شنأ)، 7/ 3877 (كسف)، 7/ 3880 (كشح)، 6/ 3294 - 3295 (غمر). والشاهد في البيت: حذف الياء من (أنكرن) في الوقف عليها في القافية، وأصلها: (أنكرني).]] فإذا لم يكن آخر آيةٍ أو قافيةٍ، فالأكثر إثبات الياء، وحذفها جيد، خاصة مع النونات؛ لأن أصل (اتبعني) [[في (ب): (اتبعن).]]: (اتبعي) [[في (أ)، (ب): (اتَّبعنن). والمثبت من: (ج)، (د)، "معاني القرآن" للزجَّاج، "زاد المسير" 1/ 364.]]، فزيدت النونُ؛ لِتَسْلَم فتحةُ العيْن. فالكسرة [[في (د): (فالكسر).]] من النون، تنوب عن الياء، فإذا لم تكن النون؛ نحو: (غلامي)، (وصاحبي)، فالأجود إثباتها، وحذفها قليل، إلا أنه جائز؛ لأن [[في (ج): (إلا أن).]] الكسْرَة دالة عليه. قال ابن عباس [[لم أعثر على مصدر قوله.]]: ﴿وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾: يريد: المهاجرين والأنصار. وقوله تعالى: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ﴾. يعني: العرب [[أي: إن الأميِّين هم العرب. وسُمُّوا بذلك كما يقول ابن عطية: نسبة (على الأم،== أو إلى الأمَّة ... أي: كما هي الأم، أو على حال خروج الإنسان عن الأم، أو على حال الأمة الساذجة قبل التعلم والتحذق) "المحرر الوجيز" 3/ 58؛ أي: سُمُّوا بذلك لعدم معرفتهم الكتابة والقراءة. وانظر: "تهذيب اللغة" 1/ 204 - 205 (أمم). وبهذا ورد الأثر عن ابن عباس، كما في "تفسير الطبري" 3/ 215، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 620. ويعزز هذا قول النبي ﷺ: "إنَّا أمة أمية، لا نكتب ولا نحسب .. ". أخرجه البخاري في "صحيحه" 2/ 230 كتاب الصوم، باب: 13، ومسلم في: "صحيحه": 2/ 761. كتاب الصيام، باب: وجوب صوم رمضان، رقم: 15. وقال محمد بن جعفر بن الزبير، ومحمد بن إسحاق: الذين لا كتاب لهم. انظر: "تفسير الطبري" 3/ 215، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 619.]] ﴿أَأَسْلَمْتُمْ﴾. قال الفرَّاء [[في "معاني القرآن" له: 1/ 202.]]، والزجَّاج [[في "معاني القرآن وإعرابه" له 1/ 390، وعنه نقل المؤلف العبارات التالية، بتصرف.]]: معناه: الأمر؛ أي: أسلموا؛ لأنه استفهام في معنى التوقيف والتهديد، وفي ضمنه الأمر؛ كما تقول للإنسان، بعد أن تأمره وتُؤكِّد عليه: أقَبِلْتَ؟ فأنت تسأله متوعدًا، وفي مسألتك دليلٌ أنك تأمره أن يفعل، ومثله قوله [[(قوله): ساقط من: (ج).]]: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: 91]؛ أي: انتهوا. قال النحويون: إنما جاء الأمر في سورة الاستفهام؛ لأنه بمنزلته في طلب الفعل، والاستدعاء إليه، فذكر ذلك؛ للدلالة على الأمر، من غير تصريح به؛ ليُقِرَّ المأمورُ بما يلزمه من الأمر. وقوله تعالى: ﴿عَلَيْكَ الْبَلَاغُ﴾. البلاغُ: اسمٌ [[(اسم): ساقط من: (د).]] للمصدر، بمنزلة التبليغ؛ كـ (السَّراح) [[(السَّراح) اسم للمصدر، بمعنى: التسريح، وأصل (التسريح): إرسال الإبل في المرعى، ثم جُعِل للمطلق الإرسال، ثم استعير في الطلاق، فـ (تسبح المرأة): تطليقها، والاسم: (السَّراح)، قال تعالى: ﴿وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ الأحزاب: 49، وقال: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: 229]. ومن معاني (السَّراح): السهولة، والمصدر: (التسريح)؛ أي التسهيل. انظر: (سرح)، في "اللسان" 4/ 1984 - 1985، "عمدة الحفاظ" 237.]] و (الأداء)، أي: تبليغ الرسالة. وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾. قال ابن عباس [[لم أهتد إلى مصدر قوله.]]: ممن [[في (ج): (من)، (د): (بمن).]] آمن بك وصدَّقَكَ، ومن كفر بك وكذبك [[والذي في: "تنوير المقباس" عنه: 44: (بمن يؤمن، وبمن لا يؤمن).]]. وفي هذه الآية تسلية للمصطفى ﷺ حين أُخبر أنه ليس عليه هداهم، إنما عليه التبليغ، فإذا بلَّغ فقد أدَّى ما عليه. وقال بعض المفسرين: حكم هذه الآية قبل أن يُؤمر النبي ﷺ بالسيف [[يعني أنها منسوخة، والمنسوخ منها عندهم هو قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾. وممن قال بذلك ممن سبق المؤلف بالوفاة: أبو عبد الله، محمد بن حزم الأنصاري، المتوفى سنة (320 هـ) تقريبًا، في كتابه: "الناسخ والمنسوخ في القرآن": 30، وهبة الله بن سلامة، المتوفى سنة (410 هـ) في كتابه: "الناسخ والمنسوخ من كتاب الله عز وجل": 60. والناسخ لها عندهم هي آية السيف، وهي في أصح أقوال العلماء: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ [التوبة: 5]. ومنشأ دعواهم بأنها منسوخة، هو أنَّ الآية بما تضمنته من أسلوب القصر حصرت مهمة النبي ﷺ، في تبليغ الرسالة والموادعة دون قتال المخالفين، ثم جاءت آية == السيف بالإذن بقتالهم، فنسخت الاقتصارَ على التبليغ، وصارت المهمةُ بعدها: التبليغ والقتال في سبيل ما كُلِّفَ بتبليغه، ولكن دعوى النسخ هذه لا تُسلَّم؛ لأمور منها: أن هذه الآية خبَر، والأخبار لا تقبل النسخ. أن القول بالنسخ يقتضي معرفة تاريخ نزول الآية؛ ليقال: إن اللاحق نسخ السابق، والتاريخ هنا غير معروف. إن القصر هنا إضافيٌّ، يُراد به تقرير أن الرسول ليس مكَلَّفًا بإيجاد الإيمان في القلوب، وهو ما يُسمَّى بهداية القبول، فذلك من حق الله تعالى، أمَّا هداية البيان والإرشاد والتبليغ فذلك من وظيفة النبي ﷺ، وهي المرادة في هذه الآية. أن الآية كما يقول د. مصطفى زيد: (لم تكن تقصد إلى إعفاء النبي ﷺ من واجب القتال في سبيل الدعوة، وإنما قصدت إلى تقرير أنه قد بَلَّغ عن الله فأدَّى ما عليه. وشَرْعُ القتال قبلها، ثم بعدها بآية السيف وغيرها لم يغير شيئًا من حقيقة الوظيفة التي كُلِّفَ القيام بها، وإن كان قد زاد الوسائل إليها وسيلة جديدة، هي: مشروعية القتال في سبيلها؛ لتأمين الدعوة، وحماية أرواحهم من عدوان الكفار عليهم، لا لحملهم على الدخول في الإسلام بقوة السلاح). "النسخ في القرآن" د. مصطفى زيد: 1/ 425، وانظر: "المحرر الوجيز" 3/ 59.]].

آل عمران 3:21

قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ نزلت في اليهود [[وقال محمد بن جعفر، وقتادة، وأبو سليمان الدمشقي: إن المراد هنا هم اليهود والنصارى. انظر: "تفسير الطبري" 3/ 215، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 621، "تفسير البغوي" 2/ 20، "زاد المسير" 1/ 365، "تفسير الخازن" 1/ 279، "البحر المحيط" 2/ 413 وقال ابن عطية، عن الآية بعد أن ذكر قول محمد بن جعفر: وتعم كلَّ من كان بهذه الحال، والآية توبيخ للمعاصرين لرسول الله ﷺ بمساوئ أسلافهم، وببقائهم أنفسهم على فعل ما أمكنهم من تلك المساوئ؛ لأنهم كانوا حرصى على قتل محمد ﷺ. "المحرر الوجيز" 3/ 60.]]، ومعنى هذه الآية، قد ذكرنا في سورة البقرة، عند قوله: ﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 61]. وقوله تعالى: ﴿وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ﴾. روى أبو عبيدة بن الجرَّاح [[هو: عامر بن عبد الله الجَرَّاح، الفِهْري القرشي. من كبار الصحابة، والسابقين منهم، سماه رسول الله ﷺ (أمينَ هذه الأمة)، وأحد العشرة المبشرين بالجنة، شهد بدرًا وما بعدها من المشاهد، توفي بالأردن، سنة (18هـ). انظر: "الاستيعاب" 2/ 341 - 343، "الإصابة" 2/ 252 - 254.]]: أن النبي ﷺ قال: قَتَلَت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين [[في (ب): (وأربعون).]] نبيًا من أول النهار في ساعة واحدة، فقام مائة واثنا [[في (د): (واثنى).]] عَشَرَ رجلًا، من عبَّاد بني إسرائيل، فأمروا مَنْ قَتَلَهم بالمعروف، ونَهَوْهم عن المنكر، فقُتِلُوا جميعًا من آخر النهار، في ذلك اليوم، فهم الذين ذكر الله عز وجل في كتابه، وأنزل الآية فيهم [[الأثر عن أبي عبيدة، أخرجه: الطبري في "تفسيره" 3/ 216، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 621 وفيه بلفظ (.. فقام مائة رجل وسبعون رجلًا ..)، والثعلبي في "تفسيره" 3/ 26 ب، وذكره (8) الماوردي في "النكت والعيون" 1/ 381، والبغوي في "تفسيره" 1/ 20 - 21، والديلمي في: "مسند الفردوس": 5/ 361 رقم (8441) وأورده القرطبي في "تفسيره" 4/ 46، ونسب إخرا جه للمهدوي، وذكره ابن كثير في "تفسيره" 1/ 381، والسيوطي في "الدر المنثور" 2/ 23. وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد" 7/ 272، وقال: (رواه البزار، وفيه ممن لم أعرفه اثنان). وفيه عندهم جميعًا: أبو الحسن مولى بني أسد، وهو مجهول. انظر: "الجرح والتعديل" 9/ 357، "ميزان الاعتدال" 6/ 188، "المغني في الضعفاء" للذهبي: 2/ 780.]]. وقرأ حمزةُ [[هو: أبو عمارة، حمزة بن حبيب الزيات، تقدمت ترجمته.]]: (ويُقاتِلون الذين)، لأنه [[من قوله: (لأنه ..) إلى (.. قتال المباين المشاق لهم): نقله عن "الحجة" للفارسي 3/ 24 بتصرف كثير.]] اعتبر قراءةَ عبد الله [[هو ابن مسعود رضي الله عنه. وانظر قراءته، في "المصاحف" لابن أبي داود: == 59، "تفسير الثعلبي" 3/ 26 أ، "الحجة" للفارسي 3/ 24، "البحر المحيط" 2/ 414.]]: (وقاتَلوا الذين يأمرون)، فقرأ [[من قوله: (فقرأ ..) إلى (.. يريد قاتلوا): ساقط من: (ج).]]: ﴿يُقَاتِلُونَ﴾، وهو يريد: (قاتَلُوا)، كما روي في حرف عبد الله. ويجوز أن يكون المضارع، بمعنى الماضي؛ كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الحج: 25]، وقال في أخرى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا﴾ [[سورة النساء: 167، وورد هذا المقطع كذلك في: سورة النحل: 88، وسورة محمد: 32، 34.]]، فالأول جاء على لفظ المضارع؛ حكاية للحال، كذلك [[من قوله: (كذلك ..) إلى (.. حكاية للحال): ساقط من: (د).]] قراءة حمزة: (ويقاتلون)، يجوز [[في (ج): (ويجوز).]] أن يكون مراده: (قد قاتَلوا)، إلا أنه جاء على لفظ المضارع، حكايةً للحال. والمعنى في قراءة حمزة: أنهم لا يوالون الذي يأمرون بالقسط؛ ليقلَّ نهيُهم [[في (أ)، (ب): (نبيهم)، والمثبت من: (ج)، (د)، ومن "الحجة" للفارسي. وورد في إحدى نسخ "الحجة" أشار إليها محققه: (لِثِقَلِ نَهْيِهِم).]] إيَّاهم عن العدوان عليهم، فيكونون متباينين لهم [[هكذا جاءت في جميع النسخ، وفي "الحجة" للفارسي: (مباينين)، وهي الأصْوَب، ولكني تركت ما في الأصل كما هو؛ لاتفاق جميع النسخ عليه.]] مُشاقِّينَ؛ لأمرهم بالقسط، وإن لم يقتلوهم [[في (ج): (يقاتلوهم).]] كما قتلوا الأنبياء، ولكن يقاتلونهم [[فى (ج): (يقاتلوهم).]] قتال المُبايِنِ، المُشاقِّ لهم. والصحيح الموافق لتفسير الآية: قراءةُ العامَّةِ [[قال النحاس في "معاني القرآن" 1/ 375: (فإن قال قائل: الذين وُعظوا بهذا لم يقتلوا نبيًا. فالجواب عن هذا: أنهم رضوا فِعْلَ من قَتَل، فكانوا بمنزلته، وأيضًا فَإنهم قاتلوا النبي ﷺ وأصحابه وهمُّوا بقتلهم ..).]]. وقوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾. ذكرنا معنى التبشير، وجواز إطلاقه فيما [لا] [[ما بين المعقوفين زيادة من: (ج)، (د)؛ ليستقيم بها المعنى.]] يَسُر، عند قوله: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: 25]. وأما [[من قوله: (وأما ..) إلى (.. ذكرنا ما فيه عند قوله): ساقط من (د).]] دخول الفاء في قوله: ﴿فَبَشِّرْهُمْ﴾ وهو خبر الابتداء، فقد [[في (ج): (وقد).]] ذكرنا ما فيه عند قوله: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 158].

آل عمران 3:22

قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ هو يريد بـ ﴿أَعْمَالُهُمْ﴾: ما هم عليه من ادِّعائهم التمسك بالتوراة، وإقامة شريعة موسى. وأراد ببطلانها في الدنيا: أنها لم تحقن دماءَهم، وأموالهم [[يعني المؤلف هنا والله أعلم: أنهم لم ينالوا بها محمدة الناس، وثناءَهم، ولم يرفع الله بها ذكرَهم؛ لأنهم كانوا على ضلال وباطل، ولعنهم وفضح ما كانوا يُخفُون من قبيح الأعمال على ألْسِنة رسله وأنبيائه في كتبه المنزلة، فأزال من قلوب الخلق محبَّتهم، وغرس فيها احتقارهم، وبقيت على مدى الدهر مذمَّتُهم؛ مما أدى لأن تُسفَك دماؤُهم، وتُسلَب أموالهم. انظر "تفسير الطبري" 3/ 217، "تفسير الفخر الرازي" 7/ 233.]]؛ وفي الآخرة: لم يستحقوا بها مثوبة، فصارت كأنها لم تكن ولم توجد.

آل عمران 3:23

قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾ الآية إنما قال: ﴿نَصِيبًا﴾؛ لأنهم كانوا يعلمون بعض ما في الكتاب [[وقال الشوكاني في "فتح القدير" 1/ 495: (وتنكير النصيب؛ للتعظيم؛ أي: نصيبًا عظيمًا، كما يفيده مقام المبالغة. ومن قال: إنَّ التنكير للتحقير فلم يصب، فلم ينتفعوا بذلك؛ وذلك بأنهم يدعون إلى كتاب الله الذي أوتوا نصيبًا منه، وهو التوراة). وبهذا قال الزجَّاج في "معاني القرآن" 1/ 391، والنحاس في "معاني القرآن" 1/ 376، والزمخشري في "الكشاف" 1/ 420، وأبو السعود في "تفسيره" 2/ 20.]]. والمراد بهؤلاء: اليهود. وقوله تعالى: ﴿يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ﴾. قال ابن عباس في رواية الضحَّاك [[هذا الأثر، في "تفسير الثعلبي" 3/ 27 أ، "تفسير البغوي" 2/ 21. وهو كذلك من رواية أبي صالح عنه، وهو قول الحسن، وقتادة. انظر: "النكت والعيون" 1/ 382، "زاد المسير" 1/ 367.]]: المرادبـ (كتاب الله) ههنا: القرآن، والله [تعالى] [[ما بين المعقوفين زيادة من: (ج)، (د).]] جعل القرآن حَكَماً بينهم وبين رسول الله ﷺ [[في (ج)، (د): (رسوله).]]، فَحَكمَ القرآن عليهم بالضلالة، فأعرضوا عنه. فإن قيل: كيف دُعوا إلى حكم كتابٍ لا يؤمنون به؟ قيل: إنَّما دُعوا إليه بعد [[(إليه بعد): ساقطة من (ج).]] أن ثبت أنه [[في (ج): (أنهم).]] من عند الله، بموافقته التوراة في الأنباء والقصص، ورصانته [[في (د): (ورصافته).]]، بحيث لم يقدر بشرٌ أن يعارضَه، وهذا قول قتادة [[يعني بـ (قول قتادة) والله أعلم: ما سبق أن ذكره من أن المراد بـ (الكتاب)، هو: القرآن.]]، وقال في رواية سعيد بن جُبَير، وعكرمة: إنَّ النبي ﷺ قال لليهود: "أنا على ملَّة [[في (ج): (ما أنا على ملة)، (د): (ما علامكة).]] إبراهيم، وملَّته: الإسلام"، فقالوا: إن إبراهيم كان يهودياً، فقال لهم رسول الله ﷺ: "فَهَلُمُّوا إلى التوراة". فأبوا عليه. فأنزل الله هذه الآية [[هذا الأثر في "سيرة ابن هشام" 2/ 179 - 180 "تفسير الطبري" 3/ 217، "ابن أبي حاتم" 2/ 622، "الثعلبي" 3/ 27 ب، "أسباب النزول" للواحدي: 102، "تفسير البغوي" 2/ 21 - 22، "زاد المسير" 1/ 366، "تفسير القرطبي" 4/ 50، وأورده السيوطي في "الدر" 2/ 24، "لباب النقول" 50، ونسب إخراجه لابن المنذر.]]. وقال في رواية أبي صالح: أنكروا آية الرجْمِ من التوراة، وكان قد زنى منهم رجل [[في (ج): (د): (رجل منهم).]] وامرأة، فكرهوا [[في (ج): (وكرهوا).]] رجمَهما [[في (ج): (رجمها).]] وسألوا النبي ﷺ ما يلزمهما [[في (أ): (يلزمها)، والمثبت من: (ب)، (ج) (ء).]]، فحكم بالرجْمِ. فقالوا: جُرْتَ [[قوله: (فقالوا: جرت): ساقط من (ج).]] يا محمد! فقال: "بيني وبينكم التوراة". ثم أتوا بابن صُورِيا [[جاء في "تفسير الثعلبي" 3/ 27 (ب) أن رسول الله ﷺ سأل اليهود، فقال: "فمن أعلمكم بالتوراة؟ " فقالوا: رجل أعور يسكن فدك، يقال له: ابن صوريا. واسمه: عبد الله.]]، فقرأ التوراة، فلما أتى على آية الرجم سترها بكفِّهِ، فقام [[في (ج): (فقال).]] ابنُ سَلام، فرفع كفه [[في (ج): (ارفع كفك).]] عنها، ثم قرأ على رسول الله ﷺ وعلى اليهود الرجْمَ، فغضب اليهودُ لذلك [[(لذلك): ساقطة من (ج).]] غضباً شديداً، وانصرفوا؛ فأنزل الله هذه الآية [[هذا الأثر في "تفسير الثعلبي" 3/ 27 ب من رواية الكلبي عن أبي صالح. كما ورد في "تفسير البغوي" 2/ 22، "زاد المسير" 1/ 366، "البحر المحيط" 2/ 416. وقد ذكره المؤلف هنا مختصرًا وأورد طرفًا منه في "أسباب النزول" 102، وأشار إلى أنه سيأتي بيان ذلك في سورة المائدة، ولكنه عند إيراده لأسباب نزول سورة المائدة، لم يورد هذا الأثر عن ابن عباس، وإنما أورد آثارًا أخرى في نفس المعنى. ولم أجد أحدًا من المفسرين ممن اطَّلعت على تفاسيرهم ذكر هذا السبب عند هذه الآية، إلَّا من سبق ذكره، وإنما أورد المفسرون هذا السبب عند الآية: 41، 43 من سورة المائدة، ولكن بروايات أخرى عن ابن عباس وغيره، وأقرب هذه الروايات إلى ما ذكره المؤلف: ما أخرجه البخاري عن ابن عمر - رضي الله عنه - أنه قال: (إنَّ اليهود جاءوا إلى رسول الله ﷺ، أن رجلًا منهم وامرأة زنيا، فقال لهم رسول الله ﷺ "ما تجدون في التوراة في شأن الرجم؟ " فقالوا: نفضحهم ويُجلدون. قال عبد الله بن سَلاَم: كذبتم! إن فيها الرجم. فأتوا بالتوراة فنشروها، فوضع أحدُهم يَدَه على آية الرجم، فقرأ ما قبلها وما بعدها، فقال عبد الله بن سلام: ارفع يدك. فرفع يده، فإذا فيها آية الرجم. قالوا: صدق يا محمد، فيها آية الرجم. فأمر بهما رسول الله ﷺ فَرُجِما، فرأيت الرجل يحني على المرأة يقيها الحجارة). "صحيح البخاري" (6841). كتاب الحدود. باب: أحكام أهل الذمة. وأخرجه مسلم في "صحيحه" (1699) كتاب الحدود، باب: رجم اليهود، أهل الذمة. وأخرجه أبو داود (4446). كتاب: الرجم. وليس في لفظ الحديث أنه سبب لنزول الآية. وأما الوارد عن ابن عباس مما هو قريب من هذه الرواية فهو من رواية معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، وأخرجها الطبري 6/ 232 عند آية 41 من المائدة، وليس فيها كذلك أنها سبب لنزول الآية. انظر بقية الروايات، في "الدر المنثور" 2/ 498 - 500، "أسباب النزول" للواحدي: 197 - 200، "لباب النقول" للسيوطي: 91 - 92.]]. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾. إن قيل: كيف خصَّ بالتولِّي فريقاً، ثم جمعهم في الإعراض، فقال: ﴿وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾؟. فالجواب، ما قال ابن الأنباري [[لم أهتد إلى مصدر قوله، وقد أورد طرفًا منه ابنُ الجوزي في "زاد المسير" 1/ 367.]]، وهو: أنَّ الفريق المتولِّي، هم: المعرضون. وأراد بـ (الفريق المتولي): الرؤساء الذين تدين السَّفَلَةُ لهم، فأفردهم الله تعالى بالذكر، وخصَّهم بالتولي، لأنهم سببٌ لإضلال أتبَّاعهم. قال [[(قال): ساقطة من (د).]]: ويحتمل أن يكونَ المتولُّون: العلماء والرؤساء، والمعرضون: الباقون منهم؛ كأنه قيل [[في (د): (كانو قبل).]]: ثم يتولى العلماءُ. والتُبَّاعُ معرضون عن القبول من النبي ﷺ لتولي علمائهم. ويجوز أن يكون الفريق اختصه الله [[معنى عبارة المؤلف هنا: أن الله خصَّ بالتولي فريقًا منهم دون الكل، لأن منهم من لم يتولَّ، كابن سلام وغيره.]]؛ لأن عبد الله بن سَلام، وغيره من مؤمني أهل الكتاب، كانوا ممن قبلوا حكم النبي ﷺ فكان [[في (ج)، (د): (وكان).]] المتولِّي بعض مَن أوتي [[في (ج): (أولى).]] الكتاب.

آل عمران 3:24

قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ﴾. [[(بأنهم): ساقطة من (د).]] اختلف أهل المعاني في المُشارِ إليه بـ ﴿ذَلِكَ﴾، فقال بعضهم [[لم أهتد إلى هذا القائل. ولم أقف فيما رجعت إليه من مصادر على من قال برجوع ﴿ذَلِكَ﴾ إلى (الحبوط).]]: ﴿ذَلِكَ﴾ راجعة إلى قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ [آل عمران: 22]؛ يعني: ذلك الحُبُوطُ؛ بكذبهم على الله؛ وهو قولهم: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَات﴾. و [[الواو زيادة من: (ج)، (د).]] قال ابن الأنباري [[لم أعثر على مصدر قوله.]]: معنى قوله [[(قوله): ساقطة من (ج).]]: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُم﴾ أي: ذلك الاجتراء عليك، وعلى الإعراض عن حكمك يا محمد بسبب اغترارهم، ومقالتهم؛ حيث قالوا: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَات﴾، وظنوا [[في (ب): (وطَّنوا)، وفي (د): (وطمنوا).]] أنفسهم على قِلَّةِ العذاب وقِصَرِ مُدَّته [[أي: أنهم ظنوا أنهم لا يعذبون إلا قليلًا، ولمدة قصيرة، كما زعموا.]]، فتجاسروا على تكذيب الرسل [[وقد ذهب أكثر المفسرين إلى هذا الرأي، وهو أن ﴿ذَلِكَ﴾ تعود على التَّوَلِّي والإعراض المذكور في الآية قبلها. انظر: "المحرر الوجيز" 1/ 355، "الكشاف" 1/ 421، "تفسير الفخر الرازي" 7/ 236، "تفسير ابن كثير" 1/ 381، "تفسير أبي السعود" 2/ 21، "الفتوحات الإلهية" 1/ 255، "فتح القدير" 1/ 496، "روح المعاني" 3/ 111.]]. وهذا معنى قول الزجَّاج [[في "معاني القرآن" 1/ 391، نقله عنه بالمعنى.]]: أخبر الله تعالى عن اليهود، أنهم يُعرضون عن حكم كتاب الله، ثم أنبأ وبيّن ما حملهم على ذلك، وخبَّر بما غرَّهم، فقال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا﴾ [[(قالوا): ساقطة من (ج).]]. قال: وموضع: ﴿ذَلِكَ﴾ رفعٌ. المعنى: شَأنُهُم ذلك، وأَمْرُهُم ذلك [[أي: أنها مرفوعة على أنها خبرُ مبتدأ محذوف؛ المعنى: شأنهم وأمرهم ذلك. ولكنِ هذا القول، ضعَّفه العكبري في "التبيان" 1/ 250؛ لأنه سيجعل قوله: ﴿بِأَنَّهُمْ قَالُوا﴾ في موضع نصب على الحال، مما في (ذا) من معنى الإشارة؛ أي: ذلك الأمر مستحقًا بقولهم .. ، وقال السمين الحلبي، في "الدر المصون" 3/ 95:== (بل هذا لا يجوز البتة). والقول الثاني: إن ﴿ذَلِكَ﴾ مبتدأ، وخبره: ﴿بِأَنَّهُمْ﴾ انظر المراجع السابقة، "الفريد في إعراب القرآن المجيد" للمنتجب الهمداني: 1/ 557.]]. ومضى القول في تفسير قولهم: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا﴾ في سورة البقرة. وقوله تعالى: ﴿وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ﴾ الغُرور: الإطماع [[في (د): (الأطواع).]] فيما لا يصح [[انظر: "تاج العروس" 7/ 299 (غرر).]]. وقوله تعالى: ﴿مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾. يعني قولهم: لن تَمَسَّنا النار.

آل عمران 3:25

قوله [[في (د): (وقوله).]] تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ﴾. الآية. (كيف): معناه: السؤال عن الحال. والحال المسئولة عنها محذوفة؛ وتقديره: فكيف حالهم إذا جمعناهم؟ وتحذف الحال كثيراً مع كيف؛ لدلالته عليها؛ نحو قولك: (كنت أكْرِمُه وهو لم يزرني؛ فكيف إذا زارني؟)؛ أي: كيف حالُهُ إذا زارني في عِظَمِ الإكرام؟. ويُحذف أيضاً جوابُ هذا السؤال من الكلام؛ لأن في حذفه بلاغة تزيد على الإفصاح بذكره؛ لما فيه من تحريك النفس على استحضار كل نوع من أنواع الكرامة في قول القائل: فكيف إذا زارني؟ وكل نوع من أنواع العذاب في الآية. وتأويل الكلام: أي حالة تكون [[في (ب): (يكون).]] حال من اغتر بالدعاوى الباطلة، إذا جُمعوا ليوم الجزاء [[قال أبو حيان في: "البحر": 1/ 417: (هذا تعجيب من حالهم واستعظام لعظم مقالتهم حين اختلفت مطامعهم، وظهر كذب دعواهم، إذ صاروا إلى عذابٍ مالهم حيلة في دفعه ..).]]؟ وقوله ﴿لِيَوْمٍ﴾ [[في (ج): (ليوم لا ريب فيه).]]، ولم يقل: (في يوم)؛ لأن المراد: لجزاء يوم، أو لحساب يوم؛ فحذف المضاف، ودلت اللاَّمُ عليه. قاله الزجَّاج [[في "معاني القرآن" 1/ 392، وعبارته: (أي: لحساب يوم لا شك فيه).]]. وقال الفرَّاء [[في "معاني القرآن" له: 1/ 202. نقله عنه بتصرف قليل.]]: اللاَّمُ، لفعل مُضْمَرٍ؛ إذا قلت: (جُمعوا ليوم الخميس)؛ كان المعنى: جُمعوا لما يكون يوم الخميس. وإذا قلت: (جُمعوا في يوم الخميس)، لم تُضْمِرْ فِعْلاً [[انظر كذلك "تفسير الطبري" 3/ 220.]]. وقوله تعالى: ﴿لِيَوْمٍ﴾. أي: لما يكون في ذلك اليوم من الحساب والجزاء. وهذا قريب من القول الأول، بل هو تفسير له [[(له): ساقط من: (ب). وقد يكون هذا من تتمة كلام الفرَّاء، ولكن المؤلف نقله بالمعنى، ونص قول الفرَّاء: (أي: للحساب والجزاء).]]. وقوله تعالى: ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ﴾. أي: جزاء ما كسبت [[قوله: (أي جزاء ما كسبت): ساقط من (ج).]] من خيرٍ أو شرٍّ. فهذا يكون على حذف المضاف، ويجوز أن يكون المعنى: ووُفِّيَت كل نفس ما كسب من الثواب والعقاب، بالطاعة والمعصية، فلا يكون في الكلام مضافٌ محذوف، ويجوز أن يُسمَّى الثوابُ والعقابُ كسباً للعبد؛ على معنى [[(معنى): ساقط من (د).]]: أنهما جزاء كسبه، وأنه اجتلبهما بأعماله [[في (ج): (بأعمال).]] الصالحة والطالحة [[قال الطبري في "تفسيره" 1/ 380: (وأصل (الكسب): العمل، فكل عامل عملًا، بمباشرة منه لما عمل، ومعاناة باحتراف، فهو كاسبٌ لما عمل ..).]]. وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾. أي: لا يُنقص من حسناتهم، ولا يزاد على سيِّئاتهم.

آل عمران 3:26

وقوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ﴾ اختلف النحويون في إعراب (اللهمَّ)؛ فقال الخليل [[من قوله: (فقال الخليل ..) إلى (.. وسكون الميم التي قبلها): نقله بتصرف يسير جدًّا عن "معاني القرآن" للزجَّاج: 1/ 394.]]، وسيبويه [[في: (الكتاب)، له: 2/ 196، وانظر مذهبه ومذهب الخليل كذلك في "الأصول في النحو" لابن السراج 1/ 338.]]: (اللهمَّ)، بمعنى: يا الله. والميم [[(الميم): ساقطة من (د).]] المشدَّدَة عِوَضٌ [[في (ب): (عوضًا).]] من (يا)؛ لأنهم لم يقولوا: (يا) مع هذه الميم في هذه الكلمة. والضمة التي في الهاء [[في (ج): (أولها)، وكذا هي في "معاني القرآن" للزجاج، ولا وجه لها، والصواب ما أثبته.]]: ضمة الاسم المنادى المفرد [[ويبنى المنادى المفرد على ما كان يرفع به قبل النداء، في حالة كونه علمًا، أو نكرة مقصودة، على أن لا يكونا مضافين، أو شبيهين بالمضاف.]]، والميم مفتوحة؛ لسكونها، وسكون الميم التي قبلها. وأنكر الفرَّاء هذا القول؛ فقال [[في "معاني القرآن" له: 1/ 203، نقله عنه بتصرف.]]: لم نجد العرب زادت مثل هذه الميم في نواقص الاسم إلَّا مخففة؛ مثل: (الفمُ)، و (هذا ابْنُمٌ)، و (سُتْهُمُ) [[قوله: (وهذا ابنم، وستهم): مطموسة في: (د). و (هذا) لم ترد في "معاني القرآن". و (ابنم): لغة في (ابن)، وتعرب إعرابها، وقيل إنَّ ميمها زائدة؛ للمبالغة، أو للعوض من لام الاسم المحذوفة، حيث إنَّ أصلها: (بَنَو)، وتعرب (ابنم) == بحسب موقعها في الجملة، وحركة النون فيها تتبع حركة الميم في جميع حالات الإعراب، وبعضهم يبقيها مفتوحة دائمًا، ويجوز إبقاء الميم وحذفها عند إضافتها إلى ياء المتكلم. انظر: "موسوعة النحو والصرف والإعراب": 19، "معجم الشوارد النحوية" 65. و (سُتْهُمُ)؛ غير موجودة في "معاني القرآن" المطبوع المتداول، وقد وردت في "تفسير الطبري" 3/ 221. ومعنى (ستهم): هو الرجل الأسْتَهُ، إذا كان عظيم الاست، ويقال للمرأة: (سُتْهُم)، و (سَتْهاء). انظر كتاب "خلق الإنسان" لابن أبي ثابت: 306، "تهذيب اللغة" 2/ 1625 (ستة).]]. فلو [[في (د): (ولو).]] كانت الميم بدلاً من (يا)، لم يُجمع بين الميم و (يا)، وقد أنشدني بعضهم: وما عليكِ أنْ تَقُولي كُلَّمَا صَلَّيتِ أو سَبَّحتِ: يا اللَّهما اردُدْ علينا شَيخَنا مُسَلَّما [[ثلاثة أبيات من الرجز لم يعرف قائلها، وردت في: "المحلى" لابن شقير: 84 "اللَّامات" للزجاجي: 90، "تفسير الطبري" 3/ 221، "الإنصاف" للأنباري ص291، "رصف المباني" 373، "اللسان" 1/ 116 (أله) "ارتشاف الضرب" 3/ 285، 289، "الهمع" 5/ 347، "خزانة الأدب" 2/ 296، "الدرر اللوامع" 2/ 220. وقد ورد في بعض المصادر: (.. صَلّيتِ أو هلَّلْت ..)، وفي الطبري: أو كبَّرتِ)، وفيه: (يا اللهُمَا)، وفي بعضها: تُفصَل (ما) عن (اللهُمَّ). والشاعر هنا يأمر بُنيَّته أو زوجته بالدعاء له، إذا ما سافر أو غاب عنهم: أن يرده عليهم سالمًا. و (التسبيح): تنزيه الله وتعظيمه وتقديسه، و (الصلاة) هنا قد تكون بمعنى الدعاء، أو الصلاة الشرعية، و (الشيخ) هنا الأب، أو الزوج. والشاهد فيه: قوله: (يا اللهمَّما)؛ حيث جمع بين حرف النداء، والميم المشددة، ولم يكتف بذلك، بل وزادها ميمًا مفردة بعد الميم المشددة، دلالة على أن الميم ليست بدلًا من حرف النداء.]] فقال: (يا اللهُمَّ). ثم قال: ونرى أنها كانت في الأصل كلمةً ضُمَّ إليها (أُمَّ)؛ يريد: (يا الله؛ أُمَّنا بخير)، فكثرت في الكلام حتى اختلطت [[في (د): (اختلط). ويعني بذلك: أنها اندمجت مع لفظ الجلالة.]] به، فحذفت الهمزة استخفافاً، فقيل: (اللهمَّ) [[(فقيل: اللهم): ساقط من (ج).]]، ثم كثرت هذه اللفظة حتى قالوا: (لاهُمَّ)؛ بمعنى: اللهمَّ. قال الشاعر: لاهُمَّ إنَّ عامِرَ بن جَهْمِ ... أوْذَمَ [[في جميع النسخ: (أودم). والصواب ما أثبته، كما سيأتي في التعليق على البيت.]] حَجّاً في ثِيَابٍ [[في (أ)، (ب): (ثبات)، والمثبت من: (ج)، (د).]] دُسْمِ [[بيت من الرجز، وقائله مجهول، ولم أقف عليه في "معاني القرآن" للفراء. وقد ورد غير منسوب في المصادر التالية: "غريب الحديث" لأبي عبيد: 1/ 347، "تأويل مشكل القرآن" 142، "كتاب المعاني الكبير" 1/ 480 "الصحاح" 5/ 2050 (وذم)، "أساس البلاغة" 1/ 271 (دسم)، "اللسان" 3/ 1375 (دسم)، 8/ 4806 (وذم)، "البحر المحيط" 2/ 416 وورد فيه: (.. أحرم جحا). و (أوذم عليه الشيء)؛ أي: أوجبه وألزمه نفسه، و (ثيابٍ دُسْم)؛ أي: وَسِخة، و (الدَّسَمُ): الوَضَر والدَّنَس. ويقال للرجل من قبيل المجَاز إذا تدنَّس بمَذامِّ الأخلاق: (إنَّه لَدَسِمُ الثوب). ومعنى البيت: أنه أحرم بالحج وهو متدنِّسٌ بالذنوب. انظر: مادة (دسم) و (وذم) في "أساس البلاغة" 1/ 271، "اللسان" 3/ 1375، 8/ 4806.]] وقال آخر: لاهُمَّ إن جُرْهُماً [[في (ج): (أجرهما).]] عِبادكا ... الناس طُرْفٌ [[في (د): (طرو).]] وهمُ تِلادُكا [[في (ج)، (د): (بلادكا). ولم أقف عليه في "معاني القرآن" للفراء، والبيت لعامر ابن الحارث بن مُضاض، سيِّد جُرْهم في مكة وقد ورد منسوبًا له في "تاريخ الطبري" 2/ 285، وذكر قصته ومناسبته. وتمامه كما عند الطبري: (.. بهم قديمًا == عَمِرَتْ بلادكْ). وقافيته عند الطبري كلها بالسكون. وورد في شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام: 1/ 574. وروايته فيه: (اللهم إن جُرْهما عبادُك .. الناس طُرْفٌ وهم تلادك). وورد فيه برواية: (اللَّهم إن جرهما عبادكا .. القوم طرف وهم تلادكا). وقوله: (طرف): يعني به والله أعلم: أنها جمع (طارف) و (طريف)، وهو: المستحدث من المال. ونقيضه: التليد والتالد، وهو: المال القديم الأصلي الذي وُلد عندك. فيعني الشاعر هنا والله أعلم: أن جرهما هم أهل مكة وأهل الحرم، وأول من عمر بهم البلد الحرام، وأما الآخرون فهم حديثو عهد به. انظر: "اللسان" 1/ 439 (تلد)، 5/ 2657 - 2658 (طرف).]] فحذفوا الألف واللاَّم، لَمَّا كَثُرَ في كلامهم. قال [[يعني: الفرَّاء كما سبق.]]: وقد خُفِّفت ميمها في بعض اللغات. أنشدني بعضهم: كحَلْفَةٍ من ابن [[هكذا في: (أ)، (ب)، (ج)، (د). وورد في الديوان وبقية مصادر البيت: (أبي).]] رباح ... يَسْمَعها اللهُمُ [[في (أ): اللهُمَّ. ولم تضبط بالشكل في بقية النسخ. وما أثبَتُّه هو الصواب؛ لوروده في مصادره بتخفيف الميم، ولأن تشديدها، خلاف ما أراده المؤلف من إيراده شاهدًا على التخفيف فيها.]] الكُبارُ [[البيت مطموس في: (د). وهو للأعشى، في ديوانه: 82، وقد ورد منسوبًا له، في "سر صناعة الإعراب" 1/ 430، "أمالي ابن الشجري" 2/ 197، "اللسان" 1/ 116 (أله)، "الهمع" 3/ 64، "الخزانة" 2/ 266، 269، "الدرر اللوامع" 1/ 154. وورد غير منسوب في: "معاني القرآن" للفرَّاء: 1/ 204، 2/ 398، "تفسير الطبري" 3/ 221، والجمهرة: 1/ 327 (برك)، "تهذيب اللغة" 1/ 191 (أله)، "المسائل العضديات" 78، "شرح المفصل" 1/ 3، "شرح ما يقع فيه التصحيف" 310، "المقاصد النحوية" 4/ 238. وقد وردت (أبي رياح) بدلا من: أبي رباح، في: الديوان، "معاني القرآن" والطبري، "التهذيب" "سر صناعة الإعراب" والجمهرة، "أمالي ابن الشجري" والخزانة، وقال صاحبها: (هو بمثناة تحتيَّة، لا بموحدة كما يزعم شُرَّاح الشواهد).== ووردت (لاهُهُ)، بدلًا من: (اللهُمُ) في: الديوان، والمسائل العضديات، "أمالي ابن الشجري" والخزانة. وورد في "سر صناعة الإعراب" "اللسان" (لاهُمُ). وورد في "معاني القرآن" 2/ 398 (.. الهمَّةُ الكبار)، وقال: (الهِمُّ، والهِمَّةُ: الشيخ الفاني)، وفي "معاني القرآن" 2/ 398 (.. الهمَّةُ الكبار)، وقال: (الهِمّ، والهِمَّةُ: الشيخ الفاني)، وفي: 1/ 204: (وإنشاد العامة: "لاهُهُ الكبار"، وأنشدني الكسائي: (يسمعها الله والله كبار). وفي "الخزانة" 2/ 269 أن الأصمعي رواها: (يسمعها الواحد الكبار). و (الحَلْفةُ): المرَّة من الحَلِفِ؛ بمعنى: القسم. و (أبو رياح) وفق رواية المؤلف: رجل من بني ضُبَيعة، وكان قد قتل رجلا من بني سعد بن ثعلبة، فسألوه أن يحلف أو يعطي الدِّيَة، فحلف فقُتِل بعد حَلْفَته، فضربته العربُ مَثَلًا لِمَا لا يغني حِلفُه. و (الكُبارُ): صيغة مبالغة لـ (الكبير). والشاهد فيه هنا: تخفيف ميم (اللهم).]] قال: والرفعة التي في الهاء من همزة (أُمَّ) لمَّا تركت، انتقلت إلى ما قبلها. قال: ونرى [[في (ج): (ويري).]] أن قول العرب: (هَلُمَّ) مثلها؛ إنما كانت: (هل) فضُمَّ إليها (أُمَّ) [[ومعنى: (هلُمَّ): أقبل، أو أعط. انظر: "اللسان" 8/ 4694 - 4695 (هلم). ولكن لم يرتض ابنُ سيده رأيَ الفرَّاء هذا في (هلم)، وردَّه مستدلًا على ذلك: بأن رأي الفرَّاء لا يخلو من أحد أمرين: (إمَّا أن تكون (هل) بمعنى: (قد)، وهذا يدخل في الخبر، وإما تكون بمعنى الاستفهام، وليس لواحد متعلق بـ (هلم) ولا مدخل). "المخصص": 14/ 88 ولكن هذا الردُّ لا يُسلَّم لابن سيده؛ حيث إن لـ (هل) استعمالات ومعاني أخرى غير ما ذكره ابن سيده، ومن ذلك: ما قاله ابنُ دريد في "الجمهرة" 2/ 988: (هلم) كلمتان جُعلتا كلمة واحدة؛ كأنهم أرادوا (هَلْ)، أي: أقبل، و (أمَّ)؛ أي: اقصد). وقال الزبيدي في "التاج" 17/ 762 عن (هلم): (وقال الفراء: مركبة من (هل)، التي للزجر، و (أمَّ)، أي: اقصد، خفِّفت الهمزة بإلقاء حركتها على الساكن، وحذفت). وانظر في مجيء (هل) للزجر والتوبيخ والأمر والتنبيه وغيرها، في: "تهذيب اللغة" 4/ 3784 (هل)، "اللسان" 8/ 4689 (هلل).]]. وأنكر أبو إسحاق هذا القول إنكاراً شديداً، فقال [[في "معاني القرآن" له 1/ 393، ينقله عنه بتصرف كثير.]]: لو كان الأمر على ما قال، لجاز أن يقال: (الله أُمَّ)، فيُتَكلم به على أصله، كما يقال: (ويلُ أمِّه)، ثم يُتَكلم به على الأصل، فيقال: (ويلُ أُمِّهِ) [[جاءت (ويل) في الموضعين برفع اللام، ولم تضبط في بقية النسخ بالشكل، وما أثبته هو الصواب؛ لأن (ويل) إذا أضيفت بغير اللام فالوجه فيها النصب؛ على أنها مفعول به لفعل محذوف، يقال: (ويل الظالمين)؛ أي: ألزمَ اللهُ الظالمين وَيلًا. أما إذا أضيفت باللام، فتُرْفَع؛ مثل: (ويلٌ لأمِّه)، فهي مرفوعة بالابتداء. و (ويل): بمعنى: عذاب. وقد تُركَّب لفظة (ويل) مع (أمِّه)، فيقال للرجل: (وْيلُمِّه)، أو (ويْلِمِّه) بكسر اللام، من (ويلٌ لأمه): وتعني: أنه داهية، وأصلها: الدعاء عليه، ثم استعملت في التعجب. انظر في أصلها وتركيبها: "المسائل الحلبيات" 43، 45، "سر صناعة الإعراب" 113، 235، 745، "معجم النحو" 437، "معجم الشوارد النحوية" 640.]]، ولجاز أيضاً: (الله أُؤمُمْ) [[في جميع النسخ: (أمم)، ولا وجه لها، والمثبت من "معاني القرآن" للفرَّاء: 1/ 393.]]. فلمَّا لم [[(لم): ساقطة من: (ب).]] يُسمع أحدٌ من العرب تكلم به على الأصل الذي [هو] [[ما بيِن المعقوفين زيادة من (د).]] ذَكَر [[في (ج): (ذكره).]]، علم أنه ليس بأصل، وأيضاً لم يُسمع [[في (د): (نسمع).]] أحدٌ [[في (أ): (أحدا)، والمثبت من: (ب)، (ج)، (د).]] يقول: (يا اللهُمَّ)، والله عز وجل يقول: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ﴾ [الأنفال: 32]، وقال: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ﴾ [الزمر: 46]. وما احتجَّ به الفرَّاء من قوله: (أنشدني بعضهم) [[(بعضهم): ساقطة من (ج).]]، فليس يعارض الإجماعَ، وما أتى به كتابُ الله عز وجل، ووُجد في ديوان العرب. يقول قائل: (أنشدني بعضهم)، وليس ذلك البعضُ بمعروفٍ ولا مُسمَّى. وقال غير أبي إسحاق مِمَّن نصر مذهبَ الخليل [[لم أهتد إلى هذا القائل، وقد يكون المبرد، كما في "الأصول في النحو" لابن السرَّاج: 1/ 338، حيث ورد موجز لهذا الرأي نقله عنه.]]: لو كان الأمر على ما ذكره الفرَّاء، لما صحَّ أن يقال: (اللهُمَّ افعل كذا)، إلَّا بحرف العطف؛ لأن قوله: (اللهُمَّ) حصل عنده في ضمنه الدعاء؛ لأن تأويله: (الله [[في (د): (اللهم).]]؛ أُمَّنا بخير)، فالدعاء الثاني يجب أن يكون معطوفاً عليه بحرف العطف. ولم نجد أحداً يقول: (اللهُمَّ اغفر). وأجابَ الفرَّاءَ عن قوله: (هذه الميم، إنما تُزاد مُخفَّفةً)؛ بأن قال: إنما شُدِّدت الميمُ في (اللهمَّ)؛ لأنها عِوضٌ من حرفين [[(حرفين): ساقطة من (د).]] فشُدِّدت، كما قيل: (قُمتُنَّ) و (ضَربتُنَّ)؛ لمَّا كانت النون عِوضاً من حرفين في: (قُمتُموا) و (ضَربتُموا)، شُدِّدَت. فأما (قُمْنَ) و (ذَهبْنَ) فَعِوَضٌ من حرف واحد. وما ذَكَر من قوله: (فَمُ) [[في (د): (قم).]] و (سُتْهُمُ) و (ابْنُمُ) [[في (د): (وانتم).]]، فإنما خُفِّفت الميم؛ لأنها عِوَضٌ من حرف واحد. وليس حكمُ قولِكَ: (الله)، حكمَ (الفمُ) و (الابنُ)؛ لأنهما ناقصان أُتمَّا بالميم، و (اللهُمَّ) ليس زيادتها [[أي: زيادة الميم في (اللهم).]] تتميما للاسم، إنما هي لمعنىً آخر غير المعنى الذي في (الفمُ). وأمّا ما احتَجَّ به من البيت؛ فجاز إدخال (يا) مع الميم لضرورة الشعر [[(لضرورة الشعر): ساقط من (د).]]. فأما [[في (ج)، (د): (وأما).]] احتجاجه بقوله: (هلُمَّ)، فعند الخليل [[انظر رأيه في: "الكتاب" 3/ 332، "تأويل مشكل القرآن" 557.]]: أنَّ الأصل فيه: (ها) التي [هي] [[ما بين المعقوفين زيادة من (ج).]] للتنبيه، دخلت [[في (ج): (وحلت).]] على (لمَّ) [[وأصل (لَم)، من قولهم: (لَمَّ الله شعثه)؛ أي: جمعه. كأنه أراد: لَمَّ نفسك إلينا؛ أي: اقْرُبْ. انظر (هلم)، في "الصحاح" 5/ 2060، "اللسان" 8/ 4694.]]، فلما كثر [[في (ج): (كثرت).]]، حُذِفت الألف [[انظر الأقوال في (هلم) في "إصلاح المنطق" 290، "الزاهر" 1/ 476، "تهذيب اللغة" 4/ 3788، "المسائل العضديات" للفارسي:221، "الصاحبي" لابن فارس: 279، "المسائل السفرية" لابن هشام: 34، "تنوير الحوالك شرح موطأ مالك" للسيوطي: 1/ 224 - 226، "تاج العروس" 17/ 762.]]. وأمَّا البيت الذي ذكر أنه جاء في (اللهُمُ)، بتخفيف الميم، فهو خطأ فاحشٌّ خصوصا عنده [[في (د): (عندهم).]]؛ لأن الميم في (اللهُمُ)، هو الميم الذي في (أُمَّنا)، وإنشاده بالتخفيف يفسد عليه مذهبه؛ لأنه لا يحتمل في البيت ذكر أن يكون (أُمَّنا)، إنما هو بمنزلة قولك: (يسمعهُ اللهُ الكبارُ)، فالرواية الصحيحة: يَسمعها لاهُهُ الكبارُ قال أبو إسحاق [[في "معاني القرآن" له 1/ 393، نقله عنه بتصرف.]]: وقوله: إنَّ الضمَّةَ [التي] [[ما بين المعقوفين من: (ج)، (د)، وكذا هي في "معاني القرآن".]] في الهاء من قوله: (اللهُم)، ضمةُ الهمزِة التي كانت في (أُمَّ) محالٌ؛ لأنه لا يُترك الضمُ الذي هو دليل على النداء المفرَد [[أي: المنادى المفرد: مثل: يا الله.]]، ويُجعل في اسم الله ضمةُ (أُمَّ) [[(أم): ساقطة من (د).]]. وقوله تعالى: ﴿مَالِكَ الْمُلْكِ﴾. في نصبه، وجهان: أحدهما: وهو قول سيبويه [["الكتاب" 2/ 196.]]: أنه منصوب على النداء، وكذلك قوله: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ﴾ [الزمر: 46]، ولا يجوز عنده أن يكون ﴿مَالِكَ الْمُلْكِ﴾ نصباً على النعت للنداء المفرد، الذي هو قوله: ﴿اللَّهُمَّ﴾؛ لأن هذا الاسم عنده لا يُوصَف. الوجه الثاني: وهو قول أبي العباس [[هو المبرد، في "المقتضب" 4/ 239.]]: أنَّ (مالِكَ) وصف للمنادى المفرد. وهذا الوجه اختيار الزجَّاج؛ قال [[في "معاني القرآن" 1/ 394، نقله عنه بتصرف يسير.]]: لأن هذا الاسم ومعه [[في (ب): (ومنه).]] الميم، بمنزلته ومعه (يا) [[(ومعه يا): ساقط من (د).]]، فلا تمتنع الصفة مع الميم، كما لا تمتنع مع [[في (د): (ومعه).]] (يا) [[في (د) وردت هنا عبارة: (فلا تمتنع مع يا) مكررة.]]. ونَصَر أبو علي الفارسي قولَ سيبويه، وقال [[قوله، في "الإغفال" 554 - 557. نقله عنه باختصار وتصرف. وقوله ينتهي إلى عند: (بمنزلة صوت مضموم إلى صوتٍ، نحو: حي هل).]]: هو عندي أصح، وإن كان أغمض، وذلك [[في (ج): (ذلك).]]، لأنه ليس في الأسماء الموصوفة شيء [[من قوله: (شيء ..) إلى (ما عليه الأسماء الموصوفة): ساقط من (ج).]] على حد (اللهُمَّ)، فإذا خالف ما عليه الأسماء الموصوفة، ودخل في حيّز ما لا يوصف من الأصوات، وجب أن لا يوصف. والأسماء المناداة المفردة المعرَّفة، القياس فيها: أن لا توصف، كما ذهب إليه بعض الناس؛ لأنها واقعة موقع ما لا يوصف؛ وكما [[في (ج): (كما). ومن قوله: (وكما ..) إلى (.. موقع ما لا يوصف): ساقط من (د).]] أنه لمَّا وقع موقع ما لا يُعرب لم يعرب، كذلك لمَّا وقع موقع ما لا يوصف، وجب أن لا يوصَف [[في (د): (توصف).]]. فأما قوله: يا حَكَمُ الوارثُ عن عبد الملكْ [[بيت شعر من الرجز لرؤبة بن العجاج، في: "ديوانه": 118. كما ورد منسوبًا له في المصادر التالية: "المعاني الكبير" 2/ 870، "إعراب القرآن" "المنسوب" للزجّاج: 1/ 97، "شرح الأبيات المشكلة" للفارسي: 448، "أمالي ابن الشجري" 3/ 44، "شرح شواهد المغني" 1/ 52، 53. وورد غير منسوب في "المقتضب" 4/ 208، "الخصائص" 2/ 389، 3/ 331، 332، "الإنصاف" للأنباري: ص 499، "مغني اللبيب" 28. وبعده وفق رواية الديوان: .. ميراثُ أحسابٍ وجُودٍ مُنسفِكْ. وورد في بعض المصادر بنصب لفظ (الوارثَ). والشاعر هنا يمدح الحكم بن عبد الملك بن بشر بن مروان. والشاهد هنا أن قوله: (الوارث) على رأي سيبويه وأبي علي الفارسي ليس نعتًا للمنادى، وإنما هو خبر لمبتدأ؛ تقديره: (أنت). بينما الوجه الآخر فيه أنه مرفوع؛ لأنه نعت للمنادى قبله، ونعت المنادى المفرد إذا كان مقترنا بـ (أل) يجوز رفعه تبعًا للفظ المنادى، ونصبه تبعًا لمحله، فإن المنادى المفرد العلم مبني على الضم في محل نصب. انظر: "الانتصاف من الإنصاف" للشيخ: محمد محي الدين عبد الحميد (مطبوع مع الإنصاف، لأبي البركات الأنباري): 2/ 630.]]. يا حَكَمُ بن [[في (ج)، (د): (ابن).]] المنذرِ بنَ [[في (د): (ابن).]] الجارودْ [[بيت من الرجز، وتكملته: أنت الجوادُ ابنُ الجوادِ المحمودْ. قيل: هو لرؤبة بن العجاج، وقد ورد في: ملحق ديوانه: 172، وفيه أنه مما نُسب إليه، وقد نُسب إليه كذلك في "مجاز القرآن" 1/ 399، "الصحاح" 4/ 1496 (سردق). وقيل: هو لعبد الله الأعور، المُسَمَّى بـ (الكذاب الحرمازي)، وقد ورد في: "كتاب سيبويه": 2/ 203، وفيه: (وقال الراجز من بني الحرماز). ونسبه له ابن قتيبة في "الشعر والشعراء" 2/ 689. كما ذكرته المصادر التالية، مع ذكر الاختلاف في نسبته إليهما "اللسان" 4/ 1988 (سردق)، "المقاصد النحوية" 4/ 210، "التصريح" 2/ 169، وورد غير منسوب، في "المقتضب" 4/ 232، "الأصول في النحو" 1/ 345، "شرح المفصل" 2/ 5، "أوضح المسالك" ص 200، "منهج السالك" 3/ 142. والشاعر يمدح الحكمَ بن المنذر بن الجارود العَبْدي، أمير البصرة على عهد هشام ابن عبد الملك. والشاهد فيه هنا: أن (ابن) تُعْرَب على أنها مُنادى مضاف، فحقها النصب، ولا تعرب على أنها تابعة للمنعوت، وهو (حكم). و (حكم) يجوز فيها: النصب والرفع؛ لأنه العلم المفرد الموصوف بـ (ابن) المتصلة به، والمضاف إلى علم، يجوز فيه الأمران، إمَّا النصب فعلى الاتباع لحركة الصفة؛ لأنها جُعلت مع (ابن) كأنها اسم واحد لكثرة استعمالها، وكما أضيفت (ابن) إلى ما بعدها، فكذلك جعلوا (حكم) كأنها أضيفت إلى ما بعدها، فكانت كالمنادى المفرد المضاف في هذا البيت. وإمَّا الرفع فعلى النداء؛ لأنها علم، مفرد، معرفة. انظر: "شرح أبيات سيبويه" للنحاس: 134، "شرح المفصل" 2/ 5، "هداية السالك" لمحمد محيي الدين عبد الحميد (مطبوع مع "أوضح المسالك" 3/ 80.]] و: ....... يا عُمَرُ الجَوادَ [[جزء من عجز بيت، وتمامه: ما كعبُ بنُ مامَةَ وابنُ سُعدى ... بأجودَ منك يا عمرُ الجواد هو لجرير، في: "ديوانه": 107. وقد ورد في المصادر التالية، ونسبه أكثرها إليه: "الكامل" 1/ 231، "المقتضب" 4/ 208، "الأصول في النحو" 1/ 369، "أمالي ابن الشجري" 2/ 40، 3/ 44، "أوضح المسالك" ص 201، "مغني اللبيب" 28، "المقاصد النحوية" 4/ 254، "منهج السالك" 3/ 143، "الهمع" 3/ 54، "شرح شواهد المغني" 1/ 56، "التصريح" 2/ 169، "الخزانة" 4/ 422، 9/ 399، "الدرر اللوامع" 1/ 153. والشاعر يمدح عمر بن عبد العزيز رحمه الله. و (كعب بن مامه) من إياد، يُضرب به المثلُ في الجود والإيثار، ومن ذلك: إيثاره رفيقه بالماء على نفسه، ومات هو عطشًا، و (ابن سُعدى): هو: أوس بن حارثة الطائي، يُضرب به المثلُ -كذلك- في الجود والشاهد في البيت -هنا-: أن (الجَوادَ) انتصبت على الاختصاص، بتقدير فعل: (أعني) أو (أخص). وفي الديوان وبعض المصارد وردت (عمرَ) بالفتح، على أنها منادى مبني على الفتح؛ لأنه منعوت بـ (الجواد) المَنصوب. أو مبني على ضم مقدر منع من ظهوره فتح الإتباع؛ أي: أن الموصوف هنا يتبع الصفة في فتح آخرها، وهو مما يجيز الكوفيون الفتح فيه، سواء أكان المنادى موصوفًا بلفظ (ابن) أم لم يكن. انظر: "الأصول في النحو" 1/ 369، "أوضح المسالك" ص 201، "الهمع" 3/ 54. والأصل فيه أن يكون في المخطوط: (عُمَرَ) بالفتح؛ ليتحقق الشاهد؛ لأن الفارسي أراد أن يقول: إن (الجوادَ) نصبت؛ لا لكونها صفةً لـ (عمرَ) المنصوب، فتبعتها في الإعراب -لأن عنده: المنادَى المعرَّف المفرَد، لا يوصف-، وانما جعلها -في البيت- منصوبة بفعلٍ مُقَدَّرٍ، هو: (أعني).]] فإن الأول، على: (أنت)، والثاني، على: نداء ثانٍ، والثالث، على: (أعني)، فلمَّا كان هذا الاسم، الأصل فيه: أن لا يُوصَف لِما ذكرنا، كان (اللهم) أولى أن لا يوصف؛ لأنه قبل ضم الميم إليه، واقعٌ موقع ما لا يوصف، فلمَّا ضُمَّت الميمُ إليه، وصيغ معه صياغة مخصوصة، صار حكمُهُ حكمَ الأصوات، وحكم الأصوات: أن لا يوصف [[في (د): (لا توصف)، وفي (ج) غير منقوطة، وأثبتُّ ما في الأصل، ونسخة (ب) على تقدير: أن لا يوصف الصوت.]]؛ نحو: (غاقِ) [[غاق: حكاية صوت الغراب، فإن نكَرَ، نُوِّنَ يقال: سمعتُ (غاق غاق)، وسمعت (غاقٍ غاقٍ). وسُمِّي الغُرَابُ: (غاقًا)، فيقال: (سمعت صوت الغاق). انظر: "سر صناعة الإعراب" 1/ 310، 2/ 494، 495، "اللسان" 6/ 3317 (غوق).]]. قال [[في (د): (مال).]]: وهذا المضموم إليه مع ما ضُمَّ إليه، بمنزلة صوتٍ مضموم إلى صوت؛ نحو: (حَيَّهَل) [[في (ج): (جبهل). و (حيَّهَلْ) و (حيَّهَلا) و (حيَّهَلًا) -مُنَوَّنًا وغير مُنَوَّنٍ-: كلمة يستحثُّ بها. ويقال: (حَيَّ هَلْ بفلان)، و (حيَّ هَلَ)، و (حَيَّ هَلا). ومعنى (حيَّ على كذا ..): هلمَّ وأقبِلْ، و (هلا) -كذلك- تقال للاستعجال والحَثِّ. وبُنِيَت (حيَّ) مع (هل)، وجُعِلَتا اسمًا واحدًا، وسُمِّي به الفِعْلُ، ويستوي فيه الواحد والجمع المؤنث. انظر: "الصحاح" 5/ 1853 (هلل)، "اللسان" 2/ 1082 (حيا)، "المسائل المشكلة" للفارسي: 152، "شرح الشافية" 2/ 294، "شرح المفصل" 9/ 84.]]، فحقُّهُ أن لا يوصفَ؛ كما لا يوصف (حَيَّ هلْ). فأما التفسير: فقال ابن عباس [[قوله، في "تفسير الثعلبي" 3/ 29 أ، "أسباب النزول" للواحدي: 102، "تفسير البغوي" 2/ 23، "تفسير القرطبي" 4/ 52، وعزوه -كذلك- لأنس بن مالك.]]: لما فتح رسول الله ﷺ مكة، ووعد أمَّتَه مُلكَ فارسَ والرومَ، قالت المنافقون واليهودُ: هيهات، هيهات [[(هيهات): ساقطة من (د).]]! فأنزل اللهُ هذه الآية. وقيل: إنَّ الله عز وجل أمر النبي ﷺ في هذه الآية، أن يسأله نقل عزِّ فارس إلى العرب، وذلِّ العرب إلى فارس [[لم أهتد إلى قائل هذا القول، وقد ورد في "معاني القرآن" للزجَّاج: 1/ 393 مصدرًا بلفظ (قيل)، وعقب عليه بقوله: (الله أعلم بحقيقة ذلك). والذي في كتب التفسير عن قتادة رحمه الله أن نبي الله ﷺ سأل ربه جل ثناؤه أن يجعل ملك فارس والروم في أمته، فأنزل الله هذه الآية. انظر: "تفسير الطبري" 3/ 222، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 624، "تفسير الثعلبي" 3/ 29/ أ، "النكت والعيون" 1/ 384، "أسباب النزول" للواحدي: 102103، "تفسير البغوي" 2/ 23، "زاد المسير" 1/ 368، وأورده السيوطي في " الدر" 2/ 25 ونسب إخراجه -كذلك- لعبد بن حميد.]]. وقوله تعالى: ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ﴾. قال ابن عباس [[لم أهتد إلى مصدر قوله.]]: تؤتي ملكَ قيصر أمةَ محمدٍ ﷺ، وتنزع الملكَ منه. الكلبي [[قوله، في "تفسير الثعلبي" 3/ 31 أ، "تفسير البغوي" 2/ 23.]]: ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾: محمداً وأصحابَه، ﴿وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ﴾: أبي جهل [[هو: عمرو بن هشام بن المغيرة المخزومي القرشي، تقدمت ترجمته.]]، وصناديدَ قريش. وقال بعضهم: ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾: العرب، ﴿وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ﴾: الروم، والعجمِ، وسائرَ الأمم [[وردت هذه العبارة بنصها في "تفسير الثعلبي" 3/ 32 أ، وهو بنفس معنى قول مقاتل ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ يعني: محمدًا وأمته، ﴿وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ﴾؛ يعني الروم وفارس). تفسيره: 1/ 269. وقد يكون الثعلبي حكاه بمعناه عن مقاتل ونقله المؤلف عن الثعلبي.]]. وذكر أبو إسحاق [[هو الزجَّاج، في "معاني القرآن" 1/ 392، نقله عنه بالمعنى.]] في ﴿الْمُلْكَ﴾ المذكور ههنا، قولين: أحدهما: أن المراد بـ ﴿الْمُلْكَ﴾ ههنا: المال، والعبيد، والحَفَدَة [[في "معاني القرآن" (والحضرة)، وفسَّرها المحقق، بأنها: التَّحضر والثراء، وقد تكون (الحفدة) -هكذا- في نسخة أخرى لمعاني القرآن، والذي يؤكد ما نقله المؤلف -هنا- عن الزجاج، هو أن ابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 369 نقل هذا القول عن الزجاج وفيه (الحفَدَة) كما هي عند الواحدي. و (الحفَدَةُ) و (الحفَدُ): الخدم، والأعواد. والمفرد: حافد. وحفدة الرجل: بناته، وقيل: أولاد أولاده، ومفردها، حفيد، وقيل: الأصهار. وأصلها من: (حفَد، يَحفِدُ، حفْدًا، وحفَدانًا، واحتفد احتفادًا)؛ أي: خفَّ وأسرع في العمل. انظر (حفد) في "اللسان" 2/ 922، "القاموس المحيط" ص 277.]]. والله تعالى يؤتيها من يشاء، وينزعها ممن يشاء. الثاني: أن ﴿الْمُلْكَ﴾ ههنا: ظهور الدين، والغَلَبة. فمعنى ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ أي ترزق الغَلَبةَ والظَّفَرَ الذين يطيعونك، ويعبدونك. والله تعالى قد جعل كل ما [[في (ج): (كلما).]] في مملكة [[في (ج): (ملكه)، في (د): (مملكته).]] مَلِكٍ غير مسلم للمسلمين مُلكاً وغنيمة، ولهم أن يُطالِبُوا به حتى يَحُوزوه، كما يُطالِبُ المَسْلوبُ ثَوْبَهُ [[في (ب): (المغلوب لوبه).]] بِثَوْبِه، والمأخوذ مالُهُ بما غلب عليه منه [[ولكن لفظ (الملك) -هنا- عام، ولا دليل على تخصصه، ولذا يقول ابن عطية في "المحرر الوجيز" 3/ 65: (والصحيح: أنَّه مالك الملك كله مطلقًا في جميع أنواعه)، وانظر: "تفسير الفخر الرازي" 8/ 7.]]. وقال أهل المعاني [[هذا قول الزجاج في "معاني القرآن" 1/ 397، وانظر -في هذا المعنى-: "معاني القرآن" للفراء 1/ 204، "الطبري" 3/ 222، "معاني القرآن" للنحاس: 1/ 379.]]: معنى قوله ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾؛ أي مَنْ تشاءُ أن تُؤْتِيَه، وكذلك [[في (د): (كذلك).]] ﴿وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ﴾ أي: ممن تشاء أن تنزعه، إلاَّ أنه حذف؛ لأن في الكلام ما يدل عليه. قال الفرَّاء [[في "معاني القرآن" 1/ 204. نقله عنه بتصرف واختصار.]]: ومثله: قولك: (خذْ ما شئت)؛ أي: ما شئت أن تأخذه. وكذلك [[من قوله: (وكذلك ..) إلى (.. فلا تقم): ساقط من (ج).]] قولك: (إن شئت؛ فَقُمْ، وإن [[في (ب): (إن).]] شئت؛ فلا تَقُمْ) [[أي: إن شئت أن تقوم فقم، وإن شئت أن لا تقوم فلا تقم.]]، وكذلك قوله: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: 29] [فهذا بيَّن أنَّ] [[ما بين المعقوفين غير مقروء في: (أ). وفي (ب): (فهذا فيه). والمُثْبت من: (ج)، (د) "معاني القرآن".]] المشيئة واقعة على الإيمان والكفر، وهما متروكان [[في (ج): (واقعان). والمعنى: أي: من شاء الإيمان، فلْيُؤمِنْ، ومن شاء الكفُرْ. فوقعت المشيئة على الإيمان والكفر، وتركا ولم يذكرا في الآية.]]. وقوله تعالى: ﴿وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ﴾ قال ابن عباس [[لم أهتد إلى مصدر قوله، وقد ورد هذا القول عن عطاء، كما في "تفسير الثعلبي" 3/ 32 ب، "تفسير البغوي" 2/ 23.]]: يريد: المهاجرين والأنصار، ﴿وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ﴾، يريد: الروم وفارس: وقيل [[لم أهتد إلى قائل هذا القول، وقد ورد في المصادر السابقة مصدرًا بلفظ: (قيل).]]: ﴿وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ﴾ [[شي (أ)، (ب)، (ج): (تعز) -بدون واو-. والمثبت من (د).]]: محمداً [[في (أ): (محمد). والمثبت من: (ب)، (د)، ومن المصادر السابقة.]] وأصحابه، حتى دخلوا مكة ظاهرين عليها، ﴿وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ﴾: أبا جهل وأصحابه، حتى حُزَّت [[في (د): (جرت).]] رؤوسهم وأُلقوا في القليب. ويدخل تحت هذا كلُّ ما به يُعِزُّ اللهُ ويذل، من الإيمان والكفر، والتوفيق والخذلان وأشباهها [[في (د): (وما أشبهها).]]. وقوله تعالى: ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾ أي: الخير والشر، فاكتفى بالخير؛ لأن الرغبة إليه فعل الخير بالعبد دون الشر [[قال الحدَّادي: (وهذا من باب الاقتصار على أحد طرفي الكلام، وهذا مطرد في كلام العرب) انظر "المدخل لعلم تفسير كتاب الله" للحدادي: 306. وقال الزمخشري -مبيّنًا العِلَّة في ذلك-: (قلت: لأن الكلام إنما وقع في الخير الذي يسوقه إلى المؤمنين، وهو الذي أنكرته الكفرة، فقال: ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾ تؤتيه أولياءك على رغم أعدائك، ولأن كل أفعاله -تعالى- من نافع وضار، صادر عن الحكمة والمصلحة، فهو خير كله، كإيتاء الملك ونزعه) "الكشاف" 1/ 422، وانظر: "غرائب التفسير" للكرماني 1/ 249.]]، وهذا كقوله: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النمل: 81] أي: [تقيكم] [[ما بين المعقوفين زيادة من: (ج) و (د).]] الحَرَّ والبرد. وقال ابن عباس في تفسير ﴿الْخَيْرُ﴾ ههنا [[لم أهتد على مصدر قوله: والذي في "تنوير المقباس" المنسوب إليه: 45: (بيدك الخير: العز والذل والملك والغنيمة والنصرة والدولة).]]: إنه عِزُّ الدنيا والآخرة.

آل عمران 3:27

قوله تعالى: ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ﴾ الإيلاج في اللغة [[(في اللغة): ساقط من (د).]]: الإدخال. والوُلُوجُ: الدخول. يقال: (وَلَجَ)، (وُلُوجاً)، و (لِجَةً) [و] [[ما بين المعقوفين زيادة من: (ج) و (د).]] (وَلْجاً)، و (اتَّلَجَ، اتِّلاجاً)، و (توَلَّجَ، تولُّجاً) [[انظر (ولج) في "تهذيب اللغة" 4/ 3949، "الصحاح" 1/ 347، "اللسان" 8/ 4913، "تاج العروس" 3/ 509. والمصدر الذي ذكره المؤلف، وهو: (وَلْجًا)، لم أعثر عليه فيما رجعت إليه من مصادر اللغة، وورد في "تفسير الطبري" 3/ 223.]]. قال الشاعر: فإنَّ القوافي يَتَّلِجنَ موالِجاً ... تَضايَقُ عنه أن تَولَّجَهُ [[في (ب): (تلجه).]] الإبَرْ [[في (أ)، (ب): (الأبرار). والمثبت من: (ج)، (د)؛ نظرًا لاتفاق مصادر البيت كلها عليه؛ ولاتفاقه مع الروي الذي قبله. والبيت، لطَرفة بن العبد، وهو في: ديوانه: 47. وورد منسوبًا له في "مجاز القرآن" 1/ 254، 2/ 142، "البيان والتبين" 1/ 170، "الخصائص" 1/ 14، "سر صناعة الإعراب" 1/ 147، "الممتع" لابن عصفور: 1/ 386، "المقاصد النحوية" 4/ 581، "التصريح" 2/ 390. وورد غير منسوب في المصادر التالية: "تفسير الطبري" 22/ 59، "تهذيب اللغة" 4/ 3949 (ولج)، "والمخصص":14/ 183، "شرح المفصل" 10/ 37، "اللسان" 8/ 4913 (ولج)، "تاج العروس" 3/ 510 (ولج). وروايته في الديوان، "تفسير الطبري" (رأيت القوافي ..). وفي الديوان: (تَضَيَّقُ). وفي بعض المصادر: (تضايق عنها)، وفي "تهذيب اللغة" (أن تولجه الأمر). و (القوافي): جمع قافية، وهي آخر حرف في بيت الشعر، الذي تبنى عليه القصيدة، وأراد هنا القصيدة. و (تتَّلجْنَ)، أصلها: تَوْتِلجن، ثم قُلِبت الواوُ تاءً، وأدْغِمت في التاء التي بعدها، وهو صيغة افتعال من: (الولوج)، وهو: الدخول. و (الموالج): جمع (مَوْلَج)، وهو: المَدْخل، و (تَوَلَّجَه): أصلها: تتولجه؛ أي: تدخل إلى مكانه. والمعنى: أن قصائده وهي هنا، قصائد هجائه تبلغ من التأثير في نفس المهجوِّ، مواضِعَ عميقة ودقيقة، لدرجة أن رؤوس الإبر لا تستطيع أن تلجها، وتدخل إلى أماكنها. والشاهد هنا: ورود كلمات (يتلجن) و (تَولَّجه)، فالأولى دلالة على ما ذكره المؤلف من ورود فعل (اتَّلج) والثانية على ما ذكره من ورود المصدر (التَّولُّج) وفعله (تَولَّج).]] وفي التنزيل: ﴿حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ﴾ [الأعراف: 40]، والوُليجَةُ: الدَّخيلَةُ، والبطانة [[انظر (ولج)، في "الصحاح" 1/ 348، "القاموس" ص 209.]]، ومنه قوله تعالى: {وَلَم يَتخِذُوا من دوُنِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا ﴿الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [التوبة: 16]. ومعنى الآية: تجعل ما نقص من أحدهما، زيادة في الآخر، في قول جميع المفسرين [[انظر: "مجاز القرآن" 1/ 90، "تفسير الطبري" 3/ 223، "تفسير البغوي" 2/ 23.]]. وذكر ابن الأنباري [[لم أهتد إلى مصدر قوله.]] قولاً آخر، وهو: أن المعنى: تدخل أحدهما في الآخرة بإتيانه به [[(به): ساقطة من: (ج)، (د).]] بدلاً [[في (ج): (وبدلًا).]] منه. قال: وذلك أن الليل إذا [[في (ج): (لما).]] دخلت ظلمتُهُ، وظهرت نجومُهُ وقمرُه، كان النهار داخلاً فيه، ومستتراً تحته، وكذلك [[من قوله: (وكذلك ..) إلى (.. ومستترا تحته): ساقط من (د).]] والنهار، إذا دخل ضوؤه، وطلعت شمسُه، كان الليل داخلاً فيه، ومستترا تحته [[وورد عن ابن مسعود -رضي الله عنه- قولًا آخر، وهو: أنه يأخذ الصيف من الشتاء، ويأخذ الشتاء من الصيف. انظر: "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 625، وأورده السيوطي في "الدر" 2/ 26، ونسب إخراجه لعبد بن حميد، وابن المنذر، وأبي الشيخ. وأورد عنه السيوطي في المصدر السابق رواية أخرى، هي: أنه قِصَر أيام الشتاء في طول ليله، وقِصَر ليل الصيف من طول نهاره ونسب السيوطي إخراجه كذلك لسعيد بن منصور، وابن المنذر. "وانظر تفسير ابن مسعود" إعداد: محمد العيسوي: 2/ 158 - 159.]]. وقوله تعالى: ﴿وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾. أكثر المفسرين على أنَّ معناه: تخرج الحيوان من النطفة، وتخرج النطفة من الحيوان [[انظر: "تفسير الطبري" 3/ 224 ورجَّحه، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 626 - 627، "المحرر الوجيز" 3/ 68.]]. وقال الكلبي [[قوله، في "تفسير الثعلبي" 3/ 33 ب، "تفسير البغوي" 2/ 24، وقال به عكرمة، كما في "تفسير الطبري" 3/ 225، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 628، والمصادر السابقة.]]: تخرج الفرخ من البيضة، وتخرج البيضة من الطير، وهذا كالأول؛ لأن البيضة للطير بمنزلة النطفة لسائر الحيوانات [[في (د): (الحيوان).]]. وقال ابن عباس في رواية عطاء، والحسن [[لم تذكر المصادر التي رجعت إليها هذه الرواية عن ابن عباس، وإنما عزت القول للحسن وعطاء، فالرواية عن الحسن وردت في "تفسير عبد الرزاق" 1/ 117، "تفسير الطبري" 3/ 225، "تفسير الثعلبي" 3/ 33 ب. وعن الحسن وعطاء وردت في "تفسير البغوي" 2/ 24، "زاد المسير" 1/ 370. وقال ابن الجوزي في "الزاد" بعد أن ذَكَر هذا القولَ: (رَوى نحو هذا الضحاك عن ابن عباس، وهو قول الحسن وعطاء).]]: تخرج المؤمن مِنَ الكافر، والكافر من المؤمن. والمؤمنُ حَيُّ الفؤاد، والكافرُ ميِّت الفؤاد. دليله: قوله: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ [[روى الزهري عن عبيد الله بن عبد الله: أنَّ خالدة بنت الأسود بن عبد يغوث دخلت على الرسول ﷺ، وهو عند بعض نسائه، فقال: "من هذه؟ " قيل: إحدى خالاتك يا رسول الله. قال: "إن خالاتي بهذه البلدة لغرائب، فمن هي؟ " قيل: خالدة بنت الأسود بن عبد يغوث. فقال: "سبحان الله! يخرج الحيِّ مِن الميِّت". أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 117، والطبري 3/ 226، وابن أبي حاتم 2/ 626، وابن سعد في "الطبقات" 8/ 248 من رواية أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عائشة رضي الله عنها، وأورده السيوطي في "الدر" 2/ 27، ونسب إخراجه لابن مردويه.]] [الأنعام: 122]. وفي (الميِّت) قراءتان: التشديدُ، والتخفيفُ [[القراءة بالتشديدة أي: ﴿الْمَيِّتِ﴾، قراءة: حفص عن عاصم، وحمزة، ونافع، والكسائي. والقراءة بالتخفيف؛ أي: ﴿الْمَيِّتِ﴾ قراءة: أبي بكر عن عاصم، وابن كثير، وأبي عمرو، وابن عامر. انظر: "السبعة" 203، "الحجة" للفارسي: 3/ 25، "التبصرة" 457.]]. والتشديد الأصل؛ لأنه في الأصل: (مَيْوِت)، فلما اجتمعت الواو والياء [[في (ج): (الياء والواو).]]، وسبقت [[في (ج): (سبقت).]] إحداهما بالسكون، قُلِبت الواوُ ياءً [[ياء: ساقطة من (ج).]]، وأُدغمت الياءُ فيه [[هذا مذهب البصريين، أما مذهب الكوفيين، فعندهم أن (ميت)، أصلها: (مَوِيت)، على وزن: (فَعِيل)، وذهب آخرون إلى أن أصلها: (فَيْعَل)، بفتح العين، وفي المسألة نقاش حول أصل هذه الكلمة. انظر كتاب العين: 8/ 140، "تهذيب اللغة" 4/ 3321 (مات)، "الإنصاف" للأنباري: ص 639، "الكشف" لمكي: 1/ 340.]]. ومن خَفَّفَ: حَذَفَ الواوَ التي [[في (ج): (والتي).]] أُعِلَّت في التشديد بالقلب [[قوله: (أعِلَّت)، من: (الإعلال)؛ وهو: تغيير حرف العلة للتخفيف؛ بالقلب، أو الحذف، أو الإسكان. انظر: "شرح الشافية" 3/ 66.]]، فأعِلَّت [[من قوله: (فأعلت ..) إلى (.. في التشديد بالقلب): ساقط من (ج).]] الواوُ في التخفيف بالحذف، كما أعلَّت في التشديد بالقلب. وقول من قال: إن (المَيْت) بالتخفيف: الذي قد مات، وبالتشديد: الذي لم يمت بعدُ [[نُقِل هذا القول عن أبي حاتم السجستاني، كما في "الخزانة" 6/ 529، ولم أعثر على من قال به غيره، إلا ما نقله الجوهري عن الفراء: (يقال لمن لم يَمُت: (إنه مائت عن قليل)، و (ميِّت)، ولا يقولون لمن مات: (هذا مائت). "الصحاح" 1/ 267 (موت).]]، ليس [[في (ب): (وليس).]] بشيء؛ لأنه قد ورد في الشعر على عكس قوله. أنشد أبو العباس [[لم أهتد إلى مصدره، وهكذا ورد في "النكت والعيون" 1/ 385.]] لابن [[في جميع النسخ: (لأبي)، والمثبت هو الصواب.]] الرَّعْلاء الغسَّاني [[في (أ): غير واضحة. وفي (ب): (لأبي يعلى الفسافي). والمثبت من (ج)، (د). وهو الصواب. وهو: عَدِي بن الرَّعْلاء الغَسَّاني، والرَّعْلاء هي أُمَّهُ. وهو شاعر جاهلي. انظر: "معجم الشعراء" 86، "الخزانة" 9/ 586، "الأعلام" 4/ 220.]]. ليس من مات فاستراح بمَيْتٍ ... إنَّما المَيْتُ ميِّتُ الأحْياءِ إنَّما المَيْتُ من يعيشُ كثيبا ... كاسفاً بالُهُ [[(باله): ساقط من (ج).]] قليلَ الرَّخاء [[ورد منسوبًا له في: المصادر التالية: "الأصمعيات" للأصمعي 152، "معجم الشعراء" للمرزباني (ط 2، 1982م، ن: مكتبة القدسي) 252، "النكت والعيون" 1/ 385، ولكن فيه: (لابن الرعلاء القلابي)، "البيان" للأنباري 1/ 198، "اللسان" 7/ 4295 (موت)، "شرح شواهد المغني" 1/ 405، 2/ 858 "الخزانة" 6/ 530، 9/ 583. كما ورد غير منسوب، في المصادر التالية: "معاني القرآن" للأخفش 1/ 155، "البيان والتبيين" للجاحظ 1/ 132، "العقد الفريد" 5/ 491، "تهذيب اللغة" 4/ 3321 (موت)، "المنصف" 2/ 17، 3/ 62، "الصحاح" 1/ 267 (موت)، "أمالي ابن الشجري" 1/ 232، "ورسالة الصاهل والشاحج" 522، "شرح المفصل" 10/ 69، "البحر المحيط" 1/ 486، "والمغني" 601، "منهج السالك" 2/ 169. وقد نسبا لصالح بن عبد القدوس، في "الحماسة" للبحتري (ضبط وتعليق: كمال مصطفى، ط 1، ن: المكتبة التجارية) 340، "معجم الأدباء" 3/ 420. وردت روايته في "الأصمعيات" (.. ذليلا سيِّئا ..) ووردت (الرجاء) بالجيم، بدلًا من: (الرخاء) بالخاء، في كل المصادر ما عدا "معجم الشعراء" "خزانة الأدب" 9/ 583، وهي موافقة لما أورده المؤلف هنا و (الرخاء): اسم من: (رَخِيَ العيشُ)، و (رَخوَ): إذا اتّسع. و (كاسِفًا بالُه)، من: (كسفت): إذا ساءت، والبال: الحال. والشاعر يقول: بأن من لا يموت في الحرب، فإنه يعيش في ذلٍّ، وسوءِ حال، وخزي، فحياته في الحقيقة ليست إلا موتا. والشاهد: استعمال (ميْت) و (ميِّت) بمعنى واحد.]] فهذا بيَّن أنَّ الأمر فيهما سواء. وقوله تعالى: ﴿وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾. قال الزجَّاج [[في "معاني القرآن" 1/ 395، نقله عنه بتصرف يسير جدا. وانظر: "تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة 103.]]: أي: بغير تقتير. وهذا مستعمل في اللغة، يقال: (فلان ينفق بغير حساب)؛ أي: بُوسِّع في النفقة؛ فكأنه لا يحسب ما ينفقه. وقال الحسن [[لم أهتد إلى مصدر الأثر عنه.]]، والربيع [[قوله في "تفسير الطبري" 3/ 227، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 628.]]: أي: بغير [[في (ج): (تغير).]] نقصان، وذلك؛ لأنه غير متناهي المقدور، فما يؤخذ منه [[في (ج): (مثله).]] لا ينقصه، ولا هو على حساب جزءٍ من كذا وكذا [[في (ب): (ولا كذا).]] جزءا [[(جزءًا): ساقطة من (ج).]]، فهو بغير حساب التجزئة. وقيل معناه [[لم أهتد إلى قائل هذا القول.]]: بغير حساب الاستحقاق؛ لأنه يرزق ويعطي تفضلاً لا استحقاقاً.

آل عمران 3:28

قوله تعالى: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ﴾ قال ابن عباس [[قوله، في "تفسير الطبري" 3/ 228، "تفسير الثعلبي" 3/ 34 أ، "أسباب النزول" للواحدي ص104، "تفسير البغوي" 2/ 25، "زاد المسير" 1/ 371، "لباب النقول" للسيوطي 52.]]: نزلت الآية في قوم من المؤمنين، كانوا [[(كانوا): ساقطة من (ج).]] يباطنون اليهود ويوالونهم [[في (أ)، (ب)، (ج): (يتوالونهم)، والمثبت من (د). وتفسير (الوسيط) للمؤلف (تح: بالطيور): 187.]]. وقال المُقاتِلان [[في (أ)، (ب)، (د): (مقاتلان). والمثبت من (ج) وهو الصواب؛ لموافقة لما في "تفسير الثعلبي" 3/ 34 أ، والمقاتلان؛ هما: مقاتل بن سليمان، ومقاتل بن حيان، وقد أخرج لهما الثعلبي في "تفسيره" وجعلهما من مصادره. انظر: "تفسيره" 1/ 7 ب، وقول مقاتل بن سليمان في تفسيره 1/ 270. ويبدو أن الواحدي نقل القول عنهما من "تفيسر الثعلبي" 34 أ، وقد أورد البغوي في "تفسيره" 2/ 25 قولَ مقاتل، ولم يُعَيِّن مَنْ منهما. ونَصَّ على وروده عنهما ابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 371، وقال: (هذا قول المقَاتِلَيْن: ابنِ سُليمان، وابن حَيان).]]: نزلت في حاطب بن أبي بَلْتَعَة [[هو: حاطب بن أبي بلتعة بن عمرو اللَّخمي، صحابي، أصله من اليمن، وكان حليفًا للزبير، شهد بدرًا، وهو الذي كاتب أهل مكة يخبرهم بتجهز رسول الله ﷺ لغزوهم، مُريدًا بذلك أن يتخذ عند الكفار يدا يحمي بها أهله الذين في مكة، حيث لا عشيرة له بها تحميهم، وقد قبل النبي ﷺ عذره. وقد أنزل الله فيه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ [الممتحنة: 1]، توفي سنة (30هـ). انظر: "صحيح البخاري" 8/ 633. كتاب التفسير. سورة الممتحنة، "الاستيعاب" 1/ 374، "الإصابة" 1/ 300.]]، وغيره ممن كانوا يوالون كفار مكة. قال الفرَّاء [[في "معاني القرآن" له 1/ 205 نقله عنه بالمعنى.]]: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ﴾: نهيٌ؛ فجُزم على ذلك. ولو رُفِع على الخبر كقراءة من قرأ: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾ [[وهي قراءة: ابن كثير، وأبي عمرو، وقرأ الباقون: ﴿تُضَارَّ﴾، بفتح الرَّاء المشددة. انظر: "الحجة" لابن زنجلة: 136، "اتحاف فضلاء البشر" 1/ 440. والقراءة بجزم ﴿لاَ يَتَّخِذِ﴾، قراءة الجمهور، وقرأ المفضل الضبِّي برفع الذال، وأجاز الكسائي الرفعَ على الخبر، والمراد به النهي. انظر: "إعراب القرآن" للنحاس: 1/ 320، "التبيان" للعكبري: 1/ 183، "البحر المحيط" 1/ 422.]] [البقرة: 233] جازَ. قال الزجَّاج [[في "معاني القرآن" له 1/ 395، نقله عنه نصًّا.]]: ويكون المعنى على الرفع: أنه من كان مؤمنًا، فلا بنبغي أنْ يتَّخذَ الكافرَ وَلِيًّا؛ لأن وَلِيَّ الكافرِ راضٍ بِكُفْرِهِ، فهو كافر، وقد ذكرنا معنى (الوليَّ) و (المولى) فيما تقدم. ومعنى (الأولياء) ههنا: الأنصار، والأعوان، أو [[(أو): ساقطة من (ج). وفي (د)، (و).]] الذين يوالونهم ويلاطفونهم بالمحبَّةِ والقُرْبَةِ. وقوله تعالى: ﴿مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. (مِنْ) ههنا معناه: ابتداء الغاية، على تقدير [[(تقدير): ساقطة من (ب).]]: لا تجعلوا ابتداء الولاية مكاناً دون المؤمنين [[والتقدير بعبارة أوضح: لا تجعلوا ابتداء الولاية من مكان دون مكان المؤمنين. وكون (مِن) لابتداء الغاية، هو الوجه الأظهر، والوجه الآخر: أن (مِن) في موضع نصب، صفة للأولياء. وقال سليمان الجمل: (إنها في محل الحال من الفاعل). انظر: "التبيان" للعكبري 1/ 183، "البحر المحيط" 2/ 423، "الدر المصون" 3/ 107، "الفتوحات الإلهية" للجمل 1/ 258.]]. وهذا [[من قوله: (وهذا ..) إلى (.. مكان المؤمنين): نقله عن "معاني القرآن" للزجاج: 1/ 396 مع اختلافٍ يسير جدًّا بين النصين.]] كلام جرى على المثل في المكان، وهو كما تقول: (زيدٌ دونك)؛ لست تريد: أنَّه في موضعٍ مُسْتَفِلٍ [[(مستفل): وردت في "معاني القرآن" مستقل، وما أورده المؤلف هنا هو الصواب؛ لمناسبتها لسياق الكلام. و (التَّسفُّلُ)، نقيض التَّعلِّي، انظر: "التاج" 14/ 347 (سفل).]]، وأنك في موضع مرتفع، ولكن جعلت الشَّرف بمنزلة الارتفاع في المكان، وجعلت الخِسَّةَ كالاستفال [[كالاستفال: وردت في "معاني القرآن" (كالاستقبال)؛ ولا وجه لها، والصواب ما أثبته المؤلفُ.]] في المكان. والمعنى [[في (ج): (فالمعنى)، وفي (د): (والمكانى).]]: أنَّ المكان المرتفع في باب الولاية: مكانُ المؤمنين، ومكان الكافرين الأدنى. فهذا معنى ﴿مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾، وتحقيق له. والتأويل: أولياء من غير المؤمنين وسواهم؛ كقوله تعالى ﴿وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: 23] أي: غير الله. وقد مرَّ. وقد ثبت بهذه الآية تحريمُ موالاة الكافرين: والله تعالى قد قطع بيننا وبينهم أصلَ الموالاة. قال ابن عباس في هذه الآية [[قوله، في "تفسير الطبري" 3/ 227، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 628، وأورده السيوطي في "الدر" 2/ 28ونسب إخراجه كذلك لابن المنذر. ونهاية قول ابن عباس إلى (.. الكفار)، أما الآيات القرآنية، فهي من إلحاق المؤلف الواحدي تفسيرًا لقول ابن عباس.]]: نهى الله سبحانه المؤمنين أن يلاطفوا الكفارَ في آيات كثيرة، منها قوله: ﴿لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾ [آل عمران: 118] وقوله: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: 22]، وقوله: ﴿لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾ [[وقال ابن عطية: (ولفظ الآية عام في جميع الأعصار)، وقال أبو حيان: (وظاهر الآية تقتضي النهي عن موالاتهم إلا ما فُسح لنا فيه من اتِّخاذهم عبيدًا، والاستعانة بهم استعانة العزيز بالذليل، والأرفع بالأوضع، والنكاح فيهم). "المحرر الوجيز" 3/ 71. وذكر سلميان الجمل أن ترك موالاة المؤمنين يصدق بصورتين: إما أن تقصر الموالاة على الكافرين، أو أن يُشرك بينهم وبين المؤمنين في الموالة، وكلا الصورتين داخلتان في منطوق النهي، فموالاة الكافرين ممنوعة، استقلالًا أو اشتراكًا مع المؤمنين. انظر: "الفتوحات الإلهية" 1/ 258. وانظر: "البحر المحيط" 2/ 422.]] [المائدة: 51]. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ أي: اتِّخاذ الأولياء منهم [[(اتخاذ الأولياء منهم): ساقط من (د).]]. ﴿فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ﴾. أي: من دين الله، فحذف الدينَ اكتفاءً بالمضاف إليه، والمعنى: أنه قد برئ من الله، وفارق دينه، ثمَّ استثنى، فقال: ﴿إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾. ذكرنا معنى الاتقاء وحقيقته في قوله: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 2]. و (التُّقاة) ههنا مصدر، ووزنها: فُعَلَة، مثل: (تُخَمَة)، و (تُؤَدَة)، و (تُكَأَة)، و (تُهمَة). والتَّاء في كل هذا مبدلة من الواو [[انظر: "تفسير البسيط" (تح: د. الفوزان): 2/ 48، "كتاب سيبويه" 4/ 333، "سر صناعة الإعراب" 1/ 145 - 148، "شرح الشافية" 3/ 80 - 83، "الممتع في التصريف" 1/ 383. ومعنى (تُخمَة): ما يصيب الإنسان من الطعام، إذا استثقله ولم يستمرئه. وهي مأخوذة من: (الوَخامة). و (تُؤَدَة) بالتسكين والفتح: التأني والتمهل، واصلها: (وُأدَةٌ). و (تُكَأة): ما يُتَّكأ عليه، و (رجل تُكَأة): كثير الإتِّكاء، وأصلها: (وُكَأة). و (تُهَمَة): الظنُّ، أصلها: (الوُهَمَة)، من: الوهم، وهو: الظَّن. "اللسان" 8/ 4791 (وخم)، 8/ 4745 (وأد)، 8/ 4904 (وكأ)، 8/ 4933 (وهم).]]، ويقال [[من قوله: (ويقال ..) إلى نهاية بيت الشعر (.. احتقارًا): نقله بتصرف عن "تفسير الثعلبي" 3/ 34 ب.]]: (تَقَيْتُهُ تُقاةً، وتُقىً، وتَقِيَّةً، وتَقْوى). وإذا قلت [[في (ج): (قلبت).]]: (اتَّقَيت)، كان مصدره (الإتقاء) [[انظر: "إصلاح المنطق" 24، ومادة (وقى)، في "تهذيب اللغة" 4/ 3941، "الصحاح" 6/ 2527، "اللسان" 8/ 4901.]]. وإنما قال: (تتَّقوا)؛ من: الاتِّقاء، ثم قال: (تُقاةً)، ولم يقل: اتِّقاءً: لأن العرب قد تَذْكُر المصدرَ من غير لفظ الفعل، إذا كان ما ذُكِر من المصدر يوافق [[في (ج): (موافق).]] مصدر الفعل المذكور، فيقول: (التقيت فلاناً لقاءً حسناً)، قال القُطامي [[هو: عمير بن شُيَيْم التَّغْلبي، تقدمت ترجمته.]]: وليس بأنْ تتَّبعه اتِّباعا [[عجز بيت، وصدره: وخير الأمر ما استقبلت منه وهو في: "ديوانه" 35، "كتاب سيبويه" 4/ 82، "أدب الكاتب" 630، "الشعر والشعراء" 2/ 728، "المقتضب" 3/ 205، "الأصول في النحو" 3/ 134، "شرح المفضليات" لابن الأنباري 352، "الخصائص" 2/ 309، "الاقتضاب" 477، "شرح أدب الكاتب" 305، "أمالي ابن الشجري" 2/ 141، "وضح البرهان" 1/ 239، "شرح المفصل" 1/ 111، "خزانة الأدب" 2/ 369. ومعنى البيت: أن خير الأمور ما تدبرته في أوله فعرفت إلام تنتهي عاقبته، وشر الأمور ما تُرك النظرُ في أوله، وتُتُبِّعت أواخرُه بالنظر. والشاهد فيه: أنه أتى بـ"اتِّباعًا" مصدرًا لـ"تتبع"، لأن معناهما واحد.]] وقال أيضًا: ولاح بجانب [[(د): (من جانب).]] الجبلين منه ... ركامٌ يَحْفِر التُّربَ [[(د): (الثوب).]] احتفارا [[لم أقف عليه في ديوان القطامي، وأورده الثعلبي في "تفسيره" 3/ 34 ب، ونسبه للقطامي، وبين أنه يصف غَيْثًا، وأورده أبو حيان في "البحر المحيط" 2/ 424.]] وقال بعض النحويين [[لم أهتد إلى القائل، وقد ذكره أبو حيان في "البحر" 2/ 424، والحلبي في "الدر" 3/ 111 عند بيان نصب ﴿تقاه﴾ على الحال كما سيأتي.]]: (تقاة) اسم وضع موضع المصدر [[أي على تقدير: إلا أن تتقوا منهم اتقاءً، فيكون مفعولًا مطلقًا.]] كما يقال: (جَلَسَ جَلْسَةً)، و (رَكِبَ رِكْبَةً) [["جَلْسَة": اسم للمرَّة، و"جِلْسَة": اسم للهيئة، وهكذا "رِكْبة" و"رَكْبَة". يقول ابن مالك - في صياغة اسم المرَّة والهيئة من الثلاثي: و"فَعْلَةٌ" لمرَّةٍ كجَلْسَهْ ... و"فِعْلَةٌ" لهيئة كجِلْسَهْ]]، وكما قال: وبَعْدَ عطائِكَ المائةَ الرِّتاعا [[عجز بيت، وصدره: أكُفْرًا بعد ردِّ الموتِ عني وهو للقطامي، في "ديوانه" 37، كما ورد في "الشعر والشعراء" 2/ 727، و"الخصائص" 2/ 221، و"الأصول في النحو" 1/ 149، و"أمالي ابن الشجري" 2/ 396، و"اللسان" 8/ 163 (سمع)، 9/ 141 (زهف)، 15/ 69 (عطا)، 138 (غنا)، و"شرح شذور الذهب" 412، و"المقاصد النحوية" 3/ 505، 4/ 295، "منهج السالك" 2/ 288، و"شرح شواهد المغني" 2/ 849، و"الهمع" 3/ 103، "معاهد التنصيص" 1/ 179، و"التصريح" 2/ 64، "الخزانة" 8/ 136، 137، "الدرر" 1/ 161. والشاعر يمدح في البيت زُفَر بن الحارث الكِلاَبي، بعد أن مَنَّ عليه بإطلاق أساره من قبيلة قيس، التي كانت تنوي قتله، وأعطاه مائة من الإبل. وقوله: (أكفرًا) استفهام إنكاري؛ أي: لا أخونك بعد أن أنقذتني من الموت، وأعطيتني مائة من الإبل (الرِّتاع)؛ أي: الراعية. والشاهد فيه: إعمال اسم المصدر: وهو (عطاء) عملَ المصدر، وهو (إعطاء)، ولذا نصب به المفعول، وهو (المائة).]] فأجراه مجْرَى الإعطاء [[اسم المصدر المأخوذ من حدث لغيره، كـ (الثواب، والكلام، والعطاء)، منع البصريون إعمالَه، إلَّا في الضرورة، وأجاز إعمالَه الكوفيُّون والبغداديُّون قياسًا؛ إلحاقًا له بالمصدر. واستثنى الكسائي إمام الكوفيين ثلاثةَ ألفاظ، هي: (الخبز) و (الدهن) و (القوت)، فإنها لا تعمل، فلا يقال: (عجبت من خبزكَ الخبزَ)، ولا (من دهنكَ رأسكَ)، ولا (من قوتِكَ عيالَكَ)، وأجاز ذلك الفرَّاءُ، لما حكاه عن العرب مثل: (أعجبني دهنَ زيدٍ لحيَتَه). انظر: "همع الهوامع" 2/ 94 - 95.]]. قال: ويجوز أن تجعل (تُقاة) ههنا مثل: (رُماة)، فتكون حالاً مؤكدة [[أي: إنَّ (تقاة) هنا جمعٌ، حالها حال (رُماة) التي مفردها: (رامٍ)، وإن لم يأت من (تقاة) لفظ (فاعل)؛ لأن (فُعَلَة) تأتي جمعًا لفاعل الوصف المعتل اللَّام. انظر: "تهذيب اللغة" 4/ 3940 (وقى)، "البحر المحيط" 2/ 424، "الدر المصون" 3/ 111، "التبيان" للعكبري: (184).]]. قال المفسرون [[من قوله: (قال المفسرون ..) إلى (.. عورة المسلمين): نقله بتصرف عن "تفسير الثعلبي" 3/ 35 أ.]]: هذا في المؤمن، إذا كان في قوم كفَّار، ليس فيهم غيره، وخافهم على نفسه وماله، فله أن يخالفهم [[في (د): (يحالفهم)، وفي "تفسير الثعلبي" (يتحالفهم)، وقد أثبَتُّ (يخالفهم)؛ لورودها في النسخ الثلاث، ولأنها تحتمل المخالفة القلبية، وإلا فإني أرجِّح أن تكون (يخالقهم)، بمعنى: يصانعهم، ويعاشرهم على أخلاقهم، وهكذا وردت عن مجاهد في تفسير الآية، حيث قال: (إلَّا مصانعة في الدنيا، ومُخالقة). انظر: "تفسير الطبري" 3/ 229، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 629.]]، ويُداريهم باللسان، وقلبه مطمئنٌ بالإيمان دفعا عن نفسه [[(دفعا عن نفسه): ساقط من: (ب).]]، من غير أن يَستحِلَّ مُحرَّماً؛ من: دمٍ، أو مالٍ، أو إطْلاع للكافرين على عَوْرة [[في (د): (عورات).]] المسلمين. قال ابن عباس في هذه الآية [[الوارد عن ابن عباس في المصادر التي بين يدي ما يفيد هذا المعنى، وليس بهذا اللفظ. انظر: "تفسير الطبري" 3/ 228، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 229، "المستدرك" للحاكم 2/ 291، "الدر المنثور" 2/ 29.]]: يريد: مُدَاراةً ظاهرةً. والتقيَّة لا تحل إلاَّ مع خوف القتل. وهي رخصة من الله تعالى. ولو أفصح بالإيمان؛ حيث يجوز له التَقِيَّة، [فيُقْتَل لأجلِ إيمانِهِ] [[ما بين المعقوفين غير مقروء في: (أ)، وهو مثبت من: (ب)، (ج)، (د).]]، كان ذلك فضيلةً له [[قال ابن العربي: (لا خلاف في ذلك) "أحكام القرآن" 3/ 1179، وانظر: "أحكام القرآن" للجصاص: 1/ 9، 3/ 192، "تفسير القرطبي" 10/ 188.]]. وظاهر الآية يدل على أن التقيَّة إنما تَحلُّ مع الكفار الغالبين، غير أن مذهب الشافعي رحمه الله: [أنَّ الحالةَ بين] [[ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ)، وهو بياض في (ب)، والمثبت من (ج)، (د).]] المسلمين [[(المسلمين): مكانها بياض في: (ب).]]، إذا شاكلت [[(شاكلت): أي: شابهت، ووافقت. انظر: "القاموس" (1019) (شكل).]] الحالةَ بين المسلمين والمشركين، حَلَّت التقِيَّةُ، محاماةً عن المُهْجَةِ [[انظر: "أحكام القرآن" للكيا الهراسي: 2/ 285، 4/ 246، "الأشباه والنظائر في قواعد وفروع فقه الشافعية" للسيوطي: 206، "حاشية الشرقاوي على تحفة الطلاب" 2/ 390.]]. [وأمال] [[ما بين المعقوفين غير مقروء في: (أ). وفي (ب)، (ج)، وأما المثبت من (د).]] الكسائي، وحمزة ﴿تُقَاةً﴾ ههنا [[انظر: "الحجة" للفارسي: 3/ 27، وقال: (وأمال حمزة منهم (تقاة) إشمامًا من غير مبالغة)، "حجة القراءات" لابن زنجلة: 159.]]. والقافُ حرفٌ مُسْتَعْلٍ [[الحروف المستعلية، هي: الخاء، والطاء، والظاء، والصاد، والضاد، والغين، والقاف. انظر: "الرعاية" لمكي 123، "التمهيد" لابن الجزري 90.]]، فالأحسن ترْكُ الإمالة مع القاف، كما لم يُميلوا (قادم). و (قاة) من (تقاة)، بمنزلة: (قادم). وحُجَّة [[من قوله: (وحجة ..) إلى (.. أميلت التي في تقاة): نقله عن "الحجة" للفارسي: 3/ 30 - 31 بتصرف واختصار.]] من أمالَ: أنَّ سيبويه ذكر [[انظر: "كتاب سيبويه" 4/ 132، و 4/ 134.]]: أنَّ قوماً قد أمالوا مع المستعلي، ما لا ينبغي أن يُمال في القياس؛ وذلك قولهم: (رأيت غَرْقى) [[هكذا جاءت في جميع النسخ. والذي في "الحجة" للفارسي، "كتاب سيبويه" (عِرْقا) بالعين المكسورة، من: العِرقاة، وهي: أصل الشيء، وما يقوم عليه. وهي في الشَّجَر: أرُومُه الأوسط الذي تتشعب منه العروق. انظر: "اللسان" 5/ 2903 (عرق). أما (غَرقى)، فهي جمع: غريق. ويلاحظ أن سيبويه قد ذكر أن العلة في إمالة (عِرقا) هي وجود الكسرة في أولها، وليس ذاك في (غرقى). انظر: "كتاب سيبويه" 4/ 134، "الدر المصون" 3/ 112 - 113.]]. قال: وهو قليل. وأيضاً فإنهم قد أمالوا: (سَقى)، (وصَغى) [[(سقى)، (وصغى): ساقطتان من (د).]]؛ طلباً للياء التي الألِفُ في موضعها، فلمَّا أُميلت هذه الألِفُ مع المستعلي، كذلك أميلت [[(أميلت): ساقطة من (ج).]] التي في (تقاة). وقوله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾. أي: يخوفكم الله على موالاة الكفار عذابَ نَفْسِهِ، وعقوبَتَه، فحذف المضاف، وهو قول ابن عباس [[لم أهتد إلى مصدر قوله، اللهم إلا ما ورد في "المحرر الوجيز" 3/ 77 من قوله هو والحسَنَ: (ويحذركم الله عقابه)، وانظر: "البحر المحيط" 2/ 425.]] و (النفس) عند العرب، عبارة عن: ذات الشيء ووجوده. يقولون: هذا نفس كلامك [[انظر (نفس) في "تهذيب اللغة" 4/ 3629.]]. وإلى هذا ذهب أهل المعاني. قال الزجَّاج [[في "معاني القرآن" له 1/ 397، وانظر: "معاني القرآن" للنحاس 1/ 384، "المحرر الوجيز" 3/ 76، "القاموس المحيط" (577).]]: معنى ﴿نَفْسَهُ﴾: إيَّاه، كأنه قال: ويحذركم الله إيَّاه. وقال بعضهم [[لم أهتد إلى هذا القائل.]]: النفس ههنا: تعود إلى اتِّخاذ الأولياء من الكفار؛ [أي] [[ما بين المعقوفين في (أ): غير واضح، وفي (ب): (أن)، والمثبت من (ج)، (د).]]: ينهاكم الله عن نفس هذا الفعل [[والآية من الأدلة على أن لله تعالى نفسًا، وهي صفة من صفاته العلية، تليق بكماله وجلاله سبحانه. انظر: "قطف الثمر في عقيدة أهل الأثر" لصديق خان: 65.]].

آل عمران 3:29

قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ﴾. أي: مِن مودة الكفار، وموالاتهم. هذا قول أكثر المفسرين [[انظر: "تفسير الطبري" 3/ 230، "تفسير الثعلبي" 3/ 36 أ، "تفسير البغوي" 2/ 26، "زاد المسير" 1/ 372.]]. وقال الكلبي [[قوله، في "تفسير الثعلبي" 3/ 36 أ، "تفسير البغوي" 2/ 26.]]: يعني: تكذيب محمد ﷺ، يقول: إن أخفيتموه أو أظهرتم تكذيبه، بحربه وقتاله، يعلمه الله. وقال عطاء [[لم اهتد إلى مصدر قوله.]]: يريد: الضمير، وهذا يعم كل ما في قلب الإنسان. قال أهل المعاني: لَمّا نَهَى اللهُ في الآية الأولى عن موالاة الكفار، خوَّفَ وحذَّر في هذه الآية [[(في هذه الآية): ساقطة من (ج).]] عن إبطان [[في (ج): (انظار).]] موالاتهم؛ بأنه يعلم الإسرار، كما يعلم الإعلان. [فإن قيل: لِمَ جاء] [[ما بين المعقوفين غير مقروء في: (أ). والمثبت من: (ب)، (ج)، (د).]] ﴿يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ بالجَزْم؛ على جواب [[في (ج): (جواز).]] الشرط، ولا يَفْتَقِرُ في علمه إلى وجود [[في (ج): (وجوب).]] شرطٍ متقدمٍ؛ كقول القائل: (إنْ تأتِني؛ أُكْرِمْكَ!)، فالإتيان سببٌ للإكرام، ولا يجوز أنْ يكون الإخفاء ولا الإبداء سبباً لعلمه. فالقول في ذلك إنَّ المعنى: يعلمه كائنًا، [ولا يعلمُهُ اللهُ تعالى [[(الله تعالى): ليس في (أ)، (ب)، (د). والمثبت من (ج).]] كائناً، إلا بعد كَوْنِهِ، وقبل [[في (د): (وقيل)، والمثبت من (ج).]] الكَوْنِ لا يُوصَفُ بأنه [[في (ج): (لأنه)، والمثبت من (د).]]: يعلَمُه كائنا] [[ما بين المعقوفين زيادة من: (ج)، (د).]]، والتأويل: إنْ تبدوا ما في صدوركم، يعْلَمْهُ مبدىً، أو تُخْفوه يَعْلَمْهُ مُخْفىً. وقوله تعالى: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾. رفع [[من قوله: (رفع ..) إلى (.. رفعا): نقله بتصرف عن "معاني القرآن" للفراء: 1/ 206.]]؛ على الاستئناف؛ كقوله: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ﴾ [التوبة: 14]، جزم الأفاعيل [[(الأفاعيل): ساقطة من (د). ومعناه: جُزِمت الأفعال التالية في الآية: (يُعذِّبْهمْ)، (يُخزِهِمْ)، (يَشْفِ)، (يُذْهِبْ).]]، ثم قال: ﴿وَيَتُوُبُ اَللَّهُ﴾ [التوبة: 15]، فرفع. ومثله، قوله: ﴿فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ﴾ [الشورى: 24]، ورفعاً [[أي: هي في نيَّةِ رفع، مستأنفةٌ، غير داخلة في جزاء الشرط؛ لأنه تعالى يمحو الباطل مطلقًا. وسقوط الواو لفظًا، لالتقاء الساكنين في الدرج، وسقوطها خطًّا، حملًا للخطِّ على اللفظ. انظر: "منار الهدى في بيان الوقف والابتداء" للأشموني: 249.]]. وفي قوله: ﴿يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾، إتمامٌ؛ للتحذير؛ لأنه إذا كان لا يخفى عليه شيءٌ منهما، فكيف يخفى عليه الضميرُ؟. وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. تحذيرٌ مِنْ عِقَابِ مَن لا يعْجِزَهُ شىءٌ.

آل عمران 3:30

قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ﴾ اختلفوا في العامل في ﴿يَوْمَ﴾، فقال ابن الأنباري [[لم أهتد إلى مصدر قوله.]]: اليوم معلق بـ ﴿الْمَصِيرُ﴾ [[في (د): (متعلق بالضمير). يعني بـ ﴿الْمَصِيرُ﴾: ما ورد في قوله تعالى: ﴿وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ آية: 28 من نفس السورة.]]، والتقدير: (وإلى اللهِ المصير، يومَ تَجِدُ). وقال الزجَّاج [[في "معاني القرآن" له: 1/ 397.]]: العامل: قوله: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾، في الآية [[من قوله: (في الآية ..) إلى (.. نفسه): ساقط من (ج).]] السابقة؛ كأنه قال: ويحذِّرُكُم اللهُ نفسَهُ في ذلك اليوم [[ضعَّف أبو حيان نصب ﴿يَوْمَ﴾ بـ ﴿الْمَصِيرُ﴾، وبـ ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ﴾ في الآية التي قبلها؛ وذلك لأن الفاصل قد طال بين العامل والمعمول، ويضاف إليه في النصب بـ ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ﴾، أن التحذير موجود، واليوم موعود، فلا يلتقيان، فلا يصح عمل الفعل هنا. انظر: "البحر المحيط" 2/ 426، "التبيان" للعكبري: 1/ 252.]]. قال أبو بكر: ولا يجوز أن يكون (اليوم) منصوباً بـ ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ﴾، المذكور في هذه الآية، لأن واو النَّسَقِ [[أي: واو العطف.]] لا يعمل ما بعدها فيما قبلها. قال: ويجوز أن يكون (اليوم) متَصلًا بـ ﴿قَدِيرٌ﴾ [[في (ج): (تقديره). ويعني بـ ﴿قَدِيرٌ﴾ الواردة في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ آية: 29.]] منصوباً به، والتأويل: (والله على كلِّ شيءٍ قديرٌ في هذا اليوم). وخصَّ هذا [اليوم] [[ما بين المعقوفين زيادة من (ج)، (د).]]، وإنْ كان غيرُه من الأيام بمنزلته في قدرة الله تعالى؛ تفضيلاً له؛ لِعِظَمِ شأنِه؛ كقوله: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [[وقيل إنَّ ﴿يَوْمَ﴾ في آية سورة آل عمران، منصوب بفعل مضمرٍ، هو (اذكر) أو (اتَّقوا)، وقال الزمخشري: إنَّ ناصبه هو فعل ﴿تَوَدُّ﴾ الآتي بعده. وحول هذه الوجوه نقاش، انظره في "تفسير الطبري" 3/ 231، "الكشاف" 1/ 423، "الفريد في إعراب القرآن المجيد" 1/ 560، "البحر المحيط" 2/ 426، "الدر المصون" 1/ 114.]]. وقوله تعالى: ﴿مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا﴾. يريد: بيان ما عملت؛ بما يرى من صحائف الحسنات. ويجوز أن يكون المعنى: جزاء ما عملت؛ بما يرى من الثواب. وقوله تعالى: ﴿وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ﴾. الأظهر: أن تجعل ﴿مَا﴾ ههنا بمنزلة (الذي)، فيكون معطوفاً على ﴿مَا﴾ الأولى، ويكون ﴿عَمِلَتْ﴾ صلةً لها. ويصلح أن تكون بمعنى: الجزاء فتكون مُسْتَأنَفَةً. وكان الأجود؛ إذا جعلت ﴿مَا﴾ بمعنى الجزاء، أن تنصب ﴿تَوَدُّ﴾، أو تخفضه، ولَمْ يقرأ أحدٌ إلا رفعاً، فكان هذا دليلاً [على] [[ما بين المعقوفين زيادة من: (ب)، (ج).]] أنَّ ﴿مَا﴾ بمعنى (الذي) [[انظر: "معاني القرآن" للفراء: 1/ 206،"إعراب القرآن" للنحاس: 1/ 321، "مشكل إعراب القرآن" 1/ 155، "الفريد في إعراب القرآن المجيد" 1/ 561.]]. وقوله تعالى: ﴿أَمَدًا بَعِيدًا﴾. معنى (الأمد): الغاية التي يُنتَهى إليها [[انظر: "تفسير الطبري" 3/ 231، "القاموس المحيط" 339 (أمد).]]. قال مقاتل [[قوله في "تفسيره" 1/ 270. ونصه عنده: (يعني: أجلًا بعيدًا بين المشرق والمغرب).]]: أي: كما بين المشرق والمغرب. وقال الحسن [[قوله في "تفسير الطبري" 3/ 231، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 631، "تفسير الثعلبي" 3/ 36 ب، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 2/ 29، ونسب إخراجه لابن المنذر كذلك.]]: يَسُر أحدَهم أن لا يلقى عملَهُ أبدا. وقوله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾. قد ذكرنا ما فيه [[ذكر ذلك عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ من آية: 28.]]. وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾. قال الحسن [[قوله في "تفسير عبد الرزاق": 1/ 118، "تفسير الطبري" 3/ 231، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 631، وأورده ابن كثير في "تفسيره" 1/ 384.]]: مِن رأفته بهم أن حذَّرهم نفسه.

آل عمران 3:31

قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ﴾ قال ابن عباس في رواية الضحاك [[قول ابن عباس، في "تفسير الثعلبي" 3/ 36 أ، "أسباب النزول" للواحدي: 105، "تفسير البغوي" 2/ 27، "زاد المسير" 1/ 373.]]: وقف النبي ﷺ على قريش وهم في المسجد الحرام يسجدون للأصنام، فقال: "يا معشرَ قريش: والله لقد خالفتم ملَّة أبيكم إبراهيم! ". فقالت قريش: إنما نعبد هَّذه حبًا لله؛ ليقربونا إلى الله. فقال الله: قل يا محمد: إن كنتم تُحبُّون الله وتعبدون الأصنامَ لِتُقَرِّبكم إلى الله فاتَّبعوني، يُحْبِبْكم اللهُ، فأنا رسوله إليكم، وحجَّتُه عليكم، وأنا أولى بالتعظيم من أصنامكم [[هذه الرواية عن ابن عباس، من طريق جُويبر عن الضحاك عنه، كما في "تفسير الثعلبي" "أسباب النزول" للواحدي وجُويبر، هو: ابن سعيد، أبو القاسم البلخي: ضعيف جدًّا. انظر: "المجروحين" لابن حبان: 1/ 217، "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم 2/ 540، "تقريب التهذيب" (987).]]. وقال في رواية أبي صالح [[هذه الرواية في "تفسير الثعلبي" 3/ 37 أ "أسباب النزول" للواحدي 105.]]: إنَّ اليهود لمَّا قالت: نحن أبناءُ اللهِ وأحبَّاؤه، أنزل الله تعالى هذه الآية، فعرضها عليهم رسول الله ﷺ فأَبَوا أن يقبلوها [[هذه الرواية من طريق الكلبي عن أبي صالح. والكلبي -كما سبق- متَّهم بالكذب، وقد رُمي بالرفض، وقد قال لسفيان الثوري (كل ما حدثتك عن أبي صالح فهو كذب). انظر: "ميزان الاعتدال" 5/ 2 (7574)، "تقريب التهذيب" (5901)، وقد ورد في سبب نزول الآية سببان آخران: الأول: ادِّعاء أقوام في عهد النبي ﷺ أنهم يحبون الله تعالى، فأنزل الله هذه الآية؛ ليبين لهم أن علامة حُبِّه هي: اتباع النبي ﷺ. وهو قول الحسن، وابن جريج. الثاني: أنها نزلت رَدًّا على مزاعم النصارى في ادِّعائهم: أنَّ ما يقولونه عن عيسى عليه السلام إنما هو محبة لله وتعظيم له. فأخبرهم أن محبة الله تكون باتباع النبي ﷺ وهو قول محمد بن جعفر بن الزبير. ورجَّح الطبري هذا القول، قائلًا: (لأنه لم يجر لغير وفد نجران في هذه السورة، ولا قبل هذه الآية ذكْرُ قوم ادَّعوا أنهم يحبُّون الله، ولا أنهم يُعَظِّمُونه)، ولم يجزم الطبري بصحة قول الحسن السابق، وبيَّن أنه ليس في السورة ما يدل عليه، إلا أن يراد بالقوم الذين ادَّعوا ذلك هم وفد نصارى نجران، فيكون القولان متَّفقين. انظر: "تفسير الطبري" 3/ 232. وقال ابن عطية: (وُيحتمل أن تكون الآية عامة لأهل الكتاب: اليهود والنصارى؛ لأنهم كانو يدَّعون أنهم يحبون الله، ويُحبهم، ألا ترى أنهم جميعًا قالوا: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: 18]، ولفظ ﴿وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ إنما يعطي أن الله يحبهم، لكن يعلم أن مراده "ويحبوه"). انظر: "المحرر الوجيز" 3/ 80.]]. قال أهل العلم: معنى (مَحبَّة العبدِ لله): إرادته طاعته، وإيثاره أمره، ورضاه بشرائعه. ومعنى (مَحبَّة الله للعبد): إرادته لِثَوَابِهِ، وعفوه عنه، وانعامه عليه [[نقل القرطبي في تفسيره قريبًا من هذا القول عن الأزهري. انظر: "تفسير القرطبي" 4/ 60، "فتح القدير" 1/ 501، "فتح البيان" 2/ 42. وما ذكره المؤلف هنا في محبة الله تعالى هو ما عليه مذهب الأشاعرة؛ حيث ينفون هذه الصفة، وغيرها من الصفات، عن الله تعالى ويعطلونها، ويفسِّرونها إذا وردت في القرآن والسنَّة بلوازمها ومقتضياتها، من إرادة الثواب للعبد والعفو عنه والإنعام عليه كما فعل المؤلف، فينفون حقيقة صفة الله، ويحرفونها ويؤوِّلونها، بدعوى أنها توهم النقص في الذات العلية؛ لأن المحبة عندهم، هي: ميل القلب إلى ما يلائم الطبع، وهذا من صفات المخلوق، والله منزَّه عن ذلك الأمر الذي دعاهم إلى تأويل صفة المحبة، وحملها على الإرادة كما فعل المؤلف. والذي أوقع الأشاعرة في هذا الخطأ العقدي، هو قياسهم صفات الخالق على صفات المخلوق. ومن قواعد منهج السلف الصالح: أن الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات، فكما أن ذات الحق لا تشبه ذوات الخلق، فكذلك صفاته. ومن قواعدهم: أن القول في بعض الصفات كالقول في بعضها الآخر، فيثبت السلف جميع صفات الله، ويمرُّونها كما جاءت بما يليق بذاته العلِيَّة، ولا يُؤوِّلونها، ومنها: صفة المحبة. ويثبتون كذلك لوازمها من إرادة الله إكرام من يحبه وإثابته، فالله تعالى يُحِبُّ، ويُحَبُّ لذاته، وليس فقط لثوابه، كما قال: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: 54]. وتأويل الأشاعرة ومنهم المؤلف لصفة المحبة بالإرادة، إنما هو حرْفٌ لحقيقة الصفة، وصرف لها عن وجهها الصحيح، ويقال لهم: إنَّ المعنى الذي صرفتم اللفظ إليه، هو نفس المعنى الذي صرفتموه عنه، فالإرادة، هي: ميل الإنسان إلى ما يلائمه، أو إلى ما ينفعه، ودفع ما يضره، وهي من صفات المخلوقين، والله منزَّه عن ذلك، فإن قال الأشاعرة: إرادة تليق به، قيل لهم: وكذلك له محبة، وصفات تليق به، فالسلامة والحكمة في منهج السلف. انظر: "لوامع الأنوار البهية" للسفاريني 1/ 221 وما بعدها، "شرح العقيدة الواسطية" محمد هراس 45، "التحفة المهدية شرح الرسالة التدمرية" لفالح آل مهدي: 1/ 47، "الكواشف الجلية عن معاني الواسطية" للسلمان 183.]].

آل عمران 3:32

قوله تعالى ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ قيل: لمّا نزل [[في (ب): (نزلت).]] قوله: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ﴾، الآية، قال عبد الله بن أُبَي [[هو: عبد الله بن أبَيِّ بن سَلُول، العَوْفي الخزرجي. رأس المنافقين بالمدينة، وكان سَيِّد أهل المدينة قبل هجرة النبي ﷺ إليها، وقد اجتمعت الأوس والخزرج على أن يُتَوِّجوه عليهم مَلِكًا، فجاء الإسلامُ وهدى الله الحَيِّيْن له، ففَرَطَ منه هذا الشرفُ، فدخل في الإسلام مُكرَها، وأبطن النفاق والضَّغينة. انظر أخباره في "سيرة ابن هشام" 2/ 173، 234، 236 - 238، 3/ 51 - 53، 68، 200، 303.]]: إنَّ محمداً يجعل طاعتَه كطاعة الله، ويأمرنا أن نحبه كما أحبَّت النصارى عيسى، فنزلت هذه الآية [[ورد هذا الأثر في "تفسير الثعلبي" 3/ 37 ب، "تفسير البغوي" 2/ 27، "زاد المسير" 1/ 373 - 374، وقال: (هذا قول ابن عباس)، كما ذكره الرازي 8/ 20.]] وبين فيها أنَّ طاعة الله معلقةٌ بطاعة الرسول، ولا يتمُّ لأحد طاعةُ الله، مع عصيان الرسول؛ ولهذا قال الشافعي - رضي الله عنه -: كل أمرٍ أو نهيِ، ثبت عن رسول الله ﷺ، جرى ذلك في الفريضة واللزوم، مجرى ما أمر الله به في كتابه، ونهى عنه [[لم أجد نصَّ قول الشافعي، فيما اطلعت عليه من مصادر، ولكن وردت أقوال كثيرة له تدل على هذا المعنى. انظر: "الرسالة" للشافعي 73، 76، 78، 84، 85، 88، "أحكام القرآن" للشافعي، (جامع البيهقي): 1/ 28.]]. قال عطاء، عن ابن عباس، في قوله: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾، يريد: محمداً ﷺ فإن طاعتكم [لمحمدٍ طاعةٌ [[في (ج): (طاعتكم).]]] [[ما بين المعقوفين زيادة من: (ج)، (د).]] لي، فأما أن تطيعوني وتعصوا محمداً، فلن أقبل طاعتكم [[لم أهتد إلى مصدر هذه الرواية]]. وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾. قال الزجَّاج [[في "معاني القرآن" له 1/ 398.]]: أي [[(أي): ساقطة من (د).]]: فإنَّ الله لا يحبهم [[في (ج): (لا يحبكم).]]؛ لأن من تَوَلَّى عن النبي ﷺ، فقد تَوَلَّى عن الله عز وجل. ومعنى ﴿لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾: لا يغفر لهم، ولا يُثْنِي عليهم خيراً [[هذا من تمام قول الزجاج، وقد سبق أن بيَّنت أن عدم المغفرة، وعدم الثناء بالخير عليهم، إنَّما هو من لوازم، ومُقتضيات عدم المحبة، وليس هو حقيقة عدم المحبة، وحقيقة ذلك وكنهه وكيفيَّته، لا تحيط بها عقولنا، ونكلها إلى الحق عز وجل.]].

آل عمران 3:33

قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا﴾ معنى (اصطفى) في اللغة: اختار. وتأويله: جعلهم صفوة خَلْقِه [[نقله عن "معاني القرآن" للزجاج 1/ 399، وأنظر: "تهذيب اللغة" 12/ 249 (صفو).]]. قال أهل المعاني [[ممن قال بذلك الزجاج في المصدر السابق. ومن قوله: (هذا تمثيل ..) إلى (.. والرسالة على عالمي زمانهم): نقله بالمعنى من "معاني القرآن" للزجاج 1/ 399.]]: هذا تمثيل المعلومِ بالمرئيِّ، والعرب تفعل ذلك، فإذا سمع السامع ذلك المعلوم، كان عنده بمنزلة ما يشاهده عَياناً؛ وذلك أن الصافي هو: النَّقيُّ من شائب الكَدَر فيما يُشاهَد. فمُثِّلَ به خُلُوص هؤلاء القوم من الدنس؛ لأنهم خلصوا كخلوص [[في (ج) و (د): (الخلوص).]] الصافي من شائب الأدناس. وقيل في معنى (اصطفائه إيَّاهم)، قولان: أحدهما: اصطفى دينهم على سائر الأديان؛ لأن دين الجماعة الإسلامُ، وقد قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: 19]، وهذا اختيار الفرَّاء، قال [[في "معاني القرآن" 2/ 207، وهو اختيار الطبري كذلك في "تفسيره" 3/ 232.]]: وهو من باب حذف المضاف، كقوله: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: 82]. القول الثاني: أنه اصطفاهم بالنبوَّة والرسالة، على عالمي زمانهم. وأراد بـ ﴿آلَ إِبْرَاهِيمَ﴾ إسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، والأسباط [[هذا قول ابن عباس ومقاتل، وفي روايةٍ عن ابن عباس والحسن: أنه من كان على دينه. قال البخاري: (قال ابن عباس: ﴿وَآلَ عِمْرَانَ﴾ المؤمنين من آل إبراهيم وآل عمران وآل ياسين وآل محمد ﷺ، يقول: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾ [آل عمران: 68]، وهم المؤمنون). "الصحيح" 4/ 138 كتاب الأنبياء. باب: 44. وقيل: هو نفسه. انظر: "وضح البرهان" للنيسابوري: 1/ 238، "زاد المسير" 1/ 374، "تفسير القرطبي" 4/ 62، "كشف المعاني" لابن جماعة: 127، "الدر المنثور" 2/ 30، وتفسير ابن عباس ومروياته من كتب السنة: 1/ 165. ومردُّ الخلاف: في ذلك إلى الـ (آل)، وهل هي تعني: الأهل والقرابة؟ أم الأتباع سواءً كانوا قرابة أو غيرهم؟ أم تعني: الرجل نفسه؟ والمسألة فيها خلاف، ولكلِّ قولٍ دليله. انظر: "اللسان" 1/ 171 (أول).]]. وبـ ﴿وَآلَ عِمْرَانَ﴾: موسى وهارون [[وهو قول ابن عباس ومقاتل، وممن ذهب إليه الكرماني وابن جماعة وقيل: عيسى وأمه. و (عمران) والد مريم أم عيسى عليه السلام، وقال به الحسن وابن وهب. وقيل: هو نفسه، ورجَّح ابن جزي أن المعنيَّ بـ (عمران) هو: والد مريم؛ لِذِكْر قصَّتِها بعد ذلك في السورة، وممن ذهب إلى ذلك: أبو حيان، والسهيلي، والبلنسي، وابن كثير، والآلوسي، والقاسمي. انظر: "تفسير القرطبي" 4/ 63، "تفسير ابن جزي" 78، "غرائب التفسير" للكرماني 1/ 251، "وضح البرهان" 1/ 238، "كشف المعاني" 127، "تفسير مبهمات القرآن" للبلنسي 1/ 279، "البحر المحيط" لأبي حيان 2/ 434، "تفسير ابن كثير" 1/ 384، "روح المعاني" 3/ 131، "محاسن التأويل" 4/ 289.]]. قالوا: وإنما خصَّ هؤلاء بالذكر؛ لأنَّ الأنبياء بأسرهم من نسلهم. وقوله تعالى: ﴿عَلَى الْعَالَمِينَ﴾. قال صاحب "النَّظْمِ": ظاهر هذا اللفظ على العموم، وتأويله على الخصوص؛ لأنه يتضمَّنُ أخباراً منفصلاً بعضها من بعض، وأُجْمِلَت في الإخبار عنها؛ لأنه عز وجل إنْ كان عنى بالاصطفاء: أولادَ آدم، فمن سواه من العالمين الذين فُضِّل عليهم قد خرجوا من أن يكون لهم على العالمين فضل؛ لأن آدم من جملة العالمين، وكذلك نوحٌ، وإبراهيم، وآل عمران، إذا دخل أحد هؤلاء في التفضيل خرج الآخرون منه [[في (ب): (منهم).]]؛ لأن كلاً من (العالَمين). فتأويل ذلك: أنَّ الله اصطفى كلاً منهم على عالَم لا يدخله من قد فُضِّل منهم على عالَم آخر، كما جاء في التفسير: على عالَمي زمانهم.

آل عمران 3:34

قوله تعالى: ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ﴾ قال أبو إسحاق [[في "معاني القرآن" له 1/ 399.]]: المعنى اصطفى ذرِّيَةً بعضها من بعض؛ فيكون نصب (ذريةً) على البدل [[والمُبدَل منه، فيه ثلاثة أقوال: قيل: مُبدَل من (آدم). ولم يرتض هذا العكبري، قائلا: (لأنه ليس بذرية). وقيل: مبدل من (نوح). وإليه ذهب العكبري. وقيل: مبدل من (آل إبراهيم وآل عمران). وبه قال الزمخشري. انظر: "الكشاف" 1/ 424، "التبيان" للعكبري: 1/ 184.]]، وجائز [[في (ب): (وجاز)، وفي "معاني القرآن" (وجائزًا).]] أن ينتصب [[في (ج): (ينصب)، وهكذا هي في "معاني القرآن".]] على الحال، المعنى: اصطفاهم في حال كون بعضهم مِن بعض [[وجوز الهمداني رفعها، على تقدير: تلك ذرية. انظر: "الفريد في إعراب القرآن المجيد" 1/ 563.]]. وقوله: ﴿بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ﴾ فيه قولان: أحدهما: بعضها من ولد بعض؛ لأنَّ الجميع [[في (ب): (الأول).]] ذُرِّية آدمَ ثم ذُرِّية نوح [[أورد هذا القول الماوردي في "النكت والعيون" 1/ 386، وعزاه لبعض المتأخرين دون أن يُعيِّنْ، وأورده ابن الجوزي في "الزاد" 1/ 375 وقال: (ذكره بعض أهل التفسير).]]. الثاني: (بعضها [من بعض)] [[ما بين المعقوفين زيادة يقتضيها السياق.]]، أي: في التناصر [[في (ب): (التباصر).]] في الدين [[وهو قول ابن عباس، والحسن، وقتادة. انظر المصادر السابقة]]، فيكون المعنى: أنَّ بعضها يوالي [[في (ب): (توافي).]] بعضاً، ولا يَتَبَرَّأُ بعضهم من بعض، كما يتبرأ الكافرون؛ ألا تراه [[(ألا تراه): ساقط من (ج).]] قال: {إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا} [البقرة:166]. فقوله: ﴿بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ﴾، أي: هم على غير صفة الكافرين؛ لأنهم إخوان متوالون [[في (ب): (لما يتوالون)، بدلًا من إخوان متوالون.]]، وهذا كقوله: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ [التوبة: 67]؛ أي: بعضهم يُلابس [[أي: يخالط، وقد سبق بيانها.]] بعضاً، ويوالي بعضاً وليس المعنى: على النسل والولادة، [لأنه قد يكون من نَسْلِ] [[ما بين المعقوفين غير مقروء في: (أ)، والمثبت من بقية النسخ.]] المنافقِ مُؤمنٌ، ومِنْ نَسْلِ المؤمنِ مُنافقٌ. قال عُبَيْد الرَّاعي [[هو: أبو جندل، عبيد بن حُصين بن معاوية النُّمَيْري، تقدم 2/ 318. انظر: "طبقات فحول الشعراء" 2/ 502، "الشعر والشعراء" ص 265، "شرح شواهد المغني" 1/ 336.]]: فَقلتُ ما أنا مِمَّن لا يُواصِلُنِي ... ولا ثَوائِيَ [[في (ب): (رأي). (أ)، (ج) ثواي. والمثبت من: الديوان، ومصادر البيت.]] إلا رَيْثَ أحْتَمِلُ [[الييت في: "ديوانه" 197. وقد ورد منسوبًا له في "الحجة" للفارسي 1/ 173، إلا أنه لم يجزم بنسبته إليه، بل قال: (أظنه الراعي). و"أساس البلاغة" 1/ 388، و"المقاصد النحوية" للعيني 2/ 336. وورد في "المقاصد النحوية" (يوافقني) بدلًا من: (يواصلني)، وورد في "أساس البلاغة" (وما) بدلًا من: (ولا). وورد في الديوان، وبقية المصادر: (أرتحل) بدلًا من: (أحتمل).]]. أي: لا [أُلابس مَنْ لا] [[ما بين المعقوفين غير مقروء في: (أ)، وفي (ب): (أنا ممن لا)، والمثبت من: (ج)، (د)، لأنها أقرب لما ذكره المؤلف من قبل.]] يواصلني، ولا أُواليهِ. والعرب تقول: (هو مِنْ بني فلان)؛ إذا كان يواليهم ويُلابسهم، وإن لم يكن من نسلهم. وهذا القول يُحكى معناه عن أبي رَوْق [[الذي في "تفسير الثعلبي" 3/ 38 أ: (وقال أبو روق: بعضها على دين بعض). وأبو رَوْق، هو: عَطِيّة بن الحارث الهَمْداني الكوفي تقدم.]]. وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. قال عطاء عن ابن عباس [[لم أهتد إلى مصدر هذه الرواية عنه من طريق عطاء، والذي عثرت عليه هو ما سبق من رواية أبي صالح عنه في هذا المعنى عند قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ﴾، آية: 31، وقد سبق الكلام على هذه الرواية.]]: هذا مخاطبة لليهود الذين قالوا: نحن أبناءُ الله وأحبَّاؤه، وأبناء [[في (ب): (وأما).]] الأنبياء الذين اصطفاهم. فأنزل فيهم قوله: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ﴾، الآيات إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾، ويريد: ﴿سَمِيعٌ﴾ لقولكم الذي تقولون: إنكم من ولد إبراهيم، وإسحاق، ويعقوب، ومن آل عمران. وإنَّما فضَّلت أولئك، ورفعتهم واصطفيتهم؛ بطاعتهم، ولو عصوني، لأنزلتهم منازل العاصين. ﴿عَلِيمٌ﴾ بما في قلوبكم من تكذيب محمد، وعصيانه، بعد إقراركم بالتوراة، وتصديقكم بما فيها من صفته. وذكر أهل المعاني في هذا قولين آخرين: أحدهما: أنَّ المعنى: ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ﴾ لما تقوله (الذرية) المصطفاة ﴿عَلِيمٌ﴾ بما تضمره [[والذُرِّيَّة: تأتي مذكرًا ومؤنثًا ومفردًا وجمعًا، ولذا جاء هنا تذكير الضمائر. انظر تفسير قوله تعالى: ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا﴾ من آية: 38. من هذه السورة.]]؛ فلذلك فضلها على غيرها، لما في معلومه من استقامتها في فعلها وقولها [[لم أهتد إلى قائل هذا القول ولكن ورد مثل هذا القول في "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 636 عن ابن إسحاق، حيث قال: (أي: سميع لما يقولون، .. عليم بما يخفون).]]. القول الثاني: أنَّ هذه الآية تتصل بما بعدها، تقديرها: ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ﴾ لما تقوله امرأة عمران، ﴿عَلِيُمٌ﴾ بما تضمره، إذْ قالتْ: ﴿رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ﴾ [آل عمران: 35]، الآية، وفيه إشارة إلى أنه لا يضيع لها شيء من جزاء عملها [[وهذا قول الطبري في "تفسيره" 3/ 235.]].

آل عمران 3:35

قوله تعالى [[في (د): (عز وجل).]]: ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ﴾. اختلف النحويون في وجه ﴿إِذْ﴾ ههنا: فزعم أبو عبيدة [[في "مجاز القرآن" 1/ 90.]] أنها زائدة، لَغْوٌ؛ والمَعنى: (قالت امرأة عمران)، ولا موضع لها من الإعراب [[وكذا قال ابن قتيبة بأنها زائدة. انظر: "تفسير غريب القرآن" له 103.]]. قال الزَّجاج [[في "معاني القرآن" له 1/ 400، نقله عنه بتصرف يسير.]]: ولم يصنع أبو عبيدة في هذا شيئاً، لأن (إذ) تدل على ما مضى من الزمان، وكيف يكون الدليل على ما مضى من الوقت لغواً. وقال ابن الأنباري [[لم أهتد إلى مصدر قوله.]] منكراً لهذا القول أيضاً [[(أيضًا): ساقطة من (د).]]: إنَّا لا نُلغي حرفاً من كتاب الله عز وجل إذا وجدنا سبيلاً إلى أن لا يكون مُلغىً [[اختلف أهل النحو والتفسير في وقوع الزوائد في القرآن؛ بين مانع لذلك، وبين مُجوِّز. فمن (8) المانعين: المبرد، وثعلب، وداود الظاهري، وابن السَّرّاج، الذي رفض أن يكون في لغة العرب زوائد. وهناك من جوز ذلك، فرأى أن وجود هذه الزوائد كعدمها، وقال الزركشي عن هذا الرأي: (وهذا أفسد الطرق) "البرهان" 3/ 73. وأكثر النحويين على أن في القرآن حروفًا زوائد، ولكن من جهة الإعراب، لا من جهة المعنى؛ حيث إن لهذه الزوائد فوائد كثيرة منها: فصاحة اللفظ وحسنه، وتوكيد المعنى، وتمييز مدلوله عن غيره، إلى غير ذلك. وهذا ما تميل إليه النفس. قال السمين الحلبي عن القائلين بزيادة بعض الحروف: (لا يعنون أنه يجوز سقوطه، ولا أنه مُهْمَل لا معنى له. بل يقولون: زائد للتوكيد. فله أسوة بسائر ألفاظ التوكيد الواقعة في القرآن). "الدر المصون" 3/ 462. ولقد تَحرَّجَ كثيرٌ من العلماء من القائلين بوقوع الزيادة في القرآن من إطلاق لفظ (زائد) أو (مكرر)، لما له من مدلول لا يتفق وإحكام كتاب الله، واستخدموا محله لفظ (الصلة) و (الإقحام) و (التأكيد). انظر للتوسع في معرفة آراء العلماء في ذلك "البرهان" 2/ 178، 3/ 72 - 73، 1/ 305، "التأويل النحوي في القرآن" د. عبد الفتاح الحموز:2/ 1277 - 1279، "لطائف المنان وروائع البيان في دعوى الزيادة في القرآن" د. فضل عباس: 57 وما بعدها.]]. قال الأخفش، والمبرِّد [[قولهما، في "معاني القرآن" للزجاج 1/ 400، "الإغفال" للفارسي 566.]]: المعنى: (اذكر إذ قالت امرأة عمران). وقد [[من قوله: (وقد ..) إلى: (.. إذ قالت امرأة عمران): ساقط من (د).]] مضى مثل هذا كثيراً. وقال أبو إسحاق [[هو الزجاج، في: المصدر السابق: نقله عنه باختصار.]]: المعنى عندي: (واصطفى آل عمران ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ﴾) [[(إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ): ساقط من (ج).]]. فالعامل في ﴿إِذْ﴾: معنى الاصطفاء [[يعني: أنَّ قولها ذلك، ونذرها ما في بطنها لله، وقبول الله لنذرها، كل هذا يُعَدُّ اصطفاءً وتفضيلًا لآل عمران.]]. وأنكر أبو بكر هذا، وقال: الله تعالى قَرَنَ اصطفاءه [آل عمران] [[ما بين المعقوفين مطموس في: (أ). والمثبت من بقية النُّسخ.]] باصطفائه آدم ونوحاً، واصطفاؤه آدم ونوحاً قبل قول إمرأة عمران. وأيضاً فإن (عمران) هذا غير عمران المذكور في قوله: ﴿وَآلَ عِمْرَانَ﴾، لأنه [[في (ج) و (د): (لأن).]] عمران أبو موسى وهارون، وهذا عمران بن ماتان [[في (ب)، (ج): (مانان). وفي (د): (ماثان). وكذا ورد في "المعارف" لابن قتيبة: 52، وفي "تاريخ الطبري" 1/ 785. وينقل الطبري في "تفسيره" 3/ 235، و"تاريخه" 1/ 585 عن ابن إسحاق أن اسمه: (عمران بن ياشهم)، وفي "تفسير الثعلبي" 3/ 38 (أ)، (ب) (عمران بن أشهم)، ينقله عن الحسن وابن وهب وابن إسحاق، وكذا في "تفسير البغوي" 2/ 28.]]، وبينهما ألف وثمانمائة سنة. كذلك ذكره ابن عبّاس [[قوله، في "تفسير الثعلبي" 3/ 38 ب، "زاد المسير" 1/ 376، "الدر المنثور" 2/ 32، ونسب إخراجه لإسحاق بن بشر، وابن عساكر.]]، ومقاتل [[قوله، في "تفسيره" 1/ 271.]]. وذكرنا أيضاً عن بعض أهل المعاني أن هذه الآية متصلة بما قبلها، فيكون العاملُ في ﴿إِذْ﴾ على هذا القول: معنى قوله ﴿سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. وقوله: ﴿امْرَأَتُ عِمْرَانَ﴾ هي: حَنَّةُ [[بنت فاقود وقيل: فاقوذ بن قبيل. انظر: "تاريخ الطبري" 1/ 585، وتفسير مبهات القرآن، للبلنسي 1/ 279.]]، أمُّ مريمَ، جَدَّةُ عيسى عليه السلام، دعت الله أنْ يَهَبَ لها ولداً، وقالت: الَّلهم لك عَلَيَّ إن رزقتني ولداً، أن أتصدق به على بيت المقدس، فيكون من [[في (ج): (عن).]] سَدَنَتِه [[السَّدَنة، جمع: سادِن، وهو: الذي يقوم على خدمة بيت العبادة. انظر: "القاموس" 1555 (سدن).]] وخَدَمِه، شكراً لك. وكان على أولادهم فرضاً أن يطيعوهم في نذورهم، وكان الرجل ينذُرُ في ولده أن يكون خادماً في مُتعّبَّدِهم [[انظر قصتها في: "تفسير الطبري" 3/ 235، "تفسير الفخر الرازي" 8/ 25، "الدر المنثور" 2/ 32.]]. وقوله تعالى: ﴿نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾ معنى ﴿نَذَرْتُ﴾: [أَوْجَبتُ] [[ما بين المعقوفين في جميع النسخ: (أوفيت)، ولم أر لها وجهًا، وما أثبته هو ما رجَّحتُ صوابه؛ لدلالة المعنى اللغوي للكلمة، كما ذكره المؤلف بعدها، وهو: ما يوجبه الإنسان على نفسه .. ، وفي "تهذيب اللغة" (إنما قيل له نذر؛ لأنه نُذِر فيه؛ أي: أوجِبَ، من قولك: (نذرت على نفسي)؛ أي: أوْجَبْتُ) 4/ 3546 (نذر). وكذا في "تفسير الثعلبي" 3/ 39 أ؛ حيث فسرها بـ (أوجبت)، وكذا في بقية كتب اللغة. انظر (نذر) في "مفردات ألفاظ القرآن" 797، والتعريفات، للجرجاني: 420، "اللسان" (نذر) 7/ 4390، "عمدة الحفاظ" 569، "التوقيف على مهمات التعارف" 694 - 695. وقد يكون مرد الخطأ، إلى اللبس في قراءة الأصل الذي انتُسِخت منه النسخ؛ نظرًا لتقارب الكلمتين في الرسم.]]. والنذر: ما يوجبه الإنسان على نفسه بِشَرِيطة كان، أو بغير شَرِيطة [[هذا التعريف ذكره الثعلبي في: "تفسيره": 3/ 39 أ. وقوله: (بشَريطة)؛ أي: أنْ يكون النذرُ مُعلَّقًا على شرط؛ كأن يقول: (إن شفى الله مريضي، فعلي أن أتصدق). وأما قوله: (بغير شَرِيطة)، فيعني به النذرَ المُطلَق غير المشروط، كأن يقول: (لله علي أن أتصدق بدينار). وبهذين النَّوْعَيْن من النذر، قال الشافعيةُ والمؤلف منهم، والحنابلة، وأهل العراق، وأكثر أهل العلم، وأوجبوا الكفارة عند عدم الالتزام. انظر: "فتح الوهاب" للنووي: 204، "مغني المحتاج" للشربيني 4/ 356، "المغني" لابن قدامة: 13/ 622 - 623. ويرى ابن عرفة أن النذر: هو ما كان وعدًا بِشرْط، وما ليس وعدًا بشرطٍ، فليس بنذر. وهو قولُ أبي عمرو (غلام ثعلب)، وبه قال: أبو البقاء، وفي (الكليات)، وإليه ذهب بعض أصحاب الشافعي. إلا أن الراجح هو الأول. انظر: "تهذيب اللغة" 4/ 3546 - 3547 (نذر)، "الكليات" لأبي البقاء (نذر): 912، "المغني" لابن قدامة 13/ 623.]]. قال أهل اللغة: معنى النَّذْر: استدفاع المَخُوفِ، بما يُعقَد على النفس من عمل البِّر. وأصله، من: الإنذار، وهو: الإعلام بموضع المخافة [[وفي "مقاييس اللغة" 5/ 414 ويقول عن (نذر): (.. كلمة تدل على تخويف، أو تخوُّف، ومنه الإنذار: الإبلاغ، ولا يكاد يكون إلا في التخويف). وفي "تهذيب اللغة" (الإنذار: الإعلام بالشيء الذي يُحذر منه) 4/ 3547 (نذر).]]. وانتصب ﴿مُحَرَّرًا﴾ على الحال من ﴿مَا﴾ تقديره: نذرت لك الذي في بطني محرراً [[وقيل في علة النصب: إنه حال من الضمير المستكن في الجار والمجرور، ﴿فِي بَطْنِي﴾، والعامل فيه، هو: (استقر)، وبه قال الطبري. وقيل: انتصب على المصدر، ويكون فيه حينها حذفُ مضاف، تقديره: (نذرت .. نذرَ تحرير)، أو انتصابه على ما تضمنه ﴿نَذَرْتُ لَكَ﴾ من معنًى، وهو: (حرَّرْتُ لك ما في بطني تحريرًا). وقيل: نصب على أنه نعت مفعول محذوف؛ أي: (.. غلامًا محررًا). انظر: "تفسير الطبري" 3/ 235، "الدر المصون" 3/ 130، "الفريد في إعراب القرآن" 1/ 564، "روح المعاني" 3/ 134.]]. وقال ابن قتيبة [[في "تفسير غريب القرآن" له: 103.]]: أرادت نذرت لك أن أجعل [[في (د): (نجعل).]] ما في بطني محرراً، أي: عتيقاً [[من قوله: (عتيقا ..) إلى (.. والحمأة والعيوب): نقله مع اختصار قليل عن "تفسير الثعلبي" 3/ 39 أ.]] خالصاً لله، خادماً للكنيسة، مفرغاً للعبادة ولخدمة الكنيسة. وكل ما أُخْلِصَ فهو مُحَرَّر. يقال: (حرَّرتُ العبدَ). إذا أعتقته، و (حَرَّرْتُ الكتابَ) إذا أصلحته، وأخلصته، فلم يبق فيه ما يحتاج إلى إصلاحه [[في (ج)، (د) (إصلاح).]]. و (رجل حُرٌّ): إذا كان خالصاً لنفسه، ليس لأحد عليه مُتَعَلَّق. و (الطينُ الحُرُّ): الذي خَلَصَ من الرملِ والحَمْأَةِ [[في (د): الحمأ. والحَمْأة، والحَمَأ: الطين الأسود المنتن. انظر (حمأ) في "الصحاح" 45، "اللسان" 2/ 986.]] والعيوب. وقوله تعالى: ﴿فَتَقَبَّلْ مِنِّي﴾. معنى التَّقَبُّلِ [[(معنى التقبل): ساقط من (ج).]]: أخذُ الشيءِ على الرِضى [[في (ج)، (د): (الرضا). والأصل في كتابتها أن ترسم بالألف الممدودة؛ لأنها اسم ثلاثي منقلب ألفه عن واو، وهو مذهب البصريين، وما أثْبَتُّه صحيح على رأي الكوفيين الذين يكتبون ما كان على وزن (فعَل) بالياء، سواء كان أصل الألف ياءً أم واوًا. قال الفراء: (الحِمَا والرِّضَا، يكتبان بالألف والياء؛ لأن الكسائي سمع العرب تقول: حِمَوان ورِضَوان، وحِمَيان، ورِضَيان). انظر: "المنقوص والممدود" للفراء (تح: عبد العزيز الميمني): 33. وفي "إصلاح المنطق" 139: (ويقال: كان مَرضِيًا ومَرضُوَّا). وانظر: "باب الهجاء" لابن الدهان: 29.]] به [[انظر: "اللسان" 6/ 3516 (قبل).]]. وأصله، من: المقابلة؛ لأنه يقابل بالجزاء ما يؤخذ. وقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ﴾. أي: لدعاي [[في (د): (دعائي).]]. ﴿الْعَلِيمُ﴾ بما في قلبي.

آل عمران 3:36

قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا وَضَعَتهَا﴾. قال المفسرون [[ممن ذكر ذلك: الطبري في "تفسيره" 3/ 235 يرويه عن ابن إسحاق، والثعلبي في "تفسيره" 3/ 39 ب، والبغوي في "تفسيره" 1/ 30، ونسبه للكلبي عن ابن إسحاق.]]: هلك عمرانُ أبو مريمَ، وامرأته (حَنَّة) حاملٌ [[في (ب): (كامل).]] بمريمَ، ﴿فَلَمَّا وَضَعَتهَا﴾ أي: ولدتها. و (الهاء): راجعة إلى ﴿مَا﴾، في قوله: ﴿نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي﴾، و (ما) يقع على المؤنث، وقوعُهُ على المُذَكَّر [[وقيل: إن (الهاء) تعود على: النذيرة، أو النسمة، أو النفس، وهي ألفاظ مؤنثة، ولذا أنَّث الضمير. وهو رأي الطبري في "تفسيره" 3/ 237، والثعلبي: 3/ 39 ب، وانظر: "الكشاف" 1/ 425.]]، وكان ما في بطنها، أُنْثى. وقوله تعالى: ﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى﴾. اعتذار منها إلى الله حين فعلت ما لا يجوز من تحرير الأنثى للكنيسة [[هذا قول السدي؛ كما في "تفسير الطبري" 3/ 238، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 637، "زاد المسير" 1/ 377. وقيل: إنها قالته على سبيل التَّحسُّر، والتلهف على ما فاتها من رجائها وتقديرها. انظر: "المحرر الوجيز" 3/ 88، "الكشاف" 1/ 425، "البحر" 2/ 438. وإليه مال الطبري في "تفسيره" 3/ 237، والثعلبي في "تفسيره" 3/ 39 ب، والبغوي في "تفسيره" 2/ 30.]]. وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾. قُرئ بإسكان التَّاء وضمها [[وردت القراءة بإسكان التاء وفتح العين في (وَضَعَتْ)، عن: عاصم برواية حفص والمفضل عنه، وابن كثير، ونافع، وأبي عمرو، وحمزة، والكسائي. أما القراءة بضم التاء وإسكان العين: (وَضَعْتُ)، فقد وردت عن: عاصم برواية أبي بكر، وعن ابن عامر، ويعقوب، وأبي رجاء، وإبراهيم النخعي. انظر: "السبعة" 204، "إيضاح الوقف والابتداء" 2/ 575، "القطع والائتناف" للنحاس: 221، "التيسير" 87، "النشر" 2/ 239.]]:فمن [[من قوله: (فمن ..) إلى: (.. بما وضعت): نقله بتصرف واختصار عن "الحجة" للفارسي: 3/ 34.]] ضم التاء؛ جعل هذا من كلام أمِّ مريم، وهو كقول القائل: (ربِّ قد كان كذا وكذا، وأنت أعلم بما كان). ليس يريد بقوله: (ربِّ قد كان كذا)، إعلام الله سبحانه [وتعالى] [[ما بين المعقوفين زيادة من: (ب).]]، ولكنه كالخضوع منه، والاستسلام لله تعالى، لذلك قالت: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ [[في (أ): وضَعَتْ، وفي بقية النسخ، غير مضبوطة بالشكل، والصواب ما أثبته لتناسبها مع سياق الكلام.]]، لأنها لم ترد بقولها: ﴿رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى﴾، إخبارًا لله تعالى. ومن قرأ بإسكان التَّاء وهو أَجْوَدُ القراءتين، كان قوله: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾، مِن [[من قوله: (كلام ..) إلى (وأنت أعلم بما وضعتُ): ساقط من: (ج)، (د).]] كلام الله تعالى، ولو كان من قول أمِّ مريم، لكان: (وأنت أعلم بما وَضَعْتُ)؛ لأنها تخاطب الله سبحانه [وتعالى] [[ما بين المعقوفين زيادة من: (ب).]]؛ ولأنها قد قالت: ﴿رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى﴾، [فليست] [[ما بين المعقوفين زيادة من: (ج)، (د)، "الحجة" للفارسي.]] تحتاج [[في (ب): (يحتاج).]] بعد هذا [القول] [[ما بين المعقوفين زيادة من: (د)، وليست موجودة في "الحجة" للفارسي.]] أن تقول: والله أعلم بما وضعْتُ [[انظر: "الحجة" لابن خالويه 108، "الكشف" لمكي 1/ 340.]]. وقوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾. أي: في خِدْمَة الكنيسة والعِبِّادِ الذين فيها؛ لما يلحقها من الحَيْضِ والنفاس، والصيانة عن التَّبَرُّجِ [للناس] [[ما بين المعقوفين من: (ج)، (د).]]. قال عبد الله بن مُسْلِم [[هو ابن قتيبة، في "تفسير غريب القرآن" 104، نقله المؤلف عنه بالمعنى.]]: قوله: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾، مؤخَّرٌ، معناه التقديم على قراءة العامة كأنه قال: إنِّي وضَعتها أُنثى وليس الذكر كالأنثى؛ لأنه من قول أمِّ مريم [[أما على القراءة الأخرى (.. وضَعْتُ) بضم التاء، فليس فيه تقديم ولا تأخير. انظر: "معاني القرآن" للنحاس 1/ 387.]]. قوله تعالى: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ﴾. يقال: (عاذ فلانٌ بالله)؛ أي: التجأ إليه، وامتنع به، فأعاذه؛ أي: أجارَهُ، ومنعه [[انظر (عوذ) في: "العين " 229، "الصحاح" 2/ 566، "مقاييس اللغة" 4/ 183، 184.]]. فمعنى: ﴿أُعِيذُهَا بِكَ﴾ أي: أمنعها، وأجيرها بك. وذكرنا معنى (العوذ) في قوله: ﴿قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [[(قال): ساقطة من (د)]] [[وانظر: "تفسير البسيط" 3/ 10.]] [البقرة: 67]. وقوله تعالى: ﴿مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾. أي: المطرود، المَرْمِيِّ [[في (ب): (الرمي).]] بالشُّهُبِ. وقال ابن عباس: ﴿الرَّجِيمِ﴾: الملعون [[لم أهتد إلى مصدر هذا القول عن ابن عباس، والذي عثرت عليه، أنه من قول قتادة، كما في "زاد المسير" 1/ 337، "الدر المنثور" 5/ 69 ونسب إخراجه لعبد ابن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.]]. ويجوز أن يكون ﴿الرَّجِيمِ﴾ بمعنى: المسبوب المشتوم [[من معاني الرَّجْمِ في اللغة: الرمي بالحجارة، والقتل، والسب والشتم، واللعن. وينقل الأزهري عن ابن الأنباري، قوله: (والرجيم في نعت الشيطان: المرجوم بالنجوم، فصُرِف إلى (فَعِيل) من (مفعول). قال: ويكون الرجيم، بمعنى: المشتوم المسبوب، من قوله: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ﴾ [46 سورة مريم]؛ أي: لأسبنَّك. قال: ويكون الرجيم، بمعنى: المطرود. قال: وهو قول أهل التفسير). "تهذيب اللغة" 2/ 1375 (رجم)، وانظر: "القاموس المحيط" 1111 (رجم).]]. وذكرنا معاني (الرَّجْمِ) في سورة الحِجْر عند قوله: ﴿مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ﴾ [الحجر: 17]. ومعنى هذه الإعاذة، وإجابة الله تعالى إيَّاها إلى ما سألت؛ هو: ما رواه أبو هريرة: أنَّ النبي ﷺ قال: "ما من مولود، إلاَّ والشيطان يَمَسُّهُ حين يُولَد، فيستَهِلُ صارخاً من مَسِّ الشيطان إيَّاه، إلا مريمَ وابنَها"، ثمَّ يقول أبو هريرة: (اقرأوا إنْ شِئْتُم: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [[الحديث، أخرجه البخاري في: الصحيح: 5/ 166 كتاب التفسير سورة آل عمران، 4/ 138 كتاب الأنبياء، باب:44. ومسلم في "الصحيح" 4/ 1838رقمه (2366) كتاب الفضائل، باب: فضائل عيسى عليه السلام. وأحمد في "المسند" 2/ 274 (وانظر: "الفتح الرباني" 20/ 132، وعبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 119، والطبري في "تفسيره" 3/ 240، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 638، والبغوي في "تفسيره" 2/ 30، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 2/ 32. وورد الحديثُ بألفاظ أخرى من طرق أخرى عن أبي هريرة -رضي الله عنه-، انظر: "تفسير الطبري" 6/ 336 - 340، " الدر المنثور" 2/ 32. واستهلال الصبي: رفع صوته بالبكاء عند ولادته. انظر: "النهاية في غريب الحديث" 5/ 271، "القاموس" (1072) (هلل).]].

آل عمران 3:37

قوله تعالى: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ﴾ التَّقَبلُ، والقَبُولُ، معناهما سواء، وهو: أن ترضى بالشيء، وتأخذه؛ ولهذا قال: ﴿بِقَبُولٍ﴾ ، ولم يقل: (بتَقَبُّلٍ)؛ لأن معناهما واحدٌ. قال الفراء [[لم أهتد إلى مصدر قوله.]]: والعرب قد تترك المصدر للفعل المذكور، وتأتي بمصدر آخر في معنى الأول، وإن اختلف بالزيادة والنقصان؛ كقولك: (تكلَّمْتُ كلاما). وهذا النوع يقال له المصدر على غير المصدر. وذكرنا هذا عند قوله: ﴿إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ [آل عمران: 28]. والقَبُول: مصدر قولهم: (قَبِلَ فلانٌ الشيءَ): إذا رضِيَهُ. قال أبو عمرو بن العَلاء [[قوله في "تفسير الطبري" 3/ 241، وفي مادة (قبل) في "الصحاح" 5/ 1795، "تفسير الثعلبي" 3/ 40 ب، "اللسان" 11/ 540، ونصه كما في "الصحاح": (وحكى اليزيدي عن أبي عمرو بن العلاء: (القَبُول) بالفتح مصدر، ولم أسمع غيره.]]: وليس في المصادر (فَعُولٌ) بفتح الفاء، إلَّا هذا، قال: ولم أسمع فيه الضَّمَّ. وقال سيبويه [[في "الكتاب" 4/ 42 نقله عنه بالمعنى، وقد ذكرها سيبويه في باب ما جاء من المصادر على فعول، ونصه: (.. توضَّأت وَضُوءًا حسنًا، وأولِعْتُ به وَلُوعًا، وسمعنا من العرب من يقول: وَقَدَت النارُ وَقُودًا عاليًا، وقَبِلَه قَبولًا، والوُقُود أكثر، والوَقود: الحطب). وفي نسخة أخرى لـ"كتاب سيبويه" أشار إليها محققُ الكتاب في الهامش: (وتطهَّر طَهورًا حسنًا، وَأُولِعت وَلوعا).]]: خمسة [[في (د): (خمس).]] مصادر، جاءت على (فَعُول): (قَبُولٌ)، و (وَضُوءٌ) [[في (ج): (ووضو)، وفي (د): (ووصول).]]، و (طَهُورٌ)، و (وَلُوعٌ)، و (وَقُود)، إلاَّ أنَّ الأكثر في (وَقُود) [[في (ب): قود.]] إذا كان مصدراً [[في (د): مصدر.]] الضَّم. وأجاز الفرَّاء [[لم أهتد إلى مصدر قوله، وقد يكون في كتابه (المصادر) وهو مفقود.]]، والزجَّاج [[في "معاني القرآن وإعرابه" 1/ 401، قال: (ويجوز قُبولًا: إذا رضيته.).]] (قُبُولا) بالضَّمِّ. ثَعْلَب، عن ابن الأعرابي [[أورد قولَه الأزهري في "تهذيب اللغة" 9/ 169. وابن الأعرابي، هو: أبو عبد الله، محمد بن زياد. كوفيٌّ، تقدمت ترجمته.]]: يقال: قَبِلْتُهُ (قَبُولاً)، و (قُبُولاً) [[(وقبولًا): ساقطة من (ج).]]، و (على وجهِهِ قَبُولٌ)، لا غير [[هكذا جاءت (قَبول) بالفتح في مصدرها في "التهذيب" وكذا ضبطها في "لسان العرب" 6/ 3516 بالفتح، وفي "القاموس المحيط" (1045) (قبل) أجاز فيها الأمرين، قال: (والقَبُول، وقد يُضم: الحُسْنُ والشَّارَةُ)، وانظر: "التاج" == 15/ 595 (قبل). وأما (وَضوء) بالفتح، فقيل: الماء الذي يُتوضأ به، وقيل: هو المصدر، من: (توضأت للصلاة)، وقيل: إنَّ المصدر هو: (الوُضوء) بالضم. انظر: "معاني القرآن" للأخفش: 1/ 51، "اللسان" 8/ 4854 (وضأ). أما (طَهور) بالفتح، فقيل: هو الماء الطاهر، المُطَهِّر، وهو أعم من الطاهر، حيث إنَّ كل طَهور طاهر، وليس كل طاهر طَهور، وقيل إنَّ (طُهور) بالضم مصدر، بمعنى: التَّطَهُّر. انظر: "النهاية في غريب الحديث" 3/ 147، "اللسان" 5/ 2712 (طهر). أما (وَلُوع) بالفتح، فهي: العلاقة، وهو اسم أقيم مقام المصدر الحقيقي، يقال: (وَلعَ به وَلَعًا، و (وَلُوعا)، و (أولِعَ به إيلاعًا)، و (أوْلَعَه به): إذا أغراه، و (مُولَعٌ به): مُغْرًى به. انظر: "اللسان" 8/ 410. أما الـ (وَقود) بالفتح، فقيل: الحطب، والـ (وُقود) بالضم: المصدر. انظر: "معاني القرآن" للأخفش: 1/ 51، "اللسان" 8/ 4888.]]، قال الشاعر: قد يُجهدُ [[في (ج)، (د): (يحمد).]] المرء إنْ لم يُنل [[في (د): (يبل).]] ... بالبشر والوجه عليه القَبُول [[لم أهتد إلى قائله.]]. قال المفسِّرون [[انظر: "تفسير الطبري" 3/ 241، يرويه عن ابن جريج، وقال به، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 638، يرويه عن شرحبيل بن سعد، "تفسير الثعلبي" 3/ 40 ب، "النكت والعيون" 1/ 388، "تفسير البغوي" 2/ 31، "الدر المنثور" 2/ 35.]]: معنى قوله: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ﴾ أي: رَضِيَها مكان المُحَرَّرِ الذي نذَرتْه (حَنَّةُ)، ولم يقبل قبلها أنثى في ذلك المعنى. وقال ابن عباس في رواية الضحَّاك: معناه: سَلَك بها طريقَ السُّعداء. وقوله تعالى: ﴿وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا﴾. قال الزجَّاج [[في "معاني القرآن وإعرابه" له 1/ 403، نقله عنه بالنص.]]: جاء لفظُ [[(لفظ): ساقط من (د).]] ﴿نَبَاتًا﴾ على غير لفظِ (أَنْبَتَ)، على معنى: نبتت نباتاً حَسنَاً. وقال ابن الأنباري [[لم أقف على مصدره، وقد ورد في "زاد المسير" 1/ 377.]]: لمَّا كان (أَنْبَتَ) يدل على [نَبَتَت] [[ما بين المعقوفين مطموس في: (أ)، ومثبت من بقية النسخ.]] حمل [[في (ب): (عمل).]] الفعل على المعنى؛ كأنه قال: (وأنبتها، فَنبَتَتْ هي نباتاً حَسَناً)؛ كقول امريء القيس: [ورُضْتُ] [[ما بين المعقوفين غير مقروء في: (أ)، وفي (ب): (ونبتت)، والمثبت من: (ج)، (د)؛ نظرًا لموافقتها "الديوان" وللسياق.]] فَذَلَّت [[في (د): (فدلت).]] صعبةً أيَّ إذْلالِ [[في (د): (إدلال). عجز بيت، وصدره: فَصِرْنا إلى الحسْنى ورَقَّ كلامُنا وهو في "ديوانه" 32، كما ورد في "المقتضب" 1/ 74، "معاني القرآن" للزجاج: 2/ 36 ولم ينسبه، "إعراب القرآن" للنحاس: 1/ 326، "تهذيب اللغة" 3/ 2875، "وليس في كلام العرب" لابن خالويه: 227، "المحتسب" 2/ 260، "والمخصص": 14/ 187، "زاد المسير" 1/ 378، "اللسان" 3/ 1775 (روض)، "شرح شواهد المغني" 1/ 341، "خزانة الأدب" 9/ 187. ورد في بعض المصادر: (.. فَذَلَّتْ صَعْبَةٌ) بالضَمِّ. ومعنى (فَصِرنا): فَرَجعنا وانتقلنا، على أن (صار) هنا تامة. و (الحسْنى): قد تكون اسم مصدر، بمعنى: الإحسان، أو تكون صيغة مؤنث (أحسن)؛ أي: الحالة الحسنة. و (رَقَّ): لطُف. و (رُضْتُ)؛ أي: سَهلت وانقادت، فهي (ذلُول)، ويقال لتعدية الفعل: (ذلَّلْتها وأذْلَلْتها). و (صعبة)؛ أي: غير ذلول. والشاهد فيه: أنَّ (رُضت) تتضمن معنى: (أذللت)؛ ولذا جاء المصدر بعدها: (إذلالًا)؛ أي: أذلَلْت .. إذلالًا، وأقام (الإذلال) مقام (الرياضة). انظر: "تهذيب اللغة" 2/ 1319 (راض)، "اللسان" 3/ 1775 (روض)، "الخزانة" 9/ 187.]] أراد: أيَّ رياضة. فلمَّا دلَّ (رُضْتُ) على (أذْلَلْت) [[في (د): (دللت).]]، حمله [[في (ب): (جاء).]] على المعنى، وخلَّى [[في (أ)، (ب)، (د): (وخلا)، وفي (ج): (وحلى)، وما أثبَتُه يوافق القاعدة الإملائية؛ حيث إنه فعل يزيد على ثلاثة أحرف، ولم يكن قبل الألف ياءٌ، كما إنه يوافق ما جاء في نسخة (ج) وإن خلت الكلمة فيها من النقط. ومعنى (خلَّى الأمرَ): تركه. انظر: "اللسان" 2/ 1254 (خلا).]] اللفظَ. قال ابن عباس في رواية عطاء [[لم أهتد إلى مصدر هذه الرواية.]]، في قوله: ﴿وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا﴾؛ يريد: في صلاحٍ ومعرفةٍ بالله، وطاعةٍ له، وخدمةٍ للمسجد. وقال في رواية الضحَّاك [[الرواية في "تفسير الثعلبي" 3/ 41 أ، "تفسير البغوي" 1/ 31، وهذه الرواية من طريق جويبر بن سعيد، وسبق أنه ضعيف جدًا.]]: يعنى: سوَّى خَلْقَها من غير زيادة، ولا نقصان، فكانت تنبت في اليوم ما ينبت المولود في عام واحد. وقوله تعالى: ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ [[حديث المؤلف التالي عن هذا المقطع، بالنظر إلى قراءة من قرأ: (وَكَفَلَهَا) بتخفيف الفاء وفتحها، و ﴿زَكَرِيَّا﴾ بالمد والرفع. هي قراءة ابن كثير، ونافع، وأبي عمرو، وابن عامر. وقد أثبتُّ رسم الآية كما جاء في جميع النسخ، وهي مطابقة لقراءة حفص عن عاصم. أما بقية قراءات "السبعة" فهي: قراءة عاصم في رواية أبي== بكر: (وكَفَّلَها) بتشديد الفاء، و ﴿زَكَرِيَّا﴾ ممدودة منصوبة، وكان يمدها في جميع القرآن. أما قراءة عاصم برواية حفص، وقراءة حمزة والكسائي، فهي: ﴿وَكَفَّلَهَا﴾ بتشديد الفاء، و ﴿زَكَرِيَّا﴾ مقصورة في جميع القرآن. انظر: "السبعة" 204، "الحجة" للفارسي: 3/ 33، "حجة القراءات" لابن زنجلة: 161. "إعراب القرآن" المنسوب للزجاج: 3/ 869.]] أي: ضَمَّها [[في (ب): (ضمنها).]] إلى نَفْسِهِ وقام بأمرها. قال الزجَّاج [[في "معاني القرآن" له 1/ 403.]]: ومعناه في هذا: ضَمِنَ القيامَ بأمرها، يقال [[من قوله: (يقال ..) إلى (.. وينفق عليه): نقله عن "تهذيب اللغة" للأزهري: 4/ 3166 (كفل)، وانظر: "اللسان" 7/ 3905 (كفل).]]: (كَفَلَ [[في "التهذيب" (كفل به).]]، يَكْفُلُ، كَفالة، وكَفْلاً) [[(وكفلا): غير موجودة في "التهذيب".]]، فهو كافِل؛ وهو: الذي قد كَفَلَ إنساناً يَعُولُه [[في (ب): (يقول من).]] ويُنفِقُ عليه. و ﴿زَكَرِيَّا﴾، رُفعَ بفعله [[على أن (زكرياءُ) هنا ممدودة مرفوعة، وهي فاعل لـ (كَفَلَ) المتعدي لمفعول واحد، بناء على قراءة من قرأ بالتخفيف فيها.]]، لأن الكفالة نُسِبت إليه. وفيه قراءتان: القَصر، والمَدُّ، وهما لغتان فيه، كقولهم: (الهَيْجاء)، و (الهَيْجا)، والألِفُ فيه أَلِفُ تأنيثٍ؛ ولهذا لا ينصرف في معرفة ولا نَكِرة؛ لأن (زكريا) [[في (ب)، (د) (زكريا).]]؛ بالمَدِّ، مثل: (حمراءَ)، و (سوداءَ) [[في (ج)، (د): (حمرا، وسودا).]]؛ وبالقصر، مثل: (حُبْلى) [[في (ب): (حتى). و (الحُبْلى): المرأة الحامل، وجمعها: (حَبَالى) و (حُبْلَيات). انظر: "القاموس" 1269 (حبل).]]، و (سَكْرى) [[يقال: (هي سَكِرَة، وسَكْرَى، وسَكْرانة) للمؤنث. انظر: "القاموس" 524 (سكر).]]، و (ذِفْرى) [[في (ب): (دفري). و (الذِفْرى)، هو: العظم الشاخص خلف الأذن. وهما ذِفريَان. والجمع: ذِفرَيات، وذَفارى. انظر: "خلق الإنسان" لابن أبي ثابت: 54، "القاموس" 396 (ذفر)، "المعجم الوسيط" 1/ 312 (ذفر).]] وهذا النوعُ لا ينصرفُ في مَعْرفة ولا نَكِرَة؛ لأن الاسم [[في (ج): (اللام).]] بُني على أَلِفِ التأنيث، وحقُّ التأنيثِ أن يكون داخلاً على لفظ المُذَكَّر؛ نحو: (قائم)، و (قائمةٌ)؛ فلما بُنِي الاسمُ على علامة التأنيث، ولَزِمَت [[في (ب): (لزمت).]] الاسمَ حتى صارت كبعض حروفه، صار كأن التأنيثَ قد تكرر فيه، فقامت العِلَّةُ مَقامَ العِّلَّتين [[يعني: قامت ألفُ التأنيث، مقامَ العلميةِ والعجمةِ في المنع من الصرف. انظر في علَّة منعها من الصرف "الحجة" للفارسي: 3/ 34، "مشكل إعراب القرآن" 1/ 157، "البيان" للأنباري: 1/ 201.]]، فلم ينصرف [[في (د): (تنصرف).]] في النَّكرة والمعرفة. وقرأ حمزةُ والكسائيُ: (وكَفَّلَها) مشَدَّدا، ومصدره: التَّكْفِيلُ، والتَّكْفِلةُ [[لم أقف في معاجم اللغة التي رجعت إليها، على أنَّ (التكفلة) مصدر لـ (كَفَّل). وهي على خلاف القياس في مصدر (فَعَّلَ) الرباعي المضاعف العين؛ الصحيح اللام. وتأتي (تفْعِلَة) مصدرًا للرُّباعي المعتل اللام، المُضاعَف العين؛ مثل: (رضَّى تَرْضيَةً)، و (ورَّى تورِيَةً). وأشار الشيخ محمد محي الدين عبد الحميد إلى مجيء (تفْعِلَة) مصدرًا لـ (فَعَّلَ) الصحيح اللام، وذلك في النادر، ومَثَّلَ لها بـ (قَدَّمَ== تَقْدِمَةً جَرَّبَ تَجْرِبَةً). انظر: "منحة الجليل بتحقيق شرح ابن عقيل" مطبوع بهامش "شرح ابن عقيل": 3/ 128، "النحو الوافي" 3/ 198. وانظر (كفل) في "الصحاح" 5/ 1811، "اللسان" 7/ 3905 - 3906، "التاج" 15/ 658.]] و ﴿زَكَرِيَّا﴾ [[في (ج)، (د): (وزكريا).]] على هذه القراءة منصوب؛ لأنه المفعول الثاني للتَّكفيل، ومعناه: ضَمَّنها الله زكريا [[(أ)، (ب): (وزكريا)، والمثبت من: (ج)، (د)، وهو الصواب؛ لأنه لا وجه لحرف العطف هنا.]]، وضَمَّها إليه؛ وذلك أنَّ (حَنَّةَ) لمَّا ولدت مريمَ، أتت بها سَدنَةَ بيت المقدس، وقالت لهم: دونكم هذه النذيرة [[النذيرة هنا: الابن الذي يجعله أبواه قَيِّما أو خادمًا للكنيسة أو للمُتَعَبَّد؛ من ذكر أو أنثى. انظر: "اللسان" 7/ 4390 (نذر).]]. فتنافس فيها الأَحْبارُ [[الأحبار: جمعُ (حَبْر) أو (حِبْر)، وهو: واحد أحبار اليهود، وهو: العالم أو الرجل الصالح، وُيجمع كذلك على (حُبُور). انظر: "الصحاح" 2/ 620، "اللسان" 2/ 748 (حبر).]]، حتى اقترعوا عليها، فخرجت القُرعة لزكرياءَ [[في (ج): زكريا.]] عليه السلام. ونذكر ما فيه عند قوله: ﴿إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ﴾ [آل عمران: 44]. فمعنى قوله: ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ [[في (ب)، (ج)، (د): (وكفلها زكريا).]]: أنَّ الله تعالى [[في (أ)، (ب) (إن شاء الله تعالى)، والمثبت من: (ج)، (د)؛ نظرًا لمناسبته لسياق الكلام، ولا وجه لما في (أ)، (ب).]] ضمَّها [[في (ب): (ضمنها).]] إلى زكريا [[في (د): (زكرياء).]] بالقُرْعَة التي قَرعها [[في (ب): اقترعها. ومعنى (قرعها): أصابته القرعةُ دونهم. يقال: (كانت له == القرعة): إذا قَرَع أصحابه، و (قارعه فَقَرَعَه، يَقرَعه): إذا أصابته القرعة دونه. "اللسان" 6/ 3596 (قرع)، وانظر: "المعجم الوسيط" 735 (قرع). وانظر القصة في "تفسير الطبري" 3/ 239 - 240، "وسنن البيهقي": 10/ 286، "الدر المنثور" 2/ 35.]]. وقوله تعالى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا﴾. قال المفسرون [[من قوله: (قال ..) إلى (.. أي: ربة غرفة): نقله مع الاختصار والتصرف من "تفسير الثعلبي" 3/ 42 أ، وانظر: "تفسير البغوي" 2/ 31.]]: لمَّا ضمَّ زكريا مريمَ إلى نفسه، بنى لها مِحْرابا في المسجد، وبابه في وسطها، لا يُرقى إليها إلا بسُلَّم، ولا يَصعَد إليها غيره. و (المِحْرابُ) في اللغة: أشرف المجالس. وكانت محاريب بني إسرائيل مساجدَهم [[قوله: (وكانت محاريب بني إسرائيل مساجدهم): ليسست عند الثعلبي، وإنما هي في "تهذيب اللغة" 1/ 772.]]. و (المِحْراب): الغُرْفَة أيضاً، قال عمر [[في (د): (عمرو).]] بن أبي ربيعة [[هو: أبو الخطاب، عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة المُغِيري المخزومي تقدمت ترجمته.]]: رَبَّةُ مِحْرابٍ إذا جِئْتها ... لم أَدْنُ حتى أرْتَقي سُلَّما [[البيت ليس لعمر بن أبي ربيعة، ولم أقف عليه في "ديوانه" وإنما نسبته المصادر لوضَّاح اليمن، والمؤلف تبع الثعلبي في نسبته لعمر. وقد ورد منسوبًا لوضَّاح، في "مجاز القرآن" 2/ 144، 180، "جمهرة اللغة" 276 (حرب)، "الصحاح" 1/ 109 (حرب)، "والأغاني" (نسخة مصورة من طبعة دار الكتب مصر): 6/ 237، "تفسير القرطبي" 4/ 71، "اللسان" 2/ 817 (حرب). كما ورد غير منسوب، في "معاني القرآن" للزجاج: 1/ 403، 4/ 325،== "الاشتقاق" لابن دريد: 75، "الزاهر" 1/ 541، "التهذيب" 1/ 772، "مقاييس اللغة" 2/ 49. وهذه الرواية للبيت وردت في: الجمهرة، "الزاهر" "تفسير الثعلبي" وورد في بقية المصادر: (... لم ألقها أو أرتقى سلما).]]. أي: رَبَّة غُرفةٍ. وقال الأصمعي [[نقل المؤلف قوله باختصار عن "الزاهر" 1/ 541. كما ورد هذا القول عن الأصمعي في: الاشتقاق: 75، قال: (وقال أبو حاتم وعبد الرحمن، عن الأصمعي) وذكره.]]: (المِحْراب): الغُرْفة؛ ألا تراه يقول: ﴿إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾ [سورة ص: 21]. وقال الزجاج [[في "معاني القرآن" له 4/ 325.]]: (المحراب): أرفع بيت في الدار، وأرفع مكان في المسجد، قال: و (المحراب) ههنا كالغرفة، وأنشد بيت عمر [[قوله: (وأنشد بيت عمر) ساقط من (د).]]. وقال أبو عبيدة [[في قوله: (وقال أبو عبيدة ..) إلى (.. أراد بالمحاريب القصور) نقله بنصه عن "الزاهر" 1/ 540. أما قول أبي عبيدة في "مجاز القرآن" 1/ 91 عن المحاريب، فنصه: (سيد المجالس، ومقدمها وأشرفها، وكذلك هو من المساجد)، وفي 2/ 144، 180 ورد عنه هذا المعنى بألفاظ مختلفة قليلًا، أما بقية الكلام فهو من قول ابن الأنباري.]]: (المحراب) عند العرب سيِّدُ المجالس، ومُقَدَّمُها، وأشرفها، وإنما قيل للقبلة: محرابٌ؛ لأنها أشرف موضع في المسجد. ويقال للقصر محرابٌ؛ لأنه سيِّد المنازل [[في "الزاهر" (أشرف المنازل).]]. قال امرؤ [[في (أ): (امرئ)، والمثبت من بقة النسخ.]] القيس: كغزلان وَحْشٍ في محاريبِ أَقْوال [[عجز بيت، وصدره: == وماذا عليه أنْ ذكرتُ أوانسًا وقد ورد البيت في "ديوانه": 34، "مجاز القرآن" 2/ 180، حيث ورد في هامش إحدى نسخ المجاز، كما أشار إلى ذلك المحقق، وفي "الزاهر": 1/ 540، "اللسان" 2/ 817 (حرب). وورد غير منسوب في "تهذيب اللغة" 1/ 772، "والمخصص": 3/ 135، "البحر المحيط" 3/ 249. وورد في كل المصادر السابقة: (كغزلان رَمْلٍ ..)، وورد في الديوان، وبعض المصادر: (.. محاريب أقيال)، وفي "الزاهر" (وماذا عليه أن أروضَ نجائبًا ..). و (الأقوال) و (الأقيال): ملوك اليمن، وقيل: هم مَنْ دون الملك الأعظم. ومفردها: (قَيْل). انظر: "تهذيب اللغة" 3/ 2859 (قال). وقوله: (كغزلان وَحشٍ)، الوَحشُ: حيوان البَرِّ؛ مثل: حمارُ وَحشٍ، وحمارٌ وحشِيٌّ. انظر: "القاموس" 609 (وحش).]] أراد بـ (المحاريب): القصور [[انظر معاني الـ (محراب) السابقة، في: مادة (حرب)، في "التهذيب" 1/ 772، "الصحاح" 1/ 108، "اللسان" 2/ 817.]]. قال ابن عباس في رواية عطاء [[لم أقف على مصدر هذه الرواية.]]: صارت عنده لها غرفة تصعد إليها تصلي فيها الليل والنهار. وقوله تعالى: ﴿وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا﴾. قال [[من قوله: (قال ..) إلى (.. غرفتها، وجد عندها رزقًا): ساقط من: (ج)، (د).]] ابن عباس [[قوله، في "تفسير الطبري" 3/ 244، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 229، "المحرر الوجيز" 3/ 94، "زاد المسير" لابن الجوزي 1/ 380. قال ابن الجوزي: (وهذا قول الجماعة).]]، والربيع [[قوله، في "تفسير الطبري" 3/ 245، "تفسير الثعلبي" 3/ 42 ب. وهو قول مجاهد، وعكرمة، وابن جبير، وأبي الشعثاء، والنخعي، والضحاك، وقتادة، وعطيَّة العوفي، والسُّدِّي. انظر: "تفسير ابن كثير" 1/ 386.]]: كان زكريَّا كلما دخل عليها غرفتها وجد عندها رزقاً؛ أي: فاكهة الشتاء في الصيف، وفاكهة الصيف في الشتاء، تأتيها به الملائكة من الجَنَّةِ. قال محمد بن إسحاق [[قوله، في "تفسير الثعلبي" 3/ 42 أ.]]: كان هذا كله، بعد أن بلغت مريمُ مبلغ النساء. وقال الحَسَنُ [[لم أقف على مصدر قوله. وقد ورد في "تفسير البغوي" 2/ 32، وفيه: (قال أبو الحسن)، وهو خطأ، والصواب: الحسن. كما ورد في "زاد المسير" 1/ 380.]]: كان هذا في صغرها، ولم ترضع ثدياً قط، بل [[(بل): ساقطة من (د).]] كان يأتيها رزقها من الجَنَّة، وتكلَّمت وهي صغيرة، حين أجابت زكريا بقولها: ﴿هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [[انظر حول الذين تكلموا في المهد صغارًا: "مصنف ابن أبي شيبة": 6/ 342 (31864)، "المستدرك" للحاكم 2/ 595، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 652، "القرطبي" 4/ 91، "البحر المحيط" 2/ 442 - 443، "روح المعاني" 3/ 140.]]. قال أبو إسحاق [[في "معاني القرآن" له 1/ 403، نقله عنه بنصه.]]: ونصب ﴿كُلَّمَا﴾ بقوله: ﴿وَجَدَ﴾ [[لأن (كلَّ) عندما تضاف إلى (ما) المصدرية الظرفية، تصبح ظرفًا متضمنًا معنى الشرط، ويكون لها فعل وجواب، وتتعلق بجوابها، وتنتصب به، وجوابها هنا (وَجَدَ). أمَّا (ما) فهي حرف مصدري ظرفي، مبني على السكون، لا محل لها من الإعراب.]]؛ أي: يَجِدُ عندها الرزقَ في كل وقت يدخل عليها المحرابَ، فيكون (ما) مع (دَخَلَ)، بمنزلة: الدخول [[لأن (ما) وما بعدها تُؤَؤَّل بمصدر، وهو هنا: الدخول.]]، أي: في كل وقت دخول [[انظر في إعرابها "مشكل إعراب القرآن" 1/ 157، "التبيان" للعكبري ص 34، "الفريد" للهمداني 1/ 566.]]. وقوله تعالى: ﴿أَنَّى لَكِ هَذَا﴾. قال ابن عباس [[لم أقف على مصدر هذه الرواية عنه.]]: يريد: من أين لك هذا؟ وانما سألها؛ لأنه خاف أن يأتيها الرزقُ من غير جهته، فتبيَّن أنه من عند الله، لا من عند الناس [[ممن قال بأن (أنَّى) بمعنى (أين): أبو عبيدة في "مجاز القرآن" 1/ 91، وابن قتيبة في "تفسير غريب القرآن" ص 99. بينما يرى الإمام الطبري في تفسيره: 1/ 397 - 398: أنَّ هناك اختلافًا بين (أنى) و (أين) و (كيف)، ويرى أنه نظرا لتقارب معنى (أنَّى) من هذه الحروف فقد تداخلت معانيها وحصل اللَّبْسُ، فتُؤُؤِّلت بـ (أين) و (كيف) و (متى) مع مخالفة معناها لهذه الحروف، ومخالفة هذه الحروف لها، ويرى أنَّ (أين) سؤال عن الأماكن، و (كيف) سؤال عن الأحوال، أمَّا (أنَّى) فهي سؤال عن المذاهب والوجوه، وقد بيَّن الطبري هذا الأمر بإسهاب مستدلًّا عليه بأمثلة من القرآن وشعر العرب. وبهذا قال النحاس كذلك، رادًا على أبي عبيدة في "معاني القرآن" 1/ 389. وانظر حول هذا الموضوع: "إعراب الحديث النبوي" للعكبري: 96، "البحر المحيط" 2/ 443، "الدر المصون" 2/ 423.]]. وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾. قد فَسَّرنا هذا في موضعين: من [[في (د): (في).]] سورة البقرة، ومن هذه السورة [[عند آية: 27.]]. وهذا يحتمل أن يكون من كلام مريمَ، ويحتمل أنَّه على [[في (ب): (أن يكون على).]] الابتداء، والأَوْلى به الاستئناف [[وبه قال الطبري في "تفسيره" 3/ 247.]]؛ لأنه ليست [[في (ج): (ليس).]] من معنى الجواب عمَّا سئلت في شيء.

آل عمران 3:38

قوله تعالى: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ﴾ قال أهل اللغة [[انظر مادة: (هنا) في "الصحاح" 6/ 2561، "اللسان" 8/ 4715، "تاج العروس" 20/ 432.]]: (ههنا) و (هنا) تقريب (ثَمَّ) [[(ثَمَّ) بفتح الثاء، وتشديد الميم: اسم إشارة إلى المكان البعيد، وهو ظرف مكان، لا يتصرف، مبني على الفتح، في محل نصب على الظرفية، ويقال: (ثَمَّةَ) والتاء فيه لتأنيث اللفظ فقط. انظر: "معجم الشوارد النحوية" لمحمد شراب 227، "معجم النحو" للدقر: 124. أما (هنا) و (هناك) فيقول عنهما الجوهري: (للتقريب، إذا أشرت إلى مكان، و (هناك) و (هنالك): للتبعيد). "الصحاح" 6/ 2561 (هنا).]]. ومعنى (هنالك)؛ أي: عند ذلك. و (وهنالك): مَحَلٌّ ومَوْضِعٌّ؛ كما أنَّ (حيث): مَحَلٌّ، و (عِنْدَ)، و (حِينَ): وقتان. فلو قال عز وجل: (عند ذلك دعا زكريا) لكان جائزاً [[قول المؤلف: (فلو قال .. لكان جائزًا)، أقول: غفر الله للمؤلف، ليته لم يقل هذه العبارة، فإنها كلمةٌ فيما أرى عظيمةٌ، يجب أن لا تقال في حق الله تعالى، وهل يجوز أن نقترح على الله تعالى.؟! ومتى كان الحق عز وجل لا يقول الأفضل من القول، والأبلغ من الكلام، والفَصْلَ في الخطاب، حتى نقول نحن البشر القاصرون مثل تلك المقولة العظيمة.؟! فالله تعالى يضع الكَلِمَ وفق حكمته وعلمه، وهو الأحكم الأعلم.]]، بمثل [[في (د): (مثل).]] معنى (هنالك). ولكن العرب تضع المحل موضع اسم الوقت في مثل هذا، فيقولون: (كان ذلك حيث وَليَ زيدٌ) بمعنى حين وَليَ، وكذلك (هنالك): مَحَلٌ يوضع [[في (ج): (موضع).]] موضع (عند)، وقد يكون مجاز (هنالك) في هذا الموضع مَحَلاًّ؛ لأن ما ذَكَرَه عز وجل من هذه القصة، يكون مضمناً لوقت [[في (ج)، (د): (بوقت).]] ومحل؛ لأنه لا يكون إلا في محل؛ كما لا يكون إلا في وقت؛ فلما لم يجز أن يكون [[(ب): (إلا أن يكون).]] إلا [[إلا: ساقطة من (ب)، (ج).]] في محل؛ احتمل أن يومئ إلى ذلك المحل بقوله: ﴿هُنَالِكَ﴾، و (هناك)، و (هنالك) لأصلُ فيهما: [هنا] [[ما بين المعقوفين زيادة يقتضيها السياق، وهي غير موجودة في جميع النسخ.]]، ثم [[(ثم): ساقطة من (ج).]] زيدت الكاف؛ للخطاب، كما قالوا في (ذا) [[(ذا): ساقطة من (ج).]]: (ذاك). ومن قال: (هنالك) فتقديره تقدير (ذلك)، والكاف فيهما للخطاب [[انظر في زيادة الكاف في هذه الأسماء "المسائل العسكرية" للفارسي: 140، "المسائل الحلبيات" له: 7576، "سر صناعة الإعراب" 1/ 309، 321 - 322، 2/ 571، "مغني اللبيب" 240.]]. وقول زهير: هنالك إنْ تُسْتَخبَلُوا [[في (د): (يستجلبوا).]] المالَ تُخبِلُوا [[صدر بيت، وقد وردت روايته في "الديوان" بضمير الغائب، كالتالي: هنالك إنْ يُسْتَخْبَلوا المالَ يُخبِلوا ... وإنْ يُسألوا يُعْطوا وإن يَيْسِروا يُغْلُوا انظر: "ديوانه" ص 112. كما ورد منسوبًا له في "الخصائص" 1/ 1097، "اللسان" 2/ 109 (خبل)، و3/ 1293 (خول). وروايته في "الخصائص" "اللسان" 3/ 1293 (خول) (هنالك إن يُسْتَخوَلوا المال يُخوِلوا ..). وفي "اللسان" 3/ 1293 (خول: (.. وإن يُسألُوا يُعْصوا ..). و (يُستَخبَلوا)؛ من قولهم: (أخبَلْتُ الرجلَ، أُخبِلُه، إخبالًا)،== و (اسْتَخبَلَه إبِلًا وغنمًا، فأخبله)، و (يُسْتَخوَلُوا) بمعناها؛ أي: إن تُطلَب منهم إبلُهم أو غنمُهم على سبيل الاستعارة؛ ليُنتفَعَ بألبانها وأوبارها، أو تستعار منهم خيلهم للغزو، فإنهم (يُخبلوا)؛ أي: يتكرموا ويتفضلوا بإعارتها. ومعنى (يَيْسَروا): من (يَسَر، يَيْسَر، يَسْرًا)، وهو: المقامر بالمَيْسر، أو هو: تجزئة الجَزُور، واقتسام أعضائها؛ يقال: (يَسَرَ القومُ الجزورَ)، وهو المراد في البيت هنا -والله أعلم- نظرًا لمناسبته لما سبقه من أبيات يمدح فيها الشاعرُ سنان بن أبي حارثة المُرِّي، والمعنى: إنهم يأخذون سِمان الجزُرِ والغاليَة منها وينحرونها، ويقسمونها على ذوي الحاجات. ومعنى: (يعْصوا) كما في رواية "اللسان" -: أي- والله أعلم-: يجمعونهم، من قولهم؛ (عصوت القومَ): إذا جمعتهم على الخير أو الشر؛ أي: إنهم إذا سُئلوا الخيرَ، جمعوا الناس على خيرهم وزادهم. وقبله: إذا السنةُ الشهباءُ بالناس أجحفت رأيت ذوي الحاجات حول بيوتهم ... قطينًا بها حتى إذا نبت البقل والذي دعاني لسوق الأبيات، أن المُعَلِّق على الديوان، فسَّر (ييسروا) بقوله: (يقامروا بالميسر)، وإن كان المعنى صحيحًا لغة، إلا أن المعنى الآخر الذي ذكرته أصح في رأيي لمناسبته لسياق الأبيات. انظر: "اللسان" 2/ 1097 (خبل)، 3/ 1293 (خول)، 5/ 2980 (عصا)، 8/ 4959 - 4960 (يسر). والشاهد في البيت: قوله: (هنالك) المحتملة أن تكون لوقت ومكان.]] يحتمل (هنالك) أن يكون [[في (ب): (يحتمل أن يكون هنالك).]] لمحل، وأن يكون لوقت. و (هنالك)، و (هناك) و (هنا) [[(وهنا): ساقطة من (ج).]]، و (ههنا)، شيء واحد، إلا أن (هنا)، و (ههنا)، لم يُذكرا في شيء من الأوقات، وإنما ذُكرا في المحالِّ [[(ج): (المحل).]] القريبة منك. قال الزجَّاج [[في "معاني القرآن" له: 1/ 404، نقله بتصرف يسير جدًّا.]]: و (هنالك) في موضع نصب، لأنه ظرف؛ ويقع في المكان من الزمان والحال [[(ج) (وأحوال الزمان)، بدلًا من: (من الزمان والحال).]]. [ومعنى قوله: ﴿هُنَاِلكَ دَعَا﴾؛ أي: في ذلك المكان من الزمان والحال] [[ما بين المعقوفين زيادة من: (ج)، (د) ومن "معاني القرآن" للزجاج.]] دعا. قال أهل التفسير: لمَّا رأى زكريا ما أوتي [[في (د): (أولي).]] مريم من فاكهة الصيف في الشتاء، وفاكهة الشتاء في الصيف على خلاف مجرى العادة، طمع في رزق الولد من العاقر، على خلاف مجرى العادة، فدعا الله عز وجل، فقال: ﴿هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ﴾. أي: من عندك [[ممن قال بذلك: ابن عباس، والسُّدِّي، وابن جبير، والحسن. انظر: "تفسير الطبري" 3/ 249، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 641، "الدر المنثور" 2/ 37.]]. و (لَدُن) اسمٌ غير متمكن [[الاسم غير المتمكن، هو الاسم المبني، الذي لا يتغير آخره بتغير العوامل في أوله؛ أي: لا يتمكن من تحمل الحركات المختلفة. انظر: "معجم المصطلحات النحوية والصرفية" د. محمد اللبدي: 213. و (لَدُنْ): اسم جامد يُعرب ظرفًا للمكان أو الزمان، مبني على السكون، في محل نصب مفعول فيه، وهي تلازم الإضافة الاسم، أو الضمير، أو الجملة، وإذا أضيفت إلى ياء المتكلم اتصلت بها نون الوقاية، فيقال: (لَدُنِّي) ويقل تجريدها منها، فيقال: (لَدُنِي) وهي في المعنى والإضافة كـ (عند)، إلا أنها أقرب مكانًا من (عند) وأخصُّ منها. انظر: "معجم الأدوات النحوية" د. محمد التونجي: (101)، "معجم النحو" د. الدقر: 309، "موسوعة النحو والصرف" د. أميل يعقوب: 576.]]، ونذكر حقيقته، وما قيل فيه، في سورة الكهف إن شاء الله. وقوله تعالى: ﴿ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾. أي [[من قوله: (أي ..) إلى (فهب لي من لدنك وليا): نقله بتصرف يسير عن "تفسير الثعلبي" 3/ 44 أ.]]: نسلاً مباركاً تقياً [[عند الثعلبي: (نقيا).]]. والذُّرِّية)؛ يكون [[في (ب)، (د)، وعند الثعلبي: (تكون)، وفي: (ج) غير منقوطة.]] واحدًا وجمعًا، وذكرًا وانثى [[انظر: "معاني القرآن" للفرَّاء: 1/ 208، "تفسير الطبري" 3/ 249، "تهذيب اللغة" 2/ 1274.]]. والمراد بـ (الذُّرِّيَّة) ههنا: ولدٌ واحدٌ؛ لقوله: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا﴾ [مريم: 5]. قال الفرَّاء [[في "معاني القرآن" له 1/ 208. نقله عنه بالمعنى.]]: وأنَّث الـ (طَيِّبَة)؛ لتأنيث لفظ الذرية؛ كما قال الشاعر: أبوك خليفةُ وَلَدَتْهُ أخرى ... وأنت خليفةٌ، ذاك الكمال [[البيت نسبه ابن الأنباري لنُصَيْب بن رباح. انظر: "المذكر والمؤنث" 2/ 163. وقال محقق الكتاب: بأن البيت ليس في مجموع شعره. وقد ورد غير منسوب، في "معاني القرآن" للفراء: 1/ 208، "تفسير الطبري" 3/ 248، "الزاهر" 2/ 242، "تفسير الثعلبي" 3/ 44 أ، "المحرر الوجيز" 3/ 96، "اللسان" 6/ 3459 (فلح)، 2/ 1235 (خلف).]] فأنَّثَ فعل الخليفة؛ لتأنيث لفظهِ [[أي: قال: (ولدته أخرى)؛ نظرًا لأن لفظ الخليفة مؤنث، والوجه: أن يقول: ولده آخر. قال ابن الأنباري: (ويقال: (قال الخليفة)، و (قالت الخليفة)، ويقال: (قال الخليفة الآخر)، و (الخليفة الأخرى)؛ فمن ذكَّر، قال: (الخليفة)، معناه: فلان؛ ومن أنَّثَ، قال: هو وصف قد دخلته علامة التأنيث، فحمل الفعل على لفظ المؤنث .. ومن استعمل لفظ المؤنث، قال في الجمع: (خلائف)، ومن استعمل == المعنى المذكَّر، قال في الجمع: (خلفاء ..). "الزاهر" 2/ 242، وانظر: "المذكر والمؤنث" له 2/ 163.]]. وقال آخرُ: فَمَا تَزْدَري مِنْ حَيَّةٍ جَبَلِيَّةٍ ... سُكاتٍ [[في جميع النسخ: سُكابٌ، ولم أر لها وجهًا، والتصويب من المصادر التي أوردت البيت، وسيأتي بيانها.]] إذا ما عَضَّ ليس بِأَدْرَدا [[لم أهتد إلى قائله، وقد ورد غير منسوب، في "معاني القرآن" للفراء 1/ 208، "تفسير الطبري" 3/ 248، "المذكر والمؤنث" لابن الأنباري 1/ 125، "تهذيب اللغة" 2/ 1718 (سكت)، "الصحاح" 1/ 253 (سكت)، "تفسير الثعلبي" 3/ 44 أ، "المحرر الوجيز" 3/ 96، "اللسان" 4/ 2046 (سكت). وقوله: (سُكاتٌ): وصف للحيَّة، يقال: (حيَّة سُكاتٌ، وسَكُوتٌ)،: إذا لم يشعر بها الملسوع حتى تلسعه وقوله: (أدردا)؛ أي: ليس في فمه سِنٌ، و (الدَّرَدُ): هو ذهاب الأسنان، والأنثى: دَرْداء. انظر: "الصحاح" 2/ 470 (درد)، "اللسان" 4/ 2046 (سكت)، "القاموس" ص 153 (سكت). والبيت في وصف رجل داهية يقول عنه: كيف تستخف به، وهو كالحية الجبلية الفاتكة، التي لا يشعر الملسوع بعضها حتى تعضه بناب لم يسقط، ولم يذهب سُمُّه. والشاهد فيه كونه أنَّث (جبلية)؛ نظرًا لورود الموصوف مؤنثًا في اللفظ، وهو (حيَّة)، وذكَّرَ (عضَّ)؛ لأنه أراد المعنى؛ أي: حيَّة ذكَرًا.]] فجمع التأنيث، والتذكير: مرَّة على اللفظ، ومرةً على المعنى. قال: وهذا يجوز في أسماء الأجناس، دون التي معناها: فلانٌ؛ نحو: (طَلْحَة)، و (حَمْزَة)، و (مُغِيرَة). لا يجوز (جاءت طلحة)؛ من قِبَل أنَّ التذكيرَ الحقيقي يغلب على تأنيث اللفظ. وقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾. قيل [[لم أقف على صاحب هذا القول، وقد حكاه الثعلبي في "تفسيره" 3/ 44أ، والبغوي في "تفسيره" 2/ 33، وابن الجوزي، في "الزاد" 1/ 380.]]: مجيب الدعاء في التفسير؛ وذلك أن مَنْ لا يُجابُ [[في (أ)، (ب): (الإيجاب)، والمثبت من: (ج)، (د).]] كلامه، صار بمنزلة من لم يُسمع [[في (أ)، (ب): (يَسمع)، والمثبت من: (ج)، (د).]]، فقيل لمن أجيب في سؤاله: سُمع دعاؤه. وعلى هذا دلَّ كلام ابن عباس في تفسير هذه الآية؛ لأنه قال في قوله [[في (أ): قولك، والمثبت من: (ب)، (ج)، (د).]]: ﴿إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ يريد: لأنبيائك، وأهل طاعتك [[لم أقف على مصدر قول ابن عباس هذا.]]. وهذا يدل على أنه أراد بالسمع: الإجابة؛ لأن دعاء غير هؤلاء مسموع لله تعالى على الحقيقة.

آل عمران 3:39

قوله تعالى: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ﴾ يقال: نادى، مُناداةً، ونِداءً. فالكسر: مصدرٌ [[انظر: "جمهرة اللغة" 2/ 1061 (ندى).]]، والضم اسمٌ [[ويردُ الاسمُ منه كذلك بالكسر؛ فيقال: (نِداء)، و (نُداء). وجعل الجوهريُّ الكسرَ هو الأصل، فقال: (النِّداء: الصوت، وقد يُضم). "الصحاح" 6/ 2505. وانظر (ندى) في "تهذيب اللغة" 4/ 3545، "اللسان" 7/ 4388، "التاج" 20/ 233.]]. وأكثر ما جاءت الأصوات على ضَمِّ أولها؛ نحو: (الرُّغاء) [[في (ج)، (د): (الدعا). والرُّغاء: صوت البعير، والضبع، والنَّعام. انظر: "القاموس" ص 1289 (رغى).]]، و (البُكاء)، و (الصُّراخ)، و (الهُتاف) [[في جميع النسخ: (والهتات)، ولم أجدها في معاجم اللغة التي رجعت إليها، ولم أر لها وجهَا، وما أثبته هو ما رجَّحتُه؛ لأن (الهُتاف)، و (الهَتْف): هو الصوت الجافي العالي، أو الصوت الشديد. انظر: "المنتخب من غريب كلام العرب" لكراع النمل: 1/ 294، "اللسان" 8/ 4612 (هتف).]]. وفي قوله: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلاَئِكَةُ﴾، قراءتان: التذكير، والتأنيث [[قرأ حمزة والكسائي من السبعة وخلف من العشرة (فناداه)، بإمالة الدال، وتروى هذه القراءة عن (علي بن أبي طالب، وابن مسعود، وابن عباس، وعلي بن الحسين، ومحمد بن زيد وابنيه، وجعفر بن محمد). "القطع والائتناف" ص 222. والباقون: (فنادته). انظر: "السبعة" 205، و"الحجة" للفارسي 3/ 37، و"النشر" 2/ 239.]]. قال الفرَّاء [[في "معاني القرآن" له: 1/ 209، نقله بنصه.]]: (الملائكة)، وما أشبههم من الجمع، يُذَكَّر وُيؤَنَّث. وقرأت القُرَّاءُ: ﴿يَعرُجُ الملائكة﴾، و ﴿تَعرُجُ﴾ [[والقراءة بالياء: للكسائي، وبالتاء: للباقين. انظر كتاب "الإقناع"، لابن مهران: 297، "حجة القراءات"، لابن زنجلة 721، "التبصرة" 708.]] [المعارج: 4]، و ﴿تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ و ﴿ويَتَوفَّاهم الملائكة﴾ [[الملائكة: ليست في: (ج) و (د).]] [[القراءة في الموضعين بالياء: لحمزة، وبالتاء: للباقين. انظر: "الكشف" 2/ 36، "حجة القراءات" 388.]] [النحل: 28]، فمن ذكَّر؛ ذهب إلى معنى التذكير، ومن أنَّث؛ فلِتأنيث الاسم. قال الزجَّاج [[في "معاني القرآن" له 1/ 405. نقله عنه بتصرف يسير.]]: الجماعة، يلحقها التأنيث؛ للفظ الجماعة، ويجوز أن يُعبَّر عنها بلفظ التذكير؛ لأنه يقال: جَمْعُ الملائكة، وهذا كقوله: ﴿وَقَالَ نِسْوُةُ﴾ [يوسف: 30]. وقال أهل المعاني [[نقل المؤلف هنا عبارة الفراء باختصار عن "معاني القرآن" 1/ 210، وممن قال بذلك: الطبري في "تفسيره" 3/ 250، والزجاج في "المعاني" 1/ 405، والنحاس في "المعاني" 1/ 390، والثعلبي في "تفسيره" 3/ 45 أ.]]: أراد بالملائكة [[قوله: (المعاني أراد بالملائكة): مكانها بياض في: (د).]] ههنا: جبريل، وحده [[ممن قال بأن المنادي: جبريل وحده: عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-، والسدي، ومقاتل.== انظر: "تفسير مقاتل" 1/ 274، "تفسير الطبري" 2/ 449 - 450، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 641، "القطع والائتناف" للنحاس 222، "زاد المسير" 1/ 381، "الدر المنثور" 2/ 37.]]، وذلك جائز في العربية أن تخبر عن الواحد بمذهب الجمع؛ كما تقول في الكلام: (ركب السفنَ)، و (خرجَ على البِغالِ)، وإنما ركب بغلاً واحدًا. وهذا [[(ج) (وهو).]] جائز فيما لم يُقْصد فيه قَصْد [[في (أ)، (ب): (وقصد)، والمثبت من: (ج) (د)، ومن "معاني القرآن".]] واحدٍ بعينه. قال الزجَّاج [[في "معاني القرآن" له 1/ 405، نقله عنه بتصرف يسير جدًّا.]]: المعنى: أتاه النداءُ من هذا الجنس، الذين هم الملائكة [[في (ج): (ملائكة). وقوله: (الذين هم ملائكة): ليس في "معاني القرآن".]]، كما تقول: (ركب فلانٌ في السُّفُن) وإنما ركب في سفينةٍ واحدةٍ؛ تريد بذلك: جَعْلَ ركوبه في هذا الجنس. ومثل [[من قوله: (ومثل ..) إلى (.. جرى على هذا): نقله بتصرف يسير عن "تفسير الثعلبي" 3/ 45 أ.]] هذا مما في القرآن قوله: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾ [آل عمران: 173]، وهو نعيْمُ بن مَسعود [[هو أبو سلمة، نُعَيم بن مسعود بن عامر الأشجعي. صحابي مشهور، هاجر إلى الرسول يوم الخندق، وهو الذي خذَل المشركين واليهود حتى صرف الله المشركين، سكن المدينة، قتل في وقعة الجمل في أوّلِ خلافة علي، وقيل: مات في خلافة عثمان - رضي الله عنه -. انظر: "الاسيعاب" 4/ 70 (2658)، "الإصابة" 3/ 568 (8779).]]، ﴿إِنَّ النَّاسَ﴾، يعني: أبا سُفيان [[سيأتي بيان قصة الآية في موضعها من هذه السورة، عند تفسير آية: 173 إن شاء الله تعالى.]]. قال المفضَّل: إذا كان القائل رئيسًا، فيجوز الإخبار عنه بالجمعِ؛ لاجتماع أصحابه معه، فلمَّا كان جبريل عليه السلام رئيس الملائكة، وقلَّما يُبْعثُ إلاَّ ومعه جَمعٌ منهم، جُرِيَ على هذا. وهذا قول ابن عباس [[لم أقف على مصدر قوله.]]، والأكثرين [[قوله: (والأكثرين)، سبق أن بينت أنه لم يقل بهذا القول غير ابن مسعود - رضي الله عنه - والسدي، ومقاتل، بناءً على المصادر التي رجعت إليها.]]: إنَّ المنادى جبريل وحده. وقال غيره: ناداه جماعةٌ من الملائكة [[ورَجَّح هذا الطبري؛ حملًا لتأويل القرآن على الأظهر الأكثر من كلام العرب، دون الأقل، ما وُجِد إلى ذلك سبيل. وبيَّن أنَّه لا حاجة هنا لصرفه إلا أنه بمعنى واحد. وبيَّن أنَّ هذا قول جماعة من أهل العلم، ومنهم: قتادة، والربيع، وعكرمة، ومجاهد، وغيرهم. "تفسير الطبري" 3/ 250، وانظر: "تفسير عبد الرزاق" 1/ 120، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 641، "الدر المنثور" 2/ 37، ورجحه كذلك النحاس في "القطع والائتناف" (223).]]. وقوله تعالى: ﴿أَنَّ اللهَ يُبَشِرُكَ﴾ يُقْرأ بـ ﴿إِنَّ﴾ [[في (ج)، (د): (إن). وفي (د) بدلًا من: (بإن).]]: مكسورًا ومفتوحاً [[قرأ ابن عامر، وحمزة: ﴿إِنَّ﴾ بالكسر، وقرأ الباقون: ﴿أَن﴾ بالفتح. انظر: "السبعة" 205، "الحجة" للفارسي: 3/ 38، "الكشف" لمكي: 1/ 343.]]؛ فمن فتح [[من قوله: (فمن ..) إلى (.. فأضمر القول في ذلك كله): نقله باختصار وتصرف يسير عن "الحجة" للفارسي: 3/ 39، 38]]، كان المعنى: (فنادته بِأَنَّ اللهَ)، فلمَّا حذف الجارّ منها [[(منها): ساقطة من (ج).]]، وصل الفعلُ إليها فنصبها؛ فـ (أَن) [[في (ج): (بأن).]] في موضع [نصب] [[ما بين المعقوفين زيادة من: (د)، ومن "الحجة". ويقتضيها السياق.]]. وعلى قياس قول الخليل: في موضع [[(في موضع): مكانها بياض في: (د).]] [جَرٍّ] [[ما بين المعقوفين زيادة من "الحجة" للفارسي، يقتضيها السياق. وانظر: "كتاب سيبويه" 3/ 126 - 129، 1/ 92، 37 - 39، "المحلى ووجوه النصب" لابن شقير: 76، "سر صناعة الإعراب" 130، "الكشف" لمكي 1/ 343. وانظر تفسير آية19 من هذه السورة، وما سيذكره عند تفسير ﴿أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ﴾ آية: 73 من هذه السورة.]]. وقد ذكرنا هذه المسألة فيما تقدم. ومن كَسَرَ، أضمر القولَ؛ كأنه: (ناداه، فقال: إنَّ الله) فحذف القولَ. وإضمار القول كثير في هذا النحو، كما قال: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (23) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الرعد:23 - 24]، ﴿وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا﴾ [الأنعام: 93]، ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ﴾ [آل عمران: 106]، فأضمر القول في ذلك كلِّه [[هذا على مذهب البصريين القائلين بإضمار القول، أما على مذهب الكوفيين، فإنهم أجروا النداء مُجرى القول. انظر: "البحر المحيط" 2/ 446، "الدر المصون" 3/ 152، "إتحاف فضلاء البشر" للبنا ص 174.]]. وقوله تعالى: ﴿يُبَشِّرُكَ﴾ قد [[من قوله: (قد ..) إلى (.. وقرأ حمزة والكسائي: يبشرك): ساقط من (د).]] ذكرنا معنى التبشير في قوله: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: 25]. وقرأ حمزةُ والكسائيُّ [[انظر: "السبعة" 502، "الحجة" للفارسي: 3/ 41. وقد قرأ حمزة: (يَبْشُرُ) بالتخفيف في كل القرآن، إلا في قوله: ﴿قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ [آية 54 من سورة الحجر]، فقرأها بالتشديد (يُبَشِّرون). أما الكسائي: فقد قرأها بالتخفيف في خمسة مواضع: (آل عمران: 39، 45) و (الإسراء: 9) == و (الكهف: 2) و (الشورى: 23). أمَّا نافع، وابن عامر، وعاصم، فقد قرأوها بالتشديد في كل القرآن. وكذا قرأها ابن كثير، وأبو عمرو في كل المواضع، إلا في آية (23 من الشورى). انظر: "السبعة" 205، "الحجة" للفارسي: 3/ 239، "الغاية" لابن مهران:125، "التيسير" للداني: 87، "النشر" 2/ 239، "اتحاف فضلاء البشر" ص 174.]]: ﴿يُبَشِّرُكَ﴾ [[وردت في: (أ) يَبْشِرُكَ بكسر الشين المخففة، وأهملت حركاتها في بقية النسخ، ولم ترد بها قراءة، والصواب من قراءتها ما أثبته، وما سبق الإشارة إليه، وقد ورد في قراءة مجاهد، وحميد بن قيس الأعرج: (يُبْشِرُكَ) بضم الياء، وتسكين الباء، وكسر الشين المخففة. انظر: "معاني القرآن" للزجَّاج: 1/ 405، "المحتسب" 1/ 161، "تفسير الثعلبي" 3/ 45 ب. انظر ترجمة حميد بن قيس في "غاية النهاية" 1/ 265 برقم (1200).]]، مُخَفَّفاً، من (البَشْرِ) [[في (أ): البَشرَ، ولم أر لها وجهًا، وأهملت حركاتها في بقية النسخ، وما أثبته، هو ما استصوبته. قال في "اللسان" 4/ 61 (بشر): (وقد بَشَرَه بالأمر، يَبْشُرُه بالضم بَشْرًا، وبُشُورا، وبِشْرًا، وبَشَرَهُ به بَشْرًا .. وبَشرَ يَبْشُرُ بَشْرًا وبُشُورًا) وانظر: "الصحاح" 2/ 590 (بشر).]] وهو بمعنى: التبشير [[قال الفرَّاء في "معاني القرآن" 1/ 212: (وكأن المشَدَّد على: بِشارات البُشَراء، وكأن التخفيف من وجهة الإفراح والسرور، وهذا شيء كان المشيخة يقولونه).]]. قال أبو زيد: يقال: (بَشَّرَ، يُبَشِّرُ)، [و (أبْشَرَ يُبْشِرُ] [[ما بين المعقوفين زيادة من (ج)، (د)، ومن "الحجة" للفارسي.]] إبْشارا)، و (بَشَرَ، يَبْشُرُ، بَشْرا)، ثلاث لغات [[لم أقف على قول ابن زيد فيما رجعت إليه من مصادر، ويبدو أن هذا قول أبي الحسن (الأخفش)، كما في "الحجة" للفارسي 3/ 37، ونصه: (قال أبو الحسن: في (يبشر) ثلاث لغات: ..) وذكر ما دُوِّنَ أعلاه، ثم بعدها نقل الفارسي قولًا آخر لأبي زيد مغاير لما هنا، فقال: (قال أبو زيد ..).]]. ونحو هذا قال ابن الأعرابي فيما روى عنه ثَعْلَب [[انظر: "تهذيب اللغة" 1/ 338 (بشر).]]. وقال أهل اللغة [[انظر (بشر) في "إصلاح المنطق" ص21 - 22، 41، 277، و"الجمهرة" ص310، "تهذيب اللغة" 1/ 338، "الصحاح" 2/ 590، "مقاييس اللغة" 1/ 251.]]: أصل معنى (البَشْرِ): إصابة البَشَرَةِ يقال: (بَشَرتُ الأديمَ) [[الأديم هنا: الجلد. انظر القاموس (أدم) ص 1074.]]: إذا أخذتُ بَشَرَتَه بشَفْرةٍ، و (بَشَرَ الجرادُ الأرض): إذا أكلَ ما عليها، [فأخذ بَشَرَتها [[أخذ بشرتها؛ أي: أكل ما ظهر من نباتها، فجعل ظاهر الأرض كأنه بشرة لها.]]، فاستُعمِلَ هذا في إيراد الخبرِ [[في (د): هذا إيراد في الخبر.]] السَّارِّ؛ لأنه يصيب البَشَرَة بالهَشاشَةِ [[الهَشَاشة والهَشَاشُ: الارتياح، والخفَّةُ، والنشاط، يقال: (هَشِشْتُ إليه، أهَشُ، هَشاشة): إذا خففت إليه، وارتحت له. انظر: "إصلاح المنطق" 200، "القاموس المحيط" 610 (هش).]]] [[ما بين المعقوفين زياد من: (ج) (د).]]. وقال الزجَّاج [[في "معاني القرآن" له 1/ 405. ولكن النصَّ في "معاني القرآن" المطبوع المتداول يختلف بعض اختلافٍ في ضبط الكلمات عمَّا أورده الواحدي، ونصه في "معاني القرآن" (ومعنى: يُبْشرك: يسرك ويفرحك، يقال: بَشَّرتُ الرجلَ أبَشِّرُه، وأبْشُرُه: إذا أفرحته، ويقال: بَشُرَ الرجل يَبْشرُ)، وما أورده المؤلف مطابق لما فى "تهذيب اللغة" 1/ 338 (بشر)، وأورده كذلك ابن الجوزي في "الزاد" 1/ 382، وصاحب "اللسان" 1/ 287 (بشر) مما يعني أن يكون الأزهري، والواحدي، قد نقلا من نسخة أخرى غير المعتمدة في المطبوعة، أو يكون الواحدي، نقل النص عن الأزهري، وهو ما أرجحه؛ نظرًا لأن "التهذيب" من مصادره الأساسية، التي اعتمد عليها كثيرًا.]]: معنى ﴿يُبَشِّرُكَ﴾ [[في (أ): يَبْشِرُكَ أما بقية النسخ فقد أهملت حركاتها. وفي "معاني القرآن" المطبوع == يُبشرك. وما أثبتُه هو ما استصوبته، وهو موافق لما في "زاد المسير" حيث ضبط الحركات بالحروف، "اللسان"؛ لأن الواحدي أراد أن يبين معنى القراءة بالتخفيف (يَبْشُرُكَ)، وما في "معاني القرآن" المطبوع لا استبعد الخطأ المطبعي في ضبط حركتها.]] بالتخفيف: يسُرُّكَ، ويُفرِحُكَ، يقال: (بَشَرْتُ الرَّجُلَ، أبْشُره): إذا أفرحته، فـ (بَشِرَ [[في (أ): (فبَشُرَ) وهو موافق لما في "معاني القرآن". وما أثبتُّه يوافق ما في "تهذيب اللغة"، "اللسان" وبقية مصادر اللغة، ولم أعثر على (بَشُرَ) في معاجم اللغة.]]، يَبْشَرُ): إذا فرِحَ. وقال ابن الأعرابي [[قوله في "تهذيب اللغة" 1/ 338، وهو ما أشار إليه المؤلف سابقًا.]]: (بَشِرتُ بكذا، وأبْشَرْتُ به) أي: فرحت [[نقله المؤلف باختصار، ونصه: (يقال: (بَشَرْتُهُ، وبَشَّرْتُهُ، وبَشِرْتُهُ، وأبْشَرته). قال: (وبَشِرْتُ بكذا، وبَشرْت وأبشرْت): إذا فرحتَ به.]]، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ﴾ [فصلت: 30]. وقوله تعالى: ﴿بِيَحْيَى﴾. (يحيى) [[من قوله: (يحيى ..) إلى (.. وأنه معرفة): نقله بتصرف عن "معاني القرآن" للزجَّاج 1/ 406.]]، لا ينصرف، عَربيّاً كان، أو عجمِيًّا [[في (ج)، و"معاني القرآن": (أعجميا).]]: لأنه إن كان عجميَّا: فقد اجتمع فيه العُجْمةُ والتعريف، وإن كان عربيًّا: لا [[في (ج)، "معاني القرآن": (لم).]] ينصرف؛ لِشِبهه [[في (د): لتشبيهه.]] بالفعل، وأنه معرفة. قال المفسرون: سمَّاه الله تعالى بهذا الاسم قبل مولده [[انظر: "تفسير الطبري" 3/ 252، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 642، "النكت والعيون" 1/ 389 - 390.]]. قال الحسين [[في (ج): (الحسن).]] بن الفضل [[قوله في "تفسير الثعلبي" 3/ 46 أ، وانظر: "مفردات ألفاظ القرآن" للراغب 269 - 270. وهو: أبو علي، الحسين بن الفضل بن عمير بن كَيْسان البجَلِي، تقدم.]]: إنَّما سُمِّيَ (يَحْيى) [[في (د): (بيحيى).]]، لأن الله [تعالى] [[ما بين المعقوفين زيادة من (د).]] أحياه بالطاعة، حتى لم يَعْصِ، ولم يَهم بمعصية. فمعنى (يحيى): أنه يعيش مطيعاً لله عمره، ألا ترى أنَّ الكافر يُسمَّى (مَيْتاً)؛ قال الله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ [الأنعام: 122]، قيل في تفسيره: ضالاً فهديناه [[وهذا قول: ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والسدِّي، وابن زيد، وعكرمة، وغيرهم. انظر: "تفسير الطبري" 8/ 21 - 24، "الدر المنثور" 3/ 81.]]. وقوله تعالى: ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾. نصب على الحال؛ لأنه نكرة، و (يَحيى) معرفة. قال ابن عباس [[الأثر عنه في "تفسير الطبري" 3/ 253، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 651، "تفسير ابن كثير" 1/ 387، "الدر المنثور" 2/ 38، ونسب إخراجه كذلك للفريابي، وعبد بن حميد، وابن المنذر. وهو قول مجاهد، والرقاشي، وقتادة، والربيع، والسدي، والضحاك. انظر المصادر السابقة. وذهب أبو عبيدة في "مجاز القرآن" 1/ 91 إلى أن (كلمة الله): كتاب الله، كما تقول العرب للرجل: (أنشدني كلمة كذا وكذا)؛ أي: قصيدة فلان، وإن طالت. وأنكر عليه الطبري ذلك إنكارًا شديدًا، وردَّه انظر: "تفسير الطبري" 3/ 254.]]: يريد: مُصدِّقاً بعيسى أنه روح الله، وكلمته. وسُمِّيَ (عيسى) كلمةُ الله؛ لأنه حدث عند قوله: ﴿كُن﴾، فوقع عليه اسم (الكلمة)؛ لأنه بها كان. قال المفسرون: وكان (يحيى) أول من آمن بـ (عيسى) عليهما السلام، وصدَّقه، وكان (يحيى) أكبر من (عيسى) [[قال به ابن عباس، والربيع، والضحاك. انظر: "تفسير الطبري" 3/ 250 - 253، "تفسير الثعلبي" 3/ 46 ب.]]. قوله تعالى: ﴿وَسَيِّدًا﴾. (السَّيِّد) من باب: (الصَّيِّب)، و (المَيِّت). وقد ذكرنا ما فيهما [[في (ج): فيها. وانظر: "تفسير البسيط" تح: د. الفوزان، عند آية: 19 من سورة البقرة وانظر ما سبق عند تفسير آية: 27 من سورة آل عمران. ويعني: أن (سَيِّد)، أصلها: (سَيْوِد)، مثل: (صَيِّب)، و (مَيّيت) حيث إنَّا أصلهما: (صيْوِب) و (مَيْوِت). انظر بيان هذه المسألة، والخلاف فيها، في "كتاب سيبويه" 4/ 365، "سر صناعة الإعراب" 153، 585، "الإنصاف" ص 624 - 625، وقد سبق الإشارة إلى ذلك عند تفسير آية: 27 من سورة آل عمران.]]. ويقال [[(ويقال): ساقطة من (ج).]]: (سادَ فلانٌ قومَه، يَسُودُهم، سُؤْدَداً، وسِيادَةً): إذا صار رئيسهم [[وفي لغة طيىء: (سُؤْود) بضم الدال، وورد من مصادره: (سَيْدُودَة). انظر (سود) في: العين، للخليل: 7/ 281، "الصحاح" 2/ 490، "اللسان" 4/ 2144.]]. قال أبو [[في (ب): ابن.]] إسحاق [[في "معاني القرآن" له: 1/ 406.]]: (السيِّد): الذي يفوق في الخير قومَه. وقال بعض أهل اللغة: (السيد): المالك الذي [[من قوله: (الذي ..) إلى (.. والسيد الرئيس): ساقط من (د).]] يجب [[في (ج): (تجب).]] طاعته؛ ولهذا يقال: (سيِّد الغلام)، ولا يقال: سيِّد الثوب. سَلَمَة [[هو: أبو محمد، سَلَمَة بن عاصم. تقدم.]] عن الفرَّاء [[قوله في "تهذيب اللغة" 13/ 35.]]: (السيِّد): المالك [[في "التهذيب" "اللسان" (سود): الملك.]]، و (السيِّد): الرئيس، و (السيِّد): الحليم، و (السيِّد): السَّخي، و (السيِّد): الزوج، ومنه قوله: ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا﴾ [يوسف: 25]، [أي: زوجها] [[ما بين المعقوفين زيادة من (ج) (د)، ومن "تهذيب اللغة" 2/ 1590. وانظر في تفسير (سيِّدها) بـ (زوجها) "تفسير البيضاوي" ص 243، "تفسير أبي السعود" 4/ 267، "فتح القدير" 3/ 27.]]. وقال أبو خيرة [[في (د): أبو حيوة. وقوله في "تهذيب اللغة" 2/ 1590، "اللسان" 4/ 2144 - 2145. وأبو خيرة، هو: نهشل بن زيد البصري. أعرابي بَدَوي من بني عَدِيّ، دخل الحاضرة، وأخذ عنه الناس، وصنف في الغريب كتبا. انظر: "الفهرست" ص 72، "إنباه الرواة" 4/ 117، "معجم الأدباء" 19/ 243، "بغية الوعاة" 2/ 317.]]: سُمِّيَ (سَيِّدا)، لأنه يَسُودُ سَوادَ الناسِ، أي: عُظْمَهم [[في "تهذيب اللغة" معظمهم. و (عُظْمهم): أكثرهم، ومعظمهم. انظر: "الصحاح" 5/ 1987 (عظم).]]. هذا قول أهل اللغة في معنى (السيِّد). فأما أهل [[(أهل): ساقطة من: (ب).]] التفسير: فقال ابن عباس [[لم أهتد إلى مصدر قوله، وقد أورده ابن الجوزي في "الزاد" 1/ 383، وهو قول مجاهد، والرقاشي. انظر: "تفسير الطبري" 3/ 254، "ابن أبي حاتم" 2/ 643، "البغوي" 2/ 34، "الدر المنثور" 2/ 38 أورده عن مجاهد ونسب إخراجه كذلك إلى عبد بن حميد. والوارد عن ابن عباس، تفسيره بـ (الحليم النقي)؛ كما في "تفسير الطبري" 3/ 254، "ابن أبي حاتم" 2/ 642، "زاد المسير" 1/ 383، "الدر المنثور" 2/ 39، ونسب إخراجه كذلك لعبد الرزاق، وابن المنذر، وابن عساكر.]]: السَّيِّد: الكريم على رَبِّهِ عز وجل. وقال قتادة [[قوله في "تفسير الطبري" 3/ 254، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 642، "تهذيب اللغة" 2/ 1590، "تفسير الثعلبي" 3/ 47 أ، "تفسير البغوي" 2/ 34.]]: السيِّد، هو: العابد، الورع، الحليم. وقال عِكرمَة [[قوله في "تفسير الطبري" 3/ 255، "ابن أبي حاتم" 2/ 642، "تهذيب اللغة" 2/ 1590، "الدر المنثور" 2/ 39، وزاد نسبته لابن أبي الدنيا في "ذم الغضب".]]: السيد: الذي لا يغلبه غضبُهْ. وقوله تعالى: ﴿وَحَصُورًا﴾ (الحَصْرُ) في اللغة: الحَبْسُ [[قال ابن فارس في "مقاييس اللغة": (الحاء، والصاد، والراء؛ أصل واحدة وهو: الجمع والحبس والمنع 2/ 72 (حصر). وانظر: "غريب القرآن" لليزيدي: 34، "الصحاح" 2/ 630 - 632، وما سيأتي من مراجع.]]. يقال: (حَصَرَه، يَحْصُرُه، حَصْراً). و (حُصِرَ الرجلُ): إذا اعتُقِل بطنه [[في "الصحاح" (والحُصْرُ بالضم: اعتقال البطن، تقول فيه: (حُصِرَ الرجل)، وَ (أُحْصِرَ)، على ما لم يُسمَّ فاعِلُه) 2/ 362 (حصر).]]، و (حَصرَ [[ورد ضبطها في "تهذيب اللغة" (حُصِرَ)، حيث قال: (ورجل حَصُورٌ: إذا حُصِرَ عن النساء ..) 1/ 838، وانظر 1/ 839، وكذا ورد في "اللسان" 2/ 896 (حصر). ولكن ورد في "الصحاح" (وكل من امتنع عن شيء، فلم يقدر عليه، فقد حَصِرَ عنه، ولهذا قيِل: (حَصِرَ في القراءة)، و (حَصِرَ عن أهله) 2/ 631 (حصر).]] الرجلُ عن النساء)، فهو (حَصُورٌ). والحَصُورُ: الضَّيِّقُ [[من قوله: (الضيق ..) إلى (.. ولا فيها بسوار): ساقط من: (ب).]]، البخيل، الذي يمنع مالَهُ، فلا يُخرِجُ مع النَّدامى [[النَّدامى هنا: هم الذي يجتمعون على الشراب، وهذا هو الأصل فيها، ثم استعملت في كل اجتماع للمسامرة. يقال: (نادمه على الشراب، مُنادمة، ونِدامًا). والمفرد: نَدِيم، ونَدْمان. والجمع: نَدامى، ونُدَماء، ونِدام. انظر (ندم) في "أساس البلاغة" 2/ 432، "التاج" 17/ 683.]] شيئاً للشراب [[انظر: "التهذيب" 1/ 838 (حصر). وقال ابن سيده في: "المخصص": 14/ 25: (والحَصير .. الذي لا يشرب مع القوم لبخله، وهو الحَصور)، وكذا ورد في "مجالس ثعلب" 509.]]، ومنه: لا بالحَصُورِ ولا فيها بِسَوَّارِ [[قوله: (فيها بسوار): بياض في: (د). وهذا عجز بيت وصدره: وشاربٍ مُربح بالكأس نادمني= وهو للأخطل، في شعره 168، كما ورد منسوبًا له في أغلب المصادر التالية: "مجاز القرآن" 1/ 92، "طبقات فحول الشعراء" 501، "مجالس ثعلب" 315، 509، "معاني القرآن" للزجاج: 1/ 407، "تفسير الطبري" 3/ 255، "القطع والاستئناف" للنحاس: 223، "جمهرة أشعار العرب" ص 328، "تهذيب اللغة" 1/ 838 (حصر)، "المحتسب" 2/ 241، "الصحاح" 2/ 631 (حصر)، "مقاييس اللغة" 3/ 115 (حصر)، "تفسير الثعلبي" 3/ 48 أ، "والمخصص": 14/ 25، "تفسير القرطبي" 3/ 158، "اللسان" 2/ 896 (حصر)، 4/ 2147 (سور). وورد في "مجالس ثعلب" برواية أخرى، وذكرها ابن جني في "المحتسب" (.. ولا فيها بسآر) بتشديد الألف الممدودة، وقال ابن جني: (وأجود الروايتين: (بسَوَّار)؛ أي: بمعربد)، وفي "القطع والائتناف" (وصاحب مربح ..). ومعنى (مُرْبح)؛ أي: يصف نديمه في الشراب، بأنه يُربح بائعها، ولا يبالي بأن يشتريها بثمن غالٍ، وهو هنا يمدحه بحب اللهْو والكرم، أو تكون (مربح) من: أرْبَح الرجلُ: إذا نحر لأضيافه (الرَّبَح)، وهي الفصلان الصغار. وقوله: (لا بالحصور)؛ أي: ليس بخيلا ممسكا. ومعنى: (ولا فيها بسوَّار)؛ السَّوَّار: الذي تَسُورُ وتدبُّ الخمرُ في رأسه سريعًا، فتثب به وثْبَ المُعَرْبِد على من يُشارِبُه. أما الرواية الثانية (ولا فيها بسآر)؛ أي: لا يبقى في الإناء سُؤْرًا، أي: بقية، بل يشتفُّهُ كلَّه. انظر: "اللسان" 3/ 1553 (ربح)، 2/ 896 (حصر)، 4/ 2147 (سور).]] و (الحَصور)، و (الحَصِرُ) أيضاً: الذي يكتم السِّرَّ، ويحبسه في نفسه. قال جرير: ولقَدْ تَسَقَطني الوُشاةُ فصادفوا ... حَصِرًا بِسِرِّكِ [[في (ج)، (د): (يسرك).]] يا أمَيْمَ ضَنينا [[في نسخة (ب) دمج بيت الأخطل مع بيت جرير، كالتالي: لا بالحصر ولا عنها بسوار ... بسرك يا أميم ضنينا وقد ورد بيت جرير، في "ديوانه": 476. كما ورد منسوبًا له في: "مجاز القرآن" 1/ 92، "تفسير الطبري" 3/ 255، "معاني القرآن" للزجَّاج1/ 407، "تهذيب اللغة" 1/ 839، "معجم مقاييس اللغة" 2/ 73، "تفسير الثعلبي" 3/ 48 أ، == "والمخصص": 3/ 20، "اللسان" 2/ 896 (حصر)، 4/ 2038 (سقط). وورد عند الطبري: (تَساقَطَني)، وفي "اللسان" 4/ 2038: (.. حَجِئًا بسِرِّك). و (تَسَقَّطه)، و (استسقطه)، و (تساقطه)؛ بمعنى: طلب سَقَطَه، أي: خطأه وعثرته، وعالجه على أن يخطئ، وفي البيت: عالجه على أن يسقط فيخطئ أو يبوح بما عنده. أما في الرواية الثانية: (.. حجئا بسرك)؛ أي: مستمسكًا به، من قولهم: (حَجِئَ بالشيء، وحَجَأ به، حَجْأ)؛ أي: تمسك به ولزمه. ومعنى (الضَّنِين): البخيل، الحريص على الشيء. انظر: "اللسان" 4/ 2038 (سقط)، 2/ 777 (حجأ)، "القاموس" 1212 (ضنن).]] قال ابن قتيبة [[في "تفسير غريب القرآن" له 99، نقله مع اختصار قليل.]]: الحَصُور: الذي لا يأتي النساء، وهو (فَعُولٌ) بمعنى: (مفعول)؛ كأنه [[في (ج): (فكأنه)، وفي (د): (وكأنه).]] محصور عنهن، أي: مأخوذ [[في (د): (أحود).]]، محبوس [[قال ابن قتيبة بعدها: (وأصل الحصر: الحبس).]]، ومثله: (رَكوب)، بمعنى: مَرْكُوب [[(بمعنى مركوب): ساقط من: (ج) (د).]]، و (حَلوب)، بمعنى: مَحْلُوب [[انظر: "معاني القرآن" للنحاس 1/ 394.]]. ويجوز أن يكون (فَعُولاً) بمعنى: (فاعل)؛ يعني: أنه حَصَرَ نفسه عن الشهوات. وجميع المفسرين: على أن (الحَصُور) ههنا: الذي لا يأتي النساءَ، ولا يقربهن [[وهو قول: ابن مسعود، وابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وابن جبير، وقتادة، وعطاء، وأبي الشعثاء، والحسن، والسدي، وابن زيد، وعطية العوفي انظر: "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 643، 644، "تفسير الثعلبي" 3/ 48 أ، "تفسير ابن كثير" 1/ 387، "تفسير القرطبي" 4/ 78.]]. قال ابن عباس: هو الذي لا يجامع النساءَ، إنما له فَرْجٌ كفَرْجِ الصَّبِيِّ الصغير [[الذي في "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 643: (عن ابن عباس، قال: الحصور: الذي لا يأتي النساء.)، وأورده السيوطي في "الدر" 2/ 39، ونسب إخراجه إلى عبد الرزاق، وابن المنذر، وابن عساكر.]] وقال سعيد بن المُسَيِّب [[قوله في "تفسير الطبري" 3/ 255، "تفسير الثعلبي" 3/ 48 أ. وقد تقدمت ترجمته.]]: هو العِنِّين. وروي عن النبي ﷺ، أنه ذكر يحيى بن زكريا ثم أهوى بيده إلى قَذَاةٍ [[القذاة: هي الشيء الصغير جدًّا، مما يقع على العين والماء والشراب؛ من تراب، أو تُبْن، أو وسخ، أو غير ذلك. وجمعها: (قَذُى)، وجمع الجمع: (أقْذاء). انظر: "اللسان" 6/ 3562 (قذى).]] من الأرض فأخذها، وقال: "كان ذَكَرُهُ مثلَ هذه القذاةِ" [[الحديث: أخرجه الطبري في "تفسيره" 3/ 255، بسنده عن سعيد بن المسيب، عن ابن العاص إما عبد الله أو أبيه، من طرق مختلفة، مرفوعًا وموقوفًا، وأخرجه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 643 عن ابن المسيب عن ابن العاص مرفوعًا وموقوفًا، وأخرجه الحاكم في "المستدرك" 2/ 373، وقال: (صحيح على شرط مسلم)، ووافقه الذهبي، وأورد ابن كثير في "تفسيره" 1/ 387 رواية ابن أبي حاتم المرفوعة والموقوفة، وقال عن المرفوعة: إنها غريبة جدًّا، وقال عن الموقوفة: (فهذا موقوف، أصح إسنادًا من المرفوع)، وقال: (رواه ابن المنذر في "تفسيره" من طريق آخر عن سعيد بن المسيب، عن عبد الله بن عمرو بن العاص). وأخرجه ابن أبي حاتم والثعلبي في تفسيريهما عن أبي هريرة مرفوعًا. انظر: "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 643، "تفسير الثعلبي" 3/ 48 أ. وأورده السيوطي في "الدر" 2/ 39، ونسب إخراجه كذلك إلى ابن المنذر وابن عساكر، وقال: (وأخرجه ابن أبي شيبة، وأحمد في: "الزهد" وابن أبي حاتم، وابن عساكر، عن أبي هريرة من وجه آخر عن ابن عمرو، موقوفًا، وهو أقوى إسنادًا من المرفوع). وقد نقل ابن كثير بعد أن أورد بعضًا من هذه الآثار قولَ القاضي عياض حولها، ونصه كما في (الشفاء): (فاعلم أن ثناء الله تعالى على يحيى بأنه حصُورٌ، ليس كما قال بعضهم: إنه كان == هَيُوبا [أي: يهاب الفعل المعروف]، أو لا ذَكَر له، بل قد أنكر هذا حذَّاق المفسرين، ونقَّاد العلماء، وقالوا: هذه نَقيصةٌ وعيب، ولا يليق بالأنبياء عليهم السلام، وإنما معناه: أنه معصوم من الذنوب؛ أي: لا يأتيها، كأنه حُصِر عنها، وقيل: مانعا نفسه من الشهوات، وقيل: ليست له شهوة في النساء. فقد بان لك من هذا؛ أنَّ عدم القدرة على النكاح، نقص، وإنما الفضل في كونها موجودة، ثمَّ قمْعُها؛ إمَّا بمجاهدة، كـ (عيسى) عليه السلام، أو بكفاية من الله تعالى كـ (يحيى) عليه السلام فضيلة زائدة؛ لكونها مُشْغلةً في كثير من الأوقات، حاطَّةً إلى الدنيا؛ ثم هي في حقِّ من أقْدِر عليها، ومُلِّكَها، وقام بالواجب فيها، ولم يشغله عن ربه درجةٌ علياء، وهي درجة نبينا ﷺ الذي لم تشغله كثرتُهُنَّ عن عبادة ربِّه؛ بل زاده ذلك عبادة؛ لتحصينهنَّ، وقيامه بحقوقهنَّ، واكتسابه لهنَّ، وهدايته إيَّاهن؛ بل صرَّح أنها ليست من حظوظ دنياه هو، وإن كانت من حظوظ دنيا غيره) ثم ساق القاضي عياض الأدلة على ذلك. انظر: "الشفا بتعريف حقوق المصطفى" للقاضي عياض: ص 88. ثم يقول ابن كثير: (والمقصود، أنه مَدْح ليحيى بأنه حَصُورٌ، ليس أنه لا يأتي النساء؛ بل معناه: .. أنه حصور عن الفواحش والقاذورات، ولا يمنع ذلك من تزويجه بالنساء الحلال، وغشيانهنَّ، وإيلادهنَّ، بل قد يفهم وجود النسل له من دعاء زكريا المتقدم، حيث قال: ﴿هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ كأنه قال: ولدا لهُ ذرية ونسل وعَقِب. والله سبحانه وتعالى أعلم). "تفسير ابن كثير" 1/ 388. وانظر: "تفسير الفخر الرازي" 8/ 40 وقال بأنه (اختيار المحققين)، "غرائب القرآن" للنيسابوري 3/ 183، "تفسير الخازن" 1/ 289.]]. فعلى هذا القول: (الحَصور)، بمعنى: (المحصور)، وهو الذي حُصر عنهن، على [[في (ج): (وعلى).]] قول الجمهور، وهو (فَعُول) بمعنى (فاعل)؛ لأنه حَبَس نفسه عنهن. وقد استقصينا هذا الحرف عند قوله: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ [البقرة: 196].

آل عمران 3:40

قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ﴾ ذهب كثير من المفسرين إلى أن زكريَّا خاطب بهذا جبريل عليه السلام، فقال: (رَبِّ)؛ أي: يا سيِّدي [[وهذا قول الكلبي، كما في "تفسير الثعلبي" 3/ 48 ب، وقال الثعلبي بأنه قول أكثر المفسرين، "تفسير القرطبي" 4/ 79، وانظر: "الخازن" 1/ 290.]]. وذهب جماعة إلى أنه خاطب الله تعالى [[وهو الظاهر من الآية.]]. وقوله: ﴿أَنَّى يَكُونُ﴾ إنْ قيل: كيف أنكر زكريَّا الولدَ مع تبشير الملائكة إيَّاه به؟ وما معنى هذه المراجعة؟ ولِمَ عجب [[في (ج): (اعجب).]] من ذلك بعد إخبار الله تعالى بأنه يكون، إذ يقول عز وجل: ﴿أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى﴾؟ فالقول في ذلك: ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي﴾ [[(لي): ساقطة من (ج)، (د).]] أن معنى قوله ﴿أَنَّى يَكُونُ﴾ على أيِّ حالٍ يكون ذلك؛ أيَرُدُّني إلى حال الشباب، وامرأتي؟ أم من حال الكِبَرِ؟. فقال ما قال من هذا مستثْبِتاً، ومستعْلِماً، لا متعجباً، ولا منكِراً [[وممن قال بهذا: الحسن، وابن كيسان، وابن الأنباري. انظر: "زاد المسير" 1/ 384. وقيل: بأي منزلة أستَوْجِبُ هذا؟ قاله على سبيل التواضع لله، والشكر له، والاستعظام لقدرته تعالى التي لا يعجزها شيء. انظر: "معاني القرآن" للنحاس 1/ 395، "النكت والعيون" 1/ 391، "غرائب القرآن" 3/ 184، و"أنموذج جليل في أسئلة وأجوبة من غرائب آي التنزيل" للرازي 61.]]. والغُلامُ: الشابُّ من الناس. وأصله من (الغُلْمَةِ). و (الاغتلام)؛ وهو: شِدَّة طَلبِ النِّكاح. ويقال: (غُلامٌ بّيِّن [[في (د): (من).]] الغُلُومِيَّةِ، والغُلُومَةِ، والغُلامِيَّةِ) [[انظر كتاب "خلق الإنسان" 11، "تهذيب اللغة" 3/ 2691 (غلم)، "الصحاح" 5/ 1797 (غلم).]]. قال الفرَّاء [[لم أهتد إلى مصدر قوله، وقد ورد بعضه في "تهذيب اللغة" 3/ 2301 (عبد) ونصُّه: (وقال الفرَّاء: يقال: فلان عبدٌ بيِّن العبودة، والعبودية، والعبدية).]]: والعرب تجعل مصدرَ كلِّ اسمٍ ليس له فعلٌ [[(فعل): ساقط من: (ب).]] معروف على هذا المثال. فتقول: (هذا [عبدٌ] [[ما بين المعقوفين زيادة من: (ج)، (د).]] بَيِّن [[في (أ)، (ب): (من)، والمثبت من: (ج)، (د)، ومن "تهذيب اللغة" 3/ 2301.]] العبودية، والعبدِيَّةِ [[(والعبدية): ساقط من: (ج)، (د).]]، والعبودَةِ). وقوله تعالى: ﴿وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ﴾. (الكِبَرُ)، مصدرُ: (كَبِرَ الرجلُ، يَكْبَرُ): إذا أسَنَّ [[انظر: "تفسير الطبري" 3/ 257، "القاموس المحيط" ص 468 (كبر). والقياس أنَّ (فَعِلَ) من الثلاثي المجرد، يأتي مضارعها على (يَفْعَلُ). انظر: "المزهر" 2/ 37. أما (كَبُرَ، يَكْبُرُ)، فهي إذا ما أردت عِظَمَ الشيءِ والأمرِ، فهي مثل: (عَظُمَ، يعظُمُ). انظر: "تهذيب اللغة" 4/ 3090 - 3091 (كبر).]]. قال أهل المعاني [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 408، "مجاز القرآن" 1/ 92، "تفسير الثعلبي" 3/ 48 ب.]]: معنى ﴿وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ﴾: وقد بَلَغتُ الكِبَرَ؛ وذلك أن كلَّ [[من قوله: (كل ..) إلى (.. وبلغك): نقله بنصه عن "معاني القرآن" للزجاج 1/ 408.]] شيءٍ صادَفْته وبلغته، فقد صادفك وبلغك. وكان نسبةُ الفعلِ إلى الكبر، كنسبته [[في (أ): (كنسبة)، والمثبت من بقية النسخ.]] إلى الرجل؛ يدل على هذا قولُ العرب: (تلقَّيْتُ الحائطَ)، و (تلقَّاني [[في (ج): (فتلقاني).]] الحائطُ). فإن قيل: أيجوز [[في (ج): (تحوز)، وفي: (د) (لا يجوز).]] (بلغني البلدُ) في موضع (بلغْتُ البلدَ)؟ قيل: إنما جاز في الكِبَرِ؛ لأن الكبَر بمنزلة الطالب، فهو يأتيه بحدوثه [[من قوله: (بحدوثه ..) على: (.. أيضًا يأتيه): ساقط من (ج).]] فيه، والإنسان [[في (د): (والإنصاف).]] أيضاً يأتيه بمرور السنين عليه، ولا يجوز مثل ذلك في البلد، وليس الكبَر بمنزلة البلد، إنما هو بمنزلة: القول، والعطاء، والإفضال [[في (د): (والاتصال).]]، والعقاب؛ فكما يجوز: (بلغني عطاؤك)، و (بلَغَتْ زيداً [[في (ج): (زيد).]] جائزتُكَ)، (وبلغ عبدَ اللهِ عقابُكَ)، جاز أن يكون [[(أن يكون): ساقط من (ج).]] البلوغُ منسوباً [[في (أ)، (ب): (منصوبًا)، والمثبت من: (ج)، (د).]] إلى الكِبَر [[انظر: "تأويل مشكل القرآن" 193 - 198، فقد جعل هذا من المقلوب، وهو أن يقدم ما يوضحه التأخير، ويؤخر ما يوضحه التقديم.]]. قال ابن عباس في رواية الضحاك [[الأثر في "تفسير الثعلبي" 3/ 48 ب، "تفسير البغوي" 2/ 35، "زاد المسير" 1/ 385.]]: كان زكريا يوم بُشِّر بالولد ابن عشرين ومائة سنة، وكانت امرأته بنت ثمانٍ وتسعين سنةً. وقوله تعالى: ﴿وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ﴾. العاقِر [[(العاقر): ساقطة من (د).]] من النساء: التي لا تلد. يقال: (عَقُرَت، تعْقُرُ، عُقْراً، وعَقارةً) [[في (ب): (وعقارا).]]. أنشد الفراء: إرْزامَ نابٍ عقُرت أعواماً ... فَعَلِقَتْ بُنَيَّها [[في (د): (فعقرت بنتها).]] تَشْماما [[في (ج): (تسماما). لم أقف على قائله، وقد أورد الثعلبي في "تفسيره" 3/ 48 ب، قائلًا: (وأنشد الفراء) وذكره، وأورده السمين الحلبي في "الدر المصون" وقال: (وأنشد الفراء) وذكره. وروايته في "الدر المصون". أرزامُ باب عقُرت أعواما ... فعلقت بُنَيَّها تسماما ومعنى (الإرزام): الصوت الذي لا يُفْتَح به الفمُ، ومنه: (الرَّزَمة)، وهو: ضرب من حنِين الناقة على ولدها حين تَرأمُهُ، يقولون: (أرْزَمَت الناقةُ إرْزامًا). وقيل: هو دون الحنِين، والحنِينُ أشدُّ من الرَّزَمَةِ. و (النابُ)، و (النَّيُوب): الناقة المسنة، سُمِّيت بذلك حين طال نابها وعظُمَ. انظر: "اللسان" 3/ 1637 (رزم)، 8/ 4591 (نيب). أي: أنَّ هذه الناقة المسنَّة، والتي نُتِجَتْ بعد أن كان عاقرًا لمدة أعوام، فإنها تحن على وليدها، مصدرة صوتًا يدل على رحمتها، وشغفها وتعلقِّها به، ولا تنشب تَشَمُّ هذا الوليد تَشْماما المرة بعد الأخرى.]] ويقال أيضًا: (عَقُرَ الرجلُ، وعَقَرَ، وعَقِرَ) [[(وعقر): ساقط من (د).]]: إذا لم يُحمل له. و (رجلٌ عاقرٌ) [[انظر (عقر)، في "تهذيب اللغة" 3/ 2514، "اللسان" 5/ 3034. والقياس في (فَعُلَ) الثلاثي المجرد، أن يكون مضارعه (يَفْعُل). أما (فَعَلَ) من المجرد الثلاثي الصحيح، الذي عينه أو لامه ليست من حروف الحلق، فمضارعه يأتي على (يَفْعِل) و (يَفْعُل). انظر: "المزهر" 2/ 37 - 38.]]. قال عامرُ بن الطُّفَيْل [[هو: عامر بن الطفيل بن مالك العامري. أحد فرسان العرب المشهورين، وابن عم لَبِيد الشاعر، أدرك النبي ﷺ، ولم يُسْلِم، وهو الذي غدر بالصحابة عند بئر معونة سنة (4هـ)، وحاول قتل النبي فعصمه الله منه، ودعا عليه النبي ﷺ، فأهلكه الله. انظر: "الشعر والشعراء" ص207، "معجم الشعراء" 37، "الأعلام" 3/ 252.]]: لبئس الفتى إنْ كنتُ أعورَ عاقرًا ... جبانًا فما عذري لدى كلِّ مَحْضَرِ [[البيت في: "ديوانه": 64، كما ورد منسوبًا له في "مجاز القرآن" 2/ 92، "تفسير الطبري" 3/ 257، "المذكر والمؤنث" لابن الأنباري: 1/ 203، "تفسير الثعلبي" 3/ 48ب، "المحرر الوجيز" 3/ 107، "تفسير القرطبي" 11/ 79، "الدر المصون" 3/ 162. وورد غير منسوب في "الزاهر" 2/ 582. وروايته في الديوان: (فبئس ..)، وفي "الزاهر" (.. فما أغني لدي كل مشهد)، وفي "المذكر والمؤنث" (.. فما أغني لدي كل محضر). قال الشاعر هذا البيت ضمن أبيات في وقْعَةٍ دارت في موضع يُسمَّى (فَيْفَ الريح)، وقد ذهبت عَيْنُه في هذه المعركة، فاجتمع له العَورُ والعُقْمُ، فيقول هنا: إنه بئس الفتى إن كان يجمع إلى العور والعقم، الجُبنَ، والمهابَةَ من العدو، حيث لا يُعذَر بعدها.]] قال أبو إسحاق [[في "معاني القرآن" له 1/ 408، نقله عنه بنصه.]]: قوله: ﴿وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ﴾، في هذا دليل على أن (عاقرًا) [[في (ب): (عاقر).]] وقع على جهة النَّسَب [[أي مما جاءت النسبة فيه على صيغة (فاعل)، مثل: تامِر، ولا بِن، وحائِك، وكاسٍ؛ بمعنى: صاحب تمْرٍ، وصاحب لبنٍ، وصاحب حياكة، وصاحب كساء. فعاقر، بمعنى: ذات عُقْر.]]؛ لأنَّ (فَعُلَت) أسماء [[في (ج): (اسما)، وفي (د): (اسم).]] الفاعلين فيه على (فَعِيلَة) نحو: (ظَريفة) [[في (أ)، (ب): (طريقة)، والمثبت من: (ج)، (د)، ومن "معاني القرآن" للزجاج؛ لأن (طريقة) من: (طَرَقَ) وليست من. (طَرُقَ)، كما أن (طريقة) تأتي على (مفعولة) بمعنى (مطروقة).]]، و (كَريمة)؛ وإنما (عاقر) على: (ذات عُقْرٍ) [[في (أ): (عُقَر). وفي بقية النسخ، مهملة من الشكل. وما أثبَتُّه هو ما استصوبته. والعُقْر: العُقْم. يقول السمين الحلبي بعد أن نقل كلام الزجاج السابق: (وهذا نصٌّ من أن الفعل == المسند للمرأة، لا يقال فيه إلّا (عقرت) بضمِّ القاف، إذ لو جاز فتحها أو كسرها لجاز منها (فاعِل) من غير تأويل على النسب). "الدر المصون" 3/ 162. ولكن ورد في "اللسان" (وقد عَقُرَت المرأة عَقارةً، وعِقارة، وعَقَرت تَعْقِر عَقْرا، وعُقْرا، وعَقِرت عَقارًا، وهي عاقر) 5/ 3033 (عقر). وعليه فإنه يصح أن يأتي منها صفة مشبهة باسم الفاعل.]]، و (رجالٌ ونساءٌ عُقُرٌ) [[عقر: ساقطة من (ج). و (عُقُر)، و (عُقَّر) و (عواقر)، جمع: عاقر. انظر العين: 1/ 150، "النهاية في "غريب الحديث" 3/ 186، "اللسان" 5/ 3033 (عقر).]] وفي الحديث: (عُجُزٌ عُقُرٌ) [[العُجُز: جمع (عَجوز). ولم أهتد إلى مصدر الحديث بهذا اللفظ في كتب السنة. وقد أورده الخليل في: "كتاب العين" 1/ 150، وقال: وفي الحديث: "عُجْزٌ عُقُرٌ" بتسكين العَيْن في (عجز)، وورد في "النهاية في "غريب الحديث" 3/ 186، بلفظ: "إيَّاكم والعُجُز والعُقُر"، ولم يخرِّجه. وقد وقفت على حديث آخر قريب من معنى هذا الحديث، وهو: عن عياض بن غنم الفهري، عن النبي ﷺ، قال: "يا عياض لا تَزَوَجَّن عجوزًا ولا عاقرا، فإني مكاثر بكم الأمم". أخرجه الحاكم في "المستدرك" 3/ 290 - 291. كتاب معرفة الصحابة، وصححه، وتعقبه الذهبي بأن في سنده معاوية بن يحيى الصدفي، وهو ضعيف، وأخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" 17/ 368 رقم (1008). قال الهيثمي: (وفيه معاوية بن يحيى الصدفي، وهو ضعيف) "مجمع الزوائد" 4/ 258، وأورده ابن حجر في "الإصابة" 3/ 50 وضعَّفه؛ لأن في سنده عمرو بن الوليد الأغضف، وزاد نسبة إخراجه لأبي نعيم، وأورده ابن حجر الهيثمي المكي في كتاب "الإفصاح" عن أحاديث النكاح): 160.]]. ويقال: (أعقَر اللهُ [رحِمَها]) [[ما بين المعقوفين غير مقروء في: (أ)، وفي (ب): (امرأته)، والمثبت من: (ج)، (د)، ومن "اللسان" 5/ 3034 (عقر). والعبارة في (ج): (أعقرها الله رحمها)، وفي (د): (أعقر رحمها).]]، فهي (مُعْقَرَةٌ). و (رملٌ [[في (ج): (ورجل).]] عاقِر): لا يُنبِت شيئاً [[انظر: "اللسان" (عقر) 5/ 3034.]]. وذَكر [[في (ج): (وذكرنا).]] زكريا عليه السلام عُقْرَ زوجته مع كِبَر نفسه؛ لزيادة ترجيحٍ في الاستبعاد، فلمَّا استفهم عن [[في (أ): غير مقروء، وفي (ب): (استبعد من). والمثبت من: (ج)، (د).]] كيفيَّة حال الولادة؛ قيل له: ﴿كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾؛ أي: مثل ذلك من الأمر، وهو: هبة الله الولدَ على الكِبَر، يفعل الله [[(الله): ليس في: (ج).]] الذي يشاؤه، فسبحان من لا يعجزه شيء.

آل عمران 3:41

قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً﴾ قال المفسرون: إنَّ زكريا عليه السلام لمَّا بُشِّر بالولد، سأل الله تعالى علامةً يعرف بها وقت حمل امرأته؛ ليزيد في العبادة؛ شكراً [[في (ب): (ذكرا).]] على هبة الولد [[انظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 49 أ، "تفسير البغوي" 2/ 36، "زاد المسير" 1/ 386.]]، فقال الله تعالى: ﴿آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾. أي [[من قوله: (أي ..) إلى: (أي: وأنت سوي): نقله عن "معاني القرآن" للزجاج 1/ 409.]]: علامة ذلك أن تمسك [[في "معاني القرآن" للزجاج: (يُمْسَك لسانُك)، وهي الأصوب؛ لأن قوله بعدها: (وأنت صحيح سوي) لا تتناسب مع فعل (تمسك)، المبني للمعلوم، كما أن الآثار بعدها تدل على ذلك، وكذلك ما رواه الحاكم عن ابن عباس قال: (يُعتقَلُ لسانُك من غير مرض وأنت سوي) "المستدرك" 2/ 291 كتاب التفسير. وصححه، ووافقه الذهبي. وروى عن نوف البكالي: (فختم على لسانه ثلاثة أيام ولياليهن، وهو صحيح لا يتكلم). المرجع السابق: 2/ 591 كتاب التاريخ، وانظر: "تفسير ابن كثير" 1/ 388.]] لسانك عن الكلام، وأنت صحيح سَوِيٌ، لأنه قال في موضع آخر: ﴿أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾ [مريم: 10]؛ أي: وأنت سَوِي. قال الحسنُ [[لم أقف على مصدر قوله.]]، وقتادة [[قوله في "تفسير عبد الرزاق" 1/ 12، "تفسير الطبري" 3/ 259، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 646، "تفسير البغوي" 2/ 34، وأورده السيوطي في "الدر" 2/ 40، ونسب إخراجه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.]]، والربيع [[قوله، في "تفسير الطبري" 3/ 259، "المحرر الوجيز" 3/ 108.]]: أُمسِك لسانُه ثلاثةَ أيام، فلم يقدر أن يكلم الناس إلاَّ إيماءً، وجعل ذلك علامةَ حملِ امرأتِه. و (الرَّمْزُ): الإيماء بالشَّفَتين، والحاجِبَيْن، والعينين؛ يقال: (رَمَزَ، يَرمُزُ، وَيرْمِزُ)، ومنه قيل للفاجرة: (رامِزَةٌ)، و (رمَّازَةٌ) [[(ورمازة): ساقطة من (د).]]؛ لأنها تَرمُز وتُومِئ [[انظر: "معاني القرآن" للفراء: 1/ 213، "تأويل مشكل القرآن" 489، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 409، "تفسير الطبري" 3/ 260، "تهذيب اللغة" 2/ 1467 (رمز)، "الصحاح" 3/ 880 (رمز).]]، ومنه الحديث: أنه (نهى عن كسب الرَّمَّازة) [[الحديث ورد بلفظ آخر، أخرجه البيهقي في "السنن" 6/ 126. ولفظه عنده: (عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: نهى رسول الله ﷺ عن ثمن الكلب، ومهر الزَّمّارة). وأخرجه البغوي في "شرح السنة" 8/ 22 - 23 رقم (2038)، عن أبي هريرة بنحوه إلا أنه فيه (.. وكسب الزمّارة). وأخرجه أبو عبيد في "غريب الحديث" 1/ 204 بنحوه وذكر محقِّقُ الكتاب في الهامش سندَ الحديث، من نسخة أخرى لكتاب "الغريب". وأورده اليزيدي في "ما اتفق لفظه واختلف معناه": 155، والأزهري في "تهذيب اللغة" 2/ 1468 (زمر)، وابن الأثير في "النهاية في غريب الحديث" 20/ 312. وفي كل المصادر السابقة ورد (الزَّمّارة) بدلا من: الرَّمّازة). وأشار البغوي، وأبو عبيد، وابن الأثير، والأزهري إلى أن الحديث رواه البعض بلفظ: (الرمّازة). وقال أبو عبيد: (قال الحجاج: (الزمّارة): الزانية .. وقال بعضهم: (الرمّازة). وهو عندي خطأ في هذا الموضع. == أما (الرَّمَازة) في حديث آخر؛ وذلك أن معناها مأخوذ من (الرَّمْز)، وهي التي تومئ بشفتيها أو عينيها، فأي كسب لها ههنا ينهى عنه؟ ولا وجه للحديث إلا ما قال الحجاج: (الزمارة). وعقب ابنُ قتيبة على هذا الكلام بقوله: (الصواب (الرَّمازة)؛ لأن من شأن البَغِيَّ أن ترمز بعينها أو حاجبها). "تهذيب اللغة" 13/ 207. وصوب الأزهريُّ قول أبي عبيد، وكذا قال البغوي: (والأصح تقديم الزاي). "شرح السنة": 8/ 23. ومن الناحية اللغوية، فإن (الزمارة) و (الرمازة) كلامها هنا بمعنى الفاجرة، إلا أن (الزَّمّارة) يُحتمل أن تكون كذلك بمعنى المرأة المُغَنِّيَة. انظر: "تهذيب اللغة" 2/ 1467، 1555 (رمز، زمر)، وانظر قول ابن قتيبة في هامش "غريب الحديث" لأبي عبيد 1/ 342 نقله المحقق عن كتابه "إصلاح الغلط" مخطوط: ص 3، فقد أسهب في بيان هذا المعنى. وورد الحديث بلفظ: (الزمارة) في كتاب "أحاديث ذم الغناء في الميزان" لعبد الله الجديع: 50 - 51 وعزا تخريجه للمحاملي في "الأمالي" وابن عدي، وابن طاهر في: كتاب السماع. وأورده في ص: 155 بلفظ: (أخبث الكسب كسب الزمارة)، وعزا إخراجه لابن أبي الدنيا في: "ذم الملاهي". وذكر الجديعُ إسنادَه، وحكم عليه بأنه ضعيف جدًّا.]]. قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا﴾. إن [[في (ج): (أي).]] قيل: إذا مُنع من [[(من): ساقطة من: (ب).]] الكلام، واضطُرَّ إلى الإشارة، كيف يقدر على التسبيح؟ قيل [[في (ج)، (د) (فيقال).]]: إنَّ الله تعالى حبس لسانه عن التَّكلم بأمور [[في (ب): (بكلام).]] الدنيا، وما يدور بين الناس، ولم يُحبس لسانه عن التسبيح. فكانت هذه أبلغ في الأعجوبة من أن يُمنع من [[في (د): (عن).]] كلِّ ما يجري به اللسانُ [[انظر: "تفسير الفخر الرازي" 8/ 44، 21/ 191، "غرائب القرآن" 3/ 185، "أضواء البيان" 1/ 341.]]. وقوله تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ أي: صَلِّ لله تعالى. والصلاة تُسَمَّى تسبيحا [[في (ج)، (د): (سبحة).]]، لأن الصلاة يُوَحَّد فيها الله تعالى، وُينَزَّه، ويُوصف بكلِّ ما يُبَرِّئه من السوء [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 409، فقد نقل عنه المؤلفُ بعض العبارات في تفسيرالتسبيح. قال الراغبُ: (والتسبيح تنزيه الله تعالى. وأصله: المرُّ السريع في عبادة الله تعالى .. وجُعِل التسبيح عامًّا في العبادات، قولًا كان، أو فعلًا، أو نِيَّة). "مفردات ألفاظ القرآن" 392 (سبح). وتفسير التسبيح هنا بالصلاة، قال به مجاهد، ومقاتل. انظر: "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 646، "زاد المسير" 1/ 386.]]. و (العَشيُّ): آخر النهار، جمع (عَشِيَّة) [[قال الخليل: (العَشيُّ: آخر النهار. فإذا قلت: (عَشيَّة) فهي ليوم واحد، تقول: (لقيته عَشِيَّة يوم كذا)، و (عشِيَّة من العشيَّات". كتاب "العين": 2/ 188 (عشى). وفي "القاموس" (والعشيُّ، والعَشيَّة: آخر النهار، والجمع: عَشايا، وعَشِيَّات) ص 1311 (عشا). وعند الراغب: أنَّ العشي من زوال الشمس إلى الصباح. وعند الطبري: أن العشي من زوال الشمس إلى المغيب. وقال السمين الحلبي عن هذا القول: (هو المعروف). وعند الجوهري: أن العشي (من صلاة المغرب إلى العتمة، تقول: أتيته عشيَّ أمس، وعشيَّة أمس). انظر: "تفسير الطبري" 3/ 262، "الصحاح" للجوهري 6/ 2426 (عشا)، "مفردات ألفاظ القرآن" للراغب 567 (عشا)، "الدر المصون" 3/ 167، "تاج العروس" 19/ 677 (عشا).]]. و (الإبكار) مصدر: (أَبْكَرَ: إذا صار في وقت البُكرة [[البكرة: هي أول النهار. انظر: "عمدة الحفاظ" للحلبي 59 (بكر) وقال: (وقد اشتُق منها لفظ الفعل، فقيل: (بكر فلان في حاجته)؛ أي: خرج بُكرَة والبُكور: الخروج بُكرة، والبَكور بالفتح: المبالغ في البكور. ولتَقَدُّمِها على سائر أوقات النهار؛ استعمل منها كلّ متعجل، وإن لم يكن في ذلك الوقت، فقيل: بَكر فلان في حاجته، وابتكر، وباكر مُباكرةً).]]، أو سار [[في (ب): (صار).]] فيه، ومثله: (بَكَر)،و (ابتَكَر) [[في (د): (فابتكر).]] ، و (بَكَّر)، قال عمر بن [[في (د): (عمرو ابن).]] أبي ربيعة: أمِنْ آل نُعْمٍ أنت غادٍ [[في (أ)، (ب): (حا)، في (د): (عاد). والمثبت من: (ج) لموافقته للديوان، وبقية المصادر.]] فَمُبْكِرُ [[في (ج): (فمنكر)، وفي (د): (فمسكر). البيت في: "ديوانه" 92. وورد في "تفسير الطبري" 3/ 262، "المحرر الوجيز" 3/ 111. وتمامه: غَداةَ غدٍ أمْ رائحٌ فَمُهَجِّرُ و (نُعْم): امرأة من قريش من بني جمَح. و (غادٍ)؛ أي: سائر في وقت الغَداة، وهو ما بين صلاة الفجر وطلوع الشمس، وأراد أول النهار. و (مُبْكِر)، من (التبكير)، وهو: الخروج بُكرةً، وهو: أول النهار. و (مُهَجِّرُ)، من التهجيِر؛ أي: السير في وقت الهاجرة، وهو: نصف النهار، عند زوال الشمس، حال اشتداد الحرِّ. انظر: "القاموس" ص 352 (بكر)، ص 1317 (غدو)، ص 495 (هجر).]] وقال أيضًا: أيُّها الرائِحُ المُجِدُّ ابتكارا [[من الشعر المنسوب لعمر بن أبي ربيعة. انظر: "ديوانه" 493 وتمامه: قَدْ قَضى مِن تِهامة الأوطارا]] وقال زُهير: بَكَرَنَ بُكوراً واسْتحَرْنَ بِسُحْرةٍ [[في (أ): حرة (بدلا من بسحرة)، والمثبت من بقية النسخ، ومن "ديوانه": ص 10، وقد سبق ورود البيت عند قوله تعالى: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ [آل عمران: 17].]] و (باكرت الشيء): إذا بكَّرت له، قال لَبيد: [باكرْتُ حاجَتَها الدجاجَ بسُحرةٍ [[(باكرت حاجتها الدجاج بسحرة): ساقط من (د). وهذا شطر بيت، وتمامه: لأُعِلَّ منها حين هبَّ نيامُها وهو في: "ديوانه": 315. وقد ورد البيت منسوبا له، في "شرح القصائد السبع" لابن الأنباري 577، "تهذيب اللغة" 1/ 376 (بكر)، "شرح القصائد العشر" للتبريزي 163، "شرح المعلقات السبع" للزوزني: 244، "اللسان" 3/ 1328 (دجج)، 1/ 332 (بكر)، 3/ 1879 (زهف). وروايته في "الديوان": (بادرت حاجتها)، ويروى: (بادرت لذتها)، و (أن يهب نيامها). قال الأزهري في معناه: (أي: بادرت صقيع الديك سحرًا إلى حاجتي)، أي: حاجتي في الخمر، وأضاف الحاجة إلى الخمر اتِّساعًا؛ أي: بادرت بشربها صياح الدَّيَكة. و (لأعِلَّ منها)؛ أي: أشرب مرَّة بعد مرَّة، من (العَلَل)، وهو: الشرب مرَّة ثانية. و (حين هبَّ نيامها)؛ أي: وقت استيقاظ النيام بالسَّحَرِ، يعني: أنه ذهب بليل.]] هذا معنى (الإبكار)، ثمَّ يُسَمَّى ما بين طُلوعِ] [[ما بين المعقوفين زيادة من: (ج)، (د).]] الفجر إلى الضحى: إبكاراً، كما يُسَمَّى: إصباحاً [[انظر المعاني السابقة، في "تفسير الطبري" 3/ 262، "اللسان" 1/ 332.]].

آل عمران 3:42

قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ﴾. هذا عطف على قوله: ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ﴾ [[فيكون العامل في ﴿إِذْ﴾، هو: ﴿سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ من آية 34، وإليه ذهب الطبري في "تفسيره" 3/ 263. == وقيل العامل فيها: فعلٌ مُضْمَرٌ تقديره: (واذكر) ورجَّح هذا ابن عطية. انظر: "المحرر الوجيز" 3/ 112، "التبيان" للعكبري ص 188.]]، وذكرنا العامل في ﴿إذْ﴾ هناك. وأراد بـ ﴿الْمَلَائِكَةِ﴾: جبريل وحده كما ذكرنا [[(ذكرنا): ساقط من (د)، وانظر تفسير قوله تعالى: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ﴾ من آية 39 من سورة آل عمران.]]. وهذا كقوله: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ﴾ [النحل: 2]، يعني: جبريل وحده [[وهذا قول ابن عباس -رضي الله عنه-، كما في "المحرر الوجيز" 8/ 367، "غرائب القرآن" 3/ 190، "تفسير أبي السعود" 5/ 95.]]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ﴾. أي: بما لطف لكِ [حتى] [[ما بين المعقوفين زيادة من: (ج)، (د).]] انقطعتِ إلى طاعته، وصرت متوفرة [[في (ب): (متفرغة).]] على اتباع مرضاته. ﴿وَطَهَّرَكِ﴾. قال ابن عباس [[لم أهتد إلى مصدر قوله، وهو مذكور في "زاد المسير" 1/ 387.]]: أي: من ملامسة الرجال. وقيل: من الحيض، والنفاس، كانت مريم لا تحيض [[هذا قول السدي، وعكرمة، وهو في "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 647، "تفسير الثعلبي" 3/ 49ب. وفي "زاد المسير" 1/ 387 أنه قولٌ لابن عباس. وقال مجاهد: (جعلك طيبة إيمانًا)؛ أي: طهَّرَ دينك من الرّيَب والدَّنَسِ. انظر: "تفسير مجاهد" 1/ 127، "تفسير الطبري" 3/ 264، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 647، وأورده السيوطي في "الدر" 2/ 42 وعزا إخراجه كذلك لعبد بن حميد، وابن المنذر. قال الآلوسي: (والأوْلى: الحمْلُ على العموم؛ أي: طهَّرك من الأقذار الحسِّيَّة والمعنوية والقَلْبِيَّة والقالبية). "روح المعاني" 3/ 155.]]. ﴿وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾. قال الأكثرون [[ممن قال بذلك ابن عباس، والحسن، وابن جريج، والسدِّي، واختاره ابن جرير في "تفسيره" 3/ 262، وانظر: "تفسيره" كذلك 3/ 263، "زاد المسير" 1/ 387،== وقال: (قال ابن الأنباري: وهذا قول الأكثرين)، وقال الشوكاني عن هذا القول: (وهذا هو الحق). "فتح القدير" 1/ 510.]]: معناه: على عالَمي زمانها؛ بأن فضلت عليهن [[في (ج): (عليهم).]]. قال أبو إسحاق [[في "معاني القرآن" له 1/ 410.]]: وجائز أن يكون على نساء العالمين كلِّهم؛ لأنه ليس في النساء امرأة وَلَدت من غير أبٍ [[في (د) شطب على كلمة (أب) وكتب عليها: (زوج). وُيراد هنا: أنها ولدت عيسى من غير أبٍ.]] غير مريم؛ ولأنها [[في (ج): (لأنها).]] قُبِلت في التحرير للمسجد [[في (ج)، (د): (في التحرير للمسجد).]]، ولم يكن التحرير في الإناث، فهي مختارة على النسوان كلِّهنَّ، بما لها من الخصائص [[وقد رجَّح هذا الفخر الرازي في "تفسيره" 8/ 48، والقرطبي في "تفسيره" 4/ 82.]]. وكرَّر الاصطفاء [[في (د): (وذكر الاصطفاء عموم).]]، لأن كلا [[في (أ)، (ب)، (د): (كلي)، والمثبت من: (ج) ومن "الدر المصون" 3/ 170 حيث نقل عبارة الواحدي.]] الاصطفائين مختلفٌ [[في (ج)، (د): (يختلف).]] معناهما: فالاصطفاء الأول: عمومٌ يدخل فيه صوالحُ النساء، والثاني: اصطفاء بما اختُصَّت به من خصائصها.

آل عمران 3:43

قوله تعالى: ﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ﴾. ذكرنا معنى القنوت فيما تقدم [[انظر تفسير آية:116، 238 من سورة البقرة، و 17 من سورة آل عمران.]]. قال مجاهد: معناه: أطيلي القيام في الصلاة [[قوله، في "تفسير الطبري" 3/ 265، ولكن لفظه: (قال: أطيلي الرُّكود؛ يعني:== القنوت). وأورد الأثر عنه السيوطي في "الدر" 2/ 195 ونسب إخراجه كذلك إلى عبد بن حميد. ومعنى الرُّكود: السكون والثبات. انظر: "القاموس المحيط" 283 (ركد). وعند الطبري، عن الربيع: (قال القنوت: الركود. يقول: قومي لربك في الصلاة، يقول: اركدي لربك؛ أي انتصبي له في الصلاة) "تفسير الطبري" 3/ 265، وكذا رواه الربيع عن أبي العالية كما في "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 648. وقال ابن عطية: (معناه: أطيلي القيام في الصلاة وهذا هو قول الجمهور .. وبه قال مجاهد وابن جريج والربيع). "المحرر الوجيز" 3/ 115.]]. وقال ابن عباس: يريد: قومي للصلاة بين يدي ربِّكِ [[الذي وقفت عليه عن ابن عباس، قوله في الآية: (يعني: صلِّي لربِك) من رواية إسحاق بن بشر، وابن عساكر، أوردها السيوطي في "الدر" 2/ 43. وقد ورد عن سعيد بن جبير في معنى ﴿اقْنُتِي﴾: قوله: (أخلصي لربك). وعن قتادة، والسدِّي، وابن زيد: (أطيعي ربَّكِ)، وعن الحسن: (اعبدي ربكِ). انظر: "تفسير الطبري" 3/ 265، "زاد المسير" 1/ 387. وقد جمع بينهما الطبري، فقال: (فتأويل الآية، إذًا: يا مريم أخلصي عبادةَ ربِّكِ لوجهه خالصًا، واخشعي لطاعته وعبادته مع من خشع له مِن خلقه؛ شكرًا له على ما أَكرَمَكِ به من الاصطفاء والتطهير من الأدناس، والتفضيل على نساء عالَم دهرِكِ) تفسيره: 3/ 266. وانظر ما سبق من تعليق على قوله تعالى: ﴿وَالْقَانِتِينَ﴾ في آية 17.]]. وقوله تعالى: ﴿وَاسْجُدِي وَارْكَعِي﴾. يقال: لم قدَّم الأمرَ بالسجود على الركوع، وهو قبل السجود؟ قيل: (الواو) عند النحويين للجمع لا للترتيب [[هذا هو مذهب جمهور النحويين وأئمة الأصول والفقه. وذهب آخرون إلى إفادتها للترتيب، ومن هؤلاء: قطرب (ت: 209 هـ)، وهشام بن معاوية الضرير (ت: 209 هـ)، وأبو جعفر الدينوري (ت: 289 هـ)، والرَّبعي (ت: 420 هـ)، وقد عزاه بعض المؤلفين إلى الإمام الشافعي. إلا أن صلاح الدين العلائي قال: (والحق أن ذلك ليس قولًا له، بل هو وجه في المذهب، قال به جماعة من الأصحاب). "الفصول المفيدة في الواو المزيدة" للعلائي 69. انظر بيان هذا الأمر في == "المقتضب" للمبرد 1/ 10، "الكامل" له 2/ 18، 3/ 185، "الأصول في النحو" لابن السراج: 2/ 55، وكتاب "المعاني الحروف" للرماني 6059، "البسيط في شرح جمل الزجاجي" 334 - 335، "رصف المباني" 474 - 475، "ارتشاف الضرب" لأبي حيان: 2/ 633، "الجنى الداني" للمرادي: 160158، "مغني اللبيب" 463 - 464، "البرهان" للزركشي 4/ 436، "همع الهوامع" 2/ 129.]]، وليس فيه دليل على المبدوء به. قال أبو الفتح الموصلي [[في "سر صناعة الإعراب" 632، نقله عنه باختصار وتصرف. وأبو الفتح الموصلي، هو: عثمان بن جِنِّي. من أئمة النحو والأدب والتصريف، تتلمذ على أبي علي الفارسي وصحبه أربعين سنة، استوطن بغداد، ودرّس بها إلى أن مات، من كتبه "الخصائص"، "المنصف" وغيرها. توفي ببغداد سنة (392 هـ). انظر: "نزهة الألباء" 244، "إنباه الرواة" 2/ 335 ، "معجم الأدباء" 3/ 461.]]: واوُ العطفِ [[في (ج): (الفتح).]]، ليس فيها دليل على المبدوء به في المعنى؛ لأنها ليست مُرَتِّبةً، يدلُّ على ذلك قولُ لَبيد: أُغْلي السِّباءَ [[في (أ)، (ب): (أعلى السب). (ج): (أعلى النسا). والمثبت من: (د)، ومن "سر صناعة الإعراب" والديوان.]] بكلِّ أدكنَ عاتقٍ [[في (ج): (عايق).]] ... أو جَوْنَةٍ قُدِحتْ وفُضَّ خِتامُها [[البيت في: "ديوان لبيد" 314. وقد ورد في "سر صناعة الإعراب" 632، "شرح القصائد العشر" للتبريزي 162، "شرح المفصل" 8/ 92، "شرح المعلقات السبع" للزوزني ص109، "رصف المباني" 474، " الفصول المفيدة" للعلائي 77، "اللسان" 6/ 35452 (قدح)، 5/ 2800 (عتق)، 3/ 1406 (دكن). ومعنى قوله: (السِّباء): شراء الخمر، من: (سَبَأ الخمرَ): إذا اشتراها للشرب. ومعنى قوله: (أغْلِي)؛ أي: أشتريها غالية. == وقوله: (أدْكَنَ عاتِقٍ): العاتق: زِقُّ الخمر الواسع. والأدْكَن: الأغبر اللون بين الحمْرَةِ والسَّوادِ، أو أراد: بكلِّ أدكنَ عاتقٍ خمرُهُ التي فيه. و (الجَوْنَة): الزِّقُّ الأسود المَطْلِيُّ بالقار. وقوله: (قُدِحت): (غُرِفَت). وقوله: (فُضَّ ختامُها)؛ أي: كُسِرَ خاتَمُها، وهو الطينُ الذي خُتِمَ به فوهُها. والشاهد فيه قوله: (قُدِحت وفُضَّ ختامُها)، على أنَّ واو العطف هنا لا تعني ترتيب الفضّ بعد القدح وهو الغرف، حيث إنها تُفَضُّ أولًا ثمَّ تُغرَف.]]. وإنما يُفتح ويفض: الختم قبل الغَرْف [[في (ج): (الغرق).]]، فقد علمت أن (قُدِحت) مُقَدَّم في اللفظ، مُؤَخَّرٌ في المعنى، كذلك ههنا بدأ بالسجود لفظاً، وهو مؤَخَّرٌ معنى، والكلام في هذه المسألة يُذكر [[في (ب): (نذكر). وفي (ج): (نذكره).]] عند قوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا﴾ [المائدة: 6] الآية. قال [[في (ج)، (د): (وقال).]] ابن الأنباري [[لم أهتد إلى مصدر قوله. وقد أورده ابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 388.]]: أمَرها أمراً عاماً، وحضَّها على أفعال الخير، فكأنه قال: استعملي السجود في حال، واستعملي الركوع في حال، ولم يذهب إلى أنهما يجتمعان، ثمَّ يُقدَّم السجودُ على الركوع؛ بل أراد العموم بالأمر على اختلاف الحالين [[وقال أبو سليمان الدمشقي: إنه كذلك كان في شريعتهم، يُقدَّمُ السجود على الركوع. ويرى الفخر الرازي أنه قُدِّم لرتبته وفضيلته؛ حيث إنَّ غاية قرب العبد من الله أن يكون ساجدًّا. انظر: "زاد المسير" 1/ 388، "تفسير الفخر الرازي" 4/ 48.]]. وقوله تعالى: ﴿مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾. ولم يقل مع الراكعات؛ لأن الراكعين أعمُّ؛ لوقوعه على الرجال والنساء إذا اجتمعوا، والراكعات يختصُّ بالنساء، فكان [[في (ج): (وكان).]] الأعم أولى. ومعنى قوله: ﴿مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ أي: افعلي كفعلهم. وقيل: المراد به: الصلاة في الجماعة [[وهو قول ابن عباس ومقاتل. ولفظ ابن عباس: (مع المصلِّين، مع قرَّاء بيت المقدس). أورده السيوطي في "الدر" 2/ 43 - 44 ونسب إخراجه لإسحاق بن بشر وابن عساكر. ولفظ مقاتل: (يعني مع المصلين في بيت المقدس). "تفسير مقاتل" 1/ 276.]]. قال المفسرون [[هو قول ابن إسحاق، والأوزاعي. انظر: "تفسير الطبري" 3/ 265، "تفسير الثعلبي" 3/ 49 ب، "تفسير القرطبي" 4/ 84.]]: كلَّمت الملائكةُ بهذا مريَم شفاها، فقامت مريمُ في الصلاة حتى ورمت قدماها، وسالتا دماً، وقيحاً.

آل عمران 3:44

قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ﴾. أشار إلى ما قصَّ من حديث زكريا، ومريم، ويحيى. وقوله تعالى: ﴿نُوحِيهِ إِلَيْكَ﴾ [أي] [[ما بين المعقوفين زيادة من: (ج)، (د).]]: نلقيه إليكَ [[(إليك): ساقطة من (د).]]. و (الإيحاء) في اللغة: إلقاء معنى الكلام إلى من تريد إعلامه؛ إما بإرسال رسول، أو بإلهام، أو بكتابة، أو بإشارة [[انظر: "مقاييس اللغة": 6/ 93 (وحى)، "اللسان" 8/ 4787 (وحى).]]. فمن الإرسال: قوله عز وجل: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ﴾ [[في (ج) ورد بدلًا من هذه الآية، قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾.]] [النساء: 163]. ومن الإلهام: قوله: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ [النحل: 68]، وقوله: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ [القصص: 7]، ومن الإشارة: قوله: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا﴾ [مريم: 11]، أي: أشار إليهم، وقوله: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ﴾ [الأنعام: 121]، أي: يُلْقون إليهم بالوَسْوَسَة [[جعل ابن قتيبة والثعلبي، وابن الجوزي (الإعلام بالوسوسة من الشيطان) وجهًا مستقلًّا من وجوه الوحي، وأوردوا هذه الآية دليلًا عليه، ويشهد لقولهم: أن الوحي لغة هو: إعلام في خفاء، كما أن إيحاء الجن والشياطين يكون عن طريق الوسوسة، كما قال تعالى: ﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ﴾ [الناس: 5]. أما مقاتل، وهارون بن موسى، وابن العماد فجعلوا هذه الآية شاهدا على أنَّ الوحي هنا يعني: الأمر. انظر: "تأويل مشكل القرآن" 489 - 490، "الوجوه والنظائر" لهارون بن موسى: 166. "الزاهر" 2/ 353، "تهذيب اللغة" 4/ 3852 (وحى)، "الأشباه والنظائر" للثعلبي: 267، "ونزهة الأعين النواظر" لابن الجوزي: 622، "والوجوه والنظائر في القرآن" د. القرعاوي: 649 - 651.]]. وقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ﴾. الأقلام: جمع (القَلَم)، و (القَلَم) [[(والقلم): ساقطة من (ب).]] أصله من: (القَلْمِ)، وهو: قطع للطَّرَفِ [[في (ب): (الظفر).]]، يقال منه: (قَلَمْتُ الظُفُرَ) [[ويقال كذلك: قَلَّمْتُ الظُفُر. انظر: "القاموس" 1151 (قلم).]]. والقَلَمُ: الذي يُكْتب به؛ بمعنى: مَقْلُوم؛ لأنه يُبْرى طرفُهُ. والقَلَمُ: القِدْحُ [[القِدْح بالكسر: السهم قبل أن يُراش ويُنصل، والجمع: قِدَاح، وأقْدَاح، وأقْدُح، وأقاديح، وهي جمع الجمع. انظر: "تاج العروس" 4/ 164 (قدح).]]، لانه يُسَوَّى بأن يُقْطع طرفاه [[انظر (قلم) في "تهذيب اللغة" 3/ 3037، "مقاييس اللغة" 5/ 15.]]. قال ابن عباس في رواية عطاء [[لم أقف على مصدر هذه الرواية عنه.]]: هؤلاء كانوا جماعة من الأنبياء، اختلفوا واختصموا في مريم، كل واحد يقول: أنا أَوْلى بها، فقال زكريا: هي بنت عمِّي، وخالتها عندي. قالوا: فتعالوا حتى نَسْتَهِم [[في (أ)، (ب): (فتغالوا حتى نسيتهم)، والمثبت من: (ج)، (د).]]. فجمعوا سهامهم، ثم أَتَوا بها إلى العَيْنِ، وقالوا: اللَّهمَّ، مَنْ كان أَوْلى بها فَلْتقُم سَهْمُهُ، ويغرق [[في (ج): (وتغرق).]] البقيَّة. وأَلْقَوا سهامَهم، فارتَزَّ [[في (ب): (فارتد). وفي (ج): (فأدبر). وفي (د) مكانها بياض.]] قلَمُ زكريا، وانحدرت [[في (ب): (واتحدرت).]] أقلامُ الآخرين [[في (ب): (الباقين).]]، فقرعهم زكريا [[وقد وردت رواية قريبة من هذه الرواية عن ابن عباس، من طريق أبي مالك، وأبي صالح عنه، أخرجها البيهقي، وفيها: أنَّ هؤلاء المستهمين كانوا ممن يكتبون التوراة، ولم يرد فيها أنهم كانوا جماعة من الأنبياء. وورد فيها أنهم ألقوا أقلامهم التي يكتبون فيها في نهر الأردن، فجَرَت أقلامهم، وقام قلم زكريا كأنه مرتزُّ في طين. انظر: "سنن البيهقي": 10/ 286 - 287. كما ورد عن ابن عباس من طريق عطية العوفي، أنه: (اقترع عليها أهل المُصلَّى، وهم يكتبون الوحي، فاقترعوا بأقلامهم أيُّهم يكفلها). انظر: "تفسير الطبري" 3/ 268، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 649.]]. وقال الزجَّاج [[في "معاني القرآن" 1/ 410، نقله بنصه.]]: هي قِداحٌ جعلوا عليها علامات، يعرفون بها مَنْ يَكْفل مريمَ على جهة القرعة. وقوله تعالى: ﴿أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾. مختصر [[في (د): (مختص).]]؛ أي: لينظروا أيُّهم تجب له كفالة مريم [[نقله بنصه عن "معاني القرآن" للزجاج: 1/ 411. وانظر: "تفسير الطبري" 3/ 269، "معاني القرآن" للنحاس 1/ 400.]].

آل عمران 3:45

قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ﴾ قال ابن عباس: يريد: جبريل [[لم أقف على مصدر قوله، وقد ورد في "زاد المسير" 4/ 428، "غرائب القرآن" 3/ 190، 4/ 44، وانظر: "المحرر الوجيز" 8/ 367.]]. ﴿يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾. يعني: عيسى، لأنه في ابتداء أمره كان كلِمَةً من الله ألقاها إلى مريم، ثمَّ كوَّن تلك الكلمة بَشَراً. قال الحسنُ [[لم أقف على مصدر قوله.]]، وقتادةُ [[قوله في "تفسير الطبري" 3/ 269 - 270، وأورده ابن الجوزي في "الزاد" 1/ 389.]]: لأنه كان بكلمة الله [تعالى] [[ما بين المعقوفين زيادة من: (ب).]]، وهو: ﴿كُنْ﴾، ومعنى هذا: أنه أوجده بالكلمة، وكونه بها، وهي قوله: ﴿كُنْ﴾ من غير توليد من فَحْلٍ، أو تنسيل من ذَكَرٍ، وهو معنى قوله: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ﴾ [آل عمران: 59]، ولم يُردْ -والله أعلم- أنَّ عيسى هو الكلمة نفسها، ألا تراه يقول: ﴿اسمُهُ المَسِيحُ﴾، ولو أراد الكلمة لقال [[في (أ)، (ب): (يقال). والمثبت من: (ج)، (د).]]: (اسمها المسيح) [[وهذا ما رجحه في "تفسيره" 3/ 270، ثم قال بعده: (ومعنى ذلك: أنَّ الله يبشِّركِ ببشْرى، ثم بيَّن عن البشرى أنها ولد اسمه المسيح).]]. وقيل: إنما سمَّاه كلمةً؛ لأن الله تعالى بشَّر به في الكتب السالفة، فلمَّا أوجده سمَّاه كلمة، كما يقول الذي يُخْبِرُنا بأمر كائن -إذا وُجِدَ ذلك الأمر-: (قد جاء قولي [[في (أ)، (ب): (في قولي). والمثبت من: (ج)، (د). وهو الصواب؛ لأن المؤلف يريد أنَّ الأمر الكائن المتحقق هو نفس الكلام والقول الذي قاله.]] وكلامي)، وقيل: لأن الله عز وجل يهدي به كما يهدي [[كما يهدي: ساقط من (د).]] بكلمته. وقيل: لأنه كان (يُكلِّم) [[في (ج): (تكلم).]] عن الله تعالى فيُبشِّر، ويُنْذر [[لم أهتد إلى أصحاب الأقوال السابقة المصدر بقوله: (قيل)، ولا إلى مصادرها.]]. وقوله تعالى: ﴿اسْمُهُ الْمَسِيحُ﴾. ذَكَر [[(ذكر): ساقطة من (د).]] الكنايةَ [[الكناية: الضمير.]]؛ لأنه عنى بـ (الكلمة): عيسى، أو الولد، فرجعت الكناية إلى معنى الكلمة، لا إلى اللفظ. فإن قيل: كيف أخبر أن اسمه المسيح، وقدمه على اسمه المعروف، وهو: عيسى، وإنما لُقِّب بـ (المسيح) بعد نفاذ التسمية له بـ (عيسى)؟ قيل: إنَّ الأسماء ألقاب عُلِّقت على المُسمَّيات؛ للفصل بين الأعيان فإذا عُلِّق الاسم على المولود في وقت ولادته، ثمَّ شُهر بعد عُلُوِّ سنِّه [[في (أ)، (ب): (سته). والمثبت من: (ج)، (د).]] بلقب، كان اللقبُ أغلبَ عليه من الاسم، لأن من يعرفه به أكثر ممن يعرفه باسمه الحقيقي، فلهذه العلَّة قُدِّم المسيح على عيسى، ألا ترى أنَّ ألقاب الخلفاء أشهر وألزم لهم من أسمائهم [[نقل هذا القول ابن الجوزي في "الزاد" 1/ 389، ونسبه لابن الأنباري.]]. فأما معنى المسيح؛ فقال أبو عبيد [[قوله في "الزاهر" 1/ 493، "تهذيب اللغة" 4/ 3389 (مسح).]] والليث [[قوله في "تهذيب اللغة" 4/ 3388 (مسح).]]: المسيح أصله بالعبرانية: [(مشيحا). فعرَّبته العربُ وغيرت لفظه، وكما قالوا [[في (د): (قال). والمثبت من (ج).]]: موسى، وأصله: (موشى)، أو (ميشى) بالعبرانية] [[ما بين المعقوفين زيادة من: (ج)، (د).]]، فلمَّا أعربوه [[في (ج)، (د): (عرُّبوه). ويجوز لغة: عربوه، وأعربوه. انظر: "اللسان" 5/ 2865 (عرب).]] غيَّروه [[في (د): (وغيَّروه).]]، فعلى هذا لا اشتقاق [[في (ج): (الاشتقاق).]] له، وأكثر العلماء على أنه مشتق. قال ابن عباس في رواية عطاء والضحاك [[ورد قوله هذا في "الزاهر" 1/ 394، "تهذيب اللغة" 4/ 3388 (مسح)، "تفسير البغوي" 2/ 38، "زاد المسير" 1/ 389، قال: (رواه الضحاك عن ابن عباس).]]: وإنما [[في (د): (إنما).]] سُمِّيَ عيسى عليه السلام مسيحاً؛ لأنه كان لا يمسح بيده ذا عاهة إلا برئ [[في (ج): (برأ).]]. وقال أحمد بن يحيى [[هو ثعلب، وقوله في "الزاهر" 1/ 493، "تهذيب اللغة" 4/ 3388، "زاد المسير" 1/ 389.]]: سمي مسيحاً؛ لأنه كان يمسح الأرض؛ أي: يقطعها. فعلى قول هؤلاء، هو: (فعيل) بمعنى: (فاعل)، وقيل: إنه [[(إنه): ساقطة من (د).]] (فعيل) بمعنى: (مفعول) [[في (أ) وردت عبارة مكرَّرة هي: (وقيل: إنه فعيل بمعنى فاعل).]]، على أنه مُسِح من الأوزار، وطُهِّر [[ممن قال بذلك الطبري في "تفسيره" 3/ 270 ونص قوله: (إنما هو ممسوح؛ يعني: مسحه الله فطهَّره من الذنوب؛ ولذلك قال إبراهيم: المسيح: الصدِّيق) فجعل الطبري من لوازم معنى الصدِّيق. ويعني بـ (إبراهيم)، هو: النخعي كما سيأتي معنا.]]. وقيل: لأنه خرج من بطن أمِّه ممسوحاً بالدهن [[قال ابن الجوزي عن هذا القول: (قاله أبو سليمان الدمشقي، وحكاه ابن القاسم). "زاد المسير" 1/ 389.]]. وقال الحسن [[لم أقف على مصدر قوله، وهو مذكور في "النكت والعيون" 1/ 394، "زاد المسير" 1/ 389.]]، وسعيد [["تفسير الطبري" 3/ 270، وذكره ابن الجوزي في "الزاد" 1/ 389.]]: لأنه مُسح بالبركة. وبهذا [[في (ب): (بهذا).]] قال مِنْ [[(من): ساقطة من (د).]] أهل اللغة: شَمِر [["تهذيب اللغة" 4/ 3389.]]. وقال ابن الأعرابي [[في (د): الأعرابي. قوله، في "تهذيب اللغة" 4/ 33889 (مسح).]]، وأبو الهيثم [[في (ج): أبو الهيثم، بدون واو العطف. وقوله في: المصدر السابق. وأبو الهيثم، هو خالد بن يزيد الرازي.]]: المسيح بن مريم: الصدِّيق. قال أبو الهيثم [[قوله في "التهذيب" 4/ 348.]]: وضدُّ الصديق: المسيحُ الدجال؛ أي: الضلِّيل، الكذاب؛ خلق الله المسيحين، أحدهما ضد الآخر، فكان [[في (ج): (وكان).]] المسيح بن مريم يُبْرِئ الأَكْمَهَ، والأبْرَصَ [[الأكْمَه: هو الذي يولد أعمى. وقد يقال لمن لم تذهب عينه. انظر: "معجم المفردات" للراغب: 459 (كمه).= والبَرَصُ: مرض جلدي معروف، يصيب الجلد ببياض. انظر: "القاموس" 613 (برص).]]، ويحيى الموتى بإذن الله، وكذلك الدجال، يحيي الميتَ، ويميت الحيَّ، وينشئ السحائب [[في (د)، "تهذيب اللغة" السحاب.]] [وينبت] [[ما بين المعقوفين مطموس في: (أ) ومثبت من بقية النسخ، ومن "تهذيب اللغة".]] النبات، فهم المسيحان [[في (ج)، (د)، "التهذيب": فهما مسيحان.]]: مسيح الهدى، ومسيح الضلالة. قال [المنذري] [[ما بين المعقوفين غير مقروء في: (أ). ومثبت من بقية النسخ، ومن "تهذيب اللغة". وقول المنذري في "التهذيب" 4/ 3389. وقد تقدمت ترجمته.]]: فقلت [[في (ب): (قلت).]] له: بلغني أن عيسى [عليه السلام] [[ما بين المعقوفين زيادة من (د).]]، إنما سُمِّي مسيحاً، لأنه [مُسح بالبركة، وسُمِّيَ الدجال مسيحا؛ لأنه] [[ما بين المعقوفين زيادة من: (ج)، (د)، ومن "التهذيب". وقول المنذري في "التهذيب" 4/ 348.]] ممسوح العين. فأنكره، وقال: إنما المسيح ضدَّ المسيح، يقال: مَسَحَه الله؛ أي: خلقه حَسناً مباركاً، ومَسَحَه [[في (ب): (ومسخه).]]، أي: خلقه قبيحاً ملعوناً. وكان إبراهيم النخعي يذهب أيضاً [[(أيضًا): ساقطة من (ج).]] إلى أن المسيح، معناه: الصِّدِّيق [["تفسير الطبري" 3/ 270، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 651، "الزاهر" 1/ 493، "التهذيب" 4/ 3389 (مسح)، "الدر المنثور" 2/ 45، وعزاه كذلك لابن المنذر.]]. قال ابن الأنباري [[قوله، في "تهذيب اللغة" 4/ 3389 (مسح).]]: وهذا القول لا يعرف [[في (ج): (لا يعرفه).]] اللغويون مذهبه؛ إذ [[في (أ)، (ب): (إذا). والمثبت من: (ج)، (د).]] كانت لا تصف كلَّ صِدِّيق بـ (المسيح)، ولعل كان هذا مستعملاً [[في (ج): "التهذيب" ولعل هذا كان مستعملًا، (د) ولعل هذا مستعملًا.]] في بعض الأوقات في وصف الصدِّيقين، فدَرَسَ مع ما دَرَسَ من الكلام؛ لأن الكسائي قال [[قوله، في "تهذيب اللغة" 4/ 3389 (مسح)، وقوله من تتمة كلام ابن الأنباري.]]: قد درس من كلام العرب شيء كثير. ثمَّ فسَّر المسيح وبيَّنه من هو، فقال: ﴿عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾. معنى (الوجيه): ذو الجاه والشرف والقدْر، يقال: (وجُهَ الرجلُ، يَوْجُهُ، وَجاهةً)، فـ (هو وَجِيْهٌ): إذا صارت له منزلة رفيعة عند السلطان والناس [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج: 1/ 412، "اللسان" 8/ 3776 (وجه).]]. وقال بعض أهل اللغة [[لم أقف على هذا القائل.]]: الوجيه: الكريم، عند من لا يسأله؛ لأنه لا يردُّه لكرم [[في (أ)، (ب): (الكرم). والمثبت من: (ج)، (د)، ومن "البحر المحيط" 2/ 461، وهو أنسب لسياق الكلام.]] وجهه عنده [[في (ج): عند. قال الفخر الرازي: (الوجيه، هو: الكريم؛ لأن أشرف أعضاء الإنسان وجهه، فجعل الوجه استعارة عن الكرم والكمال). تفسيره: 8/ 55. وقال الطبري عن قوله تعالى عن موسى عليه السلام: ﴿وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ [الأحزاب: 69]: (الوجيه في كلام العرب: المُحَبُّ المقبول). تفسيره 22/ 51.]]، خلاف من يبذل وجهه للمسألة [[في (ج): (للمسلمة).]]، فيرده [[في (ج)، (د): (فيرد). ولم أقف على هذا الذي ذكره المؤلف في معنى (الوجيه) فيما رجعت إليه من مراجع.]]. قال الزجَّاج [[في "معاني القرآن" 1/ 412.]]: ﴿وَجِيهًا﴾، منصوب على الحال، المعنى: إنَّ الله يبشِّرك بهذا الولد، وجيهاً في الدنيا والآخرة. والفرَّاء [[في "معاني القرآن" 1/ 213.]] يسمي هذا قطْعاً، كأنه: كان [[في (ج): (قال). وكذا في "الدر المصون" 3/ 179، حيث نقل عبارة الواحدي هذه.]] عيسى بن مريم الوجيه، قُطِع منه التعريف [[وقد علَّق السمينُ على قول الفراء هذا، بعد أن نقله عن الواحدي، بقوله: (فظاهر هذا يُوذِن بأن (وجيها) من صفة عيسى في الأصل، فقُطِعَ عنه، والحالُ وصْفٌ في المعنى). "الدر المصون" 3/ 179. وانظر ما سبق من تعليق على إعراب قوله تعالى ﴿قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ من آية 18 من سورة آل عمران.]]. وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾. أي: إلى ثواب الله وكرامته.

آل عمران 3:46

قوله تعالى: ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ﴾ موضع ﴿وَيُكَلِّمُ﴾ منصوب؛ في التأويل بالنَّسَقِ [[النسق، هو عطف اللفظ على نسقِ الأول وطريقته. ويسمَّى في النحو بـ (عطف النسق)، وهو: التابع الذي يتوسط بينه وبين متبوعه أحدُ حروف العطف. انظر: "معجم المصطلحات النحوية" د. اللبدي: 224.]] على (وجيه)، كأنه قال: (وجيها، ومُكَلِّماً الناسَ)، ولا يُنكَرُ وضعُ [[(ولا ينكر وضع): ساقط من (ج).]] المستقبل موضعَ الحال. ومثله قوله: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي﴾ [مريم: 5 - 6]، في قراءة مَنْ رَفَعَ [[قرأ ابن كثير، ونافع، وعاصم، وابن عامر، وحمزة: ﴿يَرِثُنِى وَيَرِثُ﴾ برفعهما. والتقدير: (وليًّا وارثًا)، على أنَ (يرِثُني) صفة لـ (وليًّا). قال مكي: (وهو الاختيار؛ لأنَّ الجماعة عليه، ويقوِّي الرفع: أنَّ (وليًّا) رأس آية، فاستغنى الكلام عن الجواب). "الكشف" 2/ 84. وقرأ أبو عمرو، والكسائي: (يَرِثْنِي وَيَرِثْ) بجزمهما؛ على أنها جواب للأمر، والتقدير: (هب لي من لدنك وليًّا فإنك إنْ وهبته لي ورثَني). انظر: "الحجة" لابن خالويه: 234، "حجة القراءات" لابن زنجلة: 438.]]. وهذا أحدُ ما يضارعُ به الفعلُ المستقبلُ الاسمَ. وأنشد النحويُّون على هذا: بتُ أُعَشِّيها [[في (ج): (أغسيها)، وفي (د): (أغشيها).]] بَعضْبٍ باتِرِ ... يَقْصِدُ [[يعصله.]] في أَسْوُقِها وجائِرِ [[البيت في نسخة (ب) ورد هكذا: سبت اميتها بقضيب باتر ... بقصد في اسوفها وجاير ولم أقف على قائل هذا البيت. وقد ورد في: "معاني القرآن" للفراء 1/ 213، 2/ 198، "تفسير الطبري" 6/ 416، "معاني القرآن" للزجاج: 1/ 414، "تهذيب اللغة" 4/ 3199 (كهل)، "شرح الأبيات المشكلة" للفارسي 465، " المحرر الوجيز" 3/ 121، "أمالي ابن الشجري" 2/ 437، 3/ 205، "وضح البرهان" للنيسابوري: 243، "اللسان" 5/ 2963 (عشا)، "وشرح ابن عقيل" 3/ 245، "المقاصد النحوية" للعيني 4/ 174، "منهج السالك" للأشموني 3/ 120، "خزانة الأدب" 5/ 140 - 143. وقد ورد البيت بألفاظ أخرى، هي: (بات يعشِّيها)، و (بات يغشِّيها) و (بات يعيَشها)، و (أسؤقها)، و (أسواقها). ومعنى (أعشِّيها)؛ أي: أطعمها العشاءَ، وأما رواية (يغشِّيها) بالغين المعجمة، فهي من الغشاء، كالغطاء؛ أي: يشْملها ويعمُّها. و (عَضْب باتر)؛ (العَضْب) هنا: السَّيف. والكلمة، أصلها: صفة، بمعنى: قاطع؛ من: عضَبَه؛ أي: قطعه. و (باتر): قاطع. و (يَقْصِد): يتوسط، ولا يتجاوز الحد في القطع. و (أسْوُقِها) جمع: ساق، وتجمع كذلك على (سُوْق) و (سِيْقان) (وأسْؤُق)، والساق: ما بين الكعب والركبة. و (جائر): ظالم، مجاوز للْحدِّ. والشاعر هنا على هذه الرواية: يمدح نفسه بأنه رجل كريم مضياف، يقول: بأنه بات يعشِّي إبِلَه عقْرًا لها بسيف قاطع، فأقام الشاعرُ السيفَ مقام العشاء، وعلى الرواية الثانية (يغَشِّيها)؛ أي: يشْملها بسيفه القاطع؛ أي: يضربها به، فهو يقصد ويتوسط في عقر سيقان إبِل تستحق العقر، ويجور ويتجاوز الحدَّ في عقر سيقان إبِل لا تستحق العقر، كالحوامل، وذوات الفصال. وعلى رواية (بات يعشِّيها) يصف به رجلًا آخر بالكرم. انظر: "القاموس" (116) (عضب)، (345) (بتر)، (895) (سوق)، "الخزانة" 145141، "ومنحة الجليل" لمحمد محيي الدين عبد الحميد (مطبوع مع شرح ابن عقيل): 245 - 246. والشاهد فيه كما قال الأزهري: (والعرب تجعل (يفعل) في موضع (فاعل)، إذا كان في عُطوف مجتَمِعيْنِ). "التهذيب" (3199).]] على معنى: قاصدٌ [[في (د): (قصد).]]، وجائزٌ. وقوله تعالى: ﴿فِي الْمَهْدِ﴾. أي: صغيراً. والمَهْدُ: الموضع الذي مُهِّدَ لنوم الصبي [[سبق بيان معاني (المهد) في التعليق على قوله تعالى: ﴿وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ آية 12 من هذه السورة وانظر (مهد) في: "الجمهرة" لابن دريد 685، "القاموس" (320).]]. قال ابن عباس في رواية عطاء [[لم أقف على مصدر هذه الرواية عنه من طريق عطاء. والذي في "تفسير الطبري" 3/ 271 من طريق ابن جرير عن ابن عباس، قال: (مضجع الصبي في رَضاعه). وأوردها السيوطي في "الدر" 2/ 45 ونسب إخراجها كذلك لابن المنذر.]]: يريد: الحَجْرَ [[الحَجْر بفتح الحاء وقد يقال بكسرها، وهو: الحضن، وما بين يديك من ثوبك. والجمع: حُجُور. انظر (حجر) في "اللسان" 2/ 782، "القاموس" (371)، "عمدة الحفاظ" للسمين (111).]]. ويعني بكلامه ﴿فِي الْمَهْدِ﴾: تبرئة أمِّهِ ممَّا قُرِفَت [[في (ب)، (ج): (قذفت). وفي (د): مكانها بياض. ومعنى (قُرِفَت به)، أي: قُذِفت به واتُّهِمت، من: (قرَفَه بكذا)، أي: اتَّهمه به وأضافه إليه. انظر (قرف) في "اللسان" 6/ 3600، "القاموس" 844، "تفسير الطبري" 3/ 272.]] به [[انظر: "تفسير الطبري" 3/ 272.]]. وقوله تعالى: ﴿وَكَهْلاً﴾. هو عطف على الظرف من قوله: ﴿فِي الْمَهْدِ﴾، كأنه قيل: (ويكلِّم الناس صغيراً وكهلاً) [[أي: أنه حال من الضمير في ﴿وَيُكَلِّمُ﴾. وقد يكون معطوفًا على ﴿وَجِيهًا﴾، فيكون في الآية خمسة أحوال، هي: ﴿وَجِيهًا﴾ و ﴿وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ و ﴿وَيُكَلِّمُ﴾ و ﴿وَكَهْلاً﴾ و ﴿مِنَ الصَّالِحِينَ﴾. انظر: "البيان" للأنباري: 1/ 203 - 204، "التبيان" للعكبري: ص 189.]]. و (الكَهْلُ) في اللغة: الذي اجتمع [فيه] [[ما بين المعقوفين زيادة من (ج).]] قوَّتُه، وتَمَّ [[في (ج): (وثَم).]] شبابُه، وهو من قول العرب: (اكْتَهَلَ النَّباتُ): إذا قَوِيَ وتَمَّ [[في (ج): (وعم). انظر: "خلق الإنسان" 21، "الزاهر" 2/ 269 - 270.]]. قال الأعشى: يُضاحكُ الشمسَ منها كوكبٌ شَرِقٌ ... مُؤَزَّرٌ، بعَميمِ النَبْتِ مُكْتَهِلُ [[البيت في: "ديوانه" ص145. وقد ورد منسوبا له في: "العين" للخليل 3/ 278 (كهل)، وتأويل المشكل، لابن قتيبة 136، "الزاهر" 2/ 270، "تهذيب اللغة" 4/ 3199 (كهل)، "أمالي الزجاجي" 135، "شرح القصائد العشر" للتبريزي: 292، "اللسان" 7/ 3957 (كوكب)، 1/ 72 (أزر)، 4/ 2244 (شرق)، 7/ 3948 (كهل)، 5/ 3112 (عمم). والشاعر هنا يصف روضةً. وقوله: (يضاحكُ الشمسَ)؛ أي: يدور معها، ومضاحكته إيَّاها: حسنٌ لها نَضْرَةٌ. و (كوكبٌ شَرِقٌ): (الكوكب): معظم النبات، و (الشَّرِقُ): الريَّانُ الممتليءُ ماءً. و (مؤَزَّر)؛ أي: صار النبات كالإزار للكوكب، فهو يغطِّيه. و (عَمِيم النبت): النبات الكثير الحسَنُ، ويقال: (نبات عَمِيم، ومُعتَمٌ، وعَمَمٌ): إذا كان بالغًا حسنًا كثيرًا. و (المكتهل): التامُّ الحسَنُ. انظر: "الزاهر" 2/ 270، "تهذيب اللغة" 4/ 3199 (كهل).]] أراد بـ (المكْتَهِل): المتناهي في الحسن والكمال. واختلفوا في كهولة عيسى عليه السلام، فقال بعضهم: إنه رفع إلى السماء حين [[في (ج): (أنه).]] دخل في الكهُولة؛ وذلك، أنه كان قد أرْبى [[في (ج): (أرمى). ومن قوله: (أربى ..) إلى (.. ومن أربى): ساقط من (د).]] على الثلاثين، ومن أَرْبى [[في (ج): (أرمى).]] عليها فقد دخل في الكُهُولة، وتقَضَّى أكثرُ شبابه [[وردت عن علماء اللغة أقوال في بيان عُمُرِ الكَهْلِ: فقيل: إنَّه من وَخطَهُ الشيبُ، ورأيت له بَجَالَة. قاله الخليل، والليث بن المظفر. وقيل: هو ما بين الأربعين إلى الخمسين. قاله ابن أبي ثابت. وقيل: إذا بلغ الخمسين. قاله الأزهري. وقيل: ابن ثلاث وثلاثين سنة. قاله ابن الأعرابي. وقيل: هو من جاوز الثلاثين. قاله ابن الأنباري. وقيل: منتهى الحُلُم؛ أي: منتهى سن البلوغ. قاله يزيد بن أبي حبيب. انظر: "العين" 3/ 378 (كهل)، "خلق الإنسان" لابن أبي ثابت: 29، "معاني القرآن" للنحاس 1/ 401، "تهذيب اللغة" 6/ 19 (كهل)، "الصحاح" 5/ 1813 (كهل)، "اللسان" 7/ 3947 (كهل).]]. وعلى هذا القول: يكلِّم الناس كهلاً، قبل أن يرُفع إلى السماء. وهذا معنى قولِ مقاتل [[قوله: في "تفسيره" 1/ 276. وما نقله المؤلف هو نص كلام مقاتل.]]، وابن عباس في رواية عطاء [[لم أقف على مصدر هذه الرواية والذي في "زاد المسير" 1/ 390 خلاف هذه الرواية، قال: (وقد روي عن ابن عباس، أنه قال: ﴿وَكَهْلاً﴾، قال: ذلك بعد نزوله من السماء).]]، لأنه قال [[في (ب): (وقال).]] في قوله: (وكهلاً) [[الواو زيادة من: (ج)، (د).]]؛ يريد: أنه يتكلم بكلام النبَّوة. وقال بعضهم: المراد بقوله: ﴿وَكَهْلاً﴾ [[في (ب): (كهلا).]]: بعد أن ينزل من السماء يكلِّم الناس بعد نزوله إلى الأرض، كهلاً [[في (ب): (من السماء كهلًا إلى الأرض كهلا).]]. وهذا اختيار الحسين بن الفضْل [[انظر قوله في "تفسير الثعلبي" 3/ 50، "تفسير البغوي" 2/ 38.]]، قال [[(قال): ساقطة من (د).]]: وفي هذا بيان نزوله في نصِّ القرآن [[وهذا كذلك قول ابن زيد، كما في "تفسير الطبري" 3/ 273، "المحرر الوجيز" 3/ 122، وقول أحمد بن يحيى، ثعلب، كما في "تهذيب اللغة" 6/ 18 (كهل). وقال محمد بن جعفر بن الزبير، وقتادة، والربيع، والحسن، وابن إسحاق: إنه == يكلِّمهم صغيرًا أو كبيرًا، وهو إخبارٌ لِمريمَ عليها السلام أنه يعيش إلى سِنِّ الكهولة. وبيَّن الطبري رحمه الله أن كلام هؤلاء الأئمة يعني: أن عيسى عليه السلام كسائر بني آدم، يتقلب في الأحداث، ويتغير بمرور الأزمنة عليه، من صِغَرٍ إلى كِبَر، ومن حال إلى حال، وفي هذا احتجاج على النصارى القائلين بألوهية عيسى عليه السلام. انظر: "تفسير الطبري" 3/ 272، "ابن أبي حاتم" 2/ 653، "القطع والائتناف" للنحاس 224.]]. وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ اَلصَّالِحِينَ﴾. قال عطاء [[لم أقف على مصدر قوله.]]: يريد: مثل: موسى، وإسرائيل [[إسرائيل، هو: يعقوب عليه السلام. انظر: "تفسير الطبري" 1/ 248، "فتح القدير" 1/ 117.]]، وإسحاق، وإبراهيم [[في (ج): (ويعقوب). قال الطبري في تفسير هذه الآية: (يعني: من عدادهم وأوليائهم؛ لأن أهل الصلاح بعضهم من بعض في الدين والفضل) تفسيره: 3/ 273.]].

آل عمران 3:47

قوله تعالى [[في (د): (عزَّ وجل).]]: ﴿قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ قال أهل المعاني [[لم أقف عليه. وقد أورد هذا القول ابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 390، ونسبه للجمهور.]]: إنَ مريم لا تستنكر في قدرة الله تعالى خلقَ الولد من غير مَسِيس بَشَرٍ [[(بشر): ساقطة من (ج).]]، وإنَّما قالت هذا؛ لأنَّ في البشرية التعجب مما خرج عن العادة، كما يقول الإنسان: (كيف تَهَبُ ضيعتَك، وهي أنفَس أملاكك.؟!) ليس يشك في هبته، وإنما يتعجب من وجوده. و (البَشَر): الخَلْق. واحدُهُ وجمعُه سواء؛ لأنه بمنزلة المصدر [[انظر (بشر) في "تهذيب اللغة" 1/ 338.]]، نحو [[من قوله: (نحو ..) إلى (.. في المصدر): ساقط من (د).]]: الخَلْق، يقال [[في (ج): (يقول).]]: هذا خَلْق، وهؤلاء خَلْق [[(وهؤلا خلق): ساقط من (ج).]]. وإنما وجب في المصدر ذلك؛ لأنه جنس في الفعل، كما وجب في الماء والرمل، وما هو من أسماء الأجناس. وأصله من (البَشَرَة) التي هي ظاهر الجِلْدِ؛ لأنه الذي من شأنه أن يَظْهَرَ الفرحُ والغمُّ في بشَرَته [[انظر (مادة: بشر) في: "التهذيب" 1/ 338، "اللسان" 1/ 286.]]. وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾. أي: يخلق الله [[لفظ الجلالة (الله): ليس في: (ج)، (د).]] ما يشاء مثل ذلك من الأمر، وهو: خَلْق الولد من غير مَسِيس. وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قَضَى أَمْرًا﴾. إلى آخر الآية. ذكرنا ما فيه في سورة البقرة، عند قوله: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا﴾ [البقرة: 117]. الآية.

آل عمران 3:48

قوله [[في (د): (وقوله).]] تعالى: ﴿وَيعَلِمُهُ الكِتَابَ﴾. الآية. قال ابن جُرَيج، وغيره: أراد: الكتابة والخط [[قول ابن جريج، في "تفسير الطبري" 3/ 274، ولفظه: (قال: بيده). وقد ورد هذا التفسير عن عكرمة، يرويه عن ابن عباس، ولفظه: (الخطُّ بالقَلَم)، وقد ورد كذلك عن: يحيى بن أبي كثير، ومقاتل، وعثمان بن عطاء. انظر: "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 653، وممن رجَّح هذا: البغويُ في "تفسيره" 2/ 39، والفخر الرازي في "تفسيره" 8/ 59، واستظهره ابن كثير في "تفسيره" 1/ 391.]]. وقيل: أراد كتابًا آخر غير التوراة والإنجيل، من نحو: الزَّبُور وغيره [[لم أهتد إلى قائل هذا القول. وقد أخرج ابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 653 عن الحسن قوله: (الكتاب: القرآن). وفي "زاد المسير" 1/ 391 ذكر في المراد بـ ﴿الْكِتَابَ﴾ قولَ ابن جريج، وقولًا آخر، وهو: (أنه كُتُب النَّبِيِّين، وعلمُهم)، وقال: (قاله ابن عباس). وذكرَ ابنُ عَطِيَّةَ هذا القولَ الذي أورده الواحديُّ، وقال عنه: (وهو دَعْوًى لا حُجّةَ عليها). "المحرر الوجيز" 3/ 125.]].

آل عمران 3:49

[و] [[ما بين المعقوفين زيادة من: (ب.)]] قوله تعالى: ﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾. قال أبو إسحاق [[في "معاني القرآن" له: 1/ 413، نقله عنه بتصرف واختصار.]]: ينتصب على وجهين: أحدهما: (ويجعلُهُ [[في (د): (ونجعله).]] رسولاً). قال: والاختيار عندي: أنه (ويكَلِّمُ الناسَ رسولاً)؛ لقوله: ﴿أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ﴾؛ والمعنى: يكلِّمُهم رسولاً بأني [[في (د): (أني).]] قدْ جئتكم [[أي: أنَّ الوجه الأول، تقديره: (ويجعلهُ رسولًا) فـ ﴿رَسُولًا﴾ منصوب على المفعولية. والتقدير الثاني وهو اختيار الزجاج: (ويكلمُ الناسَ رَسُولًا)، على أنَّ ﴿رَسُولًا﴾ حالٌ.]]. وقال الأخفش [[من قوله: (قال الأخفش ..) إلى (.. ونعلِّمه الكتاب رسولًا): نقله بنصه عن "تفسير الثعلبي" 3/ 51 ب. والوارد في "معاني القرآن" للأخفش: 1/ 205 في قوله تعالى: ﴿ونعلَّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾، كالتالي: (موضع نصب على ﴿وَجِيهًا﴾. و ﴿رَسُولاً﴾ معطوف على ﴿وَجِيهًا﴾؛ أي: أنها عنده حال منتصبة عن قوله تعالى: ﴿بِكَلِمَةٍ﴾ في آية: 45. انظر: "معاني القرآن" للأخفش 1/ 204.]]: إن شئت جعلت الواو في ﴿وَرَسُولًا﴾ مُقْحَمَةً [[أي: (زائدة أو (لغو)، وهي عبارة البصريين، وتسمى (صلة) أو (حشو) عند الكوفيين. انظر: "البرهان" 3/ 72.]]، و (الرسولا) [[في (ج): (ورسولًا).]] حالاً للهاء [[في (ب): (لها). وقوله: (للهاء)؛ أي: في ﴿ونعلِّمُهُ﴾.]]، تقديره: ونُعَلِّمُهُ الكتابَ رسولا [[وللآية توجيهات نحوية أخرى، انظرها: في "البحر المحيط" 2/ 464، "الدر المصون" 3/ 186 - 189.]]. وقوله تعالى: ﴿أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ هو ذكر آية واحدة، وإنما جاءهم [[في (د): (جاههم).]] بآيات، وهي: خلق الطير، وإبراء الأكْمَه والأبرص، وإحياء الموتى، وإنباء [[في (ج)، (د): (والأنباء).]] بما يأكلونَ؛ وذلك، أنه أراد بالآية: خلق الطير، ثم عطف عليه إبراء [[في (ج): (وإبراء).]] الأكمه والأبرص على جهة الاستئناف. وقوله تعالى: ﴿أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ﴾ مَنْ [[من قوله: (من ..) إلى (أني أخلق لكم من الطين): نقله بتصرف يسير جدًّا عن "الحجة" للفارسي 3/ 43. وقد قرأ الجميع بفتح الهمزة في ﴿أَنِّي﴾، إلَّا نافعًا وأبا جعفر، فقد كسرا ﴿أَنِّي﴾. انظر "النشر" 2/ 240، "إتحاف فضلاء البشر" 174 - 175.]] فتح ﴿أَنِّي﴾ [[في (ج): (أنا).]]، جعلها بدلاً من ﴿آيَةٍ﴾ [[(من آية): ساقط من (د).]]، كأنه قال: (وجئتكم بأني أخلق لكم من الطين)، ويكون موضع ﴿أَنِّي﴾ خفضاً على البدل من ﴿آيَةٍ﴾ [[في (ج): (أنه).]]، ويجوز أن يكون رَفعاً على معنى: الآيةُ أنِّي أخلق لكم) [[أي هي خبر لمبتدأ مضمر، تقديره: (هي أنِّي أخلق)؛ أي: الآية التي جئت بها أني أخلق. انظر "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 334.]]. ومَنْ كَسَرَ [[من قوله: (ومن كسر ..) إلى (.. وأبدل من آية): نقله بتصرف عن "الحجة" للفارسي 3/ 4344.]]، فله وجهان: أحدهما: الاستئناف، وقَطْع الكلامِ مما قبله. والوجه الآخر: أنه [[(أنه): ساقط من: (ج).]] فسر الآية بقوله: {إنِّي أخلق [لكم من الطين] [[ما بين المعقوفين زيادة من: (ج) ومن "الحجة".]]}، ويجوز أن يفسِّر الجملة المقدمة بما يكون على وجه الابتداء، كقوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [المائدة: 9]، ثمَّ فسَّر الموعود بقوله: ﴿لَهُم مَّغفِرَةٌ﴾ [[ومن قوله: (لهم مغفرة ..) إلى (.. فسَّر المثل بقوله): ساقط من: (ج).]]، وكقوله: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ﴾ [[(كمثل آدم): ساقط من: (ب).]] [آل عمران: 59]، ثمَّ فسَّر المَثَلَ بقوله: ﴿خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ﴾. وهذا الوجه أحسن؛ لأنه في المعنى كقراءة مَنْ فتح (أنِّي)، وأبدل من آية [[وهناك وجه ثالث، وهو: كسْرُها على إضمار القول؛ أي: فقلت: إنِّي أخلق. انظر هذه الوجوه في: "البحر المحيط" 2/ 465، "الدر المصون" 3/ 191.]]. وقوله تعالى: ﴿أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ﴾ أي: أقَدِّر، وأصوِّر. والخلْقُ، معناه: التقدير في اللغة [[وقد قال ابن قتيبة أنَّ الأصل في (الخَلْق)، هو: التقدير. وفي "تهذيب اللغة" أنَّ (الخَلْقَ) في كلام العرب على ضربين: الأول: ابتداع الشيء على مثال لم يُسبَق إليه. والآخر: التقدير. وقد ذكر أصحاب الوجوه والنظائر أنَّ من وجوه (الخلق) في القرآن: الإيجاد، والبعث، والتصوير، وذكروا هذه الآية (49 من آل عمران) شاهدًا على هذا المعنى، والكذب، والجعل، والنطق، والدين، والموت، والبناء. وهذان الوجهان الأخيران، ذكرهما الثعلبي، وابن الجوزي. انظر "تأويل مشكل القرآن" 507، "تهذيب اللغة" 1/ 1093 (خلق)، "الوجوه والنظائر" لهارون بن موسى 281، "قاموس القرآن" للدامغاني 162، "الأشباه والنظائر" للثعلبي: 131.]]. وقوله تعالى: ﴿كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾ الهيئةُ: الصورة المُهَيَّأة؛ من قولهم: (هيَّأتُ الشيءَ): إذا قدَّرُته [[قال الثعلبي: (هيأت الشيء: إذا قدَّرته، وأصلحته). تفسيره: 3/ 52 أ، وانظر (هيأ) في "الصحاح" 1/ 85، "اللسان" 8/ 4730.]]. وقوله تعالى: ﴿فَأَنْفُخُ فِيهِ﴾ أي: في الطَّيْر. و (الطَّيْر): يجوز تذكيره، على معنى الجمع، وتأنيثه، على معنى الجماعة. ولا يجوز أن تعود [[في (ج): (يعود).]] الكناية [[يعني بـ (الكناية) هنا: الضمير؛ لأنه يُكْنى به أي: يرمز عن الظاهر، اختصارا، وتسميته بـ (الكناية) من إلطلاقات الكوفيين عليه. انظر "النحو الوافي" 1/ 217، "معجم المصطلحات النحوية" د. اللبدي: 74.]] إلى الطين؛ لأن النفخ إنَّما يكون في طِينٍ مخصوص، وهو: ما كان مُهَيَّأ منه، والطينُ المتقدِّمُ ذكرهُ، عامٌ، فلا تعود إليه الكناية؛ ألا ترى أنه لا يَنْفخ في جميع الطِّينِ [[قال السمين الحلبي، بعد أن ذكر قول الواحدي هذا: (وفي هذا الردِّ نَظَرٌ؛ إذ لقائل أن يقول: لا نسلِّم عموم الطِّينِ المتقدِّم، بل المراد بعضه؛ ولذلك أدخل عليه (مِنْ) التي تقْتضي التبعيض. وإذا صار المعنى: (أني أخلق بعض الطين) عاد الضمير عليه من غير إشكال، ولكن الواحدي جعل (مِن) في ﴿مِنَ الطِّينِ﴾ لابتداء الغاية، وهو الظاهر). "الدر المصون" 3/ 194.]]؟. ويجوز أن تعود الكناية على ذي الهيئة. وأريد بـ (الهيئة): ذو الهيئة، كما أريد بـ (القسمة): المقسوم، في قوله: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ﴾ [النساء: 8] لأنه قال: ﴿فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ [[(منه): ساقط من: (ج).]] [[[سورة النساء: 8]. والشاهد هنا: أنَّ الضمير في ﴿مِنْهُ﴾ يعود على القسمة. ولمَّا كان الضمير مذَكَّرا، والقسمة مؤنثة، دلَّ على أن المراد بالقسمة هنا المقسوم == وهذا رأي في مرجع الضمير هنا. وقيل: إنه يعود على المال؛ لأن القسمة تدلُّ عليه بطريق الالتزام. وقيل: إنه يعود على (ما) في قوله: ﴿مِّمَّا تَرَكَ﴾ من آية 7 في سورة النساء. انظر "مشكل إعراب القرآن" 1/ 190، "تفسير البيضاوي" 1/ 85، "البحر المحيط" 3/ 176، "الدر المصون" 3/ 589.]]. كذلك أراد بـ (الهيئة): المُهيَّأ، وذا [[في (د): (وذو).]] الهيئة. و [[الواو زيادة من: (ج).]] يجوز أن تعود الكناية إلى ما وقعت الدلالة [[في (ب): (الكناية الدلالة).]] عليه في اللفظ، وهو [[من قوله: (هو ..) إلى (.. أي: في الخلق): ساقط من (د).]]: أنَّ (يَخْلُق) يدل على الخَلْقِ، فيكون قوله: ﴿فَأَنْفُخُ فِيهِ﴾؛ أي: في الخَلْقِ، ويكون الخلق بمنزلة المخلوق. ويجوز أن تعود إلى ما دلَّ عليه الكافُ من معنى المِثْل؛ لأن المعنى: أخلق من الطين مِثْلَ هيئة الطير، ويكون الكافُ في موضع نصب على أنه صفة [[(صفة): ساقطة من (ج).]] للمصدر المُرادِ، تقديره: (أنِّي أخلق لكم من الطينِ خَلْقاً مثلَ هيئةِ الطَّيْرِ). وهذه الوجوه ذكرها أبو علي الفارسي [[لم أقف على مصدر قوله.]]. وقوله تعالى: ﴿فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ وقرأ [[في (ج): (وقرئ).]] نافع [[هو: أبو رُوَيم، نافع بن عبد الرحمن بن أبي نُعيم، تقدمت ترجمته.]]: ﴿طائراً﴾ [[وقرأ بها كذلك: أبو جعفر، ويعقوب. وقرأ باقي القرَّاء العشرة: (طَيْرًا). انظر "المبسوط في القراءات العشر" 143.]]، على معنى: يكون [[من قوله: (يكون ..) إلى (.. أي: كل واحد منهم): نقله بتصرف يسير عن "الحجة" للفارسي: 3/ 44.]] ما أنفخ فيه طائراً، أو [[في (د): (و).]] ما أخلُقُهُ طائراً، أو أراد أن [[ساقطة من (د).]] يكون كلَّ واحد من ذلك طائراً، كما قال تعالى: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: 4] أي: كلَّ واحد منهم. وقال بعضهم [[هو الثعلبي في "تفسيره" 3/ 52 أ.]]: ذهب نافع [[عبارة الثعلبي: (وقرأ أهل المدينة (طائرا) بالألف على الواحدة ذهبوا إلى نوع ..)، وبقية العبارة كما هي عند الواحدي.]] إلى نوع واحد من الطير؛ لأنه لم يَخْلُق غير الخَفَّاش. وإنَّما خصَّ الخفَّاش [[وإنما خص الخفاش: ساقط من: ج. ورد خَلْقُه للخفاش، عن ابن جريج، كما في "تفسير الطبري" 3/ 276. وعن ابن عباس، وأبي سعيد الخدري، كما في "زاد المسير" 1/ 392. وأورده السيوطي في الدر: 2/ 575 عن ابن عباس، ونسب إخراجه لأبي الشيخ.]]؛ لأنه أكمل الطير خَلْقاً. وقد زدنا بيانا على هذا في سورة المائدة [[قول المؤلف فيما سبق عن توجيه قراءة نافع: (أو أراد أن يكون ..)، وقوله: (ذهب نافع ..)، قد تشعر هذه العبارات أن قراءة نافع، وغيرها من القراءات الصحيحة، إنَّما هي مذهب اجتهادي في القراءة يذهبه القارئُ بناء على موازنات ذوقية، ومقاييس منهجية، لا علاقة لها بالتلقي عن طريق الرواية الصحيحة. وليس الأمر كذلك؛ فالذي يعرفه الجميع أن القراءات القرآنية إنَّما هي متلقّاة عن النبي ﷺ عن طريق التواتر، فهي موقوفة لا مجال فيها للاجتهاد، وإنما للإمام القارئ فقط أن يختار مما رُوي، وعُلم وجهه من القراءات. ولذا يقول ابن الجزري عن نسبة القراءة إلى القارئ، بأنها: (إضافة اختيار ودوام == ولزوم، لا إضافة اختراع ورأي واجتهاد). أي: إنَّ إضافة القراءات إلى أئمة القراءة ورُواتِهم، يُرادُ بها فقط أن الإمام اختار القراءة بذلك الوجه من اللغة، حسبما قرأ به، فآثره على غيره ودوام عليه، ولزمه حتى اشتهر وعرف به. فللإمام أن يختار من القراءات ما وافق العربية، سواء أكان ذلك الوجه فصيحًا أم أفْصَح، حسبما يترجح عنده، إذا تحققت بقية الشروط، وهي: صحة السند، وموافقة المصحف الإمام ولو احتمالًا. وهذا المجال الاختياري فيما يبدو لي، والله أعلم، هو الذي يعنيه الواحدي، ومَنْ نقلَ عنهم عباراته السابقة. انظر "النشر" 1/ 52، "القراءت القرآنية". د. عبد الهادي الفضلي: 105 - 106، "دفاع عن القراءات المتواترة". د. لبيب السعيد: 13 - 14.]]. قال وَهْبٌ: كان يطير ما دامَ الناسُ ينظرون، فإذا غاب عن أعينهم سقط ميتا [[ورد هذا الأثر في "تفسير الثعلبى" 3/ 52 أ، "زاد المسير" 1/ 392، "تفسير القرطبي" 4/ 94.]]. قوله تعالى: ﴿وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ﴾. قال الأصمعي [[قوله في "تهذيب اللغة" 1/ 324 (برأ).]]: بَرِئْتُ من المرض: لغةُ تميم، وبَرَأْتُ: لغةُ أهل الحِجاز [[في "تهذيب اللغة" (وقال الأصمعي: (بَرَأت من المرض بُروءًا)، لغة تميم، وأهل الحجاز يقولون: (بَرْأت من المرض بَرْءًا)، و (أبرأه الله من مرضه إبراءً). ويبدو أن هذا النص من النسخة المطبوعة من "التهذيب" فيها خطأ مطبعي؛ لأنها لم تفرِّق بين برأ وبرئ. وقد أورد السمين الحلبي نفس النص في "الدر المصون" 3/ 198 موافقًا لما أورده الواحدي.]]. وقال أبو زيد [[قوله في "تهذيب اللغة" 1/ 324 (برأ).]]: بَرَأْتُ من المرض: لغة أهل الحجاز. وسائرُ العرب: بَرِئْتُ [[قال في "اللسان" 1/ 240 (برأ): (وبَرِئت من المرض، وبَرَأ المريض، يَبْرأ، ويبرُؤ، بَرءًا، وبُروءًا .. وأصبح بارئًا من مرضه، وبريئًا، من قومٍ بِراءٍ). وانظر: "العين" 8/ 289 (برأ)، "المقاييس" 1/ 236 (برأ).]]. والأكمَهُ [[في (ج): الأكمه (بدون واو).]]، قال ابن عباس، وقتادة [[قولهما في "تفسير الطبري" 3/ 276، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 655، وأخرجه في 2/ 655 بلفظ: (الأعمى: الممسوح العين)، "تفسير الثعلبي" 3/ 52 أ. وأخرج عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 121 عن مقاتل قوله: (الأكمه: الأعمى). وأورد السيوطي في "الدر" 2/ 57 قول ابن عباس، وعزاه كذلك لابن المنذر.]]: هو الذي وُلِد أعمى، لم يبصر ضوءاً قط [[وفي معنى (الأكمه) أقوال أخرى، وهي: إن الأكمه هو: الأعمى، أو الأعمش، أو الأعش الذي يبصر بالنهار لا بالليل. ولكن المعنى الذي ذكره الواحدي هو الأرجح، وقد قال به أبو عبيدة، والطبري، وغيرهم، وهو الذي عليه الجمهور، كما يقول ابن حجر في فتح الباري؛ لأن إبراء الذي يولد أعمى هو الذي فيه المعجزة، أما من يُصيب عينيه مرض عارض، فهذا قد يُعالجه الطب البشري. انظر: "صحيح البخاري" 4/ 138 كتاب الأنبياء، باب قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ﴾ "تفسير الطبري" 3/ 276 - 278، "فتح الباري" 6/ 472، "الدر المنثور" 2/ 57.]]. يقال: كَمِهَ الرجلُ، يَكْمَهُ، كَمَهًا [[انظر: "تفسير الطبري" 3/ 276، "الصحاح" 6/ 2247 (كمه).]]. والأبْرَصُ: الذي به وَضَحٌ [[الوَضَح، هو: البياض من كلِّ شيء، والضوء، ويكنى بالوضح عن البرص، وهو المرض الجلدي المعروف؛ لأنه يصيب الجلدَ ببياض. انظر "اللسان" 8/ 4855.]]. وقوله تعالى: ﴿وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ قال الكلبي [[ورد قوله في "تفسير الثعلبي" 3/ 53 أ، ونهاية قوله إلى: (بيا حي يا قيوم).]]: كان [[في (ب): (إن).]] عيسى عليه السلام يحيي الأموات بـ (يا حيُّ يا قَيُّوم)، أحيا عازَرَ [[هكذا ضُبطت في "القاموس المحيط" 439 (عزر)، وورد في "تفسير الثعلبي" 3/ 52 ب (عازِر).]]، وكان صديقاً له، ودعا سام بن نوح من قبره، فخرج حيًّا، ومُرَّ عليه بابن عجوز على سريرٍ مَيْتًا، فدعا اللهَ عيسى، فنزل عن سريره حيَّاً، ورجع إلى أهله، وبقي ووُلدَ له [[أورد هذا الثعلبيّ في "تفسيره" 3/ 52 أ، وذكره البغوي 2/ 40 عن ابن عباس. وانظر روايات أخرى في هذا المعنى، في "الدر المنثور" 2/ 58. وهذه الأخبار بصرف النظر عن إمكان وقوع ما ورد فيها، فإنها لا تعدو أن تكون من الإسرائيليات، التي وإن لم يكن عندنا ما ينفيها، فليس عندنا ما يصدقها من خبر صحيح عن الصادق المعصوم ﷺ. والاكتفاء بإجمال القرآن في مثل هذه المواطن، أولى من السير وراء تفصيلات أخبار، الله أعلم بصحتها ووقوعها.]]. وقوله تعالى: ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾. (ما) بمعنى: الذي؛ أي: بالذي تأكلونه، والذي تدَّخِرونه [[وقد استحسن هذا الوجه الزجَّاج، وقال: (ويجوز أن يكون (ما)، وما وقع بعدها، بمنزلة المصدر، المعنى: (أنبِّئكم بأكلِكم، وادِّخاركم). "معاني القرآن" 1/ 414.]]. وجاء [[من قوله: (جاء) إلى (غدُوِّكم): نقله بنصه عن "معاني القرآن" للزجاج 1/ 414.]] في التفسير: بما تأكلون في غُدُوِّكم [وتدَّخرون لباقي يومكم] [[ما بين المعقوفين زيادة من: (ج)، (د). وقوله: (في غُدُوِّكم)؛ أي: في وقت البكرة، أو ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس. انظر: "القاموس" 1317 (غدا).]]. و (تدَّخِرون): (تفتعلون)، من (الذُّخْر) [[أي: أن أصل (تدَّخرونَ): تذْتَخرون.]]. يقال: (ذَخَر، يَذْخَر، ذُخْراً)، و (اذَّخَرَ اذِّخِارا): وأصله: (اذْتَخَرَ) [[في (ب): (اتدخر).]]، فأُبْدِل [[في (ب): فأبدلت.]] التَّاءُ دالاً [[في (أ)، (ب): (ذالا). والمثبت من: (ج)، (د)، وهو الصواب. انظر: "اللسان" 3/ 1490 (ذخر).]]؛ لأن الذَّالَ حَرْفٌ مَجْهُورٌ [[في (ج): (مجهورة).]] والتَّاءَ مهموسٌ [[الحروف المهموسة، عشرة أحرف، هي: الهاء، والحاء، والخاء، والكاف،== والشين، والصاد، والتاء، والسين، والثاء، والفاء. ويجمعها قولك: (سَتَشْحثُك خصَفَه). وباقي الحروف مجهورة. انظر: "سر صناعة الإعراب" 1/ 60، وقد ذكر كذلك سبب تسْمِيتها بذلك، "الممتع" لابن عصفور 2/ 671.]]، فأُبدِلَ بحرفٍ يُشْبِهُ الذَّالَ [[في (ج): (الدال). وفي (د): (الجهر).]] في الجَهْرِ، وهو الدَّال، ثم أُدْغِمتْ الذَّالُ [[في (أ)، (ب): (الدال). والمثبت من: (ج)، (د). وهو الصواب.]] في الدَّال فصار: (تَدَّخِرونَ) [[ويرى العكبري أن أصل الكلمة: (تذتَخرون)، إلا أن التاء أبدلت دالًا لتقارب مخرجها مع الذال، ثم أبدلت الذال دالًا، ثم أدْغِمت الدال في الدال. انظر "التبيان في إعراب القرآن" 1/ 191.]]، وهذا أصل الإدغامِ؛ وهو: أن يدغم [[في (ج) و (د): (تدغم).]] الأولى في الثانية، ومثل [[في (د): (ومثال).]] هذا في التعديل بين الحروف [[في (ج): (الحرفين). وقوله: (التعديل بين الحروف)، يعني به: الإبدال الصرفي، وهو جعل حرف مكان حرف غيره؛ لتسهيل اللفظ، وتيسيره. انظر "شرح الشافية" 3/ 197، "موسوعة النحو والصرف" د. أميل يعقوب 17.]]: (ازدُجِر) [[(ازدجر): ساقط من (د).]]، و (اضطُرَّ)، و (اصْطَبِر) [[(ازدُجِر) وردت في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ﴾ [القمر: 9]، وأصلها: (ازتجر)، فقلبت فيها التاءُ دالًا. و (اضطُرَّ) وردت في قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: 173]، وانظر آية 3 من سورة المائدة وأصلها: (اضتُرَّ). و (اصطَبِر) وردت في قوله تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ [طه: 132]، وأصلها: (اصتَبِر) فقلبت التاءُ طاءً في الكلمتين. انظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 215216، "سر صناعة الإعراب" 1/ 185، 217، و"الوجيز في علم التصريف" للأنباري 55، "الممتع في التصريف" 1/ 356، 360، و"شرح شافية ابن الحاجب" 3/ 226، 227.]]. قال الخليل [[قوله في "معاني القرآن" للزجاج 1/ 414، وقد ورد: هذا النص في "كتاب سيبويه" 4/ 434، ولم يعزه للخليل، كما ورد في "سر صناعة الإعراب" 1/ 60 ولم يعزه كذلك للخيل.]]: الحرف [[في (ج): (والحرف).]] المجهور: الذي أُشبع [[في (ب): (اتسع).]] الاعتمادُ [[في (ب): (للإعتماد).]] عليه في موضعه، ومَنَعَ [[من قوله: (ومنع ..) إلى (.. في موضعه): ساقط من: (ج).]] النَّفَسَ أن يخرج معه، والمهموس: حرف أُضْعِفَ الاعتماد عليه في موضعه، وجرى معه النفس [[وقد شرح ذلك سيبويه، وابن جني، وبيَّنَا أن المهموس يعرف بترديد الحرف مع جَرْي النفس، ويصعب ذلك في المجهور، فيمكن تكرير المهموس مع جري الصوت، نحو: (سَسَسَسَ، كَكَكَكَ، هَهَهَهَ)، ولو تكلفت ذلك في المجهور لما أمكن. انظر: "كتاب سيبويه" 4/ 434، "سر صناعة الإعراب" 1/ 60.]].

آل عمران 3:50

قوله تعالى: ﴿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ﴾. [قال الفرَّاءُ [[في "معاني القرآن" له 1/ 216. ونسب النحاسُ كذلك القول بهذا لأحمد بن يحيى (ثعلب). انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 335.]]، والزجَّاج [[في "معاني القرآن" له 1/ 415.]]: نصب ﴿مُصَدِّقًا﴾ على الحال، المعنى: (وجئتكم مصدِّقاً لِما بين يَدَيَّ)] [[ما بين المعقوفين زيادة من: (ج)، (د).]]. وجاز إضمارُ (جئتكم)؛ لأن أول الكلام يدلُّ عليه، وهو قوله: ﴿أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: 49]. ومثله في الكلام: (جئتُه بما يُحِب، ومُكْرِماً لهُ) [[في (ب): (ومكر حاله).]]. قال الفرَّاء [[في "معاني القرآن" له 1/ 216، نقله عنه بتصرف.]]: ولا يجوز أن يكون ﴿مُصَدِّقًا﴾ عطفاً على ﴿وَجِيهًا﴾؛ لأنه لو كان كذلك، لقال: (ومُصدِّقاً لِمَا بين يَدَيْهِ) [[(أي): إنه لو كان معطوفًا على ﴿وَجِيهًا﴾ لجاء بضمير الغيبة، لا بضمير المتكلِّم.]]، ولا يحسن أيضاً أن يتابع قوله: ﴿وَرَسُولًا﴾ [[(أي): يمتنع أن يتبع ﴿وَرَسُولًا﴾ في الإعراب.]]؛ لأنه لو كان مردودًا عليه؛ لقال: (ومُصَدِّقاً لما بين يديكِ)، لأنه خاطب بذلك مريمَ، أو قال: (بين يديهِ) [[قال أبو حيان في "البحر" 1/ 468: (وقد ذكرنا أنه يجوز في قوله ﴿وَرَسُولًا﴾، أن يكون منصوبًا بإضمار فعل؛ أي: (وأرسلت رسولا)، فعلى هذا التقدير، يكون ﴿وَمُصَدِّقًا﴾ معطوفًا على ﴿وَرَسُولًا﴾).]]. ومعنى ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ﴾: أي: للكتاب [[في (ج): الكتاب.]] الذي أُنزِلَ قَبْلِي [[في (ب): قيل. في (ج): قيل. (د) من قبلي.]]. وإذا كان يُصَدِّقُ التوراةَ، كان أحرى أن يُتَّبع. وقوله تعالى: ﴿وَلِأحِلَّ لَكُمْ﴾ قال الفرَّاء [[في "معاني القرآن" له: 1/ 216. نقله عنه بالمعنى.]]: الواوُ ههنا زائدةٌ مُقْحَمةٌ، كهي في قوله: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ [مِنَ الْمُوقِنِينَ]﴾ [[سورة الأنعام: 75. وما بين المعقوفين زيادة من: (ب)، وكذا وردت في "معاني القرآن". وانظر مذهب الفراء في زيادة الواو، في "معاني القرآن" 1/ 107، 238، 2/ 50، 211، 390، 3/ 249.]]، المعنى: يُرِيهِ [[في (ج): نريد. ب، (د) نريه.]] لِيَكونَ [[قيل في قوله تعالى: ﴿وَلِيَكُونَ﴾ ثلاثة أقوال: الأول: إن الواو زائدة. الثاني: إنها عِلَّةٌ لمحذوف؛ أي: ولِيكون .. أريناه ذلك. الثالث: إنها عطف على عِلَّةٍ محذوفة؛ أي: ليستدل وليكون، أو ليقيم الحجة على قومه. وقال صلاح الدين العلائي: (تقديره: لِنبصِّره أو لِنُرْشده. ونحو ذلك. ثم عطف عليه ﴿وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾. الفصول المفيدة في الواو المزيدة، للعلائي: 147. وانظر: "التبيان" للعكبري 1/ 342، "الفريد" للهمداني 2/ 177، "الدر المصون" 5/ 7.]]. وأهل التحقيق من النحويين قالوا: الواو لا تُقْحَمُ إلا معَ (حتى إذا)، ومع (لَمَّا) [[قال الفراء في "معاني القرآن" 1/ 238 عن الواو في قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ ...﴾ آل عمران: 152: (وهو في (حتى إذا) و (فَلَمَّا أن) مقول، لم يأتِ في غير هذين). وقال في 2/ 390: (والعرب تدخل الواو في جواب (فلما) و (حتى إذا)، وتلقيها). وفي 3/ 249 بَيَّنَ أن العرب لم تجاوز هذين الموضعين. وانظر: "تفسير الطبري" 3/ 282. وبيان هذا الأمر: إن مذهب الكوفيِّيِنَ هو: جواز وقوع الواوِ زائدةً لغير معنى. وشاركهم من البصريين في هذا المذهب: الأخفشُ، وأبو القاسم بن بَرهان، وتبعهم ابنُ مالك. ونَسَب الرمَّانيُّ في كتابه "معاني الحروف" 63، وأبو البركات الأنباري في كتابه "الإنصاف" ص 366 القولَ بهذا الرأي للمبرد وهو من البصريين. ولكن المبرد في كتابه "المقتضب" 2/ 80 قال عن مذهب القائلين بزيادة الواو لغير معنى: (وهو أبدع الأقاويل؛ أعني زيادة الواو) مما يؤكد أنه لم يشذ عن مذهب البصريين. واستدل الكوفيُّون على مذهبهم هذا بأدلة من القرآن ولغة العرب، منها: زيادة الواو في ﴿وَفُتِحَتْ﴾ في قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر: 73] وزيادتها في ﴿وَاقْتَرَبَ﴾ في قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾ الأنبياء: 97. وزيادته في ﴿وَنَادَيْنَاهُ﴾ في قوله: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (103) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ﴾ سورة الصافات: 103، وغيرها من الآيات. ومن شعر العرب، قول امريء القيس: فلَمَّا أجَزنا ساحةَ الحيِّ وانْتَحى ... بنا بَطْنُ خَبْتٍ ذي قِفافٍ عَقَنْقَل وغيرها من الأدلة. أمَّا البصريون فلا يُجيزون وقوع الواو مزيدةً، لأن الحروف عندهم (وضعت للمعاني، فذكرها بدون معنى يقتضي مخالفة الوضع، ويورثُ اللَّبْسَ. وأيضًا فإن الحروف وضعت للاختصار نائبة عن الجمل، كالهمزة فإنها نائبة عن (أستَفْهِم)، وزيادتها يُنقِصُ المعنى). الفصول المفيدة، للعلائي: 147. وتأول البصريون أدلة الكوفيين، وقالوا بأن الواو فيها عاطفة، وأن الجواب محذوفٌ مقدَّرٌ. يقول ابن جني: (فأما أصحابنا فيدفعون هذا التأويل البتَّة، ولا يجِيزون زيادةَ هذه الواو، ويرون أن أجوبة هذه الأشياء محذوفة للعلم بها == والاعتياد في مثلها). "سر صناعة الإعراب" 2/ 646. فمثلًا قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ قال البصريون: إن الواو فيها عاطفة، وجواب (إذا) محذوف، والتقدير فيه: حتى إذا جاؤوها وفتحت أبوابها، فازوا ونَعِموا. وهكذا ردُّوا على بقية الأدلة. انظر هذه المسألة، إضافة إلى المراجع التي ذكرت في "معاني القرآن" للأخفش: 1/ 124 - 125، "تأويل مشكل القرآن" 252254، "شرح القصائد السبع" لابن الأنباري: 55، "الإنصاف" للأنباري ص 366، "شرح المفصل" 8/ 93، "رصف المباني" 487، و"الجني الداني" 164، "المغني" 473، "الحروف" لأبي الحسين المزني 110.]]. قالوا: أو، والواو ههنا للعطف على معنى الكلام الأول [[أي: للعطف على معنى ﴿مُصَدِّقًا﴾.]]، لأن معناه: (وجئْتُكم لأُصَدِّقَ ما بين يديَّ من التوراة، ولأُحِلَّ لكم). ومثله من الكلام: (جئتُ مُعتذِرًا إليه، لأجتَلِبَ رِضاه)؛ أي: لأعتذر، ولأجتلب [[في (ج): لاجتلب (بدون واو).]]. وقال ابن الأنباري [[لم أقف على مصدر قوله.]]: الَّلام في قوله: ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ﴾ [[(لكم): ساقطة من (د).]] صِلَةٌ لفعلِ مضمرٍ؛ كأنه قال: (ولأحلَّ لكم جئتكم)، وكذلك قوله: ﴿وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾، تقديره: ولِيكون من الموقنين نُرِيهِ [[في (ج): (بربه).]] ذلكَ [[وفي التوجيه الإعرابي لقوله ﴿وَلِأُحِلَّ﴾ أقوال أخرى، هي: إنها مردودة على قوله: ﴿بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ من آية 49؛ أي: جئتكم بآية من ربكم، ولأحل لكم. أو معطوفة على عِلَّةٍ مقدَّرةٍ؛ أي: جئتكم بآية لأوسِّعَ عليكم ولأحل لكم، أو نحوها. أو إنها متعلقة بقوله: ﴿وَأَطِيعُونِ﴾ في آخر آية 50؛ أي. اتَّبِعوني لأحلَّ لكم. وقد استبعد هذا الوجهَ السمينُ الحلبيُّ وجعله ممتنعًا. أو إنها معمولة لفعل مضمر بعد الواو؛ أي: وجئتكم لأحل .. انظر هذه الوجوه، في "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 335، "الكشاف" 1/ 431، "التبيان" للعكبري: 1/ 191، "البحر المحيط" 2/ 268 - 269، "الدر المصون" 3/ 202 - 203، "روح المعاني" 3/ 171.]]. - قوله تعالى: ﴿بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾. قال المفسرون [[ممن قال بذلك: قتادة، والربيع، وابن جريج. انظر: "تفسير الطبري" 3/ 282، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 657، "زاد المسير" 1/ 393، " الدر المنثور" 2/ 62.]]: أُحِلَّ لهم على لسان المسيح: لحومُ الإبل، والثُّرُوبُ [[في (ب): الشروب. و (الثُّروب): شحم رقيق يُغَشِّي الكرشَ والأمعاء، والمفرد: ثَرْب. انظر: "القاموس المحيط" ص 62 (ثرب).]]، وأشياءُ مِنَ الطَّيْر، والحيتان، مما كان مُحرَّما في شريعة موسى عليه السلام. قال الله تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [[سورة النساء:160. وبقيتها: ﴿وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾.]]. وإنَّما قال [[في (ج): (قيل).]]: ﴿بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾؛ لأن عيسى لم يأتهم بتحليل الفواحش من: القتل، والسَّرِقِ، والزِّنا. وذهب أبو عبيدة [[في "مجاز القرآن" 1/ 94.]] إلى أنَّ (بعضَ) ههنا بمَعنى: الكُلِّ، واحتجَّ ببيت لَبِيد: أو يعتَلِقْ [[في (د): (وتعليق).]] بعضَ النفُوسِ حِمامُها [[عجز بيت، وأوله: تَرَّاكُ أمْكِنَةٍ إذا لم أرضها وهو من معلقته، وقد ورد في "ديوانه" 313. كما ورد في "مجاز القرآن" 1/ 94، "معاني القرآن" للزجاج: 1/ 415، "الزاهر" 2/ 237، ولم ينسبه، "شرح القصائد السبع" لابن الأنباري: 573، "معاني القرآن" للنحاس 1/ 403، "تهذيب اللغة" 1/ 360، "الخصائص" 1/ 74، "المحتسب" 1/ 111، "تفسير الثعلبي" 3/ 52 ب، "شرح المعلقات السبع" للزوزني: ص 109، "شرح القصائد العشر" للتبريزي: 160، "تفسير البغوي" 2/ 41، "اللسان" 1/ 312 (بعض). == وورد غير منسوب في "الموضح في التفسير" للحدادي: 37، "المخصص" 17/ 131. ويروي (منزلةٍ) بدلًا من: (أمكنةٍ)، و (أو يَرْتَبِط)، و (أو يَعْتَقِي) بدلًا من: (أو يعتلق). و (يرتبط)، و (يعتقي)، معناهما: يَحتَبِس. و (يعتلق): من (اعتلقه)؛ أي: أحبَّهُ، ويقال: (عَلِقَ بقلبه): أي: تشبَّث به. وعليه يكون معناها هنا معنى: يرتبط، ويعتقي. و (والحِمَام): الموت. انظر: "شرح القصائد السبع" 573، "اللسان" 5/ 3053 (عقا). ومعنى البيت: إني أترك الأماكن التي أجتويها، إذا رأيت فيها ما أكره إلا أن يربط الموتُ نفسي فلا يمكنها البراح. وتحرير المعنى: إني لا أترك الأماكن التي أجتويها إلا أن أموت. انظر: "شرح المعلقات السبع" 242، "شرح القصائد العشر" 160. والشاهد فيه عند أبي عبيدة: أنَّ (بعض) هنا تعني (كلَّ). وقد خالفه آخرون كما ذكر المؤلف، حيث إنَّه في هذا البيت لا داعي لإخراج لفظ (بعض) عن مدلوله مع إمكان صحةِ معناه؛ لأن لبيد يريد بـ (بعض) هنا نفسَهُ هُوَ، من بين نفوس الناس.]] وأنكر عليه الآخرون أشدَّ [[في (ج): (ابتدا).]] الإنكارِ [[وممن أنكر عليه ذلك الزجاجُ، حيث قال: (وأنشد أبو عبيدة في ذلك بيتًا غلط في معناه) ثم قال: (وهذا كلام تستعمله الناس، يقول القائل: (بعضنا يعرفك)؛ يريد: أنا أعرفك، فهذا إنما هو تبعيض صحيح) "معاني القرآن" 1/ 415. أي: إن (بعض) هنا مستعملة في موضعها. لأن المتكلم بعض الناس. وقال ثعلب: (أجمع أهل النحو على أنَّ البعض شيء من أشياء، أو شيء من شيء) ثم ردَّ على من زعم أن المراد بـ (بعض) في بيت لبيد تعني: (كل) فقال عنه: (فادَّعى وأخطأ أنَّ (البعض) ههنا جمعٌ .. وانما أراد لبيد بـ (بعض النفوس): نفسَه). "تهذيب اللغة" 1/ 360. وكذا ردَّه النحاس، في "معاني القرآن" 1/ 403، وابن سيده، كما في "اللسان" 1/ 312، والزوزني في "شرح المعلقات السبع" ص 109.]]. وسنستقصي الكلام في (بعض) عند قوله: ﴿وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ [غافر: 28]، وأنه هل يجوز أن يكون بمعنى الكلِّ، أم لا؟. إنْ شاء الله. وقوله تعالى: ﴿وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ قال أبو إسحاق [[في "معاني القرآن" له: 1/ 415، نقله عنه بنصه.]]: أي: لم أُحلَ لكم شيئًا بغير برهان، فهو حقيق [[في "معاني القرآن" (حق).]] عليكم اتِّباعي؛ لأنَّني أتيتكم [[في "معاني القرآن" (أنبئكم).]] ببرهان، وتحليل طيِّباتٍ كانت [[(كانت): ساقطة من (د).]] حُرِّمَتْ عليكم. وإنَّما وحَّد [[من قوله: (وحد ..) إلى (.. رسالة): نقله بتصرف عن "تفسير الثعلبي" 3/ 54 أ.]] الآية، وكان قد أتاهم بآيات؛ لأنها كلُّها جنسٌ واحدٌ في الدلالة على رسالته.

آل عمران 3:51

وقوله تعالى: ﴿هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾. أي: طريق من طرق الدين مستوي. ومضى الكلام في معنى (الصراط المستقيم) [[انظر تفسير آية: 6 من الفاتحة، في "تفسير البسيط" (تح د/ الفوزان).]].

آل عمران 3:52

قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ﴾. معنى (الإحْساس) في اللغة: وُجودُ الشيء بالحاسة، من جهة المُلابَسة. هذا أصله ثم يختلف في الفرع، والأصل واحد [[قال السمين الحلبي: (وأصله من (الحاسة)، وهي: القوة التي تُدرك الأعراض الحسِّيَّة. و (الحواس): المشاعر .. ويقال: (حَسَسْتُ)، بمعنى: فهمت وعلمت، ولكن لا يقال إلا فيما كان من جهة الحاسة، وأما (أحسَسْت)، فحقيقته: أدركته بحاستي. قوله: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ﴾، تنبيه: أنه قد ظهر منهم الكفر، ظهورًا بأن للحسِّ، فضلًا عن التفهم ..) "عمدة الحفاظ" 123 (حسس).]]. قال الفرَّاء [[في "معاني القرآن" له: 1/ 216.]]: معنى ﴿أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ﴾ [[(منهم الكفر): ساقطة من (د).]]؛ أي: وجد. والإحساس [[في (د): الإحساس (بدون واو).]]: الوجود. وقال ابن المُظَفَّر [[هو الليث بن المظفر، وقد سبقت ترجمته. ولم أقف على مصدر قوله هذا.]]: ﴿أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ﴾: أي رأى. يقال: أحسَسْتُ من فلان أمرًا؛ أي: رأيت. وقال معْمَر [[هو أبو عبيدة، مَعْمر بن المُثَنَّى. وقوله في "مجاز القرآن" 1/ 94.]]: أحسَّ؛ أي: عرفَ. وقال الزجَّاج [[في "معاني القرآن" له: 1/ 416.]]: أحسَّ في اللغة: عَلِمَ، ووجَدَ، ورأى [[(ورأى) غير مذكورة في "معاني القرآن" للزجاج. وقد أورد الأزهري في "التهذيب" 1/ 817 قولَ الزجاج هذا، ولم يذكر فيه (رأى).]]. يقال [[من قوله: (يقال ..) إلى (.. رأيته): غير موجود في "معاني القرآن" للزجاج، ولكن ذكره الأزهري في "التهذيب" 1/ 817 وعزاه للزجاج، مما يعني أن قولَ الزجاجِ هذا نقله المؤلف إما عن "تهذيب اللغة" أو عن نسخة أخرى لمعاني القرآن، لم يعتَمدها محقق الكتاب.]]: (هل أحسَسْتَ صاحبَكَ)؟؛ أي: هل رأيته. هذا كلام أهل اللغة. وقال ابن عباس في رواية عطاء: أحسَّ: عَلِمَ [[لم أقف على مصدر هذه الرواية عن أبي عباس.]]. وقال مقاتل [[قوله في "تفسيره" 1/ 278. ويبدو أن المؤلف نقل قوله عن "تفسير الثعلبي" 3/ 54 أ؛ نظرًا لاتفاق عبارته معه.]]: رأى، نَظِير [[في (ب)، (ج)، (د)، "تفسير الثعلبي": نظيره.]] قوله [[في (ج): (وقوله). وعن ثعلب، قال في معنى هذه الآية: (معناه: هل تبصر، هل ترى؟). "تهذيب اللغة" 1/ 817 (حسس). == وقال ابن الأنباري في "الزاهر" 1/ 331: (معناه: هل تجد منهم من أحد.).]]: ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ﴾ [مريم: 98]. وقوله تعالى: ﴿مِنْهُمُ الْكُفْرَ﴾. يريد: القتل؛ وذلك أنَّهم أرادوا قتلَهُ حين دعاهم إلى الله [[الكفر هنا بمعناه الأصلي الحقيقي، وإنما قال المؤلف: القتل؛ لأنهم أرادوا قتله، نظرًا لكفرهم وجحودهم دعوته، فكانت إرادة القتل من دوافع كفرهم وتكذيبهم به. هذا، والله تعالى أعلم. انظر: "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 659، "تفسير الطبري" 3/ 283، "تفسير القرطبي" 4/ 97.]] [تعالى] [[ما بين المعقوفين زيادة من (د).]]، فاستنصر عليهم، وقال: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾. و (الأنصارُ): جمع (نَصِير)، مثل: (شَرِيف)، و (أشراف) [[انظر: "تفسير الطبري" 3/ 92، 286، "الصحاح" 2/ 829 (نصر).]]. قال الحسن [[قوله في "تفسير الطبري" 3/ 286، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 659، ولفظه عندهما: (استنصر، فنصره الحواريون، وظهر عليهم.)، وورد قوله كذلك في "النكت والعيون" 1/ 396.]]، ومجاهد [[قوله في "تفسير الطبري" 3/ 286، "النكت والعيون" 1/ 396، "زاد المسير" 1/ 394، ولفظه عند الطبري: (قال: كفروا وأرادوا قتله؛ فذلك استنصر قومه).]]: إنَّما استنصر طلبًا للحماية من الكافرين، الذين أرادوا قتله عند إظهار الدعوة، ولم يستنصر للقتال؛ لأنه لم يُبْعث بالحرب. وقوله تعالى: ﴿إِلَى اللَّهِ﴾. أكثر أهل التفسير على أن المعنى: مع الله [[هو قول: السدِّي، ومقاتل، وابن جريج، وسفيان بن عيينه، والكسائي، وابن قتيبة، والطبري، ومكِّي بن أبي طالب. انظر: "تفسير مقاتل" 1/ 278، "تأويل مشكل القرآن" 571، "تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة: 106، "تفسير الطبري" 3/ 284، "معاني القرآن" للنحاس 1/ 405، "تفسير الثعلبي" 3/ 55 أ، وتفسير== المشكل من غريب القرآن: 49. ويبدو أن المؤلف نقل هذه العبارة عن "معاني القرآن" للفراء: 1/ 218، ونصُّها عند الفراء: (المفسرون يقولون: من أنصاري مع الله).]]. قال الفرَّاء [[في "معاني القرآن" له: 1/ 218. نقله عنه مع تصرف يسير جدًّا.]]: وهو وجه حسن، وإنَّما يجوز أن تجعل (إلى) في موضع (مع)؛ إذا ضممت الشيءَ إلى الشيءِ [[(إلى الشيء): ساقطة من: (ج).]]، مما لم يكن معه؛ كقول العرب: (الذَّوْدُ إلى الذَّودِ؛ إبِل) [[في (ج): الدود إلى الدود. وفي "معاني القرآن" إنَّ الذود إلى الذود. و (الذَّوْدُ) من الإبل من الثلاثة إلى العشرة، أو من الثلاثة إلى التسع، وقيل غير ذلك. ولفظ (الذود) مؤنث. انظر: "المذكر والمؤنث" للفراء: 77، "المنتخب" لكراع النمل: 1/ 291، "المذكر والمؤنث" لابن الأنباري: 1/ 522، "المجمل" 362 (ذود)، "اللسان" 3/ 1525 (ذود). وهذا القول مَثَلٌ من أمثال العرب، وهو في كتاب الأمثال، لأبي عبيد بن سلام: 190، "تأويل مشكل القرآن" 571، وجمهرة الأمثال، لأبي هلال العسكري: 1/ 458، 462، 2/ 226، 289، والمخصص: 7/ 129، 14/ 67، 17/ 9، وفصل المقال في شرح كتاب الأمثال، لأبي عبيد البكري: 282، ومجمع الأمثال، للميداني: 1/ 288. والمستقصى من أمثال العرب، للزمخشري: 1/ 422، "اللسان" 3/ 1525 (ذود).]]؛ أي [[من قوله: (أي ..) إلى (.. الذود): ساقط من (د).]]: إذا ضممت الذَّوْدَ إلى الذَّودِ [[في (ج): (الدود إلى الدود).]]، صارت إبِلًا. فإذا كان الشيءُ مع الشيءِ، لم يصلح مكان (مع) (إلى) [[(إلى): ساقطة من (د).]]، ألا ترى أنَّك تقول: قَدِمَ فلانٌ ومعه مالٌ كثيرٌ، ولا تقول في هذا الموضع: وإليه مالٌ كثير [[في "معاني القرآن": قدم فلان وإليه مال كثير.]]. وكذلك تقول: قَدِمَ فلانٌ إلى أهله، ولا تقول: مع أهله، ومنه قوله [[في (أ): (قولهم). والمثبت من بقية النسخ، ومن "معاني القرآن".]]: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: 2] معناه: لا [[في (ج)، (د)، "معاني القرآن": (ولا).]] تُضيفوا [[في (ب): (لا تضيعوا).]] أموالهم إلى أموالكم في الأكل [[في الأكل: غير موجودة في "معاني القرآن".]]. وقال أبو إسحاق [[في "معاني القرآن" له: 1/ 416 نقله عنه بالمعنى.]]: (إلى) ههنا إنما قاربت معنى (مع)، بأن صار اللفظ لو [[في (د): (إذ).]] عُبِّرَ عنه بـ (مع) [[في (ب): (مع)، بدون الباء.]] أفاد مثل هذا المعنى، لا أنَّ (إلى) في معنى (مع) [[(مع): ساقطة من: (ج).]]. لو قلت: (ذهب زيد إلى عمرو)، لم يجز أن تقول: (مع عمرو) في [[في (ج)، (د): (وفي).]] هذا الموضع؛ لأن (إلى) غاية، و (مع) تضمُّ الشيءَ إلى الشيءِ، والمعنى في الآية: من يضيف نُصْرَته إيَّايَ إلى نُصْرةِ الله. والحروف [[في (ج): (والحروف).]]، إنما يقع بعضها مكان بعض؛ لنوع تقارب في المعنى؛ لا أنَّ [[في (ج): (لأن) بدلًا من (: لا أن).]] أحدهما يقوم مقام الآخر، كقوله: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: 71]؛ أي: على. وأصل (في): إنما هو للوعاء [[في (ب): (الدعاء).]]، وأصل (على): لما علا [على] [[ما بين المعقوفين زيادة من (د). وفي "معاني القرآن" 1/ 417: (وأصل (على) لما مع الشيء).]] الشيء، تقول: (التمرُ في الجِراب)؛ المعنى فيه: أنَّ الجِراب مشتمل عليه، ولو [[في (ج): (لو بدون واو).]] قلت: (التمرُ على الجِرابِ)، لم يصلح [[(لم يصلح): ساقطة من: (ج).]] في هذا المعنى. وجاز ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾، بمعنى: على، لأن الجِذْع مشتمل على المصلوب، ولو قلت: (زيدٌ في الجبل)، و (على الجبل). [يصلح] [[ما بين المعقوفين: زيادة من "معاني القرآن" ليتم بها المعنى.]]؛ لأن [[في (ج): (أن).]] الجبل قد اشتمل على زيد، فعلى هذا مَجاز هذه الحروف [[انظر: "تفسير الطبري" 3/ 284، "معاني القرآن" للنحاس 1/ 405. وقد سبق الحديث عن تناوب حروف الجر في التعليق على تفسير المؤلف لقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾، آية: 9 من آل عمران. وانظر كذلك في هذا المعنى "إعراب القرآن" المنسوب للزجاج: 806، "الخصائص" لابن جني: 2/ 306315. وقد قال ابن الأنباري كما نقل عنه ابن الجوزي في "زاد المسير": 1/ 393: (ويجوز أن يكون المعنى: من أنصاري إلى أن أبين أمر الله). وذكر الماوردي في "النكت والعيون" 1/ 395 بقية الأقوال في الآية إضافة إلى ما سبق، وهي: من أنصاري في السبيل إلى الله. وقيل: من ينصرني إلى نصر الله. وقيل: من ينقطع معي إلى الله.]]. وقوله تعالى: ﴿قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾ اختلفوا في (الحواريِّين): فقال ابن عباس في رواية سعيد بن جبير [[هذه الرواية في "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 659، "تفسير الثعلبي" 3/ 55 أ، "النكت والعيون" 1/ 395، "زاد المسير" 1/ 394، وأوردها السيوطي في "الدر" 2/ 62، وزاد نسبة إخراجها للفريابي، وعبد بن حميد، وابن المنذر. وأخرجها البخاري تعليقًا، فقال: (وقال ابن عباس: .. وسُمَّيَ الحواريُّون لبياض ثيابهم) 7/ 79 "الفتح" كتاب فضائل أصحاب النبي، باب: مناقب الزبير بن العوام.]]: كانوا صيَّادين، سُمُّوا حواريين؛ لبياض ثيابهم. قال السُدِّي [[قوله هذا جزء من أثر طويل أخرجه الطبري في "تفسيره" 3/ 284 - 286.]]: وذلك أنَّ عيسى [عليه السلام] [[ما بين المعقوفين زيادة من (د).]] مرَّ بهم وهم يصطادون السمكَ، فقال: ما تصنعون؟ فقالوا [[في (ج): (قالوا بدون فاء).]]: نصطاد السمك. قال: أفلا تمشون حتى نصطاد الناس؟ قالوا: وكيف ذاك؟ قال: من أنصاري إلى الله؟ قالوا: ومن أنت؟ قال: أنا عيسى بن مريم، عبد الله ورسوله، فآمنوا به، وانطلقوا، فهم الحواريُّون. قال ابن الأنباري [[في " الزاهر" 1/ 121 - 122، ونقله عنه بالمعنى، ولكن قوله: (وإنما يراد ..) وما بعده، غير موجود في كتابه "الزاهر" في هذا الموضع، وإنما ورد معناه في نفس الكتاب في 1/ 539، فإما أن يكون المؤلف نقل بالمعنى من الموضعين ولَفَّق بينهما، أو يكون نقله من كتاب آخر لابن الأنباري.]]: وهذا قول بعض اللُّغَويِّين [[في (ج): (الكوفيين). وقد عزا ابن الأنباري هذا القول لقطرب، وهو محمد بن المستنير.]]، يقول: الحواريُّون: النِظَافُ الثِّياب؛ من قول العرب: (قد حُرْت الثوبَ): إذا غسلته، ونَظَّفته، قال: وإنما يراد بنظافة الثياب: نظافةُ الأديان والأعمال. يقال: (فلانٌ نظيف الثياب): إذا كان صالحًا، و (دَنِسُ الثياب): إذا كان غادرًا و [[في (ج)، (د): (أو).]] فاجرًا. قال امرؤ القيس: ثِيابُ بني عَوْفٍ طَهارى نقِيَّةٌ [[في (ج): (نظيفة). وهذا صدر بيت، وعجزه: وأوْجهُهُم عند المشاهد غُرَّانُ= وقد ورد في ديوانه: ص 167، كما ورد منسوبًا له، في "الزاهر" 1/ 539، "تهذيب اللغة" 3/ 2226 (طهر)، 3/ 2652 (غرر)، "الصحاح" 2/ 767 (غرر)، "اللسان" 5/ 2712 (طهر)، 6/ 3234 غرر)، "التاج" 7/ 301. وترويه بعض المصادر السابقة: (.. وأوجُهُهُم بِيضُ المَسافِرِ غُرَّان). و (طَهارى) و (أطهار): جمع طاهر، وترد (طهارى) نادرة. و (غُرَّان): جمعٌ، ومفردها: (أغَرُّ). و (رجل أغرُّ الوجه): إذا كان أبيض الوجه، و (هو من قومٍ غُرِّ، وغُرَّان). و (مَسَافِر الوجه): ما يظهر منه. انظر: "تهذيب اللغة" 3/ 2652 (غرر)، "اللسان" 5/ 2712 (طهر)، و4/ 2024 (سفر). قال ابن الأنباري: (وهم يكنون بالثياب عن النفس والقلب ..)، ثم قال عن البيت: (معناه: هم في أنفسهم طاهرون). "الزاهر" 1/ 539. وقال عنه الزبيدي: (أي: إذا اجتمعوا لغرْم حَمَالةٍ، أو لإدارة حرب، وجدت وجوههم مستبشرة، غير منكرة). "التاج" 7/ 301.]] أراد بـ (الثياب): الأفعال. وقال [ابن عباس] [[ما بين المعقوفين زيادة من (د).]] في رواية عَطَاء [[ورد معنى هذه الرواية عن عطاء دون رفع إلى ابن عباس في "تفسير الثعلبي" 3/ 55 أ، وفي "تفسير البغوي" 2/ 42. وورد هذا القول عن أبي أرطأة يرويه عن ابن أبي نجيح، كما في "تفسير الطبري" 3/ 287، "تفسير الثعلبي" 3/ 55 أ. وورد عن الضحاك ومقاتل، كما في "زاد المسير" 1/ 494، "غرائب القرآن" 3/ 501، "البحر المحيط" 2/ 471.]]: كانوا قَصَّارين [[قَصَرَ الثوبَ قِصَارةً: حَوَّره ودقَّهُ. وقصَّره تقصيرًا، مثله. والقصَّار، والمُقَصِّرُ: المُحَوِّرُ للثياب، لأنه يدُقُّها بالقَصَرَةِ، وهي قطعة من الخشب، وحرفته: القِصارَةُ. والمِقْصَرَةُ: خشبة القصَّار. انظر: "اللسان" 6/ 3649 (قصر).]]، وكانوا يُحَوِّرُون الثياب؛ أي: يُبَيِّضونَها [[انظر: "غريب الحديث" لأبي عبيد: 1/ 217، "تهذيب اللغة" 1/ 696 (حور)، "مقاييس اللغة" 2/ 116 (حور)، "اللسان" 2/ 1044 (حور).]]. وهو قول مصعب [[هو: مصعب بن سعد بن أبي وقاص الزهري، أبو زرارة المدني، تابعي، ثقة كثير الحديث. توفي سنة (103هـ). انظر: "الجرح والتعديل" 8/ 303، "المراسيل" 206، "تهذيب التهذيب" 4/ 84.]]، قال [[قوله في "تفسير الثعلبي" 3/ 55 ب.]]: كانوا مع عيسى، اتَّبعوه وصدَّقوه [[في (ب): (وصل وقوه).]]، وكانوا إذا احتاجوا إلى الطعام أو [[في (ب)، (د): (و).]] الشراب، دعا الله تعالى، فيخرج [[في (ج): (ليخرج).]] من الأرض ما يأكلون، وما يشربون، أينما كانوا. فقالوا له [[في (ب): (أيا الـ) بدلًا من: (له).]]: من [[(من): ساقطة من: (ب).]] أفضل منَّا؟ إذا شئنا أطعمتنا، وإذا شئنا سقيتنا، وقد آمنَّا بك!؟ فقال: أفضل [[في (أ)، (ب): (يال)، والمثبت من: (ج)، (د).]] منكم من يعمل بيده، ويأكل من [كسبه] [[ما بين المعقوفين غير مقروءة في (أ). والمثبت من: بقية النسخ، ومن "تفسير الثعلبي".]]. قال: فصاروا يغسلون الثياب بالكراء، ثمَّ صار هذا الاسم مُستعمَلا فيمن أشبههم [[في (ب): (أشباههم).]] من المُصدِّقين بأنبيائهم [[(بانبيائهم): ساقطة من (ج)، (د).]]؛ تشبيهًا بهم. وروى جُوَيْبِر [[هو: أبو القاسم، جويبر بن سعيد الأزدي البلخي. تقدمت ترجمته.]] عن الضحَّاك، قال [[الأثر في "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 659، "الدر المنثور" 2/ 63، وزاد نسبته إلى عبد بن حميد.]]: مرَّ عيسى عليه السلام بغسَّالين، يغسلون الثياب، فدعاهم إلى عبادة الله عز وجل، فآمنوا، فسمَّاهم الله: حواريين. قال: وهي [[(وهي): ساقطة من (د).]] بلغة النَّبَط [[في (ب): (وهي بلغة القيطي). و (النَّبَطُ): جِيْل ينزلون سواد العراق، ويقال: النَّبيط، والأنباط. والمفرد: نَبَطي، ونُباطي، ونَباط، ويقال كذلك: بَناطي. انظر (نبط) في "تهذيب اللغة" 4/ 3497، "التاج" 10/ 425. وفي الموسوعة العربية الميسرة: أنهم قبائل بدوية كانت تعيش في الصحراء في شرق الأردن، وقامت لهم دولة قديمًا، سنة (169 ق. م)، وعاصمتهم البتراء، ولغتهم العربية. ص: 231 - 232.]]: هواري [[انظر: "المهذب فيما وقع في القرآن من المعرب" للسيوطي: 86، وقد أورد هذا الأثر عن الضحاك، وأورد عن ابن جريج فيما يرويه عنه ابن المنذر: (الحواريون: الغسَّالون للثياب، وهي بالنبطية: الحوار)، وأشار محقق الكتاب الدكتور التهامي الهاشمي إلى أن هذه اللفظة في اللغة الحبشية تعني: (رسول)، ولها أصل في الآرامية، وتعني عندهم: (الأبيض).]]. قال أبو بكر [[هو ابن الأنباري، وقد ورد التصريح باسمه في "الدر المصون" 3/ 210. ولم أقف على مصدر قوله.]]: فمن أخذ بهذا القول، قال: هذا حرفٌ اشتركت فيه لغة العرب ولغة [[في (ب): (واللغة).]] النَّبَطٍ. وهذا قول مقاتل بن سليمان: إنَّ الحواريِّين القصَّارون [[قوله في "تفسيره" 1/ 278. قال: (فمرَّ عيسى عليه السلام على الحواريين، يعني: على القصارين. غسَّالي الثياب).]]. قال أبو بكر [[في (ج): قال أبو بكر ومقاتل. ولكن لم أجد هذا القول لمقاتل في تفسيره، ولا في بقية المصادر التي رجعت إليها، ولم يعزه أحد منها إليه، ولم تذكره بقية النسخ؛ لذا أهملته، ولم أثبته في الأصل؛ لما ترجح عندي أنه سبق قلم من الناسخ. وقول أبي بكر بن الأنباري، في "الزاهر" 1/ 121، ونصُّه: (وقال آخرون: الحواريون: المجاهدون، واحتجوا بقول الشاعر: ..)، ثم ذكر الشعر، وبقية العبارات غير موجودة في "الزاهر" فقد يكون المؤلف نقل قوله هذا عن كتاب آخر له، أو أنه أضاف هذه العبارات من عنده، توضيحًا وشرحًا. والله أعلم.]]: ويقال [[في (ج): (يقال بدون واو).]]: الحوارُّيون: المجاهدون، وسُمِّيَ أصحابُ عيسى حواريين؛ لمجاهدتهم معه، وصبرهم على منازعة أهل الكفر، وأنشد: ونحن أناسٌ يملأُ البَيْضَ هامُنا ... ونحنُ حَواريُّون حينَ نُزاحِفُ. جماجمُنا يومَ اللقاءِ تِراسُنا ... إلى الموت نمشي [[في (ج): (تمشي).]] ليس فيها تَجانُفُ [[لم أهتد إلى قائله. وهما في "الزاهر" 1/ 121، "زاد المسير" 1/ 394 وقد ورد البيت الثاني فيهما برواية: (.. ليس فينا ..). ومعنى (البَيْضَ) هنا: الحديد الذي يوضع على الرأس لحمايته في العرب، وهي: الخُوذَة، ومفردها: بَيْضَة. وقوله: (هامُنا): جمع (هامة)، وهي: الرأس. وقوله: (نزاحف) من (الزَّحْفِ)، وهو: المشي قليلًا، قليلًا. ويراد به هنا الزحف لقتال العدو. و (الجماجم)، جمع: جُمْجُمَة، وقد يريد بها هنا جمجمة الرأس، أو يريد: جماجم القوم؛ أي: ساداتهم ورؤساؤهم، ويكون معنى البيت في هذه الحال: أن سادتهم يتقدمونهم للحرب، ويكونون لهم كالترس الواقي. و (التِراسُ)، جمع: (تُرْس)، وتجمع كذلك على (أتراس) و (تِرَسة) و (تُروس)، وهو: ما يُتَوقَّى به في الحرب. و (تَجانُف): تمايل. وهي مصدر: (تَجانَفَ)، أي: مال. وقد وردت في المخطوطة (تجانف) بكسر النون، وأثْبَثُّ ما رأيته صوابًا؛ لأن (تَفاعَلَ) يأتي مصدرها على (تَفاعُل) بضم العين. انظر: "المزهر" للسيوطي: 2/ 81 وانظر: "اللسان" 8/ 4723 (هوم)، 3/ 1816 (زحف)، 2/ 686 (جمم)، 1/ 428 (ترس)، 2/ 700 (جنف)، "المعجم الوسيط" 1/ 78 (بيض)، (1011) (هوم).]] والمختار من هذه الأقوال عند أهل اللغة: أنَّ هذا الاسم لزمهم للبياض. قال [[من قوله: (قال ..) إلى (.. هم خاصة الصحابة): نقله بتصرف قليل واختصار في بعض المواضع عن "تهذيب اللغة" 1/ 696.]] أبو عبيد [[قوله في "غريب الحديث" 1/ 217، وقد نقله عنه الأزهري بمعناه، ونقله الواحدي عن الأزهري.]]: سُمَّي أصحاب عيسى الحواريين، للبياض، وكانوا قصَّارين. قال الفرزدق [[هو: أبو فراس، هَمَّام بن غالب بن صعصعة التميمي. تقدمت ترجمته.]]: فقلت إنَّ الحوارِيَّات مَعْطَبَةٌ ... إذا تَفَتَّلْنَ [[في (د): (تقتلن).]] من تَحْتِ الجَلابِيبِ [[البيت، في ديوانه: 25. كما ورد في "تهذيب اللغة" 1/ 696 (حور)، "تفسير الثعلبي" 3/ 56 أ، "اللسان" 2/ 1043 (حور)، "الدر المصون" 3/ 209. ومعنى (مَعْطَبَة): مَهْلَكَة؛ من: (عَطِبَ)، أي: هلك. و (تفَتَّلْنَ): تمايلن، وتلَوَّيْنَ، وأصلها من: (فَتَلَ الحبلَ، وفتَّله): إذا لواه و (الجلابيب): جمع (جِلْباب): القميص أو الثوب الواسع. انظر (عطب) في "القاموس" ص 116، و (فتل) في "اللسان" 6/ 3344، "القاموس" ص1041، و (جلب) في "القاموس" ص 68.]] يعني: النساء [[انظر هذا المعنى في: "جمهرة اللغة" لابن دريد: 258 (حور)، "تهذيب اللغة" 1/ 696 (حور). قال ابن دريد: (الحَواريَّات: النساء الحَضَرِيَّات؛ سُمِّين بذلك لنقائهن، وبياضهنَّ).]]. ورُوي عن النبي ﷺ أنه قال: "الزُّبَير [[في (ب): (النصر).]] ابنُ [[في (ب): (بين بن).]] عمَّتي، وحَواريَّ من أمَّتي" [[الحديث بهذا اللفظ: أخرجه الإمام أحمد في "المسند" 3/ 314 (وانظر: "الفتح الرباني" للبنا: 22/ 240)، وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف: 6/ 379 (32154). وورد في "غريب الحديث" 1/ 217، وأورده المتقي الهندي في "كنز العمال" 11/ 682، وعزاه لأحمد. وورد بلفظ: "إن لكل نبي حواريَّ، وإن حواريَّ الزبير بن العوام". أخرجه البخاري (3719)، كتاب: فضائل أصحاب النبي ﷺ، باب: مناقب الزبير بن العوام (4113) كتاب: المغازي، باب، غزوة الخندق (2846) باب: فضل الطيعة، (2847) باب: هل يبعث الطليعة وحده، (2997) باب: السير وحده من كتاب: الجهاد. وأخرجته الكتب التالية بنصه أو قريبًا منه: صحيح مسلم: (2415) كتاب فضائل الصحابة، باب (من فضائل طلحة والزبير). وسنن الترمذي: (3744)، (3745) كتاب المناقب، باب، 24، 25، "مسند أحمد" 1/ 89، 3/ 307. (وانظر: "المسند" بشرح: أحمد شاكر: 2/ 79). "سنن ابن ماجه" (122)، المقدمة، باب: فضل الزبير. وانظر: "صحيح سنن ابن ماجه" للألباني: 1/ 27). "المستدرك" 3/ 362 كتاب معرفة الصحابة، "الحلية" لأبي نعيم: 4/ 186، وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد" 9/ 151، والمتقي الهندي في "كنز العمال" 11/ 682. والزبير، هو: ابن العوّام بن خويلد الأسدي القرشي، تقدمت ترجمته.]]. قال أبو عبيد [[قوله في "غريب الحديث" 1/ 217، وقد نقله عنه الأزهري في "تهذيب اللغة" 1/ 696 بمعناه، ونقله الواحدي عن الأزهري.]]: أصل هذا إنما كان [[في (د): (يكون).]] بُدُوَّهُ [[في (ب): (بد). وفي "تهذيب اللغة" بَدْؤُهُ، وليس موجودة في "غريب الحديث" وأثبتُّها كما هي أعلاه؛ لاتفاق النسخ عليها، ولصحة معناها؛ لأن (البُدُوَّ)، يعني: الظهور، من: (بدا)؛ أي: ظهر، (يبدو، بَدْوًّا، وبَدًا). أما (بَدْؤُهُ)، فهي من: (بَدَأ، يبدَأ، بَدْأ)، و (البَدْءُ): فعلُ الشيءِ أوَّلُ. انظر: "اللسان" 1/ 234 (بدا)، و1/ 223 (بدأ).]] الحواريُّون [[في (ب): (الحواريين).]]، أصحاب عيسى؛ سُمُّوا بذلك لأنهم كانوا يحوِّرون الثياب، وهو [[في (ج): (وهي).]]: التبييض، فلما كانوا هؤلاء أنصار عيسى دون الناس، قيل لكلِّ ناصرٍ نَبِيَّهُ: (حواريٌ)، تشبيها بأولئك. وروى [[في (ج): (روي بدون واو).]] ثَعْلَب عن ابن الأعرابي: الحوارُّيون: الأنصار، وهم خاصَّة الصحابة [[في "تهذيب اللغة" أصحابه. وأشار محققه في الهامش إلى ورود (الصحابة) في نسخة أخرى للتهذيب.]]، وهذا معنى قول قتادة [[قوله في "تفسير الطبري" 6/ 450، "تفسير الثعلبي" 3/ 56 ب، "تفسير البغوي" 2/ 43.]]، والكلبي [[قوله في "تفسير البغوي" 2/ 43.]]، وأبي رَوْق [[قوله في "تفسير الطبري" 3/ 287، يروي عن الضحاك.]]، قالوا: الحواريُّون: خَواصُّ عيسى، وأصفياؤه [[في (ج): (وأصفيائه).]]. واختاره الفرَّاء [[في "معاني القرآن" له: 1/ 218.]]. وروى شَمِر عن ابن الأعرابي، أنه قال [[لم أهتد إلى مصدر رواية شمر عن ابن الأعرابي.]]: الحواري: الناصح، وأصله: الشيء الخالص. وكلُّ شيءٍ خَلَصَ لونُهُ، فهو: حَواري. والحواريَّات من النساء: النَّقِيَّاتُ الألوان والجلود. قال أبو عبيدة [[من قوله: (قال أبو عبيدة ..) إلى نهاية بيت الشعر. نقله عن "تهذيب اللغة" 1/ 697، والأزهري في "التهذيب" ذكر معنى قول أبي عبيدة. ونص قوله كما في "مجاز القرآن" 1/ 95: (و (الحواريات) من النساء: الاتي لا ينزلن البادية، وينزلن القرى. قال الحادي: (لمَّا تضمَّنت الحواريات). وقال أبو جلدة اليشكري: ..) وذكر بيت الشعر.]]: يقال لنساء الأمصار: حواريات؛ لأنهنَّ تباعدن عن قَشَفِ الأعرابيات، وأنشد: فَقُلْ للحواريَّات يَبكِينَ غيرَنا ... ولا يبْكِينا إلاَّ الكلابُ النَّوابِحُ [[البيت لأبي جِلْدة بن عبيد اليشكري. وقد ورد منسوبًا له، في "مجاز القرآن" 1/ 95، "تفسير الطبري" 3/ 278، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 418،"معاني القرآن" للنحاس 1/ 407، "المؤتلف والمختلف" للآمدي: 106، 107، "الصحاح" 2/ 640 (حور)، "تفسير الثعلبي" 3/ 56 أ، وفيه (ابن حلزة)، "المحرر الوجيز" 3/ 139، "اللسان" 2/ 1044 (حور)، " البحر المحيط" 2/ 470. وورد غير منسوب، في غريب لحديث، لأبي عبيد: 1/ 217، "الجمهرة" لابن دريد: 285 (نبح)، "الزاهر" 1/ 121، "تهذيب اللغة" 1/ 697 (حور)، "معجم مقاييس اللغة" 2/ 116 (حور)، "أساس البلاغة" 1/ 205 (حور)، "تفسير القرطبي" 4/ 98. وقد ورد البيت في أكثر المصادر بلفظ: (.. ولا تبكنا.)، وفي "التهذيب". (ولا يَبكِينَ)، وفي المؤتلف والمختلف: (فقل لنساء المصر ..). ومعنى البيت: قل للنساء الحضريات، المترفهات، البيضاوات، يبكين غيرنا، أما نحن، فغير مترفين ولا مرفهين، بل من أهل البدو، فلا تبكي علينا إلا الكلاب النوابح التي تخرج معنا للصيد.]] واختار الزجَّاج هذا القول، وقال [["معاني القرآن" له: 1/ 417، نقله عنه بتصرف يسير.]]: الحُذَّاقُ باللغة يقولون: الحواريون: صفوة الأنبياء، الذين خَلَصوا [[في (د): (أخلصوا).]]، وأخْلصوا في التصديق بهم، ونُصرتهم [[هذا الذي قاله الزجاج، إنما هو من إطرادات كلمة (حواري)، وتقرير حال أولئك الذي أطلِقت عليهم هذه الكلمة، وليس تفسيرًا لفظيًا لها، لأن أصل كلمة (حَوَرَ) هو: شدة البياض، وكما بيَّن المؤلف أن أصحاب عيسى عليه السلام وخاصته، سُمُّوا بذلك؛ لتبييضهم الثياب، فجرى هذا الاسم لهم، ثم أطلق على خاصَّة الأنبياء وناصريهم. انظر: "تفسير الطبري" 3/ 287، "المحرر الوجيز" 3/ 138.]]. وقوله تعالى: ﴿نَحْنُ أَنصَارُ الله﴾. أي: أنصار دين الله، آمنَّا بالله، واشهد يا عيسى بأنَّا مسلمون.

آل عمران 3:53

وقوله تعالى: ﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ قال عطاء، عن ابن عبَّاس [[ورد الأثر عن عطاء دون أن يُرفع إلى ابن عباس، في "تفسير الثعلبي" 3/ 57أ، "تفسير البغوي" 2/ 43، "زاد المسير" 1/ 395. وورد من رواية عكرمة من ابن عباس: (قال: مع محمد وأمَّتِهِ، فإنهم قد شهدوا أنه قد بلغ، وشهدوا للرسل على أنهم قد بَلَّغوا) أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" 11/ 279، رقم (11732).]]: يريد: مِن النبيِّين [[هكذا جاءت في جميع النسخ (من النبيين)، وعند الثعلبي: (مع النبيين). وقد ورد عن ابن عباس في هذا المعنى قولَه: (من محمد ﷺ وأمته أنهم قد شهدوا له أنه قد بلغ، وشهدوا للرسل أنهم قد بلَّغوا). انظر: "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 660، "معاني القرآن" للنحاس 1/ 407، "تفسير الثعلبي" 3/ 57 أ، "تفسير البغوي" 2/ 43، "تفسير ابن كثير" 1/ 392، "الدر المنثور" 2/ 63، وزاد نسبة إخراجه للفريابي، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وأبي الشيخ، وابن مردوية.]]؛ لأن كل نبي شاهدُ أمتِّهِ. قال: فنبَّأهم الله -تعالى- أجمعين، إجابة [[في (ج): (أجابهم).]] لهم، فأحيوا الموتى، وصنعوا كل ما صنع عيسى [[من قوله: (قال: فنبأهم ..) إلى (.. ما صنع عيسى): هذه الزيادة لم أقف عليها فيما رجعت إليه من مصادر.]]. وقال أكثر أهل التفسير [[ممن قال بهذا الطبري، في تفسيره: 3/ 288، والزجاج، في "معاني القرآن" 1/ 418، والنحاس، في "معاني القرآن" 1/ 407.]]: (اكتبنا [مع الشاهدين] [[ما بين المعقوفين: زيادة من: (د).]]): مع الذين شهدوا للأنبياء بالصدق. ومعنى (اكتبنا معهم): أَثبِت أسماءَنا مع أسمائهم؛ لنفوز بمثل [[في (د): (مثل).]] ما فازوا، وننال مِن الكرامة مثل ما نالوا.

آل عمران 3:54

[و] [[ما بين المعقوفين: زيادة من (د).]] - قوله تعالى: ﴿وَمَكَرُواْ﴾. أصل (المَكْر) في اللغة: السعي في الفساد [[في (ج)، (د): (بالفساد).]] في خفية، ومُداجاة [[انظر (مادة: مكر) في "كتاب العين" 5/ 370، "تهذيب اللغة" 4/ 3434، "تفسير الثعلبي" 3/ 57 أ، "اللسان" 7/ 4247، "التاج" 7/ 493494. و (المُداجاة): من: (داجى الرجلَ): ساتره بالعداوة، وأخفاها عنه، فكأنه أتاه في الظلمة. و (المداجاة): المداراة، و (داجَيتة): داريته، وكأنك ساترته العداوة انظر: "اللسان" 3/ 1332 (دجا).]]. قال الزجاج [[لم أقف على مصدر قوله وقد ذكره كذلك السمين الحلبي في "الدر المصون" 3/ 212، ولم يبين مصدره.]]: يقال: (مَكَرَ الليلُ، وأمْكَر): إذا أظلم [[لم أعثر على هذا المعنى فيما رجعت إليه من مصادر اللغة، وقد ذكره الثعلبي في "تفسيره" 3/ 57 أقائلًا: (قال أهل المعاني: المكر: السعي بالفساد في سَتر ومُداجاة، وأصله من قول العرب: (مكَرَ الليلُ): إذا أظلم).]]. قال ابن عباس [[لم أقف على مصدر قوله وقد أورد معناه ابنُ الجوزي في "زاد المسير" 1/ 395.]]: يريد: أنَّ عامَّة بني إسرائيل كفروا به، وهَمَّوا بقتله، وتواطئُوا على الفتك به، فذلك مكرهم به. وقوله تعالى: ﴿وَمَكَرَ اللَّهُ﴾. قال أهل المعاني [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 218، "معاني القرآن" للزجاج، 1/ 419، "معاني القرآن" للنحاس 1/ 408، "تفسير الثعلبي" 3/ 57 أ.]]: المَكْرُ مِنَ [[في (د): (في).]] المخلوقين: خِبٌّ [[في (د): (خبث). (الخِبُّ) بكسر الخاء: الخِداع، والخُبْثُ، والغِشُّ. و (الخَبُّ) بفتح الخاء، وقد تكسر: الخدَّاع، الذي يسعى بين الناس بالفساد، والفعل منه: (خَبَّ)؛ أي: خَدَعَ وغشَّ غشًا منكرًا، و (خبَّبَهُ تخبيبًا): خدعه وأفسده. انظر (مادة: خبب) في "المجموع المغيث في غريبي القرآن والحديث": 1/ 541، "القاموس" 77.]] وخِداعٌ، وهو مِنَ الله: استدراجه العِبادَ. قال الله تعالى: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [[سورة الأعراف: 182، والقلم: 44.]]. قال ابن عباس في تفسيره [[في (ج): (تفسير). وقوله أورده الثعلبي في "تفسيره" 3/ 57 أ، وذكره المؤلف في تفسيره "البسيط"، تح (د). الفوزان) 2/ 541، والقرطبي في "تفسيره" 4/ 98.]]: كلَّما أحدثوا خطيئةً، جدَّدْنا [[في (ج): (حددنا).]] لهم نعمةً. وليس المراد بـ (مَكْرِ اللهِ) في هذه الآية، هذا الوجه. ووجه (مكرِ اللهِ) بهم في هذه القصَّة، ما قال الزجاج، وهو أنه قال [[في "معاني القرآن" له: 1/ 419، نقله عنه باختصار.]]: المكر من الله عز وجل: المجازاة على ذلك، فسُمِّي باسمه، كقوله: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾، وقد مرَّ [[انظر: "تفسير البسيط" للمؤلف: [البقرة: 15]. والواحديُّ عند تفسيره لهذه الآية أوَّلَ الاستهزاء الوارد في الآية بالمجازاة؛ أي: يجازيهم جزاء استهزائهم، وأجراه على المجاز، لا على الحقيقة، وما ذكره المؤلف حول معنى الاستهزاء، والمكر الوارد في هذه الآيات إنما هو من لوازم معانيها، والواجب في مثل هذه الألفاظ الاستهزاء، والمكر، والخديعة، والسخرية الواجب فيها أن تُثبت على الحقيقة، كما أثبتها الله لنفسه، دون تأويل. وتُجرى وفق ما يليق به تعالى ولكن لا يُشتَق من هذه الأفعال التي أطلقها الله على نفسه أسماءٌ منها، فلا يقال: ماكر، ولا مستهزيء، حاشاه عن ذلك؛ وذلك أن هذه الأفعال في إطلاقاتها، أوسع من== إطلاقات الأسماء. انظر: "تفسير الطبري" 1/ 132 - 133، "مجموع فتاوى ابن تيمية" 7/ 111 - 112، "إعلام الموقعين" لابن القيم: 3/ 217 - 218، "مدارج السالكين" 3/ 415.]] قال المفسرون: ومكْرُ اللهِ بهم في هذه القصَّه: إلقاءُ شَبَهِ عيسى على [[من قوله: (على ..) إلى (.. في سورة عيسى): ساقط من: (ج).]] من دَلَّ عليه، حتى صُلِب بَدَلَه. قال ابن عباس: وذلك أن أحد الإنجيلية [[في (د): (أصحابه).]] ممن آمن به، نافَقَ، فدلَّ [[في (ج): (يدل).]] عليه، فجعله [[(أ)، (ب): (جعل)، وهي ساقطة من: (ج). والمثبت من (د).]] الله تعالى في سورة عيسى، فأُخِذ فَصلِبَ [[الذي وقفت عليه مما ورد عن ابن عباس: أن اليهود لمَّا أرادوا قتل عيسى عليه السلام حاصروه، وحوارييه، ثم بعث رأسُ اليهود رجلًا خبيثًا ليدخل ويقتل عيسى عليه السلام، فرفع اللهُ عيسى، وألقى شبهَهُ على هذا الرجل، فلمَّا خرج الرجلُ إلى أصحابه بعد أن لم يرَ عيسى، ظنَّه أصحابُه أنه عيسى، فقتلوه وصلبوه. وقد أورد هذه القصة عن ابن عباس: الثعلبيُّ في "تفسيره" 3/ 57 ب، والبغوي في "تفسيره" 2/ 4445، وابن الجوزي في "الزاد" 1/ 395، وأوردها القرطبي في "تفسيره" ولم يعزها إلى ابن عباس. وكذا ورد عن السدِّي بمعناه كما في "تفسير البغوي" 2/ 45، وعن مقاتل في "تفسيره" 1/ 278. وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عباس من طريق سعيد بن جُبير قصَّةً، مُلَخصها: أن عيسى عليه السلام لما خرج على أصحابه، وهم اثنا عشر رجلًا، قال لهم: (أيُّكم سيُلقى عليه شَبَهي، فيُقتَل مكاني، فيكون معي في الجنة؟) فتطوع أحدهم، فألقِيَ عليه شَبَه عيسى عليه السلام، ثم رفع عيسى إلى السماء، ولما جاء طلبُ اليهود، أخذوا الشبيه، فقتلوه وصلبوه. انظر: "مصنف ابن أبي شيبة": 6/ 342. وكذا ورد بهذا المعنى عن السُدِّي، كما في "تفسير الطبري" 3/ 289، وورد مثله عن قتادة في "تفسير البغوي" 2/ 45 == فليس في هذه الروايات عن ابن عباس وغيره، أن الذي دلَّ عليه كان ممن نافق من أصحابه، ولكن ورد ذلك عن وهب، وهو: أن الذي دلَّ اليهود عليه أحدُ الحواريين من أصحاب عيسى عليه السلام بعد أن أخذ رشْوَةً من اليهود، فلما دخل هذا الرجل إلى البيت الذي فيه عيسى، رفع اللهُ عيسى عليه السلام، وألقي شبَهَهُ على الرجل، فأخذه بعدها اليهود وقتلوه وصلبوه، ظنًا منهم أنه عيسى عليه السلام. انظر هذه الرواية عن وهب في "تفسير الثعلبي" 3/ 57 ب، "تفسير البغوي" 2/ 46.]]. وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾. أي: أفضل المُجازين بالسيِّئَة العقوبة.

آل عمران 3:55

قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى﴾. الآية. العامل في (إذ): قوله: ﴿وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ [[أي إنها منصوبة بقوله: ﴿وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ أي ت ومكر الله بهم في هذا الوقت. وقيِل: إن الناصب لها، قوله: ﴿خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾. وقيل: إن الناصب لها، فعل مقدَّر، هو: (اذكر). انظر تفسير "الكشاف" 1/ 432، "غرائب القرآن" 3/ 203، "الدر المصون" 3/ 213.]]. واختلف أهل التأويل في هذه الآية على طريقين: أحدهما: إجراء الآية [[في (ج): (الإجراء).]] على سياقها من غير تقديم ولا تأخير. وهو قول الحسن [[قوله في "تفسير الطبري" 3/ 289 - 290، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 661، "تفسير الثعلبي" 3/ 58 ب، "النكت والعيون" 1/ 397، "تفسير البغوي" 2/ 45، "زاد المسير" 1/ 396، وأورده السيوطي في "الدر" 2/ 64.]]، والكلبي [[قوله في "تفسير الثعلبي" 3/ 58 ب، "تفسير البغوي" 2/ 45.]]، وابن جُريج [[قوله في "تفسير الطبري" 3/ 290، "تفسير الثعلبي" 3/ 58 ب، "النكت والعيون" 1/ 397، "تفسير البغوي" 2/ 45، "زاد المسير" 1/ 396.]]، وابن زيد [[قوله في "تفسير الطبري" 3/ 290، "تفسير الثعلبي" 3/ 58 ب، "النكت والعيون" 1/ 397.]]، ومَطَر [[قوله في "تفسير الطبري" 3/ 290، "معاني القرآن" للنحاس 1/ 410، "تفسير الثعلبي" 3/ 58 ب، "تفسير ابن كثير" 1/ 393. ومطر، هو: ابن طَهْمان الوَرّاق،== أبو رجاء، السّلمي مولاهم، الخراساني، سكن البصرة، قال ابن حجر: (صدوق كثير الخطأ، وحديثه عن عطاء ضعيف). مات سنة (125هـ)، وقيل: (129هـ). انظر: "ميزان الاعتدال" 5/ 251 - 252، "تقريب التهذيب" 534 (6699).]]، قالوا: معنى ﴿مُتَوَفِّيكَ﴾: قابضك من غير موت. و (التَّوَفِّي): أخذُ الشيء وافيًا [[انظر (مادة: وفى) في "تهذيب اللغة" 4/ 3924 - 3925، "مفردات ألفاظ القرآن" للراغب: 878، "التاج" 20/ 300.]]. وقد ذكرنا هذا فيما تقدم [[انظر: "تفسير البسيط" للمؤلف: 3/ 804 - 805، وانظر في موضع آخر عند تفسير آية: 281 من البقرة.]]. يدل على هذا القول: قوله: ﴿فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي﴾ [المائدة: 117]، أي: قبضتني إلى السماء [[انظر: "تفسير الطبري" 7/ 139، "أبي السعود" 3/ 101، "البيضاوي" (68).]]. فعلى هذا، معنى قوله: ﴿مُتَوَفِّيكَ﴾: قابضك وافيا، لم ينالوا منك شيئًا [[وهذا الذي رجحه الطبري في "تفسيره" 3/ 289 - 290، حيث قال: (وأولى هذه الأقوال بالصحة عندنا، قول من قال: (معنى ذلك: أني قابضك من الأرض، ورافعك إليَّ)؛ لتواتر الأخبار عن رسول الله ﷺ، أنه قال: (ينزل عيسى بن مريم فيقتل الدجال، ثم يمكث في الأرض مدَّة ذكرها، اختلفت الرواية في مبلغها، ثم يموت، فيصلي عليه المسلمون ويدفنونه" ثم ذكر ابن جرير روايات في ذلك.]]. وقال [[في (ج): (قال).]] الربيع [[قوله في "تفسير الطبري" 3/ 289، "معاني القرآن" للنحاس 1/ 409، والنكت العيون: 1/ 397، "تفسير البغوي" 2/ 45، "تفسير ابن كثير" 1/ 393.]]: معناه: متوفيك وفاة نومٍ [[(نوم): ساقطة من: (ج). وقد وردت في جميع النسخ (يوم) بدلًا من: (نوم)، وما أثبتُّه هو الصواب؛ لأن المقصود بها أن الله رفعه إليه بعد أن نام، وقد سمَّى الله النوم وفاة، كما جاء في الدليل بعدها، وهو ما تدل عليه روايات الأثر في مصادره المذكورة سابقًا.]]، للرفع [[في (د): (الرفع).]] إلى السماء، يدلُّ عليه: قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ﴾ [الأنعام: 60]. قال ابن عباس في رواية الوالبي [[هذه الرواية أخرجها البخاري في صحيحه تعليقًا: 6/ 190 كتاب "تفسير القرآن" سورة المائدة، باب: 13. وهي كذلك في "تفسير الطبري" 3/ 290، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 661، "تفسير الثعلبي" 3/ 58 ب، "تفسير البغوي" 2/ 45، "تفسير ابن كثير" 1/ 393. وأورَدَها السيوطى في "الدر المنثور" 2/ 64، وزاد نسبت إخراجها لابن المنذر. وانظر: "تفسير ابن عباس ومروياته في التفسير" 1/ 169.]]: معناه: إنِّي مميتك. ووجه هذا القول؛ ما قال وهبٌ [[قوله في "تفسير الطبري" 3/ 290، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 661، "مستدرك الحاكم" 2/ 596، "تفسير الثعلبي" 3/ 58 ب، "تفسير البغوي" 2/ 45، "المحرر الوجيز" 3/ 143، "تفسير ابن كثير" 1/ 393.]]: توفَّى اللهُ عيسى ثلاثَ ساعات من النهار، ثمَّ أحياه، ورفعه إليه [[أخرج الحاكم عن وهب، قوله: (توفى الله عيسى ثلاث ساعات من نهار، ثم رفعه إليه، والنصارى تزعم أنه توفاه سبع ساعات من النهار، ثم أحياه ..). وقال الذهبي عن هذه الرواية: (رواه عبد المنعم بن إدريس عن أبيه عنه، قلت: وعبد المنعم، ساقط). "المستدرك" 2/ 596، كتاب: تواريخ المتقدمين. وأورد السيوطي عن وَهْب، قوله: (أماته الله ثلاثة أيام، ثم بعثه ورفعه). "الدر المنثور" 2/ 64، ونسب إخراجه لابن عساكر. قال الطبري رادًا على من قال بأن الله أماته في الدنيا ثم رفعه: (ومعلوم أنه لو كان قد أماته الله عز وجل، لم يكن بالذي يميته مِيتةً أخرى، فيجمع عليه ميتتين، لأن الله عز وجل إنما أخبر عباده أنه يخلقهم ثم يميتهم ثم يحيهم ..). تفسيره: 3/ 292.]]. وقال الواسطي [[قوله في "تفسير الثعلبي" 3/ 59 ب. وسماه الثعلبي: (أبو بكر الواسطي). وهو: أبو بكر، يوسف بن يعقوب بن الحسين الأصم، الواسطي. الإمام المُجوِّد، مقرئ واسط، وإمام جامعها، إمام جليل القدر، ثقة، محقق كبير، توفي سنة (313 هـ)، وقيل: (314 هـ). انظر: "تاريخ بغداد" 14/ 319، "معرفة القراء الكبار" 1/ 250، "سير أعلام النبلاء" 15/ 218، "غاية النهاية" 2/ 404.]]: معناه: إنِّي متوفيك عن شهواتك و [عن] [[ما بين المعقوفين زيادة من: (ج).]] حظوظ نفسك؛ وذلك [[من قوله: (وذلك ..) إلى (.. كحال الملائكة)، هذا التعليل ذكره الثعلبي تعليقًا على قول الواسطي، ولفظ الثعلبي في "تفسيره" 3/ 59ب، بعد أن ذكر قول الواسطي: (ولقد أحسن فيما قال؛ لأن عيسى ..)، ثم ذكره]] أن عيسى لمَّا رُفع إلى السماء، صارت حالُهُ [[في (ج): (حالته).]] كحالِ الملائكةِ [[ورد هذا في "تفسير البغوي" 2/ 45، عن قتادة بدون سند قال: (ورفعه إليه، وكساه الريش، وألبسه النور، وقطع عنه لذَّة المطعم والمشرب، وطار مع الملائكة، فهو معهم حول العرش ..) وقد أورده القرطبي في "تفسيره" 4/ 100، عن الضحاك ولم يسنده.]] والطريق [[في (ج): (الطريق) بدون واو.]] الآخر في هذه الآية: أنها على التقديم والتأخير. قال ابن عباس في رواية عطاء [[لم أقف على مصدر هذه الرواية]]: هذا مقدَّمٌ ومؤخَّرٌ، يريد: إني رافعك إليَّ، ومتوفيك بعد أن أُهبِطك إلى الأرض حتى تكون فيها، وتتزوج، وُيولَد لك، وتكون في أمَّة محمد، ومعهم حتى تموت. [[ورد هذا القول عن الضحاك. انظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 59 أ.]] وفي حديث أبي هريرة: أنه يُدفن في حجرة النبي ﷺ، فيقوم أبو بكر وعمر يوم القيامة بين رسولين: محمد وعيسى عليهما السلام [[حديث أبي هريرة رضي الله عنه في نزول عيسى عليه السلام، ورد عنه من طرق وألفاظ مختلفة، فقد أخرجه البخاري في "الصحيح" (3448) كتاب الأنبياء، باب: 49، و (2476) كتاب المظالم، باب: 31. ومسلم في الصحيح: (انظر: "صحيح مسلم" (155) كتاب: الإيمان، باب: نزول عيسى بن مريم حاكمًا). والترمذي (2233) كتاب الفتن، باب: 54. وأحمد في "المسند" انظر: "الفتح الرباني" للبنا: 24/ 87، 88 كتاب الفتن أبواب ظهور العلامات الكبرى)، والحاكم في "المستدرك" 2/ 595 كتاب التواريخ، والطبري في "تفسيره" 3/ 292. وقد ورد == فيها أنه يُتَوفَّى ويصلي عليه المسلمون ويدفنونه، ولكن لم أقف فيها على كونه يتزوج، ويولد له، أو كونه يُدفن في حجرة النبي ﷺ .. إلخ، إلا في رواية أوردها الثعلبي في "تفسيره" 3/ 59 ب، عن أبي هريرة، ولم يسندها، قال: (.. ثم يتزوج ويولد له، ثم يتوفى، ويصلي المسلمون عليه، ويدفنونه في حجرة النبي ﷺ. وفي سنن الترمذي، عن عبد الله بن سلام: (مكتوب في التوراة صفة محمد وصفة عيسى بن مريم يدفن معه، قال: فقال أبو داود [أحد الرواة في السند]: وقد بقي في البيت موضع قبر) وقال الترمذي: (هذا حديث حسن غريب). "السنن" (3611) كتاب المناقب، باب: 1. وفي "الدر المنثور" 2/ 65 قال: (وأخرج البخاري في تاريخه، والطبراني، عن عبد الله بن سلام، قال: (يدفن عيسى بن مريم مع رسول الله ﷺ وصاحبيه، فيكون قبره رابعا). وقد جمع ابن كثير والسيوطي روايات كثيرة في نزول عيسى عليه السلام آخر الزمان، انظر: "تفسير ابن كثير" 1/ 393، "الدر المنثور" 2/ 65.]]. قال الفرَّاء [[في "معاني القرآن" له: 1/ 219. نقله عنه بنصه]]: يقال: إنَّ هذا مقَدَّمٌ ومؤَخرٌ؛ المعنى [[في "معاني القرآن": المعنى فيه.]]: إني رافعك إليَّ، ومُطَهِّرُكَ من الذين كفروا، ومتوفيك بعد إنزالي إيَّاك إلى [[في "معاني القرآن": في.]] الدنيا. ومثله من المقدَّم والمؤخر، قوله: ﴿أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾ [الكهف: 1] [[ويعني المؤلف بالتقديم والتأخير في الآية، على أن معناها. الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب قَيِّما، ولم يجعل له عِوَجًا. وهو مروي عن ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، واليه ذهب الطبري، والفراء، والزجاج. وقيل: ليس فيه تقديم ولا تأخير، والمعنى: ولم يجعل له عوجا، ولكن جعله قيِّما. وهو مروي عن قتادة. وكذلك ذهب إليه الفخر الرازي، وقال: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾ يدل على كونه كاملًا في ذاته، وقوله ﴿قِيَمًا﴾ يدل على كونه مكملا لغيره، وكونه كاملًا في ذاته، متقدم بالطبع على كونه مكملًا لغيره، فثبت بالبرهان العقلي أن الترتيب الصحيح == هو: الذي ذكره الله تعالى، وهو قوله ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (1) قِيَمًا﴾، فظهر أن ما ذكروه من التقديم والتأخير فاسد، يمتنع العقل من الذهاب إليه) "تفسير الفخر الرازي" 21/ 76 انظر: "تفسير الطبري" (ط: دار الفكر): 15/ 190191، "معاني القرآن" للفراء: 2/ 133، "معاني القرآن" للزجاج: 3/ 267، "معاني القرآن" للنحاس 4/ 211212، "تفسير القرطبي" 10/ 351.]] [الآية] [[ما بين المعقوفين زيادة من (د).]]، وقوله: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى﴾ [[سورة طه: 129. والمعنى على التقديم والتأخير فيها: ولولا كلمة سبقت من ربك وأجل مسَمَّى لكان لزاما .. وهو قول قتادة، وأبي زيد، وأهل التفسير. انظر: "تفسير الطبري" (ط. دار الفكر): 22/ 232، "تفسير الفخر الرازي" 22/ 133، "تفسير البيضاوي" 2/ 65.]]. وقوله تعالى: ﴿وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [أي] [[ما بين المعقوفين زيادة من: (ج، (د).]]: و [[الواو: ساقطة من: (ج)، (د).]] إلى سمائي ومحل كرامتي. فجعل ذلك رَفْعًا إليه؛ للتفخيم [[في (ب): (إلى التفخيم).]] والتعظيم، ومثله، قوله: ﴿إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي﴾ [الصافات: 99]، وإنما ذهب إبراهيم عليه السلام من العراق إلى الشام، والتقدير: إلى أمر ربي، لأنه أمره بذلك المكان. وقوله تعالى: ﴿وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. أي: مُخرِجُك مِن بينهم؛ لأن كونه في جملتهم، بمنزلة التنجيس له بهم. وقوله تعالى: ﴿وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾. قال ابن عباس في رواية عطاء [[لم أقف على مصدر هذه الرواية. وورد في "تفسير الثعلبي" 3/ 60 أ، "تفسير البغوي" 2/ 46: أن الضحاك، ومحمد بن أبَّان، قالا: (يعني: الحواريون فوق الذين كفروا).]]: يعني بـ (الذين اتَّبعوه): الحواريّين ومن كان على دينهم. وقال قتادة [[قوله في "تفسير الطبري" 3/ 292، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 661، "معاني القرآن" للنحاس: 1/ 411، "تفسير الثعلبي" 3/ 60 أ، "النكت والعيون" 1/ 398، "تفسير البغوي" 2/ 46، "زاد المسير" 1/ 397، "الدر المنثور" 2/ 64 وزاد نسبة إخراجه لعبد بن حميد.]]، والربيع [[قوله في "تفسير الطبري" 3/ 292، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 661، "تفسير الثعلبي" 3/ 60 أ، "النكت والعيون" 1/ 398، "تفسير البغوي" 2/ 46، "زاد المسير" 1/ 379.]]، والكلبي [[قوله في "تفسير الثعلبي" 3/ 60 أ، "تفسير البغوي" 2/ 46، "زاد المسير" 1/ 379.]]، ومقاتل [[قوله في "تفسيره" 1/ 279، "تفسير الثعلبي" 3/ 60 أ، "تفسير البغوي" 2/ 46.]]: هم أهل الإسلام من أمَّة محمد ﷺ، اتَّبعوا دين المسيح، وصدَّقوه بأنَّه [[في (ب): (أنه).]] رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم، وروح منه. فوالله ما [[في (ب): (وربما).]] اتَّبعه من دعاه [[في (د): (ادعاه).]] ربًّا. وقوله تعالى: ﴿فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. يحتمل أن يكونوا فوقهم بالبرهان والحُجَّة، ويحتمل بالعِزِّ والغَلَبَةِ. وقال ابن زيد [[قوله في "تفسير الطبري" 3/ 292، "تفسير الثعلبي" 3/ 60 أ، "تفسير ابن عطية" 3/ 144، "زاد المسير" 1/ 379.]]: وجاعل النصارى فوق اليهود، فاليهود: مُسْتذلُّون مقهورون، والنصارى وأهل الروم: لهم الملك والبسطة. و (الاتِّباعُ) على هذا القول، بمعنى: الادِّعاءُ والمحبَّة، لا بمعنى: اتِّباع الدين والمِلِّة [[يعني: أنه بناء على قول ابن زيد، يكون معنى اتباع النصارى لعيسى الوارد في الآية إنَّما هو: ادِّعاؤهم اتِّباعه ومحبته، وليس المراد به الالتزام الحقيقي باتباع دينه وملته؛ لأن واقع النصارى يخالف ذلك.]]. والاختيار: ما سبق من القولين. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾. عَدَل عن الغَيْبَة إلى الخطاب؛ لتَغليب الحاضر على الغائب، لمَّا دخل معه في المعنى، وهو محمد ﷺ. ووجه اتصال هذا الكلام بما قبله من المعنى: كأنَّه قيل: أمَّا الدنيا: فالحال فيها ما ذكرنا، وأما الآخرة: فيقع فيها الحكم في [[في (ج): (على).]] اختلافكم في الدين وأمر عيسى.

آل عمران 3:56

قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ﴾ الآية. العذاب [[من قوله: (العذاب ..) إلى (.. الجزية): نقله بنصه عن "معاني القرآن" للزجاج: 1/ 420.]] في الدنيا: القتل الذي نالهم [[في (ب): (أصابهم).]]، وينالهم [[في (ب): (ونالهم).]]، وسَبْي الذراري، وأخذ الجزية. ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾. أي: مالهم مَن يمنعهم مِن عذاب الله.

آل عمران 3:57

قوله تعالى: ﴿فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ التَوْفِيَةُ: التكميلُ [[في (ج): (التمليك).]] في الأداء. وقوله: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾. أي [[من قوله: (أي ..) إلى (.. ولا يثني عليهم): نقله بتصرف يسير عن "معاني القرآن" للزجاج: 1/ 421.]]: يعذِّبهم، ولا يرحمهم، ولا يُثْنِي عليهم [[المحبة هنا وفي غيرها من الآيات، صفة من صفات الله تعالى، وصف بها نفسه، ووصفه بها رسوله الكريم ﷺ وهي من صفاته تعالى الاختيارية المتعلقة بمشيئته. ومنهج السلف الكرام: وجوب اثبات ما أثبته الله لنفسه من صفات، وفق ما يليق به تعالى، دون تأويل، ولا تكييف، ولا تمثيل، ويُنفى عنه ما نفاه عن نفسه منها. وقد وردت صفة المحبة في آيات كثيرة منها ما ورد بالإيجاب، كقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [195من سورة البقرة] ومنها ما ورد بالسلب، كالآية السابقة في الأصل، والتي هي موضوع هذا التعليق. والمؤلف هنا أثبت لازم الصفة، وثمرتها وفق مذهب الأشاعرة، وإثبات الَّازم غير إثبات الصفة، فالله تعالى لا يحب الظالمين على الحقيقة، ومن نتيجةِ ولازِمِ وعدم محبتهم: أن يعذبهم، ولا يرحمهم، ولا يثني عليهم. والأشاعرة والمعتزلة ينفون هذه الصفة بدعوى إيهامها النقص في الخلق؛ لأنها عندهم: مَيْلُ المخلوق إلى ما يناسبه أو يستلذه، ويرجعها الأشاعرة إلى صفة الإرادة، فيقولون بأن محبَّة اللهِ للعبد: هي إرادة إكرامه ومثوبته. والمعتزلة بما أنهم لا يثبتون إرادة قائمة، به فإنهم يفسرون المحبة بأنها نفس الثواب الواجب عندهم على الله. وكلا المذهبين خالف الحقَّ وجانب الصواب والعدل. والصراط السوي، هو: مذهب السلف الكرام الذي أثبت هذه الصفة وغيرها من الصفات الواردة في الكتاب والسنة لله، على الحقيقة ويثبت معها نتائجها ولوازمها. انظر: "مجموعة فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية" 2/ 354، "شرح العقيدة الواسطية" 44 - 46، "المفسرون بين التأويل والإثبات في آيات الصفات" 1/ 396 - 399.]].

آل عمران 3:58

قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ﴾ ﴿ذَلِكَ﴾: إشارة إلى ما تقدَّم من النبأ عن [[في (د): من.]] عيسى ومريم والحواريِّين. وقوله تعالى: ﴿نَتْلُوهُ عَلَيْكَ﴾. قال ابن عباس [[لم أقف على مصدر قوله.]]: يريد: نخبرك به. جَعَلَ إخبارَه به [[(به): ساقطة من (د).]]، وإظهارَهُ له [[(له): ساقطة من: (ج).]]: تِلاوَةً، لأن التلاوة: إظهار وإخبار [[وإخبار: ساقطة من (د). قال ابن فارس: (التاء، واللام، والواو، أصل واحد،== وهو: الاتباع. يقال: (تَلَوته)؛ إذا تَبِعْتَه. ومنه: تلاوة القرآن؛ لأنه يُتبع آية بعد آية). "معجم مقاييس اللغة" 1/ 351 (تلو). وقال الراغب: والتلاوة تختص باتباع كتب الله المنزلة؛ تارة بالقرآن، وتارة بالارتسام لما فيها من أمر ونهي وترغيب وترهيب، أو ما يتوهم فيه ذلك، وهو أخصُّ من القراءة، فكل تلاوة قراءة، وليس كل قراءة تلاوة. ولا يقال: (تلوت رُقْعتك)، وإنما يقال في القرآن، في شيء إذا قرأته وجب عليك اتِّباعه). "مفردات ألفاظ القرآن" للراغب: 167 (تلو)، وانظر: "اللسان" 1/ 444 (تلو).]]. ويجوز أيضًا أن تكون [[في (ب): (يكون).]] التلاوة [[(التلاوة): ساقطة من: (ب).]] لجبريل عليه السلام، والله تعالى يضيفها إلى نفسه [[(إلى نفسه): ساقطة من: (ب).]]؛ لأن تلاوة جبريل بأمر الله [تعالى] [[ما بين المعقوفين زيادة من (د).]]. ومثله: ﴿نَحْنُ [[(نحن): ساقطة من: (ج).]] نَقُصُّ عَلَيْكَ﴾ [[مقطع من آية 3 في سورة يوسف، وأية 13 من الكهف. وسياقها في سورة يوسف: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾.]]، وأمثاله كثيرة. ومعنى ﴿مِنَ الْآيَاتِ﴾: أي [[من قوله: (أي ..) إلى (.. لا تقرأ): نقله بتصرف واختصار عن "معاني القرآن" للزجاج: 1/ 421.]]: من العلامات الدالة على تثبيت رسالتك [[انظر هذا المعنى لـ ﴿الْآيَاتِ﴾، في "الصحاح" 6/ 2275 (أيا)، "اللسان" 1/ 182 (أيا).]]؛ لأنها أخبار لا يعلمها إلا قارئ كتاب أو من يوحى إليه، وقد علموا أنك أمِّيٌّ لا تقرأ. وقوله تعالى: ﴿وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ﴾. يعني: القرآن. ولـ ﴿الْحَكِيمِ﴾ [[في (ج): (والحكيم).]] ههنا معنيان: أحدهما: أنه بمعنى: الحاكم، مثل: القدير، والعليم، ومعناه: ذو الحِكْمَةِ [[في (ج): (ذو القدرة).]] في تأليفه ونظمه، وإبانة [[في (ج): (وآياته).]] الفوائد فيه. [والحِكْمَة: أصله في اللغة: المنع عن الفساد. والقرآنُ حاكمٌ، على معنى: أنه بما فيه] [[ما بين المعقوفين زيادة من (ج)، (د). قال الزجاج: (وأصل (ح، ك، م) في الكلام: المَنْعُ. وسُمِّيَ الحاكمُ حاكمًا؛ لأنه يمنع الخصمين من التظالم. و (حَكَمَة الدابَّة)، سُمِّيت (حَكَمَةً)؛ لأنها تمنعه من الجِماح. وفي كتب السلاطين القديمة: (واحكُم فلانًا عن ذلك الأمر)؛ بمعنى: امنعهُ). تفسير أسماء الله الحسنى، للزجاج: 43. وانظر: "مقاييس اللغة" 2/ 91 (حكم)، "الزاهر" 1/ 207.]] من العِبَرِ والدِّلالات، مانع عن الكفر والفساد. وهذا كما وُصِفت الدِّلالةُ بأنَّها الدليلُ؛ لأنها بمنزلة الناطق بما فيها من البيان. وهذا الوجه، اختيار الزجَّاج [[في "معاني القرآن" له: 1/ 421. وانظر: "معاني القرآن" للنحاس 1/ 413.]]. الثاني: أنَّه بمعنى: المُحكَم، (فَعِيل) بمعنى: (مُفعَل). قال الأزهري [[في "تهذيب اللغة"1/ 885 (حكم)، نقله عنه بالمعنى.]]: وهو سائغ [[في (د): (شائع).]] في اللغة؛ لأن (حَكَمتُ) يجري مجرى (أَحْكَمت) في المعنى، فَرُدَّ إلى الأصل. ومعنى (المُحْكَم) في القرآن: أنه أُحكِم بالأمر والنهي، وبيان الحلال والحرام. قال الله تعالى: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ [هود: 1]. وهذا قول مقاتل [[في "تفسيره" 1/ 279.]]. قال: الحكيم: هو المُحكَمُ من الباطل. قال الليثُ [[قوله في "تهذيب اللغة" 1/ 885 (حكم).]]: وسمَّى الأعشى القصيدَةَ المحكَمةَ: (حكيمةً)؛ فقال [[في (ج): (وقال).]]: وغَرِيبَةٍ تأتي المُلوكَ حكيمةٍ ... قد قُلتُها ليُقالَ مَنْ ذا قالَها [[البيت، في ديوانه: 144، "تهذيب اللغة" 1/ 885 (حكم)، "اللسان" 2/ 951 (حكم). وأراد بـ (الغريبة): القصيدة.]].

آل عمران 3:59

و [[الواو: زيادة من (د).]] قوله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ﴾ [[(كمثل آدم): ليست في (ب)، (د).]] الآية. نزلت في وَفْدِ نجران، حين قالوا للنبي ﷺ: (وهل رأيت ولدًا من غير ذكرٍ؟)؛ فأنزل الله تعالى هذه الآية [[ورد هذا السبب بألفاظ مختلفة في "تفسير الطبري" 3/ 295، 471، يرويه عن قتادة، والسدِّي، وابن زيد، ولفظه عن قتادة: (ذُكِر لنا أن سيِّديْ أهل نجران وأسْقُفَّيهم: السيد، والعاقب، لقيا نبي الله ﷺ فسألاه عن عيسى، فقالا: كل آدمي له أب، فما شأن عيسى لا أب له؟ فأنزل الله عز وجل فيه الآية (إنَّ مثل عيسى ..). وأورده السيوطي في "الدر" 2/ 66 وزاد في نسبته إلى عبد بن حميد. ووردت روايات أخرى من طرق أخرى في سبب نزول هذه الآية، قريبة من السابقة، انظرها في "تفسير الطبري" 6/ 468 - 471، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 665، "أسباب النزول" للواحدي: 99، "لباب النقول" للسيوطي 52، "الدر المنثور" 2/ 67.]]. وقد ذكرنا معنى (المَثَل) فيما تقدم [[انظر: "تفسير البسيط" [البقرة: 26] تحقيق د. الفوزان.]]، وأن المراد به بيان أنَّ سبيلَ الثاني سبيلُ الأول. فالله تعالى قد ذكر في القرآن قصَّهَ آدَمَ، وإنشاءه إيَّاه من غير والدٍ، ثم دلَّ في هذه الآية على أنَّ سبيلَ الثاني [[(الثاني): ساقطة من: (ج).]] وهو عيسى، في إنشائِه، وخَلْقِهِ من غير ذَكَرٍ سبيلُ الأول، وهو آدَم. وفي هذه الآية حجةٌ على من أنكر القياس؛ لأن الله تعالى احتجَّ فيها على المشركين، ولا يجوز أن يدلَّهم إلاَّ بما فيه دليلٌ. فقياس [[في (ب): (فيقاس).]] خَلْقِ عيسى من غير ذَكَرٍ، كقياسِ خَلْقِ آدم، بل الشأن فيه أعجب؛ لأنه خُلِقَ من غير ذَكَرٍ ولا أنثى. وقوله تعالى: ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾. أي: في الخَلْق والإنشاء. خَلَقَ عيسى من غير أب، كما خَلَقَ آدمَ من غير أبٍ ولا أُمٍ. وتمَّ الكلام عند قوله: ﴿كَمَثَلِ آدَمَ﴾ [[ممن قال بأن الوقف تامٌّ: يعقوب، وقال أبو بكر بن الأنباري: إن الوقف هنا: حسنٌ، وليس بتامٍّ ولا كافٍ. انظر كتاب "إيضاح الوقف والابتداء" لابن الأنباري: 2/ 578، "القطع والائتناف" للنحاس 226، "منار الهدى" للأشموني: 63.]]، وهو جملةُ تامَّةٌ، وتشبيهٌ كاملٌ. ولو اقتصر عليه حصل المراد. قال: ﴿خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ﴾ وهذا ليس بِصِلَه لـ ﴿آدَمَ﴾، ولا صِفَةٍ، لأن الصلة للمبهمات [[لأن (آدم) معرفة، والمعارف لا تُوصل، وإنما الصلات للنكرات. انظر: "معاني القرآن" للفراء: 1/ 219، "تفسير الطبري" 3/ 296.]]، والصفة للنكرات [[لأن الجُمَل بعد النكرات صفات، و (آدم) مَعْرِفة، ولذا لا تكون الجملة بعده صفة له، لأن الجمل لا تكون إلا نكرة، فلا توصف بها معرفة.]]، ولكنَّهُ خبرٌ مستأنَفٌ على جهة التفسير لحال آدم [[أي: إنها جملة مفسرة لوجه التشبيه، فلا وجه لها من الإعراب، وهذا الوجه هو الأظهر. وقيل: إنها في محل نصب على الحال من (آدم)، مع تقدير (قَدْ) معها لتقربه من الحال؛ لأن الفعل الماضي لا تصل بالأعلام إلا إذا أضمر معه (قَدْ)، والعامل فيها معنى التشبيه. وقال أبو البركات بن الأنباري في كتابه "البيان": إنها جملة مفسرة للمَثَلِ، وهي في موضع رفع؛ لأنها خبر لمبتدأ محذوفٍ؛ كأنه قيل: ما == المثل؟ فقال: خلقه من تراب. أي: المَثَلُ خلَقَهُ من تراب ..). انظر: "معاني القرآن" للفراء: 1/ 219، "تفسير الطبري" 3/ 296، "البيان" للأنباري: 1/ 206، "الدر المصون" 3/ 218، "منار الهدى" 63.]]. قال الزجَّاج [[في "معاني القرآن" له: 1/ 422، نقله عنه بتصرف يسير. والزجَّاج هنا يوضح كيف كانت ﴿خَلَقَهُ﴾ جملة مفسرة.]]: وهذا كما تقول في الكلام: (مَثَلُك، مَثلُ زيدٍ). تريد: أنك تشبهه في فِعْلٍ، ثم تخبر بقصَّة زيد، فتقول: كذا وكذا. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾. اختلفوا في المَقُولِ له ﴿كُنْ﴾: فالأكثرون [[انظر: "تفسير الطبري" 3/ 96، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 665 وقد رواه عن ابن إسحاق، "المحرر الوجيز" 3/ 148.]]: على أنه (آدَمُ)، وعلى هذا يقع الإشكال في لفظ الآية؛ لأنه إنما يقول له: (كُنْ) قبل أن يخلقه لا بعده، وههنا يقول: ﴿خَلَقَهُ﴾ ، ﴿ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ﴾. والجواب: إنَّ الله تعالى أخبرنا أوَّلًا أنه خلق آدم من غير ذَكَر ولا أنثى، ثم ابتدأ خبرًا آخَرَ، أراد أَنْ يُخبرنا به، فقال: ثم [[(ثم): ساقطة من: (ج) و (د).]] إني أخبركم أيضًا بعد خبري الأول: أني قلت له ﴿كُنْ﴾، فكان، [فجاء] [[ما بين المعقوفين زيادة من: (د)، وهي كذلك في "الدر المصون" 3/ 220؛ حيث نقل السمينُ الحلبيُّ قولَ الواحدي كاملًا.]] [(ثم)] [[ما بين المعقوفين زيادة من: (ج)، (د)، وكذلك هي في "الدر المصون" 3/ 220، ولكن وردت فيه: (بثم).]] لمعنى [[في (ج)، (د): (بمعنى).]] الخبر الذي تقدم، والخبر الذي تأخر في الذِّكْر، لا أن [[في (ب)، (ج)، (د): (لأن) بدلًا من: (لا أن) وكذلك وردت في "الدر المصون" == 3/ 220: (لأن). وما في هذه النسخ له وجاهته؛ حيث يعني أنه جيء بـ (ثم) لأن الإخبار عن قوله (كن) تأخر عن الإخبار عن الخلق. وما أثبته في الأصل من نسخة (أ)، يتناسب كذلك مع الكلام السابق واللاحق.]] الخَلْقَ تقدم على قوله: ﴿كُنْ﴾، وهذا كما تقول للرجل: أخبرك أني أعطيتك اليوم ألفا، ثم إني أخبرك [أني] [[ما بين المعقوفين زيادة من: (ب)، (ج)، (د)، "الدر المصون".]] قد أعطيتك [[أعطيتك: ساقطة من (د).]] أمس قبلَ هذا ألفا، فـ (أمس) متقدم [[في (د): (متقدما).]] لـ (اليوم)، وإنما جاء (ثم)؛ لأن خبَرَ اليومِ متقدمٌ خبرَ [[(خبر): ساقطة من: ب.]] أمس، وجاء خبرُ أمس بعد مُضِيِّ [[في (ب): (فأخبر أمس بفعل مضى).]] خبرِ اليوم، ومثله قوله: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [الزمر: 6]، وقد خُلِقت [[في (ج)، (د): (خلقتا).]] بعد خلق زوجها، ولكن هذا واقع على الخبر دون الخلق؛ لأن التأويل: أخبركم أني قد خلقتكم من نفس واحدة؛ لأن حوَّاء أيضًا خُلِقت من ضلعه، ثم إني أخبركم أني [[في (ب): (أني قد).]] خلقت زوجها منها، ومثل هذا مما جاء في الشعر، قوله: قُلْ لِمَن سادَ ثمَّ سادَ أبوهُ ... ثم قد سادَ قبلَ ذلك جدُّهْ [[البيت لأبي نواس، وهو في ديوانه: 493. وورد البيت غير منسوب، في "غرائب التفسير" للكرماني: 1/ 260، "رصف المباني" 250، والجني الداني: 428، "مغني اللبيب" 159، "منهج السالك" 3/ 94، "همع الهوامع" 5/ 236 (1605)، "خزانة الأدب" 11/ 37، 40، "الدرر اللوامع" 2/ 173. وقد وردت روايته في == المصادر السابقة: (إنَّ من ساد ..). وروايته في الديوان: قل لمن ساد ثم ساد أبوه ... قبلَهُ ثم قبل ذلك جدُّه وقال البغدادي في "خزانة الأدب" 11/ 40: (وهذا البيت من شعرٍ مولَّدٍ لا يوثق به، وأوله مغيَّر اشتهر به، وهو أول أبيات سبعة مدح بها العباس بن عبيد الله بن أبي جعفر) وهو عم هارون الرشيد.]] ومعلوم أن الأبَ متقدم له، والجدَّ متقدم للأب، ولكنه أخبر عن سيادته أولًا، ثم عن سيادة أبيه، ثم عن سيادة جدِّه؛ فالترتيب يعود إلى الخبر، لا إلى الوجود. ويجوز أن يكون المراد: أنه خلقه قالَبًا من تراب، ثم قال له: (كن بَشَرًا)، فيصح النظم [[يعني المؤلف بقوله (فيصح النظم) والله أعلى: أن الذهاب في تفسير الآية إلى هذا الوجه الأخير الذي ذكره يغني عن تمحل إجابة كالتي سبقت في تفسيرها بالوجه الأول، وأنه لا إشكال في لفظ الآية.]]. وقال بعضهم: المقول له ﴿كُنْ﴾: عيسى عليه السلام [[روى أسباط عن السدِّي عن أبي مالك (غزوان الغفاري) أنه قال عن المَعنِيِّ بالآية: (فهو أمر عيسى والقيامة). انظر: "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 666، وبه قال البغوي في "تفسيره" 2/ 47، وهذا القول مذكور في "تنوير المقباس" 48. قال الآلوسي: (والضمير المجرور عائد على ما عاد عليه الضمير المنصوب، والقول بأنه عائد على عيسى، ليس بشيء؛ لما فيه من التفكيك الذي لا داعي إليه، ولا قرينة تدل عليه). "روح المعاني" 3/ 187. ويعني بـ (الضمير المجرور): الضميرَ في ﴿لَهُ﴾، ويعني بـ (الضمير المنصوب): الضميرَ في ﴿خَلَقَهُ﴾. وانظر: "البحر المحيط" 2/ 478.]]، ولا إشكال على هذا. وفي قوله: ﴿ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ﴾، وجهان من التأويل: أحدهما: أن هذا دلالة على أنه تعالى يخلق الشيء من غير نصب ولا تعب؛ لا أنَّه يختلقه بقوله ﴿كُنْ﴾؛ لأنه لو أراد خلق شيء وُجد ذلك الشيء، وإن لم يقل له: (كن). والثاني: أن قولَه: ﴿كُنْ﴾، علامةٌ لما يريد خلقه وإنشاءه. وقوله تعالى: ﴿فَيَكُونُ﴾. قال بعض النحويين [[ومنهم الأخفش في "معاني القرآن" له: 1/ 206، وقال: (ومعناه: (كن فكان)، كأنه قال: فإذا هو كائن). والنحاس، في "إعراب القرآن" 1/ 338.]]: هو بمعنى: كان. وكذا فسَّره ابن عباس، فقال [[لم أقف على مصدر قولة، وأورده الخازن في "تفسيره" 1/ 302.]]: ﴿ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ﴾، فَكانَ، فجرى عليه [[في (ج)، (د): (فيه).]] الروح. وقد ذكرنا أنه يجوز أن يراد بمثال المستَقبَلِ الماضي، مستقصىً عند قوله: ﴿تَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ﴾ [[سورة البقرة: 102. ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾. قال النحاس: (والمستقبل يكون في موضع الماضي إذا عُرفَ المعنى) "إعراب القرآن" له: 1/ 338. وذكر الحدَّاديُّ أنَّ الماضي يذكر بلفظ المستقبل في موضعين: أحدهما: إذا كان حالاً. والثاني: إذا كان الفاعل يدوم على الفعل، وكان من سبيله إتيان ذلك الفعل. انظر: "المدخل لعلم تفسير كتاب الله" له: 228.]]. وقال آخرون [[لم أقف عليهم.]]: المعنى: ﴿ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ﴾، فيكون كما يأمر الله تعالى. وقوله: ﴿فَيَكوُنُ﴾، حكاية لتلك الحالة التي يكون فيها آدمُ كما شاءَ اللهُ.

آل عمران 3:60

قوله تعالى: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ ارتفع ﴿الْحَقُّ﴾ عند الفراء [[انظر: "معاني القرآن" له: 1/ 220.]] والزجاج [[انظر: "معاني القرآن" له: 1/ 422.]] بخبر ابتداءٍ محذوف. المعنى: [(الذي أنبأناك من قصة] [[ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ). ومُثْبت من بقية النسخ.]] عيسى، الحَقُّ). أو: (ذلك النبأ في أمر عيسى، الحقُّ). فحُذِفَ؛ لتقدم ذِكْره، وأغنى حضورُ المعنى للنفس عن الإشارة إليه. وقال أبو عبيدة [[في "مجاز القرآن" له: 1/ 95. نقله عنه.]]: هو استئنافٌ بعد انقضاء الكلام، وخبره: في قولك [[في (ب)، (ج)، (د): (قوله).]]: ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾ [و] [[ما بين المعقوفين: زيادة من: (ج)، (د).]] هذا كما تقول: الحقُّ من الله تعالى [[تعالى: ساقطة من: (ج)، (د).]]، والباطل من الشيطان [[وقيل: هو فاعل؛ أي: جاءك الحقُّ. انظر: "تفسير القرطبي" 4/ 103.]]. وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ الخطاب للنبي ﷺ، والمراد: نهي غيره عن الشكِّ، كما قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [[سورة الطلاق: 1. ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ قال الزجاج: (والخطاب للنبي خطاب للخلق؛ لأن النبي لم يشكك في قصَّة عيسى) "معاني القرآن" له: 1/ 422.]] ويحتمل أن يكون المعنى: فلا تكن من الممترين أيُّها السامع للبرهان، من المكلفين كائنًا مَنْ كان. والامْتِراءُ: الشكُّ [[في (ب): (الشاك).]]. قال ابن الأنباري [[في "الزاهر" 1/ 455 نقله عنه بالمعنى.]]: وهو مأخوذ من قول العرب: (مَرَيْتُ الناقةَ والشاةَ): إذا حَلَبْتهما [[في (ج): (حلبتها).]]. فكأنَّ الشاكَّ يجتذب بِشَكِّه [[من قوله: (بشكه ..) إلى (يجتذب): ساقط من (د).]] سِرًّا، كاللبن [[في (أ): (كاللين). والمثبت من بقية النسخ.]] الذي يُجتذَب [[في (ج): (يجتلب).]] عند الحلب. ويقال: (قد مارى فلانٌ فلانا): إذا جادله واستخرج غضبه [[ونصُّ قول ابن الأنباري: (وقولهم: "قد مارى فلان فلانًا"، قال أبو بكر: معناه: قد استخرج ما عنده من الكلام "الحجة" وهو مأخوذ من قولهم: "مَرَيْتُ الناقةَ والشاة، أمْريهما مَرْيًا": إذا مسحت ضروعهما لتَدُرّا).]].